######OpenITI# #META# URI: 1376IbrahimZaydan.NawadirCushshaq.Hindawi52849381 #META# Tags: literature #META# ID: 52849381 #META# Title: نوادر العُشَّاق #META# AuthorID: 50824950 #META# Author: إبراهيم زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة لجامع الكتاب‏ # القسم الأول: في نوادر الخلفاء‏ # هارون الرشيد والجارية وأبو نواس‏ # الأصمعي وهارون الرشيد والجارية‏ # ماردة وهارون الرشيد‏ # هارون الرشيد والبنت العربية‏ # إبراهيم الموصلي والرشيد والجارية‏ # الرشيد والجارية‏ # جارية أمير المؤمنين والشاب‏ # المأمون وجاريته (1)‏ # المأمون وجاريته (2)‏ # المأمون ويحيى بن أكثم‏ # المأمون والجارية‏ # المأمون وجاريته والرسول‏ # المأمون وأبو عيسى وقرة العين‏ # المأمون والجارية نسيم‏ # محمد بن هارون وجلساؤه الثلاثة‏ # نصيب وعبد العزيز بن مروان‏ # العاشق وعبد الملك بن مروان‏ # المتوكل وعلي بن الجهم ومظلومة‏ # جارية المهدي والتفاحة‏ # المعتز بالله‏ # المكتفي بالله‏ # المستظهر بالله‏ # المعتضد بن عباد وجاريته العبادية‏ # المعتمد بن عباد والرميكية‏ # حماد الراوية والخليفة يزيد‏ # محمد بن عبد الله بن طاهر والجارية والمتوكل‏ # عمر بن عبد العزيز وامرأته‏ # عبد الله بن الأمين‏ # هارون بن المعتصم‏ # أبو يحيى القاضي وأحد الخلفاء‏ # يزيد بن عبد الملك وجاريته حبابة‏ # علية ابنة المهدي العباسية‏ # المهدي والرجل‏ # جارية يزيد بن عبد الملك والشاب‏ # إبراهيم بن المهدي وجارية بنت عصمة‏ # القسم الثاني: في نوادر بني عذرة‏ # جميل بن معمر العذري وحبيبته بثينة‏ # وعد بثينة لجميل‏ # تأخير بثينة عن وعدها لجميل‏ # لقاء جميل وبثينة‏ # جميل وبثينة وكثير عزة‏ # ندر أهل بثينة دم جميل‏ # لقاء جميل وكثير عزة‏ # احتجاب بثينة عن جميل‏ # زيارة جميل بثينة متنكرا‏ # وشاية الخادم بجميل وبثينة‏ # هرب جميل عن أهله‏ # وداع جميل لبثينة قبل سفره‏ # عزة بثينة وجميل‏ # عفاف جميل وبثينة‏ # موت جميل ونعيه إلى بثينة‏ # ما حدثته بثينة عن جميل‏ # قيس بن ذريح العذري ولبنى بنت الحباب‏ # جعد بن مهجع العذري وأسماء‏ # أبو مالك بن النضر العذري وابنة عمه‏ # ذرعة بن خالد العذري‏ # مالك بن عقيل العذري ومعشوقته سعدى‏ # عروة بن حزام وعفراء العذرية‏ # مصرع عاشق من بني عذرة‏ # كناس بني عذرة‏ # القسم الثالث: في نوادر بني عامر‏ # سبب عشق قيس لليلى العامرية‏ # تجربة ليلى لقيس بن الملوح‏ # مجنون ليلى وليلى والأمير‏ # قيس بن الملوح وأمه وليلى‏ # افتضاح أمر قيس وليلى‏ # ذهاب قيس إلى الكعبة وزواج ليلى بغيره‏ # هيام قيس ومكاتبته ms001 لليلى‏ # لقاء زوج ليلى بقيس بن الملوح‏ # كثير عزة ومجنون ليلى‏ # مصرع قيس بن الملوح‏ # راشد بن صفوان وهيفاء العامرية‏ # العاشق المفارق‏ # مالك العامري ومحبوبته‏ # مصرع عاشق على قبر عشيقته‏ # القسم الرابع: في نوادر الشعراء‏ # صريع الغواني‏ # صريع الغواني والرجل‏ # صريع الغواني والكناس‏ # صريع الغواني يرثي زوجة له‏ # الحسن بن هانئ والجارية‏ # أبو نواس والجارية جنان‏ # أبو نواس وامرأة من الثقفيين‏ # ما كتبته جنان لأبي نواس‏ # عتاب أبي نواس وجنان‏ # غضب أبي نواس ورضاؤه عليها‏ # وصف أبي نواس لمحبوبته جنان‏ # اعتلال أبي نواس لعلة جنان‏ # فضل الشاعرة وزائرها‏ # محمد بن العباس وفضل الشاعرة‏ # فضل وأحد جلساء الخليفة‏ # المتوكل وفضل الشاعرة وبنان‏ # فضل الشاعرة وصديق ابن أبي طاهر‏ # سعيد بن حميد وفضل الشاعرة‏ # المتوكل وفضل الشاعرة‏ # سعيد بن حميد وفضل الشاعرة‏ # تخلف فضل عن سعيد بعد حبها له‏ # العباس بن الأحنف‏ # أبو العباس بن الأحنف‏ # عنترة وعبلة‏ # مفارقة عنترة لابنة عمه‏ # أبو فراس الشاعر‏ # علي بن زريق البغدادي وابنة عمه‏ # علي بن الجهم وجارية له‏ # علي بن الجهم وجارية المازني‏ # حب كثير لعزة‏ # كثير عزة والعجوز‏ # كثير وعزة وغلامه‏ # أبو العتاهية ومحبوبته عتبة‏ # أبو دهبل الشاعر وعائلته‏ # إبراهيم الموصلي وذات الخال‏ # حمدة بنت زياد الشاعرة‏ # أبو الشيص الشاعر‏ # أسماء ومجيد‏ # القسم الخامس: متفرقات من نوادر العشاق‏ # نصيب وزينب‏ # ابنة والي مصر وأحد عمال أبيها‏ # غورك المجنون وإسحاق بن إبراهيم‏ # عزة الميلاء والناسك عند أبي جعفر‏ # شهاب الدين وفاطمة ابنة الخشاب‏ # ابن دائب وجارية أخته‏ # أبو ريحانة وحاملة القربة‏ # عريب واليزيدي‏ # عريب ومحمد بن حامد‏ # سر عاشقة‏ # بشار بن برد ومحبوبته عبدة‏ # ما سمعه ابن عثام‏ # غورك المجنون‏ # أبو الأسدي والشاب‏ # أبو الغصن الأعرابي وذات الوجه الصقيل‏ # ابن أبي داود والجارية‏ # الحارث بن زهير ولبنى‏ # ذو الرمة وعصمة بن عبد الملك‏ # أبو عثيرة الخياط وأبو محمد الدمشقي‏ # أبو الفضل والجارية‏ # مسلم بن جندب وجارية‏ # أبو المهلهل الخزامي ومي‏ # بكر بن النطاح والفتاة‏ # ابن الجوزي وزوجته‏ # أنس الوجود ومحبوبته ورد‏ # دعبل الخزاعي والجارية ms002 ‏ # بدور بنت الجوهري وجبير الشيباني‏ # الوزير والجارية‏ # القسم السادس: في مصارع العشاق‏ # المبرد وأصحابه والمجنون‏ # الأصمعي وأحد العشاق‏ # موت الفتاة بموت حبيبها‏ # عمرو بن كعب وعقيلة ابنة أبي النجاد‏ # عامر بن غالب وجميلة بنت إميل‏ # عويمر العقيلي وابنة عمه‏ # العاشق وعشيقته هلال‏ # ابن عبد الرحمن بن عوف وابنة عمه‏ # ابن العاص وجارية أحبها‏ # اجتماع محبين بعد الموت‏ # سهلان القاضي وأحد العشاق‏ # شجاع والفتاة العفيفة‏ # مصرع عاشق سمع آية الكتاب‏ # محمد بن داود وإبراهيم بن نفطويه‏ # جارية عبد الله بن جعفر وأحد الفتيان‏ # امرأة مات حبيبها‏ # الشريف البياضي والجارية‏ # عبيد النعالي وأحد العشاق‏ # المرقش وأسماء‏ # مسعدة بن وائلة ورملة بنت أثيلة‏ # الفتى العاشق‏ # الأعرابي ومحبوبته‏ # عبد الله بن المعمر وعتبة وريا بنت الغطريف‏ # مصرع ثلاثة عشاق في يوم واحد‏ # غسان بن جهضم وزوجته أم عقبة‏ # شهيدة الوفاء‏ # شهيدة الحب‏ # مقدمة لجامع الكتاب‏ # القسم الأول: في نوادر الخلفاء‏ # هارون الرشيد والجارية وأبو نواس‏ # الأصمعي وهارون الرشيد والجارية‏ # ماردة وهارون الرشيد‏ # هارون الرشيد والبنت العربية‏ # إبراهيم الموصلي والرشيد والجارية‏ # الرشيد والجارية‏ # جارية أمير المؤمنين والشاب‏ # المأمون وجاريته (1)‏ # المأمون وجاريته (2)‏ # المأمون ويحيى بن أكثم‏ # المأمون والجارية‏ # المأمون وجاريته والرسول‏ # المأمون وأبو عيسى وقرة العين‏ # المأمون والجارية نسيم‏ # محمد بن هارون وجلساؤه الثلاثة‏ # نصيب وعبد العزيز بن مروان‏ # العاشق وعبد الملك بن مروان‏ # المتوكل وعلي بن الجهم ومظلومة‏ # جارية المهدي والتفاحة‏ # المعتز بالله‏ # المكتفي بالله‏ # المستظهر بالله‏ # المعتضد بن عباد وجاريته العبادية‏ # المعتمد بن عباد والرميكية‏ # حماد الراوية والخليفة يزيد‏ # محمد بن عبد الله بن طاهر والجارية والمتوكل‏ # عمر بن عبد العزيز وامرأته‏ # عبد الله بن الأمين‏ # هارون بن المعتصم‏ # أبو يحيى القاضي وأحد الخلفاء‏ # يزيد بن عبد الملك وجاريته حبابة‏ # علية ابنة المهدي العباسية‏ # المهدي والرجل‏ # جارية يزيد بن عبد الملك والشاب‏ # إبراهيم بن المهدي وجارية بنت عصمة‏ # القسم الثاني: في نوادر بني عذرة‏ # جميل بن معمر العذري وحبيبته بثينة‏ # وعد بثينة لجميل‏ # تأخير بثينة عن وعدها لجميل‏ # لقاء جميل وبثينة‏ # جميل وبثينة وكثير ms003 عزة‏ # ندر أهل بثينة دم جميل‏ # لقاء جميل وكثير عزة‏ # احتجاب بثينة عن جميل‏ # زيارة جميل بثينة متنكرا‏ # وشاية الخادم بجميل وبثينة‏ # هرب جميل عن أهله‏ # وداع جميل لبثينة قبل سفره‏ # عزة بثينة وجميل‏ # عفاف جميل وبثينة‏ # موت جميل ونعيه إلى بثينة‏ # ما حدثته بثينة عن جميل‏ # قيس بن ذريح العذري ولبنى بنت الحباب‏ # جعد بن مهجع العذري وأسماء‏ # أبو مالك بن النضر العذري وابنة عمه‏ # ذرعة بن خالد العذري‏ # مالك بن عقيل العذري ومعشوقته سعدى‏ # عروة بن حزام وعفراء العذرية‏ # مصرع عاشق من بني عذرة‏ # كناس بني عذرة‏ # القسم الثالث: في نوادر بني عامر‏ # سبب عشق قيس لليلى العامرية‏ # تجربة ليلى لقيس بن الملوح‏ # مجنون ليلى وليلى والأمير‏ # قيس بن الملوح وأمه وليلى‏ # افتضاح أمر قيس وليلى‏ # ذهاب قيس إلى الكعبة وزواج ليلى بغيره‏ # هيام قيس ومكاتبته لليلى‏ # لقاء زوج ليلى بقيس بن الملوح‏ # كثير عزة ومجنون ليلى‏ # مصرع قيس بن الملوح‏ # راشد بن صفوان وهيفاء العامرية‏ # العاشق المفارق‏ # مالك العامري ومحبوبته‏ # مصرع عاشق على قبر عشيقته‏ # القسم الرابع: في نوادر الشعراء‏ # صريع الغواني‏ # صريع الغواني والرجل‏ # صريع الغواني والكناس‏ # صريع الغواني يرثي زوجة له‏ # الحسن بن هانئ والجارية‏ # أبو نواس والجارية جنان‏ # أبو نواس وامرأة من الثقفيين‏ # ما كتبته جنان لأبي نواس‏ # عتاب أبي نواس وجنان‏ # غضب أبي نواس ورضاؤه عليها‏ # وصف أبي نواس لمحبوبته جنان‏ # اعتلال أبي نواس لعلة جنان‏ # فضل الشاعرة وزائرها‏ # محمد بن العباس وفضل الشاعرة‏ # فضل وأحد جلساء الخليفة‏ # المتوكل وفضل الشاعرة وبنان‏ # فضل الشاعرة وصديق ابن أبي طاهر‏ # سعيد بن حميد وفضل الشاعرة‏ # المتوكل وفضل الشاعرة‏ # سعيد بن حميد وفضل الشاعرة‏ # تخلف فضل عن سعيد بعد حبها له‏ # العباس بن الأحنف‏ # أبو العباس بن الأحنف‏ # عنترة وعبلة‏ # مفارقة عنترة لابنة عمه‏ # أبو فراس الشاعر‏ # علي بن زريق البغدادي وابنة عمه‏ # علي بن الجهم وجارية له‏ # علي بن الجهم وجارية المازني‏ # حب كثير لعزة‏ # كثير عزة والعجوز‏ # كثير وعزة وغلامه‏ # أبو العتاهية ومحبوبته عتبة ms004 ‏ # أبو دهبل الشاعر وعائلته‏ # إبراهيم الموصلي وذات الخال‏ # حمدة بنت زياد الشاعرة‏ # أبو الشيص الشاعر‏ # أسماء ومجيد‏ # القسم الخامس: متفرقات من نوادر العشاق‏ # نصيب وزينب‏ # ابنة والي مصر وأحد عمال أبيها‏ # غورك المجنون وإسحاق بن إبراهيم‏ # عزة الميلاء والناسك عند أبي جعفر‏ # شهاب الدين وفاطمة ابنة الخشاب‏ # ابن دائب وجارية أخته‏ # أبو ريحانة وحاملة القربة‏ # عريب واليزيدي‏ # عريب ومحمد بن حامد‏ # سر عاشقة‏ # بشار بن برد ومحبوبته عبدة‏ # ما سمعه ابن عثام‏ # غورك المجنون‏ # أبو الأسدي والشاب‏ # أبو الغصن الأعرابي وذات الوجه الصقيل‏ # ابن أبي داود والجارية‏ # الحارث بن زهير ولبنى‏ # ذو الرمة وعصمة بن عبد الملك‏ # أبو عثيرة الخياط وأبو محمد الدمشقي‏ # أبو الفضل والجارية‏ # مسلم بن جندب وجارية‏ # أبو المهلهل الخزامي ومي‏ # بكر بن النطاح والفتاة‏ # ابن الجوزي وزوجته‏ # أنس الوجود ومحبوبته ورد‏ # دعبل الخزاعي والجارية‏ # بدور بنت الجوهري وجبير الشيباني‏ # الوزير والجارية‏ # القسم السادس: في مصارع العشاق‏ # المبرد وأصحابه والمجنون‏ # الأصمعي وأحد العشاق‏ # موت الفتاة بموت حبيبها‏ # عمرو بن كعب وعقيلة ابنة أبي النجاد‏ # عامر بن غالب وجميلة بنت إميل‏ # عويمر العقيلي وابنة عمه‏ # العاشق وعشيقته هلال‏ # ابن عبد الرحمن بن عوف وابنة عمه‏ # ابن العاص وجارية أحبها‏ # اجتماع محبين بعد الموت‏ # سهلان القاضي وأحد العشاق‏ # شجاع والفتاة العفيفة‏ # مصرع عاشق سمع آية الكتاب‏ # محمد بن داود وإبراهيم بن نفطويه‏ # جارية عبد الله بن جعفر وأحد الفتيان‏ # امرأة مات حبيبها‏ # الشريف البياضي والجارية‏ # عبيد النعالي وأحد العشاق‏ # المرقش وأسماء‏ # مسعدة بن وائلة ورملة بنت أثيلة‏ # الفتى العاشق‏ # الأعرابي ومحبوبته‏ # عبد الله بن المعمر وعتبة وريا بنت الغطريف‏ # مصرع ثلاثة عشاق في يوم واحد‏ # غسان بن جهضم وزوجته أم عقبة‏ # شهيدة الوفاء‏ # شهيدة الحب‏ # | نوادر العشاق # | نوادر العشاق # تأليف # إبراهيم زيدان # | مقدمة لجامع الكتاب # ما العاشق إلا غصن مورق أزهر في خلاله الحب فأثمر حلو العفاف، فهو لا يرتاح إلا إلى ~~طير يشكو نوى إلفه، ولا يروق له في واسع الفلاة إلا تنسم ريح الصبا الحاملة شذا الحبيب ms005 ، ~~فلله ما أحلى الحب إذا توشى ببرد الصفا، وما أبهى سناه إذا استمد من لظى القلب ~~الطاهر نورا ساطعا بهيا؛ فهو لعمري السلم المؤدية إلى العلياء التي لا يرتقيها إلا ~~قوم أنزلت على قلوبهم آيات العفاف، بل الروح السارية في النسيم سرى الصفاء في الهوى العذري ~~أو الإقدام في قلب الفارس الشجاع، وحسبه وصفا أنه يطرق القلوب فيدمث الأخلاق، ويغشى الفؤاد ~~فيوحي إليه شمائل تغني عن الشمول، ولله در ابن الفارض حيث يقول: # وبالحدق استغنيت عن قدحي ومن # شمائلها لا من شمولي نشوتي # وإليك ما جاء في العشق وذويه ملخصا من أقوال العرب: # قال العيني: سألت أعرابيا عن العشق فقال: هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، كامن ~~كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى. # وقيل: لو لم يكن للعشق إلا أنه يشجع الجبان، ويصفي الأذهان، ويبعث حزم العاجز لكفاه ~~شرفا. # قيل لرجل: ابنك قد عشق، فقال: عذب قلبه، وأبكى طرفه، وأطال سقمه. # وقيل: ذنوب العشاق ذنوب اضطرار لا اختيار، وما كان كذلك لم يستحق ~~عقوبة. # وقال عبد الله بن جندب: خرجت فرأيت فتاة حسناء كأن وجهها الفضة فتمثلت بقول قيس بن ~~ذريح: # خذوا بدمي إن مت كل خريدة # مريضة جفن العين والطرف فاتر # فقالت الفتاة: يابن جندب، إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى. # وقال الشاعر: # تشكى المحبون الصبابة ليتني # تحملت ما ألقاه من بينهم وحدي # فكانت لنفسي لذة الحب كلها # فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي # وقال شاعر بني أسد: # إذا أمرتك النفس أن تتبع الهوى # فقل سامع للأمر منك مطيع # أراد أحدهم السفر وكان له ابنة عم يحبها فقال: # ولما تبدت للرحيل جمالنا # وجد بنا سير وفاضت مدامع # أشارت بأطراف البنان وسلمت # وأومت بعينيها متى أنت راجع # فقلت لها والقلب فيه حرارة # فديتك ما علمي بما الله صانع # سأل سعيد الهمذاني أعرابيا حضر مجلسه: ممن الرجل؟ قال: من قوم إذا عشقوا ماتوا. فقال: ~~عذري ورب الكعبة، ثم سأله سبب ذلك فقال: لأن ms006 في نسائنا صباحة وفي فتياننا عفة. # قال بعض حكماء الهند: ما علق العشق بأحد عندنا إلا وعزينا أهله فيه. # قيل: إن بهرام جور ملك الفرس لم يرزق سوى ولد فأخذ في ترشيحه للملك وهو ساقط الهمة إلى ~~أن اتفق المعلمون من الحكماء وغيرهم على أن لا نافع له غير العشق، فسلط عليه الجواري يعبثن ~~به إلى أن علق بواحدة منهن، فأمرها الملك بالتجني عليه وأنها لا تطلب إلا رفيع الهمة ~~ذا رغبة في العلم والملك، فكان بسبب ذلك من أجل ملوك الفرس وأعلمها. # قال بعضهم: العشق مجهول لا يعرف، ومعروف لا يجهل، هزله جد وجده هزل. # سأل المأمون ابن أكثم: ما العشق؟ فقال: سوانح للمرء تؤثرها النفس ويهيم بها القلب، وسأل ~~ثمامة فقال: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مالك وملك قاهر، مسالكه لطيفة، ومذاهبه ~~غامضة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحه، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول ~~وآراءها، وأعطي عنان طاعتها وقياد ملكها وقوى تصرفها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض في ~~القلوب مسلكه، فقال له المأمون: أحسنت يا ثمامة، وأمر له بجائزة. # قيل لسعيد بن سالم: إن ابنك شرع في الرقيق من الشعر، فقال: لا بأس في ذلك فقد شرف وطرف ~~ودق ورق. ووجد على صخرة مكتوبا: العشق ملك غشوم، مسلط ظلوم، دانت له القلوب وانقادت له ~~الألباب وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ عامله، والتفكر جاسوسه، ~~والشغف حاجبه، والهيام نائبه، بحر مستقره غامض، ويم تياره فائض، دقيق المسلك، عسير ~~المخرج. # نظر رجل إلى معشوقته فغشي عليه، فقال حكيم: إنه من انفراج قلبه اضطرب جسمه. فقيل له: ما ~~بالنا لا نكون كذلك عند النظر إلى أهلنا! فقال: محبة الأهل قلبية وهذه روحانية، فهي أدق ~~وألطف وأعظم سريانا وفعلا. وقال الشاعر: # خيالك في عيني وذكرك في فمي # ومثواك في قلبي فأين تغيب # وقيل لبعض العلماء: إن ابنك قد عشق، فقال: الحمد لله، الآن رقت حواشيه، ولطفت معانيه، ~~وملحت إشارته، وظرفت حركاته، وحسنت عباراته، وجلت شمائله، فواظب على المليح واجتنب ~~القبيح ms007 . # وكانت العرب تفتخر بمن يطرق الحب قلبه حتى إن جواري بعض الخلفاء وغيرهم من العظماء كن ~~يكتبن على العصائب وغيرها من البرد أبيات شعر تضمنت من الغزل أشهاه، ومن كئوس الأوصاف أرقه ~~وأهناه، وإليك ذكر ما كتب على عصائب بعض الحسان: # قال أبو الحسن: دخلت على هارون الرشيد وعلى رأسه جوار كالتماثيل، فرأيت عصابة منظمة ~~بالدر والياقوت مكتوب عليها بصفائح الذهب: # ظلمتني في الحب يا ظالم # والله فيما بيننا حاكم # ورأيت على عصابة أخرى: # ما لي رميت فلم تصبك سهامي # ورميتني فأصبتني يا رامي # وكتب على عصابة: # ألا بالله قولوا يا رجال # أشمس في العصابة أم هلال # وعلى غيرها: # أتهوون الحياة بلا جنون # فكفوا عن ملاحظة العيون # وكتبت ورد جارية الماهاني على عصابة لها وكانت تجيد الغناء مع فصاحتها وبراعتها: # تمت وتم الحسن في وجهها # فكل شيء ما سواها محال # للناس في الشهر هلال ولي # في وجهها في كل يوم هلال # قال علي بن الجهم: خرجت علينا عالج جارية خالصة تميس تيها وإعجابا وعلى طرتها ~~مكتوب: # يا هلالا من القصور تجلى # صام طرفي لمقلتيك وصلى # لست أدري أطال ليلي أم لا # كيف يدري بذاك من يتقلى # لو تفرغت لاستطالة ليلي # ولرعي النجوم كنت مخلا # وخرجت إلينا منال وعليها درع خام مكتوب على جانبه الأيمن: # كتب الطرف في فؤادي كتابا # هو بالشوق والهوى مختوم # وعلى الأيسر مكتوب: # كان طرفي على فؤادي بلاء # إن طرفي على فؤادي مشوم # وكان على عصابة (ظبى) جارية سعيد الفارسي مكتوب بالذهب: # العين قارئة لما كتبت # في وجنتي أنامل الشجن # قال الحسن بن وهب: كتبت شعب على عصابة جاريتها: # لم ألق ذا شجن يبوح بحبه # إلا حسبتك ذلك المحبوبا # حذرا عليك وإنني بك واثق # أن لا ينال سواي منك نصيبا # وكتب شفيع خادم المتوكل على عاتق قبائه الأيمن: # بدر على غصن نضير # شرق الترائب بالعبير # وعلى عاتقه الأيسر: # خطت صفيحة وجهه # في صفحة القمر المنير # وكتبت وصيف جارية الطائي على عصابتها: # فما زال يشكو الحب حتى حسبته ms008 # تنفس في أحشائه وتكلما # فأبكي لديه رحمة لبكائه # إذا ما بكى دمعا بكيت له دما # وكان على عصابة (مزاج) وهي من مواجن أهل بغداد: # قالوا عليك دروع الصبر قلت لهم # هيهات إن سبيل الصبر قد ضاقا # ما يرجع الطرف عنها حين يبصرها # حتى يعود إليه الطرف مشتاقا # وكتبت جارية الناطفي على عصابتها: # الهند والسمر في عيني إذا نظرت # فاغرب بعينيك يا مغرور عن عيني # فإن لي سيف لحظ لست أغمده # من صنعة الله لا من صنعة القين # وكتبت (حدائق) في كفها بالحناء: # ليس حسن الخضاب زين كفي # حسن كفي زين لكل خضاب # وخرجت (علينا) جارية حمدان وقد تقلدت سيفا محلى وعلى رأسها قلنسوة مكتوب عليها: # تأمل حسن جارية # يحار بوصفها البصر # مذكرة مؤنثة # فهي أنثى وهي ذكر # وعلى حمائل سيفها مكتوب بالذهب: # لم يكفه سيف بعينيه # يقتل من ساء بحديه # حتى تردى مرهفا صارما # فكيف أبقى بين سيفه # فلو تراه لابسا درعه # يخطر فيها بين صفيه # علمت أن السيف من طرفه # أقتل من سيف بكفيه # وكتبت واحدة على منطقة جاريتها منصف الكوفية: # جسدي من غمزة العين # ما إذا مست ينحل # وفؤادي رق حتى # كاد من صدري ينسل # بعض ما بي يصدع القلب # فما ظنك بالكل # قال أحمد بن عبد الله: رأيت على مروحة مكتوبا: # الحمد لله وحده # وللخيفة بعده # وللمحب إذا ما # حبيبه بات عنده # ورأيت في مجلس سريرا مكتوبا عليه بالذهب: # أشهى وأعذب من راح ومن ورد # إلفان قد وضعا خدا على خد # وضم إحداهما أحشاء صاحبه # حتى كأنهما للقرب في عقد # هذا يبوح بما يلقاه من حزن # وذاك يظهر ما يخفي من الوجد # ورأيت على عصابة: # وإن يحجبوها بالنهار فما لهم # بأن يحجبوا بالليل عني خيالها # قال الأصمعي: رأيت على باب الرشيد وصائف على عصابة واحدة منهن مكتوب: # نحن خود نواعم # من أراض مقدسه # أحسن الله رزقنا # ليس فينا منحسه # فاتق الله يا فتى # لا تدعني موسوسه # يقسم كتاب نوادر العشاق إلى ستة أقسام: # القسم الأول: # في نوادر ms009 الخلفاء. # القسم الثاني: # في نوادر بني عذرة. # القسم الثالث: # في نوادر بني عامر. # القسم الرابع: # في نوادر الشعراء. # القسم الخامس: # متفرقات من نوادر العشاق. # القسم السادس: # في مصارع العشاق. # القسم الأول # | في نوادر الخلفاء # | هارون الرشيد والجارية وأبو نواس # أرق الرشيد ليلة فقام يمشي في المقاصير فرأى جارية لطيفة الشكل بديعة المنظر فأيقظها، ~~فقالت وقد علمت به: يا أمين الله ما هذا الخبر؟ فقال: # هو ضيف طارق في حيكم # يرتجي المأوى إلى وقت السحر # فقالت بسرور سيدي أخدمه # إن رضي بي وبسمعي والبصر # فلما أصبح أحضر أبا نواس وقال له: أجز «يا أمين الله ما هذا الخبر» فأنشد: # طال ليلي حين وافاني السهر # فتفكرت فأحسنت الفكر # قمت أمشي في مكاني ساعة # ثم أخرى في مقاصير الحجر # وإذا وجه جميل حسن # زانه الرحمن من بين البشر # فلمست الرجل منها موقظا # فرنت نحوي ومدت لي البصر # وأشارت وهي لي قائلة # يا أمين الله ما هذا الخبر # قلت ضيف طارق في حيكم # يرتجي المأوى إلى وقت السحر # فأجابت بسرور سيدي # أخدم الضيف بسمعي والبصر # فقال له: أكنت معنا، قال: لا، ولكن ألجأني الشعر إلى ذلك. # | الأصمعي وهارون الرشيد والجارية # قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد وبين يديه جارية حسناء عليها لمة جعدة وذؤابة ~~مسترسلة وهلال بين عينيها مكتوب عليه بالذهب: «هذا ما عمل في طراز الله»، فقال: يا ~~أصمعي صفها، فأنشأت أقول: # كنانية الأطراف سعدية الحشا # هلالية العينين طائية الفم # لها حكم لقمان وصورة يوسف # ونغمة داود وعفة مريم # فقال: أحسنت والله يا أصمعي، فهل عرفت اسمها؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين، فقال: اسمها ~~دنيا. فأطرقت ساعة ثم قلت: # إن دنيا هي التي # تملك القلب قاهره # ظلموها شطر اسمها # فهي دنيا وآخره # فسر هارون الرشيد من هذا الوصف سرورا عظيما. # | ماردة وهارون الرشيد # عتبت ماردة على هارون الرشيد فكانت تظهر له الكراهة وتضمر له المحبة، فقال ~~فيها: # تبدي صدودا وتخفي تحته صلة # فالنفس راضية والطرف غضبان # يا من وضعت له خدي فذلله # وليس ms010 فوقي سوى الرحمن سلطان # | هارون الرشيد والبنت العربية # روي أن أمير المؤمنين هارون الرشيد مر في بعض الأيام وبصحبته جعفر البرمكي، وإذا ~~هو بعدة بنات يستقين الماء، فعرج عليهن يريد الشرب وإذا إحداهن التفتت إليهن وأنشدت ~~تقول: # قولي لطيفك ينثني # عن مضجعي وقت المنام # كي أستريح وتنطفي # نار تؤجج في العظام # دنف تقلبه الأكف # على بساط من سقام # أما أنا فكما علمت # فهل لوصلك من دوام # فأعجب أمير المؤمنين ملاحتها وفصاحتها وقال لها: يا بنت الكرام، أهذا من مقولك أم من ~~منقولك؟ قالت: من مقولي، قال: إذا كان كلامك صحيحا فأمسكي المعنى وغيري القافية، ~~فأنشدت تقول: # قولي لطيفك ينثني # عن مضجعي وقت الوسن # كي أستريح وتنطفي # نار تؤجج في البدن # دنف تقلبه الأكف # على بساط من شجن # أما أنا فكما علمت # فهل لوصلك من ثمن # فقال لها: والآخر مسروق، قالت: بل كلامي، فقال: إن كان كلامك أيضا فأمسكي المعنى ~~وغيري القافية، فجعلت تقول: # قولي لطيفك ينثني # عن مضجعي وقت الرقاد # كي أستريح وتنطفي # نار تؤجج في الفؤاد # دنف تقلبه الأكف # على بساط من سهاد # أما أنا فكما علمت # فهل لوصلك من سداد # فقال لها: والآخر مسروق، قالت: بل كلامي، فقال لها: إن كان كذلك فأمسكي المعنى وغيري ~~القافية، فقالت: # قولي لطيفك ينثني # عن مضجعي وقت الهجوع # كي أستريح وتنطفي # نار تؤجج في الضلوع # دنف تقلبه الأكف # على بساط من دموع # أما أنا فكما علمت # فهل لوصلك من رجوع # فقال لها أمير المؤمنين: من أي هذا الحي؟ قالت: من أوسطه بيتا وأعلاه عمودا، فعلم ~~أمير المؤمنين أنها بنت كبير الحي. ثم قالت له: وأنت من أي رعاة الخيل؟ فقال: من أعلاها ~~شجرة وأينعها ثمرة. فقبلت الأرض وقالت: أيدك الله يا أمير المؤمنين، ودعت له ثم ~~انصرفت مع بنات العرب. فقال الخليفة لجعفر: لا بد من زواجها، فتوجه جعفر إلى أبيها وقال ~~له: إن أمير المؤمنين يريد ابنتك، فقال: حبا وكرامة تهدى جارية إلى حضرة مولانا أمير ~~المؤمنين، ثم جهزها وحملها إليه ms011 فكانت من أعز نسائه. # | إبراهيم الموصلي والرشيد والجارية # قال إبراهيم الموصلي: قال لي الرشيد: بكر لنصطبح، فقلت: أنا والصبح فرسا رهان نستبق ~~إلى حضرتك، فبكرت فإذا أنا به خال وبين يديه جارية كأنها غصن بان، حلوة المنطق، جميلة ~~الصوت، وهي تنشد شعر أبي نواس: # توهمه طرفي فأصبح خده # وفيه مكان الوهم من نظري أثر # ومر بفكري خاطر فجرحته # ولم أر جسما قط يجرحه الفكر # وصافحه كفي فآلم كفه # فمن غمز كفي في أنامله عقر # فذهبت والله بعقلي حتى كدت أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه التي ~~قال فيها الشاعر: # بها قلبي الغداة وقلبها لي # فنحن كذاك في جسدين روح # ثم قال لها غني فغنت: # تقول غداة البين إحدى نسائهم # لي الكبد الحرى فسر ولك الصبر # وقد خنقتها عبرة فدموعها # على خدها بيض وفي نحرها صفر # وشرب وسقاها، وقال: غن يا إبراهيم، فغنيت عن غير عمد ولا تحفظ أقول: # تشرب قلبي حبها ومشى به # تمشي حميا الكأس في جسم شارب # ودب هواها في عظامي فشقها # كما دب في الملسوع سم العقارب # ففطن لتعريضي وكانت جهلة مني، فأمرني بالانصراف ولم يدع بي شهرا ولا حضرت مجلسه، ~~فلما كان بعد شهر دس إلي خادما معه رقعة مكتوب عليها هذه الأبيات: # قد تخوفت أن أموت من الوجد # ولم يدر من هويت بما بي # يا كتابي اقرأ السلام على من # لا أسمي وقل له يا كتابي # كف صب إليكم كتبتني # فارحموا غربتي وردوا جوابي # إن كفا إليكم كتبتني # كف صب فؤاده في عذاب # فأتاني الخادم بالرقعة، فقلت: ما هذه؟ قال: رقعة فلانة الجارية التي غنتك بين يدي ~~أمير المؤمنين، فأحسست بالقصة وعجبت من ذاك الأمر. # | الرشيد والجارية # دخلت جارية على الرشيد للبيع فتأملها وقال لصاحبها: خذ بيدها وانطلق، ولولا كلف ~~بوجهها وخنس بأنفها لاشتريتها، فأخذها وحينما بلغت الستر، قالت: يا أمير المؤمنين، ردني ~~لأنشدك بيتين خطرا لي، فردها فأنشدت: # ما سلم الظبي على حسنه # كلا ولا البدر الذي يوصف # الظبي فيه خنس ms012 بين # والبدر فيه كلف يعرف # فسر الرشيد من فصاحتها واشتراها وقربها إليه. # | جارية أمير المؤمنين والشاب # كان لأمير المؤمنين جارية حسناء تدعى قوت القلوب، فسافر يوما وتركها في قصره وحيدة ~~فريدة، فوقع نظرها على شاب جميل الهيئة فأحبته كثيرا وأباحت بما عندها، فصد عنها ~~خوفا من الخليفة فزاد حبها بامتناعه، فنظرت إليه نظرة الهائم وأنشدت تقول: # قلب المتيم كاد أن يتفتتا # فإلى متى هذا الصدود إلى متى # يا معرضا عني بغير جناية # فعوائد الغزلان أن تتلفتا # صد وهجر زائد وصبابة # ما كل هذا الأمر يحمله الفتى # فبكى وبكت من لوعة الحب والغرام وأنشدت تقول: # بديع الحسن كم هذا التجني # ومن أغراك بالإعراض عني # حويت من الرشاقة كل معنى # وحزت من الملاحة كل فن # وأجريت الغرام لكل قلب # ووكلت السهاد بكل جفن # وأعرف قبلك الأغصان تجنى # فيا غصن الأراك أراك تجني # وعهدي بالظبا صيدا فما لي # أراك تصيد أرباب المجن # وأعجب ما أحدث عنك أني # فتنت وأنت لم تعلم بأني # فلا تسمح بوصلك لي فإني # أغار عليك منك فكيف مني # ولست بقائل ما دمت حيا # بديع الحسن كم هذا التجني # | المأمون وجاريته (1) # قال أبو حماد الموكبي: وصفت للمأمون جارية بكل ما توصف امرأة من الكمال والجمال، ~~فبعث في شرائها، فأتي بها وقت خروجه إلى بلاد الروم، فلما هم ليلبس درعه خطرت بباله ~~فأمر فخرجت إليه، فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أريد ~~الخروج إلى بلاد الروم، قالت: قتلتني والله يا سيدي، ثم انحدرت الدموع على وجنتيها ~~كنظام اللؤلؤ وأنشأت تقول: # سأدعو دعوة المضطر ربا # يثيب على الدعاء ويستجيب # لعل الله أن يكفيك حربا # ويجمعنا كما تهوى القلوب # فضمها المأمون إلى صدره وأنشأ متمثلا يقول: # فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها # وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل # صبيحة قالت في العتاب قتلتني # وقتلي بما قالت هناك تحاول # ثم قال لخادمه: يا مسرور، احتفظ بها وأكرم محلها وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من ~~المقاصير والخدم والجواري إلى ms013 حين رجوعي، ثم خرج، ~~فلم يزل الخادم يتعهدها ويصلح ما أمر به، فاعتلت علة شديدة أشفق عليها منها، ثم ورد ~~نعي المأمون، فلما بلغها ذلك تنفست الصعداء وأنشدت وهي تجود بنفسها: # إن الزمان سقانا من مرارته # بعد الحلاوة أنفاسا وأروانا # أبدى لنا تارة منه فأضحكنا # ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا # إنا إلى الله فيما لا يزال لنا # من القضاء ومن تلوين دنيانا # دنيا نراها ترينا من تصرفها # ما لا يدوم مصافاة وأحزانا # ونحن فيها كأنا لا نزايلها # للعيش أحياؤنا يبكون موتانا # | المأمون وجاريته (2) # غضب المأمون يوما على جاريته عريب المغنية، وكان كلفا بها، فأعرض عنها وأعرضت عنه، ~~ثم أسلمه الغرام وأقلقه الشوق حتى أرسل إليها يطلب مراجعتها، فلما اجتمعا لم تلتفت ~~إليه، وكلمها فلم ترد عليه، فأنشأ يقول: # تكلم ليس يوجعك الكلام # ولا يذري محاسنك السلام # أنا المأمون والملك الهمام # ولكني بحبك مستهام # يحق عليك ألا تقتليني # فيبقى الناس ليس لهم إمام # | المأمون ويحيى بن أكثم # أصبح المأمون وعنده عبد الله بن طاهر ويحيى بن أكثم، فغمز المأمون الساقي على إسكار ~~يحيى، فسقاه حتى سكر، وبين يديهم هالة من الورد دفنوه فيها ونشروا عليه زهورها، فلما ~~رآه المأمون ضحك كثيرا وأنشد بيتين أمر إحدى جواريه أن تغنيهما عند رأس يحيى، ~~فغنت: # ناديته وهو ميت لا حراك # مكفن في ثياب من رياحين # وقلت قم قال رجلي لا تطاوعني # فقلت خذ قال كفى لا يؤاتيني # وجعلت تردد الصوت، فأفاق يحيى وهو تحت الورد، فأنشأ يقول مجيبا: # يا سيدي وأمير الناس كلهم # قد جار في حكمه من كان يسقيني # إني غفلت عن الساقي فصيرني # كما تراني سليب العقل والدين # لا أستطيع نهوضا وقد وهى بدني # ولا أجيب المنادي حين يدعوني # فاختر لنفسك قاض إنني رجل # الراح تقتلني والعود يحييني # | المأمون والجارية # وعد المأمون جارية أن يأتي لزيارتها وأخلفها الوعد فكتبت إليه: # أرقت عيني ونامت # عين من هنت عليه # إن نفسي فاعذرنها # أصبحت في راحتيه # رحم الله رحيما # دل عيني عليه # فلما رأى رقعتها ms014 ضحك ولم يلبث أن زارها. # | المأمون وجاريته والرسول # عتب المأمون على جارية من جواريه وكان كلفا بها فأعرض عنها وأعرضت عنه، ثم أسلمه ~~الهوى وأقلقه الشوق حتى أرسل يطلب مراجعتها، فأبطأ عليه الرسول، فلما رجع أنشأ ~~يقول: # بعثتك مرتادا ففزت بنظرة # وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا # وناجيت من أهوى وكنت مبعدا # فيا ليت شعري عن دنوك ما أغنى # ونزهت طرفا في محاسن وجهها # ومتعت باستظراف نغمتها أذنا # أرى أثرا منها بعينيك لم يكن # لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا # فيا ليتني كنت الرسول وكنتني # وكنت الذي يقصي وكنت أنا المدني # | المأمون وأبو عيسى وقرة العين # بينما كان المأمون عازما على الركوب ومبارحة القصر اعترضه علي بن هشام قائلا: يا ~~أمير المؤمنين، عندي جارية اشتريتها بعشرة آلاف دينار وقد أخذت بمجامع قلبي وأريد أن ~~أعرضها على أمير المؤمنين، فإن أعجبته ورضيها فهي له وإلا فيسمع منها شيئا من الغناء، ~~فقال الخليفة: علي بها، فخرجت جارية كأنها قضيب بان، لها عينان فتانتان وحاجبان ~~كأنهما قوسان، وعلى رأسها تاج من الذهب تحته عصابة مكتوب عليها: # جنية ولها جن تعلمها # رمى القلوب بقوس ما له وتر # فلما رآها المأمون تعجب من حسنها وجمالها، وكان إلى جانبه فتي يدعى أبو موسى فلما ~~شاهد تلك الجارية وما هي عليه من الحسن والجمال وقع حبها في قلبه وبدت عليه علائم ~~الاصفرار، فقال له المأمون: ما لك يا أبا عيسى قد تغير حالك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ~~بسبب علة تعتريني في بعض الأوقات، فقال له الخليفة: أتعرف هذه الجارية قبل الآن؟ قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين، وهل يخفى القمر، ثم قال لها المأمون: ما اسمك يا جارية؟ قالت: ~~اسمي قرة العين يا أمير المؤمنين، قال لها: غني لنا يا قرة العين، فأنشدت ~~تقول: # إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحب # جهارا فكن في الغيب أحفظ للود # والغ أحاديث الوشاة فقلما # يحاول واش غير هجران ذي ود # وقد زعموا أن المحب إذا دنا # يمل وأن البعد يشفي من الوجد # بكل تداوينا ms015 فلم يشف ما بنا # على أن قرب الدار خير من البعد # على أن قرب الدار ليس بنافع # إذا كان من تهواه ليس بذي ود # فلما فرغت من شعرها قال أبو عيسى: يا أمير المؤمنين، إذا افتضحنا استرحنا، أتأذن لي ~~في جوابها؟ فقال له الخليفة: نعم، قل لها ما شئت، فكفكف دمع العين وأنشد هذين ~~البيتين: # سكت ولم أقل: إني محب # وأخفيت المحبة في ضميري # فإن ظهر الهوى في العين مني # فدانية من القمر المنير # فأخذت العود قرة العين وأطربت بالنغمات وأنشدت تقول: # لو كان ما تدعيه حقا # لما تعلقت بالأماني # ولا تصبرت عن فتاة # بديعة الحسن والمعاني # لكن دعواك ليس منها # شيء سوى القول باللسان # فلما فرغت من شعرها جعل أبو عيسى يبكي وينتحب ويتوجع ويضطرب، ثم رفع رأسه وأنشد ~~يقول: # تحت ثيابي جسد ناحل # وفي فؤادي شغل شاغل # ولي فؤاد داؤه دائم # ومقلة مدمعها هاطل # وكلما سالمني عاقل # قام لحيني في الهوى عاذل # يارب لا أقوى على كل ذا # موت وإلا فرج عاجل # فلما فرغ أبو عيسى من شعره وثب علي بن هشام فقبله وقال له: يا سيدي قد استجاب الله ~~دعاك وسمع نجواك وأجابك إلى أخذها إن لم يكن لأمير المؤمنين غرض فيها. فقال المأمون: ~~ولو كان لنا غرض فيها لآثرنا أبا عيسى على أنفسنا وساعدناه على قصده، ثم إنه دفعها إليه ~~فعاش معها على ما يرام. # | المأمون والجارية نسيم # كان المأمون مشغوفا بحب جارية تدعى نسيم، وكانت ذات عقل وأدب وفضل وكمال لا يفارقها ~~ولا يهوى سواها، ففي ذات يوم نظر إلى جارية حسناء لطيفة اللون رشيقة القد فمال إليها ~~لأنها كانت أحسن منها، وأعرض عن جاريته نسيم، فاغتمت لذلك ولم تجد حيلة لاستعطافه، ~~وكانت لها جارية رومية ذات عقل وأدب ولطف قد كتمت أمرها عن المأمون، فاتفق أن المأمون ~~اعتل جسمه قليلا ثم شفي فجعل الناس يدخلون عليه بأصناف التحف والهدايا، فأهدت إليه ~~نسيم الجارية المذكورة هدية ومعها جام بللور وغطته بمنديل فاخر مكتوب عليه بالذهب ms016 هذه ~~الأبيات: # اشرب بهذا الجام يا سيدي # مستمتعا بهذه الجارية # واجعل لمن أهداكها زورة # تحظى بها في الليلة الثانية # فأعجب المأمون ما رأى من الجام والجارية وبعث لها بكتاب يسترضيها فيه ثم عاد معها إلى ~~سابق الود. # | محمد بن هارون وجلساؤه الثلاثة # تنفس محمد بن هارون الأمين يوما في مجلسه أيام الحصار فالتفت إلى جليس له يدعى محمد ~~بن سلام، وقال له: ويحك يا محمد أتراني؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ~~الشاعر: # ذكر الهوى فتنفس المشتاق # وبدا عليه الذل والإطراق # يا من يصبرني فأصبر بعده # والصبر ليس يطيقه العشاق # فقال: لا والله ما أصبتها، ثم التفت إلى جليس آخر، فقال: ويحك ألا تراني؟ قال: نعم ~~يا أمير المؤمنين، ذكرت قول الأحنف: # تذكرت بالريحان منك شمائلا # وبالراح عذبا من مقبلك العذب # فقال: لا والله ما أصبتها، ثم التفت إلى كوثر الخادم، فقال: ويحك ألا تراني؟ فقال: ~~نعم يا أمير المؤمنين، ذكرت قول ابن نفيلة الغساني: # إن كان دهر بني ساسان فرقهم # فإنما الدهر أطوار دهارير # وربما أصبحوا يوما بمنزلة # تهاب صولتها الأسد المهاصير # فقال: أصبتها والله، ورفع منزلته. # | نصيب وعبد العزيز بن مروان # دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان، فقال له: هل عشقت يا نصيب؟ قال: نعم - جعلني الله ~~فداءك - ومن العشق أفلتتني إليك البادية، قال: ومن عشقت؟ قال: جارية لبني مدلج فأحدق ~~بها الواشون فكنت لا أقدر على كلامها إلا بعين أو إشارة فأجلس على الطريق حتى تمر بي ~~فأراها، ففي ذلك أقول: # جلست لها كيما تمر لعلني # أخالسها التسليم إن لم تسلم # فلما رأتني والوشاة تحدرت # مدامعها خوفا ولم تتكلم # مساكين أهل العشق ما كنت أشتري # حياة جميع العاشقين بدرهم # | العاشق وعبد الملك بن مروان # قال أبو ريحانة: كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوسا عاما، فبينما هو جالس ~~في مستشرف له وقد قدمت إليه أوراقا فيها مطالب بعض المحابيس رأى في ورقة منها ~~مكتوبا: «إن رأى أمير المؤمنين أن يدع جاريته فلانة تغني ms017 ثلاثة أصوات ثم ينفذ في ما ~~شاء من حكمه»، فاستشاط من ذلك غضبا وقال لي: علي بصاحب هذه الرقعة، فأحضرته بين يديه ~~وهو غلام جميل الطلعة حسن المحيا، فقال له عبد الملك: أهذه رقعتك يا غلام؟ قال: نعم يا ~~أمير المؤمنين، قال: وما الذي غرك مني؟ والله لأصنعن بك ما يرتدع به نظراؤك من ذوي ~~الخسارة، ثم قال: علي بالجارية. فجيء بها من الخباء بوجه مشرق كالبدر وفي يدها عود ~~لطيف الأوتار، فطرح لها الكرسي فجلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام، فقال لها: غني يا ~~جارية بشعر قيس بن ذريح: # لقد كنت حسب النفس لو دام ودنا # ولكنما الدنيا متاع غرور # وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى # بأنعم حالي غبطة وسرور # فما برح الواشون حتى بدت لنا # بطون الهوى مقلوبة لظهور # فغنت، فخرج الغلام يمزق ثيابه من شدة الوله، فقال له عبد الملك: مرها تغنيك ~~الصوت الثاني، فقال: غني بشعر جميل: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى إني إذا لسعيد # إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي # من الحب قالت: ثابت ويزيد # وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به # مع الناس قالت: ذاك منك بعيد # فلا أنا مردود بما جئت طالبا # ولا حبها فيما يبيد يبيد # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها # ويحيا إذا فارقتها فيعود # فغنته الجارية، فوقع الغلام مغشيا عليه ساعة ثم أفاق، فقال له عبد الملك: مرها ~~فلتغنك الصوت الثالث، فقال: يا جارية، غني بشعر قيس بن الملوح المجنون: # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة # غزال غضيض المقلتين ربيب # فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى # ولكن من تنأين عنه غريب # فغنته الجارية، فطرح الغلام نفسه من مستشرف، فلم يبلغ الأرض حتى تقطع، فقال عبد ~~الملك: دعيه لقد عجل على نفسه، ولقد كنت حسبته على غير ما أرى، ثم أمر فأخرجت ~~الجارية من قصره، وسأل عن الغلام، فقيل: غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاثة أيام كان ~~ينادي في الأسواق ويده على رأسه: # غدا يكثر ms018 الباكون منا ومنكم # وتزداد داري من دياركم بعدا # | المتوكل وعلي بن الجهم ومظلومة # قال علي بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، فقال: يا علي، قلت: لبيك يا أمير ~~المؤمنين، قال: دخلت إلي الساعة جارية وقد كتبت على خدها بالمسك اسمي، فوالله ما رأيت ~~سوادا في بياض أحسن منه في ذلك الخد، فقل فيه شعرا، فقلت: أمظلومة هنا؟ قال: نعم، ~~وكانت مظلومة خلف الستارة فدعت بدواة وبادرتني بأبيات فقالت: # وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا # بنفسي خط المسك من حيث أثرا # لئن أودعت سطرا من المسك خدها # لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا # فيا من لملوك تملك مالكا # مطيعا له فيما أسر وأظهرا # ويا من مناها في السرائر جعفر # سقى الله من صوب الغمامة جعفرا # فأفحمت ولم أنطق وتغلبت على خواطري فما قدرت على حرف أقوله. # | جارية المهدي والتفاحة # أهدت جارية من جواري المهدي تفاحة إلى المهدي مطيبة وكتبت فيها: # هدية مني إلى المهدي # تفاحة تقطف من خدي # محمرة مصفرة طيبت # كأنها من جنة الخلد # فأجابها المهدي: # تفاحة من عند تفاحة # جاءت فماذا صنعت بالفؤاد # والله ما أدري أأبصرتها # يقظان أم أبصرتها في الرقاد # | المعتز بالله # كان المعتز بالله رجلا فاضلا وعاشقا عفيفا، فقال يصف داء الحب في شعر، ~~يقول: # لقد عرفت علاج الطب من وجعي # وما عرفت علاج الحب والجزع # جزعت للصبر والحمى صبرت لها # إني لأعجب من صبري ومن جزعي # وما أمل حبيبي ليتني أبدا # مع الحبيب ويا ليت الحبيب معي # وقال أيضا: # الله يعلم يا حبيبي أنني # منذ غبت عنك موله مكروب # يدنو السرور إذا دنا بك منزل # ويغيب صفو العيش حيث تغيب # | المكتفي بالله # قال المكتفي بالله يصف سطوة الحب وعزه وولاءه: # من لي بأن يعرف ما ألقى # فيعرف الصبوة والعشقا # ما زال لي عبد وحبي له # صيرني عبدا له رقا # يعتق من رقي ولكنني # من حبه لا أملك العتقا # | المستظهر بالله # قال المستظهر بالله يصف وداع الحبيب حبيبه: # أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا # يوما مددت ms019 على رسم الوداع يدا # فكيف أسلك نهج الصبر حيث أرى # طرائق الهجر في مهوى الهوى قددا # | المعتضد بن عباد وجاريته العبادية # كان للمعتضد جارية أديبة ظريفة، كاتبة، فصيحة العبارة، لطيفة الإشارة، عارفة بأساليب ~~الغناء، وكان قد أهداها إليه مجاهد العامري، فمال إليها ميلا شديدا وشغف بها شغفا ~~زائدا حتى إنها ألهته عن بعض أموره، وكانت من توقد قريحتها وحضور بديهتها ترتجل الشعر ~~والأمثال، فبينما كانت يوما نائمة في بيتها وكان المعتضد سهران دخل عليها وهي نائمة ~~فقال: # تنام ومدنفها يسهر # وتصبر عنه ولا يصبر # فانتبهت من نومها وأجابته بديهة: # لئن دام هذا وهذا له # سيهلك وجدا ولا يشعر # | المعتمد بن عباد والرميكية # ركب المعتمد في النهر ومعه ابن عمار وزيره وقد زردت الريح النهر، فقال ابن عباد ~~لوزيره: أجز «صنع الريح من الماء زرد»، فأطال الوزير الفكرة، فقالت امرأة من الموجودات ~~على ضفة النهر: «أي درع لقتال لو جمد». فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به مع عجز ابن ~~عمار ونظر إليها فإذا هي غاية في الحسن والجمال، فأعجبته، فسألها: أذات بعل أنت؟ قالت: ~~لا، قال: وما اسمك؟ قالت: الرميكية، فتزوجها وولدت له أولادا. # | حماد الراوية والخليفة يزيد # قال حماد الراوية: كنت محبا للوليد بن عبد الملك، فلما ولي أخوه يزيد الخلافة هربت ~~إلى الكوفة، فبينما أنا في المسجد الأعظم إذ أتاني رسول محمد بن يوسف الثقفي، وقال: أجب ~~الأمير، فدخلت عليه، فقال: ورد كتاب أمير المؤمنين علي يحملك إليه، وبالباب نجيبان ~~فركب أحدهما ودفع إلي كيسا فيه ألف دينار، وقال: هذه نفقة لمنزلك، فدخلت دمشق في ~~اليوم الثامن واستأذن لي الرسول فدخلت عليه فإذا هو جالس في دار مبلطة بالرخام الأحمر ~~وفيها سرادق وسط قبة حمراء، وعلى رأسه جاريتان بثياب حمراء بيد إحداهما إبريق وبيد ~~الأخرى نبيذ، فلما قابلته قال لي: ادن يا حماد، أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، يا أمير ~~المؤمنين، قال: في بيت شعر ذهب عني أوله، قلت: من أي بحر أو قافية؟ قال: لا ms020 أدري إلا ~~أنه بيت فيه (إبريق)، فقلت في نفسي: الآن وقت إجهاد الفكرة، ففكرت ساعة ثم قلت: نعم، يا ~~أمير المؤمنين، لعله قول التبع اليماني: # بكر العاذلون في وضح الصبح # يقولون لي: أما تستفيق # ويلومون فيك يا بن عبيد الله # والقلب عنكم مرهوق # لست أدري إذا كثر العذل فيها # أعدو يلومني أو صديق # ودعوا بالصبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها إبريق # فصاح يزيد وقال: هو والله الشعر بعينه وشرب، وقال: يا جارية اسقيه، فسقتني كأسا أذهب ~~ثلث عقلي، فقال: سل حاجتك قبل أن يذهب الثلث الآخر، فقلت: إحدى هاتين الجاريتين، فقال: ~~هما لك بمالهما وما عليهما ومائة ألف تحسن بها سيرك، ثم ناولتني الجارية كأسا فشربتها ~~وانصرفت على أحسن حال. # | محمد بن عبد الله بن طاهر والجارية والمتوكل # بينما كان محمد بن عبد الله بن طاهر في الحج رأى في الطواف جارية في نهاية الحسن فوقع ~~حبها في قلبه، فعمل على أخذها له وعاد إلى حيث كان، فلما قدم مدينة دار السلام شغف بها ~~شغفا شديدا وأخفى أمرها وما يجده خوفا من أمير المؤمنين المتوكل، وكان من شدة وجده ~~بها يحتبس عندها أياما لا يظهر للناس في خلالها، ففطن إليه سويد بن أبي العالية صاحب ~~البريد، وكان بينه وبين محمد منافرة لم يجد لها كيدا إلا أن كتب إلى المتوكل وهو نازل ~~على أربعة فراسخ من بغداد كتابا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد يا أمير ~~المؤمنين، فإن محمد بن عبد الله بن طاهر اشترى جارية حسناء لا يفارقها أبدا وقد اشتغل ~~بها عن النظر في أمور الناس وعن التوقيع في دعاوى المظلومين، ولا يأمن أمير المؤمنين من ~~خراب يصيب بغداد مع كثرة ما فيها من الغوغاء فتكون العائدة سببا لتعب سره». # ثم ختم الكتاب وسلمه إلى بعض المماليك فأوصله إليه، فلما قرأ المتوكل ذاك الكتاب نظر ~~إلى نرجس الخادم وقال له: امض الساعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وادخل إلى منزله ~~بغتة من غير إذن وانظر ms021 إلى ما يصنع، ثم خذ منه جاريته فلانة وائت بها من غير تأخير، ~~فحضر نرجس من ساعته ودخل على محمد بن طاهر دون أن يطلب الإذن، فلم يشعر محمد إلا وهو ~~واقف أمامه، فتغير وجهه وامتقع لونه وفاضت عيناه وارتعدت فرائصه لعلمه أن نرجسا ما ~~دخل عليه من غير إذن إلا وقد أضمر له السوء، فقال له: يا نرجس ما الذي أتي بك؟ قال: ~~أمير المؤمنين أمرني أن آخذ جاريتك هذه، قال: يا نرجس هذا اليوم قد حضر شره وغاب خيره ~~وقد ترى ما نحن فيه وأنا لا أخالف ما أمر به أمير المؤمنين، ثم أمر للخادم بكرسي فجلس ~~عليه بعد أن امتنع ساعة، وقال: إن مثلي لا يجلس مع مثلك، ثم إن محمدا نظر إلى الجارية ~~وبكى بكاء شديدا، وقال لها: غني لأتزود منك، فأخذت العود وغنت بصوت حزين: # لله من لمعذبين رماهما # بشماتة العذال والحساد # أما الرحيل فحين جد تحملت # مهج النفوس به من الأكباد # من لم يبت والبين يصدع شمله # لم يدر كيف تفتت الأكباد # ثم إنهما أعلنا بالبكاء والنحيب والشهيق فرحمهما الخادم ورق لهما حين عاين ما حل ~~بهما، فقال: أيها الأمير إن رأيت أن أمضي وأدعكما على ما أنتما عليه وأتعلل عنكما لأمير ~~المؤمنين فعلت، فقال: يا نرجس، من خلقه مثل أبي سويد كيف يمكنه التعلل ولكن ارفق بنا. ~~فقالت الجارية: والله يا سيدي لا ملكني غيرك أبدا، ولئن دفعتني إليه لأقتلن نفسي، فقال ~~لها محمد: لو كان غير أمير المؤمنين لكان في ذلك أوسع حيلة، ولقد وددت أن يأخذ أمير ~~المؤمنين جميع ما أملك ويعزلني عن عملي ويبيعك لي ولكن هذا قضاء الله وقدره، ثم التفت ~~إلى نرجس، وقال: لقد شاهدت مني ومن هذه الجارية ما شهد قلبك علينا بالمحبة والمودة ~~والألفة، وليس يخفى عليك أن عمل المعروف يقي مصارع السوء ومثلك من يصنع المعروف مع ~~مثلي، فخذها وامض بها إلى أمير المؤمنين وقل ما شئت مما يليق بمروءتك، ثم التفت إليها ~~وقبلها وبكى ms022 وبكت وبكى نرجس ثم أخذها وخرج وهي تبكي وتخمش وجهها، ثم سار حتى دخل بها ~~على أمير المؤمنين، فلما رآه قال: ما وراءك؟ قال: ورائي يا أمير المؤمنين كل بلية، ثم ~~إنه جلس بين يديه وقص عليه حالهما ولم يخف شيئا، فقال المتوكل: كل هذا الوجد يجده ~~محمد من هذه الجارية! فقال: يا أمير المؤمنين والذي خفي أكثر مما ظهر وما أظنه يعيش ~~بعدها، فرق له قلب المتوكل، وقال: يا نرجس، ارجع بها إليه الساعة من وقتك هذا وأدركه ~~قبل أن تزهق روحه وقد أمرت له بمائة ألف درهم ولها مع ذلك مثله وجعلت أمر أبي سويد إليه ~~يصنع به ما يشاء، ثم كتب له توقيعا بذلك دفعه إلى نرجس، فرجع الخادم بالجارية والتوقيع ~~ولم يتمهل حتى دخل عليه فوجده عريانا يتقلب على الثرى من شدة الكرب والوجد وقد أحدقت ~~به الجواري يروحنه بالمراوح، فقال: أبشر يا محمد، إن أمير المؤمنين قد رد جاريتك عليك ~~من غير أن يوقع نظره عليها، وقد حكمك في أبي سويد، ثم ناوله التوقيع بذلك ودخلت ~~الجارية عليه، فوثب إليها وعانقها وقبلها ساعة ثم خرج فجلس على باب داره وبعث إلى أبي ~~سويد، فلما حضر دفع إليه التوقيع، فلما قرأه قال: أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، ~~وإن تهدم مني ركنا أنت شيدته وتصنع معي جميلا فمثلي من هفا ومثلك من عفا، ثم قام ~~وقبل الأرض بين يديه، فقال له محمد: لا أبدل نعمة الله كفرا ثم أمر له بخمسين ألف ~~درهم، فقالت الجارية: وأنا أيضا أهب له مثل هذه الهبة مما وهبه لي أمير المؤمنين، ثم ~~ذهب أبو سويد وبقيا بعد ذلك في أطيب عيش وأحسن حال. # | عمر بن عبد العزيز وامرأته # كتبت امرأة عمر بن عبد العزيز إلى عمر لما اشتغل عنها بالعبادة: # ألا يأيها الملك الذي قد # سبى عقلي وهام به فؤادي # أراك وسعت كل الناس عدلا # وجرت علي من بين العباد # وأعطيت الرعية كل فضل # وما أعطيتني غير السهاد # فلما ms023 قرأ الأبيات صرف وجهه إليها. # | عبد الله بن الأمين # كان عبد الله بن الأمين جميلا فاضلا، فرأى يوما فتاة لطيفة فأنشد فيها: # جاز على وجنته مدمعه # وزال عمن قد رجا مطمعه # في حب ظبي لك من وجهه # إذا تجلى قمر يطلعه # قد أعطي الحسن مليكا فيما # أصبح عنه أحد يمنعه # في خده من صدغه عقرب # تلسع من شاء ولا تلسعه # | هارون بن المعتصم # قال هارون بن المعتصم في فتاة حسناء كان قد رآها ووقع في حبها وهواها: # وشادن يفضح بدر الدجى # والبدر في ليلته يزهر # يجحد أني مستهام به # فهو لقولي أبدا ينكر # وقد كساني سقمي حلة # تظهر من وجدي الذي أفكر # يكفيك مني شاهد أنني # إليك من دون الورى أنظر # | أبو يحيى القاضي وأحد الخلفاء # كان أبو يحيى القاضي في زمان أحد الخلفاء، وكان لا يشرب الخمر بل ينهى دائما عن شربه ~~حتى إنه نهى الملك نفسه، فاغتاظ الملك لهذا الأمر وأضمر ذلك في نفسه، وكان عنده جارية ~~حسناء تدعى «نصيبين»، لطيفة القد، فتانة الملامح، فدعا بها يوما وقال: يا نصيبين، ~~اذهبي غدا إلى البستان واصعدي إلى المقصورة العالية فإنني من الآن أهيئ هناك من ~~المأكول وغيره ما يصلح للمقام، فادخلي المخدع الذي يقاربها واختبئي فيه حين قدومي مع ~~أبي يحيى القاضي، وبعد الفراغ من الطعام أذهب أنا إلى البستان وأدع لك أبا يحيى وحيدا ~~في القصر، فاخرجي أنت وأصلحي العود وقدمي بين يديه المدام وزيدي في الغناء له حتى يذهب ~~عن هداه، فقالت: سمعا وطاعة أيها الملك، وفي الغد دخلت البستان وفعلت ما أمرها به، ~~ولم يمض إلا القليل حتى جاء الملك مع أبي يحيى القاضي فجلسا يتسامران إلى أن حضر ~~الطعام فأكلا، ثم قام الملك، وقال: يا أبا يحيى ابق هنا إلى أن أعود إليك، ثم نزل إلى ~~البستان وأشار إلى نصيبين فخرجت للحال وسلمت على أبي يحيى فرد عليها السلام فأخذت العود ~~وأصلحت أوتاره وغنت: # نظري إلى وجه الحبيب نعيم # وفراق من أهوى علي عظيم # وأنا ms024 الذي ما كنت أرحم عاشقا # حتى عشقت وها أنا المرحوم # يا غارس الريحان حول خيامنا # لا تغرس الريحان لست تقيم # ما كل من ذاق الهوى عرف الهوى # أو كل من شرب المدام نديم # ما لي لسان أن أقول ظلمتني # والله يعلم أنني مظلوم # فطرب أبو يحيى من غنائها ولاحت عليه علائم الانبساط، فلما آنست منه ذلك رمت العود ~~من يدها وأخذت الجام وسكبت المدام وقدمت له كأسا منها، فامتنع أبو يحيى عن أخذها، ~~فصارت تلاعبه تارة وتمازحه أخرى إلى أن شرب منها، وما زالت تهيجه بمغناها حتى ترنح من ~~الطرب فصار يطلب منها كأسا بعد أخرى حتى أخذ منه السكر ومالت به هزة الطرب فاستلقى على ~~ضمة من زهر الرياحين وهو غائب عن وجوده، وإذا بالملك أقبل فرآه على ذي الحال فناداه ~~قائلا: # ما لي أنادي أبا يحيى فينبيني # سكران مطروح ما بين الرياحين # فأجابه على الفور: # ما أنت ربي على ذنبي تحاسبني # ولا نبيا لطرق الحق يهدينا # ما قال ربك ويل للألى سكروا # بل قال ربك ويل للمصلينا # أنعم علي بما أوعدتني كرما # واجعل نصيبي من الدنيا نصيبينا # فعجب الملك من ذكائه ودفع إليه تلك الجارية. # | يزيد بن عبد الملك وجاريته حبابة # كان ليزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي جارية مدنية صبيحة الوجه، مليحة النادرة، ~~لطيفة المحاضرة، خفيفة الروح، غردة الصوت، شجية الغناء، عالمة بصنعة العود، وكان يزيد ~~مغرما بها، شديد الهيام بحبها، فخلع العذار وتقطع إليها الليل والنهار، وكانت لديه ~~الأميرة المطلقة تعزل من تشاء وتولي من تشاء، فاشتهر أمره وشاع ذكرها وذكره إلى أن نزل ~~معها ذات يوم بإحدى قرى الشام ونظر إلى غلامه قائلا: ويحك لا تمكن أحدا من الوقوف ~~ببابي ولا تدع إنسانا يخرق حجابي، ثم خلا بحبابة وما برح معها في لهو وطرب إلى أن ~~تواسط النهار، فدعا بطبق رمان تناثرت على سطحه الحبوب تناثر اللؤلؤ على الأعناق وقدمه ~~إليها، فشرقت حبابة بحبة منه ذهبت بروحها إلى عالم العدم، فصاح يزيد صيحة الألم ms025 وطارت ~~نفسه بأثرها شعاعا وطفق يعض أنامله جزعا والتياعا، وما زال يقبلها وينوح عليها إلى ~~أن أدركها الفساد، فأودعها الثرى حتم أنفه وهو يدمي بثناياه باطن كفه ويردد الأنين ~~والحسرات حتى شرب كأس المنون فدفنوه حذاءها ولسان حاله يقول: # أموت على أثر الحبيبة ظاعنا # ليجتمع الروحان في عالم الخلد # ومما قاله فيها إثر فراق: # أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر # ما للفؤاد سوى ذكراكم وطر # إن سار صحبي لم أملك تذكرهم # أو عرسوا فهموم النفس والسهر # ومما قالت له قبل موتها: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # فما العيش إلا ما يلذ ويشتهى # وإن لام فيه ذو الشنان وفندا # | علية ابنة المهدي العباسية # كانت ظريفة الوجه، عفيفة النفس، ذات صيانة وأدب بارع، وكانت تهوى غلاما يدعى طلا، ~~فنهاها عنه أخوها الرشيد فلم تنته، فحلف أنها لا تذكره ثم تسمع عليها يوما فوجدها ~~وهي تقرأ القرآن في آخر سورة البقرة حتى بلغت قوله تعالي: # فإن ~~لم يصبها وابل فطل ~~(البقرة: 265)، فما نهى عنه أمير ~~المؤمنين، فدخل الرشيد وقبل رأسها وقال لها: قد وهبتك طلا ولا منعتك بعدها عما ~~تريدين. # ولما خرج الرشيد إلى الري أخذها معه، فلما وصلت إلى المرج وبعدت عن الحبيب أنشدت ~~تقول: # كتمت اسم الحبيب عن العباد # ورددت الصبابة في فؤادي # فوا شوقي إلى أيام خلى # لعلي باسم من أهوى أنادي # فلما بلغت الحمى وآنست قرب الحبيب خف عنها بعض الوجد الذي كان عندها، ففي ذات يوم ~~بينما كانت في بيتها وأخوها إلى جانبها جاءتها عريب وجاءها يعقوب وكان أحذق الناس ~~بالمزمار فلح عليها بالغناء، فغنت شعرا لها: # تحبب فإن الحب داعية الحب # وكم من بعيد الدار مستوجب القرب # تبصر فإن حدثت أن أخا الهوى # نجا سالما فانج النجاة من الحرب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا # فأين حلاوات الرسائل والكتب # وأطيب أيام الفتى يومه الذي # يروع بالهجران فيه وبالعتب # ثم أنشدت: # لم ينسينك سرور لا ولا حزن # وكيف ms026 لا كيف ينسى وجهك الحسن # ولا خلا منك لا قلبي ولا جسدي # كلي بكلك مشغول ومرتهن # وحيدة الحسن ما لي عنك من كلف # نفسي بحبك إلا الهم والحزن # نور تولد من شمس ومن قمر # حتى تكامل فيه الروح والبدن # فطرب الجميع من رقتها ورخامة صوتها وعذوبة ألفاظها. # | المهدي والرجل # دخل أحدهم إلى مقصورة إحدى جواري المهدي، فلما كان خارجا اعترضه الحاجب وشكاه إلى ~~أمير المؤمنين فأمر بإحضاره وسأله عن دخوله وكيف كان وما شأنه؟ فقال: إن هذه الجارية ~~كانت لوالدتي وكان بيني وبينها ألفة، فلما بيعت لأمير المؤمنين صرت إلى الباب متعرضا ~~لها، فآذنته في الدخول، فدخلت على أحد أمرين: إما أن أراها فأشتفي من ألم البعاد أو ~~أقتل فأستريح من هذه الحياة، فأمر المهدي بإحضار سياط ونصبه بينهما، ثم ضربه عشرين ~~سوطا ورفع عنه الضرب، وقال: ما أصنع بتعذيبك ولست بتاركك حيا ولا تاركها، يا غلام، ~~سيف ونطع، فلما أتي بذلك وأجلس الغلام في النطع، قال: يا أمير المؤمنين قبل أن يحل بي ~~الهلاك وهو دون حقي اسمع مني ما أقول، قال: هات، فأنشأ يقول: # ولقد ذكرت والسياط تنوشني # عند الإمام وساعدي مغلول # ولقد ذكرتك والذي أنا عبده # والسيف بين ذوائبي مسلول # فأطرق المهدي وتغرغرت عيناه بالدموع، ثم قال: يا غلام خل السيف جانبا وحل قيوده ~~وأخرجه مع من يحبها من هذا المكان. # | جارية يزيد بن عبد الملك والشاب # كانت عند يزيد بن عبد الملك جارية حسناء، نحيلة القد، كاملة العقل والأدب، فعظم حبه ~~لها وأخذت بمجامع قلبه، فقال لها يوما: ويحك! أما لك قرابة أو أحد تحبين أن أضيفه أو ~~أسدي إليه معروفا؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ليس لي قرابة، ولكن بالمدينة ثلاثة أشخاص ~~كانوا أصدقاء لمولاي أحب أن ينالهم مثل ما نالني من الخير، فكتب إلى عامله بالمدينة في ~~إحضارهم إليه وأن يدفع لكل واحد منهم عشرة آلاف درهم، فلما وصلوا إلى باب يزيد استؤذن ~~لهم في الدخول عليه، فأذن لهم وأكرمهم غاية الإكرام وسألهم عن حوائجهم ms027 ، فأما اثنان منهم ~~فذكرا حوائجهما فقضاها، وأما الثالث فسأله عن حاجته، فقال: يا أمير المؤمنين، ما لي ~~حاجة، قال: ويحك! أولست أقدر على حوائجك؟ قال: بلى، يا أمير المؤمنين، ولكن حاجتي ما ~~أظنك تقضيها، فقال: ويحك! فاسألني فإنك لا تسألني حاجة أقدر عليها إلا قضيتها، قال: فلي ~~الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تأمر جاريتك التي ~~أكرمتنا بسببها أن تغني ثلاثة أصوات بما أقترح عليها من الشعر، فتغير وجه يزيد ونادى ~~بالجارية فحضرت، فقال: سل حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين مرها تغني بهذا ~~الشعر: # لا أستطيع سلوا عن مودتها # أو يصنع الحب بي فوق الذي صنعا # أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني # حتى إذا قلت هذا صادق نزعا # فأمرها فغنت، ثم قال للفتى: سل حاجتك، فقال: مرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا ~~الشعر: # تخيرت من نعمان عود أراكة # لهند ولكن من يبلغه هندا # ألا عرجا بي بارك الله فيكما # وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا # فأمرها فغنته، ثم قال للفتى: سل حاجتك، فقال: تأمرها يا أمير المؤمنين أن تغني بهذا ~~الشعر: # مني الوصال ومنكم الهجر # حتى يفرق بيننا الدهر # والله لا أسلوكم أبدا # ما لاح بدر أو بدا قمر # فأمرها فغنت، فلم تتم الأبيات حتى خر الفتى مغشيا عليه، فقال يزيد للجارية: ~~قومي انظري ما حاله، فقامت إليه فحركته فإذا هو ميت، فقال يزيد: ابكيه، فقالت: لا أبكيه ~~يا أمير المؤمنين وأنت حي، فقال لها: ابكيه، فوالله لو عاش ما انصرف إلا بك، فبكت ~~الجارية وبكى أمير المؤمنين، ثم أمر بالفتى فدفن، وأما الجارية فلم ثلبث أن ماتت على ~~أثره. # | إبراهيم بن المهدي وجارية بنت عصمة # اختفى إبراهيم بن المهدي زمن المأمون عند بنت عصمة بنت أبي جعفر حين هربه من المأمون ~~لشدة طلبه له، وكانت تكرمه غاية الإكرام، وتلاطفه بأشهى الطرائق، وتتفقده في أوقاته، ~~ووكلت به جارية يقال لها: ملك، وكانت قد أدبتها وأنفقت عليها الأموال، وكانت جميلة ~~الصوت، راوية الأشعار، بارعة ms028 الجمال، حسنة القد، عاقلة، فكانت تتولى خدمة إبراهيم وتقوم ~~على رأسه تتفقد أموره، فأحبها كثيرا وكتم ذلك عن ربة البيت، فلما اشتد وجده وغلب حبها ~~على فؤاده أخذ عودا وغنى فيها شعرا له وهي واقفة أمام عينيه: # يا غزالا لي إليه # شافع من مقلتيه # والذي أجللت خ # ديه فقبلت يديه # بابي وجهك ما أك # ثر حسادي عليه # أنا ضيف وجزاء الض # يف إحسان إليه # فسمعت الجارية الشعر وفطنت لمعناه لرقة قلبها وظرف شمائلها، وكانت مولاتها تسألها عن ~~حالها وحاله في كل يوم، فأخبرتها ذلك اليوم بما في قلبه منها وما سمعت من شعره غناء، ~~فقالت لها مولاتها: اذهبي فقد وهبتك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد الصوت فأكبت عليه ~~الجارية وقبلت رأسه، فقال لها: كفى، فقالت: قد وهبتني مولاتي لك، فسر كثيرا لنيل ~~بغيته. # القسم الثاني # | في نوادر بني عذرة # | جميل بن معمر العذري وحبيبته بثينة # خرجت بثينة يوما وكانت النساء إذ ذاك يتزين ويجتمعن ويدنو بعضهن لبعض ويبدون ~~للرجال في كل عيد، فجاء جميل فوقف على بثينة وأختها أم الحسين في نساء من بني الأحب ~~فرأى منهن منظرا لطيفا فقعد معهن ثم انصرف وكان معه فتيان من بني الأحب، فعلم أن ~~القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه، فراح وهو يقول: # عجل الفراق وليته لم يعجل # وجرت بوادر دمعك المتهلل # طربا وشاقك ما لقيت ولم تخف # بين الحبيب غداة برقة مجول # وعرفت أنك حين رحت ولم يكن # بعد اليقين وليس ذاك بمشكل # لن تستطيع إلى بثينة رجعة # بعد التفرق دون عام مقبل # ثم قال فيها بيتين من قصيدة يصفها بها: # هي البدر حسنا والنساء كواكب # وشتان ما بين الكواكب والبدر # لقد فضلت بثن على الناس مثل ما # على ألف شهر فضلت ليلة القدر # فلما سمعت بثينة بهذه الأبيات حلفت بالله أن لا يأتيها على خلوة إلا خرجت إليه وأنها ~~لن تتوارى منه، فكان يأتيها عند غفلات الرجال ~~فيتحدث معها ومع أخوتها، فنمى إلى رجالها ذلك وكانوا قوما ms029 غيارى فرصدوه وعزموا على ~~قتله، فجاء على ناقته الصهباء إلى بثينة وأم الحسين فأخذا يحدثانه، فنظر إليهما ~~وأنشد: # لقد ظن هذا القلب أن ليس لاقيا # سليمى ولا أم الحسين لحين # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي # وهموا بقتلي يا بثين لقوني # فبينما هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فأطلق عنان الناقة فخرجت من بينهم كالسهم ~~ونجا من ظبا سيوفهم. # | وعد بثينة لجميل # وعدت بثينة جميلا يوما أن يلتقيا في بعض المواقع، فعلم بذلك قومها فحرسوها ومنعوها ~~من الخروج خارجا، فأتى جميل لوعدها وقعد ينتظر فلم ير لها وجها، فجعل نساء الحي ~~يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بك كما أن ~~غيرك قد صار أولى بها، فأنشد: # فلرب عارضة علينا بوصلها # بالجد تخلطه بقول الهاذل # فأجبتها في القول بعد تستر # حبي بثينة عن وصالك شاغلي # لو كان في صدري بقدر قلامة # فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي # ويقلن إنك قد رضيت بباطل # منها فهل لك في اجتناب الباطل # ولباطل ممن أحب حديثه # أشهى إلي من البغيض الباذل # ليزلن عنك هواي ثم يصلنني # وإذا هويت فما هواي بزائل # أبثين إنك قد ملكت فأسجحي # وخذي بحظك من كريم واصل # | تأخير بثينة عن وعدها لجميل # وعدت بثيتة جميلا بخلوة يجتمعان بها وتأخرت عن إيفاء الوعد؛ فحزن جميل وأنشد ~~يقول: # يا صاح عن بعض الملامة أقصر # إن المنى للقاء أم المسور # وكأن طارقها على علل الكرى # والنجم وهنا قد دنا لتغور # يستاف ريح مدامة معجونة # بذكي مسك أو سحيق العنبر # إني لأحفظ غيبكم ويسرني # إذ تذكرين بصالح أن تذكري # ويكون يوم لا أرى لك مرسلا # أو نلتقي فيه علي كأشهر # يا ليتني ألقى المنية بغتة # إن كان يوم لقائكم لم يقدر # أو أستطيع تجلدا عن ذكركم # فيفيق بعض صبابتي وتفكري # لو قد تجن كما أجن من الهوى # لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري # والله ما للقلب من علم بها # غير الظنون وغير قول المخبر # لا تحسبي أني ms030 هجرتك طائعا # حدث لعمرك رائع أن تهجري # فلتبكيني الباكيات وإن أبح # يوما بسرك معلنا لم أعذر # يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت # يتبع صداي صداك بين الأقبر # إني إليك بما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغني المكثر # يعد الديون وليس ينجز موعدا # هذا الغريم لنا وليس بمعسر # ما أنت والوعد الذي تعدينني # إلا كبرق سحابة لم يمطر # قلبي نصحت له فرد نصيحتي # فمتى هجرتيه فمنه تكثري # | لقاء جميل وبثينة # قال جميل يوما لأحد أترابه: هل لك في مساعدتي على لقاء بثينة؟ فمضى معه حتى كمن له ~~في الوادي وأرسل معه خاتمه إلى راعي بثينة ودفعه إليه، فمضي به إليها ثم عاد بموعد منها ~~إليه، فلما جن الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا، ثم ودعها وركب ناقته وهي باكية، ~~فقالت بثينة: ادن مني يا جميل، فدنا منها وقال: # إن المنازل هيجت أطرابي # واستعجمت آياتها بجوابي # فترى تلوح بذي اللجين كأنها # أنضاء رسم أو سطور كتاب # لما وقفت بها القلوص تبادرت # مني الدموع لفرقة الأحباب # وذكرت عصرا يا بثينة شاقني # وذكرت أيامي وشرخ شبابي # | جميل وبثينة وكثير عزة # قال كثير: لقيني جميل مرة فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي الحبيبة؛ أعني ~~بثينة، فقال: وإلى أين تمضي؟ قلت: إلى الحبيبة؛ أعني عزة، فقال: لا بد أن ترجع عودك على ~~بدئك فستجد لي موعدا من بثينة، فقلت: عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أعود، فقال: لا ~~بد من ذلك، فقلت: فمتى عهدك بها؟ قال: في أول العيد، وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الردم ~~فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها، فلما أبصرتني أنكرتني وضربت بيدها في الماء، ~~فالتحفت به تسترا، وعرفتني الجارية فأخبرتها فتركت الثوب في الماء وتحدثنا حتى غابت ~~الشمس وسألتها الموعد، فقالت: أهلي سائرون وما وجدت أحدا غيرك يا كثير حتى أرسله ~~إليها، فقال له كثير: فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من الشعر أذكر فيها هذه ~~العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها، قال: ذلك الصواب، فأرسله ms031 إليها، فذهب وقال: انتظرني ~~حتى أعود، ثم سار حتى أناخ بهم، فقال له أبوها: ما ردك يا كثير، فأنشدته وبثينة تسمع من ~~وراء الخدر: # فقلت لها يا عز أرسل صاحبي # إليك رسولا والموكل مرسل # بأن تجعلي بيني وبينك موعدا # وأن تأمريني بالذي فيه أفعل # وآخر عهدي منك يوم لقيتني # بأسفل وادي الردم والثوب يغسل # فضربت بثينة صدرها وقالت: اخسأ اخسأ، فقال أبوها: مهيم يا بثينة، قالت: مثله يأتينا ~~إذا نام الناس من وراء هذه الرابية، ثم التفتت إلى الجارية وقالت: ابغي من الدومات ~~حطبا واذبحي لكثير شاة وسويها له، فقال كثير: أنا أعجل من ذلك، وخرج وراح إلى جميل ~~فأخبره، فقال له جميل: الموعد الدومات بعد أن تنام الناس، وكانت بثينة قد قالت لأختها ~~أم الحسين وليلى ونجيا بنات خالتها أني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جميلا معه، وكانت ~~قد آنست إليهن واطمأنت بهن وكاشفتهن بأسرارها فخرجن معها، وكان جميل وكثير خرجا حتى ~~أتيا الدومات، وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح، فكان كثير يقول: ما رأيت ~~عمري مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ولم أدر أيهما كان ~~أفهم. # | ندر أهل بثينة دم جميل # لما ندر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل ~~كثيب الرمل ويتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول: # أيا ريح الشمال أما تريني # أهيم وإنني بادي النحول # هبي لي نسمة من ريح بثن # ومني بالهبوب إلى جميل # وقولي يا بثينة حسب نفسي # قليلك أو أقل من القليل # فإذا ظهر الصبح انصرف، فكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن! إني لأسمع أنين ~~جميل من بعض الغيران، فيقلن لها: اتقي الله فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة ~~له. # | لقاء جميل وكثير عزة # اجتمع كثير بجميل يوما فقال له: يا جميل أرى بثينة لم تسمع قولك: # يقيك جميل كل سوء أما له # لديك حديث أو إليك رسول # وقد قلت في حبي ms032 لكم وصبابتي # محاسن شعر ذكرهن يطول # فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي # هبوب الصبا يا بثن كيف أقول # فما غاب عن عيني خيالك لحظة # ولا زال عنها والخيال يزول # فقال جميل: أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك: # يقول العدا يا عز قد حال دونكم # شجاع على ظهر الطريق مصمم # فقلت لها والله لو كان دونكم # جهنم ما راعت فؤادي جهنم # وكيف يروع القلب يا عز رائع # ووجهك في الظلماء للسفر معلم # وما ظلمتك النفس يا عز في الهوى # فلا تنقمي حبي فما فيه منقم # فبكيا ليلتهما إلى بزغ الصباح ثم انصرفا. # | احتجاب بثينة عن جميل # خرج جميل لزيارة بثينة ذات يوم فنزل قريبا من الماء يترصد أمة لبثينة أو راعية ~~يتخذها واسطة لتبليغ رسالته، وإذا بأمة معها قربة واردة على الغدير لتملأها، وكانت ~~عارفة به، ولما تبينها وتبينته سلمت عليه وجلست معه وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار ~~بثينة ويخبرها بما يعانيه من ألم الفراق ويحملها رسائله إلى بثينة، ثم أعطاها خاتمه ~~وسألها أن تدفعه لها وأخذ عليها موعدا ترجع له فيه، ومكث ينتظر رجوعها، فذهبت الجارية ~~إلى أهلها وقد أبطأت عليهم، فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها، ~~فالتوت عليهم ولم تخبرهم بشيء عما حصل لها مع جميل وتعللت عليهم، فضربوها ضربا مبرحا ~~ومن ألم الضرب أعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه، وصادف أنه مر بها في تلك ~~الحالة اثنان من بني عذرة فسمعا القصة جميعا وعرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبا أن ~~يدرآ عنه هذا الخطر، فقالا للقوم: إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه ~~لزمكم في ذلك كل مكروه، وكان أهل بثينة أعز بني عذرة، فدعوا الأمة وأعطوها الخاتم ~~وأمروها أن توصله إلى بثينة وحذروها من أن تخبرها بأنهم علموا القصة، ففعلت، ولم تعلم ~~بثينة بما جرى، ومضى الفتيان فأنذرا جميلا وقالا: تقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب ~~ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف آمنا سليما، فقال: أما ms033 الآن ~~فابعثا إليها من ينذرها، فأتياه براعية لهما وقالا له: قل حاجتك. فقال: ادخلي وقولي لها ~~إني أردت اقتناص ظبي فحذره مني جماعة اعتوروه من القناص ففاتني الليلة، فمضت فأعلمتها ~~ما قال لها، فعرفت قصته وبحثت عنها ففهمتها ~~تماما فلم تخرج لزيارته تلك الليلة، ورصدوها فلم تبرح من مكانها، ومضوا يقتفون أثره ~~فوجدوا ناقته فعرفوا أنه قد فاتها، أما جميل فإنه زاد شوقا وحزنا وفاضت عبراته ~~فأنشد: # أبى القلب إلا حب بثنة لم يرد # سواها وحب القلب بثنة لا يجدي # إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت # جزعت لنأي الدار منها وللبعد # سلي الركب هل عجنا لمغناك مرة # صدور المطايا وهي موقرة تخدي # وهل فاضت العين الشروق بمائها # لأجلك حتى اخضل من دمعها بردي # وإني لأستجري لك الطير جاهدا # لتجري بيمين من لقائك أو سعد # وإني لأستبكي إذا الركب غردوا # بذكراك أن يحيا بك الركب إذ تحدي # فهل تجزيني أم عمرو بودها # فإن الذي أخفي بها فوق ما أبدي # وكل محب لم يزد فوق جهده # وقد زدتها في الحب مني على الجهد # ولما ضاقت بأهل بثينة الحيل ائتمنوا عليها عجوزا منه يثقون بها يقال لها: أم منظور، ~~فجاءها جميل وقال لها: أريني بثينة، فقالت: لا والله لا أفعل وقد ائتموني عليها، فقال: ~~أما والله لأضرنك، فقالت: المضرة والله في أن أريكها، فخرج من عندها وهو يقول: # ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت # بالحجر يوم جلتها أم منظور # ولا انسلابتها خرسا جبائرها # إلي من ساقط الأوراق مستور # فما كان إلا القليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان فتعلقوا بأم منظور، فحلفت لهم بكل ~~يمين، فلم يقبلوا منها وعاقبوها على ذلك. # | زيارة جميل بثينة متنكرا # جاء جميل إلى بثينة ليلة وقد تزيا بزي راع لبعض الحي فوجد عندها ضيوفا، فانتبذ ~~ناحية وجلس فيها، فسألته: من أنت؟ فقال: مسكين، فعشت ضيفانها وعشته وحده، ثم جلست هي ~~وجارية لها تجاه النار تصطليان، واضطجع القوم منتحين، فقال جميل: # هل البائس المحزون دان فمصطل # من النار ms034 أو معطى لحافا فلابس # فقالت لجاريتها: صوت جميل والله، اذهبي فانظري، فذهبت ثم رجعت وقالت: هو والله جميل، ~~فشهقت شهقة سمعها القوم، فأقبلوا يجرون، وقالوا: ما لك؟ فطرحت بردا لها في النار عمدا ~~وقالت: احترق بردي، فرجع القوم وأرسلت جاريتها إلى جميل فجاءتها به، فأبقته عندها ثلاثة ~~أيام ثم ودعها وخرج. # | وشاية الخادم بجميل وبثينة # رصد جميل بثينة في نجع لبني عذرة حتى إذا صادف منها فرصة وهي مارة مع أترابها في ليلة ~~ظلماء ذات رعود وأمطار فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها، ففزعت وقالت: والله ما حذفني ~~في مثل هذا الوقت إلا الجن، فقالت لها بثينة وقد فطنت: انصرفي إلى منزلك، حتى تذهب إلى ~~النوم، فانصرفت وبقي مع بثينة أم الحسين وأم منظور، فقامت إلى جميل فأخذته إلى الخباء ~~معها وتحدثا طويلا وما زالا على ذي الحال إلى أن أسفر الصباح، فجاء غلام زوجها بصبوح ~~من اللبن بعث بها إليها زوجها، فلما رآها مع جميل منفردة مضى لوجهه حتى يخبر سيده، ~~فرأته ليلى والصبوح في يده وكانت قد عرفت خبر بثينة وجميل فاستوقفته كأنها تسأله عن ~~حاله وبعثت بجارية لها وقالت: حذري بثينة وجميلا، فجاءت الجارية فنبهتهما، فلما تبينت ~~بثينة الصبح قد أضاء والناس متنكرين ارتاعت وقالت: يا جميل نفسك نفسك، فقد جاءني غلام ~~زوجي بصبوحي من اللبن فرآنا سوية، فقال لها وهو غير مكترث: علام الخوف؟ وأنشد: # لعمرك ما خوفتني من مخافة # بثين ولا حذرتني موضع الحذر # فأقسم لا يلفى لي اليوم غرة # وفي الكف مني صارم قاطع ذكر # فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد، وقالت: إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من ~~الفضيحة لا خوفا عليك، ففعل ما أمرته به وأتت بأم الحسين إلى جانبها، ثم ذهبت خادمة ~~ليلى فأخبرتها الخبر، فتركت العبد يمضي إلى سيده، فمضى والصبوح معه وقال: رأيت جميلا ~~مع بثينة في خباء واحد، فمضى إلى أخيها وأبيها فأخبره الخبر وأخذهما وأتى بهما إلى خباء ~~بثينة، فلما دخلوا إلى الخباء لم يجدوا مع بثينة ms035 إلا أم الحسين فخجل زوجها وسب عبده، ~~فقالت ليلى لأخيها وأبيها: قبحكما الله أفي كل يوم تفضحان فتاتكما وتسمعان ما يقال ~~فيها، أما جميل فإنه أقام عند بثينة حتى جن الليل ثم ودعها وانصرف، وخافت بثيتة مما ~~جرى فتحامت منه مدة، فزادت به لواعج الهوى وأنشد يقول: # لها في سواد القلب بالحب منعة # هي الموت أو كادت على الموت تشرف # وما ذكرتك النفس يا بثن مرة # من الدهر إلا كادت النفس تتلف # وإلا اعترتني زفرة واستكانة # وجاد لها مستعجل الدمع يذرف # وما استطرفت نفسي حديثا لخلة # أسر به إلا حديثك أطرف # ولست بناس أهلها حين أقبلوا # وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا # وقالوا جميل بات في الحي عندها # وقد جردوا أسيافهم ثم وقفوا # | هرب جميل عن أهله # ولما اشتهر جميل بحب بثينة اعترضه عبيد الله بن قطنة أحد بني الأحب وهو من أهلها ~~الأقربين فهجاه، فأجابه جميل وتطاولا، فكف عنه ابن قطنة، ثم اعترضه عمير بن رحل من بني ~~الأحب، فقاومه أيضا مثل الأول، فشكا أمره إلى عامر بن ربعي الحاكم على بني عذرة وقال: ~~يهجونا ويغشى بيوتنا ويشبب بنسائنا، فأباحهم دمه وطلب فهرب، ولما علمت بثينة أن جميلا ~~هجا أهلها غضبت كثيرا وأبدت له كدرها، فأنشد جميل يقول: # وما صائب من نائل قذفت به # يد وممر العقدتين وثيق # بأوشك قتلا منك يوم رميتني # نوافذ لم تظهر لهن خروق # تفرق أهلانا بثين فمنهم # فريق أقاموا واستمر فريق # وبعد ذلك بمدة تصالحا وأخذ منها موعد اللقاء، فعلم به قومها وقد شاهدوه عندها فتوعدوه ~~وكرهوا قتله خوفا من أن ينشب بينهم وبين قومه حرب بدمه، وكان أقوامه أشد باسا من قوم ~~بثينة فأعادوا شكواه إلى السلطان، فطلبه طلبا شديدا، فهرب إلى اليمن وبقي فيها مدة، ~~فتذكر يوما حبيبته بثينة فأنشد يقول: # ألم خيال من بثينة طارق # على النأي مشتاق إلي وشائق # كأن فتيت المسك خالط نشرها # تغل به أردانها والمرافق # تقوم إذا قامت به عن فراشها # ويغدو به من حضنها من تعانق # ولم يزل ms036 في اليمن إلى أن عزل ذلك الوالي وانتقل أهل بثينة إلى ناحية الشام فرجع ~~إليهم، فشكا أكابر الحي إلى أبيه وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله، فناشدوه الله وسألوه ~~كف ابنه عن فتاتهم وعن تشببه بها وما يفضحهم به بين الناس، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع ~~ثم انصرفوا، فدعا به وقال له: يا بني حتى متى أنت راتع في ظلالك؟ ألا تأنف من أن تتعلق ~~في ذات بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل تغرك بأقوالها وخداعها وتريك الصفاء ~~والمودة وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها، فيكون قولها لك تعليلا وغرورا، ~~فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على جري عادتها. إن هذا لذل وخيم، ولا أعرف أخيب سهما ~~ولا أضيع عمرا منك، فأنشدك الله إلا كففت وتأملت في أمرك، فإنك تعلم أن ما قلته حق، ~~ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها، ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له، وفي ~~النساء عوض، فقال له جميل: الرأي ما رأيت، والقول كما قلت، ولكن هل رأيت قبلي أحدا قدر ~~أن يدفع هواه عن قلبه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه، والله لو ~~قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت، ولا سبيل إلى ذلك وإنما هو ~~بلاء بليت به لحين قد أتيح لي، ولكن أنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به ولو مت ~~كمدا، وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه، وقام وهو يبكي فبكى أبوه ومن حضر جزعا لما رأوا ~~منه من حب بثينة، ثم أنشد: # ألا من لقلب لا يمل فيذهل # أفق فالتعزي عن بثينة أجمل # سلا كل ذي ود علمت مكانه # وأنت بها حتى الممات موكل # فما هكذا أحببت من كان قبلها # ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل # فيا قلب دع ذكرى بثينة إنها # وإن كنت تهواها تضن وتبخل # وقد أيأست من نيلها وتجهمت # ولليأس إن لم يقدر النيل أمثل # وإلا فسلها ms037 نائلا قبل بينها # وأبخل بها مسئولة حين تسأل # وكيف ترجي وصلها بعد بعدها # وقد جد حبل الوصل ممن تؤمل # وإن التي أحببت قد حيل دونها # فكن حازما والحازم المتحول # ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلة # وفي الأرض عمن لا يواتيك معزل # بدا كلف مني بها فتثاقلت # وما لا يرى من غائب الوجد أفضل # هبيني بريئا نلته بظلامة # عفاها لكم أو مذنبا يتنصل # | وداع جميل لبثينة قبل سفره # لما ضاقت بجميل الحيل وأراد الخروج إلى الشام هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة في ~~الحي، فقالت له: أهلكتني والله وأهلكت نفسك، ويحك! أما تخاف؟! فقال لها: هذا وجهي إلى ~~الشام وإنما جئتك مودعا، فحادثها طويلا ثم ودعها، وقال: يا بثينة ما أرانا نلتقي ~~بعد هذا، وبكى بكاء طويلا وبكت ثم قال وهو يبكي: # ألا لا أبالي جفوة الناس إن بدا # لنا منك رأي يا بثين جميل # وإني وتكراري الزيارة نحوكم # بثين بذي هجر بثين يطول # وإن صباباتي بكم لكثيرة # بثين ونسيانكم لقليل # وخرج إلى الشام وطال غيابه فيها، ثم قدم من الشام وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض ~~نساء الحي تشكو شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه ووعدته لموضع يلتقيان فيه، ~~فسار إليها وحدثها وبث إليها أشواقه وأخبرها خبره بعدها، وقد كان أهلها رصدوها، فلما ~~فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل وانتصل سيفه وشد عليهما، فاتقياه ~~بالهرب، وناشدته بثينة الله أن ينصرف، وقالت له: إن أقمت فضحتني، ولعل الحي أن يلحقوا ~~بك، فأبى وقال: أنا مقيم وامضي أنت وليصنعوا بي ما أحبوا، فلم تزل تنشده حتى انصرف وقد ~~هجرته وانقطع التلاقي بينهما، فلقي ابن عمه روقا ومسعدة فشكا إليهما ما به ~~وأنشد: # زورا بثينة فالحبيب مزور # إن الزيارة للمحب يسير # إن الترحل إن تلبس أمرنا # وأعتاقنا قدر أحم بكور # إني عشية رحت وهي حزينة # تشكو إلي صبابة لصبور # وتقول بت عندي فديتك ليلة # أشكو إليك فإن ذاك يسير # غراء مبسام كأن حديثها # در تحدر نظمه ms038 منثور # لا حسنها حسن ولا كدلالها # دل ولا كوقارها توقير # إن اللسان بذكرها لموكل # والقلب صاد والخواطر صور # ولئن جزيت الود مني مثله # إني بذلك يا بثين جدير # فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وذلك الاستبداد بها مع كثرة ~~النساء ووجود من هو أجمل منها، وإنك منها بين فجور أرفعك عنه وذل لاأحبه لك وكمد يؤديك ~~إلى التلف ومخاطرة بنفسك لقومها، إن تعرضت لهم بعد إعذارهم إليك، وإن صرفت نفسك عنها ~~وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم وصبرت نفسك عليها طائعة أو كارهة ألفت ذلك وسلوت. ~~فبكى جميل وقال: يا أخي لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا، ولكني لا أملك لي اختيارا ~~وما أنا إلا أسير لا يملك لنفسه نفعا، وقد جئتك لأمر أسألك أن لا تكدر ما رجوته عندك ~~فيه بلوم وأن تحمل على نفسك في مساعدتي، قال: فإن كنت لا بد مهلكا نفسك فاعمل على ~~زيارتها ليلا فإنها تخرج مع بنات عم لها إلى ملعب لهن فأجيء معك حينئذ سرا، ولي أخ ~~من رهط بثينة من بني الأحب تأوي عنده نهارا فأسأله مساعدتك على هذا فتقيم عنده نهارا ~~وتجتمع معها ليلا إلى أن تقضي إربك، فشكره، ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة ~~فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه، فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم، ~~ويحك إن في هذا معاداتي الحي جميعا إن فطن به، فقال: أتحرز في أمره من أن يظهر، فواعده ~~في ذلك ومضى إلى جميل فأخبره بالقصد، فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده وأرسل إلى بثينة ~~بوليدة له بخاتم جميل، فدفعته إليها، فلما رأته عرفت الأمر فتبعتها وجاءته، فتحدثا ~~ليلتهما وأقام بموضعه ثلاثة أيام، ثم ودعها وقال لها: عن غير قلى والله ولا ملل يا ~~بثينة كان وداعي لك، ولكني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه، وقد أقمت ~~عنده ثلاثة أيام، ثم انصرف وقد تذكر عذل روق له فأنشد: # لقد لامني فيها أب ذو قرابة # حبيب ms039 إليه في ملامته رشدي # وقال أفق حتى متى أنت هائم # ببثنة فيها قد تعيد وقد تبدي # فقلت له فيها قضى الله ما ترى # علي وهل فيما قضى الله من بد # فإن يك رشدا حبها أو غواية # فقد جئته ما كان مني عن عمد # قد لج ميثاق من الله بيننا # وليس لمن لم يوف لله من عهد # فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها # ولا لي علم بالذي فعلت بعدي # وما زادها الواشون إلا كرامة # علي وما زالت مودتها عندي # أفي الناس أمثالي أحب فحالهم # كحالي أم أحببت من بينهم وحدي # وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما # لقيت بها أم لم يجد أحد وجدي # | عزة بثينة وجميل # وقع بين بثينة وجميل هجر في غيرة كان غار عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها، ~~فكان جميل يتحدث إلى غيرها فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل، وجعل كل واحد منهما يكره أن ~~يبدي لصاحبه شأنه، فدخل جميل يوما وقد غلب عليه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه ~~مع بثينة، فلما رأته جاءت إلى البيت ولم تبرز له، فجزع لذلك وجعل كل واحد منهما يطالع ~~صاحبه وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ، فأنشأ يقول: # لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة # وفي النفس حاجات إليك كما هيا # وإني لتثنيني الحفيظة كلما # لقيتك يوما أن أبثك ما بيا # ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني # أظل إذا لم أسق ريقك صاديا # فرقت له بثينة وقالت لجارية لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله، ثم اصطلحا، فقالت ~~له: أنشدني قولك: # تظل وراء الستر ترنو بلحظها # إذا مر من أترابها من يروقها # فأنشدها إياه، فبكت وقالت: كلا يا جميل، ومن تراه يروقني غيرك. # | عفاف جميل وبثينة # وشت جارية بجميل وبثينة إلى أبيها، وأنه الليلة عندها، فأتى وأخوها مشتملين معتمدين ~~سيفهما لقتله، فسمعاه يقول لها بعد شكوى شغفه بها: هل لك في طفء ما بي بما يفعل ~~المتحابان، فقالت: قد كنت عندي بعيدا من هذا، ولو عدت ms040 إليه لن ترى وجهي أبدا، فضحك ~~وقال: والله ما قلته إلا اختيارا ولو أجبت إليه لضربتك بسيفي هذا إن استطعت وإلا ~~هجرتك، أما سمعت قولي: # وإني لأرضى من بثينة بالذي # لو أبصره الواشي لقرت بلابله # بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي # أواخره لا نلتقي وأوائله # فلما سمعا ما دار من الكلام بينهما قالا: فلندعهما والله سوية لأن من كانت هذه حالته ~~لا يجوز منع الزيارة عنه أو الاجتماع بها وانصرفا. # | موت جميل ونعيه إلى بثينة # دعا جميل يوما وهو في مصر رجلا فقال له: هل لك في أخذ كل ما أخلفه على أن تفعل ~~شيئا أعهده إليك؟ قال: سمعا وطاعة، قال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه وأبقها جانبا وخذ ~~ما بقي لك وارحل إلى رهط بني الأحب من عذرة وهم رهط بثينة، فإذا صرت إليهم فاركب ناقتي ~~والبس حلتي واشققها، ثم اعتل قمة عالية وأنشد هذه الأبيات دون خشية لائم وأنشد: # صدع النعي وما كنى بجميل # وثوى بمصر ثواء غير قفول # ولقد أجر الذيل في وادي القرى # نشوان بين مزارع ونخيل # قومي بثينة فاندبي بعويل # وابكي خليلك دون كل خليل # وبعد ذلك قضى نحبه فواراه بالتراب وأتى رهط بثينة وفعل ما أمره به جميل، فما أتم ~~الأبيات حتى برزت إليه امرأة يتبعها نسوة قد فاقت عليهن طولا وبرزت أمامهن كالبدر في ~~دجنة وهي تختال في بردها فقالت: يا هذا، والله لئن كنت صادقا لقد قتلتني، ولئن كنت ~~كاذبا لقد فضحتني، قال: والله ما أنا إلا صادق وأخرج حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى ~~صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت، فمكثت مغشيا عليها ~~ساعة ثم قامت وهي تقول: # وإن سلوي عن جميل لساعة # من الدهر ما حانت ولا حان حينها # سواء علينا يا جميل بن معمر # إذا مت بأساء الحياة ولينها # وما زالت تكرر هذين البيتين حتى ماتت بعد ثلاثة أيام من سماعها بموت جميل. # | ما حدثته بثينة ms041 عن جميل # حدثت بثينة - وكانت صدوقة اللسان، جميلة الوجه، حسنة البيان، عفيفة - قالت: والله ما ~~أرادني جميل - رحمة الله عليه - بريبة قط، ولا حدثت أنا نفسي بذلك منه، وإن الحي ~~انتخبوا موضعا، وإني لفي هودج لي أسير إذا أنا بهاتف ينشد أبياتا، فلم أتمالك أن رميت ~~بنفسي وأهل الحي ينظرون، فبقيت أطلب المنشد فلم أقف عليه، فناديت: أيها الهاتف بشعر ~~جميل ما وراءك منه، وإني أحسبه قد قضى نحبه ومضى لسبيله، فلم يجبني مجيب، فناديت ثلاثا ~~وفي كل ذلك لا يرد علي أحد شيئا، فقالت صويحباتي: أصابك يا بثينة طائف من الشيطان، ~~فقلت: كلا، لقد سمعت قائلا يقول، قلن: نحن معك ولم نسمع، فرجعت فركبت مطيتي وأنا حيرى ~~والهة العقل كاسفة البال، ثم سرنا، فلما كان في الليل إذا ذلك الهاتف يهتف بذلك الشعر ~~بعينه، فرميت بنفسي وسعيت إلى الصوت، فلما قربت منه انقطع، فقلت: أيها الهاتف، ارحم ~~حيرتي وسكن عبرتي بخبر هذه الأبيات فإن لها شأنا، فلم يرد علي شيئا، فرجعت إلى ~~رحلي فركبت وسرت وأنا ذاهبة العقل، وفي كل ذلك لا يخبرني صويحباتي أنهن سمعن شيئا، ~~فلما كانت الليلة القابلة نزلنا وأخذ الحي مضاجعهم ونامت كل عين فإذا الهاتف يهتف بي ~~ويقول: يا بثينة، أقبلي إلي أنبئك عما تريدين، فأقبلت نحو الصوت فإنه شيخ كان من رجال ~~الحي، فسألته عن اسمه وبيته فقال: دعي هذا وخذي فيما هو أهم عليك، فقلت له: وإن هذا ~~لمما يهمني، قال: اقنعي بما قلت لك، فقلت له: أنت منشد الأبيات؟ قال: نعم، قلت: فما خبر ~~جميل؟ قال: فارقته وقد قضى نحبه وصار إلى حفرته - رحمة الله تعالى عليه - فصرخت صرخة ~~آذيت منها الحي وسقطت على وجهي فأغمي علي، فكأن صوتي لم يسمعه أحد وبقيت سائر ليلتي، ~~ثم أفقت عند طلوع الفجر وأهلي يطلبونني فلا يقفون على موضعي، ورفعت صوتي بالعويل ~~والبكاء ورجعت إلى مكاني، فقال لي أهلي: ما خبرك؟ وما شأنك؟ فقصصت عليهم القصة، فقالوا: ~~رحم الله جميلا، واجتمع نساء الحي وأنشدتهن ms042 الأبيات، فأسعدنني بالبكاء، فلم نزل كذلك ~~مدة أيام ثلاث، لم أكتحل بعدها بإثمد ولا فرقت رأسي بمخيط ولا مشط ولا دهنته إلا من ~~صداع خفت على بصري منه، ولا لبست خمارا مصبوغا ولا إزارا، ولا أزال كذلك أبكيه إلى ~~الممات. # | قيس بن ذريح العذري ولبنى بنت الحباب # كان قيس بن ذريح العذري ذاهبا لبعض حاجاته فمر ببني كعب وقد احتدم الحر فاستقى ~~الماء من خيمة منهم، فبزت إليه فتاة مديدة القامة، بهية الطلعة، عذبة الكلام، سهلة ~~المنطق، فناولته إداوة ماء، فلما شرب قالت: ألا تبرد الحر عندنا، وقد تمكنت من فؤاده؟ ~~فقال: نعم، فمهدت له فدخل فجاء أبوها فوجده فرحب به غاية الترحاب ونحر له جزورا، فأقام ~~عندهم ضياء اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها، فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق ~~فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه، ومر بها ثانيا فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل ~~به من حبها، فوجد عندها أضعاف ذلك، فانصرف، وقد علم كل واحد ما عند الآخر، فمضى إلى ~~أبيه فشكا إليه ذلك، فقال له: دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه، ~~فكان منها ما كان من أبيه، فتركها وجاء إلى الحسين بن علي بن أبي طالب وأخبره بالقصة، ~~فرثي له والتزم أن يكفيه هذا الشأن، فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجاب ثم قال: ~~إنه من اللائق أن يكون ذلك من أبيه شأن العرب في هذه الأحوال، فشكره ومضى إلى أبي قيس ~~حافيا على حر الرمل، فقام ذريح ومرغ وجهه على أقدامه ومشى مع الحسين إلى أبي لبنى فزوج ~~قيسا بها، ولما تزوج بها أقام معها على أحسن مراتب الحب والإقبال ولكن لم تلد له ~~ولدا، فساء ذلك أباه فعرض عليه أن يتخذ غير زوجته وأن ذلك أحفظ لنفسه وأبقى لماله ~~ونسله، فامتنع وقال: لا أسوءها قط، وقام يدافع عنها عدة سنين إلى أن أقسم أبوه أن لا ~~يدخل البيت إلا ولبنى طالق منه، فكان ms043 إذا اشتد الحر يستظل بردائه ويصلى بحر الشمس حتى ~~يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له: لا تفعل فأهلك، ثم خشي قيس ~~أبيه فأذعن لما أشار به، فلما أزمعت الرحيل بعد العدة جاء وسأل الجارية عن أمرهم فقالت: ~~سل لبنى، فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها ترتحل الليلة أو غدا، فسقط مغشيا ~~عليه، فلما أفاق أنشد: # وإني لمفن دمع عيني بالبكا # حذار الذي قد كان أو هو كائن # وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة # فراق حبيب لم يبن وهو بائن # وما كنت أخشى أن تكون منيتي # بكفيك إلا أن ما حان حائن # فلما حملت إلى المدينة يئس قيس واشتد شوقه وزاد غرامه وأفضى به الحال إلى مرض ألزمه ~~الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله، فجزع وندم وجعل ~~يتلطف به، فلما آيس منه استشار قومه في دائه، فاتفقت آراؤهم على أن يذهب فيتصفح أحياء ~~العرب عله يرى من تسليه عن حب لبنى، ففعل حتى نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت ~~عن وجهها اللثام وهي كالبدر حسنا، فسألها عن اسمها، فقالت: لبنى، فسقط مغشيا عليه، ~~فارتاعت وقالت: إن لم تكن قيسا فمجنون، ونضحت على وجهه الماء، فلما أفاق استنسبته، ~~فإذا هو قيس لبنى، وكان أمرهما اشتهر في العرب، وجاء أخوها فأخبرته فركب حتى استرده ~~وأقسم عليه أن يقيم عنده شهرا، فأجاب دعوته. # ثم بلغ قيسا أن لبنى عاتبة عليه وعلى ما صدر منه، فندم قيس وسار وقد اشتد به الغرام ~~حتى وصل محل قومها، فقالت له النساء: ما شأنك وقد رحلت مع زوجها؟ فلم يلتفت حتى أتى ~~محل خبائها فتمرغ به وأنشد: # إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا # إلى الله فقد الوالدين يتيم # يتيم جفاه الأقربون فجسمه # نحيل وعهد الوالدين قديم # ولما عادت رآها فبهت صامتا ثم عاد، فأرسلت إليه مع امرأة لها تستخبر عنه ~~فأنشد: # إذا طلعت شمس النهار فسلمي # فآية تسليمي عليك طلوعها # بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت # وعشر ms044 إذا اصفرت وحان رجوعها # ولو أبلغتها جارة قولي اسلمي # بكت جزعا وارفض منها دموعها # ثم زاد وجده فمرض وزاد في جسمه الألم، فعاده الطبيب وعرف ما به من الوجد وما يلقاه من ~~حب لبنى فقال له: منذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت؟ فأنشد: # تعلق روحي روحها قبل خلقنا # ومن بعد ما كنا صغيرين في المهد # فزاد كما زدنا وأصبح ناميا # وليس إذا متنا بمنفصم العقد # ولكنه باق على كل حادث # وزائرنا في ظلمة القبر واللحد # وما كاد يهجر الوساد حتى علم بموت لبنى فهاجت منه عوامل الأسى وقصد قبرها فبكى حتى ~~أغمي عليه ثم عاد إلى بيته مريضا فأنشد: # عيد قيس من حب لبنى ولبنى # داء قيس والحب صعب شديد # فإذا عادني العوائد يوما # قالت العين لا أرى ما أريد # ليت لبنى تعودني ثم أقضي # إنها لا تعود فيمن يعود # ويح قيس لقد تضمن منها # داء خبل فالقلب منه عميد # ثم قضى بعد ذلك بثلاثة أيام. # | جعد بن مهجع العذري وأسماء # كان لجعد بن مهجع العذري أخوال حول ماله إليهم خشية التلف، فأقام عندهم ثم خرج ~~يوما على فرس وقد صحب شرابا، فاشتد الحر وظهرت له دوحة فقصدها ونزل تحتها، فما لبث أن ~~لاح له شخص عليه درع أصفر وعمامة سوداء يطرد أتانا شاردا حتى قتله، ثم قصد الدوحة ~~ونزل بها، فحادثه فوجد في ألفاظه عذوبة لا تقدر وخلب عقله، فدعاه إلى الشراب فشرب، ~~وقام ليصلح من شأن فرسه فتزحزح الدرع عن ثدي كحق العاج، فقال: امرأة أنت؟ فقالت: نعم، ~~ولكن شديدة العفاف، حسنة الأخلاق والمفاكهة، فعلقها من تلك الساعة، وسألها الزيارة، ~~فذكرت أن لها إخوة شرسة وأبا كذلك ثم مضت، فلما طالت مدة الفراق زاد حزنه وسقامه ولازم ~~الوساد سنة كاملة، ثم شكا إلى أحد أصحابه فأشار عليه أن يخطبها من أبيها ومضى معه حتى ~~نزلا بالشيخ، فأحسن ملقاهما ورحب بهما، فقال له: قد أتيتك خاطبا، قال: فوق الكفاءة، ~~وزوجه بها، فلما كان الغد صادفه صديقه وسأله عن ms045 حاله معها، فقال: أبدت لي كثيرا مما ~~أخفته عني قديما وسألتها عن ذلك فأنشدت: # كتمت الهوى أني رأيتك جازعا # فقلت فتى بعد الصديق يريد # فإن تطرحني أو تقول فتية # يضر بها برح الهوى فتعود # فوريت عما بي وفي الكبد والحشا # من الوجد برح فاعلمن شديد # فبارك لهما وانصرف. # | أبو مالك بن النضر العذري وابنة عمه # قال شبابة بن الوليد: إن فتى من بني عذرة يقال له: أبو مالك بن النضر كان عاشقا ~~لابنة عمه عشقا شديدا، فلم يزل على ذلك مدة، ثم إنه فقد بضع عشر سنين ولم يعلم ~~خبره، فضلت إبل لي فخرجت في طلبها، فبينا أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ~~ضعيف وهو يقول: # يا بن الوليد ألا تحمون جاركم # وتحفظون له حق القرابات # عهدي إذا جار قوم نابه حدث # وقوه من كل أضرار الملمات # هذا أبو مالك المسمى ببلقعة # مع الضباع وآساد بغابات # طريح شوق بنار الحب محترق # تعتاده زفرات إثر لوعات # أما النهار فيضنيه تذكره # والليل مرتقب للصبح هل يأتي # يهذي بجارية من عذرة اختلست # فؤاده فهو منها في بليات # فقلت: دلني عليه - رحمك الله - فقال: نعم، اقصد الصوت، فلما قصدت غير بعيد سمعت ~~أنينا من خباء فأصغيت إليه فإذا قائل يقول: # يا رسيس الهوى أذبت فؤادي # وملأت الحشا عذابا أليما # فدنوت منه فقلت: أبو مالك؟ فقال: نعم، قلت: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: حب سعاد ابنة أبي ~~الهيذم العذري، فشكوت يوما إلى ابن عم لنا من الحي ما أجد من حبها فاحتملني إلى هذا ~~الوادي منذ بضع عشر سنين ويأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني - حفظه الله - من عنده، فقلت ~~له: إني أصير إلى أهلها فأخبرهم بما رأيت، قال: أنت وذاك، فانصرفت إلى أهل الجارية ~~فخبرتهم بحال الفتى وما رأيت منه وحدثتهم حديثه، فرقوا له وعزموا على تزويجه بحضرتي، ~~فعدت إليه لأفرج عنه، فلما أخبرته الخبر حدد النظر إلي ثم تأوه تأوها شديدا بلغ من ~~قلبي وأنشأ يقول: # الآن إذ حشرجت نفسي وخامرها ms046 # فراق دنيا وناداها مناديها # ثم زفر زفرة فمات، فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأعلمتهم الخبر، فأقامت الجارية ثلاثة ~~أيام دون أكل ولا شرب ثم ماتت على الأثر. # | ذرعة بن خالد العذري # كان ذرعة بن خالد العذري غلاما حسن الوجه، عذب المنطق، سخي الكف، حسن الشمائل، فخرج ~~يوما للصيد، فلما ورد المشرعة وجد النساء يغترفن الماء ودونهن جارية قد انفردت تمشط ~~شعرها على جانب الغدير وقد أسبلته على وجهها المنير من خلاله كما ينير البدر في غاسق ~~الدجى، فلما أبصرها سقط مغشيا عليه، فقامت فرشت عليه الماء، فلما أفاق وأبصرها قال: ~~وهل مقتول يداويه قاتله، قالت: كفيت ما تشكو، وحادثته فثابت نفسه إليه وقد داخلها ما ~~داخله من الحب ثم عاد وهو يقول: خرجنا لنصيد فاصطدنا، ثم أنشد: # خرجت أصيد الوحش صادفت قانصا # من الريم صادتني سريعا حبائله # فلما رماني بالنبال مسارعا # رقاني وهل ميت يداويه قاتله # ألا في سبيل الحب صب قد انقضى # سريعا ولم يبلغ مرادا يحاوله # ثم إنه لزم الوساد أياما فسألت أمه عن ذلك فأطلعها الخبر فإذا هي ظريفة بنت صفوان بن ~~وائلة فمضت إليها وأعلمتها القصة وتضرعت إليها أن تزور بيتهم علها تشفي ما بابنها، ~~فقالت: إن الوشاة كثيرون، ولكن خذي الشعر إليه فإن أمسكه فإنه يشفى، فلما ذهبت إليه ~~جعل يتنشفه فعادت إليه نفسه شيئا فشيئا فصار يأتي قريبا من بيتها فيتسارقا النظر إلى ~~أن فطن أهلها فآلوا على قتله فسار إلى اليمن، وكان ~~كلما اشتد شوقه قبل الشعر وجعله على وجهه فيستريح لذلك، ففي ذات يوم بعث ولدا نحو ~~بيتها فسمعها تنشد وتقول: # رعى الله من هام الفؤاد بحبه # ومن كدت من شوقي إليه أطير # لئن كثرت بالقلب أتراح لوعة # فإن الوشاة الحاضرين كثير # فإن لم أزر بالجسم رهبة عاذل # فللقلب آت نحوكم فيزور # فعاد الصبي وأنشد له الأبيات فأغمي عليه ساعة ثم أفاق وأنشد: # أظن هوى الخود العزيزة قاتلي # فيا ليت شعري ما بنو العم صنع # أراهم وللرحمن در صنيعهم # تراكي دمي هدرا ms047 وخاب المضيع # ثم أتاه الخبر بزفاف ظريفة إلى رجل يقال له: ثعلب، فلما بلغه ذلك اضطرب ساعة ثم ~~أغمي عليه فحركوه فإذا به ميت. # | مالك بن عقيل العذري ومعشوقته سعدى # كان مالك بن عقيل العذري يحب سعدى حبا شديدا، وكانت ذات فصاحة وجمال وأدب ولطف ~~وكمال، وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشى به إلى أهلها، فحجبوها عنه ~~فتراسلا بالمحبة، وبلغه فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة، ولم يعرف أنها ~~زوجة ذلك الرجل، ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكان عند مالك أنفة فخرج إلى مكة ناقضا ~~للعهد، فلما بلغ زوجة ذلك الرجل وجه الحيلة وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم، فخرجت ~~على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به وكان مالك مع كعب بن مسعدة الغفاري يمشيان في القمر ~~فسمعها كعب تقول إلى نسوة بجانبها: إى والله هو ثم قربن من كعب فقالت إحداهن: قل ~~لصاحبك: # ليست لياليك في حج بعائدة # كما عهدت ولا أيام ذي سلم # فقال كعب لمالك: قد سمعت فأجب، قال: قد انقطعت فأجب أنت، فقال ولم يحضره غيره: # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # وانصرفا، فما استقر بهما المقام إلا وجارية تقول: أجب المرأة التي كلمتك، فلما جاء ~~كعب إليها قالت: أنت المجيب؟ قال: نعم، قالت: فما أقصر جوابك، قال: لم يحضرني غيره، ~~فقالت: لم يخلق الله أحب إلي من الذي معك، فقال: علي أن أحضره إليك، فقالت: هيهات ~~فضمنه الليلة القابلة فرآه في منزله فأخبره بالقصة كالمكاشف وقال: لقد ضمنت لها حضورك ~~الليلة القابلة، فلما كان الوقت مضيا فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلس مالك وجلست ~~سعدى أمامه فتعاتبا، فأنشدته أبيات عبد الله بن الدمينة: # وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني # وأشمت بي من كان فيك يلوم # وأبرزتني للناس ثم تركتني # لها عرضا أرمى وأنت سليم # فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا # بجسمي من قول الوشاة كلوم # فأجابها: # غدرت ولم أغدر وخنت ولم ms048 أخن # وفي بعض هذا للمحب عزاء # جزيتك ضعف الود ثم حرمتني # فحبك في قلبي إلي إذاء # فالتفتت إلى كعب وقالت: ألا تسمع؟ فغمزه فكف ثم أنشدت: # تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتي # فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر # ولي من قوى الحبل الذي قطعته # نصيب ولي رأي وعقل موفر # ولكنني آذنت بالصوم بغتة # ولست على مثل الذي جئت أقدر # فأجابها: # لقد كنت أنهى النفس عنك لعلها # إذا وعدت بالنأي عنك تطيب # ثم قبلها وأنشد: # دمي عليك من الجفون سكوب # والقلب منك مروع مكروب # لا شيء في الدنيا ألذ من الهوى # إن لم يخن عهد الحبيب حبيب # فأجابته: # خلوتم بأنواع السرور هناكم # وأفردتموني للصبابة والحزن # وعذبتموني بالصدود وإنني # لراض بما ترضونه لي من الغبن # ثم افترقا، فقالت لكعب: ما قلت لك أنك لا تفي بضمانتك، ولكن إذا كان السحر فأتني، ~~فجاء كعب فإذا بالصياح فسأل الجارية عن الخبر، فقالت: حين خرجتما جعلت سعدى في عنقها ما ~~خنقت به نفسها فلحقناها فخلصناها، فجلست ساعة تحادثنا وتفتكره فتقول: إنه لقاسي القلب، ~~ثم شهقت فماتت، فلما بلغ الشاب خبر موتها ندم ثم لزم قبرها فجاءته في النوم فقالت: هلا ~~كان هذا من قبل، فمات من وقته. # | عروة بن حزام وعفراء العذرية # كان لعروة بن حزام ابنة عم من أعظم مشاهير عصرها حسنا وجمالا وأدبا وظرفا وفصاحة ~~تدعى عفراء، فربيا معا وله من العمر أربع سنين، فكان يألفها وتألفه ويلعبان معا ~~غالب الأحيان، فلما بلغا الحلم سأل عمه تزويجها فوعده ذلك وأخرجه إلى الشام فجاء ابن ~~أخ له يدعى أثالة بن سعيد بن مالك فرأى عفراء خارجة من خدرها حاسرة عن وجهها ومعصميها ~~وعليها إزار خز فوقعت من قلبه بمكانة عظيمة فخطبها من عمه فزوجه بها وعادوا إلى ~~الشام، فلما بلغ عروة ذلك بهت لا يحر جوابا وزادت به لواعج النوى فأنشد: # وإني لتعروني لذكراك رعدة # لها بين جلدي والعظام دبيب # فما هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أجيب # فقلت لعراف اليمامة داوني ms049 # فإنك إن أبرأتني لطبيب # فما بي من حمى ولا مس جنة # ولكن عمي الحميري كذوب # عشية لا عفراء منك بعيدة # فتسلو ولا عفراء منك قريب # وبي من جوى الأحزان والبعد لوعة # تكاد لها نفس الشفيق تذوب # وما عجب موت المحبين في الهوى # ولكن بقاء العاشقين عجيب # وما بلغ الحي حتى أخذه الهذيان والقلق وأقام أياما لا يتناول طعاما حتى شفت عظامه ~~ولم يخبر بسره أحدا، ولما أشفى ويئس من الشفاء وعلم الضجر من أهله قال لهم: احتملوني ~~إلى البلقاء فإني أرجو الشفاء، فلما حل بها وجعل يسارق عفراء النظر في مرورها عاودته ~~الصحة فأقام كذلك إلى أن لقيه شخص من عذرة فسلم عليه، فلما أمسى دخل العذري على زوج ~~عفراء وقال له: متى أتى هذا الوغد فقد فضحكم بكثرة تشبيبه، فقال: من تعني؟ قال: عروة، ~~قال: أنت أحق بما وصفت، والله ما علمت بقدومه، وكان زوج عفراء متصفا بالسيادة ~~ومحاسن الأخلاق في قومه، فلما أصبح جعل يتصفح الأمكنة حتى لقي عروة فعاتبه وأقسم أن لا ~~ينزل إلا عنده، فوعده ذلك، فذهب مطمئنا، أما عروة فإنه عزم ألا يبيت الليل وقد علموا ~~به، فخرج فعاوده المرض فتوفي بوادي القرى دون منازل قومه، فلما بلغ عفراء موته قالت ~~لزوجها: قد تعلم ما بينك وبيني، وبين الرجل من النسابة وما عندي من الوجد وإن ذلك على ~~الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغني أنه قضى؟ قال: ذلك إليك، ~~فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلا ثم أنشدت: # ألا أيها الركب المجدون ويحكم # بحق لقيتم عروة بن حزام # فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا # بأن قد نعيتم بدر كل ظلام # فلا لقي الفتيان بعدك راحة # ولا رجعوا عن غيبة بسلام # ولا وضعت أنثى تماما بمثله # ولا فرحت من بعده بغلام # ولما فرغت من الشعر ألقت نفسها على القبر وأنشدت تقول بطرف قد عراه الأفول: # عداني أن أزورك يا خليلي # معاشر كلهم واش حسود # أشاعوا ما علمت من الدواهي ms050 # وعابونا وما فيهم رشيد # فأما إذ ثويت اليوم لحدا # فدور الناس كلهم اللحود # فلا طابت لي الدنيا مذاقا # فبعدك لا يطيب لي المديد # وما فرغت من شعرها حتى غابت عن الوجود فحركت فإذا هي ميتة فدفنت إلى جانب ~~حبيبها. # | مصرع عاشق من بني عذرة # قال أحدهم: اجتزت في بعض أسفاري حي بني عذرة فنزلت في بعض بيوته فرأيت جارية قد ~~ألبست من الجمال حلة الكمال فأعجبني حسنها وكمالها، فخرجت في بعض الأيام أدور في الحي ~~وإذا أنا بشاب حسن الوجه عليه أثر الوجد أضعف من الهلال وأنحل من الخلال وهو يوقد نارا ~~تحت قدر ويردد أبياتا ودموعه تجري على خديه فسمعته يقول: # فلا عنك لي صبر ولا فيك حيلة # ولا منك لي بد ولا عنك مهرب # ولي ألف باب قد عرفت طريقها # ولكن بلا قلب إلى أين أذهب # فلو كان لي قلبان عشت بواحد # وأفردت قلبا في هواك يعذب # فسألت عن الشاب وشأنه فقيل لي: يهوى الجارية التي أنت نازل بيت أبيها وهي محتجبة عنه ~~منذ أعوام، فرجعت إلى البيت وذكرت لها ما رأيت، فقالت: صلاح حاله في أن لا يراني، فحسبت ~~أن امتناعها فتنة فيها فما زلت أقسم حتى أظهرت القبول مكرهة، فلما قبلت ذلك مني قلت: ~~أنجزي الآن وعدك فدتك روحي، فقالت: تقدمني فإني سائرة في إثرك، فأسرعت عند الغلام وقلت: ~~أبشر بحضور من تريد فإنها مقبلة نحوك الآن، فبينا أنا أتكلم معه إذ خرجت من خبائها ~~مقبلة تجر أذيالها وقد أثارت الريح غبار أقدامها حتى ستر الغبار شخصها، فقلت للشاب: ها ~~هي قد أقبلت، فلما نظر إلى الغبار صعق وخر على نار أمامه فما أقعدته إلا وقد أخذت النار ~~من صدره ووجهه، فرجعت الجارية وهي تقول: من لا يطيق غبار نعالنا كيف يطيق مطالعة ~~جمالنا. # | كناس بني عذرة # قال الأصمعي: بينا أنا سائر في أحياء بني عذرة إذ سمعت صوتا يقول: # جنبوني ديار هند وسعدى # ليس مثلي يحل دار الهوان # فالتفت يمنة وشمالا فإذا الصوت خارج من ms051 حش، فأقبلت حتى وقفت عليه فإذا بكناس يكنس ~~الأرض، فقلت: سبحان الله أنت تكنس في أحياء عذرة وتقول: «ليس مثلي يحل دار الهوان» فأنى ~~ذلك وأي هوان أكثر مما أنت فيه؟! فرفع رأسه إلي وقال: # لا تلمني فإنني نشوان # أنا في الملك ما سقتني الدنان # القسم الثالث # | في نوادر بني عامر # | سبب عشق قيس لليلى العامرية # مر قيس يوما على ناقة لابسا حلة ملوكية ومعه زمرة من قومه فصادف ليلى مع نسوة من ~~قومها يتحدثن فأعجبهن فاستنزلنه للمنادمة، فنزل وعقر لهن ناقته وأقام معهن بياض اليوم، ~~وكانت ليلى مع من حضر، فحين وقع نظره عليها لم يصرف عنها طرفا وشاغلته فلم يشتغل، ~~فلما نحر الناقة جاءت لتمسك معه اللحم فجعل يجز بالمدية في كفه وهو شاخص فيها حتى أعرق ~~كفه فجذبتها من يده ولم يدر، ثم قال لها: أتأكلين الشواء؟ قالت: نعم، فطرح من اللحم ~~شيئا على الغضى وأقبل يحادثها، فقالت له: انظر إلى اللحم هل استوى أم لا، فمد يده إلى ~~الحجر وجعل يقلب بها اللحم فاحترقت ولم يشعر، فلما علمت ما داخله صرفته عن ذلك ثم ~~شدت يده بهدب قناعها، فذهب وقد تحكم عشقها من قلبه، فاستدعته بعد ذلك وقد داخلها الحب ~~فقالت له: هل لك في محادثة من لا يصرفه عنك صارف؟ قال: ومن لي بذلك؟ فقالت له: اجلس، ~~فجلس وجعلا يتحادثان حتى مضى الوقت، ولم يزالا على ذلك حتى حجبها أبوها عنه وزوجها من ~~غيره. # | تجربة ليلى لقيس بن الملوح # صادف قيس بن الملوح يوما ليلى بنت مهدي وقد صبا إليها قلبه فأخذ يحدثها وتحدثه ~~حتى أمسى فانصرف، فبات في ليلة طالت عليه وجهد أن يغمض فلم يقدر، فأنشأ يقول: # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا # لي الليل هزتني إليك المضاجع # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى # ويجمعني والهم بالليل جامع # وداوم زيارتها وترك إتيان كل من كان يأتيه غيرها إلى أن تملك الحب قلبيهما، فأرادت ~~يوما أن تجربه فأخذت تصد عنه وتعرض بوجهها عن نظره، فلما رأى ms052 ذلك منها اشتد عليه ~~وجزع حتى عرف ذلك فيه، فخافت عليه وقالت: # كلانا مظهر للناس بغضا # وكل عند صاحبه مكين # فسرى عنه الحزن وعلم ما في قلبها، أما هي فقالت له: إنما أردت امتحانك والذي لك عندي ~~أكثر مما لي عندك، وإني أعاهدك من الآن على حفظ العهد والقيام بالوفاء، ولست مائلة بعد ~~يومي هذا إلى أحد سواك حتى أذوق الموت، فانصرف في المساء وهو أسر الناس بما سمع منها، ~~فأنشأ يقول: # أظن هواها تاركي بمضلة # من الأرض لا مال لدي ولا أهل # ولا أحد أفضي إليه وصيتي # ولا وارث إلا المطية والرحل # محا حبها حب الألى كن قبلها # وحلت مكانا لم يكن حل من قبل # | مجنون ليلى وليلى والأمير # سمع أحد أمراء العرب بليلى ومجنونها فأمر بإحضارهما إليه، فلما وقفت ليلى بين يديه ~~رآها فتاة هزيلة سمراء فلم يعبأ بها قط واحتقرها، فتفرس المجنون بالأمير وقال: أيها ~~الأمير لو نظرت إلى ليلى من طاقات أعين المجنون المبتلى لانجلى لك بمحبتها سر مشاهدتها، ~~فسر الأمير وأعجب من ذلك الجواب. # | قيس بن الملوح وأمه وليلى # قال يونس النحوي: لما خلط قيس بن الملوح وزال عقله وامتنع من الأكل والشرب صارت أمه ~~إلى ليلى فقالت لها: إن ابني جن من أجلك وذهب حبك بعقله، وقد امتنع من الطعام ~~والشراب، فإن رأيت أن تصيري معي إليه فلعله إذ رآك يسكن بعض ما يجد، فقالت لها: أما ~~نهارا فما يمكنني ذلك ولا آمن على نفسي ولكن سأصير إليه في الليل، فلما كان الليل صارت ~~إليه وهو مطرق يهذي، فقالت: يا قيس، إن أمك تزعم أنك جننت على رأسي وأصابك ما أصابك، ~~فرفع رأسه ونظر إليها وتنفس الصعداء وأنشأ يقول: # قالت لقد جننت على رأسي فقلت لها # الحب أعظم مما بالمجانين # الحب ليس يفيق الدهر صاحبه # وإنما يصرع المجنون في الحين # | افتضاح أمر قيس وليلى # ذهب قيس يوما إلى بيت أبي ليلى ليقترض سمنا يقري به ضيوف أبيه، فقال أبو ليلى: يا ~~ليلى أخرجي ذلك ms053 السمن واقضي حاجة هذا الفتى، فخرجت إليه وسلمت عليه وجعلت تسكب السمن في ~~إنائه وهي تشكو ما لها عنده من الشوق، فلما سمع كلامها طاب قلبه فالتهى معها بالحديث ~~إلى أن فاض الإناء وصار السمن يقطر على الأرض، وما زالا يتحادثان حتى غاصت أرجلهما ~~بالسمن، فاستبطأها أبوها وناداها فلم تنتبه إليه فخرج ليكشف الخبر وقد أنكر أمرها ~~فوجدها على تلك الحالة، فغضب غضبا شديدا ومنعها الزيارة وحجبها عنه خوف الفضيحة، فصار ~~يغتنم غفلة الرقيب فيجتمع بها ويطفي ما بقلبه من الالتياع، فلما بلغه ذلك شكاه إلى ~~الخليفة ابن مروان، فأمر عامله بقتله إذا هو زارها، فلما بلغ قيسا ذلك تنهد وأنشد: # لئن حجبت ليلى وآلى أميرها # علي يمينا جاهدا لا أزورها # على غير شيء غير أني أحبها # وأن فؤادي عند ليلى سميرها # ولما زاد شوقه ذهب ليسترق النظر من ليلى فرأى الحي خاليا فسأل عنها فقيل له: إنها ~~سارت وقومها إلى جبل توباد، فقصد ذلك المكان وما زال يبحث عنها حتى لقيها فشكا لها وشكت ~~له وأخذا يتناجيان ثم بكى قيس وأنشد: # أيا ليلى زند البين يقدح في صدري # ونار الأسى ترمي فؤادي بالحجر # فلا تحسبي يا ليلى أني نسيتكم # فإن مدى الأيام ذكرك في فكري # فوالله لا أنساك ما هبت الصبا # وما هطلت عين على واضح النهر # فرقت له ليلى وضمته إلى صدرها، وبعد قليل ودعها وسار عائدا إلى أهله. # | ذهاب قيس إلى الكعبة وزواج ليلى بغيره # لما هاجت من قيس علل الحب والغرام أشفق عليه جميع الأهل ورثوا لحاله وعرضوا على أبيه ~~أن يأخذه إلى الكعبة عله يبرأ من علته، فأجابهم إلى ذلك وسار ومعه ابنه قيس، فلما بلغوا ~~الكعبة قال له أبوه: تعلق بأستار الكعبة، ففعل، فقال: قل اللهم يا من احتجبت عن العيون ~~أرحني من حب ليلى وأزل عني هذا الجنون، فقال: أيها الإله الحي إني تائب إليك عن جميع ~~الخطايا إلا من حب ليلى فإنني لا أتوب، ثم أنشد: # يقولون تب عن حب ليلى وذكرها ms054 # وتلك لعمري توبة لا أتوبها # يقر بعيني قربها ويزيدني # بها عجبا من كان عندي يعيبها # فيا نفس صبرا لست والله فاعلمي # بأول نفس غاب عنها حبيبها # فحزن عليه أبوه وجميع الأهل والأصدقاء، ثم إنه هام في عرض الفلاة، فلحق به أبوه وأراد ~~القوم أن يأتوا به مكبلا، فقال لهم: مهلا مهلا فقلبي عليل لا يقدر على العذاب، ~~فتركوه وبكى أبوه شفقة عليه وقال له: يا ولدي إلى متى وأنت في هذا الشقاء العظيم؟ أما ~~كفاك الجولان في الفقار حتى عدمت النشاط وصرت إلى الانحطاط؟! فدع عنك هذه الأوهام وعد ~~إلى العقل والرشاد، وما زال أبوه يشاغله بالأحاديث اللطيفة والعبارات الظريفة إلى أن ~~راق ولان ورجع معه إلى الأوطان، وكانت ليلى قد ~~تزوجت برجل يدعى سعيد بن حنيف، فلما بلغ قيسا ذلك الخبر اضطرب وأنشد: # وقد خبروني أن ليلى تزوجت # ولا بد لي من أن ألاقي حليلها # فإن كان مثلي لا ألمها على الهوى # وإن كان دوني بئس ما قد قضى لها # | هيام قيس ومكاتبته لليلى # ثم زادت آلامه وهجر الأهل وهام في البراري والقفار وهو يترنم بهذه الأبيات: # أنيري مكان البدر إن أفل البدر # وقومي مقام الشمس ما استأخر الفجر # ففيك من الشمس المنيرة ضوءها # وليس لها منك التبسم والثغر # بلى لك نور الشمس والبدر كله # وما حملت عيناك شمس ولا بدر # لك النظرة اللألاء والبرق طالع # وليس لها منك الترائب والنحر # ومن أين للشمس المنيرة بالضحى # بمكحولة العينين في طرفها فتر # فرآه عن بعد رجل يدعى نوفل بن مساحق فسأل عنه فقيل: إنه قيس بن الملوح، وإنه ما ~~وصل إلى ما وصل إلا من حبه ليلى، فقال: وأنى لي وصولا إليه؟ قالوا: اذكر له ليلى فيدنو ~~منك ويأتي آنسا فرحا، فتقدم إليه نوفل وسلم عليه وقال له: بحياة ليلى التي هي عندك ~~أعز الناس أن تنشدني من نفائس أشعارك ما تشنف به مسمعي، فأنشده قيس قصيدته التي ~~مطلعها: # تذكرت ليلى والسنين الخواليا # وأيام لم يعد على الناس عاديا # فلما ms055 سمع نوفل شعره اهتز طربا وقال: لله درك على هذه الألفاظ الرشيقة والمعاني ~~البديعة الرقيقة، ولكن خل عنك هذا الحزن واتكل على الله فهو قادر على نجاتك، فقال ~~قيس: كيف أطيق الصبر وقد اشتعل قلبي بنار الهوى أيما اشتعال؟ فدعني بالله أهيم في وجدي ~~ولا أهتدي إلى هداي، فتركه نوفل وسار وبقي قيس هائما ينشد الأشعار. # وكانت ليلى منذ تزوجت لا تنشف لها دمعة ولا تبرد لها لوعة لشدة وجدها وخوفها على قيس ~~حبيبها، فكتبت إليه يوما تشكو حالها وختمت الرقعة بهذه الأبيات: # سلام عليكم لا سلام ملامة # ولكن سلام للمحب عطور # لقد عيل صبري بعدكم وتكاثرت # همومي ولكن المحب صبور # فصبرا على ريب الزمان وجوره # لعل صروف الدائرات تدور # فلما بلغت قيسا تلك الرقعة كتب إليها يقول: من قيس بن الملوح الهائم الوامق إلى سيدة ~~الملاح وكوكب الصباح ليلى العامرية، ورد إلي كتابك أيتها الحبيبة فقرأته طربا بعابق ~~شذاك وأنا لم أزل في هذه القفار أهيم مع الوحوش والغزلان وحيدا ذليلا أقاسي الضر ~~والأحزان حتى صرت نحيلا كالخيال من شوقي، وكادت تقضي على تباريح الهوى والسلام. # فلما بلغ ليلى حال قيس وما يلقاه على النوى حزنت عليه وبكت من شدة الالتياع. # | لقاء زوج ليلى بقيس بن الملوح # لما زاد وجد ليلى بقيس بن الملوح وهاجت لذلك آلامها صارت تبدي لزوجها صدا ~~وإعراضا، فعجب زوجها لذلك وسأل فعلم كنه الأمر وأن قيسا يهواها وتهواه وهو هائم ~~لأجلها في واسع الفلاة ينشد فيها الأشعار ويأنس بالظباء الساريات في القفار، فاشتاق إلى ~~رؤية قيس ومنادمته ومال إلى معرفته، فخرج يوما للصيد فلقيه وهو في روضة خضراء ينظر في ~~بعض الغزلان، فتقدم زوج ليلى وسلم عليه وأنشد يقول: # ومن عجب جنونك في فتاة # مزوجة سواك ولن تراها # أيا مجنون كم تهوى بليلى # كأن الله لم يخلق سواها # فعلم قيس أنه بعلها فخر مغشيا عليه ثم أفاق فأنشد: # بعيشك هل ضممت إليك ليلى # قبيل الصبح أم قبلت فاها # وهل دارت يداك بمنكبيها # وهل مالت ms056 عليك ذؤابتاها # فرق زوج ليلى لحالة قيس وحذره من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ثم عاد إلى ~~الحمى. # | كثير عزة ومجنون ليلى # قال المفضل بن الحسن: دخل كثير عزة على عبد الملك بن مروان فجعل ينشد شعره في عزة ~~وعيناه تذرفان، فقال له عبد الملك: قاتلك الله يا كثير هل رأيت أحدا أعشق منك؟ قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين، خرجت مرة أسير في البادية على ناقة لي، فبينا أنا أسير إذ نظر ~~إلي شخص فأكدته فإذا رجل قد نصب شركا للظباء وقعد بعيدا منه، فسلمت عليه فرد ~~السلام، فقلت: ما أجلسك هاهنا؟ قال: نصبت شركا للظباء فأنا أرصدها، فقلت: إن قمت له ~~لديك فصدت هل تطعمني؟ قال: إي والله، فنزلت فعلقت ناقتي وجلست أحدثه، فإذا هو أحسن خلق ~~الله حديثا وأرقه وأغزله، فما لبثنا أن وقعت ظبية في الشرك، فوثب ووثبت معه فخلصها من ~~الحبال ثم نظر في وجهها مليا فأطلقها وأنشأ يقول: # أيا شبه ليلى لن تراعي فإنني # لك اليوم من بين الوحوش صديق # ويا شبه ليلى لن تزالي بروضة # عليك سحاب دائم وبروق # فما أنا إذ شبهتها ثم لم تؤب # سليما عليها في الحياة شفيق # فديتك من أسر دهاك لحبها # فأنت لليلى ما حييت طليق # ثم أصلح شركه، وغدونا إلى موضعنا، فقلت: والله لا أبرح حتى أعرف أمر هذا الرجل، ~~فأقمنا باقي يومنا فلم يقع شيء، فلما أمسينا قام إلى غار قريب من الموضع الذي كنا فيه ~~وقمت معه فبتنا به، فلما أصبح الصباح غدا فنصب ~~شركه، فلم يلبث أن وقعت ظبية شبيهة بأختها بالأمس فوثب إليها ووثبت معه فاستخرجها من ~~الشرك ونظر في وجهها مليا ثم أطلقها فمرت، وأنشأ يقول: # اذهبي في كلاءة الرحمن # أنت مني في ذمة وأمان # ترهبيني والجيد منك كليلي # والحشا والنعام والعينان # لا تخافي بأن تفاجي بسوء # ما تغنى الحمام في الأغصان # ثم عدنا إلى موضعنا فلم يقع يومنا شيء، فلما أمسينا صرنا إلى الغار فبتنا فيه، فلما ~~أصبحنا عدل إلى شركه ms057 وغدوت معه فنصبه وقعدنا نتحدث، وقد شغلني يا أمير المؤمنين حسن ~~حديثه عما أنا فيه من الجوع، فبينا نتحدث إذ وقعت في الشرك ظبية فوثب إليها ووثبت معه، ~~فاستخرجها من الشرك ثم نظر في وجهها وأراد أن يطلقها فقبضت على يده وقلت: ماذا تريد أن ~~تعمل؟ أقمت ثلاثة أيام كلما صدت شيئا أطلقته، فنظر في وجهي وعيناه تذرفان وأنشأ ~~يقول: # أتلحي محبا هائم القلب أن رأى # شبيها لمن يهواه في الحبل موثقا # فلما دنا منه تذكر شجوه # وذكره من قد نأى فتشوقا # فرحمته يا أمير المؤمنين وبكيت لبكائه، ونسبته فإذا هو قيس بن معاذ المجنون، فذلك ~~والله أعشق مني يا أمير المؤمنين. # | مصرع قيس بن الملوح # سمع قيس العامري ليلا هاتفا يقول: # أمنعية بالموت ليلى ولم تمت # كأنك عما قد أظلك غافل # فزاد منه لاعج الوجد وغاب عن الأبصار مدة من الزمان، فبينما كان أبو ليلى وبعض ~~الأقرباء يبحثون عن مكانه وجدوه صريعا بين القبور وإلى رأسه ورقة كتب فيها: # ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضى # شقيت ولا هنئت من عيشك الخفضا # شقيت كما أشقيتني وتركتني # أهيم مع الهلاك لا أطعم الغمضا # كأن فؤادي في مخاليب طائر # إذا ذكرت ليلى يشد به قبضا # كأن وسيع الأرض حلقة خاتم # علي فما تزداد طولا ولا عرضا # فجزع أبوها غاية الجزع وقال: والله لو أعلم أن أمره يفضي إلى هذه الحال لاحتملت العار ~~وزوجنه بابنتي ليلى. # ثم رأوا مكتوبا على حجر ملقى إلى هذين البيتين: # توسد أحجار اليمامة والقفر # ومات جريح القلب مندمل الصدر # فيا ليت هذا الحب يعشق مرة # فيعلم ما يلقى المحب من الهجر # | راشد بن صفوان وهيفاء العامرية # كان راشد بن صفوان يغدو على بني عامر لألفة بينه وبين رجل، فلمح جارية منهم يقال ~~لها: هيفاء بنت عبد الله بن عامر وكانت من أجمل نساء العرب، فغادره من حبها ما كاد أن ~~يأتي على نفسه، ثم إن الجارية تزوجت بشخص من جهينة، فلما حملها إلى حيه وطال على الغلام ms058 ~~الشوق وانقطاع الأخبار ذهب عقله فكان يسيح عاريا، فصادف صيادا قد اصطاد غزالا فوقف ~~ينظر إليه ثم بكى وأنشد: # وذكرني من لا أبوح بذكره # محاجر ظبي في حبالة قانص # فقلت ودمع العين يجري بحرقة # ولحظي إلى عينيه لحظة شاخص # ألا أيهذا القانص الظبي حله # وإن كنت تأباه فعشر قلائص # خف الله لا تحبسه إن شبيهه # حبيبي فقد أرعدت فيه فرائصي # فقال له الصياد: دونك فحله، فتقدم إليه وقبله وأطلقه وأتبعه النظر حتى غاب، ثم قال ~~للصياد: ائتني غدا، فأتى فأعطاه عشرا من الإبل فأبى قبولها، فأقسم عليه أن يأخذها، ~~فقبلها وانصرف. # | العاشق المفارق # حدث بعض العرب قال: مررنا بماء وعليه صبية يتغاطسون وقريب منهم شاب عليه أثر الجمال ~~إلا أنه نحيل من السقام، فسلمت عليه، فقال: ممن الراكب؟ قلت: من الحمى، فقال: كم أقمت ~~به؟ قلت: قليلا، فتنفس الصعداء وأنشد: # سقى بلدا أمسى سليمى محله # من المزن ما يروى به ويشيم # وإن لم أكن من ساكنيه فإنه # يحل به شخص علي كريم # | مالك العامري ومحبوبته # قال أحدهم: انصرفت من الحج فمررت بماوية وكان لي فيها صديق من بني عامر، فصرت إليه ~~مسلما فأنزلني، فبينا أنا عنده ونحن قاعدان بفنائه إذا النساء مستبشرات وهن يقلن: تكلم ~~تكلم، فقلن: ما هذا؟ فقالوا: فتى منا كان يعشق ابنة عم له فزوجت وحملت إلى ناحية ~~الحجاز، فإنه لعلى فراشه منذ حول ما تكلم ولا أكل إلا أن يؤتى بما يأكله ويشربه، فقلت: ~~أحب أن أراه، فقام وقمت معه فمشينا غير بعيد وإذا بفتى مضطجع بفناء بيت من تلك البيوت ~~ولم يبق منه إلا خيال، فأكب الشيخ عليه يسأله وأمه واقفة، فقالت: يا مالك، هذا عمك أبو ~~فلان يعودك، ففتح عينيه وأنشأ يقول: # ليبكني اليوم أهل الود والشفق # لم يبق من مهجتي إلا شفا رمق # اليوم آخر عهدي بالحياة فقد # أطلقت من ربقة الأحزان والقلق # ثم تنفس الصعداء فإذا هو ميت، فقام الشيخ، وقمت فانصرفت إلى خبائه فإذا جارية جميلة ~~تبكي وتتفجع، فقال الشيخ: ما ms059 يبكيك؟ فأنشأت تقول: # ألست أبكي لصب شف مهجته # طول السقام وأضنى جسمه الكمد # يا ليت من خلف القلب المهيم به # عندي فأشكو إليه بعض ما أجد # أنشر تربك أسرى لي النسيم به # أم أنت حيث يناط السحر والكبد # ثم انثنت على كبدها وشهقت فإذا هي ميتة. # | مصرع عاشق على قبر عشيقته # قال جبر بن حبيب: أقبلت من مكة أريد اليمامة، فنزلت بحي بني عامر فأكرموا مثواي، فإذا ~~فتى حسن الهيئة قد جاءني فسلم علي، وقال: أين يريد الراكب؟ قلت: اليمامة، قال: ومن ~~أين أقبلت؟ قلت: من مكة، فجلس إلي فحادثني أحسن الحديث، ثم قال لي: أتأذن في صحبتك ~~إلى اليمامة، فقلت: أحب خير مصحوب، فقام فما لبث أن جاء بناقة بيضاء وعليها أداة حسنة، ~~فأناخها قريبا من مبيتي وتوسد ذراعها، فلما هممت بالرحيل أيقظته، فكأنه لم يكن نائما، ~~فقام وأصلح رحله وركب وركبت، فقصر علي يومي بصحبته، وسهلت علي وعوث السفر، فلما ~~رأينا بياض قصور اليمامة أنشد قائلا: # وأعرضت اليمامة واشمخرت # كأسياف بأيدي مصلتينا # وهو في ذلك كله لا ينشدني إلا أبياتا معجبة في الهوى، فلما قربنا من اليمامة مال عن ~~الطريق إلى أبيات قريبة منا، فقلت له: لعلك تحاول حاجة في هذه الأبيات؟ قال: أجل، قلت: ~~انطلق راشدا، فقال: هل أنت موف حق الصحبة؟ قلت: أفعل، قال: مل معي، فملت معه، فلما ~~رآه أهل الصرم ابتدروه، وإذا فتيان لهم شارة فأناخوا بنا وعقلوا ناقتينا وأظهروا السرور ~~وأكثروا البر، ورأيتهم أشد شيء له تعظيما، ثم قال: قوموا إن شئتم، فقام وقمت لقيامه، ~~حتى إذا صرنا إلى قبر حديث البناء ألقى نفسه عليه وأنشأ يقول: # لئن منعوني في حياتي زيارة # أحامي بها نفسا تملكها الحب # فلن يمنعوني أن أجاور لحدها # فيجمع جسمينا التجاور والترب # ثم أن أنة الأسى ووقع ميتا إلى الأرض، فأقمت مع الفتيان حتى احتفرنا له ودفناه، ~~فسألت عنه فقالوا: ابن سيد هذا الحي، وهذه ابنة عمه وهي إحدى نساء قومه وكان بها مغرما ~~فماتت منذ ثلاث سنين، فأقبل ms060 إليها وقد رأيت ما آل إليه أمره، فعدت والله وقد انفطرت ~~مرارتي من الحزن عليه. # القسم الرابع # | في نوادر الشعراء # | صريع الغواني # دخل مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني يوما على الفضل فأقام عنده وشرب معه، وكانت ~~على رأس الفضل وصيفة تسقيه كأنها لؤلؤة، فلمح الفضل مسلما ينظر إليها. فقال: قد أعجبتك ~~والله يا أبا الوليد، فقل أبياتا لأهبها لك، فأنشد: # إن كنت تسقين غير الراح فاسقيني # كأسا ألذ بها من فيك تشفيني # عيناك راحي وريحاني حديثك لي # ولون خديك لون الورد يكفيني # إذا نهاني عن شرب الطلا حرج # فخمر عينيك يغنيني ويجزيني # لولا علامات شيب لو أتت وعظت # لقد صحوت ولكن سوف تأتيني # أرضي الشباب فإن أهلك ففي قدر # وإن بقيت فإن الشيب يسليني # فقال الفضل: خذها بورك لك فيها. # | صريع الغواني والرجل # سأل رجل مسلما، لم تدعى صريع الغواني؟ فأنشأ يقول: # إن ورد الخدود والأعين النجل # وما في الخدود من أقحوان # واسوداد الصدغين في واضح الخد # وما في الصدور من رمان # تركتني لدى الغواني صريعا # فلهذا أدعى صريع الغواني # | صريع الغواني والكناس # وقف صريع الغواني بباب محمد بن منصور فاستسقى، فأمر وصيفا له فأخرج إليه خمرا في ~~كأس مذهبة، فلما نظر إليها في راحته قال: # ذهب في ذهب راح # بها غصن لجين # وأتت قرة عيني # من يدى قرة عين # قمرا يحمل شمسا # مرحبا بالقمرين # لا جرى بيني ولا بينه # ما طائر بين # وبقينا ما بقينا # أبدا متفقين # في غبوق وصبوح # لم نبع نقدا بدين # | صريع الغواني يرثي زوجة له # كانت لمسلم بن الوليد زوجة يحبها فماتت، فجزع عليها جزعا شديدا وتنسك مدة وعزم على ~~ملازمة ذلك، فأقسم عليه بعض إخوانه ذات يوم أن يزوره، ففعل، فأكلوا وقدموا الشراب ~~فامتنع منه مسلم وأبى وأنشأ يقول: # بكاء وكأس كيف يتفقان # سبيلاهما في القلب مختلفان # دعاني وإفراط البكاء فإنني # أرى اليوم فيه غير ما ترياني # غدت والثرى أولى بها من وليها # إلى منزل قاص لعينك داني # فلا حزن حتى تنزف العين ms061 ماءها # وتعترف الأحشاء للخفقان # وكيف يدفع اليأس والوجد بعدها # وسهماهما في القلب يختلجان # | الحسن بن هانئ والجارية # قال الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس: حججت مع الفضل بن الربيع حتى إذا كنا ببلاد ~~فزارة - وذلك إبان الربيع - نزلنا بإزاء ماء لبني تميم، ذا روض أريض، ونبت غريض، تخضع ~~لبهجته أطايب الشذا، فقرت بنضرتها العيون، وارتاحت إلى حسنها القلوب، وانفرجت لبهائها ~~الصدور، فلم نلبث أن أقبلت السماء فانشق غمامها وتدانى من الأرض ركامها، وقد غادرت ~~الغدران مترعة تتدفق، والقيعان تتألق رياض مونقة، ونوافح من ريحها عبقة، فسرحت طرفي ~~راتعا منها في أحسن منظر، ونشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فلما انتهينا إلى ~~أوائلها إذا نحن بخباء على بابه جارية مشرقة ترنو بطرف مريض الجفون وسنان النظر، فقلت ~~لزميلي: استنطقها، قال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ قلت: اطلب منها شربة ماء، فطلب، فقالت: ~~حبا وكرامة، ومضت تتمايل كغصن البان بقامة كقضيب الخيزران، فراعني ما رأيت منها، ثم ~~أتت بالماء، فشربت منه وصببت باقيه على يدي، ثم قلت: وصاحبي أيضا عطشان، فأخذت الإناء ~~فذهبت، فقلت لصاحبي: من الذي يقول: # إذا بارك الله في ملبس # فلا بارك الله في البرقع # يريك عيون الدمى غرة # ويكشف عن منظر أشنع # فسمعت كلامي، فأتت وقد نزعت البرقع ولبست خمارا أسود وهي تقول: # ألا حي ربعي معشر قد أراهما # أقاما فما أن يعرفا مبتغاهما # هما استسقيا ماء على غير ظمأة # ليستمتعا باللحظ ممن سقاهما # فشبهت كلامها بعقد در وهي سلكه فانتثر بنغمة عذبة رقيقة رخيمة، لو خوطب بها صم الصلاب ~~لانبجست مع وجه يظلم من نوره ضياء العقول، وتتلف من روعته مهج النفوس، وتخف في محاسنه ~~رزانة الحليم، ويحار في بهائه طرف البصير، فهمت بها أي هيام، وخررت ساجدا، فأطلت ~~من غير تسبيح فقالت: ارفع رأسك أيها الشاب ولا تذم بعدها برقعا، فلربما انكشف عما يصرف ~~الكرى، ويحل القوى، ويطيل الوجد والجوى، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب، حيران لا ~~أهتدي لطريق إلى أن آن وقت الرحيل، فانصرفت ms062 من عندها وأنا أقول: # يا حسرتا مما يجن فؤادي # أزف الرحيل بعبرتي وبعادي # | أبو نواس والجارية جنان # كان أبو النواس يحب جنان حبا قاتلا عظيما، وكانت هي فتاة حسناء، أديبة، عاقلة، ~~ظريفة، تعرف الأخبار، وتروي الأشعار، فرآها أبو النواس عند مولاها الوهاب، فاستحلاها ~~ووقع حبها في قلبه إلى أن صار يردد ذكرها في كل مكان، فقيل له يوما: إن جنان عازمة على ~~الحج، فقال: إني على إثرها أحج، فلما علم أنها خارجة سبقها وما كان نوى الحج ولا أحدث ~~عزمه إلا خروجها، فصار يسترق منها النظرات ويبغي الفرص فلا يجد لها سبيلا، فلما عادت ~~عاد معها وأنشد يقول هذه الأبيات: # ألم تر أنني أفنيت عمري # بمطلبها ومطلبها عسير # فلما لم أجد سببا إليها # يقربني وأعيتني الأمور # حججت وقلت قد حجت جنان # فيجمعني وإياها المسير # ثم كتب إليها يقول: # إلهنا ما أعدلك # مليك كل من ملك # لبيك قد لبيت لك # لبيك إن الحمد لك # والملك لك لا شريك لك # والليل لما أن حلك # والسابحات في الفلك # على مجاري المنسلك # ما خاب عبد أملك # أنت له حيث سلك # لولاك يا رب هلك # كل نبي وملك # وكل من أهل لك # سبح أو لبى فلك # يا مخطئا ما أغفلك # عجل وبادر أجلك # واختم بخير عملك # لبيك إن الملك لك # والحمد والنعمة لك # والعز لا شريك لك # فلما بلغها الكتاب لم تجبه عليه، وحدث أنها جاءت يوما إلى عرس في جواره، فلما ~~عزمت على الانصراف رآها أبو النواس فأنشد بديها: # شهدت جلوة العروس جنان # فاستمالت بحسنها النظاره # حسبوها العروس حين رأوها # فإليها دون العروس الإشاره # وغضبت يوما جنان من كلام كلمها به، فأرسل يعتذر إليها، فقالت للرسول: قل له: «لا ~~برح الهجران ربعك، ولا بلغت أملك ممن أحبتك»، فرجع الرسول، فسأله عن جوابها، فلم يخبره، ~~فقال: # فديتك فيما عتبك من كلام # نطقت به على وجه جميل # وقولك للرسول عليك غيري # فليس إلى التواصل من سبيل # فقد جاء الرسول له انكسار # وحال ما عليه من قبول ms063 # ولو ردت جنان مرد خير # تبين ذاك في وجه الرسول # فلم تزل جنان من أبي النواس في معرض الصد والحنق إلى أن أنشد لها أبياتا حسان نفت ~~عنها الكدر والشك وهي: # جنان إن جدت يا مناي بما # آمل لم تقطر السماء دما # وإن تمادى ولا تماديت في # منعك أصبح في قفرة رمما # علقت من لو أتى على أنفس # الماضين والغابرين ما ندما # لو نظرت عينه إلى حجر # وشد فيه فتوره سقما # | أبو نواس وامرأة من الثقفيين # مرت بأبي النواس امرأة من الثقفيين، فسألها عن جنان، فأخبرته خبرها وقالت: قد سمعتها ~~تقول لصاحبة لها من غير أن تعلم بي: «ويحك قد آذاني هذا الفتى وضيق صدري، وسد في وجهي ~~السبل بحدة نظره وتهتكه، فقد لهج قلبي بذكره حتى رحمته لما به»، ثم التفتت فأمسكت عن ~~الكلام، ففرح أبو النواس بذلك، فلما قامت المرأة أنشأ يقول: # يا ذا الذي عن جنان ظل يخبرنا # بالله قل وأعد يا طيب الخبر # قال اشتكتك وقالت ما ابتليت به # أراه من حيثما أقبلت في أثري # ويعمل الطرف نحوي إن مررت به # حتى ليخجلني من حدة النظر # وإن وقفت له كيما يكلمني # في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر # ما زال يفعل بي هذا ويدمنه # حتى لقد صار من همي ومن وطري # | ما كتبته جنان لأبي نواس # أرسلت جنان لأبي النواس تقول: «قد شهرتني فاقطع زيارتك عني أياما لينقطع بعض ~~القالة»، ففعل وكتب إليها: # إنا اهتجرنا للناس إذ فطنوا # وبيننا حين نلتقي حسن # ندافع الأمر وهو مقتبل # فشب حتى عليه قد مرنوا # فليس يقذي عينا معاينة # له وما إن تمجه أذن # ويح ثقيف ماذا يضرهم # لو كان لي في ديارهم سكن # أريب ما بيننا الحديث فإن # زدنا فزيدوا فما لذا ثمن # ولما طال الفراق وضاقت دون لقياها الحيل كتب إليها من بغداد: # كفى حزنا أن لا أرى وجه حيلة # أزور بها الأحباب في حكمان # وأقسم لولا أن تنال معاشر # جنانا بما لا أشتهي لجنان # لأصبحت فيها داني ms064 الدار لاصقا # ولكن ما أخشى فديت عداني # فواحزنا حزنا يؤدي إلى الردى # فأصبح مأثورا بكل لسان # أراني انقضت أيام وصلي بينكم # وآذن فيكم بالوداع زماني # | عتاب أبي نواس وجنان # بلغ أبا نواس أن امرأة ذكرت لجنان عشقه لها، فشتمته جنان وتنقصته وذكرته أقبح الذكر، ~~فأنشد يقول: # وإباء بي من إذا ذكرت له # وطول وجدي به تنقصني # لو سألوه عن وجه حجته # في سبه لي لقال يعشقني # نعم إلى الحشر والتنادي نعم # أعشقه أو ألقى في كفني # أصبح جهرا لا أستسر به # عنفني فيه من يعنفني # يا معشر الناس فاسمعوه وعوا # إن جنانا صديقة الحسن # فبلغها ذلك فهجرته وأطالت هجره، فرآها ليلة في منامه وأنها قد صالحته، فكتب ~~إليها: # إذا التقى في النوم طيفانا # عاد لنا الوصل كما كانا # يا قرة العين فما بالنا # نشقى ويلتذ خيالانا # لو شئت إذا أحسنت لي في الكرى # أتممت إحسانك يقظانا # يا عاشقين اصطلحا في الكرى # وأصبحا غضبى وغضبانا # كذلك الأحلام غدارة # وربما تصدق أحيانا # | غضب أبي نواس ورضاؤه عليها # رأى أبو النواس جنانا في ثقيف، فقابلته بما كره، فغضب وهجرها مدة، فأرسلت إليه ~~رسولا تصالحه، فرده ولم يصالحها، فرآها في النوم تطلب صلحه، فقال: # دست له طيفها كيما تصالحه # في النوم حين تأبى الصلح يقظانا # فلم يجد عند طيفي طيفها فرجا # ولا رثى لتشكيه ولا لانا # حسبت أن خيالي لا يكون لما # أكون من أجله غضبان غضبانا # جنان لا تسأليني الصلح سرعة ذا # فلم يكن هينا منك الذي كانا # وبعد ذلك ورد إليه كتاب منها وفي سطوره بعض المحو، فكتب إليها يقول: # أكثري المحو في كتابك وامحيه # إذا ما محوته باللسان # وامرري بالمحاء بين ثناياك # العذاب المفلجات الحسان # إنني كلما مررت بسطر # فيه محو لطعته بلساني # تلك تقبيلة لكم من بعيد # أهديت لي وما برحت مكاني # | وصف أبي نواس لمحبوبته جنان # رأى أبو النواس جنانا في مأتم سيدها تندبه باكية وهي مخضبة، فقال بديها: # يا قمرا أبرزه مأتم # يندب شجوا بين أتراب # يبكي فيذري ms065 الدر من نرجس # ويلطم الورد بعناب # لا تبك ميتا حل في حفرة # وابك قتيلا لك بالباب # أبرزه المأتم لي كارها # برغم دايات وحجاب # لا زال موتا دأب أحبابه # ولا تزل رؤيته دابي # | اعتلال أبي نواس لعلة جنان # دخل على أبي نواس بعض أصحابه يعودونه وهو مريض فوجدوا به خفة، فلما رآهم فرح وسر ~~لقدومهم، ثم قال: من أين جئتم؟ قالوا: من عند جنان، فقال: أوكانت عليلة؟ قالوا: نعم، ~~وقد عوفيت الآن، فقال: والله أنكرت علتي هذه ولم أعرف لها سببا غير أني توهمت أن ذلك ~~لعلة نالت بعض من أحب، ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت طمعا أن يكون الله عافاها منه ~~قبلي، ثم دعا بدواة وكتب إلى جنان: # إني حممت ولم أشعر بحماك # حتى تحدث عوادي بشكواك # فقلت ما كانت الحمى لتطرقني # من غير ما سبب إلا بحماك # وخصلة قمت فيها غير متهم # عافاني الله منها حين عافاك # حتى إذا ما انقضت نفسي ونفسك في # هذا وذاك وفي هذي وفي ذاك # | فضل الشاعرة وزائرها # قال يحيى بن الخصيب: كنت عند فضل الشاعرة إذ استأذن عليها إنسان، فأذنت له وقالت: ما ~~حاجتك؟ قال: تجيزين مصراع بيت من الشعر، قالت: ما هو؟ قال: # من لمحب أحب في صغره # فقالت: # قصار أحدوثة على كبره # من نظر شفه وأرقه # فكان مبدأ هواه من نظره # لولا الأماني لمات من كمد # مر الليالي تزيد في ذكره # ما إن له مسعد فيسعده # بالليل في طوله وفي قصره # | محمد بن العباس وفضل الشاعرة # كتب محمد بن العباس اليزيدي يوما إلى فضل الشاعرة هذه الأبيات: # أصبحت فردا هائم العقل # إلى غزال حسن الشكل # أضنى فؤادي طول عهدي به # وبعده عني وعن وصلي # منية نفسي في هوى فضل # أن يجمع الله بها شملي # أهواك يا فضل هوى خالصا # فما بقلبي عنك من شغل # فأجابته تقول: # الصبر ينقص والسقام يزيد # والدار دانية وأنت بعيد # أشكوك أم أشكو إليك فإنه # لا يستطيع سواهما المجهود # إني أعوذ بحرمتي بك في الهوى ms066 # من أن يطاع لديك في حسود # | فضل وأحد جلساء الخليفة # كانت فضل تهوى أحد جلساء الخليفة سرا، فكتب لها خليلها يوما رقعة سلمها إياها، ~~فأخذتها، فلما فضتها وجدت فيها: # ألا ليت شعري فيك هل تذكرينني # فذكراك في الدنيا إلي حبيب # وهل لي نصيب من فؤادك ثانيا # كما لك عندي في الفؤاد نصيب # ولست بموصول فأحيا بزورة # ولا النفس عند اليأس عنك تطيب # فكتبت إليه: # نعم وإلهي إنني بك صبة # فهل أنت يا من لا عدمت مثيب # لمن أنت منه في الفؤاد مصور # وفي العين نصب العين حين تغيب # فثق بوداد أنت مظهر مثله # على أن بي سقما وأنت طبيب # | المتوكل وفضل الشاعرة وبنان # اتكأ المتوكل يوما على يد فضل الشاعرة وبنان وجعل يمشي في داره، وقال لهما: أجيزا لي ~~قول الشاعر: # تعلمت أسباب الرضا خوف عتبها # وعلمها حبي لها كيف تغضب # فقالت فضل: # تصد وأدنو بالمودة جاهدا # وتبعد عني بالوصال وأقرب # فقال بنان: # وعندي لها العتبى على كل حالة # فما منه لي بد ولا عنه مذهب # | فضل الشاعرة وصديق ابن أبي طاهر # ألقى أحد أصحاب أحمد بن أبي طاهر على فضل الشاعرة يوما هذا البيت: # ومستفتح باب البلاء بنظرة # تزود منها قلبه حسرة الدهر # فقالت بديهة: # فوالله لا يدري أتدري بما جنت # على قلبه أو أهلكته وما تدري # | سعيد بن حميد وفضل الشاعرة # كان بين فضل وسعيد بن حميد الشاعر مراسلات ومواصلات أدبية، فحضر مجلسها يوما ومعه ~~بنان، فأقبلت على بنان وتركته، فذهب مغضبا، فظهر لها في وجهه ذلك فكتبت إليه: # وعيشك لو صرحت باسمك في الهوى # لأقصرت عن أشياء بالهزل والجد # ولكنني أبدي لهذا مودتي # وذاك وأخلو فيك بالبث والوجد # مخافة أن يغري بنا قول كاشح # عدو فيسعى بالوصال إلى الصد # فكتب إليها سعيد: # تنامين عن ليلي وأسهره وحدي # وأنهى جفوني أن تبثك ما عندي # فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته # بنا فانظري ماذا على قاتل العمد # | المتوكل وفضل الشاعرة # قال المتوكل: كان بيني وبين فضل موعد للقاء ms067 ، فشربت قبل مجيئها وسكرت فنمت، فجاءت فضل ~~فحركتني فلم أنتبه، فلما يئست من إيقاظي كتبت رقعة ووضعتها على مخدتي وانصرفت، فلما ~~انتبهت وجدتها فإذا مكتوب فيها: # قد بدا شبهك يا مو # لاي يحدو بالظلام # قم بنا نقض لبانا # ت التزام والتثام # قبل أن تفضحنا عو # دة أرواح النيام # | سعيد بن حميد وفضل الشاعرة # دخلت فضل يوما على سعيد بن حميد فوثب إليها وسلم عليها وسألها أن تقيم عنده، فقالت: ~~قد جاءني وحياتك رسول من القصر، فليس يمكنني الجلوس، وكرهت أن أقوم ببابك ولا أراك، ~~فقال سعيد بديهة: # قربت ولا نرجو اللقاء ولا نرى # لنا حيلة يدنيك منا احتيالها # فأصبحت كالشمس المنيرة ضوءها # قريب ولكن أين منا منالها # وظاعنة ضنت بها غربة النوى # علينا ولكن قد يلم خيالها # تقر بها الآمال ثم تعوقها # مماطلة الدنيا بها واعتلالها # ولكنها أمنية فلعلها # يجود بها صرف النوى وانتقالها # وتغاضب سعيد بن حميد وفضل أياما فكتب إليها: # تعالي نجدد عهد الرضا # ونصفح في الحب عما مضى # ونجري على سنة العاشقين # ونضمن عني وعنك الرضا # ويبذل هذا لهذا هواه # ويصبر في حبه للقضا # ونخضع ذلا خضوع العبيد # لمولى عزيز إذا أعرضا # فإني مذ لج هذا العتاب # كأني أبطنت جمر الغضا # فسارت إليه وصالحته. # | تخلف فضل عن سعيد بعد حبها له # بينما كان سعيد يوما في مجلس الحسن بن مخلد إذ جاءه غلام برقعة من فضل، فقرأها فإذا ~~هي تصف شوقها وتشكو ما تلقاه على البعد، فكتب إليها هذه الأبيات: # يا واصف الشوق عندي من شواهده # قلب يهيم وعين دمعها يكف # والنفس شاهدة بالود عارفة # وأنفس الناس بالأهواء تأتلف # فكن على ثقة مني وبينة # أني على ثقة من كل ما تصف # فلما وصل إليها الجواب طاب قلبها وسارت إليه وأقامت عنده عامة النهار وكرت راجعة، ~~ولما تعشقت بنان بن عمر المغني وعدلت عن سعيد أسف عليها وأظهر تجلدا ثم قال ~~فيها: # قالوا تعزى وقد بانوا فقلت لهم # بان العزاء على آثار من بانا # وكيف يملك سلوانا لحبهم ms068 # من لم يطق للهوى سترا وكتمانا # كانت عزائم صبري أستعين بها # وصارت علي بحمد الله أعوانا # لا خير في الحب لا تبدو شواكله # ولا ترى منه في العينين عنوانا # فلما بلغها الأبيات وما يقاسي لأجلها ندمت على ما كان وعادت فقالت له: ها أنا أموت ~~وتستريح مني، فأنشأ يقول: # لا مت قبلي بل أحيا وأنت معا # ولا أعيش إلى يوم تموتينا # لكن نعيش بما نهوى ونأمله # ويرغم الله فينا أنف واشينا # حتى إذا قدر الرحمن ميتتنا # وحان من أمرنا ما ليس يعدونا # متنا جميعا كغصني بانة ذبلا # من بعد ما نضرا واستوثقا حينا # واجتمع بها ذات يوم في مجلس حافل، وبينا هم جالسون إذ دخل عليهم بنان المذكور، فأقبلت ~~عليه فضل بحديثها، فغضب سعيد غضبا شديدا، وتبين بنان القصة فانصرف، وأقبل عليها سعيد ~~يعذلها ويؤنبها ساعة ثم أمسك، فقالت منشدة: # يا من أطلت تفرسي # في وجهه وتنفسي # أفديك من متدلل # يزهو بقتل الأنفس # هبني أسأت وما أسأت # بلى أقول أنا المسي # أحلفتني أن لا أسارق # نظرة في مجلسي # فنظرت نظرة مخطئ # أتبعتها بتفرس # ونسيت أني قد حلفت # فما عقوبة من نسي # فقام سعيد وقبل رأسها وقال: لا عقوبة عليه، بل نحتمل هفوته ونتجافى عن ~~إساءته. # | العباس بن الأحنف # كان بعض الفتيان مجتمعين في حلقة لهو وطرب، فمر بهم رجل لطيف، حلو الوجه، سري الهيئة، ~~عليه سيماء المجد والنعم، فقال: إني سمعت مجتمعكم وحسن منادمتكم وصحة ألفتكم، فأحببت أن ~~أكون واحدا منكم، فلا تحتشموني، فقالوا له: أهلا وسهلا على الرحب والسعة، فجلس ~~وإياهم يحدثهم بألطف الأحاديث وأعذب الكلام ففتنوا به، ثم قالوا له: ما اسمك الكريم؟ ~~قال: العباس بن الأحنف، قالوا: إن رأيت أن تحدثنا بسبب تشريفك إيانا، قال: السب في ذلك ~~أني أحب جارية في جواركم، فكنت أترقب مرورها لأنعم نظري بوجهها الحسن، فما زلت على ما ~~أنا به من الشغف والكلف والشوق إلى نور وجهها إلى هذا اليوم، فجلست حينا أنتظرها فلم ~~تمر فزاد مني لاعج الوجد وصرت كالحائر ms069 الولهان، فلما يئست من قدومها والنظر إلى رائق ~~وجهها ورأيتكم على ما أنتم الآن من الأنس والطرب وددت مجالستكم والمؤانسة برقة كلامكم ~~لأخفف عني ما ترون من العشق والصبابة، فقالوا له: ساعدك الله على ما تريد فإنا في قلق ~~عليك، ثم ذهب عنهم ولم يعد إلا بعد عشرين يوما، فتلقوه جميعا بكل فرح وسألوه عن طول ~~غيابه، فقال: دعاني أمير المؤمنين لأمر يهمه، فذهبت إلى يحيى بن خالد فقال لي: ويحك يا ~~عباس، إنما اخترناك شاعرا ظريفا ونديما لطيفا لقرب مأخذك وحسن تأنيك، فما لك لا ~~تفتكر بنا ولا تأتي إلينا، فإنه حدث بين أمير المؤمنين وإحدى وصائفه التي يحبها عتب ~~وملام وخلاف وكلام، فهي بصفة معشوق تأبى أن تعتذر، وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ~~ذلك، وأرى أن تعمل بعض أبيات تكون أهلا لاستمالة قلبه تسهل عليه استعباد الصبابة، ~~ففكرت فلم يخطر لي شيء، فلما لج في لومي كتبت له أربعة أبيات أعقبتها بيتين آخرين، ~~فقلت: # العاشقان كلاهما متغضب # وكلاهما متوجد متعتب # صدت مغاضبة وصد مغاضبا # وكلاهما مما يعالج متعب # راجع أحبتك الذين هجرتهم # إن المتيم قلما يتجنب # إن التجنب إن تطاول منكما # دب السلو له وعز المطلب # ثم كتبت تحت ذلك: # لا بد للعاشق من وقفة # تكون بين الهجر والصرم # حتى إذا الهجر تمادى به # راجع من يهوى على رغم # ثم توجهت بالكتاب إلى يحيى بن خالد فدفعه إلى الرشيد فقال: والله ما رأيت شعرا أشبه ~~بما نحن فيه من هذا، فكأني قصدت به، فقال له يحيى: وأنت والله يا أمير المؤمنين ~~المقصود به، هذا يقوله العباس بن الأحنف، ولما بلغ أمير المؤمنين قوله: (راجع من يهوى ~~على رغم) استغرب ضحكا حتى سمعت ضحكته الجارية، ثم دخل إليها بوجه بشوش على غير ما كانت ~~تنتظر وبيده تلك الورقة، فلما رأته عجبت لذلك وسألت عن سبب رضائه، فقال: هو هذه ~~الأبيات، فاقرئيها بالله، فلما قرأتها سرت كثيرا وقالت: من نظمها؟ قال: العباس بن ~~الأحنف، قالت: لله دره، فكم أعطيته ms070 عليها؟ قال: ذهلت عن عطائه لكثرة فرحي واندهاشي، ثم ~~أمرت لي بخلعة سنية، وعادت معه إلى سابق الحب ورائق العيش والوداد. # | أبو العباس بن الأحنف # قال الأصمعي: بينا أنا ذات يوم قاعد في مجلس بالبصرة فإذا بغلام أحسن الناس وجها ~~ونورا واقف على رأسي، فقال: إن مولاي يريد أن يوصي إليك، فقمت معه، فأخذ بيدي حتى ~~أخرجني إلى الصحراء، فإذا أنا بالعباس بن الأحنف ملقى وهو يجود بنفسه ويقول: # يا بعيد الدار عن وطنه # مفردا يبكي على شجنه # كلما جد النحيب به # زادت الأسقام في بدنه # ثم أغمي عليه، فانتبه بصوت طائر على شجرة وهو يقول: # ولقد زاد الفؤاد شجى # هاتف يبكي على فننه # شاقني ما شاقه فبكى # كلنا يبكي على سكنه # ثم أغمي عليه فظننتها مثل الأولى فإذا هو ميت. # | عنترة وعبلة # أحب عنترة بن شداد عبلة ابنة عمه وزاد هيامه بها، ففي أحد الأعياد بينما كان سائرا ~~بين الخيام وقع نظره عليها وهي تخطر في هالة حسناء من ربات المعاطف وغادات الدلال فزاد ~~منه الهيام وأنشد: # رمت الفؤاد مليحة عذراء # بسهام لحظ ما لهن دواء # مرت أوان العيد بين نواهد # مثل الشموس لحاظهن ظباء # فاعتادني سقمي الذي في باطني # أخفيته فأذاعه الإخفاء # خطرت فقلت قضيب بان حركت # أعطافه بعد الجنوب صباء # ودنت فقلت غزالة مذعورة # قد راعها وسط الفلاة بلاء # وبدت فقلت البدر ليلة تمه # قد قلدته نجومها الجوزاء # بسمت فلاح ضياء لؤلؤ ثغرها # فيه لداء العاشقين شفاء # سجدت تعظم ربها فتمايلت # لجلالها أربابنا العظماء # يا عبل مثل هواك أو أضعافه # عندي إذا دفع الإياس رجاء # إن كان يسعدني الزمان وإن أبى # فلهمتي في صرفه أدواء # فلما سمعت عبلة هذا الكلام وقع في قلبها مثل ما في قلبه من لاعج الحب والهيام فكتمت ~~ما في نفسها منه، فبينما كان عنترة أحد الأيام يقدم اللبن إلى الإماء والمخدرات لاحت له ~~عبلة فأشغلت فؤاده وكاد يعدم عقله ورشاده فقدم لها اللبن قبل سمية زوجة أبيه شداد، ~~فغضبت سمية لتلك الجسارة ms071 وثارت منها عوامل الغيرة، فأخبرت أبيه بما جرى، فأمر بأن يشد ~~وثاقه ويحبس في بعض الخيام، فحبس، فهجم يوما قوم على حيهم حين غاب شداد عنه فقتلوا ~~العبيد وأخذوا يسبون النساء والأطفال، فلما علم عنترة بما جرى ورأى حبيبته عبلة حيرى ~~بين الخيام عرضة للسبي والتهتك دفعته الشهامة إلى خلاصها وخلاص من معها، فتمطى بالوثاق ~~فقطعه وهجم على القوم فمزقهم طرائق وخلص من أيديهم جميع النساء، فلما أتى شداد ورأى ~~عنترة محلول الوثاق زاد منه الغيظ والغضب ونزل عليه بضرب السياط، فوقفت سمية تظلله ~~وتدفع عنه الضرب الموجع وقد انحدرت من طرفها العبرات، فعجب شداد لذلك الانقلاب وقال ~~لها: يا سمية، قد كنت أنت سبب شده في الوثاق وإثارة غضبي عليه، فما لك الآن تحامينه ~~بنفسك وتصبين إليه شفقة وحنانا؟ فأعلمته سمية بما جرى وما أبداه عنترة من الشجاعة ~~والمروءة، فرق له وعفا عنه، فلما رأى عنترة ما أبدته سمية نحوه من الشفقة وما سكبته ~~لأجله من العبرات أنشد يقول: # أمن سمية دمع العين منحدر # أم من لهيب جوى في القلب مستعر # قامت تظللني والسوط يأخذني # والدمع من جفنها الفتان منهمر # كأنها حين ما أرخت ذوائبها # بدر بدا وظلام الليل معتكر # المال مالكم والعبد عبدكم # والروح تفديكم والسمع والبصر # | مفارقة عنترة لابنة عمه # كان عنترة من شدة حبه لعبلة وشغفه بها ينشد فيها الأشعار ويردد ذكرها دوما، فلما بلغ ~~عمه ذلك الخبر غضب منه وحقد عليه فأبعده عن الأحياء التي فيها عبلة، فسار كئيبا كسير ~~الفؤاد إلى جهة بني فزارة فنزل ورجل من قومه يدعى حذيفة على مرج أفيح، وكان الوقت ~~ربيعا والأرض قد رفلت ببديع زهرها ونشرت حللها الملونات على الصحاري والربوات وفاح بها ~~الزهر من سائر الجهات، فلما رأى حذيفة تقصير عنترة في أكله وشربه قال له مشفقا: يا ~~عنترة إلى متى يكون هذا الغم والكمد؟ ألا تعلم أن هذا يهدم ما تبنيه من مجدك وعلاك وأن ~~عمك خاسر في هذه الفعال التي سوف يندم عليها؟ فقال عنترة ms072 : والله يا حذيفة لا آسف إلا ~~على الجميل الضائع وعدم اعتباري في أعينهم، ثم جالت الدموع في عينيه وتحسر مما جرى له، ~~فقام وأوسع في الفلاة ليسلي نفسه من ذاك البلاء وإذا بسرب حمام تساقطن على أغصان الشجر ~~وتجاوبن بالنوح كما تتجاوب النساء الثاكلات، فأجرين من جفناته العبرات، وتصاعدت من ~~أنفاسه الزفرات، فأنشد: # يا طائر البان قد هيجت أشجاني # وزدتني طربا يا طائر البان # إن كنت تندب إلفا قد فجعت به # فقد شجاك الذي بالنأي أشجاني # زدني من النوح وأسعدني على حزني # حتى ترى عجبا من فيض أجفاني # وانظر إلى نار وجدي لا تكن عجلا # واحذر على الروح من أنفاس نيراني # وطر لعلك في أرض الحجاز ترى # ركبا على عالج أو دون نعمان # يسري بجارية تنهل أدمعها # شوقا إلى وطن ناء وجيران # ناشدتك الله يا سرب الحمام إذا # رأيت يوما حمول القوم فانعاني # وقل طريحا تركناه وقد فنيت # دموعه فهو يبكي بالدم القاني # ويسأل الريح من أي الجهات أتت # عنكم سؤال سليب العقل حيران # أقسمت لو كان فوق الشمس منزلها # أو فوق أعلى السها أو ظهر كيوان # لا بد أشفي غليل القلب من رجل # بغدره عن بلوغ القصد أقصاني # | أبو فراس الشاعر # أسر أبا فراس الشاعر جماعة من الروم في بعض وقائعها وكان يحب فتاة رآها قبل الأسر، ~~فبينما هو في أسره طرأ مسمعه شدو حمامة بقربه تنوح على شجرة عالية فهاج منه ساكن ~~الغرام، وأنشد يقول: # أقول وقد ناحت بقربي حمامة # أيا جارة هل تشعرين بحالي # معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى # ولا خطرت منك الهموم ببالي # أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا # تعالي أقاسمك الهموم تعالي # أيضحك مأسور وتبكي طليقة # ويسكت محزون ويندب سالي # لقد كان أولى منك بالدمع مقلة # ولكن دمعي في الحوادث غالي # | علي بن زريق البغدادي وابنة عمه # كانت له ابنة عم كلف بها أشد الكلف، ثم ارتحل عنها من بغداد لفاقة علته، فقصد أبا ~~الخيبر عبد الرحمن الأندلسي في الأندلس ومدحه بقصيدة بليغة فأعطاه ms073 عطاء قليلا، فقال ~~ابن زريق: إنا لله وإنا إليه راجعون، سلكت القفار والبحار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا ~~العطاء، ثم تذكر فراق ابنة عمه وما بينهما من بعد المسافة وتحمل المشقة مع ضيق ذات يده ~~فاعتل غما ومات، وأراد عبد الرحمن بذلك أن يختبره، فلما كان بعد أيام سأل عنه، ~~فتفقدوه في الخان الذي كان فيه فوجدوه ميتا وعند رأسه رقعة مكتوب فيها: # لا تعذليه فإن العذل يولعه # قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه # جاوزت في نصحه حدا أضر به # من حيث قدرت أن النصح ينفعه # فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا # من عنفه فهو مضني القلب موجعه # قد كان مضطلعا بالخطب يحمله # فضلعت بخطوب البين أضلعه # يكفيه من روعة التفنيد أن له # من الجوى كل يوم ما يروعه # ما آب من سفر إلا وأزعجه # عزم إلى سفر بالرغم يزمعه # تأبى المطالب إلا أن تكلفه # للرزق سعيا ولكن ليس يجمعه # ومنها: # أستودع الله في بغداد لي قمر # بالكرخ من فلك الإزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وأني لا أودعه # وكم تشفع بي أن لا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # على الليالي التي أضنت بفرقتنا # جسمي ستجمعنا يوما وتجمعه # وإن تغل أحدا منا منيته # لا بد في غده الثاني سيتبعه # وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا # فما الذي بقضاء الله نصنعه # | علي بن الجهم وجارية له # كتبت جارية علي بن الجهم له رقعة فأجاب فيها: # ما رقعة جاءتك مختومة # كأنها خد على خد # تبدو سوادا في بياض كما # ذر فتيت المسك في الورد # ساهمة الأسطر مصروفة # عن جهة الهزل إلى الجد # يا كاتبا أسلمني عتبه # إليه حسبي منك ما عندي # فلم تمض مدة حتى كتبت له: # قلب يمل على لسان ناطق # ويد تخط رسالة من عاشق # مزج المداد بعبرة شهدت له # من كل جارحة بقلب صادق # فيمينه تحت الوساد وخده # ويساره فوق الفؤاد الخافق # | علي بن الجهم وجارية المازني # قال علي بن الجهم: دخلت على أبي عثمان المازني وعنده جارية ms074 كأنها شقة قمر وبيدها ~~تفاحة مقصومة، فقالت: عرفت ما أراد الشاعر بقوله: # خبريني من الرسول إليك # واجعليه من لا ينم عليك # قلت: ما أعرفه، قالت: هو هذه، ورمت لي بالتفاحة، فوالله ما وجدت لها جوابا من نظير ~~كلامها. # | حب كثير لعزة # كان سبب دخول الهوى في قلبه أن كثيرا مر بغنم له ترد الماء على نسوة من صخرة بوادي ~~الخبت، فأرسلت له عزة بدريهمات تشتري بها كبشا لهن منه، فنظرها نظرة متأمل فداخله منها ~~ما كان، فرد الدراهم وأعطاها الكبش وقال: إن رجعت أخذت حقي. فلما عاد سألته ذلك، فقال: ~~لا أقتضي إلا من عزة، فقلن له: ليس فيها كفاءة فاختر إحدانا، فأبى وأنشد: # نظرت إليها نظرة وهي عاتق # على حين أن شبت وبان نهودها # نظرت إليها نظرة ما يسرني # بها حمر أنعام البلاد وسودها # فجعلن يبرزنها له كارهة حتى داخلها ما داخله من الحب. # | كثير عزة والعجوز # خرج لزيارة عزة يوما ومعه أدوات ماء، فجفت من الحر ورفعت له نار وإذا بعجوز ~~تناديه: من الرجل؟ فقال: صاحب عزة، فقالت له: أنت القائل: # إذا ما أتينا خلة كي تزيلنا # أبين وقلنا الحاجبية أول # سنوليك عرفا إن أردت وصالنا # ونحن لتلك الحاجبية أوصل # هلا قلت كما قال جميل: # يا رب عارضة علينا وصلها # بالجد تخلطه بقول الهازل # فأجبتها بالقول بعد تأمل # حبي بثينة عن وصالك شاغلي # لو كان في قلبي قلامة # فضل لغيرك ما أتتك رسائلي # والله لا سقيتك شيئا. فتركها وانصرف، ولما اشتدت حالته أنشد: # يزهدني في حب عزة معشر # قلوبهم فيها مخالفة قلبي # فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى # فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب # وما تبصر العينان في موضع الهوى # ولا تسمع الآذان إلا من القلب # | كثير وعزة وغلامه # كان لكثير غلام يتجر على العرب فأعطى النساء إلى أجل، فلما اقتضى ماله منهن ماطلته ~~عزة، فقال لها يوما وقد حضرت في نساء: أما آن أن تفي بما عندك؟ فقالت: حبا وكرامة لم ~~يبق إلا الوفاء، فقال: صدق مولاي ms075 حيث يقول: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه # وعزة ممطول معنى غريمها # فقلن له: أتدري من هي غريمتك؟ فقال: لا أدري، قلن: هي والله عزة، قال: أشهدكن علي ~~أنها في حل مما عندها، ومضى فأخبر مولاه بالحكاية، فقال: وأنت حر وما عندك لك، ~~وأنشد: # سيهلك في الدنيا شفيق عليكم # إذا غاله من حادث الدهر غائله # يود بأن يمسي سقيما لعلها # إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويهتز للمعروف في طلب العلا # لتحمد يوما عند عز شمائله # ومما قال فيها: # لا تغدرن بوصل عزة بعد ما # أخذت عليك مواثقا وعهودا # إن المحب إذا أحب حبيبه # صدق الصفاء وأنجز الموعودا # الله يعلم لو أردت زيارة # في حب عزة ما وجدت مزيدا # رهبان مدين والذين عهدتهم # يبكون من حذر العذاب قعودا # لو يسمعون كما سمعت حديثها # خروا لعزة خاشعين سجودا # | أبو العتاهية ومحبوبته عتبة # كان لربطة بنت السفاح جارية حسناء، رقيقة ظريفة، أديبة، بارعة في الجمال والكمال، ~~وكان يعشقها أبو العتاهية، فوجهت سيدتها يوما إلى عبد الله بن مالك الخزاعي في شراء ~~رقيق للعتق وأمرت عتبة أن تحضر ذلك، فبينما كانت جالسة إذ جاء أبو العتاهية في زي متنسك ~~فقال: جعلني الله فداك، شيخ ضعيف كبير لا يقوى على الخدمة، فإن رأيت - أعزك الله - ~~شرائي وعتقي فعلت أجرا عظيما، فأقبلت على عبد الله فقالت له: إني لأرى هيئة جميلة ~~وضعفا ظاهرا ولسانا فصيحا ورجلا أديبا فاشتره وأعتقه، فقال: نعم، فقال أبو ~~العتاهية: أتأذنين لي - أصلحك الله - في تقبيل يدك، فأذنت له، فقبل يدها وانصرف، فضحك ~~عبد الله بن مالك وقال: أتدرين من هذا؟ قالت: لا، قال: هذا أبو العتاهية وإنما احتال ~~عليك حتى يقبل يدك، وظل أبو العتاهية مغرما بها إلى أن مات وجدا ولم يشف منها ~~غليلا، ومما قاله فيها: # بالله يا حلوة العينين زوريني # قبل الممات وإلا فاستزيريني # هذان أمران فاختاري أحبهما # إليك أو لا فداعي الموت يدعوني # إن شئت موتا فأنت الدهر مالكة # روحي وإن شئت أن أحيا فأحييني # إني لأعجب ms076 من حب يقربني # ممن يباعدني عنه ويقصيني # يا أهل ودي إني قد لطفت بكم # في الحب جهدي ولكن لا تبالوني # الحمد لله قد كنا نظنكم # من أرحم الناس طرا بالمساكين # أما الكثير فلا أرجوه منك ولو # أطعمتني في قليل منك يكفيني # | أبو دهبل الشاعر وعائلته # كانت عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان الأموي فتاة ناعسة الطرف جميلة القد تحسن الغناء ~~وتبدع في ضروبه، فاستأذنت يوما من أبيها في الذهاب إلى الحج، فسمح لها، فتجهزت وسارت ~~مع رفيقاتها على ظهور المطايا، فلما وصلت إلى مكة بذي طوى، مر بها وهب الجمحي المعروف ~~بأبي دهبل، وكان شاعرا جميلا، فجعل يسارقها النظر وجمرات الوجد تتأجج بفؤاده قاذفة ~~بالشرر، وكان الوقت هجيرا والجواري رافعات عنها الأستار ففطنت له فذعرت وشتمته كثيرا، ~~ثم أمرت بالسجوف فحجبت بظلامها شمس النهار، فقال: # إني دعاني الحين فاقتادني # حتى رأيت الظبي بالباب # يا حسنه إذ سبني مدبرا # مستترا عني بجلباب # سبحان من وقفها حسرة # صبت على القلب بأوصاب # يذود عنها إن تطلبتها # أب لها ليس بوهاب # أحلها قصرا منيع الذرى # يحمى بأبواب وحجاب # فشاعت أبياته في مكة واشتهرت وغني بها حتى سمعتها عاتكة إنشادا وغناء فطربت لها ~~وسرت وبعثت إليه تهديه فتراسلا وتحابا، ولما عادت من مكة خرج في ركبها إلى الشام فكانت ~~تتعاهده باللطف والإحسان حتى إذا وردت دمشق ورد معها، فانقطعت عن لقائه فمرض حتى عز ~~شفاء دائه، فقال: # طال ليلي وبت كالمجنون # ومللت الثواء في جيرون # وأطلت المقام بالشام حتى # ظن أهلي مرجحات الظنون # فبكت خشية التفرق جمل # كبكاء القرين إثر القرين # وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص # نيرت من جوهر مكنون # وإذا ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون # ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء # تمشي في مرمر مسنون # ليت شعري أمن هوى طال ليلي # أم براني الباري قصير الجفون # ففشا هذا الشعر حتى بلغ معاوية أباها، فصبر حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس ~~يسلمون وينصرفون وكان فيهم وهب، فلما أزمع الرجوع ناداه ms077 معاوية حتى إذا خلا لهما الجو ~~قال: ما كنت أحسب أن في قريش أشعر منك حيث تقول: # ليت شعري أمن هوى طار نومي # أم براني الباري قصير الجفون # غير أنك قلت: # وإذا ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون # والله إن فتاة أبوها معاوية وجدها أبو سفيان وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت وأي شيء ~~زدت في قدرها، ولقد أسأت بقولك: «ثم خاصرتها ... إلخ»، فقال: والله لم أقل هذا وإنما قيل ~~عن لساني، فقال معاوية: أما مني فليهدأ روعك لأني عليم بعفاف ابنتي وأنه مغتفر لفتيان ~~الشعراء التشبب بمن أرادوا، ولكني أكره لك جوار أخيها يزيد فإن له سورة الشباب وأنفة ~~الملوك، فحذر وهب ورحل إلى مكة، فبينما معاوية في مجلسه يوما إذا بخصي يقول له: لقد ~~ورد يا أمير المؤمنين إلى عاتكة اليوم كتاب أبكتها تلاوته بما أصارها حتى الساعة حزينة، ~~فقال: علي به بألطف حيلة، فلما أوتيه قرأ فيه: # أعاتك هلا إذ بخلت فلا ترى # لذي صبوة زلفى لديك ولا حقا # رددت فؤادا قد تولى به الهوى # وسكنت عينا لا تمل ولا ترقى # ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى # ولم أر يوما منك جودا ولا صدقا # أتنسين أيامي بربعك مدنفا # صريعا بأرض الشام ذا سقم ملقى # وليس صديق يرتضي لوصية # وأدعو لدائي بالشراب فما أسقى # وأكبر همي أن أرى لك مرسلا # فطول نهاري جالسا أرقب الطرقا # فواكبدي إذ ليس لي منك مجلس # فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى # رأيتك تزدادين للصب غلظة # ويزداد قلبي كل يوم بكم عشقا # فبعث إلى يزيد: فلما جاء وجده مطرقا كئيبا، فاستجلاه الأمر، فقال: هو نبأ يقلق ~~فيمرض، إن هذا الوغد القرشي كاتب أختك بهذه الأبيات فلم تزل باكية حتى الساعة، قال ~~يزيد: الخطب دون ما تتوهم، عبد لنا يرصده ويقتله، فقال معاوية: يا يزيد، والله إن تقتل ~~قرشيا هذا حاله صدق الناس مقاله، قال: يا أمير المؤمنين إنه نظم أبياتا غير هذه ~~تناشدها المكيون فسارت حتى بلغتني فأوجعتني وحملتني على ms078 ما أشرت، فقال: وما هي؟ ~~فأنشد: # ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهل # وما كان من يلحى محبا له عقل # حمى الملك الجبار عني لقاءها # فمن دونها تخشى المتالف والقتل # فلا خير في حب يخاف وباله # ولا في حبيب لا يكون له وصل # فواكبدي إني شهرت بحبها # ولم يك فيما بيننا ساعة بذل # ويا عجبا إني أكاتم حبها # وقد شاع حتى قطعت دونه السبل # فقال معاوية: والله قد فهمت المعنى لأني أراه يشكو الحرمان فالخطب فيه يسير، ثم حج ~~عامئذ للسبب عينه، ولما انقضت المناسك دعا بأشراف قريش وشعرائهم وأجزل لهم الصلات، ~~فلما أزمع وهب الانصراف قال: إيه يا وهب ما لي أرى يزيدا ساخطا عليك في أبيات تأتيه ~~عنك وشعر تنطق به، فاعتذر أبو دهبل وأنكر ما أشيع عنه، فقال معاوية: لا بأس عليك وما ~~يضرك ذلك، فأي بنات عمك أحب إليك؟ قال: فلانة، قال: قد زوجتك بها وأمهرتك بألفي دينار ~~ووهبتك ألف دينار، فلما استوفاها قال: إن أرى أمير المؤمنين أن يعفو عما مضى، وأما ابنة ~~عمي فهي طالق وحسبي ذكر عاتكة والتمتع منها بالنظر، فوفى بوعده وبقيت عاتكة مغرمة به ~~إلى أن مات. # | إبراهيم الموصلي وذات الخال # كان إبراهيم الموصلي يعشق جارية فتانة لابن الخطاب، وكانت تحتجب دوما في خبائها عند ~~سيدها المذكور، فلما أنس إبراهيم منها ذلك أنشد يقول: # ما بال شمس أبي الخطاب قد حجبت # يا صاحبي لعل الساعة اقتربت # أو لا فما بال ريح كنت آنسها # عادت علي بضر بعد ما جنبت # إليك أشكو أبا الخطاب جارية # غريرة بفؤادي اليوم قد لعبت # وأنت قيمها فانظر لعاشقها # يا ليتها قربت مني وما بعدت # وقال فيها أيضا: # جزى الله خيرا من كلفت بحبه # وليس به إلا المموه من حبي # وقالوا قلوب العاشقين رقيقة # فما بال ذات الخال قاسية القلب # وقالوا لها هذا محبك معرضا # فقالت أرى إعراضه أيسر الخطب # فما هو إلا نظرة بتبسم # فحب انتهاك النفس في معرض الحب # ولعب إبراهيم الموصلي يوما بالشطرنج مع ms079 ابن زيدان صاحب البرامكة، فدخل عليهما إسحاق، ~~فقال أبوه: ما استفدت اليوم؟ فقال: أعظم فائدة، رجل سألني: ما أفخم كلمة في الفم؟ فقلت: ~~«لا إله إلا الله»، فقال أبوه إبراهيم: أخطأت، فهلا قلت دنيا ودينا، فغضب ابن زيدان ~~وضرب إبراهيم الموصلي، وقال: ويحك أتكفر بحضرتي؟ فأمر إبراهيم غلمانه فضربوا ابن زيدان ~~ضربا شديدا، فانصرف من ساعته إلى جعفر بن يحيى وحدثه الخبر، وعلم إبراهيم أنه قد ~~أخطأ وجنى ذنبا، فركب إلى الفضل بن يحيى فاستجار به، فاستوهبه الفضل بن جعفر، فوهبه ~~له، فانصرف وهو يقول: # إن لم يكن حب ذات الخال عناني # إذا فحولت في مسك ابن زيدان # فإن هذي يمين ما حلفت بها # إلا على الصدق في سري وإعلاني # | حمدة بنت زياد الشاعرة # كانت فتاة جميلة شاعرة أديبة، كأن الأدب نقطة في حوضها، وزهرة من روضها، لها المنطق ~~العذب، والكلام الحلو، والثغر الساطع الفتان، وكانت ذات مطارحة وأخلاق تحدث عن لطفها ~~الزهر غب الأديم، ونم بمرآها على الحدائق ريح الصبا وساريات النسيم، ومما قالت في ~~الغزل: # ولما أبى الواشون إلا افتراقنا # وما لهم عندي وعندك من ثار # وشنوا على أسماعنا كل غارة # وقل حماتي عند ذاك وأنصاري # غزوتهم من مقلتيك وأدمعي # ومن نفسي بالسيف والسيل والنار # وخرجت مرة للوادي مع حبيبة لها فرأت الأزهار في جوانبه تتلألأ كأنها النجوم تساقطت من ~~كبد السماء، والماء في النهر يتماوج كأنه قطع من لجين ترمقه عيون ذكاء، فأعجبها ذلك ~~المنظر البهيج، وأحبت أن تخوض بذلك النهر إتماما لترويح النفس في تلك الخلوة، فنضت ~~عنها الثياب وعامت ثم أنشدت تقول: # أباح الدمع أسراري بوادي # له للحسن آثار بوادي # فمن نهر يطوف بكل أرض # ومن روض يروق بكل وادي # ومن بين الظباء مهاة أنس # سبت لبي وقد ملكت فؤادي # لها لحظ ترقده لأمر # وذاك المر يمنعني رقادي # إذا سدلت ذوائبها عليها # رأيت البدر في أفق السواد # كأن الصبح مات له شقيق # فمن حزن تسربل بالحداد # | أبو الشيص الشاعر # قال أبو الشيص شعرا لطيفا في ms080 حادثة غرام جرت له: # وقف الهوى بي حيث أنت # فليس لي متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللوم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم # وأهنتني فأهنت نفسي عامدا # ما من يهون عليك ممن يكرم # | أسماء ومجيد # كان لسيد بني بشر ابنة بديعة الجمال، لطيفة القد والاعتدال يقال لها: أسماء، فسمعت ~~ذات يوم بذكر فتى شاعر حسن الوجه، رائق الجمال يقال له: مجيد، فتشوقت إلى لقياه لتسمع ~~كلامه وتختبر شعره ونظامه، فخرجت يوما مع بنات عمها إلى غدير قريب منه، فبينما هي ~~بالانتظار إذا بمجيد مقبلا إليها بوجه يفضح البدر ويزهو على النجوم الحسان، فلما رأينه ~~البنات هممن إليه وسلمن عليه وقلن له: أهلا وسهلا، فنحن بانتظارك مع سيدتنا، وكانت ~~أسماء تزهو عليهن حسنا وجمالا، وقد تمايلت بغصنها الذابل بين أترابها العذارى فلاحت ~~كالبدر بين الكواكب، فلما رآها عرفها ومال قلبه إليها طوعا لسحر أجفانها وعينيها، فسلم ~~عليها وأنشد: # سلام على من جاورونا فأشرقت # بهم أرضنا حتى انجلى ليلها عنا # وأهلا ببدر زار من غير موعد # ولم يتعب الصب المعنى ولا عنا # فأجابته تقول: # يا من تولع قلبه بجمالنا # اصبر لعلك في الهوى تحظى بنا # فلقد علمنا أن حبك صادق # وأصاب قلبك ما أصاب فؤادنا # وما زالا يبثان نار الوجد والغرام إلى آخر النهار ثم افترقا عن بعضهما بقلب كاد أن ~~يفارق الجسد، ولما علم بذلك أعمامه وأقرباؤه نهوه عن حب تلك الفتاة فلم ينته، بل هام ~~فيها أكثر من الأول وسار كالعادة نحو الغدير عله يرى وجه أسماء، فلما وصل لم ير أحدا ~~فهاج منه لاعج الغرام وأنشد يقول: # رحل الصبر والغرام أقاما # في فؤاد ما ذاق قط مناما # كنت غرا بحادثات الليالي # ليتني ما عرفت له أعماما # يا جفوني جودي على فقد أسما # لا سقى الغيث بعدها الأياما # فكأن السنام صار سموما # في مطاوي قلوبنا أو جساما # هل ترى بات قلبها مثل قلبي # هائما يشتكي الضنا والسقاما # يا ظباء ms081 الصريم قد أصبح اليوم # حلال الغدير عندي حراما # وكذا نبته على جانبيه # بات مثلي متيما مستهاما # يشتكي للضنا فينهل دمعا # ويروي بهارها والخزاما # وما زال على تلك الحال يأتي فيناجي الخيال في ذاك الغدير المنفرد إلى ذات يوم بينما ~~كان جالسا يفتكر في أسماء أتاه رسول من قبلها يعلمه عن مكانها وما هي فيه من العشق ~~والصبابة وأنها قريبا تأتي للغدير لأجل الإقامة، فلما علم بذلك الخبر رقص قلبه من ~~الفرح وسار توا إلى الغدير فرآها بانتظاره على مثل نار الغضا، فسلم عليها ~~وأنشد: # أهلا وسهلا ببدر غاب عن نظري # وبدل النوم بالأفكار والسهر # غبتم فأظلمت الدنيا لغيبتكم # حتى توهمتها ليلا بلا قمر # فأجابته أسماء تقول: # يا نور عيني وحق البيت والحجر # ما غاب شخصك عن قلبي ولا نظري # ولا وردت غديرا إذ مررت به # إلا وجدت خيالا منك بالنهر # فلما سمع كلامها كاد يذوب من الهيام، ودام معها على حديث وشكوى مدة من الزمان ثم ~~اعتذرت رغما عنها وسارت إلى أهلها، ولما رأى أبو الفتاة علائم الضعف لائحة في وجهها ~~سألها عن السبب فأبت إفشاءه، فألح فأطلعته عليه، وكان يحبها حبا شديدا ولا يريد إلا ~~راحتها، فأرسل إليه فقدم فزوجه بها ودفعها إليه. # القسم الخامس # | متفرقات من نوادر العشاق # | نصيب وزينب # قال الضحاك بن عثمان الخزامي: خرجت آخر الحج فنزلت بخيمة الإيواء على امرأة فأعجبني ~~ما رأيت من حسنها، فتمثلت بقول نصيب: # بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # وقل إن تملينا فما ملك القلب # وقل في تجنيها لك الذنب إنما # عتابك من عاتبت فيما له ذنب # خليلي من كعب ألما هديتما # بزينب لا يفقدكما أبدا كعب # وقولا لها ما في البعاد لدى الهوى # بعاد وما فيه لصدع النوى شعب # فمن شاء رام الصرم أو قال ظالما # لصاحبه ذنب وليس له ذنب # فلما سمعت هذه الأبيات قالت: يا فتى، أتعرف قائل هذا الشعر؟ قلت: نعم، ذاك نصيب، ~~قالت: نعم هو ذاك، أفتعرف زينب؟ قلت: لا، قالت: أنا والله زينب، قلت ms082 : فحياك الله. قالت: ~~قد خرج نصيب إلى أمير المؤمنين منذ عام أول ووعدني بالمجيء هذا اليوم ولعلك لا تبرح حتى ~~تراه، فما لبثت أن رأيت من بعيد قادما يخب به الحصان خبا، فقالت: أرى ذلك الفارس أني ~~أحسبه إياه، ثم أقبل الراكب من جهة الخيمة فإذا هو نصيب، فنزل وسلم علي وجلس إلى ~~ناحية وسلم عليها وساءلها وساءلته، فجعل ينشدها من حديث شعره ولطيف نظمه، فقلت في نفسي: ~~عاشقان أطالا التنائي فلا بد لهما من خلوة يرتاحان إليها، فقمت إلى راحلتي أشد عليها، ~~فقال لي: على رسلك أنا معك، فجلست حتى نهض ونهضت معه، فتسايرنا ساعة ثم التفت إلي ~~فقال: قلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء فلا بد لأحدهما من حاجة إلى صاحبه؟ قلت: ~~نعم هو ذاك، قال: لا ورب الورى ما جلست منها مجلسا قط أقرب من مجلسي الذي رأيت، ولم يك ~~بيننا غير الشرف والعفاف. # | ابنة والي مصر وأحد عمال أبيها # قال الحسين بن زيد: ولي بديار مصر وال فوجد على بعض عماله فحبسه وقيده، فأشرفت عليه ~~ابنة الوالي فهويته، فكتبت إليه وقد كان نظر إليها: # أيها الرامي بعيني # ه وفي الطرف الحتوف # إن ترد وصلا فقد أم # كنك الظبي الألوف # فأجابها الفتى: # إن تريني زاني العين # نين فالقلب عفيف # ليس إلا النظر الفا # تر والشعر الظريف # فكتبت إليه: # قد أردناك على عش # قك إنسانا عفيفا # فتأبيت فلا زل # ت لقيديك حليفا # فأجابها الفتى: # غير أني خفت ربا # كان بي برا لطيفا # فذاع الشعر وبلغ الخبر الوالي، فدعا به فزوجه إياها ودفعها إليه. # | غورك المجنون وإسحاق بن إبراهيم # قال إسحاق بن إبراهيم: رأيت غورك يوما خارجا من الحمام والصبيان يؤذونه، فقلت: ما ~~خبرك يا أبا محمد؟ قال: قد آذاني هؤلاء الصبيان، أما يكفيني ما أنا فيه من العشق ~~والجنون، قلت: هل قلت في عشقك وجنونك شيئا؟ قال: نعم، وأنشد: # جنون وعشق ذا يروح وذا يغدو # فهذا له حد وهذا له حد # هما استوطنا جسمي وقلبي كلاهما ms083 # فلم يبق لي قلب صحيح ولا جلد # وقد سكنا تحت الحشا وتحالفا # على مهجتي ألا يفارقها الجهد # فأي طبيب يستطيع بحيلة # يعالج من داءين ما منهما بد # | عزة الميلاء والناسك عند أبي جعفر # بلغ عبد الله بن جعفر خبر جارية بديعة الصوت مع نخاس في المدينة فبعث إليه وابتاعها ~~منه، فجاءه يوما ناسك من المدينة كان يتردد إليه غالبا فسمع الجارية تغني: «بانت ~~سعاد وأمسى حبلها انقطعا»، فما كاد يسمع صوتها حتى خر مغشيا عليه، فأمر ابن جعفر ~~فنضح على وجهه، فلما أفاق قال له: أكل هذا بلغ بك عشقها؟ قال: وما خفي عليك أكثر، قال: ~~أفتعرف لمن هذا الصوت؟ قال: لا، قال: هو لعزة الميلاء، أوتحب أن تسمعه منها؟ قال: قد ~~رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أعرفها، فكيف يكون حالي إذا سمعته منها وأنا ~~لا أقدر على ملكها، قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أوأعرف غيرها؟ فأمر بها فخرجت، ~~وقال: خذها فهي لك والله، فقبل الرجل يديه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني ~~أعيش بين قومي، ورددت إلي عقلي أيها الأمير. # | شهاب الدين وفاطمة ابنة الخشاب # كتب شهاب الدين بن فضل الله قاضي القضاة يوما إلى فاطمة ابنة الخشاب يقول: # هل ينفع المشتاق قرب الدار # والوصل ممتنع مع الزوار # يا نازلين بمهجتي وديارهم # من ناظري بمطمح الأنظار # هيجتم شجني فعدت إلى الصبا # من بعد ما وخط المشيب عذاري # فأجابته فاطمة بهذين البيتين: # إن كان غركم جمال إزار # فالقبح في تلك المحاسن وار # لا تحسبوا أني أماثل شعركم # أنى يقاس جداول ببحار # فلما بلغا شهاب الدين وجدهما ألفاظا درية بمعان عبقرية فاعتبرها وأجلها وصار ~~يكاتبها مكاتبة العلماء. # | ابن دائب وجارية أخته # عشق ابن دائب جارية كانت عند أخته، وكان سبب عشقه إياها أنه رآها في منامه فأصبح ~~مستطارا عقله ساهيا قلبه، فلم يزل كذلك حينا لا يزداد إلا حبا ووجدا حتى أنكر ذلك ~~أهله وأعلموا عمه عما كان له، فسأله عن حاله، فلم يقر له بشيء، وقال ms084 : علة أجدها في ~~جسمي، فدعا له أطباء الروم، فعالجوه بضروب من العلاج، فلم يزده علاجهم له إلا شرا ~~وامتنع عن الطعام والكلام، فلما رأوا ذلك منه أجمعوا على أن يوكلوا به امرأة فتسقيه ~~الخمر حتى يبلغ منه دون السكر، فإن ذلك يدعوه إلى الكلام والكشف عما في نفسه، فقر رأيهم ~~على ذلك، وأعلموا عمه ما اتفقوا عليه، فبعث إليه بقينة يقال لها: حمامة، ووكل به حاضنة ~~كانت له، فلما أن شرب الفتى غنت الجارية أمامه، فأنشأ يقول: # دعوني لما بي وانهضوا لكلاءة # من الله أيقنت أن لست باقيا # وأن قد دنا موتي وحانت منيتي # وقد جلبت عيني علي الدواهيا # أموت بشوق في فؤادي مبرح # فيا ويح نفسي من به مثل ما بيا # فسارت القينة والحاضنة إلى عمه فأخبرتاه الخبر، فاشتدت له رحمته فتلطف في دس جارية من ~~جواريه إليه، وكانت ذات أدب وعقل، فلم تزل تستخرج ما في قلبه، حتى باح لها بالذي في ~~نفسه، فصارت السفير فيما بينه وبين الجارية، وكثرت ما بينهما الكتب، وعلمت أخته بذلك ~~فانتشر الخبر فوهبتها له فبرأ من علته وأقام على أحسن حال. # | أبو ريحانة وحاملة القربة # قال الأصمعي: مررت بالبصرة بدار الزبير بن العوام فإذا أنا بشيخ من ولد الزبير ~~يكنى أبا ريحانة ما عليه إلا شملة تستره، فسلمت عليه وجلست إليه أحدثه، فبينا أنا ~~كذلك إذ طلعت علينا جارية حسناء تحمل قربة، فلما نظرها لم يتمالك أن قام إليها ثم قال: ~~أيتها الفتاة غني لي صوتا، فقالت: إن موالي أعجلوني، قال: لا بد من ذلك، قالت: أما ~~والقربة على رأسي فلا، قال: فأنا أحملها، فأخذ القربة وحملها على عنقه، واندفعت الجارية ~~فغنت: # فؤادي أسير لا يفك ومهجتي # تقضى وأحزاني عليك تطول # ولي مهجة قرحى لطول اشتياقها # إليك وأجفاني عليك همول # كفى حزنا أني أموت صبابة # بدائي وأنصاري عليك قليل # وكنت إذا ما جئت جئت بعلة # فأغنيت علاتي فكيف أقول # فطرب الرجل وصرخ صرخة وضرب بالقربة الأرض فشقها، فقامت الجارية تبكي وقالت: ما ms085 هذا ~~جزائي منك يا أبا ريحانة، أسعفتك بحاجتك وعرضتني لما أكره من موالي، قال: لا تغتمي ~~فإن المصيبة علي دخلت دونك، وأخذ بيدها فتبعته إلى سوق فنزع عنه الشملة مستترا بيديه ~~وباعها واشترى بثمنها قربة دفعها إليها، فاجتاز به رجل من الطالبية، فلما نظر إليه وإلى ~~حالته عرف قصته فقال: يا أبا ريحانة أحسبك من الذين قال الله - تعالى - فيهم: # فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~(البقرة: 16)، فقال: لا يا صاحبي، ولكني من الذين قال الله - تعالى - فيهم: # فبشر عباد * الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه ~~(الزمر: 17، 18)، فضحك منه العلوي ~~وأمر له بألف درهم وخلعة. # | عريب واليزيدي # قال اليزيدي: خرجنا مع المأمون إلى بلاد الروم فرأيت عريب في هودج، فلما رأتني قالت: ~~يا يزيدي، أنشدني شعرا، فقلت: نعم حتى أسمع فيه لحنا، فأنشدتها: # ماذا بقلبي من دوام الخفق # إذا رأيت لمعان البرق # من قبل الأردن أو دمشق # لأن من أهوى بذاك الأفق # فتنفست تنفسا ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه، فقلت لها: هذا والله تنفس عاشق، فقالت: ~~اسكت يا عاجز، أنا عاشق بل أنا معشوقة في كل ناد، والله لقد نظرت نظرة مريبة في ذا ~~المجلس. # | عريب ومحمد بن حامد # وقع بين عريب ومحمد بن حامد خصام وكان يجد بها وجدا مفرطا كادا يخرجان من شرهما إلى ~~القطيعة، وكان في قلبها منه كما لها عنده من الحب، فلقيته يوما فقالت له: كيف قلبك يا ~~محمد؟ قال: أشقى والله مما كان وأشد لوعة، فقالت: استبدل بديلا، فقال لها: لو كانت ~~البلوى بالخيال لفعلت، فقالت: لقد طال إذن تعبك، فقال: وما يكون أصبر مكرها، أما سمعت ~~قول العباس بن الأحنف: # تعب يكون مع الرجاء بذي الهوى # خير له من راحة في الياس # لولا كرامتكم لما عاتبتكم # ولكنتم عندي كبعض الناس # فلما سمعت ذلك ذرفت عيناها واعتذرت وعاتبته واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه من صدق ~~المودة وحسن المعاشرة. # وكتبت عريب يوما إلى ابن عامر تستزيره، فأرسل إليها يقول: إني أخاف على نفسي، فكتبت ms086 ~~إليه: # إذا كنت تحذر ما تحذر # وتزعم أنك لا تجسر # فما لي أقيم على صبوتي # ويوم لقائك لا يقدر # فلما قرأ الرقعة سار إليها من وقته وأرسل إليها يعاتبها في شيء، فكتبت إليه تعتذر، ~~فلم يقبل، فكتبت إليه هذين البيتين: # تبينت عذري وما تعذر # وأبليت جسمي وما تشعر # ألفت السرور وخليتني # ودمعي من العين لا يفتر # فلما اطلع على البيتين ذرفت عيناه وسعى إليها مستسمحا ومستجديا عفوها عما وقع ~~منه. # | سر عاشقة # قال أحدهم: دعاني فتى من أهل المدينة إلى غادة حسناء، فلما دخلنا عليها إذا هي أحسن ~~الناس وجها، وإذا بها انخراط وجه وسهو وسكوت، فجعلنا نبسطها بالمزاح والكلام ويمنعها ~~من ذلك ما تكتمه، فقلت في نفسي: والله إن بها لهياما وطائفا من الحب، فأقبلت عليها ~~فقلت: بالله تصدقيني ما الذي بك؟ فقالت: برح الذكر، ودوام الفكر، وخلو النهار، وتشوق ~~إلى من سار، والذي يرى ما وصفت لك، فإن كنت ذا أدب صرمت العتب عن ذي الكرب، واجتهدت في ~~الطلب لدواء من قد أشرف على العطب، كما قال الشاعر: # سيوردني التذكار حوض المهالك # فلست لتذكار الحبيب بتارك # أبى الله إلا أن أموت صبابة # ولست لما يقضي الإله بمالك # كأن بقلبي حين شطت بي النوى # وخلفني فردا صدور النيازك # تقطعت الأخبار بيني وبينه # لبعد النوى واستد سبل المسالك # قال: فوالله لقد خفت على عقلي أن تسلبه بلفظها الحسن، فقلت: جعلني الله فداءك، وهو ~~الذي صيرك إلى ما أرى يستحق هذا منك، فوالله إن الناس لكثير، فلو تسليت بغيره فلعل ما ~~بك يسكن أو يخف، فقد قال أحدهم: # صبرت على اللذات لما تولت # وألزمت نفسي صبرها فاستمرت # وما النفس إلا حين يجعلها الفتى # فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت # فأقبلت علي فقالت: والله لقد رمت ذلك، فكنت كما قال قيس بن الملوح: # ولما أبى إلا جماحا فؤاده # ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل # تسلى بأخرى غيرها فإذا التي # تسلى بها تغري بليلي ولا تسلي # فأسكتتني والله بتواتر حججها عن محاورتها، وما ms087 رأيت كمنطقها ولا كشكلها وأدبها وكمال ~~خلقها. # | بشار بن برد ومحبوبته عبدة # بينما كان بشار بن برد في مجلسه ذات يوم وكان النساء يحضرنه إذ سمع كلام امرأة أشجاه ~~نغمها وحسن ألفاظها، فدعا بغلامه فقال: إني قد علقت امرأة فإذا تكلمت فانظر من هي ~~واعرفها، فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وأعلمها أني لها محب، وأنشدها هذه ~~الأبيات وعرفها أني قلتها فيها: # قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم # الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # ما كنت أول مشغوف بجارية # يلقى بلقيانها روحا وريحانا # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # فأبلغها الغلام الأبيات فهشت لها وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن ~~وينصرفن بعد أن يحدثها وينشدها ولا تطمعه في نفسها، فقال فيها: # قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها # قلبي فأضحى به من حبها أثر # أنى ولم ترها تهذي فقلت لهم # إن الفؤاد يرى ما لم ير البصر # أصبحت كالحائم الحران مجتنبا # لم يقض وردا ولا يرجى له صدر # فصار بعض الأصدقاء يلومونه في حبها، فأنشد يقول: # يزهدني في حب عبدة معشر # قلوبهم فيها مخالفة قلبي # فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى # فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحب # فما تبصر العينان في موضع الهوى # ولا تسمع الأذنان إلا من القلب # وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا # وألف بين العشق والعاشق الصب # | ما سمعه ابن عثام # قال حبيب الواسطي: دخلت يوما على علي بن عثام فوجدته باكيا حزينا ذاهب النفس، ~~فأنكرت ذلك وسألته عما دهاه، فقال: اعلم أني مررت بالخريبة فرأيت مجنونا مصفدا في ~~الحديد يتمرغ في التراب ويقول: # ألا ليت أن الحب يعشق مرة # فيعرف ماذا كان بالناس يصنع # يقولون فز بالصبر إنك هالك # وللصبر مني إن أحاوله أجزع # | غورك المجنون # قال أبو بكر محمد بن فرحان: لقيت غورك المجنون وفي عنقه حبل قصير والصبيان يقودونه، ~~فقال لي: يا أبا بكر بم يعذب الله أهل جهنم؟ قلت: بأشد العذاب، قال: صف لي، قلت ms088 : ~~ومن يصف عذاب رب العالمين؟ قال: أنا في أشد من عذابه، ثم رفع ثوبه فإذا هو ناحل الجسم ~~دقيق العظام، فقال لي: # انظر إلى ما فعل الحب # لم يبق لي جسم ولا قلب # أنحل جسمي حب من لم يزل # من شأنها الهجران والعتب # ما كان أغناني عن حب من # من دونها الأستار والحجب # | أبو الأسدي والشاب # قال أبو الأسدي: دخلت دير هرقل فوجدت شابا حسن الهيئة مكبلا بالحديد، فسألته عن ~~أمره، فأنشد: # نظرت إليها فاستحلت بنظرتي # دمي ودمي غال فأرخصه الحب # وغاليت في حبي لها ورأيت دمي # رخيصا فمن هذين داخلها العجب # | أبو الغصن الأعرابي وذات الوجه الصقيل # قال أبو الغصن الأعرابي: خرجت حاجا، فلما مررت بقباء سمعت قوما ينادون: الصقيل ~~الصقيل، فنظرت فإذا جارية كأن وجهها سيف صقيل، فلما رميناها بالحدق ألقت البرقع عن ~~وجهها وتبسمت، فوالله ما رأيت أحسن منها، ثم أنشأت تقول: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا # لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر # عليه ولا عن بعضه أنت صابر # | ابن أبي داود والجارية # قال سلم بن ربيع: اعترض ابن أبي داود جارية فأعجبته فقال: # ماذا تقولين في من شفه سقم # من طول حبك حتى صار حيرانا # فأجابته: # إذا رأينا محبا قد أضر به # جهد الصبابة أوليناه إحسانا # | الحارث بن زهير ولبنى # خرج ذات يوم الحارث بن زهير مع خلان له إلى الصيد والقنص فأوسع بهم في عرض الفلاة حتى ~~وصلوا إلى اليعمودية، فلاحت له غزالة في ذلك البر فجد في أثرها، فانتهى به المسير إلى ~~غدير كبير على شاطئه جماعة من البنات الحسان وبينهن جارية بديعة الجمال كأنها هلال، ~~جمعت بين لطافة القد وحسن الجيد والاعتدال، وكانت تدعى لبنى بنت المعتمد، فلما رآها ~~الحارث غلب عليه العشق والجوى واستولى عليه سلطان الهوى، وكانت الغزالة قد دخلت بين ~~البنات فانثنى نحوهن وسلم، ثم قال بصوت لطيف: دعي صيدي يا بنت الكرام حتى آخذه ~~وأذهب، فقالت له: خلي عنك أيها الشاب فقد استجار بنا وأعطيناه ms089 عهدنا وزمامنا، وكانت ~~لبنى تتكلم بقلب يخفق غراما وصوت يتقطع لوعة وهياما، ثم قالت له: ما اسمك الكريم؟ ~~قال: الحارث بن زهير سيد بني عبس، فقالت: نعم الفتى، وبعد ساعة من الزمان ودعهن ~~وسار وقد اشتعل فؤاده من فرط الحب بلهيب النار، ولما زاد به الشوق باح لسانه بالشعر ~~فأنشد: # سلامي على الوادي ومن حل دونه # فقد حملوني فوق ما أنا حامله # مررت به أبغي من الصيد ظبية # فعدت وقد صادت فؤادي حبائله # وأبقيت قلبي عند سكان أرضه # وجسمي على نار الهوى ومراجله # فإن يك جسمي قد مضى نحو أهله # فإن فؤادي عندكم وبلابله # وما زال يقطع البيداء حتى وصل البيت مساء، فبات ليله أرقا بين السهاد وتباريح ~~الغرام، ولما أصبح الصباح أخبر خادمته بما جرى وما أصبح فيه من قاتل الحب ووكل إليها ~~تدبير الأمر، فقالت: سمعا وطاعة، وذهبت إلى أحيائها فسألت عنها فدلوها عليها، فلما ~~رأتها هدأ بالها وحدثتها سرا بحديث الحارث وما هو فيه من الحب والغرام، فلما سمعت ~~لبنى كلامها أعلمتها بوجدها وغرامها وقالت لها: إن رأيت أن تجمعيني به الليلة على شاطئ ~~الغدير، فقالت: حبا وكرامة، وذهبت فأعلمت الحارث فكاد يطير من الفرح، ولما أمسى ~~المساء سار من فوره إلى الغدير، فلما رآها زاد حبه وهاجت أشجانه فأنشد: # أصبحت يا لبنى أسير هواك # والقلب يخفق والمتيم باك # قد بت أسهى من هواك ساهرا # أرعى النجوم مراقب الأفلاك # أصبحت يا لبنى نحيلا مغرما # من فرط حبك فامنني بلقاك # لولاك يا لبنى لما أمسى الهوى # بي حاكما متصرفا لولاك # قد جئت أصطاد الظبا في أرضكم # فاصطاد قلبي الكحل من عيناك # فارعي عهودي واحفظي شرع # الهوى وتيقني أني قتيل هواك # مني السلام عليك يا شمس الضحى # فلقد رماني الحب بالإشراك # وابقي ودومي واسلمي وتعطفي # وارعي العهود فمهجتي ترعاك # فما زال بين شكوى ونجوى إلى أن أصبح الصباح فافترقا متعاهدين على الحب والولاء، وداما ~~على هذه الحال من الاجتماع وبث الأشواق في ذاك المكان إلى ذات يوم ذهب الحارث ms090 فلم ير ~~أحدا فذهل غاية الانذهال وارتاب في أمر لبنى، فسأل عن السبب فقيل له: إنهم ساروا إلى ~~بلدة قريبة، فأرسل يسأل عنها ليعلم ما عندها وما يكنه فؤادها، فكتبت له: إن ذلك ما كان ~~إلا رغما عنها وأنها قريبا تعود إليه، فلما بلغ الحارث ذاك الكتاب وقرأ ما به هدأ ~~باله وصار ينتظر لقاء الحبيب، فلما اجتمعت به لبنى خفق فؤادها وتنهدت وباحت بما عندها ~~فأنشدت: # لو علمنا مجيئكم لفرشنا # مهج القلب مع سواد العيون # وبسطنا خدودنا للقاكم # ليكون المسير فوق الجفون # وداما على هذا الحب إلى آخر حياتهما. # | ذو الرمة وعصمة بن عبد الملك # قال عصمة بن عبد الملك: ركبت مع ذي الرمة وسرنا حتى أشرفنا على بيوت الحي وإذا ببيت ~~مية ناحية فعزمت ذا الرمة فعرضن النساء إلى مية، وجئنا فدنونا وسلمنا ثم قعدنا نتحدث، ~~فإذا هي جارية أملود، واردة الشعر، بيضاء يغمرها صفرة، وعليها ثوب أصفر وطاق أخضر، ~~فقلن: أنشدنا يا ذا الرمة، فقال: أنشدهن يا عصمة، فأنشدتهن: # نظرت إلى أظعان مي كأنها # ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه # فأعربت العينان والصدر كاتم # بمغرورق نمت عليه سواكبه # بكى وامق حال الفراق ولم يحل # حوائلها أسرارها ومعائبه # فقالت ظريفة منهن: لكن الآن فليحل، فنظرت إلي مية متكرهة، ثم مضيت في القصيدة ~~حتى انتهيت إلى قوله: # إذا سرحت من حب مي سوارح # على القلب وافته جميعا غرائبه # فقالت الظريفة: قتلته قاتلك الله، قالت مية: ما أصحبه وهنيئا له. فتنفس ذو الرمة ~~تنفسا ظننت معه أن فؤاده قد انصدع، ومضيت فيها حتى انتهيت إلى قوله: # وقد حلفت بالله مية ما الذي # أقول لها إلا الذي أنا كاذبه # إذن فرماني الله من حيث لا أرى # ولا زال في أرضي عدو أحاربه # فالتفتت إليه، فقالت: خف عواقب الله، ومضيت في القصيدة حتى انتهيت إلى قوله: # إذا راجعتك القول مية أو بدا # لك الوجه منها أو نضا الثوب سالبه # فيا لك من خد أثيل ومنطق # رخيم ومن خلق تعلل جاذبه # فقالت الظريفة ms091 : أما هذه فقد راجعتك وقد بدا لك الوجه منها، فمن لك بأن ينصف الدرع ~~سالبه؟ فالتفتت مية إليها فقالت: قاتلك الله ما أنكر ما تجيبين به، ثم تحدثن ساعة، ~~فقالت الظريفة للنساء: إن لهذين شأنا. ثم سارت بنا، فلما وصلنا الأبيات دخلت بذي ~~الرمة، فلبثت أنتظر فإذا به قادما ومعه قلائد لطيفة حلى بها نصل سيفه، فسألته عنها، ~~فقال: هي منها والله. # | أبو عثيرة الخياط وأبو محمد الدمشقي # قال أبو محمد الدمشقي: مررت ذات ليلة أيام فتنة المستعين والقمر يزهر بأحياء الشام، ~~فإذا أنا بشيخ جليل موشح في إزار أحمر، فقلت له: ما اسمك الكريم؟ قال: أبو عثيرة ~~الخياط، شهدت حروب ابن زبيدة كلها وحاربت الفتيان في غاية كل ميدان، واعترف لي كل فاتك، ~~وأذعن لي كل شاطر، ونزلت تلك الدار عشرين سنة وأومأ إلى سجن بغداد. ثم تنفس الصعداء ~~وأنشد: # لي فؤاد مستهام # وجفون لا تنام # ودموع آخر الدهر # على عيني سجام # وحبيب كلما خاطبته # قال سلام # فإذا ما قلت زرني # قال لي ذاك حرام # ثم بكى، فلما أفاق قلت: ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي ولي حبيب بالبصرة علقته وهو ابن ~~سبع عشرة سنة، ثم غبت عنه ثلاثا وثلاثين سنة، فلما عيل صبري خرجت إلى البصرة فطفت ~~شوارعها حتى رأيته، فما رأيت وجها أحسن منظرا ولا أزهى منه، ثم أنشأ يقول: # مردد في كمده # معذب في سهده # خلا به السقم فما # أسرعه في جسده # يرحمه لما بدا # من ضره ذو حسده # ثم ودعني ومضى. # | أبو الفضل والجارية # قال أبو الفضل: بينما كنت بالطواف أمام الحجر إذ سمعت حنينا يخرج من بين الأستار ~~وقائلا يقول: # عفا الله عمن يحفظ الود جهده # ولا كان عهد الله للناقض العهد # وضعت على الأستار خدي ليلة # ليجمعني مع من وضعت له خدي # فرفعت الأستار فإذا جارية منفردة كأنها الشمس تجلت عنها غمامة، فقلت: يا هذه، لو سألت ~~الله الجنة مع هذا التصدع والبكاء ما حرمك إياها. فسترت وجهها وقالت: سبحان من خلق ~~فسوى ms092 ولم يهتك الولاية والنجوى، أما والله إني فقيرة إلى رحمة ربي، وقد سألته أكبر ~~الأمرين عندي رجاء فضله واتكالا على عفوه. ثم ولت عني فعجبت من فصيح منطقها. # | مسلم بن جندب وجارية # قال مسلم بن جندب: خرجت مع صديق لي إلى العقيق فلقينا نسوة نازلات من العقيق لهن جمال ~~وشارة وفيهن جارية خضابية العينين، فلما رآها صديقي قال لي: يا بن الكرام، دم أبيك ~~والله في ثيابها، فلا تطلب أثرا بعد عين، وأنشد قول أبي مسلم بن جندب: # ألا يا عباد الله هذا أخوكم # قتيل فهل منكم له اليوم ثائر # خذوا بدمي إن مت كل مليحة # مريضة جفن العين والطرف ساحر # فقالت لي الجارية: أنت ابن جندب؟ قلت: نعم. قالت: فاغتنم نفسك واحتسب أباك، فإن ~~قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يفدى. # | أبو المهلهل الخزامي ومي # قال أبو مهلهل الخزامي: ارتحلت إلى الدهناء فسألت عن مي صاحبة ذي الرمة، فدفعت إلى ~~خيمة فيها عجوز هيفاء فسلمت عليها وقلت: أين منزل مي؟ فقالت: ها أنا مي. فقلت: عجبا ~~من ذي الرمة وكثرة قوله فيك. قالت: لا تعجب، فإني سأقوم بعذره. ثم نادت فخرجت من الخيمة ~~جارية ناهدة عليها برقع. فقالت لها: أسفري، فلما أسفرت تحيرت لما رأيت من حسنها ~~وجمالها. فقالت: علقني ذو الرمة وأنا في سن هذه، وكل جديد إلى البلاء، قلت: عذرته ~~والله، وانصرفت. # | بكر بن النطاح والفتاة # قال بكر بن النطاح في غادة حسناء ألفت الصد والهجران: # ما ضرها لو كتبت بالرضا # فجف جفن العين أو أغمضا # شفاعة مردودة عندها # في عاشق يندم لو قد قضى # يا نفس صبرا فاعلمي أنها # تمل منها مثل ما قد مضى # لم تمرض الأجفان من قاتلي # بلحظة إلا لأن أمرضا # | ابن الجوزي وزوجته # كان لابن الجوزي زوجة تسمى نسيم الصبا، وكان يحبها حبا شديدا، فاتفق أن طلقها فحصل ~~له قلق وهيام كاد يشرف به على التلف، فحضرت في بعض الأيام مجلسا كان فيه فسر بها ~~واستبشر، فحدث أن جاءت امرأتان وجلستا أمامه فحالتا ms093 بينه وبينها فأنشد: # أيا جبلي نعمان بالله خليا # نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها # | أنس الوجود ومحبوبته ورد # حكي أنه كان لأحد الوزراء ابنة بديعة في الحسن والجمال، فائقة في البهجة والكمال، ~~ذات عقل وافر وأدب كامل، وكانت تهوى المنادمة وسماع رقائق الأشعار لرقة فؤادها ولطف ~~أخلاقها وظرفها، فبينما كانت يوما تنظر من شباك قصرها وقع نظرها على شاب نير الوجه، ~~ضاحك السن، بهي الطلعة، حسن الشمائل، فوقع حبه في قلبها وعدمت صبرها في هواه، فرمته ~~للحال بتفاحة كانت في يدها، فرفع رأسه فرآها في شباك القصر كأنها البدر، فلم يرن إليها ~~طرفه إلا وهو بعشقها مشغول الخاطر. # فلما بعد عن القصر سألت جاريتها عن اسمه وكانت تعرفه، فقالت لها: إن اسمه أنس ~~الوجود، وإنها تعرف مكانه. فكتبت له رقعة شرحت فيها حالها وما عراها من حبه وغرامه، ~~فأخذت الجارية الرقعة وسارت بها إليه فأعطتها له، فلما قرأها كتب في أسفلها هذه ~~الأبيات: # أعلل قلبي في الغرام وأكتم # ولكن حالي عن هواي يترجم # فلو فاض دمعي قلت جرح بمقلتي # لئلا يرى حالي العزول فيفهم # وكنت خليا لست أعرف ما الهوى # فأصبحت صبا والفؤاد متيم # رفعت إليكم قصتي أشتكي بها # غرامي ووجدي كي ترقوا وترحموا # وسطرتها من دمع عيني لعلها # بما حل بي منكم إليكم تترجم # رعى الله وجها بالجمال مبرقعا # له البدر عبد والكواكب تخدم # على حسن ذات ما رأيت مثيلها # ومن ميلها الأغصان عطفا تعلم # وأسألكم من غير حمل مشقة # زيارتنا إن الوصال معظم # وهبت لكم روحي عسى تقبلونها # فلي الوصل مني والصدود جهم # فأخذت الجارية الكتاب وأعطته إلى سيدتها، فلما قرأت ذاك الكتاب هاج منها الوجد ~~والغرام وكتبت له تقول: # يا من تعلق قلبه بجمالنا # اصبر لعلك في الهوى تحظى بنا # لما علمنا أن حبك صادق # وأصاب قلبك ما أصاب فؤادنا # زدناك فوق الوصل وصلا مثله # لكن منع الوصل من حجابنا # وإذا تجلى الليل من فرط الهوى # تتوقد النيران في أحشائنا # وجفت مضاجعنا الجنوب وربما # قد برح التبريح في ms094 أجسامنا # الفرض في شرع الهوى كتم الهوى # لا ترفعوا المسبول من أستارنا # فلما فرغت من شعرها طوت الكتاب وأعطته إلى الخادمة، فأخذته وخرجت من عندها، فصادفها ~~الحاجب وقال لها: أين تذهبين؟ فقالت: إلى الحمام، وقد انزعجت منه فوقعت منها الورقة دون ~~انتباه، فبينما كان بعض الخدم يمشي من تلك الجهة وقع نظره على الورقة فأخذها وقدمها إلى ~~الوزير، فلما قرأها وفهم فحواها هاج منه الغيظ والغضب وجاء إلى بنته ورد لائما منددا، ~~ثم أمر بعض الخدم بإبعادها وأخذ مكان لها يكون بعيدا في البرية، فلما علمت بذلك زاد ~~منها القلق وكتبت قبل ذهابها هذه الأبيات على باب حجرتها: # بالله يا دار إن مر الحبيب ضحى # مسلما بإشارات يحيينا # أهديه منا سلاما زاكيا عطرا # لأنه ليس يدري أين أمسينا # ولست أدري إلى أين الرحيل بنا # لما مضوا بي سريعا مستخفينا # في جنح ليل وطير الأيك قد عكفت # على الغصون تباكينا وتنعينا # وقال عنها لسان الحال وأحربا # من التفرق ما بين المحبينا # لما رأيت كؤوس البعد قد ملئت # والدهر من صرفها بالقهر يسقينا # مزجتها بجميل الصبر معتذرا # وعنكم الآن ليس الصبر يسلينا # فلما فرغت من شعرها ركبت وساروا بها يقطعون القفار حتى وصلوا إلى مكان منفرد أمام ~~شاطئ نهر، فنصبوا لها خيمة هناك ووكلوا بها بعض الخدم، فلما أظلم الظلام تذكرت حالها ~~وكيف فارقت أطلال الحبيب، فسكبت العبرات وأنشدت تقول: # جن الظلام وهاج الوجد بالسقم # والشوق حرك ما عندي من الألم # ولوعة البين في الأحشاء قد سكنت # والفكر صيرني في حالة العدم # والوجد أقلقني والشوق أحرقني # والدمع باح بسر أي مكتتم # وليس لي حالة في العشق أعرفها # من رق عودي ومن سقمي ومن ألمي # جحيم قلبي من النيران قد سعرت # ومن لظى حرها الأكباد في نقم # ما كنت أملك نفسي أن أودعهم # يوم الفراق فيا قهري ويا ندمي # يا من يبلغهم ما حل بي وكفى # أني صبرت على ما خط بالقلم # أقسمت لا حلت عنهم في الهوى أبدا # يمين شرع الهوى مبرورة ms095 القسم # يا ليل سلم على الأحباب مخبرهم # واشهد بعلمك أني فيك لم أنم # أما أنس الوجود فإنه بعد كتابة الأبيات وإرسالها إلى محبوبته ورد صبر إلى ثاني الأيام ~~فقام وقصد أبياتها، فسأل عنها الخادمة فأعلمته بالخبر وأطلعته على ما كتبت من أبيات على ~~الباب، فلما قرأ تلك الأبيات زاد منه الوجد والقلق وسار في عرض القفار لا يرتاح إلى ~~سمير ولا يلذ له كلام، إلى أن رأى رجلا أهداه إلى مكانها، فبينما هو سائر إلى حبيبته ~~وقع نظره على حمام الأيك فهاج منه لاعج الغرام وأنشد: # يا حمام الأيك أقريك السلام # يا أخا العشاق من أهل الغرام # إنني أهوى غزالا أهيفا # لحظه أقطع من حد الحسام # في الهوى أحرق قلبي والحشا # وعلا جسمي نحول وسقام # ولذيذ الزاد قد حرمته # مثل ما حرمت من طيب المنام # واصطباري وسلوي رحلا # والهوى بالوجد عندي قد أقام # كيف يهنا العيش لي من بعدهم # وهم روحي وقصدي والمرام # أما حبيبته ورد فإنها بينما كانت تخطر حول خيامها إذ رأت موكبا حافلا من بعد فدنت ~~منه فإذا في وسطه أمير خطير، فلما وقع نظره عليها عجب من رائق جمالها وهاله ما رأى فيها ~~من شدة الضعف والهزال، فسألها عن حالها وما ألم بها، فأعلمته القصة على التمام وما ~~جرى لها أولا وآخرا، فرق لها قلبه وبعث فاسترضى أباها وأرسل من يأتي بأنس الوجود، ~~فما مضى إلا القليل حتى صادفوه قريبا من خيام محبوبته، فلما جاءوا به إليها مالت إليه ~~كغصن البان فضمها إلى صدره وأنشد: # ما أحيلاها ليلات الوفا # حيث أمسى لي حبيبي منصفا # نصب السعد لنا أعلامه # وشربنا منه كأسا قد صفا # واجتمعنا وتشاكينا الأسى # وليلات تقضت بالجفا # ونسينا ما مضى يا سادتي # وعفا الرحمن عما سلفا # وعاشا معا في ألذ عيش وأهنأ بال. # | دعبل الخزاعي والجارية # قال دعبل الخزاعي: كنت جالسا بباب الكرخ إذ مرت بي جارية لم أر أحسن منها، ولا أعدل ~~قدا، وهي تنثني في مشيتها وتسبي الناظرين بتثنيها، فلما وقع بصري ms096 عليها افتتنت بها ~~وارتجف فؤادي وآنست من قلبي ارتحالا، فأنشدت معرضا بهذا البيت: # دموع عيني بها انقضاض # ونوم جفني به انقباض # فنظرت إلي واستدارت بوجهها وأجابتني بسرعة بهذا البيت: # وذا قليل لمن دعته # بلحظها الأعين المراض # فأدهشتني بسرعة جوابها وحسن منطقها فأنشدتها ثانيا هذا البيت: # فهل لمولاتي عطف قلب # على الذي دمعه مغاض # فأجابتني بسرعة من غير توقف بهذا البيت: # إن كنت تهوى الوداد منا # فالود ما بيننا قراض # فما دخل أذني قط أحلى من كلامها، ولا رأيت أبهج من وجهها، فعدلت بالشعر عن القافية ~~امتحانا لها وعجبا بكلامها، فقلت لها هذا البيت: # أترى الزمان يسرنا بتلاق # ويضم مشتاقا إلى مشتاق # فتبسمت، فما رأيت أحسن من فمها ولا أحلى من ثغرها، وأجابتني بسرعة من غير توقف بهذا ~~البيت: # ما للزمان وللتحكم بيننا # أنت الزمان فسرنا بتلاق # | بدور بنت الجوهري وجبير الشيباني # قال علي بن منصور الخليعي: بينما كنت سائرا في البصرة إذا بباب كبير له حلقتان من ~~النحاس فوقفت أتفرج على هذا المكان، فينما أنا واقف إذ سمعت صوت أنين ناشئ عن قلب حزين، ~~فرفعت الستر قليلا قليلا وإذا أنا بجارية بيضاء كأنها البدر إذ بدر في ليلة أربعة ~~عشر، بحاجبين مقرونين، وجفنين ناعسين، وشفتين رقيقتين وفم كأنه خاتم سليمان، وقد حازت ~~أنواع الجمال بما يفتن النساء والرجال، فلما رأتني ناظرا إليها من خلال الستارة مالت ~~إلى جارية لها، وقالت: انظري من الباب. فقامت الجارية وأتت إلي وقالت: ما سبب وقوفك ~~هنا. قلت: عطش ألم بي فأمرت سيدتها فجاءت بكوز من الماء، فجعلت أشرب وأطيل في شربي وأنا ~~أسارق النظر إليها حتى طال وقوفي. ثم رددت إليها الكوز ودمت صامتا لا أتكلم، فقالت ~~سيدتها: وما سبب هذا الوقوف؟ قلت: إنني أتفكر بصحاب هذا الدار كيف تقلبت عليه الأيام، ~~وقد كان ذا مال جزيل، فهل خلف أولادا؟ قالت: نعم. قلت: فإني أرى تغيرا في وجهك، ~~فأخبريني بسببه فقالت: إن كنت من أهل الأسرار كشفنا لك سرنا فأخبرني ما هو اسمك؟ فقلت ms097 ~~لها: أنا علي بن منصور الخليعي نديم أمير المؤمنين هارون الرشيد. فلما سمعت باسمي نزلت ~~من على كرسيها وسلمت علي وقالت: مرحبا بك يا ابن منصور الآن أخبرك بحالي، وأستأمنك ~~على سري، أنا عاشقة مفارقة. فقلت لها: يا سيدتي أنت مليحة، وما تعشقين إلا كل مليح، فمن ~~الذي تعشقينه؟ قالت: أعشق جبير بن عمير الشيباني أمير بني شيبان، وقد وصفت لي شابا لم ~~يكن بالبصرة أحسن منه. فقلت لها: يا سيدتي، هل جرى بينكما مواصلة أو مراسلة؟ قالت: نعم. ~~إلا أنه عشقنا باللسان لا بالقلب والجنان. فقلت لها: يا سيدتي، وما سبب الفراق بينكما؟ ~~قالت: سببه أني كنت يوما جالسة وجاريتي هذه تسرح شعري، فلما فرغت جدلت ذوائبي فأعجبها ~~حسني وجمالي فطأطأت علي وقبلت خدي. وكان في ذلك الوقت داخلا علي غفلة، فرأى ذلك ~~وعاد من وقته مغضبا عازما على دوام البين وأنشد هذين البيتين: # إذا كان لي فيمن أحب مشارك # تركت الذي أهوى وعشت وحيدا # فلا خير في المعشوق إن كان في الهوى # لغير الذي يرضى المحب مريدا # ومن حين ولى معرضا إلى الآن لم يأتنا منه كتاب يا ابن منصور، فقلت لها: فما تريدين؟ ~~قالت: أريد أن أرسل إليه معك كتابا. فقلت لها: افعلي ما بدا لك. فكتبت إليه هذه ~~الأبيات: # حبيبي ما هذا التباعد والقلى # فأين التغاضي بيننا والتعطف # وما لك بالهجران عني معرضا # فما وجهك الوجه الذي كنت أعرف # نعم نقل الواشون عني باطلا # فملت لما قالوا فزادوا وأسرفوا # فإن تك قد صدقتهم في حديثهم # فحاشاك من هذا ورأيك أعرف # بعيشك قل لي ما الذي قد سمعته # فإنك تدري ما يقال وتنصف # فإن كان قولا صح أني قلته # فللقول تأويل وللقول أحرف # وهب أنه قول من الله منزل # فقد بدل التوراة قوم وحرفوا # وبالزور كم قد قيل في الناس قبلنا # فها عند يعقوب تلوم يوسف # وها أنا والواشي وأنت جميعنا # يكون لنا يوم عظيم وموقف # ثم ختمت الكتاب وناولتني إياه، فأخذته ومضيت إلى دار جبير الشيباني ms098 فوجدته في الصيد، ~~فجلست أنتظره، فبينما أنا جالس وإذا به قد أقبل من الصيد، فلما رأيته على فرسه ذهل ~~عقلي من حسنه وجماله، فالتفت فرآني جالسا بباب داره، فنزل عن جواده وعانقني وسلم ~~علي، ثم دخل بي إلى داره وسألني عن حاجتي، فأخرجت إليه الكتاب. # فلما قرأ ما فيه مزقه ورماه في الأرض وقال لي: يا بن منصور، مهما كان لك من الحوائج ~~قضيناه إلا هذه الحاجة التي أتيت من أجلها، فذهبت حزينا إلى كاتبة السطور وأعلمتها بما ~~جرى أولا وآخرا، فزاد منها الحزن والقلق ورفعت طرفها إلى السماء وقالت: يا إلهي، كما ~~أبليتني بمحبة جبير بن عمير تبليه بمحبتي وتنقل إليه ما يلقاه فؤادي. ثم إني عدت إلى ~~حبيبها جبير فوجدت داره قد تهدمت بأسرها ولم أجد على بابه غلاما، فظننته مات فحزنت ~~عليه، وبينما أنا أبكي إذا بعبد أسود خرج إلي من الدار وسألني عن هذا البكاء، فقلت له ~~السبب، فقال: إن الذي ذكرته حي بحمد الله ولكنه قد بلي بحب غادة حسناء تدعى بدور وهو ~~من أجلها كطيف الخيال، فقلت: استأذن لي عليه. فدخل الدار مستأذنا ثم عاد إلي آذنا، ~~فدخلت عليه فوجدته كالحجر الطريح، فناديت مرارا حتى انتبه فقال لي: مرحبا يا أبا ~~منصور. فقلت له: يا سيدي ألك بي حاجة؟ قال: نعم، أريد أن أكتب لها ورقة وأرسلها معك ~~إليها، ثم كتب هذه الأبيات: # سألتكم بالله يا سادتي مهلا # علي فإن الحب لم يبق لي عقلا # تمكن مني حبكم وهواكم # فألبسني سقما وأورثني ذلا # لقد كنت قبل اليوم أستصغر الهوى # وأحسبه يا سادتي هينا سهلا # فلما أراني الحب أمواج بحره # رجعت لحكم الله أعذر من يبلى # فإن شئتم أن ترحموني بوصلكم # وإن شئتم قتلي فلا تنسوا الفضلا # فأخذت الكتاب ومضيت به إلى دار السيدة بدور، فلما رأتني سلمت علي وأخذت الكتاب ~~فاطلعت عليه ثم تغرغرت عيناها بالدموع وكتبت إليه هذه الأبيات: # إلى كم ذا الدلال وذا التجني # شفيت وحقك الحساد مني # لعلي قد أسأت ولست ms099 أدري # فقل لي ما الذي بلغت عني # مرادي لو وضعتك يا حبيبي # مكان النوم من عيني وجفني # شربت كؤوس حبك مترعات # فإن ترني سكرت فلا تلمني # فأخذت منها تلك الأبيات وقلت لها: يا سيدتي، إنها لرقعة تداوي العليل وتشفي الغليل. ~~ثم أخذت الكتاب وخرجت، فنادتني بعد الخروج وقالت لي: يا بن منصور، قل له: إنها في هذه ~~الليلة ضيفك. ففرحت أنا بذلك فرحا شديدا ومضيت بالكتاب إلى جبير بن عمير، فلما دخلت ~~عليه وجدت عينه شاخصة إلى الباب ينتظر الجواب، فلما ناولته الورقة فتحها وقرأها وفهم ~~معناها فصاح صيحة عظيمة ووقع مغشيا عليه، فلما أفاق قال: يا بن منصور، هل كتبت هذه ~~الرقعة بيدها ولمستها أناملها؟ قلت: يا سيدي، وهل يكتب الناس بغير الأنامل؟! فما كدت ~~أتم الكلام إلا وقد سمعنا وقع أقدام في الدهليز، فقام على أقدامه كمن لم يكن به ألم قط ~~واعتنقا معا مدة طويلة وعادا إلى سابق الوداد. # | الوزير والجارية # رأى وزير من الوزراء جارية حسناء تخطر في خفيف الثياب فهاج منه لاعج الغرام ~~وأنشد: # تبدت فهذا البدر من كلف بها # وحقك مثلي في دجى الليل حائر # وماست فشق الغصن غيظا ثيابه # ألست ترى أوراقه تتناثر # فسمعه أحد الأدباء فقال: # وفاحت فألقى العود في النار نفسه # كذا نقلت عنه الحديث المجامر # وقالت فغار الدر واصفر لونه # كذلك ما زالت تغار الضرائر # القسم السادس # | في مصارع العشاق # | المبرد وأصحابه والمجنون # قال المبرد: خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون، فلما قربنا من نحو الرقة فإذا نحن ~~بدير كبير، فأقبل إلي بعض أصحابي فقال: مل بنا إلى هذا الدير ننظر من فيه ونحمد ~~الباري على ما رزقنا من السلامة. فلما دخلنا إلى الدير رأينا مجانين مغلولين وهم في ~~نهاية القذارة، فإذا منهم شاب عليه بقية ثياب ناعمة، فلما بصر بنا قال: من أين أنتم يا ~~فتيان حياكم الله؟ فقلنا: نحن من العراق. فقال: يا أهل العراق، أنشدوني بالله أو ~~أنشدكم. فقال المبرد: والله إن الشعر من هذا لطريف ms100 ، فقلنا: أنشدنا، فأنشأ يقول: # الله يعلم أنني كمد # لا أستطيع أبث ما أجد # روحان لي روح تضمنها # بلد وأخرى حازها بلد # وأرى المقيمة ليس ينفعها # صبر ولا يقوى بها جلد # وأظن غائبتي كشاهدتي # بمكانها تجد الذي أجد # قال المبرد: إن هذا لطريف والله، زدنا. فأنشأ يقول: # لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم # ورحلوها فسارت بالهوى الإبل # وأبرزت من خلال السجف ناظرها # ترنو إلي ودمع العين منهمل # وودعت ببنان عقدها عنم # ناديت لا حملت رجلاك يا جمل # ويلي من البين ماذا حل بي وبها # من نازل البين حان الحين وارتحلوا # يا راحل العيس عجل كي نودعها # يا راحل العيس في ترحالك الأجل # إني على العهد لم أنقض مودتهم # فليت شعري لطول العهد ما فعلوا # فقال رجل من البغضاء الذين معي: ماتوا. قال: إذن فأموت. فقال له: إن شئت. فتمطى ~~واستند إلى السارية التي كان مشدودا فيها فما برحنا حتى دفناه. # | الأصمعي وأحد العشاق # قال الأصمعي: بينما كنت سائرا في البادية مررت بحجر مكتوب عليه هذا البيت: # أيا معشر العشاق بالله خبروا # إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع # فكتبت تحته: # يداري هواه ثم يكتم سره # ويخشع في كل الأمور ويخضع # ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبا تحته: # فكيف يداري والهوى قاتل الفتى # وفي كل يوم قلبه يتقطع # فكتبت تحته: # إذا لم يجد صبرا لكتمان سره # فليس له شيء سوى الموت أنفع # ثم عدت في اليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا وقد كتب قبل ~~موته: # سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا # سلامي إلى من كان للوصل يمنع # | موت الفتاة بموت حبيبها # قال الأصمعي: بينما كنت نائما بقرب مقابر البصرة رأيت فتاة على قبر تندب ~~وتقول: # بروحي فتى أوفى البرية كلها # وأقواهم في الحب صبرا على الحب # فقلت: أيتها الفتاة، بم كان أوفي البرية وبم كان أقواها؟ فقالت: يا هذا، إنه ابن ~~عمي هويني فهويته، فكان إن باح عنفوه وإن كتم لاموه، فأنشد بيتين شعر وما زال يكررهما ~~إلى أن مات، فوالله ms101 لأندبنه إلى أن أصير مثله في قبر إلى جانبه. فقلت لها: أيتها ~~الفتاة، فما البيتان؟ فقالت: # يقولون لي إن بحت قد غرك الهوى # وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا # فما لامرئ يهوى ويكتم أمره # من الحب إلا أن يموت فيعذرا # ثم إنها شهقت شهقة فارقت روحها الدنيا، فأسفت عليها ودفنتها قرب حبيبها. # الحارث وعفراء بنت الأحمر # نشأ الحارث بن الفرند مع ابنة عمه عفراء بنت الأحمر الخزاعية ممتزجين بالألفة والوداد ~~إلى أن بلغا سن الرشد، فتزوج بها وأقام معها مدة ينمو الهوى في قلبيهما، فعزمت يوما ~~على زيادة أبيها فجهزها إليه، فأقامت مدة وكل من أبويهما يأبى أن يجيء بنفسه خشية أن ~~تزري به العرب، فمرض الحارث وكتب إليها: # صبرت على كتمان حبك برهة # ولي منك في الأحشاء أصدق شاهد # هو الموت إن لم تأتني منك رفعة # تقوم بقلبي في مقام العوائد # فأجابته تقول: # كفيت الذي تخشى وصرت إلى المنى # ونلت الذي تهوى برغم الحواسد # ووالله لولا أن يقال تظننا # بي السوء ما جنبت فعل العوائد # فلما قرأ ما في الرقعة وتنشق عاطر شذاها غشي عليه فجاؤوه، فإذا هو ميت، فقالوا لها ما ~~كان عليك لواجبته زورة. قالت: خشيت أن يقال صبت إليه، ولكني قاتلة نفسي ولاحقة به ~~قريبا. فلم يشعروا بها إلا وهي ميتة إلى جانبه. # عبد الله بن عجلان وهند # خرج عبد الله بن عجلان إلى شعب من نجد ينشد ضالة فشارف ماء يقال له: نهر غسان. وكانت ~~بنات العرب تقصده فتخلع ثيابها وتغتسل فيه. فلما علا ربوة تشرف على النهر المذكور رآهن ~~على تلك الحالة فمكث يسترق النظر إليهن، فصعدن وبقيت هند وكانت طويلة الشعر. فأخذت ~~تمشطه وتسبله على بدنها، وهو يتأمل شفوف بياض جسمها في خلال سواد الشعر، ونهض ليركب ~~الناقة فلم يقدر وقعد ساعة. وكان قبل تلك النظرة تصف له العرب ثلاثة رواحل قائمة ~~فيحلقها ويركب الرابعة، فعند ذلك داخله من الحب ما أعجزه وأوهن قواه، فأنشد: # لقد كنت ذا بأس شديد وهمة # إذا شئت ms102 لمسا للثريا لمستها # أتتني سهام من لحاظ فأرشقت # بقلبي ولو أستطيع ردا رددتها # ثم عاد وقد تمكن الهوى منه فأخبر صديقا له، فقال: اكتم ما بك واخطبها إلى أبيها ~~فإنه يزوجك بها، وإن أشهرت عشقها حرمتها. ففعل وخطبها، فأجيب، فتزوج بها وأقاما على ~~أحسن حال وأنعم بال لا يزداد فيها إلا غراما، فمضى عليهما ثمان سنين ولم تحمل، وكان ~~أبوه ذا ثروة وليس له غيره، فأقسم عليه أن يتزوج غيرها ليولد له ولد يحفظ له النسب ~~والمال، فعرض عليها ذلك فأبت أن تكون مع أخرى. فعاود أباه، فأمره بطلاقها فأبى، فألح ~~عليه، فلم يجب وأصر على البقاء معها، فبلغ أباه يوما أنه في حالة السكر فعدها فرصة ~~وأرسل إليه يدعوه، فمنعته هند وقالت: والله لا يدعوك لخير وما أظنه إلا عرف أنك سكران ~~فأراد أن يعرض عليك الطلاق، فأبى عبد الله إلا الخروج، فجاذبته، فلم يذعن لها، ثم سار ~~إلى أبيه وعنده أكابر العرب فجعلوا يعنفونه ويتناشدونه من كل مكان حتى استحيا فطلقها، ~~فلما سمعت بذلك احتجبت عنه، فوجد بها وجدا قاتلا وأنشد يقول: # طلقت هندا طائعا # فندمت بعد فراقها # فالعين تذرف دمعها # كالدر من آماقها # متحلبا فوق الردى # فتجول في رقراقها # خود رداح طفلة # ما الفحش من أخلاقها # ولقد ألذ حديثها # فأسر عند عناقها # ولم يزل عبد الله دنفا سقيما يقول فيها الشعر ويبكيها إلى أن بلغه أنها تزوجت برجل ~~من بني نمير، فزاد حزنه ومات أسفا عليها. # | عمرو بن كعب وعقيلة ابنة أبي النجاد # كان عمرو بن كعب يهوى ابنة عم له تدعى عقيلة، وكانت من أجمل نساء العرب وأوسعهن ~~علما وأدبا، فشغف بها وزاد غراما والتياعا فخطبها إلى عمه، فطلب منه مهرا يعجز ~~عنه، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى أبرويز بن كسرى لما كان بين جدودهما من الوصلة، ~~فلما ذهب في الطريق مر بعراف فاستعلم منه الأمر، فأخبره أنه ساع فيما لا يدرك، فعاد ~~فوجد عمه قد زوج العقيلة لرجل من فزارة، فهام على وجهه إلى ms103 اليمامة. أما عقيلة فإنها ~~بعد عقد الزواج أخذت تبدي لزوجها صدا وحقدا فخرج سائرا إلى حيث لا يدري، وأقامت ~~العقيلة ببيت أبيها لا تتناول إلا الأقل من الطعام بقدر ما يمسك الرمق ودأبها البكاء ~~على عمرو. أما عمرو فإنه ما زال هائما تائها من وجده شاخصا طرفه إلى السماء أياما، ~~فوقف ذات يوم وقد أظلم الدجى وخلا المكان من الرقيب فتذكر عقيلة وما جرى، فأنشد: # إذا جن ليلي فاضت العين أدمعا # على الخد كالغدران أو كالسحائب # أود طلوع الفجر والليل قائل # لقد شدت الأفلاك بعد الكواكب # فما أسفي إلا على ذوب مهجتي # ولم أدر يوما كيف حال الحبائب # فدخل عليه يوما صديق له فوجده غاصا بالضحك مستبشرا، فسأله، فقال: # لقد حدثتني النفس أن سوف نلتقي # ويبدل بعد بيننا بتدان # فقد آن للدهر الخؤون بأنه # لتأليف ما قد كان يلتمسان # ثم شهق شهقة فاضت نفسه. فبلغ حبيبته ذلك فحزنت عليه غاية الحزن وسئمت العيش بعده، ~~فبينما كان الفرزدق خارجا ذات يوم في طلب غلام له إذ مر بقرب ماء لبنى، فأمطرت ~~السماء فلجأ إلى بيت هناك، فلاحت له جارية كأنها القمر، فحيت ثم قالت: ممن الرجل؟ ~~قال: تميمي. قالت: من أيها قبيلة؟ فقال: من نهشل بن غالب. قالت: أين تؤم؟ قال: ~~اليمامة. فتنفست الصعداء ثم قالت: # تذكرت اليمامة إن ذكري # بها أهل المروءة والكرامة # فآنس بها بهاء ولطفا فقال: أذات خدر أم بعل؟ فقالت: # إذا رقد النيام فإن عمرا # تؤرقه الهموم إلى الصباح # فتقطع قلبه الذكرى وقلبي # فلا هو بالخلي ولا بصاح # سقى الله اليمامة دار قوم # بها عمرو يحن إلى الرواح # فقال لها: من هو؟ فأنشدت تقول: # إذا رقد النيام فإن عمرا # هو القمر المنير المستنير # وما لي في التبعل من براح # وإن رد التبعل لي أسير # ثم شهقت شهقة فماتت، فسأل عنها فإذا هي العقيلة حبيبة عمرو بن كعب. # | عامر بن غالب وجميلة بنت إميل # قال الأصمعي: رأيت بالبادية رجلا قد دق عظمه، وضؤل جسمه، ورق جلده، فتعجبت فدنوت ms104 منه ~~أسأله عن حاله، فلم يرد جوابا، فسألت جماعة حوله عن حاله فقالوا: اذكر له شيئا من ~~الشعر يكلمك. فقلت: # سبق القضاء بأنني لك عاشق # حتى الممات فأين منك مذاهبي # فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته، ثم أنشأ يقول: # أخلو بذكرك لا أريد محدثا # وكفى بذلك نعمة وسرورا # أبكي فيطربني البكاء وتارة # يأبى فيأتي من أحب أسيرا # فإذا أنا سمح بفرقة بيننا # أعقبت منه حسرة وزفيرا # قلت: أخبرني عن حالك. قال: إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة. ~~ففعلت، فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه جهده: # ألا ما للمليحة لا تجود # أبخل ذاك منها أم صدود # فلو كنت المريضة جئت اسعى # إليك ولا ينهنهني الوعيد # فإذا جارية مثل القمر خرجت فألقت نفسها عليه فاعتنقا مدة طويلة، فجئت أفرق بينهما ~~خشية أن يراهما الناس، فإذا هما ميتان، فما برحت حتى صليت عليهما ودفنا، فسألت عنهما ~~فقيل لي: هما عامر بن غالب وجميلة بنت إميل. # | عويمر العقيلي وابنة عمه # قال خلاد بن يزيد: كان عويمر العقيلي مشغوفا بابنة عم له يقال لها: ريا. فزوجت ~~برجل فحملها إلى بلاده، فاشتد وجده واعتل علة أخذه الهلاس بها، فدعوا له طبيبا لينظر ~~إليه، فقال له: أخبرني بالذي تجد. فقال منشدا: # كذبت على نفسي فحدثت أنني # سلوت لكيما ينظروا حين أصدق # وما عن قلى مني وعلى عن ملالة # ولكنني أبقي عليك وأشفق # وما الهجر إلا جنة لي لبستها # لتدفع عني ما يخاف ويفرق # عطفت على أسراركم فكسوتها # قميصا من الكتمان لا يتخرق # ولي عبرتان ما تفيقان عبرة # تفيض وأخرى للصبابة تخفق # ويومان يوم فيه جسم معذب # عليل ويوم للتفرق مطرق # وأكثر حظي منك أني إذا سرت # لي الريح من تلقائكم أتنشق # ثم ذهب عقله. فقال الطبيب لأهله ومن حضره: ارفقوا به. ثم انصرف فما مكث إلا ليال ~~يسيرة حتى قضي عليه. # | العاشق وعشيقته هلال # قال ابن الأشدق: كنت أطوف بالبيت فرأيت شابا تحت الميزاب قد أدخل رأسه في كسائه وهو ~~يئن كالمحموم ms105 ، فسلمت، فرد السلام ثم قال: من أين؟ قلت: من البصرة. قال: أترجع إليها؟ ~~قلت: نعم. قال: فإذا دخلت النباج فاخرج إلى الحي ثم ناد: يا هلال يا هلال، تخرج إليك ~~جارية فتنشدها هذا البيت: # لقد كنت أهوى أن تكون منيتي # بعينيك حتى تنظري ميت الحب # ومات مكانه. فلما دخلت النباج أتيت الحي فناديت: يا هلال، يا هلال، فخرجت إلي جارية ~~لم أر أحسن منها وقالت: ما وراءك؟ قلت: شاب بمكة أنشدني هذا البيت. قالت: وما صنع؟ ~~قلت: مات. فخرت مكانها ميتة. # | ابن عبد الرحمن بن عوف وابنة عمه # قال هشام الكلبي: كان بالمدينة رجل من ولد عبد لرحمن بن عوف وكان شاعرا، وكانت عنده ~~ابنة عم له كان لها عاشقا وبها مستهترا، فضاق ضيقة شديدة وأراد المسير إلى هشام إلى ~~الرصافة، فمنعه من ذلك ما كان يجد بها وكره فراقها. فقالت له يوما وقد بلغ منها الضيق: ~~يا بن عمي، ألا تأتي الخليفة لعل الله - تعالى - أن يقسم لك منه رزقا فتكشف به عن بعض ~~ما نحن فيه، فلما سمع ذلك منها نشط للخروج فتجهز ومضى حتى إذا كان من الرصافة على أميال ~~خطر ذكرها بقلبه وتمثلت له، فلبث ساعة مغمى عليه ثم أفاق فقال للجمال: قف بنا، فوقف، ~~فأنشد يقول: # بينما نحن في بلاكث فالقا # ع سراعا والعيس تهوي هويا # خطرت خطرة على القلب من ذك # راك وهنا فما أطلقت مضيا # قلت لبيك إذ دعاني لك الشو # ق وللحادين ردا المطيا # فكررنا صدور عيس عتاق # مضمرات طوين بالسير طيا # ذاك مما لقينا من دلج السير # وقول الحداة بالليل هيا # ثم قال للجمال: ارجع بنا، فقال: سبحان الله! قد بلغت طيتك، هذه أبيات الرصافة، فقال: ~~والله لا تخطو خطوة إلا راجعة، فرجع، حتى إذا كان من المدينة على قدر ميل لقيه بعض بني ~~عمه فأخبره أن امرأته قد توفيت، فشهق شهقة وسقط عن ظهر الجمل ميتا. # | ابن العاص وجارية أحبها # عشق رجل من ولد سعيد بن العاص جارية بديعة الصوت ms106 شهيرة بالغناء، فهام بها دهرا وهو ~~لا يعلمها بذلك، ثم إنه ضجر فقال: والله لأبوحن لها. فأتاها عشية، فلما خرجت إليه ~~قال لها: أخبريني بالله هل أنشدت: # أتجزون بالود المضاعف مثله # فإن الكريم من جزى الود بالود؟ # قالت: نعم، وأنشدت أحسن منه فقالت: # للذي ودنا المودة بالضعف # وفضل البادي به لا يجازى # لو بدا ما بنا لكم ملأ الأرض # وأقطار شامها والحجازا # فاتصل خبر هذين البيتين بعمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فابتاعها له وأهداها ~~إليه، فمكثت عنده سنة ثم ماتت، فلم يلبث من حزنه عليها أن تبعها إلى دار البقاء. # | اجتماع محبين بعد الموت # قال أبو الخطاب الأخفش: خرجت في سفر فنزلت على ماء لطيء، فبصرت بخيمة من بعيد، فقصدت ~~نحوها فإذا فيها شاب على فراش كأنه الخيال، فأنشأ يقول: # ألا مال الحبيبة لا تعود # أبخل بالحبيبة أم صدود # مرضت فعادني عواد قومي # فما لك لم تري فيمن يعود # فلو كنت المريض ولا تكوني # لعدتكم ولو كثر الوعيد # ولا استبطأت غيرك فاعلميه # وحولي من ذوي رحمي عديد # ثم أغمي عليه فمات. فوقعت الصيحة في الحي فخرج من آخر الماء جارية كأنها فلقة قمر، ~~فتخطت رقاب الناس حتى وقفت عليه فقبلته وأنشأت تقول: # عداني أن أعودك يا حبيبي # معاشر فيهم الواشي الحسود # أذاعوا ما علمت من الدواهي # وعابونا وما فيهم رشيد # فأما إذ حللت ببطن أرض # وقصر الناس كلهم اللحود # فلا بقيت لي الدنيا فواقا # ولا لهم ولا أثري عديد # ثم شهقت شهقة فخرت ميتة منها. فخرج من بعض الأخبية شيخ فوقف عليهما وقال: والله لئن ~~فرقت بينكما حيين لأجمعن بينكما ميتين، ثم ضم كلا إلى الآخر ودفنهما في قبر واحد. ~~فسألته فقال: هذه ابنتي وهذا ابن أخي. # | سهلان القاضي وأحد العشاق # قال سهلان القاضي: بينا أنا مار في طرقات جبل شورى، وقد مرت بي قافلة عظيمة، إذ نحن ~~بشاب على الطريق ذاهب العقل مدهوش عريان، وبين يديه ثياب ممزقة. فقال لي: أين رأيت ~~القافلة؟ قلت: في موضع كذا ms107 . قال: آه من البين، آه من البين، آه من دواعي الحين ... فقلت: ~~وما دهاك؟ فقال: # شيعتهم من حيث لم يعلموا # ورحت والقلب بهم مغرم # سألتهم تسليمة منهم # علي إذ بانوا فما سلموا # ساروا ولم يرثوا لمستهتر # ولم يبالوا قلب من تيموا # واستحسنوا ظلمي فمن أجلهم # أحب قلبي كل من يظلم # | شجاع والفتاة العفيفة # أحب أحد الشبان فتاة جميلة شهيرة بالورع والتقوى، ومن شدة حبه بها علاه السقام وزادت ~~منه الأوجاع والآلام، فتقاطرت عليه الأطباء دون أن يروا جدوى، ولما أعيت الحيلة ~~استكشفوه الأهل عن أمره فأبى إلا الكتمان، ولما اشتد عليه حاله اختلى بامرأة من أنسبائه ~~كبيرة السن من أهل الوفاء والمعروف فأطلعها جلية الأمر. فسارت توا إلى الفتاة ~~وخاطبتها سرا بما في نفسه لأجلها وطلبت منها أن تعطف عليه وتجبر خاطره الكسير. فقالت ~~لها: أبلغيه مني السلام وقولي: أي أخاه إني والله قد وهبت نفسي لمليك يكافئ من أقرضه ~~بالعطايا الجزيلة، ويعين من انقطع إليه وخدمه بالهمم الرفيعة، وليس إلى الرجوع بعد ~~الهبة سبيل، فتوسلي إلى مولاك ومولاي أن يسبل علي ذيل المعذرة ويعاملني على ذنبي ~~بجميل المغفرة والسلام. فقامت المرأة من عندها وأخبرته بمقالتها، فبكى بكاء شديدا. ~~فقالت له العجوز: والله يا بني ما رأيت فتاة أشد تقاوة وطهارة منها، فاعمل بما أمرتك به ~~ولا تلق نفسك بالتهلكة، ولو قدرت على عمل حيلة أنفذ بها لعملتها، ولكني رأيت أنها جعلت ~~الله نصب عينيها، ومن جعل الله - تعالى - نصب عينيه لها عن زينة الحياة. فجعل يبكي ~~ويقول: أنى لي بلوغ ما دعت إليه ومتى يكون الملتقى؟ واشتد وجده حتى أفضى إلى الجنون، ~~فصار يجول في الطرقات بحالة يرثى لها فيجتمع عليه الأولاد قائلين ومستهزئين: مت عشقا ~~مت عشقا، فكان يقول: # أأفشي إليكم بعض ما قد يهيجني # أم الصبر أولى بالفتى عندما يلقى # أأوعد وعدا ما له الدهر آخر # وأؤمر بالتقوى ومن لي بالتقوى # سلام على من لا أسميه باسمه # ولو صرت مثل الطير في قفص يلقى # ألا أيها الصبيان ms108 لو ذقتم الهوى # لأيقنتم أني محدثكم حقا # أحبكم من حبها وأراكم # تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا # فلم تنصفوني لا ولا هي أنصفت # فرفقا رويدا ويحكم بالفتى رفقا # فلما اتضح لأهله حقيقة حبه وغرامه جعلوا يسألونه عن أمره فلا يجيبهم، وكتمت العجوز ~~حقيقة أمره، فأخذوه وحبسوه في بيت لهم، فلم يزل فيه حتى مات. # | مصرع عاشق سمع آية الكتاب # قال عبد الرحمن الصوفي: كنت ببغداد بسوق النخاسين فرأيت قوما مجتمعين فدنوت منهم، ~~فرأيت شابا مصروعا مغشيا عليه، فقلت لواحد منهم: ما الذي أصابه؟ فقال: سمع آية من ~~كتاب الله عز وجل. فقلت: وأية آية هي؟ # فقال: قوله عز وجل: # ألم يأن للذين آمنوا أن ~~تخشع قلوبهم لذكر الله ~~(الحديد: 16)، فلما سمع أفاق ~~وأنشد: # ألم يأن للهجران أن يتصرما # وللغصن غصن البان أن يتبسما # وللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى # أما آن أن يبكى عليه ويرحما # كتبت بماء الشوق بين جوانحي # كتابا حكى نفس الوشاة منمنما # ثم صاح صيحة خر مغشيا عليه، فحركناه فإذا هو ميت. # | محمد بن داود وإبراهيم بن نفطويه # قال إبراهيم بن نفطوية النحوي: دخلت على محمد بن داود الأصفهاني في مرضه الذي مات ~~فيه، فقلت: ماذا ألم بك؟ قال: حب من تعلم أورثني ما ترى. قلت: ما منعك منه مع القدرة ~~عليه؟ قال: الاستمتاع على وجهين؛ النظر المباح واللذة المحظورة، فقد منعني منها ما ~~بلغني عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قوله: «من عشق وكتم وعف؛ غفر الله له وأدخله الجنة»، ثم أنشد ~~أبياتا لنفسه. فلما انتهى إلى قوله: # إن يكن عيب خده من عذار # فعيوب العيون شعر الجفون # قلت له: أنت تنفي القياس في الفقه وتثبته في الشعر. فقال: غلبة الهوى وملكة النفس ~~دعوا إليه. فما كدت أفارقه حتى سمعت نعيه، فأسفت عليه كثيرا. # | جارية عبد الله بن جعفر وأحد الفتيان # قال عبد الله بن جعفر: اشتريت جارية مولدة بعشرة آلاف درهم، وكانت حاذقة مطبوعة، فهمت ~~في حبها غاية الهيام. ففي ذات يوم قدمت إلي عجوز ms109 فذكرت لي أن بعض أعراب المدينة يحبها ~~وتحبه ويراها وتراه، وأنه يجيء كل ليلة فيقف بالباب ليسمع غناءها ويبكي شغفا وحبا. ~~فعزمت على كشف الأمر، فلما كان الوقت المذكور نظرت فإذا به قد دنا مقبلا، فلبث محدقا ~~بهما مصغيا إلى ما يقولان، فإذا بها تكلمه ويكلمها ويشكو كل إلى رفيقه ما يلاقي من ألم ~~البعد. فلما أشرق الصباح دعوت بها فحضرت، فأخذتها بيدها وملت نحو الرجل فحركته فانتبه ~~مذعورا، فقلت: لا بأس عليك ولا خوف، هي هبة مني إليك. فدهش الفتى ولم يجبني، فدنوت ~~منه وقلت همسا في أذنه: قد أظفرك الله بما تريد، فقم وانصرف بها إلى منزلك. فلم يرد ~~جوابا، فحركته فإذا هو ميت. # | امرأة مات حبيبها # أحبت امرأة رجلا وكان متمنعا عنها زمانا فراسلته أن يتزوج بها ففعل، وكانت بينهما ~~ألفة شديدة فمكثا على ذلك مدة فمرض فمات، فجعلت المرأة تتردد إلى قبره ولزمته يوما ~~تبكي وتنشد: # كفى حزنا أني أموت بحسرة # وأغدو على قبر ومن فيه لا يدري # فيا نفس شقي جيب عمرك عنده # ولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر # فما كان يأبى أن يجود بنفسه # لينقذني لو كنت صاحبة القبر # ثم زادت في النحيب وانكبت على القبر تبكي فإذا هي ميتة. # | الشريف البياضي والجارية # عشق الشريف البياضي جارية لبنت فخر الملك فوجد بها وجدا عظيما، وزاد أمره حتى شاع ~~بين الناس، ولم يزل حتى مرضت فمرض هو أيضا، فلما ماتت طاش عقله وذهب لبه فلحق بها ~~وهو ينشد قائلا: # دع الوقوف على الأطلال والدمن # فليس ينفع مسكون بلا سكن # أما تراني لا أثني على طلل # بعد الفراق ولا آوي إلى وطن # وكيف يأنس قلبي بالديار وقد # أصاب فيها الردى من كان يؤنسني # إن الذي أذاقوني فراقهم # أفنيت بعدهم دمعي من الحزن # لله من لعبت أيدي المنون به # ضنا بما فيه أن يبقى على الزمن # جعلت روحي له من روحه عوضا # مقيمة معه في ذلك الكفن # فصار كالحي إذ روحي تحل به # وصرت كالميت إذ لا ms110 روح في بدني # وكيف تصحب روحي بعده جسدي # وكان إن غاب تأبى أن تصاحبني # | عبيد النعالي وأحد العشاق # قال عبيد النعالي: انصرفت من جنازة من مسجد الرضا في وقت الهاجرة، فلما دخلت سكك ~~البصرة اشتد علي الحر، فتوخيت سكة ظليلة واضطجعت على باب دار فسمعت ترنما يجذب ~~الفؤاد، فطرقت الباب واستقيت ماء، فإذا فتى بديع الجمال نحيل من شدة السقام أدخلني إلى ~~غرفة نظيفة له، فلما هدأ بالي وراقت أحوالي خرج الفتى ومعه وصيفة تحمل طستا وماء ~~ومنديلا، فغسلت يدي وشربت وأخذت ردائي، وجلست فلبثت يسيرا وإذا بالفتى قد أقبل ضاحكا ~~ليؤنسني والعبرة تنحدر من عينيه، ثم جيء بالطعام فأقبل يأكل كأنه نغص بما يأكله، وهو في ~~ذلك يبسطني، فلما انقضى أكلنا أتتنا بشراب فشرب قدحا وشربت آخر، ثم زفر زفرة ظننت أن ~~أعضاءه قد انقضت وقال لي: يا أخي، إن لي نديما فقم بنا إليه، فقمت وتقدمني ودخل مجلسا ~~فإذا قبر عليه ثوب أخضر وفي البيت رمل مصبوب، فقعد على الرمل وطرح لي رداءه فقلت: والله ~~لا قعدت إلا كما تقعد، وأقبل يردد العبرات ثم شرب كأسا وشربت وأنشأ يقول: # أطأ التراب وأنت رهن حفيرة # هالت يداي على صداك ترابها # إني لأعذر من مشى إن لم أطأ # بجفون عيني ما حييت جنابها # لو أن جمر جوانحي متلبس # بالنار أطفأ حرها وأذابها # ثم أكب على القبر مغشيا عليه، فجاءه غلام بماء فصبه على وجهه فأفاق، فشرب ثم أنشأ ~~يقول: # اليوم آب لي السرور لأنني # أيقنت أني عاجلا بك لاحق # فغدا أقاسمك البلى ويسوقني # طوعا إليك من المنية سائق # ثم قال لي: قد وجب حقي عليك فاحضر غدا جنازتي، قلت: يطيل الله عمرك، قال: إني ميت لا ~~محالة، فدعوت له بالبقاء، فقال: إن طاوعتني فأنت قائل: # جاور خليلك مسعدا في رمسه # كيما ينالك في البلى ما ناله # فانصرفت وقد طال ليلي ونفذ صبري، وغدوت إليه فإذا هو قد مات. # | المرقش وأسماء # كان المرقش من حبه لأسماء يألف البراري ويلزم الخلاء، ففي ms111 ذات يوم مر به راع يرعى ~~غنمه فرآه مطروحا على الأرض، فقال له: من أنت؟ قال له المرقش: أنا رجل من مراد، فراعي ~~من أنت؟ فأعلمه باسم سيده فإذا هو زوج أسماء، فقال له: تكلم مولاتك؟ قال: لا، ولكن ~~تأتيني جارية من عندها لأخذ اللبن، فنزع المرقش خاتمه وقال للراعي: ألقه في القدح فتصيب ~~به خيرا، ففعل، فلما رأته أسماء دعت بالجارية وسألتها عن الخبر، فقالت: لا أعلم، فسألت ~~زوجها عنه فأحضر الراعي فأعلمه الحقيقة، فأشفق عليه وركب وأركب زوجته فأدركوا عمرا على ~~آخر رمق، فحملوه إليهم، فلم يلبث قليلا حتى مات، فوجدوا أمامه رقعة فيها: # سما نحوي خيال من سليمى # فأرقني وأصحابي هجود # حواليها مها بيض التراقي # وآرام وغزلان رقود # نواعم لا تعالج بؤس عيش # أوانس لا تروح ولا ترود # سكن ببلدة وسكنت أخرى # فقطعت المواثق والعهود # فما بالي رقيق القلب حبا # وما بالي أصاد ولا أصيد # أناس كلما أخلقت وصلا # عناني منهم وصل جديد # | مسعدة بن وائلة ورملة بنت أثيلة # صادف مسعدة بن وائلة الصادمي فتاة حسناء قادمة لتملأ جرة من الماء، فقالت له: هل لك ~~أن تكفيني كلفة التعب؟ قال: وما تطلبين؟ قالت: ملء هذه الجرة، وأعطته إياها، فلما ملأها ~~وهمت أن تتناولها منه شمرت عن زندين كالبللور حسنا ونورا، ثم تناولت القربة فانكشف ~~البرقع عن وجهها كأنما تعير الشمس منه ضياء، فوقع في قلبه حب مكين لها، فشكا إلى صديق ~~له وسأله عن اسم الجارية، فقال: هي رملة بنت أثيلة، وأعلمه بمكانها، فكان يمضي في كل ~~يوم فيقف حتى يراها فيشكو إليها ما عنده من الحب حتى داخلها من العشق ما داخله، فعلم ~~أهلها بذلك فحجبوها عنه، فخرج حزينا خائفا، فرأى حمامات على أراكة ينحن، فهاجت ~~بلابله وأنشد: # دعت فوق أغصان من الأيك موهنا # مطوقة ورقاء في إثر آلف # فهاجت مفاعيل الهوى إذ ترنمت # وشبت ضرام الشوق بين المعاطف # ثم أظلم الظلام فسمع قائلا يقول: # ولا شيء بعد اليوم إلا تعلة # من الطيف أو تلقى بها ms112 منزلا قفرا # فهاج قلقه وسار، فإذا براع يقول: # كفى بالليالي مخلقات لجدة # وبالموت قطاعا حبال القرائن # فلما سمع هذا البيت خر مغشيا عليه، فحملوه إلى بيته، فلما أفاق أنشد يقول: # يا راعي الضان قد ألقيت لي كمدا # يبقى ويقلقني يا راعي الضان # نعيت نفسي إلى روحي فكيف إذا # أبقى ونفسي في أثناء أكفاني # لو كنت تعلم ما أسررت في كبدي # بكيت مما تراه اليوم أبكاني # فلم يزل يردده حتى مات. # | الفتى العاشق # قال عبد الملك بن محمد: خرجت من البصرة أريد الحج فإذا أنا بفتى نضو قد نهكه السقام ~~يقف ناظرا في كل محل وهودج يمر من هناك، فعجبت منه ومن فعله، فقال: # أحجاج بيت الله في أي هودج # وفي أي خدر من خدوركم قلبي # أأبقى أسير الحب في دار غربة # وحاديكم يحدو بقلبي في الركب # فلم أزل أقف عليه حتى جاء إلى المنزل، فاستند إلى جدار ثم قال: # خل فيض الدمع ينهمل # بان من تهواه فارتحلوا # كل دمع صانه كلف # فهو يوم البين مبتذل # ثم تنفس الصعداء وشهق شهقة فحركته فإذا هو ميت. # | الأعرابي ومحبوبته # قال ابن الزهري: خرجت في نشدان ضالة لي فآواني المبيت إلى خيمة أعرابي، فقلت: هل من ~~قرى؟ فقال لي: انزل، فنزلت، فثنى لي وسادة وأقبل علي يحدثني ثم أتاني بقرى فأكلت، ~~فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا بفتاة قد أقبلت لم أر مثلها جمالا وحسنا، فجلست ~~وجعلت تحدث الأعرابي ويحدثها إلى أن طلع الفجر ثم انصرفت، فقلت: والله لا أبرح ~~موضعي هذا حتى أعرف خبر الجارية والأعرابي، فمضيت في طلب ضالتي يوما ثم أتيته عند ~~الليل، فأتى بقرى، فبينا أنا بين النائم واليقظان وقد أبطأت الجارية عن وقتها قلق ~~الأعرابي فكان يذهب ويجيء وهو يقول: # ما بال مية لا تأتي لعادتها # أعاجها طرب أم صدها شغل # لكن قلبي عنكم ليس يشغله # حتى الممات وما لي غيركم أمل # لو تعلمين الذي بي من فراقكم # لما اعتذرت ولا طابت لك العلل # نفسي فداؤك قد أحللت بي ms113 سقما # تكاد من حره الأعضاء تنفصل # لو أن عادية منه على جبل # لماد وانهد من أركانه الجبل # ثم أتاني ونبهني وقال لي: إن خلتي التي رأيت بالأمس قد أبطأت علي وبيني وبينها ~~مسافة طويلة لا آمن عليها من سبع مفترس فابق هنا لأبحث عنها، ثم مضى فأبطأ قليلا، ثم ~~جاء بها يحملها بين يديه وقد فتك بها أحد السباع فوضعها بين يدي، ثم أخذ السيف ومضى، ~~فلم أشعر إلا وقد جاء بالأسد مقتولا، ثم أنشأ يقول: # ألا أيها الليث المضر بنفسه # ضللت لقد جرت يداك لك الشرا # أخلفتني فردا وحيدا مولها # وصيرت آفاق البلاد بها قبرا # أأصحب دهرا خانني بفراقها # معاذ إلهي أن أخون بها دهرا # ثم قال لي: هذه ابنة عمي كانت عزيزة علي فمنعني أبوها أن أتزوجها، فزوجها رجلا من ~~أهل هذه البيوت، فخرجت من مالي كله ورضيت بالمقام هنا على ما ترى، فكانت إذا وجدت خلوة ~~أو غفلة من زوجها أتتني فحدثتني وحدثتها كما رأيت من سلامة النية وطهارة الفؤاد، وقد ~~آليت على نفسي ألا أعيش بعدها، فأسألك بالحرمة بيننا إذا أنا مت فالففني وإياها بهذا ~~الثوب وادفنا في مكاننا هنا، واكتب على قبرنا هذا الشعر: # كنا على ظهرها والدهر في مهل # والعيش يجمعنا والدار والوطن # ففرق الدهر بالتصريف فرقتنا # فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن # ثم اتكأ على سيفه فخرج من ظهره فسقط ميتا، فلففتهما في الثوب وحفرت لهما فدفنتهما في ~~قبر واحد وكتبت عليه كما أمرني. # | عبد الله بن المعمر وعتبة وريا بنت الغطريف # قال عبد الله بن معمر: حججت سنة إلى بيت الله الحرام، فلما قضيت حجي عدت إلى زيارة ~~قبر النبي، فبينما أنا ذات ليلة جالس في الروضة بين القبر والمنبر إذ سمعت أنينا ~~رقيقا بصوت رخيم، فأنصت إليه وإذا هو يقول: # أشجاك نوح حمائم السدر # فأثار منك بلابل الصدر # أم ساء حالك ذكر غانية # أهدت إليك وساوس الفكر # يا ليلة طالت على دنف # يشكو الغرام وقلة الصبر # أسهرت من يصلى بحر جوى # متوقد ms114 كتوقد الجمر # فالبدر يشهد أنني كلف # صب بحب شبيهة البدر # ما كنت أحسب أنني كلف # حتى بليت وكنت لا أدري # ثم انقطع صوته ولم أدر من أين جاءني، فبقيت حائرا، وإذا به أعاد الأنين وأنشد ~~يقول: # أشجاك من ريا خيال زائر # والليل مسود الذوائب عاكر # واعتاد مقلتك الهوى بسهاده # وأهاج مهجتك الخيال الزائر # ناديت ليلي والظلام كأنه # بحر تلاطم فيه موج زاخر # يا ليل طلت على محب ما له # إلا الصباح مساعد وموازر # فأجابني لا تشكون إطالتي # إن الهوى لهو الهوان الحاضر # فنهضت إليه عند ذلك أقصد جهة الصوت، فرأيته غلاما في غاية الجمال لم ينبت له عذار ~~بعد، فقلت له: نعمت غلاما، فقال: ومن أنت؟ قلت: عبد الله بن معمر القسيس، قال: أفلك ~~حاجة؟ قلت له: كنت جالسا في الروضة فما راعني هذه الليلة إلا صوتك، فبنفسي أفديك ما ~~الذي تجده؟ قال: اجلس، فجلست، قال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر الأنصاري غدوت إلى ~~مسجد الأحزاب فبقيت راكعا وساجدا، ثم اعتزلت أتعبد وإذا بنسوة يتهادين كالأقمار وفي ~~وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة فوقفت علي وقالت: يا عتبة، ما تقول في وصل من ~~يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت، فلم أسمع لها خبرا ولا وقفت لها على أثر، وها أنا حيران ~~أنتقل من مكان إلى مكان، وصرخ وانكب على الأرض مغشيا عليه، ثم أفاق كأنما صبغت ~~ديباجة خديه وأنشأ يقول: # أراكم بقلبي من بلاد بعيدة # تراكم تروني بالقلوب على بعد # فؤادي وطرفي يأسفان عليكم # وعنكم روحي وذكركم عندي # ولست ألذ العيش حتى أراكم # ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد # فقلت له: يا عتبة، يا بن أخي تب إلى ربك واستغفر من ذنبك، فإن بين يديك هول الموقف، ~~فقال: هيهات! ما أنا سال حتى يئوب القارظان، ولم أزل معه حتى طلع الفجر، فقلت له: قم ~~بنا إلى المسجد، فقام فجلسنا فيه حتى صلينا وإذا بالنسوة قد أقبلن، وأما الجارية فليست ~~فيهن، فقلن: ما ظنك بطالبة وصلك، قال: وما بالها؟ قلن ms115 : أخذها أبوها وارتحل إلى السماوة، ~~فسألتهن عن اسم الجارية فقلن: ريا بنت الغطريف السليمي، فرفع رأسه وأنشد: # خليلي ريا قد أجد بكورها # وسارت إلى الأرض السماوة عيرها # خليلي إني قد غشيت من البكا # فهل عند غيري عبرة أستعيرها # فقلت له: يا عتبة، إني وردت بمال جزيل أريد به ستر أهل المروءة، لأبذلنه أمامك حتى ~~تبلغ رضاك وفوق الرضا، فقم بنا إلى مجلس الأنصار، فقمنا حتى أشرفنا على ملئهم، فسلمت ~~عليهم، فأحسنوا الرد، ثم قلت: أيها الملأ، ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات ~~العرب، قلت: اعلموا أنه رمي بداهية الهوى، فأريد منكم المساعدة إلى السماوة، فقالوا: ~~سمعا وطاعة، فركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على مكان بني سليم، فعلم الغطريف ~~بمكاننا فخرج مبادرا واستقبلنا وقال: حييتم يا كرام، فقلنا له: وأنت حييت، إنا لك ~~أضياف، فقال: نزلتم بأكرم منزل رحب، فنزل ثم نادى: يا معشر العبيد انزلوا، فنزلت العبيد ~~وفرشت الأنطاع والنمارق وذبحت النعم والغنم، فقلنا: نحن لا نذوق طعامك حتى تقضي لنا ~~حاجتنا، قال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب ابنتك الكريمة لعتبة بن الحباب بن المنذر العالي ~~الفخر الطيب العنصر، فقال: يا إخواني، إن التي تخطبونها أمرها لنفسها وأنا أدخل ~~وأخبرها، ثم نهض مغضبا ودخل إلى ريا، فقالت: يا أبت، ما لي أرى الغضب بائنا عليك، ~~فقال: ورد علي قوم من الأنصار يخطبونك مني، فقالت: سادات كرام استغفر لهم النبي عليه ~~السلام، فلمن الخطبة فيهم؟ فقال لها: لفتى يعرف بعتبة بن الحباب، قالت: سمعت عن عتبة ~~هذا أنه يفي بما وعد ويدرك ما طلب، فقال: أقسمت لا أزوجك به أبدا، فقد نمى إلي بعض ~~حديثك معه، قالت: ما كان ذلك، ولكن أقسمت أن الأنصار لا يردون مردا قبيحا فأحسن لهم ~~الرد، قال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر فإنهم يرجعون، قال: ما أحسن ما قلت، ثم ~~خرج مبادرا فقال: إن فتاة الحي قد أجابت ولكن تريد لها مهرا لائقا بها، فمن القائم ~~به؟ فقلت: أنا، قال: أريد لها مهرا ms116 ألف أسوار من الذهب الأحمر وخمسة آلاف درهم من ضرب ~~هجر ومائة ثوب من الأبراد وخمسة أكرسة من العنبر، فهل أجبت؟ فقلت: أجبت، وأنفذت نفرا ~~من الأنصار إلى المدينة المنورة فأتوا بجميع ما ضمنه، وذبحت النعم والغنم واجتمع الناس ~~لأكل الطعام، فأقمنا على هذه الحال أربعين يوما، ثم قال: خذوا فتاتكم فحملناها على ~~هودج وجهزها بثلاثين راحلة من التحف، ثم ودعنا وانصرف، وسرنا حتى بقي بيننا وبين ~~المدينة المنورة مرحلة ثم خرجت علينا خيل تريد الغارة فحمل عليها عتبة بن الحباب فقتل ~~عدة رجال وانحرف وبه طعنة ثم سقط إلى الأرض، وأتتنا النصرة من سكان تلك الأرض فطردوا ~~عنا الخيل وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: واعتباه، فسمعت الجارية ذلك فألقت نفسها على ~~الناقة وانكبت عليه صائحة نائحة وأنشدت تقول هذه الأبيات: # تصبرت لا أني صبرت وإنما # أعلل نفسي أنها بك لاحقه # ولو أنصفت روحي لكانت إلى الردى # أمامك من دون البرية سابقه # فما أحد بعدي وبعدك منصف # خليلا ولا نفس لنفسي موافقه # ثم شهقت شهقة واحدة وأسلمت الروح، فحفرنا لهما قبرا واحدا وواريناهما التراب، ورجعت ~~إلى ديار قومي وأقمت فيها سبع سنين، ثم عدت إلى الحجاز ودخلت المدينة المنورة للزيارة، ~~فقلت: لأعودن إلى قبر عتبة، فأتيت إليه فإذا عليه شجرة عالية عليها عصائب لطيفة ~~الألوان، فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ فقالوا: شجرة العروسين، فأقمت عند ~~القبر يوما وليلة وانصرفت. # | مصرع ثلاثة عشاق في يوم واحد # كانت فتاة جميلة تهوى شابا لطيفا للغاية، وكان الشاب يهوى قينة بديعة الصوت فتانة ~~الملامح لها معرفة بتلك الفتاة، فبينما كانت تلك القينة في مجلس مع الشاب أنشدت له هذين ~~البيتين: # علامات ذل الهوى # على العاشقين البكا # ولا سيما عاشق # إذا لم يجد مشتكى # فقال لها الشاب: أحسنت يا سيدتي، أفتأذنين لي أن أموت؟ فقالت له القينة: نعم، إن كنت ~~عاشقا فمت، فوضع الشاب رأسه على وسادة وأغمض عينيه، فحركوه فإذا به ميت، ولما سمعت ~~الفتاة التي تهواه بخبر موت حبيبها توسدت على ms117 منواله فحركوها فإذا بها ميتة، فجهزوها ~~مع الشاب وساروا في جنازتهما، فبينما هم في الطريق رأوا جنازة ثالثة فسألوا عنها فإذا ~~هي جنازة القينة، فدفنوا الثلاثة في يوم واحد. # | غسان بن جهضم وزوجته أم عقبة # كان غسان بن جهضم مفتونا بحب ابنة عمه أم عقبة، وكانت من أجمل النساء وأحسنهن ~~وأفضلهن خصالا، فلما حضرته الوفاة جعل ينظر إليها ويبكي، ثم قال لها: إني منشدك ~~أبياتا أسألك فيها عما تصنعين بعدي وأرجوك أن تصدقيني، فقالت: قل فوالله لا أكذبك ~~أمرا، فأنشد: # أخبري بالذي تريدين بعدي # ما الذي تضمرين يا أم عقبه # تحفظيني من بعد موتي لما قد # كان مني من حسن خلق وصحبه # أم تريدين ذا جمال ومال # وأنا في التراب رهن سجن وغربه # فأجابته: # قد سمعنا الذي تقول وما قد # خفته يا خليل من أم عقبه # سوف أبكيك ما حييت شجوا # بمراث أقولها وبندبه # فقال: # أنا والله واثق بك لكن # ربما خفت منك غدر النساء # بعد موت الأزواج يا خير من عو # شر فارعي حقي بحسن وفاء # إنني قد رجوت أن تحفظي العهد # فكوني إذا مت عند رجائي # فلما مات توافد عليها الخطاب، فقالت: # سأحفظ غسانا على بعد داره # وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر # وإني لفي شغل عن الناس كلهم # فكفوا فما مثلي من الناس يغدر # سأبكي عليه ما حييت بعبرة # تسيل على الخدين مني فيكثر # فلما طالت الأيام وكثر إلحاح الناس أجابت الخاطب، فلما كانت الليلة التي زفت بها ~~جاءها غسان في النوم فأنشد: # غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة # ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا # ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب # حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا # غدرت به لما ثوي في ضريحه # كذلك ينسى كل من سكن اللحدا # فانتبهت مرعوبة كأنما كان معها، فقالت لها النساء: ما دهاك؟ قالت: ما ترك غسان لي في ~~الحياة إربا ولا في السرور رغبة، أتاني في المنام فأنشدني هذه الأبيات، ثم جعلت ترددها ~~وتبكي، فشاغلنها بالحديث، فلما غفلن عنها أخذت شفرة فذبحت نفسها ms118 ووفت لزوجها. # | شهيدة الوفاء # اتهمت الحكومة امرأة بقتل زوجها لعدم معرفتها أين مقره فدفعت للتعذيب وكانت بريئة، ~~فأذعنت إلى ذاك الحكم دون أن تبرئ نفسها لأنها قد سئمت حياتها بعده، فشنقوها، وبعد ~~يومين عاد زوجها وطالب بحقوق امرأته فكذبوه، فبرهن على أنه زوجها، فلم ينظروا إلى ~~كلامه، فسار هائما على وجهه يائسا من الحياة. # | شهيدة الحب # منظومة بقلم جامع الكتاب # لله موقف غادة # عبثت بمهجتها الشجون # لعب الهوى بفؤادها # غصنا تتيه على الغصون # فتقصفت أوراقها # حتى علا منها الأنين # ما تلك أوراق جنتها # قط أيدي الغارسين # حتى تعود فتنجلي # للعين زهراء الجبين # تلك الجوارح إنما # رقت لتكسير الجفون # فجنى عليها الوجد ما # لم تجنه نبل العيون # من نظرة قد غادرت # في قلبها السهم المكين # سهم بدا عن قوس حا # جب أهيف يرمي الفتون # فغدت تقول بلوعة # أماه هلا تعلمين # قد جاءني وحي الخفا # أني سأقضي بعد حين # فحنت عليها أمها # تبكي بكاء الخائفين # بيد تضم فؤادها # كالطير ضمته الغصون # وغدت تقول بلهفة # لله ما هذي الظنون # ما أنت إلا وردة # حجبت فأنى تقطفين # تحيين ما بكت السحا # ئب أو جرت ماء العيون # فبكت بنيتها بدمع # هاجه الداء الدفين # وثنت غصين قوامها # تشكو ولكن لا معين # وتقول من وله إل # هي ارحم قلوب العاشقين # واغفر لهم زلاتهم # فلأنت خير الغافرين # حتى إذا بسم الصبا # ح وفتحت منه الجفون # نظرت فخالج طرفها # شبح رأته منذ حين # فدنت بجاذب شوقها # حتى إذا التقت العيون # ورأت حبيب فؤادها # يدنو وتحجبه الغصون # قالت وقد نشر الحيا # ء لواءه فوق الجبين # أهلا بمن ملك الفؤا # د هواه دون العالمين # فأجابها ذاك الفتى # فرحا بلقياها حزين ... # يا من حوت ورد الريا # ض بخدها الباهي المصون # من لي بأن يبني الهوى # منا على عهد متين # فتعاهدا حتى إذا # وافى حماها بعد حين # نظر الفتى في وجهها # دمعا فهاجته الشجون # وارتاب في حب الفتا # ة له وراعته الظنون # ورنا إليها قائلا # بالله ماذا تشتكين # قالت وقد بسط المما # ت ms119 جناحه فوق الجبين # أشكو شرابا صبه # الرحمن في كأس المنون # وأتت به الأقدار تس # عى نحو ذا القلب الحزين # فبكى الفتى جزعا وصا # ح بلهفة أنى يكون ... # أبيقظة يا أذن أم # في الحلم ما قد تسمعين # فأجابه من عالم النج # وى لسان العاشقين # هيهات قد حكم القضا # ء وذاك أقوى الحاكمين # بجنى غصين قد حلا # منه الجنى دون الغصون # فاصبر على بلواك إن # الله يجزي الصابرين # فجثا الفتى جزعا وصا # ح حبيبتي هل تسمعين # لا لا فذاك يروع قل # بك ذكره لو تعلمين # ما زلت في مهد الصبا # من روض حسنك ترتعين # فبكت حبيبته وقا # لت تلك يا قلبي ظنون # فادن حبيبي للوداع # قبيل أن يدنو المنون # ويروع قلبينا بنأي # لا لقاء له يكون # فبكى وقال حبيبتي # بالله ماذا تكتمين # وأراد تخفيف الجوى # منها وإبداء الحنين # وإذا بها سقطت تجل # لل ورد خديها الغصون # فدنا ينازعها الفنا # ندما ولكن لات حين ... # ويقول يا عذراء رف # قا بي وبالقلب الحزين # حتى إذا هدأ الظلا # م وعم في الأرض السكون # سمع الفتى من نحوها # صوتا يخامره الأنين # وهتاف وحي قائل # وا رحمتا للعاشقين ms120