######OpenITI# #META# Author: عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي #META# Title: تفسير تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان #META# Date: ت 1376ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة السلفية #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # { بسم الله } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى، لأن لفظ " اسم " مفرد ~~مضاف، فيعم جميع الأسماء [الحسنى]، { الله } هو المألوه المعبود، ~~المستحق لإفراده بالعبادة لما اتصف به من صفات الألوهية، وهي صفات ~~الكمال، { الرحمن الرحيم }: اسمان دالان على أنه تعالى ذو ~~الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين ~~المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم ~~نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، ~~الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلا بأنه رحمن ~~رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها، أثر من ~~آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم ~~يعلم [به] كل شيء، قدير ذو قدرة يقدر على كل شيء. { الحمد لله }: ~~[هو] الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، ~~فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه. { رب العالمين } الرب، هو ~~المربي جميع العالمين - وهم من سوى الله - بخلقه لهم، وإعداده لهم ~~الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها لم يمكن لهم ~~البقاء، فما بهم من نعمة فمنه تعالى. وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة ~~وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، ~~التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم ~~بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة ~~بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر، ولعل ~~هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب، فإن مطالبهم ~~كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة. فدل قوله { رب العالمين } على ~~انفراده بالخلق والتدبير والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، ~~بكل وجه واعتبار. { ملك يوم الدين } المالك: هو من اتصف بصفة ~~الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه ~~بجميع أنواع التصرفات، وأضاف الملك ليوم الدين، وهو يوم القيامة، يوم ~~يدان الناس فيه بأعمالهم خيرها وشرها، لأن في ذلك اليوم يظهر للخلق ms0001 ~~تمام الظهور كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى [إنه] ~~يستوي في ذلك اليوم الملوك والرعايا والعبيد والأحرار، كلهم مذعنون ~~لعظمته، خاضعون لعزته، منتظرون لمجازاته، راجون ثوابه، خائفون من عقابه، ~~فلذلك خصه بالذكر، وإلا فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام. وقوله ~~{ إياك نعبد وإياك نستعين } أي: نخصك وحدك بالعبادة ~~والاستعانة، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ~~ونفيه عما عداه، فكأنه يقول: نعبدك، ولا نعبد غيرك، ونستعين بك، ولا ~~نستعين بغيرك. وقدم العبادة على الاستعانة، من باب تقديم العام على ~~الخاص، واهتماما بتقديم حقه تعالى على حق عبده، و " العبادة " اسم جامع ~~لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، و " ~~الاستعانة ": هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع ~~الثقة به في تحصيل ذلك. # والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة ~~من جميع الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما، وإنما تكون ~~العبادة عبادة إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا ~~بها وجه الله، فبهذين الأمرين تكون عبادة، وذكر " الاستعانة " بعد " ~~العبادة " مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة ~~بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر، ~~واجتناب النواهي. ثم قال تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } ~~أي: دلنا وأرشدنا ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح ~~الموصل إلى الله وإلى جنته، وهو معرفة الحق والعمل به، فاهدنا إلى الصراط ~~واهدنا في الصراط، فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام، وترك ما سواه ~~من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية ~~علما وعملا. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، ولهذا وجب على ~~الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته، لضرورته إلى ذلك. وهذا ~~الصراط المستقيم هو: { صراط الذين أنعمت عليهم } من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، { غير } صراط { المغضوب ~~عليهم } الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم، وغير صراط { ~~الضآلين } الذين تركوا ms0002 الحق على جهل وضلال، كالنصارى ونحوهم. فهذه ~~السورة على إيجازها، قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور القرآن، ~~فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: { رب ~~العالمين } ، وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة، يؤخذ من لفظ: ~~{ الله } ومن قوله: { إياك نعبد } وتوحيد الأسماء والصفات، وهو ~~إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله من ~~غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، وقد دل على ذلك لفظ { الحمد } كما ~~تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: { اهدنا الصراط ~~المستقيم } لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة: وإثبات الجزاء على الأعمال ~~في قوله: { ملك يوم الدين } ، وأن الجزاء يكون بالعدل، لأن ~~الدين معناه الجزاء بالعدل. وتضمنت إثبات القدر، وأن العبد فاعل حقيقة، ~~خلافا للقدرية والجبرية. بل تضمنت الرد على جميع أهل البدع [والضلال] ~~في قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } لأنه معرفة الحق والعمل ~~به، وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك. وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى، ~~عبادة واستعانة في قوله: { إياك نعبد وإياك نستعين } ~~فالحمد لله رب العالمين. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-5] # تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور، ~~فالأسلم فيها، السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي] مع الجزم ~~بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها. وقوله { ذلك ~~الكتاب } أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة، المشتمل ~~على ما لم تشتمل عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم، والحق ~~المبين، ف { لا ريب فيه } ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي ~~الريب عنه، يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب ~~مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة أن النفي ~~المقصود به المدح لا بد أن يكون متضمنا لضده، وهو الكمال، لأن النفي ~~عدم، والعدم المحض لا مدح فيه. فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا ~~تحصل إلا باليقين قال: { هدى للمتقين } ، والهدى: ما تحصل به ~~الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى سلوك الطرق النافعة، ms0003 ~~وقال: { هدى } وحذف المعمول، فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية، ولا للشيء ~~الفلاني، لإرادة العموم، وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد ~~في المسائل الأصولية والفروعية، ومبين للحق من الباطل، والصحيح من ~~الضعيف، ومبين لهم كيف يسلكون الطرق النافعة لهم في دنياهم وأخراهم. ~~وقال في موضع آخر: # هدى للناس # [البقرة: 185] فعمم، وفي هذا الموضع وغيره { هدى للمتقين } ~~لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق، فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا، ولم يقبلوا ~~هدى الله، فقامت عليهم به الحجة، ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون ~~الذين أتوا بالسبب الأكبر لحصول الهداية وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ~~ما يقي سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب النواهي، فاهتدوا به، ~~وانتفعوا غاية الانتفاع، قال تعالى: # يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29] فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية والآيات الكونية. ~~ولأن الهداية نوعان: هداية البيان، وهداية التوفيق، فالمتقون حصلت لهم ~~الهدايتان، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق، وهداية البيان بدون توفيق ~~للعمل بها ليست هداية حقيقية [تامة]. ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال ~~الباطنة والأعمال الظاهرة، لتضمن التقوى لذلك، فقال: { الذين ~~يؤمنون بالغيب } حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت ~~به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء ~~المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر، إنما الشأن في ~~الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به لخبر الله وخبر ~~رسوله، فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد ~~لله ورسله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء ~~شاهده أو لم يشاهده، وسواء فهمه وعقله أو لم يهتد إليه عقله وفهمه، ~~بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية لأن عقولهم القاصرة ~~المقصرة لم تهتد إليها، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ففسدت عقولهم، ~~ومرجت أحلامهم، وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله. # ويدخل في الإيمان بالغيب [الإيمان ب] جميع ما أخبر الله به من الغيوب ~~الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها، [وما ~~أخبرت ms0004 به الرسل من ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها وإن لم ~~يفهموا كيفيتها. ثم قال: { ويقيمون الصلوة } لم يقل: يفعلون ~~الصلاة، أو يأتون بالصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها ~~الظاهرة، فإقامة الصلاة، إقامتها ظاهرا بإتمام أركانها وواجباتها ~~وشروطها، وإقامتها باطنا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما ~~يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45] وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من ~~صلاته إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها. ثم قال: { ~~ومما رزقناهم ينفقون } يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، ~~والنفقة على الزوجات والأقارب والمماليك، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة ~~بجميع طرق الخير، ولم يذكر المنفق عليه، لكثرة أسبابه وتنوع أهله، ولأن ~~النفقة من حيث هي قربة إلى الله، وأتى ب " من " الدالة على التبعيض، ~~لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم، غير ضار لهم ولا ~~مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم. وفي قوله: { ~~رزقناهم } إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة ~~بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي خولكم، وأنعم به عليكم، فكما ~~أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به ~~عليكم، وواسوا إخوانكم المعدمين. وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة ~~والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة ~~متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في ~~نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ~~ولا إحسان. ثم قال: { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك } ~~وهو القرآن والسنة، قال تعالى: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة # [النساء: 113] فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول، ولا يفرقون بين ~~بعض ما أنزل إليه، فيؤمنون ببعضه، ولا يؤمنون ببعضه، إما بجحده أو تأويله ~~على غير مراد الله ورسوله، كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة، الذين ~~يؤولون النصوص الدالة على خلاف قولهم، بما حاصله عدم التصديق ms0005 بمعناها، ~~وإن صدقوا بلفظها، فلم يؤمنوا بها إيمانا حقيقيا. وقوله: { ومآ ~~أنزل من قبلك } يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان ~~بالكتب الإيمان بالرسل وبما اشتملت عليه، خصوصا التوراة والإنجيل ~~والزبور، وهذه خاصية المؤمنين يؤمنون بجميع الكتب السماوية، وبجميع الرسل ~~فلا يفرقون بين أحد منهم. # ثم قال: { وبالآخرة هم يوقنون } ، و " الآخرة " اسم لما يكون ~~بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد ~~أركان الإيمان ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، و " اليقين ~~" هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، الموجب للعمل. { أولئك } ~~أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة { على هدى من ربهم } أي: ~~على هدى عظيم، لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات ~~المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية ~~[الحقيقية] إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو ضلالة. وأتى ب " ~~على " في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي ب " في ~~" كما في قوله: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس ~~فيه محتقر. ثم قال: { وأولئك هم المفلحون } والفلاح ~~[هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم لأنه لا سبيل ~~إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل فهي سبل الشقاء والهلاك ~~والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك، فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين ~~حقا، ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم، المعاندين للرسول، فقال: { ~~إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون... }. ### || [2.6-7] # يخبر تعالى أن الذين كفروا، أي: اتصفوا بالكفر، وانصبغوا به، وصار وصفا ~~لهم لازما لا يردعهم عنه رادع، ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون ~~على كفرهم، فسواء عليهم أأنذرتهم، أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة ~~الكفر: هو الجحود لما جاء به الرسول، أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا ~~تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة عليهم، وكأن في هذا قطعا لطمع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في إيمانهم، وأنك لا تأس عليهم، ولا تذهب ms0006 نفسك عليهم ~~حسرات. ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال: { ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم } أي: طبع عليها بطابع لا يدخلها ~~الإيمان، ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يفيدهم. { ~~وعلى أبصرهم غشاوة } أي: غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن ~~النظر الذي ينفعهم، وهذه طرق العلم والخير قد سدت عليهم، فلا مطمع فيهم، ~~ولا خير يرجى عندهم، وإنما منعوا ذلك، وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب ~~كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعدما تبين لهم الحق، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] وهذا عقاب عاجل. ثم ذكر العقاب الآجل، فقال: { ولهم ~~عذاب عظيم } وهو عذاب النار، وسخط الجبار المستمر الدائم. ثم قال ~~تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر فقال: { ~~ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما... }. ### || [2.8-10] # واعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف ~~النفاق الاعتقادي والنفاق العملي، فالنفاق العملي كالذي ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله: # " آية المنافق ثلات: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " # وفي رواية: # " وإذا خاصم فجر ". # وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام، فهو الذي وصف الله به ~~المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم [من مكة] إلى المدينة، وبعد أن هاجر، فلما كانت وقعة ~~" بدر " وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم، ~~فأظهر بعضهم الإسلام خوفا ومخادعة، ولتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، ~~فكانوا بين أظهر المسلمين في الظاهر أنهم منهم، وفي الحقيقة ليسوا ~~منهم. فمن لطف الله بالمؤمنين، أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف ~~يتميزون بها، لئلا يغتر بهم المؤمنون، ولينقمعوا أيضا عن كثير من ~~فجورهم [قال تعالى]: # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم ~~بما في قلوبهم # [التوبة: 64] فوصفهم الله بأصل النفاق فقال: { ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين } فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في ms0007 قلوبهم، فأكذبهم الله ~~بقوله: { وما هم بمؤمنين } لأن الإيمان الحقيقي ما تواطأ عليه ~~القلب واللسان، وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين. والمخادعة: أن ~~يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا ويبطن خلافه، لكي يتمكن من مقصوده ممن ~~يخادع، فهؤلاء المنافقون سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك، فعاد خداعهم ~~على أنفسهم، فإن هذا من العجائب لأن المخادع، إما أن ينتج خداعه ~~ويحصل ما يريد، أو يسلم لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم، ~~وكأنهم يعملون ما يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها لأن ~~الله تعالى لا يتضرر بخداعهم [شيئا] وعباده المؤمنون لا يضرهم كيدهم ~~شيئا، فلا يضر المؤمنين أن أظهر المنافقون الإيمان، فسلمت بذلك ~~أموالهم وحقنت دماؤهم، وصار كيدهم في نحورهم، وحصل لهم بذلك الخزي ~~والفضيحة في الدنيا، والحزن المستمر بسبب ما يحصل للمؤمنين من القوة ~~والنصرة. ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع، بسبب كذبهم ~~وكفرهم وفجورهم، والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك. وقوله: { ~~في قلوبهم مرض } والمراد بالمرض هنا: مرض الشك والشبهات ~~والنفاق، لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله: مرض ~~الشبهات الباطلة، ومرض الشهوات المردية، فالكفر والنفاق والشكوك ~~والبدع، كلها من مرض الشبهات، والزنا ومحبة [الفواحش و]المعاصي وفعلها ~~من مرض الشهوات، كما قال تعالى: # فيطمع الذي في قلبه مرض # [الأحزاب: 32] وهي شهوة الزنا، والمعافى من عوفي من هذين المرضين، ~~فحصل له اليقين والإيمان، والصبر عن كل معصية، فرفل في أثواب العافية. ~~وفي قوله عن المنافقين: { في قلوبهم مرض فزادهم الله ~~مرضا } بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين، وأنه بسبب ~~ذنوبهم السابقة، يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال ~~تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] وقال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] وقال تعالى: # وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم # [التوبة: 125] فعقوبة المعصية المعصية بعدها، كما أن من ثواب الحسنة ~~الحسنة بعدها، قال تعالى: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى # [مريم: 76]. ### || [2.11-12] # أي: إذا ms0008 نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض، وهو العمل بالكفر ~~والمعاصي، ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين { ~~لأرض قالوا إنما نحن مصلحون } فجمعوا بين العمل ~~بالفساد في الأرض، وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو إصلاح، قلبا للحقائق ~~وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل ~~بالمعصية، مع اعتقاد أنها معصية، فهذا أقرب للسلامة، وأرجى لرجوعه. ولما ~~كان في قولهم: { إنما نحن مصلحون } حصر للإصلاح في جانبهم - ~~وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح - قلب الله عليهم دعواهم ~~بقوله: { ألا إنهم هم المفسدون } فإنه لا أعظم فسادا ممن ~~كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى ~~المحاربين لله ورسوله، وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد ~~فساد؟!! ولكن لا يعلمون علما ينفعهم، وإن كانوا قد علموا بذلك علما ~~تقوم به عليهم حجة الله، وإنما كان العمل بالمعاصي في الأرض إفسادا، ~~لأنه يتضمن فساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثمار والأشجار والنبات، ~~بما يحصل فيها من الآفات بسبب المعاصي، ولأن الإصلاح في الأرض أن تعمر ~~بطاعة الله والإيمان به، لهذا خلق الله الخلق، وأسكنهم في الأرض، وأدر ~~لهم الأرزاق، ليستعينوا بها على طاعته [وعبادته]، فإذا عمل فيها بضده، ~~كان سعيا بالفساد فيها، وإخرابا لها عما خلقت له. ### || [2.13] # أي: إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس، أي: كإيمان الصحابة رضي ~~الله عنهم، وهو الإيمان بالقلب واللسان، قالوا بزعمهم الباطل: أنؤمن كما ~~آمن السفهاء؟ يعنون - قبحهم الله - الصحابة رضي الله عنهم، بزعمهم أن ~~سفههم أوجب لهم الإيمان، وترك الأوطان، ومعاداة الكفار، والعقل عندهم ~~يقتضي ضد ذلك، فنسبوهم إلى السفه; وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحجى ~~والنهى. فرد الله ذلك عليهم، وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة، لأن ~~حقيقة السفه: جهل الإنسان بمصالح نفسه، وسعيه فيما يضرها، وهذه الصفة ~~منطبقة عليهم وصادقة عليهم، كما أن العقل والحجا، معرفة الإنسان ~~بمصالح نفسه، والسعي فيما ينفعه، و [في] دفع ما يضره، وهذه الصفة ms0009 منطبقة ~~على [الصحابة و] المؤمنين وصادقة عليهم، فالعبرة بالأوصاف والبرهان، لا ~~بالدعاوى المجردة والأقوال الفارغة. ### || [2.14-15] # هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و[ذلك] أنهم إذا اجتمعوا ~~بالمؤمنين أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم، فإذا خلوا إلى شياطينهم - ~~أي: رؤسائهم وكبرائهم في الشر - قالوا: إنا معكم في الحقيقة، وإنما نحن ~~مستهزؤون بالمؤمنين بإظهارنا لهم، أنا على طريقتهم، فهذه حالهم الباطنة ~~والظاهرة، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. قال تعالى: { الله ~~يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } وهذا ~~جزاء لهم على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما كانوا ~~فيه من الشقاء والحالة الخبيثة، حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين، لما لم ~~يسلط الله المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة، أنه يعطيهم ~~مع المؤمنين نورا ظاهرا، فإذا مشى المؤمنون بنورهم طفئ نور المنافقين، ~~وبقوا في الظلمة بعد النور متحيرين، فما أعظم اليأس بعد الطمع، # ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم # الآية [الحديد: 14]. قوله: { ويمدهم } أي: يزيدهم { في ~~طغيانهم } أي: فجورهم وكفرهم، { يعمهون } أي: حائرون مترددون، ~~وهذا من استهزائه تعالى بهم. ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم: { ~~أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى فما ~~ربحت... }. ### || [2.16] # أولئك، أي: المنافقون الموصوفون بتلك الصفات { الذين اشتروا ~~الضللة بالهدى } أي: رغبوا في الضلالة رغبة المشتري ~~بالسلعة، التي من رغبته فيها يبذل فيها الأثمان النفيسة، وهذا من أحسن ~~الأمثلة، فإنه جعل الضلالة التي هي غاية الشر كالسلعة، وجعل الهدى الذي ~~هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه بالضلالة، رغبة ~~فيها، فهذه تجارتهم، فبئس التجارة، وبئس الصفقة صفقتهم. وإذا كان من بذل ~~دينارا في مقابلة درهم خاسرا، فكيف من بذل جوهرة وأخذ عنها درهما؟! ~~فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة، واختار الشقاء على السعادة، ورغب ~~في سافل الأمور عن أعاليها؟! فما ربحت تجارته، بل خسر فيها أعظم خسارة. # قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران ~~المبين # [الزمر: 15]. وقوله: { وما كانوا ms0010 مهتدين } تحقيق لضلالهم، ~~وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء، فهذه أوصافهم القبيحة. ثم ذكر مثلهم ~~الكاشف لها غاية الكشف، فقال: { مثلهم كمثل الذي استوقد ~~نارا فلمآ أضآءت ما حوله ذهب الله بنورهم... ~~}. ### || [2.17-20] # أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في ~~ظلمة عظيمة وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من غيره، ولم تكن عنده معدة، ~~بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله، ونظر المحل الذي هو فيه، وما ~~فيه من المخاوف وأمنها، وانتفع بتلك النار، وقرت بها عينه، وظن أنه قادر ~~عليها، فبينما هو كذلك، إذ ذهب الله بنوره، فذهب عنه النور وذهب معه ~~السرور، وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة، فذهب ما فيها من ~~الإشراق، وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل، ~~وظلمة السحاب، وظلمة المطر، والظلمة الحاصلة بعد النور، فكيف يكون حال ~~هذا الموصوف؟ فكذلك هؤلاء المنافقون، استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين ~~ولم تكن صفة لهم، فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل ~~لهم نوع من الأمن في الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت، ~~فسلبهم الانتفاع بذلك النور، وحصل لهم كل هم وغم وعذاب، وحصل لهم ظلمة ~~القبر، وظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها، ~~وبعد ذلك ظلمة النار [وبئس القرار] فلهذا قال تعالى [عنهم]: { صم } ~~أي: عن سماع الخير، { بكم } [أي]: عن النطق به، { عمي } عن رؤية ~~الحق، { فهم لا يرجعون } لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا ~~يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب ~~رجوعا منهم. ثم قال تعالى: { أو كصيب من السمآء } يعني: ~~أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب، أي: ~~ينزل بكثرة، { فيه ظلمت } ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمات ~~المطر، { ورعد }: وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، { وبرق }: وهو ~~الضوء [اللامع] المشاهد مع السحاب. { كلما أضآء لهم } البرق في ~~تلك الظلمات { مشوا فيه وإذآ أظلم ms0011 عليهم قاموا } ~~أي: وقفوا. فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ~~ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده، ~~فيروعهم وعيده وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها ~~كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، ~~فهذا تمكن له السلامة. وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط ~~بهم، قدرة وعلما، فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم، ~~ويجازيهم عليها أتم الجزاء. ولما كانوا مبتلين بالصمم والبكم والعمى ~~المعنوي، ومسدودة عليهم طرق الإيمان، قال تعالى: { ولو شآء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصرهم } أي: الحسية، ففيه تحذير لهم ~~وتخويف بالعقوبة الدنيوية، ليحذروا، فيرتدعوا عن بعض شرهم ونفاقهم، { ~~إن الله على كل شيء قدير } فلا يعجزه شيء، ومن قدرته ~~أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا معارض. وفي هذه الآية وما ~~أشبهها رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير داخلة في قدرة الله ~~تعالى، لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله: { إن الله ~~على كل شيء قدير }. ### || [2.21-22] # هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة لامتثال أوامر ~~الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال ~~تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. ثم استدل على وجوب عبادته وحده، بأنه ربكم الذي رباكم ~~بأصناف النعم، فخلقكم بعد العدم، وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم ~~بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها، وتنتفعون ~~بالأبنية والزراعة والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع ~~الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ~~ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس والقمر والنجوم. { وأنزل من السمآء ~~مآء } والسماء: [هو] كل ما علا فوقك فهو سماء، ولهذا قال المفسرون: ~~المراد بالسماء هاهنا: السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، { فأخرج به ~~من الثمرت } كالحبوب والثمار من نخيل وفواكه [وزروع] وغيرها { ~~رزقا لكم } به ترتزقون، وتقوتون وتعيشون وتفكهون. { فلا ~~تجعلوا لله أندادا } أي: نظراء وأشباها ms0012 من المخلوقين، ~~فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبون الله، وهم مثلكم مخلوقون ~~مرزوقون مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ~~ينفعونكم ولا يضرون، { وأنتم تعلمون } أن الله ليس له شريك، ~~ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في العبادة فكيف تعبدون معه ~~آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب، وأسفه السفه. وهذه الآية ~~جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل ~~الباهر على وجوب عبادته، وبطلان عبادة من سواه، وهو [ذكر] توحيد الربوبية ~~المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنه ~~ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن إقراره بأن [الله] لا شريك له في ~~العبادة، وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك. وقوله ~~تعالى: { لعلكم تتقون } يحتمل أن المعنى: أنكم إذا عبدتم الله ~~وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل ~~أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم الله، صرتم من المتقين الموصوفين ~~بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة كان ~~من المتقين، ومن كان من المتقين، حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه ثم ~~قال تعالى: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا فأتوا بسورة من مثله }. ### || [2.23-24] # وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به، ~~فقال: { وإن كنتم } معشر المعاندين للرسول، الرادين دعوته، ~~الزاعمين كذبه في شك واشتباه مما نزلنا على عبدنا، هل هو حق أو غيره؟ ~~فهاهنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم، ليس ~~بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم لا يكتب ولا يقرأ، ~~فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله، وقلتم أنتم أنه تقوله وافتراه، فإن ~~كان الأمر كما تقولون، فأتوا بسورة من مثله، واستعينوا بمن تقدرون عليه ~~من أعوانكم وشهدائكم، فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصا وأنتم أهل الفصاحة ~~والخطابة والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من ms0013 مثله، فهو كما ~~زعمتم، وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز، ولن تأتوا بسورة ~~من مثله، ولكن هذا التقييم على وجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى ~~ودليل واضح [جلي] على صدقه وصدق ما جاء به، فيتعين عليكم اتباعه، واتقاء ~~النار التي بلغت في الحرارة العظيمة [والشدة]، أن كانت وقودها الناس ~~والحجارة، ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب، وهذه النار الموصوفة ~~معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله. فاحذروا الكفر برسوله، بعد ما ~~تبين لكم أنه رسول الله. وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي، وهو ~~تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]. وكيف يقدر المخلوق من تراب، أن يكون كلامه ككلام رب ~~الأرباب؟ أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه، أن يأتي بكلام ككلام ~~الكامل الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من كل الوجوه؟ هذا ليس في ~~الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة [بأنواع] ~~الكلام، إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء، ظهر له الفرق ~~العظيم. وفي قوله: { وإن كنتم في ريب } إلى آخره، دليل على أن ~~الذي يرجى له الهداية من الضلالة: [هو] الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق ~~من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق، إن كان صادقا في طلب ~~الحق. وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه، فهذا لا يمكن رجوعه، لأنه ترك ~~الحق بعد ما تبين له، لم يتركه عن جهل، فلا حيلة فيه. وكذلك الشاك غير ~~الصادق في طلب الحق، بل هو معرض غير مجتهد في طلبه، فهذا في الغالب أنه ~~لا يوفق. وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم، دلالة على أن ~~أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم، قيامه بالعبودية، التي لا يلحقه فيها ~~أحد من الأولين والآخرين. كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال: # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: ms0014 1] وفي مقام الإنزال، فقال: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده # [الفرقان: 1]. وفي قوله: { أعدت للكفرين } ونحوها من ~~الآيات، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا ~~للمعتزلة، وفيها أيضا، أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون ~~في النار، لأنه قال: { أعدت للكفرين } فلو كان [عصاة ~~الموحدين] يخلدون فيها لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج ~~والمعتزلة. وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه، وهو الكفر وأنواع ~~المعاصي على اختلافها. ### || [2.25] # لما ذكر جزاء الكافرين، ذكر جزاء المؤمنين أهل الأعمال الصالحات، على ~~طريقته تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب، ليكون العبد راغبا ~~راهبا، خائفا راجيا، فقال: { وبشر } أي: [يا أيها الرسول ومن قام ~~مقامه]، { الذين آمنوا } بقلوبهم { وعملوا الصلحت } ~~بجوارحهم، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. ووصفت أعمال الخير ~~بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته ~~الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين ~~الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته. فبشرهم { أن لهم جنت } ~~أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة والظل المديد، ~~[والأغصان والأفنان وبذلك] صارت جنة يجتن بها داخلها، وينعم فيها ساكنها. ~~{ تجري من تحتها الأنهر } أي: أنهار الماء، واللبن، والعسل، ~~والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك ~~الأشجار فتنبت أصناف الثمار. { كلما رزقوا منها من ثمرة ~~رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } أي: هذا من ~~جنسه وعلى وصفه، كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس ~~لهم وقت خال من اللذة، فهم دائما متلذذون بأكلها. وقوله: { وأتوا ~~به متشبها } قيل: متشابها في الاسم، مختلف الطعوم، وقيل: ~~متشابها في اللون، مختلفا في الاسم، وقيل: يشبه بعضه بعضا في الحسن ~~واللذة والفكاهة، ولعل هذا هو الصحيح. ثم لما ذكر مسكنهم وأقواتهم من ~~الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه ~~فقال: { ولهم فيهآ أزوج مطهرة } فلم يقل " مطهرة من ~~العيب الفلاني " ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات ~~الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات ms0015 الأبصار، فأخلاقهن أنهن عرب متحببات إلى ~~أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن ~~من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة ~~الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة ~~خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، ~~وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح. ففي هذه الآية الكريمة، ذكر المبشر ~~والمبشر، والمبشر به، والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشر: هو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشر: هم ~~المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشر به: هي الجنات الموصوفات بتلك ~~الصفات، والسبب الموصل لذلك، هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى ~~الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل ~~الخلق، بأفضل الأسباب. وفيه استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على ~~الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها]، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة ~~للإنسان، توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن ~~بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل ~~الله أن يجعلنا منهم. ### || [2.26-27] # يقول تعالى { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما } ~~أي: أي مثل كان { بعوضة فما فوقها } لاشتمال الأمثال على ~~الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا جوابا لمن ~~أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك، فليس في ~~ذلك محل اعتراض، بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم، فيجب أن تتلقى ~~بالقبول والشكر، ولهذا قال: { فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم } فيتفهمونها، ويتفكرون فيها. فإن علموا ~~ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا ~~أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن ~~الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة. { وأما ~~الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا ~~مثلا } فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد ~~المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال: { يضل به كثيرا ~~ويهدي ms0016 به كثيرا } فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات ~~القرآنية. قال تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # [التوبة: 124-125] فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ~~ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ~~[ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد ~~بالهداية والإضلال. ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه ~~تعالى فقال: { وما يضل به إلا الفسقين } أي: الخارجين ~~عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم، فلا يبغون به ~~بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته ~~وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة. والفسق نوعان: نوع ~~مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان، كالمذكور في هذه ~~الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا # [الآية] [الحجرات: 6]. ثم وصف الفاسقين فقال: { الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثقه } وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه ~~والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، ~~فلا يبالون بتلك المواثيق، بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه، ~~وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق. { ويقطعون مآ أمر ~~الله به أن يوصل } وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا ~~أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين ~~رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين ~~الوالدين والأقارب والأصحاب، وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر ~~الله أن نصلها. # فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها ~~أتم القيام، وأما الفاسقون فقطعوها ونبذوها وراء ظهورهم معتاضين عنها ~~بالفسق والقطيعة، والعمل بالمعاصي، وهو: الإفساد في الأرض. ف { ~~أولئك } أي: من هذه صفته { هم الخسرون ms0017 } في الدنيا ~~والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع ~~من الربح لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا ~~الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا، وقد يكون معصية، ~~وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2] فهذا عام لكل مخلوق، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح، ~~والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وحقيقة فوات الخير الذي [كان] العبد ~~بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه. ### || [2.28] # هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي: كيف يحصل منكم الكفر ~~بالله الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم، ثم يميتكم عند ~~استكمال آجالكم، ويجازيكم في القبور، ثم يحييكم بعد البعث والنشور، ثم ~~إليه ترجعون، فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه وتدبيره وبره، ~~وتحت أوامره الدينية، ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي، أفيليق بكم أن ~~تكفروا به، وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة؟ بل الذي يليق بكم أن ~~تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه، وتخافوا عذابه، وترجوا ثوابه. ### || [2.29] # { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } أي: خلق لكم ~~برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار. وفي ~~هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها ~~سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من ~~فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر فهو ~~خارج من ذلك، ومن تمام نعمته منعنا من الخبائث تنزيها لنا. وقوله: { ~~ثم استوى إلى السمآء فسوهن سبع سموت ~~وهو بكل شيء عليم }. { استوى } ترد في القرآن على ثلاثة ~~معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها الكمال والتمام، كما في قوله ~~عن موسى: # ولما بلغ أشده واستوى # [القصص: 14] وتارة تكون بمعنى " علا " و " ارتفع " ، وذلك إذا عديت ب " ~~على " كما في قوله تعالى: # ثم استوى على العرش # ، [الأعراف: 54] # لتستووا على ظهوره # [الزخرف: 13] وتارة تكون بمعنى " قصد " كما ms0018 إذا عديت ب " إلى " كما في ~~هذه الآية، أي: لما خلق تعالى الأرض قصد إلى خلق السماوات { ~~فسوهن سبع سموت } فخلقها وأحكمها وأتقنها، { وهو ~~بكل شيء عليم } ف # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها # [سبأ: 2]، و # يعلم ما تسرون وما تعلنون # [النحل: 19] يعلم السر وأخفى. وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات ~~علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] لأن خلقه للمخلوقات أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته. ### || [2.30-34] # هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر، أن الله حين أراد خلقه ~~أخبر الملائكة بذلك، وأن الله مستخلفه في الأرض، فقالت الملائكة عليهم ~~السلام: { أتجعل فيها من يفسد فيها } بالمعاصي { ~~ويسفك الدمآء } [و] هذا تخصيص بعد تعميم، لبيان [شدة] مفسدة ~~القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك، ~~فنزهوا الباري عن ذلك، وعظموه، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه ~~خال من المفسدة، فقالوا: { ونحن نسبح بحمدك } أي: ننزهك ~~التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، { ونقدس لك } يحتمل أن معناها: ~~ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك ~~أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ~~ونطهرها من الأخلاق الرذيلة. قال الله تعالى للملائكة: { إني ~~أعلم } من هذا الخليفة { ما لا تعلمون } لأن كلامكم بحسب ما ~~ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا ~~الخليفة أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر، فلو لم يكن في ذلك إلا أن ~~الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ~~ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا ~~الخليفة كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر ~~بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس ~~إبليس من الشر الذي انطوى عليه واتصف به، فهذه حكم عظيمة ms0019 يكفي بعضها في ~~ذلك. ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام، فيه إشارة إلى فضلهم على ~~الخليفة الذي يجعله الله في الأرض، أراد الله تعالى أن يبين لهم من فضل ~~آدم ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه ف { علم ءادم ~~الأسمآء كلها } أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه ~~الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني، حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، ~~والمصغر كالقصيعة. { ثم عرضهم } أي: عرض المسميات { على ~~الملئكة } امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟ { فقال ~~أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صدقين } في ~~قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة. { قالوا سبحنك } أي: ~~ننزهك من الاعتراض منا عليك ومخالفة أمرك، { لا علم لنآ } ~~بوجه من الوجوه، { إلا ما علمتنآ } إياه، فضلا منك وجودا، { ~~إنك أنت العليم الحكيم } العليم الذي أحاط علما بكل شيء، ~~فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر. الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ ~~عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: ~~وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا واعترفوا بعلم الله وحكمته، ~~وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما ~~لا يعلمون. # فحينئذ قال الله: { يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } أي: أسماء ~~المسميات التي عرضها الله على الملائكة فعجزوا عنها. { فلمآ ~~أنبأهم بأسمآئهم } تبين للملائكة فضل آدم عليهم، وحكمة ~~الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، { قال ألم أقل لكم ~~إني أعلم غيب السموت والأرض } وهو ما غاب عنا فلم ~~نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب، فالشهادة من باب أولى، { وأعلم ما ~~تبدون } أي: تظهرون { وما كنتم تكتمون }. ثم أمرهم تعالى ~~بالسجود لآدم، إكراما له وتعظيما، وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر ~~الله وبادروا كلهم بالسجود، { إلا إبليس أبى } امتنع عن ~~السجود، واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] وهذا الإباء منه والاستكبار نتيجة الكفر الذي هو منطو ~~عليه، فتبينت حينئذ ms0020 عداوته لله ولآدم، وكفره واستكباره. وفي هذه الآيات ~~من العبر والآيات إثبات الكلام لله تعالى، وأنه لم يزل متكلما يقول ما ~~شاء، ويتكلم بما شاء، وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة ~~الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالواجب عليه التسليم، واتهام عقله، ~~والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة، وإحسانه بهم، ~~بتعليمهم ما جهلوا، وتنبيههم على ما لم يعلموه. وفيه فضيلة العلم من ~~وجوه: منها: أن الله تعرف لملائكته بعلمه وحكمته، ومنها: أن الله عرفهم ~~فضل آدم بالعلم، وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم ~~بالسجود لآدم إكراما له لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير، ~~إذا عجزوا عما امتحنوا به، ثم عرفه صاحب الفضيلة، فهو أكمل مما عرفه ~~ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن، وبيان فضل آدم، وأفضال ~~الله عليه، وعداوة إبليس له، إلى غير ذلك من العبر. ### || [2.35-36] # لما خلق الله آدم وفضله، أتم نعمته عليه بأن خلق منه زوجة ليسكن إليها ~~ويستأنس بها، وأمرهما بسكنى الجنة، والأكل منها { رغدا } أي: واسعا ~~هنيئا، { حيث شئتما } أي: من أي أصناف الثمار والفواكه، وقال ~~الله له: # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # [طه: 118-119]. { ولا تقربا هذه الشجرة } نوع من أنواع ~~شجر الجنة الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء [أو لحكمة ~~غير معلومة لنا] { فتكونا من الظلمين } دل على أن النهي ~~للتحريم، لأنه رتب عليه الظلم. فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما ~~تناول ما نهيا عنه، حتى أزلهما، أي: حملهما على الزلل بتزيينه. # وقاسمهمآ # بالله # إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] فاغترا به وأطاعاه، فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم ~~والرغد، وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة. { بعضكم لبعض ~~عدو } أي: آدم وذريته أعداء لإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو ~~يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق، وحرمانه الخير بكل ~~طريق، ففي ضمن هذا تحذير بني آدم من الشيطان، ms0021 كما قال تعالى # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6] # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50]. ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض، فقال: { ولكم في ~~الأرض مستقر } أي: مسكن وقرار، { ومتع إلى حين } ~~انقضاء آجالكم، ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها، وخلقت لكم، ففيها ~~أن مدة هذه الحياة مؤقتة عارضة، ليست مسكنا حقيقيا، وإنما هي معبر ~~يتزود منها لتلك الدار، ولا تعمر للاستقرار. ### || [2.37] # { فتلقى ءادم } أي: تلقف وتلقن، وألهمه الله { من ربه ~~كلمت } وهي قوله: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # الآية [الأعراف: 23]، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته { فتاب } الله { ~~عليه } ورحمه { إنه هو التواب } لمن تاب إليه وأناب. ~~وتوبته نوعان: توفيقه أولا، ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا. ~~{ الرحيم } بعباده، ومن رحمته بهم أن وفقهم للتوبة، وعفا عنهم وصفح. ### || [2.38-39] # كرر الإهباط ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: { فإما يأتينكم ~~مني هدى } أي: أي وقت وزمان جاءكم مني - يا معشر الثقلين - هدى، ~~أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم من رضائي، { فمن تبع ~~هداي } منكم، بأن آمن برسلي وكتبي واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار ~~الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، { فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون }. وفي الآية الأخرى: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى # [طه: 123]. فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن ~~والفرق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى أحدث الحزن، وإن كان منتظرا ~~أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمن ~~التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، ~~وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية ~~والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه من الخوف والحزن والضلال والشقاء، ~~فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه فكفر به ~~وكذب بآياته. ف { أولئك أصحب النار } أي: الملازمون لها، ~~ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، { هم ms0022 فيها خلدون } لا ~~يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون. وفي هذه الآيات وما ~~أشبهها، انقسام الخلق من الجن والإنس إلى أهل السعادة، وأهل الشقاوة، ~~وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب ~~والعقاب، كما أنهم مثلهم في الأمر والنهي. ثم شرع تعالى يذكر بني ~~إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال: { يبني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم... }. ### || [2.40-43] # { يبني إسرائيل } المراد بإسرائيل: يعقوب عليه السلام، والخطاب ~~مع فرق بني إسرائيل، الذين بالمدينة وما حولها، ويدخل فيهم من أتى من ~~بعدهم، فأمرهم بأمر عام، فقال: { اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم } وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة ~~بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح ~~باستعمالها فيما يحبه ويرضيه. { وأوفوا بعهدي } وهو ما عهده ~~إليهم من الإيمان به وبرسله وإقامة شرعه، { أوف بعهدكم } وهو ~~المجازاة على ذلك. والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن ~~أقمتم الصلاة [وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي] # [المائدة: 12] إلى قوله: # فقد ضل سوآء السبيل # [المائدة: 12]. ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده، وهو ~~الرهبة منه تعالى، وخشيته وحده، فإن من خشيه أوجبت له خشيته امتثال ~~أمره واجتناب نهيه. ثم أمرهم بالأمر الخاص الذي لا يتم إيمانهم، ولا يصح ~~إلا به، فقال: { وآمنوا بمآ أنزلت } وهو القرآن الذي أنزله على ~~عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بالإيمان به واتباعه، ~~ويستلزم ذلك الإيمان بمن أنزل عليه، وذكر الداعي لإيمانهم به، فقال: { ~~مصدقا لما معكم } أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، ~~فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب غير مخالف لها، فلا مانع لكم من ~~الإيمان به، لأنه جاء بما جاءت به المرسلون، فأنتم أولى من آمن به وصدق ~~به، لكونكم أهل الكتب والعلم. وأيضا فإن في قوله: { مصدقا لما ~~معكم } إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به، عاد ذلك ms0023 عليكم بتكذيب ما ~~معكم، لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، ~~فتكذيبكم له تكذيب لما معكم. وأيضا فإن في الكتب التي بأيديكم صفة هذا ~~النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به، فإن لم تؤمنوا به كذبتم ببعض ما ~~أنزل إليكم، ومن كذب ببعض ما أنزل إليه فقد كذب بجميعه، كما أن من كفر ~~برسول فقد كذب الرسل جميعهم. فلما أمرهم بالإيمان به، نهاهم وحذرهم من ~~ضده وهو الكفر به، فقال: { ولا تكونوا أول كافر به } أي: ~~بالرسول والقرآن. وفي قوله: { أول كافر به } أبلغ من قوله: " ~~ولا تكفروا به " لأنهم إذا كانوا أول كافر به، كان فيه مبادرتهم إلى ~~الكفر به، عكس ما ينبغي منهم، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من ~~بعدهم. ثم ذكر المانع لهم من الإيمان، وهو اختيار العرض الأدنى على ~~السعادة الأبدية، فقال: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا ~~} وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل، التي يتوهمون انقطاعها إن آمنوا ~~بالله ورسوله، فاشتروها بآيات الله واستحبوها وآثروها. # { وإيي } أي: لا غيري { فاتقون } فإنكم إذا اتقيتم الله ~~وحده، أوجبت لكم تقواه تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل، كما أنكم ~~إذا اخترتم الثمن القليل، فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم. ثم قال: { ~~ولا تلبسوا } أي: تخلطوا { الحق بالبطل وتكتموا ~~الحق } فنهاهم عن شيئين، عن خلط الحق بالباطل وكتمان الحق لأن ~~المقصود من أهل الكتب والعلم، تمييز الحق من الباطل وإظهار الحق، ليهتدي ~~بذلك المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين لأن الله فصل ~~آياته وأوضح بيناته، ليميز الحق من الباطل، ولتستبين سبيل المهتدين من ~~سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم، فهو من خلفاء الرسل وهداة ~~الأمم. ومن لبس الحق بالباطل، فلم يميز هذا من هذا مع علمه بذلك، وكتم ~~الحق الذي يعلمه، وأمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم، لأن الناس لا يقتدون ~~في أمر دينهم بغير علمائهم، فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين. ثم قال: { ~~وأقيموا الصلوة } أي: ظاهرا وباطنا ms0024 { وآتوا الزكوة } ~~مستحقيها، { واركعوا مع الركعين } أي: صلوا مع المصلين، ~~فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآيات الله، فقد جمعتم بين ~~الأعمال الظاهرة والباطنة، وبين الإخلاص للمعبود والإحسان إلى عبيده، ~~وبين العبادات القلبية البدنية والمالية. وقوله: { واركعوا مع ~~الركعين } أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ~~ووجوبها، وفيه أن الركوع ركن من أركان الصلاة لأنه عبر عن الصلاة ~~بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها. ### || [2.44] # { أتأمرون الناس بالبر } أي: بالإيمان والخير { ~~وتنسون أنفسكم } أي: تتركونها عن أمرها بذلك، والحال: { ~~وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون } وأسمى العقل ~~عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن ~~العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، ~~فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم ~~عقله وجهله، خصوصا إذا كان عالما بذلك، قد قامت عليه الحجة. وهذه الآية ~~وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد، لقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3] وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى ~~الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر ~~نفسه ونهيها، فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم ~~الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون ~~الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على ~~عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم ~~بالأقوال المجردة. ### || [2.45-48] # أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر ~~على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على ~~أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس ms0025 النفس على ما أمر الله ~~بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله، ~~وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يستعان ~~بها على كل أمر من الأمور { وإنها } أي: الصلاة { لكبيرة } أي: ~~شاقة { إلا على الخشعين } فإنها سهلة عليهم خفيفة لأن الخشوع ~~وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها، منشرحا صدره لترقبه للثواب، ~~وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك، فإنه لا داعي له يدعوه إليها، ~~وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه. والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته ~~وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه ذلا وافتقارا، وإيمانا به ~~وبلقائه. ولهذا قال: { الذين يظنون } أي: يستيقنون { أنهم ~~ملقوا ربهم } فيجازيهم بأعمالهم { وأنهم إليه ~~رجعون } فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في ~~المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم ~~المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة ~~وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه. ثم كرر على بني إسرائيل التذكير ~~بنعمته، وعظا لهم وتحذيرا وحثا. وخوفهم بيوم القيامة الذي { لا ~~تجزي } فيه، أي: لا تغني { نفس } ولو كانت من الأنفس الكريمة ~~كالأنبياء والصالحين { عن نفس } ولو كانت من العشيرة الأقربين { ~~شيئا } لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه، { ~~ولا يقبل منها } أي: النفس، شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن ~~المشفوع له، ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل ~~والسنة، { ولا يؤخذ منها عدل } أي: فداء # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب # [الزمر: 47] ولا يقبل منهم ذلك { ولا هم ينصرون } أي: يدفع ~~عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله: { لا ~~تجزي نفس عن نفس } هذا في تحصيل المنافع، { ولا هم ~~ينصرون } هذا في دفع المضار، فهذا النفي للأمر المستقل به النافع. { ~~ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل } هذا ~~نفي للنفع ms0026 الذي يطلب ممن يملكه بعوض كالعدل، أو بغيره كالشفاعة، فهذا ~~يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين، لعلمه أنهم لا يملكون له ~~مثقال ذرة من النفع، وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع ويدفع المضار، ~~فيعبده وحده لا شريك له، ويستعينه على عبادته. ### || [2.49-57] # هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: { وإذ ~~نجينكم من آل فرعون } أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا ~~قبل ذلك { يسومونكم } أي: يولونهم ويستعملونهم، { سوء ~~العذاب } أي: أشده بأن كانوا { يذبحون أبنآءكم } خشية ~~نموكم { ويستحيون نسآءكم } أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ~~ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا ~~غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون ~~لتقر أعينهم. { وفي ذلكم } أي: الإنجاء { بلاء } أي: إحسان { ~~من ربكم عظيم } فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره. ~~ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة ~~للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد ~~حتى عبدوا العجل من بعده، أي: ذهابه. { وأنتم ظلمون } عالمون ~~بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم ~~بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا، فعفا الله عنكم بسبب ~~ذلك { لعلكم تشكرون } الله. { وإذ قلتم يموسى لن ~~نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } وهذا غاية الظلم ~~والجراءة على الله وعلى رسوله، { فأخذتكم الصعقة } إما ~~الموت أو الغشية العظيمة، { وأنتم تنظرون } وقوع ذلك، كل ينظر ~~إلى صاحبه، { ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم ~~تشكرون }. ثم ذكر نعمته عليهم في التيه والبرية الخالية من الظلال ~~وسعة الأرزاق، فقال: { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا ~~عليكم المن } وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه ~~الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك، { والسلوى } طائر صغير يقال له ~~السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم ~~{ كلوا من طيبت ما رزقناكم } أي: رزقا لا يحصل نظيره ~~لأهل المدن المترفهين، فلم ms0027 يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب ~~وكثرة الذنوب. { وما ظلمونا } يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا ~~لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين، { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } فيعود ضرره عليهم. ### || [2.58-59] # وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه، فأمرهم بدخول قرية تكون لهم ~~عزا ووطنا ومسكنا، ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على ~~وجه خاضعين لله فيه بالفعل، وهو دخول الباب { سجدا } أي: خاضعين ~~ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا: { حطة } أي: أن يحط عنهم خطاياهم ~~بسؤالهم إياه مغفرته. { نغفر لكم خطيكم } بسؤالكم ~~المغفرة، { وسنزيد المحسنين } بأعمالهم، أي: جزاء عاجلا ~~وآجلا، { فبدل الذين ظلموا } منهم، ولم يقل فبدلوا لأنهم ~~لم يكونوا كلهم بدلوا { قولا غير الذي قيل لهم } فقالوا ~~بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله واستهزاء، وإذا بدلوا القول مع ~~خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم، ~~ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال: { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا } منهم { رجزا } أي: عذابا { ~~من السمآء } بسبب فسقهم وبغيهم. ### || [2.60] # استسقى، أي: طلب لهم ماء يشربون منه، { فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر } إما حجر مخصوص معلوم عنده، وإما اسم جنس، { فانفجرت ~~منه اثنتا عشرة عينا } وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة ~~قبيلة، { قد علم كل أناس } منهم { مشربهم } أي: محلهم ~~الذي يشربون عليه من هذه الأعين، فلا يزاحم بعضهم بعضا، بل يشربونه ~~متهنئين لا متكدرين، ولهذا قال: { كلوا واشربوا من رزق ~~الله } أي: الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب، { ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين } أي: تخربوا على وجه الإفساد. ### || [2.61] # أي: واذكروا، إذ قلتم لموسى على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها: { ~~لن نصبر على طعام واحد } أي: جنس من الطعام، وإن كان كما ~~تقدم أنواعا، لكنها لا تتغير، { فادع لنا ربك يخرج لنا ~~مما تنبت الأرض من بقلها } أي: نباتها الذي ليس بشجر يقوم ~~على ساقه، { وقثآئها } وهو الخيار { وفومها } أي: ثومها، ~~والعدس والبصل معروف، ms0028 قال لهم موسى { أتستبدلون الذي هو ~~أدنى } وهو الأطعمة المذكورة، { بالذي هو خير } وهو المن ~~والسلوى، فهذا غير لائق بكم، فإن هذه الأطعمة التي طلبتم، أي مصر ~~هبطتموه وجدتموها، وأما طعامكم الذي من الله به عليكم، فهو خير الأطعمة ~~وأشرفها، فكيف تطلبون به بدلا؟ ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل ~~على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه، جازاهم من جنس عملهم فقال: { ~~وضربت عليهم الذلة } التي تشاهد على ظاهر أبدانهم { ~~والمسكنة } بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة، ولا لهم همم عالية، بل ~~أنفسهم أنفس مهينة، وهممهم أردأ الهمم، { وبآءو بغضب من ~~الله } أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا، إلا أن رجعوا بسخطه ~~عليهم، فبئست الغنيمة غنيمتهم، وبئست الحالة حالتهم. { ذلك } الذي ~~استحقوا به غضبه { بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } ~~الدالات على الحق الموضحة لهم، فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم، وبما ~~كانوا { ويقتلون النبيين بغير الحق }. وقوله: { ~~بغير الحق } زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون ~~بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم. { ذلك بما عصوا } بأن ~~ارتكبوا معاصي الله { وكانوا يعتدون } على عباد الله، فإن ~~المعاصي يجر بعضها بعضا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير، ثم ينشأ عنه ~~الذنب الكبير، ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك، فنسأل الله ~~العافية من كل بلاء. واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل ~~الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها ~~وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة، منها: أنهم كانوا يتمدحون ~~ويزكون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال ~~سلفهم التي قد تقررت عندهم، ما يبين به لكل أحد [منهم] أنهم ليسوا من ~~أهل الصبر ومكارم الأخلاق ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع ~~أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟!! ~~ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، ~~والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، ms0029 لأنها نعم تشملهم ~~وتعمهم. ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم، مما يدل على أن الأمة ~~المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كان متقدمهم ومتأخرهم ~~في وقت واحد، وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع لأن ما يعمله بعضهم ~~من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع. ~~ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى ~~غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلا الله. ### || [2.62] # ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية: { إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. وهذا ~~الحكم على أهل الكتاب خاصة، لأن الصابئين، الصحيح أنهم من جملة فرق ~~النصارى، فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة، واليهود والنصارى ~~والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر، وصدقوا رسلهم، فإن لهم الأجر ~~العظيم والأمن، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ~~ورسله واليوم الآخر، فهو بضد هذه الحال، فعليه الخوف والحزن. والصحيح أن ~~هذا الحكم بين هذه الطوائف، من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، ~~فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا مضمون ~~أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض ~~الأوهام، فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم، لأنه تنزيل من يعلم الأشياء ~~قبل وجودها، ومن رحمته وسعت كل شيء. وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني ~~إسرائيل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم ~~يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه، ~~ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم. ذكر تعالى حكما ~~عاما يشمل الطوائف كلها، ليتضح الحق، ويزول التوهم والإشكال، فسبحان من ~~أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين. ثم عاد تبارك وتعالى يوبخ بني ~~إسرائيل بما فعل سلفهم. ### || [2.63-64] # أي: واذكروا ms0030 { إذ أخذنا ميثاقكم } وهو العهد الثقيل المؤكد ~~بالتخويف لهم، برفع الطور فوقهم، وقيل لهم: { خذوا مآ ءاتينكم ~~} من التوراة { بقوة } أي: بجد واجتهاد، وصبر على أوامر الله، { ~~واذكروا ما فيه } أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه، { ~~لعلكم تتقون } عذاب الله وسخطه، أو لتكونوا من أهل التقوى. ~~فبعد هذا التأكيد البليغ { توليتم } وأعرضتم، وكان ذلك موجبا لأن ~~يحل بكم أعظم العقوبات، ولكن { لولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لكنتم من الخاسرين }. ### || [2.65-66] # أي: ولقد تقرر عندكم حالة { الذين اعتدوا منكم في ~~السبت } وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت # الآيات [الأعراف: 163]. فأوجب لهم هذا الذنب العظيم، أن غضب الله عليهم ~~وجعلهم { قردة خاسئين } حقيرين ذليلين. وجعل الله هذه العقوبة { ~~نكالا لما بين يديها } أي: لمن حضرها من الأمم، وبلغه ~~خبرها، ممن هو في وقتهم. { وما خلفها } أي: من بعدهم، فتقوم على ~~العباد حجة الله، وليرتدعوا عن معاصيه، ولكنها لا تكون موعظة نافعة إلا ~~للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات. ### || [2.67-74] # أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى، حين قتلتم قتيلا وادارأتم فيه، أي: ~~تدافعتم واختلفتم في قاتله، حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد - لولا تبيين ~~الله لكم - يحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل: اذبحوا ~~بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره وعدم الاعتراض عليه، ~~ولكنهم أبوا إلا الاعتراض، فقالوا: { أتتخذنا هزوا } فقال نبي ~~الله: { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } فإن الجاهل ~~هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما ~~العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل، استهزاءه بمن هو ~~آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه، فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه، والرحمة ~~لعباده. فلما قال لهم موسى ذلك، علموا أن ذلك صدق، فقالوا: { ادع لنا ~~ربك يبين لنا ما هي } أي: ما سنها؟ { قال إنه ~~يقول إنها بقرة لا فارض } أي: كبيرة { ولا ms0031 بكر } ~~أي: صغيرة { عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون } ~~واتركوا التشديد والتعنت. { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء ~~فاقع لونها } أي: شديد { تسر الناظرين } من حسنها. { ~~قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر ~~تشابه علينا } فلم نهتد إلى ما تريد { وإنآ إن شآء ~~الله لمهتدون } { قال إنه يقول إنها بقرة ~~لا ذلول } أي: مذللة بالعمل، { تثير الأرض } بالحراثة، { ~~ولا تسقي الحرث } أي: ليست بساقية، { مسلمة } من العيوب ~~أو من العمل { لا شية فيها } أي: لا لون فيها غير لونها الموصوف ~~المتقدم. { قالوا الآن جئت بالحق } أي: بالبيان الواضح، وهذا ~~من جهلهم، وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة، فلو أنهم اعترضوا أي: بقرة لحصل ~~المقصود، ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم، ولو لم يقولوا " ~~إن شاء الله " لم يهتدوا أيضا إليها، { فذبحوها } أي: البقرة التي ~~وصفت بتلك الصفات، { وما كادوا يفعلون } بسبب التعنت الذي جرى ~~منهم. فلما ذبحوها، قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها، أي: بعضو منها، إما ~~معين، أو أي عضو منها، فليس في تعيينه فائدة، فضربوه ببعضها فأحياه الله، ~~وأخرج ما كانوا يكتمون، فأخبر بقاتله، وكان في إحيائه وهم يشاهدون ما يدل ~~على إحياء الله الموتى، { لعلكم تعقلون } فتنزجرون عن ما ~~يضركم. { ثم قست قلوبكم } أي: اشتدت وغلظت فلم تؤثر فيها ~~الموعظة، { من بعد ذلك } أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم ~~العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم لأن ما شاهدتم مما ~~يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها { كالحجارة } التي ~~هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار ذاب بخلاف ~~الأحجار. # وقوله: { أو أشد قسوة } أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار، ~~وليست " أو " بمعنى " بل ". ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال: { ~~وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن ~~منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله } فبهذه الأمور فضلت ~~قلوبكم. ثم ms0032 توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال: { وما الله بغافل ~~عما تعملون } بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها، وسيجازيكم ~~على ذلك أتم الجزاء وأوفاه. واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله، قد ~~أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات ~~القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: # " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ". # والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة، ولا ~~منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا ~~لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " # فإذا كان مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من ~~دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به، والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز ~~أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن ~~كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا ~~أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق. ### || [2.75-78] # هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في ~~إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم، فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من ~~بعد ما عقلوه وعلموه، فيضعون له معاني ما أرادها الله، ليوهموا الناس ~~أنها من عند الله، وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم ~~الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله، فكيف يرجى منهم ~~إيمان لكم؟! فهذا من أبعد الأشياء. ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال: { ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } فأظهروا لهم ~~الإيمان قولا بألسنتهم، ما ليس في قلوبهم، { وإذا خلا بعضهم ~~إلى بعض } فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض: { ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } أي: أتظهرون لهم ~~الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم، فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟ يقولون: إنهم قد ~~أقروا بأن ما ms0033 نحن عليه حق، وما هم عليه باطل، فيحتجون عليكم بذلك عند ~~ربكم { أفلا تعقلون } أي: أفلا يكون لكم عقل فتتركون ما هو حجة ~~عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض. { أولا يعلمون أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون } فهم وإن أسروا ما ~~يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين، ~~فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم سرهم وعلنهم، فيظهر لعباده ما ~~أنتم عليه. { ومنهم } أي: من أهل الكتاب { أميون } أي: عوام، ~~ليسوا من أهل العلم، { لا يعلمون الكتاب إلا أماني } ~~أي: ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط، وليس عندهم خبر بما عند ~~الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم، وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد ~~لأهل العلم منهم. فذكر في هذه الآيات علماءهم وعوامهم، ومنافقيهم ومن ~~لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام ~~مقلدون لهم لا بصيرة عندهم، فلا مطمع لكم في الطائفتين. ### || [2.79] # توعد تعالى المحرفين للكتاب، الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون: { ~~هذا من عند الله } وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق، وإنما ~~فعلوا ذلك مع علمهم { ليشتروا به ثمنا قليلا } والدنيا ~~كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في ~~أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ ~~أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ~~ونحوهما، ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: { فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم } أي: من التحريف والباطل { وويل لهم ~~مما يكسبون } من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة، وفي ~~ضمنها الوعيد الشديد. قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله: { ~~أفتطمعون } إلى { يكسبون } فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم ~~عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع ~~الباطلة. وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك ~~تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده ~~مخالفا لكتاب ms0034 الله، لينال به دنياه وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: ~~هذا هو الشرع والدين، وهذا معنى الكتاب والسنة، وهذا معقول السلف ~~والأئمة، وهذا هو أصول الدين، الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ~~ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة، لئلا يحتج به مخالفه في الحق ~~الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة، كالرافضة، ~~وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء. ### || [2.80-82] # ذكر أفعالهم القبيحة، ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم، ويشهدون لها ~~بالنجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما ~~معدودة، أي: قليلة تعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن. ولما كان ~~هذا مجرد دعوى، رد الله تعالى عليهم فقال: { قل } لهم يا أيها الرسول { ~~أتخذتم عند الله عهدا } أي: بالإيمان به وبرسله وبطاعته، ~~فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل. { أم ~~تقولون على الله ما لا تعلمون }؟ فأخبر تعالى أن صدق ~~دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا ~~قد اتخذوا عند الله عهدا، فتكون دعواهم صحيحة. وإما أن يكونوا متقولين ~~عليه فتكون كاذبة، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم، وقد علم من حالهم أنهم لم ~~يتخذوا عند الله عهدا لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء، حتى وصلت بهم الحال ~~إلى أن قتلوا طائفة منهم، ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، ~~فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون، قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه ~~بلا علم من أعظم المحرمات وأشنع القبيحات. ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل ~~أحد، يدخل به بنو إسرائيل وغيرهم، وهو الحكم الذي لا حكم غيره، لا ~~أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين، فقال: { بلى } أي: ليس ~~الأمر كما ذكرتم، فإنه قول لا حقيقة له، ولكن { من كسب سيئة } ~~وهو نكرة في سياق الشرط، فيعم الشرك فما دونه، والمراد به هنا الشرك، ~~بدليل قوله: { وأحاطت به خطيئته } أي: أحاطت بعاملها، فلم ~~تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإن من معه الإيمان لا ms0035 تحيط به ~~خطيئته. { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } ~~وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، ~~فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله ~~الباطل، فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه. { والذين آمنوا } ~~بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، { وعملوا ~~الصالحات } ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه ~~الله، متبعا بها سنة رسوله. فحاصل هاتين الآيتين أن أهل النجاة والفوز ~~هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله، ~~الكافرون به. ### || [2.83] # وهذه الشرائع من أصول الدين التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها ~~على المصالح العامة في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين، ولهذا ~~أمرنا بها في قوله: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا # إلى آخر الآية [النساء: 36]. فقوله: { وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل } هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به، استعصوا فلا يقبلونه ~~إلا بالأيمان الغليظة، والعهود الموثقة { لا تعبدون إلا الله ~~} هذا أمر بعبادة الله وحده، ونهي عن الشرك به، وهذا أصل الدين، فلا ~~تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده، ~~ثم قال: { وبالوالدين إحسانا } أي: أحسنوا بالوالدين ~~إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي ~~عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان، ~~والأمر بالشيء نهي عن ضده. وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرما، ~~وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا ~~يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر ~~بالعد، بل تكون بالحد، كما تقدم. ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما ~~فقال: { وقولوا للناس حسنا } ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ~~ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من ~~كل كلام طيب. ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به ~~على الإحسان إلى كل مخلوق، ms0036 وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي ~~عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46]. ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون ~~الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء ولا شاتم، ولا ~~مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما ~~يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله ورجاء لثوابه. ثم أمرهم بإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، ~~والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. { ثم } بعد هذا الأمر لكم بهذه ~~الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل، عرف أن من إحسان الله ~~على عباده أن أمرهم بها، وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم { ~~توليتم } على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى وله نية رجوع ~~إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ ~~بالله من الخذلان. وقوله: { إلا قليلا منكم } هذا استثناء ~~لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم. ### || [2.84-86] # وهذا الفعل المذكور في هذه الآية فعل للذين كانوا في زمن الوحي ~~بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم مشركين، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت ~~عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، ~~فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة. فكانوا إذا اقتتلوا أعان ~~اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل ~~اليهودي اليهودي، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب ~~أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا. والأمور ~~الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا ~~يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم وجب عليهم فداؤه، فعملوا ~~بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك، فقال: { أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب } وهو فداء الأسير، { وتكفرون ببعض } وهو ms0037 ~~القتل والإخراج. وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر ~~واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، قال تعالى: { فما جزآء ~~من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } ~~وقد وقع ذلك فأخزاهم الله، وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى ~~منهم، وأجلى من أجلى. { ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب } أي: أعظمه { وما الله بغافل عما تعملون }. ~~ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب، والإيمان ببعضه ~~فقال: { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا ~~بالآخرة } توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار، فاختاروا ~~النار على العار، فلهذا قال: { فلا يخفف عنهم العذاب } بل ~~هو باق على شدته، ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، { ولا هم ~~ينصرون } أي: يدفع عنهم مكروه. ### || [2.87] # يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل إليهم كليمه موسى وآتاه التوراة، ثم ~~تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة، إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ~~ابن مريم عليهم السلام، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر، ~~{ وأيدناه بروح القدس } أي: قواه الله بروح القدس. قال ~~أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام، وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله ~~به عباده. ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها، لما أتوكم { بما لا ~~تهوى أنفسكم استكبرتم } عن الإيمان بهم، { ففريقا } ~~منهم { كذبتم وفريقا تقتلون } فقدمتم الهوى على الهدى، ~~وآثرتم الدنيا على الآخرة، وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى. ### || [2.88] # أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه، يا أيها الرسول، بأن قلوبهم ~~غلف، أي: عليها غلاف وأغطية، فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - ~~بزعمهم - عذر لعدم العلم، وهذا كذب منهم، فلهذا قال تعالى: { بل ~~لعنهم الله بكفرهم } أي: أنهم مطرودون ملعونون، بسبب ~~كفرهم، فقليلا المؤمن منهم، أو قليلا إيمانهم، وكفرهم هو الكثير. ### || [2.89-90] # أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء، ~~المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة، وقد علموا به وتيقنوه، حتى إنهم ms0038 ~~كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب، استنصروا بهذا ~~النبي، وتوعدوهم بخروجه، وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا ~~الكتاب والنبي الذي عرفوا كفروا به، بغيا وحسدا، أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله وغضب عليهم غضبا بعد غضب، لكثرة ~~كفرهم وتوالى شكهم وشركهم. ولهم في الآخرة عذاب مهين، أي: مؤلم موجع، وهو ~~صلي الجحيم، وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم، وبئس ما استعاضوا ~~واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله، الكفر به وبكتبه وبرسله، مع ~~علمهم وتيقنهم، فيكون أعظم لعذابهم. ### || [2.91-93] # أي: وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله، وهو القرآن، ~~استكبروا وعتوا، و { قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ~~ويكفرون بما ورآءه } أي: بما سواه من الكتب، مع أن الواجب أن ~~يؤمن بما أنزل الله مطلقا، سواء أنزل عليهم أو على غيرهم، وهذا هو ~~الإيمان النافع، الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله. وأما التفريق ~~بين الرسل والكتب، وزعم الإيمان ببعضها دون بعض، فهذا ليس بإيمان، بل هو ~~الكفر بعينه، ولهذا قال تعالى: # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا # [النساء: 150-151]. ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا، ~~وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: ~~{ وهو الحق } فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من ~~الإخبارات والأوامر والنواهي، وهو من عند ربهم، فالكفر به بعد ذلك كفر ~~بالله، وكفر بالحق الذي أنزله. ثم قال: { مصدقا لما معهم } ~~أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه. فلم تؤمنون بما ~~أنزل عليكم، وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى؟ ~~وأيضا، فإن كون القرآن مصدقا لما معهم، يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في ~~أيديهم من الكتب، فلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به ms0039 ~~وجحدوه، صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها، ولا تتم ~~دعواه إلا بسلامة بينته، ثم يأتي هو لبينته وحجته فيقدح فيها ويكذب بها، ~~أليس هذا من الحماقة والجنون؟ فكان كفرهم بالقرآن، كفرا بما في أيديهم ~~ونقضا له. ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: { ~~قل } لهم: { فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين * ولقد جآءكم موسى بالبينات } ~~أي: بالأدلة الواضحات المبينة للحق { ثم اتخذتم العجل من ~~بعده } أي: بعد مجيئه { وأنتم ظالمون } في ذلك ليس لكم عذر. ~~{ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ~~خذوا مآ ءاتينكم بقوة واسمعوا } أي: سماع قبول وطاعة ~~واستجابة، { قالوا سمعنا وعصينا } أي: صارت هذه حالتهم { ~~وأشربوا في قلوبهم العجل } أي: صبغ حب العجل وحب عبادته ~~في قلوبهم، وتشربها بسبب كفرهم. { قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين } أي: أنتم تدعون الإيمان ~~وتتمدحون بالدين الحق، وأنتم قتلتم أنبياء الله، واتخذتم العجل إلها من ~~دون الله لما غاب عنكم موسى، نبي الله، ولم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا ~~بعد التهديد ورفع الطور فوقكم، فالتزمتم بالقول ونقضتم بالفعل، فما هذا ~~الإيمان الذي ادعيتم، وما هذا الدين؟ فإن كان هذا إيمانا على زعمكم، ~~فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان، والكفر برسل الله، وكثرة ~~العصيان، وقد عهد أن الإيمان الصحيح يأمر صاحبه بكل خير، وينهاه عن كل ~~شر، فوضح بهذا كذبهم، وتبين تناقضهم. ### || [2.94-96] # أي: { قل } لهم على وجه تصحيح دعواهم: { إن كانت لكم الدار ~~الآخرة } يعني الجنة { خالصة من دون الناس } كما زعمتم أنه ~~لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما ~~معدودة، فإن كنتم صادقين بهذه الدعوى { فتمنوا الموت } وهذا ~~نوع مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس بعد هذا ~~الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم، إلا أحد أمرين: إما أن يؤمنوا ~~بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم، وهو تمني ~~الموت الذي يوصلهم إلى ms0040 الدار التي هي خالصة لهم، فامتنعوا من ذلك. فعلم ~~كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله، مع علمهم بذلك، ~~ولهذا قال تعالى { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم } من الكفر والمعاصي، لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى ~~المجازاة بأعمالهم الخبيثة، فالموت أكره شيء إليهم، وهم أحرص على الحياة ~~من كل أحد من الناس، حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل ~~والكتب. ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا فقال: { يود أحدهم لو ~~يعمر ألف سنة } وهذا أبلغ ما يكون من الحرص، تمنوا حالة هي من ~~المحالات، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور، لم يغن عنهم شيئا ولا دفع ~~عنهم من العذاب شيئا. { والله بصير بما يعملون } تهديد لهم ~~على المجازاة بأعمالهم. ### || [2.97-98] # أي: قل لهؤلاء اليهود الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك، أن وليك ~~جبريل عليه السلام، ولو كان غيره من ملائكة الله، لآمنوا بك وصدقوا، إن ~~هذا الزعم منكم تناقض وتهافت، وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو ~~الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء ~~قبلك، والله هو الذي أمره وأرسله بذلك، فهو رسول محض. مع أن هذا الكتاب ~~الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب، غير مخالف لها ولا مناقض، ~~وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي ~~والأخروي لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك كفر بالله وآياته، ~~وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل لا لذاته، بل لما ينزل ~~به من عند الله من الحق على رسل الله. فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله ~~وأرسله، والذي أرسل به، والذي أرسل إليه، فهذا وجه ذلك. ### || [2.99] # يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ولقد أنزلنآ إليك آيات ~~بينات } تحصل بها الهداية لمن استهدى، وإقامة الحجة على من عاند، ~~وهي في الوضوح والدلالة على الحق، قد بلغت مبلغا عظيما، ووصلت إلى حالة ~~لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله، وخرج عن طاعة الله، ms0041 واستكبر ~~غاية التكبر. ### || [2.100] # وهذا فيه التعجيب من كثرة معاهداتهم، وعدم صبرهم على الوفاء بها. ف " ~~كلما " تفيد التكرار، فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما السبب ~~في ذلك؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض ~~العهود، ولو صدق إيمانهم، لكانوا مثل من قال الله فيهم: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه # [الأحزاب: 23]. ### || [2.101-103] # أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما ~~معهم، وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم، فلما كفروا بهذا الرسول وبما ~~جاء به { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب ~~الله } الذي أنزل إليهم أي: طرحوه رغبة عنه { ورآء ظهورهم } ~~وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه، ~~وحقية ما جاء به. تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في ~~أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول، فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من ~~حيث لا يشعرون. ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ~~ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ~~ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ~~ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة ~~الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه، ابتلي بالذل للعبيد، ومن ~~ترك الحق ابتلي بالباطل. كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ~~ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين ~~للناس السحر، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله، وبه حصل له ~~الملك العظيم. وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان، بل نزهه الصادق ~~في قيله: { وما كفر سليمن } أي: بتعلم السحر، فلم يتعلمه، { ~~ولكن الشيطين كفروا } بذلك. { يعلمون الناس ~~السحر } من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود ~~السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل ~~عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم ms0042 السحر. { وما ~~يعلمان من أحد حتى } ينصحاه، و { يقولا إنما ~~نحن فتنة فلا تكفر } أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه ~~عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس ~~والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، ~~وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة. فهؤلاء اليهود ~~يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا ~~علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما ~~يناسبه. ثم ذكر مفاسد السحر، فقال: { فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه } مع أن محبة الزوجين لا ~~تقاس بمحبة غيرهما، لأن الله قال في حقهما: # وجعل بينكم مودة ورحمة # [الروم: 21] وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، ~~أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما ~~في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: # فإنه نزله على قلبك بإذن الله # [البقرة: 97] وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة ~~التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف ~~في هذا الأصل أحد من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها ~~مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله ~~وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين. ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة، ~~ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض ~~المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: # قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس وإثمهمآ ~~أكبر من نفعهما # [البقرة: 219] فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا، فالمنهيات كلها ~~إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها. كما أن المأمورات إما مصلحة محضة، ~~أو خيرها أكثر من شرها. { ولقد علموا } أي: اليهود { لمن ~~اشتراه } أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة. { ما له في ~~الآخرة من خلق } أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم ms0043 ~~إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. { ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } علما يثمر ~~العمل ما فعلوه. ### || [2.104-105] # كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: { ~~راعنا } أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود ~~يريدون بها معنى فاسدا، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ~~ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة سدا لهذا ~~الباب، ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب ~~واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ ~~القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة ~~لا تحتمل إلا الحسن فقال: { وقولوا انظرنا } فإنها كافية يحصل ~~بها المقصود من غير محذور، { واسمعوا } لم يذكر المسموع، ليعم ما ~~أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن، وسماع السنة التي هي الحكمة لفظا ~~ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة. ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم ~~الموجع، وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين، أنهم ما يودون { أن ~~ينزل عليكم من خير } أي: لا قليلا ولا كثيرا { من ~~ربكم } حسدا منهم، وبغضا لكم أن يختصكم بفضله، فإنه { ذو ~~الفضل العظيم } ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ~~ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فله الحمد والمنة. ### || [2.106-107] # النسخ: هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع إلى حكم آخر، ~~أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور ~~عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض. فأخبر الله تعالى عن حكمته ~~في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية { أو ننسها } أي: ننسها العباد، ~~فنزيلها من قلوبهم، { نأت بخير منها } وأنفع لكم { أو ~~مثلها }. فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول، لأن ~~فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة، التي سهل عليها دينها غاية ~~التسهيل. وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: { ~~ألم تعلم أن الله على كل شيء ms0044 قدير * ألم ~~تعلم أن الله له ملك السموت والأرض }. فإذا ~~كان مالكا لكم، متصرفا فيكم تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ~~ونواهيه، فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع ~~التقادير، كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام. فالعبد مدبر ~~مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية، فما له والاعتراض؟ وهو أيضا ولي ~~عباده ونصيرهم، فيتولاهم في تحصيل منافعهم، وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ~~ولايته لهم أن يشرع لهم من الأحكام ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم. ومن ~~تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ، عرف بذلك حكمة الله ورحمته ~~عباده، وإيصالهم إلى مصالحهم من حيث لا يشعرون بلطفه. ### || [2.108-110] # ينهى الله المؤمنين أو اليهود، بأن يسألوا رسولهم { كما سئل ~~موسى من قبل } والمراد بذلك أسئلة التعنت والاعتراض، كما قال ~~تعالى: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم # [المائدة: 101] فهذه ونحوها هي المنهي عنها. وأما سؤال الاسترشاد ~~والتعلم، فهذا محمود قد أمر الله به، كما قال تعالى # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] ويقررهم عليه، كما في قوله # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة:219] و # يسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220] ونحو ذلك. ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة، قد تصل ~~بصاحبها إلى الكفر، قال: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان ~~فقد ضل سوآء السبيل }. ثم أخبر عن حسد كثير من أهل ~~الكتاب، وأنهم بلغت بهم الحال أنهم ودوا { لو يردونكم من ~~بعد إيمانكم كفارا } وسعوا في ذلك، وأعملوا المكايد، وكيدهم ~~راجع عليهم، [كما] قال تعالى: # وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره لعلهم يرجعون # [آل عمران: 72] وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم. فأمرهم الله ~~بمقابلة من أساء إليهم غاية الإساءة بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله ~~بأمره. ثم بعد ذلك ms0045 أتى الله بأمره إياهم بالجهاد، فشفى الله أنفس ~~المؤمنين منهم، فقتلوا من قتلوا، واسترقوا من استرقوا، وأجلوا من أجلوا ~~{ إن الله على كل شيء قدير }. ثم أمرهم [الله] ~~بالاشتغال في الوقت الحاضر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وفعل كل ~~القربات، ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير، فإنه لا يضيع عند الله، بل ~~يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه { إن الله بما تعملون ~~بصير }. ### || [2.111-112] # أي: قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصارى، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني ~~غير مقبولة إلا بحجة وبرهان، فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهكذا كل من ادعى ~~دعوى لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، ~~وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي ~~يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان علم كذبهم بتلك ~~الدعوى. ثم ذكر تعالى البرهان الجلي العام لكل أحد، فقال: { بلى } أي: ~~ليس بأمانيكم ودعاويكم، ولكن { من أسلم وجهه لله } أي: أخلص ~~لله أعماله، متوجها إليه بقلبه، { وهو } مع إخلاصه { محسن } في ~~عبادة ربه، بأن عبده بشرعه، فأولئك هم أهل الجنة وحدهم. فلهم أجرهم عند ~~ربهم وهو الجنة بما اشتملت عليه من النعيم، { ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } فحصل لهم المرغوب، ونجوا من المرهوب. ويفهم ~~منها أن من ليس كذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل ~~الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول. ### || [2.113] # وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد إلى أن بعضهم ضلل بعضا، وكفر ~~بعضهم بعضا، كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم. فكل فرقة تضلل ~~الفرقة الأخرى، ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل، الذي ~~أخبر به عباده، فإنه لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء ~~والمرسلين، وامتثل أوامر ربه واجتنب نواهيه، ومن عداهم فهو هالك. ### || [2.114] # أي: لا أحد أظلم وأشد جرما، ممن منع مساجد الله عن ذكر ms0046 الله فيها، ~~وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات. { وسعى } أي: اجتهد وبذل وسعه { ~~في خرابهآ } الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها ~~وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام لكل ~~من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل وقريش، حين صدوا رسول الله ~~عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع ~~الظلمة الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة. فجازاهم الله، بأن منعهم ~~دخولها شرعا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم ~~الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله، لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا يسيرا، حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته، ~~فقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28]. وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط ~~الله عليهم المؤمنين، فأجلوهم عنه. وهكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أن ~~يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت ~~كما أخبر. واستدل العلماء بالآية الكريمة، على أنه لا يجوز تمكين الكفار ~~من دخول المساجد. لهم خزي في الدنيا أي: فضيحة كما تقدم، { ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم }. وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة ~~الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: # إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله ~~واليوم الآخر # [التوبة: 18]. بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال ~~تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه # [النور: 36]. وللمساجد أحكام كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات ~~الكريمة. ### || [2.115] # أي: { ولله المشرق والمغرب } ، خصهما بالذكر، لأنهما ~~محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، ~~كان مالكا لكل الجهات. { فأينما تولوا } وجوهكم من الجهات، ~~إذا كان توليكم إياها بأمره، إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم ~~مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في ms0047 السفر على الراحلة ~~ونحوها، فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة، فيتحرى الصلاة ~~إليها، ثم يتبين له الخطأ، أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه ~~الأمور، إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا. وبكل حال، فما ~~استقبل جهة من الجهات، خارجة عن ملك ربه { فثم وجه الله إن ~~الله واسع عليم } فيه إثبات الوجه لله تعالى، على الوجه اللائق ~~به تعالى، وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه، وهو - تعالى - واسع الفضل ~~والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم. فمن سعته وعلمه، وسع لكم الأمر، ~~وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر. ### || [2.116-117] # { وقالوا } أي: اليهود والنصارى والمشركون، وكل من قال ذلك: { ~~اتخذ الله ولدا } ، فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله، وأساؤوا كل ~~الإساءة، وظلموا أنفسهم. وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم، قد حلم عليهم، ~~وعافاهم، ورزقهم مع تنقصهم إياه. { سبحنه } ، أي: تنزه وتقدس عن ~~كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله. فسبحان من له ~~الكمال المطلق، من جميع الوجوه، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. ومع ~~رده لقولهم، أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك، فقال: { بل له ~~ما في السموت والأرض } أي: جميعهم ملكه وعبيده، يتصرف فيهم ~~تصرف المالك بالمماليك، وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا ~~كلهم عبيده، مفتقرين إليه، وهو غني عنهم، فكيف يكون منهم أحد، يكون له ~~ولدا، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، لأنه جزء منه. والله تعالى ~~المالك القاهر، وأنتم المملوكون المقهورون، وهو الغني وأنتم الفقراء، ~~فكيف مع هذا، يكون له ولد؟ هذا من أبطل الباطل وأسمجه. والقنوت نوعان: ~~قنوت عام: وهو قنوت الخلق كلهم، تحت تدبير الخالق، وخاص: وهو قنوت ~~العبادة. فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني: كما في قوله ~~تعالى: # وقوموا لله قنتين # [البقرة: 238]. ثم قال: { بديع السموت والأرض } أي: ~~خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق. { وإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ، فلا يستعصى عليه، ~~ولا ms0048 يمتنع منه. ### || [2.118-119] # أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم: هلا يكلمنا، كما كلم الرسل، { ~~أو تأتينآ آية } ، يعنون آيات الاقتراح، التي يقترحونها بعقولهم ~~الفاسدة، وآرائهم الكاسدة، التي تجرأوا بها على الخالق، واستكبروا على ~~رسله كقولهم: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55]، # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك # الآية [النساء: 153]، وقالوا: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو ~~يلقى إليه كنز أو تكون له جنة # [الفرقان: 7-8] الآيات وقوله: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # الآيات [الإسراء: 90]. فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا ~~آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاؤوا من ~~الآيات، بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا قال تعالى: { قد بينا ~~الآيات لقوم يوقنون }. فكل موقن، فقد عرف من آيات الله ~~الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب. ~~ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى ~~الله عليه وسلم، وصحة ما جاء به، فقال: { إنا أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا } ، فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، ~~وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ~~ودله، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني قد ~~دخلا في قوله: { إنا أرسلناك } ، والثالث دخل في قوله: { ~~بالحق }. وبيان الأمر الأول وهو - نفس إرساله - أنه قد علم حالة أهل ~~الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وما كانوا عليه من عبادة الأوثان ~~والنيران، والصلبان، وتبديلهم للأديان، حتى كانوا في ظلمة من الكفر، قد ~~عمتهم وشملتهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، قد انقرضوا قبيل البعثة. وقد ~~علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملا، لأنه حكيم عليم، ~~قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم، ~~يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، ms0049 ~~وهو آية كبيرة على أنه رسول الله، وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم معرفة تامة، وعرف سيرته وهديه قبل البعثة، ونشوءه على أكمل ~~الخصال، ثم من بعد ذلك قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة ~~للناظرين، فمن عرفها، وسبر أحواله، عرف أنها لا تكون إلا أخلاق ~~الأنبياء الكاملين، لأن الله تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة ~~أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه ~~وسلم من الشرع العظيم، والقرآن الكريم المشتمل على الإخبارات الصادقة، ~~والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة، فجميع الآيات ~~تدخل في هذه الثلاثة. قوله: { بشيرا } أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية ~~والأخروية، { نذيرا } لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي. { ~~ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } أي: لست مسؤولا عنهم، إنما ~~عليك البلاغ وعلينا الحساب. ### || [2.120] # يخبر تعالى رسوله أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى إلا باتباعه ~~دينهم، لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه الهدى، فقل لهم: ~~{ إن هدى الله } الذي أرسلت به { هو الهدى }. وأما ما أنتم ~~عليه، فهو الهوى، بدليل قوله { ولئن اتبعت أهوآءهم بعد ~~الذي جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير }. فهذا فيه النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى، ~~والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص ~~المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ### || [2.121-123] # يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب ومن عليهم به منة مطلقة، أنهم { ~~يتلونه حق تلاوته } أي: يتبعونه حق اتباعه، والتلاوة: ~~الاتباع، فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون ~~بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب، الذين عرفوا نعمة الله ~~وشكروها، وآمنوا بكل الرسل، ولم يفرقوا بين أحد منهم. فهؤلاء هم المؤمنون ~~حقا، لا من قال منهم: # نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه # [البقرة: 91]. ولهذا توعدهم بقوله: { ومن يكفر به فأولئك ~~هم ms0050 الخسرون } وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها. ### || [2.124-125] # يخبر تعالى عن عبده وخليله إبراهيم عليه السلام، المتفق على إمامته ~~وجلالته، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدعيه، بل وكذلك المشركون: أن ~~الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامر ونواهي، كما هي عادة الله في ~~ابتلائه لعباده، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان، من ~~الصادق، الذي ترتفع درجته، ويزيد قدره ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من ~~أجلهم في هذا المقام الخليل عليه السلام. فأتم ما ابتلاه الله به، ~~وأكمله ووفاه، فشكر الله له ذلك، ولم يزل الله شكورا، فقال: { إني ~~جاعلك للناس إماما } أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى ~~سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم والأجر الجزيل، والتعظيم من كل ~~أحد. وهذه - لعمر الله - أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام ~~شمر إليه العاملون، وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، ~~من كل صديق متبع لهم، داع إلى الله وإلى سبيله. فلما اغتبط إبراهيم ~~بهذا المقام وأدرك هذا، طلب ذلك لذريته لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا ~~أيضا من إمامته ونصحه لعباد الله، ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله ~~عظمة هذه الهمم العالية والمقامات السامية. فأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر ~~بالمانع من نيل هذا المقام، فقال: { لا ينال عهدي الظالمين } ~~أي: لا ينال الإمامة في الدين من ظلم نفسه وضرها، وحط قدرها، لمنافاة ~~الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه ~~على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل ~~السديدة، والمحبة التامة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟ ~~ودل مفهوم الآية أن غير الظالم سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه ~~بأسبابها. ثم ذكر تعالى، نموذجا باقيا دالا على إمامة إبراهيم، وهو ~~هذا البيت الحرام الذي جعل قصده ركنا من أركان الإسلام، حاطا للذنوب ~~والآثام. وفيه من آثار الخليل وذريته، ما عرف به إمامته، وتذكرت به ~~حالته، فقال: { وإذ جعلنا البيت مثابة } أي: مرجعا ~~يثوبون إليه، لحصول منافعهم الدينية والدنيوية، يترددون إليه ولا يقضون ~~منه ms0051 وطرا، { و } جعله { أمنا } يأمن به كل أحد، حتى الوحش، وحتى ~~الجمادات كالأشجار. ولهذا كانوا في الجاهلية - على شركهم - يحترمونه أشد ~~الاحترام، ويجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، فلما جاء الإسلام، ~~زاده حرمة وتعظيما وتشريفا وتكريما. { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي ~~قد جعل الآن مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا ركعتا الطواف، يستحب أن ~~تكونا خلف مقام إبراهيم، وعليه جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون المقام ~~مفردا مضافا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها: من ~~الطواف والسعي، والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار، والنحر، وغير ذلك من ~~أفعال الحج. # فيكون معنى قوله: { مصلى } أي: معبدا، أي: اقتدوا به في شعائر ~~الحج، ولعل هذا المعنى أولى، لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له. ~~{ وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل } أي: أوحينا إليهما، ~~وأمرناهما بتطهير بيت الله من الشرك، والكفر والمعاصي، ومن الرجس ~~والنجاسات والأقذار، ليكون { للطائفين } فيه { والعاكفين ~~والركع السجود } أي: المصلين، قدم الطواف، لاختصاصه بالمسجد ~~[الحرام]، ثم الاعتكاف لأن من شرطه المسجد مطلقا، ثم الصلاة مع أنها ~~أفضل، لهذا المعنى. وأضاف الباري البيت إليه لفوائد، منها: أن ذلك يقتضي ~~شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ~~ويستفرغان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ~~ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه. ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب ~~للقلوب إليه. ### || [2.126] # أي: وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت، أن يجعله الله بلدا آمنا، ويرزق أهله ~~من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين تأدبا مع ~~الله، إذ كان دعاؤه الأول فيه الإطلاق، فجاء الجواب فيه مقيدا بغير ~~الظالم. فلما دعا لهم بالرزق، وقيده بالمؤمن، وكان رزق الله شاملا ~~للمؤمن والكافر والعاصي والطائع، قال تعالى: { ومن كفر } أي: أرزقهم ~~كلهم، مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله، ثم ~~ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر فيتمتع فيها قليلا { ثم ~~أضطره } أي: ألجئه وأخرجه مكرها { إلى ms0052 عذاب النار ~~وبئس المصير }. ### || [2.127-129] # أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، ~~واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، ~~حتى إنهما مع هذا العمل دعوا الله أن يتقبل منهما عملهما، حتى يحصل ~~فيه النفع العميم. ودعوا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته خضوع ~~القلب، وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح. { وأرنا مناسكنا ~~} أي: علمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون ~~المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل ~~أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله والعبادات كلها، كما يدل ~~عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبدات الحج تغليبا ~~عرفيا، فيكون حاصل دعائهما يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل ~~الصالح، ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير ويحتاج إلى ~~التوبة، قالا: { وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم ~~}. { ربنا وابعث فيهم } أي: في ذريتنا { رسولا منهم } ~~ليكون أرفع لدرجتهما، ولينقادوا له، وليعرفوه حقيقة المعرفة. { يتلوا ~~عليهم آيتك } لفظا، وحفظا، وتحفيظا، { ويعلمهم ~~الكتب والحكمة } معنى. { ويزكيهم } بالتربية على ~~الأعمال الصالحة، والتبري من الأعمال الردية التي لا تزكي النفوس معها { ~~إنك أنت العزيز } أي: القاهر لكل شيء، الذي لا يمتنع على قوته ~~شيء { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك ابعث فيهم ~~هذا الرسول، فاستجاب الله لهما فبعث الله هذا الرسول الكريم، الذي رحم ~~الله به ذريتهما خاصة، وسائر الخلق عامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: # " أنا دعوة أبي إبراهيم ". # ولما عظم الله إبراهيم هذا التعظيم، وأخبر عن صفاته الكاملة، قال تعالى: ~~{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ~~ولقد اصطفيناه في الدنيا... }. ### || [2.130-134] # أي: ما يرغب { عن ملة إبراهيم } بعد ما عرف من فضله { إلا ~~من سفه نفسه } أي: جهلها وامتهنها ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة ~~المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم، ثم أخبر عن ~~حالته في الدنيا والآخرة فقال: { ولقد اصطفيناه في الدنيا ms0053 ~~} أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار. { ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين } الذين لهم أعلى الدرجات. ~~{ إذ قال له ربه أسلم قال } امتثالا لربه { أسلمت ~~لرب العالمين } إخلاصا وتوحيدا، ومحبة وإنابة، فكان التوحيد ~~لله نعته. ثم ورثه في ذريته ووصاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، ~~وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه. فأنتم - يا بني يعقوب - ~~قد وصاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء ~~قال: { يابني إن الله اصطفى لكم الدين } أي: اختاره ~~وتخيره لكم رحمة بكم، وإحسانا إليكم، فقوموا به واتصفوا بشرائعه، ~~وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، ~~لأن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه. ولما كان اليهود ~~يزعمون أنهم على ملة إبراهيم، ومن بعده يعقوب، قال تعالى منكرا عليهم: ~~{ أم كنتم شهدآء } أي: حضورا { إذ حضر يعقوب ~~الموت } أي: مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار، ولتقر ~~عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به: { ما تعبدون من بعدي }؟ ~~فأجابوه بما قرت به عينه فقالوا: { نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا } ~~فلا نشرك به شيئا، ولا نعدل به أحدا، { ونحن له مسلمون } ~~فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب، لأنهم لم ~~يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر الله عنه أنه وصى بنيه بالحنيفية ~~لا باليهودية. ثم قال تعالى: { تلك أمة قد خلت } أي: مضت { ~~لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } أي: كل له عمله، وكل ~~سيجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدا إلا إيمانه ~~وتقواه فاشتغالكم بهم وادعاؤكم أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر ~~فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل ~~تصلح للنجاة أم لا؟ ### || [2.135] # أي: دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم، زاعمين ~~أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال. قل له مجيبا جوابا شافيا: { بل } ~~نتبع ms0054 { ملة إبراهيم حنيفا } أي: مقبلا على الله، معرضا ~~عما سواه، قائما بالتوحيد، تاركا للشرك والتنديد. فهذا الذي في اتباعه ~~الهداية، وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية. ### || [2.136] # هذه الآية الكريمة قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به. واعلم أن ~~الإيمان الذي هو تصديق القلب التام بهذه الأصول، وإقراره المتضمن لأعمال ~~القلوب والجوارح، وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال ~~الصالحة كلها، فهي من الإيمان، وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيمان، دخل ~~فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام، إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما، ~~كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام اسما ~~للأعمال الظاهرة وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة، فقوله ~~تعالى: { قولوا } أي: بألسنتكم متواطئة عليها قلوبكم، وهذا هو القول ~~التام المترتب عليه الثواب والجزاء، فكما أن النطق باللسان بدون اعتقاد ~~القلب، نفاق وكفر، فالقول الخالي من العمل عمل القلب عديم التأثير، ~~قليل الفائدة، وإن كان العبد يؤجر عليه، إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان، ~~لكن فرق بين القول المجرد والمقترن به عمل القلب. وفي قوله: { قولوا ~~} إشارة إلى الإعلان بالعقيدة، والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين ~~وأساسه. وفي قوله: { آمنا } ونحوه مما فيه صدور الفعل منسوبا إلى ~~جميع الأمة إشارة إلى أنه يجب على الأمة، الاعتصام بحبل الله جميعا ~~والحث على الائتلاف، حتى يكون داعيهم واحدا، وعملهم متحدا، وفي ضمنه ~~النهي عن الافتراق، وفيه أن المؤمنين كالجسد الواحد. وفي قوله: { ~~قولوا آمنا بالله } إلخ، دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى ~~نفسه الإيمان على وجه التقييد، بل على وجوب ذلك، بخلاف قوله: " أنا مؤمن ~~" ونحوه، فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة، لما فيه من ~~تزكية النفس، والشهادة على نفسه بالإيمان. فقوله: { آمنا بالله } ~~أي: بأنه موجود، واحد أحد، متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص وعيب، ~~مستحق لإفراده بالعبادة كلها، وعدم الإشراك به في شيء منها، بوجه من ~~الوجوه. { ومآ أنزل إلينا } يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى: # وأنزل ms0055 الله عليك الكتاب والحكمة # [النساء: 113] فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله، من ~~صفات الباري، وصفات رسله، واليوم الآخر، والغيوب الماضية والمستقبلة، ~~والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية، وأحكام الجزاء وغير ~~ذلك. { ومآ أنزل إلى إبراهيم } إلى آخر الآية، فيه الإيمان ~~بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيمان بالأنبياء عموما، ~~وخصوصا ما نص عليه في الآية، لشرفهم، ولإتيانهم بالشرائع الكبار. ~~فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب أن يؤمن بهم على وجه العموم ~~والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل، وجب الإيمان به مفصلا. وقوله: { لا ~~نفرق بين أحد منهم } أي: بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية ~~المسلمين، التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين. # فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم - وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون ~~به من الرسل والكتب - فإنهم يكفرون بغيره، فيفرقون بين الرسل والكتب، ~~بعضها يؤمنون به، وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم تصديقهم، فإن الرسول ~~الذي زعموا أنهم قد آمنوا به، قد صدق سائر الرسل وخصوصا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا كذبوا محمدا، فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به، فيكون ~~كفرا برسولهم. وفي قوله: { وما أوتي النبيون من ربهم ~~} دلالة على أن عطية الدين هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية ~~والأخروية. لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال ونحو ~~ذلك، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع. وفيه أن الأنبياء ~~مبلغون عن الله، ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه، ليس لهم من ~~الأمر شيء. وفي قوله: { من ربهم } إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته ~~لعباده أن ينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، فلا تقتضي ربوبيته، ~~تركهم سدى ولا هملا. وإذا كان ما أوتي النبيون إنما هو من ربهم، ففيه ~~الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة، وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد ~~معرفة ما يدعون إليه، فالرسل لا يدعون إلا إلى لخير، ولا ينهون إلا عن كل ~~شر، وكل واحد منهم يصدق الآخر ويشهد له بالحق، من ms0056 غير تخالف ولا تناقض ~~لكونه من عند ربهم # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. وهذا بخلاف من ادعى النبوة، فلا بد أن يتناقضوا في ~~أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم، كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع وعرف ما ~~يدعون إليه. فلما بين تعالى جميع ما يؤمن به، عموما وخصوصا، وكان ~~القول لا يغني عن العمل، قال: { ونحن له مسلمون } أي: خاضعون ~~لعظمته، منقادون لعبادته بباطننا وظاهرنا، مخلصون له العبادة بدليل تقديم ~~المعمول، وهو { له } على العامل، وهو { مسلمون }. فقد اشتملت هذه ~~الآية الكريمة - على إيجازها واختصارها - على أنواع التوحيد الثلاثة: ~~توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على ~~الإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب، وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد ~~التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، ~~وعلى الفرق بين الرسل الصادقين، ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم ~~الباري عباده كيف يقولون، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة ~~بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء، وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون. ### || [2.137] # أي: فإن آمن أهل الكتاب { بمثل مآ آمنتم به } - يا معشر ~~المؤمنين - من جميع الرسل وجميع الكتب، الذين أول من دخل فيهم، وأولى ~~خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وأسلموا لله وحده، ولم ~~يفرقوا بين أحد من رسل الله { فقد اهتدوا } للصراط المستقيم، ~~الموصل لجنات النعيم، أي: فلا سبيل لهم إلى الهداية، إلا بهذا الإيمان، ~~لا كما زعموا بقولهم: " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " فزعموا أن الهداية ~~خاصة بما كانوا عليه، و " الهدى " هو العلم بالحق والعمل به، وضده ~~الضلال عن العلم والضلال عن العمل بعد العلم، وهو الشقاق الذي كانوا ~~عليه، لما تولوا وأعرضوا، فالمشاق: هو الذي يكون في شق والله ورسوله في ~~شق، ويلزم من المشاقة المحادة، والعداوة البليغة، التي من لوازمها، بذل ~~ما يقدرون عليه من أذية الرسول، فلهذا وعد الله رسوله، أن يكفيه إياهم، ~~لأنه السميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، العليم ms0057 بما ~~بين أيديهم وما خلفهم، بالغيب والشهادة، بالظواهر والبواطن، فإذا كان ~~كذلك، كفاك الله شرهم. وقد أنجز الله لرسوله وعده، وسلطه عليهم حتى قتل ~~بعضهم، وسبى بعضهم، وأجلى بعضهم، وشردهم كل مشرد. ففيه معجزة من معجزات ~~القرآن، وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه، فوقع طبق ما أخبر. ### || [2.138] # أي: الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قياما تاما بجميع أعماله ~~الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة ~~وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد ~~لأوامره، طوعا واختيارا ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ ~~التام للثوب الذي صار له صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث ~~الدين على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ومعالي الأمور، فلهذا قال - على ~~سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية -: { ومن أحسن من الله ~~صبغة } أي: لا أحسن صبغة من صبغته. وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين ~~لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصبغ، فقس الشيء بضده، فكيف ترى ~~في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا، أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، ~~فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخلق كامل، ونعت جليل، ويتخلى من ~~كل وصف قبيح، ورذيلة وعيب، فوصفه: الصدق في قوله وفعله، والصبر ~~والحلم، والعفة، والشجاعة، والإحسان القولي والفعلي، ومحبة الله وخشيته، ~~وخوفه ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود، والإحسان لعبيده، فقسه بعبد كفر ~~بربه وشرد عنه، وأقبل على غيره من المخلوقين فاتصف بالصفات القبيحة، من ~~الكفر، والشرك، والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدم العفة، والإساءة ~~إلى الخلق في أقواله وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحسان إلى عبيده. ~~فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما، ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة ~~الله، وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه. وفي قوله: { ~~ونحن له عابدون } بيان لهذه الصبغة، وهي القيام بهذين الأصلين: ~~الإخلاص والمتابعة، لأن " العبادة ": اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ~~من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك حتى يشرعها الله ~~على ms0058 لسان رسوله، والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده في تلك الأعمال، ~~فتقديم المعمول يؤذن بالحصر. وقال: { ونحن له عابدون } فوصفهم ~~باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار ليدل على اتصافهم بذلك وكونه ~~صار صبغة لهم ملازما. ### || [2.139] # المحاجة هي: المجادلة بين اثنين فأكثر، تتعلق بالمسائل الخلافية، حتى ~~يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله وإبطال قول خصمه، فكل واحد منهما ~~يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها أن تكون بالتي هي أحسن، ~~بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق، ويقيم الحجة على المعاند، ويوضح الحق، ~~ويبين الباطل، فإن خرجت عن هذه الأمور، كانت مماراة ومخاصمة لا خير فيها، ~~وأحدثت من الشر ما أحدثت، فكان أهل الكتاب يزعمون أنهم أولى بالله من ~~المسلمين، وهذا مجرد دعوى تفتقر إلى برهان ودليل. فإذا كان رب الجميع ~~واحدا، ليس ربا لكم دوننا، وكل منا ومنكم له عمله، فاستوينا نحن وإياكم ~~بذلك، فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره لأن التفريق ~~مع الاشتراك في الشيء، من غير فرق مؤثر دعوى باطلة، وتفريق بين متماثلين، ~~ومكابرة ظاهرة. وإنما يحصل التفضيل بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده، ~~وهذه الحالة وصف المؤمنين وحدهم، فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم لأن ~~الإخلاص هو الطريق إلى الخلاص، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء ~~الشيطان، بالأوصاف الحقيقية التي يسلمها أهل العقول، ولا ينازع فيها إلا ~~كل مكابر جهول، ففي هذه الآية إرشاد لطيف لطريق المحاجة، وأن الأمور ~~مبنية على الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين. ### || [2.140] # وهذه دعوى أخرى منهم، ومحاجة في رسل الله، زعموا أنهم أولى بهؤلاء الرسل ~~المذكورين من المسلمين. فرد الله عليهم بقوله: { أأنتم أعلم ~~أم الله } فالله يقول: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # [آل عمران: 67] وهم يقولون: بل كان يهوديا أو نصرانيا. فإما أن يكونوا ~~هم الصادقين العالمين، أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك، فأحد ~~الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم، ms0059 وهو في غاية الوضوح والبيان، ~~حتى إنه من وضوحه لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق، ونحو ذلك، ~~لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل: الليل أنور، أم النهار؟ والنار أحر أم ~~الماء؟ والشرك أحسن أم التوحيد؟ ونحو ذلك. وهذا يعرفه كل من له أدنى عقل، ~~حتى إنهم بأنفسهم يعرفون ذلك، ويعرفون أن إبراهيم وغيره من الأنبياء لم ~~يكونوا هودا ولا نصارى، فكتموا هذا العلم وهذه الشهادة، فلهذا كان ظلمهم ~~أعظم الظلم. ولهذا قال تعالى: { ومن أظلم ممن كتم ~~شهادة عنده من الله } فهي شهادة عندهم، مودعة من الله، لا من ~~الخلق، فيقتضي الاهتمام بإقامتها، فكتموها وأظهروا ضدها، جمعوا بين كتم ~~الحق وعدم النطق به، وإظهار الباطل والدعوة إليه، أليس هذا أعظم الظلم؟ ~~بلى والله، وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة، فلهذا قال: { وما الله ~~بغافل عما تعملون } بل قد أحصى أعمالهم وعدها وادخر لهم ~~جزاءها، فبئس الجزاء جزاؤهم، وبئست النار مثوى للظالمين، وهذه طريقة ~~القرآن في ذكر العلم والقدرة، عقب الآيات المتضمنة للأعمال التي يجازى ~~عليها. فيفيد ذلك الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ويفيد أيضا ذكر ~~الأسماء الحسنى بعد الأحكام، أن الأمر الديني والجزائي أثر من آثارها، ~~وموجب من موجباتها، وهي مقتضية له. ### || [2.141] # تقدم تفسيرها، وكررها لقطع التعلق بالمخلوقين، وأن المعول عليه ما ~~اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا ~~بالانتساب المجرد للرجال. ### || [2.142-143] # قد اشتملت الآية الأولى على: معجزة، وتسلية، وتطمين قلوب المؤمنين، ~~واعتراض، وجوابه من ثلاثة أوجه، وصفة المعترض، وصفة المسلم لحكم الله ~~ودينه. فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس، وهم الذين لا يعرفون ~~مصالح أنفسهم، بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن، وهم اليهود والنصارى، ~~ومن أشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه، وذلك أن المسلمين كانوا ~~مأمورين باستقبال بيت المقدس مدة مقامهم بمكة، ثم بعد الهجرة إلى ~~المدينة، نحو سنة ونصف - لما لله تعالى في ذلك من الحكم التي سيشير إلى ~~بعضها، وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة، فأخبرهم أنه لا بد أن ms0060 ~~يقول السفهاء من الناس: { ما ولهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها } وهي استقبال بيت المقدس، أي: أي شيء صرفهم عنه؟ ~~وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه وفضله وإحسانه، فسلاهم وأخبر ~~بوقوعه، وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه قليل العقل والحلم والديانة، فلا ~~تبالوا بهم، إذ قد علم مصدر هذا الكلام، فالعاقل لا يبالي باعتراض ~~السفيه، ولا يلقي له ذهنه. ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله ~~إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه ~~بالقبول والانقياد والتسليم، كما قال تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم # [الأحزاب: 36] # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم # الآية [النساء: 65]، # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا # [النور: 51] وقد كان في قوله { السفهآء } ما يغني عن رد قولهم وعدم ~~المبالاة به. ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة، حتى أزالها وكشفها ~~مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض، فقال تعالى: { قل } لهم مجيبا: { ~~لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم } أي: فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من ~~الجهات خارجة عن ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه ~~هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي: شيء يعترض ~~المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا ~~له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم، ~~وهدايته وإحسانه أن هداكم لذلك، فالمعترض عليكم، معترض على فضل الله ~~حسدا لكم وبغيا. ولما كان قوله: { يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم } والمطلق يحمل على المقيد، فإن الهداية والضلال، لهما ~~أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب ~~الهداية، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى، كما قال تعالى: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: ms0061 16] ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا ~~بجميع أنواع الهداية، ومنة الله عليها فقال: { وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا } أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت ~~الخطر، فجعل الله هذه الأمة وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، ~~بين من غلا فيهم كالنصارى، وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم ~~على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة لا تشديدات اليهود وآصارهم، ~~ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح ~~لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت ~~عليهم الطيبات عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا، ولا ~~يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، ~~وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم ~~عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ~~ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم والعدل والإحسان، ما لم ~~يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا { أمة وسطا } [كاملين] ليكونوا { ~~شهدآء على الناس } بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط، يحكمون على ~~الناس من سائر أهل الأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة ~~بالقبول فهو مقبول، وما شهدت له بالرد فهو مردود، فإن قيل: كيف يقبل ~~حكمهم على غيرهم، والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ ~~قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين لوجود التهمة، فأما إذا انتفت ~~التهمة، وحصلت العدالة التامة كما في هذه الأمة، فإنما المقصود الحكم ~~بالعدل والحق، وشرط ذلك العلم والعدل، وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل ~~قولها. فإن شك شاك في فضلها، وطلب مزكيا لها فهو أكمل الخلق نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: { ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا }. ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم أنه إذا كان يوم القيامة وسأل ~~الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء ~~بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها. وفي الآية دليل على ms0062 ~~أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ لإطلاق قوله: { ~~وسطا } فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا إلا في بعض ~~الأمور، ولقوله: { لتكونوا شهدآء على الناس } يقتضي أنهم ~~إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك. ~~وفيها اشتراط العدالة في الحكم والشهادة والفتيا، ونحو ذلك. يقول تعالى: ~~{ وما جعلنا القبلة التي كنت عليهآ } وهي استقبال ~~بيت المقدس أولا { إلا لنعلم } أي: علما يتعلق به الثواب ~~والعقاب، وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها. ولكن هذا العلم لا ~~يعلق عليه ثوابا ولا عقابا، لتمام عدله وإقامة الحجة على عباده، بل إذا ~~وجدت أعمالهم ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ~~ونمتحن { من يتبع الرسول } ويؤمن به، فيتبعه على كل حال، لأنه ~~عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة أنه يستقبل الكعبة، ~~فالمنصف الذي مقصوده الحق، مما يزيده ذلك إيمانا وطاعة للرسول. # وأما من انقلب على عقبيه، وأعرض عن الحق واتبع هواه، فإنه يزداد كفرا ~~إلى كفره، وحيرة إلى حيرته، ويدلي بالحجة الباطلة، المبنية على شبهة لا ~~حقيقة لها. { وإن كانت } أي: صرفك عنها { لكبيرة } أي: شاقة { ~~إلا على الذين هدى الله } فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم، ~~وشكروا وأقروا له بالإحسان حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم، الذي فضله ~~على سائر بقاع الأرض، وجعل قصده ركنا من أركان الإسلام، وهادما للذنوب ~~والآثام، فلهذا خف عليهم ذلك، وشق على من سواهم. ثم قال تعالى: { وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم } أي: ما ينبغي له ولا يليق به ~~تعالى، بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه ومستحيل أن يضيع ~~إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن من الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن ~~الله سيحفظ عليهم إيمانهم فلا يضيعه، وحفظه نوعان: حفظ عن الضياع ~~والبطلان بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة، ~~والأهواء الصادة، وحفظ له بتنميته لهم، وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم، ~~ويتم به إيقانهم، ms0063 فكما ابتدأكم بأن هداكم للإيمان، فسيحفظه لكم، ويتم ~~نعمته بتنميته وتنمية أجره وثوابه، وحفظه من كل مكدر، بل إذا وجدت المحن ~~المقصود منها تبيين المؤمن الصادق من الكاذب، فإنها تمحص المؤمنين، وتظهر ~~صدقهم، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله: { وما جعلنا ~~القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قد يكون سببا لترك بعض ~~المؤمنين إيمانهم، فدفع هذا الوهم بقوله: { وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم } بتقديره لهذه المحنة أو غيرها. ودخل في ذلك من ~~مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة، فإن الله لا يضيع إيمانهم، لكونهم ~~امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله امتثال أمره في كل ~~وقت بحسب ذلك، وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان ~~تدخل فيه أعمال الجوارح. وقوله: { إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم } أي: شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم أن يتم ~~عليهم نعمته التي ابتدأهم بها، وأن ميز عنهم من دخل في الإيمان بلسانه ~~دون قلبه، وأن امتحنهم امتحانا زاد به إيمانهم، وارتفعت به درجتهم، وأن ~~وجههم إلى أشرف البيوت، وأجلها. ### || [2.144] # يقول الله لنبيه: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء } ~~أي: كثرة تردده في جميع جهاته، شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال ~~الكعبة، وقال: { وجهك } ولم يقل: " بصرك " لزيادة اهتمامه، ولأن ~~تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر. { فلنولينك } أي: نوجهك ~~لولايتنا إياك، { قبلة ترضاها } أي: تحبها وهي الكعبة، وفي هذا ~~بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم، حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه، ~~ثم صرح له باستقبالها فقال: { فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام } والوجه: ما أقبل من بدن الإنسان، { وحيث ما كنتم } ~~أي: من بر وبحر، وشرق وغرب، جنوب وشمال. { فولوا وجوهكم ~~شطره } أي: جهته. ففيها اشتراط استقبال الكعبة للصلوات كلها، فرضها ~~ونفلها، وأنه إن أمكن استقبال عينها، وإلا فيكفي شطرها وجهتها، وأن ~~الالتفات بالبدن مبطل للصلاة، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولما ذكر ~~تعالى فيما تقدم المعترضين على ms0064 ذلك من أهل الكتاب وغيرهم، وذكر جوابهم، ~~ذكر هنا أن أهل الكتاب والعلم منهم يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر، لما ~~يجدونه في كتبهم، فيعترضون عنادا وبغيا، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا ~~تبالوا بذلك، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه، إذا كان الأمر ~~مشتبها، وكان ممكنا أن يكون معه صواب. فأما إذا تيقن أن الصواب والحق ~~مع المعترض عليه، وأن المعترض معاند، عارف ببطلان قوله، فإنه لا محل ~~للمبالاة، بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية، فلهذا قال ~~تعالى: { وما الله بغافل عما يعملون } بل يحفظ عليهم ~~أعمالهم، ويجازيهم عليها، وفيها وعيد للمعترضين، وتسلية للمؤمنين. ### || [2.145] # كان النبي صلى الله عليه وسلم من كمال حرصه على هداية الخلق يبذل لهم ~~غاية ما يقدر عليه من النصيحة، ويتلطف بهدايتهم، ويحزن إذا لم ينقادوا ~~لأمر الله، فكان من الكفار من تمرد عن أمر الله واستكبر على رسل الله، ~~وترك الهدى عمدا وعدوانا، فمنهم: اليهود والنصارى، أهل الكتاب الأول، ~~الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم عن يقين لا عن جهل، فلهذا أخبره ~~الله تعالى أنك لو { أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل ~~آية } أي: بكل برهان ودليل يوضح قولك، ويبين ما تدعو إليه، { ما ~~تبعوا قبلتك } أي: ما تبعوك، لأن اتباع القبلة دليل على اتباعه، ~~ولأن السبب هو شأن القبلة، وإنما كان الأمر كذلك لأنهم معاندون، عرفوا ~~الحق وتركوه، فالآيات إنما تفيد وينتفع بها من يتطلب الحق وهو مشتبه ~~عليه، فتوضح له الآيات البينات، وأما من جزم بعدم اتباع الحق، فلا حيلة ~~فيه. وأيضا فإن اختلافهم فيما بينهم حاصل، وبعضهم غير تابع قبلة بعض، ~~فليس بغريب منهم مع ذلك أن لا يتبعوا قبلتك يا محمد، وهم الأعداء حقيقة ~~الحسدة، وقوله: { ومآ أنت بتابع قبلتهم } أبلغ من قوله: " ~~ولا تتبع " لأن ذلك يتضمن أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بمخالفتهم، فلا ~~يمكن وقوع ذلك منه، ولم يقل: " ولو أتوا بكل آية " لأنهم لا دليل لهم على ~~قولهم. وكذلك إذا تبين الحق بأدلته ms0065 اليقينية، لم يلزم الإتيان بأجوبة ~~الشبه الواردة عليه، لأنها لا حد لها، ولأنه يعلم بطلانها، للعلم بأن كل ~~ما نافى الحق الواضح فهو باطل، فيكون حل الشبه من باب التبرع. { ولئن ~~اتبعت أهواءهم } إنما قال: " أهواءهم " ولم يقل " دينهم " لأن ~~ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ~~ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23]. { من بعد ما جآءك من العلم } بأنك على ~~الحق، وهم على الباطل، { إنك إذا } أي: إن اتبعتهم، فهذا احتراز ~~لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها، ولو في الأفهام، { لمن ~~الظالمين } أي: داخل فيهم، ومندرج في جملتهم، وأي ظلم أعظم من ظلم ~~من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق، وهذا وإن كان الخطاب له صلى ~~الله عليه وسلم، فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضا فإذا كان هو صلى الله عليه ~~وسلم لو فعل ذلك - وحاشاه - صار ظالما مع علو مرتبته، وكثرة حسناته، ~~فغيره من باب أولى وأحرى. ### || [2.146-147] # يخبر تعالى أن أهل الكتاب قد تقرر عندهم وعرفوا أن محمدا رسول الله، ~~وأن ما جاء به حق وصدق، وتيقنوا ذلك كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون ~~عليهم بغيرهم، فمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وصلت إلى حد لا يشكون ~~فيه ولا يمترون، ولكن فريقا منهم - وهم أكثرهم - الذين كفروا به، كتموا ~~هذه الشهادة مع تيقنها، وهم يعلمون # ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله # [البقرة: 140] وفي ضمن ذلك تسلية للرسول والمؤمنين، وتحذير لهم من شرهم ~~وشبههم، وفريق منهم لم يكتموا الحق وهم يعلمون، فمنهم من آمن [به] ومنهم ~~من كفر [به] جهلا فالعالم عليه إظهار الحق وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر ~~عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، ~~وتشيينه وتقبيحه للنفوس، بكل طريق مؤد لذلك، فهولاء الكاتمون عكسوا ~~الأمر، فانعكست أحوالهم. { الحق من ربك } أي: هذا الحق الذي هو ~~أحق أن يسمى حقا من كل شيء، ms0066 لما اشتمل عليه من المطالب العالية والأوامر ~~الحسنة، وتزكية النفوس وحثها على تحصيل مصالحها ودفع مفاسدها، لصدوره من ~~ربك، الذي من جملة تربيته لك أن أنزل عليك هذا القرآن الذي فيه تربية ~~العقول والنفوس، وجميع المصالح. { فلا تكونن من الممترين ~~} أي: فلا يحصل لك أدنى شك وريبة فيه، بل تفكر فيه وتأمل حتى تصل ~~بذلك إلى اليقين، لأن التفكر فيه لا محالة، دافع للشك، موصل لليقين. ### || [2.148] # أي: كل أهل دين وملة له وجهة يتوجه إليها في عبادته، وليس الشأن في ~~استقبال القبلة، فإنه من الشرائع التي تتغير بها الأزمنة والأحوال، ~~ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى جهة، ولكن الشأن كل الشأن في امتثال ~~طاعة الله، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده، فهذا هو عنوان السعادة ~~ومنشور الولاية، وهو الذي إذا لم تتصف به النفوس، حصلت لها خسارة الدنيا ~~والآخرة، كما أنها إذا اتصفت به فهي الرابحة على الحقيقة، وهذا أمر متفق ~~عليه في جميع الشرائع، وهو الذي خلق الله له الخلق، وأمرهم به. والأمر ~~بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق ~~إليها، يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة ~~إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات، فهو السابق في الآخرة إلى الجنات، ~~فالسابقون أعلى الخلق درجة، والخيرات تشمل جميع الفرائض والنوافل، من ~~صلاة وصيام وزكوات وحج وعمرة وجهاد، ونفع متعد وقاصر. ولما كان أقوى ما ~~يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها، ما رتب الله عليها من ~~الثواب، قال: { أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير } فيجمعكم ليوم القيامة ~~بقدرته، فيجازي كل عامل بعمله # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31]. ويستدل بهذه الآية الشريفة على الإتيان بكل فضيلة يتصف بها ~~العمل، كالصلاة في أول وقتها، والمبادرة إلى إبراء الذمة من الصيام، ~~والحج، والعمرة، وإخراج الزكاة، والإتيان بسنن العبادات وآدابها، فلله ما ~~أجمعها وأنفعها من آية!! ### || [2.149-150] # أي: { ومن حيث خرجت } في أسفارك وغيرها، وهذا للعموم ms0067 { ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام } أي: جهته. ثم خاطب ~~الأمة عموما فقال: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره } وقال: { وإنه للحق من ربك } أكده ب " إن " ~~واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا ~~الامتثال. { وما الله بغافل عما تعملون } بل هو مطلع ~~عليكم في جميع أحوالكم، فتأدبوا معه، وراقبوه بامتثال أوامره، واجتناب ~~نواهيه، فإن أعمالكم غير مغفول عنها، بل مجازون عليها أتم الجزاء، إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقال هنا: { لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة } أي: شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة، لينقطع عنكم ~~احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين، فإنه لو بقي مستقبلا بيت المقدس ~~لتوجهت عليه الحجة، فإن أهل الكتاب يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة، ~~هي الكعبة البيت الحرام، والمشركون يرون أن من مفاخرهم هذا البيت العظيم ~~وأنه من ملة إبراهيم وأنه إذا لم يستقبله محمد صلى الله عليه وسلم، توجهت ~~نحوه حججهم، وقالوا: كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم، وهو من ذريته، وقد ~~ترك استقبال قبلته؟ فباستقبال الكعبة قامت الحجة على أهل الكتاب ~~والمشركين، وانقطعت حججهم عليه. إلا من ظلم منهم، أي: من احتج منهم بحجة ~~هو ظالم فيها، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم، فهذا لا سبيل إلى ~~إقناعه والاحتجاج عليه، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على ~~سبيل الاحتجاج محلا يؤبه لها، ولا يلقى لها بال، فلهذا قال تعالى: { ~~فلا تخشوهم } لأن حجتهم باطلة، والباطل كاسمه مخذول، مخذول ~~صاحبه، وهذا بخلاف صاحب الحق، فإن للحق صولة وعزا، يوجب خشية من هو معه، ~~وأمر تعالى بخشيته التي هي أصل كل خير، فمن لم يخش الله لم ينكف عن ~~معصيته، ولم يمتثل أمره. وكان صرف المسلمين إلى الكعبة مما حصلت فيه فتنة ~~كبيرة، أشاعها أهل الكتاب والمنافقون والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام ~~والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من ~~التأكيدات التي تضمنتها هذه الآيات. منها: الأمر بها ثلاث مرات مع كفاية ~~المرة الواحدة، ms0068 ومنها: أن المعهود، أن الأمر إما أن يكون للرسول، فتدخل ~~فيه الأمة تبعا، أو للأمة عموما، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول ~~بالخصوص في قوله: { فول وجهك } والأمة عموما في قوله: { ~~فولوا وجوهكم }. ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة ~~التي أوردها أهل العناد، وأبطلها شبهة شبهة كما تقدم توضيحها، ومنها: أنه ~~قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب، ومنها قوله: { وإنه ~~للحق من ربك } فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع ~~هذا قال: { وإنه للحق من ربك }. # ومنها: أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم صحة ~~هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. ولما كان توليته لنا إلى ~~استقبال القبلة نعمة عظيمة، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته لم يزل يتزايد، ~~وكلما شرع لهم شريعة فهي نعمة عظيمة، قال: { ولأتم نعمتي ~~عليكم }. فأصل النعمة الهداية لدينه، بإرسال رسوله وإنزال كتابه، ثم ~~بعد ذلك، النعم المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة ولا تحصر، منذ بعث الله ~~رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم، ~~وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه وعليهم، وأنزل الله عليه: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3]. فلله الحمد على فضله، الذي لا نبلغ له عدا، فضلا عن ~~القيام بشكره، { ولعلكم تهتدون } أي: تعلمون الحق وتعملون ~~به، فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد، قد يسر لهم أسباب الهداية ~~غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى إن من ~~جملة ذلك أنه يقيض للحق المعاندين له فيجادلون فيه، فيتضح بذلك الحق، ~~وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه ~~في مقابلة الحق، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها تتبين الأشياء، ~~فلولا الليل ما عرف فضل النهار، ولولا القبيح ما عرف فضل الحسن، ولولا ~~الظلمة ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا، ~~فلله الحمد على ذلك. ### || [2.151-152] # يقول تعالى: إن ms0069 إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم ~~المتممة، ليس ذلك ببدع من إحساننا، ولا بأوله، بل أنعمنا عليكم بأصول ~~النعم ومتمماتها، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم، تعرفون ~~نسبه وصدقه وأمانته وكماله ونصحه. { يتلوا عليكم آياتنا } ~~وهذا يعم الآيات القرآنية وغيرها، فهو يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من ~~الباطل، والهدى من الضلال، التي دلتكم أولا على توحيد الله وكماله، ثم ~~على صدق رسوله ووجوب الإيمان به، ثم على جميع ما أخبر به من المعاد ~~والغيوب، حتى حصل لكم الهداية التامة والعلم اليقيني. { ويزكيكم } ~~أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن ~~الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتهم من الشرك إلى التوحيد، ومن الرياء إلى ~~الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى ~~التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع ~~إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية. { ~~ويعلمكم الكتاب } أي: القرآن، ألفاظه ومعانيه، { ~~والحكمة } قيل: هي السنة، وقيل: الحكمة: معرفة أسرار الشريعة ~~والفقه فيها، وتنزيل الأمور منازلها. فيكون - على هذا - تعليم السنة ~~داخلا في تعليم الكتاب، لأن السنة تبين القرآن وتفسره، وتعبر عنه، { ~~ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } لأنهم كانوا قبل ~~بعثته في ضلال مبين، لا علم ولا عمل، فكل علم أو عمل نالته هذه الأمة ~~فعلى يده صلى الله عليه وسلم وبسببه كان، فهذه النعم هي أصول النعم على ~~الإطلاق، ولهي أكبر نعم ينعم بها على عباده، فوظيفتهم شكر الله عليها ~~والقيام بها، فلهذا قال تعالى: { فاذكروني أذكركم } فأمر ~~تعالى بذكره، ووعد عليه أفضل جزاء، وهو ذكره لمن ذكره، كما قال تعالى على ~~لسان رسوله: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منهم ". # وذكر الله تعالى أفضله ما تواطأ عليه القلب واللسان، وهو الذكر الذي ~~يثمر معرفة الله ومحبته وكثرة ثوابه، والذكر هو رأس الشكر، فلهذا أمر به ~~خصوصا، ثم من بعده أمر بالشكر عموما، فقال: { واشكروا لي } أي: ~~على ما ms0070 أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون ~~بالقلب إقرارا بالنعم واعترافا، وباللسان ذكرا وثناء، وبالجوارح طاعة ~~لله وانقيادا لأمره واجتنابا لنهيه، فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، ~~وزيادة في النعم المفقودة، قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] وفي الإتيان بالأمر بالشكر، بعد النعم الدينية، من العلم ~~وتزكية الأخلاق والتوفيق للأعمال، بيان أنها أكبر النعم، بل هي النعم ~~الحقيقية التي تدوم إذا زال غيرها، وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل، أن ~~يشكروا الله على ذلك، ليزيدهم من فضله، وليندفع عنهم الإعجاب، فيشتغلوا ~~بالشكر. ولما كان الشكر ضده الكفر، نهى عن ضده، فقال: { ولا ~~تكفرون } المراد بالكفر هاهنا ما يقابل الشكر، فهو كفر النعم وجحدها ~~وعدم القيام بها، ويحتمل أن يكون المعنى عاما، فيكون الكفر أنواعا ~~كثيرة، أعظمه الكفر بالله، ثم أنواع المعاصي على اختلاف أنواعها وأجناسها ~~من الشرك فما دونه. ### || [2.153] # أمر الله تعالى المؤمنين بالاستعانة على أمورهم الدينية والدنيوية { ~~بالصبر والصلاة } فالصبر هو: حبس النفس وكفها عما تكره، فهو ~~ثلاثة أقسام: صبرها على طاعة الله حتى تؤديها، وعن معصية الله حتى ~~تتركها، وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها، فالصبر هو المعونة العظيمة ~~على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه، خصوصا الطاعات الشاقة ~~المستمرة، فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر، وتجرع المرارة ~~الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر فاز بالنجاح، وإن رده المكروه والمشقة عن ~~الصبر والملازمة عليها، لم يدرك شيئا وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية ~~التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا ~~يمكن تركها إلا بصبر عظيم وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله تعالى، واستعانة ~~بالله على العصمة منها، فإنها من الفتن الكبار. وكذلك البلاء الشاق ~~خصوصا إن استمر، فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية، ويوجد مقتضاها ~~وهو التسخط، إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله والتوكل عليه، واللجأ إليه ~~والافتقار على الدوام. فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد، بل مضطر إليه في ~~كل حالة من أحواله، فلهذا أمر الله ms0071 تعالى به، وأخبر أنه { مع ~~الصابرين } أي: مع من كان الصبر لهم خلقا وصفة، وملكة بمعونته ~~وتوفيقه وتسديده، فهانت عليهم بذلك المشاق والمكاره، وسهل عليهم كل عظيم، ~~وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة تقتضي محبته ومعونته ونصره وقربه، ~~وهذه [منقبة عظيمة] للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا ~~بهذه المعية من الله لكفى بها فضلا وشرفا، وأما المعية العامة فهي معية ~~العلم والقدرة، كما في قوله تعالى: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] وهذه عامة للخلق. وأمر تعالى بالاستعانة بالصلاة لأن الصلاة ~~هي عماد الدين ونور المؤمنين، وهي الصلة بين العبد وبين ربه، فإذا كانت ~~صلاة العبد صلاة كاملة، مجتمعا فيها ما يلزم فيها، وما يسن، وحصل فيها ~~حضور القلب الذي هو لبها، فصار العبد إذا دخل فيها استشعر دخوله على ربه، ~~ووقوفه بين يديه موقف العبد الخادم المتأدب، مستحضرا لكل ما يقوله وما ~~يفعله، مستغرقا بمناجاة ربه ودعائه لا جرم أن هذه الصلاة، من أكبر ~~المعونة على جميع الأمور، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولأن هذا ~~الحضور الذي يكون في الصلاة، يوجب للعبد في قلبه وصفا، وداعيا يدعوه ~~إلى امتثال أوامر ربه واجتناب نواهيه، هذه هي الصلاة التي أمر الله أن ~~نستعين بها على كل شيء. ### || [2.154] # لما ذكر تبارك وتعالى، الأمر بالاستعانة بالصبر على جميع الأمور، ذكر ~~نموذجا مما يستعان بالصبر عليه، وهو الجهاد في سبيله، وهو أفضل الطاعات ~~البدنية وأشقها على النفوس لمشقته في نفسه، ولكونه مؤديا للقتل وعدم ~~الحياة، التي إنما يرغب الراغبون في هذه الدنيا لحصول الحياة ولوازمها، ~~فكل ما يتصرفون به فإنه سعي لها، ودفع لما يضادها. ومن المعلوم أن ~~المحبوب لا يتركه العاقل إلا لمحبوب أعلى منه وأعظم، فأخبر تعالى: أن من ~~قتل في سبيله، بأن قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه ~~الظاهر، لا لغير ذلك من الأغراض، فإنه لم تفته الحياة المحبوبة، بل حصل ~~له حياة أعظم وأكمل مما تظنون وتحسبون. فالشهداء # أحياء عند ms0072 ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله ~~لا يضيع أجر المؤمنين # [آل عمران: 169 - 171]. فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله ~~تعالى، وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة، والرزق ~~الروحي، وهو الفرح والاستبشار، وزوال كل خوف وحزن، وهذه حياة برزخية أكمل ~~من الحياة الدنيا، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أرواح الشهداء ~~في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل ~~معلقة بالعرش. وفي هذه الآية أعظم حث على الجهاد في سبيل الله، وملازمة ~~الصبر عليه، فلو شعر العباد بما للمقتولين في سبيل الله من الثواب لم ~~يتخلف عنه أحد، ولكن عدم العلم اليقيني التام، هو الذي فتر العزائم، وزاد ~~نوم النائم، وأفات الأجور العظيمة والغنائم، لم لا يكون كذلك والله تعالى ~~قد: # اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن ~~لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون # [التوبة: 111]. فوالله لو كان للإنسان ألف نفس، تذهب نفسا فنفسا في ~~سبيل الله، لم يكن عظيما في جانب هذا الأجر العظيم، ولهذا لا يتمنى ~~الشهداء بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزائه إلا أن يردوا إلى الدنيا ~~حتى يقتلوا في سبيله مرة بعد مرة. وفي الآية، دليل على نعيم البرزخ ~~وعذابه، كما تكاثرت بذلك النصوص. ### || [2.155-157] # أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، ~~والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده لأن السراء لو استمرت لأهل ~~الإيمان، ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله ~~تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع ~~المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان ~~المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده { بشيء من ~~الخوف } من الأعداء { والجوع } أي: بشيء يسير منهما لأنه لو ~~ابتلاهم بالخوف ms0073 كله أو الجوع لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك. { ونقص ~~من الأموال } وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح ~~سماوية، وغرق وضياع، وأخذ الظلمة للأموال، من الملوك الظلمة وقطاع الطريق ~~وغير ذلك. { والأنفس } أي: ذهاب الأحباب من الأولاد والأقارب ~~والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، { ~~والثمرات } أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر ببرد ~~أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه. فهذه الأمور لا بد أن ~~تقع، لأن العليم الخبير أخبر بها، فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس ~~قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو ~~وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله ~~بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر ~~والرضا والشكران، وحصل [له] السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه ~~الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا ~~واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة ~~التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما ~~هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب، فلهذا قال ~~تعالى: { وبشر الصابرين } أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير ~~حساب، فالصابرين هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة والمنحة الجسيمة، ثم ~~وصفهم بقوله: { الذين إذآ أصابتهم مصيبة } وهي كل ما ~~يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. { قالوا إنا لله ~~} أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا ~~وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه ~~وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد علمه بأن وقوع ~~البلية من المالك الحكيم الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك الرضا عن ~~الله، والشكر له على تدبيره، لما هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع ~~أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، ms0074 ~~فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن ~~حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب ~~الصبر. # { أولئك } الموصوفون بالصبر المذكور { عليهم صلوات من ~~ربهم } أي: ثناء وتنويه بحالهم { ورحمة } عظيمة، ومن رحمته ~~إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، { وأولئك هم ~~المهتدون } الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله ~~وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله. ودلت هذه الآية على ~~أن من لم يصبر فله ضد ما لهم، فحصل له الذم من الله والعقوبة والضلال ~~والخسار، فما أعظم الفرق بين الفريقين وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء ~~الجازعين، فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل ~~وقوعها، لتخف وتسهل إذا وقعت، وبيان ما تقابل به إذا وقعت وهو الصبر، ~~وبيان ما يعين على الصبر، وما للصابر من الأجر، ويعلم حال غير الصابر بضد ~~حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان سنة الله التي قد خلت، ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا، وبيان أنواع المصائب. ### || [2.158] # يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان { من شعآئر الله } ~~أي: أعلام دينه الظاهرة، التي تعبد الله بها عباده، وإذا كانا من شعائر ~~الله، فقد أمر الله بتعظيم شعائره فقال: # ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب # [الحج: 32] فدل مجموع النصين أنهما من شعائر الله، وأن تعظيم شعائره ~~من تقوى القلوب. والتقوى واجبة على كل مكلف، وذلك يدل على أن السعي بهما ~~فرض لازم للحج والعمرة كما عليه الجمهور، ودلت عليه الأحاديث النبوية ~~وفعله النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: # " خذوا عني مناسككم ". # { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } هذا دفع لوهم من توهم وتحرج من المسلمين عن الطواف ~~بينهما، لكونهما في الجاهلية تعبد عندهما الأصنام، فنفى تعالى الجناح ~~لدفع هذا الوهم، لا لأنه غير لازم. ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما ~~في الحج والعمرة، أنه لا يتطوع بالسعي مفردا إلا ms0075 مع انضمامه لحج أو ~~عمرة، بخلاف الطواف بالبيت، فإنه يشرع مع العمرة والحج، وهو عبادة مفردة. ~~فأما السعي والوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، فإنها تتبع النسك، فلو ~~فعلت غير تابعة للنسك كانت بدعة، لأن البدعة نوعان: نوع يتعبد لله بعبادة ~~لم يشرعها أصلا، ونوع يتعبد له بعبادة قد شرعها على صفة مخصوصة، فتفعل ~~على غير تلك الصفة وهذا منه. وقوله: { ومن تطوع } أي: فعل طاعة ~~مخلصا بها لله تعالى { خيرا } من حج، وعمرة، وطواف، وصلاة، وصوم وغير ~~ذلك # فهو خير له # [البقرة: 184] فدل هذا على أنه كلما ازداد العبد من طاعة الله، ازداد ~~خيره وكماله ودرجته عند الله، لزيادة إيمانه. ودل تقييد التطوع بالخير، ~~أن من تطوع بالبدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا ~~العناء، وليس بخير له، بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم ~~مشروعية العمل. { فإن الله شاكر عليم } الشاكر والشكور من ~~أسماء الله تعالى، الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه ~~العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره وامتثل طاعته، أعانه على ~~ذلك، وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورا وإيمانا وسعة، وفي بدنه ~~قوة ونشاطا، وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة ~~توفيق. ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا، لم ~~تنقصه هذه الأمور. ومن شكره لعبده، أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرا ~~منه، ومن تقرب منه شبرا تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا ~~تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، ومن عامله، ربح عليه ~~أضعافا مضاعفة. ومع أنه شاكر فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل، بحسب ~~نيته وإيمانه وتقواه، ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد فلا يضيعها، بل ~~يجدونها أوفر ما كانت، على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم. ### || [2.159-162] # هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب، وما كتموا من شأن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وصفاته، فإن حكمها عام لكل من ms0076 اتصف بكتمان ما أنزل الله { ~~من البينات } الدالات على الحق المظهرات له، { والهدى } وهو ~~العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل ~~النعيم من طريق أهل الجحيم، فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم بأن ~~يبينوا الناس ما من الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه، فمن نبذ ~~ذلك وجمع بين المفسدتين: كتم ما أنزل الله، والغش لعباد الله، فأولئك { ~~يلعنهم الله } أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته. { ~~ويلعنهم اللاعنون } وهم جميع الخليقة، فتقع عليهم اللعنة من ~~جميع الخليقة، لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم، وإبعادهم من رحمة الله، ~~فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير يصلي الله عليه وملائكته، ~~حتى الحوت في جوف الماء، لسعيه في مصلحة الخلق وإصلاح أديانهم، وقربهم من ~~رحمة الله، فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله، مضاد لأمر الله ~~مشاق لله، يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها ويعميها، فهذا ~~عليه هذا الوعيد الشديد. { إلا الذين تابوا } أي: رجعوا عما هم ~~عليه من الذنوب ندما وإقلاعا، وعزما على عدم المعاودة، { ~~وأصلحوا } ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل ~~الحسن. ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضا، حتى يبين ما كتمه، ويبدي ضد ما ~~أخفى، فهذا يتوب الله عليه، لأن توبة الله غير محجوب عنها، فمن أتى بسبب ~~التوبة تاب الله عليه، لأنه { التواب } أي: الرجاع على عباده بالعفو ~~والصفح بعد الذنب إذا تابوا، وبالإحسان والنعم بعد المنع إذا رجعوا، { ~~الرحيم } الذي اتصف بالرحمة العظيمة التي وسعت كل شيء، ومن رحمته أن ~~وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا، ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم، لطفا ~~وكرما، هذا حكم التائب من الذنب. وأما من كفر واستمر على كفره حتى مات ~~ولم يرجع إلى ربه، ولم ينب إليه ولم يتب عن قريب، فأولئك { عليهم ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } لأنه لما ~~صار كفرهم وصفا ثابتا، صارت اللعنة عليهم وصفا ثابتا لا تزول، لأن ~~الحكم يدور مع علته، ms0077 وجودا وعدما. { خالدين فيها } أي: في ~~اللعنة، أو في العذاب والمعنيان متلازمان. { لا يخفف عنهم ~~العذاب } بل عذابهم دائم شديد مستمر { ولا هم ينظرون } أي: ~~يمهلون، لأن وقت الإمهال وهو الدنيا قد مضى، ولم يبق لهم عذر فيعتذرون. ### || [2.163] # يخبر تعالى - وهو أصدق القائلين - أنه { إله واحد } أي: متوحد ~~منفرد في ذاته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فليس له شريك في ذاته، ولا ~~سمي له ولا كفو له، ولا مثل ولا نظير، ولا خالق ولا مدبر غيره، فإذا ~~كان كذلك فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به ~~أحد من خلقه، لأنه { الرحمن الرحيم } المتصف بالرحمة العظيمة ~~التي لا يماثلها رحمة أحد، فقد وسعت كل شيء، وعمت كل حي، فبرحمته وجدت ~~المخلوقات، وبرحمته حصلت لها أنواع الكمالات، وبرحمته اندفع عنها كل ~~نقمة، وبرحمته عرف عباده نفسه بصفاته وآلائه، وبين لهم كل ما يحتاجون ~~إليه من مصالح دينهم ودنياهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب. فإذا علم أن ما ~~بالعباد من نعمة، فمن الله، وأن أحدا من المخلوقين لا ينفع أحدا، علم ~~أن الله هو المستحق لجميع أنواع العبادة، وأن يفرد بالمحبة والخوف ~~والرجاء والتعظيم والتوكل، وغير ذلك من أنواع الطاعات. وأن من أظلم ~~الظلم، وأقبح القبيح، أن يعدل عن عبادته إلى عبادة العبيد، وأن يشرك ~~المخلوق من تراب برب الأرباب، أو يعبد المخلوق المدبر العاجز من جميع ~~الوجوه مع الخالق المدبر القادر القوي، الذي قد قهر كل شيء ودان له كل ~~شيء. ففي هذه الآية إثبات وحدانية الباري وإلهيته، وتقريرها بنفيها عن ~~غيره من المخلوقين، وبيان أصل الدليل على ذلك وهو إثبات رحمته التي من ~~آثارها وجود جميع النعم، واندفاع [جميع] النقم، فهذا دليل إجمالي على ~~وحدانيته تعالى. ### || [2.164] # أخبر تعالى أن في هذه المخلوقات العظيمة آيات أي: أدلة على وحدانية ~~الباري وإلهيته، وعظيم سلطانه ورحمته، وسائر صفاته، ولكنها { لقوم ~~يعقلون } أي: لمن لهم عقول يعملونها فيما خلقت له، فعلى حسب ما من ~~الله على عبده من العقل، ينتفع بالآيات ويعرفها ms0078 بعقله وفكره وتدبره، ففي ~~{ خلق السموت } في ارتفاعها واتساعها، وإحكامها وإتقانها، وما ~~جعل الله فيها من الشمس والقمر والنجوم، وتنظيمها لمصالح العباد. وفي خلق ~~{ الأرض } مهادا للخلق، يمكنهم القرار عليها والانتفاع بما عليها، ~~والاعتبار. ما يدل ذلك على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير، وبيان ~~قدرته العظيمة التي بها خلقها، وحكمته التي بها أتقنها وأحسنها ونظمها، ~~وعلمه ورحمته التي بها أودع ما أودع، من منافع الخلق ومصالحهم، وضروراتهم ~~وحاجاتهم. وفي ذلك أبلغ الدليل على كماله، واستحقاقه أن يفرد بالعبادة، ~~لانفراده بالخلق والتدبير، والقيام بشئون عباده { و } في { اختلاف ~~الليل والنهار } وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما خلفه ~~الآخر، وفي اختلافهما في الحر والبرد والتوسط، وفي الطول والقصر والتوسط، ~~وما ينشأ عن ذلك من الفصول التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، ~~وجميع ما على وجه الأرض من أشجار ونوابت كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير ~~تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على ~~قدرة مصرفها وعلمه وحكمته ورحمته الواسعة ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره ~~الذي تفرد به، وعظمته وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ~~ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه. { ~~و } في { والفلك التي تجري في البحر } وهي السفن ~~والمراكب ونحوها، مما ألهم الله عباده صنعتها، وخلق لهم من الآلات ~~الداخلية والخارجية ما أقدرهم عليها. ثم سخر لها هذا البحر العظيم، ~~والرياح التي تحملها بما فيها من الركاب والأموال، والبضائع التي هي من ~~منافع الناس، وبما تقوم به مصالحهم وتنتظم معايشهم. فمن الذي ألهمهم ~~صنعتها وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي ~~سخر لها البحر تجري فيه بإذنه وتسخيره والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب ~~البرية والبحرية النار والمعادن المعينة على حملها وحمل ما فيها من ~~الأموال؟ فهل هذه الأمور، حصلت اتفاقا، أم استقل بعملها هذا المخلوق ~~الضعيف العاجز، الذي خرج من بطن أمه لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه ~~القدرة وعلمه ما ms0079 يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد حكيم عليم، لا ~~يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته، واستكانت ~~لعظمته، وخضعت لجبروته. وغاية العبد الضعيف، أن جعله الله جزءا من أجزاء ~~الأسباب، التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله ~~وعنايته بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع ~~الطاعة، والذل والتعظيم. # { ومآ أنزل الله من السمآء من مآء } وهو المطر النازل ~~من السحاب. { فأحيا به الأرض بعد موتها } فأظهرت من ~~أنواع الأقوات وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق التي لا يعيشون ~~بدونها. أليس ذلك دليلا على قدرة من أنزله وأخرج به ما أخرج، ورحمته ~~ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ ~~أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلا على إحياء ~~الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ { وبث فيها } أي: في الأرض { من كل ~~دآبة } أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، ما هو دليل على ~~قدرته وعظمته، ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس، ينتفعون بها ~~بجميع وجوه الانتفاع. فمنها: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ~~ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ~~ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل ~~بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ~~ومستودعها. وفي { وتصريف الرياح } باردة وحارة، وجنوبا وشمالا ~~وشرقا ودبورا، وبين ذلك، وتارة تثير السحاب، وتارة تؤلف بينه، وتارة ~~تلقحه، وتارة تدره، وتارة تمزقه، وتزيل ضرره، وتارة تكون رحمة، وتارة ~~ترسل بالعذاب. فمن الذي صرفها هذا التصريف، وأودع فيها من منافع العباد ~~ما لا يستغنون عنه؟ وسخرها ليعيش فيها جميع الحيوانات، وتصلح الأبدان ~~والأشجار، والحبوب والنوابت، إلا العزيز الحكيم الرحيم، اللطيف بعباده، ~~المستحق لكل ذل وخضوع ومحبة وإنابة وعبادة؟ وفي تسخير السحاب بين السماء ~~والأرض على خفته ولطافته يحمل الماء الكثير، فيسوقه الله إلى حيث شاء، ~~فيحيي به البلاد ms0080 والعباد، ويروي التلول والوهاد، وينزله على الخلق وقت ~~حاجتهم إليه، فإذا كان يضرهم كثرته أمسكه عنهم، فينزله رحمة ولطفا، ~~ويصرفه عناية وعطفا، فما أعظم سلطانه، وأغزر إحسانه، وألطف امتنانه!! ~~أليس من القبيح بالعباد أن يتمتعوا برزقه، ويعيشوا ببره، وهم يستعينون ~~بذلك على مساخطه ومعاصيه؟ أليس ذلك دليلا على حلمه وصبره وعفوه وصفحه، ~~وعميم لطفه؟ فله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. والحاصل أنه كلما ~~تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد ~~تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة، علم بذلك أنها خلقت ~~للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن ~~نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس ~~لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها. فتعرف أن العالم العلوي ~~والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع ~~المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه. ### || [2.165-167] # ما أحسن اتصال هذه الآية بما قبلها، فإنه تعالى لما بين وحدانيته ~~وأدلتها القاطعة، وبراهينها الساطعة الموصلة إلى علم اليقين، المزيلة لكل ~~شك، ذكر هنا أن { من الناس } مع هذا البيان التام من يتخذ من ~~المخلوقين أندادا لله، أي: نظراء ومثلاء، يساويهم في الله بالعبادة ~~والمحبة، والتعظيم والطاعة. ومن كان بهذه الحالة - بعد إقامة الحجة، ~~وبيان التوحيد - علم أنه معاند لله مشاق له، أو معرض عن تدبر آياته، ~~والتفكر في مخلوقاته، فليس له أدنى عذر في ذلك، بل قد حقت عليه كلمة ~~العذاب. وهؤلاء الذين يتخذون الأنداد مع الله، لا يسوونهم بالله في الخلق ~~والرزق والتدبير، وإنما يسوونهم به في العبادة، فيعبدونهم ليقربوهم إليه، ~~وفي قوله: { يتخذ } دليل على أنه ليس لله ند وإنما المشركون جعلوا ~~بعض المخلوقات أندادا له، تسمية مجردة، ولفظا فارغا من المعنى، كما ~~قال تعالى: # وجعلوا لله شركآء قل سموهم أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول # [الرعد: 33]. # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها ms0081 من سلطان إن يتبعون إلا الظن # [النجم: 23] فالمخلوق ليس ندا لله لأن الله هو الخالق وغيره مخلوق، ~~والرب الرازق ومن عداه مرزوق، والله هو الغني وأنتم الفقراء، وهو الكامل ~~من كل الوجوه، والعبيد ناقصون من جميع الوجوه، والله هو النافع الضار، ~~والمخلوق ليس له من النفع والضر والأمر شيء، فعلم علما يقينا بطلان قول ~~من اتخذ من دون الله آلهة وأندادا، سواء كان ملكا أو نبيا أو صالحا ~~أو صنما أو غير ذلك، وأن الله هو المستحق للمحبة الكاملة والذل التام، ~~فلهذا مدح الله المؤمنين بقوله: { والذين آمنوا أشد حبا ~~لله } أي: من أهل الأنداد لأندادهم، لأنهم أخلصوا محبتهم له، وهؤلاء ~~أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي ~~عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب ~~شيئا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره. فلهذا توعدهم الله ~~بقوله: { ولو يرى الذين ظلموا } باتخاذ الأنداد والانقياد ~~لغير رب العباد وظلموا الخلق بصدهم عن سبيل الله، وسعيهم فيما يضرهم. { ~~إذ يرون العذاب } أي: يوم القيامة عيانا بأبصارهم، { أن ~~القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب } أي: ~~لعلموا علما جازما أن القوة والقدرة لله كلها، وأن أندادهم ليس فيها من ~~القوة شيء، فيتبين لهم في ذلك اليوم ضعفها وعجزها، لا كما اشتبه عليهم في ~~الدنيا وظنوا أن لها من الأمر شيئا، وأنها تقربهم إليه وتوصلهم إليه، ~~فخاب ظنهم وبطل سعيهم، وحق عليهم شدة العذاب، ولم تدفع عنهم أندادهم ~~شيئا، ولم تغن عنهم مثقال ذرة من النفع، بل يحصل لهم الضرر منها من حيث ~~ظنوا نفعها. # وتبرأ المتبوعون من التابعين، وتقطعت بينهم الوصل التي كانت في ~~الدنيا، لأنها كانت لغير الله، وعلى غير أمر الله، ومتعلقة بالباطل الذي ~~لا حقيقة له، فاضمحلت أعمالهم، وتلاشت أحوالهم، وتبين لهم أنهم كانوا ~~كاذبين، وأن أعمالهم التي يؤملون نفعها وحصول نتيجتها انقلبت عليهم حسرة ~~وندامة، وأنهم خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، فهل بعد هذا ~~الخسران خسران؟ ذلك ms0082 بأنهم اتبعوا الباطل، فعملوا العمل الباطل ورجوا غير ~~مرجو، وتعلقوا بغير متعلق، فبطلت الأعمال ببطلان متعلقها، ولما بطلت وقعت ~~الحسرة بما فاتهم من الأمل فيها، فضرتهم غاية الضرر، وهذا بخلاف من تعلق ~~بالله الملك الحق المبين، وأخلص العمل لوجهه ورجا نفعه، فهذا قد وضع الحق ~~في موضعه، فكانت أعماله حقا لتعلقها بالحق، ففاز بنتيجة عمله، ووجد ~~جزاءه عند ربه، غير منقطع، كما قال تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل ~~أعملهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ~~ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم * ~~ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن ~~الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك ~~يضرب الله للناس أمثالهم # [محمد: 1-3]. وحينئذ يتمنى التابعون أن يردوا إلى الدنيا فيتبرأوا من ~~متبوعيهم، بأن يتركوا الشرك بالله ويقبلوا على إخلاص العمل لله، وهيهات، ~~فات الأمر، وليس الوقت وقت إمهال وإنظار، ومع هذا فهم كذبة، فلو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هو قول يقولونه وأماني يتمنونها، حنقا ~~وغيظا على المتبوعين لما تبرؤوا منهم والذنب ذنبهم، فرأس المتبوعين على ~~الشر إبليس، ومع هذا يقول لأتباعه لما قضي الأمر # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم # [إبراهيم: 22]. ### || [2.168-170] # هذا خطاب للناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، فامتن عليهم بأن أمرهم أن يأكلوا ~~من جميع ما في الأرض، من حبوب وثمار وفواكه وحيوانات، حالة كونها { ~~حلالا } أي: محللا لكم تناوله، ليس بغصب ولا سرقة، ولا محصلا ~~بمعاملة محرمة أو على وجه محرم، أو معينا على محرم. { طيبا } أي: ~~ليس بخبيث كالميتة والدم ولحم الخنزير، والخبائث كلها، ففي هذه الآية ~~دليل على أن الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا، وأن المحرم ~~نوعان: إما محرم لذاته، وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب، وإما محرم لما عرض ~~له، وهو المحرم لتعلق حق الله، أو حق عباده به، وهو ضد الحلال. وفيه دليل ~~على أن الأكل بقدر ms0083 ما يقيم البنية واجب، يأثم تاركه لظاهر الأمر، ولما ~~أمرهم باتباع ما أمرهم به - إذ هو عين صلاحهم - نهاهم عن اتباع { ~~خطوات الشيطان } أي: طرقه التي يأمر بها، وهي جميع المعاصي من ~~كفر وفسوق وظلم، ويدخل في ذلك تحريم السوائب والحام، ونحو ذلك، ويدخل فيه ~~أيضا تناول المأكولات المحرمة، { إنه لكم عدو مبين } أي: ~~ظاهر العداوة، فلا يريد بأمركم إلا غشكم، وأن تكونوا من أصحاب السعير، ~~فلم يكتف ربنا بنهينا عن اتباع خطواته، حتى أخبرنا - وهو أصدق القائلين - ~~بعداوته الداعية للحذر منه، ثم لم يكتف بذلك، حتى أخبرنا بتفصيل ما يأمر ~~به، وأنه أقبح الأشياء، وأعظمها مفسدة فقال: { إنما يأمركم ~~بالسوء } أي: الشر الذي يسوء صاحبه، فيدخل في ذلك جميع المعاصي، ~~فيكون قوله: { والفحشآء } من باب عطف الخاص على العام، لأن الفحشاء ~~من المعاصي، ما تناهى قبحه، كالزنا وشرب الخمر، والقتل، والقذف، والبخل، ~~ونحو ذلك مما يستفحشه من له عقل، { وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون } فيدخل في ذلك القول على الله بلا علم، في شرعه وقدره، ~~فمن وصف الله بغير ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو نفى عنه ما ~~أثبته لنفسه، أو أثبت له ما نفاه عن نفسه، فقد قال على الله بلا علم، ومن ~~زعم أن لله ندا، وأوثانا تقرب من عبدها من الله، فقد قال على الله بلا ~~علم، ومن قال: إن الله أحل كذا أو حرم كذا، أو أمر بكذا، أو نهى عن كذا، ~~بغير بصيرة، فقد قال على الله بلا علم، ومن قال: الله خلق هذا الصنف من ~~المخلوقات للعلة الفلانية بلا برهان له بذلك، فقد قال على الله بلا علم، ~~ومن أعظم القول على الله بلا علم، أن يتأول المتأول كلامه أو كلام رسوله ~~على معان اصطلح عليها طائفة من طوائف الضلال، ثم يقول: إن الله أرادها، ~~فالقول على الله بلا علم من أكبر المحرمات وأشملها وأكبر طرق الشيطان ~~التي يدعو إليها، فهذه طرق الشيطان التي يدعو إليها هو وجنوده، ms0084 ويبذلون ~~مكرهم وخداعهم على إغواء الخلق بما يقدرون عليه. # وأما الله تعالى فإنه يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي، فلينظر العبد نفسه مع أي الداعيين هو، ومن أي ~~الحزبين؟ أتتبع داعي الله الذي يريد لك الخير والسعادة الدنيوية ~~والأخروية، الذي كل الفلاح بطاعته، وكل الفوز في خدمته، وجميع الأرباح في ~~معاملته المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، الذي لا يأمر إلا بالخير، ولا ~~ينهى إلا عن الشر، أم تتبع داعي الشيطان، الذي هو عدو الإنسان، الذي يريد ~~لك الشر، ويسعى بجهده على إهلاكك في الدنيا والآخرة؟ الذي كل الشر في ~~طاعته، وكل الخسران في ولايته، الذي لا يأمر إلا بشر، ولا ينهى إلا عن ~~خير. ثم أخبر تعالى عن حال المشركين، إذا أمروا باتباع ما أنزل الله على ~~رسوله - مما تقدم وصفه - رغبوا عن ذلك وقالوا: { بل نتبع مآ ~~ألفينا عليه آبآءنآ } فاكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في ~~الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس وأشدهم ضلالا، وهذه شبهة ~~لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق ورغبتهم عنه، وعدم ~~إنصافهم، فلو هدوا لرشدهم وحسن قصدهم، لكان الحق هو القصد، ومن جعل الحق ~~قصده، ووازن بينه وبين غيره، تبين له الحق قطعا، واتبعه إن كان منصفا. ### || [2.171] # لما بين تعالى عدم انقيادهم لما جاءت به الرسل، وردهم لذلك بالتقليد، ~~علم من ذلك أنهم غير قابلين للحق ولا مستجيبين له، بل كان معلوما لكل ~~أحد أنهم لن يزولوا عن عنادهم، أخبر تعالى أن مثلهم عند دعاء الداعي لهم ~~إلى الإيمان كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول ~~راعيها ومناديها، فهم يسمعون مجرد الصوت الذي تقوم به عليهم الحجة، ~~ولكنهم لا يفقهونه فقها ينفعهم، فلهذا كانوا صما لا يسمعون الحق سماع ~~فهم وقبول، عميا لا ينظرون نظر اعتبار، بكما فلا ينطقون بما فيه خير ~~لهم. والسبب الموجب لذلك كله أنه ليس لهم عقل صحيح، بل هم أسفه السفهاء، ~~وأجهل الجهلاء. فهل يستريب العاقل، أن من ms0085 دعي إلى الرشاد، وذيد عن ~~الفساد، ونهي عن اقتحام العذاب، وأمر بما فيه صلاحه وفلاحه وفوزه ونعيمه، ~~فعصى الناصح وتولى عن أمر ربه، واقتحم النار على بصيرة، واتبع الباطل، ~~ونبذ الحق - أن هذا ليس له مسكة من عقل، وأنه لو اتصف بالمكر والخديعة ~~والدهاء فإنه من أسفه السفهاء. ### || [2.172-173] # هذا أمر للمؤمنين خاصة بعد الأمر العام، وذلك أنهم هم المنتفعون على ~~الحقيقة بالأوامر والنواهي بسبب إيمانهم، فأمرهم بأكل الطيبات من الرزق، ~~والشكر لله على إنعامه باستعمالها بطاعته، والتقوي بها على ما يوصل إليه، ~~فأمرهم بما أمر به المرسلين في قوله # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا # [المؤمنون: 51] فالشكر في هذه الآية هو العمل الصالح، وهنا لم يقل " ~~حلالا " لأن المؤمن أباح الله له الطيبات من الرزق خالصة من التبعة، ولأن ~~إيمانه يحجزه عن تناول ما ليس له. وقوله { إن كنتم إياه ~~تعبدون } أي: فاشكروه، فدل على أن من لم يشكر الله فلم يعبده وحده، ~~كما أن من شكره فقد عبده وأتى بما أمر به، ويدل أيضا على أن أكل الطيب ~~سبب للعمل الصالح وقبوله، والأمر بالشكر عقيب النعم لأن الشكر يحفظ النعم ~~الموجودة، ويجلب النعم المفقودة، كما أن الكفر ينفر النعم المفقودة ويزيل ~~النعم الموجودة. ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث، فقال { ~~إنما حرم عليكم الميتة } وهي ما مات بغير تذكية شرعية، ~~لأن الميتة خبيثة مضرة لرداءتها في نفسها، ولأن الأغلب أن تكون عن مرض، ~~فيكون زيادة ضرر، واستثنى الشارع من هذا العموم ميتة الجراد وسمك البحر، ~~فإنه حلال طيب. { والدم } أي: المسفوح كما قيد في الآية الأخرى. { ~~ومآ أهل به لغير الله } أي: ذبح لغير الله، كالذي يذبح ~~للأصنام والأوثان من الأحجار، والقبور ونحوها، وهذا المذكور غير حاصر ~~للمحرمات، جيء به لبيان أجناس الخبائث المدلول عليها بمفهوم قوله: { ~~طيبات } فعموم المحرمات تستفاد من الآية السابقة، من قوله: { ~~حلالا طيبا } كما تقدم. وإنما حرم علينا هذه الخبائث ونحوها، ~~لطفا بنا، وتنزيها عن المضر، ومع هذا { فمن اضطر ms0086 } أي: ألجئ إلى ~~المحرم، بجوع وعدم، أو إكراه، { غير باغ } أي: غير طالب للمحرم مع ~~قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، { ولا عاد } أي: متجاوز الحد في ~~تناول ما أبيح له اضطرارا، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر ~~الضرورة فلا يزيد عليها، { فلا إثم } [أي: جناح] عليه، وإذا ارتفع ~~الجناح الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة مأمور ~~بالأكل، بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه. فيجب، إذا ~~عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فيكون قاتلا لنفسه، وهذه ~~الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين ~~الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: { إن الله غفور ~~رحيم }. ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه ~~الحالة ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور، ~~فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه ~~المشقة. وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: " الضرورات تبيح ~~المحظورات " فكل محظور اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن. ~~[فله الحمد والشكر، أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا]. ### || [2.174-176] # هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله، من العلم الذي أخذ الله ~~الميثاق على أهله، أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فمن تعوض عنه بالحطام ~~الدنيوي ونبذ أمر الله، فأولئك: { ما يأكلون في بطونهم ~~إلا النار } لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه، إنما حصل لهم بأقبح ~~المكاسب وأعظم المحرمات، فكان جزاؤهم من جنس عملهم، { ولا ~~يكلمهم الله يوم القيامة } بل قد سخط عليهم وأعرض ~~عنهم، فهذا أعظم عليهم من عذاب النار، { ولا يزكيهم } أي: لا ~~يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء ~~عليها، وإنما لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها ~~العمل بكتاب الله، والاهتداء به، والدعوة إليه، فهؤلاء نبذوا كتاب الله ~~وأعرضوا عنه، واختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة، فهؤلاء ~~لا يصلح لهم إلا النار، فكيف يصبرون ms0087 عليها، وأنى لهم الجلد عليها؟!! { ~~ذلك } المذكور، وهو مجازاته بالعدل ومنعه أسباب الهداية، ممن أباها ~~واختار سواها. { بأن الله نزل الكتاب بالحق } ومن ~~الحق، مجازاة المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وأيضا ففي قوله: { ~~نزل الكتاب بالحق } ما يدل على أن الله أنزله لهداية خلقه، ~~وتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، فمن صرفه عن مقصوده فهو حقيق ~~بأن يجازى بأعظم العقوبة. { وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد } أي: وإن الذين اختلفوا في الكتاب، ~~فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، والذين حرفوه وصرفوه على أهوائهم ومراداتهم { ~~لفي شقاق } أي: محادة، { بعيد } عن الحق لأنهم قد خالفوا الكتاب ~~الذي جاء بالحق الموجب للاتفاق وعدم التناقض، فمرج أمرهم، وكثر شقاقهم، ~~وترتب على ذلك افتراقهم، بخلاف أهل الكتاب الذين آمنوا به، وحكموه في كل ~~شيء، فإنهم اتفقوا وارتفقوا بالمحبة والاجتماع عليه. وقد تضمنت هذه ~~الآيات الوعيد للكاتمين لما أنزل الله، المؤثرين عليه عرض الدنيا بالعذاب ~~والسخط، وأن الله لا يطهرهم بالتوفيق، ولا بالمغفرة، وذكر السبب في ذلك ~~بإيثارهم الضلالة على الهدى، فترتب على ذلك اختيار العذاب على المغفرة. ~~ثم توجع لهم بشدة صبرهم على النار، لعملهم بالأسباب التي يعلمون أنها ~~موصلة لها، وأن الكتاب مشتمل على الحق الموجب للاتفاق عليه، وعدم ~~الافتراق، وأن كل من خالفه فهو في غاية البعد عن الحق، والمنازعة ~~والمخاصمة، والله أعلم. ### || [2.177] # يقول تعالى: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب } أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد، ~~فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق ~~والخلاف، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: # " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " # ونحو ذلك. { ولكن البر من آمن بالله } أي: بأنه إله ~~واحد، موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص. { واليوم الآخر } وهو ~~كل ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به الرسول مما يكون بعد الموت. { ~~والملائكة } الذين وصفهم الله لنا في كتابه، ووصفهم رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، ms0088 { والكتاب } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على ~~رسوله، وأعظمها القرآن، فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، { ~~والنبيين } عموما، خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه ~~وسلم. { وآتى المال } وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلا كان ~~أو كثيرا، أي: أعطى المال { على حبه } أي: حب المال ، بين به ~~أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد. فمن أخرجه مع حبه له ~~تقربا إلى الله تعالى، كان هذا برهانا لإيمانه، ومن إيتاء المال على ~~حبه أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت ~~الصدقة عن قلة كانت أفضل، لأنه في هذه الحال يحب إمساكه، لما يتوهمه من ~~العدم والفقر. وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال ~~تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه. ثم ذكر المنفق عليهم، ~~وهم أولى الناس ببرك وإحسانك. من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم، وتفرح ~~بسرورهم، الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه تعاهد الأقارب ~~بالإحسان المالي والقولي، على حسب قربهم وحاجتهم. ومن اليتامى الذين لا ~~كاسب لهم، وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته [تعالى] بالعباد، ~~الدالة على أنه تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، فالله قد أوصى ~~العباد، وفرض عليهم في أموالهم الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن ~~لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل، فمن رحم يتيم غيره رحم ~~يتيمه. { والمساكين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلهم الفقر، فلهم ~~حق على الأغنياء بما يدفع مسكنتهم أو يخففها، بما يقدرون عليه وبما ~~يتيسر، { وابن السبيل } وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحث ~~الله عباده على إعطائه من المال ما يعينه على سفره، لكونه مظنة الحاجة، ~~وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته وخوله من نعمته، أن ~~يرحم أخاه الغريب الذي بهذه الصفة على حسب استطاعته، ولو بتزويده أو ~~إعطائه آلة لسفره، أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها. # { والسآئلين } أي: الذين ms0089 تعرض لهم حاجة من الحوائج توجب السؤال، ~~كمن ابتلي بأرش جناية، أو ضريبة عليه من ولاة الأمور، أو يسأل الناس ~~لتعمير المصالح العامة، كالمساجد والمدارس والقناطر، ونحو ذلك، فهذا له ~~حق وإن كان غنيا { وفي الرقاب } فيدخل فيه العتق والإعانة عليه، ~~وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده، وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة. { ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة } قد تقدم مرارا أن الله تعالى ~~يقرن بين الصلاة والزكاة، لكونهما أفضل العبادات وأكمل القربات، عبادات ~~قلبية وبدنية ومالية، وبهما يوزن الإيمان، ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان. ~~{ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } والعهد: هو الالتزام ~~بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه. فدخل في ذلك حقوق الله كلها، لكون ~~الله ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، ~~وحقوق العباد التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد ~~كالأيمان والنذور، ونحو ذلك. { والصابرين في البأسآء } أي: ~~الفقر، لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من ~~الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره. فإن تنعم الأغنياء ~~بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما ~~غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه ~~وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا ~~يقدر على دفعه تألم. فكل هذه ونحوها مصائب، يؤمر بالصبر عليها ~~والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها. { والضرآء } أي: المرض على ~~اختلاف أنواعه، من حمى وقروح ورياح ووجع عضو، حتى الضرس والإصبع ونحو ~~ذلك، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك لأن النفس تضعف والبدن يألم، وذلك في ~~غاية المشقة على النفوس، خصوصا مع تطاول ذلك، فإنه يؤمر بالصبر احتسابا ~~لثواب الله [تعالى]. { وحين البأس } أي: وقت القتال للأعداء ~~المأمور بقتالهم، لأن الجلاد يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان ~~من القتل أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا، ورجاء ~~لثواب الله [تعالى] الذي منه النصر والمعونة التي ms0090 وعدها الصابرين. { ~~أولئك } أي: المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي ~~آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقته ~~الإنسانية، فأولئك هم { الذين صدقوا } في إيمانهم، لأن أعمالهم ~~صدقت إيمانهم، { وأولئك هم المتقون } ، لأنهم تركوا ~~المحظور وفعلوا المأمور لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمنا ~~ولزوما، لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص ~~عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها، كان بما سواها أقوم، ~~فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون. وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور ~~الثلاثة من الثواب الدنيوي والأخروي، مما لا يمكن تفصيله في [مثل] هذا ~~الموضع. ### || [2.178-179] # يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم { القصاص في ~~القتلى } أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل ~~عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد. وتوجيه الخطاب لعموم ~~المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل، حتى ~~القاتل بنفسه، إعانة ولي المقتول إذا طلب القصاص، وتمكينه من القاتل، ~~وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما ~~عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين. ثم بين تفصيل ذلك، ~~فقال: { الحر بالحر } يدخل بمنطوقها الذكر بالذكر، { ~~والأنثى بالأنثى } والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، فيكون ~~منطوقها مقدما على مفهوم قوله: " الأنثى بالأنثى " مع دلالة السنة، على ~~أن الذكر يقتل بالأنثى، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان ~~بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله: { القصاص } ما يدل على أنه ~~ليس من العدل أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة ~~والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية ~~شديدة جدا من الولد له. وخرج من العموم أيضا الكافر بالسنة، مع أن ~~الآية في خطاب المؤمنين خاصة. وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله ~~بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمهما أو اختلفت، ودل ~~بمفهومها على أن ms0091 الحر لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى ~~بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم، فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم ~~وجه ذلك. وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن ~~الدية بدل عنه، فلهذا قال: { فمن عفي له من أخيه شيء } ~~أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه ~~يسقط القصاص وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي. ~~فإذا عفا عنه وجب على الولي، [أي: ولي المقتول] أن يتبع القاتل { ~~بالمعروف } من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن ~~الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه. وعلى القاتل { وأدآء إليه ~~بإحسان } من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء ~~الإحسان إليه بالعفو إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ~~ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه ~~الحق بالأداء بإحسان. وفي قوله: { فمن عفي له من أخيه } ~~ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا. وفي قوله: { ~~أخيه } دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة ~~الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي ~~دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه. # وإذا عفا أولياء المقتول، أو عفا بعضهم، احتقن دم القاتل، وصار معصوما ~~منهم ومن غيرهم، ولهذا قال: { فمن اعتدى بعد ذلك } أي: بعد ~~العفو { فله عذاب أليم } أي: في الآخرة، وأما قتله وعدمه فيؤخذ ~~مما تقدم، لأنه قتل مكافئا له، فيجب قتله بذلك. وأما من فسر العذاب ~~الأليم بالقتل، فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله، ولا يجوز العفو عنه، ~~وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول، لأن جنايته لا تزيد على جناية ~~غيره. ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: { ولكم ~~في القصاص حيوة } أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، ~~لأن من عرف أنه مقتول إذا ms0092 قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رؤي القاتل ~~مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم ~~يحصل انكفاف الشر الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من ~~النكاية والانزجار ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكر " الحياة " ~~لإفادة التعظيم والتكثير. ولما كان هذا الحكم لا يعرف حقيقته، إلا أهل ~~العقول الكاملة، والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على ~~أن الله تعالى يحب من عباده أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في ~~أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ~~ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي ~~الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا ~~وشرفا لقوم يعقلون. وقوله: { لعلكم تتقون } وذلك أن من عرف ~~ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات ~~الرفيعة، أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويعظم معاصيه فيتركها، فيستحق ~~بذلك أن يكون من المتقين. ### || [2.180-182] # أي: فرض الله عليكم يا معشر المؤمنين { إذا حضر أحدكم ~~الموت } أي: أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك، ~~وكان قد { ترك خيرا } [أي: مالا] وهو المال الكثير عرفا، فعليه ~~أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله من غير سرف، ~~ولا اقتصار على الأبعد دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا ~~أتى فيه بأفعل التفضيل. وقوله: { حقا على المتقين } دل على ~~وجوب ذلك، لأن الحق هو الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى. واعلم أن ~~جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث وبعضهم يرى أنها ~~في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك ~~دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ~~ردها الله تعالى إلى العرف الجاري. ثم إن الله تعالى قدر للوالدين ~~الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد ~~أن كان مجملا وبقي الحكم فيمن ms0093 لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث ~~وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء، وهم أحق ~~الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين ~~المتقدمين، لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا، واختلف ~~المورد. فبهذا الجمع، يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات، لأنه مهما أمكن ~~الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح. ولما كان ~~الموصي قد يمتنع من الوصية، لما يتوهمه أن من بعده قد يبدل ما وصى به، ~~قال تعالى: { فمن بدله } أي: الإيصاء للمذكورين أو غيرهم { بعد ~~ما سمعه } [أي:] بعدما عقله، وعرف طرقه وتنفيذه، { فإنما ~~إثمه على الذين يبدلونه } وإلا فالموصي وقع أجره على ~~الله، وإنما الإثم على المبدل المغير. { إن الله سميع } يسمع ~~سائر الأصوات، ومنه سماعه لمقالة الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب من ~~يسمعه ويراه، وأن لا يجور في وصيته، { عليم } بنيته، وعليم بعمل ~~الموصى إليه، فإذا اجتهد الموصي وعلم الله من نيته ذلك، أثابه ولو أخطأ، ~~وفيه التحذير للموصى إليه من التبديل، فإن الله عليم به، مطلع على ما ~~فعله، فليحذر من الله، هذا حكم الوصية العادلة، وأما الوصية التي فيها ~~حيف وجنف وإثم، فينبغي لمن حضر الموصي وقت الوصية بها، أن ينصحه بما هو ~~الأحسن والأعدل، وأن ينهاه عن الجور والجنف، وهو: الميل بها عن خطأ، من ~~غير تعمد، والإثم: وهو التعمد لذلك. فإن لم يفعل ذلك، فينبغي له أن يصلح ~~بين الموصى إليهم، ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة، ~~ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم، فهذا قد فعل معروفا عظيما، وليس عليهم إثم، ~~كما على مبدل الوصية الجائزة، ولهذا قال: { إن الله غفور } أي: ~~يغفر جميع الزلات، ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه، ومنه مغفرته لمن غض ~~من نفسه وترك بعض حقه لأخيه، لأن من سامح سامحه الله، غفور لميتهم الجائر ~~في وصيته إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته، رحيم بعباده، ~~حيث شرع لهم كل ms0094 أمر به يتراحمون ويتعاطفون، فدلت هذه الآيات على الحث ~~على الوصية، وعلى بيان من هي له، وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة، ~~والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة. ### || [2.183-185] # يخبر تعالى بما من به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على ~~الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل ~~زمان. وفيه تنشيط لهذه الأمة بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل ~~الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي ~~اختصيتم بها. ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام، فقال: { لعلكم ~~تتقون } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله ~~واجتناب نهيه. فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله ~~عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا ~~بذلك إلى الله، راجيا بتركها ثوابه، فهذا من التقوى. ومنها: أن الصائم ~~يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، ~~لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري ~~من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن ~~الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني ~~إذا ذاق ألم الجوع أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال ~~التقوى. ولما ذكر أنه فرض عليهم الصيام، أخبر أنه أيام معدودات، أي: ~~قليلة في غاية السهولة. ثم سهل تسهيلا آخر، فقال: { فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } وذلك ~~للمشقة في الغالب، رخص الله لهما في الفطر. ولما كان لا بد من حصول مصلحة ~~الصيام لكل مؤمن، أمرهما أن يقضياه في أيام أخر إذا زال المرض، وانقضى ~~السفر، وحصلت الراحة. وفي قوله: { فعدة من أيام } فيه دليل ~~على أنه يقضي عدد أيام رمضان، كاملا كان أو ناقصا وعلى أنه يجوز أن ~~يقضي أياما قصيرة باردة، عن أيام طويلة حارة كالعكس. وقوله: { وعلى ~~الذين يطيقونه } أي: يطيقون ms0095 الصيام { فدية } عن كل يوم ~~يفطرونه { طعام مسكين } وهذا في ابتداء فرض الصيام، لما كانوا غير ~~معتادين للصيام، وكان فرضه حتما فيه مشقة عليهم، درجهم الرب الحكيم ~~بأسهل طريق، وخير المطيق للصوم بين أن يصوم وهو أفضل أو يطعم، ولهذا ~~قال: { وأن تصوموا خير لكم }. ثم بعد ذلك جعل الصيام حتما ~~على المطيق، وغير المطيق، يفطر ويقضيه في أيام أخر [وقيل: { وعلى ~~الذين يطيقونه } أي: يتكلفونه، ويشق عليهم مشقة غير محتملة، ~~كالشيخ الكبير فدية عن كل يوم مسكين، وهذا هو الصحيح]. { شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن } أي: الصوم المفروض عليكم ~~هو شهر رمضان، الشهر العظيم الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، ~~وهو القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، ~~وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ~~وأهل السعادة وأهل الشقاوة. # فحقيق بشهر هذا فضله، وهذا إحسان الله عليكم فيه أن يكون موسما للعباد ~~مفروضا فيه الصيام. فلما قرره وبين فضيلته، وحكمة الله تعالى في ~~تخصيصه، قال: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } هذا فيه ~~تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر. ولما كان النسخ للتخيير بين ~~الصيام والفداء خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يتوهم أن الرخصة ~~أيضا منسوخة، [فقال] { يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر } أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى ~~رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أشد تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به ~~عباده في غاية السهولة في أصله. وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله ~~سهله تسهيلا آخر، إما بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات. وهذه جملة ~~لا يمكن تفصيلها لأن تفاصيلها جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص ~~والتخفيفات. { ولتكملوا العدة } وهذا - والله أعلم - لئلا ~~يتوهم متوهم، أن صيام رمضان يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم ~~بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله [تعالى] عند إتمامه على توفيقه وتسهيله ~~وتبيينه لعباده، وبالتكبير عند انقضائه، ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية ~~هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد. ### || [2.186] # هذا ms0096 جواب سؤال، سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقالوا: يا ~~رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزل: { وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب } لأنه تعالى الرقيب الشهيد، ~~المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو قريب ~~أيضا من داعيه بالإجابة، ولهذا قال: { أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان } والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. والقرب نوعان: قرب ~~بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق. ~~فمن دعا ربه بقلب حاضر ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل ~~الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة ~~الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية ~~والفعلية، والإيمان به الموجب للاستجابة، فلهذا قال: { ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } ~~أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول ~~عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله ~~والاستجابة لأمره سبب لحصول العلم، كما قال تعالى: # يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29]. ### || [2.187] # كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل ~~والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح ~~في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم ~~يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به. { فتاب } الله { عليكم } ~~بأن وسع لكم أمرا كان - لولا توسعته - موجبا للإثم { وعفا عنكم ~~} ما سلف من التخون. { فالآن } بعد هذه الرخصة والسعة من الله { ~~بشروهن } وطأ وقبلة ولمسا وغير ذلك. { وابتغوا ما كتب ~~الله لكم } أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى ~~والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، ~~وحصول مقاصد النكاح. ومما كتب الله لكم ليلة القدر، الموافقة لليالي صيام ~~رمضان، فلا ينبغي لكم أن تشتغلوا بهذه اللذة عنها وتضيعوها، فاللذة ~~مدركة، وليلة القدر إذا فاتت لم تدرك. { وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ms0097 الأسود من ~~الفجر } هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه ~~شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه. وفيه: دليل على استحباب السحور للأمر، ~~وأنه يستحب تأخيره أخذا من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد. وفيه ~~أيضا دليل على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ~~ويصح صيامه، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو ~~جنب، ولازم الحق حق. { ثم } إذا طلع الفجر { أتموا الصيام } ~~أي: الإمساك عن المفطرات { إلى الليل } وهو غروب الشمس ولما كان ~~إباحة الوطء في ليالي الصيام ليست إباحته عامة لكل أحد، فإن المعتكف لا ~~يحل له ذلك، استثناه بقوله: { ولا تبشروهن وأنتم ~~عكفون في المسجد } أي: وأنتم متصفون بذلك، ودلت الآية على ~~مشروعية الاعتكاف، وهو لزوم المسجد لطاعة الله [تعالى]، وانقطاعا إليه، ~~وأن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد. ويستفاد من تعريف المساجد، أنها ~~المساجد المعروفة عندهم، وهي التي تقام فيها الصلوات الخمس. وفيه أن ~~الوطء من مفسدات الاعتكاف. { تلك } المذكورات - وهو تحريم الأكل ~~والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير ~~المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات { حدود ~~الله } التي حدها لعباده، ونهاهم عنها، فقال: { فلا تقربوها } ~~أبلغ من قوله: " فلا تفعلوها " لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم ~~بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه. والعبد مأمور بترك المحرمات، ~~والبعد منها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها، وأما الأوامر فيقول ~~الله فيها: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] فينهى عن مجاوزتها. { كذلك } أي: بين [الله] لعباده ~~الأحكام السابقة أتم تبيين، وأوضحها لهم أكمل إيضاح. { يبين الله ~~ءايته للناس لعلهم يتقون } فإنهم إذا بان لهم الحق ~~اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على ~~وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس ~~آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببا للتقوى. ### || [2.188] # أي: ولا تأخذوا ms0098 أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم، لأنه ينبغي ~~للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله ولأن أكله ~~لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. ولما كان أكلها نوعين: ~~نوعا بحق، ونوعا بباطل، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل، قيده تعالى ~~بذلك، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو ~~عارية، أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضا أخذها على وجه المعاوضة، بمعاوضة ~~محرمة، كعقود الربا والقمار كلها، فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس ~~في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء ~~والإجارة، ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك ~~أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على ~~العبادات والقربات التي لا تصح، حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ~~ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات، والأوقاف، والوصايا لمن ليس له حق منها، ~~أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من ~~الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من ~~يريد أكلها بالباطل بحجة، غلبت حجة المحق، وحكم له الحاكم بذلك فإن حكم ~~الحاكم لا يبيح محرما ولا يحلل حراما، إنما يحكم على نحو مما يسمع، وإلا ~~فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ولا شبهة، ولا ~~استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة وحكم له بذلك، فإنه لا يحل له، ~~ويكون آكلا لمال غيره بالباطل والإثم وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في ~~عقوبته، وأشد في نكاله. وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في ~~دعواه، لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى: # ولا تكن للخائنين خصيما # [النساء: 105]. ### || [2.189] # يقول تعالى: { يسألونك عن الأهلة }: جمع هلال، ما فائدتها ~~وحكمتها؟ أو عن ذاتها، { قل هي مواقيت للناس } أي: جعلها ~~الله تعالى بلطفه ورحمته على هذا التدبير يبدو الهلال ضعيفا في أول ~~الشهر، ms0099 ثم يتزايد إلى نصفه، ثم يشرع في النقص إلى كماله، وهكذا ليعرف ~~الناس بذلك مواقيت عباداتهم من الصيام، وأوقات الزكاة، والكفارات، وأوقات ~~الحج. ولما كان الحج يقع في أشهر معلومات، ويستغرق أوقاتا كثيرة، قال: ~~{ والحج } وكذلك تعرف بذلك أوقات الديون المؤجلات، ومدة الإجارات، ~~ومدة العدد والحمل، وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق، فجعله تعالى حسابا ~~يعرفه كل أحد من صغير وكبير، وعالم وجاهل، فلو كان الحساب بالسنة ~~الشمسية، لم يعرفه إلا النادر من الناس. { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها } وهذا كما كان الأنصار وغيرهم من ~~العرب إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، تعبدا بذلك، وظنا أنه ~~بر. فأخبر الله أنه ليس ببر، لأن الله تعالى لم يشرعه لهم، وكل من تعبد ~~بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا ~~البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم، التي هي قاعدة من قواعد ~~الشرع. ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور، أن يأتيه ~~الإنسان من الطريق السهل القريب، الذي قد جعل له موصلا، فالآمر بالمعروف ~~والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه الرفق ~~والسياسة التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم ينبغي أن يسلك ~~أقرب طريق وأسهله، يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمرا من الأمور ~~وأتاه من أبوابه وثابر عليه، فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك ~~المعبود. { واتقوا الله } هذا هو البر الذي أمر الله به، وهو ~~لزوم تقواه على الدوام، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإنه سبب ~~للفلاح، الذي هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فمن لم يتق الله ~~تعالى لم يكن له سبيل إلى الفلاح، ومن اتقاه فاز بالفلاح والنجاح. ### || [2.190-193] # هذه الآيات، تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى ~~المدينة، لما قوي المسلمون للقتال أمرهم الله به، بعد ما كانوا مأمورين ~~بكف أيديهم، وفي تخصيص القتال { في سبيل الله } حث على الإخلاص، ~~ونهي عن ms0100 الاقتتال في الفتن بين المسلمين. { الذين يقاتلونكم } ~~أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال، غير الشيوخ الذين لا ~~رأي: لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل ~~من لا يقاتل من النساء والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم، والتمثيل ~~بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها] لغير مصلحة تعود ~~للمسلمين. ومن الاعتداء مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك ~~لا يجوز. { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } هذا أمر بقتالهم ~~أينما وجدوا في كل وقت، وفي كل زمان قتال مدافعة، وقتال مهاجمة ثم استثنى ~~من هذا العموم قتالهم { عند المسجد الحرام } وأنه لا يجوز ~~إلا أن يبدؤوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاء لهم على اعتدائهم، وهذا مستمر ~~في كل وقت، حتى ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب عليهم، ولو حصل ~~منهم ما حصل من الكفر بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد الرسول ~~والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته وكرمه بعباده. ولما كان القتال عند المسجد ~~الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر تعالى أن المفسدة ~~بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه، أشد من مفسدة القتل، فليس عليكم - ~~أيها المسلمون - حرج في قتالهم. ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، ~~وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما. ثم ذكر تعالى المقصود من ~~القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ~~ولكن المقصود به أن { ويكون الدين لله } تعالى فيظهر دين الله ~~[تعالى]، على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو ~~المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود فلا قتل ولا قتال، { فإن ~~انتهوا } عن قتالكم عند المسجد الحرام { فلا عدوان إلا ~~على الظالمين } أي: فليس عليهم منكم اعتداء إلا من ظلم منهم، فإنه ~~يستحق المعاقبة، بقدر ظلمه. ### || [2.194] # يقول تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام } يحتمل أن ~~يكون المراد به ما وقع من صد المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~عام الحديبية عن الدخول لمكة، وقاضوهم على دخولها من قابل، وكان الصد ~~والقضاء في ms0101 شهر حرام، وهو ذو القعدة، فيكون هذا بهذا، فيكون فيه تطييب ~~لقلوب الصحابة بتمام نسكهم، وكماله. ويحتمل أن يكون المعنى: إنكم إن ~~قاتلتموهم في الشهر الحرام فقد قاتلوكم فيه، وهم المعتدون، فليس عليكم في ~~ذلك حرج وعلى هذا فيكون قوله: { والحرمات قصاص } من باب عطف ~~العام على الخاص، أي: كل شيء يحترم من شهر حرام، أو بلد حرام، أو إحرام، ~~أو ما هو أعم من ذلك، جميع ما أمر الشرع باحترامه، فمن تجرأ عليها فإنه ~~يقتص منه، فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل، ومن هتك البلد الحرام أخذ منه ~~الحد، ولم يكن له حرمة، ومن قتل مكافئا له قتل به، ومن جرحه أو قطع ~~عضوا منه اقتص منه، ومن أخذ مال غيره المحترم أخذ منه بدله، ولكن هل ~~لصاحب الحق أن يأخذ من ماله بقدر حقه أم لا؟ خلاف بين العلماء، الراجح من ~~ذلك أنه إن كان سبب الحق ظاهرا كالضيف إذا لم يقره غيره، والزوجة ~~والقريب إذا امتنع من تجب عليه النفقة [من الإنفاق عليه] فإنه يجوز أخذه ~~من ماله. وإن كان السبب خفيا كمن جحد دين غيره، أو خانه في وديعة، أو ~~سرق منه ونحو ذلك، فإنه لا يجوز له أن يأخذ من ماله مقابلة له، جمعا بين ~~الأدلة، ولهذا قال تعالى، تأكيدا وتقوية لما تقدم: { فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ~~هذا تفسير لصفة المقاصة، وأنها هي المماثلة في مقابلة المعتدي. ولما كانت ~~النفوس في الغالب لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها ~~التشفي، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده وعدم تجاوزها، ~~وأخبر تعالى أنه { مع المتقين } أي: بالعون، والنصر، والتأييد، ~~والتوفيق. ومن كان الله معه حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى ~~تخلى عنه وليه وخذله، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل ~~الوريد. ### || [2.195] # يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة ~~إلى الله، وهي كل طرق الخير، من ms0102 صدقة على مسكين، أو قريب، أو إنفاق على ~~من تجب مؤنته. وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل ~~الله، فإن النفقة فيه جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من ~~المصالح العظيمة الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهية الشرك وأهله، ~~وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق ~~النفقة، فالنفقة له كالروح، لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في ~~سبيل الله إبطال للجهاد، وتسليط للأعداء، وشدة تكالبهم، فيكون قوله ~~تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } كالتعليل ~~لذلك، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد، ~~إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب ~~موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك ترك ~~الجهاد في سبيل الله أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير ~~الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف، أو محل مسبعة أو حيات، أو يصعد ~~شجرا أو بنيانا خطرا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر، ونحو ذلك، فهذا ونحوه ~~ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة الإقامة ~~على معاصي الله، واليأس من التوبة، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض، ~~التي تركها هلاك للروح والدين. ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا ~~من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما، فقال: { وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين } وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم ~~يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم. ويدخل فيه ~~الإحسان بالجاه بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء ~~حوائج الناس من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع ~~جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا، والعمل لمن لا يحسن العمل، ~~ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا ~~الإحسان في عبادة الله تعالى، ms0103 وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك ". # فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره. ولما فرغ ~~تعالى من [ذكر] أحكام الصيام فالجهاد، ذكر أحكام الحج فقال: { ~~وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم... }. ### || [2.196] # يستدل بقوله [تعالى]: { وأتموا الحج والعمرة } على ~~أمور: أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما. الثاني: وجوب إتمامهما ~~بأركانهما وواجباتهما التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقوله: # " خذوا عني مناسككم ". # الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة. الرابع: أن الحج والعمرة يجب ~~إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلا. الخامس: الأمر بإتقانهما ~~وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس: وفيه الأمر ~~بإخلاصهما لله تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء ~~حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله وهو الحصر، فلهذا قال: { فإن ~~أحصرتم } أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، بمرض أو ضلالة ~~أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع. { فما استيسر ~~من الهدي } أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع ~~بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما صدهم المشركون عام الحديبية، فإن ~~لم يجد الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل. ثم قال ~~تعالى: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر بحلق أو غيره، لأن ~~المعنى واحد، من الرأس أو من البدن، لأن المقصود من ذلك حصول الشعث ~~والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر. وقاس كثير من ~~العلماء على إزالة الشعر تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ~~ذكر، حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد ms0104 ~~النحر، كما تدل عليه الآية. ويستدل بهذه الآية على أن المتمتع إذا ساق ~~الهدي لم يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف وسعى للعمرة أحرم ~~بالحج، ولم يكن له إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك وتعالى من ذلك ~~لما فيه من الذل والخضوع لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين مصلحة ~~العبد، وليس عليه في ذلك من ضرر، فإذا حصل الضرر بأن كان به أذى من مرض ~~ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو قمل ونحو ذلك، فإنه يحل له أن يحلق ~~رأسه، ولكن يكون عليه فدية من صيام ثلاثة أيام، أو صدقة على ستة مساكين ~~أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخير، والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام. ومثل ~~هذا كل ما كان في معنى ذلك من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو لبس ~~المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة لأن ~~القصد من الجميع إزالة ما به يترفه. ثم قال تعالى: { فإذآ أمنتم } ~~أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج } بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد ~~الفراغ منها. # { فما استيسر من الهدي } أي: فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ~~ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ~~ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة وقبل الشروع ~~في الحج، ومثلها القران لحصول النسكين له. ويدل مفهوم الآية على أن ~~المفرد للحج، ليس عليه هدي، ودلت الآية على جواز بل فضيلة المتعة، وعلى ~~جواز فعلها في أشهر الحج. { فمن لم يجد } أي الهدي أو ثمنه { ~~فصيام ثلاثة أيام في الحج } أول جوازها من حين الإحرام ~~بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت ب " ~~منى " ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع والثامن والتاسع، { وسبعة ~~إذا رجعتم } أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة وفي ~~الطريق، وعند وصوله إلى أهله. { ذلك } المذكور من وجوب الهدي ms0105 على ~~المتمتع { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~} بأن كان عند مسافة قصر فأكثر، أو بعيدا عنه عرفا، فهذا الذي يجب عليه ~~الهدي لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد ~~الحرام، فليس عليه هدي لعدم الموجب لذلك. { واتقوا الله } أي: في ~~جميع أموركم، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك امتثالكم لهذه ~~المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية. { واعلموا ~~أن الله شديد العقاب } أي: لمن عصاه، وهذا هو الموجب ~~للتقوى، فإن من خاف عقاب الله، انكف عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب ~~الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب ولم يرج الثواب، ~~اقتحم المحارم وتجرأ على ترك الواجبات. ### || [2.197] # يخبر تعالى أن { الحج } واقع في { أشهر معلومات } عند ~~المخاطبين، مشهورات بحيث لا تحتاج إلى تخصيص، كما احتاج الصيام إلى تعيين ~~شهره، وكما بين تعالى أوقات الصلوات الخمس. وأما الحج فقد كان من ملة ~~إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته، معروفة بينهم. والمراد بالأشهر ~~المعلومات عند جمهور العلماء: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فهي ~~التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبا. { فمن فرض فيهن الحج } ~~أي: أحرم به، لأن الشروع فيه يصيره فرضا ولو كان نفلا. واستدل بهذه ~~الآية الشافعي ومن تابعه، على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره، قلت ~~لو قيل: إن فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام [بالحج] قبل أشهره لكان ~~قريبا، فإن قوله: { فمن فرض فيهن الحج } دليل على أن الفرض ~~قد يقع في الأشهر المذكورة، وقد لا يقع فيها، وإلا لم يقيده. وقوله: { ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } أي: يجب أن ~~تعظموا الإحرام بالحج، وخصوصا الواقع في أشهره، وتصونوه عن كل ما يفسده ~~أو ينقصه من الرفث، وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند ~~النساء بحضرتهن. والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام. ~~والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع ~~العداوة. والمقصود من الحج: الذل ms0106 والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن ~~من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورا، ~~والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل ~~مكان وزمان، فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج. واعلم أنه لا يتم التقرب ~~إلى الله بترك المعاصي حتى يفعل الأوامر، ولهذا قال تعالى: { وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله } أتى ب " من " لتنصيص ~~العموم، فكل خير وقربة وعبادة، داخل في ذلك، أي: فإن الله به عليم، وهذا ~~يتضمن غاية الحث على أفعال الخير، وخصوصا في تلك البقاع الشريفة ~~والحرمات المنيفة، فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها، من صلاة وصيام ~~وصدقة وطواف وإحسان قولي وفعلي. ثم أمر تعالى بالتزود لهذا السفر ~~المبارك، فإن التزود فيه الاستغناء عن المخلوقين، والكف عن أموالهم ~~سؤالا واستشرافا، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين، وزيادة قربة ~~لرب العالمين، وهذا الزاد الذي المراد منه إقامة البنية بلغة ومتاع. ~~وأما الزاد الحقيقي المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه، فهو زاد ~~التقوى الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل لأكمل لذة، وأجل نعيم ~~دائم أبدا، ومن ترك هذا الزاد، فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، ~~وممنوع من الوصول إلى دار المتقين، فهذا مدح للتقوى. ثم أمر بها أولي ~~الألباب فقال: { واتقون يأولي الألباب } أي: يا أهل العقول ~~الرزينة، اتقوا ربكم الذي تقواه أعظم ما تأمر به العقول، وتركها دليل على ~~الجهل وفساد الرأي. ### || [2.198-202] # لما أمر تعالى بالتقوى، أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم ~~الحج وغيره ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج، ~~وكان الكسب حلالا منسوبا إلى فضل الله، لا منسوبا إلى حذق العبد، ~~والوقوف مع السبب، ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه. وفي قوله: { ~~فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام } دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان ~~معروفا أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد ms0107 ~~الوقوف. الثاني: الأمر بذكر الله عند المشعر الحرام وهو المزدلفة، وذلك ~~أيضا معروف، يكون ليلة النحر بائتا بها، وبعد صلاة الفجر يقف في ~~المزدلفة داعيا حتى يسفر جدا، ويدخل في ذكر الله عنده، إيقاع الفرائض ~~والنوافل فيه. الثالث: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل ~~عليه الفاء والترتيب. الرابع والخامس: أن عرفات ومزدلفة كلاهما من مشاعر ~~الحج المقصود فعلها وإظهارها. السادس: أن مزدلفة في الحرم كما قيده ~~بالحرام. السابع: أن عرفة في الحل كما هو مفهوم التقييد ب " مزدلفة ". { ~~واذكروه كما هدكم وإن كنتم من قبله لمن ~~الضآلين } أي: اذكروا الله تعالى كما من عليكم بالهداية بعد ~~الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم التي يجب ~~شكرها ومقابلتها بذكر المنعم في القلب واللسان. { ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس } أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، ~~من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان ~~معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت ~~ب " منى " ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك. ولما كانت [هذه] الإفاضة ~~يقصد بها ما ذكر، والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها ~~باستغفاره والإكثار من ذكره، فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء ~~عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه ~~العبادة العظيمة والمنة الجسيمة. وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة، ~~أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل ~~العبادة، ومن بها على ربه، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق ~~بالمقت ورد العمل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. ثم ~~أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبهم، ويستدفعونه ما ~~يضرهم، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم: { من يقول ربنآ آتنا في ~~الدنيا } أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في ~~الآخرة من نصيب لرغبته عنها، وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله ~~لمصلحة الدارين، ms0108 ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء ~~لهم نصيب من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ~~ونياتهم، جزاء دائرا بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه، وفي ~~هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع، مسلما أو كافرا، أو ~~فاسقا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه دليلا على محبته له وقربه منه، ~~إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين. # والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد، من ~~رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، ~~وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة. وحسنة الآخرة هي ~~السلامة من العقوبات في القبر، والموقف، والنار، وحصول رضا الله، والفوز ~~بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء أجمع دعاء ~~وأكمله، وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ~~الدعاء به، والحث عليه. ### || [2.203] # يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد ~~العيد، لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس ~~أضيافا لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أيام التشريق، أيام أكل وشرب، وذكر الله ". # ويدخل في ذكر الله فيها ذكره عند رمي الجمار، وعند الذبح، والذكر المقيد ~~عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق، ~~كالعشر، وليس ببعيد. { فمن تعجل في يومين } أي: خرج من " ~~منى " ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني { فلا إثم عليه ~~ومن تأخر } بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد { فلا إثم ~~عليه } وهذا تخفيف من الله [تعالى] على عباده في إباحة كلا الأمرين، ~~ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخر أفضل لأنه أكثر ~~عبادة. ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي ~~غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: { ~~لمن اتقى } أي: اتقى الله ms0109 في جميع أموره، وأحوال الحج، فمن اتقى ~~الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء، ~~كان الجزاء من جنس العمل. { ; واتقوا الله } بامتثال أوامره ~~واجتناب معاصيه، { واعلموآ أنكم إليه تحشرون } ~~فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه عاقبه ~~أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله، فلهذا حث تعالى ~~على العلم بذلك. ### || [2.204-206] # لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره، وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو ~~خير ومصلحة وبر، أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله، ~~فالكلام إما أن يرفع الإنسان أو يخفضه فقال: { ومن الناس من ~~يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } أي: إذا تكلم راق ~~كلامه للسامع، وإذا نطق ظننته يتكلم بكلام نافع، ويؤكد ما يقول بأنه { ~~ويشهد الله على ما في قلبه } بأن يخبر أن الله يعلم أن ~~ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك، لأنه يخالف قوله فعله. ~~فلو كان صادقا لتوافق القول والفعل، كحال المؤمن غير المنافق، فلهذا ~~قال: { وهو ألد الخصام } أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد ~~والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق ~~المؤمنين الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة ~~سجيتهم. { وإذا تولى } هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك { ~~سعى في الأرض ليفسد فيها } أي: يجتهد على أعمال المعاصي ~~التي هي إفساد في الأرض { ويهلك } بسبب ذلك { الحرث والنسل ~~} فالزروع والثمار والمواشي تتلف وتنقص وتقل بركتها، بسبب العمل في ~~المعاصي، { والله لا يحب الفساد } وإذا كان لا يحب الفساد ~~فهو يبغض العبد المفسد في الأرض، غاية البغض، وإن قال بلسانه قولا ~~حسنا. ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص ليست ~~دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور، حتى يوجد العمل المصدق لها ~~المزكي لها وأنه ينبغي اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس ~~بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن ms0110 لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم ~~أنفسهم. ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله، إذا أمر بتقوى الله ~~تكبر وأنف، و { لله أخذته العزة بالإثم } فيجمع بين ~~العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين. { فحسبه جهنم } التي هي ~~دار العاصين والمتكبرين، { ولبئس المهاد } أي: المستقر والمسكن ~~عذاب دائم، وهم لا ينقطع، ويأس مستمر، لا يخفف عنهم العذاب، ولا يرجون ~~الثواب، جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا بالله من أحوالهم. ### || [2.207] # هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة ~~الله ورجاء لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفي الرءوف بالعباد، الذي ~~من رأفته ورحمته أن وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # إلى آخر الآية [التوبة: 111]. وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم ~~وبذلوها، وأخبر برأفته الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا ~~تسأل بعد هذا عن ما يحصل لهم من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم. ### || [2.208-209] # هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا { في السلم كآفة } ~~أي: في جميع شرائع الدين، ولا يتركوا منها شيئا، وأن لا يكونوا ممن اتخذ ~~إلهه هواه، إن وافق الأمر المشروع هواه فعله، وإن خالفه تركه، بل الواجب ~~أن يكون الهوى تبعا للدين، وأن يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال الخير، ~~وما يعجز عنه، يلتزمه وينويه، فيدركه بنيته. ولما كان الدخول في السلم ~~كافة لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق الشيطان، قال: { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان } أي: في العمل بمعاصي الله { ~~إنه لكم عدو مبين } والعدو المبين لا يأمر إلا بالسوء ~~والفحشاء وما به الضرر عليكم. ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل، ~~قال تعالى: { فإن زللتم من بعد ما جآءتكم ~~البينات } أي: على علم ويقين { فاعلموا أن الله ~~عزيز حكيم }. وفيه من الوعيد الشديد والتخويف ما يوجب ترك الزلل، ~~فإن العزيز القاهر الحكيم إذا عصاه العاصي قهره بقوته، وعذبه بمقتضى ~~حكمته، فإن من حكمته تعذيب العصاة والجناة. ms0111 ### || [2.210] # وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ~~ينتظر الساعون في الفساد في الأرض، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون ~~لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد ~~والفظائع ما يقلقل قلوب الظالمين، ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين، ~~وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض، وتنثر الكواكب، وتكور الشمس ~~والقمر، وتنزل الملائكة الكرام فتحيط بالخلائق، وينزل الباري [تبارك] ~~تعالى: { في ظلل من الغمام } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل. ~~فتوضع الموازين، وتنشر الدواوين، وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل ~~الشقاوة، ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض ~~الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه. وهذه الآية وما أشبهها دليل ~~لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء ~~والنزول والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى عن نفسه، أو ~~أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال ~~الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف ~~أنواعهم، من الجهمية والمعتزلة والأشعرية، ونحوهم، ممن ينفي هذه الصفات، ~~ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها ~~القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به ~~الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي، أما ~~النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ظاهرها بل ~~صريحها، دال على مذهب أهل السنة والجماعة، وأنها تحتاج لدلالتها على ~~مذهبهم الباطل، أن تخرج عن ظاهرها، ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا ~~يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان. وأما العقل فليس في العقل ما يدل ~~على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر ~~على الفعل، وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن ~~زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات ~~يتبع الكلام على ms0112 الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات، فلله صفات ~~لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته، وصفات خلقه تبع لذواتهم، فليس في ~~إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه. ويقال أيضا لمن أثبت بعض الصفات ونفى ~~بعضا، أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله ~~لنفسه وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع، وتكون منكرا لرب العالمين، ~~وأما إثباتك بعض ذلك ونفيك لبعضه، فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته وما ~~نفيته، ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، ~~قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا ~~أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي ~~أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة، أجابك به أهل السنة، لما نفيته. ~~والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته، ~~فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول ~~والمنقول. ### || [2.211] # بقول تعالى: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية ~~بينة } تدل على الحق وعلى صدق الرسل، فتيقنوها وعرفوها، فلم يقوموا ~~بشكر هذه النعمة التي تقتضي القيام بها. بل كفروا بها وبدلوا نعمة الله ~~كفرا، فلهذا استحقوا أن ينزل الله عليهم عقابه ويحرمهم من ثوابه، وسمى ~~الله تعالى كفر النعمة تبديلا لها، لأن من أنعم الله عليه نعمة دينية أو ~~دنيوية فلم يشكرها، ولم يقم بواجبها، اضمحلت عنه وذهبت، وتبدلت بالكفر ~~والمعاصي، فصار الكفر بدل النعمة، وأما من شكر الله تعالى وقام بحقها، ~~فإنها تثبت وتستمر، ويزيده الله منها. ### || [2.212] # يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله ولم ينقادوا لشرعه، أنهم ~~زينت لهم الحياة الدنيا، فزينت في أعينهم وقلوبهم، فرضوا بها واطمأنوا ~~بها، وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا ~~على تحصيلها، وعظموها وعظموا من شاركهم في صنيعهم، واحتقروا المؤمنين ~~واستهزأوا بهم، وقالوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ وهذا من ضعف ~~عقولهم ونظرهم القاصر، فإن ms0113 الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وسيحصل الشقاء ~~فيها لأهل الإيمان والكفران، بل المؤمن في الدنيا وإن ناله مكروه، فإنه ~~يصبر ويحتسب، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره. وإنما ~~الشأن كل الشأن والتفضيل الحقيقي في الدار الباقية، فلهذا قال تعالى: { ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة } فيكون المتقون ~~في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور والبهجة والحبور. ~~والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة، والشقاء ~~السرمدي الذي لا منتهى له، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين، ونعي على ~~الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية لا تحصل إلا بتقدير ~~الله، ولن تنال إلا بمشيئة الله، قال تعالى: { والله يرزق من ~~يشآء بغير حساب } فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما ~~رزق القلوب من العلم والإيمان، ومحبة الله وخشيته ورجائه، ونحو ذلك، فلا ~~يعطيها إلا من يحب. ### || [2.213] # أي: كان الناس [أي: كانوا مجتمعين على الهدى، وذلك عشرة قرون بعد نوح ~~عليه السلام، فلما اختلفوا في الدين فكفر فريق منهم وبقي الفريق الآخر ~~على الدين، وحصل النزاع وبعث الله الرسل ليفصلوا بين الخلائق ويقيموا ~~الحجة عليهم، وقيل بل كانوا] مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء، ليس لهم ~~نور ولا إيمان، فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم { مبشرين } ~~من أطاع الله بثمرات الطاعات، من الرزق والقوة في البدن والقلب والحياة ~~الطيبة، وأعلى ذلك الفوز برضوان الله والجنة. { ومنذرين } من عصى ~~الله بثمرات المعصية، من حرمان الرزق، والضعف والإهانة، والحياة الضيقة، ~~وأشد ذلك، سخط الله والنار. { وأنزل معهم الكتب بالحق ~~} وهو الإخبارات الصادقة والأوامر العادلة، فكل ما اشتملت عليه الكتب، ~~فهو حق يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند ~~الاختلاف والتنازع، أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في ~~كتابه وسنة رسوله فصل النزاع لما أمر بالرد إليهما. ولما ذكر نعمته ~~العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها ~~واجتماعهم، فأخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام ~~وكثرة الاختلاف. فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي ms0114 أن يكونوا أولى الناس ~~بالاجتماع عليه، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات والأدلة ~~القاطعات، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا. { فهدى الله الذين ~~آمنوا } من هذه الأمة { لما اختلفوا فيه من الحق } فكل ~~ما اختلف فيه أهل الكتاب، وأخطأوا فيه الحق والصواب، هدى الله للحق فيه ~~هذه الأمة { بإذنه } تعالى وتيسيره لهم ورحمته. { والله يهدي ~~من يشآء إلى صرط مستقيم }. فعم الخلق تعالى بالدعوة ~~إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا ~~يقولوا: # ما جآءنا من بشير ولا نذير # [المائدة: 19] وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، ~~فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته. ### || [2.214] # يخبر تبارك وتعالى أنه لا بد أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة ~~كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام ~~بدينه وشرعه لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله ولم يبال بالمكاره ~~الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن ~~السيادة آلتها. ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو ~~بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس ~~الإيمان بالتحلي والتمني ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. فقد ~~جرى على الأمم الأقدمين ما ذكر الله عنهم { مستهم البأسآء } ~~أي: الفقر { والضرآء } أي: الأمراض في أبدانهم { وزلزلوا } ~~بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، ~~وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر ~~الله مع يقينهم به. ولكن لشدة الأمر وضيقه قال { الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله }. فلما كان الفرج عند الشدة، ~~وكلما ضاق الأمر اتسع، قال تعالى: { ألا إن نصر الله قريب ~~} فهكذا كل من قام بالحق فإنه يمتحن. فكلما اشتدت عليه وصعبت، إذا صابر ~~وثابر على ما هو عليه انقلبت المحنة في حقه منحة، والمشقات راحات، وأعقبه ~~ذلك الانتصار على الأعداء، وشفاء ما في قلبه من الداء، وهذه الآية نظير ms0115 ~~قوله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142]. وقوله [تعالى:] # الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ~~وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين # [العنكبوت: 1-3] فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. ### || [2.215] # أي: يسألونك عن النفقة، وهذا يعم السؤال عن المنفق والمنفق عليه، ~~فأجابهم عنهما فقال: { قل مآ أنفقتم من خير } أي: مال ~~قليل أو كثير، فأولى الناس به وأحقهم بالتقديم، أعظمهم حقا عليك، وهم ~~الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما، النفقة عليهما، ~~ومن أعظم العقوق، ترك الإنفاق عليهما، ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة، ~~على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين الأقربون، على اختلاف طبقاتهم، ~~الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة، { ~~واليتامى } وهم الصغار الذين لا كاسب لهم، فهم في مظنة الحاجة لعدم ~~قيامهم بمصالح أنفسهم، وفقد الكاسب، فوصى الله بهم العباد رحمة منه بهم ~~ولطفا، { والمساكين } وهم أهل الحاجات، وأرباب الضرورات الذين ~~أسكنتهم الحاجة، فينفق عليهم لدفع حاجاتهم وإغنائهم. { وابن ~~السبيل } أي: الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعان على سفره بالنفقة ~~التي توصله إلى مقصده. ولما خصص الله تعالى هؤلاء الأصناف لشدة الحاجة، ~~عمم تعالى، فقال: { وما تفعلوا من خير } من صدقة على هؤلاء ~~وغيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات، لأنها تدخل في اسم الخير، { ~~فإن الله به عليم } فيجازيكم عليه ويحفظه لكم، كل على حسب ~~نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها ~~ونفعها. ### || [2.216] # هذه الآية، فيها فرض القتال في سبيل الله، بعد ما كان المؤمنون مأمورين ~~بتركه، لضعفهم وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة وكثر المسلمون وقووا، أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه ~~مكروه للنفوس لما فيه من التعب والمشقة، وحصول أنواع المخاوف والتعرض ~~للمتالف، ومع هذا فهو خير محض، لما فيه من الثواب العظيم، والتحرز من ~~العقاب الأليم، والنصر على الأعداء والظفر ms0116 بالغنائم، وغير ذلك مما هو ~~مرب، على ما فيه من الكراهة { وعسى أن تحبوا شيئا وهو ~~شر لكم } وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة، فإنه شر، لأنه ~~يعقب الخذلان وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان وفوات ~~الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة مطردة في أن أفعال الخير ~~التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر ~~التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك. وأما ~~أحوال الدنيا فليس الأمر مطردا، ولكن الغالب على العبد المؤمن أنه إذا ~~أحب أمرا من الأمور، فقيض الله [له] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير ~~له، فالأوفق له في ذلك أن يشكر الله، ويجعل الخير في الواقع، لأنه يعلم ~~أن الله تعالى أرحم بالعبد من نفسه، وأقدر على مصلحة عبده منه، وأعلم ~~بمصلحته منه، كما قال [تعالى:] { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم. ~~ولما كان الأمر بالقتال لو لم يقيد لشمل الأشهر الحرم وغيرها، استثنى ~~تعالى القتال في الأشهر الحرم فقال: { يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به... }. ### || [2.217] # الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بالأمر بقتال ~~المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول ~~على المقيد، وهذه الآية مقيدة، لعموم الأمر بالقتال مطلقا ولأن من جملة ~~مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في ~~قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في ~~البلد الحرام. ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن ~~جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - ~~في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ~~ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال ~~تعالى في ms0117 بيان ما فيهم: { وصد عن سبيل الله } أي: صد المشركين ~~من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن ~~دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده ~~كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! { وإخراج ~~أهله } أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم { ~~منه } ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه ~~والباد، فهذه الأمور كل واحد منها { أكبر من القتل } في الشهر ~~الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة في تعييرهم ~~المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في ~~أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد ~~إيمانهم، حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك ساعون ~~بما أمكنهم، # ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكفرون # [التوبة: 32]. وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم حتى ~~يردوهم عن دينهم، وخصوصا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين بذلوا ~~الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس لجذب الأمم إلى ~~دينهم، وتدخيلهم عليهم، كل ما يمكنهم من الشبه التي تشككهم في دينهم. ~~ولكن المرجو من الله تعالى، الذي من على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم ~~دينه القيم، وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام، ~~وأن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ~~ويعلي كلمته. وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما ~~صدقت على من قبلهم: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون # [الأنفال: 36]. ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه ~~الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافرا، { فأولئك حبطت ~~أعمالهم في الدنيا والآخرة } لعدم وجود شرطها وهو ~~الإسلام، { وأولئك ms0118 أصحاب النار هم فيها خالدون }. ~~ودلت الآية بمفهومها أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام، أنه يرجع إليه ~~عمله الذي قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي، فإنها تعود إليه أعماله ~~المتقدمة. ### || [2.218] # هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما ~~مع الإنسان من الربح والخسران، فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف ~~تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل ~~النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد، قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه ~~لم يقبل له صرف ولا عدل، ولا فرض ولا نفل. وأما الهجرة: فهي مفارقة ~~المحبوب المألوف لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله ~~وخلانه، تقربا إلى الله، ونصرة لدينه. وأما الجهاد: فهو بذل الجهد ~~في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله وقمع دين الشيطان، وهو ~~ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر لتوسيع ~~دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم ~~وأولادهم. فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها ~~أشد قياما به وتكميلا. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، ~~لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون ~~إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل، وعدم القيام ~~بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه ونقص ~~عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ~~ذلك. وفي قوله: { لله أولئك يرجون رحمت الله } إشارة ~~إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها ~~ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه، وستر ~~عيوبه. ولهذا قال: { والله غفور } أي: لمن تاب توبة نصوحا { ~~رحيم } وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي. وفي هذا دليل على ~~أن من قام بهذه الأعمال المذكورة حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن ms0119 ~~السيئات، وحصلت له رحمة الله. وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات ~~الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب، التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا ~~حصلت له الرحمة حصل على كل خير في الدنيا والآخرة بل أعمالهم المذكورة من ~~رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها لم ~~يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولا ~~وآخرا، وهو الذي من بالسبب والمسبب. ### || [2.219-220] # أي: يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر، وقد ~~كانا مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام، فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا ~~سألوا عن حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه أن يبين لهم منافعهما ومضارهما، ~~ليكون ذلك مقدمة لتحريمهما وتحتيم تركهما. فأخبر أن إثمهما ومضارهما، وما ~~يصدر منهما من ذهاب العقل والمال، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة والعداوة ~~والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما، من كسب المال بالتجارة بالخمر ~~وتحصيله بالقمار، والطرب للنفوس عند تعاطيهما، وكان هذا البيان زاجرا ~~للنفوس عنهما، لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته، ويجتنب ما ترجحت مضرته، ~~ولكن لما كانوا قد ألفوهما، وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة، قدم هذه ~~الآية مقدمة للتحريم، الذي ذكره في قوله: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان # [المائدة: 90] إلى قوله: # منتهون # [المائدة: 91] وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت، قال عمر رضي ~~الله عنه: انتهينا انتهينا. فأما الخمر: فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه، ~~من أي نوع كان، وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من ~~الطرفين، من النرد والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية بعوض سوى مسابقة ~~الخيل والإبل والسهام، فإنها مباحة لكونها معينة على الجهاد، فلهذا رخص ~~فيها الشارع. { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ~~كذلك يبين الله لكم الأيت لعلكم تتفكرون * ~~في الدنيا والآخرة } وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، ~~فيسر الله لهم الأمر، وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم، ~~الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم، وهذا يرجع ms0120 إلى كل أحد بحسبه، من غني ~~وفقير ومتوسط، كل له قدرة على إنفاق ما عفا من ماله، ولو شق تمرة. ولهذا ~~أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس ~~وصدقاتهم، ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما ~~أمرنا به حاجة منه لنا، أو تكليفا لنا [بما يشق]، بل أمرنا بما فيه ~~سعادتنا، وما يسهل علينا، وما به النفع لنا ولإخواننا، فيستحق على ذلك ~~أتم الحمد. ولما بين تعالى هذا البيان الشافي، وأطلع العباد على أسرار ~~شرعه قال: { كذلك يبين الله لكم الأيت } أي: الدالات ~~على الحق، المحصلات للعلم النافع والفرقان، { لعلكم تتفكرون ~~* في الدنيا والآخرة } أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه، ~~وتعرفوا أن أوامره فيها مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في ~~الدنيا وسرعة انقضائها، فترفضوها وفي الآخرة وبقائها، وأنها دار الجزاء ~~فتعمروها. { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم ~~خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم ~~المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم } لما نزل قوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10] شق ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى، ~~خوفا على أنفسهم من تناولها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة ~~بالمشاركة فيها، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأخبرهم تعالى ~~أن المقصود إصلاح أموال اليتامى بحفظها وصيانتها والاتجار فيها، وأن ~~خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على وجه لا يضر باليتامى، لأنهم ~~إخوانكم، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، والمرجع في ذلك إلى النية والعمل، ~~فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل ~~عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته أن قصده ~~بالمخالطة التوصل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي حرج وأثم، و " ~~الوسائل لها أحكام المقاصد ". وفي هذه الآية، دليل على جواز أنواع ~~المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود ms0121 وغيرها، وهذه الرخصة لطف من الله ~~[تعالى] وإحسان، وتوسعة على المؤمنين، وإلا ف { ولو شآء الله ~~لأعنتكم } أي: شق عليكم بعدم الرخصة بذلك فحرجتم، وشق عليكم ~~وأثمتم، { إن الله عزيز } أي: له القوة الكاملة والقهر لكل شيء، ~~ولكنه مع ذلك { حكيم } لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته ~~التامة، فعزته لا تنافي حكمته، فلا يقال: إنه ما شاء فعل، وافق الحكمة أو ~~خالفها، بل يقال: إن أفعاله وكذلك أحكامه تابعة لحكمته، فلا يخلق شيئا ~~عبثا، بل لا بد له من حكمة عرفناها أم لم نعرفها، وكذلك لم يشرع لعباده ~~شيئا مجردا عن الحكمة، فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا ~~ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، لتمام حكمته ورحمته. ### || [2.221] # أي: { ولا تنكحوا } النساء { المشركات } ما دمن على شركهن ~~{ حتى يؤمن } لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من ~~المشركة ولو بلغت من الحسن ما بلغت، وهذه عامة في جميع النساء المشركات، ~~وخصصتها آية المائدة، في إباحة نساء أهل الكتاب كما قال تعالى: # والمحصنت من الذين أوتوا الكتب # [المائدة: 5]. { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ~~} وهذا عام لا تخصيص فيه. ثم ذكر تعالى الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو ~~المسلمة لمن خالفهما في الدين، فقال: { أولئك يدعون إلى ~~النار } أي: في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم، فمخالطتهم على خطر منهم، ~~والخطر ليس من الأخطار الدنيوية، إنما هو الشقاء الأبدي. ويستفاد من ~~تعليل الآية، النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع، لأنه إذا لم يجز التزوج مع ~~أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصا الخلطة التي ~~فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوها. وفي قوله: { ولا ~~تنكحوا المشركين } دليل على اعتبار الولي [في النكاح]. { ~~والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة } أي: يدعو عباده ~~لتحصيل الجنة والمغفرة التي من آثارها دفع العقوبات، وذلك بالدعوة إلى ~~أسبابها من الأعمال الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع، والعمل ~~الصالح. { ويبين آياته } أي: أحكامه وحكمها { للناس ~~لعلهم يتذكرون ms0122 } فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه، وعلم ما ~~جهلوه، والامتثال لما ضيعوه. ### || [2.222-223] # يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض، وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض كما ~~كانت قبل ذلك، أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟ فأخبر تعالى أن الحيض ~~أذى وإذا كان أذى، فمن الحكمة أن يمنع الله تعالى عباده عن الأذى وحده، ~~ولهذا قال: { فاعتزلوا النسآء في المحيض } أي: مكان ~~الحيض، وهو الوطء في الفرج خاصة، فهذا هو المحرم إجماعا، وتخصيص ~~الاعتزال في المحيض، يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها في غير الوطء في ~~الفرج جائز. لكن قوله: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } يدل ~~على أن المباشرة فيما قرب من الفرج، وذلك فيما بين السرة والركبة ينبغي ~~تركه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي ~~حائض، أمرها أن تأتزر فيباشرها. وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحيض ~~{ حتى يطهرن } أي: ينقطع دمهن، فإذا انقطع الدم زال المنع ~~الموجود وقت جريانه، الذي كان لحله شرطان، انقطاع الدم، والاغتسال منه. ~~فلما انقطع الدم زال الشرط الأول، وبقي الثاني، فلهذا قال: { فإذا ~~تطهرن } أي: اغتسلن { فأتوهن من حيث أمركم الله ~~} أي: في القبل لا في الدبر، لأنه محل الحرث. وفيه دليل على وجوب ~~الاغتسال للحائض، وأن انقطاع الدم شرط لصحته. ولما كان هذا المنع لطفا ~~منه تعالى بعباده، وصيانة عن الأذى، قال تعالى: { إن الله يحب ~~التوابين } أي: من ذنوبهم على الدوام، { ويحب ~~المتطهرين } أي: المتنزهين عن الآثام، وهذا يشمل التطهر الحسي من ~~الأنجاس والأحداث. ففيه مشروعية الطهارة مطلقا لأن الله يحب المتصف بها، ~~ولهذا كانت الطهارة مطلقا، شرطا لصحة الصلاة والطواف، وجواز مس المصحف، ~~ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال ~~الخسيسة. { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى ~~شئتم } مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل لكونه موضع الحرث، ~~وهو الموضع الذي يكون منه الولد. وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر، ~~لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا في الموضع الذي منه ms0123 الحرث، وقد تكاثرت ~~الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك، ولعن فاعله. { ~~وقدموا لأنفسكم } أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ~~ذلك أن يباشر الرجل امرأته ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء ~~تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم. { واتقوا الله } أي: في جميع ~~أحوالكم كونوا ملازمين لتقوى الله، مستعينين بذلك لعلمكم، { أنكم ~~ملاقوه } ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها. ثم قال: { وبشر ~~المؤمنين } لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير رتب على الإيمان، فهو ~~داخل في هذه البشارة. وفيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، ~~واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي. ### || [2.224] # المقصود من اليمين والقسم تعظيم المقسم به، وتأكيد المقسم عليه، وكان ~~الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان، وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن ~~الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين، يتضمن ترك ما هو أحب ~~إليه، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة، أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا: ~~أن يفعلوا خيرا، أو يتقوا شرا، أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك ~~واجب وجب حنثه، وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب استحب له ~~الحنث، ومن حلف على فعل محرم، وجب الحنث، أو على فعل مكروه استحب الحنث، ~~وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث. ويستدل بهذه الآية على ~~القاعدة المشهورة، أنه " إذا تزاحمت المصالح، قدم أهمها " فهنا تتميم ~~اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء مصلحة أكبر من ذلك، ~~فقدمت لذلك. ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين، فقال: { والله ~~سميع } أي: لجميع الأصوات { عليم } بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه ~~لأقوال الحالفين، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر، وفي ضمن ذلك التحذير ~~من مجازاته، وأن أعمالكم ونياتكم قد استقر علمها عنده. ### || [2.225] # أي: لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية التي يتكلم بها ~~العبد من غير ms0124 قصد منه ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه، كقول الرجل في ~~عرض كلامه: " لا والله " و " بلى والله " ، وكحلفه على أمر ماض يظن صدق ~~نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب. وفي هذا دليل على اعتبار ~~المقاصد في الأقوال، كما هي معتبرة في الأفعال. { والله غفور } ~~لمن تاب إليه، { حليم } بمن عصاه، حيث لم يعاجله بالعقوبة، بل حلم عنه ~~وستر، وصفح مع قدرته عليه وكونه بين يديه. ### || [2.226-227] # وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة، في أمر خاص، وهو حلف الزوج على ترك وطء ~~زوجته مطلقا، أو مقيدا، بأقل من أربعة أشهر أو أكثر. فمن آلى من زوجته ~~خاصة، فإن كان لدون أربعة أشهر، فهذا مثل سائر الأيمان، إن حنث كفر، وإن ~~أتم يمينه فلا شيء عليه، وليس لزوجته عليه سبيل، لأنه ملكه أربعة أشهر. ~~وإن كان أبدا أو مدة تزيد على أربعة أشهر، ضربت له مدة أربعة أشهر من ~~يمينه إذا طلبت زوجته ذلك، لأنه حق لها، فإذا تمت أمر بالفيئة وهو الوطء، ~~فإن وطئ فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع أجبر على الطلاق، فإن ~~امتنع طلق عليه الحاكم. ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته أحب إلى الله ~~تعالى، ولهذا قال: { فإن فآءو } أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه، ~~وهو الوطء. { فإن الله غفور } يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف ~~بسبب رجوعهم. { رحيم } حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة، ولم يجعلها ~~لازمة لهم غير قابلة للانفكاك، ورحيم بهم أيضا، حيث فاؤوا إلى زوجاتهم ~~وحنوا عليهن ورحموهن. { وإن عزموا الطلاق } أي: امتنعوا من ~~الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا ~~لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا ~~أجبره الحاكم عليه أو قام به. { فإن الله سميع عليم } فيه ~~وعيد وتهديد لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة. ويستدل ~~بهذه الآية على أن الإيلاء خاص بالزوجة، لقوله: { من نسآئهم } ~~وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة، لأنه ms0125 بعد الأربعة، يجبر إما على ~~الوطء، أو على الطلاق، ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا. ### || [2.228] # أي: النساء اللاتي طلقهن أزواجهن { يتربصن بأنفسهن } أي: ~~ينتظرن ويعتددن مدة { ثلاثة قروء } أي: حيض، أو أطهار، على ~~اختلاف العلماء في المراد بذلك، مع أن الصحيح أن القرء الحيض، ولهذه ~~العدة عدة حكم، منها: العلم ببراءة الرحم، إذا تكررت عليها ثلاثة ~~الأقراء، علم أنه ليس في رحمها حمل، فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب، ولهذا ~~أوجب تعالى عليهن الإخبار عن { ما خلق الله في أرحامهن } ~~وحرم عليهن كتمان ذلك من حمل أو حيض، لأن كتمان ذلك يفضي إلى مفاسد ~~كثيرة، فكتمان الحمل موجب أن تلحقه بغير من هو له، رغبة فيه واستعجالا ~~لانقضاء العدة، فإذا ألحقته بغير أبيه، حصل من قطع الرحم والإرث واحتجاب ~~محارمه وأقاربه عنه، وربما تزوج ذوات محارمه، وحصل في مقابلة ذلك إلحاقه ~~بغير أبيه، وثبوت توابع ذلك من الإرث منه وله، ومن جعل أقارب الملحق به ~~أقارب له، وفي ذلك من الشر والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، ولو لم ~~يكن في ذلك إلا إقامتها مع من نكاحها باطل في حقه، وفيه الإصرار على ~~الكبيرة العظيمة وهي الزنا لكفى بذلك شرا. وأما كتمان الحيض، بأن ~~استعجلت وأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها ~~لغيره، وما يتفرع عن ذلك من الشر كما ذكرنا، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود ~~الحيض لتطول العدة فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه، بل هي سحت عليها محرمة ~~من جهتين: من كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة، ~~وربما راجعها بعد انقضاء العدة، فيكون ذلك سفاحا لكونها أجنبية عنه، ~~فلهذا قال تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر }. فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر، ~~وإلا فلو آمن بالله واليوم الآخر، وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن، لم ~~يصدر منهن شيء من ذلك. وفي ذلك دليل على ms0126 قبول خبر المرأة عما تخبر به عن ~~نفسها، من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها، كالحيض والحمل ونحوه. ثم قال ~~تعالى: { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } أي: ~~لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهن إلى نكاحهن { إن ~~أرادوا إصلاحا } أي: رغبة وألفة ومودة. ومفهوم الآية أنهم إن لم ~~يريدوا الإصلاح فليسوا بأحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعوهن لقصد المضارة ~~لها، وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك مع هذا القصد؟ فيه قولان. الجمهور ~~على أنه يملك ذلك مع التحريم، والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح لا يملك ~~ذلك، كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي: أنه ~~ربما أن زوجها ندم على فراقه لها، فجعلت له هذه المدة، ليتروى بها ويقطع ~~نظره. # وهذا يدل على محبته تعالى للألفة بين الزوجين، وكراهته للفراق، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " # وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن، فليس البعل بأحق ~~برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط. ثم ~~قال تعالى: { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } أي: ~~وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من ~~الحقوق اللازمة والمستحبة. ومرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف، ~~وهو: العادة الجارية في ذلك البلد، وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ~~ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة، والأحوال، والأشخاص، والعوائد. وفي هذا ~~دليل على أن النفقة والكسوة والمعاشرة والمسكن وكذلك الوطء - الكل يرجع ~~إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق. وأما مع الشرط، فعلى شرطهما، إلا ~~شرطا أحل حراما أو حرم حلالا. { وللرجال عليهن درجة ~~} أي: رفعة ورياسة، وزيادة حق عليها، كما قال تعالى: # الرجال قومون على النسآء بما فضل الله ~~بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من أمولهم # [النساء: 34]. ومنصب النبوة والقضاء، والإمامة الصغرى والكبرى، وسائر ~~الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ~~ونحوه. { والله عزيز حكيم } أي: له العزة القاهرة والسلطان ~~العظيم، ms0127 الذي دانت له جميع الأشياء، ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه. ويخرج ~~من عموم هذه الآية الحوامل، فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن فليس ~~لهن عدة، والإماء فعدتهن حيضتان، كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، ~~وسياق الآيات يدل على أن المراد بها الحرة. ### || [2.229] # كان الطلاق في الجاهلية، واستمر أول الإسلام، يطلق الرجل زوجته بلا ~~نهاية، فكان إذا أراد مضارتها طلقها، فإذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم ~~طلقها، وصنع بها مثل ذلك أبدا، فيحصل عليها من الضرر ما الله به عليم، ~~فأخبر تعالى أن { الطلق } أي: الذي تحصل به الرجعة { مرتان } ~~ليتمكن الزوج إن لم يرد المضارة من ارتجاعها، ويراجع رأيه في هذه المدة، ~~وأما ما فوقها فليس محلا لذلك، لأن من زاد على الثنتين فإما متجرئ على ~~المحرم، أو ليس له رغبة في إمساكها، بل قصده المضارة، فلهذا أمر تعالى ~~الزوج أن يمسك زوجته { بمعروف } أي: عشرة حسنة، ويجري مجرى أمثاله ~~مع زوجاتهم، وهذا هو الأرجح، وإلا يسرحها ويفارقها { بإحسن } ومن ~~الإحسان أن لا يأخذ على فراقه لها شيئا من مالها، لأنه ظلم، وأخذ للمال ~~في غير مقابلة بشيء، فلهذا قال: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما ~~حدود الله } وهي المخالعة بالمعروف، بأن كرهت الزوجة زوجها لخلقه ~~أو خلقه أو نقص دينه، وخافت أن لا تطيع الله فيه، { فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به } ، لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة، وفي هذا مشروعية ~~الخلع، إذا وجدت هذه الحكمة. { تلك } أي ما تقدم من الأحكام الشرعية { ~~حدود الله } أي: أحكامه التي شرعها لكم، وأمر بالوقوف معها، { ~~ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظلمون } ~~وأي: ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما ~~أحل الله؟ والظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد فيما بينه وبين الله، وظلم ~~العبد الأكبر الذي هو الشرك، وظلم العبد فيما بينه وبين الخلق، فالشرك لا ~~يغفره الله إلا بالتوبة، ms0128 وحقوق العباد لا يترك الله منها شيئا، والظلم ~~الذي بين العبد وربه فيما دون الشرك، تحت المشيئة والحكمة. ### || [2.230-231] # يقول تعالى: { فإن طلقها } أي: الطلقة الثالثة { فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } أي: نكاحا صحيحا ~~ويطؤها، لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا، ويدخل فيه العقد والوطء، ~~وهذا بالاتفاق. ويشترط أن يكون نكاح الثاني نكاح رغبة، فإن قصد به ~~تحليلها للأول فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد، لأنه ~~ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها ثم فارقها وانقضت عدتها { ~~فلا جناح عليهمآ } أي: على الزوج الأول والزوجة { أن ~~يتراجعآ } أي: يجددا عقدا جديدا بينهما، لإضافته التراجع إليهما، ~~فدل على اعتبار التراضي. ولكن يشترط في التراجع أن يظنا { أن يقيما ~~حدود الله } بأن يقوم كل منهما بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على ~~عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا ~~جناح عليهما في التراجع. ومفهوم الآية الكريمة أنهما إن لم يظنا أن يقيما ~~حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة ~~غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا، لأن جميع الأمور إن لم يقم فيها أمر ~~الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها. وفي هذا دلالة على أنه ~~ينبغي للإنسان إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصا الولايات ~~الصغار والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك ووثق بها، ~~أقدم وإلا أحجم. ولما بين الله تعالى هذه الأحكام العظيمة، قال: { ~~وتلك حدود الله } أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها. { ~~يبينها لقوم يعلمون } لأنهم هم المنتفعون بها، النافعون ~~لغيرهم. وفي هذا من فضيلة أهل العلم ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل ~~تبيينه لحدوده خاصا بهم، وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب ~~من عباده، معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. ثم قال تعالى: { ~~وإذا طلقتم النسآء } أي: طلاقا رجعيا بواحدة أو ثنتين. { ~~فبلغن أجلهن } أي: قاربن انقضاء عدتهن. { فأمسكوهن ms0129 ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف } أي: إما أن تراجعوهن ~~ونيتكم القيام بحقوقهن، أو تتركوهن بلا رجعة ولا إضرار، ولهذا قال: { ~~ولا تمسكوهن ضرارا } أي: مضارة بهن { لتعتدوا } في ~~فعلكم هذا الحلال، إلى الحرام فالحلال: الإمساك بمعروف، والحرام: ~~المضارة، { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه } ولو كان الحق ~~يعود للمخلوق فالضرر عائد إلى من أراد الضرار. { ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا } لما بين تعالى حدوده غاية التبيين، وكان ~~المقصود العلم بها والعمل، والوقوف معها وعدم مجاوزتها، لأنه تعالى لم ~~ينزلها عبثا، بل أنزلها بالحق والصدق والجد، نهى عن اتخاذها هزوا، أي: ~~لعبا بها، وهو التجرؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال ~~المضارة في الإمساك أو الفراق، أو كثرة الطلاق، أو جمع الثلاث، والله من ~~رحمته جعل له واحدة بعد واحدة، رفقا به وسعيا في مصلحته. # { واذكروا نعمت الله عليكم } عموما، باللسان ثناء ~~وحمدا، وبالقلب اعترافا وإقرارا، وبالأركان بصرفها في طاعة الله، { ~~عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة } ~~أي: السنة، اللذين بين لكم بهما طرق الخير ورغبكم فيها، وطرق الشر ~~وحذركم إياها، وعرفكم نفسه ووقائعه في أوليائه وأعدائه، وعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون. وقيل: المراد بالحكمة أسرار الشريعة، فالكتاب فيه الحكم، ~~والحكمة فيها بيان حكمة الله في أوامره ونواهيه، وكلا المعنيين صحيح، ~~ولهذا قال { يعظكم به } أي: بما أنزل عليكم، وهذا مما يقوي أن ~~المراد بالحكمة أسرار الشريعة، لأن الموعظة ببيان الحكم والحكمة، ~~والترغيب أو الترهيب، فالحكم به يزول الجهل. والحكمة مع الترغيب يوجب ~~الرغبة، والحكمة مع الترهيب يوجب الرهبة. { واتقوا الله } في ~~جميع أموركم { واعلموا أن الله بكل شيء عليم } ~~فلهذا بين لكم هذه الأحكام بغاية الإتقان والإحكام، التي هي جارية مع ~~المصالح في كل زمان ومكان، [فله الحمد والمنة]. ### || [2.232] # هذا خطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث، إذا خرجت من العدة، وأراد ~~زوجها أن ينكحها ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها من أب وغيره أن يعضلها، أي: ~~يمنعها من التزوج به حنقا عليه وغضبا، واشمئزازا لما فعل من الطلاق ~~الأول. وذكر ms0130 أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، ~~فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أن عدم تزويجه هو الرأي: ~~واللائق، وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له، كما هو عادة ~~المترفعين المتكبرين. فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه، فالله { ~~يعلم وأنتم لا تعلمون } فامتثلوا أمر من هو عالم ~~بمصالحكم، مريد لها، قادر عليها، ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره. ~~وفي هذه الآية دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء ~~عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق. ### || [2.233] # هذا خبر بمعنى الأمر، تنزيلا له منزلة المتقرر الذي لا يحتاج إلى أمر ~~بأن { يرضعن أولادهن حولين }. ولما كان الحول يطلق على ~~الكامل وعلى معظم الحول، قال: { كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة } فإذا تم للرضيع حولان فقد تم رضاعه، وصار اللبن بعد ذلك ~~بمنزلة سائر الأغذية، فلهذا كان الرضاع بعد الحولين غير معتبر لا يحرم. ~~ويؤخذ من هذا النص، ومن قوله تعالى: # وحمله وفصله ثلثون شهرا # [الأحقاف: 15] أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها. { ~~وعلى المولود له } أي: الأب { رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف } وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة، فإن على ~~الأب رزقها، أي: نفقتها وكسوتها، وهي الأجرة للرضاع. ودل هذا على أنها ~~إذا كانت في حباله، لا يجب لها أجرة غير النفقة والكسوة، وكل بحسب حاله، ~~فلهذا قال: { لا تكلف نفس إلا وسعها } فلا يكلف الفقير ~~أن ينفق نفقة الغني، ولا من لم يجد شيئا بالنفقة حتى يجد، { لا ~~تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده } أي: ~~لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها، إما أن تمنع من إرضاعه، أو لا تعطى ~~ما يجب لها من النفقة والكسوة أو الأجرة، { ولا مولود له ~~بولده } بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة له، أو تطلب زيادة عن ~~الواجب، ونحو ذلك من أنواع الضرر. ودل قوله: { مولود ms0131 له } أن ~~الولد لأبيه، لأنه موهوب له، ولأنه من كسبه، فلذلك جاز له الأخذ من ماله ~~رضي أو لم يرض، بخلاف الأم. وقوله: { وعلى الوارث مثل ذلك } ~~أي: على وارث الطفل إذا عدم الأب وكان الطفل ليس له مال، مثل ما على الأب ~~من النفقة للمرضع والكسوة، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين، على ~~القريب الوارث الموسر، { فإن أرادا } أي: الأبوان { فصالا } أي: ~~فطام الصبي قبل الحولين، { عن تراض منهما } بأن يكونا راضيين { ~~وتشاور } فيما بينهما، هل هو مصلحة للصبي أم لا؟ فإن كان مصلحة ~~ورضيا { فلا جناح عليهما } في فطامه قبل الحولين. فدلت الآية ~~بمفهومها على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر، أو لم يكن مصلحة للطفل، أنه ~~لا يجوز فطامه. وقوله: { وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولادكم } أي: تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه ~~المضارة، { فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم ~~بالمعروف } أي: للمرضعات، { أن الله بما تعملون ~~بصير } فمجازيكم على ذلك بالخير والشر. ### || [2.234] # أي: إذا توفي الزوج مكثت زوجته متربصة أربعة أشهر وعشرة أيام وجوبا، ~~والحكمة في ذلك، ليتبين الحمل في مدة الأربعة، ويتحرك في ابتدائه في ~~الشهر الخامس، وهذا العام مخصوص بالحوامل، فإن عدتهن بوضع الحمل، وكذلك ~~الأمة عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام. وقوله: { فإذا ~~بلغن أجلهن } أي: انقضت عدتهن { فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن } أي: من مراجعتها للزينة والطيب، { ~~بالمعروف } أي: على وجه غير محرم ولا مكروه. وفي هذا وجوب الإحداد ~~مدة العدة على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من المطلقات والمفارقات، ~~وهو مجمع عليه بين العلماء. { والله بما تعملون خبير } أي: ~~عالم بأعمالكم ظاهرها وباطنها، جليلها وخفيها، فمجازيكم عليها. وفي خطابه ~~للأولياء بقوله: { فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن } دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز ~~فعله، ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه. ### || [2.235] # هذا حكم المعتدة من وفاة، أو المبانة في الحياة، فيحرم على غير مبينها ms0132 ~~أن يصرح لها في الخطبة، وهو المراد بقوله: { ولكن لا ~~تواعدوهن سرا } وأما التعريض فقد أسقط تعالى فيه الجناح. ~~والفرق بينهما أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلهذا حرم خوفا من ~~استعجالها، وكذبها في انقضاء عدتها رغبة في النكاح، ففيه دلالة على منع ~~وسائل المحرم، وقضاء لحق زوجها الأول بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها. ~~وأما التعريض، وهو الذي يحتمل النكاح وغيره، فهو جائز للبائن، كأن يقول ~~لها: إني أريد التزوج، وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك، ونحو ذلك، ~~فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة الصريح، وفي النفوس داع قوي إليه. وكذلك إضمار ~~الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها إذا انقضت، ولهذا قال: { أو ~~أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ~~ستذكرونهن } هذا التفصيل كله في مقدمات العقد. وأما عقد النكاح ~~فلا يحل { حتى يبلغ الكتاب أجله } أي: تنقضي العدة. { ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم } أي: ~~فانووا الخير ولا تنووا الشر، خوفا من عقابه ورجاء لثوابه. { ~~واعلموا أن الله غفور } لمن صدرت منه الذنوب فتاب منها، ~~ورجع إلى ربه { حليم } حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم، مع قدرته ~~عليهم. ### || [2.236] # أي: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح وإثم بتطليق النساء قبل المسيس وفرض ~~المهر، وإن كان في ذلك كسر لها، فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن ~~بأن تعطوهن شيئا من المال، جبرا لخواطرهن. { على الموسع قدره ~~وعلى المقتر } أي: المعسر { قدره }. وهذا يرجع إلى العرف، ~~وأنه يختلف باختلاف الأحوال، ولهذا قال: { متاعا بالمعروف } ~~فهذا حق واجب { على المحسنين } ليس لهم أن يبخسوهن. فكما تسببوا ~~لتشوفهن واشتياقهن وتعلق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه، فعليهم في ~~مقابلة ذلك المتعة. فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدله على حكمة شارعه ~~ورحمته!! ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟!!، فهذا حكم المطلقات قبل ~~المسيس وقبل فرض المهر. ثم ذكر حكم المفروض لهن، فقال: { وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا... }. ### || [2.237] # أي: ms0133 إذا طلقتم النساء قبل المسيس، وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر ~~المفروض نصفه، ولكم نصفه. هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة، بأن ~~تعفو عن نصفها لزوجها، إذا كان يصح عفوها، { أو يعفوا الذي ~~بيده عقدة النكاح } وهو الزوج على الصحيح، لأنه الذي بيده حل ~~عقدته ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة، لكونه غير مالك ولا ~~وكيل. ثم رغب في العفو، وأن من عفا كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانا ~~موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان ~~والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس ~~فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو أخذ الواجب وإعطاء ~~الواجب. وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق ~~والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض ~~الأوقات وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة أو مخالطة، فإن الله مجاز ~~المحسنين بالفضل والكرم، ولهذا قال: { بينكم إن الله بما ~~تعملون بصير } ثم قال تعالى: { حافظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى وقوموا... }. ### || [2.238-239] # يأمر بالمحافظة على الصلوات عموما وعلى الصلاة الوسطى، وهي العصر ~~خصوصا، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ~~ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر ~~العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصا إذا أكملها كما أمر ~~بقوله: { وقوموا لله قنتين } أي: ذليلين خاشعين، ففيه الأمر ~~بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن ~~والطمأنينة. { فإن خفتم } لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر ~~وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك ~~الصفة فصلوها { رجالا } أي: على أقدامكم، { أو ركبانا } على ~~الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ~~ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ~~ولو في ms0134 هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب ~~من صلاتها مطمئنا خارج الوقت { فإذآ أمنتم } أي: زال الخوف عنكم ~~{ فاذكروا الله } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على ~~كمالها وتمامها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } ~~فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته ~~عليكم ويزيدكم عليها، ثم قال تعالى: { والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول... }. ### || [2.240] # أي: الأزواج الذين يموتون ويتركون خلفهم أزواجا فعليهم أن يوصوا { ~~وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } ~~أي: يوصون أن يلزمن بيوتهم مدة سنة لا يخرجن منها { فإن خرجن } من ~~أنفسهن { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { في ما فعلن ~~في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم } أي: من ~~مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك وأكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة بما ~~قبلها وهي قوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234] وقيل لم تنسخها بل الآية الأولى دلت على أن أربعة أشهر ~~وعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة ينبغي فعلها تكميلا لحق الزوج، ~~ومراعاة للزوجة، والدليل على أن ذلك مستحب أنه هنا نفى الجناح عن ~~الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، فلو كان لزوم المسكن واجبا لم ينف ~~الحرج عنهم. ### || [2.241-242] # أي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقا على كل متق، جبرا لخاطرها وأداء لبعض ~~حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طلقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق ~~غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل إن المتعة واجبة على كل ~~مطلقة احتجاجا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على ~~المقيد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة. ~~ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن ~~بها على عباده فقال: { كذلك يبين الله لكم آياته } أي: ~~حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها ~~وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها، ثم قال تعالى: ms0135 ~~{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف ~~حذر الموت... }. ### || [2.243-245] # يقص تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، ~~بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج ~~السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، { فقال لهم الله ~~موتوا } فماتوا { ثم } إن الله تعالى { أحيهم } إما بدعوة ~~نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء ~~الموتى، ولهذا قال: { إن الله لذو فضل } أي: عظيم { على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فلا تزيدهم ~~النعمة شكرا، بل ربما استعانوا بنعم الله على معاصيه، وقليل منهم الشكور ~~الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم. ثم أمر تعالى بالقتال ~~في سبيله، وهو قتال الأعداء الكفار لإعلاء كلمة الله ونصر دينه، فقال: { ~~وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع ~~عليم } أي: فأحسنوا نياتكم واقصدوا بذلك وجه الله، واعلموا أنه لا ~~يفيدكم القعود عن القتال شيئا، ولو ظننتم أن في القعود حياتكم وبقاءكم، ~~فليس الأمر كذلك، ولهذا ذكر القصة السابقة توطئة لهذا الأمر، فكما لم ~~ينفع الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت خروجهم، بل أتاهم ما حذروا من غير ~~أن يحتسبوا، فاعلموا أنكم كذلك، ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا ~~بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغب فيه، ~~وسماه قرضا فقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~} فينفق ما تيسر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصا في الجهاد، والحسن هو ~~الحلال المقصود به وجه الله تعالى، { فيضعفه له أضعافا ~~كثيرة } الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب ~~حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما ~~توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: { والله ~~يقبض ويبسط } أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، ~~فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، ~~والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك ms0136 فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم ~~يجدون ما قدموه كاملا موفرا مضاعفا، فلهذا قال: { وإليه ~~ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم. ففي هذه الآيات دليل على أن الأسباب لا ~~تنفع مع القضاء والقدر، وخصوصا الأسباب التي تترك بها أوامر الله. ~~وفيها: الآية العظيمة بإحياء الموتى أعيانا في هذه الدار. وفيها: الأمر ~~بالقتال والنفقة في سبيل الله، وذكر الأسباب الداعية لذلك الحاثة عليه، ~~من تسميته قرضا، ومضاعفته، وأن الله يقبض ويبسط وإليه ترجعون. ### || [2.246-248] # يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص ~~الملأ بالذكر، لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا ~~فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه ~~السلام فقالوا له { ابعث لنا ملكا } أي: عين لنا ملكا { ~~نقاتل في سبيل الله } ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ~~ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب ~~البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم ~~تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني ~~إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك ~~المقالة { قال } لهم نبيهم { هل عسيتم إن كتب عليكم ~~القتال ألا تقاتلوا } أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب ~~عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ~~ونيتهم، فقالوا: { وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } أي: أي شيء يمنعنا ~~من القتال وقد ألجأنا إليه، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا ~~موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما ~~حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقو توكلهم على ربهم { فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا } فجبنوا عن قتال الأعداء ~~وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور ~~والجبن { إلا قليلا منهم } فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم ~~فالتزموا أمر الله ms0137 ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا ~~والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال: { ~~والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم } مجيبا ~~لطلبهم { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان هذا ~~تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن ~~أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: { أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة ~~من المال } أي: كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق ~~بالملك منه. ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، ~~وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف ~~النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم ~~مقدمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم: { إن الله اصطفاه ~~عليكم } فلزمكم الانقياد لذلك { وزاده بسطة في العلم ~~والجسم } أي: فضله عليكم بالعلم والجسم، أي: بقوة الرأي والجسم ~~اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه ~~الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه ~~الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة ~~للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على ~~تنفيذها لم يفده الرأي: الذي لا ينفذه شيئا { والله واسع } الفضل ~~كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ~~ولكنه مع ذلك { عليم } بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ~~ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، ~~وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد، ثم ~~ذكر لهم نبيهم أيضا آية حسية يشاهدونها وهي إتيان التابوت الذي قد فقدوه ~~زمانا طويلا وفي ذلك التابوت سكينة تسكن بها قلوبهم، وتطمئن لها ~~خواطرهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، فأتت به الملائكة حاملة ~~له وهم ms0138 يرونه عيانا. ### || [2.249-252] # أي: لما تملك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم، ~~فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددا كثيرا وجما غفيرا، ~~امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك فقال: { إن ~~الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني } ~~فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته { ومن لم يطعمه ~~} أي: لم يشرب منه فإنه مني { إلا من اغترف غرفة بيده } ~~فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا ~~الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم ~~وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال ~~عدوهم وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم ~~على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن ~~باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلا على الله، وتضرعا واستكانة ~~وتبرؤا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم، فلهذا قال ~~تعالى: { فلما جاوزه } أي: النهر { هو } أي: طالوت { ~~والذين آمنوا معه } وهم الذين أطاعوا أمر الله ولم يشربوا من ~~النهر الشرب المنهي عنه فرأوا قلتهم وكثرة أعدائهم، { قالوا } أي: قال ~~كثير منهم { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ~~لكثرتهم وعددهم وعددهم { قال الذين يظنون أنهم ~~ملاقوا الله } أي: يستيقنون ذلك، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين ~~الراسخ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر { كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } أي: ~~بإرادته ومشيئته فالأمر لله تعالى، والعزيز من أعزه الله، والذليل من ~~أذله الله، فلا تغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، { ~~والله مع الصابرين } بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب ~~لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم، ولهذا ~~لما برزوا لجالوت وجنوده { قالوا } جميعهم { ربنآ أفرغ ~~علينا صبرا } أي: قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر، وثبت أقدامنا عن ~~التزلزل والفرار، وانصرنا على القوم الكافرين. من هاهنا نعلم أن جالوت ~~وجنوده ms0139 كانوا كفارا، فاستجاب الله لهم ذلك الدعاء لإتيانهم بالأسباب ~~الموجبة لذلك، ونصرهم عليهم { فهزموهم بإذن الله وقتل ~~داود } عليه السلام، وكان مع جنود طالوت، { جالوت } أي: باشر قتل ~~ملك الكفار بيده لشجاعته وقوته وصبره { وآتاه الله } أي: آتى الله ~~داود { الملك والحكمة } أي: من عليه بتملكه على بني إسرائيل ~~مع الحكمة، وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، ~~ولهذا قال { وعلمه مما يشآء } من العلوم الشرعية والعلوم ~~السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة، وقد كان من قبله من الأنبياء يكون ~~الملك لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في ديارهم وعبدوا الله ~~آمنين مطمئنين لخذلان أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله من آثار ~~الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم يحصل ذلك فلهذا قال تعالى: { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } أي: ~~لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيد الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض ~~باستيلاء الكفار عليها وإقامتهم شعائر الكفر ومنعهم من عبادة الله تعالى، ~~وإظهار دينه { ولكن الله ذو فضل على العالمين } حيث ~~شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم ومكنهم من الأرض بأسباب ~~يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها. # ثم قال تعالى { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } ~~أي: بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق ~~الأمور { وإنك لمن المرسلين } فهذه شهادة من الله لرسوله ~~برسالته التي من جملة أدلتها ما قصه الله عليه من أخبار الأمم السالفين ~~والأنبياء وأتباعهم وأعدائهم التي لولا خبر الله إياه لما كان عنده بذلك ~~علم بل لم يكن في قومه من عنده شيء من هذه الأمور، فدل أنه رسول الله ~~حقا ونبيه صدقا الذي بعثه بالحق ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون. وفي هذه القصة من الآيات والعبر ما يتذكر به أولو الألباب، ~~فمنها: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم ~~به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما ~~وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في ms0140 تعيين ملك تجتمع به كلمتهم ويلم ~~متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم، ومنها: أن الحق كلما عورض وأوردت عليه ~~الشبه ازداد وضوحا وتميز وحصل به اليقين التام كما جرى لهؤلاء، لما ~~اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال ~~الشبه والريب. ومنها: أن العلم والرأي: مع القوة المنفذة بهما كمال ~~الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها. ومنها: أن الاتكال على ~~النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب ~~النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم # وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا ~~من ديارنا وأبنآئنا # [البقرة: 246] فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، والثاني ~~في قوله: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنآ ~~أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله } ومنها: أن ~~من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر ~~من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم ~~التمييز. ومنها: أن من رحمته وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار ~~والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، وأنه لولا ذلك لفسدت الأرض باستيلاء ~~الكفر وشعائره عليها، ثم قال تعالى: { تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات... }. ### || [2.253] # يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس ~~بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على ~~بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، ~~فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على ~~سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما ~~تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين { ~~وآتينا عيسى ابن مريم البينات } الدالات على نبوته ~~وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه { وأيدناه ~~بروح القدس } أي: بالإيمان واليقين الذي أيده به الله وقواه على ~~ما أمر به، وقيل ms0141 أيده بجبريل عليه السلام يلازمه في أحواله { ولو ~~شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما ~~جآءتهم البينات } الموجبة للاجتماع على الإيمان { ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر } فكان موجب ~~هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا ~~الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، ~~وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال ~~كل موجب، فلهذا قال { ولكن الله يفعل ما يريد } ~~فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم ~~يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه ~~وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من الاستواء والنزول والأقوال، ~~والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية. فائدة: كما يجب على ~~المكلف معرفته بربه، فيجب عليه معرفته برسله، ما يجب لهم ويمتنع عليهم ~~ويجوز في حقهم، ويؤخذ جميع ذلك مما وصفهم الله به في آيات متعددة، منها: ~~أنهم رجال لا نساء، من أهل القرى لا من أهل البوادي، وأنهم مصطفون ~~مختارون، جمع الله لهم من الصفات الحميدة ما به الاصطفاء والاختيار، ~~وأنهم سالمون من كل ما يقدح في رسالتهم من كذب وخيانة وكتمان وعيوب ~~مزرية، وأنهم لا يقرون على خطأ فيما يتعلق بالرسالة والتكليف، وأن الله ~~تعالى خصهم بوحيه، فلهذا وجب الإيمان بهم وطاعتهم ومن لم يؤمن بهم فهو ~~كافر، ومن قدح في واحد منهم أو سبه فهو كافر يتحتم قتله، ودلائل هذه ~~الجمل كثيرة، من تدبر القرآن تبين له الحق، ثم قال تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقنكم من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة... }. ### || [2.254] # وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة ~~واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرا وأجرا موفرا في يوم يحتاج فيه العاملون ~~إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ms0142 ~~ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا ~~صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل ~~الخزي على الظالمين، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب ~~من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر ~~بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى ~~مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى: { والكفرون هم الظلمون } ~~وهذا من باب الحصر، أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] ثم قال تعالى: { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في ~~السموت وما في... }. ### || [2.255] # هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت ~~عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب ~~في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه ~~وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا ~~إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي ~~تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله ~~وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ~~ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما ~~سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع ~~الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة، وقوله: { الحي ~~القيوم } هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى ~~دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة ~~لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو ~~الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب ~~العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق ~~والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية ~~الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله ~~به ms0143 أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أنه { لا ~~تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس { له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو ~~الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: { من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه } أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، ~~فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده ~~أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ~~ثم قال { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما مضى من جميع الأمور { ~~وما خلفهم } أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل ~~الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ~~ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا ~~قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء ~~وسع كرسيه السموت والأرض } وهذا يدل على كمال عظمته ~~وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على ~~عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما ~~هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات ~~تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف ~~بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي ~~قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: { ~~ولا يؤوده } أي: يثقله { حفظهما وهو العلي } بذاته ~~فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته { ~~العظيم } الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله ~~أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة ~~والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد ~~الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة ~~سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه ms0144 على جميع مخلوقاته، فهذه ~~الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى ~~والصفات العلا، ثم قال تعالى: { لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي فمن يكفر. # .. }. ### || [2.256-257] # يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه، لأن ~~الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه، غامضة أثاره، أو أمر في غاية ~~الكراهة للنفوس، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت ~~أعلامه للعقول، وظهرت طرقه، وتبين أمره، وعرف الرشد من الغي، فالموفق ~~إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره، وأما من كان سيئ القصد فاسد ~~الإرادة، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل، ويبصر الحسن فيميل إلى ~~القبيح، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين، لعدم النتيجة والفائدة ~~فيه، والمكره ليس إيمانه صحيحا، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال ~~الكفار المحاربين، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل ~~منصف قصده اتباع الحق، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له، وإنما يؤخذ فرض ~~القتال من نصوص أخر، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير ~~أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ~~ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه ~~وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالدين ~~القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، ~~لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس ~~القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها ~~العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع ~~عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو ~~الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها، ثم ذكر السبب الذي ~~أوصلهم إلى ذلك فقال: { الله ولي الذين آمنوا } وهذا يشمل ~~ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد ~~اتخذوه حبيبا ووليا، ms0145 ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ~~ومن عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور ~~الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر ~~والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور { ~~والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت } فتولوا الشيطان ~~وحزبه، واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم، ~~فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا، ويزعجونهم إلى ~~الشر إزعاجا، فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة إلى ظلمة الكفر ~~والجهل والمعاصي، فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات، وفاتهم النعيم ~~والبهجة والمسرات، وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة، فلهذا ~~قال تعالى: { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. ### || [2.258] # يقول تعالى: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ~~ربه } أي: إلى جرائته وتجاهله وعناده ومحاجته فيما لا يقبل التشكيك، ~~وما حمله على ذلك إلا { أن آتاه الله الملك } فطغى وبغى ورأى ~~نفسه مترئسا على رعيته، فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم في ربوبية الله ~~فزعم أنه يفعل كما يفعل الله، فقال إبراهيم { ربي الذي يحيي ~~ويميت } أي: هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة ~~لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة ~~مبدأ ما يكون في الآخرة، فقال ذلك المحاج: { أنا أحيي وأميت } ~~ولم يقل أنا الذي أحيي وأميت، لأنه لم يدع الاستقلال بالتصرف، وإنما زعم ~~أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ~~ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم ~~بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل فقال ~~إبراهيم: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق } أي: ~~عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر { فأت بها من المغرب } ~~وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه، فلما قال له أمرا لا ~~قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحا يقدح في سبيله { بهت الذي ~~كفر } أي: تحير فلم يرجع ms0146 إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته، وهذه ~~حالة المبطل المعاند الذي يريد أن يقاوم الحق ويغالبه، فإنه مغلوب مقهور، ~~فلذلك قال تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين } بل ~~يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك، وإلا فلو كان ~~قصدهم الحق والهداية لهداهم إليه ويسر لهم أسباب الوصول إليه، ففي هذه ~~الآية برهان قاطع على تفرد الرب بالخلق والتدبير، ويلزم من ذلك أن يفرد ~~بالعبادة والإنابة والتوكل عليه في جميع الأحوال، قال ابن القيم رحمه ~~الله: وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا، وهي أن شرك العالم إنما هو ~~مستند إلى عبادة الكواكب والقبور، ثم صورت الأصنام على صورها، فتضمن ~~الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك جملة بأن الله وحده ~~هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ~~ولا بعد موته، فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة، ~~ومن كان كذلك فكيف يكون إلها حتى يتخذ الصنم على صورته، ويعبد من دونه، ~~وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس هذه الشمس وهي مربوبة مدبرة مسخرة، لا ~~تصرف لها بنفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها ~~فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة، لا إله يعبد من دون الله. ~~" من مفتاح دار السعادة " ، ثم قال تعالى: { أو كالذي مر على ~~قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي ~~هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ~~ثم بعثه قال... }. ### || [2.259] # وهذا أيضا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء، ~~فقال: { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها } أي: قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها، ~~فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة، فوقف عليها ذلك الرجل ~~متعجبا و { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ~~استبعادا لذلك وجهلا بقدرة الله تعالى، فلما أراد الله به خيرا أراه ~~آية في نفسه وفي حماره، وكان معه طعام وشراب، { فأماته الله ~~مئة عام ms0147 ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما ~~أو بعض يوم } استقصارا لتلك المدة التي مات فيها لكونه قد زالت ~~معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته، فقيل له { بل لبثت مئة ~~عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } أي: لم ~~يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه، ففيه أكبر ~~دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد، مع أن الطعام والشراب ~~من أسرع الأشياء فسادا { وانظر إلى حمارك } وكان قد مات ~~وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه، وتفرقت أوصاله { ولنجعلك آية ~~للناس } على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم، لتكون أنموذجا ~~محسوسا مشاهدا بالأبصار، فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل { ~~وانظر إلى العظام كيف ننشزها } أي: ندخل بعضها في بعض، ~~ونركب بعضها ببعض { ثم نكسوها لحما } فنظر إليها عيانا كما ~~وصفها الله تعالى، { فلما تبين له } ذلك وعلم قدرة الله تعالى ~~{ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } والظاهر ~~من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرا، وأن يجعله آية ~~ودليلا للناس لثلاثة أوجه أحدها قوله { أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها } ولو كان نبيا أو عبدا صالحا لم يقل ذلك، ~~والثاني: أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليراه بعينه ~~فيقر بما أنكره، ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى ~~حالتها، ولا في السياق ما يدل على ذلك، ولا في ذلك كثير فائدة، ما ~~الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها ~~أو غيرهم فعمروها؟! وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء ~~طعامه وشرابه بحاله، والثالث في قوله: { فلما تبين له } أي: ~~تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه، فعلم بذلك صحة ما ذكرناه، والله أعلم. ~~ثم قال تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف ~~تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى... }. ### || [2.260] # وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث ~~والجزاء، فأخبر ms0148 تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي ~~الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ~~ليحصل له مرتبة عين اليقين، فلهذا قال الله له { أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي } وذلك أنه بتوارد الأدلة ~~اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولوا ~~العرفان، فقال له ربه { فخذ أربعة من الطير فصرهن ~~إليك } أي: ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك. { ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا } أي: مزقهن، اخلط ~~أجزاءهن بعضها ببعض، واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، ~~جزء من تلك الأجزاء { ثم ادعهن يأتينك سعيا } أي: تحصل ~~لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه ~~السلام ذلك وحصل له ما أراد وهذا من ملكوت السماوات والأرض الذي أراه ~~الله إياه في قوله # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75] ثم قال: { واعلم أن الله عزيز حكيم } أي: ~~ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة ~~لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئا ~~عبثا، ثم قال تعالى: { مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل... }. ### || [2.261] # هذا بيان للمضاعفة التي ذكرها الله في قوله # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] وهنا قال: { مثل الذين ينفقون أموالهم ~~في سبيل الله } أي: في طاعته ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد ~~في سبيله { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مئة حبة } وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي ~~كان العبد يشاهده ببصره فيشاهد هذه المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان ~~مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنة للإنفاق سامحة بها مؤملة لهذه ~~المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة، { والله يضاعف } هذه المضاعفة ~~{ لمن يشآء } أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه وبحسب حال النفقة ~~وحلها ونفعها ووقوعها موقعها، ms0149 ويحتمل أن يكون { والله يضاعف } ~~أكثر من هذه المضاعفة { لمن يشآء } فيعطيهم أجرهم بغير حساب { ~~والله واسع } الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، ~~فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا ~~يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته، ومع هذا فهو { عليم } بمن ~~يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه ~~وحكمته. ### || [2.262-263] # أي: الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله، ولا يتبعونها بما ينقصها ~~ويفسدها من المن بها على المنفق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يعدد عليه ~~إحسانه ويطلب منه مقابلته، ولا أذية له قولية أو فعلية، فهؤلاء لهم أجرهم ~~اللائق بهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم الخير واندفع عنهم ~~الشر لأنهم عملوا عملا خالصا لله سالما من المفسدات. { قول ~~معروف } أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قول كريم فيه ~~إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء ~~له { ومغفرة } لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه ~~العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي، فالقول المعروف والمغفرة خير من ~~الصدقة التي يتبعها أذى، لأن القول المعروف إحسان قولي، والمغفرة إحسان ~~أيضا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل من الإحسان ~~بالصدقة التي يتبعها أذى بمن أو غيره، ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا ~~يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المن بالصدقة ~~مفسدا لها محرما، لأن المنة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد ~~لا يمن بنعمة الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المان مستعبد ~~لمن يمن عليه، والذل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن ~~جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، ~~فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم، { والله ~~غني } عنها، ومع هذا فهو { حليم } على من عصاه لا يعاجله بعقوبة ~~مع قدرته عليه، ولكن رحمته وإحسانه وحلمه يمنعه من ms0150 معاجلته للعاصين، بل ~~يمهلهم ويصرف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم تعالى ~~أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم ~~عقابه وحرمهم جزيل ثوابه. ### || [2.264] # ينهى عباده تعالى لطفا بهم ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى ففيه ~~أن المن والأذى يبطل الصدقة، ويستدل بهذا على أن الأعمال السيئة تبطل ~~الأعمال الحسنة، كما قال تعالى: # ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون # [الحجرات: 2] فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من ~~الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى # ولا تبطلوا أعمالكم # [محمد: 33] حث على تكميل الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع ~~العمل سدى، وقوله: { كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر } أي: أنتم وإن قصدتم بذلك وجه ~~الله في ابتداء الأمر، فإن المنة والأذى مبطلان لأعمالكم، فتصير أعمالكم ~~بمنزلة الذي يعمل لمراءاة الناس ولا يريد به الله والدار الآخرة، فهذا لا ~~شك أن عمله من أصله مردود، لأن شرط العمل أن يكون لله وحده وهذا في ~~الحقيقة عمل للناس لا لله، فأعماله باطلة وسعيه غير مشكور، فمثله المطابق ~~لحاله { كمثل صفوان } وهو الحجر الأملس الشديد { عليه ~~تراب فأصابه وابل } أي: مطر غزير { فتركه صلدا } أي: ~~ليس عليه شيء من التراب، فكذلك حال هذا المرائي، قلبه غليظ قاس بمنزلة ~~الصفوان، وصدقته ونحوها من أعماله بمنزلة التراب الذي على الصفوان، إذا ~~رآه الجاهل بحاله ظن أنه أرض زكية قابلة للنبات، فإذا انكشفت حقيقة حاله ~~زال ذلك التراب وتبين أن عمله بمنزلة السراب، وأن قلبه غير صالح لنبات ~~الزرع وزكائه عليه، بل الرياء الذي فيه والإرادات الخبيثة تمنع من ~~انتفاعه بشيء من عمله، فلهذا { لا يقدرون على شيء } من ~~أعمالهم التي اكتسبوها، لأنهم وضعوها في غير موضعها وجعلوها لمخلوق ~~مثلهم، لا يملك لهم ضررا ولا نفعا وانصرفوا عن عبادة من تنفعهم عبادته، ~~فصرف الله قلوبهم عن الهداية، فلهذا قال: { والله لا يهدي ms0151 ~~القوم الكافرين }. ### || [2.265] # هذا مثل المنفقين أموالهم على وجه تزكو عليه نفقاتهم وتقبل به صدقاتهم ~~فقال تعالى: { ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء ~~مرضات الله } أي: قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه { ~~وتثبيتا من أنفسهم } أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له ~~النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة ~~يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، ~~أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين ~~فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم، ~~فمثل نفقة هؤلاء { كمثل جنة } أي: كثيرة الأشجار غزيرة الظلال، ~~من الاجتنان وهو الستر، لستر أشجارها ما فيها، وهذه الجنة { بربوة } ~~أي: محل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار ~~وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس، ف { أصابها } أي: تلك ~~الجنة التي بربوة { وابل } وهو المطر الغزير { فآتت أكلها ~~ضعفين } أي: تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك، ~~وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها { فإن لم يصبها وابل ~~فطل } أي: مطر قليل يكفيها لطيب منبتها، فهذه حالة المنفقين أهل ~~النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله، وكل ينمى له ما أنفق أتم ~~تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك ~~حيث لا تريدها، فيالله لو قدر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت ~~إليه الهمم وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه ~~الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره ~~الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان، دائم مستمر فيه أنواع ~~المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة، والعزائم عن طلبه ~~خامدة، أترى ذلك زهدا في الآخرة ونعيمها، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ~~ثوابه؟! وإلا فلو تيقن العبد ذلك حق اليقين وباشر الإيمان به بشاشة قلبه ~~لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت همم عزائمه إليه، وطوعت ms0152 نفسه ~~له بكثرة النفقات رجاء المثوبات، ولهذا قال تعالى: { والله بما ~~تعملون بصير } فيعلم عمل كل عامل ومصدر ذلك العمل، فيجازيه عليه ~~أتم الجزاء ثم قال تعالى: { أيود أحدكم أن تكون له ~~جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار... ~~}. ### || [2.266] # وهذا المثل مضروب لمن عمل عملا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها ثم ~~عمل أعمالا تفسده، فمثله كمثل صاحب هذا البستان الذي فيه من كل ~~الثمرات، وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء ~~وقوتا وفاكهة وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من ~~غير مؤنة، وكان صاحبها قد اغتبط بها وسرته، ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن ~~العمل وزاد حرصه، وكان له ذرية ضعفاء ما فيهم معاونة له، بل هم كل عليه، ~~ونفقته ونفقتهم من تلك الجنة، فبينما هو كذلك إذ أصاب تلك الجنة إعصار ~~وهو الريح القوية التي تستدير ثم ترتفع في الجو، وفي ذلك الإعصار نار ~~فاحترقت تلك الجنة، فلا تسأل عما لقي ذلك الذي أصابه الكبر من الهم والغم ~~والحزن، فلو قدر أن الحزن يقتل صاحبه لقتله الحزن، كذلك من عمل عملا ~~لوجه الله فإن أعماله بمنزلة البذر للزروع والثمار، ولا يزال كذلك حتى ~~يحصل له من عمله جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء، وتلك المفسدات التي ~~تفسد الأعمال بمنزلة الإعصار الذي فيه نار، والعبد أحوج ما يكون لعمله ~~إذا مات وكان بحالة لا يقدر معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل نفعه ~~هباء منثورا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. والله سريع الحساب فلو علم ~~الإنسان وتصور هذه الحال وكان له أدنى مسكة من عقل لم يقدم على ما فيه ~~مضرته ونهاية حسرته ولكن ضعف الإيمان والعقل وقلة البصيرة يصير صاحبه إلى ~~هذه الحالة التي لو صدرت من مجنون لا يعقل لكان ذلك عظيما وخطره جسيما، ~~فلهذا أمر تعالى بالتفكر وحث عليه، فقال: { كذلك يبين الله ~~لكم الأيت لعلكم تتفكرون }. ### || [2.267-268] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ms0153 ~~ومما أخرج لهم من الأرض فكما من عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه شكرا ~~لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرا لأموالكم، واقصدوا في تلك ~~النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ~~ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة { واعلموا أن ~~الله غني حميد } فهو غني عنكم ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد ~~إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال ~~السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب وحياة النفوس ونعيم ~~الأرواح، وإياكم أن تتبعوا عدوكم الشيطان الذي يأمركم بالإمساك، ويخوفكم ~~بالفقر والحاجة إذا أنفقتم، وليس هذا نصحا لكم، بل هذا غاية الغش # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6] بل أطيعوا ربكم الذي يأمركم بالنفقة على وجه يسهل عليكم ولا ~~يضركم، ومع هذا فهو { يعدكم مغفرة } لذنوبكم وتطهيرا لعيوبكم ~~{ وفضلا } وإحسانا إليكم في الدنيا والآخرة، من الخلف العاجل، ~~وانشراح الصدر ونعيم القلب والروح والقبر، وحصول ثوابها وتوفيتها يوم ~~القيامة، وليس هذا عظيما عليه لأنه { واسع } الفضل عظيم الإحسان { ~~عليم } بما يصدر منكم من النفقات قليلها وكثيرها، سرها وعلنها، ~~فيجازيكم عليها من سعته وفضله وإحسانه، فلينظر العبد نفسه إلى أي ~~الداعيين يميل، فقد تضمنت هاتان الآيتان أمورا عظيمة منها: الحث على ~~الإنفاق، ومنها: بيان الأسباب الموجبة لذلك، ومنها: وجوب الزكاة من ~~النقدين وعروض التجارة كلها، لأنها داخلة في قوله: { من طيبات ما ~~كسبتم } ومنها: وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار ~~والمعادن، ومنها: أن الزكاة على من له الزرع والثمر لا على صاحب الأرض، ~~لقوله { أخرجنا لكم } فمن أخرجت له وجبت عليه ومنها: أن الأموال ~~المعدة للاقتناء من العقارات والأواني ونحوها ليس فيها زكاة، وكذلك ~~الديون والغصوب ونحوهما إذا كانت مجهولة، أو عند من لا يقدر ربها على ~~استخراجها منه، ليس فيها زكاة، لأن الله أوجب النفقة من الأموال التي ~~يحصل فيها النماء الخارج من الأرض، وأموال التجارة مواساة من نمائها، ~~وأما الأموال التي غير معدة لذلك ولا مقدورا عليها ms0154 فليس فيها هذا ~~المعنى، ومنها: أن الرديء ينهى عن إخراجه ولا يجزئ في الزكاة ثم قال ~~تعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا... }. ### || [2.269] # لما أمر تعالى بهذه الأوامر العظيمة المشتملة على الأسرار والحكم وكان ~~ذلك لا يحصل لكل أحد، بل لمن من عليه وآتاه الله الحكمة، وهي العلم ~~النافع والعمل الصالح ومعرفة أسرار الشرائع وحكمها، وإن من آتاه الله ~~الحكمة فقد آتاه خيرا كثيرا وأي خير أعظم من خير فيه سعادة الدارين ~~والنجاة من شقاوتهما! وفيه التخصيص بهذا الفضل وكونه من ورثة الأنبياء، ~~فكمال العبد متوقف على الحكمة، إذ كماله بتكميل قوتيه العلمية والعملية ~~فتكميل قوته العلمية بمعرفة الحق ومعرفة المقصود به، وتكميل قوته العملية ~~بالعمل بالخير وترك الشر، وبذلك يتمكن من الإصابة بالقول والعمل وتنزيل ~~الأمور منازلها في نفسه وفي غيره، وبدون ذلك لا يمكنه ذلك، ولما كان الله ~~تعالى قد فطر عباده على عبادته ومحبة الخير والقصد للحق، فبعث الله الرسل ~~مذكرين لهم بما ركز في فطرهم وعقولهم، ومفصلين لهم ما لم يعرفوه، انقسم ~~الناس قسمين قسم أجابوا دعوتهم فتذكروا ما ينفعهم ففعلوه، وما يضرهم ~~فتركوه، وهؤلاء هم أولو الألباب الكاملة، والعقول التامة، وقسم لم ~~يستجيبوا لدعوتهم، بل أجابوا ما عرض لفطرهم من الفساد، وتركوا طاعة رب ~~العباد، فهؤلاء ليسوا من أولي الألباب، فلهذا قال تعالى: { وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب }. ### || [2.270] # وهذا فيه المجازاة على النفقات، واجبها ومستحبها، قليلها وكثيرها، التي ~~أمر الله بها، والنذور التي ألزمها المكلف نفسه، وإن الله تعالى يعلمها ~~فلا يخفى عليه منها شيء، ويعلم ما صدرت عنه، هل هو الإخلاص أو غيره، فإن ~~صدرت عن إخلاص وطلب لمرضاة الله جازى عليها بالفضل العظيم والثواب ~~الجسيم، وإن لم ينفق العبد ما وجب عليه من النفقات ولم يوف ما أوجبه على ~~نفسه من المنذورات، أو قصد بذلك رضى المخلوقات، فإنه ظالم قد وضع الشيء ~~في غير موضعه، واستحق العقوبة البليغة، ولم ينفعه أحد من الخلق ولم ~~ينصره، فلهذا ms0155 قال: { وما للظالمين من أنصار }. ### || [2.271] # أي: { إن تبدوا الصدقات } فتظهروها وتكون علانية حيث كان ~~القصد بها وجه الله { فنعما هي } أي: فنعم الشيء { هي } لحصول ~~المقصود بها { وإن تخفوها } أي: تسروها { وتؤتوها ~~الفقرآء فهو خير لكم } ففي هذا أن صدقة السر على الفقير ~~أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن ~~السر ليس خيرا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، فإن كان في ~~إظهارها إظهار شعائر الدين وحصول الاقتداء ونحوه، فهو أفضل من الإسرار، ~~ودل قوله: { وتؤتوها الفقرآء } على أنه ينبغي للمتصدق أن يتحرى ~~بصدقته المحتاجين، ولا يعطي محتاجا وغيره أحوج منه، ولما ذكر تعالى أن ~~الصدقة خير للمتصدق ويتضمن ذلك حصول الثواب قال: { ويكفر عنكم ~~من سيئاتكم } ففيه دفع العقاب { والله بما تعملون ~~خبير } من خير وشر، قليل وكثير والمقصود من ذلك المجازاة. ### || [2.272-274] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليس عليك هدي الخلق، وإنما عليك ~~البلاغ المبين، والهداية بيد الله تعالى، ففيها دلالة على أن النفقة كما ~~تكون على المسلم تكون على الكافر ولو لم يهتد، فلهذا قال: { وما ~~تنفقوا من خير } أي: قليل أو كثير على أي شخص كان من مسلم ~~وكافر { فلأنفسكم } أي: نفعه راجع إليكم { وما تنفقون ~~إلا ابتغآء وجه } هذا إخبار عن نفقات المؤمنين الصادرة عن ~~إيمانهم أنها لا تكون إلا لوجه الله تعالى، لأن إيمانهم يمنعهم عن ~~المقاصد الردية ويوجب لهم الإخلاص { وما تنفقوا من خير ~~يوف إليكم } يوم القيامة تستوفون أجوركم { وأنتم لا ~~تظلمون } أي: تنقصون من أعمالكم شيئا ولا مثقال ذرة، كما لا يزاد ~~في سيئاتكم. ثم ذكر مصرف النفقات الذين هم أولى الناس بها فوصفهم بست ~~صفات أحدها الفقر، والثاني قوله: { أحصروا في سبيل الله } أي: ~~قصروها على طاعة الله من جهاد وغيره، فهم مستعدون لذلك محبوسون له، ~~الثالث عجزهم عن الأسفار لطلب الرزق فقال: { لا يستطيعون ضربا ~~في الأرض } أي: سفرا للتكسب، الرابع قوله: { يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء من التعفف } وهذا بيان ms0156 لصدق صبرهم وحسن ~~تعففهم. الخامس: أنه قال: { تعرفهم بسيماهم } أي: بالعلامة ~~التي ذكرها الله في وصفهم، وهذا لا ينافي قوله: { يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء } فإن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم ~~عليه، وأما الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، السادس قوله: ~~{ لا يسألون الناس إلحافا } أي: لا يسألونهم سؤال إلحاف، ~~أي: إلحاح، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا، ~~فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات، وأما ~~النفقة من حيث هي على أي شخص كان، فهي خير وإحسان وبر يثاب عليها صاحبها ~~ويؤجر، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير فإن الله به ~~عليم }. ثم ذكر حالة المتصدقين في جميع الأوقات على جميع الأحوال ~~فقال: # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله # [البقرة: 262] أي: طاعته وطريق مرضاته، لا في المحرمات والمكروهات ~~وشهوات أنفسهم { بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم عند ربهم } أي: أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم { ~~ولا خوف عليهم } إذا خاف المقصرون { ولا هم يحزنون } ~~إذا حزن المفرطون، ففازوا بحصول المقصود المطلوب، ونجوا من الشرور ~~والمرهوب، ولما كمل تعالى حالة المحسنين إلى عباده بأنواع النفقات ذكر ~~حالة الظالمين المسيئين إليهم غاية الإساءة فقال: { الذين ~~يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من... }. ### || [2.275-281] # يخبر تعالى عن أكلة الربا وسوء مآلهم وشدة منقلبهم، أنهم لا يقومون من ~~قبورهم ليوم نشورهم { إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس } أي: يصرعه الشيطان بالجنون، فيقومون من ~~قبورهم حيارى سكارى مضطربين، متوقعين لعظيم النكال وعسر الوبال، فكما ~~تقلبت عقولهم و { قالوا إنما البيع مثل الربوا } ~~وهذا لا يكون إلا من جاهل عظيم جهله، أو متجاهل عظيم عناده، جازاهم الله ~~من جنس أحوالهم فصارت أحوالهم أحوال المجانين، ويحتمل أن يكون قوله: { ~~لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس } أنه لما انسلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت ~~أحلامهم وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم وحركاتهم يشبهون ms0157 المجانين في عدم ~~انتظامها وانسلاب العقل الأدبي عنهم، قال الله تعالى رادا عليهم ومبينا ~~حكمته العظيمة { وأحل الله البيع } أي: لما فيه من عموم ~~المصلحة وشدة الحاجة وحصول الضرر بتحريمه، وهذا أصل في حل جميع أنواع ~~التصرفات الكسبية حتى يرد ما يدل على المنع { وحرم الربوا } ~~لما فيه من الظلم وسوء العاقبة، والربا نوعان: ربا نسيئة كبيع الربا بما ~~يشاركه في العلة نسيئة، ومنه جعل ما في الذمة رأس مال، سلم، وربا فضل، ~~وهو بيع ما يجري فيه الربا بجنسه متفاضلا وكلاهما محرم بالكتاب والسنة، ~~والإجماع على ربا النسيئة، وشذ من أباح ربا الفضل وخالف النصوص ~~المستفيضة، بل الربا من كبائر الذنوب وموبقاتها { فمن جآءه ~~موعظة من ربه } أي: وعظ وتذكير وترهيب عن تعاطي الربا على ~~يد من قيضه الله لموعظته رحمة من الله بالموعوظ، وإقامة للحجة عليه { ~~فانتهى } عن فعله وانزجر عن تعاطيه { فله ما سلف } أي: ما ~~تقدم من المعاملات التي فعلها قبل أن تبلغه الموعظة جزاء لقبوله ~~للنصيحة، دل مفهوم الآية أن من لم ينته جوزي بالأول والآخر { ~~وأمره إلى الله } في مجازاته وفيما يستقبل من أموره { ومن ~~عاد } إلى تعاطي الربا ولم تنفعه الموعظة، بل أصر على ذلك { ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } اختلف ~~العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من ~~الذنوب التي دون الشرك بالله، والأحسن فيها أن يقال هذه الأمور التي رتب ~~الله عليها الخلود في النار موجبات ومقتضيات لذلك، ولكن الموجب إن لم ~~يوجد ما يمنعه ترتب عليه مقتضاه، وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار، فلولا ما مع الإنسان ~~من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره. ثم قال ~~تعالى: { يمحق الله الربوا } أي: يذهبه ويذهب بركته ذاتا ~~ووصفا، فيكون سببا لوقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وإن أنفق منه لم ~~يؤجر عليه بل يكون زادا له إلى النار { ويربي الصدقت } أي: ~~ينميها وينزل البركة ms0158 في المال الذي أخرجت منه وينمي أجر صاحبها وهذا لأن ~~الجزاء من جنس العمل، فإن المرابي قد ظلم الناس وأخذ أموالهم على وجه غير ~~شرعي، فجوزي بذهاب ماله، والمحسن إليهم بأنواع الإحسان ربه أكرم منه، ~~فيحسن عليه كما أحسن على عباده { والله لا يحب كل كفار } ~~لنعم الله، لا يؤدي ما أوجب عليه من الصدقات، ولا يسلم منه ومن شره عباد ~~الله { أثيم } أي: قد فعل ما هو سبب لإثمه وعقوبته. # لما ذكر أكلة الربا وكان من المعلوم أنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا ~~ينفعهم لم يصدر منهم ما صدر ذكر حالة المؤمنين وأجرهم، وخاطبهم بالإيمان، ~~ونهاهم عن أكل الربا إن كانوا مؤمنين، وهؤلاء هم الذين يقبلون موعظة ربهم ~~وينقادون لأمره، وأمرهم أن يتقوه، ومن جملة تقواه أن يذروا ما بقي من ~~الربا أي: المعاملات الحاضرة الموجودة، وأما ما سلف، فمن اتعظ عفا الله ~~عنه ما سلف، وأما من لم ينزجر بموعظة الله ولم يقبل نصيحته فإنه مشاق ~~لربه محارب له، وهو عاجز ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم الذي ~~يمهل للظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر { وإن ~~تبتم } عن الربا { فلكم رؤوس أمولكم } أي: أنزلوا ~~عليها { لا تظلمون } من عاملتموه بأخذ الزيادة التي هي الربا { ~~ولا تظلمون } بنقص رؤوس أموالكم. { وإن كان } المدين { ذو ~~عسرة } لا يجد وفاء { فنظرة إلى ميسرة } وهذا واجب عليه ~~أن ينظره حتى يجد ما يوفي به { وأن تصدقوا خير لكم إن ~~كنتم تعلمون } إما بإسقاطها أو بعضها. { واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت وهم لا يظلمون } وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، ~~وجعلت خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي، لأن فيها الوعد على الخير، ~~والوعيد على فعل الشر، وأن من علم أنه راجع إلى الله فمجازيه على الصغير ~~والكبير والجلي والخفي، وأن الله لا يظلمه مثقال ذرة، أوجب له الرغبة ~~والرهبة، وبدون حلول العلم في ذلك في القلب لا سبيل إلى ذلك. ms0159 ### || [2.282] # هذه آية الدين، وهي أطول آيات القرآن، وقد اشتملت على أحكام عظيمة جليلة ~~المنفعة والمقدار، أحدها: أنه تجوز جميع أنواع المداينات من سلم وغيره، ~~لأن الله أخبر عن المداينة التي عليها المؤمنون إخبار مقرر لها ذاكرا ~~أحكامها، وذلك يدل على الجواز، الثاني والثالث أنه لا بد للسلم من أجل ~~وأنه لا بد أن يكون معينا معلوما فلا يصح حالا ولا إلى أجل مجهول، ~~الرابع: الأمر بكتابة جميع عقود المداينات إما وجوبا وإما استحبابا ~~لشدة الحاجة إلى كتابتها، لأنها بدون الكتابة يدخلها من الغلط والنسيان ~~والمنازعة والمشاجرة شر عظيم، الخامس: أمر الكاتب أن يكتب، السادس: أن ~~يكون عدلا في نفسه لأجل اعتبار كتابته، لأن الفاسق لا يعتبر قوله ولا ~~كتابته، السابع أنه يجب عليه العدل بينهما، فلا يميل لأحدهما لقرابة أو ~~صداقة أو غير ذلك، الثامن: أن يكون الكاتب عارفا بكتابة الوثائق وما ~~يلزم فيها كل واحد منهما، وما يحصل به التوثق، لأنه لا سبيل إلى العدل ~~إلا بذلك، وهذا مأخوذ من قوله: { وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل } التاسع: أنه إذا وجدت وثيقة بخط المعروف بالعدالة المذكورة ~~يعمل بها، ولو كان هو والشهود قد ماتوا، العاشر: قوله: { ولا يأب ~~كاتب أن يكتب } أي: لا يمتنع من من الله عليه بتعليمه الكتابة ~~أن يكتب بين المتداينين، فكما أحسن الله إليه بتعليمه، فليحسن إلى عباد ~~الله المحتاجين إلى كتابته، ولا يمتنع من الكتابة لهم، الحادي عشر: أمر ~~الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق، الثاني عشر: أن الذي يملي ~~من المتعاقدين من عليه الدين، الثالث عشر: أمره أن يبين جميع الحق الذي ~~عليه ولا يبخس منه شيئا، الرابع عشر: أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول، ~~لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك ثبت ~~موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به على نفسه، ولو ادعى بعد ذلك غلطا أو ~~سهوا، الخامس عشر: أن من عليه حقا من الحقوق التي البينة على مقدارها ~~وصفتها من كثرة ms0160 وقلة وتعجيل وتأجيل، أن قوله هو المقبول دون قول من له ~~الحق، لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه، إلا أن قوله مقبول على ~~ما يقوله من مقدار الحق وصفته، السادس عشر: أنه يحرم على من عليه حق من ~~الحقوق أن يبخس وينقص شيئا من مقداره، أو طيبه وحسنه، أو أجله أو غير ~~ذلك من توابعه ولواحقه، السابع عشر: أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره ~~أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار، ~~الثامن عشر: أنه يلزم الولي من العدل ما يلزم من عليه الحق من العدل، ~~وعدم البخس لقوله { بالعدل } التاسع عشر: أنه يشترط عدالة الولي، ~~لأن الإملاء بالعدل المذكور لا يكون من فاسق، العشرون: ثبوت الولاية في ~~الأموال، الحادي والعشرون: أن الحق يكون على الصغير والسفيه والمجنون ~~والضعيف، لا على وليهم، الثاني والعشرون: أن إقرار الصغير والسفيه ~~والمجنون والمعتوه ونحوهم وتصرفهم غير صحيح، لأن الله جعل الإملاء ~~لوليهم، ولم يجعل لهم منه شيئا لطفا بهم ورحمة، خوفا من تلاف ~~أموالهم، الثالث والعشرون: صحة تصرف الولي في مال من ذكر، الرابع ~~والعشرون: فيه مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها ~~المتداينون كل واحد من صاحبه، لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا ~~يتم المشروع إلا به فهو مشروع، الخامس والعشرون: أن تعلم الكتابة مشروع، ~~بل هو فرض كفاية، لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها، ولا يحصل ذلك إلا ~~بالتعلم، السادس والعشرون: أنه مأمور بالإشهاد على العقود، وذلك على وجه ~~الندب، لأن المقصود من ذلك الإرشاد إلى ما يحفظ الحقوق، فهو عائد لمصلحة ~~المكلفين، نعم إن كان المتصرف ولي يتيم أو وقف ونحو ذلك مما يجب حفظه ~~تعين أن يكون الإشهاد الذي به يحفظ الحق واجبا، السابع والعشرون: أن ~~نصاب الشهادة في الأموال ونحوها رجلان أو رجل وامرأتان، ودلت السنة أيضا ~~أنه يقبل الشاهد مع يمين المدعي، الثامن والعشرون: أن شهادة الصبيان غير ~~مقبولة لمفهوم لفظ الرجل، التاسع ms0161 والعشرون: أن شهادة النساء منفردات في ~~الأموال ونحوها لا تقبل، لأن الله لم يقبلهن إلا مع الرجل، وقد يقال إن ~~الله أقام المرأتين مقام رجل للحكمة التي ذكرها وهي موجودة سواء كن مع ~~رجل أو منفردات والله أعلم. # الثلاثون: أن شهادة العبد البالغ مقبولة كشهادة الحر لعموم قوله: { ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم } والعبد البالغ من ~~رجالنا، الحادي والثلاثون: أن شهادة الكفار ذكورا كانوا أو نساء غير ~~مقبولة، لأنهم ليسوا منا، ولأن مبنى الشهادة على العدالة وهو غير عدل، ~~الثاني والثلاثون: فيه فضيلة الرجل على المرأة، وأن الواحد في مقابلة ~~المرأتين لقوة حفظه ونقص حفظها، الثالث والثلاثون: أن من نسي شهادته ثم ~~ذكرها فذكر فشهادته مقبولة لقوله: { فتذكر إحداهما الأخرى ~~} الرابع والثلاثون: يؤخذ من المعنى أن الشاهد إذا خاف نسيان شهادته في ~~الحقوق الواجبة وجب عليه كتابتها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ~~والخامس والثلاثون: أنه يجب على الشاهد إذا دعي للشهادة وهو غير معذور، ~~لا يجوز له أن يأبى لقوله: { ولا يأب الشهدآء إذا ما ~~دعوا } السادس والثلاثون: أن من لم يتصف بصفة الشهداء المقبولة ~~شهادتهم، لم يجب عليه الإجابة لعدم الفائدة بها ولأنه ليس من الشهداء، ~~السابع والثلاثون: النهي عن السآمة والضجر من كتابة الديون كلها من صغير ~~وكبير وصفة الأجل وجميع ما احتوى عليه العقد من الشروط والقيود، الثامن ~~والثلاثون: بيان الحكمة في مشروعية الكتابة والإشهاد في العقود، وأنه { ~~أقسط عند الله وأقوم للشهدة وأدنى ألا ~~ترتابوا } فإنها متضمنة للعدل الذي به قوام العباد والبلاد، ~~والشهادة المقترنة بالكتابة تكون أقوم وأكمل وأبعد من الشك والريب ~~والتنازع والتشاجر، التاسع والثلاثون: يؤخذ من ذلك أن من اشتبه وشك في ~~شهادته لم يجز له الإقدام عليها بل لا بد من اليقين، الأربعون: قوله: { ~~إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم ~~فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } فيه الرخصة في ترك ~~الكتابة إذا كانت التجارة حاضرا بحاضر، لعدم شدة الحاجة إلى الكتابة، ~~الحادي والأربعون: أنه وإن رخص في ترك الكتابة ms0162 في التجارة الحاضرة، فإنه ~~يشرع الإشهاد لقوله: { وأشهدوا إذا تبايعتم } الثاني ~~والأربعون: النهي عن مضارة الكاتب بأن يدعى وقت اشتغال وحصول مشقة عليه، ~~الثالث والأربعون: النهي عن مضارة الشهيد أيضا بأن يدعى إلى تحمل ~~الشهادة أو أدائها في مرض أو شغل يشق عليه، أو غير ذلك هذا على جعل قوله: ~~{ ولا يضآر كاتب ولا شهيد } مبنيا للمجهول، وأما على ~~جعلها مبنيا للفاعل ففيه نهي الشاهد والكاتب أن يضارا صاحب الحق ~~بالامتناع أو طلب أجرة شاقة ونحو ذلك، وهذان هما الرابع والأربعون ~~والخامس والأربعون والسادس والأربعون أن ارتكاب هذه المحرمات من خصال ~~الفسق لقوله: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } السابع ~~والأربعون أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق والعداوة والولاية ونحو ~~ذلك تتجزأ في الإنسان، فتكون فيه مادة فسق وغيرها، وكذلك مادة إيمان وكفر ~~لقوله: { فإنه فسوق بكم } ولم يقل فأنتم فاسقون أو فساق. # الثامن والأربعون: - وحقه أن يتقدم على ما هنا لتقدم موضعه - اشتراط ~~العدالة في الشاهد لقوله: { ممن ترضون من الشهدآء }. ~~التاسع والأربعون: أن العدالة يشترط فيها العرف في كل مكان وزمان، فكل من ~~كان مرضيا معتبرا عند الناس قبلت شهادته، الخمسون: يؤخذ منها عدم قبول ~~شهادة المجهول حتى يزكى، فهذه الأحكام مما يستنبط من هذه الآية الكريمة ~~على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر، ولله في كلامه حكم وأسرار يخص ~~بها من يشاء من عباده. وقوله تعالى: { وإن كنتم على سفر... }. ### || [2.283] # أي: إن كنتم مسافرين { ولم تجدوا كاتبا } يكتب بينكم ويحصل به ~~التوثق { فرهن مقبوضة } أي: يقبضها صاحب الحق وتكون وثيقة ~~عنده حتى يأتيه حقه، ودل هذا على أن الرهن غير المقبوضة لا يحصل منها ~~التوثق، ودل أيضا على أن الراهن والمرتهن لو اختلفا في قدر ما رهنت به، ~~كان القول قول المرتهن، ووجه ذلك أن الله جعل الرهن عوضا عن الكتابة في ~~توثق صاحب الحق، فلولا أن قول المرتهن مقبول في قدر الذي رهنت به لم يحصل ~~المعنى المقصود، ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضرا وسفرا، وإنما ~~نص ms0163 الله على السفر، لأنه في مظنة الحاجة إليه لعدم الكاتب فيه، هذا كله ~~إذا كان صاحب الحق يحب أن يتوثق لحقه، فما كان صاحب الحق آمنا من غريمه ~~وأحب أن يعامله من دون رهن فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملا غير ~~ظالم له ولا باخس حقه { وليتق الله ربه } في أداء الحق ~~ويجازي من أحسن به الظن بالإحسان { ولا تكتموا الشهدة } لأن ~~الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما ~~وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات ~~حق من له الحق، ولهذا قال تعالى: { ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه والله بما تعملون عليم } وقد اشتملت هذه الأحكام ~~الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على ~~أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها ~~على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر ~~المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء ~~عليه. ### || [2.284] # هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ~~ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا ~~يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ~~ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم ~~وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، { فيغفر لمن يشآء } وهو لمن ~~أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره { ~~والله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع ~~قهره ومشيئته وتقديره وجزائه. ### || [2.285] # يخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين معه، وانقيادهم وطاعتهم وسؤالهم ~~مع ذلك المغفرة، فأخبر أنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وهذا ~~يتضمن الإيمان بجميع ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله من ~~صفات كماله ونعوت جلاله على وجه الإجمال والتفصيل، وتنزيهه عن التمثيل ~~والتعطيل وعن جميع صفات النقص، ويتضمن الإيمان بالملائكة ms0164 الذين نصت عليهم ~~الشرائع جملة وتفصيلا، وعلى الإيمان بجميع الرسل والكتب، أي: بكل ما ~~أخبرت به الرسل وتضمنته الكتب من الأخبار والأوامر والنواهي، وأنهم لا ~~يفرقون بين أحد من رسله، بل يؤمنون بجميعهم، لأنهم وسائط بين الله وبين ~~عباده، فالكفر ببعضهم كفر بجميعهم بل كفر بالله { وقالوا سمعنا } ~~ما أمرتنا به ونهيتنا { وأطعنا } لك في ذلك، ولم يكونوا ممن قالوا ~~سمعنا وعصينا، ولما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق الله ~~تعالى وهو محتاج إلى مغفرته على الدوام، قالوا { غفرانك } أي: نسألك ~~مغفرة لما صدر منا من التقصير والذنوب، ومحو ما اتصفنا به من العيوب { ~~وإليك المصير } أي: المرجع لجميع الخلائق فتجزيهم بما عملوا من ~~خير وشر. ### || [2.286] # لما نزل قوله تعالى # وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله # [البقرة: 284] شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من ~~الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به، فأخبرهم بهذه الآية ~~أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي: أمرا تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق ~~عليها، كما قال تعالى # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، ~~بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر ~~العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي ~~مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه ~~كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم، ثم أخبر تعالى أن لكل نفس ما ~~كسبت من الخير، وعليها ما اكتسبت من الشر، فلا تزر وازرة وزر أخرى ولا ~~تذهب حسنات العبد لغيره، وفي الإتيان ب " كسب " في الخير الدال على أن ~~عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى ب " ~~اكتسب " في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى ~~يعمله ويحصل سعيه، ولما أخبر تعالى عن إيمان الرسول والمؤمنين، معه ms0165 وأن ~~كل عامل سيجازى بعمله، وكان الإنسان عرضة للتقصير والخطأ والنسيان، وأخبر ~~أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق وتسعه قوتنا، أخبر عن دعاء المؤمنين بذلك، وقد ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلت. إجابة لهذا الدعاء، ~~فقال { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } ~~والفرق بينهما: أن النسيان: ذهول القلب عن ما أمر به فيتركه نسيانا، ~~والخطأ: أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له فعله: ~~فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا، فعلى هذا ~~من صلى في ثوب مغصوب، أو نجس، أو قد نسي نجاسة على بدنه، أو تكلم في ~~الصلاة ناسيا، أو فعل مفطرا ناسيا، أو فعل محظورا من محظورات الإحرام ~~التي ليس فيها إتلاف ناسيا، فإنه معفو عنه، وكذلك لا يحنث من فعل ~~المحلوف عليه ناسيا، وكذلك لو أخطأ فأتلف نفسا أو مالا فليس عليه إثم، ~~وإنما الضمان مرتب على مجرد الإتلاف، وكذلك المواضع التي تجب فيها ~~التسمية إذا تركها الإنسان ناسيا لم يضر. { ربنا ولا تحمل ~~علينآ إصرا } أي: تكاليف مشقة { كما حملته على الذين ~~من قبلنا } وقد فعل تعالى فإن الله خفف عن هذه الأمة في الأوامر من ~~الطهارات وأحوال العبادات ما لم يخففه على غيرها { ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد فعل وله الحمد { واعف ~~عنا واغفر لنا وارحمنآ } فالعفو والمغفرة يحصل بهما دفع ~~المكاره والشرور، والرحمة يحصل بها صلاح الأمور { أنت مولنا } ~~أي: ربنا ومليكنا وإلهنا الذي لم تزل ولايتك إيانا منذ أوجدتنا وأنشأتنا ~~فنعمك دارة علينا متصلة عدد الأوقات، ثم أنعمت علينا بالنعمة العظيمة ~~والمنحة الجسيمة، وهي نعمة الإسلام التي جميع النعم تبع لها، فنسألك يا ~~ربنا ومولانا تمام نعمتك بأن تنصرنا على القوم الكافرين، الذين كفروا بك ~~وبرسلك، وقاوموا أهل دينك ونبذوا أمرك، فانصرنا عليهم بالحجة والبيان ~~والسيف والسنان، بأن تمكن لنا في الأرض وتخذلهم وترزقنا الإيمان والأعمال ~~التي يحصل بها النصر، ms0166 والحمد لله رب العالمين. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-6] # افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته، وأنه الإله الذي لا إله إلا هو ~~الذي لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه، فكل معبود سواه فهو باطل، والله ~~هو الإله الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية، ~~فالحي من له الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات التي لا تتم ~~ولا تكمل الحياة إلا بها كالسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والبقاء ~~والدوام والعز الذي لا يرام { القيوم } الذي قام بنفسه فاستغنى عن ~~جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه جميع مخلوقاته في الإيجاد ~~والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق وتصريفهم، تدبير للأجسام ~~وللقلوب والأرواح. ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على ~~الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، ~~وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه { مصدقا ~~لما بين يديه } من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له ~~فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي ~~اتفق عليها المرسلون، وهي شاهدة له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم ~~التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن كفرهم به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم ~~قال تعالى { وأنزل التوراة } أي: على موسى { والإنجيل } ~~على عيسى، { من قبل } إنزال القرآن { هدى للناس } الظاهر أن ~~هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة والإنجيل هدى للناس ~~من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلاله ~~{ وأنزل الفرقان } أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات ~~الدالة على جميع المقاصد والمطالب، وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق ~~حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم يبق لأحد عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به ~~وبآياته، فلهذا قال { إن الذين كفروا بآيات الله } أي: ~~بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل { لهم عذاب شديد } لا يقدر ~~قدره ولا يدرك وصفه ms0167 { والله عزيز } أي: قوي لا يعجزه شيء { ذو ~~انتقام } ممن عصاه. { إن الله لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السمآء } وهذا فيه تقرير إحاطة علمه ~~بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في ~~البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى ~~يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير، فلهذا قال { هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشآء } من كامل الخلق وناقصه، ~~وحسن وقبيح، وذكر وأنثى { لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم } تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ~~ما سواه، وفي ضمن ذلك رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم ~~عليه السلام، وتضمنت إثبات حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين ~~جميع الصفات المقدسة كما تقدم، وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية ~~للناس، وتقسيم الناس إلى مهتد وغيره، وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة ~~علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته. ### || [3.7-9] # القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى # كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1] فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان # ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون # [المائدة: 50] وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ~~ومطابقته لفظا ومعنى، وأما الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن ~~القرآن كما ذكره الله { منه آيات محكمات } أي: واضحات ~~الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال { هن أم الكتاب } أي: أصله ~~الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، { و } منه آيات { أخر ~~متشابهات } أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها ~~مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات ~~بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض ~~الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، ~~فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن ~~الناس انقسموا إلى فرقتين { فأما الذين في قلوبهم زيغ } ~~أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت ms0168 مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت ~~قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد { فيتبعون ما تشابه منه } ~~أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون ~~المحكم على المتشابه { ابتغاء الفتنة } لمن يدعونهم لقولهم، فإن ~~المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع فيه، وإلا فالمحكم الصريح ~~ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه، وقوله { وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } للمفسرين في ~~الوقوف على " الله " من قوله { وما يعلم تأويله إلا ~~الله } قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها { ~~والراسخون في العلم } وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به ~~علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على { إلا الله } لأن ~~المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله ~~وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها ~~إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، ~~كما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله # الرحمن على العرش [استوى] # [طه: 5] فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف ~~مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات ~~لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، ~~وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله ~~بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ ~~يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل ~~لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون ~~بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون، وإن أريد بالتأويل التفسير ~~والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف { والراسخون } على " الله " فيكون ~~الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة ~~لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ~~ويردونها للمحكم ويقولون { كل } من المحكم والمتشابه { من عند ~~ربنا } وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا ms0169 تناقض بل هو متفق يصدق ~~بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض: وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم ~~إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا ~~يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك. # ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن اتباع المتشابه قال ~~{ وما يذكر } أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا { ~~أولوا الألباب } أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني ~~آدم يصل التذكير إلى عقولهم، فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم ~~فيتركونه، وأما من عداهم فهم القشور الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ~~ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من العقول النافعة. ثم أخبر تعالى عن ~~الراسخين في العلم أنهم يدعون ويقولون { ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا } أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل ~~اجعلنا مستقيمين هادين مهتدين، فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به ~~الزائغين { وهب لنا من لدنك رحمة } أي: عظيمة توفقنا بها ~~للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات { إنك أنت الوهاب } أي: ~~واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات. { ~~ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن ~~الله لا يخلف الميعاد } فمجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها، وقد ~~أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: ~~إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه، ~~الثانية: الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في ~~العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا مدققا، قد علمه الله ظاهر ~~العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا وعملا الثالثة: ~~أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله { ~~يقولون آمنا به كل من عند ربنا } الرابعة: أنهم ~~سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون، الخامسة: ~~اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا } السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته ~~المتضمنة حصول كل خير ms0170 واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب، ~~السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو ~~الموجب للعمل الرادع عن الزلل، ثم قال تعالى: { إن الذين ~~كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا وأولئك هم... }. ### || [3.10-13] # يخبر تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدين بدينه وكتابه، قد استحقوا ~~العقاب وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم وأنه لا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم ~~شيئا، وإن كانوا في الدنيا يستدفعون بذلك النكبات التي ترد عليهم، ~~ويقولون # نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين # [سبأ: 35] فيوم القيامة يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزئون # [الزمر: 48] وليس للأولاد والأموال قدر عند الله، إنما ينفع العبد ~~إيمانه بالله وأعماله الصالحة، كما قال تعالى # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك ~~لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات ~~آمنون # [سبأ: 73] وأخبر هنا أن الكفار هم وقود النار، أي: حطبها، الملازمون لها ~~دائما أبدا، وهذه الحال التي ذكر الله تعالى أنها لا تغني الأموال ~~والأولاد عن الكفار شيئا، سنته الجارية في الأمم السابقة، كما جرى ~~لفرعون ومن قبله ومن بعدهم من الفراعنة العتاة الطغاة أرباب الأموال ~~والجنود لما كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل وعاندوا، أخذهم ~~الله بذنوبهم عدلا منه لا ظلما والله شديد العقاب على من أتى بأسباب ~~العقاب وهو الكفر والذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها، ثم قال ~~تعالى { قل } يا محمد { للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } وفي هذا إشارة ~~للمؤمنين بالنصر والغلبة وتحذير للكفار، وقد وقع كما أخبر تعالى، فنصر ~~الله المؤمنين على أعدائهم من كفار المشركين واليهود والنصارى، وسيفعل ~~هذا تعالى بعباده وجنده المؤمنين إلى يوم القيامة، ففي هذا عبرة وآية من ~~آيات القرآن المشاهدة بالحس والعيان، وأخبر تعالى أن الكفار مع أنهم ~~مغلوبون في الدار أنهم محشورون ومجموعون يوم القيامة لدار البوار، وهذا ~~هو ms0171 الذي مهدوه لأنفسهم فبئس المهاد مهادهم، وبئس الجزاء جزاؤهم، { قد ~~كان لكم آية } أي: عبرة عظيمة { في فئتين التقتا } وهذا ~~يوم بدر { فئة تقاتل في سبيل الله } وهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه { وأخرى كافرة } أي: كفار قريش الذين خرجوا ~~من ديارهم بطرا وفخرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، فجمع الله بين ~~الطائفتين في بدر، وكان المشركون أضعاف المؤمنين، فلهذا قال { ~~يرونهم مثليهم رأي العين } أي: يرى المؤمنون ~~الكافرين يزيدون عليها زيادة كثيرة، تبلغ المضاعفة وتزيد عليها، وأكد هذا ~~بقوله { رأي العين } فنصر الله المؤمنين وأيدهم بنصره فهزموهم، ~~وقتلوا صناديدهم، وأسروا كثيرا منهم، وما ذاك إلا لأن الله ناصر من ~~نصره، وخاذل من كفر به، ففي هذا عبرة لأولي الأبصار، أي: أصحاب البصائر ~~النافذة والعقول الكاملة، على أن الطائفة المنصورة معها الحق، والأخرى ~~مبطلة، وإلا فلو نظر الناظر إلى مجرد الأسباب الظاهرة والعدد والعدد ~~لجزم بأن غلبة هذه الفئة القليلة لتلك الفئة الكثيرة من أنواع المحالات، ~~ولكن وراء هذا السبب المشاهد بالأبصار سبب أعظم منه لا يدركه إلا أهل ~~البصائر والإيمان بالله والتوكل على الله والثقة بكفايته، وهو نصره ~~وإعزازه لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين. ### || [3.14-17] # يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة ~~لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال تعالى # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها # [الكهف: 7] فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، ~~تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: ~~قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة ~~والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، ~~يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا ~~فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء ~~والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء ~~وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، ~~فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به ms0172 ~~على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، ~~وعلموا أنها كما قال الله فيها { ذلك متاع الحياة الدنيا } ~~فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، ~~فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم. وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا ~~قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها ~~وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن ~~دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا ~~وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار ~~المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم ~~والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي ~~به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار ~~الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك ~~المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي: عالم بما فيهم ~~من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق بأحوالهم، يوفق من ~~شاء منهم ويخذل من شاء. فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف ~~أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ~~وكان من دعائهم أن قالوا: { ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وقنا عذاب النار } توسلوا بمنة الله عليهم ~~بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر آثارها وهو عذاب النار، ~~ثم فصل أوصاف التقوى. فقال { الصابرين } أنفسهم على ما يحبه الله من ~~طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، { والصادقين } في إيمانهم ~~وأقوالهم وأحوالهم { والمنفقين } مما رزقهم الله بأنواع النفقات ~~على المحاويج من الأقارب وغيرهم { والمستغفرين بالأسحار } ~~لما بين صفاتهم الحميدة ذكر احتقارهم لأنفسهم وأنهم لا يرون لأنفسهم، ~~حالا ولا مقاما، بل يرون أنفسهم مذنبين مقصرين فيستغفرون ربهم، ~~ويتوقعون أوقات الإجابة وهي السحر، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم ~~جلسوا يستغفرون ربهم. فتضمنت هذه الآيات حالة الناس في الدنيا وأنها متاع ~~ينقضي، ثم وصف الجنة ms0173 وما فيها من النعيم وفاضل بينهما، وفضل الآخرة على ~~الدنيا تنبيها على أنه يجب إيثارها والعمل لها، ووصف أهل الجنة وهم ~~المتقون، ثم فصل خصال التقوى، فبهذه الخصال يزن العبد نفسه، هل هو من أهل ~~الجنة أم لا؟ ### || [3.18-20] # هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته ~~تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما ~~أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع ~~الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا ~~أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، ~~وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم ~~إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا ~~برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك ~~فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك وإخبار رسله، وأما شهادة أهل العلم ~~فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها ~~وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا ~~إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر ~~المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد ~~لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن ~~علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم ~~التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف ~~العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه ~~دون الناس، ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى ~~بذلك فضلا، ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم ~~القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على ~~الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، ms0174 ~~فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ~~ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم ~~أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال: { ~~قآئما بالقسط } أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين ~~عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم ~~أعاد تقرير توحيده فقال { لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم }. واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية ~~قد دلت عليه الأدلة النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى ~~من الشمس، فأما الأدلة النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر ~~به وتقريره، ومحبة أهله وبغض من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، ~~فهو من الأدلة النقلية على ذلك، حتى كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، ~~وأما الأدلة العقلية التي تدرك بمجرد فكر العقل وتصوره للأمور فقد أرشد ~~القرآن إليها ونبه على كثير منها، فمن أعظمها: الاعتراف بربوبية الله، ~~فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور أنتج له ذلك أنه هو ~~المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان هذا من أوضح الأشياء ~~وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. # ومن الأدلة العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ~~ودفع النقم، فإن من عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها ~~من الله، وأنه ما من نقمة ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها ~~وإن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه - فضلا عن غيره - جلب نعمة ولا دفع ~~نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من أبطل الباطل وأن العبودية لا تنبغي ~~إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار، فلهذا أكثر الله في كتابه من ~~التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية أيضا على ذلك: ما أخبر ~~به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا تملك ms0175 نفعا ولا ضرا، ~~ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار، وأنها على فرض ~~سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية النقص، ~~وما أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، ~~والقدرة والقهر، وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، ~~فمن عرف ذلك حق المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب ~~العظيم الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، ~~والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا ~~يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما شاهده العباد بأبصارهم من قديم ~~الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد، والإهانة والعقوبة لأهل الشرك، ~~وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل خير دافعا لكل شر ديني ~~ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية والدنيوية، ولهذا ~~إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين، وأخبر عن عقوبات ~~العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة: # إن في ذلك # [البقرة: 248] أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو ~~الموجب للنجاة، وتركه هو الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية ~~النقلية الدالة على هذا الأصل العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه ~~وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة فله الحمد ~~والشكر والثناء. ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين ~~الذي يتعين أن يعبد به ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله ~~بتوحيده وطاعته التي دعت إليها رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل ~~من أحد دين سواه، وهو متضمن للإخلاص له في الحب والخوف والرجاء والإنابة ~~والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك، وهذا هو دين الرسل كلهم، وكل من تابعهم ~~فهو على طريقهم، وإنما اختلف أهل الكتاب بعد ما جاءتهم كتبهم تحثهم على ~~الاجتماع على دين الله، بغيا بينهم، وظلما وعدوانا من أنفسهم، وإلا ~~فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا الحق ويتركوا الاختلاف، ms0176 وهذا من ~~كفرهم، فلهذا قال تعالى { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن ~~يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب } فيجازي ~~كل عامل بعمله، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته، فهذا مستحق للوعيد ~~الشديد والعقاب الأليم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند محاجة ~~النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام عليه أن يقول لهم: قد { ~~أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } أي: أنا ومن اتبعني قد ~~أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا، وتركنا ما سوى دين الإسلام، وجزمنا ~~ببطلانه، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم عند ورود الشبهات، ~~وحجة على من اشتبه عليه الأمر، لأنه قد تقدم أن الله استشهد على توحيده ~~بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم، وسيد أهل العلم وأفضلهم ~~وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده أتباعه على اختلاف ~~مراتبهم وتفاوت درجاتهم، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس لأحد ~~من الخلق ما يساويهم أو يقاربهم، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته ~~الظاهرة، وقام به أكمل الخلق وأعلمهم، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب ~~وقادح، وعرف أن ما سواه من الأديان باطلة، فلهذا قال { وقل ~~للذين أوتوا الكتب } من النصارى واليهود { والأميين ~~} مشركي العرب وغيرهم { أأسلمتم فإن أسلموا } أي: بمثل ما ~~أمنتم به { فقد اهتدوا } كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، ~~وعليهم ما عليكم { وإن تولوا } عن الإسلام ورضوا بالأديان التي ~~تخالفه { فإنما عليك البلغ } فقد وجب أجرك على ربك، وقامت ~~عليهم الحجة، ولم يبق بعد هذا إلا مجازاتهم بالعقاب على جرمهم، فلهذا قال ~~{ والله بصير بالعباد }. ### || [3.21-22] # هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي: جرم ~~أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها ~~فهو في غاية الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق ~~على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم ms0177 والإيمان بهم، وتعزيرهم، ~~وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون ~~الناس بالقسط الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي ~~حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح له، فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه ~~الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى ~~غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح، ~~وبطلت أعمالهم بما كسبت أيديهم، وما لهم أحد ينصرهم من عذاب الله ولا ~~يدفع عنهم من نقمته مثقال ذرة، بل قد أيسوا من كل خير، وحصل لهم كل شر ~~وضير، وهذه الحالة صفة اليهود ونحوهم، قبحهم الله ما أجرأهم على الله ~~وعلى أنبيائه وعباده الصالحين. ### || [3.23-25] # يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب ~~أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم ~~إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون، تولوا بأبدانهم، ~~وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، ~~فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى ~~كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد، كما قال تعالى # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا # [النور: 51] والسبب الذي غر أهل الكتاب بتجرئهم على معاصي الله هو قولهم ~~{ لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم ~~في دينهم ما كانوا يفترون }. افتروا هذا القول فظنوه ~~حقيقة فعملوا على ذلك ولم ينزجروا عن المحارم، لأن أنفسهم منتهم وغرتهم ~~أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا في ذلك، فإن هذا مجرد كذب وافتراء، وإنما ~~مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة، فلهذا قال تعالى { فكيف إذا ~~جمعناهم ليوم لا ريب فيه }. أي: كيف يكون حالهم ووخيم ~~ما يقدمون عليه، حالة لا يمكن وصفها ولا يتصور قبحها لأن ذلك اليوم يوم ~~توفية النفوس ما كسبت ومجازاتها بالعدل لا بالظلم، وقد علم أن ذلك على ~~قدر الأعمال، وقد تقدم من أعمالهم ما يبين ms0178 أنهم من أشد الناس عذابا. ### || [3.26-27] # يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل اللهم مالك ~~الملك } أي: أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، ~~والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض ~~التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها، فقال: { تؤتي الملك من ~~تشآء وتنزع الملك } وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع ~~الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله ~~الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى ~~الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله ~~وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب ~~كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول ~~الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، ~~وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم # [النور: 55] الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف ~~المذكور، وقال تعالى: # هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف ~~بين قلوبهم # الآية [الأنفال: 62] وقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا ~~الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين # [الأنفال: 45-46] فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم ~~سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب ~~الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل ~~بأسهم بينهم، ثم قال تعالى: { وتعز من تشآء } بطاعتك { ~~وتذل من تشآء } بمعصيتك { إنك على كل شيء قدير ~~} لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك { ~~تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ~~} أي: تدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فينشأ عن ذلك من الفصول والضياء ~~والنور والشمس والظل والسكون والانتشار، ما هو من أكبر الأدلة ms0179 على قدرة ~~الله وعظمته وحكمته ورحمته { وتخرج الحي من الميت } ~~كالفرخ من البيضة، وكالشجر من النوى، وكالزرع من بذره، وكالمؤمن من ~~الكافر { وتخرج الميت من الحي } كالبيضة من الطائر ~~وكالنوى من الشجر، وكالحب من الزرع، وكالكافر من المؤمن، وهذا أعظم دليل ~~على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا، ~~فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة { وترزق من ~~تشآء بغير حساب } أي: ترزق من تشاء رزقا واسعا من حيث لا ~~يحتسب ولا يكتسب، ثم قال تعالى: { لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ~~ذلك... }. ### || [3.28-30] # وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة ~~والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين، وتوعد على ذلك فقال: { ومن ~~يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي: فقد انقطع عن ~~الله، وليس له في دين الله نصيب، لأن موالاة الكافرين لا تجتمع مع ~~الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه المؤمنين ~~المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71] فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن ~~يطفؤا نور الله ويفتنوا أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب ~~الكافرين، قال تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم ~~وصداقتهم، والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية ~~من ولايات المسلمين، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم ~~المسلمين. قال الله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقة } ~~أي: تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من ~~التقية باللسان وإظهار ما به تحصل التقية. ثم قال تعالى: { ~~ويحذركم الله نفسه } أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب ~~معاصيه فيعاقبكم على ذلك { وإلى الله المصير } أي: مرجع ~~العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن ~~تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به ms0180 يحصل ~~الأجر والمثوبة، ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا، ولما في ~~السماء والأرض عموما، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب ~~واستحضار علم الله كل وقت فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر ~~رديء، بل يشغل أفكاره فيما يقرب إلى الله من تدبر آية من كتاب، أو سنة من ~~أحاديث رسول الله، أو تصور وبحث في علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ~~ونعمه، أو نصح لعباد الله، وفي ضمن إخبار الله عن علمه وقدرته الإخبار ~~بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال، ومحل ذلك يوم القيامة، فهو ~~الذي توفى به النفوس بأعمالها فلهذا قال { يوم تجد كل نفس ~~ما عملت من خير محضرا } أي: كاملا موفرا لم ينقص مثقال ~~ذرة، كما قال تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة ~~صغيرها وكبيرها، كما أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله من الأعمال ~~السيئة صغيرها وكبيرها { وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا } أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها ~~وشدة حزنها، فليحذر العبد من أعمال السوء التي لا بد أن يحزن عليها أشد ~~الحزن، وليتركها وقت الإمكان قبل أن يقول # يحسرتا على ما فرطت في جنب الله # [الزمر: 56] # يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ~~تسوى بهم الأرض # [النساء: 42] # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا # [الفرقان: 27-28] # حتى إذا جآءنا قال يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين # [الزخرف: 38] فوالله لترك كل شهوة ولذة وان عسر تركها على النفس في هذه ~~الدار أيسر من معاناة تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح، ولكن العبد من ~~ظلمه وجهله لا ينظر إلا الأمر الحاضر، فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب ~~الأمور فيقدم على ما ينفعه عاجلا وآجلا، ويحجم عن ما يضره عاجلا ~~وآجلا، ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة ms0181 بنا ورحمة لئلا يطول علينا ~~الأمد فتقسو قلوبنا، وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل ~~الصالح، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب، فقال { ويحذركم ~~الله نفسه والله رؤوف بالعباد } فنسأله أن يمن علينا ~~بالحذر منه على الدوام، حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه. ### || [3.31] # وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال { ~~قل إن كنتم تحبون الله } أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، ~~والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من ~~الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع ~~أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، ~~فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ~~ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول فليس ~~محبا لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دل ~~على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون ~~شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون ~~إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص. ### || [3.32] # وهذا أمر من الله تعالى لعباده بأعم الأوامر، وهو طاعته وطاعة رسوله ~~التي يدخل بها الإيمان والتوحيد، وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال ~~الظاهرة والباطنة، بل يدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه، لأن ~~اجتنابه امتثالا لأمر الله هو من طاعته، فمن أطاع الله ورسوله، فأولئك ~~هم المفلحون { فإن تولوا } أي: أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فليس ~~ثم أمر يرجعون إليه إلا الكفر وطاعة كل شيطان مريد # كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير # [الحج: 4] فلهذا قال: { فإن الله لا يحب الكافرين } بل ~~يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة، وكأن في هذه الآية الكريمة بيانا ~~وتفسيرا لاتباع رسوله، وأن ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله، هذا هو الاتباع ~~الحقيقي، ثم قال تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا ms0182 ~~وآل إبراهيم وآل عمران... }. ### || [3.33-37] # يخبر تعالى باختيار من اختاره من أوليائه وأصفيائه وأحبابه، فأخبر أنه ~~اصطفى آدم، أي: اختاره على سائر المخلوقات، فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه، ~~وأمر الملائكة بالسجود له، وأسكنه جنته، وأعطاه من العلم والحلم والفضل ~~ما فاق به سائر المخلوقات، ولهذا فضل بنيه، فقال تعالى: # ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم ~~على كثير ممن خلقنا تفضيلا # [الإسراء: 70]. واصطفى نوحا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض حين عبدت ~~الأوثان، ووفقه من الصبر والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله في جميع ~~الأوقات ما أوجب اصطفاءه واجتباءه، وأغرق الله أهل الأرض بدعوته، ونجاه ~~ومن معه في الفلك المشحون، وجعل ذريته هم الباقين، وترك عليه ثناء يذكر ~~في جميع الأحيان والأزمان. واصطفى آل إبراهيم وهو إبراهيم خليل الرحمن ~~الذي اختصه الله بخلته، وبذل نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ~~ودعا إلى ربه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وجعله الله أسوة يقتدي به من ~~بعده، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ويدخل في آل إبراهيم جميع الأنبياء ~~الذين بعثوا من بعده لأنهم من ذريته، وقد خصهم بأنواع الفضائل ما كانوا ~~به صفوة على العالمين، ومنهم سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإن الله تعالى جمع فيه من الكمال ما تفرق في غيره، وفاق صلى الله عليه ~~وسلم الأولين والآخرين، فكان سيد المرسلين المصطفى من ولد إبراهيم. ~~واصطفى الله آل عمران وهو والد مريم بنت عمران، أو والد موسى بن عمران ~~عليه السلام، فهذه البيوت التي ذكرها الله هي صفوته من العالمين، وتسلسل ~~الصلاح والتوفيق بذرياتهم، فلهذا قال تعالى { ذرية بعضها من ~~بعض } أي: حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة، كما ~~قال تعالى لما ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار # ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم # [الأنعام: 87] { والله سميع عليم } يعلم من يستحق الاصطفاء ~~فيصطفيه ومن لا يستحق ذلك فيخذله ويرديه، ودل هذا على أن هؤلاء ms0183 اختارهم ~~لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما، ومن الفائدة والحكمة ~~في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم، ونسأل الله أن ~~يوفقنا لما وفقهم، وأن لا نزال نزري أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا ~~بأوصافهم ومزاياهم الجميلة، وهذا أيضا من لطفه بهم، وإظهاره الثناء ~~عليهم في الأولين والآخرين، والتنويه بشرفهم، فلله ما أعظم جوده وكرمه ~~وأكثر فوائد معاملته، لو لم يكن لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة ~~ومناقبهم مؤبدة لكفى بذلك فضلا، ولما ذكر فضائل هذه البيوت الكريمة ذكر ~~ما جرى لمريم والدة عيسى وكيف لطف الله بها في تربيتها ونشأتها، فقال: { ~~إذ قالت امرأت عمران } أي: والدة مريم لما حملت { رب ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا } أي: جعلت ما في بطني ~~خالصا لوجهك، محررا لخدمتك وخدمة بيتك { فتقبل مني } هذا ~~العمل المبارك { إنك أنت السميع العليم } تسمع دعائي وتعلم ~~نيتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها { فلما وضعتها قالت ~~رب إني وضعتهآ أنثى } كأنها تشوفت أن يكون ذكرا ليكون ~~أقدر على الخدمة وأعظم موقعا، ففي كلامها [نوع] عذر من ربها، فقال الله: ~~{ والله أعلم بما وضعت } أي: لا يحتاج إلى إعلامها، بل ~~علمه متعلق بها قبل أن تعلم أمها ما هي { وليس الذكر ~~كالأنثى وإني سميتها مريم } فيه دلالة على تفضيل ~~الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى أن للأم تسمية الولد ~~إذا لم يكره الأب { وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم } دعت لها ولذريتها أن يعيذهم الله من الشيطان ~~الرجيم. # { فتقبلها ربها بقبول حسن } أي: جعلها نذيرة مقبولة، ~~وأجارها وذريتها من الشيطان { وأنبتها نباتا حسنا } أي: نبتت ~~نباتا حسنا في بدنها وخلقها وأخلاقها، لأن الله تعالى قيض لها زكريا ~~عليه السلام { وكفلها } إياه، وهذا من رفقه بها ليربيها على أكمل ~~الأحوال، فنشأت في عبادة ربها وفاقت النساء، وانقطعت لعبادة ربها، ولزمت ~~محرابها أي: مصلاها فكان { كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها رزقا } أي: من غير كسب ولا ms0184 تعب، بل رزق ~~ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله بها، فيقول لها زكريا { أنى ~~لك هذا قالت هو من عند الله } فضلا وإحسانا { إن ~~الله يرزق من يشآء بغير حساب } أي: من غير حسبان من ~~العبد ولا كسب، قال تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3] وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة ~~للعادة كما قد تواترت الأخبار بذلك، خلافا لمن نفى ذلك، فلما رأى زكريا ~~عليه السلام ما من الله به على مريم، وما أكرمها به من رزقه الهنيء ~~الذي أتاها بغير سعي منها ولا كسب، طمعت نفسه بالولد، فلهذا قال تعالى: { ~~هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة... }. ### || [3.38-41] # أي: دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، ~~طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم، فاستجاب له دعاءه، ~~وبينما هو قائم في محرابه يتعبد لربه ويتضرع نادته الملائكة { أن ~~الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله } ~~أي: بعيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله { وسيدا } أي: يحصل له ~~من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور { وحصورا } ~~أي: ممنوعا من إتيان النساء، فليس في قلبه لهن شهوة، اشتغالا بخدمة ~~ربه وطاعته { ونبيا من الصالحين } فأي: بشارة أعظم من هذا ~~الولد الذي حصلت البشارة بوجوده، وبكمال صفاته، وبكونه نبيا من ~~الصالحين، فقال زكريا من شدة فرحه { رب أنى يكون لي غلام ~~وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر } وكل واحد من الأمرين ~~مانع من وجود الولد، فكيف وقد اجتمعا، فأخبره الله تعالى أن هذا خارق ~~للعادة، فقال: { كذلك الله يفعل ما يشآء } فكما أنه تعالى ~~قدر وجود الأولاد بالأسباب التي منها التناسل، فإذا أراد أن يوجدهم من ~~غير ما سبب فعل، لأنه لا يستعصي عليه شيء، فقال زكريا عليه السلام ~~استعجالا لهذا الأمر، وليحصل له كمال الطمأنينة { رب اجعل لي ~~آية } أي: علامة على وجود الولد قال { آيتك ألا تكلم ms0185 ~~الناس ثلاثة أيام إلا رمزا } أي: ينحبس لسانك عن كلامهم ~~من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن ~~لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب ~~مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في ~~قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ~~ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب # فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا # [مريم: 11] أي: أول النهار وآخره. ### || [3.42-44] # ينوه تعالى بفضيلة مريم وعلو قدرها، وأن الملائكة خاطبتها بذلك فقالت { ~~يمريم إن الله اصطفك } أي: اختارك { وطهرك } من ~~الآفات المنقصة { واصطفك على نسآء العلمين } ~~الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء ~~الثاني يرجع إلى تفضيلها على سائر نساء العالمين، إما على عالمي زمانها، ~~أو مطلقا، وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة، لم ~~يناف الاصطفاء المذكور، فلما أخبرتها الملائكة باصطفاء الله إياها ~~وتطهيرها، كان في هذا من النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ما يوجب لها ~~القيام بشكرها، فلهذا قالت لها الملائكة: { يمريم اقنتي ~~لربك } القنوت دوام الطاعة في خضوع وخشوع، { واسجدي واركعي ~~مع الراكعين } خص السجود والركوع لفضلهما ودلالتهما على غاية ~~الخضوع لله، ففعلت مريم، ما أمرت به شكرا لله تعالى وطاعة، ولما أخبر ~~الله نبيه بما أخبر به عن مريم، وكيف تنقلت بها الأحوال التي قيضها الله ~~لها، وكان هذا من الأمور الغيبية التي لا تعلم إلا بالوحي، قال { ذلك ~~من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم } أي: ~~عندهم { إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم } لما ~~ذهبت بها أمها إلى من لهم الأمر على بيت المقدس، فتشاحوا وتخاصموا أيهم ~~يكفل مريم، واقترعوا عليها بأن ألقوا أقلامهم في النهر، فأيهم لم يجر ~~قلمه مع الماء فله كفالتها، فوقع ذلك لزكريا نبيهم وأفضلهم، فلما أخبرتهم ~~يا محمد بهذه الأخبار التي لا علم لك ولا لقومك بها دل على أنك ms0186 صادق وأنك ~~رسول الله حقا، فوجب عليهم الانقياد لك وامتثال أوامرك، كما قال تعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر # الآيات [القصص: 44]. ### || [3.45-58] # يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة ~~الله عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من ~~الله، لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، ~~فأرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فولجت فيها ~~تلك النفخة الذكية من ذلك الملك الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح ~~الزكية، فكان روحانيا نشأ من مادة روحانية، فلهذا سمي روح الله { ~~وجيها في الدنيا والآخرة } أي: له الوجاهة العظيمة في ~~الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من المرسلين أصحاب الشرائع الكبار ~~والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق والمغرب، وفي ~~الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين، ويظهر ~~فضله على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى ~~ربهم، بل هو عليه السلام من سادات المقربين { ويكلم الناس في ~~المهد وكهلا } وهذا غير التكليم المعتاد، بل المراد يكلم الناس ~~بما فيه صلاحهم وفلاحهم، وهو تكليم المرسلين، ففي هذا إرساله ودعوته ~~الخلق إلى ربهم، وفي تكليمهم في المهد آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها ~~المؤمنون، وتكون حجة على المعاندين، أنه رسول رب العالمين، وأنه عبد ~~الله، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به { ومن الصالحين } ~~أي: يمن عليه بالصلاح، من من عليهم، ويدخله في جملتهم، وفي هذا عدة ~~بشارات لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام { قالت ~~رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } والولد في ~~العادة لا يكون إلا من مس البشر، وهذا استغراب منها، لا شك في قدرة الله ~~تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فأخبرها أن هذا أمر ~~خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: ms0187 كن فيكون، فمن تيقن ذلك زال ~~عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج بأخبار العباد من ~~الغريب إلى ما هو أغرب منه، فذكر وجود يحيى بن زكريا بين أبوين أحدهما ~~كبير والآخر عاقر، ثم ذكر أغرب من ذلك وأعجب، وهو وجود عيسى عليه السلام ~~من أم بلا أب ليدل عباده أنه الفعال لما يريد وأنه ما شاء كان وما لم ~~يشاء لم يكن، ثم أخبر تعالى عن منته العظيمة على عبده ورسوله عيسى عليه ~~السلام، فقال { ويعلمه الكتب } يحتمل أن يكون المراد جنس ~~الكتاب، فيكون ذكر التوراة والإنجيل تخصيصا لهما، لشرفهما وفضلهما ~~واحتوائهما على الأحكام والشرائع التي يحكم بها أنبياء بني إسرائيل ~~والتعليم، لذلك يدخل فيه تعليم ألفاظه ومعانيه، ويحتمل أن يكون المراد ~~بقوله { ويعلمه الكتب } أي: الكتابة، لأن الكتابة من أعظم ~~نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى على عباده بتعليمهم بالقلم في أول ~~سورة أنزلها فقال # اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من ~~علق * اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم # [العلق: 1-4]. والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء ~~مواضعها، فيكون ذلك امتنانا على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة ~~والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال للإنسان في نفسه. ثم ذكر له كمالا آخر ~~وفضلا زائدا على ما أعطاه الله من الفضائل، فقال { ورسولا إلى ~~بني إسرائيل } فأرسله الله إلى هذا الشعب الفاضل الذين هم أفضل ~~العالمين في زمانهم يدعوهم إلى الله، وأقام له من الآيات ما دلهم أنه ~~رسول الله حقا ونبيه صدقا ولهذا قال { أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين } طيرا، أي: ~~أصوره على شكل الطير { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله } أي: طيرا له روح تطير بإذن الله { وأبرىء الأكمه } ~~وهو الذي يولد أعمى { والأبرص } بإذن الله { وأحي الموتى ~~بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ~~في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين } وأي: آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات ~~التي لا قدرة ms0188 للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور ~~الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا ~~اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟ فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان { ~~ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: أتيت بجنس ~~ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام، وعلامة الصادق أن يكون ~~خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا ~~تناقض، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة، ~~فالكاذب فيها لا بد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار ~~الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين، هذا موجب السنن الماضية والحكمة ~~الإلهية والرحمة الربانية بعباده، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى ~~النبوة أبدا، بخلاف بعض الأمور الجزئية، فإنه قد يشتبه فيها الصادق ~~بالكاذب، وأما النبوة فإنه يترتب عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم ~~وشقاؤهم، ومعلوم أن الصادق فيها من أكمل الخلق، والكاذب فيها من أخس ~~الخلق وأكذبهم وأظلمهم، فحكمة الله ورحمته بعباده أن يكون بينهما من ~~الفروق ما يتبين لكل من له عقل، ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة ~~الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال { ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم } فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها ~~الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا { وجئتكم بآية من ~~ربكم } تدل على صدقي ووجوب اتباعي، وهي ما تقدم من الآيات، ~~والمقصود من ذلك كله قوله { فاتقوا الله } بفعل ما أمر به وترك ~~ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله. # { إن الله ربي وربكم فاعبدوه } استدل بتوحيد ~~الربوبية الذي يقر به كل أحد على توحيد الإلهية الذي ينكره المشركون، ~~فكما أن الله هو الذي خلقنا ورزقنا وأنعم علينا نعما ظاهرة وباطنة، ~~فليكن هو معبودنا الذي نألهه بالحب والخوف والرجاء والدعاء والاستعانة ~~وجميع أنواع العبادة، وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ~~ابن الله، وهذا إقراره عليه السلام بأنه عبد مدبر مخلوق، كما قال # إني عبد الله آتاني ms0189 الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30] وقال تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته # [المائدة: 116] إلى قوله # ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم # [المائدة: 117] وقوله { هذا } أي: عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله { ~~صراط مستقيم } موصل إلى الله وإلى جنته، وما عدا ذلك فهي طرق ~~موصلة إلى الجحيم، { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر } أي: ~~رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا في ~~ذلك { قال من أنصاري إلى الله } من يعاونني ويقوم معي بنصرة ~~دين الله { قال الحواريون } وهم الأنصار { نحن أنصار ~~الله } أي: انتدبوا معه وقاموا بذلك. وقالوا: { آمنا بالله } ~~{ فاكتبنا مع الشهدين } أي: الشهادة النافعة، وهي الشهادة ~~بتوحيد الله وتصديق رسوله مع القيام بذلك، فلما قاموا مع عيسى بنصر دين ~~الله وإقامة شرعه آمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فاقتتلت ~~الطائفتان فأيد الله الذين آمنوا بنصره على عدوهم فأصبحوا ظاهرين، فلهذا ~~قال تعالى هنا { ومكروا } أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله وإطفاء ~~نوره { ومكر الله } بهم جزاء لهم على مكرهم { والله خير ~~الماكرين } رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين { إذ قال ~~الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا } فرفع الله عبده ورسوله عيسى ~~إليه، وألقي شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي شبهه عليه فقتلوه وصلبوه، ~~وباؤوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال الله # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم # [النساء: 157] وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه ~~حقيقة، كما دلت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها ~~أهل السنة بالقبول والإيمان والتسليم، وكان الله عزيزا قويا قاهرا، ~~ومن عزته أن كف بني إسرائيل بعد عزمهم الجازم وعدم المانع لهم عن قتل ~~عيسى عليه السلام، كما قال تعالى # وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم ms0190 ~~بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا ~~إلا سحر مبين # [المائدة: 110] حكيم يضع الأشياء مواضعها، وله أعظم حكمة في إلقاء الشبه ~~على بني إسرائيل، فوقعوا في الشبه كما قال تعالى # وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم ~~به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا # [النساء: 157] ثم قال تعالى: { وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة } وتقدم أن الله أيد ~~المؤمنين منهم على الكافرين، ثم إن النصارى المنتسبين لعيسى عليه السلام ~~لم يزالوا قاهرين لليهود لكون النصارى أقرب إلى اتباع عيسى من اليهود، ~~حتى بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فكان المسلمون هم المتبعين ~~لعيسى حقيقة، فأيدهم الله ونصرهم على اليهود والنصارى وسائر الكفار، ~~وإنما يحصل في بعض الأزمان إدالة الكفار من النصارى وغيرهم على المسلمين، ~~حكمة من الله وعقوبة على تركهم لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم { ثم ~~إلي مرجعكم } أي: مصير الخلائق كلها { فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون } كل يدعي أن الحق معه وأنه المصيب ~~وغيره مخطئ، وهذا مجرد دعاوى تحتاج إلى برهان، ثم أخبر عن حكمه بينهم ~~بالقسط والعدل، فقال { فأما الذين كفروا } أي: بالله وآياته ~~ورسله { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } ~~أما عذاب الدنيا، فهو ما أصابهم الله به من القوارع والعقوبات المشاهدة ~~والقتل والذل، وغير ذلك مما هو نموذج من عذاب الآخرة، وأما عذاب الآخرة ~~فهو الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهو عذاب النار وغضب الجبار ~~وحرمانهم ثواب الأبرار { وما لهم من ناصرين } ينصرونهم من ~~عذاب الله، لا من زعموا أنهم شفعاء لهم عند الله، ولا ما اتخذوهم أولياء ~~من دونه، ولا أصدقائهم وأقربائهم، ولا أنفسهم ينصرون، { وأما ~~الذين آمنوا } بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وغير ~~ذلك مما أمر الله بالإيمان به { وعملوا الصالحات } القلبية ~~والقولية والبدنية التي جاءت بشرعها المرسلون، وقصدوا بها رضا رب ~~العالمين { فيوفيهم أجورهم } دل ذلك على أنه يحصل لهم في ~~الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة، ms0191 وإنما ~~توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضرا موفرا، ~~فيعطي منهم كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه { والله لا ~~يحب الظالمين } بل يبغضهم ويحل عليهم سخطه وعذابه { ذلك ~~نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم } وهذا منة ~~عظيمة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته، حيث أنزل عليهم هذا ~~الذكر الحكيم، المحكم المتقن، المفصل للأحكام والحلال والحرام وإخبار ~~الأنبياء الأقدمين، وما أجرى الله على أيديهم من الآيات البينات ~~والمعجزات الباهرات، فهذا القرآن يقص علينا كل ما ينفعنا من الأخبار ~~والأحكام، فيحصل فيها العلم والعبرة وتثبيت الفؤاد ما هو من أعظم رحمة رب ~~العباد، ثم قال تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~ءادم خلقه من تراب... }. ### || [3.59-60] # يخبر تعالى محتجا على النصارى الزاعمين بعيسى عليه السلام ما ليس له ~~بحق، بغير برهان ولا شبهة، بل بزعمهم أنه ليس له والد استحق بذلك أن يكون ~~ابن الله أو شريكا لله في الربوبية، وهذا ليس بشبهة فضلا أن يكون حجة، ~~لأن خلقه كذلك من آيات الله الدالة على تفرد الله بالخلق والتدبير وأن ~~جميع الأسباب طوع مشيئته وتبع لإرادته، فهو على نقيض قولهم أدل، وعلى أن ~~أحدا لا يستحق المشاركة لله بوجه من الوجوه أولى، ومع هذا فآدم عليه ~~السلام خلقه الله من تراب لا من أب ولا أم، فإذا كان ذلك لا يوجب لآدم ما ~~زعمه النصارى في المسيح، فالمسيح المخلوق من أم بلا أب من باب أولى ~~وأحرى، فإن صح إدعاء البنوة والإلهية في المسيح، فادعاؤها في آدم من باب ~~أولى وأحرى، فلهذا قال تعالى { إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * ~~الحق من ربك } أي: هذا الذي أخبرناك به من شأن المسيح عليه ~~السلام هو الحق الذي في أعلى رتب الصدق، لكونه من ربك الذي من جملة ~~تربيته الخاصة لك ولأمتك أن قص عليكم ما قص من أخبار الأنبياء عليهم ~~السلام. { فلا تكن من الممترين ms0192 } أي: الشاكين في شيء مما ~~أخبرك به ربك، وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما ~~قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنه يجب ~~أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء ~~قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه، ~~لأن ما خالف الحق فهو باطل، قال تعالى # فماذا بعد الحق إلا الضلال # [يونس: 32] وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة ~~يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه، وإلا ~~فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه. ### || [3.61-63] # أي: { فمن } جادلك { حآجك } في عيسى عليه السلام وزعم أنه فوق ~~منزلة العبودية، بل رفعه فوق منزلته { فيه من بعد ما جآءك من ~~العلم } بأنه عبد الله ورسوله وبينت لمن جادلك ما عندك من الأدلة ~~الدالة على أنه عبد أنعم الله عليه، دل على عناد من لم يتبعك في هذا ~~العلم اليقيني، فلم يبق في مجادلته فائدة تستفيدها ولا يستفيدها هو، لأن ~~الحق قد تبين، فجداله فيه جدال معاند مشاق لله ورسوله، قصده اتباع هواه، ~~لا اتباع ما أنزل الله، فهذا ليس فيه حيلة، فأمر الله نبيه أن ينتقل إلى ~~مباهلته وملاعنته، فيدعون الله ويبتهلون إليه أن يجعل لعنته وعقوبته على ~~الكاذب من الفريقين، هو وأحب الناس إليه من الأولاد والأبناء والنساء، ~~فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فتولوا وأعرضوا ونكلوا، وعلموا ~~أنهم إن لاعنوه رجعوا إلى أهليهم وأولادهم فلم يجدوا أهلا ولا مالا ~~وعوجلوا بالعقوبة، فرضوا بدينهم مع جزمهم ببطلانه، وهذا غاية الفساد ~~والعناد، فلهذا قال تعالى { فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين } فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة، وأخبر تعالى { إن ~~هذا } الذي قصه الله على عباده هو { القصص الحق } وكل قصص ~~يقص عليهم مما يخالفه ويناقضه فهو باطل { وما من إله إلا ~~الله } فهو المألوه المعبود حقا الذي لا تنبغي العبادة ms0193 إلا له، ولا ~~يستحق غيره مثقال ذرة من العبادة { وإن الله لهو العزيز } ~~الذي قهر كل شيء وخضع له كل شيء { الحكيم } الذي يضع الأشياء ~~مواضعها، وله الحكمة التامة في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، يقاتلونهم ~~ويجادلونهم ويجاهدونهم بالقول والفعل. ### || [3.64] # أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى { تعالوا إلى كلمة ~~سوآء بيننا وبينكم } أي: هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي ~~اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ~~ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في ~~المقال والإنصاف في الجدال، ثم فسرها بقوله { ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا } فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب ~~والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيا ولا ملكا ولا وليا ولا صنما ولا ~~وثنا ولا حيوانا ولا جمادا { ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله } بل تكون الطاعة كلها لله ولرسله، فلا ~~نطيع المخلوقين في معصية الخالق، لأن ذلك جعل للمخلوقين في منزلة ~~الربوبية، فإذا دعي أهل الكتاب أو غيرهم إلى ذلك، فإن أجابوا كانوا ~~مثلكم، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وإن تولوا فهم معاندون متبعون ~~أهواءهم فأشهدوهم أنكم مسلمون، ولعل الفائدة في ذلك أنكم إذا قلتم لهم ~~ذلك وأنتم أهل العلم على الحقيقة، كان ذلك زيادة على إقامة الحجة عليهم ~~كما استشهد تعالى بأهل العلم حجة على المعاندين، وأيضا فإنكم إذا أسلمتم ~~أنتم وآمنتم فلا يعبأ الله بعدم إسلام غيركم لعدم زكائهم ولخبث طويتهم، ~~كما قال تعالى # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا # [الإسراء: 107]الآية وأيضا فإن في ورود الشبهات على العقيدة الإيمانية ~~مما يوجب للمؤمن أن يجدد إيمانه ويعلن بإسلامه، إخبارا بيقينه وشكرا ~~لنعمة ربه. ### || [3.65-68] # لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديا، والنصارى أنه نصراني، وجادلوا ~~على ذلك، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أن جدالهم في ~~إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم، فلا يمكن لهم ولا يسمح ms0194 لهم أن ~~يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة ~~والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم، الوجه ~~الثاني: أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة، والنصارى ينتسبون إلى ~~أحكام الإنجيل، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف ~~ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم، فهل هذا يعقل؟! فلهذا قال { ~~أفلا تعقلون } أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا ذلك، الوجه ~~الثالث: أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله ~~حنيفا مسلما، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته، وهذا النبي وهو ~~محمد صلى الله على وسلم ومن آمن معه، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من ~~غيرهم، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم، وأما من نبذ ملته وراء ظهره ~~كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم وليس منهم، ولا ينفعهم ~~مجرد الانتساب الخالي من الصواب. وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن ~~المحاجة والمجادلة بغير علم، وأن من تكلم بذلك فهو متكلم في أمر لا يمكن ~~منه ولا يسمح له فيه، وفيها أيضا حث على علم التاريخ، وأنه طريق لرد ~~كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما علم من التاريخ، ثم قال ~~تعالى: { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم ~~وما يضلون... }. ### || [3.69-74] # يحذر تعالى عباده المؤمنين عن مكر هذه الطائفة الخبيثة من أهل الكتاب، ~~وأنهم يودون أن يضلوكم، كما قال تعالى # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا # [البقرة: 109] ومن المعلوم أن من ود شيئا سعى بجهده على تحصيل مراده، ~~فهذه الطائفة تسعى وتبذل جهدها في رد المؤمنين وإدخال الشبه عليهم بكل ~~طريق يقدرون عليه، ولكن من لطف الله أنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ~~فلهذا قال تعالى { وما يضلون إلا أنفسهم } فسعيهم في ~~إضلال المؤمنين زيادة في ضلال أنفسهم وزيادة عذاب لهم، قال تعالى # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88] { وما يشعرون ms0195 } بذلك أنهم يسعون في ضرر أنفسهم وأنهم ~~لا يضرونكم شيئا { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات ~~الله وأنتم تشهدون } أي: ما الذي دعاكم إلى الكفر بآيات ~~الله مع علمكم بأن ما أنتم عليه باطل، وأن ما جاءكم به محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو الحق الذي لا تشكون فيه، بل تشهدون به ويسر به بعضكم إلى ~~بعض في بعض الأوقات، فهذا نهيهم عن ضلالهم ثم وبخهم على إضلالهم الخلق، ~~فقال { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل ~~وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } فوبخهم على لبس الحق ~~بالباطل وعلى كتمان الحق، لأنهم بهذين الأمرين يضلون من انتسب إليهم، فإن ~~العلماء إذا لبسوا الحق بالباطل فلم يميزوا بينهما، بل أبقوا الأمر ~~مبهما وكتموا الحق الذي يجب عليهم إظهاره، ترتب على ذلك من خفاء الحق ~~وظهور الباطل ما ترتب، ولم يهتد العوام الذين يريدون الحق لمعرفته حتى ~~يؤثروه، والمقصود من أهل العلم أن يظهروا للناس الحق ويعلنوا به، ويميزوا ~~الحق من الباطل، ويظهروا الخبيث من الطيب، والحلال والحرام، والعقائد ~~الصحيحة من العقائد الفاسدة، ليهتدي المهتدون ويرجع الضالون وتقوم الحجة ~~على المعاندين قال تعالى # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم # [آل عمران: 187]. ثم أخبر تعالى عن ما همت به هذه الطائفة الخبيثة، ~~وإرادة المكر بالمؤمنين، فقال { وقالت طآئفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ~~وجه النهار واكفروا آخره } أي: ادخلوا في دينهم على وجه ~~المكر والكيد أول النهار، فإذا كان آخر النهار فاخرجوا منه { لعلهم ~~يرجعون } عن دينهم، فيقولون لو كان صحيحا لما خرج منه أهل العلم ~~والكتاب، هذا الذي أرادوه عجبا بأنفهسم وظنا أن الناس سيحسنون ظنهم بهم ~~ويتابعونهم على ما يقولونه ويفعلونه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو ~~كره الكافرون { و } قال بعضهم لبعض { لا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم } أي: لا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تصدقوا إلا من تبع ~~دينكم، واكتموا أمركم، فإنكم إذا أخبرتم غيركم وغير من هو على دينكم ms0196 حصل ~~لهم من العلم ما حصل لكم فصاروا مثلكم، أو حاجوكم عند ربكم وشهدوا عليكم ~~أنها قامت عليكم الحجة وتبين لكم الهدى فلم تتبعوه، فالحاصل أنهم جعلوا ~~عدم إخبار المؤمنين بما معهم من العلم قاطعا عنهم العلم، لأن العلم ~~بزعمهم لا يكون إلا عندهم وموجبا للحجة عليهم، فرد الله عليهم بأن { ~~الهدى هدى الله } فمادة الهدى من الله تعالى لكل من اهتدى، فإن ~~الهدى إما علم الحق، أو إيثارة، ولا علم إلا ما جاءت به رسل الله، ولا ~~موفق إلا من وفقه الله، وأهل الكتاب لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، وأما ~~التوفيق فقد انقطع حظهم منه لخبث نياتهم وسوء مقاصدهم، وأما هذه الأمة ~~فقد حصل لهم ولله الحمد من هداية الله من العلوم والمعارف مع العمل بذلك ~~ما فاقوا به وبرزوا على كل أحد، فكانوا هم الهداة الذين يهدون بأمر الله، ~~وهذا من فضل الله عليها وإحسانه العظيم، فلهذا قال تعالى { قل إن ~~الفضل بيد الله } أي: الله هو الذي يحسن على عباده بأنواع ~~الإحسان { يؤتيه من يشآء } ممن أتى بأسبابه { والله واسع ~~} الفضل كثير الإحسان { عليم } بمن يصلح للإحسان فيعطيه، ومن لا ~~يستحقه فيحرمه إياه { يختص برحمته من يشآء } أي: برحمته ~~المطلقة التي تكون في الدنيا متصلة بالآخرة وهي نعمة الدين ومتمماته { ~~والله ذو الفضل العظيم } الذي لا يصفه الواصفون ولا يخطر ~~بقلب بشر، بل وصل فضله وإحسانه إلى ما وصل إليه علمه، ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما. ### || [3.75-77] # يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب في الوفاء والخيانة في الأموال، لما ذكر ~~خيانتهم في الدين ومكرهم وكتمهم الحق، فأخبر أن منهم الخائن والأمين، ~~وأن منهم { من إن تأمنه بقنطار } وهو المال الكثير { ~~يؤده } وهو على أداء ما دونه من باب أولى، ومنهم { ومنهم من ~~إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك } وهو على عدم أداء ~~ما فوقه من باب أولى وأحرى، والذي أوجب لهم الخيانة وعدم الوفاء إليكم ~~بأنهم زعموا أنه { ليس } عليهم { في الأميين سبيل } أي: ليس ms0197 ~~عليهم إثم في عدم أداء أموالهم إليهم، لأنهم بزعمهم الفاسد ورأيهم الكاسد ~~قد احتقروهم غاية الاحتقار، ورأوا أنفسهم في غاية العظمة، وهم الأذلاء ~~الأحقرون، فلم يجعلوا للأميين حرمة، وأجازوا ذلك، فجمعوا بين أكل الحرام ~~واعتقاد حله وكان هذا كذبا على الله، لأن العالم الذي يحلل الأشياء ~~المحرمة قد كان عند الناس معلوم أنه يخبر عن حكم الله ليس يخبر عن نفسه، ~~وذلك هو الكذب، فلهذا قال { ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون } وهذا أعظم إثما من القول على الله بلا علم، ثم رد عليهم ~~زعمهم الفاسد، فقال { بلى } أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه ليس عليكم ~~في الأميين حرج، بل عليكم في ذلك أعظم الحرج وأشد الإثم. { من أوفى ~~بعهده واتقى } والعهد يشمل العهد الذي بين العبد وبين ربه، وهو ~~جميع ما أوجبه الله على العبد من حقه، ويشمل العهد الذي بينه وبين ~~العباد، والتقوى تكون في هذا الموضع، ترجع إلى اتقاء المعاصي التي بين ~~العبد وبين ربه، وبينه وبين الخلق، فمن كان كذلك فإنه من المتقين الذين ~~يحبهم الله تعالى، سواء كانوا من الأميين أو غيرهم، فمن قال ليس علينا في ~~الأميين سبيل، فلم يوف بعهده ولم يتق الله، فلم يكن ممن يحبه الله، بل ~~ممن يبغضه الله، وإذا كان الأميون قد عرفوا بوفاء العهود وبتقوى الله ~~وعدم التجرئ على الأموال المحترمة، كانوا هم المحبوبين لله، المتقين ~~الذين أعدت لهم الجنة، وكانوا أفضل خلق الله وأجلهم، بخلاف الذين يقولون ~~ليس علينا في الأميين سبيل، فإنهم داخلون في قوله: { إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } ويدخل ~~في ذلك كل من أخذ شيئا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق ~~عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه ~~الآية، فهؤلاء { لا خلاق لهم في الآخرة } أي: لا نصيب لهم من ~~الخير { ولا يكلمهم الله } يوم القيامة غضبا عليهم وسخطا، ~~لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم { ولا يزكيهم } أي: يطهرهم ms0198 من ~~ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم { ولهم عذاب أليم } أي: موجع للقلوب ~~والأبدان، وهو عذاب السخط والحجاب، وعذاب جهنم، نسأل الله العافية. ### || [3.78] # يخبر تعالى أن من أهل الكتاب فريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب، أي: يميلونه ~~ويحرفونه عن المقصود به، وهذا يشمل اللي والتحريف لألفاظه ومعانيه، وذلك ~~أن المقصود من الكتاب حفظ ألفاظه وعدم تغييرها، وفهم المراد منها ~~وإفهامه، وهؤلاء عكسوا القضية وأفهموا غير المراد من الكتاب، إما تعريضا ~~وإما تصريحا، فالتعريض في قوله { لتحسبوه من الكتاب } أي: ~~يلوون ألسنتهم ويوهمونكم أنه هو المراد من كتاب الله، وليس هو المراد، ~~والتصريح في قولهم: { ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم ~~يعلمون } وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون ~~على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، ~~وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك. ### || [3.79-80] # وهذه الآية نزلت ردا لمن قال من أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أمرهم بالإيمان به ودعاهم إلى طاعته: أتريد يا محمد أن نعبدك مع ~~الله، فقوله { ما كان لبشر } أي: يمتنع ويستحيل على بشر من الله ~~عليه بإنزال الكتاب وتعليمه ما لم يكن يعلم وإرساله للخلق { ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } فهذا من ~~أمحل المحال صدوره من أحد من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، لأن ~~هذا أقبح الأوامر على الإطلاق، والأنبياء أكمل الخلق على الإطلاق، ~~فأوامرهم تكون مناسبة لأحوالهم، فلا يأمرون إلا بمعالي الأمور وهم أعظم ~~الناس نهيا عن الأمور القبيحة، فلهذا قال { ولكن كونوا ~~ربنيين بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم ~~تدرسون } أي: ولكن يأمرهم بأن يكونوا ربانيين، أي: علماء حكماء ~~حلماء معلمين للناس ومربيهم، بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم ~~يأمرون بالعلم والعمل والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها ~~يحصل النقص والخلل، والباء في قوله { بما كنتم تعلمون } إلخ، ~~باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ms0199 ودرسكم لكتاب الله ~~وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين { ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا } وهذا تعميم بعد تخصيص، أي: لا يأمركم بعبادة نفسه ولا ~~بعبادة أحد من الخلق من الملائكة والنبيين وغيرهم { أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } هذا ما لا يكون ولا ~~يتصور أن يصدر من أحد من الله عليه بالنبوة، فمن قدح في أحد منهم بشيء ~~من ذلك فقد ارتكب إثما عظيما وكفرا وخيما. ### || [3.81-82] # يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب ~~الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن ~~بعث الله رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على ~~أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ~~ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من ~~عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ~~ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته ~~وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم ~~تعالى { قالوا أقررنا } أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس ~~والعين { قال } الله لهم: { فاشهدوا } على أنفسكم وعلى أممكم ~~بذلك، قال { وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى ~~بعد ذلك } العهد والميثاق المؤكد بالشهادة من الله ومن رسله { ~~فأولئك هم الفاسقون } فعلى هذا كل من ادعى أنه من أتباع ~~الأنبياء كاليهود والنصارى ومن تبعهم، فقد تولوا عن هذا الميثاق الغليظ، ~~واستحقوا الفسق الموجب للخلود في النار إن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [3.83] # أي: أيطلب الطالبون ويرغب الراغبون في غير دين الله؟ لا يحسن هذا ولا ~~يليق، لأنه لا أحسن دينا من دين الله { وله أسلم من في ~~السموت والأرض طوعا وكرها } أي: ms0200 الخلق كلهم منقادون ~~بتسخيره مستسلمون له طوعا واختيارا، وهم المؤمنون المسلمون المنقادون ~~لعبادة ربهم، وكرها وهم سائر الخلق، حتى الكافرون مستسلمون لقضائه وقدره ~~لا خروج لهم عنه، ولا امتناع لهم منه، وإليه مرجع الخلائق كلها، فيحكم ~~بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل. ### || [3.84] # تقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة، ثم قال تعالى. { ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة... }. ### || [3.85] # أي: من يدين لله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله مردود ~~غير مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله، إخلاصا وانقيادا ~~لرسله فما لم يأت به العبد لم يأت بسبب النجاة من عذاب الله والفوز ~~بثوابه، وكل دين سواه فباطل، ثم قال تعالى: { كيف يهدي الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول ~~حق... }. ### || [3.86-88] # هذا من باب الاستبعاد، أي: من الأمر البعيد أن يهدي الله قوما اختاروا ~~الكفر والضلال بعدما آمنوا وشهدوا أن الرسول حق بما جاءهم به من الآيات ~~البينات والبراهين القاطعات { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } فهؤلاء ظلموا وتركوا الحق بعدما عرفوه، واتبعوا الباطل ~~مع علمهم ببطلانه ظلما وبغيا واتباعا لأهوائهم، فهؤلاء لا يوفقون ~~للهداية، لأن الذي يرجى أن يهتدي هو الذي لم يعرف الحق وهو حريص على ~~التماسه، فهذا بالحري أن ييسر الله له أسباب الهداية ويصونه من أسباب ~~الغواية، ثم أخبر عن عقوبة هؤلاء المعاندين الظالمين الدنيوية والأخروية، ~~فقال { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون } أي: لا يفتر عنهم ~~العذاب ساعة ولا لحظة، لا بإزالته أو إزالة بعض شدته، { ولا هم ~~ينظرون } أي: يمهلون، لأن زمن الإمهال قد مضى، وقد أعذر الله منهم ~~وعمرهم ما يتذكر فيه من تذكر، فلو كان فيهم خير لوجد، ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه. ### || [3.90-91] # يخبر تعالى أن من كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في ~~الغي والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى، أنه لا ms0201 تقبل توبتهم، أي: ~~لا يوفقون لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر ~~العظيم وترك الصراط المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات ~~والبراهين، فهذا هو الذي سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على ~~نفسه باب التوبة، ولهذا حصر الضلال في هذا الصنف، فقال { وأولئك ~~هم الضآلون } وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة، ~~وهؤلاء الكفرة إذا استمروا على كفرهم إلى الممات تعين هلاكهم وشقاؤهم ~~الأبدي، ولم ينفعهم شيء، فلو أنفق أحدهم ملء الأرض ذهبا ليفتدي به من ~~عذاب الله ما نفعه ذلك، بل لا يزالون في العذاب الأليم، لا شافع لهم ولا ~~ناصر ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله فأيسوا من كل خير، وجزموا ~~على الخلود الدائم في العقاب والسخط، فعياذا بالله من حالهم. ### || [3.92] # هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات، فقال { لن ~~تنالوا } أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات ~~وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة، { حتى تنفقوا مما ~~تحبون } أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم ~~محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم ~~الصادق وبر قلوبكم ويقين تقواكم، فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال، ~~والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه، والإنفاق في حال الصحة، ودلت ~~الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره، وأنه ينقص من بره بحسب ~~ما نقص من ذلك، ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثابا عليه العبد، ~~سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا وكان قوله { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } مما يوهم ~~أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله { ~~وما تنفقوا من شيء فإن الله ms0202 به عليم } فلا يضيق ~~عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه. ### || [3.93-95] # وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أن النسخ غير جائز، فكفروا بعيسى ~~ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة ~~بالتحليل والتحريم فمن تمام الإنصاف في المجادلة إلزامهم بما في كتابهم ~~التوراة من أن جميع أنواع الأطعمة محللة لبني إسرائيل { إلا ما ~~حرم إسرائيل } وهو يعقوب عليه السلام { على نفسه } أي: ~~من غير تحريم من الله تعالى، بل حرمه على نفسه لما أصابه عرق النسا نذر ~~لئن شفاه الله تعالى ليحرمن أحب الأطعمة عليه، فحرم فيما يذكرون لحوم ~~الإبل وألبانها وتبعه بنوه على ذلك وكان ذلك قبل نزول التوراة، ثم نزل في ~~التوراة أشياء من المحرمات غير ما حرم إسرائيل مما كان حلالا لهم طيبا، ~~كما قال تعالى # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] وأمر الله رسوله إن أنكروا ذلك أن يأمرهم بإحضار التوراة، ~~فاستمروا بعد هذا على الظلم والعناد، فلهذا قال تعالى { فمن افترى ~~على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم ~~الظالمون } وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ~~ذلك عنادا وتكبرا وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق ~~من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له ~~بها، فلهذا قال تعالى { قل صدق الله } أي: فيما أخبر به وحكم، ~~وهذا أمر من الله لرسوله ولمن يتبعه أن يقولوا بألسنتهم: صدق الله، ~~معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين هذه الشهادة على من ~~أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقا لله أعظمهم علما ويقينا ~~بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية، ثم أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم ~~عليه السلام بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول ~~الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم ~~مشركون ms0203 غير موحدين، ولما أمرهم باتباع ملة إبراهيم في التوحيد وترك الشرك ~~أمرهم باتباعه بتعظيم بيته الحرام بالحج وغيره، فقال: { إن أول ~~بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا... }. ### || [3.96-97] # يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس، ~~يتعبدون فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات ~~والقربات ما ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، ولهذا ~~قال: { مباركا } أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية ~~والدنيوية كما قال تعالى # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام # [الحج: 28] { وهدى للعالمين } والهدى نوعان: هدى في المعرفة، ~~وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر، وهو ما جعل الله فيه من أنواع ~~التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل لهم بسببه من العلم بالحق ~~بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله { فيه ءايت ~~بينت } أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات على أنواع من العلوم ~~الإلهية والمطالب العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته ~~وجلاله وكمال علمه وسعة جوده، وما من به على أوليائه وأنبيائه، فمن ~~الآيات { مقام إبرهيم } يحتمل أن المراد به المقام المعروف وهو ~~الحجر الذي كان يقوم عليه الخليل لبنيان الكعبة لما ارتفع البنيان، وكان ~~ملصقا في جدار الكعبة، فلما كان عمر رضي الله عنه وضعه في مكانه الموجود ~~فيه الآن، والآية فيه قيل أثر قدمي إبراهيم، قد أثرت في الصخرة وبقي ذلك ~~الأثر إلى أوائل هذه الأمة، وهذا من خوارق العادات، وقيل إن الآية فيه ما ~~أودعه الله في القلوب من تعظيمه وتكريمه وتشريفه واحترامه، ويحتمل أن ~~المراد بمقام إبراهيم أنه مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك ~~كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات، كالطواف ~~والسعي ومواضعها، والوقوف بعرفة ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر، والآية ~~في ذلك ما جعله الله في القلوب من تعظيمها واحترامها وبذل نفائس النفوس ~~والأموال في الوصول إليها وتحمل كل مشقة لأجلها، وما في ms0204 ضمنها من الأسرار ~~البديعة والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز ~~الخلق عن إحصاء بعضها، ومن الآيات البينات فيها أن من دخله كان آمنا ~~شرعا وقدرا، فالشرع قد أمر الله رسوله إبراهيم ثم رسوله محمد باحترامه ~~وتأمين من دخله، وأن لا يهاج، حتى إن التحريم في ذلك شمل صيودها وأشجارها ~~ونباتها، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء أن من جنى جناية خارج ~~الحرم ثم لجأ إليه أنه يأمن ولا يقام عليه الحد حتى يخرج منه، وأما ~~تأمينها قدرا فلأن الله تعالى بقضائه وقدره وضع في النفوس حتى نفوس ~~المشركين به الكافرين بربهم احترامه، حتى إن الواحد منهم مع شدة حميتهم ~~ونعرتهم وعدم احتمالهم للضيم يجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، ~~ومن جعله حرما أن كل من أراده بسوء فلا بد أن يعاقبه عقوبة عاجلة، كما ~~فعل بأصحاب الفيل وغيرهم، وقد رأيت لابن القيم هاهنا كلاما حسنا أحببت ~~إيراده لشدة الحاجة إليه قال فائدة: { ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا } " حج البيت " مبتدأ وخبره ~~في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى أن يكون في قوله: " على ~~الناس " لأنه وجوب، والوجوب يقتضي " على " ، ويجوز أن يكون في قوله: " ~~ولله " لأنه متضمن الوجوب والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط ~~الفائدة وموضعها، وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير، فكان الأحسن أن ~~يكون " ولله على الناس ". # ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله: " حج البيت على الناس " أكثر ~~استعمالا في باب الوجوب من أن يقال: " حج البيت لله " أي: حق واجب لله، ~~فتأمله. وعلى هذا ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان: إحداهما: ~~أنه اسم للموجب للحج، فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنت الآية ~~ثلاثة أمور مرتبة بحسب الوقائع: أحدها: الموجب لهذا الفرض فبدأ بذكره، ~~والثاني: مؤدي الواجب وهو المفترض عليه وهم الناس، والثالث: النسبة، ~~والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا وأداء، وهو الحج. والفائدة ~~الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان اسما ms0205 لله سبحانه، وجب الاهتمام ~~بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، إذ ~~ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره. وأما قوله: " من " فهي ~~بدل، وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها فاعل بالمصدر، كأنه قال: أن ~~يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وهذا القول يضعف من وجوه، منها: أن ~~الحج فرض عين، ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض الكفاية، لأنه إذا ~~حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم، لأن المعنى يؤل إلى: ولله على الناس حج ~~البيت مستطيعهم، فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير ~~المستطيعين، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عين على كل أحد، حج المستطيعون ~~أو قعدوا، ولكن الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب، فلا ~~يؤاخذه به ولا يطالبه بأدائه، فإذا حج سقط الفرض عن نفسه، وليس حج ~~المستطيعين بمسقط الفرض عن العاجزين، وإذا أردت زيادة إيضاح، فإذا قلت: ~~واجب على أهل هذه الناحية أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعون للجهاد، فإذا ~~جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق الوجوب في غيرهم، وإذا قلت واجب على الناس ~~كلهم أن يجاهد منهم المستطيع، كان الوجوب متعلقا بالجميع وعذر العاجز ~~بعجزه، ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن يقال: ولله حج البيت على ~~المستطيعين، هذه النكتة البديعة فتأملها. # الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى ~~المفعول ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول، فلو كان من هو الفاعل ~~لأضيف المصدر إليه فكان يقال: " ولله على الناس حج من استطاع " وحمله على ~~باب " يعجبني ضرب زيد عمرا " وفيما يفصل فيه بين المصدر وفاعله المضاف ~~إليه بالمفعول والظرف حمل على المكتوب المرجوح، وهي قراءة ابن عامر قتل ~~أولادهم شركائهم، فلا يصار إليه. وإذا ثبت أن " من " بدل بعض من كل وجب ~~أن يكون في الكلام ضمير يعود إلى " الناس " كأنه قيل: من استطاع منهم، ~~وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا يحسن، وحسنه هاهنا أمور منها: ms0206 أن " من ~~" واقعة على من لا يعقل، كالاسم المبدل منه فارتبطت به، ومنها: أنها ~~موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت الصلة أعم لقبح حذف الضمير ~~العائد، ومثال ذلك إذا قلت: رأيت إخوتك من ذهب إلى السوق منهم، كان ~~قبيحا، لأن الذاهب إلى السوق أعم من الإخوة، وكذلك لو قلت: البس الثياب ~~ما حسن وجمل، يريد منها، ولم يذكر الضمير كان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما ~~حسن أعم من الثياب. وباب البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه، فإذا ~~كان أعم وأضفته إلى ضمير أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم ~~وبقي الخصوص، ومما حسن حذف المضاف في هذه أيضا مع ما تقدم طول الكلام ~~بالصلة والموصول. وأما المجرور من قوله " لله " فيحتمل وجهين: أحدهما: أن ~~يكون في موضع من سبيل، كأنه نعت نكرة قدم عليها، لأنه لو تأخر لكان في ~~موضع النعت لسبيل، والثاني: أن يكون متعلقا بسبيل، فإن قلت: كيف يتعلق ~~به وليس فيه معنى الفعل؟ قيل: السبيل لما كان عبارة هاهنا عن الموصل إلى ~~البيت من قوت وزاد ونحوهما، كان فيه رائحة الفعل، ولم يقصد به السبيل ~~الذي هو الطريق، فصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ ~~تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت ~~هو المقصود به الاعتناء، وهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعني ~~هذا تقرير السهيلي، وهذا بعيد جدا بل الصواب في متعلق الجار والمجرور ~~وجه آخر أحسن من هذين، ولا يليق بالآية سواه، وهو الوجوب المفهوم من قوله ~~" على الناس " أي: يجب لله على الناس الحج، فهو حق واجب لله، وأما تعليقه ~~بالسبيل وجعله حالا منها، ففي غاية البعد فتأمله، ولا يكاد يخطر بالبال ~~من الآية، وهذا كما تقول: لله عليك الصلاة والزكاة والصيام. ومن فوائد ~~الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره بلفظ الأمر ~~والنهي، وهو الأكثر، وبلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو # كتب عليكم ms0207 الصيام # [البقرة: 183] # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] وفي الحج أتى بهذا اللفظ الدال على تأكد الوجوب من عشرة ~~أوجه، أحدها أنه قدم اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ~~ذكر من أوجبه عليهم بصيغة العموم الداخلة عليها حرف على أبدل منه أهل ~~الاستطاعة، ثم نكر السبيل في سياق الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي: ~~سبيل تيسرت، من قوت أو مال، فعلق الوجوب بحصول ما يسمى سبيلا، ثم أتبع ~~ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال { ومن كفر } أي: لعدم التزامه هذا ~~الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره ما يستغنى به عنه، والله ~~تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما في ذكر استغنائه ~~عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما هو أعظم ~~التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم " العالمين " عموما، ولم يقل: فإن ~~الله غني عنه، لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل ~~التام من كل وجه بكل اعتبار، فكان أدل لعظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه ~~عليه، ثم أكد هذا المعنى بأداة " إن " الدالة على التأكيد، فهذه عشرة ~~أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض العظيم. وتأمل سر البدل في الآية المقتضي ~~لذكر الإسناد مرتين، مرة بإسناده إلى عموم الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص ~~المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية المعنى وتأكيده بتكرر الإسناد ~~ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته. ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح ~~بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال، وكيف تضمن ذلك إيراد الكلام في صورتين ~~وخلتين، اعتناء به وتأكيد لشأنه، ثم تأمل كيف افتتح هذا الإيجاب بذكر ~~محاسن البيت وعظم شأنه بما تدعوا النفوس إلى قصده وحجه وان لم يطلب ذلك ~~منها، فقال: { إن أول بيت } إلخ، فوصفه بخمس صفات: أحدها كونه ~~أسبق بيوت العالم وضع في الأرض، الثاني: أنه مبارك، والبركة كثرة الخير ~~ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرا ولا ms0208 أدوم ولا أنفع ~~للخلائق، الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه مبالغة، حتى كأنه نفس ~~الهدى، الرابع ما تضمن من الآيات البينات التي تزيد على أربعين آية، ~~الخامس: الأمن الحاصل لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما ~~يبعث النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم ~~أتبع ذلك بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدل على الإعتناء منه ~~سبحانه لهذا البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من ~~قدره، ولو لم يكن له شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله # وطهر بيتي # [الحج: 26] لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت ~~بقلوب العالمين إليه، وسلبت نفوسهم حباله وشوقا إلى رؤيته، فهذه المثابة ~~للمحبين يثوبون إليه ولا يقضون منه وطرا أبدا، كلما ازدادوا له زيارة ~~ازدادوا له حبا وإليه اشتياقا، فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، ~~كما قيل: # أطوف به والنفس بعد مشوقة إليه وهل بعد الطواف تداني وألثم منه الركن ~~أطلب برد ما بقلبي من شوق ومن هيمان فوالله ما ازداد إلا صبابة ولا ~~القلب إلا كثرة الخفقان فيا جنة المأوى ويا غاية المنى ويا منيتي من ~~دون كل أمان أبت غلبات الشوق إلا تقربا إليك فما لي بالبعاد يدان وما ~~كان صدى عنك صد ملالة ولي شاهد من مقلتي ولسان دعوت اصطباري عنك بعدك ~~والبكا فلبى البكا والصبر عنك عصاني وقد زعموا أن المحب إذا نأى ~~سيبلى هواه بعد طول زمان ولو كان هذا الزعم حقا لكان ذا دواء الهوى في ~~الناس كل زمان بلى إنه يبلى والهوى على حاله لم يبله الملوان وهذا ~~محب قاده الشوق والهوى بغير زمام قائد وعنان أتاك على بعد المزار ولو ~~ونت مطيته جاءت به القدمان # انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ### || [3.98-101] # يوبخ تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله التي ~~أنزلها الله على رسله، التي جعلها رحمة لعباده يهتدون بها إليه، ويستدلون ~~بها على جميع المطالب المهمة والعلوم النافعة، فهؤلاء الكفرة جمعوا بين ms0209 ~~الكفر بها وصد من آمن بالله عنها وتحريفها وتعويجها عما جعلت له، وهم ~~شاهدون بذلك عالمون بأن ما فعلوه أعظم الكفر الموجب لأعظم العقوبة # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88] فلهذا توعدهم هنا بقوله: { وما الله بغافل عما ~~تعملون } بل محيط بأعمالكم ونياتكم ومكركم السيء، فمجازيكم عليه أشر ~~الجزاء لما توعدهم ووبخهم عطف برحمته وجوده وإحسانه وحذر عباده المؤمنين ~~منهم لئلا يمكروا بهم من حيث لا يشعرون، فقال: { يأيها الذين ~~آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~يردوكم بعد إيمانكم كافرين } وذلك لحسدهم وبغيهم عليكم، ~~وشدة حرصهم على ردكم عن دينكم، كما قال تعالى: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق # [البقرة: 109]. ثم ذكر تعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات ~~المؤمنين على إيمانهم، وعدم تزلزلهم عن إيقانهم، وأن ذلك من أبعد ~~الأشياء، فقال: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله } أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم ~~آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات البينات التي توجب القطع بموجبها والجزم ~~بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من الوجوه، خصوصا والمبين لها ~~أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم بالمؤمنين، الحريص على هداية ~~الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله وسلامه عليه، فلقد نصح ~~وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك لجائل في ~~طلب الخير مجالا ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته ورحمته ~~عن كل شر، واستعان به على كل خير { فقد هدي إلى صراط ~~مستقيم } موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في ~~أقواله وأفعاله وأحواله وبين الاعتصام بالله. ### || [3.102-103] # هذا أمر من الله لعباده المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يستمروا على ~~ذلك ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فإن من عاش على شيء مات عليه، ~~فمن كان في حال صحته ونشاطه وإمكانه مداوما لتقوى ms0210 ربه وطاعته، منيبا ~~إليه على الدوام، ثبته الله عند موته ورزقه حسن الخاتمة، وتقوى الله حق ~~تقواه كما قال ابن مسعود: وهو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ~~ويشكر فلا يكفر، وهذه الآية بيان لما يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما ~~يجب على العبد منها، فكما قال تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وتفاصيل التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح كثيرة جدا، ~~يجمعها فعل ما أمر الله به وترك كل ما نهى الله عنه، ثم أمرهم تعالى بما ~~يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين ~~واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف ~~قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ~~ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من ~~التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع ~~روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر ~~العام، ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال: { واذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء } يقتل بعضكم ~~بعضا، ويأخذ بعضكم مال بعض، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم بعضا، وأهل ~~البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال، وكانوا في شر عظيم، وهذه حالة ~~العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به ~~واجتمعوا على الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من ~~تآلف قلوبهم وموالاة بعضهم لبعض، ولهذا قال: { فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على ~~شفا حفرة من النار } أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم ~~وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها { فأنقذكم منها } بما من ~~عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { كذلك يبين الله ~~لكم آياته } أي: يوضحها ويفسرها، ويبين لكم الحق من الباطل، والهدى ~~من الضلال { لعلكم تهتدون } بمعرفة الحق والعمل به، وفي هذه ~~الآية ما يدل أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ~~ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم من فضله ms0211 وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر ~~من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها. ### || [3.104-105] # أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين من الله عليهم بالإيمان ~~والاعتصام بحبله { أمة } أي: جماعة { يدعون إلى الخير } ~~وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه { ويأمرون ~~بالمعروف } وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه { وينهون عن ~~المنكر } وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه، وهذا إرشاد من الله ~~للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى ~~دينه، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل ~~الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، ~~والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع ~~كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد ~~المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات ~~الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الآية الكريمة في ~~قوله { ولتكن منكم أمة } الخ أي: لتكن منكم جماعة يحصل ~~المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر ~~بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو ~~مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء ~~وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ~~ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على ~~تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه ~~الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين، ولهذا قال تعالى عنهم: { ~~وأولئك هم المفلحون } الفائزون بالمطلوب، الناجون من ~~المرهوب، ثم نهاهم عن التشبه بأهل الكتاب في تفرقهم واختلافهم، فقال: { ~~ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } ومن العجائب ~~أن اختلافهم { من بعد ما جآءهم البينات } الموجبة لعدم ~~التفرق والاختلاف، فهم أولى من غيرهم بالاعتصام بالدين، فعكسوا القضية مع ~~علمهم بمخالفتهم أمر الله، فاستحقوا العقاب ms0212 البليغ، ولهذا قال تعالى: { ~~وأولئك لهم عذاب عظيم }. ### || [3.106-108] # يخبر تعالى عن حال يوم القيامة وما فيه من آثار الجزاء بالعدل والفضل، ~~ويتضمن ذلك الترغيب والترهيب الموجب للخوف والرجاء فقال: { يوم ~~تبيض وجوه } وهي وجوه أهل السعادة والخير، أهل الائتلاف ~~والاعتصام بحبل الله { وتسود وجوه } وهي وجوه أهل الشقاوة ~~والشر، أهل الفرقة والاختلاف، هؤلاء اسودت وجوههم بما في قلوبهم من الخزي ~~والهوان والذلة والفضيحة، وأولئك ابيضت وجوههم، لما في قلوبهم من البهجة ~~والسرور والنعيم والحبور الذي ظهرت آثاره على وجوههم كما قال تعالى: # ولقاهم نضرة وسرورا # [الإنسان: 11] نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، وقال تعالى: # والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها ~~وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [يونس: 27] { فأما الذين اسودت وجوههم } فيقال لهم ~~على وجه التوبيخ والتقريع: { أكفرتم بعد إيمانكم } أي: كيف ~~آثرتم الكفر والضلال على الإيمان والهدى؟ وكيف تركتم سبيل الرشاد وسلكتم ~~طريق الغي؟ { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } فليس ~~يليق بكم إلا النار، ولا تستحقون إلا الخزي والفضيحة والعار { وأما ~~الذين ابيضت وجوههم } فيهنؤون أكمل تهنئة ويبشرون أعظم ~~بشارة، وذلك أنهم يبشرون بدخول الجنات ورضى ربهم ورحمته { ففي رحمة ~~الله هم فيها خالدون } وإذا كانوا خالدين في الرحمة، فالجنة ~~أثر من آثار رحمته تعالى، فهم خالدون فيها بما فيها من النعيم المقيم ~~والعيش السليم، في جوار أرحم الراحمين، لما بين الله لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم الأحكام الأمرية والأحكام الجزائية قال: { تلك آيات ~~الله نتلوها } أي: نقصها { عليك بالحق } لأن أوامره ~~ونواهيه مشتملة على الحكمة والرحمة وثوابها وعقابها، كذلك مشتمل على ~~الحكمة والرحمة والعدل الخالي من الظلم، ولهذا قال: { وما الله ~~يريد ظلما للعالمين } نفى إرادته ظلمهم فضلا عن كونه يفعل ~~ذلك فلا ينقص أحدا شيئا من حسناته، ولا يزيد في ظلم الظالمين، بل ~~يجازيهم بأعمالهم فقط، ثم قال تعالى: { ولله ما في السموت ~~وما في الأرض وإلى... }. ### || [3.109] # أي: هو المالك ms0213 لما في السماوات وما في الأرض، الذي خلقهم ورزقهم ويتصرف ~~فيهم بقدره وقضائه، وفي شرعه وأمره، وإليه يرجعون يوم القيامة فيجازيهم ~~بأعمالهم حسنها وسيئها. ### || [3.110-112] # يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس، ~~وذلك بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به، ~~وبتكميلهم لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق ~~إلى الله وجهادهم على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم ~~وعصيانهم، فبهذا كانوا خير أمة أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي ~~قوله: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر # [آل عمران: 104] أمرا منه تعالى لهذه الأمة، والأمر قد يمتثله المأمور ~~ويقوم به، وقد لا يقوم به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها ~~الله بالقيام به، وامتثلت أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم { ~~ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } وفي هذا من ~~دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان، ولكن لم يؤمن منهم إلا قليل، ~~وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله بأنواع ~~العداوة، ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم، فليس ~~على المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه ~~من الأذى أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو ~~قاتلوا المؤمنين لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا ~~هم ينصرون في وقت من الأوقات، ولهذا أخبر تعالى أنه عاقبهم بالذلة في ~~بواطنهم والمسكنة على ظواهرهم، فلا يستقرون ولا يطمئنون { إلا ~~بحبل } أي: عهد { من الله وحبل من الناس } فلا يكون ~~اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية ويستذلون، أو ~~تحت أحكام النصارى وقد { وبآءوا } مع ذلك { بغضب من الله } ~~وهذا أعظم العقوبات، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ذكره الله بقوله: ~~{ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } التي ~~أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الموجبة لليقين والإيمان، ms0214 ~~فكفروا بها بغيا وعنادا { ويقتلون الأنبيآء بغير حق ~~} أي: يقابلون أنبياء الله الذين يحسنون إليهم أعظم إحسان بأشر مقابلة، ~~وهو القتل، فهل بعد هذه الجراءة والجناية شيء أعظم منها، وذلك كله بسبب ~~عصيانهم واعتدائهم، فهو الذي جرأهم على الكفر بالله وقتل أنبياء الله، ثم ~~قال تعالى: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة ~~قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل... }. ### || [3.113-115] # لما بين تعالى الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم، ~~بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون ~~عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد ~~مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم { أمة قآئمة } ~~أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ~~ذلك قيامها بالصلاة { يتلون آيات الله آنآء الليل وهم ~~يسجدون } وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم ~~لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له { يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل ~~نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان ~~الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه ~~في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم { ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } فحصل منهم تكميل أنفسهم ~~بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ~~ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ~~وصفهم بالهمم العالية { و } أنهم { يسارعون في الخيرات } أي: ~~يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك ~~من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين ~~وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } ~~الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، ~~وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن ~~يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ms0215 ~~ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، ~~فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. ### || [3.116-117] # يخبر تعالى أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا، أي: لا تدفع عنهم شيئا من عذاب الله، ولا تجدي عليهم شيئا من ~~ثواب الله، كما قال تعالى: # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا # [سبأ: 37] بل تكون أموالهم وأولادهم زادا لهم إلى النار، وحجة عليهم في ~~زيادة نعم الله عليهم، تقتضي منهم شكرها، ويعاقبون على عدم القيام بها ~~وعلى كفرها، ولهذا قال: { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون }. ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار من أموالهم التي يصدون بها ~~عن سبيل الله ويستعينون بها على إطفاء نور الله، بأنها تبطل وتضمحل، كمن ~~زرع زرعا يرجو نتيجته ويؤمل إدراك ريعه، فبينما هو كذلك إذ أصابته ريح ~~فيها صر، أي: برد شديد محرق، فأهلكت زرعه، ولم يحصل له إلا التعب والعناء ~~وزيادة الأسف، فكذلك هؤلاء الكفار الذين قال الله فيهم: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون # [الأنفال: 36] { وما ظلمهم الله } بإبطال أعمالهم { ~~ولكن } كانوا { أنفسهم يظلمون } حيث كفروا بآيات الله ~~وكذبوا رسوله وحرصوا على إطفاء نور الله، هذه الأمور هي التي أحبطت ~~أعمالهم وذهبت بأموالهم، ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم... }. ### || [3.118-120] # ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب ~~وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم ~~هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم { ~~وما تخفي صدورهم أكبر } مما يسمع منهم فلهذا { لا ~~يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة ~~وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين { ~~قد بينا لكم الآيات } أي: التي فيها مصالحكم الدينية ~~والدنيوية { إن ms0216 كنتم تعقلون } فتعرفونها وتفرقون بين الصديق ~~والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة ~~العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له ~~وأقسم أنه من أوليائه قال الله مهيجا للمؤمنين على الحذر من هؤلاء ~~المنافقين من أهل الكتاب، ومبينا شدة عداوتهم { هآأنتم أولاء ~~تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله ~~} أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بكتابكم، بل ~~إذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان { وإذا لقوكم قالوا آمنا ~~وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل } وهي أطراف الأصابع ~~من شدة غيظهم عليكم { قل موتوا بغيظكم إن الله عليم ~~بذات الصدور } وهذا فيه بشارة للمؤمنين أن هؤلاء الذين قصدوا ~~ضرركم لا يضرون إلا أنفسهم، وإن غيظهم لا يقدرون على تنفيذه، بل لا ~~يزالون معذبين به حتى يموتوا فيتنقلوا من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة. { ~~إن تمسسكم حسنة } كالنصر على الأعداء وحصول الفتح والغنائم { ~~تسؤهم } أي: تغمهم وتحزنهم { وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } فإذا ~~أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر - وهي الصبر والتقوى- لم يضركم ~~مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ ~~لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء. ### || [3.121-122] # هذه الآيات نزلت في وقعة " أحد " وقصتها مشهورة في السير والتواريخ، ~~ولعل الحكمة في ذكرها في هذا الموضع، وأدخل في أثنائها وقعة " بدر " لما ~~أن الله تعالى قد وعد المؤمنين أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم، ورد كيد ~~الأعداء عنهم، وكان هذا حكما عاما ووعدا صادقا لا يتخلف مع الإتيان ~~بشرطه، فذكر نموذجا من هذا في هاتين القصتين، وأن الله نصر المؤمنين في ~~" بدر " لما صبروا واتقوا، وأدال عليهم العدو لما صدر من بعضهم من ~~الإخلال بالتقوى ما صدر، ومن حكمة الجمع بين القصتين أن الله يحب من ~~عباده إذا أصابهم ما يكرهون أن يتذكروا ما يحبون، فيخف عنهم البلاء ~~ويشكروا ms0217 الله على نعمه العظيمة التي إذا قوبلت بما ينالهم من المكروه ~~الذي هو في الحقيقة خير لهم، كان المكروه بالنسبة إلى المحبوب نزرا ~~يسيرا، وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة في قوله # أولمآ أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها # [آل عمران: 165] وحاصل قضية " أحد " وإجمالها أن المشركين لما رجع فلهم ~~من " بدر " إلى مكة، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة، استعدوا بكل ما ~~يقدرون عليه من العدد بالأموال والرجال والعدد، حتى اجتمع عندهم من ذلك ~~ما جزموا بحصول غرضهم وشفاء غيظهم، ثم وجهوا من مكة للمدينة في ثلاثة ~~آلاف مقاتل، حتى نزلوا قرب المدينة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ~~هو وأصحابه بعد المراجعة والمشاورة حتى استقر رأيهم على الخروج، وخرج في ~~ألف، فلما ساروا قليلا رجع عبد الله بن أبي المنافق بثلث الجيش ممن هو ~~على مثل طريقته، وهمت طائفتان من المؤمنين أن يرجعوا وهم بنو سلمة وبنو ~~حارثة فثبتهم الله، فلما وصلوا إلى أحد رتبهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مواضعهم وأسندوا ظهورهم إلى أحد، ورتب النبي صلى الله عليه وسلم خمسين ~~رجلا من أصحابه في خلة في جبل " أحد " وأمرهم أن يلزموا مكانهم ولا ~~يبرحوا منه ليأمنوا أن يأتيهم أحد من ظهورهم، فلما التقى المسلمون ~~والمشركون انهزم المشركون هزيمة قبيحة وخلفوا معسكرهم خلف ظهورهم، ~~واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فلما رآهم الرماة الذين جعلهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الجبل، قال بعضهم لبعض: الغنيمة الغنيمة، ما ~~يقعدنا هاهنا والمشركون قد انهزموا، ووعظهم أميرهم عبد الله بن جبير عن ~~المعصية فلم يلتفتوا إليه، فلما أخلوا موضعهم فلم يبق فيه إلا نفر يسير، ~~منهم أميرهم عبد الله بن جبير، جاءت خيل المشركين من ذلك الموضع واستدبرت ~~المسلمين وقاتلت ساقتهم، فجال المسلمون جولة ابتلاهم الله بها وكفر بها ~~عنهم، وأذاقهم فيها عقوبة المخالفة، فحصل ما حصل من قتل من قتل منهم، ~~ثم إنهم انحازوا إلى رأس جبل " أحد " وكف الله عنهم أيدي المشركين ~~وانكفأوا إلى بلادهم، ودخل رسول الله ms0218 صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة ~~قال الله تعالى { وإذ غدوت من أهلك } والغدو هاهنا مطلق ~~الخروج، ليس المراد به الخروج في أول النهار، لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه لم يخرجوا إلا بعدما صلوا الجمعة { تبوىء ~~المؤمنين مقاعد للقتال } أي: تنزلهم وترتبهم كل في مقعده ~~اللائق به، وفيها أعظم مدح للنبي صلى الله عليه وسلم حيث هو الذي يباشر ~~تدبيرهم وإقامتهم في مقاعد القتال، وما ذاك إلا لكمال علمه ورأيه، وسداد ~~نظره وعلو همته، حيث يباشر هذه الأمور بنفسه وشجاعته الكاملة صلوات الله ~~وسلامه عليه { والله سميع } لجميع المسموعات، ومنه أنه يسمع ما ~~يقول المؤمنون والمنافقون كل يتكلم بحسب ما في قلبه { عليم } بنيات ~~العبيد، فيجازيهم عليها أتم الجزاء، وأيضا فالله سميع عليم بكم، يكلؤكم، ~~ويتولى تدبير أموركم، ويؤيدكم بنصره كما قال تعالى لموسى وهارون # قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46] ومن لطفه بهم وإحسانه إليهم أنه، لما { همت طآئفتان ~~} من المؤمنين بالفشل وهم بنو سلمة وبنو حارثة كما تقدم ثبتهما الله ~~تعالى نعمة عليهما وعلى سائر المؤمنين، فلهذا قال { والله ~~وليهما } أي: بولايته الخاصة، التي هي لطفه بأوليائه، وتوفيقهم لما ~~فيه صلاحهم وعصمتهم عما فيه مضرتهم، فمن توليه لهما أنهما لما هما بهذه ~~المعصية العظيمة وهي الفشل والفرار عن رسول الله عصمهما، لما معهما من ~~الإيمان كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257] ثم قال { وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~} ففيها الأمر بالتوكل الذي هو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع ~~ودفع المضار، مع الثقة بالله، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله، وأن ~~المؤمنين أولى بالتوكل على الله من غيرهم، وخصوصا في مواطن الشدة ~~والقتال، فإنهم مضطرون إلى التوكل والاستعانة بربهم والاستنصار له، ~~والتبري من حولهم وقوتهم، والاعتماد على حول الله وقوته، فبذلك ينصرهم ~~ويدفع عنهم البلايا والمحن، ثم قال تعالى: { ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله... }. ### || [3.123-126] # وهذا امتنان منه على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بما ms0219 نصرهم به يوم بدر ~~وهم أذلة في قلة عددهم وعددهم مع كثرة عدد عدوهم وعددهم، وكانت وقعة ~~بدر في السنة الثانية من الهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة بثلاث مئة وبضعة عشر من أصحابه، ولم يكن معهم إلا سبعون بعيرا ~~وفرسان لطلب عير لقريش قدمت من الشام، فسمع به المشركون فتجهزوا من مكة ~~لفكاك عيرهم، وخرجوا في زهاء ألف مقاتل مع العدة الكاملة والسلاح العام ~~والخيل الكثيرة، فالتقوا هم والمسلمون في ماء يقال له " بدر " بين مكة ~~والمدينة فاقتتلوا، ونصر الله المسلمين نصرا عظيما، فقتلوا من المشركين ~~سبعين قتيلا من صناديد المشركين وشجعانهم، وأسروا سبعين، واحتووا على ~~معسكرهم ستأتي - إن شاء الله - القصة في سورة الأنفال، فإن ذلك موضعها، ~~ولكن الله تعالى هنا أتى بها ليتذكر بها المؤمنون ليتقوا ربهم ويشكروه، ~~فلهذا قال { فاتقوا الله لعلكم تشكرون } لأن من اتقى ~~ربه فقد شكره، ومن ترك التقوى فلم يشكره، إذ تقول يا محمد للمؤمنين يوم ~~بدر مبشرا لهم بالنصر. { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم ~~بثلاثة ءالف من الملائكة منزلين * بلى إن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا } أي: ~~من مقصدهم هذا، وهو وقعة بدر { يمددكم ربكم بخمسة ~~ءالف من الملائكة مسومين } أي: معلمين بعلامة ~~الشجعان، فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر، والتقوى، وإتيان ~~المشركين من فورهم هذا، فهذا الوعد بإنزال الملائكة المذكورين وإمدادهم ~~بهم، وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الشرطين الأولين كما ~~تقدم في قوله: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120] { وما جعله الله } أي: إمداده لكم بالملائكة { ~~إلا بشرى } تستبشرون بها وتفرحون { لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله } فلا ~~تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم، وأما ~~النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله لنصر من يشاء من عباده، ~~فإنه إن شاء نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وإن شاء نصر ~~المستضعفين الأذلين ليبين لعباده أن الأمر ms0220 كله بيديه، ومرجع الأمور إليه، ~~ولهذا قال { العزيز } فلا يمتنع عليه مخلوق، بل الخلق كلهم أذلاء ~~مدبرون تحت تدبيره وقهره { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، وله ~~الحكمة في إدالة الكفار في بعض الأوقات على المسلمين إدالة غير مستقرة، ~~قال تعالى: # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض # [محمد: 4]. ### || [3.127] # يخبر تعالى أن نصره عباده المؤمنين لأحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من ~~الذين كفروا، أي: جانبا منهم وركنا من أركانهم، إما بقتل، أو أسر، أو ~~استيلاء على بلد، أو غنيمة مال، فيقوى بذلك المؤمنون ويذل الكافرون، وذلك ~~لأن مقاومتهم ومحاربتهم للإسلام تتألف من أشخاصهم وسلاحهم وأموالهم ~~وأرضهم فبهذه الأمور تحصل منهم المقاومة والمقاتلة فقطع شيء من ذلك ذهاب ~~لبعض قوتهم، الأمر الثاني أن يريد الكفار بقوتهم وكثرتهم، طمعا في ~~المسلمين، ويمنوا أنفسهم ذلك، ويحرصوا عليه غاية الحرص، ويبذلوا قواهم ~~وأموالهم في ذلك، فينصر الله المؤمنين عليهم ويردهم خائبين لم ينالوا ~~مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة، وإذا تأملت الواقع رأيت نصر الله ~~لعباده المؤمنين دائرا بين هذين الأمرين، غير خارج عنهما إما نصر عليهم ~~أو خذل لهم. ### || [3.128-129] # لما جرى يوم " أحد " ما جرى، وجرى على النبي صلى الله عليه وسلم مصائب، ~~رفع الله بها درجته، فشج رأسه وكسرت رباعيته، قال # " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم " # وجعل يدعو على رؤساء من المشركين مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية ~~وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، أنزل الله تعالى على رسوله نهيا له عن ~~الدعاء عليهم باللعنة والطرد عن رحمة الله { ليس لك من الأمر ~~شيء } إنما عليك البلاغ وإرشاد الخلق والحرص على مصالحهم، وإنما الأمر ~~لله تعالى هو الذي يدبر الأمور، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا تدع ~~عليهم بل أمرهم راجع إلى ربهم، إن اقتضت حكمته ورحمته أن يتوب عليهم ويمن ~~عليهم بالإسلام فعل، وإن اقتضت حكمته إبقاءهم على كفرهم وعدم هدايتهم، ~~فإنهم هم الذين ظلموا أنفسهم وضروها وتسببوا بذلك، فعل، وقد تاب الله ms0221 على ~~هؤلاء المعينين وغيرهم، فهداهم للإسلام رضي الله عنهم، وفي هذه الآية مما ~~يدل على أن اختيار الله غالب على اختيار العباد، وأن العبد وإن ارتفعت ~~درجته وعلا قدره قد يختار شيئا وتكون الخيرة والمصلحة في غيره، وأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى ففيها ~~أعظم رد على من تعلق بالأنبياء أو غيرهم من الصالحين وغيرهم، وأن هذا شرك ~~في العبادة، نقص في العقل، يتركون من الأمر كله له ويدعون من لا يملك من ~~الأمر مثقال ذرة، إن هذا لهو الضلال البعيد، وتأمل كيف لما ذكر تعالى ~~توبته عليهم أسند الفعل إليه، ولم يذكر منهم سببا موجبا لذلك، ليدل ذلك ~~على أن النعمة محض فضله على عبده، من غير سبق سبب من العبد ولا وسيلة، ~~ولما ذكر العذاب ذكر معه ظلمهم، ورتبه على العذاب بالفاء المفيدة ~~للسببية، فقال { أو يعذبهم فإنهم ظالمون } ليدل ذلك ~~على كمال عدل الله وحكمته، حيث وضع العقوبة موضعها، ولم يظلم عبده بل ~~العبد هو الذي ظلم نفسه، ولما نفى عن رسوله أنه ليس له من الأمر شيء قرر ~~من الأمر له فقال { ولله ما في السموت وما في الأرض } ~~من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما ~~في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف ~~المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من الملك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين ~~مغفرته وتعذيبه فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمن عليه ~~بترك العصيان فيغفر له ذنبه، { ويعذب من يشآء } بأن يكله إلى ~~نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ~~ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه ~~وعميم إحسانه، فقال { والله غفور رحيم } ففيها أعظم بشارة بأن ~~رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة ~~الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين ~~أحدهما دال على ms0222 الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما ~~يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال ~~بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده ~~الصالحين. # تم السفر الأول من هذا التفسير المبارك بيسر من الله وإعانة، فله الحمد ~~والشكر والثناء، وأسأله المزيد من فضله وكرمه وإحسانه، ويليه المجلد ~~الثاني، أوله قول الباري جل جلاله { يأيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة } الآية وذلك في تسع ~~وعشرين من شهر ربيع الأول من سنة 1343 ثلاث وأربعين وثلاث مئة وألف من ~~الهجرة النبوية وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا بقلم جامعه عبد ~~الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وإخوانه ~~المسلمين، والحمد لله رب العالمين. المجلد الثاني من تيسير الكريم المنان ~~في تفسير كلام الرحمن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد ~~الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين. بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ~~وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم تسليما كثيرا قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة واتقوا ~~الله لعلكم... }. ### || [3.130-136] # تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي ~~في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه - أولا - أن ~~يعرف حده، وما هو الذي أمر به، ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك ~~اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، ~~وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد ~~واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية ~~والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من ms0223 خصال الخير، ~~أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على ~~تركها. ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة " أحد " ~~أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا ~~نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120]. ثم قال: # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم # الآيات [آل عمران: 125]. فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، ~~التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال ~~التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل ~~على ما قلنا أن الله ذكر لفظ " التقوى " في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة ~~مطلقة وهي قوله: { أعدت للمتقين } ومرتين مقيدتين، فقال: { ~~واتقوا الله } { واتقوا النار } فقوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا } كل ما في القرآن من قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا } افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن ~~الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي ~~لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال ~~الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل ~~الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا حل الدين على المعسر ~~ولم يحصل منه شيء، قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن نزيد ~~في المدة، ويزيد ما في ذمتك، فيضطر الفقير ويستدفع غريمه ويلتزم ذلك، ~~اغتناما لراحته الحاضرة، فيزداد - بذلك - ما في ذمته أضعافا مضاعفة، من ~~غير نفع وانتفاع. ففي قوله: { أضعفا مضعفة } تنبيه على شدة ~~شناعته بكثرته، وتنبيه لحكمة تحريمه، وأن تحريم الربا حكمته أن الله منع ~~منه لما فيه من الظلم. وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر، وبقاء ما في ذمته ~~من غير زيادة، فإلزامه بما فوق ذلك ظلم متضاعف، فيتعين على المؤمن المتقي ~~تركه وعدم قربانه، لأن تركه من موجبات التقوى. ms0224 # والفلاح متوقف على التقوى، فلهذا قال: { واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين } بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف ~~درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصا المعاصي الكبار- تجر إلى الكفر، بل ~~هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من ~~النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول ~~الجنان، وحصول الرحمة، ولهذا قال: { وأطيعوا الله والرسول } ~~بفعل الأوامر امتثالا، واجتناب النواهي { لعلكم ترحمون }. ~~فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب حصول الرحمة كما قال تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة # [الأعراف: 156] الآيات. ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك ~~جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها، التي أعدها الله للمتقين، ~~فهم أهلها وأعمال التقوى هي الموصلة إليها، ثم وصف المتقين وأعمالهم، ~~فقال: { الذين ينفقون في السرآء والضرآء } أي: في ~~حال عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم يحتقروا من ~~المعروف شيئا ولو قل. { والكاظمين الغيظ } أي: إذا حصل لهم من ~~غيرهم أذية توجب غيظهم - وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام ~~بالقول والفعل-، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في ~~القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. { والعافين عن ~~الناس } يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو ~~فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن ~~المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق ~~الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا ~~إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه ~~الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40]. ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي ~~الإحسان، فقال [تعالى]: { والله يحب المحسنين } والإحسان ~~نوعان: الإحسان في عبادة الخالق. [والإحسان إلى المخلوق، فالإحسان في ~~عبادة الخالق]. فسرها النبي صلى الله عليه وسلم ms0225 بقوله: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع ~~الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن ~~المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي ~~في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على ~~اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، ~~واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه ~~الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده. # ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم، فقال: { والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } أي: صدر منهم أعمال ~~[سيئة] كبيرة، أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ~~ربهم، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، ~~والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، فلهذا قال: { ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }. { أولئك } ~~الموصوفون بتلك الصفات { جزآؤهم مغفرة من ربهم } تزيل ~~عنهم كل محذور { وجنات تجري من تحتها الأنهار } فيها من ~~النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور ~~والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات ~~في تلك المساكن الطيبات، { خالدين فيها } لا يحولون عنها، ولا ~~يبغون بها بدلا ولا يغير ما هم فيه من النعيم، { ونعم أجر ~~العاملين } عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا ف " عند الصباح يحمد ~~القوم السرى " وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا. وهذه الآيات ~~الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تدخل في الإيمان، ~~خلافا للمرجئة، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية، التي في سورة الحديد، ~~نظير هذه الآيات، وهي قوله تعالى: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله # [الحديد: 21] فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قال: { ~~أعدت للمتقين }. ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية ~~والبدنية، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك ~~المؤمنون. ### || [3.137-138] # وهذه الآيات الكريمات، وما ms0226 بعدها في قصة " أحد " يعزي تعالى عباده ~~المؤمنين ويسليهم، ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم كثيرة، امتحنوا، ~~وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين، فلم يزالوا في مداولة ومجاولة، حتى ~~جعل الله العاقبة للمتقين، والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصلت ~~الدولة على المكذبين، وخذلهم الله بنصر رسله وأتباعهم. { فسيروا في ~~الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين } فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات ~~الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، وزال ~~بذخهم وفخرهم، أفليس في هذا أعظم دليل، وأكبر شاهد على صدق ما جاءت به ~~الرسل؟!! وحكمة الله التي يمتحن بها عباده، ليبلوهم ويتبين صادقهم من ~~كاذبهم، ولهذا قال تعالى: { هذا بيان للناس } أي: دلالة ~~ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو ~~الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين. { وهدى وموعظة ~~للمتقين } لأنهم هم المنتفعون بالآيات فتهديهم إلى سبيل الرشاد، ~~وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، وأما باقي الناس فهي بيان لهم، تقوم [به] ~~عليهم الحجة من الله، ليهلك من هلك عن بينة. ويحتمل أن الإشارة في قوله: ~~{ هذا بيان للناس } للقرآن العظيم، والذكر الحكيم، وأنه بيان ~~للناس عموما، وهدى وموعظة للمتقين خصوصا، وكلا المعنيين حق. ### || [3.139-143] # يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم، ومنهضا لهممهم: ~~{ ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ~~ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن ~~الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم ~~عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال ~~عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون ~~في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من ~~الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال [تعالى]: { ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }. ثم سلاهم بما ~~حصل لهم من الهزيمة، وبين الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { ~~إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } ~~فأنتم وإياهم ms0227 قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما ~~قال تعالى: # إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون # [النساء: 104]. ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن ~~والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه ~~الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا ~~بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. { وليعلم الله ~~الذين آمنوا } هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة ~~والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في ~~جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض ~~أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء ~~والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك. { ويتخذ منكم شهدآء ~~} وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا ~~سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده ~~المؤمنين، أن قيض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من ~~المنازل العالية والنعيم المقيم، { والله لا يحب الظالمين ~~} الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا ~~بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله. # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين # [التوبة: 46]. { وليمحص الله الذين آمنوا } وهذا أيضا ~~من الحكم أن الله يمحص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، يدل ذلك على أن ~~الشهادة والقتال في سبيل الله يكفر الذنوب، ويزيل العيوب، وليمحص الله ~~أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين، فيتخلصون منهم، ويعرفون المؤمن من ~~المنافق، ومن الحكم أيضا أنه يقدر ذلك، ليمحق الكافرين، أي: ليكون سببا ~~لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة، فإنهم إذا انتصروا، بغوا، وازدادوا طغيانا ~~إلى طغيانهم، يستحقون به المعاجلة بالعقوبة، رحمة بعباده المؤمنين. # ثم قال تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ~~} هذا استفهام ms0228 إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من ~~دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى ~~المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، ~~والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك ~~النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله ~~عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تؤول إليه، تنقلب عند ~~أرباب البصائر منحا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء. ثم وبخهم تعالى على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ويودون حصوله، ~~فقال: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن ~~تلقوه } وذلك أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم ممن فاته بدر ~~يتمنون أن يحضرهم الله مشهدا يبذلون فيه جهدهم، قال الله [تعالى] لهم: { ~~فقد رأيتموه } أي: رأيتم ما تمنيتم بأعينكم { وأنتم ~~تنظرون } فما بالكم وترك الصبر؟ هذه حالة لا تليق ولا تحسن، خصوصا ~~لمن تمنى ذلك، وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بذل الجهد، واستفراغ ~~الوسع في ذلك. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه ~~الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر ~~عليهم عدم العمل بمقتضاها، والله أعلم. ### || [3.144-145] # يقول تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل } أي: ليس ببدع من الرسل، بل هو من جنس الرسل الذين قبله، ~~وظيفتهم تبليغ رسالات ربهم وتنفيذ أوامره، ليسوا بمخلدين، وليس بقاؤهم ~~شرطا في امتثال أوامر الله، بل الواجب على الأمم عبادة ربهم في كل وقت ~~وبكل حال، ولهذا قال: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم } بترك ما جاءكم من إيمان أو جهاد، أو غير ذلك. قال [الله] ~~تعالى: { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا } إنما يضر نفسه، وإلا فالله تعالى غني عنه، وسيقيم دينه، ويعز ~~عباده المؤمنين، فلما وبخ تعالى من انقلب على عقبيه، مدح من ثبت مع ~~رسوله، وامتثل أمر ms0229 ربه، فقال: { وسيجزي الله الشاكرين } ~~والشكر لا يكون إلا بالقيام بعبودية الله تعالى في كل حال. وفي هذه الآية ~~الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن ~~إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقد رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في ~~كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام ~~به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، ~~بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم ~~أمرهم، وتستقيم أمورهم. وفي هذه الآية أيضا أعظم دليل على فضيلة الصديق ~~الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لأنهم هم سادات الشاكرين. ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها ~~متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتم عليه بالقدر أن يموت، ~~مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من الأسباب كل سبب، لم يضره ~~ذلك قبل بلوغ أجله، وذلك أن الله قضاه وقدره وكتبه إلى أجل مسمى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34]. ثم أخبر تعالى أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ما ~~تعلقت به إراداتهم، فقال: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته ~~منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها }. قال الله ~~تعالى: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم ~~على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 20-21]. { وسنجزي الشكرين } ولم يذكر جزاءهم ليدل ~~ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلة وكثرة ~~وحسنا. ### || [3.146-148] # هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر ~~قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية بذلك، فقال: { وكأين من ~~نبي } أي: وكم من نبي { قاتل معه ربيون كثير } أي: ~~جماعات كثيرون من أتباعهم، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال ~~الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك. { فما وهنوا لمآ ~~أصابهم ms0230 في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } ~~أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا، أي: ذلوا لعدوهم، ~~بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: { والله يحب ~~الصابرين }. ثم ذكر قولهم واستنصارهم لربهم، فقال: { وما كان ~~قولهم } أي: في تلك المواطن الصعبة { قولهم إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في ~~أمرنا } والإسراف: هو مجاوزة الحد إلى ما حرم، علموا أن الذنوب ~~والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ~~ربهم مغفرتها. ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر، بل ~~اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، ~~وأن ينصرهم عليهم، فجمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار، ~~والاستنصار بربهم، لا جرم أن الله نصرهم، وجعل لهم العاقبة في الدنيا ~~والآخرة، ولهذا قال: { فآتاهم الله ثواب الدنيا } من النصر ~~والظفر والغنيمة، { وحسن ثواب الآخرة } وهو الفوز برضا ربهم، ~~والنعيم المقيم الذي قد سلم من جميع المنكدات، وما ذاك إلا أنهم أحسنوا ~~له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء، فلهذا قال: { والله يحب ~~المحسنين } في عبادة الخالق ومعاملة الخلق، ومن الإحسان أن يفعل ~~عند جهاد الأعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين. ### || [3.149-151] # وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، ~~فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم [قصدهم] ردهم إلى الكفر ~~الذي عاقبته الخيبة والخسران. ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار ~~لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور. ~~وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد، فمن ~~ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين ~~الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى. ~~وذلك أن المشركين - بعدما انصرفوا من وقعة " أحد " - تشاوروا بينهم، ~~وقالوا: كيف ننصرف، بعد أن قتلنا منهم من قتلنا، وهزمناهم ولما نستأصلهم؟ ~~فهموا بذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فانصرفوا خائبين، ولا شك أن ms0231 هذا ~~من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباده المؤمنين لا يخرج عن أحد ~~أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، ~~وهذا من الثاني. ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، ~~فقال: { بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~} أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام، التي اتخذوها على ~~حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية ~~الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوبا من المؤمنين، لا يعتمد على ركن ~~وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، وأما في الآخرة ~~فأشد وأعظم، ولهذا قال: { ومأواهم النار } أي: مستقرهم الذي ~~يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، { وبئس مثوى الظالمين } ~~بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم. ### || [3.152] # أي: { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر، فنصركم عليهم، ~~حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا، حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا ~~لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور { ~~وتنازعتم في الأمر } الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم ~~الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق ~~محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو ~~انخذال أعدائكم لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب، أعظم من غيره. ~~فالواجب في هذه الحال خصوصا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله. ~~{ منكم من يريد الدنيا } وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب، { ~~ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا. { ثم صرفكم عنهم } أي: ~~بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه لعدوكم، ~~ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من ~~العاصي، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال: { ~~ولقد عفا عنكم والله ذو ms0232 فضل على المؤمنين } ~~أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث من عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا ~~عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر ~~عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا ~~جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين. ### || [3.153-154] # يذكرهم تعالى حالهم في وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك، فقال: ~~{ إذ تصعدون } أي: تجدون في الهرب { ولا تلوون على أحد ~~} أي: لا يلوي أحد منكم على أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم هم إلا ~~الفرار والنجاء عن القتال. والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، إذ لستم آخر ~~الناس مما يلي الأعداء، ويباشر الهيجاء، بل { والرسول يدعوكم ~~في أخركم } أي: مما يلي القوم يقول: " إلي عباد الله " ، فلم ~~تلتفتوا إليه، ولا عرجتم عليه، فالفرار نفسه موجب للوم، ودعوة الرسول ~~الموجبة لتقديمه على النفس، أعظم لوما بتخلفكم عنها، { فأثبكم ~~} أي: جازاكم على فعلكم { غما بغم } أي: غما يتبع غما، غم بفوات ~~النصر وفوات الغنيمة، وغم بانهزامكم، وغم أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل. ولكن الله - بلطفه وحسن نظره لعباده - ~~جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرا لهم، فقال: { لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم } من النصر والظفر، { ولا مآ ~~أصبكم } من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي ~~عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، ~~وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته بأعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا ~~قال: { والله خبير بما تعملون }. ويحتمل أن معنى قوله: { ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصبكم } ~~يعني: أنه قدر ذلك الغم والمصيبة عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على ~~الصبر على المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات: { ثم أنزل ~~عليكم من بعد الغم } الذي أصابكم { أمنة نعاسا ~~يغشى طآئفة منكم }. ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت ~~لقلوبهم، ms0233 وزيادة طمأنينة لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من ~~الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس. وهذه الطائفة التي ~~أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين ~~الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين. وأما الطائفة الأخرى ~~الذين { قد أهمتهم أنفسهم } فليس لهم هم في غيرها، ~~لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، { ~~يقولون هل لنا من الأمر من شيء } وهذا استفهام إنكاري، ~~أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر والظهور- شيء، فأساؤوا الظن بربهم وبدينه ~~ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة ~~والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: { قل إن الأمر ~~كله لله } الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء ~~بقضاء الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى ~~عليهم ما جرى. # { يخفون } يعني المنافقين { في أنفسهم ما لا يبدون ~~لك } ثم بين الأمر الذي يخفونه، فقال: { يقولون لو كان لنا ~~من الأمر شيء } أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة { ما ~~قتلنا ههنا } وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم ~~لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، ~~فرد الله عليهم بقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم } التي هي ~~أبعد شيء عن مظان القتل { لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم } فالأسباب - وإن عظمت - إنما تنفع إذا ~~لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن ~~يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، { وليبتلي ~~الله ما في صدوركم } أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف ~~إيمان، { وليمحص ما في قلوبكم } من وساوس الشيطان، وما ~~تأثر عنها من الصفات غير الحميدة. { والله عليم بذات ~~الصدور } أي: بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه وحكمته أن قدر من ~~الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور. ### || [3.155] # يخبر تعالى عن ms0234 حال الذين انهزموا يوم " أحد " وما الذي أوجب لهم الفرار، ~~وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه ~~على أنفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لأنها مركبه ومدخله، فلو ~~اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان. قال تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الإسراء: 65] ثم أخبر أنه عفا عنهم بعدما فعلوا ما يوجب المؤاخذة، وإلا ~~فلو واخذهم لاستأصلهم. { إن الله غفور } للمذنبين الخطائين بما ~~يوفقهم له من التوبة والاستغفار، والمصائب المكفرة، { حليم } لا يعاجل ~~من عصاه، بل يستأني به، ويدعوه إلى الإنابة إليه، والإقبال عليه. ثم إن ~~تاب وأناب قبل منه، وصيره كأنه لم يجر منه ذنب، ولم يصدر منه عيب، فلله ~~الحمد على إحسانه. ### || [3.156-158] # ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين، الذين لا يؤمنون بربهم، ~~ولا بقضائه وقدره، من المنافقين وغيرهم. ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، ~~وفي هذا الأمر الخاص وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: { ~~إذا ضربوا في الأرض } أي: سافروا للتجارة { أو كانوا ~~غزى } أي: غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يعارضون القدر ويقولون: # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } وهذا كذب ~~منهم، فقد قال تعالى: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم # [آل عمران: 154] ولكن هذا التكذيب لم يفدهم، إلا أن الله يجعل هذا ~~القول، وهذه العقيدة حسرة في قلوبهم، فتزداد مصيبتهم، وأما المؤمنون ~~بالله فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله، فيؤمنون ويسلمون، فيهدي الله ~~قلوبهم ويثبتها، ويخفف بذلك عنهم المصيبة. قال الله ردا عليهم: { ~~والله يحيي ويميت } أي: هو المنفرد بذلك، فلا يغني حذر عن ~~قدر. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بأعمالكم ~~وتكذيبكم. ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيله أو الموت فيه، ليس فيه نقص ~~ولا محذور، وإنما هو مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، لأنه سبب مفض ~~وموصل إلى مغفرة الله ورحمته، وذلك خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم. ~~وأن الخلق أيضا إذا ms0235 ماتوا أو قتلوا بأي حالة كانت، فإنما مرجعهم إلى ~~الله، ومآلهم إليه، فيجازي كلا بعمله، فأين الفرار إلا إلى الله، وما ~~للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله؟ ### || [3.159] # أي: برحمة الله لك ولأصحابك، من الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت ~~لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، ~~وامتثلوا أمرك. { ولو كنت فظا } أي: سيئ الخلق { غليظ ~~القلب } أي: قاسيه، { لانفضوا من حولك } لأن هذا ينفرهم ~~ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ. فالأخلاق الحسنة من الرئيس في ~~الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح ~~والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، ~~وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم ~~يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم ~~المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى ~~الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، ~~وجذبا لعباد الله لدين الله. ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر ~~منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في ~~حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان. { وشاورهم في الأمر } أي: ~~الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد ~~والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن المشاورة من ~~العبادات المتقرب بها إلى الله. ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة ~~لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس - إذا جمع ~~أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث - اطمأنت نفوسهم وأحبوه، ~~وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة ~~للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، ~~بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن ~~أطاعوه فطاعة غير تامة. ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب ~~إعمالها فيما وضعت له، فصار في ms0236 ذلك زيادة للعقول. ومنها: ما تنتجه ~~الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ ~~أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله ~~عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا، وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: { ~~وشاورهم في الأمر } فكيف بغيره؟! ثم قال تعالى: { فإذا ~~عزمت } أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى ~~استشارة { فتوكل على الله } أي: اعتمد على حول الله وقوته، ~~متبرئا من حولك وقوتك، { إن الله يحب المتوكلين } ~~عليه، اللاجئين إليه. ### || [3.160] # أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته { فلا غالب لكم } فلو اجتمع ~~عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعدد، لأن الله لا مغالب له، ~~وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا ~~بإذنه. { وإن يخذلكم } ويكلكم إلى أنفسكم { فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده } فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق. ~~وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول ~~والقوة، ولهذا قال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ~~بتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد ~~علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد ~~على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار. وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على ~~الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله. ### || [3.161] # الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، [والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان] ~~وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة ~~وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، ~~لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى ~~أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا، ~~وأطهرهم نفوسا، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ~~ومعدن حكمته # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل ~~أمر يقدح ms0237 فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن ~~معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل ~~منهم، فقال: { وما كان لنبي أن يغل } أي: يمتنع ذلك ~~ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: { ~~ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } أي: يأت به ~~حامله على ظهره، حيوانا كان أو متاعا، أو غير ذلك، ليعذب به يوم ~~القيامة، { ثم توفى كل نفس ما كسبت } الغال وغيره، ~~كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، { وهم لا يظلمون } أي: لا ~~يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئا من حسناتهم، وتأمل حسن هذا الاحتراز ~~في هذه الآية الكريمة. لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما ~~غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم ~~-بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ~~ولغيره. ### || [3.162-163] # يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، ~~كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في ~~حكم الله، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله. # أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون # [السجدة: 18] ولهذا قال هنا: { هم درجت عند الله } أي: كل ~~هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم. فالمتبعون ~~لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم ~~الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في ~~النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله، والله تعالى بصير ~~بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح ~~المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها. ### || [3.164] # هذه المنة التي امتن الله بها على عباده، أكبر النعم، بل أصلها، وهي ~~الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة، ~~وعصمهم به من الهلكة، فقال: { لقد من الله على المؤمنين ~~إذ بعث ms0238 فيهم رسولا من أنفسهم } يعرفون نسبه، وحاله، ~~ولسانه، من قومهم وقبيلتهم، ناصحا لهم، مشفقا عليهم، يتلو عليهم آيات ~~الله، يعلمهم ألفاظها ومعانيها. { ويزكيهم } من الشرك، والمعاصي، ~~والرذائل، وسائر مساوئ الأخلاق. و { ويعلمهم الكتاب } إما ~~جنس الكتاب الذي هو القرآن، فيكون قوله: { يتلوا عليهم آياته ~~} المراد به الآيات الكونية، أو المراد بالكتاب -هنا- الكتابة، فيكون قد ~~امتن عليهم، بتعليم الكتاب والكتابة، التي بها تدرك العلوم وتحفظ، { ~~والحكمة } هي: السنة، التي هي شقيقة القرآن، أو وضع الأشياء ~~مواضعها، ومعرفة أسرار الشريعة. فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفذ ~~الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع ~~المخلوقين، وكانوا من العلماء الربانيين، { وإن كانوا من قبل } ~~بعثة هذا الرسول { لفي ضلال مبين } لا يعرفون الطريق الموصل إلى ~~ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما زين لهم جهلهم فعلوه، ولو ناقض ~~ذلك عقول العالمين. ### || [3.165-168] # هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم " ~~أحد " ، وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم { قد أصبتم } من ~~المشركين { مثليها } يوم بدر فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، ~~فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإن ~~قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. { قلتم أنى هذا } أي: من ~~أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ { قل هو من عند أنفسكم } حين ~~تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، ~~واحذروا من الأسباب المردية. { إن الله على كل شيء ~~قدير } فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم ~~الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم. # ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض # [محمد: 4]. ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع ~~المشركين في " أحد " من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد ~~له ولا بد من وقوعه. والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، ~~وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، ~~الذين ms0239 لما أمروا بالقتال، { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في ~~سبيل الله } أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، ~~{ أو ادفعوا } عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ~~ذلك واعتذروا بأن { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ~~} أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. ~~قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق ~~والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما ~~يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في ~~بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير ~~بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا ~~لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر، يروج على ~~المؤمنين، قال تعالى: { هم للكفر يومئذ } أي: في تلك الحال ~~التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين { يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } ~~وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم ~~وسرائرهم. ومنه قولهم: { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } ~~فإنهم قد علموا وقوع القتال. ويستدل بهذه الآية على قاعدة " ارتكاب أخف ~~المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما " [لأن ~~المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال ~~والأوطان] { والله أعلم بما يكتمون } فيبديه لعباده ~~المؤمنين، ويعاقبهم عليه. ثم قال تعالى: { الذين قالوا ~~لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا } أي: جمعوا ~~بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره، قال ~~الله ردا عليهم: { قل فادرءوا } أي: ادفعوا { عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين } إنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا ~~تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه. وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون ~~فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى. ### || [3.169-171] # هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما من الله عليهم ~~به من فضله وإحسانه، وفي ms0240 ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، ~~وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: { ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } أي: في جهاد ~~أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله { أمواتا } أي: لا يخطر ~~ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع ~~بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. { بل ~~} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم { أحياء عند ~~ربهم } في دار كرامته. ولفظ: { عند ربهم } يقتضي علو درجتهم، ~~وقربهم من ربهم، { يرزقون } من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا ~~من أنعم به عليهم، ومع هذا { فرحين بمآ آتاهم الله من ~~فضله } أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك ~~لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع ~~الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من ~~فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا { ويستبشرون بالذين ~~لم يلحقوا بهم من خلفهم } أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول ~~إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، { ألا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم ~~وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور، { يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل } أي: يهنىء بعضهم بعضا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ~~ربهم، وفضله، وإحسانه، { وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين } بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه ~~سعيهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ~~ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم ~~بعضا. ### || [3.172-175] # لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من " أحد " إلى المدينة، وسمع أن أبا ~~سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى ~~الخروج، فخرجوا - على ما بهم من الجراح - استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ~~ولرسوله، فوصلوا إلى " حمراء الأسد " ، وجاءهم من جاءهم وقال لهم: { ~~إن الناس قد جمعوا لكم } وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم ~~وترهيبا، ms0241 فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه. { وقالوا ~~حسبنا الله } أي: كافينا كل ما أهمنا { ونعم الوكيل } ~~المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم. { فانقلبوا } أي: ~~رجعوا { بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء }. ~~وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف ~~منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع ~~المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث من عليهم بالتوفيق للخروج بهذه ~~الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب ~~إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله ~~عليهم ثم قال تعالى: { إنما ذلكم الشيطن يخوف ~~أولياءه } أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، ~~داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. { ~~فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } أي: فلا ~~تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا ~~بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته. ~~وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر ~~إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم ~~الله. ### || [3.176-177] # كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم، ~~وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: { ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه { ~~إنهم لن يضروا الله شيئا } فالله ناصر دينه، ومؤيد ~~رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون ~~في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، ~~من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في ~~الآخرة من ثوابه. خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن أراد به ~~خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين ~~للرشاد، لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم. ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على ms0242 ~~الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من ~~السلع { لن يضروا الله شيئا } بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ~~ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم } وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد ~~زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله ~~غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم، وأعد له -ممن ~~ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال ~~الله تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا # [الإسراء: 107] الآيات. ### || [3.178] # أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا ~~إياهم في هذه الدنيا، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ~~ومحبة منا لهم. كلا، ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله بهم، ~~وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم، ولهذا قال: { أنما نملي لهم ~~خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين } فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، ~~ويترادف كفرانه، حتى إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من ~~الإمهال، ولا يظنوا أن يفوتوا الكبير المتعال. ### || [3.179] # أي: ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط ~~وعدم التميز، حتى يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، والصادق من ~~الكاذب. ولم يكن في حكمته أيضا أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من ~~عباده، فاقتضت حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز ~~الخبيث من الطيب، من أنواع الابتلاء والامتحان، فأرسل [الله] رسله، وأمر ~~بطاعتهم، والانقياد لهم، والإيمان بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر ~~العظيم. فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين ~~ومنافقين، ومسلمين وكافرين، ليرتب على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله ~~وفضله، وحكمته لخلقه. ### || [3.180] # أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، ~~من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم ms0243 به، ~~وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على ~~عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم ~~وآجلهم { سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } أي: ~~يجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح، # " إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يأخذ ~~بلهزمتيه يقول: أنا مالك، أنا كنزك " # وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق ذلك، هذه الآية. فهؤلاء حسبوا ~~أن بخلهم نافعهم، ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارهم، ~~وسبب عقابهم. { ولله ميراث السموت والأرض } أي: هو ~~تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من ~~الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال. قال تعالى: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # [مريم: 40] وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل ~~واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله. أخبر أولا: أن الذي عنده ~~وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكا للعبد، بل لولا فضل الله عليه ~~وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه ولأن ~~إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص: 77]. فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا ~~يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات. ثم ذكر ~~ثانيا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها تعالى، وهو ~~خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك. ثم ذكر ~~ثالثا: السبب الجزائي، فقال: { والله بما تعملون خبير } ~~فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، ~~والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق ~~الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب. ### || [3.181-182] # يخبر تعالى، عن قول هؤلاء المتمردين، ms0244 الذين قالوا أقبح المقالة وأشنعها، ~~وأسمجها، فأخبر أنه قد سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه، مع أفعالهم ~~الشنيعة، وهو: قتلهم الأنبياء الناصحين، وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد ~~العقوبة، وأنه يقال لهم -بدل قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء- { ذوقوا ~~عذاب الحريق } المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة، وأن عذابهم ~~ليس ظلما من الله لهم، فإنه { ليس بظلام للعبيد } فإنه ~~منزه عن ذلك، وإنما ذلك بما قدمت أيديهم من المخازي والقبائح، التي أوجبت ~~استحقاقهم العذاب، وحرمانهم الثواب. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت ~~في قوم من اليهود، تكلموا بذلك، وذكروا منهم " فنحاص بن عازوراء " من ~~رؤساء علماء اليهود في المدينة، وأنه لما سمع قول الله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] # وأقرضوا الله قرضا حسنا # [الحديد: 18] قال: -على وجه التكبر والتجرهم- هذه المقالة قبحه الله، ~~فذكرها الله عنهم، وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم، بل قد سبق لهم من ~~الشنائع ما هو نظير ذلك، وهو: { وقتلهم الأنبياء بغير ~~حق } هذا القيد يراد به، أنهم تجرأوا على قتلهم مع علمهم بشناعته، لا ~~جهلا وضلالا بل تمردا وعنادا. ### || [3.183-184] # يخبر تعالى عن حال هؤلاء المفترين القائلين: { إن الله عهد ~~إلينا } أي: تقدم إلينا وأوصى، { ألا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بقربان تأكله النار } فجمعوا بين الكذب على ~~الله، وحصر آية الرسل بما قالوه، من هذا الإفك المبين، وأنهم إن لم ~~يؤمنوا برسول لم يأتهم بقربان تأكله النار، فهم -في ذلك- مطيعون لربهم، ~~ملتزمون عهده، وقد علم أن كل رسول يرسله الله، يؤيده من الآيات ~~والبراهين، ما على مثله آمن البشر، ولم يقصرها على ما قالوه، ومع هذا فقد ~~قالوا إفكا لم يلتزموه، وباطلا لم يعملوا به، ولهذا أمر الله رسوله أن ~~يقول لهم: { قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات } ~~الدالات على صدقهم { وبالذي قلتم } بأن أتاكم بقربان تأكله ~~النار { فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين } أي: في دعواهم ~~الإيمان برسول يأتي بقربان تأكله النار، فقد تبين بهذا كذبهم، وعنادهم ~~وتناقضهم. ثم سلى رسوله ms0245 صلى الله عليه وسلم، فقال: { فإن كذبوك ~~فقد كذب رسل من قبلك } أي: هذه عادة الظالمين، ودأبهم ~~الكفر بالله، وتكذيب رسل الله وليس تكذيبهم لرسل الله، عن قصور ما أتوا ~~به، أو عدم تبين حجة، بل قد { جآءوا بالبينات } أي: الحجج ~~العقلية، والبراهين النقلية، { والزبر } أي: الكتب المزبورة المنزلة ~~من السماء، التي لا يمكن أن يأتي بها غير الرسل. { والكتاب ~~المنير } للأحكام الشرعية، وبيان ما اشتملت عليه من المحاسن العقلية، ~~ومنير أيضا للأخبار الصادقة، فإذا كان هذا عادتهم في عدم الإيمان بالرسل، ~~الذين هذا وصفهم، فلا يحزنك أمرهم، ولا يهمنك شأنهم. ### || [3.185] # هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها ~~متاع الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ~~ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه ~~الدار، من خير وشر. { فمن زحزح } أي: أخرج، { عن النار ~~وأدخل الجنة فقد فاز } أي: حصل له الفوز العظيم من العذاب ~~الأليم، والوصول إلى جنات النعيم، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ومفهوم الآية، أن من لم يزحزح عن النار ويدخل ~~الجنة، فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي. ~~وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون ~~فيه بعض الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه، يفهم هذا من ~~قوله: { وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } أي: ~~توفية الأعمال التامة، إنما يكون يوم القيامة، وأما ما دون ذلك فيكون في ~~البرزخ، بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر # [السجدة: 21]. ### || [3.186] # يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة ~~والمستحبة، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله، وفي أنفسهم من التكليف ~~بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس، كالجهاد في سبيل الله، ~~والتعرض فيه للتعب والقتل والأسر والجراح، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه، ~~أو فيمن يحب. { ولتسمعن ms0246 من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } من الطعن ~~فيكم، وفي دينكم وكتابكم ورسولكم. وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك، عدة ~~فوائد: منها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك، ليتميز المؤمن الصادق من غيره. ~~ومنها: أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور، لما يريده بهم من الخير ليعلي ~~درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فإنه ~~إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر # قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما # [الأحزاب: 22]. ومنها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، ~~والصبر عليه إذا وقع لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف ~~عليهم مؤنته، ويلجأون إلى الصبر والتقوى، ولهذا قال: { وإن تصبروا ~~وتتقوا } أي: إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم، من ~~الابتلاء والامتحان وعلى أذية الظالمين، وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن ~~تنووا به وجه الله والتقرب إليه، ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من ~~الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال، بل وظيفتكم فيه الانتقام من ~~أعداء الله. { فإن ذلك من عزم الأمور } أي: من الأمور ~~التي يعزم عليها، وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم ~~العالية كما قال تعالى: # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # [فصلت: 35]. ### || [3.187-188] # الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل ~~من أعطاه [الله] الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما ~~علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما ~~يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح ~~الحق من الباطل. فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس ~~مما علمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفا من إثم ~~الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، ~~فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، ~~وأظهروا الباطل، تجرؤا ms0247 على محارم الله، وتهاونا بحقوق الله، وحقوق ~~الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا، وهو ما يحصل لهم إن حصل من ~~بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدمين ~~شهواتهم على الحق، { فبئس ما يشترون } لأنه أخس العوض، والذي ~~رغبوا عنه - وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية ~~والدنيوية - أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا ~~العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا ~~له. ثم قال تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ ~~أتوا } أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي. { ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا } أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق ~~الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا ~~على فعل الخير الذي ما فعلوه. { فلا تحسبنهم بمفازة من ~~العذاب } أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه، وسيصيرون إليه، ~~ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم }. ويدخل في هذه الآية الكريمة ~~أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا ~~أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو ~~فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل، كما هو الواقع من ~~أهل البدع. ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما ~~فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه ~~غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها ~~المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، ~~كما قال إبراهيم عليه السلام: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] وقال: # سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي ~~المحسنين # [الصافات: 79-80] وقد قال عباد الرحمن: # واجعلنا للمتقين إماما # [الفرقان: 74] وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر. ### || [3.189] # أي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق، المتصرف ~~فيهم بكمال القدرة، وبديع الصنعة، فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا ms0248 يعجزه ~~أحد. ### || [3.190-194] # يخبر تعالى: { إن في خلق السموت والأرض واختلاف ~~اليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وفي ضمن ذلك حث ~~العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: { ~~آيات } ولم يقل: " على المطلب الفلاني " إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك ~~لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب ~~أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما ~~تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي ~~الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة ~~خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع ~~الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة ~~علمه. وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، ~~وشمول بره، ووجوب شكره. وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، ~~وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم ~~أهل العقول لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم. ~~ثم وصف أولي الألباب بأنهم { يذكرون الله } في جميع أحوالهم: { ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ~~بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن ~~لم يستطع فعلى جنب، وأنهم { ويتفكرون في خلق السموت ~~والأرض } أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر ~~عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم ~~يخلقها عبثا، فيقولون: { ربنآ ما خلقت هذا باطلا ~~سبحانك } عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة ~~على الحق. { فقنا عذاب النار } بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا ~~للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار. ويتضمن ذلك سؤال الجنة، ~~لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف ~~بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم، { ربنآ إنك من تدخل ms0249 ~~النار فقد أخزيته } أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ~~ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها، ~~ولهذا قال: { وما للظالمين من أنصار } ينقذونهم من عذابه، ~~وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم. { ربنآ إننآ سمعنا ~~مناديا ينادي للإيمان } وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أي: ~~يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيه، في أصوله وفروعه. { فآمنا } أي: ~~أجبناه مبادرة، وسارعنا إليه، وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم، وتبجح ~~بنعمته، وتوسل إليه بذلك، أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم، لأن الحسنات ~~يذهبن السيئات، والذي من عليهم بالإيمان، سيمن عليهم بالأمان التام. { ~~وتوفنا مع الأبرار } يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، ~~وترك الشر، الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى ~~الممات. ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام ~~النعمة، سألوه الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله ~~من النصر، والظهور في الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، ~~فإنه تعالى لا يخلف الميعاد، فأجاب الله دعاءهم، وقبل تضرعهم، فلهذا قال: ~~{ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم... }. ### || [3.195] # أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا، ~~{ بعضكم من بعض } أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب، { ~~فالذين هاجروا وأخرجوا من ديرهم وأوذوا في ~~سبيلي وقتلوا وقتلوا } فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ~~ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في ~~سبيل الله. { لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم ~~جنت تجري من تحتها الأنهر ثوابا من عند ~~الله } الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل. { والله ~~عنده حسن الثواب } مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر ~~عليه العبد. ### || [3.196-198] # وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، ~~وتنعمهم فيها، وتقلبهم في ms0250 البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، ~~وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله { متاع قليل } ~~ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه ~~أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه. وأما المتقون لربهم، ~~المؤمنون به- فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها { لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها }. فلو قدر أنهم في ~~دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس وشدة، وعناء ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى ~~النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور، والبهجة نزرا يسيرا، ~~ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى: { وما عند الله خير ~~للأبرار } وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم ~~البر الرحيم من بره أجرا عظيما، وعطاء جسيما، وفوزا دائما. ### || [3.199-200] # أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما ~~أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل ~~والكتب، ويكفر ببعض. ولهذا - لما كان إيمانهم عاما حقيقيا - صار ~~نافعا، فأحدث لهم خشية الله، وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ~~ونواهيه، والوقوف عند حدوده. وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما ~~قال تعالى: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] ومن تمام خشيتهم لله، أنهم { لا يشترون بآيت ~~الله ثمنا قليلا } فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل ~~الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا، وأما هؤلاء ~~فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن ~~الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو: أكبر حظ ~~وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه، ودعوا إليه، وحذروا عن ~~الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل، والثواب الجميل، ~~وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطؤون ما وعدهم الله، لأن ما هو ~~آت محقق حصوله، فهو قريب. ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - ~~وهو: الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، ~~الذي هو حبس النفس ms0251 على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، ~~وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. والمصابرة ~~أي الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع ~~الأحوال. والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن ~~يراقبوا أعداءهم، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون ~~بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك. فعلم من هذا ~~أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم ~~يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها. ~~والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة ~~الأرحام، والحث على ذلك. وبين السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن ~~الموجب لتقواه لأنه { ربكم الذي خلقكم } ورزقكم، ورباكم ~~بنعمه العظيمة، التي من جملتها خلقكم { من نفس واحدة وخلق ~~منها زوجها } ليناسبها، فيسكن إليها، وتتم بذلك النعمة، ويحصل به ~~السرور، وكذلك من الموجب الداعي لتقواه تساؤلكم به وتعظيمكم، حتى إنكم ~~إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم، توسلتم لها بالسؤال بالله. فيقول من ~~يريد ذلك لغيره: أسألك بالله أن تفعل الأمر الفلاني لعلمه بما قام في ~~قلبه من تعظيم الله الداعي أن لا يرد من سأله بالله، فكما عظمتموه بذلك ~~فلتعظموه بعبادته وتقواه. وكذلك الإخبار بأنه رقيب، أي: مطلع على العباد ~~في حال حركاتهم وسكونهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها ~~مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه. وفي الإخبار بأنه خلقهم ~~من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف ~~بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض. وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر ~~الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق ~~الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام ~~بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به، وتأمل كيف افتتح هذه السورة بالأمر ~~بالتقوى، ms0252 وصلة الأرحام والأزواج عموما، ثم بعد ذلك فصل هذه الأمور أتم ~~تفصيل، من أول السورة إلى آخرها. فكأنها مبنية على هذه الأمور المذكورة، ~~مفصلة لما أجمل منها، موضحة لما أبهم. وفي قوله: { وخلق منها ~~زوجها } تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون ~~الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب ~~علاقة. ### || [4.2] # وقوله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } هذا ~~أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة. وهم اليتامى الذين فقدوا ~~آباءهم الكافلين لهم، وهم صغار ضعاف لا يقومون بمصالحهم. فأمر الرؤوف ~~الرحيم عباده أن يحسنوا إليهم، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، ~~وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا، كاملة موفرة، وأن لا { ~~تتبدلوا الخبيث } الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق. { ~~بالطيب } وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة. { ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } أي: مع أموالكم، ففيه ~~تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل ~~الله له من الرزق في ماله. فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى { حوبا ~~كبيرا } أي: إثما عظيما، ووزرا جسيما. ومن استبدال الخبيث بالطيب ~~أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس. وفيه ~~الولاية على اليتيم، لأن من لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي ~~على ماله. وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه ~~والقيام به بما يصلحه وينميه، وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار. ### || [4.3-4] # أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجوركم وولايتكم ~~وخفتم أن لا تقوموا بحقهن لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن، وانكحوا ~~{ نكحوا ما طاب لكم من النسآء } أي: ما وقع عليهن ~~اختياركم، من ذوات الدين، والمال، والجمال، والحسب، والنسب، وغير ذلك من ~~الصفات الداعية لنكاحهن، فاختاروا على نظركم، ومن أحسن ما يختار من ذلك ~~صفة الدين كما قال النبي صلى الله عليه ms0253 وسلم: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر ~~بذات الدين تربت يمينك ". # وفي هذه الآية - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له ~~الشارع النظر إلى من يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره. ثم ذكر ~~العدد الذي أباحه من النساء فقال: { مثنىوثلث وربع } أي: ~~من أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل، أو ثلاثا فليفعل، أو أربعا فليفعل، ~~ولا يزيد عليها، لأن الآية سيقت لبيان الامتنان، فلا يجوز الزيادة على ~~غير ما سمى الله تعالى إجماعا. وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته ~~بالواحدة، فأبيح له واحدة بعد واحدة، حتى يبلغ أربعا، لأن في الأربع ~~غنية لكل أحد، إلا ما ندر، ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه ~~الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن. فإن خاف شيئا من هذا فليقتصر على ~~واحدة، أو على ملك يمينه. فإنه لا يجب عليه القسم، في ملك اليمين. { ~~ذلك } أي: الاقتصار على واحدة، أو ما ملكت اليمين { أدنى ألا ~~تعولوا } أي: تظلموا. وفي هذا أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه ~~الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب -ولو كان مباحا- أنه لا ينبغي له أن ~~يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد. ولما ~~كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، خصوصا الصداق الذي ~~يكون شيئا كثيرا، ودفعة واحدة، يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء ~~النساء { صدقتهن } أي: مهورهن { نحلة } أي: عن طيب نفس، وحال ~~طمأنينة، فلا تمطلوهن أو تبخسوا منه شيئا. وفيه: أن المهر يدفع إلى ~~المرأة إذا كانت مكلفة، وأنها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة ~~تقتضي التمليك. { فإن طبن لكم عن شيء منه } أي: من ~~الصداق { نفسا } بأن سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو ~~تأخيره أو المعاوضة عنه. { فكلوه هنيئا مريئا } أي: لا حرج ~~عليكم في ذلك ولا تبعة. وفيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها - ولو ~~بالتبرع - إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك، فليس لعطيتها حكم، ms0254 وأنه ليس ~~لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به. وفي قوله: { فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء } دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، ~~بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] وقال: # والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك # [النور: 3]. ### || [4.5] # وقوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي ~~جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم ~~وقولوا لهم قولا معروفا } السفهاء، جمع " سفيه " وهو من ~~لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، ~~وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء ~~أموالهم، خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياما لعباده في ~~مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الولي ~~أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق ~~بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية، وأن يقولوا لهم قولا معروفا، ~~بأن يعدوهم - إذا طلبوها - أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم، ونحو ذلك، ~~ويلطفوا لهم في الأقوال جبرا لخواطرهم. وفي إضافته تعالى الأموال إلى ~~الأولياء، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما ~~يفعلونه في أموالهم، من الحفظ والتصرف وعدم التعريض للأخطار. وفي الآية ~~دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه في مالهم، إذا كان لهم مال، ~~لقوله: { وارزقوهم فيها واكسوهم }. وفيه دليل على أن قول ~~الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة لأن الله جعله مؤتمنا ~~على مالهم، فلزم قبول قول الأمين. ### || [4.6] # الابتلاء: هو الاختبار والامتحان. وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد، ~~الممكن رشده، شيئا من ماله، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله، فيتبين ~~بذلك رشده من سفهه. فإن استمر غير محسن للتصرف، لم يدفع إليه ماله، بل هو ~~باق على سفهه، ولو بلغ عمرا كثيرا. فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ ~~النكاح { فادفعوا إليهم أموالهم } كاملة موفرة. { ولا ~~تأكلوهآ إسرافا } أي: مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم ~~من أموالكم، إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم ms0255 من أموالهم. { وبدارا ~~أن يكبروا } أي: ولا تأكلوها في حال صغرهم، التي لا يمكنهم فيها ~~أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها، تبادرون بذلك أن يكبروا، فيأخذوها منكم ~~ويمنعوكم منها. وهذا من الأمور الواقعة من كثير من الأولياء، الذين ليس ~~عندهم خوف من الله، ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم، يرون هذه الحال، حال ~~فرصة، فيغتنمونها ويتعجلون ما حرم الله عليهم، فنهى الله تعالى عن هذه ~~الحالة بخصوصها. ### || [4.7] # كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم وقسوتهم، لا يورثون الضعفاء، ~~كالنساء والصبيان، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء، لأنهم - بزعمهم - ~~أهل الحرب والقتال، والنهب والسلب، فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع ~~لعباده شرعا، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم. وقدم بين ~~يدي ذلك أمرا مجملا لتتوطن على ذلك النفوس. فيأتي التفصيل بعد الإجمال، ~~قد تشوفت له النفوس، وزالت الوحشة التي منشؤها العادات القبيحة، فقال: { ~~للرجال نصيب } أي: قسط وحصة { مما ترك } أي: خلف { ~~الوالدان } أي: الأب والأم { والأقربون } عموم بعد خصوص { ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون }. ~~فكأنه قيل: هل ذلك النصيب راجع إلى العرف والعادة، وأن يرضخوا لهم ما ~~يشاؤون؟ أو شيئا مقدرا؟ فقال تعالى: { نصيبا مفروضا }: أي: قد ~~قدره العليم الحكيم. وسيأتي - إن شاء الله - تقدير ذلك. وأيضا فهاهنا ~~توهم آخر، لعل أحدا يتوهم أن النساء والولدان ليس لهم نصيب إلا من المال ~~الكثير، فأزال ذلك بقوله: { مما قل منه أو كثر } فتبارك ~~الله أحسن الحاكمين. ### || [4.8] # وهذا من أحكام الله الحسنة الجليلة الجابرة للقلوب فقال: { وإذا ~~حضر القسمة } أي: قسمة المواريث { أولوا القربى } أي: ~~الأقارب غير الوارثين بقرينة قوله: { القسمة } لأن الوارثين من ~~المقسوم عليهم. { واليتامى والمساكين } أي: المستحقون من ~~الفقراء. { فارزقوهم منه } أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال ~~الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نصب، فإن نفوسهم متشوفة ~~إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم. ويؤخذ ~~من المعنى أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي ~~له أن يعطيه ms0256 منه ما تيسر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، ~~فليناوله لقمة أو لقمتين " # أو كما قال. وكان الصحابة رضي الله عنهم - إذا بدأت باكورة أشجارهم - ~~أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرك عليها، ونظر إلى أصغر وليد ~~عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، ~~فإن لم يمكن ذلك - لكونه حق سفهاء، أو ثم أهم من ذلك - فليقولوا لهم ~~قولا معروفا يردوهم ردا جميلا، بقول حسن غير فاحش ولا قبيح. ### || [4.9-10] # قيل: إن هذا خطاب لمن يحضر من حضره الموت وأجنف في وصيته، أن يأمره ~~بالعدل في وصيته والمساواة فيها، بدليل قوله: { وليقولوا قولا ~~سديدا } أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد ~~الوصية على أولاده، بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم. وقيل: إن المراد ~~بذلك أولياء السفهاء من المجانين والصغار والضعاف، أن يعاملوهم في ~~مصالحهم الدينية والدنيوية بما يحبون أن يعامل به من بعدهم من ذريتهم ~~الضعاف { فليتقوا الله } في ولايتهم لغيرهم، أي: يعاملونهم بما ~~فيه تقوى الله، من عدم إهانتهم والقيام عليهم، وإلزامهم لتقوى الله. ولما ~~أمرهم بذلك، زجرهم عن أكل أموال اليتامى، وتوعد على ذلك أشد العذاب فقال: ~~{ إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما } أي: ~~بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ~~ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى. فمن أكلها ظلما ف { إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا } أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في ~~أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم. { وسيصلون سعيرا } أي: ~~نارا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل ~~أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر ~~الكبائر. نسأل الله العافية. ### || [4.11-12] # هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة هن آيات المواريث المتضمنة لها. ~~فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري # " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي ms0257 فلأولى رجل ذكر " # - مشتملات على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث ~~الجدات فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن، عن المغيرة بن ~~شعبة، ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس، مع ~~إجماع العلماء على ذلك. فقوله تعالى: { يوصيكم الله في ~~أولدكم } أي: أولادكم - يا معشر الوالدين - عندكم ودائع قد وصاكم ~~الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم، ~~وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله، وملازمة التقوى على الدوام ~~كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة # [التحريم: 6] فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك ~~الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب. وهذا مما يدل على ~~أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال ~~شفقتهم، عليهم. ثم ذكر كيفية إرثهم فقال: { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } أي: الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض يقتسمونه كذلك، ~~وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه -مع وجود أولاد الصلب - فالميراث لهم. ~~وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب، ذكورا وإناثا، هذا مع ~~اجتماع الذكور والإناث. وهنا حالتان: انفراد الذكور، وسيأتي حكمها. ~~وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله: { فإن كن نسآء فوق ~~اثنتين } أي: بنات صلب أو بنات ابن، ثلاثا فأكثر { فلهن ~~ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة } أي: بنتا أو بنت ابن { ~~فلها النصف } وهذا إجماع. بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين ~~الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟ فالجواب أنه يستفاد من قوله: { ~~وإن كانت واحدة فلها النصف } فمفهوم ذلك أنه إن زادت على ~~الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثم بعده إلا الثلثان. وأيضا فقوله: ~~{ للذكر مثل حظ الأنثيين } إذا خلف ابنا وبنتا، فإن ~~الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن ~~للبنتين الثلثين. وأيضا فإن البنت إذا أخذت الثلث ms0258 مع أخيها - وهو أزيد ~~ضررا عليها من أختها، فأخذها له مع أختها من باب أولى وأحرى. وأيضا فإن ~~قوله تعالى في الأختين: # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك # [النساء: 176] نص في الأختين الثنتين. فإذا كان الأختان الثنتان - مع ~~بعدهما - يأخذان الثلثين فالابنتان - مع قربهما - من باب أولى وأحرى. # وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابنتي سعد الثلثين كما في الصحيح. ~~بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله: { فوق اثنتين }؟ قيل: الفائدة ~~في ذلك - والله أعلم - أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان، لا يزيد ~~بزيادتهن على الثنتين، بل من الثنتين فصاعدا. ودلت الآية الكريمة أنه ~~إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ~~ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى ~~بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين. ومثل ذلك ~~بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها. وتدل الآية أنه متى استغرق ~~البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط من دونهن من بنات الابن، لأن ~~الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم. فلو لم يسقطن، لزم من ذلك أن يفرض ~~لهن أزيد من الثلثين، وهو خلاف النص. وكل هذه الأحكام مجمع عليها بين ~~العلماء، ولله الحمد. ودل قوله: { مما ترك } أن الوارثين يرثون كل ~~ما خلف الميت، من عقار، وأثاث، وذهب وفضة، وغير ذلك، حتى الدية التي لم ~~تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمم. ثم ذكر ميراث الأبوين ~~فقال: { ولأبويه } أي: أبوه وأمه { لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد } أي: ولد صلب أو ولد ~~ابن، ذكرا كان أو أنثى، واحدا أو متعددا. فأما الأم فلا تزيد على ~~السدس مع أحد من الأولاد. وأما الأب فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من ~~السدس، فإن كان الولد أنثى أو إناثا ولم يبق بعد الفرض شيء -كأبوين ~~وابنتين- لم يبق له تعصيب. وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات ms0259 شيء، أخذ ~~الأب السدس فرضا، والباقي تعصيبا، لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي ~~فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم، وغيرهما. { فإن لم يكن ~~له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث } أي: والباقي ~~للأب، لأنه أضاف المال إلى الأب والأم إضافة واحدة، ثم قدر نصيب الأم، ~~فدل ذلك على أن الباقي للأب. وعلم من ذلك أن الأب مع عدم الأولاد لا فرض ~~له، بل يرث تعصيبا المال كله، أو ما أبقت الفروض، لكن لو وجد مع الأبوين ~~أحد الزوجين - ويعبر عنهما بالعمريتين - فإن الزوج أو الزوجة يأخذ فرضه، ~~ثم تأخذ الأم ثلث الباقي والأب الباقي. وقد دل على ذلك قوله: { ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث } أي: ثلث ما ورثه الأبوان. ~~وهو في هاتين الصورتين، إما سدس في زوج وأم وأب، وإما ربع في زوجة وأم ~~وأب. فلم تدل الآية على إرث الأم ثلث المال كاملا، مع عدم الأولاد حتى ~~يقال: إن هاتين الصورتين قد استثنيتا من هذا. # ويوضح ذلك أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغرماء، ~~فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين. ولأنا لو أعطينا الأم ثلث ~~المال، لزم زيادتها على الأب في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة ~~الزوجة زيادة عنها نصف السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها ~~للأب، أو أخذه ضعف ما تأخذه الأم. { فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس } أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكورا كانوا أو إناثا، ~~وارثين أو محجوبين بالأب، أو الجد [لكن قد يقال: ليس ظاهر قوله: { فإن ~~كان له إخوة } شاملا لغير الوارثين بدليل عدم تناولها للمحجوب ~~بالنصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. ~~ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، ~~وهو معدوم، والله أعلم] ولكن بشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك ~~إتيان لفظ " الإخوة " بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك بأن المقصود مجرد التعدد، ~~لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين. وقد يطلق الجمع ويراد ms0260 به الاثنان، كما في ~~قوله تعالى عن داود وسليمان # وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78] وقال في الإخوة للأم: { وإن كان رجل يورث ~~كللة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد ~~منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركآء في الثلث }. فأطلق لفظ الجمع والمراد اثنان فأكثر ~~بالإجماع. فعلى هذا لو خلف أما وأبا وإخوة، كان للأم السدس، والباقي ~~للأب فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم [إلا على الاحتمال الآخر فإن ~~للأم الثلث والباقي للأب]. ثم قال تعالى: { من بعد وصية يوصي ~~بهآ أو دين } أي: هذه الفروض والأنصباء والمواريث، إنما ترد ~~وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا ~~التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك، هو التركة الذي يستحقه ~~الورثة. وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون ~~إخراجها شاقا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس ~~المال. وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل، للأجنبي الذي هو غير وارث. ~~وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: { آبآؤكم ~~وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا }. فلو ~~رد تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم، ~~لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان. فلا ~~يدرون أي الأولاد أو الوالدين أنفع لهم وأقرب، لحصول مقاصدهم ~~الدينية والدنيوية. { فريضة من الله إن الله كان ~~عليما حكيما } أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علما، وأحكم ~~ما شرعه وقدر ما قدره على أحسن تقدير، لا تستطيع العقول أن تقترح مثل ~~أحكامه الصالحة الموافقة لكل زمان ومكان وحال. # ثم قال تعالى: { ولكم } أيها الأزواج { نصف ما ترك ~~أزوجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ~~ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية ~~يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن ~~لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن ~~الثمن مما تركتم من بعد وصية ms0261 توصون بهآ أو ~~دين }. ويدخل في مسمى الولد المشروط وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد ~~الابن الذكر والأنثى، الواحد والمتعدد، الذي من الزوج أو من غيره، ويخرج ~~عنه ولد البنات إجماعا. ثم قال تعالى: { وإن كان رجل يورث ~~كللة أو امرأة وله أخ أو أخت } أي: من أم، كما هي في ~~بعض القراءات. وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأم، ~~فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد أي: لا أب ولا جد ولا ~~ابن ولا ابن ابن ولا بنت، ولا بنت ابن وإن نزلوا. وهذه هي الكلالة، كما ~~فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حصل على ذلك الاتفاق، ولله ~~الحمد. { فلكل واحد منهما } أي: من الأخ والأخت { السدس ~~} { فإن كانوا أكثر من ذلك } أي: من واحد { فهم ~~شركآء في الثلث } أي: لا يزيدون على الثلث ولو زادوا عن اثنين. ~~ودل قوله: { فهم شركآء في الثلث } أن ذكرهم وأنثاهم سواء، ~~لأن لفظ " التشريك " يقتضي التسوية. ودل لفظ " الكلالة " على أن الفروع ~~وإن نزلوا، والأصول الذكور وإن علوا، يسقطون أولاد الأم، لأن الله لم ~~يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئا ~~اتفاقا. ودل قوله: { فهم شركآء في الثلث } أن الإخوة ~~الأشقاء يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية. وهى: زوج، وأم، وإخوة ~~لأم، وإخوة أشقاء. للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة للأم الثلث، ويسقط ~~الأشقاء، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان ~~جمعا لما فرق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض، والأشقاء ~~عصبات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: - # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " # - وأهل الفروض هم الذين قدر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى ~~بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك. وأما ميراث الإخوة ~~والأخوات الأشقاء أو لأب، فمذكور في قوله: # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # الآية [النساء: 176]. فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، ms0262 والثنتان ~~لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب، أو الأخوات، تأخذ النصف ~~والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب، وهو السدس تكملة الثلثين. وإذ ~~استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات ~~الابن. # وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قيل: فهل ~~يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى، ~~والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، ~~والأخوات لغير أم، مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟ قيل: نعم، ~~فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل، تدل على جميع ~~المذكورات. فأما القاتل والمخالف في الدين فيعرف أنهما غير وارثين من ~~بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة، بحسب قربهم ونفعهم ~~الديني والدنيوي. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: { لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا } وقد علم أن القاتل قد سعى لمورثه ~~بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث، أن يقاوم ضرر القتل الذي ~~هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع ~~الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]. مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن " من استعجل شيئا ~~قبل أوانه عوقب بحرمانه ". وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا ~~إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، ~~والمانع الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي ~~المانع، ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. ~~يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب ~~الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. ~~فيكون قوله تعالى: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75] إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية ~~مقدمة على الأخوة النسبية المجردة. قال ابن القيم في " جلاء الأفهام ms0263 ": " ~~وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ ~~الزوجة، دون المرأة، كما في قوله تعالى: { ولكم نصف ما ترك ~~أزوجكم } إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية ~~للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع ~~بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين " ~~[انتهى]. وأما الرقيق فإنه لا يرث ولا يورث، أما كونه لا يورث فواضح، ~~لأنه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه فهو لسيده. وأما كونه لا يرث، ~~فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت، فيكون مثل ~~قوله تعالى: # للذكر مثل حظ الأنثيين # [النساء: 11] { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } { ~~فلكل واحد منهما السدس } ونحوها لمن يتأتى منه التملك، ~~فأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له. # وأما من بعضه حر وبعضه رقيق، فإنه تتبعض أحكامه. فما فيه من الحرية ~~يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية قابلا ~~للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك، فإذا يكون المبعض، يرث ويورث، ~~ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودا مذموما، ~~مثابا ومعاقبا، بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك. وأما الخنثى فلا ~~يخلو إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته، أو مشكلا. فإن كان واضحا ~~فالأمر فيه واضح. إن كان ذكرا فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم. ~~وإن كان أنثى فله حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن. وإن كان مشكلا ~~فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما - كالإخوة للأم - فالأمر فيه ~~واضح، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته، ولم يبق لنا ~~طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين، لاحتمال ظلم من معه من ~~الورثة، ولم نعطه الأقل، لاحتمال ظلمنا له. فوجب التوسط بين الأمرين، ~~وسلوك أعدل الطريقين، قال تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] وليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق ~~المذكور. و ms0264 # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. وأما ميراث الجد مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وهل يرثون ~~معه أم لا؟ فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن ~~الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم، كما يحجبهم الأب. وبيان ذلك: أن ~~الجد أب في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: # إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون ~~من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق # الآية [البقرة: 133]. وقال يوسف عليه السلام: # واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب # [يوسف: 38]. فسمى الله الجد وجد الأب أبا، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة ~~الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب من يحجبه. وإذا كان العلماء قد أجمعوا ~~على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم، من بني ~~الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث، فينبغي أيضا أن يكون ~~حكمه حكمه في حجب الإخوة لغير أم. وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن ~~الصلب، فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ، ~~قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع ~~من يورث الإخوة مع الجد، نص ولا إشارة، ولا تنبيه ولا قياس صحيح. وأما ~~مسائل العول فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض ~~وقدر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين: إما أن يحجب بعضهم بعضا، ~~أو لا. # فإن حجب بعضهم بعضا، فالمحجوب ساقط لا يزاحم ولا يستحق شيئا، وإن لم ~~يحجب بعضهم بعضا، فلا يخلو، إما أن لا تستغرق الفروض التركة، أو ~~تستغرقها من غير زيادة ولا نقص، أو تزيد الفروض على التركة، ففي الحالتين ~~الأوليين كل يأخذ فرضه كاملا. وفي الحالة الأخيرة وهي ما إذا زادت ~~الفروض على التركة فلا يخلو من حالين: إما أن ننقص بعض الورثة عن فرضه ~~الذي فرضه الله له، ونكمل للباقين منهم فروضهم، وهذا ترجيح بغير ms0265 مرجح، ~~وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر، فتعينت الحال الثانية، وهي: أننا نعطي ~~كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان، ونحاصص بينهم كديون الغرماء الزائدة ~~على مال الغريم، ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول، فعلم من هذا أن ~~العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه. وبعكس هذه الطريقة بعينها يعلم ~~الرد فإن أهل الفروض إذا لم تستغرق فروضهم التركة وبقي شيء ليس له مستحق ~~من عاصب قريب ولا بعيد، فإن رده على أحدهم ترجيح بغير مرجح، وإعطاؤه ~~غيرهم ممن ليس بقريب للميت، جنف وميل، ومعارضة لقوله: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]. فتعين أن يرد على أهل الفروض بقدر فروضهم. ولما كان ~~الزوجان ليسا من القرابة، لم يستحقا زيادة على فرضهم المقدر [هذا عند من ~~لا يورث الزوجين بالرد، وهم جمهور القائلين بالرد، فعلى هذا تكون علة ~~الرد كونه صاحب فرض قريبا، وعلى القول الآخر أن الزوجين كغيرهما من ذوي ~~الفروض يرد عليهما فكما ينقصان بالعول فإنهما يزادان بالرد كغيرهما ~~فالعلة على هذا كونه وارثا صاحب فرض، فهذا هو الظاهر من دلالة الكتاب ~~والسنة، والقياس الصحيح، والله أعلم]. وبهذا يعلم أيضا ميراث ذوي ~~الأرحام فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصبا، وبقي الأمر دائرا ~~بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب، وبين كون ماله يرجع إلى ~~أقاربه المدلين بالورثة المجمع عليهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]. فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي ~~الأرحام. وإذا تعين توريثهم، فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم ~~في كتاب الله. وأن بينهم وبين الميت وسائط، صاروا بسببها من الأقارب. ~~فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط. والله أعلم. وأما ميراث ~~بقية العصبة كالبنوة، والأخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر " # وقال تعالى: # ولكل جعلنا مولي مما ترك الولدان ms0266 ~~والأقربون # [النساء: 33]. فإذا ألحقنا الفروض بأهلها، ولم يبق شيء، لم يستحق العاصب ~~شيئا، وإن بقي شيء أخذه أولي العصبة، وبحسب جهاتهم ودرجاتهم. # فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة ~~وبنوهم، ثم الولاء، فيقدم منهم الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة، ~~فالأقرب منزلة، فإن كانوا في منزلة واحدة، فالأقوى وهو الشقيق، فإن ~~تساووا من كل وجه اشتركوا. والله أعلم. وأما كون الأخوات لغير أم مع ~~البنات أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فروضهن، فلأنه ليس في ~~القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات. فإذا كان الأمر كذلك، وبقي ~~شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات، ولا يعدل عنهن إلى عصبة ~~أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم. والله أعلم. ### || [4.13-14] # أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف ~~معها، وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها، وفي ذلك دليل على أن الوصية ~~للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصباء الوارثين. ثم قوله تعالى: { تلك ~~حدود الله } فالوصية للوارث بزيادة على حقه، يدخل في هذا التعدي، ~~مع قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا وصية لوارث " # ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عموما، ليدخل في العموم لزوم حدوده ~~في الفرائض، أو ترك ذلك، فقال: { ومن يطع الله ورسوله } ~~بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف ~~درجاتها، واجتناب نهيهما الذي أعظمه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف ~~طبقاتها { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها } فمن أدى الأوامر، واجتنب النواهي، فلا بد له من ~~دخول الجنة والنجاة من النار. { وذلك الفوز العظيم } الذي ~~حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم ~~الذي لا يصفه الواصفون. { ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } ~~ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة ~~للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على ~~طاعته ms0267 وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه ~~طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب. ومن عصى الله ورسوله معصية تامة، يدخل ~~فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، ~~كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت ~~النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين ~~في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها. ### || [4.15-16] # أي: النساء { اللاتي يأتين الفحشة } أي: الزنا، ووصفها ~~بالفاحشة لشناعتها وقبحها. { فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم } أي: من رجالكم المؤمنين العدول. { فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت } أي: احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة. ~~وأيضا فإن الحبس من جملة العقوبات { حتى يتوفاهن الموت ~~} أي: هذا منتهى الحبس. { أو يجعل الله لهن سبيلا } أي: ~~طريقا غير الحبس في البيوت، وهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي مغياة إلى ~~ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك، حتى جعل الله لهن سبيلا، ~~وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن. { و } كذلك { اللذان ~~يأتيانها } أي: الفاحشة { منكم } من الرجال والنساء { ~~فآذوهما } بالقول والتوبيخ والتعيير، والضرب الرادع عن هذه الفاحشة، ~~فعلى هذا يكون الرجال إذا فعلوا الفاحشة يؤذون، والنساء يحبسن ويؤذين. ~~فالحبس غايته إلى الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والإصلاح، ولهذا ~~قال: { فإن تابا } أي: رجعا عن الذنب الذي فعلاه وندما عليه، وعزما ~~على أن لا يعودا { وأصلحا } العمل الدال على صدق التوبة { ~~فأعرضوا عنهمآ } أي: عن أذاهما { إن الله كان ~~توابا رحيما } أي: كثير التوبة على المذنبين الخطائين، عظيم ~~الرحمة والإحسان، الذي - من إحسانه - وفقهم للتوبة وقبلها منهم، وسامحهم ~~عن ما صدر منهم. ويؤخذ من هاتين الآيتين أن بينة الزنا، لا بد أن تكون ~~أربعة رجال مؤمنين، ومن باب أولى وأحرى اشتراط عدالتهم لأن الله تعالى ~~شدد في أمر هذه الفاحشة، سترا لعباده، حتى إنه لا يقبل فيها النساء ~~منفردات، ولا مع الرجال، ولا ما دون أربعة. ولا بد من التصريح بالشهادة، ~~كما دلت ms0268 على ذلك الأحاديث الصحيحة، وتومئ إليه هذه الآية لما قال: { ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم }. لم يكتف بذلك حتى ~~قال: { فإن شهدوا } أي: لا بد من شهادة صريحة عن أمر يشاهد عيانا، ~~من غير تعريض ولا كناية. ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل والحبس، قد ~~شرعه الله تعزيرا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر. ### || [4.17-18] # توبة الله على عباده نوعان: توفيق منه للتوبة، وقبول لها بعد وجودها من ~~العبد، فأخبر هنا -أن التوبة المستحقة على الله حق أحقه على نفسه، كرما ~~منه وجودا، لمن عمل السوء، أي: المعاصي { بجهالة } أي: جهالة منه ~~بعاقبتها، وإيجابها لسخط الله وعقابه، وجهل منه بنظر الله ومراقبته له، ~~وجهل منه بما تؤول إليه من نقص الإيمان أو إعدامه، فكل عاص لله، فهو جاهل ~~بهذا الاعتبار، وإن كان عالما بالتحريم. بل العلم بالتحريم شرط لكونها ~~معصية معاقب عليها. { ثم يتوبون من قريب } يحتمل أن يكون ~~المعنى: ثم يتوبون قبل معاينة الموت، فإن الله يقبل توبة العبد إذا تاب ~~قبل معاينة الموت والعذاب قطعا. وأما بعد حضور الموت، فلا يقبل من ~~العاصين توبة، ولا من الكفار رجوع، كما قال تعالى عن فرعون: # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل # الآية [يونس: 90]. وقال تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد ~~خلت في عباده # [غافر: 84-85]. وقال هنا: { وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات } أي: المعاصي فيما دون الكفر. { حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما } وذلك أن التوبة في هذه الحال توبة اضطرار لا تنفع ~~صاحبها، إنما تنفع توبة الاختيار. ويحتمل أن يكون معنى قوله: { من ~~قريب } أي: قريب من فعلهم للذنب الموجب للتوبة، فيكون المعنى: أن من ~~بادر إلى الإقلاع من حين صدور الذنب، وأناب إلى الله وندم عليه فإن الله ~~يتوب ms0269 عليه، بخلاف من استمر على ذنوبه، وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفات ~~راسخة، فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة. والغالب أنه لا يوفق للتوبة، ~~ولا ييسر لأسبابها، كالذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله ~~إليه، فإنه سد على نفسه باب الرحمة. نعم قد يوفق الله عبده المصر على ~~الذنوب عن عمد ويقين لتوبة تامة، [التي] يمحو بها ما سلف من سيئاته، وما ~~تقدم من جناياته، ولكن الرحمة والتوفيق للأول أقرب، ولهذا ختم الآية ~~الأولى بقوله: { وكان الله عليما حكيما }. فمن علمه أنه ~~يعلم صادق التوبة وكاذبها، فيجازي كلا منهما بحسب ما يستحق بحكمته، ومن ~~حكمته أن يوفق من اقتضت حكمته ورحمته توفيقه للتوبة، ويخذل من اقتضت ~~حكمته وعدله عدم توفيقه. والله أعلم. ### || [4.19-21] # كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبه كأخيه وابن عمه ~~ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت. فإن ~~أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا ~~من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئا من ميراث ~~قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي [يكون] يكرهها ~~ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا ~~حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: { ~~كرها }. وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها ~~لزوجها، فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها، ~~لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل. ثم قال: { وعاشروهن ~~بالمعروف } وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن ~~يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن ~~المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته ~~المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت ~~الأحوال. { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } أي: ينبغي لكم - أيها ~~الأزواج - أن تمسكوا زوجاتكم مع ms0270 الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرا كثيرا. ~~من ذلك امتثال أمر الله، وقبول وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. ~~ومنها أن إجباره نفسه - مع عدم محبته لها - فيه مجاهدة النفس، والتخلق ~~بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع ~~في ذلك. وربما رزق منها ولدا صالحا، نفع والديه في الدنيا والآخرة. ~~وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور. فإن كان لا بد من الفراق، ~~وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم. بل متى { أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج } أي: تطليق زوجة، وتزوج أخرى. أي: ~~فلا جناح عليكم في ذلك ولا حرج. ولكن إذا { آتيتم إحداهن } أي: ~~المفارقة، أو التي تزوجها { قنطارا } أي: مالا كثيرا. { فلا ~~تأخذوا منه شيئا } بل وفروه لهن، ولا تمطلوا بهن. وفي هذه ~~الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن ~~أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم فدل على عدم تحريمه [لكن قد ينهي عن كثرة ~~الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم]. ثم قال: { ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا } فإن هذا لا يحل ولو ~~تحيلتم عليه بأنواع الحيل، فإن إثمه واضح. وقد بين تعالى حكمة ذلك بقوله: ~~{ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثقا غليظا }. وبيان ذلك: أن الزوجة قبل عقد ~~النكاح محرمة على الزوج، ولم ترض بحلها له إلا بذلك المهر الذي يدفعه ~~لها، فإذا دخل بها وأفضى إليها، وباشرها المباشرة التي كانت حراما قبل ~~ذلك، والتي لم ترض ببذلها إلا بذلك العوض، فإنه قد استوفى المعوض فثبت ~~عليه العوض، فكيف يستوفي المعوض، ثم بعد ذلك يرجع على العوض؟ هذا من أعظم ~~الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقا غليظا بالعقد، ~~والقيام بحقوقها. ثم قال تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح ~~ءابآؤكم من النسآء إلا ما قد سلف... }. ### || [4.22] # أي: لا تتزوجوا من النساء ما تزوجهن آباؤكم أي: الأب وإن علا. ms0271 { إنه ~~كان فاحشة } أي: أمرا قبيحا يفحش ويعظم قبحه { ومقتا } من ~~الله لكم ومن الخلق، بل يمقت بسبب ذلك الابن أباه والأب ابنه، مع الأمر ~~ببره. { وسآء سبيلا } أي: بئس الطريق طريقا لمن سلكه، لأن هذا من ~~عوائد الجاهلية، التي جاء الإسلام بالتنزه عنها والبراءة منها. ### || [4.23-24] # هذه الآيات الكريمات مشتملات على المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع، ~~والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، وعلى المحللات من النساء. فأما ~~المحرمات في النسب فهن السبع اللاتي ذكرهن الله. الأم يدخل فيها كل من ~~لها عليك ولادة، وإن بعدت. ويدخل في البنت كل من لك عليها ولادة، ~~والأخوات الشقيقات، أو لأب أو لأم. والعمة: كل أخت لأبيك، أو لجدك، وإن ~~علا. والخالة: كل أخت لأمك، أو جدتك وإن علت وارثة أم لا. وبنات الأخ ~~وبنات الأخت أي: وإن نزلت. فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء، ~~كما هو نص الآية الكريمة، وما عداهن فيدخل في قوله: { وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم } وذلك كبنت العمة والعم وبنت الخال والخالة. ~~وأما المحرمات بالرضاع فقد ذكر الله منهن الأم والأخت. وفي ذلك تحريم ~~الأم مع أن اللبن ليس لها، إنما هو لصاحب اللبن، دل بتنبيهه على أن صاحب ~~اللبن يكون أبا للمرتضع فإذا ثبتت الأبوة والأمومة، ثبت ما هو فرع ~~عنهما، كإخوتهما وأصولهم وفروعهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # فينتشر التحريم من جهة المرضعة ومن له اللبن، كما ينتشر في الأقارب، ~~وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط. لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات في ~~الحولين، كما بينت السنة. وأما المحرمات بالصهر، فهن أربع. حلائل ~~الآباء وإن علوا، وحلائل الأبناء وإن نزلوا، وارثين أو محجوبين. وأمهات ~~الزوجة وإن علون، فهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد. والرابعة: الربيبة، ~~وهي بنت زوجته وإن نزلت، فهذه لا تحرم حتى يدخل بزوجته كما قال هنا { ~~وربائبكم التي في حجوركم من نسآئكم التي ~~دخلتم بهن } الآية. وقد قال الجمهور: إن قوله: { التي في ~~حجوركم } قيد خرج مخرج ms0272 الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة تحرم ولو لم ~~تكن في حجره، ولكن للتقييد بذلك فائدتان: إحداهما: فيه التنبيه على ~~الحكمة في تحريم الربيبة، وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها. ~~والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة، وأنها بمنزلة من هي في ~~حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم. وأما المحرمات بالجمع فقد ذكر الله ~~الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين ~~المرأة وعمتها أو خالتها، فكل امرأتين بينهما رحم محرم، لو قدر إحداهما ~~ذكرا والأخرى أنثى حرمت عليه، فإنه يحرم الجمع بينهما، وذلك لما في ذلك ~~من أسباب التقاطع بين الأرحام. ومن المحرمات في النكاح { المحصنت ~~من النسآء } أي: ذوات الأزواج. فإنه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة ~~الزوج، حتى تطلق وتنقضي عدتها. { إلا ما ملكت أيمنكم } ~~أي: بالسبي، فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج حلت للمسلمين، بعد أن تستبرأ. # وأما إذا بيعت الأمة المزوجة أو وهبت، فإنه لا ينفسخ نكاحها لأن المالك ~~الثاني نزل منزلة الأول، ولقصة بريرة حين خيرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقوله: { كتب الله عليكم } أي: الزموه واهتدوا به، فإن ~~فيه الشفاء والنور وفيه تفصيل الحلال من الحرام. ودخل في قوله: { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } كل ما لم يذكر في هذه الآية، ~~فإنه حلال طيب. فالحرام محصور، والحلال ليس له حد ولا حصر، لطفا من الله ~~ورحمة، وتيسيرا للعباد. وقوله: { أن تبتغوا بأمولكم } أي: ~~تطلبوا من وقع عليه نظركم واختياركم من اللاتي أباحهن الله لكم حالة ~~كونكم { محصنين } أي: مستعفين عن الزنا، ومعفين نساءكم. { غير ~~مسفحين } والسفح: سفح الماء في الحلال والحرام، فإن الفاعل لذلك لا ~~يحصن زوجته لكونه وضع شهوته في الحرام، فتضعف داعيته للحلال، فلا يبقى ~~محصنا لزوجته. وفيها دلالة على أنه لا يزوج غير العفيف لقوله تعالى: # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك # [النور: 3]. { فما استمتعتم به منهن } أي: ممن ~~تزوجتموها { فآتوهن أجورهن } أي: الأجور في مقابلة الاستمتاع. ms0273 ~~ولهذا إذا دخل الزوج بزوجته تقرر عليه صداقها، { فريضة } أي: إيتاؤكم ~~إياهن أجورهن، فرض فرضه الله عليكم، ليس بمنزلة التبرع الذي إن شاء أمضاه ~~وإن شاء رده. أو معنى قوله فريضة: أي: مقدرة قد قدرتموها فوجبت عليكم، ~~فلا تنقصوا منها شيئا. { ولا جناح عليكم فيما ترضيتم ~~به من بعد الفريضة } أي: بزيادة من الزوج، أو إسقاط من الزوجة ~~عن رضا وطيب نفس [هذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم: إنها نزلت ~~في متعة النساء التي كانت حلالا في أول الإسلام، ثم حرمها النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه يؤمر بتوقيتها، وأجرها، ثم إذا انقضى الأمد الذي ~~بينهما فتراضيا بعد الفريضة فلا حرج عليهما، والله أعلم]. { إن ~~الله كان عليما حكيما } أي: كامل العلم واسعه، كامل الحكمة ~~فمن علمه وحكمته شرع لكم هذه الشرائع، وحد لكم هذه الحدود الفاصلة بين ~~الحلال والحرام. ### || [4.25] # ثم قال تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا... } أي: ومن لم ~~يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات، أي: الحرائر المؤمنات، وخاف ~~على نفسه العنت أي: الزنا والمشقة الكثيرة، فيجوز له نكاح الإماء ~~المملوكات المؤمنات. وهذا بحسب ما يظهر، وإلا فالله أعلم بالمؤمن الصادق ~~من غيره، فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور، وأحكام الآخرة مبنية على ~~ما في البواطن. { فانكحوهن } أي: المملوكات { بإذن أهلهن ~~} أي: سيدهن، واحدا أو متعددا. { وآتوهن أجورهن ~~بالمعروف } أي: ولو كن إماء، فإنه كما يجب المهر للحرة فكذلك يجب ~~للأمة. ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن { محصنت } أي: عفيفات ~~عن الزنا { غير مسفحت } أي: زانيات علانية { ولا ~~متخذت أخدان } أي: أخلاء في السر. فالحاصل أنه لا يجوز للحر ~~المسلم نكاح أمة، إلا بأربعة شروط ذكرها الله: الإيمان بهن، والعفة ~~ظاهرا وباطنا، وعدم استطاعة طول الحرة، وخوف العنت، فإذا تمت هذه ~~الشروط جاز له نكاحهن. ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل، لما فيه من تعريض ~~الأولاد للرق، ولما فيه من الدناءة والعيب. وهذا إذا أمكن الصبر، فإن لم ~~يمكن الصبر عن المحرم ms0274 إلا بنكاحهن وجب ذلك. ولهذا قال: { وأن ~~تصبروا خير لكم والله غفور رحيم }. وقوله: { ~~فإذآ أحصن } أي: تزوجن أو أسلمن، أي: الإماء { فعليهن ~~نصف ما على المحصنت } أي: الحرائر { من العذاب }. ~~وذلك الذي يمكن تنصيفه وهو: الجلد فيكون عليهن خمسون جلدة. وأما الرجم ~~فليس على الإماء رجم، لأنه لا يتنصف، فعلى القول الأول إذا لم يتزوجن ~~فليس عليهن حد، إنما عليهن تعزير يردعهن عن فعل الفاحشة. وعلى القول ~~الثاني: إن الإماء غير المسلمات، إذا فعلن فاحشة أيضا عزرن. وختم هذه ~~الآية بهذين الاسمين الكريمين " الغفور والرحيم " لكون هذه الأحكام رحمة ~~بالعباد وكرما وإحسانا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة. ولعل ~~في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ~~ذنوب عباده، كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم ~~الأمة لعدم الفارق بينهما. ### || [4.26-28] # يخبر تعالى بمنته العظيمة، ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده ~~المؤمنين، وسهولة دينه، فقال: { يريد الله ليبين لكم } ~~أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، { ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي: الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، ~~وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم، وبين ~~بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. { ~~ويتوب عليكم } أي: يلطف لكم في أحوالكم وما شرعه لكم، حتى ~~تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله، فتقل ذنوبكم بسبب ~~ما يسر الله عليكم، فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم أنهم إذا ~~أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة، وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين ~~يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر على ذلك. وقوله: ~~{ والله عليم حكيم } أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من ~~اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من ms0275 لا ~~يصلح للتوبة. وقوله: { والله يريد أن يتوب عليكم } أي: ~~توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم. { ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات } أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما ~~فيه رضا محبوبهم، ويعبدون أهواءهم، من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين ~~لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء يريدون { أن تميلوا ميلا ~~عظيما } أي: [أن] تنحرفوا عن الصراط المستقيم، إلى صراط المغضوب عليهم ~~والضالين. يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن ~~التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى من الشقاوة كلها في ~~اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم ~~وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار ~~والشقاء، فاختاروا لأنفسكم أولى الداعيين، وتخيروا أحسن الطريقتين. { ~~يريد الله أن يخفف عنكم } أي: بسهولة ما أمركم به و [ما] ~~نهاكم عنه، ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع، أباح لكم ما تقتضيه ~~حاجتكم، كالميتة والدم ونحوهما للمضطر، وكتزوج الأمة للحر بتلك الشروط ~~السابقة. وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان ~~من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، ~~وضعف الصبر، فناسب ذلك، أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا يطيقه ~~إيمانه وصبره وقوته. ### || [4.29-30] # ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل ~~أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل ~~في ذلك أكل مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من ~~الحق. ثم إنه - لما حرم أكلها بالباطل - أباح لهم أكلها بالتجارات ~~والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره. { ~~ولا تقتلوا أنفسكم } أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ولا يقتل ~~الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وفعل الأخطار ~~المفضية إلى التلف والهلاك. { إن الله كان بكم رحيما } ومن ~~رحمته، أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ~~ذلك ما رتبه من الحدود. وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله: { لا ~~تأكلوا أمولكم } { ولا ms0276 تقتلوا أنفسكم } كيف ~~شمل أموال غيرك ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك، بعبارة أخصر من قوله: " ~~لا يأكل بعضكم مال بعض " و " لا يقتل بعضكم بعضا " مع قصور هذه العبارة ~~على مال الغير، ونفس الغير فقط. مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم ~~المؤمنين فيه دلالة على أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ~~ومصالحهم، كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان يجمعهم على مصالحهم الدينية ~~والدنيوية. ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، ~~على الآكل، ومن أخذ ماله، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب ~~والتجارات، وأنواع الحرف والإجارات، فقال: { إلا أن تكون ~~تجرة عن تراض منكم } أي: فإنها مباحة لكم. وشرط التراضي - ~~مع كونها تجارة - لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد ربا، لأن الربا ~~ليس من التجارة، بل مخالف لمقصودها، وأنه لا بد أن يرضى كل من المتعاقدين ~~ويأتي به اختيارا. ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلوما، لأنه ~~إذا لم يكن كذلك لا يتصور الرضا مقدورا على تسليمه، لأن غير المقدور ~~عليه شبيه ببيع القمار، فبيع الغرر بجميع أنواعه خال من الرضا، فلا ينفذ ~~عقده. وفيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل، لأن الله شرط ~~الرضا، فبأي طريق حصل الرضا انعقد به العقد. ثم ختم الآية بقوله: { إن ~~الله كان بكم رحيما } ومن رحمته أن عصم دماءكم وأموالكم ~~وصانها، ونهاكم عن انتهاكها. ثم قال: { ومن يفعل ذلك } أي: أكل ~~الأموال بالباطل، وقتل النفوس { عدوانا وظلما } أي: لا جهلا ~~ونسيانا { فسوف نصليه نارا } أي: عظيمة كما يفيده التنكير { ~~وكان ذلك على الله يسيرا }. ### || [4.31] # وهذا من فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين وعدهم أنهم إذا اجتنبوا ~~كبائر المنهيات غفر لهم جميع الذنوب والسيئات، وأدخلهم مدخلا كريما، ~~كثير الخير وهو الجنة، المشتملة على ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر. ويدخل في اجتناب الكبائر فعل الفرائض التي يكون تاركها ~~مرتكبا كبيرة، كالصلوات الخمس، والجمعة وصوم ms0277 رمضان، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما ~~بينهما، ما اجتنبت الكبائر ". # وأحسن ما حدت به الكبائر، أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد ~~في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة، أو غضب عليه. ### || [4.32] # ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور ~~الممكنة وغير الممكنة. فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على ~~النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال، تمنيا مجردا، لأن ~~هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها. ~~ولأنه يقتضي السخط على قدر الله، والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة، ~~التي لا يقترن بها عمل ولا كسب. وإنما المحمود أمران: أن يسعى العبد على ~~حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من ~~فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه. ولهذا قال تعالى: { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا } أي: من أعمالهم المنتجة ~~للمطلوب. { وللنسآء نصيب مما اكتسبن } فكل منهم لا ~~يناله غير ما كسبه وتعب فيه. { واسألوا الله من فضله } أي: ~~من جميع مصالحكم في الدين والدنيا. فهذا كمال العبد وعنوان سعادته، لا من ~~يترك العمل، أو يتكل على نفسه غير مفتقر لربه، أو يجمع بين الأمرين، فإن ~~هذا مخذول خاسر. وقوله: { إن الله كان بكل شيء عليما } ~~فيعطي من يعلمه أهلا لذلك، ويمنع من يعلمه غير مستحق. ### || [4.33] # أي: { ولكل } من الناس { جعلنا مولي } أي: يتولونه ~~ويتولاهم، بالتعزز والنصرة، والمعاونة على الأمور. { مما ترك ~~الولدان والأقربون } وهذا يشمل سائر الأقارب، من الأصول ~~والفروع والحواشي، هؤلاء الموالي من القرابة. ثم ذكر نوعا آخر من ~~الموالي فقال: { والذين عقدت أيمنكم } أي: حالفتموهم بما ~~عقدتم معهم من عقد المحالفة على النصرة والمساعدة، والاشتراك بالأموال، ~~وغير ذلك. وكل هذا من نعم الله على عباده، حيث كان الموالي يتعاونون بما ~~لا يقدر عليه بعضهم مفردا. قال تعالى: { فآتوهم نصيبهم } أي: ms0278 ~~آتوا الموالي نصيبهم، الذي يجب القيام به من النصرة والمعاونة والمساعدة، ~~على غير معصية الله. والميراث للأقارب الأدنين من الموالي. { إن ~~الله كان على كل شيء شهيدا } أي: مطلعا على كل شيء، ~~بعلمه لجميع الأمور، وبصره لحركات عباده، وسمعه لجميع أصواتهم. ### || [4.34] # يخبر تعالى أن { الرجال قومون على النسآء } أي: قوامون ~~عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه، وكفهن عن ~~المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك، وقوامون عليهن أيضا بالإنفاق ~~عليهن، والكسوة والمسكن، ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء، ~~فقال: { بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ ~~أنفقوا من أمولهم } أي: بسبب فضل الرجال على النساء، ~~وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون ~~الولايات مختصة بالرجال، والنبوة، والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات ~~كالجهاد والأعياد والجمع. وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر ~~والجلد الذي ليس للنساء مثله. وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات، بل ~~وكثير من النفقات يختص بها الرجال، ويتميزون عن النساء. ولعل هذا سر ~~قوله: { وبمآ أنفقوا } وحذف المفعول ليدل على عموم النفقة. فعلم ~~من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته، وهي عنده عانية أسيرة ~~خادمة، فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به. ووظيفتها: القيام بطاعة ~~ربها، وطاعة زوجها، فلهذا قال: { فالصلحت قنتت } أي: ~~مطيعات لله تعالى { حفظت للغيب } أي: مطيعات لأزواجهن حتى في ~~الغيب، تحفظ بعلها بنفسها وماله، وذلك بحفظ الله لهن، وتوفيقه لهن، لا من ~~أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله، كفاه ما أهمه ~~من أمر دينه ودنياه. ثم قال: { والتي تخافون نشوزهن } أي: ~~ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن، بأن تعصيه بالقول أو الفعل فإنه يؤدبها ~~بالأسهل فالأسهل، { فعظوهن } أي: ببيان حكم الله في طاعة الزوج ~~ومعصيته، والترغيب في الطاعة، والترهيب من معصيته، فإن انتهت فذلك ~~المطلوب، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع، بأن لا يضاجعها، ولا يجامعها ~~بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربا غير مبرح، فإن حصل المقصود ~~بواحد من هذه الأمور ms0279 وأطعنكم { فلا تبغوا عليهن سبيلا } ~~أي: فقد حصل لكم ما تحبون، فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، ~~والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر. { إن الله ~~كان عليا كبيرا } أي: له العلو المطلق بجميع الوجوه ~~والاعتبارات، علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر، الكبير الذي لا أكبر منه ~~ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات. ### || [4.35] # أي: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين، والمباعدة والمجانبة، حتى يكون كل ~~منهما في شق، { فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلهآ } أي: رجلين مكلفين، مسلمين عدلين عاقلين، يعرفان ما بين ~~الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق. وهذا مستفاد من لفظ " الحكم " لأنه لا ~~يصلح حكما، إلا من اتصف بتلك الصفات. فينظران ما ينقم كل منهما على ~~صاحبه، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، قنعا ~~الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع ~~والإصلاح فلا يعدلا عنه. فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما ~~وإصلاحهما، إلا على وجه المعاداة والمقاطعة، ومعصية الله، ورأيا أن ~~التفريق بينهما أصلح، فرقا بينهما. ولا يشترط رضا الزوج، كما يدل عليه، ~~أن الله سماهما حكمين، والحكم يحكم، ولو لم يرض المحكوم عليه، ولهذا قال: ~~{ إن يريدآ إصلحا يوفق الله بينهمآ } أي: بسبب ~~الرأي الميمون والكلام الذي يجذب القلوب، ويؤلف بين القرينين. { إن ~~الله كان عليما خبيرا } أي: عالما بجميع الظواهر والبواطن، ~~مطلعا على خفايا الأمور وأسرارها. فمن علمه وخبره أن شرع لكم هذه ~~الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة. ### || [4.36-38] # يأمر تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له، وهو الدخول تحت رق عبوديته، ~~والانقياد لأوامره ونواهيه، محبة وذلا وإخلاصا له، في جميع العبادات ~~الظاهرة والباطنة. وينهى عن الشرك به شيئا لا شركا أصغر ولا أكبر، لا ~~ملكا ولا نبيا ولا وليا ولا غيرهم من المخلوقين، الذين لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل الواجب ~~المتعين إخلاص العبادة لمن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وله التدبير ~~الكامل الذي لا ms0280 يشركه ولا يعينه عليه أحد. ثم بعد ما أمر بعبادته والقيام ~~بحقه، أمر بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب. فقال: { ~~وبالولدين إحسانا } أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم، ~~والخطاب اللطيف والفعل الجميل، بطاعة أمرهما، واجتناب نهيهما والإنفاق ~~عليهما، وإكرام من له تعلق بهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما. ~~وللإحسان ضدان، الإساءة وعدم الإحسان. وكلاهما منهي عنه. { وبذي ~~القربى } أيضا إحسانا، ويشمل ذلك جميع الأقارب، قربوا أو بعدوا، ~~بأن يحسن إليهم بالقول والفعل، وأن لا يقطع برحمه بقوله أو فعله. { ~~واليتمى } أي: الذين فقدوا آباءهم وهم صغار، فلهم حق على ~~المسلمين، سواء كانوا أقارب أو غيرهم، بكفالتهم، وبرهم، وجبر خواطرهم ~~وتأديبهم، وتربيتهم أحسن تربية، في مصالح دينهم ودنياهم. { ~~والمسكين } وهم الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، فلم يحصلوا على ~~كفايتهم، ولا كفاية من يمونون فأمر الله تعالى بالإحسان إليهم، بسد ~~خلتهم وبدفع فاقتهم، والحض على ذلك، والقيام بما يمكن منه. { والجار ~~ذي القربى } أي: الجار القريب الذي له حقان، حق الجوار وحق ~~القرابة، فله على جاره حق وإحسان راجع إلى العرف. وكذلك { الجار ~~الجنب } أي: الذي ليس له قرابة. وكلما كان الجار أقرب بابا، كان آكد ~~حقا، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة والدعوة واللطافة ~~بالأقوال والأفعال، وعدم أذيته بقول أو فعل. { والصاحب بالجنب } ~~قيل: الرفيق في السفر، وقيل: الزوجة، وقيل الصاحب مطلقا، ولعله أولى، ~~فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر، ويشمل الزوجة. فعلى الصاحب لصاحبه، حق ~~زائد على مجرد إسلامه، من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له ~~والوفاء معه في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ~~ويكره له ما يكره لنفسه، وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد. { وابن ~~السبيل } وهو: الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق ~~على المسلمين لشدة حاجته، وكونه في غير وطنه، بتبليغه إلى مقصوده، أو بعض ~~مقصوده [وبإكرامه وتأنيسه]. { وما ملكت أيمنكم } أي: من ~~الآدميين والبهائم، بالقيام بكفايتهم وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم ~~على ما يتحملون، ms0281 وتأديبهم لما فيه مصلحتهم. فمن قام بهذه المأمورات فهو ~~الخاضع لربه، المتواضع لعباد الله، المنقاد لأمر الله وشرعه، الذي يستحق ~~الثواب الجزيل والثناء الجميل، ومن لم يقم بذلك فإنه عبد معرض عن ربه، ~~غير منقاد لأوامره، ولا متواضع للخلق، بل هو متكبر على عباد الله، معجب ~~بنفسه، فخور بقوله، ولهذا قال: { إن الله لا يحب من كان ~~مختالا } أي: معجبا بنفسه متكبرا على الخلق. # { فخورا } يثني على نفسه ويمدحها، على وجه الفخر والبطر على عباد ~~الله. فهؤلاء ما بهم من الاختيال والفخر يمنعهم من القيام بالحقوق. ولهذا ~~ذمهم بقوله: { الذين يبخلون } أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق ~~الواجبة، { ويأمرون الناس بالبخل } بأقوالهم وأفعالهم، { ~~ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله } أي: من العلم الذي ~~يهتدي به الضالون ويسترشد به الجاهلون فيكتمونه عنهم، ويظهرون لهم من ~~الباطل ما يحول بينهم وبين الحق. فجمعوا بين البخل بالمال، والبخل ~~بالعلم، وبين السعي في خسارة أنفسهم وخسارة غيرهم، وهذه هي صفات ~~الكافرين، فلهذا قال تعالى: { وأعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا } أي: كما تكبروا على عباد الله، ومنعوا حقوقه وتسببوا في منع ~~غيرهم، من البخل وعدم الاهتداء، أهانهم بالعذاب الأليم، والخزي الدائم. ~~فعياذا بك اللهم من كل سوء. ثم أخبر عن النفقة الصادرة، عن رياء وسمعة، ~~وعدم إيمان به، فقال: { والذين ينفقون أموالهم رئآء ~~الناس } أي: ليروهم ويمدحوهم، ويعظموهم، { ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر } أي: ليس إنفاقهم صادرا عن إخلاص ~~وإيمان بالله، ورجاء ثوابه. أي: فهذا من خطوات الشيطان وأعماله التي يدعو ~~حزبه إليها، ليكونوا من أصحاب السعير. وصدرت منهم بسبب مقارنته لهم وأزهم ~~إليها، فلهذا قال: { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء ~~قرينا } أي: بئس المقارن والصاحب الذي يريد إهلاك من قارنه، ويسعى ~~فيه أشد السعي. فكما أن من بخل بما آتاه الله، وكتم ما من به الله ~~عليه عاص آثم مخالف لربه، فكذلك من أنفق وتعبد لغير الله، فإنه آثم ~~عاص لربه، مستوجب للعقوبة، لأن الله إنما أمر بطاعته وامتثال أمره، على ~~وجه الإخلاص، ms0282 كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين # [البينة: 5] فهذا العمل المقبول الذي يستحق صاحبه المدح، والثواب، فلهذا ~~حث تعالى عليه بقوله: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم... }. ### || [4.39] # أي: أي شيء عليهم، وأي حرج ومشقة تلحقهم، لو حصل منهم الإيمان بالله، ~~الذي هو الإخلاص، وأنفقوا من أموالهم التي رزقهم الله وأنعم بها عليهم، ~~فجمعوا بين الإخلاص والإنفاق، ولما كان الإخلاص سرا بين العبد وبين ربه، ~~لا يطلع عليه إلا الله، أخبر تعالى بعلمه بجميع الأحوال فقال: { ~~وكان الله بهم عليما }. ### || [4.40-42] # يخبر تعالى عن كمال عدله وفضله، وتنزهه عما يضاد ذلك من الظلم القليل ~~والكثير، فقال: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } أي: ~~ينقصها من حسنات عبده، أو يزيدها في سيئاته، كما قال تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. { وإن تك حسنة يضعفها } أي: إلى عشرة ~~أمثالها، إلى أكثر من ذلك، بحسب حالها ونفعها، وحال صاحبها، إخلاصا ~~ومحبة وكمالا. { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } أي زيادة ~~على ثواب العمل بنفسه، من التوفيق لأعمال أخر، وإعطاء البر الكثير والخير ~~الغزير. ثم قال تعالى { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } أي: كيف تكون ~~تلك الأحوال، وكيف يكون ذلك الحكم العظيم، الذي جمع أن من حكم به كامل ~~العلم كامل العدل، كامل الحكمة، بشهادة أزكى الخلق، وهم الرسل على ~~أممهم، مع إقرار المحكوم عليه؟!! فهذا - والله - الحكم الذي هو أعم ~~الأحكام وأعدلها وأعظمها. وهناك يبقى المحكوم عليهم مقرين له لكمال الفضل ~~والعدل، والحمد والثناء. وهناك يسعد أقوام بالفوز والفلاح والعز والنجاح. ~~ويشقى أقوام بالخزي والفضيحة والعذاب المهين. ولهذا قال { يومئذ ~~يود الذين كفروا وعصوا الرسول } أي: جمعوا بين ~~الكفر بالله وبرسوله ومعصية الرسول { لو تسوى بهم الأرض } ~~أي تبتلعهم ويكونون ترابا وعدما، كما قال تعالى: # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. { ولا يكتمون الله حديثا } أي بل يقرون له ~~بما ms0283 عملوا، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ ~~يوفيهم الله جزاءهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين. فأما ما ورد ~~من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم، فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة، ~~حين يظنون أن جحودهم مغن عنهم من عذاب الله فإذا عرفوا الحقائق، وشهدت ~~عليهم جوارحهم، حينئذ ينجلي الأمر، ولا يبقى للكتمان موضع، ولا نفع ولا ~~فائدة. ### || [4.43] # ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يقربوا الصلاة وهم سكارى، حتى يعلموا ما ~~يقولون، وهذا شامل لقربان مواضع الصلاة كالمسجد، فإنه لا يمكن السكران من ~~دخوله. وشامل لنفس الصلاة، فإنه لا يجوز للسكران صلاة ولا عبادة، لاختلاط ~~عقله وعدم علمه بما يقول، ولهذا حدد تعالى ذلك وغياه إلى وجود العلم، ~~بما يقول السكران. وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا، فإن ~~الخمر - في أول الأمر - كان غير محرم، ثم إن الله تعالى عرض لعباده ~~بتحريمه، بقوله: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنفع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما # [البقرة: 219]. ثم إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة، كما في ~~هذه الآية، ثم إنه تعالى حرمه على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه # [المائدة: 90] الآية. ومع هذا فإنه يشتد تحريمه وقت حضور الصلاة، لتضمنه ~~هذه المفسدة العظيمة، بعد حصول مقصود الصلاة الذي هو روحها ولبها، وهو ~~الخشوع وحضور القلب، فإن الخمر يسكر القلب، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ~~ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا ~~يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد ~~الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين، والتوق لطعام ~~ونحوه، كما ورد في ذلك الحديث الصحيح. ثم قال: { ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل } أي: لا تقربوا الصلاة حالة كون أحدكم جنبا، إلا في ~~هذه الحال، وهو عابر السبيل أي: تمرون في المسجد ولا تمكثون ms0284 فيه، { ~~حتى تغتسلوا } أي: فإذا اغتسلتم، فهو غاية المنع من قربان ~~الصلاة للجنب، فيحل للجنب المرور في المسجد فقط. { وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من ~~الغآئط أو لمستم النسآء فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا }. فأباح التيمم للمريض مطلقا مع وجود الماء وعدمه، ~~والعلة المرض الذي يشق معه استعمال الماء، وكذلك السفر فإنه مظنة فقد ~~الماء، فإذا فقده المسافر أو وجد ما يتعلق بحاجته من شرب ونحوه، جاز له ~~التيمم. وكذلك إذا أحدث الإنسان ببول أو غائط أو ملامسة النساء، فإنه ~~يباح له التيمم إذا لم يجد الماء، حضرا وسفرا، كما يدل على ذلك عموم ~~الآية. والحاصل: أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين: حال عدم الماء، ~~وهذا مطلقا في الحضر والسفر. وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه. واختلف ~~المفسرون في معنى قوله: { أو لمستم النسآء } هل المراد بذلك: ~~الجماع، فتكون الآية نصا في جواز التيمم للجنب، كما تكاثرت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة؟ أو المراد بذلك مجرد اللمس باليد، ويقيد ذلك بما إذا ~~كان مظنة خروج المذي، وهو المس الذي يكون لشهوة، فتكون الآية دالة على ~~نقض الوضوء بذلك؟ واستدل الفقهاء بقوله: { فلم تجدوا مآء } ~~بوجوب طلب الماء عند دخول الوقت، قالوا: لأنه لا يقال: " لم يجد " لمن لم ~~يطلب، بل لا يكون ذلك إلا بعد الطلب، واستدل بذلك أيضا على أن الماء ~~المتغير بشيء من الطاهرات يجوز بل يتعين التطهر به لدخوله في قوله: { ~~فلم تجدوا مآء } وهذا ماء. # ونوزع في ذلك أنه ماء غير مطلق، وفي ذلك نظر. وفي هذه الآية الكريمة ~~مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة، وهو مشروعية ~~التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء ولله الحمد، وأن التيمم يكون بالصعيد ~~الطيب، وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض، سواء كان له غبار أم لا، ويحتمل ~~أن يختص ذلك بذي الغبار، لأن الله قال: { فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم } وما لا غبار له لا يمسح به. وقوله: { فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم } هذا محل المسح ms0285 في التيمم: الوجه جميعه، ~~واليدان إلى الكوعين، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، ويستحب أن يكون ~~ذلك بضربة واحدة، كما دل على ذلك حديث عمار، وفيه أن تيمم الجنب كتيمم ~~غيره، بالوجه واليدين. فائدة اعلم أن قواعد الطب تدور على ثلاث قواعد: ~~حفظ الصحة عن المؤذيات، والاستفراغ منها، والحمية عنها. وقد نبه تعالى ~~عليها في كتابه العزيز. أما حفظ الصحة والحمية عن المؤذي، فقد أمر بالأكل ~~والشرب وعدم الإسراف في ذلك، وأباح للمسافر والمريض الفطر حفظا لصحتهما، ~~باستعمال ما يصلح البدن على وجه العدل، وحماية للمريض عما يضره. وأما ~~استفراغ المؤذي فقد أباح تعالى للمحرم المتأذي برأسه أن يحلقه لإزالة ~~الأبخرة المحتقنة فيه، ففيه تنبيه على استفراغ ما هو أولى منها، من البول ~~والغائط والقيء والمني والدم، وغير ذلك، نبه على ذلك ابن القيم رحمه الله ~~تعالى. وفي الآية وجوب تعميم مسح الوجه واليدين، وأنه يجوز التيمم ولو لم ~~يضق الوقت، وأنه لا يخاطب بطلب الماء إلا بعد وجود سبب الوجوب والله ~~أعلم. ثم ختم الآية بقوله: { إن الله كان عفوا غفورا } ~~أي: كثير العفو والمغفرة لعباده المؤمنين، بتيسير ما أمرهم به، وتسهيله ~~غاية التسهيل، بحيث لا يشق على العبد امتثاله، فيحرج بذلك. ومن عفوه ~~ومغفرته أن رحم هذه الأمة بشرع طهارة التراب بدل الماء، عند تعذر ~~استعماله. ومن عفوه ومغفرته أن فتح للمذنبين باب التوبة والإنابة ودعاهم ~~إليه ووعدهم بمغفرة ذنوبهم. ومن عفوه ومغفرته، أن المؤمن لو أتاه بقراب ~~الأرض خطايا ثم لقيه لا يشرك به شيئا، لأتاه بقرابها مغفرة. ### || [4.44-46] # هذا ذم لمن { أوتوا نصيبا من الكتب } وفي ضمنه تحذير ~~عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم، فأخبر أنهم، في أنفسهم { ~~يشترون الضللة } أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من ~~يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه، فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على ~~الإيمان، والشقاء على السعادة، ومع هذا { يريدون أن تضلوا ~~السبيل }. فهم حريصون على إضلالكم غاية الحرص، باذلون جهدهم في ذلك، ~~ولكن لما كان الله ولي ms0286 عباده المؤمنين وناصرهم، بين لهم ما اشتملوا عليه ~~من الضلال والإضلال، ولهذا قال: { وكفى بالله وليا } أي: ~~يتولى أحوال عباده، ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم ~~وفلاحهم. { وكفى بالله نصيرا } ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ~~ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه ~~زوال الشر. ثم بين كيفية ضلالهم وعنادهم، وإيثارهم الباطل على الحق فقال: ~~{ من الذين هادوا } أي: اليهود وهم علماء الضلال منهم. { ~~يحرفون الكلم عن مواضعه } إما بتغيير اللفظ أو المعنى، ~~أو هما جميعا. فمن تحريفهم تنزيل الصفات التي ذكرت في كتبهم التي لا ~~تنطبق ولا تصدق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم على أنه غير مراد بها، ~~ولا مقصود بها، بل أريد بها غيره، وكتمانهم ذلك. فهذا حالهم في العلم أشر ~~حال، قلبوا فيه الحقائق، ونزلوا الحق على الباطل، وجحدوا لذلك الحق، وأما ~~حالهم في العمل والانقياد فإنهم { يقولون سمعنا وعصينا } ~~أي: سمعنا قولك وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد، والشرود عن ~~الانقياد، وكذلك يخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بأقبح خطاب وأبعده عن ~~الأدب، فيقولون: { واسمع غير مسمع } قصدهم: اسمع منا غير مسمع ~~ما تحب، بل مسمع ما تكره، { ورعنا } قصدهم بذلك الرعونة، بالعيب ~~القبيح، ويظنون أن اللفظ - لما كان محتملا لغير ما أرادوا من الأمور - ~~أنه يروج على الله وعلى رسوله، فتوصلوا بذلك اللفظ الذي يلوون به ~~ألسنتهم إلى الطعن في الدين، والعيب للرسول، ويصرحون بذلك فيما بينهم، ~~فلهذا قال: { ليا بألسنتهم وطعنا في الدين }. ثم ~~أرشدهم إلى ما هو خير لهم من ذلك فقال: { ولو أنهم قالوا ~~سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم ~~وأقوم }. وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في ~~مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في ~~طلبهم العلم، بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم ~~سلوكه. ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله ~~بكفرهم وعنادهم، ولهذا قال: { ولكن ms0287 لعنهم الله بكفرهم ~~فلا يؤمنون إلا قليلا }. ### || [4.47] # يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أن يؤمنوا بالرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم، المهيمن على غيره ~~من الكتب السابقة التي قد صدقها، فإنها أخبرت به فلما وقع المخبر به كان ~~تصديقا لذلك الخبر. وأيضا فإنهم إن لم يؤمنوا بهذا القرآن، فإنهم لم ~~يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، ويوافق ~~بعضها بعضا. فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض، دعوى باطلة لا يمكن صدقها. ~~وفي قوله: { ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم } ~~حث لهم، وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه، بسبب ما أنعم ~~الله عليهم به من العلم، والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من ~~غيرهم، ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال: { من قبل أن نطمس ~~وجوها فنردها على أدبارهآ } وهذا جزاء من جنس ما عملوا، ~~كما تركوا الحق، وآثروا الباطل، وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقا ~~والحق باطلا، جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على ~~أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون { أو نلعنهم ~~كما لعنآ أصحب السبت } بأن يطردهم من رحمته، ويعاقبهم ~~بجعلهم قردة، كما فعل بإخوانهم الذين اعتدوا في السبت، # فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65]. { وكان أمر الله مفعولا } كقوله: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. ### || [4.48] # يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين، ويغفر ما دون ~~الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت ~~حكمته مغفرته. فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابا ~~كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم ~~القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله ~~رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد. وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك ~~قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه ~~الطاعات من دون التوحيد، ms0288 ولا تفيده المصائب شيئا وما لهم يوم القيامة # من شافعين * ولا صديق حميم # [الشعراء: 100-101]. ولهذا قال تعالى { ومن يشرك بالله فقد ~~افترى إثما عظيما } أي افترى جرما كبيرا وأي ظلم أعظم ممن ~~سوى المخلوق - من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الفقير بذاته من كل ~~وجه، الذي لا يملك لنفسه- فضلا عمن عبده - نفعا ولا ضرا، ولا موتا ~~ولا حياة ولا نشورا - بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني ~~بذاته عن جميع مخلوقاته، الذي بيده النفع والضر، والعطاء والمنع، الذي ما ~~من نعمة بالمخلوقين، إلا فمنه تعالى، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ ولهذا ~~حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار # [المائدة: 72] وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب وأما التائب، فإنه ~~يغفر له الشرك فما دونه كما قال تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # [الزمر: 53] أي لمن تاب إليه وأناب. ### || [4.49-50] # هذا تعجيب من الله لعباده، وتوبيخ للذين يزكون أنفسهم من اليهود ~~والنصارى، ومن نحا نحوهم، من كل من زكى نفسه، بأمر ليس فيه. وذلك أن ~~اليهود والنصارى يقولون: # نحن أبنؤا الله وأحبؤه # [المائدة: 18] ويقولون: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] وهذا مجرد دعوى لا برهان عليها، وإنما البرهان ما أخبر به ~~في القرآن في قوله: # بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ~~عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 112 ] فهؤلاء هم الذين زكاهم الله، ولهذا قال هنا: { بل ~~الله يزكي من يشآء } أي: بالإيمان والعمل الصالح، بالتخلي عن ~~الأخلاق الرذيلة، والتحلي بالصفات الجميلة. وأما هؤلاء فهم - وإن زكوا ~~أنفسهم بزعمهم أنهم على شيء، وأن الثواب لهم وحدهم - فإنهم كذبة في ذلك، ~~ليس لهم من خصال الزاكين نصيب، بسبب ظلمهم وكفرهم، لا بظلم من الله لهم، ~~ولهذا قال: { ولا يظلمون فتيلا }. وهذا لتحقيق العموم، أي: لا ~~يظلمون شيئا، ms0289 ولا مقدار الفتيل الذي في شق النواة، أو الذي يفتل من وسخ ~~اليد وغيرها. قال تعالى: { انظر كيف يفترون على الله ~~الكذب } أي: بتزكيتهم أنفسهم، لأن هذا من أعظم الافتراء على الله. لأن ~~مضمون تزكيتهم لأنفسهم، الإخبار بأن الله جعل ما هم عليه حقا، وما عليه ~~المؤمنون المسلمون باطلا. وهذا أعظم الكذب وقلب الحقائق بجعل الحق ~~باطلا، والباطل حقا. ولهذا قال: { وكفى به إثما مبينا } ~~أي: ظاهرا بينا، موجبا للعقوبة البليغة والعذاب الأليم. ### || [4.51-57] # وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أن ~~أخلاقهم الرذيلة، وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، ~~والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، ~~أو حكم بغير شرع الله. فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعبادة غير الله، ~~وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت، وكذلك حملهم الكفر والحسد على ~~أن فضلوا طريقة الكافرين بالله - عبدة الأصنام - على طريق المؤمنين، ~~فقال: { ويقولون للذين كفروا } أي: لأجلهم، تملقا لهم ~~ومداهنة، وبغضا للإيمان: { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ~~سبيلا } أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم، وأقل عقولهم!! كيف سلكوا ~~هذا المسلك الوخيم، والوادي الذميم؟!! هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من ~~العقلاء، أو يدخل عقل أحد من الجهلاء، فهل يفضل دين قام على عبادة ~~الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال ~~كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، ~~والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله ~~في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد ~~والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، ~~وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع ~~الأقوال والأعمال فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل ~~الناس وأضعفهم عقلا، وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا ~~هو الواقع، ولهذا قال تعالى عنهم: { أولئك الذين لعنهم ~~الله } أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته. ms0290 { ومن يلعن ~~الله فلن تجد له نصيرا } أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه ~~عن المكاره، وهذا غاية الخذلان. { أم لهم نصيب من الملك } ~~أي: فيفضلون من شاؤوا على من شاؤوا بمجرد أهوائهم، فيكونون شركاء لله ~~في تدبير المملكة، فلو كانوا كذلك لشحوا وبخلوا أشد البخل، ولهذا قال: { ~~فإذا } أي: لو كان لهم نصيب من الملك { لا يؤتون الناس ~~نقيرا } أي: شيئا، ولا قليلا. وهذا وصف لهم بشدة البخل، على تقدير ~~وجود ملكهم المشارك لملك الله. وأخرج هذا مخرج الاستفهام المتقرر إنكاره، ~~عند كل أحد. { أم يحسدون الناس على مآ آتهم الله ~~من فضله } أي: هل الحامل لهم على قولهم كونهم شركاء لله، فيفضلون ~~من شاؤوا؟ أم الحامل لهم على ذلك الحسد للرسول وللمؤمنين على ما آتاهم ~~الله من فضله؟ وذلك ليس ببدع ولا غريب على فضل الله. { فقد آتينآ ~~آل إبرهيم الكتب والحكمة وآتيناهم ملكا ~~عظيما } وذلك ما أنعم الله به على إبراهيم وذريته، من النبوة والكتاب ~~والملك الذي أعطاه من أعطاه من أنبيائه ك " داود " و " سليمان ". # فإنعامه لم يزل مستمرا على عباده المؤمنين. فكيف ينكرون إنعامه بالنبوة ~~والنصر والملك لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأجلهم، وأعظمهم ~~معرفة بالله وأخشاهم له؟!! { فمنهم من آمن به } أي: بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، فنال بذلك السعادة الدنيوية والفلاح الأخروي. { ~~ومنهم من صد عنه } عنادا وبغيا وحسدا، فحصل لهم من شقاء ~~الدنيا ومصائبها، ما هو بعض آثار معاصيهم { وكفى بجهنم ~~سعيرا } تسعر على من كفر بالله، وجحد نبوة أنبيائه من اليهود ~~والنصارى، وغيرهم من أصناف الكفرة. ولهذا قال: { إن الذين ~~كفروا بآيتنا سوف نصليهم نارا } أي: عظيمة الوقود، ~~شديدة الحرارة، { كلما نضجت جلودهم } أي: احترقت { ~~بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } أي: ليبلغ ~~العذاب منهم كل مبلغ. وكما تكرر منهم الكفر والعناد وصار وصفا لهم وسجية ~~كرر عليهم العذاب جزاء وفاقا، ولهذا قال: { إن الله كان ~~عزيزا حكيما } أي: له العزة العظيمة، والحكمة في خلقه وأمره، ~~وثوابه وعقابه. { والذين آمنوا } أي: بالله، ms0291 وما أوجب الإيمان ~~به { وعملوا الصالحات } من الواجبات والمستحبات { ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيهآ أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة } أي: من الأخلاق ~~الرذيلة، والخلق الذميم، ومما يكون من نساء الدنيا من كل دنس وعيب { ~~وندخلهم ظلا ظليلا }. ### || [4.58-59] # الأمانات كل ما اؤتمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به. فأمر الله عباده ~~بأدائها أي: كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوسة، ولا ممطولا بها، ويدخل ~~في ذلك أمانات الولايات والأموال والأسرار والمأمورات التي لا يطلع عليها ~~إلا الله. وقد ذكر الفقهاء، على أن من اؤتمن أمانة وجب عليه حفظها في ~~حرز مثلها. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها فوجب ذلك. وفي قوله: { ~~إلى أهلها } دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن، ووكيله ~~بمنزلته فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها. { وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل } وهذا يشمل الحكم بينهم في ~~الدماء، والأموال، والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، ~~والبر والفاجر، والولي والعدو. والمراد بالعدل الذي أمر الله بالحكم به، ~~هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام، وهذا يستلزم معرفة ~~العدل ليحكم به. ولما كانت هذه أوامر حسنة عادلة، قال: { إن الله ~~نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } وهذا ~~مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاشتمالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما، ~~لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم بمصالح العباد ~~ما لا يعلمون. ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله، وذلك بامتثال أمرهما، الواجب ~~والمستحب، واجتناب نهيهما. وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، ~~من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم ~~إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله، ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا ~~يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ~~ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم، وذكره مع طاعة الرسول ~~فإن الرسول، لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو ~~الأمر ms0292 فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية. ثم أمر برد كل ما تنازع ~~الناس فيه من أصول الدين وفروعه، إلى الله وإلى رسوله، أي: إلى كتاب الله ~~وسنة رسوله فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما، ~~أو عمومهما أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم أو عموم معنى يقاس عليه ما ~~أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم ~~الإيمان إلا بهما. فالرد إليهما شرط في الإيمان، فلهذا قال: { إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } فدل ذلك على أن ~~من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، ~~كما ذكر في الآية بعدها { ذلك } أي: الرد إلى الله ورسوله { خير ~~وأحسن تأويلا } فإن حكم الله ورسوله، أحسن الأحكام وأعدلها، ~~وأصلحها للناس، في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم. ### || [4.60-63] # يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. { الذين يزعمون أنهم ~~} مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا { يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت } وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو ~~طاغوت. والحال أنهم { وقد أمروا أن يكفروا به } فكيف ~~يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل ~~أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو ~~كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: { ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } عن الحق. { فكيف } ~~يكون حال هؤلاء الضالين { إذآ أصبتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم } من المعاصي، ومنها تحكيم الطاغوت؟! { ثم ~~جآءوك } معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: { إن أردنآ إلا ~~إحسنا وتوفيقا } أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى ~~المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كذبة في ذلك. فإن الإحسان كل الإحسان ~~تحكيم الله ورسوله # ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون # [المائدة: 50]. ولهذا قال: { أولئك الذين يعلم الله ~~ما في قلوبهم } أي: من النفاق والقصد السيئ. { فأعرض ~~عنهم } أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. { ~~وعظهم } أي: بين لهم حكم الله تعالى مع ms0293 الترغيب في الانقياد لله، ~~والترهيب من تركه، { وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } ~~أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم ~~وقمعهم عما كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه ~~فإنه ينصح سرا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به. ### || [4.64-65] # يخبر تعالى خبرا في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له. ~~وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين، ينقاد لهم المرسل إليهم في ~~جميع ما أمروا به ونهوا عنه، وأن يكونوا معظمين، تعظيم المطيع للمطاع. ~~وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون ~~عنه لأن الله أمر بطاعتهم مطلقا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو ~~خطأ، لما أمر بذلك مطلقا. وقوله: { بإذن الله } أي: الطاعة من ~~المطيع، صادرة بقضاء الله وقدره. ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على ~~الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يمكن الإنسان - إن لم يعنه الله - أن يطيع ~~الرسول. ثم أخبر عن كرمه العظيم وجوده، ودعوته لمن اقترفوا السيئات، أن ~~يعترفوا ويتوبوا ويستغفروا الله فقال: { ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جآءوك } أي: معترفين بذنوبهم، باخعين بها. { ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما } أي: لتاب عليهم بمغفرته ظلمهم، ورحمهم ~~بقبول التوبة والتوفيق لها، والثواب عليها، وهذا المجيء إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مختص بحياته لأن السياق يدل على ذلك لكون الاستغفار من ~~الرسول لا يكون إلا في حياته، وأما بعد موته فإنه لا يطلب منه شيء، بل ~~ذلك شرك. ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله ~~فيما شجر بينهم، أي: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع، ~~فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة، ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ~~ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا ~~يكفي ذلك حتى يسلموا لحكمه تسليما، بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد ~~بالظاهر والباطن. فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء ms0294 الحرج في مقام ~~الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان. فمن استكمل هذه المراتب وكملها، فقد ~~استكمل مراتب الدين كلها. فمن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له ~~فهو كافر، ومن تركه، مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين. ### || [4.66-68] # يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل ~~النفوس، والخروج من الديار، لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ~~ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ~~ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه ~~من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدا وشكرا لربه. ثم أخبر ~~أنهم لو فعلوا ما يوعظون به، أي: ما وظف عليهم في كل وقت بحسبه، ~~فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم ~~يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن ينظر إلى ~~الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئا فشيئا، حتى يصل ~~إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت ~~نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك ~~بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط. ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ~~ما يوعظون به، وهو أربعة أمور: أحدها الخيرية في قوله: { لكان خيرا ~~لهم } أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم، من أفعال الخير، ~~التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء ~~يستلزم نفي ضده. الثاني حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت ~~الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، ~~فيثبتهم في الحياة الدنيا، عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، ~~فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر، التي تقتضي النفس ~~فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد. فيوفق للتثبيت بالتوفيق ~~للصبر أو للرضا أو للشكر. فينزل عليه معونة من الله ms0295 للقيام بذلك، ويحصل ~~له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر. وأيضا فإن العبد القائم بما ~~أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها، ويشتاق إليها ~~وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. الثالث قوله: ~~{ وإذا لأتينهم من لدنآ أجرا عظيما } أي: في ~~العاجل والآجل، الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الرابع الهداية إلى صراط ~~مستقيم. وهذا عموم بعد خصوص، لشرف الهداية إلى الصراط المستقيم، من كونها ~~متضمنة للعلم بالحق، ومحبته وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح ~~على ذلك، فمن هدي إلى صراط مستقيم، فقد وفق لكل خير، واندفع عنه كل شر ~~وضير. ### || [4.69-70] # أي: كل من أطاع الله ورسوله على حسب حاله، وقدر الواجب عليه من ذكر ~~وأنثى وصغير وكبير، { فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم } أي: النعمة العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة، { ~~من النبيين } الذين فضلهم الله بوحيه، واختصهم بتفضيلهم ~~بإرسالهم إلى الخلق، ودعوتهم إلى الله تعالى { والصديقين } وهم: ~~الذين كمل تصديقهم بما جاءت به الرسل، فعلموا الحق وصدقوه بيقينهم، ~~وبالقيام به قولا وعملا وحالا، ودعوة إلى الله، { والشهدآء } ~~الذين قاتلوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فقتلوا، { والصالحين ~~} الذين صلح ظاهرهم وباطنهم، فصلحت أعمالهم، فكل من أطاع الله تعالى ~~كان مع هؤلاء في صحبتهم، { وحسن أولئك رفيقا } بالاجتماع ~~بهم في جنات النعيم، والأنس بقربهم في جوار رب العالمين. { ذلك ~~الفضل } الذي نالوه { من الله } فهو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم ~~عليه، وأعطاهم من الثواب، ما لا تبلغه أعمالهم. { وكفى بالله ~~عليما } يعلم أحوال عباده ومن يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به ~~من الأعمال الصالحة، التي تواطأ عليها القلب والجوارح. ### || [4.71-74] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا يشمل ~~الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، ~~من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي ~~تعين على ذلك، وما به ms0296 يعرف مداخلهم ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل ~~الله. ولهذا قال: { فانفروا ثبات } أي: متفرقين بأن تنفر سرية أو ~~جيش، ويقيم غيرهم { أو انفروا جميعا } وكل هذا تبع للمصلحة ~~والنكاية، والراحة للمسلمين في دينهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60]. ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: { ~~وإن منكم } أي: أيها المؤمنون { لمن ليبطئن } أي: ~~يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله، ضعفا، وخورا، وجبنا، هذا الصحيح. وقيل ~~معناه: ليبطئن غيره أي: يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون ولكن الأول ~~أولى لوجهين: أحدهما: قوله { منكم } والخطاب للمؤمنين. والثاني: ~~قوله في آخر الآية: { كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة } فإن الكفار من المشركين، والمنافقين، قد قطع الله بينهم وبين ~~المؤمنين المودة. وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: ~~صادقون في إيمانهم، أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد. وضعفاء دخلوا في ~~الإسلام، فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد. كما قال تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] إلى آخر الآيات. ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين، ونهاية ~~مقاصدهم، وأن معظم قصدهم الدنيا وحطامها فقال: { فإن أصبتكم ~~مصيبة } أي: هزيمة، وقتل، وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال، لما ~~لله في ذلك من الحكم. { قال } ذلك المتخلف { قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا } رأى من ضعف عقله وإيمانه ~~أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة. ولم يدر أن النعمة ~~الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم ~~بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب ورضا الكريم ~~الوهاب. وأما القعود فإنه وإن استراح قليلا، فإنه يعقبه تعب طويل وآلام ~~عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين. ثم قال: { ولئن أصبكم فضل ~~من الله } أي: نصر وغنيمة { ليقولن كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة يليتني كنت معهم فأفوز ~~فوزا عظيما } أي: يتمنى أنه حاضر لينال من المغانم، ليس له رغبة ~~ولا قصد في غير ms0297 ذلك، كأنه ليس منكم، يا معشر المؤمنين ولا بينكم وبينه ~~المودة الإيمانية، التي من مقتضاها أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم ~~ودفع مضارهم، يفرحون بحصولها ولو على يد غيرهم من إخوانهم المؤمنين ~~ويألمون بفقدها، ويسعون جميعا في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم، فهذا ~~الذي يتمنى الدنيا فقط، ليست معه الروح الإيمانية المذكورة. # ومن لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها. بل ~~من حصل منه غير ما يليق، أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، فلهذا أمر ~~هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله، فقال: { فليقاتل في سبيل ~~الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } هذا ~~أحد الأقوال في هذه الآية، وهو أصحها. وقيل: إن معناه: فليقاتل في سبيل ~~الله المؤمنون الكاملو الإيمان، الصادقون في إيمانهم { الذين ~~يشرون الحياة الدنيا بالآخرة } أي: يبيعون الدنيا رغبة ~~عنها، بالآخرة رغبة فيها. فإن هؤلاء هم الذين يوجه إليهم الخطاب، لأنهم ~~الذين قد أعدوا أنفسهم ووطنوها على جهاد الأعداء، لما معهم من الإيمان ~~التام المقتضي لذلك. وأما أولئك المتثاقلون، فلا يعبأ بهم، خرجوا أو ~~قعدوا، فيكون هذا نظير قوله تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا # [الإسراء: 107] إلى آخر الآيات. وقوله: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89] وقيل: إن معنى الآية: فليقاتل المقاتل والمجاهد للكفار، ~~الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، فيكون على هذا الوجه " الذين " في ~~محل نصب على المفعولية. { ومن يقاتل في سبيل الله } بأن ~~يكون جهادا، قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصا لله فيه قاصدا ~~وجه الله. { فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } زيادة في إيمانه ودينه، وغنيمة، وثناء حسنا، وثواب ~~المجاهدين في سبيل الله الذين أعد الله لهم في الجنة ما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ### || [4.75] # هذا حث من الله لعباده المؤمنين، وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ~~ذلك قد ms0298 تعين عليهم، وتوجه اللوم العظيم عليهم بتركه فقال: { وما لكم ~~لا تقتلون في سبيل الله } والحال أن المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ومع هذا فقد ~~نالهم أعظم الظلم من أعدائهم، فهم يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية ~~الظالم أهلها لأنفسهم بالكفر والشرك، وللمؤمنين بالأذى والصد عن سبيل ~~الله، ومنعهم من الدعوة لدينهم والهجرة. ويدعون الله أن يجعل لهم وليا ~~ونصيرا، يستنقذهم من هذه القرية الظالم أهلها، فصار جهادكم على هذا ~~الوجه من باب القتال، والذب عن عيلاتكم وأولادكم ومحارمكم، لا من باب ~~الجهاد الذي هو الطمع في الكفار، فإنه وإن كان فيه فضل عظيم، ويلام ~~المتخلف عنه أعظم لوم، فالجهاد الذي فيه استنقاذ المستضعفين منكم أعظم ~~أجرا، وأكبر فائدة بحيث يكون من باب دفع الأعداء. ### || [4.76] # هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله { والذين ~~كفروا يقتلون في سبيل الطغوت } الذي هو الشيطان. في ~~ضمن ذلك عدة فوائد: منها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله، ~~وإخلاصه ومتابعته. فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ~~ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته. ومنها: ~~أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه من الصبر والجلد ما لا ~~يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، ~~فأهل الحق أولى بذلك، كما قال تعالى في هذا المعنى: # إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون # الآية [النساء: 104]. ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن ~~وثيق، وهو الحق، والتوكل على الله. فصاحب القوة والركن الوثيق، يطلب منه ~~من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل، الذي لا حقيقة ~~له ولا عاقبة حميدة. فلهذا قال تعالى: { فقتلوا أولياء ~~الشيطن إن كيد الشيطن كان ضعيفا }. والكيد: سلوك ~~الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مكره مهما بلغ فإنه في ~~غاية الضعف، الذي ms0299 لا يقوم لأدنى شيء من الحق، ولا لكيد الله لعباده ~~المؤمنين. ### || [4.77-81] # كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة ~~الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا ~~بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء، لعدة فوائد: منها: أن من حكمة ~~الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم ويبدأ بالأهم ~~فالأهم، والأسهل فالأسهل. ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة ~~عددهم وعددهم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، ~~فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحكم. وكان بعض ~~المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ~~ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمروا به في ذلك الوقت من التوحيد ~~والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى: # ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا # [النساء: 66] فلما هاجروا إلى المدينة، وقوي الإسلام، كتب عليهم القتال ~~في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين يستعجلون القتال قبل ذلك، ~~خوفا من الناس وضعفا وخورا: { ربنا لم كتبت علينا ~~القتال }؟ وفي هذا تضجرهم، واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ~~ضد هذه الحال، التسليم لأمر الله، والصبر على أوامره، فعكسوا الأمر ~~المطلوب منهم فقالوا: { لولا أخرتنا إلى أجل قريب } ~~أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرا ~~ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه ~~لا يصبر عليها وقت حلولها، ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر. ثم إن ~~الله وعظهم عن هذه الحال التي فيها التخلف عن القتال فقال: { قل ~~متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى } أي: ~~التمتع بلذات الدنيا وراحتها قليل، فتحمل الأثقال في طاعة الله في المدة ~~القصيرة مما يسهل على النفوس ويخف عليها لأنها إذا علمت أن المشقة التي ~~تنالها لا يطول لبثها، هان عليها ذلك، فكيف إذا وازنت بين الدنيا ~~والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها ms0300 وزمانها، فذاتها - كما ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه - # " أن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " # ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من ~~تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك كما قال تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]. وقال الله على لسان نبيه: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر ". # وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قوبل بين لذاتها ~~وما يقترن بها من أنواع الآلام، والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه ~~من الوجوه. # وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء ~~يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم، وأهلها خالدون فيها، فإذا فكر ~~العاقل في هاتين الدارين، وتصور حقيقتهما حق التصور، عرف ما هو أحق ~~بالإيثار، والسعي له، والاجتهاد لطلبه، ولهذا قال: { والآخرة خير ~~لمن اتقى } أي: اتقى الشرك، وسائر المحرمات. { ولا تظلمون ~~فتيلا } أي: فسعيكم للدار الآخرة، ستجدونه كاملا موفرا غير منقوص ~~منه شيئا. ثم أخبر أنه لا يغني حذر عن قدر، وأن القاعد لا يدفع عنه ~~قعوده شيئا، فقال: { أينما تكونوا يدرككم الموت } أي: ~~في أي زمان، وأي مكان. { ولو كنتم في بروج مشيدة } أي: ~~قصور منيعة، ومنازل رفيعة، وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله تارة ~~بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار ~~أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها. ثم ~~قال: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ~~قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا ~~يكادون يفقهون حديثا * مآ أصابك من حسنة فمن ~~الله ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك ~~للناس رسولا وكفى بالله شهيدا * من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا } يخبر تعالى عن الذين لا يعلمون المعرضين ms0301 عما جاءت ~~به الرسل، المعارضين لهم، أنهم إذا جاءتهم حسنة، أي: خصب وكثرة أموال، ~~وتوفر أولاد وصحة، قالوا: { هذه من عند الله } وأنهم إن ~~أصابتهم سيئة، أي: جدب، وفقر، ومرض وموت أولاد وأحباب قالوا: { هذه ~~من عندك } أي: بسبب ما جئتنا به يا محمد، تطيروا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كما تطير أمثالهم برسل الله، كما أخبر الله عن قوم فرعون ~~أنهم قالوا لموسى # فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # [الأعراف: 131]. وقال قوم صالح: # قالوا اطيرنا بك وبمن معك # [النمل: 47]. وقال قوم ياسين لرسلهم: # إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم # الآية [يس: 18]. فلما تشابهت قلوبهم بالكفر تشابهت أقوالهم وأعمالهم. ~~وهكذا كل من نسب حصول الشر أو زوال الخير لما جاءت به الرسل أو لبعضه، ~~فهو داخل في هذا الذم الوخيم. قال الله في جوابهم: { قل كل } أي: من ~~الحسنة والسيئة، والخير والشر. { من عند الله } أي: بقضائه وقدره ~~وخلقه. { فمال هؤلاء القوم } أي: الصادر منهم تلك المقالة ~~الباطلة. { لا يكادون يفقهون حديثا } أي: لا يفهمون حديثا ~~بالكلية، ولا يقربون من فهمه، أو لا يفهمون منه إلا فهما ضعيفا، وعلى ~~كل فهو ذم لهم وتوبيخ على عدم فهمهم وفقههم عن الله وعن رسوله، وذلك بسبب ~~كفرهم وإعراضهم. # وفي ضمن ذلك مدح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى ~~الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق ~~الموصلة إليه. فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات ~~والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك. وأن الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام، لا يكونون سببا لشر يحدث، هم ولا ما جاؤوا به، ~~لأنهم بعثوا بصلاح الدنيا والآخرة والدين. ثم قال تعالى: { مآ ~~أصابك من حسنة } أي: في الدين والدنيا { فمن الله } هو ~~الذي من بها ويسرها بتيسير أسبابها. { ومآ أصابك من سيئة ~~} في الدين والدنيا { فمن نفسك } أي: بذنوبك وكسبك، وما يعفو الله ~~عنه أكثر. ms0302 فالله تعالى قد فتح لعباده أبواب إحسانه، وأمرهم بالدخول لبره ~~وفضله، وأخبرهم أن المعاصي مانعة من فضله، فإذا فعلها العبد فلا يلومن ~~إلا نفسه فإنه المانع لنفسه، عن وصول فضل الله وبره. ثم أخبر عن عموم ~~رسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { وأرسلناك للناس ~~رسولا وكفى بالله شهيدا } على أنك رسول الله حقا بما أيدك ~~بنصره، والمعجزات الباهرة، والبراهين الساطعة، فهي أكبر شهادة على ~~الإطلاق، كما قال تعالى: # قل أي شيء أكبر شهدة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم # [الأنعام: 19] فإذا علم أن الله تعالى، كامل العلم، تام القدرة، عظيم ~~الحكمة، وقد أيد الله رسوله بما أيده، ونصره نصرا عظيما، تيقن بذلك أنه ~~رسول الله، وإلا فلو تقول عليه بعض الأقاويل، لأخذ منه باليمين، ثم لقطع ~~منه الوتين. { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن ~~تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا * ويقولون ~~طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم ~~غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض ~~عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }. أي: ~~كل من أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه { فقد أطاع الله } ~~تعالى، لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه، ووحيه وتنزيله، وفي ~~هذا عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله أمر بطاعته مطلقا، فلولا ~~أنه معصوم في كل ما يبلغ عن الله، لم يأمر بطاعته مطلقا، ويمدح على ~~ذلك. وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة: حق لله تعالى، لا يكون ~~لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك. وقسم مختص ~~بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة. وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ~~ورسوله، ومحبتهما وطاعتهما كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا # [الفتح: 9]. فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما ~~رتب على طاعة الله { ومن تولى } عن طاعة الله ورسوله، فإنه لا يضر ~~إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا ~~} أي: تحفظ أعمالهم وأحوالهم، ms0303 بل أرسلناك مبلغا ومبينا وناصحا، وقد ~~أديت وظيفتك، ووجب أجرك على الله، سواء اهتدوا أم لم يهتدوا. # كما قال تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر # الآية [الغاشية: 21-22]. ولا بد أن تكون طاعة الله ورسوله ظاهرا ~~وباطنا، في الحضرة والمغيب. فأما من يظهر في الحضرة والطاعة ~~والالتزام، فإذا خلا بنفسه أو أبناء جنسه، ترك الطاعة وأقبل على ضدها، ~~فإن الطاعة التي أظهرها غير نافعة ولا مفيدة، وقد أشبه من قال الله ~~فيهم: { ويقولون طاعة } أي يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك { ~~فإذا برزوا من عندك } أي: خرجوا وخلوا في حالة لا يطلع فيها ~~عليهم { بيت طآئفة منهم غير الذي تقول } أي بيتوا ~~ودبروا غير طاعتك ولا ثم إلا المعصية. وفي قوله { بيت طآئفة ~~منهم غير الذي تقول } دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه ~~غير الطاعة لأن التبييت تدبير الأمر ليلا على وجه يستقر عليه الرأي ثم ~~توعدهم على ما فعلوا فقال { والله يكتب ما يبيتون } أي: ~~يحفظه عليهم، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، ففيه وعيد لهم. ثم أمر رسوله ~~بمقابلتهم بالإعراض، وعدم التعنيف، فإنهم لا يضرونه شيئا إذا توكل على ~~الله واستعان به في نصر دينه وإقامة شرعه ولهذا قال: { فأعرض ~~عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }. ### || [4.82] # يأمر تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي ~~مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك، فإن تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، ~~وبه يستنتج كل خير وتستخرج منه جميع العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب ~~وترسخ شجرته. فإنه يعرف بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال وما ينزه ~~عنه من سمات النقص، ويعرف الطريق الموصلة إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند ~~القدوم عليه، ويعرف العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة ~~إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب. وكلما ازداد ~~العبد تأملا فيه، ازداد علما وعملا وبصيرة، لذلك أمر الله بذلك، وحث ~~عليه وأخبر أنه [هو] المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى: # كتاب أنزلناه إليك ms0304 مبارك ليدبروا آياته ~~وليتذكر أولوا الألباب # [ص: 29] وقال تعالى: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة ~~اليقين، والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضا، ويوافق بعضه ~~بعضا. فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها ~~متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن، وأنه من ~~عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى: { لقرآن ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~} أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلا. ### || [4.83] # هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا ~~جاءهم أمر من الأمور المهمة، والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن، وسرور ~~المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا ~~بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، أهل ~~الرأي والعلم والنصح، والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون ~~المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم ~~وتحرزا من أعدائهم، فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة، أو فيه ~~مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: { لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم } أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم ~~السديدة، وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل ~~بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك، ويجعل إلى أهله، ~~ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. ~~وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل ~~قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيقدم عليه الإنسان؟ أم لا؟ ~~فيحجم عنه؟ ثم قال تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } أي: في توفيقكم وتأديبكم، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون، ~~{ لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } لأن الإنسان بطبعه ظالم ~~جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر. فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به، واجتهد في ~~ذلك، ms0305 لطف به ربه ووفقه لكل خير، وعصمه من الشيطان الرجيم. ### || [4.84] # هذه الحالة أفضل أحوال العبد، أن يجتهد في نفسه على امتثال أمر الله من ~~الجهاد وغيره، ويحرض غيره عليه، وقد يعدم في العبد الأمران أو أحدهما، ~~فلهذا قال لرسوله: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا ~~نفسك } أي: ليس لك قدرة على غير نفسك، فلن تكلف بفعل غيرك. { ~~وحرض المؤمنين } على القتال، وهذا يشمل كل أمر يحصل به نشاط ~~المؤمنين وقوة قلوبهم، من تقويتهم، والإخبار بضعف الأعداء، وفشلهم، وبما ~~أعد للمقاتلين من الثواب، وما على المتخلفين من العقاب، فهذا وأمثاله ~~كله يدخل في التحريض على القتال. { عسى الله أن يكف بأس ~~الذين كفروا } أي: بقتالكم في سبيل الله، وتحريض بعضكم بعضا. { ~~والله أشد بأسا } أي: قوة وعزة { وأشد تنكيلا } ~~بالمذنب في نفسه، وتنكيلا لغيره، فلو شاء تعالى لانتصر من الكفار بقوته ~~ولم يجعل لهم باقية. ولكن من حكمته يبلو بعض عباده ببعض ليقوم سوق ~~الجهاد، ويحصل الإيمان النافع، إيمان الاختيار، لا إيمان الاضطرار والقهر ~~الذي لا يفيد شيئا. ### || [4.85] # المراد بالشفاعة هنا: المعاونة على أمر من الأمور، فمن شفع غيره وقام ~~معه على أمر من أمور الخير - ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم - كان له ~~نصيب من شفاعته، بحسب سعيه وعمله ونفعه، ولا ينقص من أجر الأصيل والمباشر ~~شيء، ومن عاون غيره على أمر من الشر، كان عليه كفل من الإثم بحسب ما ~~قام به وعاون عليه. ففي هذا الحث العظيم على التعاون على البر والتقوى، ~~والزجر العظيم عن التعاون على الإثم والعدوان وقرر ذلك بقوله: { منها ~~وكان الله على كل شيء مقيتا } أي: شاهدا حفيظا، ~~حسيبا على هذه الأعمال، فيجازي كلا ما يستحقه. ### || [4.86] # التحية هي: اللفظ الصادر من أحد المتلاقيين، على وجه الإكرام والدعاء، ~~وما يقترن بذلك اللفظ من البشاشة ونحوها. وأعلى أنواع التحية ما ورد به ~~الشرع، من السلام ابتداء وردا. فأمر تعالى المؤمنين أنهم إذا حيوا بأي ~~تحية كانت، أن يردوها بأحسن منها لفظا وبشاشة، أو ms0306 مثلها في ذلك. ومفهوم ~~ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية أو ردها بدونها. ويؤخذ من الآية الكريمة ~~الحث على ابتداء السلام والتحية من وجهين: أحدهما: أن الله أمر بردها ~~بأحسن منها، أو مثلها، وذلك يستلزم أن التحية مطلوبة شرعا. الثاني: ما ~~يستفاد من أفعل التفضيل، وهو " أحسن " الدال على مشاركة التحية وردها ~~بالحسن، كما هو الأصل في ذلك. ويستثنى من عموم الآية الكريمة من حيا ~~بحال غير مأمور بها، ك " على مشتغل بقراءة، أو استماع خطبة، أو مصل ~~ونحو ذلك " فإنه لا يطلب إجابة تحيته، وكذلك يستثنى من ذلك من أمر الشارع ~~بهجره، وعدم تحيته، وهو العاصي غير التائب الذي يرتدع بالهجر، فإنه يهجر ~~ولا يحيا، ولا ترد تحيته، وذلك لمعارضة المصلحة الكبرى. ويدخل في رد ~~التحية كل تحية اعتادها الناس، وهي غير محظورة شرعا، فإنه مأمور بردها ~~وبأحسن منها، ثم أوعد تعالى وتوعد على فعل الحسنات والسيئات بقوله: { ~~إن الله كان على كل شيء حسيبا } فيحفظ على العباد ~~أعمالهم، حسنها وسيئها، صغيرها وكبيرها، ثم يجازيهم بما اقتضاه فضله ~~وعدله وحكمه المحمود. ### || [4.87] # يخبر تعالى عن انفراده بالوحدانية، وأنه لا معبود ولا مألوه إلا هو، ~~لكماله في ذاته وأوصافه، ولكونه المنفرد بالخلق والتدبير، والنعم الظاهرة ~~والباطنة. وذلك يستلزم الأمر بعبادته، والتقرب إليه بجميع أنواع ~~العبودية. لكونه المستحق لذلك وحده، والمجازي للعباد بما قاموا به من ~~عبوديته أو تركوه منها، ولذلك أقسم على وقوع محل الجزاء وهو يوم القيامة، ~~فقال: { ليجمعنكم } أي: أولكم وآخركم في مقام واحد. في { يوم ~~القيامة لا ريب فيه } أي: لا شك ولا شبهة بوجه من الوجوه، ~~بالدليل العقلي والدليل السمعي، فالدليل العقلي ما نشاهده من إحياء الأرض ~~بعد موتها، ومن وجود النشأة الأولى التي وقوع الثانية أولى منها ~~بالإمكان، ومن الحكمة التي تجزم بأن الله لم يخلق خلقه عبثا، يحيون ثم ~~يموتون، وأما الدليل السمعي، فهو إخبار أصدق الصادقين بذلك، بل إقسامه ~~عليه، ولهذا قال: { ومن أصدق من الله حديثا } كذلك أمر ~~رسوله صلى الله عليه ms0307 وسلم أن يقسم عليه في غير موضع من القرآن، كقوله ~~تعالى: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي ~~لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير # [التغابن: 7]. وفي قوله: { ومن أصدق من الله حديثا } # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122] إخبار بأن حديثه وأخباره وأقواله في أعلى مراتب الصدق، بل ~~أعلاها. فكل ما قيل في العقائد [والعلوم] والأعمال مما يناقض ما أخبر ~~الله به، فهو باطل لمناقضته للخبر الصادق اليقيني، فلا يمكن أن يكون ~~حقا. ### || [4.88-91] # المراد بالمنافقين المذكورين في هذه الآيات: المنافقون المظهرون ~~إسلامهم، ولم يهاجروا مع كفرهم، وكان قد وقع بين الصحابة رضوان الله ~~عليهم فيهم اشتباه، فبعضهم تحرج عن قتالهم، وقطع موالاتهم بسبب ما أظهروه ~~من الإيمان، وبعضهم علم أحوالهم بقرائن أفعالهم، فحكم بكفرهم، فأخبرهم ~~الله تعالى أنه لا ينبغي لكم أن تشتبهوا فيهم ولا تشكوا، بل أمرهم واضح ~~غير مشكل، إنهم منافقون قد تكرر كفرهم، وودوا مع ذلك كفركم، وأن تكونوا ~~مثلهم. فإذا تحققتم ذلك منهم { فلا تتخذوا منهم أوليآء ~~} وهذا يستلزم عدم محبتهم، لأن الولاية فرع المحبة. ويستلزم أيضا بغضهم ~~وعداوتهم، لأن النهي عن الشيء أمر بضده، وهذا الأمر موقت بهجرتهم، فإذا ~~هاجروا جرى عليهم ما جرى على المسلمين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجري أحكام الإسلام لكل من كان معه وهاجر إليه، وسواء كان مؤمنا حقيقة ~~أو ظاهر الإيمان. وأنهم إن لم يهاجروا وتولوا عنها { فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } أي: في أي وقت، وأي محل كان، ~~وهذا من جملة الأدلة الدالة، على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول ~~جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد ~~التحريم في الأشهر الحرم. ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ~~ثلاث فرق: فرقتين أمر بتركهم وحتم [على] ذلك، إحداهما: من يصل إلى ~~قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم، فيكون له ~~حكمهم في حقن الدم والمال. والفرقة الثانية: قوم { حصرت ~~صدورهم أن يقتلوكم أو ms0308 يقتلوا قومهم } أي: ~~بقوا، لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال ~~الفريقين، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم، وذكر الحكمة في ذلك في قوله: { ~~ولو شآء الله لسلطهم عليكم فلقتلوكم } فإن ~~الأمور الممكنة ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا ~~متعذر من هؤلاء، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم، وبين ترك قتال ~~الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم، والله قادر على تسليطهم عليكم، ~~فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك. ~~فهؤلاء { إن اعتزلوكم فلم يقتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~}. الفرقة الثالثة: قوم يريدون مصلحة أنفسهم، بقطع النظر عن احترامكم، ~~وهم الذين قال الله فيهم: { ستجدون آخرين } أي: من هؤلاء ~~المنافقين. { يريدون أن يأمنوكم } أي: خوفا منكم { ~~ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة ~~أركسوا فيها } أي: لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما ~~عرض لهم عارض من عوارض الفتن، أعماهم ونكسهم على رؤوسهم، وازداد كفرهم ~~ونفاقهم، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها. فإن ~~الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احتراما لهم، لا خوفا على أنفسهم، ~~وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما، بل لو وجدوا فرصة في قتال ~~المؤمنين، فإنهم مستعدون لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم، ويتضح ~~اتضاحا عظيما اعتزال المؤمنين وترك قتالهم، فإنهم يقاتلون، ولهذا قال: ~~{ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم } أي: ~~المسالمة والموادعة { ويكفوا أيديهم فخذوهم ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا ~~لكم عليهم سلطانا مبينا } أي: حجة بينة واضحة، لكونهم ~~معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم. ### || [4.92] # هذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل، أن يصدر من مؤمن قتل ~~مؤمن، أي: متعمدا، وفي هذا الإخبار بشدة تحريمه، وأنه مناف للإيمان أشد ~~منافاة، وإنما يصدر ذلك إما من كافر، أو من فاسق قد نقص إيمانه نقصا ~~عظيما، ويخشى عليه ما هو أكبر من ذلك، فإن الإيمان الصحيح يمنع المؤمن ~~من قتل أخيه الذي قد عقد الله بينه وبينه الأخوة ms0309 الإيمانية، التي من ~~مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض لأخيه من الأذى، وأي أذى أشد من ~~القتل؟ وهذا يصدقه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ". # فعلم أن القتل من الكفر العملي، وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله. ولما ~~كان قوله: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا } لفظا ~~عاما لجميع الأحوال، وأنه لا يصدر منه قتل أخيه بوجه من الوجوه، استثنى ~~تعالى قتل الخطأ فقال: { إلا خطئا } فإن المخطئ الذي لا يقصد القتل ~~غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله، ولكنه لما كان قد فعل فعلا شنيعا، ~~وصورته كافية في قبحه، وإن لم يقصده أمر تعالى بالكفارة والدية فقال: { ~~ومن قتل مؤمنا خطئا } سواء كان القاتل ذكرا أو أنثى، حرا ~~أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، مسلما أو كافرا، كما ~~يفيده لفظ " من " الدالة على العموم، وهذا من أسرار الإتيان ب " من ~~" في هذا الموضع، فإن سياق الكلام يقتضي أن يقول: فإن قتله، ولكن هذا لفظ ~~لا يشمل ما تشمله " من ". وسواء كان المقتول ذكرا أو أنثى، صغيرا أو ~~كبيرا، كما يفيده التنكير في سياق الشرط، فإن على القاتل { تحرير ~~رقبة مؤمنة } كفارة لذلك، تكون في ماله، ويشمل ذلك الصغير ~~والكبير، والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، في قول بعض العلماء. ولكن ~~الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب في الكفارة لأن المقصود بالعتق نفع ~~العتيق، وملكه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له، ~~فإنه لا يجزئ عتقه، مع أن في قوله: { تحرير رقبة } ما يدل على ~~ذلك فإن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره أن تكون له، فإذا لم ~~يكن فيه منافع لم يتصور وجود التحرير. فتأمل ذلك، فإنه واضح. وأما الدية ~~فإنها تجب على عاقلة القاتل في الخطأ وشبه العمد. { مسلمة إلى ~~أهله } جبرا لقلوبهم، والمراد بأهله هنا هم ورثته، فإن الورثة يرثون ~~ما ترك الميت، فالدية داخلة فيما ترك، وللدية تفاصيل كثيرة مذكورة في كتب ~~الفقه. وقوله: { إلا ms0310 أن يصدقوا } أي: يتصدق ورثة القتيل ~~بالعفو عن الدية، فإنها تسقط، وفي ذلك حث لهم على العفو، لأن الله سماها ~~صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت. # { فإن كان } المقتول { من قوم عدو لكم } أي: من كفار ~~حربيين { وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } أي: وليس ~~عليكم لأهله دية، لعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم. { وإن كان } ~~المقتول { من قوم بينكم وبينهم ميثق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } وذلك ~~لاحترام أهله بما لهم من العهد والميثاق. { فمن لم يجد } الرقبة ~~ولا ثمنها، بأن كان معسرا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه ~~الأصلية شيء يفي بالرقبة، { فصيام شهرين متتابعين } أي: ~~لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر، فإن العذر لا يقطع التتابع، ~~كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر، انقطع التتابع، ووجب عليه ~~استئناف الصوم. { توبة من الله } أي: هذه الكفارة التي أوجبها ~~الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن ~~يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرا للقاتل خطأ. { ~~وكان الله عليما حكيما } أي: كامل العلم كامل الحكمة، لا ~~يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ~~في أي وقت كان وأي محل كان. ولا يخرج عن حكمته من المخلوقات والشرائع ~~شيء، بل كل ما خلقه وشرعه، فهو متضمن لغاية الحكمة، ومن علمه وحكمته أن ~~أوجب على القاتل كفارة مناسبة لما صدر منه، فإنه تسبب لإعدام نفس محترمة، ~~وأخرجها من الوجود إلى العدم، فناسب أن يعتق رقبة ويخرجها من رق العبودية ~~للخلق إلى الحرية التامة، فإن لم يجد هذه الرقبة صام شهرين متتابعين، ~~فأخرج نفسه من رق الشهوات واللذات الحسية القاطعة للعبد عن سعادته ~~الأبدية إلى التعبد لله تعالى بتركها تقربا إلى الله. ومدها تعالى بهذه ~~المدة الكثيرة الشاقة في عددها، ووجوب التتابع فيها، ولم يشرع الإطعام في ~~هذا الموضع لعدم المناسبة. بخلاف الظهار، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ~~ومن ms0311 حكمته أن أوجب في القتل الدية، ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن ~~كثير من القتل، باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك. ومن حكمته أن وجبت على ~~العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء، لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن ~~يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة ~~والمناصرة، والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد [ولعل ذلك من أسباب ~~منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرا من تحميلهم]، ويخف عنهم بسبب توزيعه ~~عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين. ومن ~~حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم، بالدية التي أوجبها على ~~أولياء القاتل. ### || [4.93] # تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأن القتل من ~~الكفر العملي، وذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب، ~~وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر ~~أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: ~~فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من ~~العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول ~~الخيبة والخسار. فعياذا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته. وهذا الوعيد له ~~حكم أمثاله من نصوص الوعيد، على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار، ~~أو حرمان الجنة. وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها، مع اتفاقهم على ~~بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين. ~~والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق: شمس الدين بن القيم رحمه الله ~~في " المدارج " فإنه قال - بعدما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها ~~فقال: وقالت فرقة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ~~ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه ~~وانتفاء موانعه. وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض ~~لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع، فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص. ~~فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص ms0312 المتواترة التي لا مدفع ~~لها والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، ~~وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص، فلا ~~بد من إعمال النصوص من الجانبين. ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات ~~والسيئات، اعتبارا بمقتضي العقاب ومانعه، وإعمالا لأرجحها. قالوا: وعلى ~~هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما. وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية، ~~والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط ~~الأسباب ومسبباتها، خلقا وأمرا، وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا ~~يدافعه ويقاومه، ويكون الحكم للأغلب منهما. فالقوة مقتضية للصحة ~~والعافية، وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة، وفعل القوة، والحكم ~~للغالب منهما، وكذلك قوى الأدوية والأمراض. والعبد يكون فيه مقتض للصحة، ~~ومقتض للعطب، وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجح عليه ~~وقهره كان التأثير له. ومن هنا يعلم انقسام الخلق إلى من يدخل الجنة ~~ولا يدخل النار، وعكسه، ومن يدخل النار ثم يخرج منها، ويكون مكثه فيها ~~بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه. ومن له بصيرة منورة ~~يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه، من أمر المعاد وتفاصيله، حتى كأنه ~~يشاهده رأي عين. ويعلم أن هذا هو مقتضى إلهيته سبحانه، وربوبيته، وعزته، ~~وحكمته، وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة ذلك إليه نسبة ما لا يليق به ~~إليه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته، كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره. وهذا ~~يقين الإيمان، وهو الذي يحرق السيئات، كما تحرق النار الحطب، وصاحب هذا ~~المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات، وإن وقعت منه وكثرت، فإن ~~ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في ~~عدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله. انتهى كلامه، قدس الله روحه، ~~وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا. ### || [4.94] # يأمر تعالى عباده المؤمنين إذا خرجوا جهادا في سبيله، وابتغاء مرضاته ~~أن يتبينوا ويتثبتوا في جميع أمورهم المشتبهة. فإن الأمور قسمان: واضحة ~~وغير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبت ms0313 وتبين، لأن ذلك تحصيل ~~حاصل. وأما الأمور المشكلة غير الواضحة، فإن الإنسان يحتاج إلى التثبت ~~فيها والتبين، ليعرف هل يقدم عليها أم لا؟ فإن التثبت في هذه الأمور يحصل ~~فيه من الفوائد الكثيرة، والكف لشرور عظيمة، ما به يعرف دين العبد وعقله ~~ورزانته، بخلاف المستعجل للأمور في بدايتها، قبل أن يتبين له حكمها، فإن ~~ذلك يؤدي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الذين عاتبهم الله في الآية، ~~لما لم يتثبتوا وقتلوا من سلم عليهم، وكان معه غنيمة له أو مال غيره، ~~ظنا أنه يستكفي بذلك قتلهم، وكان هذا خطأ في نفس الأمر، فلهذا عاتبهم ~~بقوله: { فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا ~~فعند الله مغانم كثيرة } أي: فلا يحملنكم العرض الفاني ~~القليل، على ارتكاب ما لا ينبغي فيفوتكم ما عند الله من الثواب الجزيل ~~الباقي، فما عند الله خير وأبقى. وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له ~~إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى، وهي مضرة له، أن يذكرها ~~ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن ~~في ذلك ترغيبا للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها. ثم قال ~~تعالى مذكرا لهم بحالهم الأولى، قبل هدايتهم إلى الإسلام: { كذلك ~~كنتم من قبل فمن الله عليكم } أي: فكما هداكم بعد ~~ضلالكم، فكذلك يهدي غيركم، وكما أن الهداية حصلت لكم شيئا فشيئا، فكذلك ~~غيركم. فنظر الكامل لحاله الأولى الناقصة، ومعاملته لمن كان على مثلها، ~~بمقتضى ما يعرف من حاله الأولى، ودعاؤه له بالحكمة والموعظة الحسنة - من ~~أكبر الأسباب لنفعه وانتفاعه، ولهذا أعاد الأمر بالتبين فقال: { ~~فتبينوا }. فإذا كان من خرج للجهاد في سبيل الله، ومجاهدة أعداء ~~الله، وقد استعد بأنواع الاستعداد للإيقاع بهم، مأمورا بالتبين لمن ألقى ~~إليه السلام، وكانت القرينة قوية، في أنه إنما سلم تعوذا من القتل ~~وخوفا على نفسه - فإن ذلك يدل على الأمر بالتبين والتثبت في كل الأحوال ms0314 ~~التي يقع فيها نوع اشتباه، فيتثبت فيها العبد، حتى يتضح له الأمر ويبين ~~الرشد والصواب. { إن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~فيجازي كلا ما عمله ونواه، بحسب ما علمه من أحوال عباده ونياتهم. ### || [4.95-96] # أي: لا يستوي من جاهد من المؤمنين بنفسه وماله، ومن لم يخرج للجهاد ~~ولم يقاتل أعداء الله، ففيه الحث على الخروج للجهاد، والترغيب في ذلك، ~~والترهيب من التكاسل والقعود عنه من غير عذر. وأما أهل الضرر كالمريض ~~والأعمى والأعرج، والذي لا يجد ما يتجهز به، فإنهم ليسوا بمنزلة القاعدين ~~من غير عذر، فمن كان من أولي الضرر راضيا بقعوده، لا ينوي الخروج في ~~سبيل الله لولا [وجود] المانع، ولا يحدث نفسه بذلك، فإنه بمنزلة القاعد ~~لغير عذر. ومن كان عازما على الخروج في سبيل الله لولا وجود المانع، ~~يتمنى ذلك ويحدث به نفسه، فإنه بمنزلة من خرج للجهاد، لأن النية ~~الجازمة إذا اقترن بها مقدورها من القول أو الفعل ينزل صاحبها منزلة ~~الفاعل. ثم صرح تعالى بتفضيل المجاهدين على القاعدين بالدرجة، أي: ~~الرفعة، وهذا تفضيل على وجه الإجمال، ثم صرح بذلك على وجه التفصيل، ~~ووعدهم بالمغفرة الصادرة من ربهم، والرحمة التي تشتمل على حصول كل خير، ~~واندفاع كل شر. والدرجات التي فصلها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث ~~الثابت عنه في " الصحيحين " ، أن في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين ~~كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله. وهذا الثواب الذي ~~رتبه الله على الجهاد، نظير الذي في سورة الصف في قوله: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ~~ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم # [الصف: 10-12] إلى آخر السورة. وتأمل حسن هذا الانتقال، من حالة إلى ~~أعلى منها، فإنه نفى التسوية أولا بين المجاهد وغيره، ثم صرح بتفضيل ~~المجاهد على القاعد بدرجة، ثم ms0315 انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة ~~والدرجات. وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى منها عند التفضيل والمدح، أو ~~النزول من حالة إلى ما دونها، عند القدح والذم - أحسن لفظا، وأوقع في ~~النفس. وكذلك إذا فضل تعالى شيئا على شيء، وكل منهما له فضل، احترز ~~بذكر الفضل الجامع للأمرين، لئلا يتوهم أحد ذم المفضل عليه كما قال هنا: ~~{ وكلا وعد الله الحسنى }. وكما [قال تعالى] في الآيات ~~المذكورة في الصف في قوله: # وبشر المؤمنين # [الصف: 13]. وكما في قوله تعالى: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل # [الحديد: 10] أي ممن لم يكن كذلك. ثم قال { وكلا وعد الله ~~الحسنى } وكما قال تعالى # ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما # [الأنبياء: 79] فينبغي لمن بحث في التفضيل بين الأشخاص والطوائف ~~والأعمال، أن يتفطن لهذه النكتة. وكذلك لو تكلم في ذم الأشخاص والمقالات، ~~ذكر ما تجتمع فيه عند تفضيل بعضها على بعض، لئلا يتوهم أن المفضل قد حصل ~~له الكمال. كما إذا قيل: النصارى خير من المجوس، فليقل مع ذلك وكل منهما ~~كافر. والقتل أشنع من الزنا، وكل منهما معصية كبيرة، حرمها الله ورسوله ~~وزجر عنها. ولما وعد المجاهدين بالمغفرة والرحمة الصادرين عن اسميه ~~الكريمين # الغفور الرحيم # [يونس: 107] ختم هذا الآية بهما فقال { وكان الله غفورا ~~رحيما }. ### || [4.97-99] # هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة ~~الذين يقبضون روحه، يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: { فيم ~~كنتم } أي: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟ بل كثرتم ~~سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير والجهاد مع ~~رسوله والكون مع المسلمين ومعاونتهم على أعدائهم. { قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض } أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة ~~على الهجرة. وهم غير صادقين في ذلك، لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها. واستثنى المستضعفين حقيقة، ولهذا قالت لهم ~~الملائكة: { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها } وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض ms0316 الله واسعة، ~~فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعا ~~وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون # [العنكبوت: 56]. قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: { فأولئك ~~مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان ~~السبب الموجب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه، وانتفاء موانعه، ~~وقد يمنع من ذلك مانع. وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، ~~وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، وفي الآية دليل على أن كل من توفي ~~فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ ~~" التوفي " فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن ~~متوفيا. وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم ~~على وجه التقرير والاستحسان منهم، وموافقته لمحله. ثم استثنى المستضعفين ~~على الحقيقة، الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه { ولا ~~يهتدون سبيلا }. فهؤلاء قال الله فيهم: { فأولئك عسى ~~الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا } و " ~~عسى " ونحوها واجب وقوعها من الله تعالى بمقتضى كرمه وإحسانه، وفي ~~الترجية بالثواب لمن عمل بعض الأعمال فائدة: وهو أنه قد لا يوفيه حق ~~توفيته، ولا يعمله على الوجه اللائق الذي ينبغي، بل يكون مقصرا فلا ~~يستحق ذلك الثواب. والله أعلم. وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن ~~المأمور من واجب وغيره، فإنه معذور، كما قال تعالى في العاجزين عن ~~الجهاد: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # [النور: 61]. وقال في عموم الأوامر: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم " # ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده، وانسدت عليه أبواب الحيل، ~~لقوله: { لا يستطيعون حيلة } وفي الآية تنبيه على أن الدليل في ~~الحج والعمرة ونحوهما مما يحتاج إلى سفر ms0317 من شروط الاستطاعة. ### || [4.100] # هذا في بيان الحث على الهجرة، والترغيب وبيان ما فيها من المصالح، فوعد ~~الصادق في وعده، أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما ~~في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين والسعة على مصالح الدنيا. ~~وذلك أن كثيرا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتا بعد الألفة، وفقرا ~~بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء. والأمر ليس كذلك، فإن ~~المؤمن ما دام بين أظهر المشركين، فدينه في غاية النقص، لا في العبادات ~~القاصرة عليه، كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية، كالجهاد بالقول ~~والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، ~~خصوصا إن كان مستضعفا. فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله ~~وجهاد أعداء الله، ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به ~~إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما ~~أخبر الله تعالى. واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم، فإنهم لما هاجروا ~~في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم، ~~وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به ~~أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم، مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ~~ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى ~~يوم القيامة. ثم قال: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله } أي: قاصدا ربه ورضاه، ومحبة لرسوله، ونصرا لدين ~~الله، لا لغير ذلك من المقاصد { ثم يدركه الموت } بقتل أو ~~غيره، { فقد وقع أجره على الله } أي: فقد حصل له أجر ~~المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى، وذلك لأنه نوى وجزم، وحصل ~~منه ابتداء وشروع في العمل، فمن رحمة الله به وبأمثاله، أن أعطاهم أجرهم ~~كاملا، ولو لم يكملوا العمل وغفر لهم ما حصل منهم من التقصير في الهجرة ~~وغيرها. ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: { وكان ms0318 ~~الله غفورا رحيما } يغفر للمؤمنين ما اقترفوه من الخطيئات، ~~خصوصا التائبين المنيبين إلى ربهم. { رحيما } بجميع الخلق، رحمة ~~أوجدتهم وعافتهم، ورزقتهم من المال والبنين والقوة، وغير ذلك. رحيما ~~بالمؤمنين، حيث وفقهم للإيمان، وعلمهم من العلم ما يحصل به الإيقان، ويسر ~~لهم أسباب السعادة والفلاح، وما به يدركون غاية الأرباح، وسيرون من رحمته ~~وكرمه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله أن ~~لا يحرمنا خيره بشر ما عندنا. ### || [4.101-102] # هاتان الآيتان أصل في رخصة القصر، وصلاة الخوف، يقول تعالى: { وإذا ~~ضربتم في الأرض } أي: في السفر، وظاهر الآية، [أنه] يقتضي ~~الترخص في أي سفر كان، ولو كان سفر معصية، كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه ~~الله، وخالف في ذلك الجمهور، وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم، فلم يجوزوا ~~الترخص في سفر المعصية، تخصيصا للآية بالمعنى والمناسبة، فإن الرخصة ~~سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره، لا ~~يناسب حاله التخفيف. وقوله: { فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلوة } أي: لا حرج ولا إثم عليكم في ذلك، ولا ~~ينافي ذلك كون القصر هو الأفضل، لأن نفي الحرج إزالة لبعض الوهم الواقع ~~في كثير من النفوس، بل ولا ينافي الوجوب، كما تقدم ذلك في سورة البقرة في ~~قوله: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] إلى آخر الآية. وإزالة الوهم في هذا الموضع ظاهرة، لأن ~~الصلاة قد تقرر عند المسلمين وجوبها على هذه الصفة التامة، ولا يزيل هذا ~~عن نفوس أكثرهم إلا بذكر ما ينافيه. ويدل على أفضلية القصر على الإتمام ~~أمران: أحدهما: ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم على القصر في جميع ~~أسفاره. والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد، والله ~~تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. وقوله: { أن ~~تقصروا من الصلوة } ولم يقل أن تقصروا الصلاة، فيه فائدتان: ~~إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة، لكان القصر غير منضبط بحد من ~~الحدود، فربما ظن أنه لو قصر ms0319 معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة، لأجزأ، ~~فإتيانه بقوله: { من الصلوة } ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، ~~مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ~~الثانية: أن { من } تفيد التبعيض، ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات ~~المفروضات، لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران، وإنما الذي يقصر ~~الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين. فإذا تقرر أن القصر في السفر رخصة، ~~فاعلم أن المفسرين قد اختلفوا في هذا القيد، وهو قوله: { إن خفتم ~~أن يفتنكم الذين كفروا } الذي يدل ظاهره أن القصر لا ~~يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما، السفر مع الخوف. ويرجع حاصل اختلافهم إلى ~~أنه هل المراد بقوله: { أن تقصروا } قصر العدد فقط؟ أو قصر العدد ~~والصفة؟ فالإشكال إنما يكون على الوجه الأول. وقد أشكل هذا على أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى سأل عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: # " يا رسول الله ما لنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ أي: والله يقول: { إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته " # أو كما قال. فعلى هذا يكون هذا القيد أتى به نظرا لغالب الحال التي كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها، فإن غالب أسفاره أسفار جهاد. ~~وفيه فائدة أخرى، وهي بيان الحكمة والمصلحة في مشروعية رخصة القصر، فبين ~~في هذه الآية أنهى ما يتصور من المشقة المناسبة للرخصة، وهي اجتماع السفر ~~والخوف، ولا يستلزم ذلك أن لا يقصر مع السفر وحده، الذي هو مظنة المشقة. ~~وأما على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالقصر: قصر العدد والصفة، فإن ~~القيد على بابه، فإذا وجد السفر والخوف جاز قصر العدد، وقصر الصفة، وإذا ~~وجد السفر وحده جاز قصر العدد فقط، أو الخوف وحده جاز قصر الصفة. ولذلك ~~أتى بصفة صلاة الخوف بعدها بقوله: { وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلوة } أي: صليت بهم صلاة تقيمها وتتم ما يجب فيها ويلزم، ~~فعلمهم ما ms0320 ينبغي لك ولهم فعله. ثم فسر ذلك بقوله: { فلتقم ~~طآئفة منهم معك } أي: وطائفة قائمة بإزاء العدو كما يدل على ~~ذلك ما يأتي: { فإذا سجدوا } أي: الذين معك أي: أكملوا صلاتهم، ~~وعبر عن الصلاة بالسجود ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها، بل ~~هو أعظم أركانها. { فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة ~~أخرى لم يصلوا } وهم الطائفة الذين قاموا إزاء العدو { ~~فليصلوا معك } ودل ذلك على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة ~~الأولى منتظرا للطائفة الثانية، فإذا حضروا صلى بهم ما بقي من صلاته ثم ~~جلس ينتظرهم حتى يكملوا صلاتهم، ثم يسلم بهم، وهذا أحد الوجوه في صلاة ~~الخوف. فإنها صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة كلها جائزة، ~~وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين: أحدهما: أن الله ~~تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر ~~مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة، فإيجابها في حالة ~~الطمأنينة والأمن من باب أولى وأحرى. والثاني: أن المصلين صلاة الخوف ~~يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال ~~المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين ~~واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها. ~~وتدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل أن يصلوا بإمام واحد. ولو تضمن ~~ذلك الإخلال بشيء، لا يخل به لو صلوها بعدة أئمة، وذلك لأجل اجتماع كلمة ~~المسلمين واتفاقهم، وعدم تفرق كلمتهم، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب ~~أعدائهم، وأمر تعالى بأخذ السلاح، والحذر في صلاة الخوف، وهذا وإن كان ~~فيه حركة واشتغال عن بعض أحوال الصلاة، فإن فيه مصلحة راجحة، وهو الجمع ~~بين الصلاة والجهاد، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص على الإيقاع ~~بالمسلمين والميل عليهم وعلى أمتعتهم ولهذا قال تعالى: { ود الذين ~~كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة }. # ثم إن الله عذر من له عذر، من مرض أو ms0321 مطر، أن يضع سلاحه، ولكن مع أخذ ~~الحذر فقال: { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من ~~مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا }. ~~ومن العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين، ~~من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، ويأخذوهم ويحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد، ~~ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار بعض ~~مطلوبهم فيهم. فلله أعظم حمد وثناء على ما من به على المؤمنين، ~~وأيدهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم ~~راية، ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات. وفي قوله: { فإذا ~~سجدوا فليكونوا من ورآئكم } يدل على أن هذه الطائفة تكمل ~~جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين. وأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يثبت منتظرا للطائفة الأخرى قبل السلام، لأنه أولا ذكر أن الطائفة ~~تقوم معه، فأخبر عن مصاحبتهم له. ثم أضاف الفعل بعد إليهم دون الرسول، ~~فدل ذلك على ما ذكرناه. وفي قوله: { ولتأت طآئفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك } دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، ~~وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة في ركعتهم الأولى، ~~وحكما في ركعتهم الأخيرة، فيستلزم ذلك انتظار الإمام إياهم حتى يكملوا ~~صلاتهم، ثم يسلم بهم، وهذا ظاهر للمتأمل. ### || [4.103] # أي: فإذا فرغتم من صلاتكم، صلاة الخوف وغيرها، فاذكروا الله في جميع ~~أحوالكم وهيئاتكم، ولكن خصت صلاة الخوف بذلك لفوائد. منها: أن القلب ~~صلاحه وفلاحه وسعادته، بالإنابة إلى الله تعالى في المحبة وامتلاء القلب ~~من ذكره والثناء عليه. وأعظم ما يحصل به هذا المقصود الصلاة، التي ~~حقيقتها أنها صلة بين العبد وبين ربه. ومنها: أن فيها من حقائق الإيمان ~~ومعارف الإيقان، ما أوجب أن يفرضها الله على عباده كل يوم وليلة. ومن ~~المعلوم أن صلاة الخوف لا تحصل فيها هذه المقاصد الحميدة بسبب اشتغال ~~القلب والبدن والخوف فأمر بجبرها بالذكر بعدها. ومنها: أن الخوف يوجب من ~~قلق القلب ms0322 وخوفه ما هو مظنة لضعفه، وإذا ضعف القلب ضعف البدن عن مقاومة ~~العدو، والذكر لله والإكثار منه من أعظم مقويات القلب. ومنها: أن الذكر ~~لله تعالى مع الصبر والثبات سبب للفلاح والظفر بالأعداء، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الأنفال: 45]. فأمر بالإكثار منه في هذه الحال إلى غير ذلك من الحكم. ~~وقوله: { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة } أي: إذا ~~أمنتم من الخوف، واطمأنت قلوبكم وأبدانكم، فأتموا صلاتكم على الوجه ~~الأكمل، ظاهرا وباطنا، بأركانها وشروطها، وخشوعها، وسائر مكملاتها. { ~~إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا } ~~أي: مفروضا في وقته، فدل ذلك على فرضيتها، وأن لها وقتا لا تصح إلا به، ~~وهو هذه الأوقات التي قد تقررت عند المسلمين، صغيرهم وكبيرهم، عالمهم ~~وجاهلهم، وأخذوا ذلك عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: # " صلوا كما رأيتموني أصلي ". # ودل قوله: { على المؤمنين } على أن الصلاة ميزان الإيمان، وعلى ~~حسب إيمان العبد تكون صلاته، وتتم وتكمل، ويدل ذلك على أن الكفار وإن ~~كانوا ملتزمين لأحكام المسلمين كأهل الذمة - أنهم لا يخاطبون بفروع الدين ~~كالصلاة، ولا يؤمرون بها، بل ولا تصح منهم ما داموا على كفرهم، وإن كانوا ~~يعاقبون عليها، وعلى سائر الأحكام في الآخرة. ### || [4.104] # أي: لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم ~~والمرابطة على ذلك، فإن وهن القلب مستدع لوهن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة ~~الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم. ثم ذكر ما يقوي قلوب ~~المؤمنين، فذكر شيئين: الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ~~ذلك، فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية ~~أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة ~~الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على ~~الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى. الأمر الثاني: أنكم ترجون من ~~الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص ~~المؤمنين ms0323 لهم مقاصد عالية، وآمال رفيعة، من نصر دين الله، وإقامة شرعه، ~~واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور ~~توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة لأن من ~~يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس كمن يقاتل لنيل السعادة ~~الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين ~~العباد، وفرق بينهم بعلمه وحكمته، ولهذا قال: { وكان الله ~~عليما حكيما } كامل العلم، كامل الحكمة. ### || [4.105-113] # يخبر تعالى، أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظا في ~~إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل بل نزل بالحق، ومشتملا ~~أيضا على الحق فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115] وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم # [النحل: 44]. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس، في مسائل النزاع ~~والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين ~~كليهما، معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في ~~الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد، وفي جميع مسائل ~~الأحكام. وقوله: { بمآ أراك الله } أي: لا بهواك، بل بما علمك ~~الله وألهمك، كقوله تعالى: # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. وفي هذا دليل على عصمته صلى الله عليه وسلم فيما يبلغ ~~عن الله من جميع الأحكام وغيرها، وأنه يشترط في الحاكم العلم والعدل، ~~لقوله: { بمآ أراك الله } ولم يقل: بما رأيت. ورتب أيضا الحكم ~~بين الناس على معرفة الكتاب، ولما أمر الله بالحكم بين الناس المتضمن ~~للعدل والقسط، نهاه عن الجور والظلم الذي هو ضد العدل، فقال: { ولا ~~تكن للخآئنين خصيما } أي: لا تخاصم عن من عرفت خيانته، من ~~مدع ما ليس له، أو منكر حقا عليه، سواء علم ذلك أو ظنه. ففي هذا دليل ~~على تحريم الخصومة في باطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية ~~والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز ms0324 الدخول في نيابة الخصومة ~~لمن لم يعرف منه ظلم. { واستغفر الله } مما صدر منك، إن صدر. { ~~إن الله كان غفورا رحيما } أي: يغفر الذنب العظيم لمن ~~استغفره وتاب إليه وأناب، ويوفقه للعمل الصالح بعد ذلك، الموجب لثوابه ~~وزوال عقابه. { ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم }. " الاختيان " و " الخيانة " بمعنى الجناية والظلم ~~والإثم، وهذا يشمل النهي عن المجادلة، عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة، من ~~حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ~~ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. { أنفسهم إن الله لا ~~يحب من كان خوانا أثيما } أي: كثير الخيانة والإثم، وإذا ~~انتفى الحب ثبت ضده، وهو البغض، وهذا كالتعليل، للنهي المتقدم. ثم ذكر ~~عن هؤلاء الخائنين أنهم { يستخفون من الناس ولا ~~يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول } وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون ~~مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة ~~على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم ~~يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. # وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من ~~القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ليفعل ما بيتوه. فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا ~~رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم، ولهذا توعدهم تعالى ~~بقوله: { وكان الله بما يعملون محيطا } أي: قد أحاط بذلك ~~علما، ومع هذا لم يعاجلهم بالعقوبة بل استأنى بهم، وعرض عليهم التوبة ~~وحذرهم من الإصرار على ذنبهم، الموجب للعقوبة البليغة. { هأنتم ~~هؤلاء جدلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن ~~يجدل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون ~~عليهم وكيلا } أي: هبكم جادلتم عنهم في هذه الحياة الدنيا، ودفع ~~عنهم جدالكم بعض ما تحذرون من العار والفضيحة عند الخلق، فماذا يغني ~~عنهم وينفعهم؟ ومن يجادل الله عنهم يوم القيامة حين تتوجه عليهم الحجة، ~~وتشهد عليهم ms0325 ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون؟ # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون ~~أن الله هو الحق المبين # [النور: 25]. فمن يجادل عنهم، من يعلم السر وأخفى، ومن أقام عليهم ~~من الشهود ما لا يمكن معه الإنكار؟ وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ~~ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، ~~وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها. فيقول من أمرته نفسه ~~بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلا وتفريطا فما النفع الذي انتفعت ~~به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء ~~والحرمان والخيبة والخسران؟ وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من ~~الشهوات المحرمة، قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت، فإن لذته تنقضي ويعقبها ~~من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب - ما بعضه يكفي ~~العاقل في الإحجام عنها. وهذا من أعظم ما ينفع العبد تدبره، وهو خاصة ~~العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر ~~اللذة الحاضرة، والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله ~~المستعان. ثم قال تعالى: { ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ~~} أي: من تجرأ على المعاصي واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارا ~~تاما، يستلزم الإقرار بالذنب والندم عليه والإقلاع والعزم على أن لا ~~يعود. فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد، بالمغفرة والرحمة. فيغفر له ما ~~صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ~~ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه ~~حائلا عن توفيقه، لأنه قد غفره وإذا غفره، غفر ما يترتب عليه. # واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، ~~وسمي " سوءا " لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئا غير حسن. ~~وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه. ولكن عند ~~اقتران أحدهما بالآخر، قد يفسر كل واحد منهما بما ms0326 يناسبه، فيفسر عمل ~~السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم ~~وأعراضهم. ويفسر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين الله وبين عبده، ~~وسمي ظلم النفس " ظلما " لأن نفس العبد ليست ملكا له يتصرف فيها بما ~~يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى، قد جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن ~~يقيمها على طريق العدل، بإلزامها للصراط المستقيم، علما وعملا، فيسعى ~~في تعليمها ما أمر به، ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ~~ظلم لنفسه وخيانة، وعدول بها عن العدل، الذي ضده الجور والظلم. ثم قال: { ~~ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه } وهذا ~~يشمل كل ما يؤثم من صغير وكبير، فمن كسب سيئة فإن عقوبتها الدنيوية ~~والأخروية على نفسه، لا تتعداها إلى غيرها، كما قال تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164] لكن إذا ظهرت السيئات فلم تنكر، عمت عقوبتها، وشمل ~~إثمها، فلا تخرج أيضا عن حكم هذه الآية الكريمة، لأن من ترك الإنكار ~~الواجب فقد كسب سيئة. وفي هذا بيان عدل الله وحكمته، أنه لا يعاقب أحدا ~~بذنب أحد، ولا يعاقب أحدا أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه، ولهذا قال: ~~{ وكان الله عليما حكيما } أي: له العلم الكامل، والحكمة ~~التامة. ومن علمه وحكمته أنه يعلم الذنب وما صدر منه، والسبب الداعي ~~لفعله، والعقوبة المترتبة على فعله، ويعلم حالة المذنب، أنه إن صدر منه ~~الذنب، بغلبة دواعي نفسه الأمارة بالسوء، مع إنابته إلى ربه في كثير من ~~أوقاته، أنه سيغفر له ويوفقه للتوبة. وإن صدر منه بتجرئه على المحارم، ~~استخفافا بنظر ربه، وتهاونا بعقابه، فإن هذا بعيد من المغفرة، بعيد من ~~التوفيق للتوبة. ثم قال: { ومن يكسب خطيئة } أي: ذنبا كبيرا ~~{ أو إثما } ما دون ذلك. { ثم يرم به } أن يتهم بذنبه { ~~بريئا } من ذلك الذنب، وإن كان مذنبا. { فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا } أي: فقد حمل فوق ظهره بهتا للبريء وإثما ظاهرا ~~بينا، وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، فإنه قد جمع ms0327 عدة ~~مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رمي من لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب ~~الشنيع، بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك، من العقوبة ~~الدنيوية، تندفع عمن وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها. ثم ما يترتب ~~على ذلك أيضا من كلام الناس في البريء إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل ~~الله العافية منها، ومن كل شر. # ثم ذكر منته على رسوله بحفظه وعصمته ممن أراد أن يضله فقال: { ~~ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة ~~منهم أن يضلوك }. وذلك أن هذه الآيات الكريمات قد ذكر ~~المفسرون، أن سبب نزولها: أن أهل بيت سرقوا في المدينة، فلما اطلع على ~~سرقتهم خافوا الفضيحة، وأخذوا سرقتهم فرموها ببيت من هو بريء من ذلك. ~~واستعان السارق بقومه أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلبوا ~~منه أن يبرئ صاحبهم على رؤوس الناس، وقالوا: إنه لم يسرق، وإنما الذي سرق ~~من وجدت السرقة ببيته، وهو البريء. فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يبرئ صاحبهم، فأنزل الله هذه الآيات تذكيرا وتبيينا لتلك الواقعة، ~~وتحذيرا للرسول صلى الله عليه وسلم من المخاصمة عن الخائنين، فإن ~~المخاصمة عن المبطل من الضلال، فإن الضلال نوعان: ضلال في العلم، وهو ~~الجهل بالحق، وضلال في العمل، وهو العمل بغير ما يجب. فحفظ الله رسوله عن ~~هذا النوع من الضلال [كما حفظه عن الضلال في الأعمال]. وأخبر أن كيدهم ~~ومكرهم يعود على أنفسهم، كحالة كل ماكر، فقال: { وما يضلون إلا ~~أنفسهم } لكون ذلك المكر، وذلك التحيل، لم يحصل لهم فيه مقصودهم، ~~ولم يحصل لهم إلا الخيبة والحرمان والإثم والخسران. وهذه نعمة كبيرة على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، تتضمن النعمة بالعمل، وهو التوفيق لفعل ما ~~يجب، والعصمة له عن كل محرم. ثم ذكر نعمته عليه بالعلم فقال: { وأنزل ~~الله عليك الكتاب والحكمة } أي: أنزل عليك هذا القرآن ~~العظيم، والذكر الحكيم، الذي فيه تبيان كل شيء، وعلم الأولين والآخرين. ~~والحكمة: إما السنة التي قد قال فيها بعض ms0328 السلف: إن السنة تنزل عليه ~~كما ينزل القرآن. وإما معرفة أسرار الشريعة الزائدة على معرفة أحكامها، ~~وتنزيل الأشياء منازلها، وترتيب كل شيء بحسبه. { وعلمك ما لم ~~تكن تعلم } وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى. فإنه صلى الله ~~عليه وسلم كما وصفه الله قبل النبوة بقوله: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52] # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله، حتى ارتقى مقاما ~~من العلم يتعذر وصوله على الأولين والآخرين، فكان أعلم الخلق على ~~الإطلاق، وأجمعهم لصفات الكمال، وأكملهم فيها، ولهذا قال: { وكان ~~فضل الله عليك عظيما } ففضله على الرسول محمد صلى الله عليه ~~وسلم أعظم من فضله على كل مخلوق. وأجناس الفضل الذي قد فضله الله به، لا ~~يمكن استقصاؤها ولا يتيسر إحصاؤها. ### || [4.114] # أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه ~~خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة، ~~كالكلام المحرم بجميع أنواعه. ثم استثنى تعالى فقال: { إلا من ~~أمر بصدقة } من مال أو علم، أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه ~~العبادات القاصرة، كالتسبيح والتحميد، ونحوه، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف ~~صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة " # الحديث. { أو معروف } وهو الإحسان والطاعة، وكل ما عرف في الشرع ~~والعقل حسنه، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر ~~دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضا لا ~~يتم فعل الخير إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران، فيفسر المعروف بفعل ~~المأمور، والمنكر بترك المنهي. { أو إصلاح بين الناس } ~~والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب، ~~يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين ~~الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان، كما قال تعالى: # واعتصموا بحبل الله جميعا ms0329 ولا تفرقوا # [آل عمران: 103]. وقال تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله # الآية [الحجرات: 9]. وقال تعالى: # والصلح خير # [النساء: 128] والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة ~~والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله. كما أن الساعي ~~في الإفساد لا يصلح الله عمله، ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: # إن الله لا يصلح عمل المفسدين # [يونس: 81]. فهذه الأشياء حيثما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك ~~الاستثناء. ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص، ولهذا قال: { ~~ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما } فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص ~~العمل لله في كل وقت، وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر ~~العظيم، وليتعود الإخلاص، فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم ~~مقصوده أم لا، لأن النية حصلت، واقترن بها ما يمكن من العمل. ### || [4.115-116] # أي: ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم ويعانده فيما جاء به { من ~~بعد ما تبين له الهدى } بالدلائل القرآنية والبراهين ~~النبوية. { ويتبع غير سبيل المؤمنين } وسبيلهم هو ~~طريقهم في عقائدهم وأعمالهم { نوله ما تولى } أي: نتركه وما ~~اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، ~~فجزاؤه من الله عدلا أن يبقيه في ضلاله حائرا، ويزداد ضلالا إلى ~~ضلاله. كما قال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] وقال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]. ويدل مفهومها، على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل ~~المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله، واتباع رسوله، ولزوم جماعة المسلمين، ~~ثم صدر منه من الذنوب أو الهم بها، ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات ~~الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه، بل يتداركه بلطفه، ويمن عليه ~~بحفظه، ويعصمه من السوء، كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام: # كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه ms0330 من ~~عبادنا المخلصين # [يوسف: 24] أي: بسبب إخلاصه صرفنا عنه السوء، وكذلك كل مخلص، كما يدل ~~عليه عموم التعليل. وقوله: { ونصله جهنم } أي: نعذبه فيها ~~عذابا عظيما. { وسآءت مصيرا } أي: مرجعا له ومآلا. وهذا ~~الوعيد المرتب على الشقاق، ومخالفة المؤمنين، مراتب لا يحصيها إلا الله، ~~بحسب حالة الذنب صغرا وكبرا فمنه ما يخلد في النار ويوجب جميع الخذلان. ~~ومنه ما هو دون ذلك، فلعل الآية الثانية كالتفصيل لهذا المطلق. وهو: أن ~~الشرك لا يغفره الله تعالى، لتضمنه القدح في رب العالمين وفي وحدانيته، ~~وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، بمن هو مالك النفع ~~والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال ~~المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات. فمن أعظم ~~الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء ~~منها للمخلوق، الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى ~~شيء، بل ليس له إلا العدم. عدم الوجود، وعدم الكمال، وعدم الغنى، والفقر ~~من جميع الوجوه. وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي، فهو تحت المشيئة، ~~إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه، وعاقب بعدله وحكمته، ~~وقد استدل بهذه الآية الكريمة، على أن إجماع هذه الأمة حجة، وأنها ~~معصومة من الخطأ. ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان ~~والنار، و { سبيل المؤمنين } مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون ~~عليه من العقائد والأعمال. فإذا اتفقوا على إيجاب شيء، أو استحبابه، أو ~~تحريمه، أو كراهته، أو إباحته - فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك ~~بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم. # ويدل على ذلك قوله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر # [آل عمران: 110]. ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من ~~هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو ~~استحبابه، فهو مما أمروا به، فيتعين بنص ms0331 الآية أن يكون معروفا، ولا شيء ~~بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء، فهو مما ~~نهوا عنه، فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس # [البقرة: 143] فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا، أي: عدلا ~~خيارا، ليكونوا شهداء على الناس، أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن ~~الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة، لكونهم عالمين بما ~~شهدوا به، عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين ~~في شهادتهم، ولا عالمين بها. ومثل ذلك قوله تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59] يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه، بل اتفقوا عليه، أنهم ~~غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب ~~والسنة فلا يكون مخالفا. فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع، أن إجماع هذه ~~الأمة حجة قاطعة، ولهذا بين الله قبح ضلال المشركين بقوله: { إن ~~يدعون من دونه إلا إنثا وإن يدعون إلا... }. ### || [4.117-121] # أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثا، أي: أوثانا ~~وأصناما، مسميات بأسماء الإناث، ك " العزى " و " مناة " ونحوهما، ومن ~~المعلوم أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، ~~دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر ~~الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن ~~عابديها، بل ولا عن نفسها نفعا ولا ضرا، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها ~~بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يعبد من هذا وصفه، ~~ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، ~~والمجد، والجلال، والعز، والجمال، والرحمة، والبر، والإحسان، والانفراد ~~بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟!! هل هذا إلا من ~~أقبح القبيح، الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما ~~يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟!! ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها ms0332 فقط لهذه ~~الأوثان الناقصة. وبالحقيقة ما عبدوا غير الشيطان، الذي هو عدوهم، الذي ~~يريد إهلاكهم، ويسعى في ذلك بكل ما يقدر عليه، الذي هو في غاية البعد من ~~الله، لعنه الله وأبعده عن رحمته، فكما أبعده الله من رحمته يسعى في ~~إبعاد العباد عن رحمة الله. # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6] ولهذا أخبر الله عن سعيه في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم ~~والفساد، وأنه قال لربه مقسما: { لأتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا } أي: مقدرا. علم اللعين أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد ~~الله، وأن عباد الله المخلصين ليس له عليهم سلطان، وإنما سلطانه على من ~~تولاه، وآثر طاعته على طاعة مولاه. وأقسم في موضع آخر ليغوينهم # ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [الحجر: 39-40]. فهذا الذي ظنه الخبيث وجزم به، أخبر الله تعالى بوقوعه ~~بقوله: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين # [سبأ: 20]. وهذا النصيب المفروض الذي أقسم لله إنه يتخذهم، ذكر ما يريد ~~بهم، وما يقصده لهم بقوله: { ولأضلنهم } أي: عن الصراط ~~المستقيم، ضلالا في العلم، وضلالا في العمل. { ولأمنينهم } ~~أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون. وهذا هو الغرور ~~بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال. ~~وهذا زيادة شر إلى شرهم، حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة، ~~وحسبوا أنها موجبة للجنة، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم، فإنهم كما ~~حكى الله عنهم، # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى تلك أمانيهم # [البقرة: 111] # كذلك زينا لكل أمة عملهم # [الأنعام: 108] # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104] الآية. وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم ~~القيامة للمؤمنين: # ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم ~~أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني ~~حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور # [الحديد: 14]. وقوله: { ولأمرنهم فليبتكن ءاذان ~~الأنعم } أي: بتقطيع آذانها، وذلك كالبحيرة، والسائبة والوصيلة، ~~والحام، ms0333 فنبه ببعض ذلك على جميعه. وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما ~~أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، ويلتحق بذلك من الاعتقادات الفاسدة ~~والأحكام الجائرة، ما هو من أكبر الإضلال. { ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة ~~بالوشم، والوشر، والنمص، والتفلج للحسن، ونحو ذلك، مما أغواهم به الشيطان ~~فغيروا خلقة الرحمن. وذلك يتضمن التسخط من خلقته، والقدح في حكمته، ~~واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن، وعدم الرضا بتقديره ~~وتدبيره، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة، فإن الله تعالى خلق عباده ~~حنفاء، مفطورين على قبول الحق وإيثاره، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن ~~هذا الخلق الجميل، وزينت لهم الشر والشرك، والكفر والفسوق والعصيان. فإن ~~كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه، ونحو ذلك مما يغيرون به ما فطر الله عليه العباد، من توحيده، ~~وحبه ومعرفته، فافترستهم الشياطين في هذا الموضع افتراس السبع والذئاب ~~للغنم المنفردة. لولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين لجرى عليهم ما جرى ~~على هؤلاء المفتونين، وهذا الذي جرى عليهم من توليهم عن ربهم وفاطرهم، ~~وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر من كل وجه، فخسروا الدنيا والآخرة، ~~ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة، ولهذا قال: { ومن يتخذ ~~الشيطن وليا من دون الله فقد خسر خسرانا ~~مبينا } وأي خسار أبين وأعظم ممن خسر دينه ودنياه، وأوبقته معاصيه ~~وخطاياه؟!! فحصل له الشقاء الأبدي، وفاته النعيم السرمدي. كما أن من ~~تولى مولاه وآثر رضاه، ربح كل الربح، وأفلح كل الفلاح، وفاز بسعادة ~~الدارين، وأصبح قرير العين، فلا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~اللهم تولنا فيمن توليت، وعافنا فيمن عافيت. ثم قال: { يعدهم ~~ويمنيهم } أي: يعد الشيطان من يسعى في إضلالهم. والوعد يشمل حتى ~~الوعيد كما قال تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر # [البقرة: 268]. فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم ~~إذا جاهدوا بالقتل وغيره، كما قال تعالى: # إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه # الآية [آل عمران: 175]. ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله بكل ما يمكن وما ~~لا ms0334 يمكن، مما يدخله في عقولهم حتى يكسلوا عن فعل الخير، وكذلك يمنيهم ~~الأماني الباطلة التي هي عند التحقيق كالسراب الذي لا حقيقة له، ولهذا ~~قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * أولئك ~~مأواهم جهنم } أي: من انقاد للشيطان، وأعرض عن ربه، وصار من ~~أتباع إبليس وحزبه، مستقرهم النار. { ولا يجدون عنها محيصا } ~~أي: مخلصا ولا ملجأ، بل هم خالدون فيها أبد الآباد. ### || [4.122] # ولما بين مآل الأشقياء أولياء الشيطان، ذكر مآل السعداء أوليائه فقال: { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا وعد ~~الله حقا ومن أصدق من الله قيلا } أي: { آمنوا } ~~بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، على ~~الوجه الذي أمروا به، علما وتصديقا وإقرارا. { وعملوا ~~الصالحات } الناشئة عن الإيمان. وهذا يشمل سائر المأمورات، من واجب ~~ومستحب، الذي على القلب، والذي على اللسان، والذي على بقية الجوارح. كل ~~له من الثواب المرتب على ذلك بحسب حاله ومقامه، وتكميله للإيمان والعمل ~~الصالح. ويفوته ما رتب على ذلك بحسب ما أخل به من الإيمان والعمل، وذلك ~~بحسب ما علم من حكمة الله ورحمته، وكذلك وعده الصادق الذي يعرف من تتبع ~~كتاب الله وسنة رسوله. ولهذا ذكر الثواب المرتب على ذلك بقوله: { ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار } فيها ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من أنواع المآكل والمشارب ~~اللذيذة، والمناظر العجيبة، والأزواج الحسنة، والقصور والغرف المزخرفة، ~~والأشجار المتدلية، والفواكه المستغربة، والأصوات الشجية، والنعم ~~السابغة، وتزاور الإخوان، وتذكرهم ما كان منهم في رياض الجنان وأعلى من ~~ذلك كله وأجل رضوان الله عليهم، وتمتع الأرواح بقربه، والعيون برؤيته، ~~والأسماع بخطابه، الذي ينسيهم كل نعيم وسرور، ولولا الثبات من الله لهم ~~لطاروا وماتوا من الفرح والحبور، فلله ما أحلى ذلك النعيم وما أعلى ما ~~أنالهم الرب الكريم، وماذا حصل لهم من كل خير وبهجة لا يصفه الواصفون، ~~وتمام ذلك وكماله الخلود الدائم في تلك المنازل العاليات، ولهذا قال: { ~~خالدين فيهآ أبدا ms0335 وعد الله حقا ومن أصدق من ~~الله قيلا }. فصدق الله العظيم الذي بلغ قوله وحديثه في الصدق ~~أعلى ما يكون، ولهذا لما كان كلامه صدقا، وخبره حقا كان ما يدل عليه ~~مطابقة، وتضمنا، وملازمة، كل ذلك مراد من كلامه، وكذلك كلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم لكونه لا يخبر إلا بأمره ولا ينطق إلا عن وحيه. ### || [4.123-124] # أي: { ليس } الأمر والنجاة والتزكية { بأمنيكم ولا ~~أماني أهل الكتاب } والأماني: أحاديث النفس المجردة عن ~~العمل، المقترن بها دعوى مجردة، لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها. وهذا ~~عام في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟! فإن أماني أهل ~~الكتاب قد أخبر الله بها، أنهم قالوا: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم # [البقرة: 111] وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى. ~~وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، ~~فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ~~ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها، ولهذا قال تعالى: ~~{ من يعمل سوءا يجز به } وهذا شامل لجميع العاملين، لأن ~~السوء شامل، لأي ذنب كان، من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضا لكل ~~جزاء، قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي. والناس في هذا المقام درجات لا ~~يعلمها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فمن كان عمله كله سوءا، وذلك لا ~~يكون إلا كافرا. فإذا مات من دون توبة جوزي بالخلود في العذاب الأليم. ~~ومن كان عمله صالحا، وهو مستقيم في غالب أحواله، وإنما يصدر منه بعض ~~الأحيان بعض الذنوب الصغار، فما يصيبه من الهم والغم، والأذى، و [بعض] ~~الآلام، في بدنه، أو قلبه، أو حبيبه، أو ماله، ونحو ذلك - فإنها مكفرات ~~للذنوب، وهي مما يجزى به على عمله، قيضها الله لطفا بعباده، وبين هذين ~~الحالين مراتب كثيرة. وهذا الجزاء على عمل السوء العام، مخصوص في غير ~~التائبين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما دلت على ذلك ms0336 النصوص. ~~وقوله: { ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا } ~~لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله، قد يكون له ~~ولي، أو ناصر، أو شافع، يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، ~~فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ~~ومليكه. { ومن يعمل من الصلحت } دخل في ذلك سائر الأعمال ~~القلبية والبدنية، ودخل أيضا كل عامل من إنس أو جن، صغير أو كبير، ذكر ~~أو أنثى. ولهذا قال: { من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } وهذا ~~شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل، ولا يترتب عليها الثواب، ولا ~~يندفع بها العقاب، إلا بالإيمان. فالأعمال بدون الإيمان، كأغصان شجرة قطع ~~أصلها، وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة ~~التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه ~~مقيد به. { فأولئك } أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ~~{ يدخلون الجنة } المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { ~~ولا يظلمون نقيرا } أي: لا قليلا ولا كثيرا مما عملوه من ~~الخير، بل يجدونه كاملا موفرا، مضاعفا أضعافا كثيرة. ### || [4.125] # أي: لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه ~~لله، الدال على استسلام القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه، وتوجه الوجه وسائر ~~الأعضاء لله. { وهو } مع هذا الإخلاص والاستسلام { محسن } أي: ~~متبع لشريعة الله التي أرسل بها رسله، وأنزل كتبه، وجعلها طريقا لخواص ~~خلقه وأتباعهم. { واتبع ملة إبرهيم } أي: دينه وشرعه { ~~حنيفا } أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى ~~الإقبال على الخالق، { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ~~والخلة أعلى أنواع المحبة، وهذه المرتبة حصلت للخليلين محمد وإبراهيم ~~عليهما الصلاة والسلام، وأما المحبة من الله، فهي لعموم المؤمنين، وإنما ~~اتخذ الله إبراهيم خليلا، لأنه وفى بما أمر به وقام بما ابتلي به، ~~فجعله الله إماما للناس، واتخذه خليلا، ونوه بذكره في العالمين. ### || [4.126] # وهذه الآية الكريمة فيها بيان إحاطة الله تعالى ms0337 بجميع الأشياء، فأخبر أن ~~له { ما في السموت وما في الأرض } أي: الجميع ملكه ~~وعبيده، فهم المملوكون، وهو المالك المتفرد بتدبيرهم، وقد أحاط علمه ~~بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت ~~مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر ~~بعزه وقهره كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء. ### || [4.127] # الاستفتاء: طلب السائل من المسؤول بيان الحكم الشرعي في ذلك المسؤول ~~عنه. فأخبر عن المؤمنين أنهم يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم، في حكم ~~النساء المتعلق بهم فتولى الله هذه الفتوى بنفسه، فقال: { قل الله ~~يفتيكم فيهن } فاعملوا على ما أفتاكم به في جميع شؤون النساء، ~~من القيام بحقوقهن وترك ظلمهن عموما وخصوصا. وهذا أمر عام يشمل جميع ما ~~شرع الله أمرا ونهيا، في حق النساء الزوجات وغيرهن، الصغار والكبار، ثم ~~خص - بعد التعميم - الوصية بالضعاف من اليتامى والولدان، اهتماما بهم، ~~وزجرا عن التفريط في حقوقهم، فقال: { وما يتلى عليكم في ~~الكتب في يتمى النسآء } أي: ويفتيكم أيضا بما يتلى عليكم ~~في الكتاب في شأن اليتامى من النساء. { التي لا تؤتونهن ما ~~كتب لهن } وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت، ~~فإن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل، بخسها حقها وظلمها، إما بأكل ~~مالها الذي لها أو بعضه، أو منعها من التزوج لينتفع بمالها، خوفا من ~~استخراجه من يده إن زوجها، أو يأخذ من مهرها الذي تتزوج به بشرط أو ~~غيره، هذا إذا كان راغبا عنها، أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال، ولا ~~يقسط في مهرها، بل يعطيها دون ما تستحق، فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص، ~~ولهذا قال: { وترغبون أن تنكحوهن } أي: ترغبون عن نكاحهن، ~~أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله. { والمستضعفين من ~~الولدن } أي: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار، أن تعطوهم ~~حقهم من الميراث وغيره، وأن لا تستولوا على أموالهم على وجه الظلم ~~والاستبداد. { وأن تقوموا لليتمى بالقسط } أي: بالعدل ~~التام، وهذا يشمل القيام عليهم بإلزامهم أمر الله وما أوجبه على ms0338 عباده، ~~فيكون الأولياء مكلفين بذلك، يلزمونهم بما أوجبه الله. ويشمل القيام ~~عليهم في مصالحهم الدنيوية، بتنمية أموالهم، وطلب الأحظ لهم فيها، وأن لا ~~يقربوها إلا بالتي هي أحسن، وكذلك لا يحابون فيهم صديقا ولا غيره، في ~~تزوج وغيره، على وجه الهضم لحقوقهم. وهذا من رحمته تعالى بعباده، حيث حث ~~غاية الحث على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه، لضعفه وفقد أبيه. ~~ثم حث على الإحسان عموما، فقال: { وما تفعلوا من خير } ~~لليتامى ولغيرهم، سواء كان الخير متعديا أو لازما، { فإن الله ~~كان به عليما } أي: قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير، قلة وكثرة، ~~حسنا وضده، فيجازي كلا بحسب عمله. ### || [4.128] # أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها، أي: ترفعه عنها، وعدم رغبته فيها ~~وإعراضه عنها، فالأحسن في هذه الحالة أن يصلحا بينهما صلحا، بأن تسمح ~~المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها، على وجه تبقى مع زوجها، إما أن ~~ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة، أو الكسوة، أو المسكن، أو القسم، بأن ~~تسقط حقها منه، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها. فإذا اتفقا على ~~هذه الحالة، فلا جناح ولا بأس عليهما فيها، لا عليها ولا على الزوج، ~~فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال، وهي خير من الفرقة، ولهذا ~~قال: { والصلح خير } ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح ~~بين من بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء، أنه خير من استقصاء كل ~~منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة، والاتصاف بصفة ~~السماح. وهو جائز في جميع الأشياء، إلا إذا أحل حراما أو حرم حلالا، ~~فإنه لا يكون صلحا، وإنما يكون جورا. واعلم أن كل حكم من الأحكام لا ~~يتم ولا يكمل، إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم ~~الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك، ونبه على أنه خير، ~~والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان - مع ذلك - قد أمر الله به وحث ~~عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة ms0339 فيه. وذكر المانع بقوله: { ~~وأحضرت الأنفس الشح } أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم ~~الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة ~~على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من ~~نفوسكم، وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك، ~~والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخلق الحسن، سهل ~~حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى ~~المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه ~~الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما ~~عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر. ثم قال: { وإن تحسنوا ~~وتتقوا } أي: تحسنوا في عبادة الخالق، بأن يعبد العبد ربه كأنه ~~يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق ~~الإحسان، من نفع بمال، أو علم، أو جاه، أو غير ذلك. { وتتقوا } ~~الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظور. أو تحسنوا بفعل المأمور، ~~وتتقوا بترك المحظور { فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~} قد أحاط به علما وخبرا، بظاهره وباطنه، فيحفظه لكم، ويجازيكم عليه ~~أتم الجزاء. ### || [4.129] # يخبر تعالى: أن الأزواج لا يستطيعون وليس في قدرهم العدل التام بين ~~النساء، وذلك لأن العدل يستلزم وجود المحبة على السواء، والداعي على ~~السواء، والميل في القلب إليهن على السواء، ثم العمل بمقتضى ذلك. وهذا ~~متعذر غير ممكن، فلذلك عفا الله عما لا يستطاع، ونهى عما هو ممكن بقوله: ~~{ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } أي: ~~لا تميلوا ميلا كثيرا بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا ما هو ~~باستطاعتكم من العدل. فالنفقة والكسوة والقسم ونحوها، عليكم أن تعدلوا ~~بينهن فيها، بخلاف الحب، والوطء ونحو ذلك، فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما ~~يجب لها، صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات ~~زوج يقوم بحقوقها. { وإن تصلحوا } ما بينكم وبين زوجاتكم، بإجبار ~~أنفسكم على فعل ما ms0340 لا تهواه النفس، احتسابا وقياما بحق الزوجة، وتصلحوا ~~أيضا فيما بينكم وبين الناس، وتصلحوا أيضا بين الناس، فيما تنازعوا ~~فيه، وهذا يستلزم الحث على كل طريق يوصل إلى الصلح مطلقا كما تقدم. { ~~وتتقوا } الله بفعل المأمور وترك المحظور، والصبر على المقدور. { ~~فإن الله كان غفورا رحيما } يغفر ما صدر منكم من الذنوب ~~والتقصير في الحق الواجب، ويرحمكم كما عطفتم على أزواجكم ورحمتموهن. ### || [4.130] # هذه الحالة الثالثة بين الزوجين، إذا تعذر الاتفاق فإنه لا بأس بالفراق، ~~فقال: { وإن يتفرقا } أي: بطلاق، أو فسخ، أو خلع، أو غير ذلك { ~~يغن الله كلا } من الزوجين { من سعته } أي: من فضله ~~وإحسانه الواسع الشامل. فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله ~~وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، ~~القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجا خيرا منه، { وكان الله ~~واسعا } أي: كثير الفضل، واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل ~~إليه علمه. ولكنه مع ذلك { حكيما } أي: يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة. فإذا ~~اقتضت حكمته منع بعض عباده من إحسانه، بسبب من العبد لا يستحق معه ~~الإحسان حرمه عدلا وحكمة. ### || [4.131-132] # يخبر تعالى عن عموم ملكه العظيم الواسع، المستلزم تدبيره بجميع أنواع ~~التدبير، وتصرفه بأنواع التصريف قدرا وشرعا، فتصرفه الشرعي أن وصى ~~الأولين والآخرين أهل الكتب السابقة واللاحقة بالتقوى المتضمنة للأمر ~~والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، ~~والمعاقبة لمن أهملها وضيعها بأليم العذاب. ولهذا قال: { وإن ~~تكفروا } بأن تتركوا تقوى الله، وتشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا، فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئا، ولا ~~تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم، وأكثر مطيعون له خاضعون لأمره. ~~ولهذا رتب على ذلك قوله: { وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السموت وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا } ~~له الجود الكامل والإحسان الشامل الصادر من خزائن رحمته، التي لا ينقصها ~~الإنفاق، ولا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، لو اجتمع أهل السماوات ~~وأهل ms0341 الأرض، أولهم وآخرهم، فسأل كل [واحد] منهم ما بلغت أمانيه، ما نقص ~~من ملكه شيئا، ذلك بأنه جواد واجد ماجد، عطاؤه كلام، وعذابه كلام، إنما ~~أمره لشيء إذا أراد أن يقول له كن فيكون. ومن تمام غناه أنه كامل ~~الأوصاف، إذ لو كان فيه نقص بوجه من الوجوه، لكان فيه نوع افتقار إلى ذلك ~~الكمال، بل له كل صفة كمال، ومن تلك الصفة كمالها، ومن تمام غناه أنه لم ~~يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا شريكا في ملكه ولا ظهيرا، ولا معاونا له ~~على شيء من تدابير ملكه. ومن كمال غناه افتقار العالم العلوي والسفلي، في ~~جميع أحوالهم وشؤونهم إليه، وسؤالهم إياه جميع حوائجهم الدقيقة والجليلة، ~~فقام تعالى بتلك المطالب والأسئلة، وأغناهم وأقناهم، ومن عليهم بلطفه ~~وهداهم. وأما الحميد فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] ~~المستحق لكل حمد، ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، ~~التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، ~~فهو المحمود على كل حال. وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين { ~~غنيا حميدا }!! فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، ~~وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. ثم كرر إحاطة ملكه لما في السماوات وما ~~في الأرض، وأنه على كل شيء وكيل، أي: عالم قائم بتدبير الأشياء على وجه ~~الحكمة، فإن ذلك من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل ~~عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه، وتدبيره وكون ذلك التدبير على وجه ~~الحكمة والمصلحة، فما نقص من ذلك فهو لنقص بالوكيل، والله تعالى منزه عن ~~كل نقص. ### || [4.133-134] # أي: هو الغني الحميد الذي له القدرة الكاملة والمشيئة النافذة فيكم، { ~~إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين } غيركم، ~~هم أطوع لله منكم وخير منكم، وفي هذا تهديد للناس على إقامتهم على كفرهم، ~~وإعراضهم عن ربهم، فإن الله لا يعبأ بهم شيئا إن لم يطيعوه، ولكنه يمهل ~~ويملي ولا يهمل. ثم أخبر أن من كانت همته ms0342 وإرادته دنية، غير متجاوزة ~~ثواب الدنيا، وليس له إرادة في الآخرة، فإنه قد قصر سعيه ونظره، ومع ذلك ~~فلا يحصل له من ثواب الدنيا سوى ما كتب الله له منها، فإنه تعالى هو ~~المالك لكل شيء، الذي عنده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلبا منه، ويستعان به ~~عليهما، فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تدرك الأمور الدينية ~~والدنيوية إلا بالاستعانة به، والافتقار إليه على الدوام. وله الحكمة ~~تعالى في توفيق من يوفقه، وخذلان من يخذله وفي عطائه ومنعه، ولهذا ~~قال: { وكان الله سميعا بصيرا }. ### || [4.135] # يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا { قومين بالقسط ~~شهدآء لله } والقوام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم ~~قائمين بالقسط، الذي هو العدل في حقوق الله، وحقوق عباده، فالقسط في حقوق ~~الله أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته. والقسط في حقوق ~~الآدميين، أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك، كما تطلب حقوقك. فتؤدي النفقات ~~الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من الأخلاق ~~والمكافأة، وغير ذلك. ومن أعظم أنواع القسط القسط في المقالات والقائلين، ~~فلا يحكم لأحد القولين، أو أحد المتنازعين، لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل ~~يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه ~~كان، حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال: { شهدآء لله ~~ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما } أي: فلا ~~تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق، على ~~من كان. والقيام بالقسط من أعظم الأمور، وأدل على دين القائم به، وورعه ~~ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له ~~غاية الاهتمام، وأن يجعله نصب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل ~~مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به. وأعظم عائق لذلك اتباع ~~الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله: { فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا } أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم ~~المعارضة ms0343 للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، ~~فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلا والباطل حقا، ~~وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه، وفق للحق، ~~وهدي إلى الصراط المستقيم. ولما بين أن الواجب القيام بالقسط نهى عن ما ~~يضاد ذلك، وهو لي اللسان عن الحق في الشهادات وغيرها، وتحريف النطق عن ~~الصواب المقصود من كل وجه، أو من بعض الوجوه، ويدخل في ذلك تحريف الشهادة ~~وعدم تكميلها، أو تأويل الشاهد على أمر آخر، فإن هذا، من اللي، لأنه ~~الانحراف عن الحق. { أو تعرضوا } أي: تتركوا القسط المنوط بكم، ~~كترك الشاهد لشهادته وترك الحاكم لحكمه، الذي يجب عليه القيام به. { ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا } أي: محيط بما فعلتم، ~~يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض. ومن ~~باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل، أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرما، لأن ~~الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل. ### || [4.136] # اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء ~~منه، فهذا يكون أمرا له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن ~~بالإيمان، كقوله تعالى: # يا أيهآ الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما ~~نزلنا مصدقا لما معكم # الآية [النساء: 47]. وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون ~~أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية ~~من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم، من ~~الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات. ويقتضي أيضا ~~الأمر بما لم يوجد من المؤمن، من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل ~~إليه نص، وفهم معناه واعتقده، فإن ذلك من الإيمان المأمور به. وكذلك سائر ~~الأعمال الظاهرة والباطنة، كلها من الإيمان، كما دلت على ذلك النصوص ~~الكثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة. ثم الاستمرار على ذلك والثبات عليه إلى ~~الممات كما قال ms0344 تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون # [آل عمران: 102] وأمر هنا بالإيمان به وبرسوله، وبالقرآن وبالكتب ~~المتقدمة، فهذا كله من الإيمان الواجب الذي لا يكون العبد مؤمنا إلا به، ~~إجمالا فيما لم يصل إليه تفصيله، وتفصيلا فيما علم من ذلك بالتفصيل، ~~فمن آمن هذا الإيمان المأمور به، فقد اهتدى وأنجح. { ومن يكفر ~~بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~فقد ضل ضلالا بعيدا }. وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق ~~الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟!! واعلم أن ~~الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها، لتلازمها وامتناع وجود ~~الإيمان ببعضها دون بعض، ثم قال: { إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا... }. ### || [4.137] # أي: من تكرر منه الكفر بعد الإيمان، فاهتدى ثم ضل، وأبصر ثم عمي، وآمن ~~ثم كفر واستمر على كفره، وازداد منه، فإنه بعيد من التوفيق والهداية ~~لأقوم الطريق، وبعيد من المغفرة، لكونه أتى بأعظم مانع يمنعه من حصولها. ~~فإن كفره، يكون عقوبة وطبعا لا يزول كما قال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5]. # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]. ودلت الآية: أنهم إن لم يزدادوا كفرا، بل رجعوا إلى ~~الإيمان، وتركوا ما هم عليه من الكفران، فإن الله يغفر لهم، ولو تكررت ~~منهم الردة. وإذا كان هذا الحكم في الكفر. فغيره من المعاصي التي دونه من ~~باب أولى أن العبد لو تكررت منه، ثم عاد إلى التوبة، عاد الله له ~~بالمغفرة. ### || [4.138-139] # البشارة تستعمل في الخير، وتستعمل في الشر بقيد، كما في هذه الآية. يقول ~~تعالى: { بشر المنافقين } أي: الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا ~~الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم، وذلك بسبب محبتهم الكفار ~~وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين، فأي شيء حملهم على ذلك؟ ~~أيبتغون عندهم العزة؟. وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم ~~بالله، وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي ~~عند الكافرين، وقصر نظرهم ms0345 عما وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء، ~~يتعززون بهم ويستنصرون. والحال أن العزة لله جميعا، فإن نواصي العباد ~~بيده، ومشيئته نافذة فيهم. وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ~~ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، ~~فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه الآية الترهيب العظيم من ~~موالاة الكافرين وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن ~~الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم. ### || [4.140-141] # أي: وقد بين الله لكم فيما أنزل عليكم حكمه الشرعي عند حضور مجالس ~~الكفر والمعاصي { إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ } أي: يستهان بها. وذلك أن الواجب على كل مكلف في آيات ~~الله الإيمان بها، وتعظيمها وإجلالها وتفخيمها، وهذا المقصود بإنزالها، ~~وهو الذي خلق الله الخلق لأجله، فضد الإيمان الكفر بها، وضد تعظيمها ~~الاستهزاء بها واحتقارها، ويدخل في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال ~~آيات الله ونصر كفرهم. وكذلك المبتدعون على اختلاف أنواعهم، فإن احتجاجهم ~~على باطلهم يتضمن الاستهانة بآيات الله، لأنها لا تدل إلا على حق، ولا ~~تستلزم إلا صدقا، بل وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق، التي ~~يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه، وتقتحم حدوده التي حدها لعباده ومنتهى ~~هذا النهي عن القعود معهم { حتى يخوضوا في حديث غيره } ~~أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها. { إنكم إذا } أي: إن ~~قعدتم معهم في الحال المذكورة { مثلهم } لأنكم رضيتم بكفرهم ~~واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعل لها، والحاصل أن من حضر مجلسا ~~يعصى الله به، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم، مع القدرة أو القيام مع ~~عدمها. { إن الله جامع المنفقين والكفرين في ~~جهنم جميعا } كما اجتمعوا على الكفر والموالاة ولا ينفع الكافرين ~~مجرد كونهم في الظاهر مع المؤمنين كما قال تعالى: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد: 13] إلى آخر الآيات. ثم ذكر تحقيق موالاة المنافقين للكافرين، ~~ومعاداتهم للمؤمنين فقال: { الذين يتربصون بكم } أي: ~~ينتظرون الحالة التي تصيرون عليها، وتنتهون إليها، من خير أو شر، قد ~~أعدوا ms0346 لكل حالة جوابا بحسب نفاقهم. { فإن كان لكم فتح من ~~الله قالوا ألم نكن معكم } فيظهرون أنهم مع المؤمنين ~~ظاهرا وباطنا، ليسلموا من القدح والطعن عليهم، وليشركوهم في الغنيمة ~~والفيء، ولينتصروا بهم. { وإن كان للكافرين نصيب } ولم يقل ~~فتح، لأنه لا يحصل لهم فتح، يكون مبدأ لنصرتهم المستمرة، بل غاية ما ~~يكون، أن يكون لهم نصيب غير مستقر، حكمة من الله. فإذا كان ذلك { ~~قالوا ألم نستحوذ عليكم } أي: نستولي عليكم { ~~ونمنعكم من المؤمنين } أي: يتصنعون عندهم بكف أيديهم ~~عنهم مع القدرة، ومنعهم من المؤمنين بجميع وجوه المنع في تفنيدهم، ~~وتزهيدهم في القتال، ومظاهرة الأعداء عليهم، وغير ذلك مما هو معروف منهم. ~~{ فالله يحكم بينكم يوم القيامة } فيجازي المؤمنين ~~ظاهرا وباطنا بالجنة، ويعذب المنافقين والمنافقات، والمشركين ~~والمشركات. { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا } أي: تسلطا واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة ~~من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا ~~يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفع لتسلط الكافرين، ما هو ~~مشهود بالعيان. حتى إن [بعض] المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد ~~بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم، ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم ~~العز التام من الله، فله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. ### || [4.142-143] # يخبر تعالى عن المنافقين بما كانوا عليه، من قبيح الصفات، وشنائع ~~السمات، وأن طريقتهم مخادعة الله تعالى، أي: بما أظهروه من الإيمان، ~~وأبطنوه من الكفران، ظنوا أنه يروج على الله ولا يعلمه ولا يبديه لعباده، ~~والحال أن الله خادعهم، فمجرد وجود هذه الحال منهم، ومشيهم عليها، خداع ~~لأنفسهم. وأي خداع أعظم ممن يسعى سعيا يعود عليه بالهوان والذل ~~والحرمان؟!! ويدل بمجرده على نقص عقل صاحبه، حيث جمع بين المعصية، ورآها ~~حسنة، وظنها من العقل والمكر، فلله ما يصنع الجهل والخذلان بصاحبه!!. ومن ~~خداعه لهم يوم القيامة ما ذكره الله في قوله: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له ms0347 باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ~~ألم نكن معكم # [الحديد: 13-14] إلى آخر الآيات. ومن صفاتهم أنهم { إذا قاموا ~~إلى الصلاة } - إن قاموا - التي هي أكبر الطاعات العملية، { ~~قاموا كسالى } متثاقلين لها متبرمين من فعلها، والكسل لا يكون إلا ~~من فقد الرغبة من قلوبهم، فلولا أن قلوبهم فارغة من الرغبة إلى الله وإلى ~~ما عنده، عادمة للإيمان، لم يصدر منهم الكسل، { يرآءون الناس } ~~أي: هذا الذي انطوت عليه سرائرهم، وهذا مصدر أعمالهم، مراءاة الناس، ~~يقصدون رؤية الناس وتعظيمهم واحترامهم، ولا يخلصون لله، فلهذا { ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا } لامتلاء قلوبهم من الرياء، فإن ~~ذكر الله تعالى وملازمته، لا يكون إلا من مؤمن ممتلئ قلبه بمحبة الله ~~وعظمته. { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا ~~إلى هؤلاء } أي: مترددين بين فريق المؤمنين وفريق الكافرين. فلا ~~من المؤمنين ظاهرا وباطنا، ولا من الكافرين ظاهرا وباطنا. أعطوا ~~باطنهم للكافرين، وظاهرهم للمؤمنين، وهذا أعظم ضلال يقدر. ولهذا قال: { ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا } أي: لن تجد طريقا ~~لهدايته، ولا وسيلة لترك غوايته، لأنه انغلق عنه باب الرحمة، وصار بدله ~~كل نقمة. فهذه الأوصاف المذمومة، تدل بتنبيهها على أن المؤمنين متصفون ~~بضدها، من الصدق ظاهرا وباطنا والإخلاص، وأنهم لا يجهل ما عندهم، ~~ونشاطهم في صلاتهم وعباداتهم، وكثرة ذكرهم لله تعالى. وأنهم قد هداهم ~~الله ووفقهم للصراط المستقيم. فليعرض العاقل نفسه على هذين الأمرين، ~~وليختر أيهما أولى به، وبالله المستعان. ### || [4.144] # لما ذكر أن من صفات المنافقين اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ~~نهى عباده المؤمنين أن يتصفوا بهذه الحالة القبيحة، وأن يشابهوا ~~المنافقين، فإن ذلك موجب لأن { تجعلوا لله عليكم سلطانا ~~مبينا } أي: حجة واضحة على عقوبتكم، فإنه قد أنذرنا وحذرنا منها، ~~وأخبرنا بما فيها من المفاسد، فسلوكها بعد هذا موجب للعقاب. وفي هذه ~~الآية دليل على كمال عدل الله، وأن الله لا يعذب أحدا، قبل قيام ~~الحجة عليه، وفيه التحذير من المعاصي فإن فاعلها يجعل لله عليه سلطانا ~~مبينا. ms0348 ### || [4.145-147] # يخبر تعالى عن مآل المنافقين، أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشر ~~الحالات من العقاب. فهم تحت سائر الكفار، لأنهم شاركوهم بالكفر بالله ~~ومعاداة رسله، وزادوا عليهم المكر والخديعة، والتمكن من كثير من أنواع ~~العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا يحس. ورتبوا على ذلك جريان ~~أحكام الإسلام عليهم، واستحقاق ما لا يستحقونه، فبذلك ونحوه استحقوا أشد ~~العذاب، وليس لهم منقذ من عذابه، ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه، وهذا عام ~~لكل منافق، إلا من من الله عليهم بالتوبة من السيئات. { ~~وأصلحوا } له الظواهر والبواطن { واعتصموا بالله } ~~والتجأوا إليه، في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم. { وأخلصوا ~~دينهم } الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان { لله }. فقصدوا وجه ~~الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة، وسلموا من الرياء والنفاق، فمن اتصف ~~بهذه الصفات { فأولئك مع المؤمنين } أي: في الدنيا، ~~والبرزخ، ويوم القيامة. { وسوف يؤت الله المؤمنين ~~أجرا عظيما } لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع ~~دخولهما في قوله: { وأصلحوا } لأن الاعتصام والإخلاص من جملة ~~الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما، خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من ~~القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار ~~إليه في دفعه، وكون الإخلاص مناف كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما ~~وتوقف الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام ~~إليهما. وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم ~~أجرا عظيما، مع أن السياق فيهم. بل قال: { وسوف يؤت الله ~~المؤمنين أجرا عظيما } لأن هذه القاعدة الشريفة - لم يزل ~~الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب ~~عليه ثوابا أو عقابا وكان ذلك مشتركا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب ~~الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا ~~يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، ~~فالتائب من المنافقين، مع المؤمنين وله ثوابهم. ثم ms0349 أخبر تعالى عن كمال ~~غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه، فقال: { ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } والحال أن الله شاكر عليم. ~~يعطي المتحملين لأجله الأثقال الدائبين في الأعمال جزيل الثواب وواسع ~~الإحسان. ومن ترك شيئا لله أعطاه الله خيرا منه. ومع هذا يعلم ظاهركم ~~وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من إخلاص وصدق، وضد ذلك. وهو يريد منكم ~~التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ ~~فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، ~~كما أن عمل المطيع لنفسه. والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، ~~وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته، وأن لا يستعين بنعمه على ~~معاصيه. ### || [4.148-149] # يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك ويمقته ~~ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم ~~والقذف والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله. ويدل ~~مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين. وقوله: { ~~إلا من ظلم } أي: فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه، ويتشكى ~~منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه ولا يزيد على ~~مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه، ومع ذلك فعفوه، وعدم مقابلته أولى، ~~كما قال تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40]. { وكان الله سميعا عليما } ولما كانت الآية ~~قد اشتملت على الكلام السيء والحسن والمباح، أخبر تعالى أنه سميع، فيسمع ~~أقوالكم، فاحذروا أن تتكلموا بما يغضب ربكم فيعاقبكم على ذلك. وفيه أيضا ~~ترغيب على القول الحسن { عليما } بنياتكم ومصدر أقوالكم. ثم قال ~~تعالى: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه } وهذا يشمل كل خير قولي ~~وفعلي، ظاهر وباطن، من واجب ومستحب. { أو تعفوا عن سوء } أي: ~~عمن ساءكم في أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، فتسمحوا عنه، فإن الجزاء من ~~جنس العمل. فمن عفا لله عفا الله عنه، ومن أحسن أحسن الله إليه، فلهذا ~~قال: { فإن الله كان عفوا ms0350 قديرا } أي: يعفو عن زلات ~~عباده وذنوبهم العظيمة، فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر ~~عن قدرته. وفي هذه الآية إرشاد إلى التفقه في معاني أسماء الله وصفاته، ~~وأن الخلق والأمر صادر عنها، وهي مقتضية له، ولهذا يعلل الأحكام بالأسماء ~~الحسنى، كما في هذه الآية. لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء رتب على ~~ذلك، بأن أحالنا على معرفة أسمائه، وأن ذلك يغنينا عن ذكر ثوابها الخاص. ### || [4.150-152] # هنا قسمان قد وضحا لكل أحد: مؤمن بالله وبرسله كلهم وكتبه، وكافر ~~بذلك كله. وبقي قسم ثالث: وهو الذي يزعم أنه يؤمن ببعض الرسل دون بعض، ~~وأن هذا سبيل ينجيه من عذاب الله، إن هذا إلا مجرد أماني. فإن هؤلاء ~~يريدون التفريق بين الله وبين رسله. فإن من تولى الله حقيقة تولى جميع ~~رسله، لأن ذلك من تمام توليه، ومن عادى أحدا من رسله فقد عادى الله، ~~وعادى جميع رسله كما قال تعالى: # من كان عدوا لله # الآيات [البقرة: 98]. وكذلك من كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل، بل ~~بالرسول الذي يزعم أنه به مؤمن، ولهذا قال: { أولئك هم ~~الكافرون حقا } وذلك لئلا يتوهم أن مرتبتهم متوسطة بين الإيمان ~~والكفر. ووجه كونهم كافرين - حتى بما زعموا الإيمان به - أن كل دليل دلهم ~~على الإيمان بمن آمنوا به موجود هو أو مثله، أو ما فوقه للنبي الذي كفروا ~~به، وكل شبهة يزعمون أنهم يقدحون بها في النبي الذي كفروا به موجود مثلها ~~أو أعظم منها فيمن آمنوا به. فلم يبق بعد ذلك إلا التشهي والهوى ومجرد ~~الدعوى التي يمكن كل أحد أن يقابلها بمثلها، ولما ذكر أن هؤلاء هم ~~الكافرون حقا، ذكر عقابا شاملا لهم ولكل كافر، فقال: { وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا } كما تكبروا عن الإيمان بالله، ~~أهانهم بالعذاب الأليم المخزي. { والذين آمنوا بالله ~~ورسله } وهذا يتضمن الإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وبكل ما ~~جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام. { ولم يفرقوا بين أحد ~~} من رسله، بل آمنوا بهم كلهم، ms0351 فهذا هو الإيمان الحقيقي، واليقين المبني ~~على البرهان. { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } أي: جزاء ~~إيمانهم، وما ترتب عليه من عمل صالح، وقول حسن، وخلق جميل، كل على حسب ~~حاله. ولعل هذا هو السر في إضافة الأجور إليهم، { وكان الله ~~غفورا رحيما } يغفر السيئات ويتقبل الحسنات. ### || [4.153-161] # هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على ~~وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم. ~~وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة ~~والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في ~~يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على ~~عباده، كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح ~~المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]. وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب ~~جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها، ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن ~~أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل ~~مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟ بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب ~~الأحوال، مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق ~~وأحسن تفسيرا # [الفرقان: 32-33]. فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من ~~أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول ~~الذي يزعمون أنهم آمنوا به، من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم ~~العجل إلها يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره ~~غيرهم. ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رفع الطور من ~~فوق رؤوسهم، وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه ~~الإغماض، والإيمان ms0352 الشبيه بالإيمان الضروري. ومن امتناعهم من دخول أبواب ~~القرية التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل. ومن ~~اعتداء من اعتدى منهم في السبت، فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة. ~~وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم، فنبذوه وراء ظهورهم، وكفروا بآيات الله، ~~وقتلوا رسله بغير حق. ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال ~~أنهم ما قتلوه وما صلبوه، بل شبه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه. ~~وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن ~~سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي. ~~وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه، والتشديد فيه. فالذين فعلوا ~~هذه الأفاعيل، لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم ~~كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو ~~أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق، ~~أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة، ما هو من أقبح ما صدر منه، ~~ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يجعل ~~هذا معها. # وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن ~~يقابل بمثله، أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به، ليكتفى ~~بذلك شرهم، وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا ~~به، فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه ~~المقابلة، لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها، ~~وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها. وقوله: { وإن ~~من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ~~يحتمل أن الضمير هنا في قوله: { قبل موته } يعود إلى أهل الكتاب، ~~فيكون على هذا كل كتابي يحضره الموت، ويعاين الأمر حقيقة، فإنه يؤمن ~~بعيسى عليه السلام، ولكنه إيمان لا ينفع، ms0353 إيمان اضطرار، فيكون مضمون هذا ~~التهديد لهم والوعيد، وأن لا يستمروا على هذه الحال التي سيندمون عليها ~~قبل مماتهم، فكيف يكون حالهم يوم حشرهم وقيامهم؟!! ويحتمل أن الضمير في ~~قوله: { قبل موته } راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما ~~من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح، ~~وذلك يكون عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار. فإنه تكاثرت ~~الأحاديث الصحيحة في نزوله عليه السلام في آخر هذه الأمة. يقتل الدجال، ~~ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين. ويوم القيامة يكون عيسى ~~عليهم شهيدا، يشهد عليهم بأعمالهم، وهل هي موافقة لشرع الله أم لا؟ ~~وحينئذ لا يشهد إلا ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن ~~ولما دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، علمنا بذلك، لعلمنا ~~بكمال عدالة المسيح عليه السلام وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ~~ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، وما عداه فهو ضلال وباطل. ثم ~~أخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب كثيرا من الطيبات التي كانت حلالا ~~عليهم وهذا تحريم عقوبة، بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل ~~الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا وقد نهوا عنه، فمنعوا ~~المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم، فمنعهم من ~~كثير من الطيبات التي كانوا بصدد حلها، لكونها طيبة، وأما التحريم الذي ~~على هذه الأمة، فإنه تحريم تنزيه لهم عن الخبائث التي تضرهم في دينهم ~~ودنياهم. ### || [4.162] # لما ذكر معايب أهل الكتاب، ذكر الممدوحين منهم، فقال: { لكن ~~الراسخون في العلم } أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم، ورسخ ~~الإيقان في أفئدتهم، فأثمر لهم الإيمان التام العام { بمآ أنزل ~~إليك ومآ أنزل من قبلك }. وأثمر لهم الأعمال الصالحة، من ~~إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على ~~الإخلاص للمعبود، والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا ~~الوعيد ورجوا الوعد. { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } ~~لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان، والعمل ms0354 الصالح، والإيمان بالكتب والرسل ~~السابقة واللاحقة. ### || [4.163-165] # يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله من الشرع العظيم والأخبار الصادقة ~~ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفي هذا عدة فوائد: ~~منها: أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من الرسل، بل أرسل الله ~~قبله من المرسلين العدد الكثير والجم الغفير، فاستغراب رسالته لا وجه له ~~إلا الجهل والعناد. ومنها: أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول ~~والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يصدق بعضا، ويوافق بعضهم بعضا. ~~ومنها: أنه من جنس هؤلاء الرسل، فليعتبره المعتبر بإخوانه المرسلين، ~~فدعوته دعوتهم وأخلاقهم متفقة ومصدرهم واحد وغايتهم واحدة، فلم يقرنه ~~بالمجهولين ولا بالكذابين، ولا بالملوك الظالمين. ومنها: أن في ذكر هؤلاء ~~الرسل وتعدادهم من التنويه بهم، والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم، مما ~~يزداد به المؤمن إيمانا بهم، ومحبة لهم، واقتداء بهديهم، واستنانا ~~بسنتهم، ومعرفة بحقوقهم، ويكون ذلك مصداقا لقوله: # سلام على نوح في العالمين # [الصافات: 79] # سلام على إبراهيم # [الصافات: 109] # سلام على موسى وهارون # [الصافات: 120] # سلام على إل ياسين * إنا كذلك نجزي المحسنين # [الصافات: 130-131]. فكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب ~~إحسانه. والرسل - خصوصا هؤلاء المسمون - في المرتبة العليا من الإحسان. ~~ولما ذكر اشتراكهم بوحيه، ذكر تخصيص بعضهم، فذكر أنه آتى داود الزبور، ~~وهو الكتاب المعروف، المزبور الذي خص الله به داود عليه السلام لفضله ~~وشرفه، وأنه كلم موسى تكليما، أي مشافهة منه إليه، لا بواسطة، حتى ~~اشتهر بهذا عند العالمين، فيقال " موسى كليم الرحمن ". وذكر أن الرسل ~~منهم من قصه الله على رسوله، ومنهم من لم يقصصه عليه، وهذا يدل على ~~كثرتهم وأن الله أرسلهم مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم، بالسعادة الدنيوية ~~والأخروية، ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين، لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل فيقولوا: # ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير # [المائدة: 19]. فلم يبق للخلق على الله حجة لإرساله الرسل تترى، ~~يبينون لهم أمر دينهم، ومراضي ربهم ومساخطه، وطرق ms0355 الجنة وطرق النار، ~~فمن كفر منهم بعد ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وهذا من كمال عزته تعالى ~~وحكمته، أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وذلك أيضا من فضله ~~وإحسانه، حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة تقدر، فأزال هذا ~~الاضطرار، فله الحمد وله الشكر ونسأله كما ابتدأ علينا نعمته بإرسالهم، ~~أن يتمها بالتوفيق لسلوك طريقهم، إنه جواد كريم. ### || [4.166] # لما ذكر أن الله أوحى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى ~~إخوانه من المرسلين، أخبر هنا بشهادته تعالى على رسالته وصحة ما جاء به، ~~وأنه { أنزله بعلمه } يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملا على ~~علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية، ما ~~هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده. ويحتمل أن يكون المراد: أنزله ~~صادرا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: ~~إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي، وهو يعلم ~~ذلك، ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه ~~كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه واستباح ماله ودمه، والله تعالى ~~يمكنه، ويوالي نصره، ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه، فهل توجد ~~شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟!! ولا يمكن القدح في هذه الشهادة، إلا ~~بعد القدح بعلم الله وقدرته وحكمته، وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ~~ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم ولجلالة هذا المشهود عليه. فإن الأمور ~~العظيمة لا يستشهد عليها إلا الخواص، كما قال تعالى في الشهادة على ~~التوحيد: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18] وكفى بالله شهيدا. ### || [4.167-169] # لما أخبر عن رسالة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأخبر برسالة خاتمهم ~~محمد، وشهد بها وشهدت ملائكته - لزم من ذلك، ثبوت الأمر المقرر والمشهود ~~به، فوجب تصديقهم، والإيمان بهم واتباعهم. ثم توعد من كفر بهم فقال: { ~~إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ms0356 الله } أي: جمعوا ~~بين الكفر بأنفسهم، وصدهم الناس عن سبيل الله. وهؤلاء هم أئمة الكفر ~~ودعاة الضلال { قد ضلوا ضللا بعيدا } وأي ضلال أعظم من ضلال ~~من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين، وفاتته ~~الهدايتان، ولهذا قال: { إن الذين كفروا وظلموا } وهذا ~~الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر عند إطلاق الظلم يدخل فيه. ~~والمراد بالظلم هنا أعمال الكفر والاستغراق فيه، فهؤلاء بعيدون من ~~المغفرة والهداية للصراط المستقيم. ولهذا قال: { لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق ~~جهنم }. وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية، لأنهم استمروا في ~~طغيانهم وازدادوا في كفرانهم فطبع على قلوبهم وانسدت عليهم طرق الهداية ~~بما كسبوا # وما ربك بظلم للعبيد # [فصلت: 46]. { وكان ذلك على الله يسيرا } أي: لا يبالي ~~الله بهم ولا يعبأ، لأنهم لا يصلحون للخير، ولا يليق بهم إلا الحالة التي ~~اختاروها لأنفسهم. ### || [4.170] # يأمر تعالى جميع الناس أن يؤمنوا بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وذكر السبب الموجب للإيمان به، والفائدة في الإيمان به، والمضرة من عدم ~~الإيمان به، فالسبب الموجب هو إخباره بأنه جاءهم بالحق.أي: فمجيئه نفسه ~~حق، وما جاء به من الشرع حق، فإن العاقل يعرف أن بقاء الخلق في جهلهم ~~يعمهون، وفي كفرهم يترددون، والرسالة قد انقطعت عنهم، غير لائق بحكمة ~~الله ورحمته، فمن حكمته ورحمته العظيمة نفس إرسال الرسول إليهم، ليعرفهم ~~الهدى من الضلال، والغي من الرشد، فمجرد النظر في رسالته دليل قاطع على ~~صحة نبوته. وكذلك النظر إلى ما جاء به من الشرع العظيم والصراط المستقيم. ~~فإن فيه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، والخبر عن الله وعن ~~اليوم الآخر - ما لا يعرف إلا بالوحي والرسالة. وما فيه من الأمر بكل خير ~~وصلاح، ورشد، وعدل، وإحسان، وصدق، وبر، وصلة، وحسن خلق، ومن النهي عن ~~الشر والفساد، والبغي والظلم، وسوء الخلق، والكذب والعقوق، مما يقطع به ~~أنه من عند الله. وكلما ازداد به العبد بصيرة، ازداد إيمانه ويقينه، فهذا ~~السبب الداعي للإيمان. وأما الفائدة في ms0357 الإيمان فأخبر أنه خير لكم والخير ~~ضد الشر. فالإيمان خير للمؤمنين في أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم، ودنياهم ~~وأخراهم. وذلك لما يترتب عليه من المصالح والفوائد، فكل ثواب عاجل وآجل، ~~فمن ثمرات الإيمان، فالنصر والهدى والعلم والعمل الصالح والسرور ~~والأفراح، والجنة وما اشتملت عليه، من النعيم كل ذلك مسبب عن الإيمان. ~~كما أن الشقاء الدنيوي والأخروي من عدم الإيمان أو نقصه. وأما مضرة عدم ~~الإيمان به صلى الله عليه وسلم، فيعرف بضد ما يترتب على الإيمان به. وأن ~~العبد لا يضر إلا نفسه، والله تعالى غني عنه، لا تضره معصية العاصين، ~~ولهذا قال: { فإن لله ما في السموت والأرض } أي: ~~الجميع خلقه وملكه، وتحت تدبيره وتصريفه { وكان الله عليما } ~~بكل شيء { حكيما } في خلقه وأمره. فهو العليم بمن يستحق الهداية ~~والغواية، الحكيم في وضع الهداية والغواية موضعهما. ### || [4.171] # ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، وهو مجاوزة الحد والقدر ~~المشروع، إلى ما ليس بمشروع. وذلك كقول النصارى في غلوهم بعيسى عليه ~~السلام، ورفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق ~~بغير الله، فكما أن التقصير والتفريط من المنهيات، فالغلو كذلك، ولهذا ~~قال: { ولا تقولوا على الله إلا الحق } وهذا الكلام ~~يتضمن ثلاثة أشياء: أمرين منهي عنهما، وهما قول الكذب على الله، والقول ~~بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وشرعه ورسله، والثالث: مأمور به وهو ~~قول الحق في هذه الأمور. ولما كانت هذه قاعدة عامة كلية، وكان السياق في ~~شأن عيسى عليه السلام نص على قول الحق فيه، المخالف لطريقة اليهودية ~~والنصرانية فقال: { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله } أي: غاية المسيح عليه السلام ومنتهى ما يصل إليه من مراتب ~~الكمال، أعلى حالة تكون للمخلوقين، وهي درجة الرسالة التي هي أعلى ~~الدرجات، وأجل المثوبات. وأنه { وكلمته } التي { ألقاها ~~إلى مريم } أي: كلمة تكلم الله بها فكان بها عيسى، ولم يكن تلك ~~الكلمة، وإنما كان بها، وهذا من باب إضافة التشريف والتكريم. وكذلك قوله: ~~{ وروح منه } أي: من الأرواح ms0358 التي خلقها وكملها بالصفات الفاضلة ~~والأخلاق الكاملة، أرسل الله روحه جبريل عليه السلام، فنفخ في فرج مريم ~~عليها السلام، فحملت بإذن الله، بعيسى عليه السلام. فلما بين حقيقة عيسى ~~عليه السلام، أمر أهل الكتاب بالإيمان به وبرسله، ونهاهم أن يجعلوا الله ~~ثالث ثلاثة، أحدهم عيسى، والثاني مريم، فهذه مقالة النصارى قبحهم الله. ~~فأمرهم أن ينتهوا، وأخبر أن ذلك خير لهم، لأنه الذي يتعين أنه سبيل ~~النجاة، وما سواه فهو طريق الهلاك، ثم نزه نفسه عن الشريك والولد، فقال: ~~{ إنما الله إله واحد } أي: هو المنفرد بالألوهية، الذي ~~لا تنبغي العبادة إلا له. { سبحانه } أي: تنزه وتقدس { أن يكون ~~له ولد } لأن { له ما في السموت وما في الأرض } ~~فالكل مملوكون له، مفتقرون إليه، فمحال أن يكون له شريك منهم أو ولد. ~~ولما أخبر أنه المالك للعالم العلوي والسفلي، أخبر أنه قائم بمصالحهم ~~الدنيوية والأخروية وحافظها، ومجازيهم عليها تعالى. ### || [4.172-173] # لما ذكر تعالى غلو النصارى في عيسى عليه السلام، وذكر أنه عبده ورسوله، ~~ذكر هنا أنه لا يستنكف عن عبادة ربه، أي: لا يمتنع عنها رغبة عنها لا هو ~~{ لله ولا الملائكة المقربون }. فنزههم عن الاستنكاف، ~~وتنزيههم عن الاستكبار من باب أولى، ونفي الشيء فيه إثبات ضده. أي: فعيسى ~~والملائكة المقربون، قد رغبوا في عبادة ربهم، وأحبوها وسعوا فيها بما ~~يليق بأحوالهم، فأوجب لهم ذلك الشرف العظيم، والفوز العظيم، فلم يستنكفوا ~~أن يكونوا عبيدا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرون افتقارهم لذلك فوق كل ~~افتقار. ولا يظن أن رفع عيسى أو غيره من الخلق فوق مرتبته التي أنزله ~~الله فيها، وترفعه عن العبادة كمالا، بل هو النقص بعينه، وهو محل الذم ~~والعقاب، ولهذا قال: { ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا } أي: فسيحشر الخلق ~~كلهم إليه، المستنكفين والمستكبرين، وعباده المؤمنين، فيحكم بينهم بحكمه ~~العدل، وجزائه الفصل. ثم فصل حكمه فيهم فقال: { فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي: جمعوا بين الإيمان المأمور به، ~~وعمل الصالحات من واجبات ومستحبات، من حقوق الله وحقوق ms0359 عباده. { ~~فيوفيهم أجورهم } أي: الأجور التي رتبها على الأعمال، كل ~~بحسب إيمانه وعمله. { ويزيدهم من فضله } من الثواب الذي لم ~~تنله أعمالهم، ولم تصل إليه أفعالهم، ولم يخطر على قلوبهم. ودخل في ذلك ~~كل ما في الجنة من المآكل والمشارب، والمناكح، والمناظر، والسرور، ونعيم ~~القلب والروح، ونعيم البدن، بل يدخل في ذلك كل خير ديني ودنيوي رتب على ~~الإيمان والعمل الصالح. { وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا } أي: عن عبادة الله تعالى { فيعذبهم عذابا ~~أليما } وهو سخط الله وغضبه، والنار الموقدة التي تطلع على الأفئدة. { ~~ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } ~~أي: لا يجدون أحدا من الخلق يتولاهم فيحصل لهم المطلوب، ولا من ينصرهم ~~فيدفع عنهم المرهوب، بل قد تخلى عنهم أرحم الراحمين، وتركهم في عذابهم ~~خالدين، وما حكم به تعالى فلا راد لحكمه ولا مغير لقضائه. ### || [4.174-175] # يمتن تعالى على سائر الناس بما أوصل إليهم من البراهين القاطعة والأنوار ~~الساطعة، ويقيم عليهم الحجة، ويوضح لهم المحجة، فقال: { يا أيها ~~الناس قد جآءكم برهان من ربكم } أي: حجج قاطعة على ~~الحق تبينه وتوضحه، وتبين ضده. وهذا يشمل الأدلة العقلية والنقلية، ~~الآيات الأفقية والنفسية # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. وفي قوله: { من ربكم } ما يدل على شرف هذا البرهان ~~وعظمته، حيث كان من ربكم الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية، فمن ~~تربيته لكم التي يحمد عليها ويشكر، أن أوصل إليكم البينات، ليهديكم بها ~~إلى الصراط المستقيم، والوصول إلى جنات النعيم. { وأنزلنآ ~~إليكم نورا مبينا } وهو هذا القرآن العظيم، الذي قد اشتمل على ~~علوم الأولين والآخرين، والأخبار الصادقة النافعة، والأمر بكل عدل وإحسان ~~وخير، والنهي عن كل ظلم وشر، فالناس في ظلمة إن لم يستضيئوا بأنواره، وفي ~~شقاء عظيم إن لم يقتبسوا من خيره. ولكن انقسم الناس - بحسب الإيمان ~~بالقرآن، والانتفاع به - قسمين: { فأما الذين آمنوا بالله ~~} أي: اعترفوا بوجوده، واتصافه بكل وصف كامل، وتنزيهه من كل نقص وعيب. { ~~واعتصموا به } أي: لجأوا إلى الله ms0360 واعتمدوا عليه، وتبرؤوا من ~~حولهم وقوتهم، واستعانوا بربهم. { فسيدخلهم في رحمة منه ~~وفضل } أي: فسيتغمدهم بالرحمة الخاصة، فيوفقهم للخيرات، ويجزل لهم ~~المثوبات، ويدفع عنهم البليات والمكروهات. { ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما } أي: يوفقهم للعلم والعمل، معرفة الحق والعمل ~~به. أي: ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ويتمسك بكتابه، منعهم من رحمته، ~~وحرمهم من فضله، وخلى بينهم وبين أنفسهم، فلم يهتدوا، بل ضلوا ضلالا ~~مبينا، عقوبة لهم على تركهم الإيمان، فحصلت لهم الخيبة والحرمان، نسأله ~~تعالى العفو والعافية والمعافاة. ### || [4.176] # أخبر تعالى أن الناس استفتوا رسوله صلى الله عليه وسلم أي: في الكلالة ~~بدليل قوله: { قل الله يفتيكم في الكلالة } وهي الميت ~~يموت وليس له ولد صلب ولا ولد ابن، ولا أب، ولا جد، ولهذا قال: { إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد } أي: لا ذكر ولا أنثى، لا ولد صلب ~~ولا ولد ابن. وكذلك ليس له والد، بدليل أنه ورث فيه الإخوة، والأخوات ~~بالإجماع لا يرثون مع الوالد، فإذا هلك وليس له ولد ولا والد { وله ~~أخت } أي: شقيقة أو لأب، لا لأم، فإنه قد تقدم حكمها. { فلها ~~نصف ما ترك } أي نصف متروكات أخيها، من نقود وعقار وأثاث، وغير ~~ذلك، وذلك من بعد الدين والوصية كما تقدم. { وهو } أي: أخوها الشقيق، ~~أو الذي للأب { يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد } ولم يقدر له ~~إرثا لأنه عاصب، فيأخذ مالها كله، إن لم يكن صاحب فرض ولا عاصب يشاركه، ~~أو ما أبقت الفروض. { فإن كانتا } أي: الأختان { اثنتين } أي: ~~فما فوق { فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونسآء } أي: اجتمع الذكور من الإخوة لغير أم مع ~~الإناث { فللذكر مثل حظ الأنثيين } فيسقط فرض الإناث ~~ويعصبهن إخوتهن. { يبين الله لكم أن تضلوا } أي: يبين ~~لكم أحكامه التي تحتاجونها، ويوضحها ويشرحها لكم، فضلا منه وإحسانا لكي ~~تهتدوا ببيانه، وتعملوا بأحكامه، ولئلا تضلوا عن الصراط المستقيم بسبب ~~جهلكم وعدم علمكم. { والله بكل شيء عليم } أي: عالم بالغيب ~~والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة، ويعلم حاجتكم إلى ms0361 بيانه وتعليمه، ~~فيعلمكم من علمه الذي ينفعكم على الدوام في جميع الأزمنة والأمكنة. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء ~~بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود ~~التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم ~~الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي ~~بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم. والتي بينه ~~وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، ~~والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، ~~وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها ~~الله بينهم في قوله: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين ~~وعدم التقاطع. فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في ~~العقود التي أمر الله بالقيام بها. ثم قال ممتنا على عباده: { أحلت ~~لكم } أي: لأجلكم، رحمة بكم { بهيمة الأنعام } من الإبل ~~والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ~~ونحوها من الصيود. واستدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي ~~يموت في بطن أمه بعدما تذبح. { إلا ما يتلى عليكم } تحريمه ~~منها في قوله: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [المائدة: 3] إلى آخر الآية. فإن هذه المذكورات وإن كانت من بهيمة ~~الأنعام فإنها محرمة. ولما كانت إباحة بهيمة الأنعام عامة في جميع ~~الأحوال والأوقات، استثنى منها الصيد في حال الإحرام فقال: { غير ~~محلي الصيد وأنتم حرم } أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في ~~كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: ~~متجرؤون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان ~~صيدا، كالظباء ونحوه. والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش. { إن ~~الله يحكم ما يريد } أي: فمهما أراده تعالى حكم به حكما ~~موافقا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود لحصول مصالحكم ودفع المضار ~~عنكم. وأحل لكم بهيمة الأنعام ms0362 رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من ~~ذوات العوارض، من الميتة ونحوها، صونا لكم واحتراما، ومن صيد الإحرام ~~احتراما للإحرام وإعظاما. ### || [5.2] # يقول تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر ~~الله } أي: محرماته التي أمركم بتعظيمها، وعدم فعلها والنهي يشمل ~~النهي عن فعلها، والنهي عن اعتقاد حلها فهو يشمل النهي، عن فعل القبيح، ~~وعن اعتقاده. ويدخل في ذلك النهي عن محرمات الإحرام، ومحرمات الحرم. ~~ويدخل في ذلك ما نص عليه بقوله: { ولا الشهر الحرام } أي: لا ~~تنتهكوه بالقتال فيه وغيره من أنواع الظلم كما قال تعالى: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السموت والأرض منهآ ~~أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم # [التوبة: 36]. والجمهور من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم منسوخ ~~بقوله تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وغير ذلك من العمومات التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقا، ~~والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقا. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل ~~أهل الطائف في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. وقال آخرون: إن النهي عن ~~القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ لهذه الآية وغيرها، مما فيه النهي عن ~~ذلك بخصوصه، وحملوا النصوص المطلقة الواردة على ذلك، وقالوا: المطلق يحمل ~~على المقيد. وفصل بعضهم فقال: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، ~~وأما استدامته وتكميله إذا كان أوله في غيرها، فإنه يجوز. وحملوا قتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف على ذلك، لأن أول قتالهم في " حنين ~~" في " شوال ". وكل هذا في القتال الذي ليس المقصود منه الدفع. فأما قتال ~~الدفع إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال، فإنه يجوز للمسلمين القتال، ~~دفعا عن أنفسهم في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء. وقوله: { ولا ~~الهدي ولا القلائد } أي: ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت ~~الله في حج أو عمرة، أو غيرهما من نعم وغيرها، فلا تصدوه عن الوصول إلى ~~محله، ولا تأخذوه بسرقة أو غيرها، ms0363 ولا تقصروا به، أو تحملوه ما لا يطيق، ~~خوفا من تلفه قبل وصوله إلى محله، بل عظموه وعظموا من جاء به. { ولا ~~القلائد } هذا نوع خاص من أنواع الهدي، وهو الهدي الذي يفتل له ~~قلائد أو عرى، فيجعل في أعناقه إظهارا لشعائر الله، وحملا للناس على ~~الاقتداء، وتعليما لهم للسنة، وليعرف أنه هدي فيحترم، ولهذا كان تقليد ~~الهدي من السنن والشعائر المسنونة. { ولا آمين البيت الحرام ~~} أي: قاصدين له { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } ~~أي: من قصد هذا البيت الحرام، وقصده فضل الله بالتجارة والمكاسب ~~المباحة، أو قصده رضوان الله بحجه وعمرته والطواف به، والصلاة، وغيرها من ~~أنواع العبادات، فلا تتعرضوا له بسوء، ولا تهينوه، بل أكرموه، وعظموا ~~الوافدين الزائرين لبيت ربكم. # ودخل في هذا الأمر الأمر بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله، وجعل ~~القاصدين له مطمئنين مستريحين، غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه، ~~ولا على أموالهم من المكس والنهب ونحو ذلك. وهذه الآية الكريمة مخصوصة ~~بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] فالمشرك لا يمكن من الدخول إلى الحرم. والتخصيص في هذه ~~الآية بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت ابتغاء فضل الله أو رضوانه - يدل ~~على أن من قصده ليلحد فيه بالمعاصي، فإن من تمام احترام الحرم صد من ~~هذه حاله عن الإفساد ببيت الله، كما قال تعالى: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج: 25]. ولما نهاهم عن الصيد في حال الإحرام قال: { وإذا ~~حللتم فاصطادوا } أي: إذا حللتم من الإحرام بالحج والعمرة، ~~وخرجتم من الحرم حل لكم الاصطياد، وزال ذلك التحريم. والأمر بعد التحريم ~~يرد الأشياء إلى ما كانت عليه من قبل. { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } ~~أي: لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم عليكم، حيث صدوكم عن المسجد ~~على الاعتداء عليهم، طلبا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر ~~الله، ويسلك طريق العدل، ولو جني عليه ms0364 أو ظلم واعتدي عليه، فلا يحل له ~~أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه. { وتعاونوا على ~~البر والتقوى } أي: ليعن بعضكم بعضا على البر. وهو: اسم جامع ~~لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأعمال الظاهرة والباطنة، من حقوق الله ~~وحقوق الآدميين. والتقوى في هذا الموضع: اسم جامع لترك كل ما يكرهه الله ~~ورسوله، من الأعمال الظاهرة والباطنة. وكل خصلة من خصال الخير المأمور ~~بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها ~~بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها ~~وينشط لها، وبكل فعل كذلك. { ولا تعاونوا على الإثم } وهو ~~التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها، ويحرج. { والعدوان } وهو ~~التعدي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فكل معصية وظلم يجب على ~~العبد، كف نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه. { واتقوا الله ~~إن الله شديد العقاب } على من عصاه وتجرأ على محارمه، ~~فاحذروا المحارم لئلا يحل بكم عقابه العاجل والآجل. ### || [5.3] # هذا الذي حولنا الله عليه في قوله: # إلا ما يتلى عليكم # [المائدة: 1]. واعلم أن الله تبارك وتعالى لا يحرم ما يحرم إلا صيانة ~~لعباده، وحماية لهم من الضرر الموجود في المحرمات، وقد يبين للعباد ذلك ~~وقد لا يبين. فأخبر أنه حرم { الميتة } والمراد بالميتة: ما فقدت ~~حياته بغير ذكاة شرعية، فإنها تحرم لضررها، وهو احتقان الدم في جوفها ~~ولحمها المضر بآكلها. وكثيرا ما تموت بعلة تكون سببا لهلاكها، فتضر ~~بالآكل. ويستثنى من ذلك ميتة الجراد والسمك، فإنه حلال. { والدم } ~~أي: المسفوح، كما قيد في الآية الأخرى. { ولحم الخنزير } وذلك ~~شامل لجميع أجزائه، وإنما نص الله عليه من بين سائر الخبائث من السباع، ~~لأن طائفة من أهل الكتاب من النصارى يزعمون أن الله أحله لهم. أي: فلا ~~تغتروا بهم، بل هو محرم من جملة الخبائث. { ومآ أهل لغير ~~الله به } أي: ذكر عليه اسم غير الله تعالى، من الأصنام والأولياء ~~والكواكب وغير ذلك من المخلوقين. فكما أن ذكر الله تعالى يطيب ms0365 الذبيحة، ~~فذكر اسم غيره عليها، يفيدها خبثا معنويا، لأنه شرك بالله تعالى. { ~~والمنخنقة } أي: الميتة بخنق، بيد أو حبل، أو إدخالها رأسها بشيء ~~ضيق، فتعجز عن إخراجه حتى تموت. { والموقوذة } أي: الميتة بسبب ~~الضرب بعصا أو حصى أو خشبة، أو هدم شيء عليها، بقصد أو بغير قصد. { ~~والمتردية } أي: الساقطة من علو، كجبل أو جدار أو سطح ونحوه، ~~فتموت بذلك. { والنطيحة } وهي التي تنطحها غيرها فتموت. { ومآ ~~أكل السبع } من ذئب أو أسد أو نمر، أو من الطيور التي تفترس ~~الصيود، فإنها إذا ماتت بسبب أكل السبع، فإنها لا تحل. وقوله: { إلا ~~ما ذكيتم } راجع لهذه المسائل، من منخنقة، وموقوذة، ومتردية، ~~ونطيحة، وأكيلة سبع، إذا ذكيت وفيها حياة مستقرة لتتحقق الذكاة فيها، ~~ولهذا قال الفقهاء: " لو أبان السبع أو غيره حشوتها، أو قطع حلقومها، كان ~~وجود حياتها كعدمه، لعدم فائدة الذكاة فيها " [وبعضهم لم يعتبر فيها إلا ~~وجود الحياة فإذا ذكاها وفيها حياة حلت ولو كانت مبانة الحشوة وهو ظاهر ~~الآية الكريمة]. { وأن تستقسموا بالأزلام } أي: وحرم ~~عليكم الاستقسام بالأزلام. ومعنى الاستقسام: طلب ما يقسم لكم ويقدر بها، ~~وهي قداح ثلاثة كانت تستعمل في الجاهلية، مكتوب على أحدها " افعل " وعلى ~~الثاني " لا تفعل " والثالث غفل لا كتابة فيه. فإذا هم أحدهم بسفر أو ~~عرس أو نحوهما، أجال تلك القداح المتساوية في الجرم، ثم أخرج واحدا ~~منها، فإن خرج المكتوب عليه " افعل " مضى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه ~~" لا تفعل " لم يفعل ولم يمض في شأنه، وإن ظهر الآخر الذي لا شيء عليه، ~~أعادها حتى يخرج أحد القدحين فيعمل به. # فحرمه الله عليهم الذي في هذه الصورة وما يشبهه، وعوضهم عنه بالاستخارة ~~لربهم في جميع أمورهم. { ذلكم فسق } الإشارة لكل ما تقدم من ~~المحرمات، التي حرمها الله صيانة لعباده، وأنها فسق، أي: خروج عن طاعته ~~إلى طاعة الشيطان. ثم امتن على عباده بقوله: { اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت ms0366 لكم الإسلم دينا فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ~~}. واليوم المشار إليه يوم عرفة، إذ أتم الله دينه، ونصر عبده ورسوله، ~~وانخذل أهل الشرك انخذالا بليغا، بعد ما كانوا حريصين على رد المؤمنين ~~عن دينهم، طامعين في ذلك. فلما رأوا عز الإسلام وانتصاره وظهوره، يئسوا ~~كل اليأس من المؤمنين، أن يرجعوا إلى دينهم، وصاروا يخافون منهم ويخشون، ~~ولهذا في هذه السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة ~~الوداع - لم يحج فيها مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ولهذا قال: { فلا ~~تخشوهم واخشون } أي: فلا تخشوا المشركين، واخشوا الله الذي ~~نصركم عليهم وخذلهم، ورد كيدهم في نحورهم. { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } بتمام النصر، وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة، الأصول ~~والفروع، ولهذا كان الكتاب والسنة كافيين كل الكفاية، في أحكام الدين ~~أصوله وفروعه. فكل متكلف يزعم أنه لا بد للناس في معرفة عقائدهم ~~وأحكامهم إلى علوم غير علم الكتاب والسنة، من علم الكلام وغيره، فهو ~~جاهل، مبطل في دعواه، قد زعم أن الدين لا يكمل إلا بما قاله ودعا إليه، ~~وهذا من أعظم الظلم والتجهيل لله ولرسوله. { وأتممت عليكم ~~نعمتي } الظاهرة والباطنة { ورضيت لكم الإسلم دينا } ~~أي: اخترته واصطفيته لكم دينا، كما ارتضيتكم له، فقوموا به شكرا لربكم، ~~واحمدوا الذي من عليكم بأفضل الأديان وأشرفها وأكملها. { فمن ~~اضطر } أي: ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من المحرمات السابقة، في ~~قوله: { حرمت عليكم الميتة } { في مخمصة } أي: ~~مجاعة { غير متجانف } أي: مائل { لإثم } بأن لا يأكل حتى ~~يضطر، ولا يزيد في الأكل على كفايته { فإن الله غفور رحيم ~~} حيث أباح له الأكل في هذه الحال، ورحمه بما يقيم به بنيته من غير نقص ~~يلحقه في دينه. ### || [5.4] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { يسألونك ماذآ ~~أحل لهم } من الأطعمة؟ { قل أحل لكم الطيبات } وهي ~~كل ما فيه نفع أو لذة، من غير ضرر بالبدن ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع ~~الحبوب والثمار التي في ms0367 القرى والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر ~~وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع والخبائث منها. ~~ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: # ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث # [الأعراف: 157]. { وما علمتم من الجوارح } أي: أحل لكم ~~ما علمتم من الجوارح إلى آخر الآية. دلت هذه الآية على أمور: أحدها: لطف ~~الله بعباده ورحمته لهم، حيث وسع عليهم طرق الحلال، وأباح لهم ما لم ~~يذكوه مما صادته الجوارح، والمراد بالجوارح: الكلاب، والفهود، والصقر، ~~ونحو ذلك، مما يصيد بنابه أو بمخلبه. الثاني: أنه يشترط أن تكون معلمة، ~~بما يعد في العرف تعليما، بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا ~~أمسك لم يأكل، ولهذا قال: { تعلمونهن مما علمكم ~~الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم } أي: أمسكن من الصيد ~~لأجلكم. وما أكل منه الجارح فإنه لا يعلم أنه أمسكه على صاحبه، ولعله أن ~~يكون أمسكه على نفسه. الثالث: اشتراط أن يجرحه الكلب أو الطير ونحوهما، ~~لقوله: { من الجوارح } مع ما تقدم من تحريم المنخنقة. فلو خنقه ~~الكلب أو غيره، أو قتله بثقله لم يبح [هذا بناء على أن الجوارح اللاتي ~~يجرحن الصيد بأنيابها أو مخالبها، والمشهور أن الجوارح بمعنى الكواسب أي: ~~المحصلات للصيد والمدركات لها فلا يكون فيها على هذا دلالة - والله ~~أعلم-]. الرابع: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح، مع أن ~~اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه. ~~الخامس: طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد، لأن الله أباحه ولم يذكر له ~~غسلا، فدل على طهارته. السادس: فيه فضيلة العلم، وأن الجارح المعلم - ~~بسبب العلم - يباح صيده، والجاهل بالتعليم لا يباح صيده. السابع: أن ~~الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموما، وليس من العبث ~~والباطل. بل هو أمر مقصود، لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به. الثامن: ~~فيه حجة لمن أباح بيع كلب الصيد، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك. ~~التاسع: فيه اشتراط التسمية ms0368 عند إرسال الجارح، وأنه إن لم يسم الله ~~متعمدا، لم يبح ما قتل الجارح. العاشر: أنه يجوز أكل ما صاده الجارح، ~~سواء قتله الجارح أم لا. وأنه إن أدركه صاحبه، وفيه حياة مستقرة فإنه لا ~~يباح إلا بها. ثم حث تعالى على تقواه، وحذر من إتيان الحساب في يوم ~~القيامة، وأن ذلك أمر قد دنا واقترب، فقال: { واتقوا الله إن ~~الله سريع الحساب }. ### || [5.5] # كرر تعالى إحلال الطيبات لبيان الامتنان، ودعوة للعباد إلى شكره ~~والإكثار من ذكره، حيث أباح لهم ما تدعوهم الحاجة إليه، ويحصل لهم ~~الانتفاع به من الطيبات. { وطعام الذين أوتوا الكتب ~~حل لكم } أي: ذبائح اليهود والنصارى حلال لكم - يا معشر المسلمين ~~- دون باقي الكفار، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ~~ينتسبون إلى الأنبياء والكتب. وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير ~~الله، لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله، فلذلك ~~أبيحت ذبائحهم دون غيرهم. والدليل على أن المراد بطعامهم ذبائحهم، أن ~~الطعام الذي ليس من الذبائح كالحبوب والثمار ليس لأهل الكتاب فيه خصوصية، ~~بل يباح ذلك ولو كان من طعام غيرهم. وأيضا فإنه أضاف الطعام إليهم. فدل ~~ذلك، على أنه كان طعاما، بسبب ذبحهم. ولا يقال: إن ذلك للتمليك، وأن ~~المراد: الطعام الذي يملكون. لأن هذا، لا يباح على وجه الغصب، ولا من ~~المسلمين. { وطعامكم } أيها المسلمون { حل لهم } أي: يحل ~~لكم أن تطعموهم إياه { و } أحل لكم { المحصنت } أي: الحرائر ~~العفيفات { من المؤمنت } والحرائر العفيفات { من الذين ~~أوتوا الكتب من قبلكم } أي: من اليهود والنصارى. وهذا ~~مخصص لقوله تعالى # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] ومفهوم الآية، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن ~~للأحرار، وهو كذلك. وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن، ولا يجوز نكاحهن ~~للأحرار مطلقا، لقوله تعالى: # من فتيتكم المؤمنت # [النساء: 25] وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن ~~إلا بشرطين، عدم الطول وخوف العنت. وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا ~~فلا يباح ms0369 نكاحهن، سواء كن مسلمات أو كتابيات، حتى يتبن لقوله تعالى: # الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة # الآية [النور: 3]. وقوله: { إذا ءاتيتموهن أجورهن } أي: ~~أبحنا لكم نكاحهن، إذا أعطيتموهن مهورهن، فمن عزم على أن لا يؤتيها مهرها ~~فإنها لا تحل له. وأمر بإيتائها إذا كانت رشيدة تصلح للإيتاء، وإلا أعطاه ~~الزوج لوليها. وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، ~~وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما. { ~~محصنين غير مسفحين } أي: حالة كونكم - أيها الأزواج - ~~محصنين لنسائكم، بسبب حفظكم لفروجكم عن غيرهن. { غير مسفحين } ~~أي: زانين مع كل أحد { ولا متخذي أخدان }. وهو: الزنا مع ~~العشيقات لأن الزناة في الجاهلية، منهم من يزني مع من كان، فهذا المسافح. ~~ومنهم من يزني مع خدنه ومحبه. فأخبر الله تعالى أن ذلك كله ينافي ~~العفة، وأن شرط التزوج أن يكون الرجل عفيفا عن الزنا. وقوله تعالى: { ~~ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله } أي: ومن كفر ~~بالله تعالى، وما يجب الإيمان به من كتبه ورسله أو شيء من الشرائع، فقد ~~حبط عمله، بشرط أن يموت على كفره، كما قال تعالى: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة # [البقرة: 217]. { وهو في الآخرة من الخسرين } أي: الذين ~~خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وحصلوا على الشقاوة الأبدية. ### || [5.6] # هذه آية عظيمة قد اشتملت على أحكام كثيرة، نذكر منها ما يسره الله ~~وسهله. أحدها: أن هذه المذكورات فيها امتثالها والعمل بها من لوازم ~~الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأنه صدرها بقوله { يا أيها الذين ~~آمنوا } إلى آخرها. أي: يا أيها الذين آمنوا، اعملوا بمقتضى إيمانكم ~~بما شرعناه لكم. الثاني: الأمر بالقيام بالصلاة لقوله: { إذا قمتم ~~إلى الصلاة }. الثالث: الأمر بالنية للصلاة، لقوله: { إذا ~~قمتم إلى الصلاة } أي: بقصدها ونيتها. الرابع: اشتراط الطهارة ~~لصحة الصلاة، لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر ~~الوجوب. الخامس: أن الطهارة لا تجب بدخول ms0370 الوقت، وإنما تجب عند إرادة ~~الصلاة. السادس: أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض ~~الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير ~~من العلماء، كسجود التلاوة والشكر. السابع: الأمر بغسل الوجه، وهو: ما ~~تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين ~~والذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا. ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، ~~بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه. لكن إن كانت خفيفة فلا بد من إيصال ~~الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها. الثامن: الأمر بغسل ~~اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و " إلى " كما قال جمهور المفسرين بمعنى ~~" مع " ، كقوله تعالى: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2] ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق. التاسع: الأمر ~~بمسح الرأس. العاشر: أنه يجب مسح جميعه، لأن الباء ليست للتبعيض، وإنما ~~هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس. الحادي عشر: أنه يكفي المسح ~~كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق ~~المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه. الثاني عشر: أن الواجب المسح. ~~فلو غسل رأسه ولم يمر يده عليه لم يكف، لأنه لم يأت بما أمر الله به. ~~الثالث عشر: الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في ~~اليدين. الرابع عشر: فيها الرد على الرافضة، على قراءة الجمهور بالنصب، ~~وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين. الخامس عشر: فيه الإشارة إلى مسح ~~الخفين، على قراءة الجر في { وأرجلكم }. وتكون كل من القراءتين، ~~محمولة على معنى، فعلى قراءة النصب فيها، غسلهما إن كانتا مكشوفتين، وعلى ~~قراءة الجر فيها، مسحهما إذا كانتا مستورتين بالخف. السادس عشر: الأمر ~~بالترتيب في الوضوء، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة. ولأنه أدخل ممسوحا ~~-وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب. السابع عشر: ~~أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية. # وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من ~~اليدين والرجلين، ms0371 فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق ~~على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح ~~الرأس على مسح الأذنين. الثامن عشر: الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة، ~~لتوجد صورة المأمور به. التاسع عشر: الأمر بالغسل من الجنابة. العشرون: ~~أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء ~~دون شيء. الحادي والعشرون: الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة. ~~الثاني والعشرون: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما ~~عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه ~~يعيد الوضوء. الثالث والعشرون: أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة ~~أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل. الرابع والعشرون: أن من ذكر أنه احتلم ~~ولم يجد بللا، فإنه لا غسل عليه، لأنه لم تتحقق منه الجنابة. الخامس ~~والعشرون: ذكر منة الله تعالى على العباد، بمشروعية التيمم. السادس ~~والعشرون: أن من أسباب جواز التيمم وجود المرض الذي يضره غسله بالماء، ~~فيجوز له التيمم. السابع والعشرون: أن من جملة أسباب جوازه، السفر ~~والإتيان من البول والغائط إذا عدم الماء، فالمرض يجوز التيمم مع وجود ~~الماء لحصول التضرر به، وباقيها يجوزه العدم للماء ولو كان في الحضر. ~~الثامن والعشرون: أن الخارج من السبيلين من بول وغائط، ينقض الوضوء. ~~التاسع والعشرون: استدل بها من قال: لا ينقض الوضوء إلا هذان الأمران، ~~فلا ينتقض بلمس الفرج ولا بغيره. الثلاثون: استحباب التكنية عما يستقذر ~~التلفظ به، لقوله تعالى: { أو جآء أحد منكم من الغائط ~~}. الحادي والثلاثون: أن لمس المرأة بلذة وشهوة ناقض للوضوء. الثاني ~~والثلاثون: اشتراط عدم الماء لصحة التيمم. الثالث والثلاثون: أن مع وجود ~~الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء. ~~الرابع والثلاثون: أنه إذا دخل الوقت وليس معه ماء، فإنه يلزمه طلبه في ~~رحله وفيما قرب منه، لأنه لا يقال " لم يجد " لمن لم يطلب. الخامس ~~والثلاثون: أن من وجد ماء ms0372 لا يكفي بعض طهارته، فإنه يلزمه استعماله، ثم ~~يتيمم بعد ذلك. السادس والثلاثون: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على ~~التيمم، أي: يكون طهورا، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: { ~~فلم تجدوا مآء }. السابع والثلاثون: أنه لا بد من نية التيمم ~~لقوله: { فتيمموا } أي: اقصدوا. الثامن والثلاثون: أنه يكفي ~~التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره. فيكون على هذا، قوله: ~~{ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } إما من باب ~~التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، ~~وإما أن يكون إرشادا للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو ~~أولى. # التاسع والثلاثون: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس، لأنه لا يكون طيبا ~~بل خبيثا. الأربعون: أنه يمسح في التيمم الوجه واليدان فقط، دون بقية ~~الأعضاء. الحادي والأربعون: أن قوله: { بوجوهكم } شامل لجميع الوجه ~~وأنه يعممه بالمسح، إلا أنه معفو عن إدخال التراب في الفم والأنف، وفيما ~~تحت الشعور، ولو خفيفة. الثاني والأربعون: أن اليدين تمسحان إلى الكوعين ~~فقط، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك. فلو كان يشترط إيصال المسح إلى ~~الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في الوضوء. الثالث والأربعون: أن ~~الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر، ~~بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلا عن طهارة الماء، وأطلق في الآية ~~فلم يقيد [وقد يقال أن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في ~~الأحداث وهو قول جمهور العلماء]. الرابع والأربعون: أن محل التيمم في ~~الحدث الأصغر والأكبر واحد، وهو الوجه واليدان. الخامس والأربعون: أنه لو ~~نوى من عليه حدثان التيمم عنهما، فإنه يجزئ أخذا من عموم الآية ~~وإطلاقها. السادس والأربعون: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، ~~لأن الله قال { فامسحوا } ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل ~~شيء. السابع والأربعون: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم، كما يشترط ذلك ~~في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح الوجه قبل مسح اليدين. الثامن والأربعون: ~~أن الله تعالى -فيما ms0373 شرعه لنا من الأحكام- لم يجعل علينا في ذلك من حرج ~~ولا مشقة ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده ليطهرهم، وليتم نعمته عليهم. ~~وهذا هو التاسع والأربعون: أن طهارة الظاهر بالماء والتراب، تكميل لطهارة ~~الباطن بالتوحيد، والتوبة النصوح. الخمسون: أن طهارة التيمم، وإن لم يكن ~~فيها نظافة وطهارة تدرك بالحس والمشاهدة، فإن فيها طهارة معنوية ناشئة عن ~~امتثال أمر الله تعالى. الحادي والخمسون: أنه ينبغي للعبد أن يتدبر ~~الحكم والأسرار في شرائع الله، في الطهارة وغيرها ليزداد معرفة وعلما، ~~ويزداد شكرا لله ومحبة له، على ما شرع من الأحكام التي توصل العبد إلى ~~المنازل العالية الرفيعة. ### || [5.7] # يأمر تعالى عباده بذكر نعمه الدينية والدنيوية، بقلوبهم وألسنتهم. فإن ~~في استدامة ذكرها داعيا لشكر الله تعالى ومحبته، وامتلاء القلب من ~~إحسانه. وفيه زوال للعجب من النفس بالنعم الدينية، وزيادة لفضل الله ~~وإحسانه. و { وميثاقه } أي: واذكروا ميثاقه { الذي واثقكم ~~به } أي: عهده الذي أخذه عليكم. وليس المراد بذلك أنهم لفظوا ونطقوا ~~بالعهد والميثاق، وإنما المراد بذلك أنهم بإيمانهم بالله ورسوله قد ~~التزموا طاعتهما، ولهذا قال: { إذ قلتم سمعنا وأطعنا } ~~أي: سمعنا ما دعوتنا به من آياتك القرآنية والكونية، سمع فهم وإذعان ~~وانقياد. وأطعنا ما أمرتنا به بالامتثال، وما نهيتنا عنه بالاجتناب. وهذا ~~شامل لجميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة. وأن المؤمنين يذكرون في ذلك ~~عهد الله وميثاقه عليهم، وتكون منهم على بال، ويحرصون على أداء ما ~~أمروا به كاملا غير ناقص. { واتقوا الله } في جميع أحوالكم { ~~إن الله عليم بذات الصدور } أي: بما تنطوي عليه من ~~الأفكار والأسرار والخواطر. فاحذروا أن يطلع من قلوبكم على أمر لا يرضاه، ~~أو يصدر منكم ما يكرهه، واعمروا قلوبكم بمعرفته ومحبته والنصح لعباده. ~~فإنكم -إن كنتم كذلك- غفر لكم السيئات، وضاعف لكم الحسنات، لعلمه بصلاح ~~قلوبكم. ### || [5.8] # أي { يا أيهآ الذين آمنوا } بما أمروا بالإيمان به، ~~قوموا بلازم إيمانكم، بأن تكونوا { قوامين لله شهدآء ~~بالقسط } بأن تنشط للقيام بالقسط حركاتكم الظاهرة والباطنة. وأن ~~يكون ذلك القيام لله وحده، ms0374 لا لغرض من الأغراض الدنيوية، وأن تكونوا ~~قاصدين للقسط، الذي هو العدل، لا الإفراط ولا التفريط، في أقوالكم ولا ~~أفعالكم، وقوموا بذلك على القريب والبعيد، والصديق والعدو. { ولا ~~يجرمنكم } أي: لا يحملنكم بغض { قوم على ألا ~~تعدلوا } كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، ~~فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو ~~مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه ~~قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق. { اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى } أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، ~~كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى. { إن الله ~~خبير بما تعملون } فمجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها، صغيرها ~~وكبيرها، جزاء عاجلا وآجلا. ### || [5.9-10] # أي { وعد الله } الذي لا يخلف الميعاد وهو أصدق القائلين - ~~المؤمنين به وبكتبه ورسله واليوم الآخر، { وعملوا الصالحات } ~~من واجبات ومستحبات - بالمغفرة لذنوبهم، بالعفو عنها وعن عواقبها، ~~وبالأجر العظيم الذي لا يعلم عظمه إلا الله تعالى. # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ } ~~الدالة على الحق المبين، فكذبوا بها بعد ما أبانت الحقائق. { ~~أولئك أصحاب الجحيم } الملازمون لها ملازمة الصاحب ~~لصاحبه. ### || [5.11] # يذكر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب ~~واللسان، وأنهم - كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم ~~وسبيهم نعمة - فليعدوا أيضا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم، ورد كيدهم ~~في نحورهم نعمة. فإنهم الأعداء قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون عليه. ~~فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ~~ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من ~~هم بالمؤمنين بشر، من كافر ومنافق وباغ، كف الله شره عن المسلمين، فإنه ~~داخل في هذه الآية. ثم أمرهم بما يستعينون به على الانتصار على عدوهم، ~~وعلى جميع أمورهم، فقال: { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } أي: يعتمدوا ms0375 عليه في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، ~~وتبرؤوا من حولهم وقوتهم، ويثقوا بالله تعالى في حصول ما يحبون. وعلى حسب ~~إيمان العبد يكون توكله، وهو من واجبات القلب المتفق عليها. ### || [5.12-13] # يخبر تعالى أنه أخذ على بني إسرائيل الميثاق الثقيل المؤكد، وذكر صفة ~~الميثاق وأجرهم إن قاموا به، وإثمهم إن لم يقوموا به، ثم ذكر أنهم ما ~~قاموا به، وذكر ما عاقبهم به، فقال: { ولقد أخذ الله ميثاق ~~بني إسرآئيل } أي: عهدهم المؤكد الغليظ، { وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا } أي: رئيسا وعريفا على من تحته، ليكون ناظرا ~~عليهم، حاثا لهم على القيام بما أمروا به، مطالبا يدعوهم. { وقال ~~الله } للنقباء الذين تحملوا من الأعباء ما تحملوا: { إني معكم ~~} أي: بالعون والنصر، فإن المعونة بقدر المؤنة. ثم ذكر ما واثقهم عليه ~~فقال: { لئن أقمتم الصلاة } ظاهرا وباطنا، بالإتيان بما ~~يلزم وينبغي فيها، والمداومة على ذلك { وآتيتم الزكاة } ~~لمستحقيها { وآمنتم برسلي } جميعهم، الذين أفضلهم وأكملهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم، { وعزرتموهم } أي: عظمتموهم، وأديتم ما يجب ~~لهم من الاحترام والطاعة { وأقرضتم الله قرضا حسنا } وهو ~~الصدقة والإحسان، الصادر عن الصدق والإخلاص وطيب المكسب، فإذا قمتم بذلك ~~{ لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } فجمع لهم بين حصول المحبوب بالجنة ~~وما فيها من النعيم، واندفاع المكروه بتكفير السيئات، ودفع ما يترتب ~~عليها من العقوبات. { فمن كفر بعد ذلك } العهد والميثاق ~~المؤكد بالأيمان، والالتزامات المقرون بالترغيب بذكر ثوابه. { فقد ~~ضل سوآء السبيل } أي: عن عمد وعلم، فيستحق ما يستحقه الضالون ~~من حرمان الثواب، وحصول العقاب. فكأنه قيل: ليت شعري ماذا فعلوا؟ وهل ~~وفوا بما عاهدوا الله عليه أم نكثوا؟ فبين أنهم نقضوا ذلك فقال: { ~~فبما نقضهم ميثاقهم } أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات: ~~الأولى: أنا { لعناهم } أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، حيث ~~أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم، الذي ~~هو سببها الأعظم. الثانية: قوله: { وجعلنا قلوبهم قاسية } ~~أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغبهم ms0376 ~~تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه ~~بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى، والخير إلا شرا. الثالثة: أنهم { ~~يحرفون الكلم عن مواضعه } أي: ابتلوا بالتغيير ~~والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراده الله ولا ~~رسوله. الرابعة: أنهم { ونسوا حظا مما ذكروا به } فإنهم ~~ذكروا بالتوراة، وبما أنزل الله على موسى، فنسوا حظا منه، وهذا شامل ~~لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه ~~عقوبة منه لهم. وشامل لنسيان العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما ~~أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في ~~كتابهم، أو وقع في زمانهم، أنه مما نسوه. الخامسة: الخيانة المستمرة التي ~~{ لا تزال تطلع على خآئنة منهم } أي: خيانة لله ~~ولعباده المؤمنين. # ومن أعظم الخيانة منهم، كتمهم [عن] من يعظهم ويحسن فيهم الظن الحق، ~~وإبقاؤهم على كفرهم، فهذه خيانة عظيمة. وهذه الخصال الذميمة، حاصلة لكل ~~من اتصف بصفاتهم. فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، ~~كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب، والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا ~~يوفق للصواب، ونسيان حظ مما ذكر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة، ~~نسأل الله العافية. وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظا، لأنه هو أعظم ~~الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية، كما قال تعالى: # فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون ~~الحياة الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتي قارون ~~إنه لذو حظ عظيم # [القصص: 79] وقال في الحظ النافع: # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # [فصلت: 35]. وقوله: { إلا قليلا منهم } أي: فإنهم وفوا بما ~~عاهدوا الله عليه فوفقهم وهداهم للصراط المستقيم. { فاعف عنهم ~~واصفح } أي: لا تؤاخذهم بما يصدر منهم من الأذى، الذي يقتضي أن يعفى ~~عنهم، واصفح، فإن ذلك من الإحسان { إن الله يحب المحسنين ~~} والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، ms0377 فإنه يراك. وفي ~~حق المخلوقين: بذل النفع الديني والدنيوي لهم. ### || [5.14] # أي: وكما أخذنا على اليهود العهد والميثاق، فكذلك أخذنا على { الذين ~~قالوا إنا نصارى } لعيسى ابن مريم، وزكوا أنفسهم بالإيمان ~~بالله ورسله وما جاؤوا به، فنقضوا العهد، { فنسوا حظا مما ~~ذكروا به } نسيانا علميا، ونسيانا عمليا. { فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة } ~~أي: سلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض ~~بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن ~~النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق. { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } فيعاقبهم عليه. ### || [5.15-16] # لما ذكر تعالى ما أخذه الله على أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وأنهم ~~نقضوا ذلك إلا قليلا منهم، أمرهم جميعا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، واحتج عليهم بآية قاطعة دالة على صحة نبوته، وهي: أنه بين لهم ~~كثيرا مما يخفون عن الناس، حتى عن العوام من أهل ملتهم، فإذا كانوا ~~هم المشار إليهم في العلم ولا علم عند أحد في ذلك الوقت إلا ما عندهم، ~~فالحريص على العلم لا سبيل له إلى إدراكه إلا منهم، فإتيان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بهذا القرآن العظيم الذي بين به ما كانوا يتكاتمونه ~~بينهم، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب - من أدل الدلائل على القطع ~~برسالته، وذلك مثل صفة محمد في كتبهم، ووجود البشائر به في كتبهم، وبيان ~~آية الرجم ونحو ذلك. { ويعفوا عن كثير } أي: يترك بيان ما لا ~~تقتضيه الحكمة. { قد جآءكم من الله نور } وهو القرآن، ~~يستضاء به في ظلمات الجهالة وعماية الضلالة. { وكتاب مبين } لكل ~~ما يحتاج الخلق إليه من أمور دينهم ودنياهم. من العلم بالله وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكامه الشرعية وأحكامه الجزائية. ثم ذكر ~~من الذي يهتدي بهذا القرآن، وما هو السبب الذي من العبد لحصول ذلك، ~~فقال: { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل ~~السلام } أي: يهدي به من اجتهد وحرص على بلوغ مرضاة الله، وصار ms0378 ~~قصده حسنا - سبل السلام التي تسلم صاحبها من العذاب، وتوصله إلى دار ~~السلام، وهو العلم بالحق والعمل به، إجمالا وتفصيلا. { ويخرجهم ~~من } ظلمات الكفر والبدعة والمعصية، والجهل والغفلة، إلى نور الإيمان ~~والسنة، والطاعة، والعلم، والذكر. وكل هذه الهداية بإذن الله، الذي ما ~~شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. { ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم }. ### || [5.17-18] # لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين، وأنهم لم يقوموا به بل ~~نقضوه، ذكر أقوالهم الشنيعة. فذكر قول النصارى، القول الذي ما قاله أحد ~~غيرهم، بأن الله هو المسيح ابن مريم، ووجه شبهتهم أنه ولد من غير أب، ~~فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل. مع أن حواء نظيره، خلقت بلا أم، ~~وآدم أولى منه، خلق بلا أب ولا أم، فهلا ادعوا فيهما الإلهية كما ~~ادعوها في المسيح؟ فدل على أن قولهم اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة. ~~فرد الله عليهم بأدلة عقلية واضحة فقال: { قل فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا }. فإذا كان المذكورون لا امتناع ~~عندهم يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم، ولا قدرة لهم على ذلك - دل على ~~بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك، ولا في قوته شيء من الفكاك. ومن ~~الأدلة أن { لله } وحده { ملك السموت والأرض } يتصرف ~~فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي، وهم مملوكون مدبرون، فهل يليق أن ~~يكون المملوك العبد الفقير، إلها معبودا غنيا من كل وجه؟ هذا من أعظم ~~المحال. ولا وجه لاستغرابهم لخلق المسيح عيسى ابن مريم من غير أب، فإن ~~الله { يخلق ما يشآء } إن شاء من أب وأم، كسائر بني آدم، وإن ~~شاء من أب بلا أم، كحواء. وإن شاء من أم بلا أب، كعيسى. وإن شاء من غير ~~أب ولا أم [كآدم]. فنوع خليقته تعالى بمشيئته النافذة، التي لا يستعصي ~~عليها شيء، ولهذا قال: { والله على كل شيء قدير }. ومن ~~مقالات اليهود والنصارى أن كلا منهما ادعى دعوى باطلة، يزكون بها ~~أنفسهم، بأن ms0379 قال كل منهما: { نحن أبنؤا الله وأحبؤه ~~}. والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس ~~من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح. قال الله ردا عليهم حيث ادعوا ~~بلا برهان: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم }؟ فلو كنتم أحبابه ~~ما عذبكم [لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه]. { بل أنتم بشر ~~ممن خلق } تجري عليكم أحكام العدل والفضل { يغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء } إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب ~~العذاب، { ولله ملك السموت والأرض وما بينهما ~~وإليه المصير } أي: فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة ~~المماليك ومن جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم ~~بأعمالكم. ### || [5.19] # يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب - بسبب ما من عليهم من كتابه - أن ~~يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويشكروا الله تعالى الذي أرسله ~~إليهم على حين { فترة من الرسل } وشدة حاجة إليه. وهذا مما ~~يدعو إلى الإيمان به، وأنه يبين لهم جميع المطالب الإلهية والأحكام ~~الشرعية. وقد قطع الله بذلك حجتهم، لئلا يقولوا: { ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير } يبشر ~~بالثواب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها. ~~وينذر بالعقاب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين ~~بها. { والله على كل شيء قدير } انقادت الأشياء طوعا ~~وإذعانا لقدرته، فلا يستعصي عليه شيء منها، ومن قدرته أن أرسل الرسل، ~~وأنزل الكتب، وأنه يثيب من أطاعهم ويعاقب من عصاهم. ### || [5.20-26] # إلى آخر القصة. لما امتن الله على موسى وقومه بنجاتهم من فرعون وقومه ~~وأسرهم واستبعادهم، ذهبوا قاصدين لأوطانهم ومساكنهم، وهي بيت المقدس وما ~~حواليه، وقاربوا وصول بيت المقدس، وكان الله قد فرض عليهم جهاد عدوهم ~~ليخرجوه من ديارهم. فوعظهم موسى عليه السلام وذكرهم ليقدموا على الجهاد ~~فقال لهم: { ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } بقلوبكم ~~وألسنتكم. فإن ذكرها داع إلى محبته تعالى ومنشط على العبادة، { إذ ~~جعل فيكم أنبيآء } يدعونكم إلى الهدى، ويحذرونكم من الردى، ~~ويحثونكم على سعادتكم الأبدية، ويعلمونكم ما لم تكونوا ms0380 تعلمون { ~~وجعلكم ملوكا } تملكون أمركم، بحيث إنه زال عنكم استعباد عدوكم ~~لكم، فكنتم تملكون أمركم، وتتمكنون من إقامة دينكم. { وآتاكم } من ~~النعم الدينية والدنيوية { ما لم يؤت أحدا من العالمين ~~} فإنهم في ذلك الزمان خيرة الخلق، وأكرمهم على الله تعالى. وقد أنعم ~~عليهم بنعم ما كانت لغيرهم. فذكرهم بالنعم الدينية والدنيوية، الداعي ذلك ~~لإيمانهم وثباته، وثباتهم على الجهاد، وإقدامهم عليه، ولهذا قال: { ~~يقوم ادخلوا الأرض المقدسة }. أي: المطهرة { التي ~~كتب الله لكم }. فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا ~~مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على ~~عدوهم. { ولا ترتدوا } أي: ترجعوا { على أدباركم ~~فتنقلبوا خسرين } قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على ~~الأعداء وفتح بلادكم. وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم ~~-بمعصيتكم- من العقاب، فقالوا قولا يدل على ضعف قلوبهم، وخور نفوسهم، ~~وعدم اهتمامهم بأمر الله ورسوله. { قالوا ياموسى إن فيها ~~قوما جبارين } شديدي القوة والشجاعة، أي: فهذا من الموانع لنا من ~~دخولها. { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون }. وهذا من الجبن وقلة اليقين، ~~وإلا فلو كان معهم رشدهم، لعلموا أنهم كلهم من بني آدم، وأن القوي من ~~أعانه الله بقوة من عنده، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولعلموا أنهم ~~سينصرون عليهم، إذ وعدهم الله بذلك، وعدا خاصا. { قال رجلان من ~~الذين يخافون } الله تعالى، مشجعين لقومهم، منهضين لهم على قتال ~~عدوهم واحتلال بلادهم. { أنعم الله عليهما } بالتوفيق، وكلمة ~~الحق في هذا الموطن المحتاج إلى مثل كلامهم، وأنعم عليهم بالصبر واليقين. ~~{ ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم ~~غالبون } أي: ليس بينكم وبين نصركم عليهم إلا أن تجزموا عليهم، ~~وتدخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه عليهم فإنهم سينهزمون، ثم أمراهم بعدة ~~هي أقوى العدد، فقالا: { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين } فإن في التوكل على الله - وخصوصا في هذا الموطن - ~~تيسيرا للأمر، ونصرا على الأعداء. ودل هذا على وجوب التوكل، وعلى أنه ~~بحسب إيمان العبد يكون توكله، فلم ينجع ms0381 فيهم هذا الكلام، ولا نفع فيهم ~~الملام، فقالوا قول الأذلين: { قالوا ياموسى إنا لن ~~ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا هاهنا قاعدون }. # فما أشنع هذا الكلام منهم، ومواجهتهم لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق، ~~الذي قد دعت الحاجة والضرورة إلى نصرة نبيهم، وإعزاز أنفسهم. وبهذا ~~وأمثاله يظهر التفاوت بين سائر الأمم، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم -حين شاورهم في القتال يوم " ~~بدر " مع أنه لم يحتم عليهم: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه ~~معك، ولو بلغت بنا برك الغماد ما تخلف عنك أحد. ولا نقول كما قال قوم ~~موسى لموسى: { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، من بين يديك ~~ومن خلفك، وعن يمينك وعن يسارك. فلما رأى موسى عليه السلام عتوهم عليه { ~~قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } أي: فلا يدان ~~لنا بقتالهم، ولست بجبار على هؤلاء. { فافرق بيننا وبين ~~القوم الفاسقين } أي: احكم بيننا وبينهم، بأن تنزل فيهم من ~~العقوبة ما اقتضته حكمتك، ودل ذلك على أن قولهم وفعلهم من الكبائر ~~العظيمة الموجبة للفسق. { قال } الله مجيبا لدعوة موسى: { فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } ~~أي: إن من عقوبتهم أن نحرم عليهم دخول هذه القرية التي كتبها الله لهم، ~~مدة أربعين سنة، وتلك المدة أيضا يتيهون في الأرض، لا يهتدون إلى طريق ~~ولا يبقون مطمئنين، وهذه عقوبة دنيوية، لعل الله تعالى كفر بها عنهم، ~~ودفع عنهم عقوبة أعظم منها، وفي هذا دليل على أن العقوبة على الذنب قد ~~تكون بزوال نعمة موجودة، أو دفع نقمة قد انعقد سبب وجودها أو تأخرها إلى ~~وقت آخر. ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه ~~المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد ~~لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها ms0382 وعلوها، ولتظهر ~~ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل ~~المانع من السعادة. ولما علم الله تعالى أن عبده موسى في غاية الرحمة على ~~الخلق، خصوصا قومه، وأنه ربما رق لهم، واحتملته الشفقة على الحزن عليهم ~~في هذه العقوبة، أو الدعاء لهم بزوالها، مع أن الله قد حتمها، قال: { ~~فلا تأس على القوم الفاسقين } أي: لا تأسف عليهم ولا ~~تحزن، فإنهم قد فسقوا، وفسقهم اقتضى وقوع ما نزل بهم لا ظلما منا. ### || [5.27-31] # إلى آخر القصة أي: قص على الناس وأخبرهم بالقضية التي جرت على ابني آدم ~~بالحق، تلاوة يعتبر بها المعتبرون، صدقا لا كذبا، وجدا لا لعبا، ~~والظاهر أن ابني آدم هما ابناه لصلبه، كما يدل عليه ظاهر الآية والسياق، ~~وهو قول جمهور المفسرين. أي: اتل عليهم نبأهما في حال تقريبهما للقربان، ~~الذي أداهما إلى الحال المذكورة. { إذ قربا قربانا } أي: أخرج ~~كل منهما شيئا من ماله لقصد التقرب إلى الله، { فتقبل من ~~أحدهما ولم يتقبل من الآخر } بأن علم ذلك بخبر من ~~السماء، أو بالعادة السابقة في الأمم، أن علامة تقبل الله لقربان، أن ~~تنزل نار من السماء فتحرقه. { قال } الابن، الذي لم يتقبل منه للآخر ~~حسدا وبغيا { لأقتلنك }. فقال له الآخر - مترفقا له في ذلك - { ~~قال إنما يتقبل الله من المتقين } فأي ذنب لي ~~وجناية توجب لك أن تقتلني؟ إلا أني اتقيت الله تعالى، الذي تقواه واجبة ~~علي وعليك، وعلى كل أحد، وأصح الأقوال في تفسير المتقين هنا، أي: ~~المتقين لله في ذلك العمل، بأن يكون عملهم خالصا لوجه الله، متبعين فيه ~~لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال له مخبرا أنه لا يريد أن ~~يتعرض لقتله، لا ابتداء ولا مدافعة فقال: { لئن بسطت إلي يدك ~~لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } وليس ~~ذلك جبنا مني ولا عجزا. وإنما ذلك لأني { أخاف الله رب ~~العالمين } والخائف لله لا يقدم على الذنوب، خصوصا الذنوب الكبار. ~~وفي هذا تخويف لمن يريد القتل، وأنه ms0383 ينبغي لك أن تتقي الله وتخافه. { ~~إني أريد أن تبوء } أي: ترجع { بإثمي وإثمك } أي: ~~إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني فإني أوثر أن تقتلني، ~~فتبوء بالوزرين { فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء ~~الظالمين } دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول ~~النار. فلم يرتدع ذلك الجاني ولم ينزجر، ولم يزل يعزم نفسه ويجزمها، حتى ~~طوعت له قتل أخيه الذي يقتضي الشرع والطبع احترامه. { فقتله ~~فأصبح من الخاسرين } دنياهم وآخرتهم، وأصبح قد سن هذه ~~السنة لكل قاتل. # " ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ~~". # ولهذا ورد في الحديث الصحيح أنه # " ما من نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول شطر من دمها، لأنه أول من ~~سن القتل " # فلما قتل أخاه لم يدر كيف يصنع به لأنه أول ميت مات من بني آدم { ~~فبعث الله غرابا يبحث في الأرض } أي: يثيرها ليدفن ~~غرابا آخر ميتا. { ليريه } بذلك { كيف يواري سوءة ~~أخيه } أي: بدنه، لأن بدن الميت يكون عورة { فأصبح من ~~النادمين } وهكذا عاقبة المعاصي الندامة والخسارة. ### || [5.32] # يقول تعالى { من أجل ذلك } الذي ذكرناه في قصة ابني آدم، وقتل ~~أحدهما أخاه، وسنه القتل لمن بعده، وأن القتل عاقبته وخيمة وخسارة في ~~الدنيا والآخرة. { كتبنا على بني إسرائيل } أهل الكتب ~~السماوية { أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض } أي: بغير حق { فكأنما قتل الناس جميعا } لأنه ~~ليس معه داع يدعوه إلى التبيين، وأنه لا يقدم على القتل إلا بحق، فلما ~~تجرأ على قتل النفس التي لم تستحق القتل، علم أنه لا فرق عنده بين هذا ~~المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء. ~~فتجرؤه على قتله، كأنه قتل الناس جميعا. وكذلك من أحيا نفسا أي: ~~استبقى أحدا، فلم يقتله مع دعاء نفسه له إلى قتله، فمنعه خوف الله تعالى ~~من قتله، فهذا كأنه أحيا الناس جميعا، لأن ما معه من الخوف ms0384 يمنعه من قتل ~~من لا يستحق القتل. ودلت الآية على أن القتل يجوز بأحد أمرين: إما أن ~~يقتل نفسا بغير حق متعمدا في ذلك، فإنه يحل قتله، إن كان مكلفا ~~مكافئا، ليس بوالد للمقتول. وإما أن يكون مفسدا في الأرض، بإفساده ~~لأديان الناس أو أبدانهم أو أموالهم، كالكفار المرتدين والمحاربين، ~~والدعاة إلى البدع الذين لا ينكف شرهم إلا بالقتل. وكذلك قطاع الطريق ~~ونحوهم، ممن يصول على الناس لقتلهم، أو أخذ أموالهم. { ولقد ~~جآءتهم رسلنا بالبينت } التي لا يبقى معها حجة لأحد. { ~~ثم إن كثيرا منهم } أي: من الناس { بعد ذلك } البيان ~~القاطع للحجة، الموجب للاستقامة في الأرض { لمسرفون } في العمل ~~بالمعاصي، ومخالفة الرسل الذين جاءوا بالبينات والحجج. ### || [5.33-34] # المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض ~~بالكفر والقتل، وأخذ الأموال، وإخافة السبل. والمشهور أن هذه الآية ~~الكريمة في أحكام قطاع الطريق، الذين يعرضون للناس في القرى والبوادي، ~~فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق ~~التي هم بها، فتنقطع بذلك. فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم - عند إقامة ~~الحد عليهم - أن يفعل بهم واحد من هذه الأمور. واختلف المفسرون: هل ذلك ~~على التخيير، وأن كل قاطع طريق يفعل به الإمام أو نائبه ما رآه المصلحة ~~من هذه الأمور المذكورة؟ وهذا ظاهر اللفظ، أو أن عقوبتهم تكون بحسب ~~جرائمهم، فكل جريمة لها قسط يقابلها، كما تدل عليه الآية بحكمتها ~~وموافقتها لحكمة الله تعالى. وأنهم إن قتلوا وأخذوا مالا تحتم قتلهم ~~وصلبهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم. وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا ~~تحتم قتلهم فقط. وإن أخذوا مالا ولم يقتلوا تحتم أن تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى. وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا، ولا ~~أخذوا مالا، نفوا من الأرض، فلا يتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم. ~~وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وكثير من الأئمة، على اختلاف في بعض ~~التفاصيل. { ذلك } النكال { لهم خزي في الدنيا } أي: فضيحة ~~وعار { ولهم في الآخرة عذاب عظيم } فدل ms0385 هذا أن قطع الطريق ~~من أعظم الذنوب، موجب لفضيحة الدنيا وعذاب الآخرة، وأن فاعله محارب لله ~~ولرسوله. وإذا كان هذا شأن عظم هذه الجريمة، علم أن تطهير الأرض من ~~المفسدين، وتأمين السبل والطرق، عن القتل، وأخذ الأموال، وإخافة الناس، ~~من أعظم الحسنات وأجل الطاعات، وأنه إصلاح في الأرض، كما أن ضده إفساد في ~~الأرض. { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } أي: من هؤلاء المحاربين، { فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم } أي: فيسقط عنه ما كان لله، من تحتم القتل والصلب ~~والقطع والنفي، ومن حق الآدمي أيضا، إن كان المحارب كافرا ثم أسلم، فإن ~~كان المحارب مسلما فإن حق الآدمي، لا يسقط عنه من القتل وأخذ المال. ودل ~~مفهوم الآية على أن توبة المحارب - بعد القدرة عليه - أنها لا تسقط عنه ~~شيئا، والحكمة في ذلك ظاهرة. وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من ~~إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود - إذا تاب من فعلها، قبل القدرة ~~عليه - من باب أولى. ### || [5.35] # هذا أمر من الله لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان من تقوى الله ~~والحذر من سخطه وغضبه، وذلك بأن يجتهد العبد، ويبذل غاية ما يمكنه من ~~المقدور في اجتناب ما يسخطه الله، من معاصي القلب واللسان والجوارح، ~~الظاهرة والباطنة. ويستعين بالله على تركها، لينجو بذلك من سخط الله ~~وعذابه. { وابتغوا إليه الوسيلة } أي: القرب منه، والحظوة ~~لديه، والحب له، وذلك بأداء فرائضه القلبية، كالحب له وفيه، والخوف ~~والرجاء، والإنابة والتوكل. والبدنية: كالزكاة والحج. والمركبة من ذلك ~~كالصلاة ونحوها، من أنواع القراءة والذكر، ومن أنواع الإحسان إلى الخلق ~~بالمال والعلم والجاه، والبدن، والنصح لعباد الله، فكل هذه الأعمال تقرب ~~إلى الله. ولا يزال العبد يتقرب بها إلى الله حتى يحبه الله، فإذا أحبه ~~كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله ~~التي يمشي [بها] ويستجيب الله له الدعاء. ثم خص تبارك وتعالى من العبادات ~~المقربة إليه، الجهاد في سبيله، وهو: بذل الجهد في قتال ms0386 الكافرين بالمال، ~~والنفس، والرأي، واللسان، والسعي في نصر دين الله بكل ما يقدر عليه ~~العبد، لأن هذا النوع من أجل الطاعات وأفضل القربات. ولأن من قام به، ~~فهو على القيام بغيره أحرى وأولى { لعلكم تفلحون } إذا اتقيتم ~~الله بترك المعاصي، وابتغيتم الوسيلة إلى الله، بفعل الطاعات، وجاهدتم في ~~سبيله ابتغاء مرضاته. والفلاح هو الفوز والظفر بكل مطلوب مرغوب، والنجاة ~~من كل مرهوب، فحقيقته السعادة الأبدية والنعيم المقيم. ### || [5.36-37] # يخبر تعالى عن شناعة حال الكافرين بالله يوم القيامة ومآلهم الفظيع، ~~وأنهم لو افتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه ما تقبل منهم، ~~ولا أفاد، لأن محل الافتداء قد فات، ولم يبق إلا العذاب الأليم، الموجع ~~الدائم الذي لا يخرجون منه أبدا، بل هم ماكثون فيه سرمدا. ### || [5.38-40] # السارق: هو من أخذ مال غيره المحترم خفية، بغير رضاه. وهو من كبائر ~~الذنوب الموجبة لترتب العقوبة الشنيعة، وهو قطع اليد اليمنى، كما هو في ~~قراءة بعض الصحابة. وحد اليد عند الإطلاق من الكوع، فإذا سرق قطعت يده من ~~الكوع، وحسمت في زيت لتنسد العروق فيقف الدم، ولكن السنة قيدت عموم هذه ~~الآية من عدة أوجه: منها: الحرز، فإنه لا بد أن تكون السرقة من حرز، وحرز ~~كل مال: ما يحفظ به عادة. فلو سرق من غير حرز فلا قطع عليه. ومنها: أنه ~~لا بد أن يكون المسروق نصابا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما ~~يساوي أحدهما، فلو سرق دون ذلك فلا قطع عليه. ولعل هذا يؤخذ من لفظ ~~السرقة ومعناها، فإن لفظ " السرقة " أخذ الشيء على وجه لا يمكن الاحتراز ~~منه، وذلك أن يكون المال محرزا، فلو كان غير محرز لم يكن ذلك سرقة ~~شرعية. ومن الحكمة أيضا أن لا تقطع اليد في الشيء النزر التافه، فلما ~~كان لا بد من التقدير، كان التقدير الشرعي مخصصا للكتاب. والحكمة في قطع ~~اليد في السرقة، أن ذلك حفظ للأموال، واحتياط لها، وليقطع العضو الذي ~~صدرت منه الجناية، فإن عاد السارق قطعت ms0387 رجله اليسرى، فإن عاد، فقيل: تقطع ~~يده اليسرى، ثم رجله اليمنى، وقيل: يحبس حتى يموت. وقوله: { جزآء ~~بما كسبا } أي: ذلك القطع جزاء للسارق بما سرقه من أموال الناس. { ~~نكالا من الله } أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع ~~السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا. { والله عزيز حكيم ~~} أي: عز وحكم فقطع السارق. { فمن تاب من بعد ظلمه ~~وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور ~~رحيم } فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب. وذلك أن ~~لله ملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية ~~والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ~~ومغفرته. ### || [5.41-44] # كان الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن ~~يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ~~ولا يحزن على أمثال هؤلاء. فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير. إن ~~حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب ~~لعدم الحزن عليهم - فقال: { من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } فإن الذين يؤسى ويحزن ~~عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا، ~~وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان - إذا خالطت ~~بشاشته القلوب - لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا. { ومن ~~الذين هادوا } أي: اليهود { سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك } أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، ~~المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي. وهؤلاء الرؤساء المتبوعون { لم ~~يأتوك } بل أعرضوا عنك، وفرحوا بما عندهم من الباطل وهو تحريف الكلم ~~عن مواضعه، أي: جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها، لإضلال الخلق ~~ولدفع الحق، فهؤلاء المنقادون للدعاة إلى الضلال، المتبعين للمحال، الذين ~~يأتون بكل كذب، لا عقول لهم ولا همم. فلا تبال أيضا إذا لم يتبعوك، ~~لأنهم في غاية النقص، والناقص لا يؤبه له ولا يبالى به. { يقولون ~~إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ~~} أي: هذا قولهم عند محاكمتهم ms0388 إليك، لا قصد لهم إلا اتباع الهوى. يقول ~~بعضهم لبعض: إن حكم لكم محمد بهذا الحكم الذي يوافق أهواءكم، فاقبلوا ~~حكمه، وإن لم يحكم لكم به، فاحذروا أن تتابعوه على ذلك، وهذا فتنة واتباع ~~ما تهوى الأنفس. { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له ~~من الله شيئا } كقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء وهو أعلم بالمهتدين # [القصص: 56]. { أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم } أي: فلذلك صدر منهم ما صدر. فدل ذلك على أن من ~~كان مقصوده بالتحاكم إلى الحكم الشرعي اتباع هواه، وأنه إن حكم له رضي، ~~وإن لم يحكم له سخط، فإن ذلك من عدم طهارة قلبه، كما أن من حاكم وتحاكم ~~إلى الشرع ورضي به، وافق هواه أو خالفه، فإنه من طهارة القلب، ودل على أن ~~طهارة القلب، سبب لكل خير، وهو أكبر داع إلى كل قول رشيد وعمل سديد. { ~~لهم في الدنيا خزي } أي: فضيحة وعار { ولهم في الآخرة ~~عذاب عظيم } هو: النار وسخط الجبار. { سماعون للكذب } ~~والسمع هاهنا سمع استجابة، أي: من قلة دينهم وعقلهم، أن استجابوا لمن ~~دعاهم إلى القول الكذب. { أكالون للسحت } أي: المال الحرام، ~~بما يأخذونه على سفلتهم وعوامهم من المعلومات والرواتب، التي بغير الحق، ~~فجمعوا بين اتباع الكذب وأكل الحرام. # { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } فأنت ~~مخير في ذلك. وليست هذه منسوخة، فإنه - عند تحاكم هذا الصنف إليه - يخير ~~بين أن يحكم بينهم، أو يعرض عن الحكم بينهم، بسبب أنه لا قصد لهم في ~~الحكم الشرعي إلا أن يكون موافقا لأهوائهم، وعلى هذا فكل مستفت ومتحاكم ~~إلى عالم، يعلم من حاله أنه إن حكم عليه لم يرض، لم يجب الحكم ولا ~~الإفتاء لهم، فإن حكم بينهم وجب أن يحكم بالقسط، ولهذا قال: { وإن ~~تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } حتى ولو ~~كانوا ظلمة وأعداء، فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم. وفي هذا ms0389 بيان ~~فضيلة العدل والقسط في الحكم بين الناس، وأن الله تعالى يحبه. ثم قال ~~متعجبا لهم: { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ~~حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ومآ ~~أولئك بالمؤمنين } فإنهم - لو كانوا مؤمنين عاملين بما ~~يقتضيه الإيمان ويوجبه - لم يصدفوا عن حكم الله الذي في التوراة التي بين ~~أيديهم، لعلهم أن يجدوا عندك ما يوافق أهواءهم. وحين حكمت بينهم بحكم ~~الله الموافق لما عندهم أيضا، لم يرضوا بذلك بل أعرضوا عنه، فلم يرتضوه ~~أيضا. قال تعالى: { ومآ أولئك } الذين هذا صنيعهم { ~~بالمؤمنين } أي: ليس هذا دأب المؤمنين، وليسوا حريين بالإيمان. ~~لأنهم جعلوا آلهتهم أهواءهم، وجعلوا أحكام الإيمان تابعة لأهوائهم. { ~~إنآ أنزلنا التوراة } على موسى بن عمران عليه الصلاة ~~والسلام. { فيها هدى } يهدي إلى الإيمان والحق، ويعصم من الضلالة { ~~ونور } يستضاء به في ظلم الجهل والحيرة والشكوك، والشبهات والشهوات، ~~كما قال تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48] { يحكم بها } بين الذين هادوا، أي: اليهود في ~~القضايا والفتاوى { النبيون الذين أسلموا } لله وانقادوا ~~لأوامره، الذين إسلامهم أعظم من إسلام غيرهم، وهم صفوة الله من العباد. ~~فإذا كان هؤلاء النبيون الكرام والسادة للأنام قد اقتدوا بها وائتموا ~~ومشوا خلفها، فما الذي منع هؤلاء الأراذل من اليهود من الاقتداء بها؟ وما ~~الذي أوجب لهم أن ينبذوا أشرف ما فيها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، الذي لا يقبل عمل ظاهر وباطن، إلا بتلك العقيدة؟ هل لهم إمام في ~~ذلك؟ نعم لهم أئمة دأبهم التحريف، وإقامة رياستهم ومناصبهم بين الناس، ~~والتأكل بكتمان الحق، وإظهار الباطل، أولئك أئمة الضلال الذين يدعون إلى ~~النار. وقوله: { والربانيون والأحبار } أي: وكذلك يحكم ~~بالتوراة للذين هادوا أئمة الدين من الربانيين، أي: العلماء العاملين ~~المعلمين الذين يربون الناس بأحسن تربية، ويسلكون معهم مسلك الأنبياء ~~المشفقين. والأحبار أي: العلماء الكبار الذين يقتدى بأقوالهم، وترمق ~~آثارهم، ولهم لسان الصدق بين أممهم. # وذلك الحكم الصادر منهم الموافق للحق { بما استحفظوا من ~~كتاب الله وكانوا عليه شهدآء } أي: ms0390 بسبب أن الله ~~استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء عليه، وهو أمانة عندهم، أوجب عليهم ~~حفظه من الزيادة والنقصان والكتمان، وتعليمه لمن لا يعلمه. وهم شهداء ~~عليه، بحيث أنهم المرجوع إليهم فيه، وفيما اشتبه على الناس منه، فالله ~~تعالى قد حمل أهل العلم، ما لم يحمله الجهال، فيجب عليهم القيام بأعباء ~~ما حملوا. وأن لا يقتدوا بالجهال، بالإخلاد إلى البطالة والكسل، وأن لا ~~يقتصروا على مجرد العبادات القاصرة، من أنواع الذكر، والصلاة، والزكاة، ~~والحج، والصوم، ونحو ذلك من الأمور، التي إذا قام بها غير أهل العلم ~~سلموا ونجوا. وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم ~~أنفسهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من ~~أمور دينهم، خصوصا الأمور الأصولية والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا ~~الناس بل يخشون ربهم، ولهذا قال: { فلا تخشوا الناس ~~واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } فتكتمون ~~الحق، وتظهرون الباطل، لأجل متاع الدنيا القليل، وهذه الآفات إذا سلم ~~منها العالم فهو من توفيقه وسعادته، بأن يكون همه الاجتهاد في العلم ~~والتعليم، ويعلم أن الله قد استحفظه ما أودعه من العلم واستشهده عليه، ~~وأن يكون خائفا من ربه، ولا يمنعه خوف الناس وخشيتهم من القيام بما هو ~~لازم له، وأن لا يؤثر الدنيا على الدين. كما أن علامة شقاوة العالم أن ~~يكون مخلدا للبطالة، غير قائم بما أمر به، ولا مبال بما استحفظ عليه، قد ~~أهمله وأضاعه، قد باع الدين بالدنيا، قد ارتشى في أحكامه، وأخذ المال على ~~فتاويه، ولم يعلم عباد الله إلا بأجرة وجعالة. فهذا قد من الله عليه ~~بمنة عظيمة، كفرها ودفع حظا جسيما، محروما منه غيره، فنسألك اللهم ~~علما نافعا، وعملا متقبلا، وأن ترزقنا العفو والعافية من كل بلاء يا ~~كريم. { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله } من الحق المبين، ~~وحكم بالباطل الذي يعلمه، لغرض من أغراضه الفاسدة { فأولئك هم ~~الكافرون } فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون ~~كفرا ينقل عن الملة، وذلك إذا اعتقد ms0391 حله وجوازه. وقد يكون كبيرة من ~~كبائر الذنوب، ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد. ### || [5.45] # هذه الأحكام من جملة الأحكام التي في التوراة، يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار. إن الله أوجب عليهم فيها أن ~~النفس - إذا قتلت - تقتل بالنفس بشرط العمد والمكافأة، والعين تقلع ~~بالعين، والأذن تؤخذ بالأذن، والسن ينزع بالسن. ومثل هذه ما أشبهها من ~~الأطراف التي يمكن الاقتصاص منها بدون حيف. { والجروح قصاص } ~~والاقتصاص: أن يفعل به كما فعل. فمن جرح غيره عمدا اقتص من الجارح جرحا ~~مثل جرحه للمجروح، حدا، وموضعا، وطولا وعرضا وعمقا، وليعلم أن شرع ~~من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه. { فمن تصدق به } أي: ~~بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت ~~له الحق قبله. { فهو كفارة له } أي: كفارة للجاني، لأن الآدمي ~~عفا عن حقه. والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه، وكفارة أيضا عن ~~العافي، فإنه كما عفا عمن جنى عليه، أو على من يتعلق به، فإن الله يعفو ~~عن زلاته وجناياته. { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون } قال ابن عباس: كفر دون كفر، وظلم ~~دون ظلم، وفسق دون فسق، فهو ظلم أكبر، عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند ~~فعله غير مستحل له. ### || [5.46-47] # أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ~~ورسولنا عيسى ابن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. بعثه ~~الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى ولما جاء به من ~~التوراة بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر ~~الأمور الشرعية. وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام، كما قال ~~تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران: 50]. { وآتيناه الإنجيل } الكتاب العظيم المتمم ~~للتوراة. { فيه هدى ونور } يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق ~~من الباطل. { ومصدقا لما بين يديه من التوراة } ~~بتثبيتها والشهادة لها والموافقة. { وهدى ms0392 وموعظة ~~للمتقين } فإنهم الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ~~ويرتدعون عما لا يليق. { وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل ~~الله فيه } أي: يلزمهم التقيد بكتابهم، ولا يجوز لهم العدول عنه. { ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون }. ### || [5.48-50] # يقول تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب } الذي هو القرآن ~~العظيم، أفضل الكتب وأجلها. { بالحق } أي: إنزالا بالحق، ومشتملا ~~على الحق في أخباره وأوامره ونواهيه. { مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب } لأنه شهد لها ووافقها، وطابقت أخباره ~~أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجوده مصداقا لخبرها. ~~{ ومهيمنا عليه } أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب ~~السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي ~~تتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة ~~إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه ~~الحكم والحكمة، والأحكام الذي عرضت عليه الكتب السابقة، فما شهد له ~~بالصدق فهو المقبول، وما شهد له بالرد فهو مردود، قد دخله التحريف ~~والتبديل، وإلا فلو كان من عند الله، لم يخالفه. { فاحكم بينهم ~~بمآ أنزل الله } من الحكم الشرعي الذي أنزله الله عليك. { ولا ~~تتبع أهوآءهم عما جآءك من الحق } أي: لا تجعل ~~اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق بدلا عما جاءك من الحق فتستبدل ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير. { لكل جعلنا منكم } أيها الأمم ~~جعلنا { شرعة ومنهاجا } أي: سبيلا وسنة، وهذه الشرائع التي ~~تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ~~ترجع إلى العدل في وقت شرعتها، وأما الأصول الكبار التي هي مصلحة وحكمة ~~في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع. { ولو شآء ~~الله لجعلكم أمة واحدة } تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف ~~متأخرها و[لا] متقدمها. { واحدة ولكن ليبلوكم في مآ ~~آتاكم } فيختبركم وينظر كيف تعملون، ويبتلي كل أمة بحسب ما تقتضيه ~~حكمته، ويؤتي كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم فكل أمة تحرص ~~على سبق غيرها، ولهذا قال: { فاستبقوا الخيرات } أي: بادروا ms0393 ~~إليها وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله وحقوق ~~عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره مستوليا على الأمر، إلا بأمرين: ~~المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة حين يجيء وقتها ويعرض عارضها، والاجتهاد ~~في أدائها كاملة على الوجه المأمور به. ويستدل بهذه الآية، على المبادرة ~~لأداء الصلاة وغيرها في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على ~~مجرد ما يجزئ في الصلاة وغيرها من العبادات من الأمور الواجبة، بل ينبغي ~~أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها لتتم وتكمل، ويحصل بها السبق. { ~~إلى الله مرجعكم جميعا } الأمم السابقة واللاحقة، كلهم ~~سيجمعهم الله ليوم لا ريب فيه. { فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } من الشرائع والأعمال، فيثيب أهل الحق والعمل الصالح، ~~ويعاقب أهل الباطل والعمل السيئ. { وأن احكم بينهم بمآ ~~أنزل الله } هذه الآية هي التي قيل: إنها ناسخة لقوله: # فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42]. والصحيح: أنها ليست بناسخة، وأن تلك الآية تدل على أنه ~~صلى الله عليه وسلم مخير بين الحكم بينهم وبين عدمه، وذلك لعدم قصدهم ~~بالتحاكم للحق. وهذه الآية تدل على أنه إذا حكم، فإنه يحكم بينهم بما ~~أنزل الله من الكتاب والسنة، وهو القسط الذي تقدم أن الله قال: # وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط # [المائدة: 42] ودل هذا على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من ~~الأحكام، فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك فهو جور ~~وظلم. { ولا تتبع أهوآءهم } كرر النهي عن اتباع أهوائهم ~~لشدة التحذير منها. ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في ~~مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق، ~~ولهذا قال: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل ~~الله إليك } أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك فيصدوك عن بعض ما ~~أنزل [الله] إليك، فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، ~~والفرض اتباعه. { فإن تولوا } عن اتباعك واتباع الحق { فاعلم ~~} أن ذلك عقوبة عليهم وأن الله يريد { أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم ms0394 } فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة، ومن أعظم العقوبات أن ~~يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه. { وإن كثيرا ~~من الناس لفاسقون } أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله ~~واتباع رسوله. { أفحكم الجاهلية يبغون } أي: أفيطلبون ~~بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية، وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على ~~رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ~~ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله ~~للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور ~~والهدى. { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } ~~فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله ~~من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا - اتباعه. واليقين، هو العلم ~~التام الموجب للعمل. ### || [5.51-53] # يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم ~~غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بعضهم أولياء بعض يتناصرون فيما ~~بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم ~~الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا ~~على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم، ولهذا قال: { ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم } لأن التولي التام يوجب ~~الانتقال إلى دينهم. والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا ~~فشيئا، حتى يكون العبد منهم. { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين } أي: الذين وصفهم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون. فلو ~~جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك. ولما نهى الله المؤمنين عن ~~توليهم، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفة تواليهم، فقال: { فترى ~~الذين في قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: ~~إن تولينا إياهم للحاجة، فإننا { نخشى أن تصيبنا دآئرة } ~~أي: تكون الدائرة لليهود والنصارى، فإذا كانت الدائرة لهم، فإذا لنا معهم ~~يد يكافؤننا عنها، وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، قال تعالى - رادا لظنهم ~~السيئ -: { فعسى الله أن يأتي بالفتح } الذي يعز الله به ~~الإسلام على اليهود والنصارى، ويقهرهم المسلمون { أو أمر ms0395 من ~~عنده } ييأس به المنافقون من ظفر الكافرين من اليهود وغيرهم { ~~فيصبحوا على مآ أسروا } أي: أضمروا { في أنفسهم ~~نادمين } على ما كان منهم وضرهم بلا نفع حصل لهم، فحصل الفتح الذي ~~نصر الله به الإسلام والمسلمين، وأذل به الكفر والكافرين، فندموا وحصل ~~لهم من الغم ما الله به عليم. { ويقول الذين آمنوا } متعجبين ~~من حال هؤلاء الذين في قلوبهم مرض: { أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم } أي: ~~حلفوا وأكدوا حلفهم، وغلظوه بأنواع التأكيدات: إنهم لمعكم في الإيمان، ~~وما يلزمه من النصرة والمحبة والموالاة، ظهر ما أضمروه، وتبين ما أسروه، ~~وصار كيدهم الذي كادوه، وظنهم الذي ظنوه بالإسلام وأهله - باطلا، فبطل ~~كيدهم وبطلت { أعمالهم } في الدنيا { فأصبحوا خاسرين } ~~حيث فاتهم مقصودهم، وحضرهم الشقاء والعذاب. ### || [5.54] # يخبر تعالى أنه الغني عن العالمين، وأنه من يرتد عن دينه فلن يضر الله ~~شيئا، وإنما يضر نفسه. وأن لله عبادا مخلصين، ورجالا صادقين، قد تكفل ~~الرحمن الرحيم بهدايتهم، ووعد بالإتيان بهم، وأنهم أكمل الخلق أوصافا، ~~وأقواهم نفوسا، وأحسنهم أخلاقا، أجل صفاتهم أن الله { يحبهم ~~ويحبونه } فإن محبة الله للعبد هي أجل نعمة أنعم بها عليه، وأفضل ~~فضيلة، تفضل الله بها عليه، وإذا أحب الله عبدا يسر له الأسباب، وهون ~~عليه كل عسير، ووفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات، وأقبل بقلوب عباده إليه ~~بالمحبة والوداد. ومن لوازم محبة العبد لربه، أنه لا بد أن يتصف بمتابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، في أقواله وأعماله وجميع ~~أحواله، كما قال تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31]. كما أن من لازم محبة الله للعبد، أن يكثر العبد من ~~التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الصحيح عن الله: # " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال [عبدي] ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي ms0396 يمشي بها، ولئن ~~سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ". # ومن لوازم محبة الله معرفته تعالى، والإكثار من ذكره، فإن المحبة بدون ~~معرفة بالله ناقصة جدا، بل غير موجودة وإن وجدت دعواها، ومن أحب الله ~~أكثر من ذكره، وإذا أحب الله عبدا قبل منه اليسير من العمل، وغفر له ~~الكثير من الزلل. ومن صفاتهم أنهم { أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين } فهم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم، ~~ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب ~~الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله، المعاندين لآياته، المكذبين ~~لرسله - أعزة قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل ~~سبب يحصل به الانتصار عليهم، قال تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم # [الأنفال: 6] وقال تعالى: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ~~ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم ~~إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في ~~دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. { يجاهدون في ~~سبيل الله } بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم. { ولا ~~يخافون لومة لائم } بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على ~~لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف ~~الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين. # وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ~~ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف ~~في الله لومة لائم. ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم من الصفات ~~الجليلة والمناقب العالية، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر ~~أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم، وليشكروا الذي من ~~عليهم بذلك ليزيدهم من فضله، وليعلم غيرهم أن فضل الله تعالى ليس عليه ~~حجاب، فقال: { ئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء ~~والله واسع عليم } أي: ms0397 واسع الفضل والإحسان، جزيل المنن، قد ~~عمت رحمته كل شيء، ويوسع على أوليائه من فضله، ما لا يكون لغيرهم، ولكنه ~~عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا. ### || [5.55-56] # لما نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وذكر مآل توليهم ~~أنه الخسران المبين، أخبر تعالى من يجب ويتعين توليه، وذكر فائدة ذلك ~~ومصلحته فقال: { إنما وليكم الله ورسوله } فولاية الله ~~تدرك بالإيمان والتقوى. فكل من كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، ومن ~~كان وليا لله فهو ولي لرسوله، ومن تولى الله ورسوله كان تمام ذلك تولي ~~من تولاه، وهم المؤمنون الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا ~~للمعبود، بإقامتهم الصلاة بشروطها وفروضها ومكملاتها، وأحسنوا للخلق، ~~وبذلوا الزكاة من أموالهم لمستحقيها منهم. وقوله: { وهم راكعون } ~~أي: خاضعون لله ذليلون. فأداة الحصر في قوله { إنما وليكم ~~الله ورسوله والذين آمنوا } تدل على أنه يجب قصر الولاية ~~على المذكورين، والتبري من ولاية غيرهم. ثم ذكر فائدة هذه الولاية فقال: ~~{ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون } أي: فإنه من الحزب المضافين إلى ~~الله إضافة عبودية وولاية، وحزبه هم الغالبون الذين لهم العاقبة في ~~الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وهذه بشارة عظيمة لمن قام بأمر الله وصار من حزبه ~~وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله ~~تعالى، فآخر أمره، الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا. ### || [5.57-58] # ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن سائر ~~الكفار أولياء يحبونهم ويتولونهم، ويبدون لهم أسرار المؤمنين، ويعاونونهم ~~على بعض أمورهم التي تضر الإسلام والمسلمين، وأن ما معهم من الإيمان يوجب ~~عليهم ترك موالاتهم، ويحثهم على معاداتهم، وكذلك التزامهم لتقوى الله ~~التي هي امتثال أوامره واجتناب زواجره مما تدعوهم إلى معاداتهم، وكذلك ما ~~كان عليه المشركون والكفار المخالفون للمسلمين، من قدحهم في دين ~~المسلمين، واتخاذهم إياه هزوا ولعبا، واحتقاره واستصغاره، خصوصا ~~الصلاة التي هي أظهر ms0398 شعائر المسلمين، وأجل عباداتهم، إنهم إذا نادوا ~~إليها اتخذوها هزوا ولعبا، وذلك لعدم عقلهم ولجهلهم العظيم، وإلا فلو ~~كان لهم عقول لخضعوا لها، ولعلموا أنها أكبر من جميع الفضائل التي تتصف ~~بها النفوس. فإذا علمتم - أيها المؤمنون - حال الكفار وشدة معاداتهم لكم ~~ولدينكم، فمن لم يعادهم بعد هذا دل على أن الإسلام عنده رخيص، وأنه لا ~~يبالي بمن قدح فيه أو قدح بالكفر والضلال، وأنه ليس عنده من المروءة ~~والإنسانية شيء. فكيف تدعي لنفسك دينا قيما، وأنه الدين الحق وما سواه ~~باطل، وترضى بموالاة من اتخذه هزوا ولعبا، وسخر به وبأهله، من أهل ~~الجهل والحمق؟! وهذا فيه من التهييج على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له ~~أدنى مفهوم. ### || [5.59-63] # أي: { قل } يا أيها الرسول: { يأهل الكتاب } ملزما لهم، إن ~~دين الإسلام هو الدين الحق، وإن قدحهم فيه قدح بأمر ينبغي المدح عليه: { ~~هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله ومآ أنزل ~~إلينا ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون } ~~أي: هل لنا عندكم من العيب إلا إيماننا بالله، وبكتبه السابقة واللاحقة، ~~وبأنبيائه المتقدمين والمتأخرين، وبأننا نجزم أن من لم يؤمن كهذا ~~الإيمان فإنه كافر فاسق؟ فهل تنقمون منا بهذا الذي هو أوجب الواجبات على ~~جميع المكلفين؟!! ومع هذا فأكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله، ~~متجرئون على معاصيه، فأولى لكم - أيها الفاسقون - السكوت، فلو كان عيبكم ~~وأنتم سالمون من الفسق، وهيهات ذلك - لكان الشر أخف من قدحكم فينا مع ~~فسقكم. ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر، قال ~~تعالى: { قل } لهم مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: { هل ~~أنبئكم بشر من ذلك } الذي نقمتم فيه علينا، مع التنزل ~~معكم. { من لعنه الله } أي: أبعده عن رحمته { وغضب عليه ~~} وعاقبه في الدنيا والآخرة { وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت } وهو الشيطان، وكل ما عبد من ~~دون الله فهو طاغوت. { أولئك } المذكورون بهذه الخصال القبيحة { ~~شر مكانا } من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم، ورضي الله ~~عنهم ms0399 وأثابهم في الدنيا والآخرة، لأنهم أخلصوا له الدين. وهذا النوع من ~~باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه وكذلك قوله: { وأضل عن ~~سوآء السبيل } أي: وأبعد عن قصد السبيل. { وإذا جآءوكم ~~قالوا آمنا } نفاقا ومكرا { و } هم { وقد دخلوا } ~~مشتملين على الكفر { وهم قد خرجوا به } فمدخلهم ومخرجهم ~~بالكفر - وهم يزعمون أنهم مؤمنون، فهل أشر من هؤلاء وأقبح حالا منهم؟!! ~~{ والله أعلم بما كانوا يكتمون } فيجازيهم بأعمالهم ~~خيرها وشرها. ثم استمر تعالى يعدد معايبهم، انتصارا لقدحهم في عباده ~~المؤمنين، فقال: { وترى كثيرا منهم } أي: من اليهود { ~~يسارعون في الإثم والعدوان } أي: يحرصون، ويبادرون ~~المعاصي المتعلقة في حق الخالق والعدوان على المخلوقين. { وأكلهم ~~السحت } الذي هو الحرام. فلم يكتف بمجرد الإخبار أنهم يفعلون ذلك، ~~حتى أخبر أنهم يسارعون فيه، وهذا يدل على خبثهم وشرهم، وأن أنفسهم مجبولة ~~على حب المعاصي والظلم. هذا وهم يدعون لأنفسهم المقامات العالية. { ~~لبئس ما كانوا يعملون } وهذا في غاية الذم لهم والقدح فيهم. ~~{ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت } أي: هلا ينهاهم العلماء المتصدون لنفع ~~الناس، الذين من الله عليهم بالعلم والحكمة - عن المعاصي التي تصدر ~~منهم، ليزول ما عندهم من الجهل، وتقوم حجة الله عليهم، فإن العلماء عليهم ~~أمر الناس ونهيهم، وأن يبينوا لهم الطريق الشرعي، ويرغبونهم في الخير ~~ويرهبونهم من الشر { لبئس ما كانوا يصنعون }. ### || [5.64-66] # يخبر تعالى عن مقالة اليهود الشنيعة، وعقيدتهم الفظيعة، فقال: { ~~وقالت اليهود يد الله مغلولة } أي: عن الخير والإحسان ~~والبر. { غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا } وهذا دعاء ~~عليهم بجنس مقالتهم. فإن كلامهم متضمن لوصف الله الكريم، بالبخل وعدم ~~الإحسان. فجازاهم بأن كان هذا الوصف منطبقا عليهم. فكانوا أبخل الناس ~~وأقلهم إحسانا، وأسوأهم ظنا بالله، وأبعدهم الله عن رحمته التي وسعت كل ~~شيء، وملأت أقطار العالم العلوي والسفلي. ولهذا قال: { بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشآء } لا حجر عليه، ولا مانع يمنعه ~~مما أراد، فإنه تعالى قد بسط فضله وإحسانه الديني والدنيوي، وأمر العباد ~~أن يتعرضوا لنفحات ms0400 جوده، وأن لا يسدوا على أنفسهم أبواب إحسانه بمعاصيهم. ~~فيداه سحاء الليل والنهار، وخيره في جميع الأوقات مدرار، يفرج كربا، ~~ويزيل غما، ويغني فقيرا، ويفك أسيرا ويجبر كسيرا، ويجيب سائلا ويعطي ~~فقيرا عائلا، ويجيب المضطرين، ويستجيب للسائلين. وينعم على من لم ~~يسأله، ويعافي من طلب العافية، ولا يحرم من خيره عاصيا، بل خيره يرتع ~~فيه البر والفاجر، ويجود على أوليائه بالتوفيق لصالح الأعمال ثم يحمدهم ~~عليها، ويضيفها إليهم، وهي من جوده ويثيبهم عليها من الثواب العاجل ~~والآجل ما لا يدركه الوصف، ولا يخطر على بال العبد، ويلطف بهم في جميع ~~أمورهم، ويوصل إليهم من الإحسان، ويدفع عنهم من النقم ما لا يشعرون بكثير ~~منه، فسبحان من كل النعم التي بالعباد فمنه، وإليه يجأرون في دفع ~~المكاره، وتبارك من لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، ~~وتعالى من لا يخلو العباد من كرمه طرفة عين، بل لا وجود لهم ولا بقاء ~~إلا بجوده. وقبح الله من استغنى بجهله عن ربه، ونسبه إلى ما لا يليق ~~بجلاله، بل لو عامل الله اليهود القائلين تلك المقالة، ونحوهم ممن حاله ~~كحالهم ببعض قولهم، لهلكوا، وشقوا في دنياهم، ولكنهم يقولون تلك الأقوال، ~~وهو تعالى يحلم عنهم، ويصفح، ويمهلهم ولا يهملهم. وقوله { وليزيدن ~~كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا } وهذا أعظم العقوبات على العبد، أن يكون الذكر الذي أنزله ~~الله على رسوله، الذي فيه حياة القلب والروح، وسعادة الدنيا والآخرة، ~~وفلاح الدارين الذي هو أكبر منة امتن الله بها على عباده، توجب عليهم ~~المبادرة إلى قبولها، والاستسلام لله بها، وشكرا لله عليها، أن تكون ~~لمثل هذا زيادة غي إلى غيه، وطغيان إلى طغيانه، وكفر إلى كفره، وذلك بسبب ~~إعراضه عنها، ورده لها، ومعاندته إياها، ومعارضته لها بالشبه الباطلة. { ~~وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة } فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها ~~مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم ~~القيامة { كلمآ أوقدوا نارا ms0401 للحرب } ليكيدوا بها ~~الإسلام وأهله، وأبدوا وأعادوا، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم { أطفأها ~~الله } بخذلانهم وتفرق جنودهم، وانتصار المسلمين عليهم. # { ويسعون في الأرض فسادا } أي: يجتهدون ويجدون، ولكن ~~بالفساد في الأرض، بعمل المعاصي، والدعوة إلى دينهم الباطل، والتعويق عن ~~الدخول في الإسلام { والله لا يحب المفسدين } بل يبغضهم ~~أشد البغض، وسيجازيهم على ذلك [ثم قال تعالى]. { ولو أن أهل ~~الكتب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم ~~سيئاتهم ولأدخلنهم جنت النعيم } وهذا من كرمه ~~وجوده، حيث ذكر قبائح أهل الكتاب ومعايبهم وأقوالهم الباطلة، دعاهم إلى ~~التوبة، وأنهم لو آمنوا بالله وملائكته، وجميع كتبه، وجميع رسله، واتقوا ~~المعاصي، لكفر عنهم سيئاتهم ولو كانت ما كانت، ولأدخلهم جنات النعيم ~~التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم } ~~أي: قاموا بأوامرهما ونواهيهما، كما ندبهم الله وحثهم. ومن إقامتهما ~~الإيمان بما دعيا إليه، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، ~~فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم ~~وللاعتناء بهم { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ~~أي: لأدر الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض كما ~~قال تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]. { منهم } أي: من أهل الكتاب { أمة ~~مقتصدة } أي: عاملة بالتوراة والإنجيل، عملا غير قوي ولا نشيط، { ~~وكثير منهم سآء ما يعملون } أي: والمسيء منهم الكثير. ~~وأما السابقون منهم فقليل ما هم. ### || [5.67] # هذا أمر من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأعظم الأوامر وأجلها، ~~وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه ~~صلى الله عليه وسلم من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية ~~والمطالب الإلهية. فبلغ صلى الله عليه وسلم أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، ~~وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ ~~بقوله وفعله وكتبه ورسله. فلم يبق خير إلا دل أمته عليه، ولا شر إلا ~~حذرها عنه، وشهد له بالتبليغ أفاضل الأمة من ms0402 الصحابة، فمن بعدهم من أئمة ~~الدين ورجال المسلمين. { وإن لم تفعل } أي: لم تبلغ ما أنزل ~~إليك من ربك { فما بلغت رسالته } أي: فما امتثلت أمره. { ~~والله يعصمك من الناس } هذه حماية وعصمة من الله لرسوله من ~~الناس، وأنه ينبغي أن يكون حرصك على التعليم والتبليغ، ولا يثنيك عنه خوف ~~من المخلوقين فإن نواصيهم بيد الله وقد تكفل بعصمتك، فأنت إنما عليك ~~البلاغ المبين، فمن اهتدى فلنفسه، وأما الكافرون الذين لا قصد لهم إلا ~~اتباع أهوائهم فإن الله لا يهديهم ولا يوفقهم للخير، بسبب كفرهم. ### || [5.68] # أي: قل لأهل الكتاب، مناديا على ضلالهم، ومعلنا بباطلهم: { لستم ~~على شيء } من الأمور الدينية، فإنكم لا بالقرآن ومحمد آمنتم، ولا ~~بنبيكم وكتابكم صدقتم، ولا بحق تمسكتم، ولا على أصل اعتمدتم { حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل } أي: تجعلوهما قائمين بالإيمان ~~بهما واتباعهما، والتمسك بكل ما يدعوان إليه. { و } تقيموا { مآ ~~أنزل إليكم من ربكم } الذي رباكم، وأنعم عليكم، وجعل ~~أجل إنعامه إنزال الكتب إليكم. فالواجب عليكم، أن تقوموا بشكر الله، ~~وتلتزموا أحكام الله، وتقوموا بما حملتم من أمانة الله وعهده. ### || [5.69] # يخبر تعالى عن أهل الكتب، من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ~~ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ~~[والعمل الصالح]. فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا ~~خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا ~~منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة. ### || [5.70-71] # يقول تعالى: { لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل } أي: ~~عهدهم الثقيل بالإيمان بالله، والقيام بواجباته التي تقدم الكلام عليها ~~في قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] إلى آخر الآيات { وأرسلنآ إليهم رسلا } ~~يتوالون عليهم بالدعوة، ويتعاهدونهم بالإرشاد، ولكن ذلك لم ينجع فيهم، ~~ولم يفد { كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم } ~~من الحق كذبوه وعاندوه، وعاملوه أقبح المعاملة { فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون * وحسبوا ألا تكون فتنة } أي: ~~ظنوا أن معصيتهم وتكذيبهم لا يجر ms0403 عليهم عذابا ولا عقوبة، فاستمروا على ~~باطلهم. { فعموا وصموا } عن الحق { ثم } نعشهم و { تاب ~~الله عليهم } حين تابوا إليه وأنابوا { ثم } لم يستمروا على ~~ذلك حتى انقلب أكثرهم إلى الحال القبيحة. ف { عموا وصموا ~~كثير منهم } بهذا الوصف، والقليل استمروا على توبتهم وإيمانهم. { ~~والله بصير بما يعملون } فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر. ### || [5.72-75] # يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم: { إن الله هو المسيح ~~ابن مريم } بشبهة أنه خرج من أم بلا أب، وخالف المعهود من الخلقة ~~الإلهية، والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى، وقال ~~لهم: { يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم } ~~فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق. { ~~إنه من يشرك بالله } أحدا من المخلوقين، لا عيسى ولا غيره. ~~{ فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار } ~~وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة ~~الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار. { وما ~~للظالمين من أنصار } ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم ~~بعض ما نزل بهم. { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة } وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن ~~الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. ~~وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، ~~والعقيدة القبيحة؟! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين؟! كيف خفي عليهم ~~رب العالمين؟! قال تعالى - رادا عليهم وعلى أشباههم -: { وما من ~~إله إلا إله واحد } متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، ~~منفرد بالخلق والتدبير، ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله ~~غيره؟!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم توعدهم بقوله: { ~~وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم } ثم دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم، ~~وبين أنه يقبل التوبة عن عباده فقال: { أفلا يتوبون إلى الله ~~} أي: يرجعون إلى ما يحبه ويرضاه من الإقرار لله بالتوحيد، ms0404 وبأن عيسى عبد ~~الله ورسوله، عما كانوا يقولونه { ويستغفرونه } عن ما صدر منهم ~~{ والله غفور رحيم } أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان ~~السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات. وصدر دعوتهم إلى ~~التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله: { أفلا يتوبون ~~إلى الله }. ثم ذكر حقيقة المسيح وأمه، الذي هو الحق، فقال: { ~~ما المسيح ابن مريم إلا رسول } أي: هذا غايته ومنتهى ~~أمره، أنه من عباد الله المرسلين، الذين ليس لهم من الأمر ولا من ~~التشريع، إلا ما أرسلهم به الله، وهو من جنس الرسل قبله، لا مزية له ~~عليهم، تخرجه عن البشرية إلى مرتبة الربوبية. { وأمه } مريم { ~~صديقة } أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى ~~الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، ~~والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها ~~الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا. # وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل ~~الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم # [يوسف: 109] فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله، ~~وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟ وقوله: { كانا ~~يأكلان الطعام } دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما ~~يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام ~~والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد. ولما بين ~~تعالى البرهان قال: { انظر كيف نبين لهم الآيات } ~~الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون ~~على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم. ### || [5.76] # أي: { قل } لهم أيها الرسول: { أتعبدون من دون الله } من ~~المخلوقين الفقراء المحتاجين، { ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا } وتدعون من انفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع، { والله ~~هو السميع } لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { ~~العليم } بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة، والأمور الماضية ms0405 ~~والمستقبلة، فالكامل تعالى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع ~~أنواع العبادة، ويخلص له الدين. ### || [5.77-81] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل يأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق } أي: لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق ~~إلى الباطل، وذلك كقولهم في المسيح، ما تقدم حكايته عنهم. وكغلوهم في بعض ~~المشايخ، اتباعا ل { أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } أي: ~~تقدم ضلالهم. { وأضلوا كثيرا } من الناس بدعوتهم إياهم إلى ~~الدين، الذي هم عليه. { وضلوا عن سوآء السبيل } أي: قصد ~~الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر ~~الله عنهم وعن اتباع أهوائهم المردية، وآرائهم المضلة، ثم قال تعالى: { ~~لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } أي: طردوا وأبعدوا ~~عن رحمة الله { على لسان داوود وعيسى ابن مريم } أي: ~~بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم، وعاندوها. { ذلك } ~~الكفر واللعن { بما عصوا وكانوا يعتدون } أي: بعصيانهم ~~لله، وظلمهم لعباد الله، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن ~~للذنوب والظلم عقوبات. ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات، وأوقعت بهم ~~العقوبات أنهم: { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } ~~أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر ~~وغيره، الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك. وذلك يدل على ~~تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم ~~لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر - مع القدرة ~~- موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة: منها: أن مجرد السكوت، ~~فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه - كما يجب اجتناب المعصية - فإنه ~~يجب الإنكار على من فعل المعصية. ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون ~~بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها. ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على ~~الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة ~~الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير ~~عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه ms0406 أولا. ~~ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر - يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن ~~المعصية - مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين ~~والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، ~~وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله، حلالا؟ وانقلاب الحقائق على ~~النفوس ورؤية الباطل حقا؟!! ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما ~~تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع ~~بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه، ومنها ومنها. فلما كان السكوت عن الإنكار ~~بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم ~~واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم. # { لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيرا منهم ~~يتولون الذين كفروا } بالمحبة والموالاة والنصرة. { ~~لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } هذه البضاعة الكاسدة، ~~والصفقة الخاسرة، وهي سخط الله الذي يسخط لسخطه كل شيء، والخلود الدائم ~~في العذاب العظيم، فقد ظلمتهم أنفسهم حيث قدمت لهم هذا النزل غير الكريم، ~~وقد ظلموا أنفسهم إذ فوتوها النعيم المقيم. { ولو كانوا يؤمنون ~~بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أوليآء } فإن الإيمان بالله وبالنبي وما أنزل إليه، يوجب على العبد ~~موالاة ربه، وموالاة أوليائه، ومعاداة من كفر به وعاداه، وأوضع في ~~معاصيه، فشرط ولاية الله والإيمان به، أن لا يتخذ أعداء الله أولياء، ~~وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط، فدل على انتفاء المشروط. { ولكن ~~كثيرا منهم فاسقون } أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به ~~وبالنبي. ومن فسقهم موالاة أعداء الله. ### || [5.82-86] # يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين، وإلى ولايتهم ومحبتهم، ~~وأبعدهم من ذلك: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا } فهؤلاء الطائفتان على ~~الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال ~~الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا. { ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين ~~قالوا إنا نصارى } وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن { ~~منهم قسيسين ورهبانا } أي: علماء متزهدين، وعبادا في ~~الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة ms0407 مما يلطف القلب ويرققه، ~~ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، ~~وشدة المشركين. ومنها: { وأنهم لا يستكبرون } أي: ليس فيهم ~~تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن ~~محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر. ومنها: أنهم { وإذا ~~سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم، أثر ~~ذلك في قلوبهم وخشعوا له، وفاضت أعينهم بسبب ما سمعوا من الحق الذي ~~تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: { ربنآ آمنا فاكتبنا ~~مع الشاهدين } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون لله ~~بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاؤوا به، ويشهدون على الأمم السابقة ~~بالتصديق والتكذيب. وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: { ~~وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ~~ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } أي: ~~وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، ~~الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا ~~الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا ~~للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه. قال الله تعالى: { ~~فأثابهم الله بما قالوا } أي: بما تفوهوا به من الإيمان ~~ونطقوا به من التصديق بالحق { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء المحسنين }. وهذه ~~الآيات نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كالنجاشي ~~وغيره ممن آمن منهم. وكذلك لا يزال يوجد فيهم من يختار دين الإسلام، ~~ويتبين له بطلان ما كانوا عليه، وهم أقرب من اليهود والمشركين إلى دين ~~الإسلام. ولما ذكر ثواب المحسنين، ذكر عقاب المسيئين قال: { والذين ~~كفروا وكذبوا بآيتنآ أولئك أصحب الجحيم } ~~لأنهم كفروا بالله، وكذبوا بآياته المبينة للحق. ### || [5.87-88] # يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات مآ أحل الله لكم } من المطاعم والمشارب، فإنها ms0408 ~~نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا ~~نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول ~~على الله الكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا، فإن ~~هذا من الاعتداء. والله قد نهى عن الاعتداء فقال: { ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين } بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم ~~على ذلك. ثم أمر بضد ما عليه المشركون، الذين يحرمون ما أحل الله فقال: { ~~وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } أي: كلوا من ~~رزقه الذي ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب، إذا كان حلالا لا سرقة ولا ~~غصبا ولا غير ذلك من أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حق، وكان أيضا ~~طيبا، وهو الذي لا خبث فيه، فخرج بذلك الخبيث من السباع والخبائث. { ~~واتقوا الله } في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. { الذي ~~أنتم به مؤمنون } فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراعاة ~~حقه، فإنه لا يتم إلا بذلك. ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا ~~عليه، من طعام وشراب، وسرية وأمة، ونحو ذلك، فإنه لا يكون حراما ~~بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين، كما قال تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # الآية [التحريم: 1]. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار، ويدخل في هذه ~~الآية أنه لا ينبغي للإنسان أن يتجنب الطيبات ويحرمها على نفسه، بل ~~يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه. ### || [5.89] # أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها ~~المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك. { ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } أي: بما عزمتم ~~عليه، وعقدت عليه قلوبكم. كما قال في الآية الأخرى: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة: 225] { فكفارته } أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها ~~بقصدكم { إطعام عشرة مساكين }. وذلك الإطعام { من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم } أي: كسوة عشرة مساكين، ~~والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة. { أو تحرير رقبة } أي: عتق ~~رقبة مؤمنة كما قيدت في غير ms0409 هذا الموضع، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة ~~فقد انحلت يمينه. { فمن لم يجد } واحدا من هذه الثلاثة { ~~فصيام ثلاثة أيام ذلك } المذكور { كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم } تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم. { ~~واحفظوا أيمانكم } عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، ~~واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام ~~الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير. { كذلك ~~يبين الله لكم آياته } المبينة للحلال من الحرام، الموضحة ~~للأحكام. { لعلكم تشكرون } الله حيث علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما من به عليهم، من معرفة ~~الأحكام الشرعية وتبيينها. ### || [5.90-91] # يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس. ~~{ فاجتنبوه } أي: اتركوه { لعلكم تفلحون } فإن الفلاح ~~لا يتم إلا بترك ما حرم الله، خصوصا هذه الفواحش المذكورة وهي الخمر ~~وهي: كل ما خامر العقل أي: غطاه بسكره، والميسر، وهو: جميع المغالبات ~~التي فيها عوض من الجانبين، كالمراهنة ونحوها، والأنصاب التي هي: الأصنام ~~والأنداد ونحوها، مما ينصب ويعبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون ~~بها، فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر، وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى ~~تركها واجتنابها. فمنها: أنها رجس، أي: خبث، نجس معنى، وإن لم تكن نجسة ~~حسا. والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها. ومنها: ~~أنها من عمل الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان. ومن المعلوم أن ~~العدو يحذر منه، وتحذر مصايده وأعماله، خصوصا الأعمال التي يعملها ليوقع ~~فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو ~~المبين، والحذر منها، والخوف من الوقوع فيها. ومنها: أنه لا يمكن الفلاح ~~للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من ~~المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومعوقة له. ومنها: أن هذه موجبة ~~للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، خصوصا الخمر ~~والميسر، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء. فإن في الخمر من انغلاب ~~العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين ms0410 إخوانه المؤمنين، ~~خصوصا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما ~~أوصل إلى القتل. وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير ~~في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء. ومنها: أن هذه ~~الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق ~~لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ~~ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو ~~لا يدري أين هو. فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من ~~أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة ~~الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء ~~بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟!! فهل فوق هذه المفاسد شيء ~~أكبر منها؟!! ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا ~~بقوله: { فهل أنتم منتهون } لأن العاقل - إذا نظر إلى بعض ~~تلك المفاسد - انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر ~~بليغ. ### || [5.92] # طاعة الله وطاعة رسوله واحدة، فمن أطاع الله فقد أطاع الرسول، ومن ~~أطاع الرسول فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام بما أمر الله به ورسوله من ~~الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، المتعلقة بحقوق ~~الله وحقوق خلقه، والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه كذلك. وهذا الأمر ~~أعم الأوامر، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن، وقوله: { ~~واحذروا } أي: من معصية الله ومعصية رسوله، فإن في ذلك الشر ~~والخسران المبين. { فإن توليتم } عما أمرتم به ونهيتم عنه. { ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ } وقد أدى ذلك. فإن ~~اهتديتم فلأنفسكم، وإن أسأتم فعليها، والله هو الذي يحاسبكم، والرسول قد ~~أدى ما عليه وما حمل به. ### || [5.93] # لما نزل تحريم الخمر والنهي الأكيد والتشديد فيه، تمنى أناس من المؤمنين ~~أن يعلموا حال إخوانهم الذين ماتوا على الإسلام قبل تحريم الخمر وهم ~~يشربونها. فأنزل الله هذه الآية، وأخبر تعالى ms0411 أنه { ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } أي: حرج وإثم { ~~فيما طعموا } من الخمر والميسر قبل تحريمهما. ولما كان نفي الجناح ~~يشمل المذكورات وغيرها، قيد ذلك بقوله: { إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات } أي: بشرط أنهم تاركون للمعاصي، مؤمنون بالله ~~إيمانا صحيحا، موجبا لهم عمل الصالحات، ثم استمروا على ذلك. وإلا فقد ~~يتصف العبد بذلك في وقت دون آخر. فلا يكفي حتى يكون كذلك حتى يأتيه أجله، ~~ويدوم على إحسانه، فإن الله يحب المحسنين في عبادة الخالق، المحسنين في ~~نفع العبيد، ويدخل في هذه الآية الكريمة، من طعم المحرم، أو فعل غيره بعد ~~التحريم، ثم اعترف بذنبه وتاب إلى الله، واتقى وآمن وعمل صالحا، فإن ~~الله يغفر له، ويرتفع عنه الإثم في ذلك. ### || [5.94-96] # هذا من منن الله على عباده، أن أخبرهم بما سيفعل قضاء وقدرا، ليطيعوه ~~ويقدموا على بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فقال ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا } لا بد أن يختبر الله ~~إيمانكم. { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } أي: ~~بشيء غير كثير، فتكون محنة يسيرة، تخفيفا منه تعالى ولطفا، وذلك الصيد ~~الذي يبتليكم الله به { تناله أيديكم ورماحكم } أي: ~~تتمكنون من صيده، ليتم بذلك الابتلاء، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح، ~~فلا يبقى للابتلاء فائدة. ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء، فقال: { ~~ليعلم الله } علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب { ~~من يخافه بالغيب } فيكف عما نهى الله عنه مع قدرته عليه ~~وتمكنه، فيثيبه الثواب الجزيل ممن لا يخافه بالغيب، فلا يرتدع عن معصية ~~تعرض له فيصطاد ما تمكن منه { فمن اعتدى } منكم { بعد ذلك } ~~البيان، الذي قطع الحجج، وأوضح السبيل. { فله عذاب أليم } أي: ~~مؤلم موجع، لا يقدر على وصفه إلا الله، لأنه لا عذر لذلك المعتدي، ~~والاعتبار بمن يخافه بالغيب، وعدم حضور الناس عنده. وأما إظهار مخافة ~~الله عند الناس، فقد يكون ذلك، لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك. ثم ~~صرح بالنهي عن قتل الصيد، في حال ms0412 الإحرام، فقال: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } أي: ~~محرمون في الحج والعمرة، والنهي عن قتله يشمل النهي عن مقدمات القتل، وعن ~~المشاركة في القتل، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، حتى إن من تمام ~~ذلك أنه ينهى المحرم عن أكل ما قتل أو صيد لأجله، وهذا كله تعظيم لهذا ~~النسك العظيم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما كان حلالا له قبل ~~الإحرام. وقوله: { ومن قتله منكم متعمدا } أي: قتل صيدا ~~عمدا { ف } عليه { جزآء مثل ما قتل من النعم } أي: ~~الإبل، أو البقر، أو الغنم، فينظر ما يشبه شيئا من ذلك، فيجب عليه مثله، ~~يذبحه ويتصدق به. والاعتبار بالمماثلة أن { يحكم به ذوا عدل ~~منكم } أي: عدلان يعرفان الحكم، ووجه الشبه، كما فعل الصحابة رضي ~~الله عنهم، حيث قضوا بالحمامة شاة، وفي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش - ~~على اختلاف أنواعه - بقرة، وهكذا كل ما يشبه شيئا من النعم، ففيه مثله، ~~فإن لم يشبه شيئا ففيه قيمته، كما هو القاعدة في المتلفات، وذلك الهدي ~~لا بد أن يكون { هديا بالغ الكعبة } أي: يذبح في الحرم. { ~~أو كفارة طعام مساكين } أي: كفارة ذلك الجزاء طعام مساكين، ~~أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعام يطعم المساكين. قال كثير من ~~العلماء: يقوم الجزاء، فيشترى بقيمته طعام، فيطعم كل مسكين مد بر ~~أو نصف صاع من غيره. # { أو عدل ذلك } الطعام { صياما } أي: يصوم عن إطعام كل مسكين ~~يوما. { ليذوق } بإيجاب الجزاء المذكور عليه { وبال أمره } ~~{ ومن عاد } بعد ذلك { فينتقم الله منه والله ~~عزيز ذو انتقام } وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد، مع أن ~~الجزاء يلزم المتعمد والمخطئ، كما هو القاعدة الشرعية - أن المتلف للنفوس ~~والأموال المحترمة، فإنه يضمنها على أي حال كان، إذا كان إتلافه بغير حق، ~~لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام، وهذا للمتعمد. وأما المخطئ ~~فليس عليه عقوبة، إنما عليه الجزاء، [هذا جواب الجمهور من هذا القيد الذي ~~ذكره الله. وطائفة من أهل العلم يرون تخصيص ms0413 الجزاء بالمتعمد وهو ظاهر ~~الآية. والفرق بين هذا وبين التضمين في الخطأ في النفوس والأموال في هذا ~~الموضع الحق فيه لله، فكما لا إثم لا جزاء لإتلافه نفوس الآدميين ~~وأموالهم]. ولما كان الصيد يشمل الصيد البري والبحري، استثنى تعالى الصيد ~~البحري فقال: { أحل لكم صيد البحر وطعامه } أي: أحل ~~لكم - في حال إحرامكم - صيد البحر، وهو الحي من حيواناته، وطعامه، وهو ~~الميت منها، فدل ذلك على حل ميتة البحر. { متاعا لكم ~~وللسيارة } أي: الفائدة في إباحته لكم أنه لأجل انتفاعكم وانتفاع ~~رفقتكم الذين يسيرون معكم. { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما } ويؤخذ من لفظ " الصيد " أنه لا بد أن يكون وحشيا، ~~لأن الإنسي ليس بصيد. ومأكولا فإن غير المأكول لا يصاد ولا يطلق عليه ~~اسم الصيد. { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } أي: ~~اتقوه بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، واستعينوا على تقواه بعلمكم أنكم ~~إليه تحشرون. فيجازيكم، هل قمتم بتقواه فيثيبكم الثواب الجزيل، أم لم ~~تقوموا بها فيعاقبكم؟. ### || [5.97-99] # يخبر تعالى أنه جعل { الكعبة البيت الحرام قيما ~~للناس }. يقوم بالقيام بتعظيمه دينهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، ~~وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، ~~وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم - من أجله - الأهوال. ويجتمع فيه من كل فج ~~عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على ~~المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية. قال ~~تعالى: # ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام # [الحج: 28] ومن أجل كون البيت قياما للناس قال من قال من العلماء: إن ~~حج بيت الله فرض كفاية في كل سنة. فلو ترك الناس حجه لأثم كل قادر، بل لو ~~ترك الناس حجه لزال ما به قوامهم، وقامت القيامة. وقوله: { والهدي ~~والقلائد } أي: وكذلك جعل الهدي والقلائد -التي هي أشرف أنواع ~~الهدي- قياما للناس، ينتفعون بهما ويثابون عليهما. { ذلك ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السموت وما في ~~الأرض وأن الله بكل شيء عليم ms0414 }. فمن علمه أن جعل لكم ~~هذا البيت الحرام، لما يعلمه من مصالحكم الدينية والدنيوية. { ~~اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور ~~رحيم } أي: ليكن هذان العلمان موجودين في قلوبكم على وجه الجزم ~~واليقين، تعلمون أنه شديد العقاب العاجل والآجل على من عصاه، وأنه غفور ~~رحيم لمن تاب إليه وأطاعه. فيثمر لكم هذا العلم الخوف من عقابه، ~~والرجاء لمغفرته وثوابه، وتعملون على ما يقتضيه الخوف والرجاء. ثم قال ~~تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ } وقد بلغ كما ~~أمر، وقام بوظيفته، وما سوى ذلك، فليس له من الأمر شيء. { والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون } فيجازيكم بما يعلمه تعالى ~~منكم. ### || [5.100] # أي: { قل } للناس محذرا عن الشر ومرغبا في الخير: { لا يستوي ~~الخبيث والطيب } من كل سيء، فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا ~~الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة ~~والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال. { ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث } فإنه لا ينفع صاحبه شيئا، بل يضره في دينه ~~ودنياه. { فاتقوا الله يأولي الألباب لعلكم ~~تفلحون } فأمر أولي الألباب، أي: أهل العقول الوافية، والآراء ~~الكاملة، فإن الله تعالى يوجه إليهم الخطاب. وهم الذين يؤبه لهم، ويرجى ~~أن يكون فيهم خير. ثم أخبر أن الفلاح متوقف على التقوى التي هي موافقة ~~الله في أمره ونهيه، فمن اتقاه أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل له ~~الخسران وفاتته الأرباح. ### || [5.101-102] # ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم ~~وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما أنه لو بين للسائل لم ~~يكن له فيه خير، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة. وكالسؤال الذي يترتب عليه ~~تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة، ~~وما أشبهها هي المنهي عنها، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك ~~فهذا مأمور به، كما قال تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. { وإن ms0415 تسألوا عنها حين ينزل القرآن ~~تبد لكم } أي: وإذا وافق سؤالكم محله فسألتم عنها حين ينزل عليكم ~~القرآن، فتسألون عن آية أشكلت، أو حكم خفي وجهه عليكم، في وقت يمكن فيه ~~نزول الوحي من السماء، تبد لكم، أي: تبين لكم وتظهر، وإلا فاسكتوا عما ~~سكت الله عنه. { عفا الله عنها } أي: سكت معافيا لعباده منها، ~~فكل ما سكت الله عنه فهو مما أباحه وعفا عنه. { والله غفور ~~حليم } أي: لم يزل بالمغفرة موصوفا، وبالحلم والإحسان معروفا، ~~فتعرضوا لمغفرته وإحسانه، واطلبوه من رحمته ورضوانه. وهذه المسائل التي ~~نهيتم عنها { قد سألها قوم من قبلكم } أي: جنسها وشبهها، ~~سؤال تعنت لا استرشاد. فلما بينت لهم وجاءتهم { ثم أصبحوا بها ~~كافرين } كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما ~~أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم ". ### || [5.103-104] # هذا ذم للمشركين الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما ~~أحله الله، فجعلوا بآرائهم الفاسدة شيئا من مواشيهم محرما، على حسب ~~اصطلاحاتهم التي عارضت ما أنزل الله فقال: { ما جعل الله من ~~بحيرة } وهي: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرونها محترمة. { ~~ولا سآئبة } وهي: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شيئا اصطلحوا ~~عليه، سيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تؤكل، وبعضهم ينذر شيئا من ~~ماله يجعله سائبة. { ولا حام } أي: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل، ~~إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير ~~دليل ولا برهان وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم وعدم عقلهم، ~~ولهذا قال: { ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } فلا نقل فيها ولا ~~عقل، ومع هذا فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم. فإذا ~~دعوا { إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول } أعرضوا فلم ~~يقبلوا، و { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } من ~~الدين، ولو كان غير سديد، ms0416 ولا دينا ينجي من عذاب الله. ولو كان في ~~آبائهم كفاية ومعرفة ودراية لهان الأمر. ولكن آباءهم لا يعقلون شيئا، ~~أي: ليس عندهم من المعقول شيء، ولا من العلم والهدى شيء. فتبا لمن قلد ~~من لا علم عنده صحيح، ولا عقل رجيح، وترك اتباع ما أنزل الله، واتباع ~~رسله الذي يملأ القلوب علما وإيمانا وهدى وإيقانا. ### || [5.105] # يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } ~~أي: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها سلوك الصراط المستقيم، فإنكم ~~إذا صلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم، ولم يهتد إلى الدين ~~القويم، وإنما يضر نفسه. ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، لا يضر العبد تركهما وإهمالهما، فإنه لا يتم هداه إلا ~~بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، إذا كان ~~عاجزا عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال ~~غيره. وقوله: { إلى الله مرجعكم جميعا } أي: مآلكم يوم ~~القيامة، واجتماعكم بين يدي الله تعالى. { فينبئكم بما ~~كنتم تعملون } من خير وشر. ### || [5.106-108] # يخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية، إذا حضر ~~الإنسان مقدمات الموت وعلائمه. فينبغي له أن يكتب وصيته، ويشهد عليها ~~اثنين ذوي عدل ممن تعتبر شهادتهما. { أو آخران من غيركم } ~~أي: من غير أهل دينكم، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة ~~والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين. { إن أنتم ضربتم في ~~الأرض } أي: سافرتم فيها { فأصابتكم مصيبة الموت } أي: ~~فأشهدوهما، ولم يأمر بشهادتهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول، ويؤكد ~~عليهما، بأن يحبسا { من بعد الصلاة } التي يعظمونها. { ~~فيقسمان بالله } أنهما صدقا، وما غيرا ولا بدلا هذا { إن ~~ارتبتم } في شهادتهما، فإن صدقتموهما، فلا حاجة إلى القسم بذلك. ~~ويقولان: { لا نشتري به } أي: بأيماننا { ثمنا } بأن نكذب ~~فيها، لأجل عرض من الدنيا. { ولو كان ذا قربى } فلا نراعيه ~~لأجل قربه منا { ولا نكتم شهادة الله } بل نؤديها على ما ~~سمعناها { إنآ إذا } أي: إن كتمناها { لمن ms0417 الآثمين }. { ~~فإن عثر على أنهما } أي: الشاهدين { استحقآ إثما } ~~بأن وجد من القرائن ما يدل على كذبهما وأنهما خانا { فآخران ~~يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان }. أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب ~~الأولياء إليه. { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من ~~شهادتهما } أي: أنهما كذبا، وغيرا وخانا. { وما اعتدينآ ~~إنا إذا لمن الظالمين } أي: إن ظلمنا واعتدينا، وشهدنا ~~بغير الحق. قال الله تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها، وردها على ~~أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: { ذلك أدنى } أي: ~~أقرب { أن يأتوا بالشهادة على وجههآ } حين تؤكد عليهما ~~تلك التأكيدات. { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم } أي: أن لا تقبل أيمانهم، ثم ترد على أولياء الميت. { ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: الذين وصفهم ~~الفسق، فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم. وحاصل هذا، أن ~~الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين ~~- أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين. فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين، ~~جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما ~~فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة، أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا ~~بدلا، فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما. فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة ~~تدل على كذب الشاهدين، فإن شاء أولياء الميت، فليقم منهم اثنان، فيقسمان ~~بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين، وأنهما خانا وكذبا، ~~فيستحقون منهما ما يدعون. وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة " تميم الداري ~~" و " عدي بن بداء " المشهورة حين أوصى لهما العدوي، والله أعلم. # ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام: منها: أن الوصية مشروعة، وأنه ~~ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي. ومنها: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل ~~إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتا. ومنها: أن شهادة الوصية ~~لا بد فيها من اثنين عدلين. ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ~~ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد. وزعم كثير من أهل ~~العلم: أن ms0418 هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها. ومنها: أنه ربما ~~استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار - عند عدم غيرهم، حتى في ~~غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. ومنها: ~~جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور. ومنها: جواز السفر للتجارة. ~~ومنها: أن الشاهدين -إذا ارتيب منهما، ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما، ~~وأراد الأولياء- أن يؤكدوا عليهم اليمين، ويحبسوهما من بعد الصلاة، ~~فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى. ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم ~~يكن حاجة إلى حبسهما، وتأكيد اليمين عليهما. ومنها: تعظيم أمر الشهادة ~~حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط. ~~ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما، وتفريقهما لينظر عن ~~شهادتهما. ومنها: أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه ~~المسألة - قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله: أن أيماننا أصدق من ~~أيمانهما، ولقد خانا وكذبا. ثم يدفع إليهما ما ادعياه، فتكون القرينة -مع ~~أيمانهما- قائمة مقام البينة. ### || [5.109-110] # يخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام، وأن الله يجمع به ~~جميع الرسل فيسألهم: { ماذآ أجبتم } أي: ماذا أجابتكم به أممكم. ~~ف { قالوا لا علم لنآ } وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم ~~منا. { إنك أنت علام الغيوب } أي: تعلم الأمور الغائبة ~~والحاضرة. { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر ~~نعمتي عليك وعلى والدتك } أي: اذكرها بقلبك ولسانك، وقم ~~بواجبها شكرا لربك، حيث أنعم عليك نعما ما أنعم بها على غيرك. { إذ ~~أيدتك بروح القدس } أي: إذ قويتك بالروح والوحي، الذي طهرك ~~وزكاك، وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله. وقيل: إن ~~المراد " بروح القدس " جبريل عليه السلام، وأن الله أعانه به وبملازمته ~~له، وتثبيته في المواطن المشقة. { تكلم الناس في المهد ~~وكهلا } المراد بالتكليم هنا، غير التكليم المعهود الذي هو مجرد ~~الكلام، وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب، وهو ~~الدعوة إلى ms0419 الله. ولعيسى عليه السلام من ذلك، ما لإخوانه من أولي العزم ~~من المرسلين، من التكليم في حال الكهولة، بالرسالة والدعوة إلى الخير، ~~والنهي عن الشر، وامتاز عنهم بأنه كلم الناس في المهد، فقال: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * ~~وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا # الآيات [مريم: 30-31]. { وإذ علمتك الكتاب والحكمة } ~~فالكتاب يشمل الكتب السابقة، وخصوصا التوراة، فإنه من أعلم أنبياء بني ~~إسرائيل - بعد موسى - بها. ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه. والحكمة ~~هي: معرفة أسرار الشرع وفوائده وحكمه، وحسن الدعوة والتعليم، ومراعاة ما ~~ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. { وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير } أي طيرا مصورا لا روح فيه. فتنفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله، وتبرئ الأكمه الذي لا بصر له ولا عين. { والأبرص ~~بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني } فهذه آيات بينات ~~ومعجزات باهرات، يعجز عنها الأطباء وغيرهم، أيد الله بها عيسى وقوى بها ~~دعوته. { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم ~~بالبينات فقال الذين كفروا منهم } لما جاءهم الحق ~~مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به { إن هذا إلا سحر ~~مبين } وهموا بعيسى أن يقتلوه وسعوا في ذلك، فكف الله أيديهم عنه، ~~وحفظه منهم وعصمه. فهذه منن امتن الله بها على عبده ورسوله عيسى ~~ابن مريم ودعاه إلى شكرها والقيام بها، فقام بها عليه السلام أتم القيام، ~~وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم. ### || [5.111-120] # { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا } إلى آخر الآيات أي: واذكر نعمتي عليك ~~إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت ~~قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي ~~الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، ~~واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال ~~الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان. ~~والحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى: # كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري ~~إلى الله قال ms0420 الحواريون نحن أنصار الله # [الصف: 14]. { إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم ~~هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من ~~السمآء } أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، ~~واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال ~~آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من ~~الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: { اتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان ~~على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي ~~لا يدري ما يكون بعدها شيئا. فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا ~~المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك ف { قالوا ~~نريد أن نأكل منها } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { ~~وتطمئن قلوبنا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون ~~الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه ~~الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى # قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ~~ولهذا قال: { ونعلم أن قد صدقتنا } أي: نعلم صدق ما جئت به، ~~أنه حق وصدق، { ونكون عليها من الشاهدين } فتكون مصلحة ~~لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك. فلما سمع ~~عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم في ذلك، ~~فقال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من ~~السمآء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك ~~} أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ~~ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين. كما جعل الله تعالى أعياد ~~المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم ~~القويمة، وفضله وإحسانه عليهم. { وارزقنا وأنت خير ~~الرازقين } أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى عليه السلام نزولها وأن ~~تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، ~~وهي أن تكون رزقا. { قال الله إني منزلها عليكم ms0421 ~~فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العالمين } لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر ~~عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد. # واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم - إن كفروا - بهذا ~~الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ~~ذلك، ويدل على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى، ولا له ~~وجود. ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، ويكون عدم ~~ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه. أو أنه لم ~~يذكر في الإنجيل أصلا، وإنما ذلك كان متوارثا بينهم، ينقله الخلف عن ~~السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله: ~~{ ونكون عليها من الشاهدين } والله أعلم بحقيقة الحال. { ~~وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله }. وهذا توبيخ ~~للنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فيقول الله هذا الكلام لعيسى. ~~فيتبرأ عيسى ويقول: { سبحانك } عن هذا الكلام القبيح، وعما لا يليق ~~بك. { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } أي: ما ~~ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنه ليس ~~أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم ~~له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد، مدبرون، وخلق ~~مسخرون، وفقراء عاجزون { إن كنت قلته فقد علمته تعلم ~~ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } فأنت أعلم بما صدر ~~مني و { إنك أنت علام الغيوب } وهذا من كمال أدب المسيح ~~عليه الصلاة والسلام في خطابه لربه، فلم يقل عليه السلام: " لم أقل شيئا ~~من ذلك " ، وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه ~~الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد ~~العلم إلى عالم الغيب والشهادة. ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل، ~~فقال: { ما قلت لهم ms0422 إلا مآ أمرتني به } فأنا عبد متبع ~~لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، { أن اعبدوا الله ربي ~~وربكم } أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، ~~المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، ~~فكما أنه ربكم فهو ربي. { وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم } أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به. { فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } أي: المطلع على ~~سرائرهم وضمائرهم. { وأنت على كل شيء شهيد } علما وسمعا ~~وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، ~~فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر. # { إن تعذبهم فإنهم عبادك } وأنت أرحم بهم من أنفسهم ~~وأعلم بأحوالهم، فلولا أنهم عباد متمردون لم تعذبهم. { وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } أي: فمغفرتك صادرة عن ~~تمام عزة وقدرة، لا كمن يغفر ويعفو عن عجز وعدم قدرة. الحكيم حيث كان من ~~مقتضى حكمتك أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة. { قال الله } مبينا ~~لحال عباده يوم القيامة، ومن الفائز منهم ومن الهالك، ومن الشقي ~~ومن السعيد، { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } ~~والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط ~~المستقيم والهدي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم ~~الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولهذا قال: { لهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم } والكاذبون ~~بضدهم، سيجدون ضرر كذبهم وافترائهم، وثمرة أعمالهم الفاسدة. { لله ~~ملك السموت والأرض } لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه ~~القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي، ولهذا قال: { وهو على كل ~~شيء قدير } فلا يعجزه شيء، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته، ومسخرة ~~بأمره. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-2] # هذا إخبار عن حمده والثناء عليه بصفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال ~~عموما، وعلى هذه المذكورات خصوصا. فحمد نفسه على خلقه السماوات والأرض، ~~الدالة على كمال قدرته، وسعة علمه ورحمته، وعموم حكمته، وانفراده بالخلق ~~والتدبير، وعلى جعله الظلمات والنور، وذلك ms0423 شامل للحسي من ذلك كالليل ~~والنهار والشمس والقمر. والمعنوي، كظلمات الجهل والشك، والشرك والمعصية، ~~والغفلة، ونور العلم والإيمان واليقين والطاعة، وهذا كله يدل دلالة قاطعة ~~أنه تعالى هو المستحق للعبادة وإخلاص الدين له، ومع هذا الدليل ووضوح ~~البرهان { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } أي ~~يعدلون به سواه، يسوونهم به في العبادة والتعظيم، مع أنهم لم يساووا الله ~~في شيء من الكمال، وهم فقراء عاجزون ناقصون من كل وجه. { هو الذي ~~خلقكم من طين } وذلك بخلق مادتكم وأبيكم آدم عليه السلام. { ~~ثم قضى أجلا } أي: ضرب لمدة إقامتكم في هذه الدار أجلا، ~~تتمتعون به وتمتحنون، وتبتلون بما يرسل إليكم به رسله. # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # [هود: 7] ويعمركم ما يتذكر فيه من تذكر. { وأجل مسمى عنده ~~} وهي: الدار الآخرة، التي ينتقل العباد إليها من هذه الدار، فيجازيهم ~~بأعمالهم من خير وشر. { ثم } مع هذا البيان التام وقطع الحجة { ~~أنتم تمترون } أي: تشكون في وعد الله ووعيده، ووقوع الجزاء يوم ~~القيامة. وذكر الله الظلمات بالجمع، لكثرة موادها وتنوع طرقها. ووحد ~~النور لكون الصراط الموصلة إلى الله واحدة لا تعدد فيها، وهي: الصراط ~~المتضمنة للعلم بالحق والعمل به، كما قال تعالى: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153]. ### || [6.3] # أي: وهو المألوه المعبود في السماوات وفي الأرض، فأهل السماء والأرض، ~~متعبدون لربهم خاضعون لعظمته، مستكينون لعزه وجلاله، الملائكة المقربون، ~~والأنبياء والمرسلون، والصديقون والشهداء والصالحون. وهو تعالى يعلم سركم ~~وجهركم ويعلم ما تكسبون، فاحذروا معاصيه وارغبوا في الأعمال التي تقربكم ~~منه، وتدنيكم من رحمته، واحذروا من كل عمل يبعدكم منه ومن رحمته. ### || [6.4-6] # هذا إخبار منه تعالى عن إعراض المشركين، وشدة تكذيبهم وعداوتهم، وأنهم ~~لا تنفع فيهم الآيات حتى تحل بهم المثلات، فقال: { وما تأتيهم ~~من آية من آيت ربهم } الدالة على الحق دلالة قاطعة، ~~الداعية لهم إلى اتباعه وقبوله { إلا كانوا عنها معرضين } ~~لا يلقون لها بالا، ولا يصغون لها سمعا، قد انصرفت قلوبهم إلى غيرها، ~~وولوها أدبارهم. ms0424 { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } ~~والحق حقه أن يتبع، ويشكر الله على تيسيره لهم، وإتيانهم به، فقابلوه بضد ~~ما يجب مقابلته به فاستحقوا العقاب الشديد { فسوف يأتيهم ~~أنباء ما كانوا به يستهزءون } أي: فسوف يرون ما ~~استهزؤوا به، أنه الحق والصدق، ويبين الله للمكذبين كذبهم وافتراءهم، ~~وكانوا يستهزؤون بالبعث والجنة والنار، فإذا كان يوم القيامة قيل ~~للمكذبين: # هذه النار التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 14]. وقال تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين # [النحل: 38-39] ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السالفة فقال: { ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } أي كم تتابع ~~إهلاكنا للأمم المكذبين، وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك، بأن { ~~مكنهم في الأرض ما لم نمكن } لهؤلاء من الأموال ~~والبنين والرفاهية. { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا ~~وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم } فينبت لهم بذلك ما شاء ~~الله من زروع وثمار، يتمتعون بها، ويتناولون منها ما يشتهون، فلم يشكروا ~~الله على نعمه، بل أقبلوا على الشهوات، وألهتهم أنواع اللذات، فجاءتهم ~~رسلهم بالبينات فلم يصدقوها، بل ردوها وكذبوها فأهلكهم الله بذنوبهم ~~وأنشأ { من بعدهم قرنا آخرين }. فهذه سنة الله ودأبه في ~~الأمم السابقين واللاحقين، فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم. ### || [6.7-9] # هذا إخبار من الله لرسوله عن شدة عناد الكافرين، وأنه ليس تكذيبهم لقصور ~~فيما جئتهم به، ولا لجهل منهم بذلك، وإنما ذلك ظلم وبغي، لا حيلة لكم ~~فيه، فقال: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم } وتيقنوه { لقال الذين كفروا } ~~ظلما وعلوا { إن هذآ إلا سحر مبين }. فأي بينة أعظم من ~~هذه البينة، وهذا قولهم الشنيع فيها، حيث كابروا المحسوس الذي لا يمكن ~~من له أدنى مسكة من عقل دفعه؟!! { وقالوا } أيضا تعنتا مبنيا ~~على الجهل، وعدم العلم بالمعقول. { لولا أنزل عليه ملك } ~~أي: هلا أنزل مع محمد ملك، يعاونه ويساعده على ما هو عليه بزعمهم أنه ~~بشر، ms0425 وأن رسالة الله، لا تكون إلا على أيدي الملائكة. قال الله في بيان ~~رحمته ولطفه بعباده، حيث أرسل إليهم بشرا منهم يكون الإيمان بما جاء به ~~عن علم وبصيرة وغيب. { ولو جعلنه ملكا } برسالتنا، لكان ~~الإيمان لا يصدر عن معرفة بالحق، ولكان إيمانا بالشهادة الذي لا ينفع ~~شيئا وحده، هذا إن آمنوا، والغالب أنهم لا يؤمنون بهذه الحالة، فإذا لم ~~يؤمنوا قضي الأمر بتعجيل الهلاك عليهم وعدم إنظارهم، لأن هذه سنة الله ~~فيمن طلب الآيات المقترحة فلم يؤمن بها، فإرسال الرسول البشري إليهم ~~بالآيات البينات، التي يعلم الله أنها أصلح للعباد وأرفق بهم، مع إمهال ~~الله للكافرين والمكذبين خير لهم وأنفع، فطلبهم لإنزال الملك شر لهم لو ~~كانوا يعلمون، ومع ذلك فالملك لو أنزل عليهم، وأرسل، لم يطيقوا التلقي ~~عنه، ولا احتملوا ذلك، ولا أطاقته قواهم الفانية. { ولو جعلنه ~~ملكا لجعلنه رجلا } لأن الحكمة لا تقتضي سوى ذلك. { ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي: ولكان الأمر مختلطا ~~عليهم وملبوسا وذلك بسبب ما لبسوه على أنفسهم، فإنهم بنوا أمرهم على هذه ~~القاعدة التي فيها اللبس، وبها عدم بيان الحق. فلما جاءهم الحق بطرقه ~~الصحيحة، وقواعده التي هي قواعده، لم يكن ذلك هداية لهم، إذا اهتدى بذلك ~~غيرهم، والذنب ذنبهم، حيث أغلقوا على أنفسهم باب الهدى، وفتحوا أبواب ~~الضلال. ### || [6.10-11] # يقول تعالى - مسليا لرسوله، ومصبرا ومتهددا أعداءه ومتوعدا. { ~~ولقد استهزىء برسل من قبلك } لما جاؤوا أممهم ~~بالبينات كذبوهم واستهزأوا بهم وبما جاؤوا به. فأهلكهم الله بذلك الكفر ~~والتكذيب، ووفى لهم من العذاب أكمل نصيب. { فحاق بالذين ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون } فاحذروا -أيها ~~المكذبون- أن تستمروا على تكذيبكم، فيصيبكم ما أصابهم. فإن شككتم في ذلك ~~أو ارتبتم، فسيروا في الأرض ثم انظروا، كيف كان عاقبة المكذبين، فلن ~~تجدوا إلا قوما مهلكين، وأمما في المثلات تالفين، قد أوحشت منهم ~~المنازل، وعدم من تلك الربوع كل متمتع بالسرور نازل، أبادهم الملك ~~الجبار، وكان بناؤهم عبرة لأولي الأبصار. وهذا السير المأمور به سير ~~القلوب والأبدان، الذي ms0426 يتولد منه الاعتبار. وأما مجرد النظر من غير ~~اعتبار، فإن ذلك لا يفيد شيئا. ### || [6.12] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل } لهؤلاء المشركين بالله، ~~مقررا لهم وملزما بالتوحيد: { قل لمن ما في السموت ~~والأرض } أي: من الخالق لذلك، المالك له المتصرف فيه؟ { قل } لهم: ~~{ لله } وهم مقرون بذلك لا ينكرونه، أفلا حين اعترفوا بانفراد الله ~~بالملك والتدبير، أن يعترفوا له بالإخلاص والتوحيد؟!! وقوله { كتب ~~على نفسه الرحمة } أي: العالم العلوي والسفلي تحت ملكه ~~وتدبيره، وهو تعالى قد بسط عليهم رحمته وإحسانه، وتغمدهم برحمته ~~وامتنانه، وكتب على نفسه كتابا أن رحمته تغلب غضبه، وأن العطاء أحب إليه ~~من المنع، وأن الله قد فتح لجميع العباد أبواب الرحمة، إن لم يغلقوا ~~عليهم أبوابها بذنوبهم، ودعاهم إليها إن لم تمنعهم من طلبها معاصيهم ~~وعيوبهم، وقوله: { ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ~~ريب فيه } وهذا قسم منه، وهو أصدق المخبرين، وقد أقام على ذلك من ~~الحجج والبراهين، ما يجعله حق اليقين، ولكن أبى الظالمون إلا جحودا، ~~وأنكروا قدرة الله على بعث الخلائق، فأوضعوا في معاصيه، وتجرؤوا على ~~الكفر به، فخسروا دنياهم وأخراهم، ولهذا قال: { فيه الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون }. ### || [6.13-20] # اعلم أن هذه السورة الكريمة قد اشتملت على تقرير التوحيد بكل دليل عقلي ~~ونقلي، بل كادت أن تكون كلها في شأن التوحيد ومجادلة المشركين بالله ~~المكذبين لرسوله. فهذه الآيات ذكر الله فيها ما يتبين به الهدى، وينقمع ~~به الشرك. فذكر أن { وله } تعالى { ما سكن في الليل ~~والنهار } وذلك هو المخلوقات كلها، من آدميها وجنها، وملائكتها، ~~وحيواناتها وجماداتها، فالكل خلق مدبرون، وعبيد مسخرون لربهم العظيم ~~القاهر المالك، فهل يصح في عقل ونقل أن يعبد من هؤلاء المماليك، الذي لا ~~نفع عنده ولا ضر؟ ويترك الإخلاص للخالق المدبر المالك، الضار النافع؟! أم ~~العقول السليمة والفطر المستقيمة تدعو إلى إخلاص العبادة، والحب والخوف، ~~والرجاء لله رب العالمين؟!. { السميع } لجميع الأصوات على اختلاف ~~اللغات بتفنن الحاجات. { العليم } بما كان، وما يكون، وما لم يكن، ms0427 لو ~~كان كيف كان يكون، المطلع على الظواهر والبواطن؟!. { قل } لهؤلاء ~~المشركين بالله: { أغير الله أتخذ وليا } من هؤلاء ~~المخلوقات العاجزة يتولاني وينصرني؟!. فلا أتخذ من دونه تعالى وليا لأنه ~~فاطر السماوات والأرض، أي: خالقهما ومدبرهما. { وهو يطعم ولا ~~يطعم } أي: وهو الرزاق لجميع الخلق، من غير حاجة منه تعالى إليهم، ~~فكيف يليق أن أتخذ وليا غير الخالق الرزاق، الغني الحميد؟! { قل ~~إني أمرت أن أكون أول من أسلم } لله بالتوحيد، ~~وانقاد له بالطاعة، لأني أولى من غيري بامتثال أوامر ربي. { ولا ~~تكونن من المشركين } أي: ونهيت أيضا عن أن أكون من ~~المشركين، لا في اعتقادهم ولا في مجالستهم، ولا في الاجتماع بهم، فهذا ~~أفرض الفروض علي، وأوجب الواجبات. { قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم } فإن المعصية في الشرك توجب ~~الخلود في النار، وسخط الجبار، وذلك اليوم هو اليوم الذي يخاف عذابه، ~~ويحذر عقابه لأنه من صرف عنه العذاب يومئذ فهو المرحوم، ومن نجا فيه ~~فهو الفائز حقا، كما أن من لم ينج منه فهو الهالك الشقي. ومن أدلة ~~توحيده، أنه تعالى المنفرد بكشف الضراء، وجلب الخير والسراء ولهذا قال: { ~~وإن يمسسك الله بضر } من فقر، أو مرض، أو عسر، أو غم، أوهم ~~أو نحوه. { فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ~~فهو على كل شيء قدير }. فإذا كان وحده النافع الضار، فهو ~~الذي يستحق أن يفرد بالعبودية والإلهية. { وهو القاهر فوق ~~عباده } فلا يتصرف منهم متصرف، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا ~~بمشيئته، وليس للملوك وغيرهم الخروج عن ملكه وسلطانه، بل هم مدبرون ~~مقهورون، فإذا كان هو القاهر وغيره مقهورا، كان هو المستحق للعبادة. { ~~وهو الحكيم } فيما أمر به ونهى، وأثاب وعاقب، وفيما خلق وقدر. # { الخبير } المطلع على السرائر والضمائر وخفايا الأمور، وهذا كله من ~~أدلة التوحيد. { قل } لهم - لما بينا لهم الهدى، وأوضحنا لهم المسالك ~~-: { أي شيء أكبر شهدة } على هذا الأصل العظيم. { قل ~~الله } أكبر شهادة فهو { شهيد بيني وبينكم } فلا أعظم ms0428 منه ~~شهادة، ولا أكبر، وهو يشهد لي بإقراره وفعله، فيقرني على ما قلت لكم، كما ~~قال تعالى # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46] فالله حكيم قدير، فلا يليق بحكمته وقدرته أن يقر كاذبا ~~عليه، زاعما أن الله أرسله ولم يرسله، وأن الله أمره بدعوة الخلق ولم ~~يأمره، وأن الله أباح له دماء من خالفه وأموالهم ونساءهم، وهو مع ذلك ~~يصدقه بإقراره وبفعله، فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة والآيات ~~الظاهرة، وينصره ويخذل من خالفه وعاداه، فأي شهادة أكبر من هذه ~~الشهادة؟!! وقوله { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ~~به ومن بلغ } أي: وأوحى الله إلي هذا القرآن الكريم لمنفعتكم ~~ومصلحتكم، لأنذركم به من العقاب الأليم. والنذارة إنما تكون بذكر ما ~~ينذرهم به من الترغيب، والترهيب، وببيان الأعمال والأقوال، الظاهرة ~~والباطنة، التي من قام بها فقد قبل النذارة، فهذا القرآن فيه النذارة ~~لكم أيها المخاطبون، وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، فإن فيه بيان ~~كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية. لما بين تعالى شهادته التي هي ~~أكبر الشهادات على توحيده، قال قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله، والمكذبين ~~لرسله: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة ~~أخرى قل لا أشهد } أي: إن شهدوا، فلا تشهد معهم. فوازن بين ~~شهادة أصدق القائلين ورب العالمين، وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين ~~القاطعة والحجج الساطعة على توحيد الله وحده لا شريك له، وشهادة أهل ~~الشرك الذين مرجت عقولهم وأديانهم، وفسدت آراؤهم وأخلاقهم، وأضحكوا على ~~أنفسهم العقلاء. بل خالفوا بشهادة فطرهم، وتناقضت أقوالهم على إثبات أن ~~مع الله آلهة أخرى، مع أنه لا يقوم على ما قالوه أدنى شبهة فضلا عن ~~الحجج، واختر لنفسك أي الشهادتين إن كنت تعقل، ونحن نختار لأنفسنا ما ~~اختاره الله لنبيه الذي أمرنا الله بالاقتداء به، فقال: { قل إنما ~~هو إله واحد } أي: منفرد لا يستحق العبودية والإلهية سواه، كما ~~أنه المنفرد بالخلق والتدبير. { وإنني بريء مما تشركون ~~} به من الأوثان والأنداد، وكل ما ms0429 أشرك به مع الله. فهذا حقيقة التوحيد، ~~إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه. لما بين شهادته وشهادة رسوله على ~~التوحيد، وشهادة المشركين الذين لا علم لديهم على ضده، ذكر أن أهل الكتاب ~~من اليهود والنصارى. { يعرفونه } أي يعرفون صحة التوحيد { كما ~~يعرفون أبنآءهم } أي: لا شك عندهم فيه بوجه، كما أنهم لا ~~يشتبهون بأولادهم، خصوصا البنين الملازمين في الغالب لآبائهم. ويحتمل أن ~~الضمير عائد إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأن أهل الكتاب لا ~~يشتبهون بصحة رسالته ولا يمترون بها، لما عندهم من البشارات به، ونعوته ~~التي تنطبق عليه ولا تصلح لغيره، والمعنيان متلازمان. قوله { الذين ~~خسروا أنفسهم } أي: فوتوها ما خلقت له من الإيمان والتوحيد، ~~وحرموها الفضل من الملك المجيد { فهم لا يؤمنون } فإذا لم يوجد ~~الإيمان منهم، فلا تسأل عن الخسار والشر، الذي يحصل لهم. ### || [6.21] # أي: لا أعظم ظلما وعنادا ممن كان فيه أحد الوصفين، فكيف لو اجتمعا ~~افتراء الكذب على الله، أو التكذيب بآياته، التي جاءت بها المرسلون، فإن ~~هذا أظلم الناس، والظالم لا يفلح أبدا. ويدخل في هذا كل من كذب على ~~الله، بادعاء الشريك له والعوين، أو [زعم] أنه ينبغي أن يعبد غيره أو ~~اتخذ له صاحبة أو ولدا، وكل من رد الحق الذي جاءت به الرسل أو من ~~قام مقامهم. ### || [6.22-24] # يخبر تعالى عن مآل أهل الشرك يوم القيامة، وأنهم يسألون ويوبخون فيقال ~~لهم: { أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } أي: إن ~~الله ليس له شريك، وإنما ذلك على وجه الزعم منهم والافتراء { ثم لم ~~تكن فتنتهم } أي: لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك ~~السؤال، إلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين { انظر } ~~متعجبا منهم ومن أحوالهم { كيف كذبوا على أنفسهم } أي: ~~كذبوا كذبا عاد بالخسار على أنفسهم وضرهم -والله- غاية الضرر { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } من الشركاء الذين زعموهم مع الله، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### || [6.25] # أي: ومن هؤلاء المشركين قوم يحملهم بعض الأوقات، بعض الدواعي إلى ~~الاستماع ms0430 لما تقول، ولكنه استماع خال من قصد الحق واتباعه، ولهذا لا ~~ينتفعون بذلك الاستماع لعدم إرادتهم للخير { وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة } أي: أغطية وأغشية، لئلا يفقهوا كلام الله، فصان ~~كلامه عن أمثال هؤلاء. { وفي ءاذانهم } جعلنا { وقرا } أي: ~~صمما، فلا يستمعون ما ينفعهم. { وإن يروا كل ءاية لا ~~يؤمنوا بها } وهذا غاية الظلم والعناد، أن الآيات البينات الدالة ~~على الحق، لا ينقادون لها، ولا يصدقون بها، بل يجادلون بالباطل الحق ~~ليدحضوه. ولهذا قال: { حتى إذا جآءوك يجدلونك يقول ~~الذين كفروا إن هذآ إلا أسطير الأولين } أي: ~~مأخوذ من صحف الأولين المسطورة، التي ليست عن الله ولا عن رسله. وهذا من ~~كفرهم، وإلا فكيف يكون هذا الكتاب الحاوي لأنباء السابقين واللاحقين، ~~والحقائق التي جاءت بها الأنبياء والمرسلون، والحق، والقسط، والعدل التام ~~من كل وجه، أساطير الأولين؟. ### || [6.26] # وهم: أي المشركون بالله، المكذبون لرسوله، يجمعون بين الضلال والإضلال، ~~ينهون الناس عن اتباع الحق، ويحذرونهم منه، ويبعدون بأنفسهم عنه، ولن ~~يضروا الله ولا عباده المؤمنين بفعلهم هذا، شيئا. { وإن يهلكون ~~إلا أنفسهم وما يشعرون } بذلك. ### || [6.27-29] # يقول تعالى - مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة، وإحضارهم النار: { ~~ولو ترى إذ وقفوا على النار } ليوبخوا ويقرعوا، لرأيت ~~أمرا هائلا وحالا مفظعة. ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر ~~والفسوق، وتمنوا أن لو يردوا إلى الدنيا. { فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من ~~المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~} فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم أنهم كانوا كاذبين، ويبدو في قلوبهم في ~~كثير من الأوقات. ولكن الأغراض الفاسدة صدتهم عن ذلك، وصرفت قلوبهم عن ~~الخير، وهم كذبة في هذه الأمنية، وإنما قصدهم، أن يدفعوا بها عن أنفسهم ~~العذاب. { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون }. { وقالوا } منكرين للبعث { إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا } أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من ~~إيجادنا، إلا الحياة الدنيا وحدها { وما نحن بمبعوثين }. ### || [6.30] # أي: { ولو ترى } الكافرين { إذ وقفوا على ربهم } ~~لرأيت أمرا عظيما، وهولا ms0431 جسيما، { قال } لهم موبخا ومقرعا: { ~~أليس هذا } الذي ترون من العذاب { بالحق قالوا بلى ~~وربنا } فأقروا واعترفوا حيث لا ينفعهم ذلك، { قال فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون }. ### || [6.31] # أي: قد خاب وخسر وحرم الخير كله، من كذب بلقاء الله، فأوجب له هذا ~~التكذيب، الاجتراء على المحرمات، واقتراف الموبقات { حتى إذا ~~جآءتهم الساعة } وهم على أقبح حال وأسوئه، فأظهروا غاية الندم. ~~و { بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها } ~~ولكن هذا تحسر ذهب وقته، { وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم ألا سآء ما يزرون }. فإن وزرهم وزر يثقلهم ولا ~~يقدرون على التخلص منه، ولهذا خلدوا في النار، واستحقوا التأبيد في غضب ~~الجبار. ### || [6.32] # هذه حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، أما حقيقة الدنيا فإنها لعب ولهو، لعب ~~في الأبدان، ولهو في القلوب، فالقلوب لها والهة، والنفوس لها عاشقة، ~~والهموم فيها متعلقة، والاشتغال بها كلعب الصبيان. وأما الآخرة فإنها { ~~خير للذين يتقون } في ذاتها وصفاتها، وبقائها ودوامها، ~~وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من نعيم القلوب والأرواح، وكثرة ~~السرور والأفراح، ولكنها ليست لكل أحد، وإنما هي للمتقين الذين يفعلون ~~أوامر الله، ويتركون نواهيه وزواجره { أفلا تعقلون } أي: أفلا ~~يكون لكم عقول، بها تدركون، أي: الدارين أحق بالإيثار. ### || [6.33-35] # أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك يحزنك ويسؤك، ولم نأمرك بما ~~أمرناك به من الصبر إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية. فلا ~~تظن أن قولهم صادر عن اشتباه في أمرك وشك فيك { فإنهم لا ~~يكذبونك } لأنهم يعرفون صدقك ومدخلك ومخرجك، وجميع أحوالك، حتى ~~إنهم كانوا يسمونه قبل البعثة الأمين. { ولكن الظلمين ~~بآيات الله يجحدون } أي: فإن تكذيبهم لآيات الله التي جعلها ~~الله على يديك. { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا ~~على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } فاصبر ~~كما صبروا، تظفر كما ظفروا { ولقد جآءك من نبإ المرسلين ~~} ما به يثبت فؤادك، ويطمئن به قلبك. { وإن كان كبر عليك ~~إعراضهم } أي: شق عليك من حرصك عليهم ومحبتك لإيمانهم، فابذل وسعك ~~في ذلك، فليس في ms0432 مقدورك أن تهدي من لم يرد الله هدايته. { فإن ~~استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السمآء فتأتيهم بآية } أي: فافعل ذلك، فإنه لا يفيدهم ~~شيئا، وهذا قطع لطمعه في هدايته أشباه هؤلاء المعاندين. { ولو شآء ~~الله لجمعهم على الهدى } ولكن حكمته تعالى اقتضت أنهم ~~يبقون على الضلال. { فلا تكونن من الجهلين } الذين لا ~~يعرفون حقائق الأمور، ولا ينزلونها على منازلها. ### || [6.36-37] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إنما يستجيب } لدعوتك ~~ويلبي رسالتك وينقاد لأمرك ونهيك { الذين يسمعون } بقلوبهم ما ~~ينفعهم، وهم أولو الألباب والأسماع. والمراد بالسماع هنا: سماع القلب ~~والاستجابة، وإلا فمجرد سماع الأذن، يشترك فيه البر والفاجر. فكل ~~المكلفين قد قامت عليهم حجة الله تعالى باستماع آياته، فلم يبق لهم عذر ~~في عدم القبول. { والموتى يبعثهم الله ثم إليه ~~يرجعون } يحتمل أن المعنى، مقابل للمعنى المذكور. أي: إنما يستجيب ~~لك أحياء القلوب، وأما أموات القلوب، الذين لا يشعرون بسعادتهم، ولا ~~يحسون بما ينجيهم، فإنهم لا يستجيبون لك ولا ينقادون، وموعدهم القيامة، ~~يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، ويحتمل أن المراد بالآية على ظاهرها، وأن ~~الله تعالى يقرر المعاد، وأنه سيبعث الأموات يوم القيامة ثم ينبئهم بما ~~كانوا يعملون. ويكون هذا، متضمنا للترغيب في الاستجابة لله ورسوله، ~~والترهيب من عدم ذلك. { وقالوا } أي: المكذبون بالرسول تعنتا ~~وعنادا: { لولا نزل عليه آية من ربه } يعنون بذلك ~~آيات الاقتراح، التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة. كقولهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # الآيات [الإسراء: 90-92]. { قل } مجيبا لقولهم: { إن الله ~~قادر على أن ينزل آية } فليس في قدرته قصور عن ذلك، كيف ~~وجميع الأشياء منقادة لعزته، مذعنة لسلطانه؟! ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~فهم لجهلهم وعدم علمهم يطلبون ما هو شر لهم من الآيات، التي لو جاءتهم ~~فلم يؤمنوا بها، لعوجلوا بالعقاب، ms0433 كما هي سنة الله التي لا تبديل لها، ~~ومع هذا فإن كان قصدهم الآيات التي تبين لهم الحق، وتوضح السبيل، فقد أتى ~~محمد صلى الله عليه وسلم بكل آية قاطعة، وحجة ساطعة، دالة على ما جاء به ~~من الحق، بحيث يتمكن العبد في كل مسألة من مسائل الدين، أن يجد فيما جاء ~~به عدة أدلة عقلية ونقلية، بحيث لا تبقي في القلوب أدنى شك وارتياب، ~~فتبارك الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأيده بالآيات البينات ليهلك ~~من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم. ### || [6.38] # أي: جميع الحيوانات الأرضية والهوائية، من البهائم والوحوش والطيور، ~~كلها أمم أمثالكم خلقناها كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها ~~مشيئتنا وقدرتنا كما كانت نافذة فيكم. { ما فرطنا في الكتب ~~من شيء } أي: ما أهملنا ولا أغفلنا في اللوح المحفوظ شيئا من ~~الأشياء، بل جميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، مثبتة في اللوح المحفوظ على ~~ما هي عليه، فتقع جميع الحوادث طبق ما جرى به القلم. وفي هذه الآية دليل ~~على أن الكتاب الأول قد حوى جميع الكائنات، وهذا أحد مراتب القضاء ~~والقدر، فإنها أربع مراتب: علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط ~~بجميع الموجودات، ومشيئته وقدرته النافذة العامة لكل شيء، وخلقه لجميع ~~المخلوقات، حتى أفعال العباد. ويحتمل أن المراد بالكتاب هذا القرآن، وأن ~~المعنى كالمعنى في قوله تعالى # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء # [النحل: 89]. وقوله { ثم إلى ربهم يحشرون } أي: جميع ~~الأمم تحشر وتجمع إلى الله في موقف القيامة، في ذلك الموقف العظيم ~~الهائل، فيجازيهم بعدله وإحسانه، ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه ~~الأولون والآخرون، أهل السماء وأهل الأرض. ### || [6.39] # هذا بيان لحال المكذبين بآيات الله المكذبين لرسله، أنهم قد سدوا على ~~أنفسهم باب الهدى، وفتحوا باب الردى، وأنهم { صم } عن سماع الحق { ~~وبكم } عن النطق به، فلا ينطقون إلا بباطل. { في الظلمات } أي: ~~منغمسون في ظلمات الجهل والكفر، والظلم، والعناد، والمعاصي. وهذا من ~~إضلال الله إياهم، ف { من يشإ ms0434 الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم } لأنه المنفرد بالهداية ~~والإضلال، بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته. ### || [6.40-41] # يقول تعالى لرسوله: { قل } للمشركين بالله، العادلين به غيره: { ~~أرءيتكم إن أتكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صدقين } أي: ~~إذا حصلت هذه المشقات، وهذه الكروب التي يضطر إلى دفعها، هل تدعون آلهتكم ~~وأصنامكم، أم تدعون ربكم الملك الحق المبين. { بل إياه تدعون ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما ~~تشركون } فإذا كانت هذه حالكم مع أندادكم عند الشدائد، تنسونهم، ~~لعلمكم أنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا ~~نشورا. وتخلصون لله الدعاء، لعلمكم أنه هو النافع الضار، المجيب لدعوة ~~المضطر، فما بالكم في الرخاء تشركون به وتجعلون له شركاء؟ هل دلكم على ~~ذلك، عقل أو نقل، أم عندكم من سلطان بهذا؟ بل تفترون على الله الكذب. ### || [6.42-45] # يقول تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك } من ~~الأمم السالفين والقرون المتقدمين، فكذبوا رسلنا وجحدوا بآياتنا { ~~فأخذنهم بالبأسآء والضرآء } أي: بالفقر والمرض ~~والآفات والمصائب، رحمة منا بهم. { لعلهم يتضرعون } إلينا، ~~ويلجأون عند الشدة إلينا. { فلولا إذ جآءهم بأسنا ~~تضرعوا ولكن قست قلوبهم } أي: استحجرت فلا تلين للحق. ~~{ وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } فظنوا أن ما ~~هم عليه دين الحق، فتمتعوا في باطلهم برهة من الزمان، ولعب بعقولهم ~~الشيطان. { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء } من الدنيا ولذاتها وغفلاتها { حتى إذا ~~فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم ~~مبلسون } أي: آيسون من كل خير، وهذا أشد ما يكون من العذاب، أن ~~يؤخذوا على غرة وغفلة وطمأنينة، ليكون أشد لعقوبتهم وأعظم لمصيبتهم. { ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا } أي: اصطلموا بالعذاب، ~~وتقطعت بهم الأسباب. { والحمد لله رب العالمين } على ما ~~قضاه وقدره من هلاك المكذبين. فإن بذلك تتبين آياته، وإكرامه لأوليائه، ~~وإهانته لأعدائه، وصدق ما جاءت به المرسلون. ### || [6.46-47] # يخبر تعالى أنه كما أنه هو المتفرد بخلق الأشياء وتدبيرها، فإنه المنفرد ~~بالوحدانية ms0435 والإلهية، فقال: { قل أرأيتم إن أخذ الله ~~سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم } فبقيتم بلا ~~سمع ولا بصر ولا عقل { من إله غير الله يأتيكم به } ~~فإذا لم يكن غير الله يأتي بذلك، فلم عبدتم معه من لا قدرة له على ~~شيء إلا إذا شاءه الله. وهذا من أدلة التوحيد وبطلان الشرك، ولهذا قال: { ~~انظر كيف نصرف الآيات } أي: ننوعها، ونأتي بها في كل فن، ~~ولتنير الحق، وتتبين سبيل المجرمين. { ثم هم } مع هذا البيان التام ~~{ يصدفون } عن آيات الله ويعرضون عنها. { قل أرءيتكم } أي: ~~أخبروني { إن أتكم عذاب الله بغتة أو جهرة } أي: ~~مفاجأة أو قد تقدم أمامه مقدمات، تعلمون بها وقوعه { هل يهلك ~~إلا القوم الظلمون } الذين صاروا سببا لوقوع العذاب بهم، ~~بظلمهم وعنادهم. فاحذروا أن تقيموا على الظلم، فإنه الهلاك الأبدي، ~~والشقاء السرمدي. ### || [6.48-49] # يذكر تعالى زبدة ما أرسل به المرسلين، أنه البشارة والنذارة، وذلك ~~مستلزم لبيان المبشر والمبشر به، والأعمال التي إذا عملها العبد حصلت له ~~البشارة. والمنذر والمنذر به، والأعمال التي من عملها حقت عليه ~~النذارة. ولكن الناس انقسموا - بحسب إجابتهم لدعوتهم وعدمها - إلى قسمين: ~~{ فمن ءامن وأصلح } أي: آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ~~واليوم الآخر، وأصلح إيمانه وأعماله ونيته { فلا خوف عليهم } ~~فيما يستقبل { ولا هم يحزنون } على ما مضى. { والذين ~~كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب } أي: ينالهم ويذوقونه { ~~بما كانوا يفسقون }. ### || [6.50] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم المقترحين عليه الآيات، أو ~~القائلين له: إنما تدعونا لنتخذك إلها مع الله: { لا أقول لكم ~~عندي خزآئن الله } أي: مفاتيح رزقه ورحمته. { ولا أعلم ~~الغيب } وإنما ذلك كله عند الله فهو الذي ما يفتح للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو وحده عالم الغيب والشهادة. ~~فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول. { ولا أقول ~~لكم إني ملك } فأكون نافذ التصرف قويا، فلست أدعي فوق منزلتي ~~التي أنزلني الله بها. { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } ~~أي: ms0436 هذا غايتي ومنتهى أمري وأعلاه، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، فأعمل به ~~في نفسي، وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك. فإذا عرفت منزلتي، فلأي شيء يبحث ~~الباحث معي، أو يطلب مني أمرا لست أدعيه، وهل يلزم الإنسان بغير ما هو ~~بصدده؟. ولأي شيء إذا دعوتكم، بما أوحي إلي أن تلزموني أني أدعي لنفسي ~~غير مرتبتي، وهل هذا، إلا ظلم منكم وعناد وتمرد؟ قل لهم في بيان الفرق ~~بين من قبل دعوتي وانقاد لما أوحي إلي، وبين من لم يكن كذلك { ~~قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون } ~~فتنزلون الأشياء منازلها، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟ ### || [6.51-55] # هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم } فهم متيقنون للانتقال من ~~هذه الدار إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم. ~~{ ليس لهم من دونه } أي: لا من دون الله { ولي ولا ~~شفيع } أي: من يتولى أمرهم فيحصل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ~~ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم ليس لهم من الأمر شيء. { لعلهم ~~يتقون } الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب ~~لذلك، وسبب من أسبابه. { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه } أي: لا تطرد عنك وعن ~~مجالستك أهل العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ~~ربهم، دعاء العبادة بالذكر والصلاة ونحوها، ودعاء المسألة في أول النهار ~~وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض ~~الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ~~ومحبتهم، وإدنائهم وتقريبهم، لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، ~~والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. { ما عليك من ~~حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } ~~أي: كل له حسابه، وله عمله الحسن وعمله القبيح. { فتطردهم ~~فتكون من الظالمين } وقد امتثل صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ~~أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسه معهم، وأحسن ~~معاملتهم، وألان ms0437 لهم جانبه، وحسن خلقه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل ~~مجلسه رضي الله عنهم. وكان سبب نزول هذه الآيات، أن أناسا [من قريش، أو] ~~من أجلاف العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن لك ~~ونتبعك، فاطرد فلانا وفلانا، أناسا من فقراء الصحابة، فإنا نستحيي أن ~~ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء، فحمله حبه لإسلامهم واتباعهم له، ~~فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها. { وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننآ } أي: هذا من ابتلاء الله لعباده، حيث جعل ~~بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا، وبعضهم شريفا، وبعضهم وضيعا، فإذا من ~~الله بالإيمان على الفقير أو الوضيع. كان ذلك محل محنة للغني والشريف فإن ~~كان قصده الحق واتباعه آمن وأسلم، ولم يمنعه من ذلك مشاركه الذي يراه ~~دونه بالغنى أو الشرف، وإن لم يكن صادقا في طلب الحق، كانت هذه عقبة ~~ترده عن اتباع الحق. وقالوا محتقرين لمن يرونهم دونهم: { أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ } فمنعهم هذا من اتباع الحق، ~~لعدم زكائهم، قال الله مجيبا لكلامهم المتضمن الاعتراض على الله في ~~هداية هؤلاء، وعدم هدايتهم هم. { أليس الله بأعلم ~~بالشكرين } الذين يعرفون النعمة، ويقرون بها، ويقومون بما تقتضيه ~~من العمل الصالح، فيضع فضله ومنته عليهم، دون من ليس بشاكر، فإن الله ~~تعالى حكيم لا يضع فضله عند من ليس له بأهل، وهؤلاء المعترضون بهذا ~~الوصف، بخلاف من من الله عليهم بالإيمان من الفقراء وغيرهم فإنهم هم ~~الشاكرون. # ولما نهى الله رسوله عن طرد المؤمنين القانتين، أمره بمقابلتهم ~~بالإكرام والإعظام، والتبجيل والاحترام، فقال: { وإذا جآءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } أي: وإذا ~~جاءك المؤمنون، فحيهم ورحب بهم ولقهم منك تحية وسلام، وبشرهم ~~بما ينشط عزائمهم وهممهم، من رحمة الله وسعة جوده وإحسانه، وحثهم على كل ~~سبب وطريق، يوصل لذلك. ورهبهم من الإقامة على الذنوب، وأمرهم ~~بالتوبة من المعاصي لينالوا مغفرة ربهم وجوده، ولهذا قال: { كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ms0438 منكم ~~سوءا بجهلة ثم تاب من بعده وأصلح } أي: فلا بد ~~مع ترك الذنوب والإقلاع والندم عليها، من إصلاح العمل وأداء ما أوجب ~~الله، وإصلاح ما فسد من الأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا وجد ذلك كله { ~~فأنه غفور رحيم } أي: صب عليهم من مغفرته ورحمته، بحسب ما ~~قاموا به مما أمرهم به. { وكذلك نفصل الآيات } أي: نوضحها ~~ونبينها، ونميز بين طريق الهدى من الضلال، والغي والرشاد، ليهتدي بذلك ~~المهتدون، ويتبين الحق الذي ينبغي سلوكه. { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } الموصلة إلى سخط الله وعذابه، فإن سبيل المجرمين إذا ~~استبانت واتضحت أمكن اجتنابها والبعد منها، بخلاف ما لو كانت مشتبهة ~~ملتبسة، فإنه لا يحصل هذا المقصود الجليل. ### || [6.56-58] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل } لهؤلاء المشركين الذين ~~يدعون مع الله آلهة أخرى: { إني نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله } من الأنداد والأوثان التي لا تملك نفعا ~~ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فإن هذا باطل، وليس لكم فيه ~~حجة بل ولا شبهة، إلا اتباع الهوى الذي اتباعه أعظم الضلال، ولهذا قال: { ~~قل لا أتبع أهوآءكم قد ضللت إذا } أي: إن اتبعت ~~أهواءكم { ومآ أنا من المهتدين } بوجه من الوجوه، وأما ما ~~أنا عليه من توحيد الله وإخلاص العمل له، فإنه هو الحق الذي تقوم عليه ~~البراهين والأدلة القاطعة. وأنا { على بينة من ربي } أي: ~~على يقين مبين، بصحته وبطلان ما عداه، وهذه شهادة من الرسول جازمة لا ~~تقبل التردد، وهو أعدل الشهود على الإطلاق. فصدق بها المؤمنون، وتبين لهم ~~من صحتها وصدقها، بحسب ما من الله به عليهم. { و } لكنكم أيها ~~المشركون - { كذبتم به } وهو لا يستحق هذا منكم، ولا يليق به إلا ~~التصديق، وإذا استمررتم على تكذيبكم، فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا ~~محالة، وهو عند الله، هو الذي ينزله عليكم إذا شاء وكيف شاء، وإن ~~استعجلتم به فليس بيدي من الأمر شيء { إن الحكم إلا لله } ~~فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي، فأمر ونهى، فإنه ms0439 سيحكم بالحكم ~~الجزائي، فيثيب ويعاقب، بحسب ما تقتضيه حكمته. الاعتراض على حكمه مطلقا ~~مدفوع، وقد أوضح السبيل وقص على عباده الحق قصا، قطع به معاذيرهم، ~~وانقطعت له حجتهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة { ~~وهو خير الفصلين } بين عباده في الدنيا والآخرة، فيفصل بينهم ~~فصلا يحمده عليه، حتى من قضى عليه، ووجه الحق نحوه. { قل } ~~للمستعجلين بالعذاب، جهلا وعنادا وظلما، { لو أن عندي ما ~~تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم } فأوقعته ~~بكم ولا خير لكم في ذلك، ولكن الأمر عند الحليم الصبور، الذي يعصيه ~~العاصون، ويتجرأ عليه المتجرؤون، وهو يعافيهم ويرزقهم ويسدي عليهم نعمه ~~الظاهرة والباطنة. { والله أعلم بالظالمين } لا يخفى عليه ~~من أحوالهم شيء، فيمهلهم ولا يهملهم. ### || [6.59] # هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط، وأنه شامل ~~للغيوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن ~~الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلا عن غيرهم من العالمين، ~~وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات والأشجار، والرمال والحصى ~~والتراب، وما في البحار من حيواناتها ومعادنها وصيدها، وغير ذلك مما ~~تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها. { وما تسقط من ورقة } من ~~أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة، إلا يعلمها { ~~ولا حبة في ظلمت الأرض } من حبوب الثمار والزروع، وحبوب ~~البذور التي يبذرها الخلق وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف ~~النباتات. { ولا رطب ولا يابس } هذا عموم بعد خصوص { إلا ~~في كتب مبين } وهو اللوح المحفوظ قد حواها واشتمل عليها، وبعض ~~هذا المذكور يبهر عقول العقلاء، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة ~~الرب العظيم وسعته في أوصافه كلها. وأن الخلق - من أولهم إلى آخرهم - لو ~~اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته، لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، ~~فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الحميد المجيد، الشهيد، المحيط. وجل ~~من إله، لا يحصي أحد ثناء عليه، بل كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه ~~عباده، فهذه الآية، دلت على ms0440 علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط ~~بجميع الحوادث. ### || [6.60-62] # هذا كله، تقرير لألوهيته، واحتجاج على المشركين به، وبيان أنه تعالى ~~المستحق للحب والتعظيم، والإجلال والإكرام، فأخبر أنه وحده المتفرد ~~بتدبير عباده، في يقظتهم ومنامهم، وأنه يتوفاهم بالليل، وفاة النوم، ~~فتهدأ حركاتهم، وتستريح أبدانهم، ويبعثهم في اليقظة من نومهم، ليتصرفوا ~~في مصالحهم الدينية والدنيوية وهو -تعالى- يعلم ما جرحوا وما كسبوا من ~~تلك الأعمال. ثم لا يزال تعالى هكذا يتصرف فيهم، حتى يستوفوا آجالهم. ~~فيقضى بهذا التدبير أجل مسمى، وهو: أجل الحياة، وأجل آخر فيما بعد ذلك، ~~وهو البعث بعد الموت، ولهذا قال: { ثم إليه مرجعكم } لا إلى ~~غيره { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } من خير وشر. { ~~وهو } تعالى { القاهر فوق عباده } ينفذ فيهم إرادته ~~الشاملة ومشيئته العامة، فليسوا يملكون من الأمر شيئا، ولا يتحركون ولا ~~يسكنون إلا بإذنه، ومع ذلك، فقد وكل بالعباد حفظة من الملائكة، يحفظون ~~العبد ويحفظون عليه ما عمل، كما قال تعالى: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الإنفطار: 10-12] # عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 17-18] فهذا حفظه لهم في حال الحياة. { حتى إذا جاء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا } أي: الملائكة الموكلون ~~بقبض الأرواح { وهم لا يفرطون } في ذلك فلا يزيدون ساعة مما ~~قدره الله وقضاه ولا ينقصون ولا ينفذون من ذلك إلا بحسب المراسيم الإلهية ~~والتقادير الربانية. { ثم } بعد الموت والحياة البرزخية وما فيها من ~~الخير والشر { ردوا إلى الله مولاهم الحق } أي: الذي ~~تولاهم بحكمه القدري، فنفذ فيهم ما شاء من أنواع التدبير، ثم تولاهم ~~بأمره ونهيه، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ثم ردوا إليه ليتولى ~~الحكم فيهم بالجزاء، ويثيبهم على ما عملوا من الخيرات ويعاقبهم على ~~الشرور والسيئات، ولهذا قال: { ألا له الحكم } وحده لا شريك له { ~~وهو أسرع الحاسبين } لكمال علمه وحفظه لأعمالهم بما أثبته في ~~اللوح المحفوظ، ثم أثبتته ملائكته في الكتاب الذي بأيديهم، فإذا كان ~~تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، ms0441 وهو القاهر فوق عباده، وقد اعتنى بهم ~~كل الاعتناء في جميع أحوالهم، وهو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، ~~والحكم الجزائي، فأين للمشركين العدول عن من هذا وصفه ونعته، إلى عبادة ~~من ليس له من الأمر شيء، ولا عنده مثقال ذرة من النفع، ولا له قدرة ~~وإرادة؟! أما والله لو علموا حلم الله عليهم وعفوه ورحمته بهم، وهم ~~يبارزونه بالشرك والكفران، ويتجرؤون على عظمته بالإفك والبهتان، وهو ~~يعافيهم ويرزقهم، لانجذبت دواعيهم إلى معرفته، وذهلت عقولهم في حبه، ~~ولمقتوا أنفسهم أشد المقت، حيث انقادوا لداعي الشيطان، الموجب للخزي ~~والخسران، ولكنهم قوم لا يعقلون. ### || [6.63-64] # أي { قل } للمشركين بالله الداعين معه آلهة أخرى، ملزما لهم بما ~~أثبتوه من توحيد الربوبية، على ما أنكروا من توحيد الإلهية { من ~~ينجيكم من ظلمات البر والبحر } أي: شدائدهما ~~ومشقاتهما، وحين يتعذر أو يتعسر عليكم وجه الحيلة، فتدعون ربكم تضرعا ~~بقلب خاضع، ولسان لا يزال يلهج بحاجته في الدعاء، وتقولون وأنتم في تلك ~~الحال: { لئن أنجانا من هذه } الشدة التي وقعنا فيها { ~~لنكونن من الشاكرين } لله، أي: المعترفين بنعمته، الواضعين ~~لها في طاعة ربهم، الذين حفظوها عن أن يبذلوها في معصيته. { قل الله ~~ينجيكم منها ومن كل كرب } أي: من هذه الشدة الخاصة، ~~ومن جميع الكروب العامة { ثم أنتم تشركون } لا تفون لله بما ~~قلتم، وتنسون نعمه عليكم، فأي برهان أوضح من هذا على بطلان الشرك، وصحة ~~التوحيد؟! ### || [6.65-67] # أي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب إليكم من كل جهة. { من فوقكم ~~أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم } أي: يخلطكم { شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض } أي: في الفتنة، وقتل بعضكم بعضا. ~~فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ~~ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك. ولكن من رحمته، ~~أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب ونحوه، ومن تحت ~~أرجلهم بالخسف. ولكن عاقب من عاقب منهم بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط ~~بعضهم على بعض، ms0442 عقوبة عاجلة يراها المعتبرون، ويشعر بها العالمون. { ~~انظر كيف نصرف الآيات } أي: ننوعها، ونأتي بها على أوجه ~~كثيرة وكلها دالة على الحق. { لعلهم يفقهون } أي: يفهمون ما ~~خلقوا من أجله، ويفقهون الحقائق الشرعية والمطالب الإلهية. { وكذب ~~به } أي: بالقرآن { قومك وهو الحق } الذي لا مرية فيه، ولا ~~شك يعتريه. { قل لست عليكم بوكيل } أحفظ أعمالكم وأجازيكم ~~عليها، وإنما أنا منذر ومبلغ. { لكل نبإ مستقر } أي: وقت ~~يستقر فيه، وزمان لا يتقدم عنه ولا يتأخر { وسوف تعلمون } ما ~~توعدون به من العذاب. ### || [6.68-69] # المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات ~~الباطلة والدعوة إليها ومدح أهلها، والإعراض عن الحق والقدح فيه وفي ~~أهله. فأمر الله رسوله أصلا، وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله ~~بشيء مما ذكر بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، ~~والاستمرار على ذلك حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في ~~كلام غيره، زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة كان مأمورا به، وإن كان ~~غير ذلك كان غير مفيد ولا مأمور به، وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث ~~والنظر والمناظرة بالحق ثم قال: { وإما ينسينك الشيطن } ~~أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة. { فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظلمين } يشمل الخائضين بالباطل، وكل ~~متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور ~~المنكر، الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم، ولم ~~يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم ~~وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، ~~وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو ~~تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: { وما على الذين ~~يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم ~~يتقون } أي: ولكن ليذكرهم ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى. وفي هذا ~~دليل على أنه ينبغي أن يستعمل المذكر من الكلام ما يكون أقرب ms0443 إلى حصول ~~مقصود التقوى. وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ، مما يزيد ~~الموعوظ شرا إلى شره، إلى أن تركه هو الواجب، لأنه إذا ناقض المقصود، ~~كان تركه مقصودا. ### || [6.70] # المقصود من العباد أن يخلصوا لله الدين، بأن يعبدوه وحده لا شريك له، ~~ويبذلوا مقدورهم في مرضاته ومحابه. وذلك متضمن لإقبال القلب على الله ~~وتوجهه إليه، وكون سعي العبد نافعا، وجدا لا هزلا، وإخلاصا لوجه الله ~~لا رياء وسمعة، هذا هو الدين الحقيقي الذي يقال له دين، فأما من زعم أنه ~~على الحق، وأنه صاحب دين وتقوى، وقد اتخذ دينه لعبا ولهوا. بأن لها ~~قلبه عن محبة الله ومعرفته، وأقبل على كل ما يضره، ولها في باطله، ~~ولعب فيه ببدنه، لأن العمل والسعي إذا كان لغير الله فهو لعب، فهذا أمر ~~الله تعالى أن يترك ويحذر، ولا يغتر به، وتنظر حاله، ويحذر من أفعاله، ~~ولا يغتر بتعويقه عما يقرب إلى الله. { وذكر به } أي: ذكر بالقرآن ~~ما ينفع العباد، أمرا، وتفصيلا، وتحسينا له، بذكر ما فيه من أوصاف ~~الحسن، وما يضر العباد نهيا عنه، وتفصيلا لأنواعه، وبيان ما فيه، من ~~الأوصاف القبيحة الشنيعة الداعية لتركه، وكل هذا لئلا تبسل نفس بما كسبت، ~~أي: قبل اقتحام العبد للذنوب وتجرئه على علام الغيوب، واستمرارها على ~~ذلك المرهوب، فذكرها، وعظها، لترتدع وتنزجر، وتكف عن فعلها. وقوله: { ~~ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع } أي: قبل [أن] ~~تحيط بها ذنوبها، ثم لا ينفعها أحد من الخلق، لا قريب ولا صديق، ولا ~~يتولاها من دون الله أحد، ولا يشفع لها شافع { وإن تعدل كل ~~عدل } أي: تفتدي بكل فداء، ولو بملء الأرض ذهبا { لا يؤخذ ~~منهآ } أي: لا يقبل ولا يفيد. { أولئك } الموصوفون بما ذكر { ~~الذين أبسلوا } أي: أهلكوا وأيسوا من الخير، وذلك { بما ~~كسبوا لهم شراب من حميم } أي: ماء حار قد انتهى حره، ~~يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم { وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون }. ### || [6.71-73] # { قل } يا أيها الرسول للمشركين بالله، الداعين معه ms0444 غيره، الذين ~~يدعونكم إلى دينهم، مبينا وشارحا لوصف آلهتهم، التي يكتفي العاقل بذكر ~~وصفها عن النهي عنها، فإن كل عاقل إذا تصور مذهب المشركين جزم ببطلانه ~~قبل أن تقام البراهين على ذلك، فقال: { أندعوا من دون الله ~~ما لا ينفعنا ولا يضرنا } وهذا وصف يدخل فيه، كل من عبد ~~من دون الله، فإنه لا ينفع ولا يضر، وليس له من الأمر شيء، إن الأمر ~~إلا لله. { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا } أي: ~~وننقلب بعد هداية الله لنا إلى الضلال، ومن الرشد إلى الغي، ومن الصراط ~~الموصل إلى جنات النعيم، إلى الطرق التي تفضي بسالكها إلى العذاب الأليم، ~~فهذه حال لا يرتضيها ذو رشد، وصاحبها { الله كالذي استهوته ~~الشياطين في الأرض } أي: أضلته وتيهته عن طريقه ومنهجه، الموصل ~~له إلى مقصده. فبقي { حيران له أصحاب يدعونه إلى ~~الهدى } والشياطين يدعونه إلى الردى، فبقي بين الداعين حائرا وهذه ~~حال الناس كلهم، إلا من عصمه الله تعالى، فإنهم يجدون فيهم جواذب ~~ودواعي متعارضة، دواعي الرسالة والعقل الصحيح، والفطرة المستقيمة { ~~يدعونه إلى الهدى } والصعود إلى أعلى عليين. ودواعي الشيطان ~~ومن سلك مسلكه، والنفس الأمارة بالسوء، يدعونه إلى الضلال، والنزول إلى ~~أسفل سافلين، فمن الناس من يكون مع داعي الهدى في أموره كلها أو ~~أغلبها، ومنهم من بالعكس من ذلك. ومنهم من يتساوى لديه الداعيان، ~~ويتعارض عنده الجاذبان، وفي هذا الموضع تعرف أهل السعادة من أهل الشقاوة. ~~وقوله: { قل إن هدى الله هو الهدى } أي: ليس الهدى إلا ~~الطريق التي شرعها الله على لسان رسوله، وما عداه فهو ضلال وردى وهلاك. { ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين } بأن ننقاد لتوحيده، ~~ونستسلم لأوامره ونواهيه، وندخل تحت عبوديته، فإن هذا أفضل نعمة أنعم ~~الله بها على العباد، وأكمل تربية أوصلها إليهم. { وأن أقيموا ~~الصلاة } أي: وأمرنا أن نقيم الصلاة بأركانها وشروطها وسننها ~~ومكملاتها. { واتقوه } بفعل ما أمر به، واجتناب ما عنه نهى. { ~~وهو الذي إليه تحشرون } أي: تجمعون ليوم القيامة، ~~فيجازيكم بأعمالكم خيرها وشرها. { وهو الذي خلق السموت ms0445 ~~والأرض بالحق } ليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم، { ~~ويوم يقول كن فيكون قوله الحق } الذي لا مرية فيه ~~ولا مثنوية، ولا يقول شيئا عبثا { وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور } أي: يوم القيامة، خصه بالذكر - مع أنه مالك كل شيء - لأنه ~~تنقطع فيه الأملاك، فلا يبقى ملك إلا الله الواحد القهار. { علم ~~الغيب والشهدة وهو الحكيم الخبير } الذي له الحكمة ~~التامة، والنعمة السابغة، والإحسان العظيم، والعلم المحيط بالسرائر ~~والبواطن والخفايا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. ### || [6.74-83] # { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين * وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض وليكون ~~من الموقنين }.إلى آخر القصة. يقول تعالى: واذكر قصة إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام، مثنيا عليه ومعظما في حال دعوته إلى التوحيد، ونهيه عن ~~الشرك، وإذ قال لأبيه { آزر أتتخذ أصناما آلهة } أي: لا ~~تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء، { إني أراك وقومك في ~~ضلال مبين } حيث عبدتم من لا يستحق من العبادة شيئا، وتركتم ~~عبادة خالقكم، ورازقكم ومدبركم. { وكذلك } حين وفقناه للتوحيد ~~والدعوة إليه { نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~} أي: ليرى ببصيرته ما اشتملت عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة ~~{ وليكون من الموقنين } فإنه بحسب قيام الأدلة يحصل له ~~الإيقان، والعلم التام بجميع المطالب. { فلما جن عليه ~~الليل } أي: أظلم { رأى كوكبا } لعله من الكواكب المضيئة، لأن ~~تخصيصه بالذكر يدل على زيادته عن غيره، ولهذا - والله أعلم - قال من ~~قال: إنه الزهرة. { قال هذا ربي } أي: على وجه التنزل مع الخصم ~~أي: هذا ربي، فهلم ننظر، هل يستحق الربوبية؟ وهل يقوم لنا دليل على ذلك؟ ~~فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه بغير حجة ولا برهان. { فلمآ ~~أفل } أي: غاب ذلك الكوكب { قال لا أحب الآفلين } أي: الذي ~~يغيب ويختفي عمن عبده، فإن المعبود لا بد أن يكون قائما بمصالح من ~~عبده، ومدبرا له في جميع شؤونه، فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب، فمن ~~أين يستحق العبادة؟! وهل ms0446 اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه، وأبطل الباطل؟! ~~{ فلمآ رأى القمر بازغا } أي: طالعا، رأى زيادته على نور ~~الكواكب ومخالفته لها { قال هذا ربي } تنزلا. { فلمآ ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين } فافتقر غاية الافتقار إلى هداية ربه، وعلم أنه إن لم يهده ~~الله فلا هادي له، وإن لم يعنه على طاعته فلا معين له. { فلما رأى ~~الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر } من الكوكب ~~ومن القمر. { فلمآ أفلت } تقرر حينئذ الهدى، واضمحل الردى ف { ~~قال يقوم إني بريء مما تشركون } حيث قام البرهان ~~الصادق الواضح على بطلانه. { إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السموت والأرض حنيفا } أي: لله وحده، مقبلا عليه، معرضا ~~عن من سواه. { ومآ أنا من المشركين } فتبرأ من الشرك، ~~وأذعن بالتوحيد، وأقام على ذلك البرهان [وهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه ~~الآيات هو الصواب، وهو أن المقام مقام مناظرة، من إبراهيم لقومه وبيان ~~بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية وغيرها. وأما من قال إنه مقام نظر في ~~حال طفوليته فليس عليه دليل]. # { وحآجه قومه قال أتحجوني في الله وقد ~~هدان } أي فائدة لمحاجة من لم يتبين له الهدى؟ فأما من هداه الله، ~~ووصل إلى أعلى درجات اليقين، فإنه - هو بنفسه - يدعو الناس إلى ما هو ~~عليه. { ولا أخاف ما تشركون به } فإنها لن تضرني، ولن تمنع ~~عني من النفع شيئا. { إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي ~~كل شيء علما أفلا تتذكرون } فتعلمون أنه وحده المعبود ~~المستحق للعبودية. { وكيف أخاف مآ أشركتم } وحالها حال ~~العجز وعدم النفع، { ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ~~ما لم ينزل به عليكم سلطنا } أي: إلا بمجرد اتباع ~~الهوى. { فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون }. قال الله تعالى فاصلا بين الفريقين { الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا } أي: يخلطوا { إيمانهم بظلم أولئك ~~لهم الأمن وهم مهتدون } الأمن من المخاوف والعذاب ~~والشقاء، والهداية إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم مطلقا، لا بشرك ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام ms0447 والهداية التامة. ~~وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم ~~أصل الهداية وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، ~~أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية ولا أمن، بل حظهم ~~الضلال والشقاء. ولما حكم لإبراهيم عليه السلام، بما بين به من البراهين ~~القاطعة قال: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم على ~~قومه } أي: علا بها عليهم، وفلجهم بها. { نرفع درجت من ~~نشآء } كما رفعنا درجات إبراهيم عليه السلام في الدنيا والآخرة، فإن ~~العلم يرفع الله به صاحبه فوق العباد درجات. خصوصا العالم العامل ~~المعلم، فإنه يجعله الله إماما للناس بحسب حاله، ترمق أفعاله، وتقتفى ~~آثاره، ويستضاء بنوره، ويمشى بعلمه في ظلمة ديجوره. قال تعالى # رفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة: 11]. { إن ربك حكيم عليم } فلا يضع العلم ~~والحكمة، إلا في المحل اللائق بها، وهو أعلم بذلك المحل وبما ينبغي له. ### || [6.85-90] # لما ذكر الله تعالى عبده وخليله إبراهيم عليه السلام، وذكر ما من ~~الله عليه به من العلم والدعوة والصبر، ذكر ما أكرمه الله به من الذرية ~~الصالحة، والنسل الطيب. وأن الله جعل صفوة الخلق من نسله، وأعظم بهذه ~~المنقبة والكرامة الجسيمة، التي لا يدرك لها نظير فقال: { ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب } ابنه، الذي هو إسرائيل، أبو الشعب الذي ~~فضله الله على العالمين. { كلا } منهما { هدينا } الصراط المستقيم ~~في علمه وعمله. { ونوحا هدينا من قبل } وهدايته من أنواع ~~الهدايات الخاصة التي لم تحصل إلا لأفراد من العالم وهم أولو العزم من ~~الرسل، الذي هو أحدهم. { ومن ذريته } يحتمل أن الضمير عائد إلى ~~نوح، لأنه أقرب مذكور، ولأن الله ذكر مع من ذكر لوطا، وهو من ذرية ~~نوح، لا من ذرية إبراهيم لأنه ابن أخيه. ويحتمل أن الضمير يعود إلى ~~إبراهيم، لأن السياق في مدحه والثناء عليه، ولوط - وإن لم يكن من ذريته - ~~فإنه ممن آمن على يده، فكان منقبة الخليل وفضيلته بذلك، أبلغ من كونه ~~مجرد ابن له. ms0448 { داوود وسليمان } بن داود { وأيوب ويوسف ~~} بن يعقوب. { وموسى وهارون } ابني عمران، { وكذلك } كما ~~أصلحنا ذرية إبراهيم الخليل، لأنه أحسن في عبادة ربه، وأحسن في نفع الخلق ~~{ نجزي المحسنين } بأن نجعل لهم من الثناء الصدق، والذرية ~~الصالحة بحسب إحسانهم. { وزكريا ويحيى } ابنه { وعيسى } ~~ابن مريم. { وإلياس كل } من هؤلاء { من الصالحين } في ~~أخلاقهم وأعمالهم وعلومهم، بل هم سادة الصالحين وقادتهم وأئمتهم. { ~~وإسماعيل } بن إبراهيم أبو الشعب الذي هو أفضل الشعوب، وهو الشعب ~~العربي، ووالد سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم { ويونس } بن متى ~~{ ولوطا } بن هاران، أخي إبراهيم. { وكلا } من هؤلاء الأنبياء ~~والمرسلين { فضلنا على العالمين } لأن درجات الفضائل أربع - ~~وهي التي ذكرها الله بقوله: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين # [النساء: 69] فهؤلاء من الدرجة العليا، بل هم أفضل الرسل على الإطلاق، ~~فالرسل الذين قصهم الله في كتابه، أفضل ممن لم يقص علينا نبأهم بلا شك. { ~~ومن آبائهم } أي: آباء هؤلاء المذكورين { وذرياتهم ~~وإخوانهم } أي: وهدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم وإخوانهم. { ~~واجتبيناهم } أي: اخترناهم { وهديناهم إلى صراط ~~مستقيم }. { ذلك } الهدى المذكور { هدى الله } الذي لا هدى ~~إلا هداه. { يهدي به من يشآء من عباده } فاطلبوا منه ~~الهدى فإنه إن لم يهدكم فلا هادي لكم غيره، وممن شاء هدايته هؤلاء ~~المذكورون. { ولو أشركوا } على الفرض والتقدير { لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون } فإن الشرك محبط للعمل، موجب للخلود ~~في النار. فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار، لو أشركوا - وحاشاهم - لحبطت ~~أعمالهم، فغيرهم أولى. # { أولئك } المذكورون { الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده } أي: امش - أيها الرسول الكريم - خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، ~~واتبع ملتهم وقد امتثل صلى الله عليه وسلم، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع ~~كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص فاق بها جميع العالمين، وكان ~~سيد المرسلين وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ~~وبهذا الملحظ استدل بهذه من استدل من الصحابة، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أفضل الرسل كلهم. ms0449 { قل } للذين أعرضوا عن دعوتك: { لا ~~أسألكم عليه أجرا } أي: لا أطلب منكم مغرما ومالا جزاء عن ~~إبلاغي إياكم، ودعوتي لكم فيكون من أسباب امتناعكم، إن أجري إلا على ~~الله. { إن هو إلا ذكرى للعالمين } يتذكرون به ما ~~ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيذرونه ويتذكرون به معرفة ربهم بأسمائه ~~وأوصافه. ويتذكرون به الأخلاق الحميدة، والطرق الموصلة إليها، والأخلاق ~~الرذيلة، والطرق المفضية إليها، فإذا كان ذكرى للعالمين، كان أعظم نعمة ~~أنعم الله بها عليهم، فعليهم قبولها والشكر عليها. ### || [6.91] # هذا تشنيع على من نفى الرسالة، [من اليهود والمشركين] وزعم أن الله ما ~~أنزل على بشر من شيء، فمن قال هذا، فما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق ~~عظمته، إذ هذا قدح في حكمته، وزعم أنه يترك عباده هملا، لا يأمرهم ولا ~~ينهاهم، ونفي لأعظم منة، امتن الله بها على عباده، وهي الرسالة التي لا ~~طريق للعباد إلى نيل السعادة، والكرامة، والفلاح، إلا بها، فأي قدح في ~~الله أعظم من هذا؟!! { قل } لهم - ملزما بفساد قولهم وقررهم، بما به ~~يقرون -: { من أنزل الكتب الذي جآء به موسى } وهو ~~التوراة العظيمة { نورا } في ظلمات الجهل { وهدى } من الضلالة، ~~وهاديا إلى الصراط المستقيم علما وعملا، وهو الكتاب الذي شاع وذاع، ~~وملأ ذكره القلوب والأسماع. حتى إنهم جعلوا يتناسخونه في القراطيس، ~~ويتصرفون فيه بما شاؤوا، فما وافق أهواءهم منه أبدوه وأظهروه، وما خالف ~~ذلك أخفوه وكتموه، وذلك كثير. { وعلمتم } من العلوم التي بسبب ذلك ~~الكتاب الجليل { ما لم تعلموا أنتم ولا ءابآؤكم } ~~فإذا سألتهم عن من أنزل هذا الكتاب الموصوف بتلك الصفات، فأجب عن هذا ~~السؤال. و { قل الله } الذي أنزله، فحينئذ يتضح الحق وينجلي مثل ~~الشمس، وتقوم عليهم الحجة، ثم إذا ألزمتهم بهذا الإلزام { ذرهم في ~~خوضهم يلعبون } أي: اتركهم يخوضوا في الباطل، ويلعبوا بما لا ~~فائدة فيه، حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون. ### || [6.92] # أي: { وهذا } القرآن الذي { أنزلنه } إليك { مبارك } أي: ~~وصفه البركة، وذلك لكثرة خيراته وسعة مبراته. { مصدق الذي ~~بين يديه } أي: ms0450 موافق للكتب السابقة، وشاهد لها بالصدق. { ~~ولتنذر أم القرى ومن حولها } أي: وأنزلناه أيضا ~~لتنذر أم القرى، وهي: مكة المكرمة، ومن حولها من ديار العرب، بل ومن سائر ~~البلدان. فتحذر الناس عقوبة الله، وأخذه الأمم، وتحذرهم مما يوجب ذلك. { ~~والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون به } لأن الخوف إذا ~~كان في القلب عمرت أركانه، وانقاد لمراضي الله. { وهم على ~~صلاتهم يحافظون } أي: يداومون عليها، ويحفظون أركانها وحدودها ~~وشروطها وآدابها، ومكملاتها. جعلنا الله منهم. ### || [6.93-94] # يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلما، ولا أكبر جرما ممن كذب [على] الله، ~~بأن نسب إلى الله قولا أو حكما وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم ~~الخلق، لأن فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها وفروعها، ونسبة ذلك إلى ~~الله -ما هو من أكبر المفاسد. ويدخل في ذلك ادعاء النبوة، وأن الله يوحي ~~إليه وهو كاذب في ذلك، فإنه - مع كذبه على الله، وجرأته على عظمته ~~وسلطانه - يوجب على الخلق أن يتبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء من ~~خالفه وأموالهم. ويدخل في هذه الآية كل من ادعى النبوة، كمسيلمة الكذاب ~~والأسود العنسي والمختار، وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف. { ومن قال ~~سأنزل مثل مآ أنزل الله } أي: ومن أظلم ممن زعم، أنه يقدر ~~على ما يقدر الله عليه، ويجاري الله في أحكامه، ويشرع من الشرائع كما ~~شرعه الله، ويدخل في هذا كل من يزعم أنه يقدر على معارضة القرآن، وأنه ~~في إمكانه أن يأتي بمثله. وأي: ظلم أعظم من دعوى الفقير العاجز بالذات، ~~الناقص من كل وجه، مشاركة القوي الغني، الذي له الكمال المطلق، من جميع ~~الوجوه، في ذاته وأسمائه وصفاته؟!! ولما ذم الظالمين ذكر ما أعد لهم من ~~العقوبة في حال الاحتضار، ويوم القيامة، فقال: { ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت } أي: شدائده وأهواله الفظيعة، ~~وكربه الشنيعة - لرأيت أمرا هائلا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها. { ~~والملائكة باسطوا أيديهم } إلى أولئك الظالمين ~~المحتضرين بالضرب والعذاب، يقولون لهم عند منازعة أرواحهم وقلقها، ~~وتعصيها للخروج من الأبدان: { أخرجوا ms0451 أنفسكم اليوم ~~تجزون عذاب الهون } أي: العذاب الشديد، الذي يهينكم ويذلكم، ~~والجزاء من جنس العمل، فإن هذا العذاب { بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق } من كذبكم عليه، وردكم للحق، الذي جاءت به ~~الرسل. { وكنتم عن آياته تستكبرون } أي: ترفعون عن ~~الانقياد لها، والاستسلام لأحكامها. وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ~~ونعيمه، فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إليهم، إنما هو عند الاحتضار ~~وقبيل الموت وبعده. وفيه دليل، على أن الروح جسم يدخل ويخرج، ويخاطب، ~~ويساكن الجسد ويفارقه، فهذه حالهم في البرزخ. وأما يوم القيامة فإنهم إذا ~~وردوها، وردوها مفلسين فرادى بلا أهل ولا مال ولا أولاد ولا جنود ولا ~~أنصار، كما خلقهم الله أول مرة، عارين من كل شيء. فإن الأشياء، إنما ~~تتمول وتحصل بعد ذلك بأسبابها التي هي أسبابها، وفي ذلك اليوم تنقطع جميع ~~الأمور التي كانت مع العبد في الدنيا، سوى العمل الصالح والعمل السيىء، ~~الذي هو مادة الدار الآخرة، الذي تنشأ عنه، ويكون حسنها وقبحها، وسرورها ~~وغمومها، وعذابها ونعيمها، بحسب الأعمال. # فهي التي تنفع أو تضر، وتسوء أو تسر، وما سواها من الأهل والولد، والمال ~~والأنصار، فعواري خارجية، وأوصاف زائلة، وأحوال حائلة، ولهذا قال تعالى: ~~{ ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة ~~وتركتم ما خولنكم } أي: أعطيناكم وأنعمنا به عليكم { ~~وراء ظهوركم } لا يغنون عنكم شيئا { وما نرى معكم ~~شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء }. فإن ~~المشركين يشركون بالله، ويعبدون معه الملائكة والأنبياء والصالحين، ~~وغيرهم، وهم كلهم لله، ولكنهم يجعلون لهذه المخلوقات نصيبا من أنفسهم، ~~وشركة في عبادتهم، وهذا زعم منهم وظلم، فإن الجميع عبيد لله، والله ~~مالكهم، والمستحق لعبادتهم. فشركهم في العبادة، وصرفها لبعض العبيد، ~~تنزيل لهم منزلة الخالق المالك، فيوبخون يوم القيامة ويقال لهم هذه ~~المقالة. { وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم ~~أنهم فيكم شركآء لقد تقطع بينكم } أي: تقطعت ~~الوصل والأسباب بينكم وبين شركائكم، من الشفاعة وغيرها فلم تنفع ولم تجد ~~شيئا. { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } من الربح والأمن، ~~والسعادة والنجاة، التي زينها ms0452 لكم الشيطان وحسنها في قلوبكم، فنطقت بها ~~ألسنتكم. واغتررتم بهذا الزعم الباطل الذي لا حقيقة له، حين تبين لكم ~~نقيض ما كنتم تزعمون، وظهر أنكم الخاسرون لأنفسكم وأهليكم وأموالكم. ### || [6.95-98] # يخبر تعالى عن كماله، وعظمة سلطانه، وقوة اقتداره، وسعة رحمته، وعموم ~~كرمه، وشدة عنايته بخلقه، فقال: { إن الله فالق الحب } شامل ~~لسائر الحبوب التي يباشر الناس زرعها، والتي لا يباشرونها، كالحبوب التي ~~يبثها الله في البراري والقفار، فيفلق الحبوب عن الزروع والنوابت، على ~~اختلاف أنواعها، وأشكالها ومنافعها، ويفلق النوى عن الأشجار من النخيل ~~والفواكه، وغير ذلك. فينتفع الخلق من الآدميين والأنعام والدواب. ويرتعون ~~فيما فلق الله من الحب والنوى، ويقتاتون وينتفعون بجميع أنواع المنافع ~~التي جعلها الله في ذلك. ويريهم الله من بره وإحسانه ما يبهر العقول، ~~ويذهل الفحول، ويريهم من بدائع صنعته وكمال حكمته، ما به يعرفونه ~~ويوحدونه، ويعلمون أنه هو الحق، وأن عبادة ما سواه باطلة. { يخرج ~~الحي من الميت } كما يخرج من المني حيوانا، ومن البيضة ~~فرخا، ومن الحب والنوى زرعا وشجرا. { ومخرج الميت } وهو ~~الذي لا نمو فيه، أو لا روح { من الحي } كما يخرج من الأشجار ~~والزروع، النوى والحب، ويخرج من الطائر بيضا، ونحو ذلك. { ذلكم } ~~الذي فعل ما فعل، وانفرد بخلق هذه الأشياء وتدبيرها { الله } ~~ربكم أي: الذي له الألوهية والعبادة على خلقه أجمعين، وهو الذي ربى ~~جميع العالمين بنعمه، وغذاهم بكرمه. { فأنى تؤفكون } أي: فأنى ~~تصرفون، وتصدون عن عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة من لا يملك لنفسه ~~نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا؟!! ولما ذكر تعالى مادة ~~خلق الأقوات، ذكر منته بتهيئة المساكن، وخلقه كل ما يحتاج إليه العباد، ~~من الضياء والظلمة، وما يترتب على ذلك من أنواع المنافع والمصالح فقال: { ~~فالق الإصباح } أي: كما أنه فالق الحب والنوى، كذلك هو فالق ظلمة ~~الليل الداجي، الشامل لما على وجه الأرض، بضياء الصبح الذي يفلقه شيئا ~~فشيئا، حتى تذهب ظلمة الليل كلها، ويخلفها الضياء والنور العام، الذي ~~يتصرف به الخلق ms0453 في مصالحهم ومعايشهم، ومنافع دينهم ودنياهم. ولما كان ~~الخلق محتاجين إلى السكون والاستقرار والراحة، التي لا تتم بوجود النهار ~~والنور { جعل } الله { الليل سكنا } يسكن فيه الآدميون إلى ~~دورهم ومنامهم، والأنعام إلى مأواها، والطيور إلى أوكارها، فتأخذ نصيبها ~~من الراحة، ثم يزيل الله ذلك، بالضياء، وهكذا أبدا إلى يوم القيامة { و ~~} جعل تعالى { الشمس والقمر حسبانا } بهما تعرف الأزمنة ~~والأوقات، فتنضبط بذلك أوقات العبادات، وآجال المعاملات، ويعرف بها مدة ~~ما مضى من الأوقات التي لولا وجود الشمس والقمر وتناوبهما واختلافهما - ~~لما عرف ذلك عامة الناس، واشتركوا في علمه، بل كان لا يعرفه إلا أفراد من ~~الناس بعد الاجتهاد، وبذلك يفوت من المصالح الضرورية ما يفوت. { ذلك } ~~التقدير المذكور { تقدير العزيز } الذي من عزته انقادت له هذه ~~المخلوقات العظيمة، فجرت مذللة مسخرة بأمره، بحيث لا تتعدى ما حده الله ~~لها، ولا تتقدم عنه ولا تتأخر { العليم } الذي أحاط علمه بالظواهر ~~والبواطن، والأوائل والأواخر. # ومن الأدلة العقلية على إحاطة علمه، تسخير هذه المخلوقات العظيمة، على ~~تقدير ونظام بديع، تحير العقول في حسنه وكماله وموافقته للمصالح ~~والحكم. { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ~~في ظلمت البر والبحر } حين تشتبه عليكم المسالك، ويتحير ~~في سيره السالك، فجعل الله النجوم هداية للخلق إلى السبل، التي يحتاجون ~~إلى سلوكها لمصالحهم وتجاراتهم وأسفارهم. منها: نجوم لا تزال ترى، ولا ~~تسير عن محلها، ومنها: ما هو مستمر السير، يعرف سيره أهل المعرفة بذلك، ~~ويعرفون به الجهات والأوقات. ودلت هذه الآية ونحوها على مشروعية تعلم سير ~~الكواكب ومحالها الذي يسمى علم التسيير، فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن ~~إلا بذلك. { قد فصلنا الآيت } أي بيناها، ووضحناها، وميزنا كل ~~جنس ونوع منها عن الآخر، بحيث صارت آيات الله بادية ظاهرة. { لقوم ~~يعلمون } أي: لأهل العلم والمعرفة، فإنهم الذين يوجه إليهم الخطاب، ~~ويطلب منهم الجواب، بخلاف أهل الجهل والجفاء، المعرضين عن آيات الله وعن ~~العلم الذي جاءت به الرسل، فإن البيان لا يفيدهم شيئا، والتفصيل لا يزيل ~~عنهم ملتبسا، والإيضاح ms0454 لا يكشف لهم مشكلا. { وهو الذي ~~أنشأكم من نفس وحدة } وهو آدم عليه السلام. أنشأ الله منه ~~هذا العنصر الآدمي الذي قد ملأ الأرض ولم يزل في زيادة ونمو، الذي قد ~~تفاوت في أخلاقه وخلقه وأوصافه تفاوتا لا يمكن ضبطه، ولا يدرك وصفه، ~~وجعل الله لهم مستقرا، أي منتهى ينتهون إليه، وغاية يساقون إليها، وهي ~~دار القرار التي لا مستقر وراءها، ولا نهاية فوقها، فهذه الدار هي التي ~~خلق الخلق لسكناها، وأوجدوا في الدنيا ليسعوا في أسبابها، التي تنشأ ~~عليها وتعمر بها، وأودعهم الله في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، ثم في ~~دار الدنيا، ثم في البرزخ، كل ذلك على وجه الوديعة، التي لا تستقر ولا ~~تثبت، بل ينتقل منها حتى يوصل إلى الدار، التي هي المستقر، وأما هذه ~~الدار فإنها مستودع وممر { قد فصلنا الآيت لقوم ~~يفقهون } عن الله آياته، ويفهمون عنه حججه وبيناته. ### || [6.99] # وهذا من أعظم مننه العظيمة، التي يضطر إليها الخلق من الآدميين وغيرهم، ~~وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا وقت حاجة الناس إليه، فأنبت الله به ~~كل شيء، مما يأكل الناس والأنعام، فرتع الخلق بفضل الله، وانبسطوا برزقه، ~~وفرحوا بإحسانه، وزال عنهم الجدب واليأس والقحط، ففرحت القلوب، وأسفرت ~~الوجوه، وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم، ما به يتمتعون وبه يرتعون، ~~مما يوجب لهم أن يبذلوا جهدهم في شكر من أسدى النعم، وعبادته والإنابة ~~إليه، والمحبة له. ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء، من أنواع الأشجار ~~والنبات، ذكر الزرع والنخل، لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس ~~فقال: { فأخرجنا منه خضرا نخرج منه } أي: من ذلك ~~النبات الخضر، { حبا متراكبا } بعضه فوق بعض، من بر وشعير، ~~وذرة، وأرز، وغير ذلك من أصناف الزروع، وفي وصفه بأنه متراكب، إشارة إلى ~~أن حبوبه متعددة، وجميعها تستمد من مادة واحدة، وهي لا تختلط، بل هي ~~متفرقة الحبوب، مجتمعة الأصول، وإشارة أيضا إلى كثرتها، وشمول ريعها ~~وغلتها، ليبقى أصل البذر، ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار. { ومن ~~النخل } أخرج الله { من طلعها ms0455 } وهو الكفرى، والوعاء قبل ظهور ~~القنو منه، فيخرج من ذلك الوعاء { قنوان دانية } أي: قريبة سهلة ~~التناول، متدلية على من أرادها، بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن ~~طالت، فإنه يوجد فيها كرب ومراقي يسهل صعودها. { و } أخرج تعالى ~~بالماء { جنت من أعناب والزيتون والرمان } فهذه ~~من الأشجار الكثيرة النفع، العظيمة الوقع، فلذلك خصصها الله بالذكر بعد ~~أن عم جميع الأشجار والنوابت. وقوله { مشتبها وغير ~~متشبه } يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون، أي: مشتبها في شجره ~~وورقه، غير متشابه في ثمره. ويحتمل أن يرجع ذلك، إلى سائر الأشجار ~~والفواكه، وأن بعضها مشتبه، يشبه بعضه بعضا، ويتقارب في بعض أوصافه، ~~وبعضها لا مشابهة بينه وبين غيره، والكل ينتفع به العباد، ويتفكهون، ~~ويقتاتون ويعتبرون، ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به، فقال: { انظروا } ~~نظر فكر واعتبار { إلى ثمره } أي: الأشجار كلها، خصوصا: النخل ~~إذآ أثمر. { وينعه } أي: انظروا إليه وقت إطلاعه، ووقت نضجه ~~وإيناعه، فإن في ذلك عبرا وآيات يستدل بها على رحمة الله، وسعة إحسانه ~~وجوده وكمال اقتداره وعنايته بعباده. ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر، وليس ~~كل من تفكر أدرك المعنى المقصود، ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات ~~بالمؤمنين، فقال: { إن في ذلكم لأيت لقوم يؤمنون } ~~فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان، على العمل بمقتضياته ولوازمه، ~~التي منها التفكر في آيات الله، والاستنتاج منها ما يراد منها، وما تدل ~~عليه عقلا وفطرة وشرعا. ### || [6.100-104] # يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده وتعرفه إليهم بآياته البينات، وحججه ~~الواضحات - أن المشركين به من قريش وغيرهم، جعلوا له شركاء يدعونهم ~~ويعبدونهم من الجن والملائكة، الذين هم خلق من خلق الله، ليس فيهم من ~~خصائص الربوبية والألوهية شيء، فجعلوها شركاء لمن له الخلق والأمر، وهو ~~المنعم بسائر أصناف النعم، الدافع لجميع النقم، وكذلك " خرق المشركون ~~" أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله، بنين وبنات بغير علم منهم، ~~ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم، وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب ~~تنزيه الله عنه؟!!. ولهذا نزه نفسه ms0456 عما افتراه عليه المشركون، فقال: { ~~سبحنه وتعلى عما يصفون } فإنه تعالى الموصوف بكل ~~كمال، المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب. { بديع السموت والأرض ~~} أي: خالقهما، ومتقن صنعتهما، على غير مثال سبق، بأحسن خلق، ونظام ~~وبهاء، لا تقترح عقول أولي الألباب مثله، وليس له في خلقهما مشارك. { ~~أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة } أي: كيف ~~يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد، الذي لا صاحبة له، أي: لا زوجة ~~له، وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه، مضطرة في جميع أحوالها ~~إليه، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، والله خالق كل شيء وليس شيء من ~~المخلوقات مشابها لله بوجه من الوجوه. ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر ~~إحاطة علمه بها فقال: { وهو بكل شيء عليم } وفي ذكر العلم ~~بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه، وهو هذه المخلوقات، ~~وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر فإن في ذلك دلالة على ~~سعة علم الخالق، وكمال حكمته، كما قال تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] وكما قال تعالى: # وهو الخلاق العليم # [يس: 81] ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدر ما قدر. { الله ربكم } أي: ~~المألوه المعبود، الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب، الرب الذي ربى ~~جميع الخلق بالنعم، وصرف عنهم صنوف النقم. { لا إله إلا ~~هو خلق كل شيء فاعبدوه } أي: إذا استقر وثبت أنه الله ~~الذي لا إله إلا هو، فاصرفوا له جميع أنواع العبادة، وأخلصوها لله، ~~واقصدوا بها وجهه. فإن هذا هو المقصود من الخلق الذي خلقوا لأجله # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. { وهو على كل شيء وكيل } أي: جميع ~~الأشياء، تحت وكالة الله وتدبيره، خلقا وتدبيرا وتصريفا. ومن المعلوم، ~~أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته وتمامه، وكمال انتظامه، بحسب حال ~~الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء ليست من جنس وكالة الخلق، فإن ~~وكالتهم وكالة نيابة، والوكيل فيها تابع لموكله. وأما الباري تبارك ~~وتعالى، فوكالته من نفسه لنفسه، متضمنة لكمال ms0457 العلم، وحسن التدبير ~~والإحسان فيه والعدل، فلا يمكن لأحد، أن يستدرك على الله، ولا يرى في ~~خلقه خللا ولا فطورا، ولا في تدبيره نقصا وعيبا. # ومن وكالته أنه تعالى، توكل ببيان دينه، وحفظه عن المزيلات والمغيرات، ~~وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم. { لا ~~تدركه الأبصر } لعظمته وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، ~~وإن كانت تراه وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي ~~الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم. فإنه إذا نفى الإدراك الذي هو أخص أوصاف ~~الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة. فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال " لا ~~تراه الأبصار " ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، ~~الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم. { ~~وهو يدرك الأبصر } أي: هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، ~~وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة والخفية، وبصره، بجميع المبصرات، صغارها ~~وكبارها، ولهذا قال: { وهو اللطيف الخبير } الذي لطف علمه ~~وخبرته، ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن. ومن لطفه أنه ~~يسوق عبده إلى مصالح دينه، ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ~~ولا يسعى فيها، ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي، من حيث لا ~~يحتسب، حتى أنه يقدر عليه الأمور التي يكرهها العبد ويتألم منها، ويدعو ~~الله أن يزيلها، لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها، فسبحان ~~اللطيف لما يشاء، الرحيم بالمؤمنين. { قد جآءكم بصآئر من ~~ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ~~ومآ أنا عليكم بحفيظ } لما بين تعالى من الآيات البينات، ~~والأدلة الواضحات، الدالة على الحق في جميع المطالب والمقاصد، نبه العباد ~~عليها، وأخبر أن هدايتهم وضدها لأنفسهم، فقال: { قد جآءكم ~~بصآئر من ربكم } أي: آيات تبين الحق، وتجعله للقلب بمنزلة ~~الشمس للأبصار، لما اشتملت عليه من فصاحة اللفظ، وبيانه، ووضوحه، ~~ومطابقته للمعاني الجليلة، والحقائق الجميلة، لأنها صادرة من الرب الذي ~~ربى خلقه بصنوف نعمه الظاهرة والباطنة، التي من أفضلها وأجلها تبيين ~~الآيات، وتوضيح المشكلات. { فمن أبصر } بتلك الآيات ms0458 مواقع العبرة، ~~وعمل بمقتضاها { فلنفسه } فإن الله هو الغني الحميد. { ومن ~~عمي } بأن بصر فلم يتبصر، وزجر فلم ينزجر، وبين له الحق، فما ~~انقاد له ولا تواضع، فإنما عماه مضرته عليه. { ومآ أنا } أيها ~~الرسول { عليكم بحفيظ } أحفظ أعمالكم وأرقبها على الدوام، إنما ~~علي البلاغ المبين وقد أديته، وبلغت ما أنزل الله إلي، فهذه وظيفتي، ~~وما عدا ذلك فلست موظفا فيه. ### || [6.108] # ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزا، بل مشروعا في الأصل، وهو سب ~~آلهة المشركين، التي اتخذت أوثانا وآلهة مع الله، التي يتقرب إلى الله ~~بإهانتها وسبها. ولكن لما كان هذا السب طريقا إلى سب المشركين لرب ~~العالمين، الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب، وآفة، وسب، وقدح - نهى ~~الله عن سب آلهة المشركين، لأنهم يحمون لدينهم، ويتعصبون له. لأن كل أمة ~~زين الله لهم عملهم، فرأوه حسنا وذبوا عنه، ودافعوا بكل طريق، حتى إنهم ~~ليسبون الله رب العالمين، الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار، إذا ~~سب المسلمون آلهتهم. ولكن الخلق كلهم مرجعهم ومآلهم إلى الله يوم ~~القيامة، يعرضون عليه، وتعرض أعمالهم، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير ~~وشر. وفي هذه الآية الكريمة دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر ~~بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم ولو كانت جائزة تكون محرمة، ~~إذا كانت تفضي إلى الشر. ### || [6.109-111] # أي: وأقسم المشركون المكذبون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم. { ~~بالله جهد أيمنهم } أي: قسما اجتهدوا فيه وأكدوه. { لئن ~~جآءتهم آية } تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { ~~ليؤمنن بها } وهذا الكلام الذي صدر منهم لم يكن قصدهم فيه ~~الرشاد، وإنما قصدهم دفع الاعتراض عليهم، ورد ما جاء به الرسول قطعا، ~~فإن الله أيد رسوله صلى الله عليه وسلم بالآيات البينات، والأدلة ~~الواضحات، التي - عند الالتفات لها - لا تبقي أدنى شبهة ولا إشكال في صحة ~~ما جاء به، فطلبهم - بعد ذلك - للآيات من باب التعنت، الذي لا يلزم ~~إجابته، بل قد يكون المنع من إجابتهم أصلح لهم، ms0459 فإن الله جرت سنته في ~~عباده، أن المقترحين للآيات على رسلهم، إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها - أنه ~~يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال: { قل إنما الآيت عند الله } ~~أي: هو الذي يرسلها إذا شاء، ويمنعها إذا شاء، ليس لي من الأمر شيء، ~~فطلبكم مني الآيات ظلم، وطلب لما لا أملك، وإنما توجهون إلى توضيح ما ~~جئتكم به وتصديقه، وقد حصل، ومع ذلك فليس معلوما، أنهم إذا جاءتهم ~~الآيات يؤمنون ويصدقون، بل الغالب ممن هذه حال أنه لا يؤمن، ولهذا قال: { ~~وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون }. { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي: ~~ونعاقبهم إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، ~~بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط ~~المستقيم. وهذا من عدل الله وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، ~~وفتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا ~~حرموا التوفيق، كان مناسبا لأحوالهم. وكذلك تعليقهم الإيمان بإرادتهم ~~ومشيئتهم وحدهم، وعدم الاعتماد على الله من أكبر الغلط، فإنهم لو جاءتهم ~~الآيات العظيمة، من تنزيل الملائكة إليهم، يشهدون للرسول بالرسالة، ~~وتكليم الموتى، وبعثهم بعد موتهم، وحشر كل شيء إليهم حتى يكلمهم { ~~قبلا } ومشاهدة ومباشرة، بصدق ما جاء به الرسول ما حصل منهم الإيمان، ~~إذا لم يشأ الله إيمانهم ولكن أكثرهم يجهلون. فلذلك رتبوا إيمانهم، على ~~مجرد إتيان الآيات، وإنما العقل والعلم أن يكون العبد مقصوده اتباع الحق، ~~ويطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك، ويستعين ربه في اتباعه، ولا ~~يتكل على نفسه وحوله وقوته، ولا يطلب من الآيات الاقتراحية ما لا فائدة ~~فيه. ### || [6.112-113] # يقول تعالى - مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وكما جعلنا لك ~~أعداء يردون دعوتك، ويحاربونك ويحسدونك، فهذه سنتنا، أن نجعل لكل نبي ~~نرسله إلى الخلق أعداء، من شياطين الإنس والجن، يقومون بضد ما جاءت به ~~الرسل. { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } ~~أي: يزين بعضهم لبعض الأمر الذي ms0460 يدعون إليه من الباطل، ويزخرفون له ~~العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة، ليغتر به السفهاء، وينقاد له الأغبياء ~~الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ ~~المزخرفة، والعبارات المموهة، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا، ولهذا ~~قال تعالى: { ولتصغى إليه } أي: ولتميل إلى ذلك الكلام المزخرف ~~{ أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } لأن عدم إيمانهم ~~باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة، يحملهم على ذلك، { وليرضوه } ~~بعد أن يصغوا إليه فيصغون إليه أولا، فإذا مالوا إليه ورأوا تلك ~~العبارات المستحسنة رضوه، وزين في قلوبهم، وصار عقيدة راسخة، وصفة لازمة، ~~ثم ينتج من ذلك، أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون، أي: ~~يأتون من الكذب بالقول والفعل، ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة، فهذه ~~حال المغترين، بشياطين الإنس والجن، المستجيبين لدعوتهم، وأما أهل ~~الإيمان بالآخرة، وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة، فإنهم لا ~~يغترون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همتهم مصروفة إلى ~~معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة، فإن كانت ~~حقا قبلوها وانقادوا لها، ولو كسيت عبارات ردية، وألفاظا غير وافية، ~~وإن كانت باطلا، ردوها على من قالها، كائنا من كان، ولو ألبست من ~~العبارات المستحسنة، ما هو أرق من الحرير. ومن حكمة الله تعالى في جعله ~~للأنبياء أعداء، وللباطل أنصارا قائمين بالدعوة إليه، أن يحصل لعباده ~~الابتلاء والامتحان، ليتميز الصادق من الكاذب، والعاقل من الجاهل، ~~والبصير من الأعمى. ومن حكمته أن في ذلك بيانا للحق، وتوضيحا له، فإن ~~الحق يستنير ويتضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه. فإنه - حينئذ - يتبين ~~من أدلة الحق، وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته، ومن فساد الباطل ~~وبطلانه، ما هو من أكبر المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون. ### || [6.114-115] # أي: قل يا أيها الرسول { أفغير الله أبتغي حكما } أحاكم ~~إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه. فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم. وكل ~~تدبير وحكم للمخلوق فإنه مشتمل على النقص والعيب والجور، وإنما الذي يجب ~~أن يتخذ حاكما، فهو الله وحده لا شريك له، الذي له ms0461 الخلق والأمر. { ~~الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا } أي: موضحا فيه ~~الحلال والحرام، والأحكام الشرعية، وأصول الدين وفروعه، الذي لا بيان ~~فوق بيانه، ولا برهان أجلى من برهانه، ولا أحسن منه حكما، ولا أقوم ~~قيلا، لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة. وأهل الكتب السابقة من ~~اليهود والنصارى، يعترفون بذلك { يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق } ولهذا تواطأت الإخبارات { فلا } تشكن في ~~ذلك ولا { تكونن من الممترين }. ثم وصف تفصيلها فقال: { ~~وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا } أي: صدقا في الأخبار، ~~وعدلا في الأمر والنهي. فلا أصدق من أخبار الله التي أودعها هذا الكتاب ~~العزيز، ولا أعدل من أوامره ونواهيه { لا مبدل لكلماته } ~~[حيث حفظها وأحكمها بأعلى أنواع الصدق وبغاية الحق، فلا يمكن تغييرها ولا ~~اقتراح أحسن منها]. { وهو السميع } لسائر الأصوات، باختلاف اللغات ~~على تفنن الحاجات. { العليم } الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، ~~والماضي والمستقبل. ### || [6.116-117] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم محذرا عن طاعة أكثر الناس: { ~~وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ~~} فإن أكثرهم قد انحرفوا في أديانهم وأعمالهم وعلومهم. فأديانهم فاسدة، ~~وأعمالهم تبع لأهوائهم، وعلومهم ليس فيها تحقيق، ولا إيصال لسواء الطريق. ~~بل غايتهم أنهم يتبعون الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، ويتخرصون في ~~القول على الله ما لا يعلمون، ومن كان بهذه المثابة، فحري أن يحذر الله ~~منه عباده، ويصف لهم أحوالهم لأن هذا -وإن كان خطابا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم- فإن أمته أسوة له في سائر الأحكام التي ليست من خصائصه. والله ~~تعالى أصدق قيلا، وأصدق حديثا، و { هو أعلم من يضل عن ~~سبيله } وأعلم بمن يهتدي. ويهدي. فيجب عليكم - أيها المؤمنون - أن ~~تتبعوا نصائحه وأوامره ونواهيه لأنه أعلم بمصالحكم، وأرحم بكم من أنفسكم. ~~ودلت هذه الآية على أنه لا يستدل على الحق بكثرة أهله، ولا يدل قلة ~~السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل ~~الحق هم الأقلون عددا، الأعظمون - عند الله - قدرا وأجرا، بل ms0462 الواجب ~~أن يستدل على الحق والباطل، بالطرق الموصلة إليه. ### || [6.118-119] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بمقتضى الإيمان، وأنهم، إن كانوا مؤمنين، ~~فليأكلوا مما ذكر اسم الله عليه من بهيمة الأنعام، وغيرها من الحيوانات ~~المحللة، ويعتقدوا حلها، ولا يفعلوا كما تفعله أهل الجاهلية، من تحريم ~~كثير من الحلال، ابتداعا من عند أنفسهم، وإضلالا من شياطينهم، فذكر ~~الله أن علامة المؤمن مخالفة أهل الجاهلية، في هذه العادة الذميمة، ~~المتضمنة لتغيير شرع الله، وأنه أي شيء يمنعهم من أكل ما ذكر اسم الله ~~عليه، وقد فصل الله لعباده ما حرم عليهم، وبينه ووضحه؟ فلم يبق فيه ~~إشكال ولا شبهة توجب أن يمتنع من أكل بعض الحلال، خوفا من الوقوع في ~~الحرام، ودلت الآية الكريمة على أن الأصل في الأشياء والأطعمة، الإباحة، ~~وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت ~~الله عنه فهو حلال، لأن الحرام قد فصله الله فما لم يفصله الله، فليس ~~بحرام. ومع ذلك، فالحرام الذي قد فصله الله وأوضحه، قد أباحه عند الضرورة ~~والمخمصة، كما قال تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # إلى أن قال: # فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم # [المائدة: 3]. ثم حذر عن كثير من الناس، فقال: { وإن كثيرا ~~ليضلون بأهوائهم } أي: بمجرد ما تهوى أنفسهم { بغير ~~علم } ولا حجة. فليحذر العبد من أمثال هؤلاء، وعلامتهم - كما وصفهم ~~الله لعباده - أن دعوتهم غير مبنية على برهان، ولا لهم حجة شرعية، وإنما ~~يوجد لهم شبه، بحسب أهوائهم الفاسدة، وآرائهم القاصرة، فهؤلاء معتدون على ~~شرع الله وعلى عباد الله، والله لا يحب المعتدين، بخلاف الهادين ~~المهتدين، فإنهم يدعون إلى الحق والهدى، ويؤيدون دعوتهم بالحجج العقلية ~~والنقلية، ولا يتبعون في دعوتهم إلا رضا ربهم والقرب منه. ### || [6.120] # المراد بالإثم: جميع المعاصي التي تؤثم العبد، أي: توقعه في الإثم ~~والحرج، من الأشياء المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده. فنهى الله عباده عن ~~اقتراف الإثم الظاهر والباطن، أي: السر والعلانية، المتعلقة بالبدن ~~والجوارح، ms0463 والمتعلقة بالقلب، ولا يتم للعبد ترك المعاصي الظاهرة والباطنة ~~إلا بعد معرفتها والبحث عنها، فيكون البحث عنها، ومعرفة معاصي القلب ~~والبدن، والعلم بذلك واجبا متعينا على المكلف. وكثير من الناس، تخفى ~~عليه كثير من المعاصي، خصوصا معاصي القلب، كالكبر والعجب والرياء، ونحو ~~ذلك، حتى إنه يكون به كثير منها، وهو لا يحس به ولا يشعر، وهذا من ~~الإعراض عن العلم وعدم البصيرة. ثم أخبر تعالى أن الذين يكسبون الإثم ~~الظاهر والباطن، سيجزون على حسب كسبهم، وعلى قدر ذنوبهم، قلت أو كثرت، ~~وهذا الجزاء يكون في الآخرة، وقد يكون في الدنيا، يعاقب العبد، فيخفف عنه ~~بذلك من سيئاته. ### || [6.121] # ويدخل تحت هذا المنهي عنه ما ذكر عليه اسم غير الله، كالذي يذبح للأصنام ~~وآلهتهم، فإن هذا مما أهل لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصا. ~~ويدخل في ذلك متروك التسمية مما ذبح لله، كالضحايا والهدايا، أو للحم ~~والأكل، إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية عند كثير من العلماء. ويخرج ~~من هذا العموم الناسي بالنصوص الأخر، الدالة على رفع الحرج عنه، ويدخل في ~~هذه الآية ما مات بغير ذكاة من الميتات، فإنها مما لم يذكر اسم الله ~~عليه. ونص الله عليها بخصوصها في قوله: # حرمت عليكم الميتة # [المائدة: 3] ولعلها سبب نزول الآية، لقوله: { وإن الشيطين ~~ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم } بغير علم. فإن ~~المشركين - حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتة، وتحليله للمذكاة، وكانوا ~~يستحلون أكل الميتة - قالوا - معاندة لله ورسوله، ومجادلة بغير حجة ولا ~~برهان - أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ يعنون بذلك: الميتة. ~~وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل، بل يستند إلى آرائهم الفاسدة ~~التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن. فتبا لمن ~~قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع ~~الخاصة. ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها صادرة عن وحي ~~أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم، ويدعوهم ~~ليكونوا من أصحاب السعير. { وإن أطعتموهم ms0464 } في شركهم وتحليلهم ~~الحرام، وتحريمهم الحلال { إنكم لمشركون } لأنكم اتخذتموهم ~~أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان ~~طريقكم طريقهم. ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من ~~الإلهامات والكشوف، التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم، لا تدل - ~~بمجردها على أنها حق، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله. فإن ~~شهدا لها بالقبول قبلت، وإن ناقضتهما ردت، وإن لم يعلم شيء من ذلك، توقف ~~فيها ولم تصدق ولم تكذب، لأن الوحي والإلهام يكون من الرحمن، ويكون من ~~الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين ~~حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله. ### || [6.122-124] # يقول تعالى: { أو من كان } من قبل هداية الله له { ميتا } في ~~ظلمات الكفر والجهل والمعاصي، { فأحيينه } بنور العلم والإيمان ~~والطاعة، فصار يمشي بين الناس في النور، متبصرا في أموره مهتديا ~~لسبيله، عارفا للخير مؤثرا له، مجتهدا في تنفيذه في نفسه وغيره، ~~عارفا بالشر، مبغضا له، مجتهدا في تركه وإزالته عن نفسه وعن غيره. ~~أفيستوي هذا بمن هو في الظلمات، ظلمات الجهل والغي، والكفر والمعاصي. { ~~ليس بخارج منها } قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك، ~~فحضره لهم والغم والحزن والشقاء. فنبه تعالى العقول بما تدركه وتعرفه، ~~أنه لا يستوي هذا ولا هذا كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، ~~والأحياء والأموات. فكأنه قيل: فكيف يؤثر من له أدنى مسكة من عقل، أن ~~يكون بهذه الحالة، وأن يبقى في الظلمات متحيرا: فأجاب بأنه { زين ~~للكفرين ما كانوا يعملون } فلم يزل الشيطان يحسن لهم ~~أعمالهم، ويزينها في قلوبهم، حتى استحسنوها ورأوها حقا. وصار ذلك عقيدة ~~في قلوبهم، وصفة راسخة ملازمة لهم، فلذلك رضوا بما هم عليه من الشر ~~والقبائح. وهؤلاء الذين في الظلمات يعمهون، وفي باطلهم يترددون غير ~~متساوين. فمنهم: القادة، والرؤساء، والمتبوعون، ومنهم: التابعون ~~المرؤوسون، والأولون منهم الذين فازوا بأشقى الأحوال، ولهذا قال: { ~~وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها } أي: ~~الرؤساء الذين قد ms0465 كبر جرمهم، واشتد طغيانهم { ليمكروا فيها } ~~بالخديعة والدعوة إلى سبيل الشيطان، ومحاربة الرسل وأتباعهم بالقول ~~والفعل، وإنما مكرهم وكيدهم يعود على أنفسهم، لأنهم يمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين. وكذلك يجعل الله كبار أئمة الهدى وأفاضلهم يناضلون ~~هؤلاء المجرمين، ويردون عليهم أقوالهم ويجاهدونهم في سبيل الله، ويسلكون ~~بذلك السبل الموصلة إلى ذلك، ويعينهم الله ويسدد رأيهم ويثبت أقدامهم، ~~ويداول الأيام بينهم وبين أعدائهم، حتى يدول الأمر في عاقبته بنصرهم ~~وظهورهم، والعاقبة للمتقين. وإنما ثبت أكابر المجرمين على باطلهم، وقاموا ~~برد الحق الذي جاءت به الرسل، حسدا منهم وبغيا، فقالوا: { لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله } من ~~النبوة والرسالة. وفي هذا اعتراض منهم على الله، وعجب بأنفسهم، وتكبر على ~~الحق الذي أنزله على أيدي رسله، وتحجر على فضل الله وإحسانه. فرد الله ~~عليهم اعتراضهم الفاسد، وأخبر أنهم لا يصلحون للخير، ولا فيهم ما يوجب أن ~~يكونوا من عباد الله الصالحين، فضلا أن يكونوا من النبيين والمرسلين، ~~فقال: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } فيمن علمه يصلح ~~لها، ويقوم بأعبائها، وهو متصف بكل خلق جميل، ومتبرؤ من كل خلق دنيء، ~~أعطاه الله ما تقتضيه حكمته أصلا وتبعا، ومن لم يكن كذلك، لم يضع أفضل ~~مواهبه، عند من لا يستأهله، ولا يزكو عنده. وفي هذه الآية دليل على كمال ~~حكمة الله تعالى، لأنه وإن كان تعالى رحيما واسع الجود كثير الإحسان، ~~فإنه حكيم لا يضع جوده إلا عند أهله، ثم توعد المجرمين فقال: { سيصيب ~~الذين أجرموا صغار عند الله } أي: إهانة وذل، كما ~~تكبروا على الحق، أذلهم الله. { وعذاب شديد بما كانوا ~~يمكرون } أي: بسبب مكرهم، لا ظلما منه تعالى. ### || [6.125] # يقول تعالى - مبينا لعباده علامة سعادة العبد وهدايته، وعلامة شقاوته ~~وضلاله -: إن من انشرح صدره للإسلام، أي: اتسع وانفسح، فاستنار بنور ~~الإيمان، وحيي بضوء اليقين، فاطمأنت بذلك نفسه، وأحب الخير، وطوعت له ~~نفسه فعله، متلذذا به غير مستثقل فإن هذا علامة على أن الله قد هداه، ~~ومن عليه بالتوفيق، وسلوك ms0466 أقوم الطريق. وأن علامة من يرد الله أن ~~يضله، أن يجعل صدره ضيقا حرجا. أي: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم ~~واليقين، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات، فلا يصل إليه خير، لا ينشرح ~~قلبه لفعل الخير كأنه من ضيقه وشدته يكاد يصعد في السماء، أي: كأنه يكلف ~~الصعود إلى السماء الذي لا حيلة له فيه. وهذا سببه عدم إيمانهم هو الذي ~~أوجب أن يجعل الله الرجس عليهم، لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة ~~والإحسان، وهذا ميزان لا يعول، وطريق لا يتغير، فإن من أعطى واتقى وصدق ~~بالحسنى، يسره الله لليسرى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسييسره ~~للعسرى. ### || [6.126-127] # أي: معتدلا، موصلا إلى الله وإلى دار كرامته، قد بينت أحكامه، وفصلت ~~شرائعه، وميز الخير من الشر. ولكن هذا التفصيل والبيان ليس لكل أحد، ~~إنما هو { لقوم يذكرون } فإنهم الذين علموا، فانتفعوا بعلمهم، ~~وأعد الله لهم الجزاء الجزيل، والأجر الجميل، فلهذا قال: { لهم ~~دار السلم عند ربهم } وسميت الجنة دار السلام، لسلامتها من ~~كل عيب وآفة وكدر، وهم وغم، وغير ذلك من المنغصات، ويلزم من ذلك أن يكون ~~نعيمها في غاية الكمال، ونهاية التمام، بحيث لا يقدر على وصفه الواصفون، ~~ولا يتمنى فوقه المتمنون، من نعيم الروح والقلب والبدن، ولهم فيها ما ~~تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. { وهو وليهم } ~~الذي يتولى تدبيرهم وتربيتهم، ولطف بهم في جميع أمورهم، وأعانهم على ~~طاعته، ويسر لهم كل سبب موصل إلى محبته، وإنما تولاهم بسبب أعمالهم ~~الصالحة، ومقدماتهم التي قصدوا بها رضا مولاهم، بخلاف من أعرض عن ~~مولاه، واتبع هواه، فإنه سلط عليه الشيطان فتولاه، فأفسد عليه دينه ~~ودنياه. ### || [6.128-135] # يقول تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا } أي: جميع الثقلين، من ~~الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره، فيقول موبخا للجن الذين ~~أضلوا الإنس، وزينوا لهم الشر، وأزوهم إلى المعاصي: { يمعشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس } أي: من إضلالهم وصدهم عن ~~سبيل الله، فكيف أقدمتم على محارمي، وتجرأتم على معاندة رسلي؟ وقمتم ~~محاربين لله، ms0467 ساعين في صد عباد الله عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟ فاليوم ~~حقت عليكم لعنتي، ووجبت لكم نقمتي، وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، ~~وإضلالكم لغيركم. وليس لكم عذر به تعتذرون، ولا ملجأ إليه تلجأون، ولا ~~شافع يشفع ولا دعاء يسمع، فلا تسأل حينئذ، عما يحل بهم من النكال والخزي ~~والوبال، ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا، وأما أولياؤهم من الإنس ~~فأبدوا عذرا غير مقبول، فقالوا: { ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض } أي: تمتع كل من الجني والإنسي بصاحبه، وانتفع به. فالجني ~~يستمتع بطاعة الإنسي له، وعبادته وتعظيمه، واستعاذته به. والإنسي يستمتع ~~بنيل أغراضه، وبلوغه بسبب خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد ~~الجني، فيخدمه الجني، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، أي: حصل ~~منا من الذنوب ما حصل، ولا يمكن رد ذلك، { وبلغنآ أجلنا ~~الذي أجلت لنا } أي: وقد وصلنا المحل الذي تجازي فيه ~~بالأعمال، فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد، فقد انقطعت ~~حجتنا ولم يبق لنا عذر، والأمر أمرك، والحكم حكمك. وكأن في هذا الكلام ~~منهم نوع تضرع وترقق، ولكن في غير أوانه. ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، ~~الذي لا جور فيه، فقال: { النار مثوكم خلدين فيهآ }. ~~ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه، ختم الآية بقوله: { إن ~~ربك حكيم عليم } فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمها، فحكمته ~~الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها. { وكذلك نولي بعض ~~الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون } أي: وكما ولينا ~~الجن المردة وسلطناهم على إضلال أوليائهم من الإنس وعقدنا بينهم عقد ~~الموالاة والموافقة، بسبب كسبهم وسعيهم بذلك. كذلك من سنتنا أن نولي كل ~~ظالم ظالما مثله، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره ~~عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها. والذنب ~~ذنب الظالم، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى نفسه جنى # وما ربك بظلم للعبيد # [فصلت: 46] ومن ذلك أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنعهم الحقوق ~~الواجبة، ولى عليهم ظلمة يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم ms0468 ~~والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين ~~فيه ولا محتسبين. كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، ~~وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف، ثم وبخ الله جميع من ~~أعرض عن الحق ورده، من الجن والإنس، وبين خطأهم فاعترفوا بذلك، فقال: { ~~يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي } الواضحات البينات، التي فيها تفاصيل ~~الأمر والنهي والخير والشر، والوعد والوعيد. # { وينذرونكم لقآء يومكم هذا } ويعلمونكم أن النجاة ~~فيه، والفوز إنما هو بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وأن الشقاء ~~والخسران في تضييع ذلك، فأقروا بذلك واعترفوا، ف { قالوا } بلى { ~~شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا } ~~بزينتها وزخرفها، ونعيمها، فاطمأنوا بها ورضوا، وألهتهم عن الآخرة، { ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } فقامت ~~عليهم حجة الله، وعلم حينئذ كل أحد، حتى هم بأنفسهم عدل الله فيهم، فقال ~~لهم: حاكما عليهم بالعذاب الأليم: # ادخلوا في # جملة # أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس # [الأعراف: 38] صنعوا كصنيعكم، واستمتعوا بخلاقهم كما استمعتم، وخاضوا ~~بالباطل كما خضتم، إنهم كانوا خاسرين، أي: الأولون من هؤلاء والآخرون، ~~وأي خسران أعظم من خسران جنات النعيم، وحرمان جوار أكرم الأكرمين؟! ~~ولكنهم وإن اشتركوا في الخسران، فإنهم يتفاوتون في مقداره تفاوتا ~~عظيما. { ولكل } منهم { درجت مما عملوا } بحسب ~~أعمالهم، لا يجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا ~~المرؤوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب والجنة وإن اشتركوا في الربح والفلاح ~~ودخول الجنة، فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد ~~رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم. فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل ~~الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفين من خلقه، ~~وأهل الصفوة من أهل وداده. { وما ربك بغفل عما يعملون ~~} فيجازي كلا بحسب علمه، وبما يعلمه من مقصده، وإنما أمر الله العباد ~~بالأعمال الصالحة، ونهاهم عن الأعمال السيئة، رحمة بهم وقصدا لمصالحهم، ~~وإلا فهو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، فلا ms0469 تنفعه طاعة الطائعين، كما ~~لا تضره معصية العاصين. { إن يشأ يذهبكم } بالإهلاك { ~~ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين } فإذا عرفتم بأنكم لا بد أن تنتقلوا من هذه ~~الدار كما انتقل غيركم، وترحلون منها وتخلونها لمن بعدكم، كما رحل عنها ~~من قبلكم وخلوها لكم، فلم اتخذتموها قرارا؟ وتوطنتم بها ونسيتم، أنها ~~دار ممر لا دار مقر. وأن أمامكم دارا، هي الدار التي جمعت كل نعيم وسلمت ~~من كل آفة ونقص؟ وهي الدار التي يسعى إليها الأولون والآخرون، ويرحل ~~نحوها السابقون واللاحقون، التي إذا وصلوها، فثم الخلود الدائم، ~~والإقامة اللازمة، والغاية التي لا غاية وراءها، والمطلوب الذي ينتهي ~~إليه كل مطلوب، والمرغوب الذي يضمحل دونه كل مرغوب، هنالك والله ما ~~تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، ويتنافس فيه المتنافسون، من لذة الأرواح ~~وكثرة الأفراح، ونعيم الأبدان والقلوب، والقرب من علام الغيوب، فلله همة ~~تعلقت بتلك الكرامات، وإرادة سمت إلى أعلى الدرجات " وما أبخس حظ من رضي ~~بالدون، وأدنى همة من اختار صفقة المغبون " ولا يستبعد المعرض الغافل، ~~سرعة الوصول إلى هذه الدار، ف { إن ما توعدون لآت ومآ أنتم ~~بمعجزين } لله، فارين من عقابه، فإن نواصيكم تحت قبضته، وأنتم تحت ~~تدبيره وتصرفه. # { قل } يا أيها الرسول لقومك إذا دعوتهم إلى الله، وبينت لهم ما لهم ~~وما عليهم من حقوقه، فامتنعوا من الانقياد لأمره واتبعوا أهواءهم، ~~واستمروا على شركهم: { يقوم اعملوا على مكانتكم } أي: ~~على حالتكم التي أنتم عليها، ورضيتموها لأنفسكم { إني عامل } على ~~أمر الله، ومتبع لمراضي الله. { فسوف تعلمون من تكون له ~~عقبة الدار } أنا أو أنتم، وهذا من الإنصاف بموضع عظيم حيث بين ~~الأعمال وعامليها، وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير، ضاربا فيه صفحا عن ~~التصريح الذي يغني عنه التلويح. وقد علم أن العاقبة الحسنة في الدنيا ~~والآخرة للمتقين، وأن المؤمنين لهم عقبى الدار، وأن كل معرض عما جاءت به ~~الرسل عاقبته سوء وشر، ولهذا قال: { إنه لا يفلح الظلمون ~~} فكل ظالم، وإن تمتع في الدنيا بما تمتع ms0470 به، فنهايته [فيه] الاضمحلال ~~والتلف " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ". ### || [6.136-140] # يخبر تعالى عما عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، من ~~سفاهة العقل وخفة الأحلام، والجهل البليغ، وعدد تبارك وتعالى شيئا من ~~خرافاتهم لينبه بذلك على ضلالهم والحذر منهم، وأن معارضة أمثال هؤلاء ~~السفهاء للحق الذي جاء به الرسول، لا تقدح فيه أصلا، فإنهم لا أهلية لهم ~~في مقابلة الحق، فذكر من ذلك أنهم { وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعم نصيبا } ولشركائهم من ذلك نصيبا، ~~والحال أن الله تعالى هو الذي ذرأه للعباد، وأوجده رزقا، فجمعوا بين ~~محذورين محظورين، بل ثلاثة محاذير، منتهم على الله في جعلهم له نصيبا، ~~مع اعتقادهم أن ذلك منهم تبرع، وإشراك الشركاء الذين لم يرزقوهم، ولم ~~يوجدوا لهم شيئا في ذلك، وحكمهم الجائر في أن ما كان لله لم يبالوا به ~~ولم يهتموا، ولو كان واصلا إلى الشركاء، وما كان لشركائهم اعتنوا به ~~واحتفظوا به ولم يصل إلى الله منه شيء، وذلك أنهم إذا حصل لهم - من ~~زروعهم وثمارهم وأنعامهم التي أوجدها الله لهم - شيء، جعلوه قسمين: قسما ~~قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم، وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا ~~لوجهه، ولا يقبل عمل من أشرك به. وقسما جعلوه حصة شركائهم من الأوثان ~~والأنداد. فإن وصل شيء مما جعلوه لله، واختلط بما جعلوه لغيره، لم يبالوا ~~بذلك، وقالوا: الله غني عنه، فلا يردونه، وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم ~~إلى ما جعلوه لله، ردوه إلى محله، وقالوا: إنها فقيرة، لا بد من رد ~~نصيبها. فهل أسوأ من هذا الحكم. وأظلم؟!! حيث جعلوا ما للمخلوق، يجتهد ~~فيه وينصح ويحفظ، أكثر مما يفعل بحق الله. ويحتمل أن تأويل الآية ~~الكريمة، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله ~~تعالى أنه قال: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي شيئا تركته وشركه ". # وأن معنى الآية أن ما جعلوه وتقربوا به لأوثانهم، فهو تقرب ms0471 خالص لغير ~~الله، ليس لله منه شيء، وما جعلوه لله - على زعمهم - فإنه لا يصل إليه ~~لكونه شركا، بل يكون حظ الشركاء والأنداد، لأن الله غني عنه، لا يقبل ~~العمل الذي أشرك به معه أحد من الخلق. ومن سفه المشركين وضلالهم أنه ~~زين لكثير من المشركين شركاؤهم - أي: رؤساؤهم وشياطينهم - قتل أولادهم، ~~وهو: الوأد، الذين يدفنون أولادهم الذكور خشية الافتقار، والإناث خشية ~~العار. وكل هذا من خدع الشياطين، الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك، ~~ويلبسوا عليهم دينهم، فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال ~~شركاؤهم يزينونها لهم، حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال ~~المستحسنة، ولو شاء الله أن يمنعهم ويحول بينهم وبين هذه الأفعال، ويمنع ~~أولادهم عن قتل الأبوين لهم، ما فعلوه، ولكن اقتضت حكمته التخلية بينهم ~~وبين أفعالهم، استدراجا منه لهم، وإمهالا لهم، وعدم مبالاة بما هم ~~عليه، ولهذا قال: { فذرهم وما يفترون } أي: دعهم مع كذبهم ~~وافترائهم، ولا تحزن عليهم، فإنهم لن يضروا الله شيئا. # ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلها الله لهم عموما، وجعلها رزقا ~~ورحمة، يتمتعون بها وينتفعون، قد اخترعوا فيها بدعا وأقوالا من تلقاء ~~أنفسهم، فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام [والحرث] أنهم يقولون فيها: { ~~هذه أنعم وحرث حجر } أي: محرم { لا يطعمهآ ~~إلا من نشآء } أي: لا يجوز أن يطعمه أحد، إلا من أردنا أن ~~يطعمه، أو وصفناه بوصف - من عندهم -. وكل هذا بزعمهم لا مستند لهم ولا ~~حجة، إلا أهويتهم وآراؤهم الفاسدة. وأنعام ليست محرمة من كل وجه، بل ~~يحرمون ظهورها أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام، ~~وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، بل يذكرون اسم أصنامهم وما كانوا ~~يعبدون من دون الله عليها، وينسبون تلك الأفعال إلى الله، وهم كذبة ~~فجار في ذلك. { سيجزيهم بما كانوا يفترون } على الله ~~من إحلال الشرك، وتحريم الحلال من الأكل، والمنافع. ومن آرائهم السخيفة ~~أنهم يجعلون بعض الأنعام ويعينونها - محرما ما في بطنها على الإناث دون ~~الذكور، فيقولون: { ما في بطون هذه الأنعم ms0472 خالصة ~~لذكورنا } أي: حلال لهم، لا يشاركهم فيها النساء، { ومحرم ~~على أزوجنا } أي: نسائنا، هذا إذا ولد حيا، وإن يكن ما [في] ~~بطنها يولد ميتا، فهم فيه شركاء، أي: فهو حلال للذكور والإناث. { ~~سيجزيهم } الله { وصفهم } حين وصفوا ما أحله الله بأنه حرام، ~~ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه، ونسبوا ذلك إلى الله. ~~{ إنه حكيم } حيث أمهل لهم، ومكنهم مما هم فيه من الضلال. { ~~عليم } بهم، لا تخفى عليه خافية، وهو تعالى يعلم بهم وبما قالوه عليه ~~وافتروه، وهو يعافيهم ويرزقهم جل جلاله. ثم بين خسرانهم وسفاهة عقولهم ~~فقال: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها ~~بغير علم } أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصفهم - بعد ~~العقول الرزينة - السفه المردي والضلال. { وحرموا ما رزقهم ~~الله } أي: ما جعله رحمة لهم، وساقه رزقا لهم. فردوا كرامة ربهم، ولم ~~يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام، وهي من أحل الحلال. وكل هذا { ~~افترآء على الله } أي: كذبا يكذب به كل معاند كفار. { قد ~~ضلوا وما كانوا مهتدين } أي: قد ضلوا ضلالا بعيدا، ولم ~~يكونوا مهتدين في شيء من أمورهم. ### || [6.141] # لما ذكر تعالى تصرف المشركين في كثير مما أحله الله لهم من الحروث ~~والأنعام، ذكر تبارك وتعالى نعمته عليهم بذلك، ووظيفتهم اللازمة عليهم في ~~الحروث والأنعام فقال: { وهو الذي أنشأ جنت } أي: بساتين، ~~فيها أنواع الأشجار المتنوعة، والنباتات المختلفة. { معروشت ~~وغير معروشت } أي: بعض تلك الجنات، مجعول لها عرش، تنتشر عليه ~~الأشجار، ويعاونها في النهوض عن الأرض. وبعضها خال من العروش، تنبت على ~~ساق، أو تنفرش في الأرض، وفي هذا تنبيه على كثرة منافعها وخيراتها، وأنه ~~تعالى علم العباد كيف يعرشونها وينمونها. { و } أنشأ تعالى { النخل ~~والزرع مختلفا أكله } أي: كله في محل واحد، ويشرب من ماء ~~واحد، ويفضل الله بعضه على بعض في الأكل. وخص تعالى النخل والزرع على ~~اختلاف أنواعه لكثرة منافعها، ولكونها هي القوت لأكثر الخلق. { و } أنشأ ~~تعالى { الزيتون والرمان متشبها } في شجره { وغير ~~متشبه } في ثمره وطعمه. كأنه ms0473 قيل: لأي شيء أنشأ الله هذه الجنات، ~~وما عطف عليها؟ فأخبر أنه أنشأها لمنافع العباد فقال: { كلوا من ~~ثمره } أي: النخل والزرع { إذآ أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده } أي: أعطوا حق الزرع، وهو الزكاة ذات الأنصباء المقدرة في ~~الشرع، أمرهم أن يعطوها يوم حصادها، وذلك لأن حصاد الزرع بمنزلة حولان ~~الحول، لأنه الوقت الذي تتشوف إليه نفوس الفقراء، ويسهل حينئذ إخراجه على ~~أهل الزروع، ويكون الأمر فيها ظاهرا لمن أخرجها، حتى يتميز المخرج ممن ~~لا يخرج. وقوله: { ولا تسرفوا } يعم النهي عن الإسراف في الأكل، ~~وهو مجاوزة الحد والعادة، وأن يأكل صاحب الزرع أكلا يضر بالزكاة، ~~والإسراف في إخراج حق الزرع بحيث يخرج فوق الواجب عليه، ويضر نفسه أو ~~عائلته أو غرماءه، فكل هذا من الإسراف الذي نهى الله عنه، الذي لا يحبه ~~الله بل يبغضه ويمقت عليه. وفي هذه الآية دليل على وجوب الزكاة في ~~الثمار، وأنه لا حول لها، بل حولها حصادها في الزروع، وجذاذ النخيل، وأنه ~~لا تتكرر فيها الزكاة، لو مكثت عند العبد أحوالا كثيرة، إذا كانت لغير ~~التجارة، لأن الله لم يأمر بالإخراج منه إلا وقت حصاده. وأنه لو أصابها ~~آفة قبل ذلك بغير تفريط من صاحب الزرع والثمر، أنه لا يضمنها، وأنه يجوز ~~الأكل من النخل والزرع قبل إخراج الزكاة منه، وأنه لا يحسب ذلك من ~~الزكاة، بل يزكي المال الذي يبقى بعده. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يبعث خارصا يخرص للناس ثمارهم، ويأمره أن يدع لأهلها الثلث، أو الربع، ~~بحسب ما يعتريها من الأكل وغيره من أهلها وغيرهم. ### || [6.142-144] # أي: { و } خلق وأنشأ { من الأنعم حمولة وفرشا } أي: ~~بعضها تحملون عليه وتركبونه، وبعضها لا تصلح للحمل والركوب عليها لصغرها ~~كالفصلان ونحوها، وهي الفرش، فهي من جهة الحمل والركوب تنقسم إلى هذين ~~القسمين. وأما من جهة الأكل وأنواع الانتفاع، فإنها كلها تؤكل وينتفع ~~بها. ولهذا قال: { كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا ~~خطوت الشيطن } أي: طرقه وأعماله التي من جملتها أن تحرموا ms0474 بعض ~~ما رزقكم الله. { إنه لكم عدو مبين } فلا يأمركم إلا بما ~~فيه مضرتكم وشقاؤكم الأبدي. وهذه الأنعام التي امتن الله بها على ~~عباده، وجعلها كلها حلالا طيبا، فصلها بأنها: { ثمنية أزوج ~~من الضأن اثنين } ذكر وأنثى { ومن المعز اثنين } ~~كذلك، فهذه أربعة، كلها داخلة فيما أحل الله، لا فرق بين شيء منها، فقل ~~لهؤلاء المتكلفين، الذين يحرمون منها شيئا دون شيء، أو يحرمون بعضها على ~~الإناث دون الذكور، ملزما لهم بعدم وجود الفرق بين ما أباحوا منها ~~وحرموا { ءآلذكرين } من الضأن والمعز { حرم } الله، فلستم ~~تقولون بذلك وتطردونه، { أم الأنثيين } حرم الله من الضأن ~~والمعز، فليس هذا قولكم، لا تحريم الذكور الخلص، ولا الإناث الخلص من ~~الصنفين. بقي إذا كان الرحم مشتملا على ذكر وأنثى، أو على مجهول فقال: { ~~أم } تحرمون { ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } أي: ~~أنثى الضأن وأنثى المعز، من غير فرق بين ذكر وأنثى، فلستم تقولون أيضا ~~بهذا القول. فإذا كنتم لا تقولون بأحد هذه الأقوال الثلاثة، التي حصرت ~~الأقسام الممكنة في ذلك، فإلى أي شيء تذهبون؟. { نبئوني بعلم ~~إن كنتم صدقين } في قولكم ودعواكم، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم ~~أن يقولوا قولا سائغا في العقل، إلا واحدا من هذه الأمور الثلاثة. وهم ~~لا يقولون بشيء منها. إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها ~~اصطلاحات من عند أنفسهم، حرام على الإناث دون الذكور، أو محرمة في وقت من ~~الأوقات، أو نحو ذلك من الأقوال، التي يعلم علما لا شك فيه أن مصدرها من ~~الجهل المركب، والعقول المختلة المنحرفة، والآراء الفاسدة، وأن الله ما ~~أنزل - بما قالوه - من سلطان، ولا لهم عليه حجة ولا برهان. ثم ذكر في ~~الإبل والبقر مثل ذلك. فلما بين بطلان قولهم وفساده، قال لهم قولا لا ~~حيلة لهم في الخروج من تبعته، إلا في اتباع شرع الله. { لأنثيين ~~أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله } أي: لم يبق عليكم إلا ~~دعوى، لا سبيل لكم إلى صدقها وصحتها. وهي أن تقولوا: إن الله ms0475 وصانا ~~بذلك، وأوحى إلينا كما أوحى إلى رسله، بل أوحى إلينا وحيا مخالفا لما ~~دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب، وهذا افتراء لا يجهله أحد، ولهذا قال: { ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل ~~الناس بغير علم } أي: مع كذبه وافترائه على الله، قصده بذلك، ~~إضلال عباد الله عن سبيل الله، بغير بينة منه ولا برهان، ولا عقل ولا ~~نقل. { إن الله لا يهدي القوم الظلمين } الذين لا ~~إرادة لهم في غير الظلم والجور، والافتراء على الله. ### || [6.145-146] # لما ذكر تعالى ذم المشركين على ما حرموا من الحلال ونسبوه إلى الله، ~~وأبطل قولهم. أمر تعالى رسوله أن يبين للناس ما حرمه الله عليهم، ~~ليعلموا أن ما عدا ذلك حلال، من نسب تحريمه إلى الله فهو كاذب مبطل، ~~لأن التحريم لا يكون إلا من عند الله على لسان رسوله، وقد قال لرسوله: { ~~قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم } ~~أي: محرما أكله، بقطع النظر عن تحريم الانتفاع بغير الأكل وعدمه. { ~~إلا أن يكون ميتة } والميتة: ما مات بغير ذكاة شرعية، فإن ذلك ~~لا يحل. كما قال تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [المائدة: 3]. { أو دما مسفوحا } وهو الدم الذي يخرج من ~~الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من ~~البدن زال الضرر بأكل اللحم، ومفهوم هذا اللفظ، أن الدم الذي يبقى في ~~اللحم والعروق بعد الذبح، أنه حلال طاهر. { أو لحم خنزير ~~فإنه رجس } أي: فإن هذه الأشياء الثلاثة رجس، أي: خبث نجس مضر، ~~حرمه الله لطفا بكم، ونزاهة لكم عن مقاربة الخبائث. { أو } إلا أن ~~يكون { فسقا أهل لغير الله به } أي: إلا أن تكون الذبيحة ~~مذبوحة لغير الله، من الأوثان والآلهة التي يعبدها المشركون، فإن هذا من ~~الفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، أي: ومع هذا، فهذه ~~الأشياء المحرمات، من اضطر إليها، أي: حملته الحاجة والضرورة إلى أكل شيء ~~منها، بأن لم يكن عنده شيء وخاف ms0476 على نفسه التلف. { غير باغ ولا ~~عاد } أي: { غير باغ } أي: مريد لأكلها، من غير اضطرار ولا ~~متعد، أي: متجاوز للحد، بأن يأكل زيادة عن حاجته. { فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } أي: فالله ~~قد سامح من كان بهذه الحال. واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الحصر ~~المذكور في هذه الآية، مع أن ثم محرمات لم تذكر فيها، كالسباع وكل ذي ~~مخلب من الطير ونحو ذلك، فقال بعضهم: إن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما ~~زاد على ما ذكر فيها، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر ~~بعد ذلك لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت، وقال بعضهم: إن هذه ~~الآية مشتملة على سائر المحرمات، بعضها صريحا، وبعضها يؤخذ من المعنى ~~وعموم العلة. فإن قوله تعالى في تعليل الميتة والدم ولحم الخنزير، أو ~~الأخير منها فقط: { فإنه رجس } وصف شامل لكل محرم، فإن المحرمات ~~كلها رجس وخبث، وهي من الخبائث المستقذرة التي حرمها الله على عباده، ~~صيانة لهم وتكرمة عن مباشرة الخبيث الرجس. ويؤخذ تفاصيل الرجس المحرم من ~~السنة، فإنها تفسر القرآن، وتبين المقصود منه، فإذا كان الله تعالى لم ~~يحرم من المطاعم إلا ما ذكر، والتحريم لا يكون مصدره إلا شرع الله - دل ~~ذلك على أن المشركين، الذين حرموا ما رزقهم الله مفترون على الله، ~~متقولون عليه ما لم يقل. # وفي الآية احتمال قوي، لولا أن الله ذكر فيها الخنزير، وهو أن السياق في ~~نقض أقوال المشركين المتقدمة، في تحريمهم لما أحله الله وخوضهم بذلك، ~~بحسب ما سولت لهم أنفسهم، وذلك في بهيمة الأنعام خاصة، وليس منها محرم ~~إلا ما ذكر في الآية: الميتة منها، وما أهل لغير الله به، وما سوى ذلك ~~فحلال. ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا الاحتمال، أن بعض الجهال قد ~~يدخله في بهيمة الأنعام، وأنه نوع من أنواع الغنم، كما قد يتوهمه جهلة ~~النصارى وأشباههم، فينمونها كما ينمون المواشي، ويستحلونها، ولا يفرقون ~~بينها وبين الأنعام، فهذا ms0477 المحرم على هذه الأمة كله من باب التنزيه لهم ~~والصيانة. وأما ما حرم على أهل الكتاب، فبعضه طيب ولكنه حرم عليهم عقوبة ~~لهم، ولهذا، قال: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ~~ظفر } وذلك كالإبل وما أشبهها وحرمنا عليهم { من البقر ~~والغنم } بعض أجزائها، وهو: { شحومهمآ } وليس المحرم جميع ~~الشحوم منها، بل شحم الألية والثرب، ولهذا استثنى الشحم الحلال من ذلك ~~فقال: { إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ } أي: الشحم ~~المخالط للأمعاء { أو ما اختلط بعظم }. { ذلك } التحريم ~~على اليهود { جزينهم ببغيهم } أي: ظلمهم وتعديهم في حقوق ~~الله وحقوق عباده، فحرم الله عليهم هذه الأشياء عقوبة لهم ونكالا. { ~~وإنا لصدقون } في كل ما نقول ونفعل ونحكم به، ومن أصدق من ~~الله حديثا، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. ### || [6.147] # أي: فإن كذبك هؤلاء المشركون، فاستمر على دعوتهم، بالترغيب والترهيب، ~~وأخبرهم بأن الله { ذو رحمة واسعة } أي: عامة شاملة [لجميع] ~~المخلوقات كلها، فسارعوا إلى رحمته بأسبابها، التي رأسها وأسها ومادتها ~~تصديق محمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به. { ولا يرد بأسه ~~عن القوم المجرمين } أي: الذين كثر إجرامهم وذنوبهم. فاحذروا ~~الجرائم الموصلة لبأس الله، التي أعظمها ورأسها تكذيب محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [6.148-149] # هذا إخبار من الله أن المشركين سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله ~~بالقضاء والقدر، ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر، حجة ~~لهم في دفع اللوم عنهم. وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه، كما قال ~~في الآية الأخرى: # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء # الآية [النحل: 35]. فأخبر تعالى أن هذه الحجة لم تزل الأمم المكذبة ~~تدفع بها عنهم دعوة الرسل ويحتجون بها، فلم تجد فيهم شيئا ولم تنفعهم، ~~فلم يزل هذا دأبهم حتى أهكلهم الله وأذاقهم بأسه. فلو كانت حجة صحيحة، ~~لدفعت عنهم العقاب، ولما أحل الله بهم العذاب، لأنه لا يحل بأسه إلا بمن ~~استحقه، فعلم أنها حجة فاسدة، وشبهة كاسدة من عدة أوجه: منها: ms0478 ما ذكر ~~الله من أنها لو كانت صحيحة لم تحل بهم العقوبة. ومنها: أن الحجة لا بد ~~أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد ~~الظن والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، فإنها باطلة، ولهذا قال: { ~~قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ } فلو كان لهم علم ~~- وهم خصوم ألداء - لأخرجوه، فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم. { إن ~~تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } ومن ~~بنى حججه على الخرص والظن، فهو مبطل خاسر، فكيف إذا بناها على البغي ~~والعناد والشر والفساد؟ ومنها: أن الحجة لله البالغة، التي لم تبق لأحد ~~عذرا، التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون، والكتب الإلهية، والآثار ~~النبوية، والعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، والأخلاق القويمة، فعلم ~~بذلك أن كل ما خالف هذه الأدلة القاطعة باطل، لأن نقيض الحق لا يكون إلا ~~باطلا. ومنها: أن الله تعالى أعطى كل مخلوق قدرة وإرادة يتمكن بها من ~~فعل ما كلف به، فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله، ولا حرم ~~على أحد ما لا يتمكن من تركه، فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر، ظلم محض ~~وعناد صرف. ومنها: أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم، بل جعل ~~أفعالهم تبعا لاختيارهم، فإن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا كفوا. وهذا أمر ~~مشاهد لا ينكره إلا من كابر وأنكر المحسوسات، فإن كل أحد يفرق بين ~~الحركة الاختيارية والحركة القسرية، وإن كان الجميع داخلا في مشيئة ~~الله، ومندرجا تحت إرادته. ومنها: أن المحتجين على المعاصي بالقضاء ~~والقدر يتناقضون في ذلك. فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك، بل لو أساء ~~إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك، واحتج بالقضاء والقدر، لما قبلوا ~~منه هذا الاحتجاج، ولغضبوا من ذلك أشد الغضب. فيا عجبا كيف يحتجون به ~~على معاصي الله ومساخطه. ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة ~~مساخطهم؟!! ومنها: أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا، ويعلمون أنه ~~ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع ms0479 الحق، ويرون أن الحق بمنزلة الصائل، فهم ~~يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام وإن كانوا يعتقدونه خطأ. ### || [6.150] # أي: قل لمن حرم ما أحل الله، ونسب ذلك إلى الله: أحضروا شهداءكم الذين ~~يشهدون أن الله حرم هذا، فإذا قيل لهم هذا الكلام، فهم بين أمرين: إما: ~~أن لا يحضروا أحدا يشهد بهذا، فتكون دعواهم إذا باطلة، خلية من الشهود ~~والبرهان. وإما: أن يحضروا أحدا يشهد لهم بذلك، ولا يمكن أن يشهد بهذا ~~إلا كل أفاك أثيم غير مقبول الشهادة، وليس هذا من الأمور التي يصح أن ~~يشهد بها العدول ولهذا قال تعالى - ناهيا نبيه وأتباعه عن هذه الشهادة ~~-: { فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهوآء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون } أي: يسوون به غيره من ~~الأنداد والأوثان. فإذا كانوا كافرين باليوم الآخر غير موحدين لله، كانت ~~أهويتهم مناسبة لعقيدتهم، وكانت دائرة بين الشرك والتكذيب بالحق، فحري ~~بهوى هذا شأنه، أن ينهى الله خيار خلقه عن اتباعه، وعن الشهادة مع ~~أربابه، وعلم حينئذ أن تحريمهم لما أحل الله صادر عن تلك الأهواء المضلة. ### || [6.151-153] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل } لهؤلاء الذين حرموا ما ~~أحل الله: { تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } ~~تحريما عاما شاملا لكل أحد، محتويا على سائر المحرمات، من المآكل ~~والمشارب والأقوال والأفعال. { ألا تشركوا به شيئا } أي: لا ~~قليلا ولا كثيرا. وحقيقة الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله، ~~أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية، وإذا ~~ترك العبد الشرك كله صار موحدا، مخلصا لله في جميع أحواله، فهذا حق ~~الله على عباده، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. ثم بدأ بآكد الحقوق بعد ~~حقه فقال: { وبالوالدين إحسانا } من الأقوال الكريمة الحسنة، ~~والأفعال الجميلة المستحسنة، فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين أو ~~سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا وجد الإحسان انتفى العقوق. { ولا ~~تقتلوا أولادكم } من ذكور وإناث { من ms0480 إملاق } أي: بسبب ~~الفقر وضيقكم من رزقهم، كما كان ذلك موجودا في الجاهلية القاسية ~~الظالمة، وإذا كانوا منهيين عن قتلهم في هذه الحال وهم أولادهم، فنهيهم ~~عن قتلهم لغير موجب، أو قتل أولاد غيرهم من باب أولى وأحرى. { نحن ~~نرزقكم وإياهم } أي: قد تكفلنا برزق الجميع، فلستم الذين ~~ترزقون أولادكم، بل ولا أنفسكم، فليس عليكم منهم ضيق. { ولا ~~تقربوا الفواحش } وهي: الذنوب العظام المستفحشة، { ما ظهر ~~منها وما بطن } أي: لا تقربوا الظاهر منها والخفي، أو المتعلق ~~منها بالظاهر، والمتعلق بالقلب والباطن. والنهي عن قربان الفواحش أبلغ من ~~النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة ~~إليها. { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } وهي: ~~النفس المسلمة، من ذكر وأنثى، صغير وكبير، بر وفاجر، والكافرة التي قد ~~عصمت بالعهد والميثاق. { إلا بالحق } كالزاني المحصن، والنفس ~~بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. { ذلكم } المذكور { ~~وصاكم به لعلكم تعقلون } عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ~~ثم تراعونها وتقومون بها. ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه ~~بما أمر الله به. { ولا تقربوا مال اليتيم } بأكل، أو ~~معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم، أو أخذ من غير سبب. { إلا بالتي ~~هي أحسن } أي: إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم، وينتفعون بها. ~~فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها والتصرف بها على وجه يضر اليتامى، أو ~~على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة، { حتى يبلغ } اليتيم { أشده ~~} أي: حتى يبلغ ويرشد، ويعرف التصرف، فإذا بلغ أشده، أعطي حينئذ ماله، ~~وتصرف فيه على نظره. وفي هذا دلالة على أن اليتيم - قبل بلوغ الأشد - ~~محجور عليه، وأن وليه يتصرف في ماله بالأحظ، وأن هذا الحجر ينتهي ببلوغ ~~الأشد. # { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } أي: بالعدل ~~والوفاء التام، فإذا اجتهدتم في ذلك، ف { لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } أي: بقدر ما تسعه، ولا تضيق عنه. فمن حرص على الإيفاء في ~~الكيل والوزن، ثم حصل منه تقصير لم يفرط فيه ولم يعلمه، فإن الله عفو ~~غفور. وبهذه الآية ms0481 ونحوها استدل الأصوليون، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا ~~يطيق، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج ~~عليه فيما سوى ذلك. { وإذا قلتم } قولا تحكمون به بين الناس، ~~وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال { فاعدلوا ~~} في قولكم بمراعاة الصدق في من تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ~~ما يلزم بيانه، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من ~~الظلم المحرم. بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن ~~يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من ~~الحق وبعدها منه. وذكر الفقهاء أن القاضي يجب عليه العدل بين الخصمين في ~~لحظه ولفظه. { وبعهد الله أوفوا } وهذا يشمل العهد الذي ~~عاهده عليه العباد من القيام بحقوقه والوفاء بها، ومن العهد الذي يقع ~~التعاقد به بين الخلق. فالجميع يجب الوفاء به، ويحرم نقضه والإخلال به. { ~~ذلكم } الأحكام المذكورة { وصكم به لعلكم ~~تذكرون } ما بينه لكم من الأحكام، وتقومون بوصية الله لكم حق ~~القيام، وتعرفون ما فيها من الحكم والأحكام. ولما بين كثيرا من الأوامر ~~الكبار، والشرائع المهمة، أشار إليها وإلى ما هو أعم منها، فقال: { ~~وأن هذا صراطي مستقيما } أي: هذه الأحكام وما أشبهها، ~~مما بينه الله في كتابه ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه وإلى دار ~~كرامته، المعتدل السهل المختصر. { فاتبعوه } لتنالوا الفوز ~~والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح { ولا تتبعوا السبل } أي: ~~الطرق المخالفة لهذا الطريق { فتفرق بكم عن سبيله } أي: ~~تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا، فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ~~ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم. { ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون } فإنكم إذا قمتم بما بينه الله لكم علما وعملا صرتم من ~~المتقين وعباد الله المفلحين، ووحد الصراط وأضافه إليه لأنه سبيل واحد ~~موصل إليه، والله هو المعين للسالكين على سلوكه. ### || [6.154-157] # " ثم " في هذا الموضع، ليس المراد منها الترتيب الزماني، فإن زمن ~~موسى عليه السلام متقدم على ms0482 تلاوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا ~~الكتاب، وإنما المراد الترتيب الإخباري. فأخبر أنه آتى { موسى ~~الكتاب } وهو التوراة { تماما } لنعمته، وكمالا لإحسانه. { على ~~الذي أحسن } من أمة موسى، فإن الله أنعم على المحسنين منهم ~~بنعم لا تحصى. من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم. فتمت عليهم ~~نعمة الله، ووجب عليهم القيام بشكرها. { وتفصيلا لكل شيء } ~~يحتاجون إلى تفصيله، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والعقائد ونحوها. ~~{ وهدى ورحمة } أي: يهديهم إلى الخير، ويعرفهم بالشر، في الأصول ~~والفروع. { ورحمة } يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير. { ~~لعلهم } بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم { بلقآء ~~ربهم يؤمنون } فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء ~~بالأعمال، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له. { وهذا } ~~القرآن العظيم، والذكر الحكيم. { كتب أنزلنه مبارك } أي: ~~فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، ~~وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم ~~والمصالح التي تحث عليه، وما من شر، إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر ~~الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة { فاتبعوه } فيما يأمر به ~~وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه { واتقوا } الله تعالى أن ~~تخالفوا له أمرا { لعلكم } إن اتبعتموه { ترحمون } فأكبر سبب ~~لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب علما وعملا. { أن تقولوا ~~إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن ~~كنا عن دراستهم لغافلين } أي: أنزلنا إليكم هذا الكتاب ~~المبارك قطعا لحجتكم، وخشية أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا، أي: اليهود والنصارى. { وإن كنا عن دراستهم ~~لغافلين } أي: تقولون لم تنزل علينا كتابا، والكتب التي أنزلتها ~~على الطائفتين ليس لنا بها علم ولا معرفة، فأنزلنا إليكم كتابا، لم ينزل ~~من السماء كتاب أجمع ولا أوضح ولا أبين منه. { أو تقولوا لو ~~أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } أي: ~~إما أن تعتذروا بعدم وصول أصل الهداية إليكم، وإما أن تعتذروا، [بعدم] ~~بكمالها وتمامها، فحصل لكم بكتابكم أصل الهداية وكمالها، ولهذا قال: ms0483 { ~~فقد جآءكم بينة من ربكم } وهذا اسم جنس، يدخل فيه كل ~~ما يبين الحق { وهدى } من الضلالة { ورحمة } أي: سعادة لكم في ~~دينكم ودنياكم، فهذا يوجب لكم الانقياد لأحكامه والإيمان بأخباره، وأن ~~من لم يرفع به رأسا وكذب به، فإنه أظلم الظالمين، ولهذا قال: { فمن ~~أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } أي: أعرض ~~ونأى بجانبه. { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب } أي: العذاب الذي يسوء صاحبه ويشق عليه. # { بما كانوا يصدفون } لأنفسهم ولغيرهم، جزاء لهم على عملهم ~~السيىء # وما ربك بظلم للعبيد # [فصلت: 46]. وفي هذه الآيات دليل على أن علم القرآن أجل العلوم وأبركها ~~وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم، هداية تامة لا يحتاج ~~معها إلى تخرص المتكلمين، ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من ~~علوم الأولين والآخرين. وأن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على ~~الطائفتين، [من] اليهود والنصارى، فهم أهل الكتاب عند الإطلاق، لا يدخل ~~فيهم سائر الطوائف، لا المجوس ولا غيرهم. وفيه: ما كان عليه الجاهلية قبل ~~نزول القرآن، من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب، الذين ~~عندهم مادة العلم، وغفلتهم عن دراسة كتبهم. ### || [6.158] # يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم، { إلا أن ~~تأتيهم } مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم { ~~الملائكة } لقبض أرواحهم، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال لم ينفعهم ~~الإيمان ولا صالح الأعمال. { أو يأتي ربك } لفصل القضاء بين ~~العباد، ومجازاة المحسنين والمسيئين. { أو يأتي بعض ءايات ~~ربك } الدالة على قرب الساعة. { يوم يأتي بعض ءايات ~~ربك } الخارقة للعادة، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت، وأن القيامة ~~قد اقتربت. { لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من ~~قبل أو كسبت في إيمنها خيرا } أي: إذا وجد بعض آيات ~~الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن، ولا المؤمن المقصر أن يزداد خيره ~~بعد ذلك، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير ~~المرجو قبل أن يأتي بعض الآيات. ms0484 والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان ~~الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب، وكان اختيارا من العبد، فأما إذا ~~وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان ~~الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت أقلع عما هو ~~فيه، كما قال تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد ~~خلت في عباده # [غافر: 84-85]. وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن المراد ببعض آيات الله، طلوع الشمس من مغربها، وأن الناس إذا ~~رأوها آمنوا، فلم ينفعهم إيمانهم، ويغلق حينئذ باب التوبة. ولما كان ~~هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم منتظرا، وهم ينتظرون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه قوارع الدهر ومصائب الأمور، قال: { ~~قل انتظروا إنا منتظرون } فستعلمون أينا أحق بالأمن. وفي ~~هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية ~~لله تعالى، كالاستواء والنزول، والإتيان لله تبارك وتعالى، من غير تشبيه ~~له بصفات المخلوقين. وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير، وفيه أن من ~~جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها. وأن الله تعالى حكيم قد جرت ~~عادته وسنته أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا، كما ~~تقدم. وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع ~~وتنمو إذا كان مع العبد الإيمان. فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء ~~من ذلك. ### || [6.159-160] # يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه ~~نصيبا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا، كاليهودية ~~والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ~~ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من ~~أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر ~~بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر ~~مسائله ms0485 الأصولية والفروعية. وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: { ~~لست منهم في شيء } أي: لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك ~~وعاندوك. { إنمآ أمرهم إلى الله } يردون إليه فيجازيهم ~~بأعمالهم { ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون }. ثم ذكر صفة ~~الجزاء فقال: { من جآء بالحسنة } القولية والفعلية، الظاهرة ~~والباطنة، المتعلقة بحق الله أو حق خلقه { فله عشر أمثالها } ~~هذا أقل ما يكون من التضعيف. { ومن جآء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها } وهذا من تمام عدله تعالى وإحسانه، وأنه لا ~~يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: { وهم لا يظلمون }. ### || [6.161-165] # يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ويعلن بما هو عليه من ~~الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، ~~والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه ~~الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من ~~الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف ~~المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى ~~والمشركين. وهذا عموم، ثم خصص من ذلك أشرف العبادات فقال: { قل إن ~~صلاتي ونسكي } أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ~~ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب ~~واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو ~~أحب إليها وهو الله تعالى. ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه ~~لله في سائر أعماله. وقوله: { ومحياي ومماتي } أي: ما آتيه في ~~حياتي، وما يجريه الله علي، وما يقدر علي في مماتي الجميع { لله ~~رب العالمين * لا شريك له } في العبادة، كما أنه ليس له ~~شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعا مني، وبدعا ~~أتيته من تلقاء نفسي، بل { وبذلك أمرت } أمرا حتما، لا أخرج ~~من التبعة إلا بامتثاله { وأنا أول المسلمين } من هذه ~~الأمة. { قل أغير الله } من المخلوقين { أبغي ربا } أي: ~~أيحسن ذلك ويليق بي، أن أتخذ غيره مربيا ومدبرا والله رب كل شيء، ~~فالخلق كلهم ms0486 داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟!!. فتعين علي وعلى ~~غيري، أن يتخذ الله ربا، ويرضى به، وألا يتعلق بأحد من المربوبين ~~الفقراء العاجزين. ثم رغب ورهب بذكر الجزاء فقال: { ولا تكسب كل ~~نفس } من خير وشر { إلا عليها } كما قال تعالى: # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46]. { ولا تزر وازرة وزر أخرى } بل كل عليه ~~وزر نفسه، وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره، فإن عليه وزر التسبب ~~من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء. { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم } يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } من خير وشر، ويجازيكم على ذلك، أوفى الجزاء. { وهو ~~الذي جعلكم خلائف الأرض } أي: يخلف بعضكم بعضا، ~~واستخلفكم الله في الأرض، وسخر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف ~~تعملون. { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } في القوة ~~والعافية، والرزق والخلق والخلق. { ليبلوكم في مآ آتاكم ~~} فتفاوتت أعمالكم. { إن ربك سريع العقاب } لمن عصاه وكذب ~~بآياته { وإنه لغفور رحيم } لمن آمن به وعمل صالحا، وتاب ~~من الموبقات. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-7] # يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له عظمة القرآن: { ~~كتاب أنزل إليك } أي: كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، ~~وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا { فلا يكن ~~في صدرك حرج منه } أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل ~~من حكيم حميد # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42] وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع ~~بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائما ومعارضا. { لتنذر به } الخلق، ~~فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين. { و } ليكون { ذكرى ~~للمؤمنين } كما قال تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55] يتذكرون به الصراط المستقيم، وأعماله الظاهرة والباطنة، ~~وما يحول بين العبد وبين سلوكه. ثم خاطب الله العباد، وألفتهم إلى ~~الكتاب فقال: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } ~~أي: الكتاب الذي أريد إنزاله لأجلكم، وهو: { من ربكم } الذي يريد ~~أن يتم ms0487 تربيته لكم، فأنزل عليكم هذا الكتاب الذي، إن اتبعتموه كملت ~~تربيتكم، وتمت عليكم النعمة، وهديتم لأحسن الأعمال والأخلاق ومعاليها { ~~ولا تتبعوا من دونه أوليآء } أي: تتولونهم وتتبعون ~~أهواءهم، وتتركون لأجلها الحق. { قليلا ما تذكرون } فلو ~~تذكرتم وعرفتم المصلحة، لما آثرتم الضار على النافع، والعدو على الولي. ~~ثم حذرهم عقوباته للأمم الذين كذبوا ما جاءتهم به رسلهم، لئلا يشابهوهم ~~فقال: { وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا } أي: ~~عذابنا الشديد { بياتا أو هم قآئلون } أي: في حين غفلتهم، ~~وعلى غرتهم غافلون، لم يخطر الهلاك على قلوبهم. فحين جاءهم العذاب لم ~~يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم، ولا أنكروا ~~ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي. { فما كان دعواهم إذ ~~جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين } ~~كما قال تعالى: # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا ~~بعدها قوما آخرين * فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم ~~منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى مآ ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * قالوا ~~يويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم ~~حتى جعلناهم حصيدا خامدين # [الأنبياء: 11-15]. وقوله { فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم } أي: لنسألن الأمم الذين أرسل الله إليهم المرسلين عما ~~أجابوا به رسلهم # ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين # الآيات [القصص: 65]. { ولنسألن المرسلين } عن تبليغهم ~~لرسالات ربهم وعما أجابتهم به أممهم. { فلنقصن عليهم } أي: ~~على الخلق كلهم ما عملوا { بعلم } منه تعالى لأعمالهم { وما كنا ~~غآئبين } في وقت من الأوقات، كما قال تعالى: # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6] وقال تعالى: # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن ~~الخلق غافلين # [المؤمنون: 17]. ### || [7.8-9] # ثم ذكر الجزاء على الأعمال، فقال: { والوزن يومئذ الحق ~~فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } أي: والوزن يوم ~~القيامة يكون بالعدل والقسط، الذي لا جور فيه ولا ظلم بوجه. { فمن ~~ثقلت موازينه } بأن رجحت كفة حسناته على سيئاته { ~~فأولئك هم المفلحون } أي: الناجون من المكروه، المدركون ~~للمحبوب الذين حصل لهم الربح ms0488 العظيم، والسعادة الدائمة. { ومن خفت ~~موازينه } بأن رجحت سيئاته، وصار الحكم لها، { فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم } إذ فاتهم النعيم المقيم، وحصل لهم ~~العذاب الأليم { بما كانوا بآياتنا يظلمون } فلم ينقادوا ~~لها كما يجب عليهم ذلك. ### || [7.10] # يقول تعالى ممتنا على عباده بذكر المسكن والمعيشة: { ولقد ~~مكناكم في الأرض } أي: هيأناها لكم، بحيث تتمكنون من البناء ~~عليها وحرثها، ووجوه الانتفاع بها { وجعلنا لكم فيها معايش ~~} مما يخرج من الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات، ~~فإنه هو الذي هيأها وسخر أسبابها. { قليلا ما تشكرون } الله، ~~الذي أنعم عليكم بأصناف النعم، وصرف عنكم النقم. ### || [7.11-15] # يقول تعالى مخاطبا لبني آدم: { ولقد خلقناكم } بخلق أصلكم ~~ومادتكم التي منها خرجتم: أبيكم آدم عليه السلام { ثم صورناكم ~~} في أحسن صورة وأحسن تقويم، وعلمه الله تعالى ما به تكمل صورته الباطنة، ~~أسماء كل شيء. ثم أمر الملائكة الكرام أن يسجدوا لآدم، إكراما ~~واحتراما، وإظهارا لفضله، فامتثلوا أمر ربهم، { فسجدوا } كلهم ~~أجمعون { إلا إبليس } أبى أن يسجد له، تكبرا عليه وإعجابا ~~بنفسه. فوبخه الله على ذلك وقال: { ما منعك ألا تسجد } لما ~~خلقت بيدي، أي: شرفته وفضلته بهذه الفضيلة، التي لم تكن لغيره، فعصيت ~~أمري وتهاونت بي؟ { قال } إبليس معارضا لربه: { أنا خير منه ~~} ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله: { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق ~~من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، فإنه ~~باطل من عدة أوجه: منها: أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود، والقياس ~~إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي ~~لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعا لها. فأما قياس ~~يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ~~ومنها: أن قوله: { أنا خير منه } بمجردها كافية لنقص إبليس ~~الخبيث. فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره، والقول على الله بلا ~~علم. وأي نقص أعظم من هذا؟!! ms0489 ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على ~~مادة الطين والتراب، فإن مادة الطين فيها الخشوع والسكون والرزانة، ومنها ~~تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات، على اختلاف أجناسه وأنواعه، ~~وأما النار ففيها الخفة والطيش والإحراق. ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى، ~~انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين، فقال الله له: { فاهبط ~~منها } أي: من الجنة { فما يكون لك أن تتكبر فيها } ~~لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق الله وأشرهم. { ~~فاخرج إنك من الصاغرين } أي: المهانين الأذلين، جزاء على ~~كبره وعجبه بالإهانة والذل. فلما أعلن عدو الله بعداوة الله، وعداوة ~~آدم وذريته، سأل الله النظرة والإمهال إلى يوم البعث، ليتمكن من ~~إغواء ما يقدر عليه من بني آدم. ولما كانت حكمة الله مقتضية لابتلاء ~~العباد واختبارهم، ليتبين الصادق من الكاذب، ومن يطيعه ممن يطيع عدوه، ~~أجابه لما سأل، فقال: { إنك من المنظرين }. ### || [7.16-17] # أي: قال إبليس - لما أبلس وأيس من رحمة الله - { فبمآ أغويتني ~~لأقعدن لهم } أي: للخلق { صراطك المستقيم } أي: ~~لألزمن الصراط ولأسعى غاية جهدي على صد الناس عنه وعدم سلوكهم إياه. { ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم } أي: من جميع الجهات والجوانب، ومن ~~كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض مقصوده فيهم. ولما علم الخبيث أنهم ضعفاء ~~قد تغلب الغفلة على كثير منهم، وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم، ظن ~~وصدق ظنه فقال: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } فإن القيام ~~بالشكر من سلوك الصراط المستقيم، وهو يريد صدهم عنه، وعدم قيامهم به، قال ~~تعالى: # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6]. وإنما نبهنا الله على ما قال وعزم على فعله، لنأخذ منه ~~حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا، بالطريق التي يأتي منها، ~~ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك، أكمل نعمة. ### || [7.18] # أي: قال الله لإبليس لما قال ما قال: { اخرج منها } خروج صغار ~~واحتقار، لا خروج إكرام بل { مذءوما } أي: مذموما { مدحورا } ~~مبعدا عن الله وعن رحمته ms0490 وعن كل خير. { لأملأن جهنم } منك ~~وممن تبعك منهم { أجمعين } وهذا قسم منه تعالى أن النار دار العصاة، ~~لا بد أن يملأها من إبليس وأتباعه من الجن والإنس. ثم حذر آدم شره وفتنته ~~فقال: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من ~~حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا... }. ### || [7.19-23] # أي: أمر الله تعالى آدم وزوجته حواء، التي أنعم الله بها عليه ليسكن ~~إليها، أن يأكلا من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها بما أرادا، إلا أنه عين ~~لهما شجرة، ونهاهما عن أكلها، والله أعلم ما هي، وليس في تعيينها فائدة ~~لنا. وحرم عليهما أكلها، بدليل قوله: { فتكونا من الظالمين }. ~~فلم يزالا ممتثلين لأمر الله، حتى تغلغل إليهما عدوهما إبليس بمكره، ~~فوسوس لهما وسوسة خدعهما بها، وموه عليهما وقال: { ما نهاكما ~~ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } ~~أي: من جنس الملائكة { أو تكونا من الخالدين } كما قال في ~~الآية الأخرى: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]. ومع قوله هذا أقسم لهما بالله { إني لكما لمن ~~الناصحين } أي: من جملة الناصحين حيث قلت لكما ما قلت، فاغترا بذلك، ~~وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل. { فدلاهما } أي: نزلهما عن ~~رتبتهما العالية، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها، ~~فأقدما على أكلها. { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما } أي: ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة، فصار للعري ~~الباطن من التقوى في هذه الحال أثر في اللباس الظاهر، حتى انخلع فظهرت ~~عوراتهما، ولما ظهرت عوراتهما خجلا وجعلا يخصفان على عوراتهما من ~~أوراق شجر الجنة، ليستترا بذلك. { وناداهما ربهمآ } وهما بتلك ~~الحال موبخا ومعاتبا: { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } فلم ~~اقترفتما المنهي، وأطعتما عدوكما؟ فحينئذ من الله عليهما بالتوبة ~~وقبولها، فاعترفا بالذنب، وسألا من الله مغفرته فقالا: { ربنا ~~ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين } أي: قد فعلنا الذنب، الذي نهيتنا عنه، ~~وأضررنا أنفسنا باقتراف الذنب، وقد ms0491 فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا، ~~بمحو أثر الذنب وعقوبته، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه ~~الخطايا. فغفر الله لهما ذلك # وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى # [طه: 121-122]. هذا وإبليس مستمر على طغيانه غير مقلع من عصيانه، فمن ~~أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع - إذا صدرت منه الذنوب ~~- اجتباه ربه وهداه. ومن أشبه إبليس - إذا صدر منه الذنب، لا يزال يزداد ~~من المعاصي - فإنه لا يزداد من الله إلا بعدا. ### || [7.25-26] # أي: لما أهبط الله آدم وزوجته وذريتهما إلى الأرض، أخبرهما بحال ~~إقامتهم فيها، وأنه جعل لهم فيها حياة يتلوها الموت، مشحونة بالامتحان ~~والابتلاء، وأنهم لا يزالون فيها، يرسل إليهم رسله، وينزل عليهم كتبه، ~~حتى يأتيهم الموت، فيدفنون فيها، ثم إذا استكملوا بعثهم الله وأخرجهم ~~منها إلى الدار التي هي الدار حقيقة، التي هي دار المقامة. ثم امتن عليهم ~~بما يسر لهم من اللباس الضروري، واللباس الذي المقصود منه الجمال، وهكذا ~~سائر الأشياء، كالطعام والشراب والمراكب، والمناكح ونحوها، قد يسر الله ~~للعباد ضروريها، ومكمل ذلك، و[بين لهم] أن هذا ليس مقصودا بالذات، وإنما ~~أنزله الله ليكون معونة لهم على عبادته وطاعته، ولهذا قال: { وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير } من اللباس الحسي، فإن لباس التقوى ~~يستمر مع العبد، ولا يبلى ولا يبيد، وهو جمال القلب والروح. وأما اللباس ~~الظاهري، فغايته أن يستر العورة الظاهرة في وقت من الأوقات، أو يكون ~~جمالا للإنسان، وليس وراء ذلك منه نفع. وأيضا فبتقدير عدم هذا اللباس، ~~تنكشف عورته الظاهرة التي لا يضره كشفها مع الضرورة، وأما بتقدير عدم ~~لباس التقوى، فإنها تنكشف عورته الباطنة، ويناله الخزي والفضيحة. وقوله: ~~{ ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون } أي: ذلك ~~المذكور لكم من اللباس، مما تذكرون به ما ينفعكم ويضركم، وتشبهون باللباس ~~الظاهر على الباطن. ### || [7.27] # يقول تعالى محذرا لبني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم: { ~~يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان } بأن يزين لكم ~~العصيان، ويدعوكم إليه ويرغبكم فيه، ms0492 فتنقادون له { كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة } وأنزلهما من المحل العالي إلى أنزل منه، ~~فأنتم يريد أن يفعل بكم كذلك، ولا يألو جهده عنكم، حتى يفتنكم إن استطاع، ~~فعليكم أن تجعلوا الحذر منه في بالكم، وأن تلبسوا لأمة الحرب بينكم ~~وبينه، وأن لا تغفلوا عن المواضع التي يدخل منها إليكم. ف { إنه } ~~يراقبكم على الدوام، و { يراكم هو وقبيله } من شياطين الجن { ~~من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين ~~أوليآء للذين لا يؤمنون } فعدم الإيمان هو الموجب لعقد ~~الولاية بين الإنسان والشيطان. # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون # [النحل: 99-100]. ### || [7.28-30] # يقول تعالى مبينا لقبح حال المشركين الذين يفعلون الذنوب، وينسبون أن ~~الله أمرهم بها. { وإذا فعلوا فاحشة } وهي: كل ما يستفحش ~~ويستقبح، ومن ذلك طوافهم بالبيت عراة { قالوا وجدنا عليهآ ~~آباءنا } وصدقوا في هذا. { والله أمرنا بها } وكذبوا في ~~هذا، ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال: { قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشآء } أي: لا يليق بكماله وحكمته أن يأمر عباده ~~بتعاطي الفواحش، لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره { أتقولون ~~على الله ما لا تعلمون } وأي افتراء أعظم من هذا؟!! ثم ذكر ~~ما يأمر به، فقال: { قل أمر ربي بالقسط } أي: بالعدل في ~~العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور. { وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد } أي: توجهوا لله، واجتهدوا في تكميل العبادات، ~~خصوصا " الصلاة " أقيموها، ظاهرا وباطنا، ونقوها من كل نقص ومفسد. { ~~وادعوه مخلصين له الدين } أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا ~~شريك له. والدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراؤوا ولا ~~تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية الله ورضاه. { كما بدأكم ~~} أول مرة { تعودون } للبعث، فالقادر على بدء خلقكم، قادر على ~~إعادته، بل الإعادة أهون من البداءة. { فريقا } منكم { هدى } ~~الله، أي: وفقهم للهداية، ويسر لهم أسبابها، وصرف عنهم موانعها. { ~~وفريقا حق عليهم الضلالة } أي: وجبت عليهم الضلالة بما ~~تسببوا لأنفسهم وعملوا بأسباب ms0493 الغواية. ف { إنهم اتخذوا ~~الشياطين أوليآء من دون الله } # ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله فقد ~~خسر خسرانا مبينا # [النساء: 119] فحين انسلخوا من ولاية الرحمن، واستحبوا ولاية الشيطان، ~~حصل لهم النصيب الوافر من الخذلان، ووكلوا إلى أنفسهم فخسروا أشد ~~الخسران. وهم يحسبون أنهم مهتدون، لأنهم انقلبت عليهم الحقائق، فظنوا ~~الباطل حقا والحق باطلا، وفي هذه الآيات دليل على أن الأوامر والنواهي ~~تابعة للحكمة والمصلحة، حيث ذكر تعالى أنه لا يتصور أن يأمر بما تستفحشه ~~وتنكره العقول، وأنه لا يأمر إلا بالعدل والإخلاص، وفيه دليل على أن ~~الهداية بفضل الله ومنه، وأن الضلالة بخذلانه للعبد، إذا تولى - ~~بجهله وظلمه - الشيطان، وتسبب لنفسه بالضلال، وأن من حسب أنه مهتد وهو ~~ضال، أنه لا عذر له، لأنه متمكن من الهدى، وإنما أتاه حسبانه من ظلمه ~~بترك الطريق الموصل إلى الهدى. ### || [7.31] # يقول تعالى - بعد ما أنزل على بني آدم لباسا يواري سوءاتهم وريشا: { ~~يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } أي: ~~استروا عوراتكم عند الصلاة كلها، فرضها ونفلها، فإن سترها زينة للبدن، ~~كما أن كشفها يدع البدن قبيحا مشوها. ويحتمل أن المراد بالزينة هنا ما ~~فوق ذلك من اللباس النظيف الحسن، ففي هذا الأمر بستر العورة في الصلاة، ~~وباستعمال التجميل فيها، ونظافة السترة من الأدناس والأنجاس. ثم قال: { ~~وكلوا واشربوا } أي: مما رزقكم الله من الطيبات { ولا ~~تسرفوا } في ذلك، والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي ~~والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه ~~والتنوق في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام. { ~~إنه لا يحب المسرفين } فإن السرف يبغضه الله، ويضر بدن ~~الإنسان ومعيشته، حتى إنه ربما أدت به الحال إلى أن يعجز عما يجب عليه من ~~النفقات، ففي هذه الآية الكريمة الأمر بتناول الأكل والشرب، والنهي عن ~~تركهما، وعن الإسراف فيهما. ### || [7.32-33] # يقول تعالى منكرا على من تعنت، وحرم ما أحل الله من الطيبات { قل ~~من حرم زينة الله التي أخرج لعباده } من أنواع ms0494 ~~اللباس على اختلاف أصنافه، والطيبات من الرزق، من مأكل ومشرب بجميع ~~أنواعه، أي: من هذا الذي يقدم على تحريم ما أنعم الله بها على العباد، ~~ومن ذا الذي يضيق عليهم ما وسعه الله؟!! وهذا التوسيع من الله لعباده ~~بالطيبات، جعله لهم ليستعينوا به على عبادته، فلم يبحه إلا لعباده ~~المؤمنين، ولهذا قال: { والطيبات من الرزق قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم ~~القيامة } أي: لا تبعة عليهم فيها. ومفهوم الآية أن من لم يؤمن ~~بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل ~~يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويسأل عن النعيم يوم القيامة. { كذلك ~~نفصل الآيات } أي: نوضحها ونبينها { لقوم يعلمون } لأنهم ~~الذين ينتفعون بما فصله الله من الآيات، ويعلمون أنها من عند الله، ~~فيعقلونها ويفهمونها. ثم ذكر المحرمات التي حرمها الله في كل شريعة من ~~الشرائع فقال: { قل إنما حرم ربي الفواحش } أي: ~~الذنوب الكبار التي تستفحش وتستقبح لشناعتها وقبحها، وذلك كالزنا واللواط ~~ونحوهما. وقوله: { ما ظهر منها وما بطن } أي: الفواحش التي ~~تتعلق بحركات البدن، والتي تتعلق بحركات القلوب، كالكبر والعجب والرياء ~~والنفاق، ونحو ذلك، { والإثم والبغي بغير الحق } أي: ~~الذنوب التي تؤثم وتوجب العقوبة في حقوق الله، والبغي على الناس في ~~دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فدخل في هذا الذنوب المتعلقة بحق الله، ~~والمتعلقة بحق العباد. { وأن تشركوا بالله ما لم ~~ينزل به سلطانا } أي: حجة، بل أنزل الحجة والبرهان على ~~التوحيد. والشرك هو أن يشرك مع الله في عبادته أحد من الخلق، وربما دخل ~~في هذا الشرك الأصغر كالرياء، والحلف بغير الله، ونحو ذلك. { وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون } في أسمائه وصفاته ~~وأفعاله وشرعه، فكل هذه قد حرمها الله، ونهى العباد عن تعاطيها، لما ~~فيها من المفاسد الخاصة والعامة، ولما فيها من الظلم والتجري على الله، ~~والاستطالة على عباد الله، وتغيير دين الله وشرعه. ### || [7.34] # أي: وقد أخرج الله بني آدم إلى الأرض، وأسكنهم فيها، وجعل لهم أجلا ~~مسمى لا ms0495 تتقدم أمة من الأمم على وقتها المسمى، ولا تتأخر، لا الأمم ~~المجتمعة ولا أفرادها. ### || [7.35-36] # لما أخرج الله بني آدم من الجنة، ابتلاهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ~~عليهم يقصون عليهم آيات الله ويبينون لهم أحكامه، ثم ذكر فضل من استجاب ~~لهم، وخسار من لم يستجب لهم فقال: { فمن اتقى } ما حرم الله، من ~~الشرك والكبائر، والصغائر، { وأصلح } أعماله الظاهرة والباطنة { ~~فلا خوف عليهم } من الشر الذي قد يخافه غيرهم { ولا هم ~~يحزنون } على ما مضى، وإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، ~~والسعادة، والفلاح الأبدي. { والذين كذبوا بآيتنا ~~واستكبروا عنهآ } أي: لا آمنت بها قلوبهم، ولا انقادت لها ~~جوارحهم، { أولئك أصحب النار هم فيها خلدون } ~~كما استهانوا بآياته، ولازموا التكذيب بها أهينوا بالعذاب الدائم ~~الملازم. ### || [7.37] # أي: لا أحد أظلم { ممن افترى على الله كذبا } بنسبة ~~الشريك له، أو النقص له، أو التقول عليه ما لم يقل، { أو كذب ~~بآياته } الواضحة المبينة للحق المبين، الهادية إلى الصراط المستقيم، ~~فهؤلاء وإن تمتعوا بالدنيا، ونالهم نصيبهم مما كان مكتوبا لهم في اللوح ~~المحفوظ، فليس ذلك بمغن عنهم شيئا، يتمتعون قليلا، ثم يعذبون طويلا، { ~~حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم } أي: الملائكة ~~الموكلون بقبض أرواحهم واستيفاء آجالهم. { قالوا } لهم في تلك الحالة ~~توبيخا وعتابا { أين ما كنتم تدعون من دون الله } من ~~الأصنام والأوثان، فقد جاء وقت الحاجة إن كان فيها منفعة لكم أو دفع ~~مضرة. { قالوا ضلوا عنا } أي: اضمحلوا وبطلوا، وليسوا مغنين ~~عنا من عذاب الله من شيء. { وشهدوا على أنفسهم أنهم ~~كانوا كافرين } مستحقين للعذاب المهين الدائم. ### || [7.38-39] # فقالت لهم الملائكة { ادخلوا في أمم } أي: في جملة أمم { قد ~~خلت من قبلكم من الجن والإنس } أي: مضوا على ما مضيتم ~~عليه من الكفر والاستكبار، فاستحق الجميع الخزي والبوار، كلما دخلت أمة ~~من الأمم العاتية النار { لعنت أختها } كما قال تعالى: # يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } أي: ~~اجتمع في النار جميع أهلها، من ms0496 الأولين والآخرين، والقادة والرؤساء، ~~والمقلدين الأتباع. { قالت أخراهم } أي: متأخروهم، المتبعون ~~للرؤساء { لأولاهم } أي: لرؤسائهم، شاكين إلى الله إضلالهم إياهم: { ~~ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار } أي: عذبهم عذابا مضاعفا لأنهم أضلونا، وزينوا لنا الأعمال ~~الخبيثة. { وقالت أولاهم لأخراهم } أي: الرؤساء قالوا ~~لأتباعهم: { فما كان لكم علينا من فضل } أي: قد اشتركنا ~~جميعا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب العذاب، فأي: فضل لكم علينا؟ { ~~قال } الله { لكل } منكم { ضعف } ونصيب من العذاب. { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون } ولكنه من المعلوم أن ~~عذاب الرؤساء وأئمة الضلال، أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع، كما أن نعيم ~~أئمة الهدى ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى: # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88] فهذه الآيات ونحوها، دلت على أن سائر أنواع المكذبين بآيات ~~الله، مخلدون في العذاب، مشتركون فيه وفي أصله، وإن كانوا متفاوتين في ~~مقداره، بحسب أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم التي كانت ~~بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة. ### || [7.40-41] # يخبر تعالى عن عقاب من كذب بآياته فلم يؤمن بها، مع أنها آيات بينات، ~~واستكبر عنها فلم ينقد لأحكامها، بل كذب وتولى، أنهم آيسون من كل خير، ~~فلا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا وصعدت تريد العروج إلى الله، ~~فتستأذن فلا يؤذن لها، كما لم تصعد في الدنيا إلى الإيمان بالله ومعرفته ~~ومحبته، كذلك لا تصعد بعد الموت، فإن الجزاء من جنس العمل. ومفهوم الآية ~~أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر الله المصدقين بآياته، تفتح لها أبواب ~~السماء حتى تعرج إلى الله، وتصل إلى حيث أراد الله من العالم العلوي، ~~وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه. وقوله عن أهل النار { ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل } وهو البعير المعروف { ~~في سم الخياط } أي: حتى يدخل البعير الذي هو من أكبر الحيوانات ~~جسما، في خرق الإبرة، الذي هو من أضيق الأشياء، وهذا من باب تعليق الشيء ~~بالمحال، أي: فكما أنه محال دخول الجمل ms0497 في سم الخياط، فكذلك المكذبون ~~بآيات الله محال دخولهم الجنة، قال تعالى: # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار # [المائدة: 72] وقال هنا { وكذلك نجزي المجرمين } أي: ~~الذين كثر إجرامهم واشتد طغيانهم. { لهم من جهنم مهاد } أي: ~~فراش من تحتهم { ومن فوقهم غواش } أي: ظلل من العذاب، تغشاهم. ~~{ وكذلك نجزي الظالمين } لأنفسهم، جزاء وفاقا، وما ربك ~~بظلام للعبيد. ### || [7.42-43] # لما ذكر الله تعالى عقاب العاصين الظالمين، ذكر ثواب المطيعين فقال: { ~~والذين آمنوا } بقلوبهم { وعملوا الصالحات } بجوارحهم، ~~فجمعوا بين الإيمان والعمل، بين الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، بين ~~فعل الواجبات وترك المحرمات، ولما كان قوله: { وعملوا الصالحات ~~} لفظا عاما يشمل جميع الصالحات الواجبة والمستحبة، وقد يكون بعضها غير ~~مقدور للعبد، قال تعالى: { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي: ~~بمقدار ما تسعه طاقتها، ولا يعسر على قدرتها، فعليها في هذه الحال أن ~~تتقي الله بحسب استطاعتها، وإذا عجزت عن بعض الواجبات التي يقدر عليها ~~غيرها سقطت عنها، كما قال تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] # لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها # [الطلاق: 7] # وما جعل عليكم في الدين من حرج # [الحج: 78] # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 19] فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. { أولئك ~~} أي: المتصفون بالإيمان والعمل الصالح { أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون } أي: لا يحولون عنها ولا يبغون بها بدلا، لأنهم يرون ~~فيها من أنواع اللذات وأصناف المشتهيات ما تقف عنده الغايات، ولا يطلب ~~أعلى منه. { ونزعنا ما في صدورهم من غل } وهذا من كرمه ~~وإحسانه على أهل الجنة، أن الغل الذي كان موجودا في قلوبهم، والتنافس ~~الذي بينهم، أن الله يقلعه ويزيله حتى يكونوا إخوانا متحابين، وأخلاء ~~متصافين. قال تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخونا على سرر ~~متقبلين # [الحجر: 47] ويخلق الله لهم من الكرامة ما به يحصل لكل واحد منهم ~~الغبطة والسرور، ويرى أنه لا فوق ما هو فيه من النعيم نعيم. فبهذا يأمنون ~~من التحاسد والتباغض، لأنه قد فقدت أسبابه. وقوله: ms0498 { تجري من ~~تحتهم الأنهر } أي: يفجرونها تفجيرا، حيث شاؤوا، وأين أرادوا، ~~إن شاؤوا في خلال القصور، أو في تلك الغرف العاليات، أو في رياض الجنات، ~~من تحت تلك الحدائق الزاهرات أنهار تجري في غير أخدود، وخيرات ليس لها حد ~~محدود { و } لهذا لما رأوا ما أنعم الله عليهم وأكرمهم به { قالوا ~~الحمد لله الذي هدانا لهذا } بأن من علينا وأوحى إلى ~~قلوبنا، فآمنت به، وانقادت للأعمال الموصلة إلى هذه الدار، وحفظ الله ~~علينا إيماننا وأعمالنا، حتى أوصلنا بها إلى هذه الدار، فنعم الرب ~~الكريم، الذي ابتدأنا بالنعم، وأسدى من النعم الظاهرة والباطنة ما لا ~~يحصيه المحصون، ولا يعده العادون، { وما كنا لنهتدي لولا ~~أن هدانا الله } أي: ليس في نفوسنا قابلية للهدى، لولا أنه تعالى ~~من بهدايته واتباع رسله. { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ~~} أي: حين كانوا يتمتعون بالنعيم الذي أخبرت به الرسل، وصار حق يقين لهم ~~بعد أن كان علم يقين [لهم]، قالوا لقد تحققنا، ورأينا ما وعدتنا به ~~الرسل، وأن جميع ما جاؤوا به حق اليقين، لا مرية فيه ولا إشكال، { ~~ونودوا } تهنئة لهم وإكراما، وتحية واحتراما، { أن تلكم ~~الجنة أورثتموها } أي: كنتم الوارثين لها، وصارت إقطاعا لكم، ~~إذ كان إقطاع الكفار النار، أورثتموها { بما كنتم تعملون }. ~~قال بعض السلف: أهل الجنة نجوا من النار بعفو الله، وأدخلوا الجنة برحمة ~~الله، واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة، وهي من رحمته، بل من ~~أعلى أنواع رحمته. ### || [7.44-45] # يقول تعالى لما ذكر استقرار كل من الفريقين في الدارين، ووجدوا ما أخبرت ~~به الرسل ونطقت به الكتب، من الثواب والعقاب أن أهل الجنة نادوا أصحاب ~~النار بأن قالوا: { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } ~~حين وعدنا على الإيمان والعمل الصالح الجنة، فأدخلناها، وأرانا ما وصفه ~~لنا { فهل وجدتم ما وعد ربكم } على الكفر والمعاصي { ~~حقا قالوا نعم } قد وجدناه حقا، فبين للخلق كلهم، بيانا لا شك ~~فيه، صدق وعد الله، ومن أصدق من الله قيلا، وذهبت عنهم الشكوك والشبه، ~~وصار الأمر ms0499 حق اليقين، وفرح المؤمنون بوعد الله واغتبطوا، وأيس الكفار ~~من الخير، وأقروا على أنفسهم بأنهم مستحقون للعذاب. { فأذن ~~مؤذن بينهم } أي: بين أهل النار وأهل الجنة، بأن قال: { أن ~~لعنة الله } أي: بعده وإقصاؤه عن كل خير { على ~~الظالمين } إذ فتح الله لهم أبواب رحمته، فصدفوا أنفسهم عنها ~~ظلما، وصدوا عن سبيل الله بأنفسهم، وصدوا غيرهم، فضلوا وأضلوا. والله ~~تعالى يريد أن تكون مستقيمة، ويعتدل سير السالكين إليه، { و } هؤلاء ~~يريدونها { عوجا } منحرفة صادة عن سواء السبيل، { وهم بالآخرة ~~كافرون } وهذا الذي أوجب لهم الانحراف عن الصراط، والإقبال على شهوات ~~النفوس المحرمة، عدم إيمانهم بالبعث، وعدم خوفهم من العقاب ورجائهم ~~للثواب، ومفهوم هذا النداء أن رحمة الله على المؤمنين وبره شامل لهم، ~~وإحسانه متواتر عليهم. ### || [7.46-49] # أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب يقال له: { الأعراف } لا من ~~الجنة ولا من النار، يشرف على الدارين، وينظر من عليه حال الفريقين، ~~وعلى هذا الحجاب رجال يعرفون كلا من أهل الجنة والنار بسيماهم، أي: ~~علاماتهم، التي بها يعرفون ويميزون، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم ~~{ أن سلام عليكم } أي: يحيونهم ويسلمون عليهم، وهم - إلى الآن - ~~لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، ولم يجعل الله الطمع في ~~قلوبهم إلا لما يريد بهم من كرامته. { وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقآء أصحاب النار } ورأوا منظرا شنيعا، وهولا فظيعا { ~~قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين } فأهل ~~الجنة [إذا رآهم أهل الأعراف] يطمعون أن يكونوا معهم في الجنة، ويحيونهم ~~ويسلمون عليهم، وعند انصراف أبصارهم بغير اختيارهم لأهل النار، يستجيرون ~~بالله من حالهم هذا على وجه العموم. ثم ذكر الخصوص بعد العموم فقال: { ~~ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ~~} وهم من أهل النار، وقد كانوا في الدنيا لهم أبهة وشرف، وأموال وأولاد، ~~فقال لهم أصحاب الأعراف، حين رأوهم منفردين في العذاب، بلا ناصر ولا ~~مغيث: { مآ أغنى عنكم جمعكم } في الدنيا، الذي تستدفعون به ~~المكاره، وتتوسلون به إلى مطالبكم في الدنيا، فاليوم اضمحل، ولا أغني ~~عنكم شيئا، ms0500 وكذلك، أي شيء نفعكم استكباركم على الحق وعلى من جاء به وعلى ~~من اتبعه، ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ~~ضعفاء يستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار: { أهؤلاء } الذين ~~أدخلهم الله الجنة { الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة } احتقارا لهم وازدراء وإعجابا بأنفسكم، قد حنثتم في ~~أيمانكم، وبدا لكم من الله ما لم يكن لكم في حساب، { ادخلوا ~~الجنة } بما كنتم تعملون، أي: قيل لهؤلاء الضعفاء إكراما ~~واحتراما: ادخلوا الجنة بأعمالكم الصالحة { لا خوف عليكم } ~~فيما يستقبل من المكاره { ولا أنتم تحزنون } على ما مضى، بل ~~آمنون مطمئنون فرحون بكل خير. وهذا كقوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] إلى أن قال: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون # [المطففين: 34-35] واختلف أهل العلم والمفسرون، من هم أصحاب الأعراف، ~~وما أعمالهم؟ والصحيح من ذلك أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا رجحت ~~سيئاتهم فدخلوا النار، ولا رجحت حسناتهم فدخلوا الجنة، فصاروا في الأعراف ~~ما شاء الله، ثم إن الله تعالى يدخلهم برحمته الجنة، فإن رحمته تسبق ~~وتغلب غضبه، ورحمته وسعت كل شيء. ### || [7.50-53] # أي: ينادي أصحاب النار أصحاب الجنة، حين يبلغ منهم العذاب كل مبلغ، وحين ~~يمسهم الجوع المفرط والظمأ الموجع، يستغيثون بهم، فيقولون: { أن ~~أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } من ~~الطعام، فأجابهم أهل الجنة بقولهم: { إن الله حرمهما } أي: ~~ماء الجنة وطعامها { على الكافرين } وذلك جزاء لهم على كفرهم ~~بآيات الله، واتخاذهم دينهم الذي أمروا أن يستقيموا عليه، ووعدوا ~~بالجزاء الجزيل عليه. { لهوا ولعبا } أي: لهت قلوبهم وأعرضت عنه، ~~ولعبوا واتخذوه سخريا، أو أنهم جعلوا بدل دينهم اللهو واللعب، واستعاضوا ~~بذلك عن الدين القيم. { وغرتهم الحيوة الدنيا } بزينتها ~~وزخرفها وكثرة دعاتها، فاطمأنوا إليها ورضوا بها وفرحوا، وأعرضوا عن ~~الآخرة ونسوها. { فاليوم ننسهم } أي: نتركهم في العذاب { ~~كما نسوا لقآء يومهم هذا } فكأنهم لم يخلقوا إلا ~~للدنيا، وليس أمامهم عرض ms0501 ولا جزاء. { وما كانوا بآيتنا ~~يجحدون } والحال أن جحودهم هذا لا عن قصور في آيات الله وبيناته، ~~بل قد { جئناهم بكتاب فصلناه } أي: بينا فيه جميع المطالب ~~التي يحتاج إليها الخلق { على علم } من الله بأحوال العباد في كل ~~زمان ومكان، وما يصلح لهم وما لا يصلح، ليس تفصيله تفصيل غير عالم ~~بالأمور، فتجهله بعض الأحوال، فيحكم حكما غير مناسب، بل تفصيل من أحاط ~~علمه بكل شيء، ووسعت رحمته كل شيء. { هدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون } أي: تحصل للمؤمنين بهذا الكتاب الهداية من الضلال، وبيان ~~الحق والباطل، والغي والرشد، ويحصل أيضا لهم به الرحمة، وهي: الخير ~~والسعادة في الدنيا والآخرة، فينتفى عنهم بذلك الضلال والشقاء. وهؤلاء ~~الذين حق عليهم العذاب، لم يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم، ولا انقادوا ~~لأوامره ونواهيه، فلم يبق فيهم حيلة إلا استحقاقهم أن يحل بهم ما أخبر به ~~القرآن. ولهذا قال: { هل ينظرون إلا تأويله } أي: وقوع ما ~~أخبر به، كما قال يوسف عليه السلام حين وقعت رؤياه: # هذا تأويل رؤياي من قبل # [يوسف: 100]. { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه ~~من قبل } متندمين متأسفين على ما مضى منهم، متشفعين في مغفرة ذنوبهم. ~~مقرين بما أخبرت به الرسل: { قد جآءت رسل ربنا بالحق ~~فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد } إلى ~~الدنيا { فنعمل غير الذي كنا نعمل } وقد فات الوقت عن ~~الرجوع إلى الدنيا. # فما تنفعهم شفاعة الشافعين # [المدثر: 48]. وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم كذب منهم، ~~مقصودهم به دفع ما حل بهم، قال تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. { قد خسروا أنفسهم } حين فوتوها الأرباح، ~~وسلكوا بها سبيل الهلاك، وليس ذلك كخسران الأموال والأثاث أو الأولاد، ~~إنما هذا خسران لا جبران لمصابه، { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } في الدنيا مما تمنيهم أنفسهم به، ويعدهم به الشيطان، قدموا ~~على ما لم يكن لهم في حساب، وتبين لهم باطلهم وضلالهم، وصدق ما جاءتهم به ~~الرسل. ### || [7.54] # يقول تعالى مبينا أنه الرب المعبود وحده لا ms0502 شريك له: { إن ربكم ~~الله الذي خلق السموت والأرض } وما فيهما على عظمهما ~~وسعتهما، وإحكامهما وإتقانهما، وبديع خلقهما. { في ستة أيام } ~~أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما قضاهما وأودع فيهما من أمره ما ~~أودع { استوى } تبارك وتعالى { على العرش } العظيم الذي يسع ~~السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، استوى استواء يليق بجلاله وعظمته ~~وسلطانه، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، ودبر الممالك، وأجرى عليهم ~~أحكامه الكونية، وأحكامه الدينية، ولهذا قال: { يغشي اليل } المظلم ~~{ النهار } المضيء، فيظلم ما على وجه الأرض، ويسكن الآدميون، وتأوى ~~المخلوقات إلى مساكنها، ويستريحون من التعب والذهاب والإياب الذي حصل لهم ~~في النهار. { يطلبه حثيثا } كلما جاء الليل ذهب النهار، وكلما ~~جاء النهار ذهب الليل، وهكذا أبدا على الدوام، حتى يطوي الله هذا ~~العالم، وينتقل العباد إلى دار غير هذه الدار. { والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره } أي: بتسخيره وتدبيره، الدال على ~~ما له من أوصاف الكمال، فخلقها وعظمها دال على كمال قدرته، وما ~~فيها من الإحكام والانتظام والإتقان دال على كمال حكمته، وما فيها من ~~المنافع والمصالح الضرورية وما دونها دال على سعة رحمته وذلك دال على سعة ~~علمه، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له. { ألا له ~~الخلق والأمر } أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات ~~علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمن للشرائع ~~والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه ~~الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء، { ~~تبارك الله } أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه ~~لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، ~~فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: ف { تبارك الله ~~رب العالمين }. ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على ~~أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها، أمر بما يترتب على ذلك، ~~فقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب... }. ### || [7.55-56] # الدعاء يدخل فيه دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فأمر بدعائه { تضرعا ~~} أي: إلحاحا ms0503 في المسألة، ودؤوبا في العبادة، { وخفية } أي: لا ~~جهرا وعلانية يخاف منه الرياء، بل خفية وإخلاصا لله تعالى. { إنه ~~لا يحب المعتدين } أي: المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن ~~الاعتداء كون العبد يسأل الله مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو ~~يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه. { ~~ولا تفسدوا في الأرض } بعمل المعاصي { بعد إصلاحها } ~~بالطاعات، فإن المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، كما قال تعالى: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس # [الروم: 41] كما أن الطاعات تصلح بها الأخلاق، والأعمال، والأرزاق، ~~وأحوال الدنيا والآخرة. { وادعوه خوفا وطمعا } أي: خوفا من ~~عقابه، وطمعا في ثوابه، طمعا في قبولها، وخوفا من ردها، لا دعاء عبد ~~مدل على ربه قد أعجبته نفسه، ونزل نفسه فوق منزلته، أو دعاء من هو غافل ~~لاه. وحاصل ما ذكر الله من آداب الدعاء: الإخلاص فيه لله وحده، لأن ~~ذلك يتضمنه الخفية، وإخفاؤه وإسراره، وأن يكون القلب خائفا طامعا لا ~~غافلا، ولا آمنا ولا غير مبال بالإجابة، وهذا من إحسان الدعاء، فإن ~~الإحسان في كل عبادة بذل الجهد فيها، وأداؤها كاملة لا نقص فيها بوجه من ~~الوجوه، ولهذا قال: { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين } في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله، فكلما كان ~~العبد أكثر إحسانا، كان أقرب إلى رحمة ربه، وكان ربه قريبا منه برحمته، ~~وفي هذا من الحث على الإحسان ما لا يخفى. ### || [7.57-58] # يبين تعالى أثرا من آثار قدرته، ونفحة من نفحات رحمته فقال: { وهو ~~الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } أي: ~~الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق ~~برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله. { حتى إذآ أقلت } ~~الرياح { سحابا ثقالا } قد أثاره بعضها، وألفه ريح أخرى، وألحقه ~~ريح أخرى { سقناه لبلد ميت } قد كادت تهلك حيواناته، وكاد ~~أهله أن ييأسوا من رحمة الله، { فأنزلنا به } أي: بذلك البلد ~~الميت { المآء } الغزير من ذلك السحاب وسخر الله له ms0504 ريحا تدره ~~وتفرقه بإذن الله. { فأخرجنا به من كل الثمرات } ~~فأصبحوا مستبشرين برحمة الله، راتعين بخير الله، وقوله: { كذلك ~~نخرج الموتى لعلكم تذكرون } أي: كما أحيينا الأرض ~~بعد موتها بالنبات، كذلك نخرج الموتى من قبورهم، بعد ما كانوا رفاتا ~~متمزقين، وهذا استدلال واضح، فإنه لا فرق بين الأمرين، فمنكر البعث ~~استبعادا له - مع أنه يرى ما هو نظيره - من باب العناد، وإنكار ~~المحسوسات. وفي هذا الحث على التذكر والتفكر في آلاء الله، والنظر إليها ~~بعين الاعتبار والاستدلال، لا بعين الغفلة والإهمال. ثم ذكر تفاوت ~~الأراضي، التي ينزل عليها المطر، فقال: { والبلد الطيب } أي: ~~طيب التربة والمادة، إذا نزل عليه مطر { يخرج نباته } الذي هو ~~مستعد له { بإذن ربه } أي: بإرادة الله ومشيئته، فليست الأسباب ~~مستقلة بوجود الأشياء، حتى يأذن الله بذلك. { والذي خبث } من ~~الأراضي { لا يخرج إلا نكدا } أي: إلا نباتا خاسا لا نفع ~~فيه ولا بركة. { كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } أي: ~~ننوعها ونبينها ونضرب فيها الأمثال ونسوقها لقوم يشكرون الله بالاعتراف ~~بنعمه، والإقرار بها، وصرفها في مرضاة الله، فهم الذين ينتفعون بما فصل ~~الله في كتابه من الأحكام والمطالب الإلهية، لأنهم يرونها من أكبر النعم ~~الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبرونها ~~ويتأملونها، فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم، وهذا مثال للقلوب حين ~~ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، كما أن الغيث مادة الحياة، فإن ~~القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي، تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، ~~وحسن عنصرها. وأما القلوب الخبيثة التي لا خير فيها، فإذا جاءها الوحي لم ~~يجد محلا قابلا، بل يجدها غافلة معرضة، أو معارضة، فيكون كالمطر الذي ~~يمر على السباخ والرمال والصخور، فلا يؤثر فيها شيئا، وهذا كقوله تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا # الآيات [الرعد: 17]. ### || [7.59-64] # { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } إلى آخر القصة لما ذكر ~~تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة، أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين ~~إلى توحيده مع ms0505 أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيد الله أهل التوحيد، وأهلك ~~من عاندهم ولم ينقد لهم، وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ~~ومعتقد واحد، فقال عن نوح - أول المرسلين -: { لقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه } يدعوهم إلى عبادة الله وحده، حين كانوا يعبدون ~~الأوثان { فقال } لهم: { ياقوم اعبدوا الله } أي: وحده { ~~ما لكم من إله غيره } لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع ~~الأمور، وما سواه مخلوق مدبر، ليس له من الأمر شيء، ثم خوفهم إن لم ~~يطيعوه عذاب الله، فقال: { إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم } وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم، حيث خاف عليهم ~~العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي، كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على ~~الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم، فلما قال لهم هذه المقالة، ردوا ~~عليه أقبح رد. { قال الملأ من قومه } أي: الرؤساء الأغنياء ~~المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم ~~للرسل، { إنا لنراك في ضلال مبين } فلم يكفهم - قبحهم ~~الله - أنهم لم ينقادوا له، بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه ~~أعظم قدح، ونسبوه إلى الضلال، ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالا ~~مبينا، واضحا لكل أحد. وهذا من أعظم أنواع المكابرة، التي لا تروج على ~~أضعف الناس عقلا، وإنما هذا الوصف منطبق على قوم نوح، الذين جاؤوا إلى ~~أصنام قد صوروها ونحتوها بأيديهم، من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ~~ولا تغني عنهم شيئا، فنزلوها منزلة فاطر السماوات، وصرفوا لها ما أمكنهم ~~من أنواع القربات، فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة الله عليهم لحكم ~~عليهم بأن المجانين أهدى منهم، بل هم أهدى منهم وأعقل، فرد نوح عليهم ~~ردا لطيفا، وترقق لهم لعلهم ينقادون له فقال: { يقوم ليس بي ~~ضللة } أي: لست ضالا في مسألة من المسائل بوجه من الوجوه، وإنما ~~أنا هاد مهتد، بل هدايته عليه الصلاة والسلام من جنس هداية إخوانه أولي ~~العزم من المرسلين، أعلى أنواع الهدايات وأكملها وأتمها، وهي هداية ~~الرسالة التامة الكاملة، ولهذا قال: { ولكني رسول من رب ms0506 ~~العلمين } أي: ربي وربكم ورب جميع الخلق، الذي ربى جميع الخلق ~~بأنواع التربية، الذي من أعظم تربيته أن أرسل إلى عباده رسلا تأمرهم ~~بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والعقائد الحسنة وتنهاهم عن أضدادها، ~~ولهذا قال: { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم } أي: ~~وظيفتي تبليغكم، ببيان توحيده وأوامره ونواهيه، على وجه النصيحة لكم ~~والشفقة عليكم، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } فالذي ~~يتعين أن تطيعوني وتنقادوا لأمري إن كنتم تعلمون، { أو عجبتم أن ~~جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم } أي: كيف ~~تعجبون من حالة لا ينبغي العجب منها، وهو أن جاءكم التذكير والموعظة ~~والنصيحة، على يد رجل منكم، تعرفون حقيقته وصدقه وحاله؟!! فهذه الحال من ~~عناية الله بكم وبره وإحسانه الذي يتلقى بالقبول والشكر، وقوله: { ~~لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون } أي: لينذركم ~~العذاب الأليم، وتفعلوا الأسباب المنجية من استعمال تقوى الله ظاهرا ~~وباطنا، وبذلك تحصل عليهم وتنزل رحمة الله الواسعة، فلم يفد فيهم، ولا ~~نجح { فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك } ~~أي: السفينة التي أمر الله نوحا عليه الصلاة والسلام بصنعتها، وأوحى ~~إليه أن يحمل من كل صنف من الحيوانات، زوجين اثنين وأهله ومن آمن معه، ~~فحملهم فيها ونجاهم الله بها. # { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا ~~قوما عمين } عن الهدى، أبصروا الحق، وأراهم الله - على يد نوح - ~~من الآيات البينات، ما بهم يؤمن أولوا الألباب، فسخروا منه، واستهزؤوا به ~~وكفروا. ### || [7.65-72] # { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى آخر القصة. أي: { و } أرسلنا ~~{ إلى عاد } الأولى، الذين كانوا في أرض اليمن { أخاهم } في ~~النسب { هودا } عليه السلام، يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك ~~والطغيان في الأرض. ف { قال } لهم: { ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } سخطه وعذابه، ~~إن أقمتم على ما أنتم عليه، فلم يستجيبوا ولا انقادوا. ف { قال ~~الملأ الذين كفروا من قومه } رادين لدعوته، قادحين في ~~رأيه: { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين } أي: ما نراك إلا سفيها غير رشيد، ويغلب على ظننا أنك من ~~جملة ms0507 الكاذبين، وقد انقلبت عليهم الحقيقة، واستحكم عماهم حيث رموا نبيهم ~~عليه السلام بما هم متصفون به، وهو أبعد الناس عنه، فإنهم السفهاء حقا ~~الكاذبون. وأي سفه أعظم ممن قابل أحق الحق بالرد والإنكار، وتكبر عن ~~الانقياد للمرشدين والنصحاء، وانقاد قلبه وقالبه لكل شيطان مريد، ووضع ~~العبادة في غير موضعها، فعبد من لا يغني عنه شيئا من الأشجار ~~والأحجار؟!! وأي كذب أبلغ من كذب من نسب هذه الأمور إلى الله تعالى؟!! ~~{ قال يقوم ليس بي سفاهة } بوجه من الوجوه، بل هو الرسول ~~المرشد الرشيد، { ولكني رسول من رب العلمين * ~~أبلغكم رسلت ربي وأنا لكم ناصح أمين }. ~~فالواجب عليكم أن تتلقوا ذلك بالقبول والانقياد وطاعة رب العباد. { أو ~~عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم } أي: كيف تعجبون من أمر لا يتعجب منه، وهو أن الله أرسل ~~إليكم رجلا منكم تعرفون أمره، يذكركم بما فيه مصالحكم، ويحثكم على ما ~~فيه النفع لكم، فتعجبتم من ذلك تعجب المنكرين. { واذكروا إذ ~~جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح } أي: واحمدوا ربكم ~~واشكروه، إذ مكن لكم في الأرض، وجعلكم تخلفون الأمم الهالكة الذين كذبوا ~~الرسل، فأهلكهم الله وأبقاكم، لينظر كيف تعملون، واحذروا أن تقيموا على ~~التكذيب كما أقاموا، فيصيبكم ما أصابهم، { و } اذكروا نعمة الله عليكم ~~التي خصكم بها، وهي أن { زادكم في الخلق بصطة } في القوة ~~وكبر الأجسام، وشدة البطش، { فاذكروا ءالآء الله } أي: نعمه ~~الواسعة، وأياديه المتكررة { لعلكم } إذا ذكرتموها بشكرها وأداء ~~حقها { تفلحون } أي: تفوزون بالمطلوب، وتنجون من المرهوب، فوعظهم ~~وذكرهم، وأمرهم بالتوحيد، وذكر لهم وصف نفسه، وأنه ناصح أمين، وحذرهم أن ~~يأخذهم الله كما أخذ من قبلهم، وذكرهم نعم الله عليهم وإدرار الأرزاق ~~إليهم، فلم ينقادوا ولا استجابوا. ف { قالوا } متعجبين من دعوته، ~~ومخبرين له أنهم من المحال أن يطيعوه: { أجئتنا لنعبد الله ~~وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا } قبحهم الله، جعلوا ~~الأمر الذي هو أوجب الواجبات وأكمل الأمور، من الأمور التي لا يعارضون ~~بها ما وجدوا عليه آباءهم، ms0508 فقدموا ما عليه الآباء الضالون من الشرك ~~وعبادة الأصنام، على ما دعت إليه الرسل من توحيد الله وحده لا شريك له، ~~وكذبوا نبيهم، وقالوا: { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين } وهذا استفتاح منهم على أنفسهم. # فقال لهم هود عليه السلام: { قد وقع عليكم من ربكم ~~رجس وغضب } أي: لا بد من وقوعه، فإنه قد انعقدت أسبابه، وحان ~~وقت الهلاك { أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم } أي: كيف تجادلون على أمور لا حقائق لها، وعلى أصنام ~~سميتموها آلهة، وهي لا شيء من الآلهة فيها، ولا مثقال ذرة و { ما ~~نزل الله بها من سلطان } فإنها لو كانت صحيحة لأنزل الله ~~بها سلطانا، فعدم إنزاله له دليل على بطلانها، فإنه ما من مطلوب ومقصود ~~- وخصوصا الأمور الكبار - إلا وقد بين الله فيها من الحجج ما يدل ~~عليها، ومن السلطان ما لا تخفى معه { فانتظروا } ما يقع بكم من ~~العقاب، الذي وعدتكم به { إني معكم من المنتظرين } وفرق ~~بين الانتظارين، انتظار من يخشى وقوع العقاب، ومن يرجو من الله النصر ~~والثواب، ولهذا فتح الله بين الفريقين فقال: { فأنجيناه } أي: ~~هودا { والذين } آمنوا { معه برحمة منا } فإنه الذي ~~هداهم للإيمان، وجعل إيمانهم سببا ينالون به رحمته فأنجاهم برحمته، { ~~وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: استأصلناهم ~~بالعذاب الشديد الذي لم يبق منهم أحدا، وسلط الله عليهم الريح العقيم، ~~ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، فأهلكوا فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين الذين أقيمت عليهم الحجج، فلم ~~ينقادوا لها، وأمروا بالإيمان فلم يؤمنوا فكان عاقبتهم الهلاك، والخزي ~~والفضيحة. # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم ~~هود # [هود: 60]. وقال هنا { وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين } بوجه من الوجوه، بل وصفهم ~~التكذيب والعناد، ونعتهم الكبر والفساد. ### || [7.73-79] # { وإلى ثمود أخاهم صالحا } إلى آخر قصتهم. أي: { و } ~~أرسلنا { إلى ثمود } القبيلة المعروفة الذين كانوا يسكنون الحجر ~~وما حوله من ms0509 أرض الحجاز وجزيرة العرب، أرسل الله إليهم { أخاهم ~~صالحا } نبيا يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، وينهاهم عن الشرك ~~والتنديد، ف { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره } دعوته عليه الصلاة والسلام من جنس دعوة إخوانه من ~~المرسلين، الأمر بعبادة الله، وبيان أنه ليس للعباد إله غير الله، { ~~قد جآءتكم بينة من ربكم } أي: خارق من خوارق ~~العادات، التي لا تكون إلا آية سماوية لا يقدر الناس عليها، ثم فسرها ~~بقوله: { هذه ناقة الله لكم آية } أي: هذه ناقة شريفة ~~فاضلة لإضافتها إلى الله تعالى إضافة تشريف، لكم فيها آية عظيمة. وقد ~~ذكر وجه الآية في قوله: # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155]. وكان عندهم بئر كبيرة، وهي المعروفة ببئر الناقة، ~~يتناوبونها هم والناقة، للناقة يوم تشربها ويشربون اللبن من ضرعها، ولهم ~~يوم يردونها، وتصدر الناقة عنهم. وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام: { ~~فذروها تأكل في أرض الله } فلا عليكم من مئونتها شيء، { ~~ولا تمسوها بسوء } أي: بعقر أو غيره، { فيأخذكم ~~عذاب أليم }. { واذكروا إذ جعلكم خلفآء } في ~~الأرض تتمتعون بها وتدركون مطالبكم { من بعد عاد } الذين أهلكهم ~~الله، وجعلكم خلفاء من بعدهم، { وبوأكم في الأرض } أي: مكن ~~لكم فيها، وسهل لكم الأسباب الموصلة إلى ما تريدون وتبتغون { ~~تتخذون من سهولها قصورا } أي: من الأراضي السهلة التي ليست ~~بجبال، تتخذون فيها القصور العالية والأبنية الحصينة، { وتنحتون ~~الجبال بيوتا } كما هو مشاهد إلى الآن من أعمالهم التي في الجبال، ~~من المساكن والحجر ونحوها، وهي باقية ما بقيت الجبال، { فاذكروا ~~آلآء الله } أي: نعمه، وما خولكم من الفضل والرزق والقوة، { ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين } أي: لا تخربوا الأرض بالفساد ~~والمعاصي، فإن المعاصي تدع الديار العامرة بلاقع، وقد أخلت ديارهم منهم، ~~وأبقت مساكنهم موحشة بعدهم. { قال الملأ الذين استكبروا ~~من قومه } أي: الرؤساء والأشراف الذين تكبروا عن الحق، { للذين ~~استضعفوا } ولما كان المستضعفون ليسوا كلهم مؤمنين، قالوا { لمن ~~آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } ~~أي: أهو صادق أم كاذب؟. ms0510 فقال المستضعفون: { قالوا إنا بمآ ~~أرسل به مؤمنون } من توحيد الله والخبر عنه وأمره ونهيه. { ~~قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به ~~كافرون } حملهم الكبر أن لا ينقادوا للحق الذي انقاد له الضعفاء. { ~~فعقروا الناقة } التي توعدهم إن مسوها بسوء أن يصيبهم عذاب ~~أليم، { وعتوا عن أمر ربهم } أي: قسوا عنه، واستكبروا عن ~~أمره الذي من عتا عنه أذاقه العذاب الشديد. لا جرم أحل الله بهم من ~~النكال ما لم يحل بغيرهم { وقالوا } مع هذه الأفعال متجرئين على ~~الله، معجزين له، غير مبالين بما فعلوا، بل مفتخرين بها: { ~~ياصالح ائتنا بما تعدنآ } إن كنت من الصادقين من العذاب، ~~فقال: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب # [هود: 65]. { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ~~جاثمين } على ركبهم، قد أبادهم الله، وقطع دابرهم، { فتولى ~~عنهم } صالح عليه السلام حين أحل الله بهم العذاب، { وقال } ~~مخاطبا لهم توبيخا وعتابا، بعدما أهلكهم الله: { يقوم لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } أي: جميع ما أرسلني ~~الله به إليكم، قد أبلغتكم به وحرصت على هدايتكم، واجتهدت في سلوككم ~~الصراط المستقيم والدين القويم. { ولكن لا تحبون النصحين ~~} بل رددتم قول النصحاء، وأطعتم كل شيطان رجيم. واعلم أن كثيرا من ~~المفسرين يذكرون في هذه القصة أن الناقة قد خرجت من صخرة صماء ملساء ~~اقترحوها على صالح، وأنها تمخضت تمخض الحامل، فخرجت الناقة وهم ينظرون ~~وأن لها فصيلا حين عقروها، رغى ثلاث رغيات، وانفلق له الجبل ودخل فيه، ~~وأن صالحا عليه السلام قال لهم: آية نزول العذاب بكم، أن تصبحوا في ~~اليوم الأول من الأيام الثلاثة ووجوهكم مصفرة، واليوم الثاني: محمرة، ~~والثالث: مسودة، فكان كما قال. وكل هذا من الإسرائيليات التي لا ينبغي ~~نقلها في تفسير كتاب الله، وليس في القرآن ما يدل على شيء منها بوجه من ~~الوجوه، بل لو كانت صحيحة لذكرها الله تعالى، لأن فيها من العجائب ~~والعبر والآيات ما لا يهمله تعالى ويدع ذكره، حتى يأتي من طريق من لا ~~يوثق بنقله، بل القرآن ms0511 يكذب بعض هذه المذكورات، فإن صالحا قال لهم: # تمتعوا في داركم ثلاثة أيام # [هود: 65] أي: تنعموا وتلذذوا بهذا الوقت القصير جدا، فإنه ليس لكم من ~~المتاع واللذة سوى هذا، وأي: لذة وتمتع لمن وعدهم نبيهم وقوع العذاب، ~~وذكر لهم وقوع مقدماته، فوقعت يوما فيوما على وجه يعمهم ويشملهم ~~[احمرار وجوههم، واصفرارها واسودادها من العذاب]. هل هذا إلا مناقض ~~للقرآن، ومضاد له؟!!. فالقرآن فيه الكفاية والهداية عن ما سواه. نعم لو ~~صح شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يناقض كتاب الله، فعلى ~~الرأس والعين، وهو مما أمر القرآن باتباعه # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. وقد تقدم أنه لا يجوز تفسير كتاب الله بالأخبار ~~الإسرائيلية، ولو على تجويز الرواية عنهم بالأمور التي لا يجزم بكذبها، ~~فإن معاني كتاب الله يقينية، وتلك أمور لا تصدق ولا تكذب، فلا يمكن ~~اتفاقهما. ### || [7.80-84] # { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } إلى آخر القصة. أي: { ~~و } اذكر عبدنا { لوطا } عليه الصلاة والسلام، إذ أرسلناه إلى قومه ~~يأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من ~~العالمين، فقال: { أتأتون الفاحشة } أي: الخصلة التي بلغت - في ~~العظم والشناعة - إلى أن استغرقت أنواع الفحش، { ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين } فكونها فاحشة من أشنع الأشياء، وكونهم ~~ابتدعوها وابتكروها، وسنوها لمن بعدهم، من أشنع ما يكون أيضا. ثم بينها ~~بقوله: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون ~~النسآء } أي: كيف تذرون النساء اللاتي خلقهن الله لكم، وفيهن ~~المستمتع الموافق للشهوة والفطرة، وتقبلون على أدبار الرجال، التي هي ~~غاية ما يكون في الشناعة والخبث، ومحل تخرج منه الأنتان والأخباث، التي ~~يستحيي من ذكرها فضلا عن ملامستها وقربها، { بل أنتم قوم ~~مسرفون } أي: متجاوزون لما حده الله متجرئون على محارمه. { وما ~~كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } أي: يتنزهون عن فعل ~~الفاحشة. # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ms0512 بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8]. { فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت ~~من الغابرين } أي: الباقين المعذبين، أمره الله أن يسري بأهله ~~ليلا، فإن العذاب مصبح قومه فسرى بهم، إلا امرأته أصابها ما أصابهم. { ~~وأمطرنا عليهم مطرا } أي: حجارة حارة شديدة، من سجيل، ~~وجعل الله عاليها سافلها، { فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين } الهلاك والخزي الدائم. ### || [7.85-93] # { وإلى مدين أخاهم شعيبا }... إلى آخر القصة أي: { و } ~~أرسلنا إلى القبيلة المعروفة بمدين { أخاهم } في النسب { شعيبا } ~~يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويأمرهم بإيفاء المكيال ~~والميزان، وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم، وأن لا يعثوا في الأرض مفسدين، ~~بالإكثار من عمل المعاصي، ولهذا قال: { ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } ~~فإن ترك المعاصي امتثالا لأمر الله وتقربا إليه خير، وأنفع للعبد من ~~ارتكابها الموجب لسخط الجبار، وعذاب النار. { ولا تقعدوا } للناس ~~{ بكل صراط } أي: طريق من الطرق التي يكثر سلوكها، تحذرون الناس ~~منها و { توعدون } من سلكها { وتصدون عن سبيل الله } من ~~أراد الاهتداء به { وتبغونها عوجا } أي: تبغون سبيل الله تكون ~~معوجة، وتميلونها اتباعا لأهوائكم، وقد كان الواجب عليكم وعلى غيركم ~~الاحترام والتعظيم للسبيل التي نصبها الله لعباده ليسلكوها إلى مرضاته ~~ودار كرامته، ورحمهم بها أعظم رحمة، وتصدون لنصرتها والدعوة إليها، ~~والذب عنها، لا أن تكونوا أنتم قطاع طريقها، الصادين الناس عنها، فإن هذا ~~كفر لنعمة الله ومحادة لله، وجعل أقوم الطرق وأعدلها مائلة، وتشنعون ~~على من سلكها. { واذكروا } نعمة الله عليكم { إذ كنتم ~~قليلا فكثركم } أي: نماكم بما أنعم عليكم من الزوجات والنسل، ~~والصحة، وأنه ما ابتلاكم بوباء أو أمراض من الأمراض المقللة لكم، ولا سلط ~~عليكم عدوا يجتاحكم ولا فرقكم في الأرض، بل أنعم عليكم باجتماعكم، ~~وإدرار الأرزاق وكثرة النسل. { وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين } فإنكم لا تجدون في جموعهم إلا الشتات، ولا في ربوعهم ~~إلا الوحشة والانبتات ولم يورثوا ذكرا حسنا، بل أتبعوا في هذه الدنيا ~~لعنة، ويوم القيامة أشد خزيا وفضيحة. { وإن كان ms0513 طآئفة منكم ~~آمنوا بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا } ~~وهم الجمهور منهم. { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ~~وهو خير الحاكمين } فينصر المحق، ويوقع العقوبة على المبطل. { ~~قال الملأ الذين استكبروا من قومه } وهم الأشراف ~~والكبراء منهم الذين اتبعوا أهواءهم ولهوا بلذاتهم، فلما أتاهم الحق ~~ورأوه غير موافق لأهوائهم الرديئة، ردوه واستكبروا عنه، فقالوا لنبيهم ~~شعيب ومن معه من المؤمنين المستضعفين: { لنخرجنك يشعيب ~~والذين آمنوا معك من قريتنآ أو لتعودن في ~~ملتنا } استعملوا قوتهم السبعية، في مقابلة الحق، ولم يراعوا دينا ~~ولا ذمة ولا حقا، وإنما راعوا واتبعوا أهواءهم وعقولهم السفيهة التي ~~دلتهم على هذا القول الفاسد، فقالوا: إما أن ترجع أنت ومن معك إلى ديننا ~~أو لنخرجنكم من قريتنا. ف " شعيب " عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم ~~طامعا في إيمانهم، والآن لم يسلم من شرهم، حتى توعدوه إن لم يتابعهم - ~~بالجلاء عن وطنه، الذي هو ومن معه أحق به منهم. # ف { قال } لهم شعيب عليه الصلاة والسلام متعجبا من قولهم: { ~~أولو كنا كارهين } أي: أنتابعكم على دينكم وملتكم الباطلة، ~~ولو كنا كارهين لها لعلمنا ببطلانها، فإنما يدعى إليها من له نوع رغبة ~~فيها، أما من يعلن بالنهي عنها، والتشنيع على من اتبعها فكيف يدعى ~~إليها؟!! { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } أي: اشهدوا علينا ~~أننا إن عدنا إليها بعد ما نجانا الله منها وأنقذنا من شرها، أننا ~~كاذبون مفترون على الله الكذب، فإننا نعلم أنه لا أعظم افتراء ممن جعل ~~لله شريكا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ ولدا ولا ~~صاحبة، ولا شريكا في الملك. { وما يكون لنآ أن نعود فيهآ ~~} أي: يمتنع على مثلنا أن نعود فيها، فإن هذا من المحال، فآيسهم عليه ~~الصلاة والسلام من كونه يوافقهم من وجوه متعددة، من جهة أنهم كارهون لها ~~مبغضون لما هم عليه من الشرك. ومن جهة أنه جعل ما هم عليه كذبا، وأشهدهم ~~أنه إن اتبعهم ومن معه فإنهم كاذبون. ومنها: اعترافهم ms0514 بمنة الله عليهم ~~إذ أنقذهم الله منها. ومنها: أن عودهم فيها - بعد ما هداهم الله - من ~~المحالات، بالنظر إلى حالتهم الراهنة، وما في قلوبهم من تعظيم الله ~~تعالى والاعتراف له بالعبودية، وأنه الإله وحده الذي لا تنبغي العبادة ~~إلا له وحده لا شريك له، وأن آلهة المشركين أبطل الباطل، وأمحل المحال. ~~وحيث إن الله من عليهم بعقول يعرفون بها الحق والباطل، والهدى ~~والضلال. وأما من حيث النظر إلى مشيئة الله وإرادته النافذة في خلقه، ~~التي لا خروج لأحد عنها، ولو تواترت الأسباب وتوافقت القوى، فإنهم لا ~~يحكمون على أنفسهم أنهم سيفعلون شيئا أو يتركونه، ولهذا استثنى { وما ~~يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا ~~} أي: فلا يمكننا ولا غيرنا، الخروج عن مشيئته التابعة لعلمه وحكمته، وقد ~~{ وسع ربنا كل شيء علما } فيعلم ما يصلح للعباد وما ~~يدبرهم عليه. { على الله توكلنا } أي: اعتمدنا أنه سيثبتنا ~~على الصراط المستقيم، وأن يعصمنا من جميع طرق الجحيم، فإن من توكل على ~~الله، كفاه، ويسر له أمر دينه ودنياه. { ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق } أي: انصر المظلوم وصاحب الحق، على ~~الظالم المعاند للحق { وأنت خير الفاتحين } وفتحه تعالى ~~لعباده نوعان: فتح العلم، بتبيين الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ومن ~~هو من المستقيمين على الصراط، ممن هو منحرف عنه. والنوع الثاني: فتحه ~~بالجزاء وإيقاع العقوبة على الظالمين، والنجاة والإكرام للصالحين، فسألوا ~~الله أن يفتح بينهم وبين قومهم بالحق والعدل، وأن يريهم من آياته وعبره، ~~ما يكون فاصلا بين الفريقين. # { وقال الملأ الذين كفروا من قومه } محذرين عن اتباع ~~شعيب، { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } ~~هذا ما سولت لهم أنفسهم أن الخسارة والشقاء في اتباع الرشد والهدى، ولم ~~يدروا أن الخسارة كل الخسارة في لزوم ما هم عليه من الضلال والإضلال، وقد ~~علموا ذلك حين وقع بهم النكال. { فأخذتهم الرجفة } أي: ~~الزلزلة الشديدة { فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي: صرعى ~~ميتين هامدين. قال تعالى ناعيا حالهم { الذين كذبوا شعيبا ~~كأن لم ms0515 يغنوا فيها } أي: كأنهم ما أقاموا في ديارهم، وكأنهم ~~ما تمتعوا في عرصاتها، ولا تفيئوا في ظلالها، ولا غنوا في مسارح أنهارها، ~~ولا أكلوا من ثمار أشجارها، حين فاجأهم العذاب، فنقلهم من مورد اللهو ~~واللعب واللذات، إلى مستقر الحزن والشقاء والعقاب والدركات ولهذا قال: { ~~الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } أي: ~~الخسار محصور فيهم، لأنهم خسروا دينهم وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ~~ذلك هو الخسران المبين، لا من قالوا لهم: { قومه لئن اتبعتم ~~شعيبا إنكم إذا لخاسرون }. فحين هلكوا تولى عنهم نبيهم ~~شعيب عليه الصلاة والسلام { وقال } معاتبا وموبخا ومخاطبا بعد ~~موتهم: { يقوم لقد أبلغتكم رسلت ربي } أي: ~~أوصلتها إليكم، وبينتها حتى بلغت منكم أقصى ما يمكن أن تصل إليه، وخالطت ~~أفئدتكم { ونصحت لكم } فلم تقبلوا نصحي، ولا انقدتم لإرشادي، بل ~~فسقتم وطغيتم. { فكيف ءاسى على قوم كفرين } أي: فكيف ~~أحزن على قوم لا خير فيهم، أتاهم الخير فردوه ولم يقبلوه ولا يليق بهم ~~إلا الشر، فهؤلاء غير حقيقين أن يحزن عليهم، بل يفرح بإهلاكهم ومحقهم، ~~فعياذا بك اللهم من الخزي والفضيحة، وأي: شقاء وعقوبة أبلغ من أن يصلوا ~~إلى حالة يتبرأ منهم أنصح الخلق لهم؟!!. ### || [7.94-95] # يقول تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي } يدعوهم ~~إلى عبادة الله، وينهاهم عن ما هم فيه من الشر، فلم ينقادوا له: إلا ~~ابتلاهم الله { بالبأسآء والضرآء } أي: بالفقر والمرض وأنواع ~~البلايا. { لعلهم } إذا أصابتهم، أخضعت نفوسهم فتضرعوا إلى الله ~~واستكانوا للحق. { ثم } إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد ~~طغيانهم. { بدلنا مكان السيئة الحسنة } فأدر ~~عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء { حتى عفوا } ~~أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة الله وفضله، ونسوا ما مر ~~عليهم من البلاء. { وقالوا قد مس آباءنا الضرآء ~~والسرآء } أي: هذه عادة جارية لم تزل موجودة في الأولين واللاحقين، ~~تارة يكونون في سراء وتارة في ضراء، وتارة في فرح، ومرة في ترح، على حسب ~~تقلبات الزمان وتداول الأيام، وحسبوا أنها ليست للموعظة والتذكير، ولا ~~للاستدراج والنكير ms0516 حتى إذا اغتبطوا، وفرحوا بما أوتوا، وكانت الدنيا، أسر ~~ما كانت إليهم، أخذناهم بالعذاب { بغتة وهم لا يشعرون } أي: ~~لا يخطر لهم الهلاك على بال، وظنوا أنهم قادرون على ما آتاهم الله، ~~وأنهم غير زائلين ولا منتقلين عنه. ### || [7.96-99] # لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارا، ~~وبالسراء استدراجا ومكرا، ذكر أن أهل القرى، لو آمنوا بقلوبهم إيمانا ~~صادقا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرا وباطنا، بترك ~~جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء ~~عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب ~~عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب، ولكنهم لم يؤمنوا ~~ويتقوا { فأخذنهم بما كانوا يكسبون } بالعقوبات ~~والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو ~~آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة. # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون # [الروم: 41]. { أفأمن أهل القرى } أي: المكذبة، بقرينة ~~السياق { أن يأتيهم بأسنا } أي: عذابنا الشديد { بيتا ~~وهم نآئمون } أي: في غفلتهم، وغرتهم وراحتهم. { أو أمن ~~أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون } ~~أي: أي شيء يؤمنهم من ذلك، وهم قد فعلوا أسبابه، وارتكبوا من الجرائم ~~العظيمة، ما يوجب بعضه الهلاك؟! { أفأمنوا مكر الله } حيث ~~يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم، إن كيده متين، { فلا يأمن ~~مكر الله إلا القوم الخاسرون } فإن من أمن من عذاب ~~الله، فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان. ~~وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن ~~يكون آمنا على ما معه من الإيمان. بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ~~ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: " يا مقلب ~~القلوب ثبت قلبي على دينك " ، وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر ~~عند وقوع الفتن، فإن العبد - ولو بلغت ms0517 به الحال ما بلغت - فليس على يقين ~~من السلامة. ### || [7.100-102] # يقول تعالى منبها للأمم الغابرين بعد هلاك الأمم الغابرين: { أولم ~~يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو ~~نشآء أصبناهم بذنوبهم } أي: أو لم يتبين ويتضح للأمم ~~الذين ورثوا الأرض، بعد إهلاك من قبلهم بذنوبهم، ثم عملوا كأعمال أولئك ~~المهلكين؟. أو لم يهتدوا أن الله لو شاء لأصابهم بذنوبهم، فإن هذه سنته ~~في الأولين والآخرين. وقوله: { ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون } أي: إذا نبههم الله فلم ينتبهوا، وذكرهم فلم يتذكروا، ~~وهداهم بالآيات والعبر فلم يهتدوا، فإن الله تعالى يعاقبهم ويطبع على ~~قلوبهم، فيعلوها الران والدنس، حتى يختم عليها، فلا يدخلها حق، ولا يصل ~~إليها خير، ولا يسمعون ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما به تقوم الحجة عليهم. ~~{ تلك القرى } الذين تقدم ذكرهم { نقص عليك من ~~أنبآئها } ما يحصل به عبرة للمعتبرين، وازدجار للظالمين، وموعظة ~~للمتقين. { ولقد جآءتهم رسلهم بالبينت } أي: ولقد ~~جاءت هؤلاء المكذبين رسلهم تدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، وأيدهم الله ~~بالمعجزات الظاهرة، والبينات المبينات للحق بيانا كاملا، ولكنهم لم ~~يفدهم هذا، ولا أغنى عنهم شيئا، { فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا من قبل } أي: بسبب تكذيبهم وردهم الحق أول مرة، ما كان ~~الله ليهديهم للإيمان، جزاء لهم على ردهم الحق، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. { كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكفرين } عقوبة منه. وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم. { ~~وما وجدنا لأكثرهم من عهد } أي: وما وجدنا لأكثر الأمم ~~الذين أرسل الله إليهم الرسل من عهد، أي: من ثبات والتزام لوصية الله ~~التي أوصى بها جميع العالمين، ولا انقادوا لأوامره التي ساقها إليهم على ~~ألسنة رسله. { وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } أي: خارجين ~~عن طاعة الله، متبعين لأهوائهم بغير هدى من الله، فالله تعالى امتحن ~~العباد بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأمرهم باتباع عهده وهداه، فلم يمتثل ~~لأمره إلا القليل من الناس، الذين سبقت لهم من الله سابقة ms0518 السعادة. وأما ~~أكثر الخلق فأعرضوا عن الهدى، واستكبروا عما جاءت به الرسل، فأحل الله ~~بهم من عقوباته المتنوعة ما أحل. ### || [7.103-171] # { ثم بعثنا من بعدهم موسى بآيتنآ إلى ~~فرعون وملإيه } إلى آخر قصته. أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل ~~موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم ~~فرعون وملئه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم ~~يشاهد له نظير { فظلموا بها } بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ~~ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها { فانظر كيف كان عقبة ~~المفسدين } كيف أهلكهم الله، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم ~~القيامة، بئس الرفد المرفود، وهذا مجمل فصله بقوله: { وقال موسى } ~~حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان { يفرعون إني رسول من ~~رب العالمين } أي: إني رسول من مرسل عظيم، وهو رب العالمين، ~~الشامل للعالم العلوي والسفلي، مربي جميع خلقه بأنواع التدابير الإلهية، ~~التي من جملتها أنه لا يتركهم سدى، بل يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، ~~وهو الذي لا يقدر أحد أن يتجرأ عليه، ويدعي أنه أرسله ولم يرسله. فإذا ~~كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته، فحقيق علي أن لا أكذب ~~عليه، ولا أقول عليه إلا الحق، فإني لو قلت غير ذلك لعاجلني بالعقوبة، ~~وأخذني أخذ عزيز مقتدر. فهذا موجب لأن ينقادوا له ويتبعوه، خصوصا وقد ~~جاءهم ببينة من الله واضحة على صحة ما جاء به من الحق، فوجب عليهم أن ~~يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان. إيمانهم به، واتباعهم له، ~~وإرسال بني إسرائيل الشعب الذي فضله الله على العالمين، أولاد الأنبياء، ~~وسلسلة يعقوب عليه السلام، الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحد منهم. ~~فقال له فرعون: { إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من ~~الصادقين * فألقى } موسى { عصاه } في الأرض { فإذا هي ~~ثعبان مبين } أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها. { ونزع ~~يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء للناظرين } من غير سوء، ~~فهاتان آيتان كبيرتان دالتان على صحة ما جاء به موسى وصدقه، ms0519 وأنه رسول رب ~~العالمين، ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا ~~العذاب الأليم، فلهذا { قال الملأ من قوم فرعون } حين ~~بهرهم ما رأوا من الآيات، ولم يؤمنوا، وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: { ~~إن هذا لساحر عليم } أي: ماهر في سحره، ثم خوفوا ضعفاء ~~الأحلام وسفهاء العقول، بأنه { يريد } موسى بفعله هذا { أن ~~يخرجكم من أرضكم } أي: يريد أن يجليكم عن أوطانكم { ~~فماذا تأمرون } أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، ~~وما يندفع به ضرره بزعمهم عنهم، فإن ما جاء به إن لم يقابل بما يبطله ~~ويدحضه، وإلا دخل في عقول أكثر الناس. فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا ~~لفرعون: { أرجه وأخاه } أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن ~~أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة ~~المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى. # قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * ~~فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى # [طه: 59-60] وقال هنا: { وجآء السحرة فرعون } طالبين منه ~~الجزاء إن غلبوا ف { قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين }؟ ف { قال } فرعون: { نعم } لكم أجر { وإنكم ~~لمن المقربين } فوعدهم الأجر والتقريب، وعلو المنزلة عنده، ~~ليجتهدوا ويبذلوا وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى، فلما حضروا مع موسى ~~بحضرة الخلق العظيم { قالوا } على وجه التألي وعدم المبالاة بما جاء ~~به موسى: { يموسى إمآ أن تلقي } ما معك { وإمآ أن ~~نكون نحن الملقين } ف { قال } موسى: { ألقوا } لأجل ~~أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى. { فلمآ ألقوا } حبالهم ~~وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، ف { سحروا أعين ~~الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم } لم يوجد له ~~نظير من السحر. { وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك } ~~فألقاها { فإذا هي } حية تسعى، ف { تلقف } جميع { ما ~~يأفكون } أي: يكذبون به ويموهون. { فوقع الحق } أي: تبين ~~وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، { وبطل ما كانوا يعملون * ~~فغلبوا ms0520 هنالك } أي: في ذلك المقام { وانقلبوا صاغرين } ~~أي: حقيرين قد اضمحل باطلهم، وتلاشى سحرهم، ولم يحصل لهم المقصود الذي ~~ظنوا حصوله. وأعظم من تبين له الحق العظيم أهل الصنف والسحر، الذين ~~يعرفون من أنواع السحر وجزئياته ما لا يعرفه غيرهم، فعرفوا أن هذه آية ~~عظيمة من آيات الله لا يدان لأحد بها. { وألقي السحرة ~~ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى ~~وهارون } أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات. ف { قال ~~} لهم { فرعون } متهددا على الإيمان: { آمنتم به قبل أن ~~آذن لكم } كان الخبيث حاكما مستبدا على الأبدان والأقوال، قد تقرر ~~عنده وعندهم أن قوله هو المطاع، وأمره نافذ فيهم، ولا خروج لأحد عن قوله ~~وحكمه، وبهذه الحالة تنحط الأمم، وتضعف عقولها ونفوذها، وتعجز عن ~~المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه: # فاستخف قومه فأطاعوه # [الزخرف: 54] وقال هنا: { آمنتم به قبل أن آذن لكم } أي: ~~فهذا سوء أدب منكم وتجرؤ علي. ثم موه على قومه وقال: { إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منهآ ~~أهلها } أي: إن موسى كبيركم الذي علمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على ~~أن تنغلبوا له، فيظهر فتتبعوه، ثم يتبعكم الناس أو جمهورهم، فتخرجوا منها ~~أهلها. وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال، أن موسى عليه الصلاة والسلام ~~لم يجتمع بأحد منهم، وأنهم جمعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به ~~موسى آية إلهية، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى، حتى عجزوا ~~وتبين لهم الحق، فاتبعوه. # ثم توعدهم فرعون بقوله: { فسوف تعلمون } ما أحل بكم من ~~العقوبة، { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } ~~زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من ~~تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى. { ثم ~~لأصلبنكم } في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه { أجمعين } أي: ~~لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب، فقال السحرة ~~الذين آمنوا لفرعون حين تهددهم: { قالوا إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } أي: فلا نبالي بعقوبتك، فالله ms0521 خير وأبقى، فاقض ما أنت ~~قاض. { وما تنقم منآ } أي: وما تعيب منا على إنكارك علينا وتوعدك ~~لنا؟ فليس لنا ذنب { إلا أن آمنا } [بآيات] ربنا [لما جاءتنا] ~~فإن كان هذا ذنبا يعاب عليه، ويستحق صاحبه العقوبة، فهو ذنبنا. ثم دعوا ~~الله أن يثبتهم ويصبرهم فقالوا: { ربنآ أفرغ } أي: أفض { ~~علينا صبرا } أي: عظيما، كما يدل عليه التنكير، لأن هذه محنة ~~عظيمة، تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير، ليثبت ~~الفؤاد، ويطمئن المؤمن على إيمانه، ويزول عنه الانزعاج الكثير. { ~~وتوفنا مسلمين } أي: منقادين لأمرك، متبعين لرسولك، والظاهر ~~أنه أوقع بهم ما توعدهم عليه، وأن الله تعالى ثبتهم على الإيمان. هذا ~~وفرعون وملأه وعامتهم المتبعون للملأ، قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا ~~بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين ~~أن ما جاء باطل وفساد: { أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض } بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي ~~هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما ~~يقولون. { ويذرك وآلهتك } أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ~~ويصد الناس عن اتباعك. ف { قال } فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني ~~إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن فرعون وقومه - بزعمه - من ~~ضررهم: { سنقتل أبنآءهم ونستحيي نسآءهم } أي: ~~نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين ~~لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال { وإنا فوقهم ~~قاهرون } لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من ~~فرعون والعتو والقسوة. ف { قال موسى لقومه } موصيا لهم في ~~هذه الحالة، - التي لا يقدرون معها على شيء، ولا مقاومة - بالمقاومة ~~الإلهية، والاستعانة الربانية: { استعينوا بالله } أي: اعتمدوا ~~عليه في جلب ما ينفعكم، ودفع ما يضركم، وثقوا بالله أنه سيتم أمركم { ~~واصبروا } أي: الزموا الصبر على ما يحل بكم، منتظرين للفرج. { ~~إن الأرض لله } ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكموا فيها { ~~يورثها من يشآء من عباده } أي: يداولها ms0522 بين الناس على حسب ~~مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتقين، فإنهم - وإن امتحنوا مدة ابتلاء من ~~الله وحكمة، فإن النصر لهم، { والعاقبة } الحميدة لهم على قومهم ~~وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى ~~الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج. # { قالوا } لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: { ~~أوذينا من قبل أن تأتينا } فإنهم يسوموننا سوء العذاب، ~~يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا { ومن بعد ما جئتنا } كذلك ف ~~{ قال } لهم موسى مرجيا [لهم] الفرج والخلاص من شرهم: { عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } ~~أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها { فينظر كيف تعملون ~~} هل تشكرون أم تكفرون؟. وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده ~~الله. قال الله تعالى في بيان ما عامل به آل فرعون في هذه المدة ~~الأخيرة، أنها على عادته وسنته في الأمم، أن يأخذهم بالبأساء والضراء، ~~لعلهم يضرعون. الآيات: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ~~} أي: بالدهور والجدب، { ونقص من الثمرات لعلهم ~~يذكرون } أي: يتعظون أن ما حل بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم، ~~لعلهم يرجعون عن كفرهم، فلم ينجع فيهم ولا أفاد، بل استمروا على الظلم ~~والفساد. { فإذا جآءتهم الحسنة } أي: الخصب وإدرار الرزق { ~~قالوا لنا هذه } أي: نحن مستحقون لها، فلم يشكروا الله عليها ~~{ وإن تصبهم سيئة } أي: قحط وجدب { يطيروا بموسى ~~ومن معه } أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى، واتباع بني ~~إسرائيل له. قال الله تعالى: { ألا إنما طائرهم عند ~~الله } أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو ~~السبب في ذلك، بل { أكثرهم لا يعلمون } أي: فلذلك قالوا ما ~~قالوا. { وقالوا } مبينين لموسى أنهم لا يزالون، ولا يزولون عن ~~باطلهم: { مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما ~~نحن لك بمؤمنين } أي: قد تقرر عندنا أنك ساحر، فمهما جئت ~~بآية، جزمنا أنها سحر، فلا نؤمن لك ولا نصدق، وهذا غاية ما يكون من ~~العناد، ms0523 أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات، سواء نزلت عليهم ~~الآيات أم لم تنزل. { فأرسلنا عليهم الطوفان } أي: الماء ~~الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم، وأضر بهم ضررا كثيرا { والجراد ~~} فأكل ثمارهم وزروعهم، ونباتهم { والقمل } قيل: إنه الدباء، أي: ~~صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف { والضفادع } فملأت ~~أوعيتهم، وأقلقتهم، وآذتهم أذية شديدة { والدم } إما أن يكون الرعاف، ~~أو كما قال كثير من المفسرين، أن ماءهم الذي يشربون انقلب دما، فكانوا ~~لا يشربون إلا دما، ولا يطبخون إلا بدم. { آيات مفصلات } أي: ~~أدلة وبينات على أنهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حق ~~وصدق { فاستكبروا } لما رأوا الآيات { وكانوا } في سابق أمرهم ~~{ قوما مجرمين } فلذلك عاقبهم الله تعالى، بأن أبقاهم على الغي ~~والضلال. # { ولما وقع عليهم الرجز } أي: العذاب، يحتمل أن المراد ~~به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من ~~الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب، ~~وأنهم كلما أصابهم واحد منها { قالوا يموسى ادع لنا ربك ~~بما عهد عندك } أي: تشفعوا بموسى بما عهد الله عنده من الوحي ~~والشرع، { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ~~ولنرسلن معك بني إسرآئيل } وهم في ذلك كذبة، لا قصد ~~لهم إلا زوال ما حل بهم من العذاب، وظنوا إذا رفع لا يصيبهم غيره. { ~~فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه } ~~أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفا مؤبدا، وإنما هو ~~مؤقت، { إذا هم ينكثون } العهد الذي عاهدوا عليه موسى، ووعدوه ~~بالإيمان به، وإرسال بني إسرائيل، فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني ~~إسرائيل، بل استمروا على كفرهم يعمهون، وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين. { ~~فانتقمنا منهم } أي: حين جاء الوقت المؤقت لهلاكهم، أمر الله ~~موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا، وأخبره أن فرعون سيتبعهم هو وجنوده # فأرسل فرعون في المدآئن حاشرين # [الشعراء: 53] يجمعون الناس ليتبعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم: # إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا ~~لغآئظون * وإنا لجميع حاذرون * فأخرجناهم من ms0524 ~~جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك ~~وأورثناها بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين * ~~فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * ~~فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ~~ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ~~ثم أغرقنا الآخرين # [الشعراء: 54-66]. وقال هنا: { فأغرقناهم في اليم ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } أي: ~~بسبب تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عما دلت عليه من الحق. { ~~وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون } في الأرض، ~~أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون، يسومونهم سوء العذاب أورثهم ~~الله { مشارق الأرض ومغاربها } والمراد بالأرض هاهنا، أرض ~~مصر التي كانوا فيها مستضعفين، أذلين، أي: ملكهم الله جميعا، ومكنهم ~~فيها التي باركنا فيها { وتمت كلمة ربك ~~الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا } حين قال لهم ~~موسى: # استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله ~~يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128]. { ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه } من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة { وما كانوا ~~يعرشون } # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون # [النمل: 52]. { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر } بعد ما ~~أنجاهم الله من عدوهم فرعون وقومه، وأهلكهم الله، وبنوا إسرائيل ~~ينظرون. # { فأتوا } أي: مروا { على قوم يعكفون على أصنام ~~لهم } أي: يقيمون عندها ويتبركون بها، ويعبدونها. ف { قالوا } من ~~جهلهم وسفههم لنبيهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم { ~~يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة } أي: اشرع لنا ~~أن نتخذ أصناما آلهة كما اتخذها هؤلاء. ف { قال } لهم موسى: { ~~إنكم قوم تجهلون } وأي جهل أعظم من جهل من جهل ربه ~~وخالقه وأراد أن يسوي به غيره، ممن لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ~~ولا حياة ولا نشورا؟!! ولهذا قال لهم موسى: { إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } لأن ~~دعاءهم إياها باطل، وهي باطلة بنفسها، فالعمل باطل وغايته باطلة. { قال ~~أغير الله أبغيكم إلها } أي: أأطلب لكم إلها غير الله ms0525 ~~المألوه، الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. { وهو فضلكم على ~~العالمين } فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكر، وذلك بإفراده ~~وحده بالعبادة، والكفر بما يدعي من دونه. ثم ذكرهم بما امتن الله به ~~عليهم فقال: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون } أي: من ~~فرعون وآله { يسومونكم سوء العذاب } أي: يوجهون إليكم من ~~العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا { يقتلون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم } النجاة من عذابهم { ~~بلاء من ربكم عظيم } أي: نعمة جليلة، ومنحة جزيلة، أو: وفي ~~ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاء من ربكم عليكم عظيم، فلما ذكرهم موسى ~~ووعظهم انتهوا عن ذلك. ولما أتم الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم، ~~وتمكينهم في الأرض، أراد تبارك وتعالى أن يتم نعمته عليهم، بإنزال الكتاب ~~الذي فيه الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية، فواعد موسى ثلاثين ليلة، ~~وأتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة، ليستعد موسى، ويتهيأ لوعد الله، ويكون ~~لنزولها موقع كبير لديهم، وتشوق إلى إنزالها. ولما ذهب موسى إلى ميقات ~~ربه قال لهارون موصيا له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته: { ~~اخلفني في قومي } أي: كن خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، ~~{ وأصلح } أي: اتبع طريق الصلاح { ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } وهم الذين يعملون بالمعاصي. { ولما جآء موسى ~~لميقاتنا } الذي وقتناه له لإنزال الكتاب { وكلمه ربه } ~~بما كلمه من وحيه وأمره ونهيه، تشوق إلى رؤية الله، ونزعت نفسه لذلك، ~~حبا لربه ومودة لرؤيته. ف { قال رب أرني أنظر إليك } ~~الله { لن تراني } أي: لن تقدر الآن على رؤيتي، فإن الله تبارك ~~وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها، ولا يثبتون ~~لرؤية الله، وليس في هذا دليل على أنهم لا يرونه في الجنة، فإنه قد دلت ~~النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على أن أهل الجنة يرون ربهم تبارك ~~وتعالى، ويتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وأنه ينشئهم نشأة كاملة، ~~يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتب الله الرؤية في هذه الآية ~~على ثبوت الجبل، فقال - مقنعا لموسى في عدم إجابته للرؤية - { ~~ولكن ms0526 انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه } إذا ~~تجلى الله له { فسوف تراني }. # { فلما تجلى ربه للجبل } الأصم الغليظ { جعله ~~دكا } أي: انهال مثل الرمل، انزعاجا من رؤية الله وعدم ثبوته لها، { ~~وخر موسى } حين رأى ما رأى { صعقا } فتبين له حينئذ أنه إذا لم ~~يثبت الجبل لرؤية الله، فموسى أولى أن لا يثبت لذلك، واستغفر ربه لما ~~صدر منه من السؤال، الذي لم يوافق موضعا و[لذلك] { قال سبحانك } ~~أي: تنزيها لك، وتعظيما عما لا يليق بجلالك { تبت إليك } من ~~جميع الذنوب، وسوء الأدب معك { وأنا أول المؤمنين } أي: ~~جدد عليه الصلاة والسلام إيمانه، بما كمل الله له مما كان يجهله قبل ~~ذلك، فلما منعه الله من رؤيته - بعدما ما كان متشوقا إليها - أعطاه ~~خيرا كثيرا فقال: { يموسى إني اصطفيتك على الناس } ~~أي: اخترتك واجتبيتك وفضلتك وخصصتك بفضائل عظيمة، ومناقب جليلة، { ~~برسالاتي } التي لا أجعلها، ولا أخص بها إلا أفضل الخلق. { ~~وبكلامي } إياك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختص بها موسى الكليم، ~~وعرف بها من بين إخوانه من المرسلين، { فخذ مآ آتيتك } من النعم، ~~وخذ ما آتيتك من الأمر والنهي بانشراح صدر، وتلقه بالقبول والانقياد، { ~~وكن من الشاكرين } لله على ما خصك وفضلك. { وكتبنا له ~~في الألواح من كل شيء } يحتاج إليه العباد { موعظة } ~~ترغب النفوس في أفعال الخير، وترهبهم من أفعال الشر، { وتفصيلا ~~لكل شيء } من الأحكام الشرعية، والعقائد والأخلاق والآداب { ~~فخذها بقوة } أي: بجد واجتهاد على إقامتها، { وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها } وهي الأوامر الواجبة والمستحبة، فإنها ~~أحسنها، وفي هذا دليل على أن أوامر الله - في كل شريعة - كاملة عادلة ~~حسنة. { سأوريكم دار الفاسقين } بعد ما أهلكهم الله، وأبقى ~~ديارهم عبرة بعدهم، يعتبر بها المؤمنون الموفقون المتواضعون. وأما غيرهم، ~~فقال عنهم: { سأصرف عن آياتي } أي: عن الاعتبار في الآيات ~~الأفقية والنفسية، والفهم لآيات الكتاب { الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق } أي: يتكبرون على عباد الله وعلى الحق، ~~وعلى من جاء به، فمن كان بهذه الصفة، حرمه الله خيرا كثيرا وخذله، ms0527 ولم ~~يفقه من آيات الله ما ينتفع به، بل ربما انقلبت عليه الحقائق، واستحسن ~~القبيح. { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها } لإعراضهم ~~واعتراضهم، ومحادتهم لله ورسوله، { وإن يروا سبيل الرشد } ~~أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته. { ~~لا يتخذوه } أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه { وإن يروا ~~سبيل الغي } أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء { ~~يتخذوه سبيلا } والسبب في انحرافهم هذا الانحراف { ذلك ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين } ~~فردهم لآيات الله، وغفلتهم عما يراد بها واحتقارهم لها - هو الذي أوجب ~~لهم من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشد ما أوجب. # { والذين كذبوا بآياتنا } العظيمة الدالة على صحة ما ~~أرسلنا به رسلنا. { ولقآء الآخرة حبطت أعمالهم } لأنها ~~على غير أساس، وقد فقد شرطها وهو الإيمان بآيات الله، والتصديق بجزائه { ~~هل يجزون } في بطلان أعمالهم وحصول ضد مقصودهم { إلا ما ~~كانوا يعملون } فإن أعمال من لا يؤمن باليوم الآخر، لا يرجو فيها ~~ثوابا، وليس لها غاية تنتهي إليه، فلذلك اضمحلت وبطلت { واتخذ ~~قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا } صاغه ~~السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار { له خوار } وصوت، ~~فعبدوه واتخذوه إلها. وقال # هذآ إلهكم وإله موسى فنسي # [طه: 88] موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه ~~عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟!! ولهذا قال مبينا ~~أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها { ~~ألم يروا أنه لا يكلمهم } أي: وعدم الكلام نقص عظيم، ~~فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم { ولا ~~يهديهم سبيلا } أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة ~~دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ~~ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: { اتخذوه ~~وكانوا ظالمين } حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام ms0528 الله، ~~فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليل على ~~عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية. { ولما } رجع موسى إلى قومه، ~~فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم ندموا و { سقط في ~~أيديهم } أي: من الهم والندم على فعلهم، { ورأوا أنهم ~~قد ضلوا } فتنصلوا، إلى الله وتضرعوا و { قالوا لئن لم ~~يرحمنا ربنا } فيدلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفقنا لصالح ~~الأعمال، { ويغفر لنا } ما صدر منا من عبادة العجل { لنكونن ~~من الخاسرين } الذين خسروا الدنيا والآخرة. { ولما رجع ~~موسى إلى قومه غضبن أسفا } أي: ممتلئا غضبا وغيظا ~~عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، { قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي } أي: بئس الحالة التي خلفتموني ~~بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء ~~السرمدي. { أعجلتم أمر ربكم } حيث وعدكم بإنزال الكتاب. ~~فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة { وألقى ~~الألواح } أي: رماها من الغضب { وأخذ برأس أخيه } هارون ~~ولحيته { يجره إليه } وقال له: # ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري # [طه: 92-93] لك بقولي: # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142] ف # قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ولم ~~ترقب قولي # [طه: 94] و { قال } هنا { ابن أم } هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم ~~وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: { إن القوم استضعفوني } ~~أي: احتقروني حين قلت لهم: # يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري # [طه: 90] { وكادوا يقتلونني } أي: فلا تظن بي تقصيرا { فلا ~~تشمت بي الأعدآء } بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء ~~حريصون على أن يجدوا علي عثرة، أو يطلعوا لي على زلة { ولا ~~تجعلني مع القوم الظلمين } فتعاملني معاملتهم. فندم ~~موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه قبل أن يعلم براءته، مما ~~ظنه فيه من التقصير، و { قال رب اغفر لي ولأخي } هارون { ~~وأدخلنا في رحمتك } أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيط بنا ms0529 من ~~كل جانب، فإنها حصن حصين من جميع الشرور، وثم كل الخير وسرور. { ~~وأنت أرحم الراحمين } أي: أرحم بنا من كل راحم، أرحم بنا من ~~آبائنا وأمهاتنا وأولادنا وأنفسنا، قال الله تعالى مبينا حال أهل العجل ~~الذين عبدوه: { إن الذين اتخذوا العجل } أي: إلها { ~~سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا } كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره. { وكذلك نجزي ~~المفترين } فكل مفتر على الله، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم ~~يقل، فإن له نصيبا من الغضب من الله، والذل في الحياة الدنيا، وقد ~~نالهم غضب الله، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، وأنه لا يرضى الله عنهم ~~إلا بذلك، فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى، ثم تاب ~~الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه هم وغيرهم، فقال: ~~{ والذين عملوا السيئات } من شرك وكبائر، وصغائر { ثم ~~تابوا من بعدها } بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها، وعزموا على ~~أن لا يعودوا { وآمنوا } بالله وبما أوجب الله من الإيمان به، ولا ~~يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان { ~~إن ربك من بعدها } أي: بعد هذه الحالة، حالة التوبة من ~~السيئات والرجوع إلى الطاعات، { لغفور } يغفر السيئات ويمحوها، ولو ~~كانت قراب الأرض { رحيم } بقبول التوبة، والتوفيق لأفعال الخير ~~وقبولها. { ولما سكت عن موسى الغضب } أي: سكن غضبه، ~~وتراجعت نفسه، وعرف ما هو فيه، اشتغل بأهم الأشياء عنده، ف { أخذ ~~الألواح } التي ألقاها، وهي ألواح عظيمة المقدار، جليلة { وفي ~~نسختها } أي: مشتملة ومتضمنة { هدى ورحمة } أي: فيها الهدى ~~من الضلالة، وبيان الحق من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى ~~لأحسن الأعمال، والأخلاق، والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها، وعلم ~~أحكامها ومعانيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ~~ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين [هم] { لربهم يرهبون } ~~أي: يخافون منه ويخشونه، وأما من لم يخف الله ولا المقام بين يديه، فإنه ~~لا يزداد بها إلا عتوا ونفورا، وتقوم عليه حجة الله فيها. ms0530 # { و } لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم { اختار موسى } ~~منهم { سبعين رجلا } من خيارهم، ليعتذروا لقومهم عند ربهم، ووعدهم ~~الله ميقاتا يحضرون فيه، فلما حضروه، قالوا: يا موسى، # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، ف { ~~أخذتهم الرجفة } فصعقوا وهلكوا. فلم يزل موسى عليه الصلاة ~~والسلام، يتضرع إلى الله ويتبتل ويقول: { رب لو شئت ~~أهلكتهم من قبل } أن يحضروا ويكونون في حالة يعتذرون فيها ~~لقومهم، فصاروا هم الظالمين { أتهلكنا بما فعل السفهآء ~~منآ } أي: ضعفاء العقول، سفهاء الأحلام، فتضرع إلى الله واعتذر بأن ~~المتجرئين على الله ليس لهم عقول كاملة، تردعهم عما قالوا وفعلوا، ~~وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان، ويخاف من ذهاب دينه فقال: { إن ~~هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء ~~أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين } أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضل، ~~فكأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا رب بالقصد الأول لنا ~~كلنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حضره عقله ورشده، وتم على ما ~~وهبته من التوفيق، فإنه لم يزل مستقيما، وأما من ضعف عقله، وسفه رأيه، ~~وصرفته الفتنة، فهو الذي فعل ما فعل، لذينك السببين، ومع هذا فأنت أرحم ~~الراحمين، وخير الغافرين، فاغفر لنا وارحمنا. فأجاب الله سؤاله، وأحياهم ~~من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم. وقال موسى في تمام دعائه { واكتب ~~لنا في هذه الدنيا حسنة } من علم نافع، ورزق واسع، وعمل ~~صالح. { وفي الآخرة } حسنة وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من ~~الثواب. { إنا هدنآ إليك } أي: رجعنا مقرين بتقصيرنا، منيبين ~~في جميع أمورنا { قال } الله تعالى: { عذابي أصيب به من ~~أشآء } ممن كان شقيا، متعرضا لأسبابه، { ورحمتي وسعت كل ~~شيء } من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا ~~مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة ~~الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ms0531 { ~~فسأكتبها للذين يتقون } المعاصي، صغارها وكبارها. { ~~ويؤتون الزكاة } الواجبة مستحقيها { والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون } ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها، ~~والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا ~~وباطنا، في أصول الدين وفروعه. { الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي } احتراز عن سائر الأنبياء، فإن المقصود بهذا محمد ~~بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم. والسياق في أحوال بني ~~إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في ~~الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين، هم أهل الرحمة المطلقة، التي كتبها ~~الله لهم، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية، التي لا تقرأ ولا ~~تكتب، وليس عندها قبل القرآن كتاب. # { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل } باسمه وصفته، التي من أعظمها وأجلها، ما يدعو إليه وينهى ~~عنه. وأنه { يأمرهم بالمعروف } وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ~~ونفعه. { وينهاهم عن المنكر } وهو: كل ما عرف قبحه في ~~العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وصلة الأرحام، ~~وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، ~~والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله، ~~وقتل النفوس بغير حق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، ~~والكذب، والفجور، ونحو ذلك. فأعظم دليل يدل على أنه رسول الله، ما دعا ~~إليه وأمر به، ونهى عنه، وأحله وحرمه، فإنه { يحل لهم ~~الطيبات } من المطاعم والمشارب، والمناكح. { ويحرم ~~عليهم الخبآئث } من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال ~~والأفعال. { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم } أي: ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر، لا إصر فيه ولا أغلال، ~~ولا مشقات ولا تكاليف ثقال. { فالذين آمنوا به وعزروه } ~~أي: عظموه وبجلوه { ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه } وهو القرآن، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به ~~إذا تعارضت المقالات، { أولئك هم المفلحون } الظافرون ~~بخير الدنيا والآخرة، والناجون من شرهما، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح. ~~وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي، ويعزره وينصره، ولم ms0532 يتبع النور الذي ~~أنزل معه، فأولئك هم الخاسرون. ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى ~~اتباعه، وكان ربما توهم متوهم أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على ~~العموم فقال: { قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا } أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم. { ~~الذي له ملك السموت والأرض } يتصرف فيهما بأحكامه ~~الكونية والتدابير السلطانية، وبأحكامه الشرعية الدينية التي من جملتها: ~~أن أرسل إليكم رسولا عظيما يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذركم ~~من كل ما يباعدكم منه، ومن دار كرامته. { لا إله إلا هو } أي: ~~لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، ولا تعرف عبادته إلا من طريق ~~رسله، { يحيي ويميت } أي: من جملة تدابيره: الإحياء والإماتة، ~~التي لا يشاركه فيها أحد، الذي جعل الموت جسرا ومعبرا يعبر منه إلى دار ~~البقاء، التي من آمن بها صدق الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قطعا. { ~~فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي } إيمانا في ~~القلب، متضمنا لأعمال القلوب والجوارح { الذي يؤمن بالله ~~وكلماته } أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، { ~~واتبعوه لعلكم تهتدون } في مصالحكم الدينية والدنيوية، ~~فإنكم إذا لم تتبعوه ضللتم ضلالا بعيدا. # { ومن قوم موسى أمة } أي: جماعة { يهدون بالحق ~~وبه يعدلون } أي: يهدون به الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ~~ويعدلون به بينهم في الحكم بينهم، بقضاياهم، كما قال تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # [السجدة: 42] وفي هذا فضيلة لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأن الله ~~تعالى جعل منهم هداة يهدون بأمره. وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه ~~نوع احتراز مما تقدم، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني ~~إسرائيل، المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم ~~جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية. { ~~وقطعناهم } أي: قسمناهم { اثنتي عشرة أسباطا أمما ~~} أي: اثنتي عشرة قبيلة متعارفة متوالفة، كل بني رجل من أولاد يعقوب ~~قبيلة. { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه قومه } أي: ms0533 ~~طلبوا منه أن يدعو الله تعالى، أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه ~~مواشيهم، وذلك لأنهم - والله أعلم - في محل قليل الماء. فأوحى الله ~~لموسى إجابة لطلبتهم { أن اضرب بعصاك الحجر } يحتمل أنه حجر ~~معين، ويحتمل أنه اسم جنس، يشمل أي حجر كان، فضربه { فانبجست } أي: ~~انفجرت من ذلك الحجر { اثنتا عشرة عينا } جارية سارحة. { قد ~~علم كل أناس مشربهم } أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك ~~القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكل منهم عينا، فعلموها، واطمأنوا، ~~واستراحوا من التعب والمزاحمة، والمخاصمة، وهذا من تمام نعمة الله ~~عليهم. { وظللنا عليهم الغمام } فكان يسترهم من حر الشمس ~~{ وأنزلنا عليهم المن } وهو الحلوى، { والسلوى } ~~وهو لحم طير من أنواع الطيور وألذها، فجمع الله لهم بين الظلال، ~~والشراب، والطعام الطيب، من الحلوى واللحوم، على وجه الراحة والطمأنينة. ~~وقيل لهم: { كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ~~} حين لم يشكروا الله، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } حيث فوتوها كل خير، وعرضوها للشر ~~والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه. { وإذ قيل لهم اسكنوا ~~هذه القرية } أي: ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا، وهي " ~~إيلياء " { وكلوا منها حيث شئتم } أي: قرية كانت كثيرة ~~الأشجار، غزيرة الثمار، رغيدة العيش، فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها ~~حيث شاؤوا. { وقولوا } حين تدخلون الباب: { حطة } أي: احطط عنا ~~خطايانا، واعف عنا. { وادخلوا الباب سجدا } أي: خاضعين لربكم ~~مستكينين لعزته، شاكرين لنعمته، فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم ~~على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال: { نغفر لكم ~~خطيئاتكم سنزيد المحسنين } من خير الدنيا والآخرة، فلم ~~يمتثلوا هذا الأمر الإلهي، بل { فبدل الذين ظلموا منهم ~~} أي: عصوا الله واستهانوا بأمره { قولا غير الذي قيل لهم ~~} فقالوا بدل طلب المغفرة، وقولهم: { حطة } ، حبة في شعيرة، وإذا ~~بدلوا القول - مع يسره وسهولته - فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا ~~دخلوا وهم يزحفون على أستاههم. # { فأرسلنا عليهم } حين خالفوا أمر الله وعصوه { رجزا ~~من السمآء } أي: عذابا شديدا، إما الطاعون وإما ms0534 غيره من ~~العقوبات السماوية. وما ظلمهم الله بعقابه وإنما كان ذلك { بما ~~كانوا يظلمون } أي: يخرجون من طاعة الله إلى معصيته، من غير ~~ضرورة ألجأتهم ولا داع دعاهم سوى الخبث والشر الذي كان كامنا في نفوسهم. ~~{ وسئلهم } أي: اسأل بني إسرائيل { عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر } أي: على ساحله في حال تعديهم وعقاب الله ~~إياهم. { إذ يعدون في السبت } وكان الله تعالى قد أمرهم أن ~~يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا، فابتلاهم الله وامتحنهم، فكانت ~~الحيتان تأتيهم { يوم سبتهم شرعا } أي: كثيرة طافية على وجه ~~البحر. { ويوم لا يسبتون } أي: إذا ذهب يوم السبت { لا ~~تأتيهم } أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئا { كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون } ففسقهم هو الذي أوجب أن يبتليهم ~~الله، وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلا فلو لم يفسقوا، لعافاهم الله، ~~ولما عرضهم للبلاء والشر، فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفرا، ~~وينصبون لها الشباك، فإذا جاء يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشباك، لم ~~يأخذوها في ذلك اليوم، فإذا جاء يوم الأحد أخذوها، وكثر فيهم ذلك، ~~وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتدوا وتجرؤوا، وأعلنوا بذلك. وفرقة أعلنت ~~بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم، ونهيهم لهم، ~~وقالوا لهم: { لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا } كأنهم يقولون: لا فائدة في وعظ من ~~اقتحم محارم الله، ولم يصغ للنصيح، بل استمر على اعتدائه وطغيانه، فإنه ~~لا بد أن يعاقبهم الله، إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم ~~وننهاهم { معذرة إلى ربكم } أي: لنعذر فيهم. { ~~ولعلهم يتقون } أي: يتركون ما هم فيه من المعصية، فلا نيأس ~~من هدايتهم، فربما نجع فيهم الوعظ، وأثر فيهم اللوم. وهذا المقصود الأعظم ~~من إنكار المنكر ليكون معذرة، وإقامة حجة على المأمور المنهي، ولعل الله ~~أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي. { فلما نسوا ما ~~ذكروا به } أي: تركوا ما ذكروا به، واستمروا على غيهم واعتدائهم. ~~{ أنجينا } من العذاب { الذين ينهون عن السوء } وهكذا ~~سنة الله ms0535 في عباده، أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر. { وأخذنا الذين ظلموا } وهم الذين ~~اعتدوا في السبت { بعذاب بئيس } أي: شديد { بما كانوا ~~يفسقون }. وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: { لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم } فاختلف المفسرون في نجاتهم وهلاكهم، ~~والظاهر أنهم كانوا من الناجين، لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم ~~يذكر أنهم ظالمون، فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت، ولأن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن ~~الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم: { لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا } فأبدوا من غضبهم عليهم، ما يقتضي أنهم كارهون أشد الكراهة ~~لفعلهم، وأن الله سيعاقبهم أشد العقوبة. # { فلما عتوا عن ما نهوا عنه } أي: قسوا فلم يلينوا ولا ~~اتعظوا، { قلنا لهم } قولا قدريا: { كونوا قردة ~~خاسئين } فانقلبوا بإذن الله قردة، وأبعدهم الله من رحمته، ثم ذكر ~~ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم فقال: { وإذ تأذن ربك } ~~أي: أعلم إعلاما صريحا: { ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب } أي: يهينهم ويذلهم. { ~~إن ربك لسريع العقاب } لمن عصاه، حتى إنه يعجل له العقوبة ~~في الدنيا. { وإنه لغفور رحيم } لمن تاب إليه وأناب، يغفر ~~له الذنوب، ويستر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبل منه الطاعات، ويثيبه ~~عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما أوعدهم به، فلا يزالون في ~~ذل وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم راية، ولا ينصر لهم علم. { ~~وقطعناهم في الأرض أمما } أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض ~~بعد ما كانوا مجتمعين، { منهم الصالحون } القائمون بحقوق الله ~~وحقوق عباده، { ومنهم دون ذلك } أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، ~~وإما ظالمون لأنفسهم، { وبلوناهم } على عادتنا وسنتنا، { ~~بالحسنات والسيئات } أي: بالعسر واليسر. { لعلهم ~~يرجعون } عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من ~~الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصد، حتى خلف من بعدهم خلف. زاد ~~شرهم { ورثوا } بعدهم { الكتب } وصار المرجع ms0536 فيه إليهم، وصاروا ~~يتصرفون فيه بأهوائهم، وتبذل لهم الأموال، ليفتوا ويحكموا بغير الحق، ~~وفشت فيهم الرشوة. { يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون ~~} مقرين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: { سيغفر لنا } وهذا قول خال من ~~الحقيقة، فإنه ليس استغفارا وطلبا للمغفرة على الحقيقة. فلو كان ذلك ~~لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم - إذا أتاهم عرض ~~آخر، ورشوة أخرى - يأخذوه. فاشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، واستبدلوا ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير، قال الله [تعالى] في الإنكار عليهم، وبيان ~~جراءتهم: { ألم يؤخذ عليهم ميثق الكتب أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق } فما بالهم يقولون عليه غير ~~الحق اتباعا لأهوائهم، وميلا مع مطامعهم. { و } الحال أنهم قد { ~~درسوا ما فيه } فليس عليهم فيه إشكال، بل قد أتوا أمرهم ~~متعمدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظم للذنب، وأشد للوم، وأشنع ~~للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم، وسفاهة رأيهم، بإيثار الحياة الدنيا على ~~الآخرة، ولهذا قال: { والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون } ما حرم الله عليهم، من المآكل التي تصاب، وتؤكل رشوة على ~~الحكم بغير ما أنزل الله، وغير ذلك من أنواع المحرمات. # { أفلا تعقلون } أي: أفلا يكون لكم عقول توازن بين ما ينبغي ~~إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له ~~على غيره، فخاصية العقل النظر للعواقب. وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، ~~يفوت نعيما عظيما باقيا فأنى له العقل والرأي؟!! وإنما العقلاء حقيقة ~~من وصفهم الله بقوله { والذين يمسكون بالكتاب } أي: ~~يتمسكون به علما وعملا، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها ~~أشرف العلوم. ويعلمون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور ~~القلوب، وأفراح الأرواح، وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسك ~~به من المأمورات إقامة الصلاة، ظاهرا وباطنا، ولهذا خصها الله بالذكر ~~لفضلها وشرفها، وكونها ميزان الإيمان، وإقامتها داعية لإقامة غيرها من ~~العبادات. ولما كان عملهم كله إصلاحا، قال تعالى: { إنا لا نضيع ~~أجر المصلحين } في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم، مصلحين لأنفسهم ~~ولغيرهم. ms0537 وهذه الآية وما أشبهها دلت على أن الله بعث رسله عليهم الصلاة ~~والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنهم بعثوا بصلاح ~~الدارين، فكل من كان أصلح، كان أقرب إلى اتباعهم. ثم قال تعالى: { وإذ ~~نتقنا الجبل فوقهم } حين امتنعوا من قبول ما في التوراة. ~~فألزمهم الله العمل ونتق فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم { كأنه ~~ظلة وظنوا أنه واقع بهم } وقيل لهم: { خذوا مآ ~~ءاتينكم بقوة } أي: بجد واجتهاد. { واذكروا ما فيه } ~~دراسة ومباحثة، واتصافا بالعمل به { لعلكم تتقون } إذا فعلتم ~~ذلك. ### || [7.172-174] # يقول تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ~~ظهورهم ذريتهم } أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم، وجعلهم ~~يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن. { و } حين أخرجهم من بطون أمهاتهم ~~وأصلاب آبائهم { أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم } ~~أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار، بأنه ربهم ~~وخالقهم ومليكهم. قالوا: بلى قد أقررنا بذلك، فإن الله تعالى فطر عباده ~~على الدين الحنيف القيم. فكل أحد فهو مفطور على ذلك، ولكن الفطرة قد تغير ~~وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة، ولهذا { قالوا بلى ~~شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين } أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم، من ~~أن الله تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة، فلا تقروا بشيء من ~~ذلك، وتزعمون أن حجة الله ما قامت عليكم، ولا عندكم بها علم، بل أنتم ~~غافلون عنها لاهون. فاليوم قد انقطعت حجتكم، وثبتت الحجة البالغة لله ~~عليكم. أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: { إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } فحذونا ~~حذوهم، وتبعناهم في باطلهم. { أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } فقد أودع الله في فطركم ما يدلكم على أن ما مع آبائكم ~~باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ~~ويعلو عليه. نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين ومذاهبهم الفاسدة ~~ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج الله وبيناته وآياته ~~الأفقية والنفسية، ms0538 فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون، ربما ~~صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق، هذا هو الصواب في تفسير هذه ~~الآيات. وقد قيل: إن هذا يوم أخذ الله الميثاق على ذرية آدم، حين ~~استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما ~~أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة، ~~ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة الله ~~تعالى، والواقع شاهد بذلك. فإن هذا العهد والميثاق، الذي ذكروا، أنه حين ~~أخرج الله ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر، لا يذكره أحد، ~~ولا يخطر ببال آدمي، فكيف يحتج الله عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا ~~له عين ولا أثر؟!! ولهذا لما كان هذا أمرا واضحا جليا، قال تعالى: { ~~وكذلك نفصل الآيات } أي: نبينها ونوضحها، { ولعلهم ~~يرجعون } إلى ما أودع الله في فطرهم، وإلى ما عاهدوا الله عليه، ~~فيرتدعون عن القبائح. ### || [7.175-178] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { واتل عليهم نبأ ~~الذي ءاتيناه ءاياتنا } أي: علمناه كتاب الله، فصار العالم ~~الكبير والحبر النحرير. { فانسلخ منها فأتبعه الشيطان ~~} أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات الله، فإن العلم بذلك، ~~يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى ~~الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب الله وراء ظهره، ونبذ الأخلاق ~~التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس. فلما انسلخ منها أتبعه ~~الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، ~~فأزه إلى المعاصي أزا. { فكان من الغاوين } بعد أن كان من ~~الراشدين المرشدين. وهذا لأن الله تعالى خذله ووكله إلى نفسه، فلهذا قال ~~تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها } بأن نوفقه للعمل بها، ~~فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه. { ولكنه } فعل ما ~~يقتضي الخذلان، فأخلد إلى الأرض، أي: إلى الشهوات السفلية، ~~والمقاصد الدنيوية. { واتبع هواه } وترك طاعة مولاه، { ~~فمثله } في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، ms0539 { كمثل ~~الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } أي: ~~لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا حرصا قاطعا قلبه، لا ~~يسد فاقته شيء من الدنيا. { ذلك مثل القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا } بعد أن ساقها الله إليهم، فلم ينقادوا لها، بل ~~كذبوا بها وردوها، لهوانهم على الله، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من ~~الله. { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } في ضرب ~~الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا. { ~~سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم ~~كانوا يظلمون } أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات الله، وظلم نفسه ~~بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه الله آياته، يحتمل ~~أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره الله، فقص الله قصته تنبيها ~~للعباد. ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل من آتاه الله ~~آياته فانسلخ منها. وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك ~~رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه ~~نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد ~~العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان. ثم قال تعالى مبينا أنه المنفرد ~~بالهداية والإضلال: { من يهد الله } بأن يوفقه للخيرات، ويعصمه من ~~المكروهات، ويعلمه ما لم يكن يعلم { فهو المهتدي } حقا لأنه آثر ~~هدايته تعالى، { ومن يضلل } فيخذله ولا يوفقه للخير { ~~فأولئك هم الخاسرون } لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ~~ذلك هو الخسران المبين. ### || [7.179] # يقول تعالى مبينا كثرة الغاوين الضالين، المتبعين إبليس اللعين: { ~~ولقد ذرأنا } أي: أنشأنا وبثثنا { لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس } صارت البهائم أحسن حالة منهم. { لهم قلوب ~~لا يفقهون بها } أي: لا يصل إليها فقه ولا علم، إلا مجرد قيام ~~الحجة. { ولهم أعين لا يبصرون بها } ما ينفعهم، بل ~~فقدوا منفعتها وفائدتها. { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } ~~سماعا يصل معناه إلى قلوبهم. { أولئك } الذين بهذه الأوصاف ~~القبيحة { كالأنعام } أي: البهائم، التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ~~ما يفنى على ms0540 ما يبقى، فسلبوا خاصية العقل. { بل هم أضل } من ~~البهائم، فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له، ولها أذهان تدرك بها، مضرتها ~~من منفعتها، فلذلك كانت أحسن حالا منهم. { أولئك هم ~~الغافلون } الذين غفلوا عن أنفع الأشياء، غفلوا عن الإيمان بالله ~~وطاعته وذكره. خلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار، لتكون عونا لهم على ~~القيام بأوامر الله وحقوقه، فاستعانوا بها على ضد هذا المقصود. فهؤلاء ~~حقيقون بأن يكونوا ممن ذرأ الله لجهنم وخلقهم لها، فخلقهم للنار، ~~وبأعمال أهلها يعملون. وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة الله، ~~وانصبغ قلبه بالإيمان بالله ومحبته، ولم يغفل عن الله، فهؤلاء، أهل ~~الجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون. ### || [7.180] # هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه، بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل ~~اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى، ~~فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علما محضا لم تكن حسنى، وكذلك لو ~~دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح ~~والقدح، لم تكن حسنى، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق ~~منها، مستغرق لجميع معناها. وذلك نحو " العليم " الدال على أن له علما ~~محيطا عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء. و " كالرحيم " الدال على أن له رحمة عظيمة واسعة لكل شيء. و " ~~كالقدير " الدال على أن له قدرة عامة، لا يعجزها شيء، ونحو ذلك. ومن تمام ~~كونها " حسنى " أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال: { فادعوه بها } ~~وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ~~ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلا: اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت ~~الغفور الرحيم، وتب علي يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف ~~ونحو ذلك. وقوله: { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه ~~سيجزون ما كانوا يعملون } أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم ~~في أسمائه، وحقيقة الإلحاد الميل بها عما جعلت له، إما بأن ms0541 يسمى بها من ~~لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، ~~وأن يجعل لها معنى ما أراده الله ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها، ~~فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها، وقد ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم # " أن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة ". ### || [7.181] # أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها، يهدون ~~أنفسهم وغيرهم بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلمونه، ويدعون إليه ~~وإلى العمل به. { وبه يعدلون } بين الناس في أحكامهم إذا حكموا ~~في الأموال والدماء والحقوق والمقالات، وغير ذلك، وهؤلاء هم أئمة الهدى، ~~ومصابيح الدجى، وهم الذين أنعم الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح، ~~والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهم الصديقون الذين مرتبتهم تلي مرتبة ~~الرسالة، وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة كل بحسب حاله وعلو منزلته، فسبحان ~~من يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ### || [7.182-186] # أي: والذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم من الهدى فردوها ولم يقبلوها. { سنستدرجهم من ~~حيث لا يعلمون } بأن يدر لهم الأرزاق. { وأملي لهم } أي: ~~أمهلهم حتى يظنوا أنهم لا يؤخذون ولا يعاقبون، فيزدادون كفرا ~~وطغيانا، وشرا إلى شرهم، وبذلك تزيد عقوبتهم، ويتضاعف عذابهم، فيضرون ~~أنفسهم من حيث لا يشعرون، ولهذا قال: { إن كيدي متين } أي: قوي ~~بليغ. { أولم يتفكروا ما بصاحبهم } محمد صلى الله عليه ~~وسلم { من جنة } أي: أو لم يعملوا أفكارهم، وينظروا هل في ~~صاحبهم الذي يعرفونه ولا يخفى عليهم من حاله شيء، هل هو مجنون؟ فلينظروا ~~في أخلاقه وهديه، ودله وصفاته، وينظروا في ما دعا إليه، فلا يجدون فيه ~~من الصفات إلا أكملها، ولا من الأخلاق إلا أتمها، ولا من العقل والرأي ~~إلا ما فاق به العالمين، ولا يدعو إلا لكل خير، ولا ينهى إلا عن كل شر. ~~أفبهذا يا أولي الألباب من جنة؟ أم هو الإمام العظيم والناصح المبين، ~~والماجد الكريم، والرءوف ms0542 الرحيم؟ ولهذا قال: { إن هو إلا نذير ~~مبين } أي: يدعو الخلق إلى ما ينجيهم من العذاب، ويحصل لهم الثواب. { ~~أولم ينظروا في ملكوت السموت والأرض } فإنهم ~~إذا نظروا إليها وجدوها أدلة دالة على توحيد ربها، وعلى ما له من صفات ~~الكمال. { و } كذلك لينظروا إلى جميع { ما خلق الله من شيء } ~~فإن جميع أجزاء العالم، يدل أعظم دلالة على علم الله وقدرته وحكمته وسعة ~~رحمته، وإحسانه، ونفوذ مشيئته، وغير ذلك من صفاته العظيمة، الدالة على ~~تفرده بالخلق والتدبير، الموجبة لأن يكون هو المعبود المحمود، المسبح ~~الموحد المحبوب. وقوله: { وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم } أي: لينظروا في خصوص حالهم، وينظروا لأنفسهم قبل أن يقترب ~~أجلهم، ويفجأهم الموت وهم في غفلة معرضون، فلا يتمكنون حينئذ، من ~~استدراك الفارط. { فبأي حديث بعده يؤمنون } أي: إذا لم ~~يؤمنوا بهذا الكتاب الجليل، فبأي حديث يؤمنون به؟!! أبكتب الكذب والضلال؟ ~~أم بحديث كل مفتر دجال؟ ولكن الضال لا حيلة فيه، ولا سبيل إلى هدايته، ~~ولهذا قال تعالى: { من يضلل الله فلا هادي له ~~ويذرهم في طغيانهم يعمهون } أي: متحيرين يترددون، لا ~~يخرجون منه ولا يهتدون إلى حق. ### || [7.187-188] # يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { يسألونك } أي: ~~المكذبون لك، المتعنتون { عن الساعة أيان مرسها } أي: متى ~~وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟ { قل إنما علمها عند ~~ربي } أي: إنه تعالى مختص بعلمها، { لا يجليها لوقتهآ ~~إلا هو } أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو. { ~~ثقلت في السموت والأرض } أي: خفي علمها على أهل السماوات ~~والأرض، واشتد أمرها أيضا عليهم، فهم من الساعة مشفقون. { لا ~~تأتيكم إلا بغتة } أي: فجأة من حيث لا تشعرون، لم يستعدوا ~~لها، ولم يتهيأوا لقيامها. { يسألونك كأنك حفي عنها } ~~أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحف عن السؤال عنها، ولم ~~يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه - غير مبال بالسؤال ~~عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون ms0543 عن الاستحفاء عن هذا ~~السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ~~ملك مقرب. وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة ~~علمه. { قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، ~~وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب ~~عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون ~~بعلمه. { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا } فإني فقير ~~مدبر، لا يأتيني خير إلا من الله، ولا يدفع عني الشر إلا هو، وليس لي من ~~العلم إلا ما علمني الله تعالى. { ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } أي: لفعلت ~~الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرت من كل ما يفضي ~~إلى سوء ومكروه، لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه. ولكني - ~~لعدم علمي - قد ينالني ما ينالني من السوء، وقد يفوتني ما يفوتني من ~~مصالح الدنيا ومنافعها، فهذا أدل دليل على أني لا علم لي بالغيب. { ~~إن أنا إلا نذير } أنذر العقوبات الدينية والدنيوية ~~والأخروية، وأبين الأعمال المفضية إلى ذلك، وأحذر منها. { وبشير } ~~بالثواب العاجل والآجل، ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها، ولكن ~~ليس كل أحد يقبل هذه البشارة والنذارة، وإنما ينتفع بذلك ويقبله ~~المؤمنون، وهذه الآيات الكريمات، مبينة جهل من يقصد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر. فإنه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع ~~من لم ينفعه الله، ولا يدفع الضر عمن لم يدفعه الله عنه، ولا له من ~~العلم إلا ما علمه الله تعالى، وإنما ينفع من قبل ما أرسل به من البشارة ~~والنذارة، وعمل بذلك، فهذا نفعه صلى الله عليه وسلم، الذي فاق نفع الآباء ~~والأمهات، والأخلاء والإخوان بما حث العباد على كل خير، وحذرهم عن كل شر، ~~وبينه لهم غاية البيان والإيضاح. ### || [7.189-193] # أي: { هو الذي خلقكم ms0544 } أيها الرجال والنساء، المنتشرون في ~~الأرض على كثرتكم وتفرقكم. { من نفس واحدة } وهو آدم أبو البشر ~~صلى الله عليه وسلم. { وجعل منها زوجها } أي: خلق من آدم ~~زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من ~~المناسبة والموافقة ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد كل منهما إلى ~~صاحبه بزمام الشهوة. { فلما تغشاها } أي: تجللها مجامعا لها ~~قدر الباري أن يوجد من تلك الشهوة وذلك الجماع النسل، [وحينئذ] ~~حملت حملا خفيفا، وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا ~~يثقلها. { فلمآ } استمرت به و { أثقلت } به حين كبر في بطنها، ~~فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا صحيحا، ~~سالما لا آفة فيه [كذلك]، فدعوا { الله ربهما لئن آتيتنا ~~} ولدا { صالحا } أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه { لنكونن ~~من الشاكرين }. { فلمآ آتاهما صالحا } على وفق ما طلبا، ~~وتمت عليهما النعمة فيه { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما } أي: ~~جعلا لله شركاء في ذلك الولد الذي انفرد الله بإيجاده والنعمة به، ~~وأقر به أعين والديه، فعبداه لغير الله. إما أن يسمياه بعبد غير ~~الله ك " عبد الحارث " و " عبد العزيز " و " عبد الكعبة " ونحو ذلك، أو ~~يشركا بالله في العبادة، بعدما من الله عليهما بما من من النعم ~~التي لا يحصيها أحد من العباد. وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول ~~الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود ~~في الذرية كثيرا، فلذلك قررهم الله على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ~~ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق ~~لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا، ثم ~~جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم ~~هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل. ثم أوجد الذرية في ~~بطون الأمهات، وقتا موقوتا، تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون الله أن يخرجه ms0545 ~~سويا صحيحا، فأتم الله عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم. أفلا يستحق أن ~~يعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدا، ويخلصوا له الدين، ولكن الأمر ~~جاء على العكس، فأشركوا بالله من لا { يخلق شيئا وهم ~~يخلقون * ولا يستطيعون لهم } أي: لعابديها { نصرا ~~ولآ أنفسهم ينصرون }. فإذا كانت لا تخلق شيئا، ولا مثقال ~~ذرة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها، بل ولا عن ~~أنفسها، فكيف تتخذ مع الله آلهة؟!! إن هذا إلا أظلم الظلم، وأسفه السفه. ~~وإن تدعوا، أيها المشركون هذه الأصنام، التي عبدتم من دون الله { إلى ~~الهدى لا يتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صمتون } فصار الإنسان أحسن حالة منها، لأنها لا تسمع ولا ~~تبصر، ولا تهدي ولا تهدى، وكل هذا إذا تصوره اللبيب العاقل تصورا ~~مجردا، جزم ببطلان إلهيتها، وسفاهة من عبدها. ### || [7.194-196] # وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان، يقول تعالى: { إن ~~الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } أي: لا ~~فرق بينكم وبينهم، فكلكم عبيد لله مملوكون، فإن كنتم كما تزعمون صادقين ~~في أنها تستحق من العبادة شيئا { فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم } فإن استجابوا لكم وحصلوا مطلوبكم، وإلا تبين أنكم كاذبون في هذه ~~الدعوى، مفترون على الله أعظم الفرية، وهذا لا يحتاج إلى التبين فيه، ~~فإنكم إذا نظرتم إليها وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع ~~شيء، فليس لها أرجل تمشي بها، ولا أيد تبطش بها، ولا أعين تبصر بها، ولا ~~آذان تسمع بها، فهي عادمة لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان. فإذا ~~كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها، وهي عباد أمثالكم، بل أنتم أكمل منها وأقوى ~~على كثير من الأشياء، فلأي شيء عبدتموها. { قل ادعوا شركآءكم ~~ثم كيدون فلا تنظرون } أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع ~~السوء والمكروه بي، من غير إمهال ولا إنظار، فإنكم غير بالغين لشيء من ~~المكروه بي، لإن وليي الله الذي يتولاني فيجلب لي المنافع ويدفع عني ~~المضار. { الذي نزل الكتاب } الذي فيه الهدى والشفاء والنور، ~~وهو من ms0546 توليته وتربيته لعباده الخاصة الدينية. { وهو يتولى ~~الصالحين } الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم، كما قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور # [البقرة: 257] فالمؤمنون الصالحون - لما تولوا ربهم بالإيمان والتقوى، ~~ولم يتولوا غيره ممن لا ينفع ولا يضر - تولاهم الله ولطف بهم وأعانهم ~~على ما فيه الخير والمصلحة لهم، في دينهم ودنياهم، ودفع عنهم بإيمانهم كل ~~مكروه، كما قال تعالى: # إن الله يدافع عن الذين آمنوا # [الحج: 38]. ### || [7.197-198] # وهذا أيضا في بيان عدم استحقاق هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله ~~لشيء من العبادة، لأنها ليس لها استطاعة ولا اقتدار في نصر أنفسهم، ولا ~~في نصر عابديها، وليس لها قوة العقل والاستجابة، فلو دعوتها إلى الهدى لم ~~تهتد، وهي صور لا حياة فيها، فتراهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة، ~~لأنهم صوروها على صور الحيوانات من الآدميين أو غيرهم، وجعلوا لها ~~أبصارا وأعضاء، فإذا رأيتها قلت: هذه حية، فإذا تأملتها عرفت أنها ~~جمادات لا حراك بها، ولا حياة، فبأي رأي اتخذها المشركون آلهة مع الله؟ ~~ولأي مصلحة أو نفع عكفوا عندها وتقربوا لها بأنواع العبادات؟ فإذا عرف ~~هذا، عرف أن المشركين وآلهتهم التي عبدوها، لو اجتمعوا وأرادوا أن يكيدوا ~~من تولاه فاطر الأرض والسماوات، متولي أحوال عباده الصالحين، لم يقدروا ~~على كيده بمثقال ذرة من الشر، لكمال عجزهم وعجزها، وكمال قوة الله ~~واقتداره، وقوة من احتمى بجلاله وتوكل عليه. وقيل: إن معنى قوله { ~~وترهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } أن الضمير ~~يعود إلى المشركين المكذبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحسبهم ~~ينظرون إليك يا رسول الله نظر اعتبار يتبين به الصادق من الكاذب، ولكنهم ~~لا يبصرون حقيقتك وما يتوسمه المتوسمون فيك من الجمال والكمال والصدق. ### || [7.199] # هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ~~ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل ~~عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ms0547 ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر ~~من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن ~~تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل ~~لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه ~~الحال وتنشرح له صدورهم. { وأمر بالعرف } أي: بكل قول حسن وفعل ~~جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم ~~علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين الناس، ~~أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، ~~أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية، ولما كان لا بد من أذية ~~الجاهل، أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل، بالإعراض عنه وعدم مقابلته ~~بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك ~~فصله، ومن ظلمك فاعدل فيه. وأما ما ينبغي أن يعامل به العبد شياطين ~~الإنس والجن، فقال تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن ~~نزغ فاستعذ بالله... }. ### || [7.200-202] # أي: أي وقت، وفي أي حال { ينزغنك من الشيطن نزغ } ~~أي: تحس منه بوسوسة وتثبيط عن الخير، أو حث على الشر وإيعاز إليه. { ~~فاستعذ بالله } أي: التجئ واعتصم بالله، واحتم بحماه فإنه { ~~سميع } لما تقول. { عليم } بنيتك وضعفك، وقوة التجائك له، فسيحميك ~~من فتنته، ويقيك من وسوسته، كما قال تعالى: # قل أعوذ برب الناس # [الناس: 1] إلى آخر السورة. ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه ~~الشيطان، الذي لا يزال مرابطا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة ~~المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، ~~فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب - تذكر من أي باب أتي، ومن أي مدخل دخل ~~الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب الله عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، ~~فأبصر واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات ~~الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد ms0548 أفسد عليه كل ما أدركه منه. وأما ~~إخوان الشياطين وأولياؤهم، فإنهم إذا وقعوا في الذنوب، لا يزالون يمدونهم ~~في الغي ذنبا بعد ذنب، ولا يقصرون عن ذلك، فالشياطين لا تقصر عنهم ~~بالإغواء، لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها، وهم لا يقصرون عن ~~فعل الشر. ### || [7.203] # أي: لا يزال هؤلاء المكذبون لك في تعنت وعناد، ولو جاءتهم الآيات الدالة ~~على الهدى والرشاد، فإذا جئتهم بشيء من الآيات الدالة على صدقك لم ~~ينقادوا. { وإذا لم تأتهم بآية } من آيات الاقتراح التي ~~يعينونها { قالوا لولا اجتبيتها } أي: هلا اخترت الآية، ~~فصارت الآية الفلانية، أو المعجزة الفلانية كأنك أنت المنزل للآيات، ~~المدبر لجميع المخلوقات، ولم يعلموا أنه ليس لك من الأمر شيء، أو أن ~~المعنى: لولا اخترعتها من نفسك. { قل إنمآ أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي } فأنا عبد متبع مدبر، والله تعالى هو الذي ينزل ~~الآيات ويرسلها على حسب ما اقتضاه حمده، وطلبته حكمته البالغة، فإن ~~أردتم آية لا تضمحل على تعاقب الأوقات، وحجة لا تبطل في جميع الآنات، ~~فهذا القرآن العظيم، والذكر الحكيم { بصآئر من ربكم } يستبصر ~~به في جميع المطالب الإلهية والمقاصد الإنسانية، وهو الدليل والمدلول فمن ~~تفكر فيه وتدبره، علم أنه تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، وبه قامت الحجة على كل من بلغه، ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون، وإلا فمن آمن، فهو { هدى } له من الضلال { ورحمة } له من ~~الشقاء، فالمؤمن مهتد بالقرآن، متبع له، سعيد في دنياه وأخراه. وأما من ~~لم يؤمن به، فإنه ضال شقي، في الدنيا والآخرة. ### || [7.204] # هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له ~~والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك ~~التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له، فهو أن يلقي ~~سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين ~~يتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، ms0549 وإيمانا ~~مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول ~~الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب، فلم يستمع له ~~وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير. ومن أوكد ما يؤمر به ~~مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه ~~مأمور بالإنصات، حتى إن أكثر العلماء يقولون: إن اشتغاله بالإنصات، أولى ~~من قراءته الفاتحة، وغيرها. ### || [7.205-206] # الذكر لله تعالى يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما، وهو أكمل ~~أنواع الذكر وأحواله، فأمر الله عبده ورسوله محمدا أصلا وغيره تبعا ~~بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا خاليا. { تضرعا } أي: متضرعا ~~بلسانك، مكررا لأنواع الذكر، { وخيفة } في قلبك بأن تكون خائفا من ~~الله، وجل القلب منه، خوفا أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن ~~يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه، والنصح به. { ودون الجهر ~~من القول } أي: كن متوسطا، لا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها، وابتغ ~~بين ذلك سبيلا. { بالغدو } أول النهار { والآصال } آخره، وهذان ~~الوقتان لذكر الله فيهما مزية وفضيلة على غيرهما. { ولا تكن من ~~الغافلين } الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فإنهم حرموا خير ~~الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمن كل السعادة والفوز في ذكره وعبوديته، ~~وأقبلوا على من كل الشقاوة والخيبة في الاشتغال به، وهذه من الآداب التي ~~ينبغي للعبد أن يراعيها حق رعايتها، وهي الإكثار من ذكر الله آناء الليل ~~والنهار، خصوصا طرفي النهار، مخلصا خاشعا متضرعا، متذللا ساكنا، ~~وتواطئا عليه قلبه ولسانه، بأدب ووقار، وإقبال على الدعاء والذكر، وإحضار ~~له بقلبه وعدم غفلة، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه. ثم ذكر ~~تعالى أن له عبادا مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته وهم الملائكة، ~~فلتعلموا أن الله لا يريد أن يتكثر بعبادتكم من قلة، ولا ليتعزز بها من ~~ذلة، وإنما يريد نفع أنفسكم، وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم، ~~فقال: { إن الذين عند ربك } من الملائكة المقربين، وحملة ~~العرش والكروبيين { لا يستكبرون عن عبادته } بل يذعنون ms0550 ~~لها وينقادون لأوامر ربهم { ويسبحونه } الليل والنهار لا يفترون. ~~{ وله } وحده لا شريك له { يسجدون } فليقتد العباد بهؤلاء ~~الملائكة الكرام، وليداوموا [على] عبادة الملك العلام. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-4] # الأنفال هي الغنائم التي ينفلها الله لهذه الأمة من أموال الكفار، ~~وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة " بدر " أول غنيمة كبيرة ~~غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فأنزل الله { يسألونك عن ~~الأنفال } كيف تقسم وعلى من تقسم؟. { قل } لهم: الأنفال لله ورسوله ~~يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله، بل عليكم إذا ~~حكم الله ورسوله أن ترضوا بحكمهما، وتسلموا الأمر لهما، وذلك داخل في ~~قوله: { فاتقوا الله } بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. { ~~وأصلحوا ذات بينكم } أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن ~~والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل. فبذلك تجتمع كلمتكم، ~~ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع - من التخاصم، والتشاجر والتنازع. ويدخل في ~~إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك ~~يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر، والأمر الجامع لذلك ~~كله قوله: { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } ~~فإن الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله، كما أن من لم يطع الله ورسوله ~~فليس بمؤمن. ومن نقصت طاعته لله ورسوله، فذلك لنقص إيمانه، ولما كان ~~الإيمان قسمين: إيمانا كاملا يترتب عليه المدح والثناء، والفوز التام، ~~وإيمانا دون ذلك ذكر الإيمان الكامل فقال: { إنما المؤمنون } ~~الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان. { الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم } أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله ~~تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز ~~صاحبه عن الذنوب. { وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم ~~إيمنا } ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ~~ذلك يزيد إيمانهم، لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم ~~معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة ms0551 ~~في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم،أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن ~~المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان. { وعلى ربهم } وحده لا ~~شريك له { يتوكلون } أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب ~~مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن الله تعالى سيفعل ~~ذلك. والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به. { ~~الذين يقيمون الصلاة } من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة ~~والباطنة، كحضور القلب فيها، الذي هو روح الصلاة ولبها، { ومما ~~رزقناهم ينفقون } النفقات الواجبة، كالزكوات، والكفارات، ~~والنفقة على الزوجات والأقارب، وما ملكت أيمانهم، والمستحبة كالصدقة في ~~جميع طرق الخير. { أولئك } الذين اتصفوا بتلك الصفات { هم ~~المؤمنون حقا } لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال ~~الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق ~~عباده. # وقدم تعالى أعمال القلوب، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها، وفيها ~~دليل على أن الإيمان، يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها. وأنه ~~ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب ~~الله تعالى والتأمل لمعانيه. ثم ذكر ثواب المؤمنين حقا فقال: { لهم ~~درجات عند ربهم } أي: عالية بحسب علو أعمالهم { ومغفرة ~~} لذنوبهم { ورزق كريم } وهو ما أعد الله لهم في دار كرامته، مما ~~لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ودل هذا على أن من يصل ~~إلى درجتهم في الإيمان - وإن دخل الجنة - فلن ينال ما نالوا من كرامة ~~الله التامة. ### || [8.5-8] # قدم تعالى - أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة - الصفات التي على ~~المؤمنين أن يقوموا بها، لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، ~~التي من أكبرها الجهاد في سبيله. فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي، ~~وجزاءهم هو الحق الذي وعدهم الله به، كذلك أخرج الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم من بيته إلى لقاء المشركين في " بدر " بالحق الذي يحبه الله ~~تعالى، وقد قدره وقضاه. وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج ~~أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال. ms0552 فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من ~~المؤمنين يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، ~~كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصا ~~بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر الله به ورضيه، فبهذه الحال ~~ليس للجدال محل [فيها]، لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس ~~الأمر،. فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا وكثير من ~~المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم، وكذلك ~~الذين عاتبهم الله، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله، وقيض ~~لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها. وكان أصل خروجهم ~~يتعرضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة، ~~فلما سمعوا برجوعها من الشام، ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس، فخرج ~~معه ثلاثمائة، وبضعة عشر رجلا معهم سبعون بعيرا، يعتقبون عليها، ~~ويحملون عليها متاعهم، فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم، في عدد ~~كثير وعدة وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريبا من ~~الألف. فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين، إما أن يظفروا بالعير، أو ~~بالنفير، فأحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات شوكة، ولكن ~~الله تعالى أحب لهم وأراد أمرا أعلى مما أحبوا. أراد أن يظفروا بالنفير ~~الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم، { ويريد الله أن يحق ~~الحق بكلماته } فينصر أهله { ويقطع دابر الكافرين ~~} أي: يستأصل أهل الباطل، ويري عباده من نصره للحق أمرا لم يكن يخطر ~~ببالهم. { ليحق الحق } بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته ~~وصدقه، { ويبطل الباطل } بما يقيم من الأدلة والشواهد على ~~بطلانه { ولو كره المجرمون } فلا يبالي الله بهم. ### || [8.9-14] # أي: اذكروا نعمة الله عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، ~~وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم { فاستجاب لكم } وأغاثكم بعدة ~~أمور: منها: أن الله أمدكم { بألف من الملائكة مردفين ~~} أي: يردف بعضهم بعضا، { وما جعله الله } أي: إنزال الملائكة ms0553 ~~{ إلا بشرى } أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، { ولتطمئن به ~~قلوبكم } وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عدد ولا عدد. { ~~إن الله عزيز } لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من ~~بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا. { حكيم } حيث قدر ~~الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن ~~أنزل عليكم نعاسا { يغشيكم } [أي] فيذهب ما في قلوبكم من الخوف ~~والوجل، ويكون { أمنة } لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: ~~أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به ~~من وساوس الشيطان ورجزه. { وليربط على قلوبكم } أي: يثبتها ~~فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، { ويثبت به الأقدام } فإن ~~الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام. ومن ~~ذلك: أن الله أوحى إلى الملائكة { أني معكم } بالعون والنصر ~~والتأييد، { فثبتوا الذين آمنوا } أي: ألقوا في قلوبهم، ~~وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله. { سألقي في ~~قلوب الذين كفروا الرعب } الذي هو أعظم جند لكم عليهم، ~~فإن الله إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر ~~الكافرون على الثبات لهم، ومنحهم الله أكتافهم. { فاضربوا فوق ~~الأعناق } أي: على الرقاب { واضربوا منهم كل بنان } ~~أي: مفصل. وهذا خطاب، إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا ~~الذين آمنوا، فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر، أو للمؤمنين ~~يشجعهم الله، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم، وذلك ~~لأنهم شاقوا الله ورسوله أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة. { ومن ~~يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب } ومن ~~عقابه تسليط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم. { ذلكم } العذاب المذكور { ~~فذوقوه } أيها المشاققون لله ورسوله عذابا معجلا، { وأن ~~للكافرين عذاب النار }. وفي هذه القصة من آيات الله العظيمة ~~ما يدل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله حقا. منها: ~~أن الله وعدهم وعدا، فأنجزهموه. ومنها: ما قال الله تعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل ms0554 الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ~~رأي العين # الآية [آل عمران: 13]. ومنها: إجابة دعوة الله للمؤمنين لما استغاثوه ~~بما ذكره من الأسباب، وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض ~~الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه ~~والوساوس الشيطانية. ومنها: أن من لطف الله بعبده أن يسهل عليه طاعته، ~~وييسرها بأسباب داخلية وخارجية. ### || [8.15-16] # يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، ~~والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا ~~التقى الزحفان، فقال: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا } أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب ~~بعضهم من بعض، { فلا تولوهم الأدبار } بل اثبتوا لقتالهم، ~~واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، ~~وإرهابا للكافرين. { ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء } ~~أي: رجع { بغضب من الله ومأواه } أي: مقره { جهنم ~~وبئس المصير }. وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من ~~أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده ~~بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية: أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من ~~جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، ~~لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من ~~محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن ~~المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت ~~الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة ~~كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين ~~أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على ~~أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، ~~وأبقى عليهم. أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في ~~هذه الحال ms0555 - أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور ~~الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها ~~بالعدد. ### || [8.17-19] # يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - { فلم ~~تقتلوهم } بحولكم وقوتكم { ولكن الله قتلهم } حيث ~~أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. { وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ~~القتال دخل العريش وجعل يدعو الله، ويناشده في نصرته، ثم خرج منه، فأخذ ~~حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها الله إلى وجوههم، فما ~~بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه، وفمه وعينيه منها، فحينئذ انكسر حدهم، ~~وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست ~~بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم ~~بقوتنا واقتدارنا. { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا ~~} أي: إن الله تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون ~~مباشرة قتال، ولكن الله أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى ~~أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا. { ~~إن الله سميع عليم } يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ~~ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها، فيقدر على العباد أقدارا ~~موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله. { ~~ذلكم } النصر من الله لكم { وأن الله موهن كيد ~~الكافرين } أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل ~~مكرهم محيقا بهم. { إن تستفتحوا } أيها المشركون، أي: تطلبوا من ~~الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين. { فقد جآءكم ~~الفتح } حين أوقع الله بكم من عقابه، ما كان نكالا لكم وعبرة ~~للمتقين { وإن تنتهوا } عن الاستفتاح { فهو خير } لأنه ربما ~~أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة. { وإن تعودوا } إلى الاستفتاح وقتال ~~حزب الله المؤمنين { نعد } في نصرهم عليكم. { ولن تغني عنكم ~~فئتكم } أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين ~~عليهم، شيئا وأن الله مع المؤمنين. ومن كان الله معه فهو المنصور وإن ~~كان ضعيفا قليلا عدده، ms0556 وهذه المعية التي أخبر الله أنه يؤيد بها ~~المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان. فإذا أديل العدو على ~~المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطا من المؤمنين وعدم قيام ~~بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر الله به من كل وجه، لما ~~انهزم لهم راية [انهزاما مستقرا]، ولا أديل عليهم عدوهم أبدا. ### || [8.20-21] # لما أخبر تعالى أنه مع المؤمنين، أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي ~~يدركون به معيته، فقال: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله ورسوله } بامتثال أمرهما واجتناب نهيهما. { ولا ~~تولوا عنه } أي: عن هذا الأمر الذي هو طاعة الله، وطاعة رسوله. ~~{ وأنتم تسمعون } ما يتلى عليكم من كتاب الله، وأوامره، ~~ووصاياه، ونصائحه، فتوليكم في هذه الحال من أقبح الأحوال. { ولا ~~تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } أي: ~~لا تكتفوا بمجرد الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها، فإنها حالة لا يرضاها ~~الله ولا رسوله، فليس الإيمان بالتمني والتحلي، ولكنه ما وقر في القلوب ~~وصدقته الأعمال. ### || [8.22-23] # يقول تعالى: { إن شر الدواب عند الله } من لم تفد فيهم ~~الآيات والنذر، وهم { الصم } عن استماع الحق { البكم } عن النطق ~~به { الذين لا يعقلون } ما ينفعهم، ويؤثرونه على ما يضرهم، ~~فهؤلاء شر عند الله من جميع الدواب، لأن الله أعطاهم أسماعا وأبصارا ~~وأفئدة، ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معاصيه وعدموا - بذلك - ~~الخير الكثير، فإنهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البرية. فأبوا هذا ~~الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية، والسمع الذي نفاه ~~الله عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب، وأما سمع الحجة، فقد قامت حجة ~~الله تعالى عليهم بما سمعوه من آياته، وإنما لم يسمعهم السماع النافع، ~~لأنه لم يعلم فيهم خيرا يصلحون به لسماع آياته. { ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم } على الفرض والتقدير ~~{ لتولوا } عن الطاعة { وهم معرضون } لا التفات لهم إلى ~~الحق بوجه من الوجوه، وهذا دليل على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان ~~والخير، إلا لمن لا خير ms0557 فيه، الذي لا يزكو لديه ولا يثمر عنده. وله الحمد ~~تعالى والحكمة في هذا. ### || [8.24-25] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله ~~وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، ~~والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: { إذا ~~دعاكم لما يحييكم } وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، ~~وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح، بعبودية الله تعالى ولزوم ~~طاعته وطاعة رسوله على الدوام. ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول ~~فقال: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ~~} فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا ~~أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب ~~القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء. فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ~~ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك. { وأنه ~~إليه تحشرون } أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بعصيانه. { واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خآصة } بل تصيب فاعل الظلم وغيره، وذلك ~~إذا ظهر الظلم فلم يغير، فإن عقوبته تعم الفاعل وغيره، وتقوى هذه الفتنة ~~بالنهي عن المنكر، وقمع أهل الشر والفساد، وأن لا يمكنوا من المعاصي ~~والظلم مهما أمكن. { واعلموا أن الله شديد العقاب } ~~لمن تعرض لمساخطه، وجانب رضاه. ### || [8.26] # يقول تعالى ممتنا على عباده في نصرهم بعد الذلة، وتكثيرهم بعد القلة، ~~وإغنائهم بعد العيلة. { واذكروا إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الأرض } أي: مقهورون تحت حكم غيركم { تخافون ~~أن يتخطفكم الناس } أي: يأخذونكم. { فآواكم وأيدكم ~~بنصره ورزقكم من الطيبات } فجعل لكم بلدا تأوون ~~إليه، وانتصر من أعدائكم على أيديكم، وغنمتم من أموالهم ما كنتم به ~~أغنياء. { لعلكم تشكرون } الله على منته العظيمة وإحسانه ~~التام، بأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. ### || [8.27-28] # يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يؤدوا ما ائتمنهم الله عليه من أوامره ~~ونواهيه، فإن الأمانة قد عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، فأبين ~~أن يحملنها ms0558 وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، فمن أدى ~~الأمانة استحق من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق ~~العقاب الوبيل، وصار خائنا لله وللرسول ولأمانته، منقصا لنفسه بكونه ~~اتصفت نفسه بأخس الصفات، وأقبح الشيات، وهي الخيانة مفوتا لها أكمل ~~الصفات وأتمها، وهي الأمانة. ولما كان العبد ممتحنا بأمواله وأولاده، ~~فربما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله ~~تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي الله بهما عباده، وأنها عارية ~~ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها { فتنة وأن الله عنده ~~أجر عظيم }. فإن كان لكم عقل ورأي، فآثروا فضله العظيم على لذة ~~صغيرة فانية مضمحلة، فالعاقل يوازن بين الأشياء، ويؤثر أولاها بالإيثار، ~~وأحقها بالتقديم. ### || [8.29] # امتثال العبد لتقوى ربه عنوان السعادة، وعلامة الفلاح، وقد رتب الله ~~على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئا كثيرا، فذكر هنا أن من اتقى ~~الله حصل له أربعة أشياء، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها: الأول: ~~الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق ~~والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة. الثاني والثالث: ~~تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق ~~وعند الاجتماع. يفسر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب ~~بتكفير الكبائر. الرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر ~~رضاه على هوى نفسه. { والله ذو الفضل العظيم }. ### || [8.30] # أي: { و } أذكر أيها الرسول، ما من الله به عليك. { إذ يمكر ~~بك الذين كفروا } حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما ~~يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه. ~~وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم - من شره. وإما أن يخرجوه ويجلوه من ~~ديارهم. فكل أبدى من هذه الآراء رأيا رآه، فاتفق رأيهم على رأي: رآه ~~شريرهم أبو جهل لعنه الله، وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ~~ويعطوه سيفا صارما، ويقتله الجميع قتلة رجل واحد، ليتفرق دمه في ~~القبائل فيرضى بنو ms0559 هاشم [ثم] بديته، فلا يقدرون على مقاومة سائر قريش، ~~فترصدوا للنبي صلى الله عليه وسلم في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه. ~~فجاءه الوحي من السماء، وخرج عليهم، فذر على رءوسهم التراب وخرج، وأعمى ~~الله أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه جاءهم آت وقال: خيبكم الله، قد خرج ~~محمد وذر على رءوسكم التراب. فنفض كل منهم التراب عن رأسه، ومنع الله ~~رسوله منهم، وأذن له في الهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، وأيده الله ~~بأصحابه المهاجرين والأنصار، ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة، وقهر ~~أهلها، فأذعنوا له وصاروا تحت حكمه، بعد أن خرج مستخفيا منهم، خائفا ~~على نفسه. فسبحان اللطيف بعبده الذي لا يغالبه مغالب. ### || [8.31-34] # يقول تعالى في بيان عناد المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم: { وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا } الدالة على صدق ما جاء به الرسول. { ~~قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن ~~هذآ إلا أساطير الأولين } وهذا من عنادهم وظلمهم، وإلا ~~فقد تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون ~~الله، فلم يقدروا على ذلك، وتبين عجزهم. فهذا القول الصادر من هذا ~~القائل مجرد دعوى، كذبه الواقع، وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم أمي ~~لا يقرأ ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب ~~الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم ~~حميد. { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا } الذي يدعو إليه ~~محمد { هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السمآء أو ائتنا بعذاب أليم } قالوه على وجه الجزم منهم ~~بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب. فلو أنهم إذ أقاموا على باطلهم من ~~الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرة ويقين منه، قالوا لمن ~~ناظرهم وادعى أن الحق معه: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له، لكان ~~أولى لهم وأستر لظلمهم. فمذ قالوا: { قالوا اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك } الآية، علم بمجرد ms0560 قولهم أنهم ~~السفهاء الأغبياء، الجهلة الظالمون، فلو عاجلهم الله بالعقاب لما أبقى ~~منهم باقية، ولكنه تعالى دفع عنهم العذاب بسبب وجود الرسول بين أظهرهم، ~~فقال: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } فوجوده ~~صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أمنة لهم من العذاب. وكانوا مع قولهم هذه ~~المقالة التي يظهرونها على رءوس الأشهاد، يدرون بقبحها، فكانوا يخافون من ~~وقوعها فيهم، فيستغفرون الله [تعالى فلهذا] قال تعالى: { وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون }. فهذا مانع يمنع من وقوع ~~العذاب بهم، بعد ما انعقدت أسبابه ثم قال: { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله } أي: أي شيء يمنعهم من عذاب الله، وقد فعلوا ما ~~يوجب ذلك، وهو صد الناس عن المسجد الحرام، خصوصا صدهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال: { وما كانوا ~~} أي: المشركون { أوليآءه } يحتمل أن الضمير يعود إلى الله، أي: ~~أولياء الله. ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام، أي: وما كانوا أولى به ~~من غيرهم { إن أوليآؤه إلا المتقون } وهم الذين آمنوا ~~بالله ورسوله، وأفردوا الله بالتوحيد والعبادة، وأخلصوا له الدين، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } فلذلك ادعوا لأنفسهم ~~أمرا غيرهم أولى به. ### || [8.35] # يعني أن الله تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه، وتخلص له فيه ~~العبادة، فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر، وأما هؤلاء المشركون ~~الذين يصدون عنه، فما كان صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات { إلا ~~مكاء وتصدية } أي: صفيرا وتصفيقا، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ~~ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع ~~وأشرفها، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات؟!! فبأي: شيء ~~كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم ~~عن اللغو معرضون، إلى آخر ما وصفهم الله به من الصفات الحميدة، والأفعال ~~السديدة. لا جرم أورثهم الله بيته الحرام، ومكنهم منه، وقال لهم بعد ما ~~مكن لهم فيه # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ms0561 هذا # [التوبة: 28] وقال هنا { فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون }. ### || [8.36-37] # يقول تعالى مبينا لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم، ومبارزتهم لله ~~ولرسوله، وسعيهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وأن وبال مكرهم سيعود ~~عليهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقال: { إن الذين ~~كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } ~~أي: ليبطلوا الحق وينصروا الباطل، ويبطل توحيد الرحمن، ويقوم دين عبادة ~~الأوثان. { فسينفقونها } أي: فسيصدرون هذه النفقة، وتخف عليهم ~~لتمسكهم بالباطل، وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون عليهم حسرة، أي: ندامة ~~وخزيا وذلا، ويغلبون فتذهب أموالهم وما أملوا، ويعذبون في الآخرة أشد ~~العذاب، ولهذا قال: { والذين كفروا إلى جهنم ~~يحشرون } أي: يجمعون إليها، ليذوقوا عذابها، وذلك لأنها دار الخبث ~~والخبثاء، والله تعالى يريد أن يميز الخبيث من الطيب، ويجعل كل واحدة ~~على حدة، وفي دار تخصه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض، من الأعمال والأموال ~~والأشخاص. { فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ~~أولئك هم الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين. ### || [8.38-40] # هذا من لطفه تعالى بعباده لا يمنعه كفر العباد ولا استمرارهم في العناد، ~~من أن يدعوهم إلى طريق الرشاد والهدى، وينهاهم عما يهلكهم من أسباب الغي ~~والردى، فقال: { قل للذين كفروا إن ينتهوا } عن كفرهم، ~~وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له. { يغفر لهم ما قد سلف ~~} منهم من الجرائم { وإن يعودوا } إلى كفرهم وعنادهم { فقد ~~مضت سنت الأولين } بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل ~~بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهذا خطابه ~~للمكذبين، وأما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين، فقال: { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } أي: شرك وصد عن سبيل ~~الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام، { ويكون الدين كله لله } فهذا ~~المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب ~~عن دين الله الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان. { ~~فإن انتهوا } عن ما هم عليه من الظلم { فإن الله بما ~~يعملون بصير } لا تخفى عليه منهم خافية. { وإن ms0562 تولوا } ~~عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة { فاعلموا أن الله مولاكم ~~نعم المولى } الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، ~~وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية، { ونعم النصير } الذي ~~ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفجار، وتكالب الأشرار. ومن كان الله مولاه ~~وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عليه فلا عز له ولا قائمة له. ### || [8.41-42] # يقول تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء } أي: ~~أخذتم من مال الكفار قهرا بحق، قليلا كان أو كثيرا. { فأن لله ~~خمسه } أي: وباقيه لكم أيها الغانمون، لأنه أضاف الغنيمة إليهم، ~~وأخرج منها خمسها، فدل على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: للراجل سهم، وللفارس سهمان لفرسه، وسهم له. وأما هذا ~~الخمس، فيقسم خمسة أسهم، سهم لله ولرسوله، يصرف في مصالح المسلمين ~~العامة، من غير تعيين لمصلحة، لأن الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله ~~غنيان عنه، فعلم أنه لعباد الله، فإذا لم يعين الله له مصرفا، دل ~~على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم قرابة ~~النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى ~~القرابة دليلا على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيهم ~~وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم ~~وهم صغار، جعل الله لهم خمس الخمس رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام ~~بمصالحهم، وقد فقد من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع للمساكين، أي: ~~المحتاجين الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث. والخمس الخامس لابن ~~السبيل، وهو: الغريب المنقطع به في غير بلده، [وبعض المفسرين يقول إن خمس ~~الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء بل ~~ذلك تبع للمصلحة وهذا هو الأولى] وجعل الله أداء الخمس على وجهه شرطا ~~للإيمان، فقال: { إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا ~~على عبدنا يوم الفرقان } وهو يوم " بدر " الذي فرق الله ~~به بين الحق والباطل، وأظهر الحق وأبطل الباطل. { يوم التقى ~~الجمعان } جمع المسلمين، وجمع الكافرين، أي: إن ms0563 كان إيمانكم بالله، ~~وبالحق الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان، الذي حصل فيه من الآيات ~~والبراهين، ما دل على أن ما جاء به هو الحق. { والله على كل ~~شيء قدير } لا يغالبه أحد إلا غلبه. { إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا } أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة، وهم بعدوته أي: جانبه ~~البعيدة من المدينة، فقد جمعكم واد واحد. { والركب } الذي خرجتم ~~لطلبه، وأراد الله غيره { أسفل منكم } مما يلي ساحل البحر. { ~~ولو تواعدتم } أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال { ~~لاختلفتم في الميعاد } أي: لا بد من تقدم أو تأخر، أو اختيار ~~منزل، أو غير ذلك، مما يعرض لكم أو لهم، يصدفكم عن ميعادكم. { ولكن ~~} الله جمعكم على هذه الحال { ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا } أي: مقدرا في الأزل، لا بد من وقوعه. { ليهلك من ~~هلك عن بينة } أي: ليكون حجة وبينة للمعاند، فيختار الكفر على ~~بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذر عند الله. { ويحيى من حي ~~عن بينة } أي: يزداد المؤمن بصيرة ويقينا، بما أرى الله ~~الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه، ما هو تذكرة لأولي الألباب. { وإن ~~الله لسميع عليم } سميع لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على ~~تفنن الحاجات، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر، والغيب والشهادة. ### || [8.43-44] # وكان الله قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عددا قليلا فبشر بذلك ~~أصحابه، فاطمأنت قلوبهم وتثبتت أفئدتهم. ولو أراكهم الله إياهم كثيرا ~~فأخبرت بذلك أصحابك { لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } ~~فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم، ومنكم من لا يرى ذلك فوقع من الاختلاف ~~والتنازع ما يوجب الفشل. { ولكن الله سلم } فلطف بكم { ~~إنه عليم بذات الصدور } أي: بما فيها من ثبات وجزع، وصدق ~~وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سببا للطفه وإحسانه بكم، وصدق رؤيا ~~رسوله، فأرى الله المؤمنين عدوهم، قليلا في أعينهم، ويقللكم - يا معشر ~~المؤمنين - في أعينهم، فكل من الطائفتين ترى الأخرى قليلة، لتقدم كل ~~منهما على الأخرى. { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } من ~~نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وقتل قادتهم ورؤساء ms0564 الضلال منهم، ولم يبق ~~منهم أحد له اسم يذكر، فيتيسر بعد ذلك انقيادهم إذا دعوا إلى الإسلام، ~~فصار أيضا لطفا بالباقين، الذين من الله عليهم بالإسلام. { وإلى ~~الله ترجع الأمور } أي: جميع أمور الخلائق ترجع إلى الله، ~~فيميز الخبيث من الطيب، ويحكم في الخلائق بحكمه العادل، الذي لا جور فيه ~~ولا ظلم. ### || [8.45-49] # يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } ~~أي: طائفة من الكفار تقاتلكم. { فاثبتوا } لقتالها، واستعملوا الصبر ~~وحبس النفس على هذه الطاعة الكبيرة، التي عاقبتها العز والنصر. واستعينوا ~~على ذلك بالإكثار من ذكر الله { لعلكم تفلحون } أي: تدركون ~~ما تطلبون من الانتصار على أعدائكم، فالصبر والثبات والإكثار من ذكر ~~الله من أكبر الأسباب للنصر. { وأطيعوا الله ورسوله } في ~~استعمال ما أمرا به، والمشي خلف ذلك في جميع الأحوال. { ولا ~~تنازعوا } تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، { فتفشلوا } أي: ~~تجبنوا { وتذهب ريحكم } أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ~~ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله. { واصبروا } نفوسكم ~~على طاعة الله { إن الله مع الصابرين } بالعون والنصر ~~والتأييد، واخشعوا لربكم واخضعوا له. { ولا تكونوا كالذين ~~خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن ~~سبيل الله } أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ~~ديارهم لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم. ~~والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدوا عن سبيل الله من أراد سلوكه، { ~~والله بما يعملون محيط } فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذركم أن ~~تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم ~~وجه الله تعالى وإعلاء دين الله، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط الله ~~وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم. { وإذ ~~زين لهم الشيطان أعمالهم } حسنها في قلوبهم وخدعهم. ~~{ وقال لا غالب لكم اليوم من الناس } فإنكم في عدد ~~وعدد وهيئة لا يقاومكم فيها محمد ومن معه. { وإني جار لكم } ~~من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته، لأن إبليس قد تبدى لقريش في صورة ~~سراقة بن مالك بن ms0565 جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت ~~بينهم. فقال لهم الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد ~~قادرين. { فلما ترآءت الفئتان } المسلمون والكافرون، فرأى ~~الشيطان جبريل عليه السلام يزع الملائكة خاف خوفا شديدا و { نكص ~~على عقبيه } أي: ولى مدبرا. { وقال } لمن خدعهم وغرهم: { ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون } أي: أرى ~~الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم. { إني أخاف الله } أي: ~~أخاف أن يعاجلني بالعقوبة في الدنيا { والله شديد العقاب }. ~~ومن المحتمل أن يكون الشيطان، قد سول لهم، ووسوس في صدورهم أنه لا غالب ~~لهم اليوم من الناس، وأنه جار لهم، فلما أوردهم مواردهم، نكص عنهم، وتبرأ ~~منهم، كما قال تعالى: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين * فكان عاقبتهمآ أنهما في النار ~~خالدين فيها وذلك جزآء الظالمين # [الحشر: 16-17]. # { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } ~~أي: شك وشبهة، من ضعفاء الإيمان، للمؤمنين حين أقدموا - مع قلتهم - ~~على قتال المشركين مع كثرتهم. { غر هؤلاء دينهم } أي: ~~أوردهم الدين الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها، ولا ~~استطاعة لهم بها، يقولونه احتقارا لهم واستخفافا لعقولهم، وهم - والله ~~- الأخفاء عقولا، الضعفاء أحلاما. فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام ~~على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام، فإن المؤمن ~~المتوكل على الله، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد ~~إلا بالله تعالى، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة ~~لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله ~~عليه، وعلم أنه على الحق، وأن الله تعالى حكيم رحيم في كل ما قدره ~~وقضاه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقا بربه، ~~مطمئن القلب لا فزعا ولا جبانا، ولهذا قال { ومن يتوكل على ~~الله فإن الله عزيز } لا يغالب قوته قوة، { حكيم } فيما ~~قضاه وأجراه. ### || [8.50-52] # يقول ms0566 تعالى: ولو ترى الذين كفروا بآيات الله حين توفاهم الملائكة ~~الموكلون بقبض أرواحهم وقد اشتد بهم القلق وعظم كربهم، و { ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } يقولون لهم: ~~أخرجوا أنفسكم، ونفوسهم متمنعة مستعصية على الخروج، لعلمها ما أمامها من ~~العذاب الأليم. ولهذا قال: { وذوقوا عذاب الحريق } أي: العذاب ~~الشديد المحرق، ذلك العذاب حصل لكم، غير ظلم ولا جور من ربكم، وإنما هو ~~بما قدمت أيديكم من المعاصي التي أثرت لكم ما أثرت، وهذه سنة الله في ~~الأولين والآخرين، فإن دأب هؤلاء المكذبين أي: سنتهم وما أجرى الله ~~عليهم من الهلاك بذنوبهم. { كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم } من الأمم المكذبة { كفروا بآيات الله ~~فأخذهم الله } بالعقاب { بذنوبهم إن الله قوي ~~شديد العقاب } لا يعجزه أحد يريد أخذه # ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ # [هود: 56]. ### || [8.53-54] # { ذلك } العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذبين، وأزال عنهم ما هم ~~فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم ~~منها، إن ازدادوا له شكرا. { حتى يغيروا ما بأنفسهم } ~~من الطاعة إلى المعصية فيكفروا نعمة الله ويبدلوها كفرا، فيسلبهم إياها ~~ويغيرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم. ولله الحكمة في ذلك والعدل ~~والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم، وحيث جذب قلوب أوليائه ~~إليه، بما يذيق العباد من النكال إذا خالفوا أمره. { وأن الله ~~سميع عليم } يسمع جميع ما نطق به الناطقون، سواء من أسر القول ومن ~~جهر به، ويعلم ما تنطوي عليه الضمائر، وتخفيه السرائر، فيجري على عباده ~~من الأقدار ما اقتضاه علمه وجرت به مشيئته. { كدأب آل فرعون } ~~أي: فرعون وقومه { والذين من قبلهم كذبوا بآيات ~~ربهم } حين جاءتهم { فأهلكناهم بذنوبهم } كل بحسب ~~جرمه. { وأغرقنآ آل فرعون وكل } من المهلكين المعذبين { ~~كانوا ظالمين } لأنفسهم، ساعين في هلاكها، لم يظلمهم الله، ولا ~~أخذهم بغير جرم اقترفوه، فليحذر المخاطبون أن يشابهوهم في الظلم، فيحل ~~الله بهم من عقابه ما أحل ms0567 بأولئك الفاسقين. ### || [8.55-57] # هؤلاء الذين جمعوا هذه الخصال الثلاث: الكفر، وعدم الإيمان، والخيانة، ~~بحيث لا يثبتون على عهد عاهدوه ولا قول قالوه، هم شر الدواب عند الله فهم ~~شر من الحمير والكلاب وغيرها، لأن الخير معدوم منهم، والشر متوقع فيهم ، ~~فإذهاب هؤلاء ومحقهم هو المتعين، لئلا يسري داؤهم لغيرهم، ولهذا قال: { ~~فإما تثقفنهم في الحرب } أي: تجدنهم في حال المحاربة، ~~بحيث لا يكون لهم عهد وميثاق. { فشرد بهم من خلفهم } أي: ~~نكل بهم غيرهم، وأوقع بهم من العقوبة ما يصيرون [به] عبرة لمن بعدهم { ~~لعلهم } أي من خلفهم { يذكرون } صنيعهم، لئلا يصيبهم ما ~~أصابهم، وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي، أنها سبب ~~لازدجار من لم يعمل المعاصي، بل وزجرا لمن عملها أن لا يعاودها. ودل ~~تقييد هذه العقوبة في الحرب أن الكافر - ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر ~~- أنه إذا أعطي عهدا لا يجوز خيانته وعقوبته. ### || [8.58] # أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة، ~~بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم ~~بالخيانة. { فانبذ إليهم } عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه ~~لا عهد بينك وبينهم { على سوآء } أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ~~ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيء مما منعه موجب العهد، حتى تخبرهم ~~بذلك. { إن الله لا يحب الخائنين } بل يبغضهم أشد البغض، ~~فلا بد من أمر بين يبرئكم من الخيانة. ودلت الآية على أنه إذا وجدت ~~الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم، بل ~~علم ذلك، ولعدم الفائدة ولقوله: { على سوآء } وهنا قد كان معلوما ~~عند الجميع غدرهم. ودل مفهومها أيضا أنه إذا لم يخف منهم خيانة، بأن ~~لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب ~~الوفاء إلى أن تتم مدته. ### || [8.59] # أي: لا يحسب الكافرون بربهم المكذبون بآياته، أنهم سبقوا الله وفاتوه، ~~فإنهم لا يعجزونه، والله ms0568 لهم بالمرصاد. وله تعالى الحكمة البالغة في ~~إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين ~~وامتحانهم، وتزودهم من طاعته ومراضيه، ما يصلون به المنازل العالية، ~~واتصافهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها، فلهذا قال لعباده ~~المؤمنين: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به... }. ### || [8.60] # أي: { وأعدوا } لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم، ~~{ ما استطعتم من قوة } أي: كل ما تقدرون عليه من القوة ~~العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك، مما يعين على قتالهم، فدخل في ~~ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع ~~والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، ~~والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأي: والسياسة التي بها ~~يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتعلم الرمي، ~~والشجاعة والتدبير. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا إن القوة الرمي " # ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال، ولهذا قال ~~تعالى: { ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم } وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب ~~الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، ~~كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، ~~كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد إلا ~~بتعلم الصناعة، وجب ذلك، لأن " ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب ". ~~وقوله: { ترهبون به عدو الله وعدوكم } ممن تعلمون ~~أنهم أعداؤكم. { وآخرين من دونهم لا تعلمونهم } ممن ~~سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به { الله يعلمهم } ~~فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم، ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات ~~المالية في جهاد الكفار. ولهذا قال تعالى مرغبا في ذلك: { وما ~~تنفقوا من شيء في سبيل الله } قليلا كان أو كثيرا { ~~يوف إليكم } أجره يوم القيامة مضاعفا أضعافا كثيرة، حتى إن ~~النفقة في سبيل الله، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. { ~~وأنتم لا تظلمون } أي: لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئا. ### || [8.61-64] # يقول تعالى: { وإن ms0569 جنحوا } أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا { ~~للسلم } أي: الصلح وترك القتال. { فاجنح لها وتوكل ~~على الله } أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلا على ربك، فإن في ذلك ~~فوائد كثيرة. منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم ~~المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجماما لقواكم، ~~واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا ~~أصلحتم وأمن بعضكم بعضا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام ~~يعلو ولا يعلى عليه، فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن ~~يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته ~~للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون ~~فيه والمتبعون له، فصار هذا السلم عونا للمسلمين على الكافرين، ولا يخاف ~~من السلم إلا خصلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين، ~~وانتهاز الفرصة فيهم، فأخبرهم الله أنه حسبهم وكافيهم خداعهم، وأن ذلك ~~يعود عليهم ضرره، فقال: { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن ~~حسبك الله } أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهماتك، فقد ~~سبق [لك] من كفايته لك ونصره ما يطمئن به قلبك. فل { هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين } أي: أعانك بمعونة سماوية، وهو ~~النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيضهم لنصرك. { ~~وألف بين قلوبهم } فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب ~~اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة ~~الشديدة { مآ ألفت بين قلوبهم } لأنه لا يقدر على تقليب ~~القلوب إلا الله تعالى. { ولكن الله ألف بينهم ~~إنه عزيز حكيم } ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد ~~الفرقة كما قال تعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها # [آل عمران: 103]. ثم قال تعالى: { يأيها النبي ms0570 حسبك ~~الله } أي: كافيك { ومن اتبعك من المؤمنين } أي: ~~وكافي أتباعك من المؤمنين، وهذا وعد من الله لعباده المؤمنين المتبعين ~~لرسوله، بالكفاية والنصرة على الأعداء. فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان ~~والاتباع، فلا بد أن يكفيهم ما أهمهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلف ~~الكفاية بتخلف شرطها. ### || [8.65-66] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يأيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال } أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي ~~عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ~~ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا ~~والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين ~~والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم # إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون # [النساء: 104]. { إن يكن منكم } أيها المؤمنون { عشرون ~~صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا } يكون الواحد بنسبة ~~عشرة من الكفار، وذلك بأن الكفار { قوم لا يفقهون } أي: لا علم ~~عندهم بما أعد الله للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون لأجل العلو في ~~الأرض والفساد فيها، وأنتم تفقهون المقصود من القتال، أنه لإعلاء كلمة ~~الله وإظهار دينه، والذب عن كتاب الله، وحصول الفوز الأكبر عند الله، ~~وهذه كلها دواع للشجاعة والصبر والإقدام على القتال. ثم إن هذا الحكم ~~خففه الله على العباد، فقال: { الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا } فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف، { فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين } بعونه وتأييده. وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن ~~المؤمنين، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين ~~في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتن عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة ~~الإيمانية. ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن الله أمر المؤمنين - في أول ~~الأمر - أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة، والعشرة من المائة، ~~والمائة من الألف. ثم ms0571 إن الله خفف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من ~~مثليهم من الكفار، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار، ولكن يرد على ~~هذا أمران: أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، ~~وأن المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع. والثاني: تقييد ذلك العدد ~~أن يكونوا صابرين بأن يكونوا متدربين على الصبر. ومفهوم هذا أنهم إذا لم ~~يكونوا صابرين، فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم [إذا غلب على ~~ظنهم الضرر]، كما تقتضيه الحكمة الإلهية. ويجاب عن الأول بأن قوله: { ~~الآن خفف الله عنكم } إلى آخرها، دليل على أن هذا أمر لازم ~~وأمر محتم، ثم إن الله خففه إلى ذلك العدد، فهذا ظاهر في أنه أمر، وإن ~~كان في صيغة الخبر. وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر، نكتة بديعة لا ~~توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر، وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم ~~سيغلبون الكافرين. ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين، ~~أنه حث على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك [فإذا ~~فعلوها صارت الأسباب الإيمانية والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر ~~الله به من النصر لهذا العدد القليل]. ### || [8.67-69] # هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم " بدر " إذ أسروا المشركين ~~وأبقوهم لأجل الفداء، وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه ~~الحال، قتلهم واستئصالهم. فقال تعالى: { ما كان لنبي أن يكون ~~له أسرى حتى يثخن في الأرض } أي: ما ينبغي ولا يليق به ~~إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله ويسعوا لإخماد دينه، ~~وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد الله، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم ~~لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية ~~لإبادتهم وإبطال شرهم، فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا. فإذا ~~أثخنوا، وبطل شرهم، واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم ~~وإبقائهم. يقول تعالى: { تريدون } بأخذكم الفداء وإبقائهم { عرض ~~الدنيا } أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم. { والله ms0572 يريد ~~الآخرة } بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، ~~فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. { والله عزيز حكيم } أي: كامل ~~العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي ~~بعضكم ببعض. { لولا كتاب من الله سبق } به القضاء ~~والقدر، أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن الله رفع عنكم - أيها الأمة - ~~العذاب { لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم } وفي الحديث: # " لو نزل عذاب يوم بدر، ما نجا منه إلا عمر ". # { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } وهذا من لطفه تعالى ~~بهذه الأمة، أن أحل لها الغنائم ولم يحلها لأمة قبلها. { واتقوا ~~الله } في جميع أموركم ولازموها، شكرا لنعم الله عليكم، { إن ~~الله غفور } يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشرك به ~~شيئا جميع المعاصي. { رحيم } بكم، حيث أباح لكم الغنائم وجعلها ~~حلالا طيبا. ### || [8.70-71] # وهذه نزلت في أسارى يوم بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما طلب منه الفداء، ادعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم ~~يسقطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى جبرا لخاطره ومن كان على مثل ~~حاله. { يأيها النبي قل لمن في أيديكم من ~~الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم ~~خيرا ممآ أخذ منكم } أي: من المال، بأن ييسر لكم من فضله، ~~خيرا وأكثر مما أخذ منكم. { ويغفر لكم } ذنوبكم، ويدخلكم الجنة ~~{ والله غفور رحيم } وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل ~~له - بعد ذلك - من المال شيء كثير، حتى إنه مرة لما قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم مال كثير، أتاه العباس فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق ~~حمله، فأخذ منه ما كاد أن يعجز عن حمله. { وإن يريدوا خيانتك ~~} في السعي لحربك ومنابذتك، { فقد خانوا الله من قبل ~~فأمكن منهم } فليحذروا خيانتك، فإنه تعالى قادر عليهم وهم تحت ~~قبضته، { والله عليم حكيم } أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع ~~الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة ~~الجميلة، وأن ms0573 تكفل بكفايتكم شأن الأسرى وشرهم إن أرادوا خيانة. ### || [8.72] # هذا عقد موالاة ومحبة، عقدها الله بين المهاجرين الذين آمنوا وهاجروا ~~في سبيل الله، وتركوا أوطانهم لله لأجل الجهاد في سبيل الله، وبين ~~الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأعانوهم في ~~ديارهم وأموالهم وأنفسهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، لكمال إيمانهم وتمام ~~اتصال بعضهم ببعض. { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } فإنهم ~~قطعوا ولايتكم بانفصالهم عنكم في وقت شدة الحاجة إلى الرجال، فلما لم ~~يهاجروا لم يكن لهم من ولاية المؤمنين شيء لكنهم { وإن ~~استنصروكم في الدين } أي: لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم { ~~فعليكم النصر } والقتال معهم، وأما من قاتلوهم لغير ذلك من ~~المقاصد فليس عليكم نصرهم. وقوله تعالى: { إلا على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق } أي: عهد بترك القتال، فإنهم إذا ~~أراد المؤمنون المتميزون الذين لم يهاجروا قتالهم، فلا تعينوهم عليهم، ~~لأجل ما بينكم وبينهم من الميثاق. { والله بما تعملون بصير ~~} يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، فيشرع لكم من الأحكام ما يليق بكم. ### || [8.73] # لما عقد الولاية بين المؤمنين، أخبر أن الكفار حيث جمعهم الكفر فبعضهم ~~أولياء لبعض، فلا يواليهم إلا كافر مثلهم. وقوله: { إلا تفعلوه ~~} أي: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، بأن واليتموهم كلهم أو ~~عاديتموهم كلهم، أو واليتم الكافرين وعاديتم المؤمنين. { تكن فتنة ~~في الأرض وفساد كبير } فإنه يحصل بذلك من الشر ما لا ينحصر من ~~اختلاط الحق بالباطل، والمؤمن بالكافر، وعدم كثير من العبادات الكبار، ~~كالجهاد والهجرة، وغير ذلك من مقاصد الشرع والدين التي تفوت إذا لم يتخذ ~~المؤمنون وحدهم أولياء بعضهم لبعض. ### || [8.74-75] # الآيات السابقات في ذكر عقد الموالاة بين المؤمنين من المهاجرين ~~والأنصار. وهذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم، فقال: { والذين ~~ءامنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ~~ءاووا ونصروا أولئك } أي: المؤمنون من المهاجرين ~~والأنصار { هم المؤمنون حقا } لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا ~~به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار ~~والمنافقين. ms0574 { لهم مغفرة } من الله تمحى بها سيئاتهم، وتضمحل ~~بها زلاتهم، { و } لهم { رزق كريم } أي: خير كثير من الرب الكريم ~~في جنات النعيم. وربما حصل لهم من الثواب المعجل ما تقر به أعينهم، ~~وتطمئن به قلوبهم ، وكذلك من جاء بعد هؤلاء المهاجرين والأنصار، ممن ~~اتبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. { فأولئك منكم ~~} لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. فهذه الموالاة الإيمانية - وقد كانت في ~~أول الإسلام - لها وقع كبير وشأن عظيم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، ~~وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل الله { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } فلا يرثه إلا أقاربه ~~من العصبات وأصحاب الفروض، فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته من ذوي الأرحام، ~~كما دل عليه عموم هذه الآية الكريمة، وقوله: { في كتاب الله } أي: ~~في حكمه وشرعه. { إن الله بكل شيء عليم } ومنه ما يعلمه ~~من أحوالكم التي يجري من شرائعه الدينية عليكم ما يناسبها. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # أي: هذه براءة من الله ومن رسوله إلى جميع المشركين المعاهدين، أن لهم ~~أربعة أشهر يسيحون في الأرض على اختيارهم، آمنين من المؤمنين، وبعد ~~الأربعة الأشهر فلا عهد لهم ولا ميثاق. وهذا لمن كان له عهد مطلق غير ~~مقدر، أو مقدر بأربعة أشهر فأقل، أما من كان له عهد مقدر بزيادة على ~~أربعة أشهر، فإن الله يتعين أن يتمم له عهده إذا لم يخف منه خيانة، ولم ~~يبدأ بنقض العهد. ثم أنذر المعاهدين في مدة عهدهم، أنهم وإن كانوا آمنين، ~~فإنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه، وأنه من استمر منهم على شركه فإنه لا ~~بد أن يخزيه، فكان هذا مما يجلبهم إلى الدخول في الإسلام، إلا من عاند ~~وأصر ولم يبال بوعيد الله له. ### || [9.3] # هذا ما وعد الله به المؤمنين، من نصر دينه وإعلاء كلمته، وخذلان ~~أعدائهم من المشركين الذين أخرجوا الرسول ومن معه من مكة، من بيت الله ~~الحرام، وأجلوهم، مما ms0575 لهم التسلط عليه من أرض الحجاز. نصر الله رسوله ~~والمؤمنين حتى افتتح مكة، وأذل المشركين، وصار للمؤمنين الحكم والغلبة ~~على تلك الديار. فأمر النبي مؤذنه أن يؤذن يوم الحج الأكبر، وهو يوم ~~النحر، وقت اجتماع الناس مسلمهم وكافرهم، من جميع جزيرة العرب، أن يؤذن ~~بأن الله بريء ورسوله من المشركين، فليس لهم عنده عهد وميثاق، فأينما ~~وجدوا قتلوا، وقيل لهم: لا تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم هذا، وكان ذلك ~~سنة تسع من الهجرة. وحج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأذن ~~ببراءة - يوم النحر - ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه. ثم رغب تعالى المشركين بالتوبة، ورهبهم من ~~الاستمرار على الشرك فقال: { فإن تبتم فهو خير لكم وإن ~~توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله }. أي: ~~فائتيه، بل أنتم في قبضته، قادر أن يسلط عليكم عباده المؤمنين. { ~~وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } أي: مؤلم مفظع في ~~الدنيا بالقتل والأسر والجلاء، وفي الآخرة، بالنار وبئس القرار. ### || [9.4] # أي: هذه البراءة التامة المطلقة من جميع المشركين. { إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين } واستمروا على عهدهم، ولم يجر منهم ما ~~يوجب النقض، فلا نقصوكم شيئا، ولا عاونوا عليكم أحدا، فهؤلاء أتموا لهم ~~عهدهم إلى مدتهم، قلت أو كثرت، لأن الإسلام لا يأمر بالخيانة وإنما ~~يأمر بالوفاء. { إن الله يحب المتقين } الذين أدوا ما ~~أمروا به، واتقوا الشرك والخيانة، وغير ذلك من المعاصي. ### || [9.5] # يقول تعالى { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } أي: التي حرم ~~فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي أشهر التسيير الأربعة، وتمام المدة ~~لمن له مدة أكثر منها، فقد برئت منهم الذمة. { فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم } في أي مكان وزمان، { ~~وخذوهم } أسرى { واحصروهم } أي: ضيقوا عليهم، فلا تدعوهم ~~يتوسعون في بلاد الله وأرضه التي جعلها [الله] معبدا لعباده. فهؤلاء ~~ليسوا أهلا لسكناها، ولا يستحقون منها شبرا، لأن الأرض أرض الله، وهم ~~أعداؤه المنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن يخلو الأرض من ~~دينه، ويأبى الله إلا أن ms0576 يتم نوره ولو كره الكافرون. { واقعدوا ~~لهم كل مرصد } أي: كل ثنية وموضع يمرون عليه، ورابطوا في ~~جهادهم وابذلوا غاية مجهودكم في ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر حتى ~~يتوبوا من شركهم. ولهذا قال: { فإن تابوا } من شركهم { وأقاموا ~~الصلوة } أي: أدوها بحقوقها { وءاتوا الزكوة } لمستحقيها ~~{ فخلوا سبيلهم } أي: اتركوهم، وليكونوا مثلكم، لهم ما لكم، ~~وعليهم ما عليكم. { إن الله غفور رحيم } يغفر الشرك فما ~~دونه، للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة، ثم قبولها منهم. وفي هذه الآية ~~دليل على أن من امتنع من أداء الصلاة أو الزكاة، فإنه يقاتل حتى يؤديهما، ~~كما استدل بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ### || [9.6] # لما كان ما تقدم من قوله: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد } أمرا عاما في ~~جميع الأحوال، وفي كل الأشخاص منهم، ذكر تعالى أن المصلحة إذا اقتضت ~~تقريب بعضهم جاز، بل وجب ذلك فقال: { وإن أحد من المشركين ~~استجارك } أي: طلب منك أن تجيره، وتمنعه من الضرر، لأجل أن يسمع ~~كلام الله، وينظر حالة الإسلام. { فأجره حتى يسمع كلام ~~الله } ثم إن أسلم، فذاك، وإلا فأبلغه مأمنه، أي: المحل الذي يأمن ~~فيه، والسبب في ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون، فربما كان استمرارهم على ~~كفرهم لجهل منهم، إذا زال اختاروا عليه الإسلام، فلذلك أمر الله رسوله، ~~وأمته أسوته في الأحكام، أن يجيروا من طلب أن يسمع كلام الله. وفي هذا ~~حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة، القائلين بأن القرآن كلام الله غير ~~مخلوق، لأنه تعالى هو المتكلم به، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى ~~موصوفها، وبطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم: أن القرآن مخلوق. وكم من ~~الأدلة الدالة على بطلان هذا القول، ليس هذا محل ذكرها. ### || [9.7] # هذا بيان للحكمة الموجبة لأن يتبرأ الله ورسوله من المشركين، فقال: { ~~كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~}؟! هل قاموا بواجب الإيمان، أم تركوا رسول الله والمؤمنين من أذيتهم؟ ~~أما حاربوا الحق ونصروا الباطل؟ ms0577 أما سعوا في الأرض فسادا؟ فيحق عليهم أن ~~يتبرأ الله منهم، وأن لا يكون لهم عهد عنده ولا عند رسوله. { إلا ~~الذين عاهدتم } من المشركين { عند المسجد الحرام } ~~فإن لهم في العهد وخصوصا في هذا المكان الفاضل حرمة، أوجب أن يراعوا ~~فيها. { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن ~~الله يحب المتقين } ولهذا قال: { كيف وإن يظهروا ~~عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم... }. ### || [9.8-11] # أي: { كيف } يكون للمشركين عند الله عهد وميثاق { و } الحال أنهم ~~{ إن يظهروا عليكم } بالقدرة والسلطة، لا يرحموكم، و { لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } أي: لا ذمة ولا قرابة، ولا ~~يخافون الله فيكم، بل يسومونكم سوء العذاب، فهذه حالكم معهم لو ظهروا. ~~ولا يغرنكم منهم ما يعاملونكم به وقت الخوف منكم، فإنهم { يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم } الميل والمحبة لكم، بل هم ~~الأعداء حقا، المبغضون لكم صدقا، { وأكثرهم فاسقون } لا ~~ديانة لهم ولا مروءة. { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا } ~~أي: اختاروا الحظ العاجل الخسيس في الدنيا على الإيمان بالله ورسوله، ~~والانقياد لآيات الله. { فصدوا } بأنفسهم، وصدوا غيرهم { عن ~~سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون * لا يرقبون ~~في مؤمن إلا ولا ذمة } أي لأجل عداوتهم للإيمان وأهله. ~~فالوصف الذي جعلهم يعادونكم لأجله ويبغضونكم، هو الإيمان، فذبوا عن ~~دينكم، وانصروه واتخذوا من عاداه لكم عدوا ومن نصره لكم وليا، واجعلوا ~~الحكم يدور معه وجودا وعدما لا تجعلوا الولاية والعداوة طبيعية تميلون ~~بهما، حيثما مال الهوى، وتتبعون فيهما النفس الأمارة بالسوء، ولهذا: { ~~فإن تابوا } عن شركهم، ورجعوا إلى الإيمان { وأقاموا ~~الصلوة وءاتوا الزكوة فإخونكم في الدين } ~~وتناسوا تلك العداوة إذ كانوا مشركين، لتكونوا عباد الله المخلصين، ~~وبهذا يكون العبد عبدا حقيقة. لما بين من أحكامه العظيمة ما بين، ووضح ~~منها ما وضح، أحكاما وحكما وحكما وحكمة قال: { ونفصل ~~الأيت } أي: نوضحها ونميزها { لقوم يعلمون } فإليهم سياق ~~الكلام، وبهم تعرف الآيات والأحكام، وبهم عرف دين الإسلام وشرائع الدين. ~~اللهم اجعلنا من القوم الذين يعلمون، ويعملون بما يعلمون، برحمتك وجودك ms0578 ~~وكرمك [وإحسانك يا رب العالمين]. ### || [9.12-15] # يقول تعالى بعدما ذكر أن المعاهدين من المشركين إن استقاموا على عهدهم ~~فاستقيموا لهم على الوفاء: { وإن نكثوا أيمانهم من بعد ~~عهدهم } أي: نقضوها وحلوها، فقاتلوكم أو أعانوا على قتالكم، أو ~~نقصوكم، { وطعنوا في دينكم } أي: عابوه، وسخروا منه. ويدخل في ~~هذا جميع أنواع الطعن الموجهة إلى الدين، أو إلى القرآن، { فقاتلوا ~~أئمة الكفر } أي: القادة فيه، الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن، ~~الناصرين لدين الشيطان، وخصهم بالذكر لعظم جنايتهم، ولأن غيرهم تبع لهم، ~~وليدل على أن من طعن في الدين وتصدى للرد عليه، فإنه من أئمة الكفر. { ~~إنهم لا أيمان لهم } أي: لا عهود ولا مواثيق يلازمون على ~~الوفاء بها، بل لا يزالون خائنين، ناكثين للعهد، لا يوثق منهم. { ~~لعلهم } في قتالكم إياهم { ينتهون } عن الطعن في دينكم، وربما ~~دخلوا فيه، ثم حث على قتالهم، وهيج المؤمنين بذكر الأوصاف التي صدرت من ~~هؤلاء الأعداء، والتي هم موصوفون بها، المقتضية لقتالهم فقال: { ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج ~~الرسول } الذي يجب احترامه وتوقيره وتعظيمه؟ وهم هموا أن يجلوه ~~ويخرجوه من وطنه وسعوا في ذلك ما أمكنهم، { وهم بدءوكم أول ~~مرة } حيث نقضوا العهد وأعانوا عليكم، وذلك حيث عاونت قريش -وهم ~~معاهدون- بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقاتلوا معهم كما هو مذكور مبسوط في السيرة. { أتخشونهم } ~~في ترك قتالهم { فالله أحق أن تخشوه إن كنتم ~~مؤمنين } فإنه أمركم بقتالهم، وأكد ذلك عليكم غاية التأكيد. فإن ~~كنتم مؤمنين فامتثلوا لأمر الله، ولا تخشوهم فتتركوا أمر الله، ثم أمر ~~بقتالهم وذكر ما يترتب على قتالهم من الفوائد، وكل هذا حث وإنهاض ~~للمؤمنين على قتالهم، فقال: { قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم } بالقتل { ويخزهم } إذا نصركم الله عليهم، وهم ~~الأعداء الذين يطلب خزيهم ويحرص عليه، { وينصركم عليهم } هذا ~~وعد من الله وبشارة قد أنجزها. { ويشف صدور قوم مؤمنين ~~*ويذهب غيظ قلوبهم } فإن في قلوبهم من الحنق والغيظ عليهم ~~ما يكون قتالهم وقتلهم شفاء لما ms0579 في قلوب المؤمنين من الغم والهم، إذ يرون ~~هؤلاء الأعداء محاربين لله ولرسوله، ساعين في إطفاء نور الله وزوالا ~~للغيظ الذي في قلوبهم، وهذا يدل على محبة الله لعباده المؤمنين، ~~واعتنائه بأحوالهم، حتى إنه جعل - من جملة المقاصد الشرعية - شفاء ما في ~~صدورهم وذهاب غيظهم. ثم قال: { ويتوب الله على من يشآء } ~~من هؤلاء المحاربين، بأن يوفقهم للدخول في الإسلام، ويزينه في قلوبهم، ~~ويكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. { والله عليم حكيم } ~~يضع الأشياء مواضعها، ويعلم من يصلح للإيمان فيهديه، ومن لا يصلح فيبقيه ~~في غيه وطغيانه. ### || [9.16] # يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد ما أمرهم بالجهاد: { أم حسبتم ~~أن تتركوا } من دون ابتلاء وامتحان، وأمر بما يبين به الصادق ~~والكاذب. { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } ~~أي: علما يظهر مما في القوة إلى الخارج، ليترتب عليه الثواب والعقاب، ~~فيعلم الذين يجاهدون في سبيله لإعلاء كلمته { ولم يتخذوا من ~~دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة } أي: ~~وليا من الكافرين، بل يتخذون الله ورسوله والمؤمنين أولياء. فشرع الله ~~الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا ~~يتحيزون إلا لدين الله، من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان وهم يتخذون ~~الولائج والأولياء من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين. { والله ~~خبير بما تعملون } أي: يعلم ما يصير منكم ويصدر، فيبتليكم بما ~~يظهر به حقيقة ما أنتم عليه، ويجازيكم على أعمالكم خيرها وشرها. ### || [9.17-18] # يقول تعالى: { ما كان } أي: ما ينبغي ولا يليق { للمشركين أن ~~يعمروا مسجد الله } بالعبادة والصلاة، وغيرها من أنواع ~~الطاعات، والحال أنهم شاهدون ومقرون على أنفسهم بالكفر بشهادة حالهم ~~وفطرهم، وعلم كثير منهم أنهم على الكفر والباطل. فإذا كانوا { شهدين ~~على أنفسهم بالكفر } وعدم الإيمان الذي هو شرط لقبول ~~الأعمال، فكيف يزعمون أنهم عمار مساجد الله، والأصل منهم مفقود، ~~والأعمال منهم باطلة؟!! ولهذا قال: { أولئك حبطت أعملهم ~~} أي: بطلت وضلت { وفي النار هم خلدون }. ثم ذكر من هم ~~عمار مساجد الله فقال: { إنما يعمر مسجد الله من ~~ءامن ms0580 بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة } الواجبة ~~والمستحبة، بالقيام بالظاهر منها والباطن. { وءاتى الزكوة } ~~لأهلها { ولم يخش إلا الله } أي: قصر خشيته على ربه، فكف عما ~~حرم الله، ولم يقصر بحقوق الله الواجبة. فوصفهم بالإيمان النافع، ~~وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أمها الصلاة والزكاة، وبخشية الله ~~التي هي أصل كل خير، فهؤلاء عمار المساجد على الحقيقة وأهلها الذين هم ~~أهلها. { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } و ~~" عسى " من الله واجبة. وأما من لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا ~~عنده خشية لله، فهذا ليس من عمار مساجد الله، ولا من أهلها الذين هم ~~أهلها، وإن زعم ذلك وادعاه. ### || [9.19-22] # لما اختلف بعض المسلمين، أو بعض المسلمين وبعض المشركين، في تفضيل عمارة ~~المسجد الحرام، بالبناء والصلاة والعبادة فيه وسقاية الحاج، على الإيمان ~~بالله والجهاد في سبيله، أخبر الله تعالى بالتفاوت بينهما، فقال: { ~~أجعلتم سقاية الحاج } أي: سقيهم الماء من زمزم كما هو ~~المعروف إذا أطلق هذا الاسم، أنه المراد { وعمارة المسجد ~~الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله }. فالجهاد والإيمان ~~بالله أفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بدرجات كثيرة، لأن ~~الإيمان أصل الدين، وبه تقبل الأعمال، وتزكو الخصال. وأما الجهاد في سبيل ~~الله فهو ذروة سنام الدين، الذي به يحفظ الدين الإسلامي ويتسع، وينصر ~~الحق ويخذل الباطل. وأما عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، فهي وإن كانت ~~أعمالا صالحة، فهي متوقفة على الإيمان، وليس فيها من المصالح ما في ~~الإيمان والجهاد، فلذلك قال: { لا يستوون عند الله والله ~~لا يهدي القوم الظالمين } أي: الذين وصفهم الظلم، الذين لا ~~يصلحون لقبول شيء من الخير، بل لا يليق بهم إلا الشر. ثم صرح بالفضل ~~فقال: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل ~~الله بأموالهم } بالنفقة في الجهاد وتجهيز الغزاة { ~~وأنفسهم } بالخروج بالنفس { أعظم درجة عند الله ~~وأولئك هم الفائزون } أي: لا يفوز بالمطلوب ولا ينجو من ~~المرهوب، إلا من اتصف بصفاتهم، وتخلق بأخلاقهم. { يبشرهم ربهم ~~} جودا منه، وكرما ms0581 وبرا بهم، واعتناء ومحبة لهم، { برحمة منه ~~} أزال بها عنهم الشرور، وأوصل إليهم [بها] كل خير. { ورضوان } منه ~~تعالى عليهم، الذي هو أكبر نعيم الجنة وأجله، فيحل عليهم رضوانه، فلا ~~يسخط عليهم أبدا. { وجنات لهم فيها نعيم مقيم } من كل ~~ما اشتهته الأنفس، وتلذ الأعين، مما لا يعلم وصفه ومقداره إلا الله ~~تعالى، الذي منه أن الله أعد للمجاهدين في سبيله مئة درجة، ما بين كل ~~درجتين كما بين السماء والأرض، ولو اجتمع الخلق في درجة واحدة منها ~~لوسعتهم. { خالدين فيهآ أبدا } لا ينتقلون عنها، ولا يبغون عنها ~~حولا، { إن الله عنده أجر عظيم } لا تستغرب كثرته على ~~فضل الله، ولا يتعجب من عظمه وحسنه على من يقول للشيء كن فيكون. ### || [9.23-24] # يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا } اعملوا بمقتضى الإيمان، ~~بأن توالوا من قام به، وتعادوا من لم يقم به. و { لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم } الذين هم أقرب الناس إليكم، وغيرهم من باب ~~أولى وأحرى، فلا تتخذوهم { أوليآء إن استحبوا } أي: اختاروا ~~على وجه الرضا والمحبة { الكفر على الإيمان }. { ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } لأنهم ~~تجرؤوا على معاصي الله، واتخذوا أعداء الله أولياء، وأصل الولاية: ~~المحبة والنصرة، وذلك أن اتخاذهم أولياء، موجب لتقديم طاعتهم على طاعة ~~الله، ومحبتهم على محبة الله ورسوله. ولهذا ذكر السبب الموجب لذلك، وهو ~~أن محبة الله ورسوله، يتعين تقديمهما على محبة كل شيء، وجعل جميع ~~الأشياء تابعة لهما فقال: { قل إن كان آباؤكم } ومثلهم الأمهات ~~{ وأبنآؤكم وإخوانكم } في النسب والعشرة { وأزواجكم ~~وعشيرتكم } أي: قراباتكم عموما { وأموال اقترفتموها ~~} أي: اكتسبتموها وتعبتم في تحصيلها، خصها بالذكر، لأنها أرغب عند أهلها، ~~وصاحبها أشد حرصا عليها ممن تأتيه الأموال من غير تعب ولا كد. { ~~وتجارة تخشون كسادها } أي: رخصها ونقصها، وهذا شامل لجميع ~~أنواع التجارات والمكاسب من عروض التجارات، من الأثمان، والأواني، ~~والأسلحة، والأمتعة، والحبوب، والحروث، والأنعام، وغير ذلك. { ~~ومساكن ترضونهآ } من حسنها وزخرفتها وموافقتها لأهوائكم، فإن ~~كانت هذه الأشياء { أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله ms0582 } فأنتم فسقة ظلمة. { فتربصوا } أي: ~~انتظروا ما يحل بكم من العقاب { حتى يأتي الله بأمره } ~~الذي لا مرد له. { والله لا يهدي القوم الفاسقين } أي: ~~الخارجين عن طاعة الله، المقدمين على محبة الله شيئا من المذكورات. ~~وهذه الآية الكريمة أعظم دليل على وجوب محبة الله ورسوله، وعلى تقديمها ~~على محبة كل شيء، وعلى الوعيد الشديد والمقت الأكيد، على من كان شيء من ~~هذه المذكورات أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله. وعلامة ذلك أنه ~~إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه الله ورسوله، وليس لنفسه فيه هوى، ~~والآخر تحبه نفسه وتشتهيه، ولكنه يفوت عليه محبوبا لله ورسوله، أو ~~ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه، على ما يحبه الله، دل ذلك على أنه ~~ظالم تارك لما يجب عليه. ### || [9.25-27] # يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بنصره إياهم في مواطن كثيرة من مواطن ~~اللقاء، ومواضع الحروب والهيجاء، حتى في يوم " حنين " الذي اشتدت عليهم ~~فيه الأزمة، ورأوا من التخاذل والفرار، ما ضاقت عليهم به الأرض على رحبها ~~وسعتها. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، سمع أن هوازن ~~اجتمعوا لحربه، فسار إليهم صلى الله عليه وسلم في أصحابه الذين فتحوا ~~مكة، وبمن أسلم من الطلقاء أهل مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، والمشركون ~~أربعة آلاف، فأعجب بعض المسلمين بكثرتهم، وقال بعضهم: لن نغلب اليوم من ~~قلة. فلما التقوا هم وهوازن، حملوا على المسلمين حملة واحدة، فانهزموا لا ~~يلوي أحد على أحد، ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نحو مئة ~~رجل، ثبتوا معه، وجعلوا يقاتلون المشركين، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يركض بغلته نحو المشركين ويقول: # " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ". # ولما رأى من المسلمين ما رأى، أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في ~~الأنصار وبقية المسلمين، وكان رفيع الصوت، فناداهم: يا أصحاب السمرة، يا ~~أهل سورة البقرة. فلما سمعوا صوته، عطفوا عطفة رجل واحد، فاجتلدوا مع ~~المشركين، فهزم الله المشركين هزيمة ms0583 شنيعة، واستولوا على معسكرهم ~~ونسائهم وأموالهم. وذلك قوله تعالى { لقد نصركم الله في ~~مواطن كثيرة ويوم حنين } وهو اسم للمكان الذي كانت فيه ~~الوقعة بين مكة والطائف. { إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا } أي: لم تفدكم شيئا، قليلا ولا كثيرا { ~~وضاقت عليكم الأرض } بما أصابكم من الهم والغم حين انهزمتم { ~~بما رحبت } أي: على رحبها وسعتها، { ثم وليتم مدبرين ~~} أي: منهزمين. { ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين } والسكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل ~~والزلازل والمفظعات، مما يثبتها ويسكنها ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم ~~الله العظيمة على العباد. { وأنزل جنودا لم تروها } وهم ~~الملائكة، أنزلهم الله معونة للمسلمين يوم حنين، يثبتونهم ويبشرونهم ~~بالنصر. { وعذب الذين كفروا } بالهزيمة والقتل، واستيلاء ~~المسلمين على نسائهم وأولادهم وأموالهم. { وذلك جزآء ~~الكافرين } يعذبهم الله في الدنيا، ثم يردهم في الآخرة إلى عذاب ~~غليظ. { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء } ~~فتاب الله على كثير ممن كانت الوقعة عليهم، وأتوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم مسلمين تائبين، فرد عليهم نساءهم وأولادهم. { والله ~~غفور رحيم } أي: ذو مغفرة واسعة، ورحمة عامة، يعفو عن الذنوب ~~العظيمة للتائبين، ويرحمهم بتوفيقهم للتوبة والطاعة، والصفح عن جرائمهم ~~وقبول توباتهم، فلا ييأسن أحد من مغفرته ورحمته، ولو فعل من الذنوب ~~والإجرام ما فعل. ### || [9.28] # يقول تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون ~~} بالله الذين عبدوا معه غيره { نجس } أي: خبثاء في عقائدهم ~~وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع الله آلهة لا تنفع ولا تضر، ~~ولا تغني عنه شيئا؟!! وأعمالهم ما بين محاربة لله، وصد عن سبيل الله ~~ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح، فعليكم أن ~~تطهروا أشرف البيوت وأطهرها عنهم. { فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا } وهو سنة تسع من الهجرة، حين حج ~~بالناس أبو بكر الصديق، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه عليا، أن ~~يؤذن يوم الحج الأكبر ب " براءة " ، فنادى أن لا يحج بعد ms0584 العام مشرك، ~~ولا يطوف بالبيت عريان. وليس المراد هنا نجاسة البدن، فإن الكافر كغيره ~~طاهر البدن، بدليل أن الله تعالى أباح وطء الكتابية ومباشرتها، ولم يأمر ~~بغسل ما أصاب منها. والمسلمون ما زالوا يباشرون أبدان الكفار، ولم ينقل ~~عنهم أنهم تقذروا منها، تقذرهم من النجاسات، وإنما المراد كما تقدم ~~نجاستهم المعنوية، بالشرك، فكما أن التوحيد والإيمان طهارة، فالشرك ~~نجاسة. وقوله: { وإن خفتم } أيها المسلمون { عيلة } أي: فقرا ~~وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي ~~بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، { فسوف يغنيكم الله من ~~فضله } فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب ~~إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل الله واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ~~ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن الله أكرم الأكرمين. وقد أنجز الله وعده، ~~فإن الله أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من ~~أكبر الأغنياء والملوك. وقوله: { إن شآء } تعليق للإغناء بالمشيئة، ~~لأن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله، ~~فلهذا علقه الله بالمشيئة، فإن الله يعطي الدنيا، من يحب، ومن لا يحب، ~~ولا يعطي الإيمان والدين إلا من يحب. { إن الله عليم حكيم } ~~أي: علمه واسع، يعلم من يليق به الغنى، ومن لا يليق، ويضع الأشياء ~~مواضعها وينزلها منازلها. وتدل الآية الكريمة، وهي قوله: { فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } أن ~~المشركين بعد ما كانوا هم الملوك والرؤساء بالبيت، ثم صار بعد الفتح ~~الحكم لرسول الله والمؤمنين، مع إقامتهم في البيت، ومكة المكرمة، ثم ~~نزلت هذه الآية. ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يجلوا من ~~الحجاز، فلا يبقى فيها دينان، وكل هذا لأجل بعد كل كافر عن المسجد ~~الحرام، فيدخل في قوله { فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا }. ### || [9.29] # هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من { قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ~~إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم. ولا ms0585 يحرمون ما حرم الله، فلا ~~يتبعون شرعه في تحريم المحرمات، { ولا يدينون دين الحق } أي: ~~لا يدينون بالدين الصحيح، وإن زعموا أنهم على دين، فإنه دين غير الحق، ~~لأنه إما بين دين مبدل، وهو الذي لم يشرعه الله أصلا، وإما دين منسوخ ~~قد شرعه الله، ثم غيره بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيبقى التمسك به ~~بعد النسخ غير جائز. فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك، لأنهم يدعون إلى ما ~~هم عليه، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس، بسبب أنهم أهل كتاب. وغيى ذلك ~~القتال { حتى يعطوا الجزية } أي: المال الذي يكون جزاء لترك ~~المسلمين قتالهم، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم بين أظهر المسلمين، ~~يؤخذ منهم كل عام، كل على حسب حاله، من غني وفقير ومتوسط، كما فعل ذلك ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره من أمراء المؤمنين. وقوله: { عن يد ~~} أي: حتى يبذلوها في حال ذلهم، وعدم اقتدارهم، ويعطونها بأيديهم، فلا ~~يرسلون بها خادما ولا غيره، بل لا تقبل إلا من أيديهم، { وهم ~~صاغرون }. فإذا كانوا بهذه الحال، وسألوا المسلمين أن يقروهم ~~بالجزية، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم، ~~واستسلموا للشروط التي أجراها عليهم المسلمون مما ينفي عزهم وتكبرهم، ~~ويوجب ذلهم وصغارهم، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم. وإلا بأن لم ~~يفوا، ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، لم يجز إقرارهم بالجزية، بل ~~يقاتلون حتى يسلموا. واستدل بهذه الآية الجمهور الذين يقولون: لا تؤخذ ~~الجزية إلا من أهل الكتاب، لأن الله لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم. وأما ~~غيرهم فلم يذكر إلا قتالهم حتى يسلموا، وألحق بأهل الكتاب في أخذ الجزية ~~وإقرارهم في ديار المسلمين، المجوس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ~~الجزية من مجوس هجر، ثم أخذها أمير المؤمنين عمر من الفرس المجوس. وقيل: ~~إن الجزية تؤخذ من سائر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، لأن هذه الآية نزلت ~~بعد الفراغ من قتال العرب المشركين، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم، ~~فيكون ms0586 هذا القيد إخبارا بالواقع، لا مفهوم له. ويدل على هذا أن المجوس ~~أخذت منهم الجزية وليسوا أهل كتاب، ولأنه قد تواتر عن المسلمين من ~~الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث: إما الإسلام، ~~أو أداء الجزية، أو السيف، من غير فرق بين كتابي وغيره. ### || [9.30-33] # لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب، ذكر من أقوالهم الخبيثة، ما يهيج ~~المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم، والاجتهاد وبذل الوسع ~~فيه فقال: { وقالت اليهود عزير ابن الله } وهذه المقالة ~~وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فيدل ذلك على أن في ~~اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرؤوا ~~فيها على الله، وتنقصوا عظمته وجلاله. وقد قيل: إن سبب ادعائهم في " ~~عزير " أنه ابن الله، أنه لما سلط الله الملوك على بني إسرائيل، ومزقوهم ~~كل ممزق، وقتلوا حملة التوراة، وجدوا عزيرا بعد ذلك حافظا لها أو ~~لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه، واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى ~~الشنيعة. { وقالت النصارى المسيح } عيسى ابن مريم { ابن ~~الله } قال الله تعالى { ذلك } القول الذي قالوه { قولهم ~~بأفواههم } لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا. ومن كان لا يبالي بما ~~يقول، لا يستغرب عليه أي قول يقوله، فإنه لا دين ولا عقل يحجزه عما يريد ~~من الكلام. ولهذا قال: { يضاهئون } أي: يشابهون في قولهم هذا { ~~قول الذين كفروا من قبل } أي: قول المشركين الذين يقولون: ~~" الملائكة بنات الله " تشابهت قلوبهم، فتشابهت أقوالهم في البطلان. { ~~قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي: كيف يصرفون على ~~الحق الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين. وهذا - وإن كان ~~يستغرب على أمة كبيرة كثيرة أن تتفق على قول - يدل على بطلانه أدنى تفكر ~~وتسليط للعقل عليه، فإن لذلك سببا وهو أنهم: { اتخذوا ~~أحبارهم } وهم علماؤهم { ورهبانهم } أي: العباد ~~المتجردين للعبادة. { أربابا من دون الله } يحلون لهم ما ~~حرم الله فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل الله فيحرمونه، ويشرعون لهم من ~~الشرائع والأقوال المنافية لدين ms0587 الرسل فيتبعونهم عليها. وكانوا أيضا ~~يغلون في مشايخهم وعبادهم ويعظمونهم، ويتخذون قبورهم أوثانا تعبد من دون ~~الله، وتقصد بالذبائح والدعاء والاستغاثة. { والمسيح ابن ~~مريم } اتخذوه إلها من دون الله، والحال أنهم خالفوا في ذلك أمر ~~الله لهم على ألسنة رسله فما { أمروا إلا ليعبدوا ~~إلها واحدا لا إله إلا هو } فيخلصون له العبادة ~~والطاعة، ويخصونه بالمحبة والدعاء، فنبذوا أمر الله وأشركوا به ما لم ~~ينزل به سلطانا. { سبحانه } وتعالى { عما يشركون } أي: ~~تنزه وتقدس، وتعالت عظمته عن شركهم وافترائهم، فإنهم ينتقصونه في ذلك، ~~ويصفونه بما لا يليق بجلاله، والله تعالى العالي في أوصافه وأفعاله عن ~~كل ما نسب إليه، مما ينافي كماله المقدس. فلما تبين أنه لا حجة لهم على ~~ما قالوه، ولا برهان لما أصلوه، وإنما هو مجرد قول قالوه وافتراء ~~افتروه أخبر أنهم { يريدون } بهذا { أن يطفئوا نور الله ~~بأفوههم }. # ونور الله: دينه الذي أرسل به الرسل، وأنزل به الكتب، وسماه الله ~~نورا، لأنه يستنار به في ظلمات الجهل والأديان الباطلة، فإنه علم بالحق، ~~وعمل بالحق، وما عداه فإنه بضده، فهؤلاء اليهود والنصارى ومن ضاهوه من ~~المشركين، يريدون أن يطفؤوا نور الله بمجرد أقوالهم، التي ليس عليها ~~دليل أصلا. { ويأبى الله إلا أن يتم نوره } لأنه ~~النور الباهر، الذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن ~~يطفئوه، والذي أنزله جميع نواصي العباد بيده، وقد تكفل بحفظه من كل من ~~يريده بسوء، ولهذا قال: { ويأبى الله إلا أن يتم نوره ~~ولو كره الكفرون } وسعوا ما أمكنهم في رده وإبطاله، فإن ~~سعيهم لا يضر الحق شيئا. ثم بين تعالى هذا النور الذي قد تكفل بإتمامه ~~وحفظه فقال: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } الذي هو ~~العلم النافع { ودين الحق } الذي هو العمل الصالح فكان ما بعث ~~الله به محمدا صلى الله عليه وسلم مشتملا على بيان الحق من الباطل في ~~أسماء الله وأوصافه وأفعاله، وفي أحكامه وأخباره، والأمر بكل مصلحة ~~نافعة للقلوب، والأرواح والأبدان من إخلاص الدين لله وحده، ms0588 ومحبة الله ~~وعبادته، والأمر بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، والأعمال الصالحة والآداب ~~النافعة، والنهي عن كل ما يضاد ذلك ويناقضه من الأخلاق والأعمال السيئة ~~المضرة للقلوب والأبدان والدنيا والآخرة. فأرسله الله بالهدى ودين الحق ~~{ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } ~~أي: ليعليه على سائر الأديان بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، وإن كره ~~المشركون ذلك، وبغوا له الغوائل، ومكروا مكرهم، فإن المكر السيئ لا يضر ~~إلا صاحبه، فوعد الله لا بد أن ينجزه، وما ضمنه لا بد أن يقوم به. ### || [9.34-35] # هذا تحذير من الله تعالى لعباده المؤمنين عن كثير من الأحبار والرهبان، ~~أي: العلماء والعباد الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، أي: بغير حق، ~~ويصدون عن سبيل الله، فإنهم إذا كانت لهم رواتب من أموال الناس، أو بذل ~~الناس لهم من أموالهم، فإنه لأجل علمهم وعبادتهم، ولأجل هداهم وهدايتهم، ~~وهؤلاء يأخذونها ويصدون الناس عن سبيل الله، فيكون أخذهم لها على هذا ~~الوجه سحتا وظلما، فإن الناس ما بذلوا لهم من أموالهم إلا ليدلوهم إلى ~~الطريق المستقيم. ومن أخذهم لأموال الناس بغير حق، أن يعطوهم ليفتوهم أو ~~يحكموا لهم بغير ما أنزل الله، فهؤلاء الأحبار والرهبان، ليحذر منهم ~~هاتان الحالتان: أخذهم لأموال الناس بغير حق، وصدهم الناس عن سبيل الله. ~~{ والذين يكنزون الذهب والفضة } أي: يمسكونهما { ~~ولا ينفقونها في سبيل الله } أي: طرق الخير الموصلة إلى ~~الله، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع ~~منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات أو الأقارب، أو النفقة في سبيل ~~الله إذا وجبت. { فبشرهم بعذاب أليم } ثم فسره بقوله: { ~~يوم يحمى عليها } أي: على أموالهم، { في نار جهنم } ~~فيحمى كل دينار أو درهم على حدته. { فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم } في يوم القيامة كلما بردت أعيدت في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة، ويقال لهم توبيخا ولوما: { هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } فما ~~ظلمكم ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز. وذكر الله في هاتين ~~الآيتين انحراف الإنسان في ماله، وذلك ms0589 بأحد أمرين: إما أن ينفقه في ~~الباطل الذي لا يجدي عليه نفعا، بل لا يناله منه إلا الضرر المحض، وذلك ~~كإخراج الأموال في المعاصي والشهوات التي لا تعين على طاعة الله، ~~وإخراجها للصد عن سبيل الله. وإما أن يمسك ماله عن إخراجه في الواجبات، ~~و " النهي عن الشيء، أمر بضده ". ### || [9.36] # يقول تعالى { إن عدة الشهور عند الله } أي: في قضائه ~~وقدره { اثنا عشر شهرا } وهي هذه الشهور المعروفة { في كتاب ~~الله } أي: في حكمه القدري، { يوم خلق السموت والأرض ~~} وأجرى ليلها ونهارها، وقدر أوقاتها فقسمها على هذه الشهور الاثني عشر ~~[شهرا]. { منهآ أربعة حرم } وهي: رجب الفرد، وذو القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم، وسميت حرما لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها. { فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم } يحتمل أن الضمير يعود إلى الاثنى ~~عشر شهرا، وأن الله تعالى بين أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تعمر ~~بطاعته، ويشكر الله تعالى على منته بها، وتقييضها لمصالح العباد، ~~فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحرم، ~~وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة ~~تحريمها، وكون الظلم فيها أشد منه في غيرها. ومن ذلك النهي عن القتال ~~فيها، على قول من قال: إن القتال في الأشهر الحرام لم ينسخ تحريمه عملا ~~بالنصوص العامة في تحريم القتال فيها. ومنهم من قال: إن تحريم القتال ~~فيها منسوخ، أخذا بعموم نحو قوله تعالى { وقاتلوا المشركين ~~كآفة كما يقاتلونكم كآفة } أي: قاتلوا جميع أنواع ~~المشركين والكافرين برب العالمين. ولا تخصوا أحدا منهم بالقتال دون أحد، ~~بل اجعلوهم كلهم لكم أعداء كما كانوا هم معكم كذلك، قد اتخذوا أهل ~~الإيمان أعداء لهم، لا يألونهم من الشر شيئا. ويحتمل أن { كآفة } ~~حال من الواو فيكون معنى هذا: وقاتلوا جميعكم المشركين، فيكون فيها وجوب ~~النفير على جميع المؤمنين. وقد نسخت على هذا الاحتمال بقوله: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # الآية [التوبة: 122]. { واعلموا أن الله مع المتقين ~~} بعونه ونصره وتأييده، فلتحرصوا على استعمال ms0590 تقوى الله في سركم وعلنكم، ~~والقيام بطاعته، خصوصا عند قتال الكفار، فإنه في هذه الحال، ربما ترك ~~المؤمن العمل بالتقوى في معاملة الكفار الأعداء المحاربين. ### || [9.37] # النسيء: هو ما كان أهل الجاهلية يستعملونه في الأشهر الحرم، وكان من ~~جملة بدعهم الباطلة، أنهم لما رأوا احتياجهم للقتال في بعض أوقات الأشهر ~~الحرم، رأوا -بآرائهم الفاسدة- أن يحافظوا على عدة الأشهر الحرم، التي ~~حرم الله القتال فيها، وأن يؤخروا بعض الأشهر الحرم، أو يقدموه، ويجعلوا ~~مكانه من أشهر الحل ما أرادوا، فإذا جعلوه مكانه أحلوا القتال فيه، ~~وجعلوا الشهر الحلال حراما، فهذا - كما أخبر الله عنهم - أنه زيادة في ~~كفرهم وضلالهم، لما فيه من المحاذير. منها: أنهم ابتدعوه من تلقاء ~~أنفسهم، وجعلوه بمنزلة شرع الله ودينه، والله ورسوله بريئان منه. ~~ومنها: أنهم قلبوا الدين، فجعلوا الحلال حراما، والحرام حلالا. ومنها: ~~أنهم موهوا على الله بزعمهم وعلى عباده، ولبسوا عليهم دينهم، ~~واستعملوا الخداع والحيلة في دين الله. ومنها: أن العوائد المخالفة ~~للشرع مع الاستمرار عليها، يزول قبحها عن النفوس، وربما ظن أنها عوائد ~~حسنة، فحصل من الغلط والضلال ما حصل، ولهذا قال: { يضل به ~~الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم ~~الله } أي: ليوافقوها في العدد، فيحلوا ما حرم الله. { زين ~~لهم سوء أعمالهم } أي: زينت لهم الشياطين الأعمال السيئة، ~~فرأوها حسنة، بسبب العقيدة المزينة في قلوبهم. { والله لا يهدي ~~القوم الكافرين } أي: الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، ~~فلو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا. ### || [9.38-39] # اعلم أن كثيرا من هذه السورة الكريمة نزلت في غزوة تبوك، إذ ندب النبي ~~صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى غزو الروم، وكان الوقت حارا، والزاد ~~قليلا، والمعيشة عسرة، فحصل من بعض المسلمين من التثاقل ما أوجب أن ~~يعاتبهم الله تعالى عليه ويستنهضهم، فقال تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا } ألا تعملون بمقتضى الإيمان، وداعي اليقين من المبادرة لأمر ~~الله، والمسارعة إلى رضاه، وجهاد أعدائه والنصرة لدينكم، ف { ما ~~لكم إذا قيل لكم ms0591 انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض } أي: تكاسلتم، وملتم إلى الأرض والدعة والسكون فيها. { ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } أي: ما حالكم إلا ~~حال من رضي بالدنيا وسعى لها ولم يبال بالآخرة، فكأنه ما آمن بها. { ~~فما متاع الحياة الدنيا } التي مالت بكم، وقدمتموها على ~~الآخرة { إلا قليل } أفليس قد جعل الله لكم عقولا تزنون بها ~~الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟. أفليست الدنيا - من أولها إلى آخرها - لا ~~نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدا من الدنيا حتى ~~يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا ~~يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي ~~رأي رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فوالله ما آثر الدنيا ~~على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عد من ~~أولي الألباب، ثم توعدهم على عدم النفير فقال: { إلا تنفروا ~~يعذبكم عذابا أليما } في الدنيا والآخرة، فإن عدم النفير في ~~حال الاستنفار من كبائر الذنوب الموجبة لأشد العقاب، لما فيها من المضار ~~الشديدة، فإن المتخلف قد عصى الله تعالى وارتكب لنهيه، ولم يساعد على ~~نصر دين الله، ولا ذب عن كتاب الله وشرعه، ولا أعان إخوانه المسلمين ~~على عدوهم الذي يريد أن يستأصلهم ويمحق دينهم، وربما اقتدى به غيره من ~~ضعفاء الإيمان، بل ربما فت في أعضاد من قاموا بجهاد أعداء الله، ~~فحقيق بمن هذا حاله أن يتوعده الله بالوعيد الشديد، فقال: { إلا ~~تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما ~~غيركم } ثم لا يكونوا أمثالكم { ولا تضروه شيئا } فإنه ~~تعالى متكفل بنصر دينه وإعلاء كلمته، فسواء امتثلتم لأمر الله، أو ~~ألقيتموه وراءكم ظهريا. { والله على كل شيء قدير } لا ~~يعجزه شيء أراده، ولا يغالبه أحد. ### || [9.40] # أي: إلا تنصروا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فالله غني عنكم، لا ~~تضرونه شيئا، فقد نصره في أقل ما يكون وأذلة { إذ أخرجه ~~الذين ms0592 كفروا } من مكة لما هموا بقتله، وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد ~~الحرص، فألجؤوه إلى أن يخرج. { ثاني اثنين } أي: هو وأبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه { إذ هما في الغار } أي: لما هربا من مكة، ~~لجآ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب. فهما في تلك ~~الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كل جانب يطلبونهما ~~ليقتلوهما، فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على البال. { إذ ~~يقول } النبي صلى الله عليه وسلم { لصاحبه } أبي بكر لما حزن ~~واشتد قلقه، { لا تحزن إن الله معنا } بعونه ونصره ~~وتأييده. { فأنزل الله سكينته عليه } أي: الثبات ~~والطمأنينة والسكون المثبتة للفؤاد، ولهذا لما قلق صاحبه سكنه وقال { لا ~~تحزن إن الله معنا }. { وأيده بجنود لم ~~تروها } وهي الملائكة الكرام، الذين جعلهم الله حرسا له، { ~~وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } أي: الساقطة ~~المخذولة، فإن الذين كفروا قد كانوا على حرد قادرين، في ظنهم على قتل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وأخذه، حنقين عليه، فعملوا غاية مجهودهم في ~~ذلك، فخذلهم الله ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئا منه. ونصر ~~الله رسوله بدفعه عنه، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع، فإن النصر ~~على قسمين: نصر المسلمين إذا طمعوا في عدوهم بأن يتم الله لهم ما طلبوا، ~~وقصدوا، ويستولوا على عدوهم ويظهروا عليهم. والثاني نصر المستضعف الذي ~~طمع فيه عدوه القادر، فنصر الله إياه، أن يرد عنه عدوه، ويدافع عنه، ~~ولعل هذا النصر أنفع النصرين، ونصر الله رسوله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين من هذا النوع. وقوله { وكلمة الله هي العليا } ~~أي كلماته القدرية وكلماته الدينية، هي العالية على كلمة غيره، التي من ~~جملتها قوله: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47] # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51] # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] فدين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، بالحجج ~~الواضحة، والآيات الباهرة والسلطان الناصر. { والله عزيز } لا ~~يغالبه مغالب، ms0593 ولا يفوته هارب، { حكيم } يضع الأشياء مواضعها، وقد ~~يؤخر نصر حزبه إلى وقت آخر اقتضته الحكمة الإلهية. وفي هذه الآية الكريمة ~~فضيلة أبي بكر الصديق بخصيصة لم تكن لغيره من هذه الأمة، وهي الفوز بهذه ~~المنقبة الجليلة، والصحبة الجميلة، وقد أجمع المسلمون على أنه هو المراد ~~بهذه الآية الكريمة، ولهذا عدوا من أنكر صحبة أبي بكر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم كافرا، لأنه منكر للقرآن الذي صرح بها. وفيها فضيلة السكينة، ~~وأنها من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش ~~بها الأفئدة، وأنها تكون على حسب معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، ~~وبحسب إيمانه وشجاعته. وفيها: أن الحزن قد يعرض لخواص عباد الله ~~الصديقين، مع أن الأولى -إذا نزل بالعبد- أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه ~~مضعف للقلب، موهن للعزيمة. ### || [9.41-42] # يقول تعالى لعباده المؤمنين - مهيجا لهم على النفير في سبيله فقال: { ~~انفروا خفافا وثقالا } أي: في العسر واليسر، والمنشط والمكره، ~~والحر والبرد، وفي جميع الأحوال. { وجاهدوا بأموالكم ~~وأنفسكم في سبيل الله } أي: ابذلوا جهدكم في ذلك، ~~واستفرغوا وسعكم في المال والنفس، وفي هذا دليل على أنه -كما يجب الجهاد ~~في النفس- يجب الجهاد في المال، حيث اقتضت الحاجة ودعت لذلك. ثم قال: { ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } أي: الجهاد في النفس ~~والمال، خير لكم من التقاعد عن ذلك، لأن فيه رضا الله تعالى، والفوز ~~بالدرجات العاليات عنده، والنصر لدين الله، والدخول في جملة جنده وحزبه. ~~لو كان خروجهم لطلب العرض القريب، أي: منفعة دنيوية سهلة التناول { و } ~~كان السفر { سفرا قاصدا } أي: قريبا سهلا { لاتبعوك } ~~لعدم المشقة الكثيرة، { ولكن بعدت عليهم الشقة } أي: ~~طالت عليهم المسافة، وصعب عليهم السفر، فلذلك تثاقلوا عنك، وليس هذا من ~~أمارات العبودية، بل العبد حقيقة هو المتعبد لربه في كل حال، القائم ~~بالعبادة السهلة والشاقة، فهذا العبد لله على كل حال. { وسيحلفون ~~بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } أي: سيحلفون أن ~~تخلفهم عن الخروج، أن لهم أعذرا، وأنهم لا يستطيعون ذلك. { يهلكون ms0594 ~~أنفسهم } بالقعود والكذب والإخبار بغير الواقع، { والله ~~يعلم إنهم لكاذبون }. وهذا العتاب إنما هو للمنافقين، ~~الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في " غزوة تبوك " وأبدوا من ~~الأعذار الكاذبة ما أبدوا، فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بمجرد ~~اعتذارهم، من غير أن يمتحنهم، فيتبين له الصادق من الكاذب، ولهذا عاتبه ~~الله على هذه المسارعة إلى عذرهم فقال: { عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم حتى يتبين لك الذين... }. ### || [9.43-45] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { عفا الله عنك } أي: ~~سامحك وغفر لك ما أجريت. { لم أذنت لهم } في التخلف { حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } بأن ~~تمتحنهم، ليتبين لك الصادق من الكاذب، فتعذر من يستحق العذر ممن لا يستحق ~~ذلك. ثم أخبر أن المؤمنين بالله واليوم الآخر، لا يستأذنون في ترك ~~الجهاد بأموالهم وأنفسهم، لأن ما معهم من الرغبة في الخير والإيمان، ~~يحملهم على الجهاد من غير أن يحثهم عليه حاث، فضلا عن كونهم يستأذنون في ~~تركه من غير عذر. { والله عليم بالمتقين } فيجازيهم على ما ~~قاموا به من تقواه، ومن علمه بالمتقين، أنه أخبر، أن من علاماتهم أنهم لا ~~يستأذنون في ترك الجهاد. { إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم } ~~أي: ليس لهم إيمان تام، ولا يقين صادق، فلذلك قلت رغبتهم في الخير، ~~وجبنوا عن القتال، واحتاجوا أن يستأذنوا في ترك القتال. { فهم في ~~ريبهم يترددون } أي: لا يزالون في الشك والحيرة. ### || [9.46-48] # يقول تعالى مبينا أن المتخلفين من المنافقين قد ظهر منهم من القرائن ما ~~يبين أنهم ما قصدوا الخروج للجهاد بالكلية، وأن أعذارهم التي اعتذروها ~~باطلة، فإن العذر هو المانع الذي يمنع إذا بذل العبد وسعه، وسعى في أسباب ~~الخروج، ثم منعه مانع شرعي، فهذا الذي يعذر. { و } أما هؤلاء المنافقون ~~ف { لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } أي: ~~لاستعدوا وعملوا ما يمكنهم من الأسباب، ولكن لما لم يعدوا له عدة، علم ~~أنهم ما أرادوا الخروج. { ولكن كره الله انبعاثهم } معكم ms0595 ~~في الخروج للغزو { فثبطهم } قدرا وقضاء، وإن كان قد أمرهم وحثهم ~~على الخروج، وجعلهم مقتدرين عليه، ولكن بحكمته ما أراد إعانتهم، بل خذلهم ~~وثبطهم { وقيل اقعدوا مع القاعدين } من النساء والمعذورين. ~~ثم ذكر الحكمة في ذلك فقال: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا } أي: نقصا. { ولأوضعوا خلالكم } أي: ولسعوا ~~في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين، { يبغونكم ~~الفتنة } أي: هم حريصون على فتنتكم وإلقاء العداوة بينكم. { ~~وفيكم } أناس ضعفاء العقول { سماعون لهم } أي: مستجيبون ~~لدعوتهم يغترون بهم، فإذا كانوا هم حريصين على خذلانكم، وإلقاء الشر ~~بينكم، وتثبيطكم عن أعدائكم، وفيكم من يقبل منهم ويستنصحهم. فما ظنك ~~بالشر الحاصل من خروجهم مع المؤمنين، والنقص الكثير منهم، فلله أتم ~~الحكمة حيث ثبطهم ومنعهم من الخروج مع عباده المؤمنين رحمة بهم، ولطفا ~~من أن يداخلهم ما لا ينفعهم بل يضرهم. { والله عليم ~~بالظالمين } فيعلم عباده كيف يحذرونهم، ويبين لهم من المفاسد ~~الناشئة من مخالطتهم. ثم ذكر أنه قد سبق لهم سوابق في الشر فقال: { ~~لقد ابتغوا الفتنة من قبل } أي: حين هاجرتم إلى ~~المدينة، بذلوا الجهد، { وقلبوا لك الأمور } أي: أداروا ~~الأفكار، وأعملوا الحيل في إبطال دعوتكم وخذلان دينكم، ولم يقصروا في ~~ذلك، { حتى جآء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون } فبطل كيدهم واضمحل باطلهم، فحقيق بمثل هؤلاء أن يحذر الله ~~عباده المؤمنين منهم، وأن لا يبالي المؤمنين بتخلفهم عنهم. ### || [9.49] # أي: ومن هؤلاء المنافقين من يستأذن في التخلف، ويعتذر بعذر آخر عجيب، ~~فيقول: { ائذن لي } في التخلف { ولا تفتني } في الخروج، فإني ~~إذا خرجت، فرأيت نساء بين الأصفر لا أصبر عنهن، كما قال ذلك " الجد بن ~~قيس ". ومقصوده - قبحه الله - الرياء والنفاق بأن مقصودي مقصود حسن، فإن ~~في خروجي فتنة وتعرضا للشر، وفي عدم خروجي عافية وكفا عن الشر. قال ~~الله تعالى مبينا كذب هذا القول: { ألا في الفتنة سقطوا } ~~فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده، [فإن] في التخلف مفسدة كبرى ~~وفتنة عظمى محققة، وهي معصية الله ومعصية رسوله، ms0596 والتجرؤ على الإثم ~~الكبير، والوزر العظيم، وأما الخروج فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف، وهي ~~متوهمة، مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير، ولهذا توعدهم الله بقوله: ~~{ وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } ليس لهم عنها مفر ولا ~~مناص، ولا فكاك، ولا خلاص. ### || [9.50-51] # يقول تعالى مبينا أن المنافقين هم الأعداء حقا، المبغضون للدين صرفا: ~~{ إن تصبك حسنة } كنصر وإدالة على العدو { تسؤهم } أي: ~~تحزنهم وتغمهم. { وإن تصبك مصيبة } كإدالة العدو عليك { ~~يقولوا } متبجحين بسلامتهم من الحضور معك. { قد أخذنا ~~أمرنا من قبل } أي: قد حذرنا وعملنا بما ينجينا من الوقوع في مثل ~~هذه المصيبة. { ويتولوا وهم فرحون } فيفرحون بمصيبتك، ~~وبعدم مشاركتهم إياك فيها. قال تعالى رادا عليهم في ذلك { قل لن ~~يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا } أي: قدره وأجراه في اللوح ~~المحفوظ. { هو مولانا } أي: متولي أمورنا الدينية والدنيوية، ~~فعلينا الرضا بأقداره وليس في أيدينا من الأمر شيء. { وعلى الله } ~~وحده { فليتوكل المؤمنون } أي: يعتمدوا عليه في جلب ~~مصالحهم ودفع المضار عنهم، ويثقوا به في تحصيل مطلوبهم، فلا خاب من توكل ~~عليه، وأما من توكل على غيره، فإنه مخذول غير مدرك لما أمل. ### || [9.52] # أي: قل للمنافقين الذين يتربصون بكم الدوائر: أي شيء تربصون بنا؟ فإنكم ~~لا تربصون بنا إلا أمرا فيه غاية نفعنا، وهو إحدى الحسنيين، إما الظفر ~~بالأعداء والنصر عليهم ونيل الثواب الأخروي والدنيوي. وإما الشهادة التي ~~هي من أعلى درجات الخلق، وأرفع المنازل عند الله. وأما تربصنا بكم - يا ~~معشر المنافقين - فنحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، لا سبب ~~لنا فيه، أو بأيدينا بأن يسلطنا عليكم فنقتلكم. { فتربصوا } بنا ~~الخير { إنا معكم متربصون } بكم الشر. ### || [9.53-54] # يقول تعالى مبينا بطلان نفقات المنافقين، وذاكرا السبب في ذلك { قل ~~} لهم { أنفقوا طوعا } من أنفسكم { أو كرها } على ذلك، بغير ~~اختياركم. { لن يتقبل منكم } شيء من أعمالكم { إنكم ~~كنتم قوما فاسقين } خارجين عن طاعة الله، ثم بين صفة فسقهم ~~وأعمالهم، فقال: { وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم ~~إلا ms0597 أنهم كفروا بالله وبرسوله } والأعمال كلها شرط ~~قبولها الإيمان، فهؤلاء لا إيمان لهم ولا عمل صالح، حتى إن الصلاة التي ~~هي أفضل أعمال البدن، إذا قاموا إليها قاموا كسالى، قال: { ولا ~~يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } أي: متثاقلون، لا يكادون ~~يفعلونها من ثقلها عليهم. { ولا ينفقون إلا وهم كارهون } ~~من غير انشراح صدر وثبات نفس، ففي هذا غاية الذم لمن فعل مثل فعلهم، وأنه ~~ينبغي للعبد أن لا يأتي الصلاة إلا وهو نشيط البدن والقلب إليها، ولا ~~ينفق إلا وهو منشرح الصدر ثابت القلب، يرجو ذخرها وثوابها من الله وحده، ~~ولا يتشبه بالمنافقين. ### || [9.55-57] # يقول تعالى: فلا تعجبك أموال هؤلاء المنافقين ولا أولادهم، فإنه لا غبطة ~~فيها، وأول بركاتها عليهم أن قدموها على مراضي ربهم، وعصوا الله لأجلها ~~{ إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة ~~الدنيا } والمراد بالعذاب هنا، ما ينالهم من المشقة في تحصيلها، ~~والسعي الشديد في ذلك، وهم القلب فيها، وتعب البدن. فلو قابلت لذاتهم ~~فيها بمشقاتهم، لم يكن لها نسبة إليها، فهي -لما ألهتهم عن الله وذكره- ~~صارت وبالا عليهم حتى في الدنيا. ومن وبالها العظيم الخطر، أن قلوبهم ~~تتعلق بها، وإرادتهم لا تتعداها، فتكون منتهى مطلوبهم وغاية مرغوبهم ولا ~~يبقى في قلوبهم للآخرة نصيب، فيوجب ذلك أن ينتقلوا من الدنيا { ~~وتزهق أنفسهم وهم كفرون }. فأي عقوبة أعظم من هذه ~~العقوبة الموجبة للشقاء الدائم والحسرة الملازمة. { ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم } ~~قصدهم في حلفهم هذا أنهم { قوم يفرقون } أي: يخافون الدوائر، ~~وليس في قلوبهم شجاعة تحملهم على أن يبينوا أحوالهم. فيخافون إن أظهروا ~~حالهم منكم، ويخافون أن تتبرؤوا منهم، فيتخطفهم الأعداء من كل جانب. وأما ~~حال قوي القلب ثابت الجنان، فإنه يحمله ذلك على بيان حاله، حسنة كانت أو ~~سيئة، ولكن المنافقين خلع عليهم خلعة الجبن، وحلوا بحلية الكذب. ثم ذكر ~~شدة جبنهم فقال: { لو يجدون ملجئا } يلجؤون إليه عندما تنزل ~~بهم الشدائد، { أو مغارات } يدخلونها فيستقرون فيها { أو ~~مدخلا } أي: محلا يدخلونه فيتحصنون فيه ms0598 { لولوا إليه ~~وهم يجمحون } أي: يسرعون ويهرعون، فليس لهم ملكة يقتدرون بها على ~~الثبات. ### || [9.58-59] # أي: ومن هؤلاء المنافقين من يعيبك في قسمة الصدقات، وينتقد عليك فيها، ~~وليس انتقادهم فيها وعيبهم لقصد صحيح، ولا لرأي رجيح، وإنما مقصودهم أن ~~يعطوا منها. { فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون } وهذه حالة لا تنبغي للعبد أن يكون رضاه ~~وغضبه، تابعا لهوى نفسه الدنيوي وغرضه الفاسد، بل الذي ينبغي أن يكون ~~هواه تبعا لمرضاة ربه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # وقال هنا: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ~~ورسوله } أي: أعطاهم من قليل وكثير. { وقالوا حسبنا الله ~~} أي: كافينا الله، فنرضى بما قسمه لنا، وليؤملوا فضله وإحسانه إليهم ~~بأن يقولوا: { سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ ~~إلى الله راغبون } أي: متضرعون في جلب منافعنا ودفع مضارنا، ~~لسلموا من النفاق ولهدوا إلى الإيمان والأحوال العالية، ثم بين تعالى ~~كيفية قسمة الصدقات الواجبة فقال: { إنما الصدقات للفقرآء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة... }. ### || [9.60] # يقول تعالى: { إنما الصدقات } أي: الزكوات الواجبة، بدليل أن ~~الصدقة المستحبة لكل أحد، لا يخص بها أحد دون أحد. أي: إنما الصدقات ~~لهؤلاء المذكورين دون من عداهم، لأنه حصرها فيهم، وهم ثمانية أصناف. ~~الأول والثاني: الفقراء والمساكين، وهم في هذا الموضع صنفان متفاوتان، ~~فالفقير أشد حاجة من المسكين، لأن الله بدأ بهم، ولا يبدأ إلا بالأهم ~~فالأهم، ففسر الفقير بأنه الذي لا يجد شيئا، أو يجد بعض كفايته دون ~~نصفها. والمسكين: الذي يجد نصفها فأكثر، ولا يجد تمام كفايته، لأنه لو ~~وجدها لكان غنيا، فيعطون من الزكاة ما يزول به فقرهم ومسكنتهم. والثالث: ~~العاملون على الزكاة، وهم كل من له عمل وشغل فيها، من حافظ لها، أو جاب ~~لها من أهلها، أو راع، أو حامل لها، أو كاتب، أو نحو ذلك، فيعطون لأجل ~~عمالتهم، وهي أجرة لأعمالهم فيها. والرابع: المؤلفة قلوبهم، المؤلف قلبه: ~~هو السيد المطاع في ms0599 قومه، ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره أو يرجى بعطيته ~~قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يعطيها، فيعطى ما يحصل به ~~التأليف والمصلحة. الخامس: الرقاب، وهم المكاتبون الذين قد اشتروا أنفسهم ~~من ساداتهم، فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم، فيعانون على ذلك من ~~الزكاة، وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار داخل في هذا، بل أولى، ~~ويدخل في هذا أنه يجوز أن يعتق منها الرقاب استقلالا، لدخوله في قوله: { ~~وفي الرقاب }. السادس: الغارمون، وهم قسمان: أحدهما: الغارمون ~~لإصلاح ذات البين، وهو أن يكون بين طائفتين من الناس شر وفتنة، فيتوسط ~~الرجل للإصلاح بينهم بمال يبذله لأحدهم أو لهم كلهم، فجعل له نصيب من ~~الزكاة، ليكون أنشط له وأقوى لعزمه، فيعطى ولو كان غنيا. والثاني: من غرم ~~لنفسه ثم أعسر، فإنه يعطى ما يوفي به دينه. والسابع: الغازي في سبيل ~~الله، وهم: الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم، فيعطون من الزكاة ما ~~يعينهم على غزوهم، من ثمن سلاح أو دابة، أو نفقة له ولعياله، ليتوفر على ~~الجهاد ويطمئن قلبه. وقال كثير من الفقهاء: إن تفرغ القادر على الكسب ~~لطلب العلم، أعطي من الزكاة، لأن العلم داخل في الجهاد في سبيل الله. ~~وقالوا أيضا: يجوز أن يعطى منها الفقير لحج فرضه، [وفيه نظر]. والثامن: ~~ابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فيعطى من الزكاة ما ~~يوصله إلى بلده، فهؤلاء الأصناف الثمانية الذين تدفع إليهم الزكاة وحدهم. ~~{ فريضة من الله } فرضها وقدرها، تابعة لعلمه وحكمه { ~~والله عليم حكيم } واعلم أن هذه الأصناف الثمانية، ترجع إلى ~~أمرين: أحدهما: من يعطى لحاجته ونفعه، كالفقير والمسكين ونحوهما. ~~والثاني: من يعطى للحاجة إليه وانتفاع الإسلام به، فأوجب الله هذه الحصة ~~في أموال الأغنياء، لسد الحاجات الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، فلو ~~أعطى الأغنياء زكاة أموالهم على الوجه الشرعي، لم يبق فقير من المسلمين، ~~ولحصل من الأموال ما يسد الثغور، ويجاهد به الكفار وتحصل به جميع المصالح ~~الدينية. ### || [9.61-63] # أي: ومن هؤلاء المنافقين ms0600 { الذين يؤذون النبي } بالأقوال ~~الردية، والعيب له ولدينه، { ويقولون هو أذن } أي: لا يبالون ~~بما يقولون من الأذية للنبي، ويقولون: إذا بلغه عنا بعض ذلك، جئنا نعتذر ~~إليه، فيقبل منا، لأنه أذن، أي: يقبل كل ما يقال له، لا يميز بين صادق ~~وكاذب، وقصدهم - قبحهم الله - فيما بينهم، أنهم غير مكترثين بذلك، ولا ~~مهتمين به، لأنه إذا لم يبلغه فهذا مطلوبهم، وإن بلغه اكتفوا بمجرد ~~الاعتذار الباطل. فأساؤوا كل الإساءة من أوجه كثيرة، أعظمها أذية نبيهم ~~الذي جاء لهدايتهم، وإخراجهم من الشقاء والهلاك إلى الهدى والسعادة. ~~ومنها: عدم اهتمامهم أيضا بذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأذية. ومنها: ~~قدحهم في عقل النبي صلى الله عليه وسلم وعدم إدراكه وتفريقه بين الصادق ~~والكاذب، وهو أكمل الخلق عقلا، وأتمهم إدراكا، وأثقبهم رأيا وبصيرة، ~~ولهذا قال تعالى: { قل أذن خير لكم } أي: يقبل من قال له ~~خيرا وصدقا. وأما إعراضه وعدم تعنيفه لكثير من المنافقين المعتذرين ~~بالأعذار الكذب، فلسعة خلقه، وعدم اهتمامه بشأنهم، وامتثاله لأمر الله ~~في قوله: # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس # [التوبة: 95]. وأما حقيقة ما في قلبه ورأيه، فقال عنه: { يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين } الصادقين المصدقين، ويعلم الصادق ~~من الكاذب، وإن كان كثيرا ما يعرض عن الذين يعرف كذبهم وعدم صدقهم، { ~~ورحمة للذين آمنوا منكم } فإنهم به يهتدون، وبأخلاقه ~~يقتدون. وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة، بل ردوها، فخسروا ~~دنياهم وآخرتهم، { والذين يؤذون رسول الله } بالقول أو ~~الفعل { لهم عذاب أليم } في الدنيا والآخرة، ومن العذاب الأليم ~~أنه يتحتم قتل مؤذيه وشاتمه. { يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم } فيتبرؤوا مما صدر منهم من الأذية وغيرها، فغايتهم أن ~~ترضوا عليهم. { والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين } لأن المؤمن لا يقدم شيئا على رضا ربه ورضا ~~رسوله، فدل هذا على انتفاء إيمانهم حيث قدموا رضا غير الله ورسوله. ~~وهذا محادة لله ومشاقة له، وقد توعد من حاده بقوله: { ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله ms0601 ورسوله } أي: يكون في ~~حد وشق مبعد عن الله ورسوله بأن تهاون بأوامر الله، وتجرأ على محارمه. ~~{ فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي ~~العظيم } الذي لا خزي أشنع ولا أفظع منه، حيث فاتهم النعيم المقيم، ~~وحصلوا على عذاب الجحيم عياذا بالله من أحوالهم. ### || [9.64-66] # كانت هذه السورة الكريمة تسمى " الفاضحة " لأنها بينت أسرار المنافقين، ~~وهتكت أستارهم، فما زال الله يقول: ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه ~~لم يعين أشخاصهم لفائدتين: إحداهما: أن الله ستير يحب الستر على ~~عباده. والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين ~~توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب، ~~حتى خافوا غاية الخوف. قال الله تعالى: # لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم ~~لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا * ملعونين أينما ~~ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا # [الأحزاب: 60-61]. وقال هنا { يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } أي تخبرهم ~~وتفضحهم، وتبين أسرارهم، حتى تكون علانية لعباده، ويكونوا عبرة ~~للمعتبرين. { قل استهزءوا } أي: استمروا على ما أنتم عليه من ~~الاستهزاء والسخرية. { إن الله مخرج ما تحذرون } وقد ~~وفى تعالى بوعده، فأنزل هذه السورة التي بينتهم وفضحتهم وهتكت أستارهم. ~~{ ولئن سألتهم } عما قالوه من الطعن في المسلمين وفي دينهم، ~~يقول طائفة منهم في غزوة تبوك " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه - أرغب بطونا، [وأكذب ألسنا] وأجبن عند ~~اللقاء " ونحو ذلك. ولما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ~~بكلامهم، جاؤوا يعتذرون إليه ويقولون { إنما كنا نخوض ~~ونلعب } أي نتكلم بكلام لا قصد لنا به، ولا قصدنا الطعن والعيب. قال ~~الله تعالى - مبينا عدم عذرهم وكذبهم في ذلك -: { قل } لهم { ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } فإن الاستهزاء ~~بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين لأن أصل الدين مبني على تعظيم ~~الله، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ms0602 ذلك مناف لهذا الأصل، ~~ومناقض له أشد المناقضة. ولهذا لما جاؤوا إلى الرسول يعتذرون بهذه ~~المقالة، والرسول لا يزيدهم على قوله: { أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم }. وقوله: { إن نعف عن طآئفة ~~منكم } لتوبتهم واستغفارهم وندمهم، { نعذب طآئفة } منكم { ~~بأنهم } بسبب أنهم { كانوا مجرمين } مقيمين على كفرهم ~~ونفاقهم. وفي هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة، خصوصا السريرة التي ~~يمكر فيها بدينه، ويستهزئ به وبآياته ورسوله، فإن الله تعالى يظهرها ~~ويفضح صاحبها، ويعاقبه أشد العقوبة. وأن من استهزأ بشيء من كتاب الله أو ~~سنة رسوله الثابتة عنه، أو سخر بذلك، أو تنقصه، أو استهزأ بالرسول أو ~~تنقصه، فإنه كافر بالله العظيم، وأن التوبة مقبولة من كل ذنب وإن كان ~~عظيما. ### || [9.67-68] # يقول تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من ~~بعض } لأنهم اشتركوا في النفاق، فاشتركوا في تولي بعضهم بعضا، وفي ~~هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم. ثم ذكر وصف المنافقين العام، الذي لا يخرج ~~منه صغير منهم ولا كبير، فقال: { يأمرون بالمنكر } وهو الكفر ~~والفسوق والعصيان. { وينهون عن المعروف } وهو الإيمان، ~~والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، والآداب الحسنة. { ويقبضون ~~أيديهم } عن الصدقة وطرق الإحسان، فوصفهم البخل. { نسوا الله ~~} فلا يذكرونه إلا قليلا، { فنسيهم } من رحمته، فلا يوفقهم لخير، ~~ولا يدخلهم الجنة، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار، خالدين فيها ~~مخلدين. { إن المنافقين هم الفاسقون } حصر الفسق فيهم، ~~لأن فسقهم أعظم من فسق غيرهم، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم، وأن ~~المؤمنين قد ابتلوا بهم، إذ كانوا بين أظهرهم، والاحتراز منهم شديد. { ~~وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار ~~جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ~~ولهم عذاب مقيم } جمع المنافقين والكفار في النار، واللعنة ~~والخلود في ذلك، لاجتماعهم في الدنيا على الكفر، والمعاداة لله ورسوله ~~والكفر بآياته. ### || [9.69-70] # يقول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم ~~المكذبة. { قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبرهيم ~~وأصحب مدين والمؤتفكت } أي: قرى قوم لوط. فكلهم { ~~أتتهم رسلهم ms0603 بالبينت } أي: بالحق الواضح الجلي، ~~المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص الله علينا، فأنتم ~~أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي: بنصيبكم من الدنيا ~~فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على ~~معاصي الله ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من ~~قبلكم، وخضتم كالذي خاضوا، أي: وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل ~~لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، ~~فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما ~~المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه ~~الاستعانة به على طاعة الله، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول ~~إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل. ~~قوله: { فما كان الله ليظلمهم } إذ أوقع بهم من عقوبته ما ~~أوقع { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } حيث تجرؤوا على ~~معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد. ### || [9.71-72] # لما ذكر أن المنافقين بعضهم أولياء بعض، ذكر أن المؤمنين بعضهم أولياء ~~بعض، ووصفهم بضد ما وصف به المنافقين، فقال: { والمؤمنون ~~والمؤمنات } أي: ذكورهم وإناثهم { بعضهم أوليآء بعض ~~} في المحبة والموالاة والانتماء والنصرة. { يأمرون بالمعروف ~~} وهو اسم جامع لكل ما عرف حسنه من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، ~~والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، { وينهون عن ~~المنكر } وهو: كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، ~~والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة. { ويطيعون الله ورسوله ~~} أي: لا يزالون ملازمين لطاعة الله ورسوله على الدوام. { أولئك ~~سيرحمهم الله } أي: يدخلهم في رحمته، ويشملهم بإحسانه. { إن ~~الله عزيز حكيم } أي: قوي قاهر، ومع قوته فهو حكيم، يضع كل شيء ~~موضعه اللائق به الذي يحمد على ما خلقه وأمر به. ثم ذكر ما أعد الله لهم ~~من الثواب فقال: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } جامعة لكل نعيم وفرح، ~~خالية من كل أذى وترح، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار ~~الغزيرة، المروية للبساتين الأنيقة، ms0604 التي لا يعلم ما فيها من الخيرات ~~والبركات إلا الله تعالى. { خالدين فيها } لا يبغون عنها حولا ~~{ ومساكن طيبة في جنات عدن } قد زخرفت وحسنت وأعدت ~~لعباد الله المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات ~~المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن الله تعالى قد أعد ~~لهم غرفا في غاية الصفاء والحسن، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ~~ظاهرها. فهذه المساكن الأنيقة، التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع ~~إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح، لأنها في جنات عدن، أي: إقامة لا ~~يظعنون عنها، ولا يتحولون منها. { ورضوان من الله } يحله على ~~أهل الجنة { أكبر } مما هم فيه من النعيم، فإن نعيمهم لم يطب إلا ~~برؤية ربهم ورضوانه عليهم، ولأنه الغاية التي أمها العابدون، والنهاية ~~التي سعى نحوها المحبون، فرضا رب الأرض والسماوات، أكبر من نعيم الجنات. ~~{ ذلك هو الفوز العظيم } حيث حصلوا على كل مطلوب، وانتفى ~~عنهم كل محذور، وحسنت وطابت منهم جميع الأمور، فنسأل الله أن يجعلنا ~~معهم بجوده. ### || [9.73-74] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يأيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين } أي: بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث ~~اقتضت الحال الغلظة عليهم. وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد ~~بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف ~~والبيان. ومن كان مذعنا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة ~~والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في ~~الدنيا. { و } أما في الآخرة ف { مأواهم جهنم } أي: مقرهم ~~الذي لا يخرجون منها { وبئس المصير }. { يحلفون بالله ~~ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } أي: إذا قالوا ~~قولا كقول من قال منهم # ليخرجن الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8] والكلام الذي يتكلم به الواحد بعد الواحد، في الاستهزاء ~~بالدين، وبالرسول. فإذا بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه شيء ~~من ذلك، جاؤوا إليه يحلفون بالله ما قالوا. قال تعالى مكذبا لهم: { ~~ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ~~} فإسلامهم السابق - وإن ms0605 كان ظاهره أنه أخرجهم من دائرة الكفر - فكلامهم ~~الأخير ينقض إسلامهم، ويدخلهم بالكفر. { وهموا بما لم ~~ينالوا } وذلك حين هموا بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك، فقص الله عليه نبأهم، فأمر من يصدهم عن قصدهم. { و } الحال ~~أنهم { ما نقموا } وعابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } بعد أن ~~كانوا فقراء معوزين، وهذا من أعجب الأشياء، أن يستهينوا بمن كان سببا ~~لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومغنيا لهم بعد الفقر، وهل حقه عليهم ~~إلا أن يعظموه، ويؤمنوا به ويجلوه؟!! فاجتمع الداعي الديني وداعي المروءة ~~الإنسانية. ثم عرض عليهم التوبة فقال: { فإن يتوبوا يك خيرا ~~لهم } لأن التوبة أصل لسعادة الدنيا والآخرة. { وإن يتولوا } ~~عن التوبة والإنابة { يعذبهم الله عذابا أليما في ~~الدنيا والآخرة } في الدنيا بما ينالهم من الهم والغم والحزن على ~~نصرة الله لدينه، وإعزار نبيه، وعدم حصولهم على مطلوبهم، وفي الآخرة، في ~~عذاب السعير. { وما لهم في الأرض من ولي } يتولى أمورهم، ~~ويحصل لهم المطلوب { ولا نصير } يدفع عنهم المكروه، وإذا انقطعوا من ~~ولاية الله تعالى، فثم أصناف الشر والخسران، والشقاء والحرمان. ### || [9.75-78] # أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه { لئن آتانا ~~من فضله } من الدنيا فبسطها لنا ووسعها { لنصدقن ~~ولنكونن من الصالحين } فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على ~~نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة. { فلمآ آتاهم من ~~فضله } لم يفوا بما قالوا، بل { بخلوا به وتولوا } عن ~~الطاعة والانقياد { وهم معرضون } أي: غير ملتفتين إلى الخير. ~~فلما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، عاقبهم { فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم } مستمرا { إلى يوم يلقونه بمآ ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }. ~~فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ~~ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما ~~عاقب هؤلاء. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في ~~الصحيحين: # " آية المنافق ثلاث: ms0606 إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف ". # فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده، لئن أعطاه الله من فضله، ليصدقن ~~وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف. ولهذا توعد من ~~صدر منهم هذا الصنيع بقوله: { ألم يعلموا أن الله يعلم ~~سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } ~~وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها الله تعالى، وهذه الآيات ~~نزلت في رجل من المنافقين يقال له " ثعلبة " جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وسأله أن يدعو الله له، أن يعطيه الله من فضله، وأنه إن أعطاه ~~ليتصدقن، ويصل الرحم، ويعين على النوائب، فدعا له النبي صلى الله عليه ~~وسلم فكان له غنم، فلم تزل تتنامى حتى خرج بها عن المدينة، فكان لا يحضر ~~إلا بعض الصلوات الخمس، ثم أبعد، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة، ثم كثرت ~~فأبعد بها، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة. ففقده النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأخبر بحاله، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها، فمروا على ثعلبة، ~~فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، فلما لم يعطهم جاؤوا ~~فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # " يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة " # ثلاثا. فلما نزلت هذه الآية فيه، وفي أمثاله، ذهب بها بعض أهله فبلغه ~~إياها، فجاء بزكاته، فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء بها ~~لأبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها، ثم جاء بها بعد ~~أبي بكر لعمر فلم يقبلها، فيقال: إنه هلك في زمن عثمان. ### || [9.79-80] # وهذا أيضا من مخازي المنافقين، فكانوا -قبحهم الله- لا يدعون شيئا من ~~أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالا، إلا قالوا وطعنوا بغيا ~~وعدوانا، فلما حث الله ورسوله على الصدقة، بادر المسلمون إلى ذلك، ~~وبذلوا من أموالهم كل على حسب حاله، منهم المكثر، ومنهم المقل، فيلمزون ~~المكثر منهم، بأن قصده بنفقته الرياء والسمعة، وقالوا للمقل الفقير: إن ~~الله غني عن صدقة هذا، فأنزل الله تعالى: { الذين ms0607 يلمزون } ~~أي: يعيبون ويطعنون { المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات } فيقولون: مراؤون، قصدهم الفخر والرياء. { و } يلمزون { ~~الذين لا يجدون إلا جهدهم } فيخرجون ما استطاعوا ~~ويقولون: الله غني عن صدقاتهم { فيسخرون منهم }. فقابلهم الله ~~على صنيعهم بأن { سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } ~~فإنهم جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذير. منها: تتبعهم لأحوال ~~المؤمنين، وحرصهم على أن يجدوا مقالا يقولونه فيهم، والله يقول: # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم # [النور: 19]. ومنها: طعنهم بالمؤمنين لأجل إيمانهم، كفر بالله تعالى ~~وبغض للدين. ومنها: أن اللمز محرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور ~~الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة، فأقبح وأقبح. ومنها: أن من أطاع الله ~~وتطوع بخصلة من خصال الخير، فإن الذي ينبغي [هو] إعانته وتنشيطه على ~~عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم وعابوهم عليه. ومنها: أن ~~حكمهم على من أنفق مالا كثيرا بأنه مراء، غلط فاحش، وحكم على الغيب، ~~ورجم بالظن، وأي شر أكبر من هذا؟!! ومنها: أن قولهم لصاحب الصدقة ~~القليلة: " الله غني عن صدقة هذا " كلام مقصوده باطل، فإن الله غني عن ~~صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه ~~تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله - وإن كان غنيا عنهم - ~~فهم فقراء إليه # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بين، ~~ولهذا كان جزاؤهم أن سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم. على وجه المبالغة، ~~وإلا فلا مفهوم لها. { فلن يغفر الله لهم } كما قال في الآية ~~الأخرى: # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم # [المنافقون: 6] ثم ذكر السبب المانع لمغفرة الله لهم فقال: { لهم ~~ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } والكافر لا ينفعه ~~الاستغفار ولا العمل ما دام كافرا. { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } أي: الذين صار الفسق لهم وصفا، بحيث لا يختارون عليه ~~سواه ولا يبغون به بدلا يأتيهم الحق الواضح ms0608 فيردونه، فيعاقبهم الله ~~تعالى بأن لا يوفقهم له بعد ذلك. ### || [9.81-83] # يقول تعالى مبينا تبجح المنافقين بتخلفهم وعدم مبالاتهم بذلك، الدال ~~على عدم الإيمان، واختيار الكفر على الإيمان. { فرح المخلفون ~~بمقعدهم خلاف رسول الله } وهذا قدر زائد على مجرد ~~التخلف، فإن هذا تخلف محرم، وزيادة رضا بفعل المعصية، وتبجح به. { ~~وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله } وهذا بخلاف المؤمنين الذين إذا تخلفوا -ولو لعذر- ~~حزنوا على تخلفهم وتأسفوا غاية الأسف، ويحبون أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله، لما في قلوبهم من الإيمان، ولما يرجون من فضل ~~الله وإحسانه وبره وامتنانه. { وقالوا } أي: المنافقون { لا ~~تنفروا في الحر } أي: قالوا: إن النفير مشقة علينا بسبب الحر، ~~فقدموا راحة قصيرة منقضية على الراحة الأبدية التامة. وحذروا من الحر ~~الذي يقي منه الظلال، ويذهبه البكر والآصال، على الحر الشديد الذي لا ~~يقادر قدره، وهو النار الحامية. ولهذا قال: { قل نار جهنم ~~أشد حرا لو كانوا يفقهون } لما آثروا ما يفنى على ما ~~يبقى، ولما فروا من المشقة الخفيفة المنقضية، إلى المشقة الشديدة ~~الدائمة. قال الله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا ~~كثيرا } أي: فليتمتعوا في هذه الدار المنقضية، ويفرحوا بلذاتها، ~~ويلهوا بلعبها، فسيبكون كثيرا في عذاب أليم { جزآء بما كانوا ~~يكسبون } من الكفر والنفاق، وعدم الانقياد لأوامر ربهم. { فإن ~~رجعك الله إلى طآئفة منهم } وهم الذين تخلفوا من غير ~~عذر، ولم يحزنوا على تخلفهم { فاستأذنوك للخروج } لغير هذه ~~الغزوة، إذا رأوا السهولة. { فقل } لهم عقوبة { لن تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } فسيغني الله عنكم. ~~{ إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين } وهذا كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110] فإن المتثاقل المتخلف عن المأمور به عند انتهاز الفرصة ~~لا يوفق له بعد ذلك، ويحال بينه وبينه. وفيه أيضا تعزير لهم، فإنه إذا ~~تقرر عند المسلمين أن هؤلاء من الممنوعين من الخروج إلى الجهاد لمعصيتهم، ~~كان ذلك توبيخا لهم، وعارا عليهم ونكالا أن يفعل أحد ms0609 كفعلهم. ### || [9.84] # يقول تعالى: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ~~من المنافقين { ولا تقم على قبره } بعد الدفن لتدعو له، فإن ~~صلاته ووقوفه على قبورهم شفاعة منه لهم، وهم لا تنفع فيهم الشفاعة. { ~~إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ~~} ومن كان كافرا ومات على ذلك، فما تنفعه شفاعة الشافعين، وفي ذلك عبرة ~~لغيرهم، وزجر ونكال لهم، وهكذا كل من علم منه الكفر والنفاق، فإنه لا ~~يصلى عليه. وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف ~~عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في ~~المؤمنين، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقررا في ~~المؤمنين. ### || [9.85] # أي: لا تغتر بما أعطاهم الله في الدنيا من الأموال والأولاد، فليس ذلك ~~لكرامتهم عليه، وإنما ذلك إهانة منه لهم. { إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا } ، فيتعبون في تحصيلها، ويخافون من ~~زوالها، ولا يتهنؤون بها. بل لا يزالون يعانون الشدائد والمشاق فيها، ~~وتلهيهم عن الله والدار الآخرة، حتى ينتقلوا من الدنيا { وتزهق ~~أنفسهم وهم كفرون } قد سلبهم حبها عن كل شيء، فماتوا ~~وقلوبهم بها متعلقة، وأفئدتهم عليها متحرقة. ### || [9.86-87] # يقول تعالى: في بيان استمرار المنافقين على التثاقل عن الطاعات، وأنها ~~لا تؤثر فيهم السور والآيات: { وإذآ أنزلت سورة } يؤمرون فيها ~~بالإيمان بالله والجهاد في سبيل الله. { استأذنك أولوا ~~الطول منهم } يعني: أولي الغنى والأموال، الذين لا عذر لهم، وقد ~~أمدهم الله بأموال وبنين، أفلا يشكرون الله ويحمدونه، ويقومون بما ~~أوجبه عليهم، وسهل عليهم أمره، ولكن أبوا إلا التكاسل والاستئذان في ~~القعود { وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين }. قال تعالى { ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } أي: كيف رضوا لأنفسهم أن ~~يكونوا مع النساء المتخلفات عن الجهاد، هل معهم فقه أو عقل دلهم على ذلك؟ ~~أم طبع الله على قلوبهم فلا تعي الخير، ولا يكون فيها إرادة لفعل ما فيه ~~الخير والفلاح؟ فهم لا يفقهون مصالحهم، فلو فقهوا حقيقة الفقه، لم يرضوا ~~لأنفسهم بهذه ms0610 الحال التي تحطهم عن منازل الرجال. ### || [9.88-89] # يقول تعالى: إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد، فالله سيغني عنهم، ~~ولله عباد وخواص من خلقه اختصهم بفضله يقومون بهذا الأمر، وهم { ~~الرسول } محمد صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا معه ~~جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } غير متثاقلين ولا كسلين، بل ~~هم فرحون مستبشرون، { وأولئك لهم الخيرات } الكثيرة في ~~الدنيا والآخرة، { وأولئك هم المفلحون } الذين ظفروا ~~بأعلى المطالب وأكمل الرغائب. { أعد الله لهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز ~~العظيم } فتبا لمن لم يرغب بما رغبوا فيه، وخسر دينه ودنياه وأخراه، ~~وهذا نظير قوله تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا # [الإسراء: 107] وقوله: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]. ### || [9.90-93] # يقول تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ليؤذن ~~لهم } أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم ~~في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم ~~بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا الله ورسوله منهم، ~~فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: { المعذرون ~~} أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ~~ومن عادته أن يعذر من له عذر. { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم ~~توعدهم بقوله: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~} في الدنيا والآخرة. لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في ~~الشرع، وقسم غير معذور، ذكر ذلك بقوله: { ليس على الضعفآء } ~~في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. { ولا ~~على المرضى } وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي لا يقدر صاحبه ~~معه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ~~ذلك. { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } أي: لا ~~يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، ~~بشرط أن ms0611 ينصحوا لله ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من ~~نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث ~~والترغيب والتشجيع على الجهاد. { ما على المحسنين من سبيل } ~~أي: من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم - بإحسانهم فيما عليهم من حقوق ~~الله وحقوق العباد - أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما ~~يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه. ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: ~~أن من أحسن على غيره، في [نفسه] أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على ~~إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما ~~أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان. { ~~والله غفور رحيم } ومن مغفرته ورحمته، عفا عن العاجزين، ~~وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين. { ولا على الذين ~~إذا مآ أتوك لتحملهم } فلم يصادفوا عندك شيئا { قلت } ~~لهم معتذرا: { لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون } فإنهم عاجزون باذلون لأنفسهم، وقد صدر منهم من الحزن ~~والمشقة ما ذكره الله عنهم. فهؤلاء لا حرج عليهم، وإذا سقط الحرج عنهم، ~~عاد الأمر إلى أصله، وهو أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سعي ~~فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر، فإنه ينزل منزلة الفاعل التام. { إنما ~~السبيل } يتوجه واللوم يتناول الذين يستأذنوك وهم أغنياء قادرون على ~~الخروج لا عذر لهم، فهؤلاء { رضوا } لأنفسهم ومن دينهم { بأن ~~يكونوا مع الخوالف } كالنساء والأطفال ونحوهم. { و } إنما ~~رضوا بهذه الحال لأن الله طبع على قلوبهم أي: ختم عليها، فلا يدخلها ~~خير، ولا يحسون بمصالحهم الدينية والدنيوية، { فهم لا يعلمون } ~~عقوبة لهم على ما اقترفوا. ### || [9.94-96] # لما ذكر تخلف المنافقين الأغنياء، وأنهم لا عذر لهم، أخبر أنهم س { ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } من غزاتكم. { ~~قل } لهم { لا تعتذروا لن نؤمن لكم } أي: لن نصدقكم في ~~اعتذاركم الكاذب. { قد نبأنا الله من أخباركم } وهو ~~الصادق في قيله، فلم يبق ms0612 للاعتذار فائدة، لأنهم يعتذرون بخلاف ما أخبر ~~الله عنهم، ومحال أن يكونوا صادقين فيما يخالف خبر الله الذي هو أعلى ~~مراتب الصدق. { وسيرى الله عملكم ورسوله } في الدنيا، ~~لأن العمل هو ميزان الصدق من الكذب، وأما مجرد الأقوال، فلا دلالة فيها ~~على شيء من ذلك. { ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة } الذي لا تخفى عليه خافية، { فينبئكم بما ~~كنتم تعملون } من خير وشر، ويجازيكم بعدله أو بفضله، من غير أن ~~يظلمكم مثقال ذرة. وأعلم أن المسيء المذنب له ثلاث حالات: إما [أن] يقبل ~~قوله وعذره، ظاهرا وباطنا، ويعفى عنه بحيث يبقى كأنه لم يذنب. فهذه ~~الحالة هي المذكورة هنا في حق المنافقين، أن عذرهم غير مقبول، وأنه قد ~~تقررت أحوالهم الخبيثة وأعمالهم السيئة، وإما أن يعاقبوا بالعقوبة ~~والتعزير الفعلي على ذنبهم، وإما أن يعرض عنهم، ولا يقابلوا بما فعلوا ~~بالعقوبة الفعلية، وهذه الحال الثالثة هي التي أمر الله بها في حق ~~المنافقين، ولهذا قال: { سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ~~} أي: لا توبخوهم، ولا تجلدوهم أو تقتلوهم. { إنهم رجس } أي: ~~إنهم قذر خبثاء، ليسوا بأهل لأن يبالى بهم، وليس التوبيخ والعقوبة مفيدا ~~فيهم، { و } تكفيهم عقوبة جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. وقوله: { ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم } أي: ولهم أيضا هذا المقصد ~~الآخر منكم، غير مجرد الإعراض، بل يحبون أن ترضوا عنهم، كأنهم ما فعلوا ~~شيئا. { فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين } أي: فلا ينبغي لكم -أيها المؤمنون- أن ترضوا ~~عن من لم يرض الله عنه، بل عليكم أن توافقوا ربكم في رضاه وغضبه. وتأمل ~~كيف قال: { فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } ~~ولم يقل: " فإن الله لا يرضى عنهم " ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، ~~وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم، فإن الله يتوب عليهم، ويرضى عنهم. وأما ~~ما داموا فاسقين، فإن الله لا يرضى عليهم، لوجود المانع من رضاه، وهو ~~خروجهم عن ما رضيه الله لهم من الإيمان والطاعة، إلى ms0613 ما يغضبه من الشرك ~~والنفاق والمعاصي. وحاصل ما ذكره الله أن المنافقين المتخلفين عن الجهاد ~~من غير عذر، إذا اعتذروا للمؤمنين، وزعموا أن لهم أعذارا في تخلفهم، فإن ~~المنافقين يريدون بذلك أن تعرضوا عنهم، وترضوا وتقبلوا عذرهم، فأما قبول ~~العذر منهم والرضا عنهم، فلا حبا ولا كرامة لهم. وأما الإعراض عنهم، ~~فيعرض المؤمنون عنهم، إعراضهم عن الأمور الردية والرجس، وفي هذه الآيات، ~~إثبات الكلام لله تعالى في قوله: { قد نبأنا الله من ~~أخباركم } وإثبات الأفعال الاختيارية لله، الواقعة بمشيئته ~~[تعالى] وقدرته في هذا، وفي قوله: { وسيرى الله عملكم ~~ورسوله } أخبر أنه سيراه بعد وقوعه، وفيها إثبات الرضا لله عن ~~المحسنين، والغضب والسخط على الفاسقين. ### || [9.97-99] # يقول تعالى: { الأعراب } وهم سكان البادية والبراري { أشد ~~كفرا ونفاقا } من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب ~~كثيرة: منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، ~~فهم أحرى { وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله ~~على رسوله } من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف ~~الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، فيحدث لهم ~~-بسبب هذا العلم- تصورات حسنة، وإرادات للخير، الذي يعلمون، ما لا يكون ~~في البادية. وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية، ~~ويجالسون أهل الإيمان، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية، فلذلك كانوا أحرى ~~للخير من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة، كفار ومنافقون، ففي ~~البادية أشد وأغلظ مما في الحاضرة. ومن ذلك أن الأعراب أحرص على الأموال، ~~وأشح فيها. فمنهم { من يتخذ ما ينفق } من الزكاة والنفقة في ~~سبيل الله وغير ذلك، { مغرما } أي: يراها خسارة ونقصا، لا يحتسب ~~فيها، ولا يريد بها وجه الله، ولا يكاد يؤديها إلا كرها. { ~~ويتربص بكم الدوائر } أي: من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم ~~لهم، أنهم يودون وينتظرون فيهم دوائر الدهر، وفجائع الزمان، وهذا سينعكس ~~عليهم، فعليهم دائرة السوء. وأما المؤمنون فلهم الدائرة الحسنة على ~~أعدائهم، ولهم العقبى الحسنة، { والله سميع عليم } يعلم نيات ~~العباد، وما صدرت عنه الأعمال من ms0614 إخلاص وغيره. وليس الأعراب كلهم ~~مذمومين، بل منهم { من يؤمن بالله واليوم الآخر } فيسلم ~~بذلك من الكفر والنفاق ويعمل بمقتضى الإيمان. { ويتخذ ما ينفق ~~قربات عند الله } أي: يحتسب نفقته، ويقصد بها وجه الله تعالى ~~والقرب منه { و } يجعلها وسيلة ل { صلوات الرسول } أي: دعائه ~~لهم، وتبريكه عليهم، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول: { ألا ~~إنها قربة لهم } تقربهم إلى الله، وتنمي أموالهم وتحل فيها ~~البركة. { سيدخلهم الله في رحمته } في جملة عباده ~~الصالحين إنه غفور رحيم، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه، ويعم عباده ~~برحمته، التي وسعت كل شيء، ويخص عباده المؤمنين برحمة يوفقهم فيها إلى ~~الخيرات، ويحميهم فيها من المخالفات، ويجزل لهم فيها أنواع المثوبات. وفي ~~هذه الآية دليل على أن الأعراب كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم ~~المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك ~~أوامر الله، وأنهم في مظنة ذلك. ومنها: أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ~~ويغلظ ويخف بحسب الأحوال. ومنها: فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشر ~~ممن يعرفه، لأن الله ذم الأعراب، وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا، وذكر ~~السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله. ومنها: أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم، معرفة حدود ما أنزل ~~الله على رسوله، من أصول الدين وفروعه، كمعرفة حدود الإيمان، والإسلام، ~~والإحسان، والتقوى، والفلاح، والطاعة، والبر، والصلة، والإحسان، والكفر، ~~والنفاق، والفسوق، والعصيان، والزنا، والخمر، والربا، ونحو ذلك. فإن في ~~معرفتها يتمكن من فعلها - إن كانت مأمور بها، أو تركها إن كانت محظورة - ~~ومن الأمر بها أو النهي عنها. ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه ~~من الحقوق، منشرح الصدر، مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنما، ولا تكون ~~مغرما. ### || [9.100] # السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة، ~~والجهاد، وإقامة دين الله. { من المهاجرين } # الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله ~~أولئك هم الصادقون # [الحشر: 8]. { و } من { الأنصار } # الذين ms0615 تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون ~~من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ~~ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة # [الحشر: 9]. { والذين اتبعوهم بإحسان } بالاعتقادات ~~والأقوال والأعمال، فهؤلاء هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية ~~المدح، وأفضل الكرامات من الله. { رضي الله عنهم } ورضاه ~~تعالى أكبر من نعيم الجنة، { ورضوا عنه وأعد لهم جنات ~~تجري تحتها الأنهار } الجارية التي تساق إلى سقي الجنان، ~~والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة. { خالدين فيهآ أبدا ~~} لا يبغون عنها حولا، ولا يطلبون منها بدلا، لأنهم مهما تمنوه أدركوه، ~~ومهما أرادوه، وجدوه. { ذلك الفوز العظيم } الذي حصل لهم فيه، ~~كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع ~~عنهم كل محذور. ### || [9.101] # يقول تعالى: { وممن حولكم من الأعراب منفقون ~~ومن أهل المدينة } أيضا منافقون { مردوا على ~~النفاق } أي: تمرنوا عليه، واستمروا وازدادوا فيه طغيانا. { لا ~~تعلمهم } بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما لله ~~في ذلك من الحكمة الباهرة. { نحن نعلمهم سنعذبهم ~~مرتين } يحتمل أن التثنية على بابها، وأن عذابهم عذاب في الدنيا، ~~وعذاب في الآخرة. ففي الدنيا ما ينالهم من الهم والحزن، والكراهة لما ~~يصيب المؤمنين من الفتح والنصر، وفي الآخرة عذاب النار وبئس القرار. ~~ويحتمل أن المراد سنغلظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ونكرره. ### || [9.102-103] # يقول تعالى: { وآخرون } ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد ~~الإسلامية، { اعترفوا بذنوبهم } أي: أقروا بها، وندموا عليها، ~~وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها. { خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا } ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل ~~التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، ~~فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض ~~المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء بأن يغفر ~~الله لهم، فهؤلاء { عسى الله أن يتوب عليهم } وتوبته على ~~عبده نوعان: الأول: التوفيق للتوبة. والثاني: قبولها بعد وقوعها منهم. { ~~إن الله غفور رحيم } أي: وصفه المغفرة والرحمة، اللتان لا ~~يخلو ms0616 مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ ~~الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [فاطر: 41]. ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم ~~بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، ~~فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية دلت على أن المخلط ~~المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو ~~إلى السلامة أقرب. وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل ~~لا يزال مصرا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف. قال تعالى لرسوله ~~ومن قام مقامه، آمرا له بما يطهر المؤمنين، ويتمم إيمانهم: { خذ من ~~أموالهم صدقة } وهي الزكاة المفروضة، { تطهرهم ~~وتزكيهم بها } أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة. { ~~وتزكيهم } أي: تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة، وأعمالهم ~~الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم. { وصل ~~عليهم } أي: ادع لهم، أي: للمؤمنين عموما، وخصوصا عندما يدفعون ~~إليك زكاة أموالهم. { إن صلوتك سكن لهم } أي: طمأنينة ~~لقلوبهم، واستبشار لهم، { والله سميع } لدعائك، سمع إجابة وقبول. ~~{ عليم } بأحوال العباد ونياتهم، فيجازي كل عامل بعمله، وعلى قدر ~~نيته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل لأمر الله، ويأمرهم بالصدقة، ~~ويبعث عماله لجبايتها، فإذا أتاه أحد بصدقته دعا له وبرك. ففي هذه ~~الآية دلالة على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ~~ظاهرة، فإنها أموال تنمى ويكتسب بها، فمن العدل أن يواسى منها الفقراء، ~~بأداء ما أوجب الله فيها من الزكاة. وما عدا أموال التجارة، فإن كان ~~المال ينمى، كالحبوب، والثمار، والماشية المتخذة للنماء والدر والنسل، ~~فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها، لأنها إذا كانت للقنية، لم تكن ~~بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة مالا يتمول، ويطلب منه ~~المقاصد المالية، وإنما صرف عن المالية بالقنية ونحوها. # وفيها: أن العبد لا ms0617 يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا ~~يكفرها شيء سوى أدائها، لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها. وفيها: ~~استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي ~~أن يكون جهرا، بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه. ويؤخذ من المعنى، أنه ~~ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين، والدعاء له، ونحو ذلك مما ~~يكون فيه طمأنينة، وسكون لقلبه. وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل ~~عملا صالحا بالدعاء له والثناء، ونحو ذلك. ### || [9.104] # أي: أما علموا سعة رحمة الله وعموم كرمه وأنه { يقبل التوبة ~~عن عباده } التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده إذا ~~تاب أعظم فرح يقدر. { ويأخذ الصدقات } منهم، أي: يقبلها ~~ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة ~~الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك. { وأن ~~الله هو التواب } أي: كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه ~~تاب عليه، ولو تكررت منه [المعصية] مرارا. ولا يمل الله من التوبة على ~~عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم ~~عدوهم. { الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ~~ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله. ### || [9.105] # يقول تعالى: { وقل } لهؤلاء المنافقين: { اعملوا } ما ترون من ~~الأعمال، واستمروا على باطلكم، فلا تحسبوا أن ذلك سيخفى. { فسيرى ~~الله عملكم ورسوله والمؤمنون } أي: لا بد أن يتبين ~~عملكم ويتضح، { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } من خير وشر، ففي هذا ~~التهديد والوعيد الشديد على من استمر على باطله وطغيانه وغيه وعصيانه. ~~ويحتمل أن المعنى: أنكم مهما عملتم من خير أو شر، فإن الله مطلع عليكم، ~~وسيطلع رسوله وعباده المؤمنين على أعمالكم ولو كانت باطنة. ### || [9.106] # أي: { وآخرون } من المخلفين مؤخرون { مرجون لأمر الله ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } ففي هذا التخويف ~~الشديد للمتخلفين، والحث لهم على التوبة والندم. { والله عليم } ~~بأحوال العباد ونياتهم { حكيم } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها ~~منازلها، فإن اقتضت ms0618 حكمته أن يغفر لهم ويتوب عليهم غفر لهم وتاب عليهم، ~~وإن اقتضت حكمته أن يخذلهم ولا يوفقهم للتوبة، فعل ذلك. ### || [9.107-110] # كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، ~~يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من ~~المحاربين لله ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى ~~خزيهم، وأظهر سرهم فقال: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } ~~أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه { وكفرا } أي: قصدهم ~~فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. { وتفريقا بين المؤمنين ~~} أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، { وإرصادا } أي: إعدادا { ~~لمن حارب الله ورسوله من قبل } أي: إعانة للمحاربين ~~لله ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، ~~الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى ~~المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين ~~بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ~~ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد ~~وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي ~~بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، ~~وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك ~~المسجد { وليحلفن إن أردنا } في بنائنا إياه { إلا ~~الحسنى } أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. { والله ~~يشهد إنهم لكاذبون } فشهادة الله عليهم أصدق من حلفهم. { ~~لا تقم فيه أبدا } أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا ~~أبدا. فالله يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. { لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم } ظهر فيه الإسلام في " قباء " وهو مسجد ~~" قباء " أسس على إخلاص الدين لله، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان ~~قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل { أحق أن تقوم ~~فيه } وتتعبد، وتذكر الله تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم ~~الله بقوله: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } من ~~الذنوب، ويتطهروا ms0619 من الأوساخ، والنجاسات والأحداث. ومن المعلوم أن من أحب ~~شيئا لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على ~~التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا ~~مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة الله ورسوله. وسألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، ~~فأخبروه أنهم يتبعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم. { والله ~~يحب المطهرين } الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق ~~الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث. ثم فاضل بين ~~المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه فقال: { أفمن أسس ~~بنيانه على تقوى من الله } أي: على نية صالحة وإخلاص { ~~ورضوان } بأن كان موافقا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص ~~والمتابعة، { خير أم من أسس بنيانه على شفا } أي: ~~على طرف { جرف هار } أي: بال، قد تداعى للانهدام، { فانهار به ~~في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين } ~~لما فيه مصالح دينهم ودنياهم. # { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ~~} أي: شكا وريبا ماكثا في قلوبهم، { إلا أن تقطع قلوبهم ~~} بأن يندموا غاية الندم ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك ~~يعفو الله عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبا إلى ريبهم، ونفاقا ~~إلى نفاقهم. { والله عليم } بجميع الأشياء، ظاهرها وباطنها، خفيها ~~وجليها، وبما أسره العباد، وأعلنوه. { حكيم } لا يفعل ولا يخلق ولا ~~يأمر ولا ينهى، إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به فلله الحمد. وفي هذه ~~الآيات فوائد عدة: منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر ~~بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه. ~~ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما ~~قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى. ومنها: أن كل حالة يحصل ~~بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها. ~~كما أن ms0620 كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر ~~بها والحث عليها، لأن الله علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب ~~للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله. ومنها: النهي عن ~~الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها. ومنها: أن المعصية ~~تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن ~~القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد " قباء " حتى ~~قال الله فيه: { لمسجد أسس على التقوى من أول ~~يوم أحق أن تقوم فيه }. ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ~~ليس لغيره، حتى كان صلى الله عليه وسلم يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث ~~على الصلاة فيه. ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، ~~أربع قواعد مهمة، وهي: كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية لله، فإن ~~المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن ~~عادى الله ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه. ومنها: أن الأعمال ~~الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة ~~الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من ~~الندم والحسرات. ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، ~~فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه ~~واختاره الله له من باب أولى وأحرى. ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص ~~والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم. ~~والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على ~~شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين. ### || [9.111] # يخبر تعالى خبرا صدقا، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة، ومعاوضة جسيمة، ~~وهو أنه { اشترى } بنفسه الكريمة { من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم } فهي المثمن والسلعة المبيعة. { بأن لهم ~~الجنة } التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من أنواع اللذات ~~والأفراح، والمسرات، والحور الحسان، والمنازل الأنيقات. وصفة ms0621 العقد ~~والمبايعة، بأن يبذلوا لله نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه، لإعلاء ~~كلمته وإظهار دينه ف { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون } فهذا العقد والمبايعة، قد صدرت من الله مؤكدة بأنواع ~~التأكيدات. { وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن } التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم، وأعلاها، وأكملها، ~~وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق. { ~~لقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا } ~~أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم الله، { ببيعكم الذي ~~بايعتم به } أي: لتفرحوا بذلك، وليبشر بعضكم بعضا، ويحث بعضكم ~~بعضا. { وذلك هو الفوز العظيم } الذي لا فوز أكبر منه، ~~ولا أجل، لأنه يتضمن السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من الله ~~الذي هو أكبر من نعيم الجنات، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة، فانظر إلى ~~المشتري من هو؟ وهو الله جل جلاله، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض ~~وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي ~~هو أحب الأشياء للإنسان. وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف ~~الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب الله الكبار المنزلة على أفضل الخلق. ### || [9.112] # كأنه قيل: من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من الله بدخول الجنات ونيل ~~الكرامات؟ فقال: هم { التائبون } أي: الملازمون للتوبة في جميع ~~الأوقات عن جميع السيئات. { العابدون } أي: المتصفون بالعبودية ~~لله، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، ~~فبذلك يكون العبد من العابدين. { الحامدون } لله في السراء ~~والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما لله عليهم من النعم الظاهرة ~~والباطنة، المثنون على الله بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار. ~~{ السائحون } فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت ~~بسياحة القلب في معرفة الله ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح ~~أن المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب ~~العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك. { الراكعون الساجدون } أي: ~~المكثرون من الصلاة المشتملة على الركوع والسجود. { الآمرون ~~بالمعروف } ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات. { والناهون ~~عن المنكر } وهي جميع ما نهى ms0622 الله ورسوله عنه. { والحافظون ~~لحدود الله } بتعلمهم حدود ما أنزل الله على رسوله، وما يدخل في ~~الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا. { ~~وبشر المؤمنين } لم يذكر ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على ~~الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن. وأما ~~مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين، وإيمانهم، قوة، وضعفا، وعملا ~~بمقتضاه. ### || [9.113-114] # يعني: ما يليق ولا يحسن للنبي وللمؤمنين به { أن يستغفروا ~~للمشركين } أي: لمن كفر به وعبد معه غيره { ولو كانوا ~~أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم } فإن الاستغفار لهم في هذه الحال غلط غير مفيد، فلا يليق ~~بالنبي والمؤمنين، لأنهم إذا ماتوا على الشرك، أو علم أنهم يموتون عليه، ~~فقد حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب عليهم الخلود في النار، ولم تنفع فيهم ~~شفاعة الشافعين، ولا استغفار المستغفرين. وأيضا فإن النبي والذين آمنوا ~~معه، عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه الله، ~~ويعادوا من عاداه الله، والاستغفار منهم لمن تبين أنه من أصحاب النار ~~مناف لذلك، مناقض له، ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم عليه ~~السلام لأبيه فإنه { عن موعدة وعدهآ إياه } في قوله: # سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا # [مريم: 47] وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه. فلما تبين لإبراهيم أن أباه ~~عدو لله، سيموت على الكفر، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير { تبرأ ~~منه } موافقة لربه وتأدبا معه. { إن إبراهيم لأواه } أي: ~~رجاع إلى الله في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء والاستغفار ~~والإنابة إلى ربه. { حليم } أي: ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم ~~إليه من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين، ولا يقابل الجاني عليه بجرمه، ~~فأبوه قال له: # لأرجمنك # [مريم: 46] وهو يقول له: # سلام عليك سأستغفر لك ربي # [مريم: 47]. فعليكم أن تقتدوا، وتتبعوا ملة إبراهيم في كل شيء # إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك # [الممتحنة: 4] كما نبهكم الله عليها وعلى غيرها، ولهذا قال: { وما ~~كان الله ليضل قوما بعد إذ ms0623 هداهم حتى ~~يبين لهم... }. ### || [9.115-116] # يعني أن الله تعالى إذا من على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط ~~المستقيم، فإنه تعالى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون ~~إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم، ففي ~~هذا دليل على كمال رحمته، وأن شريعته وافية بجميع ما يحتاجه العباد في ~~أصول الدين وفروعه. ويحتمل أن المراد بذلك { وما كان الله ~~ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون } فإذا بين لهم ما يتقون فلم ينقادوا له، عاقبهم بالإضلال ~~جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى. { إن الله بكل ~~شيء عليم } فلكمال علمه وعمومه علمكم ما لم تكونوا تعلمون، وبين ~~لكم ما به تنتفعون. { إن الله له ملك السموت ~~والأرض يحيي ويميت } أي: هو المالك لذلك، المدبر لعباده ~~بالإحياء والإماتة وأنواع التدابير الإلهية، فإذا كان لا يخل بتدبيره ~~القدري فكيف يخل بتدبيره الديني المتعلق بإلهيته، ويترك عباده سدى ~~مهملين، أو يدعهم ضالين جاهلين، وهو أعظم توليه لعباده؟!! فلهذا قال: { ~~وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } أي: ولي ~~يتولاكم بجلب المنافع لكم، أو { نصير } يدفع عنكم المضار. ### || [9.117-118] # يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه { تاب الله على النبي } محمد ~~صلى الله عليه وسلم { والمهاجرين والأنصار } فغفر لهم الزلات، ~~ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك بسبب قيامهم بالأعمال ~~الصعبة الشاقات، ولهذا قال: { الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة } أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة " تبوك " وكانت في حر ~~شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف. فاستعانوا ~~الله تعالى، وقاموا بذلك { من بعد ما كاد يزيغ قلوب ~~فريق منهم } أي: تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن ~~الله ثبتهم وأيدهم وقواهم. وزيغ القلب هو انحرافه عن الصراط ~~المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين كان كفرا، وإن كان في شرائعه ~~كان بحسب تلك الشريعة التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير ~~الوجه الشرعي. وقوله { ثم تاب ms0624 عليهم } أي: قبل توبتهم { ~~إنه بهم رءوف رحيم } ومن رأفته ورحمته أن من عليهم ~~بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها. { و } كذلك لقد تاب الله { على ~~الثلاثة الذين خلفوا } عن الخروج مع المسلمين في تلك ~~الغزوة، وهم: " كعب بن مالك " وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح ~~والسنن. { حتى إذا } حزنوا حزنا عظيما، و { ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت } أي: على سعتها ورحبها { وضاقت عليهم ~~أنفسهم } التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، ~~والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، ~~بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا ~~الله ورضا رسوله على كل شيء. { وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه } أي: تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من ~~الشدائد ويلجأ إليه، إلا الله وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم ~~بالمخلوقين، وتعلقوا بالله ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو ~~خمسين ليلة. { ثم تاب عليهم } أي: أذن في توبتهم ووفقهم لها { ~~ليتوبوا } أي: لتقع منهم، فيتوب الله عليهم، { إن الله هو ~~التواب } أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، { ~~الرحيم } وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل ~~وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية. وفي ~~هذه الآيات دليل على أن توبة الله على العبد أجل الغايات، وأعلى ~~النهايات، فإن الله جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين ~~عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها. ومنها: لطف الله بهم وتثبيتهم في ~~إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة. ومنها: أن العبادة الشاقة على ~~النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر. # ومنها: أن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي ~~بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة. ~~ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا ~~تاما، وانقطع عن المخلوقين. ومنها: أن من ms0625 لطف الله بالثلاثة، أن وسمهم ~~بوسم، ليس بعار عليهم فقال: { خلفوا } إشارة إلى أن المؤمنين ~~خلفوهم، [أو خلفوا عن من بت في قبول عذرهم أو في رده] وأنهم لم يكن ~~تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل: " تخلفوا ". ومنها: أن الله ~~تعالى من عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال: { يأيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا... }. ### || [9.119] # أي: { يأيها الذين آمنوا } بالله، وبما أمر الله ~~بالإيمان به، قوموا بما يقتضيه الإيمان، وهو القيام بتقوى الله تعالى، ~~باجتناب ما نهى الله عنه والبعد عنه. { وكونوا مع الصادقين } ~~في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم لا ~~تكون إلا صدقا خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة ~~على الإخلاص والنية الصالحة، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى ~~الجنة. قال الله تعالى: # هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم # الآية [المائدة: 119]. ### || [9.120-121] # يقول تعالى - حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين، والأنصار، ومن ~~حولهم من الأعراب، الذين أسلموا فحسن إسلامهم -: { ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله } أي: ما ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بأحوالهم. { ~~ولا يرغبوا بأنفسهم } في بقائها وراحتها، وسكونه { عن ~~نفسه } الكريمة الزكية، بل النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ويقدمه ~~عليها، فعلامة تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته والإيمان التام ~~به، أن لا يتخلفوا عنه، ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج، فقال: { ذلك ~~بأنهم } أي: المجاهدين في سبيل الله { لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب } أي: تعب ومشقة { ولا مخمصة في سبيل الله } ~~أي: مجاعة. { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار } من الخوض ~~لديارهم والاستيلاء على أوطانهم، { ولا ينالون من عدو ~~نيلا } كالظفر بجيش أو سرية أو الغنيمة لمال { إلا كتب لهم ~~به عمل صالح } لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم. { إن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين } الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر ~~الله، وقيامهم بما عليهم ms0626 من حقه وحق خلقه، فهذه الأعمال آثار من آثار ~~عملهم. ثم قال: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~ولا يقطعون واديا } في ذهابهم إلى عدوهم { إلا كتب ~~لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون }. ومن ~~ذلك هذه الأعمال، إذا أخلصوا فيها لله، ونصحوا فيها، ففي هذه الآيات أشد ~~ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، والاحتساب لما ~~يصيبهم فيه من المشقات، وأن ذلك لهم رفعة درجات، وأن الآثار المترتبة على ~~عمل العبد له فيها أجر كبير. ### || [9.122] # يقول تعالى: - منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم - { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة } أي: جميعا لقتال عدوهم، فإنه ~~يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، { فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم } أي: من البلدان، والقبائل، ~~والأفخاذ { طآئفة } تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى. ثم نبه على ~~أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: { ~~ليتفقهوا } أي: القاعدون { في الدين ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم } أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ~~ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم ~~الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن ~~انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره الذي ينمى له. وأما اقتصار ~~العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ~~وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة ~~نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، ~~لمن آتاه الله علما ومنحه فهما. وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد ~~وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل ~~مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ~~ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ~~ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت ~~الطرق وتعددت المشارب، ms0627 فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة ~~العامة النافعة في جميع الأمور. ### || [9.123] # وهذا أيضا إرشاد آخر، بعدما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال، ~~أرشدهم إلى أنهم يبدؤون بالأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم، ~~والشدة في القتال، والشجاعة والثبات. { واعلموا أن الله مع ~~المتقين } أي: وليكن لديكم علم أن المعونة من الله تنزل بحسب ~~التقوى، فلازموا على تقوى الله، يعنكم وينصركم على عدوكم. وهذا ~~العموم في قوله: { آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار } مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الذين يلوننا، ~~وأنواع المصالح كثيرة جدا. ### || [9.124-126] # يقول تعالى: مبينا حال المنافقين، وحال المؤمنين عند نزول القرآن، ~~وتفاوت ما بين الفريقين فقال: { وإذا مآ أنزلت سورة } فيها ~~الأمر والنهي، والخبر عن نفسه الكريمة، وعن الأمور الغائبة، والحث على ~~الجهاد. { فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا } أي: حصل الاستفهام لمن حصل له الإيمان بها من الطائفتين. قال ~~تعالى - مبينا الحال الواقعة -: { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا } بالعلم بها، وفهمها واعتقادها، والعمل بها، ~~والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر. { وهم يستبشرون ~~} أي: يبشر بعضهم بعضا بما من الله عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها ~~والعمل بها. وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات الله، وطمأنينة قلوبهم، ~~وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه. { وأما الذين في قلوبهم ~~مرض } أي: شك ونفاق { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي: ~~مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها وعاندوها ~~وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك { و } الطبع ~~على قلوبهم، حتى { ماتوا وهم كافرون }. وهذا عقوبة لهم، لأنهم ~~كفروا بآيات الله وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه. قال تعالى - موبخا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر ~~والنفاق -: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام ~~مرة أو مرتين } بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما ~~يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم. { ثم لا ~~يتوبون } عما هم عليه من الشر { ولا هم يذكرون } ما ~~ينفعهم، فيفعلونه، ms0628 وما يضرهم، فيتركونه. فالله تعالى يبتليهم -كما هي ~~سنته في سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ~~ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد ~~وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ~~ليكون دائما في صعود. ### || [9.127] # يعني: أن المنافقين الذين يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم، إذا نزلت سورة ليؤمنوا بها، ويعملوا بمضمونها { نظر ~~بعضهم إلى بعض } جازمين على ترك العمل بها، ينتظرون الفرصة في ~~الاختفاء عن أعين المؤمنين، ويقولون: { هل يراكم من أحد ~~ثم انصرفوا } متسللين، وانقلبوا معرضين، فجازاهم الله بعقوبة من ~~جنس عملهم، فكما انصرفوا عن العمل { صرف الله قلوبهم } أي: ~~صدها عن الحق وخذلها. { بأنهم قوم لا يفقهون } فقها ~~ينفعهم، فإنهم لو فقهوا، لكانوا إذا نزلت سورة آمنوا بها، وانقادوا ~~لأمرها. والمقصود من هذا بيان شدة نفورهم عن الجهاد وغيره من شرائع ~~الإيمان، كما قال تعالى عنهم: # فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر ~~المغشي عليه من الموت # [محمد: 20]. ### || [9.128-129] # يمتن [تعالى] على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من ~~أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، ~~وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم. { عزيز ~~عليه ما عنتم } أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم. { ~~حريص عليكم } فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص ~~على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. { ~~بالمؤمنين رءوف رحيم } أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم ~~بهم من والديهم. ولهذا كان حقه مقدما على سائر حقوق الخلق، وواجب على ~~الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره { فإن } آمنوا، فذلك حظهم ~~وتوفيقهم، وإن { تولوا } عن الإيمان والعمل، فامض على سبيلك، ولا ~~تزل في دعوتك، وقل { حسبي الله } أي: الله كافي في جميع ما ~~أهمني، { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه. { عليه ms0629 ~~توكلت } أي: اعتمدت ووثقت به، في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، { ~~وهو رب العرش العظيم } الذي هو أعظم المخلوقات. وإذا كان ~~رب العرش العظيم، الذي وسع المخلوقات، كان ربا لما دونه من باب أولى ~~وأحرى. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # يقول تعالى: { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } وهو هذا ~~القرآن، المشتمل على الحكمة والأحكام، الدالة آياته على الحقائق ~~الإيمانية والأوامر والنواهي الشرعية، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا ~~والقبول والانقياد. ومع هذا فأعرض أكثرهم فهم لا يعلمون، فتعجبوا { أن ~~أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس } عذاب الله، ~~وخوفهم نقم الله، وذكرهم بآيات الله. { وبشر الذين آمنوا } ~~إيمانا صادقا { أن لهم قدم صدق عند ربهم } أي: لهم ~~جزاء موفور، وثواب مذخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة ~~الصادقة. فتعجب الكافرون من هذا الرجل العظيم تعجبا حملهم على الكفر به، ~~ف { قال الكافرون } عنه: { إن هذا لساحر مبين } ~~أي: بين السحر، لا يخفى بزعمهم على أحد، وهذا من سفههم وعنادهم، ~~فإنهم تعجبوا من أمر ليس مما يتعجب منه ويستغرب، وإنما يتعجب من جهالتهم ~~وعدم معرفتهم بمصالحهم. كيف لم يؤمنوا بهذا الرسول الكريم، الذي بعثه ~~الله من أنفسهم، يعرفونه حق المعرفة، فردوا دعوته، وحرصوا على إبطال ~~دينه، والله متم نوره ولو كره الكافرون. ### || [10.3-4] # يقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته: { إن ربكم الله ~~الذي خلق السموت والأرض في ستة أيام } مع أنه ~~قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ~~ولأنه رفيق في أفعاله. ومن جملة حكمته فيها، أنه خلقها بالحق وللحق، ~~ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة. { ثم } بعد خلق السماوات والأرض ~~{ استوى على العرش } استواء يليق بعظمته. { يدبر الأمر ~~} في العالم العلوي والسفلي، من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ~~ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضر عن المضرورين، وإجابة سؤال ~~السائلين. فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون ~~لعزه، خاضعون لعظمته وسلطانه. { ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه } فلا يقدم أحد منهم ms0630 على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق، حتى يأذن ~~الله ولا يأذن، إلا لمن ارتضى، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له. { ~~ذلكم } الذي هذا شأنه { الله ربكم } أي: هو الله الذي له وصف ~~الإلهية الجامعة لصفات الكمال، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال. { ~~فاعبدوه } أي: أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية، { ~~أفلا تذكرون } الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود، ذو ~~الجلال والإكرام. فلما ذكر حكمه القدري وهو التدبير العام، وحكمه الديني ~~وهو شرعه، الذي مضمونه ومقصوده عبادته وحده لا شريك له، ذكر الحكم ~~الجزائي، وهو مجازاته على الأعمال بعد الموت، فقال: { إليه ~~مرجعكم جميعا } أي: سيجمعكم بعد موتكم، لميقات يوم معلوم. { ~~إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده } فالقادر على ابتداء ~~الخلق قادر على إعادته، والذي يرى ابتداءه بالخلق، ثم ينكر إعادته للخلق، ~~فهو فاقد العقل منكر لأحد المثلين مع إثبات ما هو أولى منه، فهذا دليل ~~عقلي واضح على المعاد. وقد ذكر الدليل النقلي فقال: { وعد الله ~~حقا } أي: وعده صادق لا بد من إتمامه. { ليجزي الذين ~~آمنوا } بقلوبهم بما أمرهم الله بالإيمان به. { وعملوا ~~الصالحات } بجوارحهم، من واجبات، ومستحبات، { بالقسط } أي: ~~بإيمانهم وأعمالهم، جزاء قد بينه لعباده، وأخبر أنه لا تعلم نفس ما أخفى ~~لهم من قرة أعين { والذين كفروا } بآيات الله وكذبوا رسل الله. ~~{ لهم شراب من حميم } أي: ماء حار، يشوي الوجوه، ويقطع ~~الأمعاء. { وعذاب أليم } من سائر أصناف العذاب { بما كانوا ~~يكفرون } أي: بسبب كفرهم وظلمهم، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون. ### || [10.5-6] # لما قرر ربوبيته وإلهيته، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك ~~وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ~~ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات { لقوم ~~يعلمون } و { لقوم يتقون }. فإن العلم يهدي إلى معرفة ~~الدلالة فيها، وكيفية استنباط الدليل على أقرب وجه، والتقوى تحدث في ~~القلب الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، الناشئين عن الأدلة والبراهين، ~~وعن العلم واليقين. وحاصل ذلك أن مجرد خلق ms0631 هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال ~~على كمال قدرة الله تعالى، وعلمه، وحياته، وقيوميته، وما فيها من الأحكام ~~والإتقان والإبداع والحسن، دال على كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه. ~~وما فيها من أنواع المنافع والمصالح - كجعل الشمس ضياء، والقمر نورا، ~~يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل - يدل ذلك على رحمة الله تعالى ~~واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة ~~الله وإرادته النافذة. وذلك دال على أنه وحده المعبود المحبوب المحمود، ~~ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا ~~إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له، لا لغيره من المخلوقات المربوبات، ~~المفتقرات إلى الله في جميع شؤونها. وفي هذه الآيات الحث والترغيب على ~~التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح ~~البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون ~~بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة. ### || [10.7-8] # يقول تعالى { إن الذين لا يرجون لقآءنا } أي: لا يطمعون ~~بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، ~~بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به { ورضوا بالحيوة الدنيا } ~~بدلا عن الآخرة. { واطمأنوا بها } أي: ركنوا إليها، وجعلوها ~~غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي ~~طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم ~~وأفكارهم وأعمالهم إليها. فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ~~ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون ~~والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون. { والذين هم عن ~~آياتنا غافلون } فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات ~~الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة، عن ~~المدلول المقصود. { أولئك } الذين هذا وصفهم { مأواهم ~~النار } أي: مقرهم ومسكنهم التي لا يرحلون عنها. { بما كانوا ~~يكسبون } من الكفر والشرك وأنواع المعاصي، فلما ذكر عقابهم ذكر ثواب ~~المطيعين، فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم... }. ### || [10.9-10] # يقول تعالى { إن الذين آمنوا ms0632 وعملوا الصالحات } أي: ~~جمعوا بين الإيمان، والقيام بموجبه ومقتضاه من الأعمال الصالحة، المشتملة ~~على أعمال القلوب وأعمال الجوارح، على وجه الإخلاص والمتابعة. { ~~يهديهم ربهم بإيمانهم } أي: بسبب ما معهم من الإيمان ~~يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم ~~بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه ~~الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى ~~الصراط الموصل إلى جنات النعيم، ولهذا قال: { تجري من تحتهم ~~الأنهار } الجارية على الدوام { في جنات النعيم } أضافها ~~الله إلى النعيم، لاشتمالها على النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور ~~والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ~~ولقاء الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم، وسماع الأصوات المطربات، ~~والنغمات المشجيات، والمناظر المفرحات. ونعيم البدن بأنواع المآكل ~~والمشارب، والمناكح، ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر ببال أحد، ~~أو قدر أن يصفه الواصفون. { دعواهم فيها سبحانك اللهم } ~~أي: عبادتهم فيها لله، أولها تسبيح لله وتنزيه له عن النقائض، وآخرها ~~تحميد لله، فالتكاليف سقطت عنهم في دار الجزاء، وإنما بقي لهم أكمل ~~اللذات، الذي هو ألذ عليهم من المآكل اللذيذة، ألا وهو ذكر الله الذي ~~تطمئن به القلوب، وتفرح به الأرواح، وهو لهم بمنزلة النفس، من دون ~~كلفة ومشقة. { و } أما { تحيتهم فيها } فيما بينهم عند التلاقي ~~والتزاور، فهو السلام، أي: كلام سالم من اللغو والإثم، موصوف بأنه { ~~سلام } وقد قيل في تفسير قوله { دعواهم فيها سبحانك } إلى ~~آخر الآية، أن أهل الجنة - إذا احتاجوا إلى الطعام والشراب ونحوهما - ~~قالوا سبحانك اللهم، فأحضر لهم في الحال. فإذا فرغوا قالوا: { الحمد ~~لله رب العالمين }. ### || [10.11] # وهذا من لطفه وإحسانه بعباده، أنه لو عجل لهم الشر إذا أتوا بأسبابه، ~~وبادرهم بالعقوبة على ذلك، كما يعجل لهم الخير إذا أتوا بأسبابه { ~~لقضي إليهم أجلهم } أي: لمحقتهم العقوبة، ولكنه تعالى ~~يمهلهم ولا يهملهم، ويعفو عن كثير من حقوقه، فلو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ~~ما ترك على ظهرها من دابة. ويدخل في هذا ms0633 أن العبد إذا غضب على أولاده أو ~~أهله أو ماله، ربما دعا عليهم دعوة لو قبلت منه لهلكوا، ولأضره ذلك غاية ~~الضرر، ولكنه تعالى حليم حكيم. وقوله: { فنذر الذين لا ~~يرجون لقآءنا } أي: لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يستعدون لها، ~~ولا يعلمون ما ينجيهم من عذاب الله، { في طغيانهم } أي: باطلهم، ~~الذي جاوزوا به الحق والحد. { يعمهون } يترددون حائرين، لا يهتدون ~~السبيل ولا يوفقون لأقوم دليل، وذلك عقوبة لهم على ظلمهم، وكفرهم بآيات ~~الله. ### || [10.12] # وهذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه إذا مسه ضر، من مرض أو ~~مصيبة، اجتهد في الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله، قائما وقاعدا ~~ومضطجعا، وألح في الدعاء ليكشف الله عنه ضره. { فلما كشفنا ~~عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } أي: ~~استمر في غفلته معرضا عن ربه، كأنه ما جاءه ضره، فكشفه الله عنه، فأي ~~ظلم أعظم من هذا الظلم؟!! يطلب من الله قضاء غرضه، فإذا أناله إياه لم ~~ينظر إلى حق ربه، وكأنه ليس عليه لله حق. وهذا تزيين من الشيطان، زين له ~~ما كان مستهجنا مستقبحا في العقول والفطر. { كذلك زين ~~للمسرفين } أي: المتجاوزين للحد { ما كانوا يعملون }. ### || [10.13-14] # يخبر تعالى أنه أهلك الأمم الماضية بظلمهم وكفرهم، بعد ما جاءتهم ~~البينات على أيدي الرسل تبين الحق فلم ينقادوا لها ولم يؤمنوا. فأحل بهم ~~عقابه الذي لا يرد عن كل مجرم متجرئ على محارم الله، وهذه سنته في جميع ~~الأمم. { ثم جعلناكم } أيها المخاطبون { خلائف في الأرض ~~من بعدهم لننظر كيف تعملون } فإن أنتم اعتبرتم واتعظتم ~~بمن قبلكم واتبعتم آيات الله وصدقتم رسله، نجوتم في الدنيا والآخرة. وإن ~~فعلتم كفعل الظالمين قبلكم، أحل بكم ما أحل بهم، ومن أنذر فقد أعذر. ### || [10.15-17] # يذكر تعالى تعنت المكذبين لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إذا ~~تتلى عليهم آيات الله القرآنية المبينة للحق، أعرضوا عنها، وطلبوا وجوه ~~التعنت فقالوا، جراءة منهم وظلما: { ائت بقرآن غير هذآ ~~أو بدله } فقبحهم الله، ما ms0634 أجرأهم على الله، وأشدهم ظلما وردا ~~لآياته. فإذا كان الرسول العظيم يأمره الله أن يقول لهم: { قل ما ~~يكون لي } أي: ما ينبغي ولا يليق { أن أبدله من تلقآء ~~نفسي } فإني رسول محض، ليس لي من الأمر شيء، { إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي } أي: ليس لي غير ذلك، فإني عبد مأمور، { إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } فهذا قول خير ~~الخلق وأدبه مع أوامر ربه ووحيه، فكيف بهؤلاء السفهاء الضالين، الذين ~~جمعوا بين الجهل والضلال، والظلم والعناد، والتعنت والتعجيز لرب ~~العالمين، أفلا يخافون عذاب يوم عظيم؟!!. فإن زعموا أن قصدهم أن يتبين ~~لهم الحق بالآيات التي طلبوا فهم كذبة في ذلك، فإن الله قد بين من ~~الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهو الذي يصرفها كيف يشاء، تابعا لحكمته ~~الربانية ورحمته بعباده. { قل لو شآء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا } ~~طويلا { من قبله } أي: قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر ~~على بالي، ولا وقع في ظني. { أفلا تعقلون } أني حيث لم أتقوله في ~~مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد ~~لبثت فيكم عمرا طويلا تعرفون حقيقة حالي، بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ~~ولا أدرس ولا أتعلم من أحد؟!! فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء، وأعيا ~~العلماء، فهل يمكن - مع هذا - أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع ~~أنه تنزيل من حكيم حميد؟ فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال ~~هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده ~~إلا الضلال، ولكن إذ أبيتم إلا التكذيب والعناد، فأنتم لا شك أنكم ~~ظالمون. { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآيته }؟!! فلو كنت متقولا لكنت أظلم الناس، وفاتني ~~الفلاح، ولم تخف عليكم حالي، ولكني جئتكم بآيات الله، فكذبتم بها، فتعين ~~فيكم الظلم، ولا بد أن أمركم سيضمحل، ولن تنالوا الفلاح، ما دمتم كذلك. ~~ودل قوله: { قال ms0635 الذين لا يرجون لقآءنا } الآية، أن الذي ~~حملهم على هذا التعنت الذي صدر منهم هو عدم إيمانهم بلقاء الله وعدم ~~رجائه، وأن من آمن بلقاء الله فلا بد أن ينقاد لهذا الكتاب ويؤمن به، ~~لأنه حسن القصد. ### || [10.18] # يقول تعالى: { ويعبدون } أي: المشركون المكذبون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. { من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم } أي: لا تملك لهم مثقال ذرة من النفع ولا تدفع عنهم شيئا. ~~{ ويقولون } قولا خاليا من البرهان: { هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله } أي: يعبدونهم ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده، وهذا ~~قول من تلقاء أنفسهم، وكلام ابتكروه هم، ولهذا قال تعالى - مبطلا لهذا ~~القول -: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السموت ولا في الأرض } أي: الله تعالى هو العالم، الذي أحاط ~~علما بجميع ما في السماوات والأرض، وقد أخبركم بأنه ليس له شريك ولا إله ~~معه، أفأنتم - يا معشر المشركين - تزعمون أنه يوجد له فيها شركاء؟ ~~أفتخبرونه بأمر خفي عليه، وعلمتوه؟ أأنتم أعلم أم الله؟ فهل يوجد قول ~~أبطل من هذا القول، المتضمن أن هؤلاء الضلال الجهال السفهاء أعلم من رب ~~العالمين؟ فليكتف العاقل بمجرد تصور هذا القول، فإنه يجزم بفساده ~~وبطلانه: { سبحانه وتعالى عما يشركون } أي: تقدس وتنزه ~~أن يكون له شريك أو نظير، بل هو الله الأحد الفرد الصمد الذي لا إله في ~~السماوات والأرض إلا هو، وكل معبود في العالم العلوي والسفلي سواه، فإنه ~~باطل عقلا وشرعا وفطرة. # ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من ~~دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير # [الحج: 62]. ### || [10.19-20] # أي: { وما كان الناس إلا أمة واحدة } متفقين على ~~الدين الصحيح، ولكنهم اختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل ~~معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. { ولولا كلمة ~~سبقت من ربك } بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بذنوبهم، { ~~لقضي بينهم } بأن ننجي المؤمنين، ونهلك الكافرين المكذبين، وصار ~~هذا فارقا بينهم { فيما فيه يختلفون } ولكنه أراد امتحانهم ~~وابتلاء بعضهم ببعض، ليتبين الصادق من الكاذب. ms0636 { ويقولون } أي: ~~المكذبون المتعنتون، { لولا أنزل عليه آية من ربه } ~~يعنون: آيات الاقتراح التي يعينونها كقولهم: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # الآيات [الفرقان: 7]. وكقولهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # الآيات [الإسراء: 90]. { فقل } لهم إذا طلبوا منك آية { إنما ~~الغيب لله } أي: هو المحيط علما بأحوال العباد، فيدبرهم بما ~~يقتضيه علمه فيهم وحكمته البديعة، وليس لأحد تدبير في حكم ولا دليل، ولا ~~غاية ولا تعليل. { فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } أي: كل ينتظر بصاحبه ما هو أهل له، فانظروا لمن تكون ~~العاقبة. ### || [10.21] # يقول تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ~~ضرآء مستهم } كالصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد ~~الخوف، نسوا ما أصابهم من الضراء، ولم يشكروا الله على الرخاء والرحمة، ~~بل استمروا في طغيانهم ومكرهم. ولهذا قال: { إذا لهم مكر في ~~آياتنا } أي: يسعون بالباطل ليبطلوا به الحق. { قل الله أسرع ~~مكرا } فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، فمقصودهم منعكس عليهم، ~~ولم يسلموا من التبعة، بل تكتب الملائكة عليهم ما يعملون، ويحصيه الله ~~عليهم، ثم يجازيهم [الله] عليه أوفر الجزاء. ### || [10.22-23] # لما ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد ~~الضراء، واليسر بعد العسر، ذكر حالة تؤيد ذلك وهي حالهم في البحر عند ~~اشتداده، والخوف من عواقبه، فقال: { هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر } بما يسر لكم من الأسباب المسيرة لكم فيها، وهداكم ~~إليها. { حتى إذا كنتم في الفلك } أي: السفن البحرية { ~~وجرين بهم بريح طيبة } موافقة لما يهوونه من غير انزعاج ~~ولا مشقة. { وفرحوا بها } واطمأنوا إليها، فبينما هم كذلك، إذ { ~~جآءتها ريح عاصف } شديدة الهبوب { وجآءهم الموج من ~~كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم } أي: عرفوا أنه ~~الهلاك، فانقطع حينئذ تعلقهم بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه ~~الشدة إلا الله وحده، فدعوه مخلصين له الدين ووعدوا من أنفسهم على وجه ~~الإلزام، فقالوا: { دعوا الله مخلصين له الدين لئن ~~أنجيتنا من هذه لنكونن من ms0637 الشاكرين * فلمآ ~~أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } أي: ~~نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من ~~اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا ~~لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟!!. ولكن هذا البغي يعود ~~وباله عليهم، ولهذا قال: { يأيها الناس إنما بغيكم ~~على أنفسكم متاع الحياة الدنيا } أي: غاية ما تؤملون ~~ببغيكم وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئا من حطام الدنيا وجاهها ~~النزر اليسير الذي سينقضي سريعا، ويمضي جميعا، ثم تنتقلون عنه بالرغم. ~~{ ثم إلينا مرجعكم } في يوم القيامة { فننبئكم بما ~~كنتم تعملون } وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم. ### || [10.24] # وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها ~~وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتا قصيرا، فإذا استكمل ~~وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ~~ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها. فذلك { كمآء أنزلناه من ~~السمآء فاختلط به نبات الأرض } أي: نبت فيها من كل صنف، ~~وزوج بهيج { مما يأكل الناس } كالحبوب والثمار { و } مما تأكل ~~{ الأنعام } كأنواع العشب، والكلأ المختلف الأصناف. { حتى إذآ ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت } أي: تزخرفت في منظرها، ~~واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية ~~للمتبصرين، فصرت ترى لها منظرا عجيبا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره. ~~{ وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ } أي: حصل معهم طمع ~~بأن ذلك سيستمر ويدوم، لوقوف إرادتهم عنده، وانتهاء مطالبهم فيه. فبينما ~~هم في تلك الحالة { أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا ~~فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس } أي: كأنها ما ~~كانت فهذه حالة الدنيا، سواء بسواء. { كذلك نفصل الآيات } أي: ~~نبينها ونوضحها، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال { لقوم ~~يتفكرون } أي: يعملون أفكارهم فيما ينفعهم. وأما الغافل المعرض، ~~فهذا لا تنفعه الآيات، ولا يزيل عنه الشك البيان، ولما ذكر الله حال ~~الدنيا وحاصل نعيمها، شوق إلى الدار الباقية، فقال: { والله ~~يدعوا إلى ms0638 دار السلام ويهدي من يشآء... }. ### || [10.25-26] # عم تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام والحث على ذلك والترغيب، وخص ~~بالهداية من شاء استخلاصه واصطفاءه، فهذا فضله وإحسانه، والله يختص ~~برحمته من يشاء، وذلك عدله وحكمته، وليس لأحد عليه حجة بعد البيان ~~والرسل، وسمى الله الجنة " دار السلام " لسلامتها من جميع الآفات ~~والنقائص، وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه. ولما دعا ~~إلى دار السلام، كأن النفوس تشوقت إلى الأعمال الموجبة لها الموصلة ~~إليها، فأخبر عنها بقوله: { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه ~~المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى ~~عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان ~~المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم ~~الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان. فهؤلاء ~~الذين أحسنوا لهم " الحسنى " وهي الجنة الكاملة في حسنها و " زيادة " وهي ~~النظر إلى وجه الله الكريم وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، ~~فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون. ثم ذكر اندفاع ~~المحذور عنهم فقال: { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ~~أي: لا ينالهم مكروه، بوجه من الوجوه، لأن المكروه إذا وقع بالإنسان، ~~تبين ذلك في وجهه، وتغير وتكدر. وأما هؤلاء - فهم كما قال الله عنهم - # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # [المطففين: 24] { أولئك أصحاب الجنة } الملازمون لها { ~~هم فيها خالدون } لا يحولون ولا يزولون، ولا يتغيرون. ### || [10.27] # لما ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار، فذكر أن بضاعتهم التي اكتسبوها في ~~الدنيا هي الأعمال السيئة المسخطة لله، من أنواع الكفر والتكذيب، وأصناف ~~المعاصي، فجزاؤهم سيئة مثلها، أي: جزاء يسوؤهم بحسب ما عملوا من السيئات ~~على اختلاف أحوالهم. { وترهقهم } أي: تغشاهم { ذلة } في ~~قلوبهم وخوف من عذاب الله، لا يدفعه عنهم دافع ولا يعصمهم منه عاصم، ~~وتسري تلك الذلة الباطنة إلى ظاهرهم، فتكون سوادا في الوجوه. { ~~كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ~~أولئك أصحاب النار ms0639 هم فيها خالدون } فكم بين ~~الفريقين من الفرق، ويا بعد ما بينهما من التفاوت؟! # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه ~~يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 22-25] # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 38-42]. ### || [10.28-30] # يقول تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } أي: نجمع جميع الخلائق ~~لميعاد يوم معلوم، ونحضر المشركين، وما كانوا يعبدون من دون الله. { ~~ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم } أي: الزموا مكانكم ليقع التحاكم والفصل بينكم وبينهم. ~~{ فزيلنا بينهم } أي: فرقنا بينهم، بالبعد البدني والقلبي، ~~وحصلت بينهم العداوة الشديدة، بعد أن بذلوا لهم في الدنيا خالص المحبة ~~وصفو الوداد، فانقلبت تلك المحبة والولاية بغضا وعداوة. وتبرأ ~~شركاؤهم منهم وقالوا: { ما كنتم إيانا تعبدون } ~~فإننا ننزه الله أن يكون له شريك، أو نديد. { فكفى بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين } ما أمرناكم بها، ولا دعوناكم لذلك، وإنما عبدتم من دعاكم ~~إلى ذلك، وهو الشيطان كما قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # [يس: 60]. وقال: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 40-41]. فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن ~~عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون ~~البارون في ذلك، فحينئذ يتحسر المشركون حسرة لا يمكن وصفها، ويعلمون ~~مقدار ما قدموا من الأعمال، وما أسلفوا من رديء الخصال، ويتبين لهم ~~يومئذ أنهم كانوا كاذبين، وأنهم مفترون على الله، قد ضلت عبادتهم، ~~واضمحلت معبوداتهم، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل. ولهذا قال تعالى: { ~~هنالك } أي: في ذلك اليوم { تبلوا كل نفس مآ أسلفت ~~} أي: تتفقد أعمالها وكسبها، وتتبعه بالجزاء، وتجازي بحسبه، إن خيرا ~~فخير، وإن شرا فشر، وضل عنهم ما كانوا يفترون من قولهم بصحة ما هم ~~عليه من الشرك وأن ما يعبدون من دون الله تنفعهم ms0640 وتدفع عنهم العذاب. ### || [10.31-33] # أي: { قل } لهؤلاء الذين أشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانا - ~~محتجا عليهم بما أقروا به من توحيد الربوبية، على ما أنكروه من توحيد ~~الألوهية - { من يرزقكم من السمآء والأرض } بإنزال ~~الأرزاق من السماء، وإخراج أنواعها من الأرض، وتيسير أسبابها فيها؟ { ~~أمن يملك السمع والأبصار } أي: من هو الذي خلقهما وهو ~~مالكهما؟، وخصهما بالذكر من باب التنبيه على المفضول بالفاضل، ولكمال ~~شرفهما ونفعهما. { ومن يخرج الحي من الميت } كإخراج ~~أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى، وإخراج المؤمن من الكافر، ~~والطائر من البيضة، ونحو ذلك، { ويخرج الميت من الحي } ~~عكس هذه المذكورات، { ومن يدبر الأمر } في العالم العلوي ~~والسفلي، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية، فإنك إذا سألتهم عن ~~ذلك { فسيقولون الله } لأنهم يعترفون بجميع ذلك، وأن الله لا ~~شريك له في شيء من المذكورات. { فقل } لهم إلزاما بالحجة { أفلا ~~تتقون } الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له، وتخلعون ما ~~تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان. { فذلكم } الذي وصف نفسه بما ~~وصفها به { الله ربكم } أي: المألوه المعبود المحمود، المربي ~~جميع الخلق بالنعم وهو: { الحق فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال }. فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء، الذي ~~ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات ~~إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام. { ~~فأنى تصرفون } عن عبادة من هذا وصفه، إلى عبادة الذي ليس له ~~من وجوده إلا العدم، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ~~ولا نشورا. فليس له من الملك مثقال ذرة، ولا شركة له بوجه من الوجوه، ~~ولا يشفع عند الله إلا بإذنه، فتبا لمن أشرك به، وويحا لمن كفر به، لقد ~~عدموا عقولهم بعد أن عدموا أديانهم، بل فقدوا دنياهم وأخراهم. ولهذا قال ~~[تعالى] عنهم: { كذلك حقت كلمت ربك على الذين ~~فسقوا أنهم لا يؤمنون } بعد ما أراهم الله من الآيات ~~البينات والبراهين النيرات ما فيه عبرة لأولي الألباب، وموعظة ms0641 للمتقين ~~وهدى للعالمين. ### || [10.34-36] # يقول تعالى - مبينا عجز آلهة المشركين وعدم اتصافها بما يوجب اتخاذها ~~آلهة مع الله - { قل هل من شركآئكم من يبدؤا الخلق ~~} أي: يبتديه { ثم يعيده } وهذا استفهام بمعنى النفي والتقرير، ~~أي: ما منهم أحد يبدأ الخلق ثم يعيده، وهي أضعف من ذلك وأعجز، { قل ~~الله يبدؤا الخلق ثم يعيده } من غير مشارك ولا معاون ~~له على ذلك. { فأنى تؤفكون } أي: تصرفون، وتنحرفون عن عبادة ~~المنفرد بالابتداء، والإعادة إلى عبادة من لا يخلق شيئا وهم يخلقون. { ~~قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق } ببيانه ~~وإرشاده أو بإلهامه وتوفيقه. { قل الله } وحده { يهدي للحق ~~} بالأدلة والبراهين، وبالإلهام والتوفيق، والإعانة إلى سلوك أقوم طريق. ~~{ أمن لا يهدي } أي: لا يهتدي { إلا أن يهدى } لعدم ~~علمه، ولضلاله، وهي شركاؤهم، التي لا تهدي ولا تهتدي إلا أن تهدى { ~~فما لكم كيف تحكمون } أي: أي شيء جعلكم تحكمون هذا الحكم ~~الباطل، بصحة عبادة أحد مع الله، بعد ظهور الحجة والبرهان أنه لا يستحق ~~العبادة إلا الله وحده. فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله ~~أوصافا معنوية ولا أوصافا فعلية، تقتضي أن تعبد مع الله، بل هي متصفة ~~بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة؟ فالجواب: ~~أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان، أقبح البهتان، وأضل الضلال، حتى اعتقد ~~ذلك وألفه وظنه حقا، وهو لا شيء. ولهذا قال: وما يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء أي: ما يتبعون في الحقيقة شركاء لله، فإنه ليس لله شريك ~~أصلا عقلا ولا نقلا وإنما يتبعون الظن و { إن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا } فسموها آلهة وعبدوها مع الله، # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23]. { إن الله عليم بما يفعلون } وسيجازيهم ~~على ذلك بالعقوبة البليغة. ### || [10.37-41] # يقول تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون ~~الله } أي: غير ممكن ولا متصور، أن يفترى هذا القرآن على الله تعالى، ~~لأنه الكتاب ms0642 العظيم الذي # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد # [فصلت: 42] وهو الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ~~لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وهو كتاب الله الذي تكلم به ~~[رب العالمين]، فكيف يقدر أحد من الخلق أن يتكلم بمثله، أو بما يقاربه، ~~والكلام تابع لعظمة المتكلم ووصفه؟!! فإن كان أحد يماثل الله في عظمته ~~وأوصاف كماله، أمكن أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولو تنزلنا على الفرض ~~والتقدير، فتقوله أحد على رب العالمين، لعاجله بالعقوبة وبادره ~~بالنكال. { ولكن } الله أنزل هذا الكتاب رحمة للعالمين، وحجة على ~~العباد أجمعين. أنزله { تصديق الذي بين يديه } من كتب الله ~~السماوية، بأن وافقها وصدقها بما شهدت به، وبشرت بنزوله، فوقع كما أخبرت. ~~{ وتفصيل الكتاب } للحلال والحرام، والأحكام الدينية والقدرية، ~~والإخبارات الصادقة. { لا ريب فيه من رب العالمين } أي: ~~لا شك ولا مرية فيه بوجه من الوجوه، بل هو الحق اليقين: تنزيل من رب ~~العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه. ومن أعظم أنواع تربيته أن أنزل ~~عليهم هذا الكتاب الذي فيه مصالحهم الدينية والدنيوية، المشتمل على مكارم ~~الأخلاق ومحاسن الأعمال. { أم يقولون } أي: المكذبون به عنادا ~~وبغيا: { افتراه } محمد على الله، واختلقه، { قل } لهم - ملزما ~~لهم بشيء - إن قدروا عليه، أمكن ما ادعوه، وإلا كان قولهم باطلا. { ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين } يعاونكم على الإتيان بسورة مثله، وهذا ~~محال، ولو كان ممكنا لادعوا قدرتهم على ذلك، ولأتوا بمثله. ولكن لما بان ~~عجزهم تبين أن ما قالوه باطل، لا حظ له من الحجة، والذي حملهم على ~~التكذيب بالقرآن المشتمل على الحق الذي لا حق فوقه، أنهم لم يحيطوا به ~~علما. فلو أحاطوا به علما وفهموه حق فهمه، لأذعنوا بالتصديق به، وكذلك ~~إلى الآن لم يأتهم تأويله الذي وعدهم أن ينزل بهم العذاب ويحل بهم ~~النكال، وهذا التكذيب الصادر منهم من جنس تكذيب من قبلهم، ولهذا قال: { ~~كذلك كذب ms0643 الذين من قبلهم فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين } وهو الهلاك الذي لم يبق منهم أحدا. فليحذر ~~هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين والقرون ~~المهلكين. وفي هذا دليل على التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن ~~يبادر بقبول شيء أو رده قبل أن يحيط به علما. { ومنهم من يؤمن ~~به } أي: بالقرآن وما جاء به، { ومنهم من لا يؤمن به ~~وربك أعلم بالمفسدين } وهم الذين لا يؤمنون به على وجه ~~العناد والظلم والفساد، فسيجازيهم على فسادهم بأشد العذاب. { وإن ~~كذبوك } فاستمر على دعوتك، وليس عليك من حسابهم من شيء، وما من ~~حسابك عليهم من شيء، لكل عمله. { فقل لي عملي ولكم عملكم ~~أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون } كما قال تعالى: # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [الجاثية: 15]. ### || [10.42-44] # يخبر تعالى عن بعض المكذبين للرسول ولما جاء به، { و } أن { منهم ~~من يستمعون } إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت قراءته للوحي، لا ~~على وجه الاسترشاد، بل على وجه التفرج والتكذيب وتطلب العثرات، وهذا ~~استماع غير نافع ولا مجد على أهله خيرا، لا جرم انسد عليهم باب ~~التوفيق، وحرموا من فائدة الاستماع، ولهذا قال: { أفأنت تسمع ~~الصم ولو كانوا لا يعقلون } وهذا الاستفهام بمعنى النفي ~~المتقرر، أي: لا تسمع الصم الذين لا يستمعون القول ولو جهرت به، وخصوصا ~~إذا كان عقلهم معدوما. فإذا كان من المحال إسماع الأصم الذي لا يعقل ~~للكلام، فهؤلاء المكذبون، كذلك ممتنع إسماعك إياهم إسماعا ينتفعون به. ~~وأما إسماع الحجة، فقد سمعوا ما تقوم عليهم به حجة الله البالغة، فهذا ~~طريق عظيم من طرق العلم قد انسد عليهم، وهو طريق المسموعات المتعلقة ~~بالخير. ثم ذكر انسداد الطريق الثاني، وهو: طريق النظر فقال: { ومنهم ~~من ينظر إليك } فلا يفيده نظره إليك، ولا سبر أحوالك شيئا، ~~فكما أنك لا تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون، فكذلك لا تهدي هؤلاء. فإذا ~~فسدت عقولهم وأسماعهم وأبصارهم التي هي الطرق الموصلة إلى العلم ms0644 ومعرفة ~~الحقائق، فأين الطريق الموصل لهم إلى الحق؟ ودل قوله: { ومنهم من ~~ينظر إليك } الآية، أن النظر إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهديه وأخلاقه وأعماله وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه وصحة ما ~~جاء به، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة. وقوله: { إن الله لا ~~يظلم الناس شيئا } فلا يزيد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. ~~{ ولكن الناس أنفسهم يظلمون } يجيئهم الحق فلا ~~يقبلونه، فيعاقبهم الله بعد ذلك بالطبع على قلوبهم، والختم على أسماعهم ~~وأبصارهم. ### || [10.45] # يخبر تعالى عن سرعة انقضاء الدنيا، وأن الله تعالى إذا حشر الناس وجمعهم ~~ليوم لا ريب فيه، كأنهم ما لبثوا إلا ساعة من نهار، وكأنه ما مر عليهم ~~نعيم ولا بؤس، وهم يتعارفون بينهم، كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح ~~المتقون، ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط ~~المستقيم والدين القويم، حيث فاتهم النعيم، واستحقوا دخول النار. ### || [10.46] # أي: لا تحزن أيها الرسول على هؤلاء المكذبين، ولا تستعجل لهم، فإنهم لا ~~بد أن يصيبهم الذي نعدهم من العذاب. إما في الدنيا فتراه بعينك، وتقر ~~به نفسك. وإما في الآخرة بعد الوفاة، فإن مرجعهم إلى الله، وسينبئهم بما ~~كانوا يعملون، أحصاه ونسوه، والله على كل شيء شهيد، ففيه الوعيد الشديد ~~لهم، والتسلية للرسول الذي كذبه قومه وعاندوه. ### || [10.47-49] # يقول تعالى: { ولكل أمة } من الأمم الماضية { رسول } ~~يدعوهم إلى توحيد الله ودينه. { فإذا جآء } هم { رسولهم } ~~بالآيات، صدقه بعضهم، وكذبه آخرون، فيقضي الله بينهم بالقسط بنجاة ~~المؤمنين، وإهلاك المكذبين { وهم لا يظلمون } بأن يعذبوا قبل ~~إرسال الرسول وبيان الحجة، أو يعذبوا بغير جرمهم، فليحذر المكذبون لك من ~~مشابهة الأمم المهلكين، فيحل بهم ما حل بأولئك. ولا يستبطئوا العقوبة ~~ويقولوا: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } فإن هذا ~~ظلم منهم، حيث طلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ليس له من الأمر ~~شيء، وإنما عليه البلاغ والبيان للناس. وأما حسابهم وإنزال العذاب عليهم ~~فمن الله تعالى، ينزله ms0645 عليهم إذا جاء الأجل الذي أجله فيه، والوقت الذي ~~قدره فيه، الموافق لحكمته الإلهية. فإذا جاء ذلك الوقت لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون، فليحذر المكذبون من الاستعجال بالعذاب، فإنهم مستعجلون ~~بعذاب الله الذي إذا نزل لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ولهذا قال: { ~~قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ~~ماذا يستعجل... }. ### || [10.50-52] # يقول تعالى: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا } ~~وقت نومكم بالليل { أو نهارا } في وقت غفلتكم { ماذا ~~يستعجل منه المجرمون } أي: أي بشارة استعجلوا بها؟ وأي ~~عقاب ابتدروه؟. { أثم إذا ما وقع آمنتم به } فإنه لا ~~ينفع الإيمان حين حلول عذاب الله، ويقال لهم توبيخا وعتابا في تلك ~~الحال التي زعموا أنهم يؤمنون، { الآن } تؤمنون في حال الشدة والمشقة؟ { ~~وقد كنتم به تستعجلون } فإن سنة الله في عباده أنه يعتبهم ~~إذا استعتبوه قبل وقوع العذاب. فإذا وقع العذاب لا ينفع نفسا إيمانها، ~~كما قال تعالى عن فرعون، لما أدركه الغرق # قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90] وأنه يقال له: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. وقال تعالى: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ~~سنت الله التي قد خلت في عباده # [غافر: 85] وقال هنا: { أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن ~~} تدعون الإيمان، { وقد كنتم به تستعجلون } فهذا ما عملت ~~أيديكم، وهذا ما استعجلتم به. { ثم قيل للذين ظلموا } حين ~~يوفون أعمالهم يوم القيامة: { ذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب ~~الذي تخلدون فيه، ولا يفتر عنكم ساعة. { هل تجزون إلا بما ~~كنتم تكسبون } من الكفر والتكذيب والمعاصي. ### || [10.53-56] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { ويستنبئونك أحق ~~هو } أي: يستخبرك المكذبون على وجه التعنت والعناد، لا على وجه التبين ~~والرشاد. { أحق هو } أى: أصحيح حشر العباد، وبعثهم بعد موتهم ليوم ~~المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؟ { قل } ~~لهم مقسما على صحته، مستدلا عليه بالدليل الواضح والبرهان: { إي ~~وربي إنه لحق } لا مرية ms0646 فيه ولا شبهة تعتريه. { ومآ ~~أنتم بمعجزين } لله أن يبعثكم، فكما ابتدأ خلقكم ولم تكونوا ~~شيئا، كذلك يعيدكم مرة أخرى ليجازيكم بأعمالكم. { و } إذا كانت ~~القيامة ف { لو أن لكل نفس ظلمت } بالكفر والمعاصي جميع ~~{ ما في الأرض } من ذهب وفضة وغيرهما، لتفتدي به من عذاب الله { ~~لافتدت به } ولما نفعها ذلك، وإنما النفع والضر والثواب والعقاب، ~~على الأعمال الصالحة والسيئة. { وأسروا } [أي] الذين ظلموا { ~~الندامة لما رأوا العذاب } ندموا على ما قدموا، ولات حين ~~مناص، { وقضي بينهم بالقسط } أي: العدل التام الذي لا ظلم ~~ولا جور فيه بوجه من الوجوه. { ألا إن لله ما في السموت ~~والأرض } يحكم فيهم بحكمه الديني والقدري، وسيحكم فيهم بحكمه ~~الجزائي. ولهذا قال: { ألا إن وعد الله حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } فلذلك لا يستعدون للقاء الله، بل ربما لم ~~يؤمنوا به، وقد تواترت عليه الأدلة القطعية والبراهين النقلية والعقلية. ~~{ هو يحيي ويميت } أي: هو المتصرف بالإحياء والإماتة، وسائر ~~أنواع التدبير، لا شريك له في ذلك. { وإليه ترجعون } يوم ~~القيامة، فيجازيكم بأعمالكم خيرها وشرها. ### || [10.57-58] # يقول تعالى - مرغبا للخلق في الإقبال على هذا الكتاب الكريم، بذكر ~~أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال: { يأيها الناس قد ~~جآءتكم موعظة من ربكم } أي: تعظكم، وتنذركم عن ~~الأعمال الموجبة لسخط الله، المقتضية لعقابه وتحذركم عنها ببيان آثارها ~~ومفاسدها. { وشفآء لما في الصدور } وهو هذا القرآن، شفاء لما ~~في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، ~~القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، ~~والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. وإذا وجدت فيه الرغبة في ~~الخير، والرهبة من الشر، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن، ~~أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى ~~العبد من شهوة نفسه. وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله ~~غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل ~~به القلب إلى أعلى درجات اليقين. ms0647 وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب ~~العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده، { ~~وهدى ورحمة للمؤمنين } فالهدى هو العلم بالحق والعمل به. ~~والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى ~~به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي ~~به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين. وإذا حصل الهدى وحلت الرحمة ~~الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور. ~~ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: { قل بفضل الله } الذي هو ~~القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده { ~~وبرحمته } الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته. { ~~فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } من متاع ~~الدنيا ولذاتها. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها وبين ~~جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب. وإنما أمر الله تعالى ~~بالفرح بفضله ورحمته، لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها وشكرها لله ~~تعالى، وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، ~~وهذا فرح محمود، بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها، أو الفرح بالباطل، ~~فإن هذا مذموم كما قال [تعالى عن] قوم قارون له: # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]. وكما قال تعالى في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل ~~المناقض لما جاءت به الرسل: # فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم # [غافر: 83]. ### || [10.59-60] # يقول تعالى - منكرا على المشركين الذين ابتدعوا تحريم ما أحل الله ~~وتحليل ما حرم -: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من ~~رزق } يعني أنواع الحيوانات المحللة، التي جعلها الله رزقا لهم ~~ورحمة في حقهم. قل لهم - موبخا على هذا القول الفاسد-: { ءآلله ~~أذن لكم أم على الله تفترون } ومن المعلوم أن الله لم ~~يأذن لهم فعلم أنهم مفترون. { وما ظن الذين يفترون على ~~الله الكذب يوم القيامة } أن يفعل الله بهم من النكال، ~~ويحل بهم من العقاب، قال تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]. { إن ms0648 الله لذو فضل على الناس } كثير، وذو ~~إحسان جزيل، ولكن أكثر الناس لا يشكرون، إما أن لا يقوموا بشكرها، ~~وإما أن يستعينوا بها على معاصيه، وإما أن يحرموا منها، ويردوا ما من ~~الله به على عباده، وقليل منهم الشاكر الذي يعترف بالنعمة، ويثني بها على ~~الله ويستعين بها على طاعته. ويستدل بهذه الآية على أن الأصل في جميع ~~الأطعمة الحل، إلا ما ورد الشرع بتحريمه، لأن الله أنكر على من حرم الرزق ~~الذي أنزله لعباده. ### || [10.61] # يخبر تعالى، عن عموم مشاهدته واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم ~~وسكناتهم، وفي ضمن هذا، الدعوة لمراقبته على الدوام فقال: { وما ~~تكون في شأن } أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية. { وما ~~تتلوا منه من قرآن } أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله ~~إليك. { ولا تعملون من عمل } صغير أو كبير { إلا كنا ~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } أي: وقت شروعكم فيه ~~واستمراركم على العمل به. فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه ~~النصيحة والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكره الله تعالى، فإنه مطلع عليكم، ~~عالم بظواهركم وبواطنكم. { وما يعزب عن ربك } أي: ما يغيب عن ~~علمه وسمعه وبصره ومشاهدته { من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين } أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه. وهاتان المرتبتان ~~من مراتب القضاء والقدر، كثيرا ما يقرن الله بينهما، وهما: العلم المحيط ~~بجميع الأشياء، وكتابته المحيطة بجميع الحوادث، كقوله تعالى: # ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء والأرض ~~إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير # [الحج: 70]. ### || [10.62-64] # يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم وثوابهم فقال: { ~~ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم } فيما يستقبلونه ~~مما أمامهم من المخاوف والأهوال. { ولا هم يحزنون } على ما ~~أسلفوا، لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا كانوا لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا ~~الله تعالى. ms0649 ثم ذكر وصفهم فقال: { الذين آمنوا } بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وصدقوا إيمانهم باستعمال ~~التقوى، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. فكل من كان مؤمنا تقيا كان ~~لله [تعالى] وليا، و { لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~وفي الآخرة }. أما البشارة في الدنيا، فهي الثناء الحسن، والمودة في ~~قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، وما يراه العبد من لطف الله به وتيسيره ~~لأحسن الأعمال والأخلاق وصرفه عن مساوئ الأخلاق. وأما في الآخرة فأولها ~~البشارة عند قبض أرواحهم، كما قال تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. وفي القبر ما يبشر به من رضا الله تعالى والنعيم المقيم. ~~وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم. { ~~لا تبديل لكلمات الله } بل ما وعد الله فهو حق، لا يمكن ~~تغييره ولا تبديله، لأنه الصادق في قيله، الذي لا يقدر أحد أن يخالفه ~~فيما قدره وقضاه. { ذلك هو الفوز العظيم } لأنه اشتمل على ~~النجاة من كل محذور، والظفر بكل مطلوب محبوب، وحصر الفوز فيه، لأنه لا ~~فوز لغير أهل الإيمان والتقوى. والحاصل أن البشرى شاملة لكل خير وثواب، ~~رتبه الله في الدنيا والآخرة على الإيمان والتقوى، ولهذا أطلق ذلك فلم ~~يقيده. ### || [10.65] # أي: ولا يحزنك قول المكذبين فيك من الأقوال التي يتوصلون بها إلى القدح ~~فيك وفي دينك فإن أقوالهم لا تعزهم، ولا تضرك شيئا. { قولهم ~~إن العزة لله جميعا } يؤتيها من يشاء ويمنعها ممن يشاء. ~~قال تعالى: # من كان يريد العزة فلله العزة جميعا # [فاطر: 10] أي: فليطلبها بطاعته، بدليل قوله بعده: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه # [فاطر: 10]. ومن المعلوم أنك على طاعة الله، وأن العزة لك ولأتباعك من ~~الله # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. وقوله: { هو السميع العليم } أي: سمعه قد ~~أحاط بجميع الأصوات، فلا يخفى عليه شيء منها. وعلمه قد أحاط بجميع ~~الظواهر والبواطن، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا ms0650 أصغر ~~من ذلك ولا أكبر. وهو تعالى يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك ~~تفصيلا فاكتف بعلم الله وكفايته، فمن يتق الله، فهو حسبه. ### || [10.66-67] # يخبر تعالى أن له ما في السماوات والأرض، خلقا وملكا وعبيدا، يتصرف ~~فيهم بما شاء من أحكامه، فالجميع مماليك لله، مسخرون، مدبرون، لا يستحقون ~~شيئا من العبادة، وليسوا شركاء لله بوجه من الوجوه، ولهذا قال: { وما ~~يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن } الذي لا يغني من الحق شيئا { وإن ~~هم إلا يخرصون } في ذلك خرص كذب وإفك وبهتان. فإن كانوا صادقين ~~في أنها شركاء لله، فليظهروا من أوصافها ما تستحق به مثقال ذرة من ~~العبادة، فلن يستطيعوا، فهل منهم أحد يخلق شيئا أو يرزق، أو يملك شيئا ~~من المخلوقات، أو يدبر الليل والنهار، الذي جعله الله قياما للناس؟ و { ~~هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه } في النوم ~~والراحة بسبب الظلمة، التي تغشى وجه الأرض، فلو استمر الضياء لما قروا ~~ولما سكنوا. { و } جعل الله { النهار مبصرا } أي: مضيئا، يبصر ~~به الخلق، فيتصرفون في معايشهم، ومصالح دينهم ودنياهم. { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يسمعون } عن الله سمع فهم وقبول واسترشاد، ~~لا سمع تعنت وعناد، فإن في ذلك لآيات، لقوم يسمعون، يستدلون بها على أنه ~~وحده المعبود وأنه الإله الحق، وأن إلهية ما سواه باطلة، وأنه الرءوف ~~الرحيم العليم الحكيم. ### || [10.68-70] # يقول تعالى مخبرا عن بهت المشركين لرب العالمين { قالوا اتخذ ~~الله ولدا } فنزه نفسه عن ذلك بقوله: { سبحانه } أي: تنزه عما ~~يقول الظالمون في نسبة النقائص إليه علوا كبيرا، ثم برهن على ذلك بعدة ~~براهين: أحدها: قوله: { هو الغني } أي: الغنى منحصر فيه، وأنواع ~~الغنى مستغرقة فيه، فهو الغني الذي له الغنى التام بكل وجه واعتبار من ~~جميع الوجوه، فإذا كان غنيا من كل وجه، فلأي شيء يتخذ الولد؟ ألحاجة منه ~~إلى الولد، فهذا مناف لغناه فلا يتخذ أحد ولدا إلا لنقص في غناه. ~~البرهان الثاني، قوله: { له ما في ms0651 السموت وما في الأرض } ~~وهذه كلمة جامعة عامة لا يخرج عنها موجود من أهل السماوات والأرض، الجميع ~~مخلوقون عبيد مماليك. ومن المعلوم أن هذا الوصف العام ينافي أن يكون له ~~منهم ولد، فإن الولد من جنس والده، لا يكون مخلوقا ولا مملوكا. فملكيته ~~لما في السماوات والأرض عموما تنافي الولادة. البرهان الثالث، قوله: { ~~إن عندكم من سلطان بهذآ } أي: هل عندكم من حجة وبرهان ~~يدل على أن لله ولدا، فلو كان لهم دليل لأبدوه، فلما تحداهم وعجزهم عن ~~إقامة الدليل، علم بطلان ما قالوه. وأن ذلك قول بلا علم، ولهذا قال: { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون } فإن هذا من أعظم ~~المحرمات. { قل إن الذين يفترون على الله الكذب ~~لا يفلحون } أي: لا ينالون مطلوبهم، ولا يحصل لهم مقصودهم، وإنما ~~يتمتعون في كفرهم وكذبهم في الدنيا قليلا، ثم ينتقلون إلى الله ويرجعون ~~إليه، فيذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون. # وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون # [آل عمران: 117]. ### || [10.71-73] # يقول تعالى لنبيه: واتل على قومك { نبأ نوح } في دعوته لقومه، حين ~~دعاهم إلى الله مدة طويلة، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يزدهم ~~دعاؤه إياهم إلا طغيانا، فتمللوا منه وسئموا، وهو عليه الصلاة والسلام ~~غير متكاسل، ولا متوان في دعوتهم، فقال لهم: { يقوم إن كان كبر ~~عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله } أي: إن كان مقامي ~~عندكم وتذكيري إياكم ما ينفعكم { بآيات الله } الأدلة الواضحة ~~البينة، قد شق عليكم وعظم لديكم، وأردتم أن تنالوني بسوء أو تردوا الحق. ~~{ فعلى الله توكلت } أي: اعتمدت على الله في دفع كل شر يراد ~~بي، وبما أدعو إليه، فهذا جندي وعدتي. وأنتم، فأتوا بما قدرتم عليه، من ~~أنواع العدد والعدد. { فأجمعوا أمركم } كلكم، بحيث لا ~~يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من مجهودكم شيئا. { و } أحضروا { ~~شركآءكم } الذي كنتم تعبدونهم وتوالونهم من دون الله رب العالمين. ~~{ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } أي: مشتبها خفيا، ~~بل ليكن ذلك ظاهرا علانية. { ثم اقضوا إلي } أي: اقضوا ms0652 علي ~~بالعقوبة والسوء الذي في إمكانكم، { ولا تنظرون } أي: لا تمهلون ~~ساعة من نهار. فهذا برهان قاطع، وآية عظيمة على صحة رسالته، وصدق ما جاء ~~به، حيث كان وحده لا عشيرة تحميه، ولا جنود تؤويه. وقد بادأ قومه بتسفيه ~~آرائهم وفساد دينهم وعيب آلهتهم. وقد حملوا من بغضه وعداوته ما هو أعظم ~~من الجبال الرواسي، وهم أهل القدرة والسطوة، وهو يقول لهم: اجتمعوا أنتم ~~وشركاؤكم ومن استطعتم، وأبدوا كل ما تقدرون عليه من الكيد، فأوقعوا بي إن ~~قدرتم على ذلك، فلم يقدروا على شيء من ذلك. فعلم أنه الصادق حقا، وهم ~~الكاذبون فيما يدعون، ولهذا قال: { فإن توليتم } عن ما دعوتكم ~~إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما ~~تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع ~~هذا { فما سألتكم من أجر } على دعوتي وعلى إجابتكم، ~~فتقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا، فتمتنعون لأجل ذلك. { إن أجري ~~إلا على الله } أي: لا أريد الثواب والجزاء إلا منه، { و } ~~أيضا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده، بل { أمرت أن أكون ~~من المسلمين } فأنا أول داخل، وأول فاعل لما أمرتكم به. { ~~فكذبوه } بعد ما دعاهم ليلا ونهارا سرا وجهارا، فلم يزدهم ~~دعاؤه إلا فرارا، { فنجيناه ومن معه في الفلك } الذي ~~أمرناه أن يصنعه بأعيننا، وقلنا له إذا فار التنور: ف # احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من ~~سبق عليه القول ومن آمن # [هود: 40] ففعل ذلك. فأمر الله السماء أن تمطر بماء منهمر وفجر الأرض ~~عيونا، فالتقى الماء على أمر قد قدر: # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13] تجري بأعيننا، { وجعلناهم خلائف } في الأرض بعد ~~إهلاك المكذبين. ثم بارك الله في ذريته، وجعل ذريته هم الباقين، ونشرهم ~~في أقطار الأرض، { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } بعد ~~ذلك البيان، وإقامة البرهان، { فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين } وهو: الهلاك المخزي، واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن ~~يأتي بعدهم، لا تسمع فيهم إلا ms0653 لوما، ولا ترى إلا قدحا وذما. فليحذر ~~هؤلاء المكذبون، أن يحل بهم ما حل بأولئك الأقوام المكذبين من الهلاك ~~والخزي والنكال. ### || [10.74] # أي: { ثم بعثنا } من بعد نوح عليه السلام { رسلا إلى ~~قومهم } المكذبين، يدعونهم إلى الهدى، ويحذرونهم من أسباب الردى. { ~~فجآءوهم بالبينت } أي: كل نبي أيد دعوته بالآيات الدالة ~~على صحة ما جاء به. { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ~~به من قبل } يعني: أن الله تعالى عاقبهم حيث جاءهم الرسول، فبادروا ~~بتكذيبه، طبع الله على قلوبهم، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا ~~متمكنين منه، كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة # [الأنعام: 110]. ولهذا قال هنا: { كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين } أي: نختم عليها، فلا يدخلها خير، وما ظلمهم [الله]، ~~ولكنهم ظلموا أنفسهم بردهم الحق لما جاءهم، وتكذيبهم الأول. ### || [10.75] # { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون } إلى آخر ~~القصة. أي: { ثم بعثنا } من بعد هؤلاء الرسل الذين أرسلهم الله ~~إلى القوم المكذبين المهلكين. { موسى } بن عمران كليم الرحمن، أحد ~~أولي العزم من المرسلين، وأحد الكبار المقتدى بهم، المنزل عليهم الشرائع ~~المعظمة الواسعة. { و } جعلنا معه أخاه { هرون } وزيرا بعثناهما { ~~إلى فرعون وملإيه } أي: كبار دولته ورؤسائهم، لأن عامتهم، ~~تبع للرؤساء. { بآيتنا } الدالة على صدق ما جاءا به من توحيد الله، ~~والنهي عن عبادة ما سوى الله تعالى، { فاستكبروا } عنها ظلما ~~وعلوا، بعد ما استيقنوها. { وكانوا قوما مجرمين } أي: ~~وصفهم الإجرام والتكذيب. ### || [10.76-77] # { فلما جآءهم الحق من عندنا } الذي هو أكبر أنواع الحق ~~وأعظمها، وهو من عند الله الذي خضعت لعظمته الرقاب، وهو رب العالمين، ~~المربي جميع خلقه بالنعم. فلما جاءهم الحق من عند الله على يد موسى، ~~ردوه فلم يقبلوه، و { قالوا إن هذا لسحر مبين } لم ~~يكفهم - قبحهم الله - إعراضهم ولا ردهم إياه، حتى جعلوه أبطل الباطل، وهو ~~السحر: الذي حقيقته التمويه، بل جعلوه سحرا مبينا ظاهرا، وهو الحق ~~المبين. ولهذا { قال } لهم { موسى } - موبخا لهم عن ردهم الحق الذي ~~لا يرده إلا ms0654 أظلم الناس:- { أتقولون للحق لما جآءكم } ~~أي: أتقولون إنه سحر مبين. { أسحر هذا } أي: فانظروا وصفه وما ~~اشتمل عليه، فبمجرد ذلك يجزم بأنه الحق. { ولا يفلح الساحرون ~~} لا في الدنيا ولا في الآخرة، فانظروا لمن تكون له العاقبة، ولمن له ~~الفلاح وعلى يديه النجاح. وقد علموا بعد ذلك وظهر لكل أحد أن موسى عليه ~~السلام هو الذي أفلح وفاز بظفر الدنيا والآخرة. ### || [10.78] # { قالوا } لموسى رادين لقوله بما لا يرده: { أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا } أي: أجئتنا لتصدنا ~~عما وجدنا عليه آباءنا من الشرك وعبادة غير الله، وتأمرنا بأن نعبد الله ~~وحده لا شريك له؟ فجعلوا قول آبائهم الضالين حجة، يردون بها الحق الذي ~~جاءهم به موسى عليه السلام. وقولهم: { وتكون لكما الكبريآء ~~في الأرض } أي: وجئتمونا لتكونوا أنتم الرؤساء، ولتخرجونا من أرضنا. ~~وهذا تمويه منهم، وترويج على جهالهم، وتهييج لعوامهم على معاداة موسى ~~وعدم الإيمان به. وهذا لا يحتج به من عرف الحقائق وميز بين الأمور، فإن ~~الحجج لا تدفع إلا بالحجج والبراهين. وأما من جاء بالحق فرد قوله بأمثال ~~هذه الأمور، فإنها تدل على عجز موردها عن الإتيان بما يرد القول الذي ~~جاءه به خصمه، لأنه لو كان له حجة لأوردها، ولم يلجأ إلى قوله: قصدك كذا، ~~أو مرادك كذا، سواء كان صادقا في قوله وإخباره عن قصد خصمه أم كاذبا، ~~مع أن موسى عليه الصلاة والسلام كل من عرف حاله وما يدعو إليه، عرف أنه ~~ليس له قصد في العلو في الأرض، وإنما قصده كقصد إخوانه المرسلين، هداية ~~الخلق وإرشادهم لما فيه نفعهم. ولكن حقيقة الأمر كما نطقوا به بقولهم: { ~~وما نحن لكما بمؤمنين } أي: تكبرا وعنادا، لا لبطلان ما ~~جاء به موسى وهارون، ولا لاشتباه فيه، ولا لغير ذلك من المعاني، سوى ~~الظلم والعدوان، وإرادة العلو الذي رموا به موسى وهارون. ### || [10.79-81] # { وقال فرعون } معارضا للحق الذي جاء به موسى ومغالطا لملئه ~~وقومه: { ائتوني بكل ساحر عليم } أي: ماهر بالسحر، متقن له. ~~فأرسل في مدائن مصر ms0655 من أتاه بأنواع السحرة، على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم. ~~{ فلما جآء السحرة } للمغالبة مع موسى { قال لهم ~~موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } أي: أي شيء أردتم لا أعين ~~لكم شيئا، وذلك لأنه جازم بغلبته، غير مبال بهم وبما جاءوا به. { ~~فلمآ ألقوا } حبالهم وعصيهم، إذا هي كأنها حيات تسعى، ف { قال ~~موسى ما جئتم به السحر } أي: هذا السحر الحقيقي العظيم، ~~ولكن مع عظمته { إن الله سيبطله إن الله لا يصلح ~~عمل المفسدين } فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأي ~~فساد أعظم من هذا؟!! وهكذا كل مفسد عمل عملا، واحتال كيدا، أو أتى ~~بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله ~~الاضمحلال والمحق. وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، ~~وهي أعمال ووسائل نافعة مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، ~~وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقف جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، ~~واضمحل باطلهم. ### || [10.82-83] # { ويحق الله الحق بكلماته ولو كره ~~المجرمون } فألقي السحرة سجدا حين تبين لهم الحق. فتوعدهم فرعون ~~بالصلب، وتقطيع الأيدي والأرجل، فلم يبالوا بذلك وثبتوا على إيمانهم. ~~وأما فرعون وملؤه، وأتباعهم، فلم يؤمن منهم أحد، بل استمروا في طغيانهم ~~يعمهون. ولهذا قال: { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه } أي: شباب من بني إسرائيل صبروا على الخوف، لما ثبت في قلوبهم ~~الإيمان. { على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ~~} عن دينهم { وإن فرعون لعال في الأرض } أي: له القهر ~~والغلبة فيها، فحقيق بهم أن يخافوا من بطشه. { و } خصوصا { إنه } ~~كان { لمن المسرفين } أي: المتجاوزين للحد في البغي والعدوان. ~~والحكمة - والله أعلم - بكونه ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، أن الذرية ~~والشباب أقبل للحق، وأسرع له انقيادا، بخلاف الشيوخ ونحوهم، ممن تربى ~~على الكفر فإنهم - بسبب ما مكث في قلوبهم من العقائد الفاسدة - أبعد من ~~الحق من غيرهم. ### || [10.84] # { وقال موسى } موصيا لقومه بالصبر، ومذكرا لهم ما يستعينون به ~~على ذلك فقال: { يقوم إن كنتم آمنتم بالله ms0656 } فقوموا ~~بوظيفة الإيمان. { فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } ~~أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه. ### || [10.85] # { فقالوا } ممتثلين لذلك { على الله توكلنا ربنا ~~لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } أي: لا تسلطهم ~~علينا فيفتنونا، أو يغلبونا، فيفتتنون بذلك، ويقولون: لو كانوا على حق ~~لما غلبوا. ### || [10.86] # { ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } لنسلم من ~~شرهم، ولنقيم [على] ديننا على وجه نتمكن به من إقامة شرائعه، وإظهاره من ~~غير معارض ولا منازع. ### || [10.87] # { وأوحينآ إلى موسى وأخيه } حين اشتد الأمر على قومهما ~~من فرعون وقومه، وحرصوا على فتنتهم عن دينهم. { أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا } أي: مروهم أن يجعلوا لهم بيوتا ~~يتمكنون [به] من الاستخفاء فيها. { واجعلوا بيوتكم قبلة } ~~أي: اجعلوها محلا تصلون فيها، حيث عجزتم عن إقامة الصلاة في الكنائس ~~والبيع العامة. { وأقيموا الصلاة } فإنها معونة على جميع ~~الأمور، { وبشر المؤمنين } بالنصر والتأييد وإظهار دينهم، فإن ~~مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، وحين اشتد الكرب، وضاق الأمر، فرجه ~~الله ووسعه. فلما رأى موسى القسوة والإعراض من فرعون وملئه، دعا عليهم ~~وأمن هارون على دعائه، فقال: { ربنآ إنك آتيت فرعون ~~وملأه... }. ### || [10.88] # { ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة } يتزينون بها ~~من أنواع الحلي والثياب، والبيوت المزخرفة، والمراكب الفاخرة، والخدام، { ~~وأموالا } عظيمة { في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا ~~عن سبيلك } أي: إن أموالهم لم يستعينوا بها إلا على الإضلال في ~~سبيلك، فيضلون ويضلون. { ربنا اطمس على أموالهم } ~~أي: أتلفها عليهم: إما بالهلاك، وإما بجعلها حجارة غير منتفع بها. { ~~واشدد على قلوبهم } أي: قسها { فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم }. قال ذلك، غضبا عليهم، حيث تجرؤوا على ~~محارم الله، وأفسدوا عباد الله، وصدوا عن سبيله، ولكمال معرفته بربه، بأن ~~الله سيعاقبهم على ما فعلوا، بإغلاق باب الإيمان عليهم. ### || [10.89] # { قال } الله تعالى { قد أجيبت دعوتكما } هذا دليل على ~~أن موسى [كان] يدعو، وهارون يؤمن على دعائه، وأن الذي يؤمن يكون ~~شريكا للداعي في ذلك الدعاء. { فاستقيما } على دينكما، واستمرا على ~~دعوتكما، { ولا تتبعآن سبيل الذين لا ms0657 يعلمون } أي: ~~لا تتبعان سبيل الجهال الضلال، المنحرفين عن الصراط المستقيم، المتبعين ~~لطرق الجحيم، فأمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلا، وأخبره أنهم ~~يتبعون، وأرسل فرعون في المدائن حاشرين يقولون: # إن هؤلاء # أي: موسى وقومه: # لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغآئظون * وإنا ~~لجميع حاذرون # [الشعراء: 54-56]. فجمع جنوده قاصيهم ودانيهم، فأتبعهم بجنوده، بغيا ~~وعدوا، أي خروجهم باغين على موسى وقومه، ومعتدين في الأرض، وإذا اشتد ~~البغي واستحكم الذنب فانتظر العقوبة. ### || [10.90] # { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر } وذلك أن الله أوحى ~~إلى موسى لما وصل البحر، أن يضربه بعصاه فضربه، فانفلق اثنى عشر طريقا، ~~وسلكه بنو إسرائيل، وساق فرعون وجنوده خلفه داخلين. فلما استكمل موسى ~~وقومه خارجين من البحر، وفرعون وجنوده داخلين فيه، أمر الله البحر فالتطم ~~على فرعون وجنوده، فأغرقهم، وبنو إسرائيل ينظرون. حتى إذا أدرك فرعون ~~الغرق، وجزم بهلاكه { قال آمنت أنه لا إله إلا الذي ~~آمنت به بنوا إسرائيل } وهو الله الإله الحق الذي لا إله ~~إلا هو { وأنا من المسلمين } أي: المنقادين لدين الله، ولما ~~جاء به موسى. ### || [10.91] # قال الله تعالى - مبينا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له-: { ~~آلآن } تؤمن، وتقر برسول الله { وقد عصيت قبل } أي: بارزت ~~بالمعاصي، والكفر والتكذيب { وكنت من المفسدين } فلا ينفعك ~~الإيمان كما جرت عادة الله، أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة ~~الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم، لأن إيمانهم صار إيمانا مشاهدا ~~كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع إنما هو الإيمان بالغيب. ### || [10.92] # { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } ~~قال المفسرون: إن بني إسرائيل لما في قلوبهم من الرعب العظيم من فرعون، ~~كأنهم لم يصدقوا بإغراقه، وشكوا في ذلك، فأمر الله البحر أن يلقيه على ~~نجوة مرتفعة ببدنه، ليكون لهم عبرة وآية. { وإن كثيرا من ~~الناس عن آياتنا لغافلون } فلذلك تمر عليهم وتتكرر فلا ~~ينتفعون بها لعدم إقبالهم عليها. وأما من له عقل وقلب حاضر، فإنه يرى من ~~آيات الله ما هو أكبر دليل على صحة ما ms0658 أخبرت به الرسل. ### || [10.93] # { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } أي: ~~أنزلهم الله وأسكنهم في مساكن آل فرعون، وأورثهم أرضهم وديارهم. { ~~ورزقناهم من الطيبات } من المطاعم والمشارب وغيرهما { ~~فما اختلفوا } في الحق { حتى جآءهم العلم } الموجب ~~لاجتماعهم وائتلافهم، ولكن بغى بعضهم على بعض، وصار لكثير منهم أهوية ~~وأغراض تخالف الحق، فحصل بينهم من الاختلاف شيء كثير. { إن ربك ~~يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون } بحكمة العدل الناشئ عن علمه التام، وقدرته الشاملة، وهذا ~~هو الداء الذي يعرض لأهل الدين الصحيح. وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن ~~يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة ~~والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، ~~وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين. وإلا فإذا كان ربهم واحدا، ~~ورسولهم واحدا، ودينهم واحدا، ومصالحهم العامة متفقة، فلأي شيء يختلفون ~~اختلافا يفرق شملهم، ويشتت أمرهم، ويحل رابطتهم ونظامهم، فيفوت من ~~مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت، ويموت من دينهم بسبب ذلك ما يموت؟. ~~فنسألك اللهم لطفا بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم ويرأب صدعهم، ويرد ~~قاصيهم على دانيهم، يا ذا الجلال والإكرام. ### || [10.94-95] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { فإن كنت في شك ~~ممآ أنزلنآ إليك } هل هو صحيح أم غير صحيح؟. { فاسأل ~~الذين يقرءون الكتاب من قبلك } أي: اسأل أهل الكتب ~~المنصفين، والعلماء الراسخين، فإنهم سيقرون لك بصدق ما أخبرت به، ~~وموافقته لما معهم، فإن قيل: إن كثيرا من أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى، بل ربما كان أكثرهم ومعظمهم كذبوا رسول الله وعاندوه، وردوا ~~عليه دعوته. والله تعالى أمر رسوله أن يستشهد بهم، وجعل شهادتهم حجة لما ~~جاء به، وبرهانا على صدقه، فكيف يكون ذلك؟ فالجواب عن هذا من عدة أوجه: ~~منها: أن الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم، ~~فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم. وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر ~~من غيرهم فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية ms0659 على العدالة والصدق، وقد حصل ~~ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين، ك " عبد الله بن سلام " [وأصحابه ~~وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ومن بعده] و " ~~كعب الأحبار " وغيرهما. ومنها: أن شهادة أهل الكتاب للرسول صلى الله عليه ~~وسلم مبنية على كتابهم التوراة الذي ينتسبون إليه. فإذا كان موجودا في ~~التوراة ما يوافق القرآن ويصدقه، ويشهد له بالصحة، فلو اتفقوا من أولهم ~~لآخرهم على إنكار ذلك لم يقدح بما جاء به الرسول. ومنها: أن الله تعالى ~~أمر رسوله أن يستشهد بأهل الكتاب على صحة ما جاءه، وأظهر ذلك وأعلنه على ~~رءوس الأشهاد. ومن المعلوم أن كثيرا منهم من أحرص الناس على إبطال دعوة ~~الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فلو كان عندهم ما يرد ما ذكره الله، ~~لأبدوه وأظهروه وبينوه، فلما لم يكن شيء من ذلك، كان عدم رد المعادي، ~~وإقرار المستجيب من أدل الأدلة على صحة هذا القرآن وصدقه. ومنها: أنه ليس ~~أكثر أهل الكتاب رد دعوة الرسول، بل أكثرهم استجاب لها وانقاد طوعا ~~واختيارا، فإن الرسول بعث وأكثر أهل الأرض المتدينين أهل كتاب. فلم يمكث ~~دينه مدة غير كثيرة، حتى انقاد للإسلام أكثر أهل الشام، ومصر والعراق وما ~~جاورها من البلدان التي هي مقر دين أهل الكتاب، ولم يبق إلا أهل الرياسات ~~الذين آثروا رياساتهم على الحق، ومن تبعهم من العوام الجهلة، ومن تدين ~~بدينهم اسما لا معنى، كالإفرنج الذين حقيقة أمرهم أنهم دهرية منحلون عن ~~جميع أديان الرسل، وإنما انتسبوا للدين المسيحي ترويجا لملكهم، وتمويها ~~لباطلهم، كما يعرف ذلك من عرف أحوالهم البينة الظاهرة. وقوله: { لقد ~~جآءك الحق } أي: الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه ولهذا قال: { من ~~ربك فلا تكونن من الممترين } كقوله تعالى: # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه # [الأعراف: 2]. { ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين } وحاصل هذا أن الله نهى عن شيئين: ~~الشك في هذا القرآن والامتراء فيه. وأشد من ذلك ms0660 التكذيب به، وهو آيات ~~الله البينات التي لا تقبل التكذيب بوجه، ورتب على هذا الخسار، وهو عدم ~~الربح أصلا، وذلك بفوات الثواب في الدنيا والآخرة، وحصول العقاب في ~~الدنيا والآخرة، والنهي عن الشيء أمر بضده، فيكون أمرا بالتصديق التام ~~بالقرآن، وطمأنينة القلب إليه، والإقبال عليه علما وعملا. فبذلك يكون ~~العبد من الرابحين الذين أدركوا أجل المطالب، وأفضل الرغائب وأتم ~~المناقب، وانتفى عنهم الخسار. ### || [10.96-97] # يقول تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك } ~~أي: إنهم من الضالين الغاوين أهل النار، لا بد أن يصيروا إلى ما قدره ~~الله وقضاه، فلا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية، فلا تزيدهم الآيات إلا ~~طغيانا وغيا إلى غيهم. وما ظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم بردهم للحق ~~لما جاءهم أول مرة، فعاقبهم الله، بأن طبع على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم الذي وعدوا به. فحينئذ يعلمون حق ~~اليقين أن ما هم عليه هو الضلال، وأن ما جاءتهم به الرسل هو الحق. ولكن ~~في وقت لا يجدي عليهم إيمانهم شيئا، فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم ولا هم يستعتبون، وأما الآيات فإنها تنفع من له قلب، أو ألقى ~~السمع وهو شهيد. ### || [10.98] # يقول تعالى: { فلولا كانت قرية } من قرى المكذبين { آمنت ~~} حين رأت العذاب { فنفعهآ إيمانها } أي: لم يكن منهم أحد انتفع ~~بإيمانه حين رأى العذاب، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبا، لما ~~قال: # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90] فقيل له # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. وكما قال تعالى: # فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ~~وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم ~~إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد ~~خلت في عباده # [غافر: 84-85]. وقال تعالى: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا # [المؤمنون: 99-100]. والحكمة في هذا ظاهرة، فإن الإيمان الاضطراري ليس ~~بإيمان حقيقة، ولو صرف عنه العذاب والأمر ms0661 الذي اضطره إلى الإيمان، لرجع ~~إلى الكفران. وقوله { إلا قوم يونس لمآ آمنوا } بعدما ~~رأوا العذاب، { كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين } فهم مستثنون من العموم ~~السابق، ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة لم تصل إلينا، ولم ~~تدركها أفهامنا. قال الله تعالى: # وإن يونس لمن المرسلين # [الصافات: 139] إلى قوله: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون * فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 147-148] ولعل الحكمة في ذلك أن غيرهم من المهلكين، لو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه. وأما قوم يونس فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر، [بل ~~قد استمر فعلا وثبتوا عليه] والله أعلم. ### || [10.99-100] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ولو شآء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا } بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع ~~قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم ~~مؤمنين وبعضهم كافرين. { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين } أي: لا تقدر على ذلك، وليس في إمكانك، ولا قدرة لغير الله ~~[على] شيء من ذلك. { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله } أي: بإرادته ومشيئته وإذنه القدري الشرعي، فمن كان من الخلق ~~قابلا لذلك، يزكو عنده الإيمان، وفقه وهداه. { ويجعل الرجس } ~~أي: الشر والضلال { على الذين لا يعقلون } عن الله أوامره ~~ونواهيه، ولا يلقون بالا لنصائحه ومواعظه. ### || [10.101-103] # يدعو تعالى عباده إلى النظر لما في السماوات والأرض، والمراد بذلك: نظر ~~الفكر والاعتبار والتأمل، لما فيها وما تحتوي عليه، والاستبصار، فإن في ~~ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وعبرا لقوم يوقنون، تدل على أن الله وحده، ~~المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأسماء والصفات العظام. { وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } فإنهم لا ~~ينتفعون بالآيات لإعراضهم وعنادهم. { فهل ينتظرون إلا مثل ~~أيام الذين خلوا من قبلهم } أي: فهل ينتظر هؤلاء الذين ~~لا يؤمنون بآيات الله بعد وضوحها، { إلا مثل أيام الذين ~~خلوا من قبلهم } أي: من الهلاك والعقاب، فإنهم صنعوا كصنيعهم، ~~وسنة الله جارية في الأولين والآخرين. { قل فانتظروا إني ms0662 ~~معكم من المنتظرين } فستعلمون من تكون له العاقبة الحسنة، ~~والنجاة في الدنيا والآخرة، وليست إلا للرسل وأتباعهم. ولهذا قال: { ~~ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } من مكاره الدنيا والآخرة ~~وشدائدهما. { كذلك حقا علينا } أوجبناه على أنفسنا { ننج ~~المؤمنين } وهذا من دفعه عن المؤمنين فإن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا، فإنه - بحسب ما مع العبد من الإيمان - تحصل له النجاة من المكاره. ### || [10.104-106] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين، وإمام المتقين ~~وخير الموقنين: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني } أي: في ريب واشتباه، فإني لست في شك منه، بل لدي العلم ~~اليقيني أنه الحق، وأن ما تدعون من دون الله باطل، ولي على ذلك الأدلة ~~الواضحة والبراهين الساطعة، ولهذا قال: { فلا أعبد الذين ~~تعبدون من دون الله } من الأنداد والأصنام وغيرها، لأنها لا ~~تخلق ولا ترزق، ولا تدبر شيئا من الأمور، وإنما هي مخلوقة مسخرة، ليس ~~فيها ما يقتضي عبادتها. { ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم } أي: هو الله الذي خلقكم، وهو الذي يميتكم ثم يبعثكم ~~ليجازيكم بأعمالكم، فهو الذي يستحق أن يعبد ويصلى له ويخضع ويسجد. { ~~وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك ~~للدين حنيفا } أي: أخلص أعمالك الظاهرة والباطنة لله، وأقم جميع ~~شرائع الدين حنيفا، أي: مقبلا على الله، معرضا عما سواه، { ولا ~~تكونن من المشركين } لا في حالهم، ولا تكن معهم. { ولا ~~تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } وهذا وصف ~~لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار هو الله تعالى. { ~~فإن فعلت } بأن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك { فإنك ~~إذا من الظالمين } أي: الضارين أنفسهم بإهلاكها، وهذا الظلم هو ~~الشرك كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين ~~المشركين فكيف بغيره؟!! ### || [10.107] # هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع ~~الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس ms0663 بضر، كفقر ومرض، ونحوها { فلا ~~كاشف له إلا هو } لأن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ~~ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا لم يقدروا على ~~شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: { وإن يردك بخير ~~فلا رآد لفضله } أي: لا يقدر أحد من الخلق، أن يرد فضله ~~وإحسانه، كما قال تعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # [فاطر: 2]. { يصيب به من يشآء من عباده } أي: يختص ~~برحمته من شاء من خلقه، والله ذو الفضل العظيم، { وهو الغفور } ~~لجميع الزلات، الذي يوفق عبده لأسباب مغفرته، ثم إذا فعلها العبد، غفر ~~الله ذنوبه كبارها وصغارها. { الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل ~~جوده إلى جميع الموجودات، بحيث لا تستغنى عن إحسانه طرفة عين، فإذا عرف ~~العبد بالدليل القاطع أن الله هو المنفرد بالنعم، وكشف النقم، وإعطاء ~~الحسنات، وكشف السيئات والكربات، وأن أحدا من الخلق، ليس بيده من هذا ~~شيء إلا ما أجراه الله على يده، جزم بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من ~~دونه هو الباطل. ولهذا -لما بين الدليل الواضح قال بعده:- { قل ~~يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم فمن ~~اهتدى... }. ### || [10.108-109] # أي: { قل } يا أيها الرسول، لما تبين البرهان { يأيها الناس ~~قد جآءكم الحق من ربكم } أي: الخبر الصادق المؤيد ~~بالبراهين، الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه، وهو واصل إليكم من ربكم الذي ~~من أعظم تربيته لكم، أن أنزل إليكم هذا القرآن الذي فيه تبيان لكل شيء، ~~وفيه من أنواع الأحكام والمطالب الإلهية والأخلاق المرضية، ما فيه أعظم ~~تربية لكم، وإحسان منه إليكم، فقد تبين الرشد من الغي ولم يبق لأحد شبهة. ~~{ فمن اهتدى } بهدى الله بأن علم الحق وتفهمه، وآثره على غيره ~~فلنفسه والله تعالى غني عن عباده، وإنما ثمرة أعمالهم راجعة إليهم. ~~{ ومن ضل } عن الهدى بأن أعرض عن العلم بالحق، أو عن العمل به، { ~~فإنما يضل ms0664 عليها } ولا يضر الله شيئا، فلا يضر إلا نفسه. { ~~ومآ أنا عليكم بوكيل } فأحفظ أعمالكم وأحاسبكم عليها، ~~وإنما أنا لكم نذير مبين، والله عليكم وكيل. فانظروا لأنفسكم ما دمتم في ~~مدة الإمهال. { واتبع } أيها الرسول { ما يوحى إليك } علما ~~وعملا وحالا، ودعوة إليه، { واصبر } على ذلك، فإن هذا أعلى أنواع ~~الصبر، وإن عاقبته حميدة، فلا تكسل ولا تضجر، بل دم على ذلك، واثبت، { ~~حتى يحكم الله } بينك وبين من كذبك { وهو خير ~~الحاكمين } فإن حكمه مشتمل على العدل التام والقسط الذي يحمد عليه. ~~وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وثبت على الصراط المستقيم، حتى ~~أظهر الله دينه على سائر الأديان، ونصره على أعدائه بالسيف والسنان، بعد ~~ما نصره [الله] عليهم بالحجة والبرهان، فلله الحمد، والثناء الحسن، كما ~~ينبغي لجلاله وعظمته وكماله وسعة إحسانه. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-4] # يقول تعالى: هذا { كتاب } عظيم، ونزل كريم، { أحكمت آياته } ~~أي: أتقنت وأحسنت، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه ~~بهية معانيه. { ثم فصلت } أي: ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع ~~البيان، { من لدن حكيم } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، ~~لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، { خبير } مطلع على الظواهر ~~والبواطن. فإذا كان إحكامه وتفصيله من عند الله الحكيم الخبير، فلا تسأل ~~بعد هذا عن عظمته وجلالته واشتماله على كمال الحكمة وسعة الرحمة. وإنما ~~أنزل الله كتابه ل { ألا تعبدوا إلا الله } أي: لأجل ~~إخلاص الدين كله لله، وأن لا يشرك به أحد من خلقه. { إنني لكم } ~~أيها الناس { منه } أي: من الله ربكم { نذير } لمن تجرأ على ~~المعاصي بعقاب الدنيا والآخرة، { وبشير } للمطيعين لله بثواب الدنيا ~~والآخرة. { وأن استغفروا ربكم } عن ما صدر منكم من الذنوب ~~{ ثم توبوا إليه } فيما تستقبلون من أعماركم بالرجوع إليه، ~~بالإنابة والرجوع عما يكرهه الله إلى ما يحبه ويرضاه. ثم ذكر ما يترتب ~~على الاستغفار والتوبة فقال: { يمتعكم متاعا حسنا } أي: ~~يعطيكم من رزقه ما تتمتعون به وتنتفعون. { إلى أجل مسمى } أي: ~~إلى وقت ms0665 وفاتكم { ويؤت } منكم { كل ذي فضل فضله } أي: ~~يعطي أهل الإحسان والبر من فضله وبره، ما هو جزاء لإحسانهم، من حصول ما ~~يحبون، ودفع ما يكرهون. { وإن تولوا } عن ما دعوتكم إليه، بل ~~أعرضتم عنه، وربما كذبتم به { فإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم كبير } وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ~~فيجازيهم بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي قوله: { وهو ~~على كل شيء قدير } كالدليل على إحياء الله الموتى، فإنه قدير ~~على كل شيء، ومن جملة الأشياء إحياء الموتى، وقد أخبر بذلك وهو أصدق ~~القائلين، فيجب وقوع ذلك عقلا ونقلا. ### || [11.5] # يخبر تعالى عن جهل المشركين، وشدة ضلالهم، أنهم { يثنون صدورهم ~~} أي: يميلونها { ليستخفوا } من الله، فتقع صدورهم حاجبة لعلم ~~الله بأحوالهم، وبصره لهيئاتهم. قال تعالى - مبينا خطأهم في هذا الظن - ~~{ ألا حين يستغشون ثيابهم } أي: يتغطون بها، يعلمهم في تلك ~~الحال، التي هي من أخفى الأشياء. بل { يعلم ما يسرون } من ~~الأقوال والأفعال { وما يعلنون } منها، بل ما هو أبلغ من ذلك، ~~وهو: { إنه عليم بذات الصدور } أي: بما فيها من الإرادات، ~~والوساوس، والأفكار التي لم ينطقوا بها، سرا ولا جهرا، فكيف تخفى عليه ~~حالكم، إذا ثنيتم صدوركم لتستخفوا منه. ويحتمل أن المعنى في هذا أن الله ~~يذكر إعراض المكذبين للرسول الغافلين عن دعوته، أنهم - من شدة إعراضهم - ~~يثنون صدورهم، أي: يحدودبون حين يرون الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا ~~يراهم ويسمعهم دعوته، ويعظهم بما ينفعهم، فهل فوق هذا الإعراض شيء؟!! ثم ~~توعدهم بعلمه تعالى بجميع أحوالهم، وأنهم لا يخفون عليه، وسيجازيهم ~~بصنيعهم. ### || [11.6] # أي: جميع ما دب على وجه الأرض، من آدمي، أو حيوان بري أو بحري، فالله ~~تعالى قد تكفل بأرزاقهم وأقواتهم، فرزقها على الله. { ويعلم ~~مستقرها ومستودعها } أي: يعلم مستقر هذه الدواب، وهو: ~~المكان الذي تقيم فيه وتستقر فيه، وتأوي إليه، ومستودعها: المكان الذي ~~تنتقل إليه في ذهابها ومجيئها، وعوارض أحوالها. { كل } من تفاصيل ~~أحوالها { في كتاب مبين } أي: في اللوح المحفوظ ms0666 المحتوي على جميع ~~الحوادث الواقعة، والتي تقع في السماوات والأرض. الجميع قد أحاط بها علم ~~الله، وجرى بها قلمه، ونفذت فيها مشيئته، ووسعها رزقه، فلتطمئن القلوب ~~إلى كفاية من تكفل بأرزاقها، وأحاط علما بذواتها، وصفاتها. ### || [11.7-8] # يخبر تعالى أنه { خلق السموت والأرض في ستة أيام ~~} أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { و } حين خلق السماوات والأرض { ~~كان عرشه على المآء } فوق السماء السابعة. فبعد أن خلق ~~السماوات والأرض استوى عليه، يدبر الأمور، ويصرفها كيف شاء من الأحكام ~~القدرية، والأحكام الشرعية. ولهذا قال: { ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا } أي: ليمتحنكم، إذ خلق لكم ما في السماوات والأرض ~~بأمره ونهيه، فينظر أيكم أحسن عملا. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: " ~~أخلصه وأصوبه ". قيل يا أبا علي: " ما أخلصه وأصوبه "؟. فقال: إن العمل ~~إذا كان خالصا ولم يكن صوابا، لم يقبل. وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا ~~لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: أن يكون لوجه الله، والصواب: ~~أن يكون متبعا فيه الشرع والسنة، وهذا كما قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. وقال تعالى: # الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على ~~كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء ~~علما # [الطلاق: 12] فالله تعالى خلق الخلق لعبادته ومعرفته بأسمائه وصفاته، ~~وأمرهم بذلك، فمن انقاد، وأدى ما أمر به، فهو من المفلحين، ومن أعرض عن ~~ذلك، فأولئك هم الخاسرون، ولا بد أن يجمعهم في دار يجازيهم فيها على ما ~~أمرهم به ونهاهم. ولهذا ذكر الله تكذيب المشركين بالجزاء، فقال: { ~~ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ~~ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين ~~}. أي: ولئن قلت لهؤلاء وأخبرتهم بالبعث بعد الموت، لم يصدقوك، بل كذبوك ~~أشد التكذيب، وقدحوا فيما جئت به، وقالوا: { إن هذآ إلا سحر ~~مبين } ألا وهو الحق المبين. { ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة معدودة } أي: إلى وقت مقدر فتباطؤوه، ~~لقالوا من جهلهم وظلمهم { ما يحبسه } ومضمون هذا تكذيبهم ms0667 به، فإنهم ~~يستدلون بعدم وقوعه بهم عاجلا على كذب الرسول المخبر بوقوع العذاب، فما ~~أبعد هذا الاستدلال!! { ألا يوم يأتيهم } العذاب { ليس ~~مصروفا عنهم } فيتمكنون من النظر في أمرهم. { وحاق بهم } ~~أي: نزل { ما كانوا به يستهزءون } من العذاب، حيث تهاونوا ~~به، حتى جزموا بكذب من جاء به. ### || [11.9-11] # يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، أنه جاهل ظالم بأن الله إذا أذاقه منه ~~رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم ~~لليأس، وينقاد للقنوط، فلا يرجو ثواب الله، ولا يخطر بباله أن الله ~~سيردها أو مثلها، أو خيرا منها عليه. وأنه إذا أذاقه رحمة من بعد ضراء ~~مسته، أنه يفرح ويبطر، ويظن أنه سيدوم له ذلك الخير، ويقول: { ذهب ~~السيئات عني إنه لفرح فخور } أي: فرح بما أوتي مما ~~يوافق هوى نفسه، فخور بنعم الله على عباد الله، وذلك يحمله على الأشر ~~والبطر والإعجاب بالنفس، والتكبر على الخلق، واحتقارهم وازدرائهم، وأي ~~عيب أشد من هذا؟!! وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله ~~وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء ~~فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ~~ومستحبات. { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم، يزول بها عنهم ~~كل محذور. { وأجر كبير } وهو: الفوز بجنات النعيم، التي فيها ما ~~تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين. ### || [11.12-14] # يقول تعالى - مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المكذبين-: ~~{ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به ~~صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز } أي: لا ينبغي ~~هذا لمثلك، أن قولهم يؤثر فيك، ويصدك عما أنت عليه، فتترك بعض ما يوحى ~~إليك، ويضيق صدرك لتعنتهم بقولهم: { لولا أنزل عليه كنز أو ~~جآء معه ملك } فإن هذا القول ناشئ من تعنت، وظلم، وعناد، وضلال، ~~وجهل بمواقع الحجج والأدلة، فامض على أمرك، ولا تصدك هذه الأقوال الركيكة ~~التي لا تصدر إلا من سفيه ولا يضق لذلك صدرك. فهل أوردوا عليك حجة لا ~~تستطيع حلها؟ أم ms0668 قدحوا ببعض ما جئت به قدحا، يؤثر فيه وينقص قدره، فيضيق ~~صدرك لذلك؟! أم عليك حسابهم، ومطالب بهدايتهم جبرا؟ { إنمآ أنت ~~نذير والله على كل شيء وكيل } فهو الوكيل عليهم، يحفظ ~~أعمالهم ويجازيهم بها أتم الجزاء. { أم يقولون افتراه } أي: ~~افترى محمد هذا القرآن؟ فأجابهم بقوله: { قل } لهم { فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريت وادعوا من استطعتم ~~من دون الله إن كنتم صادقين } أنه قد افتراه، فإنه لا فرق ~~بينكم وبينه في الفصاحة والبلاغة، وأنتم الأعداء حقا، الحريصون بغاية ما ~~يمكنكم على إبطال دعوته، فإن كنتم صادقين، فأتوا بعشر سور مثله مفتريات. ~~{ فإلم يستجيبوا لكم } على شيء من ذلكم { فاعلموا ~~أنمآ أنزل بعلم الله } [من عند الله] لقيام الدليل ~~والمقتضي، وانتفاء المعارض. { وأن لا إله إلا هو } أي: ~~واعلموا أنه لا إله إلا هو أي: هو وحده المستحق للألوهية ~~والعبادة، { فهل أنتم مسلمون } أي: منقادون لألوهيته، ~~مستسلمون لعبوديته، وفي هذه الآيات إرشاد إلى أنه لا ينبغي للداعي إلى ~~الله أن يصده اعتراض المعترضين، ولا قدح القادحين. خصوصا إذا كان القدح ~~لا مستند له، ولا يقدح فيما دعا إليه، وأنه لا يضيق صدره، بل يطمئن بذلك، ~~ماضيا على أمره، مقبلا على شأنه، وأنه لا يجب إجابة اقتراحات المقترحين ~~للأدلة التي يختارونها. بل يكفي إقامة الدليل السالم عن المعارض، على ~~جميع المسائل والمطالب. وفيها أن هذا القرآن، معجز بنفسه، لا يقدر أحد من ~~البشر أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، بل ولا بسورة من مثله، لأن ~~الأعداء البلغاء الفصحاء، تحداهم الله بذلك، فلم يعارضوه، لعلمهم أنهم لا ~~قدرة فيهم على ذلك. وفيها: أن مما يطلب فيه العلم، ولا يكفي غلبة الظن، ~~علم القرآن، وعلم التوحيد، لقوله تعالى: { فاعلموا أنمآ ~~أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو }. ### || [11.15-16] # يقول تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } ~~أي: كل إرادته مقصورة على الحياة الدنيا، وعلى زينتها من النساء والبنين، ~~والقناطير المقنطرة، من الذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام والحرث. ~~قد صرف رغبته وسعيه ms0669 وعمله في هذه الأشياء، ولم يجعل لدار القرار من ~~إرادته شيئا، فهذا لا يكون إلا كافرا، لأنه لو كان مؤمنا، لكان ما معه ~~من الإيمان يمنعه أن تكون جميع إرادته للدار الدنيا، بل نفس إيمانه وما ~~تيسر له من الأعمال أثر من آثار إرادته الدار الآخرة. ولكن هذا الشقي، ~~الذي كأنه خلق للدنيا وحدها { نوف إليهم أعمالهم فيها } ~~أي: نعطيهم ما قسم لهم في أم الكتاب من ثواب الدنيا. { وهم فيها لا ~~يبخسون } أي: لا ينقصون شيئا مما قدر لهم، ولكن هذا منتهى نعيمهم. ~~{ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار } ~~خالدين فيها أبدا، لا يفتر عنهم العذاب، وقد حرموا جزيل الثواب. { ~~وحبط ما صنعوا فيها } أي: في الدنيا، أي: بطل واضمحل ما عملوه ~~مما يكيدون به الحق وأهله، وما عملوه من أعمال الخير التي لا أساس لها، ~~ولا وجود لشرطها، وهو الإيمان. ### || [11.17] # يذكر تعالى حال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ورثته ~~القائمين بدينه، وحججه الموقنين بذلك، وأنهم لا يوصف بهم غيرهم ولا يكون ~~أحد مثلهم، فقال: { أفمن كان على بينة من ربه } ~~بالوحي الذي أنزل الله فيه المسائل المهمة، ودلائلها الظاهرة، فتيقن تلك ~~البينة. { ويتلوه } أي: يتلو هذه البينة والبرهان برهان آخر { ~~شاهد منه } وهو شاهد الفطرة المستقيمة، والعقل الصحيح، حين شهد ~~حقيقة ما أوحاه الله وشرعه، وعلم بعقله حسنه، فازداد بذلك إيمانا إلى ~~إيمانه. { و } ثم شاهد ثالث وهو { كتاب موسى } التوراة التي ~~جعلها الله { إماما } للناس { ورحمة } لهم، يشهد لهذا القرآن ~~بالصدق، ويوافقه فيما جاء به من الحق. أي: أفمن كان بهذا الوصف قد تواردت ~~عليه شواهد الإيمان، وقامت لديه أدلة اليقين، كمن هو في الظلمات ~~والجهالات ليس بخارج منها؟! لا يستوون عند الله، ولا عند عباد الله، { ~~أولئك } أي: الذين وفقوا لقيام الأدلة عندهم، { يؤمنون } ~~بالقرآن حقيقة، فيثمر لهم إيمانهم كل خير في الدنيا والآخرة. { به ~~ومن يكفر به } أي: القرآن { من الأحزاب } أي: سائر طوائف ~~أهل الأرض، المتحزبة ms0670 على رد الحق، { فالنار موعده } لا بد من ~~وروده إليها { فلا تك في مرية منه } أي: في أدنى شك { ~~إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } إما جهلا منهم وضلالا، وإما ظلما وعنادا وبغيا، وإلا ~~فمن كان قصده حسنا وفهمه مستقيما، فلا بد أن يؤمن به، لأنه يرى ما ~~يدعوه إلى الإيمان من كل وجه. ### || [11.18-22] # يخبر تعالى أنه لا أحد { أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } ويدخل في هذا كل من كذب على الله، بنسبة الشريك له، أو وصفه ~~بما لا يليق بجلاله، أو الإخبار عنه، بما لم يقل، أو ادعاء النبوة، أو ~~غير ذلك من الكذب على الله، فهؤلاء أعظم الناس ظلما { أولئك ~~يعرضون على ربهم } ليجازيهم بظلمهم، فعندما يحكم عليهم ~~بالعقاب الشديد { يقول الأشهاد } أي: الذين شهدوا عليهم بافترائهم ~~وكذبهم: { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا ~~لعنة الله على الظالمين } أي: لعنة لا تنقطع، لأن ظلمهم ~~صار وصفا لهم ملازما، لا يقبل التخفيف. ثم وصف ظلمهم فقال: { الذين ~~يصدون عن سبيل الله } فصدوا بأنفسهم عن سبيل الله، وهي سبيل ~~الرسل التي دعوا الناس إليها، وصدوا غيرهم عنها، فصاروا أئمة يدعون إلى ~~النار. { ويبغونها } أي: سبيل الله { عوجا } أي: يجتهدون في ~~ميلها، وتشيينها، وتهجينها، لتصير عند الناس غير مستقيمة، فيحسنون الباطل ~~ويقبحون الحق، قبحهم الله { وهم بالآخرة هم كافرون }. { ~~أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض } أي: ليسوا ~~فائتين الله، لأنهم تحت قبضته وفي سلطانه. { وما كان لهم من ~~دون الله من أوليآء } فيدفعون عنهم المكروه، أو يحصلون لهم ~~ما ينفعهم، بل تقطعت بهم الأسباب. { يضاعف لهم العذاب } أي: ~~يغلظ ويزداد، لأنهم ضلوا بأنفسهم وأضلوا غيرهم. { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } أي: من بغضهم للحق ونفورهم عنه، ما كانوا ~~يستطيعون أن يسمعوا آيات الله سماعا ينتفعون به # فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر ~~مستنفرة * فرت من قسورة # [المدثر: 49-51] { وما كانوا يبصرون } أي ينظرون نظر عبرة ~~وتفكر، فيما ينفعهم، وإنما هم كالصم البكم الذين لا يعقلون. { ~~أولئك ms0671 الذين خسروا أنفسهم } حيث فوتوها أعظم ~~الثواب، واستحقوا أشد العذاب، { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } أي: اضمحل دينهم الذي يدعون إليه ويحسنونه، ولم تغن عنهم ~~آلهتهم التي يعبدون من دون الله لما جاء أمر ربك. { لا جرم } أي: ~~حقا وصدقا { أنهم في الآخرة هم الأخسرون } حصر الخسار ~~فيهم، بل جعل لهم منه أشده، لشدة حسرتهم وحرمانهم وما يعانون من المشقة ~~والعذاب، نستجير بالله من حالهم. ولما ذكر حال الأشقياء، ذكر أوصاف ~~السعداء وما لهم عند الله من الثواب فقال: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم... }. ### || [11.23-24] # يقول تعالى: { إن الذين آمنوا } بقلوبهم، أي: صدقوا واعترفوا، ~~لما أمر الله بالإيمان به من أصول الدين وقواعده. { وعملوا ~~الصالحات } المشتملة على أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان. { ~~وأخبتوا إلى ربهم } أي: خضعوا له واستكانوا لعظمته، وذلوا ~~لسلطانه، وأنابوا إليه بمحبته وخوفه ورجائه والتضرع إليه. { أولئك ~~} الذين جمعوا تلك الصفات { أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~} لأنهم لم يتركوا من الخير مطلبا، إلا أدركوه، ولا خيرا، إلا سبقوا ~~إليه. { مثل الفريقين } أي: فريق الأشقياء وفريق السعداء. { ~~كالأعمى والأصم } هؤلاء الأشقياء، { والبصير والسميع ~~} مثل السعداء. { هل يستويان مثلا } لا يستوون مثلا، بل ~~بينهما من الفرق ما لا يأتي عليه الوصف، { أفلا تذكرون } ~~الأعمال التي تنفعكم فتفعلونها، والأعمال التي تضركم فتتركونها. ### || [11.25-49] # { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير ~~مبين } إلى آخر القصة أي: ولقد أرسلنا رسولنا نوحا أول المرسلين { ~~إلى قومه } يدعوهم إلى الله وينهاهم عن الشرك فقال لهم: { إني ~~لكم نذير مبين } أي: بينت لكم ما أنذرتكم به بيانا زال به ~~الإشكال. { أن لا تعبدوا إلا الله } أي: أخلصوا العبادة ~~لله وحده، واتركوا كل ما يعبد من دون الله. { إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم أليم } إن لم تقوموا بتوحيد الله وتطيعوني. { فقال ~~الملأ الذين كفروا من قومه } أي: الأشراف والرؤساء، ~~رادين لدعوة نوح عليه السلام، كما جرت العادة لأمثالهم، أنهم أول من رد ~~دعوة المرسلين. { ما نراك إلا بشرا مثلنا } وهذا مانع ~~بزعمهم ms0672 عن اتباعه، مع أنه في نفس الأمر هو الصواب الذي لا ينبغي غيره، ~~لأن البشر يتمكن البشر أن يتلقوا عنه، ويراجعوه في كل أمر، بخلاف ~~الملائكة. { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا } أي: ما نرى اتبعك منا إلا الأراذل والسفلة بزعمهم. وهم في ~~الحقيقة الأشراف وأهل العقول الذين انقادوا للحق، ولم يكونوا كالأراذل ~~الذين يقال لهم الملأ، الذين اتبعوا كل شيطان مريد، واتخذوا آلهة من ~~الحجر والشجر، يتقربون إليها ويسجدون لها، فهل ترى أرذل من هؤلاء وأخس؟ ~~وقولهم: { بادي الرأي } أي: إنما اتبعوك من غير تفكر وروية، بل ~~بمجرد ما دعوتهم اتبعوك، يعنون بذلك أنهم ليسوا على بصيرة من أمرهم، ولم ~~يعلموا أن الحق المبين تدعو إليه بداهة العقول، وبمجرد ما يصل إلى أولي ~~الألباب يعرفونه ويتحققونه، لا كالأمور الخفية التي تحتاج إلى تأمل وفكر ~~طويل. { وما نرى لكم علينا من فضل } أي: لستم أفضل منا ~~فننقاد لكم، { بل نظنكم كاذبين } وكذبوا في قولهم هذا، فإنهم ~~رأوا من الآيات التي جعلها الله مؤيدة لنوح، ما يوجب لهم الجزم التام على ~~صدقه. ولهذا { قال } لهم نوح مجاوبا { يقوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي } أي: على يقين وجزم، يعني، وهو ~~الرسول الكامل القدوة، الذي ينقاد له أولو الألباب، ويضمحل في جنب عقله ~~عقول الفحول من الرجال، وهو الصادق حقا، فإذا قال: إني على بينة من ربي، ~~فحسبك بهذا القول شهادة له وتصديقا. { وآتاني رحمة من عنده ~~} أي: أوحى إلي وأرسلني، ومن علي بالهداية، { فعميت عليكم } ~~أي: خفيت عليكم، وبها تثاقلتم. { أنلزمكموها } أي: أنكرهكم على ~~ما تحققناه، وشككتم أنتم فيه؟ { وأنتم لها كارهون } حتى حرصتم ~~على رد ما جئت به، ليس ذلك ضارنا، وليس بقادح من يقيننا فيه، ولا قولكم ~~وافتراؤكم علينا صادا لنا عما كنا عليه. وإنما غايته أن يكون صادا لكم ~~أنتم، وموجبا لعدم انقيادكم للحق، الذي تزعمون أنه باطل، فإذا وصلت ~~الحال إلى هذه الغاية، فلا نقدر على إكراهكم على ما أمر الله، ولا ~~إلزامكم ما نفرتم ms0673 عنه، ولهذا قال: { أنلزمكموها وأنتم لها ~~كارهون } { ويقوم لا أسألكم عليه } أي: على دعوتي ~~إياكم { مالا } فستستثقلون المغرم. # { إن أجري إلا على الله } وكأنهم طلبوا منه طرد المؤمنين ~~الضعفاء، فقال لهم: { ومآ أنا بطارد الذين آمنوا } أي: ~~ما ينبغي لي ولا يليق بي ذلك، بل أتلقاهم بالرحب والإكرام، والإعزاز ~~والإعظام { إنهم ملاقوا ربهم } فمثيبهم على إيمانهم ~~وتقواهم بجنات النعيم. { ولكني أراكم قوما تجهلون } ~~حيث تأمرونني بطرد أولياء الله وإبعادهم عني وحيث رددتم الحق لأنهم ~~أتباعه، وحيث استدللتم على بطلان الحق بقولكم إني بشر مثلكم وإنه ليس لنا ~~عليكم من فضل. { ويقوم من ينصرني من الله إن ~~طردتهم } أي: من يمنعني من عذابه، فإن طردهم موجب للعذاب والنكال ~~الذي لا يمنعه من دون الله مانع. { أفلا تذكرون } ما هو الأنفع ~~لكم والأصلح، وتدبرون الأمور. { ولا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك } أي: ~~غايتي أني رسول الله إليكم، أبشركم وأنذركم، وأما ما عدا ذلك فليس بيدي ~~من الأمر شيء، فليست خزائن الله عندي أدبرها أنا، وأعطي من أشاء وأحرم من ~~أشاء، { ولا أعلم الغيب } فأخبركم بسرائركم وبواطنكم { ولا ~~أقول إني ملك } والمعنى: أني لا أدعي رتبة فوق رتبتي، ولا منزلة ~~سوى المنزلة التي أنزلني الله بها، ولا أحكم على الناس بظني. { ولا ~~أقول للذين تزدري أعينكم } أي: ضعفاء المؤمنين الذين ~~يحتقرهم الملأ الذين كفروا { لن يؤتيهم الله خيرا الله ~~أعلم بما في أنفسهم } فإن كانوا صادقين في إيمانهم فلهم ~~الخير الكثير، وإن كانوا غير ذلك فحسابهم على الله. { إني إذا } ~~أي: إن قلت لكم شيئا مما تقدم { لمن الظلمين } وهذا تأييس منه ~~عليه الصلاة والسلام لقومه، أن ينبذ فقراء المؤمنين أو يمقتهم، وتقنيع ~~لقومه بالطرق المقنعة للمنصف. فلما رأوه لا ينكف عما كان عليه من دعوتهم، ~~ولم يدركوا منه مطلوبهم { قالوا ينوح قد جادلتنا ~~فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنآ } من العذاب { إن ~~كنت من الصادقين } فما أجهلهم وأضلهم، حيث قالوا هذه المقالة ~~لنبيهم الناصح. فهلا قالوا ms0674 إن كانوا صادقين: يا نوح قد نصحتنا وأشفقت ~~علينا، ودعوتنا إلى أمر لم يتبين لنا فنريد منك أن تبينه لنا لننقاد لك، ~~وإلا فأنت مشكور في نصحك. لكان هذا الجواب المنصف، الذي قد دعي إلى أمر ~~خفي عليه، ولكنهم في قولهم كاذبون، وعلى نبيهم متجرؤون. ولم يردوا ما ~~قاله بأدنى شبهة، فضلا عن أن يردوه بحجة. ولهذا عدلوا - من جهلهم وظلمهم ~~- إلى الاستعجال بالعذاب، وتعجيز الله، ولهذا أجابهم نوح عليه السلام ~~بقوله: { إنما يأتيكم به الله إن شآء } أي: إن اقتضت ~~مشيئته وحكمته أن ينزله بكم، فعل ذلك. # { ومآ أنتم بمعجزين } لله، وأنا ليس بيدي من الأمر شيء. { ~~ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم } أي: إن إرادة الله غالبة، فإنه ~~إذا أراد أن يغويكم لردكم الحق، فلو حرصت غاية مجهودي، ونصحت لكم أتم ~~النصح - وهو قد فعل عليه السلام - فليس ذلك بنافع لكم شيئا، { هو ~~ربكم } يفعل بكم ما يشاء، ويحكم فيكم بما يريد { وإليه ~~ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم. { أم يقولون افتراه } هذا ~~الضمير محتمل أن يعود إلى نوح كما كان السياق في قصته مع قومه، وأن ~~المعنى أن قومه يقولون: افترى على الله كذبا، وكذب بالوحي الذي يزعم أنه ~~من الله، وأن الله أمره أن يقول: { قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي وأنا بريء مما تجرمون } أي: كل عليه وزره # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. ويحتمل أن يكون عائدا إلى النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وتكون هذه الآية معترضة في أثناء قصة نوح وقومه، لأنها من الأمور ~~التي لا يعلمها إلا الأنبياء، فلما شرع الله في قصها على رسوله، وكانت من ~~جملة الآيات الدالة على صدقه ورسالته، ذكر تكذيب قومه له مع البيان ~~التام، فقال: { أم يقولون افتراه } أي: هذا القرآن اختلقه محمد ~~من تلقاء نفسه، أي: فهذا من أعجب الأقوال وأبطلها، فإنهم يعلمون أنه لم ~~يقرأ ولم يكتب، ولم يرحل عنهم لدراسة على أهل الكتاب، فجاء بهذا الكتاب ~~الذي تحداهم ms0675 أن يأتوا بسورة من مثله. فإذا زعموا - مع هذا - أنه افتراه، ~~علم أنهم معاندون، ولم يبق فائدة في حجاجهم، بل اللائق في هذه الحال ~~الإعراض عنهم، ولهذا قال: { قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي } أي: ذنبي وكذبي، { وأنا بريء مما تجرمون } ~~أي: فلم تستلجون في تكذيبي. وقوله: { وأوحي إلى نوح أنه لن ~~يؤمن من قومك إلا من قد آمن } أي: قد قسوا، { فلا ~~تبتئس بما كانوا يفعلون } أي: فلا تحزن ولا تبال بهم ~~وبأفعالهم، فإن الله قد مقتهم، وأحق عليهم عذابه الذي لا يرد. { ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } أي: بحفظنا، ومرأى منا، ~~وعلى مرضاتنا، { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } أي: لا ~~تراجعني في إهلاكهم، { إنهم مغرقون } أي: قد حق عليهم القول، ~~ونفذ فيهم القدر. فامتثل أمر ربه، وجعل يصنع الفلك { وكلما مر ~~عليه ملأ من قومه } ورأوا ما يصنع { سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا } الآن { فإنا نسخر منكم كما ~~تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ~~ويحل عليه عذاب مقيم } نحن أم أنتم. وقد علموا ذلك حين ~~حل بهم العقاب. { حتى إذا جآء أمرنا } أي: قدرنا بوقت نزول ~~العذاب بهم { وفار التنور } أي: أنزل الله السماء بالماء ~~بالمنهمر، وفجر الأرض كلها عيونا حتى التنانير التي هي محل النار في ~~العادة، وأبعد ما يكون عن الماء، تفجرت، فالتقى الماء على أمر قد قدر. # { قلنا } لنوح: { احمل فيها من كل زوجين اثنين } ~~أي: من كل صنف من أصناف المخلوقات، ذكر وأنثى، لتبقى مادة سائر الأجناس، ~~وأما بقية الأصناف الزائدة عن الزوجين، فلأن السفينة لا تطيق حملها { ~~وأهلك إلا من سبق عليه القول } ممن كان كافرا، ~~كابنه الذي غرق. { ومن آمن } { و } الحال أنه { مآ آمن معه ~~إلا قليل }. { وقال } نوح لمن أمره الله أن يحملهم: { ~~اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها } أي: تجري ~~على اسم الله، وترسو على اسم الله، وتجري بتسخيره وأمره. { إن ربي ~~لغفور رحيم } حيث غفر لنا ورحمنا، ونجانا من القوم الظالمين. ثم ~~وصف جريانها كأنا نشاهدها فقال: { وهي ms0676 تجري بهم } أي: بنوح ومن ~~ركب معه { في موج كالجبال } والله حافظها وحافظ أهلها { ~~ونادى نوح ابنه } لما ركب، ليركب معه { وكان } ابنه، { في ~~معزل } عنهم حين ركبوا، أي: مبتعدا وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال ~~له: { يبني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين } ~~فيصيبك ما يصيبهم. ف { قال } ابنه، مكذبا لأبيه أنه لا ينجو إلا من ~~ركب معه السفينة. { سآوي إلى جبل يعصمني من المآء } ~~أي: سأرتقي جبلا، أمتنع به من الماء، ف { قال } نوح: { لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم } فلا يعصم أحدا، جبل ~~ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب لما نجا إن لم ينجه الله. ~~{ وحال بينهما الموج فكان } الابن { من المغرقين ~~}. فلما أغرقهم الله ونجى نوحا ومن معه { وقيل يأرض ابلعي ~~مآءك } الذي خرج منك، والذي نزل إليك، أي: ابلعي الماء الذي على وجهك ~~{ ويسمآء أقلعي } فامتثلتا لأمر الله، فابتلعت الأرض ماءها، ~~وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، { وقضي الأمر } بهلاك ~~المكذبين ونجاة المؤمنين. { واستوت } السفينة { على الجودي } ~~أي: أرست على ذلك الجبل المعروف في أرض الموصل. { وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين } أي: أتبعوا بعد هلاكهم لعنة وبعدا وسحقا ~~لا يزال معهم. { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني ~~من أهلي وإن وعدك الحق } أي: وقد قلت لي: ف { احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين } ولن تخلف ما وعدتني به. لعله ~~عليه الصلاة والسلام حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن ~~الوعد لعمومهم، من آمن ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا ~~ففوض الأمر لحكمة الله البالغة. ف { قال } الله له: { إنه ليس ~~من أهلك } الذين وعدتك بإنجائهم { إنه عمل غير صالح } ~~أي: هذا الدعاء الذي دعوت به، لنجاة كافر لا يؤمن بالله ولا رسوله. { ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم } أي: ما لا تعلم عاقبته ~~ومآله، وهل يكون خيرا أو غير خير. # { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } أي: أني أعظك ~~وعظا تكون به ms0677 من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين. فحينئذ ندم نوح ~~عليه السلام ندامة شديدة على ما صدر منه، و { قال رب إني ~~أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا ~~تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين }. فبالمغفرة ~~والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودل هذا على أن نوحا عليه ~~السلام لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله ~~{ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ~~بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: { وأهلك }. وبعد ذلك ~~تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم. { قيل ~~ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ~~ممن معك } من الآدميين وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فبارك ~~الله في الجميع، حتى ملأوا أقطار الأرض ونواحيها. { وأمم ~~سنمتعهم } في الدنيا { ثم يمسهم منا عذاب ~~أليم } أي: هذا الإنجاء ليس بمانع لنا من أن من كفر بعد ذلك أحللنا به ~~العقاب، وإن متعوا قليلا، فسيؤخذون بعد ذلك. قال الله لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم بعد ما قص عليه هذه القصة المبسوطة التي لا يعلمها إلا من ~~من عليه برسالته. { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ ~~إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا ~~} فيقولوا: إنه كان يعلمها. فاحمد الله واشكره، واصبر على ما أنت عليه، ~~من الدين القويم، والصراط المستقيم والدعوة إلى الله { إن ~~العاقبة للمتقين } الذين يتقون الشرك وسائر المعاصي، فستكون ~~لك العاقبة على قومك، كما كانت لنوح على قومه. ### || [11.50-60] # { وإلى عاد أخاهم هودا } إلى آخر القصة أي: { و } أرسلنا { ~~إلى عاد } وهم القبيلة المعروفة في الأحقاف، من أرض اليمن، { ~~أخاهم } في النسب { هودا } ليتمكنوا من الأخذ عنه والعلم بصدقه. ف ~~{ قال } لهم { يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون } أي: أمرهم بعبادة الله وحده، ~~ونهاهم عما هم عليه من عبادة غير الله، وأخبرهم أنهم قد افتروا على الله ~~الكذب في عبادتهم لغيره، ms0678 وتجويزهم لذلك، ووضح لهم وجوب عبادة الله، وفساد ~~عبادة ما سواه. ثم ذكر عدم المانع لهم من الانقياد فقال: { يقوم لا ~~أسألكم عليه أجرا } أي: غرامة من أموالكم على ما دعوتكم ~~إليه، فتقولوا: هذا يريد أن يأخذ أموالنا، وإنما أدعوكم وأعلمكم مجانا. ~~{ إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } ~~ما أدعوكم إليه، وأنه موجب لقبوله، منتف المانع عن رده. { ويقوم ~~استغفروا ربكم } عما مضى منكم { ثم توبوا إليه } ~~فيما تستقبلونه بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى. فإنكم إذا ~~فعلتم ذلك { يرسل السمآء عليكم مدرارا } بكثرة الأمطار ~~التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها. { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: # من أشد منا قوة # [فصلت: 15]؟ فوعدهم أنهم إن آمنوا زادهم قوة إلى قوتهم. { ولا ~~تتولوا } عنه، أي: عن ربكم { مجرمين } أي: مستكبرين عن ~~عبادته، متجرئين على محارمه. ف { قالوا } رادين لقوله: { يهود ما ~~جئتنا ببينة } إن كان قصدهم بالبينة البينة التي يقترحونها، ~~فهذه غير لازمة للحق، بل اللازم أن يأتي النبي بآية تدل على صحة ما جاء ~~به، وإن كان قصدهم أنه لم يأتهم ببينة تشهد لما قاله بالصحة، فقد كذبوا ~~في ذلك، فإنه ما جاء نبي لقومه إلا وبعث الله على يديه من الآيات ما يؤمن ~~على مثله البشر. ولو لم يكن له آية، إلا دعوته إياهم لإخلاص الدين لله ~~وحده لا شريك له، والأمر بكل عمل صالح وخلق جميل، والنهي عن كل خلق ذميم ~~من الشرك بالله، والفواحش والظلم، وأنواع المنكرات، مع ما هو مشتمل عليه ~~هود عليه السلام من الصفات التي لا تكون إلا لخيار الخلق وأصدقهم، لكفى ~~بها آيات وأدلة على صدقه. بل أهل العقول وأولو الألباب، يرون أن هذه ~~الآية أكبر من مجرد الخوارق التي يراها بعض الناس، هي المعجزات فقط. ومن ~~آياته وبيناته الدالة على صدقه، أنه شخص واحد، ليس له أنصار ولا أعوان، ~~وهو يصرخ في قومه ويناديهم، ويعجزهم، ويقول لهم: { إني توكلت ~~على الله ربي وربكم }. { إني أشهد ms0679 الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } وهم الأعداء الذين لهم ~~السطوة والغلبة، ويريدون إطفاء ما معه من النور، بأي طريق كان وهو غير ~~مكترث منهم، ولا مبال بهم، وهم عاجزون لا يقدرون أن ينالوه بشيء من ~~السوء، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. # وقولهم: { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك } أي: لا ~~نترك عبادة آلهتنا لمجرد قولك الذي ما أقمت عليه بينة بزعمهم، { وما ~~نحن لك بمؤمنين } وهذا تأييس منهم لنبيهم هود عليه السلام في ~~إيمانهم، وأنهم لا يزالون في كفرهم يعمهون. { إن نقول } فيك { ~~إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } أي: أصابتك بخبال وجنون ~~فصرت تهذي بما لا يعقل. فسبحان من طبع على قلوب الظالمين، كيف جعلوا أصدق ~~الخلق الذي جاء بأحق الحق، بهذه المرتبة التي يستحي العاقل من حكايتها ~~عنهم لولا أن الله حكاها عنهم. ولهذا بين هود عليه الصلاة والسلام أنه ~~واثق غاية الوثوق أنه لا يصيبه منهم، ولا من آلهتهم أذى فقال: { إني ~~أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * ~~من دونه فكيدوني جميعا } أي: اطلبوا لي الضرر كلكم، بكل طريق ~~تتمكنون بها مني { ثم لا تنظرون } أي: لا تمهلوني. { إني ~~توكلت على الله } أي: اعتمدت في أمري كله على الله { ربي ~~وربكم } أي: هو خالق الجميع، ومدبرنا وإياكم، وهو الذي ربانا. { ~~ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } فلا تتحرك ولا ~~تسكن إلا بإذنه، فلو اجتمعتم جميعا على الإيقاع بي، والله لم يسلطكم ~~علي، لم تقدروا على ذلك، فإن سلطكم، فلحكمة أرادها. ف { إن ربي ~~على صراط مستقيم } أي: على عدل، وقسط، وحكمة، وحمد في قضائه ~~وقدره، في شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن ~~الصراط المستقيم، التي يحمد ويثنى عليه بها. { فإن تولوا } عما ~~دعوتكم إليه { فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم } ~~فلم يبق علي تبعة من شأنكم. { ويستخلف ربي قوما ~~غيركم } يقومون بعبادته ولا يشركون به شيئا { ولا تضرونه ~~شيئا } فإن ضرركم إنما يعود ms0680 عليكم، فالله لا تضره معصية العاصين، ولا ~~تنفعه طاعة المطيعين # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46] [ { إن ربي على كل شيء حفيظ } ]. { ~~ولما جآء أمرنا } أي: عذابنا بإرسال الريح العقيم، التي # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 42]. { نجينا هودا والذين آمنوا معه ~~برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ } أي: عظيم ~~شديد، أحله الله بعاد، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. { وتلك عاد } ~~الذين أوقع الله بهم ما أوقع بظلم منهم لأنهم { جحدوا بآيات ~~ربهم } ولهذا قالوا لهود: { ما جئتنا ببينة } فتبين بهذا ~~أنهم متيقنون لدعوته، وإنما عاندوا وجحدوا { وعصوا رسله } لأن ~~من عصى رسولا فقد عصى جميع المرسلين، لأن دعوتهم واحدة. { ~~واتبعوا أمر كل جبار } أي: متسلط على عباد الله ~~بالجبروت { عنيد } أي: معاند لآيات الله، فعصوا كل ناصح ومشفق عليهم، ~~واتبعوا كل غاش لهم يريد إهلاكهم لا جرم أهلكهم الله. { وأتبعوا ~~في هذه الدنيا لعنة } فكل وقت وجيل، إلا ولأنبائهم القبيحة ~~وأخبارهم الشنيعة، ذكر يذكرون به، وذم يلحقهم { ويوم القيامة } ~~لهم أيضا لعنة { ألا إن عادا كفروا ربهم } أي: جحدوا من ~~خلقهم ورزقهم ورباهم. { ألا بعدا لعاد قوم هود } أي: ~~أبعدهم الله عن كل خير وقربهم من كل شر. ### || [11.61-68] # { وإلى ثمود أخاهم صالحا } إلى آخر قصتهم، أي: { و } ~~أرسلنا { إلى ثمود } وهم: عاد الثانية، المعروفون الذين يسكنون ~~الحجر، ووادي القرى، { أخاهم } في النسب { صالحا } عبد الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، يدعوهم إلى عبادة الله وحده، ف { قال ~~يقوم اعبدوا الله } أي: وحدوه، وأخلصوا له الدين { ما لكم ~~من إله غيره } لا من أهل السماء، ولا من أهل الأرض. { ~~غيره هو أنشأكم من الأرض } أي: خلقكم فيها { ~~واستعمركم فيها } أي: استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم ~~الظاهرة والباطنة، ومكنكم في الأرض تبنون وتغرسون وتزرعون، وتحرثون ما ~~شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها، فكما أنه لا شريك له في جميع ~~ذلك، فلا تشركوا به في عبادته. { فاستغفروه } مما صدر منكم من ~~الكفر والشرك والمعاصي، وأقلعوا عنها، ms0681 { ثم توبوا إليه } أي: ~~ارجعوا إليه بالتوبة النصوح والإنابة، { إن ربي قريب مجيب } ~~أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول ~~عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب، واعلم أن قربه تعالى نوعان: عام، ~~وخاص، فالقرب العام: قربه بعلمه من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله ~~تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16] والقرب الخاص: قربه من عابديه وسائليه ومحبيه، وهو المذكور في ~~قوله تعالى: # واسجد واقترب # [العلق: 19]. وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع # [البقرة: 186] وهذا النوع قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، ~~وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن باسمه " القريب " اسمه " المجيب ". فلما ~~أمرهم نبيهم صالح عليه السلام، ورغبهم في الإخلاص لله وحده، ردوا عليه ~~دعوته، وقابلوه أشنع المقابلة. { قالوا يصالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا } أي: قد كنا نرجوك ونؤمل فيك العقل والنفع، ~~وهذا شهادة منهم لنبيهم صالح أنه ما زال معروفا بمكارم الأخلاق ومحاسن ~~الشيم، وأنه من خيار قومه. ولكنه لما جاءهم بهذا الأمر الذي لا يوافق ~~أهواءهم الفاسدة، قالوا هذه المقالة التي مضمونها أنك [قد] كنت كاملا، ~~والآن أخلفت ظننا فيك، وصرت بحالة لا يرجى منك خير. وذنبه، ما قالوه عنه، ~~وهو قولهم: { أتنهانآ أن نعبد ما يعبد آباؤنا } ~~وبزعمهم أن هذا من أعظم القدح في صالح، كيف قدح في عقولهم وعقول آبائهم ~~الضالين، وكيف ينهاهم عن عبادة من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئا من ~~الأحجار والأشجار ونحوها. وأمرهم بإخلاص الدين لله ربهم الذي لم تزل نعمه ~~عليهم تترى، وإحسانه عليهم دائما ينزل، الذي ما بهم من نعمة، إلا منه، ~~ولا يدفع عنهم السيئات إلا هو. { وإننا لفي شك مما ~~تدعونآ إليه مريب } أي: ما زلنا شاكين فيما دعوتنا إليه شكا ~~مؤثرا في قلوبنا الريب. # وبزعمهم أنهم لو علموا صحة ما دعاهم إليه لاتبعوه، وهم كذبة في ذلك، ~~ولهذا بين كذبهم في قوله: { قال يقوم أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي ms0682 } أي: برهان ويقين مني { وآتاني منه ~~رحمة } أي: من علي برسالته ووحيه، أي: أفأتابعكم على ما أنتم ~~عليه وما تدعونني إليه؟. { فمن ينصرني من الله إن ~~عصيته فما تزيدونني غير تخسير } أي: غير خسار وتباب ~~وضرر { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية } لها شرب من ~~البئر يوما، ثم يشربون كلهم من ضرعها، ولهم شرب يوم معلوم. { فذروها ~~تأكل في أرض الله } أي: ليس عليكم من مؤنتها وعلفها شيء، { ~~ولا تمسوها بسوء } أي: بعقر { فيأخذكم عذاب قريب ~~* فعقروها فقال } لهم صالح { تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب } بل لا بد من وقوعه. ~~{ فلما جآء أمرنا } بوقوع العذاب { نجينا صالحا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي ~~يومئذ } أي: نجيناهم من العذاب والخزي والفضيحة. { إن ربك ~~هو القوي العزيز } ومن قوته وعزته أن أهلك الأمم الطاغية، ~~ونجى الرسل وأتباعهم، { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } ~~العظيمة فقطعت قلوبهم، { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } أي: ~~خامدين لا حراك لهم. { كأن لم يغنوا فيهآ } أي: كأنهم لما ~~جاءهم العذاب ما تمتعوا في ديارهم ولا أنسوا بها، ولا تنعموا بها يوما ~~من الدهر، قد فارقهم النعيم وتناولهم العذاب السرمدي الذي ينقطع، الذي ~~كأنه لم يزل. { ألا إن ثمود كفروا ربهم } أي جحدوه بعد ~~أن جاءتهم الآية المبصرة، { ألا بعدا لثمود } فما أشقاهم ~~وأذلهم نستجير بالله من عذاب الدنيا وخزيها. ### || [11.69-83] # { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } إلى آخر ~~القصة أي: { ولقد جآءت رسلنآ } من الملائكة الكرام، رسولنا { ~~إبراهيم } الخليل { بالبشرى } أي: بالبشارة بالولد، حين ~~أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم أن يمروا على إبراهيم، فيبشروه ~~بإسحاق، فلما دخلوا عليه { قالوا سلاما قال سلام } أي: سلموا ~~عليه، ورد عليهم السلام. ففي هذا مشروعية السلام، وأنه لم يزل من ملة ~~إبراهيم عليه السلام، وأن السلام قبل الكلام، وأنه ينبغي أن يكون الرد ~~أبلغ من الابتداء، لأن سلامهم بالجملة الفعلية الدالة على التجدد، ورده ~~بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو ~~معلوم في علم العربية. ms0683 { فما لبث } إبراهيم لما دخلوا عليه { أن ~~جآء بعجل حنيذ } أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا ~~على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟ { فلما رأى ~~أيديهم لا تصل إليه } أي: إلى تلك الضيافة { نكرهم ~~وأوجس منهم خيفة } وظن أنهم أتوه بشر ومكروه، وذلك قبل أن ~~يعرف أمرهم. ف { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط } أي: إنا رسل الله، أرسلنا الله إلى إهلاك قوم لوط. وامرأة ~~إبراهيم { قآئمة } تخدم أضيافه { فضحكت } حين سمعت بحالهم، وما ~~أرسلوا به، تعجبا. { فبشرناها بإسحاق ومن ورآء ~~إسحاق يعقوب } فتعجبت من ذلك و { قالت يويلتى ءألد ~~وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا } فهذان مانعان من وجود ~~الولد { إن هذا لشيء عجيب }. { قالوا أتعجبين ~~من أمر الله } فإن أمره لا عجب فيه، لنفوذ مشيئته التامة في كل ~~شيء، فلا يستغرب على قدرته شيء، وخصوصا فيما يدبره ويمضيه لأهل هذا ~~البيت المبارك. { رحمت الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت } أي: لا تزال رحمته وإحسانه وبركاته، وهي: الزيادة من خيره ~~وإحسانه، وحلول الخير الإلهي على العبد { عليكم أهل البيت ~~إنه حميد مجيد } أي: حميد الصفات، لأن صفاته صفات كمال، حميد ~~الأفعال لأن أفعاله إحسان، وجود، وبر، وحكمة، وعدل، وقسط. مجيد، والمجد: ~~هو عظمة الصفات وسعتها، فله صفات الكمال، وله من كل صفة كمال أكملها ~~وأتمها وأعمها. { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } الذي ~~أصابه من خيفة أضيافه { وجآءته البشرى } بالولد التفت حينئذ ~~إلى مجادلة الرسل في إهلاك قوم لوط، وقال لهم: # إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله إلا امرأته # [العنكبوت: 32]. { إن إبراهيم لحليم } أي: ذو خلق حسن وسعة ~~صدر وعدم غضب عند جهل الجاهلين. { أواه } أي: متضرع إلى الله في جميع ~~الأوقات، { منيب } أي: رجاع إلى الله بمعرفته ومحبته، والإقبال ~~عليه، والإعراض عمن سواه، فلذلك كان يجادل عمن حتم الله بهلاكهم. فقيل ~~له: { يإبرهيم أعرض عن هذآ } الجدال { إنه قد ~~جآء أمر ربك } بهلاكهم { وإنهم آتيهم عذاب غير ~~مردود } فلا فائدة في جدالك. # { ولما ms0684 جآءت رسلنا } أي: الملائكة الذين صدروا من إبراهيم ~~لما أتوا { لوطا سيء بهم } أي: شق عليه مجيئهم، { وضاق بهم ~~ذرعا وقال هذا يوم عصيب } أي: شديد حرج، لأنه علم أن ~~قومه لا يتركونهم، لأنهم في صور شباب جرد مرد، في غاية الكمال والجمال، ~~ولهذا وقع ما خطر بباله. ف { وجآءه قومه يهرعون إليه } ~~أي: يسرعون ويبادرون، يريدون أضيافه بالفاحشة، التي كانوا يعملونها، ~~ولهذا قال: { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } أي: ~~الفاحشة التي ما سبقهم عليها أحد من العالمين. { قال يقوم ~~هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } من أضيافي [وهذا كما عرض ~~لسليمان صلى الله عليه وسلم على المرأتين أن يشق الولد المختصم فيه، ~~لاستخراج الحق ولعلمه أن بناته ممتنع منالهن، ولا حق لهم فيهن. والمقصود ~~الأعظم، دفع هذه الفاحشة الكبرى] { فاتقوا الله ولا تخزون ~~في ضيفي } أي: إما أن تراعوا تقوى الله، وإما أن تراعوني في ضيفي، ~~ولا تخزون عندهم. { أليس منكم رجل رشيد } فينهاكم ~~ويزجركم، وهذا دليل على مروجهم وانحلالهم من الخير والمروءة. ف { ~~قالوا } له: { لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ~~وإنك لتعلم ما نريد } أي: لا نريد إلا الرجال، ولا لنا ~~رغبة في النساء. فاشتد قلق لوط عليه الصلاة والسلام، و { قال لو ~~أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } كقبيلة ~~مانعة لمنعتكم. وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلا فإنه يأوي إلى أقوى ~~الأركان وهو الله، الذي لا يقوم لقوته أحد، ولهذا لما بلغ الأمر منتهاه ~~واشتد الكرب. { قالوا } له: { إنا رسل ربك } أي: أخبروه ~~بحالهم ليطمئن قلبه، { لن يصلوا إليك } بسوء. ثم قال جبريل ~~بجناحه، فطمس أعينهم، فانطلقوا يتوعدون لوطا بمجيء الصبح، وأمر الملائكة ~~لوطا أن يسري بأهله { بقطع من الليل } أي: بجانب منه قبل ~~الفجر بكثير، ليتمكنوا من البعد عن قريتهم. { ولا يلتفت منكم ~~أحد } أي: بادروا بالخروج، وليكن همكم النجاة ولا تلتفتوا إلى ما ~~وراءكم. { إلا امرأتك إنه مصيبها } من العذاب { مآ ~~أصابهم } لأنها تشارك قومها في الإثم، فتدلهم على أضياف لوط، ms0685 إذا ~~نزل به أضياف. { إن موعدهم الصبح } فكأن لوطا استعجل ذلك، ~~فقيل له: { أليس الصبح بقريب } { فلما جآء أمرنا ~~} بنزول العذاب وإحلاله فيهم { جعلنا } ديارهم { عاليها ~~سافلها } أي: قلبناها عليهم { وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل } أي: من حجارة النار الشديدة الحرارة { منضود } أي: ~~متتابعة تتبع من شذ عن القرية. { مسومة عند ربك } أي: ~~معلمة، عليها علامة العذاب والغضب، { وما هي من الظالمين } ~~الذين يشابهون لفعل قوم لوط { ببعيد } فليحذر العباد، أن يفعلوا ~~كفعلهم لئلا يصيبهم ما أصابهم. ### || [11.84-95] # { وإلى مدين أخاهم شعيبا } إلى آخر القصة أي: { و } ~~أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة الذين يسكنون مدين، في أدنى ~~فلسطين { أخاهم } في النسب { شعيبا } لأنهم يعرفونه، وليتمكنوا ~~من الأخذ عنه. ف { قال } لهم: { يقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره } أي: أخلصوا له العبادة، فإنهم كانوا ~~يشركون به، وكانوا - مع شركهم - يبخسون المكيال والميزان، ولهذا نهاهم عن ~~ذلك فقال: { ولا تنقصوا المكيال والميزان } بل أوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط. { إني أراكم بخير } أي: بنعمة كثيرة ~~وصحة، وكثرة أموال وبنين، فاشكروا الله على ما أعطاكم، ولا تكفروا بنعمة ~~الله فيزيلها عنكم. { وإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~محيط } أي: عذابا يحيط بكم، ولا يبقي منكم باقية. { ويقوم ~~أوفوا المكيال والميزان بالقسط } أي: بالعدل الذي ~~ترضون أن تعطوه، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم } أي: لا ~~تنقصوا من أشياء الناس، فتسرقوها بأخذها بنقص المكيال والميزان. { ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين } فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد ~~الأديان، والعقائد، والدين، والدنيا، ويهلك الحرث والنسل. { بقيت ~~الله خير لكم } أي: يكفيكم ما أبقى الله لكم من الخير، وما هو ~~لكم، فلا تطمعوا في أمر لكم عنه غنية، وهو ضار لكم جدا. { إن كنتم ~~مؤمنين } فاعملوا بمقتضى الإيمان، { ومآ أنا عليكم ~~بحفيظ } أي: لست بحافظ لأعمالكم ووكيل عليها، وإنما الذي يحفظها الله ~~تعالى، وأما أنا فأبلغكم ما أرسلت به. { قالوا يشعيب ~~أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ } أي: ~~قالوا ذلك على وجه التهكم بنبيهم، والاستبعاد لإجابتهم له. ومعنى كلامهم: ~~أنه ms0686 لا موجب لنهيك لنا، إلا أنك تصلي لله وتتعبد له، أفإن كنت كذلك، ~~أفيوجب لنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، لقول ليس عليه دليل إلا أنه موافق ~~لك، فكيف نتبعك ونترك آباءنا الأقدمين أولي العقول والألباب؟! وكذلك لا ~~يوجب قولك لنا: { أن نفعل في أموالنا } ما قلت لنا من وفاء ~~الكيل والميزان، وأداء الحقوق الواجبة فيها، بل لا نزال نفعل فيها ما ~~شئنا لأنها أموالنا، فليس لك فيها تصرف. ولهذا قالوا: في تهكمهم: { ~~إنك لأنت الحليم الرشيد } أي: أئنك أنت الذي الحلم والوقار ~~لك خلق، والرشد لك سجية، فلا يصدر عنك إلا رشد، ولا تأمر إلا برشد، ولا ~~تنهى إلا عن غي، أي: ليس الأمر كذلك. وقصدهم أنه موصوف بعكس هذين ~~الوصفين: بالسفه والغواية، أي: أن المعنى: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، ~~وآباؤنا هم السفهاء الغاوون؟!! وهذا القول الذي أخرجوه بصيغة التهكم، وأن ~~الأمر بعكسه، ليس كما ظنوه، بل الأمر كما قالوه. إن صلاته تأمره أن ~~ينهاهم، عما كان يعبد آباؤهم الضالون، وأن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون، ~~فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأي فحشاء ومنكر، أكبر من عبادة غير ~~الله، ومن منع حقوق عباد الله، أو سرقتها بالمكاييل والموازين، وهو عليه ~~الصلاة والسلام الحليم الرشيد. # { قال } لهم شعيب: { يقوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي } أي: يقين وطمأنينة في صحة ما جئت به، { ~~ورزقني منه رزقا حسنا } أي: أعطاني الله من أصناف المال ما ~~أعطاني. { و } أنا لا { مآ أريد أن أخالفكم إلى مآ ~~أنهاكم عنه } فلست أريد أن أنهاكم عن البخس في المكيال والميزان، ~~وأفعله أنا، وحتى تتطرق إلي التهمة في ذلك. بل ما أنهاكم عن أمر إلا ~~وأنا أول مبتدر لتركه. { إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت } أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم وتستقيم ~~منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي. ولما كان ~~هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: { وما توفيقي إلا ~~بالله } أي: وما يحصل ms0687 لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر ~~إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي. { عليه توكلت } أي: ~~اعتمدت في أموري ووثقت في كفايته، { وإليه أنيب } في أداء ما ~~أمرني به من أنواع العبادات، وفي [هذا] التقرب إليه بسائر أفعال الخيرات. ~~وبهذين الأمرين تستقيم أحوال العبد، وهما الاستعانة بربه والإنابة إليه، ~~كما قال تعالى: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123] وقال: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي } أي: لا ~~تحملنكم مخالفتي ومشاقتي { أن يصيبكم } من العقوبات { مثل مآ ~~أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما ~~قوم لوط منكم ببعيد } لا في الدار ولا في الزمان. { ~~واستغفروا ربكم } عما اقترفتم من الذنوب { ثم توبوا ~~إليه } فيما يستقبل من أعماركم بالتوبة النصوح، والإنابة إليه ~~بطاعته، وترك مخالفته. { إن ربي رحيم ودود } لمن تاب وأناب، ~~يرحمه فيغفر له، ويتقبل توبته ويحبه، ومعنى الودود من أسمائه تعالى، أنه ~~يحب عباده المؤمنين ويحبونه، فهو " فعول " بمعنى " فاعل " وبمعنى " مفعول ~~". { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول } أي: ~~تضجروا من نصائحه ومواعظه لهم، فقالوا: { ما نفقه كثيرا مما ~~تقول } وذلك لبغضهم لما يقول، ونفرتهم عنه. { وإنا لنراك ~~فينا ضعيفا } أي: في نفسك لست من الكبار والرؤساء بل من المستضعفين، ~~{ ولولا رهطك } أي: جماعتك وقبيلتك { لرجمناك ومآ أنت ~~علينا بعزيز } أي: ليس لك قدر في صدورنا، ولا احترام في أنفسنا، ~~وإنما احترمنا قبيلتك، بتركنا إياك. ف { قال } لهم مترققا لهم: { ~~يقوم أرهطي أعز عليكم من الله } أي: كيف تراعوني ~~لأجل رهطي، ولا تراعوني لله، فصار رهطي أعز عليكم من الله. { ~~واتخذتموه ورآءكم ظهريا } أي: نبذتم أمر الله وراء ~~ظهوركم، ولم تبالوا به ولا خفتم منه. { إن ربي بما تعملون ~~محيط } لا يخفى عليه من أعمالكم مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ~~فسيجازيكم على ما عملتم أتم الجزاء. # { و } لما أعيوه وعجز عنهم قال: { يقوم اعملوا على ~~مكانتكم } أي: على حالتكم ودينكم. { إني عمل سوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } ويحل عليه عذاب ms0688 مقيم أنا ~~أم أنتم، وقد علموا ذلك حين وقع عليهم العذاب. { وارتقبوا } ما ~~يحل بي { إني معكم رقيب } ما يحل بكم. { ولما جآء ~~أمرنا } بإهلاك قوم شعيب { نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا ~~الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } لا تسمع لهم ~~صوتا، ولا ترى منهم حركة { كأن لم يغنوا فيهآ } أي: كأنهم ~~ما أقاموا في ديارهم، ولا تنعموا فيها حين أتاهم العذاب. { ألا بعدا ~~لمدين } إذ أهلكها الله وأخزاها { كما بعدت ثمود } أي: قد ~~اشتركت هاتان القبيلتان في السحق والبعد والهلاك. وشعيب عليه السلام كان ~~يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته لقومه، وفي قصته من الفوائد والعبر شيء ~~كثير. منها: أن الكفار كما يعاقبون ويخاطبون بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه ~~وفروعه، لأن شعيبا دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، ~~وجعل الوعيد مرتبا على مجموع ذلك. ومنها: أن نقص المكاييل والموازين من ~~كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة ~~أموال الناس وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين موجبة للوعيد، ~~فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة - من باب أولى وأحرى. ومنها: أن الجزاء ~~من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك، ~~وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: { إني أراكم ~~بخير } أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم. ومنها: أن على العبد أن ~~يقنع بما آتاه الله ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن ~~المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: { بقيت الله خير ~~لكم } ففي ذلك من البركة وزيادة الرزق ما ليس في التكالب على الأسباب ~~المحرمة من المحق، وضد البركة. ومنها: أن ذلك من لوازم الإيمان وآثاره، ~~فإنه رتب العمل به على وجود الإيمان، فدل على أنه إذا لم يوجد العمل ~~فالإيمان ناقص أو معدوم. ومنها: أن الصلاة لم تزل مشروعة للأنبياء ~~المتقدمين، وأنها من أفضل الأعمال، حتى إنه متقرر عند الكفار فضلها، ~~وتقديمها على سائر الأعمال، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي ميزان ~~للإيمان ms0689 وشرائعه، فبإقامتها تكمل أحوال العبد، وبعدم إقامتها تختل أحواله ~~الدينية. ومنها: أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد ~~خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم ~~حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها ~~الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا ~~فيها ما يشاؤون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه. # ومنها: أن من تكملة دعوة الداعي وتمامها أن يكون أول مبادر لما يأمر ~~غيره به، وأول منته عما ينهى غيره عنه، كما قال شعيب عليه السلام: { ~~ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه } ~~ولقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. ومنها أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم، إرادة الإصلاح بحسب ~~القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر ~~عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح ~~الخاصة. وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد، وتستقيم بها ~~أمورهم الدينية والدنيوية. ومنها: أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح، ~~لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن ~~يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه. ومنها: أن العبد ينبغي ~~له أن لا يتكل على نفسه طرفة عين، بل لا يزال مستعينا بربه متوكلا ~~عليه، سائلا له التوفيق وإذا حصل له شيء من التوفيق، فلينسبه لموليه ~~ومسديه، ولا يعجب بنفسه لقوله: { وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب }. ومنها الترهيب بأخذات الأمم ~~وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات ~~بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر. كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل ~~التقوى عند الترغيب والحث على التقوى. ومنها: أن التائب من الذنب كما ~~يسمح له عن ذنبه، ويعفى عنه فإن الله تعالى يحبه ويوده، ms0690 ولا عبرة بقول من ~~يقول: " إن التائب إذا تاب، فحسبه أن يغفر له، ويعود عليه العفو، وأما ~~عود الود والحب فإنه لا يعود " فإن الله قال: { واستغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود }. ~~ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها وقد لا ~~يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم، أو أهل وطنهم الكفار، ~~كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه، وأن هذه الروابط التي يحصل بها ~~الدفع عن الإسلام والمسلمين، لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن ~~الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان. فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين ~~تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد ~~والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي ~~على حقوقهم الدينية والدنيوية، وتحرص على إبادتها، وجعلهم عملة ~~وخدما لهم. نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو ~~المتعين، ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية ~~للدين والدنيا مقدمة، والله أعلم. ### || [11.96-108] # وقوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان ~~مبين } إلى آخر القصة يقول تعالى: { ولقد أرسلنا موسى } ~~بن عمران { بآياتنا } الدالة على صدق ما جاء به، كالعصا واليد ~~ونحوهما من الآيات التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام. { ~~وسلطان مبين } أي: حجة ظاهرة بينة، ظهرت ظهور الشمس. { إلى ~~فرعون وملئه } أي: أشراف قومه لأنهم المتبوعون وغيرهم تبع لهم، ~~فلم ينقادوا لما مع موسى من الآيات التي أراهم إياها كما تقدم بسطها في ~~سورة الأعراف، ولكنهم { فاتبعوا أمر فرعون ومآ أمر ~~فرعون برشيد } بل هو ضال غاو، لا يأمر إلا بما هو ضرر محض، لا ~~جرم - لما اتبعه قومه - أرداهم وأهلكهم. { يقدم قومه يوم ~~القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود * ~~وأتبعوا في هذه } أي: في الدنيا { لعنة ويوم ~~القيامة } أي: يلعنهم الله وملائكته والناس أجمعون في الدنيا ~~والآخرة. { بئس الرفد المرفود } أي: بئس ما اجتمع لهم، ~~وترادف عليهم من عذاب الله، ms0691 ولعنة الدنيا والآخرة. ولما ذكر قصص هؤلاء ~~الأمم مع رسلهم، قال الله تعالى لرسوله: { ذلك من أنبآء ~~القرى نقصه عليك } لتنذر به، ويكون آية على رسالتك، وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين. { منها قآئم } لم يتلف، بل بقي من آثار ديارهم ما ~~يدل عليهم، { و } منها { حصيد } قد تهدمت مساكنهم، واضمحلت منازلهم، ~~فلم يبق لها أثر، { وما ظلمناهم } بأخذهم بأنواع العقوبات { ~~ولكن ظلموا أنفسهم } بالشرك والكفر والعناد. { فما ~~أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من ~~شيء لما جآء أمر ربك } وهكذا كل من التجأ إلى غير الله، ~~لم ينفعه ذلك عند نزول الشدائد. { وما زادوهم غير تتبيب } ~~أي: خسار ودمار، بالضد مما خطر ببالهم. { وكذلك أخذ ربك ~~إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ~~} ، أي: يقصمهم بالعذاب ويبيدهم، ولا ينفعهم ما كانوا يدعون من دون الله ~~من شيء. { إن في ذلك } المذكور من أخذه للظالمين، بأنواع ~~العقوبات، { لآية لمن خاف عذاب الآخرة } أي: لعبرة ودليلا ~~على أن أهل الظلم والإجرام لهم العقوبة الدنيوية، والعقوبة الأخروية، ثم ~~انتقل من هذا إلى وصف الآخرة، فقال: { ذلك يوم مجموع له ~~الناس } أي: جمعوا لأجل ذلك اليوم للمجازاة، وليظهر لهم من عظمة الله ~~وسلطانه وعدله العظيم ما به يعرفونه حق المعرفة. { وذلك يوم ~~مشهود } أي: يشهده الله وملائكته وجميع المخلوقين، { وما ~~نؤخره } أي: إتيان يوم القيامة { إلا لأجل معدود } إذا ~~انقضى أجل الدنيا وما قدر الله فيها من الخلق، فحينئذ ينقلهم إلى الدار ~~الأخرى، ويجري عليهم أحكامه الجزائية، كما أجرى عليهم في الدنيا أحكامه ~~الشرعية. { يوم يأت } ذلك اليوم، ويجتمع الخلق { لا تكلم ~~نفس إلا بإذنه } حتى الأنبياء والملائكة الكرام، لا يشفعون ~~إلا بإذنه، { فمنهم } أي: الخلق { شقي وسعيد } فالأشقياء هم ~~الذين كفروا بالله وكذبوا رسله وعصوا أمره، والسعداء هم: المؤمنون ~~المتقون. # وأما جزاؤهم { فأما الذين شقوا } أي: حصلت لهم الشقاوة، ~~والخزي والفضيحة، { ففي النار } منغمسون في عذابها، مشتد عليهم ~~عقابها، { لهم فيها } من شدة ما هم فيه { زفير وشهيق } وهو ~~أشنع الأصوات ms0692 وأقبحها. { خالدين فيها } أي: في النار التي هذا ~~عذابها { ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك ~~} أي: خالدين فيها أبدا إلا المدة التي شاء الله أن لا يكونوا فيها، ~~وذلك قبل دخولها، كما قاله جمهور المفسرين، فالاستثناء على هذا راجع إلى ~~ما قبل دخولها، فهم خالدون فيها جميع الأزمان، سوى الزمن الذي قبل الدخول ~~فيها. { إن ربك فعال لما يريد } فكل ما أراد فعله ~~واقتضته حكمته فعله تبارك وتعالى، لا يرده أحد عن مراده. { وأما ~~الذين سعدوا } أي: حصلت لهم السعادة، والفلاح والفوز { ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السموت والأرض ~~إلا ما شآء ربك } ثم أكد ذلك بقوله: { عطآء غير ~~مجذوذ } أي: ما أعطاهم الله من النعيم المقيم واللذة العالية، فإنه ~~دائم مستمر، غير منقطع بوقت من الأوقات، نسأل الله الكريم من فضله. ### || [11.109] # يقول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { فلا تك في ~~مرية مما يعبد هؤلاء } المشركون، أي: لا تشك في حالهم، ~~وأن ما هم عليه باطل، فليس لهم عليه دليل شرعي ولا عقلي، وإنما دليلهم ~~وشبهتهم أنهم { ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من ~~قبل }. ومن المعلوم أن هذا ليس بشبهة، فضلا عن أن يكون دليلا، لأن ~~أقوال ما عدا الأنبياء يحتج لها لا يحتج بها، خصوصا أمثال هؤلاء الضالين ~~الذين كثر خطأهم وفساد أقوالهم في أصول الدين، فإن أقوالهم وإن اتفقوا ~~عليها، فإنها خطأ وضلال. { وإنا لموفوهم نصيبهم غير ~~منقوص } أي: لا بد أن ينالهم نصيبهم من الدنيا، مما كتب لهم وإن كثر ~~ذلك النصيب، أو راق في عينك، فإنه لا يدل على صلاح حالهم، فإن الله يعطي ~~الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان والدين الصحيح إلا من يحب. ~~والحاصل أنه لا يغتر باتفاق الضالين على قول الضالين من آبائهم الأقدمين، ~~ولا على ما خولهم الله وآتاهم من الدنيا. ### || [11.110-113] # يخبر تعالى أنه آتى موسى الكتاب الذي هو التوراة، الموجب للاتفاق على ~~أوامره ونواهيه، والاجتماع، ولكن مع هذا فإن ms0693 المنتسبين إليه، اختلفوا فيه ~~اختلافا أضر بعقائدهم وبجامعتهم الدينية. { ولولا كلمة سبقت ~~من ربك } بتأخيرهم، وعدم معاجلتهم بالعذاب { لقضي بينهم } ~~بإحلال العقوبة بالظالم، ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن أخر القضاء بينهم ~~إلى يوم القيامة، وبقوا في شك منه مريب. وإذا كانت هذه حالهم مع كتابهم ~~فمع القرآن الذي أوحاه الله إليك غير مستغرب من طائفة اليهود، أن لا ~~يؤمنوا به، وأن يكونوا في شك منه مريب. { وإن كلا لما ~~ليوفينهم ربك أعمالهم } أي: لا بد أن الله يقضي ~~بينهم يوم القيامة بحكمه العدل فيجازي كلا بما يستحقه. { إنه بما ~~يعملون } من خير وشر { خبير } فلا يخفى عليه شيء من أعمالهم ~~دقيقها وجليلها. ثم لما أخبر بعدم استقامتهم التي أوجبت اختلافهم ~~وافتراقهم، أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين أن ~~يستقيموا كما أمروا، فيسلكوا ما شرعه الله من الشرائع، ويعتقدوا ما أخبر ~~الله به من العقائد الصحيحة، ولا يزيغوا عن ذلك يمنة ولا يسرة، ويدوموا ~~على ذلك، ولا يطغوا بأن يتجاوزوا ما حده الله لهم من الاستقامة. وقوله: { ~~إنه بما تعملون بصير } أي: لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، ~~وسيجازيكم عليها، ففيه ترغيب لسلوك الاستقامة وترهيب من ضدها، ولهذا ~~حذرهم عن الميل إلى من تعدى الاستقامة فقال: { ولا تركنوا } أي: ~~لا تميلوا { إلى الذين ظلموا } فإنكم إذا ملتم إليهم ~~ووافقتموهم على ظلمهم، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم { فتمسكم ~~النار } إن فعلتم ذلك { وما لكم من دون الله من ~~أوليآء } يمنعونكم من عذاب الله، ولا يحصلون لكم شيئا من ثواب ~~الله. { ثم لا تنصرون } أي: لا يدفع عنكم العذاب إذا مسكم، ففي ~~هذه الآية التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون الميل ~~والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم. ~~وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟!! ~~نسأل الله العافية من الظلم. ### || [11.114-115] # يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة { طرفي النهار } أي: أوله ~~وآخره، ويدخل في هذا ms0694 صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، { وزلفا من ~~اليل } ويدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، ~~فإنها مما تزلف العبد وتقربه إلى الله تعالى. { إن الحسنات ~~يذهبن السيئات } أي: فهذه الصلوات الخمس، وما ألحق بها من ~~التطوعات من أكبر الحسنات، وهي: مع أنها حسنات تقرب إلى الله وتوجب ~~الثواب، فإنها تذهب السيئات وتمحوها، والمراد بذلك الصغائر، كما قيدتها ~~الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما ~~بينهن ما اجتنبت الكبائر " # ، بل كما قيدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئتكم وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31]. ذلك لعل الإشارة لكل ما تقدم، من لزوم الاستقامة على ~~الصراط المستقيم وعدم مجاوزته وتعديه، وعدم الركون إلى الذين ظلموا، ~~والأمر بإقامة الصلاة، وبيان أن الحسنات يذهبن السيئات، الجميع { ~~ذكرى للذاكرين } يفهمون بها ما أمرهم الله به ونهاهم، ويمتثلون ~~لتلك الأوامر الحسنة المثمرة للخيرات الدافعة للشرور والسيئات، ولكن تلك ~~الأمور تحتاج إلى مجاهدة النفس والصبر عليها، ولهذا قال: { واصبر } ~~أي: احبس نفسك على طاعة الله، وعن معصيته، وإلزامها لذلك، واستمر ولا ~~تضجر. { فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } بل يتقبل ~~الله عنهم أحسن الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، وفي ~~هذا ترغيب عظيم، للزوم الصبر، بتشويق النفس الضعيفة إلى ثواب الله كلما ~~ونت وفترت. ### || [11.116] # لما ذكر تعالى إهلاك الأمم المكذبة للرسل، وأن أكثرهم منحرفون، حتى أهل ~~الكتب الإلهية وذلك كله يقضي على الأديان بالذهاب والاضمحلال، ذكر أنه ~~لولا أنه جعل في القرون الماضية بقايا من أهل الخير يدعون إلى الهدى، ~~وينهون عن الفساد والردى، فحصل من نفعهم ما بقيت به الأديان، ولكنهم ~~قليلون جدا. وغاية الأمر، أنهم نجوا باتباعهم المرسلين، وقيامهم بما ~~قاموا به من دينهم، وبكون حجة الله أجراها على أيديهم، ليهلك من هلك عن ~~بينة ويحيا من حي عن بينة. { و } لكن { اتبع الذين ~~ظلموا مآ أترفوا ms0695 فيه } أي: اتبعوا ما هم فيه من النعيم ~~والترف، ولم يبغوا به بدلا. { وكانوا مجرمين } أي: ظالمين ~~باتباعهم ما أترفوا فيه، فلذلك حق عليهم العقاب، واستأصلهم العذاب. وفي ~~هذا حث لهذه الأمة أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون ~~بدين الله، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرونهم من ~~العمى. وهذه الحالة أعلى حالة يرغب فيها الراغبون، وصاحبها يكون إماما ~~في الدين، إذا جعل عمله خالصا لرب العالمين. ### || [11.117] # أي: وما كان الله ليهلك أهل القرى بظلم منه لهم، والحال أنهم مصلحون، ~~أي: مقيمون على الصلاح، مستمرون عليه، فما كان الله ليهلكهم إلا إذا ~~ظلموا وقامت عليهم حجة الله. ويحتمل أن المعنى: وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلمهم السابق، إذا رجعوا وأصلحوا عملهم، فإن الله يعفو عنهم، ويمحو ما ~~تقدم من ظلمهم. ### || [11.118-119] # يخبر تعالى أنه لو شاء لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين الإسلامي، ~~فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته أن لا ~~يزالون مختلفين مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى ~~النار، كل يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره. { إلا من ~~رحم ربك } فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به والاتفاق عليه، ~~فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركتهم العناية الربانية والتوفيق ~~الإلهي. وأما من عداهم فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم. وقوله: { ~~ولذلك خلقهم } أي: اقتضت حكمته أنه خلقهم، ليكون منهم السعداء ~~والأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق الذين هدى الله، والفريق الذين ~~حقت عليهم الضلالة، ليتبين للعباد عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع ~~البشرية من الخير والشر، ولتقوم سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا ~~تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء. { و } لأنه { تمت كلمة ربك ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } فلا بد ~~أن ييسر للنار أهلا، يعملون بأعمالها الموصلة إليها. ### || [11.120-123] # لما ذكر في هذه السورة من أخبار الأنبياء ما ذكر، ذكر الحكمة في ذكر ~~ذلك، فقال: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما ~~نثبت به فؤادك } أي: ms0696 قلبك ليطمئن ويثبت، ويصبر كما صبر أولو ~~العزم من الرسل، فإن النفوس تأنس بالاقتداء، وتنشط على الأعمال، وتريد ~~المنافسة لغيرها، ويتأيد الحق بذكر شواهده، وكثرة من قام به. { وجآءك ~~في هذه } السورة { الحق } اليقين، فلا شك فيه بوجه من الوجوه، ~~فالعلم بذلك من العلم بالحق الذي هو أكبر فضائل النفوس. { وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين } أي: يتعظون به، فيرتدعون عن الأمور ~~المكروهة، ويتذكرون الأمور المحبوبة لله فيفعلونها. وأما من ليس من أهل ~~الإيمان فلا تنفعهم المواعظ وأنواع التذكير، ولهذا قال: { وقل ~~للذين لا يؤمنون } بعد ما قامت عليهم الآيات، { اعملوا ~~على مكانتكم } أي: حالتكم التي أنتم عليها { إنا عاملون ~~} على ما كنا عليه { وانتظروا } ما يحل بنا { إنا منتظرون ~~} ما يحل بكم. وقد فصل الله بين الفريقين، وأرى عباده نصره لعباده ~~المؤمنين، وقمعه لأعداء الله المكذبين. { ولله غيب السموت ~~والأرض } أي: ما غاب فيهما من الخفايا، والأمور الغيبية. { ~~وإليه يرجع الأمر كله } من الأعمال والعمال، فيميز ~~الخبيث من الطيب { فاعبده وتوكل عليه } أي: قم بعبادته، ~~وهي جميع ما أمر الله به مما تقدر عليه، وتوكل على الله في ذلك. { وما ~~ربك بغافل عما تعملون } من الخير والشر، بل قد أحاط علمه ~~بذلك، وجرى به قلمه، وسيجري عليه حكمه وجزاؤه. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # يخبر تعالى أن آيات القرآن هي { آيات الكتاب المبين } أي: ~~البين الواضحة ألفاظه ومعانيه، ومن بيانه وإيضاحه: أنه أنزله باللسان ~~العربي، أشرف الألسنة، وأبينها، [المبين لكل ما يحتاجه الناس من الحقائق ~~النافعة] وكل هذا الإيضاح والتبيين { لعلكم تعقلون } أي: ~~لتعقلوا حدوده وأصوله وفروعه، وأوامره ونواهيه. فإذا عقلتم ذلك بإيقانكم، ~~واتصفت قلوبكم بمعرفتها، أثمر ذلك عمل الجوارح والانقياد إليه، و { ~~لعلكم تعقلون } أي: تزداد عقولكم بتكرر المعاني الشريفة ~~العالية، على أذهانكم،. فتنتقلون من حال إلى أحوال أعلى منها وأكمل. { ~~نحن نقص عليك أحسن القصص } وذلك لصدقها وسلاسة ~~عبارتها ورونق معانيها، { بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن ~~} أي: بما اشتمل عليه هذا القرآن الذي أوحيناه إليك، وفضلناك به على سائر ~~الأنبياء، وذاك ms0697 محض منة من الله وإحسان. { وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين } أي: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان قبل أن ~~يوحي الله إليك، ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا. ولما مدح ~~ما اشتمل عليه هذا القرآن من القصص، وأنها أحسن القصص على الإطلاق، فلا ~~يوجد من القصص في شيء من الكتب مثل هذا القرآن، ذكر قصه يوسف، وأبيه ~~وإخوته، القصة العجيبة الحسنة، فقال: { إذ قال يوسف لأبيه ~~يأبت إني رأيت... }. ### || [12.4-6] # واعلم أن الله ذكر أنه يقص على رسوله أحسن القصص في هذا الكتاب، ثم ذكر ~~هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة ~~حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسنها بما يذكر في الإسرائيليات التي لا ~~يعرف لها سند ولا ناقل وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومكمل لشيء ~~يزعم أنه ناقص، وحسبك بأمر ينتهي إلى هذا الحد قبحا، فإن تضاعيف هذه ~~السورة قد ملئت في كثير من التفاسير، من الأكاذيب والأمور الشنيعة ~~المناقضة لما قصه الله تعالى بشيء كثير. فعلى العبد أن يفهم عن الله ما ~~قصه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ينقل. فقوله ~~تعالى: { إذ قال يوسف لأبيه } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~الخليل عليهم الصلاة والسلام: { يأبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } فكانت ~~هذه الرؤيا مقدمة لما وصل إليه يوسف عليه السلام من الارتفاع في الدنيا ~~والآخرة. وهكذا إذا أراد الله أمرا من الأمور العظام قدم بين يديه ~~مقدمة، توطئة له، وتسهيلا لأمره، واستعدادا لما يرد على العبد من ~~المشاق، لطفا بعبده، وإحسانا إليه، فأولها يعقوب بأن الشمس: أمه، ~~والقمر: أبوه، والكواكب: إخوته، وأنه ستنتقل به الأحوال إلى أن يصير إلى ~~حال يخضعون له، ويسجدون له إكراما وإعظاما، وأن ذلك لا يكون إلا بأسباب ~~تتقدمه من اجتباء الله له، واصطفائه له، وإتمام نعمته عليه بالعلم ~~والعمل، والتمكين في الأرض. وأن هذه النعمة ستشمل آل يعقوب، ms0698 الذين سجدوا ~~له وصاروا تبعا له فيها، ولهذا قال: { وكذلك يجتبيك ربك } ~~أي: يصطفيك ويختارك بما يمن به عليك من الأوصاف الجليلة والمناقب ~~الجميلة، { ويعلمك من تأويل الأحاديث } أي: من تعبير ~~الرؤيا، وبيان ما تؤول إليه الأحاديث الصادقة، كالكتب السماوية ونحوها، { ~~ويتم نعمته عليك } في الدنيا والآخرة، بأن يؤتيك في الدنيا ~~حسنة، وفي الآخرة حسنة، { كمآ أتمهآ على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق } حيث أنعم الله عليهما، بنعم عظيمة واسعة، ~~دينية، ودنيوية. { إن ربك عليم حكيم } أي: علمه محيط ~~بالأشياء، وبما احتوت عليه ضمائر العباد من البر وغيره، فيعطي كلا ما ~~تقتضيه حكمته وحمده، فإنه حكيم يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. ~~ولما بان تعبيرها ليوسف، قال له أبوه: { يبني لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } أي: حسدا من ~~عند أنفسهم، أن تكون أنت الرئيس الشريف عليهم. { إن الشيطان ~~للإنسان عدو مبين } لا يفتر عنه ليلا ولا نهارا، ولا سرا ~~ولا جهارا، فالبعد عن الأسباب التي يتسلط بها على العبد أولى، فامتثل ~~يوسف أمر أبيه، ولم يخبر إخوته بذلك، بل كتمها عنهم. ### || [12.7-9] # يقول تعالى: { لقد كان في يوسف وإخوته آيات } أي: ~~عبر وأدلة على كثير من المطالب الحسنة، { للسائلين } أي: لكل من ~~سأل عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، فإن السائلين هم الذين ينتفعون ~~بالآيات والعبر، وأما المعرضون فلا ينتفعون بالآيات، ولا في القصص ~~والبينات. { إذ قالوا } فيما بينهم: { ليوسف وأخوه } ~~بنيامين، أي: شقيقه، وإلا فكلهم إخوة. { أحب إلى أبينا منا ~~ونحن عصبة } أي: جماعة، فكيف يفضلهما علينا بالمحبة والشفقة، { ~~إن أبانا لفي ضلال مبين } أي: لفي خطأ بين، حيث فضلهما ~~علينا من غير موجب نراه، ولا أمر نشاهده. { اقتلوا يوسف أو ~~اطرحوه أرضا } أي: غيبوه عن أبيه في أرض بعيدة لا يتمكن من رؤيته ~~فيها. فإنكم إذا فعلتم أحد هذين الأمرين { يخل لكم وجه ~~أبيكم } أي: يتفرغ لكم، ويقبل عليكم بالشفقة والمحبة، فإنه قد اشتغل ~~قلبه بيوسف شغلا لا يتفرغ لكم، { وتكونوا من بعده } أي: من ~~بعد ms0699 هذا الصنيع { قوما صالحين } أي: تتوبون إلى الله، وتستغفرون ~~من بعد ذنبكم. فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب منهم تسهيلا ~~لفعله، وإزالة لشناعته، وتنشيطا من بعضهم لبعض. ### || [12.10] # أي: { قال قآئل } من إخوة يوسف الذين أرادوا قتله أو تبعيده: { لا ~~تقتلوا يوسف } فإن قتله أعظم إثما وأشنع، والمقصود يحصل بتبعيده ~~عن أبيه من غير قتل، ولكن توصلوا إلى تبعيده بأن تلقوه { في غيبت ~~الجب } وتتوعدوه على أنه لا يخبر بشأنكم، بل على أنه عبد مملوك آبق ~~منكم، لأجل أن { يلتقطه بعض السيارة } الذين يريدون ~~مكانا بعيدا، فيحتفظون فيه. وهذا القائل أحسنهم رأيا في يوسف، وأبرهم ~~وأتقاهم في هذه القضية، فإن بعض الشر أهون من بعض، والضرر الخفيف يدفع به ~~الضرر الثقيل،.فلما اتفقوا على هذا الرأي. ### || [12.11-14] # أي: قال إخوة يوسف، متوصلين إلى مقصدهم لأبيهم: { يأبانا ما لك ~~لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون } أي: لأي شيء ~~يدخلك الخوف منا على يوسف، من غير سبب ولا موجب؟ { و } الحال { إنا ~~له لناصحون } أي: مشفقون عليه، نود له ما نود لأنفسنا، وهذا يدل ~~على أن يعقوب عليه السلام لا يترك يوسف يذهب مع إخوته للبرية ونحوها. ~~فلما نفوا عن أنفسهم التهمة المانعة من عدم إرساله معهم، ذكروا له من ~~مصلحة يوسف وأنسه الذي يحبه أبوه له، ما يقتضي أن يسمح بإرساله معهم، ~~فقالوا: { أرسله معنا غدا يرتع ويلعب } أي: يتنزه في ~~البرية ويستأنس، { وإنا له لحافظون } أي: سنراعيه، ونحفظه من ~~أذى يريده. فأجابهم بقوله: { إني ليحزنني أن تذهبوا به ~~} أي: مجرد ذهابكم به يحزنني ويشق علي، لأنني لا أقدر على فراقه، ولو ~~مدة يسيرة، فهذا مانع من إرساله { و } مانع ثان، وهو أني { أخاف أن ~~يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } أي: في حال غفلتكم ~~عنه، لأنه صغير لا يمتنع من الذئب. { قالوا لئن أكله الذئب ~~ونحن عصبة } أي: جماعة، حريصون على حفظه، { إنآ إذا ~~لخاسرون } أي: لا خير فينا ولا نفع يرجى منا إن أكله الذئب وغلبنا ~~عليه. فلما مهدوا ms0700 لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع، سمح ~~حينئذ بإرساله معهم لأجل أنسه. ### || [12.15-18] # أي: لما ذهب إخوة يوسف بيوسف بعد ما أذن له أبوه، وعزموا على أن يجعلوه ~~في غيابة الجب، كما قال قائلهم السابق ذكره، وكانوا قادرين على ما أجمعوا ~~عليه، فنفذوا فيه قدرتهم، وألقوه في الجب، ثم إن الله لطف به بأن أوحى ~~إليه وهو في تلك الحال الحرجة، { لتنبئنهم بأمرهم ~~هذا وهم لا يشعرون } أي: سيكون منك معاتبة لهم، وإخبار عن ~~أمرهم هذا، وهم لا يشعرون بذلك الأمر، ففيه بشارة له، بأنه سينجو مما وقع ~~فيه، وأن الله سيجمعه بأهله وإخوته على وجه العز والتمكين له في الأرض. { ~~وجآءوا أباهم عشآء يبكون } ليكون إتيانهم متأخرا عن ~~عادتهم، وبكاؤهم دليلا لهم، وقرينة على صدقهم، فقالوا - متعذرين بعذر ~~كاذب -، { يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } إما على الأقدام، ~~أو بالرمي والنضال، { وتركنا يوسف عند متاعنا } توفيرا له ~~وراحة، { فأكله الذئب } في حال غيبتنا عنه في استباقنا { ومآ ~~أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } أي: تعذرنا بهذا ~~العذر، والظاهر أنك لا تصدقنا لما في قلبك من الحزن على يوسف، والرقة ~~الشديدة عليه. ولكن عدم تصديقك إيانا، لا يمنعنا أن نعتذر بالعذر ~~الحقيقي، وكل هذا تأكيد لعذرهم، { و } مما أكدوا به قولهم، أنهم { ~~وجآءوا على قميصه بدم كذب } زعموا أنه دم يوسف حين أكله ~~الذئب، فلم يصدقهم أبوهم بذلك، و { قال }: { بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا } أي: زينت لكم أنفسكم أمرا قبيحا في التفريق بيني ~~وبينه، لأنه رأى من القرائن والأحوال [ومن رؤيا يوسف التي قصها عليه] ~~ما دله على ما قال. { فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون } أي: أما أنا فوظيفتي سأحرص على القيام بها، وهي أني أصبر ~~على هذه المحنة صبرا جميلا، سالما من السخط والتشكي إلى الخلق، ~~وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر وشكى ~~إلى خالقه في قوله: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86] لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر ms0701 الجميل، لأن النبي إذا ~~وعد وفى. ### || [12.19-20] # أي: مكث يوسف في الجب ما مكث، حتى { جاءت سيارة } أي: قافلة ~~تريد مصر، { فأرسلوا واردهم } أي: فرطهم ومقدمهم، الذي يعس ~~لهم المياه، ويسبرها ويستعد لهم بتهيئة الحياض ونحو ذلك، { فأدلى } ~~ذلك الوارد { دلوه } فتعلق فيه يوسف عليه السلام وخرج، { قال ~~يبشرى هذا غلام } أي: استبشر وقال: هذا غلام نفيس، { ~~وأسروه بضاعة } وكان إخوته قريبا منه، فاشتراه السيارة منهم، ~~{ بثمن بخس } أي: قليل جدا، فسره بقوله: { دراهم معدودة ~~وكانوا فيه من الزاهدين }. لأنه لم يكن لهم قصد إلا تغييبه ~~وإبعاده عن أبيه، ولم يكن لهم قصد في أخذ ثمنه، والمعنى في هذا: أن ~~السيارة لما وجدوه، عزموا أن يسروا أمره، ويجعلوه من جملة بضائعهم ~~التي معهم، حتى جاءهم إخوته فزعموا أنه عبد أبق منهم، فاشتروه منهم بذلك ~~الثمن، واستوثقوا منهم فيه لئلا يهرب، والله أعلم. ### || [12.21] # أي: لما ذهب به السيارة إلى مصر وباعوه بها، فاشتراه عزيز مصر، فلما ~~اشتراه، أعجب به، ووصى عليه امرأته وقال: { أكرمي مثواه عسى ~~أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا } أي: إما أن ينفعنا كنفع ~~العبيد بأنواع الخدم، وإما أن نستمتع فيه استمتاعنا بأولادنا، ولعل ذلك ~~أنه لم يكن لهما ولد، { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } ~~أي: كما يسرنا له أن يشتريه عزيز مصر، ويكرمه هذا الإكرام، جعلنا هذا ~~مقدمة لتمكينه في الأرض من هذا الطريق. { ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث } إذا بقي لا شغل له ولا هم له سوى العلم صار ذلك من ~~أسباب تعلمه علما كثيرا، من علم الأحكام، وعلم التعبير، وغير ذلك. { ~~والله غالب على أمره } أي: أمره تعالى نافذ، لا يبطله ~~مبطل، ولا يغلبه مغالب، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون ~~} فلذلك يجري منهم ويصدر ما يصدر، في مغالبة أحكام الله القدرية، وهم ~~أعجز وأضعف من ذلك. ### || [12.22] # أي: { ولما بلغ } يوسف { أشده } أي: كمال قوته المعنوية ~~والحسية، وصلح لأن يتحمل الأحمال الثقيلة، من النبوة والرسالة. { ~~آتيناه حكما وعلما } أي: جعلناه نبيا رسولا، وعالما ~~ربانيا، { وكذلك نجزي ms0702 المحسنين } في عبادة الخالق ببذل ~~الجهد والنصح فيها، وإلى عباد الله ببذل النفع والإحسان إليهم، نؤتيهم من ~~جملة الجزاء على إحسانهم علما نافعا. ودل هذا، على أن يوسف وفى مقام ~~الإحسان، فأعطاه الله الحكم بين الناس، والعلم الكثير والنبوة. ### || [12.23-29] # هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم ~~أجرا، لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة، لوقوع الفعل، فقدم محبة ~~الله عليها، وأما محنته بإخوته، فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض ~~والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، ~~طائعا أو كارها، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرما في بيت ~~العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك، أن { ~~راودته التي هو في بيتها عن نفسه } أي: هو غلامها، ~~وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار ~~أحد، ولا إحساس بشر. { و } زادت المصيبة، بأن { غلقت الأبواب } ~~وصار المحل خاليا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، ~~وقد دعته إلى نفسها { وقالت هيت لك } أي: افعل الأمر المكروه ~~وأقبل إلي، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في ~~وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما ~~يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، وقد توعدته، إن لم يفعل ما تأمره به ~~بالسجن، أو العذاب الأليم. فصبر عن معصية الله، مع وجود الداعي القوي ~~فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس ~~الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان، ~~الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف، عن هذه ~~المعصية الكبيرة، و { قال معاذ الله } أي: أعوذ بالله أن أفعل ~~هذا الفعل القبيح، لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيدي ~~الذي أكرم مثواي. فلا يليق بي أن أقابله في أهله بأقبح مقابلة، وهذا من ~~أعظم الظلم، والظالم لا ms0703 يفلح، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل ~~تقوى الله، ومراعاة حق سيده الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم الذي لا ~~يفلح من تعاطاه، وكذلك ما من الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، ~~يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله أن الله ~~صرف عنه السوء والفحشاء، لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين ~~أخلصهم الله واختارهم، واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم ~~من المكاره ما كانوا به من خيار خلقه. ولما امتنع من إجابة طلبها بعد ~~المراودة الشديدة، ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص، ~~ويهرب من الفتنة، فبادرت إليه، وتعلقت بثوبه، فشقت قميصه، فلما وصلا إلى ~~الباب في تلك الحال، ألفيا سيدها، أي: زوجها لدى الباب، فرأى أمرا شق ~~عليه، فبادرت إلى الكذب، أن المراودة قد كانت من يوسف، وقالت: { ما ~~جزآء من أراد بأهلك سوءا } ولم تقل " من فعل بأهلك سوءا ~~" تبرئة لها وتبرئة له أيضا من الفعل. # وإنما النزاع عند الإرادة والمراودة، { إلا أن يسجن أو ~~عذاب أليم } أي: أو يعذب عذابا أليما. فبرأ نفسه مما رمته به، ~~وقال: { هي راودتني عن نفسي } فحينئذ احتملت الحال صدق كل ~~واحد منهما ولم يعلم أيهما. ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات ~~وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمن الله في هذه ~~القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث ~~شاهد من أهل بيتها، يشهد بقرينة من وجدت معه، فهو الصادق، فقال: { إن ~~كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } ~~لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها، المراود لها المعالج، وأنها أرادت ~~أن تدفعه عنها، فشقت قميصه من هذا الجانب. { وإن كان قميصه ~~قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين } لأن ذلك يدل على ~~هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب، { فلما ~~رأى قميصه قد من دبر } عرف بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنها هي ~~الكاذبة. فقال ms0704 لها سيدها: { قال إنه من كيدكن إن ~~كيدكن عظيم } وهل أعظم من هذا الكيد، الذي برأت به نفسها مما ~~أرادت وفعلت، ورمت به نبي الله يوسف عليه السلام، ثم إن سيدها لما تحقق ~~الأمر، قال ليوسف: { يوسف أعرض عن هذا } أي: اترك الكلام ~~فيه وتناسه ولا تذكره لأحد، طلبا للستر على أهله، { واستغفري } ~~أيتها المرأة { لذنبك إنك كنت من الخاطئين } فأمر يوسف ~~بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة. ### || [12.30-35] # يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها، ~~ويقلن: { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد ~~شغفها حبا } أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها ~~كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن ~~نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغا عظيما. { قد شغفها ~~حبا } أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، وهذا أعظم ما ~~يكون من الحب، { إنا لنراها في ضلال مبين } حيث وجدت منها ~~هذه الحالة التي لا تنبغي منها، وهي حالة تحط قدرها وتضعه عند الناس، ~~وكان هذا القول منهن مكرا، ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، ~~وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة ~~العزيز لتحنق امرأة العزيز، وتريهن إياه ليعذرنها، ولهذا سماه مكرا، ~~فقال: { فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن } ~~تدعوهن إلى منزلها للضيافة. { وأعتدت لهن متكئا } أي: ~~محلا مهيأ بأنواع الفرش والوسائد، وما يقصد بذلك من المآكل اللذيذة، ~~وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج إلى سكين، إما ~~أترج، أو غيره، { وآتت كل واحدة منهن سكينا } ليقطعن ~~فيها ذلك الطعام { وقالت } ليوسف: { اخرج عليهن } في حالة ~~جماله وبهائه. { فلما رأينه أكبرنه } أي: أعظمنه في ~~صدورهن، ورأين منظرا فائقا لم يشاهدن مثله، { وقطعن } من الدهش { ~~أيديهن } بتلك السكاكين اللاتي معهن، { وقلن حاش لله } ~~أي: تنزيها لله { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك ~~كريم } وذلك أن يوسف أعطي من الجمال الفائق ms0705 والنور والبهاء، ما ~~كان به آية للناظرين، وعبرة للمتأملين. فلما تقرر عندهن جمال يوسف ~~الظاهر، وأعجبهن غاية، وظهر منهن من العذر لامرأة العزيز، شيء كثير - ~~أرادت أن تريهن جماله الباطن بالعفة التامة فقالت معلنة لذلك ومبينة لحبه ~~الشديد غير مبالية، ولأن اللوم انقطع عنها من النسوة: { ولقد ~~راودته عن نفسه فاستعصم } أي: امتنع وهي مقيمة على ~~مراودته، لم تزدها مرور الأوقات إلا قلقا ومحبة وشوقا لوصاله وتوقا. ~~ولهذا قالت له بحضرتهن: { ولئن لم يفعل مآ آمره ~~ليسجنن وليكونا من الصاغرين } لتلجئه بهذا الوعيد إلى ~~حصول مقصودها منه، فعند ذلك اعتصم يوسف بربه، واستعان به على كيدهن و { ~~قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } ~~وهذا يدل على أن النسوة، جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته، وجعلن ~~يكدنه في ذلك. فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب ~~الشديد، { وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن } ~~أي: أمل إليهن، فإني ضعيف عاجز، إن لم تدفع عني السوء، { وأكن } إن ~~صبوت إليهن { من الجاهلين } فإن هذا جهل، لأنه آثر لذة قليلة ~~منغصة، على لذات متتابعات وشهوات متنوعات في جنات النعيم، ومن آثر هذا ~~على هذا، فمن أجهل منه؟!! فإن العلم والعقل يدعو إلى تقديم أعظم ~~المصلحتين وأعظم اللذتين، ويؤثر ما كان محمود العاقبة. # { فاستجاب له ربه } حين دعاه { فصرف عنه كيدهن ~~} فلم تزل تراوده وتستعين عليه بما تقدر عليه من الوسائل، حتى أيسها، ~~وصرف الله عنه كيدها، { إنه هو السميع } لدعاء الداعي { ~~العليم } بنيته الصالحة، وبنيته الضعيفة المقتضية لإمداده ~~بمعونته ولطفه، فهذا ما نجى الله به يوسف من هذه الفتنة الملمة والمحنة ~~الشديدة، وأما أسياده فإنه لما اشتهر الخبر وبان، وصار الناس فيها بين ~~عاذر ولائم وقادح. { بدا لهم } أي: ظهر لهم { من بعد ما ~~رأوا الآيات } الدالة على براءته، { ليسجننه حتى حين ~~} أي: لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس، فإن الشيء إذا شاع لم يزل يذكر ~~ويشاع مع وجود أسبابه، فإذا عدمت أسبابه نسي، فرأوا أن هذا مصلحة لهم، ~~فأدخلوه ms0706 في السجن. ### || [12.36-40] # أي: { و } لما دخل يوسف السجن، كان في جملة من { دخل معه ~~السجن فتيان } أي: شابان، فرأى كل واحد منهما رؤيا، فقصها على ~~يوسف ليعبرها، ف { قال أحدهمآ إني أراني أعصر ~~خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي ~~خبزا } وذلك الخبز { تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله } أي: بتفسيره، وما يؤول إليه أمرهما، وقولهما: { إنا ~~نراك من المحسنين } أي: من أهل الإحسان إلى الخلق، فأحسن ~~إلينا في تعبيرك لرؤيانا، كما أحسنت إلى غيرنا، فتوسلا ليوسف بإحسانه. ف ~~{ قال } لهما مجيبا لطلبتهما: { لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن ~~يأتيكما } أي: فلتطمئن قلوبكما، فإني سأبادر إلى تعبير رؤياكما، فلا ~~يأتيكما غداؤكما أو عشاؤكما، أول ما يجيء إليكما، إلا نبأتكما بتأويله ~~قبل أن يأتيكما. ولعل يوسف عليه الصلاة والسلام قصد أن يدعوهما إلى ~~الإيمان في هذه الحال التي بدت حاجتهما إليه، ليكون أنجع لدعوته، وأقبل ~~لهما. ثم قال: { ذلكما } التعبير الذي سأعبره لكما { مما ~~علمني ربي } أي: هذا من علم الله علمنيه وأحسن إلي به، وذلك { ~~إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون } والترك كما يكون للداخل في شيء ثم ينتقل ~~عنه، يكون لمن لم يدخل فيه أصلا. فلا يقال: إن يوسف كان من قبل، على غير ~~ملة إبراهيم. { واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب } ثم فسر تلك الملة بقوله: { ما كان لنآ } أي: ما ينبغي ~~ولا يليق بنا { أن نشرك بالله من شيء } بل نفرد الله ~~بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة. { ذلك من فضل الله ~~علينا وعلى الناس } أي: هذا من أفضل مننه وإحسانه وفضله ~~علينا، وعلى من هداه الله كما هدانا، فإنه لا أفضل من منة الله على ~~العباد بالإسلام والدين القويم، فمن قبله وانقاد له فهو حظه، وقد حصل له ~~أكبر النعم وأجل الفضائل. { ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون } فلذلك تأتيهم المنة والإحسان، فلا يقبلونها ولا يقومون لله ~~بحقه، وفي هذا من الترغيب للطريق التي هو عليها ما لا يخفى، ms0707 فإن الفتيين ~~لما تقرر عنده أنهما رأياه بعين التعظيم والإجلال، وأنه محسن معلم - ذكر ~~لهما أن هذه الحالة التي أنا عليها، كلها من فضل الله وإحسانه، حيث من ~~علي بترك الشرك وباتباع ملة آبائه، فبهذا وصلت إلى ما رأيتما، فينبغي ~~لكما أن تسلكا ما سلكت. ثم صرح لهما بالدعوة، فقال: { يصاحبي ~~السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار } أي: أرباب عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا ~~تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات، وغير ذلك من أنواع ~~المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك { خير أم الله } الذي له ~~صفات الكمال، { الواحد } في ذاته وصفاته وأفعاله فلا شريك له في شيء ~~من ذلك. # { القهار } الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن # ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ # [هود: 56] ومن المعلوم أن من هذا شأنه ووصفه خير من الآلهة المتفرقة ~~التي هي مجرد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها، ولهذا قال: { ما ~~تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم }. أي: كسوتموها أسماء، سميتموها آلهة، وهي لا شيء، ولا ~~فيها من صفات الألوهية شيء، { وآبآؤكم مآ أنزل الله بها ~~من سلطان } بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، ~~وإذا لم ينزل الله بها سلطانا، لم يكن طريق ولا وسيلة ولا دليل لها. لأن ~~الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع ويسن الأحكام، وهو ~~الذي أمركم { ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين ~~القيم } أي: المستقيم الموصل إلى كل خير، وما سواه من الأديان، ~~فإنها غير مستقيمة، بل معوجة توصل إلى كل شر. { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } حقائق الأشياء، وإلا فإن الفرق بين عبادة ~~الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها. ولكن لعدم ~~العلم من أكثر الناس بذلك، حصل منهم ما حصل من الشرك، فيوسف عليه السلام ~~دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما ~~استجابا وانقادا، فتمت عليهما ms0708 النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، ~~فقامت عليهما - بذلك - الحجة، ثم إنه عليه السلام شرع يعبر رؤياهما، بعد ~~ما وعدهما ذلك، فقال: { يصاحبي السجن أمآ... }. ### || [12.41] # { يصاحبي السجن أمآ أحدكما } وهو الذي رأى أنه يعصر ~~خمرا، فإنه يخرج من السجن { فيسقي ربه خمرا } أي: يسقي سيده ~~الذي كان يخدمه خمرا، وذلك مستلزم لخروجه من السجن، { وأما الآخر ~~} وهو: الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه. { فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه } فإنه عبر [عن] الخبز الذي تأكله ~~الطير، بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، ~~بل يصلب ويجعل في محل، تتمكن الطيور من أكله، ثم أخبرهما بأن هذا التأويل ~~الذي تأوله لهما، أنه لا بد من وقوعه فقال: { قضي الأمر الذي ~~فيه تستفتيان } أي: تسألان عن تعبيره وتفسيره. ### || [12.42] # أي: { وقال } يوسف عليه السلام: { للذي ظن أنه ناج ~~منهما } وهو: الذي رأى أنه يعصر خمرا: { اذكرني عند ربك ~~} أي: اذكر له شأني وقصتي، لعله يرق لي، فيخرجني مما أنا فيه، { ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه } أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ~~ذكر الله تعالى، وذكر ما يقرب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذكر يوسف الذي ~~يستحق أن يجازى بأتم الإحسان، وذلك ليتم الله أمره وقضاءه. { فلبث ~~في السجن بضع سنين } والبضع من الثلاث إلى التسع، ولهذا قيل: ~~إنه لبث سبع سنين، ولما أراد الله أن يتم أمره، ويأذن بإخراج يوسف من ~~السجن، قدر لذلك سببا، كان سببا لإخراج يوسف وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، ~~وهو رؤيا الملك. ### || [12.43-49] # لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف من السجن، أرى الله الملك هذه الرؤيا ~~العجيبة، الذي تأويلها يتناول جميع الأمة، ليكون تأويلها على يد يوسف، ~~فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين، ومن التقادير ~~المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها، لارتباط ~~مصالحها به. وذلك أنه رأى رؤيا هالته، فجمع لها علماء قومه وذوي الرأي: ~~منهم وقال: ms0709 { إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن ~~سبع } أي: سبع من البقرات { عجاف } وهذا من العجب، أن السبع العجاف ~~الهزيلات اللاتي سقطت قوتهن، يأكلن السبع السمان التي كن نهاية في ~~القوة. { و } رأيت { سبع سنبلات خضر } يأكلهن سبع سنبلات { ~~يابسات } { يأيها الملأ أفتوني في رؤياي } لأن ~~تعبير الجميع واحد، وتأويله شيء واحد، { إن كنتم للرءيا ~~تعبرون } فتحيروا، ولم يعرفوا لها وجها. و { قالوا أضغاث ~~أحلام } أي: أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل. وهذا جزم منهم بما لا ~~يعلمون، وتعذر منهم، [بما ليس بعذر] ثم قالوا: { وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعالمين } أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما ~~الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها. فجمعوا ~~بين الجهل والجزم، بأنها أضغات أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم ~~يقولوا: لا نعلم تأويلها، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين ~~والحجا، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام. فإنه لو عبرها ابتداء ~~- قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها - لم يكن لها ~~ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما ~~لها غاية، فعبرها يوسف - وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله ~~فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا. ثم سأل آدم، ~~فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه ~~محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا ~~بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذرون ~~عنها، ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: # " أنا لها أنا لها " # فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون. فسبحان من خفيت ألطافه، ودقت في إيصاله البر والإحسان، إلى ~~خواص أصفيائه وأوليائه. { وقال الذي نجا منهما } أي: من ~~الفتيين، وهو: الذي رأى أنه يعصر خمرا، وهو الذي أوصاه يوسف أن يذكره ~~عند ربه { وادكر بعد أمة } أي: وتذكر يوسف، وما ms0710 جرى له في ~~تعبيره لرؤياهما، وما وصاه به، وعلم أنه كفيل بتعبير هذه الرؤيا بعد مدة ~~من السنين، فقال: { أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } ~~إلى يوسف لأسأله عنها. # فأرسلوه، فجاء إليه، ولم يعنفه يوسف على نسيانه، بل استمع ما يسأله عنه، ~~وأجابه عن ذلك فقال: { يوسف أيها الصديق } أي: كثير الصدق في ~~أقواله وأفعاله، { أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن ~~سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ~~لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } فإنهم ~~متشوقون لتعبيرها، وقد أهمتهم. فعبر يوسف، السبع البقرات السمان والسبع ~~السنبلات الخضر، بأنهن سبع سنين مخصبات، والسبع البقرات العجاف، والسبع ~~السنبلات اليابسات، بأنهن سنين مجدبات، ولعل وجه ذلك - والله أعلم - أن ~~الخصب والجدب لما كان الحرث مبنيا عليه، وأنه إذا حصل الخصب قويت الزروع ~~والحروث، وحسن منظرها، وكثرت غلالها، والجدب بالعكس من ذلك. وكانت البقر ~~هي التي تحرث عليها الأرض، وتسقى عليها الحروث في الغالب، والسنبلات هي ~~أعظم الأقوات وأفضلها، عبرها بذلك لوجود المناسبة، فجمع لهم في تأويلها ~~بين التعبير والإشارة لما يفعلونه، ويستعدون به من التدبير في سني الخصب، ~~إلى سني الجدب فقال: { تزرعون سبع سنين دأبا } أي: ~~متتابعات. { فما حصدتم } من تلك الزروع { فذروه } أي: اتركوه ~~{ في سنبله } لأنه أبقى له وأبعد من الالتفات إليه { إلا ~~قليلا مما تأكلون } أي: دبروا أيضا أكلكم في هذه السنين ~~الخصبة، وليكن قليلا، ليكثر ما تدخرون ويعظم نفعه ووقعه. { ثم ~~يأتي من بعد ذلك } أي: بعد تلك السنين السبع المخصبات، { ~~سبع شداد } أي: مجدبات جدا { يأكلن ما قدمتم لهن ~~} أي: يأكلن جميع ما ادخرتموه ولو كان كثيرا، { إلا قليلا مما ~~تحصنون } أي: تمنعونه من التقديم لهن. { ثم يأتي من بعد ~~ذلك } أي: بعد السبع الشداد { عام فيه يغاث الناس وفيه ~~يعصرون } أي: فيه تكثر الأمطار والسيول، وتكثر الغلات، وتزيد على ~~أقواتهم، حتى إنهم يعصرون العنب ونحوه زيادة على أكلهم، ولعل استدلاله ~~على وجود هذا العام الخصب، مع أنه غير مصرح به في رؤيا الملك، لأنه فهم ~~من التقدير بالسبع ms0711 الشداد، أن العام الذي يليها يزول به شدتها، ومن ~~المعلوم أنه لا يزول الجدب المستمر سبع سنين متواليات، إلا بعام مخصب ~~جدا، وإلا لما كان للتقدير فائدة، فلما رجع الرسول إلى الملك والناس، ~~وأخبرهم بتأويل يوسف للرؤيا، عجبوا من ذلك، وفرحوا بها أشد الفرح. ### || [12.50-57] # يقول تعالى: { وقال الملك } لمن عنده { ائتوني به } أي: ~~بيوسف عليه السلام، بأن يخرجوه من السجن ويحضروه إليه، فلما جاء يوسف ~~الرسول وأمره بالحضور عند الملك، امتنع عن المبادرة إلى الخروج، حتى ~~تتبين براءته التامة، وهذا من صبره وعقله ورأيه التام. ف { قال } ~~للرسول: { ارجع إلى ربك } يعني به الملك. { فاسأله ما ~~بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } أي: اسأله ما ~~شأنهن وقصتهن، فإن أمرهن ظاهر متضح { إن ربي بكيدهن عليم ~~}. فأحضرهن الملك، وقال: { ما خطبكن } أي: شأنكن { إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه } فهل رأيتن منه ما يريب؟. ~~فبرأنه و { قلن حاش لله ما علمنا عليه من ~~سوء } أي: لا قليل ولا كثير، فحينئذ زال السبب الذي تنبني عليه ~~التهمة، ولم يبق إلا ما عند امرأة العزيز، ف { قالت امرأت ~~العزيز الآن حصحص الحق } أي: تمحض وتبين، بعد ما كنا ندخل ~~معه من السوء والتهمة، ما أوجب له السجن { أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين } في أقواله وبراءته، { ذلك ~~} الإقرار، الذي أقررت [أني راودت يوسف]، { ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب }. يحتمل أن مرادها بذلك زوجها أي: ليعلم أني حين ~~أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر مني إلا مجرد ~~المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين ~~أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني، { ~~وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } فإن كل خائن، لا بد ~~أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بد أن يتبين أمره. ثم لما كان في هذا ~~الكلام نوع تزكية لنفسها، وأنه لم يجر منها ذنب في شأن يوسف، استدركت ~~فقالت: { ومآ أبرىء نفسي } أي: من ms0712 المراودة والهم، والحرص ~~الشديد، والكيد في ذلك { إن النفس لأمارة بالسوء } أي: ~~لكثيرة الأمر لصاحبها بالسوء، أي: الفاحشة، وسائر الذنوب، فإنها مركب ~~الشيطان، ومنها يدخل على الإنسان { إلا ما رحم ربي } فنجاه من ~~نفسه الأمارة، حتى صارت نفسه مطمئنة إلى ربها، منقادة لداعي الهدى، ~~متعاصية عن داعي الردى، فذلك ليس من النفس، بل من فضل الله ورحمته بعبده. ~~{ إن ربي غفور رحيم } أي: هو غفور لمن تجرأ على الذنوب ~~والمعاصي، إذا تاب وأناب، { رحيم } بقبول توبته، وتوفيقه للأعمال ~~الصالحة،. وهذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف، ~~فإن السياق في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر. فلما تحقق الملك ~~والناس براءة يوسف التامة، أرسل إليه الملك وقال: { ائتوني به ~~أستخلصه لنفسي } أي: أجعله خصيصة لي ومقربا لدي فأتوه به ~~مكرما محترما، { فلما كلمه } أعجبه كلامه، وزاد موقعه عنده ~~فقال له: { إنك اليوم لدينا } أي: عندنا { مكين أمين } ~~أي: متمكن، أمين على الأسرار، ف { قال } يوسف طلبا للمصلحة العامة: { ~~اجعلني على خزآئن الأرض } أي: على خزائن جبايات الأرض ~~وغلالها، وكيلا حافظا مدبرا. # { إني حفيظ عليم } أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في ~~غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، ~~والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، ~~وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة ~~والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه. فلذلك طلب من الملك أن يجعله على خزائن ~~الأرض، فجعله الملك على خزائن الأرض وولاه إياها، قال تعالى: { ~~وكذلك } أي: بهذه الأسباب والمقدمات المذكورة، { مكنا ~~ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشآء } في عيش ~~رغد، ونعمة واسعة، وجاه عريض، { نصيب برحمتنا من نشآء } أي: ~~هذا من رحمة الله بيوسف التي أصابه بها وقدرها له، وليست مقصورة على نعمة ~~الدنيا. { ولا نضيع أجر المحسنين } ويوسف عليه السلام من ~~سادات المحسنين، فله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ولهذا قال: { ~~ولأجر ms0713 الآخرة خير } من أجر الدنيا { للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون } أي: لمن جمع بين التقوى والإيمان، فبالتقوى تترك ~~الأمور المحرمة من كبائر الذنوب وصغائرها، وبالإيمان التام يحصل تصديق ~~القلب، بما أمر الله بالتصديق به، وتتبعه أعمال القلوب وأعمال الجوارح، ~~من الواجبات والمستحبات. ### || [12.58-68] # أي: لما تولى يوسف عليه السلام خزائن الأرض، دبرها أحسن تدبير، فزرع في ~~أرض مصر جميعها في السنين الخصبة زروعا هائلة، واتخذ لها المحلات ~~الكبار، وجبا من الأطعمة شيئا كثيرا وحفظه، وضبطه ضبطا تاما، فلما ~~دخلت السنون المجدبة، وسرى الجدب حتى وصل إلى فلسطين، التي يقيم فيها ~~يعقوب وبنوه، فأرسل يعقوب بنيه لأجل الميرة إلى مصر، { وجآء إخوة ~~يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون } أي: ~~لم يعرفوه. { ولما جهزهم بجهازهم } أي: كال لهم كما كان ~~يكيل لغيرهم، وكان من تدبيره الحسن أنه لا يكيل لكل واحد أكثر من حمل ~~بعير، وكان قد سألهم عن حالهم، فأخبروه أن لهم أخا عند أبيه، وهو ~~بنيامين. ف { قال } لهم: { ائتوني بأخ لكم من أبيكم ~~} ثم رغبهم في الإتيان به فقال: { ألا ترون أني أوفي ~~الكيل وأنا خير المنزلين } في الضيافة والإكرام. ثم ~~رهبهم بعدم الإتيان به، فقال: { فإن لم تأتوني به فلا ~~كيل لكم عندي ولا تقربون } وذلك لعلمه باضطرارهم إلى ~~الإتيان إليه، وأن ذلك يحملهم على الإتيان به. ف { قالوا سنراود ~~عنه أباه } دل هذا على أن يعقوب عليه السلام كان مولعا به لا ~~يصبر عنه، وكان يتسلى به بعد يوسف، فلذلك احتاج إلى مراودة في بعثه معهم ~~{ وإنا لفاعلون } لما أمرتنا به. { وقال } يوسف { ~~لفتيانه } الذين في خدمته: { اجعلوا بضاعتهم } أي: الثمن ~~الذي اشتروا به من الميرة. { في رحالهم لعلهم يعرفونهآ ~~} أي: بضاعتهم إذا رأوها بعد ذلك في رحالهم، { لعلهم يرجعون } ~~لأجل التحرج من أخذها على ما قيل، والظاهر أنه أراد أن يرغبهم في إحسانه ~~إليهم بالكيل لهم كيلا وافيا، ثم إعادة بضاعتهم إليهم على وجه لا يحسون ~~بها، ولا يشعرون لما يأتي، فإن الإحسان يوجب للإنسان تمام ms0714 الوفاء للمحسن. ~~{ فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا ~~الكيل } أي: إن لم ترسل معنا أخانا، { فأرسل معنآ أخانا ~~نكتل } أي: ليكون ذلك سببا لكيلنا، ثم التزموا له بحفظه، فقالوا: { ~~وإنا له لحافظون } من أن يعرض له ما يكره. { قال } لهم ~~يعقوب عليه السلام: { هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم ~~على أخيه من قبل } أي: تقدم منكم التزام أكثر من هذا في حفظ ~~يوسف، ومع هذا لم تفوا بما عقدتم من التأكيد، فلا أثق بالتزامكم وحفظكم، ~~وإنما أثق بالله تعالى. { فالله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين } أي: يعلم حالي، وأرجو أن يرحمني، فيحفظه ويرده علي، ~~وكأنه في هذا الكلام قد لان لإرساله معهم. ثم إنهم { ولما فتحوا ~~متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم } هذا دليل على ~~أنه قد كان معلوما عندهم أن يوسف قد ردها عليهم بالقصد، وأنه أراد أن ~~يملكهم إياها، ف { قالوا } لأبيهم - ترغيبا في إرسال أخيهم معهم -: ~~{ يأبانا ما نبغي } أي: أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام الجميل، حيث ~~وفى لنا الكيل، ورد علينا بضاعتنا على الوجه الحسن، المتضمن للإخلاص ~~ومكارم الأخلاق؟. # { هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا } أي: ~~إذا ذهبنا بأخينا صار سببا لكيله لنا، فمرنا أهلنا، وأتينا لهم، بما هم ~~مضطرون إليه من القوت، { ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ~~} بإرساله معنا، فإنه يكيل لكل واحد حمل بعير، { ذلك كيل يسير } ~~أي: سهل لا ينالك ضرر، لأن المدة لا تطول، والمصلحة قد تبينت. ف { قال ~~} لهم يعقوب: { لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا ~~من الله } أي: عهدا ثقيلا وتحلفون بالله { لتأتنني به ~~إلا أن يحاط بكم } أي: إلا أن يأتيكم أمر لا قبل لكم به، ولا ~~تقدرون دفعه، { فلمآ آتوه موثقهم } على ما قال وأراد { ~~قال الله على ما نقول وكيل } أي: تكفينا شهادته علينا ~~وحفظه وكفاءته. ثم لما أرسله معهم وصاهم إذا هم قدموا مصر، أن { لا ~~تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب ~~متفرقة } وذلك أنه خاف عليهم العين، لكثرتهم وبهاء منظرهم، ~~لكونهم أبناء ms0715 رجل واحد، وهذا سبب. { و } إلا ف { ومآ أغني عنكم ~~من الله من شيء } فالمقدر لا بد أن يكون، { إن الحكم ~~إلا لله } أي: القضاء قضاؤه، والأمر أمره، فما قضاه وحكم به لا بد ~~أن يقع، { عليه توكلت } أي: اعتمدت على الله، لا على ما وصيتكم ~~به من السبب، { وعليه فليتوكل المتوكلون } فإن ~~بالتوكل يحصل كل مطلوب، ويندفع كل مرهوب. { ولما } ذهبوا و { ~~دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان } ذلك الفعل { ~~يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس ~~يعقوب قضاها } وهو موجب الشفقة والمحبة للأولاد، فحصل له في ذلك ~~نوع طمأنينة، وقضاء لما في خاطره. وليس هذا قصورا في علمه، فإنه من ~~الرسل الكرام والعلماء الربانيين، ولهذا قال عنه: { وإنه لذو ~~علم } أي: لصاحب علم عظيم { لما علمناه } أي: لتعليمنا إياه، ~~لا بحوله وقوته أدركه، بل بفضل الله وتعليمه، { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } عواقب الأمور ودقائق الأشياء وكذلك أهل العلم ~~منهم، يخفى عليهم من العلم وأحكامه ولوازمه شيء كثير. ### || [12.69-79] # أي: لما دخل إخوة يوسف على يوسف { آوى إليه أخاه } أي: شقيقه ~~وهو " بنيامين " الذي أمرهم بالإتيان به [و] ضمه إليه، واختصه من بين ~~إخوته، وأخبره بحقيقة الحال، و { قال إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس } أي: لا تحزن { بما كانوا يعملون } فإن العاقبة ~~خير لنا، ثم خبره بما يريد أن يصنع ويتحيل لبقائه عنده إلى أن ينتهي ~~الأمر. { فلما جهزهم بجهازهم } أي: كال لكل واحد من ~~إخوته، ومن جملتهم أخوه هذا. { جعل السقاية } وهو: الإناء الذي ~~يشرب به، ويكال فيه { في رحل أخيه ثم } أوعوا متاعهم، فلما ~~انطلقوا ذاهبين، { أذن مؤذن أيتها العير إنكم ~~لسارقون } ولعل هذا المؤذن لم يعلم بحقيقة الحال، { قالوا } أي: ~~إخوة يوسف { وأقبلوا عليهم } لإبعاد التهمة، فإن السارق ليس ~~له هم إلا البعد والانطلاق عمن سرق منه، لتسلم له سرقته، وهؤلاء جاءوا ~~مقبلين إليهم، ليس لهم هم إلا إزالة التهمة التي رموا بها عنهم، فقالوا ~~في هذه الحال: { ماذا تفقدون } ولم ms0716 يقولوا: " ما الذي سرقنا " ~~لجزمهم بأنهم براء من السرقة، { قالوا نفقد صواع الملك ~~ولمن جآء به حمل بعير } أي: أجرة له على وجدانه { وأنا ~~به زعيم } أي: كفيل، وهذا يقوله المؤذن المتفقد. { قالوا ~~تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض } ~~بجميع أنواع المعاصي، { وما كنا سارقين } فإن السرقة من أكبر ~~أنواع الفساد في الأرض، وإنما أقسموا على علمهم أنهم ليسوا مفسدين ولا ~~سارقين، لأنهم عرفوا أنهم سبروا من أحوالهم ما يدلهم على عفتهم وورعهم، ~~وأن هذا الأمر لا يقع منهم بعلم من اتهموهم، وهذا أبلغ في نفي التهمة، من ~~أن لو قالوا: " تالله لم نفسد في الأرض ولم نسرق ". { قالوا فما ~~جزآؤه } أي: جزاء هذا الفعل { إن كنتم كاذبين } بأن كان ~~معكم؟ { قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو } أي: ~~الموجود في رحله { جزاؤه } بأن يتملكه صاحب السرقة، وكان هذا في ~~دينهم أن السارق إذا ثبتت عليه السرقة كان ملكا لصاحب المال المسروق، ~~ولهذا قالوا: { كذلك نجزي الظالمين }. { فبدأ } المفتش { ~~بأوعيتهم قبل وعآء أخيه } وذلك لتزول الريبة التي يظن ~~أنها فعلت بالقصد، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا { استخرجها من ~~وعآء أخيه } ولم يقل " وجدها، أو سرقها أخوه " مراعاة للحقيقة ~~الواقعة. فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده، على وجه لا يشعر به ~~إخوته، قال تعالى: { كذلك كدنا ليوسف } أي: يسرنا له هذا ~~الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم { ما كان ليأخذ أخاه ~~في دين الملك } لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق، وإنما له ~~عندهم، جزاء آخر، فلو ردت الحكومة إلى دين الملك، لم يتمكن يوسف من إبقاء ~~أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد. # قال تعالى: { نرفع درجات من نشآء } بالعلم النافع، ومعرفة ~~الطرق الموصلة إلى مقصدها، كما رفعنا درجات يوسف، { وفوق كل ذي ~~علم عليم } فكل عالم، فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى ~~عالم الغيب والشهادة، فلما رأى إخوة يوسف ما رأوا { قالوا إن ~~يسرق } هذا ms0717 الأخ، فليس هذا غريبا منه. { فقد سرق أخ له ~~من قبل } يعنون: يوسف عليه السلام، ومقصودهم تبرئة أنفسهم وأن هذا ~~وأخاه قد يصدر منهما ما يصدر من السرقة، وهما ليسا شقيقين لنا. وفي هذا ~~من الغض عليهما ما فيه، ولهذا: أسرها يوسف في نفسه { ولم يبدها ~~لهم } أي: لم يقابلهم على ما قالوه بما يكرهون، بل كظم الغيظ، وأسر ~~الأمر في نفسه. و { قال } في نفسه { أنتم شر مكانا } حيث ~~ذممتمونا بما أنتم على أشر منه، { والله أعلم بما تصفون } ~~منا، من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها، ثم سلكوا معه مسلك ~~التملق، لعله يسمح لهم بأخيهم. ف { قالوا يأيها العزيز ~~إن له أبا شيخا كبيرا } أي: وإنه لا يصبر عنه، وسيشق عليه ~~فراقه، { فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ~~} فأحسن إلينا وإلى أبينا بذلك، ف { قال } يوسف { معاذ الله أن ~~نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } أي: هذا ظلم منا، ~~لو أخذنا البريء بذنب من وجدنا متاعنا عنده، ولم يقل " من سرق " كل هذا ~~تحرز من الكذب، { إنآ إذا } أي: إن أخذنا غير من وجد في رحله { ~~لظالمون } حيث وضعنا العقوبة في غير موضعها. ### || [12.80-83] # أي: فلما استيأس إخوة يوسف من يوسف أن يسمح لهم بأخيهم { خلصوا ~~نجيا } أي: اجتمعوا وحدهم، ليس معهم غيرهم، وجعلوا يتناجون فيما ~~بينهم، ف { قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد ~~أخذ عليكم موثقا من الله } في حفظه، وأنكم تأتون به ~~إلا أن يحاط بكم { ومن قبل ما فرطتم في يوسف } فاجتمع ~~عليكم الأمران، تفريطكم في يوسف السابق، وعدم إتيانكم بأخيه باللاحق، ~~فليس لي وجه أواجه به أبي. { فلن أبرح الأرض } أي: سأقيم في ~~هذه الأرض ولا أزال بها { حتى يأذن لي أبي أو يحكم ~~الله لي } أي: يقدر لي المجيء وحدي، أو مع أخي { وهو خير ~~الحاكمين } ثم وصاهم بما يقولون لأبيهم، فقال: { ارجعوا ~~إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك سرق } أي: وأخذ ~~بسرقته، ولم يحصل لنا أن نأتيك به، مع ms0718 ما بذلنا من الجهد في ذلك. والحال ~~أنا ما شهدنا بشيء لم نعلمه، وإنما شهدنا بما علمنا، لأننا رأينا الصواع ~~استخرج من رحله، { علمنا وما كنا للغيب حافظين } أي: ~~لو كنا نعلم الغيب لما حرصنا وبذلنا المجهود في ذهابه معنا، ولما أعطيناك ~~عهودنا ومواثيقنا، فلم نظن أن الأمر سيبلغ ما بلغ، { وسئل } إن شككت ~~في قولنا { القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها } فقد اطلعوا على ما أخبرناك به { وإنا ~~لصادقون } لم نكذب ولم نغير ولم نبدل، بل هذا الواقع. فلما رجعوا ~~إلى أبيهم وأخبروه بهذا الخبر، اشتد حزنه وتضاعف كمده، واتهمهم أيضا في ~~هذه القضية، كما اتهمهم في الأولى، و { قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل } أي: ألجأ في ذلك إلى الصبر ~~الجميل، الذي لا يصحبه تسخط ولا جزع، ولا شكوى للخلق، ثم لجأ إلى حصول ~~الفرج لما رأى أن الأمر اشتد، والكربة انتهت فقال: { عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا } أي: يوسف و " بنيامين " ، وأخوهم الكبير ~~الذي أقام في مصر. { إنه هو العليم } الذي يعلم حالي، واحتياجي ~~إلى تفريجه ومنته، واضطراري إلى إحسانه، { الحكيم } الذي جعل لكل ~~شيء قدرا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما اقتضته حكمته الربانية. ### || [12.84-86] # أي: وتولى يعقوب عليه الصلاة والسلام عن أولاده بعد ما أخبروه هذا ~~الخبر، واشتد به الأسف والأسى، وابيضت عيناه من الحزن الذي في قلبه، ~~والكمد الذي أوجب له كثرة البكاء، حيث ابيضت عيناه من ذلك. { فهو ~~كظيم } أي: ممتلئ القلب من الحزن الشديد، { وقال يأسفى على ~~يوسف } أي: ظهر منه ما كمن من الهم القديم والشوق المقيم، وذكرته هذه ~~المصيبة الخفيفة بالنسبة للأولى، المصيبة الأولى، فقال له أولاده متعجبين ~~من حاله: { تالله تفتؤا تذكر يوسف } أي: لا تزال تذكر يوسف ~~في جميع أحوالك. { حتى تكون حرضا } أي: فانيا لا حراك فيك ولا ~~قدرة على الكلام. { أو تكون من الهالكين } أي: لا تترك ذكره ~~مع قدرتك على ذكره أبدا. { قال } يعقوب { إنمآ أشكو بثي } ~~أي: ما أبث من ms0719 الكلام { وحزني } الذي في قلبي { إلى الله } ~~وحده، لا إليكم ولا إلى غيركم من الخلق، فقولوا ما شئتم { وأعلم ~~من الله ما لا تعلمون } من أنه سيردهم علي ويقر عيني ~~بالاجتماع بهم. ### || [12.87-88] # أي: قال يعقوب عليه السلام لبنيه: { يبني اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه } أي: احرصوا واجتهدوا على التفتيش ~~عنهما { ولا تيأسوا من روح الله } فإن الرجاء يوجب للعبد ~~السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس: يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما ~~رجا العباد، فضل الله وإحسانه ورحمته وروحه، { إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون } فإنهم لكفرهم يستبعدون ~~رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبهوا بالكافرين. ودل هذا على أنه بحسب ~~إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه، فذهبوا { فلما دخلوا ~~عليه } أي: على يوسف { قالوا } متضرعين إليه: { يأيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ } أي: قد ~~اضطررنا نحن وأهلنا { وجئنا ببضاعة مزجاة } أي: مدفوعة ~~مرغوب عنها لقلتها، وعدم وقوعها الموقع، { فأوف لنا الكيل } ~~أي: مع عدم وفاء العرض، وتصدق علينا بالزيادة عن الواجب. { إن الله ~~يجزي المتصدقين } بثواب الدنيا والآخرة. فلما انتهى الأمر، ~~وبلغ أشده، رق لهم يوسف رقة شديدة، وعرفهم بنفسه، وعاتبهم. ### || [12.89-92] # { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } أما يوسف ~~فظاهر فعلهم فيه، وأما أخوه، فلعله والله أعلم قولهم: # إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل # [يوسف: 77] أو أن الحادث الذي فرق بينه وبين أبيه، هم السبب فيه، ~~والأصل الموجب له، { إذ أنتم جاهلون } وهذا نوع اعتذار لهم ~~بجهلهم، أو توبيخ لهم إذ فعلوا فعل الجاهلين، مع أنه لا ينبغي ولا يليق ~~منهم. فعرفوا أن الذي خاطبهم هو يوسف، فقالوا: { أءنك لأنت ~~يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله ~~علينآ } بالإيمان والتقوى والتمكين في الدنيا، وذلك بسبب الصبر ~~والتقوى، { إنه من يتق ويصبر } أي: يتقي فعل ما حرم الله، ~~ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها { فإن الله ~~لا يضيع أجر المحسنين } فإن هذا من الإحسان، ms0720 والله لا يضيع ~~أجر من أحسن عملا. { قالوا تالله لقد آثرك الله ~~علينا } أي: فضلك علينا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأسأنا إليك ~~غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك ~~الله تعالى ومكنك مما تريد { وإن كنا لخاطئين } وهذا غاية ~~الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم على يوسف. ف { قال } لهم يوسف عليه ~~السلام، كرما وجودا: { لا تثريب عليكم اليوم } أي: لا ~~أثرب عليكم ولا ألومكم { يغفر الله لكم وهو أرحم ~~الراحمين } فسمح لهم سماحا تاما، من غير تعيير لهم على ذكر الذنب ~~السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى ~~إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين. ### || [12.93-98] # أي: قال يوسف عليه السلام لإخوته: { اذهبوا بقميصي هذا ~~فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا } لأن كل داء يداوى ~~بضده، فهذا القميص - لما كان فيه أثر ريح يوسف، الذي أودع قلب أبيه من ~~الحزن والشوق ما الله به عليم - أراد أن يشمه، فترجع إليه روحه، وتتراجع ~~إليه نفسه، ويرجع إليه بصره، ولله في ذلك حكم وأسرار، لا يطلع عليها ~~العباد، وقد اطلع يوسف من ذلك على هذا الأمر. { وأتوني بأهلكم ~~أجمعين } أي: أولادكم وعشيرتكم وتوابعكم كلهم، ليحصل تمام اللقاء، ~~ويزول عنكم نكد المعيشة، وضنك الرزق. { ولما فصلت العير } عن ~~أرض مصر مقبلة إلى أرض فلسطين، شم يعقوب ريح القميص، فقال: { إني ~~لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } أي: تسخرون مني، ~~وتزعمون أن هذا الكلام صدر مني من غير شعور، لأنه رأى منهم من التعجب من ~~حاله ما أوجب له هذا القول، فوقع ما ظنه بهم فقالوا: { تالله إنك ~~لفي ضلالك القديم } أي: لا تزال تائها في بحر الحب لا تدري ~~ما تقول. { فلمآ أن جآء البشير } بقرب الاجتماع بيوسف وإخوته ~~وأبيهم، { ألقاه } أي: القميص { على وجهه فارتد بصيرا ~~} أي: رجع على حاله الأولى بصيرا، بعد أن ابيضت عيناه من الحزن، فقال ~~لمن حضره من أولاده وأهله الذين كانوا يفندون رأيه، ويتعجبون منه منتصرا ~~عليهم، متبجحا بنعمة ms0721 الله عليه: { ألم أقل لكم إني ~~أعلم من الله ما لا تعلمون } حيث كنت مترجيا للقاء ~~يوسف، مترقبا لزوال الهم والغم والحزن. فأقروا بذنبهم ونجعوا بذلك و { ~~قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا ~~خاطئين } حيث فعلنا معك ما فعلنا. ف { قال } مجيبا لطلبتهم، ~~ومسرعا لإجابتهم: { سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم } أي: ورجائي به أن يغفر لكم ويرحمكم، ويتغمدكم ~~برحمته، وقد قيل: إنه أخر الاستغفار لهم إلى وقت السحر الفاضل، ليكون ~~أتم للاستغفار، وأقرب للإجابة. ### || [12.99-100] # أي: { فلما } تجهز يعقوب وأولاده وأهلهم أجمعون، وارتحلوا من بلادهم ~~قاصدين الوصول إلى يوسف في مصر وسكناها، فلما وصلوا إليه، و { دخلوا ~~على يوسف آوى إليه أبويه } أي: ضمهما إليه، واختصهما ~~بقربه، وأبدى لهما من البر والإكرام والتبجيل والإعظام شيئا عظيما، { ~~وقال } لجميع أهله: { ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين } ~~من جميع المكاره والمخاوف، فدخلوا في هذه الحال السارة، وزال عنهم النصب ~~ونكد المعيشة، وحصل السرور والبهجة. { ورفع أبويه على ~~العرش } أي: على سرير الملك، ومجلس العزيز، { وخروا له ~~سجدا } أي: أبوه، وأمه وإخوته، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل ~~والإكرام، { وقال } لما رأى هذه الحال، ورأى سجودهم له: { يأبت ~~هذا تأويل رؤياي من قبل } حين رأي أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر له ساجدين، فهذا وقوعها الذي آلت إليه ووصلت { قد جعلها ~~ربي حقا } فلم يجعلها أضغاث أحلام. { وقد أحسن بي } ~~إحسانا جسيما { إذ أخرجني من السجن وجآء بكم من ~~البدو } وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في ~~السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك ~~الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي. فلم يقل: جاء بكم من ~~الجوع والنصب، ولا قال: " أحسن بكم " بل قال { أحسن بي } جعل ~~الإحسان عائدا إليه، فتبارك من يختص برحمته من يشاء من عباده، ويهب لهم ~~من لدنه رحمة إنه هو الوهاب، { من بعد أن نزغ الشيطان ~~بيني وبين إخوتي } فلم يقل " نزغ الشيطان ms0722 إخوتي " بل كأن ~~الذنب والجهل صدر من الطرفين، فالحمد لله الذي أخزى الشيطان ودحره، ~~وجمعنا بعد تلك الفرقة الشاقة. { إن ربي لطيف لما يشآء } ~~يوصل بره وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر، ويوصله إلى المنازل الرفيعة ~~من أمور يكرهها، { إنه هو العليم } الذي يعلم ظواهر الأمور ~~وبواطنها، وسرائر العباد وضمائرهم، { الحكيم } في وضعه الأشياء ~~مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها المقدرة لها. ### || [12.101] # لما أتم الله ليوسف ما أتم من التمكين في الأرض والملك، وأقر عينه ~~بأبويه وإخوته، وبعد العلم العظيم الذي أعطاه الله إياه، قال مقرا بنعمة ~~الله شاكرا لها داعيا بالثبات على الإسلام: { رب قد آتيتني ~~من الملك } وذلك أنه كان على خزائن الأرض وتدبيرها ووزيرا كبيرا ~~للملك { وعلمتني من تأويل الأحاديث } أي: من تأويل ~~أحاديث الكتب المنزلة وتأويل الرؤيا وغير ذلك من العلم { فاطر ~~السموت والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة ~~توفنى مسلما } أي: أدم علي الإسلام وثبتني عليه حتى توفاني ~~عليه، ولم يكن هذا دعاء باستعجال الموت، { وألحقني بالصالحين ~~} من الأنبياء الأبرار والأصفياء الأخيار. ### || [12.102] # لما قص الله هذه القصة على محمد صلى الله عليه وسلم قال الله له: { ~~ذلك } الإنباء الذي أخبرناك به { من أنبآء الغيب } الذي ~~لولا إيحاؤنا إليك لما وصل إليك هذا الخبر الجليل، فإنك لم تكن حاضرا ~~لديهم { إذ أجمعوا أمرهم } أي: إخوة يوسف { وهم ~~يمكرون } به حين تعاقدوا على التفريق بينه وبين أبيه، في حالة لا ~~يطلع عليها إلا الله تعالى، ولا يمكن أحدا أن يصل إلى علمها، إلا بتعليم ~~الله له إياها. كما قال تعالى لما قص قصة موسى وما جرى له، ذكر الحال ~~التي لا سبيل للخلق إلى علمها إلا بوحيه # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # الآيات [القصص: 44]، فهذا أدل دليل على أن ما جاء به رسول الله حقا. ### || [12.103-107] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ومآ أكثر الناس ~~ولو حرصت } على إيمانهم { بمؤمنين } فإن مداركهم ومقاصدهم ~~قد أصبحت ms0723 فاسدة، فلا ينفعهم حرص الناصحين عليهم ولو عدمت الموانع، بأن ~~كانوا يعلمونهم ويدعونهم إلى ما فيه الخير لهم، ودفع الشر عنهم، من غير ~~أجر ولا عوض، ولو أقاموا لهم من الشواهد والآيات الدالات على صدقهم ما ~~أقاموا. ولهذا قال: { وما تسألهم عليه من أجر إن هو ~~إلا ذكر للعالمين } يتذكرون به ما ينفعهم ليفعلوه، وما ~~يضرهم ليتركوه. { وكأين } أي: وكم { من آية في السموت ~~والأرض يمرون عليها } دالة لهم على توحيد الله { وهم ~~عنها معرضون }. ومع هذا إن وجد منهم بعض الإيمان فلا { يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فهم وإن أقروا ~~بربوبية الله تعالى، وأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور، فإنهم ~~يشركون في ألوهية الله وتوحيده، فهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحال لم يبق ~~عليهم إلا أن يحل بهم العذاب، ويفجأهم العقاب وهم آمنون، ولهذا قال: { ~~أفأمنوا } أي: الفاعلون لتلك الأفعال، المعرضون عن آيات الله { ~~أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } أي: عذاب يغشاهم ~~ويعمهم ويستأصلهم، { أو تأتيهم الساعة بغتة } أي: فجأة { ~~وهم لا يشعرون } أي: فإنهم قد استوجبوا لذلك، فليتوبوا إلى ~~الله، ويتركوا ما يكون سببا في عقابهم. ### || [12.108-109] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { قل } للناس { هذه ~~سبيلي } أي: طريقي التي أدعو إليها، وهي السبيل الموصلة إلى الله ~~وإلى دار كرامته، المتضمنة للعلم بالحق والعمل به وإيثاره، وإخلاص الدين ~~لله وحده لا شريك له، { أدعو إلى الله } أي: أحث الخلق ~~والعباد إلى الوصول إلى ربهم، وأرغبهم في ذلك وأرهبهم مما ~~يبعدهم عنه. ومع هذا فأنا { على بصيرة } من ديني، أي: على علم ~~ويقين من غير شك ولا امتراء ولا مرية، { و } كذلك { من اتبعني } ~~يدعو إلى الله كما أدعو، على بصيرة من أمره { وسبحان الله } عما ~~نسب إليه مما لا يليق بجلاله، أو ينافي كماله. { ومآ أنا من ~~المشركين } في جميع أموري، بل أعبد الله مخلصا له الدين. ثم قال ~~تعالى { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا } أي: لم نرسل ~~ملائكة ولا غيرهم من أصناف ms0724 الخلق، فلأي شيء يستغرب قومك رسالتك، ويزعمون ~~أنه ليس لك عليهم فضل، فلك فيمن قبلك من المرسلين أسوة حسنة { نوحي ~~إليهم من أهل القرى } أي: لا من البادية، بل من أهل القرى ~~الذين هم أكمل عقولا، وأصح آراء، وليتبين أمرهم ويتضح شأنهم. { أفلم ~~يسيروا في الأرض } إذا لم يصدقوا لقولك، { فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم } كيف أهلكهم الله بتكذيبهم، ~~فاحذروا أن تقيموا على ما أقاموا عليه، فيصيبكم ما أصابهم، { ولدار ~~الآخرة } أي: الجنة وما فيها من النعيم المقيم، { خير للذين ~~اتقوا } الله في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن نعيم الدنيا ~~منغص منكد، منقطع، ونعيم الآخرة تام كامل، لا يفنى أبدا، بل هو على ~~الدوام في تزايد وتواصل، # عطآء غير مجذوذ # [هود: 108] { أفلا تعقلون } أي: أفلا تكون لكم عقول تؤثر الذي ~~هو خير على الأدنى. ### || [12.110-111] # يخبر تعالى: أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن ~~الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل ~~الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل. حتى إن الرسل - على كمال يقينهم، ~~وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده - ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ~~ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال { جآءهم ~~نصرنا فنجي من نشآء } وهم الرسل وأتباعهم، { ولا يرد ~~بأسنا عن القوم المجرمين } أي: ولا يرد عذابنا، عمن ~~اجترم، وتجرأ على الله # فما له من قوة ولا ناصر # [الطارق: 10]. { لقد كان في قصصهم } أي: قصص الأنبياء والرسل ~~مع قومهم، { عبرة لأولي الألباب } أي: يعتبرون بها، أهل الخير ~~وأهل الشر، وأن من فعل مثل فعلهم ناله ما نالهم من كرامة أو إهانة، ~~ويعتبرون بها أيضا، ما لله من صفات الكمال والحكمة العظيمة، وأنه الله ~~الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له. وقوله: { ما كان ~~حديثا يفترى } أي: ما كان هذا القرآن الذي قص الله به عليكم من ~~أنباء الغيب ما قص من الأحاديث المفتراة المختلقة، { ولكن } كان { ~~تصديق الذي بين يديه ms0725 } من الكتب السابقة، يوافقها ويشهد ~~لها بالصحة، { وتفصيل كل شيء } يحتاج إليه العباد من أصول ~~الدين وفروعه، ومن الأدلة والبراهين. { وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون } فإنهم - بسبب ما يحصل لهم به من العلم بالحق وإيثاره - ~~يحصل لهم الهدى، وبما يحصل لهم من الثواب العاجل والآجل تحصل لهم الرحمة. ~~فصل في ذكر شيء من العبر والفوائد التي اشتملت عليها هذه القصة العظيمة ~~التي قال الله في أولها # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] وقال # لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين # [يوسف: 7] وقال في آخرها { لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب } [يوسف: 111] غير ما تقدم في مطاويها من الفوائد. ~~فمن ذلك، أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها وأبينها، لما فيها من أنواع ~~التنقلات، من حال إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة ~~ومنة، ومن ذل إلى عز، ومن رق إلى ملك، ومن فرقة وشتات إلى اجتماع ~~وائتلاف، ومن حزن إلى سرور، ومن رخاء إلى جدب، ومن جدب إلى رخاء، ومن ضيق ~~إلى سعة، ومن إنكار إلى إقرار، فتبارك من قصها فأحسنها، ووضحها ~~وبينها. ومنها: أن فيها أصلا لتعبير الرؤيا، وأن علم التعبير من ~~العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده، وإن أغلب ما تبنى عليه ~~المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة، فإن رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس ~~والقمر، وأحد عشر كوكبا له ساجدين، وجه المناسبة فيها: أن هذه الأنوار ~~هي زينة السماء وجمالها، وبها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة ~~للأرض وجمال، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بهذه الأنوار، ولأن الأصل ~~أبوه وأمه، وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورا ~~وجرما، لما هو فرع عنه. # فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته. ومن المناسبة أن ~~الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات، فكانت لأبيه ~~وإخوته، ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود [له] ~~معظم محترم، فلذلك دل ذلك على أن يوسف يكون معظما محترما عند أبويه ~~وإخوته. ms0726 ومن لازم ذلك أن يكون مجتبى مفضلا في العلم والفضائل الموجبة ~~لذلك، ولذلك قال له أبوه: # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث # [يوسف: 6] ومن المناسبة في رؤيا الفتيين، أنه أول رؤيا، الذي رأى أنه ~~يعصر خمرا، أن الذي يعصر في العادة، يكون خادما لغيره، والعصر يقصد ~~لغيره، فلذلك أوله بما يؤول إليه، أنه يسقي ربه، وذلك متضمن لخروجه من ~~السجن. وأول الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه، بأن ~~جلدة رأسه ولحمه، وما في ذلك من المخ، أنه هو الذي يحمله، وأنه سيبرز ~~للطيور، بمحل تتمكن من الأكل من رأسه، فرأى من حاله أنه سيقتل ويصلب بعد ~~موته فيبرز للطيور فتأكل من رأسه، وذلك لا يكون إلا بالصلب بعد القتل. ~~وأول رؤيا الملك للبقرات والسنبلات، بالسنين المخصبة، والسنين المجدبة، ~~ووجه المناسبة أن الملك، به ترتبط أحوال الرعية ومصالحها، وبصلاحه تصلح، ~~وبفساده تفسد، وكذلك السنون بها صلاح أحوال الرعية، واستقامة أمر المعاش ~~أو عدمه. وأما البقر فإنها تحرث الأرض عليها، ويستقى عليها الماء، وإذا ~~أخصبت السنة سمنت، وإذا أجدبت صارت عجافا، وكذلك السنابل في الخصب، تكثر ~~وتخضر، وفي الجدب تقل وتيبس وهي أفضل غلال الأرض. ومنها: ما فيها من ~~الأدلة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قص على قومه هذه ~~القصة الطويلة، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دارس أحدا. يراه قومه بين ~~أظهرهم صباحا ومساء، وهو أمي لا يخط ولا يقرأ، وهي موافقة، لما في ~~الكتب السابقة، وما كان لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون. ومنها: أنه ~~ينبغي البعد عن أسباب الشر، وكتمان ما تخشى مضرته، لقول يعقوب ليوسف # يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك ~~كيدا # [يوسف: 5] ومنها: أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره ~~لقوله: { فيكيدوا لك كيدا }. ومنها: أن نعمة الله على العبد، ~~نعمة على من يتعلق به من أهل بيته وأقاربه وأصحابه، وأنه ربما شملتهم، ~~وحصل لهم ما حصل له بسببه، كما قال يعقوب في ms0727 تفسيره لرؤيا يوسف # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب # [يوسف: 6] ولما تمت النعمة على يوسف، حصل لآل يعقوب من العز والتمكين في ~~الأرض والسرور والغبطة ما حصل بسبب يوسف. ومنها: أن العدل مطلوب في كل ~~الأمور، لا في معاملة السلطان رعيته ولا فيما دونه، حتى في معاملة الوالد ~~لأولاده، في المحبة والإيثار وغيره، وأن في الإخلال بذلك يختل عليه ~~الأمر، وتفسد الأحوال، ولهذا، لما قدم يعقوب يوسف في المحبة وآثره على ~~إخوته، جرى منهم ما جرى على أنفسهم، وعلى أبيهم وأخيهم. ومنها: الحذر من ~~شؤم الذنوب، وأن الذنب الواحد يستتبع ذنوبا متعددة، ولا يتم لفاعله إلا ~~بعدة جرائم، فإخوة يوسف لما أرادوا التفريق بينه وبين أبيه، احتالوا لذلك ~~بأنواع من الحيل، وكذبوا عدة مرات، وزوروا على أبيهم في القميص والدم ~~الذي فيه، وفي إتيانهم عشاء يبكون، ولا تستبعد أنه قد كثر البحث فيها في ~~تلك المدة، بل لعل ذلك اتصل إلى أن اجتمعوا بيوسف، وكلما صار البحث، حصل ~~من الإخبار بالكذب، والافتراء ما حصل، وهذا شؤم الذنب، وآثاره التابعة ~~والسابقة واللاحقة. ومنها: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا ~~بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب عليه السلام جرى منهم ما جرى في أول ~~الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة ~~النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، ~~وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين. ولهذا - في أصح الأقوال - ~~أنهم كانوا أنبياء لقوله تعالى: # وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط # [النساء: 163] وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن ~~في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي ~~من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة. ومنها: ما ~~من الله به على يوسف عليه الصلاة والسلام من العلم والحلم، ومكارم ~~الأخلاق، والدعوة إلى الله وإلى دينه، وعفوه عن إخوته الخاطئين عفوا ~~بادرهم به، وتمم ذلك ms0728 بأن لا يثرب عليهم ولا يعيرهم به. ثم بره العظيم ~~بأبويه، وإحسانه لإخوته، بل لعموم الخلق. ومنها: أن بعض الشر أهون من ~~بعض، وارتكاب أخف الضررين أولى من ارتكاب أعظمهما، فإن إخوة يوسف، لما ~~اتفقوا على قتل يوسف أو إلقائه أرضا، وقال قائل منهم: { لا تقتلوا ~~يوسف وألقوه في غيبت الجب } [يوسف: 10] كان قوله أحسن ~~منهم وأخف، وبسببه خف عن إخوته الإثم الكبير. ومنها: أن الشيء إذا ~~تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال، ولم يعلم أنه كان على غير وجه ~~الشرع، أنه لا إثم على من باشره ببيع أو شراء، أو خدمة أو انتفاع أو ~~استعمال، فإن يوسف عليه السلام باعه إخوته بيعا حراما، لا يجوز، ثم ~~ذهبت به السيارة إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلاما رقيقا، وسماه ~~الله شراء، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم. # ومنها: الحذر من الخلوة بالنساء التي يخشى منهن الفتنة، والحذر أيضا من ~~المحبة التي يخشى ضررها، فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى، بسبب توحدها ~~بيوسف، وحبها الشديد له، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت ~~عليه، فسجن بسببها مدة طويلة. ومنها: أن الهم الذي هم به يوسف ~~بالمرأة، ثم تركه لله، مما يقربه إلى الله زلفى، لأن الهم داع من ~~دواعي النفس الأمارة بالسوء، وهو طبيعة لأغلب الخلق، فلما قابل بينه وبين ~~محبة الله وخشيته، غلبت محبة الله وخشيته داعي النفس والهوى. فكان ممن # خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى # [النازعات: 40] ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ~~ظله، أحدهم: " رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله " ~~وإنما الهم الذي يلام عليه العبد، الهم الذي يساكنه، ويصير عزما، ربما ~~اقترن به الفعل. ومنها: أن من دخل الإيمان قلبه، وكان مخلصا لله في جميع ~~أموره فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه، وصدق إخلاصه من أنواع السوء ~~والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاء لإيمانه وإخلاصه لقوله: # وهم بها لولا أن رأى برهان ms0729 ربه كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا ~~المخلصين # [يوسف: 24] على قراءة من قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح، فإنه من ~~إخلاص الله إياه، وهو متضمن لإخلاصه هو بنفسه، فلما أخلص عمله لله أخلصه ~~الله، وخلصه من السوء والفحشاء. ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا ~~فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه، ليتمكن من ~~التخلص من المعصية، لأن يوسف عليه السلام - لما راودته التي هو في بيتها ~~- فر هاربا، يطلب الباب ليتخلص من شرها، ومنها: أن القرائن يعمل بها عند ~~الاشتباه، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل ~~فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع ~~نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه ~~والأثر، من هذا الباب، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قد ~~القميص، واستدل بقده من دبره على صدق يوسف وكذبها. ومما يدل على هذه ~~القاعدة، أنه استدل بوجود الصواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة، ~~من غير بينة شهادة ولا إقرار، فعلى هذا إذا وجد المسروق، في يد السارق، ~~خصوصا إذا كان معروفا بالسرقة، فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من ~~الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ~~ولا سيد حاملا فإنه يقام بذلك الحد، ما لم يقم مانع منه، ولهذا سمى الله ~~هذا الحاكم شاهدا فقال: # وشهد شاهد من أهلهآ # [يوسف: 26]. ومنها: ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن،.فإن جماله ~~الظاهر، أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب، وللنساء اللاتي جمعتهن ~~حين لمنها على ذلك أن قطعن أيديهن وقلن # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31] وأما جماله الباطن، فهو العفة العظيمة عن المعصية، مع وجود ~~الدواعي الكثيرة لوقوعها، وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته، ~~ولهذا قالت امرأة العزيز: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم # [يوسف: 32] وقالت بعد ذلك: # الآن حصحص الحق ms0730 أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين # [يوسف: 51] وقالت النسوة: # حاش لله ما علمنا عليه من سوء # [يوسف: 51]. ومنها: أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية، فهكذا ~~ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين - إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية - ~~أن يختار العقوبة الدنيوية على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة في ~~الدنيا والآخرة، ولهذا من علامات الإيمان، أن يكره العبد أن يعود في ~~الكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار. ومنها: أنه ~~ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله، ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ~~ويتبرأ من حوله وقوته، لقول يوسف عليه السلام: # وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين # [يوسف: 33]. ومنها: أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير، وينهيانه ~~عن الشر، وأن الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس، وإن كان معصية ~~ضارا لصاحبه. ومنها: أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء، فعليه ~~عبودية له في الشدة، ف " يوسف " عليه السلام لم يزل يدعو إلى الله، فلما ~~دخل السجن، استمر على ذلك، ودعا الفتيين إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ~~ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنا فيه ~~الظن الحسن وقالا له: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36] وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده ~~- رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما ~~ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه، وبين لهما أولا، أن الذي أوصله ~~إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم، إيمانه وتوحيده، وتركه ملة ~~من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما ~~بالمقال، وبين فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه. ومنها: ~~أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل حاجته في غير ~~سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن ~~هذا علامة على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، فإن يوسف - لما ~~سأله الفتيان عن ms0731 الرؤيا - قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا ~~شريك له. # ومنها: أن من وقع في مكروه وشدة، لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على ~~تخليصه، أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق، فإن هذا من ~~الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال ~~يوسف للذي ظن أنه ناج من الفتيين: # اذكرني عند ربك # [يوسف: 42]. ومنها: أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام ~~في تعليمه وأن لا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع، ~~وأن لا يمتنع من التعليم، أو لا ينصح فيه، إذا لم يفعل السائل ما كلفه به ~~المعلم، فإن يوسف عليه السلام قد قال، ووصى أحد الفتيين أن يذكره عند ~~ربه، فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف أرسلوا ذلك الفتى، ~~وجاءه سائلا مستفتيا عن تلك الرؤيا، فلم يعنفه يوسف، ولا وبخه، لتركه ~~ذكره بل أجابه عن سؤاله جوابا تاما من كل وجه. ومنها: أنه ينبغي ~~للمسؤول أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله، ويرشده إلى ~~الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه، فإن هذا من كمال نصحه وفطنته، ~~وحسن إرشاده، فإن يوسف عليه السلام لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك، بل ~~دلهم - مع ذلك - على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات من كثرة الزرع، ~~وكثرة جبايته. ومنها: أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن ~~نفسه، وطلب البراءة لها، بل يحمد على ذلك، كما امتنع يوسف عن الخروج من ~~السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، ومنها: ~~فضيلة العلم، علم الأحكام والشرع، وعلم تعبير الرؤيا، وعلم التدبير ~~والتربية وأنه أفضل من الصورة الظاهرة، ولو بلغت في الحسن جمال يوسف، فإن ~~يوسف - بسبب جماله - حصلت له تلك المحنة والسجن، وبسبب علمه حصل له العز ~~والرفعة والتمكين في الأرض، فإن كل خير في الدنيا والآخرة من آثار العلم ~~وموجباته. ومنها: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه ms0732 يثاب الإنسان ~~على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير المرائي داخل في الفتوى، لقوله للفتيين: # قضي الأمر الذي فيه تستفتيان # [يوسف: 41] وقال الملك: # أفتوني في رؤياي # [يوسف: 43] وقال الفتى ليوسف: # أفتنا في سبع بقرات # [يوسف: 46] الآيات، فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم. ~~ومنها: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو ~~عمل، إذا كان في ذلك مصلحة، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب، ~~لقول يوسف: # اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم # [يوسف: 55] وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر ~~عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة ~~من غيره، وإنما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره ~~مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن ~~طلبها، والتعرض لها. # ومنها: أن الله واسع الجود والكرم، يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة، ~~وأن خير الآخرة له سببان: الإيمان والتقوى، وأنه خير من ثواب الدنيا ~~وملكها، وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه، ويشوقها لثواب الله، ولا يدعها ~~تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها، وهي غير قادرة عليها، بل يسليها بثواب ~~الله الأخروي، وفضله العظيم لقوله تعالى: # ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون # [يوسف: 57]. ومنها: أن جباية الأرزاق - إذا أريد بها التوسعة على الناس ~~من غير ضرر يلحقهم - لا بأس بها، لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة ~~في السنين المخصبات، للاستعداد للسنين المجدبة، وأن هذا غير مناقض للتوكل ~~على الله، بل يتوكل العبد على الله، ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ~~ودنياه. ومنها: حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض، حتى كثرت عندهم ~~الغلات جدا حتى صار أهل الأقطار يقصدون مصر لطلب الميرة منها، لعلمهم ~~بوفورها فيها، وحتى إنه كان لا يكيل لأحد إلا مقدار الحاجة الخاصة أو ~~أقل، لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله. ومنها: مشروعية الضيافة، ms0733 وأنها ~~من سنن المرسلين، وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته # ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين # [يوسف: 59]. ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ~~ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى ~~عالجوه أشد المعالجة، ثم قال لهم بعد ما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله # بل سولت لكم أنفسكم أمرا # [يوسف: 18] وقال لهم في الأخ الآخر: # هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من ~~قبل # [يوسف: 64] ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: # بل سولت لكم أنفسكم أمرا # [يوسف: 83] فهم في الأخيرة - وإن لم يكونوا مفرطين - فقد جرى منهم ما ~~أوجب لأبيهم أن قال ما قال، من غير إثم عليه ولا حرج. ومنها: أن استعمال ~~الأسباب الدافعة للعين أو غيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، ~~غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر، فإن الأسباب ~~أيضا من القضاء والقدر، لأمر يعقوب حيث قال لبنيه: # يبني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ~~أبواب متفرقة # [يوسف: 67]. ومنها: جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق، ~~وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد، وإنما ~~الممنوع، التحيل على إسقاط واجب، أو فعل محرم. ومنها: أنه ينبغي لمن أراد ~~أن يوهم غيره، بأمر لا يحب أن يطلع عليه، أن يستعمل المعاريض القولية ~~والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حيث ألقى الصواع في رحل ~~أخيه، ثم استخرجها منه، موهما أنه سارق، وليس فيه إلا القرينة الموهمة ~~لإخوته، وقال بعد ذلك: # معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده # [يوسف: 79] ولم يقل " من سرق متاعنا " وكذلك لم يقل " إنا وجدنا متاعنا ~~عنده " بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنما فيه ~~إيهام أنه سارق ليحصل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه، وقد زال عن ~~الأخ هذا الإيهام بعد ما تبينت الحال. ومنها: أنه لا ms0734 يجوز للإنسان أن ~~يشهد إلا بما علمه، وتحققه إما بمشاهدة أو خبر من يثق به، وتطمئن إليه ~~النفس لقولهم: # وما شهدنآ إلا بما علمنا # [يوسف: 81]. ومنها: هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه ~~يعقوب عليه السلام، حيث قضى بالتفريق بينه وبين ابنه يوسف، الذي لا يقدر ~~على فراقه ساعة واحدة، ويحزنه ذلك أشد الحزن، فحصل التفريق بينه وبينه ~~مدة طويلة، لا تقصر عن خمس عشرة سنة، ويعقوب لم يفارق الحزن قلبه في هذه ~~المدة # وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم # [يوسف: 84] ثم ازداد به الأمر شدة، حين صار الفراق بينه وبين ابنه ~~الثاني شقيق يوسف، هذا وهو صابر لأمر الله، محتسب الأجر من الله، قد وعد ~~من نفسه الصبر الجميل، ولا شك أنه وفى بما وعد به، ولا ينافي ذلك، قوله: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله # [يوسف: 86] فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه، ~~الشكوى إلى المخلوقين. ومنها: أن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا، ~~فإنه لما طال الحزن على يعقوب واشتد به إلى أنهى ما يكون، ثم حصل ~~الاضطرار لآل يعقوب ومسهم الضر، أذن الله حينئذ بالفرج، فحصل التلاقي في ~~أشد الأوقات إليه حاجة واضطرارا، فتم بذلك الأجر وحصل السرور، وعلم من ~~ذلك أن الله يبتلي أولياءه بالشدة والرخاء، والعسر واليسر ليمتحن صبرهم ~~وشكرهم، ويزداد - بذلك - إيمانهم ويقينهم وعرفانهم. ومنها: جواز إخبار ~~الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما، على غير وجه التسخط، ~~لأن إخوة يوسف قالوا: # يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر # [يوسف: 88] ولم ينكر عليهم يوسف. ومنها: فضيلة التقوى والصبر، وأن كل ~~خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر، وأن عاقبة أهلهما أحسن ~~العواقب، لقوله: # قد من الله علينآ إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين # [يوسف: 90]. ومنها: أنه ينبغي لمن أنعم الله عليه بنعمة بعد شدة وفقر ~~وسوء حال، أن يعترف بنعمة الله عليه، وأن لا يزال ذاكرا حاله الأولى، ~~ليحدث لذلك ms0735 شكرا كلما ذكرها، لقول يوسف عليه السلام: # وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجآء بكم ~~من البدو # [يوسف: 100]. ومنها: لطف الله العظيم بيوسف، حيث نقله في تلك الأحوال، ~~وأوصل إليه الشدائد والمحن، ليوصله بها إلى أعلى الغايات ورفيع الدرجات. ~~ومنها: أنه ينبغي للعبد أن يتملق إلى الله دائما في تثبيت إيمانه، ويعمل ~~الأسباب الموجبة لذلك، ويسأل الله حسن الخاتمة، وتمام النعمة لقول يوسف ~~عليه الصلاة والسلام: # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السموت والأرض أنت وليي في ~~الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقني ~~بالصالحين # [يوسف: 101]. فهذا ما يسر الله من الفوائد والعبر في هذه القصة ~~المباركة، ولا بد أن يظهر للمتدبر المتفكر غير ذلك. فنسأله تعالى علما ~~نافعا وعملا متقبلا إنه جواد كريم. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # يخبر تعالى أن هذا القرآن هو آيات الكتاب الدالة على كل ما يحتاج إليه ~~العباد من أصول الدين وفروعه، وأن الذي أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق ~~المبين، لأن أخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل، مؤيدة بالأدلة والبراهين ~~القاطعة، فمن أقبل عليه وعلى علمه، كان من أهل العلم بالحق، الذي يوجب ~~لهم علمهم العمل بما أحب الله. { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } بهذا القرآن، إما جهلا وإعراضا عنه وعدم اهتمام به، وإما ~~عنادا وظلما، فلذلك أكثر الناس غير منتفعين به، لعدم السبب الموجب ~~للانتفاع. ### || [13.2-4] # يخبر تعالى عن انفراده بالخلق والتدبير، والعظمة والسلطان الدال على أنه ~~وحده المعبود، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، فقال: { الله الذي ~~رفع السموت } على عظمها واتساعها بقدرته العظيمة، { بغير ~~عمد ترونها } أي: ليس لها عمد من تحتها، فإنه لو كان لها عمد، ~~لرأيتموها، { ثم } بعد ما خلق السماوات والأرض { استوى على ~~العرش } العظيم الذي هو أعلى المخلوقات، استواء يليق بجلاله ويناسب ~~كماله. { وسخر الشمس والقمر } لمصالح العباد ومصالح ~~مواشيهم وثمارهم، { كل } من الشمس والقمر { يجري } بتدبير العزيز ~~العليم، { لأجل مسمى } بسير منتظم، لا يفتران ولا ينيان، حتى ~~يجيء الأجل المسمى وهو طي الله ms0736 هذا العالم، ونقلهم إلى الدار الآخرة ~~التي هي دار القرار، فعند ذلك يطوي الله السماوات، ويبدلها، ويغير الأرض ~~ويبدلها. فتكور الشمس والقمر، ويجمع بينهما، فيلقيان في النار، ليرى من ~~عبدهما أنهما غير أهل للعبادة فيتحسر بذلك أشد الحسرة، وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين. وقوله { يدبر الأمر يفصل الآيات ~~} هذا جمع بين الخلق والأمر، أي: قد استوى الله العظيم على سرير الملك، ~~يدبر الأمور في العالم العلوي والسفلي، فيخلق ويرزق، ويغني ويفقر، ويرفع ~~أقواما ويضع آخرين، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقيل العثرات، ويفرج ~~الكربات، وينفذ الأقدار في أوقاتها التي سبق بها علمه، وجرى بها قلمه، ~~ويرسل ملائكته الكرام لتدبير ما جعلهم على تدبيره. وينزل الكتب الإلهية ~~على رسله، ويبين ما يحتاج إليه العباد من الشرائع والأوامر والنواهي، ~~ويفصلها غاية التفصيل ببيانها وإيضاحها وتمييزها، { لعلكم } بسبب ~~ما أخرج لكم من الآيات الأفقية، والآيات القرآنية، { بلقآء ربكم ~~توقنون } فإن كثرة الأدلة وبيانها ووضوحها، من أسباب حصول اليقين في ~~جميع الأمور الإلهية، خصوصا في العقائد الكبار، كالبعث والنشور والإخراج ~~من القبور. وأيضا فقد علم أن الله تعالى حكيم لا يخلق الخلق سدى، ولا ~~يتركهم عبثا، فكما أنه أرسل رسله وأنزل كتبه لأمر العباد ونهيهم، فلا بد ~~أن ينقلهم إلى دار يحل فيها جزاؤه، فيجازي المحسنين بأحسن الجزاء، ويجازي ~~المسيئين بإساءتهم. { وهو الذي مد الأرض } أي: خلقها للعباد، ~~ووسعها وبارك فيها ومهدها للعباد، وأودع فيها من مصالحهم ما أودع، { ~~وجعل فيها رواسى } أي: جبالا عظاما، لئلا تميد بالخلق، فإنه ~~لولا الجبال لمادت بأهلها، لأنها على تيار ماء، لا ثبوت لها ولا استقرار ~~إلا بالجبال الرواسي، التي جعلها الله أوتادا لها. { و } جعل فيها { ~~أنهارا } تسقي الآدميين وبهائمهم وحروثهم، فأخرج بها من الأشجار ~~والزروع والثمار خيرا كثيرا ولهذا قال: { ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين } أي: صنفين مما يحتاج إليه العباد. ~~{ يغشى اليل النهار } فتظلم الآفاق، فيسكن كل حيوان إلى مأواه، ~~ويستريحون من التعب والنصب في النهار، ثم إذا قضوا مأربهم من النوم، غشي ms0737 ~~النهار الليل، فإذا هم مصبحون منتشرون في مصالحهم وأعمالهم في النهار. # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 73]. { إن في ذلك لآيات } على المطالب الإلهية { ~~لقوم يتفكرون } فيها، وينظرون فيها نظر اعتبار دالة على أن ~~الذي خلقها ودبرها وصرفها، هو الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود سواه، ~~وأنه عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، وأنه القادر على كل شيء، ~~الحكيم في كل شيء المحمود على ما خلقه وأمر به تبارك وتعالى. ومن الآيات ~~على كمال قدرته وبديع صنعته، أن جعل { وفي الأرض قطع ~~متجاورات وجنات } فيها أنواع الأشجار { من أعناب ~~وزرع ونخيل } وغير ذلك، والنخيل التي بعضها { صنوان } أي: ~~عدة أشجار في أصل واحد، { وغير صنوان } بأن كان كل شجرة على ~~حدتها، والجميع { يسقى بمآء واحد } وأرضه واحدة { ونفضل ~~بعضها على بعض في الأكل } لونا، وطعما، ونفعا، ولذة ~~فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير، والأشجار والزروع، وهذه أرض ~~تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء وهذه تمسك الماء، ولا تنبت الكلأ، وهذه ~~تنبت الزروع والأشجار، ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة، وهذه مرة، وهذه ~~بين ذلك. فهل هذا التنوع في ذاتها وطبيعتها؟ أم ذلك تقدير العزيز الرحيم؟ ~~{ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } أي: لقوم لهم عقول ~~تهديهم إلى ما ينفعهم، وتقودهم إلى ما يرشدهم ويعقلون عن الله وصاياه ~~وأوامره ونواهيه، وأما أهل الإعراض، وأهل البلادة فهم في ظلماتهم يعمهون، ~~وفي غيهم يترددون، لا يهتدون إلى ربهم سبيلا ولا يعون له قيلا. ### || [13.5] # يحتمل أن معنى قوله { وإن تعجب } من عظمة الله تعالى وكثرة أدلة ~~توحيده، فإن العجب - مع هذا - إنكار المكذبين، وتكذيبهم بالبعث، وقولهم { ~~أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد } أي: هذا بعيد ~~في غاية الامتناع بزعمهم، أنهم بعد ما كانوا ترابا، أن الله يعيدهم، ~~فإنهم - من جهلهم - قاسوا قدرة الخالق بقدرة المخلوق. فلما رأوا هذا ~~ممتنعا في قدرة المخلوق، ظنوا أنه ممتنع على قدرة الخالق، ونسوا أن الله ms0738 ~~خلقهم أول مرة ولم يكونوا شيئا. ويحتمل أن معناه: وإن تعجب من قولهم ~~وتكذيبهم للبعث، فإن ذلك من العجائب، فإن الذي توضح له الآيات، ويرى من ~~الأدلة القاطعة على البعث ما لا يقبل الشك والريب، ثم ينكر ذلك، فإن قوله ~~من العجائب. ولكن ذلك لا يستغرب على { الذين كفروا بربهم } ~~وجحدوا وحدانيته، وهي أظهر الأشياء وأجلاها، { وأولئك الأغلال ~~} المانعة لهم من الهدى { في أعناقهم } حيث دعوا إلى الإيمان فلم ~~يؤمنوا، وعرض عليهم الهدى فلم يهتدوا، فقلبت قلوبهم وأفئدتهم عقوبة على ~~أنهم لم يؤمنوا به أول مرة، { وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } لا يخرجون منها أبدا. ### || [13.6] # يخبر تعالى عن جهل المكذبين، لرسوله المشركين به، الذين وعظوا فلم ~~يتعظوا، وأقيمت عليهم الأدلة فلم ينقادوا لها، بل جاهروا بالإنكار، ~~واستدلوا بحلم [الله] الواحد القهار عنهم، وعدم معاجلتهم بذنوبهم، أنهم ~~على حق، وجعلوا يستعجلون الرسول بالعذاب، ويقول قائلهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. { و } الحال أنه { قد خلت من قبلهم ~~المثلات } أي: وقائع الله وأيامه في الأمم المكذبين، أفلا يتفكرون ~~في حالهم ويتركون جهلهم { وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم } أي: لا يزال خيره إليهم، وإحسانه وبره وعفوه نازلا ~~إلى العباد، وهم لا يزال شرهم وعصيانهم إليه صاعدا. يعصونه فيدعوهم إلى ~~بابه، ويجرمون، فلا يحرمهم خيره وإحسانه، فإن تابوا إليه فهو حبيبهم، ~~لأنه يحب التوابين، ويحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم ~~بالمصائب، ليطهرهم من المعايب # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. { وإن ربك لشديد العقاب } على من لم يزل ~~مصرا على الذنوب، قد أبى التوبة والاستغفار والالتجاء إلى العزيز ~~الغفار، فليحذر العباد عقوباته بأهل الجرائم، فإن أخذه أليم شديد. ### || [13.7] # أي: ويقترح الكفار عليك من الآيات، التي يعينونها ويقولون: { لولا ~~أنزل عليه آية من ربه } ويجعلون هذا القول منهم، عذرا ~~لهم ms0739 في عدم الإجابة إلى الرسول، والحال أنه منذر ليس له من الأمر شيء، ~~والله هو الذي ينزل الآيات. وقد أيده بالأدلة البينات التي لا تخفى على ~~أولي الألباب، وبها يهتدي من قصده الحق، وأما الكافر الذي - من ظلمه ~~وجهله - يقترح على الله الآيات، فهذا اقتراح منه باطل وكذب وافتراء. فإنه ~~لو جاءته أي آية كانت لم يؤمن ولم ينقد، لأنه لم يمتنع من الإيمان، لعدم ~~ما يدله على صحته، وإنما ذلك لهوى نفسه، واتباع شهوته، { ولكل ~~قوم هاد } أي: داع يدعوهم إلى الهدى من الرسل وأتباعهم، ومعهم من ~~الأدلة والبراهين ما يدل على صحة ما معهم من الهدى. ### || [13.8-11] # يخبر تعالى بعموم علمه، وسعة اطلاعه، وإحاطته بكل شيء فقال: { الله ~~يعلم ما تحمل كل أنثى } من بني آدم وغيرهم، { وما ~~تغيض الأرحام } أي: تنقص مما فيها، إما أن يهلك الحمل، أو يتضاءل ~~أو يضمحل، { وما تزداد } الأرحام وتكبر الأجنة التي فيها، { ~~وكل شيء عنده بمقدار } لا يتقدم عليه ولا يتأخر، ولا يزيد ~~ولا ينقص إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه. فإنه { عالم الغيب ~~والشهادة الكبير } في ذاته وأسمائه وصفاته { المتعال } ~~على جميع خلقه، بذاته وقدرته وقهره. { سوآء منكم } في علمه وسمعه ~~وبصره. { من أسر القول ومن جهر به ومن هو ~~مستخف باليل } أي: مستقر بمكان خفي فيه، { وسارب ~~بالنهار } أي: داخل سربه في النهار، والسرب هو ما يختفي فيه ~~الإنسان، إما جوف بيته، أو غار، أو مغارة، أو نحو ذلك. { له } أي: ~~للإنسان { معقبات } من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار. { من ~~بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ~~أي: يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ~~ملازمون له دائما، فكما أن علم الله محيط به، فالله قد أرسل هؤلاء ~~الحفظة على العباد، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم، ولا ينسى منها ~~شيء، { إن الله لا يغير ما بقوم } من النعمة والإحسان ~~ورغد العيش { حتى يغيروا ما بأنفسهم } بأن ينتقلوا من ~~الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة ms0740 إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى ~~البطر بها، فيسلبهم الله عند ذلك إياها. وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم ~~من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من ~~الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة، { وإذا أراد الله ~~بقوم سوءا } أي: عذابا وشدة، وأمرا يكرهونه، فإن إرادته لا بد ~~أن تنفذ فيهم. { ف } إنه { لا مرد له } ولا أحد يمنعهم منه، { ~~وما لهم من دونه من وال } يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ~~ويدفع عنهم المكروه، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل ~~بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين. ### || [13.12-13] # يقول تعالى: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } ~~أي: يخاف منه الصواعق والهدم، وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها، ~~ويطمع في خيره ونفعه، { وينشىء السحاب الثقال } بالمطر ~~الغزير الذي به نفع العباد والبلاد. { ويسبح الرعد بحمده ~~} وهو الصوت، الذي يسمع من السحاب المزعج للعباد، فهو خاضع لربه مسبح ~~بحمده، { و } تسبح { الملائكة من خيفته } أي: خشعا لربهم ~~خائفين من سطوته، { ويرسل الصواعق } وهي هذه النار التي تخرج ~~من السحاب، { فيصيب بها من يشآء } من عباده، بحسب ما شاءه ~~وأراده { وهو شديد المحال } أي: شديد الحول والقوة، فلا يريد ~~شيئا إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء، ولا يفوته هارب. فإذا كان هو وحده، ~~الذي يسوق للعباد الأمطار والسحب التي فيها مادة أرزاقهم، وهو الذي يدبر ~~الأمور، وتخضع له المخلوقات العظام التي يخاف منها، وتزعج العباد، وهو ~~شديد القوة - فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له. ولهذا قال: { له ~~دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون... }. ### || [13.14] # أي: لله وحده { دعوة الحق } وهي: عبادته وحده لا شريك له، ~~وإخلاص دعاء العبادة ودعاء المسألة له تعالى، أي: هو الذي ينبغي أن يصرف ~~له الدعاء، والخوف، والرجاء، والحب، والرغبة، والرهبة، والإنابة، لأن ~~ألوهيته هي الحق، وألوهية غيره باطلة، { والذين يدعون من ~~دونه } من الأوثان والأنداد التي جعلوها شركاء لله. { لا ~~يستجيبون ms0741 لهم } أي: لمن يدعوها ويعبدها، بشيء قليل ولا كثير، لا ~~من أمور الدنيا ولا من أمور الآخرة، { إلا كباسط كفيه إلى ~~المآء } الذي لا تناله كفاه لبعده، { ليبلغ } ببسط كفيه إلى ~~الماء { فاه } فإنه عطشان، ومن شدة عطشه يتناول بيده ويبسطها إلى الماء ~~الممتنع وصولها إليه، فلا يصل إليه. كذلك الكفار الذين يدعون معه آلهة، ~~لا يستجيبون لهم بشيء ولا ينفعونهم في أشد الأوقات إليهم حاجة، لأنهم ~~فقراء، كما أن من دعوهم فقراء، لا يملكون مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء، وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير. { وما دعآء ~~الكافرين إلا في ضلال } لبطلان ما يدعون من دون الله، فبطلت ~~عباداتهم ودعاؤهم، لأن الوسيلة تبطل ببطلان غايتها، ولما كان الله تعالى ~~هو الملك الحق المبين، كانت عبادته حقا متصلة النفع لصاحبها في الدنيا ~~والآخرة. وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله بالذي يبسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه من أحسن الأمثلة فإن ذلك تشبيه بأمر محال، فكما أن هذا محال، ~~فالمشبه به محال، والتعليق على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كما ~~قال تعالى: # إن الذين كذبوا بآيتنا واستكبروا عنها لا ~~تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل في سم الخياط # [الأعراف: 40]. ### || [13.15] # أي: جميع ما احتوت عليه السماوات والأرض كلها خاضعة لربها، تسجد له { ~~طوعا وكرها } فالطوع لمن يأتي بالسجود والخضوع اختيارا ~~كالمؤمنين، والكره لمن يستكبر عن عبادة ربه، وحاله وفطرته تكذبه في ذلك، ~~{ وظلالهم بالغدو والآصال } أي: ويسجد له ظلال المخلوقات ~~أول النهار وآخره، وسجود كل شيء بحسب حاله، كما قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. فإذا كانت المخلوقات كلها تسجد لربها طوعا وكرها، كان ~~هو الإله حقا، المعبود المحمود حقا، وإلاهية غيره باطلة، ولهذا ذكر ~~بطلانها وبرهن عليه بقوله: { قل من رب السموت والأرض ~~قل الله قل أفاتخذتم... }. ### || [13.16] # أي: قل لهؤلاء المشركين به أوثانا وأندادا يحبونها كما يحبون الله، ~~ويبذلون لها ms0742 أنواع التقربات والعبادات: أفتاهت عقولكم حتى اتخذتم من دونه ~~أولياء تتولونهم بالعبادة وليسوا بأهل لذلك؟ فإنهم { لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا } وتتركون ولاية من هو كامل الأسماء ~~والصفات، المالك للأحياء والأموات، الذي بيده الخلق والتدبير والنفع ~~والضر؟ فما تستوي عبادة الله وحده، وعبادة المشركين به، كما لا يستوي ~~الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات والنور. فإن كان عندهم شك ~~واشتباه، وجعلوا له شركاء زعموا أنهم خلقوا كخلقه، وفعلوا كفعله، فأزل ~~عنهم هذا الاشتباه واللبس، بالبرهان الدال على توحد الإله بالوحدانية، ~~فقل لهم: { الله خالق كل شيء } فإنه من المحال أن يخلق شيء ~~من الأشياء نفسه. ومن المحال أيضا أن يوجد من دون خالق، فتعين أن لها ~~إلها خالقا لا شريك له في خلقه، لأنه الواحد القهار، فإنه لا توجد ~~الوحدة والقهر إلا لله وحده، فالمخلوقات وكل مخلوق فوقه مخلوق يقهره، ثم ~~فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر للواحد القهار، فالقهر ~~والتوحيد متلازمان، متعينان لله وحده، فتبين بالدليل العقلي القاهر، أن ~~ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات، وبذلك كانت عبادته ~~باطلة. ### || [13.17] # شبه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح، بالماء ~~الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي ~~يضطر إليه العباد، بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب ~~الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ~~ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا، ~~كقلب صغير، يسع علما قليلا وهكذا. وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات ~~والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء، ويعلو ما يوقد ~~عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء ~~طافية مكدرة له، حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي ~~والحلية الخالصة. كذلك الشبهات والشهوات، لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها ~~بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب ~~خالصا ms0743 صافيا، ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، ~~والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق # إن الباطل كان زهوقا # [الإسراء: 81] وقال هنا: { كذلك يضرب الله الأمثال } ~~ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال. ### || [13.18] # لما بين تعالى الحق من الباطل، ذكر أن الناس على قسمين: مستجيب لربه، ~~فذكر ثوابه، وغير مستجيب فذكر عقابه فقال: { للذين استجابوا ~~لربهم } أي: انقادت قلوبهم للعلم والإيمان، وجوارحهم للأمر والنهي، ~~وصاروا موافقين لربهم فيما يريده منهم، فلهم { الحسنى } أي: الحالة ~~الحسنة، والثواب الحسن. فلهم من الصفات أجلها ومن المناقب أفضلها ومن ~~الثواب العاجل والآجل ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ~~{ والذين لم يستجيبوا له } بعد ما ضرب لهم الأمثال، وبين ~~لهم الحق، لهم الحالة غير الحسنة، ف { لو أن لهم ما في ~~الأرض جميعا } من ذهب وفضة وغيرها، { ومثله معه ~~لافتدوا به } من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم، وأنى لهم ~~ذلك؟!! { أولئك لهم سوء الحساب } وهو الحساب الذي يأتي ~~على كل ما أسلفوه من عمل سيئ، وما ضيعوه من حقوق الله وحقوق عباده قد ~~كتب ذلك وسطر عليهم، وقالوا: # يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] { و } بعد هذا الحساب السيئ { مأواهم جهنم } ~~الجامعة لكل عذاب، من الجوع الشديد، والعطش الوجيع، والنار الحامية، ~~والزقوم، والزمهرير، والضريع، وجميع ما ذكره الله من أصناف العذاب، { ~~وبئس المهاد } أي: المقر والمسكن مسكنهم. ### || [13.19-24] # يقول تعالى: مفرقا بين أهل العلم والعمل وبين ضدهم: { أفمن يعلم ~~أنمآ أنزل إليك من ربك الحق } ففهم ذلك وعمل به. { ~~كمن هو أعمى } لا يعلم الحق ولا يعمل به، فبينهما من الفرق، كما ~~بين السماء والأرض، فحقيق بالعبد أن يتذكر ويتفكر، أي الفريقين أحسن ~~حالا وخير مآلا، فيؤثر طريقها، ويسلك خلف فريقها، ولكن ما كل أحد يتذكر ~~ما ينفعه ويضره. { إنما يتذكر أولوا الألباب } أي: ~~أولو العقول الرزينة، والآراء الكاملة، الذين هم ms0744 لب العالم، وصفوة بني ~~آدم، فإن سألت عن وصفهم، فلا تجد أحسن من وصف الله لهم بقوله: { ~~الذين يوفون بعهد الله } الذي عهده إليهم، والذي عاهدهم ~~عليه من القيام بحقوقه كاملة موفرة، فالوفاء بها توفيتها حقها من التتميم ~~لها، والنصح فيها، { و } من تمام الوفاء بها أنهم { لا ينقضون ~~الميثاق } أي: العهد الذي عاهدوا عليه الله، فدخل في ذلك جميع ~~المواثيق والعهود والأيمان والنذور، التي يعقدها العباد. فلا يكون ~~العبد من أولي الألباب الذين لهم الثواب العظيم، إلا بأدائها كاملة، وعدم ~~نقضها وبخسها. { والذين يصلون مآ أمر الله به أن ~~يوصل } وهذا عام في كل ما أمر الله بوصله، من الإيمان به وبرسوله، ~~ومحبته ومحبة رسوله، والانقياد لعبادته وحده لا شريك له، ولطاعة رسوله. ~~ويصلون آباءهم وأمهاتهم، ببرهم بالقول والفعل، وعدم عقوقهم، ويصلون ~~الأقارب والأرحام، بالإحسان إليهم قولا وفعلا. ويصلون ما بينهم وبين ~~الأزواج والأصحاب والمماليك، بأداء حقهم كاملا موفرا، من الحقوق ~~الدينية والدنيوية. والسبب الذي يجعل العبد واصلا ما أمر الله به أن ~~يوصل، خشية الله وخوف يوم الحساب، ولهذا قال: { ويخشون ربهم } ~~أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرؤوا ~~على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به، خوفا من العقاب ~~ورجاء للثواب. { والذين صبروا } على المأمورات بالامتثال، وعن ~~المنهيات بالانكفاف عنها والبعد منها، وعلى أقدار الله المؤلمة بعدم ~~تسخطها. ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر { ابتغاء وجه ربهم } لا ~~لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، فإن هذا هو الصبر النافع الذي ~~يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، ~~وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته ~~التجلد، ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ~~فليس هو الممدوح على الحقيقة. { وأقاموا الصلاة } بأركانها، ~~وشروطها ومكملاتها، ظاهرا وباطنا، { وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية } دخل في ذلك النفقات الواجبة ~~كالزكوات والكفارات، والنفقات المستحبة، وأنهم ينفقون حيث دعت الحاجة إلى ~~النفقة، سرا وعلانية، ms0745 { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: ~~من أساء إليهم بقول أو فعل، لم يقابلوه بفعله، بل قابلوه بالإحسان إليه. # فيعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويصلون من قطعهم، ويحسنون إلى من ~~أساء إليهم، وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان، فما ظنك بغير المسيء؟! ~~{ أولئك } الذين وصفت صفاتهم الجليلة ومناقبهم الجميلة { لهم ~~عقبى الدار } فسرها بقوله: { جنات عدن } أي: إقامة لا ~~يزولون عنها، ولا يبغون عنها حولا، لأنهم لا يرون فوقها غاية لما ~~اشتملت عليه من النعيم والسرور، الذي تنتهي إليه المطالب والغايات. ومن ~~تمام نعيمهم وقرة أعينهم أنهم { يدخلونها ومن صلح من ~~آبائهم } من الذكور والإناث { وأزواجهم } أي: الزوج أو الزوجة ~~وكذلك النظراء والأشباه، والأصحاب والأحباب، فإنهم من أزواجهم وذرياتهم، ~~{ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب } يهنئونهم ~~بالسلامة وكرامة الله لهم ويقولون: { سلام عليكم } أي: حلت ~~عليكم السلامة والتحية من الله وحصلت لكم، وذلك متضمن لزوال كل مكروه، ~~ومستلزم لحصول كل محبوب. { بما صبرتم } أي: صبركم هو الذي أوصلكم ~~إلى هذه المنازل العالية، والجنان الغالية، { فنعم عقبى الدار ~~}. فحقيق بمن نصح نفسه وكان لها عنده قيمة، أن يجاهدها، لعلها تأخذ من ~~أوصاف أولي الألباب بنصيب، لعلها تحظى بهذه الدار، التي هي منية النفوس، ~~وسرور الأرواح الجامعة لجميع اللذات والأفراح، فلمثلها فليعمل العاملون، ~~وفيها فليتنافس المتنافسون. ### || [13.25] # لما ذكر حال أهل الجنة، ذكر أن أهل النار بعكس ما وصفهم به، فقال عنهم: ~~{ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } أي: من ~~بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله، وغلظ عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد ~~والتسليم، بل قابلوه بالإعراض والنقص، { ويقطعون مآ أمر ~~الله به أن يوصل } فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان ~~والعمل الصالح، ولا وصلوا الأرحام ولا أدوا الحقوق، بل أفسدوا في الأرض ~~بالكفر والمعاصي، والصد عن سبيل الله، وابتغائها عوجا، { أولئك ~~لهم اللعنة } أي: البعد والذم، من الله وملائكته وعباده ~~المؤمنين، { ولهم سوء الدار } وهي: الجحيم، بما فيها من العذاب ~~الأليم. ### || [13.26] # أي: هو وحده يوسع الرزق ويبسطه على من يشاء، ويقدره ms0746 ويضيقه على من يشاء، ~~{ وفرحوا } أي: الكفار { بالحياة الدنيا } فرحا، أوجب لهم ~~أن يطمئنوا بها، ويغفلوا عن الآخرة، وذلك لنقصان عقولهم، { وما ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } أي: شيء حقير، ~~يتمتع به قليلا، ويفارق أهله وأصحابه، ويعقبهم ويلا طويلا. ### || [13.27-29] # يخبر تعالى أن الذين كفروا بآيات الله، يتعنتون على رسول الله، ويقترحون ~~ويقولون: { لولا أنزل عليه آية من ربه } وبزعمهم أنها ~~لو جاءت لآمنوا، فأجابهم الله بقوله: { قل إن الله يضل من ~~يشآء ويهدي إليه من أناب } أي: طلب رضوانه، فليست ~~الهداية والضلال بأيديهم، حتى يجعلوا ذلك متوقفا على الآيات، ومع ذلك ~~فهم كاذبون، # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون # [الأنعام: 111]. ولا يلزم أن يأتي الرسول بالآية التي يعينونها ~~ويقترحونها، بل إذا جاءهم بآية تبين ما جاء به من الحق، كفى ذلك، وحصل ~~المقصود، وكان أنفع لهم من طلبهم الآيات التي يعينونها، فإنها لو جاءتهم ~~طبق ما اقترحوا، فلم يؤمنوا بها لعاجلهم العذاب. ثم ذكر تعالى علامة ~~المؤمنين فقال: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله } أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها. { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب } أي: حقيق بها، وحري أن لا ~~تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أشهى ولا أحلى من محبة ~~خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له، يكون ~~ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله، ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل ~~وتكبير وغير ذلك. وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى ~~للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني ~~القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة ~~والبراهين، وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين ~~والعلم، وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه ~~من الكتب التي لا ترجع إليه، فلا تطمئن بها، بل لا تزال ms0747 قلقة من تعارض ~~الأدلة وتضاد الأحكام. # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82] وهذا إنما يعرفه من خبر كتاب الله وتدبره، وتدبر غيره من ~~أنواع العلوم، فإنه يجد بينها وبينه فرقا عظيما، ثم قال تعالى: { ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } أي: آمنوا بقلوبهم بالله ~~وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وصدقوا هذا الإيمان بالأعمال ~~الصالحة، أعمال القلوب كمحبة الله وخشيته ورجائه، وأعمال الجوارح كالصلاة ~~ونحوها. { طوبى لهم وحسن مآب } أي: لهم حالة طيبة، ومرجع ~~حسن. وذلك بما ينالون من رضوان الله وكرامته في الدنيا والآخرة، وأن لهم ~~كمال الراحة وتمام الطمأنينة، ومن جملة ذلك شجرة طوبى التي في الجنة، ~~التي يسير الراكب في ظلها مئة عام ما يقطعها، كما وردت بها الأحاديث ~~الصحيحة. ### || [13.30] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { كذلك أرسلناك } ~~إلى قومك تدعوهم إلى الهدى، { قد خلت من قبلهآ أمم } أرسلنا ~~فيهم رسلنا، فلست ببدع من الرسل حتى يستنكروا رسالتك، ولست تقول من تلقاء ~~نفسك، بل تتلو عليهم آيات الله التي أوحاها الله إليك، التي تطهر القلوب ~~وتزكي النفوس. والحال أن قومك يكفرون بالرحمن، فلم يقابلوا رحمته وإحسانه ~~- التي أعظمها أن أرسلناك إليهم رسولا، وأنزلنا عليك كتابا - بالقبول ~~والشكر بل قابلوها بالإنكار والرد، أفلا يعتبرون بمن خلا من قبلهم من ~~القرون المكذبة، كيف أخذهم الله بذنوبهم، { قل هو ربي لا ~~إله إلا هو } وهذا متضمن للتوحيدين، توحيد الألوهية، وتوحيد ~~الربوبية. فهو ربي الذي رباني بنعمه منذ أوجدني، وهو إلهي الذي { ~~عليه توكلت } في جميع أموري { وإليه متاب } أي: أرجع ~~في جميع عباداتي وفي حاجاتي. ### || [13.31] # يقول تعالى مبينا فضل القرآن الكريم على سائر الكتب المنزلة: { ولو ~~أن قرآنا } من الكتب الإلهية { سيرت به الجبال } عن ~~أماكنها { أو قطعت به الأرض } جنانا وأنهارا { أو ~~كلم به الموتى } لكان هذا القرآن. { بل لله الأمر ~~جميعا } فيأتي بالآيات التي تقتضيها حكمته، فما بال المكذبين يقترحون ~~من الآيات ما يقترحون؟ فهل لهم أو لغيرهم من الأمر شيء؟. { أفلم ms0748 ~~ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله لهدى ~~الناس جميعا } فليعلموا أنه قادر على هدايتهم جميعا، ولكنه لا ~~يشاء ذلك، بل يهدي من يشاء ويضل من يشاء، { ولا يزال الذين ~~كفروا } على كفرهم، لا يعتبرون ولا يتعظون، والله تعالى يوالي عليهم ~~القوارع التي تصيبهم في ديارهم، أو تحل قريبا منها، وهم مصرون على كفرهم ~~{ حتى يأتي وعد الله } الذي وعدهم به، لنزول العذاب المتصل ~~الذي لا يمكن رفعه، { إن الله لا يخلف الميعاد } وهذا ~~تهديد لهم وتخويف من نزول ما وعدهم الله به على كفرهم وعنادهم وظلمهم. ### || [13.32] # يقول تعالى لرسوله - مثبتا له ومسليا - { ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك } فلست أول رسول كذب وأوذي { فأمليت ~~للذين كفروا } برسلهم، أي: أمهلتهم مدة حتى ظنوا أنهم غير ~~معذبين. { ثم أخذتهم } بأنواع العذاب { فكيف كان عقاب ~~} كان عقابا شديدا وعذابا أليما، فلا يغتر هؤلاء الذين كذبوك ~~واستهزؤوا بك بإمهالنا، فلهم أسوة فيمن قبلهم من الأمم، فليحذروا أن يفعل ~~بهم كما فعل بأولئك. ### || [13.33-34] # يقول تعالى: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما ~~كسبت } بالجزاء العاجل والآجل، بالعدل والقسط، وهو الله تبارك وتعالى ~~كمن ليس كذلك؟ ولهذا قال: { وجعلوا لله شركآء } وهو الله ~~الأحد الفرد الصمد، الذي لا شريك له، ولا ند ولا نظير، { قل } لهم إن ~~كانوا صادقين: { سموهم } لتعلم حالهم، { أم تنبئونه بما ~~لا يعلم في الأرض } فإنه إذا كان عالم الغيب والشهادة، وهو لا ~~يعلم له شريكا، علم بذلك بطلان دعوى الشريك له، وأنكم بمنزلة الذي ~~يعلم الله أن له شريكا، وهو لا يعلمه، وهذا أبطل ما يكون، ولهذا ~~قال: { أم بظاهر من القول } أي: غاية ما يمكن من دعوى الشريك ~~له تعالى، أنه بظاهر أقوالكم. وأما في الحقيقة، فلا إله إلا الله، وليس ~~أحد من الخلق يستحق شيئا من العبادة، ولكن { زين للذين ~~كفروا مكرهم } الذي مكروه، وهو كفرهم وشركهم، وتكذيبهم لآيات ~~الله، { وصدوا عن السبيل } أي: عن الطريق المستقيمة الموصلة ~~إلى الله وإلى دار كرامته، { ومن يضلل الله فما ms0749 له من ~~هاد } لأنه ليس لأحد من الأمر شيء. { لهم عذاب في الحياة ~~الدنيا ولعذاب الآخرة أشق } من عذاب الدنيا لشدته ~~ودوامه، { وما لهم من الله من واق } يقيهم من عذاب الله، ~~فعذابه إذا وجهه إليهم لا مانع منه. ### || [13.35] # يقول تعالى: { مثل الجنة التي وعد المتقون } الذين ~~تركوا ما نهاهم الله عنه، ولم يقصروا فيما أمرهم به، أي: صفتها وحقيقتها ~~{ تجري من تحتها الأنهار } أنهار العسل، وأنهار الخمر، ~~وأنهار اللبن، وأنهار الماء التي تجري في غير أخدود، فتسقى تلك البساتين ~~والأشجار، فتحمل من جميع أنواع الثمار. { أكلها دآئم وظلها } ~~دائم أيضا، { تلك عقبى الذين اتقوا } أي: عاقبتهم ومآلهم ~~التي إليها يصيرون، { وعقبى الكافرين النار } فكم بين ~~الفريقين من الفرق المبين؟!! ### || [13.36] # يقول تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب } أي: مننا عليهم ~~به وبمعرفته، { يفرحون بمآ أنزل إليك } فيؤمنون به ~~ويصدقونه، ويفرحون بموافقة الكتب بعضها لبعض، وتصديق بعضها بعضا، وهذه ~~حال من آمن من أهل الكتابين، { ومن الأحزاب من ينكر بعضه ~~} أي: ومن طوائف الكفار المنحرفين عن الحق، من ينكر بعض هذا القرآن ولا ~~يصدقه. # فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها # [الزمر: 41] إنما أنت يا محمد منذر تدعوا إلى الله، { قل إنمآ ~~أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به } أي: بإخلاص الدين ~~لله وحده، { إليه أدعو وإليه مآب } أي: مرجعي الذي أرجع به ~~إليه، فيجازيني بما قمت به من الدعوة إلى دينه، والقيام بما أمرت به. ### || [13.37] # أي: ولقد أنزلنا هذا القرآن والكتاب حكما عربيا، أي: محكما متقنا، ~~بأوضح الألسنة وأفصح اللغات، لئلا يقع فيه شك واشتباه، وليوجب أن يتبع ~~وحده، ولا يداهن فيه، ولا يتبع ما يضاده ويناقضه من أهواء الذين لا ~~يعلمون. ولهذا توعد رسوله - مع أنه معصوم - ليمتن عليه بعصمته، ولتكون ~~أمته أسوته في الأحكام، فقال: { ولئن اتبعت أهواءهم بعد ~~ما جآءك من العلم } البين الذي ينهاك عن اتباع أهوائهم، { ما ~~لك من الله من ولي } يتولاك فيحصل لك الأمر المحبوب، { ولا ~~واق } يقيك من الأمر المكروه. ms0750 ### || [13.38-39] # أي: لست أول رسول أرسل إلى الناس حتى يستغربوا رسالتك، { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية } فلا يعيبك أعداؤك بأن يكون لك أزواج وذرية، كما كان ~~لإخوانك المرسلين، فلأي شيء يقدحون فيك بذلك وهم يعلمون أن الرسل قبلك ~~كذلك إلا لأجل أغراضهم الفاسدة وأهوائهم؟، وإن طلبوا منك آية اقترحوها ~~فليس لك من الأمر شيء. { وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله } والله لا يأذن فيها إلا في وقتها الذي قدره ~~وقضاه، { لكل أجل كتاب } لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، فليس ~~استعجالهم بالآيات أو بالعذاب موجبا لأن يقدم الله ما كتب أنه يؤخر، مع ~~أنه تعالى فعال لما يريد. { يمحوا الله ما يشآء } من الأقدار ~~{ ويثبت } ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه ~~وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير، لأن ذلك محال على الله، ~~أن يقع في علمه نقص أو خلل، ولهذا قال: { وعنده أم الكتاب } ~~أي: اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع له ~~وشعب. فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب، كأعمال اليوم والليلة ~~التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا، ولمحوها أسبابا، لا ~~تتعدى تلك الأسباب، ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة ~~والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق ~~بركة الرزق والعمر، وكما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب سببا ~~للسلامة. وجعل التعرض لذلك، سببا للعطب، فهو الذي يدبر الأمور بحسب ~~قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح ~~المحفوظ. ### || [13.40-41] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعجل عليهم بإصابة ما ~~يوعدون به من العذاب، فهم إن استمروا على طغيانهم وكفرهم، فلا بد أن ~~يصيبهم ما وعدوا به، { وإن ما نرينك } إياه في الدنيا، فتقر ~~بذلك عينك، { أو نتوفينك } قبل إصابتهم، فليس ذلك شغلا لك { ~~فإنما عليك البلاغ } والتبيين للخلق. { وعلينا ~~الحساب ms0751 } فنحاسب الخلق على ما قاموا به، مما عليهم، وضيعوه، ونثيبهم ~~أو نعاقبهم. ثم قال متوعدا للمكذبين: { أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } قيل بإهلاك المكذبين ~~واستئصال الظالمين، وقيل: بفتح بلدان المشركين، ونقصهم في أموالهم ~~وأبدانهم، وقيل غير ذلك من الأقوال. والظاهر - والله أعلم - أن المراد ~~بذلك، أن أراضي هؤلاء المكذبين جعل الله يفتحها ويجتاحها، ويحل القوارع ~~بأطرافها، تنبيها لهم قبل أن يجتاحهم النقص، ويوقع الله بهم من القوارع ~~ما لا يرده أحد، ولهذا قال: { والله يحكم لا معقب ~~لحكمه } ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي. فهذه الأحكام ~~التي يحكم الله فيها، توجد في غاية الحكمة والإتقان، لا خلل فيها ولا ~~نقص، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى ~~القدح فيها، بخلاف حكم غيره فإنه قد يوافق الصواب، وقد لا يوافقه، { ~~وهو سريع الحساب } أي: فلا يستعجلوا بالعذاب، فإن كل ما هو آت، ~~فهو قريب. ### || [13.42-43] # يقول تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم } برسلهم، وبالحق ~~الذي جاءت به الرسل، فلم يغن عنهم مكرهم، ولم يصنعوا شيئا، فإنهم ~~يحاربون الله ويبارزونه { فلله المكر جميعا } أي: لا يقدر ~~أحد أن يمكر مكرا إلا بإذنه، وتحت قضائه وقدره، فإذا كانوا يمكرون ~~بدينه، فإن مكرهم سيعود عليهم بالخيبة والندم، فإن الله { يعلم ما ~~تكسب كل نفس } أي: همومها وإراداتها وأعمالها الظاهرة ~~والباطنة. والمكر لا بد أن يكون من كسبها، فلا يخفى على الله مكرهم، ~~فيمتنع أن يمكروا مكرا يضر الحق وأهله، ويفيدهم شيئا، { وسيعلم ~~الكفار لمن عقبى الدار } أي: ألهم أو لرسله؟ ومن المعلوم ~~أن العاقبة للمتقين، لا للكفر وأعماله. { ويقول الذين كفروا ~~لست مرسلا } أي: يكذبونك، ويكذبون ما أرسلت به، { قل } لهم - إن ~~طلبوا على ذلك شهيدا: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~} وشهادته بقوله وفعله وإقراره، أما قوله فبما أوحاه الله إلى أصدق خلقه، ~~مما يثبت به رسالته. وأما فعله فلأن الله تعالى أيد رسوله، ونصره نصرا ~~خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه، وهذا شهادة ms0752 منه له بالفعل ~~والتأييد. وأما إقراره، فإنه أخبر الرسول عنه أنه رسوله، وأنه أمر الناس ~~باتباعه، فمن اتبعه فله رضوان الله وكرامته، ومن لم يتبعه فله النار ~~والسخط وحل له ماله ودمه، والله يقره على ذلك، فلو تقول عليه بعض ~~الأقاويل لعاجله بالعقوبة. { ومن عنده علم الكتاب } وهذا ~~شامل لكل علماء أهل الكتابين، فإنهم يشهدون للرسول، من آمن، واتبع الحق، ~~صرح بتلك الشهادة التي عليه، ومن كتم ذلك، فإخبار الله عنه أن عنده ~~شهادة، أبلغ من خبره، ولو لم يكن عنده شهادة، لرد استشهاده بالبرهان، ~~فسكوته يدل على أن عنده شهادة مكتومة. وإنما أمر الله باستشهاد أهل ~~الكتاب، لأنهم أهل هذا الشأن، وكل أمر إنما يستشهد فيه أهله، ومن هم أعلم ~~به من غيرهم، بخلاف من هو أجنبي عنه، كالأميين من مشركي العرب وغيرهم، ~~فلا فائدة في استشهادهم لعدم خبرتهم ومعرفتهم. والله أعلم. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-3] # يخبر تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لنفع ~~الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع ~~المعاصي، إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، وقوله: { بإذن ~~ربهم } أي: لا يحصل منهم المراد المحبوب لله، إلا بإرادة من الله ~~ومعونة، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم. ثم فسر النور الذي يهديهم ~~إليه هذا الكتاب، فقال: { إلى صراط العزيز الحميد } أي: ~~الموصل إليه وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به، وفي ~~ذكر { العزيز الحميد } بعد ذكر الصراط الموصل إليه إشارة إلى أن ~~من سلكه فهو عزيز بعز الله، قوي، ولو لم يكن له أنصار إلا الله، محمود في ~~أموره، حسن العاقبة. وليدل ذلك على أن صراط الله، من أكبر الأدلة على ما ~~لله من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأن الذي نصبه لعباده، عزيز السلطان، ~~حميد في أقواله وأفعاله وأحكامه، وأنه مألوه معبود بالعبادات التي هي ~~منازل الصراط المستقيم، وأنه كما أن له ملك السماوات والأرض خلقا ورزقا ~~وتدبيرا، فله الحكم على عباده بأحكامه الدينية، لأنهم ملكه، ولا ms0753 يليق به ~~أن يتركهم سدى، فلما بين الدليل والبرهان، توعد من لم ينقد لذلك، فقال: ~~{ وويل للكافرين من عذاب شديد } لا يقدر قدره، ولا ~~يوصف أمره، ثم وصفهم بأنهم { الذين يستحبون الحياة ~~الدنيا على الآخرة } فرضوا بها واطمأنوا، وغفلوا عن الدار ~~الآخرة. { ويصدون } الناس { عن سبيل الله } التي نصبها ~~لعباده، وبينها في كتبه وعلى ألسنة رسله، فهؤلاء قد نابذوا مولاهم ~~بالمعاداة والمحاربة، { ويبغونها } أي: سبيل الله { عوجا } أي: ~~يحرصون على تهجينها وتقبيحها، للتنفير عنها، ولكن يأبى الله إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون. { أولئك } الذين ذكر وصفهم { في ضلال ~~بعيد } لأنهم ضلوا وأضلوا، وشاقوا الله ورسوله وحاربوهما، فأي ضلال ~~أبعد من هذا؟!!، وأما أهل الإيمان فبعكس هؤلاء، يؤمنون بالله وآياته، ~~ويستحبون الآخرة على الدنيا، ويدعون إلى سبيل الله ويحسنونها مهما ~~أمكنهم، ويبينون استقامتها. ### || [14.4] # وهذا من لطفه بعباده، أنه ما أرسل رسولا { إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم } ما يحتاجون إليه، ويتمكنون من تعلم ما أتى به، ~~بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك ~~اللغة التي يتكلم بها، ثم يفهمون عنه، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به، ~~ونهوا عنه، وقامت عليهم حجة الله { فيضل الله من يشآء } ممن ~~لم ينقد للهدى، ويهدي من يشاء ممن اختصه برحمته. { وهو العزيز ~~الحكيم } الذي - من عزته - أنه انفرد بالهداية والإضلال، وتقليب ~~القلوب إلى ما شاء، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا بالمحل ~~اللائق به. ويستدل بهذه الآية الكريمة على أن علوم العربية الموصلة إلى ~~تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله، لأنه لا يتم معرفة ما ~~أنزل على رسوله إلا بها. إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها، وذلك ~~إذا تمرنوا على العربية، ونشأ عليها صغيرهم، وصارت طبيعة لهم، فحينئذ قد ~~اكتفوا المؤنة، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء، كما تلقى ~~عنهم الصحابة رضي الله عنهم. ### || [14.5-8] # يخبر تعالى: أنه أرسل موسى بآياته العظيمة الدالة على صدق ما جاء ms0754 به ~~وصحته، وأمره بما أمر الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، بل وبما ~~أمر به جميع الرسل قومهم، { أن أخرج قومك من الظلمات ~~إلى النور } أي: ظلمات الجهل والكفر وفروعه، إلى نور العلم والإيمان ~~وتوابعه. { وذكرهم بأيام الله } أي: بنعمه عليهم، وإحسانه ~~إليهم وبأيامه في الأمم المكذبين، ووقائعه بالكافرين، ليشكروا نعمه، ~~وليحذروا عقابه، { إن في ذلك } أي: في أيام الله على العباد { ~~لآيات لكل صبار شكور } أي: صبار في الضراء والعسر والضيق، ~~شكور على السراء والنعمة. فإنه يستدل بأيامه على كمال قدرته وعميم ~~إحسانه، وتمام عدله وحكمته، ولهذا امتثل موسى عليه السلام أمر ربه، ~~فذكرهم نعم الله فقال: { اذكروا نعمة الله عليكم } أي: ~~بقلوبكم وألسنتكم. { إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم } أي: يولونكم { سوء العذاب } أي: أشده، وفسر ذلك ~~بقوله: { ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } ~~أي: يبقونهن فلا يقتلونهن، { وفي ذلكم } الإنجاء { بلاء من ~~ربكم عظيم } أي: نعمة عظيمة، أو وفي ذلكم العذاب الذي ابتليتم ~~به من فرعون وملئه ابتلاء من الله عظيم لكم، لينظر هل تصبرون أم لا؟ وقال ~~لهم حاثا على شكر نعم الله: { وإذ تأذن ربكم } أي: أعلم ~~ووعد، { لئن شكرتم لأزيدنكم } من نعمي { ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد } ومن ذلك أن يزيل عنهم النعمة التي ~~أنعم بها عليهم. والشكر: هو اعتراف القلب بنعم الله، والثناء على الله ~~بها، وصرفها في مرضاة الله تعالى. وكفر النعمة ضد ذلك. { وقال موسى ~~إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا } فلن تضروا الله ~~شيئا، { فإن الله لغني حميد } فالطاعات لا تزيد في ملكه، ~~والمعاصي لا تنقصه، وهو كامل الغنى، حميد في ذاته وأسمائه وصفاته ~~وأفعاله، ليس له من الصفات إلا كل صفة حمد وكمال، ولا من الأسماء إلا كل ~~اسم حسن، ولا من الأفعال إلا كل فعل جميل. ### || [14.9-12] # يقول تعالى مخوفا عباده ما أحله بالأمم المكذبة حين جاءتهم الرسل، ~~فكذبوهم، فعاقبهم بالعقاب العاجل الذي رآه الناس وسمعوه فقال: { ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود ms0755 } وقد ذكر الله قصصهم في كتابه وبسطها، { والذين من ~~بعدهم لا يعلمهم إلا الله } من كثرتهم وكون أخبارهم ~~اندرست. فهؤلاء كلهم { جآءتهم رسلهم بالبينت } أي: ~~بالأدلة الدالة على صدق ما جاؤوا به، فلم يرسل الله رسولا إلا آتاه من ~~الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فحين أتتهم رسلهم بالبينات لم ينقادوا ~~لها بل استكبروا عنها، { فردوا أيديهم في أفوههم } ~~أي: لم يؤمنوا بما جاؤوا به، ولم يتفوهوا بشيء مما يدل على الإيمان كقوله # يجعلون أصبعهم في آذانهم من الصوعق حذر ~~الموت # [البقرة: 19]. { وقالوا } صريحا لرسلهم: { إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه ~~مريب } أي: موقع في الريبة، وقد كذبوا في ذلك وظلموا. ولهذا { قالت ~~} لهم { رسلهم أفي الله شك } أي: فإنه أظهر الأشياء ~~وأجلاها، فمن شك في الله { فاطر السموت والأرض } الذي وجود ~~الأشياء مستند إلى وجوده، لم يكن عنده ثقة بشيء من المعلومات، حتى الأمور ~~المحسوسة، ولهذا خاطبتهم الرسل خطاب من لا يشك فيه ولا يصلح الريب فيه { ~~يدعوكم } إلى منافعكم ومصالحكم { ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي: ليثيبكم ~~على الاستجابة لدعوته بالثواب العاجل والآجل، فلم يدعكم لينتفع بعبادتكم، ~~بل النفع عائد إليكم. فردوا على رسلهم رد السفهاء الجاهلين { قالوا } ~~لهم: { إن أنتم إلا بشر مثلنا } أي: فكيف تفضلوننا ~~بالنبوة والرسالة، { تريدون أن تصدونا عما كان يعبد ~~آبآؤنا } فكيف نترك رأي الآباء وسيرتهم لرأيكم؟ وكيف نطيعكم وأنتم بشر ~~مثلنا؟ { فأتونا بسلطان مبين } أي: بحجة وبينة ظاهرة، ~~ومرادهم بينة يقترحونها هم، وإلا فقد تقدم أن رسلهم جاءتهم بالبينات. { ~~قالت لهم رسلهم } مجيبين عن اقتراحهم واعتراضهم: { إن ~~نحن إلا بشر مثلكم } أي: صحيح وحقيقة، أنا بشر مثلكم، ~~{ ولكن } ليس في ذلك ما يدفع ما جئنا به من الحق، فإن { الله ~~يمن على من يشآء من عباده } فإذا من الله علينا بوحيه ~~ورسالته، فذلك فضله وإحسانه، وليس لأحد أن يحجر على الله فضله ويمنعه من ~~تفضله. فانظروا ما جئناكم به، فإن كان حقا فاقبلوه، وإن ms0756 كان غير ذلك ~~فردوه ولا تجعلوا حالنا حجة لكم على رد ما جئناكم به، وقولكم: { ~~فأتونا بسلطان مبين } فإن هذا ليس بأيدينا، وليس لنا من ~~الأمر شيء. { وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا ~~بإذن الله } فهو الذي إن شاء جاءكم به، وإن شاء لم يأتكم به، وهو ~~لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته ورحمته، { وعلى الله } لا على غيره { ~~فليتوكل المؤمنون } فيعتمدون عليه في جلب مصالحهم ودفع ~~مضارهم، لعلمهم بتمام كفايته وكمال قدرته، وعميم إحسانه، ويثقون به في ~~تيسير ذلك، وبحسب ما معهم من الإيمان يكون توكلهم. # فعلم بهذا وجوب التوكل، وأنه من لوازم الإيمان، ومن العبادات الكبار ~~التي يحبها الله ويرضاها، لتوقف سائر العبادات عليه، { وما لنآ ~~ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا }. أي: أي ~~شيء يمنعنا من التوكل على الله، والحال أننا على الحق والهدى، ومن كان ~~على الحق والهدى، فإن هداه يوجب له تمام التوكل، وكذلك ما يعلم من أن ~~الله متكفل بمعونة المهتدي وكفايته، يدعو إلى ذلك، بخلاف من لم يكن على ~~الحق والهدى، فإنه ليس ضامنا على الله، فإن حاله مناقضة لحال المتوكل. ~~وفي هذا كالإشارة من الرسل عليهم الصلاة والسلام لقومهم، بآية عظيمة، وهو ~~أن قومهم - في الغالب - لهم القهر والغلبة عليهم، فتحدتهم رسلهم بأنهم ~~متوكلون على الله، في دفع كيدكم ومكركم، وجازمون بكفايته إياهم، وقد ~~كفاهم الله شرهم مع حرصهم على إتلافهم وإطفاء ما معهم من الحق، فيكون هذا ~~كقول نوح لقومه: # يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات ~~الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ~~وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون # الآيات [يونس: 71]. وقول هود عليه السلام قال: # إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون # [هود: 54-55]. { ولنصبرن على مآ آذيتمونا } أي ~~ولنستمرن على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من ~~الأذى، فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى، احتسابا للأجر، ms0757 ~~ونصحا لكم، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير. { وعلى الله } ~~وحده لا على غيره { فليتوكل المتوكلون } فإن التوكل عليه ~~مفتاح لكل خير. واعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام توكلهم في أعلى ~~المطالب وأشرف المراتب، وهو التوكل على الله في إقامة دينه ونصره، وهداية ~~عبيده، وإزالة الضلال عنهم، وهذا أكمل ما يكون من التوكل. ### || [14.13-17] # لما ذكر دعوة الرسل لقومهم ودوامهم على ذلك، وعدم مللهم، ذكر منتهى ما ~~وصلت بهم الحال مع قومهم فقال: { وقال الذين كفروا ~~لرسلهم } متوعدين لهم { لنخرجنكم من أرضنآ أو ~~لتعودن في ملتنا } وهذا أبلغ ما يكون من الرد، وليس بعد هذا ~~فيهم مطمع، لأنه ما كفاهم أن أعرضوا عن الهدى، بل توعدوهم بالإخراج من ~~ديارهم ونسبوها إلى أنفسهم، وزعموا أن الرسل لا حق لهم فيها، وهذا من ~~أعظم الظلم، فإن الله أخرج عباده إلى الأرض وأمرهم بعبادته، وسخر لهم ~~الأرض وما عليها يستعينون بها على عبادته. فمن استعان بذلك على عبادة ~~الله، حل له ذلك وخرج من التبعة، ومن استعان بذلك على الكفر وأنواع ~~المعاصي، لم يكن ذلك خالصا له، ولم يحل له، فعلم أن أعداء الرسل في ~~الحقيقة ليس لهم شيء من الأرض التي توعدوا الرسل بإخراجهم منها. وإن ~~رجعنا إلى مجرد العادة فإن الرسل من جملة أهل بلادهم، وأفراد منهم، فلأي ~~شيء يمنعونهم حقا لهم صريحا واضحا؟! هل هذا إلا من عدم الدين والمروءة ~~بالكلية؟ ولهذا لما انتهى مكرهم بالرسل إلى هذه الحال، ما بقي حينئذ إلا ~~أن يمضي الله أمره، وينصر أولياءه، { فأوحى إليهم ربهم ~~لنهلكن الظالمين } بأنواع العقوبات. { ولنسكننكم ~~الأرض من بعدهم ذلك } أي: العاقبة الحسنة التي جعلها الله ~~للرسل ومن تبعهم جزاء { لمن خاف مقامي } عليه في الدنيا، وراقب ~~الله مراقبة من يعلم أنه يراه، { وخاف وعيد } أي: ما توعدت به من ~~عصاني، فأوجب له ذلك الانكفاف عما يكرهه الله، والمبادرة إلى ما يحبه ~~الله. { واستفتحوا } أي: الكفار، أي: هم الذين طلبوا واستعجلوا ~~فتح الله وفرقانه بين أوليائه وأعدائه، فجاءهم ms0758 ما استفتحوا به وإلا فالله ~~حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، { وخاب كل جبار عنيد } أي: ~~خسر في الدنيا والآخرة من تجبر على الله وعلى الحق وعلى عباد الله، ~~واستكبر في الأرض، وعاند الرسل وشاقهم. { من ورآئه جهنم } ~~أي: جهنم لهذا الجبار العنيد بالمرصاد، فلا بد له من ورودها، فيذاق حينئذ ~~العذاب الشديد، { ويسقى من مآء صديد } في لونه وطعمه ورائحته ~~الخبيثة، وهو في غاية الحرارة. { يتجرعه } من العطش الشديد { ~~ولا يكاد يسيغه } فإنه إذا قرب إلى وجهه شواه وإذا وصل إلى بطنه ~~قطع ما أتى عليه من الأمعاء، { ويأتيه الموت من كل مكان ~~وما هو بميت } أي: يأتيه العذاب الشديد من كل نوع من أنواع ~~العذاب، وكل نوع منه من شدته يبلغ إلى الموت، ولكن الله قضى أن لا يموتوا ~~كما قال تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها كذلك نجزي كل كفور * وهم يصطرخون ~~فيها # [فاطر: 36-37]. { ومن ورآئه } أي: الجبار العنيد { عذاب ~~غليظ } أي: قوي شديد، لا يعلم وصفه وشدته إلا الله تعالى. ### || [14.18] # يخبر تعالى عن أعمال الكفار التي عملوها: إما أن المراد بها الأعمال ~~التي عملوها لله، بأنها في ذهابها وبطلانها واضمحلالها كاضمحلال الرماد، ~~الذي هو أدق الأشياء وأخفها، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد ~~الهبوب، فإنه لا يبقى منه شيئا، ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل، ~~فكذلك أعمال الكفار { لا يقدرون مما كسبوا على شيء } ~~ولا على مثقال ذرة منه، لأنه مبني على الكفر والتكذيب. { ذلك هو ~~الضلال البعيد } حيث بطل سعيهم، واضمحل عملهم، وإما أن المراد ~~بذلك أعمال الكفار التي عملوها ليكيدوا بها الحق، فإنهم يسعون ويكدحون في ~~ذلك، ومكرهم عائد عليهم، ولن يضروا الله ورسله وجنده وما معهم من الحق ~~شيئا. ### || [14.19-21] # ينبه تعالى عباده بأنه { أن الله خلق السموت والأرض ~~بالحق } أي: ليعبده الخلق ويعرفوه، ويأمرهم وينهاهم، وليستدلوا بهما ~~وما فيهما على ما له من صفات الكمال، وليعلموا أن الذي خلق السماوات ~~والأرض - على عظمهما ms0759 وسعتهما - قادر على أن يعيدهم خلقا جديدا، ~~ليجازيهم بإحسانهم وإساءتهم، وأن قدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك، ولهذا ~~قال: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد }. يحتمل أن ~~المعنى: إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم، يكونون أطوع لله منكم، ويحتمل أن ~~المراد أنه: إن يشأ يفنيكم ثم يعيدهم بالبعث خلقا جديدا، ويدل على هذا ~~الاحتمال ما ذكره بعده من أحوال القيامة. { وما ذلك على الله ~~بعزيز } أي: بممتنع بل هو سهل عليه جدا، # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28] # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. { وبرزوا } أي: الخلائق { لله جميعا } حين ~~ينفخ في الصور، فيخرجون من الأجداث إلى ربهم، فيقفون في أرض مستوية قاع ~~صفصف، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ويبرزون له لا يخفى [عليه] منهم ~~خافية، فإذا برزوا صاروا يتحاجون، وكل يدفع عن نفسه، ويدافع ما يقدر ~~عليه، ولكن أنى لهم ذلك؟ فيقول { الضعفاء } أي: التابعون والمقلدون ~~{ للذين استكبروا } وهم: المتبوعون الذين هم قادة في الضلال: ~~{ إنا كنا لكم تبعا } أي: في الدنيا، أمرتمونا بالضلال، ~~وزينتموه لنا فأغويتمونا، { فهل أنتم مغنون عنا من ~~عذاب الله من شيء } أي: ولو مثقال ذرة، { قالوا } أي: ~~المتبوعون والرؤساء # أغويناهم كما غوينا # [القصص: 63] و { لو هدانا الله لهديناكم } فلا يغني أحد ~~أحدا، { سوآء علينآ أجزعنآ } من العذاب { أم صبرنا } ~~عليه، { ما لنا من محيص } أي: من ملجأ نلجأ إليه، ولا مهرب لنا ~~من عذاب الله. ### || [14.22-23] # أي: { وقال الشيطان } الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، ~~مخاطبا لأهل النار ومتبرئا منهم { لما قضي الأمر } ودخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار. { إن الله وعدكم وعد ~~الحق } على ألسنة رسله، فلم تطيعوه، فلو أطعتموه لأدركتم الفوز ~~العظيم، { ووعدتكم } الخير { فأخلفتكم } أي: لم يحصل ولن ~~يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة. { وما كان لي ~~عليكم من سلطان } أي: من حجة على تأييد قولي، { إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي } أي: هذا نهاية ما عندي، أني دعوتكم ms0760 ~~إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعا لأهوائكم وشهواتكم، فإذا كانت ~~الحال بهذه الصورة { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } فأنتم ~~السبب، وعليكم المدار في موجب العقاب، { مآ أنا بمصرخكم } ~~أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها { ومآ أنتم بمصرخي } كل ~~له قسط من العذاب. { إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل } ~~أي: تبرأت من جعلكم لي شريكا مع الله، فلست شريكا لله، ولا تجب طاعتي، ~~{ إن الظالمين } لأنفسهم بطاعة الشيطان { لهم عذاب أليم ~~} خالدين فيه أبدا. وهذا من لطف الله بعباده، أن حذرهم من طاعة الشيطان، ~~وأخبر بمداخله التي يدخل منها على الإنسان ومقاصده فيه، وأنه يقصد أن ~~يدخله النيران، وهنا بين لنا أنه إذا دخل النار وحزبه، أنه يتبرأ منهم ~~هذه البراءة، ويكفر بشركهم # ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14]. واعلم أن الله ذكر في هذه الآية أنه ليس له سلطان، وقال في ~~آية أخرى # إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم ~~به مشركون # [النحل: 100] فالسلطان الذي نفاه عنه هو سلطان الحجة والدليل، فليس له ~~حجة أصلا على ما يدعو إليه، وإنما نهاية ذلك أن يقيم لهم من الشبه ~~والتزيينات ما به يتجرؤون على المعاصي. وأما السلطان الذي أثبته، فهو ~~التسلط بالإغراء على المعاصي لأوليائه يؤزهم إلى المعاصي أزا، ~~وهم الذين سلطوه على أنفسهم بموالاته والالتحاق بحزبه، ولهذا ليس له ~~سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. ولما ذكر عقاب الظالمين ذكر ~~ثواب الطائعين فقال: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } أي: قاموا بالدين، قولا، وعملا، واعتقادا، { جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } فيها من اللذات والشهوات، ما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { خالدين فيها بإذن ~~ربهم } أي: لا بحولهم وقوتهم بل بحول الله وقوته { تحيتهم ~~فيها سلام } أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام، والتحية والكلام ~~الطيب. ### || [14.24-26] # يقول تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة ~~طيبة } وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وفروعها، { كشجرة ~~طيبة } وهي النخلة { أصلها ثابت } في الأرض { وفرعها } ~~منتشر { في السمآء } وهي ms0761 كثيرة النفع دائما، { تؤتي أكلها ~~} أي: ثمرتها { كل حين بإذن ربها } فكذلك شجرة الإيمان ، ~~أصلها ثابت في قلب المؤمن، علما واعتقادا. وفرعها من الكلم الطيب، ~~والعمل الصالح، والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة، في السماء دائما، ~~يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، ما ~~ينتفع به المؤمن وينفع غيره، { ويضرب الله الأمثال للناس ~~لعلهم يتذكرون } ما أمرهم به ونهاهم عنه، فإن في ضرب ~~الأمثال تقريبا للمعاني المعقولة من الأمثال المحسوسة، ويتبين المعنى ~~الذي أراده الله غاية البيان، ويتضح غاية الوضوح، وهذا من رحمته وحسن ~~تعليمه. فلله أتم الحمد وأكمله وأعمه، فهذه صفة كلمة التوحيد وثباتها، في ~~قلب المؤمن. ثم ذكر ضدها وهي كلمة الكفر وفروعها، فقال: { ومثل ~~كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } المأكل والمطعم، وهي: شجرة ~~الحنظل ونحوها، { اجتثت } هذه الشجرة { من فوق الأرض ما ~~لها من قرار } أي: من ثبوت، فلا عروق تمسكها، ولا ثمرة صالحة، ~~تنتجها، بل إن وجد فيها ثمرة، فهي ثمرة خبيثة، كذلك كلمة الكفر والمعاصي، ~~ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث وعمل خبيث، يستضر ~~به صاحبه ولا ينتفع، فلا يصعد إلى الله منه عمل صالح ولا ينفع نفسه ولا ~~ينتفع به غيره. ### || [14.27] # يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من ~~إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في ~~الحياة الدنيا، عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات ~~بالإرادة الجازمة، على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها. وفي ~~الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي، والخاتمة الحسنة، وفي ~~القبر عند سؤال الملكين، للجواب الصحيح، إذا قيل للميت " من ربك؟ وما ~~دينك؟ ومن نبيك؟ " هداهم للجواب الصحيح، بأن يقول المؤمن: " الله ربي، ~~والإسلام ديني، ومحمد نبيي ". { ويضل الله الظالمين } عن ~~الصواب في الدنيا والآخرة، وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم، وفي هذه ~~الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه، ونعيمه، كما تواترت بذلك النصوص عن ~~النبي صلى الله عليه ms0762 وسلم في الفتنة، وصفتها، ونعيم القبر وعذابه. ### || [14.28-30] # يقول تعالى - مبينا حال المكذبين لرسوله من كفار قريش، وما آل إليه ~~أمرهم: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا } ونعمة الله هي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، يدعوهم ~~إلى إدراك الخيرات في الدنيا والآخرة، وإلى النجاة من شرور الدنيا ~~والآخرة، فبدلوا هذه النعمة بردها، والكفر بها والصد عنها بأنفسهم. { ~~و } صدهم غيرهم حتى { أحلوا قومهم دار البوار } وهي ~~النار، حيث تسببوا لإضلالهم، فصاروا وبالا على قومهم، من حيث يظن نفعهم، ~~ومن ذلك أنهم زينوا لهم الخروج يوم " بدر " ليحاربوا الله ورسوله، فجرى ~~عليهم ما جرى، وقتل كثير من كبرائهم وصناديدهم في تلك الوقعة. { ~~جهنم يصلونها } أي: يحيط بهم حرها من جميع جوانبهم { وبئس ~~القرار } { وجعلوا لله أندادا } أي: نظراء وشركاء { ~~ليضلوا عن سبيله } أي: ليضلوا العباد عن سبيل الله بسبب ما ~~جعلوا لله من الأنداد، ودعوهم إلى عبادتها، { قل } لهم متوعدا: { ~~تمتعوا } بكفركم وضلالكم قليلا، فليس ذلك بنافعكم { فإن ~~مصيركم إلى النار } أي: مآلكم ومقركم ومأواكم فيها وبئس ~~المصير. ### || [14.31] # أي: قل لعبادي المؤمنين آمرا لهم بما فيه غاية صلاحهم، وأن ينتهزوا ~~الفرصة، قبل أن لا يمكنهم ذلك: { يقيموا الصلاة } ظاهرا وباطنا ~~{ وينفقوا مما رزقناهم } أي: من النعم التي أنعمنا بها ~~عليهم، قليلا أو كثيرا { سرا وعلانية } وهذا يشمل النفقة ~~الواجبة، كالزكاة ونفقة من تجب [عليه] نفقته، والمستحبة كالصدقات ونحوها. ~~{ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } ~~أي: لا ينفع فيه شيء، ولا سبيل إلى استدراك ما فات، لا بمعاوضة بيع ~~وشراء، ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدم العبد لنفسه، ~~ولينظر ما قدمه لغد، وليتفقد أعماله ويحاسب نفسه، قبل الحساب الأكبر. ### || [14.32-34] # يخبر تعالى: أنه وحده { الذي خلق السموت والأرض } على ~~اتساعهما وعظمهما، { وأنزل من السمآء مآء } وهو: المطر الذي ~~ينزله الله من السحاب، { فأخرج } بذلك الماء { من الثمرات } ~~المختلفة الأنواع { رزقا لكم } ورزقا لأنعامكم { وسخر ~~لكم الفلك } أي: السفن والمراكب، ms0763 { لتجري في البحر ~~بأمره } فهو الذي يسر لكم صنعتها، وأقدركم عليها، وحفظها على تيار ~~الماء لتحملكم، وتحمل تجاراتكم وأمتعتكم إلى بلد تقصدونه. { وسخر ~~لكم الأنهار } لتسقي حروثكم وأشجاركم، وتشربوا منها. { وسخر ~~لكم الشمس والقمر دآئبين } لا يفتران، ولا ينيان، يسعيان ~~لمصالحكم، من حساب أزمنتكم ومصالح أبدانكم، وحيواناتكم، وزروعكم، ~~وثماركم، { وسخر لكم اليل } لتسكنوا فيه { والنهار } ~~مبصرا، لتبتغوا من فضله. { وآتاكم من كل ما سألتموه } ~~أي: أعطاكم من كل ما تعلقت به أمانيكم وحاجتكم، مما تسألونه إياه بلسان ~~الحال، أو بلسان المقال، من أنعام، وآلات، وصناعات وغير ذلك، { وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها } فضلا عن قيامكم بشكرها { ~~إن الإنسان لظلوم كفار } أي: هذه طبيعة الإنسان من حيث هو ~~ظالم متجرئ على المعاصي، مقصر في حقوق ربه، كفار لنعم الله، لا يشكرها ~~ولا يعترف بها، إلا من هداه الله فشكر نعمه، وعرف حق ربه وقام به. ففي ~~هذه الآيات من أصناف نعم الله على العباد شيء عظيم، مجمل ومفصل، يدعو ~~الله به العباد إلى القيام بشكره وذكره، ويحثهم على ذلك، ويرغبهم في ~~سؤاله ودعائه، آناء الليل والنهار، كما أن نعمه تتكرر عليهم في جميع ~~الأوقات. ### || [14.35] # أي: { و } اذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه الحالة الجميلة، إذ ~~قال: { رب اجعل هذا البلد } أي: الحرم { ءامنا } ~~فاستجاب الله دعاءه شرعا وقدرا، فحرمه الله في الشرع، ويسر من أسباب ~~حرمته قدرا ما هو معلوم، حتى إنه لم يرده ظالم بسوء إلا قصمه الله ~~كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم. ولما دعا له بالأمن دعا له ولبنيه بالأمن ~~فقال: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } أي: اجعلني ~~وإياهم، جانبا بعيدا عن عبادتها، والإلمام بها، ثم ذكر الموجب لخوفه ~~عليه وعلى بنيه، بكثرة من افتتن وابتلي بعبادتها، فقال: { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من... }. ### || [14.36] # أي: ضلوا بسببها، { فمن تبعني } على ما جئت به من التوحيد ~~والإخلاص لله رب العالمين { فإنه مني } لتمام الموافقة، ومن أحب ~~قوما وتبعهم التحق بهم. { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ~~وهذا من ms0764 شفقة الخليل عليه الصلاة والسلام حيث دعا للعاصين بالمغفرة ~~والرحمة من الله، والله تبارك وتعالى أرحم منه بعباده، لا يعذب إلا من ~~تمرد عليه. ### || [14.37] # وذلك أنه أتى ب " هاجر " أم إسماعيل وبابنها إسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام، وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة، وهي - إذ ذاك - ليس ~~فيها سكن، ولا داع ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء، فقال - ~~متضرعا متوكلا على ربه: { ربنآ إني أسكنت من ذريتي ~~} أي: لا كل ذريتي، لأن إسحاق في الشام، وباقي بنيه كذلك، وإنما أسكن في ~~مكة إسماعيل وذريته، وقوله: { بواد غير ذي زرع } أي: لأن أرض ~~مكة لا تصلح للزراعة. { ربنا ليقيموا الصلاة } أي: اجعلهم ~~موحدين مقيمين الصلاة، لأن إقامة الصلاة من أخص وأفضل العبادات الدينية، ~~فمن أقامها كان مقيما لدينه، { فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوى إليهم } أي: تحبهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه. فأجاب ~~الله دعاءه، فأخرج من ذرية إسماعيل محمدا صلى الله عليه وسلم، حتى دعا ~~ذريته إلى الدين الإسلامي، وإلى ملة أبيهم إبراهيم، فاستجابوا له وصاروا ~~مقيمي الصلاة. وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم، وجعل ~~فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه، ولا تقضي منه وطرا على ~~الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه، وعظم ولعه وتوقه، ~~وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة. { وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون } فأجاب الله دعاءه، فصار يجبي ~~إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرفة كل وقت، والثمار فيها متوفرة، ~~والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب. ### || [14.38] # أي: أنت أعلم بنا منا، فنسألك من تدبيرك وتربيتك لنا أن تيسر لنا من ~~الأمور التي نعلمها، والتي لا نعلمها ما هو مقتضى علمك ورحمتك، { وما ~~يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السمآء } ~~ومن ذلك هذا الدعاء الذي لم يقصد به الخليل إلا الخير، وكثرة الشكر لله ~~رب العالمين. ### || [14.39-41] # فهبتهم من أكبر النعم، وكونهم على الكبر في حال الإياس من الأولاد ms0765 نعمة ~~أخرى، وكونهم أنبياء صالحين، أجل وأفضل، { إن ربي لسميع ~~الدعآء } أي: لقريب الإجابة ممن دعاه، وقد دعوته، فلم يخيب رجائي، ثم ~~دعا لنفسه ولذريته، فقال: { رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتي ربنا وتقبل دعآء * ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } فاستجاب ~~الله له في ذلك كله، إلا أن دعاءه لأبيه إنما كان عن موعدة وعده إياه، ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. ### || [14.42-43] # هذا وعيد شديد للظالمين، وتسلية للمظلومين، يقول تعالى: { ولا ~~تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } حيث ~~أمهلهم وأدر عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين، ~~فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم فإن الله يملي للظالم ويمهله ليزداد ~~إثما، حتى إذا أخذه لم يفلته # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102] والظلم - هاهنا - يشمل الظلم فيما بين العبد وربه، وظلمه ~~لعباد الله، { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار } أي: لا تطرف من شدة ما ترى من الأهوال وما أزعجها من ~~القلاقل. { مهطعين } أي: مسرعين إلى إجابة الداعي حين يدعوهم إلى ~~الحضور بين يدي الله للحساب، لا امتناع لهم ولا محيص ولا ملجأ، { ~~مقنعي رءوسهم } أي: رافعيها قد غلت أيديهم إلى الأذقان، ~~فارتفعت لذلك رؤوسهم، { لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم هوآء } أي: أفئدتهم فارغة من قلوبهم، قد صعدت إلى ~~الحناجر، لكنها مملوءة من كل هم وغم وحزن وقلق. ### || [14.44-46] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وأنذر الناس يوم ~~يأتيهم العذاب } أي: صف لهم صفة تلك الحال وحذرهم من ~~الأعمال الموجبة للعذاب، الذي حين يأتي في شدائده وقلاقله، { فيقول ~~الذين ظلموا } بالكفر والتكذيب وأنواع المعاصي، نادمين على ما ~~فعلوا، سائلين للرجعة في غير وقتها، { ربنآ أخرنآ إلى أجل ~~قريب } أي: ردنا إلى الدنيا، فإنا قد أبصرنا، { نجب دعوتك ~~} والله يدعو إلى دار السلام { ونتبع الرسل } وهذا كله لأجل ~~التخلص من العذاب، وإلا فهم كذبة في هذا الوعد # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: ms0766 28]. ولهذا يوبخون ويقال لهم: { أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } عن الدنيا وانتقال ~~إلى الآخرة، فها قد تبين حنثكم في إقسامكم، وكذبكم فيما تدعون، { و } ~~ليس عملكم قاصر في الدنيا من أجل الآيات البينات، بل { سكنتم في ~~مسكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف ~~فعلنا بهم } من أنواع العقوبات؟ وكيف أحل الله بهم العقوبات، حين ~~كذبوا بالآيات البينات، وضربنا لكم الأمثال الواضحة التي لا تدع أدنى شك ~~في القلب إلا أزالته، فلم تنفع فيكم تلك الآيات، بل أعرضتم ودمتم على ~~باطلكم، حتى صار ما صار، ووصلتم إلى هذا اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار ~~من اعتذر بباطل. { وقد مكروا } أي: المكذبون للرسل { مكرهم } ~~الذي وصلت إرادتهم، وقدر لهم عليه، { وعند الله مكرهم } أي: ~~هو محيط به علما وقدرة، فإنه عاد مكرهم عليهم # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } ~~أي: ولقد كان مكر الكفار المكذبين للرسل بالحق، وبمن جاء به - من عظمه - ~~لتزول الجبال الراسيات بسببه عن أماكنها، أي: # ومكروا مكرا كبارا # [نوح: 22] لا يقادر قدره ولكن الله رد كيدهم في نحورهم. ويدخل في هذا كل ~~من مكر من المخالفين للرسل، لينصر باطلا، أو يبطل حقا، والقصد أن ~~مكرهم لم يغن عنهم شيئا، ولم يضروا الله شيئا، وإنما ضروا أنفسهم. ### || [14.47-52] # يقول تعالى: { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } ~~بنجاتهم ونجاة أتباعهم وسعادتهم وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا، ~~وعقابهم في الآخرة، فهذا لا بد من وقوعه، لأنه وعد به الصادق قولا، على ~~ألسنة أصدق خلقه، وهم الرسل، وهذا أعلى ما يكون من الأخبار، خصوصا وهو ~~مطابق للحكمة الإلهية، والسنن الربانية، وللعقول الصحيحة، والله تعالى لا ~~يعجزه شيء، فإنه { عزيز ذو انتقام }. أي: إذا أراد أن ينتقم من ~~أحد، فإنه لا يفوته ولا يعجزه، وذلك في يوم القيامة، { يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسموت } تبدل غير السماوات، وهذا ~~التبديل تبديل صفات، لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد ~~الأديم، ms0767 ويلقى ما على ظهرها من جبل ومعلم، فتصير قاعا صفصفا، لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا، وتكون السماء كالمهل، من شدة أهوال ذلك اليوم، ثم ~~يطويها الله تعالى بيمينه. { وبرزوا } أي: الخلائق من قبورهم إلى ~~يوم بعثهم، ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء، { لله ~~الواحد القهار } أي: المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله ~~العظيمة، وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها ~~متحرك ولا يسكن ساكن إلا بإذنه. { وترى المجرمين } أي: الذين ~~وصفهم الإجرام، وكثرة الذنوب، في ذلك اليوم { مقرنين في ~~الأصفاد } أي: يسلسل كل أهل عمل من المجرمين بسلاسل من نار، فيقادون ~~إلى العذاب في أذل صورة وأشنعها وأبشعها. { سرابيلهم } أي: ثيابهم { ~~من قطران } وذلك لشدة اشتعال النار فيهم وحرارتها، ونتن ريحها، { ~~وتغشى وجوههم } التي هي أشرف ما في أبدانهم { النار } أي: ~~تحيط بها، وتصلاها من كل جانب، وغير الوجوه من باب أولى وأحرى، وليس هذا ~~ظلما من الله لهم، وإنما هو جزاء لما قدموا وكسبوا، ولهذا قال تعالى: { ~~ليجزى الله كل نفس ما كسبت } من خير وشر بالعدل ~~والقسط، الذي لا جور فيه بوجه من الوجوه. { إن الله سريع ~~الحساب } كقوله تعالى: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون # [الأنبياء: 1] ويحتمل أن معناه: سريع المحاسبة، فيحاسب الخلق في ساعة ~~واحدة، كما يرزقهم ويدبرهم بأنواع التدابير في لحظة واحدة، لا يشغله شأن ~~عن شأن، وليس ذلك بعسير عليه. فلما بين البيان المبين في هذا القرآن قال ~~في مدحه: { هذا بلاغ للناس } أي: يتبلغون به، ويتزودون إلى ~~الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات، لما اشتمل عليه من الأصول ~~والفروع، وجميع العلوم التي يحتاجها العباد. { ولينذروا به } لما ~~فيه من الترهيب من أعمال الشر، وما أعد الله لأهلها من العقاب، { ~~وليعلموا أنما هو إله واحد } حيث صرف فيه من ~~الأدلة والبراهين على ألوهيته ووحدانيته، ما صار ذلك حق اليقين، { ~~وليذكر أولوا الألباب } أي: العقول الكاملة، ما ينفعهم ~~فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وبذلك صاروا أولي الألباب والبصائر. إذ ms0768 ~~بالقرآن ازدادت معارفهم وآراؤهم، وتنورت أفكارهم لما أخذوه غضا طريا ~~فإنه لا يدعو إلا إلى أعلى الأخلاق والأعمال وأفضلها، ولا يستدل على ذلك ~~إلا بأقوى الأدلة وأبينها. وهذه القاعدة إذا تدرب بها العبد الذكي، لم ~~يزل في صعود ورقي على الدوام في كل خصلة حميدة. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-5] # يقول تعالى معظما لكتابه، مادحا له { تلك آيات الكتاب } أي: ~~الآيات الدالة على أحسن المعاني، وأفضل المطالب، { وقرآن مبين } ~~للحقائق بأحسن لفظ وأوضحه وأدله على المقصود، وهذا مما يوجب على الخلق ~~الانقياد إليه، والتسليم لحكمه وتلقيه بالقبول والفرح والسرور. فأما من ~~قابل هذه النعمة العظيمة بردها والكفر بها، فإنه من المكذبين الضالين، ~~الذين سيأتي عليهم وقت يتمنون أنهم مسلمون، أي: منقادون لأحكامه، وذلك ~~حين ينكشف الغطاء، وتظهر أوائل الآخرة، ومقدمات الموت، فإنهم في أحوال ~~الآخرة كلها يتمنون أنهم مسلمون، وقد فات وقت الإمكان، ولكنهم في هذه ~~الدنيا مغترون. ف { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } بلذاتهم { ~~ويلههم الأمل } أي: يؤملون البقاء في الدنيا، فيلهيهم عن ~~الآخرة، { فسوف يعلمون } أن ما هم عليه باطل، وأن أعمالهم ذهبت ~~خسرانا عليهم، ولا يغتروا بإمهال الله تعالى، فإن هذه سنته في الأمم. { ~~ومآ أهلكنا من قرية } كانت مستحقة للعذاب { إلا ولها ~~كتاب معلوم } مقدر لإهلاكها. { ما تسبق من أمة ~~أجلها وما يستأخرون } وإلا فالذنوب لا بد من وقوع أثرها، ~~وإن تأخر. ### || [15.6-9] # أي: وقال المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم استهزاء وسخرية: { ~~يأيها الذي نزل عليه الذكر } على زعمك { إنك ~~لمجنون } إذ تظن أنا سنتبعك، ونترك ما وجدنا عليه آباءنا لمجرد ~~قولك. { لو ما تأتينا بالملائكة } يشهدون لك بصحة ما جئت ~~به { إن كنت من الصادقين } فلما لم تأت بالملائكة فلست بصادق، ~~وهذا من أعظم الظلم والجهل. أما الظلم فظاهر، فإن هذا تجرؤ على الله ~~وتعنت بتعيين الآيات التي لم يخترها، وحصل المقصود والبرهان بدونها من ~~الآيات الكثيرة، الدالة على صحة ما جاء به، وأما الجهل، فإنهم جهلوا ~~مصلحتهم من مضرتهم، فليس في إنزال الملائكة، خير لهم، بل ms0769 لا ينزل الله ~~الملائكة إلا بالحق الذي لا إمهال على من لم يتبعه وينقد له. { وما ~~كانوا إذا } أي: حين تنزل الملائكة، إن لم يؤمنوا، ولن يؤمنوا ب { ~~منظرين } أي: بمهملين، فصار طلبهم لإنزال الملائكة تعجيلا لأنفسهم ~~بالهلاك والدمار، فإن الإيمان ليس في أيديهم، وإنما هو بيد الله، # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون # [الأنعام: 111] ويكفيهم من الآيات إن كانوا صادقين، هذا القرآن العظيم ~~ولهذا قال هنا: { إنا نحن نزلنا الذكر } أي: القرآن الذي ~~فيه ذكرى لكل شيء، من المسائل والدلائل الواضحة، وفيه يتذكر من أراد ~~التذكر، { وإنا له لحافظون } أي: في حال إنزاله، وبعد إنزاله، ~~ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه ~~الله في قلب رسوله، واستودعه فيها ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من ~~التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى ~~من معانيه، إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات ~~الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ~~ولا يسلط عليهم عدوا يجتاحهم. ### || [15.10-13] # يقول تعالى لنبيه إذ كذبه المشركون: لم يزل هذا دأب الأمم الخالية ~~والقرون الماضية: { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع ~~الأولين } أي: فرقهم وجماعتهم، رسلا. { وما يأتيهم من ~~رسول } يدعوهم إلى الحق والهدى { إلا كانوا به ~~يستهزئون } { كذلك نسلكه } أي: ندخل التكذيب { في ~~قلوب المجرمين } أي: الذين وصفهم لظلم والبهت، عاقبناهم لما ~~اشتبهت قلوبهم بالكفر والتكذيب، تشابهت معاملتهم لأنبيائهم ورسلهم ~~بالاستهزاء والسخرية وعدم الإيمان، ولهذا قال: { لا يؤمنون به ~~وقد خلت سنة الأولين } أي: عادة الله فيهم، بإهلاك من لم ~~يؤمن بآيات الله. ### || [15.14-15] # أي: ولو جاءتهم كل آية عظيمة، لم يؤمنوا وكابروا { ولو فتحنا ~~عليهم بابا من السماء } فصاروا يعرجون فيه، ويشاهدونه ~~عيانا بأنفسهم، لقالوا من ظلمهم وعنادهم، منكرين لهذه الآية: { إنما ~~سكرت أبصارنا } أي: أصابها ms0770 سكر وغشاوة، حتى رأينا ما لم نر، { ~~بل نحن قوم مسحورون } أي: ليس هذا بحقيقة، بل هذا سحر، ~~وقوم وصلت بهم الحال إلى هذا الإنكار، فإنهم لا مطمع فيهم ولا رجاء، ثم ~~ذكر الآيات الدالات على ما جاءت به الرسل من الحق فقال: { ولقد ~~جعلنا في السماء بروجا وزيناها... }. ### || [15.16-20] # يقول تعالى - مبينا كمال اقتداره ورحمته بخلقه -: { ولقد جعلنا ~~في السماء بروجا } أي: نجوما كالأبراج والأعلام العظام يهتدى ~~بها في ظلمات البر والبحر، { وزيناها للناظرين } فإنه لولا ~~النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو ~~الناظرين إلى التأمل فيها، والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها. ~~{ وحفظناها من كل شيطان رجيم } إذا استرق السمع، ~~أتبعته الشهب الثواقب، فبقيت السماء، ظاهرها مجملا بالنجوم النيرات، ~~وباطنها محروسا ممنوعا من الآفات. { إلا من استرق السمع } ~~أي: في بعض الأوقات، قد يسترق بعض الشياطين السمع بخفية واختلاس، { ~~فأتبعه شهاب مبين } أي: بين منير، يقتله أو يخبله. فربما ~~أدركه الشهاب قبل أن يوصلها الشيطان إلى وليه، فينقطع خبر السماء عن ~~الأرض، وربما ألقاها إلى وليه قبل أن يدركه الشهاب، فيضمها ويكذب معها ~~مئة كذبة، ويستدل بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. { والأرض ~~مددناها } أي: وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على ~~الامتداد بأرجائها، والتناول من أرزاقها، والسكون في نواحيها. { ~~وألقينا فيها رواسي } أي: جبالا عظاما، تحفظ الأرض بإذن ~~الله أن تميد وتثبتها أن تزول { وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون } أي: نافع متقوم يضطر إليه العباد والبلاد، ما بين نخيل ~~وأعناب، وأصناف الأشجار، وأنواع النبات. { وجعلنا لكم فيها ~~معايش } من الحرث ومن الماشية، ومن أنواع المكاسب والحرف. { ومن ~~لستم له برازقين } أي: أنعمنا عليكم بعبيد وإماء وأنعام، ~~لنفعكم ومصالحكم، وليس عليكم رزقها، بل خولكم الله إياها وتكفل بأرزاقها. ### || [15.21] # أي: جميع الأرزاق وأصناف الأقدار، لا يملكها أحد إلا الله، فخزائنها ~~بيده يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، بحسب حكمته ورحمته الواسعة، { وما ~~ننزله } أي: المقدر من كل شيء، من مطر وغيره، ms0771 { إلا بقدر ~~معلوم } فلا يزيد على ما قدره الله، ولا ينقص منه. ### || [15.22] # أي: وسخرنا الرياح، رياح الرحمة تلقح السحاب، كما يلقح الذكر الأنثى، ~~فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله، فيسقيه الله العباد ومواشيهم وأرضهم، ~~ويبقى في الأرض مدخرا لحاجاتهم وضروراتهم ما هو مقتضى قدرته ورحمته، { ~~ومآ أنتم له بخازنين } أي: لا قدرة لكم على خزنه وادخاره، ~~ولكن الله يخزنه لكم، ويسلكه ينابيع في الأرض، رحمة بكم وإحسانا إليكم. ### || [15.23-25] # أي: هو وحده لا شريك له، الذي يحيي الخلق من العدم، بعد أن لم يكونوا ~~شيئا مذكورا ويميتهم لآجالهم التي قدرها { ونحن الوارثون } ~~كقوله: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # [مريم: 40] وليس ذلك بعزيز ولا ممتنع على الله، فإنه تعالى يعلم ~~المستقدمين من الخلق والمستأخرين منهم، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، وما ~~تفرق من أجزائهم، وهو الذي قدرته لا يعجزها معجز، فيعيد عباده خلقا ~~جديدا ويحشرهم إليه. { إنه حكيم } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها ~~منازلها، ويجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ### || [15.26-44] # يذكر تعالى نعمته وإحسانه على أبينا آدم عليه السلام، وما جرى من عدوه ~~إبليس، وفي ضمن ذلك التحذير لنا من شره وفتنته، فقال تعالى: { ولقد ~~خلقنا الإنسان } أي آدم عليه السلام { من صلصال من حمإ ~~مسنون } أي: من طين قد يبس، بعد ما خمر، حتى صار له صلصلة وصوت، ~~كصوت الفخار، والحمأ المسنون: الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه. { ~~والجآن } وهو: أبو الجن أي: إبليس { خلقناه من قبل } خلق ~~آدم { من نار السموم } أي: من النار الشديدة الحرارة، فلما أراد ~~الله خلق آدم قال للملائكة: { إني خالق بشرا من صلصال ~~من حمإ مسنون * فإذا سويته } جسدا تاما { ~~ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } فامتثلوا أمر ~~ربهم. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } تأكيد بعد ~~تأكيد، ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيما لأمر الله، ~~وإكراما لآدم حيث علم ما لم يعلموا. { إلا إبليس أبى أن ~~يكون مع الساجدين } وهذه أول عداوته ms0772 لآدم وذريته، قال الله: { ~~يإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم ~~أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون } فاستكبر على أمر الله، وأبدى العداوة لآدم وذريته، وأعجب ~~بعنصره، وقال أنا خير من آدم. { قال } الله معاقبا له على كفره ~~واستكباره { فاخرج منها فإنك رجيم } أي: مطرود مبعد من كل ~~خير، { وإن عليك اللعنة } أي: الذم والعيب، والبعد عن رحمة ~~الله { إلى يوم الدين } ففيها وما أشبهها دليل، على أنه سيستمر ~~على كفره وبعده من الخير. { قال رب فأنظرني } أي: أمهلني { ~~إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * ~~إلى يوم الوقت المعلوم } وليس إجابة الله لدعائه كرامة في ~~حقه، وإنما ذلك امتحان وابتلاء من الله له وللعباد، ليتبين الصادق الذي ~~يطيع مولاه دون عدوه ممن ليس كذلك، ولذلك حذرنا منه غاية التحذير، وشرح ~~لنا ما يريده منا. { قال رب بمآ أغويتني لأزينن ~~لهم في الأرض } أي أزين لهم الدنيا، وأدعوهم إلى إيثارها على ~~الأخرى، حتى يكونوا منقادين لكل معصية. { ولأغوينهم أجمعين ~~} أي: أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم، { إلا عبادك منهم ~~المخلصين } أي الذين أخلصتهم واجتبيتهم، لإخلاصهم، وإيمانهم، ~~وتوكلهم. قال الله تعالى: { هذا صراط علي مستقيم } أي: ~~معتدل موصل إلي، وإلى دار كرامتي. { إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان } تميلهم به إلى ما تشاء من أنواع الضلالات، بسبب ~~عبوديتهم لربهم وانقيادهم لأوامره، أعانهم الله وعصمهم من الشيطان. { ~~إلا من اتبعك } فرضي بولايتك وطاعتك، بدلا من طاعة الرحمن، { ~~من الغاوين } والغاوي: ضد الراشد، فهو الذي عرف الحق وتركه، ~~والضال: الذي تركه من غير علم منه به. { وإن جهنم ~~لموعدهم أجمعين } أي: إبليس وجنوده، { لها سبعة ~~أبواب } كل باب أسفل من الآخر، { لكل باب منهم } أي: من ~~أتباع إبليس { جزء مقسوم } بحسب أعمالهم، قال الله تعالى: # فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس ~~أجمعون # [الشعراء: 94-95]. ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه أتباع إبليس من النكال ~~والعذاب الشديد، ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم، والنعيم المقيم ~~فقال: { إن المتقين في ms0773 جنات... }. ### || [15.45-50] # يقول تعالى: { إن المتقين } الذين اتقوا طاعة الشيطان، وما ~~يدعوهم إليه من جميع الذنوب والعصيان { في جنات وعيون } قد ~~احتوت على جميع الأشجار، وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة في جميع ~~الأوقات. ويقال لهم حال دخولها: { ادخلوها بسلام آمنين } من ~~الموت، والنوم والنصب، واللغوب، وانقطاع شيء من النعيم، الذي هم فيه أو ~~نقصانه، ومن المرض، والحزن، والهم، وسائر المكدرات، { ونزعنا ما ~~في صدورهم من غل } فتبقى قلوبهم سالمة من كل دغل وحسد، ~~متصافية متحابة { إخونا على سرر متقبلين }. دل ذلك ~~على تزاورهم واجتماعهم وحسن أدبهم فيما بينهم، في كون كل منهم مقابلا ~~للآخر لا مستدبرا له، متكئين على تلك السرر المزينة بالفرش واللؤلؤ ~~وأنواع الجواهر. { لا يمسهم فيها نصب } لا ظاهر ولا باطن، ~~وذلك لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة، لا تقبل شيئا من الآفات، { ~~وما هم منها بمخرجين } على سائر الأوقات. ولما ذكر ما يوجب ~~الرغبة والرهبة من مفعولات الله من الجنة والنار، ذكر ما يوجب ذلك من ~~أوصافه تعالى فقال: { نبىء عبادي } أي: أخبرهم خبرا جازما ~~مؤيدا بالأدلة، { أني أنا الغفور الرحيم } فإنهم إذا عرفوا ~~كمال رحمته ومغفرته، سعوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته، وأقلعوا ~~عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته. ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم ~~الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم { وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم } أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله، الذي لا ~~يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، نعوذ به من عذابه، فإنهم إذا عرفوا أنه # لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد # [الفجر: 25-26] حذروا، وأبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب، فالعبد ينبغي ~~أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى ~~رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر ~~إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها. ### || [15.51-56] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ونبئهم عن ضيف ~~إبراهيم } أي: عن تلك القصة العجيبة، ms0774 فإن في قصك عليهم أنباء الرسل ~~وما جرى لهم، ما يوجب لهم العبرة والاقتداء بهم، خصوصا إبراهيم الخليل، ~~الذي أمرنا الله أن نتبع ملته، وضيفه هم الملائكة الكرام، أكرمه الله بأن ~~جعلهم أضيافه. { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } أي: سلموا ~~عليه، فرد عليهم { قال إنا منكم وجلون } أي: خائفون، لأنه ~~لما دخلوا عليه وحسبهم ضيوفا، ذهب مسرعا إلى بيته فأحضر لهم ضيافتهم، ~~عجلا حنيذا فقدمه إليهم، فلما رأى أيديهم لا تصل، إليه خاف منهم أن ~~يكونوا لصوصا أو نحوهم. ف { قالوا } له: { لا توجل إنا ~~نبشرك بغلام عليم } وهو: إسحاق عليه الصلاة والسلام، تضمنت ~~هذه البشارة بأنه ذكر لا أنثى، عليم أي: كثير العلم، وفي الآية الأخرى # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112]. فقال لهم متعجبا من هذه البشارة: { أبشرتموني ~~} بالولد { على أن مسني الكبر } وصار نوع إياس منه { ~~فبم تبشرون } أي: على أي وجه تبشرون وقد عدمت الأسباب؟ { ~~قالوا بشرناك بالحق } الذي لا شك فيه، لأن الله على كل شيء ~~قدير، وأنتم بالخصوص - يا أهل هذا البيت - رحمة الله وبركاته عليكم، فلا ~~يستغرب فضل الله وإحسانه إليكم. { فلا تكن من القانطين } ~~الذين يستبعدون وجود الخير، بل لا تزال راجيا لفضل الله وإحسانه، وبره ~~وامتنانه، فأجابهم إبراهيم بقوله: { قال ومن يقنط من رحمة ~~ربه إلا الضآلون } الذين لا علم لهم بربهم، وكمال اقتداره ~~وأما من أنعم الله عليه بالهداية والعلم العظيم، فلا سبيل إلى القنوط ~~إليه، لأنه يعرف من كثرة الأسباب والوسائل والطرق لرحمة الله شيئا ~~كثيرا، ثم لما بشروه بهذه البشارة، عرف أنهم مرسلون لأمر مهم. ### || [15.57-77] # أي: { قال } الخليل عليه السلام للملائكة: { فما خطبكم ~~أيها المرسلون } أي: ما شأنكم، ولأي شيء أرسلتم؟ { قالوا ~~إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } أي: كثر فسادهم وعظم ~~شرهم، لنعذبهم ونعاقبهم، { إلا آل لوط } أي: إلا لوطا وأهله { ~~إلا امرأته قدرنآ إنها لمن الغابرين } أي: ~~الباقين بالعذاب، وأما لوط فسنخرجنه وأهله وننجيهم منها، فجعل إبراهيم ~~يجادل الرسل في إهلاكهم، ويراجعهم، فقيل له: # يإبرهيم أعرض ms0775 عن هذآ إنه قد جآء أمر ~~ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود # [هود: 76] فذهبوا منه. { فلما جآء آل لوط المرسلون * ~~قال } لهم لوط { إنكم قوم منكرون } أي: لا أعرفكم ولا ~~أدري من أنتم. { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه ~~يمترون } أي جئناك بعذابهم الذي كانوا يشكون فيه، ويكذبونك حين ~~تعدهم به، { وآتيناك بالحق } الذي ليس بالهزل { وإنا ~~لصادقون } فيما قلنا لك. { فأسر بأهلك بقطع من ~~اليل } أي: في أثنائه حين تنام العيون ولا يدري أحد عن مسراك، { ولا ~~يلتفت منكم أحد } أي: بادروا وأسرعوا { وامضوا حيث ~~تؤمرون } كأن معهم دليلا يدلهم إلى أين يتوجهون { وقضينآ ~~إليه ذلك } أي: أخبرناه خبرا لا مثنوية فيه { الأمر أن ~~دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } أي سيصبحهم العذاب الذي ~~يجتاحهم ويستأصلهم، { وجآء أهل المدينة } أي المدينة التي ~~فيها لوط { يستبشرون } أي: يبشر بعضهم بعضا، بأضياف لوط وصباحة ~~وجوههم واقتدارهم عليهم، وذلك لقصدهم فعل الفاحشة فيهم، فجاؤوا حتى وصلوا ~~إلى بيت لوط، فجعلوا يعالجون لوطا على أضيافه، ولوط يستعيذ منهم ويقول: ~~{ إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا الله ولا ~~تخزون } أي: راقبوا الله أول ذلك، وإن كان ليس فيكم خوف من الله، فلا ~~تفضحون في أضيافي، وتنتهكوا منهم الأمر الشنيع. ف { قالوا } له ~~جوابا عن قوله ولا تخزون فقط: { أو لم ننهك عن العالمين ~~} أن تضيفهم فنحن قد أنذرناك، ومن أنذر فقد أعذر. ف { قال } لهم لوط ~~من شدة الأمر الذي أصابه: { هؤلآء بناتي إن كنتم فاعلين } ~~فلم يبالوا بقوله ولهذا قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم { ~~لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون } وهذه السكرة، هي ~~سكرة محبة الفاحشة التي لا يبالون معها بعذل ولا لوم. فلما بينت له الرسل ~~حالهم، زال عن لوط ما كان يجده من الضيق والكرب، فامتثل أمر ربه وسرى ~~بأهله ليلا فنجوا، وأما أهل القرية { فأخذتهم الصيحة ~~مشرقين } أي: وقت شروق الشمس، حين كانت العقوبة عليهم أشد، { ~~فجعلنا عاليها سافلها } أي: قلبنا عليهم مدينتهم، { ~~وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } تتبع فيها ms0776 من شذ من ~~البلد منهم. { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } أي: ~~المتأملين المتفكرين، الذين لهم فكر وروية وفراسة، يفهمون بها ما أريد ~~بذلك، من أن من تجرأ على معاصي الله، خصوصا هذه الفاحشة العظيمة، وأن ~~الله سيعاقبهم بأشنع العقوبات، كما تجرؤوا على أشنع السيئات. # { وإنها } أي: مدينة قوم لوط { لبسبيل مقيم } للسالكين، ~~يعرفه كل من تردد في تلك الديار { إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين } وفي هذه القصة من العبر: عنايته تعالى بخليله إبراهيم، ~~فإن لوطا عليه السلام من أتباعه، وممن آمن به فكأنه تلميذ له، فحين أراد ~~الله إهلاك قوم لوط حين استحقوا ذلك، أمر رسله أن يمروا على إبراهيم عليه ~~السلام كي يبشروه بالولد ويخبروه بما بعثوا له، حتى إنه جادلهم عليه ~~السلام في إهلاكهم، حتى أقنعوه، فطابت نفسه. وكذلك لوط عليه السلام، لما ~~كانوا أهل وطنه، فربما أخذته الرقة عليهم والرأفة بهم، قدر الله من ~~الأسباب ما به يشتد غيظه وحنقه عليهم، حتى استبطأ إهلاكهم لما قيل له: # إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب # [هود: 81] ومنها: أن الله تعالى إذا أراد أن يهلك قرية، [ازداد] شرهم ~~وطغيانهم، فإذا انتهى، أوقع بهم من العقوبات ما يستحقونه. ### || [15.78-79] # وهؤلاء هم قوم شعيب، نعتهم الله وأضافهم إلى الأيكة، وهو البستان كثير ~~الأشجار، ليذكر نعمته عليهم، وأنهم ما قاموا بها، بل جاءهم نبيهم شعيب، ~~فدعاهم إلى التوحيد، وترك ظلم الناس في المكاييل والموازين، وعاجلهم على ~~ذلك على أشد المعالجة فاستمروا على ظلمهم في حق الخالق، وفي حق الخلق، ~~ولهذا وصفهم هنا بالظلم، { فانتقمنا منهم } فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم. { وإنهما } أي: ديار قوم لوط وأصحاب ~~الأيكة { لبإمام مبين } أي: لبطريق واضح، يمر بهم المسافرون كل ~~وقت، فيبين من آثارهم ما هو مشاهد بالأبصار، فيعتبر بذلك أولوا الألباب. ### || [15.80-84] # يخبر تعالى عن أهل الحجر، وهم قوم صالح الذين كانوا يسكنون الحجر ~~المعروف في أرض الحجاز، أنهم كذبوا المرسلين، أي: كذبوا صالحا، ومن كذب ~~رسولا فقد كذب سائر الرسل، لاتفاق ms0777 دعوتهم، وليس تكذيب بعضهم لشخصه، بل ~~لما جاء به من الحق الذي اشترك جميع الرسل بالإتيان به، { وآتيناهم ~~آياتنا } الدالة على صحة ما جاءهم به صالح من الحق، التي من جملتها ~~تلك الناقة، التي هي من آيات الله العظيمة. { فكانوا عنها ~~معرضين } كبرا وتجبرا على الله، { وكانوا } من كثرة إنعام ~~الله عليهم، { ينحتون من الجبال بيوتا آمنين } من ~~المخاوف، مطمئنين في ديارهم، فلو شكروا النعمة وصدقوا نبيهم صالحا عليه ~~السلام، لأدر الله عليهم الأرزاق، ولأكرمهم بأنواع من الثواب العاجل ~~والآجل، ولكنهم - لما كذبوا وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم وقالوا: # ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين # [الأعراف: 77]. { فأخذتهم الصيحة مصبحين } فتقطعت ~~قلوبهم في أجوافهم، وأصبحوا في دارهم جاثمين هلكى، مع ما يتبع ذلك من ~~الخزي واللعنة المستمرة { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } لأن أمر الله إذا جاء لا يرده كثرة جنود، ولا قوة أنصار، ~~ولا غزارة أموال. ### || [15.85-86] # أي: ما خلقناهما عبثا وباطلا كما يظن ذلك أعداء الله، بل ما خلقناهما ~~{ إلا بالحق } الذي منه، أن يكونا بما فيهما دالتين على كمال ~~خالقهما، واقتداره، وسعة رحمته وحكمته، وعلمه المحيط، وأنه الذي لا تنبغي ~~العبادة إلا له وحده لا شريك له، { وإن الساعة لآتية } لا ريب ~~فيها # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] { فاصفح الصفح الجميل } وهو الصفح الذي لا أذية ~~فيه، بل يقابل إساءة المسيء بالإحسان، وذنبه بالغفران، لتنال من ربك جزيل ~~الأجر والثواب، فإن كل ما هو آت فهو قريب، وقد ظهر لي معنى أحسن مما ذكرت ~~هنا. وهو: أن المأمور به هو الصفح الجميل، أي: الحسن الذي قد سلم من ~~الحقد والأذية القولية والفعلية، دون الصفح الذي ليس بجميل، وهو الصفح في ~~غير محله، فلا يصفح حيث اقتضى المقام العقوبة، كعقوبة المعتدين الظالمين ~~الذين لا ينفع فيهم إلا العقوبة، وهذا هو المعنى. { إن ربك هو ~~الخلاق } لكل مخلوق { العليم } بكل شيء، فلا يعجزه أحد من جميع ~~ما أحاط به علمه، وجرى عليه خلقه، ms0778 وذلك سائر الموجودات. ### || [15.87-98] # يقول تعالى ممتنا على رسوله: { ولقد آتيناك سبعا من ~~المثاني } وهن - على الصحيح - السور السبع الطوال: " البقرة " و " آل ~~عمران " و " النساء " و " المائدة " و " الأنعام " و " الأعراف " و " ~~الأنفال " مع " التوبة ". أو أنها فاتحة الكتاب لأنها سبع آيات، فيكون ~~عطف " القرآن العظيم " على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، لكثرة ما في ~~المثاني من التوحيد، وعلوم الغيب، والأحكام الجليلة، وتثنيتها فيها. وعلى ~~القول بأن " الفاتحة " هي السبع المثاني معناها: أنها سبع آيات، تثنى في ~~كل ركعة، وإذا كان الله قد أعطاه القرآن العظيم مع السبع المثاني، كان قد ~~أعطاه أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، وأعظم ما فرح به المؤمنون، # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58] ولذلك قال بعده: { لا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم } أي: لا تعجب إعجابا يحملك على ~~إشغال فكرك بشهوات الدنيا التي تمتع بها المترفون، واغتر بها الجاهلون، ~~واستغن بما آتاك الله من المثاني والقرآن العظيم، { ولا تحزن ~~عليهم } فإنهم لا خير فيهم يرجى، ولا نفع يرتقب. فلك في ~~المؤمنين عنهم أحسن البدل، وأفضل العوض، { واخفض جناحك ~~للمؤمنين } أي: ألن لهم جانبك، وحسن لهم خلقك، محبة وإكراما ~~وتوددا، { وقل إني أنا النذير المبين } أي: قم بما ~~عليك من النذارة، وأداء الرسالة، والتبليغ للقريب والبعيد، والعدو، ~~والصديق، فإنك إذا فعلت ذلك، فليس عليك من حسابهم من شيء، وما من حسابك ~~عليهم من شيء. وقوله: { كمآ أنزلنا على المقتسمين } أي: ~~كما أنزلنا العقوبة على المقتسمين على بطلان ما جئت به، الساعين لصد ~~الناس عن سبيل الله. { الذين جعلوا القرآن عضين } أي: ~~أصنافا وأعضاء وأجزاء، يصرفونه بحسب ما يهوونه، فمنهم من يقول: سحر، ~~ومنهم من يقول: كهانة، ومنهم من يقول: مفترى، إلى غير ذلك من أقوال ~~الكفرة المكذبين به، الذين جعلوا قدحهم فيه ليصدوا الناس عن الهدى. { ~~فوربك لنسألنهم أجمعين } أي: جميع من قدح فيه وعابه، ~~وحرفه وبدله { عما كانوا يعملون } وفي هذا أعظم ترهيب وزجر ms0779 ~~لهم عن الإقامة على ما كانوا عليه. ثم أمر الله رسوله أن لا يبالي بهم ~~ولا بغيرهم، وأن يصدع بما أمر الله، ويعلن بذلك لكل أحد ولا ~~يعوقنه عن أمره عائق ولا تصده أقوال المتهوكين، { وأعرض ~~عن المشركين } أي: لا تبال بهم، واترك مشاتمتهم ومسابتهم، مقبلا ~~على شأنك، { إنا كفيناك المستهزئين } بك وبما جئت به ~~وهذا وعد من الله لرسوله، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفيه الله إياهم ~~بما شاء من أنواع العقوبة. # وقد فعل تعالى، فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة. ثم ذكر وصفهم وأنهم كما ~~يؤذونك يا رسول الله، فإنهم أيضا يؤذون الله ويجعلون معه { إلها ~~آخر } وهو ربهم وخالقهم ومدبرهم { فسوف يعلمون } غب أفعالهم ~~إذا وردوا القيامة، { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون } لك من التكذيب والاستهزاء. فنحن قادرون على استئصالهم ~~بالعذاب، والتعجيل لهم بما يستحقون، ولكن الله يمهلهم ولا يهملهم. فأنت ~~يا محمد { فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } أي: ~~أكثر من ذكر الله وتسبيحه وتحميده والصلاة، فإن ذلك يوسع الصدر ويشرحه، ~~ويعينك على أمورك. ### || [15.99] # أي: الموت، أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع ~~العبادات، فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فلم يزل دائبا في ~~العبادة، حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم، تسليما كثيرا. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-2] # يقول تعالى - مقربا لما وعد به محققا لوقوعه -: { أتى أمر ~~الله فلا تستعجلوه } فإنه آت، وما هو آت فإنه قريب، { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } من نسبة الشريك والولد ~~والصاحبة، والكفء، وغير ذلك مما نسبه إليه المشركون، مما لا يليق بجلاله، ~~أو ينافي كماله، ولما نزه نفسه عما وصفه به أعداؤه، ذكر الوحي الذي ينزله ~~على أنبيائه، مما يجب اتباعه في ذكر ما ينسب لله، من صفات الكمال فقال: { ~~ينزل الملائكة بالروح من أمره } أي: بالوحي الذي ~~به حياة الأرواح { على من يشآء من عباده } ممن ms0780 يعلمه ~~صالحا، لتحمل رسالته. وزبدة دعوة الرسل كلهم ومدارها على قوله: { أن ~~أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } أي: على ~~معرفة الله تعالى وتوحده في صفات العظمة، التي هي صفات الألوهية، وعبادته ~~وحده لا شريك له، فهي التي أنزل الله بها كتبه، وأرسل رسله، وجعل الشرائع ~~كلها تدعو إليها، وتحث وتجاهد من حاربها وقام بضدها، ثم ذكر الأدلة ~~والبراهين على ذلك. فقال: { خلق السموت والأرض بالحق ~~تعالى عما... }. ### || [16.3-9] # هذه السورة تسمى سورة النعم، فإن الله ذكر في أولها أصول النعم ~~وقواعدها، وفي آخرها متمماتها ومكملاتها، فأخبر أنه خلق السماوات والأرض ~~بالحق، ليستدل بها العباد على عظمة خالقهما، وما له من نعوت الكمال، ~~ويعلموا أنه خلقهما مسكنا لعباده الذين يعبدونه، بما يأمرهم به في ~~الشرائع التي أنزلها على ألسنة رسله، ولهذا نزه نفسه عن شرك المشركين به ~~فقال: { تعالى عما يشركون } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم فإنه ~~الإله حقا، الذي لا تنبغي العبادة، والحب والذل إلا له تعالى، ولما ذكر ~~خلق السماوات [والأرض]، ذكر خلق ما فيهما. وبدأ بأشرف ذلك وهو الإنسان ~~فقال: { خلق الإنسان من نطفة } لم يزل يدبرها، ويرقيها ~~وينميها، حتى صارت بشرا تاما كامل الأعضاء الظاهرة والباطنة، قد غمره ~~بنعمه الغزيرة، حتى إذا استتم فخر بنفسه وأعجب بها { فإذا هو ~~خصيم مبين } يحتمل أن المراد: فإذا هو خصيم لربه، يكفر به، ويجادل ~~رسله، ويكذب بآياته. ونسي خلقه الأول، وما أنعم الله عليه به، من النعم، ~~فاستعان بها على معاصيه، ويحتمل أن المعنى: أن الله أنشأ الآدمي من نطفة، ~~ثم لم يزل ينقله من طور إلى طور، حتى صار عاقلا متكلما، ذا ذهن ورأي: ~~يخاصم ويجادل، فليشكر العبد ربه الذي أوصله إلى هذه الحال، التي ليس في ~~إمكانه القدرة على شيء منها. { والأنعام خلقها لكم } أي: ~~لأجلكم، ولأجل منافعكم ومصالحكم، من جملة منافعها العظيمة أن لكم { ~~فيها دفء } مما تتخذون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها، وجلودها، من ~~الثياب، والفرش، والبيوت. { و } لكم فيها { منافع } غير ذلك { ~~ومنها تأكلون ms0781 } { ولكم فيها جمال حين تريحون ~~وحين تسرحون } أي: في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، ~~وذلك أن جمالها لا يعود إليها منه شيء، فإنكم أنتم الذين تتجملون بها، ~~كما تتجملون بثيابكم وأولادكم وأموالكم، وتعجبون بذلك، { وتحمل ~~أثقالكم } من الأحمال الثقيلة، بل وتحملكم أنتم { إلى بلد ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } ولكن الله ذللها ~~لكم. فمنها ما تركبونه، ومنها ما تحملون عليه ما تشاؤون من الأثقال إلى ~~البلدان البعيدة والأقطار الشاسعة، { إن ربكم لرؤوف رحيم ~~} إذ سخر لكم ما تضطرون إليه وتحتاجونه، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه، ~~وعظيم سلطانه، وسعة جوده وبره. { والخيل والبغال والحمير ~~} سخرناها لكم { لتركبوها وزينة } أي: تارة تستعملونها للضرورة ~~في الركوب، وتارة لأجل الجمال والزينة، ولم يذكر الأكل، لأن البغال ~~والحمر محرم أكلها، والخيل لا تستعمل - في الغالب - للأكل، بل ينهى عن ~~ذبحها لأجل الأكل، خوفا من انقطاعها، وإلا فقد ثبت في الصحيحين، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل. { ويخلق ما لا ~~تعلمون } مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق ~~في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها ~~بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو ~~يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير، فإنه لو ذكر لم يعرفوه، ولم يفهموا ~~المراد منه، فيذكر أصلا جامعا يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون، كما ~~ذكر نعيم الجنة، وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره، كالنخل والأعناب ~~والرمان، وأجمل ما لا نعرف له نظيرا في قوله: # فيهما من كل فاكهة زوجان # [الرحمن: 52] فكذلك هنا، ذكر ما نعرفه من المراكب، كالخيل، والبغال، ~~والحمير، والإبل، والسفن، وأجمل الباقي في قوله: { ويخلق ما لا ~~تعلمون } ولما ذكر تعالى الطريق الحسي، وأن الله قد جعل للعباد ما ~~يقطعونه به من الإبل وغيرها، ذكر الطريق المعنوي الموصل إليه فقال: { ~~وعلى الله قصد السبيل } أي: الصراط المستقيم، الذي هو أقرب ~~الطرق وأخصرها، موصل إلى الله. وأما الطريق الجائر في ms0782 عقائده وأعماله، ~~وهو كل ما خالف الصراط المستقيم، فهو قاطع عن الله، موصل إلى دار الشقاء، ~~فسلك المهتدون الصراط المستقيم بإذن ربهم، وضل الغاوون عنه، وسلكوا الطرق ~~الجائرة، { ولو شآء لهداكم أجمعين } ولكنه هدى بعضا ~~كرما وفضلا، ولم يهد آخرين، حكمة منه وعدلا. ### || [16.10-11] # بذلك على كمال قدرة الله، الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف، ~~ورحمته حيث جعل فيه ماء غزيرا منه يشربون، وتشرب مواشيهم، ويسقون منه ~~حروثهم، فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة. ### || [16.12] # أي: سخر لكم هذه الأشياء لمنافعكم وأنواع مصالحكم، بحيث لا تستغنون عنها ~~أبدا، فبالليل تسكنون وتنامون وتستريحون، وبالنهار تنتشرون في معايشكم ~~ومنافع دينكم ودنياكم، وبالشمس والقمر، من الضياء والنور، والإشراق، ~~وإصلاح الأشجار والثمار، والنبات، وتجفيف الرطوبات، وإزالة البرودة ~~الضارة للأرض وللأبدان، وغير ذلك من الضروريات والحاجيات، التابعة لوجود ~~الشمس والقمر. وفيهما وفي النجوم، من الزينة للسماء والهداية، في ظلمات ~~البر والبحر، ومعرفة الأوقات، وحساب الأزمنة، ما تتنوع دلالاتها، وتتصرف ~~آياتها، ولهذا جمعها في قوله { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون } أي: لمن لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر، فيما هي ~~مهيأة له مستعدة، تعقل ما تراه وتسمعه، لا كنظر الغافلين الذين حظهم من ~~النظر حظ البهائم التي لا عقل لها. ### || [16.13] # أي: فيما ذرأ الله ونشر للعباد، من كل ما على وجه الأرض، من حيوان، ~~وأشجار، ونبات، وغير ذلك، مما تختلف ألوانه، وتختلف منافعه، آية على كمال ~~قدرة الله، وعميم إحسانه، وسعة بره، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له ~~وحده لا شريك له، { لقوم يذكرون } أي: يستحضرون في ذاكرتهم ~~ما ينفعهم من العلم النافع، ويتأملون ما دعاهم الله إلى التأمل فيه، حتى ~~يتذكروا بذلك ما هو دليل عليه. ### || [16.14] # أي: هو وحده لا شريك له { الذي سخر البحر } وهيأه لمنافعكم ~~المتنوعة، { لتأكلوا منه لحما طريا } وهو السمك والحوت ~~الذي يصطادونه منه، { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~} فتزيدكم جمالا وحسنا إلى حسنكم، { وترى الفلك } أي: السفن ~~والمراكب { مواخر فيه } أي: تمخر في البحر العجاج ms0783 الهائل بمقدمها ~~حتى تسلك فيه من قطر إلى آخر، تحمل المسافرين وأرزاقهم وأمتعتهم ~~وتجاراتهم التي يطلبون بها الأرزاق وفضل الله عليهم. { ولعلكم ~~تشكرون } الذي يسر لكم هذه الأشياء وهيأها، وتثنون على الله الذي ~~من بها، فلله تعالى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ~~ومنافعهم فوق ما يطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا ~~نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. ### || [16.15-16] # أي: { وألقى } الله تعالى لأجل عباده { في الأرض رواسي } ~~وهي: الجبال العظام لئلا تميد بهم وتضطرب بالخلق، فيتمكنون من حرث الأرض ~~والبناء والسير عليها، ومن رحمته تعالى أن جعل فيها أنهارا، يسوقها من ~~أرض بعيدة إلى أرض مضطرة إليها لسقيهم وسقي مواشيهم وحروثهم، أنهارا على ~~وجه الأرض، وأنهارا في بطنها يستخرجونها بحفرها، حتى يصلوا إليها ~~فيستخرجونها بما سخر الله لهم من الدوالي والآلات ونحوها، ومن رحمته أن ~~جعل في الأرض سبلا، أي: طرقا توصل إلى الديار المتنائية، { ~~لعلكم تهتدون } السبيل إليها، حتى إنك تجد أرضا مشتبكة ~~بالجبال مسلسلة فيها، وقد جعل الله فيما بينها منافذ ومسالك للسالكين. ### || [16.17-23] # لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة، وما أنعم به من النعم ~~العميمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد ولا كفء له ولا ند له، فقال: { أفمن ~~يخلق } جميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد { كمن لا يخلق } ~~شيئا، لا قليلا ولا كثيرا، { أفلا تذكرون } فتعرفون أن ~~المنفرد بالخلق أحق بالعبادة كلها، فكما أنه واحد في خلقه وتدبيره، فإنه ~~واحد في إلهيته وتوحيده وعبادته. وكما أنه ليس له مشارك إذ أنشأكم وأنشأ ~~غيركم، فلا تجعلوا له أندادا في عبادته، بل أخلصوا له الدين، { وإن ~~تعدوا نعمة الله } عددا مجردا عن الشكر { لا تحصوهآ } ~~فضلا عن كونكم تشكرونها، فإن نعمه الظاهرة والباطنة على العباد بعدد ~~الأنفاس واللحظات، من جميع أصناف النعم، مما يعرف العباد، ومما لا ~~يعرفون، وما يدفع عنهم من النقم فأكثر من أن تحصى، { إن الله ~~لغفور رحيم } يرضى منكم باليسير من الشكر مع ms0784 إنعامه الكثير. وكما ~~أن رحمته واسعة، وجوده عميم، ومغفرته شاملة للعباد، فعلمه محيط بهم، { ~~يعلم ما تسرون وما تعلنون } بخلاف من عبد من دونه، ~~فإنهم { لا يخلقون شيئا } قليلا ولا كثيرا { وهم ~~يخلقون } فكيف يخلقون شيئا مع افتقارهم في إيجادهم إلى الله ~~تعالى؟!! ومع هذا، ليس فيهم من أوصاف الكمال شيء، لا علم، ولا غيره { ~~أموات غير أحيآء } فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تعقل شيئا، أفتتخذ ~~هذه آلهة من دون رب العالمين، فتبا لعقول المشركين ما أضلها وأفسدها، ~~حيث ضلت في أظهر الأشياء فسادا، وسووا بين الناقص من جميع الوجوه، فلا ~~أوصاف كمال، ولا شيء من الأفعال، وبين الكامل من جميع الوجوه الذي له كل ~~صفة كمال، وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فله العلم المحيط بكل ~~الأشياء، والقدرة العامة، والرحمة الواسعة التي ملأت جميع العوالم، ~~والحمد والمجد والكبرياء والعظمة، التي لا يقدر أحد من الخلق أن يحيط ~~ببعض أوصافه، ولهذا قال: { إلهكم إله واحد } وهو الله الأحد ~~الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يكن له كفوا أحد. فأهل الإيمان والعقول، ~~أجلته قلوبهم وعظمته، وأحبته حبا عظيما، وصرفوا له كل ما استطاعوا من ~~القربات البدنية والمالية، وأعمال القلوب وأعمال الجوارح، وأثنوا عليه ~~بأسمائه الحسنى، وصفاته وأفعاله المقدسة، { فالذين لا يؤمنون ~~بالآخرة قلوبهم منكرة } لهذا الأمر العظيم الذي لا ينكره ~~إلا أعظم الخلق جهلا وعنادا وهو: توحيد الله { وهم مستكبرون ~~} عن عبادته. { لا جرم } أي: حقا لا بد { أن الله يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون } من الأعمال القبيحة { إنه لا ~~يحب المستكبرين } بل يبغضهم أشد البغض، وسيجازيهم من جنس ~~عملهم # إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين # [غافر: 60]. ### || [16.24-29] # يقول تعالى - مخبرا عن شدة تكذيب المشركين بآيات الله: { وإذا قيل ~~لهم ماذآ أنزل ربكم } أي: إذا سئلوا عن القرآن والوحي ~~الذي هو أكبر نعمة أنعم الله بها على العباد، فماذا قولكم به؟ وهل تشكرون ~~هذه النعمة وتعترفون بها، أم تكفرون وتعاندون؟ فيكون جوابهم أقبح جواب ~~وأسمجه، فيقولون عنه: إنه { أساطير ms0785 الأولين } أي: كذب اختلقه ~~محمد على الله، وما هو إلا قصص الأولين التي يتناقلها الناس جيلا بعد ~~جيل، منها الصدق ومنها الكذب، فقالوا هذه المقالة، ودعوا أتباعهم إليها، ~~وحملوا وزرهم ووزر من انقاد لهم إلى يوم القيامة. وقوله: { ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم } أي: من أوزار ~~المقلدين الذين لا علم عندهم إلا ما دعوهم إليه، فيحملون إثم ما دعوهم ~~إليه، وأما الذين يعلمون، فكل مستقل بجرمه، لأنه عرف ما عرفوا { ~~ألا سآء ما يزرون } أي: بئس ما حملوا من الوزر المثقل لظهورهم، ~~من وزرهم ووزر من أضلوه. { قد مكر الذين من قبلهم } ~~برسلهم، واحتالوا بأنواع الحيل على رد ما جاؤوهم به وبنوا من مكرهم، ~~قصورا هائلة، { فأتى الله بنيانهم من القواعد } أي: ~~جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها، { فخر عليهم السقف من ~~فوقهم } فصار ما بنوه عذابا عذبوا به، { وأتاهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون } وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم ~~ويقيهم العذاب، فصار عذابهم فيما بنوه وأصلوه. وهذا من أحسن الأمثال في ~~إبطال الله مكر أعدائه. فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما ~~كذبوهم، وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل يرجعون إليها، ويردون بها ما ~~جاءت [به] الرسل، واحتالوا أيضا على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن ~~تبعهم، فصار مكرهم وبالا عليهم، فصار تدبيرهم فيه تدميرهم، وذلك لأن ~~مكرهم سيئ # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] هذا في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، ولهذا قال: { ثم ~~يوم القيامة يخزيهم } أي: يفضحهم على رؤوس الخلائق، ويبين ~~لهم كذبهم وافتراءهم على الله. { ويقول أين شركآئي الذين ~~كنتم تشاقون فيهم } أي: تحاربون وتعادون الله وحزبه لأجلهم، ~~وتزعمون أنهم شركاء لله، فإذا سألهم هذا السؤال، لم يكن لهم جواب إلا ~~الإقرار بضلالهم، والاعتراف بعنادهم فيقولون # ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا ~~كافرين # [الأعراف: 37] { قال الذين أوتوا العلم } أي: العلماء ~~الربانيون { إن الخزي اليوم } أي: يوم القيامة { والسوء ~~} أي: العذاب { على الكافرين } وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم ~~الناطقون بالحق في هذه ms0786 الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارا ~~عند الله وعند خلقه، ثم ذكر ما يفعل بهم عند الوفاة وفي القيامة فقال: { ~~الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } أي: ~~تتوفاهم في هذه الحال التي كثر فيها ظلمهم وغيهم، وقد علم ما يلقى ~~الظلمة في ذلك المقام، من أنواع العذاب والخزي والإهانة. # { فألقوا السلم } أي: استسلموا، وأنكروا ما كانوا يعبدونهم من ~~دون الله وقالوا: { ما كنا نعمل من سوء } فيقال لهم: { ~~بلى } كنتم تعملون السوء، ف { إن الله عليم بما كنتم ~~تعملون } فلا يفيدكم الجحود شيئا، وهذا في بعض مواقف القيامة، ~~ينكرون ما كانوا عليه في الدنيا ظنا أنه ينفعهم، فإذا شهدت عليهم ~~جوارحهم، وتبين ما كانوا عليه أقروا واعترفوا، ولهذا لا يدخلون النار حتى ~~يعترفوا بذنوبهم. { فادخلوا أبواب جهنم } كل أهل عمل ~~يدخلون من الباب اللائق بحالهم، { فلبئس مثوى المتكبرين ~~} نار جهنم، فإنها مثوى الحسرة والندم، ومنزل الشقاء والألم، ومحل الهموم ~~والغموم، وموضع السخط من الحي القيوم، لا يفتر عنهم من عذابها، ولا ~~يرفع عنهم يوما من أليم عقابها، قد أعرض عنهم الرب الرحيم، وأذاقهم ~~العذاب العظيم. ### || [16.30-32] # لما ذكر الله قيل المكذبين بما أنزل الله، ذكر ما قاله المتقون، وأنهم ~~اعترفوا وأقروا بأن ما أنزله الله نعمة عظيمة، وخير عظيم امتن الله به ~~على العباد، فقبلوا تلك النعمة، وتلقوها بالقبول والانقياد، وشكروا الله ~~عليها، فعلموها وعملوا لها { للذين أحسنوا } في عبادة الله ~~تعالى، وأحسنوا إلى عباد الله، فلهم { في هذه الدنيا حسنة } ~~رزق واسع، وعيشه هنية، وطمأنينة قلب، وأمن وسرور. { ولدار الآخرة ~~خير } من هذه الدار، وما فيها من أنواع اللذات والمشتهيات، فإن هذه ~~نعيمها قليل، محشو بالآفات منقطع، بخلاف نعيم الآخرة، ولهذا قال: { ~~ولنعم دار المتقين } { جنات عدن يدخلونها ~~تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشآؤون } أي: ~~مهما تمنته أنفسهم، وتعلقت به إرادتهم، حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها، ~~فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور ~~الأرواح، إلا وهو حاضر لديهم، ولهذا يعطي ms0787 الله أهل الجنة كل ما تمنوه ~~عليه، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم. فتبارك ~~الذي لا نهاية لكرمه، ولا حد لجوده، الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته، ~~وصفات أفعاله وآثار تلك النعوت، وعظمة الملك والملكوت، { كذلك ~~يجزي الله المتقين } لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم ~~من الفروض والواجبات، المتعلقة بالقلب والبدن واللسان، من حقه وحق عباده، ~~وترك ما نهاهم الله عنه. { الذين تتوفاهم الملائكة } ~~مستمرين على تقواهم { طيبين } أي: طاهرين مطهرين من كل نقص ودنس ~~يتطرق إليهم، ويخل في إيمانهم، فطابت قلوبهم بمعرفة الله ومحبته، ~~وألسنتهم بذكره والثناء عليه، وجوارحهم بطاعته والإقبال عليه، { ~~يقولون سلام عليكم } أي: التحية الكاملة حاصلة لكم، والسلامة ~~من كل آفة. وقد سلمتم من كل ما تكرهون { ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون } من الإيمان بالله والانقياد لأمره، فإن العمل هو ~~السبب والمادة والأصل في دخول الجنة والنجاة من النار، وذلك العمل حصل ~~لهم برحمة الله ومنته عليهم، لا بحولهم وقوتهم. ### || [16.33-34] # يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين جاءتهم الآيات فلم يؤمنوا، وذكروا ~~فلم يتذكروا، { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض أرواحهم { ~~أو يأتي أمر ربك } بالعذاب الذي سيحل بهم فإنهم قد استحقوا ~~وقوعه فيهم، { كذلك فعل الذين من قبلهم } كذبوا وكفروا، ~~ثم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب. { وما ظلمهم الله } إذ ~~عذبهم، { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } فإنها مخلوقة ~~لعبادة الله، ليكون مآلها إلى كرامة الله، فظلموها وتركوا ما خلقت له، ~~وعرضوها للإهانة الدائمة والشقاء الملازم. { فأصابهم سيئات ~~ما عملوا } أي: عقوبات أعمالهم وآثارها، { وحاق بهم } أي: نزل ~~{ ما كانوا به يستهزئون } فإنهم كانوا إذا أخبرتهم رسلهم ~~بالعذاب استهزؤوا به، وسخروا ممن أخبر به، فحل بهم ذلك الأمر الذي سخروا ~~منه. ### || [16.35] # أي: احتج المشركون على شركهم بمشيئة الله، وأن الله لو شاء ما أشركوا، ~~ولا حرموا شيئا من [الأنعام] التي أحلها كالبحيرة والوصيلة والحام، ~~ونحوها، من دونه، وهذه حجة باطلة، فإنها لو كانت حقا ما عاقب الله الذين ~~من قبلهم ms0788 حيث أشركوا به، فعاقبهم أشد العقاب. فلو كان يحب ذلك منهم لما ~~عذبهم، وليس قصدهم بذلك إلا رد الحق الذي جاءت به الرسل، وإلا فعندهم علم ~~أنه لا حجة لهم على الله. فإن الله أمرهم ونهاهم، ومكنهم من القيام بما ~~كلفهم، وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم. فاحتجاجهم بالقضاء والقدر ~~من أبطل الباطل، هذا وكل أحد يعلم بالحس، قدرة الإنسان على كل فعل يريده، ~~من غير أن ينازعه منازع، فجمعوا بين تكذيب الله وتكذيب رسله، وتكذيب ~~الأمور العقلية والحسية، { فهل على الرسل إلا البلاغ ~~المبين } أي: البين الظاهر، الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد على ~~الله حجة، فإذا بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه، واحتجوا عليهم بالقدر، فليس ~~للرسل من الأمر شيء، وإنما حسابهم على الله عز وجل. ### || [16.36-37] # يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو ~~متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين ~~واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له { أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت } فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل ~~وعدمها قسمين، { فمنهم من هدى الله } فاتبعوا المرسلين علما ~~وعملا، { ومنهم من حقت عليه الضلالة } فاتبع سبيل ~~الغي. { فسيروا في الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } فإنكم سترون من ذلك العجائب، ~~فلا تجدون مكذبا إلا كان عاقبته الهلاك. { إن تحرص على ~~هداهم } وتبذل جهدك في ذلك { فإن الله لا يهدي من ~~يضل } ولو فعل كل سبب لم يهده إلا الله، { وما لهم من ~~ناصرين } ينصرونهم من عذاب الله ويقونهم بأسه. ### || [16.38-40] # يخبر تعالى عن المشركين المكذبين لرسوله، أنهم { وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم } أي: حلفوا أيمانا مؤكدة مغلظة على ~~تكذيب الله، وأن الله لا يبعث الأموات، ولا يقدر على إحيائهم بعد أن ~~كانوا ترابا، قال تعالى مكذبا لهم: { بلى } سيبعثهم ويجمعهم، ليوم ~~لا ريب فيه { وعدا عليه حقا } لا يخلفه ولا يغيره { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } ومن جهلهم العظيم إنكارهم للبعث ~~والجزاء، ثم ms0789 ذكر الحكمة في الجزاء والبعث، فقال: { ليبين لهم ~~الذي يختلفون فيه } من المسائل الكبار والصغار، فيبين حقائقها ~~ويوضحها. { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين } حين يرون أعمالهم حسرات عليهم، وما نفعتهم آلهتهم التي ~~يدعون مع الله من شيء لما جاء أمر ربك، وحين يرون ما يعبدون حطبا لجهنم، ~~وتكور الشمس والقمر، وتتناثر النجوم، ويتضح لمن يعبدها أنها عبيد مسخرات، ~~وأنهن مفتقرات إلى الله في جميع الحالات، وليس ذلك على الله بصعب ولا ~~شديد، فإنه إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، من غير منازعة ولا امتناع، ~~بل يكون على طبق ما أراده وشاءه. ### || [16.41-42] # يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين { الذين هاجروا في الله ~~} أي: في سبيله وابتغاء مرضاته { من بعد ما ظلموا } بالأذية ~~والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا ~~الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، فذكر لهم ثوابين، ~~ثوابا عاجلا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيء، الذي رأوه ~~عيانا، بعد ما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان، وغنموا ~~منها الغنائم العظيمة، فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة. { ولأجر ~~الآخرة } الذي وعدهم الله على لسان رسوله { أكبر } من أجر الدنيا، ~~كما قال تعالى: # الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ~~وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * ~~خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم # [التوبة: 20-22] وقوله: { لو كانوا يعلمون } أي: لو كان لهم ~~علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وهاجر في سبيله، لم ~~يتخلف عن ذلك أحد. ثم ذكر وصف أوليائه فقال: { الذين صبروا } على ~~أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن ~~{ وعلى ربهم يتوكلون } أي: يعتمدون عليه في تنفيذ ~~محابه، لا على أنفسهم. وبذلك تنجح أمورهم، وتستقيم أحوالهم، فإن الصبر ~~والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدا شيء من الخير إلا لعدم صبره، ~~وبذل جهده فيما أريد منه، أو لعدم ms0790 توكله واعتماده على الله. ### || [16.43-44] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { ومآ أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا } أي: لست ببدع من الرسل، فلم نرسل قبلك ~~ملائكة، بل رجالا كاملين لا نساء. { نوحي إليهم } من الشرائع ~~والأحكام ما هو من فضله وإحسانه على العبيد، من غير أن يأتوا بشيء من قبل ~~أنفسهم، { فاسألوا أهل الذكر } أي: الكتب السابقة { إن ~~كنتم لا تعلمون } نبأ الأولين، وشككتم هل بعث الله رجالا؟ ~~فاسألوا أهل العلم بذلك، الذين نزلت عليهم الزبر والبينات، فعلموها ~~وفهموها، فإنهم كلهم قد تقرر عندهم، أن الله ما بعث إلا رجالا يوحي ~~إليهم من أهل القرى، وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى ~~أنواعه العلم بكتاب الله المنزل. فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم ~~في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم، حيث أمر ~~بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على ~~وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال. ~~وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، ~~وأولى من غيرهم بهذا الاسم، ولهذا قال تعالى: { وأنزلنا إليك ~~الذكر } أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ~~ودنياهم، الظاهرة والباطنة، { لتبين للناس ما نزل ~~إليهم } وهذا شامل لتبيين ألفاظه، وتبيين معانيه، { ولعلهم ~~يتفكرون } فيه، فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم، ~~وإقبالهم عليه. ### || [16.45-47] # هذا تخويف من الله تعالى لأهل الكفر والتكذيب وأنواع المعاصي، من أن ~~يأخذهم بالعذاب على غرة وهم لا يشعرون، إما أن يأخذهم العذاب من ~~فوقهم، أو من أسفل منهم بالخسف وغيره، وإما في حال تقلبهم وشغلهم، ~~وعدم خطور العذاب ببالهم، وإما في حال تخوفهم من العذاب، فليسوا ~~بمعجزين لله، في حالة من هذه الأحوال، بل هم تحت قبضته ونواصيهم بيده. ~~ولكنه رءوف رحيم، لا يعاجل العاصين بالعقوبة، بل يمهلهم ويعافيهم ويرزقهم ~~وهم يؤذونه ويؤذون أولياءه، ومع هذا يفتح لهم أبواب التوبة، ويدعوهم إلى ~~الإقلاع من السيئات ms0791 التي تضرهم، ويعدهم بذلك أفضل الكرامات، ومغفرة ما ~~صدر منهم من الذنوب، فليستح المجرم من ربه أن تكون نعم الله عليه ~~نازلة في جميع اللحظات، ومعاصيه صاعدة إلى ربه في كل الأوقات، ~~وليعلم أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه إذا أخذ العاصي أخذه أخذ عزيز ~~مقتدر، فليتب إليه، وليرجع في جميع أموره إليه، فإنه رؤوف ~~رحيم. فالبدار البدار إلى رحمته الواسعة وبره العميم، وسلوك الطرق ~~الموصلة إلى فضل الرب الرحيم، ألا وهي تقواه والعمل بما يحبه ويرضاه. ### || [16.48-50] # يقول تعالى: { أولم يروا } أي: الشاكون في توحيد ربهم وعظمته ~~وكماله، { إلى ما خلق الله من شيء } أي: إلى جميع ~~مخلوقاته، وكيف تتفيأ أظلتها، { عن اليمين } وعن { الشمآئل ~~سجدا لله } أي: كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته وجلاله، { وهم ~~داخرون } أي: ذليلون تحت التسخير والتدبير والقهر، ما منهم أحد إلا ~~وناصيته بيد الله، وتدبيره عنده. { ولله يسجد ما في ~~السموت وما في الأرض من دآبة } من الحيوانات الناطقة ~~والصامتة، { والملائكة } الكرام، خصهم بعد العموم لفضلهم وشرفهم ~~وكثرة عبادتهم، ولهذا قال: { وهم لا يستكبرون } أي: عن ~~عبادته، على كثرتهم، وعظمة أخلاقهم وقوتهم، كما قال تعالى: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون # [النساء: 172]. { يخافون ربهم من فوقهم } لما مدحهم ~~بكثرة الطاعة والخضوع لله، مدحهم بالخوف من الله الذي هو فوقهم بالذات ~~والقهر، وكمال الأوصاف، فهم أذلاء تحت قهره. { ويفعلون ما ~~يؤمرون } أي: مهما أمرهم الله تعالى امتثلوا لأمره، طوعا ~~واختيارا، وسجود المخلوقات لله تعالى قسمان: سجود اضطرار، ودلالة على ما ~~له من صفات الكمال، وهذا عام لكل مخلوق، من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، ~~وحيوان ناطق وغيره، وسجود اختيار يختص بأوليائه وعباده المؤمنين، من ~~الملائكة وغيرهم [من المخلوقات]. ### || [16.51-55] # يأمر تعالى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم ~~والوحدانية فقال: و { لا تتخذوا إلهين اثنين } أي: ~~تجعلون له شريكا في إلهيته، وهو { إنما هو إله واحد } ~~متوحد في الأوصاف العظيمة، متفرد بالأفعال كلها. فكما أنه الواحد في ~~ذاته، وأسمائه ms0792 ونعوته وأفعاله، فلتوحدوه في عبادته، ولهذا قال: { ~~فإياي فارهبون } أي: خافوني، وامتثلوا أمري، واجتنبوا نهيي، من ~~غير أن تشركوا بي شيئا من المخلوقات، فإنها كلها لله تعالى مملوكة. { ~~وله ما في السموت والأرض وله الدين واصبا } ~~أي: الدين والعبادة، والذل في جميع الأوقات، لله وحده، على الخلق أن ~~يخلصوه لله، وينصبغوا بعبوديته. { أفغير الله تتقون } من ~~أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا، والله ~~المنفرد بالعطاء والإحسان، { وما بكم من نعمة } ظاهرة وباطنة ~~{ فمن الله } لا أحد يشركه فيها، { ثم إذا مسكم الضر ~~} من فقر ومرض وشدة { فإليه تجأرون } أي: تضجون بالدعاء ~~والتضرع، لعلمكم أنه لا يدفع الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ~~ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده. ولكن ~~كثيرا من الناس، يظلمون أنفسهم، ويجحدون نعمة الله عليهم إذا نجاهم من ~~الشدة فصاروا في حال الرخاء، أشركوا به بعض مخلوقاته الفقيرة، ولهذا قال: ~~{ ليكفروا بمآ آتيناهم } أي: أعطيناهم، حيث نجيناهم من ~~الشدة، وخلصناهم من المشقة، { فتمتعوا } في دنياكم قليلا { ~~فسوف تعلمون } عاقبة كفركم. ### || [16.56-60] # يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم وافترائهم على الله الكذب، وأنهم ~~يجعلون لأصنامهم التي لا تعلم ولا تنفع ولا تضر - نصيبا مما رزقهم الله ~~وأنعم به عليهم، فاستعانوا برزقه على الشرك به، وتقربوا به إلى أصنام ~~منحوتة، كما قال تعالى: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله # الآية [الأنعام: 136]، { لتسألن عما كنتم تفترون } ~~ويقال: # ءآلله أذن لكم أم على الله تفترون * وما ظن ~~الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة # [يونس: 59-60] فيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. { ويجعلون لله ~~البنات } حيث قالوا عن الملائكة العباد المقربين: إنهم بنات الله، { ~~ولهم ما يشتهون } أي لأنفسهم الذكور، حتى إنهم يكرهون البنات ~~كراهة شديدة، فكان أحدهم { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ~~ظل وجهه مسودا } من الغم الذي أصابه { وهو كظيم } أي ~~كاظم ms0793 على الحزن والأسف إذا بشر بأنثى، وحتى إنه يفتضح عند أبناء جنسه، ~~ويتوارى منهم من سوء ما بشر به. ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد فيما يصنع ~~بتلك البنت التي بشر بها { أيمسكه على هون } أي: يتركها من ~~غير قتل على إهانة وذل { أم يدسه في التراب } أي: يدفنها وهي ~~حية، وهو الوأد الذي ذم الله به المشركين، { ألا سآء ما يحكمون ~~} إذ وصفوا الله بما لا يليق بجلاله، من نسبة الولد إليه. ثم لم يكفهم ~~هذا، حتى نسبوا له أردأ القسمين، وهو الإناث، اللاتي يأنفون بأنفسهم ~~عنها ويكرهونها، فكيف ينسبونها لله تعالى؟! فبئس الحكم حكمهم. ولما كان ~~هذا من أمثال السوء التي نسبها إليه أعداؤه المشركون، قال تعالى: { ~~للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء } أي: المثل ~~الناقص والعيب التام { ولله المثل الأعلى } وهو كل صفة ~~كمال، وكل كمال في الوجود، فالله أحق به، من غير أن يستلزم ذلك نقصا ~~بوجه، وله المثل الأعلى في قلوب أوليائه، وهو التعظيم والإجلال والمحبة ~~والإنابة والمعرفة. { وهو العزيز } الذي قهر جميع الأشياء، ~~وانقادت له المخلوقات بأسرها، { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، ~~فلا يأمر ولا يفعل، إلا ما يحمد عليه ويثنى على كماله فيه. ### || [16.61] # لما ذكر تعالى ما افتراه الظالمون عليه، ذكر كمال حلمه وصبره فقال: { ~~ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } من غير زيادة ولا نقص، ~~{ ما ترك عليها من دآبة } أي: لأهلك المباشرين للمعصية ~~وغيرهم، من أنواع الدواب والحيوانات، فإن شؤم المعاصي يهلك به الحرث ~~والنسل. { ولكن يؤخرهم } عن تعجيل العقوبة عليهم إلى أجل مسمى، ~~وهو يوم القيامة { فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون } فليحذروا ما داموا في وقت الإمهال، قبل أن يجيء ~~الوقت الذي لا إمهال فيه. ### || [16.62-64] # يخبر تعالى أن المشركين { ويجعلون لله ما يكرهون } من ~~البنات، ومن الأوصاف القبيحة، وهو الشرك، بصرف شيء من العبادات إلى بعض ~~المخلوقات التي هي عبيد لله، فكما أنهم يكرهون، ولا يرضون أن يكون عبيدهم ~~- وهم مخلوقون من جنسهم - شركاء لهم فيما رزقهم ms0794 الله، فكيف يجعلون له ~~شركاء من عبيده؟!! { و } هم مع هذه الإساءة العظيمة { تصف ~~ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } أي: أن لهم الحالة ~~الحسنة في الدنيا والآخرة، رد عليهم بقوله: { لا جرم أن لهم ~~النار وأنهم مفرطون } مقدمون إليها، ماكثون فيها، غير ~~خارجين منها أبدا. بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه ليس هو ~~أول رسول كذب فقال [تعالى]: { تالله لقد أرسلنآ إلى ~~أمم من قبلك } رسلا يدعونهم إلى التوحيد، { فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم } فكذبوا الرسل، وزعموا أن ما هم عليه، هو ~~الحق المنجي من كل مكروه، وأن ما دعت إليه الرسل فهو بخلاف ذلك، فلما زين ~~لهم الشيطان أعمالهم، صار وليهم في الدنيا، فأطاعوه واتبعوه، وتولوه. # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو بئس للظالمين بدلا # [الكهف: 50] { ولهم عذاب أليم } في الآخرة حيث تولوا عن ولاية ~~الرحمن، ورضوا بولاية الشيطان، فاستحقوا لذلك عذاب الهوان. ### || [16.65] # عن الله مواعظه وتذكيره، فيستدلوا بذلك على أنه وحده المعبود، الذي لا ~~تنبغي العبادة إلا له وحده، لأنه المنعم بإنزال المطر وإنبات جميع أصناف ~~النبات، وعلى أنه على كل شيء قدير، وأن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر ~~على إحياء الأموات، وأن الذي نشر هذا الإحسان لذو رحمة واسعة، وجود عظيم. ### || [16.66-67] # أي: { وإن لكم في الأنعام } التي سخرها الله لمنافعكم { ~~لعبرة } تستدلون بها على كمال قدرة الله وسعة إحسانه، حيث أسقاكم من ~~بطونها المشتملة على الفرث والدم، فأخرج من بين ذلك لبنا خالصا من ~~الكدر سائغا للشاربين، للذته، ولأنه يسقي ويغذي، فهل هذه إلا قدرة إلهية ~~لا أمور طبيعية. فأي شيء في الطبيعة يقلب العلف الذي تأكله البهيمة، ~~والشراب الذي تشربه من الماء العذب والملح، لبنا خالصا سائغا ~~للشاربين؟ وجعل تعالى لعباده من ثمرات النخيل والأعناب منافع للعباد ~~ومصالح، من أنواع الرزق الحسن الذي يأكله العباد طريا ونضيجا، وحاضرا ~~ومدخرا، وطعاما، وشرابا يتخذ من عصيرها ونبيذها، ومن السكر الذي كان ~~حلالا قبل ذلك، ثم إن الله نسخ حل المسكرات، وأعاض عنها ms0795 بالطيبات من ~~الأنبذة، وأنواع الأشربة اللذيذة المباحة. { إن في ذلك لآية ~~لقوم يعقلون } عن الله كمال اقتداره، حيث أخرجها من أشجار ~~شبيهة بالحطب، فصارت ثمرة لذيذة وفاكهة طيبة، وعلى شمول رحمته، حيث عم ~~بها عباده ويسرها لهم، وأنه الإله المعبود وحده، حيث إنه المنفرد بذلك. ### || [16.68-69] # في خلق هذه النحلة الصغيرة، التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر ~~لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها وهدايته ~~لها، ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ، مختلف الألوان بحسب اختلاف ~~أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فهذا دليل على كمال ~~عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ~~ويدعي سواه. ### || [16.70] # يخبر تعالى أنه الذي خلق العباد ونقلهم في الخلقة، طورا بعد طور، ثم ~~بعد أن يستكملوا آجالهم يتوفاهم، ومنهم من يعمره حتى { يرد إلى ~~أرذل العمر } أي: أخسه الذي يبلغ به الإنسان إلى ضعف القوى ~~الظاهرة والباطنة، حتى العقل الذي هو جوهر الإنسان، يزيد ضعفه حتى إنه ~~ينسى ما كان يعلمه، ويصير عقله كعقل الصبي، ولهذا قال: { لكي لا ~~يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير } أي: قد ~~أحاط علمه وقدرته بجميع الأشياء، ومن ذلك ما ينقل به الآدمي من أطوار ~~الخلقة، خلقا بعد خلق، كما قال تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # [الروم: 54]. ### || [16.71] # وهذا من أدلة توحيده، وقبح الشرك به، يقول تعالى: كما أنكم مشتركون ~~بأنكم مخلوقون مرزوقون، إلا أنه تعالى { فضل بعضكم على ~~بعض في الرزق } فجعل منكم أحرارا لهم مال وثروة، ومنكم أرقاء ~~لهم، لا يملكون شيئا من الدنيا، فكما أن سادتهم الذين فضلهم الله عليهم ~~بالرزق ليسوا { برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ~~فهم فيه سوآء } ويرون هذا من الأمور الممتنعة، فكذلك من أشركتم ~~بها مع الله، فإنها عبيد ليس لها من الملك مثقال ذرة، ms0796 فكيف تجعلونها ~~شركاء لله تعالى؟! هل هذا إلا من أعظم الظلم، والجحود لنعم الله؟!! ولهذا ~~قال: { أفبنعمة الله يجحدون } فلو أقروا بالنعمة ونسبوها ~~إلى من أولاها، لما أشركوا به أحدا. ### || [16.72] # يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجا ليسكنوا ~~إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون ~~حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات، من جميع المآكل ~~والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها. { ~~أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون } ~~أي: أيؤمنون بالباطل الذي لم يكن شيئا مذكورا، ثم أوجده الله، وليس له ~~من وجوده سوى العدم، فلا تخلق، ولا ترزق، ولا تدبر من الأمر شيئا، وهذا ~~عام لكل ما عبد من دون الله، فإنها باطلة، فكيف يتخذها المشركون من دون ~~الله؟!! { وبنعمت الله هم يكفرون } يجحدونها، ويستعينون ~~بها على معاصي الله والكفر به، هل هذا إلا من أظلم الظلم، وأفجر الفجور، ~~وأسفه السفه؟!! ### || [16.73-76] # يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم، أنهم يعبدون من دونه آلهة اتخذوها ~~شركاء لله، والحال أنهم لا يملكون لهم رزقا من السماوات والأرض، فلا ~~ينزلون مطرا ولا رزقا، ولا ينبتون من نبات الأرض شيئا، ولا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا يستطيعون لو أرادوا، فإن غير المالك ~~للشيء ربما كان له قوة واقتدار على ما ينفع من يتصل به، وهؤلاء لا يملكون ~~ولا يقدرون. فهذه صفة آلهتهم، كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض ~~والسماوات، الذي له الملك كله، والحمد كله، والقوة كلها؟!! ولهذا قال: { ~~فلا تضربوا لله الأمثال } المتضمنة للتسوية بينه وبين ~~خلقه { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } فعلينا أن ~~لا نقول عليه بلا علم، وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال، فلهذا ضرب ~~تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه، أحدهما عبد مملوك، أي: رقيق لا يملك ~~نفسه، ولا يملك من المال والدنيا شيئا، والثاني حر غني قد رزقه ~~الله منه رزقا حسنا، من جميع أصناف المال وهو كريم محب ms0797 للإحسان، فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا، هل يستوي هذا وذاك؟! لا يستويان مع أنهما مخلوقان، ~~غير محال استواؤهما. فإذا كانا لا يستويان، فكيف يستوي المخلوق العبد ~~الذي ليس له ملك ولا قدرة، ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه، ~~بالرب الخالق المالك لجميع الممالك، القادر على كل شيء؟!! ولهذا حمد ~~نفسه، واختص بالحمد بأنواعه، فقال: { الحمد لله } فكأنه قيل: إذا ~~كان الأمر كذلك فلم سوى المشركون آلهتهم بالله؟ قال: { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } فلو علموا حقيقة العلم لم يتجرؤوا على ~~الشرك العظيم. والمثل الثاني مثل { رجلين أحدهمآ أبكم } ~~لا يسمع ولا ينطق و { لا يقدر على شيء } لا قليل ولا كثير { ~~وهو كل على مولاه } أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم ~~نفسه، فهو ناقص من كل وجه، فهل يستوي هذا ومن كان يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم، فأقواله عدل، وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان، فلا ~~يستوي من عبد من دون الله وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام ~~الله بها لم يستطع شيئا منها، ولا يكون كفوا وندا لمن لا يقول إلا ~~الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه. ### || [16.77] # أي: هو تعالى المنفرد بغيب السماوات والأرض، فلا يعلم الخفايا والبواطن ~~والأسرار إلا هو، ومن ذلك علم الساعة، فلا يدري أحد متى تأتي إلا الله، ~~فإذا جاءت وتجلت، لم تكن { إلا كلمح البصر أو هو أقرب ~~} من ذلك، فيقوم الناس من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم، وتفوت الفرص لمن ~~يريد الإمهال، { إن الله على كل شيء قدير } فلا يستغرب ~~على قدرته الشاملة إحياؤه للموتى. ### || [16.78] # أي: هو المنفرد بهذه النعم حيث { أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا } ولا تقدرون على شيء ثم إنه { ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } خص هذه ~~الأعضاء الثلاثة لشرفها وفضلها، ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم ~~إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة، وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة ~~والباطنة، هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم شيئا ms0798 فشيئا إلى أن ~~يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ~~ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله، فمن استعملها في غير ذلك كانت ~~حجة عليه، وقابل النعمة بأقبح المقابلة. ### || [16.79] # أي: لأنهم المنتفعون بآيات الله، المتفكرون فيما جعلت آية عليه، وأما ~~غيرهم فإن نظرهم نظر لهو وغفلة، ووجه الآية فيها أن الله تعالى خلقها ~~بخلقة تصلح للطيران، ثم سخر لها هذا الهواء اللطيف ثم أودع فيها من قوة ~~الحركة وما قدرت به على ذلك، وذلك دليل على كمال حكمته وعلمه الواسع ~~وعنايته الربانية بجميع مخلوقاته وكمال اقتداره، تبارك الله رب العالمين. ### || [16.80-83] # يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها فقال: { ~~والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } في الدور والقصور ~~ونحوها تكنكم من الحر والبرد وتستركم، أنتم وأولادكم وأمتعتكم، ~~وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم، وفيها حفظ ~~لأموالكم وحرمكم، وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، { وجعل لكم من ~~جلود الأنعام } إما من الجلد نفسه، أو مما نبت عليه، من صوف وشعر ~~ووبر. { بيوتا تستخفونها } أي: خفيفة الحمل تكون لكم في السفر ~~والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، ~~وتقي متاعكم من المطر، { و } جعل لكم { من أصوافها } أي: الأنعام ~~{ وأوبارها وأشعارهآ أثاثا } وهذا شامل لكل ما يتخذ منها ~~من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك. { ومتاعا ~~إلى حين } أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا وتنتفعون بها، فهذا مما ~~سخر الله العباد لصنعته وعمله. { والله جعل لكم مما خلق ~~} أي: من مخلوقاته التي لا صنعة لكم فيها { ظلالا } وذلك، كأظلة ~~الأشجار والجبال، والآكام ونحوها، { وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا } أي: مغارات، تكنكم من الحر والبرد والأمطار والأعداء. { ~~وجعل لكم سرابيل } أي: ألبسة وثيابا { تقيكم الحر } ~~ولم يذكر الله البرد، لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم، ~~وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم، فإنه من ~~الضرورة، وقد ذكره في أولها ms0799 في قوله # لكم فيها دفء ومنافع # [النحل: 5]. { تقيكم بأسكم } أي: وثيابا تقيكم وقت البأس ~~والحرب، من السلاح، وذلك، كالدروع والزرد، ونحوها، كذلك يتم نعمته عليكم ~~حيث أسبغ عليكم من نعمه ما لا يدخل تحت الحصر { لعلكم } إذا ذكرتم ~~نعمة الله، ورأيتموها غامرة لكم من كل وجه { تسلمون } لعظمته ~~وتنقادون لأمره، وتصرفونها في طاعة موليها ومسديها، فكثرة النعم من ~~الأسباب الجالبة من العباد مزيد الشكر، والثناء بها على الله تعالى، ولكن ~~أبى الظالمون إلا تمردا وعنادا. ولهذا قال الله عنهم: { فإن ~~تولوا } عن الله وعن طاعته بعد ما ذكروا بنعمه وآياته، { ~~فإنما عليك البلاغ المبين } أي: ليس عليك من هدايتهم ~~وتوفيقهم شيء بل أنت مطالب بالوعظ والتذكير والإنذار والتحذير، فإذا أديت ~~ما عليك، فحسابهم على الله، فإنهم يرون الإحسان، ويعرفون نعمة الله، ~~ولكنهم ينكرونها ويجحدونها، { وأكثرهم الكافرون } لا خير ~~فيهم، وما ينفعهم توالي الآيات، لفساد مشاعرهم وسوء قصودهم، وسيرون جزاء ~~الله لكل جبار عنيد، كفور للنعم، متمرد على الله وعلى رسله. ### || [16.84-87] # يخبر تعالى عن حال الذين كفروا في يوم القيامة، وأنه لا يقبل لهم عذر، ~~ولا يرفع عنهم العقاب، وأن شركاءهم تتبرأ منهم، ويقرون على أنفسهم بالكفر ~~والافتراء على الله، فقال: { ويوم نبعث من كل أمة ~~شهيدا } يشهد عليهم بأعمالهم، وماذا أجابوا به الداعي إلى الهدى، وذلك ~~الشهيد الذي يبعثه الله أزكى الشهداء وأعدلهم، وهم الرسل الذين إذا شهدوا ~~تم عليهم الحكم. ف { لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار، ~~لأن اعتذارهم بعد ما علم يقينا بطلان ما هم عليه، اعتذار كاذب لا يفيدهم ~~شيئا، وإن طلبوا أيضا الرجوع إلى الدنيا، ليستدركوا لم يجابوا ولم ~~يعتبوا، بل يبادرهم العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم من غير إنظار، ولا ~~إمهال من حين يرونه، لأنهم لا حساب عليهم لأنهم لا حسنات لهم، وإنما تعد ~~أعمالهم وتحصى، ويوقفون عليها ويقرون بها ويفتضحون. { وإذا رأى ~~الذين أشركوا شركآءهم } يوم القيامة وعلموا بطلانها، ولم ~~يمكنهم الإنكار. { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا الذين ~~كنا ندعوا من دونك } ليس ms0800 عندها نفع ولا شفع، فنوهوا بأنفسهم ~~ببطلانها، وكفروا بها، وبدت البغضاء والعداوة بينهم وبينها، { فألقوا ~~إليهم القول } أي: ردت عليهم شركاؤهم قولهم، فقالت لهم: { ~~إنكم لكاذبون } حيث جعلتمونا شركاء لله، وعبدتمونا معه، فلم ~~نأمركم بذلك، ولا زعمنا أن فينا استحقاقا للألوهية، فاللوم عليكم. ~~فحينئذ استسلموا لله، وخضعوا لحكمه، وعلموا إنهم مستحقون للعذاب. { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } فدخلوا النار، وقد امتلأت ~~قلوبهم من مقت أنفسهم، ومن حمد ربهم، وأنه لم يعاقبهم إلا بما كسبوا. ### || [16.88] # حيث كفروا بأنفسهم، وكذبوا بآيات الله، وحاربوا رسله، وصدوا الناس عن ~~سبيل الله، وصاروا دعاة إلى الضلال فاستحقوا مضاعفة العذاب، كما تضاعف ~~جرمهم، وكما أفسدوا في أرض الله. ### || [16.89] # لما ذكر فيما تقدم أنه يبعث { في كل أمة شهيدا } ذكر ذلك ~~أيضا هنا، وخص منهم هذا الرسول الكريم فقال: { وجئنا بك شهيدا ~~على هؤلآء } أي: على أمتك، تشهد عليهم بالخير والشر، وهذا من ~~كمال عدل الله تعالى، أن كل رسول يشهد على أمته، لأنه أعظم اطلاعا من ~~غيره على أعمال أمته، وأعدل وأشفق من أن يشهد عليهم إلا بما يستحقون. ~~وهذا كقوله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. وقال تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض # [النساء: 41-42] وقوله: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء } في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما ~~يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة، ومعان جلية، ~~حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار، التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل ~~وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة، ~~لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر بحسب ثبوتها في القلب، وحتى إنه ~~تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح معاني كثيرة، يكون اللفظ لها كالقاعدة ~~والأساس، واعتبر هذا بالآية التي بعد هذه الآية، وما فيها من أنواع ~~الأوامر والنواهي التي لا ms0801 تحصى، فلما كان هذا القرآن تبيانا لكل شيء صار ~~حجة الله على العباد كلهم. فانقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، ~~فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير ~~في الدنيا والآخرة. فالهدى ما نالوه به من علم نافع، وعمل صالح، والرحمة ~~ما ترتب على ذلك من ثواب الدنيا والآخرة، كصلاح القلب وبره وطمأنينته، ~~وتمام العقل الذي لا يتم إلا بتربيته على معانيه التي هي أجل المعاني ~~وأعلاها، والأعمال الكريمة والأخلاق الفاضلة، والرزق الواسع، والنصر على ~~الأعداء بالقول والفعل، ونيل رضا الله تعالى، وكرامته العظيمة التي لا ~~يعلم ما فيها من النعيم المقيم إلا الرب الرحيم. ### || [16.90] # فالعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقه، وفي حق عباده، فالعدل في ~~ذلك، أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من ~~الحقوق المالية والبدنية، والمركبة منهما، في حقه وحق عباده، ويعامل ~~الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية ~~الإمامة الكبرى، وولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي. والعدل هو ~~ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل ~~في المعاملات، أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء ~~جميع ما عليك، فلا تبخس لهم حقا، ولا تغشهم، ولا تخدعهم وتظلمهم. فالعدل ~~واجب، والإحسان فضيلة مستحب، وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ~~ذلك من أنواع النفع، حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم ~~المأكول وغيره. وخص الله إيتاء ذي القربى - وإن كان داخلا في العموم - ~~لتأكد حقهم، وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك. ويدخل في ذلك جميع ~~الأقارب، قريبهم وبعيدهم، لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر. وقوله: { ~~وينهى عن الفحشاء } وهو كل ذنب عظيم استفحشته الشرائع ~~والفطر، كالشرك بالله، والقتل بغير حق، والزنا، والسرقة، والعجب، والكبر، ~~واحتقار الخلق، وغير ذلك من الفواحش. ويدخل في المنكر كل ذنب ومعصية ~~متعلق بحق الله تعالى. وبالبغي كل عدوان على الخلق، ms0802 في الدماء والأموال ~~والأعراض. فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات، لم يبق شيء ~~إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة ~~على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به. وكل مسألة ~~مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي، فهي مما نهى الله عنه. وبها يعلم حسن ~~ما أمر الله به، وقبح ما نهى عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال، ~~وترد إليها سائر الأحوال، فتبارك من جعل في كلامه، الهدى، والشفاء، ~~والنور، والفرقان بين جميع الأشياء. ولهذا قال: { يعظكم } به أي: ~~بما بينه لكم في كتابه، بأمركم بما فيه غاية صلاحكم، ونهيكم عما فيه ~~مضرتكم. { لعلكم تذكرون } ما يعظكم به، فتفهمونه وتعقلونه، ~~فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه، عملتم بمقتضاه، فسعدتم سعادة لا شقاوة ~~معها. فلما أمر بما هو واجب في أصل الشرع، أمر بوفاء ما أوجبه العبد على ~~نفسه فقال: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد.... }. ### || [16.91-92] # وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه، من العبادات والنذور والأيمان ~~التي عقدها، إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو ~~وغيره، كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره، ويؤكده ~~على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله ~~عن نقضها فقال: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ~~بعقدها على اسم الله تعالى: { وقد جعلتم الله عليكم } ~~أيها المتعاقدون { كفيلا } فلا يحل لكم أن لا تحكموا ما جعلتم الله ~~عليكم كفيلا، فيكون ذلك ترك تعظيم الله واستهانة به، وقد رضي الآخر منك ~~باليمين، والتوكيد الذي جعلت الله فيه كفيلا. فكما ائتمنك وأحسن ظنه ~~فيك، فلتف له بما قلته وأكدته. { إن الله يعلم ما تفعلون ~~} يجازي كل عامل بعمله، على حسب نيته ومقصده. { ولا تكونوا } في ~~نقضكم للعهود بأسوأ الأمثال وأقبحها وأدلها على سفه متعاطيها، وذلك { ~~كالتي } تغزل غزلا قويا، فإذا استحكم وتم ما أريد منه نقضته فجعلته ~~{ أنكاثا } فتعبت على الغزل، ثم ms0803 على النقض، ولم تستفد سوى الخيبة ~~والعناء، وسفاهة العقل، ونقص الرأي، فكذلك من نقض ما عاهد عليه، فهو ظالم ~~جاهل سفيه، ناقص الدين والمروءة. وقوله: { تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة } ~~أي: لا تنبغي هذه الحالة منكم، تعقدون الأيمان المؤكدة، وتنتظرون فيها ~~الفرص، فإذا كان العاقد لها ضعيفا غير قادر على الآخر، أتمها، لا لتعظيم ~~العقد واليمين، بل لعجزه. وإن كان قويا، يرى مصلحته الدنيوية في نقضها، ~~نقضها غير مبال بعهد الله ويمينه. كل ذلك دورانا مع أهوية النفوس، ~~وتقديما لها على مراد الله منكم، وعلى المروءة الإنسانية، والأخلاق ~~المرضية، لأجل أن تكون أمة أكثر عددا وقوة من الأخرى. وهذا ابتلاء من ~~الله وامتحان يبتليكم الله به، حيث قيض من أسباب المحن ما يمتحن به ~~الصادق الوفي من الفاجر الشقي. { وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون } فيجازي كلا بما عمل، ~~ويخزي الغادر. ### || [16.93] # أي: { ولو شآء الله } لجمع الناس على الهدى وجعلهم { أمة ~~واحدة } ولكنه تعالى المنفرد بالهداية والإضلال، وهدايته وإضلاله من ~~أفعاله التابعة لعلمه وحكمته، يعطي الهداية من يستحقها فضلا، ويمنعها من ~~لا يستحقها عدلا. { ولتسألن عما كنتم تعملون } من ~~خير وشر، فيجازيكم عليها أتم الجزاء وأعدله. ### || [16.94] # أي: { ولا تتخذوا أيمانكم } وعهودكم ومواثيقكم تبعا ~~لأهوائكم، متى شئتم وفيتم بها، ومتى شئتم نقضتموها، فإنكم إذا فعلتم ذلك، ~~تزل أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم، { وتذوقوا السوء ~~} أي: العذاب الذي يسوءكم ويحزنكم { بما صددتم عن سبيل ~~الله } حيث ضللتم وأضللتم غيركم { ولكم عذاب عظيم } مضاعف. ### || [16.95-97] # يحذر تعالى عباده من نقض العهود والأيمان، لأجل متاع الدنيا وحطامها، ~~فقال: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } تنالونه ~~بالنقض وعدم الوفاء { إنما عند الله } من الثواب العاجل والآجل ~~لمن آثر رضاه، وأوفى بما عاهد عليه الله { هو خير لكم } من حطام ~~الدنيا الزائلة { إن كنتم تعلمون }. فآثروا ما يبقى على ما ~~يفنى، فإن الذي عندكم ولو كثر جدا، لا بد أن { ينفد } ويفنى، { وما ~~عند الله ms0804 باق } ببقائه لا يفنى ولا يزول، فليس بعاقل من آثر ~~الفاني الخسيس على الباقي النفيس، وهذا كقوله تعالى: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى # [الأعلى: 16-17] # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198] وفي هذا الحث والترغيب على الزهد في الدنيا. خصوصا ~~الزهد المتعين، وهو الزهد فيما يكون ضررا على العبد، ويوجب له الاشتغال ~~عما أوجب الله عليه، وتقديمه على حق الله، فإن هذا الزهد واجب. ومن ~~الدواعي للزهد أن يقابل العبد لذات الدنيا، وشهواتها بخيرات الآخرة، فإنه ~~يجد من الفرق والتفاوت ما يدعوه إلى إيثار أعلى الأمرين [وليس الزهد ~~الممدوح هو الانقطاع للعبادات القاصرة كالصلاة والصيام والذكر، ونحوها، ~~بل لا يكون العبد زاهدا زهدا صحيحا حتى يقوم بما يقدر عليه من الأوامر ~~الشرعية الظاهرة والباطنة، ومن الدعوة إلى الله وإلى دينه بالقول والفعل، ~~فالزهد الحقيقي هو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي ~~في كل ما ينفع]. { ولنجزين الذين صبروا } على طاعة ~~الله، وعن معصيته، وفطموا نفوسهم عن الشهوات الدنيوية المضرة يدينهم { ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } الحسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ~~ولهذا ذكر جزاء العاملين في الدنيا والآخرة فقال: { من عمل صالحا ~~من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } فإن الإيمان شرط في صحة ~~الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالا صالحة، إلا بالإيمان، ~~والإيمان مقتض لها، فإنه التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من ~~الواجبات والمستحبات، فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح { ~~فلنحيينه حياة طيبة } وذلك بطمأنينة قلبه، وسكون نفسه، ~~وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقا حلالا طيبا، من ~~حيث لا يحتسب. { ولنجزينهم } في الآخرة { أجرهم بأحسن ~~ما كانوا يعملون } من أصناف اللذات، مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فيؤتيه الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة ~~حسنة. ### || [16.98-100] # أي: فإذا أردت القراءة لكتاب الله، الذي هو أشرف الكتب وأجلها، وفيه ~~صلاح القلوب، والعلوم الكثيرة، فإن ms0805 الشيطان أحرص ما يكون على العبد عند ~~شروعه في الأمور الفاضلة، فيسعى في صرفه عن مقاصدها ومعانيها. فالطريق ~~إلى السلامة من شره الالتجاء إلى الله، والاستعاذة به من شره، فيقول ~~القارئ: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " متدبرا لمعناها، معتمدا ~~بقلبه على الله في صرفه عنه، مجتهدا في دفع وساوسه وأفكاره الرديئة، ~~مجتهدا على السبب الأقوى في دفعه، وهو التحلي بحلية الإيمان ~~والتوكل. فإن الشيطان { ليس له سلطان } أي: تسلط { على ~~الذين آمنوا وعلى ربهم } وحده لا شريك له { ~~يتوكلون } فيدفع الله عن المؤمنين المتوكلين عليه شر الشيطان، ولا ~~يبق له عليهم سبيل. { إنما سلطانه } أي: تسلطه { على ~~الذين يتولونه } أي: يجعلونه لهم وليا، وذلك بتخليهم عن ~~ولاية الله، ودخولهم في طاعة الشيطان وانضمامهم لحزبه، فهم الذين جعلوا ~~له ولاية على أنفسهم، فأزهم إلى المعاصي أزا، وقادهم إلى النار ~~قودا. ### || [16.101-102] # يذكر تعالى أن المكذبين بهذا القرآن، يتتبعون ما يرونه حجة لهم، وهو أن ~~الله تعالى هو الحاكم الحكيم، الذي يشرع الأحكام، ويبدل حكما مكان آخر، ~~لحكمته ورحمته، فإذا رأوه كذلك، قدحوا في الرسول وبما جاء به، و { ~~قالوا إنمآ أنت مفتر } قال الله تعالى: { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } فهم جهال لا علم لهم بربهم، ولا بشرعه، ~~ومن المعلوم أن قدح الجاهل بلا علم لا عبرة به، فإن القدح في الشيء فرع ~~عن العلم به، وما يشتمل عليه مما يوجب المدح أو القدح. ولهذا ذكر تعالى ~~حكمته في ذلك فقال: { قل نزله روح القدس } وهو جبريل الرسول ~~المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة. { بالحق } أي: نزوله بالحق، ~~وهو مشتمل على الحق في أخباره، وأوامره ونواهيه، فلا سبيل لأحد أن يقدح ~~فيه قدحا صحيحا، لأنه إذا علم أنه الحق، علم أن ما عارضه وناقضه باطل. ~~{ ليثبت الذين آمنوا } عند نزول آياته وتواردها عليهم، ~~وقتا بعد وقت، فلا يزال الحق يصل إلى قلوبهم شيئا فشيئا، حتى يكون ~~إيمانهم أثبت من الجبال الرواسي، وأيضا فإنهم يعلمون أنه الحق، وإذا شرع ~~حكما [من الأحكام] ms0806 ثم نسخه، علموا أنه أبدله بما هو مثله، أو خير منه ~~لهم، وأن نسخه هو المناسب للحكمة الربانية، والمناسبة العقلية. { وهدى ~~وبشرى للمسلمين } أي: يهديهم إلى حقائق الأشياء، ويبين لهم ~~الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ويبشرهم أن لهم أجرا حسنا، ماكثين ~~فيه أبدا. وأيضا فإنه كلما نزل شيئا فشيئا، كان أعظم هداية وبشارة ~~لهم مما لو أتاهم جملة واحدة، وتفرق الفكر فيه، بل ينزل الله حكما ~~وبشارة، [أكثر] فإذا فهموه وعقلوه وعرفوا المراد منه، وترووا منه، أنزل ~~نظيره وهكذا. ولذلك بلغ الصحابة رضي الله عنهم به مبلغا عظيما، وتغيرت ~~أخلاقهم وطبائعهم، وانتقلوا إلى أخلاق وعوائد وأعمال، فاقوا بها الأولين ~~والآخرين. وكان أعلى وأولى لمن بعدهم، أن يتربوا بعلومه، ويتخلقوا ~~بأخلاقه، ويستضيئوا بنوره في ظلمات الغي والجهالات، ويجعلوه إمامهم في ~~جميع الحالات، فبذلك تستقيم أمورهم الدينية والدنيوية. ### || [16.103-105] # يخبر تعالى عن قيل المشركين المكذبين لرسوله { أنهم يقولون ~~إنما يعلمه } هذا الكتاب الذي جاء به { بشر } وذلك البشر، ~~الذي يشيرون إليه أعجمي اللسان { وهذا } القرآن { لسان عربي ~~مبين } هل هذا القول ممكن؟ أو له حظ من الاحتمال؟ ولكن الكاذب يكذب ~~ولا يفكر فيما يؤول إليه كذبه، فيكون في قوله من التناقض والفساد ما يوجب ~~رده بمجرد تصوره. { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } ~~الدالة دلالة صريحة على الحق المبين، فيردونها ولا يقبلونها { لا ~~يهديهم الله } حيث جاءهم الهدى، فردوه، فعوقبوا بحرمانه، وخذلان ~~الله لهم. { ولهم } في الآخرة { عذاب أليم }. { إنما ~~يفتري الكذب } أي: إنما يصدر افتراء الكذب من { الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله } كالمعاندين لرسوله من بعد ما جاءتهم ~~البينات. { وأولئك هم الكاذبون } أي: الكذب منحصر فيهم ~~وعليهم أولى بأن يطلق من غيرهم. وأما محمد صلى الله عليه وسلم المؤمن ~~بآيات الله، الخاضع لربه، فمحال أن يكذب على الله، ويتقول عليه ما لم ~~يقل، فأعداؤه رموه بالكذب الذي هو وصفهم، فأظهر الله خزيهم وبين فضائحهم، ~~فله تعالى الحمد. ### || [16.106-109] # يخبر تعالى عن شناعة حال { من كفر بالله من بعد إيمانه } ~~فعمى ms0807 بعد ما أبصر، ورجع إلى الضلال بعد ما اهتدى، وشرح صدره بالكفر، ~~راضيا به مطمئنا، أن لهم الغضب الشديد من الرب الرحيم، الذي إذا غضب لم ~~يقم لغضبه شيء، وغضب عليهم كل شيء. { ولهم عذاب عظيم } أي: في ~~غاية الشدة، مع أنه دائم أبدا. و { ذلك بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة } حيث ارتدوا على أدبارهم، ~~طمعا في شيء من حطام الدنيا، ورغبة فيه، وزهدا في خير الآخرة، فلما ~~اختاروا الكفر على الإيمان، منعهم الله الهداية، فلم يهدهم، لأن الكفر ~~وصفهم، فطبع على قلوبهم فلا يدخلها خير، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا ~~ينفذ منها ما ينفعهم، ويصل إلى قلوبهم. فشملتهم الغفلة، وأحاط بهم ~~الخذلان، وحرموا رحمة الله التي وسعت كل شيء، وذلك أنها أتتهم فردوها، ~~وعرضت عليهم فلم يقبلوها. { لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الخاسرون } الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة، وفاتهم ~~النعيم المقيم، وحصلوا على العذاب الأليم. وهذا بخلاف من أكره على الكفر ~~وأجبر عليه، وقلبه مطمئن بالإيمان، راغب فيه، فإنه لا حرج عليه ولا إثم، ~~ويجوز له النطق بكلمة الكفر عند الإكراه عليها. ودل ذلك، على أن كلام ~~المكره على الطلاق، أو العتاق، أو البيع، أو الشراء، أو سائر العقود، أنه ~~لا عبرة به، ولا يترتب عليه حكم شرعي، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر ~~إذا أكره عليها، فغيرها من باب أولى وأحرى. ### || [16.110-111] # أي: ثم إن ربك الذي ربى عباده المخلصين بلطفه وإحسانه لغفور رحيم لمن ~~هاجر في سبيله، وخلى دياره وأمواله، طلبا لمرضاة الله، وفتن على دينه ~~ليرجع إلى الكفر، فثبت على الإيمان، وتخلص ما معه من اليقين، ثم جاهد ~~أعداء الله ليدخلهم في دين الله، بلسانه ويده، وصبر على هذه العبادات ~~الشاقة، على أكثر الناس. فهذه أكبر الأسباب التي تنال بها أعظم العطايا، ~~وأفضل المواهب، وهي مغفرة الله للذنوب صغارها وكبارها، المتضمن ذلك زوال ~~كل أمر مكروه، ورحمته العظيمة التي بها صلحت أحوالهم واستقامت أمور دينهم ~~ودنياهم، فلهم الرحمة من الله في ms0808 يوم القيامة حين { تأتي كل نفس ~~تجادل عن نفسها } كل يقول نفسي نفسي لا يهمه سوى نفسه، ففي ~~ذلك اليوم يفتقر العبد إلى حصول مثقال ذرة من الخير. { وتوفى كل ~~نفس ما عملت } من خير وشر { وهم لا يظلمون } فلا يزاد ~~في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم # فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون # [يس: 54]. ### || [16.112-113] # وهذه القرية هي مكة المشرفة، التي كانت آمنة مطمئنة، لا يهاج فيها أحد، ~~وتحترمها الجاهلية الجهلاء، حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه، فلا يهيجه ~~مع شدة الحمية فيهم والنعرة العربية، فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل ~~لسواها، وكذلك الرزق الواسع. كانت بلدة ليس فيها زرع ولا شجر، ولكن يسر ~~الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته ~~وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة، فكذبوه وكفروا ~~بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع ~~الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم ~~وعدم شكرهم # وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 33]. ### || [16.114-118] # يأمر تعالى عباده بأكل ما رزقهم الله من الحيوانات والحبوب والثمار ~~وغيرها. { حللا طيبا } أي: حالة كونها متصفة بهذين الوصفين، ~~بحيث لا تكون مما حرم الله، أو أثرا عن غصب ونحوه. فتمتعوا بما خلق الله ~~لكم من غير إسراف ولا تعد. { واشكروا نعمت الله } ~~بالاعتراف بها بالقلب، والثناء على الله بها، وصرفها في طاعة الله. { إن ~~كنتم إياه تعبدون } أي: إن كنتم مخلصين له العبادة، فلا ~~تشكروا إلا إياه، ولا تنسوا المنعم. { إنما حرم عليكم } ~~الأشياء المضرة تنزيها لكم، وذلك: ك { الميتة } ويدخل في ذلك كل ~~ما كان موته على غير ذكاة مشروعة، ويستثنى من ذلك، ميتة الجراد والسمك. { ~~والدم } المسفوح، وأما ما يبقى في العروق واللحم فلا يضر. { ~~ولحم الخنزير } لقذارته وخبثه، وذلك شامل للحمه وشحمه وجميع ~~أجزائه. { ومآ أهل لغير الله به } كالذي يذبح للأصنام ~~والقبور ونحوها، ms0809 لأنه مقصود به الشرك. { فمن اضطر } إلى شيء من ~~المحرمات - بأن حملته الضرورة، وخاف إن لم يأكل أن يهلك - فلا جناح عليه ~~إذا لم يكن باغيا أو عاديا، أي: إذا لم يرد أكل المحرم، وهو غير مضطر، ~~ولا متعد الحلال إلى الحرام، أو متجاوز لما زاد على قدر الضرورة، فهذا ~~الذي حرمه الله من المباحات. { ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } أي: لا ~~تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم، كذبا وافتراء على الله وتقولا ~~عليه. { لتفتروا على الله الكذب إن الذين ~~يفترون على الله الكذب لا يفلحون } لا في الدنيا، ~~ولا في الآخرة، ولا بد أن يظهر الله خزيهم وإن تمتعوا في الدنيا، فإنه { ~~متاع قليل } ومصيرهم إلى النار { ولهم عذاب أليم }. ~~فالله تعالى ما حرم علينا إلا الخبيثات، تفضلا منه، وصيانة عن كل ~~مستقذر. وأما الذين هادوا فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بسبب ظلمهم ~~عقوبة لهم، كما قصه في سورة الأنعام في قوله: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون # [الأنعام: 146]. ### || [16.119] # وهذا حض منه لعباده على التوبة، ودعوة لهم إلى الإنابة، فأخبر أن من ~~عمل سوءا بجهالة، بعاقبة ما تجني عليه، ولو كان متعمدا للذنب، فإنه لا ~~بد أن ينقص ما في قلبه من العلم وقت مفارقة الذنب. فإذا تاب وأصلح، بأن ~~ترك الذنب وندم عليه وأصلح أعماله، فإن الله يغفر له ويرحمه، ويتقبل ~~توبته ويعيده إلى حالته الأولى، أو أعلى منها. ### || [16.120-123] # يخبر تعالى عما فضل به خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وخصه به من ~~الفضائل العالية والمناقب الكاملة فقال: { إن إبراهيم كان ~~أمة } أي: إماما جامعا لخصال الخير، هاديا مهتديا. { قانتا ~~لله } أي: مديما لطاعة ربه، مخلصا له الدين: { حنيفا } مقبلا ~~على الله بالمحبة، والإنابة، والعبودية، معرضا عمن سواه. { ولم يك ~~من المشركين } في قوله وعمله، وجميع أحواله، لأنه إمام الموحدين ms0810 ~~الحنفاء. { شاكرا لأنعمه } أي: آتاه الله في الدنيا حسنة، وأنعم ~~عليه بنعم ظاهرة وباطنة، فقام بشكرها، فكان نتيجة هذه الخصال الفاضلة أن ~~{ اجتباه } ربه واختصه بخلته وجعله من صفوة خلقه، وخيار عباده ~~المقربين. { وهداه إلى صراط مستقيم } في علمه وعمله، ~~فعلم بالحق وآثره على غيره. { وآتيناه في الدنيا حسنة } ~~رزقا واسعا، وزوجة حسناء، وذرية صالحين، وأخلاقا مرضية { وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين } الذين لهم المنازل العالية والقرب ~~العظيم من الله تعالى. ومن أعظم فضائله أن الله أوحى لسيد الخلق وأكملهم ~~أن يتبع ملة إبراهيم، ويقتدي به هو وأمته. ### || [16.124] # يقول تعالى: { إنما جعل السبت } أي: فرضا { على ~~الذين اختلفوا فيه } حين ضلوا عن يوم الجمعة، وهم اليهود، ~~فصار اختلافهم سببا لأن يجب عليهم في السبت احترامه وتعظيمه، وإلا ~~فالفضيلة الحقيقية ليوم الجمعة، الذي هدى الله هذه الأمة إليه. { وإن ~~ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون } فيبين لهم المحق من المبطل، والمستحق للثواب ممن ~~استحق العقاب. ### || [16.125] # أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم، إلى سبيل ربك المستقيم، المشتمل ~~على العلم النافع، والعمل الصالح { بالحكمة } أي: كل أحد على حسب ~~حاله وفهمه وقبوله وانقياده. ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، ~~والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله ~~أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة ~~بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. إما بما ~~تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، ~~وإما بذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به. وإما بذكر ما ~~أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعد للعاصين من العقاب ~~العاجل والآجل، فإن كان [المدعو] يرى أن ما هو عليه حق. أو كان داعيه إلى ~~الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ~~ونقلا. ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى ~~حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ~~ولا ms0811 تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا ~~المغالبة ونحوها. وقوله: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله } علم السبب الذي أداه إلى الضلال، وعلم أعماله المترتبة على ~~ضلالته، وسيجازيه عليها. { وهو أعلم بالمهتدين } علم أنهم ~~يصلحون للهداية، فهداهم ثم من عليهم فاجتباهم. ### || [16.126-128] # يقول تعالى - مبيحا للعدل، ونادبا للفضل والإحسان - { وإن ~~عاقبتم } من أساء إليكم بالقول والفعل { فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به } من غير زيادة منكم، على ما أجراه معكم. { ولئن ~~صبرتم } عن المعاقبة، وعفوتم عن جرمهم، { لهو خير ~~للصابرين } من الاستيفاء، وما عند الله خير لكم، وأحسن عاقبة، كما ~~قال تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] ثم أمر رسوله بالصبر على دعوة الخلق إلى الله، والاستعانة ~~بالله على ذلك، وعدم الاتكال على النفس، فقال: { واصبر وما ~~صبرك إلا بالله } هو الذي يعينك عليه ويثبتك. { ولا ~~تحزن عليهم } إذا دعوتهم، فلم تر منهم قبولا لدعوتك، فإن الحزن ~~لا يجدي عليك شيئا. { ولا تك في ضيق } أي: شدة وحرج، { مما ~~يمكرون } فإن مكرهم عائد إليهم، وأنت من المتقين المحسنين. والله مع ~~المتقين المحسنين، بعونه، وتوفيقه وتسديده، وهم الذين اتقوا الكفر ~~والمعاصي، وأحسنوا في عبادة الله، بأن عبدوا الله كأنهم يرونه، فإن لم ~~يكونوا يرونه فإنه يراهم، والإحسان إلى الخلق ببذل النفع لهم من كل وجه. ~~نسأل الله أن يجعلنا من المتقين المحسنين. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # ينزه تعالى نفسه المقدسة ويعظمها لأن له الأفعال العظيمة والمنن ~~الجسيمة، التي من جملتها أن { أسرى بعبده } ورسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم، { من المسجد الحرام } الذي هو أجل المساجد ~~على الإطلاق { إلى المسجد الأقصا } الذي هو من المساجد ~~الفاضلة، وهو محل الأنبياء. فأسري به في ليلة واحدة إلى مسافة بعيدة ~~جدا، ورجع في ليلته، وأراه الله من آياته، ما ازداد به هدى وبصيرة ~~وثباتا وفرقانا، وهذا من اعتنائه تعالى به ولطفه، حيث يسره لليسرى في ~~جميع أموره، وخوله نعما فاق بها الأولين والآخرين، وظاهر الآية أن ms0812 ~~الإسراء كان في أول الليل، وأنه من نفس المسجد الحرام، لكن ثبت في ~~الصحيح، أنه أسري به من بيت أم هانئ، فعلى هذا، تكون الفضيلة في المسجد ~~الحرام لسائر الحرم، فكله تتضاعف فيه العبادة كتضاعفها في نفس المسجد، ~~وأن الإسراء بروحه وجسده معا وإلا لم يكن في ذلك آية كبرى، ومنقبة ~~عظيمة. وقد تكاثرت الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الإسراء، وذكر تفاصيل ما رأى، وأنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم عرج به من ~~هناك، إلى السماوات، حتى وصل إلى ما فوق السماوات العلي، ورأى الجنة ~~والنار، والأنبياء على مراتبهم، وفرض عليه الصلوات خمسين، ثم ما زال ~~يراجع ربه بإشارة موسى الكليم، حتى صارت خمسا بالفعل، وخمسين بالأجر ~~والثواب، وحاز من المفاخر تلك الليلة، هو وأمته، ما لا يعلم مقداره إلا ~~الله عز وجل. وذكره هنا وفي مقام الإنزال للقرآن، ومقام التحدي بصفة ~~العبودية، لأنه نال هذه المقامات الكبار، بتكميله لعبودية ربه. وقوله: { ~~الذي باركنا حوله } أي: بكثرة الأشجار والأنهار، والخصب ~~الدائم. ومن بركته، تفضيله على غيره من المساجد، سوى المسجد الحرام، ~~ومسجد المدينة، وأنه يطلب شد الرحل إليه للعبادة والصلاة فيه، وأن الله ~~اختصه محلا لكثير من أنبيائه وأصفيائه. ### || [17.2-8] # كثيرا ما يقرن الباري بين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوة موسى ~~صلى الله عليه وسلم، وبين كتابيهما وشريعتيهما، لأن كتابيهما أفضل الكتب، ~~وشريعتيهما أكمل الشرائع، ونبوتيهما أعلى النبوات، وأتباعهما أكثر ~~المؤمنين، ولهذا قال هنا: { وآتينآ موسى الكتاب } الذي هو ~~التوراة { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } يهتدون به في ~~ظلمات الجهل إلى العلم بالحق. { ألا تتخذوا من دوني وكيلا ~~} أي: وقلنا لهم ذلك، وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك، ليعبدوا الله وحده، ~~وينيبوا إليه، ويتخذوه وحده وكيلا ومدبرا لهم، في أمر دينهم ودنياهم، ~~ولا يتعلقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئا، ولا ينفعونهم ~~بشيء. { ذرية من حملنا مع نوح } أي: يا ذرية من مننا ~~عليهم، وحملناهم مع نوح، { إنه كان عبدا شكورا } ففيه ~~التنويه بالثناء على ms0813 نوح عليه السلام، بقيامه بشكر الله، واتصافه بذلك، ~~والحث لذريته أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله ~~عليهم، إذ أبقاهم واستخلفهم في الأرض وأغرق غيرهم. { وقضينآ إلى ~~بني إسرائيل } أي: تقدمنا وعهدنا إليهم، وأخبرناهم في كتابهم، ~~أنهم لا بد أن يقع منهم إفساد في الأرض مرتين بعمل المعاصي، والبطر لنعم ~~الله، والعلو في الأرض والتكبر فيها، وأنه إذا وقع واحدة منهما، سلط الله ~~عليهم الأعداء، وانتقم منهم، وهذا تحذير لهم وإنذار، لعلهم يرجعون ~~فيتذكرون. { فإذا جآء وعد أولاهما } أي: أولى المرتين اللتين ~~يفسدون فيهما. أي: إذا وقع منهم ذلك الفساد { بعثنا عليكم } ~~بعثا قدريا، وسلطنا عليكم تسليطا كونيا جزائيا { عبادا لنآ ~~أولي بأس شديد } أي: ذوي شجاعة وعدد وعدة فنصرهم الله عليكم، ~~فقتلوكم وسبوا أولادكم، ونهبوا أموالكم، وجاسوا خلال دياركم فهتكوا ~~الدور، ودخلوا المسجد الحرام وأفسدوه. { وكان وعدا مفعولا } ~~لا بد من وقوعه، لوجود سببه منهم. واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء ~~المسلطين، إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار. إما من أهل العراق، أو ~~الجزيرة، أو غيرها، سلطهم الله على بني إسرائيل لما كثرت فيهم المعاصي، ~~وتركوا كثيرا من شريعتهم، وطغوا في الأرض. { ثم رددنا لكم ~~الكرة عليهم } أي: على هؤلاء الذين سلطوا عليكم، فأجليتموهم من ~~دياركم. { وأمددناكم بأموال وبنين } أي: أكثرنا أرزاقكم، ~~وكثرناكم، وقويناكم عليهم، { وجعلناكم أكثر نفيرا } منهم، ~~وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله. { إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم } لأن النفع عائد إليكم، حتى في الدنيا كما شاهدتم من ~~انتصاركم على أعدائكم. { وإن أسأتم فلها } أي: فلأنفسكم يعود ~~الضرر، كما أراكم الله من تسليط الأعداء. { فإذا جآء وعد ~~الآخرة } أي: المرة الآخرة التي تفسدون فيها في الأرض، سلطنا أيضا ~~عليكم الأعداء. { ليسوءوا وجوهكم } بانتصارهم عليكم وسبيكم ~~وليدخلوا المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، والمراد بالمسجد، مسجد بيت ~~المقدس. # { وليتبروا } أي: يخربوا ويدمروا { ما علوا } عليه { ~~تتبيرا } فيخربوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم. { عسى ربكم أن ~~يرحمكم } فيديل لكم الكرة عليهم، فرحمهم وجعل لهم الدولة. وتوعدهم ~~على المعاصي فقال: ms0814 { وإن عدتم } إلى الإفساد في الأرض { عدنا } ~~إلى عقوبتكم، فعادوا لذلك، فسلط الله عليهم رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، فانتقم الله به منهم، فهذا جزاء الدنيا، وما عند الله من النكال ~~أعظم وأشنع، ولهذا قال: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ~~} يصلونها ويلازمونها، لا يخرجون منها أبدا. وفي هذه الآيات التحذير ~~لهذه الأمة من العمل بالمعاصي لئلا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل، فسنة ~~الله واحدة لا تبدل ولا تغير. ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين ~~والظلمة، عرف أن ذلك من أجل ذنوبهم، عقوبة لهم، وأنهم إذا أقاموا كتاب ~~الله وسنة رسوله، مكن لهم في الأرض، ونصرهم على أعدائهم. ### || [17.9-10] # يخبر تعالى عن شرف القرآن وجلالته، وأنه { يهدي للتي هي ~~أقوم } أي: أعدل وأعلى، من العقائد والأعمال والأخلاق، فمن اهتدى بما ~~يدعو إليه القرآن، كان أكمل الناس وأقومهم وأهداهم في جميع أموره. { ~~ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات } من ~~الواجبات والسنن، { أن لهم أجرا كبيرا } أعده الله لهم في ~~دار كرامته، لا يعلم وصفه إلا هو. { وأن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما } فالقرآن مشتمل على ~~البشارة والنذارة، وذكر الأسباب التي تنال بها البشارة، وهو الإيمان، ~~والعمل الصالح، والتي تستحق بها النذارة وهو ضد ذلك. ### || [17.11] # وهذا من جهل الإنسان وعجلته، حيث يدعو على نفسه وأولاده وماله بالشر عند ~~الغضب، ويبادر بذلك الدعاء، كما يبادر بالدعاء في الخير، ولكن الله - ~~بلطفه - يستجيب له في الخير، ولا يستجيب له بالشر. # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم # [يونس: 11]. ### || [17.12] # يقول تعالى: { وجعلنا اليل والنهار آيتين } أي: دالتين ~~على كمال قدرة الله وسعة رحمته، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له. { ~~فمحونآ آية اليل } أي: جعلناه مظلما، للسكون فيه والراحة، { ~~وجعلنآ آية النهار مبصرة } أي: مضيئة، { لتبتغوا ~~فضلا من ربكم } في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم. { ~~ولتعلموا } بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر { عدد ~~السنين والحساب } فتبنون عليها ما تشاؤون من مصالحكم. { وكل ~~شيء فصلناه تفصيلا } أي: بينا الآيات وصرفناه، لتتميز ~~الأشياء، ms0815 ويستبين الحق من الباطل، كما قال تعالى: # ما فرطنا في الكتب من شيء # [الأنعام: 38]. ### || [17.13-14] # وهذا إخبار عن كمال عدله، أن كل إنسان يلزمه طائره في عنقه، أي: ما عمل ~~من خير وشر، يجعله الله ملازما له، لا يتعداه إلى غيره، فلا يحاسب بعمل ~~غيره، ولا يحاسب غيره بعمله. { ونخرج له يوم القيامة ~~كتابا يلقاه منشورا } فيه ما عمله من الخير والشر حاضرا، ~~صغيره وكبيره ويقال له: { اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا } وهذا من أعظم العدل والإنصاف، أن يقال للعبد: حاسب ~~نفسك ليعترف بما عليه من الحق الموجب للعقاب. ### || [17.15] # أي: هداية كل أحد وضلاله لنفسه، لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يدفع عنه ~~مثقال ذرة من الشر، والله تعالى أعدل العادلين، لا يعذب أحدا حتى تقوم ~~عليه الحجة بالرسالة، ثم يعاند الحجة. وأما من انقاد للحجة، أو لم تبلغه ~~حجة الله تعالى، فإن الله تعالى لا يعذبه. واستدل بهذه الآية على أن أهل ~~الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولا، لأنه ~~منزه عن الظلم. ### || [17.16-17] # يخبر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة، ويستأصلها ~~بالعذاب، أمر مترفيها أمرا قدريا، ففسقوا فيها، واشتد طغيانهم، { ~~فحق عليها القول } أي: كلمة العذاب التي لا مرد لها { ~~فدمرناها تدميرا }. وهؤلاء أمم كثيرة أبادهم الله بالعذاب، من ~~بعد قوم نوح، كعاد وثمود، وقوم لوط، وغيرهم ممن عاقبهم الله لما كثر ~~بغيهم، واشتد كفرهم، أنزل [الله] بهم عقابه العظيم. { وكفى بربك ~~بذنوب عباده خبيرا بصيرا } فلا يخافوا منه ظلما، وأنه ~~يعاقبهم على ما عملوه. ### || [17.18-21] # يخبر تعالى أن { من كان يريد } الدنيا { العاجلة } المنقضية ~~الزائلة، فعمل لها وسعى، ونسي المبتدأ أو المنتهى، أن الله يعجل له من ~~حطامها ومتاعها ما يشاؤه ويريده، مما كتب [الله] له في اللوح المحفوظ، ~~ولكنه متاع غير نافع ولا دائم له. ثم يجعل له في الآخرة { جهنم ~~يصلاها } أي: يباشر عذابها، { مذموما مدحورا } أي: في حالة ~~الخزي والفضيحة والذم من الله ومن ms0816 خلقه، والبعد عن رحمة الله، فيجمع له ~~بين العذاب والفضيحة. { ومن أراد الآخرة } فرضيها وآثرها على ~~الدنيا { وسعى لها سعيها } الذي دعت إليه الكتب السماوية، ~~والآثار النبوية، فعمل بذلك على قدر إمكانه { وهو مؤمن } بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. { فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا } أي: مقبولا منمى مدخرا لهم أجرهم وثوابهم عند ربهم. ~~ومع هذا، فلا يفوتهم نصيبهم من الدنيا، فكلا يمده الله منها، لأنه عطاؤه ~~وإحسانه. { وما كان عطآء ربك محظورا } أي: ممنوعا من ~~أحد، بل جميع الخلق راتعون بفضله وإحسانه. { انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض } في الدنيا، بسعة الأرزاق وقلتها، واليسر ~~والعسر، والعلم والجهل، والعقل والسفه، وغير ذلك من الأمور التي فضل الله ~~العباد بعضهم على بعض بها. { وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا } فلا نسبة لنعيم الدنيا ولذاتها إلى الآخرة بوجه من الوجوه. ~~فكم بين من هو في الغرف العاليات، واللذات المتنوعات، والسرور والخيرات ~~والأفراح، ممن هو يتقلب في الجحيم، ويعذب بالعذاب الأليم، وقد حل عليه ~~سخط الرب الرحيم، وكل من الدارين بين أهلها من التفاوت ما لا يمكن أحدا ~~عده. ### || [17.22] # أي: لا تعتقد أن أحدا من المخلوقين يستحق شيئا من العبادة، ولا تشرك ~~بالله أحدا منهم، فإن ذلك داع للذم والخذلان، فالله وملائكته ورسله، قد ~~نهوا عن الشرك، وذموا من عمله أشد الذم، ورتبوا عليه من الأسماء ~~المذمومة، والأوصاف المقبوحة، ما كان به متعاطيه، أشنع الخلق وصفا، ~~وأقبحهم نعتا. وله من الخذلان في أمر دينه ودنياه، بحسب ما تركه من ~~التعلق بربه، فمن تعلق بغيره فهو مخذول، قد وكل إلى من تعلق به، ولا أحد ~~من الخلق ينفع أحدا إلا بإذن الله، كما أن من جعل مع الله إلها آخر له ~~الذم والخذلان، فمن وحده، وأخلص دينه لله، وتعلق به دون غيره، فإنه محمود ~~معان في جميع أحواله. ### || [17.23-24] # لما نهى تعالى عن الشرك به، أمر بالتوحيد، فقال: { وقضى ربك } ~~قضاء دينيا، وأمر أمرا شرعيا { ألا تعبدوا } أحدا من أهل ~~الأرض والسماوات الأحياء والأموات. { إلا ms0817 إياه } لأنه الواحد ~~الأحد، الفرد الصمد، الذي له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعظمها، على ~~وجه لا يشبهه أحد من خلقه، وهو المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، الدافع ~~لجميع النقم، الخالق، الرازق المدبر لجميع الأمور، فهو المتفرد بذلك كله، ~~وغيره ليس له من ذلك شيء. ثم ذكر بعد حقه القيام بحق الوالدين، فقال: { ~~وبالوالدين إحسانا } أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان، ~~القولي والفعلي، لأنهما سبب وجود العبد، ولهما من المحبة للولد والإحسان ~~إليه، والقرب، ما يقتضي تأكد الحق ووجوب البر. { إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما } أي: إذا وصلا إلى هذا ~~السن، الذي تضعف فيه قواهما، ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف. { ~~فلا تقل لهمآ أف } وهذا أدنى مراتب الأذى، نبه به على ما ~~سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية. { ولا تنهرهما } أي: ~~تزجرهما، وتتكلم لهما كلاما خشنا، { وقل لهما قولا كريما } ~~بلفظ يحبانه، وتأدب وتلطف، بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما، وتطمئن به ~~نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان. { واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة } أي: تواضع لهما، ذلا لهما ~~ورحمة، واحتسابا للأجر، لا لأجل الخوف منهما، أو الرجاء لما لهما، ونحو ~~ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد. { وقل رب ارحمهما } ~~أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا. ~~وفهم من هذا، أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية ~~الإنسان في دينه ودنياه، تربية صالحة غير الأبوين، فإن له على من رباه حق ~~التربية. ### || [17.25] # أي: ربكم تعالى مطلع على ما أكنته سرائركم من خير وشر، وهو لا ينظر إلى ~~أعمالكم وأبدانكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وما فيها من الخير والشر. { إن ~~تكونوا صالحين } بأن تكون إرادتكم ومقاصدكم دائرة على مرضاة ~~الله، ورغبتكم فيما يقربكم إليه، وليس في قلوبكم إرادات مستقرة لغير ~~الله. { فإنه كان للأوابين } أي: الرجاعين إليه في جميع ~~الأوقات { غفورا } فمن اطلع الله على قلبه، وعلم أنه ليس فيه إلا ~~الإنابة إليه، ومحبته ومحبة ms0818 ما يقرب إليه، فإنه، وإن جرى منه في بعض ~~الأوقات ما هو مقتضى الطبائع البشرية، فإن الله يعفو عنه، ويغفر له ~~الأمور العارضة غير المستقرة. ### || [17.26-30] # يقول تعالى: { وآت ذا القربى حقه } من البر والإكرام، ~~الواجب والمسنون، وذلك الحق، يتفاوت بتفاوت الأحوال، والأقارب، والحاجة ~~وعدمها، والأزمنة. { والمسكين } آته حقه من الزكاة ومن غيرها، ~~لتزول مسكنته، { وابن السبيل } وهو الغريب المنقطع به عن بلده، ~~فيعطي الجميع من المال، على وجه لا يضر المعطي، ولا يكون زائدا على ~~المقدار اللائق، فإن ذلك تبذير، قد نهى الله عنه وأخبر: { إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين } لأن الشيطان لا ~~يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة، فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا ~~عصاه، دعاه إلى الإسراف والتبذير. والله تعالى، إنما يأمر بأعدل الأمور ~~وأقسطها ويمدح عليه، كما في قوله عن عباد الرحمن الأبرار # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. وقال هنا: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك } كناية عن شدة الإمساك والبخل. { ولا تبسطها كل ~~البسط } فتنفق فيما لا ينبغي، أو زيادة على ما ينبغي. { فتقعد } ~~إن فعلت ذلك { ملوما } أي: تلام على ما فعلت { محسورا } أي: حاسر ~~اليد فارغها، فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء. وهذا الأمر ~~بإيتاء ذي القربى، مع القدرة والغنى، فأما مع العدم، أو تعسر النفقة ~~الحاضرة، فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: { وإما ~~تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } ~~أي: تعرض عن إعطائهم إلى وقت آخر، ترجو فيه من الله تيسير الأمر. { ~~فقل لهم قولا ميسورا } أي: لطيفا برفق، ووعد بالجميل، عند ~~سنوح الفرصة، واعتذار بعدم الإمكان في الوقت الحاضر، لينقلبوا عنك مطمئنة ~~خواطرهم، كما قال تعالى: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى # [البقرة: 263]. وهذا أيضا من لطف الله تعالى بالعباد، أمرهم بانتظار ~~الرحمة والرزق منه، لأن انتظار ذلك عبادة، وكذلك وعدهم بالصدقة ~~والمعروف عند التيسر، عبادة حاضرة، لأن الهم بفعل الحسنة حسنة، ولهذا ~~ينبغي للإنسان ms0819 أن يفعل ما يقدر عليه من الخير، وينوي فعل ما لم يقدر ~~عليه، ليثاب على ذلك، ولعل الله ييسر له [بسبب رجائه]. ثم أخبر تعالى أنه ~~يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدره ويضيقه على من يشاء حكمة منه، { ~~إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } فيجزيهم على ما يعلمه ~~صالحا لهم، ويدبرهم بلطفه وكرمه. ### || [17.31] # وهذا من رحمته بعباده، حيث كان أرحم بهم من والديهم، فنهى الوالدين أن ~~يقتلوا أولادهم خوفا من الفقر والإملاق، وتكفل برزق الجميع. وأخبر أن ~~قتلهم كان خطأ كبيرا، أي: من أعظم كبائر الذنوب، لزوال الرحمة من ~~القلب، والعقوق العظيم والتجرؤ على قتل الأطفال، الذين لم يجر منهم ذنب ~~ولا معصية. ### || [17.32] # والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله، لأن ذلك يشمل النهي عن ~~جميع مقدماته ودواعيه، فإن: " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " ، ~~خصوصا هذا الأمر، الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه. ووصف الله ~~الزنى وقبحه بأنه { كان فاحشة } أي: إثما يستفحش في الشرع والعقل ~~والفطر، لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها، أو ~~زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب وغير ذلك من المفاسد. وقوله: { ~~وسآء سبيلا } أي: بئس السبيل، سبيل من تجرأ على هذا الذنب العظيم. ### || [17.33] # وهذا شامل لكل نفس { حرم الله } قتلها من صغير وكبير، وذكر ~~وأنثى، وحر وعبد، ومسلم وكافر له عهد. { إلا بالحق } كالنفس ~~بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة، والباغي في حال ~~بغيه إذا لم يندفع إلا بالقتل. { ومن قتل مظلوما } أي: بغير حق ~~{ فقد جعلنا لوليه } وهو أقرب عصباته وورثته إليه { ~~سلطانا } أي: حجة ظاهرة على القصاص من القاتل، وجعلنا له أيضا ~~تسلطا قدريا على ذلك، وذلك حين تجتمع الشروط الموجبة للقصاص، كالعمد ~~العدوان، والمكافأة. { فلا يسرف } الولي { في القتل إنه ~~كان منصورا } والإسراف مجاوزة الحد، إما أن يمثل بالقاتل، أو يقتله ~~بغير ما قتل به، أو يقتل غير القاتل. وفي هذه الآية دليل إلى أن الحق في ~~القتل ms0820 للولي، فلا يقتص إلا بإذنه، وإن عفا سقط القصاص. وأن ولي ~~المقتول، يعينه الله على القاتل ومن أعانه حتى يتمكن من قتله. ### || [17.34] # وهذا من لطفه ورحمته تعالى باليتيم، الذي فقد والده وهو صغير، غير عارف ~~بمصلحة نفسه، ولا قائم بها، أن أمر أولياءه بحفظه وحفظ ماله وإصلاحه، وأن ~~لا يقربوه { إلا بالتي هي أحسن } من التجارة فيه وعدم ~~تعريضه للأخطار، والحرص على تنميته، وذلك ممتد إلى أن { يبلغ } ~~اليتيم { أشده } أي: بلوغه، وعقله، ورشده، فإذا بلغ أشده زالت عنه ~~الولاية، وصار ولي نفسه، ودفع إليه ماله. كما قال تعالى: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # [النساء: 6] { وأوفوا بالعهد } الذي عاهدتم الله عليه، والذي ~~عاهدتم الخلق عليه. { إن العهد كان مسؤولا } أي: مسؤولين عن ~~الوفاء به وعدمه، فإن وفيتم، فلكم الثواب الجزيل، وإن لم تفوا، فعليكم ~~الإثم العظيم. ### || [17.35] # وهذا أمر بالعدل وإيفاء المكاييل والموازين بالقسط، من غير بخس ولا نقص، ~~ويؤخذ من عموم المعنى، النهي عن كل غش في ثمن أو مثمن أو معقود عليه، ~~والأمر بالنصح والصدق في المعاملة. { ذلك خير } من عدمه { ~~وأحسن تأويلا } أي: أحسن عاقبة، به يسلم العبد من التبعات، وبه ~~تنزل البركة. ### || [17.36] # أي: ولا تتبع ما ليس لك به علم، بل تثبت في كل ما تقوله وتفعله، فلا ~~تظن ذلك يذهب لا لك ولا عليك، { إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } فحقيق بالعبد ~~الذي يعرف أنه مسؤول عما قاله وفعله، وعما استعمل به جوارحه التي خلقها ~~الله لعبادته، أن يعد للسؤال جوابا، وذلك لا يكون إلا باستعمالها ~~بعبودية الله، وإخلاص الدين له، وكفها عما يكرهه الله تعالى. ### || [17.37-39] # يقول تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا } أي: كبرا وتيها ~~وبطرا، متكبرا على الحق، ومتعاظما على الخلق. { إنك } في فعلك ذلك ~~{ لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } في تكبرك بل ~~تكون حقيرا عند الله، ومحتقرا عند الخلق، مبغوضا ممقوتا، قد اكتسبت ~~أشر الأخلاق، واكتسيت أرذلها، من غير إدراك لبعض ما ms0821 تروم. { كل ذلك ~~} المذكور الذي نهى الله عنه فيما تقدم من قوله: { لا تجعل مع ~~الله إلها آخر } والنهي عن عقوق الوالدين، وما عطف على ذلك، { ~~كان سيئه عند ربك مكروها } أي: كل ذلك يسوء العاملين ~~ويضرهم، والله تعالى يكرهه ويأباه. { ذلك } الذي بيناه ووضحناه من هذه ~~الأحكام الجليلة، { ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة } ~~فإن الحكمة الأمر بمحاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق، والنهي عن أراذل ~~الأخلاق، وأسوأ الأعمال. وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات من الحكمة ~~العالية، التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين في أشرف الكتب، ليأمر ~~بها أفضل الأمم، فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. ثم ~~ختمها بالنهي عن عبادة غير الله كما افتتحها بذلك فقال: { ولا تجعل ~~مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم } أي: خالدا ~~مخلدا، فإنه من يشرك بالله، فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. { ~~ملوما مدحورا } أي: قد لحقتك اللائمة واللعنة والذم من الله ~~وملائكته والناس أجمعين. ### || [17.40] # وهذا إنكار شديد على من زعم أن الله اتخذ من خلقه بنات فقال: { ~~أفأصفاكم ربكم بالبنين } أي: اختار لكم الصفوة والقسم ~~الكامل، واتخذ لنفسه من الملائكة إناثا، حيث زعموا أن الملائكة بنات ~~الله. { إنكم لتقولون قولا عظيما } فيه أعظم الجرأة على ~~الله، حيث نسبتم له الولد المتضمن لحاجته واستغناء بعض المخلوقات عنه، ~~وحكموا له بأردأ القسمين، وهن الإناث، وهو الذي خلقكم، واصطفاكم ~~بالذكور، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ### || [17.41-44] # يخبر تعالى أنه صرف لعباده في هذا القرآن، أي: نوع الأحكام ووضحها، ~~وأكثر من الأدلة والبراهين على ما دعا إليه، ووعظ وذكر، لأجل أن ~~يتذكروا ما ينفعهم فيسلكوه، وما يضرهم فيدعوه. ولكن أبى أكثر الناس إلا ~~نفورا عن آيات الله، لبغضهم للحق، ومحبتهم ما كانوا عليه من الباطل، حتى ~~تعصبوا لباطلهم، ولم يعيروا آيات الله لهم سمعا، ولا ألقوا لها بالا. ~~ومن أعظم ما صرف فيه الآيات والأدلة، التوحيد الذي هو أصل الأصول، فأمر ~~به، ونهى عن ضده، وأقام عليه من ms0822 الحجج العقلية والنقلية شيئا كثيرا، ~~بحيث من أصغى إلى بعضها، لا تدع في قلبه شكا ولا ريبا. ومن الأدلة على ~~ذلك هذا الدليل العقلي الذي ذكره هنا، فقال: { قل } للمشركين الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر: { لو كان معه آلهة كما ~~يقولون } أي: على موجب زعمهم وافترائهم، { إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا } أي: لاتخذوا سبيلا إلى الله بعبادته ~~والإنابة إليه، والتقرب وابتغاء الوسيلة، فكيف يجعل العبد الفقير الذي ~~يرى شدة افتقاره لعبودية ربه، إلها مع الله؟! هل هذا إلا من أظلم الظلم ~~وأسفه السفه؟!! فعلى هذا المعنى، تكون هذه الآية كقوله تعالى: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب # [الإسراء: 57]. وكقوله تعالى: # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ~~أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ~~* قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من ~~دونك من أوليآء # [الفرقان: 17-18]. ويحتمل أن المعنى في قوله: { قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا } أي: لطلبوا السبيل، وسعوا في مغالبة الله تعالى، فإما أن ~~يعلوا عليه فيكون من علا وقهر هو الرب الإله، فأما وقد علموا أنهم يقرون ~~أن آلهتهم التي يعبدون من دون الله مقهورة مغلوبة، ليس لها من الأمر شيء، ~~فلم اتخذوها وهي بهذه الحال؟ فيكون هذا كقوله تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض # [المؤمنون: 91]. { سبحانه وتعالى } أي: تقدس وتنزه وعلت ~~أوصافه { عما يقولون } من الشرك به، واتخاذ الأنداد معه { ~~علوا كبيرا } فعلا قدره وعظم، وجلت كبرياؤه، التي لا تقادر أن ~~يكون معه آلهة، فقد ضل من قال ذلك ضلالا مبينا، وظلم ظلما كبيرا. لقد ~~تضاءلت لعظمته المخلوقات العظيمة، وصغرت لدى كبريائه السماوات السبع ومن ~~فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن # والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت ~~مطويات بيمينه # [الزمر: 67]. وافتقر إليه العالم العلوي والسفلي، فقرا ذاتيا، لا ينفك ~~عن أحد منهم في وقت من ms0823 الأوقات. هذا الفقر بجميع وجوهه، فقر من جهة الخلق ~~والرزق والتدبير، وفقر من جهة الاضطرار، إلى أن يكون معبودهم ومحبوبهم، ~~الذي إليه يتقربون، وإليه في كل حال يفزعون، ولهذا قال: { تسبح له ~~السموت السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء } ~~من حيوان ناطق وغير ناطق، ومن أشجار ونبات، وجامد وحي وميت { إلا ~~يسبح بحمده } بلسان الحال، ولسان المقال. # { ولكن لا تفقهون تسبيحهم } أي: تسبيح باقي المخلوقات ~~التي على غير لغتكم بل يحيط بها علام الغيوب. { إنه كان حليما ~~غفورا } حيث لم يعاجل بالعقوبة من قال فيه قولا تكاد السماوات والأرض ~~تتفطر منه وتخر له الجبال، ولكنه أمهلهم، وأنعم عليهم، وعافاهم، ورزقهم، ~~ودعاهم إلى بابه ليتوبوا من هذا الذنب العظيم، ليعطيهم الثواب الجزيل، ~~ويغفر لهم ذنبهم، فلولا حلمه ومغفرته، لسقطت السماوات على الأرض، ولما ~~ترك على ظهرها من دابة. ### || [17.45-48] # يخبر تعالى عن عقوبته للمكذبين بالحق الذين ردوه وأعرضوا عنه، أنه يحول ~~بينهم وبين الإيمان، فقال: { وإذا قرأت القرآن } الذي فيه ~~الوعظ والتذكير، والهدى والإيمان، والخير والعلم الكثير. { جعلنا ~~بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا } يسترهم عن فهمه حقيقة، وعن التحقق بحقائقه والانقياد إلى ~~ما يدعو إليه من الخير. { وجعلنا على قلوبهم أكنة } ~~أي: أغطية وأغشية، لا يفقهون معها القرآن، بل يسمعونه سماعا تقوم به ~~عليهم الحجة، { وفي ءاذانهم وقرا } أي: صمما عن سماعه، { ~~وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده } داعيا لتوحيده، ~~ناهيا عن الشرك به. { ولوا على أدبرهم نفورا } من شدة ~~بغضهم له، ومحبتهم لما هم عليه من الباطل، كما قال تعالى: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # [الزمر: 45]. { نحن أعلم بما يستمعون به } أي: إنما ~~منعناهم من الانتفاع عند سماع القرآن، لأننا نعلم أن مقاصدهم سيئة، ~~يريدون أن يعثروا على أقل شيء ليقدحوا به، وليس استماعهم لأجل الاسترشاد ~~وقبول الحق، وإنما هم متعمدون على عدم اتباعه، ومن كان بهذه الحالة، لم ~~يفده الاستماع شيئا، ولهذا ms0824 قال: { إذ يستمعون إليك وإذ ~~هم نجوى } أي: متناجين { إذ يقول الظالمون } في ~~مناجاتهم: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } فإذا كانت ~~هذه مناجاتهم الظالمة فيما بينهم، وقد بنوها على أنه مسحور، فهم جازمون ~~أنهم غير معتبرين لما قال، وأنه يهذي، لا يدري ما يقول. قال تعالى: { ~~انظر } متعجبا { كيف ضربوا لك الأمثال } التي هي أضل ~~الأمثال، وأبعدها عن الصواب { فضلوا } في ذلك، أو فصارت سببا ~~لضلالهم، لأنهم بنوا عليها أمرهم، والمبني على فاسد أفسد منه. { فلا ~~يستطيعون سبيلا } أي: لا يهتدون أي اهتداء، فنصيبهم الضلال ~~المحض، والظلم الصرف. ### || [17.49-52] # يخبر تعالى عن قول المنكرين للبعث، وتكذيبهم به، واستبعادهم بقولهم: { ~~أءذا كنا عظاما ورفاتا } أي: أجسادا بالية، { أءنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا } أي: لا يكون ذلك، وهو محال بزعمهم، ~~فجهلوا أشد الجهل، حيث كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، وقاسوا قدرة ~~خالق السماوات والأرض بقدرتهم الضعيفة العاجزة، فلما رأوا أن هذا ممتنع ~~عليهم لا يقدرون عليه، جعلوا قدرة الله كذلك. فسبحان من جعل خلقا من ~~خلقه، يزعمون أنهم أولو العقول والألباب، مثالا في جهل أظهر الأشياء ~~وأجلاها، وأوضحها براهين وأعلاها، ليرى عباده أنه ما ثم إلا توفيقه ~~وإعانته، أو الهلاك والضلال. # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ~~من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب # [آل عمران: 8]. ولهذا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء ~~المنكرين للبعث استبعادا: { قل كونوا حجارة أو حديدا * ~~أو خلقا مما يكبر } أي: يعظم { في صدوركم } لتسلموا ~~بذلك على زعمكم، من أن تنالكم قدرة الله، أو تنفذ فيكم مشيئته، فإنكم غير ~~معجزي الله، في أي حالة تكونون، وعلى أي وصف تتحولون، وليس لكم في أنفسكم ~~تدبير في حالة الحياة وبعد الممات. فدعوا التدبير والتصريف لمن هو على كل ~~شيء قدير، وبكل شيء محيط. { فسيقولون } حين تقيم عليهم الحجة في ~~البعث: { من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فكما ~~فطركم، ولم تكونوا شيئا مذكورا، فإنه سيعيدكم خلقا جديدا # كما بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104]. { فسينغضون ms0825 إليك رؤوسهم } أي: ~~يهزونها، إنكارا وتعجبا مما قلت، { ويقولون متى هو } أي: متى ~~وقت البعث الذي تزعمه على قولك؟ لا إقرارا منهم لأصل البعث، بل ذلك ~~سفه منهم وتعجيز. { قل عسى أن يكون قريبا } فليس في تعيين ~~وقته فائدة، وإنما الفائدة والمدار على تقريره والإقرار به وإثباته، وإلا ~~فكل ما هو آت فإنه قريب. { يوم يدعوكم } للبعث والنشور، وينفخ في ~~الصور، { فتستجيبون بحمده } أي: تنقادون لأمره، ولا تستعصون ~~عليه. وقوله: { بحمده } أي: هو المحمود تعالى على ما يفعله ويجزي به ~~العباد، إذا جمعهم ليوم التناد. { وتظنون إن لبثتم إلا ~~قليلا } من سرعة وقوعه، وأن الذي مر عليكم من النعيم كأنه ما كان. ~~فهذا الذي يقول عنه المنكرون: { متى هو }؟ يندمون غاية الندم عند ~~وروده، ويقال لهم: # هذا الذي كنتم به تكذبون # [المطففين: 17]. ### || [17.53-55] # وهذا من لطفه بعباده، حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال، ~~الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة، فقال: { وقل لعبادي ~~يقولوا التي هي أحسن } وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله، من ~~قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق ~~على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين، فإنه ~~يؤمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما. والقول الحسن داع لكل خلق ~~جميل، وعمل صالح، فإن من ملك لسانه، ملك جميع أمره. وقوله: { أحسن ~~إن الشيطان ينزغ بينهم } أي: يسعى بين العباد بما يفسد ~~عليهم دينهم ودنياهم. فدواء هذا، أن لا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة ~~التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ ~~بينهم، فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه، فإنه يدعوهم # ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6]. وأما إخوانهم، فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم، وسعى في ~~العداوة، فإن الحزم كل الحزم، السعي في ضد عدوهم، وأن يقمعوا أنفسهم ~~الأمارة بالسوء، التي يدخل الشيطان من قبلها، فبذلك يطيعون ربهم، ويستقيم ~~أمرهم، ويهدون لرشدهم. { ربكم أعلم بكم } من أنفسكم، فلذلك ~~لا يريد لكم إلا ما هو ms0826 الخير، ولا يأمركم إلا بما فيه مصلحة لكم، وقد ~~تريدون شيئا والخير في عكسه. { إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ ~~يعذبكم } فيوفق من شاء لأسباب الرحمة، ويخذل من شاء، فيضل عنها، ~~فيستحق العذاب. { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا } تدبر أمرهم، ~~وتقوم بمجازاتهم، وإنما الله هو الوكيل، وأنت مبلغ هاد إلى صراط ~~مستقيم. { وربك أعلم بمن في السموت والأرض } من ~~جميع أصناف الخلائق، فيعطي كلا منهم ما يستحقه تقتضيه حكمته، ويفضل ~~بعضهم على بعض في جميع الخصال، الحسية والمعنوية، كما فضل بعض النبيين ~~المشتركين بوحيه على بعض بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما من به ~~عليهم، من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة، وكثرة ~~الأتباع، ونزول الكتب على بعضهم، المشتملة على الأحكام الشرعية والعقائد ~~المرضية، كما أنزل على داود زبورا، وهو الكتاب المعروف. فإذا كان تعالى ~~قد فضل بعضهم على بعض، وآتى بعضهم كتبا، فلم ينكر المكذبون لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ما أنزله الله عليه وما فضله به من النبوة والكتاب. ### || [17.56-57] # يقول تعالى: { قل } للمشركين بالله الذين اتخذوا من دونه أندادا ~~يعبدونهم كما يعبدون الله، ويدعونهم كما يدعونه، ملزما لهم بتصحيح ما ~~زعموه واعتقدوه إن كانوا صادقين: { ادعوا الذين زعمتم } آلهة ~~من دون الله فانظروا هل ينفعونكم، أو يدفعون عنكم الضر، فإنهم لا { ~~يملكون كشف الضر عنكم } من مرض، أو فقر، أو شدة، ونحو ~~ذلك، فلا يدفعونه بالكلية، { ولا } يملكون أيضا تحويله من شخص إلى ~~آخر، من شدة إلى ما دونها. فإذا كانوا بهذه الصفة فلأي شيء تدعونهم من ~~دون الله؟ فإنهم لا كمال لهم، ولا فعال نافعة، فاتخاذهم آلهة نقص في ~~الدين والعقل، وسفه في الرأي. ومن العجب، أن السفه عند الاعتياد ~~والممارسة، وتلقيه عن الآباء الضالين بالقبول، يراه صاحبه هو الرأي: ~~السديد، والعقل المفيد. ويرى إخلاص الدين لله الواحد الأحد، الكامل ~~المنعم بجميع النعم الظاهرة والباطنة، هو السفه، والأمر المتعجب منه، كما ~~قال المشركون: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]. ثم أخبر أيضا، أن الذين يعبدونهم ms0827 من دون الله، في شغل شاغل ~~عنهم، باهتمامهم بالافتقار إلى الله، وابتغاء الوسيلة إليه، فقال: { ~~أولئك الذين يدعون } من الأنبياء والصالحين والملائكة { ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } أي: ~~يتنافسون في القرب من ربهم، ويبذلون ما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة ~~المقربة إلى الله تعالى وإلى رحمته، ويخافون عذابه، فيجتنبون كل ما يوصل ~~إلى العذاب. { إن عذاب ربك كان محذورا } أي: هو الذي ~~ينبغي شدة الحذر منه والتوقي من أسبابه. وهذه الأمور الثلاثة، الخوف ~~والرجاء والمحبة، التي وصف الله بها هؤلاء المقربين عنده هي الأصل ~~والمادة في كل خير. فمن تمت له، تمت له أموره، وإذا خلا القلب منها، ~~ترحلت عنه الخيرات، وأحاطت به الشرور. وعلامة المحبة ما ذكره الله، أن ~~يجتهد العبد في كل عمل يقربه إلى الله وينافس في قربه بإخلاص الأعمال ~~كلها لله، والنصح فيها، وإيقاعها على أكمل الوجوه المقدور عليها، فمن زعم ~~أنه يحب الله بغير ذلك، فهو كاذب. ### || [17.58] # أي: ما من قرية من القرى المكذبة للرسل، إلا لا بد أن يصيبهم هلاك قبل ~~يوم القيامة، أو عذاب شديد، كتاب كتبه الله، وقضاء أبرمه، لا بد من ~~وقوعه، فليبادر المكذبون بالإنابة إلى الله وتصديق رسله، قبل أن تتم ~~عليهم كلمة العذاب، ويحق عليهم القول. ### || [17.59-60] # يذكر تعالى رحمته بعدم إنزاله الآيات التي يقترح بها المكذبون، وأنه ما ~~منعه أن يرسلها إلا خوف من تكذيبهم لها، فإذا كذبوا بها، عاجلهم العقاب، ~~وحل بهم من غير تأخير، كما فعل بالأولين الذين كذبوا بها. ومن أعظم ~~الآيات، الآية التي أرسلها الله إلى ثمود، وهي الناقة العظيمة الباهرة، ~~التي كانت تصدر عنها جميع القبيلة بأجمعها، ومع ذلك كذبوا بها، فأصابهم ~~ما قص الله علينا في كتابه، وهؤلاء كذلك، لو جاءتهم الآيات الكبار لم ~~يؤمنوا، فإنه ما منعهم من الإيمان خفاء ما جاء به الرسول واشتباهه، هل هو ~~حق أو باطل؟ فإنه قد جاء من البراهين الكثيرة، ما دل على صحة ما جاء به، ~~الموجب لهداية من طلب الهداية، فغيرها ms0828 مثلها، فلا بد أن يسلكوا بها ما ~~سلكوا بغيرها، فترك إنزالها والحالة هذه، خير لهم وأنفع. وقوله: { وما ~~نرسل بالآيات إلا تخويفا } أي: لم يكن القصد بها أن تكون ~~داعية وموجبة للإيمان، الذي لا يحصل إلا بها، بل المقصود منها التخويف ~~والترهيب، ليرتدعوا عن ما هم عليه. { وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس } علما وقدرة، فليس لهم ملجأ يلجؤون إليه، ولا ملاذ ~~يلوذون به عنه، وهذا كاف لمن له عقل في الانكفاف عما يكرهه الله الذي ~~أحاط بالناس. { وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا ~~فتنة } أكثر المفسرين على أنها ليلة الإسراء. { والشجرة ~~الملعونة } التي ذكرت { في القرآن } وهي شجرة الزقوم التي تنبت ~~في أصل الجحيم. والمعنى، إذا كان هذان الأمران، قد صارا فتنة للناس حتى ~~استلج الكفار بكفرهم، وازداد شرهم، وبعض من كان إيمانه ضعيفا، رجع عنه ~~بسبب أن ما أخبرهم به من الأمور التي كانت ليلة الإسراء، ومن الإسراء من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كان خارقا للعادة. والإخبار بوجود ~~شجرة تنبت في أصل الجحيم أيضا، من الخوارق، فهذا الذي أوجب لهم التكذيب، ~~فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة؟!! أليس ذلك أولى أن ~~يزداد بسببه شرهم؟! فلذلك رحمهم الله وصرفها عنهم، ومن هنا تعلم أن عدم ~~التصريح في الكتاب والسنة، بذكر الأمور العظيمة التي حدثت في الأزمنة ~~المتأخرة، أولى وأحسن، لأن الأمور التي لم يشاهد الناس لها نظيرا، ربما ~~لا تقبلها عقولهم لو أخبروا بها قبل وقوعها، فيكون ذلك ريبا في قلوب بعض ~~المؤمنين، ومانعا يمنع من لم يدخل الإسلام، ومنفرا عنه. بل ذكر الله ~~ألفاظا عامة، تتناول جميع ما يكون. { ونخوفهم } بالآيات { فما ~~يزيدهم } التخويف { إلا طغيانا كبيرا } وهذا أبلغ ما يكون ~~في التملي بالشر ومحبته، وبغض الخير وعدم الانقياد له. ### || [17.61-65] # ينبه تبارك وتعالى عباده على شدة عداوة الشيطان، وحرصه على إضلالهم، ~~وأنه لما خلق الله آدم، استكبر عن السجود له، و { قال } متكبرا: { ~~أأسجد لمن خلقت طينا } أي: من طين، وبزعمه أنه خير منه، ms0829 ~~لأنه خلق من نار. وقد تقدم فساد هذا القياس الباطل من عدة أوجه. فلما ~~تبين لإبليس تفضيل الله لآدم { قال } مخاطبا لله: { أرأيتك ~~هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم ~~القيامة لأحتنكن ذريته } أي: لأستأصلنهم بالإضلال، ~~ولأغوينهم { إلا قليلا } عرف الخبيث، أنه لا بد أن يكون منهم من ~~يعاديه ويعصيه. فقال الله له: { اذهب فمن تبعك منهم } ~~واختارك على ربه ووليه الحق، { فإن جهنم جزآؤكم جزاء ~~موفورا } أي: مدخرا لكم، موفرا جزاء أعمالكم. ثم أمره الله أن ~~يفعل كل ما يقدر عليه من إضلالهم، فقال: { واستفزز من ~~استطعت منهم بصوتك } ويدخل في هذا كل داع إلى المعصية. { ~~وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } ويدخل فيه كل راكب وماش في ~~معصية الله، فهو من خيل الشيطان ورجله. والمقصود أن الله ابتلى العباد ~~بهذا العدو المبين، الداعي لهم إلى معصية الله، بأقواله وأفعاله. { ~~وشاركهم في الأموال والأولاد } وذلك شامل لكل معصية تعلقت ~~بأموالهم وأولادهم، من منع الزكاة والكفارات والحقوق الواجبة، وعدم تأديب ~~الأولاد وتربيتهم على الخير وترك الشر، وأخذ الأموال بغير حقها، أو وضعها ~~بغير حقها، أو استعمال المكاسب الردية. بل ذكر كثير من المفسرين، أنه ~~يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد، ترك التسمية عند الطعام ~~والشراب والجماع، وأنه إذا لم يسم الله في ذلك، شارك فيه الشيطان، كما ~~ورد فيه الحديث. { وعدهم } الوعود المزخرفة التي لا حقيقة لها، ~~ولهذا قال: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } أي: ~~باطلا مضمحلا، كأن يزين لهم المعاصي والعقائد الفاسدة، ويعدهم عليها ~~الأجر، لأنهم يظنون أنهم على الحق، وقال تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا # [البقرة: 268]. ولما أخبر عما يريد الشيطان أن يفعل بالعباد، وذكر ما ~~يعتصم به من فتنته، وهو عبودية الله، والقيام بالإيمان والتوكل فقال: { ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } أي: تسلط وإغواء، بل ~~الله يدفع عنهم - بقيامهم بعبوديته - كل شر، ويحفظهم من الشيطان الرجيم، ~~ويقوم بكفايتهم. { وكفى بربك وكيلا } لمن توكل عليه، وأدى ما ~~أمر به. ### || [17.66-69] # يذكر ms0830 تعالى نعمته على العباد، بما سخر لهم من الفلك، والسفن والمراكب، ~~وألهمهم كيفية صنعتها، وسخر لها البحر الملتطم، يحملها على ظهره، لينتفع ~~العباد بها في الركوب، والحمل للأمتعة والتجارة. وهذا من رحمته بعباده، ~~فإنه لم يزل بهم رحيما رؤوفا، يؤتيهم من كل ما تعلقت به إرادتهم ~~ومنافعهم. ومن رحمته الدالة على أنه وحده المعبود دون ما سواه، أنهم إذا ~~مسهم الضر في البحر فخافوا من الهلاك لتراكم الأمواج، ضل عنهم ما كانوا ~~يدعون من دون الله في حال الرخاء من الأحياء والأموات، فكأنهم لم يكونوا ~~يدعونهم في وقت من الأوقات لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، وصرخوا ~~بدعوة فاطر الأرض والسماوات الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات، ~~وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال. فلما كشف الله عنهم الضر، ~~ونجاهم إلى البر، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل وأشركوا به، من لا ~~ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم، ~~وهذا من جهل الإنسان وكفره، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، ~~فمن عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم، أن الذي ~~يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد وتخلص له سائر ~~الأعمال، في الشدة والرخاء، واليسر والعسر. وأما من خذل، ووكل إلى عقله ~~الضعيف، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة، وإنجاءه في تلك ~~الحال. فلما حصلت له النجاة، وزالت عنه المشقة، ظن بجهله أنه قد أعجز ~~الله، ولم يخطر بقلبه شيء من العواقب الدنيوية، فضلا عن أمور الآخرة. ~~ولهذا ذكرهم الله بقوله: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب ~~البر أو يرسل عليكم حاصبا } أي: فهو على كل شيء قدير، ~~إن شاء أنزل عليكم عذابا، من أسفل منكم بالخسف، أو من فوقكم بالحاصب، ~~وهو العذاب الذي يحصبهم فيصبحوا هالكين، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا ~~في البحر. وإن ظننتم ذلك، فأنتم آمنون من { أن يعيدكم } في البحر { ~~تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح } أي: ms0831 ~~ريحا شديدة جدا تقصف ما أتت عليه. { فيغرقكم بما كفرتم ~~ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } أي: تبعة ومطالبة، ~~فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة. ### || [17.70] # وهذا من كرمه عليهم وإحسانه، الذي لا يقادر قدره، حيث كرم بني آدم بجميع ~~وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعل ~~منهم الأولياء والأصفياء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. { ~~وحملناهم في البر } على الركاب، من الإبل، والبغال، والحمير، ~~والمراكب البرية. { و } في { البحر } في السفن والمراكب { ~~ورزقناهم من الطيبات } من المآكل والمشارب، والملابس، ~~والمناكح. فما من طيب تتعلق به حوائجهم، إلا وقد أكرمهم الله به، ويسره ~~لهم غاية التيسير. { وفضلناهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا } بما خصهم به من المناقب، وفضلهم به من الفضائل، التي ليست ~~لغيرهم من أنواع المخلوقات. أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ~~ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم، بل ربما ~~استعانوا بها على معاصيه. ### || [17.71-72] # يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة، وأنه يدعو كل أناس، ومعهم إمامهم ~~وهاديهم إلى الرشد، وهم الرسل ونوابهم، فتعرض كل أمة، ويحضرها رسولهم ~~الذي دعاهم، وتعرض أعمالهم على الكتاب الذي يدعو إليه الرسول، هل هي ~~موافقة له أم لا؟ فينقسمون بهذا قسمين: { فمن أوتي كتابه ~~بيمينه } لكونه اتبع إمامه، الهادي إلى صراط مستقيم، واهتدى بكتابه، ~~فكثرت حسناته، وقلت سيئاته { فأولئك يقرؤون كتابهم } ~~قراءة سرور وبهجة، على ما يرون فيها مما يفرحهم ويسرهم. { ولا ~~يظلمون فتيلا } مما عملوه من الحسنات. { ومن كان في ~~هذه } الدنيا { أعمى } عن الحق فلم يقبله، ولم ينقد له، بل اتبع ~~الضلال. { فهو في الآخرة أعمى } عن سلوك طريق الجنة كما لم ~~يسلكه في الدنيا، { وأضل سبيلا } فإن الجزاء من جنس العمل، كما ~~تدين تدان. وفي هذه الآية دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها، ~~وهل عملت به أم لا؟ وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي لم يؤمروا باتباعه، وأن ~~الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه ومخالفته ms0832 لها. وأن أهل ~~الخير، يعطون كتبهم بأيمانهم، ويحصل لهم من الفرح والسرور شيء عظيم، وأن ~~أهل الشر بعكس ذلك، لأنهم لا يقدرون على قراءة كتبهم، من شدة غمهم وحزنهم ~~وثبورهم. ### || [17.73-77] # يذكر تعالى منته على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحفظه له من أعدائه ~~الحريصين على فتنته بكل طريق، فقال: { وإن كادوا ليفتنونك ~~عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا } أي: قد كادوا ~~لك أمرا لم يدركوه، وتحيلوا لك، على أن تفتري على الله غير الذي أنزلنا ~~إليك، فتجيء بما يوافق أهواءهم، وتدع ما أنزل الله إليك. { وإذا } لو ~~فعلت ما يهوون { لاتخذوك خليلا } أي: حبيبا صفيا، أعز عليهم ~~من أحبابهم، لما جبلك الله عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، ~~المحببة للقريب والبعيد، والصديق والعدو. ولكن لتعلم أنهم لم يعادوك ~~وينابذوك العداوة، إلا للحق الذي جئت به، لا لذاتك، كما قال الله تعالى # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. { و } مع هذا ف { لولا أن ثبتناك } على ~~الحق، وامتننا عليك بعدم الإجابة لداعيهم، { لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا } من كثرة المعالجة، ومحبتك لهدايتهم. { ~~إذا } لو ركنت إليهم بما يهوون { لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات } أي: لأصبناك بعذاب مضاعف، في الدنيا والآخرة، وذلك ~~لكمال نعمة الله عليك، وكمال معرفتك. { ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا } ينقذك مما يحل بك من العذاب، ولكن الله تعالى عصمك من أسباب ~~الشر، ومن البشر فثبتك وهداك الصراط المستقيم، ولم تركن إليهم بوجه من ~~الوجوه، فله عليك أتم نعمة وأبلغ منحة. { وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها } أي: من بغضهم ~~لمقامك بين أظهرهم، قد كادوا أن يخرجوك من الأرض، ويجلوك منها. ولو فعلوا ~~ذلك، لم يلبثوا بعدك فيها إلا قليلا، حتى تحل بهم العقوبة، كما هي سنة ~~الله التي لا تحول ولا تبدل في جميع الأمم، كل أمة كذبت رسولها وأخرجته، ~~عاجلها الله بالعقوبة. ولما مكر به الذين كفروا وأخرجوه، لم يلبثوا إلا ~~قليلا، حتى ms0833 أوقع الله بهم ب " بدر " وقتل صناديدهم، وفض بيضتهم، فله ~~الحمد. وفي هذه الآيات، دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه، ~~وأنه ينبغي له أن لا يزال متملقا لربه، أن يثبته على الإيمان، ساعيا في ~~كل سبب موصل إلى ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الخلق، قال ~~الله له: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا } فكيف بغيره؟! وفيها تذكير الله لرسوله ~~منته عليه، وعصمته من الشر، فدل ذلك على أن الله يحب من عباده أن ~~يتفطنوا لإنعامه عليهم - عند وجود أسباب الشر - بالعصمة منه، والثبات على ~~الإيمان. وفيها: أنه بحسب علو مرتبة العبد، وتواتر النعم عليه من الله ~~يعظم إثمه، ويتضاعف جرمه، إذا فعل ما يلام عليه، لأن الله ذكر رسوله لو ~~فعل - وحاشاه من ذلك - بقوله: { إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا }. وفيها: ~~أن الله إذا أراد إهلاك أمة، تضاعف جرمها، وعظم وكبر، فيحق عليها القول ~~من الله، فيوقع بها العقاب، كما هي سنته في الأمم إذا أخرجوا رسولهم. ### || [17.78-81] # يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإقامة الصلاة تامة، ظاهرا ~~وباطنا، في أوقاتها، { لدلوك الشمس } أي: ميلانها إلى الأفق ~~الغربي بعد الزوال، فيدخل في ذلك صلاة الظهر وصلاة العصر. { إلى ~~غسق اليل } أي: ظلمته، فدخل في ذلك صلاة المغرب وصلاة العشاء. { ~~وقرآن الفجر } أي: صلاة الفجر، وسميت قرآنا، لمشروعية إطالة ~~القراءة فيها أطول من غيرها، ولفضل القراءة فيها حيث يشهدها الله، ~~وملائكة الليل وملائكة والنهار. ففي هذه الآية، ذكر الأوقات الخمسة، ~~للصلوات المكتوبات، وأن الصلوات الموقعة فيه فرائض، لتخصيصها بالأمر. ~~وفيها: أن الوقت شرط لصحة الصلاة، وأنه سبب لوجوبها، لأن الله أمر ~~بإقامتها لهذه الأوقات. وأن الظهر والعصر يجمعان، والمغرب والعشاء كذلك، ~~للعذر، لأن الله جمع وقتهما جميعا. وفيه: فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة ~~إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها ركن، لأن العبادة إذا سميت ببعض ~~أجزائها، دل على فرضية ذلك. وقوله: { ومن الليل ms0834 فتهجد ~~به } أي: صل به في سائر أوقاته. { نافلة لك } أي: لتكون صلاة ~~الليل زيادة لك في علو القدر، ورفع الدرجات، بخلاف غيرك، فإنها تكون ~~كفارة لسيئاته. ويحتمل أن يكون المعنى: أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى ~~المؤمنين، بخلاف صلاة الليل، فإنها فرض عليك بالخصوص، ولكرامتك على الله، ~~أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك، وليكثر ثوابك، وتنال بذلك المقام المحمود، ~~وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، مقام الشفاعة العظمى، حين ~~يتشفع الخلائق بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، وكلهم يعتذر ~~ويتأخر عنها، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم، ليرحمهم الله من هم الموقف ~~وكربه، فيشفع عند ربه فيشفعه، ويقيمه مقاما يغبطه به الأولون والآخرون، ~~وتكون له المنة على جميع الخلق. وقوله: { وقل رب أدخلني ~~مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } أي: اجعل مداخلي ~~ومخارجي كلها في طاعتك وعلى مرضاتك، وذلك لتضمنها الإخلاص وموافقتها ~~الأمر. { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } أي: حجة ~~ظاهرة، وبرهانا قاطعا على جميع ما آتيه وأذره. وهذا أعلى حالة ينزلها ~~الله العبد، أن تكون أحواله كلها خيرا، ومقربة له إلى ربه، وأن يكون له ~~- على كل حالة من أحواله - دليلا ظاهرا، وذلك متضمن للعلم النافع، ~~والعمل الصالح، للعلم بالمسائل والدلائل. وقوله: { وقل جآء الحق ~~وزهق الباطل } والحق هو ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فأمره الله أن يقول ويعلن، قد جاء الحق الذي لا يقوم له شيء، ~~وزهق الباطل أي: اضمحل وتلاشى. { إن الباطل كان زهوقا } أي: ~~هذا وصف الباطل، ولكنه قد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق، فعند ~~مجيء الحق يضمحل الباطل، فلا يبقى له حراك. ولهذا لا يروج الباطل إلا في ~~الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته. ### || [17.82] # فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة، وليس ذلك لكل أحد، وإنما ذلك ~~للمؤمنين به، المصدقين بآياته، العاملين به، وأما الظالمون بعدم التصديق ~~به أو عدم العمل به، فلا تزيدهم آياته إلا خسارا، إذ به تقوم عليهم ~~الحجة، ms0835 فالشفاء الذي تضمنه القرآن عام لشفاء القلوب، من الشبه، والجهالة، ~~والآراء الفاسدة، والانحراف السيئ، والقصود السيئة. فإنه مشتمل على ~~العلم اليقيني، الذي تزول به كل شبهة وجهالة، والوعظ والتذكير، الذي يزول ~~به كل شهوة تخالف أمر الله، ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها. وأما ~~الرحمة، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها، متى فعلها العبد ~~فاز بالرحمة والسعادة الأبدية، والثواب العاجل والآجل. ### || [17.83] # هذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من هداه الله، فإن الإنسان - عند ~~إنعام الله عليه - يفرح بالنعم ويبطر بها، ويعرض وينأى بجانبه عن ربه، ~~فلا يشكره ولا يذكره. { وإذا مسه الشر } كالمرض ونحوه { كان ~~يئوسا } من الخير، قد قطع عن ربه رجاءه، وظن أن ما هو فيه دائم أبدا. ~~وأما من هداه الله فإنه عند النعم يخضع لربه، ويشكر نعمته، وعند الضراء ~~يتضرع، ويرجو من الله عافيته، وإزالة ما يقع فيه، وبذلك يخف عليه البلاء. ### || [17.84] # أي: { قل كل } من الناس { يعمل على شاكلته } أي: على ~~ما يليق به من الأحوال، إن كان من الصفوة الأبرار، لم يشاكلهم إلا عملهم ~~لرب العالمين. ومن كان من غيرهم من المخذولين، لم يناسبهم إلا العمل ~~للمخلوقين، ولم يوافقهم إلا ما وافق أغراضهم. { فربكم أعلم ~~بمن هو أهدى سبيلا } فيعلم من يصلح للهداية، فيهديه، ومن لا ~~يصلح لها فيخذله ولا يهديه. ### || [17.85] # وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل، التي لا يقصد بها إلا التعنت ~~والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور ~~الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي ~~يحتاج إليه العباد. ولهذا أمر الله رسوله أن يجيب سؤالهم بقوله: { قل ~~الروح من أمر ربي } أي: من جملة مخلوقاته، التي أمرها أن تكون ~~فكانت، فليس في السؤال عنها كبير فائدة، مع عدم علمكم بغيرها. وفي هذه ~~الآية دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر، الأولى بالسائل غيره أن يعرض ~~عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ms0836 ما ينفعه. ### || [17.86-87] # يخبر تعالى أن القرآن والوحي الذي أوحاه إلى رسوله، رحمة منه عليه وعلى ~~عباده، وهو أكبر النعم على الإطلاق على رسوله، فإن فضل الله عليه كبير، ~~لا يقادر قدره. فالذي تفضل به عليك، قادر على أن يذهب به، ثم لا تجد ~~رادا يرده، ولا وكيلا يتوجه عند الله فيه. فلتغتبط به، وتقر ~~به عينك، ولا يحزنك تكذيب المكذبين، واستهزاء الضالين، فإنهم عرضت عليهم ~~أجل النعم، فردوها لهوانهم على الله وخذلانه لهم. ### || [17.88] # وهذا دليل قاطع، وبرهان ساطع، على صحة ما جاء به الرسول وصدقه، حيث تحدى ~~الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لا يأتون بمثله، ولو ~~تعاونوا كلهم على ذلك لم يقدروا عليه. ووقع كما أخبر الله، فإن دواعي ~~أعدائه المكذبين به، متوفرة على رد ما جاء به بأي وجه كان، وهم أهل ~~اللسان والفصاحة، فلو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن من ذلك لفعلوه. فعلم ~~بذلك، أنهم أذعنوا غاية الإذعان، طوعا وكرها، وعجزوا عن معارضته. وكيف ~~يقدر المخلوق من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الذي ليس له علم ولا قدرة ~~ولا إرادة ولا مشيئة ولا كلام ولا كمال إلا من ربه، أن يعارض كلام رب ~~الأرض والسماوات، المطلع على سائر الخفيات، الذي له الكمال المطلق، ~~والحمد المطلق، والمجد العظيم، الذي لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر ~~مدادا، والأشجار كلها أقلام، لنفذ المداد، وفنيت الأقلام، ولم تنفد ~~كلمات الله. فكما أنه ليس أحد من المخلوقين مماثلا لله في أوصافه فكلامه ~~من أوصافه، التي لا يماثله فيها أحد، فليس كمثله شيء، في ذاته، وأسمائه، ~~وصفاته، وأفعاله تبارك وتعالى. فتبا لمن اشتبه عليه كلام الخالق بكلام ~~المخلوق، وزعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم افتراه على الله واختلقه من ~~نفسه. ### || [17.89-96] # يقول تعالى: { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن ~~من كل مثل } أي: نوعنا فيه المواعظ والأمثال، وثنينا فيه المعاني ~~التي يضطر إليها العباد، لأجل أن يتذكروا ويتقوا، فلم يتذكر إلا القليل ~~منهم، الذين سبقت لهم ms0837 من الله سابقة السعادة، وأعانهم الله بتوفيقه، وأما ~~أكثر الناس فأبوا إلا كفورا لهذه النعمة التي هي أكبر من جميع النعم، ~~وجعلوا يتعنتون عليه [باقتراح] آيات غير آياته، يخترعونها من تلقاء ~~أنفسهم الظالمة الجاهلة. فيقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أتى ~~بهذا القرآن المشتمل على كل برهان وآية: { لن نؤمن لك حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا } أي: أنهارا جارية. { أو ~~تكون لك جنة من نخيل وعنب } فتستغني بها عن المشي في ~~الأسواق والذهاب والمجيء. { أو تسقط السمآء كما زعمت ~~علينا كسفا } أي: قطعا من العذاب، { أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا } أي: جميعا، أو مقابلة ومعاينة، يشهدون لك ~~بما جئت به. { أو يكون لك بيت من زخرف } أي: مزخرف ~~بالذهب وغيره { أو ترقى في السمآء } رقيا حسيا، { و } ومع ~~هذا ف { لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا ~~نقرؤه }. ولما كانت هذه تعنتات وتعجيزات، وكلام أسفه الناس ~~وأظلمهم، المتضمنة لرد الحق وسوء الأدب مع الله، وأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي يأتي بالآيات، أمره الله أن ينزهه فقال: { قل ~~سبحان ربي } عما تقولون علوا كبيرا، وسبحانه أن تكون أحكامه ~~وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة، وآرائهم الضالة. { هل كنت إلا ~~بشرا رسولا } ليس بيده شيء من الأمر. وهذا السبب الذي منع أكثر ~~الناس من الإيمان، حيث كانت الرسل التي ترسل إليهم من جنسهم بشرا. وهذا ~~من رحمته بهم، أن أرسل إليهم بشرا منهم، فإنهم لا يطيقون التلقي من ~~الملائكة. فلو { كان في الأرض ملائكة يمشون ~~مطمئنين } يثبتون على رؤية الملائكة والتلقي عنهم { لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا } ليمكنهم التلقي عنه. { ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا } فمن شهادته لرسوله ما أيده به من ~~المعجزات، وما أنزله عليه من الآيات، ونصره على من عاداه وناوأه. فلو ~~تقول عليه بعض الأقاويل، لأخذ منه باليمين، ثم لقطع منه الوتين، فإنه ~~خبير بصير، لا تخفى عليه من أحوال العباد خافية. ### || [17.97-100] # يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية ms0838 والإضلال، فمن يهده، فييسره لليسرى ~~ويجنبه العسرى، فهو المهتدي على الحقيقة، ومن يضلله، فيخذله، ويكله إلى ~~نفسه، فلا هادي له من دون الله، وليس له ولي ينصره من عذاب الله، حين ~~يحشرهم الله على وجوههم خزيا وإهانه، عميا وبكما، لا يبصرون ولا ~~ينطقون. { مأواهم } أي: مقرهم ودارهم { جهنم } التي جمعت كل ~~هم وغم وعذاب. { كلما خبت } أي: تهيأت للانطفاء { زدناهم ~~سعيرا } أي: سعرناها بهم لا يفتر عنهم العذاب، ولا يقضى عليهم ~~فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولم يظلمهم الله تعالى، بل جازاهم بما ~~كفروا بآياته وأنكروا البعث الذي أخبرت به الرسل ونطقت به الكتب وعجزوا ~~ربهم وأنكروا تمام قدرته. { وقالوا أءذا كنا عظاما ~~ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } أي: لا يكون هذا ~~لأنه في غاية البعد عن عقولهم الفاسدة. { أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السموت والأرض } وهي أكبر من خلق ~~الناس. { قادر على أن يخلق مثلهم } بلى، إنه على ذلك ~~قدير. { و } لكنه قد { جعل } لذلك { أجلا لا ريب فيه } ولا ~~شك، وإلا فلو شاء لجاءهم به بغتة، ومع إقامته الحجج والأدلة على البعث. { ~~فأبى الظالمون إلا كفورا } ظلما منهم وافتراء. { قل ~~لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي } التي لا تنفذ ~~ولا تبيد. { إذا لأمسكتم خشية الإنفاق } أي: خشية أن ينفد ~~ما تنفقون منه، مع أنه من المحال أن تنفد خزائن الله، ولكن الإنسان مطبوع ~~على الشح والبخل. ### || [17.101-104] # أي: لست أيها الرسول المؤيد بالآيات، أول رسول كذبه الناس، فلقد أرسلنا ~~قبلك موسى ابن عمران الكليم، إلى فرعون وقومه، وآتيناه { تسع آيات ~~بينات } كل واحدة منها تكفي لمن قصده اتباع الحق، كالحية، والعصا، ~~والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والرجز، وفلق البحر. فإن ~~شككت في شيء من ذلك { فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم ~~فقال له فرعون } مع هذه الآيات { إني لأظنك يموسى ~~مسحورا }. ف { قال } له موسى { لقد علمت } يا فرعون { مآ ~~أنزل هؤلاء } الآيات { إلا رب السموت والأرض ~~بصآئر } منه لعباده، فليس قولك هذا بالحقيقة، وإنما قلت ذلك ms0839 ترويجا ~~على قومك، واستخفافا لهم. { وإني لأظنك يفرعون مثبورا ~~} أي: ممقوتا، ملقى في العذاب، لك الويل والذم واللعنة. { فأراد } ~~فرعون { أن يستفزهم من الأرض } أن: يجليهم ويخرجهم منها. { ~~فأغرقناه ومن معه جميعا } وأورثنا بني إسرائيل أرضهم ~~وديارهم. ولهذا قال: { وقلنا من بعده لبني إسرائيل ~~اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا } أي: جميعا، ليجازى كل عامل بعمله. ### || [17.105] # أي: وبالحق أنزلنا هذا القرآن الكريم، لأمر العباد ونهيهم، وثوابهم ~~وعقابهم، { وبالحق نزل } أي: بالصدق والعدل والحفظ من كل شيطان ~~رجيم { ومآ أرسلناك إلا مبشرا } من أطاع الله بالثواب ~~العاجل والآجل { ونذيرا } لمن عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ويلزم ~~من ذلك بيان ما بشر به وأنذر. ### || [17.106-109] # أي: وأنزلنا هذا القرآن مفرقا، فارقا بين الهدى والضلال، والحق ~~والباطل. { لتقرأه على الناس على مكث } أي: على مهل، ~~ليتدبروه ويتفكروا في معانيه، ويستخرجوا علومه. { ونزلناه ~~تنزيلا } أي: شيئا فشيئا، مفرقا في ثلاث وعشرين سنة. # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33] فإذا تبين أنه الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب، بوجه من ~~الوجوه ف: { قل } لمن كذب به وأعرض عنه: { آمنوا به أو لا ~~تؤمنوا } فليس لله حاجة فيكم، ولستم بضاريه شيئا، وإنما ضرر ذلك ~~عليكم، فإن لله عبادا غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع: { ~~إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا } أي: ~~يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون له. { ويقولون سبحان ربنآ ~~} عما لا يليق بجلاله، مما نسبه إليه المشركون. { إن كان وعد ~~ربنا } بالبعث والجزاء بالأعمال { لمفعولا } لا خلف فيه ولا شك. ~~{ ويخرون للأذقان } أي: على وجوههم { يبكون ويزيدهم ~~} القرآن { خشوعا }. وهؤلاء كالذين من الله عليهم من مؤمني أهل ~~الكتاب كعبد الله ابن سلام وغيره، ممن آمن في وقت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وبعد ذلك. ### || [17.110-111] # بقول تعالى لعباده: { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } ~~أي: أيهما شئتم. { أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى ~~} أي: ليس له اسم غير حسن، حتى ينهى عن دعائه به، أي: اسم دعوتموه ms0840 به، ~~حصل به المقصود، والذي ينبغي أن يدعى في كل مطلوب، مما يناسب ذلك الاسم. ~~{ ولا تجهر بصلاتك } أي: قراءتك { ولا تخافت بها } ~~فإن في كل من الأمرين محذورا. أما الجهر، فإن المشركين المكذبين به إذا ~~سمعوه سبوه، وسبوا من جاء به. وأما المخافتة، فإنه لا يحصل المقصود ~~لمن أراد استماعه مع الإخفاء. { وابتغ بين ذلك } أي: بين الجهر ~~والإخفات { سبيلا } أي: تتوسط فيما بينهما. { وقل الحمد ~~لله } له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل ~~آفة ونقص. { الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~في الملك } بل الملك كله لله الواحد القهار، فالعالم العلوي ~~والسفلي، كلهم مملوكون لله، ليس لأحد من الملك شيء. { ولم يكن ~~له ولي من الذل } أي: لا يتولى أحدا من خلقه ليتعزز به ~~ويعاونه، فإنه الغني الحميد، الذي لا يحتاج إلى أحد من المخلوقات، في ~~الأرض ولا في السماوات، ولكنه يتخذ أولياء إحسانا منه إليهم ورحمة بهم # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور # [البقرة: 257]. { وكبره تكبيرا } أي: عظمه وأجله بالإخبار ~~بأوصافه العظيمة، وبالثناء عليه، بأسمائه الحسنى، وبتمجيده بأفعاله ~~المقدسة، وبتعظيمه وإجلاله بعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله ~~له. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-6] # الحمد لله هو الثناء عليه بصفاته، التي هي كلها صفات كمال، وبنعمه ~~الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وأجل نعمه على الإطلاق، إنزاله ~~الكتاب العظيم على عبده ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم فحمد نفسه، وفي ~~ضمنه إرشاد العباد ليحمدوه على إرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتاب عليهم، ~~ثم وصف هذا الكتاب بوصفين مشتملين، على أنه الكامل من جميع الوجوه، وهما ~~نفي العوج عنه، وإثبات أنه قيم مستقيم، فنفي العوج يقتضي أنه ليس في ~~أخباره كذب، ولا في أوامره ونواهيه ظلم ولا عبث، وإثبات الاستقامة يقتضي ~~أنه لا يخبر ولا يأمر إلا بأجل الإخبارات، وهي الأخبار، التي تملأ ~~القلوب معرفة وإيمانا وعقلا، كالإخبار بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ~~ومنها الغيوب المتقدمة والمتأخرة، وأن أوامره ونواهيه تزكي النفوس، ~~وتطهرها ms0841 وتنميها وتكملها، لاشتمالها على كمال العدل والقسط، والإخلاص، ~~والعبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له. وحقيق بكتاب موصوف بما ذكر، ~~أن يحمد الله نفسه على إنزاله، وأن يتمدح إلى عباده به. وقوله { ~~لينذر بأسا شديدا من لدنه } أي: لينذر بهذا القرآن ~~الكريم، عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاه، على من خالف أمره، وهذا يشمل ~~عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضا من نعمه، أن خوف عباده، وأنذرهم ما ~~يضرهم ويهلكهم. كما قال تعالى - لما ذكر في هذا القرآن وصف النار - قال: # ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون # [الزمر: 16]. فمن رحمته بعباده، أن قيض العقوبات الغليظة على من خالف ~~أمره، وبينها لهم، وبين لهم الأسباب الموصلة إليها. { ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا حسنا } أي: وأنزل الله على عبده الكتاب، ليبشر المؤمنين به، ~~وبرسله، وكتبه، الذين كمل إيمانهم، فأوجب لهم عمل الصالحات، وهي الأعمال ~~الصالحة، من واجب ومستحب، التي جمعت الإخلاص والمتابعة، { أن لهم ~~أجرا حسنا } وهو الثواب الذي رتبه الله على الإيمان والعمل ~~الصالح، وأعظمه وأجله، الفوز برضا الله ودخول الجنة، التي فيها ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وفي وصفه بالحسن، دلالة ~~على أنه لا مكدر فيه ولا منغص بوجه من الوجوه، إذ لو وجد فيه شيء من ذلك، ~~لم يكن حسنه تاما. ومع ذلك فهذا الأجر الحسن { ماكثين فيه ~~أبدا } لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد، ~~وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا ~~القرآن قد اشتمل على كل عمل صالح، موصل لما تستبشر به النفوس، وتفرح به ~~الأرواح. { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } من ~~اليهود والنصارى والمشركين، الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة، فإنهم لم ~~يقولوها عن علم و[لا] يقين، لا علم منهم، ولا علم من آبائهم الذين قلدوهم ~~واتبعوهم، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، { كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههم } أي: عظمت شناعتها واشتدت ms0842 عقوبتها، وأي ~~شناعة أعظم من وصفه بالاتخاذ للولد الذي يقتضي نقصه، ومشاركة غيره له في ~~خصائص الربوبية والإلهية، والكذب عليه؟!! # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا # [الأنعام: 144] ولهذا قال هنا: { إن يقولون إلا كذبا } أي: ~~كذبا محضا ما فيه من الصدق شيء، وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج، ~~والانتقال من شيء إلى أبطل منه، فأخبر أولا: أنه { ما لهم به ~~من علم ولا لآبائهم } والقول على الله بلا علم، لا شك في منعه ~~وبطلانه، ثم أخبر ثانيا، أنه قول قبيح شنيع فقال: { كبرت كلمة ~~تخرج من أفواههم } ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح، وهو الكذب ~~المنافي للصدق. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية ~~الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان صلى الله عليه وسلم يفرح ويسر ~~بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه صلى الله ~~عليه وسلم عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على ~~هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] وقال # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] وهنا قال { فلعلك باخع نفسك } أي: مهلكها غما ~~وأسفا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم ~~خيرا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم فلم ~~يهتدوا، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم، ليس فيه فائدة لك. وفي هذه ~~الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ ~~والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما ~~يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا ~~فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، ~~بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن ~~قدرته، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله له: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56] وموسى عليه السلام يقول: ms0843 # رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي # الآية [المائدة: 25]، فمن عداهم، من باب أولى وأحرى، قال تعالى: # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 21-22]. ### || [18.7-8] # يخبر تعالى: أنه جعل جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ~~ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، ~~وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله ~~زينة لهذه الدار، فتنة واختبارا. { لنبلوهم أيهم أحسن ~~عملا } أي: أخلصه وأصوبه، ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات، ~~فانية مضمحلة، وزائلة منقضية. وستعود الأرض صعيدا جرزا قد ذهبت لذاتها، ~~وانقطعت أنهارها، واندرست أثارها، وزال نعيمها، هذه حقيقة الدنيا، قد ~~جلاها الله لنا كأنها رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار ~~يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها، كل ذلك رحمة بنا، فاغتر بزخرف الدنيا ~~وزينتها، من نظر إلى ظاهر الدنيا، دون باطنها، فصحبوا الدنيا صحبة ~~البهائم، وتمتعوا بها تمتع السوائم، لا ينظرون في حق ربهم، ولا يهتمون ~~لمعرفته، بل همهم تناول الشهوات، من أي وجه حصلت، وعلى أي حالة ~~اتفقت، فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت، قلق لخراب ذاته، وفوات لذاته، لا لما ~~قدمت يداه من التفريط والسيئات. وأما من نظر إلى باطن الدنيا، وعلم ~~المقصود منها ومنه، فإنه يتناول منها، ما يستعين به على ما خلق له، ~~وانتهز الفرصة في عمره الشريف، فجعل الدنيا منزل عبور، لا محل حبور، ~~وشقة سفر، لا منزل إقامة، فبذل جهده في معرفة ربه، وتنفيذ أوامره، ~~وإحسان العمل، فهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيق منه بكل كرامة ~~ونعيم، وسرور وتكريم، فنظر إلى باطن الدنيا، حين نظر المغتر إلى ظاهرها، ~~وعمل لآخرته، حين عمل البطال لدنياه، فشتان ما بين الفريقين، وما أبعد ~~الفرق بين الطائفتين!! ### || [18.9-12] # وهذا الاستفهام بمعنى النفي والنهي. أي: لا تظن أن قصة أصحاب الكهف، وما ~~جرى لهم، غريبة على آيات الله، وبديعة في حكمته، وأنه لا نظير لها، ولا ~~مجانس لها، بل لله تعالى من الآيات العجيبة الغريبة ما ms0844 هو كثير، من جنس ~~آياته في أصحاب الكهف وأعظم منها، فلم يزل الله يري عباده من الآيات في ~~الآفاق وفي أنفسهم، ما يتبين به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وليس ~~المراد بهذا النفي أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات ~~الله العجيبة، وإنما المراد، أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها، في ~~مقام العجب والاستغراب، نقص في العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر ~~بجميع آيات الله، التي دعا الله العباد إلى التفكير فيها، فإنها مفتاح ~~الإيمان، وطريق العلم والإيقان. وأضافهم إلى الكهف، الذي هو الغار في ~~الجبل، والرقيم، أي: الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم، لملازمتهم ~~له دهرا طويلا. ثم ذكر قصتهم مجملة، وفصلها بعد ذلك فقال: { إذ أوى ~~الفتية } أي: الشباب، { إلى الكهف } يريدون بذلك التحصن ~~والتحرز من فتنة قومهم لهم، { فقالوا ربنآ آتنا من لدنك ~~رحمة } أي تثبتنا بها وتحفظنا من الشر، وتوفقنا للخير { وهيىء ~~لنا من أمرنا رشدا } أي: يسر لنا كل سبب موصل إلى الرشد، ~~وأصلح لنا أمر ديننا ودنيانا، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة، إلى ~~محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم ~~اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق، فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما ~~لم يكن في حسابهم، قال: { فضربنا على آذانهم في الكهف } ~~أي أنمناهم { سنين عددا } وهي ثلاث مائة سنة وتسع سنين، وفي النوم ~~المذكور حفظ لقلوبهم من الاضطراب والخوف، وحفظ لهم من قومهم وليكون آية ~~بينة. { ثم بعثناهم } أي: من نومهم { لنعلم أي ~~الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي: لنعلم أيهم أحصى ~~لمقدار مدتهم، كما قال تعالى: # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم # الآية [الكهف: 19]، وفي العلم بمقدار لبثهم، ضبط للحساب، ومعرفة لكمال ~~قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته، فلو استمروا على نومهم، لم يحصل الاطلاع ~~على شيء من ذلك من قصتهم. ### || [18.13-14] # هذا شروع في تفصيل قصتهم، وأن الله يقصها على نبيه بالحق والصدق، الذي ~~ما فيه شك ولا شبهة بوجه من الوجوه، ms0845 { إنهم فتية آمنوا ~~بربهم } وهذا من جموع القلة، يدل ذلك على أنهم دون العشرة، { ~~آمنوا } بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، ~~فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، زادهم الله من الهدى، ~~الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى # [مريم: 76]. { وربطنا على قلوبهم } أي صبرناهم ~~وثبتناهم، وجعلنا قلوبهم مطمئنة في تلك الحالة المزعجة، وهذا من لطفه ~~تعالى بهم وبره، أن وفقهم للإيمان والهدى، والصبر والثبات، والطمأنينة. { ~~إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموت والأرض } أي: ~~الذي خلقنا ورزقنا، ودبرنا وربانا، هو خالق السماوات والأرض، المنفرد ~~بخلق هذه المخلوقات العظيمة، لا تلك الأوثان والأصنام، التي لا تخلق ولا ~~ترزق، ولا تملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ~~فاستدلوا بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية، ولهذا قالوا: { لن ~~ندعوا من دونه إلها } أي: من سائر المخلوقات { لقد ~~قلنا إذا } أي: إن دعونا معه آلهة، بعد ما علمنا أنه الرب الإله، ~~الذي لا تجوز ولا تنبغي العبادة إلا له { شططا } أي: ميلا عظيما عن ~~الحق، وطريقا بعيدة عن الصواب، فجمعوا بين الإقرار بتوحيد الربوبية، ~~وتوحيد الإلهية، والتزام ذلك، وبيان أنه الحق وما سواه باطل، وهذا دليل ~~على كمال معرفتهم بربهم، وزيادة الهدى من الله لهم. ### || [18.15] # لما ذكروا ما من الله به عليهم من الإيمان والهدى، التفتوا إلى ما كان ~~عليه قومهم، من اتخاذ الآلهة من دون الله، فمقتوهم، وبينوا أنهم ليسوا ~~على يقين من أمرهم، بل في غاية الجهل والضلال فقالوا: { لولا ~~يأتون عليهم بسلطان بين } أي: بحجة وبرهان، على ما هم ~~عليه من الباطل، ولا يستطيعون سبيلا إلى ذلك، وإنما ذلك افتراء منهم على ~~الله وكذب عليه، وهذا أعظم الظلم، ولهذا قال: { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا }. ### || [18.16] # أي: قال بعضهم لبعض، إذ حصل لكم اعتزال قومكم في أجسامكم وأديانكم، فلم ~~يبق إلا النجاء من شرهم، والتسبب بالأسباب المفضية لذلك، لأنهم لا سبيل ~~لهم ms0846 إلى قتالهم، ولا بقائهم بين أظهرهم، وهم على غير دينهم، { لله ~~فأووا إلى الكهف } أي: انضموا إليه واختفوا فيه { ينشر ~~لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا } وفيما تقدم، أخبر أنهم دعوه بقولهم: # ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا ~~رشدا # [الكهف: 10] فجمعوا بين التبري من حولهم وقوتهم، والالتجاء إلى الله ~~في صلاح أمرهم، ودعائه بذلك، وبين الثقة بالله أنه سيفعل ذلك، لا جرم أن ~~الله نشر لهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقا، فحفظ أديانهم ~~وأبدانهم، وجعلهم من آياته على خلقه، ونشر لهم من الثناء الحسن، ما هو من ~~رحمته بهم، ويسر لهم كل سبب، حتى المحل الذي ناموا فيه، كان على غاية ما ~~يمكن من الصيانة، ولهذا قال: { وترى الشمس إذا طلعت ~~تزاور عن كهفهم ذات اليمين... }. ### || [18.17-18] # أي: حفظهم الله من الشمس فيسر لهم غارا إذا طلعت الشمس تميل عنه ~~يمينا، وعند غروبها تميل عنه شمالا، فلا ينالهم حرها فتفسد أبدانهم ~~بها، { لشمال وهم في فجوة منه } أي: من الكهف أي: مكان ~~متسع، وذلك ليطرقهم الهواء والنسيم، ويزول عنهم الوخم والتأذي بالمكان ~~الضيق، خصوصا مع طول المكث، وذلك من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته ~~بهم، وإجابة دعائهم وهدايتهم حتى في هذه الأمور، ولهذا قال: { من يهد ~~الله فهو المهتد } أي: لا سبيل إلى نيل الهداية إلا من الله، ~~فهو الهادي المرشد لمصالح الدارين، { ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا } أي: لا تجد من يتولاه ويدبره، على ما فيه صلاحه، ~~ولا يرشده إلى الخير والفلاح، لأن الله قد حكم عليه بالضلال، ولا راد ~~لحكمه. { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } أي: تحسبهم أيها ~~الناظر إليهم [كأنهم] أيقاظ، والحال أنهم نيام، قال المفسرون: وذلك لأن ~~أعينهم منفتحة، لئلا تفسد، فالناظر إليهم يحسبهم أيقاظا، وهم رقود، { ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } وهذا أيضا من ~~حفظه لأبدانهم، لأن الأرض من طبيعتها أكل الأجسام المتصلة بها، فكان من ~~قدر الله، أن قلبهم على جنوبهم يمينا وشمالا، بقدر ms0847 ما لا تفسد ~~الأرض أجسامهم، والله تعالى قادر على حفظهم من الأرض، من غير تقليب، ~~ولكنه تعالى حكيم، أراد أن تجري سنته في الكون، ويربط الأسباب بمسبباتها. ~~{ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } أي: الكلب الذي كان مع ~~أصحاب الكهف، أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطا ذراعيه ~~بالوصيد، أي: الباب، أو فنائه، هذا حفظهم من الأرض. وأما حفظهم من ~~الآدميين، فأخبر أنه حماهم بالرعب، الذي نشره الله عليهم، فلو اطلع عليهم ~~أحد، لامتلأ قلبه رعبا، وولى منهم فرارا، وهذا الذي أوجب أن يبقوا كل ~~هذه المدة الطويلة، وهم لم يعثر عليهم أحد، مع قربهم من المدينة جدا، ~~والدليل على قربهم، أنهم لما استيقظوا، أرسلوا أحدهم يشتري لهم طعاما من ~~المدينة، وبقوا في انتظاره، فدل ذلك على شدة قربهم منها. ### || [18.19-20] # يقول تعالى: { وكذلك بعثناهم } أي: من نومهم الطويل { ~~ليتسآءلوا بينهم } أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة ~~لبثهم. { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم } وهذا مبني على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم ~~اشتباه في طول مدتهم، فلهذا { قالوا ربكم أعلم بما ~~لبثتم }. فردوا العلم إلى المحيط علمه بكل شيء، جملة وتفصيلا، ولعل ~~الله تعالى -بعد ذلك- أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، ~~وأخبر أنهم تساءلوا، وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم الاشتباه، ~~فلا بد أن يكون قد أخبرهم يقينا، علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا ~~يفعل ذلك عبثا. ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، ~~وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك، وبما ذكر فيما بعده من قوله: ~~{ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد ~~الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } فلولا أنه حصل ~~العلم بحالهم، لم يكونوا دليلا على ما ذكر، ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، ~~وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم، التي ~~كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه، من المدينة التي خرجوا منها، ~~وأمروه أن يتخير من الطعام ms0848 أزكاه، أي: أطيبه وألذه، وأن يتلطف في ذهابه ~~وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك، ويخفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم ~~أحدا. وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين ~~أمرين، إما الرجم بالحجارة، فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى ~~دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتم، وفي هذه الحال، لا ~~يفلحون أبدا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخراهم، وقد دلت هاتان ~~الآيتان على عدة فوائد. منها: الحث على العلم، وعلى المباحثة فيه، لكون ~~الله بعثهم لأجل ذلك. ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم، أن يرده إلى ~~عالمه، وأن يقف عند حده. ومنها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة ~~الشركة في ذلك. ومنها: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج ~~إلى حد الإسراف المنهي عنه لقوله { فلينظر أيهآ أزكى ~~طعاما فليأتكم برزق منه }. وخصوصا إذا كان الإنسان لا ~~يلائمه إلا ذلك ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين، القائلين بأن هؤلاء ~~أولاد ملوك، لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة، التي جرت عادة الأغنياء الكبار ~~بتناولها. ومنها: الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في ~~الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين. ~~ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم، ~~وتركهم أوطانهم في الله. ومنها: ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار ~~والمفاسد، الداعية لبغضه، وتركه، وأن هذه الطريقة، هي طريقة المؤمنين ~~المتقدمين والمتأخرين لقولهم: { ولن تفلحوا إذا أبدا }. ### || [18.21] # يخبر الله تعالى، أنه أطلع الناس على حال أهل الكهف، وذلك -والله أعلم- ~~بعدما استيقظوا، وبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، وأمروه بالاستخفاء ~~والإخفاء، فأراد الله أمرا فيه صلاح للناس، وزيادة أجر لهم، وهو أن ~~الناس رأوا منهم آية من آيات الله، المشاهدة بالعيان، على أن وعد الله حق ~~لا شك فيه ولا مرية ولا بعد، بعدما كانوا يتنازعون بينهم أمرهم، فمن ~~مثبت للوعد والجزاء، ومن ناف لذلك، فجعل قصتهم زيادة بصيرة ويقين ~~للمؤمنين، وحجة على الجاحدين، وصار لهم أجر هذه القضية، ms0849 وشهر الله أمرهم، ~~ورفع قدرهم حتى عظمهم الذين اطلعوا عليهم. و { فقالوا ابنوا ~~عليهم بنيانا } الله أعلم بحالهم ومآلهم، وقال من غلب على ~~أمرهم، وهم الذين لهم الأمر: { لنتخذن عليهم مسجدا } ~~أي: نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، وهذه الحالة ~~محظورة، نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وذم فاعليها، ولا يدل ذكرها ~~هنا على عدم ذمها، فإن السياق في شأن تعظيم أهل الكهف والثناء عليهم، وأن ~~هؤلاء وصلت بهم الحال إلى أن قالوا: ابنوا عليهم مسجدا، بعد خوف أهل ~~الكهف الشديد من قومهم، وحذرهم من الاطلاع عليهم، فوصلت الحال إلى ما ~~ترى. وفي هذه القصة، دليل على أن من فر بدينه من الفتن سلمه الله منها. ~~وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن أوى إلى الله، آواه الله، وجعله ~~هداية لغيره، ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته، كان آخر أمره ~~وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198]. ### || [18.22] # يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف، اختلافا صادرا ~~عن رجمهم بالغيب، وتقولهم بما لا يعلمون، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال: ~~منهم: من يقول: ثلاثة، رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة، سادسهم كلبهم. ~~وهذان القولان، ذكر الله بعدهما، أن هذا رجم منهم بالغيب، فدل على ~~بطلانهما. ومنهم من يقول: سبعة، وثامنهم كلبهم، وهذا - والله أعلم - ~~الصواب، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله، فدل على صحته، وهذا من ~~الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة للناس، دينية ~~ولا دنيوية، ولهذا قال تعالى: { قل ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلمهم إلا قليل } وهم الذين أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم. ~~{ فلا تمار } أي: تجادل وتحاج { فيهم إلا مرآء ظاهرا } ~~أي: مبنيا على العلم واليقين، ويكون أيضا فيه فائدة، وأما المماراة ~~المبنية على الجهل والرجم بالغيب، أو التي لا فائدة فيها، إما أن يكون ~~الخصم معاندا، أو تكون المسألة لا أهمية فيها، ولا تحصل فائدة دينية ~~بمعرفتها، كعدد ms0850 أصحاب الكهف ونحو ذلك، فإن في كثرة المناقشات فيها، ~~والبحوث المتسلسلة، تضييعا للزمان، وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة. ~~{ ولا تستفت فيهم } أي: في شأن أهل الكهف { منهم } أي: من ~~أهل الكتاب { أحدا } وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب ~~والظن، الذي لا يغني من الحق شيئا، ففيها دليل على المنع من استفتاء من ~~لا يصلح للفتوى، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي ~~بما تكلم به، وليس عنده ورع يحجزه، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس، فنهيه ~~هو عن الفتوى، من باب أولى وأحرى. وفي الآية أيضا، دليل على أن الشخص، ~~قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء دون آخر. فيستفتى فيما هو أهل له، ~~بخلاف غيره، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا، إنما نهى عن استفتائهم ~~في قصة أصحاب الكهف، وما أشبهها. ### || [18.23-24] # هذا النهي كغيره، وإن كان لسبب خاص وموجها للرسول صل الله عليه وسلم، ~~فإن الخطاب عام للمكلفين، فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلة: ~~" إني فاعل ذلك " من دون أن يقرنه بمشيئة الله، وذلك لما فيه من المحذور، ~~وهو: الكلام على الغيب المستقبل، الذي لا يدري هل يفعله أم لا؟ وهل تكون ~~أم لا؟ وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا، وذلك محذور محظور، لأن ~~المشيئة كلها لله # وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين # [التكوير: 29] ولما في ذكر مشيئة الله، من تيسير الأمر وتسهيله، وحصول ~~البركة فيه، والاستعانة من العبد لربه، ولما كان العبد بشرا، لا بد أن ~~يسهو فيترك ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني بعد ذلك، إذا ذكر، ليحصل ~~المطلوب، وينفع المحذور، ويؤخذ من عموم قوله: { واذكر ربك إذا ~~نسيت } الأمر بذكر الله عند النسيان، فإنه يزيله، ويذكر العبد ما ~~سها عنه، وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه، ولا يكونن من ~~الغافلين، ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة، وعدم ~~الخطأ في أقواله وأفعاله، أمره الله أن يقول: { عسى أن ms0851 يهدين ~~ربي لأقرب من هذا رشدا } فأمره أن يدعو الله ويرجوه، ~~ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد. وحري بعبد تكون هذه ~~حاله، ثم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد، أن يوفق لذلك، ~~وأن تأتيه المعونة من ربه، وأن يسدده في جميع أموره. ### || [18.25-26] # لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب، في شأن أهل الكهف، لعدم علمهم ~~بذلك، وكان الله عالم الغيب والشهادة، العالم بكل شيء، أخبره بمدة لبثهم، ~~وأن علم ذلك عنده وحده، فإنه من غيب السماوات والأرض، وغيبها مختص به، ~~فما أخبر به عنها على ألسنة رسله، فهو الحق اليقين، الذي لا يشك فيه، وما ~~لا يطلع رسله عليه، فإن أحدا من الخلق لا يعلمه. وقوله: { أبصر به ~~وأسمع } تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، ~~بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات. ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة ~~والخاصة، فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون، الولي لعباده المؤمنين، ~~يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى، ويجنبهم العسرى، ولهذا قال: ~~{ ما لهم من دونه من ولي } أي: هو الذي تولى أصحاب الكهف، ~~بلطفه وكرمه، ولم يكلهم إلى أحد من الخلق. { ولا يشرك في حكمه ~~أحدا } وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، فإنه ~~الحاكم في خلقه، قضاء وقدرا، وخلقا وتدبيرا، والحاكم فيهم بأمره ~~ونهيه، وثوابه وعقابه. ولما أخبر أنه تعالى، له غيب السماوات والأرض، ~~فليس لمخلوق إليها طريق، إلا من الطريق التي يخبر بها عباده، وكان هذا ~~القرآن، قد اشتمل على كثير من الغيوب، أمر تعالى بالإقبال عليه فقال: { ~~واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل ~~لكلماته... }. ### || [18.27] # التلاوة: هي الاتباع، أي: اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها، ~~وتصديق أخباره، وامتثال أوامره ونواهيه، فإنه الكتاب الجليل، الذي لا ~~مبدل لكلماته، أي: لا تغير ولا تبدل لصدقها وعدلها، وبلوغها من الحسن فوق ~~كل غاية # وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا # [الأنعام: 115] فلتمامها، استحال عليها التغيير والتبديل، فلو كانت ~~ناقصة، لعرض ms0852 لها ذلك أو شيء منه، وفي هذا تعظيم للقرآن، في ضمنه الترغيب ~~على الإقبال عليه. { ولن تجد من دونه ملتحدا } أي: لن تجد ~~من دون ربك ملجأ تلجأ إليه، ولا معاذا تعوذ به، فإذا تعين أنه وحده ~~الملجأ في كل الأمور، تعين أن يكون هو المألوه المرغوب إليه، في السراء ~~والضراء، المفتقر إليه في جميع الأحوال، المسؤول في جميع المطالب. ### || [18.28] # يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، وغيره أسوته في الأوامر ~~والنواهي - أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين { الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي } أي: أول النهار وآخره ~~يريدون بذلك وجه الله، فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها، ففيها الأمر بصحبة ~~الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في ~~صحبتهم من الفوائد ما لا يحصى. { ولا تعد عيناك عنهم } أي: ~~لا تجاوزهم بصرك، وترفع عنهم نظرك. { تريد زينة الحياة ~~الدنيا } فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك ~~يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب ~~الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل ~~القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط ~~أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية، ولهذا قال: { ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } غفل عن الله، فعاقبه ~~بأن أغفله عن ذكره. { واتبع هواه } أي: صار تبعا لهواه، حيث ما ~~اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد ~~اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم # الآية [الجاثية: 23]. { وكان أمره } أي: مصالح دينه ودنياه { ~~فرطا } أي: ضائعة معطلة. فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو ~~إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به، ودلت الآية على أن ~~الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماما للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ~~ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ ~~بذلك ما ms0853 حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما ~~من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماما، والصبر المذكور ~~في هذه الآية، هو الصبر على طاعة الله، الذي هو أعلى أنواع الصبر، ~~وبتمامه تتم باقي الأقسام. وفي الآية، استحباب الذكر والدعاء والعبادة ~~طرفي النهار، لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك ~~على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ويرغب فيه. ### || [18.29-31] # أي: قل للناس يا محمد: هو الحق من ربكم، أي: قد تبين الهدى من الضلال، ~~والرشد من الغي، وصفات أهل السعادة، وصفات أهل الشقاوة، وذلك بما بينه ~~الله على لسان رسوله، فإذا بان واتضح، ولم يبق فيه شبهة { فمن شآء ~~فليؤمن ومن شآء فليكفر } أي: لم يبق إلا سلوك أحد ~~الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر ~~على الإيمان والكفر، والخير والشر، فمن آمن فقد وفق للصواب، ومن كفر فقد ~~قامت عليه الحجة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي # [البقرة: 256] وليس في قوله: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر } الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار ~~الكفر بعد البيان التام، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين. ثم ذكر تعالى ~~مآل الفريقين فقال: { إنا أعتدنا للظالمين } بالكفر ~~والفسوق والعصيان { نارا أحاط بهم سرادقها } أي: سورها ~~المحيط بها، فليس لهم منفذ ولا طريق ولا مخلص منها، تصلاهم النار ~~الحامية. { وإن يستغيثوا } أي: يطلبوا الشراب، ليطفئ ما نزل بهم ~~من العطش الشديد. { يغاثوا بمآء كالمهل } أي: كالرصاص ~~المذاب، أو كعكر الزيت، من شدة حرارته. { يشوي الوجوه } أي: فكيف ~~بالأمعاء والبطون، كما قال تعالى # يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع ~~من حديد # [الحج: 20-21]. { بئس الشراب } الذي يراد ليطفئ العطش، ويدفع بعض ~~العذاب، فيكون زيادة في عذابهم، وشدة عقابهم. { وسآءت } النار { ~~مرتفقا } وهذا ذم لحالة النار، أنها ساءت المحل، الذي يرتفق به، ms0854 ~~فإنها ليست فيها ارتفاق، وإنما فيها العذاب العظيم الشاق، الذي لا ~~يفتر عنهم ساعة، وهم فيه مبلسون، قد أيسوا من كل خير، ونسيهم الرحيم ~~في العذاب كما نسوه. ثم ذكر الفريق الثاني فقال: { إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } أي: جمعوا بين الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من ~~الواجبات والمستحبات { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ~~} وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متبعا في ذلك شرع الله. ~~فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئا منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفيهم من ~~الأجر، بحسب عملهم وفضله وإحسانه، وذكر أجرهم بقوله: { أولئك ~~لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرآئك }. أي: ~~أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح، لهم الجنات العاليات التي قد ~~كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها، فصارت تجري من تحت تلك ~~الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها ~~الحرير الأخضر من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والإستبرق، وهو ما رق ~~منه. # متكئين فيها على الأرائك، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة، ~~فإنها لا تسمى أريكة حتى تكون كذلك، وفي اتكائهم على الأرائك، ما يدل على ~~كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون، ~~وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة { نعم ~~الثواب } للعاملين { وحسنت مرتفقا } يرتفقون بها، ويتمتعون ~~بما فيها، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، من الحبرة والسرور، والفرح ~~الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأي مرتفق أحسن من دار، ~~أدنى أهلها يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ~~ما هو فيه من النعيم، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب، ما ~~قصرت عنه الأماني، ومع ذلك، فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، ~~فنسأل الله الكريم، أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما ~~عندنا من التقصير والعصيان. ودلت الآية الكريمة وما أشبهها، ms0855 على أن ~~الحلية عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة لأنه أطلقها في ~~قوله { يحلون } وكذلك الحرير ونحوه. ### || [18.32-36] # { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان ~~له ثمر }. يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل ~~هذين الرجلين، الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كل منهما، من ~~الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل، والثواب، ~~ليعتبروا بحالهما، ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين، ~~وفي أي: زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما ~~فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف. فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة ~~الله الجليلة، جعل الله له جنتين، أي: بستانين حسنين، من أعناب. { ~~وحففناهما بنخل } أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، ~~وخصوصا أشرف الأشجار، العنب والنخل، فالعنب في وسطها، والنخل قد حف ~~بذلك، ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس ~~والرياح، التي تكمل بها الثمار، وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك ~~الأشجار زرعا، فلم يبق عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين؟ وهل ~~لهما ماء يكفيهما؟ فأخبر تعالى أن كلا من الجنتين آتت أكلها، أي: ثمرها ~~وزرعها ضعفين، أي: متضاعفا { و } أنها { لم تظلم منه شيئا ~~} أي: لم تنقص من أكلها أدنى شيء، ومع ذلك، فالأنهار في جوانبهما سارحة، ~~كثيرة غزيرة. { وكان له } أي: لذلك الرجل { ثمر } أي: عظيم كما ~~يفيده التنكير، أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما، وارجحنت أشجارهما، ~~ولم تعرض لهما آفة أو نقص، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث، ولهذا ~~اغتر هذا الرجل بهما، وتبجح وافتخر، ونسي آخرته. { فقال لصاحبه ~~وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ~~ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن ~~تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } أي: ms0856 ~~فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن، وهما يتحاوران، أي: يتراجعان بينهما في ~~بعض الماجريات المعتادة، مفتخرا عليه: { أنا أكثر منك مالا ~~وأعز نفرا } فخر بكثرة ماله، وعزة أنصاره من عبيد، وخدم، وأقارب، ~~وهذا جهل منه، وإلا فأي: افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية، ولا صفة ~~معنوية، وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني، التي لا حقائق تحتها، ثم لم ~~يكفه هذا الافتخار على صاحبه، حتى حكم بجهله وظلمه، وظن لما دخل جنته، ف ~~{ قال مآ أظن أن تبيد } أي: تنقطع وتضمحل { هذه أبدا ~~} فاطمأن إلى هذه الدنيا، ورضى بها، وأنكر البعث، فقال: { ومآ أظن ~~الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي } على ضرب المثل { ~~لأجدن خيرا منها منقلبا } أي ليعطيني خيرا من هاتين ~~الجنتين، وهذا لا يخلو من أمرين: إما أن يكون عالما بحقيقة الحال، فيكون ~~كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن ~~يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس، وأبخسهم حظا من العقل، ~~فأي: تلازم بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة، حتى يظن بجهله أن من أعطي ~~في الدنيا أعطي في الآخرة، بل الغالب أن الله تعالى يزوي الدنيا عن ~~أوليائه وأصفيائه، ويوسعها على أعدائه، الذين ليس لهم في الآخرة نصيب، ~~والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال، ولكنه قال هذا الكلام، على وجه التهكم ~~والاستهزاء، بدليل قوله: { ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه } فإثبات أن وصفه الظلم، في حال دخوله، الذي جرى منه، من ~~القول ما جرى، يدل على تمرده وعناده. ### || [18.37-44] # { قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي ~~خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * ~~لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا * ~~ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة ~~إلا بالله } أي: قال له صاحبه المؤمن، ناصحا له، ومذكرا له حاله ~~الأولى، التي أوجده الله فيها في الدنيا { من تراب ثم من ~~نطفة ثم سواك رجلا } فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد ~~والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور ms0857 إلى طور، حتى سواك رجلا، كامل ~~الأعضاء والجوارح المحسوسة والمعقولة، وبذلك يسر لك الأسباب، وهيأ لك ~~ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله ~~تعالى عليك، فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة ~~ثم سواك رجلا، وتجحد نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك، وإن بعثك أنه يعطيك ~~خيرا من جنتك؟! هذا مما لا ينبغي ولا يليق. ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن ~~حاله واستمراره على كفره وطغيانه، قال مخبرا عن نفسه، على وجه الشكر ~~لربه، والإعلان بدينه، عند ورود المجادلات والشبه: { لكنا هو ~~الله ربي ولا أشرك بربي أحدا } فأقر بربوبيته لربه، ~~وانفراده فيها، والتزم طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحدا من ~~المخلوقين، ثم أخبره أن نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلة ~~ماله وولده، أنها هي النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض للزوال ~~والعقوبة عليه والنكال، فقال: { إن ترن أنا أقل منك مالا ~~وولدا * فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ~~ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا ~~زلقا * أو يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له ~~طلبا * وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ~~مآ أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ~~يليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ~~ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك ~~الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا }. ~~أي: قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت -وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك، ~~ورأيتني أقل منك مالا وولدا - فإن ما عند الله، خير وأبقى، وما يرجى من ~~خيره وإحسانه، أفضل من جميع الدنيا، التي يتنافس فيها المتنافسون. { ~~فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل ~~عليها } أي: على جنتك التي طغيت بها وغرتك { حسبانا من ~~السمآء } أي: عذابا، بمطر عظيم أو غيره، { فتصبح } بسبب ذلك { ~~صعيدا زلقا } أي: قد اقتلعت أشجارها، وتلفت ثمارها، وغرق زرعها، ~~وزال نفعها. { أو يصبح مآؤها } الذي مادتها منه { غورا } أي: ~~غائرا في الأرض { فلن تستطيع له طلبا ms0858 } أي: غائرا لا ~~يستطاع الوصول إليه بالمعاول ولا بغيرها، وإنما دعا على جنته المؤمن، ~~غضبا لربه، لكونها غرته وأطغته، واطمأن إليها، لعله ينيب، ويراجع رشده، ~~ويبصر في أمره. # فاستجاب الله دعاءه { وأحيط بثمره } أي: أصابه عذاب أحاط به، ~~واستهلكه، فلم يبق منه شيء، والإحاطة بالثمر يستلزم تلف جميع أشجاره، ~~وثمارها، وزرعه، فندم كل الندامة، واشتد لذلك أسفه، { فأصبح ~~يقلب كفيه على مآ أنفق فيها } أي: على كثرة نفقاته ~~الدنيوية عليها، حيث اضمحلت وتلاشت، فلم يبق لها عوض، وندم أيضا على ~~شركه، وشره، ولهذا قال: { ويقول يليتني لم أشرك بربي ~~أحدا }. قال الله تعالى: { ولم تكن له فئة ينصرونه ~~من دون الله وما كان منتصرا } أي: لما نزل العذاب بجنته، ~~ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: # أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا # [الكهف: 34] فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئا، أشد ما كان إليهم حاجة، ~~وما كان بنفس منتصرا، وكيف ينتصر، أي: يكون له أنصار على قضاء الله ~~وقدره الذي إذا أمضاه وقدره، لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء ~~منه، لم يقدروا؟!! ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه، أن صاحب هذه الجنة، ~~التي أحيط بها، تحسنت حاله، ورزقه الله الإنابة إليه، وراجع رشده، وذهب ~~تمرده وطغيانه، بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه، وأن الله أذهب عنه ~~ما يطغيه، وعاقبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة ~~في الدنيا. وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول، ولا ينكره إلا ظالم ~~جهول. { هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا ~~وخير عقبا } أي: في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من ~~طغى، وآثر الحياة الدنيا، والكرامة لمن آمن، وعمل صالحا، وشكر الله، ~~ودعا غيره لذلك، تبين وتوضح أن الولاية لله الحق، فمن كان مؤمنا به ~~تقيا، كان له وليا، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودفع عنه الشرور والمثلات، ~~ومن لم يؤمن بربه ويتولاه، خسر دينه ودنياه، فثوابه الدنيوي والأخروي، ~~خير ثواب يرجى ويؤمل، ففي هذه القصة ms0859 العظيمة، اعتبار بحال الذي أنعم الله ~~عليه نعما دنيوية، فألهته عن آخرته وأطغته، وعصى الله فيها، أن مآلها ~~الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلا، فإنه يحرمها طويلا، وأن ~~العبد ينبغي له - إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده - أن يضيف النعمة إلى ~~موليها ومسديها، وأن يقول: " ما شاء الله، لا قوة إلا بالله " ليكون ~~شاكرا لله متسببا لبقاء نعمته عليه، لقوله: { ولولا إذ دخلت ~~جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا بالله } ~~وفيها: الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها، بما عند الله من ~~الخير لقوله: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * ~~فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك } وفيها أن المال ~~والولد لا ينفعان، إن لم يعينا على طاعة الله كما قال تعالى: # ومآ أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ~~عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا # [سبأ: 37] وفيه الدعاء بتلف مال ما كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، ~~خصوصا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين، وفخر عليهم، وفيها أن ولاية ~~الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء، ووجد ~~العاملون أجرهم ف { هنالك الولاية لله الحق هو ~~خير ثوابا وخير عقبا } أي: عاقبة ومآلا. ### || [18.45-46] # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا، ولمن قام بوراثته بعده ~~تبعا: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ~~ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى ~~بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، ~~فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، ~~وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، ~~فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض ~~غبراء ترابا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك ~~هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، ~~وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع ~~أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، ms0860 إذ أصابه الموت أو التلف ~~لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته، وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام ~~وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالح، أو سيئ أعماله، هنالك يعض الظالم ~~على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا، لا ~~ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال ~~الصالحات، فالعاقل الجازم الموفق يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: ~~قدري أنك قد مت، ولا بد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارين؟ الاغترار ~~بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل لدار ~~أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؟ فبهذا يعرف توفيق ~~العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه، ولهذا أخبر تعالى أن المال والبنين، ~~زينة الحياة الدنيا، أي: ليس وراء ذلك شيء، وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ~~ويسره، الباقيات الصالحات، وهذا يشمل جميع الطاعات الواجبة والمستحبة من ~~حقوق الله، وحقوق عباده، من صلاة، وزكاة، وصدقة، وحج، وعمرة، وتسبيح، ~~وتحميد، وتهليل، وتكبير، وقراءة، وطلب علم نافع، وأمر بمعروف، ونهي عن ~~منكر، وصلة رحم، وبر والدين، وقيام بحق الزوجات، والمماليك، والبهائم، ~~وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق، كل هذا من الباقيات الصالحات، فهذه خير ~~عند الله ثوابا وخير أملا، فثوابها يبقى، ويتضاعف على الآباد، ويؤمل ~~أجرها وبرها ونفعها عند الحاجة، فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها ~~المتنافسون، ويستبق إليها العاملون، ويجد في تحصيلها المجتهدون، وتأمل ~~كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها، ذكر أن الذي فيها نوعان: ~~نوع من زينتها، يتمتع به قليلا ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه، بل ربما ~~لحقته مضرته، وهو المال والبنون ونوع يبقى وينفع صاحبه على الدوام، وهي ~~الباقيات الصالحات. ### || [18.47-49] # يخبر تعالى عن حال يوم القيامة، وما فيه من الأهوال المقلقة، والشدائد ~~المزعجة فقال: { ويوم نسير الجبال } أي: يزيلها عن أماكنها، ~~يجعلها كثيبا، ثم يجعلها كالعهن المنفوش، ثم تضمحل وتتلاشى، وتكون هباء ~~منبثا، وتبرز الأرض فتصير قاعا صفصفا، لا عوج فيه ولا أمتا، ويحشر ~~الله جميع الخلق على تلك الأرض، ms0861 فلا يغادر منهم أحدا، بل يجمع الأولين ~~والآخرين من بطون الفلوات، وقعور البحار، ويجمعهم بعدما تفرقوا، ويعيدهم ~~بعد ما تمزقوا، خلقا جديدا، فيعرضون عليه صفا ليستعرضهم وينظر في ~~أعمالهم، ويحكم فيهم بحكمه العدل، الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: { ~~لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } أي: بلا ~~مال، ولا أهل، ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال، التي عملوها، والمكاسب في ~~الخير والشر، التي كسبوها كما قال تعالى: # ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة ~~وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء # [الأنعام: 94] وقال هنا، مخاطبا للمنكرين للبعث، وقد شاهدوه عيانا: { ~~بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا } أي: أنكرتم الجزاء ~~على الأعمال، ووعد الله ووعيده، فها قد رأيتموه وذقتموه، فحينئذ تحضر ~~كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة الكرام، فتطير لها القلوب، وتعظم من ~~وقعها الكروب، وتكاد لها الصم الصلاب تذوب، ويشفق منها المجرمون، فإذا ~~رأوها مسطرة عليهم أعمالهم، محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم، قالوا: { ~~يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها } أي: لا يترك خطيئة صغيرة ولا كبيرة، إلا ~~وهي مكتوبة فيه، محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية، ولا ليل ولا ~~نهار، { ووجدوا ما عملوا حاضرا } لا يقدرون على إنكاره { ~~ولا يظلم ربك أحدا } فحينئذ يجازون بها، ويقررون بها، ~~ويخزون، ويحق عليهم العذاب، ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد، بل هم غير خارجين عن عدله وفضله. ### || [18.50] # يخبر تعالى، عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود ~~لآدم، إكراما وتعظيما، وامتثالا لأمر الله، فامتثلوا ذلك { إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } وقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] وقال: # أنا خير منه # [الأعراف: 12] فتبين بهذا عداوته لله ولأبيكم ولكم، فكيف تتخذونه ~~وذريته، أي: الشياطين { أوليآء من دوني وهم لكم عدو ~~بئس للظالمين بدلا } أي: بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية ~~الشيطان، الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن، الذي ms0862 كل ~~السعادة والفلاح والسرور في ولايته. وفي هذه الآية، الحث على اتخاذ ~~الشيطان عدوا، والإغراء بذلك، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنه لا يفعل ذلك ~~إلا ظالم، وأي: ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي وليا، وترك الولي ~~الحميد؟!! قال تعالى: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات # [البقرة: 257] وقال تعالى: # إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله # [الأعراف: 30]. ### || [18.51-52] # يقول تعالى: ما أشهدت الشياطين [وهؤلاء المضلين]، { خلق ~~السموت والأرض ولا خلق أنفسهم } أي: ما أحضرتهم ~~ذلك، ولا شاورتهم عليه، فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك؟! بل المنفرد ~~بالخلق والتدبير، والحكمة والتقدير، هو الله، خالق الأشياء كلها، المتصرف ~~فيها بحكمته، فكيف يجعل له شركاء من الشياطين، يوالون ويطاعون، كما يطاع ~~الله، وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقا، ولم يعاونوا الله تعالى؟! ولهذا ~~قال: { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي: معاونين، ~~مظاهرين لله على شأن من الشؤون، أي: ما ينبغي ولا يليق بالله، أن يجعل ~~لهم قسطا من التدبير، لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم، ~~فاللائق أن يقصيهم ولا يدنيهم. ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا، وأبطل ~~هذا الشرك غاية الإبطال، وحكم بجهل صاحبه وسفهه، أخبر عن حالهم مع ~~شركائهم يوم القيامة، وأن الله يقول لهم: { نادوا شركآئي } ~~بزعمكم أي: على موجب زعمكم الفاسد، وإلا فبالحقيقة ليس لله شريك في ~~الأرض، ولا في السماء، أي: نادوهم، لينفعوكم، ويخلصوكم من الشدائد، { ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } لأن الحكم والملك يومئذ ~~لله، لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه ولا لغيره. { وجعلنا ~~بينهم } أي: بين المشركين وشركائهم { موبقا } أي: مهلكا، يفرق ~~بينهم وبينهم، ويبعد بعضهم من بعض، ويتبين حينئذ عداوة الشركاء لشركائهم، ~~وكفرهم بهم، وتبريهم منهم، كما قال تعالى # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]. ### || [18.53] # أي: لما كان يوم القيامة وحصل من الحساب ما حصل، وتميز كل فريق من الخلق ~~بأعمالهم، وحقت كلمة العذاب ms0863 على المجرمين، فرأوا جهنم قبل دخولها، ~~فانزعجوا واشتد قلقهم لظنهم أنهم مواقعوها، وهذا الظن قال المفسرون: إنه ~~بمعنى اليقين، فأيقنوا أنهم داخلوها { ولم يجدوا عنها ~~مصرفا } أي: معدلا يعدلون إليه، ولا شافع لهم من دون إذنه، وفي هذا ~~من التخويف والترهيب، ما ترعد له الأفئدة والقلوب. ### || [18.54] # يخبر الله تعالى عن عظمة القرآن، وجلالته، وعمومه، وأنه صرف فيه من ~~كل مثل، أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة، والسعادة الأبدية، ~~وكل طريق يعصم من الشر والهلاك، ففيه أمثال الحلال والحرام، وجزاء ~~الأعمال، والترغيب والترهيب، والأخبار الصادقة النافعة للقلوب، اعتقادا، ~~وطمأنينة، ونورا، وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد ~~والطاعة، وعدم المنازعة له في أمر من الأمور، ومع ذلك، كان كثير من الناس ~~يجادلون في الحق بعد ما تبين، ويجادلون بالباطل # ليدحضوا به الحق # [الكهف: 56] ولهذا قال: { مثل وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا } أي: مجادلة ومنازعة فيه، مع أن ذلك غير لائق بهم، ولا عدل ~~منهم، والذي أوجب له ذلك وعدم الإيمان بالله، إنما هو الظلم والعناد، لا ~~لقصور في بيانه وحجته وبرهانه، وإلا فلو جاءهم العذاب، وجاءهم ما جاء ~~قبلهم، لم تكن هذه حالهم، ولهذا قال: { وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جآءهم.... }. ### || [18.55] # أي: ما منع الناس من الإيمان، والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق، بين ~~الهدى والضلال، والحق والباطل، قد وصل إليهم، وقامت عليهم حجة الله، فلم ~~يمنعهم عدم البيان، بل منعهم الظلم والعدوان عن الإيمان، فلم يبق إلا أن ~~تأتيهم سنة الله، وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا عوجلوا ~~بالعذاب، أو يرون العذاب قد أقبل عليهم، ورأوه مقابلة ومعاينة، أي: ~~فليخافوا من ذلك، وليتوبوا من كفرهم، قبل أن يكون العذاب الذي لا ~~مرد له. ### || [18.56] # أي: لم نرسل الرسل عبثا، ولا ليتخذهم الناس أربابا، ولا ليدعوا إلى ~~أنفسهم، بل أرسلناهم يدعون الناس إلى كل خير، وينهون عن كل شر، ويبشرونهم ~~على امتثال ذلك بالثواب العاجل والآجل، وينذرونهم على معصية ذلك بالعقاب ~~العاجل ms0864 والآجل، فقامت بذلك حجة الله على العباد، ومع ذلك يأبى الظالمون ~~الكافرون، إلا المجادلة بالباطل، ليدحضوا به الحق، فسعوا في نصر الباطل ~~مهما أمكنهم، وفي دحض الحق وإبطاله، واستهزؤوا برسل الله وآياته، وفرحوا ~~بما عندهم من العلم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، ويظهر ~~الحق على الباطل # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق # [الأنبياء: 18] ومن حكمة الله ورحمته، أن تقييضه المبطلين المجادلين ~~الحق بالباطل، من أعظم الأسباب إلى وضوح الحق وتبين شواهده وأدلته، وتبين ~~الباطل وفساده، فبضدها تتبين الأشياء. ### || [18.57-59] # يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، من عبد ذكر بآيات ~~الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وخوف ورهب ~~ورغب، فأعرض عنها، فلم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه، ~~ونسى ما قدمت يداه من الذنوب، ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلما من ~~المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، وإن كان ظالما، فإنه أخف ~~ظلما من هذا، لكون العاصي على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك، ولكن الله ~~تعالى عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه لذنوبه، ورضاه لنفسه، حالة ~~الشر مع علمه بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل على قلبه أكنة، أي: ~~أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعتها، فليس في إمكانها الفقه ~~الذي يصل إلى القلب، { وفي ءاذانهم وقرا } أي: صمما يمنعهم من ~~وصول الآيات، ومن سماعها على وجه الانتفاع وإذا كانوا بهذه الحالة، فليس ~~لهدايتهم سبيل، { وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا } لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى من ليس ~~عالما، وأما هؤلاء الذين أبصروا ثم عموا، ورأوا طريق الحق حقا فتركوه، ~~وطريق الضلال ضلالا فسلكوه، وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها، ~~فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق ~~بعد علمه، أن يحال بينهم وبينه، ولا يتمكن منه بعد ذلك، ما هو أعظم مرهب ~~وزاجر عن ذلك. ms0865 ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ~~ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ ~~العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم ~~لا يعجل بالعقوبة، بل يمهل ولا يهمل، والذنوب لا بد من وقوع آثارها، وإن ~~تأخرت عنها مدة طويلة، ولهذا قال: { بل لهم موعد لن يجدوا ~~من دونه موئلا } أي: لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم ~~منه، ولا مندوحة لهم عنه، ولا ملجأ، ولا محيد عنه، وهذه سنته في الأولين ~~والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن ~~تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ~~ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه، ولهذا ~~قال: { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا } أي: ~~بظلمهم، لا بظلم منا { وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي: وقتا ~~مقدرا، لا يتقدمون عنه ولا يتأخرون. ### || [18.60-82] # يخبر تعالى عن نبيه موسى عليه السلام، وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، ~~أنه قال لفتاه - أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره، وهو " يوشع بن نون ~~" الذي نبأه الله بعد ذلك:- { لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين } أي: لا أزال مسافرا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني ~~المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد ~~فيه عبدا من عباد الله العالمين، عنده من العلم ما ليس عندك، { أو ~~أمضي حقبا } أي: مسافة طويلة، المعنى: أن الشوق والرغبة، حمل موسى ~~أن قال لفتاه هذه المقالة، وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه. { فلما ~~بلغا } أي: هو وفتاه { مجمع بينهما نسيا حوتهما } ~~وكان معهما حوت يتزودان منه ويأكلان، وقد وعد أنه متى فقد الحوت فثم ~~ذلك العبد الذي قصدته، فاتخذ ذلك الحوت سبيله، أي: طريقه في البحر سربا ~~وهذا من الآيات. قال المفسرون: إن ذلك الحوت الذي كانا يتزودان منه، لما ~~وصلا إلى ذلك المكان، أصابه بلل البحر، فانسرب بإذن الله في البحر، وصار ~~مع ms0866 حيواناته حيا. فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين، قال موسى لفتاه: { ~~آتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } أي: ~~لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط، وإلا فالسفر الطويل الذي وصلا به ~~إلى مجمع البحرين لم يجدا مس التعب فيه، وهذا من الآيات والعلامات الدالة ~~لموسى على وجود مطلبه، وأيضا فإن الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان، ~~سهل لهما الطريق، فلما تجاوزا غايتهما وجدا مس التعب، فلما قال موسى ~~لفتاه هذه المقالة، قال له فتاه: { أرأيت إذ أوينآ إلى ~~الصخرة فإني نسيت الحوت } أي: ألم تعلم حين آوانا الليل ~~إلى تلك الصخرة المعروفة بينهما { فإني نسيت الحوت ومآ ~~أنسانيه إلا الشيطن } لأنه السبب في ذلك { واتخذ ~~سبيله في البحر عجبا } أي: لما انسرب في البحر ودخل فيه، كان ~~ذلك من العجائب. قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربا، ولموسى وفتاه ~~عجبا، فلما قال له الفتى هذا القول، وكان عند موسى وعد من الله أنه إذا ~~فقد الحوت، وجد الخضر، فقال موسى: { ذلك ما كنا نبغ } أي: نطلب ~~{ فارتدا } أي: رجعا { على آثارهما قصصا } أي رجعا يقصان ~~أثرهما، إلى المكان الذي نسيا فيه الحوت فلما وصلا إليه، وجدا عبدا من ~~عبادنا، وهو الخضر، وكان عبدا صالحا، لا نبيا على الصحيح. آتيناه ~~[رحمة من عندنا أي: أعطاه الله رحمة خاصة بها زاد علمه وحسن عمله { ~~وعلمناه } ] { من لدنا } [أي: من عندنا] علما، وكان قد ~~أعطي من العلم ما لم يعط موسى، وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه بأكثر ~~الأشياء، وخصوصا في العلوم الإيمانية والأصولية، لأنه من أولي العزم من ~~المرسلين، الذين فضلهم الله على سائر الخلق، بالعلم، والعمل، وغير ذلك، ~~فلما اجتمع به موسى قال له على وجه الأدب والمشاورة، والإخبار عن مطلبه: ~~{ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } ~~أي: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله، ما به أسترشد وأهتدي، وأعرف ~~به الحق في تلك القضايا؟ وكان الخضر، قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة، ~~ما به ms0867 يحصل له الاطلاع على بواطن كثير من الأشياء التي خفيت، حتى على ~~موسى عليه السلام، فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك، ولكنك { لن ~~تستطيع معي صبرا } أي: لا تقدر على اتباعي وملازمتي، لأنك ترى ~~ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور التي ظاهرها المنكر، وباطنها غير ~~ذلك، ولهذا قال: { وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا } أي: كيف تصبر على أمر، ما أحطت بباطنه وظاهره، ولا علمت ~~المقصود منه ومآله؟ فقال موسى: { ستجدني إن شآء الله ~~صابرا ولا أعصي لك أمرا } وهذا عزم منه، قبل أن يوجد الشيء ~~الممتحن به، والعزم شيء، ووجود الصبر شيء آخر، فلذلك ما صبر موسى عليه ~~السلام حين وقع الأمر، فحينئذ قال له الخضر: { فإن اتبعتني ~~فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا } أي: ~~لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار، حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله، في الوقت ~~الذي ينبغي إخبارك به، فنهاه عن سؤاله، ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر. # { فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها } أي: ~~اقتلع الخضر منها لوحا، وكان له مقصود في ذلك سيبينه، فلم يصبر موسى ~~عليه السلام، لأن ظاهره أنه منكر، لأنه عيب للسفينة، وسبب لغرق أهلها، ~~ولهذا قال موسى: { أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت ~~شيئا إمرا } أي: عظيما شنيعا، وهذا من عدم صبره عليه السلام، ~~فقال له الخضر: { ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ~~} أي: فوقع كما أخبرتك، وكان هذا من موسى نسيانا فقال: { لا ~~تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا } ~~أي: لا تعسر علي الأمر واسمح لي، فإن ذلك وقع على وجه النسيان، فلا ~~تؤاخذني في أول مرة. فجمع بين الإقرار به والعذر منه، وأنه ما ينبغي لك ~~أيها الخضر الشدة على صاحبك، فسمح عنه الخضر. { فانطلقا حتى ~~إذا لقيا غلاما } أي: صغيرا { فقتله } الخضر، فاشتد بموسى ~~الغضب، وأخذته الحمية الدينية، حين قتل غلاما صغيرا لم يذنب، { قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا } وأي: نكر ms0868 مثل قتل الصغير، الذي ليس عليه ذنب، ولم يقتل ~~أحدا؟! وكانت الأولى من موسى نسيانا، وهذه غير نسيان، ولكن عدم صبر، ~~فقال له الخضر معاتبا ومذكرا: { ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا }. # فقال [له] موسى: { إن سألتك عن شيء } بعد هذه المرة { فلا ~~تصحبني } أي: فأنت معذور بذلك، وبترك صحبتي { قد بلغت من ~~لدني عذرا } أي: أعذرت مني، ولم تقصر. { فانطلقا حتى ~~إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها } أي: استضافاهم، ~~فلم يضيفوهما { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض } أي: قد ~~عاب واستهدم { فأقامه } الخضر أي: بناه وأعاده جديدا. فقال له ~~موسى: { لو شئت لتخذت عليه أجرا } أي: أهل هذه القرية، ~~لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرة، وأنت تقدر ~~عليها؟. فحينئذ لم يف موسى عليه السلام بما قال، واستعذر الخضر منه، فقال ~~له: { هذا فراق بيني وبينك } فإنك شرطت ذلك على نفسك، فلم ~~يبق الآن عذر، ولا موضع للصحبة، { سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا } أي: سأخبرك بما أنكرت علي، وأنبئك بما ~~لي في ذلك من المآرب، وما يؤول إليه الأمر. { أما السفينة } التي ~~خرقتها { فكانت لمساكين يعملون في البحر } يقتضي ذلك ~~الرقة عليهم، والرأفة بهم. { فأردت أن أعيبها وكان ~~ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } أي: كان مرورهم ~~على ذلك الملك الظالم، فكل سفينة صالحة تمر عليه ما فيها عيب غصبها ~~وأخذها ظلما، فأردت أن أخرقها ليكون فيها عيب، فتسلم من ذلك الظالم. { ~~وأما الغلام } الذي قتلته { فكان أبواه مؤمنين ~~فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا } وكان ذلك الغلام قد ~~قدر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا، أي: لحملهما على ~~الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه أو يحدهما على ~~ذلك، أي: فقتلته، لاطلاعي على ذلك، سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة ~~أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟!! وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع ~~لذريتهما، فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية ما هو خير منه، ولهذا قال: ~~{ فأردنآ أن ms0869 يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة ~~وأقرب رحما } أي: ولدا صالحا، زكيا، واصلا لرحمه، فإن الغلام ~~الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق بحملهما على الكفر والطغيان. { ~~وأما الجدار } الذي أقمته { فكان لغلامين يتيمين ~~في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا } أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما، لكونهما صغيرين عدما ~~أباهما، وحفظهما الله أيضا بصلاح والدهما. { فأراد ربك أن ~~يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما } أي: فلهذا هدمت ~~الجدار، واستخرجت ما تحته من كنزهما، وأعدته مجانا. { رحمة من ~~ربك } أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله، آتاها الله عبده الخضر { ~~وما فعلته عن أمري } أي: أتيت شيئا من قبل نفسي، ومجرد ~~إرادتي، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره. { ذلك } الذي فسرته لك { ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا }. وفي هذه القصة العجيبة ~~الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون ~~الله. # فمنها فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، وأنه أهم الأمور، فإن موسى عليه ~~السلام رحل مسافة طويلة، ولقي النصب في طلبه، وترك القعود عند بني ~~إسرائيل، لتعليمهم وإرشادهم، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك. ومنها: ~~البداءة بالأهم فالأهم، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان أهم من ترك ذلك، ~~والاشتغال بالتعليم من دون تزود من العلم، والجمع بين الأمرين أكمل. ~~ومنها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤنة، وطلب الراحة، كما ~~فعل موسى. ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه، إذا اقتضت ~~المصلحة الإخبار بمطلبه، وأين يريده، فإنه أكمل من كتمه، فإن في إظهاره ~~فوائد من الاستعداد له عدته، وإتيان الأمر على بصيرة، وإظهارا لشرف هذه ~~العبادة الجليلة، كما قال موسى: { لا أبرح حتى أبلغ ~~مجمع البحرين أو أمضي حقبا }. وكما أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك بوجهه، مع أن عادته التورية، وذلك ~~تبع للمصلحة. ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان، على وجه التسويل ~~والتزيين، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره، لقول فتى موسى: { ومآ ~~أنسانيه إلا الشيطن أن أذكره }. ومنها: جواز إخبار ms0870 ~~الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس، من نصب أو جوع أو عطش، إذا لم يكن ~~على وجه التسخط وكان صدقا، لقول موسى: { لقد لقينا من سفرنا ~~هذا نصبا }. ومنها: استحباب كون خادم الإنسان، ذكيا فطنا كيسا، ~~ليتم له أمره الذي يريده. ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، ~~وأكلهما جميعا، لأن ظاهر قوله: { آتنا غدآءنا } إضافة إلى الجميع، ~~أنه أكل هو وهو جميعا. ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه ~~بالمأمور به، وأن الموافق لأمر الله، يعان ما لا يعان غيره لقوله: { ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } والإشارة إلى السفر ~~المجاوز، لمجمع البحرين، وأما الأول، فلم يشتك منه التعب مع طوله، لأنه ~~هو السفر على الحقيقة. وأما الأخير، فالظاهر أنه بعض يوم، لأنهم فقدوا ~~الحوت حين أووا إلى الصخرة، فالظاهر أنهم باتوا عندها، ثم ساروا من الغد، ~~حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه: { آتنا غدآءنا } فحينئذ ~~تذكر أنه نسيه في الموضع الذي إليه منتهى قصده. ومنها: أن ذلك العبد الذي ~~لقياه، ليس نبيا، بل عبدا صالحا، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة ~~الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبيا، ~~لذكر ذلك كما ذكره غيره. وأما قوله في آخر القصة: { وما فعلته ~~عن أمري } فإنه لا يدل على أنه نبي، وإنما يدل على الإلهام ~~والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # [القصص: 7] # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا # [النحل: 68]. ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله [لعباده] نوعان: علم ~~مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده. ونوع علم لدني، يهبه الله لمن يمن ~~عليه من عباده لقوله: { وعلمناه من لدنا علما }. ومنها: ~~التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى عليه السلام: ~~{ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا } ~~فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا، ~~وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء ms0871 أو الكبر، الذي لا ~~يظهر للمعلم افتقاره إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هو وإياه، بل ربما ظن ~~أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جدا، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، ~~من أنفع شيء للمتعلم. ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا ~~شك- أفضل من الخضر. ومنها: تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه، ~~ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة. فإن موسى عليه السلام ~~من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط ~~سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ما ليس عنده، فلهذا حرص ~~على التعلم منه. فعلى هذا، لا ينبغي للفقيه المحدث، إذا كان قاصرا في ~~علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه، وإن ~~لم يكن محدثا ولا فقيها. ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل لله ~~تعالى، والإقرار بذلك، وشكر الله عليها لقوله: { تعلمن مما ~~علمت } أي: مما علمك الله تعالى. ومنها: أن العلم النافع، هو العلم ~~المرشد إلى الخير، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطرق الخير، وتحذير عن ~~طريق الشر، أو وسيلة لذلك، فإنه من العلم النافع، وما سوى ذلك، فإما أن ~~يكون ضارا، أو ليس فيه فائدة لقوله: { أن تعلمن مما علمت ~~رشدا }. ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم، وحسن ~~الثبات على ذلك، أنه يفوته بحسب عدم صبره كثير من العلم، فمن لا صبر له ~~لا يدرك العلم، ومن استعمل الصبر ولازمه، أدرك به كل أمر سعى فيه، لقول ~~الخضر -يعتذر من موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه- إنه لا يصبر معه. ~~ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر، إحاطة الإنسان علما وخبرة بذلك ~~الأمر، الذي أمر بالصبر عليه، وإلا فالذي لا يدريه، أو لا يدري غايته ولا ~~نتيجته، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: { وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } فجعل الموجب لعدم صبره، ~~وعدم إحاطته خبرا ms0872 بالأمر. ومنها: الأمر بالتأني والتثبت، وعدم المبادرة ~~إلى الحكم على الشيء، حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود. ومنها: تعليق ~~الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة، وأن لا يقول الإنسان ~~للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل، إلا أن يقول " إن شاء الله ". # ومنها: أن العزم على فعل الشيء، ليس بمنزلة فعله، فإن موسى قال: { ~~ستجدني إن شآء الله صابرا } فوطن نفسه على الصبر ولم ~~يفعل. ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك ~~الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه ~~عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصرا، أو نهاه عن الدقيق في ~~سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالا، ~~لا يتعلق في موضع البحث. ومنها: جواز ركوب البحر، في غير الحالة التي ~~يخاف منها. ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه، لا في حق الله، ولا في ~~حقوق العباد لقوله: { لا تؤاخذني بما نسيت }. ومنها: أنه ~~ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم، العفو منها، وما سمحت ~~به أنفسهم، ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون، أو يشق عليهم ويرهقهم، ~~فإن هذا مدعاة إلى النفور منه والسآمة، بل يأخذ المتيسر ليتيسر له الأمر. ~~ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية ~~في الأموال والدماء وغيرها، فإن موسى عليه السلام أنكر على الخضر خرقه ~~السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها أنها من المنكر، وموسى عليه ~~السلام لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال التي صحب عليها الخضر، ~~فاستعجل عليه السلام وبادر إلى الحكم في حالتها العامة، ولم يلتفت إلى ~~هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار. ومنها: ~~القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه: " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر ~~الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما، فإن قتل الغلام شر، ولكن ~~بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شرا منه، وبقاء الغلام من دون قتل ~~وعصمته، وإن ms0873 كان يظن أنه خير، فالخير ببقاء دين أبويه وإيمانهما خير من ~~ذلك، فلذلك قتله الخضر، وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد ما لا يدخل ~~تحت الحصر، فتزاحم المصالح والمفاسد كلها داخل في هذا. ومنها: القاعدة ~~الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه ~~المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن، حتى ولو ترتب على عمله ~~إتلاف بعض مال الغير " كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك ~~الظالم. فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، ~~وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار فيه سلامة للباقي جاز للإنسان، ~~بل شرع له ذلك، حفظا لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ~~ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن. # ومنها: أن العمل يجوز في البحر، كما يجوز في البر لقوله: { يعملون ~~في البحر } ولم ينكر عليهم عملهم. ومنها: أن المسكين قد يكون له مال ~~لا يبلغ كفايته، ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة، لأن الله أخبر أن هؤلاء ~~المساكين لهم سفينة. ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام ~~{ لقد جئت شيئا نكرا }. ومنها: أن القتل قصاصا غير منكر ~~لقوله { بغير نفس }. ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، ~~وفي ذريته. ومنها: أن خدمة الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، ~~لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح. ومنها: ~~استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى ~~نفسه، بقوله: { فأردت أن أعيبها }. وأما الخير، فأضافه إلى ~~الله تعالى، لقوله: { فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } كما قال إبراهيم ~~عليه السلام: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] وقالت الجن: # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # [الجن: 10] مع أن الكل بقضاء الله وقدره. ومنها: أنه ينبغي للصاحب أن لا ~~يفارق صاحبه في ms0874 حالة من الأحوال، ويترك صحبته حتى يعتبه، ويعذر منه، كما ~~فعل الخضر مع موسى. ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه، في غير الأمور ~~المحذورة، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب ~~لقطع المرافقة. ومنها: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض ~~أجراها الله وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ~~ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أمورا يكرهها جدا، وهي صلاح ~~دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، ~~فأراهم نموذجا من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا بأقداره ~~المكروهة. ### || [18.83-88] # كان أهل الكتاب أو المشركون، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ~~ذي القرنين، فأمره الله أن يقول: { سأتلوا عليكم منه ~~ذكرا } فيه نبأ مفيد، وخطاب عجيب. أي: سأتلوا عليكم من أحواله، ما ~~يتذكر فيه، ويكون عبرة، وأما ما سوى ذلك من أحواله، فلم يتله عليهم. { ~~إنا مكنا له في الأرض } أي: ملكه الله تعالى، ومكنه من ~~النفوذ في أقطار الأرض، وانقيادهم له. { وآتيناه من كل شيء ~~سببا * فأتبع سببا } أي: أعطاه الله من الأسباب الموصلة له ~~لما وصل إليه، ما به يستعين على قهر البلدان، وسهولة الوصول إلى أقاصي ~~العمران، وعمل بتلك الأسباب التي أعطاه الله إياها، أي: استعملها على ~~وجهها، فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه، ولا كل أحد يكون قادرا ~~على السبب، فإذا اجتمع القدرة على السبب الحقيقي والعمل به، حصل المقصود، ~~وإن عدما أو أحدهما لم يحصل. وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها، لم ~~يخبرنا الله ولا رسوله بها، ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم، ~~فلهذا لا يسعنا غير السكوت عنها، وعدم الالتفات لما يذكره النقلة ~~للإسرائيليات ونحوها، ولكننا نعلم بالجملة أنها أسباب قوية كثيرة، داخلية ~~وخارجية، بها صار له جند عظيم، ذو عدد وعدد ونظام، وبه تمكن من قهر ~~الأعداء، ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها وأنحائها، فأعطاه ~~الله ما بلغ به مغرب الشمس، حتى ms0875 رأى الشمس في مرأى العين، كأنها تغرب في ~~عين حمئة، أي: سوداء، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ~~الغربي ماء، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع، ووجد ~~عندها، أي: عند مغربها قوما { قلنا يذا القرنين إمآ أن ~~تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } أي: إما أن تعذبهم ~~بقتل، أو ضرب، أو أسر ونحوه، وإما أن تحسن إليهم، فخير بين الأمرين، ~~لأن الظاهر أنهم إما كفار أو فساق، أو فيهم شيء من ذلك، لأنهم لو كانوا ~~مؤمنين غير فساق، لم يرخص في تعذيبهم، فكان عند ذي القرنين من السياسة ~~الشرعية ما استحق به المدح والثناء، لتوفيق الله له لذلك، فقال: سأجعلهم ~~قسمين: { أما من ظلم } بالكفر { فسوف نعذبه ثم ~~يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا } أي: تحصل له ~~العقوبتان، عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة. { وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزآء الحسنى } أي: فله الجنة والحالة الحسنة عند ~~الله جزاء يوم القيامة، { وسنقول له من أمرنا يسرا } أي: ~~وسنحسن إليه، ونلطف له بالقول، ونيسر له المعاملة، وهذا يدل على كونه من ~~الملوك الصالحين الأولياء العادلين العالمين، حيث وافق مرضاة الله في ~~معاملة كل أحد، بما يليق بحاله. ### || [18.89-98] # أي لما وصل إلى مغرب الشمس كر راجعا، قاصدا مطلعها، متبعا للأسباب ~~التي أعطاه الله، فوصل إلى مطلع الشمس ف { لشمس وجدها تطلع ~~على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } أي: وجدها ~~تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس، إما لعدم استعدادهم في المساكن، ~~وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم، وعدم تمدنهم، وإما لكون الشمس دائمة عندهم، ~~لا تغرب عنهم غروبا يذكر، كما يوجد ذلك في شرقي أفريقيا الجنوبي، فوصل ~~إلى موضع انقطع عنه علم أهل الأرض، فضلا عن وصولهم إياه بأبدانهم، ومع ~~هذا، فكل هذا بتقدير الله له، وعلمه به، ولهذا قال: { كذلك وقد ~~أحطنا بما لديه خبرا } أي: أحطنا بما عنده من الخير ~~والأسباب العظيمة وعلمنا معه، حيثما توجه وسار. { ثم أتبع ~~سببا * حتى إذا ms0876 بلغ بين السدين } قال المفسرون: ذهب ~~متوجها من المشرق، قاصدا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سدان، ~~كانا سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، سدا بين يأجوج ومأجوج وبين ~~الناس، وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا، لعجمة ألسنتهم، ~~واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية، ~~ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر ~~يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان من بني آدم، فقالوا: { إن يأجوج ~~ومأجوج مفسدون في الأرض } بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. { ~~فهل نجعل لك خرجا } أي جعلا { على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا } ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على ~~بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، ~~وذكروا له السبب الداعي، وهو: إفسادهم في الأرض، فلم يكن ذو القرنين ذا ~~طمع، ولا رغبة في الدنيا، ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية، بل كان قصده ~~الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، ~~وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: { ما مكني فيه ربي ~~خير } أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة ~~منكم بأيديكم { أجعل بينكم وبينهم ردما } أي: مانعا ~~من عبورهم عليكم. { آتوني زبر الحديد } أي: قطع الحديد. فأعطوه ~~ذلك. { حتى إذا ساوى بين الصدفين } أي: الجبلين اللذين ~~بني بينهما السد { قال انفخوا } النار أي: أوقدوها إيقادا عظيما، ~~واستعملوا لها المنافيخ لتشتد، فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس، الذي يريد ~~أن يلصقه بين زبر الحديد { قال آتوني أفرغ عليه قطرا } ~~أي: نحاسا مذابا، فأفرغ عليه القطر، فاستحكم السد استحكاما هائلا ~~وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. { فما اسطاعوا ~~أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا } أي: فما لهم ~~استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه ~~وقوته، فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها ~~وقال: { هذا رحمة من ربي } أي: من فضله وإحسانه علي، ~~وهذه ms0877 حال الخلفاء الصالحين، إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد ~~شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة الله، كما قال سليمان عليه السلام، لما ~~حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، قال: # هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر # [النمل: 40] بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض فإن النعم الكبار ~~تزيدهم أشرا وبطرا. كما قال قارون - لما آتاه الله من الكنوز، ما إن ~~مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة - قال: # قال إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. وقوله: { فإذا جآء وعد ربي } أي: لخروج يأجوج ~~ومأجوج { جعله } أي: ذلك السد المحكم المتقن { دكآء } أي: دكه ~~فانهدم، واستوى هو والأرض { وكان وعد ربي حقا }. ### || [18.99] # يحتمل أن الضمير، يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس - ~~من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها - يموج بعضهم ببعض، كما قال تعالى: # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون # [الأنبياء: 96]. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة، وأنهم ~~يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض، من الأهوال والزلازل العظام، ~~بدليل قوله: { ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا * ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا * الذين ~~كانت أعينهم في غطآء عن ذكري وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا } أي: إذا نفخ إسرافيل في الصور، أعاد الله ~~الأرواح إلى الأجساد، ثم حشرهم وجمعهم لموقف القيامة، الأولين منهم ~~والآخرين، والكافرين والمؤمنين، ليسألوا ويحاسبوا ويجزون بأعمالهم، فأما ~~الكافرون - على اختلافهم - فإن جهنم جزاؤهم، خالدين فيها أبدا. ### || [18.100-101] # ولهذا قال: { وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ~~} كما قال تعالى: # وبرزت الجحيم للغاوين # [الشعراء: 91] أي: عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم، وليتمتعوا بأغلالها ~~وسعيرها، وحميمها، وزمهريرها، وليذوقوا من العقاب، ما تبكم له القلوب، ~~وتصم الآذان، وهذا آثار أعمالهم، وجزاء أفعالهم، فإنهم في الدنيا { ~~كانت أعينهم في غطآء عن ذكري } أي: معرضين عن الذكر ~~الحكيم، والقرآن الكريم، وقالوا: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 5] وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة، كما قال ~~تعالى: # وعلى أبصرهم غشاوة # [البقرة: 7]. { وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي: لا ms0878 يقدرون ~~على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان، لبغضهم القرآن والرسول، فإن ~~المبغض لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه، فإذا انحجبت عنهم طرق ~~العلم والخير، فليس لهم سمع ولا بصر، ولا عقل نافع، فقد كفروا بالله ~~وجحدوا آياته، وكذبوا رسله، فاستحقوا جهنم، وساءت مصيرا. ### || [18.102] # وهذا برهان وبيان، لبطلان دعوى المشركين الكافرين، الذين اتخذوا بعض ~~الأنبياء والأولياء شركاء لله يعبدونهم، ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء، ~~ينجونهم من عذاب الله، وينيلونهم ثوابه، وهم قد كفروا بالله وبرسله. يقول ~~الله لهم على وجه الاستفهام الإنكاري المتقرر بطلانه في العقول: { ~~أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني ~~أوليآء } أي: لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله معاديا لله أبدا، ~~فإن الأولياء موافقون لله في محبته ورضاه، وسخطه وبغضه، فيكون على هذا ~~المعنى مشابها لقوله تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم # [سبأ: 40-41]. فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له، وهو معاد لله، فهو ~~كاذب، ويحتمل - وهو الظاهر - أن المعنى أفحسب الكفار بالله، المنابذون ~~لرسله، أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم، وينفعونهم من دون الله، ~~ويدفعون عنهم الأذى؟ هذا حسبان باطل، وظن فاسد، فإن جميع المخلوقين، ليس ~~بيدهم من النفع والضر، شيء، ويكون هذا كقوله تعالى # قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون ~~كشف الضر عنكم ولا تحويلا # [الإسراء: 56 ] # ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة # [الزخرف: 86] ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها، أن المتخذ من ~~دونه وليا ينصره ويواليه، ضال خائب الرجاء، غير نائل لبعض مقصوده. { ~~إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا } أي: ضيافة وقرى، ~~فبئس النزل نزلهم، وبئست جهنم ضيافتهم. ### || [18.103-106] # أي: قل يا محمد، للناس - على وجه التحذير والإنذار -: هل أخبركم بأخسر ~~الناس أعمالا على الإطلاق؟ { الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا } أي: بطل واضمحل كل ما عملوه من عمل، يحسبون أنهم محسنون في ~~صنعه، فكيف بأعمالهم التي يعلمون أنها باطلة، ms0879 وأنها محادة لله ورسله ~~ومعاداة؟! فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم، ف # خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك ~~هو الخسران المبين # [الزمر: 15]. { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ~~ولقائه } أي: جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية، الدالة على ~~وجوب الإيمان به وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر. { فحبطت } ~~بسبب ذلك { أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا } لأن الوزن فائدته، مقابلة الحسنات بالسيئات، والنظر في الراجح ~~منها والمرجوح، وهؤلاء لا حسنات لهم لعدم شرطها، وهو الإيمان، كما قال ~~تعالى: # ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما # [طه: 112] لكن تعد أعمالهم وتحصى، ويقررون بها، ويخزون بها على رؤوس ~~الأشهاد، ثم يعذبون عليها، ولهذا قال: { ذلك جزآؤهم } أي: حبوط ~~أعمالهم، وأنه لا يقام لهم يوم القيامة، { وزنا } لحقارتهم وخستهم، ~~بكفرهم بآيات الله، واتخاذهم آياته ورسله، هزوا يستهزئون بها، ويسخرون ~~منها، مع أن الواجب في آيات الله ورسله، الإيمان التام بها، والتعظيم ~~لها، والقيام بها أتم القيام، وهؤلاء عكسوا القضية، فانعكس أمرهم، ~~وتعسوا، وانتكسوا في العذاب. ولما بين مآل الكافرين وأعمالهم، بين ~~أعمال المؤمنين ومآلهم فقال: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كانت لهم جنات... }. ### || [18.107-108] # أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، وشمل هذا الوصف ~~جميع الدين، عقائده، وأعماله، أصوله، وفروعه الظاهرة، والباطنة، فهؤلاء ~~-على اختلاف طبقاتهم من الإيمان والعمل الصالح -لهم جنات الفردوس. يحتمل ~~أن المراد بجنات الفردوس، أعلى الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأن هذا الثواب ~~لمن كمل الإيمان والعمل الصالح، وهم الأنبياء والمقربون. ويحتمل أن يراد ~~بها، جميع منازل الجنان، فيشمل هذا الثواب، جميع طبقات أهل الإيمان، من ~~المقربين، والأبرار، والمقتصدين، كل بحسب حاله، وهذا أولى المعنيين ~~لعمومه، ولذكر الجنة بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس، ولأن الفردوس يطلق ~~على البستان، المحتوي على الكرم، أو الأشجار الملتفة، وهذا صادق على جميع ~~الجنة، فجنة الفردوس نزل، وضيافة لأهل الإيمان والعمل الصالح، وأي: ~~ضيافة أجل وأكبر، وأعظم من هذه الضيافة، المحتوية على كل نعيم، للقلوب، ~~والأرواح، والأبدان، وفيها ما تشتهيه الأنفس. وتلذ ms0880 الأعين، من المنازل ~~الأنيقة، والرياض الناضرة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة المشجية، ~~والمآكل اللذيذة، والمشارب الشهية، والنساء الحسان، والخدم، والولدان، ~~والأنهار السارحة، والمناظر الرائقة، والجمال الحسي والمعنوي، والنعمة ~~الدائمة، وأعلى ذلك وأفضله وأجله، التنعم بالقرب من الرحمن ونيل رضاه، ~~الذي هو أكبر نعيم الجنان، والتمتع برؤية وجهه الكريم، وسماع كلام الرؤوف ~~الرحيم، فلله تلك الضيافة، ما أجلها وأجملها وأدومها وأكملها!!، وهي أعظم ~~من أن يحيط بها وصف أحد من الخلائق، أو تخطر على القلوب، فلو علم العباد ~~بعض ذلك النعيم علما حقيقيا يصل إلى قلوبهم، لطارت إليها قلوبهم ~~بالأشواق، ولتقطعت أرواحهم من ألم الفراق، ولساروا إليها زرافات ~~ووحدانا، ولم يؤثروا عليها دنيا فانية، ولذات منغصة متلاشية، ولم يفوتوا ~~أوقاتا تذهب ضائعة خاسرة، يقابل كل لحظة منها من النعيم من الحقب آلاف ~~مؤلفة، ولكن الغفلة شملت، والإيمان ضعف، والعلم قل، والإرادة نفذت، ~~فكان ما كان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقوله { ~~خالدين فيها } هذا هو تمام النعيم، إن فيها النعيم الكامل، ومن ~~تمامه أنه لا ينقطع { لا يبغون عنها حولا } أي: تحولا ولا ~~انتقالا، لأنهم لا يرون إلا ما يعجبهم ويبهجهم، ويسرهم ويفرحهم، ولا ~~يرون نعيما فوق ما هم فيه. ### || [18.109] # أي: قل لهم مخبرا عن عظمة الباري، وسعة صفاته، وأنها لا يحيط العباد ~~بشيء منها: { لو كان البحر } أي: هذه الأبحر الموجودة في العالم ~~{ مدادا لكلمات ربي } أي: وأشجار الدنيا من أولها إلى آخرها، ~~من أشجار البلدان والبراري، والبحار أقلام، { لنفد البحر } ~~وتكسرت الأقلام { قبل أن تنفد كلمات ربي } وهذا شيء عظيم، ~~لا يحيط به أحد. وفي الآية الأخرى: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم # [لقمان: 27] وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء ~~مخلوقة، وجميع المخلوقات منقضية منتهية، وأما كلام الله فإنه من جملة ~~صفاته، وصفاته غير مخلوقة، ولا لها حد ولا منتهى، فأي سعة وعظمة ~~تصورتها القلوب فالله فوق ms0881 ذلك، وهكذا سائر صفات الله تعالى، كعلمه، ~~وحكمته، وقدرته، ورحمته، فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل ~~السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم، أقل من نسبة عصفور ~~وقع على حافة البحر، فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك ~~بأن الله له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى. ### || [18.110] # أي: { قل } يا محمد للكفار وغيرهم: { إنمآ أنا بشر ~~مثلكم } أي: لست بإله، ولا لي شركة في الملك، ولا علم بالغيب، ولا ~~عندي خزائن الله، { إنمآ أنا بشر مثلكم } عبد من عبيد ~~ربي، { يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد } أي: ~~فضلت عليكم بالوحي، الذي يوحيه الله إلي، الذي أجله الإخبار لكم: أنما ~~إلهكم إله واحد، أي: لا شريك له، ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة ~~غيره، وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه، وينيلكم ثوابه، ويدفع عنكم ~~عقابه. ولهذا قال: { فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل ~~عملا صالحا } وهو الموافق لشرع الله، من واجب ومستحب، { ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا } أي: لا يرائي بعمله، بل يعمله ~~خالصا لوجه الله تعالى، فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة، هو الذي ~~ينال ما يرجو ويطلب، وأما من عدا ذلك، فإنه خاسر في دنياه وأخراه، وقد ~~فاته القرب من مولاه ونيل رضاه. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-6] # أي: هذا { ذكر رحمت ربك عبده زكريآ } سنقصه عليك، ~~ونفصله تفصيلا يعرف به حالة نبيه زكريا، وآثاره الصالحة، ومناقبه ~~الجميلة، فإن في قصها عبرة للمعتبرين، وأسوة للمقتدين، ولأن في تفصيل ~~رحمته لأوليائه، وبأي: سبب حصلت لهم، مما يدعو إلى محبة الله تعالى، ~~والإكثار من ذكره ومعرفته، والسبب الموصل إليه. وذلك أن الله تعالى اجتبى ~~واصطفى زكريا عليه السلام لرسالته، وخصه بوحيه، فقام بذلك قيام أمثاله من ~~المرسلين، ودعا العباد إلى ربه، وعلمهم ما علمه الله، ونصح لهم في حياته ~~وبعد مماته، كإخوانه من المرسلين ومن اتبعهم، فلما رأى من نفسه الضعف، ~~وخاف أن يموت، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم ms0882 والنصح ~~لهم، شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن، وناداه نداء خفيا، ليكون أكمل ~~وأفضل وأتم إخلاصا، فقال: { رب إني وهن العظم مني } أي: ~~وهى وضعف، وإذا ضعف العظم، الذي هو عماد البدن، ضعف غيره، { ~~واشتعل الرأس شيبا } لأن الشيب دليل الضعف والكبر، ورسول ~~الموت ورائده ونذيره، فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه، وهذا من أحب ~~الوسائل إلى الله، لأنه يدل على التبري من الحول والقوة، وتعلق القلب ~~بحول الله وقوته. { ولم أكن بدعائك رب شقيا } أي: لم ~~تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة، بل لم تزل بي حفيا ~~ولدعائي مجيبا، ولم تزل ألطافك تتوالى علي، وإحسانك واصلا إلي، ~~وهذا توسل إلى الله بإنعامه عليه، وإجابة دعواته السابقة، فسأل الذي أحسن ~~سابقا، أن يتمم إحسانه لاحقا. { وإني خفت الموالي من ~~ورآءى } أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي، أن لا ~~يقوموا بدينك حق القيام، ولا يدعوا عبادك إليك، وظاهر هذا، أنه لم ير ~~فيهم أحدا فيه لياقة للإمامة في الدين، وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام ~~ونصحه، وأن طلبه للولد، ليس كطلب غيره، قصده مجرد المصلحة الدنيوية، ~~وإنما قصده مصلحة الدين، والخوف من ضياعه، ورأى غيره غير صالح لذلك، وكان ~~بيته من البيوت المشهورة في الدين، ومعدن الرسالة، ومظنة للخير، فدعا ~~الله أن يرزقه ولدا يقوم بالدين من بعده، واشتكى أن امرأته عاقر، أي: ~~ليست تلد أصلا، وأنه قد بلغ من الكبر عتيا، أي: عمرا يندر معه وجود ~~الشهوة والولد، { فهب لي من لدنك وليا } وهذه الولاية، ~~ولاية الدين، وميراث النبوة والعلم والعمل، ولهذا قال: { يرثني ~~ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا } أي: عبدا ~~صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل أنه سأل الله ولدا، ذكرا، ~~صالحا، يبق بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله ~~وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده أن يرزقه ~~ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم. فرحمه ربه واستجاب ~~دعوته ms0883 فقال: { يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه ~~يحيى لم نجعل له... }. ### || [19.7-11] # أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة ب " يحيى " وسماه الله له " يحيى ~~" وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة ~~معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين، { لم نجعل ~~له من قبل سميا } أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد، ويحتمل أن ~~المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا، فيكون ذلك بشارة بكماله، ~~واتصافه بالصفات الحميدة، وأنه فاق من قبله، ولكن على هذا الاحتمال، هذا ~~العموم لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم، وموسى، ونوح عليهم السلام، ~~ونحوهم، ممن هو أفضل من يحيى قطعا، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا ~~المولود الذي طلبه، استغرب وتعجب وقال: { رب أنى يكون لي ~~غلام } والحال أن المانع من وجود الولد، موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت ~~دعائه، لم يستحضر هذا المانع لقوة الوارد في قلبه، وشدة الحرص العظيم على ~~الولد، وفي هذه الحال، حين قبلت دعوته، تعجب من ذلك، فأجابه الله بقوله: ~~{ كذلك قال ربك هو علي هين } أي: الأمر مستغرب في ~~العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد ~~الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن ~~شيئا. { قال رب اجعل لي آية } أي: يطمئن بها قلبي، وليس هذا ~~شكا في خبر الله، وإنما هو، كما قال الخليل عليه السلام: # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260] فطلب زيادة العلم، والوصول إلى عين اليقين بعد علم ~~اليقين، فأجابه الله إلى طلبته رحمة به، ف { قال آيتك ألا ~~تكلم الناس ثلاث ليال سويا } وفي الآية الأخرى # ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا # [آل عمران: 41] والمعنى واحد، لأنه تارة يعبر بالليالي، وتارة بالأيام ~~ومؤداها واحد، وهذا من الآيات العجيبة، فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة ~~أيام، وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة، بل كان سويا، لا نقص فيه، من ~~الأدلة على ms0884 قدرة الله الخارقة للعوائد، ومع هذا، ممنوع من الكلام الذي ~~يتعلق بالآدميين وخطابهم، وأما التسبيح والتهليل، والذكر ونحوه، فغير ~~ممنوع منه، ولهذا قال في الآية الأخرى: # واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار # [آل عمران: 41] فاطمأن قلبه، واستبشر بهذه البشارة العظيمة، وامتثل لأمر ~~الله له بالشكر بعبادته وذكره، فعكف في محرابه، وخرج على قومه منه فأوحى ~~إليهم، أي: بالإشارة والرمز { أن سبحوا بكرة وعشيا } لأن ~~البشارة ب " يحيى " في حق الجميع، مصلحة دينية. ### || [19.12-15] # دل الكلام السابق على ولادة يحيى، وشبابه، وتربيته، فلما وصل إلى حالة ~~يفهم فيها الخطاب أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة، أي: بجد واجتهاد، وذلك ~~بالاجتهاد في حفظ ألفاظه، وفهم معانيه، والعمل بأوامره ونواهيه، هذا تمام ~~أخذ الكتاب بقوة، فامتثل أمر ربه، وأقبل على الكتاب، فحفظه وفهمه، وجعل ~~الله فيه من الذكاء والفطنة، ما لا يوجد في غيره، ولهذا قال: { ~~وآتيناه الحكم صبيا } أي: معرفة أحكام الله والحكم بها، وهو ~~في حال صغره وصباه. { و } آتيناه أيضا { حنانا من لدنا } أي: ~~رحمة ورأفة، تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله. { ~~وزكاة } أي: طهارة من الآفات والذنوب، فطهر قلبه وتزكى عقله، وذلك ~~يتضمن زوال الأوصاف المذمومة، والأخلاق الرديئة، وزيادة الأخلاق الحسنة، ~~والأوصاف المحمودة، ولهذا قال: { وكان تقيا } أي: فاعلا للمأمور، ~~تاركا للمحظور، ومن كان مؤمنا تقيا كان لله وليا، وكان من أهل الجنة ~~التي أعدت للمتقين، وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي، ما رتبه الله ~~على التقوى. { و } كان أيضا { برا بوالديه } أي: لم يكن عاقا، ~~ولا مسيئا إلى أبويه، بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل. { ولم ~~يكن جبارا عصيا } أي: لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله، ~~ولا مترفعا على عباد الله، ولا على والديه، بل كان متواضعا، متذللا، ~~مطيعا، أوابا لله على الدوام، فجمع بين القيام بحق الله، وحق خلقه، ~~ولهذا حصلت له السلامة من الله، في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها، فلهذا ~~قال: { وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم ~~يبعث حيا } وذلك يقتضي ms0885 سلامته من الشيطان، والشر، والعقاب في هذه ~~الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال، ومن أهل دار ~~السلام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين، وجعلنا ~~من أتباعهم، إنه جواد كريم. ### || [19.16-21] # لما ذكر قصة زكريا ويحيى، وكانت من الآيات العجيبة، انتقل منها إلى ما ~~هو أعجب منها، تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال: { واذكر في ~~الكتاب } الكريم { مريم } عليها السلام، وهذا من أعظم فضائلها، ~~أن تذكر في الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ~~تذكر فيه بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء لعملها الفاضل، وسعيها الكامل، ~~أي: واذكر في الكتاب مريم، في حالها الحسنة، حين { انتبذت } أي: ~~تباعدت عن أهلها { مكانا شرقيا } أي: مما يلي الشرق عنهم، { ~~فاتخذت من دونهم حجابا } أي: سترا ومانعا، وهذا التباعد ~~منها، واتخاذ الحجاب، لتعتزل، وتنفرد بعبادة ربها، وتقنت له في حالة ~~الإخلاص والخضوع والذل لله تعالى، وذلك امتثال منها لقوله تعالى: # وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفك ~~وطهرك واصطفك على نسآء العلمين * يمريم ~~اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين # [آل عمران: 42-43] وقوله { فأرسلنآ إليهآ روحنا } وهو: ~~جبريل عليه السلام { فتمثل لها بشرا سويا } أي: كاملا من ~~الرجال، في صورة جميلة، وهيئة حسنة، لا عيب فيه ولا نقص، لكونها لا تحتمل ~~رؤيته على ما هو عليه، فلما رأته في هذه الحال، وهي معتزلة عن أهلها، ~~منفردة عن الناس، قد اتخذت الحجاب عن أعز الناس عليها وهم أهلها، خافت أن ~~يكون رجلا قد تعرض لها بسوء، وطمع فيها، فاعتصمت بربها واستعاذت منه ~~فقالت له: { إني أعوذ بالرحمن منك } أي ألتجئ به وأعتصم ~~برحمته، أن تنالني بسوء، { إن كنت تقيا } أي: إن كنت تخاف الله، ~~وتعمل بتقواه، فاترك التعرض لي، فجمعت بين الاعتصام بربها، وبين تخويفه ~~وترهيبه، وأمره بلزوم التقوى، وهي في تلك الحالة الخالية، والشباب، ~~والبعد عن الناس، وهو في ذلك الجمال الباهر، والبشرية الكاملة السوية، ~~ولم ينطق لها بسوء، أو يتعرض لها، وإنما ذلك خوف منها، وهذا ms0886 أبلغ ما يكون ~~من العفة، والبعد عن الشر وأسبابه، وهذه العفة - خصوصا مع اجتماع ~~الدواعي، وعدم المانع - من أفضل الأعمال. ولذلك أثنى الله عليها فقال # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا # [التحريم: 12] # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # [الأنبياء: 91] فأعاضها الله بعفتها، ولدا من آيات الله، ورسولا من ~~رسله، فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة، قال { إنمآ أنا رسول ~~ربك } أي: إنما وظيفتي وشغلي تنفيذ رسالة ربي فيك { لأهب لك ~~غلاما زكيا } وهذه بشارة عظيمة بالولد وزكائه، فإن الزكاء يستلزم ~~تطهيره من الخصال الذميمة، واتصافه بالخصال الحميدة، فتعجبت من وجود ~~الولد من غير أب، فقالت: { أنى يكون لي غلام ولم ~~يمسسني بشر ولم أك بغيا } والولد لا يوجد إلا بذلك؟!! { ~~قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية ~~للناس } تدل على كمال قدرة الله تعالى، وعلى أن الأسباب جميعها، لا ~~تستقل بالتأثير، وإنما تأثيرها بتقدير الله، فيري عباده خرق العوائد في ~~بعض الأسباب العادية، لئلا يقفوا مع الأسباب، ويقطعوا النظر عن مقدرها ~~ومسببها { ورحمة منا } أي: ولنجعله رحمة منا به وبوالدته، ~~وبالناس. # أما رحمة الله به، فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على ~~أولي العزم، وأما رحمته بوالدته، فلما حصل لها من الفخر، والثناء الحسن، ~~والمنافع العظيمة. وأما رحمته بالناس، فإن أكبر نعمه عليهم، أن بعث فيهم ~~رسولا، يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فيؤمنون به ~~ويطيعونه، وتحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، { وكان } أي وجود عيسى ~~عليه السلام على هذه الحالة { أمرا مقضيا } قضاء سابقا، فلا ~~بد من نفوذ هذا التقدير والقضاء، فنفخ جبريل عليه السلام في جيبها. ### || [19.22-26] # أي: لما حملت بعيسى عليه السلام، خافت من الفضيحة، فتباعدت عن الناس { ~~مكانا قصيا } فلما قرب ولادها، ألجأها المخاض إلى جذع نخلة، فلما ~~آلمها وجع الولادة، ووجع الانفراد عن الطعام والشراب، ووجع قلبها من قالة ~~الناس، وخافت عدم صبرها، تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث، وكانت نسيا ms0887 ~~منسيا فلا تذكر. وهذا التمني بناء على ذلك المزعج، وليس في هذه الأمنية ~~خير لها ولا مصلحة، وإنما الخير والمصلحة بتقدير ما حصل، فحينئذ سكن ~~الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها، لعله في مكان أنزل من ~~مكانها، وقال لها: لا تحزني، أي: لا تجزعي ولا تهتمي، ف { قد جعل ~~ربك تحتك سريا } أي: نهرا تشربين منه، { وهزى إليك ~~بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } أي: طريا ~~لذيذا نافعا { فكلي } من التمر، { واشربي } من النهر { وقري ~~عينا } بعيسى، فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة، وحصول ~~المأكل والمشرب والهني. وأما من جهة قالة الناس، فأمرها أنها إذا رأت ~~أحدا من البشر، أن تقول على وجه الإشارة: { إني نذرت ~~للرحمن صوما } أي: سكوتا { فلن أكلم اليوم ~~إنسيا } أي: لا تخاطبيهم بكلام لتستريحي من قولهم وكلامهم. وكان ~~معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة، وإنما لم تؤمر بخطابهم في ~~نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها، ولا فيه فائدة، وليكون تبرئتها ~~بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهد على براءتها، فإن إتيان المرأة بولد من ~~دون زوج، ودعواها أنه من غير أحد، من أكبر الدعاوى، التي لو أقيم عدة من ~~الشهود، لم تصدق بذلك، فجعلت بينة هذا الخارق للعادة، أمرا من جنسه، وهو ~~كلام عيسى في حال صغره جدا، ولهذا قال تعالى: { فأتت به قومها ~~تحمله قالوا يمريم لقد جئت... }. ### || [19.27-33] # أي: فلما تعلت مريم من نفاسها، أتت بعيسى قومها تحمله، وذلك لعلمها ~~ببراءة نفسها وطهارتها، فأتت غير مبالية ولا مكترثة، فقالوا: { لقد ~~جئت شيئا فريا } أي: عظيما وخيما، وأرادوا بذلك البغاء، ~~حاشاها من ذلك، { يأخت هارون } الظاهر، أنه أخ لها حقيقي، فنسبوها ~~إليه، وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء، وليس هو هارون بن عمران أخا موسى، ~~لأن بينهما قرونا كثيرة، { ما كان أبوك امرأ سوء وما ~~كانت أمك بغيا } أي: لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من الشر، ~~وخصوصا هذا الشر، الذي يشيرون إليه، وقصدهم: فكيف كنت على غير وصفهما؟ ~~وأتيت بما ms0888 لم يأتيا به؟. وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض، في ~~الصلاح وضده، فتعجبوا - بحسب ما قام بقلوبهم - كيف وقع منها، فأشارت لهم ~~إليه، أي: كلموه، وإنما أشارت لذلك، لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها، ~~أن، تقول: { إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم ~~اليوم إنسيا } فلما أشارت إليهم بتكليمه، تعجبوا من ذلك وقالوا: ~~{ كيف نكلم من كان في المهد صبيا } لأن ذلك لم تجر ~~به عادة، ولا حصل من أحد في ذلك السن، فحينئذ قال عيسى عليه السلام، وهو ~~في المهد صبي: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا } فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون ~~إلها، أو ابنا للإله، تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى في ~~قوله { إني عبد الله } ومدعون موافقته. { آتاني الكتاب } ~~أي: قضى أن يؤتيني الكتب { وجعلني نبيا } فأخبرهم بأنه عبد ~~الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله ~~لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره فقال: { وجعلني مباركا أين ما ~~كنت } أي: في أي مكان، وأي: زمان، فالبركة جعلها الله في من تعليم ~~الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله ~~وأفعاله، فكل من جالسه، أو اجتمع به، نالته بركته، وسعد به مصاحبه. { ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } أي: أوصاني ~~بالقيام بحقوقه، التي من أعظمها الصلاة، وحقوق عباده، التي أجلها الزكاة، ~~مدة حياتي، أي: فأنا ممتثل لوصية ربي، عامل عليها، منفذ لها، ووصاني ~~أيضا، أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان، وأقوم بما ينبغي له، ~~لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها. { ولم ~~يجعلني جبارا } أي: متكبرا على الله، مترفعا على عباده { ~~شقيا } في دنياي أو أخراي، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعا له ~~خاضعا خاشعا متذللا، متواضعا لعباد الله، سعيدا في الدنيا والآخرة، ~~أنا ومن اتبعني. فلما تم له الكمال، ومحامد الخصال قال: { والسلام ~~علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا } ~~أي: من فضل ربي وكرمه، حصلت لي السلامة يوم ms0889 ولادتي، ويوم موتي، ويوم ~~بعثي، من الشر والشيطان والعقوبة، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال، ودار ~~الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه ~~رسول الله، وعبد الله حقا. ### || [19.34-36] # أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات، عيسى بن مريم، من غير شك ولا مرية، بل قول ~~الحق وكلام الله، الذي لا أصدق منه قيلا، ولا أحسن منه حديثا، فهذا ~~الخبر اليقيني عن عيسى عليه السلام، وما قيل فيه مما يخالف هذا، فإنه ~~مقطوع ببطلانه، وغايته أن يكون شكا من قائله لا علم له به، ولهذا قال: { ~~الذي فيه يمترون } أي: يشكون فيمارون بشكهم، ويجادلون بخرصهم، ~~فمن قائل عنه: إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ~~إفكهم وتقولهم علوا كبيرا، ف { ما كان لله أن يتخذ من ~~ولد } أي: ما ينبغي ولا يليق، لأن ذلك من الأمور المستحيلة، لأنه ~~الغني الحميد، المالك لجميع الممالك، فكيف يتخذ من عباده ومماليكه، ~~ولدا؟! { سبحانه } أي: تنزه وتقدس عن الولد والنقص، { إذا قضى ~~أمرا } أي: من الأمور الصغار والكبار، لم يمتنع عليه ولم يستصعب { ~~فإنما يقول له كن فيكون } فإذا كان قدره ومشيئته نافذا ~~في العالم العلوي والسفلي، فكيف يكون له ولد؟!! وإذا كان إذا أراد شيئا ~~قال له: { كن فيكون } فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب؟! ولهذا ~~أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره، فقال: { وإن الله ربي ~~وربكم } الذي خلقنا، وصورنا، ونفذ فينا تدبيره، وصرفنا تقديره. { ~~فاعبدوه } أي: أخلصوا له العبادة، واجتهدوا في الإنابة، وفي هذا ~~الإقرار بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، والاستدلال بالأول على الثاني، ~~ولهذا قال: { هذا صراط مستقيم } أي: طريق معتدل، موصل إلى ~~الله، لكونه طريق الرسل وأتباعهم، وما عدا هذا، فإنه من طرق الغي ~~والضلال. ### || [19.37-38] # لما بين تعالى حال عيسى بن مريم الذي لا يشك فيها ولا يمترى، أخبر ~~أن الأحزاب، أي: فرق الضلال، من اليهود والنصارى وغيرهم، على اختلاف ~~طبقاتهم اختلفوا في عيسى عليه السلام، فمن غال فيه وجاف، فمنهم من ms0890 قال: ~~إنه الله، ومنهم من قال: إنه ابن الله ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة ~~ومنهم من لم يجعله رسولا، بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود.. وكل هؤلاء ~~أقوالهم باطلة، وآراؤهم فاسدة، مبنية على الشك والعناد، والأدلة الفاسدة، ~~والشبه الكاسدة، وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد، ولهذا قال: { فويل ~~للذين كفروا } بالله ورسله وكتبه، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، ~~القائلون بعيسى قول الكفر { من مشهد يوم عظيم } أي: مشهد يوم ~~القيامة، الذي يشهده الأولون والآخرون، أهل السماوات وأهل الأرض، الخالق ~~والمخلوق، الممتلئ بالزلازل والأهوال، المشتمل على الجزاء بالأعمال، ~~فحينئذ يتبين ما كانوا يخفون ويبدون، وما كانوا يكتمون. { أسمع ~~بهم وأبصر يوم يأتوننا } أي: ما أسمعهم وما أبصرهم في ~~ذلك اليوم! فيقرون بكفرهم وشركهم وأقوالهم، ويقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون # [السجدة: 12] ففي القيامة، يستيقنون حقيقة ما هم عليه. { لكن ~~الظالمون اليوم في ضلال مبين } وليس لهم عذر في هذا ~~الضلال، لأنهم بين معاند ضال على بصيرة، عارف بالحق صادف عنه، وبين ضال ~~عن طريق الحق، متمكن من معرفة الحق والصواب، ولكنه راض بضلاله وما هو ~~عليه من سوء أعماله، غير ساع في معرفة الحق من الباطل، وتأمل كيف قال: { ~~فويل للذين كفروا } بعد قوله { فاختلف الأحزاب ~~من بينهم } ولم يقل " فويل لهم " ليعود الضمير إلى الأحزاب، لأن من ~~الأحزاب المختلفين، طائفة أصابت الصواب، ووافقت الحق، فقالت في عيسى: " ~~إنه عبد الله ورسوله " فآمنوا به، واتبعوه، فهؤلاء مؤمنون، غير داخلين في ~~هذا الوعيد، فلهذا خص الله بالوعيد الكافرين. ### || [19.39-40] # الإنذار هو: الإعلام بالمخوف على وجه الترهيب، والإخبار بصفاته، وأحق ما ~~ينذر به ويخوف به العباد، يوم الحسرة حين يقضى الأمر، فيجمع الأولون ~~والآخرون في موقف واحد، ويسألون عن أعمالهم، فمن آمن بالله، واتبع رسله، ~~سعد سعادة لا يشقى بعدها، ومن لم يؤمن بالله ويتبع رسله شقي شقاوة لا ~~سعادة بعدها، وخسر نفسه وأهله، فحينئذ يتحسر، ويندم ندامة تتقطع منها ~~القلوب، وتنصدع منها الأفئدة، وأي: حسرة أعظم من فوات رضا الله ms0891 وجنته، ~~واستحقاق سخطه والنار، على وجه لا يتمكن من الرجوع ليستأنف العمل، ولا ~~سبيل له إلى تغيير حاله بالعود إلى الدنيا؟! فهذا قدامهم، والحال أنهم في ~~الدنيا في غفلة عن هذا الأمر العظيم لا يخطر بقلوبهم، ولو خطر فعلى سبيل ~~الغفلة، قد عمتهم الغفلة، وشملتهم السكرة، فهم لا يؤمنون بالله، ولا ~~يتبعون رسله، قد ألهتهم دنياهم، وحالت بينهم وبين الإيمان شهواتهم ~~المنقضية الفانية، فالدنيا وما فيها، من أولها إلى آخرها، ستذهب عن ~~أهلها، ويذهبون عنها، وسيرث الله الأرض ومن عليها، ويرجعهم إليه، ~~فيجازيهم بما عملوا فيها، وما خسروا فيها أو ربحوا، فمن فعل خيرا فليحمد ~~الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. ### || [19.41-50] # أجل الكتب وأفضلها وأعلاها، هذا الكتاب المبين، والذكر الحكيم، فإن ~~ذكر فيه الأخبار، كانت أصدق الأخبار وأحقها، وإن ذكر فيه الأمر ~~والنهي، كانت أجل الأوامر والنواهي، وأعدلها وأقسطها، وإن ذكر فيه الجزاء ~~والوعد والوعيد، كان أصدق الأنباء وأحقها وأدلها على الحكمة والعدل ~~والفضل، وإن ذكر فيه الأنبياء والمرسلون، كان المذكور فيه أكمل من غيره ~~وأفضل، ولهذا كثيرا ما يبدئ ويعيد في قصص الأنبياء، الذين فضلهم على ~~غيرهم، ورفع قدرهم، وأعلى أمرهم، بسبب ما قاموا به، من عبادة الله ~~ومحبته، والإنابة إليه، والقيام بحقوقه، وحقوق العباد، ودعوة الخلق إلى ~~الله، والصبر على ذلك، والمقامات الفاخرة، والمنازل العالية، فذكر الله ~~في هذه السورة جملة من الأنبياء، يأمر الله رسوله أن يذكرهم، لأن في ~~ذكرهم إظهار الثناء على الله وعليهم، وبيان فضله وإحسانه إليهم، وفيه ~~الحث على الإيمان بهم ومحبتهم، والاقتداء بهم، فقال: { واذكر في ~~الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا } جمع الله ~~له بين الصديقية والنبوة. فالصديق: كثير الصدق، فهو الصادق في أقواله ~~وأفعاله وأحواله، المصدق بكل ما أمر بالتصديق به، وذلك يستلزم العلم ~~العظيم الواصل إلى القلب، المؤثر فيه، الموجب لليقين، والعمل الصالح ~~الكامل، وإبراهيم عليه السلام، هو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وهو الأب الثالث للطوائف الفاضلة، وهو الذي جعل الله ms0892 في ذريته ~~النبوة والكتاب، وهو الذي دعا الخلق إلى الله، وصبر على ما ناله من ~~العذاب العظيم، فدعا القريب والبعيد، واجتهد في دعوة أبيه مهما أمكنه، ~~وذكر الله مراجعته إياه، فقال: { إذ قال لأبيه } مهجنا له عبادة ~~الأوثان: { يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا يغني عنك شيئا } أي: لم تعبد أصناما، ناقصة في ذاتها، وفي ~~أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا ~~تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، فهذا برهان ~~جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلا وشرعا. ~~ودل بتنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن عبادة من له الكمال، الذي لا ~~ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تعالى. { ~~يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك } أي: ~~يا أبت لا تحقرني وتقول: إني ابنك، وإن عندك ما ليس عندي، بل قد أعطاني ~~الله من العلم ما لم يعطك، والمقصود من هذا قوله: { فاتبعني ~~أهدك صراطا سويا } أي: مستقيما معتدلا، وهو: عبادة الله ~~وحده لا شريك له، وطاعته في جميع الأحوال، وفي هذا من لطف الخطاب ولينه ~~ما لا يخفى، فإنه لم يقل: " يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل " أو " ليس عندك ~~من العلم شيء " وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علما، وأن الذي وصل ~~إلي لم يصل إليك ولم يأتك، فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها. # { يأبت لا تعبد الشيطان } لأن من عبد غير الله فقد عبد ~~الشيطان، كما قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين # [يس: 60]. { إن الشيطان كان للرحمن عصيا } فمن ~~اتبع خطواته، فقد اتخذه وليا وكان عاصيا لله بمنزلة الشيطان. وفي ذكر ~~إضافة العصيان إلى اسم الرحمن، إشارة إلى أن المعاصي تمنع العبد من رحمة ~~الله، وتغلق عليه أبوابها، كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته، ولهذا ~~قال: { يأبت إني أخاف ms0893 أن يمسك عذاب من ~~الرحمن } أي: بسبب إصرارك على الكفر، وتماديك في الطغيان { ~~فتكون للشيطان وليا } أي: في الدنيا والآخرة، فتنزل ~~بمنازله الذميمة، وترتع في مراتعه الوخيمة، فتدرج الخليل عليه السلام ~~بدعوة أبيه، بالأسهل فالأسهل، فأخبره بعلمه، وأن ذلك موجب لاتباعك إياي، ~~وأنك إن أطعتني، اهتديت إلى صراط مستقيم، ثم نهاه عن عبادة الشيطان، ~~وأخبره بما فيها من المضار، ثم حذره عقاب الله ونقمته إن أقام على حاله، ~~وأنه يكون وليا للشيطان، فلم ينجع هذا الدعاء بذلك الشقي، وأجاب بجواب ~~جاهل وقال: { أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم } فتبجح ~~بآلهته [التي هي] من الحجر والأصنام، ولام إبراهيم عن رغبته عنها، وهذا ~~من الجهل المفرط، والكفر الوخيم، يتمدح بعبادة الأوثان، ويدعو إليها. { ~~لئن لم تنته } أي: عن شتم آلهتي، ودعوتي إلى عبادة الله { ~~لأرجمنك } أي: قتلا بالحجارة { واهجرني مليا } أي: لا ~~تكلمني زمانا طويلا، فأجابه الخليل جواب عباد الرحمن عند خطاب ~~الجاهلين، ولم يشتمه، بل صبر، ولم يقابل أباه بما يكره، وقال: { سلام ~~عليك } أي: ستسلم من خطابي إياك بالشتم والسب وبما تكره، { ~~سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا } أي: لا أزال ~~أدعو الله لك بالهداية والمغفرة، بأن يهديك للإسلام، الذي تحصل به ~~المغفرة، ف { إنه كان بي حفيا } أي: رحيما رؤوفا بحالي، ~~معتنيا بي، فلم يزل يستغفر الله له رجاء أن يهديه الله، فلما تبين له ~~أنه عدو لله، وأنه لا يفيد فيه شيئا، ترك الاستغفار له، وتبرأ منه. وقد ~~أمرنا الله باتباع ملة إبراهيم، فمن اتباع ملته، سلوك طريقه في الدعوة ~~إلى الله، بطريق العلم والحكمة واللين والسهولة، والانتقال من مرتبة إلى ~~مرتبة، والصبر على ذلك، وعدم السآمة منه، والصبر على ما ينال الداعي من ~~أذى الخلق بالقول والفعل، ومقابلة ذلك بالصفح والعفو، بل بالإحسان القولي ~~والفعلي. فلما أيس من قومه وأبيه قال: { وأعتزلكم وما ~~تدعون من دون الله } أي: أنتم وأصنامكم { وأدعو ربي } ~~وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة { عسى ألا أكون ~~بدعآء ربي شقيا } أي: عسى الله ms0894 أن يسعدني بإجابة دعائي، وقبول ~~أعمالي، وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم، فاتبعوا أهواءهم، فلم تنجع فيهم ~~المواعظ، فأصروا في طغيانهم يعمهون، أن يشتغل بإصلاح نفسه، ويرجو القبول ~~من ربه، ويعتزل الشر وأهله. # ولما كان مفارقة الإنسان لوطنه ومألفه وأهله وقومه، من أشق شيء على ~~النفس، لأمور كثيرة معروفة، ومنها انفراده عمن يتعزز بهم ويتكثر، وكان من ~~ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، واعتزل إبراهيم قومه، قال الله في ~~حقه: { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ~~وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا } من إسحاق ويعقوب { ~~جعلنا نبيا } فحصل له هبة هؤلاء الصالحين المرسلين إلى الناس، ~~الذين خصهم الله بوحيه، واختارهم لرسالته، واصطفاهم من العالمين. { ~~ووهبنا لهم } أي: لإبراهيم وابنيه { من رحمتنا } وهذا ~~يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال ~~الصالحة، والذرية الكثيرة المنتشرة، الذين قد كثر فيهم الأنبياء ~~والصالحون، { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } وهذا أيضا ~~من الرحمة التي وهبها لهم، لأن الله وعد كل محسن، أن ينشر له ثناء ~~صادقا بحسب إحسانه، وهؤلاء من أئمة المحسنين، فنشر الله الثناء الحسن ~~الصادق غير الكاذب، العالي غير الخفي، فذكرهم ملأ الخافقين، والثناء ~~عليهم ومحبتهم، امتلأت بها القلوب، وفاضت بها الألسنة، فصاروا قدوة ~~للمقتدين، وأئمة للمهتدين، ولا تزال أذكارهم في سائر العصور، متجددة، ~~وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ### || [19.51-53] # أي: واذكر في هذا القرآن العظيم موسى بن عمران، على وجه التبجيل له ~~والتعظيم، والتعريف بمقامه الكريم، وأخلاقه الكاملة، { إنه كان ~~مخلصا } قرئ بفتح اللام، على معنى أن الله تعالى اختاره واستخلصه، ~~واصطفاه على العالمين. وقرئ بكسرها، على معنى أنه مخلص لله تعالى، في ~~جميع أعماله، وأقواله، ونياته، فوصفه الإخلاص في جميع أحواله، والمعنيان ~~متلازمان، فإن الله أخلصه لإخلاصه، وإخلاصه موجب لاستخلاصه، وأجل حالة ~~يوصف بها العبد، الإخلاص منه، والاستخلاص من ربه، { وكان رسولا ~~نبيا } أي: جمع الله له بين الرسالة والنبوة، فالرسالة تقتضي تبليغ ~~كلام المرسل، وتبليغ جميع ما جاء به ms0895 من الشرع، دقه وجله. والنبوة تقتضي ~~إيحاء الله إليه وتخصيصه بإنزال الوحي إليه، فالنبوة بينه وبين ربه، ~~والرسالة بينه وبين الخلق، بل خصه الله من أنواع الوحي، بأجل أنواعه ~~وأفضلها، وهو: تكليمه تعالى وتقريبه مناجيا لله تعالى، وبهذا اختص من ~~بين الأنبياء، بأنه كليم الرحمن، ولهذا قال: { وناديناه من ~~جانب الطور الأيمن } أي: الأيمن من موسى في وقت مسيره، أو ~~الأيمن، أي: الأبرك من اليمن والبركة. ويدل على هذا المعنى قوله ~~تعالى: # أن بورك من في النار ومن حولها # [النمل: 8] { وقربناه نجيا } والفرق بين النداء والنجاء، أن ~~النداء هو الصوت الرفيع، والنجاء ما دون ذلك، وفي هذه إثبات الكلام لله ~~تعالى وأنواعه، من النداء، والنجاء، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ~~خلافا لمن أنكر ذلك، من الجهمية، والمعتزلة، ومن نحا نحوهم. وقوله: { ~~ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا } هذا من ~~أكبر فضائل موسى وإحسانه، ونصحه لأخيه هارون، أنه سأل ربه أن يشركه في ~~أمره، وأن يجعله رسولا مثله، فاستجاب الله له ذلك، ووهب له من رحمته ~~أخاه هارون نبيا. فنبوة هارون تابعة لنبوة موسى عليهما السلام، فساعده ~~على أمره، وأعانه عليه. ### || [19.54-55] # أي: واذكر في القرآن الكريم، هذا النبي العظيم، الذي خرج منه الشعب ~~العربي، أفضل الشعوب وأجلها، الذي منهم سيد ولد آدم. { إنه كان ~~صادق الوعد } أي: لا يعد وعدا إلا وفى به، وهذا شامل للوعد الذي ~~يعقده مع الله أو مع العباد، ولهذا لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه ~~[له] وقال: # ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102] وفى بذلك ومكن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة ~~تصيب الإنسان، ثم وصفه بالرسالة والنبوة، التي [هي] أكبر منن الله على ~~عبده، وأهلها من الطبقة العليا من الخلق. { وكان يأمر أهله ~~بالصلاة والزكاة } أي: كان مقيما لأمر الله على أهله، ~~فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمنة للإحسان ~~إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصا أخص الناس عنده وهم أهله، ~~لأنهم أحق بدعوته من غيرهم. { وكان ms0896 عند ربه مرضيا } وذلك ~~بسبب امتثاله لمراضي ربه واجتهاده فيما يرضيه، ارتضاه الله وجعله من خواص ~~عباده وأوليائه المقربين، فرضي الله عنه، ورضي [هو] عن ربه. ### || [19.56-57] # أي: اذكر في الكتب على وجه التعظيم والإجلال، والوصف بصفات الكمال. { ~~إدريس إنه كان صديقا نبيا } جمع الله له بين ~~الصديقية، الجامعة للتصديق التام، والعلم الكامل، واليقين الثابت، والعمل ~~الصالح، وبين اصطفائه لوحيه، واختياره لرسالته، { ورفعناه مكانا ~~عليا } أي: رفع الله ذكره في العالمين، ومنزلته بين المقربين، فكان ~~عالي الذكر، عالي المنزلة. ### || [19.58] # لما ذكر هؤلاء الأنبياء المكرمين، وخواص المرسلين، وذكر فضائلهم ~~ومراتبهم قال: { أولئك الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين } أي: أنعم الله عليهم نعمة لا تلحق، ومنة لا تسبق، من ~~النبوة والرسالة، وهم الذين أمرنا أن ندعو الله أن يهدينا صراط الذين ~~أنعمت عليهم، وأن من أطاع الله، كان # مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين # الآية [النساء: 69]. وأن بعضهم { من ذرية ءادم وممن ~~حملنا مع نوح } أي: من ذريته { ومن ذرية إبراهيم ~~وإسرائيل } فهذه خير بيوت العالم، اصطفاهم الله، واختارهم، ~~واجتباهم، وكان حالهم عند تلاوة آيات الرحمن عليهم، المتضمنة للإخبار ~~بالغيوب وصفات علام الغيوب، والإخبار باليوم الآخر، والوعد والوعيد. { ~~خروا سجدا وبكيا } أي: خضعوا لآيات الله، وخشعوا لها، وأثرت ~~في قلوبهم من الإيمان والرغبة والرهبة، ما أوجب لهم البكاء والإنابة، ~~والسجود لربهم، ولم يكونوا من الذين إذا سمعوا آيات الله خروا عليها صما ~~وعميانا. وفي إضافة الآيات إلى اسمه { الرحمن } دلالة على أن ~~آياته، من رحمته بعباده وإحسانه إليهم، حيث هداهم بها إلى الحق، وبصرهم ~~من العمى، وأنقذهم من الضلالة، وعلمهم من الجهالة. ### || [19.59-63] # لما ذكر تعالى هؤلاء الأنبياء المخلصون المتبعون لمراضي ربهم، المنيبون ~~إليه، ذكر من أتى بعدهم، وبدلوا ما أمروا به، وأنه خلف من بعدهم خلف، ~~رجعوا إلى الخلف والوراء، فأضاعوا الصلاة التي أمروا بالمحافظة عليها ~~وإقامتها، فتهاونوا بها وضيعوها، وإذا ضيعوا الصلاة التي هي عماد الدين، ~~وميزان الإيمان والإخلاص لرب العالمين، التي هي آكد الأعمال، وأفضل ~~الخصال، ms0897 كانوا لما سواها من دينهم أضيع، وله أرفض، والسبب الداعي لذلك، ~~أنهم اتبعوا شهوات أنفسهم وإراداتها فصارت هممهم منصرفة إليها، مقدمة لها ~~على حقوق الله، فنشأ من ذلك التضييع لحقوقه، والإقبال على شهوات أنفسهم، ~~مهما لاحت لهم حصلوها، وعلى أي: وجه اتفقت تناولوها. { فسوف ~~يلقون غيا } أي: عذابا مضاعفا شديدا، ثم استثنى تعالى فقال: { ~~إلا من تاب } عن الشرك والبدع والمعاصي، فأقلع عنها وندم عليها، ~~وعزم عزما جازما أن لا يعاودها، { وآمن } بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر، { وعمل صالحا } وهو العمل الذي شرعه الله على ~~ألسنة رسله، إذا قصد به وجهه، { فأولئك } الذي جمعوا بين التوبة ~~والإيمان، والعمل الصالح، { يدخلون الجنة } المشتملة على ~~النعيم المقيم، والعيش السليم، وجوار الرب الكريم، { ولا يظلمون ~~شيئا } من أعمالهم، بل يجدونها كاملة، موفرة أجورها، مضاعفا عددها. ~~ثم ذكر أن الجنة التي وعدهم بدخولها، ليست كسائر الجنات، وإنما هي جنات ~~عدن، أي: جنات إقامة، لا ظعن فيها، ولا حول ولا زوال، وذلك لسعتها، ~~وكثرة ما فيها من الخيرات والسرور، والبهجة والحبور. { التي وعد ~~الرحمن عباده بالغيب } أي: التي وعدها الرحمن، أضافها ~~إلى اسمه { الرحمن } لأن فيها من الرحمة والإحسان، ما لا عين رأت، ~~ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب [بشر]. وسماها تعالى رحمته، فقال: # وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون # [آل عمران: 107]. وأيضا ففي إضافتها إلى رحمته، ما يدل على استمرار ~~سرورها، وأنها باقية ببقاء رحمته، التي هي أثرها وموجبها، والعباد في هذه ~~الآية، المراد: عباد إلهيته، الذين عبدوه، والتزموا شرائعه، فصارت ~~العبودية وصفا لهم كقوله: # وعباد الرحمن # [الفرقان: 63] ونحوه، بخلاف عباده المماليك فقط، الذين لم يعبدوه، ~~فهؤلاء وإن كانوا عبيدا لربوبيته، لأنه خلقهم ورزقهم ودبرهم، فليسوا ~~داخلين في عبيد إلهيته العبودية الاختيارية، التي يمدح صاحبها، وإنما ~~عبوديتهم عبودية اضطرار، لا مدح لهم فيها. وقوله: { بالغيب } يحتمل ~~أن تكون متعلقة ب { وعد الرحمن } فيكون المعنى على هذا، أن ~~الله وعدهم إياها وعدا غائبا، لم يشاهدوه ولم يروه، فآمنوا بها، ms0898 وصدقوا ~~غيبها، وسعوا لها سعيها، مع أنهم لم يروها، فكيف لو رأوها، لكانوا أشد ~~لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، وأكثر لها سعيا، ويكون في هذا، مدح له ~~بإيمانهم بالغيب، الذي هو الإيمان النافع. # ويحتمل أن تكون متعلقة بعباده، أي: الذين عبدوه في حال غيبهم وعدم ~~رؤيتهم إياه، فهذه عبادتهم ولم يروه، فلو رأوه، لكانوا أشد له عبادة، ~~وأعظم إنابة، وأكثر حبا، وأجل شوقا، ويحتمل أيضا، أن المعنى: هذه ~~الجنات التي وعدها الرحمن عباده، من الأمور التي لا تدركها الأوصاف، ولا ~~يعلمها أحد إلا الله، ففيه من التشويق لها، والوصف المجمل، ما يهيج ~~النفوس، ويزعج الساكن إلى طلبها، فيكون هذا مثل قوله: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17] والمعاني كلها صحيحة ثابتة، ولكن الاحتمال الأول أولى، ~~بدليل قوله: { إنه كان وعده مأتيا } لا بد من وقوعه، فإنه ~~لا يخلف الميعاد، وهو أصدق القائلين. { لا يسمعون فيها لغوا ~~} أي: كلاما لاغيا لا فائدة فيه، ولا ما يؤثم، فلا يسمعون فيها شتما، ~~ولا عيبا، ولا قولا فيه معصية لله، أو قولا مكدرا، { إلا سلاما ~~} أي: إلا الأقوال السالمة من كل عيب، من ذكر لله، وتحية، وكلام سرور، ~~وبشارة، ومطارحة الأحاديث الحسنة بين الإخوان، وسماع خطاب الرحمن، ~~والأصوات الشجية، من الحور والملائكة والولدان، والنغمات المطربة، ~~والألفاظ الرخيمة، لأن الدار، دار السلام، فليس فيها إلا السلام التام في ~~جميع الوجوه. { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } أي: ~~أرزاقهم من المآكل والمشارب، وأنواع اللذات، مستمرة حيثما طلبوا، وفي أي: ~~وقت رغبوا، ومن تمامها ولذاتها وحسنها، أن تكون في أوقات معلومة. { ~~بكرة وعشيا } ليعظم وقعها ويتم نفعها، فتلك الجنة التي وصفناها ~~بما ذكر { لجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ~~} أي: نورثها المتقين، ونجعلها منزلهم الدائم، الذي لا يظعنون عنه، ولا ~~يبغون عنه حولا، كما قال تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السموت والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. ### || [19.64-65] # استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه ms0899 السلام مرة في نزوله إليه ~~فقال له: # " لو تأتينا أكثر مما تأتينا " # - تشوقا إليه، وتوحشا لفراقه، وليطمئن قلبه بنزوله - فأنزل الله تعالى ~~على لسان جبريل: { وما نتنزل إلا بأمر ربك } أي: ليس ~~لنا من الأمر شيء، إن أمرنا، ابتدرنا أمره، ولم نعص له أمرا، كما قال ~~عنهم: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] فنحن عبيد مأمورون، { له ما بين أيدينا وما ~~خلفنا وما بين ذلك } أي: له الأمور الماضية والمستقبلة ~~والحاضرة، في الزمان والمكان، فإذا تبين أن الأمر كله لله، وأننا عبيد ~~مدبرون، فيبقى الأمر دائرا بين: " هل تقتضيه الحكمة الإلهية فينفذه؟ أم ~~لا تقتضيه فيؤخره "؟ ولهذا قال: { وما كان ربك نسيا } أي: لم ~~يكن لينساك ويهملك، كما قال تعالى: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] بل لم يزل معتنيا بأمورك، مجريا لك على أحسن عوائده ~~الجميلة، وتدابيره الجميلة. أي: فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا ~~يحزنك ذلك ولا يهمك، واعلم أن الله هو الذي أراد ذلك، لما له من الحكمة ~~فيه. ثم علل إحاطة علمه، وعدم نسيانه، بأنه { رب السموت ~~والأرض } فربوبيته للسماوات والأرض، وكونهما على أحسن نظام وأكمله، ~~ليس فيه غفلة ولا إهمال، ولا سدى، ولا باطل، برهان قاطع على علمه الشامل، ~~فلا تشغل نفسك بذلك، بل اشغلها بما ينفعك ويعود عليك طائله، وهو: عبادته ~~وحده لا شريك له، { واصطبر لعبادته } أي: اصبر نفسك عليها ~~وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكملها بحسب قدرتك، وفي الاشتغال بعبادة ~~الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات، كما قال تعالى: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه # [طه: 131] إلى أن قال: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # الآية [طه: 132]. { هل تعلم له سميا } أي: هل تعلم لله ~~مساميا ومشابها ومماثلا من المخلوقين. وهذا استفهام بمعنى النفي، ~~المعلوم بالعقل. أي: لا تعلم له مساميا ولا مشابها، لأنه الرب، وغيره ~~مربوب، الخالق، وغيره مخلوق، الغني من جميع الوجوه، وغيره فقير بالذات من ~~كل وجه، ms0900 الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وغيره ناقص ليس ~~فيه من الكمال إلا ما أعطاه الله تعالى، فهذا برهان قاطع على أن الله هو ~~المستحق لإفراده بالعبودية، وأن عبادته حق، وعبادة ما سواه باطل، فلهذا ~~أمر بعبادته وحده، والاصطبار لها، وعلل ذلك بكماله وانفراده بالعظمة ~~والأسماء الحسنى. ### || [19.66-67] # المراد بالإنسان هاهنا، كل منكر للبعث، مستبعد لوقوعه، فيقول - مستفهما ~~على وجه النفي والعناد والكفر - { أءذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا } أي: كيف يعيدني الله حيا بعد الموت، وبعد ما كنت رميما؟!! هذا ~~لا يكون ولا يتصور، وهذا بحسب عقله الفاسد ومقصده السيء، وعناده لرسل ~~الله وكتبه، فلو نظر أدنى نظر، وتأمل أدنى تأمل، لرأى استبعاده للبعث، في ~~غاية السخافة، ولهذا ذكر تعالى برهانا قاطعا، ودليلا واضحا، يعرفه كل ~~أحد على إمكان البعث فقال: { أولا يذكر الإنسن أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا } أي: أو لا يلفت نظره، ~~ويستذكر حالته الأولى، وأن الله خلقه أول مرة، ولم يك شيئا، فمن قدر على ~~خلقه من العدم، ولم يكن شيئا مذكورا، أليس بقادر على إنشائه بعد ما ~~تمزق، وجمعه بعد ما تفرق؟ وهذا كقوله: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. وفي قوله: { أولا يذكر الإنسن } دعوة للنظر، ~~بالدليل العقلي، بألطف خطاب، وأن إنكار من أنكر ذلك، مبني على غفلة منه ~~عن حاله الأولى، وإلا فلو تذكرها وأحضرها في ذهنه، لم ينكر ذلك. ### || [19.68-70] # أقسم الله تعالى وهو أصدق القائلين - بربوبيته، ليحشرن هؤلاء المنكرين ~~للبعث، هم وشياطينهم فيجمعهم لميقات يوم معلوم، { لشياطين ثم ~~لنحضرنهم حول جهنم جثيا } أي: جاثين على ركبهم من ~~شدة الأهوال، وكثرة الزلزال، وفظاعة الأحوال، منتظرين لحكم الكبير ~~المتعال، ولهذا ذكر حكمه فيهم فقال: { ثم لننزعن من كل ~~شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا } أي: ثم لننزعن ~~من كل طائفة وفرقة من الظالمين المشتركين في الظلم والكفر والعتو ~~أشدهم عتوا، وأعظمهم ظلما، وأكبرهم كفرا، فيقدمهم إلى العذاب، ثم هكذا ~~يقدم إلى العذاب، الأغلظ إثما، فالأغلظ، ms0901 وهم في تلك الحال متلاعنون، ~~يلعن بعضهم بعضا، ويقول أخراهم لأولاهم: # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت ~~أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل # [الأعراف: 38-39] وكل هذا تابع لعدله وحكمته وعلمه الواسع، ولهذا قال { ~~ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } أي: ~~علمنا محيط بمن هو أولى صليا بالنار، قد علمناهم، وعلمنا أعمالهم ~~واستحقاقها وقسطها من العذاب. ### || [19.71-72] # وهذا خطاب لسائر الخلائق، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، أنه ما منهم من ~~أحد، إلا سيرد النار، حكما حتمه الله على نفسه، وأوعد به عباده، فلا بد ~~من نفوذه، ولا محيد عن وقوعه. واختلف في معنى الورود، فقيل: ورودها، ~~حضورها للخلائق كلهم، حتى يحصل الانزعاج من كل أحد، ثم بعد، ينجي الله ~~المتقين. وقيل: ورودها، دخولها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما. وقيل: ~~الورود، هو المرور على الصراط، الذي هو على متن جهنم، فيمر الناس على قدر ~~أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، وكالريح، وكأجاويد الخيل، وكأجاويد ~~الركاب، ومنهم من يسعى، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم ~~من يخطف فيلقى في النار، كل بحسب تقواه، ولهذا قال: { ثم ننجي ~~الذين اتقوا } الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور { ~~ونذر الظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي { فيها جثيا } ~~وهذا بسبب ظلمهم وكفرهم، وجب لهم الخلود، وحق عليهم العذاب، وتقطعت بهم ~~الأسباب. ### || [19.73-74] # أي: وإذا تتلى على هؤلاء الكفار آياتنا بينات، أي: واضحات الدلالة على ~~وحدانية الله وصدق رسله، توجب لمن سمعها صدق الإيمان وشدة الإيقان، ~~قابلوها بضد ما يجب لها، واستهزؤوا بها وبمن آمن بها، واستدلوا بحسن ~~حالهم في الدنيا، على أنهم خير من المؤمنين، فقالوا معارضين للحق: { ~~أي الفريقين } أي: نحن والمؤمنون { خير مقاما } أي: في ~~الدنيا، من كثرة الأموال والأولاد، وتوفر الشهوات { وأحسن نديا ~~} أي مجلسا. أي: فاستنتجوا من هذه المقدمة الفاسدة، أنهم أكثر مالا ~~وأولادا، وقد حصلت لهم أكثر مطالبهم من الدنيا، ومجالسهم وأنديتهم ~~مزخرفة مزوقة. والمؤمنون بخلاف هذه الحال، ms0902 فهم خير من المؤمنين، وهذا ~~دليل في غاية الفساد، وهو من باب قلب الحقائق، وإلا فكثرة الأموال ~~والأولاد، وحسن المنظر، كثيرا ما يكون سببا لهلاك صاحبه، وشقائه، وشره، ~~ولهذا قال تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أحسن أثاثا } أي: متاعا، من أوان وفرش، وبيوت، وزخارف، وأحسن ~~رئيا، أي: أحسن مرأى ومنظرا، من غضارة العيش، وسرور اللذات، وحسن ~~الصور، فإذا كان هؤلاء المهلكون أحسن منهم أثاثا ورئيا، ولم يمنعهم ذلك ~~من حلول العقاب بهم، فكيف يكون هؤلاء، وهم أقل منهم وأذل، معتصمين من ~~العذاب # أكفركم خير من أولئكم أم لكم برآءة في ~~الزبر # [القمر: 43] وعلم من هذا، أن الاستدلال على خير الآخرة بخير الدنيا من ~~أفسد الأدلة، وأنه من طرق الكفار. ### || [19.75] # لما ذكر دليلهم الباطل، الدال على شدة عنادهم، وقوة ضلالهم، أخبر هنا، ~~أن من كان في الضلالة، بأن رضيها لنفسه وسعى فيها، فإن الله يمده منها، ~~ويزيده فيها حبا، عقوبة له على اختيارها على الهدى، قال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. { حتى إذا رأوا } أي: القائلون: # أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # [مريم: 73] { ما يوعدون إما العذاب } بقتل أو غيره { ~~وإما الساعة } التي هي باب الجزاء على الأعمال { فسيعلمون ~~من هو شر مكانا وأضعف جندا } أي: فحينئذ يتبين لهم ~~بطلان دعواهم، وأنها دعوى مضمحلة، ويتيقنون أنهم أهل الشر، { وأضعف ~~جندا } ولكن لا يفيدهم هذا العلم شيئا، لأنه لا يمكنهم الرجوع إلى ~~الدنيا، فيعملون غير عملهم الأول. ### || [19.76] # لما ذكر أنه يمد للظالمين في ضلالهم، ذكر أنه يزيد المهتدين هداية من ~~فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع، والعمل الصالح، فكل من سلك ~~طريقا في العلم والإيمان والعمل الصالح، زاده الله منه، وسهله عليه ~~ويسره له، ووهب له أمورا أخر، لا تدخل تحت كسبه، وفي هذا دليل على زيادة ~~الإيمان ونقصه، كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى: # ويزداد الذين ءامنوا إيمنا ms0903 # [المدثر: 31] # وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمنا # [الأنفال: 2]. ويدل عليه أيضا الواقع، فإن الإيمان قول القلب واللسان، ~~وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور، أعظم ~~تفاوت، ثم قال: { والباقيات الصالحات } أي: الأعمال الباقية، ~~التي لا تنقطع إذا انقطع غيرها، ولا تضمحل، هي الصالحات منها، من صلاة، ~~وزكاة، وصوم، وحج، وعمرة، وقراءة، وتسبيح، وتكبير، وتحميد، وتهليل، ~~وإحسان إلى المخلوقين، وأعمال قلبية وبدنية. فهذه الأعمال { خير عند ~~ربك ثوابا وخير مردا } أي: خير عند الله، ثوابها وأجرها، ~~وكثير للعاملين نفعها وردها، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل في غير ~~بابه، فإنه ما ثم غير الباقيات الصالحات، عمل ينفع، ولا يبقى لصاحبه ~~ثوابه ولا ينجع، ومناسبة ذكر الباقيات الصالحات -والله أعلم- أنه لما ذكر ~~أن الظالمين جعلوا أحوال الدنيا من المال والولد، وحسن المقام ونحو ذلك، ~~علامة لحسن حال صاحبها، أخبر هنا أن الأمر ليس كما زعموا، بل العمل الذي ~~هو عنوان السعادة ومنشور الفلاح، هو العمل بما يحبه الله ويرضاه. ### || [19.77-82] # أي: أفلا تتعجب من حالة هذا الكافر، الذي جمع بين كفره بآيات الله ~~ودعواه الكبيرة، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا، أي: يكون من أهل ~~الجنة، هذا من أعجب الأمور، فلو كان مؤمنا بالله وادعى هذه الدعوى، لسهل ~~الأمر. وهذه الآية - وإن كانت نازلة في كافر معين - فإنها تشمل كل كافر، ~~زعم أنه على الحق، وأنه من أهل الجنة، قال الله توبيخا له وتكذيبا: { ~~أطلع الغيب } أي: أحاط علمه بالغيب، حتى علم ما يكون، وأن من ~~جملة ما يكون، أنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا؟ { أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } أنه نائل ما قاله، أي: لم يكن شيء من ذلك، فعلم ~~أنه متقول، قائل ما لا علم له به. وهذا التقسيم والترديد، في غاية ~~ما يكون من الإلزام وإقامة الحجة فإن الذي يزعم أنه حاصل له خير عند الله ~~في الآخرة، لا يخلو: إما أن يكون قوله صادرا عن علم بالغيوب المستقبلة، ~~وقد علم أن هذا لله وحده، فلا أحد ms0904 يعلم شيئا من المستقبلات الغيبية، إلا ~~من أطلعه الله عليه من رسله. وإما أن يكون متخذا عهدا عند الله، ~~بالإيمان به، واتباع رسله، الذين عهد الله لأهله، وأوزع أنهم أهل الآخرة، ~~والناجون الفائزون. فإذا انتفى هذان الأمران، علم بذلك بطلان الدعوى، ~~ولهذا قال تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر كما زعم، فليس للقائل اطلاع ~~على الغيب، لأنه كافر، ليس عنده من علم الرسائل شيء، ولا اتخذ عند الرحمن ~~عهدا، لكفره وعدم إيمانه، ولكنه يستحق ضد ما تقوله، وأن قوله مكتوب ~~محفوظ، ليجازى عليه ويعاقب، ولهذا قال: { سنكتب ما يقول ~~ونمد له من العذاب مدا } أي: نزيده من أنواع العقوبات، ~~كما ازداد من الغي والضلال، { ونرثه ما يقول } أي: نرثه ماله ~~وولده، فينتقل من الدنيا فردا، بلا مال ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان { ~~ويأتينا فردا } فيرى من وخيم العذاب وأليم العقاب، ما هو جزاء ~~أمثاله من الظالمين. ### || [19.83-84] # وهذا من عقوبة الكافرين أنهم - لما لم يعتصموا بالله، ولم يتمسكوا بحبل ~~الله، بل أشركوا به ووالوا أعداءه، من الشياطين - سلطهم عليهم، وقيضهم ~~لهم، فجعلت الشياطين تؤزهم إلى المعاصي أزا، وتزعجهم إلى الكفر إزعاجا، ~~فيوسوسون لهم، ويوحون إليهم، ويزينون لهم الباطل، ويقبحون لهم الحق، ~~فيدخل حب الباطل في قلوبهم ويتشربها، فيسعى فيه سعي المحق في حقه، فينصره ~~بجهده ويحارب عنه، ويجاهد أهل الحق في سبيل الباطل، وهذا كله، جزاء له ~~على توليه من وليه وتوليه لعدوه، جعل له عليه سلطان، وإلا فلو آمن بالله، ~~وتوكل عليه، لم يكن له عليه سلطان، كما قال تعالى: # إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه والذين هم به مشركون # [النحل: 99-100]. { فلا تعجل عليهم } أي على هؤلاء الكفار ~~المستعجلين بالعذاب { إنما نعد لهم عدا } أي: أن لهم ~~أياما معدودة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون، نمهلهم ونحلم عنهم مدة ~~ليراجعوا أمر الله، فإذا لم ينجع فيهم ذلك أخذناهم أخذ عزيز مقتدر. ### || [19.85-87] # يخبر تعالى عن تفاوت الفريقين المتقين، والمجرمين، وأن ms0905 المتقين له - ~~باتقاء الشرك والبدع والمعاصي - يحشرهم إلى موقف القيامة مكرمين، مبجلين ~~معظمين، وأن مآلهم الرحمن، وقصدهم المنان، وفودا إليه، والوافد لا بد أن ~~يكون في قلبه من الرجاء، وحسن الظن بالوافد [إليه]، ما هو معلوم، ~~فالمتقون يفدون إلى الرحمن، راجين منه رحمته وعميم إحسانه، والفوز ~~بعطاياه في دار رضوانه، وذلك بسبب ما قدموه من العمل بتقواه، واتباع ~~مراضيه، وأن الله عهد إليهم بذلك الثواب على ألسنة رسله، فتوجهوا إلى ~~ربهم مطمئنين به، واثقين بفضله. وأما المجرمون، فإنهم يساقون إلى جهنم ~~وردا، أي: عطاشا، وهذا أبشع ما يكون من الحالات، سوقهم على وجه الذل ~~والصغار إلى أعظم سجن وأفظع عقوبة، وهو جهنم، في حال ظمأهم ونصبهم ~~يستغيثون فلا يغاثون، ويدعون فلا يستجاب لهم، ويستشفعون فلا يشفع لهم، ~~ولهذا قال: { لا يملكون الشفاعة } أي: ليست الشفاعة ملكهم، ~~ولا لهم منها شيء، وإنما هي لله تعالى # قل لله الشفاعة جميعا # [الزمر: 44] وقد أخبر أنه لا تنفعهم شفاعة الشافعين، لأنهم لم يتخذوا ~~عنده عهدا بالإيمان به وبرسله، وإلا فمن اتخذ عنده عهدا فآمن به وبرسله ~~واتبعهم، فإنه ممن ارتضاه الله، وتحصل له الشفاعة كما قال تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28] وسمى الله الإيمان به واتباع رسله عهدا، لأنه عهد في ~~كتبه وعلى ألسنة رسله، بالجزاء الجميل لمن اتبعهم. ### || [19.88-95] # وهذا تقبيح وتشنيع لقول المعاندين الجاحدين، الذين زعموا أن الرحمن اتخذ ~~ولدا، كقول النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، ~~والمشركين: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. { ~~لقد جئتم شيئا إدا } أي: عظيما وخيما، من عظيم أمره أنه ~~{ تكاد السموت } على عظمتها وصلابتها { يتفطرن منه } ~~أي: من هذا القول { وتنشق الأرض } منه، أي: تتصدع وتنفطر { ~~وتخر الجبال هدا } أي: تندك الجبال، { أن دعوا ~~للرحمن } أي: من أجل هذه الدعوى القبيحة تكاد هذه المخلوقات، أن ~~يكون منها ما ذكر. والحال أنه: { ما ينبغي } أي: لا يليق ولا يكون { ~~للرحمن أن يتخذ ولدا } وذلك لأن اتخاذه الولد، يدل على ~~نقصه ms0906 واحتياجه، وهو الغني الحميد. والولد أيضا، من جنس والده، والله ~~تعالى لا شبيه له ولا مثل ولا سمي. { إن كل من في ~~السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا } أي: ذليلا ~~منقادا، غير متعاص ولا ممتنع، الملائكة، والإنس، والجن وغيرهم، الجميع ~~مماليك، متصرف فيهم، ليس لهم من الملك شيء، ولا من التدبير شيء، فكيف ~~يكون له ولد، وهذا شأنه وعظمة ملكه؟!! { لقد أحصاهم وعدهم ~~عدا } أي: لقد أحاط علمه بالخلائق كلهم، أهل السماوات والأرض، وأحصاهم ~~وأحصى أعمالهم، فلا يضل ولا ينسى، ولا تخفى عليه خافية. { وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا } أي: لا أولاد، ولا مال، ولا أنصار، ~~ليس معه إلا عمله، فيجازيه الله ويوفيه حسابه، إن خيرا فخير، وإن شرا ~~فشر، كما قال تعالى: # ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة # [الأنعام: 94]. ### || [19.96] # هذا من نعمه على عباده، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، أن ~~وعدهم أنه يجعل لهم ودا، أي: محبة وودادا في قلوب أوليائه، وأهل ~~السماء والأرض، وإذا كان لهم في القلوب ود تيسر لهم كثير من أمورهم ~~وحصل لهم من الخيرات والدعوات والإرشاد والقبول والإمامة ما حصل، ولهذا ~~ورد في الحديث الصحيح: # " إن الله إذا أحب عبدا، نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه ~~جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل ~~السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض " # وإنما جعل الله لهم ودا، لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه. ### || [19.97-98] # يخبر تعالى عن نعمته تعالى، وأن الله يسر هذا القرآن الكريم بلسان ~~الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، يسر ألفاظه ومعانيه، ليحصل المقصود منه ~~والانتفاع به، { لتبشر به المتقين } بالترغيب في المبشر به ~~من الثواب العاجل والآجل، وذكر الأسباب الموجبة للبشارة، { وتنذر ~~به قوما لدا } أي: شديدين في باطلهم، أقوياء في كفرهم، فتنذرهم. ~~فتقوم عليهم الحجة، وتتبين لهم المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من ~~حي عن بينة. ثم توعدهم بإهلاك المكذبين قبلهم، فقال: { وكم ~~أهلكنا قبلهم من قرن } من قوم ms0907 نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، ~~وغيرهم من المعاندين المكذبين، لما استمروا في طغيانهم، أهلكهم الله فليس ~~لهم من باقية. { هل تحس منهم من أحد أو تسمع ~~لهم ركزا } والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل ~~بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-8] # { طه } من جملة الحروف المقطعة، المفتتح بها كثير من السور، وليست اسما ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، { مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } أي: ليس المقصود بالوحي، وإنزال القرآن عليك، وشرع الشريعة، ~~لتشقى بذلك، ويكون في الشريعة تكليف يشق على المكلفين، وتعجز عنه قوى ~~العاملين. وإنما الوحي والقرآن والشرع، شرعه الرحيم الرحمن، وجعله موصلا ~~للسعادة والفلاح والفوز، وسهله غاية التسهيل، ويسر كل طرقه وأبوابه، ~~وجعله غذاء للقلوب والأرواح، وراحة للأبدان، فتلقته الفطر السليمة ~~والعقول المستقيمة بالقبول والإذعان، لعلمها بما احتوى عليه من الخير في ~~الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { إلا تذكرة لمن يخشى } إلا ~~ليتذكر به من يخشى الله تعالى، فيتذكر ما فيه من الترغيب إلى أجل ~~المطالب، فيعمل بذلك، ومن الترهيب عن الشقاء والخسران، فيرهب منه، ويتذكر ~~به الأحكام الحسنة الشرعية المفصلة، التي كان مستقرا في عقله حسنها ~~مجملا، فوافق التفصيل ما يجده في فطرته وعقله، ولهذا سماه الله { ~~تذكرة } والتذكرة لشيء كان موجودا، إلا أن صاحبه غافل عنه، أو غير ~~مستحضر لتفصيله، وخص بالتذكرة { من يخشى } لأن غيره لا ينتفع به، ~~وكيف ينتفع به من لم يؤمن بجنة ولا نار، ولا في قلبه من خشية الله مثقال ~~ذرة؟ هذا ما لا يكون، # سيذكر من يخشى * ويتجنبها الأشقى * الذى ~~يصلى النار الكبرى # [الأعلى: 10-12] ثم ذكر جلالة هذا القرآن العظيم، وأنه تنزيل خالق الأرض ~~والسماوات، المدبر لجميع المخلوقات، أي: فاقبلوا تنزيله بغاية الإذعان ~~والمحبة والتسليم، وعظموه نهاية التعظيم. وكثيرا ما يقرن بين الخلق ~~والأمر، كما في هذه الآية، وكما في قوله: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] وفي قوله: # الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن # [الطلاق: 12] وذلك أنه ms0908 الخالق الآمر الناهي، فكما أنه لا خالق سواه فليس ~~على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم، وأيضا فإن خلقه للخلق ~~فيه التدبير القدري الكوني وأمره فيه التدبير الشرعي الديني، فكما أن ~~الخلق لا يخرج عن الحكمة، فلم يخلق شيئا عبثا، فكذلك لا يأمر ولا ينهى ~~إلا بما هو عدل وحكمة وإحسان فلما بين أنه الخالق المدبر، الآمر الناهي، ~~أخبر عن عظمته وكبريائه، فقال: { الرحمن على العرش } الذي ~~هو أرفع المخلوقات وأعظمها وأوسعها، { استوى } استواء يليق بجلاله، ~~ويناسب عظمته وجماله، فاستوى على العرش، واحتوى على الملك، { له ما ~~في السموت وما في الأرض وما بينهما } من ملك ~~وإنسي وجني، وحيوان، وجماد، ونبات، { وما تحت الثرى } أي: ~~الأرض، فالجميع ملك لله تعالى، عبيد مدبرون، مسخرون تحت قضائه وتدبيره، ~~ليس لهم من الملك شيء، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا ~~حياة ولا نشورا. # { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر } الكلام ~~الخفي { وأخفى } من السر، الذي في القلب، ولم ينطق به. أو السر: ما ~~خطر على القلب. { وأخفى } ما لم يخطر. يعلم تعالى أنه يخطر في وقته، ~~وعلى صفته، المعنى: أن علمه تعالى محيط بجميع الأشياء، دقيقها، وجليلها، ~~خفيها، وظاهرها، فسواء جهرت بقولك أو أسررته، فالكل سواء بالنسبة لعلمه ~~تعالى. فلما قرر كماله المطلق، بعموم خلقه، وعموم أمره ونهيه، وعموم ~~رحمته، وسعة عظمته، وعلوه على عرشه، وعموم ملكه، وعموم علمه، نتج من ذلك، ~~أنه المستحق للعبادة، وأن عبادته هي الحق التي يوجبها الشرع والعقل ~~والفطرة، وعبادة غيره باطلة، فقال: { لا إله إلا هو } أي: لا ~~معبود بحق، ولا مألوه بالحب، والذل، والخوف والرجاء، والمحبة والإنابة ~~والدعاء، إلا هو. { له الأسمآء الحسنى } أي له الأسماء ~~الكثيرة الكاملة الحسنى، من حسنها أنها كلها أسماء دالة على المدح، فليس ~~فيها اسم لا يدل على المدح والحمد، ومن حسنها أنها ليست أعلاما محضة، ~~وإنما هي أسماء وأوصاف، ومن حسنها أنها دالة على الصفات الكاملة، وأن له ~~من كل صفة أكملها وأعمها وأجلها، ms0909 ومن حسنها أنه أمر العباد أن يدعوه بها، ~~لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من يحفظها، ويحب من ~~يبحث عن معانيها ويتعبد له بها، قال تعالى: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180]. ### || [20.9-12] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الاستفهام التقريري ~~والتعظيم لهذه القصة والتفخيم لها: { هل أتاك حديث موسى } في ~~حاله التي هي مبدأ سعادته، ومنشأ نبوته، أنه رأى نارا من بعيد، وكان قد ~~ضل الطريق، وأصابه البرد، ولم يكن عنده ما يتدفأ به في سفره. { فقال ~~لأهله امكثوا إني آنست } أي: أبصرت { نارا } وكان ذلك ~~في جانب الطور الأيمن، { لعلي آتيكم منها بقبس } تصطلون ~~به { أو أجد على النار هدى } أي: من يهديني الطريق. وكان ~~مطلبه، النور الحسي والهداية الحسية، فوجد ثم النور المعنوي، نور ~~الوحي، الذي تستنير به الأرواح والقلوب، والهداية الحقيقية، هداية الصراط ~~المستقيم، الموصلة إلى جنات النعيم، فحصل له أمر لم يكن في حسابه، ولا ~~خطر بباله. { فلمآ أتاها } أي: النار التي آنسها من بعيد، وكانت - ~~في الحقيقة - نورا، وهي نار تحرق وتشرق، ويدل على ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره ~~" # فلما وصل إليها نودي منها، أي: ناداه الله، كما قال: # وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه ~~نجيا # [مريم: 52] { إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك ~~بالواد المقدس طوى } أخبره أنه ربه، وأمره أن يستعد ويتهيأ ~~لمناجاته، ويهتم لذلك، ويلقي نعليه، لأنه بالوادي المقدس المطهر المعظم، ~~ولو لم يكن من تقديسه، إلا أن الله اختاره لمناجاته كليمه موسى لكفى، ~~وقد قال كثير من المفسرين: " إن الله أمره أن يلقي نعليه، لأنهما من جلد ~~حمار " فالله أعلم بذلك. ### || [20.13-14] # { وأنا اخترتك } أي: تخيرتك واصطفيتك من الناس، وهذه أكبر نعمة ~~ومنة أنعم الله بها عليه، تقتضي من الشكر ما يليق بها، ولهذا قال: { ~~فاستمع لما يوحى } أي: ألق سمعك للذي أوحي إليك، فإنه حقيق ~~بذلك، لأنه أصل الدين ms0910 ومبدأه، وعماد الدعوة الإسلامية، ثم بين الذي يوحيه ~~إليه بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } أي: ~~الله المستحق الألوهية المتصف بها، لأنه الكامل في أسمائه وصفاته، ~~المنفرد بأفعاله، الذي لا شريك له ولا مثيل ولا كفو ولا سمي، { ~~فاعبدني } بجميع أنواع العبادة، ظاهرها وباطنها، أصولها وفروعها، ثم ~~خص الصلاة بالذكر وإن كانت داخلة في العبادة، لفضلها وشرفها، وتضمنها ~~عبودية القلب واللسان والجوارح. وقوله: { لذكري } اللام للتعليل أي: ~~أقم الصلاة لأجل ذكرك إياي، لأن ذكره تعالى أجل المقاصد، وهو عبودية ~~القلب، وبه سعادته، فالقلب المعطل عن ذكر الله، معطل عن كل خير، وقد خرب ~~كل الخراب، فشرع الله للعباد أنواع العبادات، التي المقصود منها إقامة ~~ذكره، وخصوصا الصلاة. قال الله تعالى: # اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله ~~أكبر # [العنكبوت: 45] أي: ما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء ~~والمنكر، وهذا النوع يقال له توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة، فالألوهية ~~وصفه تعالى، والعبودية وصف عبده. ### || [20.15] # { إن الساعة آتية } أي: لا بد من وقوعها { أكاد أخفيها ~~} أي: عن نفسي كما في بعض القراءات، كقوله تعالى: # يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند ~~الله # [الأحزاب: 63] وقال: # وعنده علم الساعة # [الزخرف: 85] فعلمها قد أخفاه عن الخلائق كلهم، فلا يعلمها ملك مقرب، ~~ولا نبي مرسل، والحكمة في إتيان الساعة { لتجزى كل نفس بما ~~تسعى } من الخير والشر، فهي الباب لدار الجزاء # ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى # [النجم: 31]. ### || [20.16] # أي: فلا يصدك ويشغلك عن الإيمان بالساعة، والجزاء، والعمل لذلك، من كان ~~كافرا بها، غير معتقد لوقوعها. يسعى في الشك فيها والتشكيك، ويجادل فيها ~~بالباطل، ويقيم من الشبه ما يقدر عليه، متبعا في ذلك هواه، ليس قصده ~~الوصول إلى الحق، وإنما قصاراه اتباع هواه، فإياك أن تصغي إلى من هذه ~~حاله، أو تقبل شيئا من أقواله وأعماله الصادرة عن الإيمان بها والسعي ~~لها سعيها، وإنما حذر الله تعالى عمن ms0911 هذه حاله لأنه من أخوف ما يكون على ~~المؤمن بوسوسته وتدجيله، وكون النفوس مجبولة على التشبه، والاقتداء ~~بأبناء الجنس، وفي هذا تنبيه وإشارة إلى التحذير عن كل داع إلى باطل، يصد ~~عن الإيمان الواجب، أو عن كماله، أو يوقع الشبهة في القلب، وعن النظر في ~~الكتب المشتملة على ذلك، وذكر في هذا الإيمان به، وعبادته، والإيمان ~~باليوم الآخر، لأن هذه الأمور الثلاثة أصول الإيمان، وركن الدين، وإذا ~~تمت تم أمر الدين، ونقصه أو فقده بنقصها، أو نقص شيء منها. وهذه نظير ~~قوله تعالى في الإخبار عن ميزان سعادة الفرق، الذين أوتوا الكتاب ~~وشقاوتهم: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون # [البقرة: 62]. # وقوله: { فتردى } أي: تهلك وتشقى، إن اتبعت طريق من يصد عنها، وقوله ~~تعالى: { وما تلك بيمينك يا... }. ### || [20.17-23] # لما بين الله لموسى أصل الإيمان، أراد أن يبين له ويريه من آياته ما ~~يطمئن به قلبه، وتقر به عينه، ويقوي إيمانه، بتأييد الله له على عدوه ~~فقال: { وما تلك بيمينك يموسى } هذا، مع علمه تعالى، ولكن ~~لزيادة الاهتمام في هذا الموضع، أخرج الكلام بطريق الاستفهام، فقال موسى: ~~{ هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي } ~~ذكر فيها هاتين المنفعتين، منفعة لجنس الآدمي، وهو أنه يعتمد عليها في ~~قيامه ومشيه، فيحصل فيها معونة. ومنفعة للبهائم، وهو أنه كان يرعى الغنم، ~~فإذا رعاها في شجر الخبط ونحوه، هش بها، أي: ضرب الشجر، ليتساقط ورقه، ~~فيرعاه الغنم. هذا الخلق الحسن من موسى عليه السلام، الذي من آثاره، حسن ~~رعاية الحيوان البهيم، والإحسان إليه دل على عناية من الله له واصطفاء، ~~وتخصيص تقتضيه رحمة الله وحكمته. { ولي فيها مآرب } أي: مقاصد { ~~أخرى } غير هذين الأمرين. ومن أدب موسى عليه السلام، أن الله لما ~~سأله عما في يمينه، وكان السؤال محتملا عن السؤال عن عينها، أو منفعتها ~~أجابه بعينها، ومنفعتها فقال الله له: { ألقها يموسى * ~~فألقاها فإذا هي ms0912 حية تسعى } انقلبت بإذن الله ثعبانا ~~عظيما، فولى موسى هاربا خائفا، ولم يعقب وفي وصفها بأنها تسعى، إزالة ~~لوهم يمكن وجوده، وهو أن يظن أنها تخييل لا حقيقة، فكونها تسعى يزيل هذا ~~الوهم. فقال الله لموسى: { خذها ولا تخف } أي: ليس عليك منها ~~بأس. { سنعيدها سيرتها الأولى } أي: هيئتها وصفتها، إذ كانت ~~عصا، فامتثل موسى أمر الله إيمانا به وتسليما، فأخذها، فعادت عصاه ~~التي كان يعرفها هذه - آية، ثم ذكر الآية الأخرى، فقال: { واضمم ~~يدك إلى جناحك } أي: أدخل يدك في جيبك، وضم عليك عضدك، الذي هو ~~جناح الإنسان { تخرج بيضآء من غير سوء } أي: بياضا ~~ساطعا، من غير عيب ولا برص { آية أخرى }. قال الله: # فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه ~~إنهم كانوا قوما فاسقين # [القصص: 32]. { لنريك من آياتنا الكبرى } أي: فعلنا ما ~~ذكرنا، من انقلاب العصا حية تسعى، ومن خروج اليد بيضاء للناظرين، لأجل أن ~~نريك من آياتنا الكبرى، الدالة على صحة رسالتك وحقيقة ما جئت به، فيطمئن ~~قلبك ويزداد علمك، وتثق بوعد الله لك بالحفظ والنصرة، ولتكون حجة وبرهانا ~~لمن أرسلت إليهم. ### || [20.24-36] # لما أوحى الله إلى موسى، ونبأه، وأراه الآيات الباهرات، أرسله إلى ~~فرعون، ملك مصر، فقال: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي: ~~تمرد وزاد على الحد في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، ~~حتى إنه ادعى الربوبية والألوهية - قبحه الله - أي: وطغيانه سبب لهلاكه، ~~ولكن من رحمة الله وحكمته وعدله، أنه لا يعذب أحدا، إلا بعد قيام الحجة ~~بالرسل، فحينئذ علم موسى عليه السلام أنه تحمل حملا عظيما، حيث أرسل ~~إلى هذا الجبار العنيد، الذي ليس له منازع في مصر من الخلق، وموسى عليه ~~السلام، وحده، وقد جرى منه ما جرى من القتل، فامتثل أمر ربه، وتلقاه ~~بالانشراح والقبول، وسأله المعونة وتيسير الأسباب، التي [هي] من تمام ~~الدعوة، فقال: { رب اشرح لي صدري } أي: وسعه وأفسحه، لأتحمل ~~الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدر قلبي بذلك، ولا يضيق صدري، فإن الصدر ~~إذا ضاق، لم يصلح ms0913 صاحبه لهداية الخلق ودعوتهم. قال الله لنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم: # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك # [آل عمران: 159] وعسى الخلق يقبلون الحق مع اللين وسعة الصدر وانشراحه ~~عليهم. { ويسر لي أمري } أي: سهل علي كل أمر أسلكه وكل طريق ~~أقصده في سبيلك، وهون علي ما أمامي من الشدائد، ومن تيسير الأمر أن ~~ييسر للداعي أن يأتي جميع الأمور من أبوابها، ويخاطب كل أحد بما يناسب ~~له، ويدعوه بأقرب الطرق الموصلة إلى قبول قوله. { واحلل عقدة ~~من لساني * يفقهوا قولي } وكان في لسانه ثقل لا يكاد يفهم ~~عنه الكلام، كما قال المفسرون، كما قال الله عنه أنه قال: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا # [القصص: 34] فسأل الله أن يحل منه عقدة، يفقهوا ما يقول فيحصل المقصود ~~التام من المخاطبة والمراجعة والبيان عن المعاني. { واجعل لي ~~وزيرا من أهلي } أي معينا يعاونني، ويؤازرني، ويساعدني على من ~~أرسلت إليهم، وسأل أن يكون من أهله، لأنه من باب البر، وأحق ببر الإنسان ~~قرابته، ثم عينه بسؤاله فقال: { هارون أخي * اشدد به أزري } ~~أي: قوني به، وشد به ظهري، قال الله: # قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا # [القصص: 35] { وأشركه في أمري } أي: في النبوة، بأن تجعله ~~نبيا رسولا، كما جعلتني. ثم ذكر الفائدة في ذلك فقال: { كي ~~نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا } علم عليه الصلاة ~~والسلام، أن مدار العبادات كلها والدين، على ذكر الله فسأل الله، أن يجعل ~~أخاه معه، يتساعدان ويتعاونان على البر والتقوى، فيكثر منهما ذكر الله من ~~التسبيح والتهليل، وغيره من أنواع العبادات. { إنك كنت بنا ~~بصيرا } تعلم حالنا وضعفنا وعجزنا وافتقارنا إليك في كل الأمور، وأنت ~~أبصر بنا من أنفسنا وأرحم، فمن علينا بما سألناك، وأجب لنا فيما ~~دعوناك. # فقال الله: { قد أوتيت سؤلك يموسى } أي: أعطيت جميع ما ~~طلبت، فسنشرح صدرك، ونيسر أمرك، ونحل عقدة من لسانك، يفقهوا قولك، ونشد ~~عضدك بأخيك هارون، # ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنآ ms0914 ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون # [القصص: 35]. وهذا السؤال من موسى عليه السلام، يدل على كمال معرفته ~~بالله وكمال فطنته ومعرفته للأمور، وكمال نصحه، وذلك أن الداعي إلى الله، ~~المرشد للخلق، خصوصا إذا كان المدعو من أهل العناد والتكبر والطغيان، ~~يحتاج إلى سعة صدر، وحلم تام، على ما يصيبه من الأذى، ولسان فصيح، يتمكن ~~من التعبير به عن ما يريده ويقصده، بل الفصاحة والبلاغة لصاحب هذا ~~المقام، من ألزم ما يكون، لكثرة المراجعات والمراوضات، ولحاجته لتحسين ~~الحق، وتزيينه بما يقدر عليه، ليحببه إلى النفوس، وإلى تقبيح الباطل ~~وتهجينه، لينفر عنه، ويحتاج مع ذلك أيضا، أن يتيسر له أمره، فيأتي ~~البيوت من أبوابها، ويدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ~~والمجادلة بالتي هي أحسن، يعامل الناس كلا بحسب حاله، وتمام ذلك، أن يكون ~~لمن هذه صفته، أعوان ووزراء، يساعدونه على مطلوبه، لأن الأصوات إذا كثرت، ~~لا بد أن تؤثر، فلذلك سأل عليه الصلاة والسلام هذه الأمور فأعطيها. وإذا ~~نظرت إلى حالة الأنبياء المرسلين إلى الخلق، رأيتهم بهذه الحال، بحسب ~~أحوالهم خصوصا، خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه في الذروة ~~العليا من كل صفة كمال، وله من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وفصاحة اللسان، ~~وحسن التعبير والبيان، والأعوان على الحق من الصحابة، فمن بعدهم، ما ليس ~~لغيره. ### || [20.37-41] # لما ذكر منته على عبده ورسوله، موسى بن عمران، في الدين، والوحي، ~~والرسالة، وإجابة سؤاله، ذكر نعمته عليه، وقت التربية، والتنقلات في ~~أطواره، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } حيث ~~ألهمنا أمك أن تقذفك في التابوت وقت الرضاع، خوفا من فرعون، لأنه أمر ~~بذبح أبناء بني إسرائيل، فأخفته أمه، وخافت عليه خوفا شديدا فقذفته في ~~التابوت، ثم قذفته في اليم، أي: شط نيل مصر، فأمر الله اليم، أن يلقيه في ~~الساحل، وقيض أن يأخذه، أعدى الأعداء لله ولموسى، ويتربى في أولاده، ~~ويكون قرة عين لمن رآه، ولهذا قال: { له وألقيت عليك ~~محبة مني } فكل من رآه أحبه { ولتصنع على عيني } ~~ولتتربى على نظري وفي حفظي ms0915 وكلاءتي، وأي نظر وكفالة، أجل وأكمل، من ~~ولاية البر الرحيم، القادر على إيصال مصالح عبده، ودفع المضار عنه؟! فلا ~~ينتقل من حالة إلى حالة، إلا والله تعالى هو الذي دبر ذلك لمصلحة موسى، ~~ومن حسن تدبيره، أن موسى لما وقع في يد عدوه، قلقت أمه قلقا شديدا، ~~وأصبح فؤادها فارغا، وكادت تخبر به، لولا أن الله ثبتها وربط على قلبها، ~~ففي هذه الحالة، حرم الله على موسى المراضع، فلا يقبل ثدي امرأة قط، ~~ليكون مآله إلى أمه فترضعه، ويكون عندها، مطمئنة ساكنة، قريرة العين، ~~فجعلوا يعرضون عليه المراضع، فلا يقبل ثديا، فجاءت أخت موسى، فقالت لهم: # هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له ناصحون # [القصص: 12]. { فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ~~ولا تحزن وقتلت نفسا } وهو القبطي، لما دخل المدينة وقت ~~غفلة من أهلها، وجد رجلين يقتتلان، واحد من شيعة موسى، والآخر من عدوه ~~قبطي # فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ~~فوكزه موسى فقضى عليه # [القصص: 15] فدعا الله وسأله المغفرة، فغفر له، ثم فر هاربا لما سمع أن ~~الملأ طلبوه، يريدون قتله. فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب، ومن ~~القتل، { وفتناك فتونا } أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك ~~مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، وأطوارك، حتى وصلت إلى ما وصلت ~~إليه، { فلبثت سنين في أهل مدين } حين فر هاربا من ~~فرعون وملئه، حين أرادوا قتله، فتوجه إلى مدين، ووصل إليها، وتزوج هناك، ~~ومكث عشر سنين، أو ثمان سنين، { ثم جئت على قدر يموسى } ~~أي: جئت مجيئا قد مضى به القدر، وعلمه الله وأراده في هذا الوقت وهذا ~~الزمان وهذا المكان، ليس مجيئك اتفاقا من غير قصد ولا تدبير منا، وهذا ~~يدل على كمال اعتناء الله بكليمه موسى عليه السلام، ولهذا قال: { ~~واصطنعتك لنفسي } أي: أجريت عليك صنائعي ونعمي، وحسن عوائدي، ~~وتربيتي، لتكون لنفسي حبيبا مختصا، وتبلغ في ذلك مبلغا لا يناله أحد ~~من الخلق، إلا النادر منهم، وإذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من ~~المخلوقين، ms0916 وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ~~ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك، فما ظنك بصنائع الرب القادر ~~الكريم، وما تحسبه يفعل بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه؟!! ### || [20.42-46] # لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال ~~له: { اذهب أنت وأخوك } هارون { بآياتي } أي: الآيات التي ~~مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع ~~آيات إلى فرعون وملئه، { ولا تنيا في ذكري } أي: لا تفترا، ولا ~~تكسلا عن مداومة ذكري بل استمرا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك # كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا # [طه: 33-34] فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف ~~حملها. { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } أي: جاوز الحد، في ~~كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه. { فقولا له قولا لينا } أي: ~~سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في ~~المقال، أو فظاظة في الأفعال، { لعله } بسبب القول اللين { ~~يتذكر } ما ينفعه فيأتيه، { أو يخشى } ما يضره فيتركه، فإن ~~القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسر القول اللين ~~في قوله: # فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك ~~فتخشى # [النازعات: 18-19] فإن في هذا الكلام، من لطف القول وسهولته، وعدم ~~بشاعته، ما لا يخفى على المتأمل، فإنه أتى ب " هل " الدالة على العرض ~~والمشاورة، التي لا يشمئز منها أحد، ودعاه إلى التزكي والتطهر من ~~الأدناس، التي أصلها التطهر من الشرك، الذي يقبله كل عقل سليم، ولم يقل " ~~أزكيك " بل قال " تزكى " أنت بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه، الذي رباه، ~~وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، التي ينبغي مقابلتها بشكرها، وذكرها ~~فقال: # وأهديك إلى ربك فتخشى # [النازعات: 19] فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب، ~~علم أنه لا ينجع فيه تذكير، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. { قالا ~~ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ } أي: يبادرنا ~~بالعقوبة والإيقاع بنا قبل أن تبلغه ms0917 رسالاتك، ونقيم عليه الحجة { أو ~~أن يطغى } أي: يتمرد عن الحق، ويطغى بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه، { ~~قال لا تخافآ } أن يفرط عليكما { إنني معكمآ أسمع ~~وأرى } أي: أنتما بحفظي ورعايتي، أسمع أقوالكما، وأرى جميع أحوالكما، ~~فلا تخافا منه، فزال الخوف عنهما، واطمأنت قلوبهما بوعد ربهما. ### || [20.47-48] # أي: فأتياه بهذين الأمرين، دعوته إلى الإسلام، وتخليص هذا الشعب الشريف ~~بني إسرائيل - من قيده وتعبيده لهم، ليتحرروا ويملكوا أمرهم، ويقيم فيهم ~~موسى شرع الله ودينه. { قد جئناك بآية } تدل على صدقنا # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # [الأعراف: 107-108] إلى آخر ما ذكر الله عنهما. { والسلام على ~~من اتبع الهدى } أي: من اتبع الصراط المستقيم، واهتدى بالشرع ~~المبين، حصلت له السلامة في الدنيا والآخرة. { إنا قد أوحي ~~إلينآ } أي خبر من عند الله لا من عند أنفسنا { أن العذاب ~~على من كذب وتولى } أي: كذب بأخبار الله، وأخبار رسله، ~~وتولى عن الانقياد لهم واتباعهم، وهذا فيه الترغيب لفرعون بالإيمان ~~والتصديق واتباعهما، والترهيب من ضد ذلك، ولكن لم يفد فيه هذا الوعظ ~~والتذكير، فأنكر ربه وكفر، وجادل في ذلك ظلما وعنادا. ### || [20.49-55] # أي: قال فرعون لموسى على وجه الإنكار: { فمن ربكما يموسى } ~~فأجاب موسى بجواب شاف كاف واضح، فقال: { ربنا الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى } أي: ربنا الذي خلق جميع المخلوقات، ~~وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، الدال على حسن صنعه من خلقه، من كبر ~~الجسم وصغره وتوسطه، وجميع صفاته، { ثم هدى } كل مخلوق إلى ما خلقه ~~له، وهذه الهداية العامة المشاهدة في جميع المخلوقات فكل مخلوق، تجده ~~يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عنه، حتى إن الله تعالى أعطى ~~الحيوان البهيم من العقل، ما يتمكن به على ذلك. وهذا كقوله تعالى: # الذي أحسن كل شيء خلقه # [السجدة: 7] فالذي خلق المخلوقات، وأعطاها خلقها الحسن، الذي لا تقترح ~~العقول فوق حسنه، وهداها لمصالحها، هو الرب على الحقيقة، فإنكاره إنكار ~~لأعظم الأشياء وجودا، وهو مكابرة ms0918 ومجاهرة بالكذب، فلو قدر أن الإنسان، ~~أنكر من الأمور المعلومة ما أنكر، كان إنكاره لرب العالمين أكبر من ذلك، ~~ولهذا لما لم يمكن فرعون، أن يعاند هذا الدليل القاطع، عدل إلى المشاغبة، ~~وحاد عن المقصود فقال لموسى: { فما بال القرون الأولى } أي: ~~ما شأنهم، وما خبرهم؟ وكيف وصلت بهم الحال، وقد سبقونا إلى الإنكار ~~والكفر، والظلم، والعناد، ولنا فيهم أسوة؟ فقال موسى: { علمها عند ~~ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } أي: قد أحصى ~~أعمالهم من خير وشر، وكتبه في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وأحاط به علما ~~وخبرا، فلا يضل عن شيء منها، ولا ينسى ما علمه منها. ومضمون ذلك، أنهم ~~قدموا إلى ما قدموا، ولاقوا أعمالهم، وسيجازون عليها، فلا معنى لسؤالك ~~واستفهامك يا فرعون عنهم، فتلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ~~فإن كان الدليل الذي أوردناه عليك، والآيات التي أريناكها، قد تحققت ~~صدقها ويقينها، وهو الواقع، فانقد إلى الحق، ودع عنك الكفر والظلم، وكثرة ~~الجدال بالباطل، وإن كنت قد شككت فيها أو رأيتها غير مستقيمة، فالطريق ~~مفتوح وباب البحث غير مغلق، فرد الدليل بالدليل، والبرهان بالبرهان، ولن ~~تجد لذلك سبيلا، ما دام الملوان. كيف وقد أخبر الله عنه، أنه جحدها مع ~~استيقانها، كما قال تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14] وقال موسى: # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السموت والأرض بصآئر # [الإسراء: 102] فعلم أنه ظالم في جداله، قصده العلو في الأرض. ثم استطرد ~~في هذا الدليل القاطع، بذكر كثير من نعمه وإحسانه الضروري، فقال: { ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا } أي: فراشا بحالة تتمكنون من ~~السكون فيها، والقرار، والبناء، والغراس، وإثارتها للازدراع وغيره، ~~وذللها لذلك، ولم يجعلها ممتنعة عن مصلحة من مصالحكم. # { وسلك لكم فيها سبلا } أي: نفذ لكم الطرق الموصلة، من أرض ~~إلى أرض، ومن قطر إلى قطر، حتى كان الآدميون يتمكنون من الوصول إلى جميع ~~الأرض بأسهل ما يكون، وينتفعون بأسفارهم، أكثر مما ينتفعون بإقامتهم. { ~~وأنزل من السمآء مآء ms0919 فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى } أي: أنزل المطر # فأحيا به الأرض بعد موتها # [البقرة: 164] وأنبت بذلك جميع أصناف النوابت على اختلاف أنواعها، وتشتت ~~أشكالها، وتباين أحوالها، فساقه، وقدره، ويسره، رزقا لنا ولأنعامنا، ~~ولولا ذلك لهلك من عليها من آدمي وحيوان، ولهذا قال: { كلوا ~~وارعوا أنعامكم } وسياقها على وجه الامتنان، ليدل ذلك على أن ~~الأصل في جميع النوابت الإباحة، فلا يحرم منهم إلا ما كان مضرا، كالسموم ~~ونحوه. { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } أي: لذوي العقول ~~الرزينة، والأفكار المستقيمة على فضل الله وإحسانه، ورحمته، وسعة جوده، ~~وتمام عنايته، وعلى أنه الرب المعبود، المالك المحمود، الذي لا يستحق ~~العبادة سواه، ولا الحمد والمدح والثناء، إلا من امتن بهذه النعم، وعلى ~~أنه على كل شيء قدير، فكما أحيا الأرض بعد موتها، إن ذلك لمحيي الموتى. ~~وخص الله أولي النهى بذلك، لأنهم المنتفعون بها، الناظرون إليها نظر ~~اعتبار، وأما من عداهم، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة، والأنعام السائمة، ~~لا ينظرون إليها نظر اعتبار، ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها، بل حظهم ~~حظ البهائم، يأكلون ويشربون، وقلوبهم لاهية، وأجسامهم معرضة. # وكأين من آية في السموت والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. ولما ذكر كرم الأرض، وحسن شكرها لما ينزله الله عليها من ~~المطر، وأنها بإذن ربها، تخرج النبات المختلف الأنواع، أخبر أنه خلقنا ~~منها، وفيها يعيدنا إذا متنا فدفنا فيها، ومنها يخرجنا تارة أخرى، فكما ~~أوجدنا منها من العدم، وقد علمنا ذلك وتحققناه، فسيعيدنا بالبعث منها بعد ~~موتنا، ليجازينا بأعمالنا التي عملناها عليها. وهذان دليلان على الإعادة ~~عقليان واضحان: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها ~~في إيجادهم. ### || [20.56-73] # { ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى * قال ~~أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * ~~فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال ~~موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * ~~فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى * قال لهم ~~موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا ~~فيسحتكم بعذاب ms0920 وقد خاب من افترى }. يخبر تعالى، أنه ~~أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع، جميع أنواعها العيانية، والأفقية ~~والنفسية، فما استقام ولا ارعوى، وإنما كذب وتولى، كذب الخبر، وتولى عن ~~الأمر والنهي، وجعل الحق باطلا، والباطل حقا، وجادل بالباطل ليضل ~~الناس، فقال: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك } ~~زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى، سحر وتمويه، المقصود منها ~~إخراجهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه، ~~فإن الطباع تميل إلى أوطانها، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها. ~~فأخبرهم أن موسى هذا قصده، ليبغضوه، ويسعوا في محاربته، فلنأتينك بسحر ~~مثل سحرك فأمهلنا، واجعل لنا { موعدا لا نخلفه نحن ولا ~~أنت مكانا سوى } أي: مستو علمنا وعلمك به، أو مكانا مستويا ~~معتدلا ليتمكن من رؤية ما فيه. فقال موسى: { موعدكم يوم ~~الزينة } وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، { وأن ~~يحشر الناس ضحى } أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ~~ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية ~~الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره، { فتولى فرعون ~~فجمع كيده } أي: جميع ما يقدر عليه، مما يكيد به موسى، فأرسل في ~~مدائنه من يحشر السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك متوفرا، ~~وعلمه علما مرغوبا فيه، فجمع خلقا كثيرا من السحرة، ثم أتى كل منهما ~~للموعد، واجتمع الناس للموعد. فكان الجمع حافلا، حضره الرجال والنساء، ~~والملأ، والأشراف، والعوام، والصغار، والكبار، وحضوا الناس على الاجتماع، ~~وقالوا للناس: # هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن ~~كانوا هم الغالبين # [الشعراء: 39-40] فحين اجتمعوا من جميع البلدان، وعظهم موسى عليه ~~السلام، وأقام عليهم الحجة، وقال لهم: { ويلكم لا تفتروا ~~على الله كذبا فيسحتكم بعذاب } أي: لا تنصروا ما أنتم ~~عليه من الباطل بسحركم وتغالبون الحق، وتفترون على الله الكذب، فيستأصلكم ~~بعذاب من عنده، ويخيب سعيكم وافتراؤكم، فلا تدركون ما تطلبون من النصر ~~والجاه عند فرعون وملئه، ولا تسلمون من عذاب الله، وكلام الحق لا بد أن ms0921 ~~يؤثر في القلوب، لا جرم ارتفع الخصام والنزاع بين السحرة لما سمعوا كلام ~~موسى، وارتبكوا، ولعل من جملة نزاعهم، الاشتباه في موسى، هل هو على الحق ~~أم لا؟ ولكن هم إلى الآن، ما تم أمرهم، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42] فحينئذ أسروا فيما بينهم النجوى، وأنهم يتفقون على مقالة ~~واحدة، لينجحوا في مقالهم وفعالهم، وليتمسك الناس بدينهم، والنجوى التي ~~أسروها فسرها بقوله: { قالوا إن هذان لساحران يريدان ~~أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما } كمقالة فرعون ~~السابقة، فإما أن يكون ذلك توافقا من فرعون والسحرة على هذه المقالة من ~~غير قصد، وإما أن يكون تلقينا منه لهم مقالته، التي صمم عليها وأظهرها ~~للناس، وزادوا على قول فرعون أن قالوا: { ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى } أي: طريقة السحر حسدكم عليها، وأراد أن يظهر عليكم، ليكون ~~له الفخر والصيت والشهرة، ويكون هو المقصود بهذا العلم، الذي أشغلتم ~~زمانكم فيه، ويذهب عنكم ما كنتم تأكلون بسببه، وما يتبع ذلك من الرياسة، ~~وهذا حض من بعضهم على بعض على الاجتهاد في مغالبته، ولهذا قالوا: { ~~فأجمعوا كيدكم } أي: أظهروه دفعة واحدة متظاهرين متساعدين ~~فيه، متناصرين، متفقا رأيكم وكلمتكم، { ثم ائتوا صفا } ليكون ~~أمكن لعملكم، وأهيب لكم في القلوب، ولئلا يترك بعضكم بعض مقدوره من ~~العمل، واعلموا أن من أفلح اليوم ونجح وغلب غيره، فإنه المفلح الفائز، ~~فهذا يوم له ما بعده من الأيام، فلله درهم ما أصلبهم في باطلهم، وأشدهم ~~فيه، حيث أتوا بكل سبب ووسيلة وممكن، ومكيدة يكيدون بها الحق، ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره، ويظهر الحق على الباطل، فلما تمت مكيدتهم، وانحصر ~~مقصدهم، ولم يبق إلا العمل { قالوا يموسى إمآ أن تلقي } ~~عصاك { وإمآ أن نكون أول من ألقى } خيروه، موهمين ~~أنهم على جزم من ظهورهم عليه بأي حالة كانت، فقال لهم موسى: { بل ~~ألقوا } فألقوا حبالهم وعصيهم، { فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه } أي: إلى موسى { من سحرهم } البليغ { أنها ~~تسعى } أي: أنها حيات تسعى ms0922 فلما خيل إلى موسى ذلك. { فأوجس ~~في نفسه خيفة موسى } كما هو مقتضى الطبيعة البشرية، وإلا فهو ~~جازم بوعد الله ونصره، { قلنا } له تثبيتا وتطمينا: { لا تخف ~~إنك أنت الأعلى } عليهم، أي: ستعلو عليهم وتقهرهم، ويذلوا لك ~~ويخضعوا. { وألق ما في يمينك } أي: عصاك { تلقف ما ~~صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى } أي: كيدهم ومكرهم، ليس بمثمر لهم ولا ناجح، فإنه من كيد ~~السحرة، الذين يموهون على الناس، ويلبسون الباطل، ويخيلون أنهم على الحق، ~~فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا كله وأكلته، والناس ينظرون لذلك ~~الصنيع، فعلم السحرة علما يقينا أن هذا ليس بسحر، وأنه من الله، ~~فبادروا للإيمان. # فألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب ~~العالمين * رب موسى وهارون # [الشعراء: 46-48] فوقع الحق وظهر وسطع، وبطل السحر والمكر والكيد، في ~~ذلك المجمع العظيم. # فصارت بينة ورحمة للمؤمنين، وحجة على المعاندين ف { قال } فرعون ~~للسحرة: { آمنتم له قبل أن ءاذن لكم } أي: كيف أقدمتم ~~على الإيمان من دون مراجعة مني ولا إذن؟ استغرب ذلك منهم، لأدبهم معه، ~~وذلهم، وانقيادهم له في كل أمر من أمورهم، وجعل هذا من ذاك. ثم استلج ~~فرعون في كفره وطغيانه بعد هذا البرهان، واستخف عقول قومه، وأظهر لهم أن ~~هذه الغلبة من موسى للسحرة ليس لأن الذي معه الحق، بل لأنه تمالأ هو ~~والسحرة، ومكروا، ودبروا أن يخرجوا فرعون وقومه من بلادهم، فقبل قومه هذا ~~المكر منه، وظنوه صدقا # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54] مع أن هذه المقالة التي قالها، لا تدخل عقل من له أدنى ~~مسكة من عقل ومعرفة بالواقع، فإن موسى أتى من مدين وحيدا، وحين أتى لم ~~يجتمع بأحد من السحرة ولا غيرهم، بل بادر إلى دعوة فرعون وقومه، وأراهم ~~الآيات، فأراد فرعون أن يعارض ما جاء به موسى فسعى ما أمكنه، وأرسل في ~~مدائنه من يجمع له كل ساحر عليم. فجاؤوا إليه ووعدهم الأجر والمنزلة عند ~~الغلبة، وهم حرصوا غاية الحرص، وكادوا أشد الكيد، على ms0923 غلبتهم لموسى، وكان ~~منهم ما كان، فهل يمكن أن يتصور مع هذا أن يكونوا دبروا هم وموسى واتفقوا ~~على ما صدر؟ هذا من أمحل المحال، ثم توعد فرعون السحرة فقال { ~~فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } كما يفعل ~~بالمحارب الساعي بالفساد، يقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، { ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل } أي: لأجل أن تشتهروا ~~وتختزوا، { ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } يعني ~~بزعمه هو أو الله، وأنه أشد عذابا من الله وأبقى، قلبا للحقائق، ~~وترهيبا لمن لا عقل له. ولهذا لما عرف السحرة الحق، ورزقهم الله من ~~العقل ما يدركون به الحقائق، أجابوه بقولهم: { لن نؤثرك على ~~ما جآءنا من البينات } أي: لن نختارك وما وعدتنا به من الأجر ~~والتقريب، على ما أرانا الله من الآيات البينات الدالات على أن الله هو ~~الرب المعبود وحده، المعظم المبجل وحده، وأن ما سواه باطل، ونؤثرك على ~~الذي فطرنا وخلقنا، هذا لا يكون { فاقض مآ أنت قاض } مما أوعدتنا ~~به من القطع، والصلب، والعذاب. { إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيآ } أي: إنما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا، ~~ينقضي ويزول ولا يضرنا، بخلاف عذاب الله، لمن استمر على كفره، فإنه دائم ~~عظيم. وهذا كأنه جواب منهم لقوله: { لنخل ولتعلمن أينآ ~~أشد عذابا وأبقى } وفي هذا الكلام، من السحرة، دليل على أنه ~~ينبغي للعاقل، أن يوازن بين لذات الدنيا، ولذات الآخرة، وبين عذاب ~~الدنيا، وعذاب الآخرة. { إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا } أي كفرنا ومعاصينا، فإن الإيمان مكفر للسيئات، والتوبة ~~تجب ما قبلها، وقولهم، { ومآ أكرهتنا عليه من السحر ~~} الذي عارضنا به الحق، هذا دليل على أنهم غير مختارين في عملهم المتقدم، ~~وإنما أكرههم فرعون إكراها. # والظاهر - والله أعلم - أن موسى لما وعظهم كما تقدم في قوله: { ~~ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب } أثر معهم، ووقع منهم موقعا كبيرا، ولهذا تنازعوا بعد هذا ~~الكلام والموعظة، ثم إن فرعون ألزمهم ذلك، وأكرههم على المكر الذي أجروه، ~~ولهذا تكلموا بكلامه السابق قبل إتيانهم، حيث ms0924 قالوا: { إن هذان ~~لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم ~~بسحرهما } فجروا على ما سنه لهم، وأكرههم عليه، ولعل هذه ~~النكتة التي قامت بقلوبهم من كراهتهم لمعارضة الحق بالباطل وفعلهم، ما ~~فعلوا على وجه الإغماض، هي التي أثرت معهم، ورحمهم الله بسببها، ووفقهم ~~للإيمان والتوبة، { والله خير } مما وعدتنا من الأجر والمنزلة ~~والجاه، وأبقى ثوابا وإحسانا لا ما يقول فرعون: { ولتعلمن ~~أينآ أشد عذابا وأبقى } يريد أنه أشد عذابا وأبقى وجميع ~~ما أتى من قصص موسى مع فرعون، يذكر الله فيه إذا أتى على قصة السحرة، أن ~~فرعون توعدهم بالقطع والصلب، ولم يذكر أنه فعل ذلك، ولم يأت في ذلك حديث ~~صحيح، والجزم بوقوعه أو عدمه، يتوقف على الدليل، والله أعلم بذلك وغيره، ~~ولكن توعده إياهم بذلك مع اقتداره، دليل على وقوعه، ولأنه لو لم يقع ~~لذكره الله، ولاتفاق الناقلين على ذلك. ### || [20.74-76] # يخبر تعالى أن من أتاه، وقدم عليه مجرما - أي: وصفه الجرم من كل وجه، ~~وذلك يستلزم الكفر - واستمر على ذلك حتى مات، فإن له نار جهنم، الشديد ~~نكالها، العظيمة أغلالها، البعيد قعرها، الأليم حرها وقرها، التي فيها من ~~العقاب ما يذيب الأكباد والقلوب، ومن شدة ذلك أن المعذب فيها لا يموت ولا ~~يحيا، لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة يتلذذ بها، وإنما حياته محشوة ~~بعذاب القلب والروح والبدن، الذي لا يقدر قدره، ولا يفتر عنه ساعة، ~~يستغيث فلا يغاث، ويدعو فلا يستجاب له. نعم، إذا استغاث، أغيث بماء ~~كالمهل يشوي الوجوه، وإذا دعا، أجيب ب # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. ومن يأت ربه مؤمنا به مصدقا لرسله، متبعا لكتبه { ~~قد عمل الصالحات } الواجبة والمستحبة، { فأولئك لهم ~~الدرجات العلى } أي: المنازل العاليات، وفي الغرف المزخرفات، ~~واللذات المتواصلات، والأنهار السارحات، والخلود الدائم، والسرور العظيم، ~~فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { وذلك } ~~الثواب، { وذلك جزآء من تزكى } أي: تطهر من الشرك والكفر ~~والفسوق والعصيان، إما أن لا يفعلها بالكلية، أو يتوب مما فعله منها، ~~وزكى ms0925 أيضا نفسه، ونماها بالإيمان والعمل الصالح، فإن للتزكية معنيين، ~~التنقية، وإزالة الخبث، والزيادة بحصول الخير، وسميت الزكاة زكاة، لهذين ~~الأمرين. ### || [20.77-79] # لما ظهر موسى بالبراهين على فرعون وقومه، مكث في مصر يدعوهم إلى ~~الإسلام، ويسعى في تخليص بني إسرائيل من فرعون وعذابه، وفرعون في عتو ~~ونفور، وأمره شديد على بني إسرائيل ويريه الله من الآيات والعبر، ما قصه ~~الله علينا في القرآن، وبنو إسرائيل لا يقدرون أن يظهروا إيمانهم ~~ويعلنوه، قد اتخذوا بيوتهم مساجد، وصبروا على فرعون وأذاه، فأراد الله ~~تعالى أن ينجيهم من عدوهم، ويمكن لهم في الأرض ليعبدوه جهرا، ويقيموا ~~أمره، فأوحى إلى نبيه موسى، أن سر أو سيروا أول الليل، ليتمادوا في ~~الأرض، وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونه، فخرجوا أول الليل، جميع بني ~~إسرائيل هم ونساؤهم وذريتهم، فلما أصبح أهل مصر إذا ليس فيها منهم داع ~~ولا مجيب، فحنق عليهم عدوهم فرعون، وأرسل في المدائن، من يجمع له الناس ~~ويحضهم على الخروج في أثر بني إسرائيل ليوقع بهم وينفذ غيظه، والله غالب ~~على أمره، فتكاملت جنود فرعون فسار بهم يتبع بني إسرائيل، فأتبعوهم ~~مشرقين، # فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون # [الشعراء: 61] وقلقوا وخافوا، البحر أمامهم، وفرعون من ورائهم، قد امتلأ ~~عليهم غيظا وحنقا، وموسى مطمئن القلب، ساكن البال، قد وثق بوعد ربه، ~~فقال: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] فأوحى الله إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه، فانفرق اثني ~~عشر طريقا، وصار الماء كالجبال العالية، عن يمين الطرق ويسارها، وأيبس ~~الله طرقهم التي انفرق عنها الماء، وأمرهم الله أن لا يخافوا من إدراك ~~فرعون، ولا يخشوا من الغرق في البحر، فسلكوا في تلك الطرق، فجاء فرعون ~~وجنوده، فسلكوا وراءهم، حتى إذا تكامل قوم موسى خارجين وقوم فرعون ~~داخلين، أمر الله البحر فالتطم عليهم، وغشيهم من اليم ما غشيهم، وغرقوا ~~كلهم، ولم ينجح منهم أحد، وبنو إسرائيل ينظرون إلى عدوهم، قد أقر الله ~~أعينهم بهلاكه. وهذا عاقبة الكفر والضلال، وعدم الاهتداء بهدي الله، ~~ولهذا قال تعالى: ms0926 { وأضل فرعون قومه } بما زين لهم من ~~الكفر، وتهجين ما أتى به موسى، واستخفافه إياهم، وما هداهم في وقت من ~~الأوقات، فأوردهم موارد الغي والضلال، ثم أوردهم مورد العذاب والنكال. ### || [20.80-82] # يذكر تعالى بني إسرائيل منته العظيمة عليهم بإهلاك عدوهم، ~~ومواعدته لموسى عليه السلام بجانب الطور الأيمن، لينزل عليه الكتاب، الذي ~~فيه الأحكام الجليلة، والأخبار الجميلة، فتتم عليهم النعمة الدينية، بعد ~~النعمة الدنيوية، ويذكر منته أيضا عليهم في التيه، بإنزال المن والسلوى، ~~والرزق الرغد الهني الذي يحصل لهم بلا مشقة، وأنه قال لهم: { كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } أي: واشكروه على ما أسدى إليكم من النعم ~~{ ولا تطغوا فيه } أي: في رزقه، فتستعملونه في معاصيه، وتبطرون ~~النعمة، فإنكم إن فعلتم ذلك، حل عليكم غضبي أي: غضبت عليكم، ثم عذبتكم، { ~~ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } أي: ردى وهلك، وخاب ~~وخسر، لأنه عدم الرضا والإحسان، وحل عليه الغضب والخسران. ومع هذا، ~~فالتوبة معروضة، ولو عمل العبد ما عمل من المعاصي، فلهذا قال: { وإني ~~لغفار } أي: كثير المغفرة والرحمة، لمن تاب من الكفر والبدعة ~~والفسوق، وآمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحا من ~~أعمال القلب والبدن، وأقوال اللسان. { ثم اهتدى } أي: سلك الصراط ~~المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدين القويم، فهذا يغفر الله ~~أوزاره، ويعفو عما تقدم من ذنبه وإصراره، لأنه أتى بالسبب الأكبر، ~~للمغفرة والرحمة، بل الأسباب كلها منحصرة في هذه الأشياء فإن التوبة ~~تجب ما قبلها، والإيمان والإسلام يهدم ما قبله، والعمل الصالح الذي هو ~~الحسنات، يذهب السيئات، وسلوك طرق الهداية بجميع أنواعها، من تعلم علم، ~~وتدبر آية أو حديث، حتى يتبين له معنى من المعاني يهتدي به، ودعوة إلى ~~دين الحق، ورد بدعة أو كفر أو ضلالة، وجهاد، وهجرة، وغير ذلك من جزئيات ~~الهداية، كلها مكفرات للذنوب محصلات لغاية المطلوب. ### || [20.83-86] # كان الله تعالى، قد واعد موسى أن يأتيه لينزل عليه التوراة ثلاثين ليلة، ~~فأتمها بعشر، فلما تم الميقات، بادر موسى عليه السلام إلى الحضور للموعد ~~شوقا ms0927 لربه، وحرصا على موعوده، فقال الله له: { ومآ أعجلك عن ~~قومك يموسى } أي: ما الذي قدمك عليهم؟ ولم لم تصبر حتى تقدم أنت ~~وهم؟ قال: { هم أولاء على أثري } أي: قريبا مني، وسيصلون في ~~أثري والذي عجلني إليك يا رب طلبا لقربك ومسارعة في رضاك، وشوقا إليك، ~~فقال الله له: { فإنا قد فتنا قومك من بعدك } أي: ~~بعبادتهم للعجل، ابتليناهم، واختبرناهم، فلم يصبروا، وحين وصلت إليهم ~~المحنة، كفروا { وأضلهم السامري }. { فأخرج لهم ~~عجلا جسدا } وصاغه فصار { له خوار فقالوا } لهم { ~~هذآ إلهكم وإله موسى } فنسيه موسى، فافتتن به بنو ~~إسرائيل، فعبدوه، ونهاهم هارون فلم ينتهوا، فلما رجع موسى إلى قومه وهو ~~غضبان أسف، أي: ممتلئ غيظا وحنقا وغما، قال لهم موبخا ومقبحا ~~لفعلهم: { يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } وذلك ~~بإنزال التوراة، { أفطال عليكم العهد } أي: المدة، فتطاولتم ~~غيبتي وهي مدة قصيرة؟ هذا قول كثير من المفسرين، ويحتمل أن معناه: أفطال ~~عليكم عهد النبوة والرسالة، فلم يكن لكم بالنبوة علم ولا أثر، واندرست ~~آثارها، فلم تقفوا منها على خبر، فانمحت آثارها لبعد العهد بها، فعبدتم ~~غير الله، لغلبة الجهل، وعدم العلم بآثار الرسالة؟ أي: ليس الأمر كذلك، ~~بل النبوة بين أظهركم، والعلم قائم، والعذر غير مقبول؟ أم أردتم بفعلكم، ~~أن يحل عليكم غضب من ربكم؟ أي: فتعرضتم لأسبابه واقتحمتم موجب عذابه، ~~وهذا هو الواقع، { فأخلفتم موعدي } حين أمرتكم بالاستقامة، ~~ووصيت بكم هارون، فلم ترقبوا غائبا، ولم تحترموا حاضرا. ### || [20.87-89] # أي: قالوا له: ما فعلنا الذي فعلنا عن تعمد منا، وملك منا لأنفسنا، ولكن ~~السبب الداعي لذلك، أننا تأثمنا من زينة القوم التي عندنا، وكانوا فيما ~~يذكرون استعاروا حليا كثيرا من القبط، فخرجوا وهو معهم وألقوه، وجمعوه ~~حين ذهب موسى ليراجعوه فيه إذا رجع. وكان السامري قد بصر يوم الغرق ~~بأثر الرسول، فسولت له نفسه أن يأخذ قبضة من أثره، وأنه إذا ألقاها على ~~شيء حيي، فتنة وامتحانا، فألقاها على ذلك العجل الذي صاغه بصورة عجل، ~~فتحرك العجل، وصار له خوار ms0928 وصوت، وقالوا: إن موسى ذهب يطلب ربه، وهو ~~هاهنا فنسيه، وهذا من بلادتهم، وسخافة عقولهم، حيث رأوا هذا الغريب الذي ~~صار له خوار، بعد أن كان جمادا، فظنوه إله الأرض والسماوات. { أفلا ~~يرون } أن العجل { ألا يرجع إليهم قولا } أي: لا ~~يتكلم ويراجعهم ويراجعونه، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، فالعادم للكمال ~~والكلام والفعال لا يستحق أن يعبد وهو أنقص من عابديه، فإنهم يتكلمون ~~ويقدرون على بعض الأشياء، من النفع والدفع، بإقدار الله لهم. ### || [20.90-94] # أي: إن اتخاذهم العجل، ليسوا معذورين فيه، فإنه وإن كانت عرضت لهم ~~الشبهة في أصل عبادته، فإن هارون قد نهاهم عنه، وأخبرهم أنه فتنة، وأن ~~ربهم الرحمن، الذي منه النعم الظاهرة والباطنة، الدافع للنقم وأنه أمرهم ~~أن يتبعوه ويعتزلوا العجل، فأبوا وقالوا: { لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى }. فأقبل موسى على أخيه ~~لائما له، وقال: { يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ~~* ألا تتبعن } فتخبرني لأبادر للرجوع إليهم؟ { أفعصيت ~~أمري } في قولي # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142]. فأخذ موسى برأس هارون ولحيته، يجره من الغضب والعتب ~~عليه فقال هارون { يبنؤم } ترقيق له، وإلا فهو شقيقه { لا ~~تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول ~~فرقت بين بني إسرآءيل ولم ترقب قولي } فإنك ~~أمرتني أن أخلفك فيهم، فلو تبعتك، لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك و ~~{ أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل } حيث تركتهم، وليس ~~عندهم راع ولا خليفة، فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم، فلا تجعلني مع القوم ~~الظالمين، ولا تشمت فينا الأعداء، فندم موسى على ما صنع بأخيه، وهو غير ~~مستحق لذلك ف # قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت ~~أرحم الراحمين # [الأعراف: 151] ثم أقبل على السامري. ### || [20.95-97] # أي: ما شأنك يا سامري، حيث فعلت ما فعلت؟، فقال: { بصرت بما لم ~~يبصروا به } وهو جبريل عليه السلام، على فرس رآه وقت خروجهم من ~~البحر، وغرق فرعون وجنوده على ما قاله المفسرون، فقبضت قبضة من أثر حافر ~~فرسه، فنبذتها ms0929 على العجل، { وكذلك سولت لي نفسي } أن ~~أقبضها، ثم أنبذها، فكان ما كان، فقال له موسى: { فاذهب } أي: تباعد ~~عني واستأخر مني { فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس ~~} أي: تعاقب في الحياة عقوبة، لا يدنو منك أحد، ولا يمسك أحد، حتى إن من ~~أراد القرب منك، قلت له: لا تمسني، ولا تقرب مني، عقوبة على ذلك، حيث مس ~~ما لم يمسه غيره، وأجرى ما لم يجره أحد، { وإن لك موعدا ~~لن تخلفه } فتجازى بعملك، من خير وشر، { وانظر إلى ~~إلهك الذي ظلت عليه عاكفا } أي: العجل { ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا } ففعل ~~موسى ذلك، فلو كان إلها، لامتنع ممن يريده بأذى ويسعى له بالإتلاف، وكان ~~قد أشرب العجل في قلوب بني إسرائيل، فأراد موسى عليه السلام إتلافه ~~وهم ينظرون، على وجه لا تمكن إعادته بالإحراق والسحق وذريه في اليم ~~ونسفه، ليزول ما في قلوبهم من حبه، كما زال شخصه، ولأن في إبقائه محنة، ~~لأن في النفوس أقوى داع إلى الباطل، فلما تبين لهم بطلانه، أخبرهم بمن ~~يستحق العبادة وحده لا شريك له، فقال: { إنمآ إلهكم الله ~~الذي لا إله إلا هو... }. ### || [20.98] # أي: لا معبود إلا وجهه الكريم، فلا يؤله، ولا يحب، ولا يرجى ولا ~~يخاف، ولا يدعى إلا هو، لأنه الكامل الذي له الأسماء الحسنى، ~~والصفات العلى، المحيط علمه بجميع الأشياء، الذي ما من نعمة بالعباد إلا ~~منه، ولا يدفع السوء إلا هو، فلا إله إلا هو، ولا معبود سواه. ### || [20.99-101] # يمتن الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بما قصه عليه من أنباء ~~السابقين، وأخبار السالفين، كهذه القصة العظيمة، وما فيها من الأحكام ~~وغيرها، التي لا ينكرها أحد من أهل الكتاب، فأنت لم تدرس أخبار الأولين، ~~ولم تتعلم ممن دراها، فإخبارك بالحق اليقين من أخبارهم، دليل على أنك ~~رسول الله حقا، وما جئت به صدق، ولهذا قال: { وقد آتيناك من ~~لدنا } أي: عطية نفيسة، ومنحة جزيلة من عندنا. { ذكرا } وهو هذا ~~القرآن الكريم، ذكر ms0930 للأخبار السابقة واللاحقة، وذكر يتذكر به ما لله ~~تعالى من الأسماء والصفات الكاملة، ويتذكر به أحكام الأمر والنهي، وأحكام ~~الجزاء، وهذا مما يدل على أن القرآن مشتمل على أحسن ما يكون من الأحكام، ~~التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها، ويذكر هذا القرآن ما أودع الله ~~فيها، وإذا كان القرآن ذكرا للرسول ولأمته، فيجب تلقيه بالقبول والتسليم ~~والانقياد والتعظيم، وأن يهتدى بنوره إلى الصراط المستقيم، وأن يقبلوا ~~عليه بالتعلم والتعليم. وأما مقابلته بالإعراض، أو ما هو أعظم منه من ~~الإنكار، فإنه كفر لهذه النعمة، ومن فعل ذلك، فهو مستحق للعقوبة، ولهذا ~~قال: { من أعرض عنه } فلم يؤمن به، أو تهاون بأوامره ونواهيه، ~~أو بتعلم معانيه الواجبة { فإنه يحمل يوم القيامة ~~وزرا } وهو ذنبه، الذي بسببه أعرض عن القرآن، وأولاه الكفر والهجران، ~~{ خالدين فيه } أي: في وزرهم، لأن العذاب هو نفس الأعمال، تنقلب ~~عذابا على أصحابها، بحسب صغرها وكبرها. { وسآء لهم يوم ~~القيامة حملا } أي: بئس الحمل الذي يحملونه، والعذاب الذي ~~يعذبونه يوم القيامة، ثم استطرد، فذكر أحوال يوم القيامة وأهواله فقال: { ~~يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين... }. ### || [20.102-104] # أي: إذا نفخ في الصور وخرج الناس من قبورهم، كل على حسب حاله، ~~فالمتقون يحشرون إلى الرحمن وفدا، والمجرمون يحشرون زرقا ألوانهم من ~~الخوف والقلق والعطش، يتناجون بينهم، ويتخافتون في قصر مدة الدنيا، وسرعة ~~الآخرة، فيقول بعضهم: ما لبثتم إلا عشرة أيام، ويقول بعضهم غير ذلك، ~~والله يعلم تخافتهم، ويسمع ما يقولون { إذ يقول أمثلهم ~~طريقة } أي: أعدلهم وأقربهم إلى التقدير { إن لبثتم إلا ~~يوما }. والمقصود من هذا، الندم العظيم، كيف ضيعوا الأوقات القصيرة، ~~وقطعوها ساهين لاهين، معرضين عما ينفعهم، مقبلين على ما يضرهم، فها قد ~~حضر الجزاء، وحق الوعيد، فلم يبق إلا الندم، والدعاء بالويل والثبور. كما ~~قال تعالى: # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين * قال إن ~~لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون # [المؤمنون: 112-114]. ### || [20.105-112] # يخبر تعالى عن أهوال القيامة، وما ms0931 فيها من الزلازل والقلاقل، فقال: { ~~ويسألونك عن الجبال } أي: ماذا يصنع بها يوم القيامة، وهل ~~تبقى بحالها أم لا؟ { فقل ينسفها ربي نسفا } أي: يزيلها ~~ويقلعها من أماكنها فتكون كالعهن وكالرمل، ثم يدكها فيجعلها هباء ~~منبثا، فتضمحل وتتلاشى، ويسويها بالأرض، ويجعل الأرض قاعا صفصفا، ~~مستويا لا يرى فيه أيها الناظر عوجا، هذا من تمام استوائها { ولا ~~أمتا } أي: أودية وأماكن منخفضة، أو مرتفعة فتبرز الأرض، وتتسع ~~للخلائق، ويمدها الله مد الأديم، فيكونون في موقف واحد، يسمعهم الداعي، ~~وينفذهم البصر، ولهذا قال: { يومئذ يتبعون الداعي } وذلك ~~حين يبعثون من قبورهم ويقومون منها، يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع ~~للموقف، فيتبعونه مهطعين إليه، لا يلتفتون عنه، ولا يعرجون يمنة ولا ~~يسرة، وقوله: { لا عوج له } أي: لا عوج لدعوة الداعي، بل تكون ~~دعوته حقا وصدقا، لجميع الخلق، يسمعهم جميعهم، ويصيح بهم أجمعين، ~~فيحضرون لموقف القيامة، خاشعة أصواتهم للرحمن، { فلا تسمع إلا ~~همسا } أي: إلا وطء الأقدام، أو المخافتة سرا بتحريك الشفتين فقط، ~~يملكهم الخشوع والسكون والإنصات، انتظارا لحكم الرحمن فيهم، وتعنو ~~وجوههم، أي: تذل وتخضع، فترى في ذلك الموقف العظيم، الأغنياء والفقراء، ~~والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ساكتين منصتين، ~~خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، عانية وجوههم، لا يدرون ~~ماذا ينفصل كل منهم به، ولا ماذا يفعل به، قد اشتغل كل بنفسه وشأنه، ~~عن أبيه وأخيه، وصديقه وحبيبه # لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 37] فحينئذ يحكم فيهم الحاكم العدل الديان، ويجازي المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بالحرمان. والأمل بالرب الكريم، الرحمن الرحيم، أن يرى ~~الخلائق منه، من الفضل والإحسان، والعفو والصفح والغفران، ما لا تعبر عنه ~~الألسنة، ولا تتصوره الأفكار، ويتطلع لرحمته إذ ذاك جميع الخلق لما ~~يشاهدونه [فيختص المؤمنون به وبرسله بالرحمة]، فإن قيل: من أين لكم هذا ~~الأمل؟ وإن شئت قلت: من أين لكم هذا العلم بما ذكر؟ قلنا: لما نعلمه من ~~غلبة رحمته لغضبه، ومن سعة جوده، الذي عم جميع البرايا، ومما نشاهده في ~~أنفسنا وفي غيرنا، من النعم ms0932 المتواترة في هذه الدار، وخصوصا في فصل ~~القيامة، فإن قوله: { وخشعت الأصوات للرحمن } ، { ~~إلا من أذن له الرحمن } مع قوله # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26] مع قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله مائة رحمة، أنزل لعباده رحمة، بها يتراحمون ويتعاطفون، حتى إن ~~البهيمة ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تطأه - أي:- من الرحمة المودعة في ~~قلبها، فإذا كان يوم القيامة، ضم هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة، فرحم ~~بها العباد ". # مع قوله صلى الله عليه وسلم: # " لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها " # ، فقل ما شئت عن رحمته، فإنها فوق ما تقول، وتصور ما شئت، فإنها فوق ~~ذلك، فسبحان من رحم في عدله وعقوبته، كما رحم في فضله وإحسانه ومثوبته، ~~وتعالى من وسعت رحمته كل شيء، وعم كرمه كل حي، وجل من غني عن ~~عباده، رحيم بهم، وهم مفتقرون إليه على الدوام، في جميع أحوالهم، فلا غنى ~~لهم عنه طرفة عين. وقوله: { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا ~~من أذن له الرحمن ورضي له قولا } أي: لا يشفع أحد ~~عنده من الخلق، إلا إذا أذن في الشفاعة، ولا يأذن إلا لمن رضي قوله، أي: ~~شفاعته، من الأنبياء والمرسلين، وعباده المقربين، فيمن ارتضى قوله وعمله، ~~وهو المؤمن المخلص، فإذا اختل واحد من هذه الأمور، فلا سبيل لأحد إلى ~~شفاعة من أحد. وينقسم الناس في ذلك الموقف قسمين: ظالمين بكفرهم وشرهم، ~~فهؤلاء لا ينالهم إلا الخيبة والحرمان، والعذاب الأليم في جهنم، وسخط ~~الديان. والقسم الثاني: من آمن الإيمان المأمور به، وعمل صالحا من واجب ~~ومسنون { فلا يخاف ظلما } أي: زيادة في سيئاته { ولا هضما } ~~أي: نقصا من حسناته، بل تغفر ذنوبه، وتطهر عيوبه، وتضاعف حسناته، # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40]. ### || [20.113] # أي: وكذلك أنزلنا هذا الكتاب، باللسان الفاضل العربي، الذي تفهمونه ~~وتفقهونه، ولا يخفى عليكم لفظه، ولا معناه. { وصرفنا فيه من ~~الوعيد } أي: نوعناها أنواعا كثيرة، تارة بذكر أسمائه الدالة ~~على العدل والانتقام، وتارة بذكر المثلات التي أحلها بالأمم ms0933 السابقة، ~~وأمر أن تعتبر بها الأمم اللاحقة، وتارة بذكر آثار الذنوب، وما تكسبه من ~~العيوب، وتارة بذكر أهوال القيامة، وما فيها من المزعجات والمقلقات، ~~وتارة بذكر جهنم وما فيها من أنوع العقاب وأصناف العذاب، كل هذا رحمة ~~بالعباد، لعلهم يتقون الله فيتركون من الشر والمعاصي ما يضرهم، { أو ~~يحدث لهم ذكرا } فيعملون من الطاعات والخير ما ينفعهم، فكونه ~~عربيا، وكونه مصرفا فيه [من] الوعيد، أكبر سبب، وأعظم داع للتقوى ~~والعمل الصالح، فلو كان غير عربي، أو غير مصرف فيه، لم يكن له هذا الأثر. ### || [20.114] # لما ذكر تعالى حكمه الجزائي في عباده، وحكمه الأمري الديني، الذي أنزله ~~في كتابه، وكان هذا من آثار ملكه قال: { فتعلى الله } أي: جل ~~وارتفع وتقدس عن كل نقص وآفة، { الملك } الذي الملك وصفه، والخلق ~~كلهم مماليك له، وأحكام الملك القدرية والشرعية، نافذة فيهم. { الحق ~~} أي: وجوده وملكه وكماله حق، فصفات الكمال، لا تكون حقيقة إلا لذي ~~الجلال، ومن ذلك: الملك، فإن غيره من الخلق، وإن كان له ملك في بعض ~~الأوقات، على بعض الأشياء، فإنه ملك قاصر باطل يزول، وأما الرب، فلا يزال ~~ولا يزول ملكا حيا قيوما جليلا. { ولا تعجل بالقرءان ~~من قبل أن يقضى إليك وحيه } أي: لا تبادر بتلقف ~~القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه، فإذا فرغ منه فاقرأه، ~~فإن الله قد ضمن لك جمعه في صدرك وقراءتك إياه، كما قال تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ~~ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 16-19] ولما كانت عجلته صلى الله عليه وسلم، على تلقف ~~الوحي ومبادرته إليه تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه، أمره الله ~~تعالى أن يسأله زيادة العلم، فإن العلم خير، وكثرة الخير مطلوبة، وهي من ~~الله، والطريق إليها الاجتهاد، والشوق للعلم وسؤال الله، والاستعانة به، ~~والافتقار إليه في كل وقت. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة، الأدب في تلقي ~~العلم، وأن المستمع للعلم ينبغي له أن يتأنى ويصبر ms0934 حتى يفرغ المملي ~~والمعلم من كلامه المتصل بعضه ببعض، فإذا فرغ منه سأل إن كان عنده سؤال، ~~ولا يبادر بالسؤال وقطع كلام ملقي العلم فإنه سبب للحرمان، وكذلك ~~المسؤول، ينبغي له أن يستملي سؤال السائل، ويعرف المقصود منه قبل الجواب، ~~فإن ذلك سبب لإصابة الصواب. ### || [20.115] # أي: ولقد وصينا آدم وأمرناه، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به، فالتزمه، ~~وأذعن له وانقاد، وعزم على القيام به، ومع ذلك نسي ما أمر به، وانتقضت ~~عزيمته المحكمة، فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذريته، وصارت طبائعهم مثل ~~طبيعته، نسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ فخطئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد، ~~وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقر بها واعترف، فغفرت له، ومن ~~يشابه أباه فما ظلم. ثم ذكر تفصيل ما أجمله فقال: { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا... }. ### || [20.116-122] # أي: لما أكمل خلق آدم بيده، وعلمه الأسماء، وفضله، وكرمه، أمر الملائكة ~~بالسجود له، إكراما وتعظيما وإجلالا، فبادروا بالسجود ممتثلين، وكان ~~بينهم إبليس، فاستكبر عن أمر ربه، وامتنع من السجود لآدم وقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12] فتبينت حينئذ عداوته البليغة لآدم وزوجه، لما كان عدوا ~~لله، وظهر من حسده، ما كان سبب العداوة، فحذر الله آدم وزوجه منه، وقال { ~~فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } إذا أخرجت منها، ~~فإن لك فيها الرزق الهني، والراحة التامة. { إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } ~~أي: تصيبك الشمس بحرها، فضمن له استمرار الطعام والشراب، والكسوة، ~~والماء، وعدم التعب والنصب، ولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال: # ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظلمين # [البقرة: 35] فلم يزل الشيطان يسول لهما، ويزين أكل الشجرة، ويقول: { ~~هل أدلك على شجرة الخلد } أي: الشجرة التي من أكل منها ~~خلد في الجنة. { وملك لا يبلى } أي: لا ينقطع إذا أكلت ~~منها، فأتاه بصورة ناصح، وتلطف له في الكلام، فاغتر به آدم، وأكلا من ~~الشجرة فسقط في أيديهما، وسقطت كسوتهما، واتضحت معصيتهما، وبدا لكل ms0935 ~~منهما سوأة الآخر، بعد أن كانا مستورين، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق ~~أشجار الجنة ليستترا بذلك، وأصابهما من الخجل ما الله به عليم. { ~~وعصى ءادم ربه فغوى } فبادرا إلى التوبة والإنابة، وقالا: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23] فاجتباه ربه، واختاره، ويسر له التوبة { فتاب عليه ~~وهدى } فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها، ورجع كيد العدو عليه، وبطل ~~مكره، فتمت النعمة عليه وعلى ذريته، ووجب عليهم القيام بها والاعتراف، ~~وأن يكونوا على حذر من هذا العدو المرابط الملازم لهم، ليلا ونهارا # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من ~~حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليآء ~~للذين لا يؤمنون # [الأعراف: 27]. ### || [20.123-127] # يخبر تعالى، أنه أمر آدم وإبليس أن يهبطا إلى الأرض، وأن يتخذوا [آدم ~~وبنوه] الشيطان عدوا لهم، فيأخذوا الحذر منه، ويعدوا له عدته ~~ويحاربوه، وأنه سينزل عليهم كتبا، ويرسل إليهم رسلا يبينون لهم الطريق ~~المستقيم الموصلة إليه وإلى جنته، ويحذرونهم من هذا العدو المبين، وأنهم ~~أي: وقت جاءهم ذلك الهدى، الذي هو الكتب والرسل، فإن من اتبعه اتبع ما ~~أمر به، واجتنب ما نهي عنه، فإنه لا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا ~~يشقى فيهما، بل قد هدي إلى صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة، وله ~~السعادة والأمن في الآخرة. وقد نفى عنه الخوف والحزن في آية أخرى، بقوله: # فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38] واتباع الهدى، بتصديق الخبر، وعدم معارضته بالشبه، وامتثال ~~الأمر بأن لا يعارضه بشهوة. { ومن أعرض عن ذكري } أي: كتابي ~~الذي يتذكر به جميع المطالب العالية، وأن يتركه على وجه الإعراض عنه، أو ~~ما هو أعظم من ذلك، بأن يكون على وجه الإنكار له، والكفر به { فإن ~~له معيشة ضنكا } أي: فإن جزاءه، أن نجعل معيشته ضيقة مشقة، ولا ~~يكون ذلك إلا عذابا. وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، وأنه يضيق عليه ~~قبره، ms0936 ويحصر فيه ويعذب، جزاء لإعراضه عن ذكر ربه، وهذه إحدى الآيات ~~الدالة على عذاب القبر. والثانية قوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم # الآية [الأنعام: 93]. والثالثة قوله: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر # [السجدة: 21]. والرابعة قوله عن آل فرعون: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # الآية [غافر: 46]. والذي أوجب لمن فسرها بعذاب القبر فقط من السلف، ~~وقصرها على ذلك - والله أعلم - آخر الآية، وأن الله ذكر في آخرها عذاب ~~يوم القيامة. وبعض المفسرين، يرى أن المعيشة الضنك، عامة في دار الدنيا، ~~بما يصيب المعرض عن ذكر ربه، من الهموم والغموم والآلام، التي هي عذاب ~~معجل، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة الضنك، وعدم ~~تقييدها. { ونحشره } أي: هذا المعرض عن ذكر ربه { يوم ~~القيامة أعمى } البصر على الصحيح، كما قال تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97]. قال على وجه الذل والمراجعة والتألم والضجر من هذه ~~الحالة: { رب لم حشرتني أعمى وقد كنت } في دار ~~الدنيا { بصيرا } فما الذي صيرني إلى هذه الحالة البشعة. { قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها } بإعراضك عنها { وكذلك ~~اليوم تنسى } أي: تترك في العذاب، فأجيب، بأن هذا هو عين عملك، ~~والجزاء من جنس العمل، فكما عميت عن ذكر ربك، وعشيت عنه ونسيته ونسيت حظك ~~منه، أعمى الله بصرك في الآخرة، فحشرت إلى النار أعمى، أصم، أبكم، وأعرض ~~عنك، ونسيك في العذاب. { وكذلك } أي: هذا الجزاء { نجزي } به { ~~من أسرف } بأن تعدى الحدود، وارتكب المحارم وجاوز ما أذن له { ~~ولم يؤمن بآيات ربه } الدالة على جميع مطالب الإيمان دلالة ~~واضحة صريحة، فالله لم يظلمه ولم يضع العقوبة في غير محلها، وإنما السبب ~~إسرافه وعدم إيمانه. { ولعذاب الآخرة أشد } من عذاب الدنيا ~~أضعافا مضاعفة { وأبقى } لكونه لا ينقطع، بخلاف عذاب الدنيا فإنه ~~منقطع، فالواجب الخوف والحذر من عذاب الآخرة. ### || [20.128] # أي: أفلم يهد هؤلاء المكذبين المعرضين، ويدلهم على سلوك طريق الرشاد، ~~وتجنب طريق الغي والفساد، ما أحل الله بالمكذبين ms0937 قبلهم، من القرون ~~الخالية، والأمم المتتابعة، الذين يعرفون قصصهم، ويتناقلون أسمارهم، ~~وينظرون بأعينهم مساكنهم من بعدهم، كقوم هود وصالح ولوط وغيرهم، وأنهم ~~لما كذبوا رسلنا، وأعرضوا عن كتبنا، أصبناهم بالعذاب الأليم؟ فما الذي ~~يؤمن هؤلاء، أن يحل بهم، ما حل بأولئك؟ # أكفركم خير من أولئكم أم لكم برآءة في ~~الزبر * أم يقولون نحن جميع منتصر # [القمر: 43-44] لا شيء من هذا كله، فليس هؤلاء الكفار، خيرا من أولئك، ~~حتى يدفع عنهم العذاب بخيرهم، بل هم شر منهم، لأنهم كفروا بأشرف الرسل ~~وخير الكتب، وليس لهم براءة مزبورة وعهد عند الله، وليسوا كما يقولون أن ~~جمعهم ينفعهم ويدفع عنهم، بل هم أذل وأحقر من ذلك فإهلاك القرون الماضية ~~بذنوبهم من أسباب الهداية، لكونها من الآيات الدالة على صحة رسالة الرسل ~~الذين جاؤوهم، وبطلان ما هم عليه، ولكن ما كل أحد ينتفع بالآيات، إنما ~~ينتفع بها أولو النهى، أي: العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والألباب ~~التي تزجر أصحابها عما لا ينبغي. ### || [20.129-130] # هذا تسلية للرسول، وتصبير له عن المبادرة إلى إهلاك المكذبين المعرضين، ~~وأن كفرهم وتكذيبهم سبب صالح لحلول العذاب بهم، ولزومه لهم، لأن الله جعل ~~العقوبات سببا وناشئا عن الذنوب، ملازما لها، وهؤلاء قد أتوا بالسبب، ~~ولكن الذي أخره عنهم كلمة ربك، المتضمنة لإمهالهم وتأخيرهم، وضرب الأجل ~~المسمى، فالأجل المسمى ونفوذ كلمة الله، هو الذي أخر عنهم العقوبة إلى ~~إبان وقتها، ولعلهم يراجعون أمر الله، فيتوب عليهم، ويرفع عنهم العقوبة، ~~إذا لم تحق عليهم الكلمة. ولهذا أمر الله رسوله بالصبر على أذيتهم ~~بالقول، وأمره أن يتعوض عن ذلك، ويستعين عليه بالتسبيح بحمد ربه، في هذه ~~الأوقات الفاضلة، قبل طلوع الشمس وغروبها، وفي أطراف النهار، أوله وآخره، ~~عموم بعد خصوص، وأوقات الليل وساعاته، لعلك إن فعلت ذلك، ترضى بما يعطيك ~~ربك من الثواب العاجل والآجل، وليطمئن قلبك، وتقر عينك بعبادة ربك، ~~وتتسلى بها عن أذيتهم، فيخف حينئذ عليك الصبر. ### || [20.131] # أي: لا تمد عينيك معجبا، ولا تكرر النظر مستحسنا إلى أحوال الدنيا ~~والممتعين ms0938 بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت ~~المزخرفة، والنساء المجملة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها ~~نفوس المغترين، وتأخذ إعجابا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها - بقطع النظر ~~عن الآخرة - القوم الظالمون، ثم تذهب سريعا، وتمضي جميعا، وتقتل محبيها ~~وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في ~~القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختبارا، ليعلم من يقف عندها ويغتر ~~بها، ومن هو أحسن عملا، كما قال تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا # [الكهف: 7-8]. { ورزق ربك } العاجل من العلم والإيمان، وحقائق ~~الأعمال الصالحة، والآجل من النعيم المقيم، والعيش السليم في جوار الرب ~~الرحيم { خير } مما متعنا به أزواجا، في ذاته وصفاته { وأبقى } ~~لكونه لا ينقطع، أكلها دائم وظلها، كما قال تعالى: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى # [الأعلى: 16-17]. وفي هذه الآية، إشارة إلى أن العبد إذا رأى من نفسه ~~طموحا إلى زينة الدنيا، وإقبالا عليها، أن يذكرها ما أمامها من رزق ربه، ~~وأن يوازن بين هذا وهذا. ### || [20.132] # أي: حث أهلك على الصلاة، وأزعجهم إليها من فرض ونفل. والأمر بالشيء، أمر ~~بجميع ما لا يتم إلا به، فيكون أمرا بتعليمهم، ما يصلح الصلاة ويفسدها ~~ويكملها. { واصطبر عليها } أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها ~~وأركانها وآدابها وخشوعها، فإن ذلك مشق على النفس، ولكن ينبغي إكراهها ~~وجهادها على ذلك، والصبر معها دائما، فإن العبد إذا أقام صلاته على ~~الوجه المأمور به، كان لما سواها من دينه أحفظ وأقوم، وإذا ضيعها كان لما ~~سواها أضيع، ثم ضمن تعالى لرسوله الرزق، وأن لا يشغله الاهتمام به عن ~~إقامة دينه، فقال: { نحن نرزقك } أي: رزقك علينا قد تكفلنا به، ~~كما تكفلنا بأرزاق الخلائق كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا، واشتغل بذكرنا؟! ~~ورزق الله عام للمتقي وغيره، فينبغي الاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية، ~~وهو: التقوى، ولهذا قال: { والعاقبة } في الدنيا والآخرة { ~~للتقوى } التي هي فعل المأمور وترك المنهي، فمن ms0939 قام بها، كان له ~~العاقبة، كما قال تعالى: # والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128]. ### || [20.133-135] # أي: قال المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم: هلا يأتينا بآية من ربه؟ ~~يعنون آيات الاقتراح كقولهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # [الإسراء: 90-92]. وهذا تعنت منهم وعناد وظلم، فإنهم، هم والرسول، بشر ~~عبيد لله، فلا يليق منهم الاقتراح بحسب أهوائهم، وإنما الذي ينزلها ~~ويختار منها ما يختار بحسب حكمته، هو الله. ولأن قولهم: # لولا أنزل عليه آيات من ربه # [العنكبوت: 50] يقتضي أنه لم يأتهم بآية على صدقه، ولا بينة على حقه، ~~وهذا كذب وافتراء، فإنه أتى من المعجزات الباهرات، والآيات القاهرات، ما ~~يحصل ببعضه المقصود، ولهذا قال: { أولم تأتهم } إن كانوا صادقين ~~في قولهم، وأنهم يطلبون الحق بدليله، { بينة ما في الصحف ~~الأولى } أي: هذا القرآن العظيم، المصدق لما في الصحف الأولى، من ~~التوراة والإنجيل، والكتب السابقة المطابق لها، المخبر بما أخبرت به، ~~وتصديقه أيضا مذكور فيها، ومبشر بالرسول بها وهذا كقوله تعالى: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # [العنكبوت: 51] فالآيات تنفع المؤمنين، ويزداد بها إيمانهم وإيقانهم، ~~وأما المعرضون عنها المعارضون لها، فلا يؤمنون بها، ولا ينتفعون بها، # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ~~ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب # [يونس: 96-97]. وإنما الفائدة في سوقها إليهم ومخاطبتهم بها، لتقوم ~~عليهم حجة الله، ولئلا يقولوا حين ينزل بهم العذاب: { لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ~~ونخزى } بالعقوبة، فها قد جاءكم رسولي ومعه آياتي وبراهيني، فإن ~~كنتم كما تقولون، فصدقوه. قل يا محمد مخاطبا للمكذبين لك الذين يقولون ~~تربصوا به ريب المنون { قل كل متربص } فتربصوا بي الموت، ~~وأنا أتربص بكم العذاب # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين # أي: الظفر أو الشهادة # ونحن ms0940 نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا # [التوبة: 52]. { فتربصوا فستعلمون من أصحاب ~~الصراط السوي } أي: المستقيم، { ومن اهتدى } بسلوكه، أنا ~~أم أنتم؟ فإن صاحبه هو الفائز الراشد، الناجي المفلح، ومن حاد عنه خاسر ~~خائب معذب، وقد علم أن الرسول هو الذي بهذه الحالة، وأعداؤه بخلافه، ~~والله أعلم. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-4] # هذا تعجب من حالة الناس، وأنه لا ينجع فيهم تذكير، ولا يرعون إلى نذير، ~~وأنهم قد قرب حسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم الصالحة والطالحة، والحال ~~أنهم في غفلة معرضون، أي: غفلة عما خلقوا له، وإعراض عما زجروا به. كأنهم ~~للدنيا خلقوا، وللتمتع بها ولدوا، وأن الله تعالى لا يزال يجدد لهم ~~التذكير والوعظ، ولا يزالون في غفلتهم وإعراضهم، ولهذا قال: { ما ~~يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } يذكرهم ما ينفعهم ~~ويحثهم عليه وما يضرهم، ويرهبهم منه { إلا استمعوه } سماعا، تقوم ~~عليهم به الحجة، { وهم يلعبون * لاهية قلوبهم } أي: ~~قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا ~~بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الردية، مع أن الذي ينبغي لهم ~~أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه ~~استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم في عبادة ربهم، التي خلقوا ~~لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم ~~أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم، وفي معنى قوله: { اقترب ~~للناس حسابهم } قولان: أحدهما أن هذه الأمة هي آخر الأمم، ~~ورسولها آخر الرسل، وعلى أمته تقوم الساعة، فقد قرب الحساب منها بالنسبة ~~لما قبلها من الأمم، لقوله صلى الله عليه وسلم # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وقرن بين إصبعيه، السبابة والتي تليها. والقول الثاني: أن المراد بقرب ~~الحساب الموت، وأن من مات، قامت قيامته، ودخل في دار الجزاء على الأعمال، ~~وأن هذا تعجب من كل غافل معرض، لا يدري متى يفجؤه الموت، صباحا أو ~~مساء، فهذه حالة الناس كلهم، إلا من أدركته العناية الربانية، فاستعد ~~للموت وما بعده. ثم ذكر ما يتناجى به الكافرون الظالمون على ms0941 وجه العناد، ~~ومقابلة الحق بالباطل، وأنهم تناجوا، وتواطؤوا فيما بينهم، أن يقولوا في ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إنه بشر مثلكم، فما الذي فضله عليكم، وخصه من ~~بينكم، فلو ادعى أحد منكم مثل دعواه، لكان قوله من جنس قوله، ولكنه يريد ~~أن يتفضل عليكم، ويرأس فيكم، فلا تطيعوه، ولا تصدقوه، وأنه ساحر، وما جاء ~~به من القرآن سحر، فانفروا عنه، ونفروا الناس، وقولوا: { أفتأتون ~~السحر وأنتم تبصرون } هذا وهم يعلمون أنه رسول الله حقا ~~بما شاهدوا من الآيات الباهرة ما لم يشاهد غيرهم، ولكن حملهم على ذلك ~~الشقاء والظلم والعناد، والله تعالى قد أحاط علما بما تناجوا به، ~~وسيجازيهم عليه، ولهذا قال: { قال ربي يعلم القول } أي: ~~الخفي والجلي { في السمآء والأرض } أي: في جميع ما احتوت عليه ~~أقطارهما { وهو السميع } لسائر الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن ~~الحاجات { العليم } بما في الضمائر، وأكنته السرائر. ### || [21.5-6] # يذكر تعالى ائتفاك المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به من ~~القرآن العظيم، وأنهم سفهوه وقالوا فيه الأقاويل الباطلة المختلفة، فتارة ~~يقولون: { أضغاث أحلام } بمنزلة كلام النائم الهاذي، الذي لا يحس ~~بما يقول، وتارة يقولون: { افتراه } واختلقه وتقوله من عند نفسه، ~~وتارة يقولون: إنه شاعر وما جاء به شعر. وكل من له أدنى معرفة بالواقع، ~~من حالة الرسول، ونظر في هذا الذي جاء به، جزم جزما لا يقبل الشك، أنه ~~أجل الكلام وأعلاه، وأنه من عند الله، وأن أحدا من البشر لا يقدر على ~~الإتيان بمثل بعضه، كما تحدى الله أعداءه بذلك، ليعارضوا مع توفر دواعيهم ~~لمعارضته وعداوته، فلم يقدروا على شيء من معارضته، وهم يعلمون ذلك وإلا ~~فما الذي أقامهم وأقعدهم وأقض مضاجعهم وبلبل ألسنتهم إلا الحق الذي لا ~~يقوم له شيء، وإنما يقولون هذه الأقوال فيه - حيث لم يؤمنوا به - تنفيرا ~~عنه لمن لم يعرفه، وهو أكبر الآيات المستمرة، الدالة على صحة ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصدقه، وهو كاف شاف، فمن طلب دليلا غيره، أو ~~اقترح آية ms0942 من الآيات سواه، فهو جاهل ظالم مشبه لهؤلاء المعاندين الذين ~~كذبوه وطلبوا من الآيات الاقتراح ما هو أضر شيء عليهم، وليس لهم فيها ~~مصلحة، لأنهم إن كان قصدهم معرفة الحق إذا تبين دليله، فقد تبين دليله ~~بدونها، وإن كان قصدهم التعجيز وإقامة العذر لأنفسهم، إن لم يأت بما ~~طلبوا فإنهم بهذه الحالة - على فرض إتيان ما طلبوا من الآيات - لا يؤمنون ~~قطعا، فلو جاءتهم كل آية، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم. ولهذا قال ~~الله عنهم: { فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون } أي: ~~كناقة صالح، وعصا موسى، ونحو ذلك، قال الله: { مآ آمنت قبلهم ~~من قرية أهلكناهآ } أي: بهذه الآيات المقترحة، وإنما سنته ~~تقتضي أن من طلبها، ثم حصلت له، فلم يؤمن أن يعاجله بالعقوبة. فالأولون ~~ما آمنوا بها، أفيؤمن هؤلاء بها؟ ما الذي فضلهم على أولئك، وما الخير ~~الذي فيهم، يقتضي الإيمان عند وجودها؟ وهذا الاستفهام بمعنى النفي، أي: ~~لا يكون ذلك منهم أبدا. ### || [21.7-9] # هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكا، لا يحتاج ~~إلى طعام وشراب، وتصرف في الأسواق، وهلا كان خالدا؟ فإذا لم يكن ~~كذلك، دل على أنه ليس برسول. وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين ~~للرسل، تشابهوا في الكفر، فتشابهت أقوالهم، فأجاب تعالى عن هذه الشبه ~~لهؤلاء المكذبين للرسول، المقرين بإثبات الرسل قبله - ولو لم يكن إلا ~~إبراهيم عليه السلام، الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف، والمشركون يزعمون ~~أنهم على دينه وملته - بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، كلهم من ~~البشر، الذين يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارض ~~البشرية، من الموت وغيره، وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدقهم من ~~صدقهم، وكذبهم من كذبهم، وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة والسعادة ~~لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفين المكذبين لهم. فما بال محمد صلى الله عليه ~~وسلم، تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته، وهي موجودة في إخوانه ~~المرسلين، الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟ فهذا إلزام لهم في غاية ~~الوضوح، وأنهم إن ms0943 أقروا برسول من البشر، ولن يقروا برسول من غير البشر، ~~إن شبههم باطلة، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها، وتناقضهم بها، فلو قدر ~~انتقالهم من هذا إلى إنكار نبوة البشر رأسا، وأنه لا يكون نبي إن لم يكن ~~ملكا مخلدا، لا يأكل الطعام، فقد أجاب [الله] تعالى عن هذه الشبهة ~~بقوله: # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلنه ملكا ~~لجعلنه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 8-9]. وأن البشر لا طاقة لهم بتلقي الوحي من الملائكة # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95] فإن حصل معكم شك وعدم علم بحالة الرسل المتقدمين { ~~فاسئلوا أهل الذكر } من الكتب السالفة، كأهل التوراة ~~والإنجيل، يخبرونكم بما عندهم من العلم، وأنهم كلهم بشر من جنس المرسل ~~إليهم. وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين ~~لأهل الذكر، وهم أهل العلم، فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين، ~~أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمها، ففيه ~~الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالهم إلا لأنه يجب عليهم ~~التعليم والإجابة عما علموه. وفي تخصيص السؤال بأهل الذكر والعلم نهي عن ~~سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم، ونهي له أن يتصدى لذلك، وفي هذه الآية ~~دليل على أن النساء ليس منهن نبية، لا مريم ولا غيرها، لقوله { قبلك ~~إلا رجالا }. ### || [21.10] # لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ~~- كتابا جليلا، وقرآنا مبينا { فيه ذكركم } أي: شرفكم وفخركم ~~وارتفاعكم، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، ~~وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، ~~وعظم أمركم، { أفلا تعقلون } ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ~~ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة، فلو كان لكم عقل، ~~لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه، وسلكتم غيره من الطرق، التي فيها ms0944 ~~ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما، علم أنه ليس ~~لكم معقول صحيح، ولا رأي رجيح. وهذه الآية، مصداقها ما وقع، فإن المؤمنين ~~بالرسول، الذين تذكروا بالقرآن، من الصحابة فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة ~~والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك، ما هو أمر معلوم لكل ~~أحد، كما أنه معلوم ما حصل، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا، ولم يهتد به ~~ويتزك به، من المقت والضعة، والتدسية، والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة ~~الدنيا والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب. ### || [21.11-15] # يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين، المكذبين للرسول، بما فعل بالأمم ~~المكذبة لغيره من الرسل - { وكم قصمنا } أي: أهلكنا بعذاب مستأصل ~~{ من قرية } تلفت عن آخرها { وأنشأنا بعدها قوما ~~آخرين } وأن هؤلاء المهلكين، لما أحسوا بعذاب الله وعقابه، وباشرهم ~~نزوله، لم يمكن لهم الرجوع، ولا طريق لهم إلى النزوع، وإنما ضربوا الأرض ~~بأرجلهم، ندما وقلقا، وتحسرا على ما فعلوا وهروبا من وقوعه، فقيل لهم ~~على وجه التهكم بهم: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ ~~أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون } أي: لا ~~يفيدكم الركوض والندم، ولكن إن كان لكم اقتدار، فارجعوا إلى ما أترفتم ~~فيه، من اللذات والمشتهيات، ومساكنكم المزخرفات، ودنياكم التي غرتكم ~~وألهتكم، حتى جاءكم أمر الله، فكونوا فيها متمكنين، وللذاتها جانين، وفي ~~منازلكم مطمئنين معظمين، لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم كما كنتم ~~سابقا، مسئولين من مطالب الدنيا كحالتكم الأولى، وهيهات، أين الوصول إلى ~~هذا؟ وقد فات الوقت، وحل بهم العقاب والمقت، وذهب عنهم عزهم وشرفهم ~~ودنياهم، وحضرهم ندمهم وتحسرهم؟. ولهذا { قالوا يويلنآ إنا ~~كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم } أي: الدعاء ~~بالويل والثبور والندم، والإقرار على أنفسهم بالظلم، وأن الله عادل فيما ~~أحل بهم، { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } أي: بمنزلة ~~النبات الذي قد حصد وأنيم، قد خمدت منهم الحركات، وسكنت منهم الأصوات، ~~فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل، فيحل بكم ~~كما حل بأولئك. ### || [21.16-17] # يخبر تعالى أنه ما خلق السماوات والأرض عبثا ولا لعبا من غير فائدة، ms0945 ~~بل خلقها بالحق وللحق، ليستدل بها العباد على أنه الخالق العظيم، المدبر ~~الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كله، والحمد كله، والعزة كلها، ~~الصادق في قيله، الصادقة رسله فيما تخبر عنه، وأن القادر على خلقهما مع ~~سعتهما وعظمهما، قادر على إعادة الأجساد بعد موتها، ليجازي المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بإساءته. { لو أردنآ أن نتخذ لهوا } ~~على الفرض والتقدير المحال { لاتخذناه من لدنآ } أي: من ~~عندنا { إن كنا فاعلين } ولم نطلعكم على ما فيه عبث ولهو، لأن ~~ذلك نقص ومثل سوء، لا نحب أن نريه إياكم، فالسماوات والأرض اللذان بمرأى ~~منكم على الدوام، لا يمكن أن يكون القصد منهما العبث واللهو، كل هذا ~~تنزل مع العقول الصغيرة وإقناعها بجميع الوجوه المقنعة، فسبحان ~~الحليم الرحيم، الحكيم في تنزيله الأشياء منازلها. ### || [21.18-20] # يخبر تعالى، أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإن كل باطل قيل وجودل ~~به، فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان، ما يدمغه فيضمحل، ويتبين لكل ~~أحد بطلانه { فإذا هو زاهق } أي: مضمحل، فان، وهذا عام في جميع ~~المسائل الدينية، لا يورد مبطل شبهة عقلية ولا نقلية، في إحقاق باطل، أو ~~رد حق، إلا وفي أدلة الله، من القواطع العقلية والنقلية، ما يذهب ذلك ~~القول الباطل ويقمعه، فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد. وهذا يتبين باستقراء ~~المسائل، مسألة مسألة، فإنك تجدها كذلك ثم قال: { ولكم } أيها ~~الواصفون الله، بما لا يليق به، من اتخاذ الولد والصاحبة، ومن الأنداد ~~والشركاء، حظكم من ذلك، ونصيبكم الذي تدركون { الويل } والندامة ~~والخسران. ليس لكم مما قلتم فائدة، ولا يرجع عليكم بعائدة تؤملونها، ~~وتعملون لأجلها، وتسعون في الوصول إليها، إلا عكس مقصودكم، وهو الخيبة ~~والحرمان، ثم أخبر أنه له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فالكل عبيده ~~ومماليكه، فليس لأحد منهم ملك ولا قسط من الملك، ولا معاونة عليه، ولا ~~يشفع إلا بإذن الله، فكيف يتخذ من هؤلاء آلهة، وكيف يجعل لله منها ولد؟! ~~فتعالى وتقدس المالك العظيم، الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الصعاب، وخشعت ~~له الملائكة ms0946 المقربون، وأذعنوا له بالعبادة الدائمة المستمرة أجمعون، ~~ولهذا قال: { ومن عنده } أي: من الملائكة { لا يستكبرون ~~عن عبادته ولا يستحسرون } أي: لا يملون ولا يسأمونها، ~~لشدة رغبتهم، وكمال محبتهم، وقوة أبدانهم. { يسبحون اليل ~~والنهار لا يفترون } أي: مستغرقين في العبادة والتسبيح في ~~جميع أوقاتهم، فليس في أوقاتهم وقت فارغ، ولا خال منها، وهم على كثرتهم ~~بهذه الصفة، وفي هذا من بيان عظمته وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته، ما ~~يوجب أن لا يعبد إلا هو، ولا تصرف العبادة لغيره. ### || [21.21-25] # لما بين تعالى كمال اقتداره وعظمته، وخضوع كل شيء له، أنكر على ~~المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة من الأرض، في غاية العجز وعدم ~~القدرة { هم ينشرون } استفهام بمعنى النفي، أي: لا يقدرون على ~~نشرهم وحشرهم، يفسرها قوله تعالى: # واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا ~~يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا # [الفرقان: 3] # واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون * لا ~~يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون # [يس: 74-75] فالمشرك يعبد المخلوق الذي لا ينفع ولا يضر، ويدع الإخلاص ~~لله، الذي له الكمال كله وبيده الأمر والنفع والضر، وهذا من عدم توفيقه، ~~وسوء حظه، وتوفر جهله، وشدة ظلمه، فإنه لا يصلح الوجود، إلا على إله ~~واحد، كما أنه لم يوجد، إلا برب واحد. ولهذا قال: { لو كان فيهمآ ~~} أي: في السماوات والأرض { آلهة إلا الله لفسدتا } في ~~ذاتهما، وفسد من فيهما، من المخلوقات. وبيان ذلك: أن العالم العلوي ~~والسفلي، على ما يرى، في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه ~~خلل ولا عيب، ولا ممانعة ولا معارضة، فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه ~~واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك، لاختل نظامه، ~~وتقوضت أركانه، فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدهما تدبير شيء، ~~وأراد الآخر عدمه، فإنه محال وجود مرادهما معا، ووجود مراد أحدهما دون ~~الآخر، يدل على عجز الآخر، وعدم اقتداره، واتفاقهما على ms0947 مراد واحد في ~~جميع الأمور غير ممكن، فإذا يتعين أن القاهر الذي يوجد مراده وحده، من ~~غير ممانع ولا مدافع، هو الله الواحد القهار، ولهذا ذكر الله دليل ~~التمانع في قوله: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]. ومنه - على أحد التأويلين - قوله تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 42-43] ولهذا قال هنا: { فسبحان الله } أي: تنزه ~~وتقدس عن كل نقص لكماله وحده، { رب العرش } الذي هو سقف المخلوقات ~~وأوسعها وأعظمها، فربوبية ما دونه من باب أولى، { عما يصفون } أي: ~~الجاحدون الكافرون، من اتخاذ الولد والصاحبة، وأن يكون له شريك بوجه من ~~الوجوه. { لا يسأل عما يفعل } لعظمته وعزته، وكمال قدرته، لا ~~يقدر أحد أن يمانعه أو يعارضه، لا بقول، ولا بفعل، ولكمال حكمته ووضعه ~~الأشياء مواضعها وإتقانها، أحسن كل شيء يقدره العقل، فلا يتوجه إليه ~~سؤال، لأن خلقه ليس فيه خلل ولا إخلال. # { وهم } أي: المخلوقون كلهم { يسألون } عن أفعالهم وأقوالهم، ~~لعجزهم وفقرهم، ولكونهم عبيدا، قد استحقت أفعالهم وحركاتهم، فليس لهم من ~~التصرف والتدبير في أنفسهم، ولا في غيرهم مثقال ذرة. ثم رجع إلى تهجين ~~حال المشركين، وأنهم اتخذوا من دونه آلهة فقل لهم موبخا ومقرعا: { أم ~~اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم } أي: ~~حجتكم ودليلكم على صحة ما ذهبتم إليه، ولن يجدوا لذلك سبيلا، بل قد قامت ~~الأدلة القطعية على بطلانه، ولهذا قال: { هذا ذكر من معي ~~وذكر من قبلي } أي: قد اتفقت الكتب والشرائع على صحة ما قلت لكم، ~~من إبطال الشرك، فهذا كتاب الله الذي فيه ذكر كل شيء، بأدلته العقلية ~~والنقلية، وهذه الكتب السابقة كلها، برهان وأدلة لما قلت. ولما علم أنهم ~~قامت عليهم الحجة والبرهان على بطلان ما ذهبوا إليه علم أنه لا برهان ~~لهم، لأن البرهان القاطع، يجزم أنه ms0948 لا معارض له، وإلا لم يكن قطعيا، وإن ~~وجد في معارضات، فإنها شبه لا تغني من الحق شيئا. وقوله: { بل ~~أكثرهم لا يعلمون الحق } أي: وإنما أقاموا على ما هم ~~عليه، تقليدا لأسلافهم يجادلون بغير علم ولا هدى، وليس عدم علمهم بالحق ~~لخفائه وغموضه، وإنما ذلك لإعراضهم عنه، وإلا فلو التفتوا إليه أدنى ~~التفات، لتبين لهم الحق من الباطل تبينا واضحا جليا، ولهذا قال: { ~~فهم معرضون }. ولما حول تعالى على ذكر المتقدمين، وأمر بالرجوع ~~إليهم في بيان هذه المسألة، بينها أتم تبيين في قوله: { ومآ ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون } فكل الرسل، الذين من قبلك مع ~~كتبهم، زبدة رسالتهم وأصلها، الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان ~~أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة. ### || [21.26-29] # يخبر تعالى عن سفاهة المشركين المكذبين للرسول، وأنهم زعموا - قبحهم ~~الله - أن الله اتخذ ولدا فقالوا: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ~~قولهم، وأخبر عن وصف الملائكة، بأنهم عبيد مربوبون مدبرون، ليس لهم من ~~الأمر شيء، وإنما هم مكرمون عند الله، قد أكرمهم الله، وصيرهم من عبيد ~~كرامته ورحمته، وذلك لما خصهم به من الفضائل والتطهير عن الرذائل، وأنهم ~~في غاية الأدب مع الله، والامتثال لأوامره. ف { لا يسبقونه ~~بالقول } أي: لا يقولون قولا مما يتعلق بتدبير المملكة، حتى يقول ~~الله، لكمال أدبهم، وعلمهم بكمال حكمته وعلمه. { وهم بأمره ~~يعملون } أي: مهما أمرهم، امتثلوا لأمره، ومهما دبرهم عليه، فعلوه، ~~فلا يعصونه طرفة عين، ولا يكون لهم عمل بأهواء أنفسهم من دون أمر الله، ~~ومع هذا، فالله قد أحاط بهم علمه، فعلم { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } أي: أمورهم الماضية والمستقبلة، فلا خروج ~~لهم عن علمه، كما لا خروج لهم عن أمره وتدبيره. ومن جزئيات وصفهم بأنهم ~~لا يسبقونه بالقول، أنهم لا يشفعون لأحد بدون إذنه ورضاه، فإذا أذن لهم ~~وارتضى من يشفعون فيه، شفعوا فيه، ولكنه تعالى لا يرضى من القول والعمل ms0949 ~~إلا ما كان خالصا لوجهه، متبعا فيه الرسول، وهذه الآية من أدلة إثبات ~~الشفاعة، وأن الملائكة يشفعون. { وهم من خشيته مشفقون } ~~أي: خائفون وجلون، قد خضعوا لجلاله، وعنت وجوههم لعزه وجماله. فلما ~~بين أنه لا حق لهم في الألوهية، ولا يستحقون شيئا من العبودية بما وصفهم ~~به من الصفات المقتضية لذلك، ذكر أيضا أنه لا حظ لهم، ولا بمجرد الدعوى، ~~وأن من قال منهم: { إني إله من دونه } على سبيل الفرض ~~والتنزل { فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ~~} وأي ظلم أعظم من ادعاء المخلوق الناقص، الفقير إلى الله من جميع ~~الوجوه، مشاركة الله في خصائص الإلهية والربوبية؟! ### || [21.30] # أي: أولم ينظر هؤلاء الذين كفروا بربهم، وجحدوا الإخلاص له في العبودية، ~~ما يدلهم دلالة مشاهدة، على أنه الرب المحمود، الكريم المعبود، فيشاهدون ~~السماء والأرض، فيجدونهما رتقا، هذه ليس فيها سحاب ولا مطر، وهذه هامدة ~~ميتة لا نبات فيها، ففتقناهما: السماء بالمطر، والأرض بالنبات، أليس الذي ~~أوجد في السماء السحاب، بعد أن كان الجو صافيا لا قزعة فيه، وأودع فيه ~~الماء الغزير، ثم ساقه إلى بلد ميت، قد اغبرت أرجاؤه، وقحط عنه ماؤه، ~~فأمطره فيها، فاهتزت وتحركت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، مختلف الأنواع، ~~متعدد المنافع، [أليس ذلك] دليلا على أنه الحق، وما سواه باطل، وأنه ~~محيي الموتى، وأنه الرحمن الرحيم؟ ولهذا قال: { أفلا يؤمنون } ~~أي: إيمانا صحيحا، ما فيه شك ولا شرك. ثم عدد تعالى الأدلة الأفقية ~~فقال: { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد... }. ### || [21.31-33] # أي: ومن الأدلة على قدرته وكماله ووحدانيته ورحمته، أنه لما كانت الأرض ~~لا تستقر إلا بالجبال، أرساها بها وأوتدها، لئلا تميد بالعباد، أي: لئلا ~~تضطرب، فلا يتمكن العباد من السكون فيها، ولا حرثها، ولا الاستقرار بها، ~~فأرساها بالجبال، فحصل بسبب ذلك، من المصالح والمنافع، ما حصل، ولما كانت ~~الجبال المتصل بعضها ببعض، قد تتصل اتصالا كثيرا جدا، فلو بقيت بحالها ~~جبالا شامخات، وقللا باذخات، لتعطل الاتصال بين كثير من البلدان. فمن ~~حكمة الله ورحمته، أن ms0950 جعل بين تلك الجبال فجاجا سبلا، أي: طرقا سهلة ~~لا حزنة، لعلهم يهتدون إلى الوصول إلى مطالبهم من البلدان، ولعلهم يهتدون ~~بالاستدلال بذلك على وحدانية المنان. { وجعلنا السمآء سقفا } ~~للأرض التي أنتم عليها { محفوظا } من السقوط # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا # [فاطر: 41] محفوظا أيضا من استراق الشياطين للسمع. { وهم عن ~~آياتها معرضون } أي: غافلون لاهون، وهذا عام في جميع آيات ~~السماء، من علوها، وسعتها، وعظمتها، ولونها الحسن، وإتقانها العجيب، وغير ~~ذلك من المشاهد فيها، من الكواكب الثوابت والسيارات، وشمسها، وقمرها ~~النيرات، المتولد عنهما الليل والنهار، وكونهما دائما في فلكهما سابحين، ~~وكذلك النجوم، فتقوم بسبب ذلك منافع العباد من الحر والبرد، والفصول، ~~ويعرفون حساب عباداتهم ومعاملاتهم، ويستريحون في ليلهم، ويهدؤون ويسكنون ~~وينتشرون في نهارهم، ويسعون في معايشهم، كل هذه الأمور إذا تدبرها ~~اللبيب، وأمعن فيها النظر، جزم حزما لا شك فيه، أن الله جعلها مؤقتة في ~~وقت معلوم، إلى أجل محتوم، يقضي العباد منها مآربهم، وتقوم بها منافعهم، ~~وليستمتعوا وينتفعوا، ثم بعد هذا، ستزول وتضمحل، ويفنيها الذي أوجدها، ~~ويسكنها الذي حركها، وينتقل المكلفون إلى دار غير هذه الدار، يجدون فيها ~~جزاء أعمالهم، كاملا موفرا، ويعلم أن المقصود من هذه الدار أن تكون ~~مزرعة لدار القرار، وأنها منزل سفر، لا محل إقامة. ### || [21.34-35] # لما كان أعداء الرسول يقولون تربصوا به ريب المنون. قال الله تعالى: هذا ~~طريق مسلوك، ومعبد منهوك، فلم نجعل لبشر { من قبلك } يا محمد { ~~الخلد } في الدنيا، فإذا مت، فسبيل أمثالك، من الرسل والأنبياء، ~~والأولياء، وغيرهم. { أفإن مت فهم الخالدون } أي: فهل ~~إذا مت خلدوا بعدك، فليهنهم الخلود إذا إن كان، وليس الأمر ~~كذلك، بل كل من عليها فان، ولهذا قال: { كل نفس ذآئقة ~~الموت } وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن ~~طال بالعبد المدى، وعمر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، ~~وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل ~~والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن ms0951 عملا، ومن يفتتن عند ~~مواقع الفتن ومن ينجو، { وإلينا ترجعون } فنجازيكم بأعمالكم، ~~إن خيرا فخير، وإن شرا فشر # وما ربك بظلم للعبيد # [فصلت: 46] وهذه الآية، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه ~~مخلد في الدنيا، فهو قول لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية. ### || [21.36-41] # وهذا من شدة كفرهم، فإن المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، استهزأوا به وقالوا: { أهذا الذي يذكر آلهتكم } ~~[الأنبياء: 36] أي: هذا المحتقر بزعمهم، الذي يسب آلهتكم ويذمها ويقع ~~فيها، أي: فلا تبالوا به، ولا تحتفلوا به. هذا استهزاؤهم واحتقارهم له، ~~بما هو من كماله، فإنه الأكمل الأفضل، الذي من فضائله ومكارمه، إخلاص ~~العبادة لله، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه، وذكر محله ومكانته، ولكن ~~محل الازدراء والاستهزاء، هؤلاء الكفار، الذين جمعوا كل خلق ذميم، ولو لم ~~يكن إلا كفرهم بالرب وجحدهم لرسله، فصاروا بذلك من أخس الخلق وأرذلهم، ~~ومع هذا فذكرهم للرحمن، الذي هو أعلى حالاتهم، كافرون بها، لأنهم لا ~~يذكرونه، ولا يؤمنون به إلا وهم مشركون، فذكرهم كفر وشرك، فكيف بأحوالهم ~~بعد ذلك؟ ولهذا قال: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } ~~وفي ذكر اسمه { الرحمن } هنا، بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف ~~قابلوا الرحمن - مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة ~~إلا منه، ولا يدفع السوء إلا إياه - بالكفر والشرك. { خلق الإنسان ~~من عجل } أي: خلق عجولا، يبادر الأشياء، ويستعجل بوقوعها، ~~فالمؤمنون يستعجلون عقوبة الله للكافرين، ويتباطؤونها، والكافرون يتولون ~~ويستعجلون بالعذاب، تكذيبا وعنادا، ويقولون: { متى هذا ~~الوعد إن كنتم صادقين } والله تعالى، يمهل ولا يهمل ويحلم، ~~ويجعل لهم أجلا مؤقتا # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] ولهذا قال: { سأوريكم آياتي } أي: في انتقامي ممن ~~كفر بي وعصاني { فلا تستعجلون } ذلك، وكذلك الذين كفروا يقولون: ~~{ متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } قالوا هذا القول، ~~اغترارا، ولما يحق عليهم العقاب، وينزل بهم العذاب. ف { لو يعلم ~~الذين كفروا } حالهم الشنيعة حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا ms0952 ~~عن ظهورهم، إذ قد أحاط بهم من كل جانب، وغشيهم من كل مكان { ولا هم ~~ينصرون } أي: لا ينصرهم غيرهم، فلا نصروا ولا انتصروا، { بل ~~تأتيهم } النار { بغتة فتبهتهم } من الانزعاج والذعر ~~والخوف العظيم. { فلا يستطيعون ردها } إذ هم أذل وأضعف من ~~ذلك. { ولا هم ينظرون } أي: يمهلون، فيؤخر عنهم العذاب، فلو ~~علموا هذه الحالة حق المعرفة، لما استعجلوا بالعذاب، ولخافوه أشد الخوف، ~~ولكن لما ترحل عنهم هذا العلم، قالوا ما قالوا، ولما ذكر استهزاءهم ~~برسوله بقولهم: { أهذا الذي يذكر آلهتكم } [الأنبياء: ~~36] سلاه بأن هذا دأب الأمم السالفة مع رسلهم، فقال: { ولقد ~~استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا ~~منهم } أي: نزل بهم { ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل ~~بهم العذاب، وتقطعت عنهم الأسباب، فليحذر هؤلاء، أن يصيبهم ما أصاب أولئك ~~المكذبين. ### || [21.42-44] # يقول تعالى - ذاكرا عجز هؤلاء، الذين اتخذوا من دونه آلهة، وأنهم ~~محتاجون مضطرون إلى ربهم الرحمن، الذي رحمته، شملت البر والفاجر، في ~~ليلهم ونهارهم - فقال: { قل من يكلؤكم } أي: يحرسكم ويحفظكم { ~~بالليل } إذ كنتم نائمين على فرشكم، وذهبت حواسكم { والنهار } ~~وقت انتشاركم وغفلتكم { من الرحمن } أي: بدله غيره، أي: هل ~~يحفظكم أحد غيره؟ لا حافظ إلا هو. { بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون } فلهذا أشركوا به، وإلا فلو أقبلوا على ذكر ربهم، وتلقوا ~~نصائحه، لهدوا لرشدهم، ووفقوا في أمرهم. { أم لهم آلهة ~~تمنعهم من دوننا } أي: إذا أردناهم بسوء، هل من آلهتهم من ~~يقدر على منعهم من ذلك السوء، والشر النازل بهم؟؟ { لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون } أي: لا يعانون على ~~أمورهم من جهتنا، وإذا لم يعانوا من الله، فهم مخذولون في أمورهم، لا ~~يستطيعون جلب منفعة، ولا دفع مضرة. والذي أوجب لهم استمرارهم على كفرهم، ~~وشركهم قوله: { بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال ~~عليهم العمر } أي: أمددناهم بالأموال والبنين، وأطلنا أعمارهم، ~~فاشتغلوا بالتمتع بها، ولهوا بها عما له خلقوا، وطال عليهم الأمد، فقست ~~قلوبهم، وعظم طغيانهم، وتغلظ كفرانهم، فلو ألفتوا أنظارهم إلى من ms0953 عن ~~يمينهم وعن يسارهم من الأرض، لم يجدوا إلا هالكا، ولم يسمعوا إلا صوت ~~ناعية، ولم يحسوا إلا بقرون متتابعة على الهلاك، وقد نصب الموت في كل ~~طريق لاقتناص النفوس الأشراك، ولهذا قال: { أفلا يرون أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ } أي: بموت أهلها ~~وفنائهم، شيئا فشيئا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ~~فلو رأوا هذه الحالة لم يغتروا ويستمروا على ما هم عليه. { أفهم ~~الغالبون } الذين بوسعهم الخروج عن قدر الله؟ وبطاقتهم الامتناع عن ~~الموت؟ فهل هذا وصفهم حتى يغتروا بطول البقاء؟ أم إذا جاءهم رسول ربهم ~~لقبض أرواحهم أذعنوا وذلوا، ولم يظهر منهم أدنى ممانعة؟ ### || [21.45-46] # أي: { قل } يا محمد للناس كلهم: { إنمآ أنذركم بالوحي } ~~أي: إنما أنا رسول، لا آتيكم بشيء من عندي، ولا عندي خزائن الله، ولا ~~أعلم الغيب، ولا أقول إني ملك، وإنما أنذركم بما أوحاه الله إلي، فإن ~~استجبتم، فقد استجبتم لله، وسيثيبكم على ذلك، وإن أعرضتم وعارضتم، فليس ~~بيدي من الأمر شيء، وإنما الأمر لله، والتقدير كله لله. { ولا يسمع ~~الصم الدعآء } أي: الأصم لا يسمع صوتا، لأن سمعه قد فسد وتعطل، ~~وشرط السماع مع الصوت، أن يوجد محل قابل لذلك، كذلك الوحي سبب لحياة ~~القلوب والأرواح، وللفقه عن الله، ولكن إذا كان القلب غير قابل لسماع ~~الهدى، كان بالنسبة للهدى والإيمان بمنزلة الأصم، بالنسبة إلى الأصوات، ~~فهؤلاء المشركون، صم عن الهدى، فلا يستغرب عدم اهتدائهم، خصوصا في هذه ~~الحالة التي لم يأتهم العذاب، ولا مسهم ألمه. فلو مسهم { نفحة من ~~عذاب ربك } أي: ولو جزءا يسيرا ولا يسير من عذابه، { ~~ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين } أي: لم يكن قولهم ~~إلا الدعاء بالويل والثبور، والندم، والاعتراف بظلمهم وكفرهم واستحقاقهم ~~للعذاب. ### || [21.47] # يخبر تعالى عن حكمه العدل، وقضائه القسط بين عباده إذا جمعهم في يوم ~~القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة، التي يبين فيها مثاقيل الذر، ~~الذي توزن بها الحسنات والسيئات، { فلا تظلم نفس } مسلمة أو ~~كافرة { شيئا } بأن تنقص من ms0954 حسناتها، أو يزاد في سيئاتها. { وإن ~~كان مثقال حبة من خردل } التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، ~~من خير أو شر { أتينا بها } وأحضرناها، ليجازى بها صاحبها، كقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. وقالوا # يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]. { وكفى بنا حاسبين } يعني بذلك نفسه الكريمة، ~~فكفى به حاسبا، أي: عالما بأعمال العباد، حافظا لها، مثبتا لها في ~~الكتاب، عالما بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها، موصلا ~~للعمال جزاءها. ### || [21.48-50] # كثيرا ما يجمع تعالى بين هذين الكتابين الجليلين، اللذين لم يطرق ~~العالم أفضل منهما، ولا أعظم ذكرا، ولا أبرك، ولا أعظم هدى وبيانا ~~[وهما التوراة والقرآن]، فأخبر أنه آتى موسى أصلا، وهارون تبعا { ~~الفرقان } وهي التوراة الفارقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ~~وأنها { وضيآء } أي: نور يهتدي به المهتدون، ويأتم به السالكون، ~~وتعرف به الأحكام، ويميز به بين الحلال والحرام، وينير في ظلمة الجهل ~~والبدع والغواية، { وذكرا للمتقين } يتذكرون به ما ينفعهم ~~وما يضرهم، ويتذكر به الخير والشر، وخص { للمتقين } بالذكر، ~~لأنهم المنتفعون بذلك، علما وعملا. ثم فسر المتقين فقال: { الذين ~~يخشون ربهم بالغيب } أي: يخشونه في حال غيبتهم، وعدم ~~مشاهدة الناس لهم، فمع المشاهدة أولى، فيتورعون عما حرم، ويقومون بما ~~ألزم، { وهم من الساعة مشفقون } أي: خائفون وجلون، لكمال ~~معرفتهم بربهم، فجمعوا بين الإحسان والخوف، والعطف هنا من باب عطف الصفات ~~المتغايرات، الواردة على شيء واحد وموصوف واحد. { وهذا } أي: القرآن ~~{ ذكر مبارك أنزلناه } فوصفه بوصفين جليلين، كونه ذكرا ~~يتذكر به جميع المطالب، من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن صفات ~~الرسل والأولياء وأحوالهم، ومن أحكام الشرع من العبادات والمعاملات ~~وغيرها، ومن أحكام الجزاء والجنة والنار، فيتذكر به المسائل والدلائل ~~العقلية والنقلية، وسماه ذكرا، لأنه يذكر ما ركزه الله في العقول ~~والفطر، من التصديق بالأخبار الصادقة، والأمر بالحسن عقلا، والنهي عن ~~القبيح عقلا، وكونه { مبارك } يقتضي كثرة خيراته ونمائها وزيادتها، ~~ولا ms0955 شيء أعظم بركة من هذا القرآن، فإن كل خير ونعمة، وزيادة دينية أو ~~دنيوية أو أخروية، فإنها بسببه، وأثر عن العمل به، فإذا كان ذكرا ~~مباركا، وجب تلقيه بالقبول والانقياد، والتسليم، وشكر الله على هذه ~~المنحة الجليلة، والقيام بها، واستخراج بركته، بتعلم ألفاظه ومعانيه، ~~وأما مقابلته بضد هذه الحالة، من الإعراض عنه، والإضراب عنه صفحا، ~~وإنكاره، وعدم الإيمان به، فهذا من أعظم الكفر وأشد الجهل والظلم، ولهذا ~~أنكر تعالى على من أنكره، فقال: { أنزلناه أفأنتم له ~~منكرون }. ### || [21.51-73] # { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين } إلى آخر هذه القصة، وهو قوله: { وأوحينآ إليهم ~~فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة ~~وكانوا لنا عابدين } لما ذكر تعالى موسى ومحمدا صلى الله ~~عليهما وسلم وكتابيهما، قال: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده ~~من قبل } أي: من قبل إرسال موسى ومحمد ونزول كتابيهما، فأراه الله ~~ملكوت السماوات والأرض، وأعطاه من الرشد، الذي كمل به نفسه، ودعا الناس ~~إليه، ما لم يؤته أحدا من العالمين غير محمد، وأضاف الرشد إليه، لكونه ~~رشدا، بحسب حاله وعلو مرتبته، وإلا فكل مؤمن له من الرشد بحسب ما معه من ~~الإيمان. { وكنا به عالمين } أي: أعطيناه رشده، واختصصناه ~~بالرسالة والخلة، واصطفيناه في الدنيا والآخرة، لعلمنا أنه أهل لذلك، ~~وكفء له، لزكائه وذكائه، ولهذا ذكر محاجته لقومه، ونهيهم عن الشرك، ~~وتكسير الأصنام، وإلزامهم بالحجة، فقال: { إذ قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل } التي مثلتموها، ونحتموها ~~بأيديكم، على صور بعض المخلوقات { التي أنتم لها عاكفون } ~~مقيمون على عبادتها، ملازمون لذلك، فما هي؟ وأي فضيلة ثبتت لها؟ وأين ~~عقولكم التي ذهبت حتى أفنيتم أوقاتكم بعبادتها؟ والحال أنكم مثلتموها، ~~ونحتموها بأيديكم، فهذا من أكبر العجائب، تعبدون ما تنحتون. فأجابوا بغير ~~حجة، جواب العاجز، الذي ليس بيده أدنى شبهة، فقالوا: { وجدنآ ~~آبآءنا } كذلك يفعلون، فسلكنا سبيلهم، وتبعناهم على عبادتها، ومن ~~المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، ~~خصوصا في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم ms0956 إبراهيم مضللا ~~للجميع: { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال ~~مبين } أي: ضلال بين واضح، وأي ضلال، أبلغ من ضلالهم في الشرك، وترك ~~التوحيد؟!! أي: فليس ما قلتم، يصلح للتمسك به، وقد اشتركتم وإياهم في ~~الضلال الواضح، البين لكل أحد. { قالوا } على وجه الاستغراب لقوله، ~~والاستعظام لما قال، وكيف بادأهم بتسفيههم، وتسفيه آبائهم: { أجئتنا ~~بالحق أم أنت من اللاعبين } أي: هذا القول الذي قلته، ~~والذي جئتنا به، هل هو حق وجد؟ أم كلامك لنا، كلام لاعب مستهزئ، لا يدري ~~ما يقول؟ وهذا الذي أرادوا، وإنما رددوا الكلام بين الأمرين، لأنهم نزلوه ~~منزلة المتقرر المعلوم عند كل أحد، أن الكلام الذي جاء به إبراهيم كلام ~~سفيه لا يعقل ما يقول، فرد عليهم إبراهيم ردا بين به وجه سفههم، وقلة ~~عقولهم فقال: { بل ربكم رب السموت والأرض الذي ~~فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين } فجمع لهم بين ~~الدليل العقلي، والدليل السمعي. أما الدليل العقلي، فإنه قد علم كل أحد ~~حتى هؤلاء الذين جادلهم إبراهيم، أن الله وحده الخالق لجميع المخلوقات، ~~من بني آدم، والملائكة، والجن، والبهائم، والسماوات، والأرض، المدبر لهن ~~بجميع أنواع التدبير، فيكون كل مخلوق مفطورا مدبرا متصرفا فيه، ودخل ~~في ذلك جميع ما عبد من دون الله. # أفيليق عند من له أدنى مسكة من عقل وتمييز، أن يعبد مخلوقا متصرفا ~~فيه، لا يملك نفعا، ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ويدع ~~عبادة الخالق الرازق المدبر؟ أما الدليل السمعي، فهو المنقول عن الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام، فإن ما جاؤوا به معصوم، لا يغلط ولا يخبر بغير ~~الحق، ومن أنواع هذا القسم، شهادة أحد من الرسل على ذلك فلهذا قال ~~إبراهيم: { وأنا على ذلكم } أي: أن الله وحده المعبود وأن ~~عبادة ما سواه باطل { من الشاهدين } وأي شهادة بعد شهادة الله ~~أعلى من شهادة الرسل؟ خصوصا أولي العزم منهم، خصوصا خليل الرحمن. ولما ~~بين أن أصنامهم ليس لها من التدبير شيء أراد أن يريهم بالفعل عجزها وعدم ~~انتصارها وليكيد كيدا ms0957 يحصل به إقرارهم بذلك فلهذا قال: { وتالله ~~لأكيدن أصنامكم } أي: أكسرها على وجه الكيد { بعد أن ~~تولوا مدبرين } عنها إلى عيد من أعيادهم، فلما تولوا مدبرين، ~~ذهب إليها بخفية { فجعلهم جذاذا } أي كسرا وقطعا، وكانت ~~مجموعة في بيت واحد، فكسرها كلها، { إلا كبيرا لهم } أي: إلا ~~صنمهم الكبير، فإنه تركه لمقصد سيبينه، وتأمل هذا الاحتراز العجيب، فإن ~~كل ممقوت عند الله، لا يطلق عليه ألفاظ التعظيم، إلا على وجه إضافته ~~لأصحابه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كتب إلى ملوك الأرض ~~المشركين يقول: " إلى عظيم الفرس " " إلى عظيم الروم " ونحو ذلك، ولم يقل ~~" إلى العظيم " ، وهنا قال تعالى: { إلا كبيرا لهم } ولم يقل: ~~" كبيرا من أصنامهم " فهذا ينبغي التنبيه له، والاحتراز من تعظيم ما حقره ~~الله، إلا إذا أضيف إلى من عظمه. وقوله: { لعلهم إليه ~~يرجعون } أي: ترك إبراهيم تكسير صنمهم هذا لأجل أن يرجعوا إليه، ~~ويستملوا حجته، ويلتفتوا إليها، ولا يعرضوا عنها، ولهذا قال في آخرها: { ~~فرجعوا إلى أنفسهم }. فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة ~~والخزي { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن ~~الظالمين } فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم ~~يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده، وإنما الظالم من ~~اتخذها آلهة، وقد رأى ما يفعل بها { قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم } أي: يعيبهم ويذمهم، ومن هذا شأنه لا بد أن يكون هو الذي ~~كسرها أو أن بعضهم سمعه يذكر أنه سيكيدها { يقال له إبراهيم } ~~فلما تحققوا أنه إبراهيم { قالوا فأتوا به } أي: بإبراهيم { ~~على أعين الناس } أي بمرأى منهم ومسمع { لعلهم ~~يشهدون } أي: يحضرون ما يصنع بمن كسر آلهتهم، وهذا الذي أراد ~~إبراهيم وقصد أن يكون بيان الحق بمشهد من الناس ليشاهدوا الحق وتقوم ~~عليهم الحجة، كما قال موسى حين واعد فرعون: # موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59] فحين حضر الناس وأحضر إبراهيم قالوا له: { أأنت فعلت ~~هذا } أي: التكسير { بآلهتنا يإبراهيم }؟ وهذا استفهام ~~تقرير، أي: فما ms0958 الذي جرأك، وما الذي أوجب لك الإقدام على هذا الأمر؟. ~~فقال إبراهيم والناس شاهدون: { بل فعله كبيرهم هذا } أي: ~~كسرها غضبا عليها، لما عبدت معه، وأراد أن تكون العبادة منكم لصنمكم ~~الكبير وحده، وهذا الكلام من إبراهيم، المقصد منه إلزام الخصم وإقامة ~~الحجة عليه، ولهذا قال: { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ~~وأراد الأصنام المكسرة، اسألوها لم كسرت؟ والصنم الذي لم يكسر، اسألوه ~~لأي شيء كسرها، إن كان عندهم نطق، فسيجيبونكم إلى ذلك، وأنا وأنتم، وكل ~~أحد يدري أنها لا تنطق ولا تتكلم، ولا تنفع ولا تضر، بل ولا تنصر نفسها ~~ممن يريدها بأذى. { فرجعوا إلى أنفسهم } أي: ثابت عليهم ~~عقولهم، ورجعت إليهم أحلامهم، وعلموا أنهم ضالون في عبادتها، وأقروا على ~~أنفسهم بالظلم والشرك، { فقالوا إنكم أنتم الظالمون } ~~فحصل بذلك المقصود، ولزمتهم الحجة بإقرارهم أن ما هم عليه باطل، وأن ~~فعلهم كفر وظلم، ولكن لم يستمروا على هذه الحالة، ولكن { نكسوا ~~على رءوسهم } أي: انقلب الأمر عليهم، وانتكست عقولهم، وضلت ~~أحلامهم، فقالوا لإبراهيم: { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ~~} فكيف تهكم بنا وتستهزئ بنا وتأمرنا أن نسألها وأنت تعلم أنها لا ~~تنطق؟. فقال إبراهيم - موبخا لهم ومعلنا بشركهم على رؤوس الأشهاد، ~~ومبينا عدم استحقاق آلهتهم للعبادة-: { أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم } فلا نفع ولا ~~دفع، { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } أي: ما ~~أضلكم وأخسر صفقتكم، وما أخسكم، أنتم وما عبدتم من دون الله، إن كنتم ~~تعقلون عرفتم هذه الحال، فلما عدمتم العقل، وارتكبتم الجهل والضلال على ~~بصيرة، صارت البهائم أحسن حالا منكم. فحينئذ لما أفحمهم، ولم يبينوا ~~حجة، استعملوا قوتهم في معاقبته، ف { قالوا حرقوه وانصروا ~~آلهتكم إن كنتم فاعلين } أي: اقتلوه أشنع القتلات، ~~بالإحراق، غضبا لآلهتكم، ونصرة لها. فتعسا لهم تعسا، حيث عبدوا من ~~أقروا أنه يحتاج إلى نصرهم، واتخذوه إلها، فانتصر الله لخليله لما ألقوه ~~في النار وقال لها: { كوني بردا وسلما على إبراهيم } ~~فكانت عليه بردا وسلاما، لم ينله فيها أذى، ولا أحس ms0959 بمكروه. { ~~وأرادوا به كيدا } حيث عزموا على إحراقه، { فجعلناهم ~~الأخسرين } أي: في الدنيا والآخرة، كما جعل الله خليله وأتباعه هم ~~الرابحين المفلحين. { ونجيناه ولوطا } وذلك أنه لم يؤمن به من ~~قومه إلا لوط عليه السلام، قيل: إنه ابن أخيه، فنجاه الله، وهاجر { إلى ~~الأرض التي باركنا فيها للعالمين } أي: الشام، فغادر ~~قومه في " بابل " من أرض العراق، # وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز ~~الحكيم # [العنكبوت: 26] ومن بركة الشام، أن كثيرا من الأنبياء كانوا فيها، وأن ~~الله اختارها مهاجرا لخليله، وفيها أحد بيوته الثلاثة المقدسة، وهو بيت ~~المقدس. { ووهبنا له } حين اعتزل قومه { إسحاق ويعقوب } ~~ابن إسحاق { نافلة } بعدما كبر، وكانت زوجته عاقرا، فبشرته الملائكة ~~بإسحاق، # ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] ويعقوب هو إسرائيل، الذي كانت منه الأمة العظيمة، وإسماعيل بن ~~إبراهيم، الذي كانت منه الأمة الفاضلة العربية، ومن ذريته، سيد الأولين ~~والآخرين. { وكلا } من إبراهيم وإسحاق ويعقوب { جعلنا صالحين ~~} أي: قائمين بحقوقه وحقوق عباده، ومن صلاحهم، أنه جعلهم أئمة يهدون ~~بأمره، وهذا من أكبر نعم الله على عبده أن يكون إماما يهتدي به ~~المهتدون، ويمشي خلفه السالكون، وذلك لما صبروا، وكانوا بآيات الله ~~يوقنون. وقوله: { يهدون بأمرنا } أي: يهدون الناس بديننا، لا ~~يأمرون بأهواء أنفسهم، بل بأمر الله ودينه، واتباع مرضاته، ولا يكون ~~العبد إماما حتى يدعو إلى أمر الله. { وأوحينآ إليهم فعل ~~الخيرات } يفعلونها ويدعون الناس إليها، وهذا شامل لجميع الخيرات، ~~من حقوق الله وحقوق العباد. { وإقام الصلاة وإيتآء ~~الزكاة } هذا من باب عطف الخاص على العام، لشرف هاتين العبادتين ~~وفضلهما، ولأن من كملهما كما أمر، كان قائما بدينه، ومن ضيعهما، كان لما ~~سواهما أضيع، ولأن الصلاة أفضل الأعمال، التي فيها حقه، والزكاة أفضل ~~الأعمال، التي فيها الإحسان لخلقه. { وكانوا لنا } أي: لا لغيرنا { ~~عابدين } أي: مديمين على العبادات القلبية والقولية والبدنية في أكثر ~~أوقاتهم، فاستحقوا أن تكون العبادة وصفهم، فاتصفوا بما أمر الله به ~~الخلق، وخلقهم لأجله. ### || [21.74-75] # هذا ثناء من الله على رسوله لوط عليه ms0960 السلام بالعلم الشرعي، والحكم بين ~~الناس، بالصواب والسداد، وأن الله أرسله إلى قومه، يدعوهم إلى عبادة الله ~~وينهاهم عما هم عليه من الفواحش، فلبث يدعوهم، فلم يستجيبوا له، فقلب ~~الله عليهم ديارهم وعذبهم عن آخرهم، لأنهم { قوم سوء فاسقين } ~~كذبوا الداعي، وتوعدوه بالإخراج، ونجى الله لوطا وأهله، فأمره أن يسري ~~بهم ليلا، ليبعدوا عن القرية، فسروا ونجوا، من فضل الله عليهم ومنته. ~~{ وأدخلناه في رحمتنآ } التي من دخلها، كان من الآمنين، من ~~جميع المخاوف، النائلين كل خير وسعادة وبر وسرور وثناء، وذلك لأنه من ~~الصالحين، الذين صلحت أعمالهم، وزكت أحوالهم، وأصلح الله فاسدهم والصلاح ~~هو السبب لدخول العبد برحمة الله، كما أن الفساد سبب لحرمانه الرحمة ~~والخير، وأعظم الناس صلاحا الأنبياء عليهم السلام، ولهذا يصفهم بالصلاح، ~~وقال سليمان عليه السلام: # وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين # [النمل: 19]. ### || [21.76-77] # أي: واذكر عبدنا ورسولنا نوحا عليه السلام، مثنيا مادحا، حين أرسله ~~الله إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى عبادة ~~الله، وينهاهم عن الشرك به، ويبدي فيهم ويعيد، ويدعوهم سرا وجهارا، ~~وليلا ونهارا، فلما رآهم لا ينجع فيهم الوعظ، ولا يفيد لديهم الزجر، ~~نادى ربه وقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. فاستجاب الله له، فأغرقهم، ولم يبق منهم أحدا، ونجى ~~الله نوحا وأهله ومن معه من المؤمنين في الفلك المشحون، وجعل ذريته هم ~~الباقين، ونصره الله على قومه المستهزئين. ### || [21.78-82] # أي: واذكر هذين النبيين الكريمين " داوود " و " سليمان " مثنيا ~~مبجلا، إذ آتاهما الله العلم الواسع، والحكم بين العباد، بدليل قوله: { ~~إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم } ~~أي: إذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ~~ليلا، فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام، بأن ~~الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، ~~وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب ms0961 الغنم يدفعون غنمهم إلى ~~صاحب الحرث فينتفع بدرها وصوفها، ويقومون على بستان صاحب الحرث حتى ~~يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادا ورجع كل منهما بما له، ~~وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام، ولهذا قال: { ففهمناها ~~سليمان } أي: فهمناه هذه القضية، ولا يدل ذلك أن داود لم يفهمه الله ~~في غيرها، ولهذا خصها بالذكر بدليل قوله: { وكلا } من داود وسليمان { ~~آتينا حكما وعلما } وهذا دليل على أن الحاكم قد يصيب الحق ~~والصواب، وقد يخطئ ذلك، وليس بمعلوم إذا أخطأ مع بذل اجتهاده. ثم ذكر ما ~~خص به كلا منهما فقال: { وسخرنا مع داوود الجبال ~~يسبحن والطير } وذلك أنه كان من أعبد الناس وأكثرهم لله ذكرا ~~وتسبيحا وتمجيدا، وكان قد أعطاه [الله] من حسن الصوت ورقته ورخامته، ما ~~لم يؤته أحدا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال ~~الصم والطيور البهم، وهذا فضل الله عليه وإحسانه، فلهذا قال: { ~~وكنا فاعلين }. { وعلمناه صنعة لبوس لكم } أي: ~~علم الله داود عليه السلام، صنعة الدروع، فهو أول من صنعها وعلمها، وسرت ~~صناعته إلى من بعده، فألان الله له الحديد، وعلمه كيف يسردها، والفائدة ~~فيها كبيرة، { لتحصنكم من بأسكم } أي: هي وقاية لكم، وحفظ ~~عند الحرب واشتداد البأس. { فهل أنتم شاكرون } نعمة الله ~~عليكم، حيث أجراها على يد عبده داود، كما قال تعالى: # وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم ~~تسلمون # [النحل: 81]. يحتمل أن تعليم الله لداود صنعة الدروع وإلانتها أمر خارق ~~للعادة، وأن يكون - كما قاله المفسرون-: إن الله ألان له الحديد، حتى ~~كان يعمله كالعجين والطين، من دون إذابة له على النار، ويحتمل أن تعليم ~~الله له، على جاري العادة، وأن إلانة الحديد له، بما علمه الله من ~~الأسباب المعروفة الآن لإذابتها، وهذا هو الظاهر، لأن الله امتن بذلك ~~على العباد وأمرهم بشكرها، ولولا أن صنعته من الأمور التي جعلها الله ~~مقدورة للعباد، لم يمتن عليهم بذلك، ويذكر فائدتها، لأن ms0962 الدروع التي صنع ~~داود عليه السلام، متعذر أن يكون المراد أعيانها، وإنما المنة ~~بالجنس، والاحتمال الذي ذكره المفسرون، لا دليل عليه إلا قوله: # وألنا له الحديد # [سبأ: 10] وليس فيه أن الإلانة من دون سبب، والله أعلم بذلك. { ~~ولسليمان الريح } أي: سخرناها { عاصفة } أي: سريعة في ~~مرورها، { تجري بأمره } حيث دبرت امتثلت أمره، غدوها شهر ~~ورواحها شهر { إلى الأرض التي باركنا فيها } وهي أرض ~~الشام، حيث كان مقره، فيذهب على الريح شرقا وغربا، ويكون مأواها ~~ورجوعها إلى الأرض المباركة، { وكنا بكل شيء عالمين } قد ~~أحاط علمنا بجميع الأشياء، وعلمنا من داود وسليمان ما أوصلناهما به إلى ~~ما ذكرنا. { ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون ~~عملا دون ذلك } وهذا أيضا من خصائص سليمان عليه السلام، أن الله ~~سخر له الشياطين والعفاريت، وسلطه على تسخيرهم في الأعمال، التي لا يقدر ~~على كثير منها غيرهم، فكان منهم من يغوص له في البحر، ويستخرج الدر، ~~واللؤلؤ، وغير ذلك، ومنهم من يعمل له # محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات # [سبأ: 13] وسخر طائفة منهم لبناء بيت المقدس ومات، وهم على عمله، وبقوا ~~بعده سنة، حتى علموا موته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. { وكنا ~~لهم حافظين } أي: لا يقدرون على الامتناع منه وعصيانه، بل حفظهم ~~الله له، بقوته وعزته، وسلطانه. ### || [21.83-84] # أي: واذكر عبدنا ورسولنا أيوب - مثنيا معظما له، رافعا لقدره - حين ~~ابتلاه، ببلاء شديد، فوجده صابرا راضيا عنه، وذلك أن الشيطان سلط على ~~جسده ابتلاء من الله، وامتحانا، فنفخ في جسده، فتقرح قروحا عظيمة، ~~ومكث مدة طويلة، واشتد به البلاء، ومات أهله، وذهب ماله، فنادى ربه: رب { ~~أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } فتوسل إلى ~~الله بالإخبار عن حال نفسه، وأنه بلغ الضر منه كل مبلغ، وبرحمة ربه ~~الواسعة العامة فاستجاب الله له، وقال له: # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # [ص: 42] فركض برجله، فخرجت من ركضته عين ماء باردة، فاغتسل منها وشرب، ~~فأذهب الله ما به من الأذى، { وآتيناه أهله } أي: رددنا عليه ~~أهله وماله. ms0963 { ومثلهم معهم } بأن منحه الله مع العافية من ~~الأهل والمال شيئا كثيرا، { رحمة من عندنا } به، حيث صبر ~~ورضي، فأثابه الله ثوابا عاجلا قبل ثواب الآخرة. { وذكرى ~~للعابدين } أي: جعلناه عبرة للعابدين، الذين ينتفعون بالعبر، فإذا ~~رأوا ما أصابه من البلاء، ثم ما أثابه الله بعد زواله، ونظروا السبب، ~~وجدوه الصبر، ولهذا أثنى الله عليه به في قوله: # إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب # [ص: 44] فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر. ### || [21.85-86] # أي: واذكر عبادنا المصطفين وأنبياءنا المرسلين بأحسن الذكر، وأثن ~~عليهم أبلغ الثناء، إسماعيل بن إبراهيم، وإدريس، وذا الكفل، نبيين من ~~أنبياء بني إسرائيل { كل } من هؤلاء المذكورين { من الصابرين ~~} والصبر: هو حبس النفس ومنعها، مما تميل بطبعها إليه، وهذا يشمل أنواع ~~الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على ~~أقدار الله المؤلمة، فلا يستحق العبد اسم الصبر التام، حتى يوفي هذه ~~الثلاثة حقها. فهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قد وصفهم الله ~~بالصبر، فدل أنهم وفوها حقها، وقاموا بها كما ينبغي، ووصفهم أيضا ~~بالصلاح، وهو يشمل صلاح القلب، بمعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه كل ~~وقت، وصلاح اللسان، بأن يكون رطبا من ذكر الله، وصلاح الجوارح، ~~باشتغالها بطاعة الله وكفها عن المعاصي. فبصبرهم وصلاحهم، أدخلهم الله ~~برحمته، وجعلهم مع إخوانهم من المرسلين، وأثابهم الثواب العاجل والآجل ~~ولو لم يكن من ثوابهم، إلا أن الله تعالى نوه بذكرهم في العالمين، ~~وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، لكفى بذلك شرفا وفضلا. ### || [21.87-88] # أي: واذكر عبدنا ورسولنا ذا النون، وهو: يونس، أي: صاحب النون، وهي ~~الحوت، بالذكر الجميل، والثناء الحسن، فإن الله تعالى أرسله إلى قومه، ~~فدعاهم، فلم يؤمنوا، فوعدهم بنزول العذاب بأمد سماه لهم. [فجاءهم ~~العذاب]، ورأوه عيانا، فعجوا إلى الله، وضجوا وتابوا، فرفع الله عنهم ~~العذاب كما قال تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. وقال: # وأرسلناه إلى مئة ألف ms0964 أو يزيدون * فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين # [الصافات: 147-148]. وهذه الأمة العظيمة، الذين آمنوا بدعوة يونس، من ~~أكبر فضائله، ولكنه عليه الصلاة والسلام ذهب مغاضبا، وأبق عن ربه لذنب ~~من الذنوب التي لم يذكرها الله لنا في كتابه، ولا حاجة لنا إلى تعيينها ~~[لقوله: # إذ أبق إلى الفلك......وهو مليم # [الصافات: 140-142] أي: فاعل ما يلام عليه] والظاهر أن عجلته ومغاضبته ~~لقومه وخروجه من بين أظهرهم قبل أن يأمره الله بذلك، وظن أن الله لا يقدر ~~عليه، أي: يضيق عليه في بطن الحوت، أو ظن أنه سيفوت الله تعالى، ولا مانع ~~من عروض هذا الظن للكمل من الخلق على وجه لا يستقر ولا يستمر عليه، فركب ~~في السفينة مع أناس، فاقترعوا، من يلقون منهم في البحر؟ لما خافوا ~~الغرق إن بقوا كلهم، فأصابت القرعة يونس، فالتقمه الحوت، وذهب به إلى ~~ظلمات البحار، فنادى في تلك الظلمات: { لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين } فأقر لله تعالى بكمال ~~الألوهية، ونزهه عن كل نقص وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته. قال ~~الله تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144] ولهذا قال هنا: { فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم } أي: الشدة التي وقع فيها. { وكذلك ~~ننجي المؤمنين } وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم، أن ~~الله تعالى سينجيه منها، ويكشف عنه ويخفف، لإيمانه كما فعل ب " يونس " ~~عليه السلام. ### || [21.89-90] # أي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوها بذكره، ناشرا لمناقبه وفضائله، ~~التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمنة لنصحه للخلق، ورحمة الله ~~إياه، وأنه { نادى ربه رب لا تذرني فردا } أي: # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورآءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ~~رب رضيا # [مريم: 4-6]. من هذه الآيات علمنا أن قوله { رب لا تذرني ~~فردا } أنه لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم ms0965 أحد بعده مقامه في الدعوة ~~إلى الله، والنصح لعباد الله، وأن يكون في وقته فردا، ولا يخلف من ~~يشفعه ويعينه، على ما قام به، { وأنت خير الوارثين } أي: خير ~~الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئن ~~به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه. { فاستجبنا له ~~ووهبنا له يحيى } النبي الكريم، الذي لم يجعل الله له من قبل ~~سميا. { وأصلحنا له زوجه } بعدما كانت عاقرا، لا يصلح ~~رحمها للولادة، فأصلح الله رحمها للحمل لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد ~~الجليس والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركا بين ~~الوالدين. ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلا على انفراده، أثنى ~~عليهم عموما فقال: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~} أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه ~~اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلا انتهزوا الفرصة ~~فيها، { ويدعوننا رغبا ورهبا } أي: يسألوننا الأمور المرغوب ~~فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها، من ~~مضار الدارين، وهم راغبون راهبون لا غافلون، لاهون ولا مدلون، { ~~وكانوا لنا خاشعين } أي: خاضعين متذللين متضرعين، وهذا لكمال ~~معرفتهم بربهم. ### || [21.91-94] # أي: واذكر مريم عليها السلام مثنيا عليها مبينا لقدرها، شاهرا لشرفها ~~فقال: { والتي أحصنت فرجها } أي: حفظته من الحرام وقربانه، ~~بل ومن الحلال، فلم تتزوج لاشتغالها بالعبادة، واستغراق وقتها بالخدمة ~~لربها. وحين جاءها جبريل في صورة بشر سوي تام الخلق والحسن # قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # [مريم: 18] فجازاها الله من جنس عملها، ورزقها ولدا من غير أب، بل نفخ ~~فيها جبريل عليه السلام، فحملت بإذن الله. { وجعلناها وابنهآ ~~آية للعالمين } حيث حملت به، ووضعته من دون مسيس أحد، وحيث تكلم ~~في المهد، وبرأها مما ظن بها المتهمون، وأخبر عن نفسه في تلك الحالة، ~~وأجرى الله على يديه من الخوارق والمعجزات ما هو معلوم، فكانت وابنها آية ~~للعالمين، يتحدث بها جيلا بعد جيل، ويعتبر بها المعتبرون. ولما ذكر ~~الأنبياء عليهم ms0966 السلام، قال مخاطبا للناس: و { إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة } أي: هؤلاء الرسل المذكورون، هم أمتكم ~~وأئمتكم الذين بهم تأتمون، وبهديهم تقتدون، كلهم على دين واحد، وصراط ~~واحد، والرب أيضا واحد. ولهذا قال: { وأنا ربكم } الذي خلقتكم، ~~وربيتكم بنعمتي، في الدين والدنيا، فإذا كان الرب واحدا، والنبي واحدا، ~~والدين واحدا، وهو عبادة الله، وحده لا شريك له، بجميع أنواع العبادة ~~كان وظيفتكم والواجب عليكم القيام بها، ولهذا قال: { فاعبدون } فرتب ~~العبادة على ما سبق بالفاء ترتيب المسبب على سببه. وكان اللائق، الاجتماع ~~على هذا الأمر وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء، أبيا إلا الافتراق ~~والتقطع. ولهذا قال: { وتقطعوا أمرهم بينهم } أي: تفرق ~~الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا، وتشتتوا، كل يدعي أن الحق ~~معه، والباطل مع الفريق الآخر و # كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون: 53]. وقد علم أن المصيب منهم، من كان سالكا للدين القويم ~~والصراط المستقيم، مؤتما بالأنبياء، وسيظهر هذا إذا انكشف الغطاء، وبرح ~~الخفاء، وحشر الله الناس لفصل القضاء، فحينئذ يتبين الصادق من الكاذب، ~~ولهذا قال: { كل } من الفرق المتفرقة وغيرهم { إلينا راجعون } ~~أي: فنجازيهم أتم الجزاء. ثم فصل جزاءه فيهم، منطوقا ومفهوما، فقال: { ~~فمن يعمل من الصالحات } أي: الأعمال التي شرعتها الرسل، ~~وحثت عليها الكتب { وهو مؤمن } بالله وبرسله، وما جاؤوا به { ~~فلا كفران لسعيه } أي: لا نضيع سعيه ولا نبطله، بل نضاعفه له ~~أضعافا كثيرة. { وإنا له كاتبون } أي: مثبتون له في اللوح ~~المحفوظ، وفي الصحف التي مع الحفظة. أي: ومن لم يعمل من الصالحات، أو ~~عملها وهو ليس بمؤمن، فإنه محروم خاسر في دينه، ودنياه. ### || [21.95] # أي: يمتنع على القرى المهلكة المعذبة الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا ما ~~فرطوا فيه، فلا سبيل إلى الرجوع لمن أهلك وعذب، فليحذر المخاطبون، أن ~~يستمروا على ما يوجب الإهلاك فيقع بهم، فلا يمكن رفعه، وليقلعوا وقت ~~الإمكان والإدراك. ### || [21.96-97] # هذا تحذير من الله للناس، أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب ~~انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان عظيمتان من بني آدم، ms0967 وقد سد عليهم ذو ~~القرنين، لما شكي إليه إفسادهم في الأرض، وفي آخر الزمان ينفتح السد ~~عنهم، فيخرجون إلى الناس في هذه الحالة والوصف، الذي ذكره الله، من كل ~~مكان مرتفع، وهو الحدب، ينسلون أي: يسرعون. وفي هذا دلالة على كثرتهم ~~الباهرة، وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم، وإما بما خلق الله لهم من ~~الأسباب التي تقرب لهم البعيد، وتسهل عليهم الصعب، وأنهم يقهرون الناس، ~~ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم. { واقترب ~~الوعد الحق } أي: يوم القيامة الذي وعد الله بإتيانه، ووعده حق ~~وصدق، ففي ذلك اليوم ترى أبصار الكفار شاخصة من شدة الأفزاع والأهوال ~~المزعجة والقلاقل المفظعة، وما كانوا يعرفون من جناياتهم وذنوبهم، وأنهم ~~يدعون بالويل والثبور والندم والحسرة على ما فات، ويقولون ل: { قد ~~كنا في غفلة من هذا } اليوم العظيم، فلم نزل فيها ~~مستغرقين، وفي لهو الدنيا متمتعين، حتى أتانا اليقين، ووردنا القيامة، ~~فلو كان يموت أحد من الندم والحسرة، لماتوا. { بل كنا ظالمين } ~~اعترفوا بظلمهم وعدل الله فيهم، فحينئذ يؤمر بهم إلى النار، هم وما كانوا ~~يعبدون، ولهذا قال: { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب... }. ### || [21.98-103] # أي: إنكم أيها العابدون مع الله آلهة غيره { حصب جهنم } أي: ~~وقودها وحطبها { أنتم لها واردون } وأصنامكم. والحكمة في دخول ~~الأصنام النار، وهي جماد لا تعقل، وليس عليها ذنب، بيان كذب من اتخذها ~~آلهة، وليزداد عذابهم، فلهذا قال: { لو كان هؤلاء آلهة ما ~~وردوها } وهذا كقوله تعالى: # ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين ~~كفروا أنهم كانوا كاذبين # [النحل: 39] وكل من العابدين والمعبودين فيها خالدون، لا يخرجون منها، ~~ولا ينتقلون عنها. { لهم فيها زفير } من شدة العذاب { وهم ~~فيها لا يسمعون } صم بكم عمي، أولا يسمعون من الأصوات غير صوتها، ~~لشدة غليانها واشتداد زفيرها وتغيظها. ودخول آلهة المشركين النار، إنما ~~هو الأصنام، أو من عبد، وهو راض بعبادته، وأما المسيح، وعزير، ~~والملائكة ونحوهم، ممن عبد من الأولياء، فإنهم لا يعذبون فيها، ويدخلون ~~في قوله: { إن الذين سبقت ms0968 لهم منا الحسنى } أي: ~~سبقت لهم سابقة السعادة في علم الله، وفي اللوح المحفوظ وفي تيسيرهم في ~~الدنيا لليسرى والأعمال الصالحة. { أولئك عنها } أي: عن النار ~~{ مبعدون } فلا يدخلونها، ولا يكونون قريبا منها، بل يبعدون عنها ~~غاية البعد، حتى لا يسمعوا حسيسها، ولا يروا شخصها. { وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون } من المآكل، والمشارب، والمناكح ~~والمناظر، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مستمر لهم ~~ذلك، يزداد حسنه على الأحقاب، { لا يحزنهم الفزع الأكبر } ~~أي: لا يقلقهم إذا فزع الناس أكبر فزع، وذلك يوم القيامة، حين تقرب ~~النار، تتغيظ على الكافرين والعاصين فيفزع الناس لذلك الأمر وهؤلاء لا ~~يحزنهم، لعلمهم بما يقدمون عليه، وأن الله قد أمنهم مما يخافون. { ~~وتتلقاهم الملائكة } إذا بعثوا من قبورهم، وأتوا على ~~النجائب وفدا لنشورهم، مهنئين لهم قائلين: { هذا يومكم الذي ~~كنتم توعدون } فليهنكم ما وعدكم الله، وليعظم استبشاركم بما ~~أمامكم من الكرامة، وليكثر فرحكم وسروركم بما أمنكم الله من المخاوف ~~والمكاره. ### || [21.104-105] # يخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماوات - على عظمها واتساعها - كما ~~يطوي الكاتب للسجل أي: الورقة المكتوب فيها، فتنثر نجومها، ويكور شمسها ~~وقمرها، وتزول عن أماكنها { كما بدأنآ أول خلق نعيده } ~~أي: إعادتنا للخلق، مثل ابتدائنا لخلقهم، فكما ابتدأنا خلقهم ولم يكونوا ~~شيئا، كذلك نعيدهم بعد موتهم. { وعدا علينآ إنا كنا ~~فاعلين } ننفذ ما وعدنا، لكمال قدرته، وأنه لا تمتنع منه الأشياء. { ~~ولقد كتبنا في الزبور } وهو الكتاب المزبور، والمراد: الكتب ~~المنزلة، كالتوراة ونحوها { من بعد الذكر } أي: كتبناه في الكتب ~~المنزلة، بعد ما كتبنا في الكتاب السابق، الذي هو اللوح المحفوظ، وأم ~~الكتاب الذي توافقه جميع التقادير المتأخرة عنه والمكتوب في ذلك: { أن ~~الأرض } أي: أرض الجنة { يرثها عبادي الصالحون } الذين ~~قاموا بالمأمورات، واجتنبوا المنهيات، فهم الذين يورثهم الله الجنات، ~~كقول أهل الجنة: # الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر: 74]. ويحتمل أن المراد: الاستخلاف في الأرض، وأن الصالحين يمكن ~~الله ms0969 لهم في الأرض، ويوليهم عليها كقوله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم # .. الآية [النور: 55]. ### || [21.106-112] # يثني الله تعالى على كتابه العزيز " القرآن " ويبين كفايته التامة عن كل ~~شيء، وأنه لا يستغنى عنه فقال: { إن في هذا لبلاغا لقوم ~~عابدين } أي: يتبلغون به في الوصول إلى ربهم، وإلى دار كرامته، ~~فيوصلهم إلى أجل المطالب، وأفضل الرغائب. وليس للعابدين، الذين هم أشرف ~~الخلق، وراءه غاية، لأنه الكفيل بمعرفة ربهم، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ~~وبالإخبار بالغيوب الصادقة، وبالدعوة لحقائق الإيمان، وشواهد الإيقان، ~~المبين للمأمورات كلها، والمنهيات جميعها، المعرف بعيوب النفس والعمل، ~~والطرق التي ينبغي سلوكها في دقيق الدين وجليله، والتحذير من طرق الشيطان ~~وبيان مداخله على الإنسان، فمن لم يغنه القرآن فلا أغناه الله، ومن لا ~~يكفيه فلا كفاه الله. ثم أثنى على رسوله الذي جاء بالقرآن، فقال: { ومآ ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فهو رحمته المهداة ~~لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها وقاموا بها، وغيرهم ~~كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرا، وأبوا رحمة الله ونعمته. { قل } يا ~~محمد { إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد ~~} الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال: { فهل أنتم ~~مسلمون } أي: منقادون لعبوديته مستسلمون لألوهيته، فإن فعلوا ~~فليحمدوا ربهم على ما من عليهم بهذه النعمة التي فاقت المنن. { فإن ~~تولوا } عن الانقياد لعبودية ربهم، فحذرهم حلول المثلات، ونزول ~~العقوبة. { فقل ءاذنتكم } أي: أعلمتكم بالعقوبة { على سوآء ~~} أي علمي وعلمكم بذلك مستو، فلا تقولوا - إذا أنزل بكم العذاب: # ما جآءنا من بشير ولا نذير # [المائدة: 19] بل الآن، استوى علمي وعلمكم لما أنذرتكم وحذرتكم وأعلمتكم ~~بمآل الكفر، ولم أكتم عنكم شيئا. { وإن أدري أقريب أم ~~بعيد ما توعدون } أي: من العذاب لأن علمه عند الله، وهو بيده، ~~ليس لي من الأمر شيء. { وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين } أي: لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه شر لكم، ~~وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين، ثم يكون أعظم لعقوبتكم. { قال رب ms0970 ~~احكم بالحق } أي: بيننا وبين القوم الكافرين، فاستجاب الله هذا ~~الدعاء، وحكم بينهم في الدنيا قبل الآخرة، بما عاقب الله به الكافرين من ~~وقعة " بدر " وغيرها. { وربنا الرحمن المستعان على ~~ما تصفون } أي: نسأل ربنا الرحمن، ونستعين به على ما تصفون، من ~~قولكم سنظهر عليكم، وسيضمحل دينكم، فنحن في هذا، لا نعجب بأنفسنا، ولا ~~نتكل على حولنا وقوتنا، وإنما نستعين بالرحمن، الذي ناصية كل مخلوق بيده، ~~ونرجوه أن يتم ما استعناه به من رحمته، وقد فعل، ولله الحمد. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # يخاطب الله الناس كافة، بأن يتقوا ربهم، الذي رباهم بالنعم الظاهرة ~~والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه، بترك الشرك والفسوق والعصيان، ويمتثلوا ~~أوامره، مهما استطاعوا. ثم ذكر ما يعينهم على التقوى، ويحذرهم من تركها، ~~وهو الإخبار بأهوال القيامة، فقال: { إن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم } لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت ~~الأرض وارتجت، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال واندكت، وكانت كثيبا ~~مهيلا، ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج. فهناك تنفطر ~~السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل ~~ما تنصدع له القلوب، وتجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له ~~الصم الصلاب، ولهذا قال: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عمآ أرضعت } مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في ~~هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها. { وتضع كل ذات حمل ~~حملها } من شدة الفزع والهول، { وترى الناس سكارى وما ~~هم بسكارى } أي: تحسبهم -أيها الرائي لهم- سكارى من الخمر، وليسوا ~~سكارى. { ولكن عذاب الله شديد }: فلذلك أذهب عقولهم، ~~وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ~~ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. ~~ويومئذ # يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته ~~وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 34-37]. وهناك # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا # [الفرقان: 27-28] ms0971 وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه، وتنصب الموازين التي ~~يوزن بها مثاقيل الذر، من الخير والشر، وتنشر صحائف الأعمال وما فيها من ~~جميع الأعمال والأقوال والنيات، من صغير وكبير، وينصب الصراط على متن ~~جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا * وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ~~دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 12-13] ويقال لهم: # لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا # [الفرقان: 14] وإذا نادوا ربهم ليخرجهم منها قال: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. قد غضب عليهم الرب الرحيم، وحضرهم العذاب الأليم، ~~وأيسوا من كل خير، ووجدوا أعمالهم كلها، لم يفقدوا منها نقيرا ولا ~~قطميرا. هذا، والمتقون في روضات الجنات يحبرون، وفي أنواع اللذات ~~يتفكهون، وفيما اشتهت أنفسهم خالدون، فحقيق بالعاقل الذي يعرف أن كل هذا ~~أمامه، أن يعد له عدته، وأن لا يلهيه الأمل، فيترك العمل، وأن ~~تكون تقوى الله شعاره، وخوفه دثاره، ومحبة الله وذكره، روح أعماله. ### || [22.3-4] # أي: ومن الناس طائفة وفرقة، سلكوا طريق الضلال، وجعلوا يجادلون بالباطل ~~الحق، يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحق، والحال أنهم في غاية الجهل ما ~~عندهم من العلم شيء، وغاية ما عندهم، تقليد أئمة الضلال، من كل شيطان ~~مريد، متمرد على الله وعلى رسله، معاند لهم، قد شاق الله ورسوله، وصار ~~من الأئمة الذين يدعون إلى النار. { كتب عليه } أي: قدر على هذا ~~الشيطان المريد { أنه من تولاه } أي: اتبعه { فأنه ~~يضله } عن الحق، ويجنبه الصراط المستقيم { ويهديه إلى ~~عذاب السعير } وهذا نائب إبليس حقا، فإن الله قال عنه: # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6] فهذا الذي يجادل في الله، قد جمع بين ضلاله بنفسه، وتصديه إلى ~~إضلال الناس، وهو متبع، ومقلد لكل شيطان مريد، ظلمات بعضها فوق بعض، ~~ويدخل في هذا، جمهور أهل الكفر والبدع، فإن أكثرهم مقلدة، يجادلون بغير ~~علم. ### || [22.5-7] # يقول تعالى: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث } أي: شك واشتباه، وعدم علم بوقوعه، مع أن الواجب عليكم ms0972 أن ~~تصدقوا ربكم، وتصدقوا رسله في ذلك، ولكن إذا أبيتم إلا الريب، فهاكم ~~دليلين عقليين تشاهدونهما، كل واحد منهما، يدل دلالة قطعية على ما شككتم ~~فيه، ويزيل عن قلوبكم الريب. أحدهما: الاستدلال بابتداء خلق الإنسان، وأن ~~الذي ابتدأه سيعيده، فقال فيه: { فإنا خلقناكم من تراب } ~~وذلك بخلق أبي البشر آدم عليه السلام، { ثم من نطفة } أي: ~~مني، وهذا ابتداء أول التخليق، { ثم من علقة } أي: تنقلب تلك ~~النطفة، بإذن الله دما أحمر، { ثم من مضغة } أي: ينتقل الدم ~~مضغة، أي: قطعة لحم، بقدر ما يمضغ، وتلك المضغة تارة تكون { مخلقة ~~} أي: مصور منها خلق الآدمي، { وغير مخلقة } تارة، بأن تقذفها ~~الأرحام قبل تخليقها، { لنبين لكم } أصل نشأتكم، مع قدرته ~~تعالى على تكميل خلقه في لحظة واحدة، ولكن ليبين لنا كمال حكمته، وعظيم ~~قدرته، وسعة رحمته. { ونقر في الأرحام ما نشآء إلى ~~أجل مسمى } أي: ونقر، أي: نبقي في الأرحام من الحمل، الذي لم ~~تقذفه الأرحام، ما نشاء إبقاءه إلى أجل مسمى، وهو مدة الحمل. { ثم ~~نخرجكم } من بطون أمهاتكم { طفلا } لا تعلمون شيئا، وليس لكم ~~قدرة، وسخرنا لكم الأمهات، وأجرينا لكم في ثديها الرزق، ثم تنتقلون طورا ~~بعد طور، حتى تبلغوا أشدكم، وهو كمال القوة والعقل. { ومنكم من ~~يتوفى } من قبل أن يبلغ سن الأشد، ومنكم من يتجاوزه فيرد إلى أرذل ~~العمر، أي: أخسه وأرذله، وهو سن الهرم والتخريف، الذي به يزول العقل ~~ويضمحل، كما زالت باقي القوة، وضعفت. { لكيلا يعلم من بعد ~~علم شيئا } أي: لأجل أن لا يعلم هذا المعمر شيئا مما كان يعلمه ~~قبل ذلك، وذلك لضعف عقله، فقوة الآدمي محفوفة بضعفين، ضعف الطفولية ~~ونقصها، وضعف الهرم ونقصه، كما قال تعالى: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ~~ما يشآء وهو العليم القدير # [الروم: 54] والدليل الثاني، إحياء الأرض بعد موتها، فقال الله فيه: { ~~وترى الأرض هامدة } أي: خاشعة مغبرة لا نبات فيها، ولا خضر، { ~~فإذآ ms0973 أنزلنا عليها المآء اهتزت } أي: تحركت بالنبات { ~~وربت } أي: ارتفعت بعد خشوعها وذلك لزيادة نباتها، { وأنبتت من ~~كل زوج } أي: صنف من أصناف النبات { بهيج } أي: يبهج الناظرين، ~~ويسر المتأملين، فهذان الدليلان القاطعان، يدلان على هذه المطالب الخمسة، ~~وهي هذه. { ذلك } الذي أنشأ الآدمي من ما وصف لكم، وأحيا الأرض بعد ~~موتها، { بأن الله هو الحق } أي: الرب المعبود، الذي لا ~~تنبغي العبادة إلا له، وعبادته هي الحق، وعبادة غيره باطلة، { وأنه ~~يحيي الموتى } كما ابتدأ الخلق، وكما أحيا الأرض بعد موتها، { ~~وأنه على كل شيء قدير } كما أشهدكم من بديع قدرته وعظيم ~~صنعته ما أشهدكم. { وأن الساعة آتية لا ريب فيها } فلا ~~وجه لاستبعادها، { وأن الله يبعث من في القبور } ~~فيجازيكم بأعمالكم حسنها وسيئها. ### || [22.8-9] # المجادلة المتقدمة للمقلد، وهذه المجادلة للشيطان المريد، الداعي إلى ~~البدع، فأخبر أنه { يجادل في الله } أي: يجادل رسل الله وأتباعهم ~~بالباطل ليدحض به الحق، { بغير علم } صحيح { ولا هدى } أي: ~~غير متبع في جداله هذا من يهديه، لا عقل مرشد، ولا متبوع مهتد، { ولا ~~كتاب منير } أي: واضح بين، أي: فلا له حجة عقلية ولا نقلية ، إن ~~هي إلا شبهات، يوحيها إليه الشيطان # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجدلوكم # [الأنعام: 121] ومع هذا { ثاني عطفه } أي: لاوي جانبه وعنقه، ~~وهذا كناية عن كبره عن الحق، واحتقاره للخلق، فقد فرح بما معه من العلم ~~غير النافع، واحتقر أهل الحق وما معهم من الحق، { ليضل } الناس، أي: ~~ليكون من دعاة الضلال، ويدخل تحت هذا جميع أئمة الكفر والضلال، ثم ذكر ~~عقوبتهم الدنيوية والأخروية فقال: { له في الدنيا خزي } أي: ~~يفتضح هذا في الدنيا قبل الآخرة، وهذا من آيات الله العجيبة، فإنك لا تجد ~~داعيا من دعاة الكفر والضلال، إلا وله من المقت بين العالمين، واللعنة، ~~والبغض، والذم، ما هو حقيق به، وكل بحسب حاله. { ونذيقه يوم ~~القيامة عذاب الحريق } أي: نذيقه حرها الشديد، وسعيرها ~~البليغ، وذلك بما قدمت يداه، { وأن الله ليس بظلم ~~للعبيد }. ### || [22.11-13] # أي: ومن ms0974 الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم تخالطه ~~بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، { ~~فإن أصابه خير اطمأن به } أي: إن استمر رزقه رغدا، ولم ~~يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن ~~الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، { وإن ~~أصابته فتنة } من حصول مكروه، أو زوال محبوب { انقلب على ~~وجهه } أي: ارتد عن دينه، { خسر الدنيا والأخرة } أما في ~~الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسا لماله، ~~وعوضا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما ~~الآخرة، فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، { ~~ذلك هو الخسران المبين } أي: الواضح البين. { يدعوا } ~~هذا الراجع على وجهه { من دون الله ما لا يضره وما لا ~~ينفعه } وهذا صفة كل مدعو ومعبود من دون الله، فإنه لا يملك لنفسه ~~ولا لغيره نفعا ولا ضرا، { ذلك هو الضلال البعيد } الذي ~~قد بلغ في البعد إلى حد النهاية، حيث أعرض عن عبادة النافع الضار، الغني ~~المغني، وأقبل على عبادة مخلوق مثله أو دونه، ليس بيده من الأمر شيء، بل ~~هو إلى حصول ضد مقصوده أقرب، ولهذا قال: { يدعو لمن ضره ~~أقرب من نفعه } فإن ضرره في العقل والبدن والدنيا والآخرة ~~معلوم { لبئس المولى } أي: هذا المعبود { ولبئس العشير ~~} أي: القرين الملازم على صحبته، فإن المقصود من المولى والعشير، حصول ~~النفع، ودفع الضرر، فإذا لم يحصل شيء من هذا، فإنه مذموم ملوم. ### || [22.14] # لما ذكر تعالى المجادل بالباطل، وأنه على قسمين، مقلد، وداع، ذكر أن ~~المتسمي بالإيمان أيضا على قسمين، قسم لم يدخل الإيمان قلبه كما تقدم، ~~والقسم الثاني: المؤمن حقيقة، صدق ما معه من الإيمان بالأعمال الصالحة، ~~فأخبر تعالى أنه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وسميت الجنة جنة، ~~لاشتمالها على المنازل والقصور والأشجار والنوابت التي تجن من فيها، ms0975 ~~ويستتر بها من كثرتها، { إن الله يفعل ما يريد } فما أراده ~~تعالى فعله من غير ممانع ولا معارض، ومن ذلك، إيصال أهل الجنة إليها، ~~جعلنا الله منهم بمنه وكرمه. ### || [22.15] # أي: من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وأن دينه سيضمحل، فإن النصر من ~~الله ينزل من السماء { فليمدد } ذلك الظان { بسبب } أي: حبل { ~~إلى السمآء } وليرقى إليها { ثم ليقطع } النصر النازل عليه ~~من السماء. { فلينظر هل يذهبن كيده } أي: ما يكيد به ~~الرسول، ويعمله من محاربته، والحرص على إبطال دينه، ما يغيظه من ظهور ~~دينه، وهذا استفهام بمعنى النفي [وأنه]، لا يقدر على شفاء غيظه بما يعمله ~~من الأسباب. ومعنى هذه الآية الكريمة: يا أيها المعادي للرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم، الساعي في إطفاء دينه، الذي يظن بجهله، أن سعيه سيفيده ~~شيئا، اعلم أنك مهما فعلت من الأسباب، وسعيت في كيد الرسول، فإن ذلك لا ~~يذهب غيظك، ولا يشفي كمدك، فليس لك قدرة في ذلك، ولكن سنشير عليك برأي، ~~تتمكن به من شفاء غيظك، ومن قطع النصر عن الرسول - إن كان ممكنا - ائت ~~الأمر مع بابه، وارتق إليه بأسبابه، اعمد إلى حبل من ليف أو غيره، ثم ~~علقه في السماء، ثم اصعد به حتى تصل إلى الأبواب التي ينزل منها ~~النصر، فسدها وأغلقها واقطعها، فبهذه الحال تشفي غيظك، فهذا هو الرأي: ~~والمكيدة، وأما ما سوى هذه الحال فلا يخطر ببالك أنك تشفي بها غيظك، ولو ~~ساعدك من ساعدك من الخلق. وهذه الآية الكريمة، فيها من الوعد والبشارة ~~بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس ~~الكافرين، الذين يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون، أي: وسعوا مهما أمكنهم. ### || [22.16] # أي: وكذلك لما فصلنا في هذا القرآن ما فصلنا، جعلناه آيات بينات واضحات، ~~دالات على جميع المطالب والمسائل النافعة، ولكن الهداية بيد الله، فمن ~~أراد الله هدايته، اهتدى بهذا القرآن، وجعله إماما له وقدوة، واستضاء ~~بنوره، ومن لم يرد الله ms0976 هدايته، فلو جاءته كل آية ما آمن، ولم ينفعه ~~القرآن شيئا، بل يكون حجة عليه. ### || [22.17-24] # يخبر تعالى عن طوائف أهل الأرض، من الذين أوتوا الكتاب، من المؤمنين ~~واليهود والنصارى والصابئين، ومن المجوس، ومن المشركين أن الله سيجمعهم ~~جميعهم ليوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل، ويجازيهم بأعمالهم التي ~~حفظها وكتبها وشهدها، ولهذا قال: { إن الله على كل شيء ~~شهيد } ثم فصل هذا الفصل بينهم بقوله: { هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم } كل يدعي أنه المحق. { فالذين ~~كفروا } يشمل كل كافر، من اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين، ~~والمشركين. { قطعت لهم ثياب من نار } أي: يجعل لهم ثياب ~~من قطران، وتشعل فيها النار، ليعمهم العذاب من جميع جوانبهم. { يصب ~~من فوق رءوسهم الحميم } الماء الحار جدا، يصهر ما في ~~بطونهم من اللحم والشحم والأمعاء، من شدة حره، وعظيم أمره، { ولهم ~~مقامع من حديد } بيد الملائكة الغلاظ الشداد، تضربهم فيها ~~وتقمعهم، { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم ~~أعيدوا فيها } فلا يفتر عنهم العذاب، ولا هم ينظرون، ويقال ~~لهم توبيخا: { وذوقوا عذاب الحريق } أي: المحرق للقلوب ~~والأبدان، { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار } ومعلوم أن ~~هذا الوصف لا يصدق على غير المسلمين، الذين آمنوا بجميع الكتب، وجميع ~~الرسل، { يحلون فيها من أساور من ذهب } أي: يسورون في ~~أيديهم، رجالهم ونساؤهم أساور الذهب. { ولباسهم فيها حرير } ~~فتم نعيمهم بذكر أنواع المأكولات اللذيذات المشتمل عليها، لفظ الجنات، ~~وذكر الأنهار السارحات، أنهار الماء واللبن والعسل والخمر، وأنواع ~~اللباس، والحلي الفاخر، وذلك بسبب أنهم { وهدوا إلى الطيب ~~من القول } الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال ~~الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، { وهدوا إلى ~~صراط الحميد } أي: الصراط المحمود، وذلك لأن جميع الشرع كله محتو ~~على الحكمة والحمد، وحسن المأمور به، وقبح المنهي عنه، وهو الدين الذي لا ~~إفراط فيه ولا تفريط، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح. أو: وهدوا ~~إلى صراط الله الحميد، لأن الله كثيرا ما ms0977 يضيف الصراط إليه، لأنه يوصل ~~صاحبه إلى الله، وفي ذكر { الحميد } هنا، ليبين أنهم نالوا الهداية ~~بحمد ربهم ومنته عليهم، ولهذا يقولون في الجنة: # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله # [الأعراف: 43] واعترض تعالى بين هذه الآيات بذكر سجود المخلوقات له، ~~جميع من في السماوات والأرض، والشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، ~~والدواب، الذي يشمل الحيوانات كلها، وكثير من الناس، وهم المؤمنون، { ~~وكثير حق عليه العذاب } أي: وجب وكتب، لكفره وعدم إيمانه، ~~فلم يوفقه للإيمان، لأن الله أهانه، { ومن يهن الله فما له ~~من مكرم } ولا راد لما أراد، ولا معارض لمشيئته، فإذا كانت ~~المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، مستكينة لعزته، عانية ~~لسلطانه، دل على أنه وحده، الرب المعبود، والملك المحمود، وأن من عدل ~~عنه إلى عبادة سواه، فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا. ### || [22.25] # يخبر تعالى عن شناعة ما عليه المشركون الكافرون بربهم، وأنهم جمعوا بين ~~الكفر بالله ورسوله، وبين الصد عن سبيل الله ومنع الناس من الإيمان، ~~والصد أيضا عن المسجد الحرام، الذي ليس ملكا لهم ولا لآبائهم، بل الناس ~~فيه سواء، المقيم فيه، والطارئ إليه، بل صدوا عنه أفضل الخلق محمدا ~~وأصحابه، والحال أن هذا المسجد الحرام، من حرمته واحترامه وعظمته، أن من ~~يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم. فمجرد إرادة الظلم والإلحاد في ~~الحرم، موجب للعذاب، وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم، ~~فكيف بمن أتى فيه أعظم الظلم، من الكفر والشرك، والصد عن سبيله، ومنع من ~~يريده بزيارة، فما ظنكم أن يفعل الله بهم؟!! وفي هذه الآية الكريمة، وجوب ~~احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها. ### || [22.26-29] # يذكر تعالى عظمة البيت الحرام وجلالته وعظمة بانيه، وهو خليل الرحمن، ~~فقال: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } أي: هيأناه ~~له، وأنزلناه إياه، وجعل قسما من ذريته من سكانه، وأمره الله ببنيانه، ~~فبناه على تقوى الله، وأسسه على طاعة الله، وبناه هو وابنه إسماعيل، ~~وأمره ms0978 أن لا يشرك به شيئا، بأن يخلص لله أعماله، ويبنيه على اسم الله. { ~~وطهر بيتي } أي: من الشرك والمعاصي، ومن الأنجاس والأدناس ~~وأضافه الرحمن إلى نفسه، لشرفه، وفضله، ولتعظم محبته في القلوب، وتنصب ~~إليه الأفئدة من كل جانب، وليكون أعظم لتطهيره وتعظيمه، لكونه بيت الرب ~~للطائفين به والعاكفين عنده، المقيمين لعبادة من العبادات من ذكر، ~~وقراءة، وتعلم علم وتعليمه، وغير ذلك من أنواع القرب، { والركع ~~السجود } أي: المصلين، أي: طهره لهؤلاء الفضلاء، الذين همهم طاعة ~~مولاهم وخدمته، والتقرب إليه عند بيته، فهؤلاء لهم الحق، ولهم الإكرام، ~~ومن إكرامهم تطهير البيت لأجلهم، ويدخل في تطهيره، تطهيره من الأصوات ~~اللاغية والمرتفعة التي تشوش المتعبدين، بالصلاة والطواف، وقدم الطواف ~~على الاعتكاف والصلاة، لاختصاصه بهذا البيت، ثم الاعتكاف، لاختصاصه بجنس ~~المساجد. { وأذن في الناس بالحج } أي: أعلمهم به، وادعهم ~~إليه، وبلغ دانيهم وقاصيهم، فرضه وفضيلته، فإنك إذا دعوتهم، أتوك حجاجا ~~وعمارا، رجالا، أي: مشاة على أرجلهم من الشوق، { وعلى كل ~~ضامر } أي: ناقة ضامر، تقطع المهامه والمفاوز، وتواصل السير، حتى تأتي ~~إلى أشرف الأماكن، { من كل فج عميق } أي: من كل بلد بعيد، وقد ~~فعل الخليل عليه السلام، ثم من بعده ابنه محمد صلى الله عليه وسلم، فدعيا ~~الناس إلى حج هذا البيت، وأبديا في ذلك وأعادا، وقد حصل ما وعد الله به، ~~أتاه الناس رجالا وركبانا من مشارق الأرض ومغاربها، ثم ذكر فوائد زيارة ~~بيت الله الحرام، مرغبا فيه فقال: { ليشهدوا منافع لهم } ~~أي: لينالوا ببيت الله منافع دينية، من العبادات الفاضلة، والعبادات التي ~~لا تكون إلا فيه، ومنافع دنيوية، من التكسب، وحصول الأرباح الدنيوية، وكل ~~هذا أمر مشاهد كل يعرفه، { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } وهذا ~~من المنافع الدينية والدنيوية، أي: ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا، ~~شكرا لله على ما رزقهم منها، ويسرها لهم، فإذا ذبحتموها { فكلوا ~~منها وأطعموا البآئس الفقير } أي: شديد الفقر، { ثم ~~ليقضوا تفثهم } أي: يقضوا نسكهم، ويزيلوا الوسخ والأذى، الذي ms0979 ~~لحقهم في حال الإحرام، { وليوفوا نذورهم } التي أوجبوها على ~~أنفسهم، من الحج، والعمرة والهدايا، { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق } أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق: من تسلط ~~الجبابرة عليه. وهذا أمر بالطواف، خصوصا بعد الأمر بالمناسك عموما، ~~لفضله، وشرفه، ولكونه المقصود، وما قبله وسائل إليه. ولعله -والله أعلم ~~أيضا- لفائدة أخرى، وهو: أن الطواف مشروع كل وقت، وسواء كان تابعا ~~لنسك، أم مستقلا بنفسه. ### || [22.30-31] # { ذلك } الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام، وما فيها من تعظيم حرمات ~~الله وإجلالها وتكريمها، لأن تعظيم حرمات الله، من الأمور المحبوبة لله، ~~المقربة إليه، التي من عظمها وأجلها، أثابه الله ثوابا جزيلا، ~~وكانت خيرا له في دينه، ودنياه وأخراه عند ربه. وحرمات الله: كل ماله ~~حرمة، وأمر باحترامه، بعبادة أو غيرها، كالمناسك كلها، وكالحرم ~~والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر الله العباد بالقيام بها، ~~فتعظيمها إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون، ~~ولا متكاسل، ولا متثاقل، ثم ذكر منته وإحسانه بما أحله لعباده، من بهيمة ~~الأنعام، من إبل وبقر وغنم، وشرعها من جملة المناسك، التي يتقرب بها ~~إليه، فعظمت منته فيها من الوجهين، { إلا ما يتلى عليكم } ~~في القرآن تحريمه من قوله: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # الآية [المائدة: 3]، ولكن الذي من رحمته بعباده، أن حرمه عليهم، ومنعهم ~~منه، تزكية لهم، وتطهيرا من الشرك به وقول الزور، ولهذا قال: { ~~فاجتنبوا الرجس } أي: الخبث القذر { من الأوثان } أي: ~~الأنداد، التي جعلتموها آلهة مع الله، فإنها أكبر أنواع الرجس، والظاهر ~~أن { من } هنا ليست لبيان الجنس، كما قاله كثير من المفسرين، وإنما هي ~~للتبعيض، وأن الرجس عام في جميع المنهيات المحرمات، فيكون منهيا عنها ~~عموما، وعن الأوثان التي هي بعضها خصوصا، { واجتنبوا قول ~~الزور } أي: جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو ~~الكذب، ومن ذلك شهادة الزور فلما نهاهم عن الشرك والرجس وقول الزور. ~~أمرهم أن يكونوا { حنفآء لله } أي: مقبلين عليه وعلى عبادته، ~~معرضين عما سواه. { غير مشركين به ومن يشرك بالله } ~~فمثله { فكأنما ms0980 خر من السمآء } أي: سقط منها { ~~فتخطفه الطير } بسرعة { أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق } أي: بعيد، كذلك المشرك، فالإيمان بمنزلة السماء، ~~محفوظة مرفوعة. ومن ترك الإيمان، بمنزلة الساقط من السماء، عرضة للآفات ~~والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك ~~الاعتصام بالإيمان تخطفته الشياطين من كل جانب، ومزقوه، وأذهبوا عليه ~~دينه ودنياه. ### || [22.32-33] # أي: ذلك الذي ذكرنا لكم من تعظيم حرماته وشعائره، والمراد بالشعائر: ~~أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: # إن الصفا والمروة من شعآئر الله # [البقرة: 158] ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدم أن معنى تعظيمها، ~~إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها ~~الهدايا، فتعظيمها، باستحسانها واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، ~~فتعظيم شعائر الله صادر من تقوى القلوب، فالمعظم لها يبرهن على تقواه ~~وصحة إيمانه، لأن تعظيمها، تابع لتعظيم الله وإجلاله. { لكم فيها } ~~أي: [في] الهدايا { منافع إلى أجل مسمى } هذا في الهدايا ~~المسوقة، من البدن ونحوها، ينتفع بها أربابها، بالركوب، والحلب ونحو ذلك، ~~مما لا يضرها { إلى أجل مسمى } مقدر، موقت وهو ذبحها إذا وصلت ~~محلها وهو البيت العتيق، أي: الحرم كله " منى " وغيرها، ~~فإذا ذبحت، أكلوا منها وأهدوا، وأطعموا البائس الفقير. ### || [22.34-35] # أي: ولكل أمة من الأمم السالفة جعلنا منسكا، أي: فاستبقوا إلى الخيرات ~~وتسارعوا إليها، ولننظر أيكم أحسن عملا والحكمة في جعل الله لكل أمة ~~منسكا، لإقامة ذكره، والالتفات لشكره، ولهذا قال: { ليذكروا ~~اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ~~فإلهكم إله واحد } وإن اختلفت أجناس الشرائع، فكلها ~~متفقة على هذا الأصل، وهو ألوهية الله، وإفراده بالعبودية، وترك الشرك به ~~ولهذا قال: { فله أسلموا } أي: انقادوا واستسلموا له لا لغيره، ~~فإن الإسلام له طريق إلى الوصول إلى دار السلام. { وبشر ~~المخبتين } بخير الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم ~~لأمره، المتواضع لعباده، ثم ذكر صفات المخبتين فقال: { الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم } أي: خوفا وتعظيما، فتركوا لذلك ~~المحرمات، لخوفهم ووجلهم من الله وحده، ms0981 { والصبرين على مآ ~~أصابهم } من البأساء والضراء وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط ~~لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره، { ~~والمقيمي الصلوة } أي: الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن ~~أدوا اللازم فيها والمستحب، وعبوديتها الظاهرة والباطنة، { ومما ~~رزقنهم ينفقون } وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، ~~والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، ~~كالصدقات بجميع وجوهها، وأتي ب { من } المفيدة للتبعيض، ليعلم سهولة ~~ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في ~~تحصيله قدرة، لولا تيسير الله له ورزقه إياه. فيا أيها المرزوق من فضل ~~الله، أنفق مما رزقك الله ينفق الله عليك، ويزدك من فضله. ### || [22.36-37] # هذا دليل على أن الشعائر عام في جميع أعلام الدين الظاهرة. وتقدم أن ~~الله أخبر أن من عظم شعائره، فإن ذلك من تقوى القلوب، وهنا أخبر أن من ~~جملة شعائره، البدن، أي: الإبل، والبقر، على أحد القولين، فتعظم ~~وتستسمن، وتستحسن، { لكم فيها خير } أي: المهدي وغيره، من الأكل، ~~والصدقة، والانتفاع، والثواب، والأجر، { فاذكروا اسم الله ~~عليها } أي: عند ذبحها قولوا " بسم الله " واذبحوها، { صوآف } ~~أي: قائمات، بأن تقام على قوائمها الأربع، ثم تعقل يدها اليسرى، ثم تنحر. ~~{ فإذا وجبت جنوبها } أي: سقطت في الأرض جنوبها، حين تسلخ، ثم ~~يسقط الجزار جنوبها على الأرض، فحينئذ قد استعدت لأن يؤكل منها، { ~~فكلوا منها } وهذا خطاب للمهدي، فيجوز له الأكل من هديه، { ~~وأطعموا القانع والمعتر } أي: الفقير الذي لا يسأل، ~~تقنعا، وتعففا، والفقير الذي يسأل، فكل منهما له حق فيهما. { كذلك ~~سخرناها لكم } أي: البدن { لعلكم تشكرون } الله على ~~تسخيرها، فإنه لولا تسخيره لها، لم يكن لكم بها طاقة، ولكنه ذللها لكم ~~وسخرها، رحمة بكم وإحسانا إليكم، فاحمدوه. وقوله: { لن ينال الله ~~لحومها ولا دمآؤها } أي: ليس المقصود منها ذبحها فقط. ولا ينال ~~الله من لحومها ولا دمائها شيء، لكونه الغني الحميد، وإنما يناله الإخلاص ~~فيها، والاحتساب، والنية الصالحة، ولهذا قال: { ولكن يناله ~~التقوى منكم ms0982 } ففي هذا حث وترغيب على الإخلاص في النحر، وأن ~~يكون القصد وجه الله وحده، لا فخرا ولا رياء، ولا سمعة، ولا مجرد عادة، ~~وهكذا سائر العبادات، إن لم يقترن بها الإخلاص وتقوى الله، كانت كالقشور ~~الذي لا لب فيه، والجسد الذي لا روح فيه. { كذلك سخرها ~~لكم لتكبروا الله } أي: تعظموه وتجلوه، { على ما ~~هداكم } أي: مقابلة لهدايته إياكم، فإنه يستحق أكمل الثناء وأجل ~~الحمد، وأعلى التعظيم، { وبشر المحسنين } بعبادة الله بأن ~~يعبدوا الله، كأنهم يرونه، فإن لم يصلوا إلى هذه الدرجة فليعبدوه، ~~معتقدين وقت عبادتهم اطلاعه عليهم، ورؤيته إياهم، والمحسنين لعباد الله، ~~بجميع وجوه الإحسان من نفع مال، أو علم، أو جاه، أو نصح، أو أمر بمعروف، ~~أو نهي عن منكر، أو كلمة طيبة ونحو ذلك، فالمحسنون لهم البشارة من الله، ~~بسعادة الدنيا والآخرة وسيحسن الله إليهم، كما أحسنوا في عبادته ولعباده # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60] # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. ### || [22.38] # هذا إخبار ووعد وبشارة من الله، للذين آمنوا، أن الله يدافع عنهم كل ~~مكروه، ويدفع عنهم كل شر -بسبب إيمانهم- من شر الكفار، وشر وسوسة ~~الشيطان، وشرور أنفسهم، وسيئات أعمالهم، ويحمل عنهم عند نزول المكاره، ما ~~لا يتحملون، فيخفف عنهم غاية التخفيف. كل مؤمن له من هذه المدافعة ~~والفضيلة بحسب إيمانه، فمستقل ومستكثر. { إن الله لا يحب ~~كل خوان } أي: خائن في أمانته التي حمله الله إياها، فيبخس حقوق ~~الله عليه، ويخونها، ويخون الخلق. { كفور } لنعم الله، يوالي عليه ~~الإحسان، ويتوالى منه الكفر والعصيان، فهذا لا يحبه الله، بل يبغضه ~~ويمقته، وسيجازيه على كفره وخيانته، ومفهوم الآية، أن الله يحب كل أمين ~~قائم بأمانته، شكور لمولاه. ### || [22.39-41] # كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر ~~عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة ~~وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: { أذن للذين يقاتلون } ~~يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، ~~وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم ms0983 من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ~~ديارهم. { وإن الله على نصرهم لقدير } فليستنصروه، ~~وليستعينوا به، ثم ذكر صفة ظلمهم فقال: { الذين أخرجوا من ~~ديارهم } أي: ألجؤوا إلى الخروج بالأذية والفتنة { بغير حق ~~إلا } أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم { أن يقولوا ربنا ~~الله } أي: إلا أنهم وحدوا الله، وعبدوه مخلصين له الدين، فإن كان ~~هذا ذنبا، فهو ذنبهم كقوله تعالى: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8] وهذا يدل على حكمة الجهاد، وأن المقصود منه إقامة دين الله، ~~وذب الكفار المؤذين للمؤمنين، البادئين لهم بالاعتداء، عن ظلمهم ~~واعتدائهم، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة، ولهذا قال: { ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } فيدفع الله ~~بالمجاهدين في سبيله ضرر الكافرين، { لهدمت صوامع وبيع ~~وصلوات ومساجد } أي: لهدمت هذه المعابد الكبار، لطوائف أهل ~~الكتاب، معابد اليهود والنصارى، والمساجد للمسلمين، { يذكر فيها } ~~أي: في هذه المعابد { اسم الله كثيرا } تقام فيها الصلوات، وتتلى ~~فيها كتب الله، ويذكر فيها اسم الله بأنواع الذكر، فلولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض، لاستولى الكفار على المسلمين، فخربوا معابدهم، وفتنوهم عن ~~دينهم، فدل هذا، أن الجهاد مشروع، لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصود ~~لغيره، ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، ~~وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين ~~وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين، قال الله تعالى: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين # [البقرة: 251]. فإن قلت: نرى الآن مساجد المسلمين عامرة لم تخرب، مع ~~أنها كثير منها إمارة صغيرة، وحكومة غير منظمة، مع أنهم لا يدان لهم ~~بقتال من جاورهم من الإفرنج، بل نرى المساجد التي تحت ولايتهم وسيطرتهم ~~عامرة، وأهلها آمنون مطمئنون، مع قدرة ولاتهم من الكفار على هدمها، والله ~~أخبر أنه لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لهدمت هذه المعابد، ونحن لا ~~نشاهد دفعا. أجيب بأن هذا السؤال والاستشكال، داخل في عموم هذه الآية ~~وفرد من أفرادها، فإن من ms0984 عرف أحوال الدول الآن ونظامها، وأنها تعتبر كل ~~أمة وجنس تحت ولايتها، وداخل في حكمها، تعتبره عضوا من أعضاء المملكة، ~~وجزء من أجزاء الحكومة، سواء كانت تلك الأمة مقتدرة بعددها أو ~~عددها، أو مالها، أو عملها، أو خدمتها، فتراعي الحكومات مصالح ذلك ~~الشعب، الدينية والدنيوية، وتخشى إن لم تفعل ذلك أن يختل نظامها، وتفقد ~~بعض أركانها، فيقوم من أمر الدين بهذا السبب ما يقوم، خصوصا المساجد، ~~فإنها - ولله الحمد - في غاية الانتظام، حتى في عواصم الدول الكبار. # وتراعي تلك الدول الحكومات المستقلة، نظرا لخواطر رعاياهم المسلمين، مع ~~وجود التحاسد والتباغض بين دول النصارى، الذي أخبر الله أنه لا يزال إلى ~~يوم القيامة، فتبقى الحكومة المسلمة، التي لا تقدر تدافع عن نفسها، سالمة ~~من [كثير] ضررهم، لقيام الحسد عندهم، فلا يقدر أحدهم أن يمد يده عليها، ~~خوفا من احتمائها بالآخر، مع أن الله تعالى لا بد أن يري عباده من ~~نصر الإسلام والمسلمين، ما قد وعد به في كتابه. وقد ظهرت - ولله الحمد - ~~أسبابه [بشعور المسلمين بضرورة رجوعهم إلى دينهم والشعور مبدأ العمل]، ~~فنحمده ونسأله أن يتم نعمته، ولهذا قال في وعده الصادق المطابق للواقع: { ~~ولينصرن الله من ينصره } أي: يقوم بنصر دينه، مخلصا له ~~في ذلك، يقاتل في سبيله، لتكون كلمة الله هي العليا. { إن الله ~~لقوي عزيز } أي: كامل القوة، عزيز لا يرام، قد قهر الخلائق، وأخذ ~~بنواصيهم، فأبشروا، يا معشر المسلمين، فإنكم وإن ضعف عددكم وعددكم، ~~وقوي عدد عدوكم وعدتهم، فإن ركنكم القوي العزيز، ومعتمدكم على من خلقكم ~~وخلق ما تعملون، فاعملوا بالأسباب المأمور بها، ثم اطلبوا منه نصركم، فلا ~~بد أن ينصركم. # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم # [محمد: 7] وقوموا، أيها المسلمون، بحق الإيمان والعمل الصالح، فقد # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا ~~يشركون بي شيئا # [النور: 55]. ثم ذكر علامة من ينصره، ms0985 وبها يعرف، أن من ادعى أنه ينصر ~~الله وينصر دينه، ولم يتصف بهذا الوصف، فهو كاذب فقال: { الذين إن ~~مكناهم في الأرض } أي: ملكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين ~~عليها، من غير منازع ينازعهم، ولا معارض، { أقاموا الصلاة } في ~~أوقاتها، وحدودها، وأركانها، وشروطها، في الجمعة والجماعات. { وآتوا ~~الزكاة } التي عليهم خصوصا، وعلى رعيتهم عموما، آتوها أهلها، ~~الذين هم أهلها، { وأمروا بالمعروف } وهذا يشمل كل معروف حسنه ~~شرعا وعقلا، من حقوق الله، وحقوق الآدميين، { ونهوا عن ~~المنكر } كل منكر شرعا وعقلا، معروف قبحه، والأمر بالشيء والنهي ~~عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم ~~وتعليم، أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب ~~مقدر شرعا، أو غير مقدر، كأنواع التعزير، قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف ~~على جعل أناس متصدين له، لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إلا به. { ولله عاقبة الأمور } أي: جميع ~~الأمور، ترجع إلى الله، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى، فمن سلطه الله على ~~العباد من الملوك، وقام بأمر الله، كانت له العاقبة الحميدة، والحالة ~~الرشيدة، ومن تسلط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصل له ~~ملك موقت، فإن عاقبته غير حميدة، فولايته مشؤومة، وعاقبته مذمومة. ### || [22.42-46] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن يكذبك هؤلاء المشركون ~~فلست بأول رسول كذب، وليسوا بأول أمة كذبت رسولها { فقد كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط * وأصحاب مدين } أي: قوم شعيب. { وكذب ~~موسى فأمليت للكافرين } المكذبين، فلم أعاجلهم بالعقوبة، ~~بل أمهلتهم، حتى استمروا في طغيانهم يعمهون، وفي كفرهم وشرهم يزدادون، { ~~ثم أخذتهم } بالعذاب أخذ عزيز مقتدر { فكيف كان نكير } ~~أي: إنكاري عليهم كفرهم، وتكذيبهم كيف حاله، كان أشد العقوبات، وأفظع ~~المثلات، فمنهم من أغرقه، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أهلك ~~بالريح العقيم، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه عذاب يوم ~~الظلة، فليعتبر بهم هؤلاء المكذبون، أن يصيبهم ms0986 ما أصابهم، فإنهم ليسوا ~~خيرا منهم، ولا كتب لهم براءة في الكتب المنزلة من الله، وكم من ~~المعذبين المهلكين أمثال هؤلاء كثير، ولهذا قال: { فكأين من ~~قرية } أي: وكم من قرية { أهلكناها } بالعذاب الشديد، والخزي ~~الدنيوي، { وهي ظالمة } بكفرها بالله وتكذيبها لرسله، لم يكن ~~عقوبتنا لها ظلما منا، { فهي خاوية على عروشها } أي: ~~فديارهم متهدمة، قصورها، وجدرانها، قد سقطت عروشها، فأصبحت خرابا بعد أن ~~كانت عامرة، وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة، { وبئر ~~معطلة وقصر مشيد } أي: وكم من بئر، قد كان يزدحم عليه ~~الخلق، لشربهم، وشرب مواشيهم، ففقد أهله، وعدم منه الوارد والصادر، وكم ~~من قصر، تعب عليه أهله، فشيدوه، ورفعوه، وحصنوه، وزخرفوه، فحين جاءهم أمر ~~الله، لم يغن عنهم شيئا، وأصبح خاليا من أهله، قد صاروا عبرة لمن ~~اعتبر، ومثالا لمن فكر ونظر. ولهذا دعا الله عباده إلى السير في الأرض، ~~لينظروا، ويعتبروا فقال: { أفلم يسيروا في الأرض } بأبدانهم ~~وقلوبهم { فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ } آيات الله ~~ويتأملون بها مواقع عبره، { أو آذان يسمعون بها } أخبار الأمم ~~الماضين، وأنباء القرون المعذبين، وإلا فمجرد نظر العين، وسماع الأذن، ~~وسير البدن الخالي من التفكر والاعتبار، غير مفيد، ولا موصل إلى المطلوب، ~~ولهذا قال: { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور } أي: هذا العمى الضار في الدين، عمى ~~القلب عن الحق، حتى لا يشاهده كما لا يشاهد الأعمى المرئيات، وأما عمى ~~البصر، فغايته بلغة، ومنفعة دنيوية. ### || [22.47-48] # أي: يستعجلك هؤلاء المكذبون بالعذاب، لجهلهم، وظلمهم، وعنادهم، وتعجيزا ~~لله، وتكذيبا لرسله، ولن يخلف الله وعده، فما وعدهم به من العذاب، لا بد ~~من وقوعه، ولا يمنعهم منه مانع، وأما عجلته، والمبادرة فيه، فليس ذلك ~~إليك يا محمد، ولا يستفزنك عجلتهم وتعجيزهم إيانا. فإن أمامهم يوم ~~القيامة، الذي يجمع فيه أولهم وآخرهم، ويجازون بأعمالهم، ويقع بهم العذاب ~~الدائم الأليم، ولهذا قال: { وإن يوما عند ربك كألف ~~سنة مما تعدون } من طوله، وشدته، وهو له، فسواء أصابهم عذاب ~~في الدنيا، أم ms0987 تأخر عنهم العذاب، فإن هذا اليوم، لا بد أن يدركهم. ويحتمل ~~أن المراد: أن الله حليم، ولو استعجلوا العذاب، فإن يوما عنده كألف سنة ~~مما تعدون، فالمدة، وإن تطاولتموها، واستبطأتم فيها نزول العذاب، فإن ~~الله يمهل المدد الطويلة ولا يهمل، حتى إذا أخذ الظالمين بعذابه لم ~~يفلتهم. { وكأين من قرية أمليت لها } أي: أمهلتها مدة ~~طويلة { وهي ظالمة } أي: مع ظلمهم، فلم يكن مبادرتهم بالظلم، ~~موجبا لمبادرتنا بالعقوبة، { ثم أخذتها } بالعذاب { وإلي ~~المصير } أي: مع عذابها في الدنيا، سترجع إلى الله، فيعذبها بذنوبها، ~~فليحذر هؤلاء الظالمون من حلول عقاب الله، ولا يغتروا بالإمهال. ### || [22.49-51] # يأمر تعالى عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يخاطب الناس ~~جميعا، بأنه رسول الله حقا، مبشرا للمؤمنين بثواب الله، منذرا ~~للكافرين والظالمين من عقابه، وقوله: { مبين } أي: بين الإنذار، وهو ~~التخويف مع الإعلام بالمخوف، وذلك لأنه أقام البراهين الساطعة على صدق ما ~~أنذرهم به، ثم ذكر تفصيل النذارة والبشارة فقال: { فالذين آمنوا ~~} بقلوبهم إيمانا صحيحا صادقا { وعملوا الصالحات } بجوارحهم # في جنات النعيم # [الحج: 56] أي: الجنات التي يتنعم بها بأنواع النعيم من المآكل والمشارب ~~والمناكح والصور والأصوات والتنعم برؤية الرب الكريم وسماع كلامه # والذين كفروا # [الحج: 57] أي: جحدوا نعمة ربهم وكذبوا رسله وآياته فأولئك أصحاب الجحيم ~~أي: الملازمون لها، المصاحبون لها في كل أوقاتهم، فلا يخفف عنهم من ~~عذابها ولا يفتر عنهم لحظة من عقابها. ### || [22.52-57] # يخبر تعالى بحكمته البالغة، واختياره لعباده، وأن الله ما أرسل قبل محمد ~~{ من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى } أي: قرأ قراءته، ~~التي يذكر بها الناس، ويأمرهم وينهاهم، { ألقى الشيطان في ~~أمنيته } أي: في قراءته، من طرقه ومكايده، ما هو مناقض لتلك ~~القراءة، مع أن الله تعالى قد عصم الرسل بما يبلغون عن الله، وحفظ وحيه ~~أن يشتبه، أو يختلط بغيره. ولكن هذا الإلقاء من الشيطان، غير مستقر ولا ~~مستمر، وإنما هو عارض يعرض، ثم يزول، وللعوارض أحكام، ولهذا قال: { ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي: يزيله ويذهبه ويبطله، ms0988 ~~ويبين أنه ليس من آياته، و { يحكم الله آياته } أي: يتقنها، ~~ويحررها، ويحفظها، فتبقى خالصة من مخالطة إلقاء الشيطان، { والله ~~عليم } أي: كامل القوة والاقتدار، فبكمال قوته، يحفظ وحيه، ويزيل ما ~~تلقيه الشياطين، { حكيم } يضع الأشياء مواضعها، فمن كمال حكمته، مكن ~~الشياطين من الإلقاء المذكور، ليحصل ما ذكره بقوله: { ليجعل ما ~~يلقي الشيطان فتنة } لطائفتين من الناس، لا يبالي الله بهم، ~~وهم الذين { للذين في قلوبهم مرض } أي: ضعف وعدم إيمان ~~تام وتصديق جازم، فيؤثر في قلوبهم أدنى شبهة تطرأ عليها، فإذا سمعوا ما ~~ألقاه الشيطان، داخلهم الريب والشك، فصار فتنة لهم. { والقاسية ~~قلوبهم } أي: الغليظة، التي لا يؤثر فيها زجر ولا تذكير، ولا تفهم ~~عن الله وعن رسوله لقسوتها، فإذا سمعوا ما ألقاه الشيطان، جعلوه حجة لهم ~~على باطلهم، وجادلوا به وشاقوا الله ورسوله، ولهذا قال: { وإن ~~الظالمين لفي شقاق بعيد } أي: مشاقة لله، ومعاندة للحق، ~~ومخالفة له، بعيد من الصواب، فما يلقيه الشيطان، يكون فتنة لهؤلاء ~~الطائفتين، فيظهر به ما في قلوبهم، من الخبث الكامن فيها، وأما الطائفة ~~الثالثة، فإنه يكون رحمة في حقها، وهم المذكورون بقوله: { وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك } لأن الله ~~منحهم من العلم، ما به يعرفون الحق من الباطل، والرشد من الغي، فيميزون ~~بين الأمرين، الحق المستقر، الذي يحكمه الله، والباطل العارض الذي ينسخه ~~الله، بما على كل منهما من الشواهد، وليعلموا أن الله حكيم، يقيض بعض ~~أنواع الابتلاء، ليظهر بذلك كمائن النفوس الخيرة والشريرة، { ~~فيؤمنوا به } بسبب ذلك، ويزداد إيمانهم عند دفع المعارض والشبه. ~~{ فتخبت له قلوبهم } أي: تخشع وتخضع، وتسلم لحكمته، وهذا من ~~هدايته إياهم، { وإن الله لهاد الذين آمنوا } بسبب ~~إيمانهم { إلى صراط مستقيم } علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع ~~من تثبيت الله لعبده. وهذه الآيات، فيها بيان أن للرسول صلى الله عليه ~~وسلم أسوة بإخوانه المرسلين، لما وقع منه عند قراءته صلى الله عليه وسلم: # والنجم ms0989 # [النجم: 1] فلما بلغ # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] ألقى الشيطان في قراءته: " تلك الغرانيق العلى، وإن ~~شفاعتهن لترتجى " ، فحصل بذلك للرسول حزن وللناس فتنة، كما ذكر الله، ~~فأنزل الله هذه الآيات. { ولا يزال الذين كفروا في ~~مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم * الملك يومئذ لله ~~يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في ~~جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآيتنا ~~فأولئك لهم عذاب مهين }. يخبر تعالى عن حالة الكفار، ~~وأنهم لا يزالون في شك مما جئتهم به يا محمد، لعنادهم، وإعراضهم، وأنهم ~~لا يبرحون مستمرين على هذه الحال { حتى تأتيهم الساعة ~~بغتة } أي: مفاجأة { بغتة أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم } أي: لا خير فيه، وهو يوم القيامة، فإذا جاءتهم الساعة، أو ~~أتاهم ذلك اليوم، علم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وندموا حيث لا ~~ينفعهم الندم، وأبلسوا وأيسوا من كل خير، وودوا لو آمنوا بالرسول واتخذوا ~~معه سبيلا، ففي هذا تحذيرهم من إقامتهم على مريتهم وفريتهم. { الملك ~~يومئذ } أي: يوم القيامة { لله } تعالى، لا لغيره، { يحكم ~~بينهم } بحكمه العدل، وقضائه الفصل، { فالذين آمنوا } بالله ~~ورسله، وما جاءوا به { وعملوا الصالحات } ليصدقوا بذلك إيمانهم ~~{ في جنات النعيم } نعيم القلب والروح والبدن، مما لا يصفه ~~الواصفون، ولا تدركه العقول. { والذين كفروا } بالله ورسله ~~وكذبوا بآياته الهادية للحق والصواب فأعرضوا عنها، أو عاندوها، { ~~فأولئك لهم عذاب مهين } لهم، من شدته، وألمه، وبلوغه ~~للأفئدة كما استهانوا برسله وآياته، أهانهم الله بالعذاب. ### || [22.58-59] # هذه بشارة كبرى، لمن هاجر في سبيل الله، فخرج من داره ووطنه وأولاده ~~وماله، ابتغاء وجه الله، ونصرة لدين الله، فهذا قد وجب أجره على الله، ~~سواء مات على فراشه، أو قتل مجاهدا في سبيل الله، { ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا } في البرزخ، وفي يوم القيامة بدخول الجنة ~~الجامعة للروح والريحان، والحسن والإحسان، ونعيم القلب والبدن، ويحتمل أن ~~المعنى: أن المهاجر في سبيل الله، قد تكفل برزقه في الدنيا، رزقا واسعا ~~حسنا، سواء علم الله منه أنه يموت ms0990 على فراشه، أو يقتل شهيدا، فكلهم ~~مضمون له الرزق، فلا يتوهم أنه إذا خرج من دياره وأمواله، سيفتقر ويحتاج، ~~فإن رازقه هو خير الرازقين، وقد وقع كما أخبر، فإن المهاجرين السابقين، ~~تركوا ديارهم وأبناءهم وأموالهم، نصرة لدين الله، فلم يلبثوا إلا يسيرا، ~~حتى فتح الله عليهم البلاد، ومكنهم من العباد فاجتبوا من أموالها، ما ~~كانوا به من أغنى الناس، ويكون على هذا القول، قوله: { ليدخلنهم ~~مدخلا يرضونه } إما ما يفتحه الله عليهم من البلدان، خصوصا ~~فتح مكة المشرفة، فإنهم دخلوها في حالة الرضا والسرور، وإما المراد به ~~رزق الآخرة، وأن ذلك دخول الجنة، فتكون الآية جمعت بين الرزقين، رزق ~~الدنيا، ورزق الآخرة، واللفظ صالح لذلك كله، والمعنى صحيح، فلا مانع من ~~إرادة الجميع { وإن الله لعليم } بالأمور، ظاهرها، وباطنها، ~~متقدمها، ومتأخرها، { حليم } يعصيه الخلائق، ويبارزونه بالعظائم، وهو ~~لا يعاجلهم بالعقوبة مع كمال اقتداره، بل يواصل لهم رزقه، ويسدي إليهم ~~فضله. ### || [22.60] # ذلك بأن من جني عليه وظلم، فإنه يجوز له مقابلة الجاني بمثل ~~جنايته، فإن فعل ذلك، فليس عليه سبيل، وليس بملوم، فإن بغي عليه بعد ~~هذا، فإن الله ينصره، لأنه مظلوم، فلا يجوز أن يبغى عليه، بسبب أنه ~~استوفى حقه، وإذا كان المجازي غيره، بإساءته إذا ظلم بعد ذلك، نصره الله، ~~فالذي بالأصل لم يعاقب أحدا إذا ظلم وجني عليه، فالنصر إليه أقرب. { ~~إن الله لعفو غفور } أي: يعفو عن المذنبين، فلا يعاجلهم ~~بالعقوبة، ويغفر ذنوبهم فيزيلها، ويزيل آثارها عنهم، فالله هذا وصفه ~~المستقر اللازم الذاتي، ومعاملته لعباده في جميع الأوقات بالعفو ~~والمغفرة، فينبغي لكم أيها المظلومون المجني عليهم، أن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا ليعاملكم الله كما تعاملون عباده # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40]. ### || [22.61-62] # ذلك الذي شرع لكم تلك الأحكام الحسنة العادلة، هو حسن التصرف، في تقديره ~~وتدبيره، الذي { يولج الليل في النهار } أي: يدخل هذا على ~~هذا، وهذا على هذا، فيأتي بالليل بعد النهار، وبالنهار بعد الليل، ويزيد ~~في أحدهما ما ينقصه في الآخر، ثم بالعكس، ms0991 فيترتب على ذلك، قيام الفصول، ~~ومصالح الليل والنهار، والشمس والقمر، التي هي من أجل نعمه على العباد، ~~وهي من الضروريات لهم. { وأن الله سميع } يسمع ضجيج الأصوات، ~~باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، { بصير } يرى دبيب النملة السوداء، ~~تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار # [الرعد: 10]. { ذلك } صاحب الحكم والأحكام { بأن الله هو ~~الحق } أي: الثابت، الذي لا يزال ولا يزول، الأول الذي ليس قبله شيء، ~~الآخر الذي ليس بعده شيء، كامل الأسماء والصفات، صادق الوعد، الذي وعده ~~حق ولقاؤه حق، ودينه حق، وعبادته هي الحق، النافعة الباقية على الدوام. { ~~وأن ما يدعون من دونه } من الأصنام والأنداد، من الحيوانات ~~والجمادات، { هو الباطل } الذي، هو باطل في نفسه، وعبادته باطلة، ~~لأنها متعلقة بمضمحل فان، فتبطل تبعا لغايتها ومقصودها، { وأن ~~الله هو العلي الكبير } العلي في ذاته، فهو عال على جميع ~~المخلوقات وفي قدره، فهو كامل الصفات، وفي قهره لجميع المخلوقات، الكبير ~~في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، الذي من عظمته وكبريائه، أن الأرض قبضته ~~يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، ومن كبريائه أن كرسيه وسع ~~السماوات والأرض، ومن عظمته وكبريائه، أن نواصي العباد بيده، فلا يتصرفون ~~إلا بمشيئته، ولا يتحركون ويسكنون إلا بإرادته. وحقيقة الكبرياء التي لا ~~يعلمها إلا هو، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أنها كل صفة كمال وجلال ~~وكبرياء وعظمة، فهي ثابتة له، وله من تلك الصفة أجلها وأكملها، ومن ~~كبريائه أن العبادات كلها، الصادرة من أهل السماوات والأرض، كلها المقصود ~~منها، تكبيره وتعظيمه، وإجلاله وإكرامه، ولهذا كان التكبير شعارا ~~للعبادات الكبار، كالصلاة وغيرها. ### || [22.63-64] # هذا حث منه تعالى، وترغيب في النظر بآياته الدالات على وحدانيته، وكماله ~~فقال: { ألم تر } أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك { أن الله ~~أنزل من السمآء مآء } وهو: المطر، فينزل على أرض خاشعة مجدبة، ~~قد اغبرت أرجاؤها، ويبس ما فيها، من شجر ونبات، فتصبح مخضرة قد اكتست من ~~كل زوج كريم، وصار ms0992 لها بذلك منظر بهيج، إن الذي أحياها بعد موتها وهمودها ~~لمحيي الموتى بعد أن كانوا رميما. { إن الله لطيف خبير } ~~اللطيف الذي يدرك بواطن الأشياء، وخفياتها، وسرائرها، الذي يسوق إلى عبده ~~الخير، ويدفع عنه الشر بطرق لطيفة تخفى على العباد، ومن لطفه، أنه يري ~~عبده، عزته في انتقامه وكمال اقتداره، ثم يظهر لطفه بعد أن أشرف العبد ~~على الهلاك، ومن لطفه، أنه يعلم مواقع القطر من الأرض، وبذور الأرض في ~~باطنها، فيسوق ذلك الماء إلى ذلك البذر، الذي خفي على علم الخلائق فينبت ~~منه أنواع النبات، { خبير } بسرائر الأمور، وخبايا الصدور، وخفايا ~~الأمور. { له ما في السموت وما في الأرض } خلقا ~~وعبيدا، يتصرف فيهم بملكه وحكمته وكمال اقتداره، ليس لأحد غيره من الأمر ~~شيء. { وإن الله لهو الغني } بذاته الذي له الغنى المطلق ~~التام، من جميع الوجوه، ومن غناه، أنه لا يحتاج إلى أحد من خلقه، ولا ~~يواليهم من ذلة، ولا يتكثر بهم من قلة، ومن غناه، أنه ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا، ومن غناه، أنه صمد، لا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى ما يحتاج ~~إليه الخلق بوجه من الوجوه، فهو يطعم ولا يطعم، ومن غناه، أن ~~الخلق كلهم مفتقرون إليه، في إيجادهم، وإعدادهم وإمدادهم، وفي دينهم ~~ودنياهم، ومن غناه، أنه لو اجتمع من في السماوات ومن في الأرض، الأحياء ~~منهم والأموات، في صعيد واحد، فسأل كل منهم ما بلغت أمنيته، فأعطاهم فوق ~~أمانيهم، ما نقص ذلك من ملكه شيء، ومن غناه، أن يده سحاء بالخير ~~والبركات، الليل والنهار، لم يزل إفضاله على الأنفاس، ومن غناه وكرمه، ما ~~أودعه في دار كرامته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر. { الحميد } أي: المحمود في ذاته، وفي أسمائه، لكونها حسنى، وفي ~~صفاته، لكونها كلها صفات كمال، وفي أفعاله، لكونها دائرة بين العدل ~~والإحسان والرحمة والحكمة، وفي شرعه، لكونه لا يأمر إلا بما فيه مصلحة ~~خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، ms0993 الذي له ~~الحمد، الذي يملأ ما في السماوات والأرض، وما بينهما، وما شاء بعدها، ~~الذي لا يحصي العباد ثناء على حمده، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما ~~يثني عليه عباده، وهو المحمود على توفيق من يوفقه، وخذلان من يخذله، وهو ~~الغني في حمده، الحميد في غناه. ### || [22.65-66] # أي: ألم تشاهد ببصرك وقلبك نعمة ربك السابغة، وأياديه الواسعة، و { ~~أن الله سخر لكم ما في الأرض } من حيوانات، ونبات، ~~وجمادات، فجميع ما في الأرض، مسخر لبني آدم، حيواناتها، لركوبه، وحمله، ~~وأعماله، وأكله، وأنواع انتفاعه، وأشجارها، وثمارها، يقتاتها، وقد سلط ~~على غرسها واستغلالها، ومعادنها، يستخرجها، وينتفع بها، { والفلك } ~~أي: وسخر لكم الفلك، وهي السفن { تجري في البحر بأمره } ~~تحملكم، وتحمل تجاراتكم، وتوصلكم من محل إلى محل، وتستخرجون من البحر ~~حلية تلبسونها، ومن رحمته بكم أنه { ويمسك السمآء أن تقع ~~على الأرض } فلولا رحمته وقدرته، لسقطت السماء على الأرض، فتلف ما ~~عليها، وهلك من فيها # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [فاطر: 41]. { إن الله بالناس لرءوف رحيم } أرحم بهم ~~من والديهم، ومن أنفسهم، ولهذا يريد لهم الخير، ويريدون لها الشر والضر، ~~ومن رحمته، أن سخر لهم ما سخر من هذه الأشياء. { وهو الذي ~~أحياكم } أوجدكم من العدم { ثم يميتكم } بعد أن أحياكم، { ~~ثم يحييكم } بعد موتكم، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ~~{ إن الإنسان } أي: جنسه، إلا من عصمه الله { لكفور } لنعم ~~الله، كفور بالله، لا يعترف بإحسانه، بل ربما كفر بالبعث وقدرة ربه. ### || [22.67-70] # يخبر تعالى أنه جعل لكل أمة { منسكا } أي: معبدا وعبادة، قد تختلف ~~في بعض الأمور، مع اتفاقها على العدل والحكمة، كما قال تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء الله ~~لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ ~~آتاكم # الآية [المائدة: 48]، { هم ناسكوه } أي: عاملون عليه، بحسب ~~أحوالهم، فلا اعتراض على شريعة من الشرائع، خصوصا من الأميين، أهل الشرك ~~والجهل المبين، فإنه إذا ثبتت ms0994 رسالة الرسول بأدلتها، وجب أن يتلقى جميع ~~ما جاء به بالقبول والتسليم، وترك الاعتراض، ولهذا قال: { فلا ~~ينازعنك في الأمر } أي: لا ينازعك المكذبون لك، ويعترضون على ~~بعض ما جئتهم به، بعقولهم الفاسدة، مثل منازعتهم في حل الميتة، بقياسهم ~~الفاسد، يقولون: " تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله " وكقولهم # إنما البيع مثل الربوا # [البقرة: 275] ونحو ذلك من اعتراضاتهم، التي لا يلزم الجواب عن أعيانها، ~~وهم منكرون لأصل الرسالة، وليس فيها مجادلة ومحاجة بانفرادها، بل لكل ~~مقام مقال، فصاحب هذا الاعتراض، المنكر لرسالة الرسول، إذا زعم أنه يجادل ~~ليسترشد، يقال له: الكلام معك في إثبات الرسالة وعدمها، وإلا فالاقتصار ~~على هذه، دليل أن مقصوده التعنت والتعجيز، ولهذا أمر الله رسوله أن يدعو ~~إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويمضي على ذلك، سواء اعترض المعترضون ~~أم لا، وأنه لا ينبغي أن يثنيك عن الدعوة شيء، لأنك { على هدى ~~مستقيم } أي: معتدل موصل للمقصود، متضمن علم الحق والعمل به، فأنت ~~على ثقة من أمرك، ويقين من دينك، فيوجب ذلك لك الصلابة والمضي لما أمرك ~~به ربك، ولست على أمر مشكوك فيه، أو حديث مفترى، فتقف مع الناس ومع ~~أهوائهم، وآرائهم، ويوقفك اعتراضهم، ونظير هذا قوله تعالى: # فتوكل على الله إنك على الحق المبين # [النمل: 79]. مع أن في قوله: { إنك لعلى هدى مستقيم } ~~إرشاد لأجوبة المعترضين على جزئيات الشرع، بالعقل الصحيح، فإن الهدى وصف ~~لكل ما جاء به الرسول، والهدى: ما تحصل به الهداية، من مسائل الأصول ~~والفروع، وهي المسائل التي يعرف حسنها وعدلها وحكمتها بالعقل والفطرة ~~السليمة، وهذا يعرف بتدبر تفاصيل المأمورات والمنهيات. ولهذا أمره الله ~~بالعدول عن جدالهم في هذه الحالة، فقال: { وإن جادلوك فقل ~~الله أعلم بما تعملون } أي: هو عالم بمقاصدكم ونياتكم، ~~فمجازيكم عليها في يوم القيامة الذي يحكم الله بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون، فمن وافق الصراط المستقيم، فهو من أهل النعيم، ومن زاغ عنه، فهو ~~من أهل الجحيم، ومن تمام حكمه، أن يكون حكما بعلم، فلذلك ذكر إحاطة ms0995 ~~علمه، وإحاطة كتابه فقال: { ألم تعلم أن الله يعلم ما ~~في السمآء والأرض } لا يخفى عليه منها خافية، من ظواهر الأمور ~~وبواطنها، خفيها وجليها، متقدمها ومتأخرها، أن ذلك العلم المحيط بما في ~~السماء والأرض قد أثبته الله في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، حين خلق الله ~~القلم، قال له: # " " اكتب " قال: ما أكتب؟ قال: " اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ". # { إن ذلك على الله يسير } وإن كان تصوره عندكم لا يحاط ~~به، فالله تعالى يسير عليه أن يحيط علما بجميع الأشياء، وأن يكتب ذلك في ~~كتاب مطابق للواقع. ### || [22.71-72] # يذكر تعالى حالة المشركين به، العادلين به غيره، وأن حالهم أقبح ~~الحالات، وأنه لا مستند لهم على ما فعلوه، فليس لهم به علم، وإنما هو ~~تقليد تلقوه عن آبائهم الضالين، وقد يكون الإنسان لا علم عنده بما فعله، ~~وهو - في نفس الأمر - له حجة ما علمها، فأخبر هنا، أن الله لم ينزل في ~~ذلك سلطانا، أي: حجة تدل علي وتجوزه، بل قد أنزل البراهين القاطعة على ~~فساده وبطلانه، ثم توعد الظالمين منهم المعاندين للحق فقال: { وما ~~للظالمين من نصير } ينصرهم من عذاب الله إذا نزل بهم وحل. وهل ~~لهؤلاء الذين لا علم لهم بما هم عليه قصد في اتباع الآيات والهدى إذا ~~جاءهم؟ أم هم راضون بما هم عليه من الباطل؟ ذكر ذلك بقوله: { وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا } التي هي آيات الله الجليلة، المستلزمة ~~لبيان الحق من الباطل، لم يلتفتوا إليها، ولم يرفعوا بها رأسا، بل { ~~تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر } من بغضها ~~وكراهتها، ترى وجوههم معبسة، وأبشارهم مكفهرة، { يكادون ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آيتنا } أي: يكادون ~~يوقعون بهم القتل والضرب البليغ، من شدة بغضهم وبغض الحق وعداوته، فهذه ~~الحالة من الكفار بئس الحالة، وشرها بئس الشر، ولكن ثم ما هو شر منها، ~~حالتهم التي يؤولون إليها، فلهذا قال: { قل أفأنبئكم بشر ~~من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير } فهذه شرها طويل عريض، ومكروهها وآلامها تزداد على الدوام. ms0996 ### || [22.73-74] # هذا مثل ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف ~~الجميع، فقال: { يأيها الناس } هذا خطاب للمؤمنين والكفار، ~~المؤمنون يزدادون علما وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة، { ضرب ~~مثل فاستمعوا له } أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى ~~عليه، ولا يصادف منكم قلوبا لاهية، وأسماعا معرضة، بل ألقوا إليه ~~القلوب والأسماع، وهو هذا: { إن الذين تدعون من دون ~~الله } شمل كل ما يدعى من دون الله، { لن يخلقوا ذبابا } ~~الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق ~~الضعيف، فما فوقه من باب أولى، { ولو اجتمعوا له } بل أبلغ من ~~ذلك لو { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه } وهذا غاية ما يصير من العجز. { ضعف الطالب } الذي هو ~~المعبود من دون الله { والمطلوب } الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، ~~وأضعف منهما، من يتعلق بهذا الضعيف، وينزله منزلة رب العالمين. فهذا ما ~~قدر { الله حق قدره } حيث سوى الفقير العاجز من جميع الوجوه، ~~بالغني القوي من جميع الوجوه، سوى من لا يملك لنفسه، ولا لغيره نفعا ~~ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بمن هو النافع الضار، المعطي ~~المانع، مالك الملك، والمتصرف فيه بجميع أنواع التصريف. { إن الله ~~لقوي عزيز } أي: كامل القوة، كامل العزة، من كمال قوته وعزته، أن ~~نواصي الخلق بيديه، وأنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بإرادته ~~ومشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن كمال قوته، أنه يمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا ومن كمال قوته، أنه يبعث الخلق كلهم، أولهم ~~وآخرهم، بصيحة واحدة، ومن كمال قوته، أنه أهلك الجبابرة والأمم العاتية، ~~بشيء يسير، وسوط من عذابه. ### || [22.75-76] # لما بين تعالى كماله وضعف الأصنام، وأنه المعبود حقا، بين حالة الرسل، ~~وتميزهم عن الخلق بما تميزوا به من الفضائل فقال: { الله يصطفي ~~من الملائكة رسلا ومن الناس } أي: يختار ويجتبي من ~~الملائكة رسلا، ومن الناس رسلا، يكونون أزكى ذلك النوع، وأجمعه لصفات ~~المجد، وأحقه بالاصطفاء، فالرسل ms0997 لا يكونون إلا صفوة الخلق على الإطلاق، ~~والذي اختارهم واصطفاهم، ليس جاهلا بحقائق الأشياء، أو يعلم شيئا دون ~~شيء، وإنما المصطفى لهم، السميع، البصير، الذي قد أحاط علمه وسمعه وبصره ~~بجميع الأشياء، فاختياره إياهم، عن علم منه، أنهم أهل لذلك، وأن الوحي ~~يصلح فيهم كما قال تعالى: # أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. { وإلى الله ترجع الأمور } أي: هو يرسل ~~الرسل، يدعون الناس إلى الله، فمنهم المجيب، ومنهم الراد لدعوتهم، ومنهم ~~العامل، ومنهم الناكل، فهذا وظيفة الرسل، وأما الجزاء على تلك الأعمال، ~~فمصيرها إلى الله، فلا تعدم منه فضلا أو عدلا. ### || [22.77-78] # يأمر تعالى، عباده المؤمنين بالصلاة، وخص منها الركوع والسجود، لفضلهما ~~وركنيتهما، وعبادته التي هي قرة العيون، وسلوة القلب المحزون، وأن ~~ربوبيته وإحسانه على العباد، يقتضي منهم أن يخلصوا له العبادة، ويأمرهم ~~بفعل الخير عموما. وعلق تعالى الفلاح على هذه الأمور فقال: { ~~لعلكم تفلحون } أي: تفوزون بالمطلوب المرغوب، وتنجون من ~~المكروه المرهوب، فلا طريق للفلاح سوى الإخلاص في عبادة الخالق، والسعي ~~في نفع عبيده، فمن وفق لذلك، فله القدح المعلى، من السعادة والنجاح ~~والفلاح. { وجاهدوا في الله حق جهاده } والجهاد بذل الوسع ~~في حصول الغرض المطلوب، فالجهاد في الله حق جهاده، هو القيام التام بأمر ~~الله، ودعوة الخلق إلى سبيله بكل طريق موصل إلى ذلك، من نصيحة وتعليم ~~وقتال وأدب وزجر ووعظ، وغير ذلك. { هو اجتباكم } أي: اختاركم - يا ~~معشر المسلمين - من بين الناس، واختار لكم الدين، ورضيه لكم، واختار لكم ~~أفضل الكتب وأفضل الرسل، فقابلوا هذه المنحة العظيمة، بالقيام بالجهاد ~~فيه حق القيام، ولما كان قوله: { وجاهدوا في الله حق ~~جهاده } ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ~~ما يشق، احترز منه بقوله: { وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج } أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، ~~فأولا ما أمر وألزم إلا بما هو سهل على النفوس، لا يثقلها ولا يؤودها، ثم ~~إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف، خفف ما ms0998 أمر به، إما بإسقاطه، أو ~~إسقاط بعضه. ويؤخذ من هذه الآية، قاعدة شرعية وهي أن " المشقة تجلب ~~التيسير " و " الضرورات تبيح المحظورات " فيدخل في ذلك من الأحكام ~~الفرعية، شيء كثير معروف في كتب الأحكام. { ملة أبيكم ~~إبراهيم } أي: هذه الملة المذكورة، والأوامر المزبورة، ملة أبيكم ~~إبراهيم، التي ما زال عليها، فالزموها واستمسكوا بها. { هو سماكم ~~المسلمين من قبل } أي: في الكتب السابقة، مذكورون ومشهورون، { ~~وفي هذا } أي: هذا الكتاب، وهذا الشرع. أي: ما زال هذا الاسم لكم ~~قديما وحديثا، { ليكون الرسول شهيدا عليكم } بأعمالكم ~~خيرها وشرها { وتكونوا شهدآء على الناس } لكونكم خير أمة ~~أخرجت للناس، أمة وسطا عدلا خيارا، تشهدون للرسل أنهم بلغوا أممهم، ~~وتشهدون على الأمم أن رسلهم بلغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، { ~~فأقيموا الصلاة } بأركانها وشروطها وحدودها، وجميع لوازمها، { ~~وآتوا الزكاة } المفروضة لمستحقيها شكرا لله على ما أولاكم، { ~~واعتصموا بالله } أي: امتنعوا به وتوكلوا عليه في ذلك، ولا ~~تتكلوا على حولكم وقوتكم، { هو مولاكم } الذي يتولى أموركم، ~~فيدبركم بحسن تدبيره، ويصرفكم على أحسن تقديره، { فنعم المولى ~~ونعم النصير } أي: نعم المولى لمن تولاه، فحصل له مطلوبه { ~~ونعم النصير } لمن استنصره فدفع عنه المكروه. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # هذا تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي: ~~شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب ~~فيها. فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما ~~مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصا، كثرة وقلة، فقوله { قد أفلح ~~المؤمنون } أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يرام. ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين الذين من صفاتهم الكاملة ~~أنهم { في صلاتهم خاشعون }. والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب ~~بين يدي الله تعالى، مستحضرا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، ~~وتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبا بين يدي ربه، مستحضرا جميع ما ~~يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس ~~والأفكار الردية، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو ms0999 الذي يكتب للعبد، ~~فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابا عليها، ~~فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها. { والذين هم عن ~~اللغو } وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، { معرضون } ~~رغبة عنه، وتنزيها لأنفسهم، وترفعا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كراما، ~~وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ~~ملك العبد لسانه وخزنه - إلا في الخير - كان مالكا لأمره، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وصاه بوصايا قال: # " " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه ~~وقال: " كف عليك هذا " " # ، فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة، كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات. { ~~والذين هم للزكاة فاعلون } أي مؤدون لزكاة أموالهم، على ~~اختلاف أجناس الأموال، مزكين لأنفسهم من أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال ~~التي تزكو النفس بتركها وتجنبها، فأحسنوا في عبادة الخالق، في الخشوع ~~في الصلاة، وأحسنوا إلى خلقه بأداء الزكاة. { والذين هم ~~لفروجهم حافظون } عن الزنا، ومن تمام حفظها تجنب ما يدعو ~~إلى ذلك، كالنظر واللمس ونحوهما. فحفظوا فروجهم من كل أحد { إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } من الإماء ~~المملوكات { فإنهم غير ملومين } بقربهما، لأن الله تعالى ~~أحلهما. { فمن ابتغى ورآء ذلك } غير الزوجة والسرية { ~~فأولئك هم العادون } الذين تعدوا ما أحل الله إلى ما حرمه، ~~المتجرؤون على محارم الله. وعموم هذه الآية، يدل على تحريم نكاح المتعة، ~~فإنها ليست زوجة حقيقة مقصودا بقاؤها، ولا مملوكة، وتحريم نكاح المحلل ~~لذلك. ويدل قوله { أو ما ملكت أيمانهم } أنه يشترط في حل ~~المملوكة، أن تكون كلها في ملكه، فلو كان له بعضها لم تحل، لأنها ليست ~~مما ملكت يمينه، بل هي ملك له ولغيره، فكما أنه لا يجوز أن يشترك في ~~المرأة الحرة زوجان، فلا يجوز أن يشترك في الأمة المملوكة سيدان. # { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أي: مراعون ~~لها، ضابطون، حافظون، حريصون على القيام بها وتنفيذها، وهذا عام في جميع ~~الأمانات ms1000 التي هي حق لله، والتي هي حق للعباد، قال تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72] فجميع ما أوجبه الله على عبده أمانة، على العبد حفظها ~~بالقيام التام بها، وكذلك يدخل في ذلك أمانات الآدميين، كأمانات الأموال ~~والأسرار ونحوهما، فعلى العبد مراعاة الأمرين، وأداء الأمانتين # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58] وكذلك العهد، يشمل العهد الذي بينهم وبين ربهم والذي بينهم ~~وبين العباد، وهي الالتزامات والعقود التي يعقدها العبد، فعليه مراعاتها ~~والوفاء بها، ويحرم عليه التفريط فيها وإهمالها، { والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون } أي: يداومون عليها في أوقاتها ~~وحدودها وأشراطها وأركانها، فمدحهم بالخشوع بالصلاة، وبالمحافظة عليها، ~~لأنه لا يتم أمرهم إلا بالأمرين، فمن يداوم على الصلاة من غير خشوع، أو ~~على الخشوع من دون محافظة عليها، فإنه مذموم ناقص. { أولئك } ~~الموصوفون بتلك الصفات { هم الوارثون * الذين يرثون ~~الفردوس } الذي هو أعلى الجنة ووسطها وأفضلها، لأنهم حلوا من صفات ~~الخير أعلاها وذروتها، أو المراد بذلك جميع الجنة ليدخل بذلك عموم ~~المؤمنين، على درجاتهم و مراتبهم، كل بحسب حاله، { هم فيها ~~خالدون } لا يظعنون عنها، ولا يبغون عنها حولا، لاشتمالها على ~~أكمل النعيم وأفضله وأتمه، من غير مكدر ولا منغص. ### || [23.12-16] # ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ~~ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه { ~~من سلالة من طين } أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء ~~بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، ~~وبين ذلك. { ثم جعلناه } أي: جنس الآدميين { نطفة } تخرج من ~~بين الصلب والترائب، فتستقر { في قرار مكين } وهو الرحم، محفوظة ~~من الفساد والريح وغير ذلك. { ثم خلقنا النطفة } التي قد ~~استقرت قبل { علقة } أي: دما أحمر، بعد مضي أربعين يوما من ~~النطفة، { فخلقنا العلقة } بعد أربعين يوما { مضغة } أي: ~~قطعة لحم صغيرة، بقدر ما يمضغ من صغرها، { فخلقنا المضغة ms1001 } ~~اللينة { عظاما } صلبة، قد تخللت اللحم، بحسب حاجة البدن إليها، { ~~فكسونا العظام لحما } أي: جعلنا اللحم، كسوة للعظام، كما ~~جعلنا العظام، عمادا للحم، وذلك في الأربعين الثالثة، { ثم ~~أنشأناه خلقا آخر } نفخ فيه الروح، فانتقل من كونه جمادا، إلى ~~أن صار حيوانا، { فتبارك الله } أي: تعالى وتعاظم وكثر خيره { ~~أحسن الخالقين } # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين * ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين * ~~ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون # [السجدة: 7-9] فخلقه كله حسن، والإنسان من أحسن مخلوقاته، بل هو ~~أحسنها على الإطلاق، كما قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] ولهذا كان خواصه أفضل المخلوقات وأكملها. { ثم إنكم ~~بعد ذلك } الخلق، ونفخ الروح { لميتون } في أحد أطواركم ~~وتنقلاتكم، { ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } فتجازون ~~بأعمالكم، حسنها وسيئها. قال تعالى: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من ~~مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر ~~على أن يحيي الموتى # [القيامة: 36-40]. ### || [23.17-20] # لما ذكر تعالى خلق الآدمي، ذكر سكنه، وتوفر النعم عليه من كل وجه ~~فقال: { ولقد خلقنا فوقكم } سقفا للبلاد، ومصلحة للعباد { ~~سبع طرآئق } أي: سبع سماوات طباقا، كل طبقة فوق الأخرى، قد زينت ~~بالنجوم والشمس والقمر، وأودع فيها من مصالح الخلق ما أودع، { وما ~~كنا عن الخلق غافلين } فكما أن خلقنا عام لكل مخلوق، فعلمنا ~~أيضا محيط بما خلقنا، فلا نغفل مخلوقا ولا ننساه، ولا نخلق خلقا ~~فنضيعه، ولا نغفل عن السماء فتقع على الأرض، ولا ننسى ذرة في لجج البحار ~~وجوانب الفلوات، ولا دابة إلا سقنا إليها رزقها # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها # [هود: 6] وكثيرا ما يقرن تعالى بين خلقه وعلمه كقوله: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] # بلى وهو الخلاق العليم # [يس: 81] لأن خلق المخلوقات، من أقوى الأدلة العقلية، على علم خالقها ms1002 ~~وحكمته. { وأنزلنا من السمآء مآء } يكون رزقا لكم ~~ولأنعامكم بقدر ما يكفيكم، فلا ينقصه، بحيث لا يكفي الأرض والأشجار، فلا ~~يحصل منه المقصود، ولا يزيده زيادة لا تحتمل، بحيث يتلف المساكن، ولا ~~تعيش معه النباتات والأشجار، بل أنزله وقت الحاجة لنزوله، ثم صرفه عند ~~التضرر من دوامه، { فأسكنه في الأرض } أي: أنزلناه عليها، ~~فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله، جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا ~~معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا، حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ ~~قعره، { وإنا على ذهاب به لقدرون } إما بأن لا ننزله، ~~أو ننزله، فيذهب نازلا لا يوصل إليه، أو لا يوجد منه المقصود منه، وهذا ~~تنبيه منه لعباده أن يشكروه على نعمته، ويقدروا عدمها، ماذا يحصل به من ~~الضرر، كقوله تعالى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. { فأنشأنا لكم به } أي: بذلك الماء { جنات } ~~أي: بساتين { من نخيل وأعناب } خص تعالى هذين النوعين، مع أنه ~~ينشئ منه غيرهما من الأشجار، لفضلهما ومنافعهما، التي فاقت بها الأشجار، ~~ولهذا ذكر العام في قوله: { لكم فيها } أي: في تلك الجنات { ~~فواكه كثيرة ومنها تأكلون } من تين، وأترج، ورمان، ~~وتفاح وغيرها ، { وشجرة تخرج من طور سينآء } وهي شجرة ~~الزيتون، أي: جنسها، خصت بالذكر، لأن مكانها خاص في أرض الشام، ~~ولمنافعها، التي ذكر بعضها في قوله: { تنبت بالدهن وصبغ ~~للآكلين } أي: فيها الزيت، الذي هو دهن، يستعمل استعماله من ~~الاستصباح به، واصطباغ الآكلين، أي: يجعل إداما للآكلين، وغير ذلك من ~~المنافع. ### || [23.21-22] # أي: ومن نعمه عليكم، أن سخر لكم الأنعام، الإبل والبقر، والغنم، فيها ~~عبرة للمعتبرين، ومنافع للمنتفعين { نسقيكم مما في ~~بطونها } من لبن، يخرج من بين فرث ودم، خالص سائغ للشاربين، { ~~ولكم فيها منافع كثيرة } من أصوافها، وأوبارها، وأشعارها، ~~وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم { ~~ومنها تأكلون } أفضل المآكل من لحم وشحم. { وعليها وعلى ~~الفلك تحملون } أي: جعلها سفنا لكم في البر، تحملون عليها ~~أثقالكم إلى بلد لم ms1003 تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، كما جعل لكم السفن في ~~البحر تحملكم، وتحمل متاعكم، قليلا [كان] أو كثيرا، فالذي أنعم بهذه ~~النعم، وصنف أنواع الإحسان، وأدر علينا من خيره لمدرار، هو الذي يستحق ~~كمال الشكر، وكمال الثناء، والاجتهاد في عبوديته، وأن لا يستعان بنعمه ~~على معاصيه. ### || [23.23-30] # إلى آخر القصة وهي قوله { إن في ذلك لآيات وإن كنا ~~لمبتلين } يذكر تعالى رسالة عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول رسول ~~أرسله لأهل الأرض، فأرسله إلى قومه، وهم يعبدون الأصنام، فأمرهم بعبادة ~~الله وحده، فقال: { يقوم اعبدوا الله } أي: أخلصوا له ~~العبادة، لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاصها. { ما لكم من إله ~~غيره } فيه إبطال ألوهية غير الله، وإثبات الإلهية لله تعالى، لأنه ~~الخالق الرازق، الذي له الكمال كله، وغيره بخلاف ذلك. { أفلا ~~تتقون } ما أنتم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، التي صورت على صور ~~قوم صالحين، فعبدوها مع الله، فاستمر على ذلك، يدعوهم سرا وجهارا، ~~وليلا ونهارا، ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم لا يزدادون إلا عتوا ~~ونفورا. { فقال الملأ } من قومه الأشراف والسادة المتبوعون -على ~~وجه المعارضة لنبيهم نوح، والتحذير من اتباعه -: { ما هذا إلا ~~بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } أي: ما هذا إلا ~~بشر مثلكم، قصده حين ادعى النبوة أن يزيد عليكم فضيلة، ليكون متبوعا، ~~وإلا فما الذي يفضله عليكم، وهو من جنسكم؟ وهذه المعارضة لا زالت موجودة ~~في مكذبي الرسل، وقد أجاب الله عنها بجواب شاف، على ألسنة رسله كما في ~~قوله: # قالوا # أي: لرسلهم # إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا ~~عما كان يعبد آبآؤنا فأتونا بسلطان مبين * ~~قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 10-11] فأخبروا أن هذا فضل الله ومنته، فليس لكم أن تحجروا ~~على الله، وتمنعوه من إيصال فضله علينا. وقالوا هنا { ولو شآء ~~الله لأنزل ملائكة } وهذه أيضا معارضة بالمشيئة باطلة، فإنه ~~وإن كان لو شاء لأنزل ملائكة، فإنه حكيم رحيم، ms1004 حكمته ورحمته تقتضي أن ~~يكون الرسول من جنس الآدميين، لأن الملك لا قدرة لهم على مخاطبته، ولا ~~يمكن أن يكون إلا بصورة رجل، ثم يعود اللبس عليهم كما كان. وقولهم: { ~~ما سمعنا بهذا } أي بإرسال رسول { في آبآئنا ~~الأولين } وأي حجة في عدم سماعهم إرسال رسول في آبائهم الأولين؟ ~~لأنهم لم يحيطوا علما بما تقدم، فلا يجعلوا جهلهم حجة لهم، وعلى تقدير ~~أنه لم يرسل فيهم رسولا، فإما أن يكونوا على الهدى فلا حاجة لإرسال ~~الرسول إذ ذاك، وإما أن يكونوا على غيره، فليحمدوا ربهم ويشكروه أن خصهم ~~بنعمة لم تأت آباءهم، ولا شعروا بها، ولا يجعلوا عدم الإحسان على غيرهم ~~سببا لكفرهم للإحسان إليهم. { إن هو إلا رجل به جنة } ~~أي: مجنون { فتربصوا به } أي: انتظروا به { حتى حين } إلى ~~أن يأتيه الموت. وهذه الشبه التي أوردوها، معارضة لنبوة نبيهم، دالة ~~على شدة كفرهم وعنادهم، وعلى أنهم في غاية الجهل والضلال، فإنها لا تصلح ~~للمعارضة بوجه من الوجوه، كما ذكرنا، بل هي في نفسها متناقضة متعارضة ~~فقوله { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل ~~عليكم } أثبتوا أن له عقلا يكيدهم به، ليعلوهم ويسودهم، ويحتاج - ~~مع هذا - أن يحذر منه لئلا يغتر به، فكيف يلتئم مع قولهم: { إن هو ~~إلا رجل به جنة } وهل هذا إلا من مشبه ضال، منقلب عليه ~~الأمر، قصده الدفع بأي طريق اتفق له، غير عالم بما يقول؟!! ويأبى الله ~~إلا أن يظهر خزي من عاداه وعادى رسله. # فلما رأى نوح أنه لا يفيدهم دعاؤه إلا فرارا { قال رب انصرني ~~بما كذبون } فاستنصر ربه عليهم، غضبا لله، حيث ضيعوا أمره، ~~وكذبوا رسوله وقال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27] قال تعالى: # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون # [الصافات: 75]. { فأوحينآ إليه } عند استجابتنا له، سببا ~~ووسيلة للنجاة، قبل وقوع أسبابه، { أن اصنع الفلك } أي: السفينة ~~{ بأعيننا ووحينا } أي: بأمرنا لك ومعونتنا، وأنت في ms1005 حفظنا ~~وكلاءتنا بحيث نراك ونسمعك. { فإذا جآء أمرنا } بإرسال الطوفان ~~الذي عذبوا به { وفار التنور } أي: فارت الأرض، وتفجرت عيونا، ~~حتى محل النار، الذي لم تجر العادة إلا ببعده عن الماء، { فاسلك ~~فيها من كل زوجين اثنين } أي: أدخل في الفلك من كل جنس من ~~الحيوانات، ذكرا وأنثى، تبقى مادة النسل لسائر الحيوانات، التي اقتضت ~~الحكمة الربانية إيجادها في الأرض، { وأهلك } أي: أدخلهم { إلا ~~من سبق عليه القول } كابنه، { ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا } أي: لا تدعني أن أنجيهم، فإن القضاء والقدر، قد ~~حتم أنهم مغرقون. { فإذا استويت أنت ومن معك على ~~الفلك } أي: علوتم عليها، واستقلت بكم في تيار الأمواج، ولجج اليم، ~~فاحمدوا الله على النجاة والسلامة. فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم ~~الظالمين، وهذا تعليم منه له ولمن معه، أن يقولوا هذا شكرا له وحمدا ~~على نجاتهم من القوم الظالمين في عملهم وعذابهم. { وقل رب ~~أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } أي: ~~وبقيت عليكم نعمة أخرى، فادعوا الله فيها، وهي أن ييسر الله لكم منزلا ~~مباركا، فاستجاب الله دعاءه، قال الله: # وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا ~~للقوم الظالمين # [هود: 44] إلى أن قال: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك # الآية [هود: 48]. { إن في ذلك } أي: في هذه القصة { لآيات } ~~تدل على أن الله وحده المعبود، وعلى أن رسوله نوحا صادق، وأن قومه ~~كاذبون، وعلى رحمة الله بعباده، حيث حملهم في صلب أبيهم نوح، في الفلك ~~لما غرق أهل الأرض. والفلك أيضا من آيات الله، قال تعالى: # ولقد تركناها آية فهل من مدكر # [القمر: 15] ولهذا جمعها هنا لأنها تدل على عدة آيات ومطالب. { وإن ~~كنا لمبتلين }. ### || [23.31-41] # لما ذكر نوحا وقومه، وكيف أهلكهم قال: { ثم أنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين } الظاهر أنهم " ثمود " قوم صالح عليه ~~السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم. { فأرسلنا فيهم رسولا ~~منهم } من جنسهم، يعرفون نسبه وحسبه وصدقه، ليكون ذلك أسرع ~~لانقيادهم، إذا كان منهم، وأبعد عن اشمئزازهم، ms1006 فدعا إلى ما دعت إليه ~~الرسل أممهم { أن اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره } فكلهم اتفقوا على هذه الدعوة، وهي أول دعوة يدعون بها أممهم، ~~الأمر بعبادة الله، والإخبار أنه المستحق لذلك، والنهي عن عبادة ما سواه، ~~والإخبار ببطلان ذلك وفساده، ولهذا قال: { أفلا تتقون } ربكم، ~~فتجتنبوا هذه الأوثان والأصنام. { وقال الملأ من قومه ~~الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم ~~في الحياة الدنيا } أي: قال الرؤساء الذين جمعوا بين الكفر ~~والمعاندة، وأطغاهم ترفهم في الحياة الدنيا، معارضة لنبيهم، وتكذيبا ~~وتحذيرا منه: { ما هذا إلا بشر مثلكم } أي: من جنسكم { ~~يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } فما ~~الذي يفضله عليكم؟ فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب، { ~~ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ~~} أي: إن تبعتموه وجعلتموه لكم رئيسا، وهو مثلكم إنكم لمسلوبو العقل، ~~نادمون على ما فعلتم. وهذا من العجب، فإن الخسارة والندامة حقيقة لمن لم ~~يتابعه ولم ينقد له. والجهل والسفه العظيم لمن تكبر عن الانقياد لبشر، ~~خصه الله بوحيه، وفضله برسالته، وابتلي بعبادة الشجر والحجر. وهذا نظير ~~قولهم: # فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا ~~لفي ضلال وسعر * أءلقي الذكر عليه من بيننا ~~بل هو كذاب أشر # [القمر: 24-25] فلما أنكروا رسالته وردوها، أنكروا ما جاء به من البعث ~~بعد الموت، والمجازاة على الأعمال فقالوا: { أيعدكم أنكم ~~إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * ~~هيهات هيهات لما توعدون } أي بعيد بعيد ما يعدكم به، من ~~البعث، بعد أن تمزقتم وكنتم ترابا وعظاما، فنظروا نظرا قاصرا، ورأوا ~~هذا بالنسبة إلى قدرهم غير ممكن، فقاسوا قدرة الخالق بقدرهم، تعالى الله ~~فأنكروا قدرته على إحياء الموتى، وعجزوه غاية التعجيز، ونسوا خلقهم أول ~~مرة، وأن الذي أنشأهم من العدم، فإعادته لهم بعد البلى أهون عليه، ~~وكلاهما هين لديه، فلم لا ينكرون أول خلقهم ويكابرون المحسوسات، ويقولون: ~~إننا لم نزل موجودين، حتى يسلم لهم إنكارهم للبعث، وينتقلوا معهم إلى ~~الاحتجاج على إثبات وجود الخالق العظيم؟. وهنا دليل آخر، ms1007 وهو أن الذي ~~أحيا الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى، إنه على كل شيء قدير، وثم ~~دليل آخر، وهو ما أجاب به المنكرين للبعث في قوله: # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب * أءذا متنا وكنا ~~ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 2-3] فقال في جوابهم: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم # أي في البلى، # وعندنا كتاب حفيظ # [ق: 4]. { إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا } ~~أي يموت أناس، ويحيا أناس { وما نحن بمبعوثين }. # إن هو إلا رجل به جنة # [المؤمنون: 25] فلهذا أتى بما أتى به، من توحيد الله، وإثبات المعاد # فتربصوا به حتى حين # [المؤمنون: 25] أي: ارفعوا عنه العقوبة بالقتل وغيره، احتراما له، ~~ولأنه مجنون غير مؤاخذ بما يتكلم به، أي فلم يبق بزعمهم الباطل مجادلة ~~معه لصحة ما جاء به، فإنهم قد عرفوا بطلانه، وإنما بقي الكلام، هل يوقعون ~~به أم لا؟، فبزعمهم أن عقولهم الرزينة، اقتضت الإبقاء عليه، وترك الإيقاع ~~به، مع قيام الموجب، فهل فوق هذا العناد والكفر غاية؟!! ولهذا لما اشتد ~~كفرهم، ولم ينفع فيهم الإنذار، دعا عليهم نبيهم فقال { رب انصرني ~~بما كذبون } أي: بإهلاكهم، وخزيهم الدنيوي، قبل الآخرة. { قال } ~~الله مجيبا لدعوته: { عما قليل ليصبحن نادمين ~~فأخذتهم الصيحة بالحق } لا بالظلم والجور، بل بالعدل ~~وظلمهم، أخذتهم الصيحة، فأهلكتهم عن آخرهم. { فجعلناهم غثآء } ~~أي: هشيما يبسا بمنزلة غثاء السيل الملقى في جنبات الوادي، وقال في ~~الآية الأخرى # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر: 31]. { فبعدا للقوم الظالمين } أي أتبعوا مع ~~عذابهم البعد واللعنة والذم من العالمين # فما بكت عليهم السمآء والأرض وما كانوا ~~منظرين # [الدخان: 29]. ### || [23.42-44] # أي: ثم أنشأنا من بعد هؤلاء المكذبين المعاندين قرونا آخرين. كل أمة في ~~وقت مسمى، وأجل محدود، لا تتقدم عنه ولا تتأخر، وأرسلنا إليهم رسلا ~~متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم ~~العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي ~~من الآيات ما يؤمن ms1008 على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على ~~حقية ما جاؤوا به، { فأتبعنا بعضهم بعضا } بالهلاك، فلم ~~يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم { وجعلناهم أحاديث } ~~يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا ~~عليهم مقرونا بعذابهم. { فبعدا لقوم لا يؤمنون } ما ~~أشقاهم!!. وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم!!. ### || [23.45-49] # مر علي منذ زمان طويل كلام لبعض العلماء لا يحضرني الآن اسمه، وهو ~~أنه بعد بعث موسى ونزول التوراة، رفع الله العذاب عن الأمم، أي: عذاب ~~الاستئصال، وشرع للمكذبين المعاندين الجهاد، ولم أدر من أين أخذه، فلما ~~تدبرت هذه الآيات، مع الآيات التي في سورة القصص، تبين لي وجهه، أما هذه ~~الآيات، فلأن الله ذكر الأمم المهلكة المتتابعة على الهلاك، ثم أخبر أنه ~~أرسل موسى بعدهم، وأنزل عليه التوراة فيها الهداية للناس، ولا يرد على ~~هذا، إهلاك فرعون، فإنه قبل نزول التوراة، وأما الآيات التي في سورة ~~القصص، فهي صريحة جدا، فإنه لما ذكر هلاك فرعون قال: # ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا ~~القرون الأولى بصآئر للناس وهدى ورحمة ~~لعلهم يتذكرون # [القصص: 43] فهذا صريح أنه آتاه الكتاب بعد هلاك الأمم الباغية، وأخبر ~~أنه أنزله بصائر للناس وهدى ورحمة، ولعل من هذا، ما ذكر الله في سورة " ~~يونس " من قولة: # ثم بعثنا من بعده # أي: من بعد نوح # رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينت فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين * ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~وهرون # [يونس: 74-75] الآيات والله أعلم. فقوله { ثم أرسلنا موسى } ~~بن عمران، كليم الرحمن { وأخاه هارون } حين سأل ربه أن يشركه في ~~أمره فأجاب سؤله. { بآياتنا } الدالة على صدقهما وصحة ما جاءا به { ~~وسلطان مبين } أي: حجة بينة من قوتها، أن تقهر القلوب، وتتسلط ~~عليها لقوتها فتنقاد لها قلوب المؤمنين، وتقوم الحجة البينة على ~~المعاندين، وهذا كقوله # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # ولهذا رئيس المعاندين عرف الحق وعاند # فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم # أي: ms1009 بتلك الآيات البينات # فقال له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا # ف { قال } موسى # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السموت والأرض بصآئر وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا # [الإسراء: 101-102] وقال تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14] وقال هنا { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه } ك " ~~هامان " وغيره من رؤسائهم، { فاستكبروا } أي تكبروا عن الإيمان ~~بالله، واستكبروا على أنبيائه، { وكانوا قوما عالين } أي: ~~وصفهم العلو، والقهر، والفساد في الأرض، فلهذا صدر منهم الاستكبار، ذلك ~~غير مستكثر منهم. { فقالوا } كبرا وتيها، وتحذيرا لضعفاء العقول، ~~وتمويها: { أنؤمن لبشرين مثلنا } كما قاله من قبلهم سواء ~~بسواء، تشابهت قلوبهم في الكفر، فتشابهت أقوالهم وأفعالهم، وجحدوا منة ~~الله عليهما بالرسالة. { وقومهما } أي: بنو إسرائيل { لنا ~~عابدون } أي معبدون بالأعمال والأشغال الشاقة، كما قال تعالى: # وإذ نجينكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # [البقرة: 49] فكيف نكون تابعين بعد أن كنا متبوعين؟! وكيف يكون هؤلاء ~~رؤساء علينا؟! ونظير قولهم، قول قوم نوح: # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # [الشعراء: 111 ] # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي # [هود: 27]. من المعلوم أن هذا لا يصلح لدفع الحق، وأنه تكذيب ومعاندة. ~~ولهذا قال: { فكذبوهما فكانوا من المهلكين } في الغرق ~~في البحر، وبنو إسرائيل ينظرون. { ولقد آتينا موسى } بعدما ~~أهلك الله فرعون، وخلص الشعب الإسرائيلي مع موسى، وتمكن حينئذ من إقامة ~~أمر الله فيهم، وإظهار شعائره، وعده الله أن ينزل عليه التوراة أربعين ~~ليلة، فذهب لميقات ربه قال الله تعالى # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء # [الأعراف: 145]. ولهذا قال هنا: { لعلهم يهتدون } أي بمعرفة ~~تفاصيل الأمر والنهي، والثواب والعقاب، ويعرفون ربهم بأسمائه وصفاته. ### || [23.50] # أي: وامتننا على عيسى ابن مريم، وجعلناه وأمه من آيات الله العجيبة، ~~حيث حملته وولدته من غير أب، وتكلم في المهد صبيا، وأجرى الله على يديه ~~من الآيات ما أجرى، { وآويناهمآ إلى ربوة } أي: ms1010 مكان مرتفع، ~~وهذا -والله أعلم- وقت وضعها، { ذات قرار } أي: مستقر وراحة { ~~ومعين } أي: ماء جار، بدليل قوله: # قد جعل ربك تحتك # [مريم: 24] أي: تحت المكان الذي أنت فيه، لارتفاعه، # سريا # [مريم: 24] أي: نهرا وهو المعين # وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا * فكلي واشربي وقري عينا # [مريم: 24-25]. ### || [23.51-56] # هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل الطيبات، التي هي الرزق الطيب الحلال، ~~وشكر الله، بالعمل الصالح، الذي به يصلح القلب والبدن، والدنيا والآخرة. ~~ويخبرهم أنه بما يعملون عليم، فكل عمل عملوه، وكل سعي اكتسبوه، فإن الله ~~يعلمه، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء وأفضله، فدل هذا على أن الرسل كلهم، ~~متفقون على إباحة الطيبات من المآكل، وتحريم الخبائث منها، وأنهم متفقون ~~على كل عمل صالح وإن تنوعت بعض أجناس المأمورات، واختلفت بها الشرائع، ~~فإنها كلها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة. ولهذا، الأعمال ~~الصالحة، التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتفقت عليها الأنبياء ~~والشرائع، كالأمر بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبته، وخوفه، ورجائه، ~~والبر، والصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان ~~إلى الضعفاء والمساكين واليتامى، والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ~~ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم، والكتب السابقة، والعقل، ~~حين بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، يستدلون على نبوته بأجناس ما ~~يأمر به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنه إذا أمر بما أمر به ~~الأنبياء، الذين من قبله، ونهى عما نهوا عنه، دل على أنه من جنسهم، ~~بخلاف الكذاب، فلا بد أن يأمر بالشر، وينهى عن الخير. ولهذا قال تعالى ~~للرسل: { وإن هذه أمتكم أمة } أي: جماعتكم -يا معشر ~~الرسل- جماعة { واحدة } متفقة على دين واحد، وربكم واحد. { ~~فاتقون } بامتثال أوامري، واجتناب زواجري. وقد أمر الله المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين، لأنهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # [البقرة: 172] فالواجب من كل المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا ~~هذا، ويعملوا به، ولكن أبى الظالمون ms1011 المفترقون إلا عصيانا، ولهذا قال: { ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا } أي: تقطع المنتسبون إلى ~~اتباع الأنبياء { أمرهم } أي: دينهم { بينهم زبرا } أي: ~~قطعا { كل حزب بما لديهم } أي: بما عندهم من العلم والدين ~~{ فرحون } يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق، مع أن المحق ~~منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما عداهم ~~فإنهم مبطلون. { فذرهم في غمرتهم } أي: في وسط جهلهم بالحق، ~~ودعواهم أنهم هم المحقون. { حتى حين } أي: إلى أن ينزل العذاب بهم، ~~فإنهم لا ينفع فيهم وعظ، ولا يفيدهم زجر، وكيف يفيد من يزعم أنه على ~~الحق، ويطمع في دعوة غيره إلى ما هو عليه؟. { أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في ~~الخيرات } أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد، دليل على ~~أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟ وهذا مقدم لهم، ~~ليس الأمر كذلك. { بل لا يشعرون } أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم ~~بالنعم، ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة # [الأنعام: 44]. ### || [23.57-62] # لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء ~~الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين ~~الإحسان والخوف، فقال: { الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون } أي: وجلون، مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم، خوفا أن ~~يضع عليهم عدله، فلا يبقى لهم حسنة، وسوء ظن بأنفسهم، أن لا يكونوا قد ~~قاموا بحق الله تعالى، وخوفا على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم، ~~وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب ~~الأمر المخوف من الذنوب، والتقصير في الواجبات. { والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون } أي: إذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا، ويتفكرون أيضا في الآيات القرآنية ويتدبرونها، فيبين لهم من ~~معاني القرآن وجلالته واتفاقه، وعدم اختلافه وتناقضه، وما يدعو إليه من ~~معرفة الله وخوفه ورجائه، وأحوال الجزاء، فيحدث لهم بذلك من تفاصيل ~~الإيمان، ما لا يعبر ms1012 عنه اللسان. ويتفكرون أيضا في الآيات الأفقية، كما ~~في قوله: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # إلى آخر الآيات [آل عمران: 190]. { والذين هم بربهم لا ~~يشركون } أي: لا شركا جليا، كاتخاذ غير الله معبودا، يدعوه ~~ويرجوه ولا شركا خفيا، كالرياء ونحوه، بل هم مخلصون لله، في أقوالهم ~~وأعمالهم وسائر أحوالهم. { والذين يؤتون مآ آتوا } أي: يعطون ~~من أنفسهم مما أمروا به، ما آتوا من كل ما يقدرون عليه، من صلاة، وزكاة، ~~وحج، وصدقة، وغير ذلك، { و } مع هذا { قلوبهم وجلة } أي: خائفة ~~{ أنهم إلى ربهم راجعون } أي: خائفة عند عرض أعمالها ~~عليه، والوقوف بين يديه، أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله، لعلمهم ~~بربهم، وما يستحقه من أصناف العبادات. { أولئك يسارعون في ~~الخيرات } أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى ~~الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت ~~لهم الفرصة إليه، انتهزوه وبادروه، قد نظروا إلى أولياء الله وأصفيائه، ~~أمامهم، ويمنة، ويسرة، يسارعون في كل خير، وينافسون في الزلفى عند ربهم، ~~فنافسوهم. ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق لجده وتشميره، وقد لا ~~يسبق لتقصيره، أخبر تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال: { وهم ~~لها } أي: للخيرات { سابقون } قد بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل ~~الأول، ومع هذا، قد سبقت لهم من الله سابقة السعادة، أنهم سابقون. ولما ~~ذكر مسارعتهم إلى الخيرات وسبقهم إليها، ربما وهم واهم أن المطلوب منهم ~~ومن غيرهم أمر غير مقدور أو متعسر، أخبر تعالى أنه لا يكلف { نفسا ~~إلا وسعها } أي: بقدر ما تسعه، ويفضل من قوتها عنه، ليس مما ~~يستوعب قوتها، رحمة منه وحكمة، لتيسير طريق الوصول إليه، ولتعمر جادة ~~السالكين في كل وقت إليه. { ولدينا كتاب ينطق بالحق } ~~وهو الكتاب الأول، الذي فيه كل شيء، وهو يطابق كل واقع يكون، فلذلك كان ~~حقا، { وهم لا يظلمون } لا ينقص من إحسانهم، ولا يزداد في ~~عقوبتهم وعصيانهم. ### || [23.63-71] # { بل قلوبهم في ms1013 غمرة من هذا ولهم أعمال من ~~دون ذلك هم لها عاملون * حتى إذآ أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا ~~اليوم إنكم منا لا تنصرون * قد كانت آياتي ~~تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * ~~مستكبرين به سامرا تهجرون } يخبر تعالى أن قلوب ~~المكذبين في غمرة من هذا، أي: وسط غمرة من الجهل والظلم، والغفلة ~~والإعراض، تمنعهم من الوصول إلى هذا القرآن، فلا يهتدون به، ولا يصل إلى ~~قلوبهم منه شيء. # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا # [الإسراء: 45-46] فلما كانت قلوبهم في غمرة منه، عملوا بحسب هذا الحال، ~~من الأعمال الكفرية، والمعاندة للشرع، ما هو موجب لعقابهم، { و } لكن { ~~لهم أعمال من دون } هذه الأعمال { هم لها عاملون } ~~أي: فلا يستغربوا عدم وقوع العذاب فيهم، فإن الله يمهلهم ليعملوا هذه ~~الأعمال، التي بقيت عليهم مما كتب عليهم، فإذا عملوها واستوفوها انتقلوا ~~بشر حالة إلى غضب الله وعقابه. { حتى إذآ أخذنا مترفيهم ~~} أي: متنعميهم، الذين ما اعتادوا إلا الترف والرفاهية والنعيم، ولم تحصل ~~لهم المكاره، فإذا أخذناهم { بالعذاب } ووجدوا مسه { إذا هم ~~يجأرون } يصرخون ويتوجعون، لأنه أصابهم أمر خالف ما هم عليه، ~~ويستغيثون، فيقال لهم: { لا تجأروا اليوم إنكم منا ~~لا تنصرون } وإذا لم تأتهم النصرة من الله، وانقطع عنهم الغوث من ~~جانبه، لم يستطيعوا نصر أنفسهم، ولم ينصرهم أحد. فكأنه قيل: ما السبب ~~الذي أوصلهم إلى هذا الحال؟ قال: { قد كانت آياتي تتلى ~~عليكم } لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها، فلم تفعلوا ذلك، بل { كنتم ~~على أعقابكم تنكصون } أي: راجعين القهقرى إلى الخلف، وذلك ~~لأن باتباعهم القرآن يتقدمون، وبالإعراض عنه يستأخرون وينزلون إلى أسفل ~~سافلين. { مستكبرين به سامرا تهجرون } قال المفسرون ~~معناه: مستكبرين به، الضمير يعود إلى البيت، المعهود عند المخاطبين، أو ~~الحرم، أي: متكبرين على الناس بسببه، تقولون: نحن أهل الحرم، فنحن أفضل ~~من غيرنا وأعلى، { سامرا } أي: جماعة يتحدثون بالليل حول البيت { ~~تهجرون } [أي ms1014 تقولون الكلام الهجر الذي هو القبيح في] هذا القرآن. ~~فالمكذبون كانت طريقتهم في القرآن، الإعراض عنه، ويوصي بعضهم بعضا بذلك # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26] وقال الله عنهم: # أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا ~~تبكون * وأنتم سامدون # [النجم: 59-61] # أم يقولون تقوله # [الطور: 33]. فلما كانوا جامعين لهذه الرذائل، لا جرم حقت عليهم ~~العقوبة، ولما وقعوا فيها، لم يكن لهم ناصر ينصرهم، ولا مغيث ينقذهم، ~~ويوبخون عند ذلك بهذه الأعمال الساقطة { أفلم يدبروا ~~القول } أي: أفلا يتفكرون في القرآن ويتأملونه ويتدبرونه، أي: فإنهم ~~لو تدبروه، لأوجب لهم الإيمان، ولمنعهم من الكفر، ولكن المصيبة التي ~~أصابتهم بسبب إعراضهم عنه، ودل هذا على أن تدبر القرآن، يدعو إلى كل ~~خير، ويعصم من كل شر، والذي منعهم من تدبره أن على قلوبهم أقفالها. # { أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين } أي: أو ~~منعهم من الإيمان، أنه جاءهم رسول وكتاب، ما جاء آباءهم الأولين، فرضوا ~~بسلوك طريق آبائهم الضالين، وعارضوا كل ما خالف ذلك، ولهذا قالوا، هم ومن ~~أشبههم من الكفار، ما أخبر الله عنهم: # وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة ~~وإنا على ءاثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] فأجابهم بقوله: # قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آبآءكم # [الزخرف: 24] فهل تتبعون إن كان قصدكم الحق، فأجابوا بحقيقة أمرهم # قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون # [الزخرف: 24]. وقوله { أم لم يعرفوا رسولهم فهم له ~~منكرون } أي: أو منعهم من اتباع الحق، أن رسولهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم غير معروف عندهم، فهم منكرون له؟ يقولون: لا نعرفه، ولا نعرف ~~صدقه، دعونا حتى ننظر حاله ونسأل عنه من له به خبرة، أي: لم يكن الأمر ~~كذلك، فإنهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، صغيرهم ~~وكبيرهم يعرفون منه كل خلق جميل، ويعرفون صدقه وأمانته، حتى كانوا يسمونه ~~قبل البعثة " الأمين " فلم لا يصدقونه، حين جاءهم بالحق العظيم، والصدق ~~المبين؟. { أم يقولون ms1015 به جنة } أي: جنون، فلهذا قال ما قال، ~~والمجنون غير مسموع منه، ولا عبرة بكلامه، لأنه يهذي بالباطل والكلام ~~السخيف. قال الله في الرد عليهم في هذه المقالة { بل جآءهم ~~بالحق } أي: بالأمر الثابت، الذي هو صدق وعدل، لا اختلاف فيه ولا ~~تناقض، فكيف يكون من جاء به، به جنة؟، وهلا يكون إلا في أعلى درج الكمال، ~~من العلم والعقل ومكارم الأخلاق، وأيضا فإن في هذا الانتقال مما تقدم، ~~أي: بل الحقيقة التي منعتهم من الإيمان أنه جاءهم بالحق { وأكثرهم ~~للحق كارهون } وأعظم الحق الذي جاءهم به إخلاص العبادة لله ~~وحده، وترك ما يعبد من دون الله، وقد علم كراهتهم لهذا الأمر وتعجبهم ~~منه، فكون الرسول أتى بالحق، وكونهم كارهين للحق بالأصل، هو الذي أوجب ~~لهم التكذيب بالحق لا شكا ولا تكذيبا للرسول، كما قال تعالى: # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات ~~الله يجحدون # [الأنعام: 33] فإن قيل: لم لم يكن الحق موافقا لأهوائهم لأجل أن ~~يؤمنوا و يسرعوا الانقياد؟ أجاب تعالى بقوله { ولو اتبع الحق ~~أهوآءهم لفسدت السموت والأرض } ووجه ذلك أن ~~أهواءهم متعلقة بالظلم والكفر والفساد من الأخلاق والأعمال، فلو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، لفساد التصرف والتدبير المبني على ~~الظلم وعدم العدل، فالسماوات والأرض ما استقامتا إلا بالحق والعدل { بل ~~أتيناهم بذكرهم } أي: بهذا القرآن المذكر لهم بكل خير، الذي ~~به فخرهم وشرفهم، حين يقومون به،ويكونون به سادة الناس. { فهم عن ~~ذكرهم معرضون } شقاوة منهم، وعدم توفيق # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] # نسوا الله فأنساهم أنفسهم # [الحشر: 19] فالقرآن ومن جاء به، أعظم نعمة ساقها الله إليهم، فلم ~~يقابلوها إلا بالرد والإعراض، فهل بعد هذا الحرمان حرمان؟ وهل يكون وراءه ~~إلا نهاية الخسران؟. ### || [23.72] # أي: أو منعهم من اتباعك يا محمد، أنك تسألهم على الإجابة أجرا # فهم من مغرم مثقلون # [الطور: 40] يتكلفون من اتباعك، بسبب ما تأخذ منهم من الأجر والخراج، ~~ليس الأمر كذلك { فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ~~} وهذا كما قال الأنبياء لأممهم: # ويقوم لا أسألكم عليه ms1016 مالا إن أجري إلا ~~على الله # [هود: 29] أي: ليسوا يدعون الخلق طمعا فيما يصيبهم منهم من الأموال، ~~وإنما يدعون نصحا لهم، وتحصيلا لمصالحهم، بل كان الرسل أنصح للخلق من ~~أنفسهم، فجزاهم الله عن أممهم خير الجزاء، ورزقنا الاقتداء بهم في جميع ~~الأحوال. ### || [23.73-74] # ذكر الله تعالى في هذه الآيات الكريمات، كل سبب موجب للإيمان، وذكر ~~الموانع، وبين فسادها، واحدا بعد واحد، فذكر من الموانع أن قلوبهم في ~~غمرة، وأنهم لم يدبروا القول، وأنهم اقتدوا بآبائهم، وأنهم قالوا: ~~برسولهم جنة، كما تقدم الكلام عليها، وذكر من الأمور الموجبة لإيمانهم، ~~تدبر القرآن، وتلقي نعمة الله بالقبول، ومعرفة حال الرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وكمال صدقه وأمانته، وأنه لا يسألهم عليه أجرا، وإنما ~~سعيه لنفعهم ومصلحتهم، وأن الذي يدعوهم إليه صراط مستقيم، سهل على ~~العاملين لاستقامته، موصل إلى المقصود، من قرب حنيفية سمحة، حنيفية في ~~التوحيد، سمحة في العمل، فدعوتك إياهم إلى الصراط المستقيم، موجب لمن ~~يريد الحق أن يتبعك، لأنه مما تشهد العقول والفطر بحسنه، وموافقته ~~للمصالح، فأين يذهبون إن لم يتابعوك؟ فإنهم ليس عندهم ما يغنيهم ويكفيهم ~~عن متابعتك، لأنهم { عن الصراط لناكبون } متجنبون منحرفون، عن ~~الطريق الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، ليس في أيديهم إلا ضلالات ~~وجهالات. وهكذا كل من خالف الحق، لا بد أن يكون منحرفا في جميع أموره، ~~قال تعالى: # فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى ~~من الله # [القصص: 50]. ### || [23.75-77] # هذا بيان لشدة تمردهم وعنادهم، وأنهم إذا أصابهم الضر، دعوا الله أن ~~يكشف عنهم ليؤمنوا، أو ابتلاهم بذلك ليرجعوا إليه. إن الله إذا كشف الضر ~~عنهم لجوا، أي: استمروا في طغيانهم يعمهون، أي: يجولون في كفرهم، حائرين ~~مترددين. كما ذكر الله حالهم عند ركوب الفلك، وأنهم يدعونه مخلصين له ~~الدين، وينسون ما يشركون به، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بالشرك ~~وغيره. { ولقد أخذناهم بالعذاب } قال المفسرون: المراد ~~بذلك: الجوع الذي أصابهم سبع سنين، وأن الله ms1017 ابتلاهم بذلك، ليرجعوا إليه ~~بالذل والاستسلام، فلم ينجع فيهم، ولا نجح منهم أحد، { فما ~~استكانوا لربهم } أي: خضعوا وذلوا { وما يتضرعون } ~~إليه ويفتقرون، بل مر عليهم ذلك ثم زال، كأنه لم يصبهم، لم يزالوا في ~~غيهم وكفرهم، ولكن وراءهم العذاب الذي لا يرد، وهو قوله: { حتى إذا ~~فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد } كالقتل يوم بدر ~~وغيره، { إذا هم فيه مبلسون } آيسون من كل خير، قد حضرهم الشر ~~وأسبابه، فليحذروا قبل نزول عذاب الله الشديد، الذي لا يرد، بخلاف ~~مجرد العذاب، فإنه ربما أقلع عنهم، كالعقوبات الدنيوية، التي يؤدب الله ~~بها عباده. قال تعالى فيها: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون # [الروم: 41]. ### || [23.78-80] # يخبر تعالى بمننه على عباده الداعية لهم إلى شكره، والقيام بحقه فقال: { ~~وهو الذي أنشأ لكم السمع } لتدركوا به المسموعات، ~~فتنتفعوا في دينكم ودنياكم، { والأبصار } لتدركوا بها المبصرات، ~~فتنتفعوا بها في مصالحكم. { والأفئدة } أي: العقول التي تدركون بها ~~الأشياء، وتتميزون بها عن البهائم، فلو عدمتم السمع، والأبصار، والعقول، ~~بأن كنتم صما عميا بكما ماذا تكون حالكم؟ وماذا تفقدون من ضرورياتكم ~~وكمالكم؟ أفلا تشكرون الذي من عليكم بهذه النعم، فتقومون بتوحيده ~~وطاعته؟. ولكنكم، قليل شكركم، مع توالي النعم عليكم. { وهو } تعالى { ~~الذي ذرأكم في الأرض } أي: بثكم في أقطارها، وجهاتها، ~~وسلطكم على استخراج مصالحها ومنافعها، وجعلها كافية لمعايشكم ومساكنكم، { ~~وإليه تحشرون } بعد موتكم، فيجازيكم بما عملتم في الأرض، من ~~خير وشر، وتحدث الأرض التي كنتم فيها بأخبارها، { وهو } تعالى وحده { ~~الذي يحيي ويميت } أي: المتصرف في الحياة والموت، هو الله ~~وحده، { وله اختلاف الليل والنهار } أي: تعاقبهما ~~وتناوبهما، فلو شاء أن يجعل النهار سرمدا، من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه؟ ولو شاء أن يجعل الليل سرمدا، من إله غير الله يأتيكم ~~بضياء أفلا تبصرون؟. # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 73]. ولهذا قال هنا: { أفلا تعقلون } فتعرفون أن الذي ~~وهب ms1018 لكم من النعم، السمع، والأبصار، والأفئدة، والذي نشركم في الأرض ~~وحده، والذي يحيي ويميت وحده، والذي يتصرف بالليل والنهار وحده، أن ذلك ~~موجب لكم، أن تخلصوا له العبادة وحده لا شريك له، وتتركوا عبادة من لا ~~ينفع ولا يضر، ولا يتصرف بشيء، بل هو عاجز من كل وجه، فلو كان لكم عقل لم ~~تفعلوا ذلك. ### || [23.81-83] # أي: بل سلك هؤلاء المكذبون مسلك الأولين من المكذبين بالبعث، واستبعدوه ~~غاية الاستبعاد وقالوا: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمبعوثون } أي: هذا لا يتصور، ولا يدخل العقل، بزعمهم. { ~~لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من قبل } أي: ما زلنا ~~نوعد بأن البعث كائن، نحن وآباؤنا، ولم نره، ولم يأت بعد، { إن هذآ ~~إلا أساطير الأولين } أي: قصصهم وأسمارهم، التي يتحدث بها ~~وتلهى، وإلا فليس لها حقيقة، وكذبوا - قبحهم الله - فإن الله أراهم، من ~~آياته أكبر من البعث، ومثله، # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # الآيات [يس: 78] # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت # الآيات [الحج: 5]. ### || [23.84-89] # أي: قل لهؤلاء المكذبين بالبعث، العادلين بالله غيره، محتجا عليهم بما ~~أثبتوه، وأقروا به من توحيد الربوبية، وانفراد الله بها، على ما أنكروه ~~من توحيد الإلهية والعبادة، وبما أثبتوه من خلق المخلوقات العظيمة، على ~~ما أنكروه من إعادة الموتى، الذي هو أسهل من ذلك. { لمن الأرض ~~ومن فيهآ } أي: من هو الخالق للأرض ومن عليها، من حيوان، ونبات، ~~وجماد، وبحار، وأنهار، وجبال، المالك لذلك، المدبر له؟ فإنك إذا سألتهم ~~عن ذلك، لا بد أن يقولوا: الله وحده. فقل لهم إذا أقروا بذلك: { أفلا ~~تذكرون } أي: أفلا ترجعون إلى ما ذكركم الله به، مما هو معلوم ~~عندكم، مستقر في فطركم، قد يغيبه الإعراض في بعض الأوقات، والحقيقة أنكم ~~إن رجعتم إلى ذاكرتكم، بمجرد التأمل، علمتم أن مالك ذلك، هو المعبود ~~وحده، وأن إلهية من هو مملوك، أبطل الباطل، ثم انتقل إلى ما هو أعظم ms1019 من ~~ذلك، فقال: { قل من رب السموت السبع } وما فيها من ~~النيرات، والكواكب السيارات، والثوابت { ورب العرش العظيم } ~~الذي هو أعلى المخلوقات وأوسعها وأعظمها، فمن الذي خلق ذلك ودبره، وصرفه ~~بأنواع التدبير؟ { سيقولون لله } أي: سيقرون بأن الله رب ذلك ~~كله. قل لهم حين يقرون بذلك: { أفلا تتقون } عبادة المخلوقات ~~العاجزة، وتتقون الرب العظيم، كامل القدرة، عظيم السلطان؟ وفي هذا من لطف ~~الخطاب، من قوله: { أفلا تذكرون } { أفلا تتقون } ~~والوعظ بأداة العرض الجاذبة للقلوب، ما لا يخفى. ثم انتقل إلى إقرارهم ~~بما هو أعم من ذلك كله فقال: { قل من بيده ملكوت كل شيء ~~} أي: ملك كل شيء، من العالم العلوي، والعالم السفلي، ما نبصره، وما لا ~~نبصره؟. و " الملكوت ": صيغة مبالغة، بمعنى الملك. { وهو يجير } ~~عباده من الشر، ويدفع عنهم المكاره، ويحفظهم مما يضرهم، { ولا يجار ~~عليه } أي: لا يقدر أحد أن يجير على الله، ولا يدفع الشر الذي قدره ~~الله. بل ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ، { سيقولون لله } أي: ~~سيقرون أن الله المالك لكل شيء، المجير، الذي لا يجار عليه. { قل } لهم ~~حين يقرون بذلك، ملزما لهم، { فأنى تسحرون } أي: فأين تذهب ~~عقولكم، حيث عبدتم من علمتم أنهم لا ملك لهم، ولا قسط من الملك، وأنهم ~~عاجزون من جميع الوجوه، وتركتم الإخلاص للمالك العظيم القادر المدبر ~~لجميع الأمور، فالعقول التي دلتكم على هذا، لا تكون إلا مسحورة، وهي - ~~بلا شك - قد سحرها الشيطان، بما زين لهم، وحسن لهم، وقلب الحقائق ~~لهم، فسحر عقولهم، كما سحرت السحرة أعين الناس. ### || [23.90-92] # يقول تعالى: بل أتينا هؤلاء المكذبين بالحق، المتضمن للصدق في الأخبار، ~~العدل في الأمر والنهي، فما بالهم لا يعترفون به، وهو أحق أن يتبع؟ وليس ~~عندهم ما يعوضهم عنه، إلا الكذب والظلم، ولهذا قال: { وإنهم ~~لكاذبون }. { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه ~~من إله } كذب يعرف بخبر الله، وخبر رسله، ويعرف بالعقل الصحيح، ~~ولهذا نبه تعالى على الدليل العقلي، على امتناع إلهين فقال: { إذا } ~~أي: لو ms1020 كان معه آلهة كما يقولون { لذهب كل إله بما خلق ~~} أي: لانفرد كل واحد من الإلهين بمخلوقاته، واستقل بها، ولحرص على ~~ممانعة الآخر ومغالبته، { ولعلا بعضهم على بعض } فالغالب ~~يكون هو الإله، وإلا فمع التمانع لا يمكن وجود العالم، ولا يتصور أن ~~ينتظم هذا الانتظام المدهش للعقول، واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب ~~الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت، وهي تجري على نظام واحد، وترتيب ~~واحد، كلها مسخرة بالقدرة، مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة ~~على مصلحة أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللا ولا تناقضا، ولا معارضة في ~~أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك، تقدير إلهين ربين؟!! { سبحان ~~الله عما يصفون } قد نطقت بلسان حالها، وأفهمت ببديع أشكالها، ~~أن المدبر لها إله واحد، كامل الأسماء والصفات، قد افتقرت إليه جميع ~~المخلوقات، في ربوبيته لها، وفي إلهيته لها، فكما لا وجود لها ولا دوام ~~إلا بربوبيته، كذلك، لا صلاح لها ولا قوام إلا بعبادته وإفراده بالطاعة، ~~ولهذا نبه على عظمة صفاته بأنموذج من ذلك، وهو علمه المحيط، فقال: { ~~عالم الغيب } أي: الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا، من الواجبات ~~والمستحيلات والممكنات، { والشهادة } وهو ما نشاهد من ذلك { ~~فتعالى } أي: ارتفع وعظم، { عما يشركون } به، من لا علم ~~عنده، إلا ما علمه الله. ### || [23.93-95] # لما أقام تعالى على المكذبين أدلته العظيمة، فلم يلتفتوا لها، ولم ~~يذعنوا لها، حق عليهم العذاب، ووعدوا بنزوله، وأرشد الله رسوله أن يقول: ~~{ قل رب إما تريني ما يوعدون } أي: أي وقت أريتني ~~عذابهم، وأحضرتني ذلك، { رب فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين } أي: اعصمني وارحمني، مما ابتليتهم به من الذنوب الموجبة ~~للنقم، واحمني أيضا من العذاب الذي ينزل بهم، لأن العقوبة العامة تعم - ~~عند نزولها- العاصي وغيره ، قال الله في تقريب عذابهم: { وإنا على ~~أن نريك ما نعدهم لقادرون } ولكن إن أخرناه فلحكمة، ~~وإلا، فقدرتنا صالحة لإيقاعه فيهم. ### || [23.96-98] # هذا من مكارم الأخلاق، التي أمر الله رسوله بها فقال: { ادفع ~~بالتي هي أحسن السيئة } أي: إذا أساء إليك أعداؤك، ms1021 ~~بالقول والفعل، فلا تقابلهم بالإساءة، مع أنه يجوز معاقبة المسيء بمثل ~~إساءته، ولكن ادفع إساءتهم إليك بالإحسان منك إليهم، فإن ذلك فضل منك على ~~المسيء، ومن مصالح ذلك، أنه تخف الإساءة عنك، في الحال، وفي المستقبل، ~~وأنه أدعى لجلب المسيء إلى الحق، وأقرب إلى ندمه وأسفه، ورجوعه بالتوبة ~~عما فعل، وليتصف العافي بصفة الإحسان، ويقهر بذلك عدوه الشيطان، وليستوجب ~~الثواب من الرب، قال تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] وقال تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها # أي: ما يوفق لهذا الخلق الجميل # إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم # [فصلت: 34-35]. وقوله { نحن أعلم بما يصفون } أي بما ~~يقولون من الأقوال المتضمنة للكفر والتكذيب بالحق، قد أحاط علمنا بذلك، ~~وقد حلمنا عنهم، وأمهلناهم، وصبرنا عليهم، والحق لنا، وتكذيبهم لنا، فأنت ~~- يا محمد - ينبغي لك أن تصبر على ما يقولون، وتقابلهم بالإحسان، هذه ~~وظيفة العبد في مقابلة المسيء من البشر، وأما المسيء من الشياطين، فإنه ~~لا يفيد فيه الإحسان، ولا يدعو حزبه إلا ليكونوا من أصحاب السعير، ~~فالوظيفة في مقابلته، أن يسترشد بما أرشد الله إليه رسوله فقال { وقل ~~رب أعوذ بك } أي اعتصم بحولك وقوتك متبرئا من حولي وقوتي { ~~من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون } ~~أي: أعوذ بك من الشر الذي يصيبني بسبب مباشرتهم وهمزهم ومسهم، ومن الشر ~~الذي بسبب حضورهم ووسوستهم، وهذه استعاذة من مادة الشر كله وأصله، ويدخل ~~فيها، الاستعاذة من جميع نزغات الشيطان، ومن مسه ووسوسته، فإذا أعاذ ~~الله عبده من هذا الشر، وأجاب دعاءه، سلم من كل شر، ووفق لكل خير. ### || [23.99-100] # يخبر تعالى عن حال من حضره الموت، من المفرطين الظالمين، أنه يندم في ~~تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا ~~للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها وإنما ذلك يقول: { لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت } من العمل، وفرطت في جنب الله. { كلا } أي: ~~لا رجعة له ms1022 ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون، { إنها } ~~أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا { كلمة هو قآئلها ~~} أي: مجرد قول باللسان، لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضا غير ~~صادق في ذلك، فإنه لو رد لعاد لما نهي عنه. { ومن ورآئهم ~~برزخ إلى يوم يبعثون } أي: من أمامهم وبين أيديهم برزخ، ~~وهو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا ~~البرزخ، يتنعم المطيعون، ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، أي: ~~فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته. ### || [23.101-114] # يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما في ذلك اليوم، من المزعجات ~~والمقلقات، وأنه إذا نفخ في الصور نفخة البعث، فحشر الناس أجمعون، لميقات ~~يوم معلوم، أنه يصيبهم من الهول ما ينسيهم أنسابهم، التي هي أقوى ~~الأسباب، فغير الأنساب من باب أولى، وأنه لا يسأل أحد أحدا عن حاله، ~~لاشتغاله بنفسه، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها؟ أو يشقى شقاوة لا ~~سعادة بعدها؟ قال تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. وفي القيامة مواضع، يشتد كربها، ويعظم وقعها، كالميزان ~~الذي يميز به أعمال العبد، وينظر فيه بالعدل ما له وما عليه، وتبين فيه ~~مثاقيل الذر، من الخير والشر، { فمن ثقلت موازينه } بأن رجحت ~~حسناته على سيئاته { فأولئك هم المفلحون } لنجاتهم من ~~النار، واستحقاقهم الجنة، وفوزهم بالثناء الجميل، { ومن خفت ~~موازينه } بأن رجحت سيئاته على حسناته، وأحاطت بها خطيئاته { ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم } كل خسارة، غير هذه ~~الخسارة، فإنها - بالنسبة إليها - سهلة، ولكن هذه خسارة صعبة، لا يجبر ~~مصابها، ولا يستدرك فائتها، خسارة أبدية، وشقاوة سرمدية، قد خسر نفسه ~~الشريفة، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوتها هذا النعيم المقيم، ~~في جوار الرب الكريم. { في جهنم خالدون } لا يخرجون منها أبد ~~الآبدين، وهذا الوعيد، إنما هو كما ذكرنا، لمن أحاطت خطيئاته بحسناته، ~~ولا يكون ذلك إلا كافرا، فعلى هذا، لا يحاسب محاسبة ms1023 من توزن حسناته ~~وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون ~~عليها، ويقررون بها، ويخزون بها، وأما من معه أصل الإيمان، ولكن عظمت ~~سيئاته، فرجحت على حسناته، فإنه وإن دخل النار، لا يخلد فيها، كما دلت ~~على ذلك نصوص الكتاب والسنة. ثم ذكر تعالى، سوء مصير الكافرين فقال: { ~~تلفح وجوههم النار } أي: تغشاهم من جميع جوانبهم، حتى تصيب ~~أعضاءهم الشريفة، ويتقطع لهبها عن وجوههم، { وهم فيها كالحون } ~~قد عبست وجوههم، وقلصت شفاههم، من شدة ما هم فيه، وعظيم ما يلقونه. فيقال ~~لهم - توبيخا ولوما -: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } ~~تدعون بها، لتؤمنوا، وتعرض عليكم لتنظروا، { فكنتم بها ~~تكذبون } ظلما منكم وعنادا، وهي آيات بينات، دالات على الحق ~~والباطل، مبينات للمحق والمبطل، فحينئذ أقروا بظلمهم، حيث لا ينفع ~~الإقرار { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا } أي: غلبت ~~علينا الشقاوة الناشئة عن الظلم والإعراض عن الحق، والإقبال على ما يضر، ~~وترك ما ينفع { وكنا قوما ضآلين } في عملهم، وإن كانوا يدرون ~~أنهم ظالمون، أي: فعلنا في الدنيا فعل التائه، الضال السفيه، كما قالوا ~~في الآية الأخرى: # لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير # [الملك: 10]. { ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون } وهم كاذبون في وعدهم هذا، فإنهم كما قال تعالى: # لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] ولم يبق الله لهم حجة، بل قطع أعذارهم، وعمرهم في ~~الدنيا، ما يتذكر فيه [من] المتذكر، ويرتدع فيه المجرم، فقال الله جوابا ~~لسؤالهم: { اخسئوا فيها ولا تكلمون } وهذا القول - نسأله ~~تعالى العافية- أعظم قول على الإطلاق يسمعه المجرمون في التخييب، ~~والتوبيخ، والذل، والخسار، والتأييس من كل خير، والبشرى بكل شر، وهذا ~~الكلام والغضب من الرب الرحيم، أشد عليهم وأبلغ في نكايتهم من عذاب ~~الجحيم، ثم ذكر الحال التي أوصلتهم إلى العذاب، وقطعت عنهم الرحمة فقال: ~~{ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين } فجمعوا بين ~~الإيمان المقتضي لأعماله الصالحة، والدعاء لربهم بالمغفرة والرحمة، ~~والتوسل إليه بربوبيته، ومنته عليهم ms1024 بالإيمان، والإخبار بسعة رحمته، ~~وعموم إحسانه، وفي ضمنه، ما يدل على خضوعهم وخشوعهم، وانكسارهم لربهم، ~~وخوفهم ورجائهم. فهؤلاء سادات الناس وفضلائهم، { فاتخذتموهم } ~~أيها الكفرة الأنذال ناقصو العقول والأحلام { سخريا } تهزؤون بهم ~~وتحتقرونهم، حتى اشتغلتم بذلك السفه. { حتى أنسوكم ذكري ~~وكنتم منهم تضحكون } وهذا الذي أوجب لهم نسيان الذكر، ~~اشتغالهم بالاستهزاء بهم، كما أن نسيانهم للذكر، يحثهم على الاستهزاء، ~~فكل من الأمرين يمد الآخر، فهل فوق هذه الجراءة جراءة؟! { إني ~~جزيتهم اليوم بما صبروا } على طاعتي، وعلى أذاكم، حتى ~~وصلوا إلي. { أنهم هم الفآئزون } بالنعيم المقيم، والنجاة من ~~الجحيم، كما قال في الآية الأخرى: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون # الآيات [المطففين: 34]. { قال } لهم على وجه اللوم، وأنهم سفهاء ~~الأحلام، حيث اكتسبوا في هذه المدة اليسيرة كل شر أوصلهم إلى غضبه ~~وعقوبته، ولم يكتسبوا ما اكتسبه المؤمنون [من] الخير، الذي يوصلهم إلى ~~السعادة الدائمة ورضوان ربهم. { كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } كلامهم هذا ~~مبني على استقصارهم جدا، لمدة مكثهم في الدنيا، وأفاد ذلك لكنه لا ~~يفيد مقداره، ولا يعينه، فلهذا قالوا: { فسئل العآدين } أي: ~~الضابطين لعدده، وأما هم، ففي شغل شاغل، وعذاب مذهل، عن معرفة عدده، فقال ~~لهم: { إن لبثتم إلا قليلا } سواء عينتم عدده، أم لا { ~~لو أنكم كنتم تعلمون }. ### || [23.115-116] # أي: { أفحسبتم } أيها الخلق { أنما خلقناكم عبثا } ~~أي: سدى وباطلا، تأكلون وتشربون وتمرحون، وتتمتعون بلذات الدنيا، ~~ونترككم لا نأمركم، و[لا] ننهاكم ولا نثيبكم، ونعاقبكم؟ ولهذا قال: { ~~وأنكم إلينا لا ترجعون } لا يخطر هذا ببالكم، { ~~فتعالى الله } أي: تعاظم وانتفع عن هذا الظن الباطل، الذي يرجع ~~إلى القدح في حكمته. { الملك الحق لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم } فكونه ملكا للخلق كلهم حقا، في صدقه، ~~ووعده، ووعيده، مألوها معبودا، لما له من الكمال { رب العرش ~~الكريم } فما دونه من باب أولى، يمنع أن يخلقكم عبثا. ### || [23.117-118] # أي: ومن دعا مع الله آلهة غيره، بلا بينة من أمره ولا برهان يدل على ما ms1025 ~~ذهب إليه، وهذا قيد ملازم، فكل من دعا غير الله، فليس له برهان على ذلك، ~~بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه، فأعرض عنها ظلما وعنادا، فهذا ~~سيقدم على ربه، فيجازيه بأعماله، ولا ينيله من الفلاح شيئا، لأنه كافر، ~~{ إنه لا يفلح الكافرون } فكفرهم منعهم من الفلاح. { وقل ~~} داعيا لربك مخلصا له الدين { رب اغفر } لنا حتى تنجينا من ~~المكروه، وارحمنا، لتوصلنا برحمتك إلى كل خير. { وأنت خير ~~الراحمين } فكل راحم للعبد، فالله خير له منه، أرحم بعبده من ~~الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # أي: هذه { سورة } عظيمة القدر { أنزلناها } رحمة منا بالعباد، ~~وحفظناها من كل شيطان { وفرضناها } أي: قدرنا فيها ما قدرنا، من ~~الحدود والشهادات وغيرها، { وأنزلنا فيهآ آيات بينات } أي: ~~أحكاما جليلة، وأوامر وزواجر، وحكما عظيمة { لعلكم تذكرون ~~} حين نبين لكم، ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. ثم شرع في بيان تلك ~~الأحكام المشار إليها، فقال: { الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مئة... }. ### || [24.2-3] # هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة، ~~وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا ~~تعالى أن تأخذنا رأفة [بهما] في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، ~~سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب ~~لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد ~~الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب، ~~وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين، ليشتهر ~~ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد فعلا، فإن مشاهدة أحكام ~~الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة ~~الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص، والله أعلم. { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } هذا بيان ~~لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا ms1026 يفعله ~~بقية الذنوب، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء، إلا أنثى ~~زانية، تناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا ~~تلتزم أمر الله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك { وحرم ~~ذلك على المؤمنين } أي: حرم عليهم أن ينكحوا زانيا، أو ~~ينكحوا زانية. ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا، من رجل أو امرأة، ولم يتب ~~من ذلك، أن المقدم على نكاحه، مع تحريم الله لذلك، لا يخلو إما أن لا ~~يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فذاك لا يكون إلا مشركا، وإما أن يكون ~~ملتزما لحكم الله ورسوله، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه، فإن هذا ~~النكاح زنا، والناكح زان مسافح، فلو كان مؤمنا بالله حقا، لم يقدم على ~~ذلك، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح ~~الزاني حتى يتوب، فإن مقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، أشد ~~الاقترانات والازدواجات، وقد قال تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22] أي: قرناءهم، فحرم الله ذلك، لما فيه من الشر العظيم، ~~وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد، الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني ~~لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها، مما بعضه كاف للتحريم، وفي هذا دليل أن ~~الزاني ليس مؤمنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " # فهو وإن لم يكن مشركا، فلا يطلق عليه اسم المدح، الذي هو الإيمان ~~المطلق. ### || [24.4-5] # لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده، وكذا رجمه إن كان محصنا، وأنه لا ~~تجوز مقارنته، ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر، بين تعالى ~~تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال: { والذين يرمون ~~المحصنات } أي: النساء الأحرار العفائف، وكذاك الرجال، لا فرق بين ~~الأمرين، والمراد بالرمي الرمي بالزنا، بدليل السياق، { ثم ~~لم يأتوا } على ما رموا به { بأربعة شهدآء } أي: رجال ~~عدول، يشهدون بذلك صريحا، { فاجلدوهم ثمانين جلدة } بسوط ~~متوسط، يؤلم فيه، ولا يبالغ بذلك حتى يتلفه، لأن القصد التأديب لا ms1027 ~~الإتلاف، وفي هذا تقدير حد القذف، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال ~~تعالى محصنا مؤمنا، وأما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير. { ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا } أي: لهم عقوبة أخرى، وهو أن ~~شهادة القاذف غير مقبولة، ولو حد على القذف، حتى يتوب كما يأتي، { ~~وأولئك هم الفاسقون } أي: الخارجون عن طاعة الله، الذين ~~قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس ~~على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ~~ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر ~~الذنوب. وقوله: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } فالتوبة في هذا ~~الموضع، أن يكذب القاذف نفسه، ويقر أنه كاذب فيما قال، وهو واجب ~~عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب ~~القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق، وكذلك تقبل ~~شهادته على الصحيح، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا، لمن تاب ~~وأناب، وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا، ~~فإن كان زوجا، فقد ذكر بقوله: { والذين يرمون أزواجهم ~~ولم يكن لهم شهدآء... }. ### || [24.6-10] # وإنما كانت شهادات الزوج على زوجته، دارئة عنه الحد، لأن الغالب، أن ~~الزوج لا يقدم على رمي زوجته، التي يدنسه ما يدنسها إلا إذا كان صادقا، ~~ولأن له في ذلك حقا، وخوفا من إلحاق أولاد ليسوا منه به، ولغير ذلك من ~~الحكم المفقودة في غيره فقال: { والذين يرمون أزواجهم } ~~أي: الحرائر لا المملوكات. { ولم يكن لهم } على رميهم بذلك { ~~شهدآء إلا أنفسهم } بأن لم يقيموا شهداء، على ما رموهم به { ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الصادقين } سماها شهادة، لأنها نائبة مناب الشهود، بأن يقول: " أشهد ~~بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به ". { والخامسة أن ~~لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين } أي: يزيد في ~~الخامسة مع الشهادة المذكورة، مؤكدا تلك الشهادات، ms1028 بأن يدعو على نفسه، ~~باللعنة إن كان كاذبا، فإذا تم لعانه، سقط عنه حد القذف، ظاهر الآيات، ~~ولو سمى الرجل الذي رماها به، فإنه يسقط حقه تبعا لها. وهل يقام عليها ~~الحد، بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس؟ فيه قولان للعلماء، الذي يدل ~~عليه الدليل، أنه يقام عليها الحد، بدليل قوله: { ويدرؤا عنها ~~العذاب أن تشهد } إلى آخره، فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب ~~بلعانه، لم يكن لعانها دارئا له. ويدرأ عنها، أي: يدفع عنها العذاب، إذ ~~قابلت شهادات الزوج، بشهادات من جنسها. { أن تشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الكاذبين } وتزيد في الخامسة، ~~مؤكدة لذلك، أن تدعو على نفسها بالغضب، فإذا تم اللعان بينهما، فرق ~~بينهما إلى الأبد، وانتفى الولد الملاعن عليه، وظاهر الآيات يدل على ~~اشتراط هذه الألفاظ عند اللعان، منه ومنها، واشتراط الترتيب فيها، وأن لا ~~ينقص منها شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى ~~امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا ~~يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه حيث لا مرجح إلا هو. { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب ~~حكيم } وجواب الشرط محذوف، يدل عليه سياق الكلام أي: لأحل بأحد ~~المتلاعنين الكاذب منهما، ما دعا به على نفسه، ومن رحمته وفضله، ثبوت هذا ~~الحكم الخاص بالزوجين، لشدة الحاجة إليه، وأن بين لكم شدة الزنا وفظاعته، ~~وفظاعة القذف به، وأن شرع التوبة من هذه الكبائر وغيرها. ### || [24.11-26] # { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا ~~تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } إلى آخر الآيات ~~وهو قوله: { لهم مغفرة ورزق كريم } لما ذكر فيما تقدم، ~~تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت ~~على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة ~~الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد. وحاصلها أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت ~~الصديق، فانقطع عقدها ms1029 فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم ~~يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا، وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، ~~رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل ~~الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي ~~الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم ~~جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين ~~في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه ~~الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض ~~المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، ~~فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ~~ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة. فقوله تعالى: { إن الذين جآءوا ~~بالإفك } أي: الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين { عصبة ~~منكم } أي: جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن ~~الصادق [في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين] ومنهم المنافق. { لا ~~تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } لما تضمن ذلك ~~تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر ~~زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها ~~العباد، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة، فكل هذا خير عظيم، لولا ~~مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا، ولذلك ~~جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في ~~أنفسهم، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، واجتماعهم على ~~مصالحهم، كالجسد الواحد، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فكما ~~أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه، فليكره من كل أحد، أن يقدح في أخيه ~~المؤمن، الذي بمنزلة نفسه، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة، فإنه من نقص ~~إيمانه وعدم نصحه. { لكم لكل امرىء ms1030 منهم ما اكتسب ~~من الإثم } وهذا وعيد للذين جاؤوا بالإفك، وأنهم سيعاقبون على ما ~~قالوا من ذلك، وقد حد النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة، { والذي ~~تولى كبره } أي: معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن ~~أبي بن سلول - لعنه الله - { له عذاب عظيم } ألا وهو الخلود في ~~الدرك الأسفل من النار. # ثم أرشد الله عباده عند سماع مثل هذا الكلام فقال: { لولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا } أي: ظن المؤمنون بعضهم ببعض خيرا، وهو السلامة مما رموا به، ~~وأن ما معهم من الإيمان المعلوم، يدفع ما قيل فيهم من الإفك الباطل، { ~~وقالوا } بسبب ذلك الظن { سبحانك } أي: تنزيها لك من كل سوء، ~~وعن أن تبتلي أصفياءك بالأمور الشنيعة، { هذآ إفك مبين } أي: ~~كذب وبهت، من أعظم الأشياء، وأبينها. فهذا من الظن الواجب، حين سماع ~~المؤمن عن أخيه المؤمن، مثل هذا الكلام، أن يبرئه بلسانه، ويكذب القائل ~~لذلك. { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء } أي: هلا جاء ~~الرامون على ما رموا به، بأربعة شهداء أي: عدول مرضيين. { فإذ لم ~~يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون } وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم ~~الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال: { ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون } ولم يقل " فأولئك هم ~~الكاذبون " ، وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز الإقدام ~~على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق. { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة } بحيث شملكم إحسانه ~~فيهما، في أمر دينكم ودنياكم، { لمسكم في مآ أفضتم } أي: ~~خضتم { فيه } من شأن الإفك { عذاب عظيم } لاستحقاقكم ذلك بما ~~قلتم، ولكن من فضل الله عليكم ورحمته، أن شرع لكم التوبة، وجعل العقوبة ~~مطهرة للذنوب. { إذ تلقونه بألسنتكم } أي: تلقفونه، ~~ويلقيه بعضكم إلى بعض، وتستوشون حديثه، وهو قول باطل. { وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم } والأمران محظوران، ~~التكلم بالباطل، والقول بلا علم، { وتحسبونه هينا } فلذلك ~~أقدم عليه ms1031 من أقدم من المؤمنين الذين تابوا منه، وتطهروا بعد ذلك، { ~~وهو عند الله عظيم } وهذا فيه الزجر البليغ، عن تعاطي بعض ~~الذنوب على وجه التهاون بها، فإن العبد لا يفيده حسبانه شيئا، ولا يخفف ~~من عقوبة الذنب، بل يضاعف الذنب، ويسهل عليه مواقعته مرة أخرى. { ~~ولولا إذ سمعتموه } أي: وهلا إذ سمعتم - أيها المؤمنون - ~~كلام أهل الإفك { قلتم } منكرين لذلك، معظمين لأمره: { ما يكون ~~لنآ أن نتكلم بهذا } أي: ما ينبغي لنا، وما يليق بنا ~~الكلام، بهذا الإفك المبين، لأن المؤمن يمنعه إيمانه من ارتكاب القبائح { ~~هذا بهتان } أي: كذب عظيم. { يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله } أي: لنظيره، من رمي المؤمنين بالفجور، فالله يعظكم ~~وينصحكم عن ذلك، ونعم المواعظ والنصائح من ربنا فيجب علينا مقابلتها ~~بالقبول والإذعان، والتسليم والشكر له، على ما بين لنا " إن الله نعما ~~يعظكم به " { إن كنتم مؤمنين } دل ذلك على أن الإيمان الصادق، ~~يمنع صاحبه من الإقدام على المحرمات. # { ويبين الله لكم الآيات } المشتملة على بيان الأحكام، ~~والوعظ، والزجر، والترغيب، والترهيب، يوضحها لكم توضيحا جليا. { ~~والله عليم } أي: كامل العلم عام الحكمة، فمن علمه وحكمته، أن ~~علمكم من علمه، وإن كان ذلك راجعا لمصالحكم في كل وقت. { إن ~~الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } أي: الأمور الشنيعة ~~المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة { في الذين آمنوا ~~لهم عذاب أليم } أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لغشه لإخوانه ~~المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، ~~لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ~~ذلك، من إظهاره، ونقله؟!! وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة. وكل ~~هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم ~~وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ~~ويكره له ما يكره لنفسه. { يعلم وأنتم لا تعلمون } فلذلك ~~علمكم، وبين لكم ما تجهلونه. { ولولا فضل الله عليكم } ~~قد أحاط بكم من كل جانب { ورحمته } عليكم { وأن الله ~~رءوف رحيم ms1032 } لما بين لكم هذه الأحكام والمواعظ، والحكم الجليلة، ~~ولما أمهل من خالف أمره، ولكن فضله ورحمته، وأن ذلك وصفه اللازم آثر لكم ~~من الخير الدنيوي والأخروي، ما لن تحصوه، أو تعدوه. ولما نهى عن هذا ~~الذنب بخصوصه، نهى عن الذنوب عموما فقال: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } أي: طرقه ووساوسه. ~~وخطوات الشيطان، يدخل فيها سائر المعاصي المتعلقة بالقلب، واللسان ~~والبدن. ومن حكمته تعالى، أن بين الحكم، وهو: النهي عن اتباع خطوات ~~الشيطان. والحكمة وهو بيان ما في المنهي عنه، من الشر المقتضي، والداعي ~~لتركه فقال: { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه } أي: ~~الشيطان { يأمر بالفحشآء } أي: ما تستفحشه العقول والشرائع، من ~~الذنوب العظيمة، مع ميل بعض النفوس إليه. { والمنكر } وهو ما تنكره ~~العقول ولا تعرفه. فالمعاصي التي هي خطوات الشيطان، لا تخرج عن ذلك، فنهي ~~الله عنها للعباد، نعمة منه عليهم أن يشكروه ويذكروه، لأن ذلك صيانة لهم ~~عن التدنس بالرذائل والقبائح، فمن إحسانه عليهم، أن نهاهم عنها، كما ~~نهاهم عن أكل السموم القاتلة ونحوها، { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } أي: ~~ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان، لأن الشيطان يسعى هو وجنده، في الدعوة ~~إليها وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء أمارة به، والنقص مستول على ~~العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي، ما زكى ~~أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات، فإن الزكاء يتضمن ~~الطهارة والنماء، ولكن فضله ورحمته أوجبا أن يتزكى منكم من تزكى. # وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " # ولهذا قال: { ولكن الله يزكي من يشآء } من يعلم منه ~~أن يزكى بالتزكية، ولهذا قال: { والله سميع عليم }. { ولا ~~يأتل } أي: لا يحلف { أولوا الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله وليعفوا وليصفحوا } كان من جملة الخائضين ~~في الإفك " مسطح بن أثاثة " وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي ms1033 الله عنه، ~~وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله، فحلف أبو بكر أن لا ينفق ~~عليه، لقوله الذي قال. فنزلت هذه الآية، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن ~~لقطع النفقة عنه، ويحثه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة الله إن غفر له، ~~فقال: { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور ~~رحيم } إذا عاملتم عبيده، بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر ~~- لما سمع هذه الآية -: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع ~~النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا ~~تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى ~~عليه ما جرى من أهل الجرائم. ثم ذكر الوعيد الشديد على رمي المحصنات ~~فقال: { إن الذين يرمون المحصنات } أي: العفائف عن ~~الفجور { الغافلات } التي لم يخطر ذلك بقلوبهن { المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة } واللعنة لا تكون إلا على ذنب ~~كبير. وأكد اللعنة بأنها متواصلة عليهم في الدارين { ولهم عذاب ~~عظيم } وهذا زيادة على اللعنة، أبعدهم عن رحمته، وأحل بهم شدة نقمته. ~~وذلك العذاب يوم القيامة { يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } فكل جارحة ~~تشهد عليهم بما عملته، ينطقها الذي أنطق كل شيء، فلا يمكنه الإنكار، ولقد ~~عدل في العباد، من جعل شهودهم من أنفسهم، { يومئذ يوفيهم ~~الله دينهم الحق } أي: جزاءهم على أعمالهم، الجزاء الحق، الذي ~~بالعدل والقسط، يجدون جزاءها موفرا، لم يفقدوا منها شيئا، # ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] ويعلمون في ذلك الموقف العظيم، أن الله هو الحق المبين، ~~فيعلمون انحصار الحق المبين في الله تعالى. فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله ~~هي الحق، وعبادته هي الحق، ولقاؤه حق، ووعده ووعيده، وحكمه الديني ~~والجزائي حق، ورسله حق، فلا ثم حق، إلا في الله وما من الله. { ~~الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات } أي: كل ~~خبيث من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، مناسب للخبيث، وموافق له، ~~ومقترن به، ms1034 ومشاكل له، وكل طيب من الرجال والنساء، والكلمات والأفعال، ~~مناسب للطيب، وموافق له، ومقترن به، ومشاكل له، فهذه كلمة عامة وحصر، لا ~~يخرج منه شيء، من أعظم مفرداته، أن الأنبياء - خصوصا أولي العزم منهم، ~~خصوصا سيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي هو أفضل الطيبين من الخلق ~~على الإطلاق لا يناسبهم إلا كل طيب من النساء، فالقدح في عائشة رضي الله ~~عنها بهذا الأمر قدح في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المقصود بهذا ~~الإفك، من قصد المنافقين، فمجرد كونها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، ~~يعلم أنها لا تكون إلا طيبة طاهرة من هذا الأمر القبيح. # فكيف وهي هي؟!! صديقة النساء وأفضلهن وأعلمهن وأطيبهن، حبيبة رسول ~~رب العالمين، التي لم ينزل الوحي عليه وهو في لحاف زوجة من زوجاته غيرها، ~~ثم صرح بذلك، بحيث لا يبقى لمبطل مقالا، ولا لشك وشبهة مجالا، فقال: { ~~أولئك مبرءون مما يقولون } والإشارة إلى عائشة رضي ~~الله عنها أصلا، وللمؤمنات المحصنات الغافلات تبعا { لهم مغفرة ~~} تستغرق الذنوب { ورزق كريم } في الجنة صادر من الرب الكريم. ### || [24.27-29] # يرشد الباري عباده المؤمنين، أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم بغير ~~استئذان، فإن في ذلك عدة مفاسد: منها ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~حيث قال # " إنما جعل الاستئذان من أجل البصر " # ، فبسبب الإخلال به، يقع البصر على العورات التي داخل البيوت، فإن البيت ~~للإنسان في ستر عورة ما وراءه، بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده. ومنها: أن ~~ذلك يوجب الريبة من الداخل، ويتهم بالشر سرقة أو غيرها، لأن الدخول خفية، ~~يدل على الشر، ومنع الله المؤمنين من دخول غير بيوتهم حتى ~~يستأنسوا أي: يستأذنوا. سمي الاستئذان استئناسا، لأن به يحصل ~~الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة، { وتسلموا على أهلها } ~~وصفة ذلك، ما جاء في الحديث: # " السلام عليكم، أأدخل؟ " # { ذلكم } أي: الاستئذان المذكور { خير لكم لعلكم ~~تذكرون } لاشتماله على عدة مصالح، وهو من مكارم الأخلاق الواجبة، ~~فإن أذن، دخل المستأذن. { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن ms1035 لكم وإن قيل لكم ارجعوا ~~فارجعوا } أي: فلا تمتنعوا من الرجوع، ولا تغضبوا منه، فإن صاحب ~~المنزل، لم يمنعكم حقا واجبا لكم، وإنما هو متبرع، فإن شاء أذن أو منع، ~~فأنتم لا يأخذ أحدكم الكبر والاشمئزاز من هذه الحال، { هو أزكى ~~لكم } أي: أشد لتطهيركم من السيئات، وتنميتكم بالحسنات. { والله ~~بما تعملون عليم } فيجازي كل عامل بعمله، من كثرة وقلة، وحسن ~~وعدمه، هذا الحكم في البيوت المسكونة، سواء كان فيها متاع للإنسان أم لا، ~~وفي البيوت غير المسكونة، التي لا متاع فيها للإنسان، وأما البيوت التي ~~ليس فيها أهلها، وفيها متاع الإنسان المحتاج للدخول إليه، وليس فيها أحد ~~يتمكن من استئذانه، وذلك كبيوت الكراء وغيرها، فقد ذكرها بقوله: { ~~ليس عليكم جناح } أي: حرج وإثم، دل على أن الدخول من غير ~~استئذان في البيوت السابقة، أنه محرم، وفيه حرج { أن تدخلوا ~~بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم } وهذا من احترازات ~~القرآن العجيبة، فإن قوله: { لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم } لفظ عام في كل بيت ليس ملكا للإنسان، أخرج منه تعالى ~~البيوت التي ليست ملكه، وفيها متاعه، وليس فيها ساكن، فأسقط الحرج في ~~الدخول إليها، { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } ~~أحوالكم الظاهرة والخفية، وعلم مصالحكم، فلذلك شرع لكم ما تحتاجون إليه ~~وتضطرون، من الأحكام الشرعية. ### || [24.30] # أي: أرشد المؤمنين، وقل لهم: الذين معهم إيمان، يمنعهم من وقوع ما ~~يخل بالإيمان: { يغضوا من أبصارهم } عن النظر إلى العورات ~~وإلى النساء الأجنبيات، وإلى المردان، الذين يخاف بالنظر إليهم الفتنة، ~~وإلى زينة الدنيا التي تفتن، وتوقع في المحذور. { ويحفظوا ~~فروجهم } عن الوطء الحرام، في قبل أو دبر، أو ما دون ذلك، وعن ~~التمكين من مسها، والنظر إليها. { ذلك } الحفظ للأبصار والفروج { ~~أزكى لهم } أطهر وأطيب، وأنمى لأعمالهم، فإن من حفظ فرجه وبصره، ~~طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، ~~الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا ~~منه، ومن غض بصره عن المحرم، ms1036 أنار الله بصيرته، ولأن العبد إذا حفظ فرجه ~~وبصره عن الحرام ومقدماته، مع داعي الشهوة، كان حفظه لغيره أبلغ، ولهذا ~~سماه الله حفظا، فالشيء المحفوظ إن لم يجتهد حافظه في مراقبته وحفظه، ~~وعمل الأسباب الموجبة لحفظه، لم ينحفظ، كذلك البصر والفرج، إن لم يجتهد ~~العبد في حفظهما، أوقعاه في بلايا ومحن، وتأمل كيف أمر بحفظ الفرج ~~مطلقا، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأما البصر فقال: { يغضوا ~~من أبصارهم } أتى بأداة " من " الدالة على التبعيض، فإنه يجوز ~~النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد والعامل والخاطب، ونحو ذلك. ثم ~~ذكرهم بعلمه بأعمالهم، ليجتهدوا في حفظ أنفسهم من المحرمات. ### || [24.31] # لما أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج، أمر المؤمنات بذلك، فقال: { ~~وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } عن النظر إلى ~~العورات والرجال، بشهوة ونحو ذلك من النظر الممنوع، { ويحفظن ~~فروجهن } من التمكين من جماعها، أو مسها، أو النظر المحرم إليها. { ~~ولا يبدين زينتهن } كالثياب الجميلة والحلي، وجميع البدن كله ~~من الزينة، ولما كانت الثياب الظاهرة، لا بد لها منها، قال: { إلا ما ~~ظهر منها } أي: الثياب الظاهرة، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن ~~في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها، { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن } وهذا لكمال الاستتار، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم ~~إبداؤها، يدخل فيها جميع البدن، كما ذكرنا. ثم كرر النهي عن إبداء ~~زينتهن، ليستثني منه قوله: { إلا لبعولتهن } أي: أزواجهن { ~~أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن } يشمل الأب بنفسه، والجد ~~وإن علا، { أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن } ويدخل ~~فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا { أو إخوانهن أو ~~بني إخوانهن } أشقاء، أو لأب، أو لأم. { أو بني ~~أخواتهن أو نسآئهن } أي: يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى ~~بعض مطلقا، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية، أي: النساء المسلمات، ~~اللاتي من جنسكم، ففيه دليل لمن قال: إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها ~~الذمية. { أو ما ملكت أيمانهن } فيجوز للمملوك إذا كان كله ~~للأنثى، أن ينظر لسيدته، ما دامت مالكة ms1037 له كله، فإن زال الملك أو بعضه، ~~لم يجز النظر. { أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال } أي: أو الذين يتبعونكم، ويتعلقون بكم، من الرجال الذين لا ~~إربة لهم في هذه الشهوة، كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك، وكالعنين الذي ~~لم يبق له شهوة، لا في فرجه، ولا في قلبه، فإن هذا لا محذور من نظره. { ~~أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء ~~} أي: الأطفال الذين دون التمييز، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلل ~~تعالى ذلك، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا ~~وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا، أن المميز تستتر منه المرأة، لأنه يظهر ~~على عورات النساء. { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن } أي: لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما ~~عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى ~~الفتنة. ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان ~~مباحا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب ~~بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع ~~منه. ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة، ووصى بالوصايا المستحسنة، وكان ~~لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك، أمر الله تعالى بالتوبة، فقال: { ~~وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون } لأن المؤمن ~~يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: { لعلكم ~~تفلحون } فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي الرجوع مما يكرهه ~~الله، ظاهرا وباطنا، إلى: ما يحبه ظاهرا وباطنا، ودل هذا، أن كل ~~مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا، وفيه الحث على ~~الإخلاص بالتوبة في قوله: { وتوبوا إلى الله } أي: لا لمقصد ~~غير وجهه، من سلامة من آفات الدنيا، أو رياء وسمعة، أو نحو ذلك من ~~المقاصد الفاسدة. ### || [24.32-33] # يأمر تعالى الأولياء والأسياد، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم: ~~من لا أزواج لهم، من رجال، ونساء ثيب، وأبكار، فيجب على القريب وولي ~~اليتيم، أن ms1038 يزوج من يحتاج للزواج، ممن تجب نفقته عليه، وإذا كانوا ~~مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم من باب أولى. { ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم } يحتمل أن المراد ~~بالصالحين، صلاح الدين، وأن الصالح من العبيد والإماء - وهو الذي لا يكون ~~فاجرا زانيا - مأمور سيده بإنكاحه، جزاء له على صلاحه، وترغيبا له ~~فيه، ولأن الفاسد بالزنا، منهي عن تزوجه، فيكون مؤيدا للمذكور في أول ~~السورة، أن نكاح الزاني والزانية محرم حتى يتوب، ويكون التخصيص بالصلاح ~~في العبيد والإماء دون الأحرار، لكثرة وجود ذلك في العبيد عادة، ويحتمل ~~أن المراد بالصالحين الصالحون للتزوج المحتاجون إليه، من العبيد والإماء، ~~يؤيد هذا المعنى، أن السيد غير مأمور بتزويج مملوكه، قبل حاجته إلى ~~الزواج. ولا يبعد إرادة المعنيين كليهما، والله أعلم. وقوله: { إن ~~يكونوا فقرآء } أي: الأزواج والمتزوجين { يغنهم الله من ~~فضله } فلا يمنعكم ما تتوهمون، من أنه إذا تزوج، افتقر بسبب كثرة ~~العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر. { ~~والله واسع } كثير الخير عظيم الفضل { عليم } بمن يستحق فضله ~~الديني والدنيوي أو أحدهما، ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه ~~حكمه. { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله } هذا حكم العاجز عن النكاح، أمره ~~الله أن يستعفف، أن يكف عن المحرم، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه، من صرف ~~دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه، ويفعل أيضا، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه ~~بالصوم فإنه له وجاء " # وقوله: { الذين لا يجدون نكاحا } أي: لا يقدرون نكاحا، إما ~~لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم [وليس لهم]، من ~~قدرة على إجبارهم على ذلك، وهذا التقدير، أحسن من تقدير من قدر " لا ~~يجدون مهر نكاح " ، وجعلوا المضاف إليه نائبا مناب المضاف، فإن في ذلك ~~محذورين: أحدهما: الحذف في الكلام، والأصل عدم الحذف. والثاني كون المعنى ~~قاصرا على من له حالان، حالة غنى ms1039 بماله، وحالة عدم، فيخرج العبيد ~~والإماء ومن إنكاحه على وليه، كما ذكرنا. { حتى يغنيهم الله ~~من فضله } وعد للمستعفف أن الله سيغنيه وييسر له أمره، وأمر له ~~بانتظار الفرج، لئلا يشق عليه ما هو فيه. وقوله { والذين ~~يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا } أي: من ابتغى وطلب منكم الكتابة، وأن ~~يشتري نفسه، من عبيد وإماء، فأجيبوه إلى ما طلب، وكاتبوه، { إن ~~علمتم فيهم } أي: في الطالبين للكتابة { خيرا } أي: قدرة على ~~التكسب، وصلاحا في دينه، لأن في الكتابة تحصيل المصلحتين، مصلحة العتق ~~والحرية، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه. # وربما جد واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في ~~رقه، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته، مع حصول عظيم المنفعة للعبد، ~~فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب، كما هو الظاهر، أو أمر ~~استحباب على القول الآخر، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم، لكونهم محتاجين ~~لذلك، بسبب أنهم لا مال لهم، فقال: { وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم } يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه، أن يعطيه من ~~كتابته أو يسقط عنه منها، وأمر الناس بمعونتهم. ولهذا جعل الله للمكاتبين ~~قسطا من الزكاة، ورغب في إعطائه بقوله: { من مال الله الذي ~~آتاكم } أي: فكما أن المال مال الله، وإنما الذي بأيديكم عطية من الله ~~لكم ومحض منة، فأحسنوا لعباد الله، كما أحسن الله إليكم. ومفهوم الآية ~~الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، ~~وأنه إذا لم يعلم منه خيرا، بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب ~~له، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس، ضائعا، وإما أن يخاف إذا أعتق، ~~وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى ~~عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور. ثم قال تعالى: { ولا تكرهوا ~~فتياتكم } أي: إماءكم { على البغآء } أي: أن تكون زانية { ~~إن أردن تحصنا } لأنه لا يتصور إكراهها ms1040 إلا بهذه الحال، وأما ~~إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما ~~هذا نهى لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يجبر أمته على ~~البغاء، ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: { لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا } فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرا منكم، وأعف ~~عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك، لأجل عرض الحياة، متاع قليل يعرض ثم ~~يزول. فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة - بقطع النظر عن ثواب الآخرة ~~وعقابها - أفضل من كسبكم العرض القليل، الذي يكسبكم الرذالة والخسة. ثم ~~دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: { ومن يكرههن فإن ~~الله من بعد إكراههن غفور رحيم } فليتب إلى ~~الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك، غفر الله ذنوبه، ~~ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ~~ما يضرها. ### || [24.34] # هذا تعظيم وتفخيم لهذه الآيات، التي تلاها على عباده، ليعرفوا قدرها، ~~ويقوموا بحقها فقال: { ولقد أنزلنآ إليكم آيات ~~مبينات } أي: واضحات الدلالة، على كل أمر تحتاجون إليه، من الأصول ~~والفروع، بحيث لا يبقى فيها إشكال ولا شبهة، { و } أنزلنا إليكم أيضا { ~~مثلا من الذين خلوا من قبلكم } من أخبار الأولين، ~~الصالح منهم والطالح، وصفة أعمالهم، وما جرى لهم وجرى عليهم تعتبرونه ~~مثالا ومعتبرا، لمن فعل مثل أفعالهم أن يجازى مثل ما جوزوا. { ~~وموعظة للمتقين } أي: وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين، من ~~الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، يتعظ بها المتقون، فينكفون عما يكره ~~الله إلى ما يحبه الله. ### || [24.35] # { الله نور السموت والأرض } الحسي والمعنوي، وذلك أنه ~~تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره من خلقه - نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، ~~والنور، وبه استنارت الجنة. وكذلك النور المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه ~~نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور. ~~فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات، ولهذا: كل محل يفقد نوره فثم ~~الظلمة والحصر، { مثل نوره } الذي يهدي إليه، ms1041 وهو نور الإيمان ~~والقرآن في قلوب المؤمنين، { كمشكاة } أي: كوة { فيها مصباح } ~~لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك { المصباح في ~~زجاجة الزجاجة } من صفائها وبهائها { كأنها كوكب ~~دري } أي: مضيء إضاءة الدر. { يوقد } ذلك المصباح، الذي في تلك ~~الزجاجة الدرية { من شجرة مباركة زيتونة } أي: يوقد من ~~زيت الزيتون الذي ناره من أنور ما يكون، { لا شرقية } فقط، فلا ~~تصيبها الشمس آخر النهار، { ولا غربية } فقط، فلا تصيبها الشمس ~~[أول] النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض، كزيتون ~~الشام، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فتحسن وتطيب، ويكون أصفى لزيتها، ~~ولهذا قال: { يكاد زيتها } من صفائه { يضيء ولو لم ~~تمسسه نار } فإذا مسته النار، أضاء إضاءة بليغة { نور على ~~نور } أي: نور النار، ونور الزيت. ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، ~~وتطبيقه على حالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، ~~بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل ~~المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان، اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة ~~اشتعال النار في فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب من سوء القصد، وسوء ~~الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان، أضاء إضاءة عظيمة، لصفائه من ~~الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية، فيجتمع له نور الفطرة، ونور ~~الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، نور على نوره. ولما كان هذا من نور ~~الله تعالى، وليس كل أحد يصلح له ذلك، قال: { يهدي الله لنوره ~~من يشآء } ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكي معه وينمو. { ~~ويضرب الله الأمثال للناس } ليعقلوا عنه ويفهموا، لطفا ~~منه بهم، وإحسانا إليهم، وليتضح الحق من الباطل، فإن الأمثال تقرب ~~المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علما واضحا، { والله ~~بكل شيء عليم } فعلمه محيط بجميع الأشياء، فلتعلموا أن ~~ضربه الأمثال، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها، وأنها مصلحة ~~للعباد، فليكن اشتغالكم بتدبرها وتعقلها، لا بالاعتراض عليها، ~~ولا بمعارضتها، فإنه يعلم وأنتم لا تعلمون. ولما كان نور الإيمان والقرآن ~~أكثر وقوع أسبابه ms1042 في المساجد، ذكرها منوها بها فقال: { في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه... }. ### || [24.36-38] # أي: يتعبد لله { في بيوت } عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي ~~المساجد. { أذن الله } أي: أمر ووصى { أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه } هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها، بناؤها، ~~وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين ~~لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع ~~الأصوات بغير ذكر الله. { ويذكر فيها اسمه } يدخل في ذلك ~~الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره ~~من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ~~ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ولهذا كانت عمارة المساجد على ~~قسمين: عمارة بنيان، وصيانة لها، وعمارة بذكر اسم الله، من الصلاة ~~وغيرها، وهذا أشرف القسمين، ولهذا شرعت الصلوات الخمس والجمعة في ~~المساجد، وجوبا عند أكثر العلماء، أو استحبابا عند آخرين. ثم مدح تعالى ~~عمارها بالعبادة فقال: { يسبح له } إخلاصا { بالغدو } ~~أول النهار { والآصال } آخره { رجال }. خص هذين الوقتين لشرفهما ~~ولتيسر السير فيهما إلى الله وسهولته. ويدخل في ذلك، التسبيح في الصلاة ~~وغيرها، ولهذا شرعت أذكار الصباح والمساء وأورادهما عند الصباح والمساء. ~~أي: يسبح فيها الله، رجال، وأي: رجال، ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا، ذات ~~لذات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه، { لا تلهيهم تجارة } وهذا ~~يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: { ولا بيع } من باب عطف ~~الخاص على العام، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن ~~اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه. لكنه لا تلهيهم تلك، ~~بأن يقدموها ويؤثروها على { عن ذكر الله وإقام الصلاة ~~وإيتآء الزكاة } بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ~~ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه. ولما كان ترك الدنيا شديدا ~~على أكثر النفوس، وحب المكاسب بأنواع التجارات محبوبا لها، ويشق عليها ~~تركه في الغالب، وتتكلف من تقديم حق الله على ذلك، ذكر ما يدعوها إلى ذلك ~~- ترغيبا وترهيبا - فقال: ms1043 { يخافون يوما تتقلب فيه ~~القلوب والأبصار } من شدة هوله وإزعاجه للقلوب والأبدان، فلذلك ~~خافوا ذلك اليوم، فسهل عليهم العمل، وترك ما يشغل عنه، { ليجزيهم ~~الله أحسن ما عملوا } والمراد بأحسن ما عملوا: أعمالهم ~~الحسنة الصالحة، لأنها أحسن ما عملوا، لأنهم يعملون المباحات وغيرها، ~~فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن، كقوله تعالى: # ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون # [الزمر: 35] { ويزيدهم من فضله } زيادة كثيرة عن الجزاء ~~المقابل لأعمالهم، { والله يرزق من يشآء بغير حساب } ~~بل يعطيه من الأجر ما لا يبلغه عمله، بل ولا تبلغه أمنيته، ويعطيه من ~~الأجر بلا عد ولا كيل، وهذا كناية عن كثرته جدا. ### || [24.39-40] # هذان مثلان، ضربهما الله لأعمال الكفار في بطلانها وذهابها سدى وتحسر ~~عامليها منها فقال: { والذين كفروا } بربهم وكذبوا رسله { ~~أعمالهم كسراب بقيعة } أي: بقاع، لا شجر فيه ولا نبت. { ~~يحسبه الظمآن مآء } شديد العطش، الذي يتوهم ما لا يتوهم غيره، ~~بسبب ما معه من العطش، وهذا حسبان باطل، فيقصده ليزيل ظمأه، { حتى ~~إذا جآءه لم يجده شيئا } فندم ندما شديدا، وازداد ما به ~~من الظمأ، بسبب انقطاع رجائه، كذلك أعمال الكفار، بمنزلة السراب، ترى ~~ويظنها الجاهل الذي لا يدري الأمور، أعمالا نافعة، فيغره صورتها، ويخلبه ~~خيالها، ويحسبها هو أيضا أعمالا نافعة لهواه، وهو أيضا محتاج إليها بل ~~مضطر إليها، كاحتياج الظمآن للماء، حتى إذ قدم على أعماله يوم الجزاء، ~~وجدها ضائعة، ولم يجدها شيئا، والحال إنه لم يذهب، لا له ولا عليه، بل { ~~ووجد الله عنده فوفه حسابه }. لم يخف عليه من ~~عمله نقير ولا قطمير، ولن يعدم منه قليلا ولا كثيرا، { والله ~~سريع الحساب } فلا يستبطئ الجاهلون ذلك الوعد، فإنه لا بد من ~~إتيانه، ومثلها الله بالسراب الذي بقيعة، أي: لا شجر فيه ولا نبات، ~~وهذا مثال لقلوبهم، لا خير فيها ولا بر، فتزكو فيها الأعمال وذلك للسبب ~~المانع، وهو الكفر. والمثل الثاني، لبطلان أعمال الكفار { أو ~~كظلمات في بحر لجي } بعيد قعره، طويل ms1044 مداه { يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها ~~فوق بعض } ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم ~~فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت ~~الظلمة جدا، بحيث أن الكائن في تلك الحال { إذآ أخرج يده لم ~~يكد يراها } مع قربها إليه، فكيف بغيرها، كذلك الكفار، تراكمت على ~~قلوبهم الظلمات، ظلمة الطبيعة، التي لا خير فيها، وفوقها ظلمة الكفر، ~~وفوق ذلك، ظلمة الجهل، وفوق ذلك، ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في ~~الظلمة متحيرين، وفي غمرتهم يعمهون، وعن الصراط المستقيم مدبرين، وفي طرق ~~الغي والضلال يترددون، وهذا لأن الله تعالى خذلهم، فلم يعطهم من نوره، { ~~ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } لأن ~~نفسه ظالمة جاهلة، فليس فيها من الخير والنور، إلا ما أعطاها مولاها، ~~ومنحها ربها. يحتمل أن هذين المثالين، لأعمال جميع الكفار، كل منهما، ~~منطبق عليها، وعددهما لتعدد الأوصاف، ويحتمل أن كل مثال، لطائفة ~~وفرقة. فالأول، للمتبوعين، والثاني، للتابعين، والله أعلم. ### || [24.41-42] # نبه تعالى عباده على عظمته، وكمال سلطانه، وافتقار جميع المخلوقات له في ~~ربوبيتها، وعبادتها فقال: { ألم تر أن الله يسبح له ~~من في السموت والأرض } من حيوان وجماد { والطير ~~صآفات } أي: صافات أجنحتها، في جو السماء، تسبح ربها. { كل } من ~~هذه المخلوقات { قد علم صلاته وتسبيحه } أي: كل له صلاة ~~وعبادة بحسب حاله اللائقة به، وقد ألهمه الله تلك الصلاة والتسبيح، إما ~~بواسطة الرسل، كالجن والإنس والملائكة، وإما بإلهام منه تعالى، كسائر ~~المخلوقات غير ذلك، وهذا الاحتمال أرجح، بدليل قوله: { والله عليم ~~بما يفعلون } أي: علم جميع أفعالها، فلم يخف عليه منها شيء، ~~وسيجازيهم بذلك، فيكون على هذا، قد جمع بين علمه بأعمالها، وذلك بتعليمه، ~~وبين علمه بأعمالهم المتضمن للجزاء. ويحتمل أن الضمير في قوله: { قد ~~علم صلاته وتسبيحه } يعود إلى الله، وأن الله تعالى قد علم ~~عباداتهم، وإن لم تعلموا - أيها العباد - منها، إلا ما أطلعكم الله عليه. ~~وهذه الآية كقوله تعالى: # تسبح ms1045 له السموت السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # [الإسراء: 44] فلما بين عبوديتهم وافتقارهم إليه - من جهة العبادة ~~والتوحيد - بين افتقارهم، من جهة الملك والتربية والتدبير فقال: { ~~ولله ملك السماوات والأرض } خالقهما ورازقهما، والمتصرف ~~فيهما، في حكمه الشرعي [والقدري] في هذه الدار، وفي حكمه الجزائي، بدار ~~القرار، بدليل قوله: { وإلى الله المصير } أي: مرجع الخلق ~~ومآلهم، ليجازيهم بأعمالهم. ### || [24.43-44] # أي: ألم تشاهد ببصرك، عظيم قدرة الله، وكيف { يزجي } أي: يسوق { ~~سحابا } قطعا متفرقة { ثم يؤلف } بين تلك القطع، فيجعله ~~سحابا متراكما، مثل الجبال. { فترى الودق } أي: الوابل والمطر، ~~يخرج من خلال السحاب، نقطا متفرقة، ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر، ~~فتمتلئ بذلك الغدران، وتتدفق الخلجان، وتسيل الأودية، وتنبت الأرض من كل ~~زوج كريم، وتارة ينزل الله من ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه. { ~~فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من يشآء } بحسب ما ~~اقتضاه حكمه القدري، وحكمته التي يحمد عليها، { يكاد سنا برقه } ~~أي: يكاد ضوء برق ذلك السحاب، من شدته { يذهب بالأبصار } أليس ~~الذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع ~~وينتفي به الضرر، كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة؟. { يقلب ~~الله الليل والنهار } من حر إلى برد، ومن برد إلى حر، من ليل ~~إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويديل الأيام بين عباده، { إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار } أي: لذوي البصائر، والعقول ~~النافذة للأمور المطلوبة منها، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة ~~الحسية. فالبصير ينظر إلى هذه المخلوقات نظر اعتبار وتفكر وتدبر لما ~~أريد بها ومنها، والمعرض الجاهل نظره إليها نظر غفلة، بمنزلة نظر ~~البهائم. ### || [24.45] # ينبه عباده على ما يشاهدونه، أنه خلق جميع الدواب التي على وجه الأرض، { ~~من مآء } أي: مادتها كلها الماء، كما قال تعالى: # وجعلنا من المآء كل شيء # [الأنبياء: 30]. فالحيوانات التي تتوالد، مادتها ماء النطفة، حين يلقح ~~الذكر الأنثى. والحيوانات التي تتولد من الأرض، لا تتولد إلا من ms1046 الرطوبات ~~المائية، كالحشرات لا يوجد منها شيء، يتولد من غير ماء أبدا، فالمادة ~~واحدة، ولكن الخلقة مختلفة من وجوه كثيرة، { فمنهم من يمشي ~~على بطنه } كالحية ونحوها، { ومنهم من يمشي على ~~رجلين } كالآدميين، وكثير من الطيور، { ومنهم من يمشي ~~على أربع } كبهيمة الأنعام ونحوها. فاختلافها - مع أن الأصل واحد ~~- يدل على نفوذ مشيئة الله، وعموم قدرته، ولهذا قال: { يخلق الله ~~ما يشآء } أي: من المخلوقات، على ما يشاؤه من الصفات، { إن ~~الله على كل شيء قدير } كما أنزل المطر على الأرض، وهو ~~لقاح واحد، والأم واحدة، وهي الأرض، والأولاد مختلفو الأصناف والأوصاف # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد: 4]. ### || [24.46] # أي: لقد رحمنا عبادنا، وأنزلنا إليهم آيات بينات، أي: واضحات الدلالة، ~~على جميع المقاصد الشرعية، والآداب المحمودة، والمعارف الرشيدة، فاتضحت ~~بذلك السبل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، فلم يبق أدنى شبهة ~~لمبطل يتعلق بها، ولا أدنى إشكال لمريد الصواب، لأنها تنزيل من كمل ~~علمه، وكملت رحمته، وكمل بيانه، فليس بعد بيانه بيان # ليهلك # بعد ذلك # من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة # [الأنفال: 42] { والله يهدي من يشآء } ممن سبقت لهم سابقة ~~الحسنى، وقدم الصدق، { إلى صراط مستقيم } أي: طريق واضح ~~مختصر، موصل إليه، وإلى دار كرامته، متضمن العلم بالحق وإيثاره والعمل ~~به. عمم البيان التام لجميع الخلق، وخصص بالهداية من يشاء، فهذا فضله ~~وإحسانه، وما فضل الكريم بممنون وذاك عدله، وقطع الحجة للمحتج، والله ~~أعلم حيث يجعل مواقع إحسانه. ### || [24.47-50] # يخبر تعالى عن حالة الظالمين، ممن في قلبه مرض وضعف إيمان، أو نفاق وريب ~~وضعف علم، أنهم يقولون بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة، ثم لا ~~يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم عن الطاعة توليا عظيما، بدليل ~~قوله: { منهم معرضون } فإن المتولي، قد يكون له نية عود ورجوع ~~إلى ما تولى عنه، وهذا المتولي معرض، لا ms1047 التفات له، ولا نظر لما تولى ~~عنه، وتجد هذه الحالة مطابقة لحال كثير ممن يدعي الإيمان والطاعة لله ~~وهو ضعيف الإيمان، تجده لا يقوم بكثير من العبادات، خصوصا: العبادات ~~التي تشق على كثير من النفوس، كالزكوات، والنفقات الواجبة والمستحبة، ~~والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. { وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم } أي: إذا صار بينهم وبين أحد حكومة، ~~ودعوا إلى حكم الله ورسوله { إذا فريق منهم معرضون } ~~يريدون أحكام الجاهلية، ويفضلون أحكام القوانين غير الشرعية على الأحكام ~~الشرعية، لعلمهم أن الحق عليهم، وأن الشرع لا يحكم إلا بما يطابق الواقع، ~~{ وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه } أي: إلى حكم ~~الشرع { مذعنين } وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي، وإنما ذلك لأجل ~~موافقة أهوائهم، فليسوا ممدوحين في هذه الحال، ولو أتوا إليه مذعنين، لأن ~~العبد حقيقة، من يتبع الحق فيما يحب ويكره، وفيما يسره ويحزنه، وأما الذي ~~يتبع الشرع عند موافقة هواه، وينبذه عند مخالفته، ويقدم الهوى على الشرع، ~~فليس بعبد على الحقيقة، قال الله في لومهم على الإعراض عن الحكم الشرعي: ~~{ أفي قلوبهم مرض } أي: علة، أخرجت القلب عن صحته وأزالت ~~حاسته، فصار بمنزلة المريض، الذي يعرض عما ينفعه، ويقبل على ما يضره، { ~~أم ارتابوا } أي: شكوا، وقلقت قلوبهم من حكم الله ورسوله، واتهموه ~~أنه لا يحكم بالحق، { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله } أي: يحكم عليهم حكما ظالما جائرا، وإنما هذا وصفهم { ~~بل أولئك هم الظالمون }. وأما حكم الله ورسوله، ففي غاية ~~العدالة والقسط، وموافقة الحكمة. # ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون # [المائدة: 50]. وفي هذه الآيات، دليل على أن الإيمان، ليس هو مجرد القول ~~حتى يقترن به العمل، ولهذا نفى الإيمان عمن تولى عن الطاعة، ووجوب ~~الانقياد لحكم الله ورسوله في كل حال، وأن من ينقد له دل على مرض في ~~قلبه، وريب في إيمانه، وأنه يحرم إساءة الظن بأحكام الشريعة، وأن يظن بها ~~خلاف العدل والحكمة. ولما ذكر حالة المعرضين عن الحكم الشرعي، ذكر حالة ~~المؤمنين ms1048 الممدوحين، فقال: { إنما كان قول المؤمنين إذا ~~دعوا إلى الله... }. ### || [24.51-52] # أي: { إنما كان قول المؤمنين } حقيقة، الذين صدقوا ~~إيمانهم بأعمالهم حين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، سواء وافق ~~أهواءهم أو خالفها، { أن يقولوا سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا ~~حكم الله ورسوله، وأجبنا من دعانا إليه، وأطعنا طاعة تامة، سالمة من ~~الحرج. { وأولئك هم المفلحون } حصر الفلاح فيهم، لأن ~~الفلاح: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المكروه، ولا يفلح إلا من حكم الله ~~ورسوله، وأطاع الله ورسوله. ولما ذكر فضل الطاعة في الحكم خصوصا، ذكر ~~فضلها عموما، في جميع الأحوال، فقال: { ومن يطع الله ~~ورسوله } فيصدق خبرهما ويمتثل أمرهما، { ويخش الله } أي: ~~يخافه خوفا مقرونا بمعرفة، فيترك ما نهى عنه، ويكف نفسه عما تهوى، ~~ولهذا قال: { ويتقه } بترك المحظور، لأن التقوى - عند الإطلاق - ~~يدخل فيها، فعل المأمور، وترك المنهي عنه، وعند اقترانها بالبر أو الطاعة ~~- كما في هذا الموضع - تفسر بتوقي عذاب الله، بترك معاصيه، { ~~فأولئك } الذين جمعوا بين طاعة الله وطاعة رسوله، وخشية الله ~~وتقواه، { هم الفآئزون } بنجاتهم من العذاب، لتركهم أسبابه، ~~ووصولهم إلى الثواب، لفعلهم أسبابه، فالفوز محصور فيهم، وأما من لم يتصف ~~بوصفهم، فإنه يفوته من الفوز بحسب ما قصر عنه من هذه الأوصاف الحميدة، ~~واشتملت هذه الآية، على الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الطاعة ~~المستلزمة للإيمان، والحق المختص بالله، وهو الخشية والتقوى، وبقي الحق ~~الثالث المختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، كما جمع بين الحقوق ~~الثلاثة في سورة الفتح في قوله: # لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا # [الفتح: 9]. ### || [24.53-54] # يخبر تعالى عن حالة المتخلفين عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد ~~من المنافقين، ومن في قلوبهم مرض وضعف إيمان أنهم يقسمون بالله، { لئن ~~أمرتهم } فيما يستقبل، أو لئن نصصت عليهم حين خرجت { ليخرجن ~~} والمعنى الأول أولى. قال الله - رادا عليهم -: { قل لا تقسموا ~~} أي: لا نحتاج إلى إقسامكم ولا إلى أعذاركم، فإن الله قد نبأنا من ~~أخباركم، وطاعتكم معروفة، لا تخفى علينا، قد كنا ms1049 نعرف منكم التثاقل ~~والكسل من غير عذر، فلا وجه لعذركم وقسمكم، إنما يحتاج إلى ذلك، من كان ~~أمره محتملا وحاله مشتبهة، فهذا ربما يفيده العذر براءة، وأما أنتم فكلا ~~ولما، وإنما ينتظر بكم ويخاف عليكم حلول بأس الله ونقمته، ولهذا توعدهم ~~بقوله: { إن الله خبير بما تعملون } فيجازيكم عليها أتم ~~الجزاء، هذه حالهم في نفس الأمر، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام، ~~فوظيفته أن يأمركم وينهاكم، ولهذا قال: { قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن } امتثلوا، كان حظكم وسعادتكم، وإن { ~~تولوا فإنما عليه ما حمل } من الرسالة، وقد أداها. { ~~وعليكم ما حملتم } من الطاعة، وقد بانت حالكم وظهرت، فبان ~~ضلالكم وغيكم واستحقاقكم العذاب. { وإن تطيعوه تهتدوا } إلى ~~الصراط المستقيم، قولا وعملا، فلا سبيل لكم إلى الهداية إلا بطاعته، ~~وبدون ذلك، لا يمكن، بل هو محال. { وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين } أي: تبليغكم البين الذي لا يبقي لأحد شكا ولا ~~شبهة، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، بلغ البلاغ المبين، وإنما الذي ~~يحاسبكم ويجازيكم هو الله تعالى، فالرسول ليس له من الأمر شيء، وقد قام ~~بوظيفته. ### || [24.55] # هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام ~~بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم ~~الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها ~~وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة ~~والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار ~~مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن ~~من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة ~~المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس ~~واحدة، وبغوا لهم الغوائل. فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي ~~لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين ~~الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون ms1050 الله ولا يشركون به شيئا، ولا ~~يخافون أحدا إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح ~~بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ~~ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة ~~الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل ~~الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلط عليهم الكفار ~~والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان ~~والعمل الصالح. { ومن كفر بعد ذلك } التمكين والسلطنة التامة ~~لكم، يا معشر المسلمين، { فأولئك هم الفاسقون } الذين ~~خرجوا عن طاعة الله، وفسدوا، فلم يصلحوا لصالح، ولم يكن فيهم أهلية ~~للخير، لأن الذي يترك الإيمان في حال عزه وقهره، وعدم وجود الأسباب ~~المانعة منه، يدل على فساد نيته، وخبث طويته، لأنه لا داعي له لترك الدين ~~إلا ذلك. ودلت هذه الآية، أن الله قد مكن من قبلنا، واستخلفهم في ~~الأرض، كما قال موسى لقومه: # ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129] وقال تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن ~~لهم في الأرض # [القصص: 5-6]. ### || [24.56-57] # يأمر تعالى بإقامة الصلاة، بأركانها وشروطها وآدابها، ظاهرا وباطنا، ~~وبإيتاء الزكاة من الأموال التي استخلف الله عليها العباد، وأعطاهم ~~إياها، بأن يؤتوها الفقراء وغيرهم، ممن ذكرهم الله لمصرف الزكاة، فهذان ~~أكبر الطاعات وأجلهما، جامعتان لحقه وحق خلقه، للإخلاص للمعبود، وللإحسان ~~إلى العبيد، ثم عطف عليهما الأمر العام، فقال: { وأطيعوا الرسول ~~} وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] { لعلكم } حين تقومون بذلك { ترحمون } فمن أراد ~~الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من دون إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وإطاعة الرسول، فهو متمن كاذب، وقد منته نفسه الأماني الكاذبة. { لا ~~تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض } فلا يغررك ~~ما متعوا به في الحياة الدنيا، فإن الله، وإن أمهلهم فإنه لا يهملهم # نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ # [لقمان: 24]. ولهذا قال هنا: { ومأوهم النار ولبئس ~~المصير ms1051 } أي: بئس المآل، مآل الكافرين، مآل الشر والحسرة والعقوبة ~~الأبدية. ### || [24.58] # أمر المؤمنين أن يستأذنهم مماليكهم، والذين لم يبلغوا الحلم منهم. قد ~~ذكر الله حكمته وأنه ثلاث عورات للمستأذن عليهم، وقت نومهم بالليل بعد ~~العشاء، وعند انتباههم قبل صلاة الفجر، فهذا - في الغالب - أن النائم ~~يستعمل للنوم في الليل ثوبا غير ثوبه المعتاد، وأما نوم النهار، فلما ~~كان في الغالب قليلا، قد ينام فيه العبد بثيابه المعتادة، قيده بقوله: { ~~وحين تضعون ثيبكم من الظهيرة } أي: للقائلة، وسط ~~النهار. ففي ثلاثة هذه الأحوال، يكون المماليك والأولاد الصغار كغيرهم، ~~لا يمكنون من الدخول إلا بإذن، وأما ما عدا هذه الأحوال الثلاثة ~~فقال: { لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ~~} أي: ليسوا كغيرهم، فإنهم يحتاج إليهم دائما، فيشق الاستئذان منهم في ~~كل وقت، ولهذا قال: { طوفون عليكم بعضكم على بعض } ~~أي: يترددون عليكم في قضاء أشغالكم وحوائجكم. { كذلك يبين ~~الله لكم الأيت } بيانا مقرونا بحكمته، ليتأكد ويتقوى ويعرف ~~به رحمة شارعه وحكمته، ولهذا قال: { والله عليم حكيم } له ~~العلم المحيط بالواجبات والمستحيلات والممكنات، والحكمة التي وضعت كل شيء ~~موضعه، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، وأعطى كل حكم شرعي حكمه اللائق ~~به، ومنه هذه الأحكام التي بينها وبين مآخذها وحسنها. ### || [24.59] # { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم } وهو إنزال المني يقظة ~~أو مناما، { فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم } أي: في سائر الأوقات، والذين من قبلهم، هم الذين ذكرهم الله ~~بقوله: # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا # الآية [النور: 27]. { كذلك يبين الله لكم آياته } ~~ويوضحها، ويفصل أحكامها { والله عليم حكيم }. وفي هاتين ~~الآيتين فوائد، منها: أن السيد وولي الصغير، مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن ~~تحت ولايتهم من الأولاد، العلم والآداب الشرعية، لأن الله وجه الخطاب ~~إليهم بقوله: { يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمنكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم } الآية، ولا يمكن ذلك، إلا بالتعليم والتأديب، ولقوله: { ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن }. ومنها: الأمر ~~بحفظ العورات، والاحتياط لذلك من كل وجه، ms1052 وأن المحل والمكان، الذي مظنة ~~لرؤية عورة الإنسان فيه، أنه منهي عن الاغتسال فيه والاستنجاء، ونحو ~~ذلك. ومنها: جواز كشف العورة لحاجة، كالحاجة عند النوم، وعند البول ~~والغائط، ونحو ذلك. ومنها: أن المسلمين كانوا معتادين للقيلولة وسط ~~النهار، كما اعتادوا نوم الليل، لأن الله خاطبهم ببيان حالهم الموجودة. ~~ومنها: أن الصغير الذي دون البلوغ، لا يجوز أن يمكن من رؤية العورة، ~~ولا يجوز أن ترى عورته، لأن الله لم يأمر باستئذانهم، إلا عن أمر ما ~~يجوز. ومنها: أن المملوك أيضا، لا يجوز أن يرى عورة سيده، كما أن سيده ~~لا يجوز أن يرى عورته، كما ذكرنا في الصغير. ومنها: أنه ينبغي للواعظ ~~والمعلم ونحوهم، ممن يتكلم في مسائل العلم الشرعي، أن يقرن بالحكم، بيان ~~مأخذه ووجهه، ولا يلقيه مجردا عن الدليل والتعليل، لأن الله - لما بين ~~الحكم المذكور - علله بقوله: { ثلاث عورات لكم }. ومنها: أن ~~الصغير والعبد، مخاطبان، كما أن وليهما مخاطب لقوله: { ليس عليكم ~~ولا عليهم جناح بعدهن }. ومنها: أن ريق الصبي طاهر، ولو ~~كان بعد نجاسة، كالقيء، لقوله تعالى: { طوفون عليكم } مع قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الهرة: # " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات ". # ومنها: جواز استخدام الإنسان من تحت يده، من الأطفال على وجه معتاد، ~~لا يشق على الطفل لقوله: { طوفون عليكم }. ومنها: أن الحكم ~~المذكور المفصل، إنما هو لما دون البلوغ، فأما ما بعد البلوغ، فليس إلا ~~الاستئذان. ومنها: أن البلوغ يحصل بالإنزال، فكل حكم شرعي رتب على ~~البلوغ، حصل بالإنزال، وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف، هل يحصل البلوغ ~~بالسن، أو الإنبات للعانة، والله أعلم. ### || [24.60] # والقواعد من النساء أي: اللاتي قعدن عن الاستمتاع والشهوة { اللاتي ~~لا يرجون نكاحا } أي: لا يطمعن في النكاح، ولا يطمع فيهن، وذلك ~~لكونها عجوزا لا تشتهى، أو دميمة الخلقة لا تشتهي ولا تشتهى، { ~~فليس عليهن جناح } أي: حرج وإثم { أن يضعن ~~ثيابهن } أي: الثياب الظاهرة، كالخمار ونحوه، الذي قال الله فيه ~~للنساء: # وليضربن بخمرهن ms1053 على جيوبهن # [النور: 31]. فهؤلاء، يجوز لهن أن يكشفن وجوههن لآمن المحذور منها ~~وعليها، ولما كان نفي الحرج عنهن في وضع الثياب، ربما توهم منه جواز ~~استعمالها لكل شيء، دفع هذا الاحتراز بقوله: { غير متبرجات ~~بزينة } أي: غير مظهرات للناس زينة، من تجمل بثياب ظاهرة، وتستر ~~وجهها، ومن ضرب الأرض برجلها، ليعلم ما تخفي من زينتها، لأن مجرد الزينة ~~على الأنثى، ولو مع تسترها، ولو كانت لا تشتهى يفتن فيها، ويوقع الناظر ~~إليها في الحرج { وأن يستعففن خير لهن }. والاستعفاف: ~~طلب العفة، بفعل الأسباب المقتضية لذلك، من تزوج وترك لما يخشى منه ~~الفتنة، { والله سميع } لجميع الأصوات { عليم } بالنيات ~~والمقاصد، فليحذرن من كل قول وقصد فاسد، وليعلمن أن الله يجازي على ~~ذلك. ### || [24.61] # يخبر تعالى عن منته على عباده، وأنه لم يجعل عليهم في الدين من حرج ~~بل يسره غاية التيسير، فقال: { ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } أي: ليس على ~~هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك ~~كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة للأعرج، أو صحة ~~للمريض، ولهذا المعنى العام الذي ذكرناه، أطلق الكلام في ذلك، ولم يقيد، ~~كما قيد قوله: { ولا على أنفسكم } أي: حرج { أن تأكلوا ~~من بيوتكم } أي: بيوت أولادكم، وهذا موافق للحديث الثابت: # " أنت ومالك لأبيك " # ، والحديث الآخر: # " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " # ، وليس المراد من قوله: { من بيوتكم } بيت الإنسان نفسه، فإن هذا ~~من باب تحصيل الحاصل، الذي ينزه عنه كلام الله، ولأنه نفى الحرج عما يظن ~~أو يتوهم فيه الإثم من هؤلاء المذكورين، وأما بيت الإنسان نفسه فليس فيه ~~أدنى توهم. { بيوتكم أو بيوت ءابآئكم أو بيوت ~~أمهتكم أو بيوت إخونكم أو بيوت أخوتكم ~~أو بيوت أعممكم أو بيوت عمتكم أو بيوت ~~أخولكم أو بيوت خلتكم } وهؤلاء معروفون، { أو ما ~~ملكتم مفاتحه } أي: البيوت التي أنتم متصرفون فيها بوكالة، أو ~~ولاية ونحو ذلك، وأما تفسيرها ms1054 بالمملوك، فليس بوجيه، لوجهين: أحدهما: أن ~~المملوك لا يقال فيه " ملكت مفاتحه " بل يقال: " ما ملكتموه " أو " ما ~~ملكت أيمانكم " لأنهم مالكون له جملة، لا لمفاتحه فقط. والثاني: أن بيوت ~~المماليك، غير خارجة عن بيت الإنسان نفسه، لأن المملوك وما ملكه لسيده، ~~فلا وجه لنفي الحرج عنه. { أو صديقكم } وهذا الحرج المنفي عن ~~الأكل، من هذه البيوت كل ذلك، إذا كان بدون إذن، والحكمة فيه معلومة من ~~السياق، فإن هؤلاء المسمين، قد جرت العادة والعرف، بالمسامحة في الأكل ~~منها، لأجل القرابة القريبة، أو التصرف التام، أو الصداقة، فلو قدر في ~~أحد من هؤلاء عدم المسامحة والشح في الأكل المذكور، لم يجز الأكل، ولم ~~يرتفع الحرج، نظرا للحكمة والمعنى. وقوله: { ليس عليكم جناح ~~أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } فكل ذلك جائز، أكل أهل البيت ~~الواحد جميعا، أو أكل كل واحد منهم وحده، وهذا نفي للحرج، لا نفي ~~للفضيلة وإلا فالأفضل الاجتماع على الطعام. { فإذا دخلتم ~~بيوتا } نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في ~~البيت ساكن أم لا فإذا دخلها الإنسان { فسلموا على أنفسكم ~~} أي: فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من ~~تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت، من غير ~~فرق بين بيت وبيت، والاستئذان تقدم أن فيه تفصيلا في أحكامه، ثم مدح هذا ~~السلام فقال: { تحية من عند الله مبركة طيبة } ~~أي: سلامكم بقولكم: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " أو " السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين " إذ تدخلون البيوت، { تحية من ~~عند الله } أي: قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم، { مبركة } ~~لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، ~~{ طيبة } لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس ~~للمحيا، ومحبة وجلب مودة. # لما بين لنا هذه الأحكام الجليلة قال: { كذلك يبين الله ~~لكم الأيت } الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، { لعلكم ~~تعقلون } عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول ~~والألباب الرزينة، فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، ms1055 يزيد به العقل، ~~وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن ~~الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه، وللتفكر في آياته ~~التي دعاه إليها، زاده من ذلك. وفي هذه الآيات دليل على قاعدة عامة كلية ~~وهي: أن " العرف والعادة مخصص للألفاظ، كتخصيص اللفظ للفظ " فإن الأصل، ~~أن الإنسان ممنوع من تناول طعام غيره، مع أن الله أباح الأكل من بيوت ~~هؤلاء، للعرف والعادة، فكل مسألة تتوقف على الإذن من مالك الشيء، إذا علم ~~إذنه بالقول أو العرف، جاز الإقدام عليه. وفيها دليل على أن الأب يجوز له ~~أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره، لأن الله سمى بيته بيتا ~~للإنسان. وفيها دليل على أن المتصرف في بيت الإنسان، كزوجته، وأخته ~~ونحوهما، يجوز لهما الأكل عادة، وإطعام السائل المعتاد. وفيها دليل، على ~~جواز المشاركة في الطعام، سواء أكلوا مجتمعين، أو متفرقين، ولو أفضى ذلك ~~إلى أن يأكل بعضهم أكثر من بعض. ### || [24.62-64] # هذا إرشاد من الله لعباده المؤمنين، أنهم إذا كانوا مع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على أمر جامع، أي: من ضرورته أو من مصلحته، أن يكونوا فيه ~~جميعا، كالجهاد، والمشاورة، ونحو ذلك من الأمور التي يشترك فيها ~~المؤمنون، فإن المصلحة تقتضي اجتماعهم عليه وعدم تفرقهم، فالمؤمن بالله ~~ورسوله حقا، لا يذهب لأمر من الأمور، لا يرجع لأهله، ولا يذهب لبعض ~~الحوائج التي يشذ بها عنهم، إلا بإذن من الرسول أو نائبه من بعده، فجعل ~~موجب الإيمان، عدم الذهاب إلا بإذن، ومدحهم على فعلهم هذا وأدبهم مع ~~رسوله وولي الأمر منهم، فقال: { إن الذين يستأذنونك ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } ولكن هل ~~يأذن لهم أم لا؟ ذكر لإذنه لهم شرطين: أحدهما: أن يكون لشأن من شؤونهم، ~~وشغل من أشغالهم، فأما من يستأذن من غير عذر، فلا يؤذن له. والثاني: أن ~~يشاء الإذن فتقتضيه المصلحة، من دون مضرة بالآذن، قال: { فإذا ~~استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } ~~فإذا كان له عذر واستأذن، ms1056 فإن كان في قعوده وعدم ذهابه مصلحة برأيه، أو ~~شجاعته، ونحو ذلك، لم يأذن له، ومع هذا إذا استأذن، وأذن له بشرطيه، أمر ~~الله رسوله أن يستغفر له، لما عسى أن يكون مقصرا في الاستئذان، ولهذا ~~قال: { واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم } ~~يغفر لهم الذنوب ويرحمهم، بأن جوز لهم الاستئذان مع العذر. { لا ~~تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا ~~} أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم ودعائكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، ~~فإذا دعاكم فأجيبوه وجوبا، حتى إنه تجب إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في حال الصلاة، وليس أحد إذا قال قولا يجب على الأمة قبول قوله والعمل ~~به، إلا الرسول، لعصمته، وكوننا مخاطبين باتباعه، قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24] وكذلك لا تجعلوا دعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فلا ~~تقولوا: " يا محمد " عند ندائكم، أو " يا محمد بن عبد الله " كما يقول ~~ذلك بعضكم لبعض، بل من شرفه وفضله وتميزه صلى الله عليه وسلم عن غيره، أن ~~يقال: يا رسول الله، يا نبي الله. { قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا } لما مدح المؤمنين بالله ورسوله، الذين ~~إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، توعد من لم يفعل ذلك ~~وذهب من غير استئذان، فهو وإن خفي عليكم بذهابه على وجه خفي، وهو المراد ~~بقوله: { يتسللون منكم لواذا } أي: يلوذون وقت تسللهم ~~وانطلاقهم بشيء يحجبهم عن العيون، فالله يعلمهم، وسيجازيهم على ذلك أتم ~~الجزاء، ولهذا توعدهم بقوله: { فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره } أي: يذهبون إلى بعض شؤونهم عن أمر الله ورسوله، فكيف بمن لم ~~يذهب إلى شأن من شؤونه؟!! وإنما ترك أمر الله من دون شغل له. # { أن تصيبهم فتنة } أي: شرك وشر { أو يصيبهم عذاب ~~أليم }. { ألا إن لله ما في السموت والأرض } ~~ملكا وعبيدا، يتصرف فيهم بحكمه القدري، وحكمه الشرعي. { قد يعلم ~~مآ أنتم عليه } أي: قد أحاط علمه بما أنتم عليه، من خير وشر، ~~وعلم ms1057 جميع أعمالكم، أحصاها علمه، وجرى بها قلمه، وكتبتها عليكم الحفظة ~~الكرام الكاتبون. { ويوم يرجعون إليه } في يوم القيامة { ~~فينبئهم بما عملوا } يخبرهم بجميع أعمالهم، دقيقها ~~وجليلها، إخبارا مطابقا لما وقع منهم، ويستشهد عليهم أعضاءهم، فلا ~~يعدمون منه فضلا أو عدلا. ولما قيد علمه بأعمالهم، ذكر العموم بعد ~~الخصوص، فقال: { والله بكل شيء عليم }. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # هذا بيان لعظمته الكاملة، وتفرده [بالوحدانية] من كل وجه، وكثرة خيراته ~~وإحسانه، فقال: { تبارك } أي: تعاظم وكملت أوصافه، وكثرت خيراته، ~~الذي من أعظم خيراته ونعمه، أن نزل هذا القرآن الفارق بين الحلال ~~والحرام، والهدى والضلال، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، { على ~~عبده } محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية، وفاق جميع ~~المرسلين، { ليكون } ذلك الإنزال للفرقان على عبده { للعالمين ~~نذيرا } ينذرهم بأس الله ونقمه، ويبين لهم مواقع رضا الله من سخطه، ~~حتى إن من قبل نذارته وعمل بها، كان من الناجين في الدنيا والآخرة، الذين ~~حصلت لهم السعادة الأبدية، والملك السرمدي، فهل فوق هذه النعمة وهذا ~~الفضل والإحسان شيء؟ فتبارك الذي هذا من بعض إحسانه وبركاته. { الذي ~~له ملك السموت والأرض } أي: له التصرف فيهما وحده، وجميع ~~من فيهما مماليك وعبيد له، مذعنون لعظمته، خاضعون لربوبيته، فقراء إلى ~~رحمته، الذي { ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك } وكيف يكون له ولد أو شريك، وهو المالك، وغيره مملوك، وهو ~~القاهر، وغيره مقهور، وهو الغني بذاته من جميع الوجوه، والمخلوقون ~~مفتقرون إليه فقرا ذاتيا من جميع الوجوه؟!! وكيف يكون له شريك في ~~الملك، ونواصي العباد كلهم بيديه، فلا يتحركون أو يسكنون، ولا يتصرفون ~~إلا بإذنه، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلم يقدره حق قدره من قال ~~فيه ذلك، ولهذا قال: { وخلق كل شيء } شمل العالم العلوي، ~~والعالم السفلي، من حيواناته، ونباتاته، وجماداته، { فقدره ~~تقديرا } أي: أعطى كل مخلوق منها ما يليق به ويناسبه من الخلق وما ~~تقتضيه حكمته من ذلك، بحيث صار كل مخلوق لا يتصور العقل الصحيح أن يكون ms1058 ~~بخلاف شكله وصورته المشاهدة، بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد، لا ~~يناسبه غير محله الذي هو فيه. قال تعالى: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * ~~والذي قدر فهدى # [الأعلى: 1-3] وقال تعالى: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50] ولما بين كماله وعظمته، وكثرة إحسانه، كان ذلك مقتضيا لأن ~~يكون وحده المحبوب المألوه المعظم، المفرد بالإخلاص وحده، لا شريك له، ~~ناسب أن يذكر بطلان عبادة ما سواه، فقال: { واتخذوا من دونه ~~آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون... }. ### || [25.3] # أي: من أعجب العجائب، وأدل الدليل على سفههم، ونقص عقولهم، بل أدل على ~~ظلمهم وجراءتهم على ربهم، أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة، في كمال العجز، ~~أنها لا تقدر على خلق شيء، بل هم مخلوقون، بل بعضهم مما عملته أيديهم. { ~~ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا } أي: لا قليلا ~~ولا كثيرا، لأنه نكرة في سياق النفي. { ولا يملكون موتا ولا ~~حياة ولا نشورا } أي: بعثا بعد الموت، فأعظم أحكام العقل بطلان ~~إلهيتها وفسادها وفساد عقل من اتخذها آلهة وشركاء للخالق لسائر ~~المخلوقات، من غير مشاركة له في ذلك، الذي بيده النفع والضر، والعطاء ~~والمنع، الذي يحيي ويميت، ويبعث من في القبور، ويجمعهم ليوم النشور، وقد ~~جعل لهم دارين، دار الشقاء والخزي والنكال، لمن اتخذ معه آلهة أخرى، ودار ~~الفوز والسعادة والنعيم المقيم، لمن اتخذه وحده معبودا. ولما قرر ~~بالدليل القاطع الواضح صحة التوحيد وبطلان ضده قرر صحة الرسالة، وبطلان ~~قول من عارضها واعترضها، فقال: { وقال الذين كفروا إن ~~هذا إلا إفك افتراه وأعانه... }. ### || [25.4-6] # أي: وقال الكافرون بالله، الذي أوجب لهم كفرهم، أن قالوا في القرآن ~~والرسول: إن هذا القرآن كذب، كذبه محمد، وإفك افتراه على الله، وأعانه ~~على ذلك قوم آخرون. فرد الله عليهم ذلك، بأن هذا مكابرة منهم، وإقدام على ~~الظلم والزور، الذي لا يمكن أن يدخل عقل أحد، وهم أشد الناس معرفة بحالة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وكمال صدقه، وأمانته، وبره التام، وأنه لا ~~يمكنه، ms1059 لا هو ولا سائر الخلق أن يأتوا بهذا القرآن، الذي هو أجل الكلام ~~وأعلاه، وأنه لم يجتمع بأحد يعينه على ذلك، فقد جاءوا بهذا القول ظلما ~~وزورا. ومن جملة أقاويلهم فيه، أن قالوا: هذا الذي جاء به محمد { ~~أساطير الأولين اكتتبها } أي: هذا قصص الأولين وأساطيرهم، ~~التي تتلقاها الأفواه، وينقلها كل أحد، استنسخها محمد { فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا } وهذا القول منهم فيه عدة عظائم: منها: ~~رميهم الرسول الذي هو أبر الناس وأصدقهم بالكذب، والجرأة العظيمة. ومنها: ~~إخبارهم عن هذا القرآن الذي هو أصدق الكلام وأعظمه وأجله - بأنه كذب ~~وافتراء. ومنها: أن في ضمن ذلك أنهم قادرون أن يأتوا بمثله، وأن يضاهي ~~المخلوق الناقص من كل وجه، للخالق الكامل من كل وجه، بصفة من صفاته، وهي ~~الكلام. ومنها: أن الرسول قد علمت حالته، وهم أشد الناس علما بها، أنه ~~لا يكتب، ولا يجتمع بمن يكتب له وهم قد زعموا ذلك. فلذلك رد عليهم ذلك ~~بقوله: { قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض } أي: أنزله من أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، من ~~الغيب والشهادة، والجهر والسر، كقوله: # وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح ~~الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين # [الشعراء: 192-194]. ووجه إقامة الحجة عليهم، أن الذي أنزله، هو المحيط ~~علمه بكل شيء، فيستحيل ويمتنع أن يقول مخلوق ويتقول عليه هذا القرآن، ~~ويقول: هو من عند الله، وما هو من عنده، ويستحل دماء من خالفه وأموالهم، ~~ويزعم أن الله قال له ذلك، والله يعلم كل شيء، ومع ذلك فهو يؤيده وينصره ~~على أعدائه، ويمكنه من رقابهم وبلادهم، فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا ~~القرآن، إلا بعد إنكار علم الله، وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم، سوى ~~الفلاسفة الدهرية. وأيضا فإن ذكر علمه تعالى العام ينبههم ويحضهم على ~~تدبر القرآن، وأنهم لو تدبروا، لرأوا فيه من علمه وأحكامه، ما يدل دلالة ~~قاطعة على أنه لا يكون إلا من عالم الغيب والشهادة، ومع إنكارهم للتوحيد ~~والرسالة ms1060 من لطف الله بهم، أنه لم يدعهم وظلمهم، بل دعاهم إلى التوبة ~~والإنابة إليه، ووعدهم بالمغفرة والرحمة، إن هم تابوا ورجعوا، فقال: { ~~إنه كان غفورا } أي: وصفه المغفرة، لأهل الجرائم والذنوب، إذا ~~فعلوا أسباب المغفرة، وهي الرجوع عن معاصيه والتوبة منها. { رحيما } ~~بهم، حيث لم يعاجلهم بالعقوبة، وقد فعلوا مقتضاها، وحيث قبل توبتهم بعد ~~المعاصي، وحيث محا ما سلف من سيئاتهم، وحيث قبل حسناتهم، وحيث أعاد ~~الراجع إليه بعد شروده، والمقبل عليه بعد إعراضه، إلى حالة المطيعين ~~المنيبين إليه. ### || [25.7-14] # هذا من مقالة المكذبين للرسول، الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم ~~اعترضوا بأنه: هلا كان ملكا أو ملكا، أو يساعده ملك، فقالوا: { ~~مال هذا الرسول } أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم ~~واستهزاء. { يأكل الطعام } وهذا من خصائص البشر، فهلا كان ~~ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، { ويمشي ~~في الأسواق } للبيع والشراء، وهذا - بزعمهم - لا يليق بمن يكون ~~رسولا مع أن الله قال: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20]. { لولا أنزل إليه ملك } أي: هلا أنزل معه ~~ملك يساعده ويعاونه، { فيكون معه نذيرا } وبزعمهم أنه غير كاف ~~للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها. { أو يلقى إليه كنز } ~~أي: مال مجموع من غير تعب، { أو تكون له جنة يأكل منها ~~} فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. { وقال الظالمون ~~} حملهم على القول، ظلمهم لا اشتباه منهم، { إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا } هذا، وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من ~~جميع المطاعن. ولما كانت هذه الأقوال منهم، عجيبة جدا، قال تعالى: { ~~انظر كيف ضربوا لك الأمثال } وهي: أنه هلا كان ملكا، ~~وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك، لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل ~~عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق، أو أنه كان ~~مسحورا. { فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } قالوا أقوالا ~~متناقضة، كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها ms1061 هداية، بل ولا في شيء ~~منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها، يجزم ~~العاقل ببطلانها، ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها ~~والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه ~~قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال: { تبارك الذي ~~إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } أي: خيرا مما قالوا، ثم ~~فسره بقوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل ~~لك قصورا } مرتفعة مزخرفة، فقدرته ومشيئته، لا تقصر عن ذلك، ولكنه ~~تعالى - لما كانت الدنيا عنده في غاية البعد والحقارة - أعطى منها ~~أولياءه ورسله، ما اقتضته حكمته منها، واقتراح أعدائهم بأنهم، هلا رزقوا ~~منها رزقا كثيرا جدا، ظلم وجراءة. ولما كانت تلك الأقوال التي قالوها ~~معلومة الفساد، أخبر تعالى أنها لم تصدر منهم لطلب الحق، ولا لاتباع ~~البرهان، وإنما صدرت منهم تعنتا وظلما، وتكذيبا بالحق، فقالوا ما ~~بقلوبهم من ذلك، ولهذا قال: { بل كذبوا بالساعة } والمكذب ~~المتعنت، الذي ليس له قصد في اتباع الحق، لا سبيل إلى هدايته ولا حيلة في ~~مجادلته، وإنما له حيلة واحدة وهي نزول العذاب به، فلهذا قال: { ~~وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } أي: نارا عظيمة، ~~قد اشتد سعيرها، وتغيظت على أهلها، واشتد زفيرها. # { إذا رأتهم من مكان بعيد } أي: قبل وصولهم ووصولها ~~إليهم، { سمعوا لها تغيظا } عليهم { وزفيرا } تقلق منهم ~~الأفئدة، وتتصدع القلوب، ويكاد الواحد منهم يموت خوفا منها وذعرا، قد ~~غضبت عليهم لغضب خالقها، وقد زاد لهبها لزيادة كفرهم وشرهم. { وإذآ ~~ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين } أي: عذابهم وهم في ~~وسطها، جمع في مكان بين ضيق المكان، وتزاحم السكان، وتقرينهم بالسلاسل ~~والأغلال، فإذا وصلوا لذلك المكان النحس، وحبسوا في أشر حبس { دعوا ~~هنالك ثبورا } دعوا على أنفسهم بالثبور والخزي والفضيحة، وعلموا ~~أنهم ظالمون معتدون، قد عدل فيهم الخالق، حيث أنزلهم بأعمالهم هذا ~~المنزل، وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم، ولا مغنية من عذاب الله، ~~بل يقال لهم: { لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ~~ثبورا ms1062 كثيرا } أي: لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه، ما أفادكم إلا ~~الهم والغم والحزن. لما بين جزاء الظالمين، ناسب أن يذكر جزاء المتقين ~~فقال: { قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد ~~المتقون كانت... }. ### || [25.15-16] # أي: قل لهم - مبينا لسفاهة رأيهم، واختيارهم الضار على النافع -: { ~~أذلك } الذي وصفت لكم من العذاب { خير أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون } التي زادها تقوى الله، فمن قام بالتقوى، ~~فالله قد وعده إياها، { كانت لهم جزآء } على تقواهم { ~~ومصيرا } موئلا يرجعون إليها، ويستقرون فيها، ويخلدون دائما أبدا. ~~{ لهم فيها ما يشآءون } أي: يطلبون، وتتعلق بهم أمانيهم ~~ومشيئتهم، من المطاعم، والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والنساء ~~الجميلات، والقصور العاليات، والجنات، والحدائق المرجحنة، والفواكه التي ~~تسر ناظريها وآكليها، من حسنها وتنوعها، وكثرة أصنافها، والأنهار التي ~~تجري في رياض الجنة وبساتينها، حيث شاؤوا يصرفونها، ويفجرونها أنهارا من ~~ماء غير آسن، وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه، وأنهارا من خمر لذة ~~للشاربين، وأنهارا من عسل مصفى، وروائح طيبة، ومساكن مزخرفة، وأصوات ~~شجية، تأخذ من حسنها بالقلوب ومزاورة الإخوان، والتمتع بلقاء الأحباب، ~~وأعلى من ذلك كله، التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم، وسماع كلامه، ~~والحظوة بقربه، والسعادة برضاه، والأمن من سخطه، واستمرار هذا النعيم ~~ودوامه، وزيادته على ممر الأوقات، وتعاقب الآنات { كان } دخولها ~~والوصول إليها { على ربك وعدا مسئولا } يسأله إياها، ~~عباده المتقون بلسان حالهم، ولسان مقالهم، فأي الدارين المذكورتين خير ~~وأولى بالإيثار؟ وأي: العاملين، عمال دار الشقاء، أو عمال دار السعادة، ~~أولى بالفضل والعقل والفخر، يا أولي الألباب؟ لقد وضح الحق، واستنار ~~السبيل، فلم يبق للمفرط عذر في تركه الدليل، فنرجوك يا من قضيت على أقوام ~~بالشقاء، وأقوام بالسعادة، أن تجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، ~~ونستغيث بك اللهم من حالة الأشقياء، ونسألك المعافاة منها. ### || [25.17-20] # يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة، وتبريهم منهم، ~~وبطلان سعيهم، فقال: { ويوم يحشرهم } أي: المكذبين المشركين { ~~وما يعبدون من دون الله فيقول } الله مخاطبا للمعبودين ~~على وجه التقريع لمن عبدهم: { أأنتم ms1063 أضللتم عبادي هؤلاء ~~أم هم ضلوا السبيل } هل أمرتموهم بعبادتكم، وزينتم لهم ذلك، ~~أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟ { قالوا سبحانك } نزهوا الله عن شرك ~~المشركين به، وبرؤوا أنفسهم من ذلك، { ما كان ينبغي لنآ } أي: لا ~~يليق بنا، ولا يحسن منا، أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم، ونعبدهم ~~وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك، متبرئين من عبادة غيرك، ~~فكيف نأمر أحدا بعبادتنا؟ هذا لا يكون. أو، سبحانك عن { أن نتخذ ~~من دونك من أوليآء } وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه ~~السلام: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما ~~قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم # الآية [المائدة: 116-117]. وقال تعالى: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك ~~أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 40-41] # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6] فلما نزهوا أنفسهم، أن يدعوا لعبادة غير الله، أو يكونوا ~~أضلوهم، ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا: { ولكن ~~متعتهم وآبآءهم } في لذات الدنيا وشهواتها، ومطالبها ~~النفسية، { حتى نسوا الذكر } اشتغالا في لذات الدنيا، ~~وإكبابا على شهواتها، فحافظوا على دنياهم، وضيعوا دينهم { وكانوا ~~قوما بورا } أي: بائرين لا خير فيهم، ولا يصلحون لصالح، لا يصلحون ~~إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى، وهو التمتع في ~~الدنيا، الذي صرفهم عن الهدى، وعدم المقتضي للهدى، وهو: أنهم لا خير ~~فيهم، فإذا عدم المقتضي، ووجد المانع، فلا تشاء من شر وهلاك، إلا وجدته ~~فيهم، فلما تبرؤوا منهم، قال الله توبيخا وتقريعا للعابدين: { فقد ~~كذبوكم بما تقولون } إنهم أمروكم بعبادتهم، ورضوا فعلكم، ~~وأنهم شفعاء لكم عند ربكم، كذبوكم في ذلك الزعم، وصاروا من أكبر ms1064 أعدائكم، ~~فحق عليكم العذاب، { فما تستطيعون صرفا } للعذاب عنكم بفعلكم، ~~أو بفداء، أو غير ذلك، { ولا نصرا } لعجزكم، وعدم ناصركم. هذا حكم ~~الضالين المقلدين الجاهلين، كما رأيت أسوأ حكم، وأشر مصير. وأما المعاند ~~منهم، الذي عرف الحق وصدف عنه، فقال في حقه: { ومن يظلم منكم } ~~بترك الحق ظلما وعنادا { نذقه عذابا كبيرا } لا يقادر قدره، ~~ولا يبلغ أمره. # ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # [الفرقان: 7] { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } فما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام، وما جعلناهم ملائكة، فلك فيهم أسوة. ~~وأما الغنى والفقر، فهو فتنة، وحكمة من الله تعالى، كما قال: { ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } الرسول فتنة للمرسل إليهم، ~~واختبار للمطيعين من العاصين، والرسل فتناهم بدعوة الخلق، والغنى فتنة ~~للفقير، والفقير فتنة للغني، وهكذا سائر أصناف الخلق في هذه الدار، دار ~~الفتن والابتلاء والاختبار. والقصد من تلك الفتنة { أتصبرون } ~~فتقومون بما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة، فيثيبكم مولاكم، أم لا تصبرون ~~فتستحقون المعاقبة؟ { وكان ربك بصيرا } يعلم أحوالكم، ويصطفي ~~من يعلمه يصلح لرسالته، ويختصه بتفضيله، ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها، ~~إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ### || [25.21-23] # أي: قال المكذبون للرسول، المكذبون بوعد الله ووعيده، الذين ليس في ~~قلوبهم خوف الوعيد، ولا رجاء لقاء الخالق. { لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا } أي: هلا نزلت الملائكة، تشهد لك ~~بالرسالة، وتؤيدك عليها، أو تنزل رسلا مستقلين، أو نرى ربنا فيكلمنا، ~~ويقول: هذا رسولي فاتبعوه؟ وهذا معارضة للرسول بما ليس بمعارض، بل ~~بالتكبر والعلو والعتو. { لقد استكبروا في أنفسهم } حيث ~~اقترحوا هذا الاقتراح، وتجرؤوا هذه الجرأة، فمن أنتم يا فقراء، ويا ~~مساكين، حتى تطلبوا رؤية الله، وتزعموا أن الرسالة متوقف ثبوتها على ذلك؟ ~~وأي كبر أعظم من هذا؟ { وعتوا عتوا كبيرا } أي: قسوا وصلبوا ~~عن الحق قساوة عظيمة، فقلوبهم أشد من الأحجار، وأصلب من الحديد، لا تلين ~~للحق، ولا تصغي للناصحين، فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا ms1065 تذكير، ولا اتبعوا ~~الحق حين جاءهم النذير، بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم، وآيات الله ~~البينات، بالإعراض والتكذيب والمعارضة، فأي عتو أكبر من هذا العتو؟!! ~~ولذلك، بطلت أعمالهم واضمحلت، وخسروا أشد الخسران، وحرموا غاية الحرمان. ~~{ يوم يرون الملائكة } التي اقترحوا نزولها { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين } وذلك أنهم لا يرونها، مع استمرارهم على ~~جرمهم وعنادهم، إلا لعقوبتهم، وحلول البأس بهم، فأول ذلك عند الموت، إذا ~~تنزلت عليهم الملائكة، قال الله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على ~~الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون # [الأنعام: 93]. ثم في القبر، حيث يأتيهم منكر ونكير، فيسألهم عن ربهم ~~ونبيهم ودينهم، فلا يجيبون جوابا ينجيهم، فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم ~~بهم الرحمة، ثم يوم القيامة، حين تسوقهم الملائكة إلى النار، ثم يسلمونهم ~~لخزنة جهنم، الذين يتولون عذابهم، ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه، ~~وهذا الذي طلبوه، إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه ويلقوه، وحينئذ ~~يتعوذون من الملائكة، ويفرون، ولكن لا مفر لهم. { ويقولون حجرا ~~محجورا } # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل } أي: ~~أعمالهم التي رجوا أن تكون خيرا لهم وتعبوا فيها، { فجعلناه ~~هبآء منثورا } أي: باطلا مضمحلا، قد خسروه وحرموا أجره، وعوقبوا ~~عليه، وذلك لفقده الإيمان، وصدوره عن مكذب لله ورسله، فالعمل الذي يقبله ~~الله، ما صدر عن المؤمن المخلص، المصدق للرسل المتبع لهم فيه. ### || [25.24] # أي: في ذلك اليوم الهائل، كثير البلابل { أصحاب الجنة } الذين ~~آمنوا بالله، وعملوا صالحا واتقوا ربهم { خير مستقرا } من أهل ~~النار { وأحسن مقيلا } أي: مستقرهم في الجنة، وراحتهم التي هي ~~القيلولة، هو المستقر النافع، والراحة التامة، لاشتمال ذلك على تمام ~~النعيم، الذي لا يشوبه كدر، بخلاف أصحاب النار، فإن جهنم ساءت مستقرا ~~ومقيلا وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل، فيما ليس في الطرف الآخر منه ~~شيء، لأنه لا ms1066 خير في مقيل أهل النار ومستقرهم، كقوله: # ءآلله خير أما يشركون # [النمل: 59]. ### || [25.25-29] # يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة، وما فيه من الشدة والكروب، ومزعجات ~~القلوب فقال: { ويوم تشقق السمآء بالغمام } وذلك ~~الغمام الذي ينزل الله فيه، ينزل من فوق السماوات، فتنفطر له السماوات ~~وتشقق، وتنزل ملائكة كل سماء فيقفون صفا صفا، إما صفا واحدا محيطا ~~بالخلائق، وإما كل سماء، يكونون صفا، ثم السماء التي تليها صفا، وهكذا. ~~القصد أن الملائكة - على كثرتهم وقوتهم - ينزلون محيطين بالخلق، مذعنين ~~لأمر ربهم، لا يتكلم منهم أحد إلا بإذن من الله، فما ظنك بالآدمي الضعيف، ~~خصوصا الذي بارز مالكه بالعظائم، وأقدم على مساخطه، ثم قدم عليه بذنوب ~~وخطايا لم يتب منها، فيحكم فيه الملك الحق بالحكم الذي لا يجور، ولا يظلم ~~مثقال ذرة، ولهذا قال: { وكان يوما على الكافرين عسيرا } ~~لصعوبته الشديدة، وتعسر أموره عليه، بخلاف المؤمن، فإنه يسير عليه، خفيف ~~الحمل. # يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم: 85-86]. وقوله: { الملك يومئذ } أي: يوم القيامة { ~~الحق للرحمن } لا يبقى لأحد من المخلوقين، ملك ولا صورة ~~ملك، كما كانوا في الدنيا، بل قد تساوت الملوك ورعاياهم، والأحرار ~~والعبيد، والأشراف وغيرهم، ومما يرتاح له القلب، وتطمئن به النفس، وينشرح ~~له الصدر، أن أضاف الملك في يوم القيامة لاسمه " الرحمن " الذي وسعت ~~رحمته كل شيء، وعمت كل حي، وملأت الكائنات، وعمرت بها الدنيا والآخرة، ~~وتم بها كل ناقص، وزال بها كل نقص، وغلبت الأسماء الدالة عليه الأسماء ~~الدالة على الغضب، وسبقت رحمته غضبه وغلبته، فلها السبق والغلبة، وخلق ~~هذا الآدمي الضعيف وشرفه وكرمه، ليتم عليه نعمته، وليتغمده برحمته، ~~وقد حضروا في موقف الذل والخضوع والاستكانة بين يديه، ينتظرون ما يحكم ~~فيهم وما يجري عليهم، وهو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم، فما ظنك بما ~~يعاملهم به، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يخرج من رحمته إلا من غلبت ~~عليه الشقاوة، وحقت عليه كلمة العذاب. { ويوم يعض الظالم } ~~بشركه وكفره، وتكذيبه ms1067 للرسل { على يديه } تأسفا، وتحسرا، ~~وحزنا، وأسفا. { يقول يليتني اتخذت مع الرسول ~~سبيلا } أي طريقا بالإيمان به، وتصديقه واتباعه. { يويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا } وهو الشيطان الإنسي أو الجني، { ~~خليلا } أي: حبيبا مصافيا، عاديت أنصح الناس لي، وأبرهم بي، وأرفقهم ~~بي، وواليت أعدى عدو لي، الذي لم تفدني ولايته، إلا الشقاء والخسار ~~والخزي والبوار. { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جآءني } حيث زين له ما هو عليه من الضلال، بخدعه وتسويله. { وكان ~~الشيطان للإنسان خذولا } يزين له الباطل، ويقبح له الحق، ~~ويعده الأماني، ثم يتخلى عنه ويتبرأ منه، كما قال لجميع أتباعه، حين قضي ~~الأمر، وفرغ الله من حساب الخلق، # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل # الآية [إبراهيم: 22]. فلينظر العبد لنفسه وقت الإمكان، وليتدارك ~~الممكن قبل أن لا يمكن، وليوال من ولايته فيها سعادته، وليعاد من ~~تنفعه عداوته، وتضره صداقته. والله الموفق. ### || [25.30-31] # { وقال الرسول } مناديا لربه، وشاكيا له إعراض قومه عما جاء ~~به، ومتأسفا على ذلك منهم: { يرب إن قومي } الذي أرسلتني ~~لهدايتهم وتبليغهم، { اتخذوا هذا القرآن مهجورا } أي: ~~قد أعرضوا عنه، وهجروه وتركوه، مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه، ~~والإقبال على أحكامه، والمشي خلفه، قال الله مسليا لرسوله، ومخبرا، أن ~~هؤلاء الخلق لهم سلف صنعوا كصنيعهم، فقال: { وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين } أي: من الذين لا يصلحون ~~للخير، ولا يزكون عليه، يعارضونهم ويردون عليهم، ويجادلونهم بالباطل. من ~~بعض فوائد ذلك أن يعلو الحق على الباطل، وأن يتبين الحق، ويتضح اتضاحا ~~عظيما، لأن معارضة الباطل للحق، مما تزيده وضوحا وبيانا وكمال ~~استدلال، وأن يتبين ما يفعل الله بأهل الحق من الكرامة، وبأهل الباطل من ~~العقوبة، فلا تحزن عليهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، { وكفى ~~بربك هاديا } يهديك، فيحصل لك المطلوب، ومصالح دينك ودنياك. { ~~ونصيرا ms1068 } ينصرك على أعدائك، ويدفع عنك كل مكروه، في أمر الدين ~~والدنيا، فاكتف به، وتوكل عليه. ### || [25.32-33] # هذا من جملة مقترحات الكفار، الذي توحيه إليهم أنفسهم، فقالوا: { ~~لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } أي: كما أنزلت ~~الكتب قبله، وأي محذور من نزوله على هذا الوجه؟ بل نزوله على هذا الوجه ~~أكمل وأحسن، ولهذا قال: { كذلك } أنزلناه متفرقا { لنثبت به ~~فؤادك } لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن، ازداد طمأنينة وثباتا، ~~وخصوصا عند ورود أسباب القلق، فإن نزول القرآن عند حدوثه، يكون له موقع ~~عظيم، وتثبيت كثير، أبلغ مما لو كان نازلا قبل ذلك ثم تذكره عند حلول ~~سببه. { ورتلناه ترتيلا } أي: مهلناه، ودرجناك فيه تدريجا. ~~وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن، وبرسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم، حيث جعل إنزال كتابه جاريا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية، ~~ولهذا قال: { ولا يأتونك بمثل } يعارضون به الحق ويدفعون به ~~رسالتك، { إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا } أي: ~~أنزلنا عليك قرآنا جامعا للحق في معانيه، والوضوح والبيان التام في ~~ألفاظه، فمعانيه كلها حق وصدق، لا يشوبها باطل ولا شبهة بوجه من الوجوه، ~~وألفاظه وحدوده للأشياء أوضح ألفاظا، وأحسن تفسيرا، مبين للمعاني ~~بيانا كاملا. وفي هذه الآية، دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم، من ~~محدث، ومعلم، وواعظ، أن يقتدي بربه في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم، ~~يدبر أمر الخلق، فكلما حدث موجب، أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من ~~الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمواعظ الموافقة لذلك. وفيه رد ~~على المتكلفين، من الجهمية ونحوهم، ممن يرى أن كثيرا من نصوص القرآن ~~محمولة على غير ظاهرها، ولها معان غير ما يفهم منها، فإذا - على قولهم - ~~لا يكون القرآن أحسن تفسيرا من غيره، وإنما التفسير الأحسن -على زعمهم- ~~تفسيرهم الذي حرفوا له المعاني تحريفا. ### || [25.34] # يخبر تعالى عن حال المشركين الذين كذبوا رسوله، وسوء مآلهم، وأنهم { ~~يحشرون على وجوههم } أشنع مرأى، وأفظع منظر، تسحبهم ملائكة ~~العذاب ويجرونهم { إلى جهنم } الجامعة لكل عذاب وعقوبة. { ~~أولئك } الذين بهذه ms1069 الحالة { شر مكانا } ممن آمن بالله ~~وصدق رسله، { وأضل سبيلا } وهذا من باب استعمال أفضل التفضيل، ~~فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فإن المؤمنين حسن مكانهم ومستقرهم، ~~واهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم، وفي الآخرة إلى الوصول إلى جنات ~~النعيم. ### || [25.35-40] # أشار تعالى إلى هذه القصص، وقد بسطها في آيات أخر، ليحذر المخاطبين ~~من استمرارهم على تكذيب رسولهم، فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم الذين ~~قريبا منهم، ويعرفون قصصهم بما استفاض واشتهر عنهم. ومنهم من يرون ~~آثارهم عيانا، كقوم صالح في الحجر، وكالقرية التي أمطرت مطر ~~السوء بحجارة من سجيل، يمرون عليهم مصبحين، وبالليل في أسفارهم، فإن ~~أولئك الأمم ليسوا شرا منهم، ورسلهم ليسوا خيرا من رسول هؤلاء # أكفركم خير من أولئكم أم لكم برآءة في ~~الزبر # [القمر: 43] ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان - مع ما شاهدوا من الآيات - ~~أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا، فلا يرجون لقاء ربهم، ولا يخشون ~~نكاله، فلذلك استمروا على عنادهم، وإلا فقد جاءهم من الآيات، ما لا يبقي ~~معه شك ولا شبهة، ولا إشكال، ولا ارتياب. ### || [25.41-44] # أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون لآيات [الله]، ~~المستكبرون في الأرض، استهزؤوا بك واحتقروك، وقالوا - على وجه الاحتقار ~~والاستصغار -: { أهذا الذي بعث الله رسولا } أي: غير ~~مناسب ولا لائق، أن يبعث الله هذا الرجل، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم، ~~وقلبهم الحقائق، فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول - حاشاه - في غاية الخسة ~~والحقارة، وأنه لو كانت الرسالة لغيره، لكان أنسب. # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فهذا الكلام، لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم، أو من ~~أعظمهم عنادا، وهو متجاهل، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح بالحق ~~وبمن جاء به، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجده رجل العالم وهمامهم، ومقدمهم في العقل، والعلم، واللب، والرزانة، ~~ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، والعفة، والشجاعة، والكرم، وكل خلق ~~فاضل، وأن المحتقر له، والشانئ له، ms1070 قد جمع من السفه والجهل، والضلال، ~~والتناقض، والظلم، والعدوان، ما لا يجمعه غيره، وحسبه جهلا وضلالا، أن ~~يقدح بهذا الرسول العظيم، والهمام الكريم. والقصد من قدحهم فيه ~~واستهزائهم به، تصلبهم على باطلهم، وغرورا لضعفاء العقول، ولهذا ~~قالوا: { إن كاد } هذا الرجل { ليضلنا عن آلهتنا } بأن ~~يجعل الآلهة إلها واحدا { لولا أن صبرنا عليها } لأضلنا، ~~زعموا - قبحهم الله - أن الضلال هو التوحيد، وأن الهدى ما هم عليه من ~~الشرك، فلهذا تواصوا بالصبر عليه. # وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على ~~آلهتكم # [ص: 6]. وهنا قالوا: { آلهتنا لولا أن صبرنا عليها } ~~والصبر يحمد في المواضع كلها، إلا في هذا الموضع، فإنه صبر على أسباب ~~الغضب، وعلى الاستكثار من حطب جهنم. وأما المؤمنون، فهم كما قال الله ~~عنهم: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3] ولما كان هذا حكما منهم، بأنهم المهتدون والرسول ضال، وقد ~~تقرر أنهم لا حيلة فيهم، توعدهم بالعذاب، وأخبر أنهم في ذلك الوقت { ~~حين يرون العذاب } يعلمون علما حقيقيا { من } هو { أضل ~~سبيلا } # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا # الآيات [الفرقان: 27]. وهل فوق ضلال من جعل إلهه معبوده [هواه]، فما ~~هويه فعله، فلهذا قال: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } ~~ألا تعجب من حاله، وتنظر ما هو فيه من الضلال؟ وهو يحكم لنفسه بالمنازل ~~الرفيعة؟ { أفأنت تكون عليه وكيلا } أي: لست عليه بمسيطر ~~مسلط، بل إنما أنت منذر، وقد قمت بوظيفتك، وحسابه على الله. ثم سجل تعالى ~~على ضلالهم البليغ، بأن سلبهم العقول والأسماع، وشبههم في ضلالهم ~~بالأنعام السائمة، التي لا تسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا ~~يعقلون، بل هم أضل من الأنعام، لأن الأنعام يهديها راعيها فتهتدي، وتعرف ~~طريق هلاكها فتجتنبه، وهي أيضا أسلم عاقبة من هؤلاء، فتبين بهذا، أن ~~الرامي للرسول بالضلال أحق بهذا الوصف، وأن كل حيوان بهيم فهو أهدى منه. ### || [25.45-46] # أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك، وسعة رحمته، أنه مد على ~~العباد الظل، وذلك قبل طلوع الشمس { ثم ms1071 جعلنا الشمس عليه ~~} أي: على الظل { دليلا } فلولا وجود الشمس، لما عرف الظل، فإن الضد ~~يعرف بضده. { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } فكلما ~~ارتفعت الشمس، تقلص الظل شيئا فشيئا، حتى يذهب بالكلية، فتوالي الظل ~~والشمس على الخلق، الذي يشاهدونه عيانا، وما يترتب على ذلك من اختلاف ~~الليل والنهار وتعاقبهما، وتعاقب الفصول، وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك ~~من أدل دليل على قدرة الله وعظمته، وكمال رحمته وعنايته بعباده، وأنه ~~وحده المعبود المحمود، المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام. ### || [25.47] # أي: من رحمته بكم ولطفه، أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس الذي يغشاكم، ~~حتى تستقروا فيه، وتهدؤوا بالنوم، وتسبت حركاتكم أي: تنقطع عند النوم، ~~فلولا الليل، لما سكن العباد، ولا استمروا في تصرفهم، فضرهم ذلك غاية ~~الضرر، ولو استمر أيضا الظلام، لتعطلت عليهم معايشهم ومصالحهم، ولكنه ~~جعل النهار نشورا ينتشرون فيه، لتجاراتهم وأسفارهم وأعمالهم، فيقوم بذلك ~~ما يقوم من المصالح. ### || [25.48-50] # أي: هو وحده الذي رحم عباده، وأدر عليهم رزقه، بأن أرسل الرياح مبشرات ~~بين يدي رحمته، وهو: المطر فثار بها السحاب، وتألف، وصار كسفا، وألقحته، ~~وأدرته بإذن آمرها، والمتصرف فيها، ليقع استبشار العباد بالمطر قبل ~~نزوله، وليستعدوا له قبل أن يفاجئهم دفعة واحدة. { وأنزلنا من ~~السمآء مآء طهورا } يطهر من الحدث والخبث، ويطهر من الغش ~~والأدناس، وفيه بركة من بركته، أنه أنزله ليحيي به بلدة ميتا، فتختلف ~~أصناف النوابت والأشجار فيها، مما يأكل الناس والأنعام. { ونسقيه ~~مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا } أي: نسقيكموه، أنتم ~~وأنعامكم، أليس الذي أرسل الرياح المبشرات، وجعلها في عملها متنوعات، ~~وأنزل من السماء ماء طهورا مباركا، فيه رزق العباد ورزق بهائمهم، هو ~~الذي يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره؟ ولما ذكر تعالى هذه الآيات ~~العيانية المشاهدة، وصرفها للعباد ليعرفوه ويشكروه ويذكروه، مع ذلك أبي ~~أكثر الخلق إلا كفورا، لفساد أخلاقهم وطبائعهم. ### || [25.51-52] # يخبر تعالى عن نفوذ مشيئته، وأنه لو شاء لبعث في كل قرية نذيرا، أي: ~~رسولا ينذرهم ويحذرهم، فمشيئته غير قاصرة عن ذلك، ولكن اقتضت ms1072 حكمته ~~ورحمته بك وبالعباد - يا محمد - أن أرسلك إلى جميعهم، أحمرهم وأسودهم، ~~عربيهم وعجميهم، إنسهم وجنهم. { فلا تطع الكافرين } في ترك شيء ~~مما أرسلت به، بل ابذل جهدك في تبليغ ما أرسلت به. { وجاهدهم } ~~بالقرآن { جهادا كبيرا } أي: لا تبق من مجهودك في نصر الحق، وقمع ~~الباطل، إلا بذلته، ولو رأيت منهم من التكذيب والجراءة ما رأيت، فابذل ~~جهدك، واستفرغ وسعك، ولا تيأس من هدايتهم ولا تترك إبلاغهم لأهوائهم. ### || [25.53] # أي: وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان، البحر العذب، وهي الأنهار ~~السارحة على وجه الأرض، والبحر الملح، وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة ~~للعباد، { وجعل بينهما برزخا } أي: حاجزا يحجز من اختلاط ~~أحدهما بالآخر، فتذهب المنفعة المقصودة منها { وحجرا محجورا } ~~أي: حاجزا حصينا. ### || [25.54] # أي: وهو الله وحده لا شريك له، الذي خلق الآدمي، من ماء مهين، ثم نشر ~~منه ذرية كثيرة، وجعلهم أنسابا وأصهارا، متفرقين ومجتمعين، والمادة ~~كلها من ذلك الماء المهين، فهذا يدل على كمال اقتداره لقوله: { وصهرا ~~وكان ربك قديرا } ويدل على أن عبادته هي الحق، وعبادة غيره ~~باطلة، لقوله: { ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم... ~~}. ### || [25.55] # أي: يعبدون أصناما وأمواتا، لا تضر ولا تنفع، ويجعلونها أندادا لمالك ~~النفع والضر، والعطاء والمنع، مع أن الواجب عليهم، أن يكونوا مقتدين ~~بإرشادات ربهم، ذابين عن دينه، ولكنهم عكسوا القضية. { وكان ~~الكافر على ربه ظهيرا } فالباطل الذي هو الأوثان والأنداد، ~~أعداء لله، فالكافر عاونها وظاهرها على ربها، وصار عدوا لربه، مبارزا ~~له في العداوة والحرب، هذا، وهو الذي خلقه ورزقه، وأنعم عليه بالنعم ~~الظاهرة والباطنة، وليس يخرج عن ملكه وسلطانه وقبضته، والله لم يقطع عنه ~~إحسانه وبره، وهو - بجهله - مستمر على هذه المعاداة والمبارزة. ### || [25.56-60] # يخبر تعالى: أنه ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، مسيطرا على ~~الخلق، ولا جعله ملكا، ولا عنده خزائن الأشياء، وإنما أرسله { ~~مبشرا } يبشر من أطاع الله بالثواب العاجل والآجل { ونذيرا } ~~ينذر من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، وذلك مستلزم لتبيين ما به ms1073 ~~البشارة، وما تحصل به النذارة، من الأوامر والنواهي، وإنك - يا محمد - لا ~~تسألهم على إبلاغهم القرآن والهدى أجرا، حتى يمنعهم ذلك من اتباعك، ~~ويتكلفون من الغرامة { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا } أي: إلا من شاء، أن ينفق نفقة في مرضاة ربه وسبيله، فهذا وإن ~~رغبتكم فيه، فلست أجبركم عليه، وليس أيضا أجرا لي عليكم، وإنما هو راجع ~~لمصلحتكم، وسلوككم للسبيل الموصلة إلى ربكم، ثم أمره أن يتوكل عليه ~~ويستعين به، فقال: { وتوكل على الحي } الذي له الحياة ~~الكاملة المطلقة { الذي لا يموت وسبح بحمده } أي: اعبده ~~وتوكل عليه في الأمور المتعلقة بك والمتعلقة بالخلق. { وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا } يعلمها، ويجازي عليها، فأنت ليس عليك من ~~هداهم شيء، وليس عليك حفظ أعمالهم، وإنما ذلك كله، بيد الله { الذي ~~خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم استوى } بعد ذلك { على العرش } الذي هو سقف المخلوقات، ~~وأعلاها، وأوسعها، وأجملها. { الرحمن } استوى على عرشه، الذي وسع ~~السماوات والأرض باسمه الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء، فاستوى على أوسع ~~المخلوقات، بأوسع الصفات. فأثبت بهذه الآية، خلقه للمخلوقات، واطلاعه على ~~ظاهرهم وباطنهم، وعلوه فوق العرش، ومباينته إياهم. { فسئل به ~~خبيرا } يعني بذلك نفسه الكريمة، فهو الذي يعلم أوصافه وعظمته وجلاله، ~~وقد أخبركم بذلك، وأبان لكم من عظمته، ما تستعدون به من معرفته، فعرفه ~~العارفون، وخضعوا لجلاله، واستكبر عن عبادته الكافرون، واستنكفوا عن ذلك، ~~ولهذا قال: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } أي: وحده ~~الذي أنعم عليكم بسائر النعم، ودفع عنكم جميع النقم. { قالوا } جحدا ~~وكفرا: { وما الرحمن } بزعمهم الفاسد، أنهم لا يعرفون الرحمن، ~~وجعلوا من جملة قوادحهم في الرسول، أن قالوا: ينهانا عن اتخاذ آلهة مع ~~الله، وهو يدعو معه إلها آخر، يقول: " يا رحمن " ونحو ذلك، كما قال ~~تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110] فأسماؤه تعالى كثيرة، لكثرة أوصافه، وتعدد كماله، فكل ~~واحد منها، دل على صفة كمال. { أنسجد لما تأمرنا } أي: ms1074 ~~لمجرد أمرك إيانا. وهذا مبني منهم على التكذيب بالرسول، واستكبارهم عن ~~طاعته، { وزادهم } دعوتهم إلى السجود للرحمن { نفورا } هربا من ~~الحق إلى الباطل، وزيادة كفر وشقاء. ### || [25.61-62] # كرر تعالى في هذه السورة الكريمة قوله: { تبارك } ثلاث مرات، لأن ~~معناها كما تقدم، أنها تدل على عظمة الباري، وكثرة أوصافه، وكثرة خيراته ~~وإحسانه. وهذه السورة، فيها من الاستدلال على عظمته، وسعة سلطانه، ونفوذ ~~مشيئته، وعموم علمه وقدرته، وإحاطة ملكه في الأحكام الأمرية والأحكام ~~الجزائية وكمال حكمته. وفيها، ما يدل على سعة رحمته، وواسع جوده، وكثرة ~~خيراته، الدينية والدنيوية، ما هو مقتض لتكرار هذا الوصف الحسن، فقال: { ~~تبارك الذي جعل في السمآء بروجا } وهي النجوم عمومها، ~~أو منازل الشمس والقمر التي تنزلها منزلة منزلة، وهي بمنزلة البروج ~~والقلاع للمدن في حفظها، كذلك النجوم بمنزلة البروج المجعولة للحراسة، ~~فإنها رجوم للشياطين. { وجعل فيها سراجا } فيه النور والحرارة، ~~وهو: الشمس. { وقمرا منيرا } فيه النور، لا الحرارة، وهذا من ~~أدلة عظمته، وكثرة إحسانه، فإن ما فيها من الخلق الباهر، والتدبير ~~المنتظم، والجمال العظيم، دال على عظمة خالقها في أوصافه كلها، وما فيها ~~من المصالح للخلق والمنافع، دليل على كثرة خيراته. { وهو الذي ~~جعل اليل والنهار خلفة } أي: يذهب أحدهما، فيخلفه الآخر، ~~هكذا أبدا، لا يجتمعان، ولا يرتفعان، { لمن أراد أن يذكر ~~أو أراد شكورا } أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر ويستدل بهما، ~~على كثير من المطالب الإلهية، ويشكر الله على ذلك، ولمن أراد أن يذكر ~~الله ويشكره، وله ورد من الليل أو النهار، فمن فاته ورده من أحدهما، ~~أدركه في الآخر، وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل في ساعات الليل والنهار، ~~فيحدث لها النشاط والكسل، والذكر والغفلة، والقبض والبسط، والإقبال ~~والإعراض، فجعل الله الليل والنهار، يتوالى على العباد ويتكرران ليحدث ~~لهم الذكر والنشاط، والشكر لله في وقت آخر، ولأن أوراد العبادات، تتكرر ~~بتكرر الليل والنهار، فكما تكررت الأوقات، أحدث للعبد همة غير همته التي ~~كسلت في الوقت المتقدم، فزاد في تذكرها وشكرها، فوظائف الطاعات بمنزلة ~~سقي ms1075 الإيمان الذي يمده، فلولا ذلك لذوى غرس الإيمان ويبس. فلله أتم حمد ~~وأكمله على ذلك. ثم ذكر من جملة كثرة خيره، منته على عباده الصالحين، ~~وتوفيقهم للأعمال الصالحات، التي أكسبتهم المنازل العاليات، في غرف ~~الجنات فقال: { وعباد الرحمن الذين يمشون على ~~الأرض هونا وإذا... }. ### || [25.63-77] # { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما } إلى آخر السورة ~~الكريمة. العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر ~~الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 39] وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي عبودية أنبيائه، ~~وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى ~~أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ~~ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يمشون على الأرض هونا ~~} أي: ساكنين متواضعين لله والخلق، فهذا وصف لهم بالوقار، والسكينة، ~~والتواضع لله ولعباده. { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي: خطاب ~~جهل، بدليل إضافة الفعل، وإسناده لهذا الوصف، { قالوا سلاما } أي: ~~خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم، ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله. ~~وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير، ومقابلة المسيء بالإحسان، والعفو عن ~~الجاهل، ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال. { والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما } أي: يكثرون من صلاة الليل، ~~مخلصين فيها لربهم، متذللين له، كما قال تعالى: # تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ~~مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا ~~يعملون # [السجدة: 16-17]. { والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم } أي: ادفعه عنا، بالعصمة من أسبابه، ومغفرة ما وقع ~~منا، مما هو مقتض للعذاب. { إن عذابها كان غراما } أي: ~~ملازما لأهلها، بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه. { إنها سآءت ~~مستقرا ومقاما } وهذا منهم، على وجه التضرع لربهم، وبيان شدة ~~حاجتهم إليه، وأنهم ليس ms1076 في طاقتهم احتمال هذا العذاب، وليتذكروا منة ~~الله عليهم، فإن صرف الشدة، بحسب شدتها وفظاعتها، يعظم وقعها ويشتد ~~الفرح بصرفها. { والذين إذآ أنفقوا } النفقات الواجبة ~~والمستحبة { لم يسرفوا } بأن يزيدوا على الحد، فيدخلوا في قسم ~~التبذير، وإهمال الحقوق الواجبة، { ولم يقتروا } فيدخلوا في باب ~~البخل والشح { وكان } إنفاقهم { بين ذلك } بين الإسراف والتقتير ~~{ قواما } يبذلون في الواجبات من الزكوات، والكفارات، والنفقات ~~الواجبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، من غير ضرر ولا ضرار، وهذا ~~من عدلهم واقتصادهم. { والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر } بل يعبدونه وحده، مخلصين له الدين، حنفاء، مقبلين عليه، معرضين ~~عما سواه. { ولا يقتلون النفس التي حرم الله } وهي ~~نفس المسلم، والكافر المعاهد، { إلا بالحق } كقتل النفس ~~بالنفس، وقتل الزاني المحصن، والكافر الذي يحل قتله. { ولا يزنون } ~~بل يحفظون فروجهم # إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم # [المؤمنون: 6]. { ومن يفعل ذلك } أي: الشرك بالله، أو قتل ~~النفس التي حرم الله بغير حق، أو الزنا، فسوف { يلق أثاما } ثم ~~فسره بقوله: { يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد ~~فيه } أي: في العذاب { مهانا } فالوعيد بالخلود، لمن فعلها كلها، ~~ثابت لا شك فيه، وكذا لمن أشرك بالله، وكذلك الوعيد بالعذاب الشديد، على ~~كل واحد من هذه الثلاثة، لكونها إما شرك، وإما من أكبر الكبائر. وأما ~~خلود القاتل والزاني في العذاب، فإنه لا يتناوله الخلود، لأنه قد دلت ~~النصوص القرآنية والسنة النبوية، أن جميع المؤمنين سيخرجون من النار، ولا ~~يخلد فيها مؤمن، ولو فعل من المعاصي ما فعل، ونص تعالى على هذه الثلاثة، ~~لأنها من أكبر الكبائر: فالشرك فيه فساد الأديان، والقتل فيه فساد ~~الأبدان، والزنا فيه فساد الأعراض. { إلا من تاب } عن هذه المعاصي ~~وغيرها، بأن أقلع عنها في الحال، وندم على ما مضى له من فعلها، وعزم ~~عزما جازما أن لا يعود، { وآمن } بالله إيمانا صحيحا، يقتضي ترك ~~المعاصي وفعل الطاعات، { وعمل عملا صالحا } مما أمر به الشارع، ~~إذا قصد به وجه الله. { فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات ms1077 } أي: تتبدل أفعالهم وأقوالهم، التي كانت مستعدة لعمل السيئات ~~تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيمانا، ومعصيتهم طاعة، وتتبدل نفس السيئات ~~التي عملوها، ثم أحدثوا عن كل ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تبدل حسنات، ~~كما هو ظاهر الآية. وورد في ذلك حديث الرجل الذي حاسبه الله ببعض ذنوبه، ~~فعددها عليه، ثم أبدل مكان كل سيئة حسنة فقال: " يا رب إن لي سيئات لا ~~أراها هاهنا " والله أعلم. { وكان الله غفورا } لمن تاب، يغفر ~~الذنوب العظيمة { رحيما } بعباده حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته ~~بالعظائم، ثم وفقهم لها، ثم قبلها منهم. { ومن تاب وعمل صالحا ~~فإنه يتوب إلى الله متابا } أي: فليعلم أن توبته في ~~غاية الكمال، لأنها رجوع إلى الطريق الموصل إلى الله، الذي هو عين سعادة ~~العبد وفلاحه، فليخلص فيها، وليخلصها من شوائب الأغراض ~~الفاسدة، فالمقصود من هذا، الحث على تكميل التوبة، وإيقاعها على أفضل ~~الوجوه وأجلها، ليقدم على من تاب إليه فيوفيه أجره، بحسب كمالها. { ~~والذين لا يشهدون الزور } أي: لا يحضرون الزور، أي: القول ~~والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس، المشتملة على الأقوال المحرمة، أو ~~الأفعال المحرمة، كالخوض في آيات الله، والجدال الباطل، والغيبة، ~~والنميمة، والسب، والقذف، والاستهزاء، والغناء المحرم، وشرب الخمر، وفرش ~~الحرير، والصور، ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور، فمن باب أولى ~~وأحرى، أن لا يقولوه ويفعلوه. وشهادة الزور داخلة في قول الزور، تدخل في ~~هذه الآية بالأولوية، { وإذا مروا باللغو } وهو الكلام الذي ~~لا خير فيه، ولا فيه فائدة دينية ولا دنيوية، ككلام السفهاء ونحوهم { ~~مروا كراما } أي: نزهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوا الخوض ~~فيها وإن كان لا إثم فيه، فإنه سفه ونقص للإنسانية والمروءة، فربؤوا ~~بأنفسهم عنه. # وفي قوله: { وإذا مروا باللغو } إشارة إلى أنهم لا يقصدون ~~حضوره ولا سماعه، ولكن عند المصادفة التي من غير قصد، يكرمون أنفسهم عنه. ~~{ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم } التي أمرهم ~~باستماعها والاهتداء بها، { لم يخروا عليها صما ~~وعميانا } أي: لم يقابلوها بالإعراض عنها، والصمم عن سماعها، ms1078 وصرف ~~النظر والقلوب عنها، كما يفعله من لم يؤمن بها ولم يصدق، وإنما حالهم ~~فيها وعند سماعها، كما قال تعالى: # إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها ~~خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا ~~يستكبرون # [السجدة: 15] يقابلونها بالقبول والافتقار إليها، والانقياد والتسليم ~~لها، وتجد عندهم آذانا سامعة، وقلوبا واعية، فيزداد بها إيمانهم، ويتم ~~بها إيقانهم، وتحدث لهم نشاطا، ويفرحون بها سرورا واغتباطا. { ~~والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا } أي: ~~قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات، { وذرياتنا قرة أعين } ~~أي: تقر بهم أعيننا. وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم، عرفنا من هممهم ~~وعلو مرتبتهم، أنهم لا تقر أعينهم حتى يروهم مطيعين لربهم، عالمين ~~عاملين، وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم، فإنه دعاء ~~لأنفسهم، لأن نفعه يعود عليهم، ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم، فقالوا: { هب ~~لنا } بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين، لأن بصلاح من ذكر، يكون ~~سببا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم، وينتفع بهم. { واجعلنا ~~للمتقين إماما } أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، ~~درجة الصديقين والكمل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، ~~وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم، ويطمأن ~~لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم، فيهدون ويهتدون. ومن المعلوم، أن ~~الدعاء ببلوغ شيء، دعاء بما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة - درجة الإمامة ~~في الدين - لا تتم إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: # وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون # [السجدة: 24]. فهذا الدعاء، يستلزم من الأعمال، والصبر على طاعة الله ~~وعن معصيته وأقداره المؤلمة، ومن العلم التام، الذي يوصل صاحبه إلى درجة ~~اليقين، خيرا كثيرا، وعطاء جزيلا، وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من ~~درجات الخلق بعد الرسل. ولهذا، لما كانت هممهم ومطالبهم عالية، كان ~~الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات فقال: { أولئك ~~يجزون الغرفة بما صبروا } أي: المنازل الرفيعة، والمساكن ~~الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين، وذلك بسبب صبرهم، نالوا ما ~~نالوا، كما قال تعالى: # والملائكة يدخلون ms1079 عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 23-24] ولهذا قال هنا: { ويلقون فيها تحية ~~وسلاما } من ربهم، ومن ملائكته الكرام، ومن بعض على بعض، ويسلمون من ~~جميع المنغصات والمكدرات. # والحاصل: أن الله وصفهم بالوقار والسكينة، والتواضع له ولعباده، وحسن ~~الأدب، والحلم، وسعة الخلق، والعفو عن الجاهلين، والإعراض عنهم، ومقابلة ~~إساءتهم بالإحسان، وقيام الليل، والإخلاص فيه، والخوف من النار، والتضرع ~~لربهم أن ينجيهم منها، وإخراج الواجب، والمستحب في النفقات، والاقتصاد في ~~ذلك - وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق، الذي جرت العادة بالتفريط فيه أو ~~الإفراط، فاقتصادهم وتوسطهم في غيره من باب أولى - والسلامة من كبائر ~~الذنوب والاتصاف بالإخلاص لله في عبادته، والعفة عن الدماء والأعراض، ~~والتوبة عند صدور شيء من ذلك، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق ~~القولية والفعلية، ولا يفعلونها بأنفسهم، وأنهم يتنزهون من اللغو ~~والأفعال الردية التي لا خير فيها، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم ~~وكمالهم، ورفعة أنفسهم عن كل خسيس، قولي وفعلي، وأنهم يقابلون آيات الله ~~بالقبول لها، والتفهم لمعانيها، والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، ~~وأنهم يدعون الله تعالى بأكمل الدعاء، في الدعاء الذي ينتفعون به، وينتفع ~~به من يتعلق بهم، وينتفع به المسلمون، من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن ~~لوازم ذلك، سعيهم في تعليمهم ووعظهم ونصحهم، لأن من حرص على شيء ودعا ~~الله فيه، لا بد أن يكون متسببا فيه، وأنهم دعوا الله ببلوغ أعلى ~~الدرجات الممكنة لهم، وهي درجة الإمامة والصديقية. فلله ما أعلى هذه ~~الصفات، وأرفع هذه الهمم، وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس، وأطهر ~~تيك القلوب، وأصفى هؤلاء الصفوة، وأتقى هؤلاء السادة!! ولله، فضل الله ~~عليهم ونعمته، ورحمته التي جللتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل. ~~ولله، منة الله على عباده، أن بين لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم، وبين ~~لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم، ويبذلوا ~~جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي من عليهم وأكرمهم، الذي فضله في كل زمان ~~ومكان، وفي كل وقت وأوان، أن يهديهم كما هداهم، ms1080 ويتولاهم بتربيته الخاصة ~~كما تولاهم. فاللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك ~~المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك، لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا، ولا ~~نقدر على مثقال ذرة من الخير إن لم تيسر ذلك لنا، فإنا ضعفاء عاجزون من ~~كل وجه. نشهد أنك إن وكلتنا إلى أنفسنا طرفة عين، وكلتنا إلى ضعف وعجز ~~وخطيئة، فلا نثق يا ربنا إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا، وأنعمت ~~علينا بما أنعمت من النعم الظاهرة والباطنة، وصرفت عنا من النقم، فارحمنا ~~رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك، فلا خاب من سألك ورجاك. ولما كان الله ~~تعالى، قد أضاف هؤلاء العباد إلى رحمته، واختصهم بعبوديته لشرفهم وفضلهم، ~~ربما توهم متوهم، أنه وأيضا غيرهم، فلم لا يدخل في العبودية؟ فأخبر ~~تعالى أنه لا يبالي ولا يعبأ بغير هؤلاء، وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء ~~العبادة ودعاء المسألة، ما عبأ بكم ولا أحبكم فقال: { قل ما يعبأ ~~بكم ربي لولا دعآؤكم فقد كذبتم فسوف يكون ~~لزاما } أي: عذابا يلزمكم، لزوم الغريم لغريمه، وسوف يحكم الله بينكم ~~وبين عباده المؤمنين. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-9] # يشير الباري تعالى إشارة تدل على التعظيم لآيات الكتاب المبين البين ~~الواضح، الدال على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، بحيث لا يبقى ~~عند الناظر فيه شك ولا شبهة فيما أخبر به أو حكم به، لوضوحه ودلالته على ~~أشرف المعاني، وارتباط الأحكام بحكمها، وتعليقها بمناسبها، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ينذر به الناس، ويهدي به الصراط المستقيم، ~~فيهتدي بذلك عباد الله المتقون، ويعرض عنه من كتب عليه الشقاء، فكان يحزن ~~حزنا شديدا على عدم إيمانهم، حرصا منه على الخير، ونصحا لهم. فلهذا ~~قال تعالى عنه: { لعلك باخع نفسك } أي: مهلكها وشاق عليها، ~~{ ألا يكونوا مؤمنين } أي: فلا تفعل، ولا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات، فإن الهداية بيد الله، وقد أديت ما عليك من التبليغ، وليس فوق هذا ~~القرآن المبين آية حتى ننزلها ليؤمنوا [بها]، فإنه كاف شاف، لمن يريد ~~الهداية، ولهذا ms1081 قال: { إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء آية }. أي: من آيات الاقتراح، { فظلت أعناقهم } ~~أي: أعناق المكذبين { لها خاضعين } ولكن لا حاجة إلى ذلك، ولا ~~مصلحة فيه، فإنه إذ ذاك الوقت، يكون الإيمان غير نافع، وإنما الإيمان ~~النافع، الإيمان بالغيب، كما قال تعالى: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك أو يأتي بعض ءايات ربك يوم يأتي بعض ~~ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمنها # الآية [الأنعام: 158]. { وما يأتيهم من ذكر من ~~الرحمن محدث } يأمرهم وينهاهم، ويذكرهم ما ينفعهم ويضرهم. { ~~إلا كانوا عنه معرضين } بقلوبهم وأبدانهم، هذا إعراضهم عن ~~الذكر المحدث، الذي جرت العادة، أنه يكون موقعه أبلغ من غيره، فكيف ~~بإعراضهم عن غيره، وهذا، لأنهم لا خير فيهم، ولا تنجع فيهم المواعظ، ~~ولهذا قال: { فقد كذبوا }. أي: بالحق، وصار التكذيب لهم سجية، لا ~~تتغير ولا تتبدل، { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون } أي: سيقع بهم العذاب، ويحل بهم ما كذبوا به، فإنهم قد ~~حقت عليهم كلمة العذاب. قال الله منبها على التفكر الذي ينفع صاحبه: { ~~يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم } من جميع أصناف النباتات، حسنة المنظر، كريمة في نفعها. { إن ~~في ذلك لآية } على إحياء الله الموتى بعد موتهم، كما أحيا الأرض ~~بعد موتها { وما كان أكثرهم مؤمنين } كما قال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]. { وإن ربك لهو العزيز } الذي قد قهر كل ~~مخلوق، ودان له العالم العلوي والسفلي، { الرحيم } الذي وسعت رحمته ~~كل شيء، ووصل جوده إلى كل حي، العزيز الذي أهلك الأشقياء بأنواع ~~العقوبات، الرحيم بالسعداء، حيث أنجاهم من كل شر وبلاء. ### || [26.10-68] # { وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } ~~إلى آخر القصة قوله: { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أعاد ~~الباري تعالى قصة موسى وثناها في القرآن ما لم يثن غيرها، لكونها مشتملة ~~على حكم عظيمة وعبر، وفيها نبأه مع الظالمين والمؤمنين، وهو صاحب الشريعة ~~الكبرى، وصاحب التوراة أفضل ms1082 الكتب بعد القرآن، فقال: واذكر حالة موسى ~~الفاضلة، وقت نداء الله إياه، حين كلمه ونبأه وأرسله، فقال: { أن ائت ~~القوم الظالمين } الذين تكبروا في الأرض، وعلوا على أهلها وادعى ~~كبيرهم الربوبية، { قوم فرعون ألا يتقون } أي: قل لهم، ~~بلين قول، ولطف عبارة { ألا يتقون } الله الذي خلقكم ورزقكم، ~~فتتركون ما أنتم عليه من الكفر. فقال موسى عليه السلام، معتذرا من ربه، ~~ومبينا لعذره، وسائلا له المعونة على هذا الحمل الثقيل: { قال رب ~~إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ولا ينطلق ~~لساني }. فقال: # قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل ~~عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا ~~من أهلي * هارون أخي # [طه: 25-30] { فأرسل إلى هارون } فأجاب الله طلبه، ونبأ أخاه ~~هارون كما نبأه # فأرسله معي ردءا # [القصص: 34] أي معاونا لي على أمري أن يصدقوني. { ولهم علي ~~ذنب } أي: في قتل القبطي { فأخاف أن يقتلون }. { قال ~~كلا } أي: لا يتمكنون من قتلك، فإنا سنجعل لكما سلطانا، فلا يصلون ~~إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون. ولهذا لم يتمكن فرعون من قتل ~~موسى، مع منابذته له غاية المنابذة، وتسفيه رأيه، وتضليله وقومه، { ~~فاذهبا بآياتنآ } الدالة على صدقكما، وصحة ما جئتما به، { إنا ~~معكم مستمعون } أحفظكما وأكلؤكما، { فأتيا فرعون ~~فقولا إنا رسول رب العالمين } أي أرسلنا إليك، لتؤمن به ~~وبنا، وتنقاد لعبادته، وتذعن لتوحيده، { أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل } فكف عنهم عذابك، وارفع عنهم يدك ليعبدوا ربهم ويقيموا أمر ~~دينهم. فلما جاءا فرعون وقالا له ما قال الله لهما، لم يؤمن فرعون ولم ~~يلن، وجعل يعارض موسى، ف { قال ألم نربك فينا وليدا } ~~أي: ألم ننعم عليك، ونقم بتربيتك، منذ كنت وليدا في مهدك، ولم تزل كذلك. ~~{ ولبثت فينا من عمرك سنين * وفعلت فعلتك ~~التي فعلت } وهي قتل موسى للقبطي، حين استغاثه الذي من شيعته على ~~الذي من عدوه # فوكزه موسى فقضى عليه # الآية [القصص: 15]. { وأنت من الكافرين } أي: وأنت إذ ذاك ~~طريقك طريقنا، وسبيلك سبيلنا، في الكفر، فأقر على نفسه ms1083 بالكفر من حيث لا ~~يدري. فقال موسى: { قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين ~~} أي: عن غير كفر، وإنما كان عن ضلال وسفه، فاستغفرت ربي فغفر لي، { ~~ففررت منكم لما خفتكم } حين تراجعتم بقتلي، فهربت إلى ~~مدين، ومكثت سنين، ثم جئتكم. # { فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين }. ~~فالحاصل أن اعتراض فرعون على موسى، اعتراض جاهل أو متجاهل، فإنه جعل ~~المانع من كونه رسولا، أن جرى منه القتل، فبين له موسى، أن قتله كان على ~~وجه الضلال والخطأ، الذي لم يقصد نفس القتل، وأن فضل الله تعالى غير ~~ممنوع منه أحد، فلم منعتم ما منحني الله، من الحكم والرسالة؟ بقي عليك يا ~~فرعون إدلاؤك بقولك: { ألم نربك فينا وليدا } وعند التحقيق، ~~يتبين أن لا منة لك فيها، ولهذا قال موسى: { وتلك نعمة ~~تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } أي: تدلي علي ~~بهذه المنة لأنك سخرت بني إسرائيل، وجعلتهم لك بمنزلة العبيد، وأنا قد ~~أسلمتني من تعبيدك وتسخيرك، وجعلتها علي نعمة، فعند التصور، يتبين أن ~~الحقيقة، أنك ظلمت هذا الشعب الفاضل، وعذبتهم، وسخرتهم بأعمالك، وأنا قد ~~سلمني الله من أذاك، مع وصول أذاك لقومي، فما هذه المنة التي تبت بها ~~وتدلي بها؟. { قال فرعون وما رب العالمين } وهذا إنكار ~~منه لربه، ظلما وعلوا، مع تيقن صحة ما دعاه إليه موسى، قال: { رب ~~السموت والأرض وما بينهمآ }. أي: الذي خلق العالم ~~العلوي والسفلي، ودبره بأنواع التدبير، ورباه بأنواع التربية. ومن جملة ~~ذلك، أنتم أيها المخاطبون، فكيف تنكرون خالق المخلوقات، وفاطر الأرض ~~والسماوات { إن كنتم موقنين } فقال فرعون متجرهما، ومعجبا ~~لقومه: { ألا تستمعون } ما يقول هذا الرجل، فقال موسى: { ~~ربكم ورب آبآئكم الأولين } تعجبتم أم لا، استكبرتم أم ~~أذعنتم. فقال فرعون معاندا للحق، قادحا بمن جاء به: { إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } حيث قال خلاف ما ~~نحن عليه، وخالفنا فيما ذهبنا إليه، فالعقل عنده وأهل العقل، من زعموا ~~أنهم لم يخلقوا، أو أن السماوات والأرض ما زالتا موجودتين من غير موجد، ~~وأنهم بأنفسهم ms1084 خلقوا من غير خالق، والعقل عنده، أن يعبد المخلوق الناقص ~~من جميع الوجوه، والجنون عنده، أن يثبت الرب الخالق للعالم العلوي ~~والسفلي، والمنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، ويدعو إلى عبادته، وزين لقومه ~~هذا القول، وكانوا سفهاء الأحلام، خفيفي العقول # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54] فقال موسى عليه السلام، مجيبا لإنكار فرعون وتعطيله لرب ~~العالمين: { رب المشرق والمغرب وما بينهمآ } من ~~سائر المخلوقات { إن كنتم تعقلون } فقد أديت لكم من البيان ~~والتبيين، ما يفهمه كل من له أدنى مسكة من عقل، فما بالكم تتجاهلون فيما ~~أخاطبكم به؟ وفيه إيماء وتنبيه إلى أن الذي رميتم به موسى من الجنون، أنه ~~داؤكم فرميتم أزكى الخلق عقلا، وأكملهم علما، بالجنون، والحال أنكم ~~أنتم المجانين، حيث ذهبت عقولكم لإنكار أظهر الموجودات، خالق الأرض ~~والسماوات وما بينهما، فإذا جحدتموه، فأي شيء تثبتون؟ وإذا جهلتموه، فأي ~~شيء تعلمون؟ وإذا لم تؤمنوا به وبآياته، فبأي شيء - بعد الله وآياته - ~~تؤمنون؟ تالله، إن المجانين الذين بمنزلة البهائم، أعقل منكم، وإن ~~الأنعام السارحة، أهدى منكم. # فلما خنقت فرعون الحجة، وعجزت قدرته وبيانه عن المعارضة { قال } ~~متوعدا لموسى بسلطانه { لئن اتخذت إلها غيري ~~لأجعلنك من المسجونين } زعم - قبحه الله - أنه قد طمع في ~~إضلال موسى، وأن لا يتخذ إلها غيره، وإلا فقد تقرر أنه هو ومن معه، على ~~بصيرة من أمرهم. فقال له موسى: { أولو جئتك بشيء مبين } ~~أي: آية ظاهرة جلية، على صحة ما جئت به، من خوارق العادات. { قال ~~فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا ~~هي ثعبان } أي: ذكر الحيات، { مبين } ظاهر لكل أحد، لا خيال ~~ولا تشبيه. { ونزع يده } من جيبه { فإذا هي بيضآء ~~للناظرين } أي: لها نور عظيم، لا نقص فيه لمن نظر إليها. { قال } ~~فرعون { للملإ حوله } معارضا للحق ومن جاء به: { إن هذا ~~لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم } موه ~~عليهم، لعلمه بضعف عقولهم، أن هذا من جنس ما يأتي به السحرة، لأنه من ~~المتقرر عندهم، أن السحرة يأتون ms1085 من العجائب بما لا يقدر عليه الناس، ~~وخوفهم أن قصده بهذا السحر، التوصل إلى إخراجهم من وطنهم، ليجدوا ~~ويجتهدوا في معاداة من يريد إجلاءهم عن أولادهم وديارهم، { فماذا ~~تأمرون } أن نفعل به؟ { قالوا أرجه وأخاه } أي: أخرهما ~~{ وابعث في المدآئن حاشرين } جامعين للناس { يأتوك } ~~أولئك الحاشرون { بكل سحار عليم } أي: ابعث في جميع مدنك، ~~التي هي مقر العلم ومعدن السحر، من يجمع لك كل ساحر ماهر، عليم في سحره، ~~فإن الساحر يقابل بسحر من جنس سحره. وهذا من لطف الله أن يري العباد ~~بطلان ما موه به فرعون الجاهل الضال المضل، أن ما جاء به موسى سحر، قيضهم ~~أن جمعوا أهل المهارة بالسحر، لينعقد المجلس عن حضرة الخلق العظيم، فيظهر ~~الحق على الباطل، ويقر أهل العلم وأهل الصناعة بصحة ما جاء به موسى، وأنه ~~ليس بسحر، فعمل فرعون برأيهم، فأرسل في المدائن من يجمع السحرة، واجتهد ~~في ذلك وجد. { فجمع السحرة لميقات يوم معلوم } قد ~~واعدهم إياه موسى، وهو يوم الزينة، الذي يتفرغون فيه من أشغالهم. { ~~وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } أي: نودي بعموم الناس ~~بالاجتماع في ذلك اليوم الموعود { لعلنا نتبع السحرة إن ~~كانوا هم الغالبين } أي: قالوا للناس: اجتمعوا لتنظروا غلبة ~~السحرة لموسى، وأنهم ماهرون في صناعتهم، فنتبعهم ونعظمهم، ونعرف فضيلة ~~علم السحر، فلو وفقوا للحق، لقالوا: لعلنا نتبع المحق منهم، ولنعرف ~~الصواب، فلذلك ما أفاد فيهم ذلك، إلا قيام الحجة عليهم. { فلما جآء ~~السحرة } ووصلوا لفرعون قالوا له: { أإن لنا لأجرا إن ~~كنا نحن الغالبين } لموسى؟ { قال نعم } لكم أجر وثواب { ~~وإنكم إذا لمن المقربين } عندي، وعدهم الأجر والقربة ~~منه، ليزداد نشاطهم، ويأتوا بكل مقدورهم في معارضة ما جاء به موسى. # فلما اجتمعوا للموعد، هم وموسى، وأهل مصر، وعظهم موسى وذكرهم، وقال: # ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب وقد خاب من افترى # [طه: 61] فتنازعوا وتخاصموا، ثم شجعهم فرعون، وشجع بعضهم بعضا. ف { ~~قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } أي: ألقوا كل ~~ما في خواطركم ms1086 إلقاؤه، ولم يقيده بشيء دون شيء، لجزمه ببطلان ما جاؤوا به ~~من معارضة الحق. { فألقوا حبالهم وعصيهم } فإذا هي ~~حيات تسعى، وسحروا بذلك أعين الناس، { وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون } فاستعانوا بعزة عبد ضعيف، عاجز من كل ~~وجه، إلا أنه قد تجبر، وحصل له صورة ملك وجنود، فغرتهم تلك الأبهة، ولم ~~تنفذ بصائرهم إلى حقيقة الأمر، أو أن هذا قسم منهم بعزة فرعون، ~~والمقسم عليه أنهم غالبون. { فألقى موسى عصاه فإذا هي ~~تلقف } تبتلع وتأخذ { ما يأفكون } فالتفت جميع ما ألقوا من ~~الحبال والعصي، لأنها إفك وكذب وزور، وذلك كله باطل، لا يقوم للحق ولا ~~يقاومه. فلما رأى السحرة هذه الآية العظيمة، تيقنوا - لعلمهم - أن هذا ~~ليس بسحر، وإنما هو آية من آيات الله، ومعجزة تنبئ بصدق موسى، وصحة ما ~~جاء به. { فألقي السحرة ساجدين } لربهم. { قالوا ~~آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون }. وانقمع ~~الباطل في ذلك المجمع، وأقر رؤساؤه ببطلانه، ووضح الحق وظهر، حتى رأى ذلك ~~الناظرون بأبصارهم، ولكن أبى فرعون إلا عتوا وضلالا، وتماديا في غيه ~~وعنادا، فقال للسحرة: { آمنتم له قبل أن آذن لكم } ~~يتعجب، ويعجب قومه من جراءتهم عليه، وإقدامهم على الإيمان من غير إذنه ~~ومؤامرته. { إنه لكبيركم الذي علمكم السحر } هذا، ~~وهو الذي جمع السحرة وملأه، الذين أشاروا عليه بجمعهم من مدائنهم، وقد ~~علموا أنهم ما اجتمعوا بموسى ولا رأوه قبل ذلك، وأنهم جاؤوا من السحر بما ~~يحير الناظرين ويهيلهم، ومع ذلك، فراج عليهم هذا القول، الذي هم بأنفسهم ~~وقفوا على بطلانه، فلا يستنكر على أهل هذه العقول، أن لا يؤمنوا بالحق ~~الواضح والآيات الباهرة، لأنهم لو قال لهم فرعون عن أي شيء كان، إنه على ~~خلاف حقيقته، صدقوه. ثم توعد السحرة فقال: { لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف } أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، كما يفعل ~~بالمفسد في الأرض، { ولأصلبنكم أجمعين } لتختزوا، وتذلوا. ~~فقال السحرة - حين وجدوا حلاوة الإيمان وذاقوا لذته -: { لا ضير } ~~أي: لا نبالي بما توعدتنا به { إنآ إلى ربنا منقلبون * ~~إنا نطمع ms1087 أن يغفر لنا ربنا خطايانآ } من الكفر ~~والسحر وغيرهما { أن كنآ أول المؤمنين } بموسى، من هؤلاء ~~الجنود، فثبتهم الله وصبرهم. # فيحتمل أن فرعون فعل بهم ما توعدهم به، لسلطانه، واقتداره إذ ذاك، ~~ويحتمل أن الله منعه منهم، ثم لم يزل فرعون وقومه مستمرين على كفرهم، ~~يأتيهم موسى بالآيات البينات، وكلما جاءتهم آية، وبلغت منهم كل مبلغ، ~~وعدوا موسى وعاهدوه، لئن كشف الله عنهم، ليؤمنن به، وليرسلن معه بني ~~إسرائيل، فيكشفه الله، ثم ينكثون، فلما يئس موسى من إيمانهم، وحقت عليهم ~~كلمة العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم من أسرهم، ويمكن لهم في الأرض، ~~أوحى الله إلى موسى: { أن أسر بعبادي } أي: اخرج ببني إسرائيل ~~أول الليل، ليتمادوا ويتمهلوا في ذهابهم. { إنكم متبعون } أي: ~~سيتبعكم فرعون وجنوده. ووقع كما أخبر، فإنهم لما أصبحوا، وإذا بنو ~~إسرائيل قد سروا كلهم مع موسى. { فأرسل فرعون في المدآئن ~~حاشرين } يجمعون الناس، ليوقع ببني إسرائيل، ويقول مشجعا لقومه: { ~~إن هؤلاء } أي: بني إسرائيل { لشرذمة قليلون * ~~وإنهم لنا لغآئظون } ونريد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد، ~~الذين أبقوا منا. { وإنا لجميع حاذرون } أي: الحذر على ~~الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة، فخرج فرعون وجنوده في ~~جيش عظيم، ونفير عام، لم يتخلف منهم سوى أهل الأعذار، الذين منعهم العجز. ~~قال الله تعالى: { فأخرجناهم من جنات وعيون } أي: ~~بساتين مصر وجناتها الفائقة، وعيونها المتدفقة، وزروع قد ملأت أراضيهم، ~~وعمرت بها حاضرتهم وبواديهم. { ومقام كريم } يعجب الناظرين، ويلهي ~~المتأملين، تمتعوا به دهرا طويلا وقضوا بلذته وشهواته عمرا مديدا، ~~على الكفر والفساد، والتكبر على العباد والتيه العظيم. { كذلك ~~وأورثناها } أي: هذه البساتين والعيون، والزروع، والمقام الكريم، ~~{ بني إسرائيل } الذين جعلوهم من قبل عبيدهم، وسخروا في أعمالهم ~~الشاقة، فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ~~بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته. { فأتبعوهم مشرقين } أي: اتبع ~~قوم فرعون قوم موسى، وقت شروق الشمس، وساقوا خلفهم محثين، على غيظ وحنق ~~قادرين. { فلما تراءى الجمعان } أي: رأى كل منهما ms1088 صاحبه، { ~~قال أصحاب موسى } شاكين لموسى وحزنين: { إنا لمدركون } ~~ف { قال } موسى مثبتا لهم، ومخبرا لهم بوعد ربه الصادق: { كلا } ~~أي: ليس الأمر كما ذكرتم، أنكم مدركون، { إن معي ربي ~~سيهدين } لما فيه نجاتي ونجاتكم، { فأوحينآ إلى موسى ~~أن اضرب بعصاك البحر } فضربه { فانفلق } اثني عشر ~~طريقا { فكان كل فرق كالطود } أي: الجبل { العظيم } ~~فدخله موسى وقومه. { وأزلفنا ثم } في ذلك المكان { الآخرين } ~~أي: فرعون وقومه، قربناهم، وأدخلناهم في ذلك الطريق، الذي سلك منه موسى ~~وقومه. { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } استكملوا ~~خارجين، لم يتخلف منهم أحد. { ثم أغرقنا الآخرين } لم يتخلف ~~منهم عن الغرق أحد، { إن في ذلك لآية } عظيمة على صدق ما جاء به ~~موسى عليه السلام، وبطلان ما عليه فرعون وقومه، { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } مع هذه الآيات المقتضية للإيمان، لفساد ~~قلوبكم، { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } بعزته أهلك ~~الكافرين المكذبين، وبرحمته نجى موسى، ومن معه أجمعين. ### || [26.69-104] # { واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون } إلى آخر هذه القصة { وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم } أي: واتل يا محمد على الناس، نبأ إبراهيم ~~الخليل، وخبره الجليل، في هذه الحالة بخصوصها، وإلا فله أنباء كثيرة، ~~ولكن من أعجب أنبائه وأفضلها، هذا النبأ المتضمن لرسالته، ودعوته قومه، ~~ومحاجته إياهم، وإبطاله ما هم عليه، ولذلك قيده بالظرف، فقال: { إذ ~~قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا } متبجحين ~~بعبادتهم: { نعبد أصناما } ننحتها ونعملها بأيدينا. { فنظل ~~لها عاكفين } أي: مقيمين على عبادتها في كثير من أوقاتنا، فقال لهم ~~إبراهيم، مبينا لعدم استحقاقها للعبادة: { هل يسمعونكم إذ ~~تدعون } فيستجيبون دعاءكم، ويفرجون كربكم، ويزيلون عنكم كل مكروه؟. { ~~أو ينفعونكم أو يضرون } فأقروا أن ذلك كله، غير موجود ~~فيها، فلا تسمع دعاء، ولا تنفع، ولا تضر، ولهذا لما كسرها وقال: # قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون # [الأنبياء: 63] قالوا له: # لقد علمت ما هؤلاء ينطقون # [الأنبياء: 65] أي: هذا أمر متقرر من حالها، لا يقبل الإشكال ~~والشك،فلجؤوا إلى تقليد آبائهم الضالين، فقالوا: { بل ms1089 وجدنآ ~~آبآءنا كذلك يفعلون } فتبعناهم على ذلك، وسلكنا سبيلهم، ~~وحافظنا على عاداتهم، فقال لهم إبراهيم: أنتم وآباؤكم، كلكم خصوم في ~~الأمر، والكلام مع الجميع واحد. { قال أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * فإنهم عدو ~~لي } فليضروني بأدنى شيء من الضرر، وليكيدوني، فلا يقدرون. { إلا ~~رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين } هو المنفرد ~~بنعمة الخلق ونعمة الهداية، للمصالح الدينية والدنيوية، ثم خصص منها بعض ~~الضروريات فقال: { والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا ~~مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * ~~والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } فهذا ~~هو وحده المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه ~~الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم، ولا ~~تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها بكشف الكروب، ولا مغفرة ~~الذنوب. فهذا دليل قاطع، وحجة باهرة، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على ~~معارضتها، فدل على اشتراككم في الضلال، وترككم طريق الهدى والرشد. قال ~~الله تعالى: # وحآجه قومه قال أتحجوني في الله وقد هدان # الآيات [الأنعام: 80]. ثم دعا عليه السلام ربه فقال: { رب هب لي ~~حكما } أي: علما كثيرا، أعرف به الأحكام، والحلال والحرام، وأحكم به ~~بين الأنام، { وألحقني بالصالحين } من إخوانه الأنبياء ~~والمرسلين. { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } أي: اجعل لي ~~ثناء صدق، مستمر إلى آخر الدهر. فاستجاب الله دعاءه، فوهب له من العلم ~~والحكم، ما كان به من أفضل المرسلين، وألحقه بإخوانه المرسلين، وجعله ~~محبوبا مقبولا، معظما مثنى عليه، في جميع الملل، في كل الأوقات. # قال تعالى: # وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * ~~كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين # [الصافات: 108-111]. { واجعلني من ورثة جنة النعيم } ~~أي: من أهل الجنة، التي يورثهم الله إياها، فأجاب الله دعاءه، فرفع ~~منزلته في جنات النعيم. { واغفر لأبي إنه كان من ~~الضآلين } وهذا الدعاء، بسبب الوعد الذي قال لأبيه: # سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا # [مريم: 47] قال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ ms1090 إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]. { ولا تخزني يوم يبعثون } أي: بالتوبيخ ~~على بعض الذنوب، والعقوبة عليها والفضيحة، بل أسعدني في ذلك اليوم الذي { ~~يوم لا ينفع } فيه { مال ولا بنون * إلا من أتى ~~الله بقلب سليم } فهذا الذي ينفعه عندك، وهذا الذي ينجو به من ~~العقاب، ويستحق جزيل الثواب. والقلب السليم معناه الذي سلم من الشرك ~~والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب، ويلزم من سلامته مما ذكر، ~~اتصافه بأضدادها، من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في ~~قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله، وهواه تابعا لما جاء عن ~~الله، ثم ذكر من صفات ذلك اليوم العظيم، وما فيه من الثواب والعقاب فقال ~~{ وأزلفت الجنة } أي قربت { للمتقين } ربهم، الذين ~~امتثلوا أوامره، واجتنبوا زواجره، واتقوا سخطه وعقابه. { وبرزت ~~الجحيم } أي برزت واستعدت بجميع ما فيها من العذاب، { للغاوين } ~~الذين أوضعوا في معاصي الله، وتجرؤوا على محارمه، وكذبوا رسله، وردوا ما ~~جاؤوهم به من الحق { وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * ~~من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون } بأنفسهم أي ~~فلم يكن من ذلك من شيء، وظهر كذبهم وخزيهم، ولاحت خسارتهم وفضيحتهم، وبان ~~ندمهم وضل سعيهم. { فكبكبوا فيها } أي: ألقوا في النار { هم } ~~أي ما كانوا يعبدون، { والغاوون } العابدون لها، { وجنود ~~إبليس أجمعون } من الإنس والجن، الذين أزهم إلى المعاصي ~~أزا، وتسلط عليهم بشركهم وعدم إيمانهم، فصاروا من دعاته، والساعين في ~~مرضاته، وهم ما بين داع لطاعته، ومجيب لهم، ومقلد لهم على شركهم. { ~~قالوا } أي: جنود إبليس الغاوون، لأصنامهم وأوثانهم التي عبدوها: { ~~تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم ~~برب العالمين } في العبادة والمحبة، والخوف والرجاء، وندعوكم ~~كما ندعوه، فتبين لهم حينئذ: ضلالهم، وأقروا بعدل الله في عقوبتهم، وأنها ~~في محلها، وهم لم يسووهم برب العالمين، إلا في العبادة، لا في الخلق، ~~بدليل قولهم: { برب العالمين } إنهم مقرون أن الله رب العالمين ~~كلهم، الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم. { ومآ ms1091 أضلنآ } عن طريق ~~الهدى والرشد، ودعانا إلى طريق الغي والفسق { إلا المجرمون } ~~وهم الأئمة الذين يدعون إلى النار، { فما لنا } حينئذ { من ~~شافعين } يشفعون لنا، لينقذونا من عذابه، { ولا صديق حميم } ~~أي: قريب مصاف، ينفعنا بأدنى نفع، كما جرت العادة بذلك في الدنيا، فأيسوا ~~من كل خير، وأبلسوا بما كسبوا، وتمنوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا. ~~{ فلو أن لنا كرة } أي: رجعة إلى الدنيا، وإعادة إليها { ~~فنكون من المؤمنين } لنسلم من العقاب، ونستحق الثواب، هيهات ~~هيهات، قد حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقد غلقت منهم الرهون. { إن في ~~ذلك } الذي ذكرنا لكم ووصفنا { لآية } لكم { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } مع نزول الآيات. ### || [26.105-122] # { كذبت قوم نوح المرسلين } إلى آخر القصة. يذكر تعالى، ~~تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح، وما رد عليهم وردوا عليه، وعاقبة الجميع، ~~فقال: { كذبت قوم نوح المرسلين } جميعهم، وجعل تكذيب نوح ~~كتكذيب جميع المرسلين، لأنهم كلهم اتفقوا على دعوة واحدة، وأخبار واحدة، ~~فتكذيب أحدهم، تكذيب بجميع ما جاؤوا به من الحق، كذبوه { إذ قال ~~لهم أخوهم } في النسب { نوح } وإنما ابتعث الله الرسل من نسب من ~~أرسل إليهم، لئلا يشمئزوا من الانقياد له، ولأنهم يعرفون حقيقته، فلا ~~يحتاجون أن يبحثوا عنه، فقال لهم مخاطبا بألطف خطاب - كما هي طريقة ~~الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم - { ألا تتقون } الله تعالى، ~~فتتركون ما أنتم مقيمون عليه من عبادة الأوثان، وتخلصون العبادة لله ~~وحده، { إني لكم رسول أمين } فكونه رسولا إليهم بالخصوص، ~~يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم، والإيمان به، وأن يشكروا الله تعالى على ~~أن خصهم بهذا الرسول الكريم، وكونه أمينا، يقتضي أنه لا يتقول على الله، ~~ولا يزيد في وحيه ولا ينقص، وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره. ~~{ فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فإن ~~هذا هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم، أمينا، فلذلك رتبه بالفاء ~~الدالة على السبب، فذكر السبب الموجب، ثم ذكر انتفاء المانع، فقال: { ~~ومآ أسألكم عليه من أجر } فتتكلفون من المغرم ms1092 الثقيل، { ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين } أرجو بذلك ~~القرب منه، والثواب الجزيل، وأما أنتم فمنيتي، ومنتهى إرادتي منكم، النصح ~~لكم وسلوككم الصراط المستقيم. { فاتقوا الله وأطيعون } كرر ~~ذلك عليه السلام لتكريره دعوة قومه، وطول مكثه في ذلك، كما قال تعالى: # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14] وقال: # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا # الآيات [نوح: 5-6]. فقالوا ردا لدعوته، ومعارضة له بما ليس يصلح ~~للمعارضة: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } أي: كيف نتبعك ~~ونحن لا نرى أتباعك إلا أسافل الناس وأراذلهم وسقطهم. بهذا يعرف تكبرهم ~~عن الحق، وجهلهم بالحقائق، فإنهم لو كان قصدهم الحق، لقالوا - إن كان ~~عندهم إشكال وشك في دعوته - بين لنا صحة ما جئت به بالطرق الموصلة إلى ~~ذلك، ولو تأملوا حق التأمل، لعلموا أن أتباعه، هم الأعلون، خيار الخلق، ~~أهل العقول الرزينة، والأخلاق الفاضلة، وأن الأرذل، من سلب خاصية عقله، ~~فاستحسن عبادة الأحجار، ورضي أن يسجد لها ويدعوها، وأبى الانقياد لدعوة ~~الرسل الكمل. وبمجرد ما يتكلم أحد الخصمين في الكلام الباطل، يعرف فساد ~~ما عنده، بقطع النظر عن صحة دعوى خصمه، فقوم نوح، لما سمعنا عنهم، أنهم ~~قالوا في ردهم دعوة نوح: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ~~فبنوا على هذا الأصل، الذي كل أحد يعرف فساده، رد دعوته - عرفنا أنهم ~~ضالون مخطؤون، ولو لم نشاهد من آيات نوح ودعوته العظيمة، ما يفيد الجزم ~~واليقين بصدقه وصحة ما جاء به. # فقال نوح عليه السلام: { وما علمي بما كانوا يعملون * ~~إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون } أي: أعمالهم ~~وحسابهم على الله، إنما علي التبليغ، وأنتم دعوهم عنكم، إن كان ما ~~جئتكم به الحق، فانقادوا له وكل له عمله. { ومآ أنا بطارد ~~المؤمنين } كأنهم - قبحهم الله - طلبوا منه أن يطردهم عنه، تكبرا ~~وتجبرا، ليؤمنوا، فقال { ومآ أنا بطارد المؤمنين } فإنهم ~~لا يستحقون الطرد والإهانة، وإنما يستحقون الإكرام القولي والفعلي، كما ~~قال تعالى: # وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم ~~عليكم ms1093 كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]. { إن أنا إلا نذير مبين } أي: ما أنا إلا ~~منذر ومبلغ عن الله، ومجتهد في نصح العباد، وليس لي من الأمر شيء، إن ~~الأمر إلا لله. فاستمر نوح عليه الصلاة والسلام على دعوتهم ليلا ~~ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدادوا إلا نفورا و { قالوا لئن ~~لم تنته ينوح } من دعوتك إيانا، إلى الله وحده { لتكونن ~~من المرجومين } أي: لنقتلك شر قتلة، بالرمي بالحجارة، كما يقتل ~~الكلب. فتبا لهم، ما أقبح هذه المقابلة، يقابلون الناصح الأمين الذي هو ~~أشفق عليهم من أنفسهم، بشر مقابلة لا جرم لما انتهى ظلمهم، واشتد كفرهم، ~~دعا عليهم نبيهم بدعوة أحاطت بهم، فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # الآيات [نوح: 26]. وهنا { قال رب إن قومي كذبون * ~~فافتح بيني وبينهم فتحا } أي: أهلك الباغي منا، وهو يعلم ~~أنهم البغاة الظلمة، ولهذا قال: { ونجني ومن معي من ~~المؤمنين } { فأنجيناه ومن معه في الفلك } أي: ~~السفينة { المشحون } من الخلق والحيوانات، { ثم أغرقنا ~~بعد } أي: بعد نوح، ومن معه من المؤمنين { الباقين } أي: جميع ~~قومه. { إن في ذلك } أي: نجاة نوح وأتباعه، وإهلاك من كذبه { ~~لآية } دالة على صدق رسلنا، وصحة ما جاؤوا به، وبطلان ما عليه أعداؤهم ~~المكذبون بهم. { وإن ربك لهو العزيز } الذي قهر بعزه ~~أعداءه، فأغرقهم بالطوفان { الرحيم } بأوليائه حيث نجى نوحا ومن ~~معه، من أهل الإيمان. ### || [26.123-140] # { كذبت عاد المرسلين } إلى آخر القصة. أي: كذبت القبيلة ~~المسماة عادا، رسولهم هودا، وتكذيبهم له تكذيب لغيره، لاتفاق الدعوة. { ~~إذ قال لهم أخوهم } في النسب { هود } بلطف وحسن خطاب: { ~~ألا تتقون } الله، فتتركون الشرك وعبادة غيره، { إني لكم ~~رسول أمين } أي: أرسلني الله إليكم، رحمة بكم، واعتناء بكم، وأنا ~~أمين، تعرفون ذلك مني، رتب على ذلك قوله: { فاتقوا الله ~~وأطيعون } أي: أدوا حق الله تعالى، وهو التقوى، وأدوا حقي، بطاعتي ~~فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فهذا موجب لأن تتبعوني وتطيعوني، وليس ثم ~~مانع يمنعكم من الإيمان، فلست أسألكم على تبليغي إياكم ms1094 ونصحي لكم أجرا، ~~حتى تستثقلوا ذلك المغرم. { إن أجري إلا على رب ~~العالمين } الذي رباهم بنعمه، وأدر عليهم فضله وكرمه، خصوصا ما ~~ربى به أولياءه وأنبياءه. { أتبنون بكل ريع } أي: مدخل بين ~~الجبال { آية } أي: علامة { تعبثون } أي: تفعلون ذلك عبثا لغير ~~فائدة تعود بمصالح دينكم ودنياكم. { وتتخذون مصانع } أي: ~~بركا ومجابي للحياة { لعلكم تخلدون } والحال أنه لا سبيل إلى ~~الخلود لأحد. { وإذا بطشتم } بالخلق { بطشتم جبارين } ~~قتلا وضربا، وأخذ أموال. وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة عظيمة، وكان ~~الواجب عليهم أن يستعينوا بقوتهم على طاعة الله، ولكنهم فخروا واستكبروا، ~~وقالوا: # من أشد منا قوة # [فصلت: 15] واستعملوا قوتهم في معاصي الله، وفي العبث والسفه، فلذلك ~~نهاهم نبيهم عن ذلك. { فاتقوا الله } واتركوا شرككم وبطركم { ~~وأطيعون } حيث علمتم أني رسول الله إليكم، أمين ناصح، { واتقوا ~~الذي أمدكم } أي: أعطاكم { بما تعلمون } أي: أمدكم بما ~~لا يجهل ولا ينكر من الإنعام، { أمدكم بأنعام } من إبل وبقر ~~وغنم { وبنين } أي: وكثرة نسل، كثر أموالكم، وكثر أولادكم، ~~خصوصا الذكور، أفضل القسمين. هذا تذكيرهم بالنعم، ثم ذكرهم حلول عذاب ~~الله، فقال: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } أي: ~~إني - من شفقتي عليكم وبري بكم - أخاف أن ينزل بكم عذاب يوم عظيم، إذا ~~نزل لا يرد، إن استمريتم على كفركم وبغيكم. فقالوا معاندين للحق مكذبين ~~لنبيهم: { سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من ~~الواعظين } أي: الجميع على حد سواء، وهذا غاية العتو، فإن قوما ~~بلغت بهم الحال إلى أن صارت مواعظ الله، التي تذيب الجبال الصم الصلاب، ~~وتتصدع لها أفئدة أولي الألباب، وجودها وعدمها -عندهم- على حد سواء، لقوم ~~انتهى ظلمهم، واشتد شقاؤهم، وانقطع الرجاء من هدايتهم، ولهذا قالوا: { ~~إن هذا إلا خلق الأولين } أي: هذه الأحوال والنعم، ونحو ~~ذلك، عادة الأولين، تارة يستغنون، وتارة يفتقرون، وهذه أحوال الدهر، لا ~~أن هذه محن ومنح من الله تعالى، وابتلاء لعباده { وما نحن ~~بمعذبين } وهذا إنكار منهم للبعث، أو تنزل مع نبيهم وتهكم به، ~~إننا على فرض أننا نبعث، ms1095 فإننا كما أدرت علينا النعم في الدنيا، كذلك ~~لا تزال مستمرة علينا إذا بعثنا. # { فكذبوه } أي: صار التكذيب سجية لهم وخلقا، لا يردعهم عنه رادع. ~~{ فأهلكناهم } # بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى ~~كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 6-7]. { إن في ذلك لآية } على صدق نبينا هود عليه ~~السلام، وصحة ما جاء به، وبطلان ما عليه قومه، من الشرك والجبروت، { ~~وما كان أكثرهم مؤمنين } مع وجود الآيات المقتضية ~~للإيمان. { وإن ربك لهو العزيز } الذي أهلك بقوته قوم ~~هود، على قوتهم وبطشهم. { الرحيم } بنبيه هود، حيث نجاه ومن معه من ~~المؤمنين. ### || [26.141-159] # { كذبت ثمود المرسلين } إلى آخر القصة { كذبت ~~ثمود } القبيلة المعروفة في مدائن الحجر { المرسلين } كذبوا ~~صالحا عليه السلام، الذي جاء بالتوحيد، الذي دعت إليه المرسلون، فكان ~~تكذيبهم له تكذيبا للجميع. { إذ قال لهم أخوهم صالح } في ~~النسب، برفق ولين: { ألا تتقون } الله تعالى، وتدعون الشرك ~~والمعاصي { إني لكم رسول } من الله ربكم، أرسلني إليكم، لطفا ~~بكم ورحمة، فتلقوا رحمته بالقبول، وقابلوها بالإذعان، { أمين } تعرفون ~~ذلك مني، وذلك يوجب عليكم أن تؤمنوا بي وبما جئت به. { ومآ ~~أسألكم عليه من أجر } فتقولون: يمنعنا من اتباعك، أنك ~~تريد أخذ أموالنا، { إن أجري إلا على رب العالمين } ~~أي: لا أطلب الثواب إلا منه. { أتتركون في ما هاهنآ آمنين ~~* في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم } أي ~~نضيد كثير. أي: أتحسبون أنكم تتركون في هذه الخيرات والنعم سدى، ~~تتنعمون وتتمتعون كما تتمتع الأنعام وتتركون سدى، لا تؤمرون، ولا تنهون، ~~وتستعينون بهذه النعم على معاصي الله، { وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين } أي بلغت بكم الفراهة والحذق إلى أن اتخذتم بيوتا ~~من الجبال الصم الصلاب. { فاتقوا الله وأطيعون * ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين } الذين تجاوزوا الحد، { الذين ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون } أي الذين وصفهم ودأبهم ~~الإفساد في الأرض، بعمل المعاصي والدعوة إليها، إفسادا لا إصلاح فيه، ~~وهذا أضر ما يكون، لأنه شر محض، وكأن أناسا عندهم مستعدون لمعارضة ms1096 ~~نبيهم، موضعون في الدعوة لسبيل الغي، فنهاهم صالح عن الاغترار بهم، ~~ولعلهم الذين قال الله فيهم: # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون # [النمل: 48] فلم يفد فيهم هذا النهي والوعظ شيئا، فقالوا لصالح { ~~إنمآ أنت من المسحرين } أي قد سحرت فأنت تهذي بما لا معنى ~~له. { مآ أنت إلا بشر مثلنا } فأي: فضيلة فقتنا بها، حتى ~~تدعونا إلى اتباعك؟ { فأت بآية إن كنت من الصادقين } ~~هذا، مع أن مجرد اعتبار حالته وحالة ما دعا إليه، من أكبر الآيات البينات ~~على صحة ما جاء به وصدقه، ولكنهم من قسوتهم، سألوا آيات الاقتراح، التي ~~في الغالب لا يفلح من طلبها، لكون طلبه مبنيا على التعنت لا على ~~الاسترشاد. فقال صالح { هذه ناقة } تخرج من صخرة صماء ملساء ~~ترونها وتشاهدونها بأجمعكم، { لها شرب ولكم شرب يوم ~~معلوم } أي تشرب ماء البئر يوما، وأنتم تشربون لبنها، ثم تصدر عنكم ~~اليوم الآخر، وتشربون أنتم ماء البئر. { ولا تمسوها بسوء } ~~بعقر أو غيره { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } فخرجت واستمرت ~~عندهم بتلك الحال، فلم يؤمنوا، واستمروا على طغيانهم { فعقروها ~~فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب } وهي صيحة نزلت ~~عليهم، فدمرتهم أجمعين، { إن في ذلك لآية } على صدق ما جاءت به ~~رسلنا، وبطلان قول معارضيهم، { وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.160-175] # { كذبت قوم لوط المرسلين } إلى آخر القصة قال لهم ~~وقالوا كما قال من قبلهم، تشابهت قلوبهم في الكفر، فتشابهت أقوالهم، ~~وكانوا - مع شركهم - يأتون فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، ~~يختارون نكاح الذكران، المستقذر الخبيث، ويرغبون عما خلق لهم من أزواجهم ~~لإسرافهم وعدوانهم، فلم يزل ينهاهم حتى { قالوا } له { لئن لم ~~تنته يلوط لتكونن من المخرجين } أي: من البلد، فلما ~~رأى استمرارهم عليه { قال إني لعملكم من القالين } أي: ~~المبغضين له الناهين عنه، المحذرين. { رب نجني وأهلي مما ~~يعملون } من فعله وعقوبته، فاستجاب الله له، { فنجيناه ~~وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين } أي ~~الباقين في العذاب، وهي امرأته. { ثم دمرنا الآخرين ms1097 * ~~وأمطرنا عليهم مطرا } أي حجارة من سجيل { فسآء مطر ~~المنذرين } أهلكهم الله عن آخرهم. { إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم }. ### || [26.176-191] # { كذب أصحاب لئيكة المرسلين } أصحاب الأيكة: أي: ~~البساتين الملتفة أشجارها وهم أصحاب مدين، فكذبوا نبيهم شعيبا، الذي جاء ~~بما جاء به المرسلون. { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون } ~~الله تعالى، فتتركون ما يسخطه ويغضبه، من الكفر والمعاصي، { إني ~~لكم رسول أمين } يترتب على ذلك، أن تتقوا الله وتطيعون، وكانوا ~~- مع شركهم - يبخسون المكاييل والموازين، فلذلك قال لهم: { أوفوا ~~الكيل } أي: أتموه وأكملوه { ولا تكونوا من المخسرين } ~~الذين ينقصون الناس أموالهم ويسلبونها ببخس المكيال والميزان، { ~~وزنوا بالقسطاس المستقيم } أي: بالميزان العادل، الذي لا ~~يميل، { واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين } ~~أي: الخليقة الأولين، فكما انفرد بخلقكم، وخلق من قبلكم من غير مشارك له ~~في ذلك، فأفردوه بالعبادة والتوحيد، وكما أنعم عليكم بالإيجاد والإمداد ~~بالنعم، فقابلوه بشكره. قالوا له، مكذبين له، رادين لقوله: { ا ~~إنمآ أنت من المسحرين } فأنت تهذي وتتكلم كلام المسحور، ~~الذي غايته أن لا يؤاخذ به. { ومآ أنت إلا بشر مثلنا } ~~فليس فيك فضيلة اختصصت بها علينا، حتى تدعونا إلى اتباعك، وهذا مثل قول ~~من قبلهم ومن بعدهم، ممن عارضوا الرسل بهذه الشبهة، التي لم يزالوا يدلون ~~بها ويصولون، ويتفقون عليها، لاتفاقهم على الكفر، وتشابه قلوبهم. وقد ~~أجابت عنها الرسل بقولهم: # إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن ~~على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 11]. { وإن نظنك لمن الكاذبين } وهذا جراءة ~~منهم وظلم وقول زور، قد انطووا على خلافه، فإنه ما من رسول من الرسل، ~~واجه قومه ودعاهم، وجادلهم وجادلوه، إلا وقد أظهر الله على يديه من ~~الآيات، ما به يتيقنون صدقه وأمانته، خصوصا شعيبا عليه السلام، الذي ~~يسمى خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، فإن ~~قومه قد تيقنوا صدقه، وأن ما جاء به حق، ولكن إخبارهم عن ظن كذبه كذب ~~منهم. { فأسقط علينا كسفا من السمآء } أي: قطع ms1098 عذاب ~~تستأصلنا. { إن كنت من الصادقين } كقول إخوانهم # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32] أو أنهم طلبوا بعض آيات الاقتراح، التي لا يلزم تتميم ~~مطلوب من سألها. { قال } شعيب عليه السلام: { ربي أعلم بما ~~تعملون } أي: نزول العذاب، ووقوع آيات الاقتراح، لست أنا الذي آتي ~~بها وأنزلها بكم، وليس علي إلا تبليغكم ونصحكم وقد فعلت، وإنما الذي ~~يأتي بها ربي، العالم بأعمالكم وأحوالكم، الذي يجازيكم ويحاسبكم. { ~~فكذبوه } أي: صار التكذيب لهم وصفا، والكفر لهم ديدنا، بحيث لا ~~تفيدهم الآيات، وليس بهم حيلة إلا نزول العذاب. { فأخذهم عذاب ~~يوم الظلة } أظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها مستلذين، لظلها غير ~~الظليل، فأحرقتهم بالعذاب، فظلوا تحتها خامدين، ولديارهم مفارقين، ولدار ~~الشقاء والعذاب نازلين. # { إنه كان عذاب يوم عظيم } لا كرة لهم إلى الدنيا، ~~فيستأنفوا العمل، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة، ولا هم ينظرون. { إن ~~في ذلك لآية } دالة على صدق شعيب، وصحة ما دعا إليه، وبطلان رد ~~قومه عليه، { وما كان أكثرهم مؤمنين } مع رؤيتهم الآيات، ~~لأنهم لا زكاء فيهم، ولا خير لديهم # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]. { وإن ربك لهو العزيز } الذي امتنع بقوته، ~~عن إدراك أحد، وقهر كل مخلوق. { الرحيم } الذي الرحمة وصفه، ومن ~~آثارها، جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، من حين أوجد الله العالم إلى ما ~~لا نهاية له. ومن عزته، أن أهلك أعداءه حين كذبوا رسله، ومن رحمته، أن ~~نجى أولياءه ومن اتبعهم من المؤمنين. ### || [26.192-203] # لما ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وكيف دعوهم، و [ما] ردوا عليهم به، وكيف ~~أهلك الله أعداءهم، وصارت لهم العاقبة. ذكر هذا الرسول الكريم، والنبي ~~المصطفى العظيم، وما جاء به من الكتاب، الذي فيه هداية لأولي الألباب، ~~فقال: { وإنه لتنزيل رب العالمين } فالذي أنزله، فاطر ~~الأرض والسماوات، المربي جميع العالم، العلوي والسفلي، وكما أنه رباهم ~~بهدايتهم لمصالح دنياهم وأبدانهم، فإنه يربيهم أيضا، بهدايتهم لمصالح ~~دينهم وأخراهم، ومن أعظم ما ms1099 رباهم به، إنزال هذا الكتاب الكريم، الذي ~~اشتمل على الخير الكثير، والبر الغزير، وفيه من الهداية لمصالح الدارين، ~~والأخلاق الفاضلة، ما ليس في غيره، وفي قوله: { وإنه لتنزيل ~~رب العالمين } من تعظيمه وشدة الاهتمام فيه، من كونه نزل من ~~الله، لا من غيره، مقصودا فيه نفعكم وهدايتكم، { نزل به الروح ~~الأمين } وهو جبريل عليه السلام، الذي هو أفضل الملائكة وأقواهم، { ~~الأمين } الذي قد أمن أن يزيد فيه أو ينقص. { على قلبك } يا ~~محمد { لتكون من المنذرين } تهدي به إلى طريق الرشاد، وتنذر ~~به عن طريق الغي. { بلسان عربي } وهو أفضل الألسنة، بلغة من ~~بعث إليهم، وباشر دعوتهم أصلا، اللسان البين الواضح. وتأمل كيف ~~اجتمعت هذه الفضائل الفاخرة في هذا الكتاب الكريم، فإنه أفضل الكتب، نزل ~~به أفضل الملائكة، على أفضل الخلق، على أفضل بضعة فيه وهي قلبه، على أفضل ~~أمة أخرجت للناس، بأفضل الألسنة وأفصحها وأوسعها، وهو اللسان العربي ~~المبين. { وإنه لفي زبر الأولين } أي: قد بشرت به كتب ~~الأولين وصدقته، وهو لما نزل طبق ما أخبرت به، صدقها، بل جاء بالحق ~~وصدق المرسلين. { أو لم يكن لهم آية } على صحته، وأنه من ~~الله { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } الذي قد انتهى ~~إليهم العلم، وصاروا أعلم الناس، وهم أهل الصنف، فإن كل شيء يحصل به ~~اشتباه، يرجع فيه إلى أهل الخبرة والدراية، فيكون قولهم حجة على غيرهم، ~~كما عرف السحرة الذين مهروا في علم السحر، صدق معجزة موسى، وأنه ليس ~~بسحر، فقول الجاهلين بعد هذا لا يؤبه به. { ولو نزلناه على ~~بعض الأعجمين } الذين لا يفقهون لسانهم، ولا يقدرون على التعبير ~~لهم كما ينبغي { فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين } ~~يقولون: ما نفقه ما يقول، ولا ندري ما يدعو إليه، فليحمدوا ربهم، أن ~~جاءهم على لسان أفصح الخلق، وأقدرهم على التعبير عن المقاصد، بالعبارات ~~الواضحة وأنصحهم، وليبادروا إلى التصديق به، وتلقيه بالتسليم والقبول، ~~ولكن تكذيبهم له من غير شبهة، إن هو إلا محض الكفر والعناد، وأمر قد ~~توارثته الأمم المكذبة، ms1100 فلهذا قال: { كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين } أي: أدخلنا التكذيب، وأنظمناه في قلوب أهل الإجرام، كما ~~يدخل السلك في الإبرة، فتشربته، وصار وصفا لها، وذلك بسبب ظلمهم وجرمهم، ~~فلذلك { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } ~~على تكذيبهم، { فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } أي: ~~يأتيهم على حين غفلة، وعدم إحساس منهم، ولا استشعار بنزوله، ليكون أبلغ ~~في عقوبتهم والنكال بهم. { فيقولوا } إذ ذاك: { هل نحن ~~منظرون } أي: يطلبون أن ينظروا ويمهلوا، والحال إنه قد فات الوقت، ~~وحل بهم العذاب الذي لا يرفع عنهم، ولا يفتر ساعة. ### || [26.204-207] # يقول تعالى: { أفبعذابنا } الذي هو العذاب الأليم العظيم، الذي ~~لا يستهان به ولا يحتقر، { يستعجلون } فما الذي غرهم؟ هل فيهم قوة ~~وطاقة للصبر عليه؟ أم عندهم قوة يقدرون على دفعه أو رفعه إذا نزل؟ أم ~~يعجزوننا ويظنون أننا لا نقدر على ذلك؟. { أفرأيت إن ~~متعناهم سنين } أي: أفرأيت إذا لم نستعجل عليهم بإنزال ~~العذاب، وأمهلناهم عدة سنين، يتمتعون في الدنيا { ثم جآءهم ما ~~كانوا يوعدون } من العذاب. { مآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يمتعون } من اللذات والشهوات، أي: أي شيء يغني عنهم ويفيدهم، وقد ~~مضت، وبطلت واضمحلت، وأعقبت تبعاتها، وضوعف لهم العذاب عند طول المدة. ~~القصد أن الحذر، من وقوع العذاب، واستحقاقهم له. وأما تعجيله وتأخيره، ~~فلا أهمية تحته، ولا جدوى عنده. ### || [26.208-212] # يخبر تعالى عن كمال عدله، في إهلاك المكذبين، وأنه ما أوقع بقرية، ~~هلاكا وعذابا، إلا بعد أن يعذر منهم، ويبعث فيهم النذر بالآيات ~~البينات، ويدعونهم إلى الهدى، وينهونهم عن الردى، ويذكرونهم بآيات الله، ~~وينبهونهم على أيامه في نعمه ونقمه. { ذكرى } لهم وإقامة حجة عليهم. ~~{ وما كنا ظالمين } فنهلك القرى قبل أن ننذرهم، ونأخذهم وهم ~~غافلون عن النذر، كما قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل # [النساء: 165]. ولما بين تعالى كمال القرآن وجلالته، نزهه عن كل صفة ~~نقص، وحماه - وقت نزوله، وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس، فقال: { ~~وما ms1101 تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم } أي: لا ~~يليق بحالهم ولا يناسبهم { وما يستطيعون } ذلك. { إنهم عن ~~السمع لمعزولون } قد أبعدوا عنه، وأعدت لهم الرجوم لحفظه، ونزل ~~به جبريل أقوى الملائكة، الذي لا يقدر شيطان أن يقربه، أو يحوم حول ~~ساحته، وهذا كقوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ### || [26.213-216] # ينهى تعالى رسوله أصلا، وأمته أسوة له في ذلك، عن دعاء غير الله، من ~~جميع المخلوقين، وأن ذلك موجب للعذاب الدائم، والعقاب السرمدي، لكونه ~~شركا، # من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار # [المائدة: 72] والنهي عن الشيء أمر بضده، فالنهي عن الشرك، أمر بإخلاص ~~العبادة لله وحده لا شريك له، محبة، وخوفا، ورجاء، وذلا، وإنابة إليه ~~في جميع الأوقات. ولما أمره بما فيه كمال نفسه، أمره بتكميل غيره فقال: { ~~وأنذر عشيرتك الأقربين } الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم ~~بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا ~~أمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " ، فيكون هذا ~~خصوصا دالا على التأكيد وزيادة الحق، فامتثل صلى الله عليه وسلم هذا ~~الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يبق ~~صلى الله عليه وسلم من مقدوره شيئا، من نصحهم وهدايتهم إلا فعله، فاهتدى ~~من اهتدى، وأعرض من أعرض، { واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين } بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك وتحببك إليهم، وحسن ~~خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل صلى الله عليه وسلم ذلك، كما قال ~~تعالى: # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم ~~واستغفر لهم وشاورهم في الأمر # [آل عمران: 159] فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم، أكمل الأخلاق، التي ~~يحصل بها من المصالح العظيمة ودفع المضار ما هو مشاهد فهل يليق بمؤمن ~~بالله ورسوله، ويدعي اتباعه والاقتداء به، أن يكون كلا على المسلمين، ~~شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم ، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟ [و] ~~إن رأى منهم معصية، أو سوء ms1102 أدب، هجرهم ومقتهم وأبغضهم، لا لين عنده، ولا ~~أدب لديه، ولا توفيق، قد حصل من هذه المعاملة من المفاسد، وتعطيل المصالح ~~ما حصل، ومع ذلك تجده محتقرا لمن اتصف بصفات الرسول الكريم، وقد رماه ~~بالنفاق والمداهنة، وقد كمل نفسه ورفعها، وأعجب بعمله، فهل هذا إلا من ~~جهله، وتزيين الشيطان وخدعه له، ولهذا قال الله لرسوله: { فإن ~~عصوك } في أمر من الأمور، فلا تتبرأ منهم، ولا تترك معاملتهم، بخفض ~~الجناح، ولين الجانب، بل تبرأ من عملهم، فعظهم عليه وانصحهم، وابذل قدرتك ~~في ردهم عنه وتوبتهم منه، وهذا لدفع، احتراز وهم من يتوهم، أن قوله: { ~~واخفض جناحك } للمؤمنين، يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم، ما ~~داموا مؤمنين، فدفع هذا بهذا، والله أعلم. ### || [26.217-220] # أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به، الاعتماد على ربه، والاستعانة ~~بمولاه على توفيقه للقيام بالمأمور، فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه، ~~فقال: { وتوكل على العزيز الرحيم } والتوكل هو اعتماد ~~القلب على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، مع ثقته به، وحسن ظنه ~~بحصول مطلوبه، فإنه عزيز رحيم، بعزته يقدر على إيصال الخير ودفع الشر عن ~~عبده، وبرحمته به يفعل ذلك. ثم نبهه على الاستعانة باستحضار قرب الله، ~~والنزول في منزل الإحسان فقال: { الذي يراك حين تقوم * ~~وتقلبك في الساجدين } أي: يراك في هذه العبادة العظيمة، ~~التي هي الصلاة، وقت قيامك، وتقلبك راكعا وساجدا خصها بالذكر، لفضلها ~~وشرفها، ولأن من استحضر فيها قرب ربه، خشع وذل، وأكملها، وبتكميلها يكمل ~~سائر عمله، ويستعين بها على جميع أموره. { إنه هو السميع } ~~لسائر الأصوات، على اختلافها وتشتتها وتنوعها، { العليم } الذي أحاط ~~بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة. فاستحضار العبد رؤية الله له في ~~جميع أحواله، وسمعه لكل ما ينطق به، وعلمه بما ينطوي عليه قلبه، من الهم ~~والعزم والنيات، مما يعينه على منزلة الإحسان. ### || [26.221-227] # هذا جواب لمن قال من مكذبي الرسول: إن محمدا ينزل عليه شيطان. وقول من ~~قال: إنه شاعر، فقال: { هل أنبئكم } أي: أخبركم الخبر الحقيقي ~~الذي لا شك ms1103 فيه ولا شبهة، على من تنزل الشياطين، أي: بصفة الأشخاص، الذين ~~تنزل عليهم الشياطين. { تنزل على كل أفاك } أي: كذاب، ~~كثير القول للزور، والإفك بالباطل، { أثيم } في فعله، كثير المعاصي، ~~هذا الذي تنزل عليه الشياطين، وتناسب حاله حالهم؟ { يلقون } عليه { ~~السمع } الذي يسترقونه من السماء، { وأكثرهم كاذبون } أي: ~~أكثر ما يلقون إليه كذب، فيصدق واحدة، ويكذب معها مائة، فيختلط الحق ~~بالباطل، ويضمحل الحق بسبب قلته، وعدم علمه. فهذه صفة الأشخاص الذين تنزل ~~عليهم الشياطين، وهذه صفة وحيهم له. وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فحاله ~~مباينة لهذه الأحوال أعظم مباينة، لأنه الصادق الأمين، البار الراشد، ~~الذي جمع بين بر القلب وصدق اللهجة ونزاهة الأفعال من المحرم. والوحي ~~الذي ينزل عليه من عند الله، ينزل محروسا محفوظا، مشتملا على الصدق ~~العظيم، الذي لا شك فيه ولا ريب، فهل يستوي - يا أهل العقول - هذا ~~وأولئك؟ وهل يشتبهان إلا على مجنون لا يميز ولا يفرق بين الأشياء؟. فلما ~~نزهه عن نزول الشياطين عليه، برأه أيضا من الشعر فقال: { ~~والشعرآء } أي: هل أنبئكم أيضا عن حالة الشعراء، ووصفهم الثابت، ~~فإنهم { يتبعهم الغاوون } عن طريق الهدى، المقبلون على طريق ~~الغي والردى، فهم في أنفسهم غاوون، وتجد أتباعهم كل غاو ضال فاسد. { ~~ألم تر } غوايتهم وشدة ضلالهم { أنهم في كل واد } من ~~أودية الشعر، { يهيمون } فتارة في مدح، وتارة في قدح، وتارة في صدق، ~~وتارة في كذب، وتارة يتغزلون، وأخرى يسخرون، ومرة يمرحون، وآونة يحزنون، ~~فلا يستقر لهم قرار، ولا يثبتون على حال من الأحوال. { وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون } أي: هذا وصف الشعراء، أنهم تخالف ~~أقوالهم أفعالهم، فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق، قلت: هذا أشد ~~الناس غراما، وقلبه فارغ من ذاك، وإذا سمعته يمدح أو يذم، قلت: هذا صدق، ~~وهو كذب، وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها، وتروك لم يتركها، وكرم لم يحم ~~حول ساحته، وشجاعة يعلو بها على الفرسان، وتراه أجبن من كل جبان، هذا ~~وصفهم. فانظر، هل يطابق حالة الرسول محمد صلى الله ms1104 عليه وسلم، الراشد ~~البار، الذي يتبعه كل راشد ومهتد، الذي قد استقام على الهدى، وجانب ~~الردى، ولم تتناقض أفعاله، ولم تخالف أقواله أفعاله؟ الذي لا يأمر إلا ~~بالخير، ولا ينهى إلا عن الشر، ولا أخبر بشيء إلا صدق، ولا أمر بشيء إلا ~~كان أول الفاعلين له، ولا نهى عن شيء إلا كان أول التاركين له. # فهل تناسب حاله حالة الشعراء، أو يقاربهم؟ أم هو مخالف لهم من جميع ~~الوجوه؟ فصلوات الله وسلامه على هذا الرسول الأكمل، والهمام الأفضل، أبد ~~الآبدين، ودهر الداهرين، الذي ليس بشاعر، ولا ساحر، ولا مجنون، ولا يليق ~~به إلا كل كمال. ولما وصف الشعراء بما وصفهم به، استثنى منهم من آمن ~~بالله ورسوله، وعمل صالحا، وأكثر من ذكر الله، وانتصر من أعدائه ~~المشركين من بعد ما ظلموهم. فصار شعرهم من أعمالهم الصالحة، وآثار ~~إيمانهم، لاشتماله على مدح أهل الإيمان، والانتصار من أهل الشرك والكفر، ~~والذب عن دين الله، وتبيين العلوم النافعة، والحث على الأخلاق ~~الفاضلة، فقال: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ~~ينقلبون إلى موقف وحساب، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا حقا ~~إلا استوفاه. والحمد لله رب العالمين. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-14] # بسم الله الرحمن الرحيم { طس تلك آيات القرآن ~~وكتاب مبين * هدى وبشرى للمؤمنين * الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون * إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا ~~لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين ~~لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون * ~~وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم }. ينبه ~~تعالى عباده على عظمة القرآن، ويشير إليه إشارة دالة على التعظيم، فقال: ~~{ تلك آيات القرآن وكتاب مبين } أي: هي أعلى الآيات، ~~وأقوى البينات، وأوضح الدلالات، وأبينها على أجل المطالب، وأفضل المقاصد، ~~وخير الأعمال، وأزكى الأخلاق، آيات تدل على الأخبار الصادقة، والأوامر ~~الحسنة، والنهي عن كل عمل وخيم، وخلق ذميم، آيات بلغت في وضوحها وبيانها ~~للبصائر النيرة، مبلغ الشمس ms1105 للأبصار، آيات دلت على الإيمان، ودعت للوصول ~~إلى الإيقان، وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة، على طبق ما كان ~~ويكون. آيات دعت إلى معرفة الرب العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ~~وأفعاله الكاملة، آيات عرفتنا برسله وأوليائه، ووصفتهم حتى كأننا ننظر ~~إليهم بأبصارنا، ولكن مع هذا لم ينتفع بها كثير من العالمين، ولم يهتد ~~بها جميع المعاندين، صونا لها عن من لا خير فيه ولا صلاح، ولا زكاء في ~~قلبه، وإنما اهتدى بها، من خصهم الله بالإيمان، واستنارت بذلك قلوبهم، ~~وصفت سرائرهم. فلهذا قال: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: ~~تهديهم إلى سلوك الصراط المستقيم، وتبين لهم ما ينبغي أن يسلكوه أو ~~يتركوه، وتبشرهم بثواب الله المرتب على الهداية لهذا الطريق. ربما قيل: ~~لعله يكثر مدعو الإيمان، فهل يقبل من كل أحد ادعى أنه مؤمن ذلك؟ أم لا ~~بد لذلك من دليل؟ وهو الحق، فلذلك بين تعالى صفة المؤمنين، فقال: { ~~الذين يقيمون الصلاة } فرضها ونفلها فيأتون بأفعالها ~~الظاهرة، من أركانها، وشروطها، وواجباتها، بل ومستحباتها، وأفعالها ~~الباطنة وهو الخشوع الذي روحها ولبها باستحضار قرب الله، وتدبر ما يقول ~~المصلي ويفعله. { ويؤتون الزكاة } المفروضة لمستحقيها. { وهم ~~بالآخرة هم يوقنون } أي: قد بلغ معهم الإيمان إلى أن وصل إلى ~~درجة اليقين، وهو العلم التام، الواصل إلى القلب الداعي إلى العمل. ~~ويقينهم بالآخرة، يقتضي كمال سعيهم لها، وحذرهم من أسباب العذاب وموجبات ~~العقاب وهذا أصل كل خير. { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~} ويكذبون بها ويكذبون من جاء بإثباتها، { زينا لهم ~~أعمالهم فهم يعمهون } حائرين مترددين، مؤثرين سخط الله على ~~رضاه، قد انقلبت عليهم الحقائق، فرأوا الباطل حقا، والحق باطلا. { ~~أولئك الذين لهم سوء العذاب } أي: أشده وأسوأه ~~وأعظمه، { وهم في الآخرة هم الأخسرون } حصر الخسار فيهم، ~~لكونهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وخسروا الإيمان الذي دعتهم ~~إليه الرسل. # { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } أي: ~~وإن هذا القرآن الذي ينزل عليك وتتلقفه وتتلقنه، ينزل من عند { حكيم } ~~يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. { عليم } بأسرار الأمور ~~وبواطنها، كظواهرها. ms1106 وإذا كان من عند { حكيم عليم } علم أنه كله ~~حكمة ومصالح للعباد، من الذي [هو] أعلم بمصالحهم منهم؟ { إذ قال ~~موسى لأهله إني آنست نارا } إلى آخر قصته، يعني: اذكر ~~هذه الحالة الفاضلة الشريفة من أحوال موسى بن عمران، ابتداء الوحي إليه، ~~واصطفائه برسالته، وتكليم الله إياه، وذلك أنه لما مكث في مدين عدة سنين، ~~وسار بأهله من مدين متوجها إلى مصر، فلما كان في أثناء الطريق ضل، وكان ~~في ليلة مظلمة باردة، فقال لهم: { إني آنست نارا } أي: أبصرت ~~نارا من بعيد { سآتيكم منها بخبر } عن الطريق، { أو ~~آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون } أي: تستدفئون، ~~وهذا دليل على أنه تائه، ومشتد برده، هو وأهله. { فلما جآءها ~~نودي أن بورك من في النار ومن حولها } أي: ناداه الله ~~تعالى وأخبره، أن هذا محل مقدس مبارك، ومن بركته، أن جعله الله موضعا ~~لتكليم الله لموسى وندائه وإرساله. { وسبحان الله رب ~~العالمين } عن أن يظن به نقص أو سوء، بل هو الكامل في وصفه وفعله. ~~{ يموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم } أي: أخبره ~~الله أنه الله المستحق للعبادة وحده لا شريك له، كما في الآية الأخرى # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14] { العزيز } الذي قهر جميع الأشياء، وأذعنت له كل ~~المخلوقات، { الحكيم } في أمره وخلقه. ومن حكمته أن أرسل عبده موسى ~~بن عمران، الذي علم الله منه أنه أهل لرسالته ووحيه وتكليمه. ومن عزته، ~~أن تعتمد عليه، ولا تستوحش من انفرادك وكثرة أعدائك وجبروتهم، فإن ~~نواصيهم بيد الله، وحركاتهم وسكونهم بتدبيره. { وألق عصاك } ~~فألقاها { فلما رآها تهتز كأنها جآن } وهو ذكر الحيات ~~سريع الحركة، { ولى مدبرا ولم يعقب } ذعرا من الحية ~~التي رأى، على مقتضى الطبائع البشرية، فقال الله له: { يموسى لا ~~تخف } وقال في الآية الأخرى: # أقبل ولا تخف إنك من الآمنين # [القصص: 31] { إني لا يخاف لدي المرسلون } لأن جميع ~~المخاوف مندرجة في قضائه وقدره وتصريفه وأمره، فالذين اختصهم الله ~~برسالته، واصطفاهم لوحيه، لا ينبغي ms1107 لهم أن يخافوا غير الله، خصوصا عند ~~زيادة القرب منه، والحظوة بتكليمه. { إلا من ظلم ثم بدل ~~حسنا بعد سوء } أي: فهذا الذي هو محل الخوف والوحشة بسبب ما ~~أسدى من الظلم، وما تقدم له من الجرم، وأما المرسلون، فما لهم وللوحشة ~~والخوف؟ ومع هذا، من ظلم نفسه بمعاصي الله، ثم تاب وأناب، فبدل سيئاته ~~حسنات، ومعاصيه طاعات، فإن الله غفور رحيم، فلا ييأس أحد من رحمته ~~ومغفرته، فإنه يغفر الذنوب جميعا، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها. # { وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير ~~سوء } لا برص ولا نقص، بل بياض يبهر الناظرين شعاعه. { في تسع ~~آيات إلى فرعون وقومه } أي: هاتان الآيتان، انقلاب العصا ~~حية تسعى، وإخراج اليد من الجيب، فتخرج بيضاء في جملة تسع آيات، تذهب بها ~~وتدعو فرعون وقومه، { إنهم كانوا قوما فاسقين } فسقوا ~~بشركهم وعتوهم وعلوهم على عباد الله، واستكبارهم في الأرض بغير الحق. ~~فذهب موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه ودعاهم إلى الله تعالى، وأراهم ~~الآيات. { فلما جآءتهم آياتنا مبصرة } مضيئة، تدل على ~~الحق، ويبصر بها كما تبصر الأبصار بالشمس. { قالوا هذا سحر ~~مبين } لم يكفهم مجرد القول بأنه سحر، بل قالوا: { مبين } ظاهر ~~لكل أحد. وهذا من أعجب العجائب، الآيات المبصرات، والأنوار الساطعات، ~~تجعل من بين الخزعبلات وأظهر السحر! هل هذا إلا من أعظم المكابرة، وأوقح ~~السفسطة. { وجحدوا بها } أي: كفروا بآيات الله، جاحدين لها، { ~~واستيقنتهآ أنفسهم } أي: ليس جحدهم مستندا إلى الشك ~~والريب، وإنما جحدهم مع علمهم ويقينهم بصحتها { ظلما } منهم لحق ربهم ~~ولأنفسهم، { وعلوا } على الحق وعلى العباد، وعلى الانقياد للرسل، { ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } أسوأ عاقبة، دمرهم ~~الله وغرقهم في البحر، وأخزاهم، وأورث مساكنهم المستضعفين من عباده. ### || [27.15-44] # { ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد ~~لله الذي فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين * وورث سليمان داوود } إلى آخر القصة. يذكر ~~في هذا القرآن، وينوه بمنته على داود وسليمان ابنه، بالعلم الواسع ~~الكثير، بدليل التنكير، كما قال تعالى: # وداوود ms1108 وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما # الآية [الأنبياء: 78-79]. { وقالا } شاكرين لربهما منته الكبرى ~~بتعليمهما: { الحمد لله الذي فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين } فحمدا الله على جعلهما من المؤمنين، أهل ~~السعادة، وأنهما كانا من خواصهم. ولا شك أن المؤمنين أربع درجات: ~~الصالحون، ثم فوقهم الشهداء، ثم فوقهم الصديقون، ثم فوقهم الأنبياء، ~~وداود وسليمان، من خواص الرسل، وإن كانوا دون درجة أولي العزم [الخمسة]، ~~لكنهم من جملة الرسل الفضلاء الكرام، الذين نوه الله بذكرهم، ومدحهم في ~~كتابه مدحا عظيما، فحمدوا الله على بلوغ هذه المنزلة، وهذا عنوان سعادة ~~العبد، أن يكون شاكرا لله على نعمه الدينية والدنيوية، وأن يرى جميع ~~النعم من ربه، فلا يفخر بها ولا يعجب بها، بل يرى أنها تستحق عليه شكرا ~~كثيرا، فلما مدحهما مشتركين، خص سليمان بما خصه به، لكون الله أعطاه ~~ملكا عظيما، وصار له من الماجريات ما لم يكن لأبيه، صلى الله عليهما ~~وسلم، فقال: { وورث سليمان داوود } أي: ورث علمه ونبوته، ~~فانضم علم أبيه إلى علمه، فلعله تعلم من أبيه ما عنده من العلم، مع ما ~~كان عليه من العلم وقت أبيه، كما تقدم من قوله ففهمناها سليمان، وقال ~~شكرا لله، وتبجحا بإحسانه، وتحدثا بنعمته: { يأيها الناس ~~علمنا منطق الطير } فكان عليه الصلاة [والسلام] يفقه ما تقول ~~وتتكلم به، كما راجع الهدهد وراجعه، وكما فهم قول النملة للنمل كما يأتي، ~~وهذا لم يكن لأحد غير سليمان عليه الصلاة والسلام. { وأوتينا من ~~كل شيء } أي: أعطانا الله من النعم، ومن أسباب الملك، ومن السلطنة ~~والقهر، ما لم يؤته أحدا من الآدميين، ولهذا دعا ربه فقال: # وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي # [ص: 35] فسخر الله له الشياطين، يعملون له كل ما شاء، من الأعمال التي ~~يعجز عنها غيرهم، وسخر له الريح، غدوها شهر ورواحها شهر. { إن هذا ~~} الذي أعطانا الله وفضلنا واختصنا به { لهو الفضل المبين } ~~الواضح الجلي، فاعترف ms1109 أكمل اعتراف بنعمة الله تعالى. { وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم ~~يوزعون } أي: جمع له جنوده الكثيرة الهائلة المتنوعة، من بني آدم، ~~ومن الجن والشياطين، ومن الطيور فهم يوزعون، يدبرون، ويرد أولهم على ~~آخرهم، وينظمون غاية التنظيم في سيرهم ونزولهم، وحلهم وترحالهم قد استعد ~~لذلك، وأعد له عدته، وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره، لا تقدر على عصيانه، ~~ولا تتمرد عنه، قال تعالى: # هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك # [ص: 39] أي: أعط بغير حساب، فسار بهذه الجنود الضخمة في بعض أسفاره. { ~~حتى إذآ أتوا على واد النمل قالت نملة } منبهة ~~لرفقتها وبني جنسها: { يأيها النمل ادخلوا مساكنكم ~~لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون } ~~فنصحت هذه النملة، وأسمعت النمل، إما بنفسها، ويكون الله قد أعطى النمل ~~أسماعا خارقة للعادة، لأن التنبيه للنمل، الذي قد ملأ الوادي بصوت نملة ~~واحدة، من أعجب العجائب. وإما بأنها أخبرت من حولها من النمل، ثم سرى ~~الخبر من بعضهن لبعض حتى بلغ الجميع، وأمرتهن بالحذر، والطريق في ذلك، ~~وهو دخول مساكنهن. وعرفت حالة سليمان وجنوده، وعظمة سلطانه، واعتذرت ~~عنهم، أنهم إن حطموكم، فليس عن قصد منهم ولا شعور، فسمع سليمان عليه ~~الصلاة والسلام قولها وفهمه. { فتبسم ضاحكا من قولها } ~~إعجابا منه بفصاحتها ونصحها، وحسن تعبيرها. وهذا حال الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، الأدب الكامل، والتعجب في موضعه، وأن لا يبلغ بهم الضحك ~~إلا إلى التبسم، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم جل ضحكه التبسم، ~~فإن القهقهة تدل على خفة العقل وسوء الأدب. وعدم التبسم والعجب مما يتعجب ~~منه، يدل على شراسة الخلق والجبروت. والرسل منزهون عن ذلك. وقال شاكرا ~~لله الذي أوصله إلى هذه الحال: { رب أوزعني } أي: ألهمني ووفقني ~~{ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى ~~والدي } فإن النعمة على الوالدين نعمة على الولد. فسأل ربه التوفيق ~~للقيام بشكر نعمته، الدينية والدنيوية عليه وعلى والديه، { وأن ~~أعمل صالحا ترضاه } أي: ووفقني أن أعمل صالحا ترضاه، لكونه ~~موافقا لأمرك، مخلصا فيه، سالما من المفسدات والمنقصات، ms1110 { ~~وأدخلني برحمتك } التي منها الجنة { في } جملة { عبادك ~~الصالحين } فإن الرحمة مجعولة للصالحين على اختلاف درجاتهم ~~ومنازلهم. فهذا نموذج ذكره الله من حالة سليمان عند سماعه خطاب النملة ~~ونداءها. ثم ذكر نموذجا آخر من مخاطبته للطير، فقال: { وتفقد ~~الطير } دل هذا على كمال عزمه وحزمه، وحسن تنظيمه لجنوده، وتدبيره ~~بنفسه للأمور الصغار والكبار، حتى إنه لم يهمل هذا الأمر، وهو تفقد ~~الطيور، والنظر: هل هي موجودة كلها، أم مفقود منها شيء؟ وهذا هو المعنى ~~للآية. ولم يصنع شيئا من قال: إنه تفقد الطير، لينظر أين الهدهد منها، ~~ليدله على بعد الماء وقربه، كما زعموا عن الهدهد، أنه يبصر الماء تحت ~~الأرض الكثيفة، فإن هذا القول لا يدل عليه دليل، بل الدليل العقلي ~~واللفظي دال على بطلانه، أما العقلي، فإنه قد عرف بالعادة والتجارب ~~والمشاهدات، أن هذه الحيوانات كلها، ليس منها شيء يبصر هذا البصر الخارق ~~للعادة، ينظر الماء تحت الأرض الكثيفة، ولو كان كذلك، لذكره الله، لأنه ~~من أكبر الآيات. # وأما الدليل اللفظي، فلو أريد هذا المعنى، لقال: " وطلب الهدهد لينظر له ~~الماء، فلما فقده قال ما قال " أو " فتش عن الهدهد " أو: " بحث عنه " ~~ونحو ذلك من العبارات، وإنما تفقد الطير، لينظر الحاضر منها والغائب، ~~ولزومها للمراكز والمواضع التي عينها لها. وأيضا فإن سليمان عليه ~~السلام، لا يحتاج ولا يضطر إلى الماء، بحيث يحتاج لهندسة الهدهد، فإن ~~عنده من الشياطين والعفاريت ما يحفرون له الماء، ولو بلغ في العمق ما ~~بلغ. وسخر الله له الريح غدوها شهر ورواحها شهر، فكيف - مع ذلك - يحتاج ~~إلى الهدهد؟!! وهذه التفاسير التي توجد، وتشتهر بها أقوال، لا يعرف ~~غيرها، تنقل هذه الأقوال عن بني إسرائيل مجردة، ويغفل الناقل عن مناقضتها ~~للمعاني الصحيحة، وتطبيقها على الأقوال، ثم لا تزال تتناقل، وينقلها ~~المتأخر مسلما للمتقدم، حتى يظن أنها الحق، فيقع من الأقوال الردية في ~~التفاسير ما يقع، واللبيب الفطن، يعرف أن هذا القرآن الكريم، العربي ~~المبين، الذي خاطب الله به الخلق كلهم، عالمهم وجاهلهم، وأمرهم ms1111 بالتفكر ~~في معانيه، وتطبيقها على ألفاظه العربية المعروفة المعاني، التي لا ~~تجهلها العرب العرباء، وإذا وجد أقوالا منقولة عن غير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ردها إلى هذا الأصل، فإن وافقته قبلها، لكون اللفظ دالا ~~عليها، وإن خالفته لفظا ومعنى، أو لفظا أو معنى، ردها وجزم ببطلانها، ~~لأن عنده أصلا معلوما مناقضا لها، وهو ما يعرفه من معنى الكلام ~~ودلالته. والشاهد، أن تفقد سليمان عليه السلام للطير، وفقده الهدهد، يدل ~~على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه، وكمال فطنته حتى فقد هذا الطائر ~~الصغير { فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغآئبين } أي: هل عدم رؤيتي إياه، لقلة فطنتي به، لكونه خفيا بين ~~هذه الأمم الكثيرة؟ أم على بابها، بأن كان غائبا من غير إذني ولا أمري؟. ~~فحينئذ تغيظ عليه وتوعده، فقال: { لأعذبنه عذابا شديدا } ~~دون القتل، { أو لأاذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين } أي: حجة واضحة على تخلفه، وهذا من كمال ورعه وإنصافه، أنه لم ~~يقسم على مجرد عقوبته بالعذاب أو القتل، لأن ذلك لا يكون إلا من ذنب، ~~وغيبته قد تحتمل أنها لعذر واضح، فلذلك استثناه، لورعه وفطنته. { ~~فمكث غير بعيد } ثم جاء، وهذا يدل على هيبة جنوده منه، وشدة ~~ائتمارهم لأمره، حتى إن هذا الهدهد، الذي خلفه العذر الواضح، لم يقدر على ~~التخلف زمنا كثيرا، { فقال } لسليمان: { أحطت بما لم تحط ~~به } أي: عندي العلم علم ما أحطت به، على علمك الواسع، وعلى درجتك فيه، ~~{ وجئتك من سبإ } القبيلة المعروفة في اليمن { بنبإ يقين ~~} أي: خبر متيقن. ثم فسر هذا النبأ فقال: { إني وجدت امرأة ~~تملكهم } أي: تملك قبيلة سبأ، وهي امرأة، { وأوتيت من كل ~~شيء } يؤتاه الملوك، من الأموال، والسلاح، والجنود، والحصون، والقلاع، ~~ونحو ذلك. # { ولها عرش عظيم } أي: كرسي ملكها الذي تجلس عليه، عرش هائل، ~~وعظم العروش تدل على عظمة المملكة وقوة السلطان وكثرة رجال الشورى. { ~~وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله } أي: ~~هم مشركون يعبدون الشمس. { وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~} فرأوا ما عليه ms1112 هو الحق، { فهم لا يهتدون } لأن الذي يرى أن ~~الذي عليه حق، لا مطمع في هدايته حتى تتغير عقيدته. ثم قال: { ألا } ~~أي: هلا { يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السموت والأرض } أي: يعلم الخفي الخبيء، في أقطار السماوات، ~~وأنحاء الأرض، من صغار المخلوقات، وبذور النباتات، وخفايا الصدور، ويخرج ~~خبء الأرض والسماء، بإنزال المطر، وإنبات النباتات، ويخرج خبء الأرض عند ~~النفخ في الصور وإخراج الأموات من الأرض، ليجازيهم بأعمالهم { ويعلم ~~ما تخفون وما تعلنون }. { الله لا إله إلا هو ~~} أي: لا تنبغي العبادة، والإنابة والذل، والحب، إلا له، لأنه المألوه، ~~لما له من الصفات الكاملة، والنعم الموجبة لذلك. { رب العرش ~~العظيم } الذي هو سقف المخلوقات، ووسع الأرض والسماوات، فهذا الملك ~~عظيم السلطان، كبير الشأن، هو الذي يذل له ويخضع ويسجد له ويركع، فسلم ~~الهدهد حين ألقى إليه هذا النبأ العظيم، وتعجب سليمان كيف خفي عليه. وقال ~~مثبتا لكمال عقله ورزانته: { قال سننظر أصدقت أم كنت ~~من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا } وسيأتي نصه { ~~فألقه إليهم ثم تول عنهم } أي: استأخر غير بعيد { ~~فانظر ماذا يرجعون } إليك وما يتراجعون به. فذهب به فألقاه ~~عليها، فقالت لقومها: { إني ألقي إلي كتاب كريم } أي ~~جليل المقدار، من أكبر ملوك الأرض. ثم بينت مضمونه فقالت { إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا ~~تعلوا علي وأتوني مسلمين } أي: لا تكونوا فوقي، بل ~~اخضعوا تحت سلطاني، وانقادوا لأوامري، وأقبلوا إلي مسلمين. وهذا في ~~غاية الوجازة مع البيان التام، فإنه تضمن نهيهم عن العلو عليه، والبقاء ~~على حالهم التي هم عليها، والانقياد لأمره، والدخول تحت طاعته، ومجيئهم ~~إليه، ودعوتهم إلى الإسلام، وفيه استحباب ابتداء الكتب بالبسملة كاملة، ~~وتقديم الاسم في أول عنوان الكتاب، فمن حزمها وعقلها، أن جمعت كبار ~~دولتها ورجال مملكتها، وقالت: { يأيها الملأ أفتوني في ~~أمري } أي: أخبروني: ماذا نجيبه به؟ وهل ندخل تحت طاعته وننقاد؟ أم ~~ماذا نفعل؟ { ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } أي: ما ~~كنت مستبدة بأمر دون رأيكم ومشورتكم. { قالوا ms1113 نحن أولو قوة ~~وأولو بأس شديد } أي: إن رددت عليه قوله، ولم تدخلي في طاعته، ~~فإنا أقوياء على القتال، فكأنهم مالوا إلى هذا الرأي، الذي لو تم لكان ~~فيه دمارهم، ولكنهم أيضا لم يستقروا عليه، بل قالوا: { والأمر ~~إليك } أي: الرأي ما رأيت، لعلمهم بعقلها وحزمها، ونصحها لهم { ~~فانظري } نظر فكر وتدبر { ماذا تأمرين }. # فقالت لهم -مقنعة لهم عن رأيهم، ومبينة سوء مغبة القتال- { إن ~~الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } قتلا، وأسرا، ~~ونهبا لأموالها، وتخريبا لديارها، { وجعلوا أعزة أهلهآ ~~أذلة } أي: جعلوا الرؤساء السادة أشراف الناس من الأذلين، أي: فهذا ~~رأي: غير سديد، وأيضا، فلست بمطيعة له قبل الاختبار وإرسال من يكشف عن ~~أحواله ويتدبرها، وحينئذ نكون على بصيرة من أمرنا. فقالت: { وإني ~~مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون } منه. هل يستمر على رأيه وقوله؟ أم تخدعه الهدية، وتتبدل ~~فكرته، وكيف أحواله وجنوده؟ فأرسلت له هدية مع رسل من عقلاء قومها، وذوي ~~الرأي: منهم، { فلما جآء سليمان } أي: جاءه الرسل بالهدية { ~~قال } منكرا عليهم، ومتغيظا على عدم إجابتهم: { أتمدونن ~~بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم } فليست تقع ~~عندي موقعا، ولا أفرح بها، قد أغناني الله عنها، وأكثر علي النعم، { ~~بل أنتم بهديتكم تفرحون } لحبكم للدنيا، وقلة ما ~~بأيديكم بالنسبة لما أعطاني الله. ثم أوصى الرسول من غير كتاب، لما رأى ~~من عقله، وأنه سينقل كلامه على وجهه، فقال: { ارجع إليهم } أي: ~~بهديتك { فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم } أي: لا طاقة ~~لهم { بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم صاغرون } ~~فرجع إليهم، وأبلغهم ما قال سليمان، وتجهزوا للمسير إلى سليمان، وعلم ~~سليمان أنهم لا بد أن يسيروا إليه، فقال لمن حضره من الجن والإنس: { ~~أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } ~~أي: لأجل أن نتصرف فيه قبل أن يسلموا، فتكون أموالهم محترمة، { قال ~~عفريت من الجن } والعفريت: هو القوي النشيط جدا: { أنا ~~آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه ~~لقوي أمين } والظاهر أن سليمان إذ ذاك في الشام، فيكون بينه ms1114 وبين ~~سبأ نحو مسيرة أربعة أشهر، شهران ذهابا، وشهران إيابا، ومع ذلك، يقول ~~هذا العفريت: أنا التزم بالمجيء به، على كبره وثقله، وبعده، قبل أن ~~تقوم من مجلسك الذي أنت فيه. والمعتاد من المجالس الطويلة، أن تكون معظم ~~الضحى، نحو ثلث يوم، هذا نهاية المعتاد، وقد يكون دون ذلك، أو أكثر، وهذا ~~الملك العظيم، الذي عند آحاد رعيته هذه القوة والقدرة، وأبلغ من ذلك أن { ~~قال الذي عنده علم من الكتاب }: قال المفسرون: هو رجل ~~عالم صالح، عند سليمان يقال له: " آصف بن برخيا " كان يعرف اسم الله ~~الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سأل به أعطى. { أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك } بأن يدعو الله بذلك الاسم، ~~فيحضر حالا، وأنه دعا الله فحضر. فالله أعلم [هل هذا المراد أم أن عنده ~~علما من الكتاب يقتدر به على جلب البعيد وتحصيل الشديد]. # { فلما رآه } سليمان { مستقرا عنده } حمد الله تعالى على ~~إقداره وملكه، وتيسير الأمور له، و { قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر } أي: ليختبرني بذلك. فلم يغتر ~~عليه السلام بملكه وسلطانه وقدرته، كما هو دأب الملوك الجاهلين، بل علم ~~أن ذلك اختبار من ربه، فخاف أن لا يقوم بشكر هذه النعمة، ثم بين أن هذا ~~الشكر لا ينتفع الله به، وإنما يرجع نفعه إلى صاحبه، فقال: { ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي ~~غني كريم } غني عن أعماله، كريم، كثير الخير، يعم به الشاكر ~~والكافر، إلا أن شكر نعمه داع للمزيد منها، وكفرها داع لزوالها، ثم قال ~~لمن عنده: { قال نكروا لها عرشها } أي: غيروه بزيادة ونقص، ~~ونحو ذلك { ننظر } مختبرين لعقلها { أتهتدي } للصواب، ويكون ~~عندها ذكاء وفطنة تليق بملكها { أم تكون من الذين لا ~~يهتدون }. { فلما جآءت } قادمة على سليمان، عرض عليها عرشها، ~~وكان عهدها به، قد خلفته في بلدها، و { قيل } لها { أهكذا عرشك ~~} أي: أنه استقر عندنا أن لك عرشا عظيما، فهل هو كهذا العرش الذي ~~أحضرناه لك؟ ms1115 { قالت كأنه هو } وهذا من ذكائها وفطنتها، لم تقل ~~" هو " ، لوجود التغيير فيه، والتنكير، ولم تنف أنه هو، لأنها عرفته، ~~فأتت بلفظ محتمل للأمرين، صادق على الحالين، فقال سليمان متعجبا من ~~هدايتها وعقلها، وشاكرا لله أن أعطاه أعظم منها: { وأوتينا ~~العلم من قبلها } أي: الهداية، والعقل، والحزم، من قبل هذه ~~الملكة، { وكنا مسلمين } وهي الهداية النافعة الأصلية. ويحتمل ~~أن هذا من قول ملكة سبأ: " وأوتينا العلم عن ملك سليمان وسلطانه، وزيادة ~~اقتداره، من قبل هذه الحالة التي رأينا فيها قدرته على إحضار العرش من ~~المسافة البعيدة، فأذعنا له، وجئنا مسلمين له، خاضعين لسلطانه ". قال ~~الله تعالى: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } أي: ~~عن الإسلام، وإلا، فلها من الذكاء والفطنة ما به تعرف الحق من الباطل، ~~ولكن العقائد الباطلة تذهب بصيرة القلب { إنها كانت من قوم ~~كافرين } فاستمرت على دينهم، وانفراد الواحد عن أهل الدين، والعادة ~~المستمرة بأمر يراه بعقله من ضلالهم وخطئهم، من أندر ما يكون، فلهذا لا ~~يستغرب بقاؤها على الكفر، ثم إن سليمان أراد أن ترى من سلطانه ما يبهر ~~العقول، فأمرها أن تدخل الصرح، وهي المجلس المرتفع المتسع، وكان مجلسا ~~من قوارير، تجري تحته الأنهار. ف { قيل لها ادخلي الصرح ~~فلما رأته حسبته لجة } ماء، لأن القوارير شفافة، يرى ~~الماء الذي تحتها، كأنه بذاته يجري، ليس دونه شيء، { وكشفت عن ~~ساقيها } للخياضة، وهذا أيضا من عقلها وأدبها، فإنها لم تمتنع من ~~الدخول للمحل الذي أمرت بدخوله، لعلمها أنها لم تستدع إلا للإكرام، وأن ~~ملك سليمان وتنظيمه، قد بناه على الحكمة، ولم يكن في قلبها أدنى شك من ~~حالة السوء، بعد ما رأت ما رأت. # فلما استعدت للخوض قيل لها: { إنه صرح ممرد } أي: مملس { ~~من قوارير } فلا حاجة منك لكشف الساقين. فحينئذ لما وصلت إلى ~~سليمان، وشاهدت ما شاهدت، وعلمت نبوته ورسالته، تابت ورجعت عن كفرها و { ~~قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان ~~لله رب العالمين }. فهذا ما قصه الله علينا من قصة ms1116 ملكة سبأ ~~وما جرى لها مع سليمان، وما عدا ذلك من الفروع المولدة، والقصص ~~الإسرائيلية، فإنه لا يتعلق بالتفسير لكلام الله، وهو من الأمور التي يقف ~~الجزم بها، على الدليل المعلوم عن المعصوم، والمنقولات في هذا الباب ~~كلها، أو أكثرها، ليس كذلك، فالحزم كل الحزم، الإعراض عنها، وعدم إدخالها ~~في التفاسير، والله أعلم. ### || [27.45-53] # { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن ~~اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون } إلى آخر ~~القصة. يخبر تعالى أنه أرسل إلى ثمود القبيلة المعروفة، أخاهم في النسب ~~صالحا، وأنه أمرهم أن يعبدوا الله وحده، ويتركوا الأنداد والأوثان، { ~~فإذا هم فريقان يختصمون } منهم المؤمن، ومنهم الكافر، وهم ~~معظمهم. { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل ~~الحسنة } أي: لم تبادرون فعل السيئات وتحرصون عليها، قبل فعل ~~الحسنات، التي بها تحسن أحوالكم وتصلح أموركم الدينية والدنيوية؟ والحال ~~أنه لا موجب لكم إلى الذهاب لفعل السيئات؟. { لولا تستغفرون ~~الله } بأن تتوبوا من شرككم وعصيانكم، وتدعوه أن يغفر لكم، { ~~لعلكم ترحمون } فإن رحمة الله تعالى قريب من المحسنين، ~~والتائب من الذنوب، هو من المحسنين. { قالوا } لنبيهم صالح، مكذبين ~~ومعارضين: { اطيرنا بك وبمن معك } زعموا - قبحهم الله - ~~أنهم لم يروا على وجه صالح خيرا، وأنه هو ومن معه من المؤمنين، صاروا ~~سببا لمنع بعض مطالبهم الدنيوية، فقال لهم صالح: { طائركم عند ~~الله } أي: ما أصابكم إلا بذنوبكم، { بل أنتم قوم تفتنون ~~} بالسراء والضراء، والخير والشر، لينظر هل تقلعون وتتوبون، أم لا؟ فهذا ~~دأبهم في تكذيب نبيهم وما قابلوه به. { وكان في المدينة } التي ~~فيها صالح، الجامعة لمعظم قومه { تسعة رهط يفسدون في ~~الأرض ولا يصلحون } أي: وصفهم الإفساد في الأرض، ولا لهم قصد ~~ولا فعل بالإصلاح، قد استعدوا لمعاداة صالح والطعن في دينه، ودعوة قومهم ~~إلى ذلك، كما قال تعالى: # فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون # [الشعراء: 150-152]. فلم يزالوا بهذه الحال الشنيعة، حتى إنهم من ~~عداوتهم { تقاسموا } فيما بينهم، كل واحد أقسم للآخر: { ~~لنبيتنه وأهله ms1117 } أي نأتيه ليلا، هو وأهله، فلنقتلنهم، { ~~ثم لنقولن لوليه } إذا قام علينا، وادعى علينا أنا ~~قتلناه، ننكر ذلك، وننفيه ونحلف { وإنا لصادقون } فتواطؤوا على ~~ذلك، { ومكروا مكرا } دبروا أمرهم على قتل صالح وأهله، على وجه ~~الخفية، حتى [من] قومهم، خوفا من أوليائه، { ومكرنا مكرا } بنصر ~~نبينا صالح عليه السلام، وتيسير أمره، وإهلاك قومه المكذبين { وهم لا ~~يشعرون }. { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } هل حصل ~~مقصودهم؟ وأدركوا بذلك المكر مطلوبهم، أم انتقض عليهم الأمر، ولهذا قال: ~~{ أنا دمرناهم وقومهم أجمعين } أهلكناهم، واستأصلنا ~~شأفتهم، فجاءتهم صيحة عذاب، فأهلكوا عن آخرهم. { فتلك بيوتهم ~~خاوية } قد تهدمت جدرانها على سقوفها، وأوحشت من ساكنيها، وعطلت من ~~نازليها، { بما ظلموا } أي: هذا عاقبة ظلمهم وشركهم بالله، وبغيهم ~~في الأرض. { إن في ذلك لآية لقوم يعلمون } الحقائق، ~~ويتدبرون وقائع الله، في أوليائه وأعدائه، فيعتبرون بذلك، ويعلمون أن ~~عاقبة الظلم الدمار والهلاك، وأن عاقبة الإيمان والعدل النجاة والفوز. ~~ولهذا قال: { وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } ~~أي: أنجينا المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر ~~خيره وشره، وكانوا يتقون الشرك بالله والمعاصي، ويعملون بطاعته وطاعة ~~رسله. ### || [27.54-58] # { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم ~~تبصرون } إلى آخر القصة. أي: واذكر عبدنا ورسولنا لوطا، ونبأه ~~الفاضل، حين قال لقومه - داعيا إلى الله وناصحا -: { أتأتون ~~الفاحشة } أي: الفعلة الشنعاء، التي تستفحشها العقول والفطر، ~~وتستقبحها الشرائع { وأنتم تبصرون } ذلك، وتعلمون قبحه، ~~فعاندتم، وارتكبتم ذلك، ظلما منكم وجرأة على الله. ثم فسر تلك الفاحشة، ~~فقال: { أإنكم لتأتون الرجال شهوة من دون ~~النسآء } أي: كيف توصلتم إلى هذه الحال، صارت شهوتكم للرجال، ~~وأدبارهم محل الغائط والنجو والخبث، وتركتم ما خلق الله لكم من ~~النساء، من المحال الطيبة، التي جبلت النفوس إلى الميل إليها وأنتم انقلب ~~عليكم الأمر، فاستحسنتم القبيح، واستقبحتم الحسن، { بل أنتم قوم ~~تجهلون } متجاوزون لحدود الله، متجرؤون على محارمه. { فما كان ~~جواب قومه } قبول ولا انزجار، ولا تذكر وادكار، إنما كان جوابهم ~~المعارضة والمناقضة، والتوعد لنبيهم الناصح ورسولهم الأمين، بالإجلاء عن ms1118 ~~وطنه، والتشريد عن بلده. فما كان جواب قومه { إلا أن قالوا ~~أخرجوا آل لوط من قريتكم }. فكأنه قيل: ما نقمتم منهم، ~~وما ذنبهم الذي أوجب لهم الإخراج، فقالوا: { إنهم أناس ~~يتطهرون } أي: يتنزهون عن اللواط وأدبار الذكور. فقبحهم الله ~~جعلوا أفضل الحسنات بمنزلة أقبح السيئات، ولم يكتفوا بمعصيتهم لنبيهم ~~فيما وعظهم به، حتى وصلوا إلى إخراجه، والبلاء موكل بالمنطق، فهم قالوا: # أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [الأعراف: 82]. ومفهوم هذا الكلام: " وأنتم متلوثون بالخبث والقذارة، ~~المقتضي لنزول العقوبة بقريتكم، ونجاة من خرج منها ". ولهذا قال تعالى: { ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من ~~الغابرين } وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف، وسمع بهم قومه، ~~فجاؤوا إليه يريدونهم بالشر، وأغلق الباب دونهم، واشتد الأمر عليه، ثم ~~أخبرته الملائكة عن جلية الحال، وأنهم جاؤوا لاستنقاذه وإخراجه من بين ~~أظهرهم، وأنهم يريدون إهلاكهم، وأن موعدهم الصبح، وأمروه أن يسري بأهله ~~ليلا، إلا امرأته فإنه سيصيبها ما أصابهم، فخرج بأهله ليلا، فنجوا ~~وصبحهم العذاب، فقلب الله عليهم ديارهم، وجعل أعلاها أسفلها، وأمطر ~~عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك. ولهذا قال هنا: { ~~وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } أي: ~~بئس المطر مطرهم، وبئس العذاب عذابهم، لأنهم أنذروا وخوفوا، فلم ينزجروا ~~ولم يرتدعوا، فأحل الله بهم عقابه الشديد. ### || [27.59] # أي: قل " الحمد لله " الذي يستحق كمال الحمد والمدح والثناء، لكمال ~~أوصافه، وجميل معروفه، وهباته وعدله، وحكمته في عقوبته المكذبين وتعذيب ~~الظالمين، وسلم أيضا على عباده، الذين تخيرهم واصطفاهم على العالمين، من ~~الأنبياء والمرسلين، وصفوة الله من العالمين، وذلك لرفع ذكرهم، وتنويها ~~بقدرهم، وسلامتهم من الشر والأدناس، وسلامة ما قالوه في ربهم من النقائص ~~والعيوب. { ءآلله خير أما يشركون } وهذا استفهام قد تقرر ~~وعرف، أي: الله الرب العظيم، كامل الأوصاف، عظيم الألطاف، خير أم الأصنام ~~والأوثان التي عبدوها معه، وهي ناقصة من كل وجه، لا تنفع ولا تضر، ولا ~~تملك لأنفسها ولا لعابديها مثقال ذرة من الخير، فالله خير مما يشركون. ثم ~~ذكر تفاصيل ما به ms1119 يعرف ويتعين أنه الإله المعبود، وأن عبادته هي الحق، ~~وعبادة [ما] سواه هي الباطل، فقال: { أمن خلق السموت ~~والأرض وأنزل لكم من... }. ### || [27.60] # أي: من خلق السماوات وما فيها، من الشمس والقمر والنجوم والملائكة، ~~والأرض وما فيها، من جبال وبحار وأنهار وأشجار وغير ذلك؟. { وأنزل ~~لكم } أي: لأجلكم { من السمآء مآء فأنبتنا به ~~حدآئق } أي: بساتين { ذات بهجة } أي: حسن منظر، من كثرة ~~أشجارها وتنوعها، وحسن ثمارها، { ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها } لولا منة الله عليكم بإنزال المطر. { أإله مع ~~الله } فعل هذه الأفعال، حتى يعبد معه ويشرك به؟، { بل هم قوم ~~يعدلون } به غيره، ويسوون به سواه، مع علمهم أنه وحده خالق العالم ~~العلوي والسفلي، ومنزل الرزق. ### || [27.61] # أي: هل الأصنام والأوثان، الناقصة من كل وجه، التي لا فعل منها ولا رزق ~~ولا نفع، خير؟ أم الله الذي { جعل الأرض قرارا } يستقر عليها ~~العباد ويتمكنون من السكنى، والحرث، والبناء، والذهاب، والإياب. { ~~وجعل خلالهآ أنهارا } أي: جعل في خلال الأرض، أنهارا ينتفع ~~بها العباد، في زروعهم وأشجارهم، وشربهم وشرب مواشيهم. { وجعل لها ~~رواسي } أي: جبالا ترسيها وتثبتها، لئلا تميد، وتكون أوتادا لها، ~~لئلا تضطرب. { وجعل بين البحرين } البحر المالح والبحر ~~العذب { حاجزا } يمنع من اختلاطهما، فتفوت المنفعة المقصودة من كل ~~منهما، بل جعل بينهما حاجزا من الأرض، جعل مجرى الأنهار في الأرض مبعدة ~~عن البحار، فيحصل منها مقاصدها ومصالحها، { أإله مع الله } فعل ~~ذلك، حتى يعدل به الله ويشرك به معه. { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } فيشركون بالله، تقليدا لرؤسائهم، وإلا فلو علموا حق ~~العلم، لم يشركوا به شيئا. ### || [27.62] # أي: هل يجيب المضطر، الذي أقلقته الكروب، وتعسر عليه المطلوب، واضطر ~~للخلاص مما هو فيه، إلا الله وحده؟ ومن يكشف السوء، أي: البلاء والشر ~~والنقمة، إلا الله وحده؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض، يمكنكم منها، ويمد لكم ~~بالرزق، ويوصل إليكم نعمه، وتكونون خلفاء من قبلكم، كما أنه سيميتكم، ~~ويأتي بقوم بعدكم، أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟ لا أحد يفعل مع ms1120 الله ~~شيئا من ذلك، حتى بإقراركم أيها المشركون، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر، ~~دعوا الله مخلصين له الدين، لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته، { ~~قليلا ما تذكرون } أي: قليل تذكركم وتدبركم للأمور، التي إذا ~~تذكرتموها ادكرتم ورجعتم إلى الهدى، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم، ~~فلذلك ما ارعويتم ولا اهتديتم. ### || [27.63] # أي: من هو الذي يهديكم حين تكونون في ظلمات البر والبحر، حيث لا دليل، ~~ولا معلم يرى، ولا وسيلة إلى النجاة إلا هدايته لكم، وتيسيره الطريق، ~~وجعل ما جعل لكم من الأسباب التي تهتدون بها، { ومن يرسل ~~الرياح بشرا بين يدي رحمته } أي: بين يدي المطر، ~~فيرسلها، فتثير السحاب، ثم تؤلفه، ثم تجمعه، ثم تلقحه، ثم تدره، فيستبشر ~~بذلك العباد، قبل نزول المطر. { أإله مع الله } فعل ذلك؟ أم ~~هو وحده، الذي انفرد به؟ فلم أشركتم معه غيره، وعبدتم سواه؟ { تعالى ~~الله عما يشركون } تعاظم وتنزه وتقدس عن شركهم وتسويتهم به ~~غيره. ### || [27.64] # أي: من هو الذي يبدأ الخلق، وينشئ المخلوقات، ويبتدئ خلقها، ثم يعيد ~~الخلق يوم البعث والنشور؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض، بالمطر والنبات؟. ~~{ أإله مع الله } يفعل ذلك، ويقدر عليه؟ { قل هاتوا ~~برهانكم } أي: حجتكم ودليلكم على ما قلتم { إن كنتم صادقين ~~} وإلا، فبتقدير أنكم تقولون: إن الأصنام لها مشاركة له، في شيء من ذلك، ~~فذلك مجرد دعوى، صدقوها بالبرهان، وإلا، فاعرفوا أنكم مبطلون، لا حجة ~~لكم، فارجعوا إلى الأدلة اليقينية والبراهين القطعية الدالة على أن الله ~~هو المتفرد بجميع التصرفات، وأنه المستحق أن تصرف له جميع أنواع ~~العبادات. ### || [27.65-69] # يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض، كقوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59] وكقوله: # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام # [لقمان: 34] إلى آخر السورة. فهذه الغيوب ونحوها، اختص الله بعلمها، فلم ~~يعلمها ms1121 ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك، المحيط ~~علمه بالسرائر والبواطن والخفايا، فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم ~~أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة، منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ ~~منه، فقال: { وما يشعرون } أي: وما يدرون { أيان يبعثون ~~} أي: متى البعث والنشور، والقيام من القبور، أي: فلذلك لم يستعدوا. { ~~بل ادارك علمهم في الآخرة } أي: بل ضعف، وقل ولم يكن ~~يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب، وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ~~ووهاؤه، بل ليس عندهم علم ولا ضعيف وإنما { بل هم في شك منها ~~} أي: من الآخرة، والشك زال به العلم، لأن العلم بجميع مراتبه، لا يجامع ~~الشك، { بل هم منها } أي: من الآخرة { عمون } قد عميت عنها ~~بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال، بل أنكروها ~~واستبعدوها، ولهذا قال: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ~~ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } أي: هذا بعيد غير ممكن، ~~قاسوا قدرة كامل القدرة بقدرهم الضعيفة. { لقد وعدنا هذا } ~~أي: البعث { نحن وآبآؤنا من قبل } أي: فلم يجئنا، ولا رأينا ~~منه شيئا. { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي: قصصهم ~~وأخبارهم، التي تقطع بها الأوقات، وليس لها أصل، ولا صدق فيها. فانتقل في ~~الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار أنهم لا يدرون متى وقت الآخرة، ثم ~~الإخبار بضعف علمهم فيها، ثم الإخبار بأنه شك، ثم الإخبار بأنه عمى، ثم ~~الإخبار بإنكارهم لذلك واستبعادهم وقوعه. أي: وبسبب هذه الأحوال ترحل ~~خوف الآخرة من قلوبهم، فأقدموا على معاصي الله، وسهل عليهم تكذيب الحق، ~~والتصديق بالباطل، واستحلوا الشهوات على القيام بالعبادات، فخسروا دنياهم ~~وأخراهم. ثم نبههم على صدق ما أخبرت به الرسل، فقال: { قل سيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عقبة المجرمين } فلا تجدون ~~مجرما قد استمر على إجرامه، إلا وعاقبته شر عاقبة، وقد أحل الله به من ~~الشر والعقوبة ما يليق بحاله. ### || [27.70-72] # أي: لا تحزن يا محمد على هؤلاء المكذبين، وعدم إيمانهم، فإنك لو علمت ما ~~فيهم ms1122 من الشر، وأنهم لا يصلحون للخير، لم تأس ولم تحزن، ولا يضق صدرك، ~~ولا تقلق نفسك بمكرهم، فإن مكرهم سيعود عاقبته عليهم، # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30] ويقول المكذبون بالمعاد، وبالحق الذي جاء به الرسول ~~مستعجلين للعذاب: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } ~~وهذا من سفاهة رأيهم وجهلهم، فإن وقوعه ووقته، قد أجله الله بأجله، وقدره ~~بقدر، فلا يدل عدم استعجاله على بعض مطلوبهم. ولكن - مع هذا - قال تعالى ~~محذرا لهم وقوع ما استعجلوه: { قل عسى أن يكون ردف لكم } ~~أي: قرب منكم، وأوشك أن يقع بكم { بعض الذي تستعجلون } من ~~العذاب. ### || [27.73-75] # ينبه عباده، على سعة جوده، وكثرة أفضاله، ويحثهم على شكرها، ومع هذا، ~~فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر، واشتغلوا بالنعم عن المنعم. { وإن ~~ربك ليعلم ما تكن } أي: تنطوي عليه { صدورهم وما ~~يعلنون } فليحذروا من عالم السرائر والظواهر، وليراقبوه. { وما ~~من غآئبة في السمآء والأرض } أي: خفية وسر من أسرار ~~العالم العلوي والسفلي، { إلا في كتاب مبين } قد أحاط ذلك ~~الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فكل حادث يحدث جلي أو ~~خفي، إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ. ### || [27.76-77] # وهذا خبر عن هيمنة القرآن، على الكتب السابقة، وتفصيله وتوضيحه، لما كان ~~فيها قد وقع فيه اشتباه واختلاف عند بني إسرائيل، فقصه هذا القرآن قصا ~~زال به الإشكال، وبين به الصواب من المسائل المختلف فيها. وإذا كان بهذه ~~المثابة، من الجلالة والوضوح، وإزالة كل خلاف، وفصل كل مشكل، كان أعظم ~~نعم الله على العباد، ولكن ما كل أحد يقابل النعمة بالشكر. ولهذا بين أن ~~نفعه ونوره وهداه، مختص بالمؤمنين، فقال: { وإنه لهدى } من ~~الضلالة والغي والشبه { ورحمة } تنثلج له صدورهم، وتستقيم به ~~أمورهم الدينية والدنيوية { للمؤمنين } به، المصدقين له، المتلقين ~~له بالقبول، المقبلين على تدبره، المتفكرين في معانيه، فهؤلاء تحصل لهم ~~به الهداية إلى الصراط المستقيم، والرحمة المتضمنة للسعادة والفوز ~~والفلاح. ### || [27.78] # أي: إن الله تعالى سيفصل بين المختصين، وسيحكم بين ms1123 المختلفين، بحكمه ~~العدل، وقضائه القسط، فالأمور وإن حصل فيها اشتباه في الدنيا بين ~~المختلفين، لخفاء الدليل، أو لبعض المقاصد، فإنه سيبين فيها الحق المطابق ~~للواقع، حين يحكم الله فيها، { وهو العزيز } الذي قهر الخلائق ~~فأذعنوا له، { العليم } بجميع الأشياء { العليم } بأقوال ~~المختلفين، وعن ماذا صدرت، وعن غاياتها ومقاصدها، وسيجازي كلا بما علمه ~~فيه. ### || [27.79-81] # أي: اعتمد على ربك في جلب المصالح ودفع المضار، وفي تبليغ الرسالة، ~~وإقامة الدين، وجهاد الأعداء. { إنك على الحق المبين } ~~الواضح، والذي على الحق يدعو إليه، ويقوم بنصرته، أحق من غيره بالتوكل، ~~فإنه يسعى في أمر مجزوم به، معلوم صدقه، لا شك فيه ولا مرية. وأيضا، فهو ~~حق في غاية البيان، لا خفاء به ولا اشتباه، وإذا قمت بما حملت، وتوكلت ~~على الله في ذلك، فلا يضرك ضلال من ضل، وليس عليك هداهم فلهذا قال: { ~~إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء } ~~أي: حين تدعوهم وتناديهم، وخصوصا { إذا ولوا مدبرين } فإنه ~~يكون أبلغ في عدم إسماعهم. { ومآ أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم } كما قال تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون } أي: هؤلاء الذين ينقادون لك، الذين يؤمنون بآيات الله، ~~وينقادون لها بأعمالهم واستسلامهم، كما قال تعالى: # إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم ~~الله ثم إليه يرجعون # [الأنعام: 36]. ### || [27.82] # أي: إذا وقع على الناس القول الذي حتمه الله وفرض وقته. { أخرجنا ~~لهم دآبة } خارجة { من الأرض } أو دابة من دواب الأرض، ليست ~~من السماء، وهذه الدابة { تكلمهم } أي: تكلم العباد أن الناس ~~كانوا بآياتنا لا يوقنون، أي: لأجل أن الناس، ضعف علمهم ويقينهم بآيات ~~الله، فأظهر الله هذه الدابة، من آيات الله العجيبة، ليبين للناس ما ~~كانوا فيه يمترون. وهذه الدابة، هي الدابة المشهورة، التي تخرج في آخر ~~الزمان، وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بذلك الأحاديث، [ولم يأت ~~دليل يدل على كيفيتها، ولا من أي نوع هي، وإنما دلت الآية الكريمة ms1124 على ~~أن الله يخرجها للناس، وأن هذا التكليم منها خارق للعوائد المألوفة، ~~وأنه من الأدلة على صدق ما أخبر الله به في كتابه، والله أعلم]. ### || [27.83-85] # يخبر تعالى عن حالة المكذبين في موقف القيامة، وأن الله يجمعهم، ويحشر ~~من كل أمة من الأمم فوجا وطائفة { ممن يكذب بآياتنا فهم ~~يوزعون } يجمع أولهم على آخرهم، وآخرهم على أولهم، ليعمهم السؤال ~~والتوبيخ واللوم. { حتى إذا جآءو } وحضروا، قال لهم موبخا ~~ومقرعا: { قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها } ~~العلم، أي: الواجب عليكم التوقف حتى ينكشف لكم الحق، وأن لا تتكلموا إلا ~~بعلم، فكيف كذبتم بأمر لم تحيطوا به علما؟ { أما ذا كنتم ~~تعملون } أي: يسألهم عن علمهم، وعن عملهم، فيجد عليهم تكذيبا ~~بالحق، وعملهم لغير الله، أو على غير سنة رسولهم. { ووقع القول ~~عليهم بما ظلموا } أي: حقت عليهم كلمة العذاب بسبب ظلمهم الذي ~~استمروا عليه، وتوجهت عليهم الحجة، { فهم لا ينطقون } لأنه لا ~~حجة لهم. ### || [27.86] # أي: ألم يشاهدوا هذه الآية العظيمة، والنعمة الجسيمة، وهو تسخير الله ~~لهم الليل والنهار، هذا بظلمته، ليسكنوا فيه ويستريحوا من التعب، ~~ويستعدوا للعمل، وهذا بضيائه، لينتشروا فيه في معاشهم وتصرفاتهم. { إن ~~في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } على كمال وحدانية الله وسبوغ ~~نعمته. ### || [27.87-90] # يخوف تعالى عباده، ما أمامهم من يوم القيامة، وما فيه من المحن والكروب، ~~ومزعجات القلوب، فقال: { ويوم ينفخ في الصور ففزع } بسبب ~~النفخ فيه { من في السموت ومن في الأرض } أي: انزعجوا ~~وارتاعوا، وماج بعضهم ببعض، خوفا مما هو مقدمة له. { إلا من شآء ~~الله } ممن أكرمه الله وثبته، وحفظه من الفزع، { وكل } من الخلق ~~عند النفخ في الصور { أتوه داخرين } صاغرين ذليلين، كما قال ~~تعالى: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] ففي ذلك اليوم، يتساوى الرؤساء والمرؤوسون، في الذل والخضوع ~~لمالك الملك. ومن هوله أنك { ترى الجبال تحسبها جامدة ~~} لا تفقد [شيئا] منها، وتظنها باقية على الحال المعهودة، وهي قد بلغت ~~منها الشدائد والأهوال كل مبلغ، وقد ms1125 تفتت، ثم تضمحل، وتكون هباء منبثا. ~~ولهذا قال: { وهي تمر مر السحاب } من خفتها، وشدة ذلك ~~الخوف وذلك { صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه ~~خبير بما تفعلون } فيجازيكم بأعمالكم. ثم بين كيفية جزائه ~~فقال: { من جآء بالحسنة } اسم جنس يشمل كل حسنة، قولية أو ~~فعلية أو قلبية { فله خير منها } هذا أقل التفضيل. { وهم ~~من فزع يومئذ آمنون } أي: من الأمر الذي فزع الخلق لأجله ~~آمنون، وإن كانوا يفزعون معهم. { ومن جآء بالسيئة } اسم جنس، ~~يشمل كل سيئة { فكبت وجوههم في النار } أي: ألقوا في النار ~~على وجوههم، ويقال لهم: { هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون }. ### || [27.91-93] # أي: قل لهم يا محمد { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة } أي: مكة المكرمة التي حرمها وأنعم على أهلها، فيجب أن ~~يقابلوا ذلك بالشكر والقبول. { وله كل شيء } من العلويات ~~والسفليات، أتى به لئلا يتوهم اختصاص ربوبيته بالبيت وحده. { وأمرت ~~أن أكون من المسلمين } أي: أبادر إلى الإسلام، وقد فعل صلى ~~الله عليه وسلم، فإنه أول هذه الأمة إسلاما، وأعظمها استسلاما، { و } ~~أمرت أيضا { أن أتلوا } عليكم { القرآن } لتهتدوا به وتقتدوا ~~وتعلموا ألفاظه ومعانيه، فهذا الذي علي وقد أديته، { فمن اهتدى ~~فإنما يهتدي لنفسه } نفعه يعود عليه، وثمرته عائدة إليه { ~~ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين } وليس بيدي من ~~الهداية شيء. { وقل الحمد لله } الذي له الحمد في الأولى ~~والآخرة، ومن جميع الخلق، خصوصا أهل الاختصاص والصفوة من عباده، فإن ~~الذي ينبغي أن يقع منهم من الحمد والثناء على ربهم، أعظم مما يقع من ~~غيرهم، لرفعة درجاتهم وكمال قربهم منه، وكثرة خيراته عليهم. { ~~سيريكم آياته فتعرفونها } معرفة تدلكم على الحق والباطل، ~~فلا بد أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات. # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. { وما ربك بغافل عما تعملون } بل قد ~~علم ما أنتم عليه من الأعمال والأحوال، وعلم مقدار جزاء تلك الأعمال، ~~وسيحكم بينكم حكما تحمدونه عليه، ولا يكون لكم ms1126 حجة بوجه من الوجوه ~~عليه. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-51] # { بسم الله الرحمن الرحيم * طسم * تلك آيات ~~الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق لقوم يؤمنون } إلى آخر القصة. { تلك ~~} الآيات المستحقة للتعظيم والتفخيم { آيات الكتاب المبين } ~~لكل أمر يحتاج إليه العباد، من معرفة ربهم، ومعرفة حقوقه، ومعرفة أوليائه ~~وأعدائه، ومعرفة وقائعه وأيامه، ومعرفة ثواب الأعمال، وجزاء العمال، فهذا ~~القرآن قد بينها غاية التبيين، وجلاها للعباد ووضحها. ومن جملة ما ~~أبان، قصة موسى وفرعون، فإنه أبداها، وأعادها في عدة مواضع، وبسطها في ~~هذا الموضع فقال: { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون ~~بالحق }. فإن نبأهما غريب، وخبرهما عجيب. { لقوم يؤمنون } ~~فإليهم يساق الخطاب، ويوجه الكلام، حيث إن معهم من الإيمان ما يقبلون به ~~على تدبر ذلك، وتلقيه بالقبول والاهتداء بمواقع العبر، ويزدادون به ~~إيمانا ويقينا، وخيرا إلى خيرهم، وأما من عداهم، فلا يستفيدون منه إلا ~~إقامة الحجة عليهم، وصانه الله عنهم، وجعل بينهم وبينه حجابا أن ~~يفقهوه. فأول هذه القصة { إن فرعون علا في الأرض } في ملكه ~~وسلطانه وجنوده وجبروته، فصار من أهل العلو فيها، لا من الأعلين فيها. { ~~وجعل أهلها شيعا } أي: طوائف متفرقة، يتصرف فيهم بشهوته، ~~وينفذ فيهم ما أراد من قهره وسطوته. { يستضعف طآئفة منهم ~~} وتلك الطائفة، هم بنو إسرائيل، الذين فضلهم الله على العالمين، الذين ~~له أن يكرمهم ويجلهم، ولكنه استضعفهم، بحيث إنه رأى أنهم لا منعة لهم ~~تمنعهم مما أراده فيهم، فصار لا يبالي بهم، ولا يهتم بشأنهم، وبلغت به ~~الحال إلى أنه { يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم } ~~خوفا من أن يكثروا، فيغمروه في بلاده، ويصير لهم الملك. { إنه كان ~~من المفسدين } الذين لا قصد لهم في إصلاح الدين، ولا إصلاح ~~الدنيا، وهذا من إفساده في الأرض. { ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض } بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف، ~~ونهلك من قاومهم، ونخذل من ناوأهم. { ونجعلهم أئمة } في ~~الدين، وذلك لا يحصل مع استضعاف، بل لا بد من تمكين في الأرض، وقدرة ~~تامة، { ونجعلهم الوارثين ms1127 } للأرض، الذين لهم العاقبة في ~~الدنيا قبل الآخرة. { ونمكن لهم في الأرض } فهذه الأمور ~~كلها، قد تعلقت بها إرادة الله، وجرت بها مشيئته، { و } كذلك نريد أن { ~~نري فرعون وهامان } وزيره { وجنودهما } التي بها صالوا ~~وجالوا، وعلوا وبغوا { منهم } أي: من هذه الطائفة المستضعفة. { ما ~~كانوا يحذرون } من إخراجهم من ديارهم، ولذلك كانوا يسعون في ~~قمعهم، وكسر شوكتهم، وتقتيل أبنائهم، الذين هم محل ذلك، فكل هذا قد أراده ~~الله، وإذا أراد أمرا سهل أسبابه، ونهج طرقه، وهذا الأمر كذلك، فإنه ~~قدر وأجرى من الأسباب - التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه - ما ~~هو سبب موصل إلى هذا المقصود، فأول ذلك، لما أوجد الله رسوله موسى، الذي ~~جعل استنقاذ هذا الشعب الإسرائيلي على يديه وبسببه، وكان في وقت تلك ~~المخافة العظيمة، التي يذبحون بها الأبناء، أوحى إلى أمه أن ترضعه، ويمكث ~~عندها. # { فإذا خفت عليه } بأن أحسست أحدا تخافين عليه منه أن يوصله ~~إليهم، { فألقيه في اليم } أي: نيل مصر، في وسط تابوت مغلق، { ~~ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه ~~من المرسلين } فبشرها بأنه سيرده عليها، وأنه سيكبر ويسلم من ~~كيدهم، ويجعله الله رسولا. وهذا من أعظم البشائر الجليلة، وتقديم هذه ~~البشارة لأم موسى، ليطمئن قلبها، ويسكن روعها، فإنها خافت عليه، وفعلت ما ~~أمرت به، ألقته في اليم، فساقه الله تعالى حتى { فالتقطه آل ~~فرعون } فصار من لقطهم، وهم الذين باشروا وجدانه، { ليكون ~~لهم عدوا وحزنا } أي: لتكون العاقبة والمآل من هذا الالتقاط، ~~أن يكون عدوا لهم وحزنا يحزنهم، بسبب أن الحذر لا ينفع من القدر، وأن ~~الذي خافوا منه من بني إسرائيل، قيض الله أن يكون زعيمهم، يتربى تحت ~~أيديهم، وعلى نظرهم، وبكفالتهم. وعند التدبر والتأمل، تجد في طي ذلك من ~~المصالح لبني إسرائيل، ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومنع كثير من ~~التعديات قبل رسالته، بحيث إنه صار من كبار المملكة. وبالطبع، إنه لا بد ~~أن يحصل منه مدافعة عن حقوق شعبه هذا، وهو هو ذو ms1128 الهمة العالية والغيرة ~~المتوقدة، ولهذا وصلت الحال بذلك الشعب المستضعف - الذي بلغ بهم الذل ~~والإهانة إلى ما قص الله علينا بعضه - أن صار بعض أفراده، ينازع ذلك ~~الشعب القاهر العالي في الأرض، كما سيأتي بيانه. وهذا مقدمة للظهور، فإن ~~الله تعالى من سنته الجارية، أن جعل الأمور تمشي على التدريج شيئا ~~فشيئا، ولا تأتي دفعة واحدة. وقوله: { إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين } أي: فأردنا أن نعاقبهم على خطئهم ~~ونكيد هم جزاء على مكرهم وكيدهم. فلما التقطه آل فرعون، حنن الله ~~عليه امرأة فرعون الفاضلة الجليلة المؤمنة " آسية " بنت مزاحم { ~~وقالت } هذا الولد { قرت عين لي ولك لا تقتلوه } ~~أي: أبقه لنا، ليقر به أعيننا، ونستر به في حياتنا. { عسى أن ~~ينفعنا أو نتخذه ولدا } أي: لا يخلو، إما أن يكون بمنزلة ~~الخدم، الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا، أو نرقيه منزلة أعلى من ذلك، نجعله ~~ولدا لنا، ونكرمه، ونجله. فقدر الله تعالى، أنه نفع امرأة فرعون، ~~التي قالت تلك المقالة، فإنه لما صار قرة عين لها، وأحبته حبا شديدا، ~~فلم يزل لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبر ونبأه الله وأرسله، فبادرت إلى ~~الإسلام والإيمان به، رضي الله عنها وأرضاها. قال الله تعالى هذه ~~المراجعات [والمقاولات] في شأن موسى: { وهم لا يشعرون } ما جرى ~~به القلم، ومضى به القدر، من وصوله إلى ما وصل إليه، وهذا من لطفه تعالى، ~~فإنهم لو شعروا، لكان لهم وله شأن آخر. # ولما فقدت موسى أمه، حزنت حزنا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا من القلق ~~الذي أزعجها، على مقتضى الحالة البشرية، مع أن الله تعالى نهاها عن ~~الحزن والخوف، ووعدها برده. { إن كادت لتبدي به } أي: بما في ~~قلبها { لولا أن ربطنا على قلبها } فثبتناها، فصبرت، ولم ~~تبد به. { لتكون } بذلك الصبر والثبات { من المؤمنين } فإن ~~العبد إذا أصابته مصيبة فصبر وثبت، ازداد بذلك إيمانه، ودل ذلك على أن ~~استمرار الجزع مع العبد، دليل على ضعف إيمانه. { وقالت } أم موسى { ~~لأخته قصيه } أي: اذهبي [فقصي الأثر عن ms1129 أخيك وابحثي عنه من غير ~~أن يحس بك أحد أو يشعروا بمقصودك فذهبت تقصه] { فبصرت به عن ~~جنب وهم لا يشعرون } أي: أبصرته على وجه، كأنها مارة لا قصد ~~لها فيه. وهذا من تمام الحزم والحذر، فإنها لو أبصرته، وجاءت إليهم ~~قاصدة، لظنوا بها أنها هي التي ألقته، فربما عزموا على ذبحه، عقوبة ~~لأهله. ومن لطف الله بموسى وأمه، أن منعه من قبول ثدي امرأة، فأخرجوه ~~إلى السوق رحمة به، ولعل أحدا يطلبه، فجاءت أخته، وهو بتلك الحال { ~~فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون }. وهذا جل غرضهم، فإنهم أحبوه حبا شديدا، ~~وقد منعه الله من المراضع فخافوا أن يموت، فلما قالت لهم أخته تلك ~~المقالة، المشتملة على الترغيب في أهل هذا البيت، بتمام حفظه وكفالته ~~والنصح له، بادروا إلى إجابتها، فأعلمتهم ودلتهم على أهل هذا البيت. { ~~فرددناه إلى أمه } كما وعدناها بذلك { كي تقر ~~عينها ولا تحزن } بحيث إنه تربى عندها على وجه تكون فيه آمنة ~~مطمئنة، تفرح به، وتأخذ الأجرة الكثيرة على ذلك، { ولتعلم أن ~~وعد الله حق } فأريناها بعض ما وعدناها به عيانا، ليطمئن بذلك ~~قلبها، ويزداد إيمانها، ولتعلم أنه سيحصل وعد الله في حفظه ورسالته، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } فإذا رأوا السبب متشوشا، ~~شوش ذلك إيمانهم، لعدم علمهم الكامل، أن الله تعالى يجعل المحن الشاقة ~~والعقبات الشاقة، بين يدي الأمور العالية والمطالب الفاضلة، فاستمر موسى ~~عليه الصلاة والسلام عند آل فرعون، يتربى في سلطانهم، ويركب مراكبهم، ~~ويلبس ملابسهم، وأمه بذلك مطمئنة، قد استقر أنها أمه من الرضاع، ولم ~~يستنكر ملازمته إياها وحنوها عليها. وتأمل هذا اللطف، وصيانة نبيه موسى ~~من الكذب في منطقه، وتيسير الأمر، الذي صار به التعلق بينه وبينها، الذي ~~بان للناس أنه هو الرضاع، الذي بسببه يسميها أما، فكان الكلام الكثير ~~منه ومن غيره في ذلك كله صدقا وحقا. { ولما بلغ أشده } من ~~القوة والعقل واللب، وذلك نحو أربعين سنة في الغالب، { واستوى } ~~كملت فيه تلك الأمور، { آتيناه حكما ms1130 وعلما } أي: حكما يعرف ~~به الأحكام الشرعية، ويحكم به بين الناس، وعلما كثيرا. # { وكذلك نجزي المحسنين } في عبادة الله، المحسنين لخلق ~~الله، نعطيهم علما وحكما بحسب إحسانهم، ودل هذا على كمال إحسان موسى ~~عليه السلام. { ودخل المدينة على حين غفلة من ~~أهلها } إما وقت القائلة، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن ~~الانتشار. { فوجد فيها رجلين يقتتلان } أي: يتخاصمان ~~ويتضاربان { هذا من شيعته } أي: من بني إسرائيل { وهذا ~~من عدوه } القبط. { فاستغاثه الذي من شيعته على ~~الذي من عدوه } لأنه قد اشتهر، وعلم الناس أنه من بني إسرائيل، ~~واستغاثته لموسى، دليل على أنه بلغ موسى عليه السلام مبلغا يخاف منه، ~~ويرجى من بيت المملكة والسلطان. { فوكزه موسى } أي: وكز الذي من ~~عدوه، استجابة لاستغاثة الإسرائيلي، { فقضى عليه } أي: أماته من ~~تلك الوكزة، لشدتها وقوة موسى. فندم موسى عليه السلام على ما جرى منه، و ~~{ قال هذا من عمل الشيطان } أي: من تزيينه ووسوسته، { ~~إنه عدو مضل مبين } فلذلك أجريت ما أجريت بسبب عداوته ~~البينة، وحرصه على الإضلال. ثم استغفر ربه { قال رب إني ظلمت ~~نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ~~} خصوصا للمخبتين، المبادرين للإنابة والتوبة، كما جرى من موسى عليه ~~السلام. ف { قال } موسى { رب بمآ أنعمت علي } بالتوبة ~~والمغفرة، والنعم الكثيرة، { فلن أكون ظهيرا } أي: معينا ~~ومساعدا { للمجرمين } أي: لا أعين أحدا على معصية، وهذا وعد من ~~موسى عليه السلام، بسبب منة الله عليه، أن لا يعين مجرما، كما فعل في ~~قتل القبطي. وهذا يفيد أن النعم تقتضي من العبد فعل الخير، وترك الشر. { ~~ف } لما جرى منه قتل الذي هو من عدوه { أصبح في المدينة ~~خآئفا يترقب } هل يشعر به آل فرعون، أم لا؟ وإنما خاف، لأنه قد ~~علم، أنه لا يتجرأ أحد على مثل هذه الحال سوى موسى من بني إسرائيل. ~~فبينما هو على تلك الحال { فإذا الذي استنصره بالأمس } ~~على عدوه { يستصرخه } على قبطي آخر. { قال له موسى } ~~موبخا له على ms1131 حاله { إنك لغوي مبين } أي: بين الغواية، ~~ظاهر الجراءة. { فلمآ أن أراد أن يبطش } موسى { بالذي ~~هو عدو لهما } أي: له وللمخاصم المستصرخ، أي: لم يزل اللجاج ~~بين القبطي والإسرائيلي، وهو يستغيث بموسى، فأخذته الحمية، حتى هم أن ~~يبطش بالقبطي، { قال } له القبطي زاجرا له عن قتله: { أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض } لأن من أعظم آثار الجبار في الأرض، قتل ~~النفس بغير حق. { وما تريد أن تكون من المصلحين } وإلا ~~فلو أردت الإصلاح لحلت بيني وبينه من غير قتل أحد، فانكف موسى عن قتله، ~~وارعوى لوعظه وزجره، وشاع الخبر بما جرى من موسى في هاتين القضيتين، حتى ~~تراود ملأ فرعون وفرعون على قتله، وتشاوروا على ذلك. # وقيض الله ذلك الرجل الناصح، وبادرهم إلى الإخبار لموسى بما اجتمع عليه ~~رأي ملئهم. فقال: { وجآء رجل من أقصا المدينة ~~يسعى } أي: ركضا على قدميه من نصحه لموسى، وخوفه أن يوقعوا به قبل ~~أن يشعر، ف { قال يموسى إن الملأ يأتمرون } أي: ~~يتشاورون فيك { ليقتلوك فاخرج } عن المدينة { إني لك من ~~الناصحين } فامتثل نصحه. { فخرج منها خآئفا يترقب } ~~أن يوقع به القتل، ودعا الله، و { قال رب نجني من القوم ~~الظالمين } فإنه قد تاب من ذنبه وفعله غضبا من غير قصد منه للقتل، ~~فتوعدهم له ظلم منهم وجراءة. { ولما توجه تلقآء ~~مدين } أي: قاصدا بوجهه مدين، وهو جنوبي فلسطين، حيث لا ملك لفرعون، ~~{ قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل } أي: وسط ~~الطريق المختصر، الموصل إليها بسهولة ورفق، فهداه الله سواء السبيل، ~~فوصل إلى مدين. { ولما ورد مآء مدين وجد عليه ~~أمة من الناس يسقون } مواشيهم، وكانوا أهل ماشية كثيرة { ~~ووجد من دونهم } أي: دون تلك الأمة { امرأتين تذودان } ~~غنمهما عن حياض الناس، لعجزهما عن مزاحمة الرجال وبخلهم، وعدم مروءتهم عن ~~السقي لهما. { قال } لهما موسى { ما خطبكما } أي: ما شأنكما بهذه ~~الحالة، { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء } أي: قد ~~جرت العادة أنه ms1132 لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم، فإذا خلا لنا ~~الجو سقينا، { وأبونا شيخ كبير } أي: لا قوة له على السقي، ~~فليس فينا قوة، نقتدر بها، ولا لنا رجال يزاحمون الرعاء. فرق لهما موسى ~~عليه السلام ورحمهما { فسقى لهما } غير طالب منهما الأجرة، ولا له ~~قصد غير وجه الله تعالى، فلما سقى لهما، وكان ذلك وقت شدة حر، وسط ~~النهار، بدليل قوله: { ثم تولى إلى الظل } مستريحا لذلك ~~الظلال بعد التعب. { فقال } في تلك الحالة، مسترزقا ربه { رب ~~إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } أي: إني مفتقر ~~للخير الذي تسوقه إلي وتيسره لي. وهذا سؤال منه بحاله، والسؤال بالحال ~~أبلغ من السؤال بلسان المقال، فلم يزل في هذه الحالة داعيا ربه متملقا. ~~وأما المرأتان، فذهبتا إلى أبيهما، وأخبرتاه بما جرى، فأرسل أبوهما ~~إحداهما إلى موسى، فجاءته { تمشي على استحيآء } وهذا يدل على ~~كرم عنصرها، وخلقها الحسن، فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة، وخصوصا في ~~النساء. ويدل على أن موسى عليه السلام، لم يكن فيما فعله من السقي بمنزلة ~~الأجير والخادم الذي لا يستحى منه عادة، وإنما هو عزيز النفس، رأت من حسن ~~خلقه ومكارم أخلاقه، ما أوجب لها الحياء منه، ف { قالت } له: { إن ~~أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } أي: لا ~~ليمن عليك، بل أنت الذي ابتدأتنا بالإحسان، وإنما قصده أن يكافئك على ~~إحسانك، فأجابها موسى. # { فلما جآءه وقص عليه القصص } من ابتداء السبب ~~الموجب لهربه، إلى أن وصل إليه { قال } له مسكنا روعه، جابرا قلبه: { ~~لا تخف نجوت من القوم الظالمين } أي: ليذهب خوفك ~~وروعك، فإن الله نجاك منهم، حيث وصلت إلى هذا المحل، الذي ليس لهم عليه ~~سلطان. { قالت إحداهما } أي: إحدى ابنتيه { يأبت ~~استئجره } أي: اجعله أجيرا عندك، يرعى الغنم ويسقيها، { إن ~~خير من استئجرت القوي الأمين } أي: إن موسى أولى من ~~استؤجر فإنه جمع القوة والأمانة، وخير أجير استؤجر، من جمعهما، أي: القوة ~~والقدرة على ما استؤجر عليه، والأمانة فيه بعدم الخيانة، وهذان ms1133 الوصفان، ~~ينبغي اعتبارهما في كل من يتولى للإنسان عملا، بإجارة أو غيرها. فإن ~~الخلل لا يكون إلا بفقدهما أو فقد إحداهما، وأما اجتماعهما، فإن العمل ~~يتم ويكمل، وإنما قالت ذلك، لأنها شاهدت من قوة موسى عند السقي لهما ~~ونشاطه، ما عرفت به قوته، وشاهدت من أمانته وديانته، وأنه رحمهما في حالة ~~لا يرجى نفعهما، وإنما قصده [بذلك] وجه الله تعالى. { قال } صاحب مدين ~~لموسى { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني } أي تصير أجيرا عندي { ثماني حجج } أي: ~~ثماني سنين. { فإن أتممت عشرا فمن عندك } تبرع منك، لا ~~شيء واجب عليك. { ومآ أريد أن أشق عليك } فأحتم عشر ~~السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالا شاقة، وإنما استأجرك لعمل ~~سهل يسير لا مشقة فيه { ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين } فرغبه في سهولة العمل، وفي حسن المعاملة، وهذا يدل على ~~أن الرجل الصالح، ينبغي له أن يحسن خلقه مهما أمكنه، وأن الذي يطلب منه، ~~أبلغ من غيره. ف { قال } موسى عليه السلام - مجيبا له فيما طلبه ~~منه-: { ذلك بيني وبينك } أي: هذا الشرط، الذي أنت ذكرت، رضيت ~~به، وقد تم فيما بيني وبينك. { أيما الأجلين قضيت فلا ~~عدوان علي } سواء قضيت الثماني الواجبة، أم تبرعت بالزائد عليها ~~{ والله على ما نقول وكيل } حافظ يراقبنا، ويعلم ما ~~تعاقدنا عليه. وهذا الرجل، أبو المرأتين، صاحب مدين، ليس بشعيب النبي ~~المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل، ~~وغاية ما يكون، أن شعيبا عليه السلام، قد كانت بلده مدين، وهذه القضية ~~جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين. وأيضا، فإنه غير معلوم أن موسى ~~أدرك زمان شعيب، فكيف بشخصه؟!! ولو كان ذلك الرجل شعيبا، لذكره الله ~~تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضا فإن شعيبا عليه الصلاة والسلام، قد أهلك ~~الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ الله ~~المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم، بمنعهما عن الماء، وصد ماشيتهما، حتى ~~يأتيهما رجل ms1134 غريب، فيحسن إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب ليرضى أن ~~يرعى موسى عنده ويكون خادما له، وهو أفضل منه وأعلى درجة، والله أعلم، ~~[إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة وعلى كل حال لا يعتمد على ~~أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم]. # { فلما قضى موسى الأجل } يحتمل أنه قضى الأجل الواجب، أو ~~الزائد عليه، كما هو الظن بموسى ووفائه، اشتاق إلى الوصول إلى أهله ~~ووالدته وعشيرته ووطنه، وعلم من طول المدة، أنهم قد تناسوا ما صدر منه. { ~~سار بأهله } قاصدا مصر، { آنس } أي: أبصر { من جانب ~~الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار ~~لعلكم تصطلون } وكان قد أصابهم البرد، وتاهوا الطريق. فلما ~~أتاها نودي { يموسى إني أنا الله رب العالمين } ~~فأخبر بألوهيته وربوبيته، ويلزم من ذلك، أن يأمره بعبادته وتألهه، كما ~~صرح به في الآية الأخرى # فاعبدني وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14]. { وأن ألق عصاك } فألقاها { فلما رآها ~~تهتز } تسعى سعيا شديدا، ولها سورة مهيلة { كأنها جآن } ~~ذكر الحيات العظيم، { ولى مدبرا ولم يعقب } أي: يرجع ~~لاستيلاء الروع على قلبه، فقال الله له: { يموسى أقبل ولا ~~تخف إنك من الآمنين } وهذا أبلغ ما يكون في التأمين وعدم ~~الخوف. فإن قوله: { أقبل } يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ~~ولكن قد يكون إقباله، وهو لم يزل في الأمر المخوف، فقال: { ولا تخف ~~} أمر له بشيئين، إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوف، ولكن يبقى احتمال، ~~وهو أنه قد يقبل وهو غير خائف، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من ~~المكروه، فقال: { إنك من الآمنين } فحينئذ اندفع المحذور من ~~جميع الوجوه، فأقبل موسى عليه السلام غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنا، ~~واثقا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتم يقينه، فهذه آية، أراه الله ~~إياها قبل ذهابه إلى فرعون، ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى ~~وأصلب. ثم أراه الآية الأخرى فقال: { اسلك يدك } أي: أدخلها { في ms1135 ~~جيبك تخرج بيضآء من غير سوء } فسلكها وأخرجها، كما ~~ذكر الله تعالى. { واضمم إليك جناحك من الرهب } أي ضم ~~جناحك وهو عضدك إلى جنبك يزول عنك الرهب والخوف. { فذانك } انقلاب ~~العصا حية، وخروج اليد بيضاء من غير سوء { برهانان من ربك } ~~أي: حجتان قاطعتان من الله، { إلى فرعون وملئه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين } فلا يكفيهم مجرد الإنذار وأمر الرسول ~~إياهم، بل لا بد من الآيات الباهرة، إن نفعت. ف { قال } موسى عليه ~~السلام. معتذرا من ربه، وسائلا له المعونة على ما حمله، وذاكرا له ~~الموانع التي فيه، ليزيل ربه ما يحذره منها. # { رب إني قتلت منهم نفسا } أي: { فأخاف أن ~~يقتلون * وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ~~فأرسله معي ردءا } أي: معاونا ومساعدا { يصدقني } ~~فإنه مع تضافر الأخبار يقوى الحق فأجابه الله إلى سؤاله فقال: { ~~سنشد عضدك بأخيك } أي: نعاونك به ونقويك. ثم أزال عنه محذور ~~القتل، فقال: { ونجعل لكما سلطانا } أي: تسلطا، وتمكنا ~~من الدعوة بالحجة، والهيبة الإلهية من عدوهما لهما، { فلا يصلون ~~إليكما } وذلك بسبب آياتنا، وما دلت عليه من الحق، وما أزعجت به ~~من باشرها ونظر إليها، فهي التي بها حصل لكما السلطان، واندفع بها عنكم ~~كيد عدوكم، وصارت لكم أبلغ من الجنود، أولي العدد والعدد. { ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون } وهذا وعد لموسى في ذلك ~~الوقت، وهو وحده فريد، وقد رجع إلى بلده، بعد ما كان شريدا، فلم تزل ~~الأحوال تتطور، والأمور تنتقل، حتى أنجز الله له موعوده، ومكنه من ~~العباد والبلاد، وصار له ولأتباعه الغلبة والظهور. فذهب موسى برسالة ربه ~~{ فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات } واضحات الدلالة ~~على ما قال لهم، ليس فيها قصور ولا خفاء. { قالوا } على وجه الظلم ~~والعلو والعناد: { ما هذآ إلا سحر مفترى } كما قال فرعون ~~في تلك الحالة التي ظهر فيها الحق، واستعل على الباطل، واضمحل الباطل، ~~وخضع له الرؤساء العارفون حقائق الأمور. # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر # [طه: 71] هذا، وهو الذكي غير الزكي، الذي بلغ من المكر والخداع والكيد ~~ما ms1136 قصه الله علينا وقد علم # مآ أنزل هؤلاء إلا رب السموت والأرض # [الإسراء: 102] ولكن الشقاء غالب. { وما سمعنا بهذا في ~~آبآئنا الأولين } وقد كذبوا في ذلك، فإن الله أرسل يوسف عليه ~~السلام قبل موسى، كما قال تعالى: # ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم ~~في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من ~~هو مسرف مرتاب # [غافر: 34]. { وقال موسى } حين زعموا أن الذي جاءهم به سحر ~~وضلال، وأن ما هم عليه هو الهدى: { ربي أعلم بمن جآء ~~بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار } أي: ~~إذا لم تفد المقابلة معكم، وتبيين الآيات البينات، وأبيتم إلا التمادي في ~~غيكم واللجاج على كفركم، فالله تعالى العالم بالمهتدي وغيره، ومن تكون ~~له عاقبة الدار، نحن أم أنتم { إنه لا يفلح الظالمون } ~~فصار عاقبة الدار لموسى وأتباعه، والفلاح والفوز، وصار لأولئك، الخسار ~~وسوء العاقبة والهلاك. { وقال فرعون } متجرئا على ربه، ومموها ~~على قومه السفهاء، أخفاء العقول: { يأيها الملأ ما علمت ~~لكم من إله غيري } أي: أنا وحدي إلهكم ومعبودكم، ولو كان ~~ثم إله غيري، لعلمته، فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون! حيث لم يقل ~~" ما لكم من إله غيري " بل تورع وقال: { ما علمت لكم من ~~إله غيري }. # وهذا، لأنه عندهم العالم الفاضل، الذي مهما قال فهو الحق، ومهما أمر ~~أطاعوه. فلما قال هذه المقالة، التي قد تحتمل أن ثم إلها غيره، أراد ~~أن يحقق النفي، الذي جعل فيه ذلك الاحتمال، فقال ل " هامان ": { ~~فأوقد لي يهامان على الطين } ليجعل له لبنا من فخار. { ~~فاجعل لي صرحا } أي: بناء { لعلي أطلع إلى ~~إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين } ولكن سنحقق ~~هذا الظن، ونريكم كذب موسى. فانظر هذه الجراءة العظيمة على الله، التي ~~ما بلغها آدمي، كذب موسى، وادعى أنه إله، ونفى أن يكون له علم بالإله ~~الحق، وفعل الأسباب، ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج، ولكن العجب من ~~هؤلاء الملأ، ms1137 الذين يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون لشؤونها، كيف لعب ~~هذا الرجل بعقولهم، واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة ~~فيهم. فسد دينهم، ثم تبع ذلك فساد عقولهم، فنسألك اللهم الثبات على ~~الإيمان، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وتهب لنا من لدنك رحمة إنك ~~أنت الوهاب. قال تعالى: { واستكبر هو وجنوده في الأرض ~~بغير الحق } استكبروا على عباد الله، وساموهم سوء العذاب، ~~واستكبروا على رسل الله، وما جاؤوهم به من الآيات، فكذبوها، وزعموا أن ~~ما هم عليه أعلى منها وأفضل. { وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون } فلذلك تجرؤوا، وإلا فلو علموا، أو ظنوا أنهم يرجعون إلى ~~الله، لما كان منهم ما كان. { فأخذناه وجنوده } عندما استمر ~~عنادهم وبغيهم { فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين } كانت أشر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها ~~العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بالعقوبة الأخروية. { ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } أي جعلنا فرعون ~~وملأه من الأئمة الذين يقتدى بهم ويمشى خلفهم إلى دار الخزي والشقاء. { ~~ويوم القيامة لا ينصرون } من عذاب الله، فهم أضعف شيء، عن ~~دفعه عن أنفسهم، وليس لهم من دون الله من ولي ولا نصير. [ { ~~وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة } أي:] وأتبعناهم، ~~زيادة في عقوبتهم وخزيهم، في الدنيا لعنة يلعنون، ولهم عند الخلق الثناء ~~القبيح والمقت والذم، وهذا أمر مشاهد، فهم أئمة الملعونين في الدنيا ~~ومقدمتهم، { ويوم القيامة هم من المقبوحين } ~~المبعدين، المستقذرة أفعالهم. الذين اجتمع عليهم مقت الله، ومقت خلقه، ~~ومقت أنفسهم. { ولقد آتينا موسى الكتاب } وهو التوراة { من ~~بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } الذين كان خاتمتهم في ~~الإهلاك العام، فرعون وجنوده. وهذا دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع ~~الهلاك العام، وشرع جهاد الكفار بالسيف. { بصآئر للناس } أي: ~~كتاب الله، الذي أنزله على موسى، فيه بصائر للناس، أي: أمور يبصرون بها ~~ما ينفعهم وما يضرهم، فتقوم الحجة على العاصي، وينتفع بها المؤمن، فتكون ~~رحمة في حقه، وهداية له إلى الصراط المستقيم، ولهذا قال: { وهدى ~~ورحمة لعلهم يتذكرون }. # ولما قص الله على ms1138 رسوله ما قص، من هذه الأخبار الغيبية، نبه العباد على ~~أن هذا خبر إلهي محض، ليس للرسول طريق إلى علمه إلا من جهة الوحي، ولهذا ~~قال: { وما كنت بجانب الغربي } أي: بجانب الطور الغربي وقت ~~قضائنا لموسى الأمر، { وما كنت من الشاهدين } على ذلك، حتى ~~يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق. { ولكنآ أنشأنا قرونا ~~فتطاول عليهم العمر } فاندرس العلم ونسيت آياته، فبعثناك ~~في وقت اشتدت الحاجة إليك وإلى ما علمناك وأوحينا إليك. { وما كنت ~~ثاويا } أي: مقيما { في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا } أي: تعلمهم وتتعلم منهم، حتى أخبرت بما أخبرت من شأن موسى في ~~مدين، { ولكنا كنا مرسلين } أي: ولكن ذلك الخبر الذي جئت به ~~عن موسى، أثر من آثار إرسالنا إياك، ووحي لا سبيل لك إلى علمه بدون ~~إرسالنا. { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } موسى، ~~وأمرناه أن يأتي القوم الظالمين، ويبلغهم رسالتنا، ويريهم من آياتنا ~~وعجائبنا ما قصصنا عليك. والمقصود: أن الماجريات التي جرت لموسى عليه ~~الصلاة والسلام في هذه الأماكن، فقصصتها كما هي، من غير زيادة ولا نقص، ~~لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تكون حضرتها وشاهدتها، أو ذهبت إلى ~~محالها فتعلمتها من أهلها، فحينئذ قد لا يدل ذلك على أنك رسول الله، ~~إذ الأمور التي يخبر بها عن شهادة ودراسة، من الأمور المشتركة غير ~~المختصة بالأنبياء، ولكن هذا قد علم وتيقن أنه ما كان وما صار، ~~فأولياؤك وأعداؤك يعلمون عدم ذلك. فتعين الأمر الثاني، وهو: أن هذا جاءك ~~من قبل الله ووحيه وإرساله، فثبت بالدليل القطعي صحة رسالتك، ورحمة ~~الله بك للعباد، ولهذا قال: { ولكن رحمة من ربك ~~لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك } أي: ~~العرب وقريش، فإن الرسالة [عندهم] لا تعرف وقت إرسال الرسول وقبله بأزمان ~~متطاولة، { لعلهم يتذكرون } تفصيل الخير فيفعلونه، والشر ~~فيتركونه، فإذا كنت بهذه المنزلة، كان الواجب عليهم، المبادرة إلى ~~الإيمان بك، وشكر هذه النعمة، التي لا يقادر قدرها، ولا يدرك شكرها. ~~وإنذاره للعرب لا ينفي أن ms1139 يكون مرسلا لغيرهم، فإنه عربي، والقرآن الذي ~~أنزل عليه عربي، وأول من باشر بدعوته العرب، فكانت رسالته إليهم أصلا، ~~ولغيرهم تبعا، كما قال تعالى: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس # [يونس: 2] # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [الأعراف: 158]. { ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت ~~أيديهم } من الكفر والمعاصي { فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من ~~المؤمنين } أي: فأرسلناك يا محمد، لدفع حجتهم، وقطع مقالتهم. { ~~فلما جآءهم الحق } الذي لا شك فيه { من عندنا } وهو ~~القرآن، الذي أوحيناه إليك { قالوا } مكذبين له، ومعترضين بما ليس ~~يعترض به: { لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى } أي: أنزل عليه ~~كتاب من السماء جملة واحدة. # أي: فأما ما دام ينزل متفرقا، فإنه ليس من عند الله. وأي: دليل في ~~هذا؟ وأي: شبهة أنه ليس من عند الله حين نزل مفرقا؟ بل من كمال هذا ~~القرآن، واعتناء الله بمن أنزل عليه، أن نزل متفرقا، ليثبت الله به ~~فؤاد رسوله، ويحصل زيادة الإيمان للمؤمنين # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. وأيضا، فإن قياسهم على كتاب موسى، قياس قد نقضوه، فكيف ~~يقيسونه على كتاب كفروا به ولم يؤمنوا؟ ولهذا قال { أولم يكفروا ~~بمآ أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا } أي: ~~القرآن والتوراة، تعاونا في سحرهما، وإضلال الناس { وقالوا إنا ~~بكل كافرون } فثبت بهذا أن القوم يريدون إبطال الحق بما ليس ~~ببرهان، وينقضونه بما لا ينقض، ويقولون الأقوال المتناقضة المختلفة، وهذا ~~شأن كل كافر. ولهذا صرح أنهم كفروا بالكتابين والرسولين، ولكن هل كفرهم ~~بهما كان طلبا للحق، واتباعا لأمر عندهم خير منهما، أم مجرد هوى؟. قال ~~تعالى ملزما لهم بذلك: { قل فأتوا بكتاب من عند الله ~~هو أهدى منهمآ } أي: من التوراة والقرآن { أتبعه إن ~~كنتم صادقين } ولا سبيل لهم ولا لغيرهم أن يأتوا بمثلهما، فإنه ما ~~طرق العالم منذ خلقه الله، مثل هذين الكتابين، علما وهدى، وبيانا، ~~ورحمة للخلق، وهذا من كمال الإنصاف من ms1140 الداعي أن قال: أنا مقصودي الحق ~~والهدى والرشد، وقد جئتكم بهذا الكتاب المشتمل على ذلك، الموافق لكتاب ~~موسى، فيجب علينا جميعا الإذعان لهما واتباعهما، من حيث كونهما هدى ~~وحقا، فإن جئتموني بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعته، وإلا فلا ~~أترك هدى وحقا قد علمته لغير هدى وحق. { فإن لم يستجيبوا ~~لك } فلم يأتوا بكتاب أهدى منهما { فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم } أي: فاعلم أن تركهم اتباعك، ليسوا ذاهبين إلى حق ~~يعرفونه، ولا إلى هدى، وإنما ذلك مجرد اتباع لأهوائهم. { ومن أضل ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } فهذا من أضل ~~الناس، حيث عرض عليه الهدى والصراط المستقيم، الموصل إلى الله وإلى دار ~~كرامته، فلم يلتفت إليه ولم يقبل عليه، ودعاه هواه إلى سلوك الطرق ~~الموصلة إلى الهلاك والشقاء، فاتبعه وترك الهدى، فهل أحد أضل ممن هذا ~~وصفه؟!! ولكن ظلمه وعدوانه، وعدم محبته للحق، هو الذي أوجب له: أن يبقى ~~على ضلاله ولا يهديه الله، فلهذا قال: { إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين } أي: الذين صار الظلم لهم وصفا والعناد لهم ~~نعتا، جاءهم الهدى فرفضوه، وعرض لهم الهوى فتبعوه، سدوا على أنفسهم ~~أبواب الهداية وطرقها، وفتحوا عليهم أبواب الغواية وسبلها، فهم في غيهم ~~وظلمهم يعمهون، وفي شقائهم وهلاكهم يترددون. # وفي قوله: { فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما ~~يتبعون أهوآءهم } دليل على أن كل من لم يستجب للرسول، وذهب ~~إلى قول مخالف لقول الرسول، فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب إلى هوى. { ~~ولقد وصلنا لهم القول } أي: تابعناه وواصلناه، وأنزلناه ~~شيئا فشيئا، رحمة بهم ولطفا { لعلهم يتذكرون } حين تتكرر ~~عليهم آياته، وتنزل عليهم بيناته وقت الحاجة إليها. فصار نزوله متفرقا ~~رحمة بهم، فلم اعترضوا على ما هو من مصالحهم؟ فصل في ذكر بعض الفوائد ~~والعبر في هذه القصة العجيبة فمنها أن آيات الله تعالى وعبره، وأيامه في ~~الأمم السابقة، إنما يستفيد بها ويستنير المؤمنون، فعلى حسب إيمان العبد ~~تكون عبرته، وإن الله تعالى إنما يسوق القصص، لأجلهم، وأما غيرهم، ms1141 فلا ~~يعبأ الله بهم، وليس لهم منها نور وهدى. ومنها: أن الله تعالى إذا أراد ~~أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة. ~~ومنها: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن ~~يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى ~~الأمور، خصوصا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل، ~~الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم. ~~ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا ~~يقوم لها أمر دينها، [ولا دنياها] ولا يكون لها إمامة فيه. ومنها: لطف ~~الله بأم موسى، وتهوينه عليها المصيبة بالبشارة، بأن الله سيرد إليها ~~ابنها، ويجعله من المرسلين. ومنها: أن الله يقدر على عبده بعض المشاق، ~~لينيله سرورا أعظم من ذلك، أو يدفع عنه شرا أكثر منه، كما قدر على أم ~~موسى ذلك الحزن الشديد، والهم البليغ، الذي هو وسيلة إلى أن يصل إليها ~~ابنها، على وجه تطمئن به نفسها، وتقر به عينها، وتزداد به غبطة وسرورا. ~~ومنها: أن الخوف الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى ~~لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف. ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص. وأن من ~~أعظم ما يزيد به الإيمان، ويتم به اليقين، الصبر عند المزعجات، والتثبيت ~~من الله عند المقلقات، كما قال تعالى: { به لولا أن ربطنا ~~على قلبها لتكون من المؤمنين } أي: ليزداد إيمانها ~~بذلك ويطمئن قلبها. ومنها: أن من أعظم نعم الله على عبده، و [أعظم] ~~معونة للعبد على أموره، تثبيت الله إياه، وربط جأشه وقلبه عند المخاوف، ~~وعند الأمور المذهلة، فإنه بذلك يتمكن من القول الصواب، والفعل الصواب، ~~بخلاف من استمر قلقه وروعه وانزعاجه، فإنه يضيع فكره، ويذهل عقله، فلا ~~ينتفع بنفسه في تلك الحال. ومنها: أن العبد - ولو عرف أن القضاء والقدر ~~ووعد الله نافذ لا بد منه - فإنه لا يهمل فعل الأسباب التي أمر بها، ولا ~~يكون ذلك ms1142 منافيا لإيمانه بخبر الله، فإن الله قد وعد أم موسى أن يرده ~~عليها، ومع ذلك، اجتهدت على رده، وأرسلت أخته لتقصه وتطلبه. # ومنها: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال من غير محذور، كما ~~جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين. ومنها: جواز أخذ الأجرة على الكفالة ~~والرضاع، والدلالة على من يفعل ذلك. ومنها: أن الله من رحمته بعبده ~~الضعيف الذي يريد إكرامه، أن يريه من آياته، ويشهده من بيناته، ما يزيد ~~به إيمانه، كما رد الله موسى على أمه، لتعلم أن وعد الله حق. ومنها: أن ~~قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى عليه السلام ~~عد قتله القبطي الكافر ذنبا، واستغفر الله منه. ومنها: أن الذي يقتل ~~النفوس بغير حق يعد من الجبارين الذين يفسدون في الأرض. ومنها: أن من ~~قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل ~~المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي { إن ~~تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن ~~تكون من المصلحين } على وجه التقرير له، لا الإنكار. ومنها: ~~أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا ~~يكون ذلك نميمة - بل قد يكون واجبا - كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحا ~~له ومحذرا. ومنها: أنه إذا خاف القتل والتلف في الإقامة، فإنه لا يلقي ~~بيده إلى التهلكة، ولا يستسلم لذلك، بل يذهب عنه، كما فعل موسى. ومنها: ~~أنه عند تزاحم المفسدتين، إذا كان لا بد من ارتكاب إحداهما، أنه يرتكب ~~الأخف منهما والأسلم، كما أن موسى، لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه ~~يقتل، أو يذهب إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرف الطريق إليها، وليس ~~معه دليل [يد] له غير ربه، ولكن هذه الحالة أقرب للسلامة من الأولى، ~~فتبعها موسى. ومنها: أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا ~~لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله ms1143 أن يهديه الصواب من ~~القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب من هذه ~~حاله. كما خرج موسى تلقاء مدين فقال: { عسى ربي أن يهديني ~~سوآء السبيل }. ومنها: أن الرحمة بالخلق، والإحسان على من ~~يعرف ومن لا يعرف، من أخلاق الأنبياء، وأن من الإحسان سقي الماشية ~~الماء، وإعانة العاجز. ومنها استحباب الدعاء بتبيين الحال وشرحها، ولو ~~كان الله عالما لها، لأنه تعالى، يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، ~~كما قال موسى: { رب إني لمآ أنزلت إلي من خير ~~فقير }. # ومنها: أن الحياء - خصوصا من الكرام - من الأخلاق الممدوحة. ومنها: ~~المكافأة على الإحسان لم يزل دأب الأمم السابقين. ومنها: أن العبد إذا ~~فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول، ~~أنه لا يلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم ~~يبتغ له، ولم يستشرف بقلبه على عوض. ومنها: مشروعية الإجارة، وأنها تجوز ~~على رعاية الغنم ونحوها، مما لا يقدر العمل، وإنما مرده العرف. ومنها: ~~أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بضعا. ومنها: أن خطبة ~~الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه. ومنها: أن خير أجير وعامل ~~[يعمل] للإنسان، أن يكون قويا أمينا. ومنها: أن من مكارم الأخلاق، أن ~~يحسن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله: { ومآ ~~أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من ~~الصالحين }. ومنها: جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود من دون ~~إشهاد، لقوله: { والله على ما نقول وكيل }. ومنها: ما أجرى ~~الله على يد موسى من الآيات البينات، والمعجزات الظاهرة، من الحية، ~~وانقلاب يده بيضاء من غير سوء، ومن عصمة الله لموسى وهارون، من فرعون، ~~ومن الغرق. ومنها: أن من أعظم العقوبات أن يكون الإنسان إماما في الشر، ~~وذلك بحسب معارضته لآيات الله وبيناته، كما أن من أعظم نعمة أنعم الله ~~بها على عبده، أن يجعله إماما في الخير هاديا مهديا. ومنها: ما فيها ~~من الدلالة على رسالة ms1144 محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بذلك تفصيلا ~~مطابقا، وتأصيلا موافقا، قصه قصا، صدق به المرسلين، وأيد به الحق ~~المبين، من غير حضور شيء من تلك الوقائع، ولا مشاهدة لموضع واحد من تلك ~~المواضع، ولا تلاوة درس فيها شيئا من هذه الأمور، ولا مجالسة أحد من أهل ~~العلم، إن هو إلا رسالة الرحيم الرحمن، ووحي أنزله عليه الكريم المنان، ~~لينذر به قوما جاهلين، وعن النذر والرسل غافلين. فصلوات الله وسلامه، ~~على من مجرد خبره ينبئ أنه رسول الله، ومجرد أمره ونهيه ينبه العقول ~~النيرة، أنه من عند الله، كيف وقد تطابق على صحة ما جاء به وصدقه خبر ~~الأولين والآخرين، والشرع الذي جاء به من رب العالمين، وما جبل عليه ~~من الأخلاق الفاضلة التي لا تناسب ولا تصلح إلا لأعلى الخلق درجة، والنصر ~~المبين لدينه وأمته، حتى بلغ دينه مبلغ الليل والنهار، وفتحت أمته معظم ~~بلدان الأمصار، بالسيف والسنان، وقلوبهم بالعلم والإيمان. ولم تزل الأمم ~~المعاندة، والملوك الكفرة المتعاضدة، ترميه بقوس واحدة، وتكيد له ~~المكايد، وتمكر لإطفائه وإخفائه، وإخماده من الأرض، وهو قد بهرها وعلاها، ~~لا يزداد إلا نموا، ولا آياته وبراهينه إلا ظهورا، وكل وقت من ~~الأوقات، يظهر من آياته ما هو عبرة للعالمين، وهداية ~~للعالمين، ونور وبصيرة للمتوسمين. والحمد لله وحده. ### || [28.52-55] # يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ~~ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، { الذين آتيناهم الكتاب من ~~قبله } وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا { هم ~~به } أي: بهذا القرآن ومن جاء به { يؤمنون }. { وإذا ~~يتلى عليهم } استمعوا له وأذعنوا و { قالوا آمنا به ~~إنه الحق من ربنآ } لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته ~~لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي ~~الموافقة لغاية الحكمة. وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم ~~لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف، وأهل الكتب، ~~وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما ms1145 ~~بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق. قال تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا # الآيات [الإسراء: 107]. وقوله: { إنا كنا من قبله مسلمين ~~} فلذلك ثبتنا على ما من الله به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا ~~القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا ~~الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول. { أولئك } الذين آمنوا بالكتابين { ~~يؤتون أجرهم مرتين } أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على ~~الإيمان الثاني، { بما صبروا } على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم ~~تزعزعهم عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة. { و } من ~~خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم { ويدرؤن ~~بالحسنة السيئة } أي: دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى ~~للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، ~~لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم. { ~~وإذا سمعوا اللغو } من جاهل خاطبهم به، { قالوا } مقالة ~~عباد الرحمن أولي الألباب: { لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ~~} أي: كل سيجازى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. ~~ولزم من ذلك، أنهم يتبرؤون مما عليه الجاهلون، من اللغو والباطل، والكلام ~~الذي لا فائدة فيه. { سلام عليكم } أي: لا تسمعون منا إلا الخير، ~~ولا نخاطبكم بمقتضى جهلكم، فإنكم وإن رضيتم لأنفسكم هذا المرتع اللئيم، ~~فإننا ننزه أنفسنا عنه، ونصونها عن الخوض فيه، { لا نبتغي ~~الجاهلين } من كل وجه. ### || [28.56] # يخبر تعالى أنك يا محمد - وغيرك من باب أولى - لا تقدر على هداية أحد، ~~ولو كان من أحب الناس إليك، فإن هذا أمر غير مقدور للخلق هداية التوفيق، ~~وخلق الإيمان في القلب، وإنما ذلك بيد الله سبحانه تعالى، يهدي من يشاء، ~~وهو أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، ممن لا يصلح لها فيبقيه على ضلاله. ~~وأما إثبات الهداية للرسول في قوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] فتلك هداية البيان والإرشاد، فالرسول يبين الصراط ~~المستقيم، ويرغب فيه، ويبذل جهده في سلوك الخلق له، ms1146 وأما كونه يخلق في ~~قلوبهم الإيمان، ويوفقهم بالفعل، فحاشا وكلا. ولهذا، لو كان قادرا ~~عليها، لهدى من وصل إليه إحسانه، ونصره ومنعه من قومه، عمه أبا طالب، ~~ولكنه أوصل إليه من الإحسان بالدعوة للدين والنصح التام، ما هو أعظم مما ~~فعله معه عمه، ولكن الهداية بيد الله تعالى. ### || [28.57-59] # يخبر تعالى أن المكذبين من قريش وأهل مكة، يقولون للرسول صلى الله عليه ~~وسلم: { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ } ~~بالقتل والأسر ونهب الأموال، فإن الناس قد عادوك وخالفوك، فلو تابعناك ~~لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم، ولم يكن لنا بهم طاقة. وهذا الكلام منهم، ~~يدل على سوء الظن بالله تعالى، وأنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، بل ~~يمكن الناس من أهل دينه، فيسومونهم سوء العذاب، وظنوا أن الباطل سيعلو ~~على الحق. قال الله مبينا لهم حالة هم بها دون الناس وأن الله اختصهم ~~بها، فقال: { أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا } أي: أولم ~~نجعلهم متمكنين [ممكنين] في حرم يكثره المنتابون ويقصده الزائرون، قد ~~احترمه البعيد والقريب، فلا يهاج أهله، ولا ينتقصونه بقليل [ولا كثير]. ~~والحال أن كل ما حولهم من الأماكن، قد حف بها الخوف من كل جانب، وأهلها ~~غير آمنين ولا مطمئنين، فليحمدوا ربهم على هذا الأمن التام، الذي ~~ليس فيه غيرهم، وعلى الرزق الكثير، الذي يجيء إليهم من كل مكان، من ~~الثمرات والأطعمة والبضائع، ما به يرتزقون ويتوسعون. وليتبعوا هذا ~~الرسول الكريم، ليتم لهم الأمن والرغد، وإياهم وتكذيبه، والبطر بنعمة ~~الله، فيبدلوا من بعد أمنهم خوفا، وبعد عزهم ذلا، وبعد غناهم فقرا، ~~ولهذا توعدهم بما فعل بالأمم قبلهم، فقال: { وكم أهلكنا من ~~قرية بطرت معيشتها } أي: فخرت بها وألهتها، واشتغلت بها عن ~~الإيمان بالرسل، فأهلكهم الله، وأزال عنهم النعمة، وأحل بهم النقمة. { ~~فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ~~لتوالي الهلاك والتلف عليهم، وإيحاشها من بعدهم. { وكنا نحن ~~الوارثين } للعباد، نميتهم، ثم يرجع إلينا جميع ما متعناهم به من ~~النعم، ms1147 ثم نعيدهم إلينا فنجازيهم بأعمالهم. ومن حكمته ورحمته أن لا ~~يعذب الأمم بمجرد كفرهم قبل إقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل إليهم، ~~ولهذا قال: { وما كان ربك مهلك القرى } أي: بكفرهم ~~وظلمهم { حتى يبعث في أمها } أي: في القرية والمدينة التي ~~إليها يرجعون، ونحوها يترددون، وكل ما حولها ينتجعها، ولا تخفى عليه ~~أخبارها. { رسولا يتلو عليهم آياتنا } الدالة على صحة ما ~~جاء به، وصدق ما دعاهم إليه، فيبلغ قوله قاصيهم ودانيهم، بخلاف بعث الرسل ~~في القرى البعيدة، والأطراف النائية، فإن ذلك مظنة الخفاء والجفاء، ~~والمدن الأمهات مظنة الظهور والانتشار، وفي الغالب أنهم أقل جفاء من ~~غيرهم. { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ~~ظالمون } بالكفر والمعاصي، مستحقون للعقوبة. والحاصل: أن الله لا ~~يعذب أحدا إلا بظلمه، وإقامة الحجة عليه. ### || [28.60-61] # هذا حض من الله لعباده على الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها، وعلى ~~الرغبة في الأخرى، وجعلها مقصود العبد ومطلوبه، ويخبرهم أن جميع ما أوتيه ~~الخلق، من الذهب، والفضة، والحيوانات، والأمتعة، والنساء، والبنين، ~~والمآكل، والمشارب، واللذات، كلها متاع الحياة [الدنيا] وزينتها، أي: ~~يتمتع به وقتا قصيرا، متاعا قاصرا، محشوا بالمنغصات، ممزوجا ~~بالغصص. ويزين به زمانا يسيرا، للفخر والرياء، ثم يزول ذلك سريعا، ~~وينقضي جميعا، ولم يستفد صاحبه منه إلا الحسرة والندم، والخيبة ~~والحرمان. { وما عند الله } من النعيم المقيم، والعيش السليم { ~~خير وأبقى } أي: أفضل في وصفه وكميته، وهو دائم أبدا، مستمر ~~سرمدا. { أفلا تعقلون } أي: أفلا يكون لكم عقول، بها تزنون أي ~~الأمور أولى بالإيثار، وأي الدارين أحق للعمل لها، فدل ذلك أنه بحسب عقل ~~العبد، يؤثر الأخرى على الدنيا، وأنه ما آثر أحد الدنيا إلا لنقص في ~~عقله، ولهذا نبه العقول على الموازنة بين عاقبة مؤثر الدنيا ومؤثر ~~الآخرة، فقال: { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه } ~~أي: هل يستوي مؤمن ساع للآخرة سعيها، قد عمل على وعد ربه له، بالثواب ~~الحسن، الذي هو الجنة، وما فيها من النعيم العظيم، فهو لاقيه من غير شك ~~ولا ارتياب، لأنه وعد من كريم ms1148 صادق الوعد، لا يخلف الميعاد، لعبد قام ~~بمرضاته وجانب سخطه، { كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا } فهو يأخذ فيها ويعطي، ويأكل ويشرب، ويتمتع كما تتمتع ~~البهائم، قد اشتغل بدنياه عن آخرته، ولم يرفع بهدى الله رأسا، ولم ينقد ~~للمرسلين، فهو لا يزال كذلك، لا يتزود من دنياه إلا الخسار والهلاك. { ~~ثم هو يوم القيامة من المحضرين } للحساب، وقد علم ~~أنه لم يقدم خيرا لنفسه، وإنما قدم جميع ما يضره، وانتقل إلى دار الجزاء ~~بالأعمال، فما ظنكم إلى ما يصير إليه؟ وما تحسبون ما يصنع به؟ فليختر ~~العاقل لنفسه، ما هو أولى بالاختيار، وأحق الأمرين بالإيثار. ### || [28.62-66] # هذا إخبار من الله تعالى، عما يسأل عنه الخلائق يوم القيامة، وأنه ~~يسألهم عن أصول الأشياء، وعن عبادة الله وإجابة رسله، فقال: { ويوم ~~يناديهم } أي: ينادي من أشركوا به شركاء يعبدونهم، ويرجون نفعهم، ~~ودفع الضرر عنهم، فيناديهم، ليبين لهم عجزها وضلالهم، { فيقول أين ~~شركآئي } وليس لله شريك، ولكن ذلك بحسب زعمهم وافترائهم، ولهذا ~~قال: { الذين كنتم تزعمون } فأين هم، بذواتهم، وأين نفعهم ~~وأين دفعهم؟ ومن المعلوم أنه يتبين لهم في تلك الحال، أن الذي عبدوه، ~~ورجوه باطل، مضمحل في ذاته، وما رجوا منه، فيقرون على أنفسهم بالضلالة ~~والغواية. ولهذا { قال الذين حق عليهم القول } الرؤساء ~~والقادة، في الكفر والشر، مقرين بغوايتهم وإغوائهم: { ربنا ~~هؤلاء } التابعون { الذين أغوينآ أغويناهم كما ~~غوينا } أي: كلنا قد اشترك في الغواية، وحق عليه كلمة العذاب. { ~~تبرأنآ إليك } من عبادتهم، أي: نحن برآء منهم ومن عملهم. { ما ~~كانوا إيانا يعبدون } وإنما كانوا يعبدون الشياطين. { ~~وقيل } لهم: { ادعوا شركآءكم } على ما أملتم فيهم من النفع ~~فأمروا بدعائهم في ذلك الوقت الحرج، الذي يضطر فيه العابد إلى من عبده. ~~{ فدعوهم } لينفعوهم، أو يدفعوا عنهم من عذاب الله من شيء. { ~~فلم يستجيبوا لهم } فعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ~~مستحقين للعقوبة، { ورأوا العذاب } الذي سيحل بهم عيانا، ~~بأبصارهم بعد ما كانوا مكذبين به منكرين له. { لو أنهم كانوا ~~يهتدون } أي: لما حصل عليهم ما ms1149 حصل، ولهدوا إلى صراط الجنة، كما ~~اهتدوا في الدنيا، ولكن لم يهتدوا، فلم يهتدوا. { ويوم يناديهم ~~فيقول ماذآ أجبتم المرسلين } هل صدقتموهم، [واتبعتموهم] ~~أم كذبتموهم وخالفتموهم؟ { فعميت عليهم الأنبآء يومئذ ~~فهم لا يتسآءلون } أي: لم يحيروا عن هذا السؤال جوابا، ولم ~~يهتدوا إلى الصواب. ومن المعلوم أنه لا ينجى في هذا الموضع إلا التصريح ~~بالجواب الصحيح، المطابق لأحوالهم، من أننا أجبناهم بالإيمان والانقياد، ~~ولكن لما علموا تكذيبهم لهم وعنادهم لأمرهم، لم ينطقوا بشيء، ولا يمكن أن ~~يتساءلوا ويتراجعوا بينهم في ماذا يجيبون به، ولو كان كذبا. ### || [28.67] # لما ذكر تعالى سؤال الخلق عن معبودهم وعن رسلهم، ذكر الطريق الذي ينجو ~~به العبد من عقاب الله تعالى، وأنه لا نجاة إلا لمن اتصف بالتوبة من ~~الشرك والمعاصي، وآمن بالله فعبده، وآمن برسله فصدقهم، وعمل صالحا ~~متبعا فيه للرسل، { فعسى أن يكون } من جمع هذه الخصال { من ~~المفلحين } الناجحين بالمطلوب، الناجين من المرهوب، فلا سبيل إلى ~~الفلاح بدون هذه الأمور. ### || [28.68-70] # هذه الآيات، فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع ~~البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر، ~~[والأزمان] والأماكن، وأن أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء، وأنه ~~تعالى منزه عن كل ما يشركون به، من الشريك، والظهير، والعوين، والولد، ~~والصاحبة، ونحو ذلك، مما أشرك به المشركون، وأنه العالم بما أكنته الصدور ~~وما أعلنوه، وأنه وحده المعبود المحمود في الدنيا والآخرة، على ماله من ~~صفات الجلال والجمال، وعلى ما أسداه إلى خلقه من الإحسان والإفضال. وأنه ~~هو الحاكم في الدارين، في الدنيا، بالحكم القدري، الذي أثره جميع ما خلق ~~وذرأ، والحكم الديني، الذي أثره جميع الشرائع، والأوامر والنواهي. وفي ~~الآخرة يحكم بحكمه القدري والجزائي، ولهذا قال: { وإليه ترجعون ~~}. فيجازي كلا منكم بعمله، من خير وشر. ### || [28.71-73] # هذا امتنان من الله على عباده، يدعوهم به إلى شكره، والقيام بعبوديته ~~وحقه، أنه جعل لهم من رحمته النهار ليبتغوا من فضل الله، وينتشروا لطلب ~~أرزاقهم ومعايشهم في ضيائه، والليل ليهدؤوا فيه ويسكنوا، ms1150 وتستريح أبدانهم ~~وأنفسهم من تعب التصرف في النهار، فهذا من فضله ورحمته بعباده. فهل أحد ~~يقدر على شيء من ذلك؟ فلو جعل { عليكم الليل سرمدا إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء ~~أفلا تسمعون } مواعظ الله وآياته سماع فهم وقبول وانقياد، ولو ~~جعل { عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون } مواقع العبر، ومواضع الآيات، فتستنير بصائركم، وتسلكون ~~الطريق المستقيم. وقال في الليل { أفلا تسمعون } وفي النهار { ~~أفلا تبصرون } لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر، ~~وعكسه النهار. وفي هذه الآيات، تنبيه إلى أن العبد ينبغي له أن يتدبر ~~نعم الله عليه، ويتبصر فيها، ويقيسها بحال عدمها، فإنه إذا وازن بين ~~حالة وجودها، وبين حالة عدمها، تنبه عقله لموضع المنة، بخلاف من جرى مع ~~العوائد، ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرا، ولا يزال. وعمي قلبه عن ~~الثناء على الله، بنعمه، ورؤية افتقاره إليها في كل وقت، فإن هذا لا ~~يحدث له فكرة شكرا ولا ذكرا. ### || [28.74-75] # أي: ويوم ينادي الله المشركين به، العادلين به غيره، الذين يزعمون أن ~~له شركاء، يستحقون أن يعبدوا، وينفعون ويضرون، فإذا كان يوم القيامة، ~~أراد الله أن يظهر جراءتهم وكذبهم في زعمهم وتكذيبهم لأنفسهم ف { ~~يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم ~~تزعمون } أي: بزعمهم، لا بنفس الأمر، كما قال: # وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [يونس: 66]. فإذا حضروا وإياهم، نزع { من كل أمة } من الأمم ~~المكذبة { شهيدا } يشهد على ما جرى في الدنيا، من شركهم واعتقادهم، ~~وهؤلاء بمنزلة المنتخبين. أي: انتخبنا من رؤساء المكذبين من يتصدى ~~للخصومة عنهم، والمجادلة عن إخوانهم، ومن هم وإياهم على طريق واحد، فإذا ~~برزوا للمحاكمة { فقلنا هاتوا برهانكم } حجتكم ودليلكم على ~~صحة شرككم، هل أمرناكم بذلك؟ هل أمرتكم رسلي؟ هل وجدتم ذلك في شيء من ~~كتبي؟ هل فيهم أحد يستحق شيئا من الإلهية؟ هل ينفعونكم أو يدفعون ms1151 عنكم ~~من عذاب الله أو يغنون عنكم؟ فليفعلوا إذا [إن] كان فيهم أهلية، وليروكم ~~إن كان لهم قدرة، { فعلموا } حينئذ بطلان قولهم وفساده، و { أن ~~الحق لله } تعالى، قد توجهت عليهم الخصومة، وانقطعت حجتهم، ~~وأفلجت حجة الله، { وضل عنهم ما كانوا يفترون } من ~~الكذب والإفك، واضمحل وتلاشى وعدم، وعلموا أن الله قد عدل فيهم، حيث لم ~~يضع العقوبة إلا بمن استحقها واستأهلها. ### || [28.76-82] # { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } إلى ~~آخر القصة. يخبر تعالى عن حالة قارون وما [فعل] وفعل به ونصح ~~ووعظ، فقال: { إن قارون كان من قوم موسى } أي: من بني ~~إسرائيل، الذين فضلوا على العالمين، وفاقوهم في زمانهم، وامتن الله ~~عليهم بما امتن به، فكانت حالهم مناسبة للاستقامة، ولكن قارون هذا، بغى ~~على قومه وطغى، بما أوتيه من الأموال العظيمة المطغية. { وآتيناه ~~من الكنوز } أي: كنوز الأموال شيئا كثيرا، { مآ إن ~~مفاتحه لتنوء بالعصبة [أولي القوة } والعصبة] من ~~العشرة إلى التسعة إلى السبعة، ونحو ذلك. أي: حتى أن مفاتح خزائن أمواله ~~لتثقل الجماعة القوية عن حملها، هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ { إذ ~~قال له قومه } ناصحين له محذرين له عن الطغيان: { لا تفرح ~~إن الله لا يحب الفرحين } أي: لا تفرح بهذه الدنيا ~~العظيمة، وتفتخر بها، وتلهيك عن الآخرة، فإن الله لا يحب الفرحين بها، ~~المكبين على محبتها. { وابتغ فيمآ آتاك الله الدار ~~الآخرة } أي: قد حصل عندك من وسائل الآخرة ما ليس عند غيرك من ~~الأموال، فابتغ بها ما عند الله، وتصدق ولا تقتصر على مجرد نيل الشهوات، ~~وتحصيل اللذات، { ولا تنس نصيبك من الدنيا } أي: لا نأمرك ~~أن تتصدق بجميع مالك وتبقى ضائعا، بل أنفق لآخرتك، واستمتع بدنياك ~~استمتاعا لا يثلم دينك، ولا يضر بآخرتك، { وأحسن } إلى عباد الله { ~~كمآ أحسن الله } بهذه الأموال، { ولا تبغ الفساد في ~~الأرض } بالتكبر والعمل بمعاصي الله والاشتغال بالنعم عن المنعم، { ~~إن الله لا يحب المفسدين } بل يعاقبهم على ذلك أشد ~~العقوبة. ف { قال } قارون - رادا لنصيحتهم، ms1152 كافرا بنعمة ربه -: { ~~إنمآ أوتيته على علم عندي }. أي: إنما أدركت هذه ~~الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحذقي، أو على علم من الله بحالي، ~~يعلم أني أهل لذلك، فلم تنصحوني على ما أعطاني الله تعالى؟ قال تعالى ~~مبينا أن عطاءه، ليس دليلا على حسن حالة المعطي: { أولم يعلم ~~أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا } فما المانع من إهلاك قارون، ~~مع مضي عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم، إذ فعل ما يوجب ~~الهلاك؟. { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } بل يعاقبهم ~~الله، ويعذبهم على ما يعلمه منهم، فهم، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة، ~~وشهدوا لها بالنجاة، فليس قولهم مقبولا، وليس ذلك دافعا عنهم من العذاب ~~شيئا، لأن ذنوبهم غير خفية، فإنكارهم لا محل له، فلم يزل قارون مستمرا ~~على عناده وبغيه، وعدم قبول نصيحة قومه، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه، ~~وغره ما أوتيه من الأموال، { فخرج } ذات يوم { في زينته } أي: ~~بحالة أرفع ما يكون من أحوال دنياه، قد كان له من الأموال ما كان، وقد ~~استعد وتجمل بأعظم ما يمكنه، وتلك الزينة في العادة من مثله تكون هائلة، ~~جمعت زينة الدنيا وزهرتها وبهجتها وغضارتها وفخرها، فرمقته في تلك الحالة ~~العيون، وملأت بزته القلوب، واختلبت زينته النفوس، فانقسم فيه ~~الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة. # ف { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } أي: الذين ~~تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، { ~~يليت لنا مثل مآ أوتي قارون } من الدنيا ومتاعها وزهرتها ~~{ إنه لذو حظ عظيم } وصدقوا إنه لذو حظ عظيم، لو كان الأمر ~~منتهيا إلى رغباتهم، وأنه ليس وراء الدنيا، دار أخرى، فإنه قد أعطي ~~منها ما به غاية التنعم بنعيم الدنيا، واقتدر بذلك على جميع مطالبه، فصار ~~هذا الحظ العظيم، بحسب همتهم، وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى ~~مطلبها، لمن أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى ~~المرادات العالية والمطالب الغالية. ms1153 { وقال الذين أوتوا ~~العلم } الذين عرفوا حقائق الأشياء، ونظروا إلى باطن الدنيا، حين نظر ~~أولئك إلى ظاهرها: { ويلكم } متوجعين مما تمنوا لأنفسهم، راثين ~~لحالهم، منكرين لمقالهم: { ثواب الله } العاجل، من لذة العبادة ~~ومحبته، والإنابة إليه، والإقبال عليه. والآجل من الجنة وما فيها، مما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين { خير } من هذا الذي تمنيتم ورغبتم فيه، ~~فهذه حقيقة الأمر، ولكن ما كل من يعلم ذلك يؤثر الأعلى على الأدنى، فما ~~يلقى ذلك ويوفق له { إلا الصابرون } الذين حبسوا أنفسهم على ~~طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وصبروا على جواذب الدنيا ~~وشهواتها، أن تشغلهم عن ربهم، وأن تحول بينهم وبين ما خلقوا له، فهؤلاء ~~الذين يؤثرون ثواب الله على الدنيا الفانية. فلما انتهت بقارون حالة ~~البغي والفخر، وازينت الدنيا عنده، وكثر بها إعجابه، بغته العذاب { ~~فخسفنا به وبداره الأرض } جزاء من جنس عمله، فكما رفع ~~نفسه على عباد الله، أنزله الله أسفل سافلين، هو وما اغتر به، من داره ~~وأثاثه، ومتاعه. { فما كان له من فئة } أي: جماعة، وعصبة، ~~وخدم، وجنود { ينصرونه من دون الله وما كان من ~~المنتصرين } أي: جاءه العذاب، فما نصر ولا انتصر. { وأصبح ~~الذين تمنوا مكانه بالأمس } أي: الذين يريدون الحياة ~~الدنيا، الذين قالوا: { يليت لنا مثل مآ أوتي قارون } { ~~يقولون } متوجعين ومعتبرين، وخائفين من وقوع العذاب بهم: { ~~ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ~~ويقدر } أي: يضيق الرزق على من يشاء، فعلمنا حينئذ أن بسطه ~~لقارون، ليس دليلا على خير فيه، وأننا غالطون في قولنا: { إنه لذو ~~حظ عظيم } و { لولا أن من الله علينا } فلم يعاقبنا ~~على ما قلنا، فلولا فضله ومنته { لخسف بنا } فصار هلاك قارون عقوبة ~~له، وعبرة وموعظة لغيره، حتى إن الذين غبطوه، سمعت كيف ندموا، وتغير ~~فكرهم الأول. { ويكأنه لا يفلح الكافرون } أي: لا في ~~الدنيا ولا في الآخرة. ### || [28.83] # لما ذكر تعالى قارون وما أوتيه من الدنيا، وما صار إليه عاقبة أمره، وأن ~~أهل العلم قالوا: # ثواب الله خير لمن ms1154 آمن وعمل صالحا # [القصص: 80] رغب تعالى في الدار الآخرة، وأخبر بالسبب الموصل إليها ~~فقال: { تلك الدار الآخرة } التي أخبر الله بها في كتبه وأخبرت ~~[بها] رسله، التي [قد] جمعت كل نعيم، واندفع عنها كل مكدر ومنغص، { ~~نجعلها } دارا وقرارا { للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا } أي: ليس لهم إرادة، فكيف العمل للعلو في الأرض ~~على عباد الله، والتكبر عليهم وعلى الحق، { ولا فسادا } وهذا شامل ~~لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد، لزم ~~من ذلك أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم ~~التواضع لعباد الله، والانقياد للحق والعمل الصالح. وهؤلاء هم المتقون ~~الذين لهم العاقبة، ولهذا قال: { والعاقبة } أي حالة الفلاح ~~والنجاح، التي تستقر وتستمر، لمن اتقى الله تعالى، وغيرهم - وإن حصل لهم ~~بعض الظهور والراحة - فإنه لا يطول وقته، ويزول عن قريب. وعلم من هذا ~~الحصر في الآية الكريمة، أن الذين يريدون العلو في الأرض، أو الفساد، ليس ~~لهم في الدار الآخرة نصيب، ولا لهم منها نصيب. ### || [28.84] # يخبر تعالى عن مضاعفة فضله، وتمام عدله، فقال: { من جآء ~~بالحسنة } شرط فيها أن يأتي بها العامل، لأنه قد يعملها، ولكن ~~يقترن بها ما لا تقبل منه أو يبطلها، فهذا لم يجيء بالحسنة، والحسنة: اسم ~~جنس يشمل جميع ما أمر الله به ورسوله، من الأقوال والأعمال الظاهرة ~~والباطنة، المتعلقة بحق الله تعالى وحق عباده، { فله خير منها ~~} [أي: أعظم وأجل، وفي الآية الأخرى # فله عشر أمثالها # ] [الأنعام: 160]. هذا التضعيف للحسنة، لا بد منه، وقد يقترن بذلك من ~~الأسباب ما تزيد به المضاعفة، كما قال تعالى: # والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم # [البقرة: 261] بحسب حال العامل وعمله، ونفعه ومحله ومكانه، { ومن ~~جآء بالسيئة } وهي كل ما نهى الشارع عنه نهي تحريم. { فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون } كقوله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون # [الأنعام: 160]. ### || [28.85-88] # يقول ms1155 تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن } أي: أنزله، ~~وفرض فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، وأمرك بتبليغه للعالمين، ~~والدعوة لأحكام جميع المكلفين، لا يليق بحكمته أن تكون الحياة هي الحياة ~~الدنيا فقط، من غير أن يثاب العباد ويعاقبوا، بل لا بد أن يردك إلى معاد، ~~يجازى فيه المحسنون بإحسانهم، والمسيئون بمعصيتهم. وقد بينت لهم الهدى، ~~وأوضحت لهم المنهج، فإن تبعوك، فذلك حظهم وسعادتهم، وإن أبوا إلا عصيانك ~~والقدح بما جئت به من الهدى، وتفضيل ما معهم من الباطل على الحق، فلم يبق ~~للمجادلة محل، ولم يبق إلا المجازاة على الأعمال من العالم بالغيب ~~والشهادة، والمحق والمبطل. ولهذا قال: { قل ربي أعلم من جآء ~~بالهدى ومن هو في ضلال مبين } وقد علم أن رسوله هو ~~المهتدي الهادي، وأن أعداءه هم الضالون المضلون. { وما كنت ترجو ~~أن يلقى إليك الكتاب } أي: لم تكن متحريا لنزول هذا الكتاب ~~عليك، ولا مستعدا له، ولا متصديا. { إلا رحمة من ربك } ~~بك وبالعباد، فأرسلك بهذا الكتاب، الذي رحم به العالمين، وعلمهم ما لم ~~يكونوا يعلمون، وزكاهم وعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين، فإذا علمت أنه أنزل إليك رحمة منه، [علمت] أن جميع ما أمر به ونهى ~~عنه، فإنه رحمة وفضل من الله، فلا يكن في صدرك حرج من شيء منه، وتظن أن ~~مخالفه أصلح وأنفع. { فلا تكونن ظهيرا للكافرين } أي: ~~معينا لهم على ما هو من شعب كفرهم، ومن جملة مظاهرتهم، أن يقال في شيء ~~منه، إنه خلاف الحكمة والمصلحة والمنفعة. { ولا يصدنك عن ~~آيات الله بعد إذ أنزلت إليك } بل أبلغها وأنفذها، ولا ~~تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها، ولا تتبع أهواءهم. { وادع إلى ~~ربك } أي: اجعل الدعوة إلى ربك منتهى قصدك وغاية عملك، فكل ما خالف ~~ذلك فارفضه، من رياء، أو سمعة، أو موافقة أغراض أهل الباطل، فإن ذلك داع ~~إلى الكون معهم، ومساعدتهم على أمرهم، ولهذا قال: { ولا تكونن ~~من المشركين } لا في شركهم، ولا في فروعه وشعبه، التي هي ms1156 جميع ~~المعاصي. { ولا تدع مع الله إلها آخر } بل أخلص لله ~~عبادتك، فإنه { لا إله إلا هو } فلا أحد يستحق أن يؤله ويحب ~~ويعبد، إلا الله الكامل الباقي الذي { كل شيء هالك إلا ~~وجهه } وإذا كان كل شيء هالكا مضمحلا، سواه، فعبادة الهالك الباطل ~~باطلة ببطلان غايتها، وفساد نهايتها. { له الحكم } في الدنيا ~~والآخرة { وإليه } لا إلى غيره { ترجعون } فإذا كان ما سوى ~~الله باطلا هالكا، والله هو الباقي، الذي لا إله إلا هو، وله الحكم ~~في الدنيا والآخرة، وإليه مرجع الخلائق كلهم، ليجازيهم بأعمالهم، تعين ~~على من له عقل، أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويعمل لما يقربه ~~ويدنيه، ويحذر من سخطه وعقابه، وأن يقدم على ربه غير تائب، ولا مقلع عن ~~خطئه وذنوبه. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # يخبر تعالى عن [تمام] حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه ~~مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن ~~والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر ~~كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في ~~الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، ~~والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ~~ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى ~~فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان ~~عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ~~ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما ~~أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على ~~صدق إيمانه وصحته. ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، ~~وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دل ذلك ~~على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا ~~الله، فمستقل ومستكثر، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا ms1157 وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء ~~والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها. ### || [29.4] # أي: أحسب الذين همهم فعل السيئات وارتكاب الجنايات، أن أعمالهم ستهمل، ~~وأن الله سيغفل عنهم، أو يفوتونه، فلذلك أقدموا عليها، وسهل عليهم ~~عملها؟ { سآء ما يحكمون } أي: ساء حكمهم، فإنه حكم جائر، لتضمنه ~~إنكار قدرة الله وحكمته، وأن لديهم قدرة يمتنعون بها من عقاب الله، وهم ~~أضعف شيء وأعجزه. ### || [29.5-6] # يعني: يا أيها المحب لربه، المشتاق لقربه ولقائه، المسارع في مرضاته، ~~أبشر بقرب لقاء الحبيب، فإنه آت، وكل آت إنما هو قريب، فتزود للقائه، وسر ~~نحوه، مستصحبا الرجاء، مؤملا الوصول إليه، ولكن، ما كل من يدعي ~~يعطى بدعواه، ولا كل من تمنى يعطى ما تمناه، فإن الله سميع ~~للأصوات، عليم بالنيات، فمن كان صادقا في ذلك أناله ما يرجو، ومن ~~كان كاذبا لم تنفعه دعواه، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح. { ~~ومن جاهد } نفسه وشيطانه، وعدوه الكافر، { فإنما يجاهد ~~لنفسه } لأن نفعه راجع إليه، وثمرته عائدة إليه، والله غني عن ~~العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به لينتفع به، ولا نهاهم عما نهاهم عنه ~~بخلا عليهم.وقد علم أن الأوامر والنواهي يحتاج المكلف فيها إلى جهاد، ~~لأن نفسه تتثاقل بطبعها عن الخير، وشيطانه ينهاه عنه، وعدوه الكافر يمنعه ~~من إقامة دينه، كما ينبغي، وكل هذا معارضات تحتاج إلى مجاهدات وسعي شديد. ### || [29.7] # يعني أن الذين من الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح، سيكفر الله ~~عنهم سيئاتهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، { سيئاتهم ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون } وهي أعمال ~~الخير، من واجبات ومستحبات، فهي أحسن ما يعمل العبد، لأنه يعمل المباحات ~~أيضا، وغيرها. ### || [29.8] # أي: وأمرنا الإنسان، ووصيناه بوالديه حسنا، أي: ببرهما والإحسان ~~إليهما، بالقول والعمل، وأن يحافظ على ذلك، ولا يعقهما ويسيء إليهما في ~~قوله وعمله. { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به ~~علم } وليس لأحد علم بصحة الشرك بالله، وهذا تعظيم لأمر الشرك، { ~~فلا تطعهمآ إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون } فأجازيكم بأعمالكم، ms1158 فبروا والديكم وقدموا طاعتهما، إلا على ~~طاعة الله ورسوله، فإنها مقدمة على كل شيء. ### || [29.9] # أي: من آمن بالله وعمل صالحا، فإن الله وعده أن يدخله الجنة في ~~جملة عباده الصالحين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كل على ~~حسب درجته ومرتبته عند الله، فالإيمان الصحيح والعمل الصالح عنوان على ~~سعادة صاحبه، وأنه من أهل الرحمن، والصالحين من عباد الله تعالى. ### || [29.10-11] # لما ذكر تعالى أنه لا بد أن يمتحن من ادعى الإيمان، ليظهر الصادق من ~~الكاذب، بين تعالى أن من الناس فريقا لا صبر لهم على المحن، ولا ثبات ~~لهم على بعض الزلازل، فقال: { ومن الناس من يقول ءامنا ~~بالله فإذآ أوذي في الله } بضرب، أو أخذ مال، أو تعيير، ~~ليرتد عن دينه، وليراجع الباطل، { جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله } أي: يجعلها صادة له عن الإيمان والثبات عليه، كما أن العذاب ~~صاد عما هو سببه. { ولئن جآء نصر من ربك ليقولن ~~إنا كنا معكم } لأنه موافق للهوى، فهذا الصنف من الناس من ~~الذين قال الله فيهم: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # [الحج: 11]. { أو ليس الله بأعلم بما في صدور ~~العالمين } حيث خبركم بهذا الفريق، الذي حاله كما وصف لكم، ~~فتعرفون بذلك كمال علمه وسعة حكمته. { وليعلمن الله الذين ~~آمنوا وليعلمن المنافقين } أي: فلذلك قدر محنا ~~وابتلاء، ليظهر علمه فيهم، فيجازيهم بما ظهر منهم، لا بما يعلمه بمجرده، ~~لأنهم قد يحتجون على الله، أنهم لو ابتلوا لثبتوا. ### || [29.12-13] # يخبر تعالى عن افتراء الكفار ودعوتهم للمؤمنين إلى دينهم، وفي ضمن ذلك، ~~تحذير المؤمنين من الاغترار بهم والوقوع في مكرهم، فقال: { وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا } ~~فاتركوا دينكم أو بعضه واتبعونا في ديننا، فإننا نضمن لكم الأمر { ~~ولنحمل خطاياكم } وهذا الأمر ليس بأيديهم، فلهذا قال: { وما ~~هم بحاملين من خطاياهم من شيء } لا قليل ولا كثير. ~~فهذا التحمل، ولو رضي به ms1159 صاحبه، فإنه لا يفيد شيئا، فإن الحق لله، ~~والله تعالى لم يمكن العبد من التصرف في حقه إلا بأمره وحكمه، وحكمه " ~~أن لا تزر وازرة وزر أخرى ". ولما كان قوله: { وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء } قد يتوهم منه أيضا، أن ~~الكفار الداعين إلى كفرهم - ونحوهم ممن دعا إلى باطله - ليس عليهم إلا ~~ذنبهم الذي ارتكبوه، دون الذنب الذي فعله غيرهم، ولو كانوا متسببين فيه، ~~قال: [مخبرا عن هذا الوهم] { وليحملن أثقالهم } أي: أثقال ~~ذنوبهم التي عملوها { وأثقالا مع أثقالهم } وهي الذنوب ~~التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع [لكل من التابع]، ~~والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع [لأنه] تسبب في فعله ~~ودعا إليه، كما أن الحسنة إذا فعلها التابع له أجرها بالمباشرة، وللداعي ~~أجره بالتسبب. { وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون } من الشر وتزيينه، [وقولهم] { ولنحمل خطاياكم }. ### || [29.14-15] # يخبر تعالى عن حكمه وحكمته في عقوبة الأمم المكذبة، وأن الله أرسل عبده ~~ورسوله نوحا عليه الصلاة السلام إلى قومه، يدعوهم إلى التوحيد وإفراد ~~الله بالعبادة، والنهي عن الأنداد والأصنام، { فلبث فيهم } نبيا ~~داعيا { ألف سنة إلا خمسين عاما } وهو لا يني بدعوتهم، ~~ولا يفتر في نصحهم، يدعوهم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، فلم يرشدوا ولم ~~يهتدوا، بل استمروا على كفرهم وطغيانهم، حتى دعا عليهم نبيهم نوح عليه ~~الصلاة والسلام، مع شدة صبره وحلمه واحتماله، فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] { فأخذهم الطوفان } أي: الماء الذي نزل من السماء ~~بكثرة، ونبع من الأرض بشدة { وهم ظالمون } مستحقون للعذاب. { ~~فأنجيناه وأصحاب السفينة } الذين ركبوا معه، أهله ومن آمن ~~به. { وجعلناهآ } أي: السفينة، أو قصة نوح { آية للعالمين ~~} يعتبرون بها، على أن من كذب الرسل، آخر أمره الهلاك، وأن المؤمنين ~~سيجعل الله لهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا. وجعل الله أيضا ~~السفينة، أي: جنسها آية للعالمين، يعتبرون بها رحمة ربهم، الذي قيض لهم ~~أسبابها، ويسر لهم أمرها، وجعلها تحملهم وتحمل متاعهم من محل ms1160 إلى محل ~~ومن قطر إلى قطر. ### || [29.16-22] # يذكر تعالى أنه أرسل خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى قومه، ~~يدعوهم إلى الله، فقال [لهم]: { اعبدوا الله } أي: وحدوه، ~~وأخلصوا له العبادة، وامتثلوا ما أمركم به، { واتقوه } أن يغضب ~~عليكم، فيعذبكم، وذلك بترك ما يغضبه من المعاصي، { ذلكم } أي: عبادة ~~الله وتقواه { خير لكم } من ترك ذلك، وهذا من باب إطلاق " أفعل ~~التفضيل " بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فإن ترك عبادة الله، وترك ~~تقواه، لا خير فيه بوجه، وإنما كانت عبادة الله وتقواه خيرا للناس، لأنه ~~لا سبيل إلى نيل كرامته في الدنيا والآخرة إلا بذلك، وكل خير يوجد في ~~الدنيا والآخرة، فإنه من آثار عبادة الله وتقواه. { إن كنتم ~~تعلمون } ذلك، فاعلموا الأمور وانظروا ما هو أولى بالإيثار، فلما ~~أمرهم بعبادة الله وتقواه، نهاهم عن عبادة الأصنام، وبين لهم نقصها ~~وعدم استحقاقها للعبودية، فقال: { إنما تعبدون من دون ~~الله أوثانا وتخلقون إفكا } تنحتونها وتخلقونها بأيديكم، ~~وتخلقون لها أسماء الآلهة، وتختلقون الكذب بالأمر بعبادتها والتمسك بذلك، ~~{ إن الذين تعبدون من دون الله } في نقصه، وأنه ليس ~~فيه ما يدعو إلى عبادته، { لا يملكون لكم رزقا } فكأنه قيل: ~~قد بان لنا أن هذه الأوثان مخلوقة ناقصة، لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا ~~موتا ولا حياة ولا نشورا، وأن من هذا وصفه، لا يستحق أدنى أدنى أدنى ~~مثقال مثقال مثقال ذرة من العبادة والتأله، والقلوب لا بد أن تطلب ~~معبودا تألهه وتسأله حوائجها، فقال - حاثا لهم على من يستحق العبادة - ~~{ فابتغوا عند الله الرزق } فإنه هو الميسر له، المقدر، ~~المجيب لدعوة من دعاه في أمر دينه ودنياه، { واعبدوه } وحده لا ~~شريك له، لكونه الكامل النافع الضار، المتفرد بالتدبير، { واشكروا ~~له } وحده، لكون جميع ما وصل ويصل إلى الخلق من النعم فمنه، وجميع ما ~~اندفع ويندفع من النقم عنهم فهو الدافع لها. { إليه ترجعون } ~~يجازيكم على ما عملتم، وينبئكم بما أسررتم وأعلنتم، فاحذروا القدوم عليه ~~وأنتم على شرككم، وارغبوا فيما يقربكم إليه، ويثيبكم ms1161 - عند القدوم - ~~عليه. { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم ~~يعيده } يوم القيامة { إن ذلك على الله يسير }. كما ~~قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. { قل } لهم، إن حصل معهم ريب وشك في الابتداء: { ~~سيروا في الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا كيف بدأ ~~الخلق } فإنكم ستجدون أمما من الآدميين والحيوانات، لا تزال توجد ~~شيئا فشيئا، وتجدون النبات والأشجار، كيف تحدث وقتا بعد وقت، وتجدون ~~السحاب والرياح ونحوها، مستمرة في تجددها، بل الخلق دائما في بدء ~~وإعادة، فانظر إليهم وقت موتتهم الصغرى -النوم- وقد هجم عليهم الليل ~~بظلامه، فسكنت منهم الحركات، وانقطعت منهم الأصوات، وصاروا في فرشهم ~~ومأواهم كالميتين، ثم إنهم لم يزالوا على ذلك طول ليلهم، حتى انفلق ~~الإصباح، فانتبهوا من رقدتهم، وبعثوا من موتتهم، قائلين: " الحمد لله ~~الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ". # ولهذا قال: { ثم الله } بعد الإعادة { ينشىء النشأة ~~الآخرة } وهي النشأة التي لا تقبل موتا ولا نوما، وإنما هو الخلود ~~والدوام في إحدى الدارين. { إن الله على كل شيء قدير } ~~فقدرته تعالى لا يعجزها شيء، وكما قدر بها على ابتداء الخلق، فقدرته على ~~الإعادة من باب أولى وأحرى. { يعذب من يشآء ويرحم من ~~يشآء } أي: هو المنفرد بالحكم الجزائي، وهو إثابة الطائعين ورحمتهم، ~~وتعذيب العاصين والتنكيل بهم. { وإليه تقلبون } أي: ترجعون إلى ~~الدار، التي بها تجري عليكم أحكام عذابه ورحمته، فاكتسبوا في هذه الدار، ~~ما هو من أسباب رحمته من الطاعات، وابتعدوا من أسباب عذابه، وهي المعاصي. ~~{ ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء } أي: ~~يا هؤلاء المكذبون، المتجرؤن على المعاصي، لا تحسبوا أنه مغفول عنكم، أو ~~معجزون لله في الأرض ولا في السماء، فلا تغرنكم قدرتكم وما زينت لكم ~~أنفسكم وخدعتكم، من النجاة من عذاب الله، فلستم بمعجزين الله في جميع ~~أقطار العالم. { وما لكم من دون الله من ولي } يتولاكم، ~~فيحصل لكم مصالح دينكم ودنياكم، { ولا نصير } ينصركم، فيدفع عنكم ~~المكاره. ### || [29.23] # يخبر تعالى من هم الذين زال ms1162 عنهم الخير، وحصل لهم الشر، وأنهم الذين ~~كفروا به وبرسله، وبما جاؤوهم به، وكذبوا بلقاء الله، فليس عندهم إلا ~~الدنيا، فلذلك قدموا على ما أقدموا عليه من الشرك والمعاصي، لأنه ليس في ~~قلوبهم ما يخوفهم من عاقبة ذلك، ولهذا قال تعالى: { ولقآئه ~~أولئك يئسوا من رحمتي } أي: فلذلك لم يعلموا سببا ~~واحدا يحصلون به الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالا، ~~والإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان: إياس الكفار منها، ~~وتركهم جميع سبب يقربهم منها، وإياس العصاة، بسبب كثرة جناياتهم أوحشتهم، ~~فملكت قلوبهم، فأحدث لها الإياس، { وأولئك لهم عذاب ~~أليم } أي: مؤلم موجع. وكأن هذه الآيات معترضات بين كلام إبراهيم عليه ~~السلام لقومه، وردهم عليه، والله أعلم بذلك. ### || [29.24-25] # أي: فما كان مجاوبة قوم إبراهيم إبراهيم حين دعاهم إلى ربه قبول دعوته، ~~والاهتداء بنصحه، ورؤية نعمة الله عليهم بإرساله إليهم، وإنما كان ~~مجاوبتهم له شر مجاوبة. { أن قالوا اقتلوه أو حرقوه } ~~أشنع القتلات، وهم أناس مقتدرون، لهم السلطان، فألقوه في النار { ~~فأنجاه الله } منها. { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون } فيعلمون صحة ما جاءت به الرسل، وبرهم ونصحهم، وبطلان ~~قول من خالفهم وناقضهم، وأن المعارضين للرسل كأنهم تواصوا وحث بعضهم ~~بعضا على التكذيب. { وقال } لهم إبراهيم في جملة ما قاله من نصحه: { ~~إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا } أي: غاية ذلك، مودة في الدنيا ~~ستنقطع وتضمحل، { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ~~ببعض ويلعن بعضكم بعضا } أي: يتبرأ كل من العابدين ~~والمعبودين من الآخر # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6] فكيف تتعلقون بمن يعلم أنه يتبرأ من عابديه ويلعنهم؟ { و ~~} أن مأوى الجميع، العابدين والمعبودين { النار } وليس أحد ينصرهم من ~~عذاب الله، ولا يدفع عنهم عقابه. ### || [29.26-27] # أي: لم يزل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو قومه، وهم مستمرون على ~~عنادهم، إلا أنه آمن له بدعوته لوط، الذي نبأه الله، وأرسله إلى قومه ~~كما سيأتي ذكره. { وقال } إبراهيم ms1163 حين رأى أن دعوة قومه لا تفيدهم ~~شيئا: { إني مهاجر إلى ربي } أي: هاجر أرض السوء، ومهاجر ~~إلى الأرض المباركة، وهي الشام، { إنه هو العزيز } أي: الذي له ~~القوة، وهو يقدر على هدايتكم، ولكنه حكيم ما اقتضت حكمته ذلك، ولما ~~اعتزلهم وفارقهم، وهم بحالهم، لم يذكر الله عنهم أنه أهلكهم بعذاب، بل ~~ذكر اعتزاله إياهم، وهجرته من بين أظهرهم. فأما ما يذكر في الإسرائيليات، ~~أن الله تعالى فتح على قومه باب البعوض، فشرب دماءهم، وأكل لحومهم، ~~وأتلفهم عن آخرهم، فهذا يتوقف الجزم به على الدليل الشرعي، ولم يوجد، فلو ~~كان الله استأصلهم بالعذاب لذكره كما ذكر إهلاك الأمم المكذبة، ولكن لعل ~~من أسرار ذلك، أن الخليل عليه السلام من أرحم الخلق وأفضلهم [وأحلمهم] ~~وأجلهم، فلم يدع على قومه كما دعا غيره، ولم يكن الله ليجري بسببه ~~عذابا عاما. ومما يدل على ذلك، أنه راجع الملائكة في إهلاك قوم لوط، ~~وجادلهم، ودافع عنهم، وهم ليسوا قومه، والله أعلم بالحال. { ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب } أي: بعد ما هاجر إلى الشام { وجعلنا ~~في ذريته النبوة والكتاب } فلم يأت بعده نبي إلا من ~~ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين. وهذا [من] أعظم المناقب والمفاخر، أن تكون مواد ~~الهداية والرحمة والسعادة والفلاح في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى ~~المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون. { وآتيناه أجره في ~~الدنيا } من الزوجة الجميلة فائقة الجمال، والرزق الواسع، والأولاد، ~~الذين بهم قرت عينه، ومعرفة الله ومحبته، والإنابة إليه. { وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين } بل هو ومحمد صلى الله عليهما وسلم ~~أفضل الصالحين على الإطلاق، وأعلاهم منزلة، فجمع الله له بين سعادة ~~الدنيا والآخرة. ### || [29.28-35] # { ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ~~ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم ~~لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ~~ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * ~~قال رب انصرني على القوم المفسدين } إلى آخر ms1164 القصة. ~~تقدم أن لوطا عليه السلام آمن لإبراهيم، وصار من المهتدين به، وقد ذكروا ~~أنه ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخي إبراهيم. فقوله تعالى: { ~~وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } وإن كان ~~عاما، فلا يناقض كون لوط نبيا رسولا وهو ليس من ذريته، لأن الآية جيء ~~بها لسياق المدح والثناء على الخليل، وقد أخبر أن لوطا اهتدى على يديه، ~~ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي، ~~والله أعلم. فأرسل الله لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين ~~فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم ~~لوط عن هذه الأمور، وبين لهم قبائحها في نفسها، وما تؤول إليه من ~~العقوبة البليغة، فلم يرعووا ولم يذكروا. { فما كان جواب قومه ~~إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين }. فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة ~~تكذيبهم له، فدعا عليهم و { قال رب انصرني على القوم ~~المفسدين } فاستجاب الله دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم. فمروا ~~بإبراهيم قبل، وبشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم سألهم إبراهيم ~~أين يريدون؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط، فجعل يراجعهم ويقول: { ~~إن فيها لوطا } فقالوا له: { لننجينه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين } ثم مضوا حتى أتوا لوطا، فساءه ~~مجيئهم، وضاق بهم ذرعا، بحيث إنه لم يعرفهم، وظن أنهم من جملة أبناء ~~السبيل الضيوف، فخاف عليهم من قومه، فقالوا له: { لا تخف ولا ~~تحزن } وأخبروه أنهم رسل الله. { إنا منجوك وأهلك ~~إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون ~~على أهل هذه القرية رجزا } أي: عذابا { من ~~السمآء بما كانوا يفسقون } فأمروه أن يسري بأهله ليلا، ~~فلما أصبحوا، قلب الله عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم ~~حجارة من سجيل متتابعة حتى أبادتهم وأهلكتهم، فصاروا سمرا من الأسمار، ~~وعبرة من العبر. { ولقد تركنا منهآ آية بينة ~~لقوم يعقلون } أي: تركنا من ديار قوم لوط، آثارا بينة لقوم ~~يعقلون العبر بقلوبهم، [فينتفعون بها]، كما ms1165 قال تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. ### || [29.36-37] # أي: { و } أرسلنا { إلى مدين } القبيلة المعروفة المشهورة { ~~شعيبا } فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإيمان بالبعث ~~ورجائه، والعمل له، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، ببخس المكاييل ~~والموازين، والسعي بقطع الطرق، فكذبوه فأخذهم عذاب الله { فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين }. ### || [29.38-40] # أي: وكذلك ما فعلنا بعاد وثمود، وقد علمتم قصصهم، وتبين لكم بشيء ~~تشاهدونه بأبصاركم من مساكنهم وآثارهم التي بانوا عنها، وقد جاءتهم رسلهم ~~بالآيات البينات، المفيدة للبصيرة، فكذبوهم وجادلوهم. { وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم } حتى ظنوا أنها أفضل مما جاءتهم به الرسل، ~~وكذلك قارون، وفرعون، وهامان، حين بعث الله إليهم موسى بن عمران، ~~بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، فلم ينقادوا، واستكبروا في الأرض، ~~[على عباد الله فأذلوهم، وعلى الحق فردوه فلم يقدروا على النجاء حين ~~نزلت بهم العقوبة] { وما كانوا سابقين } الله، ولا فائتين، بل ~~سلموا واستسلموا. { فكلا } من هؤلاء الأمم المكذبة { أخذنا ~~بذنبه } على قدره، وبعقوبة مناسبة له، { فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا } أي: عذابا يحصبهم، كقوم عاد، حين أرسل الله عليهم ~~الريح العقيم، و # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ~~فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية # [الحاقة: 7]. { ومنهم من أخذته الصيحة } كقوم صالح، { ~~ومنهم من خسفنا به الأرض } كقارون، { ومنهم من ~~أغرقنا } كفرعون وهامان وجنودهما. { وما كان الله } أي: ما ~~ينبغي ولا يليق به تعالى أن يظلمهم لكمال عدله، وغناه التام عن جميع ~~الخلق. { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } منعوها حقها ~~التي هي بصدده، فإنها مخلوقة لعبادة الله وحده، فهؤلاء وضعوها في غير ~~موضعها، وأشغلوها بالشهوات والمعاصي، فضروها غاية الضرر، من حيث ظنوا ~~أنهم ينفعونها. ### || [29.41-43] # هذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتقوي ~~والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت، اتخذت بيتا ~~يقيها من الحر والبرد والآفات، { بيتا وإن أوهن البيوت } ~~أضعفها وأوهاها { لبيت العنكبوت }. فالعنكبوت من الحيوانات ~~الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفا، ms1166 كذلك ~~هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين ~~اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفا إلى ~~ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم. فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، ~~وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم ~~يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل. فلو كانوا ~~يعلمون حقيقة العلم، حالهم وحال من اتخذوهم، لم يتخذوهم، ولتبرؤوا منهم، ~~ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه، كفاه مئونة ~~دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله. ولما ~~بين نهاية ضعف آلهة المشركين، ارتقى من هذا إلى ما هو أبلغ منه، وأنها ~~ليست بشيء، بل هي مجرد أسماء سموها، وظنون اعتقدوها، وعند التحقيق، يتبين ~~للعاقل بطلانها وعدمها، ولهذا قال: { إن الله يعلم ما ~~يدعون من دونه من شيء } أي: إنه تعالى يعلم - وهو عالم الغيب ~~والشهادة - أنهم ما يدعون من دون الله شيئا موجودا، ولا إلها له ~~حقيقة، كقوله تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23] وقوله: # وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [يونس: 66]. { وهو العزيز الحكيم } الذي له القوة جميعا، ~~التي قهر بها جميع المخلوقات، { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، ~~الذي أحسن كل شيء خلقه، وأتقن ما أمره. { وتلك الأمثال ~~نضربها للناس } أي: لأجلهم ولانتفاعهم وتعليمهم، لكونها من ~~الطرق الموضحة للعلوم، ولأنها تقرب الأمور المعقولة بالأمور المحسوسة، ~~فيتضح المعنى المطلوب بسببها، فهي مصلحة لعموم الناس. { و } لكن { ما ~~يعقلهآ } بفهمها وتدبرها، وتطبيقها على ما ضربت له، وعقلها في القلب ~~{ إلا العالمون } أي: أهل العلم الحقيقي، الذين وصل العلم إلى ~~قلوبهم. وهذا مدح للأمثال التي يضربها، وحث على تدبرها وتعقلها، ومدح ~~لمن يعقلها، وأنه عنوان على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ~~ليس من العالمين. والسبب في ذلك، أن الأمثال التي يضربها الله ms1167 في ~~القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، ~~فأهل العلم يعرفون أنها أهم من غيرها، لاعتناء الله بها، وحثه عباده على ~~تعقلها وتدبرها، فيبذلون جهدهم في معرفتها. وأما من لم يعقلها، مع ~~أهميتها، فإن ذلك دليل على أنه ليس من أهل العلم، لأنه إذا لم يعرف ~~المسائل المهمة، فعدم معرفته غيرها من باب أولى وأحرى. ولهذا، أكثر ما ~~يضرب الله الأمثال في أصول الدين ونحوها. ### || [29.44] # أي: هو تعالى المنفرد بخلق السماوات، على علوها وارتفاعها وسعتها وحسنها ~~وما فيها من الشمس والقمر والكواكب والملائكة، والأرض وما فيها من الجبال ~~والبحار والبراري والقفار والأشجار ونحوها، وكل ذلك خلقه بالحق، أي: لم ~~يخلقها عبثا ولا سدى، ولا لغير فائدة، وإنما خلقها، ليقوم أمره وشرعه، ~~ولتتم نعمته على عباده، وليروا من حكمته وقهره وتدبيره، ما يدلهم على أنه ~~وحده معبودهم ومحبوبهم وإلههم. { إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين } على كثير من المطالب الإيمانية، إذا تدبرها المؤمن ~~رأى ذلك فيها عيانا. ### || [29.45] # يأمر تعالى بتلاوة وحيه وتنزيله، وهو هذا الكتاب العظيم، ومعنى تلاوته ~~اتباعه، بامتثال ما يأمر به، واجتناب ما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، ~~وتصديق أخباره، وتدبر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فصار تلاوة لفظه جزء المعنى ~~وبعضه، وإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، علم أن إقامة الدين كله، داخلة ~~في تلاوة الكتاب. فيكون قوله: { وأقم الصلاة } من باب عطف الخاص ~~على العام، لفضل الصلاة وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي { إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشآء والمنكر }. والفحشاء: كل ما استعظم ~~واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس. والمنكر: كل معصية تنكرها ~~العقول والفطر. ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد ~~المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر ~~فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في ~~الشر، فبالضرورة، مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه، تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها. وثم في الصلاة مقصود ~~أعظم من هذا وأكبر، وهو ما اشتملت عليه من ذكر الله، بالقلب واللسان ms1168 ~~والبدن. فإن الله تعالى، إنما خلق الخلق لعبادته، وأفضل عبادة تقع منهم ~~الصلاة، وفيها من عبوديات الجوارح كلها، ما ليس في غيرها، ولهذا قال: { ~~ولذكر الله أكبر }. ويحتمل أنه لما أمر بالصلاة ومدحها، أخبر ~~أن ذكره تعالى خارج الصلاة أكبر من الصلاة، كما هو قول جمهور المفسرين، ~~لكن الأول أولى، لأن الصلاة أفضل من الذكر خارجها، ولأنها - كما تقدم - ~~بنفسها من أكبر الذكر. { والله يعلم ما تصنعون } من خير ~~وشر، فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه. ### || [29.46] # ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل، أو ~~بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين ~~كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل ~~لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل ~~يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظلم من أهل الكتاب، بأن ظهر ~~من قصده وحاله، أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادل على وجه المشاغبة ~~والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع. { ~~وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد } أي: ولتكن مجادلتكم لأهل الكتاب ~~مبنية على الإيمان بما أنزل إليكم وأنزل إليهم، وعلى الإيمان برسولكم ~~ورسولهم، وعلى أن الإله واحد، ولا تكن مناظرتكم إياهم [على وجه] يحصل به ~~القدح في شيء من الكتب الإلهية، أو بأحد من الرسل، كما يفعله الجاهل عند ~~مناظرة الخصوم، يقدح بجميع ما معهم، من حق وباطل، فهذا ظلم وخروج عن ~~الواجب وآداب النظر، فإن الواجب، أن يرد ما مع الخصم من الباطل، ويقبل ما ~~معه من الحق، ولا يرد الحق لأجل قوله، ولو كان كافرا. وأيضا، فإن بناء ~~مناظرة أهل الكتاب، على هذا الطريق، فيه إلزام لهم بالإقرار بالقرآن، ~~وبالرسول الذي جاء به، فإنه إذا تكلم في الأصول الدينية التي اتفقت عليها ~~الأنبياء والكتب، وتقررت عند المتناظرين، وثبتت حقائقها عندهما، وكانت ~~الكتب السابقة والمرسلون مع القرآن ومحمد ms1169 صلى الله عليه وسلم، قد بينتها ~~ودلت عليها وأخبرت بها، فإنه يلزم التصديق بالكتب كلها، والرسل كلهم، ~~وهذا من خصائص الإسلام. فأما أن يقال: نؤمن بما دل عليه الكتاب الفلاني، ~~دون الكتاب الفلاني وهو الحق الذي صدق ما قبله، فهذا ظلم وجور، وهو يرجع ~~إلى قوله بالتكذيب، لأنه إذا كذب القرآن الدال عليها، المصدق لما بين ~~يديه من التوراة، فإنه مكذب لما زعم أنه به مؤمن. وأيضا، فإن كل طريق ~~تثبت به نبوة أي: نبي كان، فإن مثلها وأعظم منها، دالة على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وكل شبهة يقدح بها في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإن مثلها أو أعظم منها، يمكن توجيهها إلى نبوة غيره، فإذا ثبت بطلانها ~~في غيره، فثبوت بطلانها في حقه صلى الله عليه وسلم أظهر وأظهر. وقوله: { ~~ونحن له مسلمون } أي: منقادون مستسلمون لأمره. ومن آمن به، ~~واتخذه إلها، وآمن بجميع كتبه ورسله، وانقاد لله واتبع رسله، فهو ~~السعيد، ومن انحرف عن هذا الطريق، فهو الشقي. ### || [29.47-48] # أي: { وكذلك أنزلنآ إليك } يا محمد، هذا { الكتاب } ~~الكريم، المبين كل نبأ عظيم، الداعي إلى كل خلق فاضل، وأمر كامل، المصدق ~~للكتب السابقة، المخبر به الأنبياء الأقدمون. { فالذين آتيناهم ~~الكتاب } فعرفوه حق معرفته، ولم يداخلهم حسد وهوى. { يؤمنون ~~به } لأنهم تيقنوا صدقه، بما لديهم من الموافقات، وبما عندهم من ~~البشارات، وبما تميزوا به من معرفة الحسن والقبيح، والصدق والكذب. { ~~ومن هؤلاء } الموجودين { من يؤمن به } إيمانا عن بصيرة، ~~لا عن رغبته ولا رهبته. { وما يجحد بآياتنآ إلا ~~الكافرون } الذين دأبهم الجحود للحق والعناد له. وهذا حصر لمن كفر ~~به، أنه لا يكون من أحد قصده متابعة الحق، وإلا فكل من له قصد صحيح، ~~فإنه لا بد أن يؤمن به، لما اشتمل عليه من البينات، لكل من له عقل، أو ~~ألقى السمع وهو شهيد. ومما يدل على صحته، أنه جاء به هذا النبي الأمين، ~~الذي عرف قومه صدقه وأمانته ومدخله ومخرجه وسائر أحواله، وهو لا يكتب ms1170 ~~بيده خطا، ولا يقرأ خطا مكتوبا، فإتيانه به في هذه الحال، من أظهر ~~البينات القاطعة، التي لا تقبل الارتياب، أنه من عند الله العزيز ~~الحميد، ولهذا قال: { وما كنت تتلوا } أي: تقرأ { من قبله ~~من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا } لو كنت بهذه الحال { ~~لارتاب المبطلون } فقالوا: تعلمه من الكتب السابقة، أو ~~استنسخه منها، فأما وقد نزل على قلبك، كتابا جليلا، تحديت به الفصحاء ~~والبلغاء، الأعداء الألداء، أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، فعجزوا ~~غاية العجز، بل ولا حدثتهم أنفسهم بالمعارضة، لعلمهم ببلاغته وفصاحته، ~~وأن كلام أحد من البشر، لا يبلغ أن يكون مجاريا له أو على منواله، ولهذا ~~قال: { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا ~~العلم... }. ### || [29.49] # أي: { بل } هذا القرآن { آيات بينات } لا خفيات، { في صدور ~~الذين أوتوا العلم } وهم سادة الخلق، وعقلاؤهم، وأولو الألباب ~~منهم، والكمل منهم. فإذا كان آيات بينات في صدور أمثال هؤلاء، كانوا حجة ~~على غيرهم، وإنكار غيرهم لا يضر، ولا يكون ذلك إلا ظلما، ولهذا قال: { ~~وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون } لأنه لا يجحدها إلا ~~جاهل تكلم بغير علم، ولم يقتد بأهل العلم، وهو متمكن من معرفته على ~~حقيقته، وإما متجاهل عرف أنه حق فعانده، وعرف صدقه فخالفه. ### || [29.50-52] # أي: واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول ولما جاء به، واقترحوا عليه ~~نزول آيات عينوها، كقولهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90] الآيات. فتعيين الآيات ليس عندهم، ولا عند الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فإن في ذلك تدبيرا مع الله، وأنه لو كان كذلك، وينبغي ~~أن يكون كذلك، وليس لأحد من الأمر شيء. ولهذا قال: { قل إنما ~~الآيات عند الله } إن شاء أنزلها أو منعها { وإنمآ أنا ~~نذير مبين } وليس لي مرتبة فوق هذه المرتبة. وإذا كان القصد بيان ~~الحق من الباطل، فإذا حصل المقصود - بأي: طريق - كان اقتراح الآيات ~~المعينات على ذلك ظلما وجورا، وتكبرا على الله وعلى الحق. بل لو قدر ~~أن تنزل تلك الآيات، ms1171 ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها، كان ~~ذلك ليس بإيمان، وإنما ذلك شيء وافق أهواءهم، فآمنوا، لا لأنه حق، بل ~~لتلك الآيات. فأي فائدة حصلت في إنزالها على التقدير الفرضي؟ ولما كان ~~المقصود بيان الحق، ذكر تعالى طريقه، فقال: { أولم يكفهم } في ~~علمهم بصدقك وصدق ما جئت به { أنآ أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم } وهذا كلام مختصر جامع، فيه من الآيات البينات، ~~والدلالات الباهرات، شيء كثير، فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده وهو ~~أمي، من أكبر الآيات على صدقه. ثم عجزهم عن معارضته، وتحديه إياهم، آية ~~أخرى، ثم ظهوره، وبروزه جهرا علانية، يتلى عليهم، ويقال: هو من عند ~~الله، قد أظهره الرسول، وهو في وقت قل فيه أنصاره، وكثر مخالفوه ~~وأعداؤه، فلم يخفه، ولم يثن ذلك عزمه، بل صرح به على رؤوس الأشهاد، ونادى ~~به بين الحاضر والباد، بأن هذا كلام ربي، فهل أحد يقدر على معارضته، أو ~~ينطق بمباراته أو يستطيع مجاراته؟. ثم إخباره عن قصص الأولين، وأنباء ~~السابقين، والغيوب المتقدمة والمتأخرة، مع مطابقته للواقع. ثم هيمنته على ~~الكتب المتقدمة، وتصحيحه للصحيح، ونفي ما أدخل فيها من التحريف ~~والتبديل، ثم هدايته لسواء السبيل، في أمره ونهيه، فما أمر بشيء فقال ~~العقل " ليته لم يأمر به " ولا نهى عن شيء فقال العقل: " ليته لم ينه عنه ~~" ، بل هو مطابق للعدل والميزان، والحكمة المعقولة لذوي البصائر والعقول ~~[ثم مسايرة إرشاداته وهدايته وأحكامه لكل حال وكل زمان بحيث لا تصلح ~~الأمور إلا به]. فجميع ذلك يكفي من أراد تصديق الحق، وعمل على طلب الحق، ~~فلا كفى الله من لم يكفه القرآن، ولا شفى الله من لم يشفه الفرقان، ~~ومن اهتدى به واكتفى، فإنه خير له، فلذلك قال: { إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } وذلك لما يحصلون فيه من ~~العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، ~~وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية. # { قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا } فأنا قد ~~استشهدته، فإن كنت كاذبا، أحل بي ms1172 ما به تعتبرون، وإن كان إنما ~~يؤيدني وينصرني وييسر لي الأمور، فلتكفكم هذه الشهادة الجليلة من الله، ~~فإن وقع في قلوبكم أن شهادته - وأنتم لم تسمعوه ولم تروه - لا تكفي ~~دليلا، فإنه { يعلم ما في السموت والأرض }. ومن جملة ~~معلوماته حالي وحالكم، ومقالي لكم فلو كنت متقولا عليه، مع علمه بذلك، ~~وقدرته على عقوبتي، لكان [قدحا في علمه وقدرته وحكمته] كما قال تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. { والذين آمنوا بالباطل وكفروا ~~بالله أولئك هم الخاسرون } حيث هم خسروا الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحيث فاتهم النعيم المقيم، ~~وحيث حصل لهم في مقابلة الحق الصحيح كل باطل قبيح، وفي مقابلة النعيم كل ~~عذاب أليم، فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. ### || [29.53-55] # يخبر تعالى عن جهل المكذبين للرسول وما جاء به، وأنهم يقولون - ~~استعجالا للعذاب، وزيادة تكذيب - # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس: 48]؟ يقول تعالى: { ولولا أجل مسمى } مضروب لنزوله، ~~ولم يأت بعد، { لجآءهم العذاب } بسبب تعجيزهم لنا وتكذيبهم ~~الحق، فلو آخذناهم بجهلهم، لكان كلامهم أسرع لبلائهم وعقوبتهم، ولكن - مع ~~ذلك - فلا يستبطئون نزوله، فإنه سيأتيهم { بغتة وهم لا ~~يشعرون }. فوقع كما أخبر الله تعالى، لما قدموا ل " بدر " بطرين ~~مفاخرين، ظانين أنهم قادرون على مقصودهم، فأهانهم الله، وقتل كبارهم، ~~واستوعب جملة أشرارهم، ولم يبق فيهم بيت إلا أصابته تلك المصيبة، فأتاهم ~~العذاب من حيث لم يحتسبوا، ونزل بهم وهم لا يشعرون. هذا، وإن لم ينزل ~~عليهم العذاب الدنيوي، فإن أمامهم العذاب الأخروي، الذي لا يخلص منهم أحد ~~منه، سواء عوجل بعذاب الدنيا أو أمهل. { وإن جهنم لمحيطة ~~بالكافرين } ليس لهم عنها معدل ولا متصرف، قد أحاطت بهم من كل ~~جانب، كما أحاطت بهم ذنوبهم وسيئاتهم وكفرهم، وذلك العذاب، هو العذاب ~~الشديد. { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } فإن أعمالكم ~~انقلبت عليكم عذابا، وشملكم العذاب كما شملكم الكفر والذنوب. ### || [29.56-59] # يقول تعالى: { يعبادي ms1173 الذين آمنوا } بي وصدقوا رسولي { ~~إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } فإذا تعذرت عليكم ~~عبادة ربكم في أرض، فارتحلوا منها إلى أرض أخرى، حيث كانت العبادة لله ~~وحده، فأماكن العبادة ومواضعها، واسعة، والمعبود واحد، والموت لا بد أن ~~ينزل بكم ثم ترجعون إلى ربكم، فيجازي من أحسن عبادته وجمع بين الإيمان ~~والعمل الصالح بإنزاله الغرف العالية، والمنازل الأنيقة الجامعة لما ~~تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. ف { نعم } تلك ~~المنازل، في جنات النعيم { أجر العاملين } لله، { الذين ~~صبروا } على عبادة الله { وعلى ربهم يتوكلون } في ~~ذلك. فصبرهم على عبادة الله، يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك، والمحاربة ~~العظيمة للشيطان، الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك. وتوكلهم، يقتضي ~~شدة اعتمادهم على الله، وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال ~~ويكملها، ونص على التوكل، وإن كان داخلا في الصبر، لأنه يحتاج إليه في ~~كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به. ### || [29.60] # أي: الباري تبارك وتعالى، قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم، قويهم وعاجزهم، ~~فكم { من دآبة } في الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل. { دآبة ~~لا تحمل رزقها } ولا تدخره، بل لم تزل، لا شيء معها من الرزق، ~~ولا يزال الله يسخر لها الرزق، في كل وقت بوقته. { الله يرزقها ~~وإياكم } فكلكم عيال الله، القائم برزقكم، كما قام بخلقكم ~~وتدبيركم، { وهو السميع العليم } فلا يخفى عليه خافية، ولا ~~تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافية عليه. كما قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ~~ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين # [هود: 6]. ### || [29.61-63] # هذا استدلال على المشركين المكذبين بتوحيد الإلهية والعبادة، وإلزام لهم ~~بما أثبتوه من توحيد الربوبية، فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض، ~~ومن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع ~~الأشياء؟ { ليقولن الله } وحده، ولاعترفوا بعجز الأوثان ومن ~~عبدوه مع الله على شيء من ذلك. فاعجب لإفكهم وكذبهم، وعدولهم إلى من ~~أقروا بعجزه، وأنه لا ms1174 يستحق أن يدبر شيئا، وسجل عليهم بعدم العقل، ~~وأنهم السفهاء، ضعفاء الأحلام، فهل تجد أضعف عقلا، وأقل بصيرة، ممن أتى ~~إلى حجر، أو قبر ونحوه، وهو يدري أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق ولا ~~يرزق، ثم صرف له خالص الإخلاص، وصافي العبودية، وأشركه مع الرب، الخالق ~~الرازق، النافع الضار. وقل: الحمد لله الذي بين الهدى من الضلال، وأوضح ~~بطلان ما عليه المشركون، ليحذره الموفقون. وقل: الحمد لله، الذي خلق ~~العالم العلوي والسفلي، وقام بتدبيرهم ورزقهم، وبسط الرزق على من يشاء، ~~وضيقه على من يشاء، حكمة منه، ولعلمه بما يصلح عباده وما ينبغي لهم. ### || [29.64-69] # يخبر تعالى عن حالة الدنيا والآخرة، وفي ضمن ذلك، التزهيد في الدنيا ~~والتشويق للأخرى، فقال: { وما هذه الحياة الدنيآ } في ~~الحقيقة { إلا لهو ولعب } تلهو بها القلوب، وتلعب بها الأبدان، ~~بسبب ما جعل الله فيها من الزينة واللذات، والشهوات الخالبة للقلوب ~~المعرضة، الباهجة للعيون الغافلة، المفرحة للنفوس المبطلة الباطلة، ثم ~~تزول سريعا، وتنقضي جميعا، ولم يحصل منها محبها إلا على الندم والحسرة ~~والخسران. وأما الدار الآخرة، فإنها دار { الحيوان } أي: الحياة ~~الكاملة، التي من لوازمها، أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقواهم في ~~غاية الشدة، لأنها أبدان وقوى خلقت للحياة، وأن يكون موجودا فيها كل ما ~~تكمل به الحياة، وتتم به اللذات، من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان، من ~~المآكل، والمشارب، والمناكح، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر. { لو كانوا يعلمون } لما آثروا الدنيا ~~على الآخرة، ولو كانوا يعقلون لما رغبوا عن دار الحيوان، ورغبوا في دار ~~اللهو واللعب، فدل ذلك على أن الذين يعلمون، لا بد أن يؤثروا الآخرة على ~~الدنيا، لما يعلمونه من حالة الدارين. ثم ألزم تعالى المشركين بإخلاصهم ~~لله تعالى، في حالة الشدة، عند ركوب البحر وتلاطم أمواجه وخوفهم الهلاك، ~~يتركون إذا أندادهم، ويخلصون الدعاء لله وحده لا شريك له، فلما زالت ~~عنهم الشدة، ونجى من أخلصوا له الدعاء إلى البر، أشركوا به ms1175 من لا نجاهم ~~من شدة، ولا أزال عنهم مشقة. فهلا أخلصوا لله الدعاء في حال الرخاء ~~والشدة، واليسر والعسر، ليكونوا مؤمنين به حقا، مستحقين ثوابه، مندفعا ~~عنهم عقابه. ولكن شركهم هذا بعد نعمتنا عليهم، بالنجاة من البحر، ليكون ~~عاقبته كفر ما آتيناهم، ومقابلة النعمة بالإساءة، وليكملوا تمتعهم في ~~الدنيا، الذي هو كتمتع الأنعام، ليس لهم هم إلا بطونهم وفروجهم. { ~~فسوف يعلمون } حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة، شدة الأسف ~~وأليم العقوبة. ثم امتن عليهم بحرمه الآمن، وأنهم أهله في أمن وسعة ~~ورزق، والناس من حولهم يتخطفون ويخافون، أفلا يعبدون الذي أطعمهم من جوع ~~وآمنهم من خوف. { أفبالباطل يؤمنون } وهو ما هم عليه من ~~الشرك، والأقوال، والأفعال الباطلة. { وبنعمة الله } هم { ~~يكفرون } فأين ذهبت عقولهم، وانسلخت أحلامهم حيث آثروا الضلال على ~~الهدى، والباطل على الحق، والشقاء على السعادة، وحيث كانوا أظلم الخلق. { ~~ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } فنسب ما هو ~~عليه من الضلال والباطل إلى الله، { أو كذب بالحق لما ~~جآءه } على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا الظالم ~~العنيد، أمامه جهنم { أليس في جهنم مثوى للكافرين } ~~يؤخذ بها منهم الحق، ويخزون بها، وتكون منزلهم الدائم، الذين لا يخرجون ~~منه. # { والذين جاهدوا فينا } وهم الذين هاجروا في سبيل الله، ~~وجاهدوا أعداءهم، وبذلوا مجهودهم في اتباع مرضاته، { لنهدينهم ~~سبلنا } أي: الطرق الموصلة إلينا، وذلك لأنهم محسنون. { وإن ~~الله لمع المحسنين } بالعون والنصر والهداية. دل هذا، على ~~أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به ~~أعانه الله ويسر له أسباب الهداية، وعلى أن من جد واجتهد في طلب العلم ~~الشرعي، فإنه يحصل له من الهداية والمعونة على تحصيل مطلوبه أمور إلهية، ~~خارجة عن مدرك اجتهاده، وتيسر له أمر العلم، فإن طلب العلم الشرعي من ~~الجهاد في سبيل الله، بل هو أحد نوعي الجهاد، الذي لا يقوم به إلا ~~خواص الخلق، وهو الجهاد بالقول واللسان، للكفار والمنافقين، والجهاد على ~~تعليم أمور الدين، وعلى ms1176 رد نزاع المخالفين للحق، ولو كانوا من المسلمين. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-7] # كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من ~~الحروب والقتال، ما يكون بين الدول المتوازنة. وكانت الفرس مشركين يعبدون ~~النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل، وهم أقرب إلى ~~المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان ~~المشركون - لاشتراكهم والفرس في الشرك - يحبون ظهور الفرس على الروم. ~~فظهر الفرس على الروم، فغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم، بل بأدنى أرضهم، ~~ففرح بذلك مشركو مكة، وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ~~ستغلب الفرس. { في بضع سنين } تسع، أو ثمان، ونحو ذلك، مما لا ~~يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم، ثم غلبة ~~الروم للفرس، كل ذلك بمشيئته وقدره، ولهذا قال: { لله الأمر من ~~قبل ومن بعد } فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي ~~لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر. { ويومئذ } أي: يوم يغلب الروم ~~الفرس ويقهرونهم { يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر ~~من يشآء } أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس، وإن كان الجميع كفارا، ~~ولكن بعض الشر أهون من بعض، ويحزن يومئذ المشركون. { وهو العزيز } ~~الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، يؤتي الملك من يشاء، وينزع ~~الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. { الرحيم } بعباده ~~المؤمنين، حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم، ما لا يدخل في ~~الحساب. { وعد الله لا يخلف الله وعده } فتيقنوا ذلك، ~~واجزموا به، واعلموا أنه لا بد من وقوعه. فلما نزلت هذه الآيات، التي ~~فيها هذا الوعد، صدق بها المسلمون، وكفر بها المشركون، حتى تراهن بعض ~~المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عينوها، فلما جاء الأجل، الذي ضربه ~~الله، انتصر الروم على الفرس، وأجلوهم من بلادهم التي أخذوها منهم، ~~وتحقق وعد الله. وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها الله قبل ~~وقوعها، ووجدت في زمان من أخبرهم الله بها، من المسلمين والمشركين. { ~~ولكن أكثر ms1177 الناس لا يعلمون } أن ما وعد الله به حق، ~~فلذلك يوجد فريق منهم يكذبون بوعد الله، ويكذبون آياته، وهؤلاء الذين لا ~~يعلمون أي: لا يعلمون بواطن الأشياء وعواقبها، وإنما { يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا } فينظرون إلى الأسباب، ويجزمون ~~بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسباب وجوده، ويتيقنون عدم الأمر الذي ~~لم يشاهدوا له من الأسباب المقتضية لوجوده شيئا، فهم واقفون مع الأسباب، ~~غير ناظرين إلى مسببها، المتصرف فيها. { وهم عن الآخرة هم ~~غافلون } قد توجهت قلوبهم وأهواؤهم وإراداتهم إلى الدنيا وشهواتها ~~وحطامها، فعملت لها وسعت، وأقبلت بها وأدبرت، وغفلت عن الآخرة، فلا الجنة ~~تشتاق إليها، ولا النار تخافها وتخشاها، ولا المقام بين يدي الله ولقائه ~~يروعها ويزعجها، وهذا علامة الشقاء، وعنوان الغفلة عن الآخرة. # ومن العجب أن هذا القسم من الناس، قد بلغت بكثير منهم الفطنة والذكاء في ~~ظاهر الدنيا، إلى أمر يحير العقول ويدهش الألباب. وأظهروا من العجائب ~~الذرية والكهربائية، والمراكب البرية والبحرية والهوائية، ما فاقوا به ~~وبرزوا، وأعجبوا بعقولهم، ورأوا غيرهم عاجزا عما أقدرهم الله عليه، ~~فنظروا إليهم بعين الاحتقار والازدراء، وهم مع ذلك، أبلد الناس في أمر ~~دينهم، وأشدهم غفلة عن آخرتهم، وأقلهم معرفة بالعواقب، قد رآهم أهل ~~البصائر النافذة، في جهلهم يتخبطون، وفي ضلالهم يعمهون، وفي باطلهم ~~يترددون. نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون. ثم نظروا إلى ما ~~أعطاهم الله وأقدرهم عليه، من الأفكار الدقيقة في الدنيا وظاهرها، و[ما] ~~حرموا من العقل العالي فعرفوا أن الأمر لله، والحكم له في عباده، وإن هو ~~إلا توفيقه وخذلانه، فخافوا ربهم وسألوه أن يتم لهم ما وهبهم، من نور ~~العقول والإيمان، حتى يصلوا إليه، ويحلوا بساحته [وهذه الأمور لو قارنها ~~الإيمان وبنيت عليه لأثمرت الرقي العالي، والحياة الطيبة، ولكنها ~~لما بني كثير، منها على الإلحاد لم تثمر إلا هبوط الأخلاق وأسباب الفناء ~~والتدمير]. ### || [30.8-10] # أي: أفلم يتفكر هؤلاء المكذبون لرسل الله ولقائه { في أنفسهم } ~~فإن في أنفسهم آيات يعرفون بها، أن الذي أوجدهم من العدم، سيعيدهم بعد ~~ذلك، ms1178 وأن الذي نقلهم أطوارا من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى آدمي، قد نفخ ~~فيه الروح، إلى طفل، إلى شاب، إلى شيخ، إلى هرم، غير لائق أن يتركهم سدى ~~مهملين، لا ينهون ولا يؤمرون، ولا يثابون ولا يعاقبون. { ما خلق ~~الله السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } ~~[أي] ليبلوكم أيكم أحسن عملا. { وأجل مسمى } أي: مؤقت بقاؤهما ~~إلى أجل تنقضي به الدنيا، وتجيء به القيامة، وتبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات. { وإن كثيرا من الناس بلقآء ربهم ~~لكافرون } فلذلك لم يستعدوا للقائه، ولم يصدقوا رسله التي أخبرت به، ~~وهذا الكفر عن غير دليل، بل الأدلة القاطعة، قد دلت على البعث والجزاء، ~~ولهذا نبههم على السير في الأرض، والنظر في عاقبة الذين كذبوا رسلهم ~~وخالفوا أمرهم، ممن هم أشد من هؤلاء قوة، وأكثر آثارا في الأرض، من بناء ~~قصور ومصانع، ومن غرس أشجار، ومن زرع وإجراء أنهار، فلم تغن عنهم قوتهم، ~~ولا نفعتهم آثارهم، حين كذبوا رسلهم الذين جاؤوهم بالبينات الدالات على ~~الحق، وصحة ما جاؤوهم به، فإنهم حين ينظرون في آثار أولئك، لم يجدوا إلا ~~أمما بائدة، وخلقا مهلكين، ومنازل بعدهم موحشة، وذم من الخلق عليهم ~~متتابع. وهذا جزاء معجل، نموذج للجزاء الأخروي ومبتدأ له. وكل هذه الأمم ~~المهلكة، لم يظلمهم الله بذلك الإهلاك، وإنما ظلموا أنفسهم، وتسببوا في ~~هلاكها. { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى } أي: ~~الحالة السيئة الشنيعة، وصار ذلك داعيا لهم لأن { كذبوا بآيات ~~الله وكانوا بها يستهزئون } فهذا عقوبة لسوئهم وذنوبهم. ~~ثم ذلك الاستهزاء والتكذيب، يكون سببا لأعظم العقوبات وأعضل المثلات. ### || [30.11-16] # يخبر تعالى أنه المتفرد بإبداء المخلوقات، ثم يعيدهم، ثم إليه يرجعون ~~بعد إعادتهم، ليجازيهم بأعمالهم، ولهذا ذكر جزاء أهل الشر، ثم جزاء أهل ~~الخير، فقال: { ويوم تقوم الساعة } أي: يقوم الناس لرب ~~العالمين، ويردون القيامة عيانا، يومئذ { يبلس المجرمون } أي: ~~ييأسون من كل خير. وذلك أنهم ما قدموا لذلك اليوم إلا الإجرام، وهي ~~الذنوب، من كفر وشرك ومعاصي، فلما قدموا أسباب العقاب، ولم يخلطوها بشيء ms1179 ~~من أسباب الثواب، أيسوا وأبلسوا وأفلسوا، وضل عنهم ما كانوا يفترونه، من ~~نفع شركائهم، وأنهم يشفعون لهم، ولهذا قال: { ولم يكن لهم من ~~شركآئهم } التي عبدوها مع الله { شفعاء وكانوا ~~بشركآئهم كافرين } تبرأ المشركون ممن أشركوهم مع الله، وتبرأ ~~المعبودون، وقالوا: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63] والتعنوا وابتعدوا، وفي ذلك اليوم يفترق أهل الخير والشر، ~~كما افترقت أعمالهم في الدنيا. { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } آمنوا بقلوبهم، وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة ~~{ فهم في روضة } فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، { ~~يحبرون } أي: يسرون، وينعمون بالمآكل اللذيذة، والأشربة، والحور ~~الحسان، والخدم، والولدان، والأصوات المطربات، والسماع المشجي، والمناظر ~~العجيبة، والروائح الطيبة، والفرح والسرور، واللذة والحبور، مما لا يقدر ~~أحد أن يصفه. { وأما الذين كفروا } وجحدوا نعمه، وقابلوها ~~بالكفر { وكذبوا بآياتنا } التي جاءتهم بها رسلنا { ~~فأولئك في العذاب محضرون } فيه، قد أحاطت بهم جهنم من ~~جميع جهاتهم، واطلع العذاب الأليم على أفئدتهم، وشوى الحميم وجوههم، ~~وقطع أمعاءهم، فأين الفرق بين الفريقين، وأين التساوي بين المنعمين ~~والمعذبين؟!! ### || [30.17-19] # هذا إخبار عن تنزهه عن السوء والنقص، وتقدسه عن أن يماثله أحد من الخلق، ~~وأمر للعباد أن يسبحوه حين يمسون وحين يصبحون، ووقت العشي، ووقت ~~الظهيرة. فهذه الأوقات الخمسة، أوقات الصلوات الخمس، أمر الله عباده ~~بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك، الواجب منه، كالمشتملة عليه الصلوات ~~الخمس، والمستحب، كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات، وما يقترن بها ~~من النوافل، لأن هذه الأوقات التي اختارها الله [لأوقات المفروضات هي] ~~أفضل من غيرها [فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها]، بل ~~العبادة، وإن لم تشتمل على قول " سبحان الله " فإن الإخلاص فيها تنزيه ~~لله بالفعل، أن يكون له شريك في العبادة، أو أن يستحق أحد من الخلق ما ~~يستحقه من الإخلاص والإنابة. { يخرج الحي من الميت } كما ~~يخرج النبات من الأرض الميتة، والسنبلة من الحبة، والشجرة من النواة، ~~والفرخ من البيضة، والمؤمن من الكافر، ونحو ذلك. { ويخرج الميت ~~من الحي } بعكس المذكور { ويحي الأرض بعد موتها ms1180 } ~~فينزل عليها المطر وهي ميتة هامدة، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت وربت ~~وأنبتت من كل زوج بهيج، { وكذلك تخرجون } من قبوركم. فهذا دليل ~~قاطع، وبرهان ساطع، أن الذي أحيا الأرض بعد موتها، فإنه يحيي الأموات، ~~فلا فرق في نظر العقل بين الأمرين، ولا موجب لاستبعاد أحدهما مع مشاهدة ~~الآخر. ### || [30.20-21] # هذا شروع في تعداد آياته الدالة على انفراده بالإلهية، وكمال عظمته، ~~ونفوذ مشيئته، وقوة اقتداره، وجميل صنعه، وسعة رحمته وإحسانه، فقال: { ~~ومن آياته أن خلقكم من تراب } وذلك بخلق أصل النسل، ~~آدم عليه السلام، { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } [أي: الذي ~~خلقكم من أصل واحد ومادة واحدة] وبثكم في أقطار الأرض [وأرجائها ففي ذلك ~~آيات على أن الذي أنشأكم من هذا الأصل وبثكم في أقطار الأرض] هو الرب ~~المعبود، الملك المحمود، والرحيم الودود، الذي سيعيدكم بالبعث بعد الموت. ~~{ ومن آياته } الدالة على رحمته وعنايته بعباده، وحكمته العظيمة، ~~وعلمه المحيط، { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا } ~~تناسبكم وتناسبونهن، وتشاكلكم وتشاكلونهن، { لتسكنوا إليها ~~وجعل بينكم مودة ورحمة } بما رتب على الزواج من ~~الأسباب الجالبة للمودة والرحمة. فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة، ~~والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في ~~الغالب، مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون } يعملون أفكارهم، ويتدبرون آيات ~~الله، وينتقلون من شيء إلى شيء. ### || [30.22] # والعالمون: هم أهل العلم، الذين يفهمون العبر، ويتدبرون الآيات. ~~والآيات في ذلك كثيرة: فمن آيات خلق السماوات والأرض وما فيهما، أن ذلك ~~دال على عظمة سلطان الله وكمال اقتداره، الذي أوجد هذه المخلوقات ~~العظيمة، وكمال حكمته، لما فيها من الإتقان، وسعة علمه، لأن الخالق لا بد ~~أن يعلم ما خلقه # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14] وعموم رحمته وفضله، لما في ذلك من المنافع الجليلة، وأنه ~~المريد، الذي يختار ما يشاء، لما فيها من التخصيصات والمزايا، وأنه وحده، ~~الذي يستحق أن يعبد ويوحد، لأنه المنفرد بالخلق، فيجب أن يفرد بالعبادة، ~~فكل هذه أدلة عقلية، نبه الله العقول ms1181 إليها، وأمرها بالتفكر واستخراج ~~العبرة منها. { و } كذلك في { اختلاف ألسنتكم ~~وألوانكم } على كثرتكم وتباينكم مع أن الأصل واحد ومخارج الحروف ~~واحدة، ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كل وجه، ولا لونين متشابهين من كل ~~وجه، إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز. وهذا دال على كمال ~~قدرته، ونفوذ مشيئته. و [من] عنايته بعباده ورحمته بهم، أن قدر ذلك ~~الاختلاف، لئلا يقع التشابه فيحصل الاضطراب، ويفوت كثير من المقاصد ~~والمطالب. ### || [30.23] # أي: سماع تدبر وتعقل للمعاني والآيات في ذلك. إن ذلك دليل على رحمة ~~الله تعالى، كما قال: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 73] وعلى تمام حكمته، إذ حكمته اقتضت سكون الخلق في وقت، ~~ليستريحوا به ويستجموا، وانتشارهم في وقت، لمصالحهم الدينية والدنيوية، ~~ولا يتم ذلك إلا بتعاقب الليل والنهار عليهم، والمنفرد بذلك، هو المستحق ~~للعبادة. ### || [30.24] # أي: ومن آياته، أن ينزل عليكم المطر، الذي تحيا به البلاد والعباد، ~~ويريكم قبل نزوله مقدماته، من الرعد والبرق، الذي يخاف ويطمع فيه. { ~~إن في ذلك لآيات } [دالة] على عموم إحسانه، وسعة علمه، وكمال ~~إتقانه، وعظيم حكمته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها. { ~~لقوم يعقلون } أي: لهم عقول، تعقل بها ما تسمعه، وتراه وتحفظه، ~~وتستدل به عل ما جعل دليلا عليه. ### || [30.25-27] # أي: ومن آياته العظيمة، أن قامت السماوات والأرض واستقرتا، وثبتتا ~~بأمره، فلم تتزلزلا، ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة، التي ~~بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا، يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من ~~الأرض، إذا هم يخرجون # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. { وله من في السموت والأرض } الكل خلقه ~~ومماليكه، المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض، وكلهم قانتون ~~لجلاله، خاضعون لكماله. { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده وهو } أي: الإعادة للخلق بعد موتهم { أهون عليه } ~~من ابتداء خلقهم، وهذا بالنسبة إلى الأذهان والعقول، فإذا كان قادرا على ~~الابتداء الذي ms1182 تقرون به، كانت قدرته على الإعادة التي أهون أولى وأولى. ~~ولما ذكر من الآيات العظيمة ما به يعتبر المعتبرون، ويتذكر المؤمنون ~~ويتبصر المهتدون، ذكر الأمر العظيم والمطلب الكبير، فقال: { وله ~~المثل الأعلى في السموت والأرض } وهو كل صفة كمال، ~~والكمال من تلك الصفة، والمحبة، والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده ~~المخلصين، والذكر الجليل، والعبادة منهم. فالمثل الأعلى، هو وصفه الأعلى، ~~وما ترتب عليه. ولهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، ~~فيقولون: كل صفة كمال في المخلوقات، فخالقها أحق بالاتصاف بها، على وجه ~~لا يشاركه فيها أحد، وكل نقص في المخلوق ينزه عنه، فتنزيه الخالق عنه من ~~باب أولى وأحرى. { وهو العزيز الحكيم } أي: له العزة الكاملة، ~~والحكمة الواسعة، فعزته، أوجد بها المخلوقات وأظهر المأمورات، وحكمته، ~~أتقن بها ما صنعه وأحسن فيها ما شرعه. ### || [30.28-29] # هذا مثل ضربه الله تعالى، لقبح الشرك وتهجينه، مثلا من أنفسكم، لا ~~يحتاج إلى حل وترحال، وإعمال الجمال. { هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم } أي: هل أحد من ~~عبيدكم وإمائكم الأرقاء يشارككم في رزقكم، وترون أنكم وهم فيه على حد ~~سواء. { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } أي: كالأحرار ~~الشركاء في الحقيقة، الذين يخاف من قسمه، واختصاص كل شيء بحاله؟ ليس ~~الأمر كذلك، فإنه ليس أحد مما ملكت أيمانكم شريكا لكم فيما رزقكم الله ~~تعالى. هذا، ولستم الذين خلقتموهم ورزقتموهم، وهم أيضا مماليك مثلكم، ~~فكيف ترضون أن تجعلوا لله شريكا من خلقه، وتجعلونه بمنزلته، وعديلا له ~~في العبادة، وأنتم لا ترضون مساواة مماليككم لكم؟ هذا من أعجب الأشياء، ~~ومن أدل شيء على [سفه] من اتخذ شريكا مع الله، وأن ما اتخذه باطل ~~مضمحل، ليس مساويا لله، ولا له من العبادة شيء. { كذلك نفصل ~~الآيات } بتوضيحها بأمثلتها { لقوم يعقلون } الحقائق ويعرفون، ~~وأما من لا يعقل، فلو فصلت له الآيات، وبينت له البينات، لم يكن ~~له عقل يبصر به ما تبين، ولا لب يعقل به ما توضح، فأهل العقول ~~والألباب، هم الذين يساق ms1183 إليهم الكلام، ويوجه الخطاب. وإذا علم من هذا ~~المثال، أن من اتخذ من دون الله شريكا يعبده ويتوكل عليه في أموره، ~~فإنه ليس معه من الحق شيء، فما الذي أوجب له الإقدام على أمر باطل، توضح ~~له بطلانه وظهر برهانه؟ [لقد] أوجب لهم ذلك اتباع الهوى، فلهذا قال: { ~~بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم } ~~هويت أنفسهم الناقصة، التي ظهر من نقصانها ما تعلق به هواها، أمرا يجزم ~~العقل بفساده، والفطر برده، بغير علم دلهم عليه، ولا برهان قادهم إليه. { ~~فمن يهدي من أضل الله } أي: لا تعجبوا من عدم هدايتهم، فإن ~~الله تعالى أضلهم بظلمهم، ولا طريق لهداية من أضل الله، لأنه ليس أحد ~~معارضا لله، أو منازعا له في ملكه. { وما لهم من ناصرين } ~~ينصرونهم حين تحق عليهم كلمة العذاب، وتنقطع بهم الوصل والأسباب. ### || [30.30-32] # يأمر تعالى بالإخلاص له في جميع الأحوال، وإقامة دينه، فقال: { فأقم ~~وجهك } أي: انصبه ووجهه إلى الدين الذي هو الإسلام، والإيمان، ~~والإحسان، بأن تتوجه بقلبك، وقصدك، وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة، ~~كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج ونحوها. وشرائعه الباطنة، كالمحبة، ~~والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن ~~تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. وخص الله إقامة ~~الوجه، لأن إقبال الوجه تبع لإقبال القلب، ويترتب على الأمرين سعي ~~البدن، ولهذا قال: { حنيفا } أي: مقبلا على الله في ذلك، معرضا ~~عما سواه. وهذا الأمر الذي أمرناك به، هو { فطرت الله التي ~~فطر الناس عليها } ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها، فإن ~~جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم، ~~الميل إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق، وإيثار الحق، وهذا حقيقة الفطرة. ~~ومن خرج عن هذا الأصل، فلعارض عرض لفطرته أفسدها، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ". # { لا تبديل لخلق الله } أي: لا أحد يبدل خلق الله، فيجعل ~~المخلوق على غير الوضع الذي ms1184 وضعه الله، { ذلك } الذي أمرنا به { ~~الدين القيم } أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى ~~كرامته، فإن من أقام وجهه للدين حنيفا، فإنه سالك الصراط المستقيم، في ~~جميع شرائعه وطرقه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~فلا يتعرفون الدين القيم وإن عرفوه لم يسلكوه. { منيبين إليه ~~واتقوه } وهذا تفسير لإقامة الوجه للدين، فإن الإنابة إنابة القلب ~~وانجذاب دواعيه لمراضي الله تعالى. ويلزم من ذلك، حمل البدن بمقتضى ما ~~في القلب، فشمل ذلك العبادات الظاهرة والباطنة، ولا يتم ذلك إلا بترك ~~المعاصي الظاهرة والباطنة، فلذلك قال: { واتقوه } فهذا يشمل فعل ~~المأمورات وترك المنهيات. وخص من المأمورات الصلاة، لكونها تدعو إلى ~~الإنابة والتقوى، لقوله تعالى: # وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر # [العنكبوت: 45] فهذا إعانتها على التقوى. ثم قال: # ولذكر الله أكبر # [العنكبوت: 45] فهذا حثها على الإنابة. وخص من المنهيات أصلها، والذي لا ~~يقبل معه عمل، وهو الشرك، فقال: { ولا تكونوا من المشركين ~~} لكون الشرك مضادا للإنابة، التي روحها الإخلاص من كل وجه. ثم ذكر حالة ~~المشركين مهجنا لها ومقبحا، فقال: { من الذين فرقوا ~~دينهم } مع أن الدين واحد، وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهؤلاء ~~المشركون فرقوه، منهم من يعبد الأوثان والأصنام، ومنهم من يعبد الشمس ~~والقمر، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم يهود، ومنهم نصارى. ~~ولهذا قال: { وكانوا شيعا } أي: كل فرقة من فرق الشرك تألفت ~~وتعصبت، على نصر ما معها من الباطل، ومنابذة غيرهم ومحاربتهم. # { كل حزب بما لديهم } من العلوم المخالفة لعلوم الرسل { ~~فرحون } به، يحكمون لأنفسهم بأنه الحق، وأن غيرهم على باطل، وفي هذا ~~تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا، كل فريق يتعصب لما معه من حق ~~وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق، بل الدين واحد، والرسول ~~واحد، والإله واحد. وأكثر الأمور الدينية، وقع فيها الإجماع بين العلماء ~~والأئمة، والأخوة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها أتم ربط، فما بال ذلك ~~كله يلغى، ويبنى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية، أو ~~فروع خلافية، يضلل بها بعضهم بعضا، ms1185 ويتميز بها بعضهم عن بعض؟ فهل هذا ~~إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها للمسلمين؟ وهل ~~السعي في جمع كلمتهم، وإزالة ما بينهم من الشقاق، المبني على ذلك الأصل ~~الباطل، إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله، وأفضل الأعمال المقربة إلى ~~الله؟ ولما أمر تعالى بالإنابة إليه - وكان المأمور بها، هي الإنابة ~~الاختيارية، التي تكون في حالي العسر واليسر، والسعة والضيق - ذكر ~~الإنابة الاضطرارية، التي لا تكون مع الإنسان إلا عند ضيقه وكربه، فإذا ~~زال عنه الضيق، نبذها وراء ظهره، وهذه غير نافعة، فقال: { وإذا مس ~~الناس ضر دعوا ربهم... }. ### || [30.33-35] # { وإذا مس الناس ضر } مرض، أو خوف من هلاك، ونحوه. { ~~دعوا ربهم منيبين إليه } ونسوا ما كانوا به يشركون في ~~تلك الحال، لعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا الله. { ثم إذآ ~~أذاقهم منه رحمة } شفاهم من مرضهم، وآمنهم من خوفهم، { ~~إذا فريق منهم } ينقضون تلك الإنابة التي صدرت منهم، ويشركون ~~به من لا دفع عنهم ولا أغنى، ولا أفقر ولا أغنى، وكل هذا كفر بما آتاهم ~~الله ومن به عليهم، حيث أنجاهم، وأنقذهم من الشدة، وأزال عنهم ~~المشقة، فهلا قابلوا هذه النعمة الجليلة، بالشكر والدوام على الإخلاص له ~~في جميع الأحوال؟ { أم أنزلنا عليهم سلطانا } أي: حجة ~~ظاهرة { فهو } أي: ذلك السلطان، { يتكلم بما كانوا به ~~يشركون } ويقول لهم: اثبتوا على شرككم، واستمروا على شككم، فإن ما ~~أنتم عليه هو الحق، وما دعتكم الرسل إليه باطل. فهل ذلك السلطان موجود ~~عندهم، حتى يوجب لهم شدة التمسك بالشرك؟ أم البراهين العقلية والسمعية، ~~والكتب السماوية، والرسل الكرام، وسادات الأنام، قد نهوا أشد النهي عن ~~ذلك، وحذروا من سلوك طرقه الموصلة إليه، وحكموا بفساد عقل ودين من ~~ارتكبه؟. فشرك هؤلاء بغير حجة ولا برهان، وإنما هو أهواء النفوس، ونزغات ~~الشيطان. ### || [30.36-37] # يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس، في حالي الرخاء والشدة، أنهم إذا ~~أذاقهم الله منه رحمة، من صحة، وغنى، ونصر ونحو ذلك، فرحوا بذلك فرح ~~بطر، لا فرح ms1186 شكر وتبجح بنعمة الله. { وإن تصبهم سيئة } أي: ~~حال تسوؤهم، وذلك { بما قدمت أيديهم } من المعاصي. { إذا ~~هم يقنطون } ييأسون من زوال ذلك الفقر والمرض، ونحوه. وهذا جهل ~~منهم وعدم معرفة. { أولم يروا أن الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء ويقدر } فالقنوط بعد ما علم أن الخير والشر من الله، ~~والرزق، سعته وضيقه من تقديره، ضائع ليس له محل. فلا تنظر أيها العاقل ~~لمجرد الأسباب، بل اجعل نظرك لمسببها، ولهذا قال: { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون } فهم الذين يعتبرون بسط الله لمن يشاء ~~وقبضه، ويعرفون بذلك، حكمة الله ورحمته وجوده، وجذب القلوب لسؤاله في ~~جميع مطالب الرزق. ### || [30.38-39] # أي: فأعط القريب منك -على حسب قربه وحاجته- حقه الذي أوجبه الشارع، أو ~~حض عليه، من النفقة الواجبة، والصدقة، والهدية، والبر، والسلام، ~~والإكرام، والعفو عن زلته، والمسامحة عن هفوته. وكذلك [آت] المسكين، الذي ~~أسكنه الفقر والحاجة، ما تزيل به حاجته، وتدفع به ضرورته، من إطعامه ~~وسقيه وكسوته. { وابن السبيل } الغريب المنقطع به في غير بلده، ~~الذي في مظنة شدة الحاجة، لأنه لا مال معه، ولا كسب قد دبر نفسه به ~~[في] سفره، بخلاف الذي في بلده، فإنه وإن لم يكن له مال ولكن لا بد - في ~~الغالب - أن يكون في حرفة، أو صناعة ونحوها تسد حاجته، ولهذا جعل الله ~~في الزكاة حصة للمسكين وابن السبيل. { ذلك } أي: إيتاء ذي القربى ~~والمسكين وابن السبيل { خير للذين يريدون } بذلك العمل { ~~وجه الله } أي: خير غزير، وثواب كثير، لأنه من أفضل الأعمال ~~الصالحة، والنفع المتعدي، الذي وافق محله المقرون به الإخلاص. فإن لم يرد ~~به وجه الله، لم يكن خيرا للمعطي، وإن كان خيرا ونفعا ~~للمعطى كما قال تعالى: # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس # [النساء: 114]. مفهومها، أن هذه المثبتات خير لنفعها المتعدي، ولكن من ~~يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، فسوف نؤتيه أجرا عظيما. وقوله: { ~~وأولئك } الذين عملوا هذه الأعمال وغيرها لوجه الله { هم ~~المفلحون } الفائزون ms1187 بثواب الله، الناجون من عقابه. ولما ذكر ~~العمل الذي يقصد به وجهه، [من النفقات] ذكر العمل الذي يقصد به مقصد ~~دنيوي فقال: { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال ~~الناس } أي: ما أعطيتم من أموالكم الزائدة عن حوائجكم، وقصدكم بذلك أن ~~يربو، أي: يزيد في أموالكم، بأن تعطوها لمن تطمعون أن يعاوضكم عنها بأكثر ~~منها، فهذا العمل لا يربو أجره عند الله، لكونه معدوم الشرط، الذي هو ~~الإخلاص. ومثل ذلك العمل الذي يراد به الزيادة في الجاه والرياء عند ~~الناس، فهذا كله لا يربو عند الله. { ومآ آتيتم من زكاة } ~~أي: مال يطهركم من الأخلاق الرذيلة، ويطهر أموالكم من البخل بها، ويزيد ~~في دفع حاجة المعطى. { تريدون } بذلك { وجه الله ~~فأولئك هم المضعفون } أي: المضاعف لهم الأجر، الذين تربو ~~نفقاتهم عند الله، ويربيها الله لهم، حتى تكون شيئا كثيرا. ودل ~~قوله: { ومآ آتيتم من زكاة } أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق ~~بالمنفق، أو مع دين عليه لم يقضه، ويقدم عليه الصدقة، أن ذلك ليس ~~بزكاة يؤجر عليه العبد، ويرد تصرفه شرعا، كما قال تعالى في الذي يمدح: # الذى يؤتي ماله يتزكى # [الليل: 18] فليس مجرد إيتاء المال خيرا، حتى يكون بهذه الصفة، وهو: أن ~~يكون على وجه يتزكى به المؤتي. ### || [30.40] # يخبر تعالى أنه وحده المنفرد بخلقكم ورزقكم، وإماتتكم وإحيائكم، وأنه ~~ليس أحد من الشركاء التي يدعوهم المشركون، من يشارك الله في شيء من ~~هذه الأشياء. فكيف يشركون بمن انفرد بهذه الأمور، من ليس له تصرف فيها ~~بوجه من الوجوه؟! فسبحانه وتعالى، وتقدس وتنزه، وعلا عن شركهم، فلا يضره ~~ذلك، وإنما وبالهم عليهم. ### || [30.41] # أي: استعلن الفساد في البر والبحر، أي: فساد معايشهم ونقصها، وحلول ~~الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء، وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت ~~أيديهم من الأعمال الفاسدة، المفسدة بطبعها. هذه المذكورة { ~~ليذيقهم بعض الذي عملوا } أي: ليعلموا أنه المجازي على ~~الأعمال، فعجل لهم نموذجا من جزاء أعمالهم في الدنيا { لعلهم ~~يرجعون } عن أعمالهم، التي أثرت لهم ms1188 من الفساد ما أثرت، فتصلح ~~أحوالهم، ويستقيم أمرهم. فسبحان من أنعم ببلائه، وتفضل بعقوبته، وإلا ~~فلو أذاقهم جميع ما كسبوا، ما ترك على ظهرها من دابة. ### || [30.42] # والأمر بالسير في الأرض، يدخل فيه السير بالأبدان، والسير في القلوب، ~~للنظر والتأمل بعواقب المتقدمين. { كان أكثرهم مشركين } ~~تجدون عاقبتهم شر العواقب، ومآلهم شر مآل، عذاب استأصلهم، وذم ولعن من ~~خلق الله يتبعهم، وخزي متواصل، فاحذروا أن تفعلوا فعالهم، يحذى بكم ~~حذوهم، فإن عدل الله وحكمته في كل زمان ومكان. ### || [30.43-45] # أي: أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك، لإقامة الدين القيم ~~المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة ~~والباطنة، وبادر زمانك وحياتك وشبابك، { من قبل أن يأتي يوم ~~لا مرد له من الله } وهو يوم القيامة، الذي إذا جاء لا يمكن ~~رده، ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل، بل فرغ من الأعمال، لم يبق ~~إلا جزاء العمال. { يومئذ يصدعون } أي: يتفرقون عن ذلك ~~اليوم، ويصدرون أشتاتا متفاوتين، ليروا أعمالهم. { من كفر } ~~منهم { فعليه كفره } ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى، { ~~ومن عمل صالحا } من الحقوق التي لله، أو التي للعباد، الواجبة ~~والمستحبة، { فلأنفسهم } لا لغيرهم { يمهدون } أي: يهيئون، ~~ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها، ومع ذلك، ~~جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم، بل يجزيهم الله من فضله الممدود، وكرمه ~~غير المحدود، ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله ~~عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه ~~بالنعم الظاهرة والباطنة. وهذا بخلاف الكافرين، فإن الله لما أبغضهم ~~ومقتهم، عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم، فلهذا قال: { ~~إنه لا يحب الكافرين }. ### || [30.46] # أي: ومن الأدلة الدالة على رحمته وبعثه الموتى، وأنه الإله المعبود، ~~والملك المحمود، { أن يرسل الرياح } أمام المطر { مبشرات ~~} بإثارتها للسحاب ثم جمعها، فتبشر بذلك النفوس قبل نزوله. { ~~وليذيقكم من رحمته } فينزل عليكم من رحمته مطرا، تحيا به ~~البلاد والعباد، وتذوقون من رحمته ما تعرفون أن رحمته هي المنقذة للعباد ~~والجالبة ms1189 لأرزاقهم، فتشتاقون إلى الإكثار من الأعمال الصالحة، الفاتحة ~~لخزائن الرحمة. { ولتجري الفلك } في البحر { بأمره } ~~القدري { ولتبتغوا من فضله } بالتصرف في معايشكم ومصالحكم. { ~~ولعلكم تشكرون } من سخر لكم الأسباب، وسير لكم الأمور. فهذا ~~المقصود من النعم، أن تقابل بشكر الله تعالى، ليزيدكم الله منها، ~~ويبقيها عليكم. وأما مقابلة النعم بالكفر والمعاصي، فهذه حال من بدل ~~نعمة الله كفرا، ونعمته محنة، وهو معرض لها للزوال، والانتقال منه إلى ~~غيره. ### || [30.47] # أي: { ولقد أرسلنا من قبلك } في الأمم السابقين { رسلا ~~إلى قومهم } حين جحدوا توحيد الله، وكذبوا بالحق، فجاءتهم ~~رسلهم يدعونهم إلى التوحيد والإخلاص، والتصديق بالحق، وبطلان ما هم عليه ~~من الكفر والضلال، وجاؤوهم بالبينات والأدلة على ذلك، فلم يؤمنوا، ولم ~~يزولوا عن غيهم، { فانتقمنا من الذين أجرموا } ونصرنا ~~المؤمنين أتباع الرسل. { وكان حقا علينا نصر المؤمنين ~~} أي: أوجبنا ذلك على أنفسنا، وجعلناه من جملة الحقوق المتعينة ووعدناهم ~~به، فلا بد من وقوعه. فأنتم أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم، إن ~~بقيتم على تكذيبكم، حلت بكم العقوبة، ونصرناه عليكم. ### || [30.48-50] # يخبر تعالى عن كمال قدرته، وتمام نعمته، أنه { يرسل الرياح ~~فتثير سحابا } من الأرض، { فيبسطه في السمآء } أي: ~~يمده ويوسعه { كيف يشآء } أي: على أي حالة أرادها من ذلك، ثم { ~~يجعله } أي: ذلك السحاب الواسع { كسفا } أي: سحابا ثخينا، قد ~~طبق بعضه فوق بعض. { فترى الودق يخرج من خلاله } أي: ~~السحاب نقطا صغارا متفرقة، لا تنزل جميعا، فتفسد ما أتت عليه. { ~~فإذآ أصاب به } بذلك المطر { من يشآء من عباده إذا ~~هم يستبشرون } يبشر بعضهم بعضا بنزوله، وذلك لشدة حاجتهم ~~وضرورتهم إليه، فلهذا قال: { وإن كانوا من قبل أن ينزل ~~عليهم من قبله لمبلسين } أي: آيسين قانطين لتأخر وقت ~~مجيئه، أي: فلما نزل في تلك الحال، صار له موقع عظيم [عندهم]، وفرح ~~واستبشار. { فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي ~~الأرض بعد موتهآ } فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج كريم. { إن ~~ذلك } الذي أحيا الأرض بعد موتها { لمحي الموتى وهو ~~على ms1190 كل شيء قدير } فقدرته تعالى، لا يتعاصى عليها شيء، وإن ~~تعاصى على قدر خلقه، ودق عن أفهامهم، وحارت فيه عقولهم. ### || [30.51-53] # يخبر تعالى عن حالة الخلق، وأنهم مع هذه النعم عليهم بإحياء الأرض بعد ~~موتها، ونشر رحمة الله تعالى، لو أرسلنا على هذا النبات الناشئ عن ~~المطر، وعلى زروعهم، ريحا مضرة متلفة أو منقصة، { فرأوه مصفرا ~~} قد تداعى إلى التلف { لظلوا من بعده يكفرون } فينسون ~~النعم الماضية، ويبادرون إلى الكفر. وهؤلاء، لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر { ~~فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء ~~} وبالأولى { إذا ولوا مدبرين } فإن الموانع قد توفرت فيهم ~~عن الانقياد والسماع النافع، كتوفر هذه الموانع المذكورة عن سماع الصوت ~~الحسي. { ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم } لأنهم لا ~~يقبلون الإبصار بسبب عماهم فليس منهم قابلية له. { إن تسمع إلا ~~من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } فهؤلاء الذين ينفع فيهم ~~إسماع الهدى، المؤمنون بآياتنا بقلوبهم، المنقادون لأوامرنا، المسلمون ~~لنا، لأن معهم الداعي القوي لقبول النصائح والمواعظ، وهو استعدادهم ~~للإيمان بكل آية من آيات الله، واستعدادهم لتنفيذ ما يقدرون عليه من ~~أوامر الله ونواهيه. ### || [30.54] # يخبر تعالى عن سعة علمه، وعظيم اقتداره، وكمال حكمته، ابتدأ خلق ~~الآدميين من ضعف، وهو الأطوار الأول من خلقه، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ~~إلى أن صار حيوانا في الأرحام، إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية، وهو إذ ~~ذاك في غاية الضعف، وعدم القوة والقدرة. ثم ما زال الله يزيد في قوته ~~شيئا فشيئا، حتى بلغ سن الشباب واستوت قوته، وكملت قواه الظاهرة ~~والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور، ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم. { ~~يخلق ما يشآء } بحسب حكمته. ومن حكمته، أن يري العبد ضعفه، وأن ~~قوته محفوفة بضعفين، وأنه ليس له من نفسه إلا النقص، ولولا تقوية الله ~~له، لما وصل إلى قوة وقدرة، ولو استمرت قوته في الزيادة، لطغى وبغى وعتا. ~~وليعلم العباد كمال قدرة الله التي لا تزال مستمرة، يخلق بها الأشياء، ~~ويدبر بها الأمور ولا يلحقها ms1191 إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه. ### || [30.55-57] # يخبر تعالى عن يوم القيامة، وسرعة مجيئه، وأنه إذا قامت الساعة { ~~يقسم المجرمون } بالله أنهم { ما لبثوا } في الدنيا إلا ~~{ ساعة } وذلك اعتذار منهم لعله ينفعهم العذر، واستقصار لمدة الدنيا. ~~ولما كان قولهم كذبا لا حقيقة له، قال تعالى: { كذلك كانوا ~~يؤفكون } أي: ما زالوا - وهم في الدنيا - يؤفكون عن الحقائق، ~~ويأتفكون الكذب، ففي الدنيا كذبوا الحق الذي جاءتهم به المرسلون، وفي ~~الآخرة، أنكروا الأمر المحسوس، وهو اللبث الطويل في الدنيا، فهذا خلقهم ~~القبيح، والعبد يبعث على ما مات عليه. { وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمان } أي: من الله عليهم بهما، وصارا وصفا لهم، ~~العلم بالحق، والإيمان المستلزم إيثار الحق، وإذا كانوا عالمين بالحق، ~~مؤثرين له، لزم أن يكون قولهم مطابقا للواقع، مناسبا لأحوالهم. فلهذا ~~قالوا الحق: { لقد لبثتم في كتاب الله } أي: في قضائه ~~وقدره، الذي كتبه الله عليكم، وفي حكمه { إلى يوم البعث } أي: ~~عمرتم عمرا يتذكر فيه المتذكر، ويتدبر فيه المتدبر، ويعتبر فيه ~~المعتبر، حتى صار البعث ووصلتم إلى هذه الحال. { فهذا يوم ~~البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون } فلذلك أنكرتموه في ~~الدنيا، وأنكرتم إقامتكم في الدنيا وقتا تتمكنون فيه من الإنابة ~~والتوبة، فلم يزل الجهل شعاركم، وآثاره من التكذيب والخسار دثاركم. { ~~فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم } فإن ~~كذبوا وزعموا أنهم ما قامت عليهم الحجة، أو ما تمكنوا من الإيمان، ظهر ~~كذبهم، بشهادة أهل العلم والإيمان، وشهادة جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وإن ~~طلبوا الإعذار وأنهم يردون ولا يعودون لما نهوا عنه، لم يمكنوا، ~~فإنه فات وقت الإعذار، فلا تقبل معذرتهم، { ولا هم يستعتبون } ~~أي: يزال عتبهم والعتاب عنهم. ### || [30.58-60] # أي: { ولقد ضربنا } لأجل عنايتنا ورحمتنا ولطفنا وحسن تعليمنا ~~{ للناس في هذا القرآن من كل مثل } تتضح به الحقائق، ~~وتعرف به الأمور، وتنقطع به الحجة. وهذا عام في الأمثال، التي يضربها ~~الله في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة. وفي الإخبار بما سيكون، وجلاء ~~حقيقته، [حتى] كأنه وقع. ومنه في هذا الموضع، ذكر ms1192 الله تعالى، ما يكون ~~يوم القيامة وحالة المجرمين فيه، وشدة أسفهم، وأنه لا يقبل منهم عذر ولا ~~عتاب. ولكن أبى الظالمون الكافرون، إلا معاندة الحق الواضح، ولهذا قال: { ~~ولئن جئتهم بآية } أي: أي آية، تدل على صحة ما جئت به { ~~ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } ~~أي: قالوا للحق: إنه باطل. وهذا من كفرهم وجراءتهم، وطبع الله على ~~قلوبهم، وجهلهم المفرط، ولهذا قال: { كذلك يطبع الله على ~~قلوب الذين لا يعلمون } فلا يدخلها خير، ولا تدرك الأشياء ~~على حقيقتها، بل ترى الحق باطلا، والباطل حقا. { فاصبر } على ما ~~أمرت به، وعلى دعوتهم إلى الله، ولو رأيت منهم إعراضا فلا يصدنك ذلك. { ~~إن وعد الله حق } أي: لا شك فيه، وهذا مما يعين على الصبر، ~~فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع، بل سيجده كاملا، هان عليه ما يلقاه ~~من المكاره، ويسر عليه كل عسير، واستقل من عمله كل كثير. { ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون } أي: قد ضعف إيمانهم، وقل ~~يقينهم، فخفت لذلك أحلامهم، وقل صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء، فإنك إن ~~لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم، وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات ~~على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا، وتطلب التشبه والموافقة، ~~وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل، يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف ~~اليقين ضعيف [العقل] خفيفه. فالأول بمنزلة اللب، والآخر بمنزلة القشور، ~~فالله المستعان. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # يشير تعالى إشارة دالة على التعظيم إلى { آيات الكتاب الحكيم ~~} أي: آياته محكمة، صدرت من حكيم خبير. من إحكامها، أنها جاءت بأجل ~~الألفاظ وأفصحها، وأبينها، الدالة على أجل المعاني وأحسنها. ومن إحكامها، ~~أنها محفوظة من التغيير والتبديل، والزيادة والنقص، والتحريف. ومن ~~إحكامها: أن جميع ما فيها من الأخبار السابقة واللاحقة، والأمور الغيبية ~~كلها، مطابقة للواقع، مطابق لها الواقع، لم يخالفها كتاب من الكتب ~~الإلهية، ولم يخبر بخلافها نبي من الأنبياء [ولم يأت ولن يأتي علم ~~محسوس ولا معقول صحيح يناقض ما دلت عليه]. ms1193 ومن إحكامها: أنها ما أمرت ~~بشيء، إلا وهو خالص المصلحة أو راجحها، ولا نهت عن شيء، إلا وهو خالص ~~المفسدة أو راجحها، وكثيرا ما يجمع بين الأمر بالشيء مع ذكر [حكمته] ~~فائدته، والنهي عن الشيء مع ذكر مضرته. ومن إحكامها: أنها جمعت بين ~~الترغيب والترهيب، والوعظ البليغ، الذي تعتدل به النفوس الخيرة وتحتكم، ~~فتعمل بالحزم. ومن إحكامها: أنك تجد آياته المتكررة، كالقصص، والأحكام، ~~ونحوها، قد اتفقت كلها وتواطأت، فليس فيها تناقض ولا اختلاف. فكلما ازداد ~~بها البصير تدبرا، وأعمل فيها العقل تفكرا، انبهر عقله، وذهل لبه، من ~~التوافق والتواطؤ، وجزم جزما لا يمترى فيه، أنه تنزيل من حكيم حميد. ~~ولكن - مع أنه حكيم - يدعو إلى كل خلق كريم، وينهى عن كل خلق لئيم، أكثر ~~الناس محرومون الاهتداء به، معرضون عن الإيمان والعمل به، إلا من وفقه ~~الله تعالى وعصمه، وهم المحسنون في عبادة ربهم والمحسنون إلى الخلق. ~~فإنه { هدى } لهم، يهديهم إلى الصراط المستقيم، ويحذرهم من طرق الجحيم، ~~{ ورحمة } لهم، تحصل لهم به السعادة في الدنيا والآخرة، والخير ~~الكثير، والثواب الجزيل، والفرح والسرور، ويندفع عنهم الضلال والشقاء. ثم ~~وصف المحسنين بالعلم التام، وهو اليقين الموجب للعمل والخوف من عقاب ~~الله، فيتركون معاصيه، ووصفهم بالعمل، وخص من العمل عملين فاضلين: ~~الصلاة المشتملة على الإخلاص ومناجاة الله تعالى، والتعبد العام للقلب ~~واللسان والجوارح المعينة على سائر الأعمال، والزكاة التي تزكي صاحبها من ~~الصفات الرذيلة، وتنفع أخاه المسلم، وتسد حاجته، ويبين بها أن العبد يؤثر ~~محبة الله على محبته للمال، فيخرجه محبوبه من المال لما هو أحب إليه، ~~وهو طلب مرضاة الله. ف { أولئك } هم المحسنون، الجامعون بين ~~العلم التام والعمل { على هدى } أي: عظيم كما يفيده التنكير، وذلك ~~الهدى حاصل لهم، وواصل إليهم { من ربهم } الذي لم يزل يربيهم ~~بالنعم، ويدفع عنهم النقم. وهذا الهدى الذي أوصله إليهم، من تربيته ~~الخاصة بأوليائه، وهو أفضل أنواع التربية. { وأولئك هم ~~المفلحون } الذين أدركوا رضا ربهم، وثوابه الدنيوي والأخروي، ~~وسلموا من سخطه وعقابه وذلك لسلوكهم ms1194 طريق الفلاح، الذي لا طريق له غيرها. ~~ولما ذكر تعالى المهتدين بالقرآن، المقبلين عليه، ذكر من أعرض عنه، ولم ~~يرفع به رأسا، وأنه عوقب على ذلك، بأن تعوض عنه كل باطل من القول، فترك ~~أعلى الأقوال، وأحسن الحديث، واستبدل به أسفل قول وأقبحه، فلذلك قال: { ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن... }. ### || [31.6-9] # أي: { ومن الناس من } هو محروم مخذول { يشتري } أي: يختار ~~ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء. { لهو الحديث } أي: الأحاديث ~~الملهية للقلوب، الصادة لها عن أجل مطلوب. فدخل في هذا، كل كلام ~~محرم، وكل لغو وباطل، وهذيان من الأقوال المرغبة في الكفر والفسوق ~~والعصيان، ومن أقوال الرادين على الحق، المجادلين بالباطل ليدحضوا به ~~الحق، ومن غيبة، ونميمة، وكذب، وشتم، وسب، ومن غناء ومزامير شيطان، ومن ~~الماجريات الملهية، التي لا نفع فيها في دين ولا دنيا. فهذا الصنف من ~~الناس، يشتري لهو الحديث عن هدي الحديث { ليضل } الناس { بغير ~~علم } أي: بعدما ضل بفعله، أضل غيره، لأن الإضلال، ناشئ عن الضلال. ~~وإضلاله في هذا الحديث، صده عن الحديث النافع، والعمل النافع، والحق ~~المبين، والصراط المستقيم. ولا يتم له هذا، حتى يقدح في الهدى والحق، ~~ويتخذ آيات الله هزوا ويسخر بها، وبمن جاء بها، فإذا جمع بين مدح ~~الباطل والترغيب فيه، والقدح في الحق والاستهزاء به وبأهله، أضل من لا ~~علم عنده، وخدعه بما يوحيه إليه من القول الذي لا يميزه ذلك الضال ولا ~~يعرف حقيقته. { أولئك لهم عذاب مهين } بما ضلوا وأضلوا، ~~واستهزؤوا [بآيات الله] وكذبوا الحق الواضح. ولهذا قال { وإذا ~~تتلى عليه ءاياتنا } ليؤمن بها وينقاد لها، { ولى ~~مستكبرا } أي: أدبر إدبار مستكبر عنها، راد لها، ولم تدخل قلبه ~~ولا أثرت فيه، بل أدبر عنها { كأن لم يسمعها } بل { كأن ~~في أذنيه وقرا } أي: صمما لا تصل إليه الأصوات، فهذا لا حيلة ~~في هدايته. { فبشره } بشارة تؤثر في قلبه الحزن والغم، وفي بشرته ~~السوء والظلمة والغبرة. { بعذاب أليم } مؤلم لقلبه ولبدنه، لا ~~يقادر قدره، ولا ms1195 يدرى بعظيم أمره، وهذه بشارة أهل الشر، فلا نعمت ~~البشارة. وأما بشارة أهل الخير فقال: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } جمعوا بين عبادة الباطن بالإيمان، والظاهر ~~بالإسلام، والعمل الصالح. { لهم جنات النعيم } بشارة لهم بما ~~قدموه، وقرئ لهم بما أسلفوه. { خالدين فيها } أي: في جنات النعيم، ~~نعيم القلب والروح، والبدن. { وعد الله حقا } لا يمكن أن يخلف ~~ولا يغير ولا يتبدل. { وهو العزيز الحكيم } كامل العزة، كامل ~~الحكمة، من عزته وحكمته، وفق من وفق، وخذل من خذل، بحسب ما ~~اقتضاه علمه فيهم وحكمته. ### || [31.10-11] # يتلو تعالى على عباده آثارا من آثار قدرته، وبدائع من بدائع حكمته، ~~ونعما من آثار رحمته، فقال: { خلق السموت } السبع، على عظمها، ~~وسعتها، وكثافتها، وارتفاعها الهائل. { بغير عمد ترونها } ~~أي: ليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة ~~الله تعالى. { وألقى في الأرض رواسي } أي: جبالا عظيمة، ~~ركزها في أرجائها وأنحائها، لئلا { تميد بكم } فلولا الجبال ~~الراسيات لمادت الأرض، ولما استقرت بساكنيها. { وبث فيها من كل ~~دآبة } أي: نشر في الأرض الواسعة من جميع أصناف الدواب، التي هي ~~مسخرة لبني آدم، ولمصالحهم ومنافعهم. ولما بثها في الأرض، علم تعالى أنه ~~لا بد لها من رزق تعيش به، فأنزل من السماء ماء مباركا، { ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } المنظر، نافع مبارك، ~~فرتعت فيه الدواب المنبثة، وسكن إليه كل حيوان. { هذا } أي: خلق ~~العالم العلوي والسفلي، من جماد، وحيوان، وسوق أرزاق الخلق إليهم { ~~خلق الله } وحده لا شريك له، كل مقر بذلك حتى أنتم يا معشر ~~المشركين. { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } أي: الذين ~~جعلتموهم له شركاء، تدعونهم وتعبدونهم، يلزم على هذا، أن يكون لهم خلق ~~كخلقه، ورزق كرزقه، فإن كان لهم شيء من ذلك فأرونيه، ليصح ما ادعيتم فيهم ~~من استحقاق العبادة. ومن المعلوم أنهم لا يقدرون أن يروه شيئا من الخلق ~~لها، لأن جميع المذكورات، قد أقروا أنها خلق الله وحده، ولا ثم شيء ~~يعلم غيرها، فثبت عجزهم عن إثبات ms1196 شيء لها تستحق به أن تعبد. ولكن عبادتهم ~~إياها عن غير علم وبصيرة، بل عن جهل وضلال، ولهذا قال: { بل ~~الظالمون في ضلال مبين } أي: جلي واضح حيث عبدوا من لا ~~يملك نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وتركوا الإخلاص ~~للخالق الرازق المالك لكل الأمور. ### || [31.12-19] # { ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله ~~غني حميد * وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ~~يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } ~~إلى آخر القصة. يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، ~~وهي العلم [بالحق] على وجهه وحكمته، فهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها ~~من الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما ولا يكون حكيما. وأما ~~الحكمة، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع ~~والعمل الصالح. ولما أعطاه الله هذه المنة العظيمة، أمره أن يشكره على ~~ما أعطاه، ليبارك له فيه، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكرين، يعود ~~نفعه عليهم، وأن من كفر فلم يشكر الله، عاد وبال ذلك عليه. والله غني ~~[عنه] حميد فيما يقدره ويقضيه على من خالف أمره، فغناه تعالى، من لوازم ~~ذاته، وكونه حميدا في صفات كماله، حميدا في جميل صنعه، من لوازم ذاته، ~~وكل واحد من الوصفين صفة كمال، واجتماع أحدهما إلى الآخر زيادة كمال إلى ~~كمال. واختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا؟ والله ~~تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في ~~وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار، فقال: { وإذ قال ~~لقمان لابنه وهو يعظه }. أو قال له قولا به يعظه بالأمر ~~والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، ~~وبين له السبب في ذلك فقال: { إن الشرك لظلم عظيم } ووجه ~~كونه عظيما، أنه لا أفظع وأبشع ممن سوى المخلوق من تراب بمالك ~~الرقاب، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئا بمن له الأمر كله، وسوى ~~الناقص الفقير من ms1197 جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوى ~~من لم ينعم بمثقال ذرة [من النعم] بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم ~~ودنياهم وأخراهم وقلوبهم وأبدانهم إلا منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل ~~أعظم من هذا الظلم شيء؟؟! وهل أعظم ظلما ممن خلقه الله لعبادته ~~وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، [فجعلها في أخس المراتب] جعلها عابدة لمن ~~لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلما كبيرا. ولما أمر بالقيام بحقه، بترك ~~الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين، فقال: ~~{ ووصينا الإنسان } أي: عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله ~~عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه { بوالديه } وقلنا له: { ~~اشكر لي } بالقيام بعبوديتي وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على ~~معصيتي، { ولوالديك } بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام ~~اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما [وإكرامهما] وإجلالهما، والقيام ~~بمؤونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. # فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن { إلي المصير } أي: سترجع ~~أيها الإنسان إلى من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها، ~~فيثيبك الثواب الجزيل؟ أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل؟ ثم ذكر السبب ~~الموجب لبر الوالدين في الأم، فقال: { حملته أمه وهنا على ~~وهن } أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، ~~من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك ~~الوجع الشديد. ثم { وفصاله في عامين } وهو ملازم لحضانة أمه ~~وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد مع شدة الحب، ~~أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟ { وإن جاهداك } ~~أي: اجتهد والداك { على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما } ولا تظن أن هذا داخل في الإحسان إليهما، لأن حق ~~الله مقدم على حق كل أحد، و " لا طاعة لمخلوق، في معصية الخالق ". ولم ~~يقل: " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما " ، بل قال: { ~~فلا تطعهما } أي: بالشرك، وأما برهما، فاستمر عليه، ولهذا قال: { ~~وصاحبهما ms1198 في الدنيا معروفا } أي: صحبة إحسان إليهما ~~بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما. { ~~واتبع سبيل من أناب إلي } وهم المؤمنون بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله، المستسلمون لربهم، المنيبون إليه. واتباع سبيلهم، أن يسلك ~~مسلكهم في الإنابة إلى الله، التي هي انجذاب دواعي القلب وإراداته إلى ~~الله، ثم يتبعها سعي البدن، فيما يرضي الله ويقرب منه. { ثم إلي ~~مرجعكم } الطائع والعاصي والمنيب، وغيره { فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون } فلا يخفى على الله من أعمالهم خافية. { يبني ~~إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل } التي هي أصغر ~~الأشياء وأحقرها، { فتكن في صخرة } أي في وسطها { أو في ~~السموت أو في الأرض } في أي جهة من جهاتهما { يأت بها ~~الله } لسعة علمه، وتمام خبرته، وكمال قدرته، ولهذا قال: { إن ~~الله لطيف خبير } أي: لطف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن ~~والأسرار، وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا، الحث على مراقبة ~~الله والعمل بطاعته مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قل أو ~~كثر. { يبني أقم الصلاة } حثه عليها، وخصها لأنها أكبر ~~العبادات البدنية، { وأمر بالمعروف وانه عن المنكر } ~~وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه. والأمر ~~بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، ~~وقد صرح به في قوله: { واصبر على مآ أصابك } ومن كونه ~~فاعلا لما يأمر به، كافا لما ينهى عنه، فتضمن هذا، تكميل نفسه بفعل ~~الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه. ولما علم أنه لا بد أن ~~يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر ~~على ذلك، فقال: { واصبر على مآ أصابك إن ذلك } الذي ~~وعظ به لقمان ابنه { من عزم الأمور } أي: من الأمور التي يعزم ~~عليها ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. # { ولا تصعر خدك للناس } أي: لا تمله وتعبس بوجهك ~~الناس، تكبرا عليهم، وتعاظما. { ولا تمش في الأرض مرحا } ~~أي: بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسك. { إن الله ms1199 ~~لا يحب كل مختال } في نفسه وهيئته وتعاظمه { فخور } ~~بقوله. { واقصد في مشيك } أي: امش متواضعا مستكينا، لا مشي ~~البطر والتكبر، ولا مشي التماوت. { واغضض من صوتك } أدبا مع ~~الناس ومع الله، { إن أنكر الأصوات } أي أفظعها وأبشعها { ~~لصوت الحمير } فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما ~~اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته. وهذه الوصايا التي وصى بها ~~لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن ~~بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرا، وإلى تركها إن كانت نهيا. وهذا ~~يدل على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحكمها ~~ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبين له ~~الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره ~~بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما ما لم يأمرا ~~بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا ~~جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة الله، وخوفه القدوم عليه، وأنه لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها. ونهاه عن التكبر، ~~وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في ~~الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك. وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، كما قال تعالى ~~فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصا بالحكمة، مشهورا بها. ~~ولهذا من منة الله عليه وعلى سائر عباده، أن قص عليهم من حكمته، ما ~~يكون لهم به أسوة حسنة. ### || [31.20-21] # يمتن تعالى على عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها، وعدم الغفلة ~~عنها فقال: { ألم تروا } أي: تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم وقلوبكم، { ~~أن الله سخر لكم ما في السموت } من الشمس والقمر ~~والنجوم، كلها مسخرات لنفع العباد. { وما في الأرض } من الحيوانات ~~والأشجار والزروع، والأنهار والمعادن ونحوها، كما قال تعالى: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29]. { وأسبغ عليكم } أي: عمكم وغمركم نعمه الظاهرة ~~والباطنة ms1200 التي نعلم بها، والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين، حصول ~~المنافع، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم، بمحبة المنعم ~~والخضوع له، وصرفها في الاستعانة على طاعته، وأن لا يستعان بشيء منها على ~~معصيته. { و } لكن مع توالي هذه النعم، { من الناس من } لم ~~يشكرها، بل كفرها وكفر بمن أنعم بها، وجحد الحق الذي أنزل به كتبه ~~وأرسل به رسله، فجعل { يجادل في الله } أي: يجادل عن الباطل ~~ليدحض به الحق، ويدفع به ما جاء به الرسول من الأمر بعبادة الله وحده، ~~وهذا المجادل على غير بصيرة، فليس جداله عن علم، فيترك وشأنه، ويسمح له ~~في الكلام { ولا هدى } يقتدي به بالمهتدين { ولا كتاب منير ~~} [غير مبين للحق فلا معقول ولا منقول ولا اقتداء بالمهتدين] وإنما جداله ~~في الله مبني على تقليد آباء غير مهتدين، بل ضالين مضلين. ولهذا قال: { ~~وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله } على أيدي رسله، ~~فإنه الحق، وبينت لهم أدلته الظاهرة { قالوا } معارضين ذلك: { بل ~~نتبع ما وجدنا عليه آبآءنا } فلا نترك ما وجدنا عليه ~~آباءنا لقول أحد، كائنا من كان. قال تعالى في الرد عليهم وعلى آبائهم: ~~{ أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } ~~فاستجاب له آباؤهم، ومشوا خلفه، وصاروا من تلاميذ الشيطان، واستولت عليهم ~~الحيرة. فهل هذا موجب لاتباعهم لهم ومشيهم على طريقتهم، أم ذلك يرهبهم من ~~سلوك سبيلهم، وينادي على ضلالهم، وضلال من اتبعهم. وليس دعوة الشيطان ~~لآبائهم ولهم، محبة لهم ومودة، وإنما ذلك عداوة لهم ومكر بهم، وبالحقيقة ~~أتباعه من أعدائه، الذين تمكن منهم وظفر بهم، وقرت عينه باستحقاقهم عذاب ~~السعير بقبول دعوته. ### || [31.22-24] # { ومن يسلم وجهه إلى الله } أي: يخضع له وينقاد له بفعل ~~الشرائع مخلصا له دينه. { وهو محسن } في ذلك الإسلام بأن كان ~~عمله مشروعا، قد اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. أو: ومن يسلم وجهه ~~إلى الله، بفعل جميع العبادات، وهو محسن فيها، بأن يعبد الله كأنه ~~يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه يراه. ms1201 أو ومن يسلم وجهه إلى الله، بالقيام ~~بحقوقه، وهو محسن إلى عباد الله، قائم بحقوقهم. والمعاني متلازمة، لا ~~فرق بينها إلا من جهة [اختلاف] مورد اللفظتين، وإلا فكلها متفقة على ~~القيام بجميع شرائع الدين، على وجه تقبل به وتكمل، فمن فعل ذلك فقد أسلم ~~و { استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالعروة التي من تمسك ~~بها، توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير. ومن لم يسلم وجهه لله، ~~أو لم يحسن لم يستمسك بالعروة الوثقى، وإذا لم يستمسك بالعروة الوثقى، لم ~~يكن ثم إلا الهلاك والبوار. { وإلى الله عاقبة الأمور } ~~أي: رجوعها وموئلها ومنتهاها، فيحكم في عباده، ويجازيهم بما آلت إليه ~~أعمالهم، ووصلت إليه عواقبهم، فليستعدوا لذلك الأمر. { ومن كفر ~~فلا يحزنك كفره } لأنك أديت ما عليك، من الدعوة والبلاغ، فإذا ~~لم يهتد، فقد وجب أجرك على الله، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه، ~~لأنه لو كان فيه خير لهداه الله. ولا تحزن أيضا، على كونهم تجرؤوا عليك ~~بالعداوة ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم ~~بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب. فإن { إلينا مرجعهم ~~فننبئهم بما عملوا } من كفرهم وعداوتهم، وسعيهم في إطفاء ~~نور الله وأذى رسله. { إن الله عليم بذات الصدور } التي ~~ما نطق بها الناطقون، فكيف بما ظهر، وكان شهادة؟!! { نمتعهم ~~قليلا } في الدنيا، ليزداد إثمهم، ويتوفر عذابهم، { ثم ~~نضطرهم } أي: [نلجئهم] { إلى عذاب غليظ } أي: انتهى في ~~عظمه وكبره، وفظاعته وألمه وشدته. ### || [31.25-28] # أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين المكذبين بالحق { من خلق ~~السموت } لعلموا أن أصنامهم ما خلقت شيئا من ذلك، ولبادروا ~~بقولهم الله الذي خلقهما وحده. ف { قل } لهم ملزما لهم، ومحتجا ~~عليهم بما أقروا به، على ما أنكروا: { الحمد لله } الذي بين ~~النور، وأظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم، فلو كانوا يعلمون، لجزموا أن ~~المنفرد بالخلق والتدبير، هو الذي يفرد بالعبادة والتوحيد. ولكن { ~~أكثرهم لا يعلمون } فلذلك أشركوا به غيره، ورضوا بتناقض ما ~~ذهبوا إليه، على وجه الحيرة والشك، لا على وجه البصيرة، ثم ms1202 ذكر في هاتين ~~الآيتين نموذجا من سعة أوصافه، ليدعو عباده إلى معرفته ومحبته وإخلاص ~~الدين له. فذكر عموم ملكه، وأن جميع ما في السماوات والأرض - وهذا شامل ~~لجميع العالم العلوي والسفلي - أنه ملكه، يتصرف فيهم بأحكام الملك ~~القدرية، وأحكامه الأمرية، وأحكامه الجزائية، فكلهم عبيد مماليك، مدبرون ~~مسخرون، ليس لهم من الملك شيء، وأنه واسع الغنى، فلا يحتاج إلى ما يحتاج ~~إليه أحد من الخلق. # مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # [الذاريات: 57]. وأن أعمال النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لا ~~تنفع الله شيئا وإنما تنفع عامليها، والله غني عنهم وعن أعمالهم، ومن ~~غناه، أن أغناهم وأقناهم في دنياهم وأخراهم. ثم أخبر تعالى عن سعة حمده، ~~وأن حمده من لوازم ذاته، فلا يكون إلا حميدا من جميع الوجوه، فهو حميد ~~في ذاته، وهو حميد في صفاته، فكل صفة من صفاته، يستحق عليها أكمل حمد ~~وأتمه، لكونها صفات عظمة وكمال، وجميع ما فعله وخلقه يحمد عليه، وجميع ما ~~أمر به ونهى عنه يحمد عليه، وجميع ما حكم به في العباد وبين العباد، في ~~الدنيا والآخرة، يحمد عليه. ثم أخبر عن سعة كلامه وعظمة قوله، بشرح يبلغ ~~من القلوب كل مبلغ، وتنبهر له العقول، وتحير فيه الأفئدة، وتسيح في ~~معرفته أولو الألباب والبصائر، فقال: { ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام } يكتب بها { والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر } مدادا يستمد بها، لتكسرت تلك الأقلام، ولفني ذلك ~~المداد، ولم تنفد { كلمات الله } تعالى، وهذا ليس مبالغة لا حقيقة ~~له، بل لما علم تبارك وتعالى أن العقول تتقاصر عن الإحاطة ببعض صفاته، ~~وعلم تعالى أن معرفته لعباده أفضل نعمة أنعم بها عليهم، وأجل منقبة ~~حصلوها، وهي لا تمكن على وجهها، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فنبههم ~~تعالى تنبيها تستنير به قلوبهم، وتنشرح له صدورهم، ويستدلون بما وصلوا ~~إليه إلى ما لم يصلوا إليه، ويقولون كما قال أفضلهم وأعلمهم بربه: " لا ~~نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " ، وإلا، فالأمر ms1203 أجل من ذلك ~~وأعظم. # وهذا التمثيل، من باب تقريب المعنى، الذي لا يطاق الوصول إليه إلى ~~الأفهام والأذهان، وإلا فالأشجار، وإن تضاعفت على ما ذكر أضعافا كثيرة، ~~والبحور لو امتدت بأضعاف مضاعفة، فإنه يتصور نفادها وانقضاؤها، لكونها ~~مخلوقة. وأما كلام الله تعالى، فلا يتصور نفاده، بل دلنا الدليل الشرعي ~~والعقلي، على أنه لا نفاد له ولا منتهى، وكل شيء ينتهي إلا الباري وصفاته # وأن إلى ربك المنتهى # [النجم: 42]. وإذا تصور العقل حقيقة أوليته تعالى وآخريته، وأنه كل ما ~~فرضه الذهن من الأزمان السابقة، مهما تسلسل الفرض والتقدير، فهو تعالى ~~قبل ذلك إلى غير نهاية، وأنه مهما فرضه الذهن والعقل، من الأزمان ~~المتأخرة، وتسلسل الفرض والتقدير، وساعد على ذلك من ساعد بقلبه ولسانه، ~~فالله تعالى بعد ذلك إلى غير غاية ولا نهاية. والله في جميع الأوقات ~~يحكم، ويتكلم، ويقول، ويفعل كيف أراد، وإذا أراد لا مانع له من شيء من ~~أقواله وأفعاله، فإذا تصور العقل ذلك، عرف أن المثل الذي ضربه الله ~~لكلامه، ليدرك العباد شيئا منه، وإلا، فالأمر أعظم وأجل. ثم ذكر جلالة ~~عزته وكمال حكمته فقال: { إن الله عزيز حكيم } أي: له العزة ~~جميعا، الذي ما في العالم العلوي والسفلي من القوة إلا منه، أعطاها ~~للخلق، فلا حول ولا قوة إلا به، وبعزته قهر الخلق كلهم وتصرف فيهم ~~ودبرهم، وبحكمته خلق الخلق، وابتدأه بالحكمة، وجعل غايته والمقصود منه ~~الحكمة، وكذلك الأمر والنهي وجد بالحكمة، وكانت غايته المقصودة الحكمة، ~~فهو الحكيم في خلقه وأمره. ثم ذكر عظمة قدرته وكمالها، وأنه لا يمكن أن ~~يتصورها العقل، فقال: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا ~~كنفس واحدة } وهذا شيء يحير العقول، إن خلق جميع الخلق - على ~~كثرتهم وبعثهم بعد موتهم، بعد تفرقهم في لمحة واحدة - كخلقه نفسا واحدة، ~~فلا وجه لاستبعاد البعث والنشور والجزاء على الأعمال، إلا الجهل بعظمة ~~الله وقوة قدرته. ثم ذكر عموم سمعه لجميع المسموعات، وبصره لجميع ~~المبصرات، فقال: { إن الله سميع بصير }. ### || [31.29-30] # وهذا فيه أيضا، انفراده بالتصرف والتدبير، وسعة ms1204 تصرفه بإيلاج الليل في ~~النهار، وإيلاج النهار في الليل، أي: إدخال أحدهما على الآخر، فإذا دخل ~~أحدهما، ذهب الآخر. وتسخيره للشمس والقمر، يجريان بتدبير ونظام، لم يختل ~~منذ خلقهما، ليقيم بذلك من مصالح العباد ومنافعهم، في دينهم ودنياهم، ما ~~به يعتبرون وينتفعون. و { كل } منهما { يجري إلى أجل ~~مسمى } إذا جاء ذلك الأجل، انقطع جريانهما، وتعطل سلطانهما، وذلك ~~في يوم القيامة، حين تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنتهي دار الدنيا، وتبتدئ ~~الدار الآخرة. { وأن الله بما تعملون } من خير وشر { ~~خبير } لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على تلك الأعمال، بالثواب ~~للمطيعين، والعقاب للعاصين. و { ذلك } الذي بين لكم من عظمته وصفاته، ~~ما بين { بأن الله هو الحق } في ذاته وفي صفاته، ودينه ~~حق، ورسله حق، ووعده حق، ووعيده حق، وعبادته هي الحق. { وأن ما ~~يدعون من دونه الباطل } في ذاته وصفاته، فلولا إيجاد الله ~~له لما وجد، ولولا إمداده لما بقي، فإذا كان باطلا كانت عبادته ~~أبطل وأبطل. { وأن الله هو العلي } بذاته، فوق جميع ~~مخلوقاته، الذي علت صفاته، أن يقاس بها صفات أحد من الخلق، وعلا على ~~الخلق فقهرهم، { الكبير } الذي له الكبرياء في ذاته وصفاته، وله ~~الكبرياء في قلوب أهل السماء والأرض. ### || [31.31-32] # أي: ألم تر من آثار قدرته ورحمته وعنايته بعباده، أن سخر البحر، تجري ~~فيه الفلك بأمره القدري [ولطفه وإحسانه، { ليريكم من آياته } ~~ففيها الانتفاع والاعتبار]. { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } فهم المنتفعون بالآيات، صبار على الضراء، شكور على ~~السراء، صبار على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره، شكور لله على ~~نعمه الدينية والدنيوية. وذكر تعالى حال الناس عند ركوبهم البحر وغشيان ~~الأمواج كالظل فوقهم، أنهم يخلصون الدعاء [لله] والعبادة: { فلما ~~نجاهم إلى البر } انقسموا فريقين: فرقة مقتصدة، أي: لم تقم ~~بشكر الله على وجه الكمال، بل هم مذنبون ظالمون لأنفسهم. وفرقة كافرة ~~بنعمة الله، جاحدة لها، ولهذا قال: { وما يجحد بآياتنآ إلا ~~كل ختار } أي غدار، ومن غدره أنه عاهد ربه، لئن ms1205 أنجيتنا من البحر ~~وشدته، لنكونن من الشاكرين، فغدر، ولم يف بذلك، { كفور } بنعم ~~الله. فهل يليق بمن نجاهم الله من هذه الشدة، إلا القيام التام بشكر ~~نعم الله؟ ### || [31.33] # يأمر تعالى الناس بتقواه، التي هي امتثال أوامره وترك زواجره، ويستلفتهم ~~لخشية يوم القيامة، اليوم الشديد، الذي فيه كل أحد لا يهمه إلا نفسه ف { ~~لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا } لا يزيد في حسناته ولا ينقص من سيئاته، قد تم على كل ~~عبد عمله، وتحقق عليه جزاؤه. فلفت النظر في هذا لهذا اليوم المهيل، مما ~~يقوي العبد ويسهل عليه تقوى الله، وهذا من رحمة الله بالعباد، يأمرهم ~~بتقواه التي فيها سعادتهم، ويعدهم عليها الثواب، ويحذرهم من العقاب، ~~ويزعجهم إليه بالمواعظ والمخوفات، فلك الحمد يا رب العالمين. { إن ~~وعد الله حق } فلا تمتروا فيه، ولا تعملوا عمل غير المصدق، ~~فلهذا قال: { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بزينتها ~~وزخارفها وما فيها من الفتن والمحن. { ولا يغرنكم بالله ~~الغرور } الذي هو الشيطان، الذي ما زال يخدع الإنسان ولا يغفل عنه في ~~جميع الأوقات، فإن لله على عباده حقا، وقد وعدهم موعدا يجازيهم فيه ~~بأعمالهم، وهل وفوا حقه أم قصروا فيه. وهذا أمر يجب الاهتمام به، وأن ~~يجعله العبد نصب عينيه، ورأس مال تجارته، التي يسعى إليها. ومن أعظم ~~العوائق عنه والقواطع دونه، الدنيا الفتانة، والشيطان الموسوس ~~المسول، فنهى تعالى عباده أن تغرهم الدنيا أو يغرهم بالله الغرور # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120]. ### || [31.34] # قد تقرر أن الله تعالى أحاط علمه بالغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، ~~وقد يطلع الله عباده على كثير من الأمور الغيبية، وهذه [الأمور] الخمسة، ~~من الأمور التي طوى علمها عن جميع المخلوقات، فلا يعلمها نبي مرسل، ولا ~~ملك مقرب، فضلا عن غيرهما، فقال: { إن الله عنده علم ~~الساعة } أي: يعلم متى مرساها، كما قال تعالى: # يسألونك عن الساعة أيان مرسها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ~~ثقلت في السموت ms1206 والأرض لا تأتيكم إلا بغتة # الآية [الأعراف: 187]. { وينزل الغيث } أي: هو المنفرد ~~بإنزاله، وعلم وقت نزوله. { ويعلم ما في الأرحام } فهو الذي ~~أنشأ ما فيها، وعلم ما هو، هل هو ذكر أم أنثى، ولهذا يسأل الملك الموكل ~~بالأرحام ربه: هل هو ذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما يشاء. { وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا } من كسب دينها ودنياها، { وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت } بل الله تعالى هو المختص بعلم ذلك ~~جميعه. ولما خصص هذه الأشياء، عمم علمه بجميع الأشياء فقال: { إن ~~الله عليم خبير } محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا ~~والسرائر، ومن حكمته التامة، أن أخفى علم هذه الخمسة عن العباد، لأن في ~~ذلك من المصالح ما لا يخفى على من تدبر ذلك. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-3] # يخبر تعالى أن هذا الكتاب الكريم، أنه تنزيل من رب العالمين، الذي رباهم ~~بنعمته. ومن أعظم ما رباهم به، هذا الكتاب، الذي فيه كل ما يصلح أحوالهم، ~~ويتمم أخلاقهم، وأنه لا ريب فيه ولا شك ولا امتراء، ومع ذلك قال المكذبون ~~للرسول الظالمون في ذلك: افتراه محمد، واختلقه من عند نفسه، وهذا من أكبر ~~الجراءة على إنكار كلام الله، ورمي محمد صلى الله عليه وسلم، بأعظم ~~الكذب، وقدرة الخلق على كلام مثل كلام الخالق. وكل واحد من هذه من الأمور ~~العظائم، قال الله - رادا على من قال: افتراه:- { بل هو الحق ~~} الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. { ~~من ربك } أنزله رحمة للعباد { لتنذر قوما مآ أتاهم ~~من نذير من قبلك } أي: في حالة ضرورة وفاقة لإرسال الرسول ~~وإنزال الكتاب، لعدم النذير، بل هم في جهلهم يعمهون، وفي ظلمة ضلالهم ~~يترددون، فأنزلنا الكتاب عليك { لعلهم يهتدون } من ضلالهم، ~~فيعرفون الحق فيؤثرونه. وهذه الأشياء التي ذكرها الله، كلها مناقضة ~~لتكذيبهم له، وإنها تقتضي منهم الإيمان والتصديق التام به، وهو كونه { ~~من رب العالمين } وأنه { الحق } والحق مقبول على كل حال، ~~وأنه { لا ريب فيه } بوجه من الوجوه، فليس ms1207 فيه ما يوجب الريبة، لا ~~بخبر لا يطابق للواقع، ولا بخفاء واشتباه معانيه، وأنهم في ضرورة وحاجة ~~إلى الرسالة، وأن فيه الهداية لكل خير وإحسان. ### || [32.4-9] # يخبر تعالى عن كمال قدرته بخلق { السموت والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها الجمعة، مع ~~قدرته على خلقها بلحظة، ولكنه تعالى رفيق حكيم. { ثم استوى على ~~العرش } الذي هو سقف المخلوقات، استواء يليق بجلاله. { ما لكم ~~من دونه من ولي } يتولاكم في أموركم فينفعكم { ولا شفيع } ~~يشفع لكم إن توجه عليكم العقاب. { أفلا تتذكرون } فتعلمون أن ~~خالق الأرض والسماوات، المستوي على العرش العظيم، الذي انفرد بتدبيركم، ~~وتوليكم، وله الشفاعة كلها، هو المستحق لجميع أنواع العبادة. { يدبر ~~الأمر } القدري والأمر الشرعي، الجميع هو المتفرد بتدبيره، نازلة تلك ~~التدابير من عند المليك القدير { من السمآء إلى الأرض } ~~فيسعد بها ويشقي، ويغني ويفقر، ويعز ويذل، ~~ويكرم ويهين، ويرفع أقواما ويضع آخرين، وينزل الأرزاق. { ثم ~~يعرج إليه } أي: الأمر ينزل من عنده، ويعرج إليه { في يوم ~~كان مقداره ألف سنة مما تعدون } وهو يعرج إليه ~~ويصله في لحظة. { ذلك } الذي خلق تلك المخلوقات العظيمة، الذي استوى ~~على العرش العظيم، وانفرد بالتدابير في المملكة، { عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الرحيم } فبسعة علمه، وكمال عزته، وعموم ~~رحمته، أوجدها، وأودع فيها من المنافع ما أودع، ولم يعسر عليه تدبيرها. { ~~الذي أحسن كل شيء خلقه } أي: كل مخلوق خلقه الله، فإن ~~الله أحسن خلقه، وخلقه خلقا يليق به ويوافقه، فهذا عام. ثم خص الآدمي ~~لشرفه وفضله فقال: { وبدأ خلق الإنسان من طين } وذلك بخلق ~~آدم عليه السلام، أبي البشر. { ثم جعل نسله } أي: ذرية آدم ~~ناشئة { من مآء مهين } وهو النطفة المستقذرة الضعيفة. { ثم ~~سواه } بلحمه وأعضائه وأعصابه وعروقه، وأحسن خلقته، ووضع كل عضو منه ~~بالمحل الذي لا يليق به غيره، { ونفخ فيه من روحه } بأن أرسل ~~إليه الملك فينفخ فيه الروح، فيعود بإذن الله حيوانا بعد إذ كان ~~جمادا. { وجعل لكم السمع والأبصار } أي: ما زال يعطيكم ~~من ms1208 المنافع شيئا فشيئا، حتى أعطاكم السمع والأبصار { والأفئدة ~~قليلا ما تشكرون } الذي خلقكم وصوركم. ### || [32.10-11] # أي: قال المكذبون بالبعث على وجه الاستبعاد: { أءذا ضللنا في ~~الأرض } أي: بلينا وتمزقنا، وتفرقنا في المواضع التي لا تعلم. ~~{ أءنا لفي خلق جديد } أي: لمبعوثون بعثا جديدا بزعمهم أن ~~هذا من أبعد الأشياء، وذلك لقياسهم قدرة الخالق بقدرهم. وكلامهم هذا، ليس ~~لطلب الحقيقة، وإنما هو ظلم وعناد، وكفر بلقاء ربهم وجحد، ولهذا قال: { ~~بل هم بلقآء ربهم كافرون } فكلامهم علم مصدره وغايته، ~~وإلا، فلو كان قصدهم بيان الحق، لبين لهم من الأدلة القاطعة على ~~ذلك، ما يجعله مشاهدا للبصيرة بمنزلة الشمس للبصر. ويكفيهم أنهم معهم ~~علم أنهم قد ابتدئوا من العدم، فالإعادة أسهل من الابتداء، وكذلك ~~الأرض الميتة، ينزل الله عليها المطر، فتحيا بعد موتها، وينبت به متفرق ~~بذورها. { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ~~} أي: جعله الله وكيلا على قبض الأرواح، وله أعوان. { ثم إلى ~~ربكم ترجعون } فيجازيكم بأعمالكم، وقد أنكرتم البعث، فانظروا ~~ماذا يفعل الله بكم. ### || [32.12-14] # لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة، ذكر حالهم في مقامهم بين ~~[يديه]، فقال: { ولو ترى إذ المجرمون } الذين أصروا على ~~الذنوب العظيمة، { ناكسوا رءوسهم عند ربهم } خاشعين ~~خاضعين أذلاء، مقرين بجرمهم، سائلين الرجعة قائلين: { ربنآ ~~أبصرنا وسمعنا } أي: بان لنا الأمر، ورأيناه عيانا، فصار عين ~~يقين. { فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } أي: صار ~~عندنا الآن يقين بما [كنا] نكذب به، أي: لرأيت أمرا [فظيعا]، وحالا ~~مزعجة، وأقواما خاسرين، وسؤلا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال. وكل ~~هذا بقضاء الله وقدره، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي، فلهذا قال: { ~~ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: لهدينا الناس ~~كلهم، وجمعناهم على الهدى، فمشيئتنا صالحة لذلك، ولكن الحكمة تأبى أن ~~يكونوا كلهم على الهدى، ولهذا قال: { ولكن حق القول مني ~~} أي: وجب، وثبت ثبوتا لا تغير فيه. { لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين } فهذا الوعد لا بد منه، ولا محيد ~~عنه، فلا بد من ms1209 تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي. { فذوقوا بما ~~نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي: يقال للمجرمين الذين ملكهم ~~الذل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليستدركوا ما فاتهم، قد فات وقت الرجوع ~~ولم يبق إلا العذاب، فذوقوا العذاب الأليم، بما نسيتم لقاء يومكم هذا، ~~وهذا النسيان نسيان ترك، أي: بما أعرضتم عنه وتركتم العمل له، وكأنكم غير ~~قادمين عليه، ولا ملاقيه. { إنا نسيناكم } أي: تركناكم بالعذاب، ~~جزاء من جنس عملكم، فكما نسيتم نسيتم، { وذوقوا عذاب ~~الخلد } أي: العذاب غير المنقطع، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية، ~~كان فيه بعض التنفيس والتخفيف، وأما عذاب جهنم - أعاذنا الله منه - فليس ~~فيه روح راحة، ولا انقطاع لعذابهم فيها. { بما كنتم تعملون } ~~من الكفر والفسوق والمعاصي. ### || [32.15-17] # لما ذكر تعالى الكافرين بآياته، وما أعد لهم من العذاب، ذكر المؤمنين ~~بها، ووصفهم، وما أعد لهم من الثواب، فقال: { إنما يؤمن ~~بآياتنا } [أي] إيمانا حقيقيا، من يوجد منه شواهد الإيمان، وهم: { ~~الذين إذا ذكروا } بآيات ربهم فتليت عليهم آيات القرآن، ~~وأتتهم النصائح على أيدي رسل الله، ودعوا إلى التذكر، سمعوها فقبلوها، ~~وانقادوا، و { خروا سجدا } أي: خاضعين لها، خضوع ذكر لله، وفرح ~~بمعرفته. { وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ~~} لا بقلوبهم، ولا بأبدانهم، فيمتنعون من الانقياد لها، بل متواضعون لها، ~~قد تلقوها بالقبول، والتسليم وقابلوها بالانشراح والتسليم، وتوصلوا بها ~~إلى مرضاة الرب الرحيم، واهتدوا بها إلى الصراط المستقيم. { تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع } أي: ترتفع جنوبهم، وتنزعج عن مضاجعها ~~اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل، ~~ومناجاة الله تعالى. ولهذا قال: { يدعون ربهم } أي: في جلب ~~مصالحهم الدينية والدنيوية، ودفع مضارهما. { خوفا وطمعا } أي: ~~جامعين بين الوصفين، خوفا أن ترد أعمالهم، وطمعا في قبولها، خوفا من ~~عذاب الله، وطمعا في ثوابه. { ومما رزقناهم } من الرزق، ~~قليلا كان أو كثيرا { ينفقون } ولم يذكر قيد النفقة، ولا المنفق ~~عليه، ليدل على العموم، فإنه يدخل فيه، النفقة الواجبة، كالزكوات، ~~والكفارات، ونفقة الزوجات والأقارب، والنفقة المستحبة في وجوه ms1210 الخير، ~~والنفقة والإحسان المالي خير مطلقا، سواء وافق غنيا أو فقيرا، قريبا ~~أو بعيدا، ولكن الأجر يتفاوت بتفاوت النفع، فهذا عملهم. وأما جزاؤهم، ~~فقال: { فلا تعلم نفس } يدخل فيه جميع نفوس الخلق، لكونها نكرة ~~في سياق النفي. أي: فلا يعلم أحد { مآ أخفي لهم من قرة ~~أعين } من الخير الكثير، والنعيم الغزير، والفرح والسرور، واللذة ~~والحبور، كما قال تعالى على لسان رسوله: # " أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر ". # فكما صلوا في الليل ودعوا، وأخفوا العمل، جازاهم من جنس عملهم، فأخفى ~~أجرهم، ولهذا قال: { جزآء بما كانوا يعملون }. ### || [32.18-20] # ينبه تعالى العقول على ما تقرر فيها، من عدم تساوي المتفاوتين ~~المتباينين، وأن حكمته تقتضي عدم تساويهما، فقال: { أفمن كان ~~مؤمنا } قد عمر قلبه بالإيمان، وانقادت جوارحه لشرائعه، واقتضى ~~إيمانه آثاره وموجباته، من ترك مساخط الله، التي يضر وجودها بالإيمان. { ~~كمن كان فاسقا } قد خرب قلبه وتعطل من الإيمان، فلم يكن فيه وازع ~~ديني، فأسرعت جوارحه بموجبات الجهل والظلم، من كل إثم ومعصية، وخرج بفسقه ~~عن طاعة الله. أفيستوي هذان الشخصان؟ { لا يستوون } عقلا وشرعا، ~~كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، وكذلك لا يستوي ثوابهما في ~~الآخرة. { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } من ~~فروض ونوافل { فلهم جنات المأوى } أي: الجنات التي هي مأوى ~~اللذات، ومعدن الخيرات، ومحل الأفراح، ونعيم القلوب والنفوس والأرواح، ~~ومحل الخلود، وجوار الملك المعبود، والتمتع بقربه، والنظر إلى وجهه، ~~وسماع خطابه. { نزلا } لهم أي: ضيافة، وقرى { بما كانوا ~~يعملون } فأعمالهم التي تفضل الله بها عليهم، هي التي أوصلتهم لتلك ~~المنازل الغالية العالية، التي لا يمكن التوصل إليها ببذل الأموال، ولا ~~بالجنود والخدم، ولا بالأولاد، بل ولا بالنفوس والأرواح، ولا يتقرب إليها ~~بشيء أصلا، سوى الإيمان والعمل الصالح. { وأما الذين فسقوا ~~فمأواهم النار } أي: مقرهم ومحل خلودهم، النار التي جمعت كل ~~عذاب وشقاء، ولا يفتر عنهم العقاب ساعة. { كلمآ أرادوا أن ~~يخرجوا منهآ أعيدوا فيها } فكلما حدثتهم إرادتهم بالخروج، ~~لبلوغ ms1211 العذاب منهم كل مبلغ، ردوا إليها، فذهب عنهم روح ذلك الفرج، واشتد ~~عليهم الكرب. { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي ~~كنتم به تكذبون } فهذا عذاب النار، الذي يكون فيه مقرهم ~~ومأواهم، وأما العذاب الذي قبل ذلك، ومقدمة له وهو عذاب البرزخ، فقد ذكر ~~بقوله: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر... }. ### || [32.21] # أي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين نموذجا من العذاب الأدنى، وهو عذاب ~~البرزخ، فنذيقهم طرفا منه قبل أن يموتوا، إما بعذاب بالقتل ونحوه، كما ~~جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله تعالى: # ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم ~~اليوم تجزون عذاب الهون # [الأنعام: 93] ثم يكمل لهم العذاب الأدنى في برزخهم. وهذه الآية من ~~الأدلة على إثبات عذاب القبر، ودلالتها ظاهرة، فإنه قال: { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } أي: بعض وجزء منه، فدل ~~على أن ثم عذابا أدنى قبل العذاب الأكبر، وهو عذاب النار. ولما كانت ~~الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا، قد لا يتصل بها الموت، فأخبر تعالى ~~أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ويتوبون من ذنوبهم كما قال تعالى: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون # [الروم: 41]. ### || [32.22] # أي: لا أحد أظلم وأزيد تعديا، ممن ذكر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ~~ربه، الذي يريد تربيته، وتكميل نعمته على أيدي رسله، تأمره وتذكره مصالحه ~~الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن ~~يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ~~ينبغي، فلم يؤمن بها ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من ~~أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال: { عنهآ إنا ~~من المجرمين منتقمون }. ### || [32.23-25] # لما ذكر تعالى آياته التي ذكر بها عباده، وهو القرآن، الذي أنزله على ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ذكر أنه ليس ببدع من الكتب، ولا من جاء به ~~بغريب من الرسل، فقد آتى الله موسى الكتاب الذي هو التوراة المصدقة ~~للقرآن، ms1212 التي قد صدقها القرآن، فتطابق حقهما، وثبت برهانهما، { لكتاب ~~فلا تكن في مرية من لقآئه } لأنه قد تواردت أدلة الحق ~~وبيناته، فلم يبق للشك والمرية محل. { وجعلناه } أي: الكتاب الذي ~~آتيناه موسى { هدى لبني إسرائيل } يهتدون به في أصول دينهم، ~~وفروعه، وشرائعه موافقة لذلك الزمان في بني إسرائيل. وأما هذا القرآن ~~الكريم، فجعله الله هداية للناس كلهم، لأنه هداية للخلق، في أمر دينهم ~~ودنياهم إلى يوم القيامة، وذلك لكماله وعلوه # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف: 4]. { وجعلنا منهم } أي: من بني إسرائيل { أئمة ~~يهدون بأمرنا } أي: علماء بالشرع، وطرق الهداية، مهتدين في ~~أنفسهم، يهدون غيرهم بذلك الهدى، فالكتاب الذي أنزل إليهم هدى، والمؤمنون ~~به منهم على قسمين: أئمة يهدون بأمر الله، وأتباع مهتدون بهم. والقسم ~~الأول أرفع الدرجات بعد درجة النبوة والرسالة، وهي درجة الصديقين، وإنما ~~نالوا هذه الدرجة العالية بالصبر على التعلم والتعليم، والدعوة إلى ~~الله، والأذى في سبيله، وكفوا أنفسهم عن جماحها في المعاصي واسترسالها ~~في الشهوات. { وكانوا بآياتنا يوقنون } أي: وصلوا في الإيمان ~~بآيات الله إلى درجة اليقين، وهو العلم التام الموجب للعمل، وإنما وصلوا ~~إلى درجة اليقين، لأنهم تعلموا تعلما صحيحا، وأخذوا المسائل عن أدلتها ~~المفيدة لليقين. فما زالوا يتعلمون المسائل، ويستدلون عليها بكثرة ~~الدلائل، حتى وصلوا لذاك، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ~~وثم مسائل اختلف فيها بنو إسرائيل، منهم من أصاب فيها الحق، ومنهم ~~من أخطأه خطأ، أو عمدا، والله تعالى { يفصل بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } وهذا القرآن يقص على ~~بني إسرائيل بعض الذي يختلفون فيه، فكل خلاف وقع بينهم، ووجد في القرآن ~~تصديق لأحد القولين، فهو الحق، وما عداه مما خالفه باطل. ### || [32.26-27] # يعني: أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول، ويهدهم إلى الصواب. { كم ~~أهلكنا من قبلهم من القرون } الذين سلكوا مسلكهم، { ~~يمشون في مساكنهم } فيشاهدونها عيانا، كقوم هود وصالح، وقوم ~~لوط. { إن في ذلك لآيات } يستدل بها على صدق الرسل التي جاءتهم، ~~وبطلان ما هم عليه من الشرك ms1213 والشر، وعلى أن من فعل مثل فعلهم، فعل ~~بهم كما فعل بأشياعه من قبل. وعلى أن الله تعالى مجازي العباد، ~~وباعثهم للحشر والتناد. { أفلا يسمعون } آيات الله فيعونها ~~فينتفعون بها، فلو كان لهم سمع صحيح وعقل رجيح، لم يقيموا على حالة يجزم ~~بها بالهلاك. { أولم يروا } بأبصارهم نعمتنا وكمال حكمتنا { ~~أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز } التي لا نبات فيها، ~~فيسوق الله المطر الذي لم يكن قبل موجودا فيها فيفرغه فيها من السحاب ~~أو من الأنهار. { فنخرج به زرعا } أي: نباتا مختلف الأنواع { ~~تأكل منه أنعامهم } وهو نبات البهائم، { وأنفسهم } ~~وهو طعام الآدميين. { أفلا يبصرون } تلك المنة، التي أحيا الله ~~بها البلاد والعباد، فيستبصرون فيهتدون بذلك البصر وتلك البصيرة، إلى ~~الصراط المستقيم، ولكن غلب عليهم العمى، واستولت عليهم الغفلة، فلم ~~يبصروا في ذلك بصر الرجال، وإنما نظروا إلى ذلك نظر الغفلة، ومجرد ~~العادة، فلم يوفقوا للخير. ### || [32.28-30] # أي: يستعجل المجرمون بالعذاب الذي وعدوا به على التكذيب، جهلا منهم ~~ومعاندة. { ويقولون متى هذا الفتح } الذي يفتح بيننا ~~وبينكم، بتعذيبنا على زعمكم { إن كنتم } أيها الرسل { صادقين } ~~في دعواكم. { قل يوم الفتح } الذي يحصل به عقابكم، لا تستفيدون ~~به شيئا، فلو كان إذا حصل، حصل إمهالكم، لتستدركوا ما فاتكم، حين صار ~~الأمر عندكم يقينا، لكان لذلك وجه، ولكن إذا جاء يوم الفتح، انقضى ~~الأمر، ولم يبق للمحنة محل ف { لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم } لأنه صار إيمان ضرورة، { ولا هم ينظرون } أي: ~~يمهلون، فيؤخر عنهم العذاب، فيستدركون أمرهم. { فأعرض عنهم } ~~لما وصل خطابهم إلى حالة الجهل واستعجال العذاب. { وانتظر } الأمر ~~الذي يحل بهم، فإنه لا بد منه، ولكن له أجل، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر. ~~{ إنهم منتظرون } بك ريب المنون، ومتربصون بكم دوائر السوء، ~~والعاقبة للتقوى. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-3] # أي: يا أيها الذي من الله عليه بالنبوة، واختصه بوحيه، وفضله على ~~سائر الخلق، اشكر نعمة ربك عليك باستعمال تقواه، التي أنت أولى بها من ~~غيرك، والتي يجب عليك منها أعظم ms1214 من سواك، فامتثل أوامره ونواهيه، وبلغ ~~رسالاته، وأد إلى عباده وحيه، وابذل النصيحة للخلق. ولا يصدنك عن هذا ~~المقصود صاد، ولا يردك عنه راد، فلا تطع كل كافر قد أظهر العداوة لله ~~ورسوله، ولا منافق قد استبطن التكذيب والكفر، وأظهر ضده. فهؤلاء هم ~~الأعداء على الحقيقة، فلا تطعهم في بعض الأمور، التي تنقض التقوى ~~وتناقضها، ولا تتبع أهواءهم، فيضلوك عن الصواب. { و } لكن { اتبع ~~ما يوحى إليك من ربك } فإنه هو الهدى والرحمة، وارج ~~بذلك ثواب ربك، فإنه بما تعملون خبير، يجازيكم بحسب ما يعلمه منكم من ~~الخير والشر. فإن وقع في قلبك، أنك إن لم تطعهم في أهوائهم المضلة، حصل ~~عليك منهم ضرر، أو حصل نقص في هداية الخلق، فادفع ذلك عن نفسك، واستعمل ~~ما يقاومه ويقاوم غيره، وهو التوكل على الله، بأن تعتمد على ربك اعتماد ~~من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، في ~~سلامتك من شرهم، وفي إقامة الدين الذي أمرت به، وثق بالله في حصول ذلك ~~الأمر على أي: حال كان. { وكفى بالله وكيلا } توكل إليه ~~الأمور، فيقوم بها وبما هو أصلح للعبد، وذلك لعلمه بمصالح عبده، من حيث ~~لا يعلم العبد، وقدرته على إيصالها إليه، من حيث لا يقدر عليها العبد، ~~وأنه أرحم بعبده من نفسه، ومن والديه، وأرأف به من كل أحد، خصوصا خواص ~~عبيده، الذين لم يزل يربيهم ببره، ويدر عليهم بركاته الظاهرة ~~والباطنة، خصوصا وقد أمره بإلقاء أموره إليه، ووعده، فهناك لا تسأل عن ~~كل أمر يتيسر، وصعب يسهل، وخطوب تهون، وكروب تزول، وأحوال وحوائج تقضى، ~~وبركات تنزل، ونقم تدفع، وشرور ترفع. وهناك ترى العبد الضعيف، الذي فوض ~~أمره لسيده، قد قام بأمور لا يقوم بها أمة من الناس، وقد سهل الله ~~[عليه] ما كان يصعب على فحول الرجال، وبالله المستعان. ### || [33.4-5] # يعاتب تعالى [عباده] عن التكلم بما ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن ~~لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما ms1215 ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما لا حقيقة له من ~~الأقوال، ولم يجعله الله تعالى كما قالوا، فإن ذلك القول منكم كذب وزور، ~~يترتب عليه منكرات من الشرع. وهذه قاعدة عامة في التكلم في كل شيء، ~~والإخبار بوقوع ووجود ما لم يجعله الله تعالى. ولكن خص هذه الأشياء ~~المذكورة لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها، فقال: { ما جعل الله ~~لرجل من قلبين في جوفه } هذا لا يوجد، فإياكم أن تقولوا ~~عن أحد: إن له قلبين في جوفه، فتكونوا كاذبين على الخلقة الإلهية. { ~~وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن } بأن يقول ~~أحدكم لزوجته: " أنت علي كظهر أمي أو كأمي " فما جعلهن الله { ~~أمهاتكم } أمك من ولدتك، وصارت أعظم النساء عليك حرمة وتحريما، ~~وزوجتك أحل النساء لك، فكيف تشبه أحد المتناقضين بالآخر؟ هذا أمر لا ~~يجوز، كما قال تعالى: # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا # [المجادلة: 2]. { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } ~~والأدعياء، الولد الذي كان الرجل يدعيه، وهو ليس له، أو يدعى إليه، ~~بسبب تبنيه إياه، كما كان الأمر بالجاهلية، وأول الإسلام. فأراد الله ~~تعالى أن يبطله ويزيله، فقدم بين يدي ذلك بيان قبحه، وأنه باطل وكذب، وكل ~~باطل وكذب، لا يوجد في شرع الله، ولا يتصف به عباد الله. يقول تعالى: ~~فالله لم يجعل الأدعياء الذين تدعونهم، أو يدعون إليكم، أبناءكم، فإن ~~أبناءكم في الحقيقة، من ولدتموهم، وكانوا منكم، وأما هؤلاء الأدعياء من ~~غيركم، فلا جعل الله هذا كهذا. { ذلكم } القول الذي تقولون في ~~الدعي: إنه ابن فلان الذي ادعاه، أو والده فلان { قولكم ~~بأفواهكم } أي: قول لا حقيقة له ولا معنى له. { والله يقول ~~الحق } أي: اليقين والصدق، فلذلك أمركم باتباعه على قوله وشرعه، ~~فقوله حق، وشرعه حق، والأقوال والأفعال الباطلة لا تنسب إليه بوجه من ~~الوجوه، وليست من هدايته، لأنه لا يهدي إلا إلى السبيل المستقيمة، ~~والطرق الصادقة. وإن كان ذلك واقعا بمشيئته، فمشيئته ms1216 عامة، لكل ما وجد ~~من خير وشر. ثم صرح لهم بترك الحالة الأولى، المتضمنة للقول الباطل ~~فقال: { ادعوهم } أي: الأدعياء { لآبآئهم } الذين ولدوهم { هو ~~أقسط عند الله } أي: أعدل وأقوم وأهدى. { فإن لم ~~تعلموا آباءهم } الحقيقيين { فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم } أي: إخوتكم في دين الله ومواليكم في ذلك، فادعوهم ~~بالأخوة الإيمانية الصادقة، والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى من ~~تبناهم حتم، لا يجوز فعلها. # وأما دعاؤهم لآبائهم، فإن علموا، دعوا إليهم، وإن لم يعلموا، اقتصر على ~~ما يعلم منهم، وهو أخوة [الدين] والموالاة، فلا تظنوا أن حالة عدم علمكم ~~بآبائهم عذر في دعوتهم إلى من تبناهم، لأن المحذور لا يزول بذلك. { ~~وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به } بأن سبق على ~~لسان أحدكم دعوته إلى من تبناه، فهذا غير مؤاخذ به، أو علم أبوه ~~ظاهرا، [فدعوتموه إليه] وهو في الباطن غير أبيه، فليس عليكم في ذلك حرج ~~إذا كان خطأ، { ولكن } يؤاخذكم ب { ما تعمدت قلوبكم } ~~من الكلام بما لا يجوز. { وكان الله غفورا رحيما } غفر لكم ~~ورحمكم، حيث لم يعاقبكم بما سلف، وسمح لكم بما أخطأتم به، ورحمكم حيث ~~بين لكم أحكامه التي تصلح دينكم ودنياكم، فله الحمد تعالى. ### || [33.6] # يخبر تعالى المؤمنين خبرا يعرفون به حالة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ومرتبته، فيعاملونه بمقتضى تلك الحالة، فقال: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } أقرب ما للإنسان، وأولى ما له ~~نفسه، فالرسول أولى به من نفسه، لأنه عليه الصلاة والسلام، بذل لهم من ~~النصح والشفقة والرأفة، ما كان به أرحم الخلق وأرأفهم، فرسول الله، أعظم ~~الخلق منة عليهم من كل أحد، فإنه لم يصل إليهم مثقال ذرة من الخير، ~~ولا اندفع عنهم مثقال ذرة من الشر، إلا على يديه وبسببه. فلذلك، وجب ~~عليهم إذا تعارض مراد النفس، أو مراد أحد من الناس، مع مراد الرسول، أن ~~يقدم مراد الرسول، وأن لا يعارض قول الرسول بقول أحد، كائنا من كان، ~~وأن يفدوه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، ويقدموا محبته على الخلق كلهم، ~~وألا يقولوا ms1217 حتى يقول، ولا يتقدموا بين يديه. وهو صلى الله عليه وسلم أب ~~للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده. ~~فترتب على هذه الأبوة، أن كان نساؤه أمهاتهم، أي: في الحرمة والاحترام ~~والإكرام، لا في الخلوة والمحرمية، وكأن هذا مقدمة لما سيأتي في قصة زيد ~~بن حارثة، الذي كان قبل يدعى: " زيد بن محمد " حتى أنزل الله # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40] فقطع نسبه، وانتسابه منه، فأخبر في هذه الآية، أن ~~المؤمنين كلهم أولاد للرسول، فلا مزية لأحد عن أحد وإن انقطع عن أحدهم ~~انتساب الدعوة، فإن النسب الإيماني لم ينقطع عنه، فلا يحزن ولا يأسف. ~~وترتب على أن زوجات الرسول أمهات المؤمنين، أنهن لا يحللن لأحد من بعده، ~~كما الله صرح بذلك: # ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا # [الأحزاب: 53]. { وأولوا الأرحام } أي: الأقارب، قربوا أو ~~بعدوا { بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } [أي]: في ~~حكمه، فيرث بعضهم بعضا، ويبر بعضهم بعضا، فهم أولى من الحلف والنصرة. ~~والأدعياء الذين كانوا من قبل يرثون بهذه الأسباب، دون ذوي الأرحام، فقطع ~~تعالى التوارث بذلك وجعله للأقارب، لطفا منه وحكمة، فإن الأمر لو استمر ~~على العادة السابقة، لحصل من الفساد والشر والتحيل لحرمان الأقارب من ~~الميراث شيء كثير. { من المؤمنين والمهاجرين } أي: سواء ~~كان الأقارب مؤمنين مهاجرين وغير مهاجرين، فإن ذوي الأرحام مقدمون في ~~ذلك، وهذه الآية حجة على ولاية ذوي الأرحام في جميع الولايات، كولاية ~~النكاح والمال، وغير ذلك. { إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا } أي: ليس لهم حق مفروض، وإنما هو بإرادتكم، ~~إن شئتم أن تتبرعوا لهم تبرعا وتعطوهم معروفا منكم، { كان } ذلك ~~الحكم المذكور { في الكتاب مسطورا } أي: قد سطر وكتب وقدره ~~الله، فلا بد من نفوذه. ### || [33.7-8] # يخبر تعالى أنه أخذ من النبيين عموما، ومن أولي العزم - وهم، هؤلاء ~~الخمسة المذكورون - خصوصا، ميثاقهم الغليظ وعهدهم الثقيل المؤكد، على ~~القيام بدين الله والجهاد في سبيله، وأن هذا سبيل قد مشى الأنبياء ~~المتقدمون، حتى ms1218 ختموا بسيدهم وأفضلهم، محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر ~~الناس بالاقتداء بهم. وسيسأل الله الأنبياء وأتباعهم عن هذا العهد ~~الغليظ، هل وفوا فيه، وصدقوا؟ فيثيبهم جنات النعيم؟ أم كفروا، فيعذبهم ~~العذاب الأليم؟ قال تعالى: # من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه # [الأحزاب: 23]. ### || [33.9-11] # يذكر تعالى عباده المؤمنين نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم ~~جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد من أسفل منهم، وتعاقدوا ~~وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق. ومالأتهم ~~[طوائف] اليهود الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة. ~~وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، فحصروا المدينة، ~~واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل ~~مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار ~~على المدينة مدة طويلة، والأمر كما وصف الله: { وإذ زاغت ~~الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله ~~الظنونا } أي: الظنون السيئة، أن الله لا ينصر دينه ولا يتم كلمته. ~~{ هنالك ابتلي المؤمنون } بهذه الفتنة العظيمة { ~~وزلزلوا زلزالا شديدا } بالخوف والقلق والجوع، ليتبين ~~إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر - ولله الحمد - من إيمانهم وشدة يقينهم، ~~ما فاقوا فيه الأولين والآخرين. وعندما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار ~~إيمانهم عين اليقين، # ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما # [الأحزاب: 22]. وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون، قال ~~تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم ~~مرض ما... }. ### || [33.12-15] # { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. وهذه عادة ~~المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى ~~الحالة القاصرة، ويصدق ظنه. { وإذ قالت طآئفة } من المنافقين، ~~بعد ما جزعوا وقل صبرهم، وصاروا أيضا من المخذلين، فلا صبروا ~~بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: { يأهل ~~يثرب } يريدون: " يا أهل المدينة " ، فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن ~~التسمية]، فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس ms1219 له في قلوبهم ~~قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي. { يأهل يثرب ~~لا مقام لكم } أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، ~~وكانوا عسكروا دون الخندق وخارج المدينة، { فارجعوا } إلى المدينة، ~~فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ~~ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة أشر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى ~~دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا ~~يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال الله فيهم: { ويستئذن ~~فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة } ~~أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غيب عنها، ~~فأذن لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك. { وما هي ~~بعورة إن يريدون } أي: ما قصدهم { إلا فرارا } ولكن ~~جعلوا هذا الكلام وسيلة وعذرا. [لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت ~~عند اشتداد المحن. { ولو دخلت عليهم } المدينة { من ~~أقطارها } أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها - لا ~~كان ذلك - { ثم } سئل هؤلاء { الفتنة } أي: الانقلاب عن دينهم، ~~والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين { لآتوها } أي: لأعطوها مبادرين. ~~{ وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا } أي: ليس لهم منعة ولا ~~تصلب على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ~~ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم. والحال أنهم قد { عاهدوا الله ~~من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله ~~مسئولا } سيسألهم عن ذلك العهد، فيجدهم قد نقضوه، فما ظنهم إذا ~~بربهم؟ ### || [33.16-27] # { قل } لهم، لائما على فرارهم، ومخبرا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئا { ~~لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء ~~والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة ظنها الإنسان تنجيه. { وإذا } ~~حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا ~~تمتعون إلا قليلا } متاعا لا يسوى فراركم، وترككم أمر ~~الله، وتفويتكم على أنفسكم التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين ms1220 ~~أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئا إذا أراده الله بسوء، فقال: { ~~قل من ذا الذي يعصمكم } أي: يمنعكم { من الله إن ~~أراد بكم سوءا } أي: شرا، { أو أراد بكم رحمة } ~~فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا ~~يدفع السوء إلا هو. { ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { ولا نصيرا } أي: ينصرهم، ~~فيدفع عنهم المضار. فليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي ~~نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، ولي ولا ~~ناصر. ثم توعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قد يعلم ~~الله المعوقين منكم } عن الخروج لمن [لم] يخرجوا { ~~والقآئلين لإخوانهم } الذين خرجوا: { هلم إلينا } ~~أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: # يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا # [الأحزاب: 13]. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { ولا يأتون البأس } ~~القتال والجهاد بأنفسهم { إلا قليلا } فهم أشد الناس حرصا على ~~التخلف، لعدم الداعي لذلك من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من ~~النفاق وعدم الإيمان. { أشحة عليكم } بأبدانهم عند القتال، ~~وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فإذا ~~جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } نظر المغشى عليه { ~~من الموت } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، ~~وخوفا من إجبارهم على ما يكرهون من القتال. { فإذا ذهب الخوف ~~} وصاروا في حال الأمن والطمأنينة، { سلقوكم بألسنة } أي: ~~خاطبوكم وتكلموا معكم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة. وحين تسمعهم، تظنهم ~~أهل الشجاعة والإقدام، { أشحة على الخير } الذي يراد منهم، ~~وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحا بما أمر به، شحيحا بماله أن ~~ينفقه في وجهه، شحيحا في بدنه أن يجاهد أعداء الله، أو يدعو إلى سبيل ~~الله، شحيحا بجاهه، شحيحا بعلمه ونصيحته ورأيه. { أولئك } الذين ~~بتلك الحالة { لم يؤمنوا } بسبب عدم إيمانهم أحبط الله أعمالهم، { ~~وكان ذلك على الله يسيرا }. وأما المؤمنون، فقد وقاهم ~~الله شح أنفسهم، ووفقهم لبذل ما أمروا به، من بذل لأبدانهم في القتال ~~في سبيله، وإعلاء كلمته، وأموالهم للنفقة ms1221 في طرق الخير، وجاههم وعلمهم. # { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي: يظنون أن هؤلاء ~~الأحزاب، الذين تحزبوا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~لم يذهبوا حتى يستأصلوهم، فخاب ظنهم، وبطل حسبانهم. { وإن يأت ~~الأحزاب } مرة أخرى { يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب يسألون عن أنبآئكم } أي: لو أتى الأحزاب مرة ~~ثانية مثل هذه المرة، ود هؤلاء المنافقون، أنهم ليسوا في المدينة ولا ~~في القرب منها، وأنهم مع الأعراب في البادية، يستخبرون عن أخباركم، ~~ويسألون عن أنبائكم، ماذا حصل عليكم؟ فتبا لهم، وبعدا فليسوا ممن يبالى ~~بحضورهم { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } ~~فلا تبالوهم، ولا تأسوا عليهم. { لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة } حيث حضر الهيجاء بنفسه الكريمة، وباشر موقف ~~الحرب، وهو الشريف الكامل، والبطل الباسل، فكيف تشحون بأنفسكم عن أمر جاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فيه؟!! فتأسوا به في هذا ~~الأمر وغيره. واستدل الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وأن الأصل، أن أمته أسوته في الأحكام، إلا ما دل ~~الدليل الشرعي على الاختصاص به. فالأسوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة. ~~فالأسوة الحسنة في الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن المتأسي به، سالك ~~الطريق الموصل إلى كرامة الله، وهو الصراط المستقيم. وأما الأسوة بغيره ~~إذا خالفه، فهو الأسوة السيئة، كقول الكفار حين دعتهم الرسل للتأسي ~~[بهم]: { بل قالوا إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة ~~وإنا على ءاثارهم مهتدون }. وهذه الأسوة الحسنة، إنما ~~يسلكها ويوفق لها، من كان يرجو الله واليوم الآخر، فإن ما معه من ~~الإيمان، وخوف الله، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، يحثه على التأسي بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم. لما ذكر حالة المنافقين عند الخوف، ذكر حال ~~المؤمنين، فقال: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } الذين ~~تحزبوا، ونزلوا منازلهم، وانتهى الخوف، { قالوا هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله } في قوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول ms1222 والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # [البقرة: 214]. { وصدق الله ورسوله } فإنا رأينا، ما أخبرنا ~~به { وما زادهم } ذلك الأمر { إلا إيمانا } في قلوبهم { ~~وتسليما } في جوارحهم، وانقيادا لأمر الله. ولما ذكر أن المنافقين ~~عاهدوا الله، لا يولون الأدبار، ونقضوا ذلك العهد، ذكر وفاء المؤمنين ~~به، فقال: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه } أي: وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في ~~مرضاته، وسبلوا أنفسهم في طاعته. { فمنهم من قضى نحبه } ~~أي: إرادته ومطلوبه وما عليه من الحق، فقتل في سبيل الله، أو مات ~~مؤديا لحقه لم ينقصه شيئا. { ومنهم من ينتظر } تكميل ما ~~عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء ~~تكميله، ساع في ذلك مجد. # { وما بدلوا تبديلا } كما بدل غيرهم، بل لم يزالوا على ~~العهد، لا يلوون ولا يتغيرون، فهؤلاء الرجال على الحقيقة، ومن عداهم ~~فصورهم صور رجال، وأما الصفات فقد قصرت عن صفات الرجال. { ليجزي ~~الله الصادقين بصدقهم } أي: بسبب صدقهم، في أقوالهم ~~وأحوالهم، ومعاملتهم مع الله، واستواء ظاهرهم وباطنهم، قال الله تعالى: # هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا # الآية [المائدة: 119]. أي: قدرنا ما قدرنا من هذه الفتن والمحن ~~والزلازل، ليتبين الصادق من الكاذب، فيجزي الصادقين بصدقهم { ويعذب ~~المنافقين } الذين تغيرت قلوبهم وأعمالهم عند حلول الفتن، ولم يفوا ~~بما عاهدوا الله عليه. { إن شآء } تعذيبهم، بأن لم يشأ هدايتهم، بل ~~علم أنهم لا خير فيهم فلم يوفقهم. { أو يتوب عليهم } بأن ~~يوفقهم للتوبة والإنابة، وهذا هو الغالب على كرم الكريم، ولهذا ختم الآية ~~باسمين دالين على المغفرة، والفضل والإحسان فقال: { إن الله كان ~~غفورا رحيما } غفورا لذنوب المسرفين على أنفسهم، ولو أكثروا من ~~العصيان إذا أتوا بالمتاب. { رحيما } بهم، حيث وفقهم للتوبة، ثم ~~قبلها منهم وستر عليهم ما اجترحوه. { ورد الله الذين ~~كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا } أي: ردهم خائبين، لم ~~يحصل لهم الأمر الذي كانوا حنقين ms1223 عليه، مغتاظين قادرين [عليه] جازمين، ~~بأن لهم الدائرة، قد غرتهم جموعهم، وأعجبوا بتحزبهم، وفرحوا بعددهم ~~وعددهم. فأرسل الله عليهم ريحا عظيمة، وهي ريح الصبا، فزعزعت ~~مراكزهم، وقوضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وضربهم الله بالرعب، ~~فانصرفوا بغيظهم، وهذا من نصر الله لعباده المؤمنين. { وكفى الله ~~المؤمنين القتال } بما صنع لهم من الأسباب العادية والقدرية، { ~~وكان الله قويا عزيزا } لا يغالبه أحد إلا غلب، ولا ~~يستنصره أحد إلا غلب، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة ~~قوتهم وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته. { وأنزل الذين ~~ظاهروهم } أي عاونوهم { من أهل الكتاب } أي: اليهود { من ~~صياصيهم } أي: أنزلهم من حصونهم، نزولا مظفورا بهم، مجعولين تحت ~~حكم الإسلام. { وقذف في قلوبهم الرعب } فلم يقووا على ~~القتال، بل استسلموا وخضعوا وذلوا. { فريقا تقتلون } وهم الرجال ~~المقاتلون { وتأسرون فريقا } من عداهم من النساء والصبيان. { ~~وأورثكم } أي: غنمكم { أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطئوها } أي: أرضا كانت من قبل، من ~~شرفها وعزتها عند أهلها، لا تتمكنون من وطئها، فمكنكم الله وخذلهم، ~~وغنمتم أموالهم، وقتلتموهم وأسرتموهم. { وكان الله على كل ~~شيء قديرا } لا يعجزه شيء، ومن قدرته قدر لكم ما قدر. وكانت هذه ~~الطائفة من أهل الكتاب، هم بنو قريظة من اليهود، في قرية خارج المدينة ~~غير بعيدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم [حين] هاجر إلى المدينة ~~وادعهم وهادنهم، فلم يقاتلهم ولم يقاتلوه، وهم باقون على دينهم، لم يغير ~~عليهم شيئا. # فلما رأوا يوم الخندق، الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله وكثرتهم، ~~وقلة المسلمين، وظنوا أنهم سيستأصلون الرسول والمؤمنين، وساعد على ذلك، ~~[تدجيل] بعض رؤسائهم عليهم، فنقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومالؤوا المشركين على قتاله. فلما خذل الله المشركين، ~~تفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتالهم، فحاصرهم في حصنهم، فنزلوا ~~على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فحكم فيهم، أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ~~ذراريهم، وتغنم أموالهم. فأتم الله لرسوله والمؤمنين، المنة، وأسبغ ~~عليهم النعمة، وأقر أعينهم بخذلان ms1224 من انخذل من أعدائهم، وقتل من ~~قتلوا، وأسر من أسروا، ولم يزل لطف الله بعباده المؤمنين مستمرا. ### || [33.28-29] # لما اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغيرة، وطلبن منه ~~النفقة والكسوة، طلبن منه أمرا لا يقدر عليه في كل وقت، ولم يزلن في ~~طلبهن متفقات، في مرادهن متعنتات، فشق ذلك على الرسول، حتى وصلت به ~~الحال إلى أنه آلى منهن شهرا. فأراد الله أن يسهل الأمر على رسوله، وأن ~~يرفع درجة زوجاته، ويذهب عنهن كل أمر ينقص أجرهن، فأمر رسوله أن ~~يخيرهن فقال: { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن ~~تردن الحياة الدنيا } أي: ليس لكن في غيرها مطلب، وصرتن ~~ترضين لوجودها، وتغضبن لفقدها، فليس لي فيكن أرب وحاجة، وأنتن بهذه ~~الحال. { فتعالين أمتعكن } شيئا مما عندي من الدنيا { ~~وأسرحكن } أي: أفارقكن { سراحا جميلا } من دون مغاضبة ولا ~~مشاتمة، بل بسعة صدر، وانشراح بال، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي. { ~~وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة } أي: ~~هذه الأشياء مرادكن، وغاية مقصودكن، وإذا حصل لكن الله ورسوله ~~والجنة، لم تبالين بسعة الدنيا وضيقها، ويسرها وعسرها، وقنعتن من رسول ~~الله بما تيسر، ولم تطلبن منه ما يشق عليه، { فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما } رتب الأجر على وصفهن ~~بالإحسان، لأنه السبب الموجب لذلك، لا لكونهن زوجات للرسول، فإن مجرد ذلك ~~لا يكفي، بل لا يفيد شيئا مع عدم الإحسان، فخيرهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة كلهن، ولم ~~يتخلف منهن واحدة، رضي الله عنهن. وفي هذا التخيير فوائد عديدة: منها: ~~الاعتناء برسوله وغيرته عليه، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته ~~الدنيوية. ومنها: سلامته صلى الله عليه وسلم بهذا التخيير من تبعة حقوق ~~الزوجات، وأنه يبقى في حرية نفسه، إن شاء أعطى، وإن شاء منع # ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له # [الأحزاب: 38]. ومنها: تنزيهه عما لو كان فيهن من تؤثر الدنيا على الله ~~ورسوله ms1225 والدار الآخرة عنها، وعن مقارنتها. ومنها: سلامة زوجاته رضي الله ~~عنهن عن الإثم والتعرض لسخط الله ورسوله. فحسم الله بهذا التخيير عنهن ~~التسخط على الرسول، الموجب لسخطه، المسخط لربه، الموجب لعقابه. ومنها: ~~إظهار رفعتهن وعلو درجتهن، وبيان علو هممهن، أن كان الله ورسوله والدار ~~الآخرة، مرادهن ومقصودهن، دون الدنيا وحطامها. ومنها: استعدادهن بهذا ~~الاختيار، للأمر الخيار، للوصول إلى خيار درجات الجنة، وأن يكن زوجاته ~~في الدنيا والآخرة. ومنها: ظهور المناسبة بينه وبينهن، فإنه أكمل الخلق، ~~وأراد الله أن تكون نساؤه كاملات مكملات، طيبات مطيبات # الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات # [النور: 26]. ومنها: أن هذا التخيير داع، وموجب للقناعة التي يطمئن لها ~~القلب، وينشرح لها الصدر، ويزول عنهن جشع الحرص، وعدم الرضا الموجب لقلق ~~القلب واضطرابه، وهمه وغمه. ومنها: أن يكون اختيارهن هذا، سببا لزيادة ~~أجرهن ومضاعفته، وأن يكن بمرتبة ليس فيها أحد من النساء، ولهذا قال: ~~{ ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف... }. ### || [33.30-31] # لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ذكر مضاعفة أجرهن، ومضاعفة وزرهن ~~وإثمهن لو جرى منهن، ليزداد حذرهن، وشكرهن الله تعالى، فجعل من أتى منهن ~~بفاحشة ظاهرة لها العذاب ضعفين. { ومن يقنت منكن } أي: تطيع { ~~لله ورسوله وتعمل صالحا } قليلا أو كثيرا، { ~~نؤتهآ أجرها مرتين } أي: مثل ما نعطي غيرها مرتين، { ~~وأعتدنا لها رزقا كريما } وهي الجنة، فقنتن لله ورسوله، ~~وعملن صالحا، فعلم بذلك أجرهن. ### || [33.32-33] # يقول تعالى: { ينسآء النبي } خطاب لهن كلهن { لستن ~~كأحد من النسآء إن اتقيتن } الله، فإنكن بذلك تفقن ~~النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها. ~~فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: { فلا تخضعن ~~بالقول } أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فتلن في ذلك، ~~وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع { الذي في قلبه مرض } أي: مرض ~~شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح، [فإن ~~القلب الصحيح]، ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ~~ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه وسلامته من ms1226 المرض. بخلاف مريض القلب، الذي ~~لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، ~~يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن ~~الوسائل لها أحكام المقاصد. فإن الخضوع بالقول واللين فيه، في الأصل ~~مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في ~~مخاطبة الرجال، أن لا تلين لهم القول. ولما نهاهن عن الخضوع في القول، ~~فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: { وقلن ~~قولا معروفا } أي: غير غليظ ولا جاف، كما أنه ليس بلين ~~خاضع. وتأمل كيف قال: { فلا تخضعن بالقول } ولم يقل: " فلا ~~تلن بالقول " وذلك لأن المنهي عنه القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة ~~للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلاما ~~لينا ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا لا يطمع ~~فيه خصمه، ولهذا مدح الله رسوله باللين، فقال: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران: 159] وقال لموسى وهارون: # اذهبآ إلى فرعون إنه طغى* فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 43-44]. ودل قوله: { فيطمع الذي في قلبه مرض } ~~مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم والحافظات، ونهيه عن ~~قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه يهش لفعل ~~المحرم عندما يرى أو يسمع كلام من يهواه، ويجد دواعي طمعه قد انصرفت ~~إلى الحرام، فليعرف أن ذلك مرض. فليجتهد في إضعاف هذا المرض ~~وحسم الخواطر الردية، ومجاهدة نفسه على سلامتها من هذا المرض الخطر، ~~وسؤال الله العصمة والتوفيق، وأن ذلك من حفظ الفرج المأمور به. { ~~وقرن في بيوتكن } أي: اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لكن، { ~~ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } أي: لا تكثرن ~~الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى، الذين لا علم ~~عندهم ولا دين، فكل هذا دفع للشر وأسبابه. ولما أمرهن بالتقوى عموما، ~~وبجزئيات من التقوى، نص عليها [لحاجة] النساء إليها، كذلك ms1227 أمرهن بالطاعة، ~~خصوصا الصلاة والزكاة، اللتان يحتاجهما ويضطر إليهما كل أحد، وهما أكبر ~~العبادات، وأجل الطاعات، وفي الصلاة الإخلاص للمعبود، وفي الزكاة الإحسان ~~إلى العبيد. # ثم أمرهن بالطاعة عموما، فقال: { وأطعن الله ورسوله } ~~يدخل في طاعة الله ورسوله، كل أمر أمرا به أمر إيجاب أو استحباب. { ~~إنما يريد الله } بأمركن بما أمركن به، ونهيكن بما ~~نهاكن عنه، { ليذهب عنكم الرجس } أي: الأذى والشر ~~والخبث، يا { أهل البيت ويطهركم تطهيرا } حتى تكونوا ~~طاهرين مطهرين. أي: فاحمدوا ربكم واشكروه على هذه الأوامر والنواهي، التي ~~أخبركم بمصلحتها وأنها محض مصلحتكم، لم يرد الله أن يجعل عليكم بذلك ~~حرجا ولا مشقة، بل لتتزكى نفوسكم، ولتتطهر أخلاقكم، وتحسن أعمالكم، ~~ويعظم بذلك أجركم. ولما أمرهن بالعمل الذي هو فعل وترك، أمرهن بالعلم، ~~وبين لهن طريقه، فقال: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة } والمراد بآيات الله، القرآن. ~~والحكمة، أسراره. أو سنة رسوله. وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، ~~وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه، وذكر العمل به ~~وتأويله. { إن الله كان لطيفا خبيرا } يدرك أسرار الأمور، ~~وخفايا الصدور، وخبايا السماوات والأرض، والأعمال التي تبين وتسر. فلطفه ~~وخبرته، يقتضي حثهن على الإخلاص وإسرار الأعمال، ومجازاة الله على تلك ~~الأعمال. ومن معاني " اللطيف " الذي يسوق عبده إلى الخير، ويعصمه من ~~الشر، بطرق خفية لا يشعر بها، ويسوق إليه من الرزق ما لا يدريه، ويريه من ~~الأسباب التي تكرهها النفوس ما يكون ذلك طريقا [له] إلى أعلى الدرجات، ~~وأرفع المنازل. ### || [33.35] # لما ذكر تعالى ثواب زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وعقابهن [لو قدر ~~عدم الامتثال] وأنه ليس مثلهن أحد من النساء، ذكر بقية النساء غيرهن. ~~ولما كان حكمهن والرجال واحدا، جعل الحكم مشتركا، فقال: { إن ~~المسلمين والمسلمات } وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا ~~قائمين بها. { والمؤمنين والمؤمنات } وهذا في الأمور ~~الباطنة، من عقائد القلب وأعماله. { والقانتين } أي: المطيعين لله ~~ولرسوله { والقانتات والصادقين } في مقالهم وفعالهم { ~~والصادقات } { والصابرين } على الشدائد والمصائب { ~~والصابرات والخاشعين } في جميع ms1228 أحوالهم، خصوصا في عباداتهم، ~~خصوصا في صلواتهم، { والخاشعات } { والمتصدقين } فرضا ~~ونفلا { والمتصدقات والصائمين والصائمات } شمل ذلك ~~الفرض والنفل. { والحافظين فروجهم } عن الزنا ومقدماته { ~~والحافظات } { والذاكرين الله [كثيرا } أي:] في ~~أكثر الأوقات، خصوصا أوقات الأوراد المقيدة، كالصباح والمساء، وأدبار ~~الصلوات المكتوبات { والذاكرات }. { أعد الله لهم } أي: ~~لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي ما بين ~~اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما ~~بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره ~~وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان. فجازاهم على عملهم بالمغفرة ~~لذنوبهم، لأن الحسنات يذهبن السيئات. { وأجرا عظيما } لا يقدر ~~قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم. ### || [33.36] # أي: لا ينبغي ولا يليق ممن اتصف بالإيمان، إلا الإسراع في مرضاة الله ~~ورسوله، والهرب من سخط الله ورسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، ~~فلا يليق بمؤمن ولا مؤمنة { إذا قضى الله ورسوله أمرا } ~~من الأمور، وحتما به وألزما به { أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم } أي: الخيار، هل يفعلونه أم لا؟ بل يعلم المؤمن والمؤمنة، أن ~~الرسول أولى به من نفسه، فلا يجعل بعض أهواء نفسه حجابا بينه وبين أمر ~~الله ورسوله. { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا ~~مبينا } أي: بينا، لأنه ترك الصراط المستقيم الموصلة إلى كرامة ~~الله، إلى غيرها من الطرق الموصلة للعذاب الأليم، فذكر أولا السبب ~~الموجب لعدم معارضته أمر الله ورسوله، وهو الإيمان، ثم ذكر المانع من ~~ذلك، وهو التخويف بالضلال، الدال على العقوبة والنكال. ### || [33.37] # وكان سبب نزول هذه الآيات، أن الله تعالى أراد أن يشرع شرعا عاما ~~للمؤمنين، أن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقة، من جميع الوجوه وأن ~~أزواجهم لا جناح على من تبناهم، في نكاحهن. وكان هذا من الأمور ~~المعتادة، التي لا تكاد تزول إلا بحادث كبير، فأراد أن يكون هذا الشرع ~~قولا من رسوله وفعلا، وإذا أراد الله أمرا جعل ms1229 له سببا، وكان زيد بن ~~حارثة يدعى " زيد بن محمد " قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم، فصار ~~يدعى إليه حتى نزل: # ادعوهم لآبآئهم # [الأحزاب: 5] فقيل له: " زيد بن حارثة ". وكانت تحته زينب بنت جحش، ابنة ~~عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد وقع في قلب الرسول، لو ~~طلقها زيد، لتزوجها، فقدر الله أن يكون بينها وبين زيد ما اقتضى أن ~~جاء زيد بن حارثة يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في فراقها. قال ~~الله: { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه } أي: ~~بالإسلام { وأنعمت عليه } بالعتق، حين جاءك مشاورا في فراقها: ~~فقلت له ناصحا له ومخبرا بمصلحته، مع وقوعها في قلبك: { أمسك ~~عليك زوجك } أي: لا تفارقها، واصبر على ما جاءك منها، { واتق ~~الله } تعالى في أمورك عامة، وفي أمر زوجك خاصة، فإن التقوى تحث على ~~الصبر، وتأمر به. { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } ~~والذي أخفاه، أنه لو طلقها زيد لتزوجها صلى الله عليه وسلم. { وتخشى ~~الناس } في عدم إبداء ما في نفسك { والله أحق أن تخشاه } ~~وأن لا تباليهم شيئا، { فلما قضى زيد منها وطرا } أي: ~~طابت نفسه، ورغب عنها، وفارقها. { زوجناكها } وإنما فعلنا ذلك ~~لفائدة عظيمة، وهي: { لكي لا يكون على المؤمنين حرج ~~في أزواج أدعيآئهم } حيث رأوك تزوجت زوج زيد بن حارثة، الذي ~~كان من قبل ينتسب إليك. ولما كان قوله: { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم } عاما في جميع ~~الأحوال وكان من الأحوال، ما لا يجوز ذلك، وهي قبل انقضاء وطره منها، قيد ~~ذلك بقوله: { إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله ~~مفعولا } أي: لا بد من فعله، ولا عائق له ولا مانع. وفي هذه الآيات ~~المشتملات على هذه القصة فوائد، منها: الثناء على زيد بن حارثة، وذلك من ~~وجهين: أحدهما: أن الله سماه في القرآن، ولم يسم من الصحابة باسمه غيره. ~~والثاني: أن الله أخبر أنه أنعم عليه، أي: بنعمة الإسلام والإيمان. وهذه ~~شهادة من الله له أنه مسلم ms1230 مؤمن، ظاهرا وباطنا، وإلا فلا وجه لتخصيصه ~~بالنعمة، لولا أن المراد بها النعمة الخاصة. ومنها: أن المعتق في نعمة ~~المعتق. # ومنها: جواز تزوج زوجة الدعي، كما صرح به. ومنها: أن التعليم الفعلي ~~أبلغ من القولي، خصوصا، إذا اقترن بالقول، فإن ذلك نور على نور. ومنها: ~~أن المحبة التي في قلب العبد، لغير زوجته ومملوكته ومحارمه، إذا لم يقترن ~~بها محذور، لا يأثم عليها العبد، ولو اقترن بذلك أمنيته، أن لو طلقها ~~زوجها لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأي سبب كان، ~~لأن الله أخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخفى ذلك في نفسه. ومنها: ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، فلم يدع شيئا مما ~~أوحي إليه إلا وبلغه، حتى هذا الأمر، الذي فيه عتابه. وهذا يدل على أنه ~~رسول الله، ولا يقول إلا ما أوحي إليه، ولا يريد تعظيم نفسه. ومنها: أن ~~المستشار مؤتمن، يجب عليه -إذا استشير في أمر من الأمور- أن يشير بما ~~يعلمه أصلح للمستشير، ولو كان له حظ نفس، فتقدم مصلحة المستشير على هوى ~~نفسه وغرضه. ومنها: أن من الرأي الحسن لمن استشار في فراق زوجته أن يؤمر ~~بإمساكها مهما أمكن صلاح الحال، فهو أحسن من الفرقة. ومنها: [أنه يتعين] ~~أن يقدم العبد خشية الله على خشية الناس، وأنها أحق منها وأولى. ومنها: ~~فضيلة زينب رضي الله عنها أم المؤمنين، حيث تولى الله تزويجها من رسوله ~~صلى الله عليه وسلم، من دون خطبة ولا شهود، ولهذا كانت تفتخر بذلك على ~~أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول زوجكن أهاليكن، وزوجني ~~الله من فوق سبع سماوات. ومنها: أن المرأة إذا كانت ذات زوج، لا يجوز ~~نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه، حتى يقضي زوجها وطره منها، ولا يقضي ~~وطره، حتى تنقضي عدتها، لأنها قبل انقضاء عدتها، هي في عصمته، أو في حقه ~~الذي له وطر إليها، ولو من بعض الوجوه. ### || [33.38-39] # هذا دفع لطعن من طعن في الرسول ms1231 صلى الله عليه وسلم، في كثرة أزواجه، ~~وأنه طعن بما لا مطعن فيه، فقال: { ما كان على النبي من ~~حرج } أي: إثم وذنب. { فيما فرض الله له } أي: قدر له من ~~الزوجات، فإن هذا قد أباحه الله للأنبياء قبله، ولهذا قال: { سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا } أي: لا بد من وقوعه. ثم ذكر من هم الذين من قبل ~~قد خلوا، وهذه سنتهم وعادتهم، وأنهم { الذين يبلغون رسالات ~~الله } فيتلون على العباد آيات الله وحججه وبراهينه، ويدعونهم إلى ~~الله { ويخشونه } وحده لا شريك له { ولا يخشون أحدا } ~~إلا الله. فإذا كان هذا سنة في الأنبياء المعصومين، الذين وظيفتهم قد ~~أدوها وقاموا بها أتم القيام، وهو دعوة الخلق إلى الله، والخشية منه ~~وحده، التي تقتضي فعل كل مأمور، وترك كل محظور، دل ذلك على أنه لا نقص ~~فيه بوجه. { وكفى بالله حسيبا } محاسبا عباده، مراقبا ~~أعمالهم. وعلم من هذا، أن النكاح من سنن المرسلين. ### || [33.40] # أي: لم يكن الرسول { محمد } صلى الله عليه وسلم { أبآ أحد ~~من رجالكم } أيها الأمة فقطع انتساب زيد بن حارثة منه، من هذا ~~الباب. ولما كان هذا النفي عاما في جميع الأحوال، إن حمل ظاهر اللفظ على ~~ظاهره، أي: لا أبوة نسب، ولا أبوة ادعاء، وقد كان تقرر فيما تقدم أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أب للمؤمنين كلهم، وأزواجه أمهاتهم، فاحترز ~~أن يدخل في هذا النوع بعموم النهي المذكور، فقال: { ولكن رسول ~~الله وخاتم النبيين } أي: هذه مرتبته مرتبة المطاع المتبوع، ~~المهتدى به، المؤمن له، الذي يجب تقديم محبته، على محبة كل أحد، الناصح ~~الذي لهم، أي: للمؤمنين، من بره [ونصحه]، كأنه أب لهم. { وكان ~~الله بكل شيء عليما } أي: قد أحاط علمه بجميع الأشياء، ~~ويعلم حيث يجعل رسالاته، ومن يصلح لفضله ومن لا يصلح. ### || [33.41-44] # يأمر تعالى المؤمنين بذكره ذكرا كثيرا، من تهليل وتحميد وتسبيح وتكبير ~~وغير ذلك، من كل قول فيه قربة إلى الله، وأقل ذلك، أن ms1232 يلازم الإنسان ~~أوراد الصباح، والمساء، وأدبار الصلوات الخمس، وعند العوارض والأسباب. ~~وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات، على جميع الأحوال، فإن ذلك عبادة ~~يسبق بها العامل وهو مستريح، وداع إلى محبة الله ومعرفته، وعون على ~~الخير، وكف اللسان عن الكلام القبيح. { وسبحوه بكرة وأصيلا ~~} أي: أول النهار وآخره، لفضلها وشرفها، وسهولة العمل فيها. أي: من رحمته ~~بالمؤمنين ولطفه بهم، أن جعل من صلاته عليهم وثنائه، وصلاة ملائكته ~~ودعائهم، ما يخرجهم من ظلمات الذنوب والجهل، إلى نور الإيمان والتوفيق ~~والعلم والعمل، فهذه أعظم نعمة أنعم بها على العباد الطائعين، تستدعي ~~منهم شكرها، والإكثار من ذكر الله، الذي لطف بهم ورحمهم، وجعل حملة عرشه ~~أفضل الملائكة، ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا ~~فيقولون: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم ~~السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ~~وذلك هو الفوز العظيم # [غافر: 7-9]. فهذه رحمته ونعمته عليهم في الدنيا. وأما رحمته بهم في ~~الآخرة، فأجل رحمة، وأفضل ثواب، وهو الفوز برضا ربهم، وتحيته، واستماع ~~كلامه الجليل، ورؤية وجهه الجميل، وحصول الأجر الكبير، الذي لا يدري ولا ~~يعرف كنهه، إلا من أعطاهم إياه، ولهذا قال: { تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما }. ### || [33.45-48] # هذه الأشياء التي وصف الله بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، هي ~~المقصود من رسالته وزبدتها وأصولها التي اختص بها، وهي خمسة أشياء: ~~أحدها: كونه { شهدا } أي: شاهدا على أمته بما عملوه من خير وشر، كما ~~قال تعالى: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا # [البقرة: 143] # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41] فهو صلى الله عليه وسلم شاهد عدل مقبول. الثاني، والثالث: ~~كونه { ومبشرا ونذيرا } وهذا يستلزم ذكر المبشر والمنذر، وما ~~يبشر به وينذر، والأعمال الموجبة لذلك. فالمبشر هم: المؤمنون المتقون، ~~الذين جمعوا بين ms1233 الإيمان والعمل الصالح، وترك المعاصي، لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا، بكل ثواب دنيوي وديني، رتب على الإيمان والتقوى، وفي ~~الأخرى بالنعيم المقيم. وذلك كله يستلزم ذكر تفصيل المذكور، من تفاصيل ~~الأعمال، وخصال التقوى، وأنواع الثواب. والمنذر هم: المجرمون الظالمون، ~~أهل الظلم والجهل، لهم النذارة في الدنيا، من العقوبات الدنيوية والدينية ~~المترتبة على الجهل والظلم، وفي الأخرى، بالعقاب الوبيل، والعذاب الطويل. ~~وهذه الجملة تفصيلها، ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، ~~المشتمل على ذلك. الرابع: كونه { داعيا إلى الله } أي: أرسله ~~الله يدعو الخلق إلى ربهم، ويسوقهم لكرامته، ويأمرهم بعبادته التي خلقوا ~~لها، وذلك يستلزم استقامته على ما يدعو إليه، وذكر تفاصيل ما يدعو إليه، ~~بتعريفهم لربهم بصفاته المقدسة، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وذكر أنواع ~~العبودية، والدعوة إلى الله بأقرب طريق موصل إليه، وإعطاء كل ذي حق حقه، ~~وإخلاص الدعوة إلى الله، لا إلى نفسه وتعظيمها، كما قد يعرض ذلك لكثير ~~من النفوس في هذا المقام، وذلك كله بإذن الله تعالى له في الدعوة ~~وأمره وإرادته وقدره. الخامس: كونه { وسراجا منيرا } وذلك يقتضي ~~أن الخلق في ظلمة عظيمة، لا نور، يهتدى به في ظلماتها، ولا علم يستدل به ~~في جهالاتها، حتى جاء الله بهذا النبي الكريم، فأضاء الله به تلك ~~الظلمات، وعلم به من الجهالات، وهدى به ضلالا إلى الصراط المستقيم. ~~فأصبح أهل الاستقامة قد وضح لهم الطريق، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به ~~الخير والشر، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، واستناروا به، لمعرفة ~~معبودهم، وعرفوه بأوصافه الحميدة، وأفعاله السديدة، وأحكامه الرشيدة. ~~وقوله: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا } ذكر في هذه الجملة المبشر، وهم المؤمنون، وعند ذكر الإيمان ~~بمفرده، تدخل فيه الأعمال الصالحة. وذكر المبشر به، وهو الفضل الكبير، ~~أي: العظيم الجليل، الذي لا يقادر قدره، من النصر في الدنيا، وهداية ~~القلوب، وغفران الذنوب، وكشف الكروب، وكثرة الأرزاق الدارة، وحصول ~~النعم السارة، والفوز برضا ربهم وثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه. # وهذا مما ينشط العاملين، ms1234 أن يذكر لهم من ثواب الله على أعمالهم، ما به ~~يستعينون على سلوك الصراط المستقيم، وهذا من جملة حكم الشرع، كما أن من ~~حكمه، أن يذكر في مقام الترهيب، العقوبات المترتبة على ما يرهب منه، ~~ليكون عونا على الكف عما حرم الله. ولما كان ثم طائفة من الناس، ~~مستعدة للقيام بصد الداعين إلى الله من الرسل وأتباعهم، وهم المنافقون، ~~الذين أظهروا الموافقة في الإيمان، وهم كفرة فجرة في الباطن، والكفار ~~ظاهرا وباطنا، نهى الله رسوله عن طاعتهم، وحذره ذلك، فقال: { ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين } أي: في كل أمر يصد عن سبيل ~~الله، ولكن لا يقتضي هذا أذاهم، [بل لا تطعهم { ودع أذاهم } ] ~~فإن ذلك، جالب لهم، وداع إلى قبول الإسلام، وإلى كف كثير من أذيتهم له ~~ولأهله. { وتوكل على الله } في إتمام أمرك، وخذلان عدوك، { ~~وكفى بالله وكيلا } توكل إليه الأمور المهمة، فيقوم بها، ~~ويسهلها على عبده. ### || [33.49] # يخبر تعالى المؤمنين، أنهم إذا نكحوا المؤمنات، ثم طلقوهن من قبل أن ~~يمسوهن، فليس عليهن في ذلك عدة يعتدها أزواجهن عليهن، وأمرهم بتمتيعهن ~~بهذه الحالة، بشيء من متاع الدنيا، الذي يكون فيه جبر لخواطرهن، لأجل ~~فراقهن، وأن يفارقوهن فراقا جميلا من غير مخاصمة ولا مشاتمة ولا ~~مطالبة، ولا غير ذلك. ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق لا يكون إلا بعد ~~النكاح. فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق طلاقها على نكاحها، لم يقع، ~~لقوله: { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } ~~فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له. وإذا كان ~~الطلاق الذي هو فرقة تامة وتحريم تام، لا يقع قبل النكاح، فالتحريم ~~الناقص، لظهار أو إيلاء ونحوه، من باب أولى وأحرى، أن لا يقع قبل النكاح، ~~كما هو أصح قولي العلماء. ويدل على جواز الطلاق، لأن الله أخبر به عن ~~المؤمنين، على وجه لم يلمهم عليه، ولم يؤنبهم، مع تصدير الآية بخطاب ~~المؤمنين. وعلى جوازه قبل المسيس، كما قال في الآية الأخرى: # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما ms1235 لم ~~تمسوهن # [البقرة: 236] وعلى أن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها، بل بمجرد ~~طلاقها يجوز لها التزوج، حيث لا مانع، وعلى أن عليها العدة بعد الدخول. ~~وهل المراد بالدخول والمسيس الوطء، كما هو مجمع عليه؟ أو وكذلك الخلوة، ~~ولو لم يحصل معها وطء، كما أفتى بذلك الخلفاء الراشدون، وهو الصحيح. فمن ~~دخل عليها، وطئها أم لا، إذا خلا بها، وجب عليها العدة. وعلى أن المطلقة ~~قبل المسيس تمتع على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، ولكن هذا، إذا لم ~~يفرض لها مهر، فإن كان لها مهر مفروض، فإنه إذا طلق قبل الدخول تنصف ~~المهر، وكفى عن المتعة، وعلى أنه ينبغي لمن فارق زوجته قبل الدخول أو ~~بعده، أن يكون الفراق جميلا، يحمد فيه كل منهما الآخر. ولا يكون غير ~~جميل، فإن في ذلك من الشر المرتب عليه، من قدح كل منهما بالآخر، شيء ~~كثير. وعلى أن العدة حق للزوج، لقوله: { فما لكم عليهن من ~~عدة } دل مفهومه، أنه لو طلقها بعد المسيس، كان له عليها عدة [وعلى ~~أن المفارقة بالوفاة، تعتد مطلقا، لقوله: { ثم طلقتموهن } ~~الآية]. وعلى أن من عدا غير المدخول بها، من المفارقات من الزوجات، بموت ~~أو حياة، عليهن العدة. ### || [33.50] # يقول تعالى، ممتنا على رسوله بإحلاله له ما أحل مما يشترك، هو ~~والمؤمنون، وما ينفرد به ويختص: { يأيها النبي إنآ ~~أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } أي: ~~أعطيتهن مهورهن، من الزوجات، وهذا من الأمور المشتركة بينه وبين المؤمنين ~~[فإن المؤمنين]، كذلك يباح لهم ما آتوهن أجورهن من الأزواج. { و } كذلك ~~أحللنا لك { ما ملكت يمينك } أي: الإماء التي ملكت { ممآ ~~أفآء الله عليك } من غنيمة الكفار من عبيدهم، والأحرار من لهن ~~زوج منهم، ومن لا زوج لهن، وهذا أيضا مشترك. وكذلك من المشترك، قوله { ~~وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك } شمل العم والعمة، والخال والخالة، القريبين والبعيدين، وهذا ~~حصر المحللات. يؤخذ من مفهومه أن ما عداهن من الأقارب غير محلل، كما تقدم ~~في سورة النساء، فإنه ms1236 لا يباح من الأقارب من النساء، غير هؤلاء الأربع، ~~وما عداهن من الفروع مطلقا، والأصول مطلقا، وفروع الأب والأم، وإن ~~نزلوا، وفروع من فوقهم لصلبه، فإنه لا يباح. وقوله { اللاتي ~~هاجرن معك } قيد لحل هؤلاء للرسول، كما هو الصواب من القولين في ~~تفسير هذه الآية، وأما غيره عليه الصلاة والسلام، فقد علم أن هذا قيد ~~لغير الصحة. { و } أحللنا لك { امرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي } بمجرد هبتها نفسها. { إن أراد النبي ~~أن يستنكحها } أي: هذا تحت الإرادة والرغبة، { خالصة لك ~~من دون المؤمنين } يعني: إباحة الموهبة. وأما المؤمنون، ~~فلا يحل لهم أن يتزوجوا امرأة بمجرد هبتها نفسها لهم. { قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت ~~أيمانهم } أي: قد علمنا ما على المؤمنين، وما يحل لهم، وما لا يحل ~~من الزوجات وملك اليمين. وقد علمناهم بذلك، وبينا فرائضه. فما في هذه ~~الآية، مما يخالف ذلك، فإنه خاص لك، لكون الله جعله خطابا للرسول وحده ~~بقوله: { يأيها النبي إنآ أحللنا لك } إلى آخر ~~الآية. وقوله: { خالصة لك من دون المؤمنين } وأبحنا لك ~~يا أيها النبي ما لم نبح لهم، ووسعنا لك ما لم نوسع على غيرك، { ~~لكيلا يكون عليك حرج } وهذا من زيادة اعتناء الله تعالى ~~برسوله صلى الله عليه وسلم. { وكان الله غفورا رحيما } أي: ~~لم يزل متصفا بالمغفرة والرحمة، وينزل على عباده من مغفرته ورحمته وجوده ~~وإحسانه، ما اقتضته حكمته، ووجدت منهم أسبابه. ### || [33.51] # وهذا أيضا من توسعة الله على رسوله ورحمته به، أن أباح له ترك القسم ~~بين زوجاته على وجه الوجوب، وأنه إن فعل ذلك فهو تبرع منه، ومع ذلك، فقد ~~كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في القسم بينهن في كل شيء، ويقول: # " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك ". # فقال هنا: { ترجي من تشآء منهن } [أي: تؤخر من أردت من ~~زوجاتك فلا تؤويها إليك، ولا تبيت عندها] { وتؤوي إليك من ~~تشآء } أي: تضمها وتبيت عندها. { و } مع ذلك لا يتعين ms1237 هذا الأمر { ~~من ابتغيت } أي: تؤويها { فلا جناح عليك } والمعنى أن ~~الخيرة بيدك في ذلك كله [وقال كثير من المفسرين إن هذا خاص بالواهبات له ~~أن يرجي من يشاء ويؤوي من يشاء، أي: إن شاء قبل من وهبت نفسها له وإن شاء ~~لم يقبلها والله أعلم]. ثم بين الحكمة في ذلك فقال: { ذلك } أي: ~~التوسعة عليك، وكون الأمر راجعا إليك وبيدك، وكون ما جاء منك إليهن ~~تبرعا منك { أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ~~ويرضين بمآ آتيتهن كلهن } لعلمهن أنك لم تترك ~~واجبا، ولم تفرط في حق لازم. { والله يعلم ما في قلوبكم } ~~أي: ما يعرض لها عند أداء الحقوق الواجبة والمستحبة، وعند المزاحمة في ~~الحقوق، فلذلك شرع لك التوسعة يا رسول الله، لتطمئن قلوب زوجاتك. { ~~وكان الله عليما حليما } أي: واسع العلم، كثير الحلم. ومن ~~علمه، أن شرع لكم ما هو أصلح لأموركم، وأكثر لأجوركم. ومن حلمه، أن لم ~~يعاقبكم بما صدر منكم، وما أصرت عليه قلوبكم من الشر. ### || [33.52] # وهذا شكر من الله، الذي لم يزل شكورا لزوجات رسوله، رضي الله عنهن، ~~حيث اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، أن رحمهن، وقصر رسوله عليهن، ~~فقال: { لا يحل لك النسآء من بعد } زوجاتك الموجودات { ~~ولا أن تبدل بهن من أزواج } أي: ولا تطلق بعضهن، فتأخذ ~~بدلها. فحصل بهذا أمنهن من الضرائر، ومن الطلاق، لأن الله قضى أنهن ~~زوجاته في الدنيا والآخرة، لا يكون بينه وبينهن فرقة. { ولو ~~أعجبك حسنهن } أي: حسن غيرهن، فلا يحللن لك { إلا ما ~~ملكت يمينك } أي: السراري، فذلك جائز لك، لأن المملوكات في كراهة ~~الزوجات، لسن بمنزلة الزوجات في الإضرار للزوجات. { وكان الله ~~على كل شيء رقيبا } أي: مراقبا للأمور، وعالما بما إليه ~~تؤول، وقائما بتدبيرها على أكمل نظام وأحسن إحكام. ### || [33.53-54] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في دخول بيوته، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام } أي: لا ~~تدخلوها بغير إذن ms1238 للدخول فيها لأجل الطعام. وأيضا لا تكونوا { ~~ناظرين إناه } أي: منتظرين ومتأنين لانتظار نضجه، أو سعة صدر بعد ~~الفراغ منه. والمعنى: أنكم لا تدخلوا بيوت النبي إلا بشرطين: الإذن لكم ~~بالدخول، وأن يكون جلوسكم بمقدار الحاجة، ولهذا قال: { ولكن إذا ~~دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث } أي: قبل الطعام وبعده. ثم بين حكمة النهي ~~وفائدته فقال: { إن ذلكم } أي: انتظاركم الزائد على الحاجة، { ~~كان يؤذي النبي } أي: يتكلف منه ويشق عليه حبسكم إياه عن شؤون ~~بيته، واشتغاله فيه { فيستحيي منكم } أن يقول لكم: " اخرجوا " ~~كما هو جاري العادة، أن الناس - وخصوصا أهل الكرم منهم - يستحيون أن ~~يخرجوا الناس من مساكنهم، { و } لكن { الله لا يستحيي من ~~الحق }. فالأمر الشرعي، ولو كان يتوهم أن في تركه أدبا وحياء، فإن ~~الحزم كل الحزم، اتباع الأمر الشرعي، وأن يجزم أن ما خالفه ليس من الأدب ~~في شيء. والله تعالى لا يستحي أن يأمركم بما فيه الخير لكم، والرفق ~~لرسوله كائنا ما كان. فهذا أدبهم في الدخول في بيوته، وأما أدبهم معه في ~~خطاب زوجاته، فإنه إما أن يحتاج إلى ذلك، أو لا يحتاج إليه، فإن لم يحتج ~~إليه فلا حاجة إليه، والأدب تركه، وإن احتيج إليه، كأن يسألن متاعا، أو ~~غيره من أواني البيت أو نحوها، فإنهن يسألن { من ورآء حجاب } أي: ~~يكون بينكم وبينهن ستر يستر عن النظر، لعدم الحاجة إليه. فصار النظر ~~إليهن ممنوعا بكل حال، وكلامهن فيه التفصيل الذي ذكره الله، ثم ذكر ~~حكمة ذلك بقوله: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ~~لأنه أبعد عن الريبة، وكلما بعد الإنسان عن الأسباب الداعية إلى الشر، ~~فإنه أسلم له، وأطهر لقلبه. فلهذا، من الأمور الشرعية التي بين الله ~~كثيرا من تفاصيلها، أن جميع وسائل الشر وأسبابه ومقدماته، ممنوعة، وأنه ~~مشروع البعد عنها بكل طريق. ثم قال كلمة جامعة وقاعدة عامة: { وما ~~كان لكم } يا معشر المؤمنين، أي: غير لائق ولا مستحسن منكم، بل هو ~~أقبح شيء { أن تؤذوا رسول الله } أي: أذية ms1239 قولية أو فعلية، ~~بجميع ما يتعلق به، { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ~~أبدا } هذا من جملة ما يؤذيه، فإنه صلى الله عليه وسلم له مقام ~~التعظيم والرفعة والإكرام، وتزوج زوجاته [بعده] مخل بهذا المقام. وأيضا، ~~فإنهن زوجاته في الدنيا والآخرة، والزوجية باقية بعد موته، فلذلك لا يحل ~~نكاح زوجاته بعده لأحد من أمته. { إن ذلكم كان عند الله ~~عظيما } وقد امتثلت هذه الأمة هذا الأمر، واجتنبت ما نهى الله عنه ~~منه، ولله الحمد والشكر. ثم قال تعالى: { إن تبدوا شيئا } أي: ~~تظهروه { أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ~~} يعلم ما في قلوبكم وما أظهرتموه، فيجازيكم عليه. ### || [33.55] # لما ذكر أنهن لا يسألن متاعا إلا من وراء حجاب، وكان اللفظ عاما [لكل ~~أحد]، احتيج أن يستثنى منه هؤلاء المذكورون من المحارم، وأنه { لا ~~جناح عليهن } في عدم الاحتجاب عنهم. ولم يذكر فيها الأعمام ~~والأخوال، لأنهن إذا لم يحتجبن عمن هن عماته ولا خالاته، من أبناء ~~الإخوة والأخوات، مع رفعتهن عليهم، فعدم احتجابهن عن عمهن وخالهن، من باب ~~أولى، ولأن منطوق الآية الأخرى، المصرحة بذكر العم والخال مقدمة، على ما ~~يفهم من هذه الآية. وقوله { ولا نسآئهن } أي: لا جناح عليهن ألا ~~يحتجبن عن نسائهن، أي: اللاتي من جنسهن في الدين، فيكون ذلك مخرجا لنساء ~~الكفار، ويحتمل أن المراد جنس النساء، فإن المرأة لا تحتجب عن المرأة. { ~~ولا ما ملكت أيمانهن } ما دام العبد في ملكها جميعه. ولما ~~رفع الجناح عن هؤلاء، شرط فيه وفي غيره لزوم تقوى الله، وأن لا يكون في ~~محذور شرعي، فقال: { واتقين الله } أي: استعملن تقواه في جميع ~~الأحوال { إن الله كان على كل شيء شهيدا } يشهد ~~أعمال العباد، ظاهرها وباطنها، ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم، ثم يجازيهم ~~على ذلك أتم الجزاء وأوفاه. ### || [33.56] # وهذا فيه تنبيه على كمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعة درجته، ~~وعلو منزلته عند الله وعند خلقه، ورفع ذكره. و { إن الله } تعالى ~~{ وملائكته يصلون } عليه، أي: يثني الله ms1240 عليه بين ~~الملائكة، وفي الملأ الأعلى، لمحبته تعالى له، وتثني عليه الملائكة ~~المقربون، ويدعون له ويتضرعون. { يأيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما } اقتداء بالله وملائكته، وجزاء له ~~على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيما له صلى الله عليه ~~وسلم، ومحبة وإكراما، وزيادة في حسناتكم، وتكفيرا من سيئاتكم وأفضل ~~هيئات الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، ما علم به أصحابه: " اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " وهذا الأمر ~~بالصلاة والسلام عليه مشروع في جميع الأوقات، وأوجبه كثير من العلماء في ~~الصلاة. ### || [33.57-58] # لما أمر تعالى بتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم، والصلاة والسلام عليه، ~~نهى عن أذيته، وتوعد عليها فقال: { إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله } وهذا يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تنقص ~~له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى. { لعنهم الله في ~~الدنيا } أي: أبعدهم وطردهم، ومن لعنهم [في الدنيا]، أنه يحتم قتل من ~~شتم الرسول صلى الله عليه وسلم، وآذاه. { والآخرة وأعد لهم ~~عذابا مهينا } جزاء له على أذاه، أن يؤذى بالعذاب الأليم، فأذية ~~الرسول ليست كأذية غيره، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يؤمن العبد ~~بالله، حتى يؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم. وله من التعظيم الذي هو من ~~لوازم الإيمان، ما يقتضي ذلك أن لا يكون مثل غيره. وإن كانت أذية ~~المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيما، ولهذا قال فيها: { والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } أي: بغير ~~جناية منهم موجبة للأذى { فقد احتملوا } على ظهورهم { بهتانا ~~} حيث آذوهم بغير سبب { وإثما مبينا } حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا ~~حرمة أمر الله باحترامها. ولهذا كان سب آحاد المؤمنين موجبا للتعزير، ~~بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من ~~سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم. ### || [33.59-62] # هذه الآية التي تسمى آية الحجاب، فأمر الله نبيه أن يأمر النساء ~~عموما، ms1241 ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهن آكد من غيرهن، ولأن الآمر [لغيره] ~~ينبغي أن يبدأ بأهله قبل غيرهم، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6]. أن { يدنين عليهن من جلابيبهن } وهن ~~اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه، أي: يغطين بها، ~~وجوههن وصدورهن. ثم ذكر حكمة ذلك، فقال: { ذلك أدنى أن ~~يعرفن فلا يؤذين } دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك، ~~لأنهن إذا لم يحتجبن، ربما ظن أنهن غير عفيفات، فيتعرض لهن من في قلبه ~~مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن، وظن أنهن إماء، فتهاون بهن من يريد ~~الشر. فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن. { وكان الله غفورا ~~رحيما } حيث غفر لكم ما سلف ورحمكم، بأن بين لكم الأحكام، وأوضح ~~الحلال والحرام، فهذا سد للباب من جهتهن. وأما من جهة أهل الشر فقد ~~توعدهم بقوله: { لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض } أي: مرض شك أو شهوة { والمرجفون في ~~المدينة } أي: المخوفون المرهبون الأعداء، المحدثون بكثرتهم ~~وقوتهم، وضعف المسلمين. ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه، ليعم ذلك كل ~~ما توحي به أنفسهم إليهم وتوسوس به وتدعو إليه من الشر، من التعريض بسب ~~الإسلام وأهله، والإرجاف بالمسلمين، وتوهين قواهم، والتعرض للمؤمنات ~~بالسوء والفاحشة، وغير ذلك من المعاصي الصادرة من أمثال هؤلاء. { ~~لنغرينك بهم } أي: نأمرك بعقوبتهم وقتالهم، ونسلطك عليهم، ثم ~~إذا فعلنا ذلك، لا طاقة لهم بك، وليس لهم قوة ولا امتناع، ولهذا قال: { ~~ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } أي: لا يجاورونك في ~~المدينة إلا قليلا، بأن تقتلهم أو تنفيهم. وهذا فيه دليل لنفي أهل ~~الشر، الذين يتضرر بإقامتهم بين أظهر المسلمين، فإن ذلك أحسم للشر وأبعد ~~منه، ويكونون { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا تقتيلا } أي: مبعدين أين وجدوا، لا يحصل لهم أمن، ولا ~~يقر لهم قرار، يخشون أن يقتلوا، أو يحبسوا، أو يعاقبوا. { سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل } أن من تمادى في العصيان، ~~وتجرأ على الأذى، ولم ينته منه، فإنه يعاقب عقوبة بليغة. ms1242 { ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا } أي: تغييرا، بل سنته تعالى وعادته جارية ~~مع الأسباب المقتضية لأسبابها. ### || [33.63-68] # أي: يستخبرك الناس عن الساعة استعجالا لها، وبعضهم تكذيبا. لوقوعها، ~~وتعجيزا للذي أخبر بها. { قل } لهم: { إنما علمها عند ~~الله } أي: لا يعلمها إلا الله، فليس لي ولا لغيرى بها علم، ومع هذا، ~~فلا تستبطؤوها. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ~~ومجرد مجيء الساعة، قربا وبعدا، ليس تحته نتيجة ولا فائدة، وإنما ~~النتيجة والخسار والربح، والشقا والسعادة، هل يستحق العبد العذاب، أو ~~يستحق الثواب؟ فهذه سأخبركم بها، وأصف لكم مستحقها. فوصف مستحق العذاب، ~~ووصف العذاب، لأن الوصف المذكور منطبق على هؤلاء المكذبين بالساعة، فقال: ~~{ إن الله لعن الكافرين } [أي:] الذين صار الكفر دأبهم ~~وطريقتهم الكفر بالله وبرسله، وبما جاؤوا به من عند الله، فأبعدهم في ~~الدنيا والآخرة من رحمته، وكفى بذلك عقابا، { وأعد لهم سعيرا ~~} أي: نارا موقدة، تسعر في أجسامهم، ويبلغ العذاب إلى أفئدتهم، ويخلدون ~~في ذلك العذاب الشديد، فلا يخرجون منه، ولا يفتر عنهم ساعة. ولا ~~يجدون وليا فيعطيهم ما طلبوه { ولا نصيرا } يدفع عنهم العذاب، بل ~~قد تخلى عنهم الولي النصير، وأحاط بهم عذاب السعير، وبلغ منهم مبلغا ~~عظيما، ولهذا قال: { يوم تقلب وجوههم في النار } ~~فيذوقون حرها، ويشتد عليهم أمرها، ويتحسرون على ما أسلفوا. { يقولون ~~يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا } فسلمنا من هذا ~~العذاب، واستحققنا كالمطيعين جزيل الثواب. ولكن أمنية فات وقتها، فلم ~~تفدهم إلا حسرة وندما، وهما، وغما، وألما. { وقالوا ربنآ ~~إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا } وقلدناهم على ضلالهم، { ~~فأضلونا السبيلا }. كقوله تعالى: # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد ~~إذ جآءني # الآية [الفرقان: 27-29]. ولما علموا أنهم هم وكبراءهم مستحقون للعقاب، ~~أرادوا أن يشتفوا ممن أضلوهم، فقالوا: { ربنآ آتهم ضعفين ~~من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } فيقول الله لكل ضعف، ~~فكلكم اشتركتم في الكفر والمعاصي، فتشتركون في العقاب، وإن تفاوت عذاب ~~بعضكم على بعض ms1243 بحسب تفاوت الجرم. ### || [33.69] # يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أذية رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، ~~النبي الكريم، الرؤوف الرحيم، فيقابلوه بضد ما يجب له من الإكرام ~~والاحترام، وأن لا يتشبهوا بحال الذين آذوا موسى بن عمران، كليم الرحمن، ~~فبرأه الله مما قالوا من الأذية، أي: أظهر الله لهم براءته. والحال أنه ~~عليه الصلاة والسلام، ليس محل التهمة والأذية، فإنه كان وجيها عند ~~الله، مقربا لديه، من خواص المرسلين، ومن عباده المخلصين، فلم يزجرهم ~~ما له من الفضائل عن أذيته والتعرض له بما يكره، فاحذروا أيها المؤمنون، ~~أن تتشبهوا بهم في ذلك، والأذية المشار إليها هي قول بني إسرائيل لموسى ~~لما رأوا شدة حيائه وتستره عنهم: " إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر " ~~أي: كبير الخصيتين، واشتهر ذلك عندهم، فأراد الله أن يبرئه منهم، فاغتسل ~~يوما، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأهوى موسى عليه السلام في ~~طلبه، فمر به على مجالس بني إسرائيل، فرأوه أحسن خلق الله، فزال عنه ما ~~رموه به. ### || [33.70-71] # يأمر تعالى المؤمنين بتقواه، في جميع أحوالهم، في السر والعلانية، ويخص ~~منها، ويندب للقول السديد، وهو القول الموافق للصواب، أو المقارب له عند ~~تعذر اليقين، من قراءة، وذكر، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وتعلم علم ~~وتعليمه، والحرص على إصابة الصواب، في المسائل العلمية، وسلوك كل طريق ~~يوصل لذلك، وكل وسيلة تعين عليه. ومن القول السديد، لين الكلام ولطفه في ~~مخاطبة الأنام، والقول المتضمن للنصح والإشارة، بما هو الأصلح. ثم ذكر ما ~~يترتب على تقواه، وقول القول السديد فقال: { يصلح لكم ~~أعمالكم } أي: يكون ذلك سببا لصلاحها وطريقا لقبولها، لأن ~~استعمال التقوى، تتقبل به الأعمال كما قال تعالى: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. ويوفق فيه الإنسان للعمل الصالح، ويصلح الله الأعمال ~~[أيضا] بحفظها عما يفسدها، وحفظ ثوابها ومضاعفته، كما أن الإخلال ~~بالتقوى والقول السديد، سبب لفساد الأعمال وعدم قبولها، وعدم ترتب ~~آثارها عليها. { ويغفر لكم } أيضا { ذنوبكم } التي هي ~~السبب في هلاككم، فالتقوى تستقيم ms1244 بها الأمور، ويندفع بها كل محذور ولهذا ~~قال: { ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ~~}. ### || [33.72-73] # يعظم تعالى شأن الأمانة التي ائتمن الله عليها المكلفين، التي هي ~~امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، ~~وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض ~~تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأديتها على وجهها فلك الثواب، ~~وإن لم تقومي بها [ولم تؤديها] فعليك العقاب. { فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها } أي: خوفا أن لا يقمن بما ~~حملن، لا عصيانا لربهن، ولا زهدا في ثوابه، وعرضها الله على ~~الإنسان على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا ~~الحمل الثقيل. فانقسم الناس - بحسب قيامهم بها وعدمه - إلى ثلاثة أقسام: ~~منافقون أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرا لا باطنا، ومشركون تركوها ظاهرا ~~وباطنا، ومؤمنون قائمون بها ظاهرا وباطنا. فذكر الله تعالى أعمال ~~هؤلاء الأقسام الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب، فقال: { ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما }. فله الحمد ~~تعالى، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على تمام ~~مغفرة الله، وسعة رحمته، وعموم جوده، مع أن المحكوم عليهم، كثير منهم لم ~~يستحق المغفرة والرحمة، لنفاقه وشركه. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # الحمد: الثناء بالصفات الحميدة والأفعال الحسنة، فلله تعالى الحمد، لأن ~~جميع صفاته، يحمد عليها، لكونها صفات كمال، وأفعاله يحمد عليها، لأنها ~~دائرة بين الفضل الذي يحمد عليه ويشكر، والعدل الذي يحمد عليه ويعترف ~~بحكمته فيه. وحمد نفسه هنا، على أن { له ما في السموت وما ~~في الأرض } ملكا وعبيدا، يتصرف فيهم بحمده. { وله الحمد في ~~الآخرة } لأن في الآخرة يظهر من حمده والثناء عليه، ما لا يكون في ~~الدنيا، فإذا قضى الله تعالى بين الخلائق كلهم ورأى الناس والخلق كلهم، ~~ما حكم به، وكمال عدله وقسطه وحكمته فيه، حمدوه كلهم على ذلك، حتى أهل ~~العقاب ما دخلوا النار، إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده، وأن هذا من جراء ms1245 ~~أعمالهم، وأنه عادل في حكمه بعقابهم. وأما ظهور حمده في دار النعيم ~~والثواب، فذلك شيء قد تواردت به الأخبار، وتوافق عليه الدليل السمعي ~~والعقلي، فإنهم في الجنة، يرون من توالي نعم الله، وإدرار خيره، وكثرة ~~بركاته، وسعة عطاياه، التي لم يبق في قلوب أهل الجنة أمنية ولا إرادة، ~~إلا وقد أعطي، فوق ما تمنى وأراد، بل يعطون من الخير ما لم تتعلق به ~~أمانيهم، ولم يخطر بقلوبهم. فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال، مع أن في ~~الجنة تضمحل العوارض والقواطع، التي تقطع عن معرفة الله ومحبته والثناء ~~عليه، ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيم، وألذ عليهم من كل لذة، ولهذا ~~إذا رأوا الله تعالى، وسمعوا كلامه عند خطابه لهم، أذهلهم ذلك عن كل ~~نعيم، ويكون الذكر لهم في الجنة كالنفس، متواصلا في جميع الأوقات، هذا ~~إذا أضفت ذلك إلى أنه يظهر لأهل الجنة في الجنة كل وقت، من عظمة ربهم ~~وجلاله وجماله وسعة كماله، ما يوجب لهم كمال الحمد والثناء عليه. { ~~وهو الحكيم } في ملكه وتدبيره، الحكيم في أمره ونهيه. { ~~الخبير } المطلع على سرائر الأمور وخفاياها ولهذا فصل علمه بقوله: { ~~يعلم ما يلج في الأرض } أي: من مطر، وبذر، وحيوان { وما ~~يخرج منها } من أنواع النباتات وأصناف الحيوانات، { وما ينزل ~~من السمآء } من الأملاك والأرزاق والأقدار، { وما يعرج ~~فيها } من الملائكة والأرواح وغير ذلك. ولما ذكر مخلوقاته وحكمته فيها، ~~وعلمه بأحوالها، ذكر مغفرته ورحمته لها، فقال: { وهو الرحيم ~~الغفور } أي: الذي الرحمة والمغفرة وصفه، ولم تزل آثارهما تنزل على ~~عباده كل وقت، بحسب ما قاموا به من مقتضياتهما. ### || [34.3-5] # لما بين تعالى عظمته بما وصف به نفسه، وكان هذا موجبا لتعظيمه وتقديسه ~~والإيمان به، ذكر أن من أصناف الناس طائفة لم تقدر ربها حق قدره، ولم ~~تعظمه حق عظمته، بل كفروا به، وأنكروا قدرته على إعادة الأموات وقيام ~~الساعة، وعارضوا بذلك رسله، فقال: { وقال الذين كفروا } أي: ~~بالله وبرسله، وبما جاؤوا به، فقالوا بسبب كفرهم: { لا تأتينا ms1246 ~~الساعة } أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا، نموت ونحيا. فأمر الله ~~رسوله أن يرد قولهم ويبطله، ويقسم على البعث، وأنه سيأتيهم، واستدل على ~~ذلك بدليل من أقر به، لزمه أن يصدق بالبعث ضرورة، وهو علمه تعالى ~~الواسع العام فقال: { عالم الغيب } أي: الأمور الغائبة عن أبصارنا ~~وعن علمنا، فكيف بالشهادة؟! ثم أكد علمه فقال: { لا يعزب } أي: لا ~~يغيب عن علمه { عنه مثقال ذرة في السموت ولا في ~~الأرض } أي: جميع الأشياء بذواتها وأجزائها، حتى أصغر ما يكون من ~~الأجزاء، وهو المثاقيل منها. { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ~~إلا في كتاب مبين } أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه، ~~وتضمنه الكتاب المبين، الذي هو اللوح المحفوظ، فالذي لا يخفى عن علمه ~~مثقال الذرة فما دونه، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من الأموات، ~~وما يبقى من أجسادهم، قادر على بعثهم، من باب أولى، وليس بعثهم بأعجب من ~~هذا العلم المحيط. ثم ذكر المقصود من البعث، فقال: { ليجزي ~~الذين آمنوا } بقلوبهم، صدقوا الله، وصدقوا رسله تصديقا جازما، ~~{ وعملوا الصالحات } تصديقا لإيمانهم. { أولئك لهم ~~مغفرة } لذنوبهم، بسبب إيمانهم وعملهم، يندفع بها كل شر وعقاب. { ~~ورزق كريم } بإحسانهم، يحصل لهم به كل مطلوب ومرغوب وأمنية. { ~~والذين سعوا في آياتنا معاجزين } أي: سعوا فيها كفرا ~~بها، وتعجيزا لمن جاء بها، وتعجيزا لمن أنزلها، كما عجزوه في الإعادة ~~بعد الموت. { أولئك لهم عذاب من رجز أليم } أي: ~~مؤلم لأبدانهم وقلوبهم. ### || [34.6] # لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث، وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس ~~بحق، ذكر حالة الموفقين من العباد، وهم أهل العلم، وأنهم يرون ما أنزل ~~الله على رسوله من الكتاب، وما اشتمل عليه من الأخبار هو الحق، أي: الحق ~~منحصر فيه، وما خالفه وناقضه فإنه باطل، لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة ~~اليقين. ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه { يهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد } وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة: ~~من جهة علمهم بصدق ms1247 من أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة، والكتب ~~السابقة، ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها، التي تقع عيانا، ومن جهة ما ~~يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق وفي أنفسهم ومن جهة ~~موافقتها لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه. ويرون في الأوامر والنواهي، ~~أنها تهدي إلى الصراط المستقيم، المتضمن للأمر بكل صفة تزكي النفس، وتنمي ~~الأجر، وتفيد العامل وغيره، كالصدق، والإخلاص، وبر الوالدين، وصلة ~~الأرحام، والإحسان إلى عموم الخلق، ونحو ذلك. وتنهى عن كل صفة قبيحة، ~~تدنس النفس، وتحبط الأجر، وتوجب الإثم والوزر، من الشرك، والزنا، والربا، ~~والظلم في الدماء والأموال والأعراض. وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة، ~~وعلامة لهم، وأنه كلما كان العبد أعظم علما وتصديقا بأخبار ما جاء به ~~الرسول، وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه، كان من أهل العلم الذين جعلهم ~~الله حجة على ما جاء به الرسول، احتج الله بهم على المكذبين المعاندين، ~~كما في هذه الآية وغيرها. ### || [34.7-9] # أي: { وقال الذين كفروا } على وجه التكذيب والاستهزاء ~~والاستبعاد، وذكر وجه الاستبعاد. أي: قال بعضهم لبعض: { هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد } يعنون بذلك الرجل، رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه رجل أتى بما يستغرب منه، حتى صار - بزعمهم - فرجة ~~يتفرجون عليه، وأعجوبة يسخرون منه، وأنه كيف يقول " إنكم ~~مبعوثون " بعدما مزقكم البلى، وتفرقت أوصالكم، واضمحلت أعضاؤكم؟!. ~~فهذا الرجل الذي يأتي بذلك، هل { أفترى على الله كذبا } ~~فتجرأ عليه وقال ما قال، { أم به جنة }؟ فلا يستغرب منه، فإن ~~الجنون فنون، وكل هذا منهم، على وجه العناد والظلم، ولقد علموا أنه أصدق ~~خلق الله وأعقلهم، ومن علمهم، أنهم أبدوا وأعادوا في معاداتهم، وبذلوا ~~أنفسهم وأموالهم، في صد الناس عنه، فلو كان كاذبا مجنونا لم ينبغ لكم - ~~يا أهل العقول غير الزاكية - أن تصغوا لما قال، ولا أن تحتفلوا بدعوته، ~~فإن المجنون، لا ينبغي للعاقل أن يلفت إليه نظره، أو يبلغ قوله منه كل ~~مبلغ. ولولا عنادكم وظلمكم، لبادرتم لإجابته، ms1248 ولبيتم دعوته، ولكن " ما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " ولهذا قال ~~تعالى: { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة } ومنهم الذين ~~قالوا تلك المقالة، { في العذاب والضلال البعيد } أي: في ~~الشقاء العظيم، والضلال البعيد، الذي ليس بقريب من الصواب، وأي شقاء ~~وضلال، أبلغ من إنكارهم لقدرة الله على البعث، وتكذيبهم لرسوله الذي جاء ~~به، واستهزائهم به، وجزمهم بأن ما جاؤوا به هو الحق، فرأوا الحق باطلا، ~~والباطل والضلال حقا وهدى. ثم نبههم على الدليل العقلي، الدال على عدم ~~استبعاد البعث، الذي استبعدوه، وأنهم لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السماء والأرض فرأوا من قدرة الله فيهما ما يبهر العقول، ومن ~~عظمته ما يذهل العلماء الفحول، وأن خلقهما وعظمتهما وما فيهما من ~~المخلوقات أعظم من إعادة الناس - بعد موتهم - من قبورهم، فما الحامل لهم ~~على ذلك التكذيب، مع التصديق بما هو أكبر منه؟ نعم ذاك خبر غيبي إلى ~~الآن، ما شاهدوه، فلذلك كذبوا به. قال الله: { إن نشأ نخسف ~~بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء } ~~أي: من العذاب، لأن الأرض والسماء تحت تدبيرنا، فإن أمرناهما لم يستعصيا، ~~فاحذروا إصراركم على تكذيبكم، فنعاقبكم أشد العقوبة. { إن في ذلك ~~} أي: خلق السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات { لآية لكل ~~عبد منيب }. فكلما كان العبد أعظم إنابة إلى الله، كان انتفاعه ~~بالآيات أعظم، لأن المنيب مقبل إلى ربه، قد توجهت إراداته وهماته لربه، ~~ورجع إليه في كل أمر من أموره، فصار قريبا من ربه، ليس له هم إلا ~~الاشتغال بمرضاته، فيكون نظره للمخلوقات نظر فكرة وعبرة، لا نظر غفلة ~~غير نافعة. ### || [34.10-11] # أي: ولقد مننا على عبدنا ورسولنا داود عليه الصلاة والسلام، وآتيناه ~~فضلا من العلم النافع، والعمل الصالح، والنعم الدينية والدنيوية، ومن ~~نعمه عليه، ما خصه به من أمره تعالى الجمادات، كالجبال والحيوانات، من ~~الطيور، أن تؤوب معه، وترجع التسبيح بحمد ربها مجاوبة له، وفي ~~هذا من النعمة عليه، أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد ms1249 قبله ولا ~~بعده، وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات ~~والحيوانات تتجاوب بتسبيح ربها وتمجيده وتكبيره وتحميده، كان ذلك مما ~~يهيج على ذكر الله تعالى. ومنها: أن ذلك - كما قال كثير من العلماء أنه ~~طرب لصوت داود، فإن الله تعالى قد أعطاه من حسن الصوت ما فاق به غيره، ~~وكان إذا رجع التسبيح والتهليل والتحميد بذلك الصوت الرخيم الشجي ~~المطرب، طرب كل من سمعه، من الإنس والجن، حتى الطيور والجبال، وسبحت ~~بحمد ربها. ومنها: أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها، لأنه سبب ذلك، وتسبح ~~تبعا له. ومن فضله عليه، أن ألان له الحديد، ليعمل الدروع السابغات، ~~وعلمه تعالى كيفية صنعته، بأن يقدره في السرد، أي: يقدره حلقا، ويصنعه ~~كذلك، ثم يدخل بعضها ببعض. قال تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم فهل أنتم شاكرون # [الأنبياء: 80]. ولما ذكر ما امتن به عليه وعلى آله، أمره بشكره، وأن ~~يعملوا صالحا، ويراقبوا الله تعالى فيه، بإصلاحه وحفظه من المفسدات، ~~فإنه بصير بأعمالهم، مطلع عليهم، لا يخفى عليه منها شيء. ### || [34.12-14] # لما ذكر فضله على داود عليه السلام، ذكر فضله على ابنه سليمان عليه ~~الصلاة والسلام، وأن الله سخر له الريح تجري بأمره وتحمله، وتحمل جميع ~~ما معه، وتقطع المسافة البعيدة جدا في مدة يسيرة، فتسير في اليوم، مسيرة ~~شهرين. { غدوها شهر } أي: أول النهار إلى الزوال { ورواحها ~~شهر } من الزوال، إلى آخر النهار { وأسلنا له عين القطر ~~} أي: سخرنا له عين النحاس، وسهلنا له الأسباب في استخراج ما يستخرج منها ~~من الأواني وغيرها. وسخر الله له أيضا الشياطين والجن، لا يقدرون أن ~~يستعصوا عن أمره، { ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من ~~عذاب السعير } وأعمالهم، كل ما شاء سليمان، عملوه، { من ~~محاريب } وهو كل بناء يعقد وتحكم به الأبنية، فهذا فيه ذكر الأبنية ~~الفخمة، { وتماثيل } أي: صور الحيوانات والجمادات، من إتقان صنعتهم، ~~وقدرتهم على ذلك وعملهم لسليمان، { وجفان كالجواب } أي: كالبرك ~~الكبار، يعملونها لسليمان للطعام، لأنه يحتاج ms1250 إلى ما لا يحتاج إليه غيره، ~~{ و } يعملون له قدورا راسيات لا تزول عن أماكنها، من عظمها. فلما ذكر ~~منته عليهم، أمرهم بشكرها، فقال: { اعملوا آل داوود } وهم داود ~~وأولاده، وأهله، لأن المنة على الجميع، وكثير من هذه المصالح عائد ~~لكلهم. { شكرا } لله على ما أعطاهم، ومقابلة لما أولاهم. { وقليل ~~من عبادي الشكور } فأكثرهم لم يشكروا الله تعالى على ما ~~أولاهم من نعمه، ودفع عنهم من النقم. والشكر: اعتراف القلب بمنة الله ~~تعالى، وتلقيها افتقارا إليها، وصرفها في طاعة الله تعالى، وصونها عن ~~صرفها في المعصية. فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان عليه الصلاة والسلام ~~كل بناء، وكانوا قد موهوا على الإنس، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب ويطلعون ~~على المكنونات، فأراد الله تعالى أن يري العباد كذبهم في هذه الدعوى، ~~فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى الله الموت على سليمان عليه السلام، ~~واتكأ على عصاه وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها، ظنوه ~~حيا، وهابوه. فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل، حتى سلطت دابة ~~الأرض على عصاه، فلم تزل ترعاها، حتى باد وسقط، فسقط سليمان عليه السلام ~~وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن { لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } وهو العمل الشاق ~~عليهم، فلو علموا الغيب، لعلموا موت سليمان، الذي هم أحرص شيء عليه، ~~ليسلموا مما هم فيه. ### || [34.15-21] # سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها " مأرب " ، ومن ~~نعم الله ولطفه بالناس عموما، وبالعرب خصوصا، أنه قص في القرآن ~~أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب ويشاهد آثاره ويتناقل ~~الناس أخباره، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة فقال: { لقد ~~كان لسبإ في مسكنهم } أي: محلهم الذي يسكنون فيه { آية } ~~والآية هنا: ما أدر الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي ~~يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا الله ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله: { ~~جنتان عن يمين وشمال } وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول ~~كثيرة، وكانوا بنوا سدا محكما، يكون مجمعا للماء، ms1251 فكانت السيول تأتيه، ~~فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي ~~وشماله. وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان، من الثمار ما يكفيهم، ويحصل ~~لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرها عليهم من ~~وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما. ومنها: أن ~~الله جعل بلدهم بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد ~~فيها. ومنها: أن الله تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم ويرحمهم، ~~ولهذا قال: { بلدة طيبة ورب غفور }. ومنها: أن الله لما ~~علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة - الظاهر أنها: ~~[قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها] الشام - هيأ لهم من ~~الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، ~~وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة بحمل الزاد والمزاد. ~~ولهذا قال: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير } أي: ~~[سيرا] مقدرا يعرفونه ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه { ليالي ~~وأياما آمنين } أي: مطمئنين في السير، في تلك الليالي والأيام، ~~غير خائفين. وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف. فأعرضوا ~~عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا ~~وتمنوا، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان السير فيها متيسرا. ~~{ وظلموا أنفسهم } بكفرهم بالله وبنعمته، فعاقبهم الله ~~تعالى بهذه النعمة التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها سيل العرم، ~~أي: السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، ~~فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها ~~أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: { وبدلناهم بجنتيهم ~~جنتين ذواتي أكل } أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم ~~موقعا { خمط وأثل وشيء من سدر قليل } وهذا كله شجر ~~معروف، وهذا من جنس عملهم. فكما بدلوا الشكر الحسن بالكفر القبيح، بدلوا ~~تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: { ذلك جزيناهم بما كفروا ~~وهل نجزي إلا الكفور } أي: وهل نجازي جزاء العقوبة - ~~بدليل ms1252 السياق - وإلا من كفر بالله وبطر النعمة؟ فلما أصابهم ما ~~أصابهم تفرقوا وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يتحدث ~~بهم، وأسمارا للناس، وكان يضرب بهم المثل، فيقال: " تفرقوا أيدي سبأ " ~~فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال ~~الله: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } صبار ~~على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه الله، ولا يتسخطها بل يصبر عليها. # شكور لنعمة الله تعالى يقر بها ويعترف، ويثني على من أولاها، ~~ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك ~~أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله، وأن من فعل مثلهم فعل به كما ~~فعل بهم، وأن شكر الله تعالى حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل الله ~~صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا. ~~ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدق عليهم إبليس ظنه، حيث قال لربه: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. وهذا ظن من إبليس، لا يقين، لأنه لا يعلم الغيب، ولم يأته ~~خبر من الله، أنه سيغويهم أجمعين، إلا من استثنى، فهؤلاء وأمثالهم، ~~ممن صدق عليه إبليس ظنه، ودعاهم وأغواهم، { فاتبعوه إلا ~~فريقا من المؤمنين } ممن لم يكفر بنعمة الله، فإنه لم يدخل ~~تحت ظن إبليس. ويحتمل أن قصة سبأ انتهت عند قوله: { إن في ذلك ~~لآيات لكل صبار شكور }. ثم ابتدأ فقال: { ولقد صدق ~~عليهم } أي: على جنس الناس، فتكون الآية عامة في كل من اتبعه. ثم ~~قال تعالى: { وما كان له } أي: لإبليس { عليهم من سلطان ~~} أي: تسلط وقهر، وقسر على ما يريده منهم، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت ~~تسليطه وتسويله لبني آدم. { لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن ~~هو منها في شك } أي: ليقوم سوق الامتحان، ويعلم به الصادق من ~~الكاذب، ويعرف من كان إيمانه صحيحا يثبت عند الامتحان والاختبار ~~وإلقاء الشبه الشيطانية، ممن إيمانه غير ثابت، يتزلزل بأدنى شبهة، ويزول ~~بأقل داع يدعوه إلى ms1253 ضده، فالله تعالى جعله امتحانا، يمتحن به عباده، ~~ويظهر الخبيث من الطيب. { وربك على كل شيء حفيظ } يحفظ ~~العباد، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويحفظ تعالى جزاءها، فيوفيهم إياها كاملة ~~موفرة. ### || [34.22-23] # أي: { قل } يا أيها الرسول، للمشركين بالله غيره من المخلوقات، التي ~~لا تنفع ولا تضر، ملزما لهم بعجزها، ومبينا لهم بطلان عبادتها: { ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله } أي: زعمتموهم شركاء ~~لله، إن كان دعاؤكم ينفع، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز وعدم إجابة ~~الدعاء من كل وجه، فإنهم ليس لهم أدنى ملك ف { لا يملكون ~~مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض } على وجه ~~الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، ولهذا قال: { وما لهم } أي: لتلك ~~الآلهة الذين زعمتم { فيهما } أي: في السماوات والأرض، { من شرك } ~~أي: لا شرك قليل ولا كثير، فليس لهم ملك، ولا شركة ملك. بقي أن يقال: ومع ~~ذلك، فقد يكونون أعوانا للمالك ووزراء له، فدعاؤهم يكون نافعا، لأنهم - ~~بسبب حاجة الملك إليهم - يقضون حوائج من تعلق بهم، فنفى تعالى هذه ~~المرتبة فقال: { وما له } أي: لله تعالى الواحد القهار { منهم } ~~أي: من هؤلاء المعبودين { من ظهير } أي: معاون ووزير يساعده على ~~الملك والتدبير. فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها بقوله: { ولا تنفع ~~الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } فهذه أنواع التعلقات، ~~التي يتعلق بها المشركون بأندادهم وأوثانهم، من البشر والشجر وغيرهم، ~~قطعها الله وبين بطلانها تبيينا حاسما لمواد الشرك، قاطعا لأصوله، ~~لأن المشرك إنما يدعو ويعبد غير الله، لما يرجو منه من النفع، فهذا ~~الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه [غير الله]، لا ~~مالكا للنفع والضر، ولا شريكا للمالك، ولا عونا وظهيرا للمالك، ولا ~~يقدر أن يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء وهذه العبادة، ضلالا في ~~العقل، باطلة في الشرع. بل ينعكس على المشرك مطلوبه ومقصوده، فإنه يريد ~~منها النفع، فبين الله بطلانه وعدمه، وبين في آيات أخر ضرره على ~~عابديه، وأنه يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، ومأواهم ms1254 ~~النار # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]. والعجب، أن المشرك استكبر عن الانقياد للرسل بزعمه أنهم ~~بشر، ورضي أن يعبد ويدعو الشجر والحجر، استكبر عن الإخلاص للملك الرحمن ~~الديان، ورضي بعبادة من ضره أقرب من نفعه، طاعة لأعدى عدو له وهو ~~الشيطان. وقوله: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ~~} يحتمل أن الضمير في هذا الموضع يعود إلى المشركين، لأنهم مذكورون في ~~اللفظ، والقاعدة في الضمائر، أن تعود إلى أقرب مذكور، ويكون المعنى: إذا ~~كان يوم القيامة، وفزع عن قلوب المشركين، أي: زال الفزع، وسئلوا حين رجعت ~~إليهم عقولهم، عن حالهم في الدنيا، وتكذيبهم للحق الذي جاءت به الرسل، ~~أنهم يقرون أن ما هم عليه من الكفر والشرك باطل، وأن ما قال الله وأخبرت ~~به عنه رسله، هو الحق فبدا لهم ما كانوا يخفون من قبل وعلموا أن الحق ~~لله، واعترفوا بذنوبهم. # { وهو العلي } بذاته، فوق جميع مخلوقاته وقهره لهم وعلو قدره، ~~بما له من الصفات العظيمة، جليلة المقدار { الكبير } في ذاته وصفاته. ~~ومن علوه، أن حكمه تعالى يعلو، وتذعن له النفوس، حتى نفوس المتكبرين ~~والمشركين. وهذا المعنى أظهر، وهو الذي يدل عليه السياق، ويحتمل أن ~~الضمير يعود إلى الملائكة، وذلك أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعته ~~الملائكة، فصعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، ~~فيكلمه الله من وحيه بما أراد، وإذا زال الصعق عن قلوب الملائكة، وزال ~~الفزع، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك الكلام الذي صعقوا منه: ماذا قال ربكم؟ ~~فيقول بعضهم لبعض: قال الحق، إما إجمالا، لعلمهم أنه لا يقول إلا حقا، ~~وإما أن يقولوا: قال كذا وكذا، للكلام الذي سمعوه منه، وذلك من الحق. ~~فيكون المعنى على هذا: أن المشركين الذين عبدوا مع الله تلك الآلهة، ~~التي وصفنا لكم عجزها ونقصها، وعدم نفعها بوجه من الوجوه، كيف صدفوا ~~وصرفوا عن إخلاص العبادة للرب العظيم، العلي الكبير، الذي - من عظمته ~~وجلاله - أن الملائكة ms1255 الكرام والمقربين من الخلق، يبلغ بهم الخضوع والصعق ~~عند سماع كلامه هذا المبلغ، ويقرون كلهم لله، أنه لا يقول إلا الحق. ~~فما بال هؤلاء المشركين، استكبروا عن عبادة من هذا شأنه، وعظمة ملكه ~~وسلطانه. فتعالى العلي الكبير عن شرك المشركين وإفكهم وكذبهم. ### || [34.24-27] # يأمر تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن أشرك بالله ~~ويسأله عن حجة شركه: { من يرزقكم من السموت والأرض ~~} فإنهم لا بد أن يقروا أنه الله، ولئن لم يقروا ف { قل الله } ~~فإنك لا تجد من يدفع هذا القول، فإذا تبين أن الله وحده الذي يرزقكم ~~من السماوات والأرض، وينزل [لكم] المطر، وينبت لكم النبات، ويفجر لكم ~~الأنهار، ويطلع لكم من ثمار الأشجار، وجعل لكم الحيوانات جميعها، لنفعكم ~~ورزقكم، فلم تعبدون معه من لا يرزقكم شيئا، ولا يفيدكم نفعا؟ وقوله: ~~{ وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } ~~أي: إحدى الطائفتين منا ومنكم، على الهدى، مستعلية عليه، أو في ضلال ~~مبين، منغمرة فيه، وهذا الكلام يقوله من تبين له الحق واتضح له ~~الصواب، وجزم بالحق الذي هو عليه وبطلان ما عليه خصمه. أي: قد شرحنا من ~~الأدلة الواضحة عندنا وعندكم، ما به يعلم علما يقينا لا شك فيه، من ~~المحق منا ومن المبطل، ومن المهتدي ومن الضال؟ حتى إنه يصير التعيين ~~بعد ذلك لا فائدة فيه، فإنك إذا وازنت بين من يدعو إلى عبادة الخالق ~~لسائر المخلوقات، المتصرف فيها بجميع أنواع التصرفات، المسدي جميع ~~النعم، الذي رزقهم وأوصل إليهم كل نعمة، ودفع عنهم كل نقمة، الذي له ~~الحمد كله والملك كله، وكل أحد من الملائكة فما دونهم خاضعون لهيبته، ~~متذللون لعظمته، وكل الشفعاء تخافه، لا يشفع أحد منهم عنده إلا بإذنه ~~العلي الكبير، في ذاته وأوصافه وأفعاله، الذي له كل كمال، وكل جلال، وكل ~~جمال، وكل حمد وثناء ومجد، يدعو إلى التقرب لمن هذا شأنه، وإخلاص العمل ~~له، وينهى عن عبادة من سواه، وبين من يتقرب إلى أوثان وأصنام وقبور، ~~لا تخلق ولا ms1256 ترزق، ولا تملك لأنفسها ولا لمن عبدها، نفعا ولا ضرا، ~~ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل هي جمادات لا تعقل ولا تسمع دعاء ~~عابديها، ولو سمعته ما استجابت لهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ~~ويتبرأون منهم، ويتلاعنون بينهم، ليس لهم قسط من الملك، ولا شركة فيه، ~~ولا إعانة فيه، ولا لهم شفاعة يستقلون بها دون الله، فهو يدعو من هذا ~~وصفه، ويتقرب إليه مهما أمكنه، ويعادي من أخلص الدين لله ويحاربه، ~~ويكذب رسل الله الذين جاؤوا بالإخلاص لله وحده، تبين لك أي الفريقين، ~~المهتدي من الضال، والشقي من السعيد؟ ولم يحتج إلى أن يعين لك ذلك، لأن ~~وصف الحال أوضح من لسان المقال. { قل } لهم [ { لا تسألون عمآ ~~أجرمنا ولا نسأل عما تعملون } أي: كل منا ومنكم، له ~~عمله أنتم] { لا تسألون } عن إجرامنا وذنوبنا لو أذنبنا، ونحن لا ~~نسأل عن أعمالكم، فليكن المقصود منا ومنكم طلب الحقائق، وسلوك طريق ~~الإنصاف، ودعوا ما كنا نعمل، ولا يكن مانعا لكم من اتباع الحق، فإن ~~أحكام الدنيا تجري على الظواهر، ويتبع فيها الحق ويجتنب الباطل، وأما ~~الأعمال فلها دار أخرى، يحكم فيها أحكم الحاكمين، ويفصل بين المختصمين، ~~أعدل العادلين. # ولهذا قال: { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح ~~بيننا } أي: يحكم بيننا حكما، يتبين به الصادق من الكاذب، والمستحق ~~للثواب من المستحق للعقاب، وهو خير الفاتحين. { قل } لهم يا أيها ~~الرسول، ومن ناب منابك: { أروني الذين ألحقتم به ~~شركآء } أي: أين هم؟ وأين السبيل إلى معرفتهم؟ وهل هم في الأرض، أم ~~في السماء؟ فإن عالم الغيب والشهادة قد أخبرنا أنه ليس في الوجود له ~~شريك. # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم # الآية [يونس: 18] # وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون # [يونس: 66]. وكذلك خواص خلقه من الأنبياء والمرسلين، لا يعلمون له ~~شريكا، فيا أيها المشركون أروني الذين ألحقتم بزعمكم الباطل بالله ms1257 { ~~شركآء }. وهذا السؤال لا يمكنهم الإجابة عنه، ولهذا قال: { كلا } ~~أي: ليس لله شريك، ولا ند، ولا ضد. { بل هو الله } الذي لا يستحق ~~التأله والتعبد إلا هو { العزيز } الذي قهر كل شيء فكل ما سواه فهو ~~مقهور مسخر مدبر. { الحكيم } الذي أتقن ما خلقه، وأحسن ما شرعه، ولو ~~لم يكن في حكمته في شرعه إلا أنه أمر بتوحيده، وإخلاص الدين له، وأحب ~~ذلك، وجعله طريقا للنجاة، ونهى عن الشرك به واتخاذ الأنداد من دونه، ~~وجعل ذلك طريقا للشقاء والهلاك، لكفى بذلك برهانا على كمال حكمته، ~~فكيف، وجميع ما أمر به ونهى عنه مشتمل على الحكمة؟!! ### || [34.28-30] # يخبر تعالى أنه ما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا ليبشر جميع ~~الناس بثواب الله، ويخبرهم بالأعمال الموجبة لذلك، وينذرهم عقاب الله، ~~ويخبرهم بالأعمال الموجبة له، فليس لك من الأمر شيء، وكل ما اقترح عليك ~~أهل التكذيب والعناد، فليس من وظيفتك، إنما ذلك بيد الله تعالى، { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي: ليس لهم علم صحيح، ~~بل إما جهال، أو معاندون لم يعملوا بعلمهم، فكأنهم لا علم لهم. ومن عدم ~~علمهم، جعلهم عدم الإجابة لما اقترحوه على الرسول، موجبا لرد دعوته. ~~فمما اقترحوه، استعجالهم العذاب الذي أنذرهم به، فقال: { ويقولون ~~متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } وهذا ظلم منهم. فأي ~~ملازمة بين صدقه وبين الإخبار بوقت وقوعه؟ وهل هذا إلا رد للحق، وسفه في ~~العقل؟ أليس النذير [في أمر] في أحوال الدنيا، لو جاء قوما يعلمون صدقه ~~ونصحه، ولهم عدو ينتهز الفرصة منهم ويعد لهم، فقال لهم: تركت عدوكم ~~قد سار، يريد اجتياحكم واستئصالكم. فلو قال بعضهم: إن كنت صادقا، ~~فأخبرنا بأية ساعة يصل إلينا، وأين مكانه الآن؟ فهل يعد هذا القائل ~~عاقلا، أم يحكم بسفهه وجنونه؟ هذا، والمخبر يمكن صدقه وكذبه، والعدو قد ~~يبدو له غيرهم، وقد تنحل عزيمته، وهم قد يكون بهم منعة يدافعون بها عن ~~أنفسهم، فكيف بمن كذب أصدق الخلق، المعصوم في خبره، الذي لا ينطق عن ~~الهوى، ms1258 بالعذاب اليقين، الذي لا مدفع له ولا ناصر منه؟! أليس رد خبره ~~بحجة عدم بيانه وقت وقوعه من أسفه السفه؟!! { قل } لهم - مخبرا بوقت ~~وقوعه الذي لا شك فيه -: { لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ~~عنه ساعة ولا تستقدمون } فاحذروا ذلك اليوم، وأعدوا له ~~عدته. ### || [34.31-33] # لما ذكر تعالى أن ميعاد المستعجلين بالعذاب لا بد من وقوعه عند حلول ~~أجله، ذكر هنا حالهم في ذلك اليوم، وأنك لو رأيت حالهم إذا وقفوا عند ~~ربهم، واجتمع الرؤساء والأتباع في الكفر والضلال، لرأيت أمرا عظيما ~~وهولا جسيما، ورأيت كيف يتراجع، ويرجع بعضهم إلى بعض القول، ف { ~~يقول الذين استضعفوا } وهم الأتباع { للذين ~~استكبروا } وهم القادة: { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ~~ولكنكم حلتم بيننا وبين الإيمان، وزينتم لنا الكفر[ان]، فتبعناكم على ~~ذلك، ومقصودهم بذلك أن يكون العذاب على الرؤساء دونهم. { قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا } مستفهمين لهم ومخبرين أن ~~الجميع مشتركون في الجرم: { أنحن صددناكم عن الهدى بعد ~~إذ جآءكم } أي: بقوتنا وقهرنا لكم. { بل كنتم مجرمين } ~~أي: مختارين للإجرام، لستم مقهورين عليه، وإن كنا قد زينا لكم، فما كان ~~لنا عليكم من سلطان. { وقال الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ تأمروننآ ~~أن نكفر بالله ونجعل له أندادا } أي: بل الذي دهانا ~~منكم، ووصل إلينا من إضلالكم، ما دبرتموه من المكر، في الليل والنهار، إذ ~~تحسنون لنا الكفر وتدعوننا إليه، وتقولون: إنه الحق، وتقدحون في الحق ~~وتهجنونه وتزعمون أنه الباطل، فما زال مكركم بنا وكيدكم إيانا، حتى ~~أغويتمونا وفتنتمونا. فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا تبري بعضهم ~~من بعض، والندامة العظيمة، ولهذا قال: { وأسروا الندامة ~~لما رأوا العذاب } أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به ~~بعضهم على بعض لينجو من العذاب، وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم ~~غاية الندم، وتمنى أن لو كان على الحق، [وأنه] ترك الباطل الذي أوصله إلى ~~هذا العذاب، سرا في أنفسهم، لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم. ~~وفي بعض مواقف القيامة، وعند ms1259 دخولهم النار، يظهرون ذلك الندم جهرا. # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا # الآيات [الفرقان: 27-28]. # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير # [الملك: 10-11]. { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين ~~كفروا } يغلون كما يغل المسجون الذي سيهان في سجنه كما قال تعالى: # إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في ~~الحميم ثم في النار يسجرون # الآيات[غافر: 71-72]. { هل يجزون } في هذا العذاب والنكال، وتلك ~~الأغلال الثقال { إلا ما كانوا يعملون } من الكفر والفسوق ~~والعصيان. ### || [34.34-39] # يخبر تعالى عن حالة الأمم الماضية المكذبة للرسل، أنها كحال هؤلاء ~~الحاضرين المكذبين لرسولهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله إذا أرسل ~~رسولا في قرية من القرى كفر به مترفوها، وأبطرتهم نعمتهم وفخروا بها. { ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } أي: ممن اتبع ~~الحق { وما نحن بمعذبين } أي: أولا، لسنا بمبعوثين، فإن ~~بعثنا، فالذي أعطانا الأموال والأولاد في الدنيا، سيعطينا أكثر من ذلك ~~في الآخرة ولا يعذبنا. فأجابهم الله تعالى، بأن بسط الرزق وتضييقه، ليس ~~دليلا على ما زعمتم، فإن الرزق تحت مشيئة الله، إن شاء بسطه لعبده، وإن ~~شاء ضيقه. وليست الأموال والأولاد بالتي تقرب إلى الله زلفى وتدني إليه، ~~وإنما الذي يقرب منه زلفى، الإيمان بما جاء به المرسلون، والعمل الصالح ~~الذي هو من لوازم الإيمان، فأولئك لهم الجزاء عند الله تعالى مضاعفا، ~~الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، لا يعلمها إلا ~~الله، { وهم في الغرفات آمنون } أي: في المنازل العاليات ~~المرتفعات جدا، ساكنين فيها مطمئنين، آمنون من المكدرات والمنغصات، لما ~~هم فيه من اللذات وأنواع المشتهيات، وآمنون من الخروج منها والحزن فيها. ~~وأما الذين سعوا في آياتنا على وجه التعجيز لنا ولرسلنا، والتكذيب، ف { ~~أولئك في العذاب محضرون }. ثم أعاد تعالى أنه { ~~يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له } ~~ليرتب عليه قوله: { ومآ أنفقتم من شيء } نفقة واجبة أو ~~مستحبة، ms1260 على قريب، أو جار، أو مسكين، أو يتيم، أو غير ذلك، { فهو } ~~تعالى { يخلفه } فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد ~~بالخلف للمنفق، الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر { وهو خير ~~الرازقين } فاطلبوا الرزق منه، واسعوا في الأسباب التي أمركم بها. ### || [34.40-42] # { ويوم يحشرهم جميعا } أي: العابدين لغير الله والمعبودين ~~من دونه، من الملائكة. { ثم يقول } الله { للملائكة } على ~~وجه التوبيخ لمن عبدهم: { أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ~~} فتبرأوا من عبادتهم. و { قالوا سبحانك } أي: تنزيها لك ~~وتقديسا، أن يكون لك شريك أو ند { أنت ولينا من دونهم } ~~فنحن مفتقرون إلى ولايتك، مضطرون إليها، فكيف ندعو غيرنا إلى عبادتنا؟ أم ~~كيف نصلح لأن نتخذ من دونك أولياء وشركاء؟!! ولكن هؤلاء المشركون { ~~كانوا يعبدون الجن } أي: الشياطين، يأمرون بعبادتنا أو عبادة ~~غيرنا، فيطيعونهم بذلك. وطاعتهم هي عبادتهم، لأن العبادة الطاعة، كما قال ~~تعالى مخاطبا لكل من اتخذ معه آلهة # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم # [يس: 60-61]. { أكثرهم بهم مؤمنون } أي: مصدقون للجن، ~~منقادون لهم، لأن الإيمان هو التصديق الموجب للانقياد. فلما تبرأوا منهم ~~قال تعالى [مخاطبا] لهم { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض ~~نفعا ولا ضرا } تقطعت بينكم الأسباب، وانقطع بعضكم من بعض. { ~~ونقول للذين ظلموا } بالكفر والمعاصي - بعد ما ندخلهم النار ~~- { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } ~~فاليوم عاينتموها ودخلتموها، جزاء لتكذيبكم، وعقوبة لما أحدثه ذلك ~~التكذيب، من عدم الهرب من أسبابها. ### || [34.43-45] # يخبر تعالى عن حالة المشركين، عندما تتلى عليهم آيات الله البينات، ~~وحججه الظاهرات، وبراهينه القاطعات، الدالة على كل خير، الناهية عن كل ~~شر، التي هي أعظم نعمة جاءتهم، ومنة وصلت إليهم، الموجبة لمقابلتها ~~بالإيمان والتصديق، والانقياد والتسليم، أنهم يقابلونها بضد ما ينبغي، ~~ويكذبون من جاءهم بها ويقولون: { ما هذا إلا رجل يريد ~~أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم } أي: هذا قصده حين ~~يأمركم بالإخلاص لله، لتتركوا عوائد آبائكم الذين تعظمون وتمشون خلفهم، ~~فردوا ms1261 الحق بقول الضالين، ولم يوردوا برهانا ولا شبهة. فأي شبهة إذا ~~أمرت الرسل بعض الضالين باتباع الحق، فادعوا أن إخوانهم الذين على ~~طريقتهم لم يزالوا عليه؟ وهذه السفاهة، ورد الحق، بأقوال الضالين، إذا ~~تأملت كل حق رد، فإذا هذا مآله، لا يرد إلا بأقوال الضالين من المشركين، ~~والدهريين، والفلاسفة، والصابئين، والملحدين في دين الله المارقين، فهم ~~أسوة كل من رد الحق إلى يوم القيامة. ولما احتجوا بفعل آبائهم، وجعلوها ~~دافعة لما جاءت به الرسل، طعنوا بعد هذا بالحق، { وقالوا ما هذآ ~~إلا إفك مفترى } أي: كذب افتراه هذا الرجل الذي جاء به. { ~~وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ ~~إلا سحر مبين } أي: سحر ظاهر بين لكل أحد، تكذيبا بالحق، ~~وترويجا على السفهاء. ولما بين ما ردوا به الحق، وأنها أقوال دون ~~مرتبة الشبهة، فضلا أن تكون حجة، ذكر أنهم وإن أراد أحد أن يحتج لهم، ~~فإنهم لا مستند لهم، ولا لهم شيء يعتمدون عليه أصلا، فقال: { ومآ ~~آتيناهم من كتب يدرسونها } حتى تكون عمدة لهم { ومآ ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير } حتى يكون عندهم من ~~أقواله وأحواله ما يدفعون به ما جئتهم به، فليس عندهم علم، ولا أثارة من ~~علم. ثم خوفهم ما فعل بالأمم المكذبين [قبلهم] فقال: { وكذب ~~الذين من قبلهم وما بلغوا } أي: ما بلغ هؤلاء المخاطبون { ~~معشار مآ ءاتيناهم } { فكذبوا } أي: الأمم الذين من ~~قبلهم { رسلي فكيف كان نكير } أي: إنكاري عليهم، وعقوبتي ~~إياهم. قد أعلمنا ما فعل بهم من النكال، وأن منهم من أغرقه، ومنهم من ~~أهلكه بالريح العقيم، وبالصيحة، وبالرجفة، وبالخسف بالأرض، وبإرسال ~~الحاصب من السماء، فاحذروا يا هؤلاء المكذبون، أن تدوموا على التكذيب، ~~فيأخذكم كما أخذ من قبلكم، ويصيبكم ما أصابهم. ### || [34.46-50] # أي { قل } يا أيها الرسول، لهؤلاء المكذبين المعاندين، المتصدين لرد ~~الحق وتكذيبه، والقدح بمن جاء به: { إنمآ أعظكم بواحدة } ~~أي: بخصلة واحدة، أشير عليكم بها، وأنصح لكم في سلوكها، وهي طريق نصف، ~~لست أدعوكم بها إلى اتباع قولي، ولا إلى ms1262 ترك قولكم من دون موجب لذلك، ~~وهي: { أن تقوموا لله مثنى وفرادى } أي: تنهضوا بهمة ~~ونشاط، وقصد لاتباع الصواب، وإخلاص لله، مجتمعين، ومتباحثين في ذلك، ~~ومتناظرين، وفرادى، كل واحد يخاطب نفسه بذلك. فإذا قمتم لله مثنى ~~وفرادى، استعملتم فكركم وأجلتموه، وتدبرتم أحوال رسولكم، هل هو مجنون، ~~فيه صفات المجانين من كلامه، وهيئته، وصفته؟ أم هو نبي صادق، منذر لكم ما ~~يضركم، مما أمامكم من العذاب الشديد؟ فلو قبلوا هذه الموعظة واستعملوها، ~~لتبين لهم أكثر من غيرهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمجنون، ~~لأن هيئاته ليست كهيئات المجانين، في خنقهم، واختلاجهم، ونظرهم، بل هيئته ~~أحسن الهيئات، وحركاته أجل الحركات، وهو أكمل الخلق، أدبا، وسكينة، ~~وتواضعا، ووقارا، لا يكون [إلا] لأرزن الرجال عقلا. ثم [إذا] تأملوا ~~كلامه الفصيح، ولفظه المليح، وكلماته التي تملأ القلوب أمنا وإيمانا، ~~وتزكى النفوس، وتطهر القلوب، وتبعث على مكارم الأخلاق، وتحث على محاسن ~~الشيم، وترهب عن مساوئ الأخلاق ورذائلها، إذا تكلم رمقته العيون، هيبة ~~وإجلالا وتعظيما. فهل هذا يشبه هذيان المجانين، وعربدتهم، وكلامهم الذي ~~يشبه أحوالهم؟!! فكل من تدبر أحواله، ومقصده استعلام هل هو رسول الله ~~أم لا؟ سواء تفكر وحده أو مع غيره، جزم بأنه رسول الله حقا، ونبيه ~~صدقا، خصوصا المخاطبين، الذي هو صاحبهم يعرفون أول أمره وآخره. وثم ~~مانع للنفوس آخر عن اتباع الداعي إلى الحق، وهو أنه يأخذ أموال من ~~يستجيب له، ويأخذ أجرة على دعوته. فبين الله تعالى نزاهة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا الأمر، فقال: { قل ما سألتكم من أجر } أي: ~~على اتباعكم للحق { فهو لكم } أي: فأشهدكم أن ذلك الأجر - على ~~التقدير - أنه لكم، { إن أجري إلا على الله وهو على ~~كل شيء شهيد } أي: محيط علمه بما أدعو إليه، فلو كنت كاذبا، ~~لأخذني بعقوبته، وشهيد أيضا على أعمالكم، سيحفظها عليكم، ثم يجازيكم ~~بها. ولما بين البراهين الدالة على صحة الحق وبطلان الباطل، أخبر تعالى ~~أن هذه سنته وعادته أن { يقذف بالحق } على الباطل فيدمغه فإذا ms1263 ~~هو زاهق، لأنه بين من الحق في هذا الموضع، ورد به أقوال المكذبين، ما ~~كان عبرة للمعتبرين، وآية للمتأملين. فإنك كما ترى، كيف اضمحلت أقوال ~~المكذبين، وتبين كذبهم وعنادهم، وظهر الحق وسطع، وبطل الباطل وانقمع، ~~وذلك بسبب بيان { علام الغيوب } الذي يعلم ما تنطوي عليه القلوب ~~من الوساوس والشبه، ويعلم ما يقابل ذلك ويدفعه من الحجج. # فيعلم بها عباده، وبينها لهم، ولهذا قال: { قل جآء الحق } أي: ~~ظهر وبان، وصار بمنزلة الشمس، وظهر سلطانه، { وما يبدىء الباطل ~~وما يعيد } أي: اضمحل وبطل أمره، وذهب سلطانه، فلا يبدئ ولا يعيد. ~~ولما تبين الحق بما دعا إليه الرسول، وكان المكذبون له يرمونه بالضلال، ~~أخبرهم بالحق ووضحه لهم، وبين لهم عجزهم عن مقاومته، وأخبرهم أن رميهم ~~له بالضلال ليس بضائر الحق شيئا، ولا دافع ما جاء به. وأنه إن ضل - ~~وحاشاه من ذلك، لكن على سبيل التنزل في المجادلة - فإنما يضل على نفسه، ~~أي: ضلاله قاصر على نفسه، غير متعد إلى غيره. { وإن اهتديت } ~~فليس ذلك من نفسي وحولي وقوتي، وإنما هدايتي بما { يوحي إلي ربي ~~} فهو مادة هدايتي، كما هو مادة هداية غيري. إن ربي { سميع } للأقوال ~~والأصوات كلها { قريب } ممن دعاه وسأله وعبده. ### || [34.51-54] # يقول تعالى { ولو ترى } أيها الرسول، ومن قام مقامك، حال هؤلاء ~~المكذبين، { إذ فزعوا } حين رأوا العذاب، وما أخبرتهم به الرسل وما ~~كذبوا به، لرأيت أمرا هائلا، ومنظرا مفظعا، وحالة منكرة، وشدة شديدة، ~~وذلك حين يحق عليهم العذاب. فليس لهم عنه مهرب ولا فوت، { وأخذوا ~~من مكان قريب } أي: ليس بعيدا عن محل العذاب، بل يؤخذون، ثم ~~يقذفون في النار. { وقالوا } في تلك الحال: { آمنا } بالله ~~وصدقنا ما به كذبنا { و } لكن { أنى لهم التناوش } أي: ~~تناول الإيمان { من مكان بعيد } قد حيل بينهم وبينه، وصار من ~~الأمور المحالة في هذه الحالة، فلو أنهم آمنوا وقت الإمكان، لكان إيمانهم ~~مقبولا ولكنهم { وقد كفروا به من قبل ويقذفون } ~~أي: يرمون { بالغيب من مكان بعيد } بقذفهم الباطل، ليدحضوا ~~به ms1264 الحق، ولكن لا سبيل إلى ذلك، كما لا سبيل للرامي من مكان بعيد إلى ~~إصابة الغرض، فكذلك الباطل، من المحال أن يغلب الحق أو يدفعه، وإنما يكون ~~له صولة، وقت غفلة الحق عنه، فإذا برز الحق، وقاوم الباطل قمعه. { ~~وحيل بينهم وبين ما يشتهون } من الشهوات واللذات، ~~والأولاد، والأموال، والخدم، والجنود، قد انفردوا بأعمالهم، وجاؤوا فرادى ~~كما خلقوا، وتركوا ما خولوا وراء ظهورهم، { كما فعل ~~بأشياعهم } من الأمم السابقين حين جاءهم الهلاك، حيل بينهم وبين ما ~~يشتهون، { إنهم كانوا في شك مريب } أي: محدث الريبة وقلق ~~القلب، فلذلك لم يؤمنوا، ولم يعتبوا حين استعتبوا. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-2] # يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة، على خلقه السماوات والأرض، وما ~~اشتملتا عليه من المخلوقات، لأن ذلك دليل على كمال قدرته، وسعة ملكه، ~~وعموم رحمته، وبديع حكمته، وإحاطة علمه. ولما ذكر الخلق، ذكر بعده ما ~~يتضمن الأمر، وهو: أنه { جاعل الملائكة رسلا } في تدبير ~~أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه، في تبليغ أوامره الدينية. وفي ~~ذكره أنه جعل الملائكة رسلا، ولم يستثن منهم أحدا، دليل على كمال ~~طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره، كما قال تعالى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. ولما كانت الملائكة مدبرات بإذن الله، ما جعلهم الله ~~موكلين فيه، ذكر قوتهم على ذلك وسرعة سيرهم، بأن جعلهم { أولي ~~أجنحة } تطير بها، فتسرع بتنفيذ ما أمرت به. { مثنى وثلاث ~~ورباع } أي: منهم من له جناحان وثلاثة وأربعة، بحسب ما اقتضته ~~حكمته. { يزيد في الخلق ما يشآء } أي: يزيد بعض مخلوقاته على ~~بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، ~~وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات. { إن الله على كل شيء ~~قدير } فقدرته تعالى تأتي على ما يشاؤه، ولا يستعصي عليها شيء، ومن ~~ذلك، زيادة مخلوقاته بعضها على بعض. ثم ذكر انفراده تعالى بالتدبير ~~والعطاء والمنع فقال: { ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها وما يمسك } من رحمته عنهم { فلا مرسل ~~له من بعده ms1265 } فهذا يوجب التعلق بالله تعالى، والافتقار إليه من ~~جميع الوجوه، وأن لا يدعى إلا هو، ولا يخاف ويرجى، إلا هو. { وهو ~~العزيز } الذي قهر الأشياء كلها { الحكيم } الذي يضع الأشياء ~~مواضعها وينزلها منازلها. ### || [35.3-4] # يأمر تعالى جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم، وهذا شامل لذكرها بالقلب ~~اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح انقيادا، فإن ذكر نعمه تعالى داع ~~لشكره، ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق، فقال: { هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض }. ~~ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا الله، نتج من ذلك، أن ~~كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال: { لا إله إلا ~~هو فأنى تؤفكون } أي: تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة ~~المخلوق المرزوق. { وإن يكذبوك } يا أيها الرسول، فلك أسوة بمن ~~قبلك من المرسلين، { فقد كذبت رسل من قبلك } فأهلك ~~المكذبون، ونجى الله الرسل وأتباعهم. { وإلى الله ترجع ~~الأمور }. ### || [35.5-7] # يقول تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله } بالبعث ~~والجزاء على الأعمال، { حق } أي: لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، قد ~~دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، ~~فتهيؤوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ~~ذلك قاطع، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بلذاتها ~~وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } الذي هو { الشيطان } الذي هو ~~عدوكم في الحقيقة { فاتخذوه عدوا } أي: لتكن منكم عداوته على ~~بال، ولا تهملوا محاربته كل وقت، فإنه يراكم وأنتم لا ترونه، وهو دائما ~~لكم بالمرصاد. { إنما يدعوا حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير } هذا غايته ومقصوده ممن تبعه، أن يهان غاية ~~الإهانة بالعذاب الشديد. ثم ذكر أن الناس انقسموا بحسب طاعة الشيطان ~~وعدمها إلى قسمين، وذكر جزاء كل منهما، فقال: { الذين كفروا } ~~أي: جحدوا ما جاءت به الرسل، ودلت عليه الكتب { لهم عذاب شديد ~~} في نار جهنم، شديد في ذاته ووصفه، وأنهم خالدون فيها أبدا. { ~~والذين آمنوا } بقلوبهم، بما دعا الله إلى الإيمان به { ~~وعملوا } بمقتضى ms1266 ذلك الإيمان، بجوارحهم، الأعمال { الصالحات ~~لهم مغفرة } لذنوبهم، يزول بها عنهم الشر والمكروه { وأجر ~~كبير } يحصل به المطلوب. ### || [35.8] # يقول تعالى: { أفمن زين له } عمله السيئ القبيح، زينه له ~~الشيطان، وحسنه في عينه. { فرآه حسنا } أي: كمن هداه الله إلى ~~الصراط المستقيم والدين القويم، فهل يستوي هذا وهذا؟ فالأول: عمل السيئ، ~~ورأى الحق باطلا، والباطل حقا. والثاني: عمل الحسن، ورأى الحق حقا، ~~والباطل باطلا، ولكن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، { فإن ~~الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء فلا تذهب ~~نفسك عليهم } أي: على الضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم، ~~وصدهم الشيطان عن الحق { حسرات } فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من ~~هداهم شيء، والله [هو] الذي يجازيهم بأعمالهم { إن الله عليم ~~بما يصنعون }. ### || [35.9] # يخبر تعالى عن كمال اقتداره، وسعة جوده، وأنه { والله الذي ~~أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ~~ميت } فأنزله الله عليها { فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها }. فحييت البلاد والعباد، وارتزقت الحيوانات، ورتعت في تلك ~~الخيرات، { كذلك } الذي أحيا الأرض بعد موتها، ينشر الله الأموات من ~~قبورهم، بعدما مزقهم البلى، فيسوق إليهم مطرا، كما ساقه إلى الأرض ~~الميتة، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور، ويأتون للقيام ~~بين يدي الله ليحكم بينهم، ويفصل بحكمه العدل. ### || [35.10] # أي: يا من يريد العزة، اطلبها ممن هي بيده، فإن العزة بيد الله، ولا ~~تنال إلا بطاعته، وقد ذكرها بقوله: { إليه يصعد الكلم ~~الطيب } من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل، وكل كلام حسن طيب، فيرفع ~~إلى الله ويعرض عليه، ويثني الله على صاحبه بين الملأ الأعلى، { ~~والعمل الصالح } من أعمال القلوب وأعمال الجوارح { يرفعه } ~~الله تعالى إليه أيضا، كالكلم الطيب. وقيل: والعمل الصالح يرفع الكلم ~~الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة، فهي التي ترفع ~~كلمه الطيب، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى الله تعالى، ~~فهذه الأعمال التي ترفع إلى الله تعالى، ويرفع الله صاحبها ويعزه. وأما ~~السيئات فإنها بالعكس، يريد صاحبها الرفعة بها، ms1267 ويمكر ويكيد ويعود ذلك ~~عليه، ولا يزداد إلا إهانة ونزولا، ولهذا قال: { والذين ~~يمكرون السيئات لهم عذاب شديد } يهانون فيه غاية ~~الإهانة. { ومكر أولئك هو يبور } أي: يهلك ويضمحل، ولا ~~يفيدهم شيئا، لأنه مكر بالباطل، لأجل الباطل. ### || [35.11] # يذكر تعالى خلقه الآدمي، وتنقله في هذه الأطوار، من تراب إلى نطفة وما ~~بعدها. { ثم جعلكم أزواجا } أي: لم يزل ينقلكم، طورا بعد ~~طور، حتى أوصلكم إلى أن كنتم أزواجا، ذكرا يتزوج أنثى، ويراد بالزواج، ~~الذرية والأولاد، فهو وإن كان النكاح من الأسباب فيه، فإنه مقترن بقضاء ~~الله وقدره، وعلمه، { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه } وكذلك أطوار الآدمي، كلها بعلمه وقضائه. { وما يعمر ~~من معمر ولا ينقص من عمره } أي: عمر الذي كان معمرا ~~عمرا طويلا { إلا } بعلمه تعالى، أو ما ينقص من عمر الإنسان الذي هو ~~بصدد أن يصل إليه، لولا ما سلكه من أسباب قصر العمر، كالزنا، وعقوق ~~الوالدين، وقطيعة الأرحام، ونحو ذلك مما ذكر أنها من أسباب قصر العمر. ~~والمعنى: أن طول العمر وقصره، بسبب وبغير سبب، كله بعلمه تعالى، وقد أثبت ~~ذلك { في كتاب } حوى ما يجري على العبد، في جميع أوقاته وأيام حياته. ~~{ إن ذلك على الله يسير } أي: إحاطة علمه بتلك المعلومات ~~الكثيرة، وإحاطة كتابه فيها، فهذه ثلاثة أدلة من أدلة البعث والنشور، ~~كلها عقلية، نبه الله عليها في هذه الآيات: إحياء الأرض بعد موتها، وأن ~~الذي أحياها سيحيي الموتى، وتنقل الآدمي في تلك الأطوار. فالذي أوجده ~~ونقله، طبقا بعد طبق، وحالا بعد حال، حتى بلغ ما قدر له، فهو على ~~إعادته وإنشائه النشأة الأخرى أقدر، وهو أهون عليه، وإحاطة علمه بجميع ~~أجزاء العالم، العلوي والسفلي، دقيقها وجليلها، الذي في القلوب، ~~والأجنة التي في البطون، وزيادة الأعمار ونقصها، وإثبات ذلك كله في ~~كتاب. فالذي كان هذا [نعته] يسيرا عليه، فإعادته للأموات أيسر وأيسر. ~~فتبارك من كثر خيره، ونبه عباده على ما فيه صلاحهم، في معاشهم ومعادهم. ### || [35.12-14] # هذا إخبار عن قدرته وحكمته ورحمته، ms1268 أنه جعل البحرين لمصالح العالم ~~الأرضي كلهم، وأنه لم يسو بينهما، لأن المصلحة تقتضي أن تكون الأنهار ~~عذبة فراتا، سائغا شرابها، لينتفع بها الشاربون والغارسون والزارعون، ~~وأن يكون البحر ملحا أجاجا، لئلا يفسد الهواء المحيط بالأرض بروائح ما ~~يموت في البحر من الحيوانات، ولأنه ساكن لا يجري، فملوحته تمنعه من ~~التغير، ولتكون حيواناته أحسن وألذ، ولهذا قال: { ومن كل } من البحر ~~الملح والعذب { تأكلون لحما طريا } وهو السمك المتيسر صيده ~~في البحر، { وتستخرجون حلية تلبسونها } من لؤلؤ ومرجان ~~وغيرهما، مما يوجد في البحر، فهذه مصالح عظيمة للعباد. ومن المصالح أيضا ~~والمنافع في البحر، أن سخره الله تعالى يحمل الفلك من السفن والمراكب، ~~فتراها تمخر البحر وتشقه، فتسلك من إقليم إلى إقليم آخر، ومن محل إلى ~~محل، فتحمل السائرين وأثقالهم وتجاراتهم، فيحصل بذلك من فضل الله ~~وإحسانه شيء كثير، ولهذا قال: { لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون }. ومن ذلك أيضا، إيلاجه تعالى الليل بالنهار ~~والنهار بالليل، يدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، كلما أتى أحدهما ذهب ~~الآخر، ويزيد أحدهما وينقص الآخر، ويتساويان، فيقوم بذلك ما يقوم من ~~مصالح العباد في أبدانهم وحيواناتهم وأشجارهم وزروعهم. وكذلك ما جعل ~~الله في تسخير الشمس والقمر، الضياء والنور، والحركة والسكون، وانتشار ~~العباد في طلب فضله، وما فيهما من تنضيج الثمار وتجفيف ما يجفف، وغير ذلك ~~مما هو من الضروريات، التي لو فقدت للحق الناس الضرر. وقوله: { كل ~~يجري لأجل مسمى } أي: كل من الشمس والقمر، يسيران في فلكهما ~~ما شاء الله أن يسيرا، فإذا جاء الأجل، وقرب انقضاء الدنيا، انقطع ~~سيرهما، وتعطل سلطانهما، وخسف القمر، وكورت الشمس، وانتثرت النجوم. فلما ~~بين تعالى ما بين من هذه المخلوقات العظيمة، وما فيها من العبر الدالة ~~على كماله وإحسانه، قال: { ذلكم الله ربكم له الملك } ~~أي: الذي انفرد بخلق هذه المذكورات وتسخيرها، هو الرب المألوه المعبود، ~~الذي له الملك كله. { والذين تدعون من دونه } من الأوثان ~~والأصنام { ما يملكون من قطمير } أي: لا يملكون شيئا، لا ~~قليلا ولا ms1269 كثيرا، حتى ولا القطمير الذي هو أحقر الأشياء، وهذا من تنصيص ~~النفي وعمومه، فكيف يدعون، وهم غير مالكين لشيء من ملك السماوات ~~والأرض؟ ومع هذا { إن تدعوهم } لا يسمعوكم لأنهم ما بين جماد ~~وأموات، وملائكة مشغولين بطاعة ربهم. { ولو سمعوا } على وجه الفرض ~~والتقدير { ما استجابوا لكم } لأنهم لا يملكون شيئا، ولا يرضى ~~أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: { ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم } أي: يتبرؤون منكم، ويقولون: # سبحانك أنت ولينا من دونهم # [سبأ: 41]. { ولا ينبئك مثل خبير } أي: لا أحد ينبئك، ~~أصدق من الله العليم الخبير، فاجزم بأن هذا الأمر، الذي نبأ به كأنه ~~رأي عين، فلا تشك فيه ولا تمتر. فتضمنت هذه الآيات، الأدلة والبراهين ~~الساطعة، الدالة على أنه تعالى المألوه المعبود، الذي لا يستحق شيئا من ~~العبادة سواه، وأن عبادة ما سواه باطلة متعلقة بباطل، لا تفيد عابده ~~شيئا. ### || [35.15-18] # يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله ~~من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء ~~في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم [بها]، لما ~~استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة ~~والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل [لهم] من الرزق ~~والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب ~~والشدائد. فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت ~~عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس ~~التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة ~~له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك لهلكوا، وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم. ~~فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه ~~لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، ~~وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق ~~منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع ~~له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن ms1270 يعينه على جميع أموره، ~~ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، ~~الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. { والله هو الغني ~~الحميد } أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما ~~يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال ~~صفاته، وكونها كلها صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى ~~الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه لأنها حسنى، وأوصافه ~~لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ~~ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه [الغني ~~في حمده]. { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد } يحتمل ~~أن المراد: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بغيركم من الناس، أطوع لله ~~منكم، ويكون في هذا تهديد لهم بالهلاك والإبادة، وأن مشيئته غير قاصرة عن ~~ذلك. ويحتمل أن المراد بذلك، إثبات البعث والنشور، وأن مشيئة الله تعالى ~~نافذة في كل شيء، وفي إعادتكم بعد موتكم خلقا جديدا، ولكن لذلك الوقت ~~أجل قدره الله، لا يتقدم عنه ولا يتأخر. { وما ذلك على الله ~~بعزيز } أي: بممتنع، ولا معجز له. ويدل على المعنى الأخير، ما ذكره ~~بعده في قوله: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي: في يوم ~~القيامة كل أحد يجازى بعمله، ولا يحمل أحد ذنب أحد. { وإن تدع ~~مثقلة } أي: نفس مثقلة بالخطايا والذنوب، تستغيث بمن يحمل عنها بعض ~~أوزارها { لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } فإنه ~~لا يحمل عن قريب، فليست حال الآخرة بمنزلة حال الدنيا، يساعد الحميم ~~حميمه، والصديق صديقه، بل يوم القيامة، يتمنى العبد أن يكون له حق على ~~أحد، ولو على والديه وأقاربه. # { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ~~وأقاموا الصلاة } أي: هؤلاء الذين يقبلون النذارة وينتفعون بها، ~~أهل الخشية لله بالغيب، أي: الذين يخشونه في حال السر والعلانية، ~~والمشهد والمغيب، وأهل إقامة الصلاة، بحدودها وشروطها وأركانها وواجباتها ~~وخشوعها، لأن الخشية لله تستدعي من ms1271 العبد العمل بما يخشى من تضييعه ~~العقاب، والهرب مما يخشى من ارتكابه العذاب، والصلاة تدعو إلى الخير، ~~وتنهى عن الفحشاء والمنكر. { ومن تزكى فإنما يتزكى ~~لنفسه } أي: ومن زكى نفسه بالتنقي من العيوب، كالرياء والكبر، ~~والكذب والغش، والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، ~~وتحلى بالأخلاق الجميلة، من الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، ~~والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، ~~فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء. { ~~وإلى الله المصير } فيجازي الخلائق على ما أسلفوه، ويحاسبهم ~~على ما قدموه وعملوه، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ### || [35.19-24] # يخبر تعالى أنه لا يتساوى الأضداد في حكمة الله، وفيما أودعه في فطر ~~عباده. { وما يستوي الأعمى } فاقد البصر { والبصير * ~~ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * ~~وما يستوي الأحيآء ولا الأموات } فكما أنه من المتقرر ~~عندكم، الذي لا يقبل الشك، أن هذه المذكورات لا تتساوى، فكذلك فلتعلموا ~~أن عدم تساوي المتضادات المعنوية أولى وأولى. فلا يستوي المؤمن والكافر، ~~ولا المهتدي والضال، ولا العالم والجاهل، ولا أصحاب الجنة وأصحاب النار، ~~ولا أحياء القلوب وأمواتها، فبين هذه الأشياء من التفاوت والفرق ما لا ~~يعلمه إلا الله تعالى، فإذا علمت المراتب، وميزت الأشياء، وبان الذي ~~ينبغي أن يتنافس في تحصيله من ضده، فليختر الحازم لنفسه ما هو أولى به ~~وأحقها بالإيثار. { إن الله يسمع من يشآء } سماع فهم ~~وقبول، لأنه تعالى هو الهادي الموفق { ومآ أنت بمسمع من في ~~القبور } أي: أموات القلوب، أو كما أن دعاءك لا يفيد سكان القبور ~~شيئا، كذلك لا يفيد المعرض المعاند شيئا، ولكن وظيفتك النذارة، وإبلاغ ~~ما أرسلت به، قبل منك أم لا. ولهذا قال: { إن أنت إلا نذير * ~~إنآ أرسلناك بالحق } أي: مجرد إرسالنا إياك بالحق، لأن ~~الله تعالى بعثك على حين فترة من الرسل، وطموس من السبل واندراس من ~~العلم، وضرورة عظيمة إلى بعثك، فبعثك الله رحمة للعالمين. وكذلك ما ~~بعثناك به من الدين ms1272 القويم، والصراط المستقيم، حق لا باطل، وكذلك ما ~~أرسلناك به من هذا القرآن العظيم، وما اشتمل عليه من الذكر الحكيم، حق ~~وصدق. { بشيرا } لمن أطاعك، بثواب الله العاجل والآجل، { ونذيرا ~~} لمن عصاك، بعقاب الله العاجل والآجل، ولست ببدع من الرسل. فما { من ~~أمة } من الأمم الماضية والقرون الخالية { إلا خلا فيها ~~نذير } يقيم عليهم حجة الله # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. ### || [35.25-26] # أي: وإن يكذبك أيها الرسول، هؤلاء المشركون، فلست أول رسول كذب، { ~~فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم ~~بالبينات } الدالات على الحق، وعلى صدقهم فيما أخبروهم به، { ~~وبالزبر } أي: الكتب المكتوبة، المجموع فيها كثير من الأحكام، { ~~وبالكتاب المنير } أي: المضيء في أخباره الصادقة، وأحكامه ~~العادلة، فلم يكن تكذيبهم إياهم ناشئا عن اشتباه، أو قصور بما جاءتهم به ~~الرسل، بل بسبب ظلمهم وعنادهم. { ثم أخذت الذين كفروا } ~~بأنواع العقوبات { فكيف كان نكير } عليهم؟ كان أشد النكير وأعظم ~~التنكيل، فإياكم وتكذيب هذا الرسول الكريم، فيصيبكم كما أصاب أولئك، من ~~العذاب الأليم والخزي الوخيم. ### || [35.27-28] # يذكر تعالى خلقه للأشياء المتضادات، التي أصلها واحد ومادتها واحدة، ~~وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، ليدل العباد على كمال قدرته ~~وبديع حكمته. فمن ذلك: أن الله تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به من ~~الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء ~~واحد، والأرض واحدة. ومن ذلك: الجبال التي جعلها الله أوتادا للأرض، ~~تجدها جبالا مشتبكة، بل جبلا واحدا، وفيها ألوان متعددة، فيها جدد ~~بيض، أي: طرائق بيض، وفيها طرائق صفر وحمر، وفيها غرابيب سود، أي: شديدة ~~السواد جدا. ومن ذلك: الناس والدواب، والأنعام، فيها من اختلاف الألوان ~~والأوصاف والأصوات والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل ~~من أصل واحد ومادة واحدة. فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، ~~التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها ~~كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف وذلك التفاوت، فيه من المصالح ~~والمنافع، ومعرفة ms1273 الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك ~~أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن ~~الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ~~ينتفع بها من يخشى الله تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها. ~~ولهذا قال: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ~~فكل من كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله، ~~الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة ~~العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال ~~تعالى: # رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ~~ربه # [البينة: 8]. { إن الله عزيز } كامل العزة، ومن عزته خلق هذه ~~المخلوقات المتضادات. { غفور } لذنوب التائبين. ### || [35.29-30] # { إن الذين يتلون كتاب الله } أي: يتبعونه في أوامره ~~فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره فيصدقونها ويعتقدونها، ولا ~~يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضا ألفاظه، بدراسته، ~~ومعانيه، بتتبعها واستخراجها. ثم خص من التلاوة بعد ما عم، الصلاة التي ~~هي عماد الدين، ونور المسلمين، وميزان الإيمان، وعلامة صدق الإسلام، ~~والنفقة على الأقارب والمساكين واليتامى وغيرهم، من الزكاة والكفارات ~~والنذور والصدقات. { سرا وعلانية } في جميع الأوقات. { ~~يرجون } [بذلك] { تجارة لن تبور } أي: لن تكسد وتفسد، بل ~~تجارة، هي أجل التجارات وأعلاها وأفضلها، ألا وهي رضا ربهم، والفوز بجزيل ~~ثوابه، والنجاة من سخطه وعقابه، وهذا فيه أنهم يخلصون بأعمالهم، وأنهم لا ~~يرجون بها من المقاصد السيئة والنيات الفاسدة شيئا. وذكر أنهم حصل لهم ~~ما رجوه فقال: { ليوفيهم أجورهم } أي: أجور أعمالهم، على ~~حسب قلتها وكثرتها، وحسنها وعدمه، { ويزيدهم من فضله } زيادة ~~عن أجورهم. { إنه غفور شكور } غفر لهم السيئات، وقبل منهم ~~القليل من الحسنات. ### || [35.31-35] # يذكر تعالى أن الكتاب الذي أوحاه إلى رسوله { هو الحق } من كثرة ~~ما اشتمل عليه من الحق، كأن الحق منحصر فيه، فلا يكن في قلوبكم حرج منه، ~~ولا تتبرموا منه، ولا تستهينوا به، فإذا كان هو الحق، لزم ms1274 أن كل ما دل ~~عليه من المسائل الإلهية والغيبية وغيرها، مطابق لما في الواقع، فلا يجوز ~~أن يراد به ما يخالف ظاهره وما دل عليه. { مصدقا لما بين ~~يديه } من الكتب والرسل، لأنها أخبرت به، فلما وجد وظهر، ظهر به ~~صدقها. فهي بشرت به وأخبرت، وهو صدقها، ولهذا لا يمكن أحدا أن يؤمن ~~بالكتب السابقة، وهو كافر بالقرآن أبدا، لأن كفره به ينقض إيمانه بها، ~~لأن من جملة أخبارها الخبر عن القرآن، ولأن أخبارها مطابقة لأخبار ~~القرآن. { إن الله بعباده لخبير بصير } فيعطي كل أمة ~~وكل شخص، ما هو اللائق بحاله. ومن ذلك، أن الشرائع السابقة لا تليق إلا ~~بوقتها وزمانها، ولهذا، ما زال الله يرسل الرسل رسولا بعد رسول، حتى ~~ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فجاء بهذا الشرع، الذي يصلح لمصالح ~~الخلق إلى يوم القيامة، ويتكفل بما هو الخير في كل وقت. ولهذا، لما كانت ~~هذه الأمة أكمل الأمم عقولا وأحسنهم أفكارا، وأرقهم قلوبا، وأزكاهم ~~أنفسا، اصطفاهم الله تعالى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب ~~المهيمن على سائر الكتب، ولهذا قال: { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا } وهم هذه الأمة. { فمنهم ~~ظالم لنفسه } بالمعاصي، [التي] هي دون الكفر. { ومنهم ~~مقتصد } مقتصر على ما يجب عليه، تارك للمحرم. { ومنهم سابق ~~بالخيرات } أي: سارع فيها واجتهد، فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض، ~~المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه. فكلهم اصطفاه الله تعالى، ~~لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط ~~من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان، وعلوم الإيمان، ~~وأعمال الإيمان، من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب، وراثة علمه ~~وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه. وقوله { بإذن الله } راجع ~~إلى السابق بالخيرات، لئلا يغتر بعمله، بل ما سبق إلى الخيرات إلا بتوفيق ~~الله تعالى ومعونته، فينبغي له أن يشتغل بشكر الله تعالى على ما أنعم ~~به عليه. { ذلك هو الفضل الكبير } أي: وراثة الكتاب الجليل ~~لمن اصطفى تعالى من عباده، هو الفضل الكبير، ms1275 الذي جميع النعم بالنسبة ~~إليه، كالعدم، فأجل النعم على الإطلاق، وأكبر الفضل، وراثة هذا الكتاب. ~~ثم ذكر جزاء الذين أورثهم كتابه فقال: { جنات عدن يدخلونها ~~يحلون } أي: جنات مشتملات على الأشجار، والظل، والظليل، والحدائق ~~الحسنة، والأنهار المتدفقة، والقصور العالية، والمنازل المزخرفة، في أبد ~~لا يزول، وعيش لا ينفد. # والعدن " الإقامة " فجنات عدن أي: جنات إقامة، أضافها للإقامة، لأن ~~الإقامة والخلود وصفها ووصف أهلها. { فيها من أساور من ذهب } ~~وهو الحلي الذي يجعل في اليدين، على ما يحبون، ويرون أنه أحسن من غيره، ~~الرجال والنساء في الحلية في الجنة سواء. { و } يحلون فيها { لؤلؤا ~~} ينظم في ثيابهم وأجسادهم. { ولباسهم فيها حرير } من سندس، ~~ومن إستبرق أخضر. { و } لما تم نعيمهم، وكملت لذتهم { قالوا ~~الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } وهذا يشمل كل ~~حزن، فلا حزن يعرض لهم بسبب نقص في جمالهم، ولا في طعامهم وشرابهم، ولا ~~في لذاتهم ولا في أجسادهم، ولا في دوام لبثهم، فهم في نعيم ما يرون عليه ~~مزيدا، وهو في تزايد أبد الآباد. { إن ربنا لغفور } حيث غفر ~~لنا الزلات { شكور } حيث قبل منا الحسنات وضاعفها، وأعطانا من فضله ما ~~لم تبلغه أعمالنا ولا أمانينا، فبمغفرته نجوا من كل مكروه ومرهوب، وبشكره ~~وفضله حصل لهم كل مرغوب محبوب. { الذي أحلنا } أي: أنزلنا نزول ~~حلول واستقرار، لا نزول معبر واعتبار. { دار المقامة } أي: الدار ~~التي تدوم فيها الإقامة، والدار التي يرغب في المقام فيها، لكثرة ~~خيراتها، وتوالي مسراتها، وزوال كدوراتها، وذلك الإحلال { من فضله } ~~علينا وكرمه، لا بأعمالنا، فلولا فضله، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. { ~~لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } أي: لا ~~تعب في الأبدان ولا في القلب والقوى، ولا في كثرة التمتع، وهذا يدل على ~~أن الله تعالى يجعل أبدانهم في نشأة كاملة، ويهيئ لهم من أسباب الراحة ~~على الدوام، ما يكونون بهذه الصفة، بحيث لا يمسهم نصب ولا لغوب، ولا هم ~~ولا حزن. ويدل على أنهم لا ينامون في الجنة، لأن النوم ms1276 فائدته زوال ~~التعب، وحصول الراحة به، وأهل الجنة بخلاف ذلك، ولأنه موت أصغر، وأهل ~~الجنة لا يموتون، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه. ### || [35.36-37] # لما ذكر تعالى حال أهل الجنة ونعيمهم، ذكر حال أهل النار وعذابهم فقال: ~~{ والذين كفروا } أي: جحدوا ما جاءتهم به رسلهم من الآيات، ~~وأنكروا لقاء ربهم. { لهم نار جهنم } يعذبون فيها أشد العذاب، ~~وأبلغ العقاب. { لا يقضى عليهم } بالموت { فيموتوا } ~~فيستريحوا، { ولا يخفف عنهم من عذابها } فشدة العذاب ~~وعظمه، مستمر عليهم في جميع الآنات واللحظات. { كذلك نجزي كل ~~كفور * وهم يصطرخون فيها } أي: يصرخون ويتصايحون ويستغيثون ~~ويقولون: { ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي ~~كنا نعمل } فاعترفوا بذنبهم، وعرفوا أن الله عدل فيهم، ولكن ~~سألوا الرجعة في غير وقتها، فيقال لهم: { أولم نعمركم ما } ~~أي: دهرا وعمرا { يتذكر فيه من تذكر } أي: يتمكن فيه ~~من أراد التذكر من العمل، متعناكم في الدنيا، وأدررنا عليكم الأرزاق، ~~وقيضنا لكم أسباب الراحة، ومددنا لكم في العمر، وتابعنا عليكم الآيات، ~~وأوصلنا إليكم النذر، وابتليناكم بالسراء والضراء، لتنيبوا إلينا وترجعوا ~~إلينا، فلم ينجع فيكم إنذار، ولم تفد فيكم موعظة، وأخرنا عنكم العقوبة، ~~حتى إذا انقضت آجالكم وتمت أعماركم، ورحلتم عن دار الإمكان بأشر ~~الحالات، ووصلتم إلى هذه الدار دار الجزاء على الأعمال، سألتم الرجعة؟ ~~هيهات هيهات، فات وقت الإمكان، وغضب عليكم الرحيم الرحمن، واشتد عليكم ~~عذاب النار، ونسيكم أهل الجنة، فامكثوا فيها خالدين مخلدين، وفي العذاب ~~مهانين، ولهذا قال: { فذوقوا فما للظالمين من نصير } ~~ينصرهم فيخرجهم منها، أو يخفف عنهم من عذابها. ### || [35.38] # لما ذكر تعالى جزاء أهل الدارين، وذكر أعمال الفريقين، أخبر تعالى عن ~~سعة علمه تعالى، واطلاعه على غيب السماوات والأرض، التي غابت عن أبصار ~~الخلق وعن علمهم، وأنه عالم بالسرائر، وما تنطوي عليه الصدور من الخير ~~والشر والزكاء وغيره، فيعطي كلا ما يستحقه، وينزل كل أحد منزلته. ### || [35.39] # يخبر تعالى عن كمال حكمته ورحمته بعباده، أنه قدر بقضائه السابق، أن ~~يجعل بعضهم يخلف بعضا في الأرض، ويرسل لكل أمة من ms1277 الأمم النذر، فينظر ~~كيف يعملون، فمن كفر بالله وبما جاءت به رسله، فإن كفره عليه، وعليه ~~إثمه وعقوبته، ولا يحمل عنه أحد، ولا يزداد الكافر بكفره إلا مقت ربه له ~~وبغضه إياه، وأي: عقوبة أعظم من مقت الرب الكريم؟! { ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم إلا خسارا } أي: يخسرون أنفسهم وأهليهم ~~وأعمالهم ومنازلهم في الجنة، فالكافر لا يزال في زيادة من الشقاء ~~والخسران، والخزي عند الله وعند خلقه والحرمان. ### || [35.40] # يقول تعالى معجزا لآلهة المشركين، ومبينا نقصها، وبطلان شركهم من ~~جميع الوجوه. { قل } يا أيها الرسول لهم: { أرأيتم } أي: أخبروني ~~عن شركائكم { الذين تدعون من دون الله } هل هم مستحقون ~~للدعاء والعبادة، ف { أروني ماذا خلقوا [من الأرض } هل ~~خلقوا بحرا أم خلقوا جبالا أو خلقوا] حيوانا، أو خلقوا جمادا؟ سيقرون ~~أن الخالق لجميع الأشياء هو الله تعالى، أم لشركائكم شركة { في ~~السموت } في خلقها وتدبيرها؟ سيقولون: ليس لهم شركة. فإذا لم ~~يخلقوا شيئا، ولم يشاركوا الخالق في خلقه، فلم عبدتموهم ودعوتموهم مع ~~إقراركم بعجزهم؟ فانتفى الدليل العقلي على صحة عبادتهم، ودل على ~~بطلانها. ثم ذكر الدليل السمعي، وأنه أيضا منتف، فلهذا قال: { أم ~~آتيناهم كتابا } يتكلم بما كانوا به يشركون، يأمرهم بالشرك ~~وعبادة الأوثان. { فهم } في شركهم { على بينة } من ذلك الكتاب ~~الذي نزل عليهم في صحة الشرك؟ ليس الأمر كذلك؟ فإنهم ما نزل عليهم كتاب ~~قبل القرآن، ولا جاءهم نذير قبل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ولو قدر نزول كتاب إليهم، وإرسال رسول إليهم، وزعموا أنه أمرهم بشركهم، ~~فإنا نجزم بكذبهم، لأن الله قال: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون # [الأنبياء: 25] فالرسل والكتب، كلها متفقة على الأمر بإخلاص الدين لله ~~تعالى، # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفآء # [البينة: 5]. فإن قيل: إذا كان الدليل العقلي والنقلي قد دلا على بطلان ~~الشرك، فما الذي حمل المشركين على الشرك، وفيهم ذوو العقول والذكاء ~~والفطنة؟ أجاب تعالى بقوله: { بل إن ms1278 يعد الظالمون بعضهم ~~بعضا إلا غرورا } أي: ذلك الذي مشوا عليه، ليس لهم فيه حجة، ~~فإنما ذلك توصية بعضهم لبعض به، وتزيين بعضهم لبعض، واقتداء المتأخر ~~بالمتقدم الضال، وأماني مناها الشيطان، وزين لهم [سوء] أعمالهم، ~~فنشأت في قلوبهم، وصارت صفة من صفاتها، فعسر زوالها، وتعسر انفصالها، ~~فحصل ما حصل من الإقامة على الكفر والشرك الباطل المضمحل. ### || [35.41] # يخبر تعالى عن كمال قدرته، وتمام رحمته، وسعة حلمه ومغفرته، وأنه تعالى ~~يمسك السماوات والأرض عن الزوال، فإنهما لو زالتا ما أمسكهما أحد من ~~الخلق، ولعجزت قدرهم وقواهم عنهما. ولكنه تعالى، قضى أن يكونا كما وجدا، ~~ليحصل للخلق القرار، والنفع والاعتبار، وليعلموا من عظيم سلطانه وقوة ~~قدرته، ما به تمتلئ قلوبهم له إجلالا وتعظيما، ومحبة وتكريما، ~~وليعلموا كمال حلمه ومغفرته، بإمهال المذنبين، وعدم معالجته للعاصين، مع ~~أنه لو أمر السماء لحصبتهم، ولو أذن للأرض لابتلعتهم، ولكن وسعتهم ~~مغفرته، وحلمه، وكرمه { إنه كان حليما غفورا }. ### || [35.42-43] # أي: وأقسم هؤلاء، الذين كذبوك يا رسول الله، قسما اجتهدوا فيه ~~بالأيمان الغليظة. { لئن جآءهم نذير ليكونن أهدى ~~من إحدى الأمم } أي: أهدى من اليهود والنصارى [أهل الكتب]، فلم ~~يفوا بتلك الإقسامات والعهود. { فلما جآءهم نذير } لم يهتدوا، ~~ولم يصيروا أهدى من إحدى الأمم، بل لم يدوموا على ضلالهم الذي كان، بل { ~~ما زادهم } ذلك { إلا نفورا } وزيادة ضلال وبغي وعناد. وليس ~~إقسامهم المذكور، لقصد حسن، وطلب للحق، وإلا لوفقوا له، ولكنه صادر عن ~~استكبار في الأرض على الخلق وعلى الحق، وبهرجة في كلامهم هذا، يريدون به ~~المكر والخداع، وأنهم أهل الحق، الحريصون على طلبه، فيغتر به المغترون، ~~ويمشي خلفهم المقتدون. { ولا يحيق المكر السيىء } الذي ~~مقصوده مقصود سيئ، ومآله وما يرمي إليه سيئ باطل { إلا بأهله ~~} فمكرهم إنما يعود عليهم، وقد أبان الله لعباده في هذه المقالات وتلك ~~الإقسامات، أنهم كذبة في ذلك مزورون، فاستبان خزيهم، وظهرت فضيحتهم، ~~وتبين قصدهم السيئ، فعاد مكرهم في نحورهم، ورد الله كيدهم في صدورهم. ~~فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل ms1279 بهم من العذاب، الذي هو سنة الله في ~~الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد ~~والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، ~~فليترقب هؤلاء، ما فعل بأولئك. ### || [35.44-45] # يحض تعالى على السير في الأرض، في القلوب والأبدان، للاعتبار، لا لمجرد ~~النظر والغفلة، وأن ينظروا إلى عاقبة الذين من قبلهم ممن كذبوا الرسل، ~~وكانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وأشد قوة، وعمروا الأرض أكثر مما ~~عمرها هؤلاء، فلما جاءهم العذاب، لم تنفعهم قوتهم، ولم تغن عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله شيئا، ونفذت فيهم قدرة الله ومشيئته. { وما ~~كان الله ليعجزه من شيء في السموت ولا في ~~الأرض } لكمال علمه وقدرته { إنه كان عليما قديرا }. ثم ~~ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال: ~~{ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من الذنوب { ما ~~ترك على ظهرها من دآبة } أي: لاستوعبت العقوبة، حتى ~~الحيوانات غير المكلفة. { ولكن } يمهلهم تعالى ولا يهملهم و { ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن ~~الله كان بعباده بصيرا } فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من ~~خير وشر. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-12] # هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل ~~شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير ~~والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على ~~غاية الحكمة. ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه ~~العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها. { إنك ~~لمن المرسلين } هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء ~~به الرسل، من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال المرسلين وأوصافهم، ~~وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من ~~الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة. ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو ~~القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول ms1280 محمد صلى الله ~~عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا ~~القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، ~~فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ثم أخبر بأعظم ~~أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه { على ~~صراط مستقيم } معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك ~~الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب ~~والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة ~~للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، ~~كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده ~~كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا ~~الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا ~~إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم { تنزيل العزيز ~~الرحيم } فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم ~~إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، ~~حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: ~~العزيز، الرحيم. فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة ~~الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: { لتنذر قوما مآ ~~أنذر آبآؤهم فهم غافلون } وهم العرب الأميون، الذين لم ~~يزالوا خالين من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم ~~الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل الله إليهم ~~رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل ~~الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة الله به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم ~~عموما. # ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم ~~رد لما جئت ms1281 به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال الله فيهم { لقد ~~حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } أي: نفذ ~~فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم ~~القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم. ~~وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال: { إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا } وهي جمع " غل " و " الغل " ما يغل به العنق، ~~فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق، عظيمة قد ~~وصلت إلى أذقانهم ورفعت رؤوسهم إلى فوق، { فهم مقمحون } أي: ~~رافعو رؤوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها. { ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } ~~أي: حاجزا يحجزهم عن الإيمان، { فهم لا يبصرون } قد غمرهم ~~الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة. { وسوآء ~~عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } وكيف ~~يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا؟! والقسم الثاني: ~~الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله: { إنما تنذر } أي: إنما ~~تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك { من اتبع الذكر } [أي:] من قصده ~~اتباع الحق وما ذكر به، { وخشي الرحمن بالغيب } أي: من ~~اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية الله تعالى، فهم ~~الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين { ~~فبشره بمغفرة } لذنوبه، { وأجر كريم } لأعماله ~~الصالحة، ونيته الحسنة. { إنا نحن نحيي الموتى } أي: ~~نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، { ونكتب ما قدموا } ~~من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، { ~~وآثارهم } وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في ~~إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم ~~وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ~~ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند ~~المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من ~~صلاة أو زكاة أو صدقة أو ms1282 إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا ~~من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب ~~له، وكذلك عمل الشر. ولهذا: # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ~~ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله ~~بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، ~~وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما. { وكل شيء } من ~~الأعمال والنيات وغيرها { أحصيناه في إمام مبين } أي: ~~كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو ~~اللوح المحفوظ. ### || [36.13-30] # { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها ~~المرسلون } إلى آخر القصة. أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، ~~الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك ~~المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم ~~من عقوبته ونكاله. وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، ~~فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم ~~أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له ~~قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض ~~لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن ~~زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من ~~الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها. والشاهد أن هذه ~~القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. { إذ جآءها المرسلون } ~~من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم ~~عن الشرك والمعاصي. { إذ أرسلنآ إليهم اثنين ~~فكذبوهما فعززنا بثالث } أي: قويناهما بثالث، فصاروا ~~ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، { ~~فقالوا } لهم: { إنآ إليكم مرسلون } فأجابوهم بالجواب ~~الذي ما زال مشهورا عند ms1283 من رد دعوة الرسل: ف { قالوا مآ أنتم ~~إلا بشر مثلنا } أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ ~~قالت الرسل لأممهم: # إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن ~~على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 11]. { ومآ أنزل الرحمن من شيء } أي: أنكروا ~~عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: { إن أنتم ~~إلا تكذبون }. فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: { ربنا يعلم ~~إنآ إليكم لمرسلون } فلو كنا كاذبين، لأظهر الله خزينا، ~~ولبادرنا بالعقوبة. { وما علينآ إلا البلاغ المبين } ~~أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا ~~هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا - ~~التي هي البلاغ المبين - قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم ~~وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء. فقال أصحاب القرية لرسلهم: ~~{ إنا تطيرنا بكم } أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا ~~إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم ~~الله بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ~~ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واستشأموا بها، ~~ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما يصنع به عدوه. ثم ~~توعدوهم فقالوا: { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } أي: ~~نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات { وليمسنكم منا ~~عذاب أليم }. # فقالت لهم رسلهم: { طائركم معكم } وهو ما معهم من الشرك والشر، ~~المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة. { أئن ~~ذكرتم } أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما ~~قلتم. { بل أنتم قوم مسرفون } متجاوزون للحد، متجرهمون في ~~قولكم، فلم يزدهم [دعاؤهم] إلا نفورا واستكبارا. { وجآء من ~~أقصا المدينة رجل يسعى } حرصا على نصح قومه حين سمع ما ~~دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم، فقال [لهم]: { ~~يقوم اتبعوا المرسلين } فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، ~~وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: { ~~اتبعوا من لا يسألكم أجرا ms1284 } أي: اتبعوا من نصحكم ~~نصحا يعود إليكم بالخير، وليس [يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه ~~لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه. بقي] أن يقال: فلعله ~~يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: { ~~وهم مهتدون } لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ~~ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه. فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، ~~بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: { ~~وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } أي: ~~وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، ~~وخلقني ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده ~~الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن ~~يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا ~~منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ولهذا قال: { أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني ~~شفاعتهم } لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم ~~عني شيئا، ولا هم ينقذون من الضر الذي أراده الله بي. { إني ~~إذا } أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها { لفي ضلال مبين } فجمع في ~~هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار ~~بتعين عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، ~~وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، ~~مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: { إني آمنت بربكم ~~فاسمعون } فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به. ف { ~~قيل } له في الحال: { ادخل الجنة } فقال مخبرا بما وصل إليه ~~من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في ~~حياته: { يليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي } أي: ~~بأي: شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، { وجعلني من ~~المكرمين } بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى ~~قلوبهم، لم يقيموا على شركهم. # قال الله ms1285 في عقوبة قومه: [ { ومآ أنزلنا على قومه] من ~~بعده من جند من السمآء } أي: ما احتجنا أن نتكلف في ~~عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، { وما كنا منزلين } ~~لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم ~~أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم. { إن كانت } أي: كانت عقوبتهم ~~{ إلا صيحة واحدة } أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة ~~الله، { فإذا هم خامدون } قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، ~~وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ~~ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم ~~عليهم. قال الله متوجعا للعباد: { يحسرة على العباد ما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } أي: ~~ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة ~~القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال!! ### || [36.31-32] # يقول تعالى: ألم ير هؤلاء ويعتبروا بمن قبلهم من القرون المكذبة، التي ~~أهلكها الله تعالى وأوقع بها عقابها، وأن جميعهم قد باد وهلك، فلم يرجع ~~إلى الدنيا، ولن يرجع إليها، وسيعيد الله الجميع خلقا جديدا، ويبعثهم ~~بعد موتهم، ويحضرون بين يديه تعالى، ليحكم بينهم بحكمه العدل الذي لا ~~يظلم مثقال ذرة، # وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما # [النساء: 40]. ### || [36.33-36] # أي: { وآية لهم } على البعث والنشور، والقيام بين يدي الله ~~تعالى للجزاء على الأعمال، هذه { الأرض الميتة } أنزل الله ~~عليها المطر، فأحياها بعد موتها، { وأخرجنا منها حبا ~~فمنه يأكلون } من جميع أصناف الزروع، ومن جميع أصناف النبات، ~~التي تأكله أنعامهم، { وجعلنا فيها } أي: في تلك الأرض الميتة { ~~جنات } أي: بساتين، فيها أشجار كثيرة، وخصوصا النخيل والأعناب، ~~اللذان هما أشرف الأشجار، { وفجرنا فيها } أي: في الأرض { من ~~العيون }. جعلنا في الأرض تلك الأشجار، والنخيل والأعناب، { ~~ليأكلوا من ثمره } قوتا وفاكهة، وأدما ولذة، { و } الحال ~~أن تلك الثمار { ما عملته أيديهم } [وليس لهم فيه صنع، ولا ~~عمل، إن هو إلا صنعة أحكم الحاكمين، وخير الرازقين، وأيضا فلم تعمله ~~أيديهم] ms1286 بطبخ ولا غيره، بل أوجد الله هذه الثمار، غير محتاجة لطبخ ولا ~~شي، تؤخذ من أشجارها، فتؤكل في الحال. { أفلا يشكرون } من ساق ~~لهم هذه النعم، وأسبغ عليهم من جوده وإحسانه، ما به تصلح أمور دينهم ~~ودنياهم، أليس الذي أحيا الأرض بعد موتها، فأنبت فيها الزروع والأشجار، ~~وأودع فيها لذيذ الثمار، وأظهر ذلك الجنى من تلك الغصون، وفجر الأرض ~~اليابسة الميتة بالعيون، بقادر على أن يحيي الموتى؟ بل، إنه على كل شيء ~~قدير. { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } أي: الأصناف ~~كلها، { مما تنبت الأرض } فنوع فيها من الأصناف ما يعسر ~~تعداده. { ومن أنفسهم } فنوعهم إلى ذكر وأنثى، وفاوت بين خلقهم ~~وخلقهم، وأوصافهم الظاهرة والباطنة. { ومما لا يعلمون } من ~~المخلوقات التي قد خلقت وغابت عن علمنا، والتي لم تخلق بعد، فسبحانه ~~وتعالى أن يكون له شريك، أو ظهير، أو عوين، أو وزير، أو صاحبة، أو ولد، ~~أو سمي، أو شبيه، أو مثيل في صفات كماله ونعوت جلاله، أو يعجزه شيء ~~يريده. ### || [36.37-40] # أي: { وآية لهم } على نفوذ مشيئة الله، وكمال قدرته، وإحيائه ~~الموتى بعد موتهم. { اليل نسلخ منه النهار } أي: نزيل ~~الضياء العظيم الذي طبق الأرض، فنبدله بالظلمة، ونحلها محله { فإذا ~~هم مظلمون } وكذلك نزيل هذه الظلمة، التي عمتهم وشملتهم، فتطلع ~~الشمس، فتضيء الأقطار، وينتشر الخلق لمعاشهم ومصالحهم، ولهذا قال: { ~~والشمس تجري لمستقر لها } [أي: دائما تجري لمستقر ~~لها] قدره الله لها، لا تتعداه، ولا تقصر عنه، وليس لها تصرف في ~~نفسها، ولا استعصاء على قدرة الله تعالى. { ذلك تقدير العزيز ~~} الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام. { ~~العليم } الذي بعلمه، جعلها مصالح لعباده، ومنافع في دينهم ودنياهم. ~~{ والقمر قدرناه منازل } ينزل بها، كل ليلة ينزل منها ~~واحدة، { حتى } يصغر جدا، فيعود { كالعرجون القديم } أي: ~~عرجون النخلة، الذي من قدمه نش وصغر حجمه وانحنى، ثم بعد ذلك، ما زال ~~يزيد شيئا فشيئا، حتى يتم [نوره] ويتسق ضياؤه. { وكل } من الشمس ~~والقمر، والليل والنهار، قدره [الله] تقديرا لا يتعداه، ms1287 وكل له سلطان ~~ووقت، إذا وجد عدم الآخر، ولهذا قال: { لا الشمس ينبغي لهآ أن ~~تدرك القمر } أي: في سلطانه الذي هو الليل، فلا يمكن أن توجد الشمس ~~في الليل، { ولا اليل سابق النهار } فيدخل عليه قبل انقضاء ~~سلطانه، { وكل } من الشمس والقمر والنجوم { في فلك يسبحون } ~~أي: يترددون على الدوام، فكل هذا دليل ظاهر، وبرهان باهر، على عظمة ~~الخالق وعظمة أوصافه، خصوصا وصف القدرة والحكمة والعلم في هذا الموضع. ### || [36.41-50] # أي: ودليل لهم وبرهان، على أن الله وحده المعبود، لأنه المنعم بالنعم، ~~الصارف للنقم، الذي من جملة نعمه { أنا حملنا ذريتهم ~~} قال كثير من المفسرين: المراد بذلك: آباؤهم. { وخلقنا لهم } ~~أي: للموجودين من بعدهم { من مثله } أي: من مثل ذلك الفلك، أي: ~~جنسه { ما يركبون } به، فذكر نعمته على الآباء بحملهم في السفن، ~~لأن النعمة عليهم، نعمة على الذرية. وهذا الموضع من أشكل المواضع علي ~~في التفسير، فإن ما ذكره كثير من المفسرين، من أن المراد بالذرية ~~الآباء، مما لا يعهد في القرآن إطلاق الذرية على الآباء، بل فيها من ~~الإيهام، وإخراج الكلام عن موضوعه، ما يأباه كلام رب العالمين، وإرادته ~~البيان والتوضيح لعباده. وثم احتمال أحسن من هذا، وهو أن المراد ~~بالذرية الجنس، وأنهم هم بأنفسهم، لأنهم هم من ذرية [بني] آدم، ولكن ينقض ~~هذا المعنى قوله: { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } ~~إن أريد: وخلقنا من مثل ذلك الفلك، أي: لهؤلاء المخاطبين، ما يركبون من ~~أنواع الفلك، فيكون ذلك تكريرا للمعنى، تأباه فصاحة القرآن. فإن أريد ~~بقوله: { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } الإبل، ~~التي هي سفن البر، استقام المعنى واتضح، إلا أنه يبقى أيضا، أن يكون ~~الكلام فيه تشويش، فإنه لو أريد هذا المعنى، لقال: وآية لهم أنا حملناهم ~~في الفلك المشحون، وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، فأما أن يقول في الأول: ~~وحملنا ذريتهم، وفي الثاني: حملناهم، فإنه لا يظهر المعنى، إلا أن يقال: ~~الضمير عائد إلى الذرية، والله أعلم بحقيقة الحال. فلما وصلت في ms1288 الكتابة ~~إلى هذا الموضع، ظهر لي معنى ليس ببعيد من مراد الله تعالى، وذلك أن ~~من عرف جلالة كتاب الله وبيانه التام من كل وجه، للأمور الحاضرة ~~والماضية والمستقبلة، وأنه يذكر من كل معنى أعلاه وأكمل ما يكون من ~~أحواله، وكانت الفلك من آياته تعالى ونعمه على عباده، من حين أنعم ~~عليهم بتعلمها إلى يوم القيامة، ولم تزل موجودة في كل زمان، إلى زمان ~~المواجهين بالقرآن. فلما خاطبهم الله تعالى بالقرآن، وذكر حالة الفلك، ~~وعلم تعالى أنه سيكون أعظم آيات الفلك في غير وقتهم، وفي غير زمانهم، حين ~~يعلمهم [صنعة] الفلك [البحرية] الشراعية منها والنارية، والجوية السابحة ~~في الجو، كالطيور ونحوها، [والمراكب البرية] مما كانت الآية العظمى فيه ~~لم توجد إلا في الذرية، نبه في الكتاب على أعلى نوع من أنواع آياتها ~~فقال: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون } أي: المملوء ركبانا وأمتعة. فحملهم الله تعالى، ونجاهم ~~بالأسباب التي علمهم الله بها، من الغرق، و[لهذا] نبههم على نعمته عليهم ~~حيث أنجاهم مع قدرته على ذلك، فقال: { وإن نشأ نغرقهم فلا ~~صريخ لهم } أي: لا أحد يصرخ لهم فيعاونهم على الشدة، ولا يزيل عنهم ~~المشقة، { ولا هم ينقذون } مما هم فيه { إلا رحمة منا ~~ومتاعا إلى حين } حيث لم نغرقهم، لطفا بهم، وتمتيعا لهم إلى ~~حين، لعلهم يرجعون، أو يستدركون ما فرط منهم. # { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } أي: من أحوال البرزخ والقيامة، وما في الدنيا من العقوبات { ~~لعلكم ترحمون } أعرضوا عن ذلك، فلم يرفعوا به رأسا، ولو ~~جاءتهم كل آية، ولهذا قال: { وما تأتيهم من آية من آيات ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين }. وفي إضافة الآيات إلى ~~ربهم، دليل على كمالها ووضوحها، لأنه ما أبين من آية من آيات الله، ولا ~~أعظم بيانا. وإن من جملة تربية الله لعباده، أن أوصل إليهم الآيات التي ~~يستدلون بها على ما ينفعهم، في دينهم ودنياهم. { وإذا قيل لهم ~~أنفقوا مما رزقكم الله } أي: من الرزق الذي من ms1289 به الله ~~عليكم، ولو شاء لسلبكم إياه، { قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا } معارضين للحق، محتجين بالمشيئة: { أنطعم من لو ~~يشآء الله أطعمه إن أنتم } أيها المؤمنون { إلا في ~~ضلال مبين } حيث تأمروننا بذلك. وهذا مما يدل على جهلهم العظيم، ~~أو تجاهلهم الوخيم، فإن المشيئة ليست حجة لعاص أبدا، فإنه وإن كان ما ~~شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإنه تعالى مكن العباد، وأعطاهم من ~~القوة ما يقدرون على فعل الأمر واجتناب النهي، فإذا تركوا ما أمروا به، ~~كان ذلك اختيارا منهم، لا جبرا لهم ولا قهرا. { ويقولون } على ~~وجه التكذيب والاستعجال: { متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين } قال الله تعالى: لا يستبعدوا ذلك، فإنه [عن] قريب { ما ~~ينظرون إلا صيحة واحدة } وهي نفخة الصور { تأخذهم } ~~أي: تصيبهم { وهم يخصمون } أي: وهم لا هون عنها، لم تخطر على ~~قلوبهم في حال خصومتهم، وتشاجرهم بينهم، الذي لا يوجد في الغالب إلا وقت ~~الغفلة، وإذا أخذتهم وقت غفلتهم، فإنهم لا ينظرون ولا يمهلون { فلا ~~يستطيعون توصية } أي: لا قليلة ولا كثيرة { ولا إلى ~~أهلهم يرجعون }. ### || [36.51-54] # النفخة الأولى، هي نفخة الفزع والموت، وهذه نفخة البعث والنشور، فإذا ~~نفخ في الصور، خرجوا من الأجداث والقبور، ينسلون إلى ربهم، أي: يسرعون ~~للحضور بين يديه، لا يتمكنون من التأني والتأخر، وفي تلك الحال، يحزن ~~المكذبون، ويظهرون الحسرة والندم، ويقولون: { يويلنا من بعثنا ~~من مرقدنا } أي: من رقدتنا في القبور، لأنه ورد في بعض الأحاديث، ~~أن لأهل القبور رقدة قبيل النفخ في الصور، فيجابون، فيقال [لهم:] { هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أي: هذا الذي وعدكم ~~الله به، ووعدتكم به الرسل، فظهر صدقهم رأي عين. ولا تحسب أن ذكر ~~الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ~~ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به ~~الحاسبون، كقوله: # الملك يومئذ الحق للرحمن # [الفرقان: 26] # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108] ونحو ذلك، مما يذكر اسمه الرحمن في هذا. ms1290 { إن كانت } ~~البعثة من القبور { إلا صيحة واحدة } ينفخ فيها إسرافيل في ~~الصور، فتحيا الأجساد، { فإذا هم جميع لدينا محضرون } ~~الأولون والآخرون، والإنس والجن، ليحاسبوا على أعمالهم. { فاليوم ~~لا تظلم نفس شيئا } لا ينقص من حسناتها، ولا يزاد في سيئاتها، ~~{ ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } من خير أو شر، ~~فمن وجد خيرا فليحمد الله على ذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا ~~نفسه. ### || [36.55-58] # [لما ذكر تعالى] أن كل أحد لا يجازى إلا ما عمله، ذكر جزاء الفريقين، ~~فبدأ بجزاء أهل الجنة، وأخبر أنهم في ذلك اليوم { في شغل فاكهون ~~} أي: في شغل مفكه للنفس، ملذ لها، من كل ما تهواه النفوس، وتلذه ~~العيون، ويتمناه المتمنون. ومن ذلك افتضاض العذارى الجميلات، كما قال: { ~~هم وأزواجهم } من الحور العين، اللاتي قد جمعن حسن الوجوه ~~والأبدان وحسن الأخلاق. { في ظلال على الأرآئك } أي: على السرر ~~المزينة باللباس المزخرف الحسن. { متكئون } عليها، اتكاء على كمال ~~الراحة والطمأنينة واللذة. { لهم فيها فاكهة } كثيرة، من جميع ~~أنواع الثمار اللذيذة، من عنب وتين ورمان، وغيرها، { ولهم ما ~~يدعون } أي: يطلبون، فمهما طلبوه وتمنوه أدركوه. ولهم أيضا { ~~سلام } حاصل لهم { من رب رحيم } ففي هذا كلام الرب تعالى ~~لأهل الجنة وسلامه عليهم، وأكده بقوله: { قولا } وإذا سلم عليهم ~~الرب الرحيم، حصلت لهم السلامة التامة من جميع الوجوه، وحصلت لهم التحية، ~~التي لا تحية أعلى منها، ولا نعيم مثلها، فما ظنك بتحية ملك الملوك، الرب ~~العظيم، الرؤوف الرحيم، لأهل دار كرامته، الذي أحل عليهم رضوانه، فلا ~~يسخط عليهم أبدا، فلولا أن الله تعالى قدر أن لا يموتوا، أو تزول ~~قلوبهم عن أماكنها من الفرح والبهجة والسرور، لحصل ذلك. فنرجو ربنا أن لا ~~يحرمنا ذلك النعيم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم. ### || [36.59-67] # لما ذكر تعالى جزاء المتقين، ذكر جزاء المجرمين { و } أنهم يقال لهم ~~يوم القيامة { امتازوا اليوم أيها المجرمون } أي: ~~تميزوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، ليوبخهم ويقرعهم على رؤوس الأشهاد ~~قبل أن يدخلهم النار، ms1291 فيقول لهم: { ألم أعهد إليكم } أي: ~~آمركم وأوصيكم، على ألسنة رسلي، [وأقول لكم:] { يبني ءادم أن ~~لا تعبدوا الشيطان } أي: لا تطيعوه؟ وهذا التوبيخ، يدخل فيه ~~التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي، لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة ~~له، { إنه لكم عدو مبين } فحذرتكم منه غاية التحذير، ~~وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه، { و } أمرتكم { أن ~~اعبدوني } بامتثال أوامري وترك زواجري، { هذا } أي: عبادتي ~~وطاعتي، ومعصية الشيطان { صراط مستقيم } فعلوم الصراط المستقيم ~~وأعماله ترجع إلى هذين الأمرين، أي: فلم تحفظوا عهدي، ولم تعملوا بوصيتي، ~~فواليتم عدوكم، ف { أضل منكم جبلا كثيرا } أي: خلقا ~~كثيرا. { أفلم تكونوا تعقلون } أي: فلا كان لكم عقل يأمركم ~~بموالاة ربكم ووليكم الحق، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا، فلو ~~كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك، فإذا أطعتم الشيطان، وعاديتم الرحمن، ~~وكذبتم بلقائه، ووردتم القيامة دار الجزاء، وحق عليكم القول بالعذاب ف { ~~هذه جهنم التي كنتم توعدون } وتكذبون بها، فانظروا ~~إليها عيانا، فهناك تنزعج منهم القلوب، وتزوغ الأبصار، ويحصل الفزع ~~الأكبر. ثم يكمل ذلك، بأن يؤمر بهم إلى النار، ويقال لهم: { اصلوها ~~اليوم بما كنتم تكفرون } أي: ادخلوها على وجه تصلاكم، ~~ويحيط بكم حرها، ويبلغ منكم كل مبلغ، بسبب كفركم بآيات الله، وتكذيبكم ~~لرسل الله. قال الله تعالى في بيان وصفهم الفظيع في دار الشقاء: { ~~اليوم نختم على أفواههم } بأن نجعلهم خرسا فلا ~~يتكلمون، فلا يقدرون على إنكار ما عملوه من الكفر والتكذيب. { ~~وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون } أي: تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوه، وينطقها الذي أنطق كل ~~شيء. { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } بأن نذهب ~~أبصارهم، كما طمسنا على نطقهم. { فاستبقوا الصراط } أي: ~~فبادروا إليه، لأنه الطريق إلى الوصول إلى الجنة، { فأنى ~~يبصرون } وقد طمست أبصارهم. { ولو نشآء لمسخناهم ~~على مكانتهم } أي: لأذهبنا حركتهم { فما استطاعوا ~~مضيا } إلى الأمام { ولا يرجعون } إلى ورائهم ليبعدوا عن ~~النار. والمعنى: أن هؤلاء الكفار، حقت عليهم كلمة العذاب، ولم يكن بد ~~من عقابهم. وفي ذلك ms1292 الموطن، ما ثم إلا النار قد برزت، وليس لأحد نجاة ~~إلا بالعبور على الصراط، وهذا لا يستطيعه إلا أهل الإيمان، الذين يمشون ~~في نورهم، وأما هؤلاء، فليس لهم عند الله عهد في النجاة من النار فإن ~~شاء طمس أعينهم وأبقى حركتهم، فلم يهتدوا إلى الصراط لو استبقوا إليه ~~وبادروه، وإن شاء أذهب حراكهم فلم يستطيعوا التقدم ولا التأخر. المقصود: ~~أنهم لا يعبرونه، فلا تحصل لهم النجاة. ### || [36.68] # يقول تعالى: { ومن نعمره } من بني آدم { ننكسه في ~~الخلق } أي: يعود إلى الحالة التي ابتدأ حالة الضعف، ضعف العقل، وضعف ~~القوة. { أفلا يعقلون } أن الآدمي ناقص من كل وجه، فيتداركوا ~~قوتهم وعقولهم، فيستعملونها في طاعة ربهم. ### || [36.69-70] # ينزه تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما رماه به المشركون، من ~~أنه شاعر، وأن الذي جاء به شعر فقال: { وما علمناه الشعر ~~وما ينبغي له } أن يكون شاعرا، أي: هذا من جنس المحال أن يكون ~~شاعرا، لأنه رشيد مهتد، والشعراء غاوون، يتبعهم الغاوون، ولأن الله ~~تعالى حسم جميع الشبه التي يتعلق بها الضالون على رسوله، فحسم أن يكون ~~يكتب أو يقرأ، وأخبر أنه ما علمه الشعر وما ينبغي له، { إن هو إلا ~~ذكر وقرآن مبين } أي: ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به ~~أولو الألباب، جميع المطالب الدينية، فهو مشتمل عليها أتم اشتمال، وهو ~~يذكر العقول، ما ركز الله في فطرها من الأمر بكل حسن، والنهي عن كل ~~قبيح. { وقرآن مبين } أي: مبين لما يطلب بيانه. ولهذا حذف ~~المعمول، ليدل على أنه مبين لجميع الحق، بأدلته التفصيلية والإجمالية، ~~والباطل وأدلة بطلانه، أنزله الله كذلك على رسوله. { لينذر من ~~كان حيا } أي: حي القلب واعيه، فهو الذي يزكو على هذا القرآن، وهو ~~الذي يزداد من العلم منه والعمل، ويكون القرآن لقلبه بمنزلة المطر للأرض ~~الطيبة الزاكية. { ويحق القول على الكافرين } لأنهم قامت ~~عليهم به حجة الله، وانقطع احتجاجهم، فلم يبق لهم أدنى عذر وشبهة ~~يدلون بها. ### || [36.71-73] # يأمر تعالى العباد بالنظر إلى ms1293 ما سخر لهم من الأنعام وذللها، وجعلهم ~~مالكين لها، مطاوعة لهم في كل أمر يريدونه منها، وأنه جعل لهم فيها منافع ~~كثيرة من حملهم وحمل أثقالهم ومحاملهم وأمتعتهم من محل إلى محل، ومن ~~أكلهم منها، وفيها دفء، ومن أوبارها وأشعارها وأصوافها أثاثا ومتاعا ~~إلى حين، وفيها زينة وجمال، وغير ذلك من المنافع المشاهدة منها، { ~~أفلا يشكرون } الله تعالى الذي أنعم بهذه النعم، ويخلصون له ~~العبادة ولا يتمتعون بها تمتعا خاليا من العبرة والفكرة. ### || [36.74-75] # هذا بيان لبطلان آلهة المشركين، التي اتخذوها مع الله تعالى، ورجوا ~~نصرها وشفعها، فإنها في غاية العجز { لا يستطيعون نصرهم } ~~ولا أنفسهم ينصرون، فإذا كانوا لا يستطيعون نصرهم، فكيف ينصرونهم؟ والنصر ~~له شرطان: الاستطاعة [والقدرة]، فإذا استطاع، يبقى: هل يريد نصرة من عبده ~~أم لا؟ فنفي الاستطاعة، ينفي الأمرين كليهما. { وهم لهم جند ~~محضرون } أي: محضرون هم وهم في العذاب، ومتبرئ بعضهم من بعض، أفلا ~~تبرأوا في الدنيا من عبادة هؤلاء، وأخلصوا العبادة للذي بيده الملك ~~والنفع والضر، والعطاء والمنع، وهو الولي النصير؟ ### || [36.76] # أي: فلا يحزنك يا أيها الرسول، قول المكذبين، والمراد بالقول: ما دل ~~عليه السياق، كل قول يقدحون فيه في الرسول، أو فيما جاء به. أي: فلا تشغل ~~قلبك بالحزن عليهم { إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } ~~فنجازيهم على حسب علمنا بهم، وإلا فقولهم لا يضرك شيئا. ### || [36.77-83] # هذه الآيات الكريمات، فيها [ذكر] شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم ~~جواب وأحسنه وأوضحه، فقال تعالى: { أولم ير الإنسان } المنكر ~~للبعث و الشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه، وهو ابتداء خلقه { ~~من نطفة } ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم ~~عقله واستتب، { فإذا هو خصيم مبين } بعد أن كان ابتداء خلقه ~~من نطفة، فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، وليعلم أن الذي أنشأه من ~~العدم، قادر على أن يعيده بعد ما تفرق وتمزق، من باب أولى. { وضرب ~~لنا مثلا } لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدرة الخالق بقدرة ~~المخلوق، وأن الأمر ms1294 المستبعد على قدرة المخلوق مستبعد على قدرة الخالق. ~~فسر هذا المثل [بقوله]: { قال } ذلك الإنسان { من يحيي العظام ~~وهي رميم } أي: هل أحد يحييها؟ استفهام إنكار، أي: لا أحد يحييها ~~بعد ما بليت وتلاشت. هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية ~~البعد على ما يعهد من قدرة البشر، وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان ~~غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه، فلو فطن لخلقه بعد أن لم يكن شيئا ~~مذكورا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد ~~بجواب شاف كاف، فقال: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول ~~مرة } وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي ~~أنشأها أول مرة قادر على الإعادة ثاني مرة، وهو أهون على القدرة إذا ~~تصوره المتصور، { وهو بكل خلق عليم }. هذا أيضا دليل ثان ~~من صفات الله تعالى، وهو أن علمه تعالى محيط بجميع مخلوقاته في جميع ~~أحوالها، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من أجساد الأموات وما ~~يبقى، ويعلم الغيب والشهادة، فإذا أقر العبد بهذا العلم العظيم، علم أنه ~~أعظم وأجل من إحياء الله الموتى من قبورهم. ثم ذكر دليلا ثالثا { ~~الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم ~~منه توقدون } فإذا أخرج [النار] اليابسة من الشجر الأخضر، الذي هو ~~في غاية الرطوبة، مع تضادهما وشدة تخالفهما، فإخراجه الموتى من قبورهم ~~مثل ذلك. ثم ذكر دليلا رابعا فقال: { أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض } على سعتهما وعظمهما { بقادر على أن ~~يخلق مثلهم } أي: [أن] يعيدهم [بأعيانهم]. { بلى } قادر على ~~ذلك، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. { وهو الخلاق ~~العليم } وهذا دليل خامس، فإنه تعالى الخلاق، الذي جميع المخلوقات، ~~متقدمها ومتأخرها، صغيرها وكبيرها، كلها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه ~~لا يستعصي عليه مخلوق أراد خلقه. فإعادته للأموات، فرد من أفراد [آثار] ~~خلقه، ولهذا قال: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا } نكرة في ~~سياق الشرط، فتعم كل شيء. { أن يقول له كن فيكون } أي: ms1295 في ~~الحال من غير تمانع. { فسبحان الذي بيده ملكوت كل ~~شيء } وهذا دليل سادس، فإنه تعالى هو الملك المالك لكل شيء، الذي جميع ~~ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له، وعبيد مسخرون ومدبرون، يتصرف ~~فيهم بأقداره الحكمية، وأحكامه الشرعية، وأحكامه الجزائية. فإعادته إياهم ~~بعد موتهم، لينفذ فيهم حكم الجزاء، من تمام ملكه، ولهذا قال: { ~~وإليه ترجعون } من غير امتراء ولا شك، لتواتر البراهين القاطعة ~~والأدلة الساطعة على ذلك. فتبارك الذي جعل في كلامه الهدى والشفاء ~~والنور. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-11] # هذا قسم منه تعالى بالملائكة الكرام، في حال عبادتها وتدبيرها ما تدبره ~~بإذن ربها، على ألوهيته تعالى وربوبيته، فقال: { والصافات صفا } ~~أي: صفوفا في خدمة ربهم، وهم الملائكة. { فالزاجرات زجرا } وهم ~~الملائكة، يزجرون السحاب وغيره بأمر الله، { فالتليت ذكرا } ~~وهم الملائكة الذين يتلون كلام الله تعالى. فلما كانوا متألهين لربهم، ~~ومتعبدين في خدمته، ولا يعصونه طرفة عين، أقسم بهم على ألوهيته فقال: { ~~إن إلهكم لواحد } ليس له شريك في الإلهية، فأخلصوا له الحب ~~والخوف والرجاء، وسائر أنواع العبادة. { رب السموت والأرض ~~وما بينهما ورب المشارق } أي: هو الخالق لهذه المخلوقات، ~~والرازق لها، المدبر لها، فكما أنه لا شريك له في ربوبيته إياها، فكذلك ~~لا شريك له في ألوهيته، وكثيرا ما يقرر تعالى توحيد الإلهية بتوحيد ~~الربوبية، لأنه دال عليه. وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة، ~~فيلزمهم بما أقروا به على ما أنكروه. وخص الله المشارق بالذكر، لدلالتها ~~على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها، فلهذا قال: { إنا ~~زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا ~~من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى } ذكر الله في الكواكب هاتين الفائدتين العظيمتين: إحداهما: ~~كونها زينة للسماء، إذ لولاها، لكانت السماء جرما مظلما لا ضوء فيها، ~~ولكن زينها فيها لتستنير أرجاؤها، وتحسن صورتها، ويهتدى بها في ظلمات ~~البر والبحر، ويحصل فيها من المصالح ما يحصل. والثانية: حراسة السماء عن ~~كل شيطان مارد، يصل بتمرده إلى استماع الملأ الأعلى، وهم الملائكة، فإذا ms1296 ~~استمعت قذفتها بالشهب الثواقب { من كل جانب } طردا لهم، وإبعادا ~~عن استماع ما يقول الملأ الأعلى. { ولهم عذاب واصب } أي: دائم، ~~معد لهم، لتمردهم عن طاعة ربهم. ولولا أنه [تعالى] استثنى، لكان ذلك ~~دليلا على أنهم لا يستمعون شيئا أصلا، ولكن قال: { إلا من خطف ~~الخطفة } أي: إلا من تلقف من الشياطين المردة، الكلمة الواحدة على ~~وجه الخفية والسرقة { فأتبعه شهاب ثاقب } تارة يدركه قبل أن ~~يوصلها إلى أوليائه، فينقطع خبر السماء، وتارة يخبر بها قبل أن يدركه ~~الشهاب، فيكذبون معها مئة كذبة يروجونها بسبب الكلمة التي سمعت من ~~السماء. ولما بين هذه المخلوقات العظيمة قال: { فاستفتهم } أي: ~~اسأل منكري خلقهم بعد موتهم. { أهم أشد خلقا } أي: إيجادهم بعد ~~موتهم، أشد خلقا وأشق؟ { أم من خلقنآ } من [هذه] المخلوقات؟ فلا ~~بد أن يقروا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. فيلزمهم إذا ~~الإقرار بالبعث، بل لو رجعوا إلى أنفسهم وفكروا فيها، لعلموا أن ابتداء ~~خلقهم من طين لازب، أصعب عند الفكر من إنشائهم بعد موتهم، ولهذا قال: { ~~إنا خلقناهم من طين لازب } أي: قوي شديد كقوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26]. ### || [37.12-21] # { بل عجبت } يا أيها الرسول وأيها الإنسان، من تكذيب من كذب ~~بالبعث، بعد أن أريتهم من الآيات العظيمة والأدلة المستقيمة، وهو حقيقة ~~محل عجب واستغراب، لأنه مما لا يقبل الإنكار، { و } أعجب من إنكارهم ~~وأبلغ منه، أنهم { يسخرون } ممن جاء بالخبر عن البعث، فلم يكفهم ~~مجرد الإنكار، حتى زادوا السخرية بالقول الحق. { و } من العجب أيضا ~~أنهم { إذا ذكروا } ما يعرفون في فطرهم وعقولهم، وفطنوا له، وألفت ~~نظرهم إليه { لا يذكرون } ذلك، فإن كان جهلا، فهو من أدل ~~الدلائل على شدة بلادتهم العظيمة، حيث ذكروا ما هو مستقر في الفطر، معلوم ~~بالعقل، لا يقبل الإشكال، وإن كان تجاهلا وعنادا، فهو أعجب وأغرب. ومن ~~العجب [أيضا] أنهم إذا أقيمت عليهم الأدلة، وذكروا الآيات التي يخضع لها ~~فحول الرجال وألباب الألباء، يسخرون منها ويعجبون. ms1297 ومن العجب أيضا، ~~قولهم للحق لما جاءهم: { إن هذآ إلا سحر مبين } فجعلوا ~~أعلى الأشياء وأجلها، وهو الحق، في رتبة أخس الأشياء وأحقرها. ومن ~~العجب أيضا، قياسهم قدرة رب الأرض والسماوات، على قدرة الآدمي الناقص من ~~جميع الوجوه، فقالوا استبعادا وإنكارا: { أءذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو آبآؤنا ~~الأولون }. ولما كان هذا منتهى ما عندهم، وغاية ما لديهم، أمر الله ~~رسوله أن يجيبهم بجواب مشتمل على ترهيبهم فقال: { قل نعم } ستبعثون، ~~أنتم وآباؤكم الأولون { وأنتم داخرون } ذليلون صاغرون، لا ~~تمتنعون، ولا تستعصون على قدرة الله. { فإنما هي زجرة ~~واحدة } ينفخ إسرافيل فيها في الصور { فإذا هم } مبعوثون من ~~قبورهم { ينظرون } كما ابتدئ خلقهم، بعثوا بجميع أجزائهم، حفاة عراة ~~غرلا، وفي تلك الحال، يظهرون الندم والخزي والخسار، ويدعون بالويل ~~والثبور. { وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } فقد أقروا ~~بما كانوا في الدنيا به يستهزؤون. فيقال لهم: { هذا يوم الفصل ~~} بين العباد فيما بينهم وبين ربهم من الحقوق، وفيما بينهم وبين غيرهم من ~~الخلق. ### || [37.22-26] # أي إذا أحضروا يوم القيامة، وعاينوا ما به يكذبون، ورأوا ما به ~~يستسخرون، يؤمر بهم إلى النار، التي بها كانوا يكذبون، فيقال: { ~~احشروا الذين ظلموا } أنفسهم بالكفر والشرك والمعاصي، { ~~وأزواجهم } الذين من جنس عملهم، كل يضم إلى من يجانسه في العمل. ~~{ وما كانوا يعبدون * من دون الله } من الأصنام والأنداد ~~التي زعموها، فاجمعوهم جميعا { فاهدوهم إلى صراط الجحيم ~~} أي: سوقوهم سوقا عنيفا إلى جهنم. وبعد ما يتعين أمرهم إلى النار، ~~ويعرفون أنهم من أهل دار البوار، يقال: { وقفوهم } قبل أن توصلوهم ~~إلى جهنم { إنهم مسئولون } عما كانوا يفترونه في الدنيا، ~~ليظهر على رؤوس الأشهاد كذبهم وفضيحتهم. فيقال لهم: { ما لكم لا ~~تناصرون } أي: ما الذي جرى عليكم اليوم؟ وما الذي طرقكم لا ينصر ~~بعضكم بعضا، ولا يغيث بعضكم بعضا، بعدما كنتم تزعمون في الدنيا، أن ~~آلهتكم ستدفع عنكم العذاب وتغيثكم وتشفع لكم عند الله، فكأنهم لا يجيبون ~~هذا السؤال، لأنهم قد علاهم الذل والصغار، واستسلموا لعذاب ms1298 النار، وخشعوا ~~وخضعوا وأبلسوا، فلم ينطقوا. ولهذا قال: { بل هم اليوم ~~مستسلمون }. ### || [37.27-39] # لما جمعوا هم وأزواجهم وآلهتهم، وهدوا إلى صراط الجحيم، ووقفوا، فسئلوا، ~~فلم يجيبوا، وأقبلوا فيما بينهم، يلوم بعضهم بعضا على إضلالهم وضلالهم. ~~فقال الأتباع للمتبوعين الرؤساء: { إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين } أي: بالقوة والغلبة، فتضلونا، ولولا أنتم لكنا مؤمنين. { ~~قالوا } لهم { بل لم تكونوا مؤمنين } أي: ما زلتم ~~مشركين، كما نحن مشركون، فأي: شيء فضلكم علينا؟ وأي: شيء يوجب لومنا؟ { ~~و } الحال أنه { ما كان لنا عليكم من سلطان } أي: قهر ~~لكم على اختيار الكفر { بل كنتم قوما طاغين } متجاوزين للحد. ~~{ فحق علينا } نحن وإياكم { إنا لذآئقون } العذاب، أي: ~~حق علينا قدر ربنا وقضاؤه، أنا وإياكم سنذوق العذاب، ونشترك في العقاب. { ~~ف } لذلك { أغويناكم إنا كنا غاوين } أي: دعوناكم إلى ~~طريقتنا التي نحن عليها، وهي الغواية، فاستجبتم لنا، فلا تلومونا ولوموا ~~أنفسكم. قال تعالى: { فإنهم يومئذ } أي: يوم القيامة { في ~~العذاب مشتركون } وإن تفاوتت مقادير عذابهم بحسب جرمهم، كما ~~اشتركوا في الدنيا على الكفر، اشتركوا في الآخرة بجزائه، ولهذا قال: { ~~إنا كذلك نفعل بالمجرمين }. ثم ذكر أن إجرامهم، قد بلغ ~~الغاية وجاوز النهاية فقال: { إنهم كانوا إذا قيل لهم ~~لا إله إلا الله } فدعوا إليها، وأمروا بترك إلهية ما سواه { ~~يستكبرون } عنها وعلى من جاء بها. { ويقولون } معارضة لها: ~~{ أئنا لتاركوا آلهتنا } التي لم نزل نعبدها نحن وآباؤنا { ~~ل } قول { شاعر مجنون } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم. فلم ~~يكفهم - قبحهم الله - الإعراض عنه، ولا مجرد تكذيبه، حتى حكموا عليه ~~بأظلم الأحكام، وجعلوه شاعرا مجنونا، وهم يعلمون أنه لا يعرف الشعر ~~والشعراء، ولا وصفه وصفهم، وأنه أعقل خلق الله، وأعظمهم رأيا. ولهذا ~~قال تعالى، ناقضا لقولهم: { بل جآء } محمد { بالحق } أي: مجيئه ~~حق، وما جاء به من الشرع والكتاب حق. { وصدق المرسلين } ~~[أي: ومجيئه صدق المرسلين]، فلولا مجيئه وإرساله لم يكن الرسل صادقين، ~~فهو آية ومعجزة لكل رسول قبله، لأنهم أخبروا به وبشروا، وأخذ الله عليهم ~~العهد ms1299 والميثاق، لئن جاءهم ليؤمنن به ولينصرنه، وأخذوا ذلك على أممهم، ~~فلما جاء ظهر صدق الرسل الذين قبله، وتبين كذب من خالفهم، فلو قدر عدم ~~مجيئه، وهم قد أخبروا به، لكان ذلك قادحا في صدقهم. وصدق أيضا ~~المرسلين، بأن جاء بما جاؤوا به، ودعا إلى ما دعوا إليه، وآمن بهم، وأخبر ~~بصحة رسالتهم ونبوتهم وشرعهم. ولما كان قولهم السابق: { إنا ~~لذآئقون } قولا صادرا منهم، يحتمل أن يكون صدقا أو غيره، أخبر ~~تعالى بالقول الفصل الذي لا يحتمل غير الصدق واليقين، وهو الخبر الصادر ~~منه تعالى، فقال: { إنكم لذآئقو العذاب الأليم } أي: ~~المؤلم الموجع، { وما تجزون } في إذاقة العذاب الأليم { إلا ~~ما كنتم تعملون } فلم نظلمكم، وإنما عدلنا فيكم؟ ولما كان هذا ~~الخطاب لفظه عاما، والمراد به المشركون، استثنى تعالى المؤمنين فقال: { ~~إلا عباد الله... }. ### || [37.40-49] # يقول تعالى: { إلا عباد الله المخلصين } فإنهم غير ذائقي ~~العذاب الأليم، لأنهم أخلصوا لله الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، ~~وجاد عليهم بلطفه. { أولئك لهم رزق معلوم } أي: غير ~~مجهول، وإنما هو رزق عظيم جليل، لا يجهل أمره، ولا يبلغ كنهه، فسره ~~بقوله: { فواكه } من جميع أنواع الفواكه التي تتفكه بها النفس، ~~للذتها في لونها وطعمها. { وهم مكرمون } لا مهانون محتقرون، بل ~~معظمون مجلون موقرون. قد أكرم بعضهم بعضا، وأكرمتهم الملائكة الكرام، ~~وصاروا يدخلون عليهم من كل باب، ويهنئونهم ببلوغ أهنأ الثواب، وأكرمهم ~~أكرم الأكرمين، وجاد عليهم بأنواع الكرامات، من نعيم القلوب والأرواح ~~والأبدان، { في جنات النعيم } أي: الجنات التي النعيم وصفها، ~~والسرور نعتها، وذلك لما جمعته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر ~~على قلب بشر، وسلمت من كل مخل بنعيمها، من جميع المكدرات والمنغصات. ومن ~~كرامتهم عند ربهم، وإكرام بعضهم بعضا، أنهم على { سرر } وهي المجالس ~~المرتفعة، المزينة بأنواع الأكسية الفاخرة، المزخرفة المجملة، فهم متكئون ~~عليها على وجه الراحة والطمأنينة والفرح. { متقابلين } فيما ~~بينهم، قد صفت قلوبهم ومحبتهم فيما بينهم، ونعموا باجتماع بعضهم مع بعض، ~~فإن مقابلة وجوههم، تدل على تقابل قلوبهم، وتأدب بعضهم ms1300 مع بعض فلم ~~يستدبره، أو يجعله إلى جانبه، بل من كمال السرور والأدب ما دل عليه ذلك ~~التقابل. { يطاف عليهم بكأس من معين } أي: يتردد ~~الولدان المستعدون لخدمتهم بالأشربة اللذيذة، بالكاسات الجميلة المنظر، ~~المترعة من الرحيق المختوم بالمسك، وهي كاسات الخمر. وتلك الخمر، تخالف ~~خمر الدنيا من كل وجه، فإنها في لونها { بيضآء } من أحسن الألوان، ~~وفي طعمها { لذة للشاربين } يتلذذ شاربها بها وقت شربها ~~وبعده، وأنها سالمة من غول العقل وذهابه ونزفه ونزف مال صاحبها، وليس ~~فيها صداع ولا كدر، فلما ذكر طعامهم وشرابهم ومجالسهم، وعموم النعيم ~~وتفاصيله داخلة في قوله: { جنات النعيم }. لكن فصل هذه الأشياء ~~لتعلم فتشتاق النفوس إليها، ذكر أزواجهم فقال: { وعندهم قاصرات ~~الطرف عين } أي: وعند أهل دار النعيم، في محلاتهم القريبة، حور ~~حسان، كاملات الأوصاف، قاصرات الطرف، إما أنها قصرت طرفها على زوجها، ~~لعفتها وعدم مجاوزته لغيره، ولجمال زوجها وكماله، بحيث لا تطلب في الجنة ~~سواه، ولا ترغب إلا به، وإما لأنها قصرت طرف زوجها عليها، وذلك يدل على ~~كمالها وجمالها الفائق، الذي أوجب لزوجها أن يقصر طرفه عليها، وقصر الطرف ~~أيضا، يدل على قصر النفس والمحبة عليها، وكلا المعنيين محتمل، وكلاهما ~~صحيح، و [كل] هذا يدل على جمال الرجال والنساء في الجنة، ومحبة بعضهم ~~بعضا، محبة لا يطمح إلى غيره، وشدة عفتهم كلهم، وأنه لا حسد فيها ولا ~~تباغض، ولا تشاحن، وذلك لانتفاء أسبابه. { عين } أي: حسان الأعين ~~جميلاتها، ملاح الحدق. { كأنهن } أي: الحور { بيض مكنون } ~~أي: مستور، وذلك من حسنهن وصفائهن وكون ألوانهن أحسن الألوان وأبهاها، ~~ليس فيه كدر ولا شين. ### || [37.50-61] # لما ذكر تعالى نعيمهم وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، ~~والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث عن الأمور ~~الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن ~~قال قائل منهم: { إني كان لي قرين } في الدنيا، ينكر البعث، ~~ويلومني على تصديقي به، و { يقول } لي { أءنك لمن ~~المصدقين أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا ms1301 ~~لمدينون } أي: مجازون بأعمالنا؟ أي: كيف تصدق بهذا الأمر البعيد، ~~الذي في غاية الاستغراب، وهو أننا إذا تمزقنا فصرنا ترابا وعظاما، أننا ~~نبعث ونعاد، ثم نحاسب ونجازى بأعمالنا؟!! أي: يقول صاحب الجنة لإخوانه: ~~هذه قصتي، وهذا خبري، أنا وقريني، ما زلت أنا مؤمنا مصدقا، وهو ما زال ~~مكذبا منكرا للبعث، حتى متنا، ثم بعثنا، فوصلت أنا إلى ما ترون من ~~النعيم الذي أخبرتنا به الرسل، وهو لا شك أنه قد وصل إلى العذاب. ف { ~~هل أنتم مطلعون } لننظر إليه، فنزداد غبطة وسرورا بما نحن ~~فيه، ويكون ذلك رأي عين؟ والظاهر من حال أهل الجنة، وسرور بعضهم ببعض، ~~وموافقة بعضهم بعضا، أنهم أجابوه لما قال، وذهبوا تبعا له، للاطلاع على ~~قرينه. { فاطلع } فرأى قرينه { في سوآء الجحيم } أي: في وسط ~~العذاب وغمراته، والعذاب قد أحاط به. ف { قال } له لائما على حاله، ~~وشاكرا لله على نعمته أن نجاه من كيده: { تالله إن كدت ~~لتردين } أي: تهلكني بسبب ما أدخلت علي من الشبه بزعمك، { ~~ولولا نعمة ربي } على أن ثبتني على الإسلام { لكنت من ~~المحضرين } في العذاب معك. { أفما نحن بميتين * إلا ~~موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين } [أي: يقوله المؤمن، ~~مبتهجا بنعمة الله على أهل الجنة بالخلود الدائم فيها والسلامة من ~~العذاب استفهام بمعنى الإثبات والتقرير] أي: يقول لقرينه المعذب: أفتزعم ~~أننا لسنا نموت سوى الموتة الأولى، ولا بعث بعدها ولا عذاب. وقوله: { ~~فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } وحذف المعمول، ~~والمقام مقام لذة وسرور، فدل ذلك على أنهم يتساءلون بكل ما يلتذون ~~بالتحدث به، والمسائل التي وقع فيها النزاع والإشكال. ومن المعلوم أن لذة ~~أهل العلم بالتساؤل عن العلم، والبحث عنه، فوق اللذات الجارية في أحاديث ~~الدنيا، فلهم من هذا النوع النصيب الوافر، ويحصل لهم من انكشاف الحقائق ~~العلمية في الجنة ما لا يمكن التعبير عنه. فلما ذكر تعالى نعيم الجنة، ~~ووصفه بهذه الأوصاف الجميلة، مدحه، وشوق العاملين، وحثهم على العمل، ~~فقال: { إن هذا لهو الفوز العظيم } الذي حصل لهم به كل ms1302 ~~خير، وكل ما تهوى النفوس وتشتهي، واندفع عنهم به كل محذور ومكروه، فهل ~~فوز يطلب فوقه؟ أم هو غاية الغايات، ونهاية النهايات، حيث حل عليهم رضا ~~رب الأرض والسماوات، وفرحوا بقربه، وتنعموا بمعرفته، واستروا برؤيته، ~~وطربوا لكلامه؟ { لمثل هذا فليعمل العاملون } فهو أحق ~~ما أنفقت فيه نفائس الأنفاس وأولى ما شمر إليه العارفون الأكياس، والحسرة ~~كل الحسرة، أن يمضي على الحازم وقت من أوقاته وهو غير مشتغل بالعمل الذي ~~يقرب لهذه الدار، فكيف إذا كان يسير بخطاياه إلى دار البوار؟!! ### || [37.62-74] # { أذلك خير } أي: ذلك النعيم الذي وصفناه لأهل الجنة خير، أم ~~العذاب الذي يكون في الجحيم من جميع أصناف العذاب؟ فأي الطعامين أولى؟ ~~الذي وصف في الجنة { أم } طعام أهل النار؟ وهو { شجرة الزقوم ~~* إنا جعلناها فتنة } أي: عذابا ونكالا { للظالمين ~~} أنفسهم بالكفر والمعاصي. { إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم } أي: وسطه، فهذا مخرجها، ومعدنها أشر المعادن وأسوؤها، وشر ~~المغرس يدل على شر الغراس وخسته، ولهذا نبهنا الله على شرها بما ذكر أين ~~تنبت به، وبما ذكر من صفة ثمرتها. وأنها ك { رءوس الشياطين } ~~فلا تسأل بعد هذا عن طعمها، وما تفعل في أجوافهم وبطونهم، وليس لهم عنها ~~مندوحة ولا معدل. ولهذا قال: { فإنهم لآكلون منها ~~فمالئون منها البطون } فهذا طعام أهل النار، فبئس الطعام ~~طعامهم، ثم ذكر شرابهم فقال: { ثم إن لهم عليها } أي: على ~~أثر هذا الطعام { لشوبا من حميم } أي: ماء حارا، قد انتهى، ~~كما قال تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29] وكما قال تعالى: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]. { ثم إن مرجعهم } أي: مآلهم ومقرهم [ومأواهم] { ~~لإلى الجحيم } ليذوقوا من عذابه الشديد وحره العظيم، ما ليس عليه ~~مزيد من الشقاء. وكأنه قيل: ما الذي أوصلهم إلى هذه الدار؟ فقال: { ~~إنهم ألفوا } أي: وجدوا { آبآءهم ضآلين * فهم ~~على آثارهم يهرعون } أي: يسرعون في الضلال، فلم يلتفتوا إلى ~~ما دعتهم إليه الرسل، ولا إلى ما حذرتهم عنه الكتب، ولا ms1303 إلى أقوال ~~الناصحين، بل عارضوهم بأن قالوا: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مقتدون # [الزخرف: 23]. { ولقد ضل قبلهم } أي: قبل هؤلاء المخاطبين { ~~أكثر الأولين } وقليل منهم آمن واهتدى. { ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين } ينذرونهم عن غيهم وضلالهم، { فانظر كيف ~~كان عاقبة المنذرين } كانت عاقبتهم الهلاك والخزي والفضيحة، ~~فليحذر هؤلاء أن يستمروا على ضلالهم، فيصيبهم مثل ما أصابهم. ولما كان ~~المنذرون ليسوا كلهم ضالين، بل منهم من آمن وأخلص الدين لله، استثناه ~~الله من الهلاك فقال: { إلا عباد الله المخلصين } أي: ~~الذين أخلصهم الله، وخصهم برحمته لإخلاصهم، فإن عواقبهم صارت حميدة. ثم ~~ذكر أنموذجا من عواقب الأمم المكذبين، فقال: { ولقد نادانا نوح ~~فلنعم.... }. ### || [37.75-82] # يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول الرسل، أنه لما دعا ~~قومه إلى الله تلك المدة الطويلة، فلم يزدهم دعاؤه، إلا فرارا، أنه ~~نادى ربه فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # الآية [نوح: 26]. وقال: # رب انصرني على القوم المفسدين # [العنكبوت: 30] فاستجاب الله له، ومدح تعالى نفسه فقال: { فلنعم ~~المجيبون } لدعاء الداعين، وسماع تبتلهم وتضرعهم، أجابه إجابة طابق ~~ما سأل، نجاه وأهله من الكرب العظيم، وأغرق جميع الكافرين، وأبقى نسله ~~وذريته متسلسلين، فجميع الناس من ذرية نوح عليه السلام، وجعل له ثناء ~~حسنا مستمرا إلى وقت الآخرين، وذلك لأنه محسن في عبادة الخالق، محسن ~~إلى الخلق، وهذه سنته تعالى في المحسنين، أن ينشر لهم من الثناء على ~~حسب إحسانهم. ودل قوله: { إنه من عبادنا المؤمنين } أن ~~الإيمان أرفع منازل العباد، وأنه مشتمل على جميع شرائع الدين وأصوله ~~وفروعه، لأن الله مدح به خواص خلقه. ### || [37.83-113] # { وإن من شيعته لإبراهيم } إلى آخر القصة. أي: وإن من ~~شيعة نوح عليه السلام، ومن هو على طريقته في النبوة والرسالة، ودعوة ~~الخلق إلى الله، وإجابة الدعاء، إبراهيم الخليل عليه السلام. { إذ ~~جآء ربه بقلب سليم } من الشرك والشبه، والشهوات المانعة من ~~تصور الحق والعمل به، وإذا كان قلب العبد سليما، سلم من كل شر، وحصل له ms1304 ~~كل خير، ومن سلامته أنه سليم من غش الخلق وحسدهم، وغير ذلك من مساوئ ~~الأخلاق، ولهذا نصح الخلق في الله، وبدأ بأبيه وقومه فقال: { إذ قال ~~لأبيه وقومه ماذا تعبدون } هذا استفهام بمعنى الإنكار، ~~وإلزام لهم بالحجة. { أإفكا آلهة دون الله تريدون } أي: ~~أتعبدون [من دونه] آلهة كذبا، ليست بآلهة، ولا تصلح للعبادة، فما ظنكم ~~برب العالمين أن يفعل بكم وقد عبدتم معه غيره؟ وهذا ترهيب لهم بالجزاء ~~بالعقاب على الإقامة على شركهم. وما الذي ظننتم برب العالمين، من النقص ~~حتى جعلتم له أندادا وشركاء. فأراد عليه السلام أن يكسر أصنامهم ويتمكن ~~من ذلك، فانتهز الفرصة في حين غفلة منهم لما ذهبوا إلى عيد من أعيادهم، ~~فخرج معهم { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم ~~}. في الحديث الصحيح: # " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: قوله { إني سقيم } ~~وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } [الأنبياء: 36] وقوله عن ~~زوجته " إنها أختي " " # ، والقصد أنه تخلف عنهم، ليتم له الكيد بآلهتهم { ف } لهذا { ~~تولوا عنه مدبرين } فلما وجد الفرصة، { فراغ إلى ~~آلهتهم } أي: أسرع إليها على وجه الخفية والمراوغة، { فقال } ~~متهكما بها { ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون } أي: فكيف ~~يليق أن تعبد، وهي أنقص من الحيوانات التي تأكل أو تكلم؟ فهذه جماد لا ~~تأكل ولا تكلم. { فراغ عليهم ضربا باليمين } أي: جعل ~~يضربها بقوته ونشاطه، حتى جعلها جذاذا، إلا كبيرا لهم، لعلهم إليه ~~يرجعون، { فأقبلوا إليه يزفون } أي: يسرعون ويهرعون، أي: ~~يريدون أن يوقعوا به، بعدما بحثوا وقالوا: # من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين # [الأنبياء: 59]. وقيل لهم: # سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # [الأنبياء: 60] يقول: # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين # [الأنبياء: 57] فوبخوه ولاموه، فقال: # قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم ~~أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رءوسهم لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون ~~الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم # الآية [الأنبياء: 63-66]. و { قال } هنا: { أتعبدون ما ~~تنحتون ms1305 } أي: تنحتونه بأيديكم وتصنعونه؟ فكيف تعبدونهم، وأنتم الذين ~~صنعتموهم، وتتركون الإخلاص لله؟ الذي { خلقكم وما تعملون * ~~قالوا ابنوا له بنيانا } أي: عاليا مرتفعا، وأوقدوا فيها ~~النار { فألقوه في الجحيم } جزاء على ما فعل من تكسير آلهتهم. # { فأرادوا به كيدا } ليقتلوه أشنع قتلة { فجعلناهم ~~الأسفلين } رد الله كيدهم في نحورهم، وجعل النار على إبراهيم بردا ~~وسلاما. { و } لما فعلوا فيه هذا الفعل، وأقام عليهم الحجة، وأعذر ~~منهم، { قال إني ذاهب إلى ربي } أي: مهاجر إليه، قاصد إلى ~~الأرض المباركة أرض الشام. { سيهدين } يدلني إلى ما فيه الخير لي، ~~من أمر ديني ودنياي، وقال في الآية الأخرى: # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي ~~عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا # [مريم: 48]. { رب هب لي } ولدا يكون { من الصالحين } وذلك ~~عند ما أيس من قومه ولم ير فيهم خيرا، دعا الله أن يهب له غلاما ~~صالحا ينفع الله به في حياته وبعد مماته، فاستجاب الله له وقال: { ~~فبشرناه بغلام حليم } وهذا إسماعيل عليه السلام بلا شك، ~~فإنه ذكر بعده البشارة [بإسحاق، ولأن الله تعالى قال في بشراه بإسحاق # فبشرناها] بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] فدل على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف الله إسماعيل عليه ~~السلام بالحلم، وهو يتضمن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر، والعفو عمن ~~جنى. { فلما بلغ } الغلام { معه السعي } أي: أدرك أن يسعى ~~معه، وبلغ سنا يكون في الغالب أحب ما يكون لوالديه، قد ذهبت مشقته، ~~وأقبلت منفعته، فقال له إبراهيم عليه السلام: { إني أرى في ~~المنام أني أذبحك } أي: قد رأيت في النوم والرؤيا، أن الله ~~يأمرني بذبحك، ورؤيا الأنبياء وحي، { فانظر ماذا ترى } فإن أمر ~~الله تعالى لا بد من تنفيذه، { قال } إسماعيل صابرا محتسبا، مرضيا ~~لربه، وبارا بوالده: { يأبت افعل ما تؤمر } أي: [امض] لما ~~أمرك الله { ستجدني إن شآء الله من الصابرين } أخبر ~~أباه أنه موطن نفسه على الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى، لأنه لا ~~يكون شيء بدون مشيئة الله تعالى. { فلما أسلما } أي: ms1306 إبراهيم ~~وابنه إسماعيل، جازما بقتل ابنه وثمرة فؤاده، امتثالا لأمر ربه، وخوفا ~~من عقابه، والابن قد وطن نفسه على الصبر، وهانت عليه في طاعة ربه، ورضا ~~والده، { وتله للجبين } أي: تل إبراهيم إسماعيل على جبينه، ~~ليضجعه فيذبحه، وقد انكب لوجهه لئلا ينظر وقت الذبح إلى وجهه. { ~~وناديناه } في تلك الحال المزعجة، والأمر المدهش: { أن ~~يإبراهيم * قد صدقت } أي: قد فعلت ما أمرت به، فإنك وطنت ~~نفسك على ذلك، وفعلت كل سبب، ولم يبق إلا إمرار السكين على حلقه، { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين } في عبادتنا، المقدمين رضانا ~~على شهوات أنفسهم. { إن هذا } الذي امتحنا به إبراهيم عليه السلام ~~{ لهو البلاء المبين } أي: الواضح، الذي تبين به صفاء ~~إبراهيم، وكمال محبته لربه وخلته، فإن إسماعيل عليه السلام لما وهبه ~~الله لإبراهيم، أحبه حبا شديدا، وهو خليل الرحمن، والخلة أعلى أنواع ~~المحبة، وهو منصب لا يقبل المشاركة ويقتضي أن تكون جميع أجزاء القلب ~~متعلقة بالمحبوب، فلما تعلقت شعبة من شعب قلبه بابنه إسماعيل، أراد تعالى ~~أن يصفي وده ويختبر خلته، فأمره أن يذبح من زاحم حبه حب ربه، ~~فلما قدم حب الله، وآثره على هواه، وعزم على ذبحه، وزال ما في القلب من ~~المزاحم، بقي الذبح لا فائدة فيه، فلهذا قال: { إن هذا لهو ~~البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم } أي: صار بدله ~~ذبح من الغنم عظيم، ذبحه إبراهيم، فكان عظيما من جهة أنه كان فداء ~~لإسماعيل، ومن جهة أنه من جملة العبادات الجليلة، ومن جهة أنه كان ~~قربانا وسنة إلى يوم القيامة. # { وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم } ~~أي: وأبقينا عليه ثناء صادقا في الآخرين، كما كان في الأولين، فكل وقت ~~بعد إبراهيم عليه السلام، فإنه [فيه] محبوب معظم مثني عليه. { سلام ~~على إبراهيم } أي: تحيته عليه كقوله: # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى # [النمل: 59]. { كذلك نجزي المحسنين } في عبادة الله، ~~ومعاملة خلقه، أن نفرج عنهم الشدائد، ونجعل لهم العاقبة والثناء الحسن. { ~~إنه من عبادنا المؤمنين } بما أمر الله بالإيمان ms1307 به، ~~الذين بلغ بهم الإيمان إلى درجة اليقين، كما قال تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75]. { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين } هذه البشارة الثانية بإسحاق، الذي من ورائه يعقوب، فبشر ~~بوجوده وبقائه، ووجود ذريته، وكونه نبيا من الصالحين، فهي بشارات ~~متعددة. { وباركنا عليه وعلى إسحاق } أي: أنزلنا عليهما ~~البركة، التي هي النمو والزيادة في علمهما وعملهما وذريتهما، فنشر الله ~~من ذريتهما ثلاث أمم عظيمة: أمة العرب من ذرية إسماعيل، وأمة بني ~~إسرائيل، وأمة الروم من ذرية إسحاق. { ومن ذريتهما محسن ~~وظالم لنفسه مبين } أي: منهم الصالح والطالح، والعادل ~~والظالم الذي تبين ظلمه بكفره وشركه، ولعل هذا من باب دفع الإيهام، فإنه ~~لما قال: { وباركنا عليه وعلى إسحاق } اقتضى ذلك البركة ~~في ذريتهما، وأن من تمام البركة، أن تكون الذرية كلهم محسنين، فأخبر ~~الله تعالى أن منهم محسنا وظالما، والله أعلم. ### || [37.114-122] # { ولقد مننا على موسى وهارون } إلى آخر القصة. يذكر ~~تعالى منته على عبديه ورسوليه، موسى، وهارون ابني عمران، بالنبوة ~~والرسالة، والدعوة إلى الله تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون، ~~ونصرهما عليه، حتى أغرقه الله وهم ينظرون، وإنزال الله عليهما الكتاب ~~المستبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظ وتفصيل كل شيء، وأن ~~الله هداهما الصراط المستقيم، بأن شرع لهما دينا ذا أحكام وشرائع ~~مستقيمة موصلة إلى الله، ومن عليهما بسلوكه. { وتركنا ~~عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون } أي: ~~أبقى عليهما ثناء حسنا، وتحية في الآخرين، ومن باب أولى وأحرى في ~~الأولين { إنا كذلك نجزي المحسنين * إنهما من ~~عبادنا المؤمنين }. ### || [37.123-132] # يمدح تعالى عبده ورسوله إلياس عليه الصلاة والسلام، بالنبوة والرسالة، ~~والدعوة إلى الله، وأنه أمر قومه بالتقوى وعبادة الله وحده، ونهاهم عن ~~عبادتهم صنما لهم يقال له " بعل " ، وتركهم عبادة الله، الذي خلق ~~الخلق، وأحسن خلقهم، ورباهم فأحسن تربيتهم، وأدر عليهم النعم ~~الظاهرة والباطنة، وأنكم كيف تركتم عبادة من هذا شأنه، إلى عبادة صنم ~~لا يضر ولا ينفع، ولا يخلق ولا يرزق، بل لا ms1308 يأكل ولا يتكلم؟!! وهل هذا ~~إلا من أعظم الضلال والسفه والغي؟!! { فكذبوه } فيما دعاهم إليه، ~~فلم ينقادوا له، قال الله متوعدا لهم: { فإنهم لمحضرون } ~~أي: يوم القيامة في العذاب، ولم يذكر لهم عقوبة دنيوية. { إلا عباد ~~الله المخلصين } أي: الذين أخلصهم الله ومن عليهم باتباع ~~نبيهم، فإنهم غير محضرين في العذاب، وإنما لهم من الله جزيل الثواب. { ~~وتركنا عليه } أي: على إلياس { في الآخرين } ثناء حسنا. { ~~سلام على إل ياسين } أي: تحية من الله ومن عباده عليه. { ~~إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين } فأثنى الله عليه كما أثنى على إخوانه صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين. ### || [37.133-138] # وهذا ثناء منه تعالى على عبده ورسوله لوط، بالنبوة والرسالة، ودعوته إلى ~~الله قومه، ونهيهم عن الشرك وفعل الفاحشة، فلما لم ينتهوا، نجاه الله ~~وأهله أجمعين، فسروا ليلا فنجوا. { إلا عجوزا في الغابرين } ~~أي: الباقين المعذبين، وهي زوجة لوط لم تكن على دينه. { ثم دمرنا ~~الآخرين } بأن قلبنا عليهم ديارهم # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل منضود # [هود: 82] حتى همدوا وخمدوا. { وإنكم لتمرون عليهم } ~~أي: على ديار قوم لوط { عليهم مصبحين * وباليل } أي: في ~~هذه الأوقات يكثر ترددكم إليها ومروركم بها، فلم تقبل الشك والمرية. { ~~أفلا تعقلون } الآيات والعبر، وتنزجرون عما يوجب الهلاك؟ ### || [37.139-148] # { وإن يونس لمن المرسلين } إلى آخر القصة. وهذا ثناء ~~منه تعالى على عبده ورسوله يونس بن متى، كما أثنى على إخوانه المرسلين، ~~بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى الله، وذكر تعالى عنه، أنه عاقبه عقوبة ~~دنيوية، أنجاه منها بسبب إيمانه وأعماله الصالحة، فقال: { إذ أبق } ~~أي: من ربه مغاضبا له، ظانا أنه لا يقدر عليه، ويحبسه في بطن الحوت، ~~ولم يذكر الله ما غاضب عليه، ولا ذنبه الذي ارتكبه، لعدم فائدتنا بذكره، ~~وإنما فائدتنا بما ذكرنا عنه أنه أذنب، وعاقبه الله مع كونه من الرسل ~~الكرام، وأنه نجاه بعد ذلك، وأزال عنه الملام، وقيض له ما هو سبب صلاحه. ~~فلما أبق لجأ { إلى الفلك المشحون } بالركاب والأمتعة، فلما ms1309 ~~ركب مع غيره، والفلك شاحن، ثقلت السفينة، فاحتاجوا إلى إلقاء بعض ~~الركبان، وكأنهم لم يجدوا لأحد مزية في ذلك، فاقترعوا على أن من قرع ~~وغلب، ألقي في البحر عدلا من أهل السفينة، وإذا أراد الله أمرا هيأ ~~أسبابه. فلما [اقترعوا] أصابت القرعة يونس { فكان من المدحضين ~~} أي: المغلوبين، فألقي في البحر { فالتقمه الحوت وهو } وقت ~~التقامه { مليم } أي: فاعل ما يلام عليه، وهو مغاضبته لربه. { ~~فلولا أنه كان من المسبحين } أي: في وقته السابق ~~بكثرة عبادته لربه وتسبيحه وتحميده، وفي بطن الحوت حيث قال: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. { للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } ~~أي: لكانت مقبرته، ولكن بسبب تسبيحه وعبادته لله، نجاه الله تعالى، ~~وكذلك ينجي الله المؤمنين عند وقوعهم في الشدائد. { فنبذناه ~~بالعرآء } بأن قذفه الحوت من بطنه بالعراء، وهي الأرض الخالية ~~العارية من كل أحد، بل ربما كانت عارية من الأشجار والظلال. { وهو ~~سقيم } أي: قد سقم ومرض، بسبب حبسه في بطن الحوت، حتى صار مثل الفرخ ~~الممعوط من البيضة. { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } ~~تظله بظلها الظليل، لأنها بادرة باردة الظلال، ولا يسقط عليها ذباب، ~~وهذا من لطفه به وبره. ثم لطف به لطفا آخر، وامتن عليه منة عظمى، ~~وهو أنه أرسله { إلى مئة ألف } من الناس { أو يزيدون } ~~عنها، والمعنى أنهم إن ما زادوا لم ينقصوا، فدعاهم إلى الله تعالى. { ~~فآمنوا } فصاروا في موازينه، لأنه الداعي لهم، { فمتعناهم ~~إلى حين } بأن صرف الله عنهم العذاب بعدما انعقدت أسبابه، قال ~~تعالى: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. ### || [37.149-157] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { فاستفتهم } أي: ~~اسأل المشركين بالله غيره، الذين عبدوا الملائكة، وزعموا أنها بنات ~~الله، فجمعوا بين الشرك بالله ووصفه بما لا يليق بجلاله، { ألربك ~~البنات ولهم البنون } أي: هذه قسمة ضيزى، وقول جائر، من جهة ~~جعلهم الولد لله تعالى، ms1310 ومن جهة جعلهم أردأ القسمين وأخسهما له، وهو ~~البنات التي لا يرضونهن لأنفسهم، كما قال في الآية الأخرى # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57] ومن جهة جعلهم الملائكة بنات الله، وحكمهم بذلك. قال تعالى ~~في بيان كذبهم: { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون } خلقهم؟ أي: ليس الأمر كذلك، فإنهم ما شهدوا خلقهم، فدل ~~على أنهم قالوا هذا القول بلا علم، بل افتراء على الله، ولهذا قال: { ~~ألا إنهم من إفكهم } أي: كذبهم الواضح { ليقولون ~~ولد الله وإنهم لكاذبون }. { أصطفى } أي: اختار { ~~البنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون } هذا ~~الحكم الجائر { أفلا تذكرون } وتميزون هذا القول الباطل الجائر ~~فإنكم لو تذكرتم لم تقولوا هذا القول: { أم لكم سلطان مبين ~~} أي حجة ظاهرة على قولكم، من كتاب أو رسول. وكل هذا غير واقع ولهذا قال: ~~{ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين } فإن من يقول قولا ~~لا يقيم عليه حجة شرعية، فإنه كاذب متعمد، أو قائل على الله بلا علم. ### || [37.158-160] # أي: جعل هؤلاء المشركون بالله بين الله وبين الجنة نسبا، حيث زعموا ~~أن الملائكة بنات الله، وأن أمهاتهم سروات الجن، والحال أن الجنة قد ~~علمت أنهم محضرون بين يدي الله، [ليجازيهم] عبادا أذلاء، فلو كان بينهم ~~وبينه نسب لم يكونوا كذلك. { سبحان الله } الملك العظيم، الكامل ~~الحليم، عما يصفه به المشركون من كل وصف أوجبه كفرهم وشركهم. { إلا ~~عباد الله المخلصين } فإنه لم ينزه نفسه عما وصفوه به، لأنهم ~~لم يصفوه إلا بما يليق بجلاله، وبذلك كانوا مخلصين. ### || [37.161-163] # أي: إنكم أيها المشركون ومن عبدتموه مع الله، لا تقدرون أن تفتنوا ~~وتضلوا أحدا، إلا من قضى الله أنه من أهل الجحيم، فينفذ فيه القضاء ~~الإلهي، والمقصود من هذا، بيان عجزهم وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبيان ~~كمال قدرة الله تعالى، أي: فلا تطمعوا بإضلال عباد الله المخلصين وحزبه ~~المفلحين. ### || [37.164-166] # هذا [فيه] بيان براءة الملائكة عليهم السلام عما قاله فيهم المشركون، ~~وأنهم عباد الله، لا يعصونه طرفة عين، فما منهم ms1311 من أحد إلا له مقام ~~وتدبير قد أمره الله به، لا يتعداه ولا يتجاوزه، وليس لهم من الأمر شيء. ~~{ وإنا لنحن الصآفون } في طاعة الله وخدمته { وإنا ~~لنحن المسبحون } لله عما لا يليق به. فكيف - مع هذا - يصلحون ~~أن يكونوا شركاء لله؟! تعالى الله. ### || [37.167-182] # { وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا ~~به فسوف يعلمون * ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا ~~لهم الغالبون * فتول عنهم حتى حين } إلى آخر ~~السورة. يخبر تعالى أن هؤلاء المشركين يظهرون التمني، ويقولون: لو جاءنا ~~من الذكر والكتب ما جاء الأولين، لأخلصنا لله العبادة، بل لكنا المخلصين ~~على الحقيقة. وهم كذبة في ذلك، فقد جاءهم أفضل الكتب فكفروا به، فعلم ~~أنهم متمردون على الحق، { فسوف يعلمون } العذاب حين يقع بهم، ~~ولا يحسبوا أيضا أنهم في الدنيا غالبون، بل قد سبقت كلمة الله التي لا ~~مرد لها ولا مخالف لها لعباده المرسلين وجنده المفلحين، أنهم الغالبون ~~لغيرهم، المنصورون من ربهم نصرا عزيزا، يتمكنون فيه من إقامة دينهم، ~~وهذه بشارة عظيمة لمن اتصف بأنه من جند الله، بأن كانت أحواله مستقيمة، ~~وقاتل من أمر بقتالهم، أنه غالب منصور. ثم أمر رسوله بالإعراض عمن عاندوا ~~ولم يقبلوا الحق، وأنه ما بقي إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، ولهذا ~~قال: { وأبصرهم فسوف يبصرون } من يحل به النكال، فإنه ~~سيحل بهم. { فإذا نزل بساحتهم } أي: نزل عليهم، وقريبا منهم ~~{ فسآء صباح المنذرين } لأنه صباح الشر والعقوبة والاستئصال. ~~ثم كرر الأمر بالتولي عنهم، وتهديدهم بوقوع العذاب. ولما ذكر في هذه ~~السورة كثيرا من أقوالهم الشنيعة التي وصفوه بها، نزه نفسه عنها فقال: { ~~سبحان ربك } أي: تنزه وتعالى { رب العزة } [أي:] الذي عز ~~فقهر كل شيء، واعتز عن كل سوء يصفونه به، { وسلام على ~~المرسلين } لسلامتهم من الذنوب والآفات، وسلامة ما وصفوا به فاطر ~~الأرض والسماوات. { والحمد لله رب العالمين } الألف ~~واللام، للاستغراق، فجميع أنواع الحمد من الصفات الكاملة العظيمة، ms1312 ~~والأفعال التي ربى بها العالمين، وأدر عليهم فيها النعم، وصرف عنهم ~~بها النقم، ودبرهم تعالى في حركاتهم وسكونهم، وفي جميع أحوالهم، كلها ~~لله تعالى، فهو المقدس عن النقص، المحمود بكل كمال، المحبوب المعظم، ~~ورسله سالمون مسلم عليهم، ومن اتبعهم في ذلك له السلامة في الدنيا ~~والآخرة. [وأعداؤه لهم الهلاك والعطب في الدنيا والآخرة]. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-11] # هذا بيان من الله تعالى لحال القرآن، وحال المكذبين به معه ومع من ~~جاء به، فقال: { ص والقرآن ذي الذكر } أي: ذي القدر العظيم ~~والشرف، المذكر للعباد كل ما يحتاجون إليه من العلم، بأسماء الله ~~وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام ~~المعاد والجزاء، فهو مذكر لهم في أصول دينهم وفروعه. وهنا لا يحتاج إلى ~~ذكر المقسم عليه، فإن حقيقة الأمر، أن المقسم به وعليه شيء واحد، وهو هذا ~~القرآن، الموصوف بهذا الوصف الجليل، فإذا كان القرآن بهذا الوصف، علم ~~ضرورة العباد إليه فوق كل ضرورة، وكان الواجب عليهم تلقيه بالإيمان ~~والتصديق، والإقبال على استخراج ما يتذكر به منه. فهدى الله من هدى ~~لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزله، وصار معهم { عزة وشقاق } ~~عزة وامتناع عن الإيمان به، واستكبار وشقاق له، أي: مشاقة ومخاصمة في رده ~~وإبطاله، وفي القدح بمن جاء به. فتوعدهم بإهلاك القرون الماضية المكذبة ~~بالرسل، وأنهم حين جاءهم الهلاك، نادوا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم ~~ولكن { ولات حين مناص } أى: وليس الوقت وقت خلاص مما وقعوا فيه، ~~ولا فرج لما أصابهم، فليحذر هؤلاء أن يدوموا على عزتهم وشقاقهم، ~~فيصيبهم ما أصابهم. { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } ~~أي: عجب هؤلاء المكذبون في أمر ليس محل عجب، أن جاءهم منذر منهم، ~~ليتمكنوا من التلقي عنه، وليعرفوه حق المعرفة، ولأنه من قومهم، فلا ~~تأخذهم النخوة القومية عن اتباعه، فهذا مما يوجب الشكر عليهم، وتمام ~~الانقياد له. ولكنهم عكسوا القضية، فتعجبوا تعجب إنكار وقالوا من ~~كفرهم وظلمهم: { هذا ساحر كذاب } وذنبه -عندهم- أنه { ~~أجعل الآلهة إلها واحدا } أى: كيف ينهى عن اتخاذ ms1313 الشركاء ~~والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده. { إن هذا } الذي جاء ~~به { لشيء عجاب } أي: يقضي منه العجب لبطلانه وفساده. { ~~وانطلق الملأ منهم } المقبول قولهم، محرضين قومهم على التمسك ~~بما هم عليه من الشرك. { أن امشوا واصبروا على آلهتكم ~~} أى: استمروا عليها، وجاهدوا نفوسكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا ~~يردكم عنها راد، ولا يصدنكم عن عبادتها، صاد. { إن هذا } الذي جاء ~~به محمد، من النهي عن عبادتها { لشيء يراد } أي: يقصد، أي: له قصد ~~ونية غير صالحة في ذلك، وهذه شبهة لا تروج إلا على السفهاء، فإن من دعا ~~إلى قول حق أو غير حق، لا يرد قوله بالقدح في نيته، فنيته وعمله له، ~~وإنما يرد بمقابلته بما يبطله ويفسده، من الحجج والبراهين، وهم قصدهم، أن ~~محمدا، ما دعاكم إلى ما دعاكم، إلا ليرأس فيكم، ويكون معظما ~~عندكم، متبوعا. { ما سمعنا بهذا } القول الذي قاله، والدين ~~الذي دعا إليه { فى الملة الآخرة } أي: في الوقت الأخير، فلا ~~أدركنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه، فامضوا على الذي مضى ~~عليه آباؤكم، فإنه الحق، وما هذا الذي دعا إليه محمد إلا اختلاق اختلقه، ~~وكذب افتراه، وهذه أيضا شبهة من جنس شبهتهم الأولى، حيث ردوا الحق بما ~~ليس بحجة لرد أدنى قول، وهو أنه قول مخالف لما عليه آباؤهم الضالون، فأين ~~في هذا ما يدل على بطلانه؟. # { أءنزل عليه الذكر من بيننا } أي: ما الذي فضله ~~علينا، حتى ينزل الذكر عليه من دوننا، ويخصه الله به؟ وهذه أيضا ~~شبهة، أين البرهان فيها على رد ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلا بهذا الوصف، ~~يمن الله عليهم برسالته، ويأمرهم بدعوة الخلق إلى الله، ولهذا، لما ~~كانت هذه الأقوال الصادرة منهم لا يصلح شيء منها لرد ما جاء به الرسول، ~~أخبر تعالى من أين صدرت، وأنهم { في شك من ذكري } ليس عندهم علم ~~ولا بينة. فلما وقعوا في الشك وارتضوا به، وجاءهم الحق الواضح، وكانوا ~~جازمين بإقامتهم على شكهم، قالوا ما قالوا من تلك ms1314 الأقوال لدفع الحق، لا ~~عن بينة من أمرهم، وإنما ذلك من باب الائتفاك منهم. ومن المعلوم، أن من ~~هو بهذه الصفة يتكلم عن شك وعناد، إن قوله غير مقبول، ولا قادح أدنى قدح ~~في الحق، وأنه يتوجه عليه الذم واللوم بمجرد كلامه، ولهذا توعدهم ~~بالعذاب، فقال: { بل لما يذوقوا عذاب } أي: قالوا هذه ~~الأقوال، وتجرؤوا عليها، حيث كانوا ممتعين في الدنيا، لم يصبهم من عذاب ~~الله شيء، فلو ذاقوا عذابه لم يتجرؤوا. { أم عندهم خزآئن ~~رحمة ربك العزيز الوهاب } فيعطون منها من شاؤوا، ~~ويمنعون منها من شاؤوا، حيث قالوا: { أءنزل عليه الذكر من ~~بيننا } أي: هذا فضله تعالى ورحمته، وليس ذلك بأيديهم حتى يتحجروا ~~على الله. { أم لهم ملك السموت والأرض وما ~~بينهما } بحيث يكونون قادرين على ما يريدون. { فليرتقوا فى ~~الأسباب } الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمة عن رسول الله، ~~فكيف يتكلمون، وهم أعجز خلق الله وأضعفهم بما تكلموا به؟! أم قصدهم ~~التحزب والتجند، والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحق؟ وهو الواقع فإن ~~هذا المقصود لا يتم لهم، بل سعيهم خائب، وجندهم مهزوم، ولهذا قال: { ~~جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب }. ### || [38.12-15] # يحذرهم تعالى أن يفعل بهم ما فعل بالأمم من قبلهم، الذين كانوا أعظم قوة ~~منهم وتحزبا على الباطل، { قوم نوح وعاد } قوم هود { ~~وفرعون ذو الأوتاد } أى: الجنود العظيمة، والقوة الهائلة. { ~~وثمود } قوم صالح، { وقوم لوط وأصحاب لئيكة } أي: ~~الأشجار والبساتين الملتفة، وهم قوم شعيب، { أولئك الأحزاب } ~~الذين اجتمعوا بقوتهم وعددهم وعددهم على رد الحق، فلم تغن عنهم ~~شيئا. { إن كل } من هؤلاء { إلا كذب الرسل فحق } ~~عليهم { عقاب } الله، وهؤلاء ما الذي يطهرهم ويزكيهم، أن لا يصيبهم ~~ما أصاب أولئك. فلينتظروا { صيحة واحدة ما لها من فواق } ~~أي: من رجوع ورد، تهلكهم وتستأصلهم إن أقاموا على ما هم عليه. ### || [38.16-20] # { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ~~* اصبر على ما يقولون }. أي: قال هؤلاء المكذبون، من جهلهم ~~ومعاندتهم الحق، مستعجلين للعذاب: { ربنا عجل لنا قطنا ms1315 } ~~أي: قسطنا وما قسم لنا من العذاب عاجلا { قبل يوم الحساب } ~~ولجوا في هذا القول، وزعموا أنك يا محمد، إن كنت صادقا، فعلامة صدقك ~~أن تأتينا بالعذاب، فقال لرسوله: { اصبر على ما يقولون } كما ~~صبر من قبلك من الرسل، فإن قولهم لا يضر الحق شيئا، ولا يضرونك في ~~شيء، وإنما يضرون أنفسهم. { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد ~~إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق * والطير محشورة كل له ~~أواب * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب } لما أمر الله رسوله بالصبر على قومه، أمره أن يستعين على ~~الصبر بالعبادة لله وحده، ويتذكر حال العابدين، كما قال في الآية ~~الأخرى: # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها # [طه: 130]. ومن أعظم العابدين، نبي الله داود عليه الصلاة والسلام { ~~ذا الأيد } أي: القوة العظيمة على عبادة الله تعالى، في بدنه وقلبه. ~~{ إنه أواب } أي: رجاع إلى الله في جميع الأمور بالإنابة ~~إليه، بالحب والتأله، والخوف والرجاء، وكثرة التضرع والدعاء، رجاع إليه ~~عندما يقع منه بعض الخلل، بالإقلاع والتوبة النصوح. ومن شدة إنابته لربه ~~وعبادته، أن سخر الله الجبال معه، تسبح معه بحمد ربها { بالعشي ~~والإشراق } أول النهار وآخره. { و } سخر { الطير محشورة } ~~معه مجموعة { كل } من الجبال والطير، لله تعالى { أواب } امتثالا ~~لقوله تعالى: # يجبال أوبي معه والطير # [سبأ: 10] فهذه منة الله عليه بالعبادة، ثم ذكر منته عليه بالملك ~~العظيم فقال: { وشددنا ملكه } أي: قويناه بما أعطيناه من ~~الأسباب، وكثرة العدد والعدد التي بها قوى الله ملكه، ثم ذكر ~~منته عليه بالعلم فقال: { وآتيناه الحكمة } أي: النبوة والعلم ~~العظيم، { وفصل الخطاب } أي: الخصومات بين الناس. ### || [38.21-26] # لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان ~~معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما ~~الله فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب الله عليه وغفر له، وقيض له ~~هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وهل أتاك ~~نبؤا الخصم ms1316 } فإنه نبأ عجيب { إذ تسوروا } على داود { ~~المحراب } أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان، ولم يدخلوا عليه ~~مع باب، فلذلك لما دخلوا عليه بهذه الصورة، فزع منهم وخاف، فقالوا له: ~~نحن { خصمان } فلا تخف { بغى بعضنا على بعض } بالظلم { ~~فاحكم بيننا بالحق } أي: بالعدل، ولا تمل مع أحدنا { ولا ~~تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط }. والمقصود من هذا، أن ~~الخصمين قد عرف أن قصدهما الحق الواضح الصرف، وإذا كان ذلك، فسيقصان عليه ~~نبأهما بالحق، فلم يشمئز نبي الله داود من وعظهما له، ولم يؤنبهما. فقال ~~أحدهما: { إن هذآ أخي } نص على الأخوة في الدين أو النسب أو ~~الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه الصادر منه أعظم من غيره. { له ~~تسع وتسعون نعجة } أي: زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه ~~القناعة بما آتاه الله. { ولي نعجة واحدة } فطمع فيها { ~~فقال أكفلنيها } أي: دعها لي، وخلها في كفالتي. { وعزني ~~في الخطاب } أي: غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد. ~~فقال داود - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، ~~أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول ~~القائل: " لم حكم داود قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر؟ " { لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه } وهذه عادة الخلطاء ~~والقرناء الكثير منهم، فقال: { وإن كثيرا من الخلطآء ~~ليبغي بعضهم على بعض } لأن الظلم من صفة النفوس. { ~~إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإن ما معهم من ~~الإيمان والعمل الصالح، يمنعهم من الظلم. { وقليل ما هم } كما ~~قال تعالى # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] { وظن داوود } حين حكم بينهما { أنما فتناه } ~~أي: اختبرناه، ودبرنا عليه هذه القضية ليتنبه { فاستغفر ربه } ~~لما صدر منه، { وخر راكعا } أي: ساجدا { وأناب } لله تعالى ~~بالتوبة النصوح والعبادة. { فغفرنا له ذلك } الذي صدر منه، ~~وأكرمه الله بأنواع الكرامات، فقال: { وإن له عندنا لزلفى ~~} أي: منزلة عالية، وقربة منا، { وحسن مآب } أي: مرجع. وهذا الذنب ~~الذي صدر من داود عليه السلام، ms1317 لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره، ~~فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه الله علينا من لطفه به ~~وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها. { ~~يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض } تنفذ فيها ~~القضايا الدينية والدنيوية، { فاحكم بين الناس بالحق } ~~أي: العدل، وهذا لا يتمكن منه، إلا بعلم بالواجب، وعلم بالواقع، وقدرة ~~على تنفيذ الحق، { ولا تتبع الهوى } فتميل مع أحد، لقرابة أو ~~صداقة أو محبة، أو بغض للآخر { فيضلك } الهوى { عن سبيل ~~الله } ويخرجك عن الصراط المستقيم، { إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله } خصوصا المتعمدين منهم، { لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب } فلو ذكروه ووقع خوفه في قلوبهم، لم ~~يميلوا مع الهوى الفاتن. ### || [38.27-29] # يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السماوات والأرض، وأنه لم يخلقهما ~~باطلا، أي: عبثا ولعبا من غير فائدة ولا مصلحة. { ذلك ظن ~~الذين كفروا } بربهم، حيث ظنوا ما لا يليق بجلاله. { فويل ~~للذين كفروا من النار } فإنها التي تأخذ الحق منهم، وتبلغ ~~منهم كل مبلغ. وإنما خلق الله السماوات والأرض بالحق وللحق، فخلقهما ~~ليعلم العباد كمال علمه وقدرته وسعة سلطانه، وأنه تعالى وحده المعبود، ~~دون من لم يخلق مثقال ذرة من السماوات والأرض، وأن البعث حق، وسيفصل ~~الله بين أهل الخير والشر. ولا يظن الجاهل بحكمة الله أن يسوي الله ~~بينهما في حكمه، ولهذا قال: { أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار } هذا غير لائق بحكمتنا وحكمنا. { كتاب ~~أنزلناه إليك مبارك } فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى ~~من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه ~~المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق ~~العالم منذ أنشأه الله. { ليدبروا آياته } أي: هذه الحكمة ~~من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها ~~وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد ~~مرة، تدرك بركته وخيره، ms1318 وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل ~~الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا ~~يحصل بها هذا المقصود. { وليتذكر أولوا الألباب } أي: ~~أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على ~~أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب. ### || [38.30-40] # لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان ~~عليهما السلام فقال: { ووهبنا لداوود سليمان } أي: أنعمنا ~~به عليه، وأقررنا به عينه. { نعم العبد } سليمان عليه السلام، ~~فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو { إنه أواب } أي: رجاع إلى ~~الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء ~~والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء. ولهذا، لما ~~عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات، أي: التي من وصفها الصفون، وهو ~~رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا ~~للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، ~~فألهته عن صلاة المساء وذكره. فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى ~~الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: { إني ~~أحببت حب الخير } وضمن " أحببت " معنى " آثرت " أي: آثرت حب ~~الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل { عن ذكر ~~ربي حتى توارت بالحجاب }. { ردوها علي } فردوها ~~{ فطفق } فيها { مسحا بالسوق والأعناق } أي: جعل يعقرها ~~بسيفه، في سوقها وأعناقها. { ولقد فتنا سليمان } أي: ~~ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه، وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة ~~البشرية، { وألقينا على كرسيه جسدا } أي: شيطانا قضى ~~الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة ~~سليمان، { ثم أناب } سليمان إلى الله تعالى وتاب. ف { قال ~~رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي إنك أنت الوهاب } فاستجاب الله له وغفر له، ورد ~~عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، ~~يبنون ما يريد، ms1319 ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه ~~منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه. وقلنا له: { هذا عطآؤنا } فقر ~~به عينا { فامنن } على من شئت، { أو أمسك } من شئت { ~~بغير حساب } أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى بكمال ~~عدله، وحسن أحكامه، ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة، بل له ~~في الآخرة خير عظيم. ولهذا قال: { وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب } أي: هو من المقربين عند الله المكرمين بأنواع الكرامات ~~لله. فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما ~~السلام فمنها: أن الله تعالى يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~أخبار من قبله، ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة ~~صبرهم وإنابتهم، ما يشوقه إلى منافستهم، والتقرب إلى الله الذي تقربوا ~~له، والصبر على أذى قومه، ولهذا - في هذا الموضع - لما ذكر الله ما ذكر ~~من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به، أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود ~~فيتسلى به. # ومنها: أن الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته، قوة القلب والبدن، ~~فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها، ما لا يحصل مع الوهن وعدم ~~القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها، وعدم الركون إلى الكسل ~~والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس. ومنها: أن الرجوع إلى الله في ~~جميع الأمور، من أوصاف أنبياء الله وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود ~~وسليمان بذلك، فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون، # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. ومنها: ما أكرم الله به نبيه داود عليه السلام، من حسن ~~الصوت العظيم، الذي جعل الله بسببه الجبال الصم، والطيور البهم، يجاوبنه ~~إذا رجع صوته بالتسبيح، ويسبحن معه بالعشي والإشراق. ومنها: أن من أكبر ~~نعم الله على عبده، أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين ~~الناس، كما امتن الله به على عبده داود عليه السلام. ومنها: اعتناء ~~الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم ms1320 ~~وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى، ~~كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام. ومنها: أن الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى، لأن مقصود ~~الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من ~~المعاصي، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه. ومنها: أن داود عليه ~~السلام [كان] في أغلب أحواله ملازما محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور ~~الخصمان عليه المحراب، لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم ~~يجعل كل وقته للناس، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتا ~~يخلو فيه بربه، وتقر عينه بعبادته، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره. ~~ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن ~~الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود، ~~فزع منهم، واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال. ومنها: أنه لا يمنع ~~الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي. ومنها: كمال حلم ~~داود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو ~~الملك، ولا انتهرهما، ولا وبخهما. ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه " ~~أنت ظلمتني " أو " يا ظالم " ونحو ذلك أو " باغ علي " لقولهما: { ~~خصمان بغى بعضنا على بعض }. ومنها: أن الموعوظ ~~والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد أو وعظه، لا ~~يغضب ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخصمين نصحا داود فلم ~~يشمئز، ولم يغضب، ولم يثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصرف. # ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب، وكثرة التعلقات الدنيوية ~~المالية، موجبة للتعادي بينهم، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يرد عن ذلك ~~إلا استعمال تقوى الله، والصبر على الأمور، بالإيمان والعمل الصالح، وأن ~~هذا من أقل شيء في الناس. ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصا الصلاة، ~~من مكفرات الذنوب، فإن الله رتب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده. ~~ومنها: إكرام الله لعبده ms1321 داود وسليمان، بالقرب منه، وحسن الثواب، وأن ~~لا يظن أن ما جرى لهما منقص لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه ~~بعباده المخلصين، أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم، أزال الآثار ~~المترتبة عليه كلها، حتى ما يقع في قلوب الخلق، فإنهم إذا علموا ببعض ~~ذنوبهم، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه ~~الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار. ومنها: أن الحكم بين الناس ~~مرتبة دينية، تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم ~~بالحق ومجانبة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم ~~بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد ~~الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يحل له الإقدام عليه. ومنها: أنه ينبغي ~~للحاكم أن يحذر الهوى، ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه، بل ~~يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض ~~لأحد الخصمين. ومنها: أن سليمان عليه السلام من فضائل داود، ومن منن ~~الله عليه حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده، أن يهب له ~~ولدا صالحا، فإن كان عالما، كان نورا على نور. ومنها: ثناء الله ~~تعالى على سليمان ومدحه في قوله { نعم العبد إنه أواب }. ~~ومنها: كثرة خير الله وبره بعبيده، أن يمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم ~~الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب. ومنها: تقديم سليمان ~~محبة الله تعالى على محبة كل شيء. ومنها: أن كل ما أشغل العبد عن الله، ~~فإنه مشؤوم مذموم، فليفارقه وليقبل على ما هو أنفع له. ومنها: ~~القاعدة المشهورة " من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه " فسليمان ~~عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديما لمحبة الله، ~~فعوضه الله خيرا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري ~~بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، ~~أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون. ومنها: أن تسخير ms1322 ~~الشياطين لا يكون لأحد بعد سليمان عليه السلام. ومنها: أن سليمان عليه ~~السلام، كان ملكا نبيا، يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف ~~النبي العبد، فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله، فلا يفعل ولا يترك إلا ~~بالأمر، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الحال أكمل. ### || [38.41-44] # أي: { واذكر } في هذا الكتاب ذي الذكر { عبدنآ أيوب } بأحسن ~~الذكر، وأثن عليه بأحسن الثناء، حين أصابه الضر، فصبر على ضره، فلم يشتك ~~لغير ربه، ولا لجأ إلا إليه. ف { نادى ربه } داعيا، وإليه لا ~~إلى غيره شاكيا، فقال: رب { أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب } أي: بأمر مشق متعب معذب، وكان سلط على جسده فنفخ فيه حتى ~~تقرح، ثم تقيح بعد ذلك واشتد به الأمر، وكذلك هلك أهله وماله. فقيل له: { ~~اركض برجلك } أي: اضرب الأرض بها، لينبع لك منها عين تغتسل منها ~~وتشرب، فيذهب عنك الضر والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضر، وشفاه الله ~~تعالى. { ووهبنا له أهله } قيل: إن الله تعالى أحياهم له { ~~ومثلهم معهم } في الدنيا، وأغناه الله، وأعطاه مالا عظيما ~~{ رحمة منا } بعبدنا أيوب، حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ثوابا ~~عاجلا وآجلا. { وذكرى لأولي الألباب } أي: وليتذكر أولو ~~العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن الله ~~تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا، ويستجيب دعاءه إذا دعاه. { وخذ ~~بيدك ضغثا } أي حزمة شماريخ { فاضرب به ولا تحنث }. ~~قال المفسرون: وكان في مرضه وضره قد غضب على زوجته في بعض الأمور، فحلف: ~~لئن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة، فلما شفاه الله، وكانت امرأته صالحة ~~محسنة إليه، رحمها الله ورحمه، فأفتاه أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ ~~ضربة واحدة، فيبر في يمينه. { إنا وجدناه } أي: أيوب { صابرا ~~} أي: ابتليناه بالضر العظيم، فصبر لوجه الله تعالى. { نعم ~~العبد } الذي كمل مراتب العبودية، في حال السراء والضراء، والشدة ~~والرخاء. { إنه أواب } أي: كثير الرجوع إلى الله، في مطالبه ~~الدينية والدنيوية، كثير الذكر لربه والدعاء، والمحبة والتأله. ### || [38.45-47] # يقول ms1323 تعالى: { واذكر عبادنآ } الذين أخلصوا لنا العبادة ذكرا ~~حسنا، { إبراهيم } الخليل { و } ابنه { إسحاق و } ابن ابنه { ~~يعقوب أولي الأيدي } أي: القوة على عبادة الله تعالى { ~~والأبصار } أي: البصيرة في دين الله. فوصفهم بالعلم النافع، والعمل ~~الصالح الكثير. { إنآ أخلصناهم بخالصة } عظيمة، وخصيصة ~~جسيمة، وهي: { ذكرى الدار } جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم، ~~والعمل لها صفوة وقتهم، والإخلاص والمراقبة لله وصفهم الدائم، وجعلناهم ~~ذكرى الدار يتذكر بأحوالهم المتذكر، ويعتبر بهم المعتبر، ويذكرون بأحسن ~~الذكر. { وإنهم عندنا لمن المصطفين } الذين اصطفاهم ~~الله من صفوة خلقه، { الأخيار } الذين لهم كل خلق كريم، وعمل ~~مستقيم. ### || [38.48-54] # { واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من ~~الأخيار * هذا ذكر }. أي: واذكر هؤلاء الأنبياء بأحسن الذكر، ~~وأثن عليهم أحسن الثناء، فإن كلا منهم من الأخيار الذين اختارهم الله ~~من الخلق، واختار لهم أكمل الأحوال، من الأعمال، والأخلاق، والصفات ~~الحميدة، والخصال السديدة. { هذا } أي: ذكر هؤلاء الأنبياء الصفوة ~~وذكر أوصافهم، { ذكر } في هذا القرآن ذي الذكر، يتذكر بأحوالهم ~~المتذكرون، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة المقتدون، ويعرف ما ~~من الله عليهم به من الأوصاف الزكية، وما نشر لهم من الثناء بين ~~البرية. فهذا نوع من أنواع الذكر، وهو ذكر أهل الخير، ومن أنواع الذكر، ~~ذكر جزاء أهل الخير وأهل الشر، ولهذا قال: { وإن للمتقين ~~لحسن مآب * جنات عدن مفتحة لهم الأبواب * ~~متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * ~~وعندهم قاصرات الطرف أتراب * هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب * إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ~~}. أي: { وإن للمتقين } ربهم، بامتثال الأوامر واجتناب ~~النواهي، من كل مؤمن ومؤمنة، { لحسن مآب } أي: لمآبا حسنا، ~~ومرجعا مستحسنا. ثم فسره وفصله، فقال: { جنات عدن } أي: جنات ~~إقامة، لا يبغي صاحبها بدلا منها، من كمالها وتمام نعيمها، وليسوا ~~بخارجين منها ولا بمخرجين. { مفتحة لهم الأبواب } أي: ~~مفتحة لأجلهم أبواب منازلها ومساكنها، لا يحتاجون أن يفتحوها هم ، بل هم ~~مخدومون، وهذا دليل أيضا على الأمان التام، وأنه ليس في جنات عدن، ما ~~يوجب أن تغلق لأجله ms1324 أبوابها. { متكئين فيها } على الأرائك ~~المزينات، والمجالس المزخرفات. { يدعون فيها } أي: يأمرون خدامهم، ~~أن يأتوا { بفاكهة كثيرة وشراب } من كل ما تشتهيه نفوسهم، ~~وتلذه أعينهم، وهذا يدل على كمال النعيم، وكمال الراحة والطمأنينة، وتمام ~~اللذة. { وعندهم } من أزواجهم، الحور العين { قاصرات } طرفهن ~~على أزواجهن، وطرف أزواجهن عليهن، لجمالهم كلهم، ومحبة كل منهما للآخر، ~~وعدم طموحه لغيره، وأنه لا يبغي بصاحبه بدلا، ولا عنه عوضا. { ~~أتراب } أي: على سن واحد، أعدل سن الشباب وأحسنه وألذه. { هذا ~~ما توعدون } أيها المتقون { ليوم الحساب } جزاء على أعمالكم ~~الصالحة. { إن هذا لرزقنا } الذي أوردناه على أهل دار النعيم ~~{ ما له من نفاد } أي: انقطاع، بل هو دائم مستقر في جميع ~~الأوقات، متزايد في جميع الآنات. وليس هذا بعظيم على الرب الكريم، الرؤوف ~~الرحيم، البر الجواد، الواسع الغني، الحميد اللطيف الرحمن، الملك الديان، ~~الجليل الجميل المنان، ذي الفضل الباهر، والكرم المتواتر، الذي لا تحصى ~~نعمه، ولا يحاط ببعض بره. ### || [38.55-64] # { هذا } الجزاء للمتقين ما وصفناه { وإن للطاغين } أي: ~~المتجاوزين للحد في الكفر والمعاصي { لشر مآب } أي: لشر مرجع ~~ومنقلب، ثم فصله فقال: { جهنم } التي جمع فيها كل عذاب، واشتد حرها، ~~وانتهى قرها { يصلونها } أي: يعذبون فيها عذابا يحيط بهم من كل ~~وجه، لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل. { فبئس المهاد } ~~المعد لهم مسكنا ومستقرا { هذا } المهاد، هذا العذاب الشديد، ~~والخزي والفضيحة والنكال. { فليذوقوه حميم } ماء حار، قد اشتد ~~حره، يشربونه فيقطع أمعاءهم. { وغساق } وهو أكره ما يكون من ~~الشراب، من قيح وصديد، مر المذاق، كريه الرائحة. { وآخر من شكله ~~} أي: من نوعه { أزواج } أي: عدة أصناف من أصناف العذاب، يعذبون بها ~~ويخزون بها. وعند تواردهم على النار يشتم بعضهم بعضا، ويقول بعضهم لبعض: ~~{ هذا فوج مقتحم معكم } النار { لا مرحبا بهم ~~إنهم صالوا النار }. { قالوا } أي: الفوج المقبل المقتحم: ~~{ بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه } أي: ~~العذاب { لنا } بدعوتكم لنا، وفتنتكم وإضلالكم وتسببكم. { فبئس ~~القرار } قرار الجميع، قرار السوء والشر. ثم ms1325 دعوا على المغوين لهم، ~~ف { قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ~~ضعفا في النار }. وقال في الآية الأخرى: # قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون # [الأعراف: 38]. { وقالوا } وهم في النار: { ما لنا لا نرى ~~رجالا كنا نعدهم من الأشرار } أي: كنا نزعم أنهم من ~~الأشرار، المستحقين لعذاب النار، وهم المؤمنون، تفقدهم أهل النار - ~~قبحهم الله - هل يرونهم في النار؟ { أتخذناهم سخريا أم ~~زاغت عنهم الأبصار } أي: عدم رؤيتنا لهم دائر بين أمرين: إما ~~أننا غالطون في عدنا إياهم من الأشرار، بل هم من الأخيار، وإنما كلامنا ~~لهم من باب السخرية والاستهزاء بهم، وهذا هو الواقع، كما قال تعالى لأهل ~~النار: # إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * ~~فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم ~~منهم تضحكون # [المؤمنون: 109-110]. والأمر الثاني أنهم لعلهم زاغت أبصارنا عن رؤيتهم ~~معنا في العذاب، وإلا فهم معنا معذبون، ولكن تجاوزتهم أبصارنا، فيحتمل أن ~~هذا الذي في قلوبهم، فتكون العقائد التي اعتقدوها في الدنيا، وكثرة ما ~~حكموا لأهل الإيمان بالنار، تمكنت من قلوبهم، وصارت صبغة لها، فدخلوا ~~النار وهم بهذه الحالة، فقالوا ما قالوا. ويحتمل أن كلامهم هذا كلام ~~تمويه، كما موهوا في الدنيا، موهوا حتى في النار، ولهذا يقول أهل الأعراف ~~لأهل النار # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم ~~تحزنون # [الأعراف: 49]. قال تعالى مؤكدا ما أخبر به، وهو أصدق القائلين { إن ~~ذلك } الذي ذكرت لكم { لحق } ما فيه شك ولا مرية { تخاصم ~~أهل النار }. ### || [38.65-88] # { قل } يا أيها الرسول لهؤلاء المكذبين، إن طلبوا منك ما ليس لك ولا ~~بيدك: { إنمآ أنا منذر } هذا نهاية ما عندي، وأما الأمر فلله ~~تعالى، ولكني آمركم وأنهاكم وأحثكم على الخير وأزجركم عن الشر فمن ~~اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها { وما من إله ~~إلا الله } أي: ما أحد يؤله ويعبد بحق إلا الله { الواحد ~~القهار } هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته ~~تعالى، وقهره ms1326 لكل شيء، فإن القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهارين متساويين ~~في قهرهما أبدا. فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، ~~وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرا وحده، وقرر ذلك أيضا ~~بتوحيد الربوبية فقال: { رب السموت والأرض وما ~~بينهما } أي: خالقهما، ومربيهما، ومدبرها بجميع أنواع التدابير. { ~~العزيز } الذي له القوة، التي بها خلق المخلوقات العظيمة. { ~~الغفار } لجميع الذنوب، صغيرها وكبيرها، لمن تاب إليه وأقلع منها. ~~فهذا الذي يحب ويستحق أن يعبد، دون من لا يخلق ولا يرزق، ولا يضر ولا ~~ينفع، ولا يملك من الأمر شيئا، وليس له قوة الاقتدار، ولا بيده مغفرة ~~الذنوب والأوزار. { قل } لهم، مخوفا ومحذرا، ومنهضا لهم ومنذرا: { ~~هو نبأ عظيم } أي: ما أنبأتكم به من البعث والنشور والجزاء على ~~الأعمال، خبر عظيم ينبغي الاهتمام الشديد بشأنه، ولا ينبغي إغفاله، ولكن ~~{ أنتم عنه معرضون } كأنه ليس أمامكم حساب ولا عقاب ولا ثواب، ~~فإن شككتم في قولي، وامتريتم في خبري، فإني أخبركم بأخبار لا علم لي بها ~~ولا درستها في كتاب، فإخباري بها على وجهها، من غير زيادة ولا نقص، أكبر ~~شاهد لصدقي، وأدل دليل على حق ما جئتكم به، ولهذا قال: { ما كان ~~لي من علم بالملإ الأعلى } أي: الملائكة { إذ ~~يختصمون } لولا تعليم الله إياي، وإيحاؤه إلي، ولهذا قال: { إن ~~يوحى إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين } أي: ظاهر ~~النذارة، جليها، فلا نذير أبلغ من نذارته صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر ~~اختصام الملأ الأعلى فقال: { إذ قال ربك للملائكة } على ~~وجه الإخبار { إني خالق بشرا من طين } أي: مادته من طين { ~~فإذا سويته } أي: سويت جسمه وتم، { ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين } فوطن الملائكة الكرام أنفسهم على ~~ذلك، حين يتم خلقه ونفخ الروح فيه، امتثالا لربهم، وإكراما لآدم عليه ~~السلام، فلما تم خلقه في بدنه وروحه، وامتحن الله آدم والملائكة في ~~العلم، وظهر فضله عليهم، أمرهم الله بالسجود. فسجدوا كلهم أجمعون إلا ~~إبليس لم يسجد { استكبر } عن ms1327 أمر ربه، واستكبر على آدم { وكان ~~من الكافرين } في علم الله تعالى. ف { قال } الله موبخا ~~ومعاتبا: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } أي: ~~شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة، التي اختص بها عن سائر الخلق، وذلك ~~يقتضي عدم التكبر عليه. # { أستكبرت } في امتناعك { أم كنت من العالين }. { ~~قال } إبليس معارضا لربه ومناقضا: { أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين } وبزعمه أن عنصر النار ~~خير من عنصر الطين، وهذا من القياس الفاسد، فإن عنصر النار مادة الشر ~~والفساد، والعلو والطيش والخفة وعنصر الطين مادة الرزانة والتواضع، ~~وإخراج أنواع الأشجار والنباتات، وهو يغلب النار ويطفئها، والنار تحتاج ~~إلى مادة تقوم بها، والطين قائم بنفسه، فهذا قياس شيخ القوم، الذي عارض ~~به الأمر الشفاهي من الله، قد تبين غاية بطلانه وفساده، فما بالك بأقيسة ~~التلاميذ الذين عارضوا الحق بأقيستهم؟ فإنها كلها أعظم بطلانا وفسادا ~~من هذا القياس. ف { قال } الله له: { فاخرج منها } أي: من ~~السماء والمحل الكريم. { فإنك رجيم } أي: مبعد مدحور. { وإن ~~عليك لعنتي } أي: طردي وإبعادي { إلى يوم الدين } أي: ~~دائما أبدا. { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون } ~~لشدة عداوته لآدم وذريته، ليتمكن من إغواء من قدر الله أن يغويه. ف { ~~قال } الله مجيبا لدعوته، حيث اقتضت حكمته ذلك: { فإنك من ~~المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } حين تستكمل ~~الذرية، يتم الامتحان. فلما علم أنه منظر، بادى ربه، من خبثه، بشدة ~~العداوة لربه ولآدم وذريته فقال: { فبعزتك لأغوينهم ~~أجمعين } يحتمل أن الباء للقسم، وأنه أقسم بعزة الله ليغوينهم كلهم ~~أجمعين. { إلا عبادك منهم المخلصين } علم أن الله ~~سيحفظهم من كيده. ويحتمل أن الباء للاستعانة، وأنه لما علم أنه عاجز من ~~كل وجه، وأنه لا يضل أحدا إلا بمشيئة الله تعالى، فاستعان بعزة الله ~~على إغواء ذرية آدم هذا، وهو عدو الله حقا. ونحن يا ربنا العاجزون ~~المقصرون، المقرون لك بكل نعمة، ذرية من شرفته وكرمته، فنستعين بعزتك ~~العظيمة وقدرتك، ورحمتك الواسعة لكل مخلوق، ورحمتك التي أوصلت إلينا بها ms1328 ~~ما أوصلت من النعم الدينية والدنيوية، وصرفت بها عنا ما صرفت من النقم، ~~أن تعيننا على محاربته وعداوته، والسلامة من شره وشركه، ونحسن الظن بك أن ~~تجيب دعاءنا، ونؤمن بوعدك الذي قلت لنا: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] فقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا. # إنك لا تخلف الميعاد # [آل عمران: 194]. { قال } الله تعالى { فالحق والحق ~~أقول } أي: الحق وصفي، والحق قولي { لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين } فلما بين الرسول للناس الدليل ~~ووضح لهم السبيل قال الله له: { قل مآ أسألكم عليه } أي: ~~على دعائي إياكم { من أجر ومآ أنآ من المتكلفين } ~~أدعي أمرا ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علم، لا أتبع إلا ما يوحى إلي. ~~{ إن هو } أي: هذا الوحي والقرآن { إلا ذكر للعالمين } ~~يتذكرون به كل ما ينفعهم من مصالح دينهم ودنياهم، فيكون شرفا ورفعة ~~للعاملين به، وإقامة حجة على المعاندين. # فهذه السورة العظيمة، مشتملة على الذكر الحكيم، والنبأ العظيم، وإقامة ~~الحجج والبراهين، على من كذب بالقرآن وعارضه، وكذب من جاء به، ~~والإخبار عن عباد الله المخلصين، وجزاء المتقين والطاغين. فلهذا أقسم في ~~أولها بأنه ذو الذكر، ووصفه في آخرها بأنه ذكر للعالمين. وأكثر التذكير ~~بها فيما بين ذلك، كقوله: # واذكر عبدنا # [ص: 17] - " واذكر عبادنا " - # رحمة من عندنا وذكرى # [الأنبياء: 84] # هذا ذكر # [ص: 49]. اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، نسيان غفلة ~~ونسيان ترك. { ولتعلمن نبأه } أي: خبره { بعد حين } ~~وذلك حين يقع عليهم العذاب وتتقطع عنهم الأسباب. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-3] # يخبر تعالى عن عظمة القرآن، وجلالة من تكلم به ونزل منه، وأنه نزل من ~~الله العزيز الحكيم، أي: الذي وصفه الألوهية للخلق، وذلك لعظمته وكماله، ~~والعزة التي قهر بها كل مخلوق، وذل له كل شيء، والحكمة في خلقه وأمره. ~~فالقرآن نازل ممن هذا وصفه، والكلام وصف للمتكلم، والوصف يتبع الموصوف، ~~فكما أن الله تعالى هو الكامل من كل وجه، الذي لا مثيل له، فكذلك كلامه ~~كامل من كل ms1329 وجه لا مثيل له، فهذا وحده كاف في وصف القرآن، دال على ~~مرتبته. ولكنه - مع هذا - زاد بيانا لكماله بمن نزل عليه، وهو محمد صلى ~~الله عليه وسلم، الذي هو أشرف الخلق فعلم أنه أشرف الكتب، وبما نزل به، ~~وهو الحق، فنزل بالحق الذي لا مرية فيه، لإخراج الخلق من الظلمات إلى ~~النور، ونزل مشتملا على الحق في أخباره الصادقة، وأحكامه العادلة، فكل ~~ما دل عليه فهو أعظم أنواع الحق، من جميع المطالب العلمية، وما بعد ~~الحق إلا الضلال. ولما كان نازلا من الحق، مشتملا على الحق لهداية ~~الخلق، على أشرف الخلق، عظمت فيه النعمة وجلت، ووجب القيام بشكرها، ~~وذلك بإخلاص الدين لله، فلهذا قال: { فاعبد الله مخلصا له ~~الدين } أي: أخلص لله تعالى جميع دينك، من الشرائع الظاهرة والشرائع ~~الباطنة: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تفرد الله وحده بها، وتقصد به ~~وجهه لا غير ذلك من المقاصد. { ألا لله الدين الخالص } هذا ~~تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله ~~التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع ~~الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، ~~لأنه متضمن للتأله لله في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، ~~والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده. وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ~~ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن الله بريء منه، وليس لله ~~فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا ~~والآخرة، مشق للنفوس غاية الشقاء، فلذلك لما أمر بالتوحيد والإخلاص، ~~نهى عن الشرك به، وأخبر بذم من أشرك به فقال: { والذين ~~اتخذوا من دونه أوليآء } أي: يتولونهم بعبادتهم ودعائهم، ~~[معتذرين] عن أنفسهم وقائلين: { أوليآء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونآ إلى الله زلفى } أي: لترفع حوائجنا لله، وتشفع ~~لنا عنده، وإلا، فنحن نعلم أنها، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك من الأمر ~~شيئا. أي: فهؤلاء قد تركوا ما أمر الله به من الإخلاص، وتجرؤوا على ms1330 ~~أعظم المحرمات، وهو الشرك، وقاسوا الذي ليس كمثله شيء، الملك العظيم، ~~بالملوك، وزعموا بعقولهم الفاسدة ورأيهم السقيم، أن الملوك كما أنه لا ~~يوصل إليهم إلا بوجهاء وشفعاء ووزراء يرفعون إليهم حوائج رعاياهم، ~~ويستعطفونهم عليهم، ويمهدون لهم الأمر في ذلك، أن الله تعالى كذلك. # وهذا القياس من أفسد الأقيسة، وهو يتضمن التسوية بين الخالق والمخلوق، ~~مع ثبوت الفرق العظيم، عقلا ونقلا وفطرة، فإن الملوك، إنما احتاجوا ~~للوساطة بينهم وبين رعاياهم، لأنهم لا يعلمون أحوالهم. فيحتاج من ~~يعلمهم بأحوالهم، وربما لا يكون في قلوبهم رحمة لصاحب الحاجة، فيحتاج ~~من يعطفهم عليه [ويسترحمه لهم]، ويحتاجون إلى الشفعاء والوزراء، ~~ويخافون منهم، فيقضون حوائج من توسطوا لهم، مراعاة لهم، ومداراة ~~لخواطرهم، وهم أيضا فقراء، قد يمنعون لما يخشون من الفقر. وأما الرب ~~تعالى، فهو الذي أحاط علمه بظواهر الأمور وبواطنها، الذي لا يحتاج من ~~يخبره بأحوال رعيته وعباده، وهو تعالى أرحم الراحمين، وأجود الأجودين، لا ~~يحتاج إلى أحد من خلقه يجعله راحما لعباده، بل هو أرحم بهم من أنفسهم ~~ووالديهم، وهو الذي يحثهم ويدعوهم إلى الأسباب التي ينالون بها رحمته، ~~وهو يريد من مصالحهم ما لا يريدونه لأنفسهم، وهو الغني، الذي له الغنى ~~التام المطلق، الذي لو اجتمع الخلق من أولهم وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، ~~فأعطى كلا منهم ما سأل وتمنى، لم ينقصوا من غناه شيئا، ولم ينقصوا مما ~~عنده، إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط. وجميع الشفعاء يخافونه، ~~فلا يشفع منهم أحد إلا بإذنه، وله الشفاعة كلها. فبهذه الفروق يعلم جهل ~~المشركين به، وسفههم العظيم، وشدة جراءتهم عليه. ويعلم أيضا الحكمة في ~~كون الشرك لا يغفره الله تعالى، لأنه يتضمن القدح في الله تعالى، ولهذا ~~قال حاكما بين الفريقين المخلصين والمشركين، وفي ضمنه التهديد للمشركين ~~-: { إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه ~~يختلفون }. وقد علم أن حكمه أن المؤمنين المخلصين في جنات النعيم، ~~ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. { إن ~~الله لا يهدي } أي: لا يوفق ms1331 للهداية إلى الصراط المستقيم { من ~~هو كاذب كفار } أي: وصفه الكذب أو الكفر، بحيث تأتيه المواعظ ~~والآيات، ولا يزول عنه ما اتصف به، ويريه الله الآيات، فيجحدها ويكفر ~~بها ويكذب، فهذا أنى له الهدى وقد سد على نفسه الباب، وعوقب بأن طبع ~~الله على قلبه، فهو لا يؤمن؟!! ### || [39.4] # أي: { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } كما زعم ذلك من ~~زعمه، من سفهاء الخلق. { لاصطفى مما يخلق ما يشآء } أي: ~~لاصطفى بعض مخلوقاته التي يشاء اصطفاءه، واختصه لنفسه، وجعله بمنزلة ~~الولد، ولم يكن حاجة إلى اتخاذ الصاحبة. { سبحانه } عما ظنه به ~~الكافرون، أو نسبه إليه الملحدون. { هو الله الواحد القهار ~~} أي: الواحد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، فلا شبيه له ~~في شيء من ذلك، ولا مماثل، فلو كان له ولد، لاقتضى أن يكون شبيها له في ~~وحدته، لأنه بعضه، وجزء منه. القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، فلو ~~كان له ولد لم يكن مقهورا، ولكان له إدلال على أبيه ومناسبة منه. ووحدته ~~تعالى وقهره متلازمان، فالواحد لا يكون إلا قهارا، والقهار لا يكون ~~إلا واحدا، وذلك ينفي الشركة له من كل وجه. ### || [39.5-7] # يخبر تعالى أنه { خلق السموت والأرض } أي: بالحكمة ~~والمصلحة، وليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم. { بالحق ~~يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل } أي: يدخل كلا منهما على الآخر، ويحله محله، فلا يجتمع هذا ~~وهذا، بل إذا أتى أحدهما انعزل الآخر عن سلطانه. { وسخر الشمس ~~والقمر } بتسخير منظم، وسير مقنن. { كل } من الشمس والقمر { ~~يجري } متأثرا عن تسخيره تعالى { لأجل مسمى } وهو انقضاء ~~هذه الدار وخرابها، فيخرب الله آلاتها وشمسها وقمرها، وينشئ الخلق نشأة ~~جديدة ليستقروا في دار القرار، الجنة أو النار. { ألا هو العزيز } ~~الذي لا يغالب، القاهر لكل شيء، الذي لا يستعصي عليه شيء، الذي من عزته ~~أوجد هذه المخلوقات العظيمة، وسخرها تجري بأمره. { الغفار } لذنوب ~~عباده التوابين المؤمنين، كما قال تعالى: # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82]. الغفار ms1332 لمن أشرك به بعد ما رأى من آياته العظيمة، ثم تاب ~~وأناب. ومن عزته أن { خلقكم من نفس واحدة } على كثرتكم ~~وانتشاركم، في أنحاء الأرض، { ثم جعل منها زوجها } وذلك ~~ليسكن إليها وتسكن إليه، وتتم بذلك النعمة. { وأنزل لكم من ~~الأنعام } أي: خلقها بقدر نازل منه، رحمة بكم. { ثمانية ~~أزواج } وهي التي ذكرها في سورة الأنعام # ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين # [الأنعام: 143] # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # [الأنعام: 144]. وخصها بالذكر، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم ~~غيرها، لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح ~~غيرها، كالأضحية والهدي، والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدية. ~~ولما ذكر خلق أبينا وأمنا، ذكر ابتداء خلقنا، فقال: { يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } أي: طورا بعد ~~طور، وأنتم في حال لا يد مخلوق تمسكم، ولا عين تنظر إليكم، وهو قد رباكم ~~في ذلك المكان الضيق { في ظلمات ثلاث } ظلمة البطن، ثم ظلمة ~~الرحم، ثم ظلمة المشيمة، { ذلكم } الذي خلق السماوات والأرض، وسخر ~~الشمس والقمر، وخلقكم وخلق لكم الأنعام والنعم { الله ربكم } أي: ~~المألوه المعبود، الذي رباكم ودبركم، فكما أنه الواحد في خلقه وتربيته لا ~~شريك له في ذلك، فهو الواحد في ألوهيته، لا شريك له، ولهذا قال: { ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } بعد هذا ~~البيان ببيان استحقاقه تعالى للإخلاص وحده إلى عبادة الأوثان، التي لا ~~تدبر شيئا، وليس لها من الأمر شيء. { إن تكفروا فإن الله ~~غني عنكم } لا يضره كفركم، كما لا ينتفع بطاعتكم، ولكن أمره ونهيه ~~لكم محض فضله وإحسانه عليكم. { ولا يرضى لعباده الكفر } ~~لكمال إحسانه بهم، وعلمه أن الكفر يشقيهم شقاوة لا يسعدون بعدها، ولأنه ~~خلقهم لعبادته، فهي الغاية التي خلق لها الخلق، فلا يرضى أن يدعوا ما ~~خلقهم لأجله. # { وإن تشكروا } لله تعالى بتوحيده، وإخلاص الدين له { يرضه ~~لكم } لرحمته بكم، ومحبته للإحسان عليكم، ولفعلكم ما خلقكم لأجله. ~~وكما أنه لا يتضرر بشرككم، ولا ينتفع بأعمالكم وتوحيدكم، كذلك كل ms1333 أحد ~~منكم له عمله، من خير وشر { ولا تزر وازرة وزر أخرى } { ~~ثم إلى ربكم مرجعكم } في يوم القيامة { ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } إخبارا أحاط به علمه، ~~وجرى عليه قلمه، وكتبته عليكم الحفظة الكرام، وشهدت به عليكم الجوارح، ~~فيجازي كلا منكم ما يستحقه. { إنه عليم بذات الصدور } ~~أي: بنفس الصدور، وما فيها من وصف بر أو فجور، والمقصود من هذا، ~~الإخبار بالجزاء بالعدل التام. ### || [39.8] # يخبر تعالى عن كرمه بعبده وإحسانه وبره، وقلة شكر عبده، وأنه حين يمسه ~~الضر، من مرض أو فقر، أو وقوع في كربة بحر أو غيره، أنه يعلم أنه لا ~~ينجيه في هذه الحال إلا الله، فيدعوه متضرعا منيبا، ويستغيث به في ~~كشف ما نزل به ويلح في ذلك. { ثم إذا خوله } الله { نعمة ~~منه } بأن كشف ما به من الضر والكربة، { نسي ما كان يدعو ~~إليه من قبل } أي: نسي ذلك الضر الذي دعا الله لأجله، ومر كأنه ~~ما أصابه ضر، واستمر على شركه. { وجعل لله أندادا ليضل ~~عن سبيله } أي: ليضل بنفسه، ويضل غيره، لأن الإضلال فرع عن الضلال، ~~فأتى بالملزوم ليدل على اللازم. { قل } لهذا العاتي، الذي بدل نعمة ~~الله كفرا: { تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار } فلا يغنيك ما تتمتع به إذا كان المآل النار. # أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ما ~~كانوا يوعدون * مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون # [الشعراء: 205-207]. ### || [39.9] # هذه مقابلة بين العامل بطاعة الله وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا ~~من الأمور التي تقرر في العقول تباينها، وعلم علما يقينا تفاوتها، فليس ~~المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع لله بأفضل ~~العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل ~~وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ~~ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة الله، فوصفه بالعمل الظاهر ~~والباطن. { قل هل يستوي الذين يعلمون } ربهم ويعلمون ~~دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك ms1334 من الأسرار والحكم { ~~والذين لا يعلمون } شيئا من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، ~~كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار. { إنما ~~يتذكر } إذا ذكروا { أولوا الألباب } أي: أهل العقول ~~الزكية الذكية، فهم الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على ~~الجهل، وطاعة الله على مخالفته، لأن لهم عقولا ترشدهم للنظر في ~~العواقب، بخلاف من لا لب له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه. ### || [39.10] # أي: قل مناديا لأشرف الخلق، وهم المؤمنون، آمرا لهم بأفضل الأوامر، ~~وهي التقوى، ذاكرا لهم السبب الموجب للتقوى، وهو ربوبية الله لهم ~~وإنعامه عليهم، المقتضي ذلك منهم أن يتقوه، ومن ذلك ما من الله عليهم ~~به من الإيمان فإنه موجب للتقوى، كما تقول: أيها الكريم تصدق، وأيها ~~الشجاع قاتل. وذكر لهم الثواب المنشط في الدنيا فقال: { للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا } بعبادة ربهم لهم { حسنة } ~~ورزق واسع، ونفس مطمئنة، وقلب منشرح، كما قال تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97]. { وأرض الله واسعة } إذا منعتم من عبادته في ~~أرض، فهاجروا إلى غيرها، تعبدون فيها ربكم، وتتمكنون من إقامة دينكم. ~~ولما قال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة } ~~كان لبعض النفوس مجال في هذا الموضع، وهو أن النص عام، أنه كل من أحسن ~~فله في الدنيا حسنة، فما بال من آمن في أرض يضطهد فيها ويمتهن، لا يحصل ~~له ذلك، دفع هذا الظن بقوله: { وأرض الله واسعة } وهنا بشارة ~~نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " # تشير إليه هذه الآية، وترمي إليه من قريب، وهو أنه تعالى أخبر أن أرضه ~~واسعة، فمهما ومنعتم من عبادته في موضع فهاجروا إلى غيرها، وهذا عام في ~~كل زمان ومكان، فلا بد أن يكون لكل مهاجر، ملجأ من المسلمين يلجأ إليه، ~~وموضع يتمكن من إقامة دينه فيه. { إنما ms1335 يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } وهذا عام في جميع أنواع الصبر، الصبر على ~~أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، والصبر عن معاصيه فلا يرتكبها، والصبر ~~على طاعته حتى يؤديها، فوعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، أي: بغير ~~حد ولا عد ولا مقدار، وما ذاك إلا لفضيلة الصبر ومحله عند الله، وأنه ~~معين على كل الأمور. ### || [39.11-16] # أي { قل } يا أيها الرسول للناس: { إني أمرت أن أعبد ~~الله مخلصا له الدين } في قوله في أول السورة: # فاعبد الله مخلصا له الدين # [الزمر: 2]. { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } لأني ~~الداعي الهادي للخلق إلى ربهم، فيقتضي أني أول من ائتمر بما آمر به، ~~وأول من أسلم، وهذا الأمر لا بد من إيقاعه من محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وممن زعم أنه من أتباعه، فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة، ~~والإخلاص لله في الأعمال الظاهرة والباطنة. { قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي } في ما أمرني به من الإخلاص والإسلام. { عذاب يوم ~~عظيم } يخلد فيه من أشرك، ويعاقب فيه من عصى. { قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه } كما قال تعالى: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]. { قل إن الخاسرين } حقيقة هم { الذين ~~خسروا أنفسهم } حيث حرموها الثواب، واستحقت بسببهم وخيم العقاب ~~{ وأهليهم يوم القيامة } أي فرق بينهم وبينهم، واشتد ~~عليهم الحزن، وعظم الخسران. { ألا ذلك هو الخسران المبين ~~} الذي ليس مثله خسران، وهو خسران مستمر، لا ربح بعده، بل ولا سلامة. ثم ~~ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال: { لهم من فوقهم ظلل ~~من النار } أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم { ومن تحتهم ظلل ~~}. { ذلك } الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار، سوط يسوق الله به ~~عباده إلى رحمته، { يخوف الله به عباده يعباد ~~فاتقون } أي جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى ~~التقوى، ms1336 وزاجر عما يوجب العذاب فسبحان من رحم عباده في كل شيء، وسهل ~~لهم الطرق الموصلة إليه، وحثهم على سلوكها، ورغبهم بكل مرغب تشتاق له ~~النفوس وتطمئن له القلوب، وحذرهم من العمل لغيره غاية التحذير، وذكر لهم ~~الأسباب الزاجرة عن تركه. ### || [39.17-18] # لما ذكر حال المجرمين ذكر حال المنيبين وثوابهم، فقال: { والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } والمراد بالطاغوت في هذا ~~الموضع، عبادة غير الله، فاجتنبوها في عبادتها. وهذا من أحسن الاحتراز ~~من الحكيم العليم، لأن المدح إنما يتناول المجتنب لها في عبادتها. { ~~وأنابوا إلى الله } بعبادته وإخلاص الدين له، فانصرفت دواعيهم ~~من عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى ~~التوحيد والطاعات، { لهم البشرى } التي لا يقادر قدرها، ولا يعلم ~~وصفها، إلا من أكرمهم بها، وهذا شامل للبشرى في الحياة الدنيا بالثناء ~~الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من الله، التي يرون في ~~خلالها، أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة، ولهم البشرى في الآخرة عند ~~الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، ~~من دوام رضوانه وبره وإحسانه، وحلول أمانه في الجنة. ولما أخبر أن لهم ~~البشرى، أمره الله ببشارتهم، وذكر الوصف الذي استحقوا به البشارة فقال: ~~{ فبشر عباد * الذين يستمعون القول } وهذا جنس ~~يشمل كل قول، فهم يستمعون جنس القول ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره مما ~~ينبغي اجتنابه، فلهذا من حزمهم وعقلهم أنهم يتبعون أحسنه، وأحسنه على ~~الإطلاق كلام الله وكلام رسوله، كما قال في هذه السورة: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # الآية [الزمر: 23]. وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء ~~الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى ~~معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا ~~أنه من أولي الألباب؟ قيل: نعم، أحسنه ما نص الله عليه # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # الآية [الزمر: 23] { الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه أولئك الذين هداهم الله } لأحسن الأخلاق ~~والأعمال { وأولئك هم أولوا الألباب ms1337 } أي: العقول ~~الزاكية. ومن لبهم وحزمهم، أنهم عرفوا الحسن من غيره، وآثروا ما ينبغي ~~إيثاره على ما سواه، وهذا علامة العقل، بل لا علامة للعقل سوى ذلك، فإن ~~الذي لا يميز بين الأقوال، حسنها، وقبيحها، ليس من أهل العقول الصحيحة، ~~أو الذي يميز، لكن غلبت شهوته عقله، فبقي عقله تابعا لشهوته فلم يؤثر ~~الأحسن، كان ناقص العقل. ### || [39.19-20] # أي: أفمن وجبت عليه كلمة العذاب باستمراره على غيه وعناده وكفره، فإنه ~~لا حيلة لك في هدايته، ولا تقدر تنقذ من في النار لا محالة، لكن الغنى ~~كل الغنى، والفوز كل الفوز، للمتقين الذين أعد لهم من الكرامة وأنواع ~~النعيم ما لا يقادر قدره. { لهم غرف } أي: منازل عالية مزخرفة، من ~~حسنها وبهائها وصفائها، أنه يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، ومن ~~علوها وارتفاعها، [أنها] ترى كما يرى الكوكب الغابر في الأفق الشرقي أو ~~الغربي، ولهذا قال: { من فوقها غرف } أي: بعضها فوق بعض { ~~مبنية } بذهب وفضة، وملاطها المسك الأذفر. { تجري من ~~تحتها الأنهار } المتدفقة، المسقية للبساتين الزاهرة والأشجار ~~الطاهرة، فتغل بأنواع الثمار اللذيذة، والفاكهة النضيجة. { وعد ~~الله لا يخلف الله الميعاد } وقد وعد المتقين هذا الثواب، ~~فلا بد من الوفاء به، فليوفوا بخصال التقوى، ليوفيهم أجورهم. ### || [39.21] # يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ~~ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا يستخرج بسهولة ويسر، { ثم ~~يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } من بر وذرة، وشعير ~~وأرز، وغير ذلك. { ثم يهيج } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { ~~فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما } متكسرا { إن في ~~ذلك لذكرى لأولي الألباب } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته ~~بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم. ~~ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ~~ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة. اللهم اجعلنا من أولي ~~الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من ~~أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم ms1338 يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب. ### || [39.22] # أي: أفيستوي من شرح الله صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام الله ~~والعمل بها، منشرحا قرير العين، على بصيرة من أمره، وهو المراد بقوله: { ~~فهو على نور من ربه } كمن ليس كذلك، بدليل قوله: { ~~فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } أي: لا تلين ~~لكتابه، ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها، ملتفتة ~~إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد، والشر الكبير. { أولئك في ~~ضلال مبين } وأي ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن وليه؟ ومن كل ~~السعادة في الإقبال عليه، وقسا قلبه عن ذكره، وأقبل على كل ما يضره؟!! ### || [39.23] # يخبر تعالى عن كتابه الذي نزله أنه { أحسن الحديث } على ~~الإطلاق، فأحسن الحديث كلام الله، وأحسن الكتب المنزلة من كلام الله ~~هذا القرآن، وإذا كان هو الأحسن، علم أن ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها، ~~وأن معانيه أجل المعاني، لأنه أحسن الحديث في لفظه ومعناه، متشابها في ~~الحسن والائتلاف وعدم الاختلاف بوجه من الوجوه. حتى إنه كلما تدبره ~~المتدبر، وتفكر فيه المتفكر، رأى من اتفاقه، حتى في معانيه الغامضة، ما ~~يبهر الناظرين، ويجزم بأنه لا يصدر إلا من حكيم عليم، هذا المراد ~~بالتشابه في هذا الموضع. وأما في قوله تعالى: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات # [آل عمران: 7] فالمراد بها، التي تشتبه على فهوم كثير من الناس، ولا ~~يزول هذا الاشتباه إلا بردها إلى المحكم، ولهذا قال: # منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات # [آل عمران: 7] فجعل التشابه لبعضه، وهنا جعله كله متشابها، أي: في ~~حسنه، لأنه قال: { أحسن الحديث } وهو سور وآيات، والجميع يشبه ~~بعضه بعضا كما ذكرنا. { مثاني } أي: تثنى فيه القصص والأحكام، ~~والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء الله ~~وصفاته، وهذا من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى لما علم احتياج الخلق إلى ~~معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة ~~الماء لسقي الأشجار، فكما أن الأشجار ms1339 كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، ~~بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت وأثمرت أنواع الثمار النافعة، فكذلك ~~القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام الله تعالى عليه، وأنه لو تكرر ~~عليه المعنى مرة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل ~~النتيجة منه، ولهذا سلكت في هذا التفسير هذا المسلك الكريم، اقتداء بما ~~هو تفسير له، فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع، بل كل موضع تجد ~~تفسيره كامل المعنى، غير مراع لما مضى مما يشبهه، وإن كان بعض المواضع ~~يكون أبسط من بعض وأكثر فائدة، وهكذا ينبغي للقارئ للقرآن، المتدبر ~~لمعانيه، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه، فإنه يحصل له بسبب ذلك ~~خير كثير ونفع غزير. ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثر ~~في قلوب أولي الألباب المهتدين، فلهذا قال تعالى: { تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم } لما فيه من التخويف والترهيب ~~المزعج، { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله } أي: عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، ~~وتارة يرهبهم من عمل الشر. { ذلك } الذي ذكره الله من تأثير القرآن ~~فيهم { هدى الله } أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه ~~عليهم، { يهدي به } أي: بسبب ذلك { من يشآء } من عباده. ويحتمل ~~أن المراد بقوله: { ذلك } أي: القرآن الذي وصفناه لكم. { هدى ~~الله } الذي لا طريق يوصل إلى الله إلا منه { يهدي به من ~~يشآء } من عباده ممن حسن قصده، كما قال تعالى: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: 16]. { ومن يضلل الله فما له من هاد } لأنه ~~لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه والتوفيق للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل ~~هذا، فلا سبيل إلى الهدى، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء. ### || [39.24-26] # أي: أفيستوي هذا الذي هداه الله، ووفقه لسلوك الطريق الموصلة لدار ~~كرامته، كمن كان في الضلال واستمر على عناده حتى قدم القيامة، فجاءه ~~العذاب العظيم فجعل يتقي بوجهه الذي هو أشرف الأعضاء، وأدنى شيء ms1340 من ~~العذاب يؤثر فيه، فهو يتقي فيه سوء العذاب لأنه قد غلت يداه ورجلاه، { ~~وقيل للظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي، توبيخا وتقريعا: { ~~ذوقوا ما كنتم تكسبون } { كذب الذين من قبلهم ~~} من الأمم كما كذب هؤلاء، { فأتاهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } جاءهم في غفلة أول نهار، أو هم قائلون. { فأذاقهم ~~الله } بذلك العذاب { الخزي في الحياة الدنيا } فافتضحوا ~~عند الله وعند خلقه { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا ~~يعلمون } فليحذر هؤلاء من المقام على التكذيب، فيصيبهم ما أصاب ~~أولئك من التعذيب. ### || [39.27-31] # يخبر تعالى أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال، أمثال أهل الخير وأمثال ~~أهل الشر، وأمثال التوحيد والشرك، وكل مثل يقرب حقائق الأشياء، والحكمة ~~في ذلك { لعلهم يتذكرون } عندما نوضح لهم الحق فيعلمون ~~ويعملون. { قرآنا عربيا غير ذي عوج } أي: جعلناه قرآنا ~~عربيا، واضح الألفاظ، سهل المعاني، خصوصا على العرب. { غير ذي ~~عوج } أي: ليس فيه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه، لا في ألفاظه ولا في ~~معانيه، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته كما قال تعالى: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا * قيما # [الكهف: 1-2]. { لعلهم يتقون } الله تعالى، حيث سهلنا عليهم ~~طرق التقوى العلمية والعملية، بهذا القرآن العربي المستقيم، الذي ضرب ~~الله فيه من كل مثل. ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضرب ~~الله مثلا رجلا } أي: عبدا { فيه شركآء متشاكسون ~~} فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى ~~تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ~~ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ { ~~ورجلا سلما لرجل } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت ~~له الراحة التامة. { هل يستويان } أي: هذان الرجلان { مثلا }؟ ~~لا يستويان. كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، ~~فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، ~~قد خلصه الله من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، ms1341 ف { ~~هل يستويان مثلا الحمد لله } على تبيين الحق من ~~الباطل، وإرشاد الجهال. { بل أكثرهم لا يعلمون }. { ~~إنك ميت وإنهم ميتون } أي: كلكم لا بد أن يموت # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت ~~فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]. { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون } فيما تنازعتم فيه، فيفصل بينكم بحكمه العادل، ويجازي ~~كلا ما عمله # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. ### || [39.32-35] # يقول تعالى، محذرا ومخبرا: أنه لا أظلم وأشد ظلما { ممن كذب ~~على الله } إما بنسبته إلى ما لا يليق بجلاله، أو بادعاء النبوة، أو ~~الإخبار بأن الله تعالى قال كذا، أو أخبر بكذا، أو حكم بكذا وهو كاذب، ~~فهذا داخل في قوله تعالى: # وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون # [البقرة: 169] إن كان جاهلا وإلا فهو أشنع وأشنع. [ { وكذب ~~بالصدق إذ جآءه } ] أي: ما أظلم ممن جاءه الحق المؤيد بالبينات ~~فكذبه، فتكذيبه ظلم عظيم منه، لأنه رد الحق بعد ما تبين له، فإن كان ~~جامعا بين الكذب على الله والتكذيب بالحق، كان ظلما على ظلم. { ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين } يحصل بها الاشتفاء ~~منهم، وأخذ حق الله من كل ظالم وكافر. # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ولما ذكر الكاذب المكذب وجنايته وعقوبته، ذكر الصادق ~~المصدق وثوابه، فقال: { والذي جآء بالصدق } في قوله وعمله، ~~فدخل في ذلك الأنبياء ومن قام مقامهم، ممن صدق فيما قاله عن خبر الله ~~وأحكامه، وفيما فعله من خصال الصدق. { وصدق به } أي: بالصدق لأنه ~~قد يجيء الإنسان بالصدق، ولكن قد لا يصدق به، بسبب استكباره، أو ~~احتقاره لمن قاله وأتى به، فلا بد في المدح من الصدق والتصديق، فصدقه يدل ~~على علمه وعدله، وتصديقه يدل على تواضعه وعدم استكباره. { أولئك } ~~أي: الذين وفقوا للجمع بين الأمرين { هم المتقون } فإن جميع خصال ~~التقوى ترجع إلى الصدق بالحق والتصديق به. { لهم ما يشآءون عند ~~ربهم } من الثواب، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر. فكل ما تعلقت به إرادتهم ومشيئتهم، من أصناف ms1342 اللذات والمشتهيات، ~~فإنه حاصل لهم، معد مهيأ، { ذلك جزآء المحسنين } الذين ~~يعبدون الله كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم { ~~المحسنين } إلى عباد الله. { ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن ~~الذي كانوا يعملون } عمل الإنسان له ثلاث حالات: إما أسوأ، ~~أو أحسن، أو لا أسوأ ولا أحسن. والقسم الأخير قسم المباحات وما لا يتعلق ~~به ثواب ولا عقاب، والأسوأ، المعاصي كلها، والأحسن، الطاعات كلها، فبهذا ~~التفصيل، يتبين معنى الآية، وأن قوله: { ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا } أي: ذنوبهم الصغار، بسبب إحسانهم وتقواهم، ~~{ ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } ~~أي: بحسناتهم كلها # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. ### || [39.36-37] # { أليس الله بكاف عبده } أي: أليس من كرمه وجوده، وعنايته ~~بعبده، الذي قام بعبوديته، وامتثل أمره واجتنب نهيه، خصوصا أكمل الخلق ~~عبودية لربه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى سيكفيه في ~~أمر دينه ودنياه، ويدفع عنه من ناوأه بسوء. { ويخوفونك ~~بالذين من دونه } من الأصنام والأنداد أن تنالك بسوء، وهذا من ~~غيهم وضلالهم. { ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن ~~يهد الله فما له من مضل } لأنه تعالى الذي بيده الهداية ~~والإضلال، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. { أليس الله ~~بعزيز } له العزة الكاملة التي قهر بها كل شيء، وبعزته يكفي عبده ~~ويدفع عنه مكرهم. { ذي انتقام } ممن عصاه، فاحذروا موجبات نقمته. ### || [39.38] # أي: ولئن سألت هؤلاء الضلال الذين يخوفونك بالذين من دونه، وأقمت عليهم ~~دليلا من أنفسهم، فقلت: { من خلق السموت والأرض } لم ~~يثبتوا لآلهتهم من خلقها شيئا. { ليقولن الله } الذي خلقها ~~وحده. { قل } لهم مقررا عجز آلهتهم، بعد ما تبينت قدرة الله: { ~~أفرأيتم } أي: أخبروني { ما تدعون من دون الله إن ~~أرادني الله بضر } أي ضر كان. { هل هن كاشفات ~~ضره } بإزالته بالكلية، أو بتخفيفه من حال إلى حال؟ { أو ~~أرادني برحمة } يوصل إلي بها منفعة في ms1343 ديني أو دنياي. { هل ~~هن ممسكات رحمته } ومانعاتها عني؟.سيقولون: لا يكشفون الضر ~~ولا يمسكون الرحمة. قل لهم بعد ما تبين الدليل القاطع على أنه وحده ~~المعبود، وأنه الخالق للمخلوقات، النافع الضار وحده، وأن غيره عاجز من كل ~~وجه عن الخلق والنفع والضر، مستجلبا كفايته، مستدفعا مكرهم وكيدهم: { ~~قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } أي: ~~عليه يعتمد المعتمدون في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، فالذي بيده - وحده - ~~الكفاية هو حسبي، سيكفيني كل ما أهمني وما لا أهتم به. ### || [39.39-40] # أي: { قل } لهم يا أيها الرسول: { يقوم اعملوا على ~~مكانتكم } أي: على حالتكم التي رضيتموها لأنفسكم، من عبادة من ~~لا يستحق من العبادة شيئا ولا له من الأمر شيء. { إني عامل } على ~~ما دعوتكم إليه، من إخلاص الدين لله تعالى وحده. { فسوف تعلمون ~~} لمن العاقبة و { من يأتيه عذاب يخزيه } في الدنيا. { ~~ويحل عليه } في الأخرى { عذاب مقيم } لا يحول عنه ولا ~~يزول، وهذا تهديد عظيم لهم، وهم يعلمون أنهم المستحقون للعذاب المقيم، ~~ولكن الظلم والعناد حال بينهم وبين الإيمان. ### || [39.41] # يخبر تعالى أنه أنزل على رسوله الكتاب المشتمل على الحق، في أخباره ~~وأوامره ونواهيه، الذي هو مادة الهداية، وبلاغ لمن أراد الوصول إلى الله ~~وإلى دار كرامته، وأنه قامت به الحجة على العالمين. { فمن اهتدى ~~} بنوره، واتبع أوامره فإن نفع ذلك يعود إلى نفسه { ومن ضل } بعدما ~~تبين له الهدى { فإنما يضل عليها } لا يضر الله شيئا. { ~~ومآ أنت عليهم بوكيل } تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، ~~وتجبرهم على ما تشاء، وإنما أنت مبلغ تؤدي إليهم ما أمرت به. ### || [39.42] # يخبر تعالى أنه المتفرد بالتصرف بالعباد، في حال يقظتهم ونومهم، وفي حال ~~حياتهم وموتهم، فقال: { الله يتوفى الأنفس حين موتها } ~~وهذه الوفاة الكبرى، وفاة الموت. وإخباره أنه يتوفى الأنفس وإضافة الفعل ~~إلى نفسه، لا ينافي أنه قد وكل بذلك ملك الموت وأعوانه، كما قال تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11] # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون ms1344 # [الأنعام: 61] لأنه تعالى يضيف الأشياء إلى نفسه، باعتبار أنه الخالق ~~المدبر، ويضيفها إلى أسبابها، باعتبار أن من سننه تعالى وحكمته أن جعل ~~لكل أمر من الأمور سببا. وقوله: { والتي لم تمت في ~~منامها } وهذه الموتة الصغرى، أي: ويمسك النفس التي لم تمت في ~~منامها، { فيمسك } من هاتين النفسين النفس { التي قضى ~~عليها الموت } وهي نفس من كان مات، أو قضي أن يموت في منامه. { ~~ويرسل } النفس { الأخرى إلى أجل مسمى } أي: إلى ~~استكمال رزقها وأجلها. { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون } على كمال اقتداره، وإحيائه الموتى بعد موتهم. وفي هذه ~~الآية دليل على أن الروح والنفس جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، ~~وأنها مخلوقة مدبرة، يتصرف الله فيها في الوفاة والإمساك والإرسال، وأن ~~أرواح الأحياء والأموات تتلاقى في البرزخ، فتجتمع فتتحادث، فيرسل الله ~~أرواح الأحياء، ويمسك أرواح الأموات. ### || [39.43-44] # ينكر تعالى على من اتخذ من دونه شفعاء يتعلق بهم ويسألهم ويعبدهم. { ~~قل } لهم - مبينا جهلهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة -: { ~~أولو كانوا } أي: من اتخذتم من الشفعاء { لا يملكون ~~شيئا } أي: لا مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر، بل وليس لهم عقل يستحقون أن يمدحوا به، لأنها جمادات من أحجار ~~وأشجار وصور وأموات، فهل يقال: إن لمن اتخذها عقلا؟ أم هو من أضل الناس ~~وأجهلهم وأعظمهم ظلما؟ { قل } لهم: { لله الشفاعة جميعا } ~~لأن الأمر كله لله وكل شفيع فهو يخافه، ولا يقدر أن يشفع عنده أحد إلا ~~بإذنه، فإذا أراد رحمة عبده، أذن للشفيع الكريم عنده أن يشفع، رحمة ~~بالاثنين. ثم قرر أن الشفاعة كلها له بقوله: { له ملك ~~السموت والأرض } أي: جميع ما فيهما من الذوات والأفعال ~~والصفات. فالواجب أن تطلب الشفاعة ممن يملكها، وتخلص له العبادة. { ثم ~~إليه ترجعون } فيجازي المخلص له بالثواب الجزيل، ومن أشرك به ~~بالعذاب الوبيل. ### || [39.45-46] # يذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم أنهم { وإذا ذكر ~~الله } توحيدا له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ms1345 ما يعبد من دونه، أنهم ~~يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة. { وإذا ذكر الذين ~~من دونه } من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، { ~~إذا هم يستبشرون } بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم، ولكون الشرك ~~موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم ~~الجزاء. فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر: هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون ~~من دون الله شيئا؟ ولهذا قال { قل اللهم فاطر السموت ~~والأرض } أي: خالقهما ومدبرهما. { عالم الغيب } الذي غاب عن ~~أبصارنا وعلمنا، { والشهادة } الذي نشاهده. { أنت تحكم ~~بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } وإن من أعظم ~~الاختلاف اختلاف الموحدين المخلصين القائلين: إن ما هم عليه هو الحق، وإن ~~لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد ~~والأوثان، وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا ~~عند ذكر آلهتهم، واشمئزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم ~~على الباطل، وأن لهم الحسنى. قال تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل ~~شيء شهيد # [الحج: 17]. وقد أخبرنا بالفصل بينهم بعدها بقوله: # هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا ~~قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم ~~الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم ~~مقامع من حديد # إلى أن قال: # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير # [الحج: 19-32]. وقال تعالى: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82] # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار # [المائدة: 72] ففي هذه الآية، بيان عموم خلقه تعالى وعموم علمه، وعموم ~~حكمه بين عباده، فقدرته التي نشأت عنها المخلوقات، وعلمه المحيط بكل شيء، ~~دال على حكمه بين عباده وبعثهم، وعلمه بأعمالهم، خيرها وشرها، وبمقادير ~~جزائها، وخلقه دال على علمه # ألا يعلم من خلق # [الملك: 14]. ### || [39.47-48] # لما ms1346 ذكر تعالى أنه الحاكم بين عباده، وذكر مقالة المشركين وشناعتها، كأن ~~النفوس تشوقت إلى ما يفعل الله بهم يوم القيامة، فأخبر أن لهم { سوء ~~العذاب } أي: أشده وأفظعه، كما قالوا أشد الكفر وأشنعه، وأنهم على - ~~الفرض والتقدير - لو كان لهم ما في الأرض جميعا، من ذهبها وفضتها ~~ولؤلؤها وحيواناتها وأشجارها وزروعها وجميع أوانيها وأثاثها ومثله معه، ~~ثم بذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من العذاب وينجوا منه، ما قبل منهم، ~~ولا أغنى عنهم من عذاب الله شيئا، # يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء: 88-89]. { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون } أي: يظنون من السخط العظيم، والمقت الكبير، وقد كانوا ~~يحكمون لأنفسهم بغير ذلك. { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } ~~أي: الأمور التي تسوؤهم، بسبب صنيعهم وكسبهم. { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون } من الوعيد والعذاب الذي نزل بهم، وما حل ~~عليهم العقاب. ### || [39.49-52] # يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته، أنه حين يمسه ضر، من مرض أو شدة أو ~~كرب. { دعانا } ملحا في تفريج ما نزل به { ثم إذا خولناه ~~نعمة منا } فكشفنا ضره وأزلنا مشقته، عاد بربه كافرا، ولمعروفه ~~منكرا. و { قال إنمآ أوتيته على علم } أي: علم من ~~الله، أني له أهل، وأني مستحق له، لأني كريم عليه، أو على علم مني بطرق ~~تحصيله. قال تعالى: { بل هي فتنة } يبتلي الله به عباده، لينظر ~~من يشكره ممن يكفره. { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~فلذلك يعدون الفتنة منحة، ويشتبه عليهم الخير المحض، بما قد يكون سببا ~~للخير أو للشر. قال تعالى: { قد قالها الذين من قبلهم } ~~أي: قولهم { إنمآ أوتيته على علم } فما زالت متوارثة عند ~~المكذبين، لا يقرون بنعمة ربهم، ولا يرون له حقا، فلم يزل دأبهم حتى ~~أهلكوا، ولم يغن { عنهم ما كانوا يكسبون } حين جاءهم ~~العذاب. { فأصابهم سيئات ما كسبوا } والسيئات في هذا ~~الموضع: العقوبات، لأنها تسوء الإنسان وتحزنه. { والذين ظلموا ~~من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا } فليسوا خيرا ~~من أولئك، ms1347 ولم يكتب لهم براءة في الزبر. ولما ذكر أنهم اغتروا بالمال، ~~وزعموا - بجهلهم - أنه يدل على حسن حال صاحبه، أخبرهم تعالى، أن رزقه، لا ~~يدل على ذلك، وأنه { يبسط الرزق لمن يشآء } من عباده، سواء ~~كان صالحا أو طالحا { ويقدر } الرزق، أي: يضيقه على من يشاء، ~~صالحا أو طالحا، فرزقه مشترك بين البرية، والإيمان والعمل الصالح يخص ~~به خير البرية. { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } أي: ~~بسط الرزق وقبضه، لعلمهم أن مرجع ذلك، عائد إلى الحكمة والرحمة، وأنه ~~أعلم بحال عبيده، فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم، لأنه لو بسطه لبغوا في ~~الأرض، فيكون تعالى مراعيا في ذلك صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم ~~وفلاحهم، والله أعلم. ### || [39.53-59] # يخبر تعالى عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا ~~يمكنهم ذلك فقال: { قل } يا أيها الرسول ومن قام مقامه من الدعاة ~~لدين الله، مخبرا للعباد عن ربهم: { يعبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم } باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في ~~مساخط علام الغيوب. { لا تقنطوا من رحمة الله } أي: لا ~~تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا ~~وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك ~~مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم ~~بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من ~~الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار ~~والصغار. { إنه هو الغفور الرحيم } أي: وصفه المغفرة ~~والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما ~~سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل ~~والنهار، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب ~~إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما ~~أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، ~~أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة ~~النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم ms1348 إلى هذا السبب الأجل، ~~والطريق الأعظم، ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه، والمبادرة إليها فقال: { ~~وأنيبوا إلى ربكم } بقلوبكم { وأسلموا له } ~~بجوارحكم، إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما، ~~كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا. وفي قوله { إلى ربكم ~~وأسلموا له } دليل على الإخلاص، وأنه من دون إخلاص، لا تفيد ~~الأعمال الظاهرة والباطنة شيئا. { من قبل أن يأتيكم ~~العذاب } مجيئا لا يدفع { ثم لا تنصرون } فكأنه قيل: ما هي ~~الإنابة والإسلام؟ وما جزئياتها وأعمالها؟ فأجاب تعالى بقوله: { ~~واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } مما ~~أمركم من الأعمال الباطنة، كمحبة الله، وخشيته، وخوفه، ورجائه، والنصح ~~لعباده، ومحبة الخير لهم، وترك ما يضاد ذلك. ومن الأعمال الظاهرة، ~~كالصلاة، والزكاة والصيام، والحج، والصدقة، وأنواع الإحسان، ونحو ذلك، ~~مما أمر الله به، وهو أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، فالمتبع لأوامر ربه ~~في هذه الأمور ونحوها هو المنيب المسلم، { من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } وكل هذا حث على ~~المبادرة وانتهاز الفرصة. ثم حذرهم { أن } يستمروا على غفلتهم، حتى ~~يأتيهم يوم يندمون فيه، ولا تنفع الندامة. و { تقول نفس ~~يحسرتا على ما فرطت في جنب الله } أي: في جانب حقه. ~~{ وإن كنت } في الدنيا { لمن الساخرين } في إتيان الجزاء، ~~حتى رأيته عيانا. # { أو تقول لو أن الله هداني لكنت من ~~المتقين } و " لو " في هذا الموضع للتمني، أي: ليت أن الله هداني ~~فأكون متقيا له، فأسلم من العقاب وأستحق الثواب، وليست " لو " هنا ~~شرطية، لأنها لو كانت شرطية، لكانوا محتجين بالقضاء والقدر على ضلالهم، ~~وهو حجة باطلة، ويوم القيامة تضمحل كل حجة باطلة. { أو تقول حين ~~ترى العذاب } وتجزم بوروده { لو أن لي كرة } أي: رجعة ~~إلى الدنيا لكنت { من المحسنين } قال تعالى: إن ذلك غير ممكن ولا ~~مفيد، وإن هذه أماني باطلة لا حقيقة لها، إذ لا يتجدد للعبد لو رد، ~~بيان بعد البيان الأول. { بلى قد جآءتك آياتي } الدالة دلالة ~~لا يمترى فيها على ms1349 الحق { فكذبت بها واستكبرت } عن ~~اتباعها { وكنت من الكافرين } فسؤال الرد إلى الدنيا، نوع عبث، # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. ### || [39.60-61] # يخبر تعالى عن خزي الذين كذبوا عليه، وأن وجوههم يوم القيامة مسودة ~~كأنها الليل البهيم، يعرفهم بذلك أهل الموقف، فالحق أبلج واضح كأنه ~~الصبح، فكما سودوا وجه الحق بالكذب، سود الله وجوههم، جزاء من جنس ~~عملهم. فلهم سواد الوجوه، ولهم العذاب الشديد في جهنم، ولهذا قال: { ~~أليس في جهنم مثوى للمتكبرين } عن الحق، وعن ~~عبادة ربهم، المفترين عليه؟ بلى والله، إن فيها لعقوبة وخزيا وسخطا، ~~يبلغ من المتكبرين كل مبلغ، ويؤخذ الحق منهم بها. والكذب على الله يشمل ~~الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد والصاحبة، والإخبار عنه بما لا يليق ~~بجلاله، أو ادعاء النبوة، أو القول في شرعه بما لم يقله، والإخبار بأنه ~~قاله وشرعه. ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر حالة المتقين، فقال: { ~~وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } أي: بنجاتهم، ~~وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى الله تعالى، التي هي العدة عند كل ~~هول وشدة. { لا يمسهم السوء } أي: العذاب الذي يسوؤهم { ولا ~~هم يحزنون } فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان. ~~فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى يوصلهم إلى دار السلام، فحينئذ يأمنون من ~~كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم، ويقولون: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور # [فاطر: 34]. ### || [39.62-63] # يخبر تعالى عن عظمته وكماله، الموجب لخسران من كفر به فقال: { الله ~~خالق كل شيء } هذه العبارة وما أشبهها، مما هو كثير في القرآن، ~~تدل على أن جميع الأشياء - غير الله - مخلوقة، ففيها رد على كل من قال ~~بقدم بعض المخلوقات، كالفلاسفة القائلين بقدم الأرض والسماوات، ~~وكالقائلين بقدم الأرواح، ونحو ذلك من أقوال أهل الباطل، المتضمنة تعطيل ~~الخالق عن خلقه. وليس كلام الله من الأشياء المخلوقة، لأن الكلام صفة ~~المتكلم، والله تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء، فأخذ أهل ~~الاعتزال من هذه الآية ونحوها أنه مخلوق، من أعظم الجهل، ms1350 فإنه تعالى لم ~~يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث له صفة من صفاته، ولم يكن معطلا عنها بوقت ~~من الأوقات، والشاهد من هذا، أن الله تعالى أخبر عن نفسه الكريمة أنه ~~خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل، والوكالة ~~التامة لا بد فيها من علم الوكيل بما كان وكيلا عليه، وإحاطته بتفاصيله، ~~ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه، ليتمكن من التصرف فيه، ومن حفظ لما ~~هو وكيل عليه، ومن حكمة، ومعرفة بوجوه التصرفات، ليصرفها ويدبرها على ما ~~هو الأليق، فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك فهو نقص فيها. ~~ومن المعلوم المتقرر، أن الله تعالى منزه عن كل نقص في صفة من صفاته، ~~فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء، وكمال ~~قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء ~~مواضعها. { له مقاليد السموت والأرض } أي: مفاتيحها، ~~علما وتدبيرا، ف # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم # [فاطر: 2]. فلما بين من عظمته ما يقتضي أن تمتلئ القلوب له إجلالا ~~وإكراما، ذكر حال من عكس القضية فلم يقدره حق قدره، فقال: { والذين ~~كفروا بآيات الله } الدالة على الحق اليقين والصراط المستقيم، ~~{ أولئك هم الخاسرون } خسروا ما به تصلح القلوب من التأله ~~والإخلاص لله، وما به تصلح الألسن من إشغالها بذكر الله، وما تصلح به ~~الجوارح من طاعة الله، وتعوضوا عن ذلك كل مفسد للقلوب والأبدان، وخسروا ~~جنات النعيم، وتعوضوا عنها بالعذاب الأليم. ### || [39.64-66] # { قل } يا أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين، الذين دعوك إلى عبادة غير ~~الله: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون } أي: هذا الأمر صدر من جهلكم، وإلا فلو كان لكم علم بأن ~~الله تعالى الكامل من جميع الوجوه، مسدي جميع النعم، هو المستحق ~~للعبادة، دون من كان ناقصا من كل وجه، لا ينفع ولا يضر، لم تأمروني ~~بذلك. وذلك لأن الشرك بالله محبط للأعمال، ms1351 مفسد للأحوال، ولهذا قال: { ~~ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك } من جميع ~~الأنبياء { لئن أشركت ليحبطن عملك } هذا مفرد مضاف، ~~يعم كل عمل، ففي نبوة جميع الأنبياء، أن الشرك محبط لجميع الأعمال، كما ~~قال تعالى في سورة الأنعام - لما عدد كثيرا من أنبيائه ورسله قال عنهم: # ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو ~~أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # [الأنعام: 88]. { ولتكونن من الخاسرين } دينك وآخرتك، ~~فبالشرك تحبط الأعمال، ويستحق العقاب والنكال. ثم قال: { بل الله ~~فاعبد } لما أخبر أن الجاهلين يأمرونه بالشرك، وأخبر عن شناعته، أمره ~~بالإخلاص فقال: { بل الله فاعبد } أي: أخلص له العبادة وحده لا ~~شريك له، { وكن من الشاكرين } لله على توفيق الله تعالى، ~~فكما أنه تعالى يشكر على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول ~~الرزق وغير ذلك، كذلك يشكر ويثنى عليه بالنعم الدينية، كالتوفيق ~~للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة، وفي تدبر أنها ~~من الله تعالى والشكر لله عليها، سلامة من آفة العجب التي تعرض لكثير ~~من العاملين، بسبب جهلهم، وإلا، فلو عرف العبد حقيقة الحال، لم يعجب ~~بنعمة تستحق عليه زيادة الشكر. ### || [39.67] # يقول تعالى: وما قدر هؤلاء المشركون ربهم حق قدره، ولا عظموه حق تعظيمه، ~~بل فعلوا ما يناقض ذلك، من إشراكهم به من هو ناقص في أوصافه وأفعاله، ~~فأوصافه ناقصة من كل وجه، وأفعاله ليس عنده نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا ~~منع، ولا يملك من الأمر شيئا. فسووا هذا المخلوق الناقص بالخالق الرب ~~العظيم، الذي من عظمته الباهرة، وقدرته القاهرة، أن جميع الأرض يوم ~~القيامة قبضة للرحمن، وأن السماوات - على سعتها وعظمها - مطويات بيمينه، ~~فلا عظمه حق عظمته من سوى به غيره، ولا أظلم منه. { سبحانه ~~وتعالى عما يشركون } أي: تنزه وتعاظم عن شركهم به. ### || [39.68-70] # لما خوفهم تعالى من عظمته، خوفهم بأحوال يوم القيامة، ورغبهم ورهبهم ~~فقال: { ونفخ في الصور } وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا خالقه، ~~ومن أطلعه الله على علمه من ms1352 خلقه، فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، أحد ~~الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن. { فصعق } أي: غشي أو مات، ~~على اختلاف القولين: { من في السموت ومن في الأرض } أي: ~~كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها ~~مقدمة له. { إلا من شآء الله } ممن ثبته الله عند النفخة، ~~فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم. وهذه النفخة الأولى، نفخة الصعق ~~ونفخة الفزع. { ثم نفخ فيه } النفخة الثانية نفخة البعث { ~~فإذا هم قيام ينظرون } أي: قد قاموا من قبورهم لبعثهم ~~وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم { ~~ينظرون } ماذا يفعل الله بهم. { وأشرقت الأرض بنور ~~ربها } علم من هذا، أن الأنوار الموجودة تذهب يوم القيامة وتضمحل، ~~وهو كذلك، فإن الله أخبر أن الشمس تكور، والقمر يخسف، والنجوم تندثر، ~~ويكون الناس في ظلمة، فتشرق عند ذلك الأرض بنور ربها، عندما يتجلى وينزل ~~للفصل بينهم، وذلك اليوم يجعل الله للخلق قوة، وينشئهم نشأة يقوون ~~على أن لا يحرقهم نوره، ويتمكنون أيضا من رؤيته، وإلا، فنوره تعالى ~~عظيم، لو كشفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. { ~~ووضع الكتاب } أي: كتاب الأعمال وديوانه، وضع ونشر، ليقرأ ما فيه ~~من الحسنات والسيئات، كما قال تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. ويقال للعامل من تمام العدل والإنصاف: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. { وجيء بالنبيين } ليسألوا عن التبليغ، وعن ~~أممهم، ويشهدوا عليهم. { والشهدآء } من الملائكة، والأعضاء والأرض. ~~{ وقضي بينهم بالحق } أي: العدل التام والقسط العظيم، لأنه ~~حساب صادر ممن لا يظلم مثقال ذرة، ومن هو محيط بكل شيء، وكتابه الذي هو ~~اللوح المحفوظ، محيط بكل ما عملوه، والحفظة الكرام، والذين لا يعصون ~~ربهم، قد كتبت عليهم ما عملوه، وأعدل الشهداء قد شهدوا على ذلك الحكم، ~~فحكم بذلك من يعلم مقادير الأعمال ومقادير استحقاقها للثواب والعقاب، ms1353 ~~فيحصل حكم يقر به الخلق، ويعترفون لله بالحمد والعدل، ويعرفون به من ~~عظمته وعلمه وحكمته ورحمته ما لم يخطر بقلوبهم، ولا تعبر عنه ألسنتهم، ~~ولهذا قال: { ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم ~~بما يفعلون }. ### || [39.71-75] # لما ذكر تعالى حكمه بين عباده، الذين جمعهم في خلقه ورزقه وتدبيره، ~~واجتماعهم في الدنيا، واجتماعهم في موقف القيامة، فرقهم تعالى عند ~~جزائهم، كما افترقوا في الدنيا بالإيمان والكفر، والتقوى والفجور، فقال: ~~{ وسيق الذين كفروا إلى جهنم } أي: سوقا عنيفا، ~~يضربون بالسياط الموجعة، من الزبانية الغلاظ الشداد، إلى شر محبس وأفظع ~~موضع، وهي جهنم التي قد جمعت كل عذاب، وحضرها كل شقاء، وزال عنها كل ~~سرور، كما قال تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] أي: يدفعون إليها دفعا، وذلك لامتناعهم من دخولها. ويساقون ~~إليها { زمرا } أي: فرقا متفرقة، كل زمرة مع الزمرة التي تناسب ~~عملها، وتشاكل سعيها، يلعن بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض. { حتى ~~إذا جآءوها } أي: وصلوا إلى ساحتها { فتحت } لهم أي: لأجلهم { ~~أبوابها } لقدومهم وقرى لنزولهم. { وقال لهم خزنتهآ } ~~مهنئين لهم بالشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي، وموبخين لهم على الأعمال ~~التي أوصلتهم إلى هذا المحل الفظيع: { ألم يأتكم رسل منكم ~~} أي: من جنسكم تعرفونهم وتعرفون صدقهم، وتتمكنون من التلقي عنهم؟ { ~~يتلون عليكم آيات ربكم } التي أرسلهم الله بها، الدالة ~~على الحق اليقين بأوضح البراهين. { وينذرونكم لقآء يومكم ~~هذا } أي: وهذا يوجب عليكم اتباعهم والحذر من عذاب هذا اليوم، ~~باستعمال تقواه، وقد كانت حالكم بخلاف هذه الحال؟ { قالوا } مقرين ~~بذنبهم، وأن حجة الله قامت عليهم: { بلى } قد جاءتنا رسل ربنا بآياته ~~وبيناته، وبينوا لنا غاية التبيين، وحذرونا من هذا اليوم. { ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين } أي: بسبب كفرهم وجبت ~~عليهم كلمة العذاب، التي هي لكل من كفر بآيات الله، وجحد ما جاءت به ~~المرسلون، فاعترفوا بذنبهم وقيام الحجة عليهم. ف { قيل } لهم على وجه ~~الإهانة والإذلال: { ادخلوا أبواب جهنم } كل طائفة تدخل من ~~الباب الذي يناسبها ويوافق عملها. { خالدين فيها ms1354 } أبدا، لا ~~يظعنون عنها، ولا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا ينظرون. { فبئس مثوى ~~المتكبرين } أي: بئس المقر، النار مقرهم، وذلك لأنهم تكبروا على ~~الحق، فجازاهم الله من جنس عملهم، بالإهانة والذل، والخزي. ثم قال عن ~~أهل الجنة: { وسيق الذين اتقوا ربهم } بتوحيده والعمل ~~بطاعته، سوق إكرام وإعزاز، يحشرون وفدا على النجائب. { إلى الجنة ~~زمرا } فرحين مستبشرين، كل زمرة مع الزمرة، التي تناسب عملها وتشاكله. ~~{ حتى إذا جآءوها } أي: وصلوا لتلك الرحاب الرحيبة والمنازل ~~الأنيقة، وهب عليهم ريحها ونسيمها، وآن خلودها ونعيمها. { وفتحت } ~~لهم { أبوابها } فتح إكرام، لكرام الخلق، ليكرموا فيها. { وقال ~~لهم خزنتها } تهنئة لهم وترحيبا: { سلام عليكم } أي: ~~سلام من كل آفة وشر حال عليكم. { طبتم } أي: طابت قلوبكم بمعرفة ~~الله ومحبته وخشيته، وألسنتكم بذكره، وجوارحكم بطاعته. { ف } بسبب ~~طيبكم { ادخلوها خالدين } لأنها الدار الطيبة، ولا يليق بها إلا ~~الطيبون. # وقال في النار { وفتحت أبوابها } وفي الجنة: { وفتحت } ~~بالواو، إشارة إلى أن أهل النار، بمجرد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها ~~من غير إنظار ولا إمهال، وليكون فتحها في وجوههم، وعلى وصولهم، أعظم ~~لحرها، وأشد لعذابها. وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا ~~يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ~~ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ~~ما وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى الله بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى ~~يشفع، فيشفعه الله تعالى. وفي الآيات دليل على أن النار والجنة لهما ~~أبواب تفتح وتغلق، وأن لكل منهما خزنة، وهما الداران الخالصتان اللتان لا ~~يدخل فيهما إلا من استحقهما، بخلاف سائر الأمكنة والدور. { وقالوا ~~} عند دخولهم فيها واستقرارهم، حامدين ربهم على ما أولاهم ومن عليهم ~~وهداهم: { الحمد لله الذي صدقنا وعده } أي: وعدنا ~~الجنة على ألسنة رسله، إن آمنا وصلحنا، فوفى لنا بما وعدنا، وأنجز ~~لنا ما منانا. { وأورثنا الأرض } أي: أرض الجنة { نتبوأ ~~من الجنة حيث نشآء } أي: ننزل منها أي مكان شئنا، ونتناول ~~منها أي نعيم أردنا، ms1355 ليس ممنوعا عنا شيء نريده. { فنعم أجر ~~العاملين } الذين اجتهدوا بطاعة ربهم، في زمن قليل منقطع، فنالوا ~~بذلك خيرا عظيما باقيا مستمرا. وهذه الدار التي تستحق المدح على ~~الحقيقة، التي يكرم الله فيها خواص خلقه، ورضيها الجواد الكريم لهم ~~نزلا، وبنى أعلاها وأحسنها، وغرسها بيده، وحشاها من رحمته وكرامته ما ~~ببعضه يفرح الحزين، ويزول الكدر، ويتم الصفاء. { وترى الملائكة ~~} أيها الرائي ذلك اليوم العظيم { حآفين من حول العرش } أي: ~~قد قاموا في خدمة ربهم، واجتمعوا حول عرشه، خاضعين لجلاله، معترفين ~~بكماله، مستغرقين بجماله. { يسبحون بحمد ربهم } أي: ~~ينزهونه عن كل ما لا يليق بجلاله، مما نسب إليه المشركون وما لم ينسبوا. ~~{ وقضي بينهم } أي: بين الأولين والآخرين من الخلق { بالحق ~~} الذي لا اشتباه فيه ولا إنكار، ممن عليه الحق. { وقيل الحمد ~~لله رب العالمين } لم يذكر القائل من هو، ليدل ذلك على أن ~~جميع الخلق نطقوا بحمد ربهم وحكمته على ما قضى به على أهل الجنة وأهل ~~النار، حمد فضل وإحسان، وحمد عدل وحكمة. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # يخبر تعالى عن كتابه العظيم، بأنه صادر ومنزل من الله المألوه المعبود، ~~لكماله وانفراده بأفعاله، { العزيز } الذي قهر بعزته كل مخلوق، { ~~العليم } بكل شيء. { غافر الذنب } للمذنبين { وقابل ~~التوب } من التائبين، { شديد العقاب } على من تجرأ على ~~الذنوب ولم يتب منها، { ذي الطول } أي: التفضل والإحسان الشامل. ~~فلما قرر ما قرر من كماله، وكان ذلك موجبا لأن يكون وحده المألوه الذي ~~تخلص له الأعمال، قال: { لا إله إلا هو إليه المصير ~~}. ووجه المناسبة بذكر نزول القرآن من الله، الموصوف بهذه الأوصاف، أن ~~هذه الأوصاف مستلزمة لجميع ما يشتمل عليه القرآن من المعاني. فإن القرآن: ~~إما إخبار عن أسماء الله وصفاته وأفعاله، وهذه أسماء وأوصاف وأفعال. وإما ~~إخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة، فهي من تعليم العليم لعباده. وإما ~~إخبار عن نعمه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وما يوصل إلى ذلك من ~~الأوامر، فذلك يدل عليه قوله: { ذي الطول }. وإما إخبار عن نقمه ~~الشديدة، وعما يوجبها ms1356 ويقتضيها من المعاصي، فذلك يدل عليه قوله: { ~~شديد العقاب }. وإما دعوة للمذنبين إلى التوبة والإنابة، ~~والاستغفار، فذلك يدل عليه قوله: { غافر الذنب وقابل التوب ~~شديد العقاب }. وإما إخبار بأنه وحده المألوه المعبود، وإقامة ~~الأدلة العقلية والنقلية على ذلك، والحث عليه، والنهي عن عبادة ما سوى ~~الله، وإقامة الأدلة العقلية والنقلية على فسادها، والترهيب منها، فذلك ~~يدل عليه قوله تعالى: { لا إله إلا هو }. وإما إخبار عن حكمه ~~الجزائي العدل، وثواب المحسنين، وعقاب العاصين، فهذا يدل عليه قوله: { ~~إليه المصير }. فهذا جميع ما يشتمل عليه القرآن من المطالب ~~العاليات. ### || [40.4-6] # يخبر تبارك وتعالى أنه ما يجادل في آياته إلا الذين كفروا والمراد ~~بالمجادلة هنا، المجادلة لرد آيات الله ومقابلتها بالباطل، فهذا من صنيع ~~الكفار، وأما المؤمنون فيخضعون لله تعالى الذي يلقي الحق ليدحض به ~~الباطل، ولا ينبغي للإنسان أن يغتر بحالة الإنسان الدنيوية، ويظن أن ~~إعطاء الله إياه في الدنيا دليل على محبته له، وأنه على الحق، ولهذا قال: ~~{ فلا يغررك تقلبهم في البلاد } أي: ترددهم فيها ~~بأنواع التجارات والمكاسب، بل الواجب على العبد، أن يعتبر الناس بالحق، ~~وينظر إلى الحقائق الشرعية ويزن بها الناس، ولا يزن الحق بالناس، كما ~~عليه من لا علم ولا عقل له. ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما ~~فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا ~~وتجمعوا على الحق ليبطلوه، وعلى الباطل لينصروه، { و } أنه بلغت بهم ~~الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه { وهمت كل أمة } من الأمم { ~~برسولهم ليأخذوه } أي: يقتلوه. وهذا أبلغ ما يكون الرسل ~~الذين هم قادة أهل الخير، الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا ~~اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب ~~العظيم الذي لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: { ~~فأخذتهم } أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم { فكيف كان عقاب } ~~كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة، أو حاصب ينزل عليهم، أو يأمر ~~الأرض أن تأخذهم، ms1357 أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون. { وكذلك ~~حقت كلمة ربك على الذين كفروا } أي: كما حقت على ~~أولئك، حقت عليهم كلمة الضلال التي نشأت عنها كلمة العذاب، ولهذا قال: { ~~أنهم أصحاب النار }. ### || [40.7-9] # يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم ~~من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم ~~لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك، الإخبار عن شرف حملة العرش ~~ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم، ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن ~~الله يحب ذلك منهم فقال: { الذين يحملون العرش } أي: عرش ~~الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها وأوسعها وأحسنها، وأقربها من الله ~~تعالى، الذي وسع الأرض والسماوات والكرسي، وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم ~~الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة وأعظمهم ~~وأقواهم، واختيار الله لهم لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، ~~يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة عليهم السلام، قال تعالى: # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة: 17]. { ومن حوله } من الملائكة المقربين في المنزلة ~~والفضيلة { يسبحون بحمد ربهم } هذا مدح لهم بكثرة عبادتهم ~~لله تعالى، وخصوصا التسبيح والتحميد، وسائر العبادات تدخل في تسبيح ~~الله وتحميده، لأنها تنزيه له عن كون العبد يصرفها لغيره، وحمد له تعالى، ~~بل الحمد هو العبادة لله تعالى، وأما قول العبد: " سبحان الله وبحمده " ~~فهو داخل في ذلك، وهو من جملة العبادات. { ويستغفرون للذين ~~آمنوا } وهذا من جملة فوائد الإيمان وفضائله الكثيرة جدا، أن ~~الملائكة الذين لا ذنوب عليهم يستغفرون لأهل الإيمان، فالمؤمن بإيمانه ~~تسبب لهذا الفضل العظيم. ثم ولما كانت المغفرة لها لوازم لا تتم إلا بها ~~- غير ما يتبادر إلى كثير من الأذهان، أن سؤالها وطلبها غايته مجرد مغفرة ~~الذنوب - ذكر تعالى صفة دعائهم لهم بالمغفرة، بذكر ما لا تتم إلا به، ~~فقال: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } فعلمك قد ~~أحاط بكل شيء، لا يخفى عليك خافية، ولا يعزب عن علمك مثقال ذرة في الأرض ~~ولا ms1358 في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ورحمتك وسعت كل شيء، فالكون ~~علويه وسفليه قد امتلأ برحمة الله تعالى ووسعتهم، ووصل إلى ما وصل إليه ~~خلقه. { فاغفر للذين تابوا } من الشرك والمعاصي { ~~واتبعوا سبيلك } باتباع رسلك، بتوحيدك وطاعتك. { وقهم ~~عذاب الجحيم } أي: قهم العذاب نفسه، وقهم أسباب العذاب. { ~~ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم } على ~~ألسنة رسلك { ومن صلح } أي: صلح بالإيمان والعمل الصالح { من ~~آبآئهم وأزواجهم } زوجاتهم وأزواجهن وأصحابهم ورفقائهم { ~~وذرياتهم } { إنك أنت العزيز } القاهر لكل شيء، ~~فبعزتك تغفر ذنوبهم، وتكشف عنهم المحذور، وتوصلهم به إلى كل خير { ~~الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا نسألك يا ربنا أمرا تقتضي ~~حكمتك خلافه، بل من حكمتك التي أخبرت بها على ألسنة رسلك، واقتضاها فضلك، ~~المغفرة للمؤمنين. # { وقهم السيئات } أي: الأعمال السيئة وجزاءها، لأنها تسوء ~~صاحبها. { ومن تق السيئات يومئذ } أي: يوم القيامة { ~~فقد رحمته } لأن رحمتك لم تزل مستمرة على العباد، لا يمنعها إلا ~~ذنوب العباد وسيئاتهم، فمن وقيته السيئات وفقته للحسنات وجزائها الحسن. { ~~وذلك } أي: زوال المحذور بوقاية السيئات، وحصول المحبوب بحصول ~~الرحمة، { هو الفوز العظيم } الذي لا فوز مثله، ولا يتنافس ~~المتنافسون بأحسن منه. وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم ~~بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، التي يحب من عباده التوسل بها ~~إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه، فلما كان دعاؤهم بحصول ~~الرحمة، وإزالة أثر ما اقتضته النفوس البشرية التي علم الله نقصها ~~واقتضاءها لما اقتضته من المعاصي، ونحو ذلك من المبادئ والأسباب التي قد ~~أحاط الله بها علما توسلوا بالرحيم العليم. وتضمن كمال أدبهم مع الله ~~تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من ~~الأمر شيء، وإنما دعاؤهم لربهم صدر من فقير بالذات من جميع الوجوه، لا ~~يدلي على ربه بحالة من الأحوال، إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه. ~~وتضمن موافقتهم لربهم تمام الموافقة، بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي ~~العبادات التي قاموا بها، واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن ms1359 العمال الذين هم ~~المؤمنون، الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه، فسائر الخلق المكلفين ~~يبغضهم الله إلا المؤمنين منهم، فمن محبة الملائكة لهم دعوا الله، ~~واجتهدوا في صلاح أحوالهم، لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته، ~~لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه. وتضمن ما شرحه الله وفصله من دعائهم بعد ~~قوله: { ويستغفرون للذين آمنوا } التنبيه اللطيف على ~~كيفية تدبر كتابه، وأن لا يكون المتدبر مقتصرا على مجرد معنى اللفظ ~~بمفرده، بل ينبغي له أن يتدبر معنى اللفظ، فإذا فهمه فهما صحيحا على ~~وجهه، نظر بعقله إلى ذلك الأمر والطرق الموصلة إليه وما لا يتم إلا به ~~وما يتوقف عليه، وجزم بأن الله أراده، كما يجزم أنه أراد المعنى الخاص، ~~الدال عليه اللفظ. والذي يوجب له الجزم بأن الله أراده أمران: أحدهما: ~~معرفته وجزمه بأنه من توابع المعنى والمتوقف عليه. والثاني: علمه بأن ~~الله بكل شيء عليم، وأن الله أمر عباده بالتدبر والتفكر في كتابه. وقد ~~علم تعالى ما يلزم من تلك المعاني. وهو المخبر بأن كتابه هدى ونور وتبيان ~~لكل شيء، وأنه أفصح الكلام وأجله إيضاحا، فبذلك يحصل للعبد من العلم ~~العظيم والخير الكثير، بحسب ما وفقه الله له وقد كان في تفسيرنا هذا، ~~كثير من هذا من به الله علينا. وقد يخفى في بعض الآيات مأخذه على غير ~~المتأمل صحيح الفكرة، ونسأله تعالى أن يفتح علينا من خزائن رحمته ما يكون ~~سببا لصلاح أحوالنا وأحوال المسلمين، فليس لنا إلا التعلق بكرمه، ~~والتوسل بإحسانه، الذي لا نزال نتقلب فيه في كل الآنات، وفي جميع ~~اللحظات، ونسأله من فضله، أن يقينا شر أنفسنا المانع والمعوق لوصول ~~رحمته، إنه الكريم الوهاب، الذي تفضل بالأسباب ومسبباتها. وتضمن ذلك، أن ~~المقارن من زوج وولد وصاحب، يسعد بقرينه، ويكون اتصاله به سببا لخير ~~يحصل له، خارج عن عمله وسبب عمله كما كانت الملائكة تدعو للمؤمنين ولمن ~~صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، وقد يقال: إنه لا بد من وجود صلاحهم ~~لقوله: { ومن صلح } فحينئذ يكون ms1360 ذلك من نتيجة عملهم والله أعلم. ### || [40.10-12] # يخبر تعالى عن الفضيحة والخزي الذي يصيب الكافرين، وسؤالهم الرجعة، ~~والخروج من النار، وامتناع ذلك عليهم وتوبيخهم، فقال: { إن الذين ~~كفروا } أطلقه ليشمل أنواع الكفر كلها، من الكفر بالله، أو بكتبه، أو ~~برسله، أو باليوم الآخر، حين يدخلون النار، ويقرون أنهم مستحقونها، لما ~~فعلوه من الذنوب والأوزار، فيمقتون أنفسهم لذلك أشد المقت، ويغضبون عليها ~~غاية الغضب، فينادون عند ذلك، ويقال لهم: { لمقت الله } أي: إياكم ~~{ إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون } أي: حين دعتكم الرسل ~~وأتباعهم إلى الإيمان، وأقاموا لكم من البينات ما تبين به الحق، فكفرتم ~~وزهدتم في الإيمان الذي خلقكم الله له، وخرجتم من رحمته الواسعة، فمقتكم ~~وأبغضكم، فهذا { أكبر من مقتكم أنفسكم } أي: فلم يزل ~~هذا المقت مستمرا عليكم، والسخط من الكريم حالا بكم، حتى آلت بكم ~~الحال إلى ما آلت، فاليوم حل عليكم غضب الله وعقابه، حين نال المؤمنون ~~رضوان الله وثوابه. فتمنوا الرجوع، و { قالوا ربنآ أمتنا ~~اثنتين } يريدون الموتة الأولى وما بين النفختين على ما قيل، أو ~~العدم المحض قبل إيجادهم، ثم أماتهم بعدما أوجدهم، { وأحييتنا ~~اثنتين } الحياة الدنيا والحياة الأخرى، { فاعترفنا ~~بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل } أي: تحسروا وقالوا ~~ذلك، فلم يفد ولم ينجع، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة، فقيل لهم: { ~~ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده } أي: إذا دعي ~~لتوحيده، وإخلاص العمل له، ونهي عن الشرك به { كفرتم } به واشمأزت ~~لذلك قلوبكم ونفرتم غاية النفور. { وإن يشرك به تؤمنوا } ~~أي: هذا الذي أنزلكم هذا المنزل، وبوأكم هذا المقيل والمحل، أنكم تكفرون ~~بالإيمان، وتؤمنون بالكفر، ترضون بما هو شر وفساد في الدنيا والآخرة، ~~وتكرهون ما هو خير وصلاح في الدنيا والآخرة. تؤثرون سبب الشقاوة والذل ~~والغضب وتزهدون بما هو سبب الفوز والفلاح والظفر # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا # [الأعراف: 146]. { فالحكم لله العلي الكبير } العلي: ~~الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر ms1361 ~~ومن علو قدره، كمال عدله تعالى، وأنه يضع الأشياء مواضعها، ولا يساوي بين ~~المتقين والفجار. { الكبير } الذي له الكبرياء والعظمة والمجد، في ~~أسمائه وصفاته وأفعاله المتنزه عن كل آفة وعيب ونقص، فإذا كان الحكم له ~~تعالى، وقد حكم عليكم بالخلود الدائم، فحكمه لا يغير ولا يبدل. ### || [40.13-17] # يذكر تعالى نعمه العظيمة على عباده، بتبيين الحق من الباطل، بما يري ~~عباده من آياته النفسية والآفاقية والقرآنية، الدالة على كل مطلوب مقصود، ~~الموضحة للهدى من الضلال، بحيث لا يبقى عند الناظر فيها والمتأمل لها ~~أدنى شك في معرفة الحقائق، وهذا من أكبر نعمه على عباده، حيث لم يبق ~~الحق مشتبها، ولا الصواب ملتبسا، بل نوع الدلالات ووضح الآيات، ليهلك ~~من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وكلما كانت المسائل أجل ~~وأكبر، كانت الدلائل عليها أكثر وأيسر، فانظر إلى التوحيد لما كانت ~~مسألته من أكبر المسائل، بل أكبرها، كثرت الأدلة عليها العقلية والنقلية ~~وتنوعت، وضرب الله لها الأمثال وأكثر لها من الاستدلال، ولهذا ذكرها في ~~هذا الموضع، ونبه على جملة من أدلتها فقال: { فادعوا الله ~~مخلصين له الدين }. ولما ذكر أنه يري عباده آياته، نبه على ~~آية عظيمة فقال: { وينزل لكم من السمآء رزقا } أي: ~~مطرا به ترزقون وتعيشون أنتم وبهائمكم، وذلك يدل على أن النعم كلها ~~منه، فمنه نعم الدين، وهي المسائل الدينية والأدلة عليها، وما يتبع ذلك ~~من العمل بها. والنعم الدنيوية كلها، كالنعم الناشئة عن الغيث، الذي ~~تحيا به البلاد والعباد. وهذا يدل دلالة قاطعة أنه وحده هو المعبود، الذي ~~يتعين إخلاص الدين له، كما أنه - وحده - المنعم. { وما يتذكر } ~~بالآيات حين يذكر بها { إلا من ينيب } إلى الله تعالى، بالإقبال ~~على محبته وخشيته وطاعته والتضرع إليه، فهذا الذي ينتفع بالآيات، وتصير ~~رحمة في حقه، ويزداد بها بصيرة. ولما كانت الآيات تثمر التذكر، والتذكر ~~يوجب الإخلاص لله، رتب الأمر على ذلك بالفاء الدالة على السببية فقال: { ~~فادعوا الله مخلصين له الدين } وهذا شامل لدعاء العبادة ~~ودعاء المسألة، والإخلاص ms1362 معناه: تخليص القصد لله تعالى في جميع العبادات ~~الواجبة والمستحبة، حقوق الله وحقوق عباده. أي: أخلصوا لله تعالى في كل ~~ما تدينونه به وتتقربون به إليه. { ولو كره الكافرون } لذلك، ~~فلا تبالوا بهم، ولا يثنكم ذلك عن دينكم، ولا تأخذكم بالله لومة لائم، ~~فإن الكافرين يكرهون الإخلاص لله وحده غاية الكراهة، كما قال تعالى: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # [الزمر: 45]. ثم ذكر من جلاله وكماله ما يقتضي إخلاص العبادة له فقال: { ~~رفيع الدرجات ذو العرش } أي: العلي الأعلى، الذي استوى على ~~العرش واختص به، وارتفعت درجاته ارتفاعا باين به مخلوقاته، وارتفع به ~~قدره، وجلت أوصافه، وتعالت ذاته، أن يتقرب إليه إلا بالعمل الزكي الطاهر ~~المطهر، وهو الإخلاص، الذي يرفع درجات أصحابه ويقربهم إليه، ويجعلهم فوق ~~خلقه، ثم ذكر نعمته على عباده بالرسالة والوحي، فقال: { يلقي الروح ~~} أي: الوحي الذي للأرواح والقلوب بمنزلة الأرواح للأجساد، فكما أن الجسد ~~بدون الروح لا يحيا ولا يعيش، فالروح والقلب بدون روح الوحي لا يصلح ولا ~~يفلح، فهو تعالى { يلقي الروح من أمره } الذي فيه نفع العباد ~~ومصلحتهم. # { على من يشآء من عباده } وهم الرسل الذين فضلهم الله ~~واختصهم الله لوحيه ودعوة عباده. والفائدة في إرسال الرسل، هو تحصيل ~~سعادة العباد في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وإزالة الشقاوة عنهم في دينهم ~~ودنياهم وآخرتهم، ولهذا قال: { لينذر } من ألقى الله إليه الوحي { ~~يوم التلاق } أي: يخوف العباد بذلك، ويحثهم على الاستعداد له ~~بالأسباب المنجية مما يكون فيه. وسماه { يوم التلاق } لأنه يلتقي ~~فيه الخالق والمخلوق، والمخلوقون بعضهم مع بعض، والعاملون وأعمالهم ~~وجزاؤهم. { يوم هم بارزون } أي: ظاهرون على الأرض، قد اجتمعوا في ~~صعيد واحد، لا عوج ولا أمت فيه، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر. { لا ~~يخفى على الله منهم شيء } لا من ذواتهم ولا من أعمالهم، ~~ولا من جزاء تلك الأعمال. { لمن الملك اليوم } أي: من هو ~~المالك لذلك اليوم العظيم الجامع للأولين والآخرين، أهل ms1363 السماوات وأهل ~~الأرض، الذي انقطعت فيه الشركة في الملك، وتقطعت الأسباب، ولم يبق إلا ~~الأعمال الصالحة أو السيئة؟ الملك { لله الواحد القهار } ~~أي: المنفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء منها ~~بوجه من الوجوه. { القهار } لجميع المخلوقات، الذي دانت له ~~المخلوقات وذلت وخضعت، خصوصا في ذلك اليوم الذي عنت فيه الوجوه للحي ~~القيوم، يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه. { اليوم تجزى كل ~~نفس بما كسبت } في الدنيا، من خير وشر، قليل وكثير. { لا ~~ظلم اليوم } على أحد، بزيادة في سيئاته، أو نقص من حسناته. { ~~إن الله سريع الحساب } أي: لا تستبطئوا ذلك اليوم فإنه آت، ~~وكل آت قريب. وهو أيضا سريع المحاسبة لعباده يوم القيامة، لإحاطة علمه ~~وكمال قدرته. ### || [40.18-20] # يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وأنذرهم يوم ~~الأزفة } أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى ~~أهوالها وقلاقلها وزلازلها، { إذ القلوب لدى الحناجر } أي: ~~قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى ~~الحناجر، شاخصة أبصارهم. { كاظمين } لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن وقال صوابا، وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات ~~الهائلة. { ما للظالمين من حميم } أي: قريب ولا صاحب، { ~~ولا شفيع يطاع } لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ~~ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها. { يعلم ~~خآئنة الأعين } وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، ~~وهو نظر المسارقة، { وما تخفي الصدور } مما لم يبينه العبد ~~لغيره، فالله تعالى يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى ~~وأحرى. { والله يقضي بالحق } لأن قوله حق، وحكمه الشرعي حق، ~~وحكمه الجزائي حق وهو المحيط علما وكتابة وحفظا بجميع الأشياء، وهو ~~المنزه عن الظلم والنقص وسائر العيوب، وهو الذي يقضي قضاءه القدري، الذي ~~إذا شاء شيئا كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يقضي بين عباده المؤمنين ~~والكافرين في الدنيا، ويفصل بينهم بفتح ينصر به أولياءه وأحبابه. { ~~والذين يدعون ms1364 من دونه } وهذا شامل لكل ما عبد من دون الله { ~~لا يقضون بشيء } لعجزهم وعدم إرادتهم للخير واستطاعتهم لفعله. { ~~إن الله هو السميع } لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على ~~تفنن الحاجات. { البصير } بما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، ~~وما يعلم العباد وما لا يعلمون. قال في أول هاتين الآيتين { ~~وأنذرهم يوم الأزفة } ثم وصفها بهذه الأوصاف المقتضية ~~للاستعداد لذلك اليوم العظيم، لاشتمالها على الترغيب والترهيب. ### || [40.21-22] # يقول تعالى: { أولم يسيروا في الأرض } أي: بقلوبهم ~~وأبدانهم، سير نظر واعتبار، وتفكر في الآثار، { فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم } من المكذبين، ~~فسيجدونها شر العواقب، عاقبة الهلاك والدمار والخزي والفضيحة، وقد كانوا ~~أشد قوة من هؤلاء في العدد والعدد وكبر الأجسام. { و } أشد { ~~آثارا في الأرض } من البناء والغرس، وقوة الآثار تدل على قوة ~~المؤثر فيها وعلى تمنعه بها. { فأخذهم الله } بعقوبته بذنوبهم ~~حين أصروا واستمروا عليها. { إنه قوي شديد العقاب } فلم ~~تغن قوتهم عند قوة الله شيئا، بل من أعظم الأمم قوة، قوم عاد الذين ~~قالوا: # من أشد منا قوة # [فصلت: 15] أرسل الله إليهم ريحا أضعفت قواهم، ودمرتهم كل تدمير. ثم ~~ذكر نموذجا من أحوال المكذبين بالرسل، وهو فرعون وجنوده فقال: { ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا... }. ### || [40.23-46] # { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } إلى ~~آخر القصة. أي: { ولقد أرسلنا } إلى جنس هؤلاء المكذبين { ~~موسى } ابن عمران، { بآياتنا } العظيمة، الدالة دلالة قطعية، على ~~حقية ما أرسل به، وبطلان ما عليه من أرسل إليهم من الشرك وما يتبعه. { ~~وسلطان مبين } أي: حجة بينة، تتسلط على القلوب فتذعن لها، ~~كالحية والعصا ونحوهما من الآيات البينات، التي أيد الله بها موسى، ~~ومكنه مما دعا إليه من الحق. والمبعوث إليهم { فرعون وهامان } ~~وزيره { وقارون } الذي كان من قوم موسى، فبغى عليهم بماله، وكلهم ~~ردوا عليه أشد الرد { فقالوا ساحر كذاب }. { فلما ~~جآءهم بالحق من عندنا } وأيده الله بالمعجزات الباهرة، ~~الموجبة لتمام الإذعان، لم يقابلوها بذلك، ولم يكفهم مجرد الترك ~~والإعراض، بل ولا إنكارها ومعارضتها ms1365 بباطلهم، بل وصلت بهم الحال الشنيعة ~~إلى أن { قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه ~~واستحيوا نسآءهم وما كيد الكافرين } حيث كادوا هذه ~~المكيدة، وزعموا أنهم إذا قتلوا أبناءهم، لم يقووا، وبقوا في رقهم وتحت ~~عبوديتهم. فما كيدهم إلا في ضلال، حيث لم يتم لهم ما قصدوا، بل أصابهم ضد ~~ما قصدوا، أهلكهم الله وأبادهم عن آخرهم. وتدبر هذه النكتة التي يكثر ~~مرورها بكتاب الله تعالى: إذا كان السياق في قصة معينة أو على شيء معين، ~~وأراد الله أن يحكم على ذلك المعين بحكم، لا يختص به ذكر الحكم، وعلقه ~~على الوصف العام ليكون أعم، وتندرج فيه الصورة التي سيق الكلام لأجلها، ~~وليندفع الإيهام باختصاص الحكم بذلك المعين. فلهذا لم يقل " وما كيدهم ~~إلا في ضلال " بل قال: { وما كيد الكافرين إلا في ~~ضلال }. { وقال فرعون } متكبرا متجبرا مغررا لقومه ~~السفهاء: { ذروني أقتل موسى وليدع ربه } أي: زعم - ~~قبحه الله - أنه لولا مراعاة خواطر قومه لقتله، وأنه لا يمنعه من دعاء ~~ربه، ثم ذكر الحامل له على إرادة قتله، وأنه نصح لقومه، وإزالة للشر في ~~الأرض فقال: { إني أخاف أن يبدل دينكم } الذي أنتم ~~عليه { أو أن يظهر في الأرض الفساد } وهذا من أعجب ما ~~يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق هذا من التمويه ~~والترويج، الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم: # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54]. { وقال موسى } حين قال فرعون تلك المقالة الشنيعة ~~التي أوجبها له طغيانه، واستعان فيها بقوته واقتداره، مستعينا بربه: { ~~إني عذت بربي وربكم } أي: امتنعت بربوبيته التي دبر بها ~~جميع الأمور { من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب ~~} أي: يحمله تكبره وعدم إيمانه بيوم الحساب على الشر والفساد، يدخل فيه ~~فرعون وغيره، كما تقدم قريبا في القاعدة، فمنعه الله تعالى بلطفه من كل ~~متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقيض له من الأسباب ما اندفع به عنه شر ~~فرعون وملئه. # ومن جملة الأسباب، هذا الرجل المؤمن، ms1366 الذي من آل فرعون، من بيت المملكة، ~~لا بد أن يكون له كلمة مسموعة، وخصوصا إذا كان يظهر موافقتهم ويكتم ~~إيمانه، فإنهم يراعونه في الغالب ما لا يراعونه لو خالفهم في الظاهر، كما ~~منع الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب من قريش، حيث ~~كان أبو طالب كبيرا عندهم، موافقا لهم على دينهم، ولو كان مسلما لم ~~يحصل منه ذلك المنع. فقال ذلك الرجل المؤمن الموفق العاقل الحازم، مقبحا ~~فعل قومه، وشناعة ما عزموا عليه: { أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله } أي: كيف تستحلون قتله، وهذا ذنبه وجرمه، أنه يقول ربي ~~الله، ولم يكن أيضا قولا مجردا عن البينات، ولهذا قال: { وقد ~~جآءكم بالبينات من ربكم } لأن بينته اشتهرت عندهم ~~اشتهارا علم به الصغير والكبير، أي: فهذا لا يوجب قتله. فهلا أبطلتم ~~قبل ذلك ما جاء به من الحق، وقابلتم البرهان ببرهان يرده، ثم بعد ذلك ~~نظرتم: هل يحل قتله إذا ظهرتم عليه بالحجة أم لا؟ فأما وقد ظهرت حجته، ~~واستعلى برهانه، فبينكم وبين حل قتله مفاوز تنقطع بها أعناق المطي. ثم ~~قال لهم مقالة عقلية تقنع كل عاقل، بأي حالة قدرت، فقال: { وإن يك ~~كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض ~~الذي يعدكم } أي: موسى بين أمرين، إما كاذب في دعواه أو صادق ~~فيها، فإن كان كاذبا فكذبه عليه، وضرره مختص به، وليس عليكم في ذلك ضرر ~~حيث امتنعتم من إجابته وتصديقه، وإن كان صادقا وقد جاءكم بالبينات، ~~وأخبركم أنكم إن لم تجيبوه عذبكم الله عذابا في الدنيا وعذابا في ~~الآخرة، فإنه لا بد أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو عذاب الدنيا. وهذا من ~~حسن عقله، ولطف دفعه عن موسى، حيث أتى بهذا الجواب الذي لا تشويش فيه ~~عليهم، وجعل الأمر دائرا بين تينك الحالتين، وعلى كل تقدير فقتله سفه ~~وجهل منكم. ثم انتقل رضي الله عنه وأرضاه وغفر له ورحمه - إلى أمر أعلى ~~من ذلك، وبيان قرب موسى من الحق فقال: { إن الله لا ms1367 يهدي من ~~هو مسرف } أي: متجاوز الحد بترك الحق والإقبال على الباطل. { ~~كذاب } بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق ~~الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم، أي: وقد ~~رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين ~~العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون ~~مسرفا ولا كاذبا، وهذا دليل على كمال علمه وعقله ومعرفته بربه. # ثم حذر قومه ونصحهم، وخوفهم عذاب الآخرة، ونهاهم عن الاغترار بالملك ~~الظاهر، فقال: { يقوم لكم الملك اليوم } أي: في الدنيا { ~~ظاهرين في الأرض } على رعيتكم، تنفذون فيهم ما شئتم من التدبير، ~~فهبكم حصل لكم ذلك وتم، ولن يتم، { فمن ينصرنا من بأس الله ~~} أي: عذابه { إن جآءنا }؟ وهذا من حسن دعوته، حيث جعل الأمر مشتركا ~~بينه وبينهم بقوله: { فمن ينصرنا } وقوله: { إن جآءنا } ~~ليفهمهم أنه ينصح لهم كما ينصح لنفسه، ويرضى لهم ما يرضى لنفسه. ف { ~~قال فرعون } معارضا له في ذلك، ومغررا لقومه أن يتبعوا موسى: { ~~مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد } وصدق في قوله: { مآ أريكم إلا مآ أرى } ولكن ما ~~الذي رأى؟ رأى أن يستخف قومه فيتابعوه، ليقيم بهم رياسته، ولم ير الحق ~~معه، بل رأى الحق مع موسى، وجحد به مستيقنا له. وكذب في قوله: { ومآ ~~أهديكم إلا سبيل الرشاد } فإن هذا قلب للحق، فلو أمرهم ~~باتباعه اتباعا مجردا على كفره وضلاله، لكان الشر أهون، ولكنه أمرهم ~~باتباعه، وزعم أن في اتباعه اتباع الحق وفي اتباع الحق، اتباع الضلال. { ~~وقال الذي آمن } مكررا دعوة قومه، غير آيس من هدايتهم، كما هي ~~حالة الدعاة إلى الله تعالى، لا يزالون يدعون إلى ربهم، ولا يردهم عن ذلك ~~راد، ولا يثنيهم عتو من دعوه عن تكرار الدعوة، فقال لهم: { يقوم ~~إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } يعني الأمم ~~المكذبين، الذين تحزبوا على أنبيائهم، واجتمعوا على معارضتهم، ثم بينهم ~~فقال: { مثل دأب ms1368 قوم نوح وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم } أي: مثل عادتهم في الكفر والتكذيب، وعادة الله فيهم ~~بالعقوبة العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، { وما الله يريد ظلما ~~للعباد } فيعذبهم بغير ذنب أذنبوه، ولا جرم أسلفوه. ولما خوفهم ~~العقوبات الدنيوية، خوفهم العقوبات الأخروية، فقال: { ويقوم إني ~~أخاف عليكم يوم التناد } أي: يوم القيامة، حين ينادي أهل ~~الجنة أهل النار: # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا # إلى آخر الآيات [الأعراف: 44]. # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف: 50]. وحين ينادي أهل النار مالكا # ليقض علينا ربك # فيقول: # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77] وحين ينادون ربهم: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 107] فيجيبهم: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108] وحين يقال للمشركين: # ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم # [القصص: 64]. فخوفهم رضي الله عنه هذا اليوم المهول، وتوجع لهم أن ~~أقاموا على شركهم بذلك، ولهذا قال: { يوم تولون مدبرين } ~~أي: قد ذهب بكم إلى النار { ما لكم من الله من عاصم } لا ~~من أنفسكم قوة تدفعون بها عذاب الله، ولا ينصركم من دونه من أحد # يوم تبلى السرآئر * فما له من قوة ولا ناصر # [الطارق: 9-10]. { ومن يضلل الله فما له من هاد } لأن ~~الهدى بيد الله تعالى، فإذا منع عبده الهدى لعلمه أنه غير لائق به، ~~لخبثه، فلا سبيل إلى هدايته. { ولقد جآءكم يوسف } بن يعقوب ~~عليهما السلام من قبل إتيان موسى، بالبينات الدالة على صدقه، وأمركم ~~بعبادة ربكم وحده لا شريك له، { فما زلتم في شك مما ~~جآءكم به } في حياته { حتى إذا هلك } ازداد شككم وشرككم، ~~و { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } أي: هذا ظنكم ~~الباطل، وحسبانكم الذي لا يليق بالله تعالى، فإنه تعالى لا يترك خلقه ~~سدى، لا يأمرهم وينهاهم، ويرسل إليهم رسله، وظن أن الله لا يرسل رسولا ~~ظن ضلال، ولهذا قال: { كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب } وهذا هو وصفهم الحقيقي الذي وصفوا ms1369 به موسى ظلما وعلوا، ~~فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة، حيث ~~نسبوا ذلك إلى الله، وكذبوا رسوله. فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك ~~عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير، لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه ~~وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110] # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. ثم ذكر وصف المسرف الكذاب فقال: { الذين ~~يجادلون في آيات الله } التي بينت الحق من الباطل، وصارت - ~~من ظهورها - بمنزلة الشمس للبصر، فهم يجادلون فيها على وضوحها، ليدفعوها ~~ويبطلوها { بغير سلطان أتاهم } أي: بغير حجة وبرهان، وهذا ~~وصف لازم لكل من جادل في آيات الله، فإنه من المحال أن يجادل بسلطان، ~~لأن الحق لا يعارضه معارض، فلا يمكن أن يعارض بدليل شرعي أو عقلي أصلا، ~~{ كبر } ذلك القول المتضمن لرد الحق بالباطل { مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا } فالله أشد بغضا لصاحبه، لأنه تضمن التكذيب ~~بالحق والتصديق بالباطل ونسبته إليه، وهذه أمور يشتد بغض الله لها ولمن ~~اتصف بها، وكذلك عباده المؤمنون يمقتون على ذلك أشد المقت موافقة لربهم، ~~وهؤلاء خواص خلق الله تعالى، فمقتهم دليل على شناعة من مقتوه، { كذلك ~~} أي: كما طبع على قلوب آل فرعون { يطبع الله على كل ~~قلب متكبر جبار } متكبر في نفسه على الحق برده، وعلى الخلق ~~باحتقارهم، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه. { وقال فرعون } معارضا ~~لموسى ومكذبا له في دعوته إلى الإقرار برب العالمين، الذي على العرش ~~استوى، وعلى الخلق اعتلى: { يهامان ابن لي صرحا } أي: بناء ~~عظيما مرتفعا، والقصد منه لعلي أطلع { إلى إله موسى ~~وإني لأظنه كاذبا } في دعواه أن لنا ربا، وأنه فوق ~~السماوات. # ولكنه يريد أن يحتاط فرعون، ويختبر الأمر بنفسه، قال الله تعالى في بيان ~~الذي حمله على هذا القول: { وكذلك زين لفرعون سوء ~~عمله } فزين له العمل السيئ، فلم يزل ms1370 الشيطان يزينه، وهو يدعو إليه ~~ويحسنه، حتى رآه حسنا، ودعا إليه وناظر مناظرة المحقين، وهو من أعظم ~~المفسدين، { وصد عن السبيل } الحق، بسبب الباطل الذي زين له. { ~~وما كيد فرعون } الذي أراد أن يكيد به الحق، ويوهم به الناس ~~أنه محق، وأن موسى مبطل { إلا في تباب } أي: خسار وبوار، لا يفيده ~~إلا الشقاء في الدنيا والآخرة. { وقال الذي آمن } معيدا ~~نصيحته لقومه: { يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ~~} لا كما يقول لكم فرعون، فإنه لا يهديكم إلا طريق الغي والفساد. { ~~يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع } يتمتع بها ~~ويتنعم قليلا، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعنكم عما خلقتم له { ~~وإن الآخرة هي دار القرار } التي هي محل الإقامة، ومنزل ~~السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملا يسعدكم ~~فيها. { من عمل سيئة } من شرك أو فسوق أو عصيان { فلا ~~يجزى إلا مثلها } أي: لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه لأن جزاء ~~السيئة السوء. { ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى } ~~من أعمال القلوب والجوارح، وأقوال اللسان { فأولئك يدخلون ~~الجنة يرزقون فيها بغير حساب } أي: يعطون أجرهم بلا ~~حد ولا عد، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم. { ويقوم ما لي ~~أدعوكم إلى النجاة } بما قلت لكم { وتدعونني إلى ~~النار } بترك اتباع نبي الله موسى عليه السلام. ثم فسر ذلك فقال: { ~~تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به ~~علم } أنه يستحق أن يعبد من دون الله، والقول على الله بلا علم من ~~أكبر الذنوب وأقبحها، { وأنا أدعوكم إلى العزيز } الذي له ~~القوة كلها، وغيره ليس بيده من الأمر شيء. { الغفار } الذي يسرف ~~العباد على أنفسهم ويتجرؤون على مساخطه ثم إذا تابوا وأنابوا إليه، كفر ~~عنهم السيئات والذنوب، ودفع موجباتها من العقوبات الدنيوية والأخروية. { ~~لا جرم } أي: حقا يقينا { أنما تدعونني إليه ليس ~~له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } أي: لا يستحق من ~~الدعوة إليه، والحث على اللجأ إليه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لعجزه ~~ونقصه، وأنه ms1371 لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا. { ~~وأن مردنآ إلى الله } تعالى فسيجازي كل عامل بعمله. { ~~وأن المسرفين هم أصحاب النار } وهم الذين أسرفوا على ~~أنفسهم بالتجرؤ على ربهم، بمعاصيه والكفر به، دون غيرهم. فلما نصحهم ~~وحذرهم وأنذرهم، ولم يطيعوه ولا وافقوه، قال لهم: { فستذكرون مآ ~~أقول لكم } من هذه النصيحة، وسترون مغبة عدم قبولها حين يحل بكم ~~العقاب، وتحرمون جزيل الثواب. { وأفوض أمري إلى الله } ~~أي: ألجأ إليه وأعتصم، وألقي أموري كلها لديه، وأتوكل عليه في مصالحي ~~ودفع الضرر الذي يصيبني منكم أو من غيركم. # { إن الله بصير بالعباد } يعلم أحوالهم وما يستحقون، يعلم ~~حالي وضعفي فيمنعني منكم ويكفيني شركم، ويعلم أحوالكم فلا تتصرفون إلا ~~بإرادته ومشيئته، فإن سلطكم علي، فبحكمة منه تعالى، وعن إرادته ومشيئته ~~صدر ذلك. { فوقاه الله سيئات ما مكروا } أي: وقى الله ~~القوي الرحيم، ذلك الرجل المؤمن الموفق، عقوبات ما مكر فرعون وآله له، ~~من إرادة إهلاكه وإتلافه، لأنه بادأهم بما يكرهون، وأظهر لهم الموافقة ~~التامة لموسى عليه السلام، ودعاهم إلى ما دعاهم إليه موسى، وهذا أمر لا ~~يحتملونه، وهم الذين لهم القدرة إذ ذاك، وقد أغضبهم واشتد حنقهم عليه، ~~فأرادوا به كيدا، فحفظه الله من كيدهم ومكرهم وانقلب كيدهم ومكرهم، على ~~أنفسهم، { وحاق بآل فرعون سوء العذاب } أغرقهم الله ~~تعالى في صبيحة واحدة عن آخرهم. وفي البرزخ { النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب } فهذه العقوبات الشنيعة، التي تحل ~~بالمكذبين لرسل الله، المعاندين لأمره. ### || [40.47-50] # يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضا، واستغاثتهم بخزنة ~~النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: { وإذ يتحآجون في النار ~~} يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، { ~~فيقول الضعفاء } أي: الأتباع للقادة { للذين ~~استكبروا } على الحق، ودعوهم إلى ما استكبروا لأجله. { إنا ~~كنا لكم تبعا } أنتم أغويتمونا وأضللتمونا وزينتم لنا الشرك ~~والشر، { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } أي: ~~ولو قليلا. { قال الذين استكبروا } مبينين لعجزهم ms1372 ونفوذ ~~الحكم الإلهي في الجميع: { إنا كل فيهآ إن الله قد ~~حكم بين العباد } وجعل لكل قسطه من العذاب، فلا يزاد في ذلك ~~ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم. { وقال الذين في ~~النار } من المستكبرين والضعفاء { لخزنة جهنم ادعوا ~~ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } لعله تحصل بعض ~~الراحة. ف { قالوا } لهم موبخين ومبينين أن شفاعتهم لا تنفعهم، ~~ودعاءهم لا يفيدهم شيئا: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات } التي تبينتم بها الحق والصراط المستقيم، وما يقرب من ~~الله وما يبعد منه؟ { قالوا بلى } قد جاؤونا بالبينات، وقامت علينا ~~حجة الله البالغة، فظلمنا وعاندنا الحق بعد ما تبين. { قالوا } أي: ~~الخزنة لأهل النار، متبرئين من الدعاء لهم والشفاعة: { فادعوا } أنتم ~~ولكن هذا الدعاء، هل يغني شيئا أم لا؟ قال تعالى: { وما دعاء ~~الكافرين إلا في ضلال } أي: باطل لاغ، لأن الكفر محبط لجميع ~~الأعمال، صاد لإجابة الدعاء. ### || [40.51-52] # لما ذكر عقوبة آل فرعون في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وذكر حالة ~~أهل النار الفظيعة، الذين نابذوا رسله وحاربوهم، قال: { إنا لننصر ~~رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } أي: بالحجة ~~والبرهان والنصر، في الآخرة بالحكم لهم ولأتباعهم بالثواب، ولمن حاربهم ~~بشدة العقاب. { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } حين ~~يعتذرون { ولهم اللعنة ولهم سوء الدار } أي: الدار ~~السيئة التي تسوء نازليها. ### || [40.53-55] # لما ذكر ما جرى لموسى وفرعون، وما آل إليه أمر فرعون وجنوده، ثم ذكر ~~الحكم العام الشامل له ولأهل النار، ذكر أنه أعطى موسى { الهدى } أي: ~~الآيات، والعلم الذي يهتدي به المهتدون. { وأورثنا بني ~~إسرائيل الكتاب } أي: جعلناه متوارثا بينهم، من قرن إلى آخر، ~~وهو التوراة، وذلك الكتاب مشتمل على الهدى الذي هو العلم بالأحكام ~~الشرعية وغيرها، وعلى التذكر للخير بالترغيب فيه، وعن الشر بالترهيب عنه، ~~وليس ذلك لكل أحد، وإنما هو { لأولي الألباب }. { فاصبر } يا ~~أيها الرسول كما صبر من قبلك من أولي العزم المرسلين. { إن وعد ~~الله حق } أي: ليس مشكوكا فيه، أو فيه ريب أو كذب، حتى ms1373 يعسر عليك ~~الصبر، وإنما هو الحق المحض، والهدى الصرف، الذي يصبر عليه الصابرون، ~~ويجتهد في التمسك به أهل البصائر. فقوله: { إن وعد الله حق } ~~من الأسباب التي تحث على الصبر على طاعة الله وعن ما يكره الله. { ~~واستغفر لذنبك } المانع لك من تحصيل فوزك وسعادتك، فأمره ~~بالصبر الذي فيه يحصل المحبوب، وبالاستغفار الذي فيه دفع المحذور، ~~وبالتسبيح بحمد الله تعالى خصوصا { بالعشي والإبكار } اللذين ~~هما أفضل الأوقات، وفيهما من الأوراد والوظائف الواجبة والمستحبة ما ~~فيهما، لأن في ذلك عونا على جميع الأمور. ### || [40.56] # يخبر تعالى أن من جادل في آياته ليبطلها بالباطل، بغير بينة من أمره ~~ولا حجة، إن هذا صادر من كبر في صدورهم على الحق وعلى من جاء به، ~~يريدون الاستعلاء عليه بما معهم من الباطل، فهذا قصدهم ومرادهم. ولكن هذا ~~لا يتم لهم، وليسوا ببالغيه، فهذا نص صريح، وبشارة، بأن كل من جادل ~~الحق أنه مغلوب، وكل من تكبر عليه فهو في نهايته ذليل. { فاستعذ ~~} أي: اعتصم والجأ { بالله } ولم يذكر ما يستعيذ، إرادة للعموم. أي: ~~استعذ بالله من الكبر الذي يوجب التكبر على الحق، واستعذ بالله من ~~شياطين الإنس والجن، واستعذ بالله من جميع الشرور. { إنه هو ~~السميع } لجميع الأصوات على اختلافها، { البصير } بجميع ~~المرئيات، بأي محل وموضع وزمان كانت. ### || [40.57-59] # يخبر تعالى بما تقرر في العقول، أن خلق السماوات والأرض - على عظمهما ~~وسعتهما - أعظم وأكبر من خلق الناس، فإن الناس بالنسبة إلى خلق السماوات ~~والأرض من أصغر ما يكون فالذي خلق الأجرام العظيمة وأتقنها، قادر على ~~إعادة الناس بعد موتهم من باب أولى وأحرى. وهذا أحد الأدلة العقلية ~~الدالة على البعث دلالة قاطعة بمجرد نظر العاقل إليها، يستدل بها ~~استدلالا لا يقبل الشك والشبهة بوقوع ما أخبرت به الرسل من البعث. وليس ~~كل أحد يجعل فكره لذلك ويقبل بتدبره، ولهذا قال: { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } ولذلك لا يعتبرون بذلك، ولا يجعلونه منهم على ~~بال. ثم قال تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير ~~والذين آمنوا وعملوا ms1374 الصالحات ولا المسيء } أي: ~~كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي من آمن بالله وعمل ~~الصالحات، ومن كان مستكبرا على عبادة ربه، مقدما على معاصيه، ساعيا ~~في مساخطه، { قليلا ما تتذكرون } أي: تذكركم قليل، وإلا، ~~فلو تذكرتم مراتب الأمور، ومنازل الخير والشر، والفرق بين الأبرار ~~والفجار، وكانت لكم همة عليه، لآثرتم النافع على الضار، والهدى على ~~الضلال، والسعادة الدائمة، على الدنيا الفانية. { إن الساعة ~~لآتية لا ريب فيها } قد أخبرت بها الرسل الذين هم أصدق الخلق ~~ونطقت بها الكتب السماوية، التي جميع أخبارها أعلى مراتب الصدق، وقامت ~~عليها الشواهد المرئية والآيات الأفقية. { ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون } مع هذه الأمور، التي توجب كمال التصديق والإذعان. ### || [40.60] # هذا من لطفه بعباده، ونعمته العظيمة، حيث دعاهم إلى ما فيه صلاح دينهم ~~ودنياهم، وأمرهم بدعائه دعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدهم أن يستجيب ~~لهم، وتوعد من استكبر عنها فقال: { إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } أي: ذليلين ~~حقيرين، يجتمع عليهم العذاب والإهانة، جزاء على استكبارهم. ### || [40.61-65] # تدبر هذه الآيات الكريمات، الدالة على سعة رحمة الله تعالى وجزيل فضله، ~~ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع ~~الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به من الصفات ~~الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة، وتمام ربوبيته وانفراده فيها، وأن ~~جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها، ~~ومستقبلها بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شىء، ولا من القدرة شيء، ~~فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد غيره ~~من العبودية شيئا، كما لم يستحق من الربوبية شيئا، وينتج من ذلك، ~~امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه، وهذان الأمران - ~~وهما معرفته وعبادته - هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما، وهما الغاية ~~المقصودة منه تعالى لعباده، وهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح، ~~وسعادة دنيوية وأخروية، وهما اللذان هما أشرف عطايا الكريم لعباده، وهما ~~أشرف اللذات على الإطلاق، وهما اللذان إن فاتا ms1375 فات كل خير وحضر كل شر. ~~فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة ~~والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفيه ~~نوال. فقوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل } أي: ~~لأجلكم جعل الله الليل مظلما، { لتسكنوا فيه } من حركاتكم، التي ~~لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم الذي يستريح ~~به القلب والبدن، وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه، ويسكن أيضا، كل ~~حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل. { و } جعل تعالى { ~~النهار مبصرا } منيرا بالشمس المستمرة في الفلك، فتقومون من ~~فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية، هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، ~~وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه، وهذا لبنائه أو حدادته، أو ~~نحوها من الصناعات، وهذا لسفره برا وبحرا، وهذا لفلاحته، وهذا لتصليح ~~حيواناته. { إن الله لذو فضل } أي: عظيم، كما يدل عليه ~~التنكير { على الناس } حيث أنعم عليهم بهذه النعم وغيرها، وصرف ~~عنهم النقم، وهذا يوجب عليهم تمام شكره وذكره، { ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون } بسبب جهلهم وظلمهم. # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] الذين يقرون بنعمة ربهم، ويخضعون لله ويحبونه، ويصرفونها في ~~طاعة مولاهم ورضاه. { ذلكم } الذي فعل ما فعل { الله ربكم } ~~أي: المنفرد بالإلهية، والمنفرد بالربوبية، لأن انفراده بهذه النعم، ~~من ربوبيته، وإيجابها للشكر من ألوهيته، { لا إله إلا هو } ~~تقرير أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، { خلق كل شيء } ~~تقرير لربوبيته. ثم صرح بالأمر بعبادته فقال: { فأنى تؤفكون ~~} أي: كيف تصرفون عن عبادته، وحده لا شريك له، بعد ما أبان لكم الدليل ~~وأنار لكم السبيل؟!! { كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات ~~الله يجحدون } أي: عقوبة على جحدهم لآيات الله، وتعديهم على ~~رسله، صرفوا عن التوحيد والإخلاص، كما قال تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون # [التوبة: 127]. { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا } ~~أي: قارة ساكنة، مهيأة لكل مصالحكم، تتمكنون من حرثها ms1376 وغرسها، والبناء ~~عليها، والسفر، والإقامة فيها. { والسمآء بنآء } سقفا للأرض ~~التي أنتم فيها، قد جعل الله فيها ما تنتفعون به من الأنوار والعلامات ~~التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، { وصوركم فأحسن ~~صوركم } فليس في جنس الحيوانات أحسن صورة من بني آدم، كما قال ~~تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4]. وإذا أردت أن تعرف حسن الآدمي وكمال حكمة الله تعالى فيه، ~~فانظر إليه عضوا عضوا، هل تجد عضوا من أعضائه يليق به ويصلح أن يكون ~~في غير محله؟ وانظر أيضا، إلى الميل الذي في القلوب بعضهم لبعض، هل تجد ~~ذلك في غير الآدمين؟ وانظر إلى ما خصه الله به من العقل والإيمان، ~~والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور. { ~~ورزقكم من الطيبات } وهذا شامل لكل طيب، من مأكل، ومشرب، ~~ومنكح، وملبس، ومنظر، ومسمع، وغير ذلك من الطيبات التي يسرها الله ~~لعباده، ويسر لهم أسبابها، ومنعهم من الخبائث التي تضادها، وتضر أبدانهم ~~وقلوبهم وأديانهم، { ذلكم } الذي دبر الأمور وأنعم عليكم بهذه النعم ~~{ الله ربكم } { فتبارك الله رب العالمين } ~~أي: تعاظم، وكثر خيره وإحسانه، المربي جميع العالمين بنعمه. { هو ~~الحي } الذي له الحياة الكاملة التامة، المستلزمة لما تستلزمه من ~~صفاته الذاتية، التي لا تتم حياته إلا بها، كالسمع، والبصر، والقدرة، ~~والعلم، والكلام، وغير ذلك من صفات كماله ونعوت جلاله. { لا إله ~~إلا هو } أي: لا معبود بحق إلا وجهه الكريم. { فادعوه } وهذا ~~شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة { مخلصين له الدين } أي: ~~اقصدوا بكل عبادة ودعاء وعمل وجه الله تعالى، فإن الإخلاص هو المأمور به، ~~كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفآء # [البينة: 5]. { الحمد لله رب العالمين } أي: جميع ~~المحامد والمدائح والثناء، بالقول كنطق الخلق بذكره، والفعل، كعبادتهم ~~له، كل ذلك لله تعالى وحده لا شريك له، لكماله في أوصافه وأفعاله، وتمام ~~نعمه. ### || [40.66-68] # لما ذكر الأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وذكر الأدلة على ذلك والبينات، ~~صرح بالنهي عن عبادة ما سواه فقال: { قل ms1377 } يا أيها النبي { إني ~~نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } من ~~الأوثان والأصنام، وكل ما عبد من دون الله. ولست على شك من أمري، بل على ~~يقين وبصيرة، ولهذا قال: { لما جآءني البينت من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العلمين } بقلبي ولساني ~~وجوارحي، بحيث تكون منقادة لطاعته، مستسلمة لأمره، وهذا أعظم مأمور به ~~على الإطلاق، كما أن النهي عن عبادة ما سواه أعظم منهي عنه على ~~الإطلاق، ثم قرر هذا التوحيد بأنه الخالق لكم والمطور لخلقتكم، فكما ~~خلقكم وحده فاعبدوه وحده، فقال: { هو الذي خلقكم من تراب ~~} وذلك بخلقه لأصلكم وأبيكم آدم عليه السلام. { ثم من نطفة } ~~وهذا ابتداء خلق سائر النوع الإنساني، ما دام في بطن أمه، فنبه بالابتداء ~~على بقية الأطوار، من العلقة، فالمضغة، فالعظام، فنفخ الروح، { ثم ~~يخرجكم طفلا } ثم هكذا تنتقلون في الخلقة الإلهية حتى تبلغوا ~~أشدكم من قوة العقل والبدن، وجميع قواه الظاهرة والباطنة. { ثم ~~لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل } بلوغ ~~الأشد { ولتبلغوا } بهذه الأطوار المقدرة أجل مسمى تنتهي عنده ~~أعماركم. { ولعلكم تعقلون } أحوالكم، فتعلمون أن المطور لكم ~~في هذه الأطوار كامل الاقتدار، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأنكم ~~ناقصون من كل وجه. { هو الذي يحيي ويميت } أي هو المنفرد ~~بالإحياء والإماتة، فلا تموت نفس بسبب أو بغير سبب، إلا بإذنه. # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب إن ذلك على الله يسير # [فاطر: 11]. { فإذا قضى أمرا } جليلا أو حقيرا { فإنما ~~يقول له كن فيكون } لا رد في ذلك، ولا مثنوية، ولا تمنع. ### || [40.69-76] # { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله } ~~الواضحة البينة متعجبا من حالهم الشنيعة. { أنى يصرفون } أي: ~~كيف ينعدلون عنها؟ وإلى أي شيء يذهبون بعد البيان التام؟ هل يجدون آيات ~~بينات تعارض آيات الله؟ لا والله. أم يجدون شبها توافق أهواءهم، ~~ويصولون بها لأجل باطلهم؟ فبئس ما استبدلوا واختاروا لأنفسهم بتكذيبهم ~~بالكتاب الذي جاءهم من الله، وبما أرسل الله به رسله، ms1378 الذين هم خير الخلق ~~وأصدقهم، وأعظمهم عقولا، فهؤلاء لا جزاء لهم سوى النار الحامية، ولهذا ~~توعدهم الله بعذابها فقال: { فسوف يعلمون * إذ الأغلال ~~في أعناقهم } التي لا يستطيعون معها حركة. { والسلاسل } ~~التي يقرنون بها هم وشياطينهم { يسحبون * في الحميم } أي: ~~الماء الذي اشتد غليانه وحره. { ثم في النار يسجرون } يوقد ~~عليهم اللهب العظيم فيصلون بها، ثم يوبخون على شركهم وكذبهم. ويقال { ~~لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله } هل نفعوكم ~~أو دفعوا عنكم بعض العذاب؟ { قالوا ضلوا عنا } أي: غابوا ولم ~~يحضروا، ولو حضروا لم ينفعوا، ثم إنهم أنكروا فقالوا: { بل لم نكن ~~ندعوا من قبل شيئا } يحتمل أن مرادهم بذلك الإنكار، وظنوا ~~أنه ينفعهم ويفيدهم، ويحتمل - وهو الأظهر - أن مرادهم بذلك، الإقرار على ~~بطلان إلهية ما كانوا يعبدون، وأنه ليس لله شريك في الحقيقة، وإنما هم ~~ضالون مخطئون بعبادة معدوم الإلهية، ويدل على هذا قوله تعالى: { كذلك ~~يضل الله الكافرين } أي: كذلك الضلال الذي كانوا عليه في ~~الدنيا، الضلال الواضح لكل أحد، حتى إنهم بأنفسهم، يقرون ببطلانه يوم ~~القيامة، ويتبين لهم معنى قوله تعالى: # وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركآء إن ~~يتبعون إلا الظن # [يونس: 66] ويدل عليه قوله تعالى: # ويوم القيامة يكفرون بشرككم # [فاطر: 14] # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة # الآيات [الأحقاف: 5]. ويقال لأهل النار { ذلكم } العذاب الذي نوع ~~عليكم { بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون } أي: تفرحون بالباطل الذي أنتم عليه، ~~وبالعلوم التي خالفتم بها علوم الرسل وتمرحون على عباد الله، بغيا ~~وعدوانا وظلما وعصيانا، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: # فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ~~عندهم من العلم # [غافر: 83]. وكما قال قوم قارون له: # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]. وهذا هو الفرح المذموم الموجب للعقاب، بخلاف الفرح الممدوح ~~الذي قال الله فيه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58] وهو الفرح بالعلم النافع والعمل الصالح. { ادخلوا ~~أبواب ms1379 جهنم } كل بطبقة من طبقاتها على قدر عمله. { خالدين ~~فيها } لا يخرجون منها أبدا { فبئس مثوى المتكبرين } ~~مثوى يخزون فيه ويهانون ويحبسون ويعذبون ويترددون بين حرها وزمهريرها. ### || [40.77] # أي { فاصبر } يا أيها الرسول على دعوة قومك، وما ينالك منهم من أذى، ~~واستعن على صبرك بإيمانك { إن وعد الله حق } سينصر دينه، ~~ويعلي كلمته، وينصر رسله في الدنيا والآخرة، واستعن على ذلك أيضا، ~~بتوقع العقوبة بأعدائك في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { فإما ~~نرينك بعض الذي نعدهم } في الدنيا فذاك { أو ~~نتوفينك } قبل عقوبتهم { فإلينا يرجعون } فنجازيهم ~~بأعمالهم، # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون # [إبراهيم: 42] ثم سلاه وصبره، بذكر إخوانه المرسلين فقال: { ~~ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا... ~~}. ### || [40.78] # أي: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } كثيرين إلى قومهم، ~~يدعونهم ويصبرون على أذاهم. { منهم من قصصنا عليك } خبرهم { ~~ومنهم من لم نقصص عليك }. وكل الرسل مدبرون، ليس بيدهم ~~شيء من الأمر. وما كان لأحد منهم { أن يأتي بآية } من الآيات ~~السمعية والعقلية { إلا بإذن الله } أي: بمشيئته وأمره، ~~فاقتراح المقترح على الرسل الإتيان بالآيات، ظلم منهم وتعنت وتكذيب، بعد ~~أن أيدهم الله بالآيات الدالة على صدقهم وصحة ما جاؤوا به. { فإذا ~~جآء أمر الله } بالفصل بين الرسل وأعدائهم، والفتح. { قضي } ~~بينهم { بالحق } الذي يقع الموقع، ويوافق الصواب بإنجاء الرسل ~~وأتباعهم، وإهلاك المكذبين، ولهذا قال: { وخسر هنالك } أي: وقت ~~القضاء المذكور { المبطلون } الذين وصفهم الباطل، وما جاؤوا به من ~~العلم والعمل باطل، وغايتهم المقصودة لهم باطلة، فليحذر هؤلاء ~~المخاطبون أن يستمروا على باطلهم فيخسروا كما خسر أولئك، فإن هؤلاء لا ~~خير منهم، ولا لهم براءة في الكتب بالنجاة. ### || [40.79-81] # يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من الأنعام التي بها جملة من الإنعام: ~~منها: منافع الركوب عليها والحمل. ومنها: منافع الأكل من لحومها والشرب ~~من ألبانها. ومنها: منافع الدفء، واتخاذ الآلات والأمتعة من أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها، إلى غير ذلك من المنافع. { ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم } من الوصول إلى الأوطان البعيدة، ms1380 ~~وحصول السرور بها، والفرح عند أهلها. { وعليها وعلى الفلك ~~تحملون } أي: على الرواحل البرية والفلك البحرية يحملكم الله الذي ~~سخرها وهيأ لها ما هيأ من الأسباب التي لا تتم إلا بها. { ويريكم ~~آياته } الدالة على وحدانيته وأسمائه وصفاته، وهذا من أكبر نعمه، ~~حيث أشهد عباده آياته النفسية، وآياته الأفقية، ونعمه الباهرة، وعددها ~~عليهم، ليعرفوه ويشكروه ويذكروه. { فأي آيات الله تنكرون } ~~أي: أي آية من آياته لا تعترفون بها؟ فإنكم قد تقرر عندكم، أن جميع ~~الآيات والنعم منه تعالى، فلم يبق للإنكار محل، ولا للإعراض عنها موضع، ~~بل أوجبت لذوي الألباب بذل الجهد، واستفراغ الوسع، للاجتهاد في طاعته ~~والتبتل في خدمته والانقطاع إليه. ### || [40.82-85] # يحث تعالى المكذبين لرسولهم على السير في الأرض بأبدانهم وقلوبهم وسؤال ~~العالمين. { فينظروا } نظر فكر واستدلال، لا نظر غفلة وإهمال. { ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } من الأمم السالفة، ~~كعاد وثمود وغيرهم، ممن كانوا أعظم منهم قوة وأكثر أموالا وأشد آثارا ~~في الأرض من الأبنية الحصينة، والغراس الأنيقة، والزروع الكثيرة { فمآ ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } حين جاءهم أمر الله، فلم ~~تغن عنهم قوتهم، ولا افتدوا بأموالهم، ولا تحصنوا بحصونهم. ثم ذكر جرمهم ~~الكبير فقال: { فلما جآءتهم رسلهم بالبينات } من ~~الكتب الإلهية، والخوارق العظيمة، والعلم النافع المبين، للهدي من ~~الضلال، والحق من الباطل { فرحوا بما عندهم من العلم } ~~المناقض لدين الرسل. ومن المعلوم، أن فرحهم به يدل على شدة رضاهم به ~~وتمسكهم، ومعاداة الحق الذي جاءت به الرسل، وجعل باطلهم حقا، وهذا عام ~~لجميع العلوم التي نوقض بها ما جاءت به الرسل، ومن أحقها بالدخول في هذا، ~~علوم الفلسفة، والمنطق اليوناني، الذي ردت به كثير من آيات القرآن، ~~ونقصت قدره في القلوب، وجعلت أدلته اليقينية القاطعة أدلة لفظية لا تفيد ~~شيئا من اليقين، ويقدم عليها عقول أهل السفه والباطل، وهذا من أعظم ~~الإلحاد في آيات الله والمعارضة لها والمناقضة فالله المستعان. { وحاق ~~بهم } أي: نزل { ما كانوا به يستهزئون } من العذاب. { ~~فلما رأوا بأسنا } أي: عذابنا، أقروا ms1381 حيث لا ينفعهم الإقرار ~~{ قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين } من الأصنام والأوثان، وتبرأنا من كل ما خالف الرسل من علم ~~أو عمل. { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا ~~بأسنا } أي: في تلك الحال، وهذه { سنت الله } وعادته { ~~التي قد خلت في عباده } أن المكذبين حين ينزل بهم بأس الله ~~وعقابه إذا آمنوا، كان إيمانهم غير صحيح، ولا منجيا لهم من العذاب، وذلك ~~لأنه إيمان ضرورة قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان النافع ~~الذي ينجي صاحبه، هو الإيمان الاختياري، الذي يكون إيمانا بالغيب، وذلك ~~قبل وجود قرائن العذاب. { وخسر هنالك } أي: وقت الإهلاك وإذاقة ~~البأس { الكافرون } دينهم ودنياهم وأخراهم، ولا يكفي مجرد الخسارة ~~في تلك الدار، بل لا بد من خسران يشقي في العذاب الشديد، والخلود فيه، ~~دائما أبدا. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-8] # يخبر تعالى عباده أن هذا الكتاب الجليل والقرآن الجميل { تنزيل } ~~صادر { من الرحمن الرحيم } الذي وسعت رحمته كل شيء، الذي ~~من أعظم رحمته وأجلها إنزال هذا الكتاب، الذي حصل به من العلم والهدى ~~والنور والشفاء والرحمة والخير الكثير، ما هو من أجل نعمه على ~~العباد، وهو الطريق للسعادة في الدارين. ثم أثنى على الكتاب بتمام البيان ~~فقال: { فصلت آياته } أي: فصل كل شيء من أنواعه على حدته، وهذا ~~يستلزم البيان التام، والتفريق بين كل شيء، وتمييز الحقائق. { قرآنا ~~عربيا } أي: باللغة الفصحى أكمل اللغات، فصلت آياته وجعل ~~عربيا. { لقوم يعلمون } أي: لأجل أن يتبين لهم معناه، كما ~~تبين لفظه، ويتضح لهم الهدى من الضلال، والغي من الرشاد. وأما ~~الجاهلون الذين لا يزيدهم الهدى إلا ضلالا، ولا البيان إلا عمى فهؤلاء ~~لم يسق الكلام لأجلهم، # وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون # [يس: 10]. { بشيرا ونذيرا } أي: بشيرا بالثواب العاجل والآجل، ~~ونذيرا بالعقاب العاجل والآجل، وذكر تفصيلهما، وذكر الأسباب والأوصاف ~~التي تحصل بها البشارة والنذارة، وهذه الأوصاف للكتاب، مما يوجب أن ~~يتلقى بالقبول، والإذعان والإيمان والعمل به، ولكن أعرض أكثر الخلق ~~عنه إعراض المستكبرين، ms1382 { فهم لا يسمعون } له سماع قبول وإجابة، ~~وإن كانوا قد سمعوه سماعا تقوم عليهم به الحجة الشرعية. { وقالوا } ~~أي: هؤلاء المعرضون عنه، مبينين عدم انتفاعهم به، بسد الأبواب الموصلة ~~إليه: { قلوبنا في أكنة } أي: أغطية مغشاة { مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } أي: صمم فلا نسمع لك { ~~ومن بيننا وبينك حجاب } فلا نراك. القصد من ذلك، أنهم ~~أظهروا الإعراض عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه والرضا بما هم عليه، ولهذا ~~قالوا: { فاعمل إننا عاملون } أي: كما رضيت بالعمل بدينك، ~~فإننا راضون كل الرضا بالعمل في ديننا، وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا ~~بالضلال عن الهدى، واستبدلوا الكفر بالإيمان، وباعوا الآخرة بالدنيا. { ~~قل } لهم يا أيها النبي: { إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي } أي: هذه صفتي ووظيفتي، أني بشر مثلكم، ليس بيدي من الأمر شيء، ~~ولا عندي ما تستعجلون به، وإنما فضلني الله عليكم وميزني وخصني ~~بالوحي الذي أوحاه إلي وأمرني باتباعه ودعوتكم إليه. { ~~فاستقيموا إليه } أي. اسلكوا الصراط الموصل إلى الله تعالى، ~~بتصديق الخبر الذي أخبر به، واتباع الأمر واجتناب النهي، هذه حقيقة ~~الاستقامة، ثم الدوام على ذلك، وفي قوله: { إليه } تنبيه على ~~الإخلاص، وأن العامل ينبغي له أن يجعل مقصوده وغايته التي يعمل لأجلها، ~~الوصول إلى الله، وإلى دار كرامته، فبذلك يكون عمله خالصا صالحا ~~نافعا، وبفواته يكون عمله باطلا. ولما كان العبد، - ولو حرص على ~~الاستقامة - لا بد أن يحصل منه خلل بتقصير بمأمور، أو ارتكاب منهي، أمره ~~بدواء ذلك بالاستغفار المتضمن للتوبة فقال: { واستغفروه } ثم ~~توعد من ترك الاستقامة فقال: { وويل للمشركين * ~~الذين لا يؤتون الزكاة } أي: الذين عبدوا من دونه من لا ~~يملك نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ودنسوا أنفسهم، فلم ~~يزكوها بتوحيد ربهم والإخلاص له، ولم يصلوا ولا زكوا، فلا إخلاص للخالق ~~بالتوحيد والصلاة، ولا نفع للخلق بالزكاة وغيرها. # { وهم بالآخرة هم كافرون } أي: لا يؤمنون بالبعث ولا ~~بالجنة والنار، فلذلك لما زال الخوف من قلوبهم، أقدموا على ما أقدموا ~~عليه ms1383 مما يضرهم في الآخرة. ولما ذكر الكافرين ذكر المؤمنين، ووصفهم ~~وجزاءهم، فقال: { إن الذين آمنوا } بهذا الكتاب، وما اشتمل ~~عليه مما دعا إليه من الإيمان، وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة الجامعة ~~للإخلاص، والمتابعة. { لهم أجر } أي: عظيم { غير ممنون } ~~أي: غير مقطوع ولا نافد، بل هو مستمر مدى الأوقات، متزايد على الساعات، ~~مشتمل على جميع اللذات والمشتهيات. ### || [41.9-12] # ينكر تعالى ويعجب من كفر الكافرين به، الذين جعلوا معه أندادا ~~يشركونهم معه، ويبذلون لهم ما يشاؤون من عباداتهم، ويسوونهم بالرب ~~العظيم، الملك الكريم، الذي خلق الأرض الكثيفة العظيمة في يومين، ثم ~~دحاها في يومين، بأن جعل فيها رواسي من فوقها، ترسيها عن الزوال والتزلزل ~~وعدم الاستقرار، فكمل خلقها، ودحاها، وأخرج أقواتها، وتوابع ذلك { في ~~أربعة أيام سوآء للسآئلين } عن ذلك، فلا ينبئك مثل ~~خبير، فهذا الخبر الصادق الذي لا زيادة فيه ولا نقص. { ثم } بعد أن ~~خلق الأرض { استوى } أي: قصد { إلى } خلق { السمآء وهي ~~دخان } قد ثار على وجه الماء، { فقال لها } ولما كان هذا التخصيص ~~يوهم الاختصاص، عطف عليه بقوله: { وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها } أي: انقادا لأمري طائعتين أو مكرهتين، فلا بد من نفوذه. { ~~قالتآ أتينا طآئعين } ليس لنا إرادة تخالف إرادتك. { ~~فقضهن سبع سموت في يومين } فتم خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، مع أن قدرة الله ~~ومشيئته صالحة لخلق الجميع في لحظة واحدة، ولكن مع أنه قدير، فهو حكيم ~~رفيق، فمن حكمته ورفقه، أن جعل خلقها في هذه المدة المقدرة. واعلم أن ~~ظاهر هذه الآية، مع قوله تعالى في النازعات، لما ذكر خلق السماوات قال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] يظهر منهما التعارض، مع أن كتاب الله لا تعارض فيه ولا ~~اختلاف. والجواب عن ذلك ما قاله كثير من السلف، أن خلق الأرض وصورتها ~~متقدم على خلق السماوات كما هنا، ودحي الأرض بأن # أخرج منها مآءها ومرعاها * والجبال أرساها # [النازعات: 31-32] متأخر عن خلق السماوات كما في سورة النازعات، ولهذا ~~قال ms1384 فيها: # والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها # [النازعات: 30-31] إلى آخره ولم يقل: " والأرض بعد ذلك خلقها ". وقوله: ~~{ وأوحى في كل سمآء أمرها } أي: الأمر والتدبير اللائق ~~بها، الذي اقتضته حكمة أحكم الحاكمين. { وزينا السمآء ~~الدنيا بمصبيح } هي النجوم يستنار بها ويهتدى، وتكون زينة ~~وجمالا للسماء ظاهرا، وجمالا لها باطنا، بجعلها رجوما للشياطين، ~~لئلا يسترق السمع فيها. { ذلك } المذكور، من الأرض وما فيها، والسماء ~~وما فيها { تقدير العزيز } الذي عزته قهر بها الأشياء ودبرها، ~~وخلق بها المخلوقات. { العليم } الذي أحاط علمه بالمخلوقات الغائب ~~والشاهد. فترك المشركين الإخلاص لهذا الرب العظيم الواحد القهار، ~~الذي انقادت المخلوقات لأمره ونفذ فيها قدره من أعجب الأشياء، واتخاذهم ~~له أندادا يسوونهم به، وهم ناقصون في أوصافهم وأفعالهم أعجب وأعجب، ولا ~~دواء لهؤلاء إن استمر إعراضهم، إلا العقوبات الدنيوية والأخروية، فلهذا ~~خوفهم بقوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة ~~مثل... }. ### || [41.13-14] # أي: فإن أعرض هؤلاء المكذبون بعد ما بين لهم من أوصاف القرآن الحميدة، ~~ومن صفات الإله العظيم { فقل أنذرتكم صاعقة } أي: عذابا ~~يستأصلكم ويجتاحكم، { مثل صاعقة عاد وثمود } القبيلتين ~~المعروفتين، حيث اجتاحهم العذاب، وحل عليهم وبيل العقاب، وذلك بظلمهم ~~وكفرهم. حيث { جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن ~~خلفهم } أي: يتبع بعضهم بعضا متوالين، ودعوتهم جميعا واحدة. { ~~ألا تعبدوا إلا الله } أي: يأمرونهم بالإخلاص لله، ~~وينهونهم عن الشرك، فردوا رسالتهم وكذبوهم، و { قالوا لو شآء ~~ربنا لأنزل ملائكة } أي: وأما أنتم فبشر مثلنا { فإنا ~~بمآ أرسلتم به كافرون } وهذه الشبهة لم تزل متوارثة بين ~~المكذبين [من الأمم] وهي من أوهى الشبه، فإنه ليس من شرط الإرسال أن ~~يكون المرسل ملكا، وإنما شرط الرسالة، أن يأتي الرسول بما يدل على ~~صدقه، فليقدحوا إن استطاعوا بصدقهم بقادح عقلي أو شرعي، ولن ~~يستطيعوا إلى ذلك سبيلا. ### || [41.15-16] # هذا تفصيل لقصة هاتين الأمتين، عاد، وثمود. { فأما عاد } فكانوا - ~~مع كفرهم بالله، وجحدهم بآيات الله، وكفرهم برسله - مستكبرين في الأرض، ~~قاهرين لمن حولهم من العباد، ظالمين لهم، قد أعجبتهم قوتهم. { وقالوا ~~من ms1385 أشد منا قوة } قال تعالى ردا عليهم بما يعرفه كل أحد: { ~~أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد ~~منهم قوة } فلولا خلقه إياهم، لم يوجدوا فلو نظروا إلى هذه الحال ~~نظرا صحيحا، لم يغتروا بقوتهم، فعاقبهم الله عقوبة تناسب قوتهم التي ~~اغتروا بها. { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا } أي: ريحا ~~عظيمة، من قوتها وشدتها، لها صوت مزعج، كالرعد القاصف. فسخرها الله ~~عليهم # سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم ~~فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] { نحسات } فدمرتهم وأهلكتهم، فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم. وقال هنا: { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا } الذي اختزوا به وافتضحوا بين الخليقة. { ولعذاب ~~الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } أي: لا يمنعون من عذاب ~~الله، ولا ينفعون أنفسهم. ### || [41.17-18] # وأما ثمود وهم القبيلة المعروفة الذين سكنوا الحجر وحواليه، الذين أرسل ~~الله إليهم صالحا عليه السلام، يدعوهم إلى توحيد ربهم، وينهاهم عن ~~الشرك وآتاهم الله الناقة آية عظيمة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، ~~يشربون لبنها يوما، ويشربون من الماء يوما، وليسوا ينفقون عليها، بل ~~تأكل من أرض الله، ولهذا قال هنا: { وأما ثمود فهديناهم } ~~أي: هداية بيان، وإنما نص عليهم، وإن كان جميع الأمم المهلكة، قد قامت ~~عليهم الحجة وحصل لهم البيان، لأن آية ثمود آية باهرة، قد رآها صغيرهم ~~وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وكانت آية مبصرة، فلهذا خصهم بزيادة البيان ~~والهدى. ولكنهم - من ظلمهم وشرهم - استحبوا العمى - الذي هو الكفر ~~والضلال - على الهدى - الذي هو العلم والإيمان - فأخذهم العذاب بما كانوا ~~يكسبون لا ظلما من الله لهم. { ونجينا الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون } أي نجى الله صالحا عليه السلام ومن اتبعه من ~~المؤمنين المتقين للشرك، والمعاصي. ### || [41.19-24] # يخبر تعالى عن أعدائه، الذين بارزوه بالكفر به وبآياته، وتكذيب رسله ~~ومعاداتهم ومحاربتهم، وحالهم الشنيعة حين يحشرون، أي: يجمعون. { إلى ~~النار فهم يوزعون } [أي]: يرد أولهم على آخرهم، ويتبع آخرهم ~~أولهم، ويساقون إليها سوقا عنيفا، لا يستطيعون امتناعا، ولا ينصرون ~~أنفسهم ولا هم ينصرون. { حتى إذا ما جآءوها } أي: ms1386 حتى إذا ~~وردوا على النار، وأرادوا الإنكار، أو أنكروا ما عملوه من المعاصي، { ~~شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم } عموم بعد ~~خصوص. [ { بما كانوا يعملون } ] أي: شهد عليهم كل عضو من ~~أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا. وخص هذه الأعضاء ~~الثلاثة، لأن أكثر الذنوب إنما تقع بها أو بسببها. فإذا شهدت عليهم ~~عاتبوها، { وقالوا لجلودهم } هذا دليل على أن الشهادة تقع من ~~كل عضو كما ذكرنا: { لم شهدتم علينا } ونحن ندافع عنكن؟ { ~~قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } فليس في ~~إمكاننا الامتناع عن الشهادة حين أنطقنا الذي لا يستعصي عن مشيئته أحد. ~~{ وهو خلقكم أول مرة } فكما خلقكم بذواتكم وأجسامكم، خلق ~~أيضا صفاتكم، ومن ذلك الإنطاق. { وإليه ترجعون } في الآخرة، ~~فيجزيكم بما عملتم، ويحتمل أن المراد بذلك، الاستدلال على البعث بالخلق ~~الأول، كما هو طريقة القرآن. { وما كنتم تستترون أن يشهد ~~عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } أي: وما ~~كنتم تختفون عن شهادة أعضائكم عليكم، ولا تحاذرون من ذلك. { ولكن ~~ظننتم } بإقدامكم على المعاصي { أن الله لا يعلم كثيرا ~~مما تعملون } فلذلك صدر منكم ما صدر، وهذا الظن، صار سبب هلاكهم ~~وشقائهم ولهذا قال: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ~~} الظن السيئ حيث ظننتم به ما لا يليق بجلاله. { أرداكم } أي: ~~أهلككم، { فأصبحتم من الخاسرين } لأنفسهم وأهليهم ~~وأديانهم بسبب الأعمال التي أوجبها لكم ظنكم القبيح بربكم، فحقت عليكم ~~كلمة العقاب والشقاء، ووجب عليكم الخلود الدائم في العذاب، الذي لا يفتر ~~عنهم ساعة: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم } فلا جلد ~~عليها ولا صبر، وكل حالة قدر إمكان الصبر عليها، فالنار لا يمكن الصبر ~~عليها، وكيف الصبر على نار قد اشتد حرها، وزادت على نار الدنيا بسبعين ~~ضعفا، وعظم غليان حميمها، وزاد نتن صديدها، وتضاعف برد زمهريرها وعظمت ~~سلاسلها وأغلالها، وكبرت مقامعها، وغلظ خزانها، وزال ما في قلوبهم من ~~رحمتهم، وختام ذلك سخط الجبار، وقوله لهم حين يدعونه ويستغيثون: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. { وإن يستعتبوا } أي: يطلبوا ms1387 أن يزال عنهم ~~العتب ويرجعوا إلى الدنيا ليستأنفوا العمل. { فما هم من ~~المعتبين } لأنه ذهب وقته، وعمروا ما يعمر فيه من تذكر وجاءهم ~~النذير وانقطعت حجتهم مع أن استعتابهم كذب منهم # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. ### || [41.25] # أي: وقضينا لهؤلاء الظالمين الجاحدين للحق { قرنآء } من الشياطين، ~~كما قال تعالى: # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # [مريم: 83] أي: تزعجهم إلى المعاصي وتحثهم عليها، بسبب ما زينوا { لهم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم } فالدنيا زخرفوها بأعينهم، ~~ودعوهم إلى لذاتها وشهواتها المحرمة حتى افتتنوا، فأقدموا على معاصي ~~الله، وسلكوا ما شاؤوا من محاربة الله ورسله، والآخرة بعدوها عليهم ~~وأنسوهم ذكرها، وربما أوقعوا عليهم الشبه بعدم وقوعها، فترحل خوفها ~~من قلوبهم، فقادوهم إلى الكفر والبدع والمعاصي. وهذا التسليط والتقييض من ~~الله للمكذبين الشياطين، بسبب إعراضهم عن ذكر الله وآياته، وجحودهم ~~الحق كما قال تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ~~ويحسبون أنهم مهتدون # [الزخرف: 36-37]. { وحق عليهم القول } أي: وجب عليهم، ونزل ~~القضاء والقدر بعذابهم { في } جملة { أمم قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } ~~لأديانهم وآخرتهم، ومن خسر، فلا بد أن يذل ويشقى ويعذب. ### || [41.26-29] # يخبر تعالى عن إعراض الكفار عن القرآن وتواصيهم بذلك، فقال: { وقال ~~الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن } أي: أعرضوا ~~عنه بأسماعكم، وإياكم أن تلتفتوا، أو تصغوا إليه ولا إلى من جاء به، ~~فإن اتفق أنكم سمعتموه، أو سمعتم الدعوة إلى أحكامه، ف { والغوا ~~فيه } أي: تكلموا بالكلام الذي لا فائدة فيه، بل فيه المضرة، ولا ~~تمكنوا - مع قدرتكم - أحدا يملك عليكم الكلام به، وتلاوة ألفاظه ~~ومعانيه، هذا لسان حالهم ولسان مقالهم في الإعراض عن هذا القرآن، { ~~لعلكم } إن فعلتم ذلك { تغلبون } [وهذه] شهادة من الأعداء، ~~وأوضح الحق ما شهدت به الأعداء، فإنهم لم يحكموا بغلبتهم لمن جاء بالحق ~~إلا في حال الإعراض عنه والتواصي بذلك، ومفهوم كلامهم، أنهم إن ms1388 لم يلغوا ~~فيه، بل استمعوا إليه، وألقوا أذهانهم، أنهم لا يغلبون، فإن الحق غالب ~~غير مغلوب، يعرف هذا أصحاب الحق وأعداؤه. ولما كان هذا ظلما منهم ~~وعنادا، لم يبق فيهم مطمع للهداية، فلم يبق إلا عذابهم ونكالهم، ولهذا ~~قال: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ~~ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون } وهو الكفر ~~والمعاصي، فإنها أسوأ ما كانوا يعملون، لكونهم يعملون المعاصي وغيرها، ~~فالجزاء بالعقوبة، إنما هو على عمل الشرك، # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. { ذلك جزآء أعدآء الله } الذين حاربوه ~~وحاربوا أولياءه بالكفر والتكذيب والمجادلة والمجالدة. { النار لهم ~~فيها دار الخلد } أي: الخلود الدائم، الذي لا يفتر عنهم العذاب ~~ساعة ولا هم ينصرون، وذلك { جزآء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون } فإنها آيات واضحة، وأدلة قاطعة مفيدة لليقين، فأعظم الظلم ~~وأكبر العناد جحدها والكفر بها. { وقال الذين كفروا } أي: ~~الأتباع منهم، بدليل ما بعده، على وجه الحنق على من أضلهم: { ربنآ ~~أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس } أي: الصنفين ~~اللذين، قادانا إلى الضلال والعذاب، من شياطين الجن، وشياطين الإنس، ~~الدعاة إلى جهنم. { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من ~~الأسفلين } أي: الأذلين المهانين كما أضلونا وفتنونا، وصاروا سببا ~~لنزولنا. ففي هذا، بيان حنق بعضهم على بعض، وتبري بعضهم من بعض. ### || [41.30-32] # يخبر تعالى عن أوليائه، وفي ضمن ذلك تنشيطهم والحث على الاقتداء بهم ~~فقال: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~} أي: اعترفوا ونطقوا ورضوا بربوبية الله تعالى، واستسلموا لأمره، ثم ~~استقاموا على الصراط المستقيم، علما وعملا، فلهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة. { تتنزل عليهم الملائكة } الكرام، ~~أي: يتكرر نزولهم عليهم، مبشرين لهم عند الاحتضار. { ألا تخافوا } ~~على ما يستقبل من أمركم، { ولا تحزنوا } على ما مضى، فنفوا عنهم ~~المكروه الماضي والمستقبل، { وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون } فإنها قد وجبت لكم وثبتت، وكان وعد الله مفعولا، ويقولون ~~لهم أيضا مثبتين لهم ومبشرين: { نحن أوليآؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة } يحثونهم في الدنيا على الخير، ويزينونه ~~لهم، ويرهبونهم عن الشر، ويقبحونه في قلوبهم، ويدعون الله ms1389 لهم، ويثبتونهم ~~عند المصائب والمخاوف، وخصوصا عند الموت وشدته، والقبر وظلمته، وفي ~~القيامة وأهوالها، وعلى الصراط، وفي الجنة يهنئونهم بكرامة ربهم، ويدخلون ~~عليهم من كل باب # سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 24] ويقولون لهم أيضا: { ولكم فيها } أي: في الجنة { ما ~~تشتهي أنفسكم } قد أعد وهيئ. { ولكم فيها ما ~~تدعون } أي: تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع ~~اللذات والمشتهيات، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ~~{ نزلا من غفور رحيم } أي: هذا الثواب الجزيل، والنعيم ~~المقيم، نزل وضيافة { من غفور } غفر لكم السيئات، { رحيم } ~~حيث وفقكم لفعل الحسنات ثم قبلها منكم. فبمغفرته أزال عنكم المحذور، ~~وبرحمته أنالكم المطلوب. ### || [41.33] # هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي: لا أحد أحسن قولا. أي: كلاما ~~وطريقة، وحالة { ممن دعآ إلى الله } بتعليم الجاهلين، ووعظ ~~الغافلين والمعرضين، ومجادلة المبطلين بالأمر بعبادة الله، بجميع ~~أنواعها، والحث عليها وتحسينها مهما أمكن، والزجر عما نهى الله عنه، ~~وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه، خصوصا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام ~~وتحسينه، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن، والنهي عما يضاده من الكفر ~~والشرك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن الدعوة إلى الله، تحبيبه ~~إلى عباده بذكر تفاصيل نعمه، وسعة جوده، وكمال رحمته، وذكر أوصاف كماله، ~~ونعوت جلاله. ومن الدعوة إلى الله، الترغيب في اقتباس العلم والهدى من ~~كتاب الله وسنة رسوله، والحث على ذلك بكل طريق موصل إليه، ومن ذلك، ~~الحث على مكارم الأخلاق، والإحسان إلى عموم الخلق، ومقابلة المسيء ~~بالإحسان، والأمر بصلة الأرحام، وبر الوالدين. ومن ذلك، الوعظ لعموم ~~الناس، في أوقات المواسم والعوارض والمصائب، بما يناسب ذلك الحال، إلى ~~غير ذلك مما لا تنحصر أفراده، مما يشمله الدعوة إلى الخير كله، والترهيب ~~من جميع الشر. ثم قال تعالى: { وعمل صالحا } أي: مع دعوته الخلق ~~إلى الله، بادر هو بنفسه، إلى امتثال أمر الله، بالعمل الصالح، الذي ~~يرضي ربه. { وقال إنني من المسلمين } أي: المنقادين ~~لأمره، السالكين ms1390 في طريقه، وهذه المرتبة، تمامها للصديقين، الذين عملوا ~~على تكميل أنفسهم وتكميل غيرهم، وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل، كما ~~أن من أشر الناس قولا، من كان من دعاة الضالين السالكين لسبله. وبين ~~هاتين المرتبتين المتباينتين، اللتي ارتفعت إحداهما إلى أعلى عليين، ~~ونزلت الأخرى، إلى أسفل سافلين، مراتب لا يعلمها إلا الله، وكلها معمورة ~~بالخلق # ولكل درجت مما عملوا وما ربك بغفل عما ~~يعملون # [الأنعام: 132]. ### || [41.34-35] # يقول تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة } أي: لا ~~يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات ~~والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق ولا الإساءة ~~إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]. ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من ~~أساء إليك، فقال: { ادفع بالتي هي أحسن } أي: فإذا أساء ~~إليك مسيء من الخلق، خصوصا من له حق كبير عليك، كالأقارب والأصحاب ~~ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك ~~فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم فيك غائبا أو حاضرا فلا تقابله، ~~بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين. وإن هجرك وترك خطابك، فطيب له ~~الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة. ~~{ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم } أي: كأنه قريب شفيق. { وما يلقاها } أي: وما يوفق لهذه ~~الخصلة الحميدة { إلا الذين صبروا } نفوسهم على ما تكره، ~~وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته ~~وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان؟!! فإذا صبر الإنسان نفسه، وامتثل أمر ~~ربه، وعرف جزيل الثواب، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله لا يفيده ~~شيئا، ولا يزيد العداوة إلا شدة، وأن إحسانه إليه ليس بواضع قدره، بل من ~~تواضع لله رفعه، هان عليه الأمر، وفعل ذلك متلذذا مستحليا له. { وما ~~يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم } لكونها من خصال خواص الخلق، التي ~~ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، التي ms1391 هي من أكبر خصال مكارم ~~الأخلاق. ### || [41.36-39] # لما ذكر تعالى ما يقابل به العدو من الإنس، وهو مقابلة إساءته بالإحسان، ~~ذكر ما يدفع به العدو الجني، وهو الاستعاذة بالله والاحتماء من شره ~~فقال: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } أي: أي وقت ~~من الأوقات، أحسست بشيء من نزغات الشيطان، أي: من وساوسه وتزيينه للشر، ~~وتكسيله عن الخير، وإصابة ببعض الذنوب، وإطاعة له ببعض ما يأمر به { ~~فاستعذ بالله } أي: اسأله، مفتقرا إليه، أن يعيذك ويعصمك منه، ~~{ إنه هو السميع العليم } فإنه يسمع قولك وتضرعك، ويعلم ~~حالك واضطرارك إلى عصمته وحمايته. ثم ذكر تعالى أن { ومن آياته } ~~الدالة على كمال قدرته، ونفوذ مشيئته، وسعة سلطانه، ورحمته بعباده، وأنه ~~الله وحده لا شريك له { اليل والنهار }: هذا بمنفعة ضيائه وتصرف ~~العباد فيه، وهذا بمنفعه ظلمه، وسكون الخلق فيه. { والشمس ~~والقمر } اللذان لا تستقيم معايش العباد ولا أبدانهم ولا أبدان ~~حيواناتهم إلا بهما، وبهما من المصالح ما لا يحصى عدده. { لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر } فإنهما مدبران مسخران ~~مخلوقان. { واسجدوا لله الذي خلقهن } أي: اعبدوه وحده ~~لأنه الخالق العظيم، ودعوا عبادة ما سواه من المخلوقات، وإن كبر جرمه ~~وكثرت مصالحه، فإن ذلك ليس منه، وإنما هو من خالقه تبارك وتعالى. { إن ~~كنتم إياه تعبدون } فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له. { ~~فإن استكبروا } عن عبادة الله تعالى، ولم ينقادوا لها، فإنهم لن ~~يضروا الله شيئا، والله غني عنهم، وله عباد مكرمون، لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا قال: { فالذين عند ربك } ~~يعني: الملائكة المقربين { يسبحون له باليل والنهار ~~وهم لا يسئمون } أي: لا يملون من عبادته، لقوتهم وشدة الداعي ~~القوي منهم إلى ذلك. { ومن آياته } الدالة على كمال قدرته، ~~وانفراده بالملك والتدبير والوحدانية، { أنك ترى الأرض ~~خاشعة } أي: لا نبات فيها { فإذآ أنزلنا عليها المآء } ~~أي: المطر { اهتزت } أي: تحركت بالنبات { وربت } ثم: أنبتت من ~~كل زوج بهيج، فيحيي به العباد والبلاد. { إن الذي أحياها } ~~بعد موتها وهمودها، { لمحى الموتى } من قبورهم إلى ms1392 يوم بعثهم، ~~ونشورهم { إنه على كل شيء قدير } فكما لم تعجز قدرته عن ~~إحياء الأرض بعد موتها، لا تعجز عن إحياء الموتى. ### || [41.40-42] # الإلحاد في آيات الله: الميل بها عن الصواب بأي وجه كان: إما بإنكارها ~~وجحودها، وتكذيب من جاء بها، وإما بتحريفها وتصريفها عن معناها ~~الحقيقي، وإثبات معان لها ما أرادها الله منها. فتوعد تعالى من ألحد ~~فيها بأنه لا يخفى عليه، بل هو مطلع على ظاهره وباطنه، وسيجازيه على ~~إلحاده بما كان يعمل، ولهذا قال: { أفمن يلقى في النار } مثل ~~الملحد بآيات الله { خير أم من يأتي آمنا يوم ~~القيامة } من عذاب الله مستحقا لثوابه؟ من المعلوم أن هذا خير. ~~لما تبين الحق من الباطل، والطريق المنجي من عذابه من الطريق المهلك ~~قال: { اعملوا ما شئتم } إن شئتم فاسلكوا طريق الرشد الموصلة ~~إلى رضا ربكم وجنته، وإن شئتم فاسلكوا طريق الغي المسخطة لربكم، ~~الموصلة إلى دار الشقاء. { إنه بما تعملون بصير } يجازيكم ~~بحسب أحوالكم وأعمالكم، كقوله تعالى: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29]. ثم قال تعالى: { إن الذين كفروا بالذكر } ~~أي: يجحدون القرآن الكريم المذكر للعباد جميع مصالحهم الدينية والدنيوية ~~والأخروية، المعلي لقدر من اتبعه، { لما جآءهم } نعمة من ربهم ~~على يد أفضل الخلق وأكملهم. { و } الحال { إنه لكتاب } جامع ~~لأوصاف الكمال { عزيز } أي: منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء، ~~ولهذا قال: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه } أي: لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا ~~بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ~~ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه كما قال تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. { تنزيل من حكيم } في خلقه وأمره، يضع كل شيء ~~موضعه، وينزلها منزلها. { حميد } على ما له من صفات الكمال، ونعوت ~~الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال، فلهذا كان كتابه مشتملا على تمام ~~الحكمة، وعلى تحصيل المصالح ms1393 والمنافع، ودفع المفاسد والمضار، التي يحمد ~~عليها. ### || [41.43] # أي: { ما يقال لك } أيها الرسول من الأقوال الصادرة ممن كذبك ~~وعاندك { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } أي: من جنسها، ~~بل ربما إنهم تكلموا بكلام واحد، كتعجب جميع الأمم المكذبة للرسل، من ~~دعوتهم إلى الإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، وردهم هذا بكل طريق ~~يقدرون عليه، وقولهم: # مآ أنتم إلا بشر مثلنا # [يس: 15]. واقتراحهم على رسلهم الآيات، التي لا يلزمهم الإتيان بها، ~~ونحو ذلك من أقوال أهل التكذيب، لما تشابهت قلوبهم في الكفر تشابهت ~~أقوالهم، وصبر الرسل عليهم السلام على أذاهم وتكذيبهم، فاصبر كما صبر ~~من قبلك. ثم دعاهم إلى التوبة والإتيان بأسباب المغفرة، وحذرهم من ~~الاستمرار على الغي فقال: { إن ربك لذو مغفرة } أي: ~~عظيمة، يمحو بها كل ذنب لمن أقلع وتاب { وذو عقاب أليم } لمن: ~~أصر واستكبر. ### || [41.44] # يخبر تعالى عن فضله وكرمه، حيث أنزل كتابا عربيا، على الرسول العربي، ~~بلسان قومه، ليبين لهم، وهذا مما يوجب لهم زيادة الاغتناء به، والتلقي له ~~والتسليم، وأنه لو جعله قرآنا أعجميا بلغة غير العرب، لاعترض المكذبون ~~وقالوا: { لقالوا لولا فصلت آياته } أي: هلا بينت ~~آياته، ووضحت وفسرت. { ءاعجمي وعربي } أي: كيف يكون محمد ~~عربيا، والكتاب أعجمي؟ هذا لا يكون فنفى الله تعالى كل أمر يكون فيه ~~شبهة لأهل الباطل عن كتابه، ووصفه بكل وصف يوجب لهم الانقياد، ولكن ~~المؤمنون الموفقون انتفعوا به، وارتفعوا، وغيرهم بالعكس من أحوالهم. ~~ولهذا قال: { قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء } أي: ~~يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم، ويعلمهم من العلوم النافعة ما به ~~تحصل الهداية التامة وشفاء لهم من الأسقام البدنية والأسقام القلبية، ~~لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال، ويحث على التوبة النصوح التي ~~تغسل الذنوب وتشفي القلب. { والذين لا يؤمنون } بالقرآن { ~~في آذانهم وقر } أي: صمم عن استماعه وإعراض، { وهو ~~عليهم عمى } أي: لا يبصرون به رشدا، ولا يهتدون به، ولا يزيدهم ~~إلا ضلالا فإنهم إذا ردوا الحق، ازدادوا عمى إلى عماهم، وغيا ms1394 إلى ~~غيهم. { أولئك ينادون من مكان بعيد } أي: ينادون ~~إلى الإيمان ويدعون إليه فلا يستجيبون، بمنزلة الذي ينادي وهو في مكان ~~بعيد، لا يسمع داعيا ولا يجيب مناديا. والمقصود: أن الذين لا يؤمنون ~~بالقرآن، لا ينتفعون بهداه، ولا يبصرون بنوره، ولا يستفيدون منه خيرا، ~~لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى، بإعراضهم وكفرهم. ### || [41.45-46] # يقول تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } كما آتيناك ~~الكتاب، فصنع به الناس ما صنعوا معك، اختلفوا فيه: فمنهم من آمن به ~~واهتدى وانتفع، ومنهم من كذبه ولم ينتفع به، وإن الله تعالى، لولا ~~حلمه وكلمته السابقة بتأخير العذاب إلى أجل مسمى لا يتقدم عليه ولا ~~يتأخر { لقضي بينهم } بمجرد ما يتميز المؤمنون من الكافرين، ~~بإهلاك الكافرين في الحال، لأن سبب الهلاك قد وجب وحق. { وإنهم ~~لفي شك منه مريب } أي: قد بلغ بهم إلى الريب الذي يقلقهم، ~~فلذلك كذبوه وجحدوه. { من عمل صلحا } وهو العمل الذي أمر ~~الله به ورسوله { فلنفسه } نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة، { ~~ومن أسآء فعليها } ضرره وعقابه في الدنيا والآخرة، وفي هذا ~~حث على فعل الخير وترك الشر، وانتفاع العاملين بأعمالهم الحسنة، وضررهم ~~بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. { وما ربك ~~بظلم للعبيد } فيحمل أحدا فوق سيئاتهم. ### || [41.47-48] # هذا إخبار عن سعة علمه تعالى واختصاصه بالعلم الذي لا يطلع عليه سواه ~~فقال: { إليه يرد علم الساعة } أي: جميع الخلق ترد علمهم ~~إلى الله تعالى، ويقرون بالعجز عنه، الرسل، والملائكة، وغيرهم. { وما ~~تخرج من ثمرات من أكمامها } أي: وعائها الذي تخرج منه، ~~وهذا شامل لثمرات جميع الأشجار التي في البلدان والبراري، فلا تخرج ثمرة ~~شجرة من الأشجار، إلا وهو يعلمها علما تفصيليا. { وما تحمل من ~~أنثى } من بني آدم وغيرهم، من أنواع الحيوانات، إلا بعلمه { ولا ~~تضع } أنثى حملها { إلا بعلمه }. فكيف سوى المشركون به ~~تعالى من لا علم عنده ولا سمع ولا بصر؟ { ويوم يناديهم } أي: ~~المشركين به يوم القيامة توبيخا وإظهارا لكذبهم، فيقول لهم: { أين ~~شركآئي } الذين زعمتم أنهم شركائي، ms1395 فعبدتموهم وجادلتم على ذلك، ~~وعاديتم الرسل لأجلهم؟ { قالوا } مقرين ببطلان إلهيتهم وشركتهم مع ~~الله: { آذناك ما منا من شهيد } أي: أعلمناك يا ربنا، واشهد ~~علينا أنه ما منا أحد يشهد بصحة إلهيتهم وشركتهم، فكلنا الآن قد رجعنا ~~إلى بطلان عبادتها، وتبرأنا منها، ولهذا قال: { وضل عنهم ما ~~كانوا يدعون } من دون الله، أي: ذهبت عقائدهم وأعمالهم، التي ~~أفنوا فيها أعمارهم على عبادة غير الله، وظنوا أنها تفيدهم وتدفع عنهم ~~العذاب وتشفع لهم عند الله، فخاب سعيهم، وانتقض ظنهم، ولم تغن عنهم ~~شركاؤهم شيئا { وظنوا } أي: أيقنوا في تلك الحال { ما لهم من ~~محيص } أي: منقذ ينقذهم، ولا مغيث ولا ملجأ، فهذه عاقبة من أشرك ~~بالله غيره، بينها الله لعباده ليحذروا الشرك به. ### || [41.49-51] # هذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وعدم صبره وجلده، لا على الخير ~~ولا على الشر، إلا من نقله الله من هذه الحال إلى حال الكمال، فقال: { ~~لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } أي: لا يمل دائما من ~~دعاء الله، في الغنى والمال والولد، وغير ذلك من مطالب الدنيا، ولا يزال ~~يعمل على ذلك، ولا يقتنع بقليل ولا كثير منها، فلو حصل له من الدنيا ما ~~حصل، لم يزل طالبا للزيادة. { وإن مسه الشر } أي: المكروه، ~~كالمرض والفقر وأنواع البلايا { فيئوس قنوط } أي: ييأس من رحمة ~~الله تعالى، ويظن أن هذا البلاء هو القاضي عليه بالهلاك، ويتشوش من إتيان ~~الأسباب على غير ما يحب ويطلب. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإنهم ~~إذا أصابهم الخير والنعمة والمحاب، شكروا الله تعالى، وخافوا أن تكون ~~نعم الله عليهم استدراجا وإمهالا، وإن أصابتهم مصيبة في أنفسهم ~~وأموالهم وأولادهم صبروا، ورجوا فضل ربهم، فلم ييأسوا. ثم قال تعالى: { ~~ولئن أذقناه } أي: الإنسان الذي يسأم من دعاء الخير، وإن مسه ~~الشر فيئوس قنوط { رحمة منا } أي: بعد ذلك الشر الذي أصابه، بأن ~~عافاه الله من مرضه، أو أغناه من فقره، فإنه لا يشكر الله تعالى، بل يبغى ~~ويطغى، ويقول: { هذا لي } أي: ms1396 أتاني لأني له أهل وأنا مستحق له { ~~لي ومآ أظن الساعة قآئمة } وهذا إنكار منه للبعث، وكفر ~~للنعمة والرحمة، التي أذاقها الله له. { ولئن رجعت إلى ~~ربي إن لي عنده للحسنى } أي: على تقدير إتيان الساعة، ~~وأني سأرجع إلى ربي، إن لي عنده للحسنى، فكما حصلت لي النعمة في الدنيا، ~~فإنها ستحصل [لي] في الآخرة وهذا من أعظم الجراءة والقول على الله بلا ~~علم، فلهذا توعده بقوله: { فلننبئن الذين كفروا بما ~~عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ } أي: شديد جدا. { ~~وإذآ أنعمنا على الإنسان } بصحة أو رزق، أو غيرهما، { ~~أعرض } عن ربه وعن شكره { ونأى } ترفع { بجانبه } عجبا ~~وتكبرا. { مسه الشر } أي: المرض، أو الفقر، أو غيرهما { فذو ~~دعآء عريض } أي: كثير جدا، لعدم صبره، فلا صبر في الضراء، ولا شكر ~~في الرخاء، إلا من هداه الله ومن عليه. ### || [41.52-54] # أي { قل } لهؤلاء المكذبين بالقرآن المسارعين إلى الكفران { ~~أرأيتم إن كان } هذا القرآن { من عند الله } من غير شك ~~ولا ارتياب، { ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد } أي: معاندة لله ولرسوله، لأنه تبين لكم الحق والصواب، ~~ثم عدلتم عنه، لا إلى حق، بل إلى باطل وجهل، فإذا تكونون أضل الناس ~~وأظلمهم. فإن قلتم، أو شككتم بصحته وحقيقته، فسيقيم الله لكم ويريكم من ~~آياته في الآفاق، كالآيات التي في السماء وفي الأرض، وما يحدثه الله ~~تعالى من الحوادث العظيمة، الدالة للمستبصر على الحق. { وفي ~~أنفسهم } مما اشتملت عليه أبدانهم من بديع آيات الله وعجائب صنعته، ~~وباهر قدرته، وفي حلول العقوبات والمثلات في المكذبين، ونصر المؤمنين. { ~~حتى يتبين لهم } من تلك الآيات، بيانا لا يقبل الشك { ~~أنه الحق } وما اشتمل عليه حق. وقد فعل تعالى، فإنه أرى عباده من ~~الآيات ما به تبين لهم أنه الحق، ولكن الله هو الموفق للإيمان من شاء، ~~والخاذل لمن يشاء. { أولم يكف بربك أنه على كل ~~شيء شهيد } أي: أولم يكفهم على أن القرآن حق، ومن جاء به صادق، ~~بشهادة الله تعالى، فإنه ms1397 قد شهد له بالتصديق، وهو أصدق الشاهدين، وأيده ~~ونصره نصرا متضمنا لشهادته القولية عند من شك فيها. { ألا ~~إنهم في مرية من لقآء ربهم } أي: في شك من البعث ~~والقيامة، وليس عندهم دار سوى الدار الدنيا، فلذلك لم يعملوا للآخرة، ولم ~~يلتفتوا لها. { ألا إنه بكل شيء محيط } علما وقدرة ~~وعزة. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-9] # يخبر تعالى أنه أوحى هذا القرآن العظيم إلى النبي الكريم، كما أوحى إلى ~~من قبله من الأنبياء والمرسلين، ففيه بيان فضله، بإنزال الكتب، وإرسال ~~الرسل، سابقا ولاحقا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس ببدع من ~~الرسل، وأن طريقته طريقة من قبله، وأحواله تناسب أحوال من قبله من ~~المرسلين. وما جاء به يشابه ما جاؤوا به، لأن الجميع حق وصدق، وهو تنزيل ~~من اتصف بالألوهية والعزة العظيمة والحكمة البالغة، وأن جميع العالم ~~العلوي والسفلي ملكه وتحت تدبيره القدري والشرعي. وأنه { العلي } ~~بذاته، وقدره، وقهره. { العظيم } الذي من عظمته { تكاد ~~السموت يتفطرن من فوقهن } على عظمها وكونها جمادا، ~~{ والملائكة } الكرام المقربون خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته، ~~مذعنون بربوبيته. { يسبحون بحمد ربهم } ويعظمونه عن كل ~~نقص، ويصفونه بكل كمال، { ويستغفرون لمن في الأرض } عما ~~يصدر منهم، مما لا يليق بعظمة ربهم وكبريائه، مع أنه تعالى هو { ~~الغفور الرحيم } الذي لولا مغفرته ورحمته، لعاجل الخلق بالعقوبة ~~المستأصلة. وفي وصفه تعالى بهذه الأوصاف، بعد أن ذكر أنه أوحى إلى الرسل ~~كلهم عموما، وإلى محمد - صلى الله عليهم أجمعين - خصوصا، إشارة إلى أن ~~هذا القرآن الكريم، فيه من الأدلة والبراهين، والآيات الدالة على كمال ~~الباري تعالى، ووصفه بهذه الأسماء العظيمة الموجبة لامتلاء القلوب من ~~معرفته ومحبته وتعظيمه وإجلاله وإكرامه، وصرف جميع أنواع العبودية ~~الظاهرة والباطنة له تعالى، وأن من أكبر الظلم وأفحش القول، اتخاذ أنداد ~~لله من دونه، ليس بيدهم نفع ولا ضرر، بل هم مخلوقون مفتقرون إلى الله في ~~جميع أحوالهم، ولهذا عقبه بقوله: { والذين اتخذوا من دونه ~~أوليآء } يتولونهم بالعبادة والطاعة، كما يعبدون الله ويطيعونه، ~~فإنما اتخذوا الباطل، وليسوا ms1398 بأولياء على الحقيقة. { الله حفيظ ~~عليهم } يحفظ عليهم أعمالهم، فيجازيهم بخيرها وشرها. { ومآ أنت ~~عليهم بوكيل } فتسأل عن أعمالهم، وإنما أنت مبلغ أديت وظيفتك. ثم ~~ذكر منته على رسوله وعلى الناس، حيث أنزل الله { قرآنا عربيا } ~~بين الألفاظ والمعاني { لتنذر أم القرى } وهي مكة المكرمة { ~~ومن حولها } من قرى العرب، ثم يسري هذا الإنذار إلى سائر الخلق. { ~~وتنذر } الناس { يوم الجمع } الذي يجمع الله به الأولين ~~والآخرين، وتخبرهم أنه { لا ريب فيه } وأن الخلق ينقسمون فيه ~~فريقين { فريق في الجنة } وهم الذين آمنوا بالله، وصدقوا ~~المرسلين، { وفريق في السعير } وهم أصناف الكفرة المكذبين. { و ~~} مع هذا { لو شآء الله } لجعل الناس، أي: جعل الناس { أمة ~~واحدة } على الهدى، لأنه القادر الذي لا يمتنع عليه شيء، ولكنه أراد ~~أن يدخل في رحمته من شاء من خواص خلقه. وأما الظالمون الذين لا يصلحون ~~لصالح، فإنهم محرومون من الرحمة، ف { ما لهم } من دون الله { من ~~ولي } يتولاهم، فيحصل لهم المحبوب { ولا نصير } يدفع عنهم ~~المكروه. والذين { اتخذوا من دونه أوليآء } يتولونهم ~~بعبادتهم إياهم، فقد غلطوا أقبح غلط. فالله هو الولي الذي يتولاه عبده ~~بعبادته وطاعته، والتقرب إليه بما أمكن من أنواع التقربات، ويتولى عباده ~~عموما بتدبيره ونفوذ القدر فيهم، ويتولى عباده المؤمنين خصوصا، ~~بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتربيتهم بلطفه، وإعانتهم في جميع ~~أمورهم. { وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء ~~قدير } أي: هو المتصرف بالإحياء والإماتة، ونفوذ المشيئة والقدرة، فهو ~~الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له. ### || [42.10-12] # يقول تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء } من أصول دينكم ~~وفروعه، مما لم تتفقوا عليه { فحكمه إلى الله } يرد إلى كتابه، ~~وإلى سنة رسوله، فما حكما به فهو الحق، وما خالف ذلك فباطل. { ذلكم ~~الله ربي } أي: فكما أنه تعالى الرب الخالق الرازق المدبر، فهو ~~تعالى الحاكم بين عباده بشرعه في جميع أمورهم. ومفهوم الآية الكريمة، أن ~~اتفاق الأمة حجة قاطعة، لأن الله تعالى لم يأمرنا أن نرد إليه إلا ما ~~اختلفنا ms1399 فيه، فما اتفقنا عليه، يكفي اتفاق الأمة عليه، لأنها معصومة عن ~~الخطأ، ولا بد أن يكون اتفاقها موافقا لما في كتاب الله وسنة رسوله. ~~وقوله: { عليه توكلت } أي: اعتمدت بقلبي عليه في جلب المنافع ~~ودفع المضار، واثقا به تعالى في الإسعاف بذلك. { وإليه أنيب } ~~أي: أتوجه بقلبي وبدني إليه، وإلى طاعته وعبادته. وهذان الأصلان، كثيرا ~~ما يذكرهما الله في كتابه، لأنهما يحصل بمجموعهما كمال العبد، ويفوته ~~الكمال بفوتهما أو فوت أحدهما، كقوله تعالى: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] وقوله: # فاعبده وتوكل عليه # [هود: 123]. { فاطر السموت والأرض } أي: خالقهما بقدرته ~~ومشيئته وحكمته. { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } لتسكنوا ~~إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل. { ومن ~~الأنعام أزواجا } أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، ~~لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، ~~أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: { يذرؤكم ~~فيه } أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، ~~وجعل لكم من الأنعام أزواجا. { ليس كمثله شيء } أي: ليس ~~يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا ~~في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، ~~وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، ~~لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه. { وهو السميع } لجميع ~~الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { البصير } يرى دبيب ~~النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، ويرى سريان القوت ~~في أعضاء الحيوانات الصغيرة جدا، وسريان الماء في الأغصان الدقيقة. وهذه ~~الآية ونحوها، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي ~~مماثلة المخلوقات. وفيها رد على المشبهة في قوله: { ليس كمثله ~~شيء } وعلى المعطلة في قوله: { وهو السميع البصير }. ~~وقوله: { له مقاليد السموت والأرض } أي: له ملك ~~السماوات والأرض، وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق، والنعم الظاهرة ~~والباطنة. فكل الخلق مفتقرون إلى الله، في جلب مصالحهم، ودفع المضار ~~عنهم، في كل الأحوال، ليس بيد ms1400 أحد من الأمر شيء. والله تعالى هو المعطي ~~المانع، الضار النافع، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع الشر ~~إلا هو، و # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # [فاطر: 2]. ولهذا قال هنا: { يبسط الرزق لمن يشآء } أي: ~~يوسعه ويعطيه من أصناف الرزق ما شاء، { ويقدر } أي: يضيق على من ~~يشاء، حتى يكون بقدر حاجته، لا يزيد عنها، وكل هذا تابع لعلمه وحكمته، ~~فلهذا قال: { إنه بكل شيء عليم } فيعلم أحوال عباده، فيعطي ~~كلا ما يليق بحكمته وتقتضيه مشيئته. ### || [42.13] # هذه أكبر منة أنعم الله بها على عباده، أن شرع لهم من الدين خير الأديان ~~وأفضلها، وأزكاها وأطهرها، دين الإسلام، الذي شرعه الله للمصطفين ~~المختارين من عباده، بل شرعه الله لخيار الخيار، وصفوة الصفوة، وهم أولو ~~العزم من المرسلين المذكورون في هذه الآية، أعلى الخلق درجة، وأكملهم من ~~كل وجه، فالدين الذي شرعه الله لهم، لا بد أن يكون مناسبا لأحوالهم، ~~موافقا لكمالهم، بل إنما كملهم الله واصطفاهم، بسبب قيامهم به، فلولا ~~الدين الإسلامي، ما ارتفع أحد من الخلق، فهو روح السعادة، وقطب رحى ~~الكمال، وهو ما تضمنه هذا الكتاب الكريم، ودعا إليه من التوحيد والأعمال ~~والأخلاق والآداب. ولهذا قال: { أن أقيموا الدين } أي: أمركم أن ~~تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في ~~إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى ولا تعاونون على الإثم ~~والعدوان. { ولا تتفرقوا فيه } أي: ليحصل منكم الاتفاق على ~~أصول الدين وفروعه، واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، ~~وتكونون شيعا يعادي بعضكم بعضا مع اتفاقكم على أصل دينكم. ومن أنواع ~~الاجتماع على الدين وعدم التفرق فيه، ما أمر به الشارع من الاجتماعات ~~العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع والصلوات الخمس والجهاد، وغير ~~ذلك من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا بالاجتماع لها وعدم التفرق. { ~~كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } أي: شق عليهم ~~غاية المشقة، حيث دعوتهم إلى الإخلاص لله ms1401 وحده، كما قال عنهم: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # [الزمر: 45] وقولهم: # أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب # [ص: 5]. { الله يجتبي إليه من يشآء } أي: يختار من ~~خليقته من يعلم أنه يصلح للاجتباء لرسالته وولايته ومنه أن اجتبى هذه ~~الأمة وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان وخيرها. { ~~ويهدي إليه من ينيب } هذا السبب الذي من العبد، يتوصل به ~~إلى هداية الله تعالى، وهو إنابته لربه، وانجذاب دواعي قلبه إليه، وكونه ~~قاصدا وجهه، فحسن مقصد العبد مع اجتهاده في طلب الهداية، من أسباب ~~التيسير لها، كما قال تعالى: # يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام # [المائدة: 16]. وفي هذه الآية، أن الله { يهدي إليه من ينيب ~~} مع قوله: # واتبع سبيل من أناب إلي # [لقمان: 15] مع العلم بأحوال الصحابة رضي الله عنهم، وشدة إنابتهم، دليل ~~على أن قولهم حجة، خصوصا الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم أجمعين. ### || [42.14-15] # لما أمر تعالى باجتماع المسلمين على دينهم، ونهاهم عن التفرق، أخبرهم ~~أنكم لا تغتروا بما أنزل الله عليكم من الكتاب، فإن أهل الكتاب لم ~~يتفرقوا حتى أنزل الله عليهم الكتاب الموجب للاجتماع، ففعلوا ضد ما يأمر ~~به كتابهم، وذلك كله بغيا وعدوانا منهم، فإنهم تباغضوا وتحاسدوا، وحصلت ~~بينهم المشاحنة والعداوة، فوقع الاختلاف، فاحذروا أيها المسلمون أن ~~تكونوا مثلهم. { ولولا كلمة سبقت من ربك } أي: بتأخير ~~العذاب القاضي { إلى أجل مسمى لقضي بينهم } ولكن ~~حكمته وحلمه، اقتضى تأخير ذلك عنهم. { وإن الذين أورثوا ~~الكتاب من بعدهم } أي: الذين ورثوهم وصاروا خلفا لهم ممن ~~ينتسب إلى العلم منهم { لفي شك منه مريب } أي: لفي اشتباه ~~كثير يوقع في الاختلاف، حيث اختلف سلفهم بغيا وعنادا، فإن خلفهم ~~اختلفوا شكا وارتيابا، والجميع مشتركون في الاختلاف المذموم. { ~~فلذلك فادع } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل ~~الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه من لم ~~يقبله، { واستقم } بنفسك { كمآ ms1402 أمرت } أي: استقامة موافقة ~~لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا ~~لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، ~~وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك. ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له. { ولا تتبع أهوآءهم } ~~أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على ~~بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت ~~أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: " ولا ~~تتبع دينهم " لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ~~ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا. { ~~وقل } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمنت بمآ أنزل الله من ~~كتاب } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على ~~شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان، وأن الدين الذي يزعم أهل ~~الكتاب أنهم عليه جزء من الإسلام، وفي هذا إرشاد إلى أن أهل الكتاب إن ~~ناظروا مناظرة مبنية على الإيمان ببعض الكتب، أو ببعض الرسل دون غيره، ~~فلا يسلم لهم ذلك، لأن الكتاب الذي يدعون إليه، والرسول الذي ينتسبون ~~إليه، من شرطه أن يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به، فكتابنا ورسولنا ~~لم يأمرنا إلا بالإيمان بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، التي أخبر بها ~~وصدق بها، وأخبر أنها مصدقة له ومقرة بصحته. وأما مجرد التوراة والإنجيل، ~~وموسى وعيسى، الذين لم يوصفوا لنا، ولم يوافقوا لكتابنا، فلم يأمرنا ~~بالإيمان بهم. # وقوله: { وأمرت لأعدل بينكم } أي: في الحكم فيما اختلفتم ~~فيه، فلا تمنعني عداوتكم وبغضكم، يا أهل الكتاب من العدل بينكم، ومن ~~العدل في الحكم، بين أهل الأقوال المختلفة، من أهل الكتاب وغيرهم، أن ~~يقبل ما معهم من الحق، ويرد ما معهم من الباطل، { الله ربنا ~~وربكم } أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا. { لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم } من خير وشر { لا حجة ~~بيننا وبينكم } أي: بعد ما ms1403 تبينت الحقائق، واتضح الحق من ~~الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل، لأن المقصود من ~~الجدال، إنما هو بيان الحق من الباطل، ليهتدي الراشد، ولتقوم الحجة على ~~الغاوي، وليس المراد بهذا أن أهل الكتاب لا يجادلون، كيف والله يقول: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] وإنما المراد ما ذكرنا. { الله يجمع بيننا ~~وإليه المصير } يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ ~~الصادق من الكاذب. ### || [42.16] # وهذا تقرير لقوله: لا حجة بيننا وبينكم، فأخبر هنا أن { الذين ~~يحآجون في الله } بالحجج الباطلة، والشبه المتناقضة { من ~~بعد ما استجيب له } أي: من بعد ما استجاب لله أولو الألباب ~~والعقول، لما بين لهم من الآيات القاطعة، والبراهين الساطعة، فهؤلاء ~~المجادلون للحق من بعد ما تبين { حجتهم داحضة } أي: باطلة ~~مدفوعة { عند ربهم } لأنها مشتملة على رد الحق وكل ما خالف الحق، ~~فهو باطل. { وعليهم غضب } لعصيانهم وإعراضهم عن حجج الله ~~وبيناته وتكذيبها. { ولهم عذاب شديد } هو أثر غضب الله عليهم، ~~فهذه عقوبة كل مجادل للحق بالباطل. ### || [42.17-18] # لما ذكر تعالى أن حججه واضحة بينة، بحيث استجاب لها كل من فيه خير، ~~ذكر أصلها وقاعدتها، بل جميع الحجج التي أوصلها إلى العباد، فقال: { ~~الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } فالكتاب ~~هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله ~~آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، ~~فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار ~~بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية ~~والنفسية، والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، ~~داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما ~~اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، مما خرج عن ~~هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل إنه حجة أو برهان أو دليل أو ~~نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه ~~وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، ms1404 وعرف التمييز بين راجح الأدلة ~~من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، ~~والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد، فإنه ليس من أهل ~~هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان. ثم قال تعالى ~~مخوفا للمستعجلين لقيام الساعة المنكرين لها، فقال: { وما يدريك ~~لعل الساعة قريب } أي: ليس بمعلوم بعدها، ولا متى تقوم، فهي ~~في كل وقت متوقع وقوعها، مخوف وجبتها. { يستعجل بها الذين ~~لا يؤمنون بها } عنادا وتكذيبا، وتعجيزا لربهم. { والذين ~~آمنوا مشفقون منها } أي: خائفون، لإيمانهم بها، وعلمهم بما ~~تشتمل عليه من الجزاء بالأعمال، وخوفهم، لمعرفتهم بربهم، أن لا تكون ~~أعمالهم منجية لهم ولا مسعدة، ولهذا قال: { ويعلمون أنها ~~الحق } الذي لا مرية فيه، ولا شك يعتريه { ألا إن الذين ~~يمارون في الساعة } أي: بعد ما امتروا فيها، ماروا الرسل ~~وأتباعهم بإثباتها فهم في شقاق بعيد، أي: معاندة ومخاصمة غير قريبة من ~~الصواب، بل في غاية البعد عن الحق، وأي بعد أبعد ممن كذب بالدار التي ~~هي الدار على الحقيقة، وهي الدار التي خلقت للبقاء الدائم والخلود ~~السرمد، وهي دار الجزاء التي يظهر الله فيها عدله وفضله وإنما هذه الدار ~~بالنسبة إليها، كراكب قال في ظل شجرة ثم رحل وتركها، وهي دار عبور وممر، ~~لا محل استقرار. فصدقوا بالدار المضمحلة الفانية، حيث رأوها وشاهدوها، ~~وكذبوا بالدار الآخرة، التي تواترت بالإخبار عنها الكتب الإلهية، والرسل ~~الكرام وأتباعهم، الذين هم أكمل الخلق عقولا، وأغزرهم علما، وأعظمهم ~~فطنة وفهما. ### || [42.19-20] # يخبر تعالى بلطفه بعباده ليعرفوه ويحبوه، ويتعرضوا للطفه وكرمه، واللطف ~~من أوصافه تعالى معناه: الذي يدرك الضمائر والسرائر، الذي يوصل عباده - ~~وخصوصا المؤمنين - إلى ما فيه الخير لهم من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون. ~~فمن لطفه بعبده المؤمن، أن هداه إلى الخير هداية لا تخطر بباله، بما يسر ~~له من الأسباب الداعية إلى ذلك، من فطرته على محبة الحق والانقياد له ~~وإيزاعه تعالى لملائكته الكرام، أن يثبتوا عباده المؤمنين، ويحثوهم على ~~الخير، ويلقوا في ms1405 قلوبهم من تزيين الحق ما يكون داعيا لاتباعه. ومن لطفه ~~أن أمر المؤمنين بالعبادات الاجتماعية، التي بها تقوى عزائمهم وتنبعث ~~هممهم، ويحصل منهم التنافس على الخير والرغبة فيه، واقتداء بعضهم ببعض. ~~ومن لطفه، أن قيض لعبده كل سبب يعوقه ويحول بينه وبين المعاصي، حتى إنه ~~تعالى إذا علم أن الدنيا والمال والرياسة ونحوها مما يتنافس فيه أهل ~~الدنيا، تقطع عبده عن طاعته، أو تحمله على الغفلة عنه، أو على معصية ~~صرفها عنه، وقدر عليه رزقه، ولهذا قال هنا: { يرزق من يشآء } ~~بحسب اقتضاء حكمته ولطفه { وهو القوي العزيز } الذي له القوة ~~كلها، فلا حول ولا قوة لأحد من المخلوقين إلا به، الذي دانت له جميع ~~الأشياء. ثم قال تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة } أي: ~~أجرها وثوابها، فآمن بها وصدق، وسعى لها سعيها { نزد له في ~~حرثه } بأن نضاعف عمله وجزاءه أضعافا كثيرة، كما قال تعالى: # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19] ومع ذلك، فنصيبه من الدنيا لا بد أن يأتيه. { ومن كان ~~يريد حرث الدنيا } بأن: كانت الدنيا هي مقصوده وغاية مطلوبه، ~~فلم يقدم لآخرته، ولا رجا ثوابها، ولم يخش عقابها. { نؤته منها } ~~نصيبه الذي قسم له، { وما له في الآخرة من نصيب } قد حرم ~~الجنة ونعيمها، واستحق النار وجحيمها. وهذه الآية، شبيهة بقوله تعالى: # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون # [هود: 15] إلى آخر الآيات. ### || [42.21-23] # يخبر تعالى أن المشركين اتخذوا شركاء يوالونهم ويشتركون هم وإياهم في ~~الكفر وأعماله، من شياطين الإنس، الدعاة إلى الكفر { شرعوا لهم ~~من الدين ما لم يأذن به الله } من الشرك والبدع، وتحريم ~~ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك مما اقتضته أهواؤهم. مع أن ~~الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد ويتقربوا به ~~إليه، فالأصل الحجر على كل أحد أن يشرع شيئا ما جاء عن الله وعن رسوله، ~~فكيف بهؤلاء الفسقة المشتركين ms1406 هم وآباؤهم على الكفر. { ولولا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم } أي: لولا الأجل المسمى الذي ~~ضربه الله فاصلا بين الطوائف المختلفة، وأنه سيؤخرهم إليه، لقضي بينهم ~~في الوقت الحاضر بسعادة المحق وإهلاك المبطل، لأن المقتضي للإهلاك موجود، ~~ولكن أمامهم العذاب الأليم في الآخرة، هؤلاء وكل ظالم. وفي ذلك اليوم { ~~ترى الظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي { مشفقين } أي: ~~خائفين وجلين { مما كسبوا } أن يعاقبوا عليه. ولما كان الخائف قد ~~يقع به ما أشفق منه وخافه، وقد لا يقع، أخبر أنه { واقع بهم } ~~العقاب الذي خافوه، لأنهم أتوا بالسبب التام الموجب للعقاب، من غير ~~معارض، من توبة ولا غيرها، ووصلوا موضعا فات فيه الإنظار والإمهال. { ~~والذين آمنوا } بقلوبهم بالله وبكتبه ورسله وما جاءوا به، { ~~وعملوا الصالحات } يشمل كل عمل صالح من أعمال القلوب، وأعمال ~~الجوارح من الواجبات والمستحبات، فهؤلاء { في روضات الجنات } ~~أي: الروضات المضافة إلى الجنات، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فلا ~~تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة، وما فيها من الأنهار المتدفقة، والفياض ~~المعشبة، والمناظر الحسنة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة، والأصوات ~~الشجية المطربة، والاجتماع بكل حبيب، والأخذ من المعاشرة والمنادمة بأكمل ~~نصيب، رياض لا تزداد على طول المدى إلا حسنا وبهاء، ولا يزداد أهلها ~~إلا اشتياقا إلى لذاتها وودادا، { لهم ما يشآءون } فيها، أي: ~~في الجنات، فمهما أرادوا فهو حاصل، ومهما طلبوا حصل، مما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. { ذلك هو الفضل الكبير } ~~وهل فوز أكبر من الفوز برضا الله تعالى، والتنعم بقربه في دار كرامته؟ { ~~ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } أي: هذه البشارة العظيمة، التي هي أكبر ~~البشائر على الإطلاق، بشر بها الرحيم الرحمن، على يد أفضل خلقه لأهل ~~الإيمان والعمل الصالح، فهي أجل الغايات، والوسيلة الموصلة إليها أفضل ~~الوسائل. { قل لا أسألكم عليه } أي: على تبليغي إياكم هذا ~~القرآن ودعوتكم إلى أحكامه. { أجرا } فلست أريد أخذ أموالكم، ولا ~~التولي عليكم والترأس، ولا غير ذلك من الأغراض { إلا المودة في ~~القربى ms1407 }. يحتمل أن المراد: لا أسألكم عليه أجرا إلا أجرا واحدا ~~هو لكم، وعائد نفعه إليكم، وهو أن تودوني وتحبوني في القرابة، أي: لأجل ~~القرابة. # ويكون على هذا المودة الزائدة على مودة الإيمان، فإن مودة الإيمان ~~بالرسول، وتقديم محبته على جميع المحاب بعد محبة الله، فرض على كل مسلم، ~~وهؤلاء طلب منهم زيادة على ذلك أن يحبوه لأجل القرابة، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم، قد باشر بدعوته أقرب الناس إليه، حتى إنه قيل: إنه ليس في ~~بطون قريش أحد، إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيه قرابة. ويحتمل ~~أن المراد إلا مودة الله تعالى الصادقة، وهي التي يصحبها التقرب إلى ~~الله، والتوسل بطاعته الدالة على صحتها وصدقها، ولهذا قال: { إلا ~~المودة في القربى } أي: في التقرب إلى الله، وعلى كلا ~~القولين، فهذا الاستثناء دليل على أنه لا يسألهم عليه أجرا بالكلية، إلا ~~أن يكون شيئا يعود نفعه إليهم، فهذا ليس من الأجر في شيء، بل هو من ~~الأجر منه لهم صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8] وقولهم: " ما لفلان ذنب عندك، إلا أنه محسن إليك ". { ومن ~~يقترف حسنة } من صلاة، أو صوم، أو حج، أو إحسان إلى الخلق { ~~نزد له فيها حسنا } بأن يشرح الله صدره، وييسر أمره، وتكون ~~سببا للتوفيق لعمل آخر، ويزداد بها عمل المؤمن، ويرتفع عند الله وعند ~~خلقه، ويحصل له الثواب العاجل والآجل. { إن الله غفور شكور } ~~يغفر الذنوب العظيمة ولو بلغت ما بلغت عند التوبة منها، ويشكر على العمل ~~القليل بالأجر الكثير، فبمغفرته يغفر الذنوب ويستر العيوب، وبشكره يتقبل ~~الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة. ### || [42.24] # يعني أم يقول المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم جرأة منهم وكذبا: { ~~افترى على الله كذبا } فرموك بأشنع الأمور وأقبحها، وهو ~~الافتراء على الله بادعاء النبوة والنسبة إلى الله ما هو بريء منه، وهم ~~يعلمون صدقك وأمانتك، فكيف يتجرؤون على هذا الكذب الصراح؟ بل تجرؤوا بذلك ~~على الله تعالى، فإنه قدح ms1408 في الله، حيث مكنك من هذه الدعوة العظيمة، ~~المتضمنة - على موجب زعمهم - أكبر الفساد في الأرض، حيث مكنه الله من ~~التصريح بالدعوة، ثم بنسبتها إليه، ثم يؤيده بالمعجزات الظاهرات، والأدلة ~~القاهرات، والنصر المبين، والاستيلاء على من خالفه، وهو تعالى قادر على ~~حسم هذه الدعوة من أصلها ومادتها، وهو أن يختم على قلب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فلا يعي شيئا ولا يدخل إليه خير، وإذا ختم على قلبه انحسم ~~الأمر كله وانقطع. فهذا دليل قاطع على صحة ما جاء به الرسول، وأقوى شهادة ~~من الله له على ما قال، ولا يوجد شهادة أعظم منها ولا أكبر، ولهذا من ~~حكمته ورحمته، وسنته الجارية، أنه يمحو الباطل ويزيله، وإن كان له صولة ~~في بعض الأوقات، فإن عاقبته الاضمحلال. { ويحق الحق ~~بكلماته } الكونية، التي لا تغير ولا تبدل، ووعده الصادق، وكلماته ~~الدينية التي تحقق ما شرعه من الحق، وتثبته في القلوب، وتبصر أولي ~~الألباب، حتى إن من جملة إحقاقه تعالى الحق، أن يقيض له الباطل ~~ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحق ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره ~~وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل ~~الظهور لكل أحد. { إنه عليم بذات الصدور } أي: بما فيها، ~~وما اتصفت به من خير وشر، وما أكنته ولم تبده. ### || [42.25-28] # هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة ~~الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا ~~يعاودوها إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببا ~~للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية. { ويعفوا عن ~~السيئات } ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من ~~العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه ~~لما يقربه إليه. ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون ~~كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد ~~تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ms1409 ~~ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله: { ويعلم ~~ما تفعلون } فالله تعالى دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه والتوبة ~~من التقصير، فانقسموا - بحسب الاستجابة له - إلى قسمين: مستجيبين وصفهم ~~بقوله { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~أي: يستجيبون لربهم لما دعاهم إليه وينقادون له ويلبون دعوته، لأن ما ~~معهم من الإيمان والعمل الصالح يحملهم على ذلك، فإذا استجابوا له، شكر ~~الله لهم، وهو الغفور الشكور. وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل، ~~وزادهم مضاعفة في الأجر زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز ~~العظيم. وأما غير المستجيبين لله وهم المعاندون الذين كفروا به وبرسله، ~~ف { لهم عذاب شديد } في الدنيا والآخرة، ثم ذكر أن من لطفه ~~بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال: { ولو ~~بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } أي: ~~لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم ~~الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما. { ولكن ~~ينزل بقدر ما يشآء } بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته { إنه ~~بعباده خبير بصير } كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول: # " إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، ~~وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن ~~من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من ~~عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر ~~أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير ". # { وهو الذي ينزل الغيث } أي: المطر الغزير الذي به يغيث ~~البلاد والعباد، { من بعد ما قنطوا } وانقطع عنهم مدة ظنوا أنه ~~لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالا، فينزل الله الغيث { ~~وينشر } به { رحمته } من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع ~~عندهم موقعا عظيما، ويستبشرون بذلك ويفرحون. { وهو الولي } ~~الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم. { ~~الحميد } في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له ms1410 من الكمال، وما أوصله ~~إلى خلقه من أنواع الإفضال. ### || [42.29] # أي: ومن أدلة قدرته العظيمة، وأنه سيحيي الموتى بعد موتهم، { خلق } ~~هذه { السموت والأرض } على عظمهما وسعتهما، الدال على قدرته ~~وسعة سلطانه، وما فيهما من الإتقان والإحكام دال على حكمته وما فيهما من ~~المنافع والمصالح دال على رحمته، وذلك يدل على أنه المستحق لأنواع ~~العبادة كلها، وأن إلهية ما سواه باطلة. { وما بث فيهما } أي: ~~نشر في السماوات والأرض من أصناف الدواب التي جعلها الله مصالح ومنافع ~~لعباده. { وهو على جمعهم } أي: جمع الخلق بعد موتهم لموقف ~~القيامة { إذا يشآء قدير } فقدرته ومشيئته صالحان لذلك، ويتوقف ~~وقوعه على وجود الخبر الصادق، وقد علم أنه قد تواترت أخبار المرسلين ~~وكتبهم بوقوعه. ### || [42.30-31] # يخبر تعالى، أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم ~~وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، ~~وأن ما يعفو الله عنه أكثر، فإن الله لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم ~~يظلمون # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة # [فاطر: 45]. وليس إهمالا منه تعالى تأخير العقوبات ولا عجزا. { ومآ ~~أنتم بمعجزين في الأرض } أي: معجزين قدرة الله عليكم، بل ~~أنتم عاجزون في الأرض، ليس عندكم امتناع عما ينفذه الله فيكم. { وما ~~لكم من دون الله من ولي } يتولاكم، فيحصل لكم المنافع { ~~ولا نصير } يدفع عنكم المضار. ### || [42.32-35] # أي: ومن أدلة رحمته وعنايته بعباده { الجوار في البحر } من ~~السفن، والمراكب النارية والشراعية، التي من عظمها { كالأعلام } وهي ~~الجبال الكبار، التي سخر لها البحر العجاج، وحفظها من التطام الأمواج، ~~وجعلها تحملكم وتحمل أمتعتكم الكثيرة، إلى البلدان والأقطار البعيدة، ~~وسخر لها من الأسباب ما كان معونة على ذلك. ثم نبه على هذه الأسباب ~~بقوله: { إن يشأ يسكن الريح } التي جعلها الله سببا لمشيها، ~~{ فيظللن } أي: الجوار { رواكد } على ظهر البحر، لا تتقدم ولا ~~تتأخر، ولا ينتقض هذا بالمراكب النارية، فإن من شرط مشيها وجود الريح. ~~وإن شاء الله تعالى أوبق الجوار ms1411 بما كسب أهلها، أي: أغرقها في البحر ~~وأتلفها، ولكنه يحلم ويعفو عن كثير. { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } أي: كثير الصبر على ما تكرهه نفسه ويشق عليها، ~~فيكرهها عليه، من مشقة طاعة، أو ردع داع إلى معصية، أو ردع نفسه عند ~~المصائب عن التسخط، { شكور } في الرخاء وعند النعم، يعترف بنعمة ربه ~~ويخضع له، ويصرفها في مرضاته، فهذا الذي ينتفع بآيات الله. وأما الذي لا ~~صبر عنده، ولا شكر له على نعم الله، فإنه معرض أو معاند لا ينتفع ~~بالآيات. ثم قال تعالى: { ويعلم الذين يجادلون في ~~آياتنا } ليبطلوها بباطلهم. { ما لهم من محيص } أي: لا ~~ينقذهم منقذ مما حل بهم من العقوبة. ### || [42.36-39] # هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها ~~فقال: { فمآ أوتيتم من شيء } من ملك ورياسة، وأموال وبنين، ~~وصحة وعافية بدنية. { فمتاع الحياة الدنيا } لذة منغصة ~~منقطعة. { وما عند الله } من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، ~~والنعيم المقيم { خير } من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما { ~~وأبقى } لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال. ثم ذكر لمن هذا ~~الثواب فقال: { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ~~أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة ~~والباطنة، وبين التوكل، الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل ~~فغير تام، وهو الاعتماد بالقلب على الله في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما ~~يكرهه مع الثقة به تعالى. { والذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش } والفرق بين الكبائر والفواحش - مع أن جميعهما ~~كبائر - أن الفواحش هي الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها، كالزنا ~~ونحوه، والكبائر ما ليس كذلك، هذا عند الاقتران، وأما مع إفراد كل منهما ~~عن الآخر فإن الآخر يدخل فيه. { وإذا ما غضبوا هم يغفرون ~~} أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن ~~الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب ~~فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح. ms1412 ~~فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم ~~شيء كثير، كما قال تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم # [فصلت: 34-35]. { والذين استجابوا لربهم } أي: انقادوا ~~لطاعته، ولبوا دعوته، وصار قصدهم رضوانه، وغايتهم الفوز بقربه. ومن ~~الاستجابة لله، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلذلك عطفهما على ذلك، من ~~باب عطف العام على الخاص، الدال على شرفه وفضله فقال: { وأقاموا ~~الصلاة } أي: ظاهرها وباطنها، فرضها ونفلها. { ومما ~~رزقناهم ينفقون } من النفقات الواجبة، كالزكاة والنفقة على ~~الأقارب ونحوهم، والمستحبة، كالصدقات على عموم الخلق. { وأمرهم } ~~الديني والدنيوي { شورى بينهم } أي: لا يستبد أحد منهم برأيه في ~~أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم ~~وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرا من ~~الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا ~~وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي ~~في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء، أو غيره، وكالبحث في ~~المسائل الدينية عموما، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان ~~الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية. { والذين إذآ ~~أصابهم البغي } أي: وصل إليهم من أعدائهم { هم ينتصرون } ~~لقوتهم وعزتهم، ولم يكونوا أذلاء عاجزين عن الانتصار. فوصفهم بالإيمان، ~~والتوكل على الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر، ~~والانقياد التام، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه ~~الإحسان، والمشاورة في أمورهم، والقوة والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال ~~الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم، فعل ما هو دونها، وانتفاء ضدها. ### || [42.40-43] # ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل ~~وظلم. فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس ~~بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله. ومرتبة ~~الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: { فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله ms1413 } يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط ~~الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق ~~العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا ~~يكون مأمورا به. وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن ~~يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله ~~عنه، فليعف عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء ~~من جنس العمل. وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: { إنه لا يحب ~~الظالمين } الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر ~~من جنايته، فالزيادة ظلم. { ولمن انتصر بعد ظلمه } أي: ~~انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه { فأولئك ما عليهم ~~من سبيل } أي: لا حرج عليهم في ذلك. ودل قوله: { والذين ~~إذآ أصابهم البغي } وقوله: { ولمن انتصر بعد ~~ظلمه } أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه. وأما إرادة البغي ~~على الغير، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، ~~وإنما يؤدب تأديبا يردعه عن قول أو فعل صدر منه. { إنما السبيل ~~} أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية { على الذين يظلمون ~~الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } وهذا شامل للظلم ~~والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. { أولئك لهم ~~عذاب أليم } أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم. { ~~ولمن صبر } على ما يناله من أذى الخلق { وغفر } لهم، بأن سمح ~~لهم عما يصدر منهم، { إن ذلك لمن عزم الأمور } أي: لمن ~~الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر ~~والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، ~~وذوو الألباب والبصائر. فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق ~~شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، ~~أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف ~~به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه ms1414 ~~برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه. ### || [42.44-46] # يخبر تعالى أنه المنفرد بالهداية والإضلال، وأنه { ومن يضلل ~~الله } بسبب ظلمه { فما له من ولي من بعده } يتولى ~~أمره ويهديه. { وترى الظالمين لما رأوا العذاب } مرأى ~~ومنظرا فظيعا، صعبا شنيعا، يظهرون الندم العظيم، والحزن على ما سلف ~~منهم، و { يقولون هل إلى مرد من سبيل } أي: هل لنا ~~طريق أو حيلة إلى رجوعنا إلى الدنيا، لنعمل غير الذي كنا نعمل، وهذا طلب ~~للأمر المحال الذي لا يمكن. { وتراهم يعرضون عليها } أي: ~~على النار { خاشعين من الذل } أي: ترى أجسامهم خاشعة للذل الذي ~~في قلوبهم، { ينظرون من طرف خفي } أي: ينظرون إلى النار ~~مسارقة وشزرا، من هيبتها وخوفها. { وقال الذين آمنوا } حيث ~~ظهرت عواقب الخلق، وتبين أهل الصدق من غيرهم: { إن الخاسرين } ~~على الحقيقة { الذين خسروا أنفسهم وأهليهم } حيث ~~فوتوا أنفسهم جزيل الثواب، وحصلوا على أليم العقاب وفرق بينهم وبين ~~أهليهم، فلم يجتمعوا بهم، آخر ما عليهم. { ألا إن الظالمين } ~~أنفسهم بالكفر والمعاصي { في عذاب مقيم } أي: في سوائه ووسطه، ~~منغمرين لا يخرجون منه أبدا، ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. { وما ~~كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله } كما ~~كانوا في الدنيا يمنون بذلك أنفسهم، ففي القيامة يتبين لهم ولغيرهم أن ~~أسبابهم التي أملوها تقطعت، وأنه حين جاءهم عذاب الله لم يدفع عنهم. { ~~ومن يضلل الله فما له من سبيل } تحصل به هدايته، فهؤلاء ~~ضلوا حيث زعموا في شركائهم النفع ودفع الضر، فتبين حينئذ ضلالهم. ### || [42.47-48] # يأمر تعالى عباده بالاستجابة له، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى ~~عنه، وبالمبادرة بذلك وعدم التسويف، من قبل أن يأتي يوم ~~القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت، وليس للعبد في ذلك ~~اليوم ملجأ يلجأ إليه، فيفوت ربه، ويهرب منه. بل قد أحاطت الملائكة ~~بالخليقة من خلفهم، ونودوا # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33] وليس للعبد في ذلك اليوم نكير لما ms1415 اقترفه وأجرمه، بل لو ~~أنكر لشهدت عليه جوارحه. وهذه الآية ونحوها، فيها ذم الأمل، والأمر ~~بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات. { فإن ~~أعرضوا } عما جئتهم به بعد البيان التام { فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا } تحفظ أعمالهم وتسأل عنها، { إن عليك إلا ~~البلاغ } فإذا أديت ما عليك، فقد وجب أجرك على الله، سواء استجابوا ~~أم أعرضوا، وحسابهم على الله الذي يحفظ عليهم صغير أعمالهم وكبيرها، ~~وظاهرها وباطنها. ثم ذكر تعالى حالة الإنسان، وأنه إذا أذاقه الله رحمة، ~~من صحة بدن، ورزق رغد، وجاه ونحوه { فرح بها } أي: فرح فرحا ~~مقصورا عليها، لا يتعداها، ويلزم من ذلك طمأنينته بها، وإعراضه عن ~~المنعم. { وإن تصبهم سيئة } أي: مرض أو فقر، أو نحوهما { ~~بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور } أي: طبيعته ~~كفران النعمة السابقة، والتسخط لما أصابه من السيئة. ### || [42.49-50] # هذه الآية فيها الإخبار عن سعة ملكه تعالى، ونفوذ تصرفه في الملك في ~~الخلق لما يشاء، والتدبير لجميع الأمور، حتى إن تدبيره تعالى، من عمومه، ~~أنه يتناول المخلوقة عن الأسباب التي يباشرها العباد، فإن النكاح من ~~الأسباب لولادة الأولاد، فالله تعالى هو الذي يعطيهم من الأولاد ما ~~يشاء. فمن الخلق من يهب له إناثا، ومنهم من يهب له ذكورا، ومنهم ~~من يزوجه، أي: يجمع له ذكورا وإناثا، ومنهم من يجعله عقيما لا ~~يولد له. { إنه عليم } بكل شيء { قدير } على كل شيء، فيتصرف ~~بعلمه وإتقانه الأشياء، وبقدرته في مخلوقاته. ### || [42.51-53] # لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: # لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية # [البقرة: 118] من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن ~~تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من ~~العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه. إما { أن يكلمه الله ~~إلا وحيا } بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا ~~مخاطبة منه شفاها. { أو } يكلمه منه شفاها، لكن { من ورآء حجاب ~~} كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن. { أو } يكلمه الله بواسطة ms1416 ~~الرسول الملكي، ف { يرسل رسولا } كجبريل أو غيره من الملائكة. { ~~فيوحي بإذنه } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إنه } تعالى ~~علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له ~~المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع. { ~~وكذلك } حين أوحينا إلى الرسل قبلك { أوحينآ إليك روحا ~~من أمرنا } وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحا، لأن الروح يحيا به ~~الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، ~~لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. وهو محض منة الله على رسوله ~~وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: { ما كنت تدري } أي: ~~قبل نزوله عليك { ما الكتاب ولا الإيمان } أي: ليس عندك علم ~~بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا ~~تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي { جعلناه نورا نهدي به ~~من نشآء من عبادنا } يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، ~~والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم. ~~{ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } أي: تبينه لهم ~~وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه، ثم فسر ~~الصراط المستقيم فقال: { صراط الله الذي له ما في ~~السموت وما في الأرض } أي: الصراط الذي نصبه الله لعباده، ~~وأخبرهم أنه موصل إليه وإلى دار كرامته، { ألا إلى الله تصير ~~الأمور } أي: ترجع جميع أمور الخير والشر، فيجازي كلا بحسب عمله، إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-5] # هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين وأطلق، ولم يذكر ~~المتعلق، ليدل على أنه مبين لكل ما يحتاج إليه العباد من أمور الدنيا ~~والدين والآخرة. { إنا جعلناه قرآنا عربيا } هذا المقسم ~~عليه، أنه جعل بأفصح اللغات وأوضحها وأبينها، وهذا من بيانه. وذكر ~~الحكمة في ذلك فقال: { لعلكم تعقلون } ألفاظه ومعانيه ~~لتيسرها وقربها من الأذهان. { وإنه } أي: هذا الكتاب { لدينا } ~~في الملأ الأعلى في أعلى الرتب وأفضلها { لعلي حكيم } أي: لعلي ~~في قدره وشرفه ومحله، ms1417 حكيم فيما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي ~~والأخبار، فليس فيه حكم مخالف للحكمة والعدل والميزان. ثم أخبر تعالى أن ~~حكمته وفضله يقتضي أن لا يترك عباده هملا، لا يرسل إليهم رسولا، ولا ~~ينزل عليهم كتابا، ولو كانوا مسرفين ظالمين فقال: { أفنضرب ~~عنكم الذكر صفحا } أي: أفنعرض عنكم، ونترك إنزال الذكر إليكم، ~~ونضرب عنكم صفحا، لأجل إعراضكم، وعدم انقيادكم له؟ بل ننزل عليكم ~~الكتاب، ونوضح لكم فيه كل شيء، فإن آمنتم به واهتديتم، فهو من توفيقكم، ~~وإلا قامت عليكم الحجة، وكنتم على بينة من أمركم. ### || [43.6-8] # يقول تعالى: إن هذه سنتنا في الخلق، أن لا نتركهم هملا، فكم { ~~أرسلنا من نبي في الأولين } يأمرونهم بعبادة الله وحده ~~لا شريك له، ولم يزل التكذيب موجودا في الأمم. { وما يأتيهم من ~~نبي إلا كانوا به يستهزئون } جحدا لما جاء به، ~~وتكبرا على الحق. { فأهلكنآ أشد } من هؤلاء { بطشا } أي: ~~قوة وأفعالا، وآثارا في الأرض، { ومضى مثل الأولين } أي: ~~مضت أمثالهم وأخبارهم، وبينا لكم منها ما فيه عبرة ومزدجر عن التكذيب ~~والإنكار. ### || [43.9-14] # يخبر تعالى عن المشركين، أنك لو { سألتهم من خلق ~~السموت والأرض ليقولن } الله وحده لا شريك له، العزيز ~~الذي دانت لعزته جميع المخلوقات، العليم بظواهر الأمور وبواطنها، ~~وأوائلها وأواخرها، فإذا كانوا مقرين بذلك، فكيف يجعلون له الولد ~~والصاحبة والشريك؟! وكيف يشركون به من لا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا ~~يحيي؟! ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما ~~خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من ~~كل ما يريدون. { وجعل لكم فيها سبلا } أي: جعل منافذ بين ~~سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار. { ~~لعلكم تهتدون } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون ~~أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه. { والذي نزل من ~~السمآء مآء بقدر } لا يزيد ولا ينقص، ويكون أيضا بمقدار ~~الحاجة، لا ينقص بحيث لا يكون فيه نفع، ولا يزيد بحيث يضر العباد ~~والبلاد، بل أغاث به ms1418 العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، ولهذا قال: { ~~فأنشرنا به بلدة ميتا } أي: أحييناها بعد موتها، { ~~كذلك تخرجون } أي: فكما أحيا الأرض الميتة الهامدة بالماء، كذلك ~~يحييكم بعد ما تستكملون في البرزخ، ليجازيكم بأعمالكم. { والذي ~~خلق الأزواج كلها } أي: الأصناف جميعها، مما تنبت الأرض ومن ~~أنفسهم ومما لا يعلمون، من ليل ونهار، وحر وبرد، وذكر وأنثى، وغير ذلك. { ~~وجعل لكم من الفلك } أي: السفن البحرية، الشراعية ~~والنارية، ما تركبون { و } من { الأنعام ما تركبون * ~~لتستووا على ظهوره } وهذا شامل لظهور الفلك ولظهور الأنعام، ~~أي: لتستقروا عليها، { ثم تذكروا نعمة ربكم إذا ~~استويتم عليه } بالاعتراف بالنعمة لمن سخرها، والثناء عليه ~~تعالى بذلك، ولهذا قال: { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا ~~هذا وما كنا له مقرنين } أي: لولا تسخيره لنا ما سخر من ~~الفلك، والأنعام، ما كنا مطيقين لذلك وقادرين عليه، ولكن من لطفه وكرمه ~~تعالى، سخرها وذللها ويسر أسبابها. والمقصود من هذا، بيان أن الرب ~~الموصوف بما ذكره، من إفاضة النعم على العباد، هو الذي يستحق أن يعبد، ~~ويصلى له ويسجد. ### || [43.15-25] # يخبر تعالى عن شناعة قول المشركين، الذين جعلوا لله تعالى ولدا، وهو ~~الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له ~~كفوا أحد، وإن ذلك باطل من عدة أوجه: منها: أن الخلق كلهم عباده، ~~والعبودية تنافي الولادة. ومنها: أن الولد جزء من والده، والله تعالى ~~بائن من خلقه، مباين لهم في صفاته ونعوت جلاله، والولد جزء من الوالد، ~~فمحال أن يكون لله تعالى ولد. ومنها: أنهم يزعمون أن الملائكة بنات ~~الله، ومن المعلوم أن البنات أدون الصنفين، فكيف يكون لله البنات، ~~ويصطفيهم بالبنين، ويفضلهم بها؟! فإذا يكونون أفضل من الله، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. ومنها: أن الصنف الذي نسبوه لله، وهو البنات، أدون ~~الصنفين، وأكرههما لهم، حتى إنهم من كراهتهم لذلك { وإذا بشر ~~أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا } من كراهته وشدة بغضه، فكيف يجعلون لله ما يكرهون؟ ومنها: ~~أن الأنثى ناقصة ms1419 في وصفها، وفي منطقها وبيانها، ولهذا قال تعالى: { ~~أومن ينشأ في الحلية } أي: يجمل فيها، لنقص جماله، فيجمل ~~بأمر خارج عنه؟ { وهو في الخصام } أي: عند الخصام الموجب لإظهار ~~ما عند الشخص من الكلام، { غير مبين } أي: غير مبين لحجته، ولا ~~مفصح عما احتوى عليه ضميره، فكيف ينسبونهن لله تعالى؟ ومنها: أنهم ~~جعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثا، فتجرؤوا ~~على الملائكة، العباد المقربين، ورقوهم عن مرتبة العبادة والذل، إلى ~~مرتبة المشاركة لله، في شيء من خواصه، ثم نزلوا بهم عن مرتبة الذكورية ~~إلى مرتبة الأنوثية، فسبحان من أظهر تناقض من كذب عليه وعاند رسله. ~~ومنها: أن الله رد عليهم بأنهم لم يشهدوا خلق الله لملائكته، فكيف ~~يتكلمون بأمر من المعلوم عند كل أحد، أنه ليس لهم به علم؟! ولكن لا بد أن ~~يسألوا عن هذه الشهادة، وستكتب عليهم، ويعاقبون عليها. وقوله تعالى: { ~~وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } فاحتجوا على ~~عبادتهم الملائكة بالمشيئة، وهي حجة لم يزل المشركون يطرقونها، وهي حجة ~~باطلة في نفسها، عقلا وشرعا. فكل عاقل لا يقبل الاحتجاج بالقدر، ولو ~~سلكه في حالة من أحواله لم يثبت عليها قدمه. وأما شرعا، فإن الله تعالى ~~أبطل الاحتجاج به، ولم يذكره عن غير المشركين به المكذبين لرسله، فإن ~~الله تعالى قد أقام الحجة على العباد، فلم يبق لأحد عليه حجة أصلا، ~~ولهذا قال هنا: { ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون } أي: يتخرصون تخرصا لا دليل عليه، ويتخبطون خبط عشواء. ثم ~~قال: { أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به ~~مستمسكون } يخبرهم بصحة أفعالهم، وصدق أقوالهم؟ ليس الأمر كذلك، ~~فإن الله أرسل محمدا نذيرا إليهم، وهم لم يأتهم نذير غيره، أي: فلا ~~عقل ولا نقل، وإذا انتفى الأمران، فلا ثم إلا الباطل. # نعم، لهم شبهة من أوهى الشبه، وهي تقليد آبائهم الضالين، الذين ما ~~زال الكفرة يردون بتقليدهم دعوة الرسل، ولهذا قال هنا: { بل قالوا ~~إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة } أي: على دين وملة { ~~وإنا على ءاثارهم ms1420 مهتدون } أي: فلا نتبع ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم. { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوهآ } أي: منعموها، وملؤها ~~الذين أطغتهم الدنيا، وغرتهم الأموال، واستكبروا على الحق. { إنا ~~وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثارهم ~~مقتدون } أي: فهؤلاء ليسوا ببدع منهم، وليسوا بأول من قال هذه ~~المقالة. وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين الضالين، بتقليدهم لآبائهم ~~الضالين، ليس المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو تعصب محض، يراد به ~~نصرة ما معهم من الباطل. ولهذا كل رسول يقول لمن عارضه بهذه الشبهة ~~الباطلة: { أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آبآءكم } أي: فهل تتبعوني لأجل الهدى؟ { قالوا إنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون } فعلم بهذا، أنهم ما أرادوا اتباع الحق ~~والهدى، وإنما قصدهم اتباع الباطل والهوى. { فانتقمنا منهم } ~~بتكذيبهم الحق، وردهم إياه بهذه الشبهة الباطلة. { فانظر كيف كان ~~عاقبة المكذبين } فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم، ~~فيصيبهم ما أصابهم. ### || [43.26-32] # يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل ~~الكتاب والمشركون، وكلهم يزعم أنه على طريقته، فأخبر عن دينه الذي ورثه ~~في ذريته فقال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه } الذين ~~اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: { إنني برآء ~~مما تعبدون } أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، { إلا ~~الذي فطرني } فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل ~~به، فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي، ف { سيهدين } لما ~~يصلح ديني وآخرتي. { وجعلها } أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم ~~الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة لله وحده، والتبري من عبادة ما ~~سواه. { كلمة باقية في عقبه } أي: ذريته { لعلهم } ~~إليها { يرجعون } لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه - ~~كإسحاق ويعقوب - لبعض، كما قال تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه # إلى آخر الآيات [البقرة: 130]. فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه ~~السلام حتى دخلهم الترف والطغيان. فقال تعالى: { بل متعت ~~هؤلاء وآبآءهم } بأنواع الشهوات، حتى صارت هي ms1421 غايتهم ونهاية ~~مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد ~~متأصلة. { حتى جآءهم الحق } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا ~~اشتباه. { ورسول مبين } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته ~~قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، ~~وبنفس دعوته صلى الله عليه وسلم. { ولما جآءهم الحق } الذي ~~يوجب على من له أدنى دين ومعقول أن يقبله وينقاد له. { قالوا ~~هذا سحر وإنا به كافرون } وهذا من أعظم المعاندة ~~والمشاقة، فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل ولا جحده، فلم يرضوا ~~حتى قدحوا به قدحا شنيعا، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل، الذي لا يأتي به ~~إلا أخبث الخلق وأعظمهم افتراء، والذي حملهم على ذلك، طغيانهم بما متعهم ~~الله به وآباءهم. { وقالوا } مقترحين على الله بعقولهم الفاسدة: { ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم } أي: معظم عندهم، مبجل من أهل مكة، أو أهل الطائف، كالوليد ~~بن المغيرة ونحوه، ممن هو عندهم عظيم. قال الله ردا لاقتراحهم: { ~~أهم يقسمون رحمت ربك } أي: أهم الخزان لرحمة الله، ~~وبيدهم تدبيرها، فيعطون النبوة والرسالة من يشاؤون، ويمنعونها ممن ~~يشاؤون؟ { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } أي: في ~~الحياة الدنيا، { و } الحال أن رحمة ربك خير مما ~~يجمعون من الدنيا. فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد ~~الله تعالى، وهو الذي يقسمها بين عباده، فيبسط الرزق على من يشاء، ~~ويضيقه على من يشاء، بحسب حكمته، فرحمته الدينية، التي أعلاها النبوة ~~والرسالة، أولى وأحرى أن تكون بيد الله تعالى، فالله أعلم حيث يجعل ~~رسالته. # فعلم أن اقتراحهم ساقط لاغ، وأن التدبير للأمور كلها، دينيها ودنيويها، ~~بيد الله وحده. هذا إقناع لهم، من جهة غلطهم في الاقتراح، الذي ليس في ~~أيديهم منه شيء، إن هو إلا ظلم منهم ورد للحق. وقولهم: { لولا نزل ~~هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } لو ~~عرفوا حقائق الرجال، والصفات التي بها يعرف علو قدر الرجل، وعظم منزلته ~~عند ms1422 الله وعند خلقه، لعلموا أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى ~~الله عليه وسلم، هو أعظم الرجال قدرا، وأعلاهم فخرا، وأكملهم عقلا، ~~وأغزرهم علما، وأجلهم رأيا وعزما وحزما، وأكملهم خلقا، وأوسعهم ~~رحمة، وأشدهم شفقة، وأهداهم وأتقاهم. وهو قطب دائرة الكمال، وإليه ~~المنتهى في أوصاف الرجال، ألا وهو رجل العالم على الإطلاق، يعرف ذلك ~~أولياؤه وأعداؤه، فكيف يفضل عليه المشركون من لم يشم مثقال ذرة من ~~كماله؟!، ومن جرمه ومنتهى حمقه، أن جعل إلهه الذي يعبده ويدعوه ويتقرب ~~إليه، صنما، أو شجرا، أو حجرا، لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ~~وهو كل على مولاه، يحتاج لمن يقوم بمصالحه، فهل هذا إلا من فعل السفهاء ~~والمجانين؟ فكيف يجعل مثل هذا عظيما؟ أم كيف يفضل على خاتم الرسل وسيد ~~ولد آدم صلى الله عليه وسلم؟ ولكن الذين كفروا لا يعقلون. وفي هذه الآية ~~تنبيه على حكمة الله تعالى في تفضيل الله بعض العباد على بعض في الدنيا ~~{ ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } أي: ليسخر بعضهم بعضا، ~~في الأعمال والحرف والصنائع. فلو تساوى الناس في الغنى، ولم يحتج بعضهم ~~إلى بعض، لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم. وفيها دليل على أن نعمته ~~الدينية خير من النعمة الدنيوية كما قال تعالى في الآية الأخرى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. ### || [43.33-35] # يخبر تعالى بأن الدنيا لا تسوى عنده شيئا، وأنه لولا لطفه ورحمته ~~بعباده، التي لا يقدم عليها شيئا، لوسع الدنيا على الذين كفروا ~~توسيعا عظيما، ولجعل { لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج ~~} أي: درجا من فضة { عليها يظهرون } على سطوحهم. { ~~ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون } من فضة، ~~ولجعل لهم { زخرفا } أي: لزخرف لهم دنياهم بأنواع الزخارف، وأعطاهم ~~ما يشتهون، ولكن منعه من ذلك رحمته بعباده خوفا عليهم من التسارع في ~~الكفر وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا، ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد ~~بعض أمور الدنيا منعا عاما أو خاصا لمصالحهم، وأن الدنيا لا تزن عند ~~الله جناح ms1423 بعوضة، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا، منغصة، ~~مكدرة، فانية، وأن الآخرة عند الله تعالى خير للمتقين لربهم بامتثال ~~أوامره واجتناب نواهيه، لأن نعيمها تام كامل من كل وجه، وفي الجنة ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، فما أشد الفرق بين ~~الدارين!! ### || [43.36-39] # يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: { ومن يعش ~~} أي: يعرض ويصد { عن ذكر الرحمن } الذي هو القرآن العظيم، ~~الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير ~~المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب ~~وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيض له الرحمن شيطانا مريدا، ~~يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا، { وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. ~~{ ويحسبون أنهم مهتدون } بسبب تزيين الشيطان للباطل ~~وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا. فإن قيل: فهل لهذا من ~~عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، ~~الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا ~~في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم. ~~فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال ~~والغي، وانقلاب الحقائق. وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر ~~الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، ~~والتبري من قرينه، ولهذا قال تعالى: { حتى إذا جآءنا قال ~~يليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ~~}. كما في قوله تعالى: # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد ~~إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا # [الفرقان: 27-29]. وقوله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ~~ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } أي: ولا ينفعكم ~~يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم ~~اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضا، روح ~~التسلي ms1424 في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها ~~المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، ~~فإنها جمعت كل عقاب، ما فيه أدنى راحة، حتى ولا هذه الراحة. نسألك يا ~~ربنا العافية، وأن تريحنا برحمتك. ### || [43.40-45] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، مسليا له عن امتناع المكذبين عن ~~الاستجابة له، وأنهم لا خير فيهم، ولا فيهم زكاء يدعوهم إلى الهدى: { ~~أفأنت تسمع الصم } أي: الذين لا يسمعون { أو تهدي ~~العمي } الذين لا يبصرون، أو تهدي { ومن كان في ضلال ~~مبين } أي: بين واضح، لعلمه بضلاله، ورضاه به. فكما أن الأصم لا ~~يسمع الأصوات، والأعمى لا يبصر، والضال ضلالا مبينا لا يهتدي، فهؤلاء ~~قد فسدت فطرهم وعقولهم، بإعراضهم عن الذكر، واستحدثوا عقائد فاسدة، وصفات ~~خبيثة، تمنعهم وتحول بينهم وبين الهدى، وتوجب لهم الازدياد من الردى، ~~فهؤلاء لم يبق إلا عذابهم ونكالهم، إما في الدنيا، أو في الآخرة، ولهذا ~~قال تعالى: { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون ~~} أي: فإن ذهبنا بك قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب، فاعلم بخبرنا الصادق ~~أنا منهم منتقمون. { أو نرينك الذي وعدناهم } من ~~العذاب { فإنا عليهم مقتدرون } ولكن ذلك متوقف على ~~اقتضاء الحكمة لتعجيله أو تأخيره، فهذه حالك وحال هؤلاء المكذبين. وأما ~~أنت { فاستمسك بالذي أوحي إليك } فعلا واتصافا، بما ~~يأمر بالاتصاف به ودعوة إليه، وحرصا على تنفيذه في نفسك وفي غيرك. { ~~إنك على صراط مستقيم } موصل إلى الله وإلى دار كرامته، ~~وهذا مما يوجب عليك زيادة التمسك به، والاهتداء إذا علمت أنه حق وعدل ~~وصدق، تكون بانيا على أصل أصيل، إذا بنى غيرك على الشكوك والأوهام، ~~والظلم والجور. { وإنه } أي: هذا القرآن الكريم { لذكر لك ~~ولقومك } أي: فخر لكم، ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقادر قدرها، ولا ~~يعرف وصفها، ويذكركم أيضا ما فيه الخير الدنيوي والأخروي، ويحثكم عليه، ~~ويذكركم الشر ويرهبكم عنه، { وسوف تسألون } عنه، هل قمتم به ~~فارتفعتم وانتفعتم، أم لم تقوموا به فيكون حجة عليكم، وكفرا منكم بهذه ms1425 ~~النعمة؟ { وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } حتى يكون ~~للمشركين نوع حجة، يتبعون فيها أحدا من الرسل، فإنك لو سألتهم ~~واستخبرتهم عن أحوالهم، لم تجد أحدا منهم يدعو إلى اتخاذ إله آخر مع ~~الله مع أن كل الرسل، من أولهم إلى آخرهم، يدعون إلى عبادة الله، وحده لا ~~شريك له. قال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] وكل رسول بعثه الله، يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره، فدل هذا، أن المشركين ليس لهم مستند في شركهم، لا من عقل صحيح، ولا ~~نقل عن الرسل. ### || [43.46-56] # { ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ إلى فرعون ~~وملإيه } إلى آخر القصة لما قال تعالى: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45] بين تعالى حال موسى ودعوته، التي هي أشهر ما يكون من ~~دعوات الرسل، ولأن الله تعالى أكثر من ذكرها في كتابه، فذكر حاله مع ~~فرعون، فقال: { ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ } التي دلت ~~دلالة قاطعة على صحة ما جاء به، كالعصا، والحية، وإرسال الجراد، والقمل، ~~إلى آخر الآيات. { إلى فرعون وملإيه فقال إني رسول ~~رب العلمين } فدعاهم إلى الإقرار بربهم، ونهاهم عن عبادة ما ~~سواه. { فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون } ~~أي: ردوها وأنكروها، واستهزؤوا بها، ظلما وعلوا، فلم يكن لقصور ~~بالآيات، وعدم وضوح فيها، ولهذا قال: { وما نريهم من آية ~~إلا هي أكبر من أختها } أي: الآية المتأخرة أعظم من ~~السابقة، { وأخذناهم بالعذاب } كالجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم، آيات مفصلات. { لعلهم يرجعون } إلى الإسلام، ويذعنون ~~له، ليزول شركهم وشرهم. { وقالوا } عندما نزل عليهم العذاب: { ~~يأيه الساحر } يعنون موسى عليه السلام، وهذا إما من باب التهكم ~~به، وإما أن يكون هذا الخطاب عندهم مدحا، فتضرعوا إليه بأن خاطبوه بما ~~يخاطبون به من يزعمون أنهم علماؤهم، وهم السحرة، فقالوا: { ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك } أي: بما خصك الله به، وفضلك به، من ms1426 ~~الفضائل والمناقب، أن يكشف عنا العذاب { إننا لمهتدون } إن كشف ~~الله عنا ذلك. { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون } أي: لم يفوا بما قالوا، بل غدروا، واستمروا على كفرهم. وهذا ~~كقوله تعالى: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين * ولما وقع عليهم الرجز ~~قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن ~~كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك ~~بني إسرآئيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى ~~أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون # [الأعراف: 133-135]. { ونادى فرعون في قومه قال } ~~مستعليا بباطله، قد غره ملكه، وأطغاه ماله وجنوده: { يقوم أليس ~~لي ملك مصر } أي: ألست المالك لذلك، المتصرف فيه، { وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي } أي: الأنهار المنسحبة من النيل، في ~~وسط القصور والبساتين. { أفلا تبصرون } هذا الملك الطويل العريض، ~~وهذا من جهله البليغ، حيث افتخر بأمر خارج عن ذاته، ولم يفخر بأوصاف ~~حميدة، ولا أفعال سديدة. { أم أنآ خير من هذا الذي هو ~~مهين } يعني - قبحه الله - بالمهين، موسى بن عمران، كليم الرحمن، ~~الوجيه عند الله، أي: أنا العزيز، وهو الذليل المهان المحتقر، فأينا ~~خير؟ { و } مع هذا ف { لا يكاد يبين } عما في ضميره بالكلام، ~~لأنه ليس بفصيح اللسان، وهذا ليس من العيوب في شيء، إذا كان يبين ما في ~~قلبه، ولو كان ثقيلا عليه الكلام. # ثم قال فرعون: { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } ~~أي: فهلا كان موسى بهذه الحالة، أن يكون مزينا مجملا بالحلي والأساور؟ ~~{ أو جآء معه الملائكة مقترنين } يعاونونه على دعوته، ~~ويؤيدونه على قوله. { فاستخف قومه فأطاعوه } أي: استخف ~~عقولهم بما أبدى لهم من هذه الشبه، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا ~~حقيقة تحتها، وليست دليلا على حق ولا على باطل، ولا تروج إلا على ضعفاء ~~العقول. فأي دليل يدل على أن فرعون محق، لكون ملك مصر له، وأنهاره تجري ~~من تحته؟ وأي دليل يدل على بطلان ما جاء به موسى، لقلة أتباعه، وثقل ~~لسانه، وعدم تحلية ms1427 الله له، ولكنه لقي ملأ لا معقول عندهم، فمهما قال ~~اتبعوه، من حق وباطل. { إنهم كانوا قوما فاسقين } فبسبب ~~فسقهم، قيض لهم فرعون، يزين لهم الشرك والشر. { فلمآ آسفونا } أي: ~~أغضبونا بأفعالهم { انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ~~* فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين } ليعتبر بهم ~~المعتبرون، ويتعظ بأحوالهم المتعظون. ### || [43.57-65] # يقول تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا } أي: نهي عن ~~عبادته، وجعلت عبادته بمنزلة عبادة الأصنام والأنداد. { إذا قومك } ~~المكذبون لك { منه } أي: من أجل هذا المثل المضروب، { يصدون } ~~أي: يستلجون في خصومتهم لك، ويصيحون، ويزعمون أنهم قد غلبوا في حجتهم، ~~وأفلجوا. { وقالوا ءأ لهتنا خير أم هو } يعني: عيسى، ~~حيث نهي عن عبادة الجميع، وشورك بينهم بالوعيد على من عبدهم، ونزل ~~أيضا قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. ووجه حجتهم الظالمة، أنهم قالوا: قد تقرر عندنا وعندك ~~يا محمد، أن عيسى من عباد الله المقربين، الذين لهم العاقبة الحسنة، ~~فلم سويت بينه وبينها في النهي عن عبادة الجميع؟ فلولا أن حجتك باطلة ~~لم تتناقض. ولم قلت: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. وهذا لفظ بزعمهم، يعم الأصنام، وعيسى، فهل هذا إلا ~~تناقض؟ وتناقض الحجة دليل على بطلانها، هذا أنهى ما يقررون به هذه الشبهة ~~[الذي] فرحوا بها واستبشروا، وجعلوا يصدون ويتباشرون. وهي - ولله الحمد ~~- من أضعف الشبه وأبطلها، فإن تسوية الله بين النهي عن عبادة المسيح، ~~وبين النهي عن عبادة الأصنام، لأن العبادة حق لله تعالى، لا يستحقها أحد ~~من الخلق، لا الملائكة المقربون، ولا الأنبياء المرسلون، ولا من سواهم ~~من الخلق، فأي شبهة في تسوية النهي عن عبادة عيسى وغيره؟ وليس تفضيل عيسى ~~عليه السلام، وكونه مقربا عند ربه ما يدل على الفرق بينه وبينها في هذا ~~الموضع، وإنما هو كما قال تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا ~~عليه } بالنبوة والحكمة والعلم والعمل، { عليه وجعلناه ~~مثلا لبني إسرائيل } يعرفون به قدرة الله تعالى على إيجاده ~~من دون ms1428 أب. وأما قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] فالجواب عنها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن قوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله # [الأنبياء: 98] أن " ما " اسم لما لا يعقل، لا يدخل فيه المسيح ونحوه. ~~الثاني: أن الخطاب للمشركين، الذين بمكة وما حولها، وهم إنما يعبدون ~~أصناما وأوثانا ولا يعبدون المسيح. الثالث: أن الله قال بعد هذه الآية: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] فلا شك أن عيسى وغيره من الأنبياء والأولياء، داخلون في ~~هذه الآية. ثم قال تعالى: { ولو نشآء لجعلنا منكم ~~ملائكة في الأرض يخلفون } أي: لجعلنا بدلكم ملائكة ~~يخلفونكم في الأرض، ويكونون في الأرض حتى نرسل إليهم ملائكة من جنسهم، ~~وأما أنتم يا معشر البشر، فلا تطيقون أن ترسل إليكم الملائكة، فمن رحمة ~~الله بكم، أن أرسل إليكم رسلا من جنسكم، تتمكنون من الأخذ عنهم. # { وإنه لعلم للساعة } أي: وإن عيسى عليه السلام، لدليل ~~على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم بلا أب، قادر على بعث الموتى من ~~قبورهم، أو وإن عيسى عليه السلام، سينزل في آخر الزمان، ويكون نزوله ~~علامة من علامات الساعة { فلا تمترن بها } أي: لا تشكن في ~~قيام الساعة، فإن الشك فيها كفر. { واتبعون } بامتثال ما أمرتكم، ~~واجتناب ما نهيتكم، { هذا صراط مستقيم } موصل إلى الله عز ~~وجل، { ولا يصدنكم الشيطان } عما أمركم الله به، فإن ~~الشيطان { لكم عدو } حريص على إغوائكم، باذل جهده في ذلك. { ~~ولما جآء عيسى بالبينات } الدالة على صدق نبوته وصحة ما ~~جاءهم به، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك من الآيات. ~~{ قال } لبني إسرائيل: { قد جئتكم بالحكمة } النبوة ~~والعلم، بما ينبغي على الوجه الذي ينبغي. { ولأبين لكم بعض ~~الذي تختلفون فيه } أي: أبين لكم صوابه وجوابه، فيزول عنكم ~~بذلك اللبس، فجاء عليه السلام مكملا ومتمما لشريعة موسى عليه السلام، ~~ولأحكام التوراة. وأتى ببعض التسهيلات الموجبة للانقياد له، وقبول ما ~~جاءهم به. { فيه فاتقوا الله ms1429 وأطيعون } أي: اعبدوا الله ~~وحده لا شريك له، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، وآمنوا بي وصدقوني ~~وأطيعون. { إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم } ففيه الإقرار بتوحيد الربوبية، بأن الله هو ~~المربي جميع خلقه بأنواع النعم الظاهرة والباطنة، والإقرار بتوحيد ~~العبودية، بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وإخبار عيسى عليه السلام ~~أنه عبد من عباد الله، ليس كما قال فيه النصارى: " إنه ابن الله، أو ثالث ~~ثلاثة " ، والإخبار بأن هذا المذكور صراط مستقيم، موصل إلى الله وإلى ~~جنته. فلما جاءهم عيسى عليه السلام بهذا { اختلف الأحزاب } ~~المتحزبون على التكذيب { من بينهم } كل قال بعيسى عليه السلام ~~مقالة باطلة، ورد ما جاء به، إلا من هدى الله من المؤمنين، الذين ~~شهدوا له بالرسالة، وصدقوا بكل ما جاء به، وقالوا: إنه عبد الله ورسوله. ~~{ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } أي: ما ~~أشد حزن الظالمين وما أعظم خسارهم في ذلك اليوم!! ### || [43.66-73] # يقول تعالى: ما ينتظر المكذبون، وهل يتوقعون { إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون } أي: فإذا جاءت، فلا تسأل ~~عن أحوال من كذب بها، واستهزأ بمن جاء بها. وإن الأخلاء يومئذ، أي: يوم ~~القيامة، المتخالين على الكفر والتكذيب ومعصية الله، { بعضهم ~~لبعض عدو } لأن خلتهم ومحبتهم في الدنيا لغير الله، فانقلبت يوم ~~القيامة عداوة. { إلا المتقين } للشرك والمعاصي، فإن محبتهم ~~تدوم وتتصل، بدوام من كانت المحبة لأجله، ثم ذكر ثواب المتقين، وأن ~~الله تعالى يناديهم يوم القيامة بما يسر قلوبهم، ويذهب عنهم كل آفة وشر، ~~فيقول: { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون } أي: لا خوف يلحقكم فيما تستقبلونه من الأمور، ولا حزن ~~يصيبكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كل وجه، ثبت المحبوب ~~المطلوب. { الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين } أي: ~~وصفهم الإيمان بآيات الله، وذلك ليشمل التصديق بها، وما لا يتم التصديق ~~إلا به، من العلم بمعناها والعمل بمقتضاها. { وكانوا مسلمين } ~~لله منقادين له في جميع أحوالهم، فجمعوا بين الاتصاف بعمل الظاهر ~~والباطن. ms1430 { ادخلوا الجنة } التي هي دار القرار { أنتم ~~وأزواجكم } أي: من كان على مثل عملكم، من كل مقارن لكم، من ~~زوجة، وولد، وصاحب، وغيرهم. { تحبرون } أي: تنعمون وتكرمون، ويأتيكم ~~من فضل ربكم من الخيرات والسرور والأفراح واللذات، ما لا تعبر الألسن ~~عن وصفه. { يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب } أي: ~~تدور عليهم خدامهم، من الولدان المخلدين بطعامهم، بأحسن الأواني وأفخرها، ~~وهي صحاف الذهب وشرابهم، بألطف الأواني، وهي الأكواب التي لا عرى لها، ~~وهي من أصفى الأواني، من فضة أعظم من صفاء القوارير. { وفيها } أي: ~~الجنة { ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } وهذا لفظ ~~جامع، يأتي على كل نعيم وفرح، وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته ~~النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة، ~~وأشجار محدقة، ونعم مونقة، ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، ~~على أكمل الوجوه وأفضلها، كما قال تعالى: # لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون # [يس: 57] { وأنتم فيها خالدون } وهذا هو تمام نعيم أهل الجنة، ~~وهو الخلد الدائم فيها، الذي يتضمن دوام نعيمها وزيادته، وعدم انقطاعه. { ~~وتلك الجنة } الموصوفة بأكمل الصفات، هي { التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون } أي: أورثكم الله إياها ~~بأعمالكم، وجعلها من فضله جزاء لها، وأودع فيها من رحمته ما أودع. [ { ~~لكم فيها فاكهة كثيرة } كما في الآية الأخرى: # فيهما من كل فاكهة زوجان # [الرحمن: 52] { منها تأكلون } أي: مما تتخيرون من تلك الفواكه ~~الشهية، والثمار اللذيذة تأكلون] ولما ذكر نعيم الجنة، عقبه بذكر عذاب ~~جهنم، فقال: { إن المجرمين في عذاب... }. ### || [43.74-78] # { إن المجرمين } الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم { في عذاب ~~جهنم } أي: منغمرون فيه، محيط بهم العذاب من كل جانب، { خالدون ~~} فيه، لا يخرجون منه أبدا، و { لا يفتر عنهم } العذاب ساعة، ~~بإزالته، ولا بتهوين عذابه، { وهم فيه مبلسون } أي: آيسون من ~~كل خير، غير راجين للفرج، وذلك أنهم ينادون ربهم فيقولون: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * ~~قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 107-108] وهذا العذاب العظيم، بما قدمت أيديهم، وبما ظلموا ~~به ms1431 أنفسهم. والله لم يظلمهم ولم يعاقبهم بلا ذنب ولا جرم. { ونادوا ~~} وهم في النار، لعلهم يحصل لهم استراحة، { يمالك ليقض علينا ~~ربك } أي: ليمتنا فنستريح، فإننا في غم شديد، وعذاب غليظ، لا صبر ~~لنا عليه ولا جلد. ف { قال } لهم مالك خازن النار - حين طلبوا منه أن ~~يدعو الله لهم أن يقضي عليهم -: { إنكم ماكثون } أي: مقيمون ~~فيها، لا تخرجون عنها أبدا، فلم يحصل لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض ~~قصدهم، وزادهم غما إلى غمهم، ثم وبخهم بما فعلوا فقال: { لقد ~~جئناكم بالحق } الذي يوجب عليكم أن تتبعوه فلو تبعتموه، لفزتم ~~وسعدتم، { ولكن أكثركم للحق كارهون } فلذلك شقيتم ~~شقاوة لا سعادة بعدها. ### || [43.79-80] # يقول تعالى: أم أبرم المكذبون بالحق المعاندون له { أمرا } أي: كادوا ~~كيدا، ومكروا للحق ولمن جاء بالحق، ليدحضوه، بما موهوا من الباطل ~~المزخرف المزوق، { فإنا مبرمون } أي: محكمون أمرا، ومدبرون ~~تدبيرا يعلو تدبيرهم، وينقضه ويبطله، وهو ما قيضه الله من الأسباب ~~والأدلة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، كما قال تعالى: # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # [الأنبياء: 18]. { أم يحسبون } بجهلهم وظلمهم { أنا لا ~~نسمع سرهم } الذي لم يتكلموا به، بل هو سر في قلوبهم { ~~ونجواهم } أي: كلامهم الخفي الذي يتناجون به، أي: فلذلك أقدموا على ~~المعاصي، وظنوا أنها لا تبعة لها ولا مجازاة على ما خفي منها. فرد الله ~~عليهم بقوله: { بلى } أي: إنا نعلم سرهم ونجواهم، { ورسلنا } ~~الملائكة الكرام، { لديهم يكتبون } كل ما عملوه، وسيحفظ ذلك ~~عليهم، حتى يردوا القيامة، فيجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا. ### || [43.81-83] # أي: قل يا أيها الرسول الكريم، للذين جعلوا لله ولدا، وهو الواحد ~~الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا ~~أحد. { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول ~~العابدين } لذلك الولد، لأنه جزء من والده، وأنا أول الخلق انقيادا ~~للأمور المحبوبة لله، ولكني أول المنكرين لذلك، وأشدهم له نفيا، فعلم ~~بذلك بطلانه، فهذا احتجاج عظيم عند من عرف أحوال الرسل، وأنه إذا علم ms1432 ~~أنهم أكمل الخلق، وأن كل خير فهم أول الناس سبقا إليه، وتكميلا له، ~~وكل شر فهم أول الناس تركا له وإنكارا له وبعدا منه، فلو كان على هذا ~~للرحمن ولد وهو الحق، لكان محمد بن عبد الله، أفضل الرسل أول من عبده، ~~ولم يسبقه إليه المشركون. ويحتمل أن معنى الآية: لو كان للرحمن ولد، فأنا ~~أول العابدين لله، ومن عبادتي لله، إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، ~~فهذا من العبادة القولية الاعتقادية، ويلزم من هذا، لو كان حقا، لكنت ~~أول مثبت له، فعلم بذلك بطلان دعوى المشركين وفسادها، عقلا ونقلا. { ~~سبحان رب السموت والأرض رب العرش عما ~~يصفون } من الشريك والظهير، والعوين، والولد، وغير ذلك، مما نسبه ~~إليه المشركون. { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } أي: يخوضوا ~~بالباطل، ويلعبوا بالمحال، فعلومهم ضارة غير نافعة، وهي الخوض والبحث ~~بالعلوم التي يعارضون بها الحق وما جاءت به الرسل، وأعمالهم لعب وسفاهة، ~~لا تزكي النفوس، ولا تثمر المعارف. ولهذا توعدهم بما أمامهم من يوم ~~القيامة فقال: { حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون } ~~فسيعلمون فيه ماذا حصلوا، وما حصلوا عليه من الشقاء الدائم، والعذاب ~~المستمر. ### || [43.84-89] # يخبر تعالى، أنه وحده المألوه المعبود في السماوات والأرض فأهل السماوات ~~كلهم، والمؤمنون من أهل الأرض، يعبدونه، ويعظمونه، ويخضعون لجلاله، ~~ويفتقرون لكماله. # تسبح له السموت السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] # ولله يسجد من في السموت والأرض طوعا وكرها # [الرعد: 15]. فهو تعالى المألوه المعبود، الذي يألهه الخلائق كلهم، ~~طائعين مختارين، وكارهين. وهذه كقوله تعالى: # وهو الله في السموت وفي الأرض # [الأنعام: 3] أي: ألوهيته ومحبته فيهما. وأما هو فهو فوق عرشه، بائن من ~~خلقه، متوحد بجلاله، متمجد بكماله، { وهو الحكيم } الذي أحكم ما ~~خلقه، وأتقن ما شرعه، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا شرع شيئا إلا لحكمة، ~~وحكمه القدري والشرعي والجزائي مشتمل على الحكمة. { العليم } بكل ~~شيء، يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في العالم العلوي والسفلي، ~~ولا أصغر منها ولا أكبر. { وتبارك الذي له ملك ms1433 ~~السموت والأرض وما بينهما } تبارك بمعنى تعالى وتعاظم، ~~وكثر خيره، واتسعت صفاته، وعظم ملكه. ولهذا ذكر سعة ملكه للسموات والأرض ~~وما بينهما، وسعة علمه، وأنه بكل شيء عليم، حتى إنه تعالى، انفرد بعلم ~~كثير من الغيوب، التي لم يطلع عليها أحد من الخلق، لا نبي مرسل، ولا ~~ملك مقرب، ولهذا قال: { وعنده علم الساعة } قدم الظرف، ليفيد ~~الحصر، أي: لا يعلم متى تجيء الساعة إلا هو، ومن تمام ملكه وسعته، أنه ~~مالك الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { وإليه ترجعون } أي: في ~~الآخرة فيحكم بينكم بحكمه العدل، ومن تمام ملكه، أنه لا يملك أحد من خلقه ~~من الأمر شيئا، ولا يقدم على الشفاعة عنده أحد إلا بإذنه. { ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } أي: كل من ~~دعي من دون الله، من الأنبياء والملائكة وغيرهم، لا يملكون الشفاعة، ~~ولا يشفعون إلا بإذن الله، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولهذا قال: { ~~إلا من شهد بالحق } أي: نطق بلسانه، مقرا بقلبه، عالما بما ~~شهد به، ويشترط أن تكون شهادته بالحق، وهو الشهادة لله تعالى ~~بالوحدانية، ولرسله بالنبوة والرسالة، وصحة ما جاؤوا به، من أصول الدين ~~وفروعه، وحقائقه وشرائعه، فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعة الشافعين، وهؤلاء ~~الناجون من عذاب الله، الحائزون لثوابه. ثم قال تعالى: { ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله } أي: ولئن سألت ~~المشركين عن توحيد الربوبية، ومن هو الخالق، لأقروا أنه الله وحده لا ~~شريك له. { فأنى يؤفكون } أي: فكيف يصرفون عن عبادة الله ~~والإخلاص له وحده؟! فإقرارهم بتوحيد الربوبية، يلزمهم به الإقرار بتوحيد ~~الألوهية، وهو من أكبر الأدلة على بطلان الشرك. { وقيله يرب ~~إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } هذا معطوف على قوله: { ~~وعنده علم الساعة } أي: وعنده علم قيله، أي: الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، شاكيا لربه تكذيب قومه، متحزنا على ذلك، متحسرا على عدم ~~إيمانهم، فالله تعالى عالم بهذه الحال، قادر على معاجلتهم بالعقوبة، ~~ولكنه تعالى حليم، يمهل العباد ويستأني بهم، لعلهم يتوبون ويرجعون، ولهذا ~~قال: { فاصفح عنهم وقل سلام } أي: ms1434 اصفح عنهم ما يأتيك من ~~أذيتهم القولية والفعلية، واعف عنهم، ولا يبدر منك لهم إلا السلام الذي ~~يقابل به أولو الألباب والبصائر الجاهلين، كما قال تعالى عن عباده ~~الصالحين: # وإذا خاطبهم الجاهلون # أي: خطابا بمقتضى جهلهم # قالوا سلاما # [الفرقان: 63] فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وتلقى ما يصدر إليه ~~من قومه وغيرهم من الأذى، بالعفو والصفح، ولم يقابلهم عليه إلا بالإحسان ~~إليهم والخطاب الجميل. فصلوات الله وسلامه على من خصه الله بالخلق ~~العظيم، الذي فضل به أهل الأرض والسماء، وارتفع به أعلى من كواكب ~~الجوزاء. وقوله: { فسوف يعلمون } أي: غب ذنوبهم، وعاقبة ~~جرمهم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-16] # هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين لكل ما يحتاج إلى ~~بيانه، أنه أنزله { في ليلة مباركة } أي: كثيرة الخير ~~والبركة، وهي ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، فأنزل أفضل الكلام ~~بأفضل الليالي والأيام على أفضل الأنام، بلغة العرب الكرام، لينذر به ~~قوما عمتهم الجهالة، وغلبت عليهم الشقاوة، فيستضيئوا بنوره، ويقتبسوا من ~~هداه، ويسيروا وراءه، فيحصل لهم الخير الدنيوي، والخير الأخروي، ولهذا ~~قال: { إنا كنا منذرين * فيها } أي: في تلك الليل الفاضلة ~~التي نزل فيها القرآن { يفرق كل أمر حكيم } أي: يفصل ويميز ~~ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، الذي يكون ~~في ليلة القدر، أحد الكتابات التي تكتب وتميز، فتطابق الكتاب الأول، الذي ~~كتب الله به، مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن ~~الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم ~~وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا، وكل به كراما كاتبين، يكتبون ويحفظون ~~عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا ~~من تمام علمه، وكمال حكمته، وإتقان حفظه، واعتنائه تعالى بخلقه { أمرا ~~من عندنآ } أي: هذا الأمر الحكيم أمر صادر من عندنا، { إنا ~~كنا مرسلين } للرسل، ومنزلين للكتب، والرسل تبلغ أوامر المرسل، ~~وتخبر بأقداره، { رحمة من ربك } أي: إن إرسال ms1435 الرسل وإنزال ~~الكتب، التي أفضلها القرآن، رحمة من رب العباد بالعباد، فما رحم الله ~~عباده برحمة أجل من هدايتهم بالكتب والرسل، وكل خير ينالونه في الدنيا ~~والآخرة، فإنه من أجل ذلك وسببه، { إنه هو السميع العليم } ~~أي: يسمع جميع الأصوات، ويعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة، وقد علم ~~تعالى ضرورة العباد إلى رسله وكتبه، فرحمهم بذلك، ومن عليهم، فله تعالى ~~الحمد والمنة والإحسان. { رب السموت والأرض وما ~~بينهمآ } أي: خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه بما شاء. { إن كنتم ~~موقنين } أي: عالمين بذلك علما مفيدا لليقين، فاعلموا أن الرب ~~للمخلوقات هو إلهها الحق، ولهذا قال: { لا إله إلا هو } أي: ~~لا معبود إلا وجهه، { يحيي ويميت } أي: هو المتصرف وحده بالإحياء ~~والإماتة، وسيجمعكم بعد موتكم فيجزيكم بعملكم إن خيرا فخير وإن شرا ~~فشر، { ربكم ورب آبآئكم الأولين } أي: رب الأولين ~~والآخرين، مربيهم بالنعم، الدافع عنهم النقم. فلما قرر تعالى ربوبيته ~~وألوهيته بما يوجب العلم التام، ويدفع الشك، أخبر أن الكافرين مع هذا ~~البيان { في شك يلعبون } أي: منغمرون في الشكوك والشبهات، ~~غافلون عما خلقوا له، قد اشتغلوا باللعب الباطل، الذي لا يجدي عليهم إلا ~~الضرر. { فارتقب } أي: انتظر فيهم العذاب، فإنه قد قرب وآن أوانه، { ~~يوم تأتي السمآء بدخان مبين * يغشى الناس } أي: ~~يعمهم ذلك الدخان ويقال لهم: { هذا عذاب أليم }. # واختلف المفسرون في المراد بهذا الدخان، فقيل: إنه الدخان الذي يغشى ~~الناس ويعمهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة، وأن الله ~~توعدهم بعذاب يوم القيامة، وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم. ويؤيد هذا ~~المعنى أن هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار والتأني بهم ~~وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه، وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن ~~آذاهم، ويؤيده أيضا، أنه قال في هذه الآية: { أنى لهم ~~الذكرى وقد جآءهم رسول مبين } وهذا يقال يوم القيامة ~~للكفار، حين يطلبون الرجوع إلى الدنيا، فيقال: قد ذهب وقت الرجوع. وقيل: ~~إن المراد بذلك، ما أصاب كفار قريش حين امتنعوا من الإيمان، واستكبروا ~~على ms1436 الحق، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: # " اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف " # فأرسل الله عليهم الجوع العظيم، حتى أكلوا الميتات والعظام، وصاروا يرون ~~الذي بين السماء والأرض كهيئة الدخان، وليس به، وذلك من شدة الجوع. فيكون ~~- على هذا - قوله: { يوم تأتي السمآء بدخان } أن ذلك ~~بالنسبة إلى أبصارهم وما يشاهدون، وليس بدخان حقيقة. ولم يزالوا بهذه ~~الحالة حتى استرحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه أن يدعو الله ~~لهم، أن يكشفه الله عنهم، فدعا ربه، فكشفه الله عنهم، وعلى هذا فيكون ~~قوله: { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عآئدون } ~~إخبار بأن الله سيصرفه عنكم وتوعد لهم أن يعودوا إلى الاستكبار ~~والتكذيب، وإخبار بوقوعه فوقع، وأن الله سيعاقبهم بالبطشة الكبرى، قالوا: ~~وهي وقعة " بدر " وفي هذا القول نظر ظاهر. وقيل: إن المراد بذلك، أن ذلك ~~من أشراط الساعة، وأنه يكون في آخر الزمان دخان يأخذ بأنفاس الناس، ويصيب ~~المؤمنين منهم كهيئة الدخان، والقول هو الأول، وفي الآية احتمال أن ~~المراد بقوله: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان ~~مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا ~~اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم ~~الذكرى وقد جآءهم رسول مبين * ثم تولوا ~~عنه وقالوا معلم مجنون } أن هذا كله يكون يوم القيامة، ~~وأن قوله تعالى { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ~~عآئدون * يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون } أن هذا ما وقع لقريش كما تقدم. وإذا نزلت هذه الآيات على ~~هذين المعنيين، لم تجد في اللفظ ما يمنع من ذلك. بل تجدها مطابقة لهما ~~أتم المطابقة، وهذا الذي يظهر عندي ويترجح، والله أعلم. ### || [44.17-33] # { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } إلى آخر القصة لما ~~ذكر تعالى تكذيب من كذب الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، ذكر أن لهم ~~سلفا من المكذبين، فذكر قصتهم مع موسى، وما أحل الله بهم، ليرتدع هؤلاء ~~المكذبون عن ما هم عليه فقال: { ولقد فتنا قبلهم قوم ~~فرعون } أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران ~~إليهم، الرسول الكريم، الذي فيه ms1437 من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره، ~~{ أن أدوا إلي عباد الله } أي: قال لفرعون وملئه: أدوا ~~إلي عباد الله، يعني بهم: بني إسرائيل، أي: أرسلوهم، وأطلقوهم من ~~عذابكم وسومكم إياهم سوء العذاب، فإنهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم. ~~وأنتم قد ظلمتموهم، واستعبدتموهم بغير حق، فأرسلوهم ليعبدوا ربهم، { ~~إني لكم رسول أمين } أي: رسول من رب العالمين، أمين على ما ~~أرسلني به، لا أكتمكم منه شيئا، ولا أزيد فيه ولا أنقص، وهذا يوجب تمام ~~الانقياد له. { وأن لا تعلوا على الله } بالاستكبار عن ~~عبادته والعلو على عباد الله، { إني آتيكم بسلطان مبين } ~~أي: بحجة بينة ظاهرة، وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات، والأدلة ~~القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله، فلجأ بالله من شرهم، فقال: { وإني ~~عذت بربي وربكم أن ترجمون } أي: تقتلوني أشر القتلات، ~~بالرجم بالحجارة. { وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون } أي: ~~لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي، وهو مقصودي منكم، فإن لم تحصل منكم هذه ~~المرتبة، فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم، فلم تحصل منهم ~~المرتبة الأولى ولا الثانية، بل لم يزالوا متمردين عاتين على الله، ~~محاربين لنبيه موسى عليه السلام، غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل. { ~~فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } أي: قد أجرموا ~~جرما، يوجب تعجيل العقوبة. فأخبر عليه السلام بحالهم، وهذا دعاء بالحال، ~~التي هي أبلغ من المقال، كما قال عن نفسه عليه السلام # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24] فأمره الله أن يسري بعباده ليلا، وأخبره أن فرعون وقومه ~~سيتبعونه، { واترك البحر رهوا } أي: بحاله وذلك أنه لما سرى ~~موسى ببني إسرائيل كما أمره الله، ثم تبعهم فرعون، فأمر الله موسى أن ~~يضرب البحر، فضربه فصار اثنى عشر طريقا، وصار الماء من بين تلك الطرق ~~كالجبال العظيمة، فسلكه موسى وقومه. فلما خرجوا منه، أمره الله أن يتركه ~~رهوا، أي: بحاله ليسلكه فرعون وجنوده { إنهم جند مغرقون } ~~فلما تكامل قوم موسى خارجين منه، وقوم فرعون داخلين فيه، أمره الله تعالى ~~أن ms1438 يلتطم عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا، ~~وأورثه الله بني إسرائيل، الذين كانوا مستعبدين لهم، ولهذا قال: { كم ~~تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها } ~~أي: هذه النعمة المذكورة { قوما آخرين } وفي الآية الأخرى: # كذلك وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59]. { فما بكت عليهم السمآء والأرض } أي: ~~لما أتلفهم الله وأهلكهم، لم تبك عليهم السماء والأرض، أي: لم يحزن ~~عليهم، ولم يؤس على فراقهم، بل كل استبشر بهلاكهم وتلفهم، حتى السماء ~~والأرض، لأنهم ما خلفوا من آثارهم إلا ما يسود وجوههم، ويوجب عليهم ~~اللعنة والمقت من العالمين. { وما كانوا منظرين } أي: ممهلين عن ~~العقوبة، بل اصطلمتهم في الحال ثم امتن تعالى على بني إسرائيل، فقال { ~~ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين } ~~الذي كانوا فيه { من فرعون } إذ يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم. { ~~إنه كان عاليا } أي مستكبرا في الأرض بغير الحق، { من ~~المسرفين } المتجاوزين لحدود الله، المتجرئين على محارمه. { ~~ولقد اخترناهم } أي: اصطفيناهم وانتقيناهم { على علم } ~~منا بهم، وباستحقاقهم لذلك الفضل { على العالمين } أي: عالمي ~~زمانهم ومن قبلهم وبعدهم حتى أتى الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ففضلوا العالمين كلهم، وجعلهم الله خير أمة أخرجت للناس، وامتن ~~عليهم بما لم يمتن به على غيرهم. { وآتيناهم } أي: بني إسرائيل { ~~من الآيات } الباهرة، والمعجزات الظاهرة، { ما فيه بلاء ~~مبين } أي: إحسان كثير، ظاهر منا عليهم، وحجة عليهم، على صحة ما ~~جاءهم به نبيهم موسى عليه السلام. ### || [44.34-37] # يخبر تعالى { إن هؤلاء } المكذبين يقولون مستبعدين للبعث ~~والنشور: { إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمنشرين } أي: ما هي إلا الحياة الدنيا، فلا بعث ولا نشور، ولا جنة ~~ولا نار. ثم قالوا - متجرئين على ربهم، معجزين له -: { فأتوا ~~بآبآئنا إن كنتم صادقين } وهذا من اقتراح الجهلة المعاندين ~~في مكان سحيق، فأي ملازمة بين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه متوقف ~~على الإتيان بآبائهم؟ فإن الآيات قد قامت على صدق ما جاءهم به، وتواترت ms1439 ~~تواترا عظيما من كل وجه. قال تعالى: { أهم خير } أي: هؤلاء ~~المخاطبون { أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين } فإنهم ليسوا خيرا ~~منهم، وقد اشتركوا في الإجرام، فليتوقعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم ~~المجرمين. ### || [44.38-42] # يخبر تعالى، عن كمال قدرته، وتمام حكمته، وأنه ما خلق السماوات والأرض ~~لعبا ولا لهوا أو سدى من غير فائدة، وأنه ما خلقهما إلا بالحق، أي: نفس ~~خلقهما بالحق، وخلقهما مشتمل على الحق، وأنه أوجدهما ليعبدوه وحده لا ~~شريك له، وليأمر العباد وينهاهم ويثيبهم ويعاقبهم، { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } فلذلك لم يتفكروا في خلق السماوات ~~والأرض. { إن يوم الفصل } وهو يوم القيامة الذي يفصل الله به ~~بين الأولين والآخرين، وبين كل مختلفين { ميقاتهم } أي: الخلائق { ~~أجمعين }. كلهم سيجمعهم الله فيه، ويحضرهم ويحضر أعمالهم، ويكون ~~الجزاء عليها ولا ينفع مولى عن مولى شيئا لا قريب عن قريبه، ولا صديق عن ~~صديقه، { ولا هم ينصرون } أي: يمنعون من عذاب الله عز وجل، لأن ~~أحدا من الخلق لا يملك من الأمر شيئا. { إلا من رحم الله ~~إنه هو العزيز الرحيم } فإنه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمة ~~الله تعالى، التي تسبب إليها، وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى: { ~~إن شجرت... }. ### || [44.43-50] # لما ذكر يوم القيامة، وأنه يفصل بين عباده فيه، ذكر افتراقهم إلى ~~فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، وهم: الآثمون بعمل الكفر ~~والمعاصي، وأن طعامهم { شجرت الزقوم } شر الأشجار وأفظعها، وأن ~~طعامها { كالمهل } أي: كالصديد المنتن، خبيث الريح والطعم، شديد ~~الحرارة، يغلي في بطونهم { كغلي الحميم } ويقال للمعذب: { ذق ~~} هذا العذاب الأليم، والعقاب الوخيم، { إنك أنت العزيز ~~الكريم } أي: بزعمك أنك عزيز، ستمتنع من عذاب الله، وأنك كريم على ~~الله لا يصيبك بعذاب، فاليوم تبين لك أنك أنت الذليل المهان الخسيس، { ~~إن هذا } العذاب العظيم { ما كنتم به تمترون } أي: ~~تشكون، فالآن صار عندكم حق اليقين. ### || [44.51-59] # هذا جزاء المتقين لله الذين اتقوا سخطه وعذابه، بتركهم المعاصي، وفعلهم ~~الطاعات، فلما انتفى السخط ms1440 عنهم والعذاب، ثبت لهم الرضا من الله، والثواب ~~العظيم، في ظل ظليل، من كثرة الأشجار والفواكه، وعيون سارحة، تجري من ~~تحتهم الأنهار، يفجرونها تفجيرا في جنات النعيم. فأضاف الجنات إلى ~~النعيم، لأن كل ما اشتملت عليه كله نعيم وسرور، كامل من كل وجه، ما فيه ~~منغص ولا مكدر بوجه من الوجوه. ولباسهم من الحرير الأخضر من السندس ~~والإستبرق، أي: غليظ الحرير ورقيقه، مما تشتهيه أنفسهم، { ~~متقابلين } في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة، والطمأنينة، ~~والمحبة، والعشرة الحسنة، والآداب المستحسنة. { كذلك } النعيم التام ~~والسرور الكامل { وزوجناهم بحور عين } أي: نساء جميلات، من ~~جمالهن وحسنهن أنه يحار الطرف في حسنهن، وينبهر العقل بجمالهن، وينخلب ~~اللب لكمالهن، { عين } أي: ضخام الأعين حسانها. { يدعون فيها } ~~أي: الجنة { بكل فاكهة } مما له اسم في الدنيا، ومما لا يوجد له ~~اسم، ولا نظير في الدنيا، فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها، أحضر ~~لهم في الحال، من غير تعب ولا كلفة، { آمنين } من انقطاع ذلك، وآمنين ~~من مضرته، وآمنين من كل مكدر، وآمنين من الخروج منها والموت، ولهذا قال: ~~{ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى } أي: ~~ليس فيها موت بالكلية، ولو كان فيها موت يستثنى، لم يستثن الموتة الأولى، ~~التي هي الموتة في الدنيا، فتم لهم كل محبوب مطلوب، { ووقاهم ~~عذاب الجحيم * فضلا من ربك } أي: حصول النعيم واندفاع ~~العذاب عنهم، من فضل الله عليهم وكرمه، فإنه تعالى هو الذي وفقهم للأعمال ~~الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة، وأعطاهم أيضا ما لم تبلغه أعمالهم، ~~{ ذلك هو الفوز العظيم } وأي فوز أعظم من نيل رضوان الله ~~وجنته، والسلامة من عذابه وسخطه؟ { فإنما يسرناه } أي: القرآن ~~{ بلسانك } أي: سهلناه بلسانك الذي هو أفصح الألسنة على الإطلاق ~~وأجلها، فتيسر به لفظه، وتيسر معناه. { لعلهم يتذكرون } ما ~~فيه نفعهم فيفعلونه، وما فيه ضررهم فيتركونه. { فارتقب } أي: انتظر ~~ما وعدك ربك من الخير والنصر، { إنهم مرتقبون } ما يحل بهم ~~من العذاب، وفرق بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في ~~الدينا والآخرة، ms1441 وضدهم يرتقبون الشر في الدنيا والآخرة. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-11] # يخبر تعالى خبرا يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به، وأنه { ~~تنزيل } { من الله } المألوه المعبود، لما اتصف به من صفات ~~الكمال، وانفرد به من النعم، الذي له العزة الكاملة والحكمة التامة، ثم ~~أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية، من خلق السماوات والأرض، ~~وما بث فيهما من الدواب، وما أودع فيهما من المنافع، وما أنزل الله من ~~الماء، الذي يحيي به الله البلاد والعباد. فهذه كلها آيات بينات، وأدلة ~~واضحات، على صدق هذا القرآن العظيم، وصحة ما اشتمل عليه من الحكم ~~والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال، وعلى البعث والنشور. ~~ثم قسم تعالى الناس، بالنسبة إلى الانتفاع بآياته وعدمه، إلى قسمين: قسم ~~يستدلون بها، ويتفكرون بها، وينتفعون فيرتفعون، وهم المؤمنون بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، إيمانا تاما، وصل بهم إلى درجة ~~اليقين، فزكى منهم العقول، وازدادت به معارفهم وألبابهم وعلومهم. وقسم ~~يسمع آيات الله سماعا تقوم به الحجة عليهم، ثم يعرض عنها ويستكبر، كأنه ~~ما سمعها، لأنها لم تزك قلبه، ولا طهرته، بل بسبب استكباره عنها ازداد ~~طغيانه. وأنه إذا علم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا، فتوعده الله ~~تعالى بالويل فقال: { ويل لكل أفاك أثيم } أي: كذاب في ~~مقاله، أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذابا أليما، وأن { من ~~ورآئهم جهنم } تكفي في عقوبتهم البليغة. وأنه { ولا يغني ~~عنهم ما كسبوا } من الأموال { ولا ما اتخذوا من دون ~~الله أوليآء } يستنصرون بهم فخذلوهم، أحوج ما كانوا إليهم لو ~~نفعوا. فلما بين آياته القرآنية والعيانية، وأن الناس فيها على قسمين، ~~أخبر أن القرآن المشتمل على هذه المطالب العالية، أنه هدى، فقال: { ~~هذا هدى } وهذا وصف عام لجميع القرآن، فإنه يهدي إلى معرفة الله ~~تعالى، بصفاته المقدسة، وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله، وأوليائه ~~وأعدائه، وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة ويدعو إليها، ويبين ~~الأعمال السيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال، ويبين ~~الجزاء الدنيوي ms1442 والأخروي، فالمهتدون اهتدوا به، فأفلحوا وسعدوا، { ~~والذين كفروا بآيت ربهم } الواضحة القاطعة، التي لا ~~يكفر بها إلا من اشتد ظلمه، وتضاعف طغيانه، { لهم عذاب من ~~رجز أليم }. ### || [45.12-13] # يخبر تعالى بفضله على عباده وإحسانه إليهم، بتسخير البحر لسير المراكب ~~والسفن بأمره وتيسيره، { ولتبتغوا من فضله } بأنواع التجارات ~~والمكاسب، { ولعلكم تشكرون } الله تعالى، فإنكم إذا شكرتموه، ~~زادكم من نعمه وأثابكم على شكركم أجرا جزيلا. { وسخر لكم ما ~~في السموت وما في الأرض جميعا منه } أي: من فضله ~~وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماوات والأرض، ولما أودع الله فيهما، من ~~الشمس والقمر، والكواكب، والثوابت، والسيارات، وأنواع الحيوانات، وأصناف ~~الأشجار والثمرات، وأجناس المعادن، وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني ~~آدم، ومصالح ما هو من ضروراته، فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في ~~شكر نعمته، وأن تتغلغل أفكارهم في تدبر آياته وحكمه، ولهذا قال: { إن ~~في ذلك لأيت لقوم يتفكرون } وجملة ذلك أن خلقها ~~وتدبيرها وتسخيرها، دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من ~~الإحكام والإتقان، وبديع الصنعة، وحسن الخلقة، دال على كمال حكمته وعلمه، ~~وما فيها من السعة والعظمة والكثرة، دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها ~~من التخصيصات والأشياء المتضادات، دليل على أنه الفعال لما يريد، وما ~~فيها من المنافع، والمصالح الدينية والدنيوية، دليل على سعة رحمته، وشمول ~~فضله وإحسانه، وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه ~~المعبود، الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له، وأن رسله صادقون ~~فيما جاؤوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة، لا تقبل ريبا ولا شكا. ### || [45.14-15] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بحسن الخلق، والصبر على أذية المشركين به، ~~الذين لا يرجون أيام الله، أي: لا يرجون ثوابه، ولا يخافون وقائعه في ~~العاصين، فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون. فأنتم يا معشر ~~المؤمنين، يجزيكم على إيمانكم، وصفحكم وصبركم، ثوابا جزيلا، وهم إن ~~استمروا على تكذيبهم فلا يحل بكم ما حل بهم من العذاب الشديد ~~والخزي، ولهذا قال: { من عمل صلحا ms1443 فلنفسه ومن أسآء ~~فعليها ثم إلى ربكم ترجعون }. ### || [45.16-17] # أي: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعما لم تحصل لغيرهم من الناس، ~~وآتيناهم { الكتاب } أي: التوراة والإنجيل، { والحكم } بين ~~الناس، { والنبوة } التي امتازوا بها، وصارت النبوة في ذرية ~~إبراهيم عليه السلام، أكثرهم من بني إسرائيل، { ورزقناهم من ~~الطيبات } من المآكل والمشارب والملابس، وإنزال المن والسلوى ~~عليهم، { وفضلناهم على العالمين } أي: على الخلق بهذه ~~النعم، ويخرج من هذا العموم اللفظي، هذه الأمة، فإنهم خير أمة أخرجت ~~للناس. والسياق يدل على أن المراد غير هذه الأمة، فإن الله يقص علينا ما ~~امتن به على بني إسرائيل، وميزهم عن غيرهم، وأيضا فإن الفضائل التي فاق ~~بها بنو إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة، وغيرها من النعوت، قد حصلت ~~كلها لهذه الأمة، وزادت عليهم هذه الأمة فضائل كثيرة، فهذه الشريعة شريعة ~~بني إسرائيل جزء منها، فإن هذا الكتاب مهيمن على سائر الكتب السابقة، ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم مصدق لجميع المرسلين. { وآتيناهم } أي: ~~آتينا بني إسرائيل { بينات } أي: دلالات تبين الحق من الباطل { ~~من الأمر } القدري الذي أوصله الله إليهم. وتلك الآيات هي المعجزات ~~التي رأوها على يد موسى عليه السلام، فهذه النعم التي أنعم الله بها ~~على بني إسرائيل، تقتضي الحال أن يقوموا بها على أكمل الوجوه، وأن ~~يجتمعوا على الحق الذي بينه الله لهم، ولكن انعكس الأمر، فعاملوها بعكس ~~ما يجب. وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع به، ولهذا قال: { فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم } أي: الموجب ~~لعدم الاختلاف، وإنما حملهم على الاختلاف البغي من بعضهم على بعض، ~~والظلم. { إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون } فيميز المحق من المبطل، والذي حمله على ~~الاختلاف، الهوى أو غيره. ### || [45.18-19] # أي: ثم شرعنا لك شريعة كاملة تدعو إلى كل خير، وتنهى عن كل شر، من أمرنا ~~الشرعي { فاتبعها } فإن في اتباعها السعادة الأبدية، والصلاح ~~والفلاح، { ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون } أي: ~~الذين تكون أهويتهم غير تابعة للعلم، ولا ماشية خلفه، وهم ms1444 كل من خالف ~~شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم هواه وإرادته، فإنه من أهواء الذين لا ~~يعلمون. { إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا } أي: لا ~~ينفعونك عند الله، فيحصلوا لك الخير، ويدفعوا عنك الشر، إن اتبعتهم ~~على أهوائهم، ولا تصلح أن توافقهم وتواليهم، فإنك وإياهم متباينون، ~~وبعضهم ولي لبعض { والله ولي المتقين } يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور، بسبب تقواهم وعملهم بطاعته. ### || [45.20] # أي: { هذا } القرآن الكريم والذكر الحكيم { بصائر للناس } ~~أي: يحصل به التبصرة في جميع الأمور للناس، فيحصل به الانتفاع للمؤمنين، ~~والهدى والرحمة. { لقوم يوقنون } فيهتدون به إلى الصراط ~~المستقيم، في أصول الدين وفروعه، ويحصل به الخير والسرور، والسعادة في ~~الدنيا والآخرة، وهي الرحمة، فتزكو به نفوسهم، وتزداد به عقولهم، ويزيد ~~به إيمانهم ويقينهم، وتقوم به الحجة على من أصر وعاند. ### || [45.21] # أي: أم حسب المسيؤون المكثرون من الذنوب، المقصرون في حقوق ربهم. { أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } بأن ~~قاموا بحقوق ربهم، واجتنبوا مساخطه، ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى ~~أنفسهم؟ أي: أحسبوا أن يكونوا { سوآء } في الدنيا والآخرة؟ ساء ما ~~ظنوا وحسبوا، وساء ما حكموا به، فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين، وخير ~~العادلين، ويناقض العقول السليمة، والفطر المستقيمة، ويضاد ما نزلت به ~~الكتب، وأخبرت به الرسل، بل الحكم الواقع القطعي، أن المؤمنين العاملين ~~الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب، في العاجل والآجل، كل على ~~قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة، والعذاب والشقاء، في ~~الدنيا والآخرة. ### || [45.22] # أي: خلق الله السماوات والأرض بالحكمة، وليعبد وحده لا شريك له، ثم ~~يجازي بعد ذلك من أمرهم بعبادته، وأنعم عليم بالنعم الظاهرة والباطنة، هل ~~شكروا الله تعالى، وقاموا بالمأمور؟ أم كفروا، فاستحقوا جزاء الكفور؟ ### || [45.23-26] # يقول تعالى: { أفرأيت } الرجل الضال الذي { اتخذ إلهه ~~هواه } فما هويه سلكه، سواء كان يرضي الله أو يسخطه. { وأضله ~~الله على علم } من الله تعالى، أنه لا تليق به الهداية، ولا ~~يزكو عليها. { وختم على سمعه } فلا يسمع ما ينفعه، { ~~وقلبه } فلا يعي ms1445 الخير، { وجعل على بصره غشاوة } ~~تمنعه من نظر الحق، { فمن يهديه من بعد الله } أي: لا أحد ~~يهديه، وقد سد الله عليه أبواب الهداية، وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه ~~الله، ولكن هو الذي ظلم نفسه، وتسبب لمنع رحمة الله عليه { أفلا ~~تذكرون } ما ينفعكم فتسلكونه، وما يضركم فتجتنبونه. { وقالوا } ~~أي: منكرو البعث { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر } أي: إن هي إلا عادات، ~~وجري على رسوم الليل والنهار، يموت أناس، ويحيا أناس، وما مات فليس ~~براجع إلى الله، ولا مجازى بعمله. وقولهم هذا صادر عن غير علم { إن ~~هم إلا يظنون } فأنكروا المعاد وكذبوا الرسل الصادقين، من غير ~~دليل دلهم على ذلك ولا برهان. إن هي إلا ظنون، واستبعادات خالية عن ~~الحقيقة، ولهذا قال تعالى: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا ~~بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبآئنآ إن كنتم صادقين } وهذا جراءة منهم على الله، حيث ~~اقترحوا هذا الاقتراح، وزعموا أن صدق رسل الله متوقف على الإتيان ~~بآبائهم، وأنهم لو جاؤوهم بكل آية لم يؤمنوا، إلا إن تبعتهم الرسل على ما ~~قالوا وهم كذبة فيما قالوا، وإنما قصدهم دفع دعوة الرسل، لا بيان الحق، ~~قال تعالى: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم ~~يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } وإلا فلو وصل العلم باليوم الآخر ~~إلى قلوبهم، لعملوا له أعمالا وتهيؤوا له. ### || [45.27-37] # يخبر تعالى عن سعة ملكه، وانفراده بالتصرف والتدبير في جميع الأوقات، ~~وأنه { يوم تقوم الساعة } ويجمع الخلائق لموقف القيامة، يحصل ~~الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وكانت أعمالهم ~~باطلة، لأنها متعلقه بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين ~~به الحقائق، واضمحلت عنهم، وفاتهم الثواب، وحصلوا على أليم العقاب. ثم ~~وصف تعالى شدة يوم القيامة وهوله ليحذره العباد، ويستعد له العباد، ~~فقال: { وترى } أيها الرائي لذلك اليوم { كل أمة جاثية } ~~على ركبها خوفا وذعرا، وانتظارا لحكم الملك الرحمن. { كل أمة ~~تدعى إلى ms1446 كتابها } أي: إلى شريعة نبيهم الذي جاءهم من عند ~~الله، وهل قاموا بها فيحصل لهم الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصل لهم ~~الخسران؟ فأمة موسى يدعون إلى شريعة موسى، وأمة عيسى كذلك، وأمة محمد ~~كذلك، وهكذا غيرهم كل أمة تدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد ~~الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيح في نفسه، غير مشكوك فيه، ويحتمل أن ~~المراد بقوله: { كل أمة تدعى إلى كتابها } أي: إلى كتاب ~~أعمالها، وما سطر عليها من خير وشر، وأن كل أحد يجازى بما عمله بنفسه، ~~كقوله تعالى: # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46]. ويحتمل أن المعنيين كليهما مراد من الآية، ويدل على هذا ~~قوله: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } أي: هذا ~~كتابنا الذي أنزلنا عليكم، يفصل بينكم بالحق الذي هو العدل، { إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } فهذا كتاب الأعمال، ولهذا ~~فصل ما يفعل الله بالفريقين فقال: { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } إيمانا صحيحا، وصدقوا إيمانهم بالأعمال ~~الصالحة، من واجبات ومستحبات، { فيدخلهم ربهم في رحمته ~~} التي محلها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم، والعيش السليم، { ذلك ~~هو الفوز المبين } أي: المفاز والنجاة والربح، والفلاح الواضح ~~البين، الذي إذا حصل للعبد، حصل له كل خير، واندفع عنه كل شر. { ~~وأما الذين كفروا } بالله، فيقال لهم توبيخا وتقريعا: { ~~أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم } وقد دلتكم على ما فيه ~~صلاحكم، ونهتكم عما فيه ضرركم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم، لو وفقتم لها، ~~ولكن استكبرتم عنها، وأعرضتم، وكفرتم بها، فجنيتم أكبر جناية، وأجرمتم ~~أشد الجرم، فاليوم تجزون ما كنتم تعملون، ويوبخون أيضا بقوله: { وإذا ~~قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ~~} منكرين لذلك: { ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ~~ظنا وما نحن بمستيقنين }. فهذه حالهم في الدنيا، وحال ~~البعث الإنكار له، ورد قول من جاء به. قال تعالى: { وبدا لهم ~~سيئات ما عملوا } أي: وظهر لهم يوم القيامة عقوبات أعمالهم، { ~~وحاق بهم } أي: نزل { ما كانوا به يستهزئون } أي: ~~نزل ms1447 بهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزؤون به وبوقوعه وبمن جاء به. # { وقيل اليوم ننساكم } أي: نترككم في العذاب { كما ~~نسيتم لقآء يومكم هذا } فإن الجزاء من جنس العمل، { ~~ومأواكم النار } أي: هي مقركم ومصيركم، { وما لكم من ~~ناصرين } ينصرونكم من عذاب الله، ويدفعون عنكم عقابه. { ذلكم } ~~الذي حصل لكم من العذاب { ب } سبب { أنكم اتخذتم ءايت ~~الله هزوا } مع أنها موجبة للجد والاجتهاد، وتلقيها بالسرور ~~والاستبشار والفرح. { وغرتكم الحياة الدنيا } بزخارفها ~~ولذاتها وشهواتها، فاطمأننتم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار ~~الباقية. { فاليوم لا يخرجون منها ولا هم ~~يستعتبون } أي: ولا يمهلون، ولا يردون إلى الدنيا ليعملوا صالحا. ~~{ فلله الحمد } كما ينبغي لجلاله، وعظيم سلطانه { رب ~~السموت ورب الأرض رب العالمين } أي: له الحمد على ~~ربوبيته لسائر الخلائق، حيث خلقهم ورباهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة ~~والباطنة، { وله الكبريآء في السماوات والأرض } أي: ~~له الجلال والعظمة والمجد. فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال، ~~ومحبته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمته وجلاله، والعبادة مبنية على ~~ركنين، محبة الله، والذل له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله ~~وكبريائه. { وهو العزيز } القاهر لكل شيء، { الحكيم } الذي ~~يضع الأشياء مواضعها، فلا يشرع ما يشرعه إلا لحكمة ومصلحة، ولا يخلق ما ~~يخلقه إلا لفائدة ومنفعة. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-3] # هذا ثناء منه تعالى على كتابه العزيز وتعظيم له، وفي ضمن ذلك إرشاد ~~العباد إلى الاهتداء بنوره، والإقبال على تدبر آياته، واستخراج كنوزه. ~~ولما بين إنزال كتابه المتضمن للأمر والنهي، ذكر خلقه السماوات والأرض، ~~فجمع بين الخلق والأمر، # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] كما قال تعالى: # الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن ~~يتنزل الأمر بينهن # [الطلاق: 12] وكما قال تعالى: # ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء ~~من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون * خلق السموت والأرض بالحق # [النحل: 2-3] فالله تعالى هو الذي خلق المكلفين، وخلق مساكنهم، وسخر لهم ~~ما في السماوات وما في الأرض، ثم أرسل إليهم رسله، وأنزل ms1448 عليهم كتبه، ~~وأمرهم ونهاهم، وأخبرهم أن هذه الدار دار أعمال وممر للعمال، لا دار ~~إقامة لا يرحل عنها أهلها، وأنهم سينتقلون منها إلى دار الإقامة والقرار، ~~وموطن الخلود والدوام، وإنما أعمالهم التي عملوها في هذه الدار، سيجدون ~~ثوابها في تلك الدار كاملا موفرا. وأقام تعالى الأدلة على تلك الدار، ~~وأذاق العباد نموذجا من الثواب والعقاب العاجل، ليكون أدعى لهم إلى طلب ~~المحبوب، والهرب من المرهوب، ولهذا قال هنا: { ما خلقنا ~~السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق } أي: لا ~~عبثا ولا سدى، بل ليعرف العباد عظمة خالقهما، ويستدلوا على كماله، ~~ويعلموا أن الذي خلقهما على عظمهما، قادر على أن يعيد العباد بعد موتهم ~~للجزاء، وأن خلقهما وبقاءهما مقدر إلى { أجل مسمى }. فلما أخبر ~~بذلك - وهو أصدق القائلين وأقام الدليل، وأنار السبيل أخبر - مع ذلك - أن ~~طائفة من الخلق قد أبوا إلا إعراضا عن الحق، وصدوفا عن دعوة الرسل، ~~فقال: { والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون } وأما ~~الذين آمنوا، فلما علموا حقيقة الحال قبلوا وصايا ربهم، وتلقوها بالقبول ~~والتسليم، وقابلوها بالانقياد والتعظيم، ففازوا بكل خير، واندفع عنهم كل ~~شر. ### || [46.4-6] # أي: { قل } لهؤلاء الذين أشركوا بالله أوثانا وأندادا، لا تملك ~~نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، قل لهم - مبينا عجز ~~أوثانهم، وأنها لا تستحق شيئا من العبادة-: { أروني ماذا خلقوا ~~من الأرض أم لهم شرك في السموت } هل خلقوا من أجرام ~~السماوات والأرض شيئا؟ هل خلقوا جبالا؟ هل أجروا أنهارا؟ هل نشروا ~~حيوانا؟ هل أنبتوا أشجارا؟ هل كان منهم معاونة على خلق شيء من ذلك؟ لا ~~شيء من ذلك، بإقرارهم على أنفسهم، فضلا عن غيرهم، فهذا دليل عقلي قاطع ~~على أن كل من سوى الله، فعبادته باطلة. ثم ذكر انتفاء الدليل النقلي، ~~فقال: { ائتوني بكتاب من قبل هذآ } الكتاب يدعو إلى ~~الشرك، { أو أثارة من علم } موروث عن الرسل يأمر بذلك. من ~~المعلوم أنهم عاجزون أن يأتوا عن أحد من الرسل بدليل يدل على ذلك، بل ~~نجزم ونتيقن أن جميع ms1449 الرسل دعوا إلى توحيد ربهم، ونهوا عن الشرك به، وهي ~~أعظم ما يؤثر عنهم من العلم، قال تعالى: # ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ~~الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36] وكل رسول قال لقومه: # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره # [الأعراف: 59] فعلم أن جدال المشركين في شركهم، غير مستندين فيه على ~~برهان ولا دليل، وإنما اعتمدوا على ظنون كاذبة، وآراء كاسدة، وعقول ~~فاسدة. يدلك على فسادها استقراء أحوالهم، وتتبع علومهم وأعمالهم، ~~والنظر في حال من أفنوا أعمارهم بعبادته، هل أفادهم شيئا في الدنيا أو ~~في الآخرة؟ ولهذا قال تعالى: { ومن أضل ممن يدعوا من ~~دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة } ~~أي: مدة مقامه في الدنيا، لا ينتفع به بمثقال ذرة، { وهم عن ~~دعآئهم غافلون } لا يسمعون منهم دعاء، ولا يجيبون لهم نداء، هذا ~~حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم. { وإذا حشر الناس ~~كانوا لهم أعدآء } يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض { ~~وكانوا بعبادتهم كافرين }. ### || [46.7-10] # أي: وإذا تتلى على المكذبين { آياتنا بينات } بحيث تكون على وجه ~~لا يمترى بها، ولا يشك في وقوعها وحقها، لم تفدهم خيرا، بل قامت عليهم ~~بذلك الحجة، ويقولون من إفكهم وافترائهم { للحق لما جآءهم ~~هذا سحر مبين } أي: ظاهر لا شك فيه، وهذا من باب قلب الحقائق، ~~الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول، وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وبين السحر من المنافاة والمخالفة، أعظم مما بين ~~السماء والأرض، وكيف يقاس الحق - الذي علا وارتفع ارتفاعا على الأفلاك، ~~وفاق بضوئه ونوره نور الشمس، وقامت الأدلة الأفقية والنفسية عليه، وأقرت ~~به وأذعنت أولو البصائر والعقول الرزينة - بالباطل الذي هو السحر الذي لا ~~يصدر إلا من ضال ظالم خبيث النفس، خبيث العمل؟! فهو مناسب له وموافق ~~لحاله، وهل هذا إلا من البهرجة؟ { أم يقولون افتراه } أي: ~~افترى محمد هذا القرآن من عند نفسه، فليس هو من عند الله. { قل } لهم: ~~{ إن افتريته } فالله علي قادر ms1450 وبما تفيضون فيه عالم، فكيف لم ~~يعاقبني على افترائي الذي زعمتم؟ فهل { تملكون لي من الله ~~شيئا } إن أرادني الله بضر، أو أرادني برحمة { كفى به شهيدا ~~بيني وبينكم } فلو كنت متقولا عليه، لأخذ مني باليمين، ~~ولعاقبني عقابا يراه كل أحد، لأن هذا أعظم أنواع الافتراء لو كنت ~~متقولا، ثم دعاهم إلى التوبة مع ما صدر منهم من معاندة الحق ومخاصمته، ~~فقال: { وهو الغفور الرحيم } أي: فتوبوا إليه، وأقلعوا عما ~~أنتم فيه، يغفر لكم ذنوبكم، ويرحمكم، فيوفقكم للخير، ويثيبكم جزيل الأجر. ~~{ قل ما كنت بدعا من الرسل } أي: لست بأول رسول جاءكم، ~~حتى تستغربوا رسالتي وتستنكروا دعوتي، فقد تقدم من الرسل والأنبياء من ~~وافقت دعوتي دعوتهم، فلأي شيء تنكر رسالتي؟ { ومآ أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم } أي: لست إلا بشرا، ليس بيدي من الأمر شيء، والله ~~تعالى هو المتصرف بي وبكم، الحاكم علي وعليكم، ولست الآتي بالشيء من ~~عندي، { ومآ أنا إلا نذير مبين } فإن قبلتم رسالتي، ~~وأجبتم دعوتي، فهو حظكم ونصيبكم في الدنيا والآخرة، وإن رددتم ذلك علي ~~فحسابكم على الله، وقد أنذرتكم، ومن أنذر فقد أعذر. { قل أرأيتم ~~إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم } أي: ~~أخبروني، لو كان هذا القرآن من عند الله، وشهد على صحته الموفقون من أهل ~~الكتاب، الذين عندهم من الحق ما يعرفون أنه الحق، فآمنوا به واهتدوا، ~~فتطابقت أنباء الأنبياء وأتباعهم النبلاء، واستكبرتم أيها الجهلاء ~~الأغبياء، فهل هذا إلا أعظم الظلم وأشد الكفر؟ { إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين } ومن الظلم الاستكبار عن الحق بعد ~~التمكن منه. ### || [46.11-12] # أي: قال الكفار بالحق معاندين له، ورادين لدعوته: { آمنوا لو ~~كان خيرا ما سبقونآ إليه } أي: ما سبقنا إليه المؤمنون، ~~أي: لكنا أول مبادر به، وسابق إليه، وهذا من البهرجة في مكان، فأي دليل ~~يدل على أن علامة الحق سبق المكذبين به للمؤمنين؟ هل هم أزكى نفوسا؟ أم ~~أكمل عقولا؟ أم الهدى بأيديهم؟ ولكن هذا ms1451 الكلام الذي صدر منهم، ~~يعزون به أنفسهم بمنزلة من لم يقدر على الشيء، ثم طفق يذمه، ولهذا ~~قال: { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك ~~قديم } أي: هذا السبب الذي دعاهم إليه، أنهم لما لم يهتدوا بهذا ~~القرآن، وفاتهم أعظم المواهب، وأجل الرغائب، قدحوا فيه بأنه كذب، وهو ~~الحق الذي لا شك فيه، ولا امتراء يعتريه، الذي قد وافق الكتب السماوية ~~خصوصا، أكملها وأفضلها بعد القرآن، وهي التوراة التي أنزلها الله على ~~موسى { إماما ورحمة } أي: يقتدي بها بنو إسرائيل، ويهتدون بها، ~~فيحصل لهم خير الدنيا والآخرة. { وهذا } القرآن { كتاب ~~مصدق } للكتب السابقة، شهد بصدقها، وصدقها، بموافقته لها، وجعله ~~الله { لسانا عربيا } ليسهل تناوله، ويتيسر تذكره، { ~~لينذر الذين ظلموا } أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان، إن ~~استمروا على ظلمهم بالعذاب الوبيل، ويبشر المحسنين في عبادة الخالق، وفي ~~نفع المخلوقين، بالثواب الجزيل، في الدنيا والآخرة، ويذكر الأعمال التي ~~ينذر عنها والأعمال التي يبشر بها. ### || [46.13-14] # أي: إن الذين أقروا بربهم، وشهدوا له بالوحدانية، والتزموا طاعته وداموا ~~على ذلك، و { استقاموا } مدة حياتهم { فلا خوف عليهم } من ~~كل شر أمامهم، { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا وراءهم، { ~~أولئك أصحاب الجنة } أي: أهلها الملازمون لها، الذين لا ~~يبغون عنها حولا، ولا يريدون بها بدلا، { خالدين فيها جزآء ~~بما كانوا يعملون } من الإيمان بالله، المقتضي للأعمال الصالحة ~~التي استقاموا عليها. ### || [46.15-16] # هذا من لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين، أن وصى الأولاد وعهد إليهم ~~أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف، والكلام اللين، وبذل المال ~~والنفقة، وغير ذلك من وجوه الإحسان. ثم نبه على ذكر السبب الموجب لذلك، ~~فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثم مشقة ~~ولادتها المشقة الكبيرة، ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات ~~مدة يسيرة، ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها { ثلثون ~~شهرا } للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع، هذا هو الغالب. ~~ويستدل بهذه الآية مع قوله: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233] أن أقل مدة الحمل ms1452 ستة أشهر، لأن مدة الرضاع - وهي سنتان - ~~إذا سقطت من الثلاثين شهرا، بقي ستة أشهر، مدة للحمل { حتى إذا ~~بلغ أشده } أي: نهاية قوته وشبابه، وكمال عقله، { وبلغ ~~أربعين سنة قال رب أوزعني } أي: ألهمني ووفقني { أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي } ~~أي: نعم الدين، ونعم الدنيا، وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ~~ومقابلته منته، بالاعتراف والعجز عن الشكر، والاجتهاد في الثناء بها ~~على الله، والنعم على الوالدين، نعم على أولادهم وذريتهم، لأنهم لا ~~بد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصا نعم الدين، فإن صلاح ~~الوالدين بالعلم والعمل، من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم. { وأن ~~أعمل صلحا ترضه } بأن يكون جامعا لما يصلحه، سالما مما ~~يفسده، فهذا العمل الذي يرضاه الله ويقبله، ويثيب عليه. { وأصلح لي ~~في ذريتي } لما دعا لنفسه بالصلاح، دعا لذريته أن يصلح الله ~~أحوالهم، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله: { وأصلح لي ~~}. { إني تبت إليك } من الذنوب والمعاصي، ورجعت إلى طاعتك { ~~وإني من المسلمين }. { أولئك } الذين ذكرت أوصافهم { ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا } وهو الطاعات، ~~لأنهم يعملون أيضا غيرها. { ونتجاوز عن سيئاتهم } في ~~جملة { أصحاب الجنة } فحصل لهم الخير والمحبوب، وزال عنهم الشر ~~والمكروه. { وعد الصدق الذي كانوا يوعدون } أي: هذا ~~الوعد الذي وعدناهم هو وعد صادق من أصدق القائلين، الذي لا يخلف ~~الميعاد. ### || [46.17-19] # لما ذكر تعالى حال الصالح البار لوالديه، ذكر حالة العاق، وأنها شر ~~الحالات، فقال: { والذي قال لوالديه } إذ دعواه إلى الإيمان ~~بالله واليوم الآخر، وخوفاه الجزاء. وهذا أعظم إحسان يصدر من الوالدين ~~لولدهما، أن يدعواه إلى ما فيه سعادته الأبدية، وفلاحه السرمدي، فقابلهما ~~بأقبح مقابلة، فقال: { أف لكمآ } أي: تبا لكما، ولما جئتما به. ~~ثم ذكر وجه استبعاده وإنكاره لذلك فقال: { أتعدانني أن أخرج ~~} من قبري إلى يوم القيامة { وقد خلت القرون من قبلي } على ~~التكذيب، وسلفوا على الكفر، وهم الأئمة المقتدى بهم، لكل كفور وجهول ~~ومعاند؟ { وهما } أي: والداه { يستغيثان الله } عليه، ~~ويقولان له: ms1453 { ويلك آمن } أي: يبذلان غاية جهدهما، ويسعيان في ~~هدايته أشد السعي، حتى إنهما - من حرصهما عليه - أنهما يستغيثان الله له، ~~استغاثة الغريق، ويسألانه سؤال الشريق، ويعذلان ولدهما، ويتوجعان له، ~~ويبينان له الحق، فيقولان: { إن وعد الله حق } ثم يقيمان ~~عليه من الأدلة ما أمكنهما، وولدهما لا يزداد إلا عتوا ونفورا، ~~واستكبارا عن الحق وقدحا فيه، { فيقول ما هذآ إلا ~~أساطير الأولين } أي: إلا منقول من كتب المتقدمين، ليس من عند ~~الله، ولا أوحاه الله إلى رسوله، وكل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولا تعلم من أحد، فمن أين يتعلمه؟ ~~وأنى للخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟ { ~~أولئك الذين } بهذه الحالة الذميمة { حق عليهم ~~القول } أي: حقت عليهم كلمة العذاب { في } جملة { أمم قد ~~خلت من قبلهم من الجن والإنس } على الكفر والتكذيب، ~~فسيدخل هؤلاء في غمارهم، وسيغرقون في تيارهم. { إنهم كانوا ~~خاسرين } والخسران فوات رأس مال الإنسان، وإذا فقد رأس ماله، ~~فالأرباح من باب أولى وأحرى، فهم قد فاتهم الإيمان، ولم يحصلوا على شيء ~~من النعيم، ولا سلموا من عذاب الجحيم. { ولكل } من أهل الخير وأهل ~~الشر { درجت مما عملوا } أي: كل على حسب مرتبته من الخير ~~والشر، ومنازلهم في الدار الآخرة على قدر أعمالهم، ولهذا قال: { ~~وليوفيهم أعملهم وهم لا يظلمون } بأن لا يزاد ~~في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. ### || [46.20] # يذكر تعالى حال الكفار عند عرضهم على النار حين يوبخون ويقرعون، فيقال ~~لهم: { أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا } حيث ~~اطمأننتم إلى الدنيا، واغتررتم بلذاتها، ورضيتم بشهواتها، وألهتكم ~~طيباتها عن السعي لآخرتكم، وتمتعتم تمتع الأنعام السارحة فهي حظكم من ~~آخرتكم، { فاليوم تجزون عذاب الهون } أي: العذاب الشديد، ~~الذي يهينكم ويفضحكم بما كنتم تقولون على الله غير الحق، أي: تنسبون ~~الطريق الضالة التي أنتم عليها إلى الله، وإلى حكمه، وأنتم كذبة في ذلك، ~~{ وبما كنتم تفسقون } أي: تتكبرون عن طاعته، فجمعوا بين قول ~~الباطل، والعمل بالباطل، والكذب ms1454 على الله بنسبته إلى رضاه، والقدح في ~~الحق، والاستكبار عنه، فعوقبوا أشد العقوبة. ### || [46.21-26] # { واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف } إلى آخر ~~القصة أي: { واذكر } بالثناء الجميل { أخا عاد } وهو هود عليه ~~السلام، حيث كان من الرسل الكرام، الذين فضلهم الله تعالى بالدعوة إلى ~~دينه، وإرشاد الخلق إليه. { إذ أنذر قومه } وهم عاد { ~~بالأحقاف } أي: في منازلهم المعروفة بالأحقاف، وهي: الرمال الكثيرة ~~في أرض اليمن. { وقد خلت النذر من بين يديه ومن ~~خلفه } فلم يكن بدعا منهم ولا مخالفا لهم، قائلا لهم: { ألا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم }. فأمرهم بعبادة الله، الجامعة لكل قول سديد وعمل حميد، ونهاهم ~~عن الشرك والتنديد، وخوفهم - إن لم يطيعوه - العذاب الشديد، فلم تفد ~~فيهم تلك الدعوة. { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا ~~} أي: ليس لك من القصد، ولا معك من الحق، إلا أنك حسدتنا على آلهتنا، ~~فأردت أن تصرفنا عنها. { فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين } وهذا غاية الجهل والعناد. { قال إنما العلم ~~عند الله } فهو الذي بيده أزمة الأمور ومقاليدها، وهو الذي يأتيكم ~~بالعذاب إن شاء. { وأبلغكم مآ أرسلت به } أي: ليس علي ~~إلا البلاغ المبين، { ولكني أراكم قوما تجهلون } ~~فلذلك صدر منكم ما صدر من هذه الجرأة الشديدة، فأرسل الله عليهم العذاب ~~العظيم، وهو الريح التي دمرتهم وأهلكتهم، ولهذا قال: { فلما رأوه ~~} أي: العذاب { عارضا مستقبل أوديتهم } أي: معترضا ~~كالسحاب، قد أقبل على أوديتهم التي تسيل، فتسقي نوابتهم، ويشربون من ~~آبارها وغدرانها. { قالوا } مستبشرين: { هذا عارض ~~ممطرنا } أي: هذا السحاب سيمطرنا. قال تعالى: { بل هو ما ~~استعجلتم به } أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم، حيث قلتم: { ~~فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين } { ريح ~~فيها عذاب أليم } { تدمر كل شيء } تمر عليه من شدتها ~~ونحسها. فسلطها الله عليهم # سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم ~~فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7] [ { بأمر ربها } أي: بإذنه ومشيئته]. { ~~فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم } قد تلفت مواشيهم ~~وأموالهم ms1455 وأنفسهم. { كذلك نجزي القوم المجرمين } بسبب ~~جرمهم وظلمهم، هذا مع أن الله تعالى قد أدر عليهم النعم العظيمة، فلم ~~يشكروه، ولا ذكروه، ولهذا قال: { ولقد مكناهم فيمآ إن ~~مكناكم فيه } أي: مكناهم في الأرض يتناولون طيباتها، ويتمتعون ~~بشهواتها، وعمرناهم عمرا، يتذكر فيه من تذكر، ويتعظ فيه المهتدي، أي: ~~ولقد مكنا عادا كما مكناكم يا هؤلاء المخاطبون، أي: فلا تحسبوا أن ما ~~مكناكم فيه مختص بكم، وأنه سيدفع عنكم من عذاب الله شيئا، بل غيركم أعظم ~~منكم تمكينا، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جنودهم من الله ~~شيئا. { وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة } أي: لا ~~قصور في أسماعهم ولا أبصارهم ولا أذهانهم، حتى يقال إنهم تركوا الحق ~~جهلا منهم، وعدم تمكن من العلم به، ولا خلل في عقولهم، ولكن التوفيق بيد ~~الله. { فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء } لا قليل ولا كثير، وذلك بسبب أنهم { ~~يجحدون بآيات الله } الدالة على توحيده وإفراده بالعبادة. { ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } أي: نزل بهم العذاب ~~الذي يكذبون بوقوعه، ويستهزؤون بالرسل الذين حذروهم منه. ### || [46.27-28] # يحذر تعالى مشركي العرب وغيرهم، بإهلاك الأمم المكذبين، الذين هم حول ~~ديارهم، بل كثير منهم في جزيرة العرب، كعاد وثمود ونحوهم، وأن الله تعالى ~~صرف لهم الآيات، أي: نوعها من كل وجه، { لعلهم يرجعون } ~~عما هم عليه من الكفر والتكذيب، فلما لم يؤمنوا، أخذهم الله أخذ عزيز ~~مقتدر، ولم تنفعهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء، ولهذا قال هنا: ~~{ فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة } أي: يتقربون إليهم، ويتألهونهم لرجاء نفعهم. { بل ~~ضلوا عنهم } فلم يجيبوهم، ولا دفعوا عنهم، { وذلك إفكهم ~~وما كانوا يفترون } من الكذب، الذي يمنون به أنفسهم، حيث ~~يزعمون أنهم على الحق، وأن أعمالهم ستنفعهم، فضلت وبطلت. ### || [46.29-32] # كان الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، ~~إنسهم وجنهم، وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة. فالإنس، ~~يمكنه عليه الصلاة ms1456 والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن، فصرفهم الله إليه ~~بقدرته، وأرسل إليه { نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~فلما حضروه قالوا أنصتوا } أي: وصى بعضهم بعضا بذلك، ~~{ فلما قضي } وقد وعوه، وأثر ذلك فيهم { ولوا إلى ~~قومهم منذرين } نصحا منهم لهم، وإقامة لحجة الله عليهم، وقيضهم ~~الله معونة لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن. { قالوا ~~يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى } لأن ~~كتاب موسى أصل للإنجيل، وعمدة لبني إسرائيل في أحكام الشرع، وإنما ~~الإنجيل متمم ومكمل ومغير لبعض الأحكام. { مصدقا لما بين ~~يديه يهدي } هذا الكتاب الذي سمعناه { إلى الحق } وهو ~~الصواب في كل مطلوب وخبر، { وإلى طريق مستقيم } موصل إلى ~~الله، وإلى جنته، من العلم بالله، وبأحكامه الدينية، وأحكام الجزاء. فلما ~~مدحوا القرآن وبينوا محله ومرتبته، دعوهم إلى الإيمان به، فقالوا: { ~~يقومنآ أجيبوا داعي الله } أي: الذي لا يدعو إلا إلى ربه، ~~لا يدعوكم إلى غرض من أغراضه ولا هوى، وإنما يدعوكم إلى ربكم، ليثيبكم، ~~ويزيل عنكم كل شر ومكروه، ولهذا قالوا: { يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } وإذا أجارهم من العذاب ~~الأليم، فما ثم بعد ذلك إلا النعيم، فهذا جزاء من أجاب داعي الله. { ~~ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض } ~~فإن الله على كل شيء قدير، فلا يفوته هارب، ولا يغالبه مغالب. { وليس ~~له من دونه أوليآء أولئك في ضلال مبين } وأي ~~ضلال أبلغ من ضلال من نادته الرسل، ووصلت إليه النذر بالآيات البينات، ~~والحجج المتواترات، فأعرض واستكبر؟!! ### || [46.33] # هذا استدلال منه تعالى على الإعادة بعد الموت، بما هو أبلغ منها، وهو ~~أنه الذي خلق السماوات والأرض، على عظمهما وسعتهما وإتقان خلقهما، من ~~دون أن يكترث بذلك، ولم يعي بخلقهن فكيف تعجزه إعادتكم بعد موتكم، وهو ~~على كل شيء قدير؟!! ### || [46.34-35] # يخبر تعالى عن حال الكفار الفظيعة عند عرضهم على النار التي كانوا ~~يكذبون بها، وأنهم يوبخون، ويقال لهم: { أليس هذا بالحق } ~~فقد حضرتموه وشاهدتموه عيانا؟ { قالوا بلى وربنا ms1457 } فاعترفوا ~~بذنبهم وتبين كذبهم { قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون } أي: عذابا لازما دائما، كما كان كفركم صفة لازمة. ثم ~~أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال ~~داعيا لهم إلى الله، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين، سادات ~~الخلق، أولي العزائم والهمم العالية، الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم ~~أحق الخلق بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء بمنارهم. فامتثل صلى ~~الله عليه وسلم لأمر ربه، فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله، حتى رماه ~~المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى الله، ~~وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل ~~صادعا بأمر الله، مقيما على جهاد أعداء الله، صابرا على ما يناله من ~~الأذى، حتى مكن الله له في الأرض، وأظهر دينه على سائر الأديان، وأمته ~~على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليما. وقوله: { ولا تستعجل ~~لهم } أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب، فإن هذا من جهلهم ~~وحمقهم، فلا يستخفنك بجهلهم، ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على ~~أن تدعو الله عليهم بذلك، فإن كل ما هو آت قريب، و { كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا } في الدنيا { إلا ساعة ~~من نهار } فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل. ~~{ بلاغ } أي: هذه الدنيا، متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة، ودفع ~~وقت حاضر قليل. أو هذا القرآن العظيم، الذي بينا لكم فيه البيان ~~التام، بلاغ لكم، وزاد إلى الدار الآخرة، ونعم الزاد والبلغة، زاد يوصل ~~إلى دار النعيم، ويعصم من العذاب الأليم، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق، ~~وأجل نعمة أنعم الله بها عليهم. { فهل يهلك } بالعقوبات { إلا ~~القوم الفاسقون } أي: الذين لا خير فيهم، وقد خرجوا عن طاعة ~~ربهم، ولم يقبلوا الحق الذي جاءتهم به الرسل. وأعذر الله لهم وأنذرهم، ~~فبعد ذلك إذ يستمرون على تكذيبهم وكفرهم، نسأل الله العصمة. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # هذه الآيات مشتملات على ذكر ثواب المؤمنين وعقاب العاصين، والسبب في ~~ذلك، ms1458 ودعوة الخلق إلى الاعتبار بذلك، فقال: { الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله } وهؤلاء رؤساء الكفر، وأئمة الضلال، ~~الذين جمعوا بين الكفر بالله وآياته، والصد لأنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، ~~التي هي الإيمان بما دعت إليه الرسل واتباعه. فهؤلاء { أضل } الله { ~~أعملهم } أي: أبطلها وأشقاهم بسببها، وهذا يشمل أعمالهم التي ~~عملوها ليكيدوا بها الحق وأولياء الله، أن الله جعل كيدهم في نحورهم، فلم ~~يدركوا مما قصدوا شيئا، وأعمالهم التي يرجون أن يثابوا عليها، أن الله ~~سيحبطها عليهم، والسبب في ذلك أنهم اتبعوا الباطل، وهو كل غاية لا يراد ~~بها وجه الله من عبادة الأصنام والأوثان، والأعمال التي في نصر الباطل ~~لما كانت باطلة، كانت الأعمال لأجلها باطلة. وأما { والذين آمنوا ~~} بما أنزل الله على رسله عموما، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، ~~{ وعملوا الصالحات } بأن قاموا بما عليهم من حقوق الله، وحقوق ~~العباد الواجبة والمستحبة. { كفر } الله { عنهم سيئاتهم } ~~صغارها وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة. { ~~وأصلح بالهم } أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ~~ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: { ~~اتبعوا الحق } الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا ~~القرآن العظيم، الصادر { من ربهم } الذي رباهم بنعمته، ودبرهم ~~بلطفه فرباهم تعالى بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم، فلما كانت الغاية ~~المقصودة لهم، متعلقة بالحق المنسوب إلى الله الباقي الحق المبين، كانت ~~الوسيلة صالحة باقية، باقيا ثوابها. { كذلك يضرب الله ~~للناس أمثالهم } حيث بين لهم تعالى أهل الخير وأهل الشر، ~~وذكر لكل منهم صفة يعرفون بها ويتميزون # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. ### || [47.4-6] # يقول تعالى - مرشدا عباده إلى ما فيه صلاحهم، ونصرهم على أعدائهم -: { ~~فإذا لقيتم الذين كفروا } في الحرب والقتال، فاصدقوهم ~~القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى تثخنوهم وتكسروا شوكتهم وتبطلوا ~~شرتهم، فإذا فعلتم ذلك، ورأيتم الأسر أولى وأصلح، { فشدوا ~~الوثاق } أي: الرباط، وهذا احتياط لأسرهم لئلا يهربوا، فإذا شد منهم ~~الوثاق اطمأن المسلمون من هربهم ومن شرهم، ms1459 فإذا كانوا تحت أسركم، فأنتم ~~بالخيار بين المن عليهم، وإطلاقهم بلا مال ولا فداء، وإما أن تفدوهم بأن ~~لا تطلقوهم حتى يشتروا أنفسهم، أو يشتريهم أصحابهم بمال، أو بأسير مسلم ~~عندهم. وهذا الأمر مستمر { حتى تضع الحرب أوزارها } أي: ~~حتى لا يبقى حرب، وتبقون في المسألة والمهادنة، فإن لكل مقام مقالا، ~~ولكل حال حكما، فالحال المتقدمة، إنما هي إذا كان قتال وحرب. فإذا كان ~~في بعض الأوقات، لا حرب فيه لسبب من الأسباب، فلا قتل ولا أسر. { ذلك ~~} الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم، ~~وانتصار بعضهم على بعض { ولو يشآء الله لانتصر منهم } ~~فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد ~~أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم. { ولكن ليبلوا بعضكم ~~ببعض } ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك أحوال العباد، الصادق من ~~الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن بصيرة، لا إيمانا مبنيا على ~~متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند ~~المحن والبلايا. { والذين قتلوا في سبيل الله } لهم ثواب ~~جزيل، وأجر جميل، وهم الذين قاتلوا من أمروا بقتالهم، لتكون كلمة الله هي ~~العليا. فهؤلاء لن يضل الله أعمالهم، أي: لن يحبطها ويبطلها، بل يتقبلها ~~وينميها لهم، ويظهر من أعمالهم نتائجها، في الدنيا والآخرة. { ~~سيهديهم } إلى سلوك الطريق الموصلة إلى الجنة، { ويصلح ~~بالهم } أي: حالهم وأمورهم، وثوابهم يكون صالحا كاملا لا نكد فيه ~~ولا تنغيص بوجه من الوجوه. { ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم } أي: عرفها أولا، بأن شوقهم إليها، ونعتها لهم، وذكر لهم ~~الأعمال الموصلة إليها، التي من جملتها القتل في سبيله، ووفقهم للقيام ~~بما أمرهم به ورغبهم فيه، ثم إذا دخلوا الجنة، عرفهم منازلهم، وما ~~احتوت عليه من النعيم المقيم، والعيش السليم. ### || [47.7-9] # هذا أمر منه تعالى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة ~~إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم ~~الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ~~ويصبر أجسامهم ms1460 على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق ~~الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب ~~النصر، من الثبات وغيره. وأما الذين كفروا بربهم، ونصروا الباطل، فإنهم ~~في تعس، أي: انتكاس من أمرهم وخذلان. { وأضل أعمالهم } أي: ~~أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم، وبطلت أعمالهم ~~التي يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله. ذلك الإضلال والتعس للذين كفروا، ~~بسبب أنهم { كرهوا مآ أنزل الله } من القرآن الذي أنزله الله، ~~صلاحا للعباد، وفلاحا لهم، فلم يقبلوه، بل أبغضوه وكرهوه، { فأحبط ~~أعملهم }. ### || [47.10-11] # أي: أفلا يسير هؤلاء المكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم، { ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } فإنهم ~~لا يجدون عاقبتهم إلا شر العواقب، فإنهم لا يلتفتون يمنة ولا يسرة إلا ~~وجدوا ما حولهم، قد بادوا وهلكوا، واستأصلهم التكذيب والكفر، فخمدوا، ~~ودمر الله عليهم أموالهم وديارهم، بل دمر أعمالهم ومكرهم، وللكافرين في ~~كل زمان ومكان، أمثال هذه العواقب الوخيمة، والعقوبات الذميمة. وأما ~~المؤمنون، فإن الله تعالى ينجيهم من العذاب، ويجزل لهم كثير الثواب. { ~~ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } فتولاهم برحمته، ~~فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وتولى جزاءهم ونصرهم، { وأن ~~الكافرين } بالله تعالى، حيث قطعوا عنهم ولاية الله، وسدوا على ~~أنفسهم رحمته { لا مولى لهم } يهديهم إلى سبل السلام، ولا ينجيهم ~~من عذاب الله وعقابه، بل أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى ~~الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ### || [47.12] # لما ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين، ذكر ما يفعل بهم في الآخرة، من دخول ~~الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار، التي تسقي تلك البساتين الزاهرة، ~~والأشجار الناظرة المثمرة، لكل زوج بهيج، وكل فاكهة لذيذة. ولما ذكر أن ~~الكافرين لا مولى لهم، ذكر أنهم وكلوا إلى أنفسهم، فلم يتصفوا بصفات ~~المروءة، ولا الصفات الإنسانية، بل نزلوا عنها دركات، وصاروا كالأنعام، ~~التي لا عقل لها ولا فضل، بل جل همهم ومقصدهم التمتع بلذات الدنيا ~~وشهواتها، فترى حركاتهم الظاهرة والباطنة دائرة حولها، غير متعدية ms1461 لها ~~إلى ما فيه الخير والسعادة، ولهذا كانت النار مثوى لهم، أي: منزلا ~~معدا، لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم من عذابها. ### || [47.13] # أي: وكم من قرية من قرى المكذبين، هي أشد قوة من قريتك، في الأموال ~~والأولاد والأعوان، والأبنية والآلات. { أهلكناهم } حين كذبوا ~~رسلنا، ولم تفد فيهم المواعظ، فلا نجد لهم ناصرا، ولم تغن عنهم قوتهم من ~~عذاب الله شيئا. فكيف حال هؤلاء الضعفاء، أهل قريتك، إذ أخرجوك عن وطنك ~~وكذبوك، وعادوك، وأنت أفضل المرسلين، وخير الأولين والآخرين؟! أليسوا ~~بأحق من غيرهم بالإهلاك والعقوبة، لولا أن الله تعالى بعث رسوله بالرحمة ~~والتأني بكل كافر وجاحد؟ ### || [47.14] # أي: لا يستوي من هو على بصيرة من أمر دينه، علما وعملا، قد علم الحق ~~واتبعه، ورجا ما وعده الله لأهل الحق، كمن هو أعمى القلب، قد رفض الحق ~~وأضله، واتبع هواه بغير هدى من الله، ومع ذلك، يرى أن ما هو عليه من ~~الحق، فما أبعد الفرق بين الفريقين! وما أعظم التفاوت بين الطائفتين، أهل ~~الحق وأهل الغي!. ### || [47.15] # أي: مثل الجنة التي أعدها الله لعباده، الذين اتقوا سخطه، واتبعوا ~~رضوانه، أي: نعتها وصفتها الجميلة. { فيهآ أنهار من مآء ~~غير ءاسن } أي: غير متغير، لا بوخم ولا بريح منتنة، ولا بمرارة، ~~ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحا، وألذها شربا. { ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } بحموضة ولا ~~غيرها، { طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين } ~~أي: يلتذ به شاربه لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا الذي يكره مذاقه ويصدع ~~الرأس، ويغول العقل. { وأنهار من عسل مصفى } من شمعه، ~~وسائر أوساخه. { ولهم فيها من كل الثمرات } من نخيل، ~~وعنب، وتفاح، ورمان، وأترج، وتين، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا، ~~فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم. ثم قال: { ومغفرة من ~~ربهم } يزول بها عنهم المرهوب، فأي هؤلاء خير أم من هو خالد في ~~النار التي اشتد حرها، وتضاعف عذابها، { وسقوا } فيها { مآء ~~حميما } أي: حارا جدا، { فقطع أمعآءهم } فسبحان من فاوت ms1462 ~~بين الدارين والجزاءين، والعاملين والعملين. ### || [47.16-17] # يقول تعالى: ومن المنافقين { من يستمع إليك } ما تقول ~~استماعا، لا عن قبول وانقياد، بل معرضة قلوبهم عنه، ولهذا قال: { ~~حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم } مستفهمين عما قلت، وما سمعوا، مما لم يكن لهم فيه رغبة { ~~ماذا قال آنفا } أي: قريبا، وهذا في غاية الذم لهم، فإنهم لو ~~كانوا حريصين على الخير لألقوا إليه أسماعهم، ووعته قلوبهم، وانقادت له ~~جوارحهم، ولكنهم بعكس هذه الحال، ولهذا قال: { أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم } أي: ختم عليها، وسد أبواب الخير ~~التي تصل إليها بسبب اتباعهم أهواءهم، التي لا يهوون فيها إلا الباطل. ثم ~~بين حال المهتدين، فقال: { والذين اهتدوا } بالإيمان ~~والانقياد، واتباع ما يرضي الله { زادهم هدى } شكرا منه تعالى لهم ~~على ذلك، { وآتاهم تقواهم } أي: وفقهم للخير، وحفظهم من الشر، ~~فذكر للمهتدين جزاءين: العلم النافع، والعمل الصالح. ### || [47.18] # أي: فهل ينظر هؤلاء المكذبون أو ينتظرون { إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة } أي: فجأة، وهم لا يشعرون { فقد جآء ~~أشراطها } أي: علاماتها الدالة على قربها. { فأنى لهم إذا ~~جآءتهم ذكرهم } أي: من أين لهم، إذا جاءتهم الساعة وانقطعت ~~آجالهم أن يتذكروا ويستعتبوا؟ قد فات ذلك، وذهب وقت التذكر، فقد عمروا ما ~~يتذكر فيه من تذكر، وجاءهم النذير. ففي هذا الحث على الاستعداد قبل ~~مفاجأة الموت، فإن موت الإنسان قيام ساعته. ### || [47.19] # العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه ~~أن يعمل بمقتضاه. وهذا العلم الذي أمر الله به - وهو العلم بتوحيد الله - ~~فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ~~ذلك. والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا هو أمور: أحدها بل أعظمها: تدبر ~~أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلالته، فإنها توجب بذل ~~الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال ~~وجمال. الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك ~~أنه ms1463 المنفرد بالألوهية. الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة ~~والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته، ~~والتأله له وحده لا شريك له. الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه ~~القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين ~~به، فإن هذا داع إلى العلم، بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها. ~~الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، ~~وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها ~~نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا ينصرون من عبدهم، ~~ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب ~~العلم بأنه لا إله إلا هو وبطلان إلهية ما سواه. السادس: اتفاق كتب الله ~~على ذلك، وتواطؤها عليه. السابع: أن خواص الخلق، الذين هم أكمل الخليقة ~~أخلاقا وعقولا، ورأيا وصوابا، وعلما - وهم الرسل والأنبياء والعلماء ~~الربانيون - قد شهدوا لله بذلك. الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية ~~والنفسية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما ~~أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه. فهذه الطرق التي أكثر ~~الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله، وأبداها في كتابه ~~وأعادها عند تأمل العبد في بعضها، لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك، ~~فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت، وقامت أدلة التوحيد من كل جانب، فهناك ~~يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد، بحيث يكون كالجبال الرواسي، لا ~~تزلزله الشبه والخيالات، ولا يزداد - على تكرر الباطل والشبه- إلا نموا ~~وكمالا. هذا، وإن نظرت إلى الدليل العظيم، والأمر الكبير - وهو تدبر هذا ~~القرآن العظيم، والتأمل في آياته - فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ~~ويحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصل في غيره. وقوله: { واستغفر ~~لذنبك } أي: اطلب من الله المغفرة لذنبك، بأن تفعل أسباب المغفرة من ~~التوبة والدعاء بالمغفرة، والحسنات الماحية، وترك الذنوب والعفو عن ~~الجرائم. # { و } استغفر أيضا { للمؤمنين والمؤمنات } فإنهم - بسبب ms1464 ~~إيمانهم - كان لهم حق على كل مسلم ومسلمة. ومن جملة حقوقهم أن يدعو لهم ~~ويستغفر لذنوبهم، وإذا كان مأمورا بالاستغفار لهم المتضمن لإزالة الذنوب ~~وعقوباتها عنهم، فإن من لوازم ذلك النصح لهم، وأن يحب لهم من الخير ما ~~يحب لنفسه، ويكره لهم من الشر ما يكره لنفسه، ويأمرهم بما فيه الخير لهم، ~~وينهاهم عما فيه ضررهم، ويعفو عن مساويهم ومعايبهم، ويحرص على اجتماعهم ~~اجتماعا تتألف به قلوبهم، ويزول ما بينهم من الأحقاد المفضية للمعاداة ~~والشقاق، الذي به تكثر ذنوبهم ومعاصيهم. { والله يعلم ~~متقلبكم } أي: تصرفاتكم وحركاتكم، وذهابكم ومجيئكم، { ~~ومثواكم } الذي به تستقرون، فهو يعلمكم في الحركات والسكنات، ~~فيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه. ### || [47.20-23] # يقول تعالى: { ويقول الذين آمنوا } استعجالا ومبادرة ~~للأوامر الشاقة: { لولا نزلت سورة } أي: فيها الأمر بالقتال. ~~{ فإذآ أنزلت سورة محكمة } أي: ملزم العمل بها، { ~~وذكر فيها القتال } الذي هو أشق شيء على النفوس، لم يثبت ضعفاء ~~الإيمان على امتثال هذه الأوامر، ولهذا قال: { رأيت الذين في ~~قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه ~~من الموت } من كراهتهم لذلك، وشدته عليهم. وهذا كقوله تعالى: # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية # [النساء: 77]. ثم ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم، فقال: { ~~فأولى لهم * طاعة وقول معروف } أي: فأولى لهم أن ~~يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم، ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن ~~يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه. { فإذا ~~عزم الأمر } أي: جاءهم الأمر جد، وأمر محتم، ففي هذه الحال لو ~~صدقوا الله بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثاله { لكان خيرا ~~لهم } من حالهم الأولى، وذلك من وجوه: منها: أن العبد ناقص من كل ~~وجه، لا قدرة له إلا إن أعانه الله، فلا يطلب زيادة على ما هو قائم ~~بصدده. ومنها: أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل، ضعف عن العمل، بوظيفة وقته، ~~وبوظيفة المستقبل، أما ms1465 الحال، فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره، والعمل ~~تبع للهمة، وأما المستقبل، فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها فلا ~~يعان عليه. ومنها: أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة، مع كسله عن عمل ~~الوقت الحاضر، شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته، على ما يستقبل من ~~أموره، فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما هم به ووطن نفسه عليه، فالذي ~~ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته ~~بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير ~~متفرقة، مستعينا بربه في ذلك، فهذا حري بالتوفيق والتسديد في جميع ~~أموره. ثم ذكر تعالى حال المتولي عن طاعة ربه، وأنه لا يتولى إلى خير، ~~بل إلى شر، فقال: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي: فهما أمران، إما ~~التزام لطاعة الله، وامتثال لأوامره، فثم الخير والرشد والفلاح، وإما ~~إعراض عن ذلك، وتولي عن طاعة الله، فما ثم إلا الفساد في الأرض بالعمل ~~بالمعاصي وقطيعة الأرحام. { أولئك الذين } أفسدوا في الأرض، ~~وقطعوا أرحامهم { لعنهم الله } بأن أبعدهم عن رحمته، وقربوا من ~~سخط الله. { فأصمهم وأعمى أبصارهم } أي: جعلهم لا ~~يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلهم آذان، ولكن لا تسمع سماع إذعان ~~وقبول، وإنما تسمع سماعا تقوم به حجة الله عليها، ولهم أعين، ولكن لا ~~يبصرون بها العبر والآيات، ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات. ### || [47.24] # أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم ~~لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من ~~الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب ~~الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ~~ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم، ~~وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من ~~العقاب الوبيل. { أم على قلوب أقفالهآ } أي: قد أغلق على ما ~~فيها من الشر وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدا؟ هذا هو الواقع. ### || [47.25-28] # يخبر تعالى عن حالة ms1466 المرتدين عن الهدى والإيمان على أعقابهم إلى الضلال ~~والكفران، ذلك لا عن دليل دلهم ولا برهان، وإنما هو تسويل من عدوهم ~~الشيطان وتزيين لهم، وإملاء منه لهم: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا # [النساء: 120]. وذلك أنهم قد تبين لهم الهدى، فزهدوا فيه ورفضوه، و { ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } من المبارزين ~~العداوة لله ولرسوله { سنطيعكم في بعض الأمر } أي: الذي ~~يوافق أهواءهم، فلذلك عاقبهم الله بالضلال، والإقامة على ما يوصلهم إلى ~~الشقاء الأبدي، والعذاب السرمدي. { والله يعلم إسرارهم } ~~فلذلك فضحهم، وبينها لعباده المؤمنين، لئلا يغتروا بها. { فكيف } ترى ~~حالهم الشنيعة، ورؤيتهم الفظيعة { إذا توفتهم الملائكة } ~~الموكلون بقبض أرواحهم، { يضربون وجوههم وأدبارهم } ~~بالمقامع الشديدة؟! { ذلك } العذاب الذي استحقوه ونالوه { ب } سبب { ~~أنهم اتبعوا مآ أسخط الله } من كل كفر وفسوق وعصيان. { ~~وكرهوا رضونه } فلم يكن لهم رغبة فيما يقربهم إليه، ولا ~~يدنيهم منه، { فأحبط أعملهم } أي: أبطلها وأذهبها، وهذا ~~بخلاف من اتبع ما يرضي الله وكره سخطه، فإنه سيكفر عنه سيئاته، ويضاعف ~~أجره وثوابه. ### || [47.29-31] # يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض } من شبهة ~~أو شهوة، بحيث تخرج القلب عن حال صحته واعتداله، أن الله لا يخرج ما في ~~قلوبهم من الأضغان والعداوة للإسلام وأهله؟ هذا ظن لا يليق بحكمة الله، ~~فإنه لا بد أن يميز الصادق من الكاذب، وذلك بالابتلاء بالمحن، التي من ~~ثبت عليها، ودام إيمانه فيها، فهو المؤمن حقيقة، ومن ردته على عقبيه فلم ~~يصبر عليها، وحين أتاه الامتحان، جزع وضعف إيمانه، وخرج ما في قلبه من ~~الضغن، وتبين نفاقه، هذا مقتضى الحكمة الإلهية، مع أنه تعالى قال: { ~~ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } أي: ~~بعلاماتهم التي هي كالوسم في وجوههم. { ولتعرفنهم في لحن ~~القول } أي: لا بد أن يظهر ما في قلوبهم، ويتبين بفلتات ألسنتهم، فإن ~~الألسن مغارف القلوب، يظهر منها ما في القلوب من الخير والشر { والله ~~يعلم أعمالكم } فيجازيكم عليها. ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به ~~عباده، وهو الجهاد في سبيل الله، فقال: ms1467 { ولنبلونكم } أي: ~~نختبر إيمانكم وصبركم، { حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم } فمن امتثل أمر الله وجاهد ~~في سبيل الله لنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقا، ومن تكاسل عن ذلك، ~~كان ذلك نقصا في إيمانه. ### || [47.32] # هذا وعيد شديد لمن جمع أنواع الشر كلها، من الكفر بالله، وصد الخلق عن ~~سبيل الله الذي نصبه موصلا إليه. { وشآقوا الرسول من بعد ~~ما تبين لهم الهدى } أي: عاندوه وخالفوه عن عمد وعناد، لا ~~عن جهل وغي وضلال، فإنهم { لن يضروا الله شيئا } فلا ينقص به ~~ملكه. { وسيحبط أعمالهم } أي: مساعيهم التي بذلوها في نصر ~~الباطل، بأن لا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران، وأعمالهم التي يرجون بها ~~الثواب، لا تقبل لعدم وجود شرطها. ### || [47.33] # يأمر تعالى المؤمنين بأمر به تتم أمورهم، وتحصل سعادتهم الدينية ~~والدنيوية، وهو: طاعته وطاعة رسوله في أصول الدين وفروعه، والطاعة هي ~~امتثال الأمر، واجتناب النهي على الوجه المأمور به بالإخلاص وتمام ~~المتابعة. وقوله: { ولا تبطلوا أعمالكم } يشمل النهي عن ~~إبطالها بعد عملها، بما يفسدها، من من بها وإعجاب، وفخر وسمعة، ومن ~~عمل بالمعاصي التي تضمحل معها الأعمال، ويحبط أجرها، ويشمل النهي عن ~~إفسادها حال وقوعها بقطعها، أو الإتيان بمفسد من مفسداتها. فمبطلات ~~الصلاة والصيام والحج ونحوها، كلها داخلة في هذا، ومنهي عنها، ويستدل ~~الفقهاء بهذه الآية على تحريم قطع الفرض، وكراهة قطع النفل، من غير موجب ~~لذلك، وإذا كان الله قد نهى عن إبطال الأعمال، فهو أمر بإصلاحها، ~~وإكمالها وإتمامها، والإتيان بها، على الوجه الذي تصلح به علما وعملا. ### || [47.34-35] # هذه الآية والتي في البقرة قوله: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة # [البقرة: 217] مقيدتان، لكل نص مطلق، فيه إحباط العمل بالكفر، فإنه مقيد ~~بالموت عليه، فقال هنا: { إن الذين كفروا } بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر { وصدوا } الخلق { عن سبيل الله } ~~بتزهيدهم إياهم بالحق، ودعوتهم إلى الباطل، وتزيينه، { ثم ماتوا ~~وهم كفار } لم يتوبوا منه، { فلن يغفر الله لهم } لا ms1468 ~~بشفاعة ولا بغيرها، لأنه قد تحتم عليهم العقاب، وفاتهم الثواب، ووجب ~~عليهم الخلود في النار، وسدت عليهم رحمة الرحيم الغفار. ومفهوم الآية ~~الكريمة أنهم إن تابوا من ذلك قبل موتهم، فإن الله يغفر لهم ويرحمهم، ~~ويدخلهم الجنة، ولو كانوا مفنين أعمارهم في الكفر به والصد عن سبيله، ~~والإقدام على معاصيه، فسبحان من فتح لعباده أبواب الرحمة، ولم يغلقها عن ~~أحد، ما دام حيا متمكنا من التوبة. وسبحان الحليم، الذي لا يعاجل ~~العاصين بالعقوبة، بل يعافيهم، ويرزقهم، كأنهم ما عصوه مع قدرته عليهم. ~~ثم قال تعالى: { فلا تهنوا } أي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي ~~عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، ~~طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان. ولا تدعوا إلى ~~المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، { و } الحال أنكم ~~{ وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم } أي: ~~ينقصكم { أعمالكم }. فهذه الأمور الثلاثة، كل منها مقتض للصبر وعدم ~~الوهن كونهم الأعلين، أي: قد توفرت لهم أسباب النصر، ووعدوا من الله ~~بالوعد الصادق، فإن الإنسان لا يهن إلا إذا كان أذل من غيره وأضعف عددا ~~وعددا، وقوة داخلية وخارجية. الثاني: أن الله معهم، فإنهم مؤمنون، ~~والله مع المؤمنين، بالعون والنصر والتأييد، وذلك موجب لقوة قلوبهم، ~~وإقدامهم على عدوهم. الثالث: أن الله لا ينقصهم من أعمالهم شيئا، بل ~~سيوفيهم أجورهم، ويزيدهم من فضله، خصوصا عبادة الجهاد، فإن النفقة تضاعف ~~فيه، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقال تعالى: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ~~لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون # [التوبة: 120]. فإذا عرف الإنسان أن الله تعالى لا يضيع عمله وجهاده، ~~أوجب له ذلك النشاط، وبذل الجهد فيما يترتب عليه الأجر والثواب، فكيف إذا ~~اجتمعت هذه الأمور الثلاثة ms1469 فإن ذلك يوجب النشاط التام، فهذا من ترغيب ~~الله لعباده، وتنشيطهم وتقوية أنفسهم على ما فيه صلاحهم وفلاحهم. ### || [47.36-38] # هذا تزهيد منه لعباده في الحياة الدنيا بإخبارهم عن حقيقة أمرها، بأنها ~~لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فلا يزال العبد لاهيا في ~~ماله، وأولاده، وزينته، ولذاته من النساء، والمآكل والمشارب، والمساكن ~~والمجالس، والمناظر والرياسات، لاعبا في كل عمل لا فائدة فيه، بل هو ~~دائر بين البطالة والغفلة والمعاصي، حتى تستكمل دنياه، ويحضره أجله، فإذا ~~هذه الأمور قد ولت وفارقت، ولم يحصل العبد منها على طائل، بل قد تبين ~~له خسرانه وحرمانه، وحضر عذابه، فهذا موجب للعاقل الزهد فيها، وعدم ~~الرغبة فيها، والاهتمام بشأنها، وإنما الذي ينبغي أن يهتم به ما ذكره ~~بقوله: { وإن تؤمنوا وتتقوا } بأن تؤمنوا بالله، وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتقوموا بتقواه التي هي من لوازم الإيمان ~~ومقتضياته، وهي العمل بمرضاته على الدوام، مع ترك معاصيه، فهذا الذي ينفع ~~العبد، وهو الذي ينبغي أن يتنافس فيه، وتبذل الهمم والأعمال في طلبه، وهو ~~مقصود الله من عباده رحمة بهم ولطفا، ليثيبهم الثواب الجزيل، ولهذا قال: ~~{ وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا ~~يسألكم أمولكم } أي: لا يريد تعالى أن يكلفكم ما يشق عليكم، ~~ويعنتكم من أخذ أموالكم، وبقائكم بلا مال، أو ينقصكم نقصا يضركم، ولهذا ~~قال: { إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم } أي: ما في قلوبكم من الضغن، إذا طلب منكم ما تكرهون ~~بذله. والدليل على أن الله لو طلب منكم أموالكم وأحفاكم بسؤالها، أنكم ~~تمتنعون منها، أنكم { تدعون لتنفقوا في سبيل الله } على ~~هذا الوجه، الذي فيه مصلحتكم الدينية والدنيوية. { فمنكم من ~~يبخل } أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة ~~عاجلة؟ أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك. ثم قال: { ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه } لأنه حرم نفسه ثواب الله ~~تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا. فإن الله هو { ~~الغني وأنتم الفقرآء } تحتاجون إليه في ms1470 جميع أوقاتكم، ~~لجميع أموركم. { وإن تتولوا } عن الإيمان بالله، وامتثال ما ~~يأمركم به { يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم } في التولي، بل يطيعون الله ورسوله، ويحبون الله ~~ورسوله، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54]. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صد المشركون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما جاء معتمرا في قصة طويلة، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن ~~يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ~~ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده فعل. وبسبب ~~ذلك لما أمن الناس بعضهم بعضا، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله عز وجل، ~~وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار، يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص ~~على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله ~~أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك ~~لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، ~~وهذا حصل بذلك الفتح، ورتب الله على هذا الفتح عدة أمور، فقال: { ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } ~~وذلك - والله أعلم - بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة، والدخول في ~~الدين بكثرة، وبما تحمل صلى الله عليه وسلم من تلك الشروط التي لا يصبر ~~عليها إلا أولو العزم من المرسلين، وهذا من أعظم مناقبه وكراماته صلى ~~الله عليه وسلم، أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. { ويتم ~~نعمته عليك } بإعزاز دينك، ونصرك على أعدائك، واتساع كلمتك، { ~~ويهديك صراطا مستقيما } تنال به السعادة الأبدية، والفلاح ~~السرمدي. { وينصرك الله نصرا عزيزا } أي: قويا لا يتضعضع ~~فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع ~~توفر قوى المسلمين ونموهم، ms1471 ونمو أموالهم. ثم ذكر آثار هذا الفتح على ~~المؤمنين، فقال: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا... }. ### || [48.4-6] # يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي ~~السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، ~~التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده ~~في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه ~~المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه ~~الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى ~~ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، من تلك الشروط التي ~~ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها ~~النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع ~~إيمانهم. وقوله: { ولله جنود السموت والأرض } أي: ~~جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر ~~دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في ~~الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر. { ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ويكفر عنهم سيئاتهم } فهذا أعظم ما يحصل ~~للمؤمنين، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور ~~بتكفير السيئات. { وكان ذلك } الجزاء المذكور للمؤمنين { عند ~~الله فوزا عظيما } فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين. ~~وأما المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، فإن الله يعذبهم بذلك، ~~ويريهم ما يسوؤهم حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله الظن ~~السوء، أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل، ستكون لهم ~~الدائرة على أهل الحق، فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم ~~في الدنيا، { وغضب الله عليهم } بما اقترفوه من المحادة ~~لله ولرسوله، { ولعنهم } أي: أبعدهم وأقصاهم عن رحمته { وأعد ~~لهم جهنم وسآءت مصيرا }. ### || [48.7] # كرر الإخبار بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهما من الجنود، ليعلم ~~العباد أنه تعالى هو المعز المذل، وأنه سينصر جنوده ms1472 المنسوبة إليه، كما ~~قال تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] { وكان الله عزيزا } أي: قويا غالبا، قاهرا ~~لكل شيء، ومع عزته وقوته فهو حكيم في خلقه وتدبيره، يجري على ما تقتضيه ~~حكمته وإتقانه. ### || [48.8-9] # أي: { إنآ أرسلنك } أيها الرسول الكريم { شهدا } لأمتك ~~بما فعلوه من خير وشر، وشاهدا على المقالات والمسائل، حقها وباطلها، ~~وشاهدا لله تعالى بالوحدانية والانفراد بالكمال من كل وجه، { ~~ومبشرا } من أطاعك وأطاع الله بالثواب الدنيوي والديني والأخروي، ~~ومنذرا من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ومن تمام البشارة والنذارة، ~~بيان الأعمال والأخلاق التي يبشر بها وينذر، فهو المبين للخير والشر، ~~والسعادة والشقاوة، والحق من الباطل، ولهذا رتب على ذلك قوله: { ~~لتؤمنوا بالله ورسوله } أي: بسبب دعوة الرسول لكم، ~~وتعليمه لكم ما ينفعكم، أرسلناه لتقوموا بالإيمان بالله ورسوله، المستلزم ~~ذلك لطاعتهما في جميع الأمور. { وتعزروه وتوقروه } أي: ~~تعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا ~~بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، { وتسبحوه } أي: ~~تسبحوا لله { بكرة وأصيلا } أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه ~~الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص ~~بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس ~~بصلاة أو غيرها. ### || [48.10] # هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي " بيعة الرضوان " التي بايع ~~الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا ~~يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا ~~القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها، فأخبر تعالى: أن الذين ~~بايعوك حقيقة الأمر أنهم { يبايعون الله } ويعقدون العقد معه، ~~حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: { يد الله فوق أيديهم } أي: ~~كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد ~~والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: { فمن نكث } فلم يف ~~بما عاهد الله عليه { فإنما ينكث على نفسه } أي: لأن وبال ~~ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له، { ومن أوفى بما عاهد ms1473 ~~عليه الله } أي: أتى به كاملا موفرا، { فسيؤتيه أجرا ~~عظيما } لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه. ### || [48.11-13] # يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ~~ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله تعالى، وأنهم سيعتذرون ~~بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، قال الله تعالى: { يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } فإن طلبهم الاستغفار من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم ~~بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي ~~في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم، لأنهم قد تابوا وأنابوا، ~~ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء. فظنوا ~~{ أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ~~أبدا } أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ~~ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران: أحدها: أنهم كانوا { ~~قوما بورا } أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في ~~قلوبهم. الثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء ~~كلمته، ولهذا قال: { ومن لم يؤمن بالله ورسوله } أي: ~~فإنه كافر مستحق للعقاب، { فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا ~~}. ### || [48.14] # أي: هو تعالى المنفرد بملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما يشاء من ~~الأحكام القدرية، والأحكام الشرعية، والأحكام الجزائية، ولهذا ذكر حكم ~~الجزاء المرتب على الأحكام الشرعية، فقال: { يغفر لمن يشآء } ~~وهو من قام بما أمره الله به { ويعذب من يشآء } ممن تهاون بأمر ~~الله، { وكان الله غفورا رحيما } أي: وصفه اللازم الذي لا ~~ينفك عنه المغفرة والرحمة، فلا يزال في جميع الأوقات يغفر للمذنبين، ~~ويتجاوز عن الخطائين، ويتقبل توبة التائبين، وينزل خيره المدرار، آناء ~~الليل والنهار. ### || [48.15] # لما ذكر تعالى المخلفين وذمهم، ذكر أن من عقوبتهم الدنيوية، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا انطلقوا إلى غنائم لا قتال فيها ~~ليأخذوها، طلبوا ms1474 منهم الصحبة والمشاركة، ويقولون: { ذرونا ~~نتبعكم يريدون } بذلك { أن يبدلوا كلام الله } ~~حيث حكم بعقوبتهم، واختصاص الصحابة المؤمنين بتلك الغنائم، شرعا وقدرا. ~~{ قل } لهم { لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ~~} إنكم محرومون منها بما جنيتم على أنفسكم، وبما تركتم القتال أول مرة. { ~~فسيقولون } مجيبين لهذا الكلام، الذي منعوا به عن الخروج: { بل ~~تحسدوننا } على الغنائم، هذا منتهى علمهم في هذا الموضع، ولو فهموا ~~رشدهم، لعلموا أن حرمانهم بسبب عصيانهم، وأن المعاصي لها عقوبات دنيوية ~~ودينية، ولهذا قال: { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا }. ### || [48.16-17] # لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ~~ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، ~~بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: { قل للمخلفين من ~~الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } أي: ~~سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم ~~فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم. { تقاتلونهم أو يسلمون ~~} أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ~~ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك ~~الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن ~~يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب ~~بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، { فإن تطيعوا ~~} الداعي لكم إلى قتال هؤلاء { يؤتكم الله أجرا حسنا } وهو ~~الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، { وإن ~~تتولوا كما توليتم من قبل } عن قتال من دعاكم ~~الرسول إلى قتاله، { يعذبكم عذابا أليما } ودلت هذه الآية ~~على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب ~~طاعتهم في ذلك. ثم ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى ~~الجهاد، فقال: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج } أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم ~~المانع. { ومن يطع الله ورسوله } في امتثال أمرهما، ms1475 واجتناب ~~نهيهما { يدخله جنت تجري من تحتها الأنهر } فيها ~~ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، { ومن يتول } عن طاعة الله ورسوله ~~{ يعذبه عذابا أليما } فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة ~~في معصيته ومخالفته. ### || [48.18-21] # يخبر تعالى بفضله ورحمته، برضاه عن المؤمنين إذ يبايعون الرسول صلى الله ~~عليه وسلم تلك المبايعة التي بيضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا ~~والآخرة، وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها " بيعة الرضوان " لرضا الله ~~عن المؤمنين فيها، ويقال لها " بيعة أهل الشجرة " - أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحديبية في شأن ~~مجيئه، وأنه لم يجئ لقتال أحد، وإنما جاء زائرا هذا البيت، معظما له، ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان لمكة في ذلك، فجاء خبر ~~غير صادق، أن عثمان قتله المشركون، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~معه من المؤمنين، وكانوا نحوا من ألف وخمس مئة، فبايعوه تحت شجرة على ~~قتال المشركين، وأن لا يفروا حتى يموتوا، فأخبر تعالى أنه رضي عن ~~المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجل القربات، { ~~فعلم ما في قلوبهم } من الإيمان، { فأنزل السكينة ~~عليهم } شكرا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هدى، وعلم ما في قلوبهم ~~من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله، فأنزل عليهم ~~السكينة تثبتهم، وتطمئن بها قلوبهم، { وأثابهم فتحا قريبا } ~~وهو: فتح خيبر، لم يحضره سوى أهل الحديبية، فاختصوا بخيبر وغنائمها، ~~جزاءا لهم، وشكرا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته. { ~~ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما ~~} أي: له العزة والقدرة، التي قهر بها الأشياء، فلو شاء لانتصر من الكفار ~~في كل وقعة تكون بينهم وبين المؤمنين، ولكنه حكيم، يبتلي بعضهم ببعض، ~~ويمتحن المؤمن بالكافر. { وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها } وهذا يشمل كل غنيمة غنمها المسلمين إلى يوم القيامة، ~~{ فعجل لكم هذه } أي: غنيمة خيبر أي: فلا تحسبوها وحدها، بل ~~ثم شيء كثير من الغنائم ms1476 سيتبعها، { و } احمدوا الله إذ { كف ~~أيدي الناس } القادرين على قتالكم، الحريصين عليه { عنكم } ~~فهي نعمة، وتخفيف عنكم. { ولتكون } هذه الغنيمة { آية ~~للمؤمنين } يستدلون بها على خبر الله الصادق، ووعده الحق، وثوابه ~~للمؤمنين، وأن الذي قدرها سيقدر غيرها، { ويهديكم } بما يقيض لكم ~~من الأسباب { صراطا مستقيما } من العلم والإيمان والعمل. { ~~وأخرى } أي: وعدكم أيضا غنيمة أخرى { لم تقدروا عليها } ~~وقت هذا الخطاب، { قد أحاط الله بها } أي: هو قادر عليها، وتحت ~~تدبيره وملكه، وقد وعدكموها، فلا بد من وقوع ما وعد به، لكمال اقتدار ~~الله تعالى، ولهذا قال: { وكان الله على كل شيء قديرا ~~}. ### || [48.22-23] # هذه بشارة من الله لعباده المؤمنين، بنصرهم على أعدائهم الكافرين، وأنهم ~~لو قابلوهم وقاتلوهم { لولوا الأدبار ثم لا يجدون ~~وليا } يتولى أمرهم، { ولا نصيرا } ينصرهم ويعينهم على قتالكم، ~~بل هم مخذولون مغلوبون وهذه سنة الله في الأمم السابقة، أن جند الله هم ~~الغالبون، { ولن تجد لسنة الله تبديلا }. ### || [48.24-25] # يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية، من شر الكفار ومن قتالهم، فقال: ~~{ وهو الذي كف أيديهم } أي: أهل مكة { عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم } أي: من بعد ما قدرتم عليهم، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا ~~عهد، وهم نحو ثمانين رجلا، انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة، ~~فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم، رحمة من الله ~~بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم، { وكان الله بما تعملون بصيرا ~~} فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن. ثم ذكر ~~تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم ~~رسول الله ومن معه من المؤمنين، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له ~~بالحج والعمرة، وهم الذين أيضا صدوا { الهدي معكوفا } أي: ~~محبوسا { أن يبلغ محله } وهو محل ذبحه وهو مكة، فمنعوه من ~~الوصول إليه ظلما وعدوانا، وكل هذه أمور موجبة وداعية إلى قتالهم، ولكن ~~ثم مانع وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، ~~وليسوا متميزين بمحلة أو مكان يمكن ms1477 أن لا ينالهم أذى، فلولا هؤلاء الرجال ~~المؤمنون، والنساء المؤمنات، الذين لا يعلمهم المسلمون أن تطؤوهم، أي: ~~خشية أن تطؤوهم { فتصيبكم منهم معرة بغير علم } ~~والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم، من نيلهم بالأذى والمكروه، وفائدة أخروية، ~~وهو: أنه ليدخل في رحمته من يشاء فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، ~~وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب. { لو تزيلوا ~~} أي: لو زالوا من بين أظهرهم { لعذبنا الذين كفروا ~~منهم عذابا أليما } بأن نبيح لكم قتالهم، ونأذن فيه، وننصركم ~~عليهم. ### || [48.26] # يقول تعالى: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية حمية الجاهلية } حيث أنفوا من كتابة " بسم الله ~~الرحمن الرحيم " ، وأنفوا من دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين إليهم في تلك السنة، لئلا يقول الناس: " دخلوا مكة قاهرين ~~لقريش " ، وهذه الأمور ونحوها من أمور الجاهلية، لم تزل في قلوبهم حتى ~~أوجبت لهم ما أوجبت من كثير من المعاصي، { فأنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين } فلم يحملهم الغضب على مقابلة ~~المشركين بما قابلوهم به، بل صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها ~~تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم ~~اللائمين. { وألزمهم كلمة التقوى } وهي " لا إله إلا ~~الله " وحقوقها، ألزمهم القيام بها، فالتزموها وقاموا بها، { وكانوا ~~أحق بها } من غيرهم { و } كانوا { أهلها } الذين استأهلوها ~~لما يعلم الله عندهم وفي قلوبهم من الخير، ولهذا قال: { وكان الله ~~بكل شيء عليما }. ### || [48.27-28] # يقول تعالى: { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق ~~} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المدينة رؤيا أخبر بها ~~أصحابه، أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، فلما جرى يوم الحديبية ما جرى، ~~ورجعوا من غير دخول لمكة، كثر في ذلك الكلام منهم، حتى إنهم قالوا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال: " أخبرتكم أنه العام؟ " ~~قالوا: لا. قال: " فإنكم ستأتونه وتطوفون به " " # ، قال الله هنا: { لقد صدق الله رسوله الرءيا ~~بالحق } أي: لا ms1478 بد من وقوعها وصدقها، ولا يقدح في ذلك تأخر تأويلها، ~~{ لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين } أي: في هذه الحال المقتضية ~~لتعظيم هذا البيت الحرام، وأدائكم للنسك، وتكميله بالحلق والتقصير، وعدم ~~الخوف، { فعلم } من المصلحة والمنافع { ما لم تعلموا ~~فجعل من دون ذلك } الدخول بتلك الصفة { فتحا قريبا }. ~~ولما كانت هذه الواقعة مما تشوشت بها قلوب بعض المؤمنين، وخفيت عليهم ~~حكمتها، فبين تعالى حكمتها ومنفعتها، وهكذا سائر أحكامه الشرعية، فإنها ~~كلها، هدى ورحمة. أخبر بحكم عام، فقال: { هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى } الذي هو العلم النافع، الذي يهدي من الضلالة، ~~ويبين طرق الخير والشر. { ودين الحق } أي: الدين الموصوف بالحق، ~~وهو العدل والإحسان والرحمة. وهو كل عمل صالح مزك للقلوب، مطهر ~~للنفوس، مرب للأخلاق، معل للأقدار. { ليظهره } بما بعثه الله ~~به { على الدين كله } بالحجة والبرهان، ويكون داعيا لإخضاعهم ~~بالسيف والسنان. ### || [48.29] # يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، ~~أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم { أشدآء على الكفار ~~} أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا ~~منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم ~~المسلمون، { رحمآء بينهم } أي: متحابون متراحمون متعاطفون، ~~كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، ~~وأما معاملتهم مع الخالق فإنك { تراهم ركعا سجدا } أي: وصفهم ~~كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود. { يبتغون } بتلك ~~العبادة { فضلا من الله ورضوانا } أي: هذا مقصودهم بلوغ ~~رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه. { سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود } أي: قد أثرت العبادة - من كثرتها وحسنها - في وجوههم، حتى ~~استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت [بالجلال] ظواهرهم. { ~~ذلك } المذكور { مثلهم في التوراة } أي: هذا وصفهم الذي ~~وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا. وأما مثلهم في الإنجيل، فإنهم ~~موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم { كزرع أخرج ~~شطأه فآزره } أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب ~~والاستواء. { فاستغلظ } ذلك الزرع أي: قوي وغلظ ms1479 { فاستوى ~~على سوقه } جمع ساق، { يعجب الزراع } من كماله واستوائه، ~~وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم، هم كالزرع في نفعهم للخلق ~~واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع ~~وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه ~~على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، ~~فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: { ليغيظ بهم الكفار } حين يرون ~~اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النزال، ~~ومعامع القتال. { وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } فالصحابة رضي ~~الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين ~~المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في ~~الدنيا والآخرة. ولنسق قصة الحديبية بطولها، كما ساقها الإمام شمس الدين ~~ابن القيم في " الهدي النبوي " فإن فيها إعانة على فهم هذه السورة، وتكلم ~~على معانيها وأسرارها، قال -رحمه الله تعالى:- فصل في قصة الحديبية قال ~~نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة، وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهري، ~~وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقال هشام بن عروة، عن ~~أبيه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت في ~~شوال، وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. قال أبو الأسود عن ~~عروة: إنها كانت في ذي القعدة على الصواب. وفي الصحيحين عن أنس، أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة، فذكر منهن عمرة ~~الحديبية، وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في الصحيحين عن جابر، وعنه فيهما: ~~كانوا ألفا وأربعمائة، وفيهما، عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفا ~~وثلاثمائة، قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الجماعة الذين شهدوا ~~بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: ~~كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهم، وهو حدثني أنهم كانوا خمس ~~عشرة مائة، قلت: وقد صح عن ms1480 جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام ~~الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفا ~~وأربعمائة، بخيلنا ورجلنا، يعني: فارسهم وراجلهم. # والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة ~~بن الأكوع، في أصح الروايتين، وقول المسيب بن حزن، قال شعبة، عن قتادة، ~~عن سعيد بن المسيب، عن أبيه: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ~~الشجرة ألفا وأربعمائة، وغلط غلطا بينا من قال: كانوا سبعمائة، ~~وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنة، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة أو ~~عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صرح بأن البدنة كانت ~~في هذه الغزوة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم، لكانوا أربعمائة ~~وتسعين رجلا، وقد قال بتمام الحديث بعينه، أنهم كانوا ألفا وأربعمائة. ~~فصل فلما كانوا بذي الحليفة، # " قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، ~~وبعث عينا له بين يديه من خزاعة، يخبره عن قريش، حتى إذا كانوا قريبا ~~من عسفان، أتاه عينه، فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي، قد جمعوا لك ~~الأحابيش، وجمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. واستشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين ~~أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا تكن عنقا ~~قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت؟ فمن صدنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: ~~الله ورسوله أعلم، إنما جئنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال ~~بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فروحوا إذا ~~" فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش، فخذوا ذات اليمين " ، فوالله ما ~~شعر بهم خالد، حتى إذا هو بغبرة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار ~~النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، ~~بركت راحلته، فقال الناس: حل ms1481 حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن ~~حبسها حابس الفيل " ثم قال: " والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون ~~فيها حرمات الله إلا أعطيتموها " ثم زجرها، فوثبت به، فعدل حتى نزل بأقصى ~~الحديبية، على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس ~~أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش. فانتزع سهما ~~من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوها فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري ~~حتى صدروا عنها، وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يبعث إليهم رجلا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، ~~فقال: يا رسول الله، ليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، إن أوذيت، فأرسل ~~عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلغ ما أردت. فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش، وقال: " أخبرهم أنا لم ~~نأت لقتال، إنما جئنا عمارا، وادعهم إلى الإسلام ". وأمره أن يأتي ~~رجالا بمكة مؤمنين، ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح، ويخبرهم ~~أن الله عز وجل مظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان، فانطلق ~~عثمان، فمر على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، ونخبركم أنا لم نأت لقتال، ~~وإنما جئنا عمارا، قالوا: قد سمعنا ما تقول، فانفذ لحاجتك. وقام إليه ~~أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به، وأسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، ~~فأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خلص ~~عثمان قبلنا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون " ، فقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد ~~خلص؟ قال: " ذاك ظني به، أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معه " ، واختلط ~~المسلمون بالمشركين في أمر الصلح، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من ms1482 ~~الفريق الآخر، وكانت معركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان ~~كلاهما، وارتهن كل واحد من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة. فثار المسلمون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه، وقال: " هذه عن عثمان " ، ولما ~~تمت البيعة، رجع عثمان، فقال له المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من ~~الطواف بالبيت، فقال: بئسما ظننتم بي، والذي نفسي بيده، لو مكثت بها سنة، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية، ما طفت بها حتى يطوف بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، ~~فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أعلمنا بالله، وأحسننا ~~ظنا. وكان عمر أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة تحت الشجرة، ~~فبايعه المسلمون كلهم إلا الجد ابن قيس، وكان معقل بن يسار، أخذ بغصنها ~~يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أول من بايعه، أبو سنان ~~الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات، في أول الناس، وأوسطهم، ~~وآخرهم. فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من خزاعة، ~~وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل تهامة، فقال: إني ~~تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ ~~المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم ~~الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا أماددهم ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا ~~أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا ~~القتال، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو ~~لينفذن الله أمره " ، قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، ~~فقال: إني قد جئتكم من عند ms1483 هذا الرجل، وسمعته يقول قولا، فإن شئتم عرضته ~~عليكم، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي: ~~منهم: هات ما سمعته، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود ~~الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آته، فقالوا: ~~ائته، فأتاه، فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله ~~لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي: محمد، أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت ~~بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فوالله إني لأرى وجوها، ~~وأرى أوباشا من الناس، خليقا أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر: امصص ~~بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر، قال: أما ~~والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. وجعل يكلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة على ~~رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف، وعليه المغفر فكلما أهوى عروة ~~إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك ~~عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، وقال: من ذا؟ ~~قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي: غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ وكان ~~المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في ~~شيء ". ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ~~إن تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك ~~بها جلده ووجهه. وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ، كادوا يقتتلون ~~على وضوئه، وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر، ~~تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على ~~الملوك، على كسرى، وقيصر، والنجاشي، والله ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه، ~~ما يعظم أصحاب محمد محمدا، ms1484 والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل ~~منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا ~~يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم، خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه ~~النظر تعظيما له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني ~~كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذا فلان، وهو من قوم يعظمون ~~البدن فابعثوها له " فبعثوها فاستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك، قال: ~~سبحان الله، لا ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه، فقال: ~~رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا عن البيت فقام مكرز بن حفص، ~~وقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر " ، فجعل يكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فبينا هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " قد سهل لكم من أمركم " فقال: هات، اكتب بيننا وبينك ~~كتابا، فدعا الكاتب، فقال: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم " ، فقال ~~سهيل: أما الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: " باسمك اللهم " كما ~~كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اكتب باسمك اللهم ". ثم قال: " اكتب: ~~هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " فقال سهيل: فوالله لو نعلم أنك رسول ~~الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: ~~محمد بن عبد الله " ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " على أن تخلوا ~~بيننا وبين البيت فنطوف به " ، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا ~~أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: على أن لا يأتيك ~~منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته علينا. فقال المسلمون: سبحان ms1485 الله، ~~كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن ~~سهيل يرسف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر ~~المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما قاضيتك عليه، أن ترده، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنا لم نقض الكتاب بعد " ، فقال: فوالله ~~إذا لا أصالحك على شيء أبدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فأجزه ~~لي " ، فقال: ما أنا بمجيزه، فقال: " بلى فافعل " ، قال: ما أنا بفاعل، ~~قال مكرز: قد أجزناه. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أرد إلى المشركين ~~وقد جئت مسلما، ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب في الله عذابا شديدا. ~~قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟ قال: " بلى ". قلت: ~~ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: " بلى " فقلت: علام نعطي الدنية ~~في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال: " إني رسول ~~الله، وهو ناصري، ولست أعصيه " ، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ~~ونطوف به؟ قال: " بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ " قلت: لا، قال: " فإنك ~~آتيه ومطوف به ". قال: فأتيت أبا بكر، فقلت له كما قلت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ورد عليه أبو بكر كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق، قال ~~عمر: فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " قوموا وانحروا، ثم احلقوا " ، فوالله ما قام منهم رجل ~~حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر ~~لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم ~~أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلق لك، فقام فخرج، فلم يكلم ~~أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه ms1486 فحلقه، فلما رأى الناس ~~ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا ~~غما، ثم جاءت نسوة مؤمنات، فأنزل الله عز وجل: { إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات } حتى بلغ { بعصم الكوافر } ~~[الممتحنة: 10] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج ~~إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع إلى المدينة. وفي مرجعه ~~أنزل الله عليه: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } [الفتح: 1] ~~إلى آخرها، فقال عمر: أفتح هو يا رسول الله؟ فقال: " نعم " ، فقال ~~الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: { هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } [الفتح: 4] ~~" # الآية. انتهى. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1-3] # هذا متضمن للأدب مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والتعظيم له ، واحترامه، وإكرامه، فأمر [الله] عباده المؤمنين، بما ~~يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، ~~وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في جميع أمورهم، و [أن] لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا ~~حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ~~ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته تفوته السعادة الأبدية ~~والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي [الشديد] عن تقديم قول غير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنا ما كان. ثم أمر الله ~~بتقواه عموما، وهي كما قال طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله على نور من ~~الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب ~~الله. وقوله: { إن الله سميع } أي: لجميع الأصوات في جميع ~~الأوقات، في خفي المواضع والجهات، { عليم } بالظواهر والبواطن، ~~والسوابق واللواحق، والواجبات والمستحيلات والممكنات. وفي ذكر الاسمين ~~الكريمين - بعد النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله والأمر بتقواه - حث ~~على امتثال تلك الأوامر الحسنة، والآداب المستحسنة، وترهيب عن عدم ~~الامتثال. ms1487 ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول } وهذا أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطابه، ~~أي: لا يرفع المخاطب له صوته معه فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض ~~الصوت، ويخاطبه بأدب ولين، وتعظيم وتكريم، وإجلال وإعظام، ولا يكون ~~الرسول كأحدهم، بل يميزوه في خطابهم، كما تميز عن غيره في وجوب حقه على ~~الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم ~~القيام بذلك محذورا، وخشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب ~~معه من أسباب [حصول الثواب و] قبول الأعمال. ثم مدح من غض صوته عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بأن الله امتحن قلوبهم للتقوى أي: ابتلاها ~~واختبرها، فظهرت نتيجة ذلك، بأن صلحت قلوبهم للتقوى، ثم وعدهم المغفرة ~~لذنوبهم المتضمنة لزوال الشر والمكروه، والأجر العظيم، الذي لا يعلم وصفه ~~إلا الله تعالى، وفي الأجر العظيم وجود المحبوب، وفي هذا دليل على أن ~~الله يمتحن القلوب، بالأمر والنهي والمحن، فمن لازم أمر الله، واتبع ~~رضاه، وسارع إلى ذلك، وقدمه على هواه، تمحض وتمحص للتقوى، وصار قلبه ~~صالحا لها، ومن لم يكن كذلك، علم أنه لا يصلح للتقوى. ### || [49.4-5] # نزلت هذه الآيات الكريمات في أناس من الأعراب، الذين وصفهم الله تعالى ~~بالجفاء، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، قدموا ~~وافدين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدوه في بيته وحجرات نسائه، ~~فلم يصبروا ويتأدبوا حتى يخرج، بل نادوه: يا محمد يا محمد، [أي: اخرج ~~إلينا]، فذمهم الله بعدم العقل، حيث لم يعقلوا عن الله الأدب مع رسوله ~~واحترامه، كما أن من العقل وعلامته استعمال الأدب. فأدب العبد، عنوان ~~عقله، وأن الله مريد به الخير، ولهذا قال: { ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور ~~رحيم } أي: غفور لما صدر عن عباده من الذنوب والإخلال بالآداب، رحيم ~~بهم، حيث لم ms1488 يعاجلهم بذنوبهم بالعقوبات والمثلات. ### || [49.6] # وهذا أيضا من الآداب التي على أولي الألباب التأدب بها واستعمالها، وهو ~~أنه إذا أخبرهم فاسق بخبر أن يتثبتوا في خبره، ولا يأخذوه مجردا، فإن في ~~ذلك خطرا كبيرا، ووقوعا في الإثم، فإن خبره إذا جعل بمنزلة خبر الصادق ~~العدل، حكم بموجب ذلك ومقتضاه، فحصل من تلف النفوس والأموال بغير حق بسبب ~~ذلك الخبر ما يكون سببا للندامة، بل الواجب عند خبر الفاسق، التثبت ~~والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على ~~كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل على أن خبر الصادق مقبول، وخبر ~~الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا، ولهذا كان السلف يقبلون ~~روايات كثير [من] الخوارج، المعروفين بالصدق، ولو كانوا فساقا. ### || [49.7-8] # أي: ليكن لديكم معلوما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، ~~وهو الرسول الكريم، البار، الراشد، الذي يريد بكم الخير وينصح لكم، ~~وتريدون لأنفسكم من الشر والمضرة ما لا يوافقكم الرسول عليه، ولو يطيعكم ~~في كثير من الأمر لشق عليكم وأعنتكم، ولكن الرسول يرشدكم، والله تعالى ~~يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم، بما أودع الله في قلوبكم من محبة ~~الحق وإيثاره، وبما ينصب على الحق من الشواهد، والأدلة الدالة على صحته، ~~وقبول القلوب والفطر له، وبما يفعله تعالى بكم من توفيقه للإنابة إليه، ~~ويكره إليكم الكفر والفسوق أي: الذنوب الكبار، والعصيان: هي ما دون ذلك ~~من الذنوب، بما أودع في قلوبكم من كراهة الشر، وعدم إرادة فعله، وبما ~~نصبه من الأدلة والشواهد على فساده وعدم قبول الفطر له، وبما يجعله الله ~~من الكراهة في القلوب له. { أولئك } أي: الذين زين الله الإيمان ~~في قلوبهم، وحببه إليهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان { هم ~~الراشدون } أي: الذين صلحت علومهم وأعمالهم، واستقاموا على الدين ~~القويم، والصراط المستقيم. وضدهم الغاوون، الذين حبب إليهم الكفر والفسوق ~~والعصيان، وكره إليهم الإيمان، والذنب ذنبهم، فإنهم لما فسقوا طبع الله ~~على قلوبهم، ولما # زاغوا أزاغ الله قلوبهم # [الصف: 5] ولما ms1489 لم يؤمنوا بالحق لما جاءهم أول مرة، قلب الله أفئدتهم. ~~وقوله: { فضلا من الله ونعمة } أي: ذلك الخير الذي حصل ~~لهم، هو بفضل الله عليهم وإحسانه، لا بحولهم وقوتهم. { والله عليم ~~حكيم } أي: عليم بمن يشكر النعمة فيوفقه لها، ممن لا يشكرها، ولا تليق ~~به، فيضع فضله حيث تقتضيه حكمته. ### || [49.9-10] # هذا متضمن لنهي المؤمنين [عن] أن يبغي بعضهم على بعض، ويقاتل بعضهم ~~بعضا، وأنه إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، فإن على غيرهم من المؤمنين ~~أن يتلافوا هذا الشر الكبير، بالإصلاح بينهم، والتوسط بذلك على أكمل وجه ~~يقع به الصلح، ويسلكوا الطريق الموصلة إلى ذلك، فإن صلحتا فبها ونعمت، ~~وإن { بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } أي: ترجع إلى ما حد ~~الله ورسوله، من فعل الخير وترك الشر، الذي من أعظمه الاقتتال، [وقوله] { ~~فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل } هذا أمر بالصلح، ~~وبالعدل في الصلح، فإن الصلح قد يوجد، ولكن لا يكون بالعدل، بل بالظلم ~~والحيف على أحد الخصمين، فهذا ليس هو الصلح المأمور به، فيجب أن لا يراعى ~~أحدهما لقرابة، أو وطن، أو غير ذلك من المقاصد والأغراض، التي توجب ~~العدول عن العدل، { إن الله يحب المقسطين } أي: العادلين ~~في حكمهم بين الناس وفي جميع الولايات التي تولوها، حتى إنه قد يدخل في ~~ذلك عدل الرجل في أهله وعياله في أدائه حقوقهم، وفي الحديث الصحيح: # " المقسطون عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم ~~وما ولوا ". # { إنما المؤمنون إخوة } هذا عقد عقده الله بين المؤمنين، ~~أنه إذا وجد من أي شخص كان في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب ~~له المؤمنون ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم، ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم آمرا بحقوق الأخوة الإيمانية: # " لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا يبع أحدكم على بيع بعض، ~~وكونوا عباد الله إخوانا، المؤمن أخو المؤمن، لا ms1490 يظلمه، ولا يخذله، ولا ~~يحقره ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وشبك صلى الله عليه وسلم ~~بين أصابعه ". # ولقد أمر الله ورسوله بالقيام بحقوق المؤمنين بعضهم لبعض، وبما به يحصل ~~التآلف والتوادد والتواصل بينهم، كل هذا تأييد لحقوق بعضهم على بعض، فمن ~~ذلك، إذا وقع الاقتتال بينهم، الموجب لتفرق القلوب وتباغضها [وتدابرها]، ~~فليصلح المؤمنون بين إخوانهم، وليسعوا فيما به يزول شنآنهم. ثم أمر ~~بالتقوى عموما، ورتب على القيام بحقوق المؤمنين وبتقوى الله، الرحمة ~~[فقال: { لعلكم ترحمون } ]، وإذا حصلت الرحمة حصل خير الدنيا ~~والآخرة، ودل ذلك على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين، من أعظم حواجب ~~الرحمة. وفي هاتين الآيتين من الفوائد، غير ما تقدم: أن الاقتتال بين ~~المؤمنين مناف للأخوة الإيمانية، ولهذا كان من أكبر الكبائر، وأن الإيمان ~~والأخوة الإيمانية لا تزول مع وجود القتال كغيره من الذنوب الكبار التي ~~دون الشرك، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى وجوب الإصلاح بين ~~المؤمنين بالعدل، وعلى وجوب قتال البغاة حتى يرجعوا إلى أمر الله، وعلى ~~أنهم لو رجعوا لغير أمر الله، بأن رجعوا على وجه لا يجوز الإقرار عليه ~~والتزامه، أنه لا يجوز ذلك، وأن أموالهم معصومة، لأن الله أباح دماءهم ~~وقت استمرارهم على بغيهم خاصة، دون أموالهم. ### || [49.11] # وهذا أيضا من حقوق المؤمنين بعضهم على بعض، أن { لا يسخر قوم ~~من قوم } بكل كلام، وقول، وفعل دال على تحقير الأخ المسلم، فإن ذلك ~~حرام لا يجوز، وهو دال على إعجاب الساخر بنفسه، وعسى أن يكون المسخور به ~~خيرا من الساخر، كما هو الغالب والواقع، فإن السخرية لا تقع إلا من قلب ~~ممتلئ من مساوئ الأخلاق، متحل بكل خلق ذميم، ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ". # ثم قال: { ولا تلمزوا أنفسكم } أي: لا يعب بعضكم على بعض، ~~واللمز بالقول، والهمز بالفعل، وكلاهما منهي عنه حرام، متوعد عليه ~~بالنار. كما قال تعالى: # ويل لكل همزة لمزة # الآية [الهمزة: 1]، وسمى ms1491 الأخ المؤمن نفسا لأخيه، لأن المؤمنين ينبغي ~~أن يكون هكذا حالهم كالجسد الواحد، ولأنه إذا همز غيره، أوجب للغير أن ~~يهمزه، فيكون هو المتسبب لذلك. { ولا تنابزوا بالألقاب } أي: ~~لا يعير أحدكم أخاه، ويلقبه بلقب ذم يكره أن يطلق عليه، وهذا هو ~~التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا. { بئس الاسم ~~الفسوق بعد الإيمان } أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل ~~بشرائعه، وما تقتضيه بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، ~~الذي هو التنابز بالألقاب. { ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون } فهذا [هو] الواجب على العبد، أن يتوب إلى الله تعالى، ~~ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله والاستغفار، والمدح له مقابلة [على] ~~ذمه. { ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون } فالناس ~~قسمان: ظالم لنفسه غير تائب، وتائب مفلح، ولا ثم قسم ثالث غيرهما. ### || [49.12] # نهى الله تعالى عن كثير من الظن السوء بالمؤمنين، ف { إن بعض ~~الظن إثم } وذلك كالظن الخالي من الحقيقة والقرينة، وكظن السوء، ~~الذي يقترن به كثير من الأقوال، والأفعال المحرمة، فإن بقاء ظن السوء ~~بالقلب، لا يقتصر صاحبه على مجرد ذلك، بل لا يزال به، حتى يقول ما لا ~~ينبغي، ويفعل ما لا ينبغي، وفي ذلك أيضا إساءة الظن بالمسلم، وبغضه ~~وعداوته المأمور بخلاف ذلك منه. { ولا تجسسوا } أي: لا تفتشوا عن ~~عورات المسلمين، ولا تتبعوها، واتركوا المسلم على حاله، واستعملوا ~~التغافل عن أحواله، التي إذا فتشت ظهر منها ما لا ينبغي. { ولا يغتب ~~بعضكم بعضا } والغيبة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ذكرك أخاك بما يكره ولو كان فيه ". # ثم ذكر مثلا منفرا عن الغيبة، فقال: { أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه } شبه أكل لحمه ميتا ~~المكروه للنفوس [غاية الكراهة] باغتيابه، فكما أنكم تكرهون أكل لحمه، ~~وخصوصا إذا كان ميتا، فاقد الروح، فكذلك، [فلتكرهوا] غيبته وأكل لحمه ~~حيا. { واتقوا الله إن الله تواب رحيم } والتواب ~~الذي يأذن بتوبة عبده فيوفقه لها، ثم يتوب عليه بقبول توبته، رحيم ~~بعباده، حيث دعاهم إلى ما ms1492 ينفعهم، وقبل منهم التوبة، وفي هذه الآية دليل ~~على التحذير الشديد من الغيبة، وأن الغيبة من الكبائر، لأن الله شبهها ~~بأكل لحم الميت، وذلك من الكبائر. ### || [49.13] # يخبر تعالى أنه خلق بني آدم من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر ~~وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله [تعالى] بث منهما رجالا ~~كثيرا ونساء، وفرقهم، وجعلهم شعوبا وقبائل أي: قبائل صغارا وكبارا، ~~وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك ~~التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق ~~الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبا وقبائل، لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها ~~مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، ولكن الكرم بالتقوى، فأكرمهم عند ~~الله أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة وانكفافا عن المعاصي، لا أكثرهم قرابة ~~وقوما، ولا أشرفهم نسبا، ولكن الله تعالى عليم خبير، يعلم من يقوم منهم ~~بتقوى الله ظاهرا وباطنا، ممن يقوم بذلك ظاهرا لا باطنا، فيجازي كلا ~~بما يستحق. وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب مطلوبة مشروعة، لأن ~~الله جعلهم شعوبا وقبائل لأجل ذلك. ### || [49.14-18] # يخبر تعالى عن مقالة الأعراب الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دخولا من غير بصيرة، ولا قيام بما يجب ويقتضيه ~~الإيمان، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا: آمنا أي: إيمانا كاملا، مستوفيا ~~لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام، فأمر الله رسوله أن يرد عليهم، فقال: { ~~قل لم تؤمنوا } أي: لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان، ظاهرا ~~وباطنا، كاملا. { ولكن قولوا أسلمنا } أي: دخلنا في ~~الإسلام، واقتصروا على ذلك. { و } السبب في ذلك، أنه { لما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم } وإنما آمنتم خوفا، أو رجاء أو نحو ذلك، ~~مما هو السبب في إيمانكم، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم، وفي ~~قوله: { لما يدخل الإيمان في قلوبكم } أي: وقت هذا ~~الكلام الذي صدر منكم، فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك، فإن كثيرا ~~منهم، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي، والجهاد في سبيل الله، ms1493 { وإن ~~تطيعوا الله ورسوله } بفعل خير، أو ترك شر { لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا } أي: لا ينقصكم منها مثقال ذرة، بل يوفيكم ~~إياها أكمل ما تكون لا تفقدون منها صغيرا ولا كبيرا، { إن الله ~~غفور رحيم } أي: غفور لمن تاب إليه وأناب، رحيم به، حيث قبل ~~توبته. { إنما المؤمنون } أي: على الحقيقة { الذين ~~آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله } أي: من جمعوا بين ~~الإيمان والجهاد في سبيله، فإن من جاهد الكفار، دل ذلك على الإيمان ~~التام في القلب، لأن من جاهد غيره على الإسلام، والقيام بشرائعه، فجهاده ~~لنفسه على ذلك، من باب أولى وأحرى ولأن من لم يقو على الجهاد، فإن ذلك ~~دليل على ضعف إيمانه، وشرط تعالى في الإيمان عدم الريب، وهو الشك، لأن ~~الإيمان النافع هو الجزم اليقيني بما أمر الله بالإيمان به، الذي لا ~~يعتريه شك بوجه من الوجوه. وقوله: { أولئك هم الصادقون } ~~أي: الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الجميلة، فإن الصدق دعوى كبيرة في كل ~~شيء يدعى يحتاج صاحبه إلى حجة وبرهان، وأعظم ذلك دعوى الإيمان الذي هو ~~مدار السعادة، والفوز الأبدي، والفلاح السرمدي، فمن ادعاه وقام بواجباته، ~~ولوازمه، فهو الصادق المؤمن حقا، ومن لم يكن كذلك، علم أنه ليس بصادق في ~~دعواه، وليس لدعواه فائدة، فإن الإيمان في القلب لا يطلع عليه إلا الله ~~تعالى. فإثباته ونفيه من باب تعليم الله بما في القلب، وهذا سوء أدب، وظن ~~بالله، ولهذا قال: { قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل ~~شيء عليم } وهذا شامل للأشياء كلها، التي من جملتها ما في القلوب ~~من الإيمان والكفران، والبر والفجور، فإنه تعالى يعلم ذلك كله ويجازي ~~عليه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. # هذه حالة من أحوال من ادعى لنفسه الإيمان وليس به، فإنه إما أن يكون ~~ذلك تعليما لله، وقد علم أنه عالم بكل شيء، وإما أن يكون قصدهم بهذا ~~الكلام المنة على رسوله، وأنهم قد بذلوا ms1494 له [وتبرعوا] بما ليس من ~~مصالحهم، بل هو من حظوظه الدنيوية، وهذا تجمل بما لا يجمل، وفخر بما لا ~~ينبغي لهم أن يفتخروا على رسوله به، فإن المنة لله تعالى عليهم، فكما ~~أنه تعالى يمن عليهم بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته ~~عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء، ~~ولهذا قال تعالى: { يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين }. { إن الله ~~يعلم غيب السموت والأرض } أي: الأمور الخفية فيهما، ~~التي تخفى على الخلق، كالذي في لجج البحار، ومهامه القفار، وما جنه ~~الليل أو واراه النهار، يعلم قطرات الأمطار، وحبات الرمال، ومكنونات ~~الصدور، وخبايا الأمور. # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب ~~مبين # [الأنعام: 59]. { والله بصير بما تعملون } يحصي عليكم ~~أعمالكم، ويوفيكم إياها، ويجازيكم عليها بما تقتضيه رحمته الواسعة وحكمته ~~البالغة. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-4] # يقسم تعالى بالقرآن المجيد أي: وسيع المعاني عظيمها، كثير الوجوه كثير ~~البركات، جزيل المبرات. والمجد: سعة الأوصاف وعظمتها، وأحق كلام يوصف ~~بهذا، هذا القرآن، الذي قد احتوى على علوم الأولين والآخرين، الذي حوى من ~~الفصاحة أكملها، ومن الألفاظ أجزلها، ومن المعاني أعمها وأحسنها، وهذا ~~موجب لكمال اتباعه و [سرعة] الانقياد له، وشكر الله على المنة به. ولكن ~~أكثر الناس لا يقدر نعم الله قدرها، ولهذا قال تعالى: { بل عجبوا ~~} أي: المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، { أن جآءهم منذر ~~منهم } أي: ينذرهم ما يضرهم، ويأمرهم بما ينفعهم، وهو من جنسهم، ~~يمكنهم التلقي عنه، ومعرفة أحواله وصدقه. فتعجبوا من أمر لا ينبغي لهم ~~التعجب منه، بل يتعجب من عقل من تعجب منه. { فقال الكافرون } ~~الذين حملهم كفرهم وتكذيبهم، لا نقص بذكائهم وآرائهم. { هذا شيء ~~عجيب } أي: مستغرب، وهم في هذا الاستغراب بين أمرين: إما صادقون في ~~[استغرابهم و] تعجبهم، فهذا يدل على غاية جهلهم، وضعف عقولهم، بمنزلة ~~المجنون الذي يستغرب ms1495 كلام العاقل، وبمنزلة الجبان الذي يتعجب من لقاء ~~الفارس للفرسان، وبمنزلة البخيل الذي يستغرب سخاء أهل السخاء، فأي ضرر ~~يلحق من تعجب من هذه حاله؟ وهل تعجبه إلا دليل على زيادة ظلمه وجهله؟ ~~وإما أن يكونوا متعجبين، على وجه يعلمون خطأهم فيه، فهذا من أعظم الظلم ~~وأشنعه. ثم ذكر وجه تعجبهم، فقال: { أءذا متنا وكنا ترابا ~~ذلك رجع بعيد } فقاسوا قدرة من هو على كل شيء قدير، الكامل من ~~كل وجه، بقدرة العبد الفقير العاجز من جميع الوجوه، وقاسوا الجاهل الذي ~~لا علم له، بمن هو بكل شيء عليم، الذي يعلم ما تنقص الأرض من أجسادهم مدة ~~مقامهم في برزخهم، وقد أحصى في كتابه الذي هو عنده محفوظ عن التغيير ~~والتبديل، كل ما يجري عليهم في حياتهم ومماتهم، وهذا استدلال بكمال ~~علمه، وسعته التي لا يحيط بها إلا هو، على قدرته على إحياء الموتى. ### || [50.5] # أي: { بل } كلامهم الذي صدر منهم، إنما هو عناد وتكذيب للحق الذي هو ~~أعلى أنواع الصدق { لما جآءهم فهم في أمر مريج } أي: ~~مختلط مشتبه، لا يثبتون على شيء، ولا يستقر لهم قرار، فتارة يقولون عنك ~~إنك ساحر، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وكذلك جعلوا القرآن عضين، كل قال فيه ~~ما اقتضاه رأيه الفاسد، وهكذا كل من كذب بالحق، فإنه في أمر مختلط، لا ~~يدرى له وجهة ولا قرار، [فترى أموره متناقضة مؤتفكة] كما أن من اتبع الحق ~~وصدق به، قد استقام أمره، واعتدل سبيله، وصدق فعله قيله. ### || [50.6-11] # لما ذكر تعالى حالة المكذبين وما ذمهم به، دعاهم إلى النظر في آياته ~~الأفقية، كي يعتبروا، ويستدلوا بها على ما جعلت أدلة عليه فقال: { ~~أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم } أي: لا يحتاج ذلك ~~النظر إلى كلفة وشد رحل، بل هو في غاية السهولة، فينظرون { كيف ~~بنيناها } قبة مستوية الأرجاء، ثابتة البناء، مزينة بالنجوم الخنس، ~~والجوار الكنس، التي ضربت من الأفق إلى الأفق في غاية الحسن والملاحة، لا ~~ترى فيها عيبا، ولا فروجا، ولا خلالا، ولا إخلالا. قد ms1496 جعلها الله ~~سقفا لأهل الأرض، وأودع فيها من مصالحهم الضرورية ما أودع. { و } إلى { ~~الأرض } كيف { مددناها } ووسعناها، حتى أمكن كل حيوان السكون ~~فيها والاستقرار، والاستعداد لجميع مصالحه، وأرساها بالجبال، لتستقر من ~~التزلزل والتموج، { وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } أي: ~~من كل صنف من أصناف النبات التي تسر ناظرها، وتعجب مبصرها، وتقر عين ~~رامقها، لأكل بني آدم، وأكل بهائمهم ومنافعهم، وخص من تلك المنافع ~~بالذكر، الجنات المشتملة على الفواكه اللذيذة، من العنب والرمان والأترج ~~والتفاح، وغير ذلك من أصناف الفواكه، ومن النخيل الباسقات أي: الطوال، ~~التي يطول نفعها وترتفع إلى السماء، حتى تبلغ مبلغا لا يبلغه كثير من ~~الأشجار، فتخرج من الطلع النضيد، في قنوانها ما هو رزق للعباد قوتا ~~وأدما وفاكهة، يأكلون منه ويدخرون، هم ومواشيهم وكذلك ما يخرج الله ~~بالمطر، وما هو أثره من الأنهار التي على وجه الأرض، والتي تحتها من حب ~~الحصيد، أي: من الزرع المحصود، من بر وشعير، وذرة، وأرز، ودخن وغيره. ~~فإن في النظر في هذه الأشياء { تبصرة } يتبصر بها من عمى الجهل، { ~~وذكرى } يتذكر بها، ما ينفع في الدين والدنيا، ويتذكر بها ما أخبر ~~الله به، وأخبرت به رسله، وليس ذلك لكل أحد، بل { لكل عبد ~~منيب } إلى الله أي: مقبل عليه بالحب والخوف والرجاء، وإجابة داعيه، ~~وأما المكذب أو المعرض، فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. وحاصل ~~هذا، أن ما فيها من الخلق الباهر، والشدة والقوة، دليل على كمال قدرة ~~الله تعالى، وما فيها من الحسن والإتقان، وبديع الصنعة، وبديع الخلقة، ~~دليل على أن الله أحكم الحاكمين، وأنه بكل شيء عليم، وما فيها من المنافع ~~والمصالح للعباد، دليل على رحمة الله التي وسعت كل شيء، وجوده الذي عم كل ~~حي، وما فيها من عظم الخلقة وبديع النظام، دليل على أن الله تعالى هو ~~الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له ~~كفوا أحد، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والذل [والحب] إلا له تعالى. وما ms1497 ~~فيها من إحياء الأرض بعد موتها، دليل على إحياء الله الموتى، ليجازيهم ~~بأعمالهم، ولهذا قال: { وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج }. ولما ذكرهم بهذه الآيات السماوية والأرضية، خوفهم أخذات ~~الأمم، وألا يستمروا على ما هم عليه من التكذيب، فيصيبهم ما أصاب ~~إخوانهم من المكذبين، فقال: { كذبت قبلهم قوم نوح ~~وأصحاب... }. ### || [50.12-15] # أي: كذب الذين من قبلهم من الأمم رسلهم الكرام وأنبياءهم العظام، ك " ~~نوح " كذبه قومه، [وثمود كذبوا صالحا]، وعاد، كذبوا " هودا " ، وإخوان ~~لوط كذبوا " لوطا " ، وأصحاب الأيكة كذبوا " شعيبا " ، وقوم تبع، وتبع ~~كل ملك ملك اليمن في الزمان السابق قبل الإسلام فقوم تبع كذبوا الرسول ~~الذي أرسله الله إليهم، ولم يخبرنا الله من هو ذلك الرسول، وأي تبع من ~~التبابعة، لأنه - والله أعلم - كان مشهورا عند العرب لكونهم من العرب ~~العرباء، الذين لا تخفى ماجرياتهم على العرب خصوصا مثل هذه الحادثة ~~العظيمة. فهؤلاء كلهم كذبوا الرسل، الذين أرسلهم الله إليهم، فحق عليهم ~~وعيد الله وعقوبته، ولستم أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم، خيرا ~~منهم، ولا رسلهم أكرم على الله من رسولكم، فاحذروا جرمهم، لئلا يصيبكم ما ~~أصابهم. ثم استدل تعالى بالخلق الأول - وهو المنشأ الأول - على الخلق ~~الآخر، وهو النشأة الآخرة. فكما أنه الذي أوجدهم بعد العدم، كذلك يعيدهم ~~بعد موتهم وصيرورتهم إلى [الرفات] والرمم، فقال: { أفعيينا } أي: ~~أفعجزنا وضعفت قدرتنا { بالخلق الأول }؟ ليس الأمر كذلك، فلم ~~نعجز ونعي عن ذلك، وليسوا في شك من ذلك، وإنما هم في لبس من خلق جديد ~~هذا الذي شكوا فيه، والتبس عليهم أمره، مع أنه لا محل للبس فيه، لأن ~~الإعادة أهون من الابتداء، كما قال تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. ### || [50.16-18] # يخبر تعالى أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم ~~أحواله وما يسره، ويوسوس في صدره، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي ~~هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو ~~الإنسان إلى مراقبة خالقه، المطلع على ms1498 ضميره وباطنه، القريب منه في جميع ~~أحواله، فيستحي منه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره، وكذلك ينبغي له ~~أن يجعل الملائكة الكرام الكاتبين منه على بال، فيجلهم ويوقرهم، ويحذر أن ~~يفعل أو يقول ما يكتب عنه، مما لا يرضي رب العالمين، ولهذا قال: { إذ ~~يتلقى المتلقيان } أي: يتلقيان عن العبد أعماله كلها، واحد ~~{ عن اليمين } يكتب الحسنات، { و } الآخر { عن الشمال } ~~يكتب السيئات، وكل منهما { قعيد } بذلك متهيئ لعمله الذي أعد له، ~~ملازم له { ما يلفظ من قول } خير أو شر { إلا لديه ~~رقيب عتيد } أي: مراقب له، حاضر لحاله، كما قال تعالى: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الانفطار: 10-12]. ### || [50.19-22] # أي: { وجاءت } هذا الغافل المكذب بآيات الله { سكرة الموت ~~بالحق } الذي لا مرد له ولا مناص، { ذلك ما كنت منه ~~تحيد } أي: تتأخر وتنكص عنه، { ونفخ في الصور ذلك يوم ~~الوعيد } أي: اليوم الذي يلحق الظالمين ما أوعدهم الله به من العقاب، ~~والمؤمنين ما وعدهم به من الثواب. { وجآءت كل نفس معها ~~سآئق } يسوقها إلى موقف القيامة، فلا يمكنها أن تتأخر عنه، { ~~وشهيد } يشهد عليها بأعمالها، خيرها وشرها، وهذا يدل على اعتناء الله ~~بالعباد، وحفظه لأعمالهم، ومجازاته لهم بالعدل، فهذا الأمر، مما يجب أن ~~يجعله العبد منه على بال، ولكن أكثر الناس غافلون، ولهذا قال: { لقد ~~كنت في غفلة من هذا } أي: يقال للمعرض المكذب يوم القيامة ~~هذا الكلام توبيخا، ولوما وتعنيفا أي: لقد كنت مكذبا بهذا، تاركا ~~للعمل له فالآن { فكشفنا عنك غطآءك } الذي غطى قلبك، فكثر ~~نومك، واستمر إعراضك، { فبصرك اليوم حديد } ينظر ما يزعجه ~~ويروعه من أنواع العذاب والنكال. أو هذا خطاب من الله للعبد فإنه في ~~الدنيا في غفلة عما خلق له، ولكنه يوم القيامة، ينتبه ويزول عنه وسنه، ~~ولكنه في وقت لا يمكنه أن يتدارك الفارط، ولا يستدرك الفائت، وهذا كله ~~تخويف من الله للعباد، وترهيب، بذكر ما يكون على المكذبين في ذلك اليوم ~~العظيم. ### || [50.23-29] # يقول تعالى: { وقال ms1499 قرينه } أي: قرين هذا المكذب المعرض، من ~~الملائكة، الذين وكلهم الله على حفظه وحفظ أعماله، فيحضره يوم القيامة ~~ويحضر أعماله ويقول: { هذا ما لدي عتيد } أي: قد أحضرت ما ~~جعلت عليه، من حفظه وحفظ عمله، فيجازى بعمله. ويقال لمن استحق النار: { ~~ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } أي: كثير الكفر ~~والعناد لآيات الله، المكثر من المعاصي، المجترئ على المحارم والمآثم. { ~~مناع للخير } أي: يمنع الخير الذي عنده، الذي أعظمه الإيمان ~~بالله [وملائكته] وكتبه ورسله مناع، لنفع ماله وبدنه، { معتد } على ~~عباد الله، وعلى حدوده، { مريب } أي: شاك في وعد الله ووعيده، فلا ~~إيمان ولا إحسان ولكن وصفه الكفر والعدوان، والشك والريب والشح، واتخاذ ~~الآلهة من دون الرحمن، ولهذا قال: { الذي جعل مع الله ~~إلها آخر } أي: عبد معه غيره، ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ~~ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، { فألقياه } أيها الملكان ~~القرينان { في العذاب الشديد } الذي هو معظمها وأشدها وأشنعها. ~~{ قال قرينه } الشيطان، متبرئا منه، حاملا عليه إثمه: { ربنا ~~مآ أطغيته } لأني لم يكن لي عليه سلطان ولا حجة ولا برهان، ولكن ~~كان في الضلال البعيد، فهو الذي ضل وأبعد عن الحق باختياره، كما قال في ~~الآية الأخرى: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم... # الآية [إبراهيم: 22]. قال الله تعالى مجيبا لاختصامهم: { لا ~~تختصموا لدي } أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، { و } الحال ~~أني { وقد قدمت إليكم بالوعيد } أي: جاءتكم رسلي ~~بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم ~~حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب ~~جزاؤها. { ما يبدل القول لدي } أي: لا يمكن أن يخلف ما ~~قاله الله وأخبر به، لأنه لا أصدق من الله قيلا، ولا أصدق حديثا. { ~~ومآ أنا بظلام للعبيد } بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر، ~~فلا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم. ### || [50.30-35] # يقول تعالى ms1500 مخوفا لعباده: { يوم نقول لجهنم هل ~~امتلأت } وذلك من كثرة ما ألقي فيها، { وتقول هل من مزيد ~~} أي: لا تزال تطلب الزيادة من المجرمين العاصين، غضبا لربها، وغيظا ~~على الكافرين. وقد وعدها الله ملأها، كما قال تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] حتى يضع رب العزة عليها قدمه الكريمة المنزهة عن التشبيه، ~~فينزوي بعضها على بعض، وتقول: قط قط، قد اكتفيت وامتلأت. { وأزلفت ~~الجنة } أي: قربت بحيث تشاهد وينظر ما فيها، من النعيم المقيم، ~~والحبرة والسرور، وإنما أزلفت وقربت، لأجل المتقين لربهم، التاركين ~~للشرك، صغيره وكبيره ، الممتثلين لأوامر ربهم، المنقادين له، ويقال لهم ~~على وجه التهنئة: { هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ } ~~أي: هذه الجنة وما فيها مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، هي التي وعد ~~الله كل أواب أي: رجاع إلى الله في جميع الأوقات، بذكره وحبه، ~~والاستعانة به، ودعائه وخوفه ورجائه. { حفيظ } أي: يحافظ على ما أمر ~~الله به، بامتثاله على وجه الإخلاص والإكمال له، على أكمل الوجوه، حفيظ ~~لحدوده. { من خشي الرحمن } أي: خافه على وجه المعرفة بربه، ~~والرجاء لرحمته، ولازم على خشية الله في حال غيبه أي: مغيبه عن أعين ~~الناس، وهذه هي الخشية الحقيقية، وأما خشيته في حال نظر الناس وحضورهم، ~~فقد تكون رياء وسمعة، فلا تدل على الخشية، وإنما الخشية النافعة، خشية ~~الله في الغيب والشهادة ويحتمل أن المراد بخشية الله بالغيب كالمراد ~~بالإيمان بالغيب، وأن هذا مقابل للشهادة حيث يكون الإيمان والخشية ~~ضروريا لا اختياريا، حيث يعاين العذاب وتأتي آيات الله وهذا هو الظاهر. ~~{ وجآء بقلب منيب } أي: وصفه الإنابة إلى مولاه، وانجذاب ~~دواعيه إلى مراضيه، ويقال لهؤلاء الأتقياء الأبرار: { ادخلوها ~~بسلام } أي: دخولا مقرونا بالسلامة من الآفات والشرور، مأمونا فيه ~~جميع مكاره الأمور، فلا انقطاع لنعيمهم ولا كدر ولا تنغيص، { ذلك ~~يوم الخلود } الذي لا زوال له ولا موت، ولا شيء من المكدرات. { ~~لهم ما يشآءون فيها } أي: كل ما تعلقت به مشيئتهم فهو حاصل ~~فيها ولهم فوق ذلك { مزيد } أي: ms1501 ثواب يمدهم به الرحمن الرحيم، مما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأعظم ذلك وأجله وأفضله، ~~النظر إلى وجه الله الكريم، والتمتع بسماع كلامه، والتنعم بقربه، نسأل ~~الله تعالى أن يجعلنا منهم. ### || [50.36-37] # يقول تعالى - مخوفا للمشركين المكذبين للرسول:- { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن } أي: أمما كثيرة هم أشد من هؤلاء بطشا أي: ~~قوة وآثارا في الأرض. ولهذا قال: { فنقبوا في البلاد } أي: ~~بنوا الحصون المنيعة والمنازل الرفيعة، وغرسوا الأشجار، وأجروا الأنهار، ~~وزرعوا، وعمروا، ودمروا، فلما كذبوا رسل الله، وجحدوا آيات الله، ~~أخذهم الله بالعقاب الأليم، والعذاب الشديد، ف { هل من محيص } ~~أي: لا مفر لهم من عذاب الله حين نزل بهم ولا منقذ، فلم تغن عنهم قوتهم، ~~ولا أموالهم، ولا أولادهم. { إن في ذلك لذكرى لمن كان ~~له قلب } أي: قلب عظيم حي ذكي زكي، فهذا إذا ورد عليه شيء من ~~آيات الله، تذكر بها، وانتفع فارتفع، وكذلك من ألقى سمعه إلى آيات الله، ~~واستمعها استماعا يسترشد به، وقلبه { شهيد } أي: حاضر، فهذا له أيضا ~~ذكرى وموعظة، وشفاء وهدى. وأما المعرض، الذي لم يلق سمعه إلى الآيات، ~~فهذا لا تفيده شيئا، لأنه لا قبول عنده، ولا تقتضي حكمة الله هداية من ~~هذا وصفه ونعته. ### || [50.38-40] # وهذا إخبار منه تعالى عن قدرته العظيمة، ومشيئته النافذة، التي أوجد ~~بها أعظم المخلوقات { السموت والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، من غير تعب ولا ~~نصب، ولا لغوب، ولا إعياء، فالذي أوجدها - على كبرها وعظمتها - قادر على ~~إحياء الموتى، من باب أولى وأحرى. { فاصبر على ما يقولون } ~~من الذم لك والتكذيب بما جئت به، واشتغل عنهم واله بطاعة ربك وتسبيحه، ~~أول النهار وآخره، وفي أوقات الليل، وأدبار الصلوات. فإن ذكر الله تعالى ~~مسل للنفس، مؤنس لها، مهون للصبر. ### || [50.41-45] # أي: { واستمع } بقلبك نداء المنادي وهو إسرافيل عليه السلام، حين ~~ينفخ في الصور { من مكان قريب } من الخلق { يوم يسمعون ~~الصيحة } أي: كل الخلائق يسمعون ms1502 تلك الصيحة المزعجة المهولة { ~~بالحق } الذي لا شك فيه ولا امتراء. { ذلك يوم الخروج } ~~من القبور، الذي انفرد به القادر على كل شيء، ولهذا قال: { إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض ~~عنهم } أي: عن الأموات. { سراعا } أي: يسرعون لإجابة الداعي لهم ~~إلى موقف القيامة، { ذلك حشر علينا يسير } أي: هين على ~~الله، يسير لا تعب فيه ولا كلفة، { نحن أعلم بما يقولون } ~~لك مما يحزنك من الأذى، وإذا كنا أعلم بذلك، فقد علمت كيف اعتناؤنا بك، ~~وتيسيرنا لأمورك، ونصرنا لك على أعدائك، فليفرح قلبك، ولتطمئن نفسك، ~~ولتعلم أننا أرحم بك وأرأف من نفسك، فلم يبق لك إلا انتظار وعد الله، ~~والتأسي بأولي العزم من رسل الله، { ومآ أنت عليهم بجبار ~~} أي: مسلط عليهم # إنمآ أنت منذر ولكل قوم هاد # [الرعد: 7] ولهذا قال: { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } ~~والتذكير، [هو] تذكير ما تقرر في العقول والفطر، من محبة الخير وإيثاره، ~~وفعله، ومن بغض الشر ومجانبته، وإنما يتذكر بالتذكير، من يخاف وعيد الله، ~~وأما من لم يخف الوعيد ولم يؤمن به، فهذا فائدة تذكيره إقامة الحجة عليه، ~~لئلا يقول: # ما جآءنا من بشير ولا نذير # [المائدة: 19]. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-6] # هذا قسم من الله الصادق في قيله، بهذه المخلوقات العظيمة التي جعل الله ~~فيها من المصالح والمنافع ما جعل على أن وعده صدق، وأن الدين الذي هو يوم ~~الجزاء والمحاسبة على الأعمال، لواقع لا محالة، ما له من دافع، فإذا أخبر ~~به الصادق العظيم وأقسم عليه، وأقام الأدلة والبراهين عليه، فلم يكذب به ~~المكذبون، ويعرض عن العمل له العاملون. والمراد بالذاريات: هي الرياح ~~التي تذروا في هبوبها { ذروا } بلينها، ولطفها، وقوتها، وإزعاجها، { ~~فالحاملات وقرا } السحاب، تحمل الماء الكثير، الذي ينفع الله به ~~البلاد والعباد، و { فالجاريات يسرا }: النجوم التي تجري على ~~وجه اليسر والسهولة، فتتزين بها السماوات، ويهتدى بها في ظلمات البر ~~والبحر، وينتفع بالاعتبار بها، { فالمقسمات أمرا }: الملائكة ~~التي تقسم الأمر وتدبره بإذن الله، فكل منهم قد جعله ms1503 الله على تدبير أمر ~~من أمور الدنيا وأمور الآخرة، لا يتعدى ما قدر له وما حد ورسم، ولا ~~ينقص منه. ### || [51.7-9] # أي: والسماء ذات الطرائق الحسنة، التي تشبه حبك الرمال، ومياه الغدران، ~~حين يحركها النسيم. { إنكم } أيها المكذبون لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، { لفي قول مختلف } منكم من يقول ساحر، ومنكم من يقول ~~كاهن، ومنكم من يقول مجنون، إلى غير ذلك من الأقوال المختلفة، الدالة على ~~حيرتهم وشكهم، وأن ما هم عليه باطل. { يؤفك عنه من أفك } أي: ~~يصرف عنه من صرف عن الإيمان، وانصرف قلبه عن أدلة الله اليقينية ~~وبراهينه، واختلاف قولهم دليل على فساده وبطلانه، كما أن الحق الذي جاء ~~به محمد صلى الله عليه وسلم، متفق [يصدق بعضه بعضا] لا تناقض فيه ولا ~~اختلاف، وذلك دليل على صحته، وأنه من عند الله # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. ### || [51.10-14] # يقول تعالى: { قتل الخراصون } أي: قاتل الله الذين كذبوا على ~~الله، وجحدوا آياته، وخاضوا بالباطل، ليدحضوا به الحق، الذين يقولون على ~~الله ما لا يعلمون، { الذين هم في غمرة } أي: في لجة من ~~الكفر، والجهل، والضلال، { ساهون } { يسألون } على وجه الشك ~~والتكذيب أيان يبعثون أي: متى يبعثون، مستبعدين لذلك، فلا تسأل عن حالهم ~~وسوء مآلهم { يوم هم على النار يفتنون } أي: يعذبون بسبب ~~ما انطووا عليه من خبث الباطن والظاهر، ويقال [لهم ]: { ذوقوا ~~فتنتكم } أي: العذاب والنار، الذي هو أثر ما افتتنوا به، من ~~الابتلاء الذي صيرهم إلى الكفر والضلال، { هذا } العذاب، الذي وصلتم ~~إليه، [هو] { الذي كنتم به تستعجلون } فالآن تمتعوا ~~بأنواع العقاب والنكال، والسلاسل والأغلال، والسخط والوبال. ### || [51.15-19] # يقول تعالى في ذكر ثواب المتقين وأعمالهم، التي أوصلتهم إلى ذلك الجزاء: ~~{ إن المتقين } أي: الذين كانت التقوى شعارهم، وطاعة الله ~~دثارهم، { في جنات } مشتملات على جميع [أصناف] الأشجار والفواكه ~~التي يوجد لها نظير في الدنيا، والتي لا يوجد لها نظير، مما لم تنظر ~~العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على ms1504 قلوب العباد، { ~~وعيون } سارحة، تشرب منها تلك البساتين، ويشرب بها عباد الله، ~~يفجرونها تفجيرا. { آخذين مآ آتاهم ربهم } يحتمل أن المعنى ~~أن أهل الجنة قد أعطاهم مولاهم جميع مناهم، من جميع أصناف النعيم، فأخذوا ~~ذلك، راضين به، قد قرت به أعينهم، وفرحت به نفوسهم، ولم يطلبوا منه ~~بدلا، ولا يبغون عنه حولا، وكل قد ناله من النعيم ما لا يطلب عليه ~~المزيد، ويحتمل أن هذا وصف المتقين في الدنيا، وأنهم آخذون ما آتاهم ~~الله، من الأوامر والنواهي أي: قد تلقوها بالرحب وانشراح الصدر، منقادين ~~لما أمر الله به، بالامتثال على أكمل الوجوه، ولما نهى عنه، بالانزجار ~~عنه لله، على أكمل وجه، فإن الذي أعطاهم الله من الأوامر والنواهي هو ~~أفضل العطايا، التي حقها أن تتلقى بالشكر [لله] عليها والانقياد. والمعنى ~~الأول ألصق بسياق الكلام، لأنه ذكر وصفهم في الدنيا، وأعمالهم بقوله: { ~~إنهم كانوا قبل ذلك } الوقت الذي وصلوا به إلى النعيم { ~~محسنين } وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم، بأن يعبدوه كأنهم يرونه، ~~فإن لم يكونوا يرونه، فإنه يراهم، وللإحسان إلى عباد الله ببذل النفع ~~والإحسان، من مال، أو علم، أو جاه، أو نصيحة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن ~~منكر، أو غير ذلك من وجوه الإحسان، وطرق الخيرات. حتى إنه يدخل في ذلك، ~~الإحسان بالقول، والكلام اللين، والإحسان إلى المماليك، والبهائم ~~المملوكة وغير المملوكة، ومن أفضل أنواع الإحسان في عبادة الخالق، صلاة ~~الليل، الدالة على الإخلاص، وتواطؤ القلب واللسان، ولهذا قال: { كانوا ~~} أي: المحسنون { قليلا من الليل ما يهجعون } أي: كان ~~هجوعهم أي: نومهم بالليل، قليلا، وأما أكثر الليل، فإنهم قانتون لربهم، ~~ما بين صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وتضرع، { وبالأسحار } التي هي ~~قبيل الفجر { هم يستغفرون } الله تعالى، فمدوا صلاتهم إلى ~~السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل، يستغفرون الله تعالى، استغفار ~~المذنب لذنبه، وللاستغفار بالأسحار فضيلة وخصيصة ليست لغيره، كما قال ~~تعالى في وصف أهل الإيمان والطاعة: # والمستغفرين بالأسحار # [آل عمران: 17] { وفي أموالهم حق } واجب ومستحب { ~~للسآئل والمحروم } أي: للمحتاجين ms1505 الذين يطلبون من الناس، ~~والذين لا يطلبون منهم. ### || [51.20-23] # يقول تعالى - داعيا عباده إلى التفكر والاعتبار -: { وفي الأرض ~~آيات للموقنين } وذلك شامل لنفس الأرض، وما فيها من جبال وبحار ~~وأنهار وأشجار ونبات، تدل المتفكر فيها، المتأمل لمعانيها، على عظمة ~~خالقها، وسعة سلطانه، وعميم إحسانه، وإحاطة علمه، بالظواهر والبواطن. ~~وكذلك في نفس العبد من العبر والحكمة والرحمة ما يدل على أن الله وحده ~~الأحد الفرد الصمد، وأنه لم يخلق الخلق سدى. وقوله: { وفي السمآء ~~رزقكم } أي مادة رزقكم من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني ~~والدنيوي، { وما توعدون } من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل ~~من عند الله كسائر الأقدار، فلما بين الآيات ونبه عليها تنبيها ينتبه به ~~الذكي اللبيب، أقسم تعالى على أن وعده وجزاءه حق، وشبه ذلك بأظهر الأشياء ~~[لنا] وهو النطق، فقال: { فورب السمآء والأرض إنه ~~لحق مثل مآ أنكم تنطقون } فكما لا تشكون في نطقكم، ~~فكذلك لا ينبغي الشك في البعث بعد الموت. ### || [51.24-37] # يقول تعالى: { هل أتاك } أي: أما جاءك { حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين } ونبأهم الغريب العجيب، وهم: الملائكة ~~الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه ~~في صورة أضياف. { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال } ~~مجيبا لهم { سلام } أي: عليكم { قوم منكرون } أي: أنتم قوم ~~منكرون، فأحب أن تعرفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلا بعد ذلك. ولهذا راغ إلى ~~أهله أي: ذهب سريعا في خفية، ليحضر لهم قراهم، { فجآء بعجل ~~سمين * فقربه إليهم } وعرض عليهم الأكل، ف { قال ألا ~~تأكلون * فأوجس منهم خيفة } حين رأى أيديهم لا تصل ~~إليه، { قالوا لا تخف } وأخبروه بما جاؤوا له { وبشروه ~~بغلام عليم } وهو: إسحاق عليه السلام. فلما سمعت المرأة البشارة { ~~أقبلت } فرحة مستبشرة { في صرة } أي: صيحة { فصكت ~~وجهها } وهذا من جنس ما يجري من النساء عند السرور [ونحوه] من ~~الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، { وقالت عجوز عقيم ~~} أي: أنى لي الولد، وأنا عجوز، قد بلغت من السن، ما لا تلد معه ~~النساء، ومع ذلك، فأنا عقيم، ms1506 غير صالح رحمي للولادة أصلا، فثم ~~مانعان، كل منهما مانع من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هود ~~بقولها: # وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب # [هود: 72]. { قالوا كذلك قال ربك } أي: الله الذي قدر ذلك ~~وأمضاه، فلا عجب في قدرة الله تعالى { إنه هو الحكيم ~~العليم } أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسع كل شيء علما فسلموا ~~لحكمه، واشكروه على نعمته. قال لهم إبراهيم عليه السلام: { فما ~~خطبكم أيها المرسلون } الآيات، أي: ما شأنكم وما تريدون؟ ~~لأنه استشعر أنهم رسل، أرسلهم الله لبعض الشئون المهمة. { قالوا ~~إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } وهم قوم لوط، قد أجرموا ~~، أشركوا بالله، وكذبوا رسولهم، وأتوا الفاحشة الشنعاء التي ما سبقهم ~~إليها أحد من العالمين. { لنرسل عليهم حجارة من طين * ~~مسومة عند ربك للمسرفين } أي: معلمة، على كل حجر ~~منها سمة صاحبه، لأنهم أسرفوا وتجاوزوا الحد، فجعل إبراهيم يجادلهم في ~~قوم لوط، لعل الله يدفع عنهم العذاب، فقال الله: # يإبرهيم أعرض عن هذآ إنه قد جآء أمر ~~ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود # [هود: 76]. { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * ~~فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } وهم بيت ~~لوط عليه السلام، إلا امرأته، فإنها من المهلكين. { وتركنا فيهآ ~~آية للذين يخافون العذاب الأليم } يعتبرون بها ~~ويعلمون أن الله شديد العقاب، وأن رسله صادقون مصدقون. فصل في ذكر بعض ما ~~تضمنته هذه القصة من الحكم والأحكام منها: أن من الحكمة، قص الله على ~~عباده نبأ الأخيار والفجار، ليعتبروا بحالهم، وأين وصلت بهم الأحوال. # ومنها: فضل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حيث ابتدأ الله قصته، ~~بما يدل على الاهتمام بشأنها، والاعتناء بها. ومنها: مشروعية الضيافة، ~~وأنها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله هذا النبي وأمته، أن يتبعوا ~~ملته، وساقها الله في هذا الموضع، على وجه المدح له والثناء. ومنها: أن ~~الضيف يكرم بأنواع الإكرام، بالقول والفعل، لأن الله وصف أضياف إبراهيم ~~بأنهم مكرمون أي: أكرمهم إبراهيم، ووصف الله ما صنع بهم من الضيافة، ms1507 ~~قولا وفعلا، ومكرمون أيضا عند الله تعالى. ومنها: أن إبراهيم عليه ~~السلام، قد كان بيته مأوى للطارقين والأضياف، لأنهم دخلوا عليه من غير ~~استئذان، وإنما سلكوا طريق الأدب في الابتداء السلام، فرد عليهم إبراهيم ~~سلاما أكمل من سلامهم وأتم، لأنه أتى به جملة اسمية دالة على الثبوت ~~والاستمرار. ومنها: مشروعية تعرف من جاء إلى الإنسان، أو صار له فيه نوع ~~اتصال، لأن في ذلك، فوائد كثيرة. ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام، ~~حيث قال: { قوم منكرون } ولم يقل: " أنكرتكم " [وبين اللفظين من ~~الفرق ما لا يخفى]. ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها، لأن خير ~~البر عاجله [ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قرى أضيافه]. ومنها: أن الذبيحة ~~الحاضرة، التي قد أعدت لغير الضيف الحاضر، إذا جعلت له، ليس فيها أقل ~~إهانة، بل ذلك من الإكرام، كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أن ~~ضيفه مكرمون. ومنها: ما من الله به على خليله إبراهيم، من الكرم الكثير، ~~وكون ذلك حاضرا عنده، وفي بيته معدا، لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق ~~أو الجيران، أو غير ذلك. ومنها: أن إبراهيم، هو الذي خدم أضيافه، وهو ~~خليل الرحمن، وكبير من ضيف الضيفان. ومنها: أنه قربه إليهم في المكان ~~الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: " تفضلوا، أو ائتوا إليه " ~~لأن هذا أيسر عليهم وأحسن. ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين، ~~خصوصا عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضا لطيفا، ~~وقال: { ألا تأكلون } ولم يقل: " كلوا " ونحوه من الألفاظ، التي ~~غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: { ألا تأكلون } ~~فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة، ما هو المناسب واللائق ~~بالحال، كقوله لأضيافه: " ألا تأكلون " أو: " ألا تتفضلون علينا ~~وتشرفوننا وتحسنون إلينا " ونحوه. ومنها: أن من خاف من الإنسان لسبب من ~~الأسباب، فإن عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمن روعه، ويسكن ~~جأشه، كما قالت الملائكة لإبراهيم [لما خافهم]: { لا تخف } وأخبروه ~~بتلك البشارة السارة، بعد ms1508 الخوف منهم. ومنها: شدة فرح سارة امرأة ~~إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى، من صك وجهها، وصرتها غير المعهودة. ~~ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة، من البشارة بغلام عليم. ### || [51.38-40] # أي: { وفي موسى } وما أرسله الله به إلى فرعون وملئه بالآيات ~~البينات، والمعجزات الظاهرات، آية للذين يخافون العذاب الأليم، فلما أتى ~~موسى بذلك السلطان المبين، فتولى فرعون { بركنه } أي: أعرض بجانبه ~~عن الحق ولم يلتفت إليه، وقدح فيه أعظم القدح، فقالوا: { ساحر أو ~~مجنون } أي: إن موسى، لا يخلو إما أن يكون ساحرا وما أتى به شعبذة ~~ليس من الحق في شيء، وإما أن يكون مجنونا لا يؤخذ بما صدر منه لعدم ~~عقله. هذا، وقد علموا، خصوصا فرعون، أن موسى صادق، كما قال تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم [ظلما وعلوا] # [النمل: 14] وقال موسى لفرعون: # قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السموت والأرض [بصآئر # الآية] [الإسراء: 102]، { فأخذناه وجنوده فنبذناهم ~~في اليم وهو مليم } أي: مذنب طاغ، عات على الله، فأخذه عزيز ~~مقتدر. ### || [51.41-42] # أي { وفي عاد } القبيلة المعروفة آية عظيمة { إذ أرسلنا ~~عليهم الريح العقيم } أي: التي لا خير فيها، حين كذبوا نبيهم ~~هودا عليه السلام، { ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم } أي: كالرميم البالية، فالذي أهلكهم على قوتهم ~~وبطشهم، دليل على [كمال] قوته واقتداره، الذي لا يعجزه شيء، المنتقم ممن ~~عصاه. ### || [51.43-45] # أي { وفي ثمود } [آية عظيمة]، حين أرسل الله إليهم صالحا عليه ~~السلام، فكذبوه وعاندوه، وبعث الله له الناقة آية مبصرة، فلم يزدهم ذلك ~~إلا عتوا ونفورا. فقيل { لهم تمتعوا حتى حين * ~~فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة } أي: ~~الصيحة العظيمة المهلكة { وهم ينظرون } إلى عقوبتهم بأعينهم، { ~~فما استطاعوا من قيام } ينجون به من العذاب، { وما كانوا ~~منتصرين } لأنفسهم. ### || [51.46] # أي: وكذلك ما فعل الله بقوم نوح، حين كذبوا نوحا عليه السلام وفسقوا عن ~~أمر الله، فأرسل الله عليهم السماء والأرض بالماء المنهمر، فأغرقهم الله ~~تعالى [عن آخرهم]، ولم يبق من الكافرين ms1509 ديارا، وهذه عادة الله وسنته، ~~فيمن عصاه. ### || [51.47-51] # يقول تعالى مبينا لقدرته العظيمة: { والسمآء بنينها } أي: ~~خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفا للأرض وما عليها. { بأييد } أي: ~~بقوة وقدرة عظيمة { وإنا لموسعون } لأرجائها وأنحائها، وإنا ~~لموسعون [أيضا] على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه ~~القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من ~~الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها. فسبحان من عم بجوده ~~جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات، { والأرض ~~فرشناها } أي: جعلناها فراشا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق ~~به مصالحهم، من مساكن، وغراس وزرع وحرث وجلوس، وسلوك للطرق الموصلة إلى ~~مقاصدهم ومآربهم، ولما كان الفراش قد يكون صالحا للانتفاع من كل وجه، ~~وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد، على أكمل ~~الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال: { فنعم الماهدون } ~~الذي مهد لعباده ما اقتضته [حكمته]، رحمته وإحسانه، { ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين } [أي: صنفين]، ذكر وأنثى، من كل نوع من أنواع ~~الحيوانات، { لعلكم تذكرون } [لنعم الله التي أنعم بها ~~عليكم] في تقدير ذلك، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات ~~كلها، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها، فيحصل من ذلك ما يحصل من ~~المنافع. فلما دعا العباد النظر لآياته الموجبة لخشيته والإنابة إليه، ~~أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه أي: الفرار مما يكرهه الله ~~ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه، ظاهرا وباطنا، فرار من الجهل إلى العلم، ~~ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، و من الغفلة إلى ذكر ~~الله، فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله وقد زال عنه المرهوب، ~~وحصل له نهاية المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فرارا، لأن في ~~الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب ~~والأمن، [والسرور] والسعادة والفوز، فيفر العبد من قضائه وقدره، إلى ~~قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلا الله تعالى، فإنه بحسب الخوف ~~منه يكون ms1510 الفرار إليه، { إني لكم منه نذير مبين } أي: ~~منذر لكم من عذاب الله، ومخوف بين النذارة. { ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر } هذا من الفرار إلى الله، بل هذا أصل الفرار ~~إليه أن يفر العبد من اتخاذ آلهة غير الله من الأوثان والأنداد والقبور، ~~وغيرها، مما عبد من دون الله، ويخلص العبد لربه العبادة والخوف والرجاء ~~والدعاء والإنابة. ### || [51.52-53] # يقول الله مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب المشركين بالله، ~~المكذبين له، القائلين فيه من الأقوال الشنيعة، ما هو منزه عنه، وأن هذه ~~الأقوال ما زالت دأبا وعادة للمجرمين المكذبين للرسل، فما أرسل الله من ~~رسول إلا رماه قومه بالسحر أو الجنون. يقول الله تعالى: هذه الأقوال التي ~~صدرت منهم - الأولين والآخرين - هل هي أقوال تواصوا بها، ولقن بعضهم ~~بعضا بها؟ فلا يستغرب - بسبب ذلك - اتفاقهم عليها: { بل هم قوم ~~طاغون } تشابهت قلوبهم وأعمالهم بالكفر والطغيان، فتشابهت أقوالهم ~~الناشئة عن طغيانهم؟ وهذا هو الواقع، كما قال تعالى: # وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو ~~تأتينآ آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم تشابهت قلوبهم # [البقرة: 118] وكذلك المؤمنون، لما تشابهت قلوبهم بالإذعان للحق وطلبه، ~~والسعي فيه، بادروا إلى الإيمان برسلهم وتعظيمهم وتوقيرهم وخطابهم ~~بالخطاب اللائق بهم. ### || [51.54-55] # يقول تعالى آمرا رسوله بالإعراض عن المعرضين المكذبين: { فتول ~~عنهم } أي: لا تبال بهم ولا تؤاخذهم، وأقبل على شأنك. فليس عليك لوم ~~في ذنبهم، وإنما عليك البلاغ، وقد أديت ما حملت، وبلغت ما أرسلت به. { ~~وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } والتذكير نوعان: ~~تذكير بما لم يعرف تفصيله، مما عرف مجمله بالفطر والعقول، فإن الله فطر ~~العقول على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق ~~لذلك، فكل ما أمر به ونهى من الشرع، فإنه من التذكير، وتمام التذكير، أن ~~يذكر ما في المأمور به، من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهي عنه من ~~المضار. والنوع الثاني من التذكير: تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكن ~~انسحبت عليه الغفلة والذهول، فيذكرون بذلك، ms1511 ويكرر عليهم ليرسخ في ~~أذهانهم، وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه من ذلك، وليحدث لهم نشاطا وهمة، ~~توجب لهم الانتفاع والارتفاع. وأخبر الله أن الذكرى تنفع المؤمنين، لأن ~~ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة واتباع رضوان الله، يوجب لهم أن ~~تنفع فيهم الذكرى، وتقع الموعظة منهم موقعها، كما قال تعالى: # فذكر إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى * ~~ويتجنبها الأشقى # [الأعلى: 9-11] وأما من ليس له معه إيمان ولا استعداد لقبول التذكير، ~~فهذا لا ينفع تذكيره، بمنزلة الأرض السبخة، التي لا يفيدها المطر شيئا، ~~وهؤلاء الصنف، لو جاءتهم كل آية لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم. ### || [51.56-58] # هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون ~~إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال ~~عليه، والإعراض عما سواه، وذلك يتضمن معرفة الله تعالى، فإن تمام ~~العبادة، متوقف على المعرفة بالله، بل كلما ازداد العبد معرفة لربه، كانت ~~عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه ~~إليهم. فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطمعوه، تعالى الله الغني ~~المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق فقراء إليه، ~~في جميع حوائجهم ومطالبهم، الضرورية وغيرها، ولهذا قال: { إن الله ~~هو الرزاق } أي: كثير الرزق، الذي ما من دابة في الأرض ولا في ~~السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، { ذو القوة ~~المتين } أي: الذي له القوة والقدرة كلها، الذي أوجد بها الأجرام ~~العظيمة، السفلية والعلوية، وبها تصرف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته ~~في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ~~ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم، ومن ~~قدرته وقوته أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، ~~وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في مهامه القفار، ولجج ~~البحار، فلا يفوته منهم أحد، ويعلم ما تنقص الأرض منهم، فسبحان القوي ~~المتين. ### || [51.59-60] # أي: وإن للذين ظلموا وكذبوا محمدا ms1512 صلى الله عليه وسلم من العذاب ~~والنكال { ذنوبا } أي: نصيبا وقسطا، مثل ما فعل بأصحابهم من أهل ~~الظلم والتكذيب. { فلا يستعجلون } بالعذاب، فإن سنة الله في ~~الأمم واحدة، فكل مكذب يدوم على تكذيبه من غير توبة وإنابة، فإنه لا بد ~~أن يقع عليه العذاب، ولو تأخر عنه مدة، ولهذا توعدهم الله بيوم القيامة، ~~فقال: { فويل للذين كفروا من يومهم الذي ~~يوعدون } وهو يوم القيامة، الذي قد وعدوا فيه بأنواع العذاب والنكال ~~والسلاسل والأغلال، فلا مغيث لهم، ولا منقذ من عذاب الله تعالى [نعوذ ~~بالله منه]. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-16] # يقسم تعالى بهذه الأمور العظيمة، المشتملة على الحكم الجليلة، على البعث ~~والجزاء للمتقين والمكذبين، فأقسم بالطور الذي هو الجبل الذي كلم الله ~~عليه نبيه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وأوحى إليه ما أوحى من ~~الأحكام، وفي ذلك من المنة عليه وعلى أمته، ما هو من آيات الله العظيمة، ~~ونعمه التي لا يقدر العباد لها على عد ولا ثمن. { وكتاب مسطور ~~} يحتمل أن المراد به اللوح المحفوظ، الذي كتب الله به كل شيء، ويحتمل أن ~~المراد به القرآن الكريم، الذي هو أفضل كتاب، أنزله الله محتويا على نبأ ~~الأولين والآخرين، وعلوم السابقين واللاحقين. وقوله: { في رق } أي: ~~ورق { منشور } أي: مكتوب مسطر، ظاهر غير خفي، لا تخفى حاله على كل ~~عاقل بصير. { والبيت المعمور } وهو البيت الذي فوق السماء ~~السابعة، المعمور مدى الأوقات بالملائكة الكرام، الذي يدخله كل يوم سبعون ~~ألف ملك [يتعبدون فيه لربهم ثم] ، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة وقيل: ~~إن البيت المعمور هو بيت الله الحرام، المعمور بالطائفين والمصلين ~~والذاكرين كل وقت، وبالوفود إليه بالحج والعمرة. كما أقسم الله به في ~~قوله: # وهذا البلد الأمين # [التين: 3] وحقيق ببيت أفضل بيوت الأرض، الذي قصده بالحج والعمرة، أحد ~~أركان الإسلام، ومبانيه العظام، التي لا يتم إلا بها، وهو الذي بناه ~~إبراهيم وإسماعيل، وجعله الله مثابة للناس وأمنا، أن يقسم الله به، ~~ويبين من عظمته ما هو اللائق به وبحرمته. ms1513 { والسقف المرفوع } ~~أي: السماء، التي جعلها الله سقفا للمخلوقات، وبناء للأرض، تستمد منها ~~أنوارها، ويقتدى بعلاماتها ومنارها، وينزل الله منها المطر والرحمة ~~وأنواع الرزق. { والبحر المسجور } أي: المملوء ماء، قد سجره ~~الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه ~~الأرض، ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش من على وجه ~~الأرض، من أنواع الحيوان وقيل: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد ~~[نارا] يوم القيامة، فيصير نارا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من ~~أصناف العذاب. هذه الأشياء التي أقسم الله بها، مما يدل على أنها من آيات ~~الله وأدلة توحيده، وبراهين قدرته، وبعثه الأموات، ولهذا قال: { إن ~~عذاب ربك لواقع } أي: لا بد أن يقع، ولا يخلف الله وعده ~~وقيله. { ما له من دافع } يدفعه، ولا مانع يمنعه، لأن قدرة الله ~~تعالى لا يغالبها مغالب، ولا يفوتها هارب، ثم ذكر وصف ذلك اليوم، الذي ~~يقع فيه العذاب، فقال: { يوم تمور السمآء مورا } أي: تدور ~~السماء وتضطرب، وتدوم حركتها بانزعاج وعدم سكون، { وتسير الجبال ~~سيرا } أي: تزول عن أماكنها، وتسير كسير السحاب، وتتلون كالعهن ~~المنفوش، وتبث بعد ذلك [حتى تصير] مثل الهباء، وذلك كله لعظم هول يوم ~~القيامة، وفظاعة ما فيه من الأمور المزعجة، والزلازل المقلقة، التي أزعجت ~~هذه الأجرام العظيمة، فكيف بالآدمي الضعيف!؟ { فويل يومئذ ~~للمكذبين } والويل: كلمة جامعة لكل عقوبة وحزن وعذاب وخوف، ثم ~~ذكر وصف المكذبين الذين استحقوا به الويل، فقال: { الذين هم في ~~خوض يلعبون } أي: خوض في الباطل ولعب به. # فعلومهم وبحوثهم بالعلوم الضارة المتضمنة للتكذيب بالحق، والتصديق ~~بالباطل، وأعمالهم أعمال أهل الجهل والسفه واللعب، بخلاف ما عليه أهل ~~التصديق والإيمان من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة. { يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا } أي: يوم يدفعون إليها دفعا، ~~ويساقون إليها سوقا عنيفا، ويجرون على وجوههم، ويقال لهم توبيخا ~~ولوما: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } فاليوم ~~ذوقوا عذاب الخلد الذي لا يبلغ قدره، ولا يوصف أمره. { أفسحر ~~هذا أم ms1514 أنتم لا تبصرون } يحتمل أن الإشارة إلى النار ~~والعذاب، كما يدل عليه سياق الآية أي: لما رأوا النار والعذاب قيل لهم من ~~باب التقريع: " أهذا سحر لا حقيقة له، فقد رأيتموه، أم أنتم في الدنيا لا ~~تبصرون " أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندكم، بل كنتم جاهلين بهذا الأمر، لم ~~تقم عليكم الحجة؟ والجواب انتفاء الأمرين: أما كونه سحرا، فقد ظهر لهم ~~أنه أحق الحق، وأصدق الصدق، المخالف للسحر من جميع الوجوه، وأما كونهم لا ~~يبصرون، فإن الأمر بخلاف ذلك، بل حجة الله قد قامت عليهم، ودعتهم الرسل ~~إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلة والبراهين على ذلك، ما يجعله من أعظم ~~الأمور المبرهنة الواضحة الجلية. ويحتمل أن الإشارة [بقوله: { ~~أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون } ] إلى ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من الحق المبين، والصراط المستقيم أي: هذا ~~الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر أم عدم بصيرة بكم، حتى اشتبه ~~عليكم الأمر، وحقيقة الأمر أنه أوضح من كل شيء وأحق الحق، وأن حجة الله ~~قامت عليهم. { اصلوها } أي: ادخلوا النار على وجه تحيط بكم، وتستوعب ~~جميع أبدانكم، وتطلع على أفئدتكم. { فاصبروا أو لا تصبروا ~~سوآء عليكم } أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئا، ولا يتأسى ~~بعضكم ببعض، ولا يخفف عنكم العذاب، وليست من الأمور التي إذا صبر العبد ~~عليها هانت مشقتها وزالت شدتها. وإنما فعل بهم ذلك، بسبب أعمالهم الخبيثة ~~وكسبهم، [ولهذا قال] { إنما تجزون ما كنتم تعملون }. ### || [52.17-20] # لما ذكر تعالى عقوبة المكذبين، ذكر نعيم المتقين، ليجمع بين الترغيب ~~والترهيب، فتكون القلوب بين الخوف والرجاء، فقال: { إن المتقين ~~} لربهم، الذين اتقوا سخطه وعذابه، بفعل أسبابه من امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي. { في جنات } أي: بساتين، قد اكتست رياضها من ~~الأشجار الملتفة، والأنهار المتدفقة، والقصور المحدقة، والمنازل ~~المزخرفة، { ونعيم } [وهذا] شامل لنعيم القلب والروح والبدن، { ~~فاكهين بمآ آتاهم ربهم } أي: معجبين به، متمتعين على وجه ~~الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن ms1515 وصفه، ولا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب، ~~ونجاهم من المرهوب، لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه. { ~~كلوا واشربوا } أي: مما تشتهيه أنفسكم، من [أصناف] المآكل ~~والمشارب اللذيذة، { هنيئا } أي: متهنئين بتلك المآكل والمشارب على ~~وجه الفرح والسرور والبهجة والحبور. { بما كنتم تعملون } أي: ~~نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة، وأقوالكم المستحسنة. { متكئين ~~على سرر مصفوفة } الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة ~~والاستقرار، والسرر: هي الأرائك المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر ~~والفرش الزاهية. ووصف الله السرر بأنها مصفوفة، ليدل ذلك على كثرتها، ~~وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف كلام بعضهم ~~لبعض، فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال، ~~ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [اللذيذة]، والمجالس الحسنة ~~الأنيقة، لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن، فذكر ~~الله أن لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: ~~{ وزوجناهم بحور عين } وهن النساء اللواتي قد جمعن من جمال ~~الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن ~~الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش شوقا إليهن، ~~ورغبة في وصالهن، والعين: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها ~~وسوادها. ### || [52.21-28] # وهذا من تمام نعيم أهل الجنة، أن ألحق الله [بهم] ذريتهم الذين اتبعوهم ~~بإيمان أي: الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعا ~~لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم ~~أنفسهم، فهؤلاء المذكورون، يلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم ~~يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك، لا ينقص الله ~~الآباء من أعمالهم شيئا، ولما كان ربما توهم متوهم أن أهل النار كذلك، ~~يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم، أخبر أنه ليس حكم الدارين حكما واحدا، ~~فإن النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذب أحدا إلا بذنب، ولهذا ~~قال: { كل امرىء بما كسب رهين } أي: مرتهن بعمله، فلا ms1516 تزر ~~وازرة وزر أخرى، ولا يحمل على أحد ذنب أحد. هذا اعتراض من فوائده إزالة ~~الوهم المذكور. وقوله: { وأمددناهم } أي: أمددنا أهل الجنة من ~~فضلنا الواسع ورزقنا العميم، { بفاكهة } من العنب والرمان والتفاح، ~~وأصناف الفواكه اللذيذة الزائدة على ما به يتقوتون، { ولحم مما ~~يشتهون } من كل ما طلبوه واشتهته أنفسهم، من لحم الطير وغيرها. { ~~يتنازعون فيها كأسا } أي: تدور كاسات الرحيق والخمر عليهم، ~~ويتعاطونها فيما بينهم، وتطوف عليهم الولدان المخلدون بأكواب وأباريق ~~وكأس { لا لغو فيها ولا تأثيم } أي: ليس في الجنة كلام ~~لغو، وهو الذي لا فائدة فيه ولا تأثيم، وهو الذي فيه إثم ومعصية، وإذا ~~انتفى الأمران، ثبت الأمر الثالث، وهو أن كلامهم فيها سلام طيب طاهر، مسر ~~للنفوس، مفرح للقلوب، يتعاشرون أحسن عشرة، ويتنادمون أطيب المنادمة، ولا ~~يسمعون من ربهم، إلا ما يقر أعينهم، ويدل على رضاه عنهم [ومحبته لهم]. { ~~ويطوف عليهم غلمان لهم } أي: خدم شباب { كأنهم ~~لؤلؤ مكنون } من حسنهم وبهائهم، يدورون عليهم بالخدمة وقضاء ما ~~يحتاجون إليه، وهذا يدل على كثرة نعيمهم وسعته، وكمال راحتهم. { ~~وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } عن أمور الدنيا ~~وأحوالها. { قالوا } في [ذكر] بيان الذي أوصلهم إلى ما هم فيه من ~~الحبرة والسرور: { إنا كنا قبل } أي: في دار الدنيا { في ~~أهلنا مشفقين } أي: خائفين وجلين، فتركنا من خوفه الذنوب، ~~وأصلحنا لذلك العيوب. { فمن الله علينا } بالهداية والتوفيق، ~~{ ووقانا عذاب السموم } أي: العذاب الحار الشديد حره. { ~~إنا كنا من قبل ندعوه } أن يقينا عذاب السموم، ويوصلنا إلى ~~النعيم، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة أي: لم نزل نتقرب إليه ~~بأنواع القربات، وندعوه في سائر الأوقات، { إنه هو البر ~~الرحيم } فمن بره بنا ورحمته إيانا، أنالنا رضاه والجنة، ووقانا ~~سخطه والنار. ### || [52.29-43] # يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس، مسلمهم وكافرهم، ~~لتقوم حجة الله على الظالمين، ويهتدي بتذكيره الموفقون، وأنه لا يبالي ~~بقول المشركين المكذبين وأذيتهم وأقوالهم التي يصدون بها الناس عن ~~اتباعه، مع علمهم أنه أبعد الناس ms1517 عنها، ولهذا نفى عنه كل نقص رموه به، ~~فقال: { فمآ أنت بنعمة ربك } أي: منه ولطفه، { بكاهن ~~} أي: له رئي من الجن، يأتيه بأخبار بعض الغيوب، التي يضم إليها مائة ~~كذبة، { ولا مجنون } فاقد للعقل، بل أنت أكمل الناس عقلا، وأبعدهم ~~عن الشياطين، وأعظمهم صدقا، وأجلهم وأكملهم، وتارة { يقولون } فيه: ~~إنه { شاعر } يقول الشعر، والذي جاء به شعر، والله يقول: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له # [يس: 69]. { نتربص به ريب المنون } أي: ننتظر به الموت، ~~فسيبطل أمره، [ونستريح منه]، { قل } لهم جوابا لهذا الكلام السخيف: { ~~تربصوا } أي: انتظروا بي الموت، { فإني معكم من ~~المتربصين } نتربص بكم، أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، أو ~~بأيدينا. { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ أم هم قوم ~~طاغون } أي: أهذا التكذيب لك، والأقوال التي قالوها؟ هل صدرت عن ~~عقولهم وأحلامهم؟ فبئس العقول والأحلام، التي أثرت ما أثرت، وصدر منها ما ~~صدر. فإن عقولا جعلت أكمل الخلق عقلا مجنونا، وأصدق الصدق وأحق الحق ~~كذبا وباطلا، لهي العقول التي ينزه المجانين عنها، أم الذي حملهم ~~على ذلك ظلمهم وطغيانهم؟ وهو الواقع، فالطغيان ليس له حد يقف عليه، فلا ~~يستغرب من الطاغي المتجاوز الحد كل قول وفعل صدر منه. { أم يقولون ~~تقوله } أي: تقول محمد القرآن، وقاله من تلقاء نفسه؟ { بل لا ~~يؤمنون } فلو آمنوا، لم يقولوا ما قالوا. { فليأتوا بحديث ~~مثله إن كانوا صادقين } أنه تقوله، فإنكم العرب الفصحاء، ~~والفحول البلغاء، وقد تحداكم أن تأتوا بمثله، فتصدق معارضتكم أو تقروا ~~بصدقه، وأنكم لو اجتمعتم، أنتم والإنس والجن، لم تقدروا على معارضته ~~والإتيان بمثله، فحينئذ أنتم بين أمرين: إما مؤمنون به، مهتدون بهديه، ~~وإما معاندون متبعون لما علمتم من الباطل. { أم خلقوا من غير ~~شيء أم هم الخالقون } وهذا استدلال عليهم، بأمر لا يمكنهم ~~فيه إلا التسليم للحق، أو الخروج عن موجب العقل والدين، وبيان ذلك: أنهم ~~منكرون لتوحيد الله، مكذبون لرسوله، وذلك مستلزم لإنكار أن الله خلقهم. ~~وقد تقرر في العقل مع الشرع، أن الأمور لا يخلو من ms1518 أحد ثلاثة أمور: إما ~~أنهم خلقوا من غير شيء أي: لا خالق خلقهم، بل وجدوا من غير إيجاد ولا ~~موجد، وهذا عين المحال. أم هم الخالقون لأنفسهم، وهذا أيضا محال، فإنه ~~لا يتصور أن يوجدوا أنفسهم. فإذا بطل [هذان] الأمران، وبان استحالتهما، ~~تعين [القسم الثالث] أن الله الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله ~~تعالى هو المعبود وحده، الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى. # وقوله: { أم خلقوا السماوات والأرض } وهذا استفهام يدل ~~على تقرير النفي أي: ما خلقوا السماوات والأرض، فيكونوا شركاء لله، وهذا ~~أمر واضح جدا. ولكن المكذبين { لا يوقنون } أي: ليس عندهم علم ~~تام، ويقين يوجب لهم الانتفاع بالأدلة الشرعية والعقلية. { أم ~~عندهم خزآئن ربك أم هم المصيطرون } أي: أعند ~~هؤلاء المكذبين خزائن رحمة ربك، فيعطون من يشاؤون ويمنعون من يريدون؟ أي: ~~فلذلك حجروا على الله أن يعطي النبوة عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، وكأنهم الوكلاء المفوضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقر وأذل من ~~ذلك، فليس في أيديهم لأنفسهم نفع ولا ضر، ولا موت ولا حياة ولا نشور. # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا # [الزخرف: 32]. { أم هم المصيطرون } أي: المتسلطون على خلق ~~الله وملكه، بالقهر والغلبة؟ ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء، { ~~أم لهم سلم يستمعون فيه } أي: ألهم اطلاع على الغيب، ~~واستماع له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمور لا يعلمها غيرهم؟ { ~~فليأت مستمعهم } المدعي لذلك { بسلطان مبين } وأنى ~~له ذلك؟ والله تعالى عالم الغيب والشهادة، فلا يظهر على غيبه [أحدا] إلا ~~من ارتضى من رسول يخبره بما أراد من علمه. وإذا كان محمد صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به، من توحيد ~~الله، ووعده، ووعيده، وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذبون هم أهل ~~الجهل والضلال والغي والعناد، فأي المخبرين أحق بقبول خبره؟ خصوصا ~~والرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام من الأدلة والبراهين على ما أخبر به، ms1519 ~~ما يوجب أن يكون خبره عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يقيموا على ما ~~ادعوه شبهة، فضلا عن إقامة حجة. وقوله: { أم له البنات } كما ~~زعمتم { ولكم البنون } فتجمعون بين المحذورين؟ جعلكم له الولد، ~~واختياركم له أنقص الصنفين؟ فهل بعد هذا التنقص لرب العالمين غاية أو ~~دونه نهاية؟ { أم تسألهم } يا أيها الرسول { أجرا } على تبليغ ~~الرسالة، { فهم من مغرم مثقلون } ليس الأمر كذلك، بل أنت ~~الحريص على تعليمهم، تبرعا من غير شيء، بل تبذل لهم الأموال الجزيلة، ~~على قبول رسالتك، والاستجابة [لأمرك و] دعوتك، وتعطي المؤلفة قلوبهم ~~[ليتمكن العلم والإيمان من قلوبهم]. { أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون } ما كانوا يعلمونه من الغيوب، فيكونون قد اطلعوا على ما لم ~~يطلع عليه رسول الله، فعارضوه وعاندوه بما عندهم من علم الغيب؟ وقد علم ~~أنهم الأمة الأمية، الجهال الضالون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي عنده من العلم أعظم من غيره، وأنبأه الله من علم الغيب على ما لم ~~يطلع عليه أحدا من الخلق، وهذا كله إلزام لهم بالطرق العقلية ~~والنقلية على فساد قولهم، وتصوير بطلانه بأحسن الطرق وأوضحها وأسلمها من ~~الاعتراض، وقوله: { أم يريدون } بقدحهم فيك وفيما جئتهم به { ~~كيدا } يبطلون به دينك، ويفسدون به أمرك؟ { فالذين كفروا ~~هم المكيدون } أي: كيدهم في نحورهم، ومضرته عائدة إليهم، وقد فعل ~~الله ذلك - ولله الحمد - فلم يبق الكفار من مقدورهم من المكر شيئا ~~إلا فعلوه، فنصر الله نبيه ودينه عليهم، وخذلهم وانتصر منهم. # { أم لهم إله غير الله } أي: ألهم إله يدعى ويرجى نفعه، ~~ويخاف من ضره، غير الله تعالى؟ { سبحان الله عما يشركون } ~~فليس له شريك في الملك، ولا شريك في الوحدانية والعبادة، وهذا هو المقصود ~~من الكلام الذي سيق لأجله، وهو بطلان عبادة ما سوى الله وبيان فسادها ~~بتلك الأدلة القاطعة، وأن ما عليه المشركون هو الباطل، وأن الذي ينبغي أن ~~يعبد ويصلى له ويسجد ويخلص له دعاء العبادة ودعاء المسألة، هو الله ~~المألوه المعبود، كامل الأسماء والصفات، كثير ms1520 النعوت الحسنة، والأفعال ~~الجميلة، ذو الجلال والإكرام، والعز الذي لا يرام، الواحد الأحد، الفرد ~~الصمد، الكبير الحميد المجيد. ### || [52.44-46] # يقول تعالى في [ذكر] بيان أن المشركين المكذبين بالحق الواضح، قد عتوا ~~[عن الحق] وعسوا على الباطل، وأنه لو قام على الحق كل دليل لما اتبعوه، ~~ولخالفوه وعاندوه، { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا } ~~أي: لو سقط عليهم من السماء من الآيات الباهرة كسف أي: قطع كبار من ~~العذاب { يقولوا سحاب مركوم } أي: هذا سحاب متراكم على ~~العادة أي: فلا يبالون بما رأوا من الآيات ولا يعتبرون بها، وهؤلاء لا ~~دواء لهم إلا العذاب والنكال، ولهذا قال: { فذرهم حتى ~~يلقوا يومهم الذي فيه يصعقون } وهو يوم القيامة ~~الذي يصيبهم [فيه] من العذاب والنكال، ما لا يقادر قدره، ولا يوصف أمره. ~~{ يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا } أي: لا قليلا ولا ~~كثيرا، وإن كان في الدنيا قد يوجد منهم كيد يعيشون به زمنا قليلا، ~~فيوم القيامة يضمحل كيدهم، وتبطل مساعيهم، ولا ينتصرون من عذاب الله { ~~ولا هم ينصرون }. ### || [52.47-49] # لما ذكر [الله] عذاب الظالمين في القيامة، أخبر أن لهم عذابا دون عذاب ~~يوم القيامة، وذلك شامل لعذاب الدنيا، بالقتل والسبي والإخراج من الديار، ~~ولعذاب البرزخ والقبر، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أي: ~~فلذلك أقاموا على ما يوجب العذاب، وشدة العقاب. ولما بين تعالى الحجج ~~والبراهين على بطلان أقوال المكذبين، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~يعبأ بهم شيئا، وأن يصبر لحكم ربه القدري والشرعي بلزومه والاستقامة ~~عليه، ووعده الله بالكفاية بقوله: { فإنك بأعيننا } أي: بمرأى ~~منا وحفظ، واعتناء بأمرك، وأمره أن يستعين على الصبر بالذكر والعبادة، ~~فقال: { وسبح بحمد ربك حين تقوم } أي: من الليل. ففيه ~~الأمر بقيام الليل، أو حين تقوم إلى الصلوات الخمس، بدليل قوله: { ومن ~~الليل فسبحه وإدبار النجوم } أي: آخر الليل، ويدخل ~~فيه صلاة الفجر، والله أعلم. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-18] # يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي: سقوطه في الأفق في آخر الليل عند ~~إدبار الليل وإقبال ms1521 النهار، لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن ~~أقسم به، والصحيح أن النجم، اسم جنس شامل للنجوم كلها، وأقسم بالنجوم على ~~صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي، لأن في ذلك ~~مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة للسماء، فكذلك الوحي ~~وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة ~~أشد من الليل البهيم. والمقسم عليه، تنزيه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ~~الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، ~~هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة، بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد ~~العلم، وفساد القصد، وقال { صاحبكم } لينبههم على ما يعرفونه منه، ~~من الصدق والهداية، وأنه لا يخفى عليهم أمره، { وما ينطق عن ~~الهوى } أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه، { إن هو إلا وحي ~~يوحى } أي: لا يتبع إلا ما أوحى الله إليه من الهدى والتقوى، في نفسه ~~وفي غيره. ودل هذا على أن السنة وحي من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، ~~كما قال تعالى: # وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة # [النساء: 113] وأنه معصوم فيما يخبر به عن الله تعالى وعن شرعه، لأن ~~كلامه لا يصدر عن هوى، وإنما يصدر عن وحي يوحى، ثم ذكر المعلم للرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وهو جبريل [عليه السلام]، أفضل الملائكة [الكرام] ~~وأقواهم وأكملهم، فقال: { علمه [شديد القوى] } أي: نزل ~~بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، { شديد ~~القوى } أي: شديد القوة الظاهرة والباطنة، قوي على تنفيذ ما أمره ~~الله بتنفيذه، قوي على إيصال الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنعه ~~من اختلاس الشياطين له، أو إدخالهم فيه ما ليس منه، وهذا من حفظ الله ~~لوحيه، أن أرسله مع هذا الرسول القوي الأمين. { ذو مرة } أي: قوة، ~~وخلق حسن، وجمال ظاهر وباطن. { فاستوى } جبريل عليه السلام { وهو ~~بالأفق الأعلى } أي: أفق السماء الذي هو أعلى من الأرض، فهو من ~~الأرواح ms1522 العلوية، التي لا تنالها الشياطين ولا يتمكنون من الوصول إليها. ~~{ ثم دنا } جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم، لإيصال الوحي إليه. ~~{ فتدلى } عليه من الأفق الأعلى { فكان } في قربه منه { قاب ~~قوسين } أي: قدر قوسين، والقوس معروف، { أو أدنى } أي: أقرب ~~من القوسين، وهذا يدل على كمال المباشرة للرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالرسالة، وأنه لا واسطة بينه وبين جبريل عليه السلام. { فأوحى } ~~الله بواسطة جبريل عليه السلام { إلى عبده } محمد صلى الله عليه ~~وسلم { مآ أوحى } أي: الذي أوحاه إليه من الشرع العظيم، والنبأ ~~المستقيم. # { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي: اتفق فؤاد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ورؤيته على الوحي الذي أوحاه الله إليه، وتواطأ عليه سمعه ~~وقلبه وبصره، وهذا دليل على كمال الوحي الذي أوحاه الله إليه، وأنه تلقاه ~~منه تلقيا لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب، فلم يكذب فؤاده ما رأى بصره، ولم ~~يشك بذلك. ويحتمل أن المراد بذلك ما رأى صلى الله عليه وسلم ليلة أسري ~~به، من آيات الله العظيمة، وأنه تيقنه حقا بقلبه ورؤيته، هذا [هو] ~~الصحيح في تأويل الآية الكريمة، وقيل: إن المراد بذلك رؤية الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لربه ليلة الإسراء، وتكليمه إياه، وهذا اختيار كثير من ~~العلماء رحمهم الله، فأثبتوا بهذا رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه ~~في الدنيا، ولكن الصحيح القول الأول، وأن المراد به جبريل عليه السلام، ~~كما يدل عليه السياق، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته ~~الأصلية [التي هو عليها] مرتين، مرة في الأفق الأعلى، تحت السماء الدنيا ~~كما تقدم، والمرة الثانية فوق السماء السابعة ليلة أسري برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولهذا قال: { ولقد رآه نزلة أخرى } أي: ~~رأى محمد جبريل مرة أخرى، نازلا إليه. { عند سدرة المنتهى } ~~وهي شجرة عظيمة جدا، فوق السماء السابعة، سميت سدرة المنتهى، لأنه ينتهي ~~إليها ما يعرج من الأرض، وينزل إليها ما ينزل من الله، من الوحي وغيره، ~~أو لانتهاء علم ms1523 الخلق إليها أي: لكونها فوق السماوات والأرض، فهي المنتهى ~~في علوها، أو لغير ذلك، والله أعلم. فرأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل ~~في ذلك المكان، الذي هو محل الأرواح العلوية الزاكية الجميلة، التي لا ~~يقربها شيطان ولا غيره من الأرواح الخبيثة. عند تلك الشجرة { جنة ~~المأوى } أي: الجنة الجامعة لكل نعيم، بحيث كانت محلا تنتهي إليه ~~الأماني، وترغب فيه الإرادات، وتأوي إليها الرغبات، وهذا دليل على أن ~~الجنة في أعلى الأماكن، وفوق السماء السابعة. { إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى } أي: يغشاها من أمر الله، شيء عظيم لا يعلم ~~وصفه إلا الله عز وجل. { ما زاغ البصر وما طغى } أي: ما زاغ ~~يمنة ولا يسرة عن مقصوده { وما طغى } أي: وما تجاوز البصر، وهذا ~~كمال الأدب منه صلوات الله وسلامه عليه، أن قام مقاما أقامه الله فيه، ~~ولم يقصر عنه ولا تجاوزه ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون من الأدب ~~العظيم، الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه ~~الأمور: إما أن لا يقوم العبد بما أمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، ~~أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا، وهذه الأمور كلها ~~منتفية عنه صلى الله عليه وسلم. { لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى } من الجنة والنار، وغير ذلك من الأمور التي رآها صلى الله ~~عليه وسلم ليلة أسري به. ### || [53.19-25] # لما زكى تعالى ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، ~~والأمر بعبادة الله وتوحيده، ذكر بطلان ما عليه المشركون من عبادة من ليس ~~له من أوصاف الكمال شيء، ولا تنفع ولا تضر، وإنما هي أسماء فارغة عن ~~المعنى، سماها المشركون هم وآباؤهم الجهال الضلال، ابتدعوا لها من ~~الأسماء الباطلة التي لا تستحقها، فخدعوا بها أنفسهم وغيرهم من الضلال، ~~فالآلهة التي بهذه الحال، لا تستحق مثقال ذرة من العبادة، وهذه الأنداد ~~التي سموها بهذه الأسماء، زعموا أنها مشتقة من أوصاف هي متصفة بها، فسموا ~~" اللات " من " الإله ms1524 " المستحق للعبادة، و " العزى " من " العزيز " و " ~~مناة " من " المنان " ، إلحادا في أسماء الله وتجريا على الشرك به، ~~وهذه أسماء متجردة عن المعاني، فكل من له أدنى مسكة من عقل، يعلم بطلان ~~هذه الأوصاف فيها. { ألكم الذكر وله الأنثى } أي: أتجعلون ~~لله البنات بزعمكم، ولكم البنون؟ { تلك إذا قسمة ضيزى } أي: ~~ظالمة جائرة، [وأي ظلم أعظم من قسمة] تقتضي تفضيل العبد المخلوق على ~~الخالق؟ [تعالى عن قولهم علوا كبيرا]. وقوله: { إن هي إلا ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله ~~بها من سلطان } أي: من حجة وبرهان على صحة مذهبكم، وكل أمر ما ~~أنزل الله به من سلطان، فهو باطل فاسد، لا يتخذ دينا، وهم - في أنفسهم - ~~ليسوا بمتبعين لبرهان، يتيقنون به ما ذهبوا إليه، وإنما دلهم على قولهم، ~~الظن الفاسد، والجهل الكاسد، وما تهواه أنفسهم من الشرك، والبدع الموافقة ~~لأهويتهم، والحال أنه لا موجب لهم يقتضي اتباعهم الظن، من فقد العلم ~~والهدى، ولهذا قال تعالى: { ولقد جآءهم من ربهم الهدى ~~} أي: الذي يرشدهم في باب التوحيد والنبوة، وجميع المطالب التي يحتاج ~~إليها العباد، فكلها قد بينها الله أكمل بيان وأوضحه، وأدله على ~~المقصود، وأقام عليه من الأدلة والبراهين، ما يوجب لهم ولغيرهم اتباعه، ~~فلم يبق لأحد عذر ولا حجة من بعد البيان والبرهان، وإذا كان ما هم عليه، ~~غايته اتباع الظن، ونهايته الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، فالبقاء على ~~هذه الحال، من أسفه السفه، وأظلم الظلم، ومع ذلك يتمنون الأماني، ويغترون ~~بأنفسهم. ولهذا أنكر تعالى على من زعم أنه يحصل له ما تمنى وهو كاذب في ~~ذلك، فقال: { أم للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة ~~والأولى } فيعطي منهما من يشاء، ويمنع من يشاء، فليس الأمر تابعا ~~لأمانيهم، ولا موافقا لأهوائهم. ### || [53.26] # يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الملائكة وغيرهم، وزعم أنها تنفعه ~~وتشفع له عند الله يوم القيامة: { وكم من ملك في السموت ~~} من الملائكة المقربين، وكرام الملائكة، { لا تغني شفاعتهم ~~شيئا } أي: لا تفيد من دعاها وتعلق بها ms1525 ورجاها، { إلا من بعد ~~أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى } أي: لا بد من اجتماع ~~الشرطين: إذنه تعالى في الشفاعة، ورضاه عن المشفوع له. ومن المعلوم ~~المتقرر، أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجه الله، موافقا فيه ~~صاحبه الشريعة، فالمشركون إذا لا نصيب لهم من شفاعة الشافعين، وقد سدوا ~~على أنفسهم رحمة أرحم الراحمين. ### || [53.27-30] # يعني أن المشركين بالله المكذبين لرسله، الذين لا يؤمنون بالآخرة، وبسبب ~~عدم إيمانهم بالآخرة تجرؤوا على ما تجرؤوا عليه، من الأقوال، والأفعال ~~المحادة لله ولرسوله، من قولهم: " الملائكة بنات الله " ، فلم ينزهوا ~~ربهم عن الولادة، ولم يكرموا الملائكة ويجلوهم عن تسميتهم إياهم إناثا، ~~والحال أنه ليس لهم بذلك علم، لا عن الله، ولا عن رسوله، ولا دلت على ~~ذلك الفطر والعقول، بل العلم كله دال على نقيض قولهم، وأن الله منزه عن ~~الأولاد والصاحبة، لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم ~~يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأن الملائكة كرام مقربون إلى الله، قائمون ~~بخدمته # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] والمشركون إنما يتبعون في ذلك القول القبيح، وهو الظن الذي ~~لا يغني من الحق شيئا، فإن الحق لا بد فيه من اليقين المستفاد من ~~الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. ولما كان هذا دأب هؤلاء المذكورين ~~أنهم لا غرض لهم في اتباع الحق، وإنما غرضهم ومقصودهم، ما تهواه نفوسهم، ~~أمر الله رسوله بالإعراض عمن تولى عن ذكره، الذي هو الذكر الحكيم، ~~والقرآن العظيم، والنبأ الكريم، فأعرض عن العلوم النافعة، ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا، فهذا منتهى إرادته، ومن المعلوم أن العبد لا يعمل إلا ~~للشيء الذي يريده، فسعيهم مقصور على الدنيا ولذاتها وشهواتها، كيف حصلت ~~حصلوها، وبأي: طريق سنحت ابتدروها، { ذلك مبلغهم من ~~العلم } أي: هذا منتهى علمهم وغايته، وأما المؤمنون بالآخرة، ~~المصدقون بها، أولو الألباب والعقول، فهمتهم وإرادتهم للدار الآخرة، ~~وعلومهم أفضل العلوم وأجلها، وهو العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم، والله ms1526 تعالى أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ممن لا ~~يستحق ذلك فيكله إلى نفسه، ويخذله، فيضل عن سبيل الله، ولهذا قال تعالى: ~~{ لعلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بمن اهتدى } فيضع فضله حيث يعلم المحل اللائق به. ### || [53.31-32] # يخبر تعالى أنه مالك الملك، المتفرد بملك الدنيا والآخرة، وأن جميع من ~~في السماوات والأرض ملك لله، يتصرف فيهم تصرف الملك العظيم، في عبيده ~~ومماليكه، ينفذ فيهم قدره، ويجري عليهم شرعه، ويأمرهم وينهاهم، ويجزيهم ~~على ما أمرهم به ونهاهم [عنه]، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي، ليجزي الذين ~~أساؤوا العمل السيئات من الكفر فما دونه بما عملوا من أعمال الشر ~~بالعقوبة البليغة. { ويجزي الذين أحسنوا } في عبادة الله ~~تعالى، وأحسنوا إلى خلق الله، بأنواع المنافع { بالحسنى } أي: ~~بالحالة الحسنة في الدنيا والآخرة، وأكبر ذلك وأجله رضا ربهم، والفوز ~~بنعيم الجنة. ثم ذكر وصفهم فقال: { الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش } أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، ~~التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرمات الكبار، كالزنا، وشرب ~~الخمر، وأكل الربا، والقتل، ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، { إلا ~~اللمم } وهي الذنوب الصغار، التي لا يصر صاحبها عليها، أو التي يلم ~~بها العبد، المرة بعد المرة، على وجه الندرة والقلة، فهذه ليس مجرد ~~الإقدام عليها مخرجا للعبد من أن يكون من المحسنين، فإن هذه مع الإتيان ~~بالواجبات وترك المحرمات، تدخل تحت مغفرة الله التي وسعت كل شيء، ولهذا ~~قال: { إن ربك واسع المغفرة } فلولا مغفرته لهلكت البلاد ~~والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها ~~من دابة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما ~~بينهن، ما اجتنبت الكبائر " # ، [وقوله:] { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض ~~وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم } أي: هو تعالى ~~أعلم بأحوالكم كلها، وما جبلكم عليه، من الضعف والخور، عن كثير مما أمركم ~~الله به، ومن كثرة الدواعي إلى بعض المحرمات، وكثرة ms1527 الجواذب إليها، وعدم ~~الموانع القوية، والضعف موجود مشاهد منكم حين أنشاكم الله من الأرض، وإذ ~~كنتم في بطون أمهاتكم، ولم يزل موجودا فيكم، وإن كان الله تعالى قد أوجد ~~فيكم قوة على ما أمركم به، ولكن الضعف لم يزل، فلعلمه تعالى بأحوالكم ~~هذه، ناسبت الحكمة الإلهية والجود الرباني، أن يتغمدكم برحمته ومغفرته ~~وعفوه، ويغمركم بإحسانه، ويزيل عنكم الجرائم والمآثم، خصوصا إذا كان ~~العبد مقصوده مرضاة ربه في جميع الأوقات، وسعيه فيما يقرب إليه في أكثر ~~الآنات، وفراره من الذنوب التي يتمقت بها عند مولاه، ثم تقع منه الفلتة ~~بعد الفلتة، فإن الله تعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، أرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها، فلا بد لمثل هذا أن يكون من مغفرة ربه قريبا، وأن ~~يكون الله له في جميع أحواله مجيبا، ولهذا قال تعالى: { فلا ~~تزكوا أنفسكم } أي: تخبرون الناس بطهارتها على وجه التمدح. { ~~هو أعلم بمن اتقى } [فإن التقوى، محلها القلب، والله هو ~~المطلع عليه، المجازي على ما فيه من بر وتقوى، وأما الناس، فلا يغنون ~~عنكم من الله شيئا]. ### || [53.33-62] # إلى آخر السورة يقول تعالى: { أفرأيت } قبح حالة من أمر بعبادة ~~ربه وتوحيده، فتولى عن ذلك وأعرض عنه؟ فإن سمحت نفسه ببعض الشيء، القليل، ~~فإنه لا يستمر عليه، بل يبخل ويكدى ويمنع. فإن المعروف ليس سجية له ~~وطبيعة، بل طبعه التولي عن الطاعة، وعدم الثبوت على فعل المعروف، ومع ~~هذا، فهو يزكي نفسه، وينزلها غير منزلتها التي أنزلها الله بها. { ~~أعنده علم الغيب فهو يرى } الغيب ويخبر به، أم هو متقول ~~على الله، متجرئ على الجمع بين الإساءة والتزكية كما هو الواقع، لأنه قد ~~علم أنه ليس عنده علم من الغيب، وأنه لو قدر أنه ادعى ذلك فالإخبارات ~~القاطعة عن علم الغيب التي على يد النبي المعصوم، تدل على نقيض قوله، ~~وذلك دليل على بطلانه. { أم لم ينبأ } هذا المدعي { بما في ~~صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى } أي: قام بجميع ما ~~ابتلاه الله به، وأمره به من الشرائع وأصول ms1528 الدين وفروعه، وفي تلك الصحف ~~أحكام كثيرة من أهمها ما ذكره الله بقوله: { ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } أي: كل ~~عامل له عمله الحسن والسيئ، فليس له من عمل غيره وسعيهم شيء، ولا يتحمل ~~أحد عن أحد ذنبا، { وأن سعيه سوف يرى } في الآخرة فيميز ~~حسنه من سيئه، { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } أي: المستكمل ~~لجميع العمل الحسن الخالص بالحسنى، والسيئ الخالص بالسوأى، والمشوب ~~بحسبه، جزاء تقر بعدله وإحسانه الخليقة كلها، وتحمد الله عليه، حتى إن ~~أهل النار ليدخلون النار، وإن قلوبهم مملوءة من حمد ربهم، والإقرار له ~~بكمال الحكمة ومقت أنفسهم، وأنهم الذين أوصلوا أنفسهم وأوردوها شر ~~الموارد، وقد استدل بقوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } من يرى أن القرب لا يفيد إهداؤها للأحياء ولا للأموات قالوا ~~لأن الله قال: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فوصول ~~سعي غيره إليه مناف لذلك، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن الآية إنما تدل ~~على أنه ليس للإنسان إلا ما سعى بنفسه، وهذا حق لا خلاف فيه، وليس فيها ~~ما يدل على أنه لا ينتفع بسعي غيره، إذا أهداه ذلك الغير له، كما أنه ليس ~~للإنسان من المال إلا ما هو في ملكه وتحت يده، ولا يلزم من ذلك، أن لا ~~يملك ما وهبه له الغير من ماله الذي يملكه. وقوله: { وأن إلى ~~ربك المنتهى } أي: إليه تنتهي الأمور، وإليه تصير الأشياء ~~والخلائق بالبعث والنشور، وإلى الله المنتهى في كل حال، فإليه ينتهي ~~العلم والحكم، والرحمة وسائر الكمالات، { وأنه هو أضحك ~~وأبكى } أي: هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء، وهو الخير والشر، ~~والفرح والسرور والهم [والحزن]، وهو سبحانه له الحكمة البالغة في ذلك، { ~~وأنه هو أمات وأحيا } أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، ~~والذي أوجد الخلق وأمرهم ونهاهم، سيعيدهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك ~~الأعمال التي عملوها في دار الدنيا، { وأنه خلق الزوجين } ~~فسر الزوجين بقوله: { الذكر والأنثى } وهذا اسم جنس شامل لجميع ~~الحيوانات، ناطقها وبهيمها، فهو المنفرد ms1529 بخلقها، { من نطفة إذا ~~تمنى } وهذا من أعظم الأدلة على كمال قدرته وانفراده بالعزة العظيمة، ~~حيث أوجد تلك الحيوانات، صغيرها وكبيرها من نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم ~~نماها وكملها، حتى بلغت ما بلغت، ثم صار الآدمي منها إما إلى أرفع ~~المقامات في أعلى عليين، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين. # ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة، فقال: { وأن عليه ~~النشأة الأخرى } فيعيد العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم ~~الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات، { وأنه هو أغنى ~~وأقنى } أي: أغنى العباد بتيسير أمر معاشهم من التجارات وأنواع ~~المكاسب، من الحرف وغيرها، وأقنى أي: أفاد عباده من الأموال بجميع ~~أنواعها، ما يصيرون به مقتنين لها، ومالكين لكثير من الأعيان، وهذا من ~~نعمه على عباده أن جميع النعم منه تعالى، وهذا يوجب للعباد أن يشكروه، ~~ويعبدوه وحده لا شريك له، { وأنه هو رب الشعرى } وهي ~~النجم المعروف بالشعرى العبور، المسماة بالمرزم، وخصها الله بالذكر، وإن ~~كان رب كل شيء، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أن جنس ~~ما يعبده المشركون مربوب مدبر مخلوق، فكيف تتخذ إلها مع الله. { ~~وأنه أهلك عادا الأولى } وهم قوم هود عليه السلام، حين ~~كذبوا هودا، فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية، { وثمود } قوم صالح عليه ~~السلام، أرسله الله إلى ثمود فكذبوه، فبعث الله إليهم الناقة آية، ~~فعقروها وكذبوه، فأهلكهم الله تعالى، { فمآ أبقى } منهم أحدا، بل ~~أهلكهم الله عن آخرهم، { وقوم نوح من قبل إنهم كانوا ~~هم أظلم وأطغى } من هؤلاء الأمم، فأهلكهم الله وأغرقهم في ~~اليم، { والمؤتفكة } وهم قوم لوط عليه السلام { أهوى } أي: ~~أصابهم الله بعذاب ما عذب به أحدا من العالمين، قلب أسفل ديارهم أعلاها، ~~وأمطر عليهم حجارة من سجيل، ولهذا قال: { فغشاها ما غشى } أي: ~~غشيها من العذاب الأليم الوخيم ما غشى أي: شيء عظيم لا يمكن وصفه. { ~~فبأي آلاء ربك تتمارى } أي: فبأي: نعم الله وفضله تشك ~~أيها الإنسان؟ فإن نعم الله ظاهرة لا تقبل الشك بوجه من الوجوه، فما ~~بالعباد ms1530 من نعمة إلا منه تعالى، ولا يدفع النقم إلا هو. { هذا ~~نذير من النذر الأولى } أي: هذا الرسول القرشي الهاشمي ~~محمد بن عبد الله، ليس ببدع من الرسل، بل قد تقدمه من الرسل السابقين، ~~ودعوا إلى ما دعا إليه، فلأي شيء تنكر رسالته؟ وبأي حجة تبطل دعوته؟ ~~أليست أخلاقه [أعلا] أخلاق الرسل الكرام، أليست دعوته إلى كل خير والنهي ~~عن كل شر؟ ألم يأت بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؟ ألم يهلك الله من كذب من قبله من الرسل ~~الكرام؟ فما الذي يمنع العذاب عن المكذبين لمحمد سيد المرسلين، وإمام ~~المتقين، وقائد الغر المحجلين؟ { أزفت الآزفة } أي: قربت ~~القيامة، ودنا وقتها، وبانت علاماتها، { ليس لها من دون الله ~~كاشفة } أي: إذا أتت القيامة وجاءهم العذاب الموعود به. # ثم توعد المنكرين لرسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، المكذبين لما ~~جاء به من القرآن الكريم، فقال: { أفمن هذا الحديث ~~تعجبون }؟ أي: أفمن هذا الحديث الذي هو خير الكلام وأفضله وأشرفه ~~تتعجبون منه، وتجعلونه من الأمور المخالفة للعادة الخارقة للأمور ~~[والحقائق] المعروفة؟ هذا من جهلهم وضلالهم وعنادهم، وإلا فهو الحديث ~~الذي إذا حدث صدق، وإذا قال قولا فهو القول الفصل الذي ليس بالهزل، وهو ~~القرآن العظيم، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله، الذي يزيد ذوي الأحلام رأيا وعقلا، وتسديدا وثباتا، وإيمانا ~~ويقينا والذي ينبغي العجب من عقل من تعجب منه، وسفهه وضلاله. { ~~وتضحكون ولا تبكون } أي: تستعملون الضحك والاستهزاء به، مع ~~أن الذي ينبغي أن تتأثر منه النفوس، وتلين له القلوب، وتبكي له العيون، ~~سماعا لأمره ونهيه، وإصغاء لوعده ووعيده، والتفاتا لأخباره الحسنة ~~الصادقة { وأنتم سامدون } أي: غافلون عنه، لاهون عن تدبره، وهذا ~~من قلة عقولكم وأديانكم، فلو عبدتم الله وطلبتم رضاه في جميع الأحوال لما ~~كنتم بهذه المثابة التي يأنف منها أولو الألباب، ولهذا قال تعالى: { ~~فاسجدوا لله واعبدوا } الأمر بالسجود لله خصوصا، ليدل ذلك ~~على ms1531 فضله، وأنه سر العبادة ولبها، فإن لبها الخشوع لله والخضوع له، ~~والسجود هو أعظم حالة يخضع بها العبد، فإنه يخضع قلبه وبدنه، ويجعل أشرف ~~أعضائه على الأرض المهينة موضع وطء الأقدام. ثم أمر بالعبادة عموما، ~~الشاملة لجميع ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة ~~والباطنة. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-5] # يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ~~ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ~~ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله ~~البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى ~~الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما ~~يدل على [صحة ما جاء به و] صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن ~~الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل ~~قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم ~~العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل، فشاهدوا أمرا ما ~~رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا ~~لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى ~~بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم ~~إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا ~~مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك، فقالوا: { سحر ~~مستمر } سحرنا محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا ~~على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه ~~الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون لمقابلتها بالباطل والرد ~~لها، ولهذا قال: { وإن يروا آية يعرضوا } ولم يعد الضمير ~~على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: { وإن يروا آية ~~يعرضوا } وليس قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى، ~~ولهذا قال: { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم } كقوله ms1532 تعالى: # فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهوآءهم # [القصص: 50] فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات ~~والبراهين والحجج القواطع، ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد ~~الشرعية، { وكل أمر مستقر } أي: إلى الآن، لم يبلغ الأمر ~~غايته ومنتهاه، وسيصير الأمر إلى آخره، فالمصدق يتقلب في جنات النعيم، ~~ومغفرة الله ورضوانه، والمكذب يتقلب في سخط الله وعذابه، خالدا مخلدا ~~أبدا. وقال تعالى - مبينا أنهم ليس لهم قصد صحيح، ولا اتباع للهدى -: { ~~ولقد جآءهم من الأنبآء } أي: الأخبار السابقة واللاحقة ~~والمعجزات الظاهرة { ما فيه مزدجر } أي: زاجر يزجرهم عن غيهم ~~وضلالهم، وذلك { حكمة } منه تعالى { بالغة } أي: لتقوم حجته على ~~المخالفين، ولا يبقى لأحد على الله حجة بعد الرسل، { فما تغن ~~النذر } كقوله تعالى: # ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 97]. ### || [54.6-8] # يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قد بان أن المكذبين لا حيلة في ~~هداهم، فلم يبق إلا الإعراض عنهم والتولي عنهم، [فقال:] { فتول ~~عنهم } وانتظر بهم يوما عظيما وهولا جسيما، وذلك حين { يدع ~~الداع } إسرافيل عليه السلام { إلى شيء نكر } أي: إلى أمر ~~فظيع تنكره الخليقة، فلم تر منظرا أفظع ولا أوجع منه، فينفخ إسرافيل ~~نفخة، يخرج بها الأموات من قبورهم لموقف القيامة، { خشعا ~~أبصرهم } أي: من الهول والفزع الذي وصل إلى قلوبهم، فخضعت وذلت، ~~وخشعت لذلك أبصارهم. { يخرجون من الأجداث } وهي القبور، { ~~كأنهم } من كثرتهم، وروجان بعضهم ببعض { جراد منتشر } أي: ~~مبثوث في الأرض، متكاثر جدا، { مهطعين إلى الداع } أي: ~~مسرعين لإجابة النداء الداعي، وهذا يدل على أن الداعي يدعوهم ويأمرهم ~~بالحضور لموقف القيامة، فيلبون دعوته، ويسرعون إلى إجابته، { يقول ~~الكافرون } الذين قد حضر عذابهم: { هذا يوم عسر } كما قال ~~تعالى # على الكافرين غير يسير # [المدثر: 10] [مفهوم ذلك أنه يسير سهل على المؤمنين]. ### || [54.9-17] # لما ذكر تبارك وتعالى حال المكذبين لرسوله، وأن الآيات لا تنفع فيهم، ~~ولا تجدي عليهم شيئا، أنذرهم ms1533 وخوفهم بعقوبات الأمم الماضية المكذبة ~~للرسل، وكيف أهلكهم الله وأحل بهم عقابه. فذكر قوم نوح، أول رسول بعثه ~~الله إلى قوم يعبدون الأصنام، فدعاهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا ~~شريك له، فامتنعوا من ترك الشرك وقالوا: # وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا # [نوح: 23]. ولم يزل نوح يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، ~~فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وطغيانا، وقدحا في نبيهم، ولهذا قال هنا: { ~~فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون } لزعمهم أن ما هم عليه ~~وآباؤهم من الشرك والضلال هو الذي يدل عليه العقل، وأن ما جاء به نوح ~~عليه الصلاة والسلام جهل وضلال، لا يصدر إلا من المجانين، وكذبوا في ذلك، ~~وقلبوا الحقائق الثابتة شرعا وعقلا، فإن ما جاء به هو الحق الثابت، ~~الذي يرشد العقول النيرة المستقيمة، إلى الهدى والنور والرشد، وما هم ~~عليه جهل وضلال مبين، [وقوله:] { وازدجر } أي: زجره قومه وعنفوه ~~عندما دعاهم إلى الله تعالى، فلم يكفهم - قبحهم الله - عدم الإيمان به، ~~ولا تكذيبهم إياه، حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، وهكذا جميع ~~أعداء الرسل، هذه حالهم مع أنبيائهم، فعند ذلك دعا نوح ربه [فقال:] { ~~أني مغلوب } لا قدرة لي على الانتصار منهم، لأنه لم يؤمن من قومه ~~إلا القليل النادر، ولا قدرة لهم على مقاومة قومهم، { فانتصر } اللهم ~~لي منهم، وقال في الآية الأخرى: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] الآيات، فأجاب الله سؤاله، وانتصر له من قومه، قال تعالى: { ~~ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر } أي: كثير جدا ~~متتابع، { وفجرنا الأرض عيونا } فجعلت السماء ينزل منها من ~~الماء شيء خارق للعادة، وتفجرت الأرض كلها، حتى التنور الذي لم تجر ~~العادة بوجود الماء فيه، فضلا عن كونه منبعا للماء، لأنه موضع النار. { ~~فالتقى المآء } أي: ماء السماء والأرض { على أمر } من الله ~~له بذلك، { قد قدر } أي: قد كتبه الله في الأزل وقضاه، عقوبة ~~لهؤلاء الظالمين الطاغين، { وحملناه على ذات ألواح ~~ودسر } أي: ms1534 ونجينا عبدنا نوحا على السفينة ذات الألواح والدسر أي: ~~المسامير [التي] قد سمرت [بها] ألواحها وشد بها أسرها، { تجري ~~بأعيننا } أي: تجري بنوح ومن آمن معه، ومن حمله من أصناف المخلوقات ~~برعاية من الله، وحفظ [منه] لها عن الغرق [ونظر]، وكلائه منه تعالى، وهو ~~نعم الحافظ الوكيل، { جزآء لمن كان كفر } أي: فعلنا بنوح ما ~~فعلنا من النجاة من الغرق العام، جزاء له حيث كذبه قومه وكفروا به فصبر ~~على دعوتهم، واستمر على أمر الله، فلم يرده عنه راد، ولا صده عنه صاد، ~~كما قال [تعالى] عنه في الآية الأخرى: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك # الآية [هود: 48]. ويحتمل أن المراد: أنا أهلكنا قوم نوح، وفعلنا بهم ما ~~فعلنا من العذاب والخزي، جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، وهذا متوجه على ~~قراءة من قرأها بفتح الكاف، { ولقد تركناها آية فهل من ~~مدكر } أي: ولقد تركنا قصة نوح مع قومه آية يتذكر بها المتذكرون، ~~على أن من عصى الرسل وعاندهم أهلكه الله بعقاب عام شديد، أو أن الضمير ~~يعود إلى السفينة وجنسها، وأن أصل صنعتها تعليم من الله لعبده نوح عليه ~~السلام، ثم أبقى الله تعالى صنعتها وجنسها بين الناس ليدل ذلك على رحمته ~~بخلقه وعنايته، وكمال قدرته، وبديع صنعته، { فهل من مدكر }؟ ~~أي: فهل من متذكر للآيات، ملق ذهنه وفكرته لما يأتيه منها، فإنها في ~~غاية البيان واليسر؟ { فكيف كان عذابي ونذر } أي: فكيف رأيت ~~أيها المخاطب عذاب الله الأليم وإنذاره الذي لا يبقي لأحد عليه حجة. { ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } أي: ~~ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه ~~للفهم والعلم، لأنه أحسن الكلام لفظا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرا، فكل ~~من أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه، والذكر ~~شامل لكل ما يتذكر به العاملون من الحلال والحرام، وأحكام الأمر والنهي، ~~وأحكام الجزاء والمواعظ والعبر، والعقائد النافعة والأخبار الصادقة، ~~ولهذا كان علم القرآن حفظا وتفسيرا، أسهل العلوم، ms1535 وأجلها على الإطلاق، ~~وهو العلم النافع الذي إذا طلبه العبد أعين عليه، قال بعض السلف عند هذه ~~الآية: هل من طالب علم فيعان [عليه]؟ ولهذا يدعو الله عباده إلى الإقبال ~~عليه والتذكر بقوله: { فهل من مدكر }. ### || [54.18-22] # " وعاد " هي القبيلة المعروفة باليمن، أرسل الله إليهم هودا عليه ~~السلام يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوه،فأرسل الله عليهم { ريحا ~~صرصرا } أي: شديدة جدا، { في يوم نحس } أي: شديد العذاب ~~والشقاء عليهم، { مستمر } عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، { ~~تنزع الناس } من شدتها، فترفعهم إلى جو السماء، ثم تدفعهم بالأرض ~~فتهلكهم، فيصبحون { كأنهم أعجاز نخل منقعر } أي: كأن ~~جثثهم بعد هلاكهم مثل جذوع النخل الخاوي الذي أصابته الريح فسقط على ~~الأرض، فما أهون الخلق على الله إذا عصوا أمره، { فكيف كان ~~عذابي ونذر } كان [والله] العذاب الأليم، والنذارة التي ما أبقت ~~لأحد عليه حجة، { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من ~~مدكر } كرر تعالى ذلك رحمة بعباده وعناية بهم، حيث دعاهم إلى ما ~~يصلح دنياهم وأخراهم. ### || [54.23-32] # أي كذبت ثمود وهم القبيلة المعروفة المشهورة في أرض الحجر، نبيهم صالحا ~~عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأنذرهم العقاب ~~إن هم خالفوه، فكذبوه واستكبروا عليه، وقالوا - كبرا وتيها -: { ~~أبشرا منا واحدا نتبعه } أي: كيف نتبع بشرا، لا ملكا ~~منا، لا من غيرنا، ممن هو أكبر عند الناس منا، ومع ذلك فهو شخص واحد { ~~إنآ إذا } أي: إن اتبعناه وهو بهذه الحال { لفي ضلال وسعر ~~} أي: إنا لضالون أشقياء، وهذا الكلام من ضلالهم وشقائهم، فإنهم أنفوا أن ~~يتبعوا رسولا من البشر، ولم يأنفوا أن يكونوا عابدين للشجر والحجر ~~والصور { أءلقي الذكر عليه من بيننا } أي: كيف يخصه ~~الله من بيننا وينزل عليه الذكر؟ فأي مزية خصه من بيننا؟ وهذا اعتراض من ~~المكذبين على الله، لم يزالوا يدلون به، ويصولون ويجولون ويردون به دعوة ~~الرسل، وقد أجاب الله عن هذه الشبهة بقول الرسل لأممهم: # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن ms1536 الله يمن على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 11] فالرسل من الله عليهم بصفات وأخلاق وكمالات، بها صلحوا ~~لرسالات ربهم والاختصاص بوحيه، ومن رحمته وحكمته أن كانوا من البشر، فلو ~~كانوا من الملائكة لم يمكن البشر أن يتلقوا عنهم، ولو جعلهم من الملائكة ~~لعاجل الله المكذبين لهم بالعقاب العاجل. والمقصود بهذا الكلام الصادر ~~من ثمود لنبيهم صالح، تكذيبه، ولهذا حكموا عليه بهذا الحكم الجائر، ~~فقالوا: { بل هو كذاب أشر } أي: كثير الكذب والشر، فقبحهم ~~الله ما أسفه أحلامهم وأظلمهم، وأشدهم مقابلة للصادقين الناصحين بالخطاب ~~الشنيع، لا جرم عاقبهم الله حين اشتد طغيانهم، فأرسل الله الناقة التي هي ~~من أكبر النعم عليهم، آية من آيات الله، ونعمة يحتلبون من ضرعها ما ~~يكفيهم أجمعين، { فتنة لهم } أي: اختبارا منه لهم وامتحانا { ~~فارتقبهم واصطبر } أي: اصبر على دعوتك إياهم، وارتقب ما يحل ~~بهم، أو ارتقب هل يؤمنون أو يكفرون؟ { ونبئهم أن المآء ~~قسمة بينهم } أي: وأخبرهم أن الماء أي: موردهم الذي يستعذبونه، ~~قسمة بينهم وبين الناقة، لها شرب يوم ولهم شرب يوم آخر معلوم، { كل ~~شرب محتضر } أي: يحضره من كان قسمته، ويحظر على من ليس بقسمة ~~له. { فنادوا صاحبهم } الذي باشر عقرها، الذي هو أشقى القبيلة ~~{ فتعاطى } أي: انقاد لما أمروه به من عقرها { فعقر } { ~~فكيف كان عذابي ونذر } كان أشد عذاب، أرسل الله عليهم صيحة ~~ورجفة أهلكتهم عن آخرهم، ونجى الله صالحا ومن آمن معه، { ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ### || [54.33-40] # أي: { كذبت قوم لوط } لوطا عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة ~~الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن الشرك والفاحشة التي ما سبقهم بها أحد ~~من العالمين، فكذبوه واستمروا على شركهم وقبائحهم، حتى إن الملائكة الذين ~~جاؤوه بصورة أضياف حين سمع بهم قوم لوط، جاؤوهم مسرعين، يريدون إيقاع ~~الفاحشة فيهم، لعنهم الله وقبحهم، وراودوه عنهم، فأمر الله جبريل عليه ~~السلام، فطمس أعينهم بجناحه، وأنذرهم نبيهم بطشة الله وعقوبته { ~~فتماروا بالنذر } { ولقد صبحهم بكرة عذاب ~~مستقر } قلب الله عليهم ديارهم، ms1537 وجعل أسفلها أعلاها، وتتبعهم ~~بحجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك للمسرفين، ونجى الله لوطا وأهله من ~~الكرب العظيم، جزاء لهم على شكرهم لربهم، وعبادته وحده لا شريك له. ### || [54.41-55] # أي: { ولقد جآء آل فرعون } أي: فرعون وقومه { النذر } ~~فأرسل الله إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات، والمعجزات ~~القاهرات، وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدا غيرهم، فكذبوا بآيات ~~الله كلها، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأغرقهم في اليم هو وجنوده. والمراد ~~من ذكر هذه القصص تحذير [الناس و] المكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~ولهذا قال: { أكفركم خير من أولئكم } أي: هؤلاء ~~الذين كذبوا أفضل الرسل، خير من أولئك المكذبين، الذين ذكر الله هلاكهم ~~وما جرى عليهم؟ فإن كانوا خيرا منهم، أمكن أن ينجوا من العذاب، ولم ~~يصبهم ما أصاب أولئك الأشرار، وليس الأمر كذلك، فإنهم إن لم يكونوا شرا ~~منهم، فليسوا بخير منهم، { أم لكم برآءة في الزبر } أي: أم ~~أعطاكم الله عهدا وميثاقا في الكتب التي أنزلها على الأنبياء، فتعتقدون ~~حينئذ أنكم الناجون بإخبار الله ووعده؟ وهذا غير واقع، بل غير ممكن عقلا ~~وشرعا، أن تكتب براءتهم في الكتب الإلهية المتضمنة للعدل والحكمة، فليس ~~من الحكمة نجاة أمثال هؤلاء المعاندين المكذبين، لأفضل الرسل وأكرمهم على ~~الله، فلم يبق إلا أن يكون بهم قوة ينتصرون بها، فأخبر تعالى أنهم ~~يقولون: { نحن جميع منتصر } قال تعالى مبينا لضعفهم، وأنهم ~~مهزومون: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فوقع كما ~~أخبر، هزم الله جمعهم الأكبر يوم بدر، وقتل من صناديدهم وكبرائهم ما ذلوا ~~به، ونصر الله دينه ونبيه وحزبه المؤمنين. ومع ذلك، فلهم موعد يجمع به ~~أولهم وآخرهم، ومن أصيب في الدنيا منهم، ومن متع بلذاته، ولهذا قال: { ~~بل الساعة موعدهم } الذي يحازون به، ويؤخذ منهم الحق بالقسط، ~~{ والساعة أدهى وأمر } أي: أعظم وأشق، وأكبر من كل ما ~~يتوهم، أو يدور بالبال. { إن المجرمين } أي: الذين أكثروا من ~~فعل الجرائم، وهي الذنوب العظيمة من الشرك وغيره، من المعاصي { في ~~ضلال وسعر } أي: هم ms1538 ضالون في الدنيا، ضلال عن العلم، وضلال عن ~~العمل، الذي ينجيهم من العذاب، ويوم القيامة في العذاب الأليم، والنار ~~التي تتسعر بهم، وتشتعل في أجسامهم، حتى تبلغ أفئدتهم. { يوم ~~يسحبون في النار على وجوههم } التي هي أشرف ما بهم من ~~الأعضاء، وألمها أشد من ألم غيرها، فيهانون بذلك ويخزون، ويقال لهم: { ~~ذوقوا مس سقر } أي: ذوقوا ألم النار وأسفها وغيظها ولهبها. { ~~إنا كل شيء خلقناه بقدر } وهذا شامل للمخلوقات ~~والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ~~ولا مشارك له في خلقها، وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ~~ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير، فلهذا ~~قال: { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر } فإذا ~~أراد شيئا قال له كن فيكون كما أراد، كلمح البصر، من غير ممانعة ولا ~~صعوبة. # { ولقد أهلكنآ أشياعكم } من الأمم السابقين الذين عملوا ~~كما عملتم، وكذبوا كما كذبتم { فهل من مدكر } أي: متذكر يعلم ~~أن سنة الله في الأولين والآخرين واحدة، وأن حكمته كما اقتضت إهلاك أولئك ~~الأشرار، فإن هؤلاء مثلهم، ولا فرق بين الفريقين. { وكل شيء ~~فعلوه في الزبر } أي: كل ما فعلوه من خير وشر مكتوب عليهم في ~~الكتب القدرية { وكل صغير وكبير مستطر } أي: مسطر ~~مكتوب، وهذا حقيقة القضاء والقدر، وأن جميع الأشياء كلها، قد علمها الله ~~تعالى، وسطرها عنده في اللوح المحفوظ، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم ~~يكن، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. { إن ~~المتقين } لله، بفعل أوامره وترك نواهيه، الذين اتقوا الشرك ~~والكبائر والصغائر. { في جنات ونهر } أي: في جنات النعيم، التي ~~فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من الأشجار ~~اليانعة، والأنهار الجارية، والقصور الرفيعة، والمنازل الأنيقة، والمآكل ~~والمشارب اللذيذة، والحور الحسان، والروضات البهية في الجنان، ورضوان ~~الملك الديان، والفوز بقربه، ولهذا قال: { في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر } فلا تسأل بعد هذا عما ms1539 يعطيهم ربهم من كرامته ~~وجوده، ويمدهم به من إحسانه ومنته، جعلنا الله منهم، ولا حرمنا خير ما ~~عنده بشر ما عندنا. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # هذه السورة الكريمة الجليلة، افتتحها باسمه " الرحمن " الدال على ~~سعة رحمته، وعموم إحسانه، وجزيل بره، وواسع فضله، ثم ذكر ما يدل على ~~رحمته وأثرها الذي أوصله الله إلى عباده من النعم الدينية والدنيوية ~~[والآخروية وبعد كل جنس ونوع من نعمه، ينبه الثقلين لشكره، ويقول: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان } ]. فذكر أنه { علم ~~القرآن } أي: علم عباده ألفاظه ومعانيه، ويسرها على عباده، وهذا أعظم ~~منة ورحمة رحم بها عباده، حيث أنزل عليهم قرآنا عربيا بأحسن ألفاظ، ~~وأحسن تفسير، مشتمل على كل خير، زاجر عن كل شر. { خلق الإنسان } في ~~أحسن تقويم، كامل الأعضاء، مستوفي الأجزاء، محكم البناء، قد أتقن البديع ~~تعالى البديع خلقه أي إتقان، وميزه على سائر الحيوانات. بأن { ~~علمه البيان } أي: التبيين عما في ضميره، وهذا شامل للتعليم ~~النطقي والتعليم الخطي، فالبيان الذي ميز الله به الآدمي على غيره من ~~أجل نعمه، وأكبرها عليه. { الشمس والقمر بحسبان } أي: خلق ~~الله الشمس والقمر، وسخرهما يجريان بحساب مقنن، وتقدير مقدر، رحمة ~~بالعباد، وعناية بهم، وليقوم بذلك من مصالحهم ما يقوم، وليعرف العباد عدد ~~السنين والحساب. { والنجم والشجر يسجدان } أي: نجوم ~~السماء، وأشجار الأرض، تعرف ربها وتسجد له، وتطيع وتخشع، وتنقاد لما ~~سخرها له من مصالح عباده ومنافعهم، { والسمآء رفعها } سقفها ~~للمخلوقات الأرضية، ووضع الله الميزان أي: العدل بين العباد، في الأقوال ~~والأفعال، وليس المراد به الميزان المعروف وحده، بل هو كما ذكرنا، يدخل ~~فيه الميزان المعروف، والمكيال الذي تكال به الأشياء والمقادير، ~~والمساحات التي تضبط بها المجهولات، والحقائق التي يفصل بها بين ~~المخلوقات، ويقام بها العدل بينهم، ولهذا قال: { ألا تطغوا في ~~الميزان } أي: أنزل الله الميزان، لئلا تتجاوزوا الحد في الميزان، ~~فإن الأمر لو كان يرجع إلى عقولكم وآرائكم، لحصل من الخلل ما الله به ~~عليم، ولفسدت السماوات والأرض. { وأقيموا الوزن بالقسط } ~~أي: اجعلوه قائما بالعدل، ms1540 الذي تصل إليه مقدرتكم وإمكانكم، { ولا ~~تخسروا الميزان } أي: لا تنقصوه وتعملوا بضده، وهو الجور والظلم ~~والطغيان، { والأرض وضعها } الله على ما كانت عليه من الكثافة ~~والاستقرار واختلاف [أوصافها و] أحوالها { للأنام } أي: للخلق، لكي ~~يستقروا عليها، وتكون لهم مهادا وفراشا يبنون بها، ويحرثون ويغرسون ~~ويحفرون ويسلكون سبلها فجاجا، وينتفعون بمعادنها وجميع ما فيها، مما ~~تدعو إليه حاجتهم، بل ضرورتهم. ثم ذكر ما فيها من الأقوات الضرورية، ~~فقال: { فيها فاكهة } وهي جميع الأشجار التي تثمر الثمرات التي ~~يتفكه بها العباد، من العنب والتين والرمان والتفاح، وغير ذلك، { ~~والنخل ذات الأكمام } أي: ذات الوعاء الذي ينفلق عن القنوان ~~التي تخرج شيئا فشيئا حتى تتم، فتكون قوتا يؤكل ويدخر، يتزود منه ~~المقيم والمسافر، وفاكهة لذيذة من أحسن الفواكه، { والحب ذو ~~العصف } أي: ذو الساق الذي يداس، فينتفع بتبنه للأنعام وغيرها، ويدخل ~~في ذلك حب البر والشعير والذرة [والأرز] والدخن، وغير ذلك، { ~~والريحان } يحتمل أن المراد بذلك جميع الأرزاق التي يأكلها ~~الآدميون، فيكون هذا من باب عطف العام على الخاص، ويكون الله قد امتن ~~على عباده بالقوت والرزق، عموما وخصوصا، ويحتمل أن المراد بالريحان، ~~الريحان المعروف، وأن الله امتن على عباده بما يسره في الأرض من أنواع ~~الروائح الطيبة، والمشام الفاخرة، التي تسر الأرواح، وتنشرح لها النفوس. # ولما ذكر جملة كثيرة من نعمه التي تشاهد بالأبصار والبصائر، وكان الخطاب ~~للثقلين، الإنس والجن، قررهم تعالى بنعمه، فقال: { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } أي: فبأي نعم الله الدينية والدنيوية تكذبان؟ ~~وما أحسن جواب الجن حين تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة، ~~فما مر بقوله: { فبأي آلاء ربكما تكذبان } إلا قالوا ~~ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد، فهذا الذي ينبغي للعبد إذا تليت ~~عليه نعم الله وآلاؤه، أن يقر بها ويشكر، ويحمد الله عليها. ### || [55.14-16] # وهذا من نعمه تعالى على عباده، حيث أراهم [من] آثار قدرته وبديع صنعته، ~~أن { خلق } أبا الإنس وهو آدم عليه السلام { من صلصال ~~كالفخار } أي: من طين ms1541 مبلول، قد أحكم بله وأتقن، حتى جف، فصار له ~~صلصلة وصوت يشبه صوت الفخار الذي طبخ على النار، { وخلق الجآن } ~~أي: أبا الجن، وهو إبليس اللعين { من مارج من نار } أي: من لهب ~~النار الصافي، أو الذي قد خالطه الدخان، وهذا يدل على شرف عنصر الآدمي ~~المخلوق من الطين والتراب، الذي هو محل الرزانة والثقل والمنافع، بخلاف ~~عنصر الجان وهو النار، التي هي محل الخفة والطيش والشر والفساد. ولما بين ~~خلق الثقلين ومادة ذلك، وكان ذلك منة منه [تعالى] على عباده، قال: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.17-18] # أي: هو تعالى رب كل ما أشرقت عليه الشمس والقمر، والكواكب النيرة، وكل ~~ما غربت عليه، [وكل ما كانا فيه] فهي تحت تدبيره وربوبيته، وثناهما هنا ~~لإرادة العموم مشرقي الشمس شتاء وصيفا، ومغربها كذلك. ### || [55.19-23] # المراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، ~~فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تعالى جعل ~~بينهما برزخا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر، ويحصل النفع بكل ~~منهما، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم، والملح به يطيب الهواء ~~ويتولد الحوت والسمك، واللؤلؤ والمرجان، ويكون مستقرا مسخرا للسفن ~~والمراكب، ولهذا قال: { وله الجوار المنشئات في ~~البحر... }. ### || [55.24-25] # أي: وسخر تعالى لعباده السفن الجواري، التي تمخر البحر وتشقه بإذن الله، ~~التي ينشئها الآدميون، فتكون من كبرها وعظمها كالأعلام، وهي الجبال ~~العظيمة، فيركبها الناس، ويحملون عليها أمتعتهم وأنواع تجاراتهم، وغير ~~ذلك مما تدعو إليه حاجتهم وضرورتهم، وقد حفظها حافظ السماوات والأرض، ~~وهذه من نعم الله الجليلة، فلذلك قال: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. ### || [55.26-28] # أي: كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ~~ويبيد ويبقى الحي الذي لا يموت { ذو الجلال والإكرام } أي: ذو ~~العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو ~~سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، ~~الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، [ويعظمونه] ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه، ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.29-30] # أي: هو ms1542 الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، وهو واسع الجود والكرم، فكل الخلق ~~مفتقرون إليه، يسألونه جميع حوائجهم، بحالهم ومقالهم، ولا يستغنون عنه ~~طرفة عين ولا أقل من ذلك، وهو تعالى { كل يوم هو في شأن } ~~يغني فقيرا، ويجبر كسيرا، ويعطي قوما، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ~~ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح ~~الملحين، ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبه ~~أهل الأرض والسماوات، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات، ~~وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين، ولا استغناء الفقراء ~~الجاهلين به وبكرمه، وهذه الشؤون التي أخبر أنه تعالى كل يوم هو في شأن، ~~هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها ~~وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر ~~والنهي، والقدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى ~~إذا تمت [هذه] الخليقة وأفناهم الله تعالى، وأراد تعالى أن ينفذ فيهم ~~أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله وكثرة إحسانه، ما به يعرفونه ~~ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان إلى دار الحيوان. وفرغ ~~حينئذ لتنفيذ هذه الأحكام، التي جاء وقتها، وهو المراد بقوله: { ~~سنفرغ لكم أيه... }. ### || [55.31-32] # أي: سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في دار الدنيا. ### || [55.33-34] # أي: إذا جمعهم الله في موقف القيامة، أخبرهم بعجزهم وضعفهم، وكمال ~~سلطانه، ونفوذ مشيئته وقدرته، فقال معجزا لهم: { يمعشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموت والأرض } أي: تجدون منفذا مسلكا تخرجون به عن ملك ~~الله وسلطانه، { فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } أي: لا ~~تخرجون عنه إلا بقوة وتسلط منكم، وكمال قدرة، وأنى لهم ذلك، وهم لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟! ففي ~~ذلك الموقف لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا تسمع إلا همسا، وفي ذلك الموقف ~~يستوي الملوك والمماليك، والرؤساء والمرؤوسون، والأغنياء والفقراء. ### || [55.35-36] # ثم ذكر ما أعد لهم في ذلك الموقف ms1543 العظيم، فقال: { يرسل عليكما ~~شواظ من نار [ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } أي: يرسل عليكما] لهب صاف من النار. { ~~ونحاس } وهو اللهب، الذي قد خالطه الدخان، والمعنى أن هذين الأمرين ~~الفظيعين يرسلان عليكما يا معشر الجن والإنس، ويحيطان بكما فلا تنتصران، ~~لا بناصر من أنفسكم، ولا بأحد ينصركم من دون الله. ولما كان تخويفه ~~لعباده نعمة منه عليهم، وسوطا يسوقهم به إلى أعلى المطالب وأشرف ~~المواهب، امتن عليهم، فقال: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. ### || [55.37-40] # { فإذا انشقت السمآء } [أي] يوم القيامة من شدة الأهوال، ~~وكثرة البلبال، وترادف الأوجال، فانخسفت شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها، { ~~فكانت } من شدة الخوف والانزعاج { وردة كالدهان } أي: كانت ~~كالمهل والرصاص المذاب ونحوه { فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~* فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } أي: سؤال ~~استعلام بما وقع، لأنه تعالى عالم الغيب والشهادة والماضي والمستقبل، ~~ويريد أن يجازي العباد بما علمه من أحوالهم، وقد جعل لأهل الخير والشر ~~يوم القيامة علامات يعرفون بها، كما قال تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]. ### || [55.41-42] # وقال هنا: { يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام } أي: فيؤخذ بنواصي المجرمين وأقدامهم، ~~فيلقون في النار ويسحبون فيها، وإنما يسألهم تعالى سؤال توبيخ وتقرير بما ~~وقع منهم، وهو أعلم به منهم، ولكنه تعالى يريد أن تظهر للخلق حجته ~~البالغة، وحكمته الجليلة. ### || [55.43-45] # أي: يقال للمكذبين بالوعد والوعيد حين تسعر الجحيم: { هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون } فليهنهم تكذيبهم ~~بها، وليذوقوا من عذابها ونكالها وسعيرها وأغلالها، ما هو جزاء لتكذيبهم، ~~{ يطوفون بينها } أي: بين أطباق الجحيم ولهبها { وبين ~~حميم آن } أي: ماء حار جدا قد انتهى حره، وزمهرير قد اشتد برده ~~وقره، { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ولما ذكر ما يفعل ~~بالمجرمين، ذكر جزاء المتقين الخائفين، فقال: { ولمن خاف مقام ~~ربه... }. ### || [55.46-78] # { ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان } إلى آخر السورة. أي: وللذي خاف ربه وقيامه ~~عليه، فترك ما نهى عنه، وفعل ما أمره به، له جنتان من ذهب ms1544 آنيتهما ~~وحليتهما وبنيانهما وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، ~~والأخرى على فعل الطاعات، ومن أوصاف تلك الجنتين أنهما { ذواتآ ~~أفنان } [أي: فيهما من ألوان النعيم المتنوعة نعيم الظاهر والباطن ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر] أن فيهما الأشجار ~~الكثيرة الزاهرة ذوات الغصون الناعمة، التي فيها الثمار اليانعة الكثيرة ~~اللذيذة، أو ذواتا أنواع وأصناف من جميع أصناف النعيم وأنواعه جمع فن، ~~أي: صنف. وفي تلك الجنتين { عينان تجريان } يفجرونها على ما ~~يريدون ويشتهون، { فيهما من كل فاكهة } من جميع أصناف الفواكه ~~{ زوجان } أي: صنفان، كل صنف له لذة ولون، ليس للنوع الآخر. { ~~متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق } هذه صفة فرش ~~أهل الجنة وجلوسهم عليها، وأنهم متكئون عليها، [أي:] جلوس تمكن واستقرار ~~[وراحة]، كجلوس من الملوك على الأسرة، وتلك الفرش، لا يعلم وصفها وحسنها ~~إلا الله عز وجل، حتى إن بطائنها التي تلي الأرض منها، من إستبرق، وهو ~~أحسن الحرير وأفخره، فكيف بظواهرها التي تلي بشرتهم؟! { وجنى ~~الجنتين دان } الجنى هو الثمر المستوي أي: وثمر هاتين الجنتين ~~قريب التناول، يناله القائم والقاعد والمضطجع. { فيهن قاصرات ~~الطرف } أي: قد قصرن طرفهن على أزواجهن، من حسنهم وجمالهم، وكمال ~~محبتهن لهم، وقصرن أيضا طرف أزواجهن عليهن، من حسنهن وجمالهن ولذة ~~وصالهن، { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن } أي: لم ~~ينلهن قبلهم أحد من الإنس والجن، بل هن أبكار عرب، متحببات إلى أزواجهن، ~~بحسن التبعل والتغنج والملاحة والدلال، ولهذا قال: { كأنهن ~~الياقوت والمرجان } وذلك لصفائهن وجمال منظرهن وبهائهن، { هل ~~جزآء الإحسان إلا الإحسان } أي: هل جزاء من أحسن في عبادة ~~الخالق ونفع عبيده، إلا أن يحسن إليه بالثواب الجزيل، والفوز الكبير، ~~والنعيم المقيم، والعيش السليم، فهاتان الجنتان العاليتان للمقربين، { ~~ومن دونهما جنتان } من فضة بنيانهما وآنيتهما وحليتهما وما ~~فيهما لأصحاب اليمين، وتلك الجنتان { مدهآمتان } أي: سوداوان من ~~شدة الخضرة التي هي أثر الري. { فيهما عينان نضاختان }. أي: ~~فوارتان، { فيهما فاكهة } من جميع أصناف الفواكه، وأخصها النخل ~~والرمان، ms1545 اللذان فيهما من المنافع ما فيهما، { فيهن } أي: في الجنات ~~كلها { خيرات حسان } أي: خيرات الأخلاق حسان الأوجه، فجمعن بين ~~جمال الظاهر والباطن، وحسن الخلق والخلق، { حور مقصورات في ~~الخيام } أي: محبوسات في خيام اللؤلؤ، قد تهيأن وأعددن أنفسهن ~~لأزواجهن، ولا ينفي ذلك خروجهن في البساتين ورياض الجنة، كما جرت ~~العادة لبنات الملوك ونحوهن [المخدرات] الخفرات، { لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جآن * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * متكئين على رفرف خضر } أي: أصحاب هاتين ~~الجنتين، متكأهم على الرفرف الأخضر، وهي الفرش التي فوق المجالس العالية، ~~التي قد زادت على مجالسهم، فصار لها رفرفة من وراء مجالسهم، لزيادة ~~البهاء وحسن المنظر، { وعبقري حسان } العبقري: نسبة لكل منسوج ~~نسجا حسنا فاخرا، ولهذا وصفها بالحسن الشامل، لحسن الصنعة وحسن ~~المنظر، ونعومة الملمس، وهاتان الجنتان دون الجنتين الأوليين، كما نص ~~الله على ذلك بقوله: { ومن دونهما جنتان } وكما وصف الأوليين ~~بعدة أوصاف لم يصف بها الأخريين، فقال في الأوليين: { فيهما عينان ~~تجريان } وفي الأخريين: { عينان نضاختان } ومن المعلوم ~~الفرق بين الجارية والنضاخة. # وقال في الأوليين: { ذواتآ أفنان } ولم يقل ذلك في الأخريين. ~~وقال في الأوليين: { فيهما من كل فاكهة زوجان } وفي ~~الأخريين { فيهما فاكهة ونخل ورمان } وقد علم ما بين ~~الوصفين من التفاوت. وقال في الأوليين: { متكئين على فرش ~~بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان } ولم يقل ~~ذلك في الأخيرتين، بل قال: { متكئين على رفرف خضر ~~وعبقري حسان }. وقال في الأوليين، في وصف نسائهم وأزواجهم: { ~~فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ~~ولا جآن } وقال في الأخريين: { حور مقصورات في الخيام ~~} وقد علم التفاوت بين ذلك. وقال في الأوليين: { هل جزآء ~~الإحسان إلا الإحسان } فدل ذلك أن الأوليين جزاء المحسنين، ~~ولم يقل ذلك في الأخريين. ومجرد تقديم الأوليين على الأخريين، يدل على ~~فضلهما. فبهذه الأوجه يعرف فضل الأوليين على الأخريين، وأنهما معدتان ~~للمقربين من الأنبياء، والصديقين، وخواص عباد الله الصالحين، وأن ~~الأخريين معدتان لعموم المؤمنين، وفي كل من الجنات [المذكورات] ما لا ~~عين رأت، ولا ms1546 أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيهن ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين، وأهلها في غاية الراحة والرضا والطمأنينة وحسن المأوى، حتى ~~إن كلا منهم لا يرى أحدا أحسن حالا منه، ولا أعلى من نعيمه [الذي هو ~~فيه]. ولما ذكر سعة فضله وإحسانه، قال: { تبارك اسم ربك ذي ~~الجلال والإكرام } أي: تعاظم وكثر خيره، الذي له الجلال الباهر، ~~والمجد الكامل، والإكرام لأوليائه. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-13] # يخبر تعالى بحال الواقعة التي لا بد من وقوعها، وهي القيامة التي { ~~ليس لوقعتها كاذبة } أي: لا شك فيها، لأنها قد تظاهرت عليها ~~الأدلة العقلية والسمعية، ودلت عليها حكمته تعالى، { خافضة ~~رافعة } أي: خافضة لأناس في أسفل سافلين، رافعة لأناس في أعلى ~~عليين، أو خفضت بصوتها فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد. { إذا ~~رجت الأرض رجا } أي: حركت واضطربت، { وبست الجبال ~~بسا } أي: فتتت، { فكانت هبآء منبثا } فأصبحت الأرض ليس ~~عليها جبل ولا معلم، قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، { ~~وكنتم } أيها الخلق { أزواجا ثلاثة } أي: انقسمتم ثلاث فرق ~~بحسب أعمالكم الحسنة والسيئة، ثم فصل أحوال الأزواج الثلاثة، فقال: { ~~فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة } تعظيم لشأنهم، ~~وتفخيم لأحوالهم، { وأصحاب المشأمة } أي: الشمال، { مآ ~~أصحاب المشأمة } تهويل لحالهم. { والسابقون ~~السابقون * أولئك المقربون } أي: السابقون في الدنيا ~~إلى الخيرات، هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات. أولئك الذين هذا ~~وصفهم، المقربون عند الله، في جنات النعيم، في أعلى عليين، في المنازل ~~العاليات، التي لا منزلة فوقها. وهؤلاء المذكورون { ثلة من ~~الأولين } أي: جماعة كثيرون من المتقدمين من هذه الأمة وغيرهم. ### || [56.14-16] # { وقليل من الآخرين } وهذا يدل على فضل صدر هذه الأمة في ~~الجملة على متأخريها، لكون المقربين من الأولين أكثر من المتأخرين، ~~والمقربون هم خواص الخلق، { على سرر موضونة } أي: مرمولة ~~بالذهب والفضة، واللؤلؤ، والجوهر، وغير ذلك من [الحلي] الزينة، التي لا ~~يعلمها إلا الله تعالى، { متكئين عليها } أي: على تلك السرر، ~~جلوس تمكن وطمأنينة وراحة واستقرار. { متقابلين } وجه كل منهم إلى ~~وجه صاحبه، من صفاء ms1547 قلوبهم، وحسن أدبهم، وتقابل قلوبهم. ### || [56.17-26] # { يطوف عليهم ولدان مخلدون } أي: يدور على أهل الجنة ~~للخدمة وقضاء حوائجهم، ولدان صغار الأسنان، في غاية الحسن والبهاء، # لهم كأنهم لؤلؤ مكنون # [الطور: 24] أي: مستور، لا يناله ما يغيره، مخلوقون للبقاء والخلد، لا ~~يهرمون ولا يتغيرون، ولا يزيدون على أسنانهم، ويدورون عليهم بآنية شرابهم ~~{ بأكواب } وهي التي لا عرى لها، { وأباريق } الأواني التي لها ~~عرى، { وكأس من معين } أي: من خمر لذيذ المشرب، لا آفة فيها، { ~~لا يصدعون عنها } أي: لا تصدعهم رؤوسهم كما تصدع خمرة الدنيا ~~رأس شاربها. ولا هم عنها ينزفون، أي: لا تنزف عقولهم، ولا تذهب أحلامهم ~~منها، كما يكون لخمر الدنيا. والحاصل: أن جميع ما في الجنة من أنواع ~~النعيم الموجود جنسه في الدنيا، لا يوجد في الجنة فيه آفة، كما قال ~~تعالى: # فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى # [محمد: 15] وذكر هنا خمر الجنة، ونفى عنها كل آفة توجد في الدنيا. { ~~وفاكهة مما يتخيرون } أي: مهما تخيروا، وراق في أعينهم، ~~واشتهته نفوسهم، من أنواع الفواكه الشهية، والجنى اللذيذ، حصل لهم على ~~أكمل وجه وأحسنه، { ولحم طير مما يشتهون } أي: من كل صنف ~~من الطيور يشتهونه، ومن أي جنس من لحمه أرادوا، وإن شاؤوا مشويا، أو ~~طبيخا، أو غير ذلك. { وحور عين * كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون } أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة، ~~وحسن وبهاء، والعين: حسان الأعين وضخامها وحسن العين في الأنثى، من أعظم ~~الأدلة على حسنها وجمالها. { كأمثال اللؤلؤ المكنون } أي: ~~كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح ~~والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من ~~الوجوه، فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن [بوجه]، بل هن كاملات الأوصاف، ~~جميلات النعوت. فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق ~~الناظر، وذلك النعيم المعد لهم { جزآء بما كانوا يعملون } ~~فكما حسنت ms1548 منهم الأعمال، أحسن الله لهم الجزاء، ووفر لهم الفوز والنعيم. ~~{ لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } أي: لا يسمعون في ~~جنات النعيم كلاما يلغى، ولا يكون فيه فائدة، ولا كلاما يؤثم صاحبه، { ~~إلا قيلا سلاما سلاما } أي: إلا كلاما طيبا، وذلك لأنها دار ~~الطيبين، ولا يكون فيها إلا كل طيب، وهذا دليل على حسن أدب أهل الجنة في ~~خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب كلام، وأسره للنفوس، وأسلمه من كل لغو ~~وإثم، نسأل الله من فضله. ### || [56.27-40] # ثم ذكر نعيم أصحاب اليمين، فقال: { وأصحاب اليمين مآ ~~أصحاب اليمين } أي: شأنهم عظيم، وحالهم جسيم، { في سدر ~~مخضود } أي: مقطوع ما فيه من الشوك والأغصان [الرديئة] المضرة، ~~مجعول مكان ذلك الثمر الطيب، وللسدر من الخواص، الظل الظليل، وراحة الجسم ~~فيه، { وطلح منضود } والطلح معروف، وهو شجر [كبار] يكون ~~بالبادية، تنضد أغصانه من الثمر اللذيذ الشهي، { ومآء مسكوب } ~~أي: كثير من العيون والأنهار السارحة، والمياه المتدفقة، { وفاكهة ~~كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي: ليست بمنزلة فاكهة ~~الدنيا تنقطع في وقت من الأوقات، وتكون ممتنعة [أي: متعسرة] على مبتغيها، ~~بل هي على الدوام موجودة، وجناها قريب يتناوله العبد على أي حال يكون، { ~~وفرش مرفوعة } أي: مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك ~~الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله. { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء } أي: إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير ~~النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء، { ~~فجعلناهن أبكارا } صغارهن وكبارهن، وعموم ذلك يشمل الحور ~~العين ونساء أهل الدنيا، وأن هذا الوصف - وهو البكارة - ملازم لهن في ~~جميع الأحوال، كما أن كونهن { عربا أترابا } ملازم لهن في كل حال، ~~والعروب: هي المرأة المتحببة إلى بعلها بحسن لفظها، وحسن هيئتها ودلالها ~~وجمالها [ومحبتها]، فهي التي إن تكلمت سبت العقول، وود السامع أن كلامها ~~لا ينقضي، خصوصا عند غنائهن بتلك الأصوات الرخيمة والنغمات المطربة، وإن ~~نظر إلى أدبها وسمتها ودلها ملأت قلب بعلها فرحا وسرورا، وإن برزت من ~~محل إلى آخر، امتلأ ms1549 ذلك الموضع منها ريحا طيبا ونورا، ويدخل في ذلك ~~الغنجة عند الجماع. والأتراب اللاتي على سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة، ~~التي هي غاية ما يتمنى ونهاية سن الشباب، فنساؤهم عرب أتراب، متفقات ~~مؤتلفات، راضيات مرضيات، لا يحزن ولا يحزن، بل هن أفراح النفوس، ~~وقرة العيون، وجلاء الأبصار. { لأصحاب اليمين } أي: معدات لهم ~~مهيئات، { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين } ~~أي: هذا القسم من أصحاب اليمين عدد كثير من الأولين، وعدد كثير من ~~الآخرين. ### || [56.41-57] # { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال * في سموم ~~وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * ~~إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون ~~على الحنث العظيم * وكانوا يقولون أإذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آبآؤنا ~~الأولون }. المراد بأصحاب الشمال [هم:] أصحاب النار، والأعمال ~~المشئومة، فذكر [الله] لهم من العقاب، ما هم حقيقون به، فأخبر أنهم { في ~~سموم } أي: ريح حارة من حر نار جهنم، يأخذ بأنفاسهم، وتقلقهم أشد ~~القلق، { وحميم } أي: ماء حار يقطع أمعاءهم، { وظل من ~~يحموم } أي: لهب نار يختلط بدخان، { لا بارد ولا كريم } ~~أي: لا برد فيه ولا كرم، والمقصود أن هناك الهم والغم، والحزن والشر، ~~الذي لا خير فيه، لأن نفي الضد إثبات لضده. ثم ذكر أعمالهم التي أوصلتهم ~~إلى هذا الجزاء، فقال: { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } ~~أي: قد ألهتهم دنياهم، وعملوا لها، وتنعموا وتمتعوا بها، فألهاهم الأمل ~~عن إحسان العمل، فهذا الترف الذي ذمهم الله عليه، { وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم } أي: وكانوا يفعلون الذنوب الكبار ~~ولا يتوبون منها، ولا يندمون عليها، بل يصرون على ما يسخط مولاهم، فقدموا ~~عليه بأوزار كثيرة [غير مغفورة]. وكانوا ينكرون البعث، فيقولون استبعادا ~~لوقوعه: { أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون } أي: كيف نبعث بعد موتنا ~~وقد بلينا، فكنا ترابا وعظاما؟ [هذا من المحال] { أإنا ~~لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون } قال تعالى جوابا لهم ~~وردا عليهم: { قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون ~~إلى ميقات يوم معلوم } ، أي: قل إن متقدم الخلق ms1550 ومتأخرهم، ~~الجميع سيبعثهم الله ويجمعهم لميقات يوم معلوم، قدره الله لعباده، حين ~~تنقضي الخليقة، ويريد الله تعالى جزاءهم على أعمالهم التي عملوها في دار ~~التكليف. { ثم إنكم أيها الضآلون } عن طريق الهدى، ~~التابعون لطريق الردى، { المكذبون } بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~وما جاء به من الحق والوعد والوعيد، { لأكلون من شجر من ~~زقوم } وهو أقبح الأشجار وأخسها، وأنتنها ريحا، وأبشعها منظرا، { ~~فمالئون منها البطون } والذي أوجب لهم أكلها - مع ما هي عليه ~~من الشناعة - الجوع المفرط، الذي يلتهب في أكبادهم وتكاد تنقطع منه ~~أفئدتهم. هذا الطعام الذي يدفعون به الجوع، وهو الذي لا يسمن ولا يغني من ~~جوع. وأما شرابهم، فهو بئس الشراب، وهو أنهم يشربون على هذا الطعام من ~~الماء الحميم الذي يغلي في البطون شرب الإبل الهيم أي: العطاش، التي قد ~~اشتد عطشها، أو [أن الهيم] داء يصيب الإبل، لا تروى معه من شراب الماء. { ~~هذا } الطعام والشراب { نزلهم } أي: ضيافتهم { يوم الدين ~~} وهي الضيافة التي قدموها لأنفسهم، وآثروها على ضيافة الله لأوليائه. ~~قال تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا * خالدين فيها لا يبغون ~~عنها حولا # [الكهف: 107-108]. ثم ذكر الدليل العقلي على البعث، فقال: { نحن ~~خلقناكم فلولا تصدقون } أي: نحن الذين أوجدناكم بعد أن ~~لم تكونوا شيئا مذكورا، من غير عجز ولا تعب، أفليس القادر على ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير، ولهذا وبخهم على ~~عدم تصديقهم بالبعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم منه وأبلغ. ### || [56.58-62] # أي: أفرأيتم ابتداء خلقتكم من المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك ~~المني وما ينشأ منه؟ أم الله تعالى الخالق الذي خلق فيكم من الشهوة ~~وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب بين الزوجين، ~~وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل. ولهذا أحالهم الله ~~تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: { ولقد ~~علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } أن القادر ~~على ابتداء خلقكم، قادر ms1551 على إعادتكم. ### || [56.63-67] # وهذا امتنان منه على عباده، يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة ~~إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث للزروع والثمار، فتخرج من ~~ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، ~~التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء حقها، فقررهم بمنته، ~~فقال: { ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } أي: أأنتم ~~أخرجتموه نباتا من الأرض؟ أم أنتم الذين نميتموه؟ أم أنتم الذين أخرجتم ~~سنبله وثمره حتى صار حبا حصيدا وثمرا نضيجا؟ أم الله الذي انفرد بذلك ~~وحده، وأنعم به عليكم؟ وأنتم غاية ما تفعلون أن تحرثوا الأرض وتشقوها ~~وتلقوا فيها البذر، ثم بعد ذلك لا علم عندكم بما يكون بعد ذلك، ولا قدرة ~~لكم على أكثر من ذلك ومع ذلك، فنبههم على أن ذلك الحرث معرض للأخطار لولا ~~حفظ الله وإبقاؤه لكم بلغة ومتاعا إلى حين، فقال: { لو نشآء ~~لجعلناه } أي: الزرع المحروث وما فيه من الثمار { حطاما } أي: ~~فتاتا متحطما، لا نفع فيه ولا رزق، { فظلتم } أي: فصرتم بسبب جعله ~~حطاما، بعد أن تعبتم فيه وأنفقتم النفقات الكثيرة { تفكهون } أي: ~~تندمون وتحسرون على ما أصابكم، ويزول بذلك فرحكم وسروركم وتفكهكم، ~~فتقولون: { إنا لمغرمون } أي: إنا قد نقصنا وأصابتنا مصيبة ~~اجتاحتنا. ثم تعرفون بعد ذلك من أين أتيتم، وبأي سبب دهيتم، فتقولون: { ~~بل نحن محرومون } فاحمدوا الله تعالى حيث زرعه الله لكم، ثم ~~أبقاه وكمله لكم، ولم يرسل عليه من الآفات ما به تحرمون نفعه وخيره. ### || [56.68-70] # لما ذكر تعالى نعمته على عباده بالطعام، ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب ~~الذي منه يشربون، وأنهم لولا أن الله يسره وسهله، لما كان لكم سبيل إليه، ~~وأنه الذي أنزله من المزن، وهو السحاب والمطر، ينزله الله تعالى فيكون ~~منه الأنهار الجارية على وجه الأرض وفي بطنها، ويكون منه الغدران ~~المتدفقة، ومن نعمته أن جعله عذبا فراتا تسيغه النفوس، ولو شاء لجعله ~~ملحا أجاجا مكروها للنفوس. لا ينتفع به { فلولا تشكرون } ~~الله تعالى على ما أنعم به ms1552 عليكم. ### || [56.71-74] # وهذه نعمة تدخل في الضروريات التي لا غنى للخلق عنها، فإن الناس محتاجون ~~إليها في كثير من أمورهم وحوائجهم، فقررهم تعالى بالنار التي أوجدها في ~~الأشجار، وأن الخلق لا يقدرون أن ينشؤوا شجرها، وإنما الله تعالى الذي ~~أنشأها من الشجر الأخضر، فإذا هي نار توقد بقدر حاجة العباد، فإذا فرغوا ~~من حاجتهم، أطفؤوها وأخمدوها. { نحن جعلناها تذكرة } للعباد ~~بنعمة ربهم، وتذكرة بنار جهنم التي أعدها الله للعاصين، وجعلها سوطا ~~يسوق به عباده إلى دار النعيم، { ومتاعا للمقوين } أي: ~~[المنتفعين أو] المسافرين وخص الله المسافرين لأن نفع المسافر بذلك أعظم ~~من غيره، ولعل السبب في ذلك، لأن الدنيا كلها دار سفر، والعبد من حين ولد ~~فهو مسافر إلى ربه، فهذه النار، جعلها الله متاعا للمسافرين في هذه ~~الدار، وتذكرة لهم بدار القرار، فلما بين من نعمه ما يوجب الثناء عليه ~~من عباده وشكره وعبادته، أمر بتسبيحه وتحميده، فقال: { فسبح باسم ~~ربك العظيم } أي: نزه ربك العظيم، كامل الأسماء والصفات، كثير ~~الإحسان والخيرات، واحمده بقلبك ولسانك، وجوارحك، لأنه أهل لذلك، وهو ~~المستحق لأن يشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى. ### || [56.75-87] # أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في ~~تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده، ثم عظم هذا ~~المقسم به، فقال: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } ~~وإنما كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، ~~آيات وعبرا لا يمكن حصرها، وأما المقسم عليه، فهو إثبات القرآن، وأنه حق ~~لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل ~~خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه، { في كتاب ~~مكنون } أي: مستور عن أعين الخلق، وهذا الكتاب المكنون هو اللوح ~~المحفوظ أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، معظم عند الله وعند ~~ملائكته في الملأ الأعلى. ويحتمل أن المراد بالكتاب المكنون، هو الكتاب ~~الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله، وأن المراد بذلك ms1553 ~~أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه ~~واستراقه، { لا يمسه إلا المطهرون } أي: لا يمس القرآن ~~إلا الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات والذنوب والعيوب، ~~وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة ~~لهم، ولا يدان إلى مسه، دلت الآية بتنبيهها، على أنه لا يجوز أن يمس ~~القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث، ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى ~~النهي أي: لا يمس القرآن إلا طاهر. { تنزيل من رب ~~العالمين } أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل ~~رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ~~ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ~~ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورا، ومما يجب عليهم أن ~~يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: { أفبهذا ~~الحديث أنتم مدهنون } أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر ~~الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم وألسنتهم؟ ~~هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه ~~منه. وأما القرآن الكريم، فهو الحق الذي لا يغالب به مغالب إلا غلب، ولا ~~يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو الذي لا يداهن به ولا يختفى، ~~بل يصدع به ويعلن. وقوله: { وتجعلون رزقكم أنكم ~~تكذبون } أي: تجعلون مقابلة منة الله عليكم بالرزق التكذيب والكفر ~~لنعمة الله، فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وتضيفون النعمة لغير مسديها ~~وموليها، فهلا شكرتم الله تعالى على إحسانه، إذ أنزله الله إليكم ليزيدكم ~~من فضله، فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم وحلول النقم. { فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ~~ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون } أي: ~~فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون المحتضر في هذه الحالة، ~~والحال أنا نحن أقرب إليه منكم، بعلمنا وملائكتنا، ولكن لا تبصرون، { ~~فلولا إن كنتم غير مدينين } أي: فهلا إذا كنتم تزعمون، ~~أنكم ms1554 غير مبعوثين ولا محاسبين ومجازين، ترجعون الروح إلى بدنها { إن ~~كنتم صادقين } وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن ردها إلى موضعها، ~~فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، وإما ~~أن تعاندوا وتعلم حالكم وسوء مآلكم. ### || [56.88-96] # ذكر الله تعالى أحوال الطوائف الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، ~~والمكذبين الضالين، في أول السورة في دار القرار. ثم ذكر أحوالهم في ~~آخرها عند الاحتضار والموت، فقال: { فأمآ إن كان } الميت { من ~~المقربين } وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات ~~والمكروهات وفضول المباحات، { ف } لهم { روح } أي: راحة وطمأنينة، ~~وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح، { وريحان } وهو اسم جامع لكل لذة ~~بدنية، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان هو الطيب ~~المعروف، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام. { وجنت نعيم } ~~جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها ~~الأرواح من الفرح والسرور. كما قال تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * ~~نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون * نزلا من غفور رحيم # [فصلت: 30-32]. وقد أول قوله تبارك تعالى: # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة # [يونس: 64] أن هذه البشارة المذكورة، هي البشرى في الحياة الدنيا. ~~[وقوله:] { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين } وهم الذين ~~أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، و [إن] حصل منهم التقصير في بعض الحقوق ~~التي لا تخل بتوحيدهم وإيمانهم، { ف } يقال لأحدهم: { سلام لك ~~من أصحاب اليمين } أي: سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين ~~أي: يسلمون عليه ويحيونه عند وصوله إليهم ولقائهم له، أو يقال له: سلام ~~لك من الآفات والبليات والعذاب، لأنك من أصحاب اليمين، الذين سلموا من ~~الذنوب الموبقات. { وأمآ إن كان من المكذبين ~~الضآلين } أي: الذين كذبوا بالحق وضلوا عن الهدى، { فنزل من ms1555 ~~حميم * وتصلية جحيم } أي: ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية ~~الجحيم التي تحيط بهم، وتصل إلى أفئدتهم، وإذا استغاثوا من شدة العطش ~~والظمأ # يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب ~~وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]. { إن هذا } الذي ذكره الله تعالى، من جزاء العباد ~~بأعمالهم، خيرها وشرها، وتفاصيل ذلك { لهو حق اليقين } أي: ~~الذي لا شك فيه ولا مرية، بل هو الحق الثابت الذي لا بد من وقوعه، وقد ~~أشهد الله عباده الأدلة القواطع على ذلك، حتى صار عند أولي الألباب كأنهم ~~ذائقون له مشاهدون له فحمدوا الله تعالى على ما خصهم به من هذه النعمة ~~العظيمة، والمنحة الجسيمة. ولهذا قال تعالى: { فسبح باسم ربك ~~العظيم } فسبحان ربنا العظيم، وتعالى وتنزه عما يقول الظالمون ~~والجاحدون علوا كبيرا. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-6] # يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض ~~من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، ~~وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت ~~فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وهو العزيز الحكيم } فهذا فيه ~~بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، ~~وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره، ثم أخبر عن ~~عموم ملكه، فقال: { له ملك السموت والأرض يحيي ~~ويميت } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وهو ~~على كل شيء قدير }. { هو الأول } الذي ليس قبله شيء، { ~~والآخر } الذي ليس بعده شيء { والظاهر } الذي ليس فوقه شيء، { ~~والباطن } الذي ليس دونه شيء. { وهو بكل شيء عليم } قد ~~أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة ~~والمتأخرة. { هو الذي خلق السموت والأرض في ستة ~~أيام } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثم استوى على ~~العرش } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يعلم ما يلج ~~في الأرض } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وما يخرج منها } ~~من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وما ينزل من السمآء } من ~~الملائكة والأقدار والأرزاق. { وما يعرج فيها } من الملائكة ms1556 ~~والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وهو معكم أين ما ~~كنتم } كقوله: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا # [المجادلة: 7]. وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على ~~المجازاة بالأعمال بقوله: { والله بما تعملون بصير } أي: ~~هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من ~~بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { له ملك السموت ~~والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره ~~القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، { وإلى الله ~~ترجع الأمور } من الأعمال والعمال، فيعرض عليه العباد، فيميز ~~الخبيث من الطيب، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. { يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل } أي: ~~يدخل الليل على النهار، فيغشيهم الليل بظلامه، فيسكنون ويهدؤون، ثم يدخل ~~النهار على الليل، فيزول ما على الأرض من الظلام، ويضيء الكون، فيتحرك ~~العباد، ويقومون إلى مصالحهم ومعايشهم، ولا يزال الله يكور الليل على ~~النهار، والنهار على الليل، ويداول بينهما، في الزيادة والنقص، والطول ~~والقصر، حتى تقوم بذلك الفصول، وتستقيم الأزمنة، ويحصل من المصالح ما ~~يحصل بذلك، فتبارك الله رب العالمين، وتعالى الكريم الجواد، الذي أنعم ~~على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، { وهو عليم بذات الصدور ~~} أي: بما يكون في صدور العالمين، فيوفق من يعلم أنه أهل لذلك، ويخذل من ~~يعلم أنه لا يصلح لهدايته. ### || [57.7-11] # يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله وبما جاء به، وبالنفقة في سبيله، ~~من الأموال التي جعلها الله في أيديهم واستخلفهم عليها، لينظر كيف ~~يعملون، ثم لما أمرهم بذلك، رغبهم وحثهم عليه بذكر ما رتب عليه من ~~الثواب، فقال: { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا } أي: جمعوا ~~بين الإيمان بالله ورسوله، والنفقة في سبيله، لهم أجر كبير، أعظمه ~~[وأجله] رضا ربهم، والفوز بدار كرامته، وما فيها من النعيم المقيم، الذي ~~أعده الله للمؤمنين والمجاهدين، ثم ذكر [السبب] الداعي لهم إلى الإيمان، ~~وعدم المانع منه، فقال: { وما لكم ms1557 لا تؤمنون بالله ~~والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ~~ميثاقكم إن كنتم مؤمنين } أي: وما الذي يمنعكم من ~~الإيمان، والحال أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وأكرم ~~داع دعا إلى الله يدعوكم، فهذا مما يوجب المبادرة إلى إجابة دعوته، ~~والتلبية والإجابة للحق الذي جاء به، وقد أخذ عليكم العهد والميثاق ~~بالإيمان إن كنتم مؤمنين، ومع ذلك، من لطفه وعنايته بكم، أنه لم يكتف ~~بمجرد دعوة الرسول الذي هو أشرف العالم، بل أيده بالمعجزات، ودلكم على ~~صدق ما جاء به بالآيات البينات، فلهذا قال: { هو الذي ينزل ~~على عبده آيات بينات } أي: ظاهرات تدل أهل العقول على صدق ~~كل ما جاء به، وأنه حق اليقين، { ليخرجكم } بإرسال الرسول إليكم، ~~وما أنزله الله على يده من الكتاب والحكمة، { من الظلمات إلى ~~النور } أي: من ظلمات الجهل والكفر، إلى نور العلم والإيمان، وهذا من ~~رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها { وإن ~~الله بكم لرءوف رحيم }. { وما لكم ألا تنفقوا ~~في سبيل الله ولله ميراث السموت والأرض } أي: ~~وما الذي يمنعكم من النفقة في سبيل الله، وهي طرق الخير كلها، ويوجب لكم ~~أن تبخلوا، { و } الحال أنه ليس لكم شيء، بل { لله ميراث ~~السموت والأرض } فجميع الأموال ستنتقل من أيديكم أو تنقلون ~~عنها، ثم يعود الملك إلى مالكه تبارك وتعالى، فاغتنموا الإنفاق ما دامت ~~الأموال في أيديكم، وانتهزوا الفرصة، ثم ذكر تعالى تفاضل الأعمال بحسب ~~الأحوال والحكمة الإلهية، فقال: { لا يستوي منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } المراد بالفتح هنا هو ~~فتح الحديبية، حين جرى من الصلح بين الرسول وبين قريش مما هو أعظم ~~الفتوحات التي حصل بها نشر الإسلام، واختلاط المسلمين بالكافرين، والدعوة ~~إلى الدين من غير معارض، فدخل الناس من ذلك الوقت في دين الله أفواجا، ~~واعتز الإسلام عزا عظيما، وكان المسلمون قبل هذا الفتح لا يقدرون على ~~الدعوة إلى الدين في غير البقعة التي ms1558 أسلم أهلها، كالمدينة وتوابعها، ~~وكان من أسلم من أهل مكة وغيرها من ديار المشركين يؤذى ويخاف، فلذلك كان ~~من أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، أعظم درجة وأجرا وثوابا ممن لم يسلم ~~ويقاتل وينفق إلا بعد ذلك، كما هو مقتضى الحكمة، ولذلك كان السابقون ~~وفضلاء الصحابة، غالبهم أسلم قبل الفتح، ولما كان التفضيل بين الأمور قد ~~يتوهم منه نقص وقدح في المفضول، احترز تعالى من هذا بقوله: { وكلا ~~وعد الله الحسنى } أي: الذين أسلموا وقاتلوا وأنفقوا من قبل ~~الفتح وبعده، كلهم وعده الله الجنة، وهذا يدل على فضل الصحابة [كلهم]، ~~رضي الله عنهم، حيث شهد الله لهم بالإيمان، ووعدهم الجنة، { والله ~~بما تعملون خبير } فيجازي كلا منكم على ما يعلمه من عمله، ~~ثم حث على النفقة في سبيله، لأن الجهاد متوقف على النفقة فيه، وبذل ~~الأموال في التجهز له، فقال: { من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا } وهي النفقة [الطيبة] التي تكون خالصة لوجه الله، ~~موافقة لمرضاة الله، من مال حلال طيب، طيبة به نفسه، وهذا من كرم الله ~~تعالى [حيث] سماه قرضا، والمال ماله، والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه ~~أضعافا كثيرة، وهو الكريم الوهاب، وتلك المضاعفة محلها وموضعها يوم ~~القيامة، يوم كل يتبين فقره، ويحتاج إلى أقل شيء من الجزاء الحسن، ولذلك ~~قال: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم ~~بين أيديهم. # .. }. ### || [57.12-15] # يقول تعالى - مبينا لفضل الإيمان واغتباط أهله به يوم القيامة-: { ~~يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم } أي: إذا كان يوم القيامة، وكورت الشمس، ~~وخسف القمر، وصار الناس في الظلمة، ونصب الصراط على متن جهنم، فحينئذ ترى ~~المؤمنين والمؤمنات، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون بأيمانهم ~~ونورهم في ذلك الموقف الهائل الصعب، كل على قدر إيمانه، ويبشرون عند ذلك ~~بأعظم بشارة، فيقال: { بشراكم اليوم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز ~~العظيم } فلله ما أحلى هذه البشارة بقلوبهم، وألذها لنفوسهم، حيث حصل ~~لهم كل مطلوب [محبوب]، ونجوا من كل شر ومرهوب، فإذا رأى ms1559 المنافقون نور ~~المؤمنين يمشون به، وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين، قالوا ~~للمؤمنين: { انظرونا نقتبس من نوركم } أي: أمهلونا لننال ~~من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، ف { قيل } لهم: { ارجعوا ~~ورآءكم فالتمسوا نورا } أي: إن كان ذلك ممكنا، والحال أن ~~ذلك غير ممكن، بل هو من المحالات، { فضرب } بين المؤمنين والمنافقين ~~{ بسور } أي: حائط منيع، وحصن حصين، { له باب باطنه فيه ~~الرحمة } وهو الذي يلي المؤمنين، { وظاهره من قبله ~~العذاب } وهو الذي يلي المنافقين، فينادي المنافقون المؤمنين، ~~فيقولون لهم تضرعا وترحما: { ألم نكن معكم } في الدنيا نقول: ~~" لا إله إلا الله " ، ونصلي ونصوم ونجاهد، ونعمل مثل عملكم؟ { قالوا ~~بلى } كنتم معنا في الدنيا، وعملتم [في الظاهر] مثل عملنا، ولكن ~~أعمالكم أعمال المنافقين، من غير إيمان ولا نية [صادقة] صالحة، بل { ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم } أي: شككتم في خبر ~~الله الذي لا يقبل شكا، { وغرتكم الأماني } الباطلة، حيث ~~تمنيتم أن تنالوا منال المؤمنين، وأنتم غير موقنين، { حتى جآء ~~أمر الله } أي: حتى جاءكم الموت وأنتم بتلك الحال الذميمة. { ~~وغركم بالله الغرور } وهو الشيطان، الذي زين لكم الكفر ~~والريب، فاطمأننتم به، ووثقتم بوعده، وصدقتم خبره. { فاليوم لا ~~يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا } فلو افتديتم ~~بمثل الأرض ذهبا ومثله معه، لما تقبل منكم، { مأواكم النار } ~~أي: مستقركم، { هي مولاكم } التي تتولاكم وتضمكم إليها، { ~~وبئس المصير } النار. [قال تعالى:] # وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ ~~أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة: 8-11]. ### || [57.16-17] # لما ذكر حال المؤمنين والمؤمنات، والمنافقين والمنافقات في الدار ~~الآخرة، كان ذلك مما يدعو القلوب إلى الخشوع لربها، والاستكانة لعظمته، ~~فعاتب الله المؤمنين [على عدم ذلك]، فقال: { ألم يأن للذين ~~آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من ~~الحق }. أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به قلوبهم وتخشع لذكر الله، ~~الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق الذي جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهذا فيه الحث على الاجتهاد ms1560 على خشوع القلب لله ~~تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ ~~الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك، { ولا ~~يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال ~~عليهم الأمد } أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب ~~الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل ~~طال عليهم الزمان واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، { ~~فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } فالقلوب تحتاج في ~~كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ~~ذلك، فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين. { اعلموا أن الله ~~يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون } فإن الآيات تدل العقول على العلم بالمطالب ~~الإلهية، والذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الأموات بعد ~~موتهم، فيجازيهم بأعمالهم، والذي أحيا الأرض بعد موتها بماء المطر قادر ~~على أن يحيي القلوب الميتة بما أنزله من الحق على رسوله، وهذه الآية تدل ~~على أنه لا عقل لمن لم يهتد بآيات الله و[لم] ينقد لشرائع الله. ### || [57.18-19] # { إن المصدقين والمصدقات } بالتشديد أي: الذين ~~أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، { وأقرضوا الله ~~قرضا حسنا } بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا ~~لهم عند ربهم، { يضاعف لهم } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف، إلى أضعاف كثيرة، { ولهم أجر كريم } وهو ما أعده الله ~~لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس. { والذين آمنوا بالله ~~ورسله } والإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، هو ~~قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع ~~الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور هم الصديقون أي: ~~الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء. [وقوله:] { ~~والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم } كما ورد ~~في الحديث الصحيح: # " إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها ~~الله للمجاهدين في سبيله " # ، وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم الله ms1561 تعالى. { والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم } ~~فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب ~~الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جل عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع ~~إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله. والصديقون ~~هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين ~~الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله [لإعلاء كلمة الله، ~~وبذلوا أنفسهم وأموالهم] فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا ~~بآيات الله. وبقي قسم ذكرهم الله في سورة فاطر، وهم المقتصدون الذين ~~أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، إلا أنهم حصل منهم تقصير ببعض حقوق الله ~~وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم الجنة، وإن حصل لهم عقوبة ببعض ما فعلوا. ### || [57.20-21] # يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، ~~بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو ~~موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو ~~القلوب، والغفلة عن ذكر الله، وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن ~~قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال ~~التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي. [وقوله:] { وزينة } ~~أي: تزين في اللباس والطعام والشراب، والمراكب والدور والقصور والجاه. ~~[وغير ذلك] { وتفاخر بينكم } أي: كل واحد من أهلها يريد مفاخرة ~~الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة في أحوالها، { ~~وتكاثر في الأمول والأولد } أي: كل يريد أن يكون هو ~~الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه، وقوعه من محبي الدنيا ~~والمطمئنين إليها. بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا ولم ~~يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله ~~إلى الله، وإذا رأى من يكاثره وينافسه بالأموال والأولاد، نافسه بالأعمال ~~الصالحة. ثم ضرب للدنيا مثلا بغيث نزل على الأرض، فاختلط به نبات الأرض ~~مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وأعجب نباته ~~الكفار، الذين قصروا همهم ms1562 ونظرهم إلى الدنيا جاءها من أمر الله [ما ~~أتلفها] فهاجت ويبست، فعادت على حالها الأولى، كأنه لم ينبت فيها خضراء، ~~ولا رؤي لها مرأى أنيق، كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها زاهرة، ~~مهما أراد من مطالبها حصل، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة، ~~إذ أصابها القدر بما أذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به ~~عنها، فرحل منها صفر اليدين، لم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت ~~هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه. وأما العمل للآخرة فهو الذي ينفع، ويدخر ~~لصاحبه، ويصحب العبد على الأبد، ولهذا قال تعالى: { وفي الآخرة ~~عذاب شديد ومغفرة من الله ورضون } أي: حال ~~الآخرة، ما يخلو من هذين الأمرين: إما العذاب الشديد في نار جهنم، ~~وأغلالها وسلاسلها وأهوالها لمن كانت الدنيا هي غايته ومنتهى مطلبه، ~~فتجرأ على معاصي الله، وكذب بآيات الله، وكفر بأنعم الله. وإما مغفرة من ~~الله للسيئات، وإزالة للعقوبات، ورضوان من الله، يحل من أحله به دار ~~الرضوان لمن عرف الدنيا، وسعى للآخرة سعيها. فهذا كله مما يدعو إلى الزهد ~~في الدنيا، والرغبة في الآخرة، ولهذا قال: { وما الحيوة ~~الدنيآ إلا متع الغرور } أي: إلا متاع يتمتع به وينتفع ~~به، ويستدفع به الحاجات، لا يغتر به ويطمئن إليه إلا أهل العقول الضعيفة ~~الذين يغرهم بالله الغرور. # ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي ~~بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ~~ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي ~~الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلق بجميع ~~وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك، فقال: { وجنة ~~عرضها كعرض السمآء والأرض أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله } والإيمان بالله ورسله، يدخل فيه أصول الدين ~~وفروعها، { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء } أي: هذا الذي ~~بيناه لكم، وذكرنا لكم فيه الطرق الموصلة إلى الجنة، والطرق الموصلة إلى ~~النار، وأن فضل الله بالثواب الجزيل والأجر العظيم، من أعظم ms1563 منته على ~~عباده وفضله. { والله ذو الفضل العظيم } الذي لا يحصى ~~ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده. ### || [57.22-24] # يقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: { مآ أصاب من مصيبة ~~في الأرض ولافي أنفسكم } وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب ~~الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، ~~وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ~~ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة ~~عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما ~~فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح ~~المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما ~~آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما ~~أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ~~ولهذا قال: { والله لا يحب كل مختال فخور } أي: متكبر ~~فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، ~~كما قال تبارك وتعالى: # ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنمآ أوتيته ~~على علم بل هي فتنة # [الزمر: 49]. { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل } أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في ~~الشر البخل: وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم ~~بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم بقولهم ~~وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها، { ومن يتول } ~~عن طاعة الله فلا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، { فإن الله ~~هو الغني الحميد } الذي غناه من لوازم ذاته، الذي له ملك ~~السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم، الحميد الذي له كل اسم ~~حسن، ووصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه ويثنى ويعظم. ### || [57.25-27] # يقول تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } وهي ~~الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاؤوا به وحقيته. { ~~وأنزلنا ms1564 معهم الكتاب } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي ~~أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، { ~~والميزان } وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به ~~الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي ~~الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك { ليقوم ~~الناس بالقسط } قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا ~~يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو ~~القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، { ~~وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } من آلات الحرب، كالسلاح ~~والدروع وغير ذلك. { ومنافع للناس } وهو ما يشاهد من نفعه في ~~أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء ~~إلا وهو يحتاج إلى الحديد. { وليعلم الله من ينصره ~~ورسله بالغيب } أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من ~~الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع ~~فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ ~~يكون ضروريا. { إن الله قوي عزيز } أي: لا يعجزه شيء، ولا ~~يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن ~~قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه ~~بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب ~~والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي ~~فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل ~~والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها ~~على ألسنة رسله. ولما ذكر نبوة الأنبياء عموما، ذكر من خواصهم النبيين ~~الكريمين نوحا وإبراهيم اللذين جعل الله النبوة والكتاب في ذريتهما، ~~فقال: { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب } أي: الأنبياء المتقدمين ~~والمتأخرين كلهم من ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام، وكذلك الكتب كلها ~~نزلت على ذرية هذين النبيين الكريمين، { فمنهم } أي: ممن أرسلنا ~~إليهم الرسل { مهتد } بدعوتهم، منقاد لأمرهم، مسترشد بهداهم. { ~~وكثير ms1565 منهم فاسقون } أي: خارجون عن [طاعة الله و] طاعة ~~الرسل والأنبياء، كما قال تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]. { ثم قفينا } أي: أتبعنا { على آثارهم ~~برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم } خص الله عيسى عليه ~~السلام لأن السياق مع النصارى، الذين يزعمون اتباع عيسى عليه السلام، { ~~وآتيناه الإنجيل } الذي هو من كتب الله الفاضلة، { وجعلنا ~~في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } كما قال تعالى: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون # الآيات [المائدة: 82]. ولهذا كان النصارى ألين من غيرهم قلوبا، حين ~~كانوا على شريعة عيسى عليه السلام. { ورهبانية ابتدعوها } ~~والرهبانية: العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على ~~أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين ~~التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله تعالى، ومع ذلك { ~~فما رعوها حق رعايتها } أي: ما قاموا بها ولا أدوا ~~حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه ~~على أنفسهم. فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم. ومنهم من هو مستقيم على ~~أمر الله، ولهذا قال: { فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم } أي: الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع إيمانهم ~~بعيسى، كل أعطاه الله على حسب إيمانه { وكثير منهم فاسقون ~~}. ### || [57.28-29] # وهذا الخطاب، يحتمل أنه [خطاب] لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى ~~عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا الله فيتركوا ~~معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم إن فعلوا ذلك ~~أعطاهم الله { كفلين من رحمته } أي: نصيبين من الأجر نصيب ~~على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. ويحتمل أن يكون الأمر عاما يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا ~~الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ~~ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم ~~الله { كفلين ms1566 من رحمته } لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله ~~تعالى أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر، ~~وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرة ~~بعد أخرى. { ويجعل لكم نورا تمشون به } أي: يعطيكم علما ~~وهدى ونورا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات. { والله ~~ذو الفضل العظيم } فلا يستكثر هذا الثواب على فضل ذي الفضل ~~العظيم، الذي عم فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة ~~عين ولا أقل من ذلك. [وقوله] { لئلا يعلم أهل الكتاب ~~ألا يقدرون على شيء من فضل الله } أي: بينا لكم ~~فضلنا وإحساننا لمن آمن إيمانا عاما، واتقى الله، وآمن برسوله، لأجل أن ~~أهل الكتاب يكون لديهم علم بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله أي: لا ~~يحجرون على الله بحسب أهوائهم وعقولهم الفاسدة، فيقولون: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] ويتمنون على الله الأماني الفاسدة، فأخبر الله تعالى أن ~~المؤمنين برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، المتقين لله، لهم كفلان من ~~رحمته، ونور، ومغفرة، رغما على أنوف أهل الكتاب، وليعلموا { وأن ~~الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء } ممن اقتضت حكمته تعالى ~~أن يؤتيه من فضله، { والله ذو الفضل العظيم } [الذي لا ~~يقادر قدره]. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1-4] # نزلت هذه الآيات الكريمات في رجل من الأنصار اشتكته زوجته [إلى الله، ~~وجادلته] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمها على نفسه، بعد ~~الصحبة الطويلة، والأولاد، وكان هو رجلا شيخا كبيرا، فشكت حالها وحاله ~~إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكررت ذلك، وأبدت فيه ~~وأعادت. فقال تعالى: { قد سمع الله قول التي تجادلك ~~في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع ~~تحاوركمآ } أي: تخاطبكما فيما بينكما، { إن الله سميع } ~~لجميع الأصوات، في جميع الأوقات، على تفنن الحاجات. { بصير } يبصر ~~دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وهذا إخبار ~~عن كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالأمور الدقيقة ms1567 والجليلة، وفي ضمن ذلك ~~الإشارة بأن الله [تعالى] سيزيل شكواها، ويرفع بلواها، ولهذا ذكر حكمها، ~~وحكم غيرها على وجه العموم، فقال: { الذين يظاهرون منكم من ~~نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم }. المظاهرة من الزوجة: أن يقول الرجل لزوجته: " ~~أنت علي كظهر أمي " ، أو غيرها من محارمه، أو " أنت علي حرام " ، ~~وكان المعتاد عندهم في هذا لفظ " الظهر " ولهذا سماه الله " ظهارا " ~~فقال: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم } أي: كيف يتكلمون بهذا الكلام الذي يعلم أنه لا حقيقة ~~له، فيشبهون أزواجهم بأمهاتهم اللاتي ولدنهم؟ ولهذا عظم الله أمره ~~وقبحه، فقال: { وإنهم ليقولون منكرا من القول ~~وزورا } أي: قولا شنيعا، { وزورا } أي: كذبا. { وإن الله ~~لعفو غفور } عمن صدر منه بعض المخالفات، فتداركها بالتوبة ~~النصوح. { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون ~~لما قالوا } اختلف العلماء في معنى العود، فقيل: معناه العزم على ~~جماع من ظاهر منها، وأنه بمجرد عزمه تجب عليه الكفارة المذكورة، ويدل ~~على هذا أن الله تعالى ذكر في الكفارة أنها تكون قبل المسيس، وذلك إنما ~~يكون بمجرد العزم، وقيل: معناه حقيقة الوطء، ويدل على ذلك أن الله قال: ~~{ ثم يعودون لما قالوا } والذي قالوا إنما هو الوطء. وعلى كل ~~من القولين { ف } إذا وجد العود، صار كفارة هذا التحريم { تحرير ~~رقبة } مؤمنة كما قيدت في آية أخر، ذكر أو أنثى، بشرط أن تكون ~~سالمة من العيوب المضرة بالعمل. { من قبل أن يتمآسا } أي: ~~يلزم الزوج أن يترك وطء زوجته التي ظاهر منها حتى يكفر برقبة. { ذلكم ~~} الحكم الذي ذكرناه لكم، { توعظون به } أي: يبين لكم حكمه مع ~~الترهيب المقرون به، لأن معنى الوعظ ذكر الحكم مع الترغيب والترهيب، ~~فالذي يريد أن يظاهر، إذا ذكر أنه يجب عليه عتق رقبة كف نفسه عنه، { ~~والله بما تعملون خبير } فيجازي كل عامل بعمله. # { فمن لم يجد } رقبة يعتقها، بأن لم يجدها أو [لم] يجد ثمنها { ~~ف } عليه { صيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتمآسا فمن لم ms1568 يستطع } الصيام { فإطعام ستين ~~مسكينا } إما بأن يطعمهم من قوت بلده ما يكفيهم، كما هو قول كثير من ~~المفسرين، وإما بأن يطعم كل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره مما ~~يجزي في الفطرة، كما هو قول طائفة أخرى. ذلك الحكم الذي بيناه لكم، ~~ووضحناه لكم { لتؤمنوا بالله ورسوله } وذلك بالتزام هذا ~~الحكم وغيره من الأحكام والعمل به، فإن التزام أحكام الله والعمل بها من ~~الإيمان، [بل هي المقصودة] ومما يزيد به الإيمان ويكمل وينمو. { وتلك ~~حدود الله } التي تمنع من الوقوع فيها، فيجب أن لا تتعدى ولا يقصر ~~عنها. { وللكافرين عذاب أليم }. وفي هذه الآيات عدة أحكام: ~~منها: لطف الله بعباده واعتناؤه بهم، حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة، ~~وأزالها ورفع عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمه العام لكل من ابتلي بمثل ~~هذه القضية. ومنها: أن الظهار مختص بتحريم الزوجة، لأن الله قال: { من ~~نسآئهم } فلو حرم أمته، لم يكن [ذلك] ظهارا، بل هو من جنس تحريم ~~الطعام والشراب، تجب فيه كفارة اليمين فقط. ومنها: أنه لا يصح الظهار من ~~امرأة قبل أن يتزوجها، لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار، كما لا يصح ~~طلاقها، سواء نجز ذلك أو علقه. ومنها: أن الظهار محرم، لأن الله سماه ~~منكرا [من القول] وزورا. ومنها: تنبيه الله على وجه الحكم وحكمته، لأن ~~الله تعالى قال: { ما هن أمهاتهم }. ومنها: أنه يكره للرجل ~~أن ينادي زوجته ويسميها باسم محارمه، كقوله " يا أمي " ، " يا أختي " ~~ونحوه، لأن ذلك يشبه المحرم. ومنها: أن الكفارة إنما تجب بالعود لما قال ~~المظاهر، على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرد الظهار. ومنها: أنه يجزئ ~~في كفارة الرقبة، الصغير والكبير، والذكر والأنثى، لإطلاق الآية في ذلك. ~~ومنها: أنه يجب إخراجها إن كانت عتقا أو صياما قبل المسيس، كما قيده ~~الله، بخلاف كفارة الإطعام، فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها. ومنها: ~~أنه لعل الحكمة في وجوب الكفارة قبل المسيس، أن ذلك أدعى لإخراجها، فإنه ~~إذا اشتاق إلى الجماع، وعلم أنه ms1569 لا يمكن من ذلك إلا بعد الكفارة، بادر ~~لإخراجها. ومنها: أنه لا بد من إطعام ستين مسكينا، فلو جمع طعام ستين ~~مسكينا، ودفعها لواحد أو أكثر من ذلك، دون الستين لم يجز ذلك، لأن الله ~~قال: { فإطعام ستين مسكينا }. ### || [58.5] # محادة الله ورسوله: مخالفتهما ومعصيتهما خصوصا في الأمور الفظيعة، ~~كمحادة الله ورسوله بالكفر، ومعاداة أولياء الله. وقوله: { كبتوا ~~كما كبت الذين من قبلهم } أي: أذلوا وأهينوا كما فعل بمن ~~قبلهم، جزاء وفاقا. وليس لهم حجة على الله، فإن الله قد قامت حجته ~~البالغة على الخلق، وقد أنزل من الآيات البينات والبراهين ما يبين ~~الحقائق ويوضح المقاصد، فمن اتبعها وعمل عليها، فهو من المهتدين ~~الفائزين، { وللكافرين } بها { عذاب مهين } أي: يهينهم ~~ويذلهم، كما تكبروا عن آيات الله، أهانهم الله وأذلهم. ### || [58.6-7] # يقول الله تعالى: يوم يبعث الله الخلق { جميعا } فيقومون من أجداثهم ~~سريعا فيجازيهم بأعمالهم { فينبئهم بما عملوا } من خير ~~وشر، لأنه علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، وأمر الملائكة الكرام الحفظة ~~بكتابته، هذا { و } العاملون قد نسوا ما عملوه، والله أحصى ذلك. { ~~والله على كل شيء شهيد } بالظواهر والسرائر، والخبايا ~~والخفايا. ولهذا أخبر عن سعة علمه وإحاطته بما في السماوات والأرض من ~~دقيق وجليل. وأنه { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ~~ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } ~~والمراد بهذه المعية معية العلم والإحاطة بما تناجوا به وأسروه فيما ~~بينهم، ولهذا قال: { إن الله بكل شيء عليم } ثم قال ~~تعالى: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما... }. ### || [58.8-9] # النجوى هي التناجي بين اثنين فأكثر، وقد تكون في الخير، وتكون في الشر. ~~فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، ~~وقيام بحق لله ولعباده، والتقوى، وهي [هنا]: اسم جامع لترك جميع المحارم ~~والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيا ومتحدثا إلا ~~بما يقربه من الله، ويباعده من سخطه، والفاجر ms1570 يتهاون بأمر الله، ويناجي ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، كالمنافقين الذين هذا دأبهم وحالهم مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى { وإذا جآءوك حيوك ~~بما لم يحيك به الله } أي: يسيئون الأدب معك في تحيتهم لك، ~~{ ويقولون في أنفسهم } أي: يسرون في أنفسهم ما ذكره عالم ~~الغيب والشهادة عنهم، وهو قولهم: { لولا يعذبنا الله بما ~~نقول } ومعنى ذلك أنهم يتهاونون بذلك، ويستدلون بعدم تعجيل العقوبة ~~عليهم، أن ما يقولون غير محذور، قال تعالى في بيان أنه يمهل ولا يهمل: { ~~حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } أي: تكفيهم ~~جهنم التي جمعت كل شقاء وعذاب [عليهم]، تحيط بهم، ويعذبون بها { فبئس ~~المصير } وهؤلاء المذكورون إما أناس من المنافقين يظهرون الإيمان، ~~ويخاطبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا ~~به خيرا، وهم كذبة في ذلك، وإما أناس من أهل الكتاب، الذين إذا سلموا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: " السام عليك يا محمد " يعنون بذلك ~~الموت. ### || [58.10] # يقول تعالى: { إنما النجوى } أي: تناجي أعداء المؤمنين ~~بالمؤمنين، بالمكر والخديعة، وطلب السوء من الشيطان، الذي كيده ضعيف ~~ومكره غير مفيد. { ليحزن الذين آمنوا } هذا غاية هذا المكر ~~ومقصوده، { وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن الله } فإن ~~الله تعالى وعد المؤمنين بالكفاية والنصر على الأعداء، وقال تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] فأعداء الله ورسوله والمؤمنين، مهما تناجوا ومكروا، فإن ضرر ~~ذلك عائد إلى أنفسهم، ولا يضر المؤمنين إلا شيء قدره الله وقضاه، { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } أي: ليعتمدوا عليه ~~ويثقوا بوعده، فإن من توكل على الله كفاه، وتولى أمر دينه ودنياه. ### || [58.11] # هذا تأديب من الله لعباده المؤمنين، إذا اجتمعوا في مجلس من مجالس ~~مجتمعاتهم، واحتاج بعضهم أو بعض القادمين عليهم للتفسح له في المجلس، فإن ~~من الأدب أن يفسحوا له تحصيلا لهذا المقصود. وليس ذلك بضار للجالس ~~شيئا، فيحصل مقصود أخيه من غير ضرر يلحقه هو، والجزاء من جنس العمل، فإن ~~من فسح فسح الله له، ومن وسع لأخيه ms1571 وسع الله عليه. { وإذا قيل ~~انشزوا } أي: ارتفعوا وتنحوا عن مجالسكم لحاجة تعرض، { فانشزوا } ~~أي: فبادروا للقيام لتحصيل تلك المصلحة، فإن القيام بمثل هذه الأمور من ~~العلم والإيمان، والله تعالى يرفع أهل العلم والإيمان درجات، بحسب ما ~~خصهم الله به، من العلم والإيمان. { والله بما تعملون خبير ~~} فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وفي هذه الآية ~~فضيلة العلم، وأن زينته وثمرته التأدب بآدابه والعمل بمقتضاه. ### || [58.12-13] # يأمر تعالى المؤمنين بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم تأديبا لهم وتعليما، وتعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم، فإن هذا ~~التعظيم خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم وأجركم، وتحصل لكم ~~الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والأدب معه بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر ~~بالصدقة بين يدي مناجاته صار هذا ميزانا لمن كان حريصا على الخير ~~والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا رغبة في الخير، وإنما ~~مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على الرسول، هذا في ~~الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة، فإن الله لم يضيق عليه الأمر، ~~بل عفا عنه وسامحه، وأباح له المناجاة بدون تقديم صدقة لا يقدر عليها. ثم ~~لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، ~~سهل الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي ~~التعظيم للرسول والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع ~~لغيره، ليس مقصودا لنفسه، وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام ~~له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات الكبار المقصودة بنفسها، فقال: { ~~فإذ لم تفعلوا } أي: لم يهن عليكم تقديم الصدقة، ولا يكفي هذا، ~~فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده بقوله: { ~~وتاب الله عليكم } أي: عفا لكم عن ذلك، { فأقيموا ~~الصلاة } بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، { وآتوا ~~الزكاة } المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها. وهاتان العبادتان هما ms1572 ~~أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد قام ~~بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] { وأطيعوا الله ~~ورسوله } وهذا أشمل ما يكون من الأوامر. ويدخل في ذلك طاعة الله ~~[وطاعة] رسوله بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما أخبرا به، ~~والوقوف عند حدود الله. والعبرة في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال: ~~{ والله خبير بما تعملون } فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي: ~~وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم. ### || [58.14-19] # يخبر تعالى عن شناعة حال المنافقين الذين يتولون الكافرين، من اليهود ~~والنصارى وغيرهم ممن غضب الله عليهم، ونالوا من لعنة الله أوفى نصيب، ~~وأنهم ليسوا من المؤمنين ولا من الكافرين، # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]. فليسوا مؤمنين ظاهرا وباطنا لأن باطنهم مع الكفار، ولا ~~مع الكفار ظاهرا وباطنا، لأن ظاهرهم مع المؤمنين، وهذا وصفهم الذي ~~نعتهم الله به، والحال أنهم يحلفون على ضده الذي هو الكذب، فيحلفون أنهم ~~مؤمنون، وهم يعلمون أنهم ليسوا مؤمنين، فجزاء هؤلاء الخونة الفجرة ~~الكذبة، أن الله أعد لهم عذابا شديدا، لا يقادر قدره، ولا يعلم وصفه، ~~إنهم ساء ما كانوا يعملون، حيث عملوا بما يسخط الله ويوجب عليهم العقوبة ~~واللعنة. { اتخذوا أيمانهم جنة } أي: ترسا ووقاية، ~~يتقون بها من لوم الله ورسوله والمؤمنين، فبسبب ذلك صدوا أنفسهم وغيرهم ~~عن سبيل الله، وهي الصراط الذي من سلكه أفضى به إلى جنات النعيم. ومن ~~صد عنه فليس إلا الصراط الموصل إلى الجحيم، { فلهم عذاب ~~مهين } حيث استكبروا عن الإيمان بالله والانقياد لآياته، أهانهم ~~بالعذاب السرمدي، الذي لا يفتر عنهم ساعة ولا هم ينظرون. { لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا } فلا تدفع عنهم شيئا من العذاب، ولا تحصل لهم قسطا من الثواب، ~~{ أولئك أصحاب النار } الملازمون لها، الذين لا يخرجون ~~عنها، و { هم فيها خالدون } ومن عاش على شيء مات عليه، فكما أن ~~المنافقين في الدنيا يموهون على المؤمنين، ويحلفون لهم أنهم مؤمنون، فإذا ~~كان يوم ms1573 القيامة وبعثهم الله جميعا، حلفوا لله كما حلفوا للمؤمنين، ~~ويحسبون في حلفهم هذا أنهم على شيء، لأن كفرهم ونفاقهم وعقائدهم الباطلة، ~~لم تزل ترسخ في أذهانهم شيئا فشيئا، حتى غرتهم وظنوا أنهم على شيء يعتد ~~به، ويعلق عليه الثواب، وهم كاذبون في ذلك، ومن المعلوم أن الكذب لا يروج ~~على عالم الغيب والشهادة، وهذا الذي جرى عليهم من استحواذ الشيطان الذي ~~استولى عليهم، وزين لهم أعمالهم، وأنساهم ذكر الله، وهو العدو المبين، ~~الذي لا يريد بهم إلا الشر، # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6]. { أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون } الذين خسروا دينهم ودنياهم وأنفسهم ~~وأهليهم. ### || [58.20-21] # هذا وعد ووعيد، وعيد لمن حاد الله ورسوله بالكفر والمعاصي، أنه مخذول ~~مذلول، لا عاقبة له حميدة، ولا راية له منصورة. ووعد لمن آمن به وبرسله، ~~واتبع ما جاء به المرسلون، فصار من حزب الله المفلحين، أن لهم الفتح ~~والنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه ~~من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده. ### || [58.22] # يقول تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله } أي: لا يجتمع هذا ~~وهذا، فلا يكون العبد مؤمنا بالله واليوم الآخر حقيقة، إلا كان عاملا ~~على مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من ~~لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه. وهذا هو الإيمان على ~~الحقيقة، الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب ~~الله في قلوبهم الإيمان أي: رسمه وثبته وغرسه غرسا، لا يتزلزل، ولا ~~تؤثر فيه الشبه والشكوك. وهم الذين قواهم الله بروح منه أي: بوحيه ~~ومعونته، ومدده الإلهي وإحسانه الرباني. وهم الذين لهم الحياة الطيبة في ~~هذه الدار، ولهم جنات النعيم في دار القرار، التي فيها من كل ما تشتهيه ~~الأنفس وتلذ الأعين وتختار، ولهم أكبر النعيم وأفضله، وهو أن الله يحل ~~عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا، ويرضون عن ربهم ms1574 بما يعطيهم من أنواع ~~الكرامات، ووافر المثوبات، وجزيل الهبات، ورفيع الدرجات بحيث لا يرون فوق ~~ما أعطاهم مولاهم غاية، ولا فوقه نهاية. وأما من يزعم أنه يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، وهو مع ذلك مواد لأعداء الله، محب لمن ترك الإيمان ~~وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعمي لا حقيقة له، فإن كل أمر لا بد له ~~من برهان يصدقه، فمجرد الدعوى لا تفيد شيئا ولا يصدق صاحبها. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-7] # { بسم الله الرحمن الرحيم * سبح لله ما في ~~السموت وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار } إلى آخر القصة. ~~هذه السورة تسمى " سورة بني النضير " وهم طائفة كبيرة من اليهود في جانب ~~المدينة، وقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفروا به في جملة من كفر من اليهود، فلما ~~هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هادن سائر طوائف اليهود الذين ~~هم جيرانه في المدينة، فلما كان بعد [وقعة] بدر بستة أشهر أو نحوها، خرج ~~إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين ~~الذين قتلهم عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس ~~هاهنا حتى نقضي حاجتك، فخلا بعضهم ببعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي ~~كتب عليهم، فتآمروا بقتله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيكم يأخذ هذه ~~الرحى فيصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا، ~~فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا، فوالله ليخبرن بما هممتم به، ~~وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، وجاء الوحي على الفور إليه من ربه بما ~~هموا به، فنهض مسرعا، فتوجه إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فقالوا: نهضت ~~ولم نشعر بك، فأخبرهم بما همت يهود ms1575 به. وبعث إليهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشرا، فمن وجدت ~~بعد ذلك بها ضربت عنقه ". # فأقاموا أياما يتجهزون، وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبي [بن ~~سلول]: " أن لا تخرجوا من دياركم، فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم، ~~فيموتون دونكم، وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان ". وطمع رئيسهم حيي بن ~~أخطب فيما قال له، وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا لا ~~نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك. فكبر رسول الله صلى عليه وسلم ~~وأصحابه، ونهضوا إليهم، وعلي بن أبي طالب يحمل اللواء. فأقاموا على ~~حصونهم يرمون بالنبل والحجارة، واعتزلتهم قريظة، وخانهم ابن أبي ~~وحلفاؤهم من غطفان، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطع نخلهم ~~وحرق. فأرسلوا إليه: نحن نخرج من المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا منها ~~بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت إبلهم إلا السلاح، وقبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الأموال والسلاح. # وكانت بنو النضير خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنوائبه ومصالح ~~المسلمين، ولم يخمسها، لأن الله أفاءها عليه، ولم يوجف المسلمون عليها ~~بخيل ولا ركاب، وأجلاهم إلى خيبر وفيهم حيي بن أخطب كبيرهم، واستولى ~~على أرضهم وديارهم، وقبض السلاح، فوجد من السلاح خمسين درعا، وخمسين ~~بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا، هذا حاصل قصتهم كما ذكرها أهل السير. ~~فافتتح تعالى هذه السورة بالإخبار أن جميع من في السماوات والأرض تسبح ~~بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وتعبده وتخضع لجلاله، لأنه العزيز ~~الذي قد قهر كل شيء، فلا يمتنع عليه شيء، ولا يستعصي عليه مستعصي، الحكيم ~~في خلقه وأمره، فلا يخلق شيئا عبثا، ولا يشرع ما لا مصلحة فيه، ولا ~~يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته، ومن ذلك نصر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~على الذين كفروا من أهل الكتاب من بني النضير حين غدروا برسوله، فأخرجهم ~~من ديارهم وأوطانهم التي ألفوها وأحبوها. وكان إخراجهم منها أول حشر ~~وجلاء كتبه ms1576 الله عليهم على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فجلوا إلى ~~خيبر، ودلت الآية الكريمة أن لهم حشرا وجلاء غير هذا، فقد وقع حين ~~أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر، ثم عمر رضي الله عنه، [أخرج ~~بقيتهم منها]. { ما ظننتم } أيها المسلمون { أن يخرجوا } من ~~ديارهم، لحصانتها ومنعتها وعزهم فيها. { وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من الله } فأعجبوا بها وغرتهم، وحسبوا ~~أنهم لا ينالون بها، ولا يقدر عليها أحد، وقدر الله تعالى وراء ذلك ~~كله، لا تغني عنه الحصون والقلاع، ولا تجدي فيهم القوة والدفاع. ولهذا ~~قال: { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } أي: من ~~الأمر والباب، الذي لم يخطر ببالهم أن يؤتوا منه، وهو أنه تعالى { قذف ~~في قلوبهم الرعب } وهو الخوف الشديد، الذي هو جند الله الأكبر، ~~الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة، فالأمر الذي ~~يحتسبونه ويظنون أن الخلل يدخل عليهم منه إن دخل هو الحصون التي تحصنوا ~~بها، واطمأنت نفوسهم إليها، ومن وثق بغير الله فهو مخذول، ومن ركن إلى ~~غير الله فهو عليه وبال، فأتاهم أمر سماوي نزل على قلوبهم، التي هي محل ~~الثبات والصبر، أو الخور والضعف، فأزال الله قوتها وشدتها، وأورثها ضعفا ~~وخورا وجبنا، لا حيلة لهم ولا منعة معه، فصار ذلك عونا عليهم، ولهذا ~~قال: { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~} وذلك أنهم صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما حملت الإبل. ~~فنقضوا لذلك كثيرا من سقوفهم التي استحسنوها، وسلطوا المؤمنين بسبب ~~بغيهم على إخراب ديارهم وهدم حصونهم، فهم الذين جنوا على أنفسهم، وصاروا ~~من أكبر عون عليها، { فاعتبروا يأولي الأبصار } أي: ~~البصائر النافذة، والعقول الكاملة، فإن في هذا معتبرا يعرف به صنع الله ~~تعالى في المعاندين للحق، المتبعين لأهوائهم، الذين لم تنفعهم عزتهم، ولا ~~منعتهم قوتهم، ولا حصنتهم حصونهم، حين جاءهم أمر الله، ووصل إليهم النكال ~~بذنوبهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن هذه الآية تدل على ~~الأمر بالاعتبار، وهو اعتبار النظير ms1577 بنظيره، وقياس الشيء على مثله، ~~والتفكر فيما تضمنته الأحكام من المعاني والحكم التي هي محل العقل ~~والفكرة، وبذلك يزداد العقل، وتتنور البصيرة ويزداد الإيمان، ويحصل الفهم ~~الحقيقي، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لم يصبهم جميع ما يستحقون من ~~العقوبة، وأن الله خفف عنهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء الذي أصابهم ~~وقضاه عليهم وقدره بقدره الذي لا يبدل ولا يغير، لكان لهم شأن آخر من ~~عذاب الدنيا ونكالها، ولكنهم - وإن فاتهم العذاب الشديد الدنيوي - فإن ~~لهم في الآخرة عذاب النار، الذي لا يمكن أن يعلم شدته إلا الله تعالى، ~~فلا يخطر ببالهم أن عقوبتهم قد انقضت وفرغت ولم يبق لهم منها بقية، فما ~~أعد الله لهم من العذاب في الآخرة أعظم وأطم. # وذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله وعادوهما وحاربوهما وسعوا في معصيتهما، ~~وهذه عادته وسنته فيمن شاقه { ومن يشآق الله فإن الله ~~شديد العقاب }. ولما لام بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين في قطع النخيل والأشجار، وزعموا أن ذلك من الفساد، وتوصلوا ~~بذلك إلى الطعن بالمسلمين، أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم ~~إياه إن أبقوه، إنه بإذنه تعالى، وأمره { وليخزي الفاسقين } ~~حيث سلطكم على قطع نخلهم، وتحريقها، ليكون ذلك نكالا لهم، وخزيا في ~~الدنيا، وذلا يعرف به عجزهم التام، الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم ~~الذي هو مادة قوتهم. واللينة: اسم يشمل سائر النخيل على أصح الاحتمالات ~~وأولاها، فهذه حال بني النضير، وكيف عاقبهم الله في الدنيا، ثم ذكر من ~~انتقلت إليه أموالهم وأمتعتهم، فقال: { ومآ أفآء الله على ~~رسوله منهم } أي: من أهل هذه القرية، وهم بنو النضير. { ف } ~~إنكم يا معشر المسلمين { مآ أوجفتم } أي: ما أجلبتم وأسرعتم ~~وحشدتم، { عليه من خيل ولا ركاب } أي: لم تتعبوا بتحصيلها، ~~لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فأتتكم صفوا ~~عفوا، ولهذا. قال: { ولكن الله يسلط رسله على من ~~يشآء والله على كل شيء قدير } من تمام قدرته أنه لا ~~يمتنع منه ms1578 ممتنع، ولا يتعزز من دونه قوي. وتعريف الفيء في اصطلاح ~~الفقهاء: هو ما أخذ من مال الكفار بحق، من غير قتال، كهذا المال الذي ~~فروا وتركوه خوفا من المسلمين، وسمي فيئا، لأنه رجع من الكفار الذين ~~هم غير مستحقين له، إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه، وحكمه ~~العام، كما ذكره الله في قوله { مآ أفآء الله على رسوله ~~من أهل القرى } عموما، سواء أفاء الله في وقت رسوله أو بعده، ~~لمن يتولى من بعده أمته. # { فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل } وهذه الآية نظير الآية التي في ~~سورة الأنفال، في قوله: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل # [الأنفال: 41]. فهذا الفيء يقسم خمسة أقسام: خمس لله ولرسوله يصرف في ~~مصالح المسلمين [العامة]، وخمس لذوي القربى، وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، ~~حيث كانوا يسوى [فيه] بين ذكورهم وإناثهم، وإنما دخل بنو المطلب في ~~خمس الخمس مع بني هاشم، ولم يدخل بقية بني عبد مناف، لأنهم شاركوا بني ~~هاشم في دخولهم الشعب، حين تعاقدت قريش على هجرهم وعداوتهم، فنصروا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخلاف غيرهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في بني عبد المطلب: # " إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام ". # وخمس لفقراء اليتامى، وهم: من لا أب له ولم يبلغ، وخمس للمساكين، وسهم ~~لأبناء السبيل، وهم الغرباء المنقطع بهم في غير أوطانهم. وإنما قدر الله ~~هذا التقدير، وحصر الفيء في هؤلاء المعينين ل { كي لا يكون ~~دولة } أي: مدوالة واختصاصا { بين الأغنيآء منكم } فإنه ~~لو لم يقدره، لتداولته الأغنياء الأقوياء، ولما حصل لغيرهم من العاجزين ~~منه شيء، وفي ذلك من الفساد، ما لا يعلمه إلا الله، كما أن في اتباع أمر ~~الله وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، ولذلك أمر الله بالقاعدة ~~الكلية والأصل العام، فقال: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا } وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره ~~وباطنه، وأن ما جاء ms1579 به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا ~~تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ~~ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله، ثم أمر بتقواه ~~التي بها عمارة القلوب والأرواح [والدنيا والآخرة]، وبها السعادة الدائمة ~~والفوز العظيم، وبإضاعتها الشقاء الأبدي والعذاب السرمدي، فقال: { ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب } على من ترك ~~التقوى، وآثر اتباع الهوى. ### || [59.8-13] # ثم ذكر تعالى الحكمة والسبب الموجب لجعله تعالى الأموال أموال الفيء لمن ~~قدرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مستحقون لأن تجعل لهم، وأنهم ما بين ~~مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار والأوطان والأحباب ~~والخلان والأموال، رغبة في الله ونصرة لدين الله، ومحبة لرسول الله، ~~فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم ~~الصالحة والعبادات الشاقة، بخلاف من ادعى الإيمان وهو لم يصدقه بالجهاد ~~والهجرة وغيرهما من العبادات، وبين أنصار وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا ~~بالله ورسوله طوعا ومحبة واختيارا، وآووا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوؤوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت ~~موئلا ومرجعا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه ~~المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين ~~تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئا فشيئا، ~~وينمو قليلا قليلا، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، ~~والبلدان بالسيف والسنان. الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم { ~~يحبون من هاجر إليهم } وهذا لمحبتهم لله ولرسوله، أحبوا ~~أحبابه، وأحبوا من نصر دينه. { ولا يجدون في صدورهم حاجة ~~ممآ أوتوا } أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله ~~وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، ~~وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها. ويدل ذلك على أن المهاجرين أفضل من ~~الأنصار، لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت ms1580 الأنصار ولا ~~غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة. وقوله: { ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } أي: ومن أوصاف الأنصار التي ~~فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع ~~الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع ~~الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ~~ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة ~~الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده ~~وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة، ~~لأنها من خصال البخل والشح، ومن رزق الإيثار فقد وقي شح نفسه { ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ووقاية شح ~~النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد ~~شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، ~~منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا ~~للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله ~~وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ~~ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته، فهذان الصنفان الفاضلان ~~الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق ~~والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا ~~أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين. # وحسب من بعدهم من الفضل أن يسير خلفهم، ويأتم بهداهم، ولهذا ذكر الله ~~من اللاحقين من هو مؤتم بهم وسائر خلفهم فقال: { والذين جآءوا من ~~بعدهم } أي: من بعد المهاجرين والأنصار { يقولون } على وجه ~~النصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: { ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان }. وهذا دعاء شامل ~~لجميع المؤمنين، السابقين من الصحابة، ومن قبلهم ومن بعدهم، وهذا من ~~فضائل الإيمان أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض، بسبب ~~المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين، التي من فروعها ~~أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحب بعضهم بعضا. ms1581 ولهذا ذكر الله في الدعاء ~~نفي الغل عن القلب، الشامل لقليل الغل وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ~~ضده، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح، ونحو ذلك مما هو من حقوق ~~المؤمنين. فوصف الله من بعد الصحابة بالإيمان، لأن قولهم: { سبقونا ~~بالإيمان } دليل على المشاركة في الإيمان، وأنهم تابعون للصحابة في ~~عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف ~~التام إلا عليهم، ووصفهم بالإقرار بالذنوب والاستغفار منها، واستغفار ~~بعضهم لبعض، واجتهادهم في إزالة الغل والحقد عن قلوبهم لإخوانهم ~~المؤمنين، لأن دعاءهم بذلك مستلزم لما ذكرنا، ومتضمن لمحبة بعضهم بعضا، ~~وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن ينصح له حاضرا وغائبا، حيا ~~وميتا، ودلت الآية الكريمة [على] أن هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم ~~لبعض، ثم ختموا دعاءهم باسمين كريمين، دالين على كمال رحمة الله وشدة ~~رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته، بل من أجله، توفيقهم للقيام بحقوق ~~الله وحقوق عباده. فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم ~~المستحقون للفيء الذي مصرفه راجع إلى مصالح الإسلام. وهؤلاء أهله الذين ~~هم أهله، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه. ثم تعجب تعالى من حال المنافقين ~~الذين طمعوا إخوانهم من أهل الكتاب، في نصرتهم، وموالاتهم على ~~المؤمنين، وأنهم يقولون لهم: { لئن أخرجتم لنخرجن ~~معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } أي: لا نطيع في عدم ~~نصرتكم أحدا يعذلنا أو يخوفنا، { وإن قوتلتم لننصرنكم ~~والله يشهد إنهم لكاذبون } في هذا الوعد الذي غروا به ~~إخوانهم، ولا يستكثر هذا عليهم، فإن الكذب وصفهم، والغرور والخداع ~~مقارنهم، والنفاق والجبن يصحبهم، ولهذا كذبهم [الله] بقوله، الذي وجد ~~مخبره كما أخبر الله به، ووقع طبق ما قال، فقال: { لئن أخرجوا } ~~من ديارهم جلاء ونفيا { لا يخرجون معهم } لمحبتهم للأوطان، ~~وعدم صبرهم على القتال، وعدم وفائهم بوعدهم. # { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } بل يستولي عليهم الجبن، ~~ويملكهم الفشل، ويخذلون إخوانهم، أحوج ما كانوا إليهم. { ولئن ~~نصروهم } على الفرض والتقدير { ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون } أي: ليحصل منهم الإدبار ms1582 عن القتال والنصرة، ولا يحصل لهم ~~نصر من الله. والسبب الذي أوجب لهم ذلك أنكم - أيها المؤمنون - { أشد ~~رهبة في صدورهم من الله } فخافوا منكم أعظم مما يخافون ~~الله، وقدموا مخافة المخلوق الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ~~ضرا، على مخافة الخالق، الذي بيده الضر والنفع، والعطاء والمنع. { ~~ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } مراتب الأمور، ولا يعرفون ~~حقائق الأشياء، ولا يتصورون العواقب، وإنما الفقه كل الفقه، أن يكون خوف ~~الخالق ورجاؤه ومحبته مقدمة على غيرها، وغيرها تبعا لها. ### || [59.14-17] # { لا يقاتلونكم جميعا } أي: في حال الاجتماع { إلا في ~~قرى محصنة أو من ورآء جدر } أي: لا يثبتون لقتالكم ولا ~~يعزمون عليه، إلا إذا كانوا متحصنين في القرى، أو من وراء الجدر ~~والأسوار. فإنهم إذ ذاك ربما يحصل منهم امتناع، اعتمادا [على] حصونهم ~~وجدرهم، لا شجاعة بأنفسهم، وهذا من أعظم الذم، { بأسهم بينهم ~~شديد } أي: بأسهم فيما بينهم شديد، لا آفة في أبدانهم ولا في قوتهم، ~~وإنما الآفة في ضعف إيمانهم وعدم اجتماع كلمتهم، ولهذا قال: { ~~تحسبهم جميعا } حين تراهم مجتمعين ومتظاهرين. { و } لكن { ~~قلوبهم شتى } أي: متباغضة متفرقة متشتتة. { ذلك } الذي أوجب ~~لهم اتصافهم بما ذكر { بأنهم قوم لا يعقلون } أي: لا عقل ~~عندهم، ولا لب، فإنهم لو كانت لهم عقول، لآثروا الفاضل على المفضول، ~~ولما رضوا لأنفسهم بأبخس الخطتين، ولكانت كلمتهم مجتمعة، وقلوبهم مؤتلفة، ~~فبذلك يتناصرون ويتعاضدون، ويتعاونون على مصالحهم ومنافعهم الدينية ~~والدنيوية. مثل هؤلاء المخذولين من أهل الكتاب، الذين انتصر الله لرسوله ~~منهم، وأذاقهم الخزي في الحياة الدنيا، وعدم نصر من وعدهم بالمعاونة { ~~كمثل الذين من قبلهم قريبا } وهم كفار قريش الذين زين ~~لهم الشيطان أعمالهم، وقال: # لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ~~فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه [وقال ~~إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون] # الآية [الأنفال: 48]. فغرتهم أنفسهم، وغرهم من غرهم، الذين لم ينفعوهم، ~~ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا " بدرا " بفخرهم وخيلائهم، ظانين ~~أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين ms1583 أمانيهم. فنصر الله رسوله والمؤمنين ~~عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا من أسروا منهم، وفر من فر، ~~وذاقوا بذلك وبال أمرهم وعاقبة شركهم وبغيهم، هذا في الدنيا، { ولهم ~~} في الآخرة عذاب النار، ومثل هؤلاء المنافقين الذين غروا إخوانهم من أهل ~~الكتاب { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } أي: ~~زين له الكفر وحسنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر، وحصل له الشقاء، لم ~~ينفعه الشيطان الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه، بل تبرأ منه و { قال ~~إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } ~~أي: ليس لي قدرة على دفع العذاب عنك، ولست بمغن عنك مثقال ذرة من الخير. ~~{ فكان عاقبتهمآ } أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو ~~الإنسان حين أطاعه { أنهما في النار خالدين } كما قال ~~تعالى: # إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6] { وذلك جزآء الظالمين } الذين اشتركوا في الظلم ~~والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع كل ~~أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في ~~الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى عنهم. واللوم كل ~~اللوم على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ~~ونهايته، فالمقدم على طاعته عاص على بصيرة لا عذر له. ### || [59.18-21] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يوجبه الإيمان ويقتضيه من لزوم تقواه، ~~سرا وعلانية، في جميع الأحوال، وأن يراعوا ما أمرهم الله به من أوامره ~~وشرائعه وحدوده، وينظروا ما لهم وما عليهم، وماذا حصلوا عليه من الأعمال ~~التي تنفعهم أو تضرهم في يوم القيامة، فإنهم إذا جعلوا الآخرة نصب أعينهم ~~وقبلة قلوبهم، واهتموا بالمقام بها، اجتهدوا في كثرة الأعمال الموصلة ~~إليها، وتصفيتها من القواطع والعوائق التي توقفهم عن السير أو تعوقهم أو ~~تصرفهم، وإذا علموا أيضا أن الله خبير بما يعملون، لا تخفى عليه ~~أعمالهم، ولا تضيع لديه ولا يهملها، أوجب لهم الجد والاجتهاد. وهذه الآية ~~الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه، وأنه ينبغي له أن يتفقدها، فإن رأى ms1584 ~~زللا تداركه بالإقلاع عنه، والتوبة النصوح، والإعراض عن الأسباب الموصلة ~~إليه، وإن رأى نفسه مقصرا في أمر من أوامر الله، بذل جهده واستعان بربه ~~في تكميله وتتميمه، وإتقانه، ويقايس بين منن الله عليه وإحسانه وبين ~~تقصيره، فإن ذلك يوجب له الحياء بلا محالة. والحرمان كل الحرمان، أن يغفل ~~العبد عن هذا الأمر، ويشابه قوما نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام ~~بحقه، وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها، فلم ينجحوا، ولم يحصلوا على ~~طائل، بل أنساهم الله مصالح أنفسهم، وأغفلهم عن منافعها وفوائدها، فصار ~~أمرهم فرطا، فرجعوا بخسارة الدارين، وغبنوا غبنا لا يمكنهم تداركه، ولا ~~يجبر كسره، لأنهم هم الفاسقون، الذين خرجوا عن طاعة ربهم وأوضعوا في ~~معاصيه، فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده، فاستحق جنات ~~النعيم، والعيش السليم - مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين - ومن غفل عن ذكر الله، ونسي حقوقه، فشقي في الدنيا، ~~واستحق العذاب في الآخرة، فالأولون هم الفائزون، والآخرون هم الخاسرون. ~~ولما بين تعالى لعباده ما بين، وأمرهم ونهاهم في كتابه العزيز، كان هذا ~~موجبا لأن يبادروا إلى ما دعاهم إليه وحثهم عليه، ولو كانوا في القسوة ~~وصلابة القلوب كالجبال الرواسي، فإن هذا القرآن لو أنزله على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله أي: لكمال تأثيره في القلوب، فإن مواعظ ~~القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم ~~والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على ~~الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا ~~اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد. ثم أخبر تعالى أنه يضرب ~~للناس الأمثال، ويوضح لعباده في كتابه الحلال والحرام، لأجل أن يتفكروا ~~في آياته ويتدبروها، فإن التفكر فيها يفتح للعبد خزائن العلم، ويبين له ~~طرق الخير والشر، ويحثه على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، ويزجره عن ~~مساوئ الأخلاق، فلا أنفع للعبد من التفكر في القرآن والتدبر لمعانيه. ### || [59.22-24] # هذه الآيات الكريمات قد اشتملت ms1585 على كثير من أسماء الله الحسنى وأوصافه ~~العلى، عظيمة الشأن، وبديعة البرهان، فأخبر أنه الله المألوه المعبود، ~~الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، ~~وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأنه فقير عاجز ~~ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ثم وصف نفسه بعموم العلم الشامل، ~~لما غاب عن الخلق وما يشاهدونه، وبعموم رحمته التي وسعت كل شيء ووصلت ~~إلى كل حي، ثم كرر [ذكر] عموم إلهيته وانفراده بها، وأنه المالك لجميع ~~الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله، الجميع مماليك لله، فقراء ~~مدبرون. { القدوس السلام } أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ~~ونقص، المعظم الممجد، لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم ~~لله في أوصافه وجلاله. { المؤمن } أي: المصدق لرسله وأنبيائه بما ~~جاؤوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات. { ~~العزيز } الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل ~~شيء، { الجبار } الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، الذي ~~يجبر الكسير، ويغني الفقير، { المتكبر } الذي له الكبرياء ~~والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور. { سبحان الله ~~عما يشركون } وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به ~~وعانده. { هو الله الخالق } لجميع المخلوقات { البارىء } ~~للمبروءات { المصور } للمصورات، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق ~~والتدبير والتقدير، وأن ذلك كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك. ~~{ له الأسمآء الحسنى } أي: له الأسماء الكثيرة جدا، التي لا ~~يحصيها ولا يعلمها أحد إلا الله هو، ومع ذلك، فكلها حسنى أي: صفات كمال، ~~بل تدل على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها بوجه من الوجوه، ~~ومن حسنها أن الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ويسألوه ~~بها. ومن كماله، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العليا، أن جميع من في ~~السماوات والأرض مفتقرون إليه على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه ~~حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته وحكمته، { وهو ~~العزيز الحكيم } الذي ms1586 لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون شيئا ~~إلا لحكمة ومصلحة. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-9] # ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات ~~في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، ~~فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ~~ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها ~~الكتاب. وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين ~~وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم ~~الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من ~~العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال ~~الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } اعملوا ~~بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو ~~لله وعدو للمؤمنين. فلا تتخذوا عدو الله { وعدوكم أوليآء ~~تلقون إليهم بالمودة } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي ~~بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من ~~الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان. وهذا المتخذ ~~للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا ~~يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ~~ويحثه عليه؟! ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا ~~بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد ~~كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى. والحال أنهم كفروا ~~بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو ~~حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق، يدل على بطلان قول من رده ~~وفساده. ومن عداوتهم البليغة أنهم ms1587 { يخرجون الرسول وإياكم ~~} أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، ولا ذنب لكم في ذلك ~~عندهم، إلا أنكم تؤمنون بالله ربكم الذي يتعين على الخلق كلهم القيام ~~بعبوديته، لأنه رباهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو الله ~~تعالى. فلما أعرضوا عن هذا الأمر، الذي هو أوجب الواجبات، وقمتم به، ~~عادوكم، وأخرجوكم - من أجله - من دياركم، فأي دين، وأي مروءة وعقل، ~~يبقى مع العبد إذا والى الكفار الذين هذا وصفهم في كل زمان أو مكان؟!! ~~ولا يمنعهم منه إلا خوف، أو مانع قوي. { إن كنتم خرجتم جهادا ~~في سبيلي وابتغآء مرضاتي } أي: إن كان خروجكم مقصودكم به ~~الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله، فاعملوا ~~بمقتضى هذا، من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو الجهاد في ~~سبيله، وهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى ربهم ويبتغون به رضاه. # { تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بمآ ~~أخفيتم ومآ أعلنتم } أي: كيف تسرون المودة للكافرين ~~وتخفونها، مع علمكم أن الله عالم بما تخفون وما تعلنون؟!، فهو وإن خفي ~~على المؤمنين، فلا يخفى على الله تعالى، وسيجازي العباد بما يعلمه منهم ~~من الخير والشر، { ومن يفعله منكم } أي: موالاة الكافرين بعد ~~ما حذركم الله منها { فقد ضل سوآء السبيل } لأنه سلك مسلكا ~~مخالفا للشرع وللعقل والمروءة الإنسانية. ثم بين تعالى شدة عداوتهم، ~~تهييجا للمؤمنين على عداوتهم، { إن يثقفوكم } أي: يجدوكم، وتسنح ~~لهم الفرصة في أذاكم، { يكونوا لكم أعدآء } ظاهرين { ~~ويبسطوا إليكم أيديهم } بالقتل والضرب، ونحو ذلك. { ~~وألسنتهم بالسوء } أي: بالقول الذي يسوء، من شتم وغيره، { ~~وودوا لو تكفرون } فإن هذا غاية ما يريدون منكم. فإن احتججتم ~~وقلتم: نوالي الكفار لأجل القرابة والأموال، فلن تغني عنكم أموالكم ولا ~~أولادكم من الله شيئا. { والله بما تعملون بصير } فلذلك ~~حذركم من موالاة الكافرين الذين تضركم موالاتهم. قد كان لكم يا معشر ~~المؤمنين { أسوة حسنة } أي: قدوة صالحة وائتمام ينفعكم، { في ~~إبراهيم والذين معه } من المؤمنين، لأنكم قد أمرتم أن ~~تتبعوا ملة إبراهيم ms1588 حنيفا، { معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله } أي: إذ ~~تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من المؤمنين، من قومهم المشركين ومما ~~يعبدون من دون الله. ثم صرحوا بعداوتهم غاية التصريح، فقالوا: { ~~كفرنا بكم وبدا } أي: ظهر وبان { بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضآء } أي: البغض بالقلوب، وزوال مودتها، ~~والعداوة بالأبدان، وليس لتلك العداوة والبغضاء وقت ولا حد، بل ذلك { ~~أبدا } ما دمتم مستمرين على كفركم { حتى تؤمنوا بالله ~~وحده } أي: فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت ~~مودة وولاية، فلكم أيها المؤمنون أسوة [حسنة] في إبراهيم ومن معه في ~~القيام بالإيمان والتوحيد، والقيام بلوازم ذلك ومقتضياته، وفي كل شيء ~~تعبدوا به لله وحده، { إلا } في خصلة واحدة وهي { قول إبراهيم ~~لأبيه } آزر المشرك، الكافر، المعاند، حين دعاه إلى الإيمان والتوحيد، ~~فامتنع، فقال إبراهيم: { لأستغفرن لك و } الحال أني لا { ~~أملك لك من الله من شيء } لكني أدعو ربي عسى أن لا أكون ~~بدعاء ربي شقيا، فليس لكم أن تقتدوا بإبراهيم في هذه الحالة التي دعا ~~بها للمشرك، فليس لكم أن تدعوا للمشركين، وتقولوا: إنا في ذلك متبعون ~~لملة إبراهيم، فإن الله ذكر عذر إبراهيم في ذلك بقوله: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم # [التوبة: 114]. ولكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه، حين دعوا الله ~~وتوكلوا عليه وأنابوا إليه، واعترفوا بالعجز والتقصير، فقالوا: { ~~ربنا عليك توكلنا } أي: اعتمدنا عليك في جلب ما ينفعنا ~~ودفع ما يضرنا، ووثقنا بك يا ربنا في ذلك. { وإليك أنبنا } أي: ~~رجعنا إلى طاعتك ومرضاتك وجميع ما يقرب إليك، فنحن في ذلك ساعون، وبفعل ~~الخيرات مجتهدون، ونعلم أنا إليك نصير، فسنستعد للقدوم عليك، ونعمل ما ~~يقربنا الزلفى إليك، { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين ~~كفروا } أي: لا تسلطهم علينا بذنوبنا، فيفتنونا ويمنعونا مما يقدرون ~~عليه من أمور الإيمان، ويفتنون أيضا بأنفسهم، فإنهم إذا رأوا لهم ~~الغلبة، ظنوا ms1589 أنهم على الحق وأنا على الباطل، فازدادوا كفرا وطغيانا، { ~~واغفر لنا } ما اقترفنا من الذنوب والسيئات، وما قصرنا به من ~~المأمورات، { ربنآ إنك أنت العزيز } القاهر لكل شيء، { ~~الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها، فبعزتك وحكمتك انصرنا على ~~أعدائنا، واغفر لنا ذنوبنا، وأصلح عيوبنا. ثم كرر الحث [لهم] على ~~الاقتداء بهم، فقال: { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة } ~~وليس كل أحد تسهل عليه هذه الأسوة، وإنما تسهل على من { كان يرجو ~~الله واليوم الآخر } فإن الإيمان واحتساب الأجر والثواب، يسهل ~~على العبد كل عسير، ويقلل لديه كل كثير، ويوجب له الإكثار من الاقتداء ~~بعباد الله الصالحين، والأنبياء والمرسلين، فإنه يرى نفسه مفتقرا ~~ومضطرا إلى ذلك غاية الاضطرار. { ومن يتول } عن طاعة الله ~~والتأسي برسل الله، فلن يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئا، { فإن ~~الله هو الغني } الذي له الغنى التام [المطلق] من جميع الوجوه، ~~فلا يحتاج إلى أحد من خلقه [بوجه]، { الحميد } في ذاته وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله، فإنه محمود على ذلك كله. ثم أخبر تعالى أن هذه العداوة ~~التي أمر الله بها المؤمنين للمشركين، ووصفهم بالقيام بها أنهم ما داموا ~~على شركهم وكفرهم، وأنهم إن انتقلوا إلى الإيمان، فإن الحكم يدور مع ~~علته، فإن المودة الإيمانية ترجع، فلا تيأسوا أيها المؤمنون من رجوعهم ~~إلى الإيمان، ف { عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة } سببها رجوعهم إلى الإيمان، { ~~والله قدير } على كل شيء، ومن ذلك هداية القلوب وتقليبها من حال ~~إلى حال، { والله غفور رحيم } لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا ~~يكبر عليه عيب أن يستره، # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53] وفي هذه الآية إشارة وبشارة إلى إسلام بعض المشركين، الذين ~~كانوا إذ ذاك أعداء للمؤمنين، وقد وقع ذلك، ولله الحمد والمنة. ولما نزلت ~~هذه الآيات الكريمات، المهيجة على عداوة الكافرين، وقعت من المؤمنين كل ~~موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من ms1590 صلة بعض أقاربهم المشركين، ~~وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى الله عنه. # فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم، فقال: { لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم إن الله يحب المقسطين } أي: لا ينهاكم الله ~~عن البر والصلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، من أقاربكم ~~وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم، ~~فليس عليكم جناح أن تصلوهم، فإن صلتهم في هذه الحالة، لا محذور فيها ولا ~~مفسدة، كما قال تعالى عن الأبوين المشركين إذا كان ولدهما مسلما: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: 15]. [وقوله:] { إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين } أي: لأجل دينكم، عداوة لدين الله ولمن قام ~~به، { وأخرجوكم من دياركم وظاهروا } أي: عاونوا غيرهم ~~{ على إخراجكم } نهاكم الله { أن تولوهم } بالمودة ~~والنصرة، بالقول والفعل، وأما بركم وإحسانكم، الذي ليس بتول للمشركين، ~~فلم ينهكم الله عنه، بل ذلك داخل في عموم الأمر بالإحسان إلى الأقارب ~~وغيرهم من الآدميين، وغيرهم. { ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون } وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليا تاما، ~~صار ذلك كفرا مخرجا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، ~~وما هو دون ذلك. ### || [60.10-11] # لما كان صلح الحديبية، صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين، على أن ~~من جاء منهم إلى المسلمين مسلما، أنه يرد إلى المشركين، وكان هذا لفظا ~~عاما، [مطلقا] يدخل في عمومه النساء والرجال، فأما الرجال، فإن الله لم ~~ينه رسوله عن ردهم إلى المشركين وفاء بالشرط وتتميما للصلح الذي هو من ~~أكبر المصالح، وأما النساء فلما كان ردهن فيه مفاسد كثيرة، أمر الله ~~المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وشكوا في صدق إيمانهن، أن يمتحنوهن ~~ويختبروهن، بما يظهر به صدقهن، من أيمان مغلظة وغيرها، فإنه يحتمل أن ~~يكون إيمانها غير صادق بل رغبة في زوج أو بلد أو غير ms1591 ذلك من المقاصد ~~الدنيوية. فإن كن بهذا الوصف، تعين ردهن وفاء بالشرط، من غير حصول مفسدة، ~~وإن امتحنوهن فوجدن صادقات، أو علموا ذلك منهن من غير امتحان، فلا ~~يرجعوهن إلى الكفار، { لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن } فهذه مفسدة كبيرة في ردهن راعاها الشارع، وراعى أيضا الوفاء ~~بالشرط، بأن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر وتوابعه ~~عوضا عنهن، ولا جناح حينئذ على المسلمين أن ينكحوهن ولو كان لهن أزواج ~~في دار الشرك، ولكن بشرط أن يؤتوهن أجورهن من المهر والنفقة، وكما أن ~~المسلمة لا تحل للكافر، فكذلك الكافرة لا تحل للمسلم أن يمسكها ما دامت ~~على كفرها، غير أهل الكتاب، ولهذا قال تعالى: { ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر } وإذا نهى عن الإمساك بعصمتها فالنهي عن ابتداء ~~تزويجها أولى، { واسألوا مآ أنفقتم } أيها المؤمنون، حين ترجع ~~زوجاتكم مرتدات إلى الكفار، فإذا كان الكفار يأخذون من المسلمين نفقة من ~~أسلمت من نسائهم، استحق المسلمون أن يأخذوا مقابلة ما ذهب من نسائهم إلى ~~الكفار، وفي هذا دليل على أن خروج البضع من الزوج متقوم، فإذا أفسد مفسد ~~نكاح امرأة رجل، برضاع أو غيره، كان عليه ضمان المهر، وقوله: ذلكم الحكم ~~الذي ذكره الله وبينه لكم يحكم به بينكم، { والله عليم حكيم } ~~فيعلم تعالى، ما يصلح لكم من الأحكام، ويشرع لكم ما تقتضيه الحكمة. ~~وقوله: { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~} بأن ذهبن مرتدات { فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل مآ أنفقوا } كما تقدم أن الكفار إذا كانوا ~~يأخذون بدل ما يفوت من أزواجهم إلى المسلمين، فمن ذهبت زوجته من المسلمين ~~إلى الكفار وفاتت عليه، لزم أن يعطيه المسلمون من الغنيمة بدل ما أنفق. { ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } فإيمانكم بالله ~~يقتضي منكم أن تكونوا ملازمين للتقوى على الدوام. ### || [60.12] # هذه الشروط المذكورة في هذه الآية، تسمى " مبايعة النساء " اللاتي [كن] ~~يبايعن على إقامة الواجبات المشتركة، التي تجب على الذكور والنساء في ~~جميع الأوقات. وأما الرجال، فيتفاوت ما يلزمهم ms1592 بحسب أحوالهم ومراتبهم وما ~~يتعين عليهم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل ما أمره الله به، فكان ~~إذا جاءته النساء يبايعنه، والتزمن بهذه الشروط بايعهن، وجبر قلوبهن، ~~واستغفر لهن الله، فيما يحصل منهن من التقصير، وأدخلهن في جملة المؤمنين ~~بأن { لا يشركن بالله شيئا } بأن يفردن الله [وحده] ~~بالعبادة. { ولا يقتلن أولادهن } كما يجري لنساء الجاهلية ~~الجهلاء. { ولا يزنين } كما كان ذلك موجودا كثيرا في البغايا ~~وذوات الأخدان، { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } والبهتان: الافتراء على الغير أي: لا ~~يفترين بكل حالة، سواء تعلقت بهن وأزواجهن، أو سواء تعلق ذلك بغيرهم، { ~~ولا يعصينك في معروف } أي: لا يعصينك في كل أمر تأمرهن به، ~~لأن أمرك لا يكون إلا بمعروف، ومن ذلك طاعتهن [لك] في النهي عن النياحة، ~~وشق الثياب، وخمش الوجوه، والدعاء بدعاء الجاهلية. { فبايعهن } ~~إذا التزمن بجميع ما ذكر. { واستغفر لهن الله } عن تقصيرهن، ~~وتطييبا لخواطرهن، { إن الله غفور } أي: كثير المغفرة للعاصين، ~~والإحسان إلى المذنبين التائبين، { رحيم } وسعت رحمته كل شيء، وعم ~~إحسانه البرايا. ### || [60.13] # أي: يا أيها المؤمنون، إن كنتم مؤمنين بربكم، ومتبعين لرضاه ومجانبين ~~لسخطه، { لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } وإنما ~~غضب عليهم لكفرهم، وهذا شامل لجميع أصناف الكفار. { قد يئسوا من ~~الآخرة } أي: قد حرموا من خير الآخرة، فليس لهم منها نصيب، فاحذروا أن ~~تولوهم فتوافقوهم على شرهم وكفرهم فتحرموا خير الآخرة كما حرموا. [وقوله] ~~{ كما يئس الكفار من أصحاب القبور } حين أفضوا إلى ~~الدار الآخرة، ووقفوا على حقيقة الأمر، وعلموا علم اليقين أنهم لا نصيب ~~لهم منها. ويحتمل أن المعنى: قد يئسوا من الآخرة أي: قد أنكروها وكفروا ~~بها، فلا يستغرب حينئذ منهم الإقدام على مساخط الله وموجبات عذابه ~~وإياسهم من الآخرة، كما يئس الكفار المنكرون للبعث في الدنيا من رجوع ~~أصحاب القبور إلى الله تعالى. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-3] # وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق له تبارك وتعالى، وأن ~~جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ms1593 ويعبدونه ويسألونه حوائجهم، ~~{ وهو العزيز } الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه، { الحكيم } ~~في خلقه وأمره. { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون } أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم ~~لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ~~ومتصفون به، فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت ~~عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون ~~أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه، قال ~~تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون # [البقرة: 44] وقال شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: # ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه # [هود: 88]. ### || [61.4] # هذا حث من الله لعباده على الجهاد في سبيله وتعليم لهم كيف يصنعون وأنه ~~ينبغي [لهم] أن يصفوا في الجهاد صفا متراصا متساويا، من غير خلل يقع ~~في الصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب به تحصل المساواة بين المجاهدين ~~والتعاضد وإرهاب العدو وتنشيط بعضهم بعضا، ولهذا كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا حضر القتال، صف أصحابه، ورتبهم في مواقفهم، بحيث لا يحصل ~~اتكال بعضهم على بعض، بل تكون كل طائفة منهم مهتمة بمركزها وقائمة ~~بوظيفتها، وبهذه الطريقة تتم الأعمال ويحصل الكمال. ### || [61.5] # [أي:] { وإذ قال موسى لقومه } موبخا لهم على صنيعهم، ~~ومقرعا لهم على أذيته، وهم يعلمون أنه رسول الله: { لم تؤذونني } ~~بالأقوال والأفعال { وقد تعلمون أني رسول الله ~~إليكم }. والرسول من حقه الإكرام والإعظام، والانقياد بأوامره، ~~والابتدار لحكمه. وأما أذية الرسول الذي إحسانه إلى الخلق فوق كل إحسان ~~بعد إحسان الله، ففي غاية الوقاحة والجراءة والزيغ عن الصراط المستقيم، ~~الذي قد علموه وتركوه، ولهذا قال: { فلما زاغوا } أي: انصرفوا عن ~~الحق بقصدهم { أزاغ الله قلوبهم } عقوبة لهم على زيغهم الذي ~~اختاروه لأنفسهم ورضوه لها، ولم يوفقهم الله للهدى، لأنهم لا يليق بهم ~~الخير، ولا يصلحون إلا للشر، { والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين } أي: الذين لم يزل الفسق ms1594 وصفا لهم، لا لهم قصد في الهدى، ~~وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلما منه، ولا حجة ~~لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى ~~بعد ما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في ~~دفعه وتقليب القلوب [عقوبة لهم وعدلا منه بهم] كما قال تعالى: # ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. ### || [61.6-9] # يقول تعالى مخبرا عن عناد بني إسرائيل المتقدمين، الذين دعاهم عيسى ابن ~~مريم، وقال لهم: { يبني إسرائيل إني رسول الله ~~إليكم } أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم عن الشر، [وأيدني ~~بالبراهين الظاهرة]، ومما يدل على صدقي، كوني { مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة } أي: جئت بما جاء به موسى من التوراة ~~والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيا للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به ~~المرسلون، ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضا، أنها أخبرت بي وبشرت، ~~فجئت وبعثت مصداقا لها { ومبشرا برسول يأتي من بعدي ~~اسمه أحمد } وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي الهاشمي. ~~فعيسى عليه الصلاة والسلام كالأنبياء، يصدق بالنبي السابق، ويبشر بالنبي ~~اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم ~~في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي { فلما جاءهم } محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذي بشر به عيسى { بالبينات } أي: الأدلة الواضحة، ~~الدالة على أنه هو، وأنه رسول الله [حقا]. { قالوا } معاندين للحق ~~مكذبين له { هذا سحر مبين } وهذا من أعجب العجائب، الرسول ~~الذي [قد] وضحت رسالته، وصارت أبين من شمس النهار، يجعل ساحرا ~~بينا سحره، فهل في الخذلان أعظم من هذا؟ وهل في الافتراء أعظم من هذا ~~الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته، وأثبت له ما كان أبعد ~~الناس منه؟ { ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ~~} بهذا وغيره، والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته، لأنه { يدعى ~~إلى الإسلام } ويبين له ببراهينه وبيناته، { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين } الذين ms1595 لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم ~~عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان، خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين ~~بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال الله عنهم: { ~~يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } أي: بما يصدر ~~منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل ~~تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل، { والله متم نوره ~~ولو كره الكفرون } أي: قد تكفل الله بنصر دينه، وإتمام الحق ~~الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، ~~وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله فإنهم ~~مغلوبون. وصاروا بمنزلة من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم ~~حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها. ثم ذكر سبب الظهور ~~والانتصار للدين الإسلامي، الحسي والمعنوي، فقال: { هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } أي: بالعلم النافع ~~والعمل الصالح. بالعلم الذي يهدي إلى الله وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن ~~الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة. { ودين الحق } ~~أي: الدين الذي يدان به، ويتعبد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص ~~فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح، وراحة الأبدان، ~~وترك نواهيه سلامة من الشر والفساد فما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باق ما بقي ~~الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرا، ازداد به فرحا وتبصرا. # { ليظهره على الدين كله } أي: ليعليه على سائر الأديان، ~~بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان، فأما نفس ~~الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو ~~يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون ~~إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح ~~دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل ~~الأديان، وإذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، ~~وصار إهمالهم له سبب ms1596 تسليط الأعداء عليهم، ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال ~~ونظر في أول المسلمين وآخرهم. ### || [61.10-14] # هذه وصية ودلالة وإرشاد من أرحم الراحمين لعباده المؤمنين، لأعظم تجارة، ~~وأجل مطلوب، وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز ~~بالنعيم المقيم. وأتى بأداة العرض الدالة على أن هذا أمر يرغب فيه كل ~~متبصر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟ ~~فقال { تؤمنون بالله ورسوله }. ومن المعلوم أن الإيمان ~~التام هو التصديق الجازم بما أمر الله بالتصديق به، المستلزم لأعمال ~~الجوارح، ومن أجل أعمال الجوارح الجهاد في سبيل الله، فلهذا قال: { ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم } بأن ~~تبذلوا نفوسكم ومهجكم لمصادمة أعداء الإسلام، والقصد نصر دين الله وإعلاء ~~كلمته، وتنفقون ما تيسر من أموالكم في ذلك المطلوب، فإن ذلك، ولو كان ~~كريها للنفوس شاقا عليها، فإنه { خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } فإن فيه الخير الدنيوي، من النصر على الأعداء، والعز ~~المنافي للذل والرزق الواسع، وسعة الصدر وانشراحه. وفي الآخرة الفوز ~~بثواب الله والنجاة من عقابه، ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة، فقال: { ~~يغفر لكم ذنوبكم } وهذا شامل للصغائر والكبائر، فإن الإيمان ~~بالله والجهاد في سبيله، مكفر للذنوب، ولو كانت كبائر. { ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } أي: من تحت مساكنها ~~[وقصورها] وغرفها وأشجارها، أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها ~~من كل الثمرات، { ومساكن طيبة في جنات عدن } أي: جمعت ~~كل طيب، من علو وارتفاع، وحسن بناء وزخرفة، حتى إن أهل الغرف من أهل ~~عليين، يتراءآهم أهل الجنة كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو ~~الغربي، وحتى إن بناء الجنة بعضه من لبن ذهب [وبعضه من] لبن فضة، وخيامها ~~من اللؤلؤ والمرجان، وبعض المنازل من الزمرد والجواهر الملونة بأحسن ~~الألوان، حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، ~~وفيها من الطيب والحسن ما لا يأتي عليه وصف الواصفين، ولا خطر ms1597 على قلب ~~أحد من العالمين، لا يمكن أن يدركوه حتى يروه، ويتمتعوا بحسنه وتقر ~~أعينهم به، ففي تلك الحالة، لولا أن الله خلق أهل الجنة، وأنشأهم نشأة ~~كاملة لا تقبل العدم، لأوشك أن يموتوا من الفرح، فسبحان من لا يحصي أحد ~~من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده، ~~وتبارك الجليل الجميل، الذي أنشأ دار النعيم، وجعل فيها من الجلال ~~والجمال ما يبهر عقول الخلق ويأخذ بأفئدتهم. وتعالى من له الحكمة التامة، ~~التي من جملتها، أنه الله لو أرى الخلائق الجنة حين خلقها، ونظروا إلى ما ~~فيها من النعيم لما تخلف عنها أحد، ولما هناهم العيش في هذه الدار ~~المنغصة، المشوب نعيمها بألمها، وسرورها بترحها. # وسميت الجنة جنة عدن، لأن أهلها مقيمون فيها، لا يخرجون منها أبدا، ولا ~~يبغون عنها حولا، ذلك الثواب الجزيل، والأجر الجميل، الفوز العظيم، الذي ~~لا فوز مثله، فهذا الثواب الأخروي. وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، ~~فذكره بقوله: { وأخرى تحبونها } أي: ويحصل لكم خصلة أخرى ~~تحبونها وهي: { نصر من الله } [لكم] على الأعداء، يحصل به العز ~~والفرح، { وفتح قريب } تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق ~~الواسع، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد، ~~[إذا قام غيرهم بالجهاد] فلم يؤيسهم الله تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: ~~{ وبشر المؤمنين } أي: بالثواب العاجل والآجل، كل على حسب ~~إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل الله، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها ~~الله للمجاهدين في سبيله ". # ثم قال تعالى: { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله } [أي:] بالأقوال والأفعال، وذلك بالقيام بدين الله، والحرص على ~~إقامته تنفيذه على الغير، وجهاد من عانده ونابذه بالأبدان والأموال، ومن ~~نصر الباطل بما يزعمه من العلم ورد الحق، بدحض حجته، وإقامة الحجة عليه، ~~والتحذير منه. ومن نصر دين الله، تعلم كتاب الله وسنة رسوله، والحث ~~على ms1598 ذلك، [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]. ثم هيج الله المؤمنين ~~بالاقتداء بمن قبلهم من الصالحين بقوله: { كما قال عيسى ابن ~~مريم للحواريين من أنصاري إلى الله } أي: قال ~~لهم عارضا ومنهضا من يعاونني ويقوم معي في نصرتي لدين الله، ويدخل ~~مدخلي ويخرج مخرجي؟ فابتدر الحواريون، فقالوا: { نحن أنصار الله ~~} فمضى عيسى عليه السلام على أمر الله ونصر دينه، هو ومن معه من ~~الحواريين، { فآمنت طآئفة من بني إسرائيل } بسبب دعوة ~~عيسى والحواريين، { وكفرت طآئفة } منهم، فلم ينقادوا لدعوتهم، ~~فجاهد المؤمنون الكافرين، { فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم } أي: قويناهم ونصرناهم عليهم. { فأصبحوا ظاهرين } ~~عليهم وقاهرين [لهم]، فأنتم يا أمة محمد كونوا أنصار الله ودعاة دينه، ~~ينصركم الله كما نصر من قبلكم، ويظهركم على عدوكم. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1] # أي: يسبح لله وينقاد لأمره، ويتألهه ويعبده، جميع ما في السماوات ~~والأرض، لأنه الكامل الملك، الذي له ملك العالم العلوي والسفلي، فالجميع ~~مماليكه وتحت تدبيره، { القدوس } المعظم، المنزه عن كل آفة ونقص، { ~~العزيز } القاهر للأشياء كلها، { الحكيم } في خلقه وأمره. فهذه ~~الأوصاف العظيمة مما تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ### || [62.2-4] # المراد بالأميين: الذين لا كتاب عندهم، ولا أثر رسالة من العرب وغيرهم، ~~ممن ليسوا من أهل الكتاب، فامتن الله تعالى عليهم منة عظيمة أعظم من ~~منته على غيرهم، لأنهم عادمون للعلم والخير، وكانوا في ضلال مبين، ~~يتعبدون للأشجار والأصنام والأحجار، ويتخلقون بأخلاق السباع الضارية، ~~يأكل قويهم ضعيفهم، وقد كانوا في غاية الجهل بعلوم الأنبياء، فبعث الله ~~فيهم رسولا منهم، يعرفون نسبه وأوصافه الجميلة وصدقه، وأنزل عليه كتابه، ~~{ يتلوا عليهم آياته } القاطعة الموجبة للإيمان واليقين، { ~~ويزكيهم } بأن يحثهم على الأخلاق الفاضلة، ويفصلها لهم، ويزجرهم ~~عن الأخلاق الرذيلة، { ويعلمهم الكتاب والحكمة } أي: ~~علم القرآن وعلم السنة، المشتمل ذلك علوم الأولين والآخرين، فكانوا بعد ~~هذا التعليم والتزكية منه أعلم الخلق، بل كانوا أئمة أهل العلم والدين، ~~وأكمل الخلق أخلاقا، وأحسنهم هديا وسمتا، اهتدوا بأنفسهم، وهدوا ~~غيرهم، فصاروا أئمة المهتدين، وهداة المؤمنين، فلله عليهم ms1599 ببعثه هذا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أكمل نعمة، وأجل منحة، وقوله { وآخرين ~~منهم لما يلحقوا بهم } أي: وامتن على آخرين من غيرهم أي: ~~من غير الأميين، ممن يأتي بعدهم، ومن أهل الكتاب، لما يلحقوا بهم أي: ~~فيمن باشر دعوة الرسول، ويحتمل أنهم لما يلحقوا بهم في الفضل، ويحتمل أن ~~يكونوا لما يلحقوا بهم في الزمان، وعلى كل، فكلا المعنيين صحيح، فإن ~~الذين بعث الله فيهم رسوله وشاهدوه وباشروا دعوته، حصل لهم من الخصائص ~~والفضائل ما لا يمكن أحدا أن يلحقهم فيها، وهذا من عزته وحكمته، حيث لم ~~يترك عباده هملا ولا سدى، بل ابتعث فيهم الرسل، وأمرهم ونهاهم، وذلك من ~~فضل الله العظيم، الذي يؤتيه من يشاء من عباده، وهو أفضل من نعمته عليهم ~~بعافية البدن وسعة الرزق، وغير ذلك، من النعم الدنيوية، فلا أعظم من نعمة ~~الدين التي هي مادة الفوز، والسعادة الأبدية. ### || [62.5-8] # لما ذكر تعالى منته على هذه الأمة، الذين ابتعث فيهم النبي الأمي، وما ~~خصهم الله به من المزايا والمناقب، التي لا يلحقهم فيها أحد وهم الأمة ~~الأمية الذين فاقوا الأولين والآخرين، حتى أهل الكتاب، الذين يزعمون أنهم ~~العلماء الربانيون والأحبار المتقدمون، ذكر أن الذين حملهم الله التوراة ~~من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها ويعملوا بما فيها، وانهم لم ~~يحملوها ولم يقوموا بما حملوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل ~~الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار ~~من تلك الكتب التي فوق ظهره؟ وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه منها ~~حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود، الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي ~~من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، ~~والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا ~~الخيبة والخسران وإقامة الحجة عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم. بئس مثل ~~القوم الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صدق رسولنا وصدق ما جاء به. { ~~والله ms1600 لا يهدي القوم الظالمين } أي: لا يرشدهم إلى ~~مصالحهم ما دام الظلم لهم وصفا والعناد لهم نعتا، ومن ظلم اليهود ~~وعنادهم، أنهم يعلمون أنهم على باطل، ويزعمون أنهم على حق، وأنهم أولياء ~~الله من دون الناس. ولهذا أمر الله رسوله، أن يقول لهم: إن كنتم صادقين ~~في زعمكم أنكم على الحق، وأولياء الله: { فتمنوا الموت } وهذا ~~أمر خفيف، فإنهم لو علموا أنهم على حق لما توقفوا عن هذا التحدي الذي ~~جعله الله دليلا على صدقهم إن تمنوه، وكذبهم إن لم يتمنوه، ولما لم يقع ~~منهم مع الإعلان لهم بذلك، علم أنهم عالمون ببطلان ما هم عليه وفساده، ~~ولهذا قال: { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } ~~من الذنوب والمعاصي التي يستوحشون من الموت من أجلها، { والله ~~عليم بالظالمين } فلا يمكن أن يخفى عليه من ظلمهم شيء، هذا وإن ~~كانوا لا يتمنون الموت بما قدمت أيديهم، و يفرون منه [غاية الفرار]، فإن ~~ذلك لا ينجيهم، بل لا بد أن يلاقيهم الموت الذي قد حتمه الله على العباد ~~وكتبه عليهم. ثم بعد الموت واستكمال الآجال، يرد الخلق كلهم يوم القيامة ~~إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر، قليل ~~وكثير. ### || [62.9-11] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة والمبادرة إليها، من ~~حين ينادى لها والسعي إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها ~~والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال، لا العدو الذي قد نهي عنه عند ~~المضي إلى الصلاة، وقوله: { وذروا البيع } أي: اتركوا البيع، إذا ~~نودي للصلاة، وامضوا إليها. فإن ذلكم خير لكم من اشتغالكم بالبيع، ~~وتفويتكم الصلاة الفريضة التي هي من آكد الفروض. { إن كنتم ~~تعلمون } أن ما عند الله خير وأبقى، وأن من آثر الدنيا على الدين، ~~فقد خسر الخسارة الحقيقية، من حيث ظن أنه يربح، وهذا الأمر بترك البيع ~~مؤقت مدة الصلاة، { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض } لطلب المكاسب والتجارات، ولما كان الاشتغال في التجارة مظنة ~~الغفلة عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال: { واذكروا ~~الله ms1601 كثيرا } أي في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم، { ~~لعلكم تفلحون } فإن الإكثار من ذكر الله أكبر أسباب الفلاح. ~~{ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } أي: ~~خرجوا من المسجد، حرصا على ذلك اللهو و [تلك] التجارة، وتركوا الخير، { ~~وتركوك قآئما } تخطب الناس، وذلك: [في] يوم جمعة بينما النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، إذ قدم المدينة عير تحمل تجارة، فلما سمع ~~الناس بها وهم في المسجد، انفضوا من المسجد، وتركوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخطب استعجالا لما لا ينبغي أن يستعجل له، وترك أدب، { قل ما ~~عند الله } من الأجر والثواب، لمن لازم الخير وصبر نفسه على عبادة ~~ربه. { خير من اللهو ومن التجارة } التي، وإن حصل منها ~~بعض المقاصد، فإن ذلك قليل منغص، مفوت لخير الآخرة، وليس الصبر على طاعة ~~الله مفوتا للرزق، فإن الله خير الرازقين، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا ~~يحتسب. وفي هذه الآيات فوائد عديدة: منها: أن الجمعة فريضة على جميع ~~المؤمنين، يجب عليهم السعي لها، والمبادرة والاهتمام بشأنها. ومنها: أن ~~الخطبتين يوم الجمعة فريضتان يجب حضورهما، لأنه فسر الذكر هنا بالخطبتين، ~~فأمر الله بالمضي إليه والسعي له. ومنها: مشروعية النداء ليوم الجمعة ~~والأمر به. ومنها: النهى عن البيع والشراء بعد نداء الجمعة، وتحريم ذلك، ~~وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه، فدل ذلك على أن كل أمر ولو كان ~~مباحا في الأصل، إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب، فإنه لا يجوز في تلك ~~الحال. ومنها: الأمر بحضور الخطبتين يوم الجمعة، وذم من لم يحضرهما، ومن ~~لازم ذلك الإنصات لهما. ومنها: أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله، ~~وقت دواعي النفس لحضور اللهو [والتجارات] والشهوات، أن يذكرها بما عند ~~الله من الخيرات، وما لمؤثر رضاه على هواه. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-6] # لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة ~~واعتز الإسلام بها، صار أناس من أهلها من الأوس والخزرج، يظهرون الإيمان ~~ويبطنون الكفر، ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، ms1602 وتسلم أموالهم، فذكر الله من ~~أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، ~~فقال: { إذا جآءك المنافقون قالوا } على وجه الكذب: { ~~نشهد إنك لرسول الله } وهذه الشهادة من المنافقين على وجه ~~الكذب والنفاق، مع أنه لا حاجة لشهادتهم في تأييد رسوله، فإن { والله ~~يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون } في قولهم ودعواهم، وأن ذلك ليس بحقيقة منهم. { ~~اتخذوا أيمانهم جنة } أي: ترسا يتترسون بها من نسبتهم ~~إلى النفاق. فصدوا عن سبيله بأنفسهم، وصدوا غيرهم ممن يخفى عليه حالهم، { ~~إنهم سآء ما كانوا يعملون } حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا ~~الكفر، وأقسموا على ذلك وأوهموا صدقهم، { ذلك } الذي زين لهم النفاق { ~~ب } سبب { أنهم } لا يثبتون على الإيمان. بل { آمنوا ثم ~~كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } بحيث لا ~~يدخلها الخير أبدا، { فهم لا يفقهون } ما ينفعهم، ولا يعون ما ~~يعود بمصالحهم، { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } من ~~روائها ونضارتها، { وإن يقولوا تسمع لقولهم } أي: من حسن ~~منطقهم تستلذ لاستماعه، فأجسامهم وأقوالهم معجبة، ولكن ليس وراء ذلك من ~~الأخلاق الفاضلة والهدى الصالح، شيء، ولهذا قال: { كأنهم خشب ~~مسندة } لا منفعة فيها، ولا ينال منها إلا الضرر المحض، { ~~يحسبون كل صيحة عليهم } وذلك لجبنهم وفزعهم وضعف ~~قلوبهم، والريب الذي في قلوبهم يخافون أن يطلع عليهم. فهؤلاء { هم ~~العدو } على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز أهون من العدو الذي ~~لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين، { ~~فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي: كيف يصرفون ~~عن الدين الإسلامي بعد ما تبينت أدلته، واتضحت معالمه، إلى الكفر الذي لا ~~يفيدهم إلا الخسار والشقاء { وإذا قيل } لهؤلاء المنافقين { ~~تعالوا يستغفر لكم رسول الله } عما صدر منكم، لتحسن ~~أحوالكم، وتقبل أعمالكم، امتنعوا من ذلك أشد الامتناع، و { لووا ~~رءوسهم } امتناعا من طلب الدعاء من الرسول، { ورأيتهم ~~يصدون } عن الحق بغضا له { وهم مستكبرون } عن اتباعه ~~بغيا وعنادا، فهذه حالهم عندما يدعون إلى طلب الدعاء من الرسول، وهذا ~~من ms1603 لطف الله وكرامته لرسوله، حيث لم يأتوا إليه، فيستغفر لهم، فإنه سواء ~~استغفر لهم أم لم يستغفر لهم فلن يغفر الله لهم، وذلك لأنهم قوم فاسقون، ~~خارجون عن طاعة الله، مؤثرون للكفر على الإيمان، فلذلك لا ينفع فيهم ~~استغفار الرسول، لو استغفر لهم كما قال تعالى: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم # [التوبة: 80] { إن الله لا يهدي القوم الفسقين }. ### || [63.7-8] # وهذا من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، لما رأوا ~~اجتماع أصحابه وائتلافهم، ومسارعتهم في مرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~قالوا بزعمهم الفاسد: { لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا } فإنهم - بزعمهم - لولا أموال المنافقين ~~ونفقاتهم عليهم، لما اجتمعوا في نصرة دين الله، وهذا من أعجب العجب، أن ~~يدعى هؤلاء المنافقون الذين هم أحرص الناس على خذلان الدين، وأذية ~~المسلمين، مثل هذه الدعوى، التي لا تروج إلا على من لا علم له بحقائق ~~الأمور ولهذا قال الله ردا لقولهم: { ولله خزآئن السموت ~~والأرض } فيؤتي الرزق من يشاء، ويمنعه من يشاء، وييسر الأسباب لمن ~~يشاء، ويعسرها على من يشاء، { ولكن المنافقين لا ~~يفقهون } فلذلك قالوا تلك المقالة، التي مضمونها أن خزائن الرزق في ~~أيديهم، وتحت مشيئتهم. { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل } وذلك في غزوة المريسيع، حين ~~صار بين بعض المهاجرين والأنصار بعض كلام كدر الخواطر، ظهر حينئذ نفاق ~~المنافقين، وأظهروا ما في نفوسهم. وقال كبيرهم، عبد الله بن أبي بن ~~سلول: ما مثلنا ومثل هؤلاء - يعني المهاجرين - إلا كما قال القائل: " غذ ~~كلبك يأكلك ". وقال: لئن رجعنا إلى المدينة { ليخرجن الأعز ~~منها الأذل } بزعمه أنه هو وإخوانه من المنافقين الأعزون، وأن ~~رسول الله ومن معه هم الأذلون، والأمر بعكس ما قال هذا المنافق، فلهذا ~~قال [تعالى:] { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ~~فهم الأعزاء، والمنافقون وإخوانهم من الكفار [هم] الأذلاء. { ولكن ~~المنافقين لا يعلمون } [ذلك] فلذلك زعموا أنهم الأعزاء، ~~اغترارا بما هم عليه من الباطل، ms1604 ثم قال تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم... }. ### || [63.9-11] # يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره، فإن في ذلك الربح والفلاح، ~~والخيرات الكثيرة، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره، فإن محبة ~~المال والأولاد مجبولة عليها أكثر النفوس، فتقدمها على محبة الله، وفي ~~ذلك الخسارة العظيمة، ولهذا قال تعالى: { ومن يفعل ذلك } أي: ~~يلهه ماله وولده، عن ذكر الله { فأولئك هم الخاسرون } ~~للسعادة الأبدية، والنعيم المقيم، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى، قال ~~تعالى: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده ~~أجر عظيم # [التغابن: 15]. وقوله: { وأنفقوا من ما رزقناكم } يدخل في ~~هذا، النفقات الواجبة، من الزكاة والكفارات، ونفقة الزوجات، والمماليك، ~~ونحو ذلك، والنفقات المستحبة، كبذل المال في جميع المصالح، وقال: { من ~~ما رزقناكم } ليدل ذلك على أنه تعالى، لم يكلف العباد من النفقة ~~ما يعنتهم ويشق عليهم، بل أمرهم بإخراج جزء مما رزقهم الله الذي يسره لهم ~~ويسر لهم أسبابه. فليشكروا الذي أعطاهم، بمواساة إخوانهم المحتاجين، ~~وليبادروا بذلك، الموت الذي إذا جاء، لم يمكن العبد أن يأتي بمثقال ذرة ~~من الخير، ولهذا قال: { من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول } متحسرا على ما فرط في وقت الإمكان، سائلا الرجعة التي هي ~~محال: { رب لولا أخرتني إلى أجل قريب } أي: ~~لأتدارك ما فرطت فيه، { فأصدق } من مالي، ما به أنجو من ~~العذاب، وأستحق به جزيل الثواب، { وأكن من الصالحين } بأداء ~~المأمورات كلها، واجتناب المنهيات، ويدخل في هذا، الحج وغيره، وهذا ~~السؤال والتمني، قد فات وقته، ولا يمكن تداركه، ولهذا قال: { ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ } المحتوم لها { ~~والله خبير بما تعملون } من خير وشر، فيجازيكم على ما علمه ~~منكم، من النيات والأعمال. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-4] # هذه الآيات [الكريمات]، مشتملات على جملة كثيرة واسعة، من أوصاف الباري ~~العظيمة، فذكر كمال ألوهيته تعالى، وسعة غناه، وافتقار جميع الخلائق ~~إليه، وتسبيح من في السماوات والأرض بحمد ربها، وأن الملك كله لله، فلا ~~يخرج مخلوق عن ملكه، والحمد كله ms1605 له، حمد على ما له من صفات الكمال، وحمد ~~على ما أوجده من الأشياء، وحمد على ما شرعه من الأحكام، وأسداه من النعم. ~~وقدرته شاملة، لا يخرج عنها موجود، فلا يعجزه شيء يريده، وذكر أنه خلق ~~العباد، وجعل منهم المؤمن والكافر، فإيمانهم وكفرهم كله بقضاء الله ~~وقدره، وهو الذي شاء ذلك منهم، بأن جعل لهم قدرة وإرادة، بها يتمكنون من ~~كل ما يريدون من الأمر والنهي، { والله بما تعملون بصير }. ~~فلما ذكر خلق الإنسان المكلف المأمور المنهي، ذكر خلق باقي المخلوقات، ~~فقال: { خلق السموت والأرض } أي: أجرامهما، [وجميع] ما ~~فيهما فأحسن خلقهما، { بالحق } أي: بالحكمة والغاية المقصودة له ~~تعالى، { وصوركم فأحسن صوركم } كما قال تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 4] فالإنسان أحسن المخلوقات صورة، وأبهاها منظرا. { وإليه ~~المصير } أي: المرجع يوم القيامة، فيجازيكم على إيمانكم وكفركم، ~~ويسألكم عن النعم والنعيم، الذي أولاكموه، هل قمتم بشكره، أم لم تقوموا ~~بشكره؟ ثم ذكر عموم علمه، فقال: { يعلم ما في السموت ~~والأرض } أي: من السرائر والظواهر، والغيب والشهادة. { ويعلم ~~ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ~~} أي: بما فيها من الأسرار الطيبة، والخبايا الخبيثة، والنيات الصالحة، ~~والمقاصد الفاسدة، فإذا كان عليما بذات الصدور، تعين على العاقل البصير، ~~أن يحرص ويجتهد في حفظ باطنه، من الأخلاق الرذيلة، واتصافه بالأخلاق ~~الجميلة. ### || [64.5-6] # لما ذكر تعالى من أوصافه الكاملة العظيمة، ما به يعرف ويعبد، ويبذل ~~الجهد في مرضاته، وتجتنب مساخطه، أخبر بما فعل بالأمم السابقين، والقرون ~~الماضين، الذين لم تزل أنباؤهم يتحدث بها المتأخرون، ويخبر بها الصادقون، ~~وأنهم حين جاءتهم الرسل بالحق، كذبوهم وعاندوهم، فأذاقهم الله وبال أمرهم ~~في الدنيا، وأخزاهم فيها، { ولهم عذاب أليم } في [الدار] ~~الآخرة، ولهذا ذكر السبب في هذه العقوبة فقال: { ذلك } النكال ~~والوبال، الذي أحللناه بهم { كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات } أي: بالآيات الواضحات، الدالة على الحق والباطل، ~~فاشمأزوا واستكبروا على رسلهم، فقالوا: { أبشر يهدوننا } أي: ~~فليس لهم فضل علينا، ولأي: شيء خصهم الله دوننا، كما قال في الآية ms1606 ~~الأخرى: # قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ~~ولكن الله يمن على من يشآء من عباده # [إبراهيم: 11] فهم حجروا فضل الله ومنته على أنبيائه أن يكونوا رسلا ~~للخلق، واستكبروا عن الانقياد لهم، فابتلوا بعبادة الأحجار والأشجار ~~ونحوها { فكفروا } بالله { وتولوا } عن طاعة الله، { ~~واستغنى الله } عنهم، فلا يبالي بهم، ولا يضره ضلالهم شيئا، { ~~والله غني حميد } أي: هو الغني، الذي له الغنى التام المطلق، ~~من جميع الوجوه، الحميد في أقواله وأفعاله وأوصافه. ### || [64.7] # يخبر تعالى عن عناد الكافرين، وزعمهم الباطل، وتكذيبهم بالبعث بغير علم ~~ولا هدى ولا كتاب منير، فأمر أشرف خلقه، أن يقسم بربه على بعثهم، وجزائهم ~~بأعمالهم الخبيثة، وتكذيبهم بالحق، { وذلك على الله يسير } ~~فإنه وإن كان عسيرا، بل متعذرا بالنسبة إلى الخلق، فإن قواهم كلهم لو ~~اجتمعت على إحياء ميت [واحد]، ما قدروا على ذلك. وأما الله تعالى، فإنه ~~إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، قال تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. ### || [64.8] # لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث، وأن ذلك [منهم] موجب كفرهم بالله ~~وآياته، أمر بما يعصم من الهلكة والشقاء، وهو الإيمان بالله ورسوله ~~وكتابه، وسماه الله نورا، فإن النور ضد الظلمة، وما في الكتاب الذي ~~أنزله الله من الأحكام والشرائع والأخبار، أنوار يهتدى بها في ظلمات ~~الجهل المدلهمة، ويمشى بها في حندس الليل البهيم، وما سوى الاهتداء بكتاب ~~الله، فهي علوم ضررها أكثر من نفعها، وشرها أكثر من خيرها، بل لا خير ~~فيها ولا نفع، إلا ما وافق ما جاءت به الرسل، والإيمان بالله ورسوله ~~وكتابه، يقتضي الجزم التام، واليقين الصادق بها، والعمل بمقتضى ذلك ~~التصديق، من امتثال الأوامر، واجتناب المناهي، { والله بما ~~تعملون خبير } فيجازيكم بأعمالكم الصالحة والسيئة. ### || [64.9-10] # يعني: اذكروا يوم الجمع الذي يجمع الله به الأولين والآخرين، ويقفهم ~~موقفا هائلا عظيما، وينبئهم بما عملوا، فحينئذ يظهر الفرق والتفاوت ~~بين ms1607 الخلائق، ويرفع أقوام إلى أعلى عليين، في الغرف العاليات، ~~والمنازل المرتفعات، المشتملة على جميع اللذات والشهوات، ويخفض أقوام ~~إلى أسفل سافلين، محل الهم والغم، والحزن، والعذاب الشديد، وذلك نتيجة ما ~~قدموه لأنفسهم، وأسلفوه أيام حياتهم، ولهذا قال: { ذلك يوم ~~التغابن }. أي: يظهر فيه التغابن والتفاوت بين الخلائق، ويغبن ~~المؤمنون الفاسقين، ويعرف المجرمون أنهم على غير شيء، وأنهم هم الخاسرون، ~~فكأنه قيل: بأي شيء يحصل الفلاح والشقاء والنعيم والعذاب؟ فذكر تعالى ~~أسباب ذلك بقوله: { ومن يؤمن بالله } [أي:] إيمانا تاما ~~شاملا لجميع ما أمر الله بالإيمان به، { ويعمل صالحا } من ~~الفرائض والنوافل، من أداء حقوق الله وحقوق عباده. { يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ ~~الأعين، وتختاره الأرواح، وتحن إليه القلوب، ويكون نهاية كل مرغوب، { ~~خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم } { والذين ~~كفروا وكذبوا بآيتنآ } أي: كفروا [بها] من غير مستند شرعي ~~ولا عقلي، بل جاءتهم الأدلة والبينات، فكذبوا بها، وعاندوا ما دلت عليه. ~~{ أولئك أصحب النار خلدين فيها وبئس ~~المصير } لأنها جمعت كل بؤس وشدة، وشقاء وعذاب. ### || [64.11-13] # يقول تعالى: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } ~~هذا عام لجميع المصائب، في النفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم، ~~فجميع ما أصاب العباد فبقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علم الله [تعالى]، ~~وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، والشأن كل الشأن، هل يقوم ~~العبد بالوظيفة التي عليه في هذا المقام، أم لا يقوم بها؟ فإن قام بها، ~~فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، فإذا آمن أنها من ~~عند الله، فرضي بذلك، وسلم لأمره، هدى الله قلبه، فاطمأن ولم ينزعج عند ~~المصائب، كما يجري لمن لم يهد الله قلبه، بل يرزقه الثبات عند ورودها ~~والقيام بموجب الصبر، فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخر الله له يوم ~~الجزاء من الثواب، كما قال تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] وعلم من هذا أن من لم يؤمن بالله عند ورود المصائب، بأن لم ~~يلحظ ms1608 قضاء الله وقدره، بل وقف مع مجرد الأسباب، أنه يخذل، ويكله الله إلى ~~نفسه، وإذا وكل العبد إلى نفسه، فالنفس ليس عندها إلا الجزع والهلع الذي ~~هو عقوبة عاجلة على العبد، قبل عقوبة الآخرة، على ما فرط في واجب الصبر. ~~هذا ما يتعلق بقوله: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } في ~~مقام المصائب الخاص، وأما ما يتعلق بها من حيث العموم اللفظي، فإن الله ~~أخبر أن كل من آمن أي: الإيمان المأمور به من الإيمان بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وصدق إيمانه بما يقتضيه ~~الإيمان من القيام بلوازمه وواجباته، أن هذا السبب الذي قام به العبد ~~أكبر سبب لهداية الله له في أحواله وأقواله وأفعاله، وفي علمه وعمله. ~~وهذا أفضل جزاء يعطيه الله لأهل الإيمان، كما قال تعالى في الأخبار: أن ~~المؤمنين يثبتهم الله في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وأصل الثبات: ثبات ~~القلب وصبره، ويقينه عند ورود كل فتنة، فقال: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة # [إبراهيم: 27] فأهل الإيمان أهدى الناس قلوبا، وأثبتهم عند المزعجات ~~والمقلقات، وذلك لما معهم من الإيمان. [وقوله:] { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } أي: في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما، فإن ~~طاعة الله وطاعة رسوله، مدار السعادة، وعنوان الفلاح، { فإن ~~توليتم } [أي] عن طاعة الله وطاعة رسوله، { فإنما على ~~رسولنا البلاغ المبين } أي: يبلغكم ما أرسل به إليكم، بلاغا ~~يبين لكم ويتضح وتقوم به عليكم الحجة، وليس بيده من هدايتكم، ولا من ~~حسابكم من شيء، وإنما يحاسبكم على القيام بطاعة الله وطاعة رسوله، أو عدم ~~ذلك، عالم الغيب والشهادة. { الله لا إله إلا هو } أي: هو ~~المستحق للعبادة والألوهية، فكل معبود سواه فباطل، { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أي: فيلعتمدوا عليه في كل أمر نابهم، ~~وفيما يريدون القيام به، فإنه لا يتيسر أمر من الأمور إلا بالله، ولا ~~سبيل إلى ذلك إلا بالاعتماد على الله، ولا يتم الاعتماد على الله، حتى ~~يحسن العبد ظنه بربه، ويثق به في كفايته الأمر الذي ms1609 اعتمد عليه به، وبحسب ~~إيمان العبد يكون توكله، فكلما قوي الإيمان قوي التوكل. ### || [64.14-15] # هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم ~~عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه، ~~والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم ~~هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من ~~المحذور الشرعي، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من ~~الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا ~~الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج ~~والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم ~~وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من ~~المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: { وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم } لأن الجزاء من جنس ~~العمل. فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله ~~له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة ~~الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره. ### || [64.16-18] # يأمر تعالى بتقواه، التي هي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويقيد ذلك ~~بالاستطاعة والقدرة. فهذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد، أنه ~~يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما ~~يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". # ويدخل تحت هذه القاعدة الشرعية من الفروع، ما لا يدخل تحت الحصر، وقوله: ~~{ واسمعوا } أي: اسمعوا ما يعظكم الله به، وما يشرعه لكم من ~~الأحكام، واعلموا ذلك وانقادوا له، { وأطيعوا } الله ورسوله في جميع ~~أموركم، { وأنفقوا } من النفقات الشرعية الواجبة والمستحبة، يكن ~~ذلك الفعل منكم خيرا لكم في الدنيا والآخرة، فإن الخير كله في امتثال ~~أوامر الله تعالى، وقبول نصائحه، والانقياد لشرعه، والشر كله، في مخالفة ~~ذلك. ولكن ثم ms1610 آفة تمنع كثيرا من الناس، من النفقة المأمور بها، وهو ~~الشح المجبولة عليه أكثر النفوس، فإنها تشح بالمال، وتحب وجوده، وتكره ~~خروجه من اليد غاية الكراهة. فمن وقاه الله شر شح نفسه بأن سمحت نفسه ~~بالإنفاق النافع لها { فأولئك هم المفلحون } لأنهم ~~أدركوا المطلوب، ونجوا من المرهوب، بل لعل ذلك شامل لكل ما أمر به العبد، ~~ونهي عنه، فإنه إن كانت نفسه شحيحة، لا تنقاد لما أمرت به، ولا تخرج ما ~~قبلها، لم يفلح، بل خسر الدنيا والآخرة، وإن كانت نفسه نفسا سمحة ~~مطمئنة منشرحة لشرع الله، طالبة لمرضاة الله، فإنها ليس بينها وبين فعل ~~ما كلفت به إلا العلم به، ووصول معرفته إليها، والبصيرة بأنه مرض لله ~~تعالى، وبذلك تفلح وتنجح وتفوز كل الفوز. ثم رغب تعالى في النفقة، فقال: ~~{ إن تقرضوا الله قرضا حسنا } وهو كل نفقة كانت من ~~الحلال، إذا قصد بها العبد وجه الله تعالى وطلب مرضاته، ووضعها في موضعها ~~{ يضاعفه لكم } النفقة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف ~~كثيرة. { و } مع المضاعفة أيضا { يغفر لكم } بسبب الإنفاق ~~والصدقة ذنوبكم، فإن الذنوب يكفرها الله بالصدقات والحسنات: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114]. { والله شكور حليم } حليم لا يعاجل من عصاه، بل ~~يمهله ولا يهمله، # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى # [فاطر: 45]. والله تعالى شكور يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم ~~عليه الكثير من الأجر، ويشكر تعالى لمن تحمل من أجله المشاق والأثقال، ~~وناء بالتكاليف الثقال، ومن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه. { ~~عالم الغيب والشهادة } أي: ما غاب عن العباد من الجنود التي ~~لا يعلمها إلا هو، وما يشاهدونه من المخلوقات، { العزيز } الذي لا ~~يغالب ولا يمانع، الذي قهر كل الأشياء، { الحكيم } في خلقه وأمره، ~~الذي يضع الأشياء مواضعها. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-3] # يقول تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين: { يأيها ~~النبي إذا طلقتم النسآء } أي: أردتم طلاقهن { ف } ~~التمسوا لطلاقهن ms1611 الأمر المشروع، ولا تبادروا بالطلاق من حين يوجد سببه، ~~من غير مراعاة لأمر الله. بل { طلقوهن لعدتهن } أي: لأجل ~~عدتهن، بأن يطلقها زوجها وهي طاهر، في طهر لم يجامعها فيه، فهذا الطلاق ~~هو الذي تكون العدة فيه واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها وهي حائض، فإنها ~~لا تحتسب تلك الحيضة التي وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة بسبب ذلك، ~~وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه، فإنه لا يؤمن حملها، فلا يتبين و [لا] ~~يتضح بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة، أي: ضبطها بالحيض إن كانت ~~تحيض، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض، وليست حاملا فإن في إحصائها أداء لحق ~~الله، وحق الزوج المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، [وحقها في النفقة ~~ونحوها] فإذا ضبطت عدتها، علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب عليها من ~~الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر بإحصاء العدة، يتوجه [للزوج]، وللمرأة، ~~إن كانت مكلفة، وإلا فلوليها، وقوله: { واتقوا الله ربكم ~~} أي: في جميع أموركم، وخافوه في حق الزوجات المطلقات، ف { لا ~~تخرجوهن من بيوتهن } مدة العدة، بل يلزمن بيوتهن الذي ~~طلقها زوجها وهي فيها. { ولا يخرجن } أي: لا يجوز لهن الخروج ~~منها، أما النهي عن إخراجها، فلأن المسكن يجب على الزوج للزوجة، لتكمل ~~فيه عدتها التي هي حق من حقوقه. وأما النهي عن خروجها، فلما في خروجها، ~~من إضاعة حق الزوج وعدم صونه. ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت، ~~والإخراج إلى تمام العدة. { إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة } أي: بأمر قبيح واضح، موجب لإخراجها، بحيث يدخل على أهل ~~البيت الضرر من عدم إخراجها، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة، ففي هذه ~~الحال يجوز لهم إخراجها، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها، والإسكان فيه ~~جبر لخاطرها، ورفق بها، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها، وهذا في المعتدة ~~الرجعية، وأما البائن، فليس لها سكنى واجبة، لأن السكن تبع للنفقة، ~~والنفقة تجب للرجعية دون البائن، { وتلك حدود الله } [أي:] ~~التي حددها لعباده وشرعها لهم، وأمرهم بلزومها والوقوف معها، { ومن ms1612 ~~يتعد حدود الله } بأن لم يقف معها، بل تجاوزها، أو قصر عنها، ~~{ فقد ظلم نفسه } أي: بخسها حظها، وأضاع نصيبه من اتباع حدود ~~الله التي هي الصلاح في الدنيا والآخرة. { لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا } أي: شرع الله العدة، وحدد الطلاق بها، ~~لحكم عظيمة: فمنها: أنه لعل الله يحدث في قلب المطلق الرحمة والمودة، ~~فيراجع من طلقها، ويستأنف عشرتها، فيتمكن من ذلك مدة العدة، أو لعله ~~يطلقها لسبب منها، فيزول ذلك السبب في مدة العدة، فيراجعها لانتفاء سبب ~~الطلاق. # ومن الحكم: أنها مدة التربص، يعلم براءة رحمها من زوجها. وقوله: { ~~فإذا بلغن أجلهن } أي: إذا قاربن انقضاء العدة، لأنهن لو ~~خرجن من العدة، لم يكن الزوج مخيرا بين الإمساك والفراق. { ~~فأمسكوهن بمعروف } أي: على وجه المعاشرة [الحسنة]، والصحبة ~~الجميلة، لا على وجه الضرار، وإرادة الشر والحبس، فإن إمساكها على هذا ~~الوجه، لا يجوز، { أو فارقوهن بمعروف } أي: فراقا لا محذور ~~فيه، من غير تشاتم ولا تخاصم، ولا قهر لها على أخذ شيء من مالها. { ~~وأشهدوا } على طلاقها ورجعتها { ذوى عدل منكم } أي: ~~رجلين مسلمين عدلين، لأن في الإشهاد المذكور سدا لباب المخاصمة، وكتمان ~~كل منهما ما يلزمه بيانه. { وأقيموا } أيها الشهداء { الشهادة ~~لله } أي: ائتوا بها على وجهها، من غير زيادة ولا نقص، واقصدوا ~~بإقامتها وجه الله وحده، ولا تراعوا بها قريبا لقرابته، ولا صاحبا ~~لمحبته، { ذلكم } الذي ذكرنا لكم من الأحكام والحدود { يوعظ به ~~من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } فإن من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، يوجب له ذلك أن يتعظ بمواعظ الله، وأن يقدم لآخرته من ~~الأعمال الصالحة ما تمكن منها، بخلاف من ترحل الإيمان عن قلبه، فإنه لا ~~يبالي بما أقدم عليه من الشر، ولا يعظم مواعظ الله لعدم الموجب لذلك، ~~ولما كان الطلاق قد يوقع في الضيق والكرب والغم، أمر تعالى بتقواه، وأن ~~من اتقاه في الطلاق وغيره، فإن الله يجعل له فرجا ومخرجا. فإذا أراد ~~العبد الطلاق، ففعله على الوجه الشرعي، بأن ms1613 أوقعه طلقة واحدة، في غير حيض ~~ولا طهر قد وطئ فيه، فإنه لا يضيق عليه الأمر، بل جعل الله له فرجا وسعة ~~يتمكن بها من مراجعة النكاح، إذا ندم على الطلاق، والآية، وإن كانت في ~~سياق الطلاق والرجعة، فإن العبرة بعموم اللفظ، فكل من اتقى الله تعالى، ~~ولازم مرضاة الله في جميع أحواله، فإن الله يثيبه في الدنيا والآخرة. ومن ~~جملة ثوابه أن يجعل له فرجا ومخرجا من كل شدة ومشقة، وكما أن من اتقى ~~الله جعل له فرجا ومخرجا، فمن لم يتق الله، وقع في الشدائد والآصار ~~والأغلال، التي لا يقدر على التخلص منها والخروج من تبعتها، واعتبر ذلك ~~بالطلاق، فإن العبد إذا لم يتق الله فيه، بل أوقعه على الوجه المحرم، ~~كالثلاث ونحوها، فإنه لا بد أن يندم ندامة لا يتمكن من استدراكها والخروج ~~منها. وقوله { ويرزقه من حيث لا يحتسب } أي: يسوق الله ~~الرزق للمتقي، من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به. { ومن يتوكل على ~~الله } أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ~~ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك { فهو حسبه } أي: كافيه الأمر ~~الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] ~~الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية ~~اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له، فلهذا قال تعالى: { إن الله ~~بالغ أمره } أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه { قد جعل ~~الله لكل شيء قدرا } أي: وقتا ومقدارا، لا يتعداه ولا ~~يقصر عنه. ### || [65.4-5] # لما ذكر تعالى أن الطلاق المأمور به يكون لعدة النساء، ذكر تعالى العدة، ~~فقال: { واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم } بأن كن ~~يحضن، ثم ارتفع حيضهن، لكبر أو غيره، ولم يرج رجوعه، فإن عدتها ثلاثة ~~أشهر، جعل لكل شهر، مقابلة حيضة. { واللائي لم يحضن } أي: ~~الصغار اللائي لم يأتهن الحيض بعد، و البالغات اللاتي لم يأتهن حيض ~~بالكلية، فإنهن كالآيسات، عدتهن ثلاثة أشهر، وأما ms1614 اللائي يحضن، فذكر الله ~~عدتهن في قوله: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] [وقوله:] { وأولات الأحمال أجلهن } أي: ~~عدتهن { أن يضعن حملهن } أي: جميع ما في بطونهن، من واحد، ~~ومتعدد، ولا عبرة حينئذ بالأشهر ولا غيرها، { ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا } أي: من اتقى الله تعالى، يسر له ~~الأمور، وسهل عليه كل عسير { ذلك } [أي:] الحكم الذي بينه الله لكم ~~{ أمر الله أنزله إليكم } لتمشوا عليه، [وتأتموا] وتقوموا ~~به وتعظموه. { ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا } أي: يندفع عنه المحذور، ويحصل له المطلوب. ### || [65.6-7] # تقدم أن الله نهى عن إخراج المطلقات عن البيوت، وهنا أمر بإسكانهن، وقدر ~~الإسكان بالمعررف، وهو البيت الذي يسكنه مثله ومثلها، بحسب وجد الزوج ~~وعسره، { ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن } أي: لا ~~تضاروهن عند سكناهن بالقول أو الفعل، لأجل أن يمللن، فيخرجن من البيوت ~~قبل تمام العدة، فتكونوا أنتم المخرجين لهن، وحاصل هذا أنه نهى عن ~~إخراجهن، ونهاهن عن الخروج، وأمر بسكناهن، على وجه لا يحصل عليهن ضرر ولا ~~مشقة، وذلك راجع إلى العرف، { وإن كن } أي: المطلقات { أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } وذلك ~~لأجل الحمل الذي في بطنها، إن كانت بائنا، ولها ولحملها إن كانت رجعية، ~~ومنتهى النفقة حتى يضعن حملهن، فإذا وضعن حملهن، فإما أن يرضعن أولادهن ~~أو لا، { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } المسماة ~~لهن، إن كان مسمى، وإلا فأجر المثل، { وأتمروا بينكم ~~بمعروف } أي: وليأمر كل واحد من الزوجين ومن غيرهما الآخر بالمعروف، ~~وهو كل ما فيه منفعة ومصلحة في الدنيا والآخرة، فإن الغفلة عن الائتمار ~~بالمعروف، يحصل فيه من الشر والضرر، ما لا يعلمه إلا الله، وفي الائتمار ~~تعاون على البر والتقوى، ومما يناسب هذا المقام، أن الزوجين عند الفراق ~~وقت العدة، خصوصا إذا ولد لهما ولد في الغالب يحصل من التنازع والتشاجر ~~لأجل النفقة عليها وعلى الولد مع الفراق، الذي في الغالب ما يصدر إلا عن ~~بغض، ويتأثر منه البغض شيء كثير. فكل ms1615 منهما يؤمر بالمعروف، والمعاشرة ~~الحسنة، وعدم المشاقة والمخاصمة، وينصح على ذلك. { وإن تعاسرتم } ~~بأن لم يتفقوا على إرضاعها لولدها، فلترضع له أخرى غيرها # فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم ~~بالمعروف # [البقرة: 233] وهذا حيث كان الولد يقبل ثدي غير أمه، فإن لم يقبل إلا ~~ثدي أمه، تعينت لإرضاعه، ووجب عليها، وأجبرت إن امتنعت، وكان لها أجرة ~~المثل إن لم يتفقا على مسمى، وهذا مأخوذ من الآية الكريمة من حيث المعنى، ~~فإن الولد لما كان في بطن أمه مدة الحمل، ليس له خروج منه، عين تعالى ~~على وليه النفقة، فلما ولد، وكان يمكن أن يتقوت من أمه ومن غيرها، أباح ~~تعالى الأمرين، فإذا كان بحالة لا يمكن أن يتقوت إلا من أمه كان بمنزلة ~~الحمل، وتعينت أمه طريقا لقوته، ثم قدر تعالى النفقة، بحسب حال الزوج، ~~فقال: { لينفق ذو سعة من سعته } أي: لينفق الغني من غناه، ~~فلا ينفق نفقة الفقراء. { ومن قدر عليه رزقه } أي: ضيق عليه ~~{ فلينفق ممآ آتاه الله } من الرزق. { لا يكلف ~~الله نفسا إلا مآ آتاها } وهذا مناسب للحكمة والرحمة الإلهية ~~حيث جعل كلا بحسبه، وخفف عن المعسر، وأنه لا يكلفه إلا ما آتاه، فلا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها، في باب النفقة وغيرها. { سيجعل الله ~~بعد عسر يسرا } وهذه بشارة للمعسرين، أن الله تعالى سيزيل عنهم ~~الشدة، ويرفع عنهم المشقة، # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا # [الشرح: 5-6]. ### || [65.8-11] # يخبر تعالى عن إهلاكه الأمم العاتية، والقرون المكذبة للرسل أن كثرتهم ~~وقوتهم، لم تنفعهم شيئا، حين جاءهم الحساب الشديد، والعذاب الأليم، وأن ~~الله أذاقهم من العذاب ما هو موجب أعمالهم السيئة، ومع عذاب الدنيا، فإن ~~الله أعد لهم في الآخرة عذابا شديدا، { فاتقوا الله يأولي ~~الألباب } أي: يا ذوي العقول، التي تفهم عن الله آياته وعبره، وأن ~~الذي أهلك القرون الماضية بتكذيبهم، أن من بعدهم مثلهم، لا فرق بين ~~الطائفتين، ثم ذكر عباده المؤمنين بما أنزل عليهم من كتابه، الذي أنزله ~~على رسوله محمد ms1616 صلى الله عليه وسلم، ليخرج الخلق من ظلمات الكفر والجهل ~~والمعصية، إلى نور العلم والإيمان والطاعة، فمن الناس من آمن به، ومنهم ~~من لم يؤمن [به]، { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا } من ~~الواجبات والمستحبات. { يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } فيها من النعيم المقيم، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر، { خالدين فيهآ أبدا قد أحسن الله ~~له رزقا } [أي:] ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون. ### || [65.12] # [ثم] أخبر [تعالى] أنه خلق الخلق من السماوات السبع ومن فيهن والأرضين ~~السبع ومن فيهن، وما بينهن، وأنزل الأمر، وهو الشرائع والأحكام الدينية ~~التي أوحاها إلى رسله لتذكير العباد ووعظهم، وكذلك الأوامر الكونية ~~والقدرية التي يدبر بها الخلق، كل ذلك لأجل أن يعرفه العباد ويعلموا ~~إحاطة قدرته بالأشياء كلها، وإحاطة علمه بجميع الأشياء فإذا عرفوه ~~بأوصافه المقدسة وأسمائه الحسنى، وعبدوه وأحبوه وقاموا بحقه، فهذه الغاية ~~المقصودة من الخلق والأمر معرفة الله وعبادته، فقام بذلك الموفقون من ~~عباد الله الصالحين، وأعرض عن ذلك الظالمون المعرضون. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-5] # هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه ~~سريته " مارية " أو شرب العسل، مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، ~~فأنزل الله [تعالى] هذه الآيات { يأيها النبي } أي: يا أيها ~~الذي أنعم الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة { لم تحرم مآ ~~أحل الله لك } من الطيبات التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك. { ~~تبتغي } بذلك التحريم { مرضات أزواجك والله غفور ~~رحيم } هذا تصريح بأن الله قد غفر لرسوله، ورفع عنه اللوم، ورحمه، ~~وصار ذلك التحريم الصادر منه سببا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى ~~حاكما حكما عاما في جميع الأيمان: { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم } أي: قد شرع لكم، وقدر ما به تنحل أيمانكم قبل ~~الحنث، وما به الكفارة بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا ms1617 # [المائدة: 87] إلى أن قال: # فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ~~فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم # [المائدة: 89]. فكل من حرم حلالا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو ~~حلف يمينا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه ~~الكفارة المذكورة، وقوله: { والله مولاكم } أي: متولي أموركم، ~~ومربيكم أحسن تربية، في أمور دينكم ودنياكم، وما به يندفع عنكم الشر، ~~فلذلك فرض لكم تحلة أيمانكم، لتبرأ ذممكم، { وهو العليم ~~الحكيم } الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحكيم في جميع ما ~~خلقه وحكم به، فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ~~ومناسب لأحوالكم. [وقوله:] { وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا } قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها، أسر لها النبي صلى الله عليه وسلم حديثا، وأمر أن لا تخبر ~~به أحدا، فحدثت به عائشة رضي الله عنهما، وأخبره الله بذلك الخبر الذي ~~أذاعته، فعرفها صلى الله عليه وسلم ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، كرما ~~منه صلى الله عليه وسلم وحلما، ف { قالت } له: { من أنبأك ~~هذا } الخبر الذي لم يخرج منا؟ { قال نبأني العليم ~~الخبير } الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى، [وقوله:] { إن ~~تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما } الخطاب للزوجتين ~~الكريمتين من أزواجه صلى الله عليه وسلم عائشة وحفصة رضي الله عنهما، ~~كانتا سببا لتحريم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ما يحبه، فعرض ~~الله عليهما التوبة، وعاتبهما على ذلك، وأخبرهما أن قلوبهما قد صغت أي: ~~مالت وانحرفت عما ينبغي لهن، من الورع والأدب مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم واحترامه، وأن لا يشققن عليه، { وإن تظاهرا عليه } أي: ~~تعاونا على ما يشق عليه، ويستمر هذا الأمر منكن، { فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير } أي: الجميع أعوان للرسول، مظاهرون، ومن كان هؤلاء ~~أعوانه، فهو المنصور، وغيره ممن ms1618 يناوئه مخذول، وفي هذا أكبر فضيلة وشرف ~~لسيد المرسلين، حيث جعل الباري نفسه [الكريمة]، وخواص خلقه، أعوانا لهذا ~~الرسول الكريم. # وهذا فيه من التحذير للزوجتين الكريمتين ما لا يخفى، ثم خوفهما أيضا ~~بحالة تشق على النساء غاية المشقة، وهو الطلاق، الذي هو أكبر شيء عليهن، ~~فقال: { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا ~~خيرا منكن } أي: فلا ترفعن عليه، فإنه لو طلقكن، لم يضق عليه ~~الأمر، ولم يكن مضطرا إليكن، فإنه سيلقى، ويبدله الله أزواجا خيرا ~~منكن، دينا وجمالا، وهذا من باب التعليق الذي لم يوجد، ولا يلزم وجوده، ~~فإنه ما طلقهن، ولو طلقهن، لكان ما ذكره الله من هذه الأزواج الفاضلات، ~~الجامعات بين الإسلام، وهو القيام بالشرائع الظاهرة، والإيمان، وهو: ~~القيام بالشرائع الباطنة، من العقائد وأعمال القلوب. القنوت هو دوام ~~الطاعة واستمرارها، { تائبات } عما يكرهه الله، فوصفهن بالقيام بما ~~يحبه الله، والتوبة عما يكرهه الله، { ثيبات وأبكارا } أي: ~~بعضهن ثيب، وبعضهن أبكار، ليتنوع صلى الله عليه وسلم فيما يحب، فلما سمعن ~~- رضي الله عنهن - هذا التخويف والتأديب، بادرن إلى رضا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكان هذا الوصف منطبقا عليهن، فصرن أفضل نساء المؤمنين، ~~وفي هذا دليل على أن الله لا يختار لرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أكمل ~~الأحوال وأعلى الأمور، فلما اختار الله لرسوله بقاء نسائه المذكورات معه ~~دل على أنهن خير النساء وأكملهن. ### || [66.6] # أي: يا من من الله عليهم بالإيمان، قوموا بلوازمه وشروطه. ف { ~~قوا أنفسكم وأهليكم نارا } موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة، ~~ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله، والقيام بأمره امتثالا، ونهيه ~~اجتنابا، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل [والأولاد]، ~~بتأديبهم وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام ~~بما أمر الله به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد ~~وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه. ووصف الله النار بهذه الأوصاف، ليزجر ~~عباده عن التهاون بأمره، فقال: { وقودها الناس والحجارة } ~~كما قال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون ms1619 الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. { عليها ملائكة غلاظ شداد } أي: غليظة ~~أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب ~~النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر الله، الذي حتم عليهم العذاب وأوجب ~~عليهم شدة العقاب، { لا يعصون الله مآ أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون } وهذا فيه أيضا مدح للملائكة الكرام، ~~وانقيادهم لأمر الله، وطاعتهم له في كل ما أمرهم به. ### || [66.7] # أي: يوبخ أهل النار يوم القيامة بهذا التوبيخ، فيقال لهم: { يأيها ~~الذين كفروا لا تعتذروا اليوم } [أي:] فإنه ذهب وقت ~~الاعتذار، وزال نفعه، فلم يبق الآن إلا الجزاء على الأعمال، وأنتم لم ~~تقدموا إلا الكفر بالله، والتكذيب بآياته، ومحاربة رسله وأوليائه. ### || [66.8] # قد أمر الله بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ~~ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور ~~إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت ~~الأنوار، التي لا تعطى المنافقين، ويسألون الله، أن يتمم لهم نورهم، ~~فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النور واليقين، إلى جنات ~~النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح. والمراد بها: ~~التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التي عقدها العبد لله، لا يريد بها ~~إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله. ### || [66.9] # يأمر [الله] تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، ~~والإغلاظ عليهم في ذلك، وهذا شامل لجهادهم بإقامة الحجة [عليهم ودعوتهم] ~~بالموعظة الحسنة، وإبطال ما هم عليه من أنواع الضلال، وجهادهم بالسلاح ~~والقتال لمن أبى أن يجيب دعوة الله وينقاد لحكمه، فإن هذا يجاهد ويغلظ ~~له، وأما المرتبة الأولى، فتكون بالتي هي أحسن، فالكفار والمنافقون لهم ~~عذاب في الدنيا، بتسليط الله لرسوله وحزبه [عليهم و] على جهادهم وقتالهم، ~~وعذاب النار في الآخرة وبئس المصير، الذي يصير إليها كل شقي خاسر. ### || [66.10-12] # هذان المثلان اللذان ضربهما الله للمؤمنين والكافرين، ليبين لهم أن ~~اتصال الكافر بالمؤمن وقربه منه لا يفيده شيئا، وأن اتصال المؤمن ~~بالكافر لا يضره شيئا مع قيامه بالواجب ms1620 عليه. فكأن في ذلك إشارة ~~وتحذيرا لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم عن المعصية، وأن اتصالهن به ~~صلى الله عليه وسلم لا ينفعهن شيئا مع الإساءة، فقال: { ضرب الله ~~مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ~~كانتا } أي: المرأتان { تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين } وهما نوح ولوط عليهما السلام. { فخانتاهما } في ~~الدين، بأن كانتا على غير دين زوجيهما، وهذا هو المراد بالخيانة، لا ~~خيانة النسب والفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، وما كان الله ليجعل ~~امرأة أحد من أنبيائه بغيا، { فلم يغنيا } أي: نوح ولوط { ~~عنهما } أي: عن امرأتيهما { من الله شيئا وقيل } لهما { ~~ادخلا النار مع الداخلين }. { وضرب الله مثلا ~~للذين آمنوا امرأت فرعون } وهي آسية بنت مزاحم رضي ~~الله عنها، { إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من ~~القوم الظالمين } فوصفها الله بالإيمان والتضرع لربها، وسؤالها ~~لربها أجل المطالب، وهو دخول الجنة، ومجاورة الرب الكريم، وسؤالها أن ~~ينجيها الله من فتنة فرعون وأعماله الخبيثة، ومن فتنة كل ظالم، فاستجاب ~~الله لها، فعاشت في إيمان كامل، وثبات تام، ونجاة من الفتن، ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء، إلا مريم بنت عمران، وآسية ~~بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على ~~سائر الطعام ". # [وقوله:] { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~} أي: صانته وحفظته عن الفاحشة، لكمال ديانتها، وعفتها، ونزاهتها. { ~~فنفخنا فيه من روحنا } بأن نفخ جبريل [عليه السلام] في جيب ~~درعها، فوصلت نفخته إلى مريم، فجاء منها عيسى ابن مريم [عليه السلام]، ~~الرسول الكريم والسيد العظيم. { وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه } وهذا وصف لها بالعلم والمعرفة، فإن التصديق بكلمات الله، ~~يشمل كلماته الدينية والقدرية، والتصديق بكتبه، يقتضي معرفة ما به يحصل ~~التصديق، ولا يكون ذلك إلا بالعلم والعمل، [ولهذا قال] { وكانت من ~~القانتين } أي: المطيعين لله، المداومين على طاعته بخشية وخشوع، ~~وهذا وصف لها بكمال العمل، فإنها رضي الله عنها ms1621 صديقة، والصديقية: هي ~~كمال العلم والعمل. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-4] # { تبارك الذي بيده الملك } أي: تعاظم وتعالى، وكثر خيره، ~~وعم إحسانه، من عظمته أن بيده ملك العالم العلوي والسفلي، فهو الذي خلقه، ~~ويتصرف فيه بما شاء، من الأحكام القدرية، والأحكام الدينية، التابعة ~~لحكمته، ومن عظمته، كمال قدرته التي يقدر بها على كل شيء، وبها أوجد ما ~~أوجد من المخلوقات العظيمة، كالسماوات والأرض. وخلق الموت والحياة أي: ~~قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم { ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا } أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، ~~وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة ~~لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في ~~الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء. { ~~وهو العزيز } الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، ~~وانقادت له المخلوقات. { الغفور } عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، ~~خصوصا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ~~ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا، { الذي خلق سبع سموت ~~طباقا } أي: كل واحدة فوق الأخرى، ولسن طبقة واحدة، وخلقها في غاية ~~الحسن والإتقان، { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ~~أي: خلل ونقص. وإذا انتفى النقص من كل وجه، صارت حسنة كاملة، متناسبة من ~~كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها، وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ~~النيرات، الثوابت منهن والسيارات. ولما كان كمالها معلوما، أمر [الله] ~~تعالى بتكرار النظر إليها والتأمل في أرجائها، قال: { فارجع ~~البصر } أي: أعده إليها، ناظرا معتبرا { هل ترى من فطور } ~~أي: نقص واختلال، { ثم ارجع البصر كرتين } المراد بذلك: ~~كثرة التكرار { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ~~أي: عاجزا عن أن يرى خللا أو فطورا، ولو حرص غاية الحرص. ثم صرح بذكر ~~حسنها، فقال: { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصبيح ~~وجعلنها رجوما... }. ### || [67.5-10] # أي: ولقد جملنا { السمآء الدنيا } التي ترونها وتليكم، { ~~بمصبيح } وهي النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما ~~فيها من النجوم، لكانت ms1622 سقفا مظلما، لا حسن فيه ولا جمال. ولكن جعل الله ~~هذه النجوم زينة للسماء، [وجمالا]، ونورا وهداية يهتدى بها في ظلمات ~~البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون ~~كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل ~~الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها، { وجعلنها } أي: ~~المصابيح { رجوما للشيطين } الذين يريدون استراق خبر السماء، ~~فجعل الله هذه النجوم حراسة للسماء عن تلقف الشياطين أخبار الأرض، فهذه ~~الشهب التي ترمى من النجوم، أعدها الله في الدنيا للشياطين، { ~~وأعتدنا لهم } في الآخرة { عذاب السعير } لأنهم تمردوا ~~على الله، وأضلوا عباده، ولهذا كان أتباعهم من الكفار مثلهم، قد أعد الله ~~لهم عذاب السعير، فلهذا قال: { وللذين كفروا بربهم ~~عذاب جهنم وبئس المصير } الذي يهان أهله غاية الهوان، { ~~إذآ ألقوا فيها } على وجه الإهانة والذل { سمعوا لها ~~شهيقا } أي: صوتا عاليا فظيعا، { تكاد تميز من الغيظ ~~} أي: تكاد على اجتماعها أن يفارق بعضها بعضا، وتتقطع من شدة غيظها على ~~الكفار، فما ظنك ما تفعل بهم، إذا حصلوا فيها؟!! ثم ذكر توبيخ الخزنة ~~لأهلها، فقال: { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ~~ألم يأتكم نذير }؟ أي: حالكم هذا واستحقاقكم النار، كأنكم لم ~~تخبروا عنها، ولم تحذركم النذر منها، { قالوا بلى قد جآءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن ~~أنتم إلا في ضلال كبير } فجمعوا بين تكذيبهم الخاص، ~~والتكذيب العام بكل ما أنزل الله ولم يكفهم ذلك، حتى أعلنوا بضلال الرسل ~~المنذرين وهم الهداة المهتدون، ولم يكتفوا بمجرد الضلال، بل جعلوا ~~ضلالهم، ضلالا كبيرا، فأي عناد وتكبر وظلم، يشبه هذا؟ { وقالوا ~~} معترفين بعدم أهليتهم للهدى والرشاد: { لو كنا نسمع أو ~~نعقل ما كنا في أصحاب السعير } فنفوا عن أنفسهم طرق ~~الهدى، وهي السمع لما أنزل الله، وجاءت به الرسل، والعقل الذي ينفع ~~صاحبه، ويوقفه على حقائق الأشياء، وإيثار الخير، والانزجار عن كل ما ~~عاقبته ذميمة، فلا سمع [لهم] ولا عقل، وهذا بخلاف أهل اليقين والعرفان، ~~وأرباب ms1623 الصدق والإيمان، فإنهم أيدوا إيمانهم بالأدلة السمعية، فسمعوا ما ~~جاء من عند الله، وجاء به رسول الله علما ومعرفة وعملا. والأدلة ~~العقلية: المعرفة للهدى من الضلال، والحسن من القبيح، والخير من الشر، ~~وهم - في الإيمان - بحسب ما من الله عليهم به من الاقتداء بالمعقول ~~والمنقول، فسبحان من يختص بفضله من يشاء، ويمن على من يشاء من عباده، ~~ويخذل من لا يصلح للخير. قال تعالى عن هؤلاء الداخلين للنار، المعترفين ~~بظلمهم وعنادهم: { فاعترفوا بذنبهم فسحقا... }. ### || [67.11] # أي: بعدا لهم وخسارة وشقاء. فما أشقاهم وأرداهم، حيث فاتهم ثواب ~~الله، وكانوا ملازمين للسعير، التي تستعر في أبدانهم، وتطلع على أفئدتهم! ### || [67.12] # لما ذكر حالة الأشقياء الفجار، ذكر حالة السعداء الأبرار فقال: { إن ~~الذين يخشون ربهم بالغيب } أي: في جميع أحوالهم، حتى ~~في الحالة التي لا يطلع عليهم فيها إلا الله، فلا يقدمون على معاصيه، ولا ~~يقصرون فيما أمر به، { لهم مغفرة } لذنوبهم، وإذا غفر الله ~~ذنوبهم، وقاهم شرها، ووقاهم عذاب الجحيم، ولهم أجر كبير وهو ما أعده لهم ~~في الجنة، من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات [المتواصلات] ~~والمشتهيات، والقصور [والمنازل] العاليات، والحور الحسان، والخدم ~~والولدان. وأعظم من ذلك وأكبر رضا الرحمن، الذي يحله الله على أهل ~~الجنان. ### || [67.13-14] # هذا إخبار من الله بسعة علمه، وشمول لطفه، فقال: { وأسروا ~~قولكم أو اجهروا به } أي: كلها سواء لديه، لا يخفى عليه ~~منها خافية، ف { إنه عليم بذات الصدور } أي: بما فيها من ~~النيات، والإرادات، فكيف بالأقوال والأفعال، التي تسمع وترى؟! ثم قال - ~~مستدلا بدليل عقلي على علمه -: { ألا يعلم من خلق } فمن خلق ~~الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه؟! { وهو اللطيف الخبير } ~~الذي لطف علمه وخبره، حتى أدرك السرائر والضمائر، والخبايا [والخفايا ~~والغيوب]، وهو الذي # يعلم السر وأخفى # [طه: 7] ومن معاني اللطيف، أنه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر ~~والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى ~~أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من [العبد] على بال، حتى إنه ms1624 يذيقه ~~المكاره، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة، والمقامات النبيلة. ### || [67.15] # أي: هو الذي سخر لكم الأرض وذللها، لتدركوا منها كل ما تعلقت به حاجتكم، ~~من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية والبلدان ~~الشاسعة، { فامشوا في مناكبها } أي: لطلب الرزق والمكاسب. { ~~وكلوا من رزقه وإليه النشور } أي: بعد أن تنتقلوا من ~~هذه الدار التي جعلها الله امتحانا، وبلغة يتبلغ بها إلى الدار الآخرة، ~~تبعثون بعد موتكم، وتحشرون إلى الله، ليجازيكم بأعمالكم الحسنة والسيئة. ### || [67.16-18] # هذا تهديد ووعيد لمن استمر في طغيانه وتعديه، وعصيانه الموجب للنكال ~~وحلول العقوبة، فقال: { ءأمنتم من في السمآء } وهو الله ~~تعالى، العالي على خلقه. { أن يخسف بكم الأرض فإذا هي ~~تمور } بكم وتضطرب، حتى تتلفكم وتهلككم. { أم أمنتم من في ~~السمآء أن يرسل عليكم حاصبا } أي: عذابا من السماء ~~يحصبكم، وينتقم الله منكم { فستعلمون كيف نذير } أي: كيف ~~يأتيكم ما أنذرتكم به الرسل والكتب، فلا تحسبوا أن أمنكم من الله أن ~~يعاقبكم بعقاب من الأرض ومن السماء ينفعكم، فستجدون عاقبة أمركم، سواء ~~طال عليكم الزمان أو قصر، فإن من قبلكم، كذبوا كما كذبتم، فأهلكهم الله ~~تعالى، فانظروا كيف إنكار الله عليهم، عاجلهم بالعقوبة الدنيوية قبل ~~عقوبة الآخرة، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم. ### || [67.19] # وهذا عتاب وحث على النظر إلى حالة الطير التي سخرها الله، وسخر لها الجو ~~والهواء، تصف فيه أجنحتها للطيران، وتقبضها للوقوع، فتظل سابحة في الجو، ~~مترددة فيه بحسب إرادتها وحاجتها. { ما يمسكهن إلا ~~الرحمن } فإنه الذي سخر لهن الجو، وجعل أجسادهن وخلقتهن في حالة ~~مستعدة للطيران، فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة ~~الباري وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا ~~له، { إنه بكل شيء بصير } فهو المدبر لعباده بما يليق بهم، ~~وتقتضيه حكمته. ### || [67.20-21] # يقول تعالى للعتاة النافرين عن أمره، المعرضين عن الحق: { أمن ~~هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون ~~الرحمن } أي: ينصركم إذا أراد بكم الرحمن سوءا، فيدفعه عنكم؟ أي: ~~من ms1625 الذي ينصركم على أعدائكم غير الرحمن؟ فإنه تعالى هو الناصر المعز ~~المذل، وغيره من الخلق لو اجتمعوا على نصر عبد، لم ينفعوه مثقال ذرة، على ~~أي عدو كان، فاستمرار الكافرين على كفرهم، بعد أن علموا أنه لا ينصرهم ~~أحد من دون الرحمن، غرور وسفه. { أمن هذا الذي ~~يرزقكم إن أمسك رزقه } أي: الرزق كله من الله، فلو أمسك ~~عنكم رزقه، فمن الذي يرسله لكم؟ فإن الخلق لا يقدرون على رزق أنفسهم، ~~فكيف بغيرهم؟ فالرزاق المنعم، الذي لا يصيب العباد نعمة إلا منه، هو الذي ~~يستحق أن يفرد بالعبادة، ولكن الكافرون { لجوا } أي: استمروا { في ~~عتو } أي: قسوة وعدم لين للحق { ونفور } أي: شرود عن الحق. ### || [67.22] # أي: أي الرجلين أهدى؟ من كان تائها في الضلال، غارقا في الكفر قد ~~انتكس قلبه، فصار الحق عنده باطلا، والباطل حقا؟ ومن كان عالما بالحق، ~~مؤثرا له، عاملا به، يمشي على الصراط المستقيم في أقواله وأعماله وجميع ~~أحواله؟ فبمجرد النظر إلى حال هذين الرجلين، يعلم الفرق بينهما، والمهتدي ~~من الضال منهما، والأحوال أكبر شاهد من الأقوال. ### || [67.23-26] # يقول تعالى - مبينا أنه المعبود وحده، وداعيا عباده إلى شكره، وإفراده ~~بالعبادة -: { قل هو الذي أنشأكم } أي: أوجدكم من العدم، من ~~غير معاون له ولا مظاهر، ولما أنشأكم، كمل لكم الوجود بالسمع والأبصار ~~والأفئدة، التي هي أنفع أعضاء البدن، وأكمل القوى الجسمانية، ولكنه مع ~~هذا الإنعام { قليلا ما تشكرون } الله، قليل منكم الشاكر، ~~وقليل منكم الشكر. { قل هو الذي ذرأكم في الأرض } أي: ~~بثكم في أقطارها، وأسكنكم في أرجائها، وأمركم، ونهاكم، وأسدى عليكم من ~~النعم، ما به تنتفعون، ثم بعد ذلك يحشركم ليوم القيامة، ولكن هذا الوعد ~~بالجزاء، ينكره هؤلاء المعاندون { ويقولون } تكذيبا: { متى ~~هذا الوعد إن كنتم صادقين } جعلوا علامة صدقهم أن يخبروا ~~بوقت مجيئه، وهذا ظلم وعناد، فإنما العلم عند الله لا عند أحد من الخلق، ~~ولا ملازمة بين صدق هذا الخبر وبين الإخبار بوقته، فإن الصدق يعرف ~~بأدلته، وقد أقام الله من الأدلة والبراهين ms1626 على صحته ما لا يبقى معه أدنى ~~شك لمن ألقى السمع وهو شهيد. ### || [67.27-30] # يعني أن محل تكذيب الكفار وغرورهم به حين كانوا في الدنيا، فإذا كان يوم ~~الجزاء، ورأوا العذاب منهم { زلفة } أي: قريبا، ساءهم ذلك وأفظعهم، ~~وقلقل أفئدتهم، فتغيرت لذلك وجوههم، ووبخوا على تكذيبهم، وقيل لهم هذا ~~الذي كنتم به تكذبون، فاليوم رأيتموه عيانا، وانجلى لكم الأمر، وتقطعت ~~بكم الأسباب ولم يبق إلا مباشرة العذاب. ولما كان المكذبون للرسول صلى ~~الله عليه وسلم، [الذين] يردون دعوته، ينتظرون هلاكه، ويتربصون به ريب ~~المنون، أمره الله أن يقول لهم: أنتم وإن حصلت لكم أمانيكم، وأهلكني الله ~~ومن معي، فليس ذلك بنافع لكم شيئا، لأنكم كفرتم بآيات الله، واستحقيتم ~~العذاب، فمن يجيركم من عذاب أليم قد تحتم وقوعه بكم؟ فإذا، تعبكم ~~وحرصكم على هلاكي غير مفيد، ولا مجد عنكم شيئا. ومن قولهم، إنهم على ~~هدى، والرسول على ضلال، أعادوا في ذلك وأبدوا، وجادلوا عليه وقاتلوا، ~~فأمر الله نبيه أن يخبر عن حاله وحال أتباعه، ما به يتبين لكل أحد هداهم ~~وتقواهم، وهو أن يقولوا: { آمنا به وعليه توكلنا } ~~والإيمان يشمل التصديق الباطن، والأعمال الباطنة والظاهرة، ولما كانت ~~الأعمال، وجودها وكمالها، متوقفة على التوكل، خص الله التوكل من بين ~~سائر الأعمال، وإلا فهو داخل في الإيمان، ومن جملة لوازمه كما قال تعالى: # وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين # [المائدة: 23] فإذا كانت هذه حال الرسول وحال من اتبعه، وهي الحال التي ~~تتعين للفلاح، وتتوقف عليها السعادة، وحالة أعدائه بضدها، فلا إيمان ~~[لهم] ولا توكل، علم بذلك من هو على هدى، ومن هو في ضلال مبين. ثم أخبر ~~عن انفراده بالنعم، خصوصا بالماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، فقال: ~~{ قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا } أي: غائرا { ~~فمن يأتيكم بمآء معين } تشربون منه، وتسقون أنعامكم ~~وأشجاركم وزروعكم؟ وهذا استفهام بمعنى النفي أي: لا يقدر أحد على ذلك غير ~~الله تعالى. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-7] # يقسم تعالى بالقلم، وهو اسم جنس شامل للأقلام، ms1627 التي تكتب بها [أنواع] ~~العلوم، ويسطر بها المنثور والمنظوم، وذلك أن القلم وما يسطرون به من ~~أنواع الكلام، من آيات الله العظيمة، التي تستحق أن يقسم الله بها، على ~~براءة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مما نسبه إليه أعداؤه من الجنون، ~~فنفى عنه الجنون، بنعمة ربه عليه وإحسانه، حيث من عليه بالعقل الكامل، ~~والرأي الجزل، والكلام الفصل، الذي هو أحسن ما جرت به الأقلام، وسطره ~~الأنام، وهذا هو السعادة في الدنيا، ثم ذكر سعادته في الآخرة، فقال: { ~~وإن لك لأجرا } أي: عظيما، كما يفيده التنكير، { غير ~~ممنون } أي: [غير] مقطوع، بل هو دائم مستمر، وذلك لما أسلفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الأعمال الصالحة، والأخلاق الكاملة، ولهذا قال: { ~~وإنك لعلى خلق عظيم } أي: عاليا به، مستعليا بخلقك الذي ~~من الله عليك به، وحاصل خلقه العظيم، ما فسرته به أم المؤمنين [عائشة - ~~رضي الله عنها -] لمن سألها عنه، فقالت: " كان خلقه القرآن " ، وذلك نحو ~~قوله تعالى له: # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين # [الأعراف: 199] # فبما رحمة من الله لنت لهم # [الآية] [آل عمران: 159]، # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128] وما أشبه ذلك من الآيات الدالات على اتصافه صلى الله عليه ~~وسلم بمكارم الأخلاق، و[الآيات] الحاثات على الخلق العظيم، فكان له ~~منها أكملها وأجلها، وهو في كل خصلة منها، في الذروة العليا، فكان صلى ~~الله عليه وسلم سهلا لينا، قريبا من الناس، مجيبا لدعوة من دعاه، ~~قاضيا لحاجة من استقضاه، جابرا لقلب من سأله، لا يحرمه، ولا يرده ~~خائبا، وإذا أراد أصحابه منه أمرا وافقهم عليه، وتابعهم فيه إذا لم يكن ~~فيه محذور، وإن عزم على أمر لم يستبد به دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، ~~وكان يقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ولم يكن يعاشر جليسا له إلا أتم ~~عشرة وأحسنها، فكان لا يعبس في وجهه، ولا يغلظ عليه في مقاله، ولا يطوي ~~عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا ms1628 يؤاخذه بما يصدر منه من ~~جفوة، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمله غاية الاحتمال صلى الله ~~عليه وسلم. فلما أنزله الله في أعلى المنازل من جميع الوجوه، وكان أعداؤه ~~ينسبون إليه أنه مجنون مفتون، قال: { فستبصر ويبصرون * ~~بأييكم المفتون } وقد تبين أنه أهدى الناس، وأكملهم لنفسه ~~ولغيره، وأن أعداءه أضل الناس، [وشر الناس] للناس، وأنهم هم الذين فتنوا ~~عباد الله، وأضلوهم عن سبيله، وكفى بعلم الله بذلك، فإنه هو المحاسب ~~المجازي. و { هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين } وهذا فيه تهديد للضالين، ووعد للمهتدين، وبيان لحكمة ~~الله، حيث كان يهدي من يصلح للهداية، دون غيره. ### || [68.8-16] # يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { فلا تطع ~~المكذبين } الذين كذبوك وعاندوا الحق، فإنهم ليسوا أهلا لأن ~~يطاعوا، لأنهم لا يأمرون إلا بما يوافق أهواءهم، وهم لا يريدون إلا ~~الباطل، فالمطيع لهم مقدم على ما يضره، وهذا عام في كل مكذب، وفي كل ~~طاعة ناشئة عن التكذيب، وإن كان السياق في شيء خاص، وهو أن المشركين ~~طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يسكت عن عيب آلهتهم ودينهم، ~~ويسكتوا عنه، ولهذا قال: { ودوا } أي: المشركون { لو تدهن } ~~أي: توافقهم على بعض ما هم عليه، إما بالقول أو الفعل أو بالسكوت عما ~~يتعين الكلام فيه، { فيدهنون } ولكن اصدع بأمر الله، وأظهر دين ~~الإسلام، فإن تمام إظهاره بنقض ما يضاده، وعيب ما يناقضه، { ولا تطع ~~كل حلاف } أي: كثير الحلف، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كذاب، ولا ~~يكون كذابا إلا وهو { مهين } أي: خسيس النفس، ناقص الهمة، ليس له ~~همة في الخير، بل إرادته في شهوات نفسه الخسيسة. { هماز } أي: كثير ~~العيب [للناس] والطعن فيهم، بالغيبة والاستهزاء، وغير ذلك. { مشآء ~~بنميم } أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهي: نقل كلام بعض الناس لبعض، ~~لقصد الإفساد بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، { مناع للخير } ~~الذي يلزمه القيام به من النفقات الواجبة والكفارات والزكوات وغير ذلك، { ~~معتد } على الخلق في ظلمهم، في الدماء ms1629 والأموال والأعراض { أثيم } ~~أي: كثير الإثم والذنوب المتعلقة في حق الله تعالى { عتل بعد ~~ذلك } أي: غليظ شرس الخلق قاس غير منقاد للحق { زنيم } أي: ~~دعي، ليس له أصل و [لا] مادة ينتج منها الخير، بل أخلاقه أقبح ~~الأخلاق، ولا يرجى منه فلاح، له زنمة أي: علامة في الشر يعرف بها. وحاصل ~~هذا، أن الله تعالى نهى عن طاعة كل حلاف كذاب، خسيس النفس، سيئ الأخلاق، ~~خصوصا الأخلاق المتضمنة للإعجاب بالنفس، والتكبر على الحق وعلى الخلق، ~~والاحتقار للناس، كالغيبة والنميمة، والطعن فيهم، وكثرة المعاصي. وهذه ~~الآيات - وإن كانت نزلت في بعض المشركين، كالوليد بن المغيرة أو غيره، ~~لقوله عنه: { أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال أساطير الأولين } أي: لأجل كثرة ماله وولده، ~~طغى واستكبر عن الحق، ودفعه حين جاءه، وجعله من جملة أساطير الأولين، ~~التي يمكن صدقها وكذبها- فإنها عامة في كل من اتصف بهذا الوصف، لأن ~~القرآن نزل لهداية الخلق كلهم، ويدخل فيه أول الأمة وآخرهم، وربما نزل ~~بعض الآيات في سبب أو في شخص من الأشخاص، لتتضح به القاعدة العامة، ويعرف ~~به أمثال الجزئيات الداخلة في القضايا العامة. ثم توعد تعالى من جرى منه ~~ما وصف الله، بأن الله سيسمه على خرطومه في العذاب، وليعذبه عذابا ~~ظاهرا، يكون عليه سمة وعلامة، في أشق الأشياء عليه، وهو وجهه. ### || [68.17-33] # { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون } إلى آخر ~~القصة يقول تعال: إنا بلونا هؤلاء المكذبين بالخير وأمهلناهم، وأمددناهم ~~بما شئنا من مال وولد، وطول عمر، ونحو ذلك، مما يوافق أهواءهم، لا ~~لكرامتهم علينا، بل ربما يكون استدراجا لهم من حيث لا يشعرون، فاغترارهم ~~بذلك نظير اغترار أصحاب الجنة، الذين هم فيها شركاء، حين زهت ثمارها ~~أينعت أشجارها، وآن وقت صرامها، وجزموا أنها في أيديهم، وطوع أمرهم، ~~[وأنه] ليس ثم مانع يمنعهم منها، ولهذا أقسموا وحلفوا من غير استثناء، ~~أنهم سيصرمونها أي: يجذونها مصبحين، ولم ms1630 يدروا أن الله بالمرصاد، وأن ~~العذاب سيخلفهم عليها، ويبادرهم إليها. { فطاف عليها طآئف من ~~ربك } أي: عذاب نزل عليها ليلا { وهم نآئمون } فأبادها ~~وأتلفها { فأصبحت كالصريم } أي: كالليل المظلم، ذهبت الأشجار ~~والثمار، هذا وهم لا يشعرون بهذا الواقع الملم، ولهذا تنادوا فيما بينهم ~~لما أصبحوا يقول بعضهم لبعض: { أن اغدوا على حرثكم إن ~~كنتم صارمين فانطلقوا } قاصدين له { وهم يتخافتون } ~~فيما بينهم، ولكن بمنع حق الله، ويقولون: { لا يدخلنها ~~اليوم عليكم مسكين } أي: بكروا قبل انتشار الناس، وتواصوا ~~مع ذلك، بمنع الفقراء والمساكين، ومن شدة حرصهم وبخلهم، أنهم يتخافتون ~~بهذا الكلام مخافتة، خوفا أن يسمعهم أحد، فيخبر الفقراء. { وغدوا } ~~في هذه الحالة الشنيعة، والقسوة، وعدم الرحمة { على حرد قادرين ~~} أي: على إمساك ومنع لحق الله، جازمين بقدرتهم عليها، { فلما ~~رأوها } على الوصف الذي ذكر الله كالصريم، { قالوا } من الحيرة ~~والانزعاج. { إنا لضآلون } [أي: تائهون] عنها، لعلها غيرها، فلما ~~تحققوها، ورجعت إليهم عقولهم قالوا: { بل نحن محرومون } منها، ~~فعرفوا حينئذ أنه عقوبة، ف { قال أوسطهم } أي: أعدلهم وأحسنهم ~~طريقة { ألم أقل لكم لولا تسبحون } أي: تنزهون الله ~~عما لا يليق به، ومن ذلك، ظنكم أن قدرتكم مستقلة، فلولا استثنيتم فقلتم: ~~" إن شاء الله " وجعلتم مشيئتكم تابعة لمشيئتة الله، لما جرى ~~عليكم ما جرى، فقالوا { سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين } ~~أي: استدركوا بعد ذلك، ولكن بعد ما وقع العذاب على جنتهم، الذي لا يرفع، ~~ولكن لعل تسبيحهم هذا، وإقرارهم على أنفسهم بالظلم، ينفعهم في تخفيف ~~الإثم ويكون توبة، ولهذا ندموا ندامة عظيمة، { فأقبل بعضهم ~~على بعض يتلاومون } فيما أجروه وفعلوه، { قالوا ~~يويلنا إنا كنا طاغين } أي: متجاوزين للحد في حق الله وحق ~~عباده، { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ ~~إلى ربنا راغبون } فهم رجوا الله أن يبدلهم خيرا منها، ~~ووعدوا أنهم سيرغبون إلى الله، ويلحون عليه في الدنيا، فإن كانوا كما ~~قالوا، فالظاهر أن الله أبدلهم في الدنيا خيرا منها، لأن من دعا الله ~~صادقا، ورغب إليه ورجاه، أعطاه سؤله. قال ms1631 تعالى مبينا ما وقع: { ~~كذلك العذاب } [أي:] الدنيوي لمن أتى بأسباب العذاب أن يسلب الله ~~العبد الشيء الذي طغى به وبغى، وآثر الحياة الدنيا، وأن يزيله عنه، أحوج ~~ما يكون إليه. { ولعذاب الآخرة أكبر } من عذاب الدنيا { لو ~~كانوا يعلمون } فإن من علم ذلك، أوجب له الانزجار عن كل سبب يوجب ~~العذاب ويحل العقاب. ### || [68.34-41] # يخبر تعالى بما أعده للمتقين للكفر والمعاصي، من أنواع النعيم والعيش ~~السليم في جوار أكرم الأكرمين، وأن حكمته تعالى لا تقتضي أن يجعل ~~المسلمين القانتين لربهم، المنقادين لأوامره، المتبعين لمراضيه كالمجرمين ~~الذين أوضعوا في معاصيه، والكفر بآياته، ومعاندة رسله، ومحاربة أوليائه، ~~وأن من ظن أنه يسويهم في الثواب، فإنه قد أساء الحكم، وأن حكمه حكم ~~باطل، ورأيه فاسد، وأن المجرمين إذا ادعوا ذلك، فليس لهم مستند، لا كتاب ~~فيه يدرسون [ويتلون] أنهم من أهل الجنة، وأن لهم ما طلبوا وتخيروا. وليس ~~لهم عند الله عهد ويمين بالغة إلى يوم القيامة أن لهم ما يحكمون، وليس ~~لهم شركاء وأعوان على إدراك ما طلبوا، فإن كان لهم شركاء وأعوان فليأتوا ~~بهم إن كانوا صادقين، ومن المعلوم أن جميع ذلك منتف، فليس لهم كتاب، ولا ~~لهم عهد عند الله في النجاة، ولا لهم شركاء يعينونهم، فعلم أن دعواهم ~~باطلة فاسدة، وقوله: { سلهم أيهم بذلك زعيم } أي: أيهم ~~الكفيل بهذه الدعوى الفاسدة، فإنه لا يمكن التصدر بها، ولا الزعامة فيها. ### || [68.42-43] # أي: إذا كان يوم القيامة، وانكشف فيه من القلاقل [والزلازل] والأهوال ما ~~لا يدخل تحت الوهم، وأتى الباري لفصل القضاء بين عباده ومجازاتهم، فكشف ~~عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء، ورأى الخلائق من جلال الله وعظمته ~~ما لا يمكن التعبير عنه، فحينئذ يدعون إلى السجود لله، فيسجد المؤمنون ~~الذين كانوا يسجدون لله، طوعا واختيارا، ويذهب الفجار المنافقون ~~ليسجدوا فلا يقدرون على السجود، وتكون ظهورهم كصياصي البقر، لا يستطيعون ~~الانحناء، وهذا الجزاء ما جنس عملهم، فإنهم كانوا يدعون في الدنيا إلى ~~السجود لله وتوحيده وعبادته وهم سالمون، لا ms1632 علة فيهم، فيستكبرون عن ذلك ~~ويأبون، فلا تسأل يومئذ عن حالهم وسوء مآلهم، فإن الله قد سخط عليهم، ~~وحقت عليهم كلمة العذاب، وتقطعت أسبابهم، ولم تنفعهم الندامة ولا ~~الاعتذار يوم القيامة، ففي هذا ما يزعج القلوب عن المقام على المعاصي، ~~و[يوجب] التدارك مدة الإمكان. ولهذا قال تعالى: { فذرني ومن ~~يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم... }. ### || [68.44-52] # أي: دعني والمكذبين بالقرآن العظيم، فإن علي جزاءهم، ولا تستعجل لهم، ~~ف { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } فنمدهم بالأموال ~~والأولاد، ونمدهم في الأرزاق والأعمال، ليغتروا ويستمروا على ما يضرهم، ~~فإن وهذا من كيد الله لهم، وكيد الله لأعدائه، متين قوي، يبلغ من ضررهم ~~وعذابهم فوق كل مبلغ. { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون } أي: ليس لنفورهم عنك، وعدم تصديقهم لما جئت به ، سبب يوجب ~~لهم ذلك، فإنك تعلمهم، وتدعوهم إلى الله، لمحض مصلحتهم، من غير أن تطلبهم ~~من أموالهم مغرما يثقل عليهم. { أم عندهم الغيب فهم ~~يكتبون } ما كان عندهم من الغيوب، وقد وجدوا فيها أنهم على حق، وأن ~~لهم الثواب عند الله، فهذا أمر ما كان، وإنما كانت حالهم حال معاند ظالم. ~~فلم يبق إلا الصبر لأذاهم، والتحمل لما يصدر منهم، والاستمرار على ~~دعوتهم، ولهذا قال: { فاصبر لحكم ربك } أي: لما حكم به شرعا ~~وقدرا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط ~~والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره. ~~وقوله: { ولا تكن كصاحب الحوت } وهو يونس بن متى، عليه الصلاة ~~والسلام أي: ولا تشابهه في الحال التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن ~~الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبا لربه، ~~حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي ~~تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم، [وقوله] { إذ ~~نادى وهو مكظوم } أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو نادى وهو ~~مغتم مهتم، بأن قال: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فاستجاب الله له، وقذفته ms1633 الحوت من بطنها بالعراء وهو ~~سقيم، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين، ولهذا قال هنا: { لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء } أي: لطرح في ~~العراء، وهي الأرض الخالية { وهو مذموم } ولكن الله تغمده برحمته، ~~فنبذ وهو ممدوح، وصارت حاله أحسن من حاله الأولى، ولهذا قال: { ~~فاجتباه ربه } أي: اختاره واصطفاه ونقاه من كل كدر،. { ~~فجعله من الصالحين } أي: الذين صلحت أعمالهم وأقوالهم ~~ونياتهم، [وأحوالهم] فامتثل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فصبر ~~لحكم ربه صبرا لا يدركه فيه أحد من العالمين. فجعل الله له العاقبة # والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128] ولم يدرك أعداؤه فيه إلا ما يسوؤهم، حتى إنهم حرصوا على ~~أن يزلقوه بأبصارهم أي: يصيبوه بأعينهم، من حسدهم وغيظهم وحنقهم، هذا ~~منتهى ما قدروا عليه من الأذى الفعلي، والله حافظه وناصره، وأما الأذى ~~القولي، فيقولون فيه أقوالا، بحسب ما توحي إليهم قلوبهم، فيقولون تارة " ~~مجنون " ، وتارة " ساحر " ، وتارة " شاعر ". قال تعالى { وما هو ~~إلا ذكر للعالمين } أي: وما هذا القرآن الكريم، والذكر ~~الحكيم، إلا ذكر للعالمين، يتذكرون به مصالح دينهم ودنياهم. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-8] # { الحاقة } من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر ~~فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من ~~قوله: { الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما ~~الحاقة } فإن لها شأنا عظيما، وهولا جسيما، [ومن عظمتها أن الله ~~أهلك الأمم المكذبة بها بالعذاب العاجل]، ثم ذكر نموذجا من أحوالها ~~الموجودة في الدنيا المشاهدة فيها، وهو ما أحله من العقوبات البليغة ~~بالأمم العاتية، فقال: { كذبت ثمود } وهم القبيلة المشهورة، سكان ~~الحجر، الذين أرسل الله إليهم رسوله صالحا عليه السلام، ينهاهم عما هم ~~عليه من الشرك، ويأمرهم بالتوحيد، فردوا دعوته وكذبوه، وكذبوا ما أخبرهم ~~به من يوم القيامة، وهي القارعة التي تقرع الخلق بأهوالها، وكذلك عاد ~~الأولى، سكان حضرموت، حين بعث الله إليهم رسوله هودا عليه الصلاة ~~والسلام، يدعوهم إلى عبادة الله [وحده]، فكذبوه، وكذبوا بما أخبر به من ~~البعث، فأهلك الله ms1634 الطائفتين بالهلاك المعجل { فأما ثمود ~~فأهلكوا بالطاغية } وهي الصيحة العظيمة الفظيعة، التي انصدعت ~~منها قلوبهم، وزهقت لها أرواحهم فأصبحوا موتى لا يرى إلا مساكنهم ~~وجثثهم، { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } أي: قوية ~~شديدة الهبوب لها صوت أبلغ من صوت الرعد [القاصف]، { عاتية } [أي: ] ~~عتت على خزانها، على قول كثير من المفسرين، أو عتت على عاد، وزادت على ~~الحد كما هو الصحيح، { سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما } أي: نحسا وشرا فظيعا عليهم، ~~فدمرتهم وأهلكتهم، { فترى القوم فيها صرعى } أي: هلكى موتى ~~{ كأنهم أعجاز نخل خاوية } أي: كأنهم جذوع النخل التي ~~قد قطعت رؤوسها الخاوية، الساقط بعضها على بعض، { فهل ترى لهم ~~من باقية } وهذا استفهام بمعنى النفي المتقرر. ### || [69.9-12] # أي: وكذلك غير هاتين الأمتين الطاغيتين، عاد وثمود، جاء غيرهم من الطغاة ~~العتاة، كفرعون مصر، الذي أرسل الله إليه عبده ورسوله موسى [ابن عمران] ~~عليه الصلاة والسلام، وأراه من الآيات البينات، ما تيقنوا بها الحق، ولكن ~~جحدوا وكفروا، ظلما وعلوا، وجاء من قبله من المكذبين، { ~~والمؤتفكات } أي: قرى قوم لوط، الجميع جاؤوا { بالخاطئة } ~~أي: بالفعلة الطاغية، وهي الكفر والتكذيب، والظلم والمعاندة، وما انضم ~~إلى ذلك من أنواع الفواحش والفسوق. { فعصوا رسول ربهم } ~~وهذا اسم جنس أي: كل من هؤلاء كذب الرسول الذي أرسله الله إليهم. فأخذ ~~الله الجميع { أخذة رابية } أي: زائدة على الحد والمقدار، الذي ~~يحصل به هلاكهم. ومن جملة أولئك، قوم نوح، أغرقهم الله في اليم حين طغى ~~[الماء على وجه] الأرض، وعلا على مواضعها الرفيعة. وامتن الله على ~~الخلق الموجودين بعدهم أن الله حملهم { في الجارية } وهي السفينة ~~في أصلاب آبائهم وأمهاتهم، الذين نجاهم الله، فاحمدوا الله واشكروا الذي ~~نجاكم حين أهلك الطاغين، واعتبروا بآياته الدالة على توحيده، ولهذا قال: ~~{ لنجعلها } أي: الجارية، والمراد جنسها، لكم { تذكرة } ~~تذكركم أول سفينة صنعت، وما قصتها، وكيف نجى الله عليها من آمن به ~~واتبع رسوله، وأهلك أهل الأرض كلهم، فإن جنس الشيء مذكر بأصله. وقوله: ~~{ وتعيهآ أذن واعية } أي: تعقلها ms1635 أولو الألباب، ويعرفون ~~المقصود منها ووجه الآية بها. وهذا بخلاف أهل الإعراض والغفلة، وأهل ~~البلادة وعدم الفطنة، فإنهم ليس لهم انتفاع بآيات الله، لعدم وعيهم عن ~~الله، وفكرهم بآيات الله. ### || [69.13-18] # لما ذكر ما فعله تعالى بالمكذبين لرسله، وكيف جازاهم وعجل لهم العقوبة ~~في الدنيا، وأن الله نجى الرسل وأتباعهم، كان هذا مقدمة لذكر الجزاء ~~الأخروي، وتوفية الأعمال كاملة يوم القيامة، فذكر الأمور الهائلة التي ~~تقع أمام القيامة، وأن أول ذلك أنه ينفخ إسرافيل { في الصور } إذا ~~تكاملت الأجساد نابتة. { نفخة واحدة } فتخرج الأرواح، فتدخل كل ~~روح في جسدها، فإذا الناس قيام لرب العالمين. { وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة } أي: فتتت الجبال واضمحلت، ~~وخلطت بالأرض، ونسفت على الأرض، فكان الجميع قاعا صفصفا، لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا. هذا ما يصنع بالأرض وما عليها، وأما ما يصنع بالسماء، ~~فإنها تضطرب وتمور وتتشقق ويتغير لونها، وتهي بعد تلك الصلابة والقوة ~~العظيمة، وما ذاك إلا لأمر عظيم أزعجها، وكرب جسيم هائل أوهاها وأضعفها. ~~{ والملك } أي: الملائكة الكرام { على أرجآئهآ } أي: على ~~جوانب السماء وأركانها، خاضعين لربهم، مستكينين لعظمته. { ويحمل ~~عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } أملاك في غاية ~~القوة، إذا أتى للفصل بين العباد، والقضاء بينهم بعدله وقسطه وفضله، ~~ولهذا قال: { يومئذ تعرضون } على الله { لا تخفى منكم ~~خافية } لا من أجسامكم وأجسادكم، ولا من أعمالكم [وصفاتكم]، فإن الله ~~تعالى عالم الغيب والشهادة. ويحشر العباد حفاة عراة غرلا، في أرض ~~مستوية، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فحينئذ يجازيهم بما عملوا، ولهذا ~~ذكر كيفية الجزاء، فقال: { فأما من أوتي كتبه بيمينه ~~فيقول هآؤم اقرءوا... }. ### || [69.19-24] # وهؤلاء هم أهل السعادة، يعطون كتبهم التي فيها أعمالهم الصالحة ~~بأيمانهم، تمييزا لهم، وتنويها بشأنهم، ورفعا لمقدارهم، ويقول أحدهم ~~عند ذلك من الفرح والسرور، ومحبة أن يطلع الخلق على ما من الله عليه ~~به من الكرامة: { هآؤم اقرءوا كتبيه } أي: دونكم كتابي ~~فاقرؤوه فإنه يبشر بالجنات، وأنواع الكرامات، ومغفرة الذنوب، وستر ~~العيوب، والذي أوصلني إلى هذه الحال، ما من ms1636 الله به علي من الإيمان ~~بالبعث والحساب، والاستعداد له، بالممكن من العمل، ولهذا قال: { إني ~~ظننت أني ملاق حسابيه } أي: أيقنت، فالظن - هنا - [بمعنى] ~~اليقين، { فهو في عيشة راضية } أي: جامعة لما تشتهيه الأنفس، ~~وتلذ الأعين، وقد رضوها، ولم يختاروا عليها غيرها. { في جنة ~~عالية } المنازل والقصور، عالية المحل. { قطوفها دانية } أي: ~~ثمرها وجناها، من أنواع الفواكه، قريبة، سهلة التناول على أهلها، ينالها ~~أهلها، قياما وقعودا ومتكئين، ويقال لهم إكراما: { كلوا ~~واشربوا } أي: من كل طعام لذيذ، وشراب شهي، { هنيئا } أي: ~~تاما كاملا، من غير مكدر ولا منغص. وذلك الجزاء حصل لكم { بمآ ~~أسلفتم في الأيام الخالية } من الأعمال الصالحة - وترك ~~الأعمال السيئة- من صلاة، وصيام، وصدقة، وحج، وإحسان إلى الخلق، وذكر ~~لله، وإنابة إليه. فالأعمال جعلها الله سببا لدخول الجنة، ومادة ~~لنعيمها، وأصلا لسعادتها. ### || [69.25-37] # هؤلاء أهل الشقاء، يعطون كتب أعمالهم السيئة بشمالهم تمييزا لهم ~~وخزيا، وعارا وفضيحة، فيقول أحدهم من الهم والغم والخزي: { يليتني ~~لم أوت كتبيه } لأنه يبشر بدخول النار، والخسارة الأبدية، { ~~ولم أدر ما حسابيه } أي: ليتني كنت نسيا منسيا، ولم أبعث ~~وأحاسب ولهذا قال: { يليتها كانت القاضية } أي: يا ليت ~~موتتي هي الموتة التي لا بعث بعدها. ثم التفت إلى ماله وسلطانه، فإذا هو ~~وبال عليه، لم يقدم منه لآخرته، ولم ينفعه في الافتداء من عذاب الله، ~~فيقول: { مآ أغنى عني ماليه } أي: ما نفعني لا في الدنيا، لم ~~أقدم منه شيئا، ولا في الآخرة، قد ذهب وقت نفعه. { هلك عني ~~سلطانيه } أي: ذهب واضمحل، فلم تنفع الجنود الكثيرة، ولا العدد ~~الخطيرة، ولا الجاه العريض، بل ذهب ذلك كله أدراج الرياح، وفاتت بسببه ~~المتاجر والأرباح، وحضر بدله الهموم والغموم والأتراح، فحينئذ يؤمر ~~بعذابه فيقال للزبانية الغلاظ الشداد: { خذوه فغلوه } أي: اجعلوا ~~في عنقه غلا يخنقه. { ثم الجحيم صلوه } أي: قلبوه على جمرها ~~ولهبها، { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا } من سلاسل ~~الجحيم في غاية الحرارة، { فاسلكوه } أي: انظموه فيها بأن تدخل في ~~دبره وتخرج من فمه، ms1637 ويعلق فيها، فلا يزال يعذب هذا العذاب الفظيع، فبئس ~~العذاب والعقاب، وواحسرة من له التوبيخ والعتاب، فإن السبب الذي أوصله ~~إلى هذا المحل: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم } بأن ~~كان كافرا بربه، معاندا لرسله، رادا ما جاؤوا به من الحق، { ولا ~~يحض على طعام المسكين } أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها ~~الفقراء والمساكين، فلا يطعمهم [من ماله]، ولا يحض غيره على إطعامهم، ~~لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، ~~الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق، بوجوه الإحسان، الذي من ~~أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين، بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ~~ولا إحسان، فلذلك استحقوا ما استحقوا. { فليس له اليوم ها ~~هنا } أي: يوم القيامة { حميم } أي: قريب أو صديق يشفع له، لينجو من ~~عذاب الله، أو يفوز بثواب الله: # ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23] # ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع # [غافر: 18]. وليس له طعام إلا من غسلين وهو صديد أهل النار، الذي هو في ~~غاية الحرارة، ونتن الريح، وقبح الطعم ومرارته لا يأكل هذا الطعام الذميم ~~{ إلا الخاطئون } الذين أخطؤوا الصراط المستقيم، وسلكوا سبل ~~الجحيم، فلذلك استحقوا العذاب الأليم. ### || [69.38-52] # أقسم تعالى بما يبصر الخلق من جميع الأشياء وما لا يبصرونه، فدخل في ذلك ~~كل الخلق، بل يدخل في ذلك نفسه المقدسة، على صدق الرسول بما جاء به من ~~هذا القرآن الكريم، وأن الرسول الكريم بلغه عن الله تعالى، ونزه الله ~~رسوله عما رماه به أعداؤه، من أنه شاعر أو ساحر، وأن الذي حملهم على ذلك، ~~عدم إيمانهم وتذكرهم، فلو آمنوا وتذكروا، لعلموا ما ينفعهم ويضرهم، ومن ~~ذلك، أن ينظروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم، ويرمقوا أوصافه وأخلاقه، ~~لرأوا أمرا مثل الشمس يدلهم على أنه رسول الله حقا، وأن ما جاء به ~~تنزيل رب العالمين، لا يليق أن يكون قول البشر، بل هو كلام دال على عظمة ~~من تكلم به، وجلالة أوصافه، وكمال تربيته لعباده، ms1638 وعلوه فوق عباده، ~~وأيضا، فإن هذا ظن منهم بما لا يليق بالله وحكمته فإنه لو تقول عليه ~~وافترى { بعض الأقاويل } الكاذبة، { لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين } وهو عرق متصل ~~بالقلب، إذا انقطع، مات منه الإنسان، فلو قدر أن الرسول - حاشا وكلا - ~~تقول على الله، لعاجله بالعقوبة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر، لأنه حكيم، على ~~كل شيء قدير، فحكمته تقتضي أن لا يمهل الكاذب عليه، الذي يزعم أن الله ~~أباح له دماء من خالفه وأموالهم، وأنه هو وأتباعه لهم النجاة، ومن خالفه ~~فله الهلاك. فإذا كان الله قد أيد رسوله بالمعجزات، وبرهن على صدق ما جاء ~~به بالآيات البينات، ونصره على أعدائه، ومكنه من نواصيهم، فهو أكبر شهادة ~~منه على رسالته. وقوله: { فما منكم من أحد عنه حاجزين ~~} أي: لو أهلكه، ما امتنع هو بنفسه، ولا قدر أحد أن يمنعه من عذاب الله. ~~{ وإنه } أي: القرآن الكريم { لتذكرة للمتقين } ~~يتذكرون به مصالح دينهم ودنياهم، فيعرفونها، ويعملون عليها، يذكرهم ~~العقائد الدينية، والأخلاق المرضية، والأحكام الشرعية، فيكونون من ~~العلماء الربانيين، والعباد العارفين، والأئمة المهديين، { وإنا ~~لنعلم أن منكم مكذبين } به، وهذا فيه تهديد ووعيد ~~للمكذبين، فإنه سيعاقبهم على تكذيبهم بالعقوبة البليغة، { وإنه ~~لحسرة على الكافرين } فإنهم لما كفروا به، ورأوا ما وعدهم ~~به، تحسروا إذ لم يهتدوا به، ولم ينقادوا لأمره، ففاتهم الثواب، وحصلوا ~~على أشد العذاب، وتقطعت بهم الأسباب. { وإنه لحق اليقين } ~~أي: أعلى مراتب العلم، فإن أعلى مراتب العلم اليقين وهو العلم الثابت، ~~الذي لا يتزلزل ولا يزول. واليقين مراتبه ثلاثة، كل واحدة أعلى مما ~~قبلها: أولها: علم اليقين، وهو العلم المستفاد من الخبر. ثم عين اليقين، ~~وهو العلم المدرك بحاسة البصر. ثم حق اليقين، وهو العلم المدرك بحاسة ~~الذوق والمباشرة. وهذا القرآن الكريم، بهذا الوصف، فإن ما فيه من العلوم ~~المؤيدة بالبراهين القطعية، وما فيه من الحقائق والمعارف الإيمانية، يحصل ~~به لمن ذاقه حق اليقين. { فسبح باسم ربك العظيم } أي: ~~نزهه عما لا يليق بجلاله، وقدسه بذكر أوصاف جلاله ms1639 وجماله وكماله. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-7] # يقول تعالى مبينا لجهل المعاندين، واستعجالهم لعذاب الله، استهزاء ~~وتعنتا وتعجيزا: { سأل سآئل } أي: دعا داع، واستفتح مستفتح { ~~بعذاب واقع * للكافرين } لاستحقاقهم له بكفرهم وعنادهم { ~~ليس له دافع * من الله } أي: ليس لهذا العذاب الذي استعجل ~~به من استعجل، من متمردي المشركين، أحد يدفعه قبل نزوله، أو يرفعه بعد ~~نزوله، وهذا حين دعا النضر بن الحارث القرشي أو غيره من المشركين، فقال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # إلى آخر الآيات [الأنفال: 32]. فالعذاب لا بد أن يقع عليهم من الله، ~~فإما أن يعجل لهم في الدنيا، وإما أن يؤخر عنهم إلى الآخرة، فلو عرفوا ~~الله تعالى، وعرفوا عظمته، وسعة سلطانه وكمال أسمائه وصفاته، لما ~~استعجلوا ولاستسلموا وتأدبوا، ولهذا أخبر تعالى من عظمته ما يضاد أقوالهم ~~القبيحة، فقال: { ذي المعارج * تعرج الملائكة والروح ~~إليه } أي: ذو العلو والجلال والعظمة، والتدبير لسائر الخلق، الذي ~~تعرج إليه الملائكة بما دبرها على تدبيره، وتعرج إليه الروح، وهذا اسم ~~جنس يشمل الأرواح كلها، برها وفاجرها، وهذا عند الوفاة، فأما الأبرار، ~~فتعرج أرواحهم إلى الله، فيؤذن لها من سماء إلى سماء، حتى تنتهي إلى ~~السماء التي فيها الله عز وجل، فتحيي ربها وتسلم عليه، وتحظى بقربه، ~~وتبتهج بالدنو منه، ويحصل لها منه الثناء والإكرام، والبر والإعظام. وأما ~~أرواح الفجار فتعرج، فإذا وصلت إلى السماء استأذنت فلم يؤذن لها، وأعيدت ~~إلى الأرض. ثم ذكر المسافة التي تعرج إلى الله فيها الملائكة والأرواح، ~~وأنها تعرج في يوم بما يسر لها من الأسباب، وأعانها عليه من اللطافة ~~والخفة وسرعة السير، مع أن تلك المسافة على السير المعتاد مقدار خمسين ~~ألف سنة، من ابتداء العروج إلى وصولها، ما حد لها، وما تنتهي إليه من ~~الملأ الأعلى، فهذا الملك العظيم، والعالم الكبير، علويه وسفليه، جميعه ~~قد تولى خلقه وتدبيره، العلي الأعلى، فعلم أحوالهم الظاهرة والباطنة، ~~وعلم مستقرهم ومستودعهم، وأوصلهم من رحمته وبره ورزقه، ما ms1640 عمهم وشملهم ~~وأجرى عليهم حكمه القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي. فبؤسا لأقوام ~~جهلوا عظمته، ولم يقدروه حق قدره، فاستعجلوا بالعذاب على وجه التعجيز ~~والامتحان، وسبحان الحليم الذي أمهلهم وما أهملهم، وآذوه فصبر عليهم، ~~وعافاهم ورزقهم. هذا أحد الاحتمالات في تفسير هذه الآية [الكريمة]، فيكون ~~هذا العروج والصعود في الدنيا، لأن السياق الأول يدل على هذا. ويحتمل أن ~~هذا في يوم القيامة، وأن الله تبارك وتعالى يظهر لعباده في يوم ~~القيامة، من عظمته وجلاله وكبريائه، ما هو أكبر دليل على معرفته، مما ~~يشاهدونه من عروج الأملاك والأرواح، صاعدة ونازلة، بالتدابير الإلهية، ~~والشؤون في الخليقة. # في ذلك اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة من طوله وشدته، لكن الله تعالى ~~يخففه على المؤمن. وقوله: { فاصبر صبرا جميلا } أي: اصبر على ~~دعوتك لقومك صبرا جميلا، لا تضجر فيه ولا ملل، بل استمر على أمر الله، ~~وادع عباده إلى توحيده، ولا يمنعك عنهم ما ترى من عدم انقيادهم، وعدم ~~رغبتهم، فإن في الصبر على ذلك خيرا كثيرا، { إنهم يرونه ~~بعيدا * ونراه قريبا } الضمير يعود إلى البعث، الذي يقع فيه ~~عذاب السائلين بالعذاب أي: إن حالهم حال المنكر له، أو الذي غلبت عليه ~~الشقوة والسكرة، حتى تباعد جميع ما أمامه من البعث والنشور، والله يراه ~~قريبا، لأنه رفيق حليم لا يعجل، ويعلم أنه لا بد أن يكون، وكل ما هو آت ~~فهو قريب. ثم ذكر أهوال ذلك اليوم وما يكون فيه، فقال: { يوم تكون ~~السمآء... }. ### || [70.8-18] # أي: { يوم } القيامة، تقع فيه هذه الأمور العظيمة ف { تكون ~~السمآء كالمهل } وهو الرصاص المذاب، من تشققها، وبلوغ الهول ~~منها كل مبلغ. { وتكون الجبال كالعهن } وهو الصوف المنفوش، ~~ثم تكون بعد ذاك هباء منثورا فتضمحل، فإذا كان هذا القلق والانزعاج ~~لهذه الأجرام الكبيرة الشديدة، فما ظنك بالعبد الضعيف الذي قد أثقل ظهره ~~بالذنوب والأوزار؟ أليس حقيقا، أن ينخلع قلبه وينزعج لبه، ويذهل عن كل ~~أحد؟ ولهذا قال: { ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم } ~~أي: يشاهد الحميم، وهو القريب حميمه، فلا يبقى ms1641 في قلبه متسع لسؤال حميمه ~~عن حاله، ولا فيما يتعلق بعشرتهم ومودتهم، ولا يهمه إلا نفسه. { يود ~~المجرم } الذي حق عليه العذاب { لو يفتدي من عذاب ~~يومئذ ببنيه * وصاحبته } أي: زوجته { وأخيه * ~~وفصيلته } أي: قرابته { التي تؤويه } أي: التي جرت عادتها ~~في الدنيا أن تتناصر ويعين بعضها بعضا، ففي يوم القيامة، لا ينفع أحد ~~أحدا، ولا يشفع أحد إلا بإذن الله. بل لو يفتدي [المجرم المستحق للعذاب] ~~بجميع ما في الأرض ثم ينجيه لم ينفعه ذلك. { كلا } أي: لا حيلة ولا ~~مناص لهم، قد حقت عليهم كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون، وذهب ~~نفع الأقارب والأصدقاء. { إنها لظى * نزاعة للشوى } ~~أي: للأعضاء الظاهرة والباطنة من شدة عذابها. { تدعوا } إليها { من ~~أدبر وتولى * وجمع فأوعى } أي: أدبر عن اتباع الحق ~~وأعرض عنه، فليس له فيه غرض، وجمع الأموال بعضها فوق بعض وأوعاها، فلم ~~ينفق منها، فإن النار تدعوهم إلى نفسها، وتستعد للالتهاب بهم. ### || [70.19-35] # وهذا الوصف للإنسان من حيث هو وصف طبيعته الأصلية، أنه هلوع. وفسر ~~الهلوع بأنه: { إذا مسه الشر جزوعا } فيجزع إن أصابه فقر أو ~~مرض، أو ذهاب محبوب له، من مال أو أهل أو ولد، ولا يستعمل في ذلك الصبر ~~والرضا بما قضى الله، { وإذا مسه الخير منوعا } فلا ينفق ~~مما آتاه الله، ولا يشكر الله على نعمه وبره، فيجزع في الضراء، ويمنع في ~~السراء. { إلا المصلين } الموصوفين بتلك الأوصاف، فإنهم إذا ~~مسهم الخير شكروا الله، وأنفقوا مما خولهم الله، وإذا مسهم الشر صبروا ~~واحتسبوا. وقوله [في وصفهم] { الذين هم على صلاتهم ~~دآئمون } أي: مداومون عليها في أوقاتها بشروطها ومكملاتها. وليسوا ~~كمن لا يفعلها، أو يفعلها وقتا دون وقت، أو يفعلها على وجه ناقص. { ~~والذين في أمولهم حق معلوم } من زكاة وصدقة { ~~للسآئل } الذي يتعرض للسؤال، { والمحروم } وهو المسكين الذي ~~لا يسأل الناس فيعطوه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه. { والذين ~~يصدقون بيوم الدين } أي: يؤمنون بما أخبر الله به، وأخبرت ~~به رسله، من الجزاء والبعث، ويتيقنون ms1642 ذلك، فيستعدون للآخرة، ويسعون لها ~~سعيها. والتصديق بيوم الدين، يلزم منه التصديق بالرسل، وبما جاؤوا به من ~~الكتب. { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } أي: ~~خائفون وجلون، فيتركون لذلك كل ما يقربهم من عذاب الله. { إن عذاب ~~ربهم غير مأمون } أي: هو العذاب الذي يخشى ويحذر. { ~~والذين هم لفروجهم حافظون } فلا يطؤون بها وطأ محرما، ~~من زنى أو لواط، أو وطء في دبر، أو حيض، ونحو ذلك، ويحفظونها أيضا من ~~النظر إليها ومسها، ممن لا يجوز له ذلك، ويتركون أيضا، وسائل المحرمات ~~الداعية لفعل الفاحشة. { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم } أي: سرياتهم { فإنهم غير ملومين } في ~~وطئهن، في المحل الذي هو محل الحرث، { فمن ابتغى ورآء ذلك } ~~أي: غير الزوجة وملك اليمين، { فأولئك هم العادون } أي: ~~المتجاوزون ما أحل الله إلى ما حرم الله، ودلت هذه الآية على تحريم ~~[نكاح] المتعة، لكونها غير زوجة مقصودة، ولا ملك يمين. { والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون } أي: مراعون لها، حافظون ~~مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين ~~العبد وبين ربه، كالتكاليف السرية، التي لا يطلع عليها إلا الله، ~~والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار، وكذلك العهد، ~~شامل للعهد الذي عاهد عليه الله، والعهد الذي عاهد عليه الخلق، فإن العهد ~~يسأل عنه العبد، هل قام به ووفاه، أم رفضه وخانه فلم يقم به؟ { ~~والذين هم بشهاداتهم قائمون } أي: لا يشهدون إلا بما ~~يعلمونه، من غير زيادة ولا نقص ولا كتمان، ولا يحابي فيها قريبا ولا ~~صديقا ونحوه، ويكون القصد بها وجه الله. # قال تعالى: # وأقيموا الشهادة لله # [الطلاق: 2] # يأيها الذين آمنوا كونوا قومين بالقسط ~~شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الولدين ~~والأقربين # [النساء: 135]. { والذين هم على صلاتهم يحافظون } ~~بمداومتها على أكمل وجوهها، { أولئك } أي: الموصوفون بتلك الصفات ~~{ في جنات مكرمون } أي: قد أوصل الله لهم من الكرامة والنعيم ~~المقيم ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون. وحاصل هذا، أن ~~الله وصف أهل السعادة والخير ms1643 بهذه الأوصاف الكاملة، والأخلاق الفاضلة، من ~~العبادات البدنية، كالصلاة، والمداومة عليها، والأعمال القلبية، كخشية ~~الله الداعية لكل خير، والعبادات المالية، والعقائد النافعة، والأخلاق ~~الفاضلة، ومعاملة الله، ومعاملة خلقه، أحسن معاملة من إنصافهم، وحفظ ~~عهودهم وأسرارهم، والعفة التامة بحفظ الفروج عما يكره الله تعالى. ### || [70.36-39] # يقول تعالى، مبينا اغترار الكافرين: { فمال الذين كفروا ~~قبلك مهطعين } أي: مسرعين. { عن اليمين وعن الشمال ~~عزين } أي: قطعا متفرقة وجماعات متوزعة، كل منهم بما لديه فرح. { ~~أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } ~~بأي: سبب أطمعهم، وهم لم يقدموا سوى الكفر، والجحود برب العالمين، ولهذا ~~قال: { كلا } [أي:] ليس الأمر بأمانيهم ولا إدراك ما يشتهون بقوتهم. { ~~إنا خلقناهم مما يعلمون } أي: من ماء دافق، يخرج من بين ~~الصلب والترائب، فهم ضعفاء، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا موتا ~~ولا حياة ولا نشورا. ### || [70.40-44] # هذا إقسام منه تعالى بالمشارق والمغارب، للشمس والقمر والكواكب، لما ~~فيها من الآيات الباهرات على البعث، وقدرته على تبديل أمثالهم، وهم ~~بأعيانهم، كما قال تعالى: # وننشئكم في ما لا تعلمون # [الواقعة: 61]. { وما نحن بمسبوقين } أي: ما أحد يسبقنا ~~ويفوتنا ويعجزنا إذا أردنا أن نعيده. فإذا تقرر البعث والجزاء، واستمروا ~~على تكذيبهم، وعدم انقيادهم لآيات الله { فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا } أي: يخوضوا بالأقوال الباطلة، والعقائد الفاسدة، ويلعبوا ~~بدينهم، ويأكلوا ويشربوا، ويتمتعوا { حتى يلقوا يومهم ~~الذي يوعدون } فإن الله قد أعد لهم فيه من النكال والوبال ما هو ~~عاقبة خوضهم ولعبهم. ثم ذكر حال الخلق حين يلاقون يومهم الذي يوعدون، ~~فقال: { يوم يخرجون من الأجداث } أي: القبور، { سراعا } ~~مجيبين لدعوة الداعي، مهطعين إليها { كأنهم إلى نصب ~~يوفضون } أي: [كأنهم إلى علم] يؤمون ويسرعون أي: فلا يتمكنون من ~~الاستعصاء للداعي، والالتواء لنداء المنادي، بل يأتون أذلاء مقهورين ~~للقيام، بين يدي رب العالمين. { خشعة أبصرهم ترهقهم ~~ذلة } وذلك أن الذلة والقلق قد ملك قلوبهم، واستولى على أفئدتهم، ~~فخشعت منهم الأبصار، وسكنت منهم الحركات، وانقطعت الأصوات. فهذه الحال ~~والمآل، هو يومهم { الذي كانوا يوعدون } ولا بد ms1644 من الوفاء بوعد ~~الله [تمت والحمد لله]. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-28] # { بسم الله الرحمن الرحيم * إنآ أرسلنا نوحا ~~إلى قومه أن أنذر قومك } إلى آخر السورة لم يذكر الله في ~~هذه السورة سوى قصة نوح وحدها لطول لبثه في قومه، وتكرار دعوته إلى ~~التوحيد، ونهيه عن الشرك، فأخبر تعالى أنه أرسله إلى قومه، رحمة بهم ~~وإنذارا لهم من عذاب الله الأليم، خوفا من استمرارهم على كفرهم، ~~فيهلكهم الله هلاكا أبديا، ويعذبهم عذابا سرمديا، فامتثل نوح عليه ~~السلام لذلك، وابتدر لأمر الله، فقال: { يقوم إني لكم نذير ~~مبين } أي: واضح النذارة بينها، وذلك لتوضيحه ما أنذر به وما أنذر ~~عنه، وبأي: شيء تحصل النجاة، بين جميع ذلك بيانا شافيا، فأخبرهم ~~وأمرهم بزبدة ما يأمرهم به، فقال: { أن اعبدوا الله واتقوه ~~} وذلك بإفراده تعالى بالتوحيد والعبادة، والبعد عن الشرك وطرقه ووسائله، ~~فإنهم إذا اتقوا الله غفر ذنوبهم، وإذا غفر ذنوبهم، حصل لهم النجاة من ~~العذاب، والفوز بالثواب، { ويؤخركم إلى أجل مسمى } ~~أي: يمتعكم في هذه الدار، ويدفع عنكم الهلاك إلى أجل مسمى أي: مقدر ~~[البقاء في الدنيا] بقضاء الله وقدره [إلى وقت محدود]، وليس المتاع ~~أبدا، فإن الموت لا بد منه، ولهذا قال: { إن أجل الله إذا ~~جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } لما كفرتم بالله، ~~وعاندتم الحق، فلم يجيبوا لدعوته، ولا انقادوا لأمره، فقال شاكيا لربه: ~~{ رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم ~~دعآئي إلا فرارا } أي: نفورا عن الحق وإعراضا، فلم يبق لذلك ~~فائدة، لأن فائدة الدعوة أن يحصل جميع المقصود أو بعضه، { وإني ~~كلما دعوتهم لتغفر لهم } أي: لأجل أن يستجيبوا، فإذا ~~استجابوا، غفرت لهم، فكان هذا محض مصلحتهم، ولكنهم أبوا إلا تماديا على ~~باطلهم، ونفورا عن الحق، { جعلوا أصابعهم في آذانهم } ~~حذر سماع ما يقول لهم نبيهم نوح عليه السلام، { واستغشوا ~~ثيابهم } أي: تغطوا بها غطاء يغشاهم، بعدا عن الحق وبغضا له، { ~~وأصروا } على كفرهم وشرهم، { واستكبروا } على الحق { ~~استكبارا } فشرهم ازداد، وخيرهم بعد. { ثم إني ~~دعوتهم ms1645 جهارا } أي: بمسمع منهم كلهم { ثم إني أعلنت ~~لهم وأسررت لهم إسرارا } كل هذا حرص ونصح، وإتيانهم بكل ~~باب يظن أن يحصل منه المقصود، { فقلت استغفروا ربكم } أي: ~~اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب، واستغفروا الله منها. { إنه كان ~~غفارا } كثير المغفرة لمن تاب واستغفر، فرغبهم بمغفرة الذنوب، وما ~~يترتب عليها من حصول الثواب، واندفاع العقاب. ورغبهم أيضا بخير الدنيا ~~العاجل، فقال: { يرسل السمآء عليكم مدرارا } أي: مطرا ~~متتابعا، يروي الشعاب والوهاد، ويحيي البلاد والعباد. { ويمددكم ~~بأموال وبنين } أي: يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من ~~الدنيا وأولادكم، { ويجعل لكم جنات ويجعل لكم ~~أنهارا } وهذا من أبلغ ما يكون من لذات الدنيا ومطالبها. # { ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي: لا تخافون لله ~~عظمة، وليس لله عندكم قدر. { وقد خلقكم أطوارا } أي: خلقا ~~[من] بعد خلق، في بطن الأم، ثم في الرضاع، ثم في سن الطفولية، ثم ~~التمييز، ثم الشباب، إلى آخر ما وصل إليه الخلق، فالذي انفرد بالخلق ~~والتدبير البديع، متعين أن يفرد بالعبادة والتوحيد، وفي ذكر ابتداء خلقهم ~~تنبيه لهم على الإقرار بالمعاد، وأن الذي أنشأهم من العدم قادر على أن ~~يعيدهم بعد موتهم. واستدل أيضا عليهم بخلق السماوات التي هي أكبر من خلق ~~الناس، فقال: { ألم تروا كيف خلق الله سبع سموت ~~طباقا } أي: كل سماء فوق الأخرى، { وجعل القمر فيهن ~~نورا } لأهل الأرض { وجعل الشمس سراجا }. ففيه تنبيه على ~~عظم خلق هذه الأشياء، وكثرة المنافع في الشمس والقمر الدالة على رحمته ~~وسعة إحسانه، فالعظيم الرحيم، يستحق أن يعظم ويحب ويعبد ويخاف ويرجى، { ~~والله أنبتكم من الأرض نباتا } حين خلق أباكم آدم ~~وأنتم في صلبه. { ثم يعيدكم فيها } عند الموت { ويخرجكم ~~إخراجا } للبعث والنشور، فهو الذي يملك الحياة والموت والنشور، { ~~والله جعل لكم الأرض بساطا } أي: مبسوطة مهيأة للانتفاع ~~بها، { لتسلكوا منها سبلا فجاجا } فلولا أنه بسطها، لما ~~أمكن ذلك، بل ولا أمكنهم حرثها وغرسها وزرعها، والبناء، والسكون على ~~ظهرها. { قال نوح } شاكيا لربه: إن هذا ms1646 الكلام والوعظ والتذكير ما ~~نجع فيهم ولا أفاد. { إنهم عصوني } فيما أمرتهم به { ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا } ~~أي: عصوا الرسول الناصح الدال على الخير، واتبعوا الملأ والأشراف الذين ~~لم تزدهم أموالهم ولا أولادهم إلا خسارا أي: هلاكا وتفويتا للأرباح، ~~فكيف بمن انقاد لهم وأطاعهم؟! { ومكروا مكرا كبارا } أي: ~~مكرا كبيرا بليغا في معاندة الحق. { وقالوا } لهم داعين إلى الشرك ~~مزينين له: { لا تذرن آلهتكم } فدعوهم إلى التعصب على ما هم ~~عليه من الشرك، وأن لا يدعوا ما عليه آباؤهم الأقدمون، ثم عينوا آلهتهم ~~فقالوا: { ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ~~ويعوق ونسرا } وهذه أسماء رجال صالحين، لما ماتوا، زين الشيطان ~~لقومهم أن يصوروا صورهم، لينشطوا - بزعمهم - على الطاعة إذا رأوها، ثم ~~طال الأمد، وجاء غير أولئك فقال لهم الشيطان: إن أسلافكم يعبدونهم، ~~ويتوسلون بهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم، ولهذا أوصى رؤساؤهم للتابعين ~~لهم، أن لا يدعوا عبادة هذه الآلهة. { وقد أضلوا كثيرا } أي: ~~وقد أضل الكبار والرؤساء بدعوتهم كثيرا من الخلق، { ولا تزد ~~الظالمين إلا ضلالا } أي: لو كان ضلالهم عند دعوتي إياهم بحق، ~~لكان مصلحة، ولكن لا يزيدون بدعوة الرؤساء إلا ضلالا أي: فلم يبق محل ~~لنجاحهم ولا لصلاحهم، ولهذا ذكر الله عذابهم وعقوبتهم الدنيوية ~~والأخروية، فقال: { مما خطيئاتهم أغرقوا } في اليم الذي ~~أحاط بهم { فأدخلوا نارا } فذهبت أجسادهم في الغرق، وأرواحهم ~~للنار والحرق، وهذا كله بسبب خطيئاتهم، التي أتاهم نبيهم نوح ينذرهم ~~عنها، ويخبرهم بشؤمها ومغبتها، فرفضوا ما قال، حتى حل بهم النكال، { ~~فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا } ينصرونهم حين ~~نزل بهم الأمر الأمر، ولا أحد يقدر يعارض القضاء والقدر. # { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا } يدور على وجه الأرض، وذكر السبب في ذلك، فقال: { إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } أي: بقاؤهم مفسدة محضة، لهم ولغيرهم، وإنما قال نوح - عليه ~~السلام - ذلك، لأنه مع كثرة مخالطته إياهم، ومزاولته لأخلاقهم، علم بذلك ~~نتيجة ms1647 أعمالهم، لا جرم أن الله استجاب دعوته، فأغرقهم أجمعين، ونجى نوحا ~~ومن معه من المؤمنين. { رب اغفر لي ولوالدي ولمن ~~دخل بيتي مؤمنا } خص المذكورين لتأكد حقهم وتقديم برهم، ثم ~~عمم الدعاء، فقال: { وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا } أي: خسارا ودمارا وهلاكا. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-4] # أي: { قل } يا أيها الرسول للناس { أوحي إلي أنه استمع ~~نفر من الجن } صرفهم الله [إلى رسوله] لسماع آياته، لتقوم ~~عليهم الحجة، [وتتم عليهم النعمة] ويكونوا نذرا لقومهم. وأمر الله ~~رسوله، أن يقص نبأهم على الناس، وذلك أنهم لما حضروه، قالوا: أنصتوا، ~~فلما أنصتوا فهموا معانيه، ووصلت حقائقه إلى قلوبهم، { فقالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا } أي: من العجائب الغالية، والمطالب ~~العالية. { يهدي إلى الرشد } والرشد: اسم جامع لكل ما يرشد ~~الناس إلى مصالح دينهم ودنياهم، { فآمنا به ولن نشرك ~~بربنآ أحدا } فجمعوا بين الإيمان الذي يدخل فيه جميع أعمال ~~الخير، وبين التقوى، [المتضمنة لترك الشر] وجعلوا السبب الداعي لهم إلى ~~الإيمان وتوابعه، ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح ~~والفوائد واجتناب المضار، فإن ذلك آية عظيمة، وحجة قاطعة، لمن استنار به، ~~واهتدى بهديه، وهذا الإيمان النافع، المثمر لكل خير، المبني على هداية ~~القرآن، بخلاف إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو ذلك، فإنه إيمان تقليد ~~تحت خطر الشبهات والعوارض الكثيرة، { وأنه تعالى جد ربنا ~~} أي: تعالت عظمته وتقدست أسماؤه، { ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا } فعلموا من جد الله وعظمته، ما دلهم على بطلان من يزعم أن له ~~صاحبة أو ولدا، لأن له العظمة والكمال في كل صفة كمال، واتخاذ الصاحبة ~~والولد ينافي ذلك، لأنه يضاد كمال الغنى. { وأنه كان يقول ~~سفيهنا على الله شططا } أي: قولا جائرا عن الصواب، متعديا ~~للحد، وما حمله على ذلك إلا سفهه وضعف عقله، وإلا فلو كان رزينا مطمئنا ~~لعرف كيف يقول. ### || [72.5] # أي: كنا مغترين قبل ذلك، وغرنا القادة والرؤساء من الجن والإنس، فأحسنا ~~بهم الظن، وظنناهم لا يتجرؤون على الكذب على الله، فلذلك كنا ms1648 قبل هذا على ~~طريقهم، فاليوم إذ بان لنا الحق، رجعنا إليه، وانقدنا له، ولم نبال بقول ~~أحد من الناس يعارض الهدى. ### || [72.6-21] # أي: كان الإنس يعبدون الجن ويستعيذون بهم عند المخاوف والأفزاع، فزاد ~~الإنس الجن رهقا أي: طغيانا وتكبرا، لما رأوا الإنس يعبدونهم، ~~ويستعيذون بهم، ويحتمل أن الضمير في زادوهم يرجع إلى الجن ضمير الواو أي: ~~زاد الجن الإنس ذعرا وتخويفا لما رأوهم يستعيذون بهم، ليلجئوهم إلى ~~الاستعاذة بهم، فكان الإنسي إذا نزل بواد مخوف، قال: " أعوذ بسيد هذا ~~الوادي من سفهاء قومه ". { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن ~~لن يبعث الله أحدا } أي: فلما أنكروا البعث أقدموا على الشرك ~~والطغيان. { وأنا لمسنا السمآء } أي: أتيناها واختبرناها، { ~~فوجدناها ملئت حرسا شديدا } عن الوصول إلى أرجائها ~~[والدنو منها]، { وشهبا } يرمى بها من استرق السمع، وهذا بخلاف ~~عادتنا الأولى، فإنا كنا نتمكن من الوصول إلى خبر السماء. { وأنا ~~كنا نقعد منها مقاعد للسمع } فنتلقف من أخبار السماء ~~ما شاء الله، { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } ~~أي: مرصدا له، معدا لإتلافه وإحراقه، أي: وهذا له شأن عظيم، ونبأ جسيم، ~~وجزموا أن الله تعالى أراد أن يحدث في الأرض حادثا كبيرا، من خير أو ~~شر، فلهذا قالوا: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } أي: لا بد من هذا أو ~~هذا، لأنهم رأوا الأمر تغير عليهم تغيرا أنكروه، فعرفوا بفطنتهم، أن هذا ~~الأمر يريده الله، ويحدثه في الأرض، وفي هذا بيان لأدبهم، إذ أضافوا ~~الخير إلى الله تعالى، والشر حذفوا فاعله تأدبا مع الله. { وأنا ~~منا الصالحون ومنا دون ذلك } أي: فساق وفجار وكفار، { ~~كنا طرآئق قددا } أي: فرقا متنوعة، وأهواء متفرقة، كل حزب بما ~~لديهم فرحون. { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في ~~الأرض ولن نعجزه هربا } أي: وأنا في وقتنا الآن تبين لنا ~~كمال قدرة الله وكمال عجزنا، وأن نواصينا بيد الله، فلن نعجزه في الأرض ~~ولن نعجزه إن هربنا وسعينا بأسباب الفرار والخروج عن ms1649 قدرته، لا ملجأ منه ~~إلا إليه، { وأنا لما سمعنا الهدى } وهو القرآن الكريم، ~~الهادي إلى الصراط المستقيم، وعرفنا هدايته وإرشاده، أثر في قلوبنا ف { ~~آمنا به }. ثم ذكروا ما يرغب المؤمن فقالوا: { فمن يؤمن ~~بربه } إيمانا صادقا { فلا يخاف بخسا ولا رهقا } أي: ~~لا نقصا ولا طغيانا ولا أذى يلحقه، وإذا سلم من الشر حصل له الخير، ~~فالإيمان سبب داع إلى حصول كل خير وانتفاء كل شر. { وأنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون } أي: الجائرون، العادلون عن ~~الصراط المستقيم. { فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ~~} أي: أصابوا طريق الرشد، الموصل لهم إلى الجنة ونعيمها، { وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } وذلك جزاء على أعمالهم، ~~لا ظلم من الله لهم، فإنهم { وألو استقاموا على الطريقة ~~} المثلى { لأسقيناهم مآء غدقا } أي: هنيئا مريئا، ولم ~~يمنعهم ذلك إلا ظلمهم وعدوانهم. # { لنفتنهم فيه } أي: لنختبرهم فيه ونمتحنهم، ليظهر الصادق من ~~الكاذب. { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا ~~صعدا } أي: من أعرض عن ذكر الله، الذي هو كتابه، فلم يتبعه وينقد له، ~~بل غفل عنه ولهى، يسلكه عذابا صعدا أي: شديدا بليغا. { وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } أي: لا ~~دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، فإن المساجد التي هي أعظم محال العبادة ~~مبنية على الإخلاص لله، والخضوع لعظمته، والاستكانة لعزته، { وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه } أي: يسأله ويتعبد له ويقرأ ~~القرآن كاد الجن من تكاثرهم عليه أن يكونوا عليه لبدا أي: متلبدين ~~متراكمين، حرصا على سماع ما جاء به من الهدى. { قل } لهم يا أيها ~~الرسول، مبينا حقيقة ما تدعو إليه: { إنمآ أدعوا ربي ولا ~~أشرك به أحدا } أي: أوحده وحده لا شريك له، وأخلع ما دونه من ~~الأنداد والأوثان، وكل ما يتخذه المشركون من دونه. { قل إني لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا } فإني عبد ليس لي من الأمر ولا من ~~التصرف شيء. ### || [72.22-28] # { قل إني لن يجيرني من الله أحد }. أي: لا أحد أستجير ~~به ينقذني من عذاب الله، وإذا كان الرسول ms1650 الذي هو أكمل الخلق، لا يملك ~~ضرا ولا رشدا، ولا يمنع نفسه من الله [شيئا] إن أراده بسوء، فغيره من ~~الخلق من باب أولى وأحرى، { ولن أجد من دونه ملتحدا } أي: ~~ملجأ ومنتصرا. { إلا بلاغا من الله ورسالاته } أي: ~~ليس لي مزية على الناس، إلا أن الله خصني بإبلاغ رسالاته ودعوة الخلق إلى ~~الله، وبهذا تقوم الحجة على الناس. { ومن يعص الله ورسوله ~~فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا } وهذا المراد به ~~المعصية الكفرية، كما قيدتها النصوص الأخر المحكمة. وأما مجرد المعصية، ~~فإنه لا يوجب الخلود في النار، كما دلت على ذلك آيات القرآن، والأحاديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمة هذه الأمة. { ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون } أي: شاهدوه عيانا، وجزموا أنه ~~واقع بهم، { فسيعلمون } في ذلك الوقت حقيقة المعرفة { من ~~أضعف ناصرا وأقل عددا } حين لا ينصرهم غيرهم ولا أنفسهم ~~ينتصرون، وإذ يحشرون فرادى كما خلقوا أول مرة. { قل } لهم إن سألوك ~~[فقالوا] " متى هذا الوعد؟ ": { إن أدري أقريب ما توعدون ~~أم يجعل له ربي أمدا } أي: غاية طويلة، فعلم ذلك عند ~~الله، { علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا } من ~~الخلق، بل انفرد بعلم الضمائر والأسرار والغيب، { إلا من ارتضى ~~من رسول } أي: فإنه يخبره بما اقتضت حكمته أن يخبره به، وذلك لأن ~~الرسل ليسوا كغيرهم، فإن الله أيدهم بتأييد ما أيده أحدا من الخلق، وحفظ ~~ما أوحاه إليهم حتى يبلغوه على حقيقته، من غير أن تتخبطهم الشياطين، ولا ~~يزيدوا فيه أو ينقصوا، ولهذا قال: { فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا } أي: يحفظونه بأمر الله { ليعلم ~~} بذلك { أن قد أبلغوا رسالات ربهم } بما جعله لهم من ~~الأسباب، { وأحاط بما لديهم } أي: بما عندهم، وما أسروه ~~وأعلنوه، { وأحصى كل شيء عددا }. وفي هذه السورة فوائد ~~كثيرة: منها: وجود الجن، وأنهم مكلفون مأمورون مكلفون منهيون، مجازون ~~بأعمالهم، كما هو صريح في هذه السورة. ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms1651 رسول إلى الجن، كما هو رسول إلى الإنس، فإن الله صرف نفر الجن ~~ليستمعوا ما يوحى إليه ويبلغوا قومهم. ومنها: ذكاء الجن ومعرفتهم بالحق، ~~وأن الذي ساقهم إلى الإيمان هو ما تحققوه من هداية القرآن، وحسن أدبهم في ~~خطابهم. ومنها: اعتناء الله برسوله، وحفظه لما جاء به، فحين ابتدأت بشائر ~~نبوته، والسماء محروسة بالنجوم، والشياطين قد هربت عن أماكنها، وأزعجت عن ~~مراصدها، وأن الله رحم به الأرض وأهلها رحمة ما يقدر لها قدر، وأراد بهم ~~ربهم رشدا، فأراد أن يظهر من دينه وشرعه ومعرفته في الأرض، ما تبتهج له ~~القلوب، وتفرح به أولو الألباب، وتظهر به شعائر الإسلام، وينقمع به أهل ~~الأوثان والأصنام. # ومنها: شدة حرص الجن لاستماع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتراكمهم عليه. ~~ومنها: أن هذه السورة، قد اشتملت على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، ~~وبينت حالة الخلق، وأن كل أحد منهم لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأن ~~الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا، ~~بل ولا يملك لنفسه، علم أن الخلق كلهم كذلك، فمن الخطأ والغلط اتخاذ من ~~هذا وصفه إلها [آخر] مع الله. ومنها: أن علوم الغيب قد انفرد الله ~~بعلمها، فلا يعلمها أحد من الخلق، إلا من ارتضاه الله وخصه بعلم شيء ~~منها. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-11] # المزمل: المتغطي بثيابه كالمدثر، وهذا الوصف حصل من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين أكرمه الله برسالته، وابتدأه بإنزال [وحيه بإرسال] جبريل ~~إليه، فرأى أمرا لم ير مثله، ولا يقدر على الثبات له إلا المرسلون، ~~فاعتراه في ابتداء ذلك انزعاج حين رأى جبريل عليه السلام، فأتى إلى أهله، ~~فقال: # " زملوني زملوني " # وهو ترعد فرائصه، ثم جاءه جبريل، فقال: " اقرأ " فقال: # " ما أنا بقارئ " # ، فغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو يعالجه على القراءة، فقرأ صلى الله عليه ~~وسلم، ثم ألقى الله عليه الثبات، وتابع عليه الوحي، حتى بلغ مبلغا ما ~~بلغه أحد من المرسلين. فسبحان الله، ما أعظم التفاوت بين ms1652 ابتداء نبوته ~~ونهايتها، ولهذا خاطبه الله بهذا الوصف الذي وجد منه في أول أمره. فأمره ~~هنا بالعبادات المتعلقة به، ثم أمره بالصبر على أذية أعدائه، ثم أمره ~~بالصدع بأمره، وإعلان دعوتهم إلى الله، فأمره هنا بأشرف العبادات، وهي ~~الصلاة، وبآكد الأوقات وأفضلها، وهو قيام الليل. ومن رحمته تعالى، أنه لم ~~يأمره بقيام الليل كله، بل قال: { قم اليل إلا قليلا } ، ثم ~~قدر ذلك فقال: { نصفه أو انقص منه } أي: من النصف { قليلا ~~} بأن يكون الثلث ونحوه، { أو زد عليه } أي: على النصف، فيكون ~~الثلثين ونحوها. { ورتل القرآن ترتيلا } فإن ترتيل القرآن ~~به يحصل التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به، والتعبد بآياته، والتهيؤ ~~والاستعداد التام له، فإنه قال: { إنا سنلقي عليك قولا ~~ثقيلا } أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل أي: العظيمة معانيه، الجليلة ~~أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقيق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل ~~عليه. ثم ذكر الحكمة في أمره بقيام الليل، فقال: { إن ناشئة ~~الليل } أي: الصلاة فيه بعد النوم { هي أشد وطأ وأقوم ~~قيلا } أي: أقرب إلى تحصيل مقصود القرآن، يتواطأ على القرآن القلب ~~واللسان، وتقل الشواغل، ويفهم ما يقول، ويستقيم له أمره، وهذا بخلاف ~~النهار، فإنه لا يحصل به هذا المقصود، ولهذا قال: { إن لك في ~~النهار سبحا طويلا } أي: ترددا على حوائجك ومعاشك، يوجب ~~اشتغال القلب وعدم تفرغه التفرغ التام، { واذكر اسم ربك } شامل ~~لأنواع الذكر كلها { وتبتل إليه تبتيلا } أي: انقطع إلى ~~الله تعالى، فإن الانقطاع إلى الله والإنابة إليه، هو الانفصال بالقلب عن ~~الخلائق، والاتصاف بمحبة الله، وكل ما يقرب إليه، ويدني من رضاه. { ~~رب المشرق والمغرب } وهذا اسم جنس يشمل المشارق والمغارب ~~[كلها]، فهو تعالى رب المشارق والمغارب، وما يكون فيها من الأنوار، وما ~~هي مصلحة له من العالم العلوي والسفلي، فهو رب كل شيء وخالقه ومدبره. { ~~لا إله إلا هو } أي: لا معبود إلا وجهه الأعلى، الذي يستحق أن ~~يخص بالمحبة والتعظيم، والإجلال والتكريم، ولهذا قال: { فاتخذه ~~وكيلا } أي: حافظا ومدبرا لأمورك ms1653 كلها. # فلما أمره الله بالصلاة خصوصا، وبالذكر عموما، وذلك يحصل للعبد ملكة ~~قوية في تحمل الأثقال، وفعل الثقيل من الأعمال، أمره بالصبر على ما يقول ~~فيه المعاندون له ويسبونه ويسبون ما جاء به، وأن يمضي على أمر الله، لا ~~يصده عنه صاد، ولا يرده راد، وأن يهجرهم هجرا جميلا، وهو الهجر حيث ~~اقتضت المصلحة الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم ~~وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن. { وذرني ~~والمكذبين } أي: اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم، وإن أمهلتهم فلا ~~أهملهم، وقوله: { أولي النعمة } أي: أصحاب النعمة والغنى، الذين ~~طغوا حين وسع الله عليهم من رزقه، وأمدهم من فضله كما قال تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ثم توعدهم بما عنده من العقاب، فقال: { إن لدينآ ~~أنكالا... }. ### || [73.12-14] # أي: إن عندنا { أنكالا } أي: عذابا شديدا، جعلناه تنكيلا للذي لا ~~يزال مستمرا على الذنوب. { وجحيما } أي: نارا حامية { وطعاما ~~ذا غصة } وذلك لمرارته وبشاعته، وكراهة طعمه وريحه الخبيث المنتن، { ~~وعذابا أليما } أي: موجعا مفظعا، وذلك { يوم ترجف ~~الأرض والجبال } من الهول العظيم، { وكانت الجبال } ~~الراسيات الصم الصلاب { كثيبا مهيلا } أي: بمنزلة الرمل المنهال ~~المنتثر، ثم إنها تبس بعد ذلك، فتكون كالهباء المنثور. ### || [73.15-16] # يقول تعالى: احمدوا ربكم على إرسال هذا النبي الأمي العربي البشير ~~النذير، الشاهد على الأمة بأعمالهم، واشكروه وقوموا بهذه النعمة الجليلة، ~~وإياكم أن تكفروها، فتعصوا رسولكم، فتكونوا كفرعون حين أرسل الله إليه ~~موسى بن عمران، فدعاه إلى الله، وأمره بالتوحيد، فلم يصدقه، بل عصاه، ~~فأخذه الله أخذا وبيلا أي: شديدا بليغا. ### || [73.17-18] # أي: فكيف يحصل لكم الفكاك والنجاة من يوم القيامة، اليوم المهيل أمره، ~~العظيم قدره، الذي يشيب الولدان، وتذوب له الجمادات العظام، فتتفطر به ~~السماء وتنتثر به نجومها { كان وعده مفعولا } أي: لا بد من ~~وقوعه، ولا حائل دونه. ### || [73.19] # [أي:] إن هذه الموعظة التي نبأ الله بها من أحوال يوم القيامة وأهواله، ~~تذكرة يتذكر بها المتقون، وينزجر بها المؤمنون، { فمن ms1654 شآء اتخذ ~~إلى ربه سبيلا } أي: طريقا موصلا إليه، وذلك باتباع شرعه، ~~فإنه قد أبانه كل البيان، وأوضحه غاية الإيضاح، وفي هذا دليل على أن الله ~~تعالى أقدر العباد على أفعالهم، ومكنهم منها، لا كما يقوله الجبرية: إن ~~أفعالهم تقع بغير مشيئتهم، فإن هذا خلاف النقل والعقل. ### || [73.20] # ذكر الله في أول هذه السورة أنه أمر رسوله بقيام نصف الليل، أو ثلثه أو ~~ثلثيه، والأصل أن أمته أسوة له في الأحكام، وذكر في هذا الموضع، أنه ~~امتثل ذلك هو وطائفة معه من المؤمنين. ولما كان تحرير الوقت المأمور به ~~مشقة على الناس، أخبر أنه سهل عليهم في ذلك غاية التسهيل فقال: { ~~والله يقدر اليل والنهار } أي: يعلم مقاديرهما وما ~~يمضي منهما ويبقى. { علم أن لن تحصوه } أي: [لن] تعرفوا مقداره ~~من غير زيادة ولا نقص، لكون ذلك يستدعي انتباها وعناء زائدا أي: فخفف ~~عنكم، وأمركم بما تيسر عليكم، سواء زاد على المقدر أو نقص، { ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن } أي: مما تعرفون ومما لا ~~يشق عليكم، ولهذا كان المصلي بالليل مأمورا بالصلاة ما دام نشيطا، فإذا ~~فتر أو كسل أو نعس، فليسترح، ليأتي الصلاة بطمأنينة وراحة. ثم ذكر بعض ~~الأسباب المناسبة للتخفيف، فقال: { علم أن سيكون منكم ~~مرضى } يشق عليهم صلاة ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه، فليصل المريض ~~المتسهل عليه، ولا يكون أيضا مأمورا بالصلاة قائما عند مشقة ذلك، بل ~~لو شقت عليه الصلاة النافلة، فله تركها [وله أجر ما كان يعمل صحيحا]. { ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } ~~أي: وعلم أن منكم مسافرين يسافرون للتجارة، ليستغنوا عن الخلق، ويتكففوا ~~عن الناس أي: فالمسافر، حاله تناسب التخفيف، ولهذا خفف عنه في صلاة ~~الفرض، فأبيح له جمع الصلاتين في وقت واحد، وقصر الصلاة الرباعية. وكذلك ~~{ وآخرون يقتلون في سبيل الله فاقرءوا ما ~~تيسر منه } فذكر تعالى تخفيفين، تخفيفا للصحيح المقيم، يراعي ~~فيه نشاطه، من غير أن يكلف عليه تحرير الوقت، بل يتحرى الصلاة الفاضلة، ~~وهي ثلث الليل بعد ms1655 نصفه الأول. وتخفيفا للمريض أو المسافر، سواء كان ~~سفره للتجارة، أو لعبادة، من قتال أو جهاد، أو حج، أو عمرة، ونحو ذلك، ~~فإنه أيضا يراعي ما لا يكلفه، فلله الحمد والثناء، الذي ما جعل على ~~الأمة في الدين من حرج، بل سهل شرعه، وراعى أحوال عباده ومصالح دينهم ~~وأبدانهم ودنياهم. ثم أمر العباد بعبادتين، هما أم العبادات وعمادها: ~~إقامة الصلاة، التي لا يستقيم الدين إلا بها، وإيتاء الزكاة التي هي ~~برهان الإيمان، وبها تحصل المواساة للفقراء والمساكين، ولهذا قال: { ~~وأقيموا الصلوة } بأركانها، وشروطها، ومكملاتها، { ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا } أي: خالصا لوجه الله، من نية ~~صادقة، وتثبيتا من النفس، ومال طيب، ويدخل في هذا، الصدقة الواجبة ~~والمستحبة، ثم حث على عموم الخير وأفعاله، فقال: { وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا ~~وأعظم أجرا } الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف ~~كثيرة. # وليعلم أن مثقال ذرة من الخير في هذه الدار، يقابله أضعاف أضعاف الدنيا، ~~وما عليها في دار النعيم المقيم، من اللذات والشهوات، وأن الخير والبر في ~~هذه الدنيا، مادة الخير والبر في دار القرار، وبذره وأصله وأساسه، ~~فواأسفاه على أوقات مضت في الغفلات، وواحسرتاه على أزمان تقضت بغير ~~الأعمال الصالحات، وواغوثاه من قلوب لم يؤثر فيها وعظ بارئها، ولم ينجع ~~فيها تشويق من هو أرحم بها منها. فلك اللهم الحمد، وإليك المشتكى، وبك ~~المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بك. { واستغفروا الله إن ~~الله غفور رحيم } وفي الأمر بالاستغفار بعد الحث على أفعال ~~الطاعة والخير، فائدة كبيرة، وذلك أن العبد ما يخلو من التقصير فيما أمر ~~به، إما أن لا يفعله أصلا أو يفعله على وجه ناقص، فأمر بترقيع ذلك ~~بالاستغفار، فإن العبد يذنب آناء الليل والنهار، فمتى لم يتغمده الله ~~برحمته ومغفرته، فإنه هالك. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-7] # تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له ~~بالعبادات الفاضلة القاصرة، ms1656 والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان ~~الدعوة، والصدع بالإنذار، فقال: { قم } [أي] بجد ونشاط { فأنذر } ~~الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ~~ليكون ذلك أدعى لتركه، { وربك فكبر } أي: عظمه بالتوحيد، واجعل ~~قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته. { ~~وثيابك فطهر } يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها ~~تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات ~~والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، [ونفاق]، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ~~ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته. ويدخل في ذلك تطهير الثياب من ~~النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، التي قال ~~كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة. ويحتمل أن ~~المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن [جميع] ~~النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان ~~مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن. { ~~والرجز فاهجر } يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان، التي ~~عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها ومما نسب إليها من قول أو ~~عمل. ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرا له ~~بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما ~~دونه. { ولا تمنن تستكثر } أي: لا تمنن على الناس بما أسديت ~~إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر بتلك المنة، وترى لك [الفضل] ~~عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس [عندهم] ~~إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على ~~حد سواء. وقد قيل: إن معنى هذا، لا تعط أحدا شيئا، وأنت تريد أن يكافئك ~~عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم. { ~~ولربك فاصبر } أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، ~~فامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، ~~وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا ~~الخلق إلى تعظيمه، وطهر ms1657 أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما ~~يبعد عن الله من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس - بعد ~~منة الله - من غير أن يطلب منهم على ذلك جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل ~~صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، حتى ~~فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. ### || [74.8-10] # أي: فإذا نفخ في الصور للقيام من القبور، وجمع الخلق للبعث والنشور. { ~~فذلك يومئذ يوم عسير } لكثرة أهواله وشدائده { على ~~الكافرين غير يسير } لأنهم قد أيسوا من كل خير، وأيقنوا ~~بالهلاك والبوار. ومفهوم ذلك أنه على المؤمنين يسير، كما قال تعالى: # يقول الكافرون هذا يوم عسر # [القمر: 8]. ### || [74.11-31] # هذه الآيات، نزلت في الوليد بن المغيرة، معاند الحق، والمبارز لله ~~ولرسوله بالمحاربة والمشاقة، فذمه الله ذما لم يذمه غيره، وهذا جزاء كل ~~من عاند الحق ونابذه، أن له الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى، فقال: ~~{ ذرني ومن خلقت وحيدا } أي: خلقته منفردا، بلا مال ولا ~~أهل، ولا غيره، فلم أزل أنميه وأربيه، { وجعلت له مالا ~~ممدودا } أي: كثيرا { و } جعلت له { بنين } أي: ذكورا { ~~شهودا } أي: دائما حاضرين عنده، [على الدوام] يتمتع بهم، ويقضي بهم ~~حوائجه، ويستنصر بهم. { ومهدت له تمهيدا } أي: مكنته من ~~الدنيا وأسبابها، حتى انقادت له مطالبه، وحصل على ما يشتهي ويريد، { ~~ثم } مع هذه النعم والإمدادات { يطمع أن أزيد } أي: يطمع أن ~~ينال نعيم الآخرة كما نال نعيم الدنيا. { كلا } أي: ليس الأمر كما ~~طمع، بل هو بخلاف مقصوده ومطلوبه، وذلك لأنه { كان لآياتنا عنيدا } ~~أي: معاندا، عرفها ثم أنكرها، ودعته إلى الحق فلم ينقد لها ولم يكفه أنه ~~أعرض وتولى عنها، بل جعل يحاربها ويسعى في إبطالها، ولهذا قال عنه: { ~~إنه فكر } [أي:] في نفسه { وقدر } ما فكر فيه، ليقول قولا ~~يبطل به القرآن. { فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف ~~قدر } لأنه قدر أمرا ليس في طوره، وتسور على ما لا يناله هو و ms1658 ~~[لا] أمثاله، { ثم نظر } ما يقول، { ثم عبس وبسر } في ~~وجهه، وظاهره نفرة عن الحق وبغضا له، { ثم أدبر } أي: تولى { ~~واستكبر } نتيجة سعيه الفكري والعملي والقولي، أن قال: { إن ~~هذآ إلا سحر يؤثر * إن هذآ إلا قول البشر ~~} أي: ما هذا كلام الله، بل كلام البشر، وليس أيضا كلام البشر الأخيار، ~~بل كلام الفجار منهم والأشرار، من كل كاذب سحار. فتبا له، ما أبعده من ~~الصواب، وأحراه بالخسارة والتباب!! كيف يدور في الأذهان، أو يتصوره ضمير ~~كل إنسان، أن يكون أعلى الكلام وأعظمه، كلام الرب العظيم، الماجد الكريم، ~~يشبه كلام المخلوقين الفقراء الناقصين؟! أم كيف يتجرأ هذا الكاذب العنيد، ~~على وصفه كلام المبدئ المعيد. فما حقه إلا العذاب الشديد والنكال، ولهذا ~~قال تعالى: { سأصليه سقر * ومآ أدراك ما سقر * لا ~~تبقي ولا تذر } أي: لا تبقي من الشدة، ولا على المعذب شيئا إلا ~~وبلغته، { لواحة للبشر } أي: تلوحهم [وتصليهم] في عذابها، ~~وتقلقهم بشدة حرها وقرها. { عليها تسعة عشر } من ~~الملائكة، خزنة لها، غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما ~~يؤمرون. { وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة } وذلك ~~لشدتهم وقوتهم. { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا } يحتمل أن المراد: إلا لعذابهم وعقابهم في ~~الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، كما قال تعالى: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من ~~يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا، ما ذكر بعده في قوله: { ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتب ويزداد الذين ءامنوا ~~إيمنا } فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم ~~بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، ~~{ ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب والمؤمنون } أي: ~~ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي ~~السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ~~ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على ~~رسوله محصلا لهذه ms1659 الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا ~~قال: { وليقول الذين في قلوبهم مرض } أي: شك وشبهة ~~ونفاق. { والكفرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } ~~وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية ~~الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل، ولهذا قال: { كذلك يضل الله ~~من يشآء ويهدي من يشآء } فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله ~~على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما ~~أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ~~ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة ~~وغيرهم { إلا هو } فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم ~~الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، { وما هي ~~إلا ذكرى للبشر } أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به ~~العبث واللعب، وإنما المقصود به، أن يتذكر [به] البشر ما ينفعهم ~~فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه. ### || [74.32-56] # { كلا } هنا بمعنى: حقا، أو بمعنى " ألا " الاستفتاحية، فأقسم تعالى ~~بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، لاشتمال المذكورات على ~~آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سطانه، وعموم ~~رحمته، وإحاطة علمه والمقسم عليه قوله: { إنها } أي: النار { ~~لإحدى الكبر } أي: لإحدى العظائم الطامة والأمور الهامة، فإذا ~~أعلمناكم بها، وكنتم على بصيرة من أمرها، فمن شاء منكم أن يتقدم، فيعمل ~~بما يقربه من ربه، ويدنيه من رضاه، ويزلفه من دار كرامته، أو يتأخر [عما ~~خلق له و] عما يحبه الله [ويرضاه]، فيعمل بالمعاصي، ويتقرب إلى نار ~~جهنم، كما قال تعالى: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # الآية [الكهف: 29]. { كل نفس بما كسبت } من أعمال السوء ~~وأفعال الشر، { رهينة } بها موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في ~~رقبتها، واستوجبت به العذاب، { إلا أصحاب اليمين } فإنهم لم ~~يرتهنوا، بل أطلقوا وفرحوا { في جنات يتسآءلون * عن ~~المجرمين } أي: في جنات قد حصل لهم بها جميع مطلوباتهم، وتمت لهم ~~الراحة والطمأنينة، ms1660 حتى أقبلوا يتساءلون، فأفضت بهم المحادثة، أن سألوا ~~عن المجرمين، أي: حال وصلوا إليها، وهل وجدوا ما وعدهم الله تعالى؟ فقال ~~بعضهم لبعض: " هل أنتم مطلعون عليهم " ، فاطلعوا عليهم في وسط الجحيم ~~يعذبون، فقالوا لهم: { ما سلككم في سقر } أي: أي شيء أدخلكم ~~فيها؟ وبأي: ذنب استحققتموها؟ ف { قالوا لم نك من ~~المصلين * ولم نك نطعم المسكين } فلا إخلاص للمعبود، ~~[ولا إحسان] ولا نفع للخلق المحتاجين. { وكنا نخوض مع ~~الخآئضين } أي: نخوض بالباطل، ونجادل به الحق، { وكنا نكذب ~~بيوم الدين } هذا آثار الخوض بالباطل، [وهو] التكذيب بالحق، ومن ~~أحق الحق، يوم الدين، الذي هو محل الجزاء على الأعمال، وظهور ملك الله ~~وحكمه العدل لسائر الخلق. فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد { حتى ~~أتانا اليقين } أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ ~~عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل، { فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين } لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهؤلاء لا يرضى الله ~~أعمالهم. فلما بين الله مآل المخالفين، ورهب مما يفعل بهم، عطف على ~~الموجودين بالعتاب واللوم، فقال: { فما لهم عن التذكرة ~~معرضين } أي: صادين غافلين عنها. { كأنهم } في نفرتهم الشديدة ~~منها { حمر مستنفرة } أي: كأنهم حمر وحش نفرت فنفر بعضها ~~بعضا، فزاد عدوها، { فرت من قسورة } أي: من صائد ورام يريدها، ~~أو من أسد ونحوه، وهذا من أعظم ما يكون من النفور عن الحق، ومع هذا ~~الإعراض وهذا النفور، يدعون الدعاوى الكبار. ف { يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة } نازلة عليه من السماء، ~~يزعم أنه لا ينقاد للحق إلا بذلك، وقد كذبوا، فإنهم لو جاءتهم كل آية لم ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فإنهم جاءتهم الآيات البينات التي تبين ~~الحق وتوضحه، فلو كان فيهم خير لآمنوا، ولهذا قال: { كلا } أن نعطيهم ~~ما طلبوا، وهم ما قصدوا بذلك إلا التعجيز، { بل لا يخافون ~~الآخرة } فلو كانوا يخافونها، لما جرى منهم ما جرى. # { كلا إنه تذكرة } الضمير إما أن يعود على هذه السورة، أو ~~على ما اشتملت عليه [من] ms1661 هذه الموعظة، { فمن شآء ذكره } لأنه قد ~~بين له السبيل، ووضح له الدليل. { وما يذكرون إلا أن يشآء ~~الله } فإن مشيئته نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ~~ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، ~~والجبرية، الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو ~~مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقة وفعلا، وجعل ذلك ~~تابعا لمشيئته، { هو أهل التقوى وأهل المغفرة } أي: ~~هو أهل أن يتقى ويعبد، لأنه الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، وأهل أن ~~يغفر لمن اتقاه واتبع رضاه. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-6] # ليست " لا " [ها] هنا نافية، [ولا زائدة] وإنما أتي بها للاستفتاح ~~والاهتمام بما بعدها، ولكثرة الإتيان بها مع اليمين، لا يستغرب الاستفتاح ~~بها، وإن لم تكن في الأصل موضوعة للاستفتاح. فالمقسم به في هذا الموضع، ~~هو المقسم عليه، وهو البعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم، ثم وقوفهم ~~ينتظرون ما يحكم به الرب عليهم، { ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة } وهي جميع النفوس الخيرة والفاجرة، سميت " لوامة " ~~لكثرة ترددها وتلومها، وعدم ثبوتها على حالة من أحوالها، ولأنها عند ~~الموت تلوم صاحبها على ما عملت، بل نفس المؤمن تلوم صاحبها في الدنيا على ~~ما حصل منه، من تفريط أو تقصير في حق من الحقوق، أو غفلة، فجمع بين ~~الإقسام بالجزاء، وعلى الجزاء، وبين مستحق الجزاء. ثم أخبر مع هذا، أن ~~بعض المعاندين يكذب بيوم القيامة، فقال: { أيحسب الإنسان ألن ~~نجمع عظامه } بعد الموت، كما قال في الآية الأخرى: # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78]؟ فاستبعد من جهله وعدوانه قدرة الله على خلق عظامه التي هي ~~عماد البدن، فرد عليه بقوله: { بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه } أي: أطراف أصابعه وعظامه، المستلزم ذلك لخلق جميع أجزاء ~~البدن، لأنها إذا وجدت الأنامل والبنان، فقد تمت خلقة الجسد، وليس إنكاره ~~لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما [وقع] ذلك منه أن ~~قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه ms1662 من البعث. والفجور: الكذب مع التعمد. ثم ~~ذكر أحوال القيامة فقال: { فإذا برق البصر * وخسف... }. ### || [75.7-15] # أي: إذا كانت القيامة برقت الأبصار من الهول العظيم، وشخصت فلا تطرف كما ~~قال تعالى: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * ~~مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 42-43] { وخسف القمر } أي: ذهب نوره وسلطانه، { ~~وجمع الشمس والقمر } وهما لم يجتمعا منذ خلقهما الله تعالى، ~~فيجمع الله بينهما يوم القيامة، ويخسف القمر، وتكور الشمس، ثم يقذفان في ~~النار، ليرى العباد أنهما عبدان مسخران، وليرى من عبدهما أنهم كانوا ~~كاذبين. { يقول الإنسان } حين يرى تلك القلاقل المزعجات: { أين ~~المفر } أي: أين الخلاص والفرار مما طرقنا وأصابنا؟ { كلا لا ~~وزر } أي: لا ملجأ لأحد دون الله، { إلى ربك يومئذ ~~المستقر } لسائر العباد، فليس في إمكان أحد أن يستتر أو يهرب عن ~~ذلك الموضع، بل لا بد من إيقافه ليجزى بعمله، ولهذا قال: { ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } أي: بجميع عمله الحسن ~~والسيء، في أول وقته وآخره، وينبأ بخبر لا ينكره، { بل الإنسان ~~على نفسه بصيرة } أي: شاهدا ومحاسبا، { ولو ألقى ~~معاذيره } فإنها معاذير لا تقبل، ولا تقابل ما يقرر به العبد، ~~فيقر به، كما قال تعالى: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. فالعبد وإن أنكر، أو اعتذر عما عمله، فإنكاره واعتذاره ~~لا يفيدانه شيئا، لأنه يشهد عليه سمعه وبصره، وجميع جوارحه بما كان ~~يعمل، ولأن استعتابه قد ذهب وقته وزال نفعه: # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا ~~هم يستعتبون # [الروم: 57]. ### || [75.16-19] # كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته ~~عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم من الحرص قبل أن يفرغ، وتلاه مع ~~تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وقال: # ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه # [طه: 114]. وقال هنا: { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ~~ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره، فقال: ms1663 ~~{ إن علينا جمعه وقرآنه } فالحرص الذي في خاطرك، إنما ~~الداعي له حذر الفوات والنسيان، فإذا ضمنه الله لك، فلا موجب لذلك. { ~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } أي: إذا كمل جبريل قراءة ما ~~أوحى الله إليك، فحينئذ اتبع ما قرأه وأقرأه. { ثم إن علينا ~~بيانه } أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما ~~يكون، فامتثل صلى الله عليه وسلم لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل ~~القرآن بعد هذا، أنصت له، فإذا فرغ قرأه. وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، ~~أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا ~~فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد ~~أو الاستحسان، أن لا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ~~ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهما يتمكن به من الكلام عليه. ~~وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد ~~بين لهم معانيه. ### || [75.20-25] # أي: هذا الذي أوجب لكم الغفلة والإعراض عن وعظ الله وتذكيره أنكم { ~~تحبون العاجلة } وتسعون فيما يحصلها، وفي لذاتها وشهواتها، ~~وتؤثرونها على الآخرة، فتذرون العمل لها، لأن الدنيا نعيمها ولذاتها ~~عاجلة، والإنسان مولع بحب العاجل، والآخرة متأخر ما فيها من النعيم ~~المقيم، فلذلك غفلتم عنها وتركتموها، كأنكم لم تخلقوا لها، وكأن هذه ~~الدار هي دار القرار، التي تبذل فيها نفائس الأعمار، ويسعى لها آناء ~~الليل والنهار، وبهذا انقلبت عليكم الحقيقة، وحصل من الخسار ما حصل. فلو ~~آثرتم الآخرة على الدنيا، ونظرتم للعواقب نظر البصير العاقل لأنجحتم، ~~وربحتم ربحا لا خسار معه، وفزتم فوزا لا شقاء يصحبه. ثم ذكر ما يدعو ~~إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين ~~للآخرة على الدنيا: { وجوه يومئذ ناضرة } أي: حسنة بهية، ~~لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، ~~{ إلى ربها ناظرة } أي: تنظر إلى ربها على حسب مراتبهم: منهم ms1664 ~~من ينظره كل يوم بكرة وعشيا، ومنهم من ينظره كل جمعة مرة واحدة، ~~فيتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وجماله الباهر، الذي ليس كمثله شيء، ~~فإذا رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم، وحصل لهم من اللذة والسرور ما لا ~~يمكن التعبير عنه، ونضرت وجوههم فازدادوا جمالا إلى جمالهم، فنسأل الله ~~الكريم أن يجعلنا معهم. وقال في المؤثرين العاجلة على الآجلة: { ~~ووجوه يومئذ باسرة } أي: معبسة ومكدرة، خاشعة ذليلة { ~~تظن أن يفعل بها فاقرة } أي: عقوبة شديدة، وعذاب أليم، ~~فلذلك تغيرت وجوههم وعبست. ### || [75.26-40] # يعظ تعالى عباده، بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه ~~التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل ~~وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: { وقيل من ~~راق } أي: من يرقيه، من الرقية، لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب ~~العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية. ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء ~~فلا مرد له، { وظن أنه الفراق } للدنيا. { والتفت ~~الساق بالساق } أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب ~~الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله ~~تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. فهذا الزجر، [الذي ذكره ~~الله] يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها. ولكن ~~المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات، لا يزال مستمرا على بغيه وكفره ~~وعناده. { فلا صدق } أي: لا آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والقدر خيره وشره { ولا صلى * ولكن كذب } بالحق في ~~مقابلة التصديق، { وتولى } عن الأمر والنهي، هذا وهو مطمئن قلبه، ~~غير خائف من ربه، بل يذهب { إلى أهله يتمطى } أي: ليس على ~~باله شيء، توعده بقوله: { أولى لك فأولى * ثم أولى ~~لك فأولى } وهذه كلمات وعيد، كررها لتكرير وعيده، ثم ذكر ~~الإنسان بخلقه الأول، فقال: { أيحسب الإنسان أن يترك سدى ~~} أي: معطلا، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب؟ هذا حسبان باطل، ~~وظن بالله بغير ما يليق بحكمته. { ألم يك نطفة من ms1665 مني ~~يمنى * ثم كان } بعد المني { علقة } أي: دما، { فخلق } ~~الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه، { فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك } الذي خلق ~~الإنسان [وطوره إلى] الأطوار المختلفة { بقادر على أن يحيي ~~الموتى } بلى إنه على كل شيء قدير. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-3] # ذكر الله في هذه السورة الكريمة أول حالة الإنسان ومبتدأها ومتوسطها ~~ومنتهاها. فذكر أنه مر عليه دهر طويل، وهو الذي قبل وجوده، وهو معدوم بل ~~ليس مذكورا. ثم لما أراد الله تعالى خلقه، خلق [أباه] آدم من طين، ثم ~~جعل نسله متسلسلا { من نطفة أمشاج } أي: ماء مهين مستقذر { ~~نبتليه } بذلك، لنعلم هل يرى حاله الأولى، ويتفطن لها أم ينساها ~~وتغره نفسه؟ فأنشأه الله، وخلق له القوى الباطنة والظاهرة، كالسمع ~~والبصر، وسائر الأعضاء، فأتمها له وجعلها سالمة يتمكن بها من تحصيل ~~مقاصده. ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وهداه الطريق الموصلة إلى ~~الله، ورغبه فيها، وأخبره بما له عند الوصول إلى الله. ثم أخبره ~~بالطريق الموصلة إلى الهلاك، ورهبه منها، وأخبره بما له إذا سلكها، ~~وابتلاه بذلك، فانقسم الناس إلى شاكر لنعمة الله عليه، قائم بما حمله ~~الله من حقوقه، وإلى كفور لنعمة الله عليه، أنعم الله عليه بالنعم ~~الدينية والدنيوية، فردها، وكفر بربه، وسلك الطريق الموصلة إلى الهلاك. ~~ثم ذكر تعالى حال الفريقين عند الجزاء فقال: { إنآ أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا وأغلالا... }. ### || [76.4-27] # { إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا ~~وسعيرا * إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها ~~كافورا } إلى آخر الثواب أي: إنا هيأنا وأرصدنا لمن كفر بالله، وكذب ~~رسله، وتجرأ على المعاصي { سلاسلا } في نار جهنم، كما قال تعالى: # ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه # [الحاقة: 32]. { وأغلالا } تغل بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون ~~بها. { وسعيرا } أي: نارا تستعر بها أجسامهم وتحرق بها أبدانهم، # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56] وهذا العذاب دائم لهم أبدا، مخلدون فيه سرمدا. وأما { ~~الأبرار } وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، ms1666 ~~والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم، واستعملوها بأعمال البر، أخبر أنهم { ~~يشربون من كأس } أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور أي: خلط ~~بكافور، ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور [في غاية اللذة] قد سلم من كل ~~مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ~~ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة. كما قال تعالى: # في سدر مخضود * وطلح منضود # [الواقعة: 28-29] # وأزواج مطهرة # [آل عمران: 15] # لهم دار السلم عند ربهم # [الأنعام: 127] # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين # [الزخرف: 71]. { عينا يشرب بها عباد الله } أي: ذلك ~~الكأس اللذيذ الذي يشربون به، لا يخافون نفاده، بل له مادة لا تنقطع، وهي ~~عين دائمة الفيضان والجريان، يفجرها عباد الله تفجيرا، أنى شاؤوا، وكيف ~~أرادوا، فإن شاؤوا صرفوها إلى البساتين الزاهرات، أو إلى الرياض ~~الناضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أي جهة يرونها ~~من الجهات المونقات. وقد ذكر جملة من أعمالهم في أول هذه السورة، فقال: { ~~يوفون بالنذر } أي: بما ألزموا به أنفسهم لله من النذور ~~والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر، وهو لم يجب عليهم، إلا بإيجابهم ~~على أنفسهم، كان فعلهم وقيامهم بالفروض الأصلية، من باب أولى وأحرى، { ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا } أي: منتشرا فاشيا، ~~فخافوا أن ينالهم شره، فتركوا كل سبب موجب لذلك، { ويطعمون ~~الطعام على حبه } أي: وهم في حال يحبون فيها المال والطعام، ~~لكنهم قدموا محبة الله على محبة نفوسهم، ويتحرون في إطعامهم أولى الناس ~~وأحوجهم، { مسكينا ويتيما وأسيرا }. ويقصدون بإنفاقهم ~~وإطعامهم وجه الله تعالى، ويقولون بلسان الحال: { إنما نطعمكم ~~لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا } أي: لا ~~جزاء ماليا، ولا ثناء قوليا. { إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا } أي: شديد الجهمة والشر { قمطريرا } أي: ضنكا ضيقا، { ~~فوقهم الله شر ذلك اليوم } فلا يحزنهم الفزع الأكبر، ~~وتتلقاهم الملائكة [هذا يومكم الذي كنتم توعدون]. { ولقاهم } أي: ~~أكرمهم وأعطاهم { نضرة } في وجوههم { وسرورا } في قلوبهم، فجمع ~~لهم بين نعيم الظاهر ms1667 والباطن، { وجزاهم بما صبروا } على طاعة ~~الله، فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصي الله، فتركوها، وعلى أقدار الله ~~المؤلمة، فلم يتسخطوها، { جنة } جامعة لكل نعيم، سالمة من كل مكدر ~~ومنغص، { وحريرا } كما قال [تعالى:] # ولباسهم فيها حرير # [الحج: 23] ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على ~~حال صاحبه. { متكئين فيها على الأرائك } الاتكاء: التمكن ~~من الجلوس، في حال الرفاهية والطمأنينة [الراحة]، والأرائك هي السرر التي ~~عليها اللباس المزين، { لا يرون فيها } أي: في الجنة { شمسا } ~~يضرهم حرها، { ولا زمهريرا } أي: بردا شديدا، بل جميع أوقاتهم ~~في ظل ظليل، لا حر ولا برد، بحيث تلتذ به الأجساد، ولا تتألم من حر ولا ~~برد. { ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها ~~تذليلا } أي: قربت ثمراتها من مريدها تقريبا ينالها، وهو قائم، أو ~~قاعد، أو مضطجع. ويطاف على أهل الجنة أي: يدور [عليهم] الخدم والولدان { ~~بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا ~~من فضة } أي: مادتها من فضة، [وهي] على صفاء القوارير، وهذا من أعجب ~~الأشياء، أن تكون الفضة الكثيفة، من صفاء جوهرها، وطيب معدنها، على صفاء ~~القوارير. { قدروها تقديرا } أي: قدروا الأواني المذكورة على ~~قدر ريهم، لا تزيد ولا تنقص، لأنها لو زادت نقصت لذتها، ولو نقصت لم ~~تف بريهم. ويحتمل أن المراد: قدرها أهل الجنة بنفوسهم بمقدار يوافق ~~لذاتهم، فأتتهم على ما قدروا في خواطرهم. { ويسقون فيها } أي: في ~~الجنة، من كأس، وهو الإناء المملوء من خمر ورحيق، { كان مزاجها } ~~أي: خلطها { زنجبيلا } ليطيب طعمه وريحه. { عينا فيها } أي: في ~~الجنة، { تسمى سلسبيلا } سميت بذلك لسلاستها ولذتها وحسنها. { ~~ويطوف } على أهل الجنة، في طعامهم وشرابهم وخدمتهم. { ولدان ~~مخلدون } أي: خلقوا من الجنة للبقاء، لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم ~~في غاية الحسن، { إذا رأيتهم } منتشرين في خدمتهم { حسبتهم ~~} من حسنهم { لؤلؤا منثورا } وهذا من تمام لذة أهل الجنة، أن ~~يكون خدامهم الولدان المخلدون، الذين تسر رؤيتهم، ويدخلون على مساكنهم، ~~آمنين من تبعتهم، ويأتونهم بما يدعون وتطلبه نفوسهم، { وإذا رأيت ~~ثم } أي: هناك ms1668 في الجنة، ورمقت ما هم فيه من النعيم { رأيت ~~نعيما وملكا كبيرا } فتجد الواحد منهم، عنده من القصور ~~والمساكن والغرف المزينة المزخرفة، ما لا يدركه الوصف، ولديه من البساتين ~~الزاهرة، والثمار الدانية، والفواكه اللذيذة، والأنهار الجارية، والرياض ~~المعجبة، والطيور المطربة [المشجية]، ما يأخذ بالقلوب، ويفرح النفوس. ~~وعنده من الزوجات. اللاتي هن في غاية الحسن والإحسان، الجامعات لجمال ~~الظاهر والباطن، الخيرات الحسان، ما يملأ القلب سرورا، ولذة وحبورا، ~~وحوله من الولدان المخلدين، والخدم المؤبدين، ما به تحصل الراحة ~~والطمأنينة، وتتم لذة العيش، وتكمل الغبطة. ثم علاوة ذلك ومعظمه الفوز ~~برؤية الرب الرحيم، وسماع خطابه، ولذة قربه، والابتهاج برضاه، والخلود ~~الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كل وقت وحين، فسبحان الملك المالك، ~~الحق المبين، الذي لا تنفد خزائنه، ولا يقل خيره، فكما لا نهاية لأوصافه ~~فلا نهاية لبره وإحسانه، { عاليهم ثياب سندس خضر } أي: قد ~~جللتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران، اللذان هما أجل أنواع الحرير، ~~فالسندس: ما غلظ من الديباج، والإستبرق: ما رق منه. # { وحلوا أساور من فضة } أي: حلوا في أيديهم أساور الفضة، ~~ذكورهم وإناثهم، وهذا وعد وعدهم الله، وكان وعده مفعولا، لأنه لا أصدق ~~منه قيلا ولا حديثا. وقوله: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا ~~} أي: لا كدر فيه بوجه من الوجوه، مطهرا لما في بطونهم من كل أذى وقذى. ~~{ إن هذا } الجزاء الجزيل والعطاء الجميل { كان لكم جزآء ~~} على ما أسلفتموه من الأعمال، { وكان سعيكم مشكور } أي: ~~القليل منه، يجعل الله لكم به من النعيم المقيم ما لا يمكن حصره. وقوله ~~تعالى لما ذكر نعيم الجنة { إنا نحن نزلنا عليك ~~القرآن تنزيلا } فيه الوعد والوعيد، وبيان كل ما يحتاجه العباد، ~~وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتم القيام، والسعي في تنفيذها، ~~والصبر على ذلك. ولهذا قال: { فاصبر لحكم ربك ولا تطع ~~منهم ءاثما أو كفورا } أي: اصبر لحكمه القدري، فلا تسخطه، ~~ولحكمه الديني، فامض عليه، ولا يعوقك عنه عائق. { ولا تطع } من ~~المعاندين، الذين يريدون أن يصدوك { ءاثما } أي: فاعلا إثما ms1669 ومعصية ~~ولا { كفورا } فإن طاعة الكفار والفجار والفساق، لا بد أن تكون في ~~المعاصي، فلا يأمرون إلا بما تهواه أنفسهم. ولما كان الصبر يساعده القيام ~~بعبادة الله، والإكثار من ذكره، أمره الله بذلك، فقال: { واذكر اسم ~~ربك بكرة وأصيلا } أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك، ~~الصلوات المكتوبات وما يتبعها من النوافل، والذكر، والتسبيح، والتهليل، ~~والتكبير في هذه الأوقات. { ومن الليل فاسجد له } أي: أكثر ~~[له] من السجود، ولا يكون ذلك إلا بالإكثار من الصلاة. { وسبحه ~~ليلا طويلا } وقد تقدم تقييد هذا المطلق بقوله: # يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا # [المزمل: 1-2] الآية: [وقوله] { إن هؤلاء } أي: المكذبين لك ~~أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد ~~فيهم ذلك شيئا، بل لا يزالون يؤثرون { العاجلة } ويطمئنون إليها، { ~~ويذرون } أي: يتركون العمل ويهملون { ورآءهم } أي: أمامهم { ~~يوما ثقيلا } وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما ~~تعدون، وقال تعالى: # يقول الكافرون هذا يوم عسر # [القمر: 8] فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها. ### || [76.28-31] # ثم استدل عليهم وعلى بعثهم بدليل عقلي، وهو دليل الابتداء، فقال: { ~~نحن خلقناهم } أي: أوجدناهم من العدم، { وشددنآ ~~أسرهم } أي: أحكمنا خلقتهم بالأعصاب، والعروق، والأوتار، والقوى ~~الظاهرة والباطنة، حتى تم الجسم واستكمل، وتمكن من كل ما يريده، فالذي ~~أوجدهم على هذه الحالة، قادر على أن يعيدهم بعد موتهم لجزائهم، والذي ~~نقلهم في هذه الدار إلى هذه الأطوار، لا يليق به أن يتركهم سدى، لا ~~يؤمرون، ولا ينهون، ولا يثابون، ولا يعاقبون، ولهذا قال: { بدلنآ ~~أمثالهم تبديلا } أي: أنشأناكم للبعث نشأة أخرى، وأعدناكم ~~بأعيانكم، وهم بأنفسهم أمثالهم. { إن هذه تذكرة } أي: يتذكر ~~بها المؤمن، فينتفع بما فيها من التخويف والترغيب. { فمن شآء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا } أي: طريقا موصلا إليه، فالله يبين ~~الحق والهدى، ثم يخير الناس بين الاهتداء بها أو النفور عنها، مع قيام ~~الحجة عليهم، { وما تشآءون إلا أن يشآء الله } فإن مشيئة ~~الله نافذة، { إن الله كان عليما حكيما } فله ms1670 الحكمة في ~~هداية المهتدي، وإضلال الضال. { يدخل من يشآء في رحمته } ~~فيختصه بعنايته، ويوفقه لأسباب السعادة ويهديه لطرقها. { والظالمين ~~} الذين اختاروا الشقاء على الهدى { أعد لهم عذابا أليما } ~~[بظلمهم وعدوانهم]. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-15] # أقسم تعالى على البعث والجزاء بالأعمال، بالمرسلات عرفا، وهي الملائكة ~~التي يرسلها الله تعالى بشؤونه القدرية وتدبير العالم، وبشئونه الشرعية ~~ووحيه إلى رسله. و { عرفا } حال من المرسلات أي: أرسلت بالعرف والحكمة ~~والمصلحة، لا بالنكر والعبث. { فالعاصفات عصفا } وهي [أيضا] ~~الملائكة التي يرسلها الله تعالى، وصفها بالمبادرة لأمره، وسرعة تنفيذ ~~أوامره، كالريح العاصف، أو: أن العاصفات، الرياح الشديدة، التي يسرع ~~هبوبها. { والناشرات نشرا } يحتمل أنها الملائكة، تنشر ما دبرت ~~على نشره، أو أنها السحاب التي ينشر بها الله الأرض، فيحييها بعد ~~موتها. { فالملقيت ذكرا } هي الملائكة، تلقي أشرف الأوامر، ~~وهو الذكر الذي يرحم الله به عباده، ويذكرهم فيه منافعهم ومصالحهم، تلقيه ~~إلى الرسل، { عذرا أو نذرا } أي: إعذارا وإنذارا للناس، تنذر ~~الناس ما أمامهم من المخاوف، وتقطع معذرتهم، فلا يكون لهم حجة على الله. ~~{ إنما توعدون } من البعث والجزاء على الأعمال { لوقع } أي: ~~متحتم وقوعه، من غير شك ولا ارتياب. فإذا وقع حصل من التغير للعالم ~~والأهوال الشديدة ما يزعج القلوب، وتشتد له الكروب، فتنطمس النجوم أي: ~~تتناثر وتزول عن أماكنها وتنسف الجبال، فتكون كالهباء المنثور، وتكون هي ~~والأرض قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وذلك اليوم هو اليوم ~~الذي أقتت فيه الرسل، وأجلت للحكم بينها وبين أممها، ولهذا قال: { لأي ~~يوم أجلت } استفهام للتعظيم والتفخيم والتهويل. ثم أجاب بقوله: { ~~ليوم الفصل } [أي:] بين الخلائق، بعضهم لبعض، وحساب كل منهم ~~منفردا، ثم توعد المكذب بهذا اليوم، فقال: { ويل يومئذ ~~للمكذبين } أي: يا حسرتهم، وشدة عذابهم، وسوء منقلبهم، أخبرهم ~~الله، وأقسم لهم، فلم يصدقوه، فاستحقوا العقوبة البليغة. ### || [77.16-19] # أي: أما أهلكنا المكذبين السابقين، ثم نتبعهم بإهلاك من كذب من الآخرين، ~~وهذه سنته السابقة واللاحقة في كل مجرم لا بد من عذابه، فلم لا تعتبرون ~~بما ms1671 ترون وتسمعون؟ { ويل يومئذ للمكذبين } بعدما شاهدوا ~~من الآيات البينات، والعقوبات والمثلات. ### || [77.20-24] # أي: أما خلقناكم أيها الآدميون { من مآء مهين } أي: في غاية ~~الحقارة، خرج من بين الصلب والترائب، حتى جعله الله { في قرار ~~مكين } وهو الرحم، به يستقر وينمو. { إلى قدر معلوم } ~~ووقت مقدر. { فقدرنا } أي: قدرنا ودبرنا ذلك الجنين، في تلك ~~الظلمات، ونقلناه من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى أن جعله الله ~~جسدا، ثم نفخ فيه الروح، ومنهم من يموت قبل ذلك. { فنعم ~~القادرون } [يعني بذلك نفسه المقدسة] حيث كان قدرا تابعا للحكمة، ~~موافقا للحمد. { ويل يومئذ للمكذبين } بعدما بين الله ~~لهم الآيات، وأراهم العبر والبينات. ### || [77.25-28] # أي: أما امتننا عليكم وأنعمنا، بتسخير الأرض لمصالحكم، فجعلناها { ~~كفاتا } لكم، { أحيآء } في الدور، { وأموتا } في القبور، ~~فكما أن الدور والقصور من نعم الله على عباده ومنته، فكذلك القبور، رحمة ~~في حقهم، وسترا لهم، عن كون أجسادهم بادية للسباع وغيرها. { وجعلنا ~~فيها رواسي } أي: جبالا ترسي الأرض، لئلا تميد بأهلها، فثبتها ~~الله بالجبال الراسيات الشامخات أي: الطوال العراض، { وأسقيناكم ~~مآء فراتا } أي: عذبا زلالا قال تعالى: # أفرءيتم المآء الذي تشربون * ءأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # [الواقعة: 68-70]. { ويل يومئذ للمكذبين } مع ما أراهم ~~الله من النعم، التي انفرد الله بها، واختصهم بها، فقابلوها بالتكذيب. ### || [77.29-34] # هذا من الويل الذي أعد [للمجرمين] للمكذبين، أن يقال لهم يوم القيامة: { ~~انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون } ثم فسر ذلك بقوله: ~~{ انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب } أي: إلى ظل نار جهنم، ~~التي تتمايز في خلاله ثلاث شعب أي: قطع من النار أي: تتعاوره وتتناوبه ~~وتجتمع به. { لا ظليل } ذلك الظل أي: لا راحة فيه ولا طمأنينة، { ~~ولا يغني } من مكث فيه { من اللهب } بل اللهب قد أحاط به، ~~يمنة ويسرة ومن كل جانب، كما قال تعالى: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]. # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك ms1672 ~~نجزي الظالمين # [الأعراف: 41]. ثم ذكر عظم شرر النار، الدال على عظمها وفظاعتها وسوء ~~منظرها، فقال: { إنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه ~~جملت صفر } وهي السود التي تضرب إلى لون فيه صفرة، وهذا يدل على ~~أن النار مظلمة، لهبها وجمرها وشررها، وأنها سوداء، كريهة المرأى، شديدة ~~الحرارة، نسأل الله العافية منها [من الأعمال المقربة منها]. { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ### || [77.35-40] # أي: هذا اليوم العظيم الشديد على المكذبين، لا ينطقون فيه من الخوف ~~والوجل الشديد، { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } أي: لا تقبل ~~معذرتهم، ولو اعتذروا: # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا ~~هم يستعتبون # [الروم: 57]. { هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين ~~} لنفصل بينكم، ونحكم بين الخلائق، { فإن كان لكم كيد } تقدرون ~~على الخروج من ملكي، وتنجون به من عذابي، { فكيدون } أي: ليس لكم ~~قدرة ولا سلطان، كما قال تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. ففي ذلك اليوم، تبطل حيل الظالمين، ويضمحل مكرهم وكيدهم، ~~ويستسلمون لعذاب الله، ويبين لهم كذبهم في تكذيبهم { ويل يومئذ ~~للمكذبين }. ### || [77.41-45] # لما ذكر عقوبة المكذبين، ذكر ثواب المحسنين، فقال: { إن ~~المتقين } [أي:] للتكذيب، المتصفين بالتصديق في أقوالهم وأفعالهم ~~وأعمالهم، ولا يكونون كذلك إلا بأدائهم الواجبات، وتركهم المحرمات. { في ~~ظلال } من كثرة الأشجار المتنوعة، الزاهية البهية. { وعيون } ~~جارية من السلسبيل، والرحيق وغيرهما، { وفواكه مما يشتهون } ~~أي: من خيار الفواكه وطيبها، ويقال لهم: { كلوا واشربوا } من ~~المآكل الشهية، والأشربة اللذيذة، { هنيئا } أي: من غير منغص ولا ~~مكدر، ولا يتم هناؤه، حتى يسلم الطعام والشراب من كل آفة ونقص، وحتى ~~يجزموا أنه غير منقطع ولا زائل، { ئا بما كنتم تعملون } ~~فأعمالكم هي السبب الموصل لكم إلى هذا النعيم المقيم، وهكذا كل من أحسن ~~في عبادة الله وأحسن إلى عباد الله، ولهذا قال: { إنا كذلك ~~نجزي المحسنين * ويل يومئذ للمكذبين } ولو لم ~~يكن لهم من هذا الويل إلا فوات هذا النعيم، لكفى به حرمانا وخسرانا. ### || [77.46-50] # هذا تهديد ووعيد للمكذبين، أنهم وإن أكلوا ms1673 في الدنيا وشربوا وتمتعوا ~~باللذات، وغفلوا عن القربات، فإنهم مجرمون، يستحقون ما يستحقه المجرمون، ~~فستنقطع عنهم اللذات، وتبقى عليهم التبعات، ومن إجرامهم أنهم إذا أمروا ~~بالصلاة التي هي أشرف العبادات، وقيل لهم: { اركعوا } امتنعوا من ~~ذلك. فأي إجرام فوق هذا؟ وأي تكذيب يزيد على هذا؟!! { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ومن الويل عليهم أنهم تنسد عليهم أبواب ~~التوفيق، ويحرمون كل خير، فإنهم إذا كذبوا هذا القرآن الكريم، الذي هو ~~أعلى مراتب الصدق واليقين على الإطلاق. { فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } أبالباطل الذي هو كاسمه، لا يقوم عليه شبهة فضلا عن ~~الدليل؟ أم بكلام كل مشرك كذاب أفاك مبين؟ فليس بعد النور المبين إلا ~~دياجي الظلمات، ولا بعد الصدق الذي قامت الأدلة والبراهين على صدقه إلا ~~الكذب الصراح والإفك المبين، الذي لا يليق إلا بمن يناسبه. فتبا لهم ما ~~أعماهم! وويحا لهم، ما أخسرهم وأشقاهم!. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-5] # أي: عن أي شيء يتساءل المكذبون بآيات الله؟ ثم بين ما يتساءلون عنه، ~~فقال: { عن النبإ العظيم * الذي هم فيه مختلفون } ~~أي: عن الخبر العظيم، الذي طال فيه نزاعهم، وانتشر فيه خلافهم على وجه ~~التكذيب والاستبعاد، وهو النبأ الذي لا يقبل الشك ولا يدخله الريب، ولكن ~~المكذبون بلقاء ربهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم. ولهذا قال: { كلا سيعلمون * ثم كلا سيعلمون ~~} أي: سيعلمون إذا نزل بهم العذاب ما كانوا به يكذبون، حين يدعون إلى نار ~~جهنم دعا، ويقال لهم: # هذه النار التي كنتم بها تكذبون # [الطور: 14]. ثم بين تعالى النعم والأدلة الدالة على صدق ما أخبرت به ~~الرسل، فقال: { ألم نجعل الأرض مهدا * والجبال... }. ### || [78.6-16] # أي: أما أنعمنا عليكم بنعم جليلة، فجعلنا لكم { الأرض مهدا } أي: ~~ممهدة مهيأة لكم ولمصالحكم، من الحروث والمساكن والسبل. { والجبال ~~أوتادا } تمسك الأرض لئلا تضطرب بكم وتميد، { وخلقناكم ~~أزواجا } أي: ذكورا وإناثا من جنس واحد، ليسكن كل منهما إلى الآخر، ~~فتكون المودة والرحمة، وتنشأ عنهما الذرية، وفي ضمن هذا الامتنان، بلذة ~~المنكح. { وجعلنا نومكم سباتا ms1674 } أي: راحة لكم، وقطعا ~~لأشغالكم، التي متى تمادت بكم أضرت بأبدانكم، فجعل الله الليل والنوم ~~يغشى الناس، لتنقطع حركاتهم الضارة، وتحصل راحتهم النافعة. { وبنينا ~~فوقكم سبعا شدادا } أي: سبع سماوات، في غاية القوة، والصلابة ~~والشدة، وقد أمسكها الله بقدرته، وجعلها سقفا للأرض، فيها عدة منافع ~~لهم، ولهذا ذكر من منافعها الشمس فقال: { وجعلنا سراجا وهاجا ~~} نبه بالسراج على النعمة بنورها، الذي صار كالضرورة للخلق، وبالوهاج ~~الذي فيه الحرارة على حرارتها وما فيها من المصالح. { وأنزلنا من ~~المعصرات } أي: السحاب { مآء ثجاجا } أي: كثيرا جدا. { ~~لنخرج به حبا } من بر وشعير وذرة وأرز، وغير ذلك مما يأكله ~~الآدميون. { ونباتا } يشمل سائر النبات، الذي جعله الله قوتا ~~لمواشيهم، { وجنات ألفافا } أي: بساتين ملتفة، فيها من جميع ~~أصناف الفواكه اللذيذة. فالذي أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة، التي لا ~~يقدر قدرها، ولا يحصى عددها، كيف [تكفرون به و] تكذبون ما أخبركم به من ~~البعث والنشور؟! أم كيف تستعينون بنعمه على معاصيه وتجحدونها؟!! ### || [78.17-30] # ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة الذي يتساءل عنه المكذبون، ويجحده ~~المعاندون، أنه يوم عظيم، وأن الله جعله { ميقاتا } للخلق { ينفخ ~~في الصور فتأتون أفواجا } ويجري فيه من الزعازع والقلاقل ما ~~يشيب له الوليد، وتنزعج له القلوب، فتسير الجبال، حتى تكون كالهباء ~~المبثوث، وتشقق السماء حتى تكون أبوابا، ويفصل الله بين الخلائق بحكمه ~~الذي لا يجور، وتوقد نار جهنم التي أرصدها الله وأعدها للطاغين، وجعلها ~~مثوى لهم ومآبا، وأنهم يلبثون فيها أحقابا كثيرة، و " الحقب " على ما ~~قاله كثير من المفسرين: ثمانون سنة. وهم إذا وردوها { لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا } أي: لا ما يبرد جلودهم، ولا ما يدفع ~~ظمأهم. { إلا حميما } أي: ماء حارا، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم، ~~{ وغساقا } وهو: صديد أهل النار، الذي هو في غاية النتن، وكراهة ~~المذاق، وإنما استحقوا هذه العقوبات الفظيعة جزاء لهم، ووفاقا على ما ~~عملوا من الأعمال الموصلة إليها، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم، ~~ولهذا ذكر أعمالهم، التي استحقوا بها هذا ms1675 الجزاء، فقال: { إنهم ~~كانوا لا يرجون حسابا } أي: لا يؤمنون بالبعث، ولا أن الله ~~يجازي الخلق بالخير والشر، فلذلك أهملوا العمل للآخرة. { وكذبوا ~~بآياتنا كذابا } أي: كذبوا بها تكذيبا واضحا صريحا وجاءتهم ~~البينات فعاندوها. { وكل شيء } من قليل وكثير، وخير وشر { ~~أحصيناه كتابا } أي: كتبناه في اللوح المحفوظ، فلا يخشى ~~المجرمون أنا عذبناهم بذنوب لم يعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم ~~شيء، أو ينسى منها مثقال ذرة، كما قال تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. { فذوقوا } أيها المكذبون هذا العذاب الأليم والخزي ~~الدائم { فلن نزيدكم إلا عذابا } وكل وقت وحين يزداد ~~عذابهم [وهذه الآية أشد الآيات في شدة عذاب أهل النار أجارنا الله منها]. ### || [78.31-36] # لما ذكر حال المجرمين، ذكر مآل المتقين، فقال: { إن للمتقين ~~مفازا } أي: الذين اتقوا سخط ربهم، بالتمسك بطاعته، والانكفاف عما ~~يكرهه فلهم مفاز ومنجى، وبعد عن النار، وفي ذلك المفاز لهم { ~~حدآئق } وهي البساتين الجامعة لأصناف الأشجار الزاهية، في الثمار ~~التي تتفجر بين خلالها الأنهار، وخص الأعناب لشرفه وكثرته في تلك ~~الحدائق. ولهم فيها زوجات على مطالب النفوس { وكواعب }: وهي: ~~النواهد اللاتي لم تتكسر ثديهن من شبابهن، وقوتهن ونضارتهن. " والأتراب ~~": اللاتي على سن واحد متقارب، ومن عادة الأتراب أن يكن متآلفات ~~متعاشرات، وذلك السن الذي هن فيه ثلاث وثلاثون سنة، في أعدل سن الشباب. { ~~وكأسا دهاقا } أي: مملوءة من رحيق، لذة للشاربين، { لا ~~يسمعون فيها لغوا } أي: كلاما لا فائدة فيه { ولا كذابا ~~} أي: إثما. كما قال تعالى: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26]. وإنما أعطاهم الله هذا الثواب الجزيل [من فضله ~~وإحسانه] { جزآء من ربك } لهم { عطآء حسابا } أي: بسبب ~~أعمالهم التي وفقهم الله لها، وجعلها ثمنا لجنته ونعيمها. ### || [78.37-40] # أي: الذي أعطاهم هذه العطايا هو ربهم { رب السموت والأرض ~~} الذي خلقها ودبرها { الرحمن ms1676 } الذي رحمته وسعت كل شيء، فرباهم ~~ورحمهم، ولطف بهم، حتى أدركوا ما أدركوا. ثم ذكر عظمته وملكه العظيم يوم ~~القيامة، وأن جميع الخلق كلهم ذلك اليوم ساكتون لا يتكلمون، و { لا ~~يملكون منه خطابا } إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فلا ~~يتكلم أحد إلا بهذين الشرطين: أن يأذن الله له في الكلام، وأن يكون ما ~~تكلم به صوابا، لأن { ذلك اليوم } هو { الحق } الذي لا يروج ~~فيه الباطل، ولا ينفع فيه الكذب، وفي ذلك اليوم { يقوم الروح } وهو ~~جبريل عليه السلام، الذي هو أشرف الملائكة، { والملائكة } [أيضا ~~يقوم الجميع] { صفا } خاضعين لله { لا يتكلمون } إلا بما أذن ~~لهم الله به. فلما رغب ورهب، وبشر وأنذر، قال: { فمن شآء ~~اتخذ إلى ربه مآبا } أي: عملا، وقدم صدق يرجع إليه يوم ~~القيامة. { إنآ أنذرناكم عذابا قريبا } لأنه قد أزف ~~مقبلا، وكل ما هو آت فهو قريب. { يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه } أي: هذا الذي يهمه ويفزع إليه، فلينظر في هذه الدنيا ~~إليه، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ~~ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون # الآيات [الحشر: 18]. فإن وجد خيرا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فلا ~~يلومن إلا نفسه، ولهذا كان الكفار يتمنون الموت من شدة الحسرة والندم. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # هذه الإقسامات بالملائكة الكرام، وأفعالهم الدالة على كمال انقيادهم ~~لأمر الله، وإسراعهم في تنفيذ أمره، يحتمل أن المقسم عليه، الجزاء ~~والبعث، بدليل الإتيان بأحوال القيامة بعد ذلك، ويحتمل أن المقسم عليه ~~والمقسم به متحدان، وأنه أقسم على الملائكة، لأن الإيمان بهم أحد أركان ~~الإيمان الستة، ولأن في ذكر أفعالهم هنا ما يتضمن الجزاء الذي تتولاه ~~الملائكة عند الموت وقبله وبعده، فقال: { والنازعات غرقا }: وهم ~~الملائكة التي تنزع الأرواح بقوة، وتغرق في نزعها حتى تخرج الروح، فتجازى ~~بعملها. { والناشطات نشطا }: وهم الملائكة أيضا، تجتذب الأرواح ~~بقوة ونشاط، أو أن النزع يكون لأرواح المؤمنين، والنشط لأرواح الكفار. { ~~والسابحات } أي: المترددات في الهواء ms1677 صعودا ونزولا { سبحا } ~~{ فالسابقات } لغيرها { سبقا } فتبادر لأمر الله، وتسبق ~~الشياطين في إيصال الوحي إلى رسل الله حتى لا تسترقه. { ~~فالمدبرات أمرا } الملائكة، الذين وكلهم الله أن يدبروا ~~كثيرا من أمور العالم العلوي والسفلي، من الأمطار، والنبات، والأشجار، ~~والرياح، والبحار، والأجنة، والحيوانات، والجنة، والنار [وغير ذلك] { ~~يوم ترجف الراجفة } وهي قيام الساعة، { تتبعها ~~الرادفة } أي: الرجفة الأخرى التي تردفها وتأتي تلوها، { قلوب ~~يومئذ واجفة } أي: موجفة ومنزعجة من شدة ما ترى وتسمع. { ~~أبصارها خاشعة } أي: ذليلة حقيرة، قد ملك قلوبهم الخوف، وأذهل ~~أفئدتهم الفزع، وغلب عليهم التأسف [واستولت عليهم] الحسرة. يقولون أي: ~~الكفار في الدنيا، على وجه التكذيب: { أإذا كنا عظاما نخرة ~~} أي: بالية فتاتا. { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } أي: ~~استبعدوا أن يبعثهم الله ويعيدهم بعدما كانوا عظاما نخرة، جهلا [منهم] ~~بقدرة الله، وتجرؤا عليه. قال الله في بيان سهولة هذا الأمر عليه: { ~~فإنما هي زجرة واحدة } ينفخ فيها في الصور. فإذا الخلائق ~~كلهم { بالساهرة } أي: على وجه الأرض، قيام ينظرون، فيجمعهم الله ~~ويقضي بينهم بحكمه العدل ويجازيهم. ### || [79.15-26] # يقول [الله] تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { هل أتاك ~~حديث موسى } وهذا الاستفهام عن أمر عظيم متحقق وقوعه. أي: هل أتاك ~~حديثه { إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى } وهو ~~المحل الذي كلمه الله فيه، وامتن عليه بالرسالة، واختصه بالوحي والاجتباء ~~فقال له: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي: فانهه عن ~~طغيانه وشركه وعصيانه، بقول لين، وخطاب لطيف، لعله # لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]. { فقل } له: { هل لك إلى أن تزكى } أي: هل لك ~~في خصلة حميدة، ومحمدة جميلة، يتنافس فيها أولو الألباب، وهي أن تزكي ~~نفسك وتطهرها من دنس الكفر والطغيان، إلى الإيمان والعمل الصالح؟ { ~~وأهديك إلى ربك } أي: أدلك عليه، وأبين لك مواقع رضاه، ~~من مواقع سخطه. { فتخشى } الله إذا علمت الصراط المستقيم، فامتنع ~~فرعون مما دعاه إليه موسى. { فأراه الآية الكبرى } أي: جنس ~~الآية الكبرى، فلا ينافي تعددها # فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده ms1678 ~~فإذا هي بيضآء للناظرين # [الأعراف: 107-108]. { فكذب } بالحق { وعصى } الأمر، { ثم ~~أدبر يسعى } أي: يجتهد في مبارزة الحق ومحاربته، { فحشر } ~~جنوده أي: جمعهم { فنادى * فقال } لهم: { أنا ربكم ~~الأعلى } فأذعنوا له، وأقروا بباطله حين استخفهم، { فأخذه ~~الله نكال الآخرة والأولى } أي: صارت عقوبته دليلا ~~وزاجرا، ومبينة لعقوبة الدنيا والآخرة، { إن في ذلك لعبرة ~~لمن يخشى } فإن من يخشى الله، هو الذي ينتفع بالآيات والعبر، فإذا ~~رأى عقوبة فرعون، عرف أن كل من تكبر وعصى، وبارز الملك الأعلى، عاقبه في ~~الدنيا والآخرة، وأما من ترحلت خشية الله من قلبه، فلو جاءته كل آية لم ~~يؤمن [بها]. ### || [79.27-33] # يقول تعالى مبينا دليلا واضحا لمنكري البعث ومستبعدي إعادة الله ~~للأجساد: { ءأنتم } أيها البشر { أشد خلقا أم السمآء } ~~ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر { بناها } الله، { ~~رفع سمكها } أي: جرمها وصورتها، { فسواها } بإحكام وإتقان ~~يحير العقول، ويذهل الألباب، { وأغطش ليلها } أي: أظلمه، فعمت ~~الظلمة [جميع] أرجاء السماء، فأظلم وجه الأرض، { وأخرج ضحاها } ~~أي: أظهر فيه النور العظيم، حين أتى بالشمس، فامتد الناس في مصالح دينهم ~~ودنياهم. { والأرض بعد ذلك } أي: بعد خلق السماء { دحاها } ~~أي: أودع فيها منافعها. وفسر ذلك بقوله: { أخرج منها مآءها ~~ومرعاها * والجبال أرساها } أي: ثبتها في الأرض. فدحي ~~الأرض بعد خلق السماء، كما هو نص هذه الآيات [الكريمة]. وأما خلق نفس ~~الأرض، فمتقدم على خلق السماء كما قال تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين # [فصلت: 9] إلى أن قال: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. فالذي خلق السماوات العظام وما فيها من الأنوار والأجرام، ~~والأرض الكثيفة الغبراء، وما فيها من ضروريات الخلق ومنافعهم، لا بد أن ~~يبعث الخلق المكلفين، فيجازيهم على أعمالهم، فمن أحسن فله الحسنى ومن ~~أساء فلا يلومن إلا نفسه، ولهذا ذكر بعد هذا القيام الجزاء، فقال: { ~~فإذا جآءت الطآمة الكبرى * يوم يتذكر ~~الإنسان... }. ### || [79.34-41] # أي: إذا جاءت القيامة الكبرى، والشدة العظمى، التي يهون ms1679 عندها كل شدة، ~~فحينئذ يذهل الوالد عن ولده، والصاحب عن صاحبه [وكل محب عن حبيبه]. و { ~~يتذكر الإنسان ما سعى } في الدنيا، من خير وشر، فيتمنى ~~زيادة مثقال ذرة في حسناته، ويغمه ويحزن لزيادة مثقال ذرة في سيئاته. ~~ويعلم إذ ذاك أن مادة ربحه وخسرانه ما سعاه في الدنيا، وينقطع كل سبب ~~ووصلة كانت في الدنيا، سوى الأعمال. { وبرزت الجحيم لمن ~~يرى } أي: جعلت في البراز، ظاهرة لكل أحد، قد برزت لأهلها، واستعدت ~~لأخذهم، منتظرة لأمر ربها. { فأما من طغى } أي: جاوز الحد، بأن ~~تجرأ على المعاصي الكبار، ولم يقتصر على ما حده الله. { وآثر ~~الحياة الدنيا } على الآخرة، فصار سعيه لها، ووقته مستغرقا في ~~حظوظها وشهواتها، ونسي الآخرة وترك العمل لها. { فإن الجحيم هي ~~المأوى } [له] أي: المقر والمسكن لمن هذه حاله، { وأما من ~~خاف مقام ربه } أي: خاف القيام عليه ومجازاته بالعدل، فأثر ~~هذا الخوف في قلبه فنهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وصار ~~هواه تبعا لما جاء به الرسول، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير، { ~~فإن الجنة } [المشتملة على كل خير وسرور ونعيم] { هي ~~المأوى } لمن هذا وصفه. ### || [79.42-46] # أي: يسألك المتعنتون المكذبون بالبعث { عن الساعة } متى وقوعها و ~~{ أيان مرسها } فأجابهم الله بقوله: { فيم أنت من ~~ذكرها } أي: ما الفائدة لك ولهم في ذكرها ومعرفة وقت مجيئها؟ فليس ~~تحت ذلك نتيجة، ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ~~ولا دنيوية، بل المصلحة في خفائه عليهم، طوى علم ذلك عن جميع الخلق، ~~واستأثر بعلمه فقال: { إلى ربك منتههآ } أي: إليه ينتهي ~~علمها، كما قال في الآية الأخرى: # يسألونك عن الساعة أيان مرسها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ~~ثقلت في السموت والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ~~يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند ~~الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الأعراف: 187]. { إنمآ أنت منذر من يخشها } أي: إنما ~~نذارتك [نفعها] لمن يخشى مجيء الساعة، ويخاف الوقوف ms1680 بين يديه، فهم الذين ~~لا يهمهم سوى الاستعداد لها والعمل لأجلها. وأما من لا يؤمن بها، فلا ~~يبالي به ولا بتعنته، لأنه تعنت مبني على العناد والتكذيب، وإذا وصل إلى ~~هذه الحال، كان الإجابة عنه عبثا، ينزه الحكيم عنه [تمت] والحمد لله رب ~~العالمين. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-10] # وسبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل ~~النبي صلى الله عليه ويتعلم منه. وجاءه رجل من الأغنياء، وكان صلى الله ~~عليه وسلم حريصا على هداية الخلق، فمال صلى الله عليه وسلم [وأصغى] إلى ~~الغني، وصد عن الأعمى الفقير، رجاء لهداية ذلك الغني، وطمعا في تزكيته، ~~فعاتبه الله بهذا العتاب اللطيف، فقال: { عبس } [أي:] في وجهه { ~~وتولى } في بدنه، لأجل مجيء الأعمى له، ثم ذكر الفائدة في الإقبال ~~عليه، فقال: { وما يدريك لعله } أي: الأعمى { يزكى }؟ ~~أي: يتطهر عن الأخلاق الرذيلة، ويتصف بالأخلاق الجميلة؟ { أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى } أي: يتذكر ما ينفعه، فيعمل بتلك ~~الذكرى. وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، ~~وتذكير المذكرين، فإقبالك على من جاء بنفسه مفتقرا لذلك منك، هو الأليق ~~الواجب، وأما تصديك وتعرضك للغني المستغني الذي لا يسأل ولا يستفتي لعدم ~~رغبته في الخير، مع تركك من هو أهم منه، فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك ~~أن لا يزكى، فلو لم يتزك، فلست بمحاسب على ما عمله من الشر. فدل هذا ~~على القاعدة المشهورة، أنه: " لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة ~~متحققة لمصلحة متوهمة " ، وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر ~~إليه، الحريص عليه أزيد من غيره. ### || [80.11-32] # يقول تعالى: { كلا إنها تذكرة } أي: حقا إن هذه الموعظة ~~تذكرة من الله، يذكر بها عباده، ويبين لهم في كتابه ما يحتاجون إليه، ~~ويبين الرشد من الغي، فإذا تبين ذلك { فمن شآء ذكره } أي: عمل ~~به، كقوله تعالى: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29]. ثم ذكر محل هذه التذكرة وعظمها ورفع قدرها، فقال: { في ms1681 ~~صحف مكرمة * مرفوعة } القدر والرتبة { مطهرة } ~~[من الآفاق و] عن أن تنالها أيدي الشياطين أو يسترقوها، بل هي { ~~بأيدي سفرة } وهم الملائكة [الذين هم] السفراء بين الله وبين ~~عباده، { كرام } أي: كثيري الخير والبركة، { بررة } قلوبهم ~~وأعمالهم. وذلك كله حفظ من الله لكتابه، أن جعل السفراء فيه إلى الرسل ~~الملائكة الكرام الأقوياء الأتقياء، ولم يجعل للشياطين عليه سبيلا، وهذا ~~مما يوجب الإيمان به وتلقيه بالقبول، ولكن مع هذا أبى الإنسان إلا ~~كفورا، ولهذا قال تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره } لنعمة ~~الله، وما أشد معاندته للحق بعدما تبين، وهو ما هو؟ هو من أضعف الأشياء، ~~خلقه الله من ماء مهين، ثم قدر خلقه، وسواه بشرا سويا، وأتقن قواه ~~الظاهرة والباطنة. { ثم السبيل يسره } أي: يسر له الأسباب ~~الدينية والدنيوية، وهداه السبيل، [وبينه] وامتحنه بالأمر والنهي، { ~~ثم أماته فأقبره } أي: أكرمه بالدفن، ولم يجعله كسائر ~~الحيوانات التي تكون جيفها على وجه الأرض، { ثم إذا شآء أنشره ~~} أي: بعثه بعد موته للجزاء، فالله هو المنفرد بتدبير الإنسان وتصريفه ~~بهذه التصاريف، لم يشاركه فيه مشارك، وهو - مع هذا - لا يقوم بما أمره ~~الله، ولم يقض ما فرضه عليه، بل لا يزال مقصرا تحت الطلب. ثم أرشده ~~تعالى إلى النظر والتفكر في طعامه، وكيف وصل إليه بعدما تكررت عليه طبقات ~~عديدة، ويسره له فقال: { فلينظر الإنسان إلى طعامه * ~~أنا صببنا المآء صبا } أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة، { ~~ثم شققنا الأرض } للنبات { شقا * فأنبتنا فيها } ~~أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية { حبا } ~~وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، { وعنبا وقضبا } وهو ~~القت، { وزيتونا ونخلا } وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ~~ومنافعها. { وحدآئق غلبا } أي: بساتين فيها الأشجار الكثيرة ~~الملتفة، { وفاكهة وأبا } الفاكهة: ما يتفكه فيه الإنسان، من ~~تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك. والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، ~~ولهذا قال: { متاعا لكم ولأنعامكم } التي خلقها الله ~~وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في ~~الإنابة إليه، ms1682 والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره. ### || [80.33-42] # أي: إذا جاءت صيحة القيامة، التي تصخ لهولها الأسماع، وتنزعج لها ~~الأفئدة يومئذ، مما يرى الناس من الأهوال وشدة الحاجة لسالف الأعمال، { ~~يفر المرء } من أعز الناس إليه، وأشفقهم لديه، { من أخيه * ~~وأمه وأبيه * وصحبته } أي: زوجته { وبنيه } وذلك ~~لأنه { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه } أي: قد ~~شغلته نفسه، واهتم لفكاكها، ولم يكن له التفات إلى غيرها، فحينئذ ينقسم ~~الخلق إلى فريقين: سعداء وأشقياء، فأما السعداء، فوجوههم [يومئذ] { ~~مسفرة } أي: قد ظهر فيها السرور والبهجة، من ما عرفوا من نجاتهم، ~~وفوزهم بالنعيم، { ضاحكة مستبشرة * ووجوه } الأشقياء { ~~يومئذ عليها غبرة * ترهقها } أي: تغشاها { قترة } ~~فهي سوداء مظلمة مدلهمة، قد أيست من كل خير، وعرفت شقاءها وهلاكها. { ~~أولئك } الذين بهذا الوصف { هم الكفرة الفجرة } أي: ~~الذين كفروا بنعمة الله، وكذبوا بآيات الله، وتجرؤوا على محارمه. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # أي: إذا حصلت هذه الأمور الهائلة، تميز الخلق، وعلم كل أحد ما قدمه ~~لآخرته، وما أحضره فيها من خير وشر، وذلك إذا كان يوم القيامة تكور الشمس ~~أي: تجمع وتلف، ويخسف القمر، ويلقيان في النار، { وإذا النجوم ~~انكدرت } أي: تغيرت، وتساقطت من أفلاكها، { وإذا الجبال ~~سيرت } أي: صارت كثيبا مهيلا، ثم صارت كالعهن المنفوش، ثم تغيرت ~~وصارت هباء منبثا، وسيرت عن أماكنها، { وإذا العشار عطلت } ~~أي: عطل الناس حينئذ نفائس أموالهم التي كانوا يهتمون لها ويراعونها في ~~جميع الأوقات، فجاءهم ما يذهلهم عنها، فنبه بالعشار، وهي النوق التي ~~تتبعها أولادها، وهي أنفس أموال العرب إذ ذاك عندهم، على ما هو في معناها ~~من كل نفيس. { وإذا الوحوش حشرت } أي: جمعت ليوم القيامة، ~~ليقتص الله من بعضها لبعض، ويرى العباد كمال عدله، حتى إنه ليقتص من ~~القرناء للجماء ثم يقول لها: كوني ترابا. { وإذا البحار ~~سجرت } أي: أوقدت فصارت -على عظمها- نارا تتوقد. { وإذا ~~النفوس زوجت } أي: قرن كل صاحب عمل مع نظيره، فجمع الأبرار مع ~~الأبرار، والفجار مع الفجار، وزوج المؤمنون بالحور العين، والكافرون ~~بالشياطين، وهذا كقوله ms1683 تعالى: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا # [الزمر: 71] # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا # [الزمر: 73] # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم # [الصافات: 22]. { وإذا الموءودة سئلت } وهو الذي كانت ~~الجاهلية الجهلاء تفعله من دفن البنات وهن أحياء من غير سبب، إلا خشية ~~الفقر، فتسأل: { بأى ذنب قتلت } ومن المعلوم أنها ليس لها ذنب، ~~ففي هذا توبيخ وتقريع لقاتليها. { وإذا الصحف } المشتملة على ما ~~عمله العاملون من خير وشر { نشرت } وفرقت على أهلها، فآخذ كتابه ~~بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره. { وإذا السمآء ~~كشطت } أي: أزيلت، كما قال تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمام # [الفرقان: 25] # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب # [الأنبياء: 104] # والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت ~~مطويات بيمينه # [الزمر: 67]. { وإذا الجحيم سعرت } أي: أوقد عليها فاستعرت، ~~والتهبت التهابا لم يكن لها قبل ذلك، { وإذا الجنة أزلفت } ~~أي: قربت للمتقين، { علمت نفس } أي: كل نفس، لإتيانها في سياق ~~الشرط. { مآ أحضرت } أي: ما حضر لديها من الأعمال [التي قدمتها] ~~كما قال تعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]. وهذه الأوصاف التي وصف الله بها يوم القيامة، من الأوصاف ~~التي تنزعج لها القلوب، وتشتد من أجلها الكروب، وترتعد الفرائص، وتعم ~~المخاوف، وتحث أولي الألباب للاستعداد لذلك اليوم، وتزجرهم عن كل ما يوجب ~~اللوم، ولهذا قال بعض السلف: من أراد أن ينظر ليوم القيامة كأنه رأي ~~عين، فليتدبر سورة { إذا الشمس كورت }. ### || [81.15-29] # أقسم تعالى { بالخنس } وهي الكواكب التي تخنس أي: تتأخر عن سير ~~الكواكب المعتاد إلى جهة المشرق، وهي النجوم السبعة السيارة: " الشمس " ، ~~و " القمر " ، و " الزهرة " ، و " المشترى " ، و " المريخ " ، و " زحل " ~~، و " عطارد " ، فهذه السبعة لها سيران: سير إلى جهة المغرب مع باقي ~~الكواكب والأفلاك، وسير معاكس لهذا من جهة المشرق تختص به هذه السبعة دون ~~غيرها. فأقسم الله بها في حال خنوسها أي: تأخرها، وفي حال جريانها، وفي ~~حال كنوسها أي: استتارها بالنهار، ويحتمل أن المراد بها جميع النجوم ~~الكواكب السيارة وغيرها. { والليل إذا عسعس } أي: أدبر وقيل: ~~أقبل، { والصبح ms1684 إذا تنفس } أي: بانت علائم الصبح، وانشق ~~النور شيئا فشيئا حتى يستكمل وتطلع الشمس، وهذه آيات عظام، أقسم الله ~~بها على علو سند القرآن وجلالته، وحفظه من كل شيطان رجيم، فقال: { ~~إنه لقول رسول كريم } وهو جبريل عليه السلام، نزل به من ~~الله تعالى، كما قال تعالى: # وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح ~~الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين # [الشعراء: 192-194]. ووصفه الله بالكريم لكرم أخلاقه، وكثره خصاله ~~الحميدة، فإنه أفضل الملائكة، وأعظمهم رتبة عند ربه، { ذي قوة } على ~~ما أمره الله به. ومن قوته أنه قلب ديار قوم لوط بهم فأهلكهم. { عند ~~ذي العرش } أي: جبريل مقرب عند الله، له منزلة رفيعة، وخصيصة من ~~الله اختصه بها، { مكين } أي: له مكانة ومنزلة فوق منازل الملائكة ~~كلهم. { مطاع ثم } أي: جبريل مطاع في الملأ الأعلى، لديه من ~~الملائكة المقربين جنود، نافذ فيهم أمره، مطاع رأيه، { أمين } أي: ذو ~~أمانة وقيام بما أمر به، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى ما حد له، وهذا ~~[كله] يدل على شرف القرآن عند الله تعالى، فإنه بعث به هذا الملك الكريم، ~~الموصوف بتلك الصفات الكاملة. والعادة أن الملوك لا ترسل الكريم عليها ~~إلا في أهم المهمات، وأشرف الرسائل. ولما ذكر فضل الرسول الملكي الذي جاء ~~بالقرآن، ذكر فضل الرسول البشري الذي نزل عليه القرآن، ودعا إليه الناس، ~~فقال: { وما صاحبكم } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { بمجنون ~~} كما يقوله أعداؤه المكذبون برسالته، المتقولون عليه من الأقوال، التي ~~يريدون أن يطفؤوا بها ما جاء به ما شاؤوا وقدروا عليه، بل هو أكمل ~~الناس عقلا، وأجزلهم رأيا، وأصدقهم لهجة. { ولقد رآه بالأفق ~~المبين } أي: رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بالأفق ~~البين، الذي هو أعلى ما يلوح للبصر. { وما هو على الغيب ~~بضنين } أي: وما هو على ما أوحاه الله إليه بمتهم يزيد فيه أو ينقص ~~أو يكتم بعضه، بل هو صلى الله عليه وسلم أمين أهل السماء وأهل الأرض، ~~الذي بلغ ms1685 رسالات ربه البلاغ المبين، فلم يشح بشيء منه، عن غني ولا ~~فقير، ولا رئيس ولا مرؤوس، ولا ذكر ولا أنثى، ولا حضري ولا بدوي، ~~ولذلك بعثه الله في أمة أمية، جاهلة جهلاء، فلم يمت صلى الله عليه وسلم ~~حتى كانوا علماء ربانيين، وأحبارا متفرسين، إليهم الغاية في العلوم، ~~وإليهم المنتهى في استخراج الدقائق والفهوم، وهم الأساتذة، وغيرهم قصاراه ~~أن يكون من تلاميذهم. # { وما هو بقول شيطان رجيم } لما ذكر جلالة كتابه وفضله ~~بذكر الرسولين الكريمين، اللذين وصل إلى الناس على أيديهما، وأثنى الله ~~عليهما بما أثنى، دفع عنه كل آفة ونقص مما يقدح في صدقه، فقال: { وما ~~هو بقول شيطان رجيم } أي: في غاية البعد عن الله وعن قربه، ~~{ فأين تذهبون } أي: كيف يخطر هذا ببالكم، وأين عزبت عنكم ~~أذهانكم؟ حتى جعلتم الحق الذي هو في أعلى درجات الصدق بمنزلة الكذب، الذي ~~هو أنزل ما يكون [وأرذل] وأسفل الباطل؟ هل هذا إلا من انقلاب الحقائق. { ~~إن هو إلا ذكر للعالمين } يتذكرون به ربهم، وما له من ~~صفات الكمال، وما ينزه عنه من النقائص والرذائل [والأمثال]، ويتذكرون به ~~الأوامر والنواهي وحكمها، ويتذكرون به الأحكام القدرية والشرعية ~~والجزائية، وبالجملة، يتذكرون به مصالح الدارين، وينالون بالعمل به ~~السعادتين. { لمن شآء منكم أن يستقيم } بعدما تبين الرشد من ~~الغي، والهدى من الضلال. { وما تشآءون إلا أن يشآء الله ~~رب العالمين } أي: فمشيئته نافذة، لا يمكن أن تعارض أو تمانع. ~~وفي هذه الآية وأمثالها، رد على فرقتي القدرية النفاة، والقدرية ~~المجبرة كما تقدم مثلها [والله أعلم والحمد لله]. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # أي: إذا انشقت السماء وانفطرت، وانتثرت نجومها، وزال جمالها، وفجرت ~~البحار فصارت بحرا واحدا، وبعثرت القبور بأن أخرجت ما فيها من الأموات، ~~وحشروا للموقف بين يدي الله للجزاء على الأعمال. فحينئذ ينكشف الغطاء، ~~ويزول ما كان خفيا، وتعلم كل نفس ما معها من الأرباح والخسران، هنالك ~~يعض الظالم على يديه إذا رأى أعماله باطلة، وميزانه قد خف، والمظالم قد ~~تداعت إليه، والسيئات قد ms1686 حضرت لديه، وأيقن بالشقاء الأبدي والعذاب ~~السرمدي. و [هنالك] يفوز المتقون، المقدمون لصالح الأعمال بالفوز العظيم، ~~والنعيم المقيم، والسلامة من عذاب الجحيم. ### || [82.6-12] # يقول تعالى معاتبا للإنسان المقصر في حق ربه، المتجرئ على مساخطه: { ~~يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم } أتهاونا منك ~~في حقوقه؟ أم احتقارا منك لعذابه؟ أم عدم إيمان منك بجزائه؟ أليس هو { ~~الذي خلقك فسواك } في أحسن تقويم؟ { فعدلك } وركبك ~~تركيبا قويما معتدلا، في أحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، فهل يليق بك أن ~~تكفر نعمة المنعم، أو تجحد إحسان المحسن؟ إن هذا إلا من جهلك وظلمك ~~وعنادك وغشمك، فاحمد الله أن لم يجعل صورتك صورة كلب أو حمار، أو نحوهما ~~من الحيوانات فلهذا قال تعالى: { في أي صورة ما شآء ~~ركبك }. [وقوله:] { كلا بل تكذبون بالدين } أي: مع ~~هذا الوعظ والتذكير، لا تزالون مستمرين على التكذيب بالجزاء. وأنتم لا بد ~~أن تحاسبوا على ما عملتم، وقد أقام الله عليكم ملائكة كراما يكتبون ~~أقوالكم وأفعالكم ويعلمون أفعالكم، ودخل في هذا أفعال القلوب، وأفعال ~~الجوارح، فاللائق بكم أن تكرموهم وتجلوهم وتحترموهم. ### || [82.13-19] # المراد بالأبرار، القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، الملازمون للبر، في ~~أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فهؤلاء جزاؤهم النعيم في القلب والروح ~~والبدن، في دار الدنيا [وفي دار] البرزخ و [في] دار القرار. { وإن ~~الفجار } الذين قصروا في حقوق الله وحقوق عباده، الذين فجرت قلوبهم ~~ففجرت أعمالهم { لفي جحيم } أي: عذاب أليم، في دار الدنيا و [دار] ~~البرزخ وفي دار القرار { يصلونها } ويعذبون [بها] أشد العذاب { ~~يوم الدين } أي: يوم الجزاء على الأعمال. { وما هم عنها ~~بغآئبين } أي: بل هم ملازمون لها، لا يخرجون منها. { ومآ ~~أدراك ما يوم الدين * ثم مآ أدراك ما يوم ~~الدين } ففي هذا تهويل لذلك اليوم الشديد الذي يحير الأذهان. { يوم ~~لا تملك نفس لنفس شيئا } ولو كانت لها قريبة [أو حبيبة] ~~مصافية، فكل مشتغل بنفسه لا يطلب الفكاك لغيرها. { والأمر يومئذ ~~لله } فهو الذي يفصل بين العباد، ويأخذ للمظلوم حقه من ظالمه [والله ~~أعلم]. ms1687 ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # { ويل } كلمة عذاب، ووعيد { للمطففين } وفسر الله المطففين ~~بقوله { الذين إذا اكتالوا على الناس } أي: أخذوا منهم ~~وفاء عما ثبت لهم قبلهم يستوفونه كاملا من غير نقص. { وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم } أي: إذا أعطوا الناس حقهم، الذي للناس ~~عليهم بكيل أو وزن، { يخسرون } أي: ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ~~ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك، فهذا سرقة [لأموال] ~~الناس، وعدم إنصاف [لهم] منهم. وإذا كان هذا الوعيد على الذين يبخسون ~~الناس بالمكيال والميزان، فالذي يأخذ أموالهم قهرا أو سرقة، أولى بهذا ~~الوعيد من المطففين. ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من ~~الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات، بل ~~يدخل في [عموم هذا] الحجج والمقالات، فإنه كما أن المتناظرين قد جرت ~~العادة أن كل واحد [منهما] يحرص على ماله من الحجج، فيجب عليه أيضا أن ~~يبين ما لخصمه من الحجج [التي لا يعلمها]، وأن ينظر في أدلة خصمه كما ~~ينظر في أدلته هو، وفي هذا الموضع يعرف إنصاف الإنسان من تعصبه واعتسافه، ~~وتواضعه من كبره، وعقله من سفهه، نسأل الله التوفيق لكل خير. ثم توعد ~~تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: { ألا ~~يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * ~~يوم يقوم الناس لرب العالمين } فالذي جرأهم على ~~التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم ~~يقومون بين يدي الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا ~~منه. ### || [83.7-17] # يقول تعالى: { كلا إن كتاب الفجار } [وهذا شامل لكل فاجر] ~~من أنواع الكفرة والمنافقين، والفاسقين { لفي سجين } ثم فسر ذلك ~~بقوله: { ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم } أي: كتاب ~~مذكور فيه أعمالهم الخبيثة، والسجين: المحل الضيق الضنك، و " سجين " ضد ~~" عليين " الذي هو محل كتاب الأبرار، كما سيأتي. وقد قيل: إن " سجين " هو ~~أسفل الأرض السابعة، مأوى الفجار ومستقرهم في معادهم. { ويل ~~يومئذ للمكذبين } ثم بين المكذبين بأنهم { الذين ms1688 ~~يكذبون بيوم الدين } أي: يوم الجزاء، يوم يدين الله فيه ~~الناس بأعمالهم. { وما يكذب به إلا كل معتد } على ~~محارم الله، متعد من الحلال إلى الحرام. { أثيم } أي كثير الإثم، فهذا ~~الذي يحمله عدوانه على التكذيب، ويحمله [عدوانه على التكذيب ويوجب له] ~~كبره رد الحق، ولهذا { إذا تتلى عليه آياتنا } الدالة على ~~الحق، و[على] صدق ما جاءت به رسله، كذبها وعاندها، و { قال }: هذه { ~~أساطير الأولين } أي: من ترهات المتقدمين، وأخبار الأمم ~~الغابرين، ليس من عند الله تكبرا وعنادا. وأما من أنصف، وكان مقصوده ~~الحق المبين، فإنه لا يكذب بيوم الدين، لأن الله قد أقام عليه من الأدلة ~~القاطعة، والبراهين الساطعة، ما يجعله حق اليقين، وصار لقلوبهم مثل الشمس ~~للأبصار، بخلاف من ران على قلبه كسبه، وغطته معاصيه، فإنه محجوب عن الحق، ~~ولهذا جوزي على ذلك، بأن حجب عن الله، كما حجب قلبه في الدنيا عن آيات ~~الله، { ثم إنهم } مع هذه العقوبة البليغة { لصالوا ~~الجحيم } ثم يقال لهم توبيخا وتقريعا: { هذا الذي كنتم ~~به تكذبون } فذكر لهم ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الجحيم، وعذاب ~~التوبيخ، واللوم. وعذاب الحجاب من رب العالمين، المتضمن لسخطه وغضبه ~~عليهم، وهو أعظم عليهم من عذاب النار، ودل مفهوم الآية، على أن المؤمنين ~~يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة، ويتلذذون بالنظر إليه أعظم من سائر ~~اللذات، ويبتهجون بخطابه، ويفرحون بقربه، كما ذكر الله ذلك في عدة آيات ~~من القرآن، وتواتر فيه النقل عن رسول الله. وفي هذه الآيات، التحذير من ~~الذنوب، فإنها ترين على القلب وتغطيه شيئا فشيئا، حتى ينطمس نوره، ~~وتموت بصيرته، فتنقلب عليه الحقائق، فيرى الباطل حقا، والحق باطلا، ~~وهذا من بعض عقوبات الذنوب. ### || [83.18-28] # لما ذكر أن كتاب الفجار في أسفل الأمكنة وأضيقها، ذكر أن كتاب الأبرار ~~في أعلاها وأوسعها، وأفسحها وأن كتابهم المرقوم { يشهده ~~المقربون } من الملائكة الكرام، وأرواح الأنبياء، والصديقين ~~والشهداء، وينوه الله بذكرهم في الملأ الأعلى، و { عليون } اسم ~~لأعلى الجنة، فلما ذكر كتابهم، ذكر أنهم في نعيم، وهو ms1689 اسم جامع لنعيم ~~القلب والروح والبدن، { على الأرآئك } أي: [على] السرر المزينة ~~بالفرش الحسان. { ينظرون } إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون ~~إلى وجه ربهم الكريم، { تعرف } أيها الناظر إليهم { في وجوههم ~~نضرة النعيم } أي: بهاء النعيم ونضارته ورونقه، فإن توالي اللذة ~~والسرور يكسب الوجه نورا وحسنا وبهجة. { يسقون من رحيق } ~~وهو من أطيب ما يكون من الأشربة وألذها، { مختوم } ذلك الشراب { ~~ختامه مسك } يحتمل أن المراد مختوم عن أن يداخله شيء ينقص لذته، ~~أو يفسد طعمه، وذلك الختام الذي ختم به مسك. ويحتمل أن المراد أنه [الذي] ~~يكون في آخر الإناء، الذي يشربون منه الرحيق حثالة، وهي المسك الأذفر، ~~فهذا الكدر منه، الذي جرت العادة في الدنيا أنه يراق، يكون في الجنة بهذه ~~المثابة، { وفي ذلك } النعيم المقيم، الذي لا يعلم مقداره وحسنه إلا ~~الله، { فليتنافس المتنافسون } أي: يتسابقوا في المبادرة ~~إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ~~ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال. ومزاج هذا الشراب من تسنيم، وهي عين ~~{ يشرب بها المقربون } صرفا، وهي أعلى أشربة الجنة على ~~الإطلاق، فلذلك كانت خالصة للمقربين، الذين هم أعلى الخلق منزلة، وممزوجة ~~لأصحاب اليمين أي: مخلوطة بالرحيق وغيره من الأشربة اللذيذة. ### || [83.29-36] # لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وجزاء المؤمنين و [ذكر] ما بينهما من ~~التفاوت العظيم، أخبر أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين، ~~ويستهزؤون بهم، ويضحكون منهم، ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارا ~~لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم، { ~~وإذا انقلبوا إلى أهلهم } صباحا أو مساء { انقلبوا ~~فكهين } أي: مسرورين مغتبطين، وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، ~~أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب ~~من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، ~~وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرؤوا على القول عليه بلا علم. ~~قال تعالى: { ومآ أرسلوا عليهم حافظين } أي: وما أرسلوا ~~وكلاء على المؤمنين ms1690 ملزمين بحفظ أعمالهم، حتى يحرصوا على رميهم بالضلال، ~~وما هذا منهم إلا تعنت وعناد وتلاعب، ليس له مستند ولا برهان، ولهذا كان ~~جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم، قال تعالى: { فاليوم } أي: يوم ~~القيامة، { الذين آمنوا من الكفار يضحكون } حين ~~يرونهم في غمرات العذاب يتقلبون، وقد ذهب عنهم ما كانوا يفترون، ~~والمؤمنون في غاية الراحة والطمأنينة { على الأرآئك } وهي السرر ~~المزينة، { ينظرون } إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ~~ربهم الكريم. { هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } أي: ~~هل جوزوا من جنس عملهم؟ فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم ~~بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي ~~هو عقوبة الغي والضلال. نعم، ثوبوا ما كانوا يفعلون، عدلا من الله ~~وحكمة، والله عليم حكيم. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-15] # يقول تعالى مبينا لما يكون في يوم القيامة من تغير الأجرام العظام: { ~~إذا السمآء انشقت } أي: انفطرت وتمايز بعضها من بعض، وانتثرت ~~نجومها، وخسف بشمسها وقمرها. { وأذنت لربها } أي: استمعت ~~لأمره، وألقت سمعها، وأصاخت لخطابه، وحق لها ذلك، فإنها مسخرة مدبرة تحت ~~مسخر ملك عظيم، لا يعصى أمره، ولا يخالف حكمه. { وإذا الأرض ~~مدت } أي: رجفت وارتجت، ونسفت عليها جبالها، ودك ما عليها من بناء ~~ومعلم، فسويت، ومدها الله تعالى مد الأديم، حتى صارت واسعة جدا، تسع ~~أهل الموقف على كثرتهم، فتصير قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. ~~{ وألقت ما فيها } من الأموات والكنوز. { وتخلت } منهم، ~~فإنه ينفخ في الصور، فتخرج الأموات من الأجداث إلى وجه الأرض، وتخرج ~~الأرض كنوزها، حتى تكون كالأسطوان العظيم، يشاهده الخلق، ويتحسرون على ما ~~هم فيه يتنافسون، { وأذنت لربها وحقت * يأيها ~~الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه } أي: ~~إنك ساع إلى الله، وعامل بأوامره ونواهيه، ومتقرب إليه إما بالخير وإما ~~بالشر، ثم تلاقي الله يوم القيامة، فلا تعدم منه جزاء بالفضل إن كنت ~~سعيدا، أو بالعدل إن كنت شقيا. ولهذا ذكر تفصيل الجزاء، فقال: { ~~فأما من أوتي كتبه ms1691 بيمينه } وهم أهل السعادة. { ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا } وهو العرض اليسير على الله، ~~فيقرره الله بذنوبه، حتى إذا ظن العبد أنه قد هلك، قال الله [تعالى] له: ~~" إني قد سترتها عليك في الدنيا، فأنا أسترها لك اليوم ". { وينقلب ~~إلى أهله } في الجنة { مسرورا } لأنه نجا من العذاب وفاز ~~بالثواب، { وأما من أوتي كتبه ورآء ظهره } أي: ~~بشماله من خلفه. { فسوف يدعوا ثبورا } من الخزي والفضيحة، وما ~~يجد في كتابه من الأعمال التي قدمها ولم يتب منها، { ويصلى سعيرا ~~} أي: تحيط به السعير من كل جانب، ويقلب على عذابها، وذلك لأنه في الدنيا ~~{ كان في أهله مسرورا } لا يخطر البعث على باله، وقد أساء، ~~ولم يظن أنه راجع إلى ربه وموقوف بين يديه. { بلى إن ربه كان ~~به بصيرا } فلا يحسن أن يتركه سدى، لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا ~~يعاقب. ### || [84.16-25] # أقسم في هذا الموضع بآيات الليل، فأقسم بالشفق الذي هو بقية نور الشمس، ~~الذي هو مفتتح الليل، { والليل وما وسق } أي: احتوى عليه من ~~حيوانات وغيرها، { والقمر إذا اتسق } أي: امتلأ نورا ~~بإبداره، وذلك أحسن ما يكون وأكثر منافع، والمقسم عليه قوله: { ~~لتركبن } [أي:] أيها الناس { طبقا عن طبق } أي: أطوارا ~~متعددة وأحوالا متباينة، من النطفة إلى العلقة، إلى المضغة، إلى نفخ ~~الروح، ثم يكون وليدا وطفلا، ثم مميزا، ثم يجري عليه قلم التكليف، ~~والأمر والنهي، ثم يموت بعد ذلك، ثم يبعث ويجازى بأعماله، فهذه الطبقات ~~المختلفة الجارية على العبد، دالة على أن الله وحده هو المعبود، الموحد، ~~المدبر لعباده بحكمته ورحمته، وأن العبد فقير عاجز، تحت تدبير العزيز ~~الرحيم، ومع هذا، فكثير من الناس لا يؤمنون { وإذا قرىء عليهم ~~القرآن لا يسجدون } أي: لا يخضعون للقرآن، ولا ينقادون لأوامره ~~ونواهيه، { بل الذين كفروا يكذبون } أي: يعاندون الحق ~~بعدما تبين، فلا يستغرب عدم إيمانهم وعدم انقيادهم للقرآن، فإن المكذب ~~بالحق عنادا، لا حيلة فيه، { والله أعلم بما يوعون } أي: ~~بما يعملونه وينوونه سرا، فالله يعلم سرهم وجهرهم، وسيجازيهم ms1692 بأعمالهم، ~~ولهذا قال { فبشرهم بعذاب أليم } وسميت البشارة بشارة، ~~لأنها تؤثر في البشرة سرورا أو غما. فهذه حال أكثر الناس، التكذيب ~~بالقرآن، وعدم الإيمان [به]. ومن الناس فريق هداهم الله، فآمنوا بالله، ~~وقبلوا ما جاءتهم به الرسل، فآمنوا وعملوا الصالحات. فهؤلاء لهم أجر غير ~~ممنون أي: غير مقطوع، بل هو أجر دائم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-22] # { والسمآء ذات البروج } أي: [ذات] المنازل المشتملة على ~~منازل الشمس والقمر، والكواكب المنتظمة في سيرها، على أكمل ترتيب ونظام ~~دال على كمال قدرة الله تعالى ورحمته، وسعة علمه وحكمته. { واليوم ~~الموعود } وهو يوم القيامة، الذي وعد الله الخلق أن يجمعهم فيه، ~~ويضم فيه أولهم وآخرهم، وقاصيهم ودانيهم، الذي لا يمكن أن يتغير، ولا ~~يخلف الله الميعاد. { وشاهد ومشهود } وشمل هذا كل من اتصف بهذا ~~الوصف أي: مبصر ومبصر، وحاضر ومحضور، وراء ومرئي. والمقسم ~~عليه، ما تضمنه هذا القسم من آيات الله الباهرة، وحكمه الظاهرة، ورحمته ~~الواسعة، وقيل: إن المقسم عليه قوله: { قتل أصحاب الأخدود } ~~وهذا دعاء عليهم بالهلاك. و " الأخدود ": الحفر التي تحفر في الأرض. وكان ~~أصحاب الأخدود هؤلاء قوما كافرين، ولديهم قوم مؤمنون، فراودوهم للدخول ~~في دينهم، فامتنع المؤمنون من ذلك، فشق الكافرون أخدودا [في الأرض]، ~~وقذفوا فيها النار، وقعدوا حولها، وفتنوا المؤمنين، وعرضوهم عليها، فمن ~~استجاب لهم أطلقوه، ومن استمر على الإيمان قذفوه في النار، وهذا في غاية ~~المحاربة لله ولحزبه المؤمنين، ولهذا لعنهم الله وأهلكهم وتوعدهم فقال: { ~~قتل أصحاب الأخدود } ثم فسر الأخدود بقوله: { النار ذات ~~الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود } وهذا من أعظم ما يكون من التجبر ~~وقساوة القلب، لأنهم جمعوا بين الكفر بآيات الله ومعاندتها، ومحاربة ~~أهلها وتعذيبهم بهذا العذاب، الذي تنفطر منه القلوب، وحضورهم إياهم عند ~~إلقائهم فيها، والحال أنهم ما نقموا من المؤمنين إلا خصلة يمدحون عليها، ~~وبها سعادتهم، وهي أنهم كانوا يؤمنون بالله العزيز الحميد أي: الذي له ms1693 ~~العزة التي قهر بها كل شيء، وهو حميد في أقواله وأوصافه وأفعاله. { ~~الذي له ملك السماوات والأرض } خلقا وعبيدا، يتصرف ~~فيهم تصرف المالك بملكه، { والله على كل شيء شهيد } علما ~~وسمعا وبصرا، أفلا خاف هؤلاء المتمردون على الله، أن يبطش بهم العزيز ~~المقتدر، أو ما علموا أنهم جميعهم مماليك لله، ليس لأحد على أحد سلطة، من ~~دون إذن المالك؟ أو خفي عليهم أن الله محيط بأعمالهم، مجاز لهم على ~~فعالهم؟ كلا إن الكافر في غرور، والظالم في جهل وعمى عن سواء السبيل. ثم ~~وعدهم وأوعدهم، وعرض عليهم التوبة، فقال: { إن الذين فتنوا ~~المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب ~~جهنم ولهم عذاب الحريق } أي: العذاب الشديد المحرق. قال ~~الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل ~~طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة. ولما ذكر عقوبة الظالمين، ذكر ثواب ~~المؤمنين، فقال: { إن الذين آمنوا } بقلوبهم { وعملوا ~~الصالحات } بجوارحهم { لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير } الذي حصل به الفوز برضا الله ~~ودار كرامته. # { إن بطش ربك لشديد } أي: إن عقوبته لأهل الجرائم والذنوب ~~العظام [لقوية] شديدة، وهو بالمرصاد للظالمين، كما قال الله تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. { إنه هو يبدىء ويعيد } أي: هو المنفرد ~~بإبداء الخلق وإعادته، فلا مشارك له في ذلك، { وهو الغفور } الذي ~~يغفر الذنوب جميعها لمن تاب، ويعفو عن السيئات لمن استغفره وأناب. { ~~الودود } الذي يحبه أحبابه محبة لا يشبهها شيء فكما أنه لا يشابهه ~~شيء في صفات الجلال والجمال، والمعاني والأفعال، فمحبته في قلوب خواص ~~خلقه، التابعة لذلك، لا يشبهها شيء من أنواع المحاب، ولهذا كانت محبته ~~أصل العبودية، وهي المحبة التي تتقدم جميع المحاب وتغلبها، وإن لم يكن ~~غيرها تبعا لها، كانت عذابا على أهلها، وهو تعالى الودود، الواد ~~لأحبابه، كما قال تعالى: # يحبهم ويحبونه # [المائدة: 54] والمودة هي المحبة الصافية، وفي هذا سر لطيف، حيث قرن ~~الودود بالغفور، ليدل ذلك على أن ms1694 أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، ~~غفر لهم ذنوبهم وأحبهم، فلا يقال: بل تغفر ذنوبهم، ولا يرجع إليهم الود، ~~كما قاله بعض الغالطين. بل الله أفرح بتوبة عبده حين يتوب، من رجل له ~~راحلة، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه، فأضلها في أرض فلاة مهلكة، فأيس ~~منها، فاضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو على تلك الحال، إذا ~~راحلته على رأسه، فأخذ بخطامها، فالله أعظم فرحا بتوبة العبد من هذا ~~براحلته، وهذا أعظم فرح يقدر. فلله الحمد والثناء، وصفو الوداد، ما أعظم ~~بره، وأكثر خيره، وأغزر إحسانه، وأوسع امتنانه!!. { ذو العرش ~~المجيد } أي: صاحب العرش العظيم، الذي من عظمته، أنه وسع السماوات ~~والأرض والكرسي، فهي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة، بالنسبة ~~لسائر الأرض، وخص الله العرش بالذكر، لعظمته، ولأنه أخص المخلوقات بالقرب ~~منه تعالى، وهذا على قراءة الجر، يكون " المجيد " نعتا للعرش، وأما على ~~قراءة الرفع، فإن المجيد نعت لله، والمجد سعة الأوصاف وعظمتها. { ~~فعال لما يريد } أي: مهما أراد شيئا فعله، إذا أراد شيئا قال ~~له كن فيكون، وليس أحد فعالا لما يريد إلا الله. فإن المخلوقات، ولو ~~أرادت شيئا، فإنه لا بد لإرادتها من معاون وممانع، والله لا معاون ~~لإرادته، ولا ممانع له مما أراد. ثم ذكر من أفعاله الدالة على صدق ما ~~جاءت به رسله، فقال: { هل أتاك حديث الجنود * فرعون ~~وثمود } وكيف كذبوا المرسلين، فجعلهم الله من المهلكين. { بل ~~الذين كفروا في تكذيب } أي: لا يزالون مستمرين على التكذيب ~~والعناد، لا تنفع فيهم الآيات، ولا تجدي لديهم العظات، { والله من ~~ورآئهم محيط } أي: قد أحاط بهم علما وقدرة، كقوله: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14] ففيه الوعيد الشديد للكافرين، من عقوبة من هم في قبضته، ~~وتحت تدبيره. { بل هو قرآن مجيد } أي: وسيع المعاني عظيمها، ~~كثير الخير والعلم، { في لوح محفوظ } من التغيير والزيادة ~~والنقص، ومحفوظ من الشياطين، وهو: اللوح المحفوظ الذي قد أثبت الله فيه ~~كل شيء. وهذا يدل على جلالة القرآن وجزالته، ورفعة ms1695 قدره عند الله تعالى، ~~والله أعلم. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-17] # يقول [الله] تعالى: { والسمآء والطارق }. ثم فسر الطارق ~~بقوله: { النجم الثاقب } أي: المضيء، الذي يثقب نوره، فيخرق ~~السماوات [فينفذ حتى يرى في الأرض]، والصحيح أنه اسم جنس يشمل سائر ~~النجوم الثواقب. وقد قيل: إنه " زحل " الذي يخرق السماوات السبع وينفذ ~~فيها فيرى منها. وسمي طارقا، لأنه يطرق ليلا، والمقسم عليه قوله: { إن ~~كل نفس لما عليها حافظ } يحفظ عليها أعمالها الصالحة ~~والسيئة، وستجازى بعملها المحفوظ عليها، { فلينظر الإنسان مم ~~خلق } أي: فليتدبر خلقته ومبدأه، فإنه مخلوق { من مآء دافق } ~~وهو: المني الذي { يخرج من بين الصلب والترآئب } يحتمل ~~أنه من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي ثدياها. ويحتمل أن المراد المني ~~الدافق، وهو مني الرجل، وأن محله الذي يخرج منه ما بين صلبه وترائبه، ~~ولعل هذا أولى، فإنه إنما وصف الله به الماء الدافق، والذي يحس [به] ~~ويشاهد دفقه، هو مني الرجل، وكذلك لفظ الترائب فإنها تستعمل في الرجل، ~~فإن الترائب للرجل، بمنزلة الثديين للأنثى، فلو أريدت الأنثى، لقال: " من ~~بين الصلب والثديين " ، ونحو ذلك، والله أعلم. فالذي أوجد الإنسان من ماء ~~دافق، يخرج من هذا الموضع الصعب، قادر على رجعه في الآخرة، وإعادته ~~للبعث، والنشور [والجزاء]، وقد قيل: إن معناه، أن الله على رجع الماء ~~المدفوق في الصلب لقادر، وهذا - وإن كان المعنى صحيحا - فليس هو المراد ~~من الآية، ولهذا قال بعده: { يوم تبلى السرآئر } أي: تختبر ~~سرائر الصدور، ويظهر ما كان في القلوب من خير وشر على صفحات الوجوه قال ~~تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106] ففي الدنيا، تنكتم كثير من الأمور، ولا تظهر عيانا ~~للناس، وأما في القيامة، فيظهر بر الأبرار، وفجور الفجار، وتصير الأمور ~~علانية، { فما له من قوة } يدفع بها عن نفسه، { ولا ناصر } ~~خارجي ينتصر به، فهذا القسم على حالة العاملين وقت عملهم وعند جزائهم. ~~ثم أقسم قسما ثانيا على صحة القرآن، فقال: { والسمآء ذات ~~الرجع * والأرض ذات الصدع } أي: ترجع السماء ms1696 بالمطر كل ~~عام، وتنصدع الأرض للنبات، فيعيش بذلك الآدميون والبهائم، وترجع السماء ~~أيضا بالأقدار والشؤون الإلهية كل وقت، وتنصدع الأرض عن الأموات، { ~~إنه } أي: القرآن { لقول فصل } أي: حق وصدق بين واضح. { ~~وما هو بالهزل } أي: جد ليس بالهزل، وهو القول الذي يفصل بين ~~الطوائف والمقالات، وتنفصل به الخصومات. { إنهم } أي: المكذبين ~~للرسول صلى الله عليه وسلم، وللقرآن { يكيدون كيدا } ليدفعوا ~~بكيدهم الحق، ويؤيدوا الباطل، { وأكيد كيدا } لإظهار الحق، ولو ~~كره الكافرون، ولدفع ما جاؤوا به من الباطل، ويعلم بهذا من الغالب، فإن ~~الآدمي أضعف وأحقر من أن يغالب القوي العليم في كيده، { فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا } أي: قليلا، فسيعلمون عاقبة ~~أمرهم، حين ينزل بهم العقاب. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-19] # يأمر تعالى بتسبيحه المتضمن لذكره وعبادته، والخضوع لجلاله، والاستكانة ~~لعظمته، وأن يكون تسبيحا، يليق بعظمة الله تعالى، بأن تذكر أسماؤه ~~الحسنى العالية على كل اسم بمعناها الحسن العظيم، وتذكر أفعاله التي منها ~~أنه خلق المخلوقات فسواها، أي: أتقنها وأحسن خلقها، { والذي قدر ~~} تقديرا، تتبعه جميع المقدرات { فهدى } إلى ذلك جميع المخلوقات. ~~وهذه الهداية العامة، التي مضمونها أنه هدى كل مخلوق لمصلحته، وتذكر فيها ~~نعمه الدنيوية، ولهذا قال فيها: { والذي أخرج المرعى } أي: ~~أنزل من السماء ماء فأنبت به أنواع النبات والعشب الكثير، فرتع فيها ~~الناس والبهائم وكل حيوان، ثم بعد أن استكمل ما قدر له من الشباب، ألوى ~~نباته، وصوح عشبه، { فجعله غثآء أحوى } أي: أسود أي: جعله ~~هشيما رميما، ويذكر فيها نعمه الدينية، ولهذا امتن الله بأصلها ~~ومنشئها، وهو القرآن، فقال: { سنقرئك فلا تنسى } أي: سنحفظ ما ~~أوحينا إليك من الكتاب، ونوعيه قلبك، فلا تنسى منه شيئا، وهذه بشارة ~~كبيرة من الله لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن الله سيعلمه ~~علما لا ينساه، { إلا ما شآء الله } مما اقتضت حكمته أن ينسيكه ~~لمصلحة بالغة، { إنه يعلم الجهر وما يخفى } ومن ذلك ~~أنه يعلم ما يصلح عباده أي: فلذلك يشرع ما أراد، ويحكم بما يريد، { ~~ونيسرك لليسرى } وهذه ms1697 أيضا بشارة كبيرة، أن الله ييسر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرا. ~~{ فذكر } بشرع الله وآياته { إن نفعت الذكرى } أي: ما ~~دامت الذكرى مقبولة، والموعظة مسموعة، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود ~~أو بعضه. ومفهوم الآية أنه إن لم تنفع الذكرى، بأن كان التذكير يزيد في ~~الشر، أو ينقص من الخير، لم تكن الذكرى مأمورا بها، بل منهيا عنها، ~~فالذكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون وغير منتفعين. فأما المنتفعون، ~~فقد ذكرهم بقوله: { سيذكر من يخشى } الله تعالى، فإن خشية ~~الله تعالى، وعلمه بأن سيجازيه على أعماله، توجب للعبد الانكفاف عن ~~المعاصي والسعي في الخيرات. وأما غير المنتفعين، فذكرهم بقوله: { ~~ويتجنبها الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى } ~~وهي النار الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، { ثم لا يموت فيها ~~ولا يحيا } أي: يعذب عذابا أليما، من غير راحة ولا استراحة، حتى ~~إنهم يتمنون الموت فلا يحصل لهم، كما قال تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من ~~عذابها # [فاطر: 36]. { قد أفلح من تزكى } أي: قد فاز وربح من طهر ~~نفسه ونقاها من الشرك والظلم ومساوئ الأخلاق، { وذكر اسم ربه ~~فصلى } أي: اتصف بذكر الله، وانصبغ به قلبه، فأوجب له ذلك العمل بما ~~يرضي الله، خصوصا الصلاة، التي هي ميزان الإيمان، فهذا معنى الآية ~~الكريمة، وأما من فسر قوله { تزكى } بمعني أخرج زكاة الفطر، وذكر ~~اسم ربه فصلى، أنه صلاة العيد، فإنه وإن كان داخلا في اللفظ وبعض ~~جزئياته، فليس هو المعنى وحده. # { بل تؤثرون الحياة الدنيا } أي: تقدمونها على الآخرة، ~~وتختارون نعيمها المنغص المكدر الزائل على الآخرة، [ { والآخرة ~~خير وأبقى } ] وللآخرة خير من الدنيا في كل وصف مطلوب، وأبقى ~~لكونها دار خلد وبقاء وصفاء، والدنيا دار فناء، فالمؤمن العاقل لا يختار ~~الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذة ساعة، بترحة الأبد، فحب الدنيا وإيثارها ~~على الآخرة رأس كل خطيئة، { إن هذا } المذكور لكم في هذه السورة ~~المباركة، من الأوامر الحسنة، والأخبار المستحسنة { لفي الصحف ~~الأولى * صحف ms1698 إبراهيم وموسى } اللذين هما أشرف المرسلين، ~~سوى النبي محمد صلى الله وسلم عليه وسلم. فهذه أوامر في كل شريعة، لكونها ~~عائدة إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كل زمان ومكان. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-16] # يذكر تعالى أحوال يوم القيامة وما فيها من الأهوال الطامة، وأنها تغشى ~~الخلائق بشدائدها، فيجازون بأعمالهم، ويتميزون [إلى] فريقين: فريقا في ~~الجنة، وفريقا في السعير. فأخبر عن وصف كلا الفريقين، فقال في [وصف] أهل ~~النار: { وجوه يومئذ } أي: يوم القيامة { خاشعة } من الذل ~~والفضيحة والخزي. { عاملة ناصبة } أي: تاعبة في العذاب، تجر ~~على وجوهها، وتغشى وجوههم النار. ويحتمل أن المراد [بقوله:] { وجوه ~~يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة } في الدنيا لكونهم في ~~الدنيا أهل عبادات وعمل، ولكنه لما عدم شرطه وهو الإيمان، صار يوم ~~القيامة هباء منثورا، وهذا الاحتمال وإن كان صحيحا من حيث المعنى، فلا ~~يدل عليه سياق الكلام، بل الصواب المقطوع به هو الاحتمال الأول، لأنه ~~قيده بالظرف، وهو يوم القيامة، ولأن المقصود هنا بيان وصف أهل النار ~~عموما، وذلك الاحتمال جزء قليل من أهل النار بالنسبة إلى أهلها ولأن ~~الكلام في بيان حال الناس عند غشيان الغاشية، فليس فيه تعرض لأحوالهم في ~~الدنيا. وقوله: { تصلى نارا حامية } أي: شديدا حرها، تحيط بهم ~~من كل مكان، { تسقى من عين آنية } أي: حارة شديدة الحرارة # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29] فهذا شرابهم. وأما طعامهم ف { ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع * لا يسمن ولا يغني من جوع } وذلك أن ~~المقصود من الطعام أحد أمرين: إما أن يسد جوع صاحبه ويزيل عنه ألمه، وإما ~~أن يسمن بدنه من الهزال، وهذا الطعام ليس فيه شيء من هذين الأمرين، بل هو ~~طعام في غاية المرارة والنتن والخسة، نسأل الله العافية. وأما أهل الخير، ~~فوجوههم يوم القيامة { ناعمة } أي: قد جرت عليهم نضرة النعيم، فنضرت ~~أبدانهم، واستنارت وجوههم، وسروا غاية السرور، { لسعيها } الذي ~~قدمته في الدنيا من الأعمال الصالحة، والإحسان إلى عباد الله، { ~~راضية } إذ وجدت ثوابه مدخرا ms1699 مضاعفا، فحمدت عقباه، وحصل لها كل ما ~~تتمناه، وذلك أنها { في جنة } جامعة لأنواع النعيم كلها، { ~~عالية } في محلها ومنازلها، فمحلها في أعلى عليين، ومنازلها مساكن ~~عالية، لها غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية يشرفون منها على ما أعد الله لهم ~~من الكرامة. # قطوفها دانية # [الحاقة: 23] أي: كثيرة الفواكه اللذيذة، المثمرة بالثمار الحسنة، ~~السهلة التناول، بحيث ينالونها على أي حال كانوا، لا يحتاجون أن يصعدوا ~~شجرة، أو يستعصي عليهم منها ثمرة. { لا تسمع فيها } أي: الجنة { ~~لاغية } أي: كلمة لغو وباطل، فضلا عن الكلام المحرم، بل كلامهم كلام ~~حسن [نافع] مشتمل على ذكر الله تعالى، وذكر نعمه المتواترة عليهم، و[على] ~~الآداب المستحسنة بين المتعاشرين، الذي يسر القلوب، ويشرح الصدور. { ~~فيها عين جارية } وهذا اسم جنس أي: فيها العيون الجارية التي ~~يفجرونها ويصرفونها كيف شاؤوا، وأنى أرادوا. { فيها سرر ~~مرفوعة } و " السرر " جمع " سرير " ، وهي المجالس المرتفعة في ~~ذاتها، وبما عليها من الفرش اللينة الوطيئة. { وأكواب موضوعة ~~} أي: أوان ممتلئة من أنواع الأشربة اللذيذة، قد وضعت بين أيديهم، وأعدت ~~لهم، وصارت تحت طلبهم واختيارهم، يطوف بها عليهم الولدان المخلدون. { ~~ونمارق مصفوفة } أي: وسائد من الحرير والاستبرق وغيرهما مما لا ~~يعلمه إلا الله، قد صفت للجلوس والاتكاء عليها، وقد أريحوا عن أن يضعوها، ~~و يصفوها بأنفسهم. { وزرابي مبثوثة } والزرابي [هي:] ~~البسط الحسان، مبثوثة أي: مملوءة بها مجالسهم من كل جانب. ### || [88.17-26] # يقول تعالى حثا للذين لا يصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم، ولغيرهم ~~من الناس، أن يتفكروا في مخلوقات الله الدالة على توحيده: { أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } أي: [ألا] ينظرون إلى خلقها ~~البديع، وكيف سخرها الله للعباد، وذللها لمنافعهم الكثيرة التي يضطرون ~~إليها. { وإلى الجبال كيف نصبت } بهيئة باهرة، حصل بها ~~استقرار الأرض وثباتها عن الاضطراب، وأودع فيها من المنافع [الجليلة] ما ~~أودع. { وإلى الأرض كيف سطحت } أي: مدت مدا واسعا، وسهلت ~~غاية التسهيل، ليستقر الخلائق على ظهرها، ويتمكنوا من حرثها وغراسها، ~~والبنيان فيها، وسلوك الطرق الموصلة إلى أنواع المقاصد ms1700 فيها. واعلم أن ~~تسطيحها لا ينافي أنها كرة مستديرة، قد أحاطت الأفلاك فيها من جميع ~~جوانبها، كما دل على ذلك النقل والعقل والحس والمشاهدة، كما هو مذكور ~~معروف عند أكثر الناس، خصوصا في هذه الأزمنة، التي وقف الناس على أكثر ~~أرجائها بما أعطاهم الله من الأسباب المقربة للبعيد، فإن التسطيح إنما ~~ينافي كروية الجسم الصغير جدا، الذي لو سطح لم يبق له استدارة تذكر. ~~وأما جسم الأرض الذي هو في غاية الكبر والسعة، فيكون كرويا مسطحا، ولا ~~يتنافى الأمران، كما يعرف ذلك أرباب الخبرة. { فذكر إنمآ أنت ~~مذكر } أي: ذكر الناس وعظهم، وأنذرهم وبشرهم، فإنك مبعوث لدعوة ~~الخلق إلى الله وتذكيرهم، ولم تبعث مسيطرا عليهم، مسلطا موكلا ~~بأعمالهم، فإذا قمت بما عليك، فلا عليك بعد ذلك لوم، كقوله تعالى: # ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف ~~وعيد # [ق: 45]. وقوله: { إلا من تولى وكفر } أي: لكن من تولى عن ~~الطاعة وكفر بالله { فيعذبه الله العذاب الأكبر } أي: ~~الشديد الدائم، { إن إلينآ إيابهم } أي: رجوع الخليقة وجمعهم ~~في يوم القيامة. { ثم إن علينا حسابهم } فنحاسبهم على ما ~~عملوا من خير وشر. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-5] # الظاهر أن المقسم به هو المقسم عليه، وذلك جائز مستعمل، إذا كان أمرا ~~ظاهرا مهما، وهو كذلك في هذا الموضع. فأقسم تعالى بالفجر، الذي هو ~~آخر الليل ومقدمة النهار، لما في إدبار الليل وإقبال النهار، من الآيات ~~الدالة على كمال قدرة الله تعالى، وأنه وحده المدبر لجميع الأمور، الذي ~~لا تنبغي العبادة إلا له، ويقع في الفجر صلاة فاضلة معظمة، يحسن أن يقسم ~~الله بها، ولهذا أقسم بعده بالليالي العشر، وهي على الصحيح: ليالي عشر ~~رمضان، أو [عشر] ذي الحجة، فإنها ليال مشتملة على أيام فاضلة، ويقع فيها ~~من العبادات والقربات ما لا يقع في غيرها. وفي ليالي عشر رمضان ليلة ~~القدر، التي هي خير من ألف شهر، وفي نهارها، صيام آخر رمضان الذي هو ركن ~~من أركان الإسلام. وفي أيام عشر ذي الحجة، الوقوف بعرفة، ms1701 الذي يغفر الله ~~فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر ~~منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ~~ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة، وهذه أشياء معظمة، مستحقة لأن ~~يقسم الله بها. { واليل إذا يسر } أي: وقت سريانه وإرخائه ظلامه ~~على العباد، فيسكنون ويستريحون ويطمئنون، رحمة منه تعالى وحكمة. { هل ~~في ذلك } المذكور { قسم لذى حجر } أي: [لذي] عقل؟ نعم، بعض ~~ذلك يكفي، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ### || [89.6-14] # يقول تعالى: { ألم تر } بقلبك وبصيرتك كيف فعل بهذه الأمم ~~الطاغية، وهي { إرم } القبيلة المعروفة في اليمن { ذات العماد } ~~أي: القوة الشديدة، والعتو والتجبر، { التي لم يخلق مثلها } ~~أي: مثل عاد { في البلاد } أي: في جميع البلدان [في القوة والشدة]، ~~كما قال لهم نبيهم هود عليه السلام: # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح ~~وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا ءالآء الله ~~لعلكم تفلحون # [الأعراف: 69]. { وثمود الذين جابوا الصخر بالواد } ~~أي: وادي القرى، نحتوا بقوتهم الصخور، فاتخذوها مساكن، { وفرعون ~~ذى الأوتاد } أي: [ذي] الجنود الذين ثبتوا ملكه، كما تثبت الأوتاد ~~ما يراد إمساكه بها، { الذين طغوا في البلاد } هذا الوصف ~~عائد إلى عاد وثمود وفرعون ومن تبعهم، فإنهم طغوا في بلاد الله، وآذوا ~~عباد الله، في دينهم ودنياهم، ولهذا قال: { فأكثروا فيها ~~الفساد } وهو العمل بالكفر وشعبه، من جميع أجناس المعاصي، وسعوا ~~في محاربة الرسل وصد الناس عن سبيل الله، فلما بلغوا من العتو ما هو موجب ~~لهلاكهم، أرسل الله عليهم من عذابه ذنوبا وسوط عذاب، { إن ربك ~~لبالمرصاد } لمن عصاه يمهله قليلا، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ### || [89.15-20] # يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه جاهل ظالم، لا علم له ~~بالعواقب، يظن الحالة التي تقع فيه تستمر ولا تزول، ويظن أن إكرام الله ~~في الدنيا وإنعامه عليه يدل على كرامته عنده وقربه منه، وأنه إذا { ~~قدر عليه رزقه } أي: ضيقه، فصار يقدر قوته ms1702 لا يفضل منه، أن ~~هذا إهانة من الله له، فرد الله عليه هذا الحسبان: بقوله { كلا } أي: ~~ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم علي، ولا كل من قدرت عليه رزقه ~~فهو مهان لدي، وإنما الغنى والفقر، والسعة والضيق، ابتلاء من الله، ~~وامتحان يمتحن به العباد، ليرى من يقوم له بالشكر والصبر، فيثيبه على ذلك ~~الثواب الجزيل، ممن ليس كذلك فينقله إلى العذاب الوبيل. وأيضا، فإن وقوف ~~همة العبد عند مراد نفسه فقط، من ضعف الهمة، ولهذا لامهم الله على عدم ~~اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فقال: { كلا بل لا تكرمون ~~اليتيم } الذي فقد أباه وكاسبه، واحتاج إلى جبر خاطره والإحسان إليه. ~~فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم، وعدم ~~الرغبة في الخير. { ولا تحآضون على طعام المسكين } أي: ~~لا يحض بعضكم بعضا على إطعام المحاويج من المساكين والفقراء، وذلك لأجل ~~الشح على الدنيا ومحبتها الشديدة المتمكنة من القلوب، ولهذا قال: { ~~وتأكلون التراث } أي: المال المخلف { أكلا لما } أي: ~~ذريعا، لا تبقون على شيء منه. { وتحبون المال حبا جما } ~~أي: كثيرا شديدا، وهذا كقوله تعالى: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى # [الأعلى: 16-17] # كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة # [القيامة: 20-21]. ### || [89.21-30] # { كلا } أي: ليس [كل] ما أحببتم من الأموال، وتنافستم فيه من اللذات، ~~بباق لكم، بل أمامكم يوم عظيم، وهول جسيم، تدك فيه الأرض والجبال وما ~~عليها حتى تجعل قاعا صفصفا لا عوج فيه ولا أمت. ويجيء الله تعالى لفصل ~~القضاء بين عباده في ظلل من الغمام، وتجيء الملائكة الكرام، أهل السماوات ~~كلهم، صفا صفا أي: صفا بعد صف، كل سماء يجيء ملائكتها صفا، يحيطون ~~بمن دونهم من الخلق، وهذه الصفوف صفوف خضوع وذل للملك الجبار، { وجيء ~~يومئذ بجهنم } تقودها الملائكة بالسلاسل. فإذا وقعت هذه ~~الأمور ف { يومئذ يتذكر الإنسان } ما قدمه من خير وشر. { ~~وأنى له الذكرى } فقد فات أوانها، وذهب زمانها، يقول متحسرا ~~على ما فرط في جنب الله: { يليتني قدمت ms1703 لحياتي } الدائمة ~~الباقية، عملا صالحا، كما قال تعالى: # يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * ~~يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا # [الفرقان: 27-28]. وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في ~~أصلها وكمالها، وفي تتميم لذاتها، هي الحياة في دار القرار، فإنها دار ~~الخلد والبقاء، { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد } لمن ~~أهمل ذلك اليوم ونسي العمل له، { ولا يوثق وثاقه أحد } فإنهم ~~يقرنون بسلاسل من نار، ويسحبون على وجوههم في الحميم، ثم في النار ~~يسجرون، فهذا جزاء المجرمين، وأما من اطمأن إلى الله وآمن به وصدق رسله، ~~فيقال له: { يأيتها النفس المطمئنة } إلى ذكر الله، ~~الساكنة [إلى] حبه، التي قرت عينها بالله. { ارجعي إلى ربك } ~~الذي رباك بنعمته، وأسدى عليك من إحسانه ما صرت به من أوليائه وأحبابه { ~~راضية مرضية } أي: راضية عن الله، وعن ما أكرمها به من ~~الثواب، والله قد رضي عنها. { فادخلي في عبادي * وادخلي ~~جنتي } وهذا تخاطب به الروح يوم القيامة، وتخاطب به حال الموت ~~[والحمد لله رب العالمين]. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-20] # يقسم تعالى { بهذا البلد } الأمين، الذي هو مكة المكرمة، أفضل ~~البلدان على الإطلاق، خصوصا وقت حلول الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، { ~~ووالد وما ولد } أي: آدم وذريته. والمقسم عليه قوله: { لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد } يحتمل أن المراد بذلك ما يكابده ~~ويقاسيه من الشدائد في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم يقوم الأشهاد، وأنه ~~ينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور ~~الدائم. وإن لم يفعل، فإنه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد. ~~ويحتمل أن المعنى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، وأقوم خلقة، مقدر ~~على التصرف والأعمال الشديدة، ومع ذلك، [فإنه] لم يشكر الله على هذه ~~النعمة [العظيمة]، بل بطر بالعافية وتجبر على خالقه، فحسب بجهله وظلمه ~~أن هذه الحال ستدوم له، وأن سلطان تصرفه لا ينعزل، ولهذا قال تعالى: { ~~أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ويطغى ويفتخر بما أنفق ~~من الأموال على شهوات نفسه. ms1704 ف { يقول أهلكت مالا لبدا } ~~أي: كثيرا، بعضه فوق بعض. وسمى الله تعالى الإنفاق في الشهوات والمعاصي ~~إهلاكا، لأنه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود عليه من إنفاقه إلا ~~الندم والخسار والتعب والقلة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير، ~~فإن هذا قد تاجر مع الله، وربح أضعاف أضعاف ما أنفق. قال الله متوعدا ~~هذا الذي يفتخر بما أنفق في الشهوات: { أيحسب أن لم يره ~~أحد } أي: أيحسب في فعله هذا، أن الله لا يراه ويحاسبه على الصغير ~~والكبير؟ بل قد رآه الله، وحفظ عليه أعماله، ووكل به الكرام الكاتبين، ~~لكل ما عمله من خير وشر. ثم قرره بنعمه، فقال: { ألم نجعل له ~~عينين * ولسانا وشفتين } للجمال والبصر والنطق، وغير ذلك ~~من المنافع الضرورية فيها، فهذه نعم الدنيا، ثم قال في نعم الدين: { ~~وهديناه النجدين } أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من ~~الضلال، والرشد من الغي. فهذه المنن الجزيلة، تقتضي من العبد أن يقوم ~~بحقوق الله، ويشكر الله على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصيه، ولكن ~~هذا الإنسان لم يفعل ذلك. { فلا اقتحم العقبة } أي: لم يقتحمها ~~ويعبر عليها، لأنه متبع لشهواته. وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] ~~العقبة بقوله: { فك رقبة } أي: فكها من الرق، بعتقها أو مساعدتها ~~على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار. { أو ~~إطعام في يوم ذي مسغبة } أي: مجاعة شديدة، بأن يطعم وقت ~~الحاجة أشد الناس حاجة، { يتيما ذا مقربة } أي: جامعا بين كونه ~~يتيما، فقيرا ذا قرابة، { أو مسكينا ذا متربة } أي: قد لزق ~~بالتراب من الحاجة والضرورة، { ثم كان من الذين آمنوا } ~~أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم من كل ~~قول وفعل واجب أو مستحب، { وتواصوا بالصبر } على طاعة الله ~~وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة بأن يحث بعضهم بعضا على الانقياد ~~لذلك، والإتيان به كاملا منشرحا به الصدر، مطمئنة به النفس. # { وتواصوا بالمرحمة } للخلق، من إعطاء محتاجهم، وتعليم ms1705 ~~جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح ~~الدينية والدنيوية، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ~~أولئك الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام هذه العقبة { ~~أولئك أصحاب الميمنة } لأنهم أدوا ما أمر الله به من ~~حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها. { ~~والذين كفروا بآياتنا } بأن نبذوا هذه الأمور وراء ظهورهم، ~~فلم يصدقوا بالله، [ولا آمنوا به]، ولا عملوا صالحا، ولا رحموا عباد ~~الله، { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ~~* عليهم نار مؤصدة } أي: مغلقة، في عمد ممددة، قد مدت من ~~ورائها، لئلا تنفتح أبوابها، حتى يكونوا في ضيق وهم وشدة [والحمد لله]. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-15] # أقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس ~~الفاجرة، فقال: { والشمس وضحاها } أي: نورها، ونفعها الصادر ~~منها، { والقمر إذا تلاها } أي: تبعها في المنازل والنور، { ~~والنهار إذا جلاها } أي: جلى ما على وجه الأرض وأوضحه، { ~~والليل إذا يغشاها } أي: يغشى وجه الأرض، فيكون ما عليها ~~مظلما. فتعاقب الظلمة والضياء، والشمس والقمر، على هذا العالم، بانتظام ~~وإتقان، وقيام لمصالح العباد، أكبر دليل على أن الله بكل شيء عليم، وعلى ~~كل شيء قدير، وأنه المعبود وحده، الذي كل معبود سواه فباطل. { ~~والسمآء وما بناها } يحتمل أن " ما " موصولة، فيكون الإقسام ~~بالسماء وبانيها، الذي هو الله تبارك وتعالى، ويحتمل أنها مصدرية، فيكون ~~الإقسام بالسماء وبنيانها، الذي هو غاية ما يقدر من الإحكام والإتقان ~~والإحسان، ونحو ذلك قوله: { والأرض وما طحاها } أي: مدها ~~ووسعها، فتمكن الخلق حينئذ من الانتفاع بها، بجميع وجوه الانتفاع. { ~~ونفس وما سواها } يحتمل أن المراد نفس سائر المخلوقات ~~الحيوانية، كما يؤيد هذا العموم، ويحتمل أن المراد بالإقسام بنفس الإنسان ~~المكلف، بدليل ما يأتي بعده. وعلى كل، فالنفس آية كبيرة من آياته التي ~~حقيقة بالإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل ~~[والحركة] والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم، والإرادة، ~~والقصد، والحب، والبغض، وهي التي لولاها ms1706 لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة ~~فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة. وقوله: { قد ~~أفلح من زكاها } أي: طهر نفسه من الذنوب، ونقاها من العيوب، ~~ورقاها بطاعة الله، وعلاها بالعلم النافع والعمل الصالح. { وقد ~~خاب من دساها } أي: أخفى نفسه الكريمة، التي ليست حقيقة بقمعها ~~وإخفائها، بالتدنس بالرذائل، والدنو من العيوب والاقتراف للذنوب، وترك ما ~~يكملها وينميها، واستعمال ما يشينها ويدسيها. { كذبت ثمود ~~بطغواهآ } أي: بسبب طغيانها وترفعها عن الحق، وعتوها على رسل الله، ~~{ إذ انبعث أشقاها } أي: أشقى القبيلة، [وهو] " قدار بن سالف " ~~لعقرها حين اتفقوا على ذلك، وأمروه فأتمر لهم. { فقال لهم ~~رسول الله } صالح عليه السلام محذرا: { ناقة الله ~~وسقياها } أي: احذروا عقر ناقة الله، التي جعلها لكم آية عظيمة، ولا ~~تقابلوا نعمة الله عليكم بسقي لبنها أن تعقروها، فكذبوا نبيهم صالحا { ~~فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم } أي: دمر ~~عليهم وعمهم بعقابه، وأرسل عليهم الصيحة من فوقهم، والرجفة من تحتهم، ~~فأصبحوا جاثمين على ركبهم، لا تجد منهم داعيا ولا مجيبا. { فسواها ~~} عليهم أي: سوى بينهم بالعقوبة { ولا يخاف عقباها } أي: ~~تبعتها. وكيف يخاف من هو قاهر، لا يخرج عن قهره وتصرفه مخلوق، الحكيم ~~في كل ما قضاه وشرعه؟ تمت ولله الحمد ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-21] # هذا قسم من الله بالزمان الذي تقع فيه أفعال العباد على تفاوت أحوالهم، ~~فقال: { والليل إذا يغشى } [أي: يعم] الخلق بظلامه، فيسكن ~~كل إلى مأواه ومسكنه، ويستريح العباد من الكد والتعب، { والنهار ~~إذا تجلى } للخلق، فاستضاؤوا بنوره، وانتشروا في مصالحهم، { وما ~~خلق الذكر والأنثى } إن كانت " ما " موصولة، كان إقساما ~~بنفسه الكريمة الموصوفة، بأنه خالق الذكور والإناث، وإن كانت مصدرية، كان ~~قسما بخلقه للذكر والأنثى، وكمال حكمته في ذلك أن خلق من كل صنف من ~~الحيوانات التي يريد بقاءها ذكرا وأنثى، ليبقى النوع ولا يضمحل، وقاد ~~كلا منهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة، وجعل كلا منهما مناسبا للآخر، ~~فتبارك الله أحسن الخالقين. وقوله: { إن سعيكم لشتى } هذا ~~[هو] المقسم ms1707 عليه أي: إن سعيكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتا كثيرا، ~~وذلك بحسب تفاوت نفس الأعمال ومقدارها والنشاط فيها، وبحسب الغاية ~~المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ~~ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ~~ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟ وهذا كل عمل يقصد به غير وجه الله تعالى، ~~بهذا الوصف، ولهذا فصل الله تعالى العاملين، ووصف أعمالهم، فقال: { ~~فأما من أعطى } [أي] ما أمر به من العبادات المالية، كالزكوات، ~~والكفارات والنفقات، والصدقات، والإنفاق في وجوه الخير، والعبادات ~~البدنية كالصلاة، والصوم ونحوهما. والمركبة منهما، كالحج والعمرة ~~[ونحوهما] { واتقى } ما نهي عنه، من المحرمات والمعاصي، على اختلاف ~~أجناسها. { وصدق بالحسنى } أي: صدق ب " لا إله إلا الله " ~~وما دلت عليه، من جميع العقائد الدينية، وما ترتب عليها من الجزاء ~~الأخروي. { فسنيسره لليسرى } أي: نسهل عليه أمره، ونجعله ~~ميسرا له كل خير، ميسرا له ترك كل شر، لأنه أتى بأسباب التيسير، فيسر ~~الله له ذلك. { وأما من بخل } بما أمر به، فترك الإنفاق الواجب ~~والمستحب، ولم تسمح نفسه بأداء ما وجب لله، { واستغنى } عن الله، ~~فترك عبوديته جانبا، ولم ير نفسه مفتقرة غاية الافتقار إلى ربها، الذي ~~لا نجاة لها ولا فوز ولا فلاح، إلا بأن يكون هو محبوبها ومعبودها، الذي ~~تقصده وتتوجه إليه، { وكذب بالحسنى } أي: بما أوجب الله على ~~العباد التصديق به من العقائد الحسنة، { فسنيسره للعسرى } ~~أي: للحالة العسرة، والخصال الذميمة، بأن يكون ميسرا للشر أينما كان، ~~ومقيضا له أفعال المعاصي، نسأل الله العافية. { وما يغني عنه ~~ماله } الذي أطغاه واستغنى به، وبخل به إذا هلك ومات، فإنه لا يصحبه ~~إلا عمله الصالح. وأما ماله [الذي لم يخرج منه الواجب] فإنه يكون وبالا ~~عليه، إذ لم يقدم منه لآخرته شيئا. { إن علينا للهدى } أي: ~~إن الهدى المستقيم طريقه، يوصل إلى الله، ويدني من رضاه، وأما الضلال، ~~فطرق مسدودة عن الله، لا توصل صاحبها إلا للعذاب الشديد. # { وإن لنا للآخرة والأولى } ملكا وتصرفا، ليس له ms1708 فيهما ~~مشارك، فليرغب الراغبون إليه في الطلب، ولينقطع رجاؤهم عن المخلوقين، { ~~فأنذرتكم نارا تلظى } أي: تستعر وتتوقد، { لا يصلهآ ~~إلا الأشقى * الذي كذب } بالخبر { وتولى } عن الأمر. ~~{ وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى } ~~بأن يكون قصده به تزكية نفسه، وتطهيرها من الذنوب والعيوب، قاصدا به وجه ~~الله تعالى، فدل هذا على أنه إذا تضمن الإنفاق المستحب ترك واجب، كدين ~~ونفقة ونحوهما، فإنه غير مشروع، بل تكون عطيته مردودة عند كثير من ~~العلماء، لأنه لا يتزكى بفعل مستحب يفوت عليه الواجب. { وما لأحد ~~عنده من نعمة تجزى } أي: ليس لأحد من الخلق على هذا الأتقى ~~نعمة تجزى إلا وقد كافأه بها، وربما بقي له الفضل والمنة على الناس، ~~فتمحض عبدا لله، لأنه رقيق إحسانه وحده، وأما من بقي عليه نعمة للناس لم ~~يجزها ويكافئها، فإنه لا بد أن يترك للناس، ويفعل لهم ما ينقص [إخلاصه]. ~~وهذه الآية، وإن كانت متناولة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل قد قيل ~~إنها نزلت في سببه، فإنه - رضي الله عنه - ما لأحد عنده من نعمة تجزى، ~~حتى ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا نعمة الرسول التي لا يمكن ~~جزاؤها، وهي [نعمة] الدعوة إلى دين الإسلام، وتعليم الهدى ودين الحق، فإن ~~لله ورسوله المنة على كل أحد، منة لا يمكن لها جزاء ولا مقابلة، فإنها ~~متناولة لكل من اتصف بهذا الوصف الفاضل، فلم يبق لأحد عليه من الخلق نعمة ~~تجزى، فبقيت أعماله خالصة لوجه الله تعالى. ولهذا قال: { إلا ~~ابتغآء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى } هذا ~~الأتقى بما يعطيه الله من أنواع الكرامات والمثوبات، والحمد لله رب ~~العالمين. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-11] # أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ~~ظلمته، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم فقال: { ما ودعك ~~ربك } أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم ~~يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. { وما قلى } ك الله ~~أي: ما ms1709 أبغضك منذ أحبك، فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا ~~يكون مدحا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال، فهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم ~~الماضية والحاضرة، أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في ~~درج الكمال، ودوام اعتناء الله به. وأما حاله المستقبلة، فقال: { ~~وللآخرة خير لك من الأولى } أي: كل حالة متأخرة من ~~أحوالك، فإن لها الفضل على الحالة السابقة. فلم يزل صلى الله عليه وسلم ~~يصعد في درج المعالي، ويمكن له الله دينه، وينصره على أعدائه، ويسدد له ~~أحواله، حتى مات، وقد وصل إلى حال لا يصل إليها الأولون والآخرون، من ~~الفضائل والنعم، وقرة العين، وسرور القلب. ثم بعد ذلك، لا تسأل عن حاله ~~في الآخرة، من تفاصيل الإكرام، وأنواع الإنعام، ولهذا قال: { ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى } وهذا أمر لا يمكن التعبير عنه بغير هذه ~~العبارة الجامعة الشاملة. ثم امتن عليه بما يعلمه من أحواله [الخاصة] ~~فقال: { ألم يجدك يتيما فآوى } أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، ~~بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد ~~المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره ~~وبالمؤمنين. { ووجدك ضآلا فهدى } أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ~~ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق. { ~~ووجدك عآئلا } أي: فقيرا { فأغنى } بما فتح الله عليك من ~~البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها. فالذي أزال عنك هذه النقائص، ~~سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل ~~نعمته بالشكران. [ولهذا قال:] { فأما اليتيم فلا تقهر } ~~أي: لا تسيء معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، ~~وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك. { وأما ~~السآئل فلا تنهر } أي: لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده ~~عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف ~~[وإحسان]. وهذا يدخل فيه السائل للمال، ms1710 والسائل للعلم، ولهذا كان المعلم ~~مأمورا بحسن الخلق مع المتعلم، ومباشرته بالإكرام والتحنن عليه، فإن في ~~ذلك معونة له على مقصده، وإكراما لمن كان يسعى في نفع العباد والبلاد. { ~~وأما بنعمة ربك } [وهذا يشمل] النعم الدينية والدنيوية { ~~فحدث } أي: أثن على الله بها، وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة. ~~وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق، فإن التحدث بنعمة الله داع لشكرها، ~~وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها، فإن القلوب مجبولة على محبة ~~المحسن. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-8] # يقول تعالى - ممتنا على رسوله -: { ألم نشرح لك صدرك } ~~أي: نوسعه لشرائع الدين والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، ~~والإقبال على الآخرة، وتسهيل الخيرات فلم يكن ضيقا حرجا، لا يكاد ينقاد ~~لخير، ولا تكاد تجده منبسطا. { ووضعنا عنك وزرك } أي: ذنبك، ~~{ الذي أنقض } أي: أثقل { ظهرك } كما قال تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. { ورفعنا لك ذكرك } أي: أعلينا قدرك، وجعلنا لك ~~الثناء الحسن العالي، الذي لم يصل إليه أحد من الخلق، فلا يذكر الله إلا ~~ذكر معه رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في الدخول في الإسلام، وفي الأذان ~~والإقامة والخطب، وغير ذلك من الأمور التي أعلى الله بها ذكر رسوله محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وله في قلوب أمته من المحبة والإجلال والتعظيم ما ~~ليس لأحد غيره، بعد الله تعالى، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيا عن ~~أمته. وقوله: { فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر ~~يسرا } بشارة عظيمة، أنه كلما وجد عسر وصعوبة، فإن اليسر يقارنه ~~ويصاحبه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر، فأخرجه كما قال ~~تعالى: # سيجعل الله بعد عسر يسرا # [الطلاق: 7] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا ". # وتعريف " العسر " في الآيتين، يدل على أنه واحد، وتنكير " اليسر " يدل ~~على تكراره، فلن يغلب عسر يسرين. وفي تعريفه بالألف واللام، الدالة على ~~الاستغراق والعموم يدل على أن كل عسر - وإن ms1711 بلغ من الصعوبة ما بلغ - فإنه ~~في آخره التيسير ملازم له. ثم أمر الله رسوله أصلا، والمؤمنين تبعا، ~~بشكره والقيام بواجب نعمه، فقال: { فإذا فرغت فانصب } أي: إذا ~~تفرغت من أشغالك، ولم يبق في قلبك ما يعوقه، فاجتهد في العبادة والدعاء. ~~{ وإلى ربك } وحده { فارغب } أي: أعظم الرغبة في إجابة دعائك ~~وقبول عباداتك. ولا تكن ممن إذا فرغوا وتفرغوا لعبوا وأعرضوا عن ربهم وعن ~~ذكره، فتكون من الخاسرين. وقد قيل: إن معنى قوله: فإذا فرغت من الصلاة ~~وأكملتها، فانصب في الدعاء، وإلى ربك فارغب في سؤال مطالبك. واستدل من ~~قال بهذا القول، على مشروعية الدعاء والذكر عقب الصلوات المكتوبات، والله ~~أعلم بذلك تمت ولله الحمد. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # { التين } هو التين المعروف، وكذلك { الزيتون } أقسم بهاتين ~~الشجرتين، لكثرة منافع شجرهما وثمرهما، ولأن سلطانهما في أرض الشام، محل ~~نبوة عيسى ابن مريم عليه السلام. { وطور سينين } أي: طور سيناء، ~~محل نبوة موسى صلى الله عليه وسلم، { وهذا البلد الأمين } ~~وهي مكة المكرمة، محل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأقسم تعالى بهذه ~~المواضع المقدسة، التي اختارها وابتعث منها أفضل النبوات وأشرفها. ~~والمقسم عليه قوله: { لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم } أي: تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما ~~يحتاج إليه ظاهرا أو باطنا شيئا، ومع هذه النعم العظيمة، التي ينبغي ~~منه القيام بشكرها، فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو ~~واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمور، وسفساف الأخلاق، فردهم الله في ~~أسفل سافلين أي: أسفل النار، موضع العصاة المتمردين على ربهم، إلا من ~~من الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، والأخلاق الفاضلة العالية، { ~~فلهم } بذلك المنازل العالية، و { أجر غير ممنون } أي: غير ~~مقطوع، بل لذات متوافرة، وأفراح متواترة، ونعم متكاثرة، في أبد لا يزول، ~~ونعيم لا يحول، أكلها دائم وظلها، { فما يكذبك بعد بالدين ~~} أي: أي شيء يكذبك أيها الإنسان بيوم الجزاء على الأعمال، وقد رأيت من ~~آيات الله الكثيرة ما به يحصل لك اليقين، ومن نعمه ms1712 ما يوجب عليك أن لا ~~تكفر بشيء مما أخبرك به، { أليس الله بأحكم الحاكمين } ~~فهل تقتضي حكمته أن يترك الخلق سدى لا يؤمرون ولا ينهون، ولا يثابون ولا ~~يعاقبون؟ أم الذي خلق الإنسان أطوارا بعد أطوار، وأوصل إليهم من النعم ~~والخير والبر ما لا يحصونه، ورباهم التربية الحسنة، لا بد أن يعيدهم إلى ~~دار هي مستقرهم وغايتهم، التي إليها يقصدون، ونحوها يؤمون. تمت ولله ~~الحمد. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-19] # هذه السورة أول السور القرآنية نزولا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة، إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان، فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وأمره أن يقرأ، ~~فامتنع، وقال: # " ما أنا بقارئ " # فلم يزل به حتى قرأ. فأنزل الله عليه: { اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق } عموم الخلق، ثم خص الإنسان، وذكر ابتداء خلقه { من ~~علق } فالذي خلق الإنسان واعتنى بتدبيره، لا بد أن يدبره بالأمر ~~والنهي، وذلك بإرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولهذا ذكر بعد ~~الأمر بالقراءة، خلقه للإنسان. ثم قال: { اقرأ وربك الأكرم } ~~أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه ~~أن علم بالعلم. و { علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم } فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا، وجعل له السمع ~~والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم. فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه ~~بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلا للناس تنوب مناب ~~خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا ~~يقدرون لها على جزاء ولا شكور، ثم من عليهم بالغنى وسعة الرزق، ولكن ~~الإنسان - لجهله وظلمه - إذا رأى نفسه غنيا، طغى وبغى، وتجبر عن الهدى، ~~ونسي أن إلى ربه الرجعى، ولم يخف الجزاء، بل ربما وصلت به الحال أنه يترك ~~الهدى بنفسه، ويدعو [غيره] إلى تركه، فينهى عن الصلاة التي هي أفضل أعمال ~~الإيمان. يقول الله لهذا المتمرد العاتي: { أرأيت } أيها الناهي ~~للعبد إذا صلى { إن كان ms1713 } العبد المصلي { على الهدى } العلم ~~بالحق والعمل به، { أو أمر } غيره { بالتقوى }. فهل يحسن أن ~~ينهى من هذا وصفه؟ أليس نهيه من أعظم المحادة لله والمحاربة للحق؟ فإن ~~النهي لا يتوجه إلا لمن هو في نفسه على غير الهدى، أو كان يأمر غيره ~~بخلاف التقوى. { أرأيت إن كذب } الناهي بالحق، { وتولى } ~~عن الأمر، أما يخاف الله ويخشى عقابه؟ { ألم يعلم بأن الله ~~يرى } ما يعمل ويفعل؟. ثم توعده إن استمر على حاله، فقال: { كلا ~~لئن لم ينته } عما يقول ويفعل { لنسفعا بالناصية } ~~أي: لنأخذن بناصيته، أخذا عنيفا، وهي حقيقة بذلك، فإنها { ناصية ~~كاذبة خاطئة } أي: كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها. { فليدع ~~} هذا الذي حق عليه العقاب { ناديه } أي: أهل مجلسه وأصحابه ومن ~~حوله، ليعينوه على ما نزل به، { سندع الزبانية } أي: خزنة ~~جهنم، لأخذه وعقوبته، فلينظر أي: الفريقين أقوى وأقدر؟ فهذه حالة الناهي ~~وما توعد به من العقوبة، وأما حالة المنهي، فأمره الله أن لا يصغى إلى ~~هذا الناهي ولا ينقاد لنهيه فقال: { كلا لا تطعه } [أي:] فإنه لا ~~يأمر إلا بما فيه خسارة الدارين، { واسجد } لربك { واقترب } منه ~~في السجود وغيره من أنواع الطاعات والقربات، فإنها كلها تدني من رضاه ~~وتقرب منه. وهذا عام لكل ناه عن الخير ومنهي عنه، وإن كانت نازلة في شأن ~~أبي جهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، وعبث به وآذاه. ~~تمت ولله الحمد. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # يقول تعالى مبينا لفضل القرآن وعلو قدره: { إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر } كما قال تعالى: # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وذلك أن الله [تعالى]، ابتدأ بإنزاله في رمضان [في] ليلة ~~القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرا. ~~وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون ~~في العام من الآجال والأرزاق والمقادير القدرية. ثم فخم شأنها، وعظم ~~مقدارها، فقال: { ومآ أدراك ما ليلة القدر } أي: فإن ~~شأنها جليل، وخطرها عظيم، { ليلة ms1714 القدر خير من ألف ~~شهر } أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من ~~العمل في ألف شهر [خالية منها]، وهذا مما تتحير فيه الألباب، وتندهش له ~~العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، ~~بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرا ~~طويلا، نيفا وثمانين سنة. { تنزل الملائكة والروح ~~فيها } أي: يكثر نزولهم فيها { من كل أمر * سلام هي } أي: ~~سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة خيرها، { حتى مطلع الفجر } ~~أي: مبتداها من غروب الشمس ومنتهاها طلوع الفجر. وقد تواترت الأحاديث في ~~فضلها، وأنها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه، خصوصا في أوتاره، وهي ~~باقية في كل سنة إلى قيام الساعة. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعتكف ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، رجاء ليلة القدر ~~[والله أعلم]. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # يقول تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~} أي: [من] اليهود والنصارى { والمشركين } من سائر أصناف الأمم. { ~~منفكين } عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه، أي: لا يزالون في غيهم ~~وضلالهم، لا يزيدهم مرور السنين إلا كفرا. { حتى تأتيهم ~~البينة } الواضحة، والبرهان الساطع، ثم فسر تلك البينة فقال: { ~~رسول من الله } أي: أرسله الله، يدعو الناس إلى الحق، وأنزل ~~عليه كتابا يتلوه، ليعلم الناس الحكمة ويزكيهم، ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور، ولهذا قال: { يتلوا صحفا مطهرة } أي: محفوظة عن ~~قربان الشياطين، لا يمسها إلا المطهرون، لأنها في أعلى ما يكون من ~~الكلام. ولهذا قال عنها: { فيها } أي: في تلك الصحف { كتب قيمة ~~} أي: أخبار صادقة، وأوامر عادلة تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم، فإذا ~~جاءتهم هذه البينة، فحينئذ يتبين طالب الحق ممن ليس له مقصد في طلبه، ~~فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. وإذا لم يؤمن أهل الكتاب ~~لهذا الرسول وينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما ~~تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابا { إلا من بعد ms1715 ما جآءتهم ~~البينة } التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ~~ونذالتهم، لم يزدهم الهدى إلا ضلالا، ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب ~~كلها جاءت بأصل واحد، ودين واحد، فما أمروا في سائر الشرائع إلا أن ~~يعبدوا { الله مخلصين له الدين } أي: قاصدين بجميع عباداتهم ~~الظاهرة والباطنة وجه الله، وطلب الزلفى لديه، { حنفآء } أي: معرضين ~~[مائلين] عن سائر الأديان المخالفة لدين التوحيد. وخص الصلاة والزكاة ~~[بالذكر] مع أنهما داخلان في قوله { ليعبدوا الله مخلصين } ~~لفضلهما وشرفهما، وكونهما العبادتين اللتين من قام بهما قام بجميع شرائع ~~الدين. { وذلك } أي التوحيد والإخلاص في الدين، هو { دين ~~القيمة } أي: الدين المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، وما سواه ~~فطرق موصلة إلى الجحيم. ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما جاءتهم البينة، فقال: ~~{ إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~في نار جهنم } قد أحاط بهم عذابها، واشتد عليهم عقابها، { ~~خالدين فيهآ } لا يفتر عنهم العذاب، وهم فيها مبلسون، { ~~أولئك هم شر البرية } لأنهم عرفوا الحق وتركوه، وخسروا ~~الدنيا والآخرة. { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية } لأنهم عبدوا الله وعرفوه، ~~وفازوا بنعيم الدنيا والآخرة. { جزآؤهم عند ربهم جنات ~~عدن } أي: جنات إقامة، لا ظعن فيها ولا رحيل، ولا طلب لغاية فوقها، { ~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا رضى ~~الله عنهم ورضوا عنه } فرضي عنهم بما قاموا به من مراضيه، ~~ورضوا عنه، بما أعد لهم من أنواع الكرامات وجزيل المثوبات { ذلك } ~~الجزاء الحسن { لمن خشي ربه } أي: لمن خاف الله، فأحجم عن ~~معاصيه، وقام بواجباته. [تمت والحمد لله] ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # يخبر تعالى عما يكون يوم القيامة، وأن الأرض تتزلزل وترجف وترتج، حتى ~~يسقط ما عليها من بناء وعلم. فتندك جبالها، وتسوى تلالها، وتكون ~~قاعا صفصفا لا عوج فيه ولا أمت. { وأخرجت الأرض أثقالها ~~} أي: ما في بطنها، من الأموات والكنوز، { وقال الإنسان } إذا رأى ~~ما عراها من الأمر العظيم مستعظما لذلك: { ما لها }؟ أي: أي شيء ~~عرض لها؟ { يومئذ تحدث } الأرض { أخبارها ms1716 } أي: تشهد على ~~العاملين بما عملوا على ظهرها من خير وشر، فإن الأرض من جملة الشهود ~~الذين يشهدون على العباد بأعمالهم، ذلك { بأن ربك أوحى لها ~~} [أي] وأمرها أن تخبر بما عمل عليها، فلا تعصي لأمره. { يومئذ ~~يصدر الناس } من موقف القيامة، حين يقضي الله بينهم { أشتاتا ~~} أي: فرقا متفاوتين. { ليروا أعمالهم } أي: ليريهم الله ما ~~عملوا من الحسنات والسيئات، ويريهم جزاءه موفرا. { فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } وهذا شامل عام للخير والشر كله، لأنه إذا رأى مثقال ~~الذرة، التي هي أحقر الأشياء، [وجوزي عليها] فما فوق ذلك من باب أولى ~~وأحرى، كما قال تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران: 30] # ووجدوا ما عملوا حاضرا # [الكهف: 49]. وهذه الآية فيها غاية الترغيب في فعل الخير ولو قليلا، ~~والترهيب من فعل الشر ولو حقيرا. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # أقسم الله تبارك وتعالى بالخيل، لما فيها من آيات الله الباهرة، ونعمه ~~الظاهرة، ما هو معلوم للخلق. وأقسم [تعالى] بها في الحال التي لا يشاركها ~~[فيه] غيرها من أنواع الحيوانات، فقال: { والعاديات ضبحا } أي: ~~العاديات عدوا بليغا قويا، يصدر عنه الضبح، وهو صوت نفسها في صدرها، ~~عند اشتداد العدو. { فالموريات } بحوافرهن ما يطأن عليه من الأحجار ~~{ قدحا } أي: تقدح النار من صلابة حوافرهن [وقوتهن] إذا عدون، { ~~فالمغيرات } على الأعداء { صبحا } وهذا أمر أغلبي، أن الغارة ~~تكون صباحا، { فأثرن به } أي: بعدوهن وغارتهن { نقعا } أي: ~~غبارا، { فوسطن به } أي: براكبهن { جمعا } أي: توسطن به جموع ~~الأعداء، الذين أغار عليهم. والمقسم عليه، قوله: { إن الإنسان ~~لربه لكنود } أي: لمنوع للخير الذي عليه لربه. فطبيعة ~~[الإنسان] وجبلته، أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق، فتؤديها كاملة ~~موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليه من الحقوق المالية والبدنية، ~~إلا من هداه الله و خرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق، { ~~وإنه على ms1717 ذلك لشهيد } أي: إن الإنسان على ما يعرف من نفسه ~~من المنع والكند لشاهد بذلك، لا يجحده ولا ينكره، لأن ذلك أمر بين ~~واضح. ويحتمل أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي: إن العبد لربه لكنود، ~~والله شهيد على ذلك، ففيه الوعيد، والتهديد الشديد، لمن هو لربه كنود، ~~بأن الله عليه شهيد. { وإنه } أي: الإنسان { لحب الخير } ~~أي: المال { لشديد } أي: كثير الحب للمال. وحبه لذلك، هو الذي أوجب ~~له ترك الحقوق الواجبة عليه، قدم شهوة نفسه على حق ربه، وكل هذا لأنه ~~قصر نظره على هذه الدار، وغفل عن الآخرة، ولهذا قال حاثا له على خوف يوم ~~الوعيد: { أفلا يعلم } أي: هلا يعلم هذا المغتر { إذا ~~بعثر ما في القبور } أي: أخرج الله الأموات من قبورهم، لحشرهم ~~ونشورهم. { وحصل ما في الصدور } أي: ظهر وبان [ما فيها و] ما ~~استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار السر علانية، والباطن ~~ظاهرا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم. { إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير } أي مطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة، الخفية ~~والجلية، ومجازيهم عليها. وخص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل ~~وقت، لأن المراد بذلك، الجزاء بالأعمال، الناشئ عن علم الله واطلاعه. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # { القارعة } من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك، لأنها تقرع الناس ~~وتزعجهم بأهوالها، ولهذا عظم أمرها وفخمه بقوله: { القارعة * ما ~~القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون ~~الناس } من شدة الفزع والهول، { كالفراش المبثوث } أي: ~~كالجراد المنتشر، الذي يموج بعضه في بعض، والفراش: هي الحيوانات التي ~~تكون في الليل، يموج بعضها ببعض لا تدري أين توجه، فإذا أوقد لها نار ~~تهافتت إليها لضعف إدراكها، فهذه حال الناس أهل العقول، وأما الجبال الصم ~~الصلاب، فتكون { كالعهن المنفوش } أي: كالصوف المنفوش، الذي بقي ~~ضعيفا جدا، تطير به أدنى ريح، قال تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88] ثم بعد ذلك تكون هباء منثورا، فتضمحل ولا يبقى منها شيء ~~يشاهد، فحينئذ تنصب الموازين، ms1718 وينقسم الناس قسمين: سعداء وأشقياء، { ~~فأما من ثقلت موازينه } أي: رجحت حسناته على سيئاته { ~~فهو في عيشة راضية } في جنات النعيم. { وأما من ~~خفت موازينه } بأن لم تكن له حسنات تقاوم سيئاته، { فأمه ~~هاوية } أي: مأواه ومسكنه النار، التي من أسمائها الهاوية، تكون له ~~بمنزلة الأم الملازمة كما قال تعالى: # إن عذابها كان غراما # [الفرقان: 65]. وقيل: إن معنى ذلك، فأم دماغه هاوية في النار، أي: يلقى ~~في النار على رأسه. { ومآ أدراك ما هيه } وهذا تعظيم لأمرها، ~~ثم فسرها بقوله هي: { نار حامية } أي: شديدة الحرارة، قد زادت ~~حرارتها على حرارة نار الدنيا سبعين ضعفا. نستجير بالله منها. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # يقول تعالى موبخا عباده عن اشتغالهم عما خلقوا له من عبادته وحده لا ~~شريك له، ومعرفته، والإنابة إليه، وتقديم محبته على كل شيء: { ~~ألهاكم } عن ذلك المذكور { التكاثر } ولم يذكر المتكاثر به، ~~ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر ~~في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما ~~يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى. ~~فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [وتشاغلكم] { حتى زرتم المقابر } ~~فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه. ودل قوله: { ~~حتى زرتم المقابر } أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى ~~الدار الباقية، لأن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين. فدل ذلك على ~~البعث والجزاء بالأعمال، في دار باقية غير فانية، ولهذا توعدهم بقوله: { ~~كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا ~~لو تعلمون علم اليقين } أي: لو تعلمون ما أمامكم علما يصل ~~إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة. ولكن عدم ~~العلم الحقيقي، صيركم إلى ما ترون، { لترون الجحيم } أي: ~~لتردن القيامة، فلترون الجحيم التي أعدها الله للكافرين. { ثم ~~لترونها عين اليقين } أي: رؤية بصرية، كما قال تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ~~ولم يجدوا عنها مصرفا # [الكهف: 53]. { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } الذي ~~تنعمتم به في دار الدنيا، هل ms1719 قمتم بشكره، وأديتم حق الله فيه، ولم ~~تستعينوا به، على معاصيه، فينعمكم نعيما أعلى منه وأفضل. أم اغتررتم به، ~~ولم تقوموا بشكره؟ بل ربما استعنتم به على معاصي الله، فيعاقبكم على ذلك، ~~قال تعالى: # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم ~~طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون # الآية [الأحقاف: 20]. ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم ~~أن كل إنسان خاسر، والخاسر ضد الرابح. والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد ~~يكون خسارا مطلقا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق ~~الجحيم. وقد يكون خاسرا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار ~~لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ~~ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به. والعمل الصالح، ~~وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق ~~عباده، الواجبة والمستحبة. والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل ~~الصالح أي: يوصي بعضهم بعضا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه. والتواصي ~~بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة. ~~فبالأمرين الأولين يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، ~~وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح ~~[العظيم]. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # { ويل } أي: وعيد، ووبال، وشدة عذاب { لكل همزة لمزة } ~~الذي يهمز الناس بفعله، ويلمزهم بقوله، فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن ~~عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله. ومن صفة هذا الهماز ~~اللماز، أنه لا هم له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبة ~~في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام، ونحو ذلك، { يحسب } بجهله { ~~أن ماله أخلده } في الدنيا، فلذلك كان كده وسعيه كله في ~~تنمية ماله، الذي يظن أنه ينمي عمره، ولم يدر أن البخل يقصف الأعمار، ~~ويخرب الديار، وأن البر يزيد في العمر. { كلا لينبذن } أي: ~~ليطرحن { في الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة } تعظيم ~~لها، وتهويل لشأنها. ثم ms1720 فسرها بقوله: { نار الله الموقدة } ~~التي وقودها الناس والحجارة { التي } من شدتها { تطلع على ~~الأفئدة } أي: تنفذ من الأجسام إلى القلوب. ومع هذه الحرارة البليغة ~~هم محبوسون فيها، قد أيسوا من الخروج منها، ولهذا قال: { إنها ~~عليهم مؤصدة } أي: مغلقة، { في عمد } من خلف الأبواب { ~~ممددة } لئلا يخرجوا منها # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها # [السجدة: 20]. [نعوذ بالله من ذلك ونسأله العفو والعافية]. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، ~~وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ما فعله الله بأصحاب الفيل، الذين ~~كادوا بيته الحرام وأرادوا إخرابه، فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم ~~الفيلة لهدمه، وجاؤوا بجمع لا قبل للعرب به، من الحبشة واليمن، فلما ~~انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفا ~~على أنفسهم منهم، أرسل الله عليهم طيرا أبابيل أي: متفرقة، تحمل حجارة ~~محماة من سجيل، فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، فخمدوا وهمدوا، ~~وصاروا كعصف مأكول، وكفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم، [وقصتهم معروفة ~~مشهورة] وكانت تلك السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فصارت من جملة إرهاصات دعوته، ومقدمات رسالته، فلله الحمد والشكر. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي: ~~فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، ~~وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. ~~فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى ~~احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر، ~~فقال: { فليعبدوا رب هذا البيت } أي: ليوحدوه ويخلصوا ~~له العبادة، { الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ~~} فرغد الرزق والأمن من المخاوف، من أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر ~~الله تعالى. فلك اللهم الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة، وخص ~~الله بالربوبية البيت، لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] ms1721 # يقول تعالى ذاما لمن ترك حقوقه وحقوق عباده: { أرأيت الذي ~~يكذب بالدين } أي: بالبعث والجزاء، فلا يؤمن بما جاءت به الرسل. ~~{ فذلك الذي يدع اليتيم } أي: يدفعه بعنف وشدة، ولا يرحمه ~~لقساوة قلبه، ولأنه لا يرجو ثوابا، ولا يخشى عقابا. { ولا يحض } ~~غيره { على طعام المسكين } ومن باب أولى أنه بنفسه لا يطعم ~~المسكين، { فويل للمصلين } أي: الملتزمون لإقامة الصلاة، ~~ولكنهم { الذين هم عن صلاتهم ساهون } أي: مضيعون لها، ~~تاركون لوقتها، مفوتون لأركانها، وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيعوا ~~الصلاة، التي هي أهم الطاعات وأفضل القربات، والسهو عن الصلاة، هو الذي ~~يستحق صاحبه الذم واللوم، وأما السهو في الصلاة، فهذا يقع من كل أحد، حتى ~~من النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا وصف الله هؤلاء بالرياء والقسوة وعدم ~~الرحمة، فقال: { الذين هم يرآءون } أي يعملون الأعمال لأجل ~~رئاء الناس. { ويمنعون الماعون } أي: يمنعون إعطاء الشيء، الذي ~~لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة، كالإناء، والدلو، والفأس، ونحو ~~ذلك، مما جرت العادة ببذلها والسماحة به. فهؤلاء - لشدة حرصهم - يمنعون ~~الماعون، فكيف بما هو أكثر منه. وفي هذه السورة، الحث على إكرام اليتيم، ~~والمساكين، والتحضيض على ذلك، ومراعاة الصلاة، والمحافظة عليها، وعلى ~~الإخلاص [فيها و] في جميع الأعمال. والحث على [فعل المعروف و] بذل الأمور ~~الخفيفة، كعارية الإناء والدلو والكتاب، ونحو ذلك، لأن الله ذم من لم ~~يفعل ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ممتنا عليه: { إنآ ~~أعطيناك الكوثر } أي: الخير الكثير، والفضل الغزير، الذي من ~~جملته، ما يعطيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، من النهر ~~الذي يقال له " الكوثر " ، ومن الحوض. طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد ~~بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته كنجوم السماء في كثرتها ~~واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. ولما ذكر منته عليه، ~~أمره بشكرها فقال: { فصل لربك وانحر } خص هاتين ms1722 العبادتين ~~بالذكر، لأنهما من أفضل العبادات وأجل القربات. ولأن الصلاة تتضمن ~~الخضوع [في] القلب والجوارح لله، وتنقلها في أنواع العبودية، وفي النحر ~~تقرب إلى الله بأفضل ما عند العبد من النحائر، وإخراج للمال الذي جبلت ~~النفوس على محبته والشح به. { إن شانئك } أي: مبغضك وذامك ومنتقصك ~~{ هو الأبتر } أي: المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر. ~~وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الكامل حقا، الذي له الكمال الممكن ~~في حق المخلوق، من رفع الذكر، وكثرة الأنصار، والأتباع صلى الله عليه ~~وسلم. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # أي: قل للكافرين معلنا ومصرحا { لا أعبد ما تعبدون } أي: ~~تبرأ مما كانوا يعبدون من دون الله، ظاهرا وباطنا. { ولا أنتم ~~عابدون مآ أعبد } لعدم إخلاصكم في عبادته، فعبادتكم له المقترنة ~~بالشرك لا تسمى عبادة، ثم كرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، ~~والثاني على أن ذلك قد صار وصفا لازما. ولهذا ميز بين الفريقين، وفصل ~~بين الطائفتين، فقال: { لكم دينكم ولي دين } كما قال تعالى: # قل كل يعمل على شاكلته # [الإسراء: 84] # أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما ~~تعملون # [يونس: 41]. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه ~~على ما يترتب على ذلك. فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة، ~~ودخول الناس في دين الله أفواجا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، ~~بعد أن كانوا من أعدائه، وقد وقع هذا المبشر به، وأما الأمر بعد حصول ~~النصر والفتح، فأمر رسوله أن يشكر ربه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، ~~وأما الإشارة، فإن في ذلك إشارتين: إشارة لأن يستمر النصر لهذا الدين، ~~ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره من رسوله، فإن هذا من ~~الشكر، والله يقول: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] وقد وجد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم في هذه الأمة ~~لم يزل نصر الله مستمرا، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه دين من ~~الأديان، ودخل فيه ما لم يدخل في ms1723 غيره، حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر ~~الله ما حدث، فابتلاهم الله بتفرق الكلمة، وتشتت الأمر، فحصل ما حصل. ~~[ومع هذا] فلهذه الأمة، وهذا الدين، من رحمة الله ولطفه، ما لا يخطر ~~بالبال، أو يدور في الخيال. وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أن ~~أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرب ودنا، ووجه ذلك أن عمره عمر ~~فاضل أقسم الله به. وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة ~~والحج، وغير ذلك. فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال، ~~إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ~~ما يجده صلوات الله وسلامه عليه. فكان صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن، ~~ويقول ذلك في صلاته، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: # " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ". ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-3] # أبو لهب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم وكان شديد العداوة [والأذية] ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فلا فيه دين، ولا حمية للقرابة - قبحه الله ~~- فذمه الله بهذا الذم العظيم، الذي هو خزي عليه إلى يوم القيامة فقال: ~~{ تبت يدآ أبي لهب } أي: خسرت يداه، وشقي { وتب } فلم ~~يربح، { مآ أغنى عنه ماله } الذي كان عنده وأطغاه، ولا ما ~~كسبه فلم يرد عنه شيئا من عذاب الله إذ نزل به، { سيصلى نارا ~~ذات لهب } أي: ستحيط به النار من كل جانب، هو { وامرأته ~~حمالة الحطب }. وكانت أيضا شديدة الأذية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تتعاون هي وزوجها على الإثم والعدوان، وتلقي الشر، وتسعى غاية ~~ما تقدر عليه في أذية الرسول صلى الله عليه وسلم وتجمع على ظهرها من ~~الأوزار بمنزلة من يجمع حطبا، قد أعد لها في عنقها حبلا { من مسد ~~} أي: من ليف. أو أنها تحمل في النار الحطب على زوجها، متقلدة في عنقها ~~حبلا من مسد، وعلى كل، ففي هذه السورة، آية باهرة من آيات الله، فإن ~~الله أنزل هذه السورة، وأبو لهب وامرأته لم يهلكا، وأخبر ms1724 أنهما سيعذبان ~~في النار ولا بد، ومن لازم ذلك أنهما لا يسلمان، فوقع كما أخبر عالم ~~الغيب والشهادة. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # أي { قل } قولا جازما به، معتقدا له، عارفا بمعناه، { هو ~~الله أحد } أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، ~~الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي ~~لا نظير له ولا مثيل. { الله الصمد } أي: المقصود في جميع ~~الحوائج. فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، ~~يسألونه حوائجهم، ويرغبون إليه في مهماتهم، لأنه الكامل في أوصافه، ~~العليم الذي قد كمل في علمه، الحليم الذي قد كمل في حلمه، الرحيم الذي ~~[كمل في رحمته الذي] وسعت رحمته كل شيء، وهكذا سائر أوصافه، ومن كماله ~~أنه { لم يلد ولم يولد } لكمال غناه، { ولم يكن له ~~كفوا أحد } لا في أسمائه ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، تبارك ~~وتعالى. فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # أي: { قل } متعوذا { أعوذ } أي: ألجأ وألوذ، وأعتصم { برب ~~الفلق } أي: فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح. { من شر ما ~~خلق } وهذا يشمل جميع ما خلق الله، من إنس، وجن، وحيوانات، فيستعاذ ~~بخالقها من الشر الذي فيها، ثم خص بعد ما عم، فقال: { ومن شر ~~غاسق إذا وقب } أي: من شر ما يكون في الليل، حين يغشى الناس، ~~وتنتشر فيه كثير من الأرواح الشريرة، والحيوانات المؤذية. { ومن شر ~~النفاثات في العقد } أي: ومن شر السواحر، اللاتي يستعن على ~~سحرهن بالنفث في العقد، التي يعقدنها على السحر. { ومن شر حاسد ~~إذا حسد } والحاسد، هو الذي يحب زوال النعمة عن المحسود فيسعى في ~~زوالها بما يقدر عليه من الأسباب، فاحتيج إلى الاستعاذة بالله من شره، ~~وإبطال كيده، ويدخل في الحاسد العاين، لأنه لا تصدر العين إلا من حاسد ~~شرير الطبع، خبيث النفس، فهذه السورة، تضمنت الاستعاذة من جميع أنواع ~~الشر، عموما وخصوصا. ودلت على أن السحر له حقيقة يخشى من ضرره، ~~ويستعاذ بالله منه [ومن أهله]. ### | [114 - سورة الناس] ms1725 ### || [114.1-6] # وهذه السورة مشتملة على الاستعاذة برب الناس ومالكهم وإلههم، من الشيطان ~~الذي هو أصل الشرور كلها ومادتها، الذي من فتنته وشره، أنه يوسوس في ~~صدور الناس، فيحسن [لهم] الشر، ويريهم إياه في صورة حسنة، وينشط إرادتهم ~~لفعله، ويقبح لهم الخير ويثبطهم عنه، ويريهم إياه في صورة غير صورته، وهو ~~دائما بهذه الحال يوسوس ويخنس أي: يتأخر إذا ذكر العبد ربه واستعان على ~~دفعه. فينبغي له أن [يستعين و] يستعيذ ويعتصم بربوبية الله للناس كلهم. ~~وأن الخلق كلهم داخلون تحت الربوبية والملك، فكل دابة هو آخذ بناصيتها. ~~وبألوهيته التي خلقهم لأجلها، فلا تتم لهم إلا بدفع شر عدوهم، الذي يريد ~~أن يقتطعهم عنها ويحول بينهم وبينها، ويريد أن يجعلهم من حزبه ليكونوا من ~~أصحاب السعير، والوسواس كما يكون من الجن يكون من الإنس، ولهذا قال: { ~~من الجنة والناس }. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا، ~~وظاهرا وباطنا. ms1726