######OpenITI# #META# URI: 1376IbrahimZaydan.NawadirKhulafa.Hindawi82863627 #META# Tags: literature #META# ID: 82863627 #META# Title: نوادر الخلفاء #META# AuthorID: 50824950 #META# Author: إبراهيم زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # نوادر الخلفاء‏ # نوادر الخلفاء‏ # | نوادر الخلفاء # | نوادر الخلفاء # تأليف # إبراهيم زيدان # | نوادر الخلفاء # (1) إبراهيم بن المهدي والمأمون # 1 # إن إبراهيم بن المهدي أخا هارون الرشيد، لما آلت ~~الخلافة إلى المأمون - ابن أخيه هارون الرشيد - لم ~~يوافق على ذلك، وذهب إلى بلدة «الري» وادعى فيها ~~الخلافة لنفسه، وأقام فيها نحو سنتين، وابن أخيه ~~المأمون ينتظر منه الطاعة والانتظام في سلك ~~الجماعة حتى يئس من عودته. # فركب وذهب بجيشه إلى «الري» وحاصرها وافتتحها ~~ودخلها؛ فخاف إبراهيم بن المهدي وخرج مسرعا من ~~داره عند الظهر، وهو لا يدري إلى أين يذهب! # وكان المأمون قد جعل لمن أتاه به مائة ألف درهم، ~~وفيما كان إبراهيم سائرا في الطريق رأى زقاقا فمشى ~~فيه، فوجده غير نافذ، فقال: إن رجعت يرتاب الناس في ~~أمري، والشارع غير نافذ، فما الحيلة؟! # 2 # ثم نظرت فرأيت في صدر الشارع عبدا أسود واقفا ~~على باب بيته، فتقدمت إليه، وقلت له: هل عندك ~~موضع أقيم فيه ساعة من النهار؟ قال: نعم. وفتح الباب، ~~فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصير وبساط ووسادة نظيفة، ~~ثم أغلق العبد علي الباب وذهب. # فخطر لي أنه سمع بالمكافأة التي خصصها المأمون ~~لمن يجيئه بي، وطمع بها وخرج ليدله علي، فبقيت ~~خائفا حائرا في أمري، وبينما كنت أفكر في ذلك إذ ~~جاءني العبد ومعه حمال يحمل كل ما يحتاج إليه من ~~خبز ولحم وفاكهة، فأنزلها عن ظهر الحمال وقال له: ~~امض بخير. فخرج وأقفل وراءه باب الدار. # ثم جاءني العبد وقال لي: جعلت فداك يا مولاي، إني ~~رجل فقير، وأعلم أنك ربما تجنبت قذارتي؛ فأتيتك ~~بأشياء من خارج البيت. # 3 # قال إبراهيم: وكنت شديد الجوع وبي حاجة عظيمة إلى ~~الطعام، فطنخت لنفسي قدرا لم أدر أني أكلت ألذ ~~منها في حياتي، فلما انتهيت من الطعام، قال لي ~~العبد: هل لك يا مولاي في شراب يزيل الهم؟ قلت: لا ~~بأس، فإني أرغب في مؤانستك. # فمضى وجاءني بشراب معطر، ثم قدم لي بعض الفاكهة، ~~وقال لي: أتأذن لي يا ms01 مولاي بالجلوس بجانبك ؟ فقلت ~~له: اجلس، ثم فتح خزانة، وأحضر منها عودا، وقال لي: ~~لا أجسر أن أطلب منك الغناء، فهل تسمح لي يا مولاي ~~أن أغني؟ فقلت له: ومن أين علمت أني أحسن ~~الغناء؟ # فقال: سبحان الله! مولاي أشهر من أن يخفى، ألست ~~أنت سيدي إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس، ~~والذي جعل المأمون لمن دله عليه مائة ألف ~~درهم؟! # 4 # فلما سمعت ذلك عظم الرجل في عيني، وثبتت لي ~~مروءته، فتناولت العود، وقد تذكرت فراق أهلي ~~وأولادي ووطني؛ فغنيت: # وعسى الذي أهدى ليوسف أهله # وأعزه في السجن وهو أسير # أن يستجيب لنا ويجمع شملنا # والله رب العالمين قدير # فطرب، وقال: أتأذن لي يا مولاي أن أغني ما خطر ~~ببالي؟ وإن كنت من غير أهل هذا الفن! فقلت: وهذا ~~من زيادة أدبك ومروءتك، فأخذ العود وأنشد: # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها: إن الكرام قليل # فطربت، ونمت، ولم أستيقظ إلا بعد العشاء، فعدت ~~أفكر في كرم هذا الرجل وحسن أدبه، فقمت وأخذت ~~كيسا كان معي فيه دنانير، فقدمته له، وقلت: ~~أستودعك الله، وأسألك أن تقبل مني هذه ~~الهدية. # فرفض أخذها وأعادها إلي قائلا: يا مولاي، إننا ~~نحن الصعاليك لا قدر لنا عندكم، فهل آخذ مكافأة على ~~ما وهبني إياه الزمان؟! إن قربك وتشريفك منزلي ~~أعظم من الغنى، والله لو راجعتني بها لقتلت ~~نفسي! # 5 # فأعدت الكيس وانصرفت، ولما وصلت إلى الباب قال لي: ~~يا سيدي، إن هذا المكان أخفى لك من غيره، فابق عندي ~~إلى أن يفرج الله عنك. فقلت له: بشرط أن تصرف مما ~~في الكيس. فتظاهر بالقبول، فأقمت عنده أياما وأنا ~~على تلك الحالة في ألذ عيش، وهو لم يصرف من الكيس ~~شيئا. # فتضايقت من البقاء في بيته وخفت من التثقيل عليه؛ ~~فلبست زي النساء وودعته وخرجت، فلما صرت في ~~الطريق داخلني من الخوف أمر شديد وجئت لأعبر ~~الجسر، فنظرني جندي كان يخدمني، فصاح قائلا: هذا ~~حاجة المأمون. وقبض علي، فدفعته هو وفرسه؛ فوقعا ~~في حفرة. # فتجمع الناس ms02 عليه، فأسرعت في المشي حتى قطعت ~~الجسر، فدخلت شارعا فوجدت باب منزل وامرأة واقفة ~~في الدهليز، فقلت لها: يا سيدة النساء، أنقذي حياتي؛ ~~فإني رجل خائف. فقالت: على الرحب والسعة، وأطلعتني ~~إلي غرفة مفروشة وقدمت لي طعاما، وقالت: لا تخف؛ ~~فما علم بك أحد. # فبينما هي كذلك إذا بالباب يطرق طرقا شديدا؛ ~~فخرجت وفتحت الباب، وإذا بالجندي الذي دفعته على ~~الجسر وهو مجروح الرأس، ودمه يسيل على ثيابه، وليس ~~معه فرس. فقالت: يا هذا، ماذا أصابك؟ قال: إني حصلت ~~على الغنى وأفلت مني، وأخبرها بما جرى له، فأخرجت ~~له عصابة عصبت بها رأسه وفرشت له فنام. # 6 # فطلعت إلي وقالت: أظن أنك أنت صاحب القصة. ~~فقلت لها: نعم. فقالت: لا بأس عليك، فلا تخف. فأقمت ~~عندها ثلاثة أيام، ثم قالت لي: إني أخاف عليك من ~~هذا الرجل، وأشارت إلى زوجها؛ لئلا يراك فيبلغ ~~عنك، فأرى أن تنجو بنفسك. فسألتها المهلة إلى ~~الليل، فقالت: لا بأس بذلك. # فلما جاء الليل لبست زي النساء، وخرجت من عندها، ~~وأتيت إلى بيت جارية لي، فلما رأتني بكت وتوجعت ~~وحمدت الله على سلامتي وخرجت، وهي توهمني أنها ~~ذاهبة إلى السوق للاهتمام بالضيافة، وظننت بها ~~خيرا. # ولم يمض قليل حتى رأيت إبراهيم الموصلي قد ~~أقبل بجنوده، والجارية معه، فأسلمتني إليه، ~~فرأيت الموت عيانا، فحملوني بالزي الذي أنا فيه إلى ~~المأمون، فعقد مجلسا عاما وأدخلني إليه. # فلما وقفت بين يديه سلمت عليه بالخلافة، فقال: ~~لا حياك الله ولا رعاك. فقلت له: مهلا يا أمير ~~المؤمنين، إن ذنبي يستوجب القصاص، ولكن العفو من ~~شأن الكرام، وقد جعلك فوق كل عفو، كما جعل ذنبي ~~فوق كل ذنب، فإن تقتل فبعدلك، وإن تعف فمن ~~فضلك، ثم أنشدت: # ذنبي إليك عظيم # وأنت أعظم منه # فخذ بحقك أو لا # فاصفح بحلمك عنه # 1 # إن لم أكن عند فعلي # بين الكرام فكنه # فرفع المأمون رأسه، ونظر إلي، فعاجلته ~~قائلا: # أتيت ذنبا عظيما # وأنت للعفو أهل # فإن عفوت فمن # 2 # وإن قتلت فعدل # فرق ms03 لي المأمون وابتسم في وجهي، ثم نظر إلى ~~العباس وأخيه أبي الحسن وجميع من حضر من خاصته، ~~وقال لهم: ماذا ترون في أمره؟ فأشار كل منهم ~~بقتلي. # 7 # فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ماذا تقول يا ~~أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن قتلته فقد وجدنا ~~مثلك قد قتل مثله، وإن عفوت عنه لم نجد مثلك قد ~~عفا عن مثله. فأطرق المأمون رأسه إلى الأرض ساعة، ~~ثم رفعه وأنشد: # قومي هم قتلوا الأمين أخي # فإذا رميت يصيبني سهمي # فأحنيت رأسي، وكبرت فرحا، وقلت: عفا والله أمير ~~المؤمنين. فقال المأمون: لا بأس عليك يا عماه. ~~فقلت: يا أمير المؤمنين، ذنبي أعظم من أن أطلب منك ~~العذر، وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر. فقال ~~المأمون: لا لوم عليك، وقد عفوت عنك وأعدت إليك ~~مالك وضياعك كلها؛ فقبلت الأرض، وأنشدت: # فقال المأمون: لا لوم عليك، ~~وقد عفوت عنك. # رددت مالي ولم تبخل علي به # وقبل ردك مالي قد حقنت دمي # 3 # فقال المأمون: إن من الكلام ما هو أغلى من ~~الجواهر. ثم قدم لي الهدايا، وقال: يا عم، إن أبا ~~إسحاق وأخي العباس أشارا علي بقتلك. فقلت له: ~~إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين، ولكنك فعلت بما ~~أنت أهله. فقال المأمون: قد عفوت عنك، ولم أذقك ~~مرارة شفاعة الشافعين. # 4 # 8 # ثم إن المأمون سجد وقبل الأرض ورفع رأسه وقال ~~لي: يا عم، أتدري لماذا سجدت وقبلت الأرض؟ # فقلت: نعم، أظنه شكرا لله تعالى الذي ساعدك على الظفر # 5 # بعدو دولتك. فقال: ما أردت هذا، ولكن شكرا ~~لله تعالى الذي ألهمني العفو عنك، فحدثني الآن عما ~~جرى لك مدة اختفائك. # فشرحت له ما جرى لي مع العبد والجندي وامرأته، ~~وما جرى لي مع جاريتي، فأمر بإحضارهم، فدعا جاريتي - ~~وكانت تنتظر الجائزة - فقال لها: ما حملك على ما ~~فعلت بسيدك؟ فقالت: الرغبة في المال. فقال لها ~~المأمون: هل لك ولد وزوج؟ قالت: لا. فأمر بضربها ~~مائة سوط. # 6 # ثم أحضر الجندي وامرأته والعبد، فسأل ms04 الجندي: ~~ما حمله على ما فعل؟ فقال: الرغبة في المال. فقال له ~~المأمون: أمرنا بطردك من الجندية. ثم أكرم ~~زوجته وأمر بدخولها قصره، وقال: هذه تصلح ~~للمهمات. ثم التفت إلى العبد وقال: لقد ظهر من ~~مروءتك ما يوجب المبالغة في إكرامك. وسلم إليه دار ~~الجندي بما فيها، وخصص له ألف دينار كل سنة. ~~«والعفو من شيم الكرام، ولا بد أن تجزى المروءة ~~بمثلها.» ~~(2) جعفر والرشيد # أرق الرشيد ذات ليلة أرقا شديدا؛ فاستدعى جعفرا، ~~وقال: أريد منك أن تزيل ما بقلبي من الضجر. فقال ~~الوزير: يا أمير المؤمنين، كيف يكون على قلبك ضجر، وقد ~~خلق الله أشياء كثيرة تزيل الهم عن المهموم، وأنت ~~قادر عليها؟ فقال الرشيد: وما هي يا جعفر؟ # فقال له: قم بنا الآن حتى نطلع إلى فوق سطح هذا ~~القصر؛ فنتفرج على النجوم واشتباكها وارتفاعها، ~~والقمر وحسن طلعته. # فقال الرشيد: يا جعفر، ما تميل نفسي إلى شيء من ذلك. ~~فقال: يا أمير المؤمنين، افتح شباك القصر الذي يطل ~~على البستان، وتفرج على حسن تلك الأشجار، واسمع صوت تغريد # 7 # الأطيار، وانظر إلى هدير الأنهار، # 8 # وشم روائح تلك الأزهار. فقال: يا جعفر، ما ~~تميل نفسي إلى شيء من ذلك. # فقال: يا أمير المؤمنين، افتح الشباك الذي يطل على ~~دجلة حتى تتفرج على تلك المراكب والملاحين، فهذا ~~يصفق، وهذا ينشد موالي. فقال الرشيد: ما تميل نفسي إلى ~~شيء من ذلك. قال جعفر: قم يا أمير المؤمنين حتى ننزل ~~إلى الاصطبل الخاص، وننظر إلى الخيل العربيات، ~~ونتفرج على حسن ألوانها ما بين أسود كالليل إذا ~~أظلم، وأشقر، وأحمر، وأبيض، وأصفر، وألوان تحير ~~العقول. فقال الرشيد: ما تميل نفسي إلى شيء من ذلك. # فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، ما بقي إلا ضرب عنق ~~مملوكك جعفر؛ فإني والله قد عجزت عن إزالة هم مولانا. ~~فضحك الرشيد، وطابت نفسه، وزال عنه الضجر. ~~«مباهج الطبيعة تشرح صدر المؤمن بقدرة الله.» ~~(3) مسلمة بن عبد الملك ونصيب الشاعر # قال مسلمة بن عبد الملك لنصيب الشاعر: هل ms05 مدحت ~~فلانا؟ وذكر له اسم أحد أقاربه. فقال نصيب: لقد فعلت. ~~فقال مسلمة: وهل حرمك من الجزاء؟ فقال نصيب: نعم، يا ~~أمير المؤمنين. قال مسلمة: فهل هجوته؟ فقال نصيب: لا، ~~يا أمير المؤمنين. # قال مسلمة: ولماذا لم تفعل وقد حرمك الجزاء؟ فقال ~~نصيب: لأني كنت أحق بالذم منه؛ لأني ظننته يستحق ~~مدحي. فأعجب به مسلمة، وقال: اسألني يا نصيب. فقال ~~نصيب: إن كفك بالعطاء أجود من لساني يا أمير ~~المؤمنين. ~~«من مدح من لا يستحق المديح كان الأولى بلوم ~~نفسه.» ~~(4) المأمون والصائغ # حدث سليمان الوراق قال: ما رأيت أعظم حلما من ~~المأمون، دخلت عليه يوما وفي يده فص مستطيل من ياقوت ~~أحمر، له شعاع قد أضاء له المجلس، وهو يقلبه بيده ~~ويستحسنه، ثم دعا برجل صائغ وقال له: اصنع بهذا ~~الفص كذا وكذا، وأحلل فيه كذا وكذا، وعرفه كيف يعمل ~~به، فأخذه الصائغ وانصرف. # ثم عدت إلى المأمون بعد ثلاثة أيام، فتذكره ~~فاستدعى بالصائغ، فأتي به وهو خائف وقد اصفر لونه، ~~فقال المأمون: ما فعلت بالفص؟ فارتبك الرجل ولم ينطق ~~بكلام، ففهم المأمون بالفراسة أنه حصل فيه خلل، ~~فولى وجهه عنه حتى هدأ باله. # ثم التفت إليه وأعاد القول، فقال: الأمان يا أمير ~~المؤمنين. قال: لك الأمان. فأخرج الفص أربع قطع، ~~وقال: يا أمير المؤمنين، سقط من يدي على السندان، فصار ~~كما ترى. فقال المأمون: لا بأس عليك، اصنع به أربع ~~خواتم. وألطف في الكلام، حتى ظننت أنه كان يشتهي ~~الفص على أربع قطع، فلما خرج الرجل من عنده قال: ~~أتدرون كم قيمة هذا الفص؟ قلنا: لا. قال: اشتراه الرشيد ~~بمائة وعشرين ألفا. ~~«الحلم سيد الأخلاق.» ~~(5) المأمون وراثي البرامكة # 1 # قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلة، وقد ~~مضى من الليل ثلثه، فقال لي: خذ معك فلانا وفلانا - ~~وسماهما لي؛ أحدهما علي بن محمد، والآخر دينار ~~الخادم - واذهب مسرعا لما أقول لك؛ فقد بلغني أن ~~شيخا يحضر ليلا إلى آثار دور البرامكة، وينشد شعرا ~~يذكرهم ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف، ms06 فامض ~~أنت وعلي ودينار حتى تصلوا إلى تلك الخربات ~~فاستتروا وراء بعض جدرانها، فإذا رأيتم الشيخ قد ~~جاء وندب وأنشد أبياتا فأتوني به. # فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخربات، فإذا بغلام ~~قد أتى ومعه بساط وكرسي من حديد برفقته شيخ جميل ~~الطلعة لطيف مهذب، فجلس على الكرسي وجعل يبكي ~~ويقول هذه الأبيات: # ولما رأيت السيف جندل # 9 # جعفرا # ونادى مناد للخليفة في يحيى # بكيت على الدنيا وزاد تأسفي # عليهم، وقلت: الآن لا تنفع ~~الدنيا # مع أبيات أطالها. فلما فرغ قبضنا عليه، وقلنا له: ~~أجب أمير المؤمنين. ففزع فزعا شديدا، وقال: دعوني ~~حتى أوصي بوصية؛ فإني لا أضمن بعدها حياتي. ثم ~~تقدم إلي بعض الدكاكين وأخذ ورقة وكتب فيها وصية ~~وسلمها إلى غلامه، ثم سرنا به، فلما وقف بين يدي ~~أمير المؤمنين قال لي: من أنت؟ وبما استوجبت منك ~~البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟ # قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيدي ~~خطيرة عندي، فأذن لي أن أحدثك بحالي معهم. قال: قل. ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أنا المنذر بن المغيرة من ~~أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي، فلما ركبني ~~الدين واحتجت إلى بيع مسقط رأسي، أشار علي الأهل ~~بالخروج إلى البرامكة. # 2 # فخرجت من دمشق مع ثلاثين رجلا من أهلي، وليس ~~معنا ما يباع أو يوهب حتى دخلنا بغداد، ونزلنا في ~~بعض المساجد فاستترت بثياب أعددتها، وتركتهم ~~جياعا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلا عن ~~البرامكة، فإذا أنا بجامع مزخرف يغص بالجلوس وفي ~~جانبه شيخ بأحسن زي وزينة، وعلى الباب خادمان، ~~فطفت في القوم، ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم، ~~وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، والعرق يسيل مني؛ ~~لأنها لم تكن صنعتي، وإذا بالخادم مقبلا يدعو ~~القوم؛ فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد، ~~فدخلت معهم، وإذا بدكة له وسط بستان، فسلمنا ~~وهو يعدنا مائة وواحدا، وبين يديه عشرة من ~~أولاده. # وإذا بمائة واثني عشر خادما قد أقبلوا، ومع كل ~~خادم صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبون ~~الدنانير في أكمامهم، ويجعلون ms07 الصواني تحت آباطهم، ~~يقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ ~~الصينية، فغمزني الخادم؛ فجسرت وأخذتها، وجعلت ~~الذهب في كمي والصينية في يدي، وقمت وأنا أتلفت ~~إلى وراءي؛ مخافة أن أمنع من الذهاب، فوصلت إلى صحن ~~الدار ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا ~~الرجل؛ فأتى بي، فقال: ما لي أراك تتلفت يمينا ~~وشمالا؟ فقصصت عليه قصتي. # فقال للخادم: ائتني بولدي موسى؛ فأتاه به، فقال له: ~~يا بني، هذا رجل غريب، خذه إليك واحفظه بنفسك ~~ونعمتك. فقبض موسى ولده على يدي، وأدخلني إلى دار ~~له، فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي ~~وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا ~~بأخيه العباس وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا ~~الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين، ~~فاقبله عندك وأكرمه، ففعل ذلك وأكرمني غاية ~~الإكرام، وفي الغد سلمني لأخيه أحمد، ولم أزل في ~~أيدي القوم يتداولونني تباعا مدة عشرة أيام لا ~~أعرف شيئا عن عيالي، أمواتا هم أم أحياء. # 3 # فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة ~~من الخدم، فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام. فقلت: ~~ويلاه! سلبت الدنانير والصينية، وأخرج على هذه ~~الحالة، إنا لله وإنا إليه راجعون! فرفع الستر ~~الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع ~~الخادم الأخير، قال لي: مهما كان لك من الحوائج ~~فارفعها إلي؛ فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، ~~فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حسنا ~~ونورا، واستقبلتني منها رائحة الند والعود ونفحات ~~المسك. # وإذا بصبياني وعيالي ~~يتقلبون في الحرير والديباج. # وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير، وحمل ~~إلي عشرة آلاف دينار ومنشورا بضيعتين وتلك ~~الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير. ~~وأقمت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث ~~عشرة سنة، لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل ~~غريب. فلما دهتهم البلية ونزل بهم ما نزل من ~~الرشيد ألزمني عمرو بن مسعدة بدفع خراج # 10 # على هاتين الضيعتين لا يفي دخلهما به، فلما ms08 ~~تحامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد خربات ~~دورهم، فأندبهم وأذكر حسن صنعهم إلي وأبكي على ~~إحسانهم. # قال المأمون: ائتوني بعمرو بن مسعدة، فلما أتي ~~به، قال له: أتعرف هذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، ~~هو بعض صنائع البرامكة، قال كذا وكذا. فقال له: رد ~~إليه كل ما أخذته منه في مدته؛ ليكون له ~~ولأولاده من بعده. وللحال علا نحيب # 11 # الرجل. # فلما رأى المأمون كثرة بكائه؛ قال له: يا هذا، قد ~~أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا ~~أيضا من صنيع البرامكة، لو لم آت خرباتهم فأبكيهم ~~وأندبهم لما اتصل خبري إلى أمير المؤمنين، ففعل بي ~~ما فعل. # فما كاد ينتهي من كلامه حتى فاضت عبرات # 12 # المأمون، وظهر عليه الحزن، وقال: لعمري، هذا ~~من صنيع البرامكة، فعلى مثلهم يبكى وإياهم يشكر ~~ولهم يوفى ولإحسانهم يذكر. ~~«يموت الكريم وذكره حي بين من شملهم ~~إحسانه.» ~~(6) هارون الرشيد وأحد الكرماء # 1 # حكى الأصمعي قال: قصدت في بعض الأيام رجلا كنت ~~آتيه أحيانا كثيرة؛ لكرمه وجوده، فلما أتيت داره ~~وجدت على بابه بوابا، فمنعني من الدخول إليه، وقال ~~لي: والله يا أصمعي، ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك ~~إلا لرقة حاله وقصور يده، وما هو فيه من الضيق. ~~فقلت له: أريد أن أكتب له رقعة، # 13 # أتوصلها إليه؟ فقال: سمعا وطاعة. فأحضر لي ~~ورقة وقلما ودواة، فأخذت وكتبت له شعرا: # إذا كان الكريم له حجاب # فما فضل الكريم على اللئيم # ثم طويت الرقعة ودفعتها إلى الحاجب، وقلت له: ~~أوصل هذه الرقعة إليه. ففعل ومضى بالرقعة قليلا ~~ثم عاد إلي بالرقعة عينها وقد كتب تحت شعري ~~جوابا شعرا: # إذا كان الكريم قليل مال # تحجب بالحجاب عن الغريم # ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار، فتعجبت من ~~سخائه مع قلة ما بيده، فقلت في نفسي: والله، لأتحفن # 14 # هارون الرشيد بهذا الخبر، فانطلقت حتى أتيت ~~قصر الخلافة، فاستأذنت ودخلت فسلمت عليه ~~بالخلافة. # 2 # فلما رآني قال لي: من أين يا أصمعي؟ قلت: ms09 من عند ~~رجل من أكرم الأحياء من بعد أمير المؤمنين. قال: ~~ومن هو؟ فدفعت له الصرة وسردت عليه الخبر، فلما ~~رأى الصرة قال: هذه من بيت مالي ولا بد لي من ~~الرجل. فقلت: والله يا أمير المؤمنين، إني أستحي أن ~~أكون سبب كدره بإرسالك إليه. فقال: لا يغمك ذلك. ~~ثم التفت إلى بعض خاصته، وقال له: امض مع ~~الأصمعي، فإذا أراك دارا فادخل، وقل لصاحبه: أجب ~~أمير المؤمنين، ولتكن دعوتك له بلطافة من غير أن ~~تزعجه. # ولكني استحيت من الله تعالى ~~أن أعيد قاصدي إلا كما أعادني أمير ~~المؤمنين. # قال الأصمعي: فمضينا، ودعونا الرجل، فجاء ودخل ~~على أمير المؤمنين، وسلم بالخلافة، فقال له هارون ~~الرشيد: ألست أنت الذي وقفت لنا بالأمس، وشكوت لنا ~~رقة حالك، وقلت: إنك في ضيق شديد من الاحتياج؛ ~~فرحمناك، ووهبنا لك هذه الصرة؛ لتصلح بها حالك، ~~وقد قصدك الأصمعي ببيت من الشعر؛ فدفعتها ~~له؟ # فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، والله ما كذبت فيما ~~شكوته لأمير المؤمنين من رقة حالي وشدة احتياجي! ~~ولكني استحيت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلا كما ~~أعادني أمير المؤمنين. # فقال هارون الرشيد: لله در بطن أتاك! فما ولدت ~~العرب أكرم منك. ثم بالغ بإكرامه وخلع عليه # 15 # وجعله من خاصته. ~~«من تشبه بالكرام رغم فقره أغناه الله.» ~~(7) المهدي وإبراهيم بن طهمان # كان لإبراهيم بن طهمان جراية من بيت المال فاخرة، ~~وكان يسخر بذلك، فسئل يوما في مجلس الخليفة، فقال: لا ~~أدري. فقالوا: تأخذ في كل يوم كذا وكذا، ولا تحسن ~~مسألة! فقال: إنما أخذت على ما أحسن، ولو آخذ على ما ~~لا أحسن لفني بيت المال، ولا يفنى ما لا أدري. فأعجب ~~أمير المؤمنين جوابه، وأمر له بجائزة وزاد في ~~جرايته. ~~(8) المهدي وأبو العتاهية الشاعر # قال أشجع السلمي الشاعر المشهور: أذن الخليفة ~~المهدي للناس في الدخول عليه، فدخلنا مع أبي ~~العتاهية، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار ~~فقال لي: من هذا؟ فقلت: أبو العتاهية. فقال: أتراه ينشد ~~في هذا المحفل؟ ms10 فقلت: أحسبه سيفعل. قال: فأمره ~~المهدي؛ فأنشد: # أتته الخلافة منقادة # إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره # لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه جميع القلوب # لما قبل الله أعمالها # فقال لي بشار: انظر، ويحك يا أشجع! هل طار الخليفة عن ~~فراشه؟ قال أشجع: فوالله، ما انصرف أحد عن ذلك المجلس ~~بجائزة غير أبي العتاهية. ~~(9) ذكاء المأمون # حكي أن أم جعفر عاتبت الرشيد في مدحه للمأمون دون ~~الأمين ولدها، فدعا خادما وقال له: وجه إلى الأمين ~~والمأمون خادما يقول لكل واحد منهما على الخلوة: ما ~~تفعل بي إذا أفضت # 16 # الخلافة إليك؟ فأما الأمين فقال للخادم: ~~أعطيك أرضا ومالا. # وأما المأمون فإنه قام إلى الخادم بدواة كانت بين ~~يديه وقال: أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير ~~المؤمنين، وخليفة رب العالمين؟! إني لأرجو أن نكون ~~جميعا فداء له. # فقال الرشيد لأم جعفر: كيف ترين؟ فسكتت عن ~~الجواب. ~~«من بر بوالديه استحق الجزاء في الدنيا ~~والآخرة.» ~~(10) عبيد الله والمتوكل # أبطأ عبيد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه ~~المتوكل يتعرف خبره، فكتب إليه: # عليل من مكانين # من الإفلاس والدين # ففي هذين لي شغل # وحسبي شغل هذين # فبعث إليه بألف دينار. ~~(11) المهدي وأبو دلامة # تواطأ أبو دلامة مع أم دلامة على أن يأتي هو ~~المهدي فينعيها، وتأتي على الخيزران فتنعيه. فأتى ~~أبو دلامة المهدي وهو يبكي. # فقال له: ما بالك؟ فقال: ماتت أم دلامة، وإني أحتاج ~~إلى تجهيزها. # 17 # فدفع له مالا. وأتت أم دلامة الخيزران وقالت: ~~إن أبا دلامة مضى لسبيله. # 18 # فاغتمت وأمرت لها بمال وأعطتها ثيابا وطيبا. ~~ولما دخل المهدي على الخيزران قالت له: يا أمير ~~المؤمنين، إن أبا دلامة مضى لسبيله، أبقى الله أمير ~~المؤمنين! وأم دلامة كانت عندي الساعة، فأعطيتها ~~التجهيز لزوجها. فقال المهدي: إن أم دلامة ماتت، ~~وكان عندي أبو دلامة الساعة، وأعطيته نفقة ~~تجهيزها. # فعجبا ولم يصدقا حتى ذهبا إليهما، فنظر المهدي ~~فإذا بهما طريحان في ms11 أرض الدار، فقال: لا بد من أن أم ~~دلامة ماتت قبل زوجها. قالت: بل أبو دلامة يا أمير ~~المؤمنين. قال: وكيف ذلك وقد رأيته الساعة؟! فلما ~~اشتد الخصام قال المهدي: أقسم بشرفي أن لمن أطلعني ~~على الحقيقة خمسة آلاف درهم. فنهض أبو دلامة وقال: أم ~~دلامة ماتت قبلي يا أمير المؤمنين. فضحك المهدي، ~~ودفع إليه المال. ~~(12) إجارة معن لرجل استجار به # 1 # روي أن أمير المؤمنين المنصور أمر بالقبض على ~~رجل كان يسعى بفساد دولته مع الخوارج من أهل ~~الكوفة، وجعل لمن دل عليه أو جاء به مائة ألف ~~درهم، ثم إن الرجل ظهر في بغداد، فبينما هو يمشي ~~مختفيا في بعض نواحيها رآه رجل من أهل الكوفة ~~فعرفه، فأخذ بمجامع ثيابه، وقال: هذا طلب أمير ~~المؤمنين. # فبينما الرجل على هذه الحالة إذ سمع وقع حوافر ~~الخيل؛ فالتفت فإذا معن بن زائدة، فاستغاث به وقال ~~له: أجرني، أجارك الله! فالتفت معن إلى الرجل ~~المتعلق به وقال له: ما شأنك وهذا؟ فقال له: إنه ~~طلب أمير المؤمنين الذي أمره بالقبض عليه، وجعل ~~لمن دل عليه مائة ألف درهم. فقال: دعه. وقال ~~لغلامه: انزل عن دابتك، واحمل الرجل عليها. فصاح ~~الرجل المتعلق به، وصرخ، واستجار بالناس، وقال: ~~أيحال بيني وبين بغية # 19 # أمير المؤمنين؟ فقال له معن: اذهب فقل ~~لأمير المؤمنين وأخبره أنه عندي. # فانطلق # 20 # الرجل إلى المنصور وأخبره، فأمر المنصور ~~بإحضار معن في الساعة، فلما وصل أمر المنصور إلى ~~معن، دعا جميع أهل بيته وأولاده وأقاربه وحاشيته ~~وجميع من يلوذ به، وقال لهم: أقسم عليكم بألا يصل ~~إلى هذا الرجل مكروه أبدا وفيكم عين تطرف. # 2 # فأطرق المنصور ساعة، ثم ~~رفع رأسه، وقال له: قد أجرناه لك يا ~~معن. # ثم إنه سار إلى المنصور فدخل وسلم عليه، فلم ~~يرد عليه المنصور السلام، وقال له: يا معن، ~~أتتجرأ علي؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال ~~المنصور: ونعم أيضا؟! وقد اشتد غضبه. فقال معن: يا ~~أمير المؤمنين، كم من مرة تقدم في ms12 دولتكم بلائي ~~وحسن جهادي! وكم من مرة خاطرت بدمي! أفما رأيتموني ~~أهلا بأن يوهب لي رجل واحد استجار بي بين الناس، ~~بوهمه أني عبد من عبيد أمير المؤمنين، وكذلك هو؟ ~~فمر بما شئت، ها أنا بين يديك. # فأطرق # 21 # المنصور ساعة، ثم رفع رأسه وقد سكن ما به ~~من الغضب، وقال له: قد أجرناه لك يا معن. فقال له ~~معن: إن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين الأجرين، ~~فيأمر له بمكافأة فيكون قد أحياه وأغناه. فقال ~~المنصور: قد أمرنا له بخمسين ألف درهم. # فقال له معن: يا أمير المؤمنين، إن صلات الخلفاء ~~على قدر جنايات الرعية، وإن ذنب الرجل عظيم، ~~فأجزل له العطاء. قال: قد أمرنا له بمائة ألف ~~درهم. فقال له معن: عجلها يا أمير المؤمنين؛ فإن ~~خير البر عاجله. فأمر بتعجيلها فحملها وانصرف، ~~وأتى منزله، وقال للرجل: يا رجل، خذ مكافأتك، ~~والحق بأهلك، وإياك ومخالفة الخلفاء في أمورهم ~~بعد هذه. ~~(13) هشام ودرواس # حصلت في عهد هشام مجاعة عظيمة؛ فدخل إليه وجوه ~~الناس من الأحياء وفي جملتهم درواس بن حبيب العجلي ~~وعليه جبة صوف، فنظر هشام إلى صاحبه نظرة لائم في ~~دخول درواس إليه، وقال: أيدخل علي كل من أراد ~~الدخول؟ وكان درواس حكيما فعلم أنه عناه، فقال درواس: ~~يا أمير المؤمنين، ما أخل لك دخولي عليك، ولقد شرفني ~~ورفع قدري تمكني من مجلسك، وقد رأيت الناس دخلوا ~~لأمر عدلوا عنه، فإن أذنت في الكلام تكلمت. فقال ~~هشام: لله درك! تكلم؛ فما رأى صاحب القوم غيرك. فقال: ~~يا أمير المؤمنين، تتابعت علينا سنون ثلاث، أما الأولى ~~فأذابت الشحم، وأما الثانية فأكلت اللحم، وأما ~~الثالثة فأتعبت المخ ومصت العظم، ولله في أيديكم ~~أموال، فإن تكن لله فاعطفوا بها على عباد الله، وإن تكن ~~لهم فعلام تحجبونها عنهم، وإن تكن لكم فتصدقوا بها ~~عليهم؛ فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر ~~المحسنين. # فقال هشام: لله أنت! ما تركت واحدة من ثلاث. وأمر ~~بمائة ألف دينار، فقسمت في الناس، وأمر لدرواس بمائة ms13 ~~ألف درهم. فقال: يا أمير المؤمنين، ألكل رجل من ~~المسلمين مثلها؟ قال: لا، ولا يقوم بذلك بيت المال. ~~فقال: لا حاجة لي فيما يبعث على ذمك. # فلما عاد إلى داره أمر بذلك، فبعث إليه، فقسم ~~تسعين ألف درهم في تسعة من أحياء العرب وأبقى عشرة ~~آلاف درهم، فبلغ ذلك هشاما، فقال: لله دره! إن صنيع ~~مثله يعلم الناس العدالة. ~~«المساواة في العطاء عنوان العدالة.» ~~(14) إن للعالم خالقا # حكي أن رجلا ينكر وجود الله جاء إلى هارون الرشيد، ~~وقال: يا أمير المؤمنين، قد اتفق علماء عصرك مثل أبي ~~حنيفة، على أن للعالم صانعا، فمن كان فاضلا من هؤلاء ~~فمره أن يحضر ها هنا، حتى أبحث معه بين يديك، وأثبت ~~أنه ليس للعالم صانع. # فأرسل هارون الرشيد إلى أبي حنيفة؛ لأنه كان أفضل ~~العلماء، وقال: يا إمام المسلمين، اعلم أنه قد جاء ~~إلينا كافر وهو يدعي نفي الصانع، ويدعوك إلى المناظرة. ~~فقال أبو حنيفة: أذهب بعد الظهر. فجاء رسول الخليفة ~~وأخبر بما قال أبو حنيفة، فأرسل ثانيا، فقام أبو حنيفة ~~وأتى إلى هارون الرشيد، فاستقبله هارون وجاء به ~~وأجلسه في الصدر، وقد اجتمع الأكابر والأعيان. # فقال الكافر: يا أبا حنيفة، لم أبطأت في مجيئك؟ فقال ~~أبو حنيفة: قد حصل لي أمر عجيب؛ فلذلك أبطأت، وذلك ~~أن بيتي وراء دجلة، فخرجت من منزلي وجئت إلى جنب ~~دجلة حتى أعبرها، فرأيت بجنب دجلة سفينة عتيقة ~~مقطعة قد افترقت ألواحها، فلما وقع بصري عليها ~~اضطربت الألواح وتحركت واجتمعت وتوصل بعضها ببعض، ~~وصارت السفينة صحيحة بلا نجار ولا عمل عامل، فقعدت ~~عليها وعبرت الماء وجئت ها هنا. # فقال الكافر: اسمعوا أيها الأعيان ما يقول إمامكم ~~وأفضل زمانكم، فهل سمعتم كلاما أكذب من هذا؟ كيف ~~تحصل السفينة المكسورة بلا عمل نجار، فهو كذب محض ~~قد ظهر من أفضل علمائكم. فقال أبو حنيفة: أيها ~~الكافر، إذا لم تحصل السفينة بلا صانع ونجار، فكيف ~~يجوز أن يحصل هذا العالم من غير صانع، أم كيف تقول ~~بعدم وجود الصانع؟ فعند ms14 ذلك أمر الرشيد بضرب عنق ~~الكافر فقتلوه. ~~«إن عظمة هذا الكون تدل على عظمة صانعه.» ~~(15) الشراهة # حضر أعرابي مع بعض الناس عند الحجاج، فقدم الطعام ~~فأكلوا منه، ثم قدمت الحلوى، فترك الحجاج الأعرابي ~~حتى أكل منها لقمة، فقال: من أكل من الحلوى ضربت ~~عنقه. فامتنعوا عن أكلها، وبقي الأعرابي ينظر تارة ~~إلى الحجاج وتارة إلى الحلوى، ثم قال: أيها الأمير، ~~أوصيك بأولادي خيرا، وابتدأ بالأكل؛ فضحك الحجاج ~~وأنعم عليه. ~~(16) الأعرابي الشاعر والخليفة # استدعى بعض الخلفاء شعراء مصر، فصادفهم شاعر فقير ~~بيده جرة فارغة، ذاهبا بها إلى البحر؛ ليملأها ماء، ~~فتبعهم إلى أن وصلوا إلى دار الخلافة، فبالغ في ~~إكرامهم والإنعام عليهم، ورأى ذلك الرجل والجرة على ~~كتفه، ونظر إلى ثيابه القديمة، وقال: من أنت وما ~~حاجتك؟ فأنشد: # ولما رأيت القوم شدوا رحالهم # 22 # إلى بحرك الطامي # 23 # أتيت بجرتي # فقال الخليفة: املئوا له الجرة ذهبا وفضة؛ فحسده ~~بعض الحاضرين، وقال: هذا رجل فقير مجنون لا يعرف قيمة ~~هذا المال، وربما أتلفه وضيعه. # فقال الخليفة: هو ماله يفعل به ما شاء، فملئت له ~~ذهبا وخرج إلى الباب، ففرق ما بها، وبلغ الخليفة ذلك ~~فاستدعاه وعاتبه على ذلك، فقال: # يجود علينا الخيرون بمالهم # ونحن بمال الخيرين نجود # فأعجبه ذلك، وأمر أن تملأ له عشر مرات، وقال: ~~«الحسنة بعشرة أمثالها.» ~~(17) نباهة امرأة # دخلت على هارون الرشيد يوما امرأة من نساء البرامكة، ~~وقالت له: يا أمير المؤمنين، أقر # 24 # الله عينيك، وفرحك بما أعطاك! لقد حكمت فأقسطت، # 25 # زادك الله رفعة! فقال لها: من تكونين أيتها ~~المرأة؟ قالت له: من آل برمك الذين قتلت رجالهم، ~~وأخذت أموالهم. قال: أما الرجال فقد نفذ بهم أمر ~~الله، وأما المال فمردود عليك، وأمر برد مالها. # وقال لجلسائه: إنها دعت علينا دعاء عظيما. قالوا: وما ~~هو يا أمير المؤمنين؟ قال: فمن قولها: أقر الله عينيك، ~~أي أسكن حركتهما، وإذا سكنت العين من الحركة فتكون ~~قد عميت، ومن قولها: فرحك الله بما أعطاك، أخذته من ~~قول القرآن إذ يقول: ms15 # حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة ~~، وقولها: حكمت فأقسطت، ~~أخذته من قوله تعالى: # وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا ~~، وقولها: زادك الله رفعة، ~~أي: بعد الرفعة يكون الهبوط. ~~(18) هارون الرشيد والشيخ البدوي # خرج أمير المؤمنين هارون الرشيد يوما من الأيام ، هو ~~وأبو يعقوب النديم وجعفر البرمكي وأبو نواس، وساروا في ~~الصحراء، فرأوا شيخا متكئا على حمار له، فقال هارون ~~الرشيد لجعفر: اسأل هذا الشيخ من أين هو. # فقال له جعفر: من أين جئت؟ قال: من البصرة. قال له ~~جعفر: وإلى أين سيرك؟ قال: إلى بغداد. قال له: وما ~~تصنع فيها؟ قال: ألتمس دواء لعيني. فقال هارون الرشيد: ~~يا جعفر، مازحه. فقال: إذا مازحته أسمع منه ما أكره. ~~فقال: بحقي عليك أن تمازحه. # فقال جعفر للشيخ: إن وصفت لك دواء ينفعك، فما الذي ~~تكافئني به؟ فقال له: الله تعالى يكافئك عني بما هو خير ~~لك من مكافأتي. فقال: أنصت إلي حتى أصف لك هذا الدواء ~~الذي لا أصفه لأحد غيرك. فقال له: وما هو؟ # فقال له جعفر: خذ لك ثلاث أواق من هبوب الريح، وثلاث ~~أواق من شعاع الشمس، وثلاث أواق من زهر القمر، وثلاث ~~أواق من نور السراج، واجمع الجميع، وضعها في الهواء ~~ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك ضعها في هاون بلا قعر ودقها ~~ثلاثة أشهر، فإذا دققتها فضعها في وعاء مشقوق وضع ~~الوعاء في الهواء ثلاثة أشهر، ثم استعمل هذا الدواء في ~~كل يوم ثلاثة دراهم عند النوم، واستمر على ذلك، ~~فإنك تعافى إن شاء الله. # فلما سمع الشيخ كلام جعفر قال: لا عفاك الله، خذ مني ~~هذه اللطمة مكافأة لك على وصفك هذا الدواء، وبادره ~~بضربة على أم رأسه. فضحك هارون الرشيد حتى استلقى، ~~وأمر لذلك الرجل بثلاثة آلاف درهم. ~~«من قال كلاما لا يعنيه، سمع كلاما لا يرضيه.» ~~(19) رسول قيصر وعمر بن الخطاب # أرسل قيصر رسولا إلى عمر بن الخطاب؛ لينظر أحواله، ~~ويشاهد أفعاله، فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال: ~~أين ملككم؟ فقالوا: ما لنا ملك، بل ms16 لنا أمير قد خرج إلى ~~ظاهر المدينة. فخرج الرسول في طلبه، فرآه نائما في ~~الشمس على الأرض فوق الرمل الحار، وقد وضع صرة ~~كالوسادة، والعرق يسقط من جبينه إلى أن بل ~~الأرض. # فلما رآه على هذه الحالة؛ وقع الخشوع في قلبه، وقال: ~~رجل يكون جميع الملوك لا يقر لهم قرار في هيبته، ~~وتكون هذه حاله! ولكنك يا عمر عدلت؛ فأمنت؛ فنمت، ~~وملكنا يجور، فلا جرم أنه لا يزال ساهرا خائفا. ~~(20) أبو جعفر ومعن # دخل معن بن زائدة على أبي جعفر فقال له: كبرت يا ~~معن. قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين. قال: وإنك ~~تتجلد. قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين. قال: وإن ~~فيك لبقية. قال: هي لك يا أمير المؤمنين. قال: أي ~~الدولتين أحب إليك أو أبغض، أدولتنا أم دولة بني أمية؟ قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برك # 26 # على برهم كانت دولتك أحب إلي، وإن زاد ~~برهم على برك كانت دولتهم أحب إلي. قال: ~~صدقت. ~~(21) عروة وعبد الملك # دخل عروة بن الزبير مع عبد الملك بن مروان إلى ~~بستان، وكان عروة معرضا عن الدنيا، فحين رأى في البستان ~~ما رأى قال: ما أحسن هذا البستان! فقال له عبد الملك: ~~أنت والله أحسن منه؛ لأنه يؤتي أكله كل عام، وأنت ~~تؤتي أكلك كل يوم. ~~(22) أبو دلامة والخليفة السفاح # كان أبو دلامة الشاعر واقفا بين يدي السفاح في بعض ~~الأيام، فقال له الخليفة: سلني حاجتك. فقال له أبو ~~دلامة: أريد كلب صيد. فقال: أعطوه إياه. فقال: وأريد ~~دابة أتصيد عليها. قال: أعطوه إياها. قال: وغلاما يقود ~~الكلب، ويصيد به. قال: أعطوه غلاما. قال: وجارية تصلح ~~الصيد وتطعمنا منه. قال: أعطوه جارية. قال: هؤلاء يا ~~أمير المؤمنين عبيدك، فلا بد لهم من دار يسكنونها. ~~فقال: أعطوه دارا تجمعهم. قال: وإن لم يكن لهم ضيعة، ~~فمن أين يعيشون؟ قال: وهبتك عشر ضياع غامرة. قال: وما ~~الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: ما لا نبات فيها. قال: قد ~~أقطعتك يا أمير المؤمنين ms17 مائة ضيعة غامرة من فيافي ~~بني أسد. فضحك منه، وقال: اجعلوها كلها عامرة. ms18