######OpenITI# #META# URI: 1376IbrahimZaydan.NawadirKiram.Hindawi38246146 #META# Tags: literature #META# ID: 38246146 #META# Title: نوادر الكرام #META# AuthorID: 50824950 #META# Author: إبراهيم زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة لجامع الكتاب‏ # 1 - في نوادر البرامكة‏ # 2 - فى نوادر معن بن زائدة‏ # 3 - في نوادر حاتم الطائي‏ # 4 - في نوادر الخليفة المهدي‏ # 5 - في نوادر الخليفة هارون الرشيد‏ # 6 - في نوادر الأمين والمأمون‏ # 7 - نوادر متفرقة في الكرم‏ # مقدمة لجامع الكتاب‏ # 1 - في نوادر البرامكة‏ # 2 - فى نوادر معن بن زائدة‏ # 3 - في نوادر حاتم الطائي‏ # 4 - في نوادر الخليفة المهدي‏ # 5 - في نوادر الخليفة هارون الرشيد‏ # 6 - في نوادر الأمين والمأمون‏ # 7 - نوادر متفرقة في الكرم‏ # | نوادر الكرام # | نوادر الكرام # | في الجاهلية والإسلام # تأليف # إبراهيم زيدان # | مقدمة لجامع الكتاب # ما عبس وجه فقير أو أقطب حاجب معوز إلا وكان البخل سببه، والإمساك باعثا عليه، كأن يد ~~البخيل مطبقة آلة كهربائية يمتد مجراها إلى كل طالب محتاج فيؤثر فيه دلائل الأسى وينقل إليه ~~شكلها المنقبض، فيعود ذلك المسكين بقلب منكسر ونفس صغيرة يتهدده الجوع وما من مدافع، ~~وينتابه الهلاك، وما من ناظر إليه أو عاطف عليه فيكاد يقضي بين ذلك لولا يد كريم تغار عليه ~~فتنشله من هوة الفقر والهلاك بآلة تسطو على تلك الآلة الكهربائية وهي «الإحسان»، فتبطل ~~تأثيرها ببعض دريهمات يبتسم لها وجه من عبثت به يد الأقدار، وينشرح لأجلها صدر من ضيقت عليه ~~عوامل القضاء، فيكون قد خلص نفسا كادت تفارق الحياة بما يكسبه ثناء أهل الأرض وأجرا ~~عظيما من رب السماء. # وهاك ما ورد في مدح الكرم وذم البخل: # وما ضاع مال أورث الحمد أهله # ولكن أموال البخيل تضيع ~~••• # وليست أيادي الناس عندي غنيمة # ورب يد عندي أشد من الأسر ~~••• # إذا كنت جماعا لمالك ممسكا # فأنت عليه خازن وأمين # تؤديه مذموما لي غير حامد # فيأكله عفوا وأنت دفين ~~••• # ويظهر عيب المرء في الناس بخله # ويحجبه عنهم جميعا سخاؤه # تردى بأثواب السخاء فإنني # أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه ~~••• # أترجو أن تسود بلا عناء # وكيف يسود ذو الدعة البخيل ~~••• # ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد # ولا المجد في كف امرئ والدراهم # ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه # مغارم في ms001 الأقوام وهي مغانم ~~••• # ليس يعطيك للرجاء ولا لل # خوف لكن يلذ طعم العطاء ~~••• # فإنك لا تدري إذا جاء سائل # أأنت بما تعطيه أم هو أسعد ~~••• # من يفعل الخير لا يعدم جوائزه # لا يذهب العرف بين الله والناس ~~••• # يد المعروف غنم حيث كانت # تحملها كفور أم شكور # ففي شكر الشكور لها جزاء # وعند الله ما كفر الكفور ~~••• # خل إذا جئته يوما لتسأله # أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا # يخفي صنائعه والله يظهرها # إن الجميل إذا أخفيته ظهرا ~~••• # اعمل الخير ما استطعت وإن # كان قليلا فلن تحيط بكله ~~••• # إن الصنيعة لا تكون صنيعة # حتى يصاب بها طريق المصنع # فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها # لله أو لذوي القرابة أو دع ~~••• # لعمرك ما المعروف في غير أهله # وفي أهله إلا كبعض الودائع # فمستودع ضاع الذي كان عنده # ومستودع ما عنده غير ضائع ~~••• # وما الناس في شكر الصنيعة عندهم # وفي كفرها إلا كبعض المزارع # فمزرعة طابت وأضعف نبتها # ومزرعة أكدت على كل زارع ~~••• # أبقيت مالك ميراثا لوارثه # فليت شعري ما أبقى لك المال # القوم بعدك في حال تسرهم # فكيف بعدهم حالت بك الحال # ملوا البكاء فما يبكيك من أحد # واستحكم القول في الميراث والقال # ألهتهم عنك دنيا أقبلت لهم # وأدبرت عنك والأيام أحوال ~~••• # إذا كنت ذا مال ولم تك ذا ندى # فأنت إذا والمقترون سواء # على أن في الأموال يوما تباعة # على أهلها والمقترون براء # لأبي مسلم الخولاني: # إن المكارم كلها حسن # والبذل أحسن ذلك الحسن # كم عارف بي لست أعرفه # ومخبر عني ولم يرني # يأتيهم خبري وإن بعدت # داري وموعد عنهم وطني # إني لحر المال ممتهن # ولحر عرضي غير ممتهن # ولعبد العزيز بن مروان: # إذا طارقات الهم صاحبت الفتى # وأعمل فكر الليل والليل عاكر # وباكرني في حاجة لم يجد لها # سواي ولا من نكبة الدهر ناصر # فرجت بمالي همه عن كرامة # وزاوله الهم الطروق المساور # وكان له فضل علي بظنه # في الخير إني للذي ظن شاكر # ولغيره: # من ظن بالله خيرا جاد مبتدءا # والبخل من ms002 سوء ظن المرء بالله # ولغيره مضمنا قول بزرجمهر: # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة # فليس ينقصها التبذير والسرف # وإن تولت فأحرى أن تجود بها # فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف # وقيل أيضا: # يا من تجلد للزما # ن أما زمانك منك أجلد # سلط نهاك على هوا # ك وعد يومك ليس من غد # إن الحياة مزارع # فازرع بها ما شئت تحصد ~~••• # والناس لا يبقى سوى # آثارهم والعين تفقد # أوما سمعت بمن مضى # هذا يذم وذاك يحمد # المال إن أصلحته # يصلح وإن أفسدت يفسد # ولحاتم الطائي: # أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله # ويخصب عندي والمكان جديب # وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى # ولكنما وجه الكريم خصيب # ولبكر بن النطاح: # أقول لمرتاد الندى عند مالك # تمسك بجدوى مالك وصلاته # فتى جعل الدنيا وفاء لعرضه # فأسدى بها المعروف قبل عداته # فلو بددت أمواله جود كفه # لقاسم من يرجوه شطر حياته # وإن لم يجز في العمر قسم لمالك # وجاز له أعطاه من حسناته # وجاد بها من غير كفر بربه # وإشراكه في صومه وصلاته # ولآخر: # ملأت يدي من الدنيا مرارا # وما طمع العواذل في افتقادي # ولا وجبت علي زكاة مال # وهل تجب الزكاة على الجواد # ولغيره: # عطاؤك لا يغني ويستغرق الثنا # وتبقى وجوه الراغبين بمائها # ولابن عبد ربه: # كريم على العلات جزل عطاؤه # ينيل وإن لم يعتمد لنوال # وما الجود من يعطي إذا ما سألته # ولكن من يعطي بغير سؤال # وللحسن بن هانئ: # فإن تولني منك الجميل فأهله # وإلا فإني عاذر وشكور # ولحاتم الطائي: # قد تأولت فيك قول رسول # الله إذ قال مفصحا إفصاحا # إن طلبتم حوائجا عند قوم # فتنقوا لها الوجوه الصباحا # فلعمري لقد تنقيت وجها # ما به خاب من أراد النجاحا # وإليك ما ورد في مدح الكرم وذم البخل: # قال أكثم بن صيفي حكيم العرب: «ذللوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها إلى المحامد، وعلموها ~~المكارم، ولا تقيموا على خلق تذمونه من غيركم، وصلوا من رغب إليكم، وتحلوا بالجود يلبسكم ~~المحبة، ولا تعتقدوا البخل فيوافيكم الفقر». # وقال خالد بن عبد ms003 الله القسري وهو على المنبر: «أيها الناس عليكم بالمعروف، فإن الله لا ~~يعدم فاعله جوازيه، وما ضعفت الناس عن أدائه قوى الله على جزائه». # وكان سعيد بن العاص يقول على المنبر: «من رزقه الله رزقا حسنا فلينفق منه سرا وجهرا ~~حتى يكون أسعد الناس به، فإنما يترك ما ترك لأحد رجلين، أما المصلح فلا يقل عليه شيء، وأما ~~المفسد فلا يبقى له شيء». # قال بزرجمهر: «إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا تبقى». # وكان كسرى يقول: «عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن الظن بالله، ولو أن أهل البخل ~~لم يدخل على من ضر بخلهم ومذمة الناس لهم وإطباق القلوب على بغضهم إلا سوء ظنهم بربهم في ~~الخلف لكان عظيما». # وقال عبد الله بن عباس: «سادات الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء». # وقيل لأبي عقيل البليغ العراقي: «كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة إليه؟ قال: رأيت ~~رغبته في الإنعام فوق رغبته في الشكر، وحاجته إلى قضاء الحاجة أشد من حاجة صاحب ~~الحاجة». # وقالت أسماء بنت خارجة: «أحب أن لا أرد أحدا في حاجة طلبها؛ لأنه لا يخلو أن يكون ~~كريما فأصون له عرضه، أو يكون لئيما فأصون عرضي عنه». # وقيل: «الأيام مزارع فما زرعت فيها تحصد». # وقال الأحنف بن قيس: «ما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء شيئا أفضل من ~~اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب». # وقيل: «أحي معروفك بإماتة ذكره، وعظمه بالتصغير له». # وقالت الحكماء: «من تمام كرم المنعم التغافل عن حجته، والإقرار بالفضيلة لشاكر ~~نعمته». # وقيل أيضا: «للمعروف ثلاث خصال: تعجيله وتيسيره وتستيره؛ فمن أخل بواحدة منها فقد بخس ~~المعروف حقه وسقط عنه الشكر». # وللنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤونة الناس عليه، فإن لم يقم بتلك ~~المؤونة عرض النعمة للزوال». # وقال جعفر بن محمد: «لله خلقا من رحمته برحمته لرحمته، وهم الذين يقضون حوائج الناس، ~~فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن». # وقال الإمام علي رضي الله عنه ms004 لأصحابه: «من كانت له إلي منكم حاجة فليرفعها في كتاب ~~لأصون وجوهكم عن المسألة ». # وقيل: «من بذل إليك وجهه فقد وفاك حق نعمتك». # وقيل: «أكمل الخصال ثلاث: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافأة، وحلم بغير ذل». # وقيل أيضا: «السخي من كان مسرورا ببذله، متبرعا بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ~~ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ويكون مثله مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر لا يريد نفعها ~~ولكن نفع نفسه». # محتويات كتاب نوادر الكرام: # القسم الأول: # في نوادر البرامكة # الثاني: # معن بن زائدة. # الثالث: # حاتم الطائي. # الرابع: # الخليفة المهدي. # الخامس: # هارون الرشيد. # السادس: # الأمين والمأمون. # السابع: # متفرقة في الكرم. # الفصل الأول # | في نوادر البرامكة # الفضل بن يحيى وزائره # بينما كان الفضل بن يحيى في مجلسه محاطا ~~بالوزراء والأحشاد أتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلا قد أكثر في طلب الإذن وزعم أن له ~~يدا عليك يكاد يميته كتمانها، فقال: أدخله، فدخل رجل جميل رث الثياب، فسلم بأفصح ~~لسان، فأومأ إليه بالجلوس، فجلس، فسأله: ما حاجتك؟ قال: هل رأيت ما أنا عليه من رثاثة ~~الثياب وضيق ذات اليد؟ قال: أجل، فما الذي لك علينا وقد كاد يقضي عليك كتمانه؟ قال: ~~ولادة تقرب من ولادتك وجوار يدنو من جوارك واسم مشتق من اسمك، قال: أما الجوار فقد يمكن ~~حصول ما ذكرت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أن يوم ~~ولادتي كان موافقا يوم ولادتك، وأن والدك سماك الفضل فسمتني فضيلا إعظاما لاسمك ~~وخشية أن ألحق بعالي مجدك، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين؟ قال: خمس وثلاثون، ~~قال: صدقت هذا المقدار الذي أتيت عليه، فما حال أمك؟ قال: توفيت رحمها الله، قال: فما ~~منعك عن اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: لم أرض بمقابلتك في زمن حداثة يقعدني عن لقاء ~~الملوك، قال: يا غلام أعطه لكل عام من سنيه ألفا، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح ~~له، فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به إخوانه وخاصة ms005 أهله. # يحيى بن خالد وأحد التجار # اعترض الفضل بن يحيى بن خالد في وقت خروجه إلى خراسان فتى من التجار كان شخص إلى ~~الكوفة، فأخذ بعنان دابة الفضل وقال: # سأرسل بيتا ليس في الشعر مثله # يقطع أعناق البيوت الشوارد # أقام الندى والبأس في كل منزل # أقام به الفضل بن يحيى بن خالد # فأمر له بمائة ألف درهم. # مروان بن أبي حفصة وزبيدة ابنة جعفر # قال أبو الجنوب مروان بن أبي حفصة أبياتا ورفعها إلى زبيدة ابنة جعفر يمتدح ابنها ~~محمدا وفيها يقول: # لله درك يا عقيلة جعفر # ماذا ولدت من العلا والسؤدد # إن الخلافة قد تبين نورها # للناظرين على جبين محمد # فأمرت أن يملأ فمه درا. # الفضل بن يحيى وأبو علي بن الجهم # قال أبو علي بن الجهم: أصبحت يوما وأنا في غاية من الضيق ما أهتدي إلى دينار ولا ~~درهم ولا أملك إلا دابة عجفاء، وخادما خلقا وطلبت الخادم فلم أجده ثم جاء فقلت: أين ~~كنت؟ فقال: في اجتهاد شيء لك وعلف لدابتك، فوالله ما قدرت عليه، فقلت: أسرج لي دابتي، ~~فأسرجها، فركبت، فلما صرت في سوق يحيى إذا أنا بموكب عظيم، وإذا الفضل بن يحيى، فلما ~~أبصرني قال: سر، فسرت قليلا، وحجز بيني وبينه غلام يحمل طبقا على باب ينادي جارية، ~~فوقف الفضل طويلا، ثم قال: سر، فسرت، ثم قال: تدري ما سبب وقفتي؟ قلت: إن رأيت أن ~~تعلمني، قال: كانت لأختي جارية وكنت أحبها حبا شديدا، وأستحي من أختي أن أطلبها ~~منها، ففطنت أختي لذلك، فلما كان هذا اليوم ألبستها وزينتها وبعثت بها إلي، فما ~~كان من عمري يوم أطيب من يومي هذا، فلما كان هذا الوقت جاءني رسول أمير المؤمنين ~~فأزعجني وقطع لذتي، ولما صرت إلى هذا المكان دعا هذا الغلام صاحب الطبق باسم تلك ~~الجارية فارتحت إلى ندائه، فقلت: أصابك ما أصاب أخا بني عامر حيث قال: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى # فهيج أحزان الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما # أطار ms006 بليلى طائرا كان في صدري # فقال: اكتب لي هذين البيتين، فعدلت لأطلب ورقة أكتب له هذين البيتين فيها، فلم أجد، ~~فرهنت خاتمي عند بقال وأخذت ورقة وكتبتهما وأدركته بها، فقال لي: ارجع إلى منزلك فرجعت ~~ونزلت، فقال لي الخادم: أعطني خاتمك أرهنه على قوتنا، فقلت: قد رهنته، فما أمسيت حتى ~~بعث لي بثلاثين ألف درهم جائزة وعشرة آلاف سلفا عن شهر برزق أجراه لي في كل ~~شهر. # جعفر والرشيد # لما غضب الرشيد على البرامكة، أصيب في خزانة الجعفر جرة فيها ألف دينار ونيف، كل ~~دينار منها وزنه مائة مثقال ومثقال، على أحد جانبي كل دينار منها مكتوب: # واصفر من ضرب دار الملوك # يلوح على وجهه جعفر # يزيد على مائة واحد # متى تعطه معسرا يوسر # ابن العلوي والفضل # قال عبد الله بن العلوي: «أتيت الفضل بن يحيى فأكرمني وأجلسني معه على فراشه، ~~فكلمته في ديني ليكلم أمير المؤمنين في قضائه عني، قال: وكم دينك؟ قلت: ثلاثمائة ألف ~~درهم، قال: نعم، فخرجت من عنده وأنا مغموم لضعف رده علي، فمررت ببعض إخواني ~~مستريحا إليه، ثم صرت إلى منزلي فوجدت المال قد سبقني من ماله خاصة. # هبات الفضل بن يحيى # وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم فعاتبه أبوه في هذا، فقال: إن هذا صحبني وأنا لا أملك ~~شيئا، واجتهد في نصيحتي، وقال الشاعر: # إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا # من كان يصحبهم في المركب الخشن # أبان بن عبد الحميد مع البرامكة # قيل: «إن أبان بن عبد الحميد الشاعر مولى بني (رقاش) قدم بغداد واتصل بالبرامكة، وعمل ~~كتاب كليلة ودمنة شعرا، وله قصائد ومدائح في الرشيد والفضل بن يحيى». # ويقال: إن كل كلام نقل إلى الشعر، فالكلام أفصح منه إلا هذا، وأول قصيدته هذه ~~قوله: # هذا كتاب أدب ومحنه # وهو الذي يدعى كليلة ودمنه # وعددها أربعة عشر ألف بيت مزدوجة في ثلاثة أشهر، قال: فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف ~~دينار وأعطاه الفضل خمسة آلاف دينار، فتصدق بثلث المال الذي أخذه. # حسن شمائل يحيى ms007 بن خالد # من كلامه: إن من بلغ رتبة فتاه بها فاعلم أن محله دونها . وقال: يدل على كرم المرء ~~سوء أدب غلمانه. وقال لابنه: خذ من كل علم طرفا، فإن من جهل شيئا عاداه. وقال: ثلاثة ~~أشياء تدل على عقول أربابها: الهدية، والكتاب، والرسول. وكان يقول لأولاده: اكتبوا أحسن ~~ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وكان يقول: إذا أقبلت ~~الدنيا، فأنفق، فإنها لا تغني، وإذا ولت فأنفق فإنها لا تبقى وإليه أشار الشاعر: # إذا جادت الدنيا عليك فجد بها # على الناس طرا قبل أن تتفلت # فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت # ولا البخل يبقيها إذا هي ولت # وكان صلات يحيى إذا ركب بأن يعرض له في طريقه مائتا درهم، فركب ذات يوم فعرض له ~~أديب شاعر فقال له: # يا سمي الحصور يحيى أتيحت # لك من فضل ربنا حنتان # كل من مر في الطريق عليكم # فله من نوالكم مائتان # مائتا درهم لمثلي قليل # هي منكم للعابر العجلان # قال يحيى: صدقت، فأمر بحمله إلى داره، فلما رجع من دار الخليفة سأله عن حاله، فذكر له ~~أنه كان تزوج وحلف بواحدة من ثلاث، إما أن يؤدى المهر وهو أربعة آلاف، وأما أن يطلق، ~~وإما أن يقيم مجريا للمرأة ما يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها، فأمر له يحيى بأربعة آلاف ~~للمهر وأربعة آلاف ثمن منزل، وأربعة آلاف للبنية، وأربعة آلاف لما يحتاج إليه، وأربعة ~~آلاف ليستظهر بها فأخذ عشرين ألف درهم. # مديح يحيى بن خالد # وكان يحيى بن خالد يجري على سفيان بن عيينة كل نهار ألف درهم، فلما مات يحيى كان ~~سفيان يقول في سجوده: اللهم إن يحيى بن خالد كفاني أمر دنياي فاكفه أمر آخرته. # حديث البرامكة في السجن # قال ابن خالد البرمكي لأبيه يحيى وهم في القيود، ولبس الصوف، والحبس: يا أبتاه بعد ~~الأمر والنهي والأموال العظيمة، أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس، فقال له ~~أبوه: يا بني، دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم ms008 يغفل الله عنها، ثم أنشأ ~~يقول: # رب أقوام غدوا في نعمة # زمنا والدهر ربان غدق # سكت الدهر زمانا عنهم # ثم أبكاهم دما حين نطق # جعفر البرمكي وأحمد بن جنيد # قال أحمد بن جنيد الإسكافي - وكان أحضر الناس بجعفر البرمكي خص، فكان الناس يقصدونه ~~في حوائجهم إلى جعفر، وإن رقاع الناس كثرت في خف أحمد بن الجنيد فلم تزل إلى أن تهيأ له ~~الخلوة بجعفر -، فقال له: جعلني الله فداءك، قد كثرت رقاع الناس معي وأشغالك كثيرة، ~~وأنت اليوم خال، فإن رأيت أن تنظر فيها، قال له جعفر: على أن تقيم عندي اليوم، فقال: ~~نعم، وصرف دوابه وأقام عنده، فلما تغذوا جاءه بالرقاع، فقال له: هذا وقت راحة فدعنا ~~اليوم، فأمسك عنه وانصرف فلم ينظر في الرقاع، فلما كان بعد أيام خلا به فأذكره، فقال: ~~نعم، على أن تقيم عندي اليوم فأقام عنه، ففعل به مثل الفعل الأول حتى فعل به ذلك ~~ثلاثا، فلما كان في آخر يوم أذكره، فقال: دعني الساعة، وناما، فانتبه جعفر قبل أحمد بن ~~الجنيد، فقال لخادم له: اذهب إلى خف أحمد فجئني بكل رقعة فيه، ولا يعلمه أحمد، فذهب ~~الغلام وجاء بالرقاع فوقع جعفر فيها عن آخرها بخطه بما أحب أصحابها، ووكد ذلك ثم أمر ~~الغلام أن يردها إلى الخف، فردها، فانتبه أحمد، فلم يقل له فيها شيئا وانصرف بها ~~أياما، قال أحمد بن جنيد لكاتبه: ويحك، هذه الرقاع قد أخلقت خفي، وهذا ليس ينظرها ~~فتصفحها وجدد ما أخلق منها، فأخذها الكاتب فنظر فيها، فوجد الرقاع موقعا عليها بما سأل ~~أصحابها وأكثر، فتعجب من كرمه ونبل أخلاقه، ومن أنه قضى حاجته ولم يعلم بها لئلا يظن ~~أنه اعتد بها عليه. # جود خالد بن برمك # روى الجاحظ قال: كان أصحابنا يقولون لم يكن يرى لجليس خالد بن برمك دارا إلا خالد قد ~~بناها، ولا ضيعة إلا وهو قد اشتراها ولا ولدا إلا وهو اشترى أمه إن كانت أمة، وأمهرها ~~إن كانت حرة، ولا دابة إلا هي من ms009 دوابه، وكان خالد البرمكي أول من سمى أهل الاستماحة ~~والاسترفاد الزوار فقال بعض من قصده: # حذا خالد في جوده حذو برمك # فمجد له مستطرف وأثيل # وكانوا بنو الإعدام يدعون قبله # بلفظ على الإعدام فيه دليل # يسمون بالسؤال في كل موطن # وإن كان فيهم نابه وجليل # فسماهم الزوار سترا عليهم # وإستاره في المجتدين سدول # العطايا الثلاث التي وهبها الرشيد ويحيى وولداه # حج هارون الرشيد مرة ومعه يحيى بن خالد وولداه الفضل وجعفر، فلما وصلوا إلى المدينة ~~جلس الرشيد ومعه يحيى فأعطيا الناس، وجلس الأمين ومعه الفضل بن يحيى فأعطيا الناس، وجلس ~~المأمون ومعه جعفر فأعطيا الناس، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطيات ضربت بكثرتها ~~الأمثال، وكانوا يسمونه عام الأعطيات الثلات، وأثري الناس بسبب ذلك. # الفضل بن يحيى والشاعر # ولاه الرشيد خراسان فخرج إليه أبو الهول الشاعر مادحا معتذرا من شعر كان هجاه به ~~فأنشده: # سرى نحوه من غضبة الفضل عارض # له لجة فيها البوارق والرعد # وكيف ينام الليل ملق فراشه # على مدرج يعتاده الأسد الورد # وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد # من الجرم ما يخشى على مثله الحقد # فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره # ودأبك فيما كنت عودتني بعد # فقال له الفضل: لا أحتمل تفريقك بين رضاي وإحساني وهما مقرونان، فإن أردتهما معا ~~وإلا فدعهما معا، ثم وصله ورضي عنه. # الفضل وإسحاق الموصلي والجارية # حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كنت قد ربيت جارية وثقفتها وعلمتها حتى برعت، ثم ~~أهديتها إلى الفضل بن يحيى، فقال لي: يا إسحاق إن رسول صاحب مصر قد ورد إلي يسألني ~~حاجة أقترحها عليه، فدع هذه الجارية عندك فإني سأطلبها وأعلمه أني أريدها، فإنه سوف ~~يحضر إليك ويساومك فيها فلا تأخذ فيها أقل من خمسين ألف دينار. قال إسحاق: فمضيت ~~بالجارية إلى منزلي فجاء إلي رسول صاحب مصر وسألني عن الجارية فأخرجتها إليه، فبذل فيها ~~عشرة آلاف دينار فامتنعت، فصعد إلى عشرين ألف دينار فامتنعت، فصعد إلى ثلاثين ألفا فما ~~ملكت نفسي حتى قلت ms010 له: بعتك، وسلمت الجارية إليه وقبضت المال، ثم إنني أتيت من الغد إلى ~~الفضل بن يحيى فقال: يا إسحاق بكم بعت الجارية؟ قلت: بثلاثين ألف دينار، قال: ألم أقل ~~لك لا تأخذ منه أقل من خمسين ألفا؟ قلت: فداك أبي وأمي والله ما ملكت نفسي منذ سمعت ~~لفظة ثلاثين، فتبسم ثم قال: إن رسول صاحب الروم قد سألني أيضا حاجة وسأقترح عليه هذه ~~الجارية وأدله عليك، فخذ جاريتك وانصرف إلى منزلك فإذا ساومك فيها فلا تأخذ منه أقل من ~~خمسين ألف دينار. # فأخذت الجارية وانصرفت إلى منزلي، فأتاني رسول صاحب الروم وساومني في الجارية، فطلبت ~~خمسين ألفا فقال: هذا كثير، ولكن تأخذ مني ثلاثين ألفا، فوالله ما ملكت نفسي منذ سمعت ~~لفظة ثلاثين ألفا حتى قلت له: بعتك، ثم قبضت المال منه وسلمت الجارية إليه، ومضيت من ~~الغد إلى الفضل بن يحيى فقال: ما صنعت؟ وبكم بعت الجارية يا إسحاق؟ قلت: بثلاثين ألفا، ~~فقال: سبحان الله، ما أوصيتك أن لا تأخذ فيها أقل من خمسين ألفا؟ قلت: جعلت فداك والله ~~إني لما سمعت قوله ثلاثين ألفا استرخت جميع أعضائي، فضحك وقال: خذ جاريتك واذهب إلى ~~منزلك ففي غد يجيء إليك رسول صاحب خراسان فقو نفسك ولا تأخذ منه أقل من خمسين ~~ألفا. # قال إسحاق: فأخذت الجارية ومضيت إلى منزلي، فجاءني رسول صاحب خراسان وساومني فيها ~~فطلبت خمسين ألفا فقال لي: هذا كثير، ولكن تأخذ ثلاثين ألفا، فقويت نفسي وامتنعت، ~~فصعد معي إلى أربعين ألف دينار، فكاد عقلي يذهب من الفرح ولم أتمالك أن أقول له بعتك، ~~فأحضر المال وأقبضنيه وسلمت الجارية إليه، ومضيت من الغد إلى الفضل فقال لي: بكم بعت ~~الجارية؟ قلت: بأربعين ألفا، ووالله لما سمعتها منه كاد عقلي يذهب، وقد حصل عندي جعلت ~~فداك مائة ألف دينار ولم يبق لي أمل، فأحسن الله جزاءك، فأمر بالجارية فأخرجت إلي ~~وقال: يا إسحاق خذ جاريتك وانصرف، قال إسحاق: فقلت هذه الجارية والله أعظم الناس بركة، ~~فأعتقتها وتزوجتها فولدت لي ms011 أولادي. # عمر بن العباس والفضل # قيل: إن محمد بن العباس حضر يوما عند الفضل بن يحيى ومعه سفط فيه جوهر، وقال له: إن ~~حاصلي قد قصر عما أحتاج إليه، وقد علاني دين مقداره ألف ألف درهم وإني أستحي أن أعلم ~~أحدا بذلك، وآنف أن أسأل أحدا من التجار أن يقرضني ذلك وإن كان معي رهن يفي بالقيمة، ~~أبقاك الله لك تجار يعاملونك، وأنا أسألك أن تقرض لي من أحدهم هذا المبلغ وتعطيه هذا ~~الرهن، فقال له الفضل: السمع والطاعة ولكن تقضي هذه الحاجة أن تقيم عندي اليوم، فأقام ~~عنده، ثم إن الفضل أخذ السفط منه وهو مختوم بختمه وأرسل معه ألف ألف درهم وأنفذ الدراهم ~~والسفط إلى منزله، وأخذ خط وكيله بقبضه، فأقام محمد في دار الفضل إلى آخر النهار، ثم ~~انصرف إلى داره فوجد السفط ومعه ألف ألف درهم، فسر بذلك سرورا عظيما، فلما كان من ~~الغد بكر إلى الفضل ليشكره على ذلك، فوجده قد بكر إلى دار الرشيد، فمضى محمد إلى ~~دار الرشيد، فحين علم به خرج بباب آخر ومضى إلى منزله، فمضى محمد إليه واجتمع به وشكره ~~على فعله وقال: إني بكرت إليك لأشكرك على إحسانك، فقال له الفضل: إني فكرت في أمرك ~~فرأيت أن هذه الألف ألفا التي حملتها أمس إليك تقضي بها دينك ثم تحتاج إليه فتقترض، ~~فبعد قليل يعلوك مثلها، فبكرت اليوم إلى أمير المؤمنين وعرضت عليه حالك وأخذت لك منه ~~ألف ألف درهم أخرى، فلما حضرت إلى باب أمير المؤمنين خرجت أنا بباب آخر، وكذلك فعلت لما ~~حضرت إلى باب أبي لأني ما كنت أوثر أن ألقاك حتى يحمل المال إلى منزلك، وقد حمل، فقال ~~له محمد: بأي شيء أجازيك على هذا الإحسان، ما عندي شيء أجازيك به إلا أني ألتزم ~~بالأيمان المؤكدة وبالطلاق والعتاق والحج إني ما أقف على باب غيرك ولا أسأل سواك، قيل: ~~وحلف محمد أيمانا مؤكدة وكتب بها خطه وأشهد به عليه أن لا يقف بباب غير الفضل بن ms012 يحيى، ~~فلما ذهبت دولة البرامكة وتولى الفضل بن الربيع الوزارة بعدهم احتاج محمد فقالوا له: لو ~~ركبت إلى الفضل بن الربيع، فلم يفعل والتزم باليمين، فلم يركب إلى أحد ولم يقف على باب ~~أحد حتى مات. # جعفر وعبد الملك بن صالح بن العباس # قيل: إن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يوما للشرب وأحب الخلوة، فأحضر ندماءه الذين يأنس ~~بهم وجلس معهم وقد هيئ المجلس ولبسوا الثياب المصبغة، وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب ~~واللهو لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر، ثم إن جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب أن لا ~~يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من الندماء كان قد تأخر عنهم اسمه عبد الملك بن ~~صالح، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان، وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له ~~عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان شديد الوقار والدين والحشمة، ~~وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم يفعل، ~~فاتفق أن هذا عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن ~~الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وأن لا يدخل غيره، ~~فأذن الحاجب له فدخل عبد الملك بن صالح العباس على جعفر بن يحيى، فلما رآه جعفر كاد ~~عقله أن يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن ~~عبد الملك بن صالح أيضا للقصة وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى، فانبسط عبد الملك ~~وقال: لا بأس عليكم أحضروا لنا من هذه الثياب المصبغة شيئا، فأحضر له قميص مصبوغ، ~~فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه وقال: اسقونا من شرابكم فسقوه رطلا وقال: ~~ارفقوا بنا فليس لنا عادة بهذا، ثم باسطهم ومازحهم، وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى ~~وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحا عظيما وقال له: ما حاجتك، قال: جئت ms013 - أصلحك ~~الله - في ثلاث حوائج أريد أن تخاطب الخليفة فيها، أولها، أن علي دينا مبلغه ألف ألف ~~درهم أريد قضاءه، ثانيا، أريد ولاية لابني يشرف بها قدره، وثالثها، أريد أن تزوج ولدي ~~بابنة الخليفة، فإنها بنت عمه وهو كفء لها، فقال جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج ~~الثلاث: أما المال ففي هذا المساء يحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد وليت ابنك مصر، ~~وأما الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، ~~فانصرف في أمان الله، فراح عبد الملك إلى منزله، فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد ~~حضر عند الرشيد وعرفه ما جرى وإنه قد ولاه مصر وزوجه ابنته، فعجب الرشيد من ذلك وأمضى ~~العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد بمصر وأحضر القضاة ~~والشهود وعقد العقد. # في المكافأة # قال الحسن بن سهل: كنت يوما عند يحيى بن خالد البرمكي وقد خلى في مجلسه لإحكام أمر ~~من أمور الرشيد، فبينما نحن جلوس إذ دخل عليه جماعة من أصحاب الحوائج فقضاها لهم، ثم ~~توجهوا لشأنهم فكان آخرهم قياما أحمد بن أبي خالد الأحول فنظر يحيى إليه والتفت إلى ~~الفضل ابنه وقال: يا بني إن لأبيك مع أبي هذا الفتى حديثا فإذا فرغت من شغلي هذا ~~فذكرني أحدثك، فلما فرغ من شغله وطعم قال له ابنه الفضل: أعزك الله يا أبي أمرتني أن ~~أذكرك حديث أبي خالد الأحول، قال: نعم يا بني، لما قدم أبوك من العراق أيام المهدي كان ~~فقيرا لا يملك شيئا فاشتد به الأمر إلى أن قال لي من في منزلي: إن كتمنا حالنا زاد ~~ضررنا ولنا اليوم ثلاثة أيام ما عندنا شيء نقتات به، قال: فبكيت لذلك يا بني بكاء ~~شديدا، وبقيت ولهان حيران مطرقا مفكرا ثم تذكرت منديلا كان عندي فقلت لهم: ما حال ~~المنديل، فقالوا هو باق عندنا، فقلت: ادفعوه إلي، فأخذته ودفعته إلى بعض أصحابي وقلت ~~له: بعه بما يسر، فباعه بسبعة ms014 عشر درهما، فدفعتها إلى أهلي وقلت: أوقفوها إلى أن يرزق ~~الله غيرها، ثم بكرت من الغد إلى باب أبي خالد وهو يومئذ وزير المهدي، فإذا الناس وقوفا ~~على داره ينتظرون خروجه فخرج عليهم راكبا، فلما رآني سلم علي وقال: كيف حالك؟ فقلت: ~~يا أبا خالد ما حال رجل يبيع من منزله بالأمس منديلا بسبعة عشر درهما، فنظر إلي ~~نظرا شديدا وما أجابني جوابا، فرجعت إلى أهلي كسير القلب وأخبرتهم ما اتفق لي مع أبي ~~خالد، فقالوا: بئس والله ما فعلت، توجهت إلى رجل كان يرتضيك لأمر جليل فكشفت له سرك ~~وأطلعته على مكنون أمرك، فأزريت عنه بنفسك وصغرت عنه منزلتك بعد أن كنت عنده جليلا، ~~فما يراك بعد اليوم إلا بهذه العين، فقلت: قد قضي الأمر الآن بما يمكن استدراكه، فلما ~~كان من الغد بكرت إلى الخليفة، فلما بلغت الباب استقبلني رجل فقال لي: قد ذكرت الساعة ~~بباب أمير المؤمنين، فلم ألتفت لقوله، فاستقبلني آخر فقال لي كمقالة الأول، ثم استقبلني ~~حاجب أبي خالد فقال لي: أين تكون قد أمرني أبو خالد بإجلاسك إلى أن يخرج من عند أمير ~~المؤمنين، فجلست حتى خرج، فلما رآني دعاني وأمر لي بمركوب فركبت وسرت معه في منزله، ~~فلما نزل قال: علي بفلان وفلان الحناطين ،فأحضرا، فقال لهما: ألم تشتريا مني غلات ~~السواد بثمانية عشر ألف ألف درهم؟ قالا: نعم، قال: ألم أشترط عليكما شركة رجل معكما، ~~قالا: بلى، قال: هو هذا الرجل الذي اشترطت شركته لكما، ثم قال لي: قم معهما، فلما خرجنا ~~قالوا لي: ادخل معنا بعض المساجد حتى نكلمك في أمر يكون فيه الربح الهنيء، فدخلنا ~~مسجدا، فقالا لي: إنك تحتاج في هذا الأمر إلى وكلاء وأمناء وكيالين وأعوان ومؤن لم ~~تقدر منها على شيء، فهل لك أن تبيعنا شركتك بمال نعجله لك فتنتفع به ويسقط عنك التعب ~~والكلف؟ فقلت لهما: وكم تبذلان لي، فقالا: مائة ألف درهم، فقلت: لا أفعل، فما زالا ~~يزيداني وأنا لا أرضى إلى أن قالا لي: ms015 ثلاثمائة ألف درهم ولا زيادة عندنا على هذا، ~~فقلت: حتى أشاور أبا خالد، قالا : ذلك لك، فرجعت إليه وأخبرته، فدعا بهما وقال لهما: هل ~~وافقتماه على ما ذكر، قالا: نعم، قال: اذهبا فقبضاه المال الساعة، ثم قال لي: أصلح أمرك ~~وتهيأ فقد قلدتك العمل، فأصلحت شأني وقلدني ما وعدني به، فما زلت في زيادة حتى صار أمري ~~إلى ما صار، ثم قال لولده الفضل: يا بني فما تقول في ابن من فعل بأبيك هذا الفعل وما ~~جزاؤه؟ قال: حق لعمري وجب عليك له، فقال: والله يا ولدي ما أجد له مكافأة غير أني أعزل ~~نفسي وأوليه، ففعل ذلك، وهكذا تكون المكافأة. # سعيد بن سالم الباهلي مع الفضل وجعفر # قال سعيد بن سالم الباهلي: اشتد بي الحال في مرض هارون الرشيد واجتمع علي ديون ~~كثيرة أثقلت ظهري وعجزت عن قضائها، وضاقت حيلي، وبقيت متحيرا لا أدري ما أصنع حيث عسر ~~علي أداؤها عسرا عظيما، واحتاطت ببابي أرباب الديون، وتزاحم علي المطالبون ولازمني ~~الوفاء، فضاقت حيلي وازدادت فكرتي، فلما رأيت الأمور متعسرة، والأحوال متغيرة، قصدت عبد ~~الله بن مالك الخزاعي والتمست منه أن يمدني برأيه، ويرشدني إلى باب الفرج بحسن تدبيره، ~~فقال عبد الله بن مالك الخزاعي: لا يقدر أحد على خلاصك من محنتك وهمك وضيقك وغمك إلا ~~البرامكة، فقلت: ومن يقدر على احتمال تكبرهم ويصبر على تجبرهم؟ فقال: تحمل ذلك لأجل ~~إصلاح حالك، فنهضت من عنده ومضيت إلى الفضل وجعفر ولدي يحيى بن خالد وقصصت عليهما قصتي ~~وأبديت لهما حالتي، فقالا: أسعدك الله بعونه وأغناك عن خلقه بمنه، وأجزل لك عظيم خيره، ~~وقام لك بالكفاية دون غيره، إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير. # فانصرفت من عندهما ورجعت إلى عبد الله بن مالك ضيق الصدر متحير الفكر منكسر القلب ~~وأعدت ما قالاه، فقال: ينبغي أن تقيم اليوم عندنا لننظر ما يقدره الله تعالى، فجلست ~~عنده ساعة وإذا بغلامي قد أقبل وقال: يا سيدي إن ببابنا بغالا كثيرة بأحمالها ومعها ~~رجل ms016 يقول: أنا وكيل الفضل بن يحيى وجعفر بن يحيى، فقال عبد الله بن مالك : أرجو أن يكون ~~الفرج قد أقبل عليك، فقم وانظر ما الشأن، فنهضت من عنده وأسرعت عدوا إلى بيتي، فرأيت ~~رجلا معه رقعة مكتوب فيها: إنك لما كنت عندنا وسمعنا كلامك توجهنا بعد خروجك إلى ~~الخليفة وعرفناه أنه أفضى بك الحال إلى ذل السؤال، فأمرنا أن نحمل إليك من بيت المال ~~ألف درهم، فقلنا له: هذه الدراهم يصرفها إلى غرمائه ويؤدي بها دينه، ومن أين يقيم وجه ~~نفقاته؟ فأمر لك بثلاثمائة ألف درهم أخرى، وقد حمل إليك كل واحد منا من خالص ماله ألف ~~ألف درهم فصارت الجملة ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم تصلح بها أحوالك وأمورك، ~~فانظر إلى هذا الكرم العظيم. # الكتاب المزور # كان بين يحيى بن خالد وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة في السر ما كانا يظهرانها، ~~وسبب العداوة بينهما أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان يحب عبد الله بن مالك محبة ~~عظيمة، بحيث إن يحيى بن خالد وأولاده كانوا يقولون: إن عبد الله يسحر أمير المؤمنين ~~حتى مضى على ذلك زمان طويل والحقد في قلوبهما، فاتفق أن الرشيد قلد ولاية أرمينية لعبد ~~الله بن مالك الخزاعي وسيره إليها، فلما استقر في يختها قصده رجل من أهل العراق كان فيه ~~فضل وأدب وذكاء وفطنة، إلا أنه ضاق ما بيده وفني ماله واضمحل حاله فزور كتابا على يحيى ~~بن خالد إلى عبد الله بن مالك وسافر إليه في أرمينية. # فلما وصل إلى بابه سلم الكتاب إلى بعض حجابه، فأخذ الحاجب الكتاب وسلمه إلى عبد الله ~~بن مالك الخزاعي، ففتحه وقرأه وتدبره فعلم أنه مزور، فأمر بإحضار الرجل فلما تمثل بين ~~يديه دعا له وأثنى عليه وعلى أهل مجلسه، فقال له عبد الله بن مالك: ما حملك مع بعد ~~المشقة على مجيئك إلي بكتاب مزور، ولكن طب نفسا، فإننا لا نخيب سعيك، فقال الرجل: ~~أطال الله بقاء مولانا الوزير إن كان ثقل عليك وصولي ms017 فلا تحتج في منعي بحجة، فإن أرض ~~الله واسعة، والرازق حي، والكتاب الذي أوصلته إليك من يحيى بن خالد صحيح غير مزور، فقال ~~عبد الله: أنا أكتب كتابا لوكيلي ببغداد وآمره فيه أن يسأل عن حال هذا الكتاب الذي ~~أتيتني به فإن كان ذلك حقا صحيحا غير مزور قلدتك إمارة بعض بلادي وأعطيتك مائتي ألف ~~درهم مع الخيل والنجب الجليلة، وإن كان الكتاب مزورا أمرت بأن تضرب مائتي خشبة وأن ~~تحلق لحيتك، ثم أمر عبد الله أن يحمل إلى حجرة وأن يجعل له فيها ما يحتاج إليه حتى ~~يحقق أمره، ثم كتب كتابا إلى وكيله ببغداد مضمونه: إنه قد وصل إلي رجل ومعه كتاب ~~يزعم أنه من يحيى بن خالد وأنا أسيء الظن بهذا الكتاب، فيجب أن لا تهمل هذا الأمر بل ~~تمضي بنفسك وتتحقق أمر هذا الكتاب وتسرع إلي برد الجواد لأجل أن نعلم صدقه من ~~كذبه. # فلما وصل إليه الكتاب ببغداد ركب من ساعته ومضى إلى دار يحيى بن خالد، فوجده جالسا ~~مع ندمائه وخواصه، فسلم عليه وسلم إليه الكتاب، فقرأه يحيى بن خالد ثم قال للوكيل: عد ~~إلي من الغد حتى أكتب لك الجواب، ثم التفت إلى ندمائه بعد انصراف الوكيل وقال: ما ~~جزاء من تحمل عني كتابا مزورا وذهب به إلى عدوي، فقال كل واحد من ندمائه مقالا، ~~وجعل كل واحد منهم يذكر نوعا من العذاب، فقال لهم يحيى: قد أخطأتم فيما ذكرتم، وهذا ~~الذي أشرتم به من دناءة الهمم وخستها، وكلكم تعرفون منزلة عبد الله من أمير المؤمنين، ~~وتعلمون ما بيني وبينه من الغضب والعداوة، وقد سبب الله تعالى هذا الرجل وجعله واسطة في ~~الصلح بيننا ووفقه لذلك وقيضه ليخمد نار الحقد من قلوبنا وهي تتزايد من مدة عشرين سنة، ~~وتصلح واسطته شئوننا، وقد وجب علي أن أفي لهذا الرجل بتحقيق ظنونه وإصلاح شئونه وأكتب ~~له كتابا إلى عبد الله بن مالك الخزاعي مضمونه: إنه يزيد في إكرامه ويستمر على إعزازه ~~واحترامه، فلما سمع الندماء ms018 ذلك دعوا له بالخيرات وتعجبوا من كرمه ووفور ~~مروته. # ثم إنه طلب الورقة والدواة وكتب إلى عبد الله كتابا بخط يده مضمونه: # بسم الله الرحمن الرحيم، # وصل كتابك أطال الله بقاك وسررت بسلامتك وابتهجت باستقامتك وشمول سعادتك، ~~وكان ظنك أن ذلك الرجل الحر زور عني كتابا ولم يحمل مني خطابا، وليس الأمر ~~كذلك، فإن الكتاب أنا كتبته وليس بمزور ورجائي من إكرامك وإحسانك وحسن شيمتك أن ~~تفي لذلك الرجل الحر الكريم بأمله وأمنيته وترى له حق حرمته وتوصله إلى غرضه، ~~وأن تخصه منك بغامر الإحسان ووافر الامتنان، ومهما فعلته فأنا المقصود به ~~والشاكر عليه، ثم عنون الكتاب وختمه وسلمه إلى الوكيل، فأنفذه الوكيل إلى عبد ~~الله، فحين قرأه ابتهج بما حواه وأحضر ذلك الرجل وقال له: أي الأمرين اللذين ~~وعدتك بهما أحب إليك لأحضره لك بين يديك، فقال الرجل: العطاء أحب إلي من ~~كل شيء، فأمر له بمائتي ألف درهم وعشرة أفراس عربية خمسة منها بالجلال الحرير ~~وخمسة بمروج المواكب المحلاة، وبعشرين تختا من الثياب وعشرة من المماليك ركاب ~~خيل، وما يليق بذلك من الجواهر الثمينة، ثم خلع عليه وأحسن إليه ووجهه إلى ~~بغداد في هيئة عظيمة. # فلما وصل إلى بغداد قصد دار يحيى بن خالد قبل أن يصل إلى أهله وطلب الإذن في الدخول ~~عليه، فدخل الحاجب إلى يحيى وقال له: يا مولاي إن ببابنا رجلا ظاهر الحشمة جميل الخلقة ~~حسن الحال كثير الغلمان يريد الدخول عليك، فأذن له بالدخول، فلما دخل عليه قبل الأرض ~~بين يديه، فقال له يحيى: من أنت، فقال له الرجل: أيها السيد أنا الذي كنت ميتا من جور ~~الزمان فأحييتني من رمس النوائب وبعثتني إلى جنة المطالب، أنا الذي زورت كتابا عنك ~~وأوصلته إلى عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال له يحيى: ما الذي فعل معك، وأي شيء أعطاك؟ ~~فقال: أعطاني من يدك وجميل طويتك وشمول نعمك وعموم كرمك وعلو همتك وواسع فضلك حتى ~~أغناني وخولني وهداني، وقد حملت جميع عطيته ومواهبه، وها هي ms019 ببابك والأمر إليك والحكم ~~في يدك، فقال له يحيى: إن صنيعك معي أجمل من صنيعي معك، ولك علي المنة العظيمة واليد ~~البيضاء الجميمة، حيث بدلت العداوة التي كانت بيني وبين ذلك الرجل المحتشم بالصداقة ~~والمودة، فها أنا أهب لك من المال مثل ما وهب لك عبد الله بن مالك، ثم أمر له من المال ~~والخيل والتخوت بمثل ما أعطاه عبد الله، فعادت لذلك الرجل نعمته كما كانت بمروءة هذين ~~الكريمين. # شاعر البرامكة وأبو نواس # حدث ابن مناذر قال: حج الرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة وحج معه الفضل بن الربيع وكان ~~مضيفا مملقا، فهيأت فيه قولا أجدت تنميقه وحسنت فيه، فدخلت إليه في يوم التروية، ~~وإذا هو يسأل عني ويطلبني، فبادرني الفضل بن الربيع قبل أن أتكلم فقال: يا أمير ~~المؤمنين هذا شاعر البرامكة ومادحهم، وقد كان البشر ظهر لي في وجهه لما دخلت، فتنكر ~~وعبس في وجهي، فقال الفضل: مره يا أمير المؤمنين أن ينشدك قوله فيهم «أتانا بنو الأملاك ~~من آل برمك». # فقال لي: أنشد، فأبيت، فتوعدني وأكرهني، فأنشدته: # أتانا بنو الأملاك من آل برمك # فيا طيب أخبار ويا حسن منظر # إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت # بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر # فتظلم بغداد وتجلوا لنا الدجى # بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر # فما خلفت إلا لجود أكفهم # وإقدامهم إلا لأعواد منبر # إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه # وناهيك من راع له ومدبر # ترى الناس إجلالا له وكأنهم # غرانيق ماء تحت باز مصرصر # ثم أتبعت ذلك بأن قلت: كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين أيام مدحتهم، وفي طاعتك لم ~~يلحقهم سخطك ولم تحلل بهم نقمتك، ولم أكن في ذلك مبتدعا ولا خلا أحد من نظرائي من ~~مدحهم، وكانوا قوما قد أظلني فضلهم وأغناني رفدهم فأثنيت بما أولوا، فقال يا غلام الطم ~~وجهه، فلطمت والله حتى سدرت وأظلم ما كان بيني وبين أهل المجلس، ثم قال اسحبوه على ~~وجهه. # ثم قال: والله لأحرمنك ولا تركت أحدا يعطيك شيئا في هذا العام، فسحبت حتى خرجت ms020 ~~وانصرفت وأنا أسوأ الناس حالا في نفسي ومالي وما جرى علي، ولا والله ما عندي ما يقيم ~~يومئذ قوت عيالي لعبدهم، فإذا شاب قد وقف علي ثم قال: اعذر علي والله يا كبيرنا بما ~~جرى عليك، ودفع إلي صرة وقال: تبلغ بما في هذه، فظننتها دراهم فإذا هي ثلاثمائة ~~دينار، فقلت له: من أنت جعلني الله فداك، قال: أنا أخوك أبو نواس فاستعن بهذه الدنانير ~~واعذرني، فقبلتها وقلت: وصلك الله يا أخي وأحسن جزاءك. # كرم يحيى بن خالد البرمكي # استدعى هارون الرشيد رجلا من أعوانه يقال له صالح قبل الوقت الذي تغير فيه على ~~البرامكة، فلما حضر بين يديه قال له: يا صالح سر إلى منصور وقل له: إن لنا عندك ألف ألف ~~درهم، والرأي قد اقتضى أنك تحمل لنا هذا المبلغ في هذه الساعة، وقد أمرتك يا صالح أنه ~~إن لم يحصل لك ذلك المبلغ من هذه الساعة إلى قبل المغرب أن تزيل رأسه عن جسمه وتأتيني ~~به، فقال: سمعا وطاعة، وسار إلى منصور وأخبره ما ذكر أمير المؤمنين، فقال منصور: قد ~~هلكت، فوالله إن جميع متعلقاتي وما تملكه يدي إذا بيعت بأغلى قيمة لا يزيد ثمنها على ~~مائة ألف فمن أين أقدر يا صالح على التسعمائة ألف درهم الباقية؟ فقال له صالح: دبر لك ~~حيلة تتخلص بها عاجلا وإلا هلكت، فإني لا أقدر أتمهل عليك لحظة بعد المدة التي عينها ~~لي الخليفة، ولا أقدر أن أخل بشيء مما أمرني به أمير المؤمنين، فأسرع بحيلة تتخلص بها ~~قبل أن تنصرم الأوقات، فقال منصور: أسألك من فضلك أن تحملني إلى بيتي لأودع أولادي ~~وأهلي وأوصي أقاربي، قال صالح: فمضيت إلى بيته فجعل يودع أهله وارتفع الضجيج في منزله ~~وعلا البكاء والصياح والاستغاثة بالله تعالى، فقال صالح: قد خطر ببالي أن الله يجعل لك ~~الفرج على يد البرامكة فاذهب بنا إلى دار يحيى بن خالد. # فلما ذهب إلى يحيى بن خالد أخبره بحاله، فاغتم لذلك وأطرق إلى الأرض ساعة، ثم رفع ms021 ~~رأسه واستدعى خازن داره وقال له: كم في خزينتنا من المال، فقال له مقدار خمسة آلاف ~~درهم، فأمر بإحضارها، ثم أرسل رسولا إلى ولده الفضل برسالة مضمونها: إنه قد عرض علي ~~للبيع ضياع جليلة لا تخرب أبدا فأرسل لنا شيئا من الدراهم، فأرسل إليه ألف ألف درهم، ~~ثم أرسل إنسانا آخر إلى ولده جعفر برسالة مضمونها: إنه قد حصل لنا شغل مهم ونحتاج فيه ~~إلى شيء من الدراهم فأنفذ له جعفر في الحال ألف ألف درهم، ولم يزل يحيى يرسل أناسا إلى ~~البرامكة حتى جمع منهم لمنصور مالا كثيرا، وصالح ومنصور لا يعلمان بهذا الأمر، فقال ~~منصور ليحيى: يا مولاي قد تمسكت بذيلك وما أعرف هذا المال إلا منك كما هو عادة كرمك ~~فتمم لي بقية ديني واجعلني عتيقك، فأطرق يحيى وبكى وقال: يا غلام، إن أمير المؤمنين قد ~~كان وهب لجاريتنا دنانير جوهرة عظيمة القيمة، فاذهب إليها وقل لها ترسل لنا هذه ~~الجوهرة، فمضى الغلام وأتى بها إليه، فقال: يا صالح أنا ابتعت هذه الجوهرة لأمير ~~المؤمنين من التجار بمائتي ألف دينار، ووهبها أمير المؤمنين لجاريتنا دنانير العوادة، ~~وإذا رآها معك عرفها وأكرمك وحقن دمك من أجلنا إكراما لنا وقد تم الآن مالك يا منصور، ~~قال صالح: فحملت المال والجوهرة إلى المنصور معي، فبينما نحن في الطريق إذ سمعته يتمثل ~~بهذا البيت: # وما حبا سعت قدمي إليهم # ولكن خفت من ضرب النبال # فعجبت من سوء طبعه وردائته وفساده، وخبث أصله وميلاده، ورددت عليه وقلت له: ما على ~~وجه الأرض خير من البرامكة ولا أخبث ولا أشر منك، فإنهم اشتروك من الموت وأنقذوك من ~~الهلاك، ومنوا عليك بالفكاك ولم تشكرهم ولم تحمدهم ولم تفعل فعل الأحرار، بل قابلت ~~إحسانهم بهذا المقال. # ثم مضيت إلى الرشيد وقصصت عليه القصة وأخبرته بجميع ما جرى، فتعجب الرشيد من كرم يحيى ~~وسخائه ومروءته، وخساسة منصور وردائته، وأمر أن ترد الجوهرة إلى يحيى بن خالد، وقال: ~~كل شيء قد وهبناه لا يجوز أن نعود فيه، ms022 وعاد صالح إلى يحيى بن خالد وذكر له قصة منصور ~~وسوء فعله، فقال يحيى : يا صالح إذا كان الإنسان مقلا ضيق الصدر مشغول الفكر فمهما صدر ~~منه لا يؤاخذ به لأنه ليس ناشئا عن قلبه، وصار يتطلب العذر لمنصور ... فبكى صالح وقال: ~~لا يجري الفلك الدائر بإبراز رجل إلى الوجود مثلك، فوا أسفاه كيف يتوارى من له خلق مثل ~~خلقك وكرم مثل كرمك تحت التراب، وأنشد هذين البيتين: # بادر إلى أي معروف هممت به # فليس في كل وقت يمكن الكرم # كم مانع نفسه إمضاء مكرمة # عند التمكن حتى عاقه الندم # جعفر البرمكي مع بائع الفول # حكي أن جعفرا البرمكي لما صلبه هارون الرشيد أمر بصلب كل من نعاه أو رثاه، فكف ~~الناس عن ذلك، فاتفق أن أعرابيا كان ببادية بعيدة وفي كل سنة يأتى بقصيدة إلى جعفر ~~البرمكي فيعطيه ألف دينار جائزة على تلك القصيدة فيأخذها وينصرف ويستمر ينفق منها على ~~عياله إلى آخر العام، فجاء الأعرابي بالقصيدة على عادته، فلما جاء وجد جعفرا مصلوبا، ~~فجاء إلى المحل الذي هو مصلوب فيه وأناخ راحلته وبكى بكاء شديدا وحزن حزنا عظيما ~~وأنشد القصيدة ونام، فرأى جعفرا البرمكي في المنام يقول له: إنك قد أتعبت نفسك وجئتنا ~~فوجدتنا على ما رأيت، ولكن توجه إلى البصرة واسأل عن رجل اسمه كذا وكذا من تجار البصرة ~~وقل له: إن جعفرا البرمكي يقرئك السلام ويقول لك: أعطني ألف دينار بأمارة الفولة، فلما ~~انتبه الأعرابي من نومه توجه إلى البصرة فسأل عن ذلك التاجر واجتمع به، وبلغه ما قاله ~~جعفر في المنام، فبكى التاجر بكاء شديدا حتى كاد يفارق الدنيا، ثم إنه أكرم الأعرابي ~~وأجلسه عنده وأحسن مثواه ومكث عنده ثلاثة أيام مكرما، ولما أراد الانصراف أعطاه ألفا ~~وخمسمائة دينار وقال له: الألف هي المأمور لك بها والخمسمائة إكرام مني إليك ولك في كل ~~سنة ألف دينار، وعندما حان انصراف الأعرابي قال للتاجر: بالله عليك أن تخبرني بخبر ~~الفولة حتى أعرف أصلها، فقال له: إني كنت ms023 في ابتداء الأمر فقير الحال أطوف بالفول ~~الحار في شوارع بغداد وأبيعه حيلة على المعاش، فخرجت في يوم بارد ماطر وليس على بدني ~~ما يقيني من البرد فتارة أرتعد من شدة البرد وتارة أقع في ماء المطر، وأنا في حالة ~~كريهة تقشعر منها الجلود، وكان جعفر في ذلك اليوم جالسا في قصر مشرف على الشارع وعنده ~~خواصه، فوقع نظره علي فرق لحالي وأرسل إلي بعض أتباعه فأخذني إليه وأدخلني عليه، ~~فلما رآني قال لي: بع ما معك من الفول على طائفتي، فأخذت أكيله بمكيال كان معي، فكل من ~~أخذ كيلة فول يملأها ذهبا حتى فرغ جميع ما معي ولم يبق في القفة شيء، ثم جمعت الذهب ~~الذي حصل لي على بعضه، فقال لي: هل بقي معك شيء من الفول، قلت: لا أدري، ثم فتشت القفة ~~فلم أجد فيها سوى فولة واحدة فأخذها مني جعفر وفلقها نصفين، فأخذ نصفها وأعطى النصف ~~الثاني إحدى نسائه وقال: بكم تشترين نصف هذه الفولة؟ قالت: بقدر هذا الذهب مرتين، فصرت ~~متحيرا في أمري وقلت في نفسي: هذا محال، فبينما أنا متعجب وإذ بالمرأة أمرت بعض ~~جواريها فأحضرت ذهبا قدر الذهب المجتمع مرتين، فقال جعفر: وأنا أشتري النصف الذي أخذته ~~بقدر الجميع مرتين، ثم قال جعفر: خذ ثمن فولك، وأمر بعض خدامه فجمع المال كله ووضعه في ~~قفتين فأخذته وانصرفت، ثم جئت إلى البصرة، واتجرت بما معي من المال فوسع الله علي ~~ولله الحمد والمنة، فإذا أعطيتك في كل سنة ألف دينار من بعض إحسان جعفر ما ضرني شيء، ~~فانظر مكارم أخلاق جعفر والثناء عليه حيا وميتا. # حكم الوادي ويحيى بن خالد والجارية دنانير # قال حكم الوادي: دخلت يوما على يحيى بن خالد فقال لي: يا أبا يحيى، ما رأيك في ~~خمسمائة دينار قد حضرت؟ قلت: ومن لي بها، قال: تلقى لحنك في «ذكرتك إن فاض الفراق ~~بأرضنا» على دنانير، فها هي ذه، وهذا سلام واقف معك ومخرجها إليك، وأنا راكب إلى أمير ~~المؤمنين ولست أنصرف ms024 من مجلس المظالم إلى وقت الظهر فكدها فيه، فإذا أحكمته فلك ~~خمسمائة، فقالت دنانير : يا سيدي، أبو يحيى يأخذ خمسمائة دينار وينصرف وأنا أبقى معك ~~أقاسمك عمري كله، فقال لها: إن حفظتيه فلك ألف دينار، وقام فمضى، فقلت لها: يا سيدتي ~~اشغلي نفسك بذا، فإنك أنت تهبين لي الخمسمائة دينار بحفظك إياه وتفوزين بالألف الدينار، ~~وإلا بطل هذا، فلم أزل معها أكدها وأغني ونغني حتى انصرف يحيى، فدعا بماء وطشت، ثم ~~قال: يا أبا يحيى غن الصوت كما كنت تغنيه، فقلت: هلكت، يسمعه مني وليس هو ممن يخفى ~~عليه، ثم يسمعه منها فلا يرضاه، فلم أجد بدا من الغناء، ثم قال: غنه أنت الآن فغنيت، ~~فقال: والله ما أرى إلا خيرا، فقلت: جعلت فداك أنا أمضغ هذا منذ أكثر من خمسين سنة ~~كما أمضغ الخبز وهذه أخذته الساعة وهو بذل لها بعدي وتجترئ عليه وتزداد حسنا في ~~صوتها، فقال: صدقت، هات يا سلام له خمسمائة دينار ولها ألف دينار، ففعل، فقلت له: ~~وحياتك يا سيدي لأشاطرن أستاذي الألف دينار، قال: ذلك إليك، ففعلت فانصرفت وقد أخذت ~~بهذا الصوت ألف دينار. # إسحاق التميمي الشاعر والفضل بن يحيى # هو عبد الله بن يعقوب ويكنى أبو محمد مولى بني تميم، حدث إسحاق قال: كنت على باب ~~الفضل بن يحيى فأتاني التميمي الشاعر بقصيدة في قرطاس وسألني أن أوصلها إلى الفضل فنظرت ~~فيها ثم خرقت القرطاس، فغضب أبو محمد وقال لي: أما كفاك أن استخففت بحاجتي ومنعتني أن ~~أدفعها إلى غيرك، فقلت له: أنا خير لك من القرطاس، ثم دخلت إلى الفضل فلما تحدثنا قلت ~~له: معي هدية وصاحبها بالباب وأنشدته، فقال: وكيف حفظتها؟ قلت: الساعة، دفعها إلي على ~~الباب فحفظتها، فقال: دع الآن، فقلت له: فأدخله، فأدخل، فسأله عن القصة: فأخبره ثم خرج ~~التميمي، فقلت: خذ في حاجة الرحل، فقال: أما إذا عنيت به فقد أمرت له بخمسة آلاف درهم، ~~فقلت له: أما إذا أقللتها فعجلها، فأمر بها فأحضرت، فقلت له: أليس لإعناتك ms025 إياي ثمن، ~~قال: نعم، قلت: فهاته، قال: لا أبلغ بك في الإعنات ما بلغت بالشاعر في المديح، فقلت: ~~فهات ما شئت، فأمر بثلاثة آلاف درهم فضممتها إلى الخمسة آلاف ووجهت بها إليه. # إبراهيم الموصلي يستوهب بالغناء ثمن ضيعة من البرامكة # حدث مخارق قال: اشتغل الرشيد يوما واصطبح واصطبحت السماء تطش طشا خفيفا، فقلت: ~~والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره ثم أعود، فأمرت من عندي أن يسووا مجلسا ~~لنا إلى وقت رجوعي، فجئت إلى إبراهيم الموصلي فإذا بالباب مفتوح والدهيلز قد كنس، ~~والبواب قاعد، فقلت: ما خبر أستاذي، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جالس في رواق له وبين ~~يديه قدور تغرغر وأباريق تزهر والستارة منصوبة والجواري خلفها، وإذا قدامه طست فيه ~~رطليه وكوز وكأس، فدخلت أترنم ببعض الأصوات وقلت له: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها ~~صوتا، فقال: اقعد ويحك، إني أصبحت على الذي ظننت فأتاني خبر ضيعة تجاورني كنت والله ~~طلبتها زمانا وتمنيتها فلم أملكها وقد أعطى بها مائة ألف دينار، فقلت: وما يمنعك منها؟ ~~والله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر، قال: صدقت ولكن لست أطيب نفسا أن أخرج ~~هذا المال، فقلت: ومن يعطيك الساعة مائة ألف درهم والله ما أطمع في ذلك من الرشيد فكيف ~~من دونه، فقال: اجلس خذ هذا الصوت، ونقر بقضيب معه على الدواة وألقى علي هذين ~~البيتين: # نام الخليون من هم ومن سقم # وبت من كثرة الأحزان لم أنم # يا طالب الجود والمعروف مجتهدا # اعمد ليحيى حليف الجود والكرم # فأخذته فأحكمته، ثم قال لي: امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس ~~عليه وتجد الباب قد فتح ولم يجلس عليه بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد فإنه ~~سينكر عليك مجيئك، ويقول: من أين أقبلت في هذا الوقت، فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك ~~من خير الضيعة، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وأعجبني، ولم أر أحدا يستحقه إلا فلانة ~~جاريته، وإني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها ms026 فيستدعي بها ويأمر بالستارة أن تنصب ~~ويوضع له كرسي ويقول لك: ألقه عليها بحضرتي ، فافعل وأتني بالخبر بعد ذلك، قال: فجئت باب ~~يحيى فوجدته كما وصف وسألني فأعلمته ما أمرني به، ففعل كل شيء قاله لي إبراهيم وأحضر ~~الجارية فألقيت عليها، ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنا أم تنصرف؟ فقلت: أنصرف أطال ~~الله بقاءك فقد علمت ما أذن لنا فيه، فقال: يا غلام احمل مع أبي المهنا عشرة آلاف درهم ~~واحمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة، فحملت العشرة آلاف درهم إلي وأتيت ~~منزلي، فقلت: أسر يومي هذا وأسر من عندي، ومضى الرسول إليه بالمال، فدخلت منزلي ونثرت ~~على من عندي من الجواري دراهم من تلك البدرة وتوسلتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومي كله ~~فلما أصبحت قلت: والله لآتين أستاذي ولأعرفن خبره، فأتيته فوجدت الباب كهيئته بالأمس ~~ودخلت فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنمت وطبت فلم يتلق ذلك بما يجب، فقلت له: ما ~~الخبر ألم يأتك المال، قال بلى، فما كان خبرك أنت بالأمس، فأخبرته بما كان وهب لي ~~وقلت: ما كان ينتظر من تحت الستارة، فقال: ارفع السجف فرفعته، فإذا عشرة بدر، فقلت: وأي ~~شيء بقي عليك في أمر الضيعة؟ قال: ويحك ما هو والله إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها ~~فصارت مثل ما حويت قديما، فقلت: سبحان الله العظيم فتصنع ماذا، قال: قم حتى ألقي عليك ~~صوتا صنعته يفوق ذلك الصوت، فقمت وجلست بين يديه فألقى علي: # ويفرح بالمولود من آل برمك # بغاة الندى والسيف والرمح والنصل # وتنبسط الآمال فيه لفضله # ولا سيما إن كان من ولد الفضل # فلما ألقى علي الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قط وصغر عندي الأول فأحكمته، ثم قال: ~~انهض الساعة إلى الفضل بن يحيى فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد وهو يريد الخلوة مع أهله ~~اليوم فاستأذن عليه وحدثه بحديثنا أمس وما كان من أبيه إلينا وإليك، وأعلمه أني قد صنعت ~~هذا الصوت وكان عندي ms027 أرفع منزلة من الصوت الذي صنعته بالأمس وإني ألقيته عليك حتى ~~أحكمته ووجهت بك قاصدا لتلقيه على فلانة جاريته، فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ~~ما ذكر، فاستأذنت فوصلت وسألني ما الخبر، فأعلمته بخبري في اليوم الماضي وما وصل إلي ~~وإليه من المال، فقال: أخزى الله إبراهيم فما أبخله على نفسه ثم دعا خادما فقال: اضرب ~~الستارة، فضربها فقال لي: ألقه، فلما غنيته لم أتمه حتى أقبل يجر بطرفه ثم جلس على ~~وسادة دون الستارة وقال: والله لقد أحسنت وأستاذك يا مخارق، فلم أخرج حتى أخذته الجارية ~~وأحكمت، فسر بذلك سرورا شديدا وقال: أقم عندي اليوم، فقلت: يا سيدي إنما بقي لنا ~~يوم واحد ولولا أني أحب سرورك لم أخرج من منزلي، فقال: يا غلام احمل مع أبي المهنا ~~عشرين ألف درهم واحمل إلى إبراهيم مائتي ألف درهم، فانصرفت إلى منزلي بالمال، ففتحت ~~بدرة نثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن عندي يومنا، فلما أصبحت بكرت إلى ~~إبراهيم أتعرف خبره وأعرفه خبري فوجدته على الحال التي كان عليها أولا وآخرا، فدخلت ~~أترنم وأصفق فقال لي: ادن، فقلت: ما بقي؟ فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب، فإذا عشرون ~~بدرة مع العشرة الأول فقلت: ما تنتظر الآن، فقال: ويحك ما هو والله إلا أن حصلت حتى جرت ~~مجرى ما تقدم، فقلت: ما أظن أحدا نال في هذه الدولة ما نلته فلم تبخل على نفسك بشيء ~~عنيته دهرا وقد ملكك الله أضعافه، ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت، وألقى علي صوتا ~~إنسانيا - والله - صوتي الأولين: # إلى جعفر صارت بنا كل حرة # طواها سراها نحوه والتهجر # إلى واسع للمنتدين فناؤه # تروح عطاياه عليهم وتبكر # ثم قال لي: هل سمعت مثل هذا؟ فقلت: ما سمعت قط ~~مثله، فلم يزل يرد علي حتى أخذته، ثم قال لي: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأخيه ~~وأبيه، قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك وخبرته ما كان منهما وعرضت عليه الصوت فسر به ودعا ~~خادما فأمره بضرب ms028 الستارة وأحضر الجارية وقعد على كرسي، ثم قال: هات مخارق، فاندفعت ~~فألقيت الصوت عليها حتى أخذته، فقال: أحسنت والله يا مخارق وأحسن أستاذك، فهل لك في ~~المنام عندنا اليوم؟ فقلت: يا سيدي هذا آخر أيامنا، وإنما جئت لموقع الصوت مني حتى ~~ألقيته على الجارية، فقال: يا غلام احمل معه ثلاثين ألف درهم وإلى الموصلي ثلاثمائة ألف ~~درهم، فصرت إلى منزلي بالحال فأقمت ومن معي مسرورين نشرب بقية يومنا ونطرب، ثم بكرت إلى ~~إبراهيم فتلقاني قائما وقال لي: أحسنت يا مخارق، فقلت: ما الخبر، فقال: اجلس، فجلست، ~~فقال لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم فيه ثم رفع السجف فإذا المال، فقلت: ما خبر ~~الضيعة، فأدخل يده تحت مسورة هو متكئ عليها فقال: هذا صك الضيعة ثم سئل عن صاحبها فوجد ~~ببغداد، فاشتراها منه يحيى بن خالد وكتب إلي: قد علمت أنك لا تسخو نفسا بشراء الضيعة ~~من مال يحصل لك ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي ووجهت لك بصكها ووجه ~~إلي بصكها - وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال لي: يا مخارق إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، ~~وإذا مدحت فامدح مثلهم، هذه ستمائة ألف وضيعة بمائة ألف وستون ألف درهم لك حصلنا ذلك ~~أجمع، وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه فمتى يدرك مثل هؤلاء؟! # قيل في محمد بن يحيى بن خالد البرمكي: # سألت الندى والجود ما لي أراكما # تبدلتما عزا بذل مؤبد # وما بال ركن المجد أمسى مهدما # فقال أصبنا بابن يحيى محمد # فقلت فهلا متما بعد موته # وقد كنتما عبديه في كل مشهد # فقالا أقمنا كي نعزى بفقده # مسافة يوم ثم نتلوه في غد # يحيى بن خالد وأحد الشعراء # دخل أحد الشعراء على يحيى بن خالد البرمكي فأنشده: # سألت الندى هل أنت حر فقال لا # ولكنني عبد ليحيى بن خالد # فقلت شراء قال: لا، بل وراثة # توارثني من والد بعد والد # فأمر له بعشرة آلاف درهم. # الفضل بن يحيى والأعرابي # روى الأصمعي عن الفضل بن ms029 يحيى قال: خرج يوما للصيد والقنص، وبينما هو في موكبه إذ ~~رأى أعرابيا على ناقة قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره، قال: هذا يقصدني فلا يكلمه ~~أحد غيري، فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب، والخيام تنصب والعسكر الكثير، الجم ~~الغفير، وسمع الغوى والضجة ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل وعقل راحلته وتقدم إليه وقال: ~~السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، قال: اخفض عليك ما تقول: فقال: ~~السلام عليك أيها الأمير، قال: الآن قاربت اجلس، فجلس الأعرابي، فقال له الفضل: من أين ~~أقبلت يا أخا العرب؟ قال: من قضاعة، قال: من أدناها أو من أقصاها؟ قال: من أقصاها، ~~فقال: يا أخا العرب: مثلك من يقصد من ثلاثمائة فرسخ إلى العراق لأي شيء، قال: قصدت ~~هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد، قال من هم؟ قال: البرامكة، ~~قال الفضل: يا أخا العرب، إن البرامكة خلق كثير، وفيهم جليل وخطير، ولكل منهم خاصة ~~وعامة، فهل أفرزت منهم لنفسك من اخترته لنفسك وأتيته لحاجتك؟ قال: أجل أطولهم باعا ~~وأسمحهم كفا، قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد، فقال له: الفضل يا أخا العرب، ~~إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر، إذا جلس للناس مجلسا عاما لم يحضر مجلسه إلا ~~العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعلم، أعالم أنت؟ قال: لا، ~~قال: أوردت على الفضل بكتاب وسيلة، قال: لا، فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك، مثلك يقصد ~~الفضل بن يحيى وهو ما عرفتك عنه من الجلالة، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه، قال: والله ~~يا أمير ما قصدته إلا لإحسانه المعروف، وكرمه الموصوف، وبيتين من الشعر قلتهما فيه، ~~فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين، فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك ~~بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك، وإن ~~كنت لا تستحق بشعرك شيئا، قال: أفتفعل أيها الأمير، قال: نعم، قال: فإني أقول: # ألم تر أن الجود من عهد ms030 آدم # تحدر حتى صار يمتصه الفضل # ولو أن أما مسها جوع طفلها # غذته باسم الفضل لاغتذأ الطفل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك: هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر وأخذ الجائزة ~~عليهما فأنشدني غيرهما، فما تقول؟ قال: أقول: # قد كان آدم حين حان وفاته # أوصاك وهو يجود بالحباء # ببنيه أن ترعاهم فرعيتهم # وكفيت آدم عولة الأبناء # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك: ممتحنا، هذا البيتان أخذتهما من أفواه الناس، ~~فأنشدني غيرهما، فما تقول وقد رمقتك الأدباء بالأبصار وامتدت الأعناق إليك وتحتاج أن ~~تناضل عن نفسك، قال: إذن أقول: # ملت جهابذ فضل وزن نائله # ومل كاتبه إحصاء ما يهب # والله لولاك لم يمدح بمكرمة # خلق ولم يرتفع مجد ولا حسب # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أنشدني غيرهما، فما ~~تقول؟ قال: إذن أقول: # ولو قيل للمعروف: ناد أخا العلا # لنادى بأعلى الصوت يا فضل يا فضل # ولو أنفقت جدواك من رمل عالج # لأصبح من جدواك قد نفد الرمل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذا البيتان مسروقان أيضا، أنشدني ~~غيرهما، فما تقول؟ قال أقول: # وما الناس إلا اثنان صب وباذل # وإني لذاك الصب والباذل الفضل # على أن لي مثلا كما ذكر الورى # وليس لفضل في سماحته مثل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدني غيرهما، فما تقول؟ قال: أقول أيها ~~الأمير: # حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد # فقامت به التقوى وقام به العدل # وقام به المعروف شرقا ومغربا # ولم يك للمعروف بعد ولا قبل # قال: أحسنت، فإن قال: قد ضجرنا من الفاضل والمفضول أنشدني بيتين على الكنية لا على ~~الاسم، فما تقول؟ قال: إذن أقول: # ألا يا أبا العباس يا واحد الورى # ويا ملكا خد الملوك له نعل # إليك تسير الناس شرقا ومغربا # فرادى وأزواجا كأنهم نحل # قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدنا غير الاسم والكنية والقافية، قال: ~~والله لئن زادني ms031 الفضل وامتحنني بعد هذا لأقولن أربعة أبيات ما سبقني إليهن أعرابي ولا ~~أعجمي، ولئن زادني بعدها لأجمعن قوائم ناقتي هذه وأجعلها في فم الفضل، ولأرجعن إلى ~~قضاعة خاسرا ولا أبالي، فنكس الفضل رأسه وقال للأعرابي: يا أخا العرب أسمعني الأبيات ~~الأربعة، قال: أقول: # ولائمة لامتك يا فضل في الندى # فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر # انتهين فضلا عن عطاياه للغنى # فمن ذا الذي ينهى السحاب عن القطر # كأن نوال الفضل في كل بلدة # تحدر هذا المزن في مهمة قفر # كأن وفود الناس في كل وجهة # إلى الفضل لاقوا عنده ليلة القدر # قال: فأمسك الفضل عن فيه وسقط على وجهه ضاحكا، ثم رفع رأسه وقال: يا أخا العرب أنا ~~والله الفضل بن يحيى سل ما شئت، فقال: سألتك بالله أيها الأمير إنك لهو، قال نعم، قال ~~له: فأعطني الأمان، قال: عليك الأمان، اذكر حاجتك، قال عشرة آلاف درهم، قال الفضل: ~~ازدريت بنا وبنفسك يا أخا العرب، تعطى عشرة آلاف درهم في عشرة آلاف، وأمر بدفع المال، ~~فلما صار المال إليه حمده وزير الفضل وقال: يا مولاي هذا إسراف، يأتيك جلف من أجلاف ~~العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب فتجزيه بهذا المال، فقال: استحقه بحضوره إلينا من ~~أرض قضاعة، قال الوزير: أقسمت عليك إلا أخذت سهما من كنانتك وركبته في كبد قوسك ~~وأومأت به إلى الأعرابي، فإن رد عن نفسه ببيت من الشعر، وإلا فاستعطف مالك ويكون له في ~~بعضه كفاية، فأخذ الفضل سهما وركبه في كبد قوسه وأومأ به إلى الأعرابي وقال له: رد ~~سهمي ببيت من الشعر فأنشأ يقول: # لقوسك قوس الجود والوتر الندي # وسهمك سهم العز فارم به فقري # فضحك الفضل وأنشأ يقول: # إذا ملكت كفي منالا ولم أنل # فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي # على الله إخلاف الذي قد بذلته # فلا مبق لي بخلي ولا متلفي بذلي # أروني بخيلا نال مجدا ببخله # وهاتوا كريما مات من كثرة البذل # ثم قال الفضل لوزيره: أعط الأعرابي مائة ألف درهم ms032 لقصده وشعره ومائة ألف درهم ~~ليكفينا شر قوائم ناقته، فأخذ الأعرابي المال وانصرف وهو يبكي، فقال له الفضل: صم ~~بكاءك يا أعرابي، أاستقلالا للمال الذي أعطيناك؟ قال: لا، ولكني أبكي على مثلك يأكله ~~التراب وتواريه الأرض، وتذكرت قول الشاعر: # لعمرك ما الرزية فقد مال # ولا فرس تموت ولا بعير # ولكن الرزية فقد حر # يموت لموته خلق كثير # ثم انصرف الأعرابي مسرورا. # مروان بن أبي حفصة وجعفر البرمكي # دخل مروان بن أبي حفصة على جعفر بن يحيى فأنشده: # أبر فما ترجو الجياد لحافه # أبو الفضل سباق الأخاصيم جعفر # وزير إذا ناب الخلافة حادث # أشار بما عنه الخلافة تصدر # فقال جعفر: أنشدني مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده: # أقمنا باليمامة أو نسينا # مقاما لا نريد به زوالا # وقلنا أين نذهب بعد معن # وقد ذهب النوال فلا نوالا # وكان الناس كلهم لمعن # إلى أن زار حفرته عيالا # حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه على خديه فقال: هل أثابك على هذه المرثية أحد ~~من أهل بيته وولده؟ قال: لا، قال: فلو كان معن حيا ثم سمعها منك كم كان يثيبك عليها، ~~قال: أربعمائة دينار، قال: ما كنا نظن أنه يرضى لك بذلك، وقد أمرنا لك عن معن رحمه ~~الله بالضعف مما ظننته وزدناك مثل ذلك، فاقبض من الخازن ألفا وستمائة دينار قبل أن ~~تخرج، فقال: مروان يذكر جعفرا وما سمح به عن معن: # نفحت مكافئا عن جود معن # لنا فيما تجود به سجالا # فعجلت العطية بابن يحيى # لنادبه ولم ترد المطالا # فكافأ عن صدى معن جواد # بأجود راحة بذلت نوالا # بنى لك خالد وأبوك يحيى # بناء في المكارم لن ينالا # كأن البرمكي لكل مال # تجود به يداه يفاد مالا # إسحاق الموصلي عند الكرماء # قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دعاني يحيى بن خالد فدخلت عليه، وكان عنده الفضل وجعفر ~~ولداه فقال لي: أصبحت اليوم مهموما فأردت الصبوح لأتسلى، فغن صوتا لعلي أرتاح إليه ~~فغنيته: # إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت # بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر ms033 # فما خلقت إلا لجود أكفهم # وأرجلهم إلا لأعواد منبر # فسر وأمر لي بمائة ألف درهم، وأمر لي كل واحد من ولديه بمثل هذا المبلغ، فحملت ~~المال وانصرفت. # كرم يحيى بن خالد # من مكارمه أن الرشيد لما نكب البرامكة واستأصل شأفتهم، حرم على الشعراء أن يرثوهم، ~~وأمر بالمؤاخذة على ذلك، فاجتاز بعض الحرس ببعض الخربات، فرأى إنسانا واقفا وفي يده ~~رقعة فيها شعر يتضمن رثاء البرامكة وهو ينشده ويبكي، فأخذه الحرس وأتى به إلى الرشيد ~~وقص عليه الصورة، فاستحضره الرشيد وسأله عن ذلك فاعترف به، فقال له الرشيد: أما سمعت ~~تحريمي إرثائهم لأفعلن بك وأصنعن؟ فقال: يا أمير المؤمنين إذا أذنت لي في حكاية حالي ~~حكيتها ثم بعد ذلك أنت ورأيك، قال: قل، قال: إني كنت من أصغر كتاب يحيى بن خالد ~~وأرقهم حالا، فقال لي: أريد أن تضيفني في دارك يوما، فقلت: يا مولانا أنا دون ذلك، ~~وداري لا تصلح لهذا، قال: لا بد من ذلك، قلت: فإن كان لا بد فأمهلني مدة حتى أصلح شأني ~~ومنزلي، ثم بعد ذلك أنت ورأيك، قال: كم أمهلك؟ قلت: سنة، قال: كثير، قلت: فشهورا، قال ~~نعم، فمضيت وشرعت في إصلاح المنزل وتهيئة أسباب الدعوة، فلما تهيأت الأسباب أعلمت ~~الوزير بذلك: فقال: نحن غدا عندك، فمضيت وتهيأت في الطعام والشراب وما يحتاج إليه، ~~فحضر الوزير في غد ومعه ابناه جعفر والفضل وعدة يسيرة من خواص أتباعه، فنزل عن دابته ~~ونزل ولداه جعفر والفضل ومن معه وقال: يا فلان أنا جائع فعجل لي بشيء، فقال لي الفضل ~~ابنه: الوزير يحب الفراريج المشوية فعجل منها ما حضر، فدخلت وأحضرت شيئا، فأكل الوزير ~~ثم قام يتمشى في الدار وقال: يا فلان فرجنا في دارك، فقلت: يا مولانا هذه هي داري ليس ~~لي غيرها، قال: بلى لك غيرها، قلت: والله لا أملك سواها، فقال: هاتوا بناء، فلما حضر ~~قال له: افتح في هذا الحائط بابا، فمضى ليفتح فقلت: يا مولانا كيف يجوز أن يفتح باب ~~إلى بيوت الجيران ms034 والله أوصى بحفظ الجار، قال: لا بأس في ذلك، ثم فتح الباب، فقام ~~الوزير وأبناؤه فدخلوا فيه وأنا معهم فخرجوا منه إلى بستان حسن كثير الأشجار والماء ~~يتدفق فيه وبه من المقاصير والمساكن ما يروق كل ناظر، وفيه من الآلات والفرش والخدم ~~والجواري كل جميل بديع، فقال: هذا المنزل وجميع ما فيه لك، فقبلت يده ودعوت له وتحققت ~~الفضة، فإذا هو من يوم حادثني في أمر الدعوة قد أرسل واشترى الأملاك المجاورة لي وعمرها ~~دارا حسنة، ونقل إليها من كل شيء وأنا لا أعلم، وكنت أرى العمارة وأحسبها لبعض ~~الجيران، فقال لابنه جعفر: يا بني هذا منزل وعمال، فالمادة من أين تكون له؟ قال جعفر: ~~قد أعطيته الضيعة الفلانية بما فيها وسأكتب له بذلك كتابا، فالتفت إلى ابنه الفضل وقال ~~له: يا بني فمن الآن إلى أن يدخل دخل هذه الضيعة ما الذي ينفق؟ قال الفضل: علي عشرة ~~آلاف دينار أحملها إليه، فقال: عجلا له ما قلتما، فكتب لي جعفر بالضيعة وحمل الفضل ~~إلي المال، فأثريت وارتفعت حالي وكسبت بعد ذلك معه مالا طائلا أنا أتقلب فيه إلى ~~اليوم، فوالله يا أمير المؤمنين ما أجد فرصة أتمكن فيها من الثناء عليهم والدعاء لهم ~~إلا انتهزتها مكافأة لهم على إحسانهم ولن أقدر على مكافأته، فإن كنت قاتلي على ذلك ~~فافعل ما بدا لك، فرق الرشيد لذلك وأطلقه وأذن لجميع الناس في رثائهم. # رثاء امرأة لجعفر # قال أبو زيد الرياحي: كنت جالسا عند خشبة جعفر ~~بن يحيى البرمكي أفكر في زوال ملكه وحاله التي صار إليها إذ أقبلت امرأة لها هيئة حسنة، ~~فوقفت على جعفر وبكت واحترقت وتكلمت فأبلغت وقالت: أما والله لئن أصبحت للناس آية لقد ~~بلغت الغاية، ولئن زال ملكك وخانك دهرك ولم يطل به عمرك فلقد كنت المغبوط الناعم بالا، ~~يحسن بك الملك فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على ~~عظيم الفجيعة وجليل الرزيئة الذي لا يستعاض بغيرك، والسلام عليك، وداع غير قال ولا ms035 ~~ناس لذكرك ثم أنشأت تقول: # العيش بعدك مر غير محبوب # ومذ صلبت ومقنا كل مصلوب # أرجو لك الله ذا الإحسان أن له # فضلا علينا وعفوا غير محسوب # ثم سكتت ساعة وتأملته ثم أنشأت تقول: # عليك من الأحبة كل يوم # سلام الله ما ذكر السلام # لئن أمسى صداك برأي عين # على خشب حباك به الإمام # فمن ملك إلى ملك برغم # من الأملاك آن لك الحمام # المأمون وراثي البرامكة # قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلة ~~وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي: خذ معك فلانا وفلانا وسماهما لي - أحدهما علي بن محمد ~~والآخر دينار الخادم -، واذهب مسرعا لما أقول لك فقد بلغني أن شيخا يحضر ليلا إلى ~~آثار دور البرامكة وينشد شعرا يذكرهم ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف، فامض أنت وعلي ~~ودينار حتى تردوا تلك الخرابات، فاستتروا وراء بعض جدرانها فإذا رأيتم الشيخ قد جاء ~~وندب وأنشد أبياتا فأتوني به. فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرابات فإذا بغلام قد أتى ~~ومعه بساط وكرسي جديد برفقته شيخ جميل الطلعة لطيفا مهابا فجلس على الكرسي وجعل يبكي ~~وينتحب ويقول هذه الأبيات: # ولما رأيت السيف جندل جعفرا # ونادى مناد للخليفة في يحيى # بكيت على الدنيا وزاد تأسفي # عليهم وقلت الآن لا تنفع الدنيا # مع أبيات أطالها؛ فلما فرغ قبضنا عليه: وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعا ~~شديدا وقال: دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة، ثم تقدم إلى بعض الدكاكين ~~واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه، ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير ~~المؤمنين قال له: من أنت؟ وبما استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟ قال ~~الشيخ: يا أمير المؤمنين إن للبرامكة أياد خطيرة عندي، فأذن لي أن أحدثك بحالي معهم، ~~قال: قل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا المنذر بن المغيرة من أولاد الملوك، وقد زالت عني ~~نعمتي، فلما ركبني الدين واحتجت إلى بيع مسقط رأسي أشار علي الأهل بالخروج إلى ~~البرامكة. # فخرجت من دمشق مع ms036 ثلاثين رجلا من أهلي وليس معنا ما يباع أو يوهب، ثم دخلنا بغداد ~~ونزلنا في بعض المساجد فاستترت بثياب أعددتها، وتركتهم جياعا لا شيء عندهم ودخلت شوارع ~~بغداد سائلا عن البرامكة فإذا أنا بجامع مزخرف يغص بالجلوس وفي جانبه شيخ بأحسن زي ~~وزينة وعلى الباب خادمان، فطفت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم وأنا أقدم ~~رجلا وأؤخر أخرى والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صنعتي، وإذا بالخادم مقبلا يدعو ~~القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد فدخلت معهم، وإذا بدكة له وسط بستان ~~فسلمنا وهو يعدنا مائة وواحدا وبين يديه عشرة من أولاده، وإذا بمائة واثني عشر خادم قد ~~أقبلوا ومع كل خادم صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يصبون الدنانير في أكمامهم ويجعلون ~~الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، ~~وتغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي وقمت ولا أتلفت إلى ~~ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فوصلت إلى صحن الدار ويحيى يلاحظني فقال للخادم: ائتني ~~بهذا الرجل: فأتى بي، فقال: ما لي أراك تتلفت يمينا وشمالا فقصصت عليه قصتي، فقال ~~للخادم: ائتني بولدي موسى، فأتاه به، فقال له: يا بني هذا رجل غريب خذه إليك واحفظه ~~بنفسك ونعمتك، فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار له، فأكرمني غاية الإكرام وأقمت ~~عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس وقال له: الوزير ~~أمرني بالعطف على هذا الفتى وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين فاقبله عندك وأكرمه، ~~ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام، ثم وفي الغد سلمني لأخيه أحمد ولم أزل في أيدي القوم ~~يتداولونني تباعا مدة عشرة أيام لا أعرف شيئا عن عيالي أمواتا هم أم أحياء، فلما كان ~~اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم، فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام، ~~فقلت: ويلاه سلبت الدنانير والصينية وأخرج على هذه الحالة، إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~فرفع الستر الأول ms037 ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع الخادم الأخير قال لي: مهما ~~كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به، فلما رفع الستر ~~الأخير رأيت حجرة كالشمس حسنا ونورا، واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، ~~وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج وحمل إلي عشرة آلاف دينار ومنشورا ~~بضيعتين وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير، وأقمت يا أمير المؤمنين مع ~~البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب، فلما ~~دهمتهم البلية ونزل بهم ما نزل من الرشيد ألزمني عمرو بن مسعدة بدفع خراج على هاتين ~~الضيعتين لا يفي دخلهما به فلما تجامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرابات دورهم ~~فأندبهم وأذكر حسن صنعهم إلي وأبكي على إحسانهم، فدعا المأمون بعمرو بن مسعدة، فلما أتى ~~به قال له: أتعرف هذا الرجل؟ قال يا أمير المؤمنين: هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ~~ألزمته في ضيعتيه، قال كذا وكذا، فقال له: رد إليه كل ما أخذته منه في مدته ليكون له ~~ولعقبه من بعده، وللحال علا نحيب الرجل. # فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا قد أحسنا إليك فما يبكيك، قال يا أمير ~~المؤمنين وهذا أيضا من صنيع البرامكة، لو لم آت خراباتهم فأبكيهم وأندبهم لما اتصل ~~خبري إلى أمير المؤمنين ففعل بي ما فعل، فما كاد ينتهي من كلامه حتى فاضت عبرات المأمون ~~وظهر عليه الحزن وقال: لعمري هذا من صنيع البرامكة، فعلى مثلهم يبكى وإياهم يشكر ولهم ~~يوفى ولإحسانهم يذكر. # مقتل البرامكة # قال إسماعيل بن يحيى الهاشمي: كنت مع الرشيد يوما من الأيام راكبا إلى الصيد فبينما ~~نحن نسير إذ نظرنا إلى موكب بالبعد اعترضنا فقال لي: يا إسماعيل لمن هذا، فقلت لأخيك ~~جعفر بن يحيى فالتفت يمينا وشمالا إلى من معه في موكبه فإذا هي شرذمة يسيرة، ثم نظر ~~إلى الموكب الذي فيه جعفر فلم يره فقال: يا إسماعيل ms038 ما فعل جعفر وموكبه، فقلت: يا سيدي ~~قد مضى في طريقه ولم يعلم بموضعك ، فقال: ما رآنا أهلا أن يزيننا بموكبه ويجملنا بجيشه، ~~فقلت: العفو يا أمير المؤمنين لو علم بمكانك ما تعداك وما سار إلا بين يديك واعتذرت ~~بما حضر لي من الكلام، ثم سرنا حتى انتهينا إلى ضيعة عامرة ومواش كثيرة وكان الطريق ~~يدور عليها فدرنا حتى رأينا باب القرية، فنظر الرشيد إلى البيدر وإلى كثرة الغلال ~~والمواشي ويسار أهلها فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل لمن هذه الضيعة، قلت: لأخيك جعفر ~~بن يحيى، فسكت ثم تنفس الصعداء ثم سرنا، ولم يزل يمر بكل ضيعة أعمر من الأخرى، وكلما ~~مر وسألني عن ضيعة قلت: لجعفر بن يحيى، حتى سرنا ووصلنا إلى المدينة، فلما أردت وداعه ~~والانصراف إلى منزله نظر إلى من كان حواليه نظرة فعلموا ما أراد، فتفرقوا وبقيت أنا وهو ~~فقال: يا إسماعيل، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: انظر إلى البرامكة أغنيناهم ~~وأفقرنا أولادنا وغفلنا أمرهم، فقلت في نفسي: بلية والله، ثم قلت: لماذا يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: نظرت لهؤلاء وغفلت هؤلاء لأني لا أعرف لولد من أولادي ضيعة من مثل ~~ضياعهم فإنك ترى ضياع البرامكة على طريق واحد قرب هذه المدينة، فكيف بما هو لهم غير ذلك ~~على غير هذا الطريق في سائر البلدان؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنما البرامكة عبيدك وخدمك ~~والضياع وأموالهم وكل ما يملكونه لك، فنظر إلي نظرة جبار عنيد ثم قال: ما عد ~~البرامكة بني هاشم إلا عبيدهم وإنهم هم الدولة وأن لا نعمة لبني العباس إلا وهم أنعموا ~~عليهم بها، فقلت: أمير المؤمنين أبصر من غيره بخدمه ومواليه، فقال: والله يا إسماعيل ~~إنك لتعلم أني قلت هذا وكأني أراك أن تعلمهم بكلامي فتتخذ لك عندهم يدا، وإني أود تكتم ~~هذا الأمر فإنه ما علم به أحد غيرك ومتى بلغهم شيء مما جرى علمت أنه ما أفشاه إلا أنت، ~~فقلت: يا أمير المؤمنين أعوذ بالله أن يكون مثلي يفشي سرك، قال: وكان ms039 هذا القول أول ما ~~ظهر من أمر البرامكة، ثم ودعته وانصرفت متفكرا في إيقاع الحيلة عنهم، فلما كان من الغد ~~بكرت إليه وجلست بين يديه، وكان في محل يشرف على دجلة من شرق مدينة باب السلام وبإزائه، ~~فنزل جعفر من الجانب الغربي، وكانت المواكب مع جميع الأصناف من قائد وأمير وعامل يردون ~~في كل يوم إلى قصر جعفر، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل هذا ما كنا فيه بالأمس انظر كم ~~على باب جعفر من الجيوش والغلمان والمواكب وأنا ما على باب داري أحد، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين ناشدتك الله أن لا تعلق نفسك بفكرك هذا وإن جعفرا إنما هو عبدك وخادمك ووزيرك ~~وصاحب جيوشك إذا لم يكن الجيش على بابه فعلى باب من يكون؟ وإنما بابه باب من أبوابك، ~~فقال: يا إسماعيل انظر إلى دوابهم ألست ترى أعجازهم إلى قصري وتروث بإزائنا ونحن ننظر ~~إليها، والله هذا هو الاستخفاف بعينه، والله لا أصبرن على ذلك، ثم غضب غضبا شديدا ~~وامتلأ غيظا فأمسكت عن الكلام وقلت: والله هذا قضاء من الله سابق وحكم لا محالة واقع، ~~ثم استأذنته في الانصراف وعدت إلى منزلي، فلقيني جعفر في الطريق يريد الرشيد فتواريت ~~عنه حتى مضى، فدخل إليه وسلم عليه فأجلسه عن يمينه وأكرمه غاية الإكرام وبش في وجهه ~~وحادثه ساعة ووهب له خادما من خاصة خدمه وأنبلهم وأوضحهم وجها وأكملهم ظرفا كاتبا ~~حاسبا لبيبا، فسر جعفر سرورا كاملا ووقع في قلبه أجل موقع، وكان دسيسا عليه ~~وبلية لديه يرفع أخباره إلى الرشيد ويحصي عليه أنفاسه ساعة بساعة ووقتا بوقت، فخلا به ~~جعفر يومه ذلك وليلته واحتجب من أجله عن الناس، فلما كان بعد ثلاثة أيام سرت إلى جعفر ~~فسلمت عليه، فلما خلا مجلسه ولم يبق عنده غيري وذلك الخادم واقف فعلمت أن الخادم يحصي ~~علينا أخبارنا، فقلت: أيها الوزير نصيحة أفتأذن لي في الكلام، وكان الرشيد ولاه كورة ~~خراسان كلها وما يضاف إليها وما ينسب لها قبل هذا الكلام بأيام وخلع عليه وعقد ms040 له لواء ~~وعسكرا بالنهروان، وضرب الناس مضاربهم بها وهم متأهبون للسفر، فقلت: يا سيدي أنت عازم ~~على الخروج إلى بلدة كثيرة الخير واسعة الأقطار عظيمة المملكة فلو صيرت بعض ضياعك لولد ~~أمير المؤمنين لكان أحظى لمنزلتك عنده، فلما قلت هذا نظر إلي مغضبا وقال: والله يا ~~إسماعيل ما أكل الخبز ابن عمك أو قال صاحبك إلا بفضلي ولا قامت هذه الدولة إلا بنا، أما ~~كفى أني تركته لا يهتم بأمر شيء من نفسه وولده وحاشيته ورعيته، وقد ملأت بيوت أمواله ~~أموالا ولا زلت للأمور الجليلة أدبرها حتى يمد عينه إلى ما ادخرته وأخذته لولدي وعقبي ~~من بعدي وداخله حسد بني هاشم ودب فيه الطمع، وقال: والله لئن سألني شيئا من ذلك ~~ليكونن وبالا عليه سريعا، فقلت: والله يا سيدي ما كان مما ظننت شيء ولا تكلم أمير ~~المؤمنين بحرف قال: فما هذا الفضول منك، فجلست بعدها هنيهة ثم قمت إلى منزلي ولم أركب ~~إليه ولا إلى الرشيد لأني صرت بينهما في حالة شبهة، وقلت في نفسي: هذا الخليفة وهذا ~~وزيره وأي شيء لي بالدخول بينهما، وعلمت عند ذلك أن الخادم الذي وهبه الرشيد لجعفر كتب ~~إلى الرشيد بما كان بيني وبينه وما تكلم به من الكلام الغليظ. # فلما قرأ الكتاب وفهم الخبر احتجب ثلاثة أيام متفكرا في إيقاع الحيلة على البرامكة، ~~فدخل في اليوم الرابع على زبيدة فخلا بها وشكا لها ما في قلبه وأطلعها على الكتاب الذي ~~رفعه إليه الخادم، وكان بين جعفر وزبيدة شر وعداوة قديمة فلما تملكت الحجة عليه بالغت ~~في المكر بهم واجتهدت في هلاكهم، وكان الرشيد يتبرك بمشورتها فقال: علي برأيك الموفق ~~الرشيد فإني خائف أن يخرج الأمر من يدي إن تمكنوا من خراسان وتغلبوا عليها، فقالت: يا ~~أمير المؤمنين مثلك مع البرامكة كمثل رجل سكران غريق في بحر عميق، فإن كنت قد أفقت من ~~سكرتك وتخلصت من غرقتك أخبرتك بما هو أصعب عليك وأعظم من هذا بكثير، وإن كنت على الحالة ~~الأولى تركتك، فقال: ms041 قد كان ما كان والآن أسمع منك، فقالت: إن هذا الأمر أخفاه عنك ~~وزيرك وهو أصعب مما أنت فيه وأقبح وأشنع، فقال لها: ويحك ما هو؟ فقالت: أنا أجل من أن ~~أخاطبك به ولكن تحضر أرجوان الخادم وتشدد عليه وتوهنه ضربا فإنه يعرفك الخبر، وكان ~~الرشيد قد أحل جعفرا محلا لم يحله أخوه ولا أبوه وفوض له أن يرى كل جواريه سوى امرأته ~~زبيدة فإنه لم يكن رآها، فلما فسد قلب الرشيد وعزم على هلاك البرامكة وجدت عليهم سبيلا ~~ومالت على جعفر، وكان جعفر يدخل إلى الحريم في غياب الرشيد فلا يستترن منه وكان ذلك ~~بأمر الرشيد. # وقيل: إنه كان للرشيد مجلس بالليل مع جعفر البرمكي فقال له يوما: لا يطيب لي ذلك إلا ~~بمحضر أختي العباسة، ولكن لا يجوز إلا أن نكتب لك عليها لإباحة النظر من غير أن ~~تقربها، فاتفقا على ذلك وعقد له عليها ثم أحضرها فكانت تحضر ذلك المجلس إلا أنه زاد ~~غرامها وعشقها فيه، وكان لجعفر البرمكي امرأة تزين له الجواري كل ليلة، فجاءتها العباسة ~~ورشتها بالمال فزينتها له وأدخلتها عليه فظن أنها جارية. # فلما أصبحوا قالت له: أنا العباسة وقد كنت أسألك أن تساعدني على مودتك فتأبى، فلما ~~أيست منك احتلت عليك بما رأيت في هذه الليلة وإن لم تواظب لأكونن سببا في سلب نعمتك ~~وهل أنت إلا زوجي؟ # فطار السكر من رأس جعفر وقال لها: أهلكتني وأهلكت نفسك فوالله لقد بعتيني ~~رخيصا. # فلما بلغ الرشيد الخبر خرج واستدعى بأرجوان الخادم وأحضر السيف والنطع وقال: برأت من ~~المنصور إن لم تصدقني حديث جعفر لأقتلنك، فقال: الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم لك ~~الأمان، قال: أعلم أن جعفرا قد خانك في أختك العباسة وقد دخل بها منذ سبع سنين وولدت ~~منه ثلاثة بنين الأول له ست سنين والاثنان قد أنفذهما إلى مدينة الرسول # صلى الله عليه وسلم # وهي ~~حامل بالرابع وأنت أذنت له بالدخول على أهل بيتك وأمرتني أن لا أمنعه في أي وقت شاء ms042 ~~ليلا ونهارا، قال: أمرتك أن لا تحجبه فحين حدثت هذه الحادثة لم لم تخبرني ، ثم أمر ~~بضرب عنقه وقام من وقته ودخل على زبيدة وقال لها: أرأيت ما عاملني به جعفر وما ارتكب من ~~هتك ستري ونكس رأسي، وفضحني بين العرب والعجم، فقالت: هذه شهوتك وإرادتك عمدت إلى شباب ~~جميل الوجه حسن الثياب طيب الرائحة جابر في نفسه، أدخلته على ابنة خليفة من خلفاء الله ~~وهي أحسن منه وجها وأنظف منه ثوبا وأطيب منه رائحة لكنها لم تر رجلا قط غيره، فهذا ~~جزاء من جمع بين النار والحطب، فخرج من عندها مكروبا، فدعا بخادمه مسرور وكان قاسي ~~القلب فظا غليظا قد نزع الله الرحمة من قلبه فقال: يا مسرور إذا ادلهم الظلام ~~فأتني بعشرة من أقوياء الفعلة ومعهم خادمان، قال: نعم، فلما كان بعد العتمة جاء مسرور ~~ومعه الفعلة والخادمان، فقام الرشيد وهم بين يديه حتى أتى المقصورة التي فيها أخته فنظر ~~إليها وهي حامل فلم يكلمها بشيء ولم يعاتبها على ما فعلت وأمر الخادمين بإدخالها في ~~صندوق كبير في مقصورتها بعد قتلها، ووضعها بحليها وثيابها كما هي وقفل عليها، وقد علمت ~~أنه بعد قتل أرجوان لاحقها به، فلما علم أنه استوثق بها دعا الفعلة ومعهم المعاول ~~والزنابيل فحفروا وسط تلك المقصورة حتى بلغوا الماء وهو قاعد على كرسي ثم قال: حسبكم ~~هاتوا الصندوق فدلوه إلى تلك الحفرة، ثم قال: ردوا التراب عليه، ففعلوا وسدوا الموضع ~~كما كان، ثم أخرجهم وأقفل الباب وأخذ المفتاح معه وجلس في موضعه والفعلة والخادمان بين ~~يديه ثم قال: يا مسرور خذ هؤلاء القوم وأعطهم أجرتهم، فأخذهم مسرور وجعلهم في حد السيف ~~وضبط عليهم بعد أن أثقلهم بالصخر والحصى ورماهم في وسط دجلة ورجع من وقته، فوقف بين ~~يديه فقال: يا مسرور، فعلت ما أمرتك به؟ قال: دفعت لهم أجورهم، فرفع إليه مفتاح البيت ~~وقال: احفظه حتى أسألك عنه وامض الآن وانصب في المحل القبة التركية، ففعل ذلك ووافاه ~~قبل الصبح ولم يعلم أحد ما ms043 يريد. # فلما جلس في مجلسه وكان عصر الخميس يوم موكب جعفر: قال: يا مسرور لا تتباعد عني، ودخل ~~الناس فسلموا عليه ووقفوا على مراتبهم، ودخل جعفر بن يحيى البرمكي فسلم عليه، فرد ~~عليه السلام أحسن رد ورحب به وضحك في وجهه وجلس في مرتبته، وكانت مرتبته أقرب المراتب ~~إلى أمير المؤمنين، ثم حدثه ساعة وضاحكه فأخرج جعفر الكتب الواردة عليه من النواحي ~~فقرأها عليه وأمر ونهى ومنع، وأنفذ الأمور، وقضى حوائج الناس، ثم استأذن جعفر في الخروج ~~إلى خراسان في يومه ذاك، فدعا الرشيد بالمنجم وهو جالس بحضرته، فقال الرشيد: كم مضى من ~~النهار، قال ثلاث ساعات ونصف، وحسب له الرشيد بنفسه ونظر في نجمه فقال: يا أخي هذا يوم ~~نحوسك، وهذه ساعة نحس ولا أرى إلا أنه يحدث فيها حادث، ولكن تصلي الجمعة وترحل في صعودك ~~وتبيت في النهروان، وتبكر يوم السبت وتستقبل الطريق بالنهار فإنه أصلح من اليوم، فما ~~رضي جعفر بما قاله الرشيد حتى أخذ الإصطرلاب من يد المنجم وقام فأخذ الطالع وحسبه لنفسه ~~وقال: والله صدقت يا أمير المؤمنين إن هذه الساعة ساعة نحس وما رأيت نجما أشد احتراما ~~ولا أضيق مجرى من البروج في مثل هذا اليوم، ثم قام وانصرف إلى منزله والناس والقواد ~~والخاص والعام من كل جانب يعظمونه ويبجلونه إلى أن وصل إلى قصره في جيش عظيم، وأمر ~~ونهى وانصرف الناس، فلم يستقر به المجلس حتى بعث إليه الرشيد مسرورا وقال له: امض إلى ~~جعفر وائتني به الساعة وقل له: وردت كتب خراسان، هذا دخل الباب الأول أوقف الجند، وإذا ~~دخل الباب الثاني أوقف الغلمان، وإذا دخل الباب الثالث فلا تدع أحدا يدخل معه من ~~غلمانه بل يدخله وحده، فإذا دخل في صحن الدار فمل به إلى القبة التركية التي أمرتك ~~بنصبها، فاضرب عنقه وائتني برأسه، ولا توقف أحدا من خلق الله على ما أمرتك به ولا ~~تراجعني في أمره، وإن لم تفعل ما ذكرت أمرت من يضرب عنقك ويأتيني برأسك ورأسه جملة، ms044 ~~وفي دون هذا كفاية وأنت أعلم، وأسرع قبل أن يبلغه الخبر من غيرك. فمضى مسرور واستأذن ~~على جعفر فدخل وقد نزع ثيابه وطرح نفسه ليستريح، فقال: سيدي أجب أمير المؤمنين، فانزعج ~~وارتاع منه وقال: ويلك يا مسرور أنا في هذه الساعة خرجت من عنده فما الخبر؟ قال: وردت ~~كتب من خراسان يحتاج أن تقرأها، فطابت نفسه ودعا بثيابه فلبسها وتقلد بسيفه وذهب معه، ~~فلما دخل من الباب الأول أوقف الجند، وفي الثاني أوقف الغلمان، فلما دخل من الباب ~~الثالث التفت فلم ير أحدا من غلمانه ولا الخادم الفرد، فندم على ركوبه تلك الساعة ولم ~~يمكنه الرجوع، فلما سار بإزاء تلك القبة المضروبة في صحن الدار مال به إليها وأنزله عن ~~دابته، وأدخله القبة فلم ير فيها إلا سيفا ونطعا فاستحس بالبلاء وقال لمسرور: يا أخي ~~ما الخبر؟ فقال له مسرور: أنا الساعة أخوك وفي منزلك تقول لي: ويلك أنت تدري ما القضية ~~وما كان الله ليهملك ولا لينفعك، فقد أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك وحمل رأسك إليه ~~الساعة، فبكى جعفر وجعل يقبل يدي مسرور ويقول: يا أخي يا مسرور قد علمت كرامتي لك دون ~~جميع الغلمان والحاشية، وإن حوائجك عندي مقضية في سائر الأوقات، وأنت تعرف موضعي ومحلي ~~من أمير المؤمنين وما يوحيه إلي من الأسرار، ولعل أن يكونوا بلغوه عني باطلا وهذه ~~مائة ألف دينار أحضرها لك الساعة قبل أن أقوم من موضعي هذا ودعني أهيم على وجهي، فقال: ~~لا سبيل إلى الحياة أبدا، قال: توقف عني ساعة وارجع إليه وقل له: قد فرغت مما أمرتني ~~به واسمع ما يقول وعد فافعل ما تريد، فإن فعلت ذلك وحصلت لي السلامة فإني أشهد الله ~~وملائكته أني أشاطرك في نعمتي مما ملكته يدي وأجعلك أمير الجيش وأملكك أمر الدنيا، ولم ~~يزل به وهو يبكي حتى طمع في الحياة، فقال له مسرور: ربما يكون ذلك، وحل منطقته وأخذها ~~ووكل به أربعين غلاما من السودان يحفظونه، ومضى مسرور ووقف بين يدي الرشيد وهو ms045 جالس ~~يقطر غضبا وفي يده قضيب الولع ينكت به في الأرض، فلما رآه قال له: ثكلتك أمك ما فعلت ~~في أمر جعفر؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد أنفذت أمرك فيه، فقال: فأين رأسه، فقال: في ~~القبة، قال: فأتني برأسه الساعة، فرجع مسرور وجعفر يصلي وقد ركع ركعة فلم يمهله أن يصلي ~~الثانية حتى سل سيفه الذي أخذه منه وضرب عنقه وأخذ رأسه بلحيته، فطرحه بين يدي أمير ~~المؤمنين وهو يشخب دما. # فنظر الرشيد إلى الجلاد وقال: ائتني باثنين من الجنود، فأتاه بهما فقال لهما: اضربا ~~عنق مسرور فإني لا أقدر أن أرى قاتل جعفر، ثم تنفس الصعداء وبكى بكاء شديدا وجعل ينكت ~~في الأرض في أثناء كل كلمة ويقرع أسنانه بالقضيب ويخاطبه ويقول: يا جعفر ألم أحلك محل ~~نفسي؟ يا جعفر ما كافأتني ولا عرفت حقي ولا تفكرت في صروف الدهر ولا حسبت تقلب الأيام ~~واختلاف أحوالها، يا جعفر خنتني في أهلي وفضحتني بين العرب والعجم، يا جعفر أسأت إلي ~~وإلى نفسك وما تفكرت في عواقب أمرك ولم يزل على هذا الحال طورا ينكت الأرض، وتارة ~~يخاطب رأس جعفر إلى أن آن وقت صلاة الظهر، فخرج إلى الجامع وصلى بالناس جماعة ثم التفت ~~إلى قصور جعفر ودوره وأقبل على أبيه وأخيه وجميع أولاد البرامكة ومواليهم وغلمانهم ~~واستباح مالهم، وأمر بسلب جميع ما لهم من المضارب والخيام والسلاح وغير ذلك، فلما أصبح ~~يوم السبت إذا هو قد قتل من البرامكة وحاشيتهم نحو ألف إنسان وترك من بقي منهم لا يرجع ~~إلى وطنه وشتت شملهم في البلاد ولم يقدر أحد منهم على كسرة خبز. # ثم وجه إلى مدينة الرسول # صلى الله عليه وسلم # فأتى بالصبيين ولدي جعفر من أخته العباسة فأدخلا ~~عليه في بيته، فلما رآهما أعجب بهما وكانا في نهاية من الحسن والجمال فاستنطقهما فوجد ~~لغتهما مدنية وفصاحتهما هاشمية وفي ألفاظهما عذوبة وبلاغة، فقال لكبيرهما: ما اسمك يا ~~قرة عيني؟ قال: الحسن، وقال للصغير: ما اسمك يا حبيبي؟ قال: الحسين، فنظر ms046 إليهما وبكى ~~بكاء شديدا، ثم قال: يعز علي حسنكما وجمالكما لا رحم الله من ظلمكما، ولم يدريا ما ~~أراد بهما ثم أمر الجلاد بأخذهما إلى الأودة المعهودة وبقتلهما ودفنهما مع أمهما في ~~الحفرة وهو مع ذلك يبكي بكاء شديدا حتى ظن أنه رحمهما، وأمر بعد ذلك ألا تذكر ~~البرامكة في مجلس لأن ذلك كان مثيرا لأشجانه مجددا في قلبه عوامل الأسى، وكان قتل ~~جعفر بن يحيى في ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة 187ه وهو ابن سبع وثلاثين ~~سنة. # مقتل خالد بن جعفر # قال أبو عبيدة: كان الذي هاج الأمر بين الحارث بن ظالم وخالد بن جعفر أن خالد بن جعفر ~~أغار على قوم الحارث بن ظالم وهم في واد يقال له حراض، فقتل الرجال والحارث يومئذ ~~غلام، وكانت نساء بني ذبيان لا يحلبن النعم، فلما قتلت رجالهن طفقن يدعون الحارث فيشد ~~عصاب الناقة ثم يحلبنها ويبكين رجالهن ويبكي الحارث معهن، فنشأت في قلبه العداوة ~~والبغضاء. # وأما خالد بن جعفر فإنه مكث برهة من دهره إلى ~~أن أتى النعمان بن المنذر - ملك الحيرة - لينظر ما قدره عنده وأتاه بفرس، فلقي عنده ~~الحارث بن ظالم وقد أهدى له فرسا، فقال: أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من ~~خيل بني مرة لن يؤتى بمثله، ولقد كنت أرتبطه لغزو بني عامر بن صعصعة، فلما كرمت خالدا ~~أهديته إليك، وقال الربيع بن زياد العبسي فقال: هذا فرس من خيل بني عامر ارتبطت أباه ~~عشرين سنة لم يخفق في غزوة ولم يتعب في سفر وفضله في هذين الفرسين كفضل بني عامر على ~~غيرهم، فغضب النعمان عند ذلك، وقال: يا معشر قيس أي خيلكم أشباهنا، أين التي أذنابها ~~كالكلاب تعالك اللجم في أشداقها تدور على مذاودها كأنما يقضمن حصى؟ قال خالد: زعم ~~الحارث أبيت اللعن أن تلك الخيل خيله وخيل آبائه، فغضب النعمان عند ذلك على الحارث بن ~~ظالم، فلما أمسوا اجتمعوا يشربون فقال خالد لقينة تغني: # دار لهند والرباب وفرتني # ولبئس قول ms047 حوادث الأيام # وهن خالات الحارث بن ظالم، فغضب الحارث بن ظالم حتى امتلأ غيظا وغضبا وقال: ما تزال ~~تتبع أولى بأخرة، ثم إن النعمان بن المنذر دعاهم بعد ذلك وقدم لهم تمرا، فطفق خالد بن ~~جعفر يأكل ويلقي نوى ما يأكل من التمر بين يدي الحارث، فلما فرغ القوم قال خالد بن ~~جعفر: أبيت اللعن انظر إلى ما بين يدي الحارث بن ظالم من النوى فما ترك لنا تمرا إلا ~~أكله. # فقال الحارث: أما أنا فأكلت التمر وألقيت النوى، وأما أنت يا خالد فأكلته بنواه، فغضب ~~خالد وكان لا ينازع، فقال: تنازعني يا حارث وقد قتلت قومك وتركتك يتيما في حجور ~~النساء، فقال الحارث: ذلك يوم لم أشهده وحسبي ما أنا عليه الآن، فقال خالد: فهلا تشكر ~~لي إذا قتلت زهير بن جزيمة وجعلتك سيد غطفان، قال: بلى أشكرك على ذلك، فخرج الحارث بن ~~ظالم إلى بنت عفزر فشرب عندها وقال لها أنشدي: # تعلم أبيت اللعن أني فاتك # من اليوم أو من بعده بابن جعفر # أخالد قد نبهتني غير نائم # فلا تأمنن فتكي مدى الدهر واحذر # أعيرتني أن نلت منا فوارسا # غداة حراض مثل جنات عبقر # أصابهم الدهر الخؤون بخترة # ومن لا يقي الله الحوادث يعثر # فعلك يوما أن تنوء بضربة # بكف فتى من قومه غير جيدر # يعض بها عليا هوازن والمنى # لقاء أبي جزء بأبيض مبتر # فبلغ خالد بن جعفر قوله فلم يحفل به، فقال عبد الله بن جعدة وهو ابن أخت خالد، وكان ~~رجل قيس رأيا لابنه: يا بني ائت أبا جزء فأخبره أن الحارث بن ظالم سفيه موتور فأخف ~~مبيتك الليلة، فإنه قد غلبه الشراب، فإن أبيت فاجعل بينك وبينه رجلا ليحرسك، فوضعوا ~~رجلا بإذائه، ونام ابن جعدة دون الرجل، وعرف أن عروة وابن جعدة يحرسان خالدا، فأقبل ~~الحارث فانتهى إلى ابن جعدة فتعداه، ومضى إلى الرجل وهو يحسبه خالدا فأكب عليه حتى ~~أعدمه الرشاد ثم مال إلى خالد وهو نائم فضربه بالسيف فقتله، فقال لعروة: أخبر ms048 الناس أني ~~قتلت خالدا، وقال في ذلك: # ألا سائل النعمان إن كنت سائلا # وحي كلاب هل فتكت بخالد # عشوت إليه وابن جعدة دونه # وعروة يكلا عمه غير راقد # وقد نصبا رجلا فباشرت جوزه # بكلكل مخشي العداوة حارد # فأضربه بالسيف يافوخ رأسه # وصمصم حتى نال نيط القلائد # وأفلت عبد الله مني بذعره # وعروة من بعد ابن جعدة شاهدي # موت يحيى بن خالد البرمكي # لما طالت مدة سجن يحيى بن خالد كتب إلى هارون الرشيد كتابا نصه: «إلى أمير المؤمنين ~~وخليفة رب العالمين هارون الرشيد من عبد أسلمته ذنوبه وأوبقته عيوبه ومال به الزمان ~~ونزل به الحدثان، فعالج البؤس بعد الدعة وافترش السخط بعد الرضى، واكتحل السهاد بعد ~~الهجود ساعته شهر وليلته دهر قد عاين الموت وشارف الفوت جزعا لموجدتك يا أمير المؤمنين ~~وأسفا على ما فات من قربك لا على شيء من المواهب؛ لأن الأهل والمال إنما كانا لك وبك ~~يا مولاي، وأما ما جناه ولدي خالد على نفسه فذاك أمر قدر فكان وأنت براء منه يا أمير ~~المؤمنين، فانظر في أمري جعلت فداك وليمل هواك بالعفو عن ذنبي ولسوف تبدي لك الأيام ~~براءة ساحتي وحقيقة أمري والسلام»، ثم اختتمها بهذه الأبيات: # يكفيك ما أبصرت من # ذلي وذل مكانيه # وبكاء فاطمة الكئي # بة والمدامع جاريه # ومقالها بتوجع # وا سوأتي وشقائيه # من لي وقد غضب الزما # ن على جميع رجاليه # يا لهف نفسي لهفها # ما للزمان وما ليه # يا عطفة الملك الرضا # عودي علينا ثانيه # فلما بلغ كتابه أمير المؤمنين أهمله ولم يجبه عليه، فاعتل يحيى وزادت آلامه حتى شعر ~~بدنو الأجل فكتب رقعة إلى الرشيد أوصى السجان بأخذها بعد مفارقة روحه الجسد وفيها ما ~~يأتي: «قد تقدم الخصم إلى موقف الفصل، وأنت على الأثر، والله حكم عدل»، فلما مات يحيى ~~وبلغ الرشيد تلك الرقعة حزن عليه غاية الحزن وندم على ما بدا منه. # رثاء بني برمك لسليمان بن برمك # أصبت بسادة كانوا عيونا # بهم نسقى إذا انقطع الغمام # فقلت وفي الفؤاد ms049 ضريم نار # والمعبرات من عيني انسجام # على المعروف والدنيا جميعا # ودولة آل برمك السلام # جزعت عليك يا فضل بن يحيى # ومن يجزع عليك فلا يلام # هوت بك عن أنجم المعروف فينا # وغر بفقدك القوم اللئام # ولم أر قبل قتلك يا ابن يحيى # حسام قده السيف الحسام # برين الحادثات له سهاما # فغالته الحوادث والسهام # ليهن الحاسدين بابن يحيى # أسير لا يضيم ويستضام # وإن الفضل بعد رداء عز # غدا ورداؤه ذال ولام # وقد آليت معتذرا بنذر # ولي فيما نذرت به اعتزام # بأن لا ذقت بعدكم مداما # وموتي أن يفارقني المدام # أألهو بعدكم وأقر عينا # علي اللهو بعدكم حرام # وكيف يطيب لي عيش وفضل # أسير دونه البلد الشآم # وجعفر ثاويا باللحد أبلت # محاسنه السمائم والقنام # أمر به فيغلبني بكائي # ولكن البكاء له اكتتام # أقول وقمت منتصبا لديه # إلى أن كاد يفضحني القيام # أما والله لولا خوف واش # وعين للخليفة لا تنام # لطفن بركن جزعك واستلمنا # كما للناس بالحجر استلام # وقيل فيهم من مرثية: # الآن استرحنا واستراحت ركابنا # وأمسك من يجزى ومن كان يجتدي # فقل للمطايا: قد أمنت من السرى # وطئ الفيافي فرقدا بعد فرقد # وقل للمنايا: قد ظفرت بجعفر # ولن تظفري من بعده بمسود # وقل للعطايا بعد فضل تعطلي # وقل للرزايا كل يوم تجددي # ودونك سيفا هاشميا مهندا # أصيب بسيف هاشمي مهند # الفصل الثاني # | فى نوادر معن بن زائدة # عفو معن بن زائدة عن أسراه # قيل: إن معن بن زائدة قبض على عدة من الأسرى فعرضهم على السيف، فالتفت إليه بعضهم ~~وقال له: أصلح الله الأمير، لا تجمع علينا بين الجوع والعطش ثم القتل، فوالله إن كرم ~~الأمير يبعد عن ذلك، فأمر لهم حينئذ بطعام وشراب فأكلوا وشربوا ومعن ينظر إليهم، فلما ~~فرغوا من أكلهم قالوا له: أيها الأمير أطال الله بقاءك إننا قد كنا أسراك والآن صرنا ~~ضيوفك، فانظر كيف تصنع بضيوفك، فعند ذلك قال لهم معن: قد عفوت عنكم، فقال أحدهم: والله ~~أيها الأمير إن عندنا عفوك عنا أشرف من يوم ms050 ظفرك بنا، فسر معنا هذا الكلام وأمر ~~لكل منهم بكسوة ومال. # كرم معن بن زائدة # حكي عن معن بن زائدة أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة ~~وحمار، ثم قال له: لو علمت أن الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من ~~الخز بجبة وقميص ودراعة وسراويل وعمامة ومنديل ورداء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا ~~غير هذا من الخز لأعطيناك، ثم أمر بإدخاله إلى الخزانة وصب تلك الخلع عليه. # إجارة معن لرجل استغاث به من المنصور # روي أن أمير المؤمنين المنصور أهدر دم رجل كان يسعى بفساد دولته مع الخوارج من أهل ~~الكوفة، وجعل لمن دل عليه أو جاء به مائة ألف درهم، ثم إن الرجل ظهر في بغداد، فبينما ~~هو يمشي مختفيا في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة فأخذ بمجامع ثيابه وقال: ~~هذا بغية أمير المؤمنين، فبينما الرجل على هذه الحالة إذ سمع وقع حوافر الخيل فالتفت ~~فإذا معن بن زائدة، فاستغاث به وقال له: أجرني أجارك الله، فالتفت معن إلى الرجل ~~المتعلق به وقال له: ما شأنك وهذا؟ فقال له: إنه بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه وجعل ~~لمن دل عليه مائة ألف درهم، فقال: دعه، وقال لغلامه: انزل عن دابتك واحمل الرجل ~~عليها، فصاح الرجل المتعلق وصرخ واستجار بالناس وقال: حال بيني وبين بغية أمير ~~المؤمنين، فقال له معن: اذهب فقل لأمير المؤمنين وأخبره أنه عندي، فانطلق الرجل إلى ~~المنصور فأخبره، فأمر المنصور بإحضار معن في الساعة، فلما وصل أمر المنصور إلى معن دعا ~~جميع أهل بيته ومواليه وأولاده وأقاربه وحاشيته وجميع من يلوذ به وقال لهم: أقسم عليكم ~~بأن لا يصل إلى هذا الرجل مكروه أبدا وفيكم عين تطرف، ثم إنه سار إلى المنصور فدخل ~~وسلم عليه فلم يرد عليه المنصور السلام، ثم إن المنصور قال له: يا معن أتتجرأ علي، ~~قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: ونعم أيضا، وقد اشتد غضبه، فقال معن: ms051 يا أمير ~~المؤمنين كم من مرة تقدم في دولتكم بلائي وحسن عنائي، وكم من مرة خاطرت بدمي أفما رأيتم ~~أهلا بأن يوهب لي رجل واحد استجار بي بين الناس بوهمه أنه عبد من عبيد أمير المؤمنين ~~وكذلك هو، فمر بما شئت ها أنا بين يديك، فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقد سكن ما به ~~من الغضب وقال له: قد أجرناكه يا معن، قفال له معن: إن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين ~~الأجرين فيأمر له بصلة فيكون قد أحياه وأغناه، فقال المنصور: قد أمرنا له بخمسين ألف ~~درهم، فقال له معن: إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية، وإن ذنب الرجل عظيم فأجذل ~~صلته، قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم، فقال له معن: عجل بها يا أمير المؤمنين، فإن ~~خير البر عاجله، فأمر له بتعجيلها، فحملها وانصرف وأتى منزله وقال للرجل: يا رجل خذ ~~صلتك والحق بأهلك وإياك ومخالفة الخلفاء في أمورهم بعد هذه. # جود معن بن زائدة # حكي عن معن بن زائدة أن شاعرا من الشعراء قصده فأقام مدة يريد الدخول عليه فلم يتهيأ ~~له ذلك، فلما أعياه الأمر سأل بعض خدمه وقال له: أرجوك إذا دخل الأمير إلى البستان أن ~~تعرفني، فلما دخل معن إلى بستانه ليتنزه جاء الخادم وأخبر الشاعر، فكتب الشاعر بيتا ~~من الشعر على خشبة وألقاها في الماء الجاري إلى البستان، فاتفق أن معنا كان جالسا في ~~ذلك الوقت على جانب الماء، فمرت عليه الخشبة فنظر فيها كتابة فأخذها وقرأها فوجد ~~فيها: # أيا جود معن ناج معنا بحاجتي # فما لي إلى معن سواك سبيل # فلما قرأها معن قال لخادمه: أحضر الرجل صاحب هذه الكتابة، فخرج وجاء به فقال له: ماذا ~~كتبت، فأنشده البيت، فلما تحققه أمر له بألف درهم، ثم إن معنا وضع تلك الخشبة البساط ~~مكان جلوسه، فلما كان اليوم الثاني جاء فجلس في مجلسه فآلمته الخشبة، فقام لينظر ما ~~آلمه فرأى الخشبة فأمر خادمه أن يدعو الرجل، فمضى وجاء به فأمر ms052 له بألف درهم ثانية، ثم ~~إنه في اليوم الثالث خرج إلى مجلسه فآلمته الخشبة فدعا الشاعر وأعطاه ألف درهم أيضا، ~~فلما رأى الشاعر هذا العطاء الزائد لأجل بيت واحد من الشعر خاف أن معنا يراجعه عقله ~~ويأخذ المال منه فهرب، ثم إن معنا خرج إلى مجلسه في اليوم الرابع فآلمته الخشبة فخطر ~~الشاعر بباله فأمر خادمه أن يحضره ويعطيه ألف درهم، فمضى الخادم وسأل عنه فقيل له: إنه ~~سافر، فرجع وأخبر مولاه، فلما بلغه أنه سافر اغتم جدا وقال: وددت والله لو أنه مكث ~~وأعطيته كل يوم ألفا حتى لا يبقى في بيتي درهم. # الأعرابي ومعن بن زائدة # كان معن بن زائدة أميرا على العراق وكان له في الكرم اليد البيضاء وهو من الحلم على ~~أعظم جانب، فقدم إليه أعرابي ذات يوم يمتحن حلمه، فلما وقف قال: # أتذكر إذ لحافك جلد شاة # وإذ نعلاك من جلد البعير # قال معن: أذكر ذلك ولا أنساه، فقال الأعرابي: # فسبحان الذي أعطاك ملكا # وعلمك الجلوس على السرير # قال معن: سبحانه على كل حال، فقال الأعرابي: # فلست مسلما إن عشت دهرا # على معن بتسليم الأمير # قال معن: يا أخا العرب السلام سنة تأتي بها كيف شئت، فقال الأعرابي: # سأرحل عن بلاد أنت فيها # ولو جار الزمان على الفقير # قال معن: يا أخا العرب إن جاورتنا فمرحبا بك، وإن رحلت مصحوب بالسلام. # فقال الأعرابي: # فجد لي يا ابن ناقصة بشيء # فإني قد عزمت على المسير # قال معن: أعطوه ألف دينار يستعين بها على سفره، فأخذها وقال: # قليل ما أتيت به وإني # لأطمع منك بالمال الكثير # قال معن: أعطوه ألفا آخر، فأخذها الأعرابي وقبل الأرض بين يدي الأمير وقال: # سألت الله أن يبقيك ذخرا # فما لك في البرية من نظير # فقال: من قد أعطيناه على هجائنا ألفي درهم فأعطوه على مديحنا أربعة آلاف، فأخذ ~~الأعرابي المال وانصرف شاكرا له ومعجبا بحلمه العظيم. # معن وبعض أهل الكوفة # لما ولى المنصور معن بن زائدة أذربيجان قصده قوم من أهل ms053 الكوفة، فلما صاروا ببابه ~~واستأذنوا عليه دخل الآذن فقال: أصلح الله الأمير، بالباب وفد من أهل العراق، قال: من ~~أي العراق؟ قال: من الكوفة، قال: ائذن لهم، فدخلوا عليه، فنظر إليهم معن في هيئة ذرية ~~وهو على أريكته فأنشد يقول: # إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم # سمرتها فالدهر بالناس قلب # فأحسن ثوبيك الذي هو لابس # وأفره مهريك الذي هو يركب # وبادر بمعروف إذا كنت قادرا # زوال اقتدار أو غنى عنك يعقب # فوثب إليه رجل من القوم فقال: أصلح الله الأمير ألا أنشدك أحسن من هذا؟ قال: لمن؟ ~~قال: لابن عمك ابن هرمة، قال: هات فأنشد: # وللنفس تارات بها تبخل العدى # وتسخو عن المال النفوس الشحائح # إذا المرء لم ينفعك حيا فنفعه # أقل إذا ضمت عليه الصفائح # لأية حال يمنع المرء ماله # غدا فعدا والموت غاد ورائح # فقال معن: أحسنت وإن كان الشعر لغيرك يا غلام، أعطهم أربعة آلاف يستعينون بها على ~~أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد، فقال الغلام: يا سيدي اجعلها دنانير أو دراهم، ~~فقال معن والله لا تكون همتك أعلى من همتي صفرها لهم. # معن ومروان بن أبي حفصة # لما قدم معن بن زائدة بغداد أتاه الناس وأتاه مروان بن أبي حفصة، فإذا المجلس غاص ~~بأهله فأخذ بمصراع في الباب وقال: # وما أحجم الأعداء عنك تقية # عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا # له راحتان الجود والحتف فيهما # أبى الله إلا أن تضر وتنفعا # فقال معن: احتكم يا أبا السمط، فقال: عشرة آلاف درهم، قال معن: يجب عليك أن تطلب ~~تسعين ألفا. # ذكر ما قاله الحسين في معن بن زائدة # خرج المهدي يوما يتصيد فلقيه الحسين بن مطير فأنشد: # أضحت يمينك من جود مصورة # لكن يمينك منها صورة الجود # من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقة # ومن بنانك يجري الماء في العود # فقال المهدي: كذبت يا فاسق، وهل تركت في شعر موضعا لأحد مع قولك في معن بن ~~زائدة: # ألما بمعن ثم قولا لقبره # سقتك الفؤاد مربعا ثم مربعا ms054 # فيا قبر معن كنت أول حفرة # من الأرض حطت للمكارم مضجعا # أيا قبر معن كيف واريت جوده # وقد كان منه البر والبحر مترعا # ولكن حويت الجود والجود ميت # ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # وما كان إلا الجود صور وجهه # فعاش ربيعا ثم ولى مودعا # فلما مضى معن مضى الجود والندى # وأصبح عرنين المكارم أجدعا # فأطرق الحسين ثم قال: يا أمير المؤمنين وهل معن إلا حسنة من حسناتك؟ فرضي عنه وأمر له ~~بألفي دينار. # معن وبعض فصحاء العرب # دخل بعض فصحاء العرب على معن فقال: أصلح الله ~~الأمير لو شئت أن أتوسل إليك ببعض من يثقل عليك لوجدت ذلك سهلا عليك، ولكن استشفعت ~~بقدرك واستعنت عليك بفضلك، فإن أردت أن تضعني من كرمك حيث وضعت نفسي من رحلك، فإني لم ~~أكرم نفسي عن مسألتك فأكرم وجهك عن ردي، فقال: سل حاجتك، قال: ألف درهم، قال: ربحت عليك ~~ربحا مبينا، قال: مثلك لا يربح على سائله، قال: أضعفوا له ما سأل. # معن بن زائدة والثلاث جوار # كان معن بن زائدة يوما في الصيد فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك وإذا ~~ثلاث جوار قد أقبلن حاملات ثلاث قرب فسقينه، فطلب شيئا من المال مع غلمانه فلم يجده، ~~فدفع لكل واحدة منهن عشرة أسهم من كنانته نصولها من ذهب، فقالت إحداهن: ولكن لم تكن هذه ~~الشمائل إلا لمعن بن زائدة، فلتقل كل واحدة منكن شيئا من الأبيات فقالت الأولى: # يركب في السهام نصول تبر # ويرمي للعدا كرما وجودا # فللمرضى علاج من جراح # وأكفان لمن سكن اللحودا # وقالت الثانية: # ومحارب من فرط جود بنانه # عمت مكارمه الأقارب والعدى # صيغت فصول سهامه من عسجد # كي لا يفوته التقارب والندا # وقالت الثالثة: # ومن جوده يرمي العداة بأسهم # من الذهب الإبريز صيغت نصولها # لينفقها المجروح عند انقطاعه # ويشتري الأكفان منها قتيلها # معن وأحد العامة # خرج معن بن زائدة يوما في جماعة إلى الصيد، ~~فقرب منهم قطيع ظباء فافترقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي، ms055 فلما ظفر به نزل فذبحه، ~~فرأى شخصا مقبلا من البرية على حمار فركب فرسه واستقبله ، فسلم عليه وقال له: من أين ~~أتيت؟ قال له: أتيت من أرض قضاعة وإن لها مدة من السنين مجدبة، وقد أخصبت في هذه السنة ~~فزرعت فيها قثاء، وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور، ومعروفه المأثور، فقال له: ~~كم أملت منه؟ قال: ألف دينار، قال له: إن قال لك هذا القدر كثير، فقال: خمسمائة دينار، ~~قال: فإن قال لك كثير، قال: ثلاثمائة دينار، قال: فإن قال لك كثير، قال: مائتا دينار، ~~قال: فإن قال لك كثير، قال: مائة دينار، قال: فإن قال لك كثير، قال: خمسين دينار، قال: ~~فإن قال لك كثير، قال: ثلاثين دينار، قال: فإن قال لك كثير، قال: أدخلت قوائم حماري في ~~فكه وأرجع إلى أهلي خائبا صفر اليدين، فضحك معن منه وساق جواده حتى لحق بعسكره ونزل في ~~منزله وقال لحاجبه: إذا أتاك شخص على حمار بقثاء، فأدخله علي، فأتى ذلك الرجل بعد ساعة ~~فأذن له الحاجب في الدخول، فلما دخل على الأمير معن لم يعرف أنه هو الذي قابله في ~~البرية لهيبته وجلالته وكثرة خدمه وحشمه وهو متصدر في دست مملكته والحفدة قيام عن يمينه ~~وعن شماله وبين يديه، فلما سلم عليه قال له الأمير: ما الذي أتى بك يا أخا العرب، قال: ~~أملت الأمير وأتيت له بقثاء في غير أوانها، فقال له: وكم أملت منا، قال: ألف دينار، ~~قال: هذا القدر كثير، قال: خمسمائة دينار قال: كثير، قال: ثلاثمائة دينار، قال: كثير، ~~قال: مائتا دينار، قال: كثير، قال: مائة دينار، قال: كثير، قال: خمسين دينارا، قال: ~~كثير، قال: ثلاثين دينارا قال: كثير، قال: والله لقد كان ذاك الرجل الذي قابلني في ~~البرية مشؤوما، أفلا أقل من ثلاثين دينارا، فضحك معن وسكت فعلم الأعرابي أن هذا الرجل ~~الذي قابله في البرية، فقال له: يا سيدي إذا لم تجئ بالثلاثين دينارا فها هو الحمار ~~مربوط بالباب وها معن جالس، فضحك معن ms056 حتى استلقى على قفاه، ثم استدعى وكيله وقال له: ~~أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائتي دينار وخمسين دينارا وثلاثين ~~دينارا ودع الحمار مربوطا مكانه، فبهت الأعرابي وتسلم الألفين ومائة دينار وثمانين ~~دينارا. # قيل في معن بن زائدة: # يقولون معن لا زكاة لماله # وكيف يزكي المال من هو باذله # إذا حال حول لم يكن في دياره # من المال إلا ذكره وجمائله # تراه إذا ما جئته متهللا # كأنك تعطيه الذي أنت سائله # تعود بسط الكف حتى لو أنه # أراد انقباضا لم تعطه أنامله # فلو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فليتق الله سائله # لمروان بن أبي حفصة يرثي بها معن بن زائدة # مضى لسبيله معن وأبقى # مكارم لن تبيد ولن تنالا # كأن الشمس يوم أصيب معن # من الإظلال ملبسة ظلالا # هو الجبل الذي كانت نزار # تهد من العدو به الجبالا # وعطلت الثغور لفقد معن # وقد يروى بها الأسل النهالا # وأظلمت العراق وأورثتها # مصيبة المجللة اعتلالا # وظل الشام يرجف جانباه # لركن العز حين وهى فمالا # وكادت من تهامة كل أرض # ومن نجد تزول غداة زالا # فإن يعلو البلاد له خشوع # فقد كانت تطول به اختيالا # أصاب الموت يوم أصاب معنا # من الإحياء أكرمهم فعالا # كأن الناس كلهم بمعن # إلى أن زار حفرته عيالا # ولم يك طالب للعرف ينوي # إلى غير ابن زائدة ارتحالا ~~••• # مضى من كان يحمل كل عب # ويسبق فضل نائله السؤالا # وما عمد الوفود لمثل معن # ولا حطوا بساحته الرحالا # ولا بلغت أكف ذوي العطايا # يمينا من يديه ولا شمالا # وما كانت تجف له حياض # من المعروف مترعة سجالا # فليت الشامتين به فدوه # وليت العمر مد له فطالا # ولم يك كنزه ذهبا ولكن # سيوف الهند والسمر الصقالا # وذخرا في محامد باقيات # وفضل تقي به التفضيل نالا # مضى لسبيله من كنت ترجى # به عثرات دهرك أن تقالا # فلست بمالك عبرات عين # أبت بدموعها إلا انهمالا # فلهف أبي عليك إذ اليتامى # غدوا شعثا وقد أضحوا سلالا # ولهف أبي عليك ms057 إذ القوافي # لممتدح بها ذهبت ضلالا # أقمنا باليمامة إذ يئسنا # مقاما لا نريد لها نزالا # وقلن أين نرحل بعد معن # وقد ذهب النوال فلا نوالا # سيذكرك الخليفة غير قال # إذا هو في الأمور بلا الرجالا # ولا ينسى وقائعك اللواتي # على أعدائه جعلت وبالا # حباك أخو أمية بالمراثي # مع المدح الذي قد كان قالا # وألقى رحله أسفا وآلى # يمينا لا يشد له حبالا # الفصل الثالث # | في نوادر حاتم الطائي # حاتم في صغره # كان حاتم من شعراء العرب وكان جوادا يشبه شعره جوده ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل ~~عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح ~~فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق وكان يقسم بالله أن لا يقتل وحيد أمه، وكان إذا أهل ~~الشهر الأصم الذي كانت مضر تعظمه في الجاهلية ينحر في كل يوم عشرا من الإبل فيطعم ~~الناس ويجتمعون إليه، فكان ممن يأتيه من الشعراء الحطيئة وبشر بن أبي خازم، فذكروا أن ~~أم حاتم أتيت وهي حبلى بالمنام فقيل لها: أغلام سمح يقال له حاتم أحب إليك أم عشرة ~~غلمة كالناس، ليوث ساعة الباس، ليسوا بأوغال ولا أنكاس، فقالت: حاتم، فولدت حاتما، ~~فلما ترعرع جعل يخرج أمامه فإن وجد من يأكل معه أكل، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه ~~أنه يهلك طعامه قال له: الحق بالإبل، فخرج إليها، ووهب له جارية وفرسا وفلوها، فلما ~~أتى الإبل طفق يبغي الناس فلا يجدهم ويأتي الطريق فلا يجد عليه أحدا، فبينما هو كذلك ~~إذ بصر بركب على الطريق فأتاهم، فقالوا: يا فتى هل من قرى، فقال: تسألوني عن القرى وقد ~~ترون الإبل، وكان الذين بصر بهم ابن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني وكانوا ~~يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا بالقرى اللبن، وكانت ~~تكفينا بكرة إذا كنت لا بد متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت ولكن رأيت وجوها ~~مختلفة وألوانا متفرقة فظننت أن البلدان غير ms058 واحدة فأردت أن يذكر كل واحد منكم ما رأى ~~إذا أتى إلى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن ~~أحسن إليكم فكان لكم الفضل علي وأنا أعاهد الله فأضرب عراقيب إبلي عن آخرها وتقدموا ~~إليها فتقتسموها، ففعلوا فأصاب الرجل تسعة وتسعين بعيرا ومضوا على سفرهم إلى النعمان، ~~وإن أبا حاتم سمع بما فعل، فأتاه فقال له: أين الإبل؟ فقال: يا أبت طوقتك بها طوق ~~الحمامة لجيد الدهر وكرما لا يزال الرجل يحمله ببيت شعر أثنى به علينا عوضا عن إبلك، ~~فلما سمع أبوه ذلك قال: والله لا أساكنك أبدا فخرج أبوه بأهله وتركه هائما ومعه ~~جاريته وفرسه وفلوها، فقال يذكر تحول أبيه عنه: # وإني لعف الفقر مشترك الغنى # وتارك شكل لا يوافقه شكلي # وأجعل مالي دون عرضي جنة # لنفسي وأستفتي بما كان من فضلي # وما ضرني أن سار سعد بأهله # وأفردني في الدار ليس معي أهلي # سيكفي ابتناي المجد سعد بن حشرج # وأحمل عنكم كل ما حل من أزلي # ولي مع بذل المال في المجد صولة # إذا الحرب أبدت عن نواجذها العضل # وما من لئيم عاله الدهر مرة # فيذكرها إلا استحال إلى البخل # كرم حاتم # أغار قوم على طيئ فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى في جيشه وأهل عشيرته، ولقي القوم ~~فهزمهم وتبعهم فقال له كبيرهم: يا حاتم هبني رمحك فرمى به إليه، فقيل لحاتم: عرضت نفسك ~~للهلاك ولو عطف عليك لقتلك، فقال: قد علمت ذلك ولكن ما جواب من يقول: هب لي؟ # مفاخرة بين حاتم وسعد بن حارثة # خرج الحكم بن أبي العاصي ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليه الناس كل ~~سنة، وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام بن عمر ريع الطريق طعمة لهم، وذلك لأن بنت ~~سعد بن حارثة بن لام كانت عند النعمان وكانوا صهاره، فمر الحكم بن أبي العاصي بحاتم ~~بن عبد الله فسأله الجوار في أرض طيئ حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره ثم أمر حاتم ms059 بجزور ~~فنحرت وطبخت، فأكلوا ومع حاتم سلمان بن حارثة بن سعد بن الحشرج وهو ابن عمه، فلما فرغوا ~~من الطعام طيبهم الحكم من طيبه ذلك، فمر حاتم بسعد بن حارثة بن لام وليس مع حاتم من بني ~~أبيه غير سلمان وحاتم على راحلته وفرسه تقاد، فأتاه بنو لام فوضع حاتم سفرته وقال: ~~اطعموا حياكم الله، فقالوا: من هؤلاء معك يا حاتم؟ قال: هؤلاء جيراني، قال له سعد: فأنت ~~تجير علينا في بلادنا، قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته، فقالوا: لست هذاك، ~~وأرادوا أن يفضحوه كما فضح عامر بن جوين قبله، فوثبوا إليه فتناول سعد بن حارثة بن لام ~~حاتما، فأهوى له حاتم بالسيف فأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا، فقال حاتم في ~~ذلك: # وددت وبيت الله لو أن أنفه # هواء فما مت المخاط عن العظم # ولكنما لاقاه سيف ابن عمه # فآب ومر السيف منه على الخطم # فقالوا لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة ~~فنماجدك ونضع الرهن، ففعلوا ووضعوا تسعة أفراس رهنا على يد رجل من كلب يقال له امرؤ ~~القيس بن عدي ووضع حاتم فرسه، ثم خرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة، وسمع ذلك إياس بن قبيصة ~~الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه المصهر الذي بينهم ~~وبينه، فجمع إياس رهطه من بني حية وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ~~ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل من بني حية: عندي مائة ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء ~~أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة أحصنة على كل حصان منهم فارس مدجج لا يرى منه إلا ~~عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك كلاء كثيرا فعلي كل ~~خمر أو لحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: علي مثل جميع ما ~~أعطيتم كلكم، كل ذلك وحاتم لا يعلم شيئا مما فعلوا، وذهب حاتم إلى مالك بن جبار ابن عم ~~له بالحيرة كان ms060 كثير المال، فقال: يا ابن العم أعني على مفاخرتي ثم أنشد: # يا مال إحدى خطوب الدهر قد طرقت # يا مال ما أنتم عنها بزحزاح # يا مال جاءت حياض الموت واردة # من بين عمر فخضناه وضحضاح # فقال له مالك: ما كنت لأخرب نفسي ولا عيالي وأعطيك مالي، فانصرف عنه، وأتى ابن عم له ~~يقال له وهم بن عمرو، وكان حاتم يومئذ معاد له لا يكلمه، فقالت له امرأته: أي وهم ~~هذا، والله أبو سفانة حاتم قد طلع، فقال: ما لنا ولحاتم أثبتي النظر، فقالت: ها هو، ~~قال: ويحك هو لا يكلمني فما جاء به إلي؟ فنزل حاتم فسلم عليه، فرد سلامه وحياه ثم قال ~~له: ما جاء بك يا حاتم، قال: خاطرت على حسبك وحسبي، قال: في الرحب والسعة هذا مالي - ~~وكانت عدته يومئذ تسعمائة بعير - فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد، ~~فقالت امرأته: يا حاتم أنت تخرجنا عن مالنا وتفضح صاحبنا، تعني زوجها، فقال: اذهبى عني ~~فوالله ما كان الذي غمك ليردني عما قصدت، وقال حاتم: # ألا أبلغا وهم بن عمرو رسالة # فإنك أنت المرء بالخير أجدر # رأيتك أوفى الناس منا قرابة # وغيرك منهم كنت أحبو وأنصر # إذا ما أتى يوم يفرق بيننا # بموت فكن يا وهم من يتأخر # ثم قال إياس بن قبيصة: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه، فقال: ~~أنعم صباحا أبيت اللعن، فقال النعمان: وحياك إلهك، فقال: إياس أتمد أختانك بالمال ~~والخيل وتجعل بني ثعل في قعر الكنانة، أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن ~~جوين ولن يشعروا أن بني حية بالبلد، فإن شئت والله ناجزناك حتى يطفح الوادي دما، ~~فليحضروا مماجدهم - مفاخرتهم - غدا بجمع العرب، فعرب النعمان الغضب في وجهه وكلامه ~~فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك، وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه: ~~انظروا ابن عمكم حاتما فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني ~~حية، فخرج بنو لام ms061 إلى حاتم فقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا، قال: ~~لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويقلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم ~~وقالوا: قبحها الله وأبعدها فإنما هي مقارف، فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس ~~وسقاهم الخمر وقال حاتم في ذلك: # أبلغ بني لام بأن خيولهم # عقرى وإن مجادهم لم يمجد # ها إنما مطرت سماؤكم دما # ورفعت رأسك مثل رأس الأصيد # ليكون جيراني أكالى بينكم # نجلا لكندي وسبي مزبد # وابن النجود إذا غدا متلاظما # وابن العذور ذي العجان الأبرد # ولثابت عيني جدا متماوت # وللفظ أوسي عوى لمقلد # أبلغ بني ثعل بأني لم أكن # أبدا لأفعلها طوال المسند # لا جئتهم فلا وأترك صحبتي # نهبا ولم تغدر بقائمة يدي # ملك الروم وحاتم الطائي # من أعجب ما حكي عن حاتم الطائي أن أحد قياصرة الروم بلغته أخبار حاتم فاستغرب ذلك، ~~وكان قد بلغه أن لحاتم فرسا من كرام الخيل عزيزة عنده، فأرسل إليه بعض حجابه يطلب منه ~~الفرس هدية إليه وهو يريد أن يمتحن سماحته بذلك، فلما دخل الحاجب ديار طيئ سأل عن ~~أبيات حاتم حتى دخل عليه، فاستقبله ورحب به وهو لا يعلم أنه حاجب الملك، وكانت المواشي ~~حينئذ في المراعي فلم يجد إليها سبيلا لقرى ضيفه فنحر الفرس وأضرم النار، ثم دخل إلى ~~ضيفه يحادثه فأعلمه أنه رسول قيصر، وقد حضر يستميح الفرس، فساء ذلك حاتما وقال: هلا ~~أعملتني قبل الآن فإني قد نحرتها لك إذ لم أجد جزورا غيرها بين يدي، فعجب الرسول من ~~سخائه وقال: والله لقد رأينا منك أكثر مما سمعنا. # حاتم وامرأته ماوية # قيل: إن حاتما الطائي لما كان متزوجا بماوية بنت عفير كانت تلومه كثيرا على إتلاف ~~المال فلا يلتفت إلى قولها ولا يكترث به، وكان لها ابن عم يقال له مالك فقال لها يوما: ~~ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد مالا ليتلفنه وإن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ~~أولاده عالة على قومك، فقالت ماوية: صدقت إنه كذلك. وكن ms062 يطلقن الرجال في الجاهلية، ~~وذلك أن يقمن ضمن بيت من شعر فإن كان باب البيت من قبل المشرق حولته إلى المغرب وإن كان ~~من قبل المغرب حولته إلى المشرق، وإن كان من قبل اليمن حولته إلى الشام وإن كان من قبل ~~الشام حولته إلى اليمن، فإذا رأى الرجل ذلك علم أنها طلقته فلم يأتها، ثم قال لها ابن ~~عمها طلقي حاتما وأنا أتزوجك فإني خير لك منه وأكثر مالا وأقل تبذيرا، فلم يزل بها ~~حتى طلقته فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء، فقال حاتم لولده: يا عدي أترى ما فعلت أمك؟ ~~فقال: قد رأيت ذلك، فأخذ ابنه وهبط بطن واد فنزل فيه فجاء قوم فنزلوا على باب الخباء ~~كما كانوا ينزلون وكانت عدتهم خمسين فارسا فضاقت بهم ماوية ذرعا وقالت لجاريتها: ~~اذهبي إلى ابن عمي وقولي له: إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا فأرسل لنا ~~بشيء نقريهم ولبن نسقيهم، وقالت لها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي ~~منه، وإن ضرب بلحيته على زوره ولطم رأسه فأقبلي ودعيه، فلما أتته وجدته متوسدا وطبا ~~من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت له: إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكان حاتم، ~~فلطم رأسه بيده وضرب بلحيته وقال أقرئيها السلام وقولي لها: هذا الذي أمرتك أن تطلقي ~~حاتما لأجله وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم، فرجعت الجارية، فأخبرتها بما رأت وما قال ~~لها، فقالت لها: اذهبي إلى حاتم وقولي له: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة ولم يعلموا ~~مكانك فأرسل إلينا بناقة نقريهم ولبن نسقيهم، فأتت الجارية حاتما فصاحت به، فقال: لبيك ~~ماذا تريدين؟ فأخبرته بما جاءت بسببه، فقال لها: حبا وكرامة، ثم قام إلى الإبل فأطلق ~~اثنتين من عقالهما وصاح بهما حتى أتيا الخباء ثم ضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح: هذا ~~الذي طلقتك بسببه تترك أولادنا وليس لهم شيء، فقال لها: ويحك يا ماوية، الذي خلقهم وخلق ~~العالم بأسره متكفل بأرزاقهم. # جود حاتم الطائي # قالت نوار امرأة حاتم: أصابتنا ms063 سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء، وضرب ~~الجوع أطنابه حتى بتنا بالهلاك، فبقينا الليل على هذا الحال والموت يتهددنا ويتهدد ~~أولادنا عبد الله وعديا وسنانة، فقام حاتم إلى الولدين، وقمت أنا إلى الابنة وما ~~سكتوا إلا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما اسود ~~الدجى إذا بصوت قد سمع ويد حركت الباب، فقال: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة أتيتك من عند ~~صبية يتعاوون كالذئاب فما وجدت سندا سواك يا أبا عدي، فقال: علي بهم فقد أشبعك الله ~~وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي وراءها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها، فقام ~~إلى فرسه فنحره، ثم كشط عن جلده ودفع المدية إلى المرأة وقال لها: شأنك، فاجتمعنا على ~~اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبوا أيها القوم ~~عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع في ثوبه متنحيا ينظر إلينا بدون أن يذوق طعاما هو أحوج ~~إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول: # مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا # ولا تقولي لشيء فات ما فعلا # ولا تقولي لمال كنت مهلكه # مهلا وإن كنت أعطي الإنس والجبلا # يرى البخيل سبيل المال واحدة # إن الجواد يرى في ماله سبلا # ولحاتم الطائي وقد استنشدته ماوية: # أماوي قد طال التجنب والهجر # وقد غدرتني من طلابكم العذر # أماوي إن المال غاد ورائح # ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إني لا أقول لسائل # إذا جاء يوما حل في مالنا نذر # أماوي إما مانع فمبين # وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر # ومنها: # أماوي إن يصبح حداي بقفرة # من الأرض لا ماء هناك ولا خمر # ترى أن ما أهلكت لم يك ضرني # وأن يدي مما بخلت به صفر # أماوي إني رب واحد أمه # أحيرت فلا قتل عليه ولا أسر # وقد علم الأقوام لو أن حاتما # أراد ثراء المال كان له وفر # وإني لا آلو بمال ms064 صنيعة # فأوله زاد وآخره ذخر # يفك به العاني ويؤكل طيبا # وما إن تعريه القداح ولا الخمر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي # شهودا وقد أودى بإخوته الدهر # عنينا زمانا بالتصعلك والغنى # كما الدهر في أيامه العسر واليسر # كسبنا صروف الدهر لينا وغلظة # وكلا سقاناه بكأسهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة # غنانا ولا أدى بإحساننا الفقر # فقدما عصيت العاذلات وسلطت # على مصطفى مالي أناملي العشر # وما ضر جارا يا ابنة العم فاعلمي # يجاورني ألا يكون له ستر # بعيني عن جارات قولي غفلة # وفي السمع مني عن حديثهم وقر # وقال أحدهم في حاتم: # وحاتم طيئ إن طوى الموت جسمه # فنشر اسمه في الجود عاش مخلدا # وقال آخر: # لما سألتك شيئا # بدلت رشدا بغي # ممن تعلمت هذا # إلا تجود بشي # أما مررت بعبد # لعبد حاتم طي # وصادفت ابن الكلبي حاتما فأنشده: # وعاذلة هبت بليل تلومني # وقد غاب عبوق الثريا فغردا # تلوم على إعطائي المال ضلة # إذا ضل بالمال البخيل وصردا # تقول ألا أمسك عليك فإنني # أرى المال عند الممسكين معبدا # ذريني وشأني إن مالك وافر # وكل امرئ جار على ما تعودا # أعاذل لا آلوك إلا خليقتي # فلا تجعلي فوقي لسانك مبردا # ذريني يكن مالي لعرضي جنة # يقي المال عرضي قبل أن يتبددا # أريني جوادا مات هزلا لعلني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # وإلا فكفي بعض قولك واجعلي # إلى رأى من تلحين رأيك مسندا # ألم تعلمي أني إذا الضيف نابني # وعز القرى أقرى السديف المرهدا # أسود سادات العشيرة عارفا # ومن دون قومي في الشدائد مذودا # وألفي لأعراض العشيرة حافظا # وحقهم حتى أكون المسودا # يقولون لي أهلكت مالك فاقتصد # وما كنت لولا تقولون سيدا # كلوا الآن من رزق الإله وأيسروا # فإن على الرحمن رزقكم غدا # سأذخر من مالي دلاصا وسابحا # وأسمر خطيا وعضبا مهندا # وذلك يكفيني من المال كله # مصونا إذا ما كان عندي متلدا # وأنشده أيضا: # ألا سبيل إلى مال يعارضني # كما يعارض ماء الأبطح الجاري # ألا أعان على جودي ms065 بميسرة # فلا يرد لدى كفي أقتاري # وأنشده أيضا: # أما والذي لا يعلم الغيب غيره # ويحيي العظام البيض وهي رميم # لقد كنت أطوي البطن والزاد يشتهى # مخافة يوما أن يقال لئيم # وما كان بي ما كان والليل ملبس # رواق له فوق الأكام بهيم # ألف مجلسي الزاد من دون صحبتي # وقد آب نجم واستقل نجوم # وأنشده أيضا: # وقائلة أهلكت بالجود مالنا # ونفسك حتى ضر نفسك جودها # فقلت دعيني إنما تلك عادتي # لكل كريم عادة يستعيدها # وأنشد حاتم يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله: # أيا ابنة عبد الله وابنة مالك # ويا ابنة ذي البردين والفرس الوردي # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له # أكيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني # أخاف مذمات الأحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف ما زال ثاويا # وما في إلا تلك من شيمة العبد # يزيد بن حاتم وربيعة الرأي # قيل: إن ربيعة الرأي قدم مصر فأتى يزيد السلمي فلم يعطه شيئا، ثم عطف على يزيد بن ~~حاتم فشغل عنه لأمر ضروري فخرج وهو يقول: # أراني ولا كفران لله راجعا # بخفي حنين من نوال ابن حاتم # فلما فرغ ابن حاتم من ضرورته سأل عنه فقيل له: إنه خرج وهو يقول كذا، وأنشد البيت ~~فأرسل من يجد في طلبه فأتي به فقال: كيف قلت؟ فأنشد البيت، فقال يزيد: شغلنا عنك وعجلت ~~علينا ثم أمر بخفيه فخلعا من رجله وملئا مالا وقال: ارجع بهما بدلا من خفي ~~حنين. # مديح حاتم بعد الوفاة # خرج إليه رجل من الشعراء يمدحه فلما بلغ مصر وجده قد مات فقال فيه: # لئن مصر فاتتني بما كنت أرتجي # وأخلفني منها الذي كنت آمل # فما كل ما يخشى الفتى بمصيبة # ولا كل ما يرجو الفتى هو نائل # وما كان بيني لو لقيتك سالما # وبين الغنى إلا ليال قلائل # حاتم الطائي بعد الوفاة # يحكى عن حاتم الطائي أنه لما مات دفن في رأس جبل وعملوا على قبره حوضين من حجرين ~~ورسوم بنات محلولات الشعور من حجر، وكان ms066 تحت ذلك الجبل نهر جار، فإذا نزلت الوفود ~~يسمعون الصراخ في الليل من العشاء إلى الصباح، فإذا أصبحوا لم يجدوا أحدا غير البنات ~~المصورة من الحجر. # فلما نزل ذو الكراع ملك حمير بذلك الوادي خارجا عن عشيرته بات تلك الليلة هناك، ~~وتقرب من ذلك الموضع، فسمع الصراخ فقال: ما هذا العويل الذي فوق هذا الجبل؟ فقالوا له: ~~إن هذا قبر حاتم الطائي وإن عليه حوضين من حجر ورسوم بنات من حجر محلولات الشعور، وكل ~~ليلة يسمع النازلون في هذا المكان هذا العويل والصراخ، فقال ذو الكراع ملك حمير يهزأ ~~بحاتم الطائي: يا حاتم نحن الليلة ضيوفك ونحن خماص، قال: فغلب عليه النوم، ثم استيقظ ~~وهو مرعوب وقال: يا عرب الحقوني وأدركوا راحلتي، فلما جاءوا وجدوا الناقة تضطرب فذبحوها ~~وشووا لحمها وأكلوا، ثم سألوه عن سبب ذلك فقال: غفلت عيني فرأيت في منامي حاتم الطائي ~~وقد جاءني بسيف وقال: جئتنا ولم يكن عندنا شيء، وضرب ناقتي بالسيف، فلو لم تحصلوها ~~وتنحروها لماتت، فلما أصبح الصباح ركب ذو الكراع راحلة واحد من أصحابه وأردفه خلفه، ~~فلما كانوا وسط النهار رأوا راكبا على راحلة وفي يده راحلة أخرى، فقالوا له من أنت؟ ~~فقال أنا عدي ابن حاتم الطائي، ثم قال أين ذو الكراع أمير حمير؟ فقالوا له: هذا هو، ~~فقال: اركب هذه الناقة عوضا عن راحلتك فإن ناقتك قد ذبحها أبي لك، قال ومن أخبرك، قال: ~~أتاني الليلة في المنام وقال لي: يا عدي إن ذا الكراع ملك حمير استضافني فنحرت له ناقته ~~فأدركه بناقة يركبها، فإني لم يكن عندي شيء، فأخذها ذو الكراع وتعجب من كرم حاتم حيا ~~وميتا. # الفصل الرابع # | في نوادر الخليفة المهدي # أبو دلامة والمهدي # ولد لأبي دلامة ابنة ليلا فأوقد السراج وجعل يخيط خريطة من شقيق، فلما أصبح طواها ~~بين أصابعه وغدا بها إلى المهدي واستأذن عليه وكان لا يمنعه الدخول فأنشده: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم # قوم لقيل: اقعدوا يا آل عباس # ثم ارتقوا من ms067 شعاع الشمس في درج # إلى السماء فأنتم أكرم الناس # قال له المهدي: أحسنت والله أبا دلامة، فما الذي غدا بك إلينا؟ قال: ولدت لي جارية يا ~~أمير المؤمنين، قال: فهل قلت فيها شعرا؟ قال: نعم، قلت: # فما ولدتك مريم أم عيسى # ولم يكفلك لقمان الحكيم # ولكن قد تضمك أم سوء # إلى لباتها وأب لئيم # فضحك المهدي وقال: فما تريد أن أعينك به في تربيتها، قال: تملأ هذه يا أمير المؤمنين ~~وانهار إليه بالخريطة بين إصبعيه، فقال المهدي وما عسى أن تحمل هذه، قال: من لم يقنع ~~بالقليل لم يقنع بالكثير، فمر أن تملأ مالا، فلما نشرت أخذت عليه صحن الدار، فدخل فيها ~~أربعة آلاف درهم، فضحك المهدي حتى استلقى على قفاه. # أبو دلامة والمهدي # وكان المهدي قد كسا أبا دلامة ساجا فأخذ به وهو سكران، فأتى به إلى المهدي فأمر ~~بتمزيق الساج عليه وأن يسجن في بيت الدجاج، فلما كان في بعض الليل وصحا أبو دلامة من ~~سكره ورأى نفسه بين الدجاج صاح: يا صاحب البيت، فاستجاب له السجان وقال: ما لك يا عدو ~~الله؟ قال: ويلك من أدخلني مع الدجاج؟ قال: أعمالك الخبيثة أتى بك أمير المؤمنين وأنت ~~سكران فأمر بتمزيق ساجك وحبسك مع الدجاج، قال له: ويلك أوقد لي سراجا وجئني بدواة وورق ~~فكتب أبو دلامة إلى المهدي: # أمن صهباء صافية المراج # كأن شعاعها لهب السراج # تهش لها النفوس وتشتهيها # إذا برزت ترقرق في الزجاج # أمير المؤمنين فدتك نفسي # علام حبستني وخرقت ساجي # أقاد إلى السجون بغير ذنب # كأني بعض عمال الخراج # ولو معهم حبست لهان ذاكم # ولكني حبست مع الدجاج # دجاجات يطيف بهن ديك # ينادي بالصياح إذا يناجي # وقد كانت تخبرني ذنوبي # بأني من عذابك غير ناجي # على أني وإن لاقيت شرا # لخيرك بعد ذاك الشر راجي # ثم قال: أوصلها إلى أمير المؤمنين، فأوصلها إليه السجان، فلما قرأها أمر بإطلاقه ~~وأدخله عليه فقال له: أين بت الليلة أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج يا أمير المؤمنين، ~~قال: فما ms068 كنت تصنع؟ قال: كنت أقوقي معهن حتى أصبحت، فضحك المهدي وأمر له بصلة جزيلة ~~وخلع عليه كسوة شريفة. # المهدي وأبو دلامة الشاعر # لما اتصل بالمهدي خبر وفاة والده بمكة المكرمة اشتد منه الحزن واغرورقت عيناه بالدموع ~~وقال: إن رسول الله قد بكى عند فراق الأحبة، ولقد فارقت عظيما وقلدت جسيما، وبينما ~~كان المهدي جالسا للتعزية بوالده والتهنئة بمبايعته، دخل عليه أبو دلامة فأنشد: # عيناي واحدة ترى مسرورة # بإمامها جذلة وأخرى تطرف # تبكي وتضحك مرة ويسوءها # ما أنكرت ويسرها ما تعرف # فيسوءها موت الخليفة محرما # ويسرها إذ قام هذا الأرأف # فأجزل له العطاء وكان أول من وصله. # المهدي والأعرابي # قيل: إن المهدي قعد قعودا عاما للناس، فدخل رجل في يده نعل ومنديل فقال: يا أمير ~~المؤمنين هذه نعل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد أهديتها إليك، قال: هاتها فدفعها إليه فقبل ~~باطنها ورفعها على عينيه وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم، فلما أخذها وانصرف قال لجلسائه: ~~أترون أني لم أعلم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم يرها، فضلا عن أن يكون لبسها، ولو كذبناه ~~لقال للناس: أتيت أمير المؤمنين بنعل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فردها علي، فكان من يصدقه ~~أكثر ممن يدفع خبره، إذ كان من شأن العامة وأشكالها النصرة للضعيف على القوي، فاشترينا ~~لسانه وقبلنا هديته وصدقنا قوله ورأينا فعلنا أنجح وأرجح. # كرم المهدي # نزل المهدي بمنزل بعيساباذ لما بناها وأمر أن يكتب له أبناء المهاجرين وأبناء ~~الأنصار، فكتبوا ودعي بنقبائهم وجلس مجلسا عاما لهم، ففرق ثلاثة آلاف درهم فأغنى كل ~~فقير وجبر كل كسير وفرج عن كل مكروب، ثم قامت الخطباء ودخل الشعراء فأنشدوه ففرق فيهم ~~خمسمائة ألف درهم، فكثر الداعي له في الطرقات والبوادي وقام في هذا اليوم مروان بن أبي ~~حفصة فأنشده: # ما يلمع البرق إلا حن مغترب # كأنه من دواعي شوقه وصب # ما أنس لا أنس غيثا ظل وابله # علي من راحة المهدي ينسكب # شيئا فما أخلفتنا من مخائله # سحابة صوبها الأوراق ms069 والذهب # صدقت يا خير مأمون ومعتمد # ظني بأضعاف ما قد كنت أحتسب # أعطيت سبعين ألفا غير متبعها # منا ولست بمنان بما تهب # قد لاح للناس بالمهدي نور هدى # يضيء والصبح في الظلماء يحتجب # خليفة طاهر الأثواب معتصم # بالحق ليس له في غيره أرب # المهدي والواقدي # قال الواقدي: دخلت على المهدي بمحبرة ودفتر وكتب عني أشياء أحدثه بها ثم نهض وقال: كن ~~مكانك حتى أعود إليك، ودخل دار الحريم ثم خرج متنكرا ممتلئا غضبا، فلما جلس قلت: يا ~~أمير المؤمنين خرجت على خلاف الحال التي دخلت عليها، قال: نعم دخلت على الخيزران فوثبت ~~إلي ومدت يدها وخزقت ثوبي وقالت لي: يا قشاش وأي خير رأيت منك؟ وإنما اشتريتها من نخاس ~~ورأت مني ما رأت وعقدت لابنيها بولاية العهد، ويحك، وأنا قشاش، قال: قلت يا أمير ~~المؤمنين قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام»، وقال: «خيركم ~~خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، وقال: «خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته»، ~~وحدثته من هذا الباب بكل ما حضر لي فسكن غيظه وأسفر وجهه وأمر لي بألفي دينار، وقال ~~أصلح بهذه من حالك وانصرفت، فلما وصلت إلى منزلي وافاني رسول الخيزران فقال تقرئك ~~السلام سيدتي وتقول: يا عم قد سمعت جميع ما كلمت به أمير المؤمنين فأحسن الله جزاءك ~~وهذا ألفا دينار إلا عشرة بعثت بها إليك لأني لم أحب أن أساوي صلة أمير المؤمنين، ووجهت ~~لي بأثواب. # المهدي وأحد العبيد # أهدى له بعض العبيد عصيدة، فاشترى الضيعة التي فيها ذلك العبد والعبد بألف دينار، ~~وأعتقه ووهبه الضيعة وأقدمه المهدي بغداد ثم رده المدينة لمنام رآه. # المهدي والمؤمل # قال المؤمل بن أميل: قدمت على المهدي وهو بالري وهو إذ ذاك ولي عهد فامتدحته بأبيات، ~~فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب بذلك إلى المنصور وهو بمدينة السلام يخبره فكتب إلى كاتب ~~المهدي أن توجه إلي بالشاعر، فطلبت فلم يقدر علي، وكتب إلى أبي جعفر أنه قد توجه إلى ~~مدينة السلام، ms070 فأجلس المنصور قائدا من قواده على جسر النهروان وأمره أن يتصفح الناس ~~رجلا رجلا فجعل لا يمر به قافلة إلا تصفح من فيها، حتى مرت به القافلة التي فيها ~~المؤمل بن أميل، فتصفحه فلما سأله من أنت؟ قال: أنا المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر ~~أحد زوار المهدي، قال: إياك طلبت، قال المؤمل: فكاد قلبي يتصدع خوفا من أبي جعفر، ~~فقبض علي وسلمني إلى الربيع، فدخل على أبي جعفر وقال: هذا الشاعر قد ظفرنا به، قال: ~~أدخلوه إلي، فدخلت إليه وسلمت عليه تسليم مروع، فرد السلام وقال: ليس ههنا إلا خيرا، ~~أأنت المؤمل بن أميل، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أتيت غلاما غرا فخدعته، قلت: ~~نعم، أصلح الله أمير المؤمنين، أتيت غلاما غرا كريما فخدعته فانخدع، قال: فكأن ذلك ~~أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه فأنشدته: # هو المهدي إلا أن فيه # مشابه صورة القمر المنير # مشابه ذا وذا فيما إذا ما # أنارا يشكلان على البصير # فهذا في الظلام سراج ليل # وهذا في النهار ضياء نور # ولكن فضل الرحمن هذا # على ذا بالمنابر والسرير # وبالملك العزيز فذا أمير # وما ذا بالأمير ولا الوزير # ونقص الشهر يحمد ذا وهذا # منير عند نقصان الشهور # فيا ابن خليفة الله المصفى # به تعلو مفاخرة الفخور # لئن فقت الملوك وقد توانوا # إليك من السهولة والوعور # لقد سبق الملوك أبوك حتى # بقوا ما بين كاب أو حسير # وجئت مصليا تجري جثيثا # وما لك حين تجري من فتور # فقال الناس ما هذان إلا # كما بين الفتيل من النقير # فإن سبق الكبير فأهل سبق # له فضل الكبير على الصغير # وإن بلغ الصغير مدا كبير # فقد خلق الصغير من الكبير # فقال له المنصور: والله لقد أحسنت ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم وأين المال؟ قلت: ~~ها هو ذا، فقال يا ربيع امض معه فأعطه ألف درهم وخذ منه الباقي ففعل الربيع ما أمره ~~المنصور؟ قال: ثم إن المهدي ولي الخلافة بعد ذلك وولي ابن يونان المظالم، فكان يجلس ~~للناس ms071 بالرصافة، فرفعت إليه قصة فلما وصلت إليه قصتي ضحك، فقال له ابن يونان: أصلح الله ~~أمير المؤمنين ما رأيتك ضحكت من شيء إلا من هذه القصة، فقال: نعم، هذه رقعة أعرف قصتها، ~~ردوا عليه عشرين ألف درهم، فردوها إلي فأخذتها وانصرفت. # جود المهدي # خرج المهدي ذات يوم متنزها إلى الأنبار، وبينما هو في مجلسه دخل عليه الربيع ومعه ~~قطعة من جراب فيه كتابة برماد وخاتم من طين عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة فقال: ~~يا أمير المؤمنين ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جاءني بها أعرابي وهو ينادي: هذا كتاب ~~أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه ~~وهذه الرقعة، فأخذها المهدي وضحك وقال: صدق وهذا خطي وهذا خاتمي، أفلا أخبركم بالقصة، ~~قلنا: رأي الأمير أعلى منا في ذلك، قال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء، فلما أصبحت ~~هاج علينا ضباب شديد وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحدا، وأصابني من البرد والجوع ~~والعطش ما لا يعلمه إلا الله وتحيرت عند ذلك، فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه ~~قال إذا أصبح وإذا أمسى: بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقى ~~وشفى وكفى من الحرق والغرق والفرق والهدم وميتة السوء، فلما قلتها رفع لي ضوء نار ~~فقصدتها، فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له يوقد نارا بين يديه، فقلت: أيها الأعرابي هل ~~من ضيافة؟ قال: انزل، فنزلت، فقال لزوجته: هات ذلك الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه، ~~فابتدأت تطحنه، فقلت له: اسقني ماء، فأتاني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثره ماء، فشربت ~~منها شربة ما شربت أطيب منها، وأعطاني حلسا له فوضعت رأسي عليه ونمت، ثم انتبهت فإذا ~~هو قد وثب إلى شاة فذبحها، فإذا امرأته تقول له: ويحك قتلت نفسك وصبيتك إنما كان معاشك ~~من هذه الشاة فذبحتها، فبأى شيء تعيش؟ فقلت: لا عليك هات الشاة فشققت جوفها واستخرجت ~~كبدها بسكين في خفى، فشرحتها ثم طرحتها على ms072 النار فأكلت، ثم قلت له: هل عندك شيء أكتب ~~فيه؟ فجاءني بهذه القطعة، فأخذت عودا من الرماد الذي كان بين يديه فكتبت له هذا الكتاب ~~وختمته بها الخاتم وأمرته أن يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعها إليه، فإذا في الرقعة ~~خمسمائة ألف درهم، فقال: لا والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت يدي بخمسمائة ~~ألف درهم ولا أنقص والله منها درهما واحدا، ولو لم يكن في بيت المال غيرها احملوها ~~معه، فما كان إلا قليلا حتى كثرت إبله وصار منزلا من المنازل ينزله كل من أراد الحج ~~من الأنبار إلى مكة المكرمة، وسمي مضيف أمير المؤمنين المهدي. # المهدي والمختبئان # لما فرغ المهدي من بناء عيساباذ ركب في جماعة يسيرة لينظر البلد، فدخله مفاجأة وأخرج ~~من كان هناك من الناس وبقي رجلان خفيا عن أبصار الأعوان، فرأى المهدي أحدهما وقد دهش ~~بالعقل، فقال: من أنت؟ قال: أنا أنا، فقال: ويلك من أنت؟ قال: لا أدري، قال: ألك حاجة؟ ~~قال: لا لا، قال: أخرجوه أخرج الله نفسك، فدفع في قفاه، فلما خرج قال لغلام له: اتبعه ~~من حيث لا يعلم فسل عن أمره ومهنته فإني أخاله حائكا، فخرج الغلام على أثره، ثم رأى ~~الآخر فاستنطقه، فأجاب بقلب جريء، ولسان سليط، فقال: من أنت؟ قال: رجل من أبناء رجال ~~دعوتك، قال: من جاء بك إلى ههنا؟ قال: جئت لأنظر إلى هذا البناء الحسن فأتمتع بالنظر، ~~وأكثر الدعاء لأمير المؤمنين بطول المدة وتمام النعمة ونماء العز والسلامة، قال: أفلك ~~حاجة؟ قال: نعم، خطبت ابنة عم لي فردني أبوها، وقال: لا مال لك والناس يرغبون في المال، ~~وأنا بها مشغوف ولها وامق، قال: قد أمرت لك بخمسين ألف درهم، قال: جعلني الله فداءك يا ~~أمير المؤمنين، لقد وصلت فأجزلت الصلة ومننت فأعظمت المنة، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ~~ماضيه وآخر أيامك خيرا من أولها، ومتعك بما أنعم به عليك وأمتع رعيتك بك، فأمر أن تعجل ~~له الصلة ووجه بعض خاصته وقال: اسأل عن ms073 مهنته فإني أخاله كاتبا، فرجع الرسولان معا، ~~فقال الأول: وجدنا الأول حائكا، وقال الآخر: وجدت الرجل كاتبا، فقال المهدي: لم تخف ~~علي مخاطبة الكاتب والحائك. # المهدي وشعبة الشاعر # كان شعبة شاعرا متشاغلا بالعلم لا يكسب شيئا من الدنيا وكان له إخوة يقومون ~~بأموره، واشترى أحد إخوته من السلطان طعاما فخسر به فحبس، فقدم شعبة على المهدي وكان ~~له على أخيه ستة آلاف دينار، فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، أنشد قتادة وسماك بن حرب ~~لأمية بن أبى الصلت شعرا في عبد الله بن جدعان التيمي: # أأذكر حاجتي أم قد كفاني # حياؤك إن شيمتك الحياء # وعلمك بالحقوق وأنت فرع # له الحسب المهذب والسناء # كريم لا يغيره صباح # عن الخلق الجميل ولا المساء # بأرضك كل مكرمة بناها # بنو تيم وأنت لها سماء # إذا أثنى عليك المرء يوما # كفاه من تعرضه الثناء # فقال: لا يا أبا بسطام لا تذكرها قد عرفناها وقضيناها لك، ادفعوا إليه أخاه ولا ~~تأخذوا منه شيئا. # المهدي وإبراهيم بن طهمان # كان لإبراهيم بن طهمان جراية من بيت المال فاخرة وكان يفخر بذلك، فسئل يوما في مجلس ~~الخليفة، فقال: لا أدري، فقالوا: تأخذ في كل يوم كذا وكذا ولا تحسن مسألة، فقال: إنما ~~أخذت على ما أحسن ولو آخذ على ما لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى ما لا أدري، فأعجب ~~أمير المؤمنين جوابه وأمر له بجائزة فاخرة وزاد في جرايته. # المهدي وأبو العتاهية الشاعر # قال أشجع السلمي الشاعر المشهور: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه، فدخلنا مع ~~أبي العتاهية فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد، وسكت المهدي فسكت الناس، ~~فسمع بشار حسا فقال لي: من هذا، فقلت: أبو العتاهية، فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل، ~~فقلت: أحسبه سيفعل، قال: فأمره المهدي فأنشد: # أتته الخلافة منقادة # إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره # لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه بناب القلوب # لما قبل الله أعمالها ms074 # فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع هل طار الخليفة عن فراشه؟ قال أشجع: فوالله ما انصرف ~~أحد عن ذلك المجلس بجائزة غير أبي العتاهية. # الفصل الخامس # | في نوادر الخليفة هارون الرشيد # إبراهيم الموصلي عند الرشيد # دخل إبراهيم الموصلي يوما على الرشيد فأنشده: # وآمرة بالبخل قلت لها اقصري # فليس إلى ما تأمرين سبيل # فعالي فعال المكثرين تجملا # ومالي كما قد تعلمين قليل # فكيف أخاف الفقر وأحرم الغنى # ورأي أمير المؤمنين جميل # فقال: لله أبيات تأتينا بها ما أحسن أصولها، وأبين فصولها، وأقل فضولها، يا غلام أعطه ~~عشرين ألفا، قال: والله لا أخذت منها درهما، قال: ولم؟ قال: لأن كلامك يا أمير ~~المؤمنين خير من شعري، قال: أعطوه أربعين ألفا. # الرشيد والمفضل الضبي # قال الرشيد للمفضل الضبي: قل ما أحسن ما قيل في النوائب ولك هذا الخاتم الذي في يدي، ~~قال قول الشاعر: # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي # بأخرى المنايا فهو يقظان نائم # فقال: ما ألقى هذا على لسانك إلا ذهاب الخاتم ورماه إليه، فاشترته أم جعفر بألف ~~وستمائة دينار وبعثت به إليه، فقالت: قد كنت أراك تعجب به فألقاه إلى الضبي وقال: خذه ~~وخذ الدنانير فما كنا نهب شيئا فنرجع فيه. # ابن الجامع والجارية والرشيد # قال ابن جامع: انتقلت من مكة إلى المدينة لشدة لحقتني فأصبحت يوما وما أملك إلا ~~ثلاثة دراهم في كمي، فإذا بجارية على كتفها جرة تسعى بين يدي وتترنم بصوت شجي ~~وتقول: # شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا # فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا # وذاك لأن النوم يغشي عيونهم # سراعا ولا يغشي لنا النوم أعينا # إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى # جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا # فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما # نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا # قال: فأخذ الغناء بقلبي ولم يدر لي منه حرف، فقلت: يا جارية ما أدري أوجهك أحسن أم ~~غناؤك، فلو شئت أعدت، قالت: حبا وكرامة، ثم أسندت ظهرها إلى جدار وانبعثت تغنيه، فما ~~دار لي منه حرف فقلت لها: لو تفضلت مرة ms075 أخرى، فارتدت إلى الوراء وقالت: أليس عجيب أن ~~أحدكم يجيء إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها ، فضربت يدي إلى الدراهم الثلاثة فدفعتها ~~إليها فأخذتها وقالت: تريد مني صوتا أحسبك تأخذ به ألف دينار وألف دينار وألف دينار ثم ~~غنت ففهمته، ثم سافرت إلى بغداد فآل الأمر إلى أن غنيت الرشيد بهذا الصوت فرمى لي ~~بثلاثة أكياس، فتبسمت فقال: مم تبسمت؟ فأخبرته خبر الجارية فعجب من إصابتها. # هارون الرشيد والعباس بن الأحنف # قال هارون الرشيد في الليل بيتا وأراد أن يشفعه بآخر فامتنع القول عليه فقال: علي ~~بالعباس بن الأحنف، فلما طرق ذعر وخاف أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد قال: وجهت إليك ~~لبيت قلته ورمت أن أشفعه فامتنع القول علي، فقال: يا أمير المؤمنين دعني حتى ترجع نفسي ~~إلي فإني قد تركت عيالي على حال من القلق عظيم ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف ~~فانتظر هنيهة ثم أنشد الرشيد: # حناق قد رأيناها # لم نر مثلها بشرا # فقال العباس: # يزيدك وجهها حسنا # إذا ما زدتها نظرا # فقال الرشيد زدني فقال: # إذا ما الليل مال علي # ك بالإظلام واعتكرا # ودج فلم تر قمرا # فأبرزها ترى قمرا # فقال الرشيد: قد أزعجناك وأفزعناك وأقل الواجب أن نعطيك ديتك، فأمر له بعشرة آلاف ~~درهم وصرفه. # الرشيد ويحيى البرمكي # كان يحيى يساير الرشيد يوما فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، عطبت دابتي، فقال: ~~يعطى خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزل قال: يا يحيى أومأت إلي بشيء حينما أمرت ~~بالدراهم فما هو؟ فقال: مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ~~ألف، عشرة آلاف ألف، قال: فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول؟ فقال: تقول يشترى له دابة يفعل ~~به فعل نظرائه. # الرشيد وهيلانة وابن الأحنف # كان الرشيد شديد الحب لهيلانة وكانت ليحيى بن خالد فاستوهبها منه حتى غلبت على قلبه، ~~فأقامت عنده ثلاث سنين ثم ماتت، فوجد عليها وجدا شديدا وأمر العباس بن الأحنف أن ~~يرثيها، فقال فيها: # يا من تباشرت القلوب بموتها ms076 # قصد الزمان مضرتي فرماك # أبغي الأنيس فلا أرى لي مؤنسا # إلا التردد حيث كنت أراك # ملك بكاك وطال بعدك حزنه # لو يستطيع بملكه لفداك # يحمي الفؤاد عن النساء حفيظة # كي لا يحل حمى الفؤاد سواك # فأمر له بأربعين ألف درهم لكل بيت عشرة آلاف درهم، وقال: لو زدت لزدناك. # الرشيد وبركة زلزل # وعمل ببغداد بركة للسبيل وكان يضرب بها المثل وأنشد نفطويه يصفها: # لو أن زهيرا وامرأ القيس أبصرا # ملاحة ما تحويه بركة زلزل # لما وصفا سلمى ولا أم سالم # ولا أكثرا ذكر الدخول فحومل # هارون الرشيد والكسائي # قال الكسائي: حضرت عند الرشيد فأخرج إلي محمد الأمين وعبد الله المأمون كأنهما بدران ~~فقال لي: كيف تراهما؟ فقلت: # أرى قمري أفق وفرعي كرامة # بزينهما عرق كريم ومحتد # سليلي أمير المؤمنين وحارزي # مواريث ما أبقى النبي محمد # يسدان أنفاق النفاق بهمة # يؤيدها حزم ورأي وسؤدد # حياة وخصب للمولى ورحمة # وحرب لأعداء وسيف مهند # ثم قلت: فرع زكي أصله وطاب غرسه وتمكنت فروعه وعذبت مشاربه أداهما ملك أغر نافذ ~~الأمر واسع العلم عظيم الحلم، أعلاهما فعلوا، سما بهما فسموا، فهما يتطاولان بطوله ~~ويستضيئان بنوره وينطقان ببيانه، فأمتع الله أمير المؤمنين بهما وبلغه الأمل ~~فيهما. # الفصل السادس # | في نوادر الأمين والمأمون # الأمين مع جعفر بن موسى # حكي أن جعفر بن موسى الهادي كانت له جارية عوادة اسمها البدر الكبير، ولم يكن في ~~زمانها أحسن منها وجها ولا أعدل قدا ولا ألطف معنى ولا أعرف بصناعة الغناء وضرب ~~الأوتار، وكانت في غاية الجمال، ونهاية الظرف والكمال، فسمع بخبرها محمد الأمين بن ~~زبيدة والتمس من جعفر أن يبيعها له، فقال له جعفر: أنت تعلم أنه لا يليق بمثلي بيع ~~الجواري والمساومة على السراري، ولولا أنها تربية داري لأرسلتها هدية إليك ولم أبخل بها ~~عليك، ثم إن محمدا الأمين بن زبيدة توجه يوما لقصد الطرب إلى دار جعفر فأحضر له ما ~~يحسن حضوره بين الأحباب، وأمر جاريته البدر الكبير أن تغني له وتطربه، فأصلحت الآلات ~~وغنت بأطيب ms077 النغمات، فأخذ محمد الأمين بن زبيدة في الشراب والطرب وأمر السقائين أن ~~يكثروا الشراب على جعفر حتى يسكروه، ثم أخذ الجارية معه وانصرف إلى داره. # فلما أصبح الصباح أمر باستدعاء جعفر، فلما حضر قدم بين يديه الشراب وأمر الجارية أن ~~تغني له من داخل الستارة، فسمع جعفر صوتها فعرفها فاغتاظ لذلك ولكنه لم يظهر غيظا ~~لشرف نفسه وعلو همته، ولم يبد تغيرا في منادمته، فلما انقضى مجلس الشراب أمر محمد ~~الأمين بن زبيدة بعض أتباعه أن يملأ الزورق الذي ركب فيه جعفر إليه من الدراهم ~~والدنانير وأصناف الجواهر واليواقيت والثياب الفاخرة والأموال الباهرة، ففعل ما أمر به ~~حتى إنه وضع في الزورق ألف بدرة وألف درة قيمة الدرة عشرون ألف درهم، ولم يزل يضع فيه ~~أصناف التحف حتى استغاث الملاحون وقالوا: ما يقدر الزورق أن يحمل شيئا آخر وأمر بحمله ~~إلى دار جعفر. # أبو النواس والأمين # قال أبو النواس يمدح الأمين ويذكر فضل البرامكة: # يا دار ما صنعت بك الأيام # لم يبق فيك بشارة تمتام # عدم الزمان على الذين عهدتهم # بك قاطنين وللزمان عرام # أيام لا أخشى لزينب منزلا # إلا مخالسة علي لمام # ولقد نهزت مع الرواة بدراهم # وأسمت سرح اللهو حيث أساموا # وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه # فإذا غضارة كل ذاك أثام # وإذا المطي بنا بلغن محمدا # فظهورهن على الرجال حرام # قربتنا من خير من وطئ الثرى # فلها علينا حرمة وذمام # رفع الحجاب لنا فبان لناظر # قمر تقطع دونه الأوهام # ملك أغر إذا نظرت بوجهه # لم يروك التبجيل والإعظام # أبو النواس والأمين وسليمان بن المنصور # حصلت عداوة بين أبي النواس وسليمان بن المنصور فأمر الأمين بحبس أبي النواس، فلما طال ~~حبسه كتب إليه بهذه الأبيات: # تذكر أمين الله والعهد يذكر # مقالي وإنشاديك والناس حضر # ونثري عليك الدر يا در هاشم # فيا من رأى درا على الدر ينثر # أبوك الذي لم تملك الأرض مثله # وعمك موسى عدله المتخير # ومن مثل منصور بن منصور هاشم # ومنصور قحطان إذا عد مفخر # وجدك ms078 مهدي الهدى وشقيقه # أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر # فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا # وعبد مناف والداك وحمير # تحسنت الدنيا بحسن خليفة # وهو الصبح إلا أنه الدهر مسفر # يشب إليه الجود من وجناته # وينظر من أعطافه حين ينظر # مضت لي شهور مذ حبست ثلاثة # كأني قد أذنبت ما ليس يغفر # فإن أك لم أذنب ففيم عقوبتي # وإن كنت ذا ذنب فعفوك أكبر # فلما قرأ محمد الأبيات قال: أخرجوه وأجزوه ولو غضب أولاد المنصور كلهم. # النضر والمأمون # قال النضر: دخلت ليلة على المأمون للمسامرة بمرو وعلي قميص مرقوع، فقال: يا نضر ما ~~هذا القشف؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنا رجل كبير ضعيف وحر مرو شديد أتبدل بهذه الثياب ~~الخليقة، قال: لا ولكنه تنسك، ثم تجاوبا في الحديث فقال المأمون: حدثني هشيم عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد عن عون»، ~~قلت: صدق فوك عن هشيم يا أمير المؤمنين، حدثني عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد عن عون»، وكان ~~المأمون متكئا فانتصب وقال: كيف قلت يا نضر سداد بكسر السين، فقلت: يا أمير المؤمنين ~~السداد بفتح السين هنا لحن، قال: أو تلحنني يا نضر؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين ولكن لحن ~~هشيم وكان لحانا، فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع الفقهاء، فقال: ما الفرق بينهما، ~~قلت: السداد القصد في الدين والسبيل، والسداد البلغة وكل شيء سددت به شيئا هو ~~سداد، قال: أوتعرف العرب هذا؟ قلت: نعم هذا العربي يقول وهو من ولد عثمان بن ~~عفان: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا # ليوم كريهة وسداد ثغر # فأطرق المأمون مليا ثم قال: قبح الله من لا أدب له، ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب ~~بيت قاله العرب، فقلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان: # تقول لي والعيون هاجعة # أقم علينا يوما فلم أقم # أي الوجوه انتجعت قلت لها # وأي ms079 وجه إلا إلى الحكم # متى يقل حاجبا يرادفه # هذا ابن بيض بالباب يبتسم # قد كنت أسلمت فيك مقتبلا # وها أنا ذا داخل فأعطني سلمي # فقال المأمون: لله درك، فكأنما فتح لك قلبي، أنشدني ألطف بيت للعرب، قلت: قول ابن أبي ~~عروبة المديني: # إني وإن كان ابن عمي غائبا # لمزاحم من خلفه وورائه # ومعيده نصري ولو كان امرءا # متزحزحا في أمره وسمائه # وأكون والي أمره فأصونه # حتى يحق علي وقت أدائه # وإذا الحوادث أحجمت بسوائهم # قربت صحيحتنا إلى جربائه # وإذا دعي باسمي لأركب مركبا # صعبا ركبت له على سلمائه # وإذا ارتدى ثوبا كريما لم أقل # يا ليت أن على فضل ردائه # فقال: أحسنت يا نضر، أنشدني أقنع بيت قالته العرب فأنشدته: # أني امرؤ لم أزل وذاك من # الله أديبا أعلم الأدبا # أقسم بالله ما اطمئنت بي ال # دار وإن كنت نازحا طربا # لا أجتوي حلمة الصديق ولا # أبغي لنفسي شيئا إذا ذهبا # أطلب ما يطلب الكريم من ال # رزق بنفسي وأحمل الطلبا # وأجلب البرة الصفي ولا # أجهد أخلاف غيرها طلبا # إني رأيت الفتى الكريم إذا # رغبته في صنيعه رغبا # والعبد لا يطلب العلاء ولا # يعطيك شيئا إلا إذا وهبا # مثل الحمار الموقع السوء لا # يحسن شيئا إلا إذا ضربا # ولم أجد عروة الخلائق إل # لا الدين لما اختبرت والحسدا # لم يرزق الخافض المقيم ولا # شد بعنس رحلا ولا قتبا # ويحرم الرزق ذو المطية والر # راجل من لا يزال مغتربا # قال: أحسنت يا نضر فعندك ضدها؟ قلت: نعم أحسن منها، قال: هات، فأنشدته: # يد المعروف غنم حيث كانت # تحملها كفور أو شكور # قال: أحسنت يا نضر، ما تملك؟ قلت: أريضة تمر وأنصابها، قال: أولا نزيدك مع ذلك مالا؟ ~~فقلت: إني إليه لمحتاج، فأخذ قرطاسا فكتب ولم أدر ما يكتب، ثم قال: كيف تقول من ~~التراب إذا أمرت أن يترب؟ قلت: أتربه، قال من الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: ~~مترب ومطين، فقال: هذا أحسن من الأولى، ثم قال للغلام: أتربه وطنه ms080 - أي: هبه أرضا ~~وطينا - ثم قام وصلى بنا العشاء فلما فرغ قال لخادمه: تسير معه إلى الفضل بن سهل، فلما ~~وصلنا إليه وقرأ الورقة قال: يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما ~~كان السبب، فأفدته ولم أكذب، فقال: ولحنت أمير المؤمنين، قلت: لا، ولكن لحن هشيم وكان ~~لحانا، فتبع أمير المؤمنين لفظته وقد تتبع الفقهاء، فأمر لي الفضل من عنده بثلاثين ألف ~~درهم أخرى فقبضت ثمانين ألفا بكلمة استفادها. # المأمون وابن الأعرابي # قال المأمون لابن الأعرابي: أخبرني عن أحسن ما قيل في الشراب، فقال: يا أمير المؤمنين ~~قوله: # تريك القذى من دونها وهي دونه # إذا ذاقها من ذاقها يتمطق # قال: أشعر منه الذي يقول يعني أبا نواس: # فتمشت في مفاصلهم # كتمشي البرء في السقم # فعلت في البيت إذ مزجت # مثل فعل الصبح في الظلم # فاهتدى ساري الظلام بها # كاهتداء السفر بالعلم # فقلت فائدة يا أمير المؤمنين، فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة: # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # من طارق هذا؟ فنظرت في نسبها فلم أجده، فقلت: يا أمير المؤمنين لا أعرف طارقا في ~~نسبها، فقال: إنما أرادت النجم، فانتسبت إليه بحسنها من قوله تعالى: # والسماء والطارق ~~(الطارق: 1) فقلت: فائدتان يا أمير ~~المؤمنين، فقال: أنا لؤلؤ هذا الأمر وابن لؤلؤة. ثم رمى إلي بعنبرة كان يقلبها في ~~يده فبعتها بخمسة آلاف درهم. # المأمون ومحمد بن الجهم # قال محمد بن الجهم: دعاني المأمون فقال: أنشدني بيت مدح نادر فأنشدته: # يجود بالنفس إن ضن الجواد بها # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # فقال: قد وليتك همذان، فأنشدني بيت هجاء نادر فأنشدته: # قبحت مناظره فحين خبرته # حسنت مناظره بقبح المخبر # قال: قد وليتك الدينور، فأنشدني بيت مرثية نادرا فأنشدته: # أرادوا ليضفوا قبره عن عدوه # فطيب تراب القبر دل على القبر # فقال: قد وليتك نهاوند، فأنشدني بيت غزل نادرا فأنشدته: # حب مجد وحبيب يلعب # والقلب ما بينهما معذب # تهنئة العباس للمأمون # ولما ولد جعفر بن المأمون هنئوه بصنوف التهاني، ms081 وكان فيمن دخل العباس بن الأحنف، فمثل ~~قائما بين يديه ثم أنشأ يقول: # مد لك الله الحياة مدا # حتى ترا ابنك هذا جدا # ثم يفدا مثلما تفدا # كأنه أنت إذا تبدا # أشبه منك قامة وقدا # مؤزرا بمجده مردا # فأمر له بعشرة آلاف درهم. # كرم المأمون # قال القاضي يحيى بن أكثم: وقد رآه وقع في يوم واحد بثلاثمائة ألف دينار وعرض عليه من ~~القصص ما يزيد عن الحد، فوقع في الجميع ولم يضجر، فقلت يا أمير المؤمنين: # كأنك في الكتاب وجدت لاء # محرمة عليك فلا تحل # فما تدري إذا أعطيت مالا # أيكثر من عطائك أم يقل # فقال له: يا قاضي إنما تطلب الدنيا لتملك فإذا ملكت فلتهب. # الفصل السابع # | نوادر متفرقة في الكرم # الهادي وإسحاق الموصلي # ذكر إسحاق الموصلي أن الهادي قال له: أنشدني وأطربني بإنشادك ما شئت فأنشدته: # فيا حبها زدني جوى كل ليلة # ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # هجرتك حتى قيل: لا يعرف الهوى # وزرتك حتى قيل: ليس له صبر # فاستطابه وأمر أن أدخل بيت المال وآخذ منه ما أردت، فأخذت منه سبع بدر ~~وانصرفت. # جعفر بن أبي طالب وأبو هريرة # قال أبو هريرة: ما وددت أما تلدني غير أم جعفر بن أبي طالب، تبعته يوما وأنا جائع ~~فلما بلغ الباب التفت فرآني فقال لي: ادخل، فدخلت ففكر حينا فما وجد في بيته شيئا إلا ~~وعاء فيه قليل من السمن، فأنزله من رف لهم، ففتحه بين أيدينا فجعلنا نلعق ما كان فيه من ~~السمن وهو ينشد ويقول: # ما كلف الله نفسا فوق طاقتها # ولا تجود يد إلا بما تجد # سوار القاضي وعبد الله بن طاهر # دخل سوار القاضي على عبد الله بن طاهر - صاحب خراسان - فقال: أصلح الله الأمير ~~وأنشد: # قوم أبوهم سنان حين تنسبهم # طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم # قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # جن إذا فزعوا إنس إذا أمنوا # مرزؤون بها ليل إذا قصدوا # محسودون على ما كان من ms082 نعم # لا ينزع الله منهم ما له حسدوا # كعب بن مامة الإيادي # أشهر ما جاد به أنه كان يوما مع رفيقه السعدي وقد اشتد الظمأ فآثره على نفسه وأعطاه ~~ما عنده من الماء، فنجا السعدي ومات كعب ضحية كرمه ومروءته، وفيه يقول حبيب ~~الشاعر: # يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها # والجود بالنفس أقصى غاية الجود # ولخبيب أيضا يمدح كعبا وحاتما الطائي # كعب وحاتم اللذان تقسما # خطط العلا من طارف وتليد # هذا الذي خلف السحاب ومات ذا # في الجهد ميتة خضرم صنديد # إلا يكن فيها الشهيد فقومه # لا يسمحون به بألف شهيد # عبد الله بن العباس والحسين بن علي # حبس معاوية عن الحسين بن علي صلاته حتى ضاقت عليه حاله، فقيل: لو وجهت إلى ابن عمك ~~عبيد الله فإنه قدم بنحو من ألف ألف درهم، فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، ~~وفوالله لهو أجود من الريح إذا عصفت وأسخى من البحر إذا ذخر، ثم وجه إليه مع رسوله ~~بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم، فلما قرأ ~~عبيد الله كتابه وكان رقيق الفؤاد لين العطف انهملت عيناه، ثم قال: ويلك يا معاوية ما ~~اجترحت يديك من الإثم حين أصبحت لين المهاد رفيع العماد والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة ~~العيال، ثم قال إلى قهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فضة وذهب وثياب ومواش ~~وأخبره أني شاطرته مالي فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر، فقال له ~~القيم: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا دللتك على أمر يقيم حالك، ~~فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين قال: إنا لله حملت والله على ابن عمي وما حسبته ~~يجود علينا بهذا كله وأخذ المال جميعه. # عبيد الله بن العباس وأحد الأنصار # جاءه رجل من الأنصار فقال: يا ابن عم رسول الله، ولد لي في هذه الليلة مولود وإني ~~سميته باسمك تبركا مني به وإن أمه ماتت، ms083 فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل ~~لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، ~~وادفع إليه مائتي دينار للنفقة على تربيته، ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام فإنك ~~جئتنا وفي العيش يبس وفي المال قلة، قال الأنصاري: لو سبقت حاتما بيوم واحد ما ذكرته ~~العرب أبدا ولكنه سبقك فصرت له تاليا. # سعيد بن العاص ومعاوية ومروان # كان معاوية بديلا بينه وبين مروان بن الحكم في ~~ولاية المدينة فكان مروان يعارضه، فلما دخل معاوية قال له: كيف تركت أبا عبد الملك أي ~~مروان، قال: تركته منفذا لأمرك مصلحا لعملك، قال معاوية: إنه كصاحب الخبزة كفي ~~إنضاجها فأكلها، قال: كلا يا أمير المؤمنين، إنه من قوم لا يأكلون إلا ما حصدوا ولا ~~يحصدون إلا ما زرعوا، قال: فما الذي باعد بينك وبينه، قال: خفته على شرفي وخافني على ~~مثله، قال: فأي شيء كان له عندك؟ قال: أسوؤه حاضرا وأسره غائبا، قال: يا أبا عواد، ~~تركتنا في هذه الحروب، قال: حملت الثقل وكفيت الحزم، قال: فما أبطأك، قال: غناؤك أبطأني ~~عنك، وكنت قريبا لو دعوت لأجبناك ولو أمرت لأطعناك، قال: ذلك ظننا بك، فأقبل معاوية ~~على أهل الشام، فقال: يا أهل الشام هؤلاء قومي وهذا كلامهم، ثم قال: أخبرني عن مالك ~~فقد نبئت أنك تتحرى فيه، قال يا أمير المؤمنين لنا مال يخرج لنا منه فضل، فإذا كان ما ~~خرج قليلا أنفقناه على قلته، وإن كان كثيرا فكذلك غير أنا لا ندخر منه شيئا عن ~~معسر ولا طالب ولا محتاج ولا نأثر عليه شيئا من المآكل اللذيذة والمناظر البهيجة، ~~قال: فكم يدوم لك هذا؟ قال: من السنة نصفها، قال: فما تصنع في باقيها؟ قال: نجد من ~~يسلفنا ويسارع في معاملتنا، قال: ما أحد أحوج أن يصلح من شأنه منك، قال: إن شأننا لصالح ~~يا أمير المؤمنين ولو زدت في مالي مثله ما كنت إلا بمثل هذا الحال، فأمر له معاوية ~~بخمسين ألف درهم ms084 وقال: اشتر بها ضيعة تعينك على مروتك، فقال: بل أشتري بها حمد ~~وذكرا باقيا أطعم بها، وأفك بها العاني، وأواسي بها الصديق وأصلح بها حال الجار، فلم ~~تأت عليه ثلاثة أشهر وعنده منها درهم، فقال معاوية: ما فضيلة بعد الإيمان بالله هي ~~أرفع في الذكر ولا أنبه في الشرف من الجود، وحسبك أن الله تعالى جعل الجود آخر ~~صفاته. # عبيد الله بن معمر وأحد أهالي البصرة # من جوده أن رجلا أتاه من أهل البصرة مع جارية له نفيسة، قد استأدبها بأنواع الأدب ~~حتى برعت وفاقت في جميع الصفات الحميدة، ثم إن الدهر قعد بسيدها ومال عليه، وقدم عبيد ~~الله بن معمر البصرة من بعض وجوهه، فقالت لسيدها: إني أريد أن أذكر لك شيئا وأخشى أن ~~يكون فيه بعض الجفاء غير أنه يسهل ذلك على ما أرى من ضيق حالك وقلة مالك وزوال نعمتك، ~~وما أخافه عليك من الاحتياج وضيق الحال، وهذا عبيد الله بن معمر قدم وقد علمت شرفه ~~وقدرته وسعة كفه وجود نفسه، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه ~~هدية رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقلك الله به وينهضك إن شاء الله، قال: فبكى وجدا ~~عليها وجزعا لفراقها ثم قال لها: لولا ما نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبدا، ثم نهض بها ~~حتى أوقفها بين يدي عبيد الله، فقال: أعزك الله هذه جارية ربيتها ورضيت بها لك فاقبلها ~~مني هدية، فقال: مثلي لا يستهدى لمثلك، فهل لك في بيعها، فأجزل لك الثمن عليها حتى ~~ترضى؟ قال: الذي تراه، قال: يقنعك مني عشر بدر في كل بدرة عشرة آلاف درهم، قال: والله ~~يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت ولكن هذا فضلك المعروف وجودك المشهور، فأمر عبيد ~~الله بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه، وقال للجارية: ادخلي الحجاب، فقال ~~سيدها: أعزك الله لو أذنت لي في وداعها قال: نعم، فوقفت وقام وقال لها وعيناه ~~تدمعان: # أبوح بحزن من فراقك ms085 موجع # أقاسي به ليلا يطيل تفكري # ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن # يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري # عليك سلام لا زيادة بيننا # ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر # قال عبيد الله بن معمر: قد شئت ذلك فخذ جاريتك وبارك الله لك في المال، فذهب بجاريته ~~وماله فعاد غنيا. # يزيد بن المهلب وأحد بني ضبة # قدم على يزيد بن المهلب قوم من قضاعة من بني ضبة فقال رجل منهم: # والله ما ندري إذا ما فاتنا # طلب إليك من الذي نتطلب # ولقد ضربنا في البلاد لم نجد # أحدا سواك إلى المكارم ينسب # فاصبر لعادتنا التي عودتنا # أو لا فأرشدنا إلى من نذهب # فأمر له بألف دينار. فلما كان في العام المقبل وفد عليه فقال: # ما لي أرى أبوابهم مهجورة # وكأن بابك مجمع الأسواق # حابوك أم هابوك أم شاموا الندى # بيديك فاجتمعوا من الآفاق # إني رأيتك للمكارم عاشقا # والمكرمات قليلة العشاق # فأمر له بعشرة آلاف درهم. # ابن طوق وأحد الشعراء # عرض رجل لابن طوق وقد خرج في طلب النزهة، فناوله رقعة فيها جميع حاجته ومصدرة بهذا ~~البيت: # جعلتك دنياي فإن أنت جدت لي # بخير وإلا فالسلام على الدنيا # فقال: والله لأصدقن ظنك، فأعطاه حتى أغناه. # عبد الله بن طاهر ودعبل الشاعر # عرض دعبل بن علي الشاعر لعبد الله بن طاهر الخراساني وهو راكب في حراقة له في دجلة ~~فأشار إليه برقعة، فأمر بأخذها فإذا فيها: # عجبت لحراقة بن الحسي # ن كيف تسير ولا تغرق # ومجران من تحتها واحد # وآخر من فوقها مطبق # وأعجب من ذاك عيدانها # إذا مسها كيف لا تورق # فأمر له بخمسة آلاف درهم وجارية وفرس. # وخرج عبد الله بن طاهر فتلقاه دعبل برقعة فيها هذه الأبيات: # طلعت قناتك بالسعادة فوقها # معقودة بلواء ملك مقبل # تهتز فوق طريدتين كأنما # تهنو بناقلها جناحا أجدل # ربح البخيل على احتيال عرضه # بندى يديك ووجهك المتهلل # لو كان يعلم أن نيلك عاجل # ما فاض منه جدول في جدول # فأمر له بخمسة آلاف. # هشام ms086 ونصيب بن رياح # دخل نصيب بن رياح على هشام فأنشده: # إذا استبق الناس العلا سبقتهم # يمينك عفوا ثم حلت شمالك # فقال هشام: بلغت غاية المدح فسلني، فقال: يا أمير المؤمنين، يداك بالعطية أطلق من ~~لساني بالمسألة، قال: لا بد أن تفعل، قال: لي ابنة نفضت عليها من سوادي فكسدها فلو ~~أسعفها أمير المؤمنين بشيء يجعله لها، قال: فأقطعها أرضا، وأمر لها بحلي وكسوة ~~فنفقت السوداء. # ليلى الأخيلية والحجاج # دخلت ليلى الأخيلية على الحجاج فأنشدته: # إذا ورد الحجاج أرضا مريضة # تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # فقال لها: لا تقولي غلام ولكن قولي همام، ثم قال: أي النساء أحب إليك لأنزلك عندها، ~~قالت: ومن نساؤك أيها الأمير، قال: أم الجلاس ابنة سعيد بن العاص الأموية وهند ابنة ~~إسماعيل بن خارجة الفزارية وهند ابنة المهلب بن أبي جفرة العتكية، قالت: الحيثية أحب ~~إلي، فلما كان من الغد دخلت عليه، قال: يا غلام أعطها خمسمائة، قالت: أيها الأمير ~~أحسبها إبلا، قال قائل: إنما أمر لك بشاء، قالت: الأمير أكرم من ذلك، قال: اجعلوها ~~إبلا ولا تخيبوا ظنها بنا. # الحسن بن سهل وعلي بن جبلة # قال الحسن بن رجاء الكاتب: قدم علينا علي بن جبلة إلى عسكر الحسن بن سهل والمأمون ~~هناك عند خديجة ابنة الحسن بن سهل ونحن إذ ذاك نجري على نيف وسبعين ألف ملاح، ونحن في ~~غاية من الانهماك فنزل بي فقلت له: قد كثر شغل الأمير، فقال: ألا تخبرنه بقدومي، قلت: ~~أجل، فدخلت على الحسن بن سهل في وقت ظهوره فأعلمته مكانه قال: ألا ترى ما نحن فيه؟ قلت: ~~لست بمشغول عن الأمر، فقال: يعطى عشرة آلاف إلى أن نتفرغ له، فأعلمت علي بن جبلة فقال ~~لي كلمة له: # أعطيتني يا ولي الحق مبتدءا # عطية كافأت حمدي ولم ترني # ما شمت برقك حتى نلت ريقه # كأنما كنت بالجدوى تبادرني # المعتصم وأبو تمام # دخل أبو تمام الطائي على المعتصم بعد فتوحه عمورية ms087 والفوز على محاربيه فامتدحه بقصيدة ~~بليغة أولها: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # بيض الصفائح لا سود الصحائف في # متونهن جلاء الشك والريب # والسلم في شهب الأرماح لامعة # بين الخميسين لا في السبعة الشهب # وهي قصيدة طويلة عددها ثلاثة وسبعون بيتا، فأعطاه جائزة عليها ثلاثة وسبعين ألف ~~دينار على كل بيت ألف دينار. # امتداح أبي البختري على كرمه # كان وهب بن منبه أبو البختري كثير العطاء أليف الندى وفيه قال الشاعر: # فهلا فعلت وقاك المليك # فينا فعال أبي البختري # تتبع إخوانه في البلاد # فأغنى المقل على المكثر # كثير وعمر بن عبد العزيز # دخل كثير على عمر بن عبد العزيز، فاستأذن في الإنشاد، فقال: قل ولا تقل إلا حقا ~~فقال: # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف # بريا ولم تقبل إشارة مجرم # وصدقت بالفعل المقال مع الذي # أتيت فأمسى راضيا كل مسلم # وقد لبست لبس الملوك ثيابها # ولاحت لك الدنيا بوجه ومعصم # وتومض أحيانا بعين مريضة # وتبسم عن مثل الجمان المنظم # فأعرضت عنها مشمئزا كأنما # سقتك شرابا من سمام وعلقم # وقد كنت في أجبالها في ممنع # وفي بحرها من مزبد الموج مفعم # فلما أتاك الله غصبا ولم يكن # لطالب دنيا بعدها من تكلم # تركت الذي يغني وإن كان مونقا # وأكثرت ما يبقي برأي مصمم # فما لك هم في الفؤاد مورق # بلغت به أعلى البناء المقدم # فما بين شرق الأرض والغرب لم يكن # مناد ينادي من فصيح وأعجم # يقول أمير المؤمنين ظلمتني # بأخذ لدينار أو بأخذ لدرهم # ولا بسط كف بامرئ غير مجرم # ولا السفك منه ظالما ملء محجم # فاربح بها من صفقة لمبايع # وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم # فقال له: يا كثير، إنك تسئل عما قلته، ثم أجازه بأثمن العطايا. # مروان الشاعر والمتوكل # أمر المتوكل لمروان بن أبي الحبوب الشاعر بمائة وعشرين ألفا وخمسين ثوبا ورواحل ~~كثيرة، فقال أبياتا في شكره فلما بلغ قوله: # فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد # فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا ms088 # فقال: والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي وأمر له بضياع تقوم بألف ألف. # يزيد بن المهلب والحلاق # حج يزيد بن المهلب فطلب حلاقا يحلق رأسه، فجاؤوه بحلاق فحلق رأسه، فأمر له بخمسة ~~آلاف درهم، فدهش الحلاق وقال: آخذ هذه الخمسة آلاف وأمضي إلى أم فلان أخبرها أني قد ~~استغنيت، فقال: أعطوه خمسة آلاف أخرى، فقال: امرأتي طالق إن حلقت رأس أحد بعدك، وصادف ~~أن الحجاج أمر بسجن يزيد على خراج وجب عليه مقداره مائة ألف درهم، فجمعت له وهو في ~~السجن، فجاءه الفرزدق يزوره فقال للحاجب: استأذن لي عليه. # فقال: إنه في مكان لا يمكن الدخول عليه فيه، فقال الفرزدق: إنما أتيت متوجعا لما هو ~~فيه ولم آت ممتدحا، فأذن فلما أبصره قال: # أبا خالد ضاقت خراسان بعدكم # وقال ذوو الحاجات أين يزيد # فما قطرت بالشوق بعدك قطرة # ولا اخضر بالمردين بعدك عود # وما لسرور بعد عزك بهجة # وما لجواد بعد جودك جود # فقال يزيد للحاجب: ادفع إليه المائة ألف درهم التي جمعت لنا، ودع الحجاج ولحمي يفعل ~~فيه ما يشاء، فقال الحاجب للفرزدق هذا الذي خشيته حين منعتك من الدخول عليه، ثم دفعها ~~إليه فأخذها وانصرف. # يزيد بن المهلب والعجوز # مر يزيد بن المهلب بعد خروجه من السجن بعجوز أعرابية فذبحت له عنزا، فقال لابنه: ما ~~معك من النفقة؟ قال: مائة دينار، قال: ادفعها إليها، فقال: هذه يرضيها اليسير وهي لا ~~تعرفك، قال: إن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا ~~أعرف نفسي. # أبو جعفر وأزهر الشاعر # وفد أزهر الشاعر على أبي جعفر فقال له: ما حاجتك، قال جئتك طالبا، فأمر له باثني عشر ~~ألف درهم وقال: لا تأتنا بعد طالبا، فأخذها وانصرف، ولما كان بعد سنة أتاه، فقال له ~~أبو جعفر: ما حاجتك يا أزهر، قال: جئت مسلما فقال: لا والله بل جئت طالبا، وقد أمرنا ~~لك باثني عشر ألفا فلا تأتنا طالبا ولا مسلما، فأخذها ومضى ولما كان بعد سنة أتاه ms089 ~~فقال: ما حاجتك يا أزهر قال: أتيت عائدا، فقال: لا والله بل جئت طالبا، وقد أمرنا لك ~~باثني عشر ألفا فاذهب ولا تأتنا بعد طالبا ولا مسلما ولا عائدا، فأخذها وانصرف، ~~فلما مضت السنة أقبل، فقال له: ما حاجتك يا أزهر، قال: يا أمير المؤمنين دعاء كنت أسمعك ~~تدعو به جئت لأكتبه فضحك أبو جعفر وقال: الدعاء الذي تطلبه غير مستجاب فإني دعوت الله ~~به أن لا أراك فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفا. وتعال إذا شئت فقد أعيتنا ~~الحيلة فيك. # السائل وعبيد الله # من جود عبيد الله بن عباس أنه أتاه سائل وهو لا يعرفه فقال له: صدق، فإني نبئت أن ~~عبيد الله بن عباس أعطى سائلا ألف درهم فاعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبيد الله، ~~قال: أين أنت منه في الحسب أم في كثرة المال، قال فيهما، قال: أما الحسب في رجل فمروءته ~~وفعله وإذا شئت فعلت وكنت حسيبا، فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق الحال، فقال له ~~السائل: إن لم تكن عبيد الله بن عباس فأنت خير منه، وإن كنت هو فأنت اليوم خير منك ~~أمس، فأعطاه ألفا أخرى، فقال السائل: هذه هزة كريم حسيب، والله لقد جذبت قلبي بكريم ~~الخصال التي قلما توجد في سواك من الرجال. ~~••• # قال أحمد بن مطير: أنشدت عبد الله بن طاهر أبياتا كنت مدحت فيها بعض الولاة ~~وهي: # له يوم بؤس فيه للناس أبؤس # ويوم نعيم فيه للناس أنعم # فيقطر يوم الجود من كفه الندى # ويقطر يوم البؤس من كفه الدم # فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه # عن الناس لم يصبح على الأرض مجرم # ولو أن يوم الجود فرغ كفه # لبذل الندى ما كان بالأرض معدم # فقال لي عبد الله: كم أعطاك؟ قلت: خمسة آلاف، قال: فقبلتها، قلت: نعم، قال لي: أخطأت؛ ~~فما ثمن هذه إلا مائة ألف. # العتبي وعمه # قال العتبي: سمعت عمي ينشد لأبي عباس الزبيري: # وكل خليفة وولي عهد # لكم يا ms090 آل مروان الفداء # إمارتكم شفاء حيث كانت # وبعض إمارة الأقوام داء # فأنتم تحسنون إذا ملكتم # وبعض القوم إن ملكوا أساؤوا # هم أرض لأرجلكم وأنتم # لأيديكم وأرجلهم سماء # فقلت له: كم أعطى عليها؟ قال: عشرين ألفا. # خزيمة وعكرمة الفياض # كان في أيام خلافة سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد مشهور ~~بالمروءة والكرم والمواساة، وكانت نعمته وافرة، فلم يزل على تلك الحالة من الكرم حتى ~~احتاج إلى إخوانه الذين كان يؤاسيهم ويتفضل عليهم، فآسوه حينا ثم ملوه، فلما لاح ~~منهم ذلك أتى امرأته وقال لها: يا ابنة العم رأيت من إخواني غير ما عهدته فيهم وقد عزمت ~~على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت، ثم إنه أغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد ~~جميعه وبقي حائرا في أمره، وكان يومئذ عكرمة الفياض واليا على الجزيرة. فبينما هو ~~جالس في ديوانه وعنده جماعة من أهل البلد من معارفه إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر، فسألهم ~~عكرمة عن حاله فقالوا له: إنه في أشقى حال من الفقر وقد أغلق بابه ولزم بيته، فقال ~~عكرمة الفياض: أفما وجد خزيمة بن بشر مواسيا أو مكافيا، فقالوا له: لا، فأمسك عكرمة ~~عن ذلك، وكان بمنزلة عظيمة من الكرم وسمي الفياض لزيادة كرمه وجوده، فانتظر إلى الليل ~~وعمد إلى أربعة آلاف دينار جعلها في كيس ثم ركب دابته وخرج سرا من عند أهله لا يصحبه ~~إلا غلام واحد يحمل المال، فلم يزل سائرا حتى وصل إلى باب خزيمة، فنزل عن دابته إلى ~~ناحية وأمسكها لغلامه وأخذ منه الكيس وأتى به وحده إلى الباب وقرعه، فخرج خزيمة فقال له ~~عكرمة وقد أنكر صوته: خذ هذا أصلح به شأنك، فتناوله خزيمة فرآه ثقيلا فوضعه وقبض على ~~ذيل عكرمة وقال له: أخبرني من أنت جعلت فداك؟ فقال له عكرمة: ما جئتك في مثل هذا الوقت ~~وأريد أن تعرفني، فقال له خزيمة: والله لا أقبله ما لم تخبرني من أنت، فقال له عكرمة: ~~أنا ms091 جابر عثرات الكرام، فقال خزيمة: زدني إيضاحا، فقال له عكرمة: لا والله، وانصرف، ~~فدخل خزيمة بالكيس إلى امرأته وقال له: أبشري فقد أتى الله بالفرج فقومي أسرجي، فقالت: ~~لا سبيل إلى السراج لأنه ليس لنا زيت، فبات خزيمة يلمس الكيس فيجد خشونة الدنانير، ولما ~~رجع عكرمة إلى منزله سألته امرأته فيم خرج بعد هدأة من الليل منفردا، فأجابها: ما كنت ~~لأخرج في وقت كذا وأريد أن يعلم أحد بما خرجت إليه إلا الله فقط، فقالت له: لا بد لي أن ~~أعلم ذلك، وصاحت وناحت وألحت عليه بالطلب، فلما رأى أنه ليس له بد قال لها: أخبرك ~~بالأمر فاكتميه إذا، قالت له: قل ولا تبال بذلك، فأخبرها بالقصة على وجهها، أما ما كان ~~من خزيمة فإنه لما أصبح صالح غرماءه وأصلح شأنه وتجهز للسفر يريد الخليفة سليمان بن عبد ~~الملك، فدخل الحاجب وأخبر سليمان بوصول خزيمة بن بشر، وكان سليمان يعرفه جيدا بالمروءة ~~والكرم فأذن له، فلما دخل خزيمة وسلم عليه بالخلافة قال له سليمان: يا خزيمة ما أبطأك ~~عنا، قال: سوء الحال يا أمير المؤمنين، قال: فما منعك النهضة إلينا، قال خزيمة: ضعفي يا ~~أمير المؤمنين وقلة ما بيدي، قال: فكم أنهضك الآن، قال خزيمة: لم أشعر يا أمير المؤمنين ~~بعد هدأة من الليل إلا والباب يطرق فخرجت فرأيت شخصا وكان منه كيت وكيت، وأخبره ~~بقصته من أولها إلى آخرها، فقال له: أما عرفته، فقال خزيمة: ما سمعت منه يا أمير ~~المؤمنين إلا حين سألته عن اسمه قال: أنا جابر عثراث الكرام، فتلهف سليمان بن عبد ~~الملك على معرفته وقال: لو عرفناه لكافأناه على مروءته، ثم قال: علي بالكاتب فحضر إليه، ~~فكتب لخزيمة الولاية على الجزيرة وجميع عمل عكرمة وأجزل له العطاء وأحسن ضيافته، وأمره ~~بالتوجه من وقته إلى الولاية فقبل الأرض خزيمة وتوجه من ساعته إلى الجزيرة، فلما قرب ~~منها خرج عكرمة وكان قد بلغه عزله وأقبل لملاقاة خزيمة مع جميع أعيان البلد، وسلموا ~~عليه وساروا جميعا إلى أن ms092 دخلوا به البلد، فنزل خزيمة في دار الإمارة وأمر أن يؤخذ ~~عكرمة ويحاسب، فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه جزية منه، فقال له عكرمة: والله ما إلى ~~درهم منه سبيل ولا عندي منه دينارا، فأمر خزيمة بحبسه وأرسل يطالبه بالمال، فأرسل ~~عكرمة يقول له: إني لست ممن يصون ماله بعرضه فاصنع ما شئت، فأمر خزيمة بقيده وضربه، ~~فكبل بالحديد وضرب وضيق عليه، فأقام كذلك شهرا فأضناه ذلك وأضر به، فبلغ امرأته ضره ~~فجزعت لذلك واغتمت غما شديدا، فدعت جارية لها ذات عقل وقالت لها: اذهبي الساعة إلى ~~باب خزيمة وقولي للحاجب: إن عندي نصيحة للأمير فإذا طلبها منك فقولي: لا أقولها إلا ~~للأمير خزيمة، فإذا دخلت عليه فسليه الخلوة فإذا فعل فقولي له: ما كان هكذا جزاء جابر ~~عثرات الكرام منك بمكافأتك له بالضيق والحبس والحديد ثم بالضرب، ففعلت جاريتها ذلك، ~~فلما سمع خزيمة قولها قال: واسوأتاه جابر عثرات الكرام غريمي، قالت: نعم، فأمر لوقته ~~بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس متغيرا وقد ~~أضناه الضر، فلما نظر عكرمة إلى خزيمة ووجوه أهل البلد أحشمه ذلك فنكس رأسه، فأقبل ~~خزيمة وأكب على رأسه فقبله، فرفع عكرمة رأسه وقال: ما أعقب هذا منك، قال خزيمة: كريم ~~فعالك بسوء مكافأتي، فقال له عكرمة: يغفر الله لنا ولك، ثم إن خزيمة أمر بقيوده أن تفك ~~وأن توضع في رجليه نفسه، فقال له عكرمة: ما مرادك بذلك، قال مرادي أن ينالني من الضر ما ~~نالك، فقال له عكرمة: أقسم عليك بالله أن لا تفعل، وبعد ذلك خرجا جميعا وجاء إلى دار ~~خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يمكنه من ذلك، ثم أمر خزيمة بالحمام فأخلي ~~ودخلا جميعا، وقام خزيمة نفسه فتولى خدمة عكرمة، ثم خرج فخلع عليه وحمل إليه مالا ~~كثيرا وسأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، وكان يومئذ في ~~الرحلة، فسار معه حتى قدما على سليمان، فدخل الحاجب وأخبره بقدوم خزيمة بن ms093 بشر، فراعه ~~ذلك وقال في نفسه: والي الجزيرة يقدم علينا بدون أمرنا مع قرب العهد به، ما هذا إلا ~~لحادث عظيم، فلما دخل عليه قال: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين، قال: ~~فما أقدمك، قال: يا أمير المؤمنين إني ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت ~~من شوقك إلى رؤيته، قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض، فأذن له في الدخول فدخل وسلم عليه ~~بالخلافة، فرحب به وأدناه من مجلسه وقال له: اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة، فكتبها ~~فقضيت على أتم وجه، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار وأضاف له شيئا كثيرا من التحف والظرف ~~وولاه على الجزيرة وإرمينية وما جاورهما، وقال له: أمر خزيمة بيدك إن شئت عزلته، قال: ~~بل رده إلى عمله مكرما يا أمير المؤمنين، ثم إنهما انصرفا جميعا ولم يزالا عاملين ~~لسليمان مدة خلافته. # المرأة الكريمة # بينما كان عبد الله بن عباس قادما من الشام يقصد الحجاز عرج على منزل فطلب من غلمانه ~~طعاما فلم يجدوا، فقال لوكيله: اذهب في هذه البرية فلعلك تجد راعيا أو حيا فيه لبن ~~أو طعام، فمضى بالغلمان فوقعوا على عجوز في حي، فقالوا لها: عندك طعام نبتاعه، قالت: ~~أما طعام البيع فلا، ولكن عندي ما يكفيني وأولادي، قالوا: فأين أولادك؟ قالت: في رعي ~~لهم وهذا أوان عودتهم، قالوا: فما أعددت لك ولهم؟ قالت: خبزة مبتلة بالماء، قالوا: وما ~~هو غير ذلك؟ قالت: لا شيء، قالوا: فجودي لنا بشطرها، فقالت: أما الشطر فلا أجود به وأما ~~الكل فخذوه، فقالوا لها: تمنعين النصف وتجودين بالكل، فقالت: نعم؛ لأن إعطاء الشطر ~~نقيصة وإعطاء الكل كمال وفضيلة، فإني أمنع ما يضعني وأمنح ما يرفعني، فأخذوها ولم ~~تسألهم من هم ولا من أين جاءوا، فلما وصلوا إلى عبد الله وأخبروه بخبرها عجب من ذلك، ثم ~~قال لهم: احملوها إلي الساعة فرجعوا إليها، وقالوا لها: انطلقي معنا إلى صاحبنا فإنه ~~يريدك، فقالت: ومن صاحبكم، قالوا: عبد الله بن عباس، قالت: هو ms094 والله عنوان الشرف وأسماه ~~فما يريد مني، قالوا: مكافأتك، قالت: أواه والله لو كان ما فعلت معروفا ما أخذت له ~~بدلا فكيف وهو يجب على الخلق أن يشارك فيه بعضهم بعضا، فلم يزالوا بها حتى أخذوها ~~إليه، فسلمت عليه فرد عليها السلام، وقرب مجلسها ثم قال لها: ممن أنت؟ قالت: من بني ~~كلب، قال: فكيف حالك؟ قالت: أسهر اليسير وأهجع أكثر الليل وأرى قرة العين في شيء، فلم ~~يكن من الدنيا شيء إلا وقد وجدته، قال: فما ادخرت لبنيك إذا حضروا، قالت: أدخر لهم ما ~~روي عن حاتم طيء حيث قال: # ولقد أبيت على الطوى وأظله # حتى أنال به كريم المأكل # فازداد عبد الله تعجبا، وقال: لو جاءك بنوك وهم جياع ما كنت تصنعين؟ قالت: يا هذا ~~لقد عظمت عندك هذه الخبزة حتى أشغلت بها بالك، دع عنك هذا فإنه يفسد النفس ويؤثر في ~~العواطف، فقال عبد الله: علي بأولادها فأحضروهم فلما دنوا منه رأوا أمهم وسلموا، ~~فأدناهم إليه وقال: إني لم أطلبكم وأمكم لمكروه، وإنما أحب أن أصلح من شأنكم، فقالوا: ~~إن هذا قل أن يكون إلا عن سؤال أو مكافأة لفعل قديم، فقال: ليس شيء من ذلك ولكن ~~جاورتكم الليلة فوددت وضع شيء من مالي عندكم، قالوا: يا هذا نحن في خفض عيش وكنان من ~~الرزق فوجهه نحو من يستحق، وإن أردت النوال مبتدئا من غير سؤال فتقدم فمعروفك مشكور ~~وبرك مقبول، فقال: نعم هو ذاك، وأمر لهم بعشرة آلاف درهم وعشرين ناقة، فقالت العجوز ~~لأولادها: لقل كل واحد منكم شيئا وأنا أتبعكم في شيء منه، فقال الأكبر: # شهدت عليك بطيب الكلام # وطيب الفعال وطيب الخبر # وقال الأوسط: # تبرعت بالجود قبل السؤال # فعال عظيم كريم الخطر # وقال الأصغر: # وحق لمن كان ذا فعله # بأن يسترق رقاب البشر # وقالت العجوز: # فعمرك الله من ماجد # ووقيت كل الردى والحذر # جود ملك # قيل: إن الملك خسرو بن برويز كان يحب أكل السمك وكان يوما جالسا في المنظرة وشيرين ~~عنده فجاءه صياد ms095 وعنده سمكة كبيرة، وأهداها لخسرو ووضعها بين يديه، فأمر له بأربعة ~~آلاف درهم، فقالت شيرين : بئس ما صنعت، فقال الملك: لم؟ فقالت: لأنك إذا أعطيت بعد هذا ~~لأحد من حشمك هذا القدر قال: قد أعطاني مثل عطية الصياد، قال: لقد صدقت ولكن يقبح ~~بالملوك أن يرجعوا في هباتهم وقد فات الأمر، فقالت شيرين: أنا أدبر هذا الحال، فقال: ~~وكيف ذلك؟ فقالت: تدعو الصياد وتقول له: هذه السمكة ذكر هي أم أنثى؟ فإن قال: ذكر، ~~فقل: إنما طلبت أنثى، وإن قال: أنثى، فقل: إنما طلبت ذكرا، فنودي الصياد فعاد، وكان ~~الصياد ذا ذكاء وفطنة، فقال له خسرو: هذه السمكة ذكر أم أنثى، فقبل الصياد الأرض وقال ~~له: هذه السمكة خنثى لا ذكر ولا أنثى، فضحك خسرو من كلامه وأمر له بأربعة آلاف درهم؛ ~~فمضى الصياد إلى الخازن وقبض منه ثمانية آلاف درهم ووضعها في جراب كان معه وحملها على ~~عنقه وهم بالخروج فوقع من الجراب درهم واحد، فوضع الصياد الجراب عن كاهله وانحنى على ~~الدرهم فأخذه والملك وشيرين ينظران إليه، فقالت شيرين لخسرو: أرأيت خسة هذا الرجل ~~وسفالته سقط منه درهم واحد، فألقى عن كاهله وانحنى على الدرهم فأخذه ولم يسهل عليه أن ~~يتركه ليأخذه غلام من غلمان الملك، فحرد خسرو من ذلك وقال: صدقت يا شيرين، ثم أمر ~~بإعادة الصياد وقال له: يا ساقط الهمة لست بإنسان وضعت هذا المال عن عنقك لأجل درهم ~~واحد وأسفت أن تتركه في مكانه، فقبل الصياد الأرض، وقال: أطال الله بقاءك أيها الملك ~~إنني لم أرفع ذلك الدرهم لخطره عندي وإنما رفعته عن الأرض لأن على وجهه صورة الملك وعلى ~~الوجه الآخر اسم الملك، فخيشت أن يأتي أحد بغير علم يضع عليه قدميه فيكون ذلك ~~استخفافا باسم الملك وأكون أنا المؤاخذ بهذا، فعجب خسرو من كلامه واستحسن ما ذكره فأمر ~~له بأربعة آلاف درهم، فعاد الصياد ومعه اثنا عشر ألف درهم، وأمر خسرو مناديا ينادي لا ~~يتدبر أحد برأي النساء، فإنه من تدبر برأيهن ms096 خسر درهمه. # الوفاء والفضل والمعروف عند بعض الكرماء # بينما كان عمر بن الخطاب جالسا في بعض الأيام وعنده أكابر الصحابة، وأهل الرأي ~~والإهابة، وهو في القضايا يحكم بين الرعايا، إذ أقبل عليه شاب من أحسن الشباب، نظيف ~~الأثواب، يكتنفه شابان من أحسن الشباب أيضا، وقد جذباه وسحباه، وأوقفاه بين يدي أمير ~~المؤمنين ولبياه، فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهما وإليه، فقالا: يا أمير المؤمنين ~~نحن أخوان شقيقان، جديران باتباع الحق حقيقان كان لنا أب شيخ كبير، حسن التدبير، معظم ~~في قبائله، منزه عن رذائله، معروف بفضائله، ربانا صغارا، وأولادنا مننا غزارا، كما ~~قيل في المعنى: # لنا والد لو كان للناس مثله # أب آخر أغناهم بالمناقب # فخرج اليوم إلى حديقة له يتنزه في أشجارها، ويقتطف يانع أثمارها، فقتله هذا الشاب، ~~وعدل عن طريق الصواب، فنسألك القصاص عما جناه، والحكم فيه بما أمرك الله، فنظر عمر إلى ~~الشاب، وقال له: قد سمعت فما الجواب، والغلام مع ذلك ثابت الجنان، خال عن الاستيحاش، ~~فخلع ثياب الهلع ونزع لباس الجزع، فتبسم عن مثل الجمان وتكلم بأفصح لسان وحيا بكلمات ~~حسان، ثم قال: يا أمير المؤمنين، والله لقد وعيا فيما أدعياه وصدقا فيما نطقا وأخبرا ~~بما جرى وعبرا عم طرا، وسأنهي قصتي بين يديك والأمر فيها إليك، اعلم أني عريم من العرب ~~العرباء نبت في منازل البادية وصحبت أسود السنين العادية، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد ~~بالأهل والمال والولد، فأفضت بي بعض طرائقها إلى المسير بين حدائقها نياق إلي حبيبات ~~علي عزيزات بينهن فحل كريم الأصل، كثير النسل، مليح الشكل، حسن النتاج، يمشي بينهن ~~كأنه ملك عليه تاج، فدنت النوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط شجرها، فتناولتها بمشفرها، ~~فطردتها عن تلك الحديقة فإذا شيخ قد ظهر، وتسور الحائط وزفر، وفي يده اليمنى حجر، ~~يتمادى كالليث إذا خطر، فضرب الفحل بذاك الحجر فأصابه فقتله وأباده، فلما رأيت الفحل ~~سقط إلى جنبه وانقلب، وتوقدت في جمرات الغضب، فتناولت ذلك الحجر بعينه فضربته به، ~~فكان سبب حتفه ms097 ولقي سوء منقلبه، المرء مقتول بما قتل به، بعد أن صاح صيحة عظيمة، وصرخ ~~صرخة أليمة، فأسرعت هاربا من مكاني، فلم أكن بأسرع من هذين الشابين فأمسكاني، وأحضراني ~~كما تراني، قال عمر: وقد اعترفت، بما اقترفت، ويعذر الخلاص ووجب القصاص، ولات حين مناص، ~~فقال الشاب سمعا وطوعا لما حكم الإمام، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام، ولكن لي أخ ~~صغير كان له أب خبير، خصه قبل وفاته بمال جزيل، وذهب جليل، وأحضره بين يدي، وسلم أمره ~~إلي، وأشهد الله علي، وقال: هذا لأخيك عندك، فاحفظه جهدك، فاتخدت لذلك مدفنا، ~~ووضعته فيه ولا يعلم بذلك أحد إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي ذهب الذهب، وكنت أنت السبب ~~وطالبك الصغير بحقه، يوم يقضي الله بين خلقه، وإن انتظرتني ثلاثة أيام أقمت من يتولى ~~أمر الغلام، وعدت وافيا بالذمام، ولي من يضمنني على هذا الكلام، فأطرق عمر ساعة ثم نظر ~~إلى من حضر، وقال: من يقوم على ضمانه، والعود إلى مكانه، فنظر الغلام إلى وجوه أهل ~~المجلس الناظرين، وأشار إلى أبي ذر دون الحاضرين وقال هذا يكفلني، وهو الذي يضمنني، ~~فقال عمر: أتضمنه يا أبا ذر على هذا الكلام؟ قال: نعم أضمنه إلى ثلاثة أيام، فرضي ~~الشابان بضمان أبي ذر، وانتظراه ذلك القدر، فلما انقضت مدة الإمهال وكان وقتها يزول أو ~~زال، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة حوله كالنجوم حول القمر، وأبو ذر قد حضر، ~~والخصم ينتظر، فقال: أين الغريم يا أبا ذر وكيف يرجع من قد فر؟ فلا تبرح من مكاننا، ~~حتى تفي بضماننا، فقال أبو ذر: وحق الملك العلام، إن انقضى تمام الأيام، ولم يحضر ~~الغلام، وفيت بالضمان، وأسلمت لنفسي وبالله المستعان، فقال عمر: والله إن تأخر الغلام ~~لأفعلن في أبي ذر ما اقتضته شريعة الإسلام، فهملت عبرات الحاضرين، وأرفضت زفرات ~~الناظرين، وعظم الضجيج وتزايد الكلام، فعرض كبار الصحابة على الشابين أخذ الدية، لكف ~~الأذية، فأصرا على عدم القبول، وأبيا إلا الأخذ بثأر المقتول، فبينما الناس يموجون ~~تلهفا لما مر، ويصيحون ms098 تأسفا على أبي ذر، إذ أقبل الغلام، ووقف بين يدي الإمام وسلم ~~عليه أتم سلام ، ووجهه يتهلل مشرقا، ويتكلل عرقا، وقال: قد أسلمت الصبي إلى أخوالي، ~~وأطلعتهم على مكان مالهم وأموالي ثم اقتحمت هاجرات الحر، ووفيت وفاء الحر الأغر، فعجب ~~الناس من صدقه ووفائه وإقدامه على الموت واجترائه، فقال: من غدر لم يعف عنه من قدر، ومن ~~وفى رحمه الطالب وعفاه وتحققت أن الموت إذا حضر لم ينج منه احتراس، وبادرت كي لا يقال ~~ذهب الوفاء من الناس، فقال أبو ذر: والله يا أمير المؤمنين لقد ضمنت هذا الغلام ولم ~~أعلم من أي قوم، ولا رأيته قبل ذلك اليوم، ولكنه نظر إلى من حضر فقصدني وقال: هذا ~~يضمنني فلم أستحسن رده، وأبت المروءة أن تخيب قصده إذ ليس في القصد من بأس، كي لا يقال ~~ذهب الفضل من الناس، فقال الشابان عند ذلك: يا أمير المؤمنين قد وهبنا لهذا الغلام دم ~~أبينا فلتبدل وحشته بإيناس، كي لا يقال ذهب المعروف من الناس، فاستبشر الإمام بالعفو عن ~~الغلام وعجب من صدقه ووفائه واستغزر مروءة أبي ذر دون جلسائه واستحسن اعتماد الشابين في ~~اصطناع المعروف، وأثنى عليهما أحسن ثناء وتمثل بهذا البيت: # من يصنع الخير لم يعدم جوائزه # لا يذهب العرف بين الله والناس # ثم عرض عليهما أمير المؤمنين أن يصرف لهما من بيت المال دية أبيهما فقالا: يا أمير ~~المؤمنين إنما عفونا عنه ابتغاء لوجه الله، ومن نيته كذا، لا يتبع إحسانه من ولا ~~أذى. # مرثية أبي الحسن الأنباري للوزير أبي طاهر # لما استعرت الحرب بين عز الدولة ابن بويه وابن عمر عضد الدولة ظفر عضد الدولة بوزير ~~عز الدولة أبي طاهر محمد بن بقية، فسلمه وشهره وعلى رأسه برنس، ثم طرحه للفيلة فقتلته، ~~ثم صلبه عند داره بباب الطاق وعمره نيف وخمسون سنة، ولما صلب رثاه أبو الحسن محمد بن ~~عمران يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد بهذه القصيدة الغراء، فلما وقف عليها عضد ~~الدولة قال: وددت لو أني المصلوب وتكون ms099 هذه القصيدة في: # علو في الحياة وفي الممات # لحق تلك إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا # وفود نداك أيام الصلات # كأنك قائم فيهم خطيبا # وكلهم قيام للصلاة # مددت يديك نحوهم احتفاء # كمدهما إليهم بالهبات # ولما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الوفاة # أصاروا الجو قبرك واستعاضوا # عن الأكفان ثوب الساقيات # لعظمك في النفوس بقيت ترعى # بحراس وحفاظ ثقات # وتوقد حولك النيران ليلا # كذلك كنت أيام الحياة # ركبت مطية من قبل زيد # علاها في السنين الماضيات # وتلك قضية فيها تأس # تباعد عنك تعيير العداة # ولم أر قبل جزعك قط جزعا # تمكن من عناق المكرمات # أسأت إلى النوائب فاستثارت # فأنت قتيل ثأر النائبات # وصير دهرك الإحسان فيه # إلينا من عظيم السيئات # وكنت لمعشر سعدا فلما # مضيت تفرقوا بالمنحسات # غليل باطن لك في فؤادي # يخفف بالدموع الجاريات # ولو أني قدرت على قيام # بفرضك والحقوق والواجبات # ملأت الأرض من نظم القوافي # ونحت بها خلاف النائحات # ولكني أصبر عنك نفسي # مخافة أن أعد من الجناة # وما لك تربة فأقول نسقي # لأنك نصب هطل الهاطلات # عليك تحية الرحمن تترى # برحمات غواد رائحات # وقال فيه حين أنزل عن الصليب: # لم يلحقوا بك عارا إذ صلبت بلى # باءوا باسمك ثم استرجعوا ندما # وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا # وأنهم نصبوا من سؤدد علما # فاسترجعوك وواروا منك طود علا # بدفنه ودفنوا الأفضال والكرما # لئن بليت فلا يبلى نداك ولا # تنسى وكم هالك ينسى إذا قدما # تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما # ما زال مالك بين الناس يقتسما # جود عبيد الله بن العباس # من جوده أنه أتاه رجل وهو في داره فوقف بين يديه، وقال: يا ابن عباس، إن لي عندك يدا ~~وقد احتجت إليها، فنظر إليه عبيد الله وأحدق فيه بصره فلم يعرفه فقال: ما يدك عندنا، ~~قال: رأيتك واقفا بزمزم وغلامك يملأ من مائها والشمس ضربت أشعتها عليك فظللتك بطرف ~~كسائي حتى شربت، فقال: نعم إني أذكر لك ذلك، ثم قال لغلامه: ما عندك، قال: ms100 مائتا دينار ~~وعشرة آلاف درهم، قال: ادفعها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا. # علي بن أبي طالب والأعرابي # كان علي بن أبي طالب رضى الله عنه يقول: من كان له إلي حاجة فليرفعها لي في كتاب ~~لأصون وجهه عن المسألة، ففي ذات يوم جاء أعرابي فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك ~~حاجة يمنعني من ذكرها الحياء، فقال: خطها في الأرض، فكتب: «إني فقير»، فقال: يا قنبر ~~اكسه حلتي، فقال الأعرابي: # كسوتني حلة تبلى محاسنها # فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا # إن نلت حسن الثنا قد نلت مكرمة # وليس تبغي بما قدمته بدلا # إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه # كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا # لا تزهد الدهر في عرف بدأت به # كل امرئ سوف يجزى بالذي فعلا # فقال: يا قنبر زده مائة دينار، فقال: يا أمير المؤمنين لو فرقتها على الناس لأصلحت ~~بها من شأنهم، فقال: رضي الله عنه: مه يا قنبر، فإني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: يقول ~~«اشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فاكرموه». # ابن عامر والرجل # أراد ابن عامر أن يكتب لرجل بخمسين ألف درهم فجرى القلم بخمسمائة ألف درهم فراجعه ~~الخازن في ذلك فقال: أنفذه فما بقي إلا نفاذه فإن خروج المال أحب إلي من الاعتذار، ~~فنظر إليه الخازن، فقال: إذا أراد الله بعبد خيرا صرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى ~~إرادته، وأنا أردت شيئا وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة ~~الله الغالبة وأمره النافذ. # خالد بن يزيد والشاعر # قصد شاعر خالد بن يزيد فأنشده شعرا يقول فيه: # سألت الندى والجود حران أنتما # فقالا يقينا إننا لعبيد # فقلت ومن مولاكما فتطاولا # إلي وقالا خالد ويزيد # فقال: يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك فأنشد يقول: # كريم كريم الأمهات مهذب # تدفق يمناه الندى وشمائله # هو البحر من أي الجهات أتيته # فلجته المعروف والجود ساحله # جواد بسيط الكف حتى لو أنه # دعاها لقبض لم تجبه ms101 أنامله # فقال: يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فأنشد: # تبرعت لي بالجود حتى نعشتني # وأعطيتني حتى حسبتك تلعب # وأنبت ريشا في الجناحين بعدما # تساقط مني الريش أو كاد يذهب # فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى # حليف الندى ما للندى عنك مذهب # فقال: يا غلام أعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فقال: حسب الأمير ما سمع ~~وحسبي ما أخذت وانصرف. # خالد بن عبيد الله وأحد الشعراء # قدم أحد الشعراء على خالد بن عبيد الله وهو راكب للغزو، فقال له: قد قلت فيك بيتين من ~~الشعر، قال: أنشدنيهما فقال: # يا واحد العرب الذي # ما في الأنام له نظير # لو كان مثلك آخر # ما كان في الدنيا فقير # فقال: يا غلام أعطه عشرين ألف دينار فأخذها وانصرف. # بذل الدراهم لجمع الدرهمين # دخل رجل على المهدي وامتدحه، فأمر له بخمسين ألف درهم فسأله أن يأذن له في تقبيل يده، ~~فأذن له فقبلها وخرج، فما انتهى إلى الباب حتى فرق المال بأسره فعوتب على ذلك فاعتذر ~~وأنشد يقول: # لمست بكفي كفه أبتغي الغنى # ولم أدر أن الجود من كفه بعدي # حسن الوفاء # كان الوزير محمد المهلبي قبل اتصاله بالسلطان ركيك الأحوال فسافر متطلبا ما يسد به ~~أوده واشتهى اللحم يوما ولم يكن عنده درهم يشتري به لحما فأنشأ متأسفا يقول: # ألا موت يباع فأشتريه # يخلصني من الأمر الكريه # ألا موت لذيذ الطعم يأتي # فهذا العيش ما لا خير فيه # إذا أبصرت قبرا من بعيد # وددت لو أنني ممن يليه # فسمعه رفيق كان معه فرق له واشترى له بدرهم ما سد رمقه وحفظ الأبيات وتفارقا فراق ~~الزمان، ثم بعد مدة قصد رفيقه ببغداد وكتب للوزير برقعة بعثها إليه: # ألا قل للوزير فدته نفسي # فقال مذكرا ما قد نسيه # أتذكر إذ تقول لضنك عيش # ألا موت يباع فاشتريه # فلما وقف الوزير على ذلك بعث للرجل بسبعمائة درهم وكتب له على الرقعة: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل ms102 حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة ~~حبة ~~(البقرة: 261) ثم دعاه وخلع عليه وقربه إليه. # ابن العباس وعمر بن الخطاب # ذكر ابن العباس، قال: خرجت ليلة حالكة قاصدا دار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه، فما وصلت إلى نصف الطريق إلا ورأيت شخصا أعرابيا جذبني بثوبي وقال: الزمني ~~يا عباس، فتأملت الأعرابي فإذا هو أمير المؤمنين عمر وهو متنكر، فتقدمت إليه وسلمت عليه ~~وقلت له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد جولة بين أحياء العرب في هذا الليل ~~الدامس، فتبعته فسار وأنا وراءه وجعل يجول بين خيام الأعراب وبيوتهم ويتأملها إلى أن ~~أتينا على جميعها، وأوشكنا أن نخرج منها فنظرنا، وإذا هناك خيمة وفيها امرأة عجوز ~~وحولها صبية يعولون عليها ويبكون وأمامها قدر تشتعل من تحتها النار وهي تقول للصبية: ~~رويدا رويدا بني قليلا ينضج الطعام فتأكلون، فوقفنا بعيدا من هناك وجعل عمر يتأمل ~~العجوز تارة وينظر إلى الأولاد أخرى. # ولما طال الوقت، قلت: يا أمير المؤمنين ما الذي يوقفك سر بنا، فقال: والله لا أبرح ~~حتى أراها قد صبت للصبية فأكلوا واكتفوا، فوقفنا وقد طال وقوفنا جدا ومللنا المكان ~~خوفا من أن تستريب بنا العيون، والصبية لا يزالون يصرخون ويبكون والعجوز تقول لهم ~~مقالتها: «رويدا رويدا بني قليلا ينضج الطعام فتأكلون»، فقال لي عمر: ادخل بنا ~~عندها نسألها فدخل ودخلت وراءه، فقال لها: السلام عليك يا خالة، فردت عليه السلام أحسن ~~رد، فقال: ما بال هؤلاء الصبية يتصارخون ويبكون؟ فقالت له: لما هم فيه من الجوع، فقال ~~لها: ولم لم تطعميهم مما في القدر، فقالت له: وماذا في القدر لأطعمهم؟ ليس هو إلا ~~علالة فقط إلى أن يضجروا من العويل فيغلبهم النوم، وليس لي شيء لأطعمهم، فتقدم عمر إلى ~~القدر ونظرها، فإذا فيها حصى وعليها الماء يغلى فتعجب من ذلك وقال لها: ما المراد بذلك، ~~فقالت: أوهمهم أن فيها شيئا يطبخ فيؤكل فأعللهم به حتى إذا ضجروا وغلب النوم عيونهم ~~ناموا، فقال لها: ولماذا أنت ms103 هكذا؟ فقالت له: أنا مقطوعة لا أخ لي ولا زوج ولا قرابة، ~~فقال لها: لم لم تعرضي أمرك على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فيجعل لك شيئا من بيت ~~المال، فقالت له: لا حيا الله عمر ونكس أعلامه والله إنه ظلمني. # فلما سمع مقالتها ارتاع من ذلك وقال لها: يا خالة بماذا ظلمك عمر بن الخطاب، قالت له: ~~نعم والله ظلمنا، إن الراعي عليه أن يفتش عن كل حال من رعيته لعله يوجد فيها من هو مثلي ~~ضيق اليد كثير الصبية ولا معين ولا مساعد له فيتولى لوازمه، ويسمح له من بيت المال بما ~~يقوته وعياله أو صبيته، فقال لها: ومن يعلم عمر بحالك وما أنت به من الفاقة مع كثرة ~~الصبية؟ كان يجب عليك أن تتقدمي وتعلميه، فقالت: لا والله إن الراعي الحر يجب عليه أن ~~يفتش عن احتياجات رعيته خصوصا وعموما، فلعل ذلك الشخص الفقير الحال الضيق اليد غلبه ~~حياؤه ومنعه من التقدم إلى راعيه ليعلمه بحاله، فعلى عمر السؤال عن حال فقراء رعيته ~~أكثر من تقدم الفقير إلى مولاه لإعلامه بحاله، والراعي الحر إذا أهمل ذلك فيكون هذا ~~ظلما منه، وهذه سنة الله ومن تعداها فقد ظلم، فعند ذلك، قال لها عمر: صدقت يا خالة ~~ولكن عللي الصبية والساعة آتيك. # ثم خرج وخرجت معه وكان قد بقي من الليل ثلثه الأخير، فمشينا والكلاب تنبحنا وأنا ~~أطردها وأذبها عني وعنه إلى أن انتهينا إلى بيت الذخيرة، ففتحه وحده ودخله وأمرني فدخلت ~~معه فنظر يمينا وشمالا فعمد إلى كيس من الدقيق يحتوي على مائة رطل وينيف، فقال لي: يا ~~عباس حول على كتفي، فحملته إياه، ثم قال لي: احمل أنت هاتيك جرة السمن، وأشار إلى ~~جرة هناك، فحملتها وخرجنا، وأقفل الباب وسرنا وقد انهار من الدقيق على لحيته وعينيه ~~وجنبيه فمشينا إلى أن أنصفنا، وقد أتعبه الحمل لأن المكان كان بعيد مسافة، فعرضت نفسي ~~عليه وقلت له: بأبي وأمي يا أمير المؤمنين حول الكيس عنك ودعني أحمله، فقال: لا ms104 والله ~~أنت لا تحمل عني جرائمي وظلمي يوم الدين، واعلم يا عباس أن حمل جبال الحديد وثقلها خير ~~من حمل ظلامة كبرت أو صغرت ولا سيما هذه العجوز تعلل أولادها بالحصى، يا له من ذنب عظيم ~~عند الله، سر بنا وأسرع يا عباس قبل أن تضجر الصبية من العويل فيناموا كما ~~قالت. # فسار وأسرع وأنا معه وهو يلهث من التعب إلى أن وصلنا خيمة العجوز، فعند ذلك حول كيس ~~الدقيق عن كتفه ووضعت جرة السمن أمامه، فتقدم هو بذاته وأخذ القدر وأكب ما فيها ووضع ~~فيها السمن وجعل بجانبه الدقيق ثم نظر فإذا النار قد كادت تطفأ، فقال للعجوز: أعندك ~~حطب، قالت: نعم يا بني، وأشارت له إليه، فقام وجاء بقليل منه، وكان الحطب أخضر فوضع منه ~~في النار ووضع القدر على الأثافي وجعل ينكس رأسه إلى الأرض وينفخ بفمه تحت القدر، ~~فوالله إني رأيت دخان الحطب يتصاعد من خلال لحيته وقد كنس بها الأرض، إذ كان يطأطئ رأسه ~~ليتمكن من النفخ، ولم يزل هكذا حتى اشتعلت النار وذاب السمن وابتدأ غليانه فجعل يحرك ~~السمن بعود في يده الواحدة ويخلط من الدقيق مع السمن في يده الأخرى إلى أن أنضج والصبية ~~حوله يتصارخون، فلما طاب الطعام طلب من العجوز إناء فأتته به فجعل يصب الطبيخ في الإناء ~~وهو ينفخه بفمه ليبرده ويلقم الصغار، ولم يزل يفعل هكذا معهم واحدا بعد واحد حتى أتى ~~جميعهم وشبعوا واكتفوا وقاموا يلعبون ويضحكون مع بعضهم إلى أن غلب عليهم النوم فناموا، ~~فالتفت عمر عند ذلك إلى العجوز، وقال لها: يا خالة أنا من قرابة أمير المؤمنين عمر ~~وسأذكر له حالك، فآتيني غدا صباحا في دار الأمان فتجديني هناك فأرجي خيرا، ثم ودعها ~~وخرج وخرجت معه فقال لي: يا عباس إني حين رأيت العجوز تعلل صبيانها بحصى حسست أن الجبال ~~قد زلزلت واستقرت على ظهري حتى إذا جئت بما جئت وأطعمتهم ما طبخت لهم واكتفوا وجلسوا ~~يلعبون ويضحكون فحينئذ شعرت أن تلك الجبال قد سقطت ms105 عن ظهري، ثم أتى عمر داره وأمرني ~~فدخلت معه وبتنا ليلتنا، ولما كان الصباح أتت العجوز فاستغفرها وجعل لها ولصبيتها ~~راتبا شهرا فشهرا. # المروءة والوفاء # سقط القائد فديرال يوم اشتدت نيران الحرب في فرجينيا أمام صفوف الأعداء مثخنا ~~بالجراح مخضبا بالدماء يصرخ مستغيثا لجرعة ماء، فعطف عليه جندي من عساكر الأعداء اسمه ~~جمس مور من ولاية برك شمالي كارولينا وأتاه بالماء ونيران المدافع وكراتها تتساقط ~~كالأمطار الغزيرة في الفريقين، فأخذ أصحاب جمس يحذرونه من الخطر ويردعونه عن أن يلقي ~~بيده إلى التهلكة، فلم يلتفت إليهم وظل يسرع إلى عدوه المستغيث في معمعة الموت الأحمر ~~حتى بلغ إليه وكأس الماء بيده فسقاه، وكان مع ذلك القائد الصريع ساعة ذهبية فقدمها ~~للمنعم إليه فأبى ذاك أخذها، فسأله القائد فديرال عن اسمه، فقال له: إنه جمس مور، ثم ~~رجع مور إلى مركزه ولم ير أحدهما الآخر بعد ذلك، ثم جرح جمس مور وفقد بعض أعضائه في ~~إحدى وقائع فرجينيا فرجع إلى بيته في ولاية برك، ثم مضى عليه سنين عديدة وفي هذه المدة ~~بلغه خبر من القائد فديرال الذي سقاه كأس الماء في ساحة الحرب أنه وهب له عشرة آلاف ~~دينار جزاء لصنيعه يعطاها مدة أربع سنين أي يعطى كل سنة ألفين وخمسمائة دينار. # المتوكل وعبيد الله بن يحيى # أبطأ عبيد الله بن يحيى عن الديوان، فأرسل إليه المتوكل يتعرف خبره فكتب إليه: # عليل من مكانين # من الإفلاس والدين # ففي هذين لي شغل # وحسبي شغل هذين # فبعث إليه بألف دينار. # المستعطى بالحلم # دخل ابن دعبل على بشر بن مروان لما ولي الكوفة، فقعد بين السماطين ثم قال: أيها ~~الأمير إني رأيت رؤيا فأذن لي في قصها، فقال: قل، فقال: # أغفيت قبل الصبح نوم مسهد # في ساعة ما كنت قبل أنامها # فرأيت أنك جدت لي بوصيفة # موسومة حسن على قيامها # وببدرة حملت إلي وبغلة # شهباء ناجية يصر لجامها # قال له بشر بن مروان: كل شيء رأيت فهو عندي إلا البغلة فإنها دهماء فارغة قال: ms106 صحيح ~~ما تقول إلا أني غلطت. # البطين الشاعر وابن يحيى الأرميني # قال البطين الشاعر: قدمت على ابن يحيى الأرميني فكتبت إليه: # رأيت في النوم أني راكب فرسا # ولي وصيف وفي كفي دنانير # فقال قوم لهم حذق ومعرفة # رأيت خيرا وللأحلام تعبير # رؤياك فسر غدا عند الأمير تجد # تعبير ذاك وفي الغال التباشير # فجئت مستبشرا مستشعرا فرحا # وعند مثلك لي بالفعل تبشير # فوقع لي في أسفل كتابي، أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، ثم أمر لي بكل ~~شيء ذكرته في أبياتي ورأيته في منامي. # التيمي والفضل بن الربيع # دخل التيمي إلى الفضل بن الربيع في يوم عيد فأنشده: # لعمرك ما الأشراف في كل بلدة # وإن عظموا للفضل إلا صنائع # ترى عظماء الناس للفضل خشعا # إذا ما بدا والفضل كله خاشع # تواضع لما زاده الله رفعة # وكل جليل عنده متواضع # فأمر له بعشرة آلاف درهم. # الصانع وصائغ الخليفة # حكي أن رجلا من أبناء الناس كانت له يد في صناعة الصياغة، وكان واحد أهل زمانه، فساء ~~حاله وافتقر بعد غناه، فكره الإقامة في بلده فانتقل إلى بلد آخر، فسأل عن سوق الصاغة ~~فوجد دكانا لمعلم السلطنة وتحت يده صناع كثيرون يعلمون الأشغال للسلطنة، وله سعادة ~~ظاهرة ما بين مماليك وخدم وقماش وغير ذلك، فتوصل الصائغ الغريب إلى أن بقي من أحد ~~الصناع الذين في دكان هذا المعلم، وأقام يعمل عنده مدة، وكلما فرغ النهار دفع له درهمين ~~من فضة وتكون أجرة عمله تساوي عشرة دراهم فيكسب عليه ثمانية دراهم في كل يوم، فاتفق أن ~~الملك طلب المعلم وناوله فردة سوار من ذهب مرصعة بفصوص في غاية من الحسن قد عملت في ~~غير بلاده، كانت في يد إحدى حظاياه فانكسرت، فقال له: الحمها، فأخذها المعلم وقد اضطرب ~~عليه في عملها، فلما أخذها وأراها للصناع الذين عنده وعند غيره، فما قال له أحدهم أنه ~~يقدر على عملها، فازداد المعلم لذلك غما ومضت مدة وهي عنده لا يعلم ما يصنع، فاشتد ~~الملك على إحضارها، وقال: ms107 هذا المعلم نال من جهتنا هذه النعمة العظيمة ولا يحسن أن يلحم ~~سوارا، فلما رأى الصائغ الغريب شدة ما نال المعلم قال في نفسه: هذا وقت المروءات ~~أعملها ولا أؤاخذه ببخله علي وعدم إنصافه، ولعله يحسن إلي بعد ذلك، فحط يده في درج ~~المعلم وأخذها وفك جواهرها وسبكها، ثم صاغها كما كانت ونظم عليها جواهرها، فعادت أحسن ~~مما كانت، فلما رآها المعلم فرح فرحا شديدا، ثم مضى بها إلى الملك فلما رآها استحسنها ~~وادعى المعلم أنها صنعته، فأحسن إليه وخلع عليه خلعة سنية، فجاء وجلس مكانه فبقي الصانع ~~يرجو مكافأته عما عامله به فما التفت إليه المعلم، ولما كان النهار ما زاده على ~~الدرهمين شيئا، فما مضت إلا أيام قلائل وإذا الملك اختار أن يعمل زوجي أساور على تلك ~~الصورة، فطلبه ورسم شكل ما يحتاج إليه وأكد عليه في تحسين الصنعة وسرعة العمل، فجاء إلى ~~الصانع وأخبره بما قال الملك، فامتثل مرسومه ولم يزل منتصبا إلى أن عمل الزوجين وهو لا ~~يزيده شيئا على الدرهمين في كل يوم ولا يشكره ولا يعده بخير ولا يتجبل معه، فرأى ~~المصلحة أن ينقش على زوج منهما أبياتا يشرح فيها حاله ليقف عليها الملك، فنقش في باطن ~~أحدهما هذه الأبيات نقشا خفيا يقول: # مصائب الدهر كفي # إن لم تكفي فعفي # خرجت أطلب رزقي # وجدت رزقي توفي # فلا برزقي أحظى # ولا بصنعة كفي # كم جاهل في الثريا # وعالم متخفي # وعزم الصانع على أنه إن ظهرت الأبيات للمعلم شرح له ما عنده، وإن غم عليه ولم يرها ~~كان ذلك سبب توصله إلى الملك، ثم لفهما في قطن وناولهما للمعلم فرأى ظاهرهما ولم ير ~~باطنهما لجهله بالصنعة، ولما سبق له في القضاء فأخذهما المعلم ومضى بهما فرحا إلى ~~الملك وقدمهما إليه، فلم يشك في أنهما صنعته فخلع عليه وشكره، ثم جاء فجلس مكانه ولم ~~يلتفت إلى الصانع وما زاده في آخر النهار شيئا عن الدرهمين، فلما كان اليوم الثاني خلا ~~خاطر الملك فاستحضر الحظية التي عمل لها ms108 السوارين الذهب، فحضرت وهما في يديها فأخذهما ~~ليعيد نظره فيهما وفي حسن صنعتهما، فقرأ الأبيات فتعجب وقال: هذا شرح حال صانعهما ~~والمعلم يكذب، فغضب عند ذلك وأمر بإحضار المعلم، فلما حضر قال له: من عمل هذين ~~السوارين، قال: أنا أيها الملك، قال فما سبب نقش هذه الأبيات، قال: لم يكن عليهما ~~أبيات، قال: كذبت ثم أراه النقش، وقال: إن لم تصدقني الحق لأضربن عنقك، فأصدقه الحق، ~~فأمر الملك بإحضار الصانع، فلما حضر سأله عن حاله فحكى له قصته وما جرى له مع المعلم، ~~فرسم الملك بعزل المعلم وأن تسلب نعمته وتعطى للصانع وأن يكون عوضا عنه في الخدمة، ثم ~~خلع عليه خلعة سنية وصار مقدما سعيدا، فلما نال هذه الدرجة وتمكن عن الملك تلطف به ~~حتى رضي عن المعلم الأول وصارا شريكين ومكثا على ذلك إلى آخر العمر. # إحسان كريم إلى عدوه # كان بين غسان بن عباد وبين علي بن موسى عداوة عظيمة، وكان علي بن موسى ضامنا أعمال ~~خراج كضياع وغيره، فبقيت عليه بقية مقدار أربعين ألف دينار، فألح عليه المأمون بطلبها ~~وشدد بها إلى أن قال لعلي بن صالح حاجبه، أمهله ثلاثة أيام فإن أحضر المال وإلا فاضربه ~~بالسياط حتى يدفع المال أو يتلف، فانصرف علي بن موسى من دار المأمون وقد ارتاع وهو لا ~~يعرف وجها يتجه إليه، فقال له كاتبه: إذا عرجت على غسان بن عباد وعرفته خبرك رجوت أن ~~يعينك على أمرك، فقال له: إن بيني وبينه من العداوة ما عرفت، فقال له: نعم، ولكن الرجل ~~ريحي كريم لا تمنعه العداوة التي بينكما عن فعل المعروف الذي هو من شيم الكرام، فقام ~~علي بن موسى ومضى إلى أن جاء ودخل مع كاتبه على غسان بن عباد، فلما رآه غسان قام إليه ~~وتلقاه جميلا ووفاه حقه في الخدمة، وقال له: دع الأمر الذي بيني وبينك على حاله ولكن ~~دخولك إلى داري توجب حرمته بلوغ ما رجوته مني، فاذكر إن كان لك حاجة، فقص كاتبه عليه ~~القصة، ms109 فقال له غسان: أرجو أن يكفيك الله تعالى حقيقة أمرك، ولم يزد على ذلك شيئا ، ~~فقام علي بن موسى من عنده وهو نادم على قصده غسان، ويئس من أمره وقال لكاتبه ما أفدتني ~~بدخولي على غسان سوى تعجيل الشماتة والهوان، فلم يصل علي بن موسى إلى داره حتى حضر إليه ~~كاتب غسان ومعه البغال وعليها المال، فتقدم علي بن موسى وتسلمه وبات فرحا مسرورا، ~~وعند الصباح بكر إلى دار أمير المؤمنين ليدفع المال، فوجد غسان قد سبقه هناك ودخل على ~~المأمون وقال له: يا أمير المؤمنين، إن لعلي بن موسى بحضرتك حرمة وخدمة وسابق أصل، وقد ~~لحقه من الخسران في ضمانه ما تعارفه الناس، وقد توعدته من الضرب بالسياط ما أطار عقله ~~وأذهب لبه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزيني من حسن كرمه ببعض ما عليه فهي صنيعة بي من ~~إحسانه، ولم يزل يتلطف بالمأمون حتى حط عنه نصف ما عليه واقتصر منه بالنصف عشرين ألف ~~دينار، فقال غسان للمأمون: سمعا وطاعة، ولكن على أن يجدد أمير المؤمنين له الضمان ~~ويخلع عليه لكي تقوى نفسه ويعرف بها مكان الرضى عليه من أمير المؤمنين أبقاه الله، ~~فأجاب المأمون إلى ذلك، فقال له غسان: إن شاء أمير المؤمنين فلتحمل الدواة إلى حضرته ~~لتوقيع ما سمح به فيما قال، قال: افعل فحملت الدواة إلى المأمون وقدمها عنان له فوقع ~~حينئذ لعلي بن موسى، وخرج علي بن موسى والخلع على كتفيه والتوقيع بيده، فلما حضر إلى ~~داره حمل من المال عشرين ألف دينار وأرسلها إلى غسان وشكره على جميل فعله، فقال غسان ~~لكاتبه: والله ما شفعت به عند أمير المؤمنين إلا لتتوفر عليه العشرون ألف دينار وينتفع ~~بها هو، فامض بها إليه وردها فلست والله آخذها فهي له، فلما رجع الكاتب إلى علي بن ~~موسى مولاه وبلغه ما قال، عرف عند ذلك قدر ما فعله غسان من الجميل، ولم يزل يخدمه ~~ويوقره إلى آخر العمر. # الأصمعي وأحد الكرماء # حكى الأصمعي قال: قصدت في بعض ms110 الأيام رجلا كنت آتيه أحيانا كثيرة لكرمه وجوده، فلما ~~أتيت داره وجدت على بابه بوابا فمنعني من الدخول إليه وقال لي: والله يا أصمعي ما ~~أوقفني على بابه لأمنع مثلك إلا لرقة حاله وقصور يده وما هو فيه من الضيق، فقلت له: ~~أريد أن أكتب له رقعة أتوصلها إليه، فقال: سمعا وطاعة، فأحضر لي قرطاسا وقلما ودواة ~~فأخذت وكتبت له شعرا: # إذا كان الكريم له حجاب # فما فضل الكريم على اللئيم # ثم طويت الرقعة ودفعتها إلى الحاجب وقلت له: أوصل هذه الرقعة إليه، ففعل ومضى بالرقعة ~~قليلا ثم عاد إلي بالرقعة عينها، وقد كتب تحت شعري جوابا شعرا: # إذا كان الكريم قليل مال # تحجب بالحجاب عن الغريم # ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار، فتعجبت من سخائه مع قلة ما بيده، فقلت في نفسي: ~~والله لأتحفن هارون الرشيد بهذا الخبر، فانطلقت حتى أتيت قصر الخلافة، فاستأذنت ودخلت ~~فسلمت عليه بالخلافة، فلما رآني قال لي: من أين يا أصمعي؟ قلت: من عند رجل من أكرم ~~الأحياء من بعد أمير المؤمنين، قال: ومن هو؟ فدفعت له الصرة وسردت عليه الخبر، فلما رأى ~~الصرة قال: هذه من بيت مالي ولا بد لي من الرجل، فقلت: والله يا أمير المؤمنين إني ~~أستحي أن أكون سبب روعه بإرسالك إليه، فقال: لا يغمك ذلك، ثم التفت إلى بعض خاصته وقال ~~له امض مع الأصمعي، فإذا أراك دارا فادخل وقل لصاحبه: أجب أمير المؤمنين، وليكن دعاؤك ~~له بلطافة من غير أن تزعجه، قال الأصمعي: فمضينا ودعونا الرجل فجاء ودخل على أمير ~~المؤمنين وسلم بالخلافة، فقال له هارون الرشيد: ألست أنت الذي وقفت لنا بالأمس وشكوت ~~لنا رقة حالك وقلت: إنك في ضيق شديد من الاحتياج فرحمناك ووهبنا لك هذه الصرة لتصلح بها ~~حالك، وقد قصدك الأصمعي ببيت من الشعر فدفعتها له، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، والله ~~ما كذبت فيما شكوته لأمير المؤمنين من رقة حالي وشدة احتياجي، ولكنني استحييت من الله ~~تعالى أن أعيد قاصدي إلا كما ms111 أعادني أمير المؤمنين، فقال هارون الرشيد: لله در بطن أتاك ~~فما ولدت العرب أكرم منك ، ثم بالغ بإكرامه وخلع عليه وجعله من خاصته. # والي البصرة والخيزران # لما ولي محمد بن سليمان البصرة أهدى إلى الخيزران مائة وصيف بيد كل وصيف جام من ذهب ~~مملوءا مسكا، فقبلت ذلك وكتبت إليه وقالت: «عافاك الله إن كل ما وصل إلينا منك ثمن ~~رأينا فيك فقد بخستنا بالقيمة وإن كان وزن ميلك إلينا فظننا فيك فوقه». # إكرام ثلاثة أصدقاء مخلصين بعضهم بعضا # نقل عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي وكنا في الصداقة كنفس واحدة، ~~فنالتني ضيقة شديدة وقد حضر العيد، فقالت لي امرأتي: يا مولاي أما نحن فقد نصبر على ~~البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد تقطع قلبي عليهم حزنا ورحمة لأنهم يرون ~~صبيان جيراننا ومعارفنا وقد تزينوا في العيد وهم فرحون، فلا بأس إذا احتلنا في ما ~~يمكننا أن نصرفه في كسوتهم، فرأيت كلامها صوابا وقد قطعت فؤادي من هذا الحديث، ففكرت ~~في الحيلة وكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما يمكنه ويحضره، فوجه إلي ~~كيسا فيه ألف درهم، فما استقر قراره حتى كتب لي صديقي الآخر يشكو إلي مثلما شكوت أنا ~~إلى صديقي الهاشمي، فوجهت إليه بالكيس على حاله، وخرجت إلى المسجد وأنا مستحي من ~~امرأتي، فلما دخلت عليها وقد علمت بما فعلت لم تعنفني، فبينما أنا كذلك إذ دخل علي ~~صديقي الهاشمي ومعه الكيس وهو باق بختمه فقال: اصدقني عما فعلته بما وجهت به إليك، ~~فأخبرته بالحكاية على حقيقتها، فقال: إنك أرسلت تطلب مني التوسعة وأنا والله ثم والله ~~لا أملك شيئا سوى هذا الكيس الذي بعثت به إليك، ثم إني بعدما أرسلته لك كتبت إلي ~~صديقنا أسأله المواساة إن كان يمكنه فوجه إلي الكيس بذاته وهو بختمي وها أنا ذا أتيت ~~به إليك، وبحيث إننا كلنا في ضيق ولا يوجد عند أحدنا غير هذا الكيس فهلم نقتسمه، ثم إنه ~~فتحه وأخرج منه مائة درهم للمرأة وفرق علي ms112 كل منا أنا وصديقي ثلاثمائة ألف درهم وأخذ ~~هو مثلنا ثلاثمائة، وبلغ المأمون ذلك فأرسل استدعاني وسألني عن القضية فشرحتها له كما ~~هي، فاستدعى صديقي وأمر لكل منا بألفي دينار ولامرأتي بألف دينار. # قيل في إسحاق بن عبد الرحمن # كان في بغداد رجل من أهل السخاء رفيع القدر رقيق الجانب قال فيه أحد الشعراء: # نفى الجوع من بغداد إسحاق ذو الندى # كما قد نفى جوع الحجاز أخوه # وما يك من خير أتوه فإنما # فعال عزيز قبلهم فعلوه # هو البحر بل لو حل بالبحر وفده # ومن يجتديه ساعة نزفوه # رثاء إسحاق بن عزيز # أنشد الزبير الشاعر يرثي إسحاق بن عزيز: # ولئن بكى جزعا عليك لقد بكت # جزعا عليه مكارم الأخلاق # يا خير من بكت المكارم فقده # لم يبق بعدك للمكارم باق # لو طاف في شرق البلاد وغربها # لم يلق إلا ماجدا لك لاق # بخلت بما حوت الأكف وإنما # خلق الإله يديك للإنفاق # ما بت من كرم الطبائع ليلة # إلا لعرضك من نوالك واق # عمارة بن حمزة وأيوب المكي # بعث أيوب المكي بعض أولاده إلى عمارة بن حمزة فأدخله الحاجب، قال: ثم دنا إلى ستر ~~مسبل، فقال: ادخل فدخلت، فإذا عمارة مضطجع محول وجهه إلى الحائط فقال لي الحاجب: اذكر ~~حاجتك، فقلت: لعله نائم، قال: لا، فقلت: جعلني الله فداك، أخوك يقرئك السلام ويذكر ~~دينا عليه ويقول: بهظني وسد وجهي ولولاه كنت موضع رسولي تسأل أمير المؤمنين قضاءه عني، ~~فقال: وكم دين أبيك، قلت: ثلاثمائة ألف درهم، فقال: وفي مثل هذا القدر أكلم أمير ~~المؤمنين، يا غلام احملها معه، وما التفت إلي ولا كلمني بغير هذا. # عمارة والفضل بن الربيع # قال الفضل بن الربيع: كان أبي يأمرني بملازمة عمارة، فاعتل عمارة وكان المهدي سيئ ~~الرأي فيه، فقال له يوما: يا أمير المؤمنين إن مولاك عمارة عليل وقد أفضى إلى بيع فرشه ~~وكسوته، قال: غفلت عنه وما كنت أظن أنه بلغ إلى هذه الحالة، احمل إليه خمسمائة ألف درهم ~~يا ربيع وأعلمه أن ms113 له عندي بعدها ما يحب، فحملها أبي من ساعته، وقال لي: اذهب بها إلى ~~عمك وقل له: أخوك يقرئك السلام، ويقول: أذكرت أمير المؤمنين أمرك فاعتذر عن غفلته عنك ~~وأمر لك بهذه الدراهم، وقال لك: عندي بعدها ما تحب، فأتيته بالمال ووجهه إلى الحائط ~~فسلمت، فقال لي: من أنت، فقلت: ابن أخيك الفضل بن الربيع، فقال: مرحبا بك، وأبلغته ~~الرسالة، فقال: قد كان طال لزومك لنا وقد كنا نحسب أن نكافئك على ذلك، ولم يمكنا قبل ~~هذا الوقت انصرف فهي لك، فهبته أن أردها عليه فتركت البغال على بابه وانصرفت إلى أبي ~~فأعلمته، فقال: يا بني خذها بارك الله لك فيها، عمارة ليس ممن يهب فيرد، وكان أول مال ~~ملكته. # الحجاج والرجل # خطب الحجاج فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر ~~بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال: إن أقر بالجنون خليته، ~~فقال: معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج فعفا عن ~~صدقه. # عفو عبد الملك # تغيظ عبد الملك بن مروان على رجاء بن حيوة، فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن ~~به كذا وكذا، فلما صار بين يديه، قال له رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما ~~أحببت فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة. # مدعي النبوة والملك # حكي أن رجلا ادعى النبوة أيام أحد الملوك، فلما حضر بين يديه قال له: أنت نبي، ~~قال: نعم، قال: وإلى من بعثت، قال: إليك، قال: أشهد أنك سفير أحمق، قال: إنما يبعث لكل ~~قوم مثلهم، فضحك الملك وأمر له بشيء. # الحجاج والشيخ # خرج الحجاج يوما للتنزه فصرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه فلاقى شيخا من بني عجل فقال ~~له: من أين أنت يا شيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: ما رأيكم بحكام البلاد، قال: كلهم ~~أشرار يظلمون الناس ويختلسون أموالهم، قال: وما قولك في الحجاج، قال: هذا أنجس الكل ~~سود الله وجهه ms114 ووجه من استعمله على هذه البلاد، قال الحجاج: أتعرف من أنا؟ فقال: لا ~~والله، قال : أنا الحجاج، قال: أنا فداك وأنت تعرف من أنا، قال: لا، قال أنا زيد بن عامر ~~مجنون بني عجل أصرع كل يوم مرة في مثل هذه الساعة، فضحك الحجاج وأجازه. # قيس بن سعد والأعرابي # قيل لقيس بن سعد: هل رأيت قط أسخى منك، قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة فحضر ~~زوجها فقالت: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة فنحرها، وقال: شأنكم، فلما جاء الغد جاء ~~بأخرى ونحرها، وقال: شأنكم، فقلت: ما أكلنا من التي نحرت لنا البارحة إلا اليسير، ~~فقال: إني لا أطعم أضيافي الغاب، فأقمنا عنده أياما والسماء تمطر وهو يفعل كذلك، فلما ~~أردنا الرحيل وضعنا في بيته مائة دينار وقلنا للمرأة: اعتذري لنا منه، ومضينا، فلما ~~تواسط النهار إذا رجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام أعطيتمونا ثمن القرى، ~~لتأخذنها وإلا طعنتكم برمحي، فأخذناها وانصرف. # حجظة البرمكي # قال أبو الحسن المعروف بجحظة البرمكي: # أنا ابن أناس مول الناس جودهم # فأضحوا حديثا للنوال المشهر # فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر # ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر # وصف المعروف والكرم # قال رجل من فزارة يصف المعروف والكرم: # وإلا يكن عظمي طويلا فإنني # له بالخصال الصالحات وصول # ولا خير في حسن الجسوم ونبلها # إذا لم تزن حسن الجسوم عقول # إذا كنت في القوم الطوال علوتهم # بعارفة حتى يقال طويل # وكم قد رأينا من فروع كثيرة # تموت إذا لم تجنهن أصول # ولم أر كالمعروف أما مذاقه # فحلو وأما وجهه فجميل # وقال أبو دلف العجلي: # أجود بنفسي دون قومي رافعا # لما نابهم قدما وأغشى الدواهيا # وأقتحم الأمر المخوف اقتحامه # لأدرك مجدا أو أعاد ثاويا # المتوكل وإبراهيم بن المدبر # قال إبراهيم بن المدبر: مرض المتوكل مرضا خيف عليه منه، ثم عوفي وأذن للناس في ~~الوصول إليه فدخلوا على طبقاتهم كافة ودخلت معهم، فلما رآني استدناني حتى قمت وراء ~~الفتح ونظر إلي مستنطقا فأنشدته: # يوم أتانا بالسرور # فالحمد لله الكبير ms115 # أخلصت فيه شكره # ووفيت فيه بالنذور # لما اعتللت تصدعت # شعب القلوب من الصدور # من بين ملتهب الفؤا # د وبين مكتئب الضمير # يا عدتي للدين وال # دينا وللخطب الخطير # كانت جفوني شرة ال # آماق بالدمع الغزير # لو لم أمت جزعا لعم # رك إنني عين الصبور # يومي هنا لك كالسني # ن وساعتي مثل الشهور # يا جعفر المتوكل ال # عالي على البدر المنير # اليوم عاد الدين غض # العود ذا ورق نضير # واليوم أصبحت الخلا # فة وهي أرسى من ثبير # قد حالفتك وعاقدت # ك على مطاولة الدهور # فقال المتوكل للفتح: إن إبراهيم ينطق عن نية خالصة وود محض وما قضينا حقه، فتقدم ~~بأن يحمل إليه الساعة خمسون ألف درهم. # أبو سعيد وأبو تمام الشاعر # قال أبو تمام يمدح أبا سعيد وكان قد أجازه وأكرم مثواه: # أبا سعيد وما وصفي بمتهم # على المعالي وما شكري بمخترم # لئن جحدتك ما أوليت من حسن # إني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم # أمسى ابتسامك والألوان كاسفة # تبسم الصبح في داج من الظلم # كذا أخوك الندى لو أنه بشر # لم يلف طرفة عين غير مبتسم # رددت رونق وجهي في صحيفته # رد الصقال بهاء الصارم الخذم # وما أبالي وخير القول أصدقه # حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي # الواثق وحسين بن الضحاك # حدث إبراهيم بن الحسن بن سهل، قال: كنا مع الواثق بالفاطول وهو يتصيد فصاد صيدا ~~حسنا من الأوز والدراج وطير الماء وغير ذلك، ثم رجع فتغذى ودعا بالجلساء والمغنين ~~وطرب، وقال: من ينشد؟ فقام الحسين بن الضحاك فأنشده: # سقى الله بالفاطول مسرح طرفكا # وخص بسقياه مناكب قصركا # حتى انتهى إلى قوله: # تحين للدراج في جنباته # وللعز آجال قدرن بكفكا # حتوفا إذا وجهتهن قواضبا # عجالا إذا أغريتهن بزجركا # أبحت حماما مصعدا ومصوبا # وما رمت في حاليك مجلس لهوكا # تصرف فيه بين نأى ومسمع # ومشمول من كف ظبي لسقيكا # قضيت لبانات وأنت مخيم # مريح وإن شطت مسافة عزمكا # وما نال طيب العيش إلا مودع # ولا طاب عيش نال مجهود كدكا ms116 # فقال الواثق: ما بعد الراحة ولذة الدعة شيء، فلما انتهى إلى قوله: # خلقت أمين الله للخلق عصمة # وأمنا فكل في ذراك وظلكا # وثقت بمن سماك بالغيب واثقا # وثبت بالتأييد أركان ملككا # فأعطاك معطيك الخلافة شكرها # وأسعد بالتقوى سريرة قلبكا # وزادك من أعمارنا غير منة # عليك بها أضعاف أضعاف عمركا # ولا زالت الأقدار في كل حالة # عداة لمن عاداك سلما لسلمكا # إذا كنت من جدواك في كل نعمة # فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا # فطرب الواثق وضرب الأرض بمخصرة كانت في يده وقال: لله درك يا حسين ما أقرب قلبك من ~~لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين جودك ينطق المفحم بالشعر والجاحد بالشكر، فقال له: لن ~~تنصرف إلا مسرورا وأمر له بخمسين ألف درهم. # المتوكل وإبراهيم بن العباس # لما عقد المتوكل لولاة العهود من ولده ركب بسر من رأى ركبة لم ير أحسن منها وركب ~~ولاة العهود بين يديه والأتراك بين أيديهم الطبرزينات المحلاة بالذهب، ثم نزل في الماء ~~فجلس فيه والجيش معه في الجوانحيات وسائر السفن، وجاء حتى نزل في القصر الذي يقال له ~~العروس وأذن للناس فدخلوا إليه، فلما تكاملوا بين يديه مثل إبراهيم بن العباس بين ~~الصفين فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشد: # ولما بدا جعفر في الخميس # بين المطل وبين العروس # بدا لابسا بهما حلة # أزيلت بها طالعات النحوس # ولما بدا بين أحبابه # ولاة العهود وغرس النفوس # غدا قمرا بين أقماره # وشمسا مكللة بالشموس # لإيقاد نار وإطفائها # ويوم أنيق ويوم عبوس # ثم أقبل على ولاة العهود فقال: # أضحت عرى الإسلام وهي منوطة # بالنصر والإعزاز والتأييد # بخليفة من هاشم وثلاثة # كنفوا الخلافة من ولاة عهود # قمر توافت حوله أقماره # فخففن مطلع سعده بسعود # رفعتهم الأيام وارتفعوا بها # فسعوا بأكرم أنفس وجدود # الملك المؤيد وصفي الدين الحلي # حمل الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل إلى صفي الدين الحلي تحفا وكسوات البيت ~~ومهماته، فقال يمدحه ويشكر فضله: # جزاك الله من حسناك خيرا # وكان لك المهيمن خير راع # فقد قصرت بالإحسان لفظي ms117 # كما طولت بالإنعام باعي # فأخرني الحياء وليس يدري # جميع الناس ما سبب امتناعي # فأشكر حسن صنعك في اتصال # وخطوي نحو ربعك في انقطاع # وقافية شبيه الشمس حسنا # تردد بين كفي واليراع # لها فضل على غرر القوافي # كما فضل البقاع على البقاع # غدت تثني على علياك لما # ضمنت لربها نجح المساعى # قدمت ولا برحت مدى الليالي # سعيد الجد ذا أمر مطاع # البحتري وأبو تمام # قال البحتري: قال لي أبو تمام: بلغني أن بني حميد أعطوك مالا جليلا فبم مدحتهم؟ ~~فانشدني شيئا منه، فأنشدته، فقال لي: كم أعطوك؟ فقلت: كذا، فقال لي: لقد ظلموك وما ~~وفوك حقك، والله فإن بيتا منها خير مما أخذت، ثم أطرق قليلا فقال: لعمري لقد مات ~~الكرم وذهب الناس وغاضت المكارم وكسدت أسواق الأدب، أنت والله يا بني أمير الشعراء، ~~غدا بعدي، فقمت فقبلت رأسه ويديه ورجليه، وقلت: والله إن هذا القول أسر إلي مما ~~وصل منهم. # طاهر بن محمد والبحتري # من أخبار البحتري أنه كان بحلب شخص يقال له طاهر بن محمد الهاشمي مات أبوه وخلف له ~~مقدار مائة ألف دينار فأنفقها على الشعراء والزوار في سبيل الله، فقصده البحتري من ~~العراق فلما وصل إلى حلب، قيل له: إنه قعد في بيته لديون ركبته، فاغتم البحتري لذلك ~~غما شديدا وبعث المدح إليه مع بعض مواليه، فلما وصلته ووقف عليها بكى ودعا بغلام له، ~~وقال: بع داري، فقال له: أتبيع دارك وتبقى على رءوس الناس، فقال: لا بد من بيعها، ~~فباعها بثلاثمائة دينار، فأخذ صرة وربط مائة دينار وأنفذها إلى البحتري وكتب إليه معها ~~رقعة فيها هذه الأبيات: # لو يكون الحباء حسب الذي أن # ت لدينا به محل وأهل # لحثيت اللجين والدر واليا # قوت حثوا وكان ذاك يقل # والأديب الأريب يسمح بالعذ # ر إذا قصر الصديق المقل # فلما وصلت الرقعة إلى البحتري رد الدنانير وكتب إليه: # بأبي أنت والله للبر أهل # والمساعي بعد وسعيك قبل # والنوال القليل يكثر إن شا # ء مرجيك والكثير يقل # غير أني رددت ms118 برك إذ كا # ن ربا منك والربا لا يحل # وإذا ما جزيت شعرا بشعر # قضى الحق والدنانير فضل # فلما عادت الدنانير إليه حل الصرة وضم إليها خمسين دينارا أخرى وحلف أن لا يردها ~~عليه وأرسلها، فلما وصلت إلى البحتري أنشأ يقول: # شكرتك إن الشكر للعبد نعمة # ومن يشكر المعروف فالله زائده # لكل زمان واحد يقتدى به # وهذا زمان أنت لا شك واحده # رب المروءة والفقير # حكي أن أحد أصحاب المروءة كان له جار فقير، فبينما كان ذات يوم مارا بدار ذاك ~~الرجل إذ سمع ابنته تقول لأمها: يا أمي ليس عندنا الليلة ما نأكله، فقالت لها أمها: ~~صبرا لعل الله يشفق علينا فينقذنا من مخالب الجوع، فلما سمع الرجل ذلك بكى من الحنان، ~~وقال لابنة له: خذي هذه الدراهم إلى بيت فلان جارنا ولا تدعي أحدا يراك أو يعلم بما ~~تفعلين، فذهبت الابنة إلى بيت الفقير فرأت بنته في الباب فأعطتها الصرة وقالت ساترة ~~وجهها: خذي هذه الدراهم، فسألتها عن اسمها فلم تجب، فعادت إلى أمها بتلك الصرة، فقالت ~~لها: من أعطاك هذه؟ فقالت: لا أعلم لأن الذي دفعها إلي كان متنكرا، فأخذت تدعو وأهل ~~البيت لذلك الرجل المحسن الذي بعثه الله إليهم من حيث لا يدرون. # عنترة وشداد وسمية # غضب شداد يوما على ابنه عنترة وكان قد وشي به إليه أحد حاسديه، فهم بضربه وكان ~~فتى صغيرا، فمنعته سمية فلم يمتنع بل نزل عليه بسوط كان في يده، فلما رأت سمية ذلك ~~فاض دمعها وتحدر وأمسكت السوط بيدها فدفعها شداد في صدرها وأراد أن يضربها، فألقت نفسها ~~على عنترة فجذبها فوقع الرداء عن رأسها وبقيت مكشوفة الرأس منزعجة الحواس وقالت: والله ~~ما أمكنك من ضربه حتى تضربني قبله، فرمى السوط من يده، وقال: ويلك يا سمية تهتكين نفسك ~~لأجل هذا العبد ولا تدعيني أصل إليه وقد كنت قبلا تحرضيني عليه، فما الذي أوجب هذه ~~المحبة، فخجلت سمية وأنشدت تقول: # حاشا لربة بيت منك صالحة # كفت يديك فعادت منك بالخجل ms119 # تنزه العبد عن أمر عنيت به # حاشا لعنتر من شين ومن زلل # هذا الشجاع الذي عاينت مشهده # يوم النزال كمثل الضيغم البطل # لولاه ما كان في الأحياء من رجل # يخلص المال من أعداك بالعجل # لما أتتنا خيول القوم غائرة # من آل قحطان مثل العارض الهطل # أجارنا وحمانا بعدما ملكت # منا البنات ونجانا من الوجل # فخله فهو ليث في عزيمته # يحمي الحريم ولا يخشى من الأجل # ليث الحروب ونار الحرب موقدة # يلقى الرجال بقلب قد مذ جبل # هذا الهزبر الذي عاينت مشهده # عند اختلاف القنا والطعن بالأسل # لولاه قد كانت الأعداء مالكة # رقابنا وتشتتنا من الحلل # ثم قالت له: لقد هاجمنا بنو قحطان فسبوا نساءنا وكادوا أن يقتلونا لولا عنترة البطل ~~الهمام، أفيحمل في شرع المروءة أن نعامله على ما فعل بهذه المعاملة القاسية ثم ~~أنشدت: # شداد لو ترني والوجه مكشوف # وثقل ردفي وراء القوم مردوف # وعبلة أردفوها من ورا بطل # ودمعها سائل في الخد مذورف # نساء عبس حيارى لا سبيل لها # قناعهن عن الوجنات مكشوف # حتى العبيد الألى من حولهم هربوا # وكل عبد تولى وهو ملهوف # فخاضها عنتر والشوس ثائرة # وأفقها بغبار الحرب ملفوف # وصاننا وحمانا بعد غربتنا # مع الرجال وعرض الكل مقذوف # فرق قلبه لعنترة وفكه من الوثاق وقد عجب من كتمانه ذلك وانقياده إلى الكتاف ثم اعتذر ~~له وأطلقه. # عنترة بن شداد عند كسرى # كان عنترة بن شداد عند كسرى أنوشروان وكان مكرما عنده فحسده بعضهم وهم بقتله، ~~فلما بلغ كسرى ذلك غضب وأمر بقتل ذاك الرجل، وقال لمن حوله: إن هذا يفدى بألوف من ~~البشر ويستحق أن يكرم ويعتبر، فامتثل عنترة بين يديه، وقال: مولاي بالله لا تفعل فإن ~~إحسانك قد سبق والعفو بمثلك أليق وأنا قد عزمت على الرحيل، وما أشتهي أن يذكرني ~~أحد إلا بالجميل، فعجب كسرى من حسن أدبه وبش في وجهه ثم عفا عن الرجل، وبعد قليل دخل ~~كسرى إلى بستان حافل بالأشجار مزدان بأحاسن الأزهار فنصب له فيه خيمة فجلس، وعنترة إلى ms120 ~~جانبه وقد قدم لهم الشراب، وجهزت الأطعمة، فنهض المنذر وقال: أنشدنا يا أبا الفوارس ~~شيئا من الشعر فأنشد: # يا أيها الملك الذي راحاته # قامت مقام الغيث في أزمانه # يا قبلة القصاد يا تاج العلى # يا بدر هذا العصر في كيوانه # يا مخجلا ضوء السماء بجوده # يا منقذ المحزون من أحزانه # المظهر الإنصاف في أيامه # بخصاله والعدل في بلدانه # يا ساكنين ديار عبس إنني # لاقيت من كسرى ومن إحسانه # ما ليس يوصف أو يقدر أو يفي # أوصافه أحد بوصف لسانه # ملك حوى رتب المعالي كلها # بسمو مجد حل في إيوانه # مولى به شرف الزمان وأهله # والدهر نال الفخر من تيجانه # فغدوت في ربع خصيب عنده # متنزها فيه وفي بستانه # ونظرت بركته تفيض وماؤها # يحكي مواهبه وجود بنائه # في مربع جمع الربيع بربعه # في كل فن لاح في أفنانه # وطيوره من كل نوع أنشدت # جهرا بأن الدهر طوع عنانه # ملك إذا ما جال في يوم اللقا # وقف العدو محيرا في شانه # والنصر من جلسائه دون الورى # والسعد والإقبال من أعوانه # فلأشكرن صنيعه بين الورى # وأطاعن الفرسان في ميدانه # فطرب كسرى ومن حضر، وقال له المنذر: حياك الله يا شاعر العرب، ما أرق شعرك وأعذب، ~~ولما أراد عنترة الرحيل قال له كسرى: لو أعطيك يا عنترة على كل بيت ألف دينار لكان ~~قليلا في مقابلة أبياتك الحسان، لأن العطايا تنفد ومدحك يبقى على طول الزمان، فاطلب ما ~~شئت وأطلق في ميدان الطلب لسانك، فشكره عنترة، وقال: لقد كفيت أيها الملك بجودك عن طلب ~~المال، ولكن إذا تلطف الملك وتكرم انطلق لسان العبد وتكلم، فإني قد بلغت بإحسانك هذه ~~الرتب العليا ولا أعود إلا بما أفتخر به على الغير وأزين به ابنة عمي عبلة بنت مالك ~~فأمر له كسرى بتاج من الذهب وجواهر كريمة وحلي. # عنترة والأسد عند كسرى # لما أسر كسرى عنترة في أحد حروبه وأشار عليه الوزير بقتله أمر أن يؤتى له بأسد كان قد ~~ذخره لمثل هذه الحال، وبينما كان عنترة ms121 ينتظر ذاك الأسد وإذا به قد أقبل رافلا ~~بالزناجير ومن حوله رجال كثيرة تقوده إليه ، فهجم عليه عنترة مشهرا الحسام وأنشد ~~يقول: # يا ليث احذر أن تكون جزوعا # واحمل علي فلست منك مروعا # أقبل إلي فإنني لا أنثني # عن قتل مثلك أو أكون هلوعا # إن كنت تزعم أن وجهك عابس # فأنا العبوس ولا أكون شنيعا # اليوم تضحى في الفلات مجندلا # وتخر في هذا المكان سريعا # وما زال يجاوله حتى استمكن منه فأهوى عليه بسيفه فخر صريعا، فعجب كسرى من شجاعته ~~وقبله بين عينيه ثم أطلقه وأمر له بأحسن الهدايا وأجمل التحف. # عنترة بن شداد وسمية # مر عنترة يوما بأرض بني غيلان وقد اشتد الحر وسطعت الشمس فعكف على شجرة يستظل بها ~~مع أخيه شيبوب، فما لبث أن سمع أنين حزن وقائلا يقول: «قاتلك الله يا مالك ما أقساك»، ~~ثم سمع صوتا أقوى ورجلا يترنم بهذه الأبيات: # يا أم داوي كبدي # بالماء من حر الظما # وابكي علي إنني # قد مل جسمي السقما # قد كان دمعي منجدي # واليوم قد صار دما # وزاد جسمي سقما # وذاب قلبي ألما # حمامة الوادي اهتفي # وساعدي المتيما # نوحي علي واصنعي # على بلائي مأتما # بحرمة العهد الذي # حفظت فيه الذمما # إن سألتك عبلة # قولي لها: قد عدما # واليوم يقضي نحبه # شوقا إلى ذاك الحمى # يا عبل ما خلى الهوى # من رسم جسمي علما # والجسم مني قد وهى # والصبر مني انصرما # لما رأيت عبلة # مسيبة سبي الأما # لكن بهذا قد قضى # في حكمه رب السما # فلما سمع عنترة ذلك ظن نفسه في حلم ومال إلى الصوت ميل الآسف الحنون فرأى بجانب نهر ~~أمة سوداء بين يديها غلام شاب تارة يغمض عينيه وطورا يشير بيديه والأمة قاعدة إلى ~~جانبه تبكي وتقبل وجهه حزنا وحنانا، فدنا منها عنترة، وقال: يا أمة الله، ما بال هذا ~~الفتى خامد الأنفاس لا يسمع مقالا ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، فقالت له الأمة: والله ~~يا وجه العرب ما كانت هذه حاله وإنما الأيام تأتي بالعجب ms122 فقال: ومن يكون هذا الفتى، ~~قالت: عنترة واسم أمه زبيبة، وبينما كان يوما يرعى الجمال إذ رأى فتاة حسناء تدعى عبلة ~~فوقع حبه في قلبها، فهجم على أحيائها يوما الأمير يقظان بن جياش بن مزاحم فقتل أهلها ~~وأخذها سبية له وهو مقيم في ذاك السواري وغادر هذا المسكين هائما حزينا لا يعرف هداه ~~ولا يرى له ناصرا على أعداه، فعجب عنترة من ذي المشابهة وتوارد الأسماء والحوادث ~~ووعدها خيرا، ومضى نحو ذاك الفارس وإذا به يشرب الخمر والجارية لديه تبكي وتنتحب وقد ~~همت أن تلقي نفسها حزنا إلى الأرض وهي تصيح بأعلى صوتها: «لن تنال أيها النذل مني ~~منالا، فوالله لا خنت ابن عمي عنترة ولو قطعتني إربا». # فلما سمع عنترة كلامها خيل له أن عبلة تناديه من فمها فهجم عليه هجمة الأسد وقتله شر ~~قتلة وأنقذ الفتاة من شره وردها إلى حبيبها. # مارية أم الحارث وحسان بن ثابت # قال حسان بن ثابت الشاعر يمدح مارية وآل جفنة بهذه الأبيات: # لله در عصابة نادمتهم # يوما بجلق في الزمان الأول # أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية المعز المخول # يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفق بالرحيق السلسل # بيض الوجوه كريمة أحسابهم # شم الأنوف من الطراز الأول # يغشون حتى ما تهر كلابهم # لا يسألون عن السواد المقبل # عفو عمرو بن الحارث # حارب عمرو بن الحارث قوما من العرب وسبى نساءهم وأولادهم، وكان من جملة من سبى أخت ~~عمرو بن الصعق العدواني، فلم يشعر إلا وأخوها قد وقف به وأنشد: # يا أيها الملك المهيب أما ترى # صبحا وليلا كيف يختلفان # هل تستطيع الشمس أن يؤتى بها # ليلا وهل لك بالصباح يدان # فاعلم وأيقن أن ملكك زائل # وكما تدين تدان عقد رهان # فوقعت هذه الأبيات في قلبه، وقال له: أمنك الله على من لك عندي وأمن كل الناس على من ~~وقع لهم من السبايا وجنح عن عزمه. # عروة بن الورد # ويلقب أيضا بعروة الصعاليك لأنه كان يعول الضعيف والمريض في دياره ويقضي ms123 حوائجهم ومن ~~قوله في المعروف: # ومكروب كشفت العار عنه # بضربة صارم لما دعاني # وقلت له أتاك أتاك فانهض # شجاع حين ينهض غير واني # فما أنا عند هيجا كل يوم # بمسلوب الفؤاد ولا جباني # يصافينا الكريم إذا التقينا # ويبغضني اللئيم إذا رآني # زهير وبنو عامر # لما بلغ زهيرا خبر قتل ابنه شاس في أحياء بني عامر زحف بعسكر جرار لمحارتبهم وأخذ ~~الثأر، فلما بلغوا ديارهم تقدم إلى الملك زهير ملاعب الأسنة غشم بن مالك أمير بني عامر، ~~وقال: أيها الملك فيم أتيت أرضنا؟ فإن كنت زائرا فعلى الرحب والسعة، وإن جئت متصيدا ~~فأهلا وسهلا بك، فقال زهير: لا والله ما جئتكم زائرا ولا متصيدا، إنما جئت لأخذ ~~الثأر ممن قتلوا ولدي شاسا، قال: وما الذي غير ما بيننا من الوداد، قال: قتل شاس ولدي ~~في أحيائكم، قال غشم: ومن قتل ولدك وأحرق عليه كبدك؟ ومن أعلمك بذلك الخبر؟ قال: عبده ~~سالم بن مسهر، قال: وهل تريد أن تأخذ البريء بالسقيم وتصدق فينا قول عبد زنيم؟ ولو ~~فرضنا أنه صادق فكم يجوز أرضنا ليلا من سلال وسارق وربما أدرك ولدك برجل غريب ففعل به ~~ما فعل ولم يخش محذورا، فإن شئت أن تعاملنا بالجفاء بعد الوداد والصفاء فمعاذ الله أن ~~نغير ما بيننا وبينك من المحبة والوفاء، فكن بنا متلطفا وارحم الأرامل والضعفاء، فلما ~~سمع الملك زهير قوله رق لهم وعفا عنهم خوفا من عاقبة البغي وعاد على أعقابه. # الجود والأجواد # قيل لأعرابي: ما القرى؟ فقال: نار يعلو شرفها وخيمة يوطأ كنفها، وقيل: تلقى النزيل ~~بالوجه الجميل، وقال الله تعالى في مدح قوم: # ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ~~(الإنسان: 8)، ~~وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا نزل الضيف بقوم نزل برزقه وإذا ارتحل عنهم ارتحل بذنوبهم». ~~وقيل لبعضهم: ما الكرم؟ فقال: طعام مبذول ونائل موصول ووفاء لا يحول، وقال الإمام علي: ~~لأن أختبز صاعا أو صاعين فأدعو إليه نفرا من إخواني أحب إلي من أن أعتق رقبة. وقال ~~الواثق يوما ms124 لأحمد بن أبي داود تضجرا لكثرة حوائجه: قد خلت بيوت المال لطلباتك ~~للائذين بك والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين هي نتائج شكرها متصل بك وذخائر ~~أجرها مكتوب لك وما لي من ذلك إلا أن أخلد المدح فيك، فقال: أحسنت وشفعه. وقيل ~~للأحنف: ما السخاء؟ قال: الاحتيال للمعروف، قيل: فما اللؤم؟ قال: الاستقصاء على ~~الملهوف. وقيل: السخي من كان بماله متبرعا وعن مال غيره متورعا. وقيل للصوفي: من ~~الجواد من الناس؟ فقال: الذي يؤدي ما افترض عليه، وقيل للحسن: من السخي؟ فقال: من لو ~~كانت الدنيا له فأنفقها لرأى عليه بعد ذلك حقوقا. وقال بعضهم: الناس أربعة: جواد وهو ~~الذي يعطى حظ دنياه وآخرته، بخيل وهو الذي لا يعطى واحدا منها، مسرف وهو الذي جعل ماله ~~لدنياه، مقتصد وهو الذي أعطى كلا بقدره. وقال الله تعالى: # وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله ~~(البقرة: 197). وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة»، وقال: «السخاء شجرة من أشجار ~~الجنة أغصانها متدلية في الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى الجنة والبخل شجرة من ~~أشجار النار فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار». وقال ابن عباس: صاحب المعروف لا ~~يقع وإن وقع وجد متكأ. وقيل لأحد الحكماء ما الذي يشبه فعل الله من أفعال العباد؟ فقال: ~~الإحسان إلى الناس. وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: (تجافوا عن ذنب السخي فإن الله تعالى آخذ ~~بيده). وقال: سادة الدنيا في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. وقيل: من بذل ~~الدراهم أحبه الناس طوعا أو كرها، وقيل لحكيم: هل شيء خير من الدراهم؟ قال: معطيها. ~~وقيل للحسن: كيف نزلت بالأطراف؟ فقال: هي منازل الأشراف يتناولون من أرادوا بالقدرة ~~عليه ويتناولهم من أرادهم بالحاجة إليهم. وقيل لبعض من اتخذ دعوة: أسرفت، فقال: ليس في ~~الشرف إسراف. وقال المزني: إذا أتاك ضيف فلا تدعه ينتظر ما ليس عندك وتمنعه ما هو عندك ~~بل قدم إليه وأحضر، وقيل: الضيف إلى القليل العاجل ms125 أحوج منه إلى الكثير الآجل. وقال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # لبعض نسائه: (آكلي ضيفك فالضيف يستحي أن يأكل وحده)، وقال: (من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، ونزل ضيف بجعفر بن أبي طالب متنكرا، فعاونه غلمانه ~~عند نزوله، فلما أراد الارتحال لم يعنه غلام، فشكاهم فقال: إن غلماننا لا يعينون على ~~الارتحال عنا. وقال ابن عون: ما رأيت أسخى بالطعام من الحسن وابن سيرين لأن الحسن يقول: ~~الطعام أهون من أن يحلف عليه، وابن سيرين يقول: أقسمت لتأكلن. وقال ابن عباس: ما من ~~داخل إلا وله حيرة فأبدؤه بالسلام،وما من مدعو إلى طعام إلا وله حشمة فأبدؤه بالملاطفة. ~~وقيل: محادثة الإخوان تزيد لذة الضيف الآكل، وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: (شركم من أكل وحده ~~وضرب عبده ومنع رفده). وقيل لأعرابي: ممن أنت؟ قال: ممن لا يزجر وفودهم ولا يسر ~~وقودهم، وسئل آخر. فقال: ممن يهتدي برأيه الصحب ويستدل بناره الركب. وقال أحدهم يصف ~~قوما كراما: لهم نار وإربه الزناد قديمة الولاد تضيء لها البلاد ويحيا بها العباد. ~~قال الأصمعي لبعض الأعراب: ما تعرفون من مكارم الأخلاق، قال: نضيء نارنا للضيف ولا تنبح ~~كلابنا ونقريه وجوهنا قبل طعامنا. قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: (من كان عليه يد فليكافئ عليها ~~فإن لم يفعل فليثنين عليه فإن لم يفعل فقد كفر النعمة). وقال البحتري: # يزيد تفضلا وأزيد شكرا # وذلك دأبه أبدا ودأبي # ولبعض الأدباء: # لأملأن لسان الشكر فيك فقد # أطلقته بفعال ملؤها كرم # بعث المنصور إلى شيخ من بطانة هشام فاستحضره وسأله عن تدبير هشام وأحواله، فأقبل ~~الشيخ يقول: فعل رحمه الله وقال يوم كذا رحمه الله، فقال المنصور: قم لعنك الله أتطأ ~~بساطي وتترحم على عدوي، فقال الشيخ: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لاينزعها ممر الأيام، ~~فقال المنصور: ارجع إلى حديثك فإني أشهد أنك غرس شريف وابن حرة كريم، وأجازه. # لما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيد بن المهلب أمر بأن يحضر الشعراء ليقولوا في ذلك، ~~فلم ms126 يألوا أن ذكروه بأقبح ما قدروا عليه ما خلا رجلا من بني دارم فإنه قال: لا أذم ~~رجلا لا أملك ربعا ولا مالا ولا أثاثا إلا منه ولو قطعت إربا إربا، ولقد رثيته ~~بأحسن ما يرثى به رجل وأنشد الأبيات. فجزاه سليمان خيرا، وقال: إذا اصطنع فليصطنع ~~مثل هذا. # وقال أحدهم يمدح كريما أجازه: # فإن يك أربى عفو شكرك عن يدي # أناس فقد أربى نداه على شكري # وقد أجاد أبو نواس في هذا المعنى: # أنت امرؤ جللتني نعما # أوهت قوى شكري فقد ضعفا # لا تسدين إلي عارفة # حتى أقوم بشكر ما سلفا # وقد أبدع البحتري في قوله: # أخجلتني بندى يديك وسودت # ما بيننا تلك اليد البيضاء # وقطعتني بالجود حتى إنني # متخوف أن لا يكون لقاء # وقال: # إيها أبا الفضل شكري منك في نصب # أقصر فما لي في جدواك من إرب # لا أقبل الدهر نيلا لا يقوم له # شكري ولو كان مسديه إلي أبي # وقال الشمردلي يمدح كريما: # أياديك لا تخفى مواقع صوبها # فتعفو إذا ما ضيع الحمد والشكر # وهل تستطيع الأرض من بعدما انطوت # على ريها إنكار ما فعل القطر # وقال آخر: # هب الروض لا يثنى على الغيث نشره # أمنظره تخفى مآثره الحسنا # ولغيره: # لا يقبلون الشكر ما لم ينعموا # نعما يكون لها الثناء تبيعا # وللسموءل: # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها: إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # ولآخر: # فما بلغت أيدي المنيلين بسطة # من الطول إلا بسطة الشكر أطول # ولا رجحت في الوزن يوما صنيعة # على المرء إلا منة الشكر أثقل # لما جعل ابن الزيات في التنور قال له خادمه: يا سيدي قد صرت إلى ما صرت وليس لك حامد، ~~قال: وما نفع البرامكة، قال: ذكرك لهم الساعة، فقال: صدقت، وقال أشجع يمدح قوما ~~كراما: # مدحناهم فلم ندرك بمدح # مآثرهم ولم نترك مقالا # وقال ابن الحجاج الشاعر: # هو البحر إن حدثت عن معجزاته # ضعفت عن استغراق تلك العجائب # وإن رام شعري أن يحيط ms127 بوصفه # أحاط بشعري العجز من كل جانب # وقال: نصيب الأصغر يمدح الفضل بن يحيى : # ما لقينا من جود فضل بن يحيى # ترك الناس كلهم شعراء # وقيل لذي الرمة: لم خصصت ملالا بمدحك؟ قال: لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي فاستولى بذلك ~~على شكري ومدحي. # وقال أحدهم يمدح كريما: # إن جد معنى فمن جدواه معتصر # أو جل لفظ فمن علياه مهتصر # وأنشد المتنبي: # وأصبح شعري منهما في مكانه # وفي عنق الحسناء يستحسن العقد # وذكر أعرابي رجلا كريما فقال: كأن الألسن والقلوب ربطت له فما تعقد إلا على وده ولا ~~تنطق إلا بحمده، وغاية المدح أن يمدحك من لا معرفة له بك ضرورة إلى مدحك وأن يسلفك حسن ~~الثناء من عسى أن لا يصل منك إلى نفع. # وقال ابن أبي طاهر: # وما أنا في مدحي عليا بواحد # ولكنه في الفضل والجود واحد # ولابن الرومي: # إذا امتدحوا لم ينحلوا مجد غيرهم # وهل ينحل الأطواق ورق الحمائم # وله أيضا: # أنت زنت القلائد الزهر قدما # ضعف ما زانت القلائد جيدك # وأنشد عمارة بن عقيل يمدح خالدا: # أرى الناس طرا حامدين لخالد # وما كلهم أفضت إليه صنائعه # ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى # إذا كرمت أعراقه وطبائعه # قال بعض الأكابر لأبي هفان: ما لك لا تمدحني؟ فقال: # لسان الشكر تنطقه العطايا # يخرس عند منقطع النوال # وسئل رجل عن بعض الأكابر، فقال: أما ترى ازدحام الناس على بابه وكثرة قصاده وطلابه. ~~وقال الشاعر: # يزدحم الناس على بابه # والمنهل العذب كثير الزحام # وقال أعرابي: قصدت فلانا فوجدت بابه كعرصة المحشر يهوي إليه كل معشر فداره مجمع ~~العفاة ومربع المكرمات حاضرة الجود والحسب وهب. # دخل رجل على أبان بن الوليد فقال: أصلح الله الأمير أحفيت إليك الركاب وقطعت الهضاب ~~وأخلقت الثياب، فقال أبان: ما دعاك إلى ذلك؟ أقرابة أم جوار أم عشرة متقدمة أم صلة ~~سابقة فقال: لم يكن من ذلك شيء ولكني سمعت الناس ينشدون بيتا قلته فيك فعلمت فيك خيرا ~~وهو: # وما شيم لي برق وإن كان نازحا ms128 # فيخلف إذ بعض البوارق خلب # فأمر له بجمال ومال. # وأنشد بشار بن برد يمدح كريما: # دعاني إلى عمر جوده # وقول العشيرة بحر خضم # ولولا الذي خبروا لم يكن # لأحمد ريحانة قبل شم # وأنشد الموسوي: # دعاني إليك العز حتى أجبته # ومن طلبته جمة الماء أوردا # ولآخر: # بلغت مرادي واطمأنت بي النوى # وقال لي الوراد أعشبت فانزل # وقال أبو النواس: # تقول التي من بيتها خف مركبي # غزيز علينا أن نراك تسير # أما دون مصر للفتى متطلب # بلى إن أسباب الغنى لكثير # ذريني أكثر حاسديك برحلة # إلى بلد فيه الخصيب أمير # فتى يشتري حسن الثناء بماله # ويعلم أن الدائرت تدور # فما جازه جود ولا حل دونه # ولكن يسير الجود حيث يسير # وقال آخر يمدح أميرا: # وإذا المطي بنا بلغن محمدا # فظهورهن على الرجال حرام # قربنا من خير من وطئ الثرى # فلها علينا حرمة وزمام # وقال المتنبي يمدح كافورا ويثني على كرمه: # قواصد كافور توارك غيره # ومن ورد البحر استقل السواقيا # فجاءت به إنسان عين زمانه # وخلت بياضا خلفها وإماقيا # وأنشد ابن الرومي: # أريد مكانا من كريم يصونني # وإلا فلي رزق بكل مكان ~~••• # حصلت في عهد هشام مجاعة عظيمة، فدخل إليه وجوه ~~الناس من الأحياء وفي جملتهم درواس بن حبيب العجلي وعليه جبة صوف مشتمل عليها بشملة قد ~~اشتمل بها الصماء، فنظر هشام إلى صاحبه نظرة لائم في دخول درواس إليه وقال: أيدخل علي ~~كل من أراد الدخول، وكان درواس مفوها فعلم أنه عناه، فقال درواس: يا أمير المؤمنين ما ~~أخل لك دخولي عليك، ولقد شرفني ورفع قدري تمكني من مجلسك، وقد رأيت الناس دخلوا لأمر ~~أحجموا عنه فإن أذنت في الكلام تكلمت، فقال هشام: لله درك تكلم، فما رأى صاحب القوم ~~غيرك، فقال: يا أمير المؤمنين تتابعت علينا سنون ثلاث - أما الأولى فأذابت الشحم، وأما ~~الثانية فأكلت اللحم، وأما الثالثة فانتقت المخ ومصت العظم ولله في أيديكم أموال فإن ~~تكن لله فاعطفوا بها على عباد الله وإن تكن لهم فعلام تحجبونها عنهم؟! وإن ms129 تكن لكم ~~فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين، فقال هشام: لله أنت ~~ما تركت واحدة من ثلاث، وأمر بمائة ألف دينار فقسمت في الناس، وأمر لدرواس بمائة ألف ~~درهم، فقال: يا أمير المؤمنين ألكل رجل من المسلمين مثلها، قال لا ولا يقوم بذلك بيت ~~المال، فقال: لا حاجة لي فيما يبعث على ذمك، فلما عاد إلى داره أمر بذلك فبعث إليه فقسم ~~تسعين ألف درهم في تسعة من أحياء العرب وأبقى عشرة آلاف درهم فبلغ ذلك هشاما فقال: لله ~~دره إن صنيعة مثله تبعث على الاصطناع. # وقال ابن الرومي مفتخرا: # زني الناس حتى تعرفي عند وزنهم # إذا رفع الميزان كيف أميل # وأنشد جرير الشاعر: # إذا سركم أن تمسحوا وجه سابق # جواد فمدوا وابسطوا من عنانيا # ألا لا تخافا بنوتي في ملمة # وخافا المنايا أن تفوتكما بيا # قال أعرابي: أشد الأشياء مؤونة إخفاء الفاقة وأشد من ذلك السؤال إلى من يجبرها، وقال ~~خالد بن صفوان: أشد من فوت الحاجة طلبها إلى غير أهلها وقال الأعشى: # حسب الكريم مذلة ونقيصة # أن لا يزال إلى لئيم يرغب # وقال آخر: # وإني لأرثي للكريم إذا غدا # على حاجة عند اللئيم يطالبه # وقيل: السؤال وإن قل ثمرة لكل نوال وإن جل، وقال الشاعر: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله # عوضا وإن نال الغنى بسؤال # وإذا السؤال مع النوال قرنته # رجح السؤال وخف كل نوال # وكان يجري على أبي العيناء رزق فتأخر عنه فتقاضاه مرارا ثم تركه وقال: لا حاجة لي ~~فيه فهو رق لا رزق وبلاء لا عطاء، ومحنة لا منحة. # وقال الشاعر: # وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا # فابذله للمتكرم المفضال # قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «اعتمد لحوائجك الصباح الوجوه فإن حسن الصورة أول نعمة تلقاك من ~~الرجل». كلم أعرابي خالد بن عبد الله وتلجلج في كلامه فقال: لا تلمني على الاختلاط فإن ~~معي ذل الحاجة ومعك عز الاستغناء. وقال سعيد بن العاص: موطنان لا أعتذر من العي فيهما ~~إذا سألت ms130 حاجة لنفسي وإذا كلمت جاهلا. وسار الفضيل بن الربيع إلى أبي عباد في نكبة ~~يسأله حاجة فارتج عليه، فقال له: يا أبا العباس بهذا اللسان خدمت خليفتين، فقال: إنا ~~تعودنا أن نسأل لا أن نسأل وأنشد ابن الرومي: # نذكر بالرقاع إذا نسينا # ونذكر حين تمطلنا الكرام # فإن الأم لم ترضع صبيا # مع الإشفاق لو سكت الغلام # قال الإمام عمر بن الخطاب: إذا سألتمونا حاجة فعاودونا فيها فإنما سميت القلوب ~~لتقلبها، وأنشد بشار بن برد: # هززتك لا أني وجدتك ناسيا # لأمري ولا أني أردت التقاضيا # ولكن رأيت السيف من بعد سله # إلى الهز محتاجا وإن كان ماضيا # تواطأ أبو دلامة مع أم دلامة على أن يأتي هو المهدي فينعيها وتأتي على الخيزران ~~فتنعيه، فأتى أبو دلامة المهدي وهو يبكي وأنشد: # وكنا كزوج من قطافي مفازة # لدى خفض عيش مورق ناضر رغد # فأفردنا ريب الزمان بطرقه # ولم نر شيئا قط أوحش من فرد # فقال له: ما بالك؟ فقال: ماتت أم دلامة وإني أحتاج إلى تجهيزها فدفع له مالا، وأتت ~~أم دلامة الخيزران وقالت: إن أبا دلامة مضى لسبيله، فاغتمت وأمرت لها بمال وأعطتها ~~ثيابا وطيبا، ولما دخل المهدي على الخيزران قالت له: يا أمير المؤمنين إن أبا دلامة ~~مضى لسبيله أبقى الله أمير المؤمنين وأم دلامة كانت عندي الساعة فأعطيتها التجهيز ~~لزوجها، فقال المهدي: إن أم دلامة مضت لسبيلها وكان عندي أبو دلامة الساعة وأعطيته نفقة ~~تجهيزها، فعجبا ولم يصدقا حتى ذهبا إليهما فنظر المهدي فإذا بهما طريحين في أرض الدار ~~فقال: لا بد أن أم دلامة ماتت قبل زوجها، قالت: بل أبو دلامة يا أمير المؤمنين، قال: ~~وكيف ذلك وقد رأيته الساعة، فلما اشتد الخصام قال المهدي: أقسم بشرفي إن لمن أطلعني ~~على الحقيقة خمسة آلاف درهم، فنهض أبو دلامة، وقال: أم دلامة ماتت قبلي يا أمير ~~المؤمنين، فضحك المهدي ودفع إليه المال. # كان لأبي الأسود جبة خز قد تقطعت، فقال له معاوية: ما تمل لبسها، فقال: رب مملول لا ~~يستطاع ms131 فراقه، فأمر له بمال. # قصد أبو الحسن الوراق سيف الدولة في جملة الشعراء فناوله درجا يوهم أنه شعر له، ~~فنشره سيف الدولة، فقال: ليس فيه شيء مكتوب. فقال سيدي يكتب فيه لعبده، فضحك وأمر له ~~بمال. # قسم عبد الله بن عبيد مالا بين بنيه، فقال له عبد صغير: أعطني أولا، فقال له ولم؟ ~~قال لأن الله تعالى يقول: # المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا ~~(الكهف: 46) فبدأ بالمال وأنا مالك، فأعطاه وقدمه. # وسأل أعرابي عبد الملك، فقال له: سل الله، فقال: سألته فأحالني عليك، فضحك منه ~~وأعطاه. # وقال الشاعر: # وإذا طلبت إلى كريم حاجة # فلقاؤه يكفيك والتسليم # وإذا رآك مسلما عرف الذي # حملته وكأنه ملزوم # قال شريح: من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرق فإن قضاها المسئول استعبده بها وإن رده ~~رجع حرا وهما ذليلان هذا بذل اللؤم وهذا بذل السؤال. وقال سعيد بن العاص: ما رددت ~~أحدا عن حاجة إلا تبينت العز في قفاه والذل في وجهي. وأدخل ابن السماك رجلا إلى الفضل ~~بن الربيع فقال: إن هذا يذل لك ماء وجهه فأكرم وجهك عن رده، وأنشد أبو تمام: # ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت # من ماء وجهي إذا أفنيته عوض # وقيل: العجب لمن يشتري العبيد بالأموال ولا يشتري الأحرار بالنوال والأفضال، وقيل: ~~ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرمهم تملكهم. # وسئل خالد بن يزيد ما الجود؟، قال أن تعطي من سألك، فقال ابنه: يا أبت هذا هو كد ~~المسألة إنما الجود أن تعطي من سألك ومن لم يسألك. # وقال محمد بن أبي عمران: # أجرني من ذل السؤال وأعفني # فكل عزيز في السؤال ذليل # وقيل: أهنأ المعروف عاجله، وقال أحدهم: إذا أوليتني نعمة فعجلها فإن النفس مولعة بحب ~~العاجل، وقال مروان بن أبي حفصة: # فما نحن نخشى أن يخيب دعاؤنا # لديك ولكن أهنأ الجود عاجله # أقام أحدهم بباب ملك مدة فلم يحظ منه بشيء فكتب أربعة أسطر في رقعة، الأول: (الأمل ~~والضرورة أقدماني عليك)، الثاني: (ليس على العدم صبر)، الثالث: ms132 (الرجوع بلا فائدة شماتة ~~الأعداء). والرابع: (إما (نعم) مثمرة وأما (لا) ميئسة)، فكتب تحت كل سطر يعطى لكل منها ~~أربعة آلاف درهم. # وأنشد المتنبي: # أبا المسك هل في الكأس فضل أنا له # فإني أغنى منذ حين وتشرب # وهبت على مقدار كفي زماننا # ونفسي على مقدار كفيك تطلب # إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية # فجودك يكسوني وشغلك يسلب # ومدح المتنبي كريما قد نأى عنه فقال: # فإن فارقتني أمطاره # فأكثر غدرانها قد نضب # وقال ابن الحجاج في كريم سأله: # نفسي تقي نفسك ما تشتكي # لمثل هذا اليوم أعددتكا # فأجر على العادة في بر من # يجري على العادة في شكركا # وفد أحد الشعراء على أمير من العرب فلم يلتفت إليه فأنشد: # ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي # ماذا أفدت من الجواد المفضل # فاختر لنفسك ما أقول فإنني # لا بد مخبرهم وإن لم أسأل # فضحك الأمير وأجازه. # قال أعرابي لمعاوية أقمني على البصرة، قال: ما أريد بعاملها بدلا، قال: أقطعني ~~البحرين، قال ما لي إلى ذلك سبيل، قال: فمر لي بألف درهم، فأمر له، فقيل له: قد بالغت ~~أولا ثم انحططت، فقال: لولا طلبي كثيرا ما أعطاني قليلا. # قال خالد بن عبد الله لأعرابي قال فيه: # أخالد بين الأجر والحمد حاجتي # فأيهما تأتي وأنت جواد # سل ما بدا لك، فقال: مائة ألف درهم، قال: أسرفت، قال: ألف درهم، فقال خالد لا أدري ~~أمن إسرافك أتعجب أم من حطك، فقال: إني سألتك على قدرك فلما أبيت سألت على قدري، فقال: ~~إذا والله لا تغلبني على معروفي، ودفع إليه ما طلب. # قال عبد الله بن جعفر: لا تستحي من إعطاء القليل فإن المنع أقل منه. # مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة، فقال له: إن شئت أجزناك وإن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع ~~أن يختار الثواب وكره العدول إلى المدح فقال: # ثناء من أمير خير كسب # لصاحب مغنم وأخي ثراء # ولكن الزمان أطال دائي # وما مثل الدراهم من دواء # فضحك معن وأجازه. # قال بعض الخلفاء لسائل ms133 احتكم، فقال: يد أمير المؤمنين أبسط من لساني بالمسألة، فأجزل ~~له العطية. # دخل أشعري على الرشيد وسأله، فقال: احتكم، فقال: أشعري يحتكم بعد أبي موسى، فضحك منه ~~وأجازه. # دخل أعرابي على بائع تمر بالكوفة فقال: # رأيتك في النوم أطعمتني # قواصر من تمرك البارحه # فقلت لصبياننا أبشروا # برؤيا رأيت لكم صالحه # قواصر تأتيكم بكرة # وإلا فتأتيكم رائحه # فقل لي نعم إنها حلوة # ودع عنك لا إنها مالحه # فأعطاه قوصرة تمر، وقال: أحب أن تتركني من هذه الرؤيا فإن رؤيا يوسف صدقت بعد أربعين ~~سنة. # قال رجل لابن عباس أتيتك في حاجة صغيرة، فقال: هاتها فالحر لا يصغر عن كبير أخيه ولا ~~يكبر عن صغيره. # قيل لبعضهم: أي الناس أحب إليك؟، قال: من أولاني معروفا، قيل: فإن لم يكن، قال: من ~~أوليته معروفا، قال رجل لهشام: إن الله تعالى جعل العطاء محبة والمنع مبغضة فأعني على ~~حبك، قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من اتصلت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه فمن لم يحتمل ~~تلك المؤن عرض لزوال النعم». قال خالد بن عبد الله: حوائج الناس إليكم نعم من الله ~~عليكم فلا تملوا النعم فتتحول نقما، وأفضل الأموال ما أكسب أجرا وأورث ذكرا، قيل ~~لحاتم: كيف تجد الجود في قلبك، فقال: إني لأجده كما يجده الناس ولكن أحمل نفسي على خطط ~~الكرام، وقيل: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، وإن لم يجد بها فقد جاد بما لا قوام له إلا ~~بها. # وصف رجل خالد بن عبد الله القسري بالشجاعة، فقال بعض من حضره: إن خالدا لم يلق ~~حربا قط، فقال: الصبر على السخاء أشد من الصبر في الهجاء. # قال ابن أبي خالد: لا تعدن نفسك شجاعا حتى تكون جوادا فإنك إن لم تقو على أن ~~تقاتل نفسك على البخل لم تقدر على عدوك بالقتل، وقيل: السخي شجاع والبخيل شجاع الوجه، ~~وقال أبو تمام: # وإذا رأيت أبا يزيد في الوغى # ويداه تبدي غارة وتعيدا # أيقنت أن من السماح شجاعة # تدمي وإن من ms134 الشجاعة جودا # قالت امرأة لابنها: إذا رأيت المال مقبلا فأنفق فإنه يحتمل، وإذا رأيته مدبرا فأنفق ~~فإن ذهابه فيما تريد أجدى من ذهابه فيما لا تريد. # قال وهب بن منبه: اتخذوا عند المساكين سيرا فإن لهم دولة يوم القيامة. كان محمد بن ~~كعب أصاب مالا فقيل له: ادخره لولدك من بعدك، فقال: لا والله أدخره لنفسي وأدخر ربي ~~لولدي. # وقال بشار بن برد في الجود: # أخالد إن الجود يبقي لأهله # جمالا ولا تبقى الكنوز على الكد # وقال ابن مقبل: # وأيسر مفقود وأهون هالك # على الحي من لا يبلغ الحي نائله # قال أحدهم: أفضل الناس عيشا من عاشت الناس في فضله. # قال المتنبي فيمن لا يكفه قول العاذل عن إنفاق المال: # وما ثناك كلام الناس عن كرم # ومن يسد طريق العارض الهطل # لما مات حاتم الطائي تشبه به أخوه فقالت له أمه: لا تتعبن فيما لا تناله، فقال: وما ~~يمنعني وقد كان شقيقي وأخي من أمي وأبي، فقالت: إني لما ولدته كنت كلما أرضعته أبى أن ~~يرضع حتى آتيه بمن يشاركه فيرضع الثدي الآخر، وكنت إذا أرضعتك ودخل صبي بكيت حتى يخرج، ~~قال الشاعر: # يلام أبو الفضل في جوده # وهل يملك البحر أن لا يفيضا # كانت أخت حاتم سخية لا تبقي شيئا، فحظر عليها إخوتها وحبسوها حتى ذاقت طعم الجوع ~~والفقر، فظنوا أنها قد وجدت ألم الضيق والفقر فأطلقوها ودفعوا إليها صرة، فأتتها ~~سائلة، فقالت: دونك الصرة فقد نابني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلا أبدا. # مدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما ~~مدحتك ولكن ذكرتك نعم الله عليك لتجدد شكرا، فقال هشام: هذا أحسن من المدح فوصله ~~وأكرمه. # قال بعض الأعراب: قدم علينا الحكم بن المخزومي ولا مال لنا فأغنانا عن آخرنا، فقلت ~~له: كيف؟ فقال: علمنا مكارم الأخلاق فعاد أغنياؤنا على فقرائنا فصرنا كلنا ~~أجوادا. # قال مسلم بن قتيبة: إني لأعجز عن مكافأة من رآني لحاجته ms135 أهلا، فقال أبو العطاء: أيها ~~الأمير فاجعل فضلك ابتداء حتى ترفع عن نفسك ثقل المكافأة. # سئل بعض الأدباء عن جعفر بن يحيى بعدما قتل، فقال: تركني مقطوع الآمال زاهدا بعده ~~في طلب الأموال. # قال ابن خارجة: لا أرد سائلا فإنما هو كريم أسد خلته أو لئيم أشتري عرضي منه. # كان العباس بن محمد يجري على رجل شيئا فغضب عليه، وكان ابنه كتب إطلاقات رفعت إليه ~~فترك اسم المغضوب عليه، فقال: فأين ذكر رزق فلان، فقال: إنك قد كنت غضبت عليه، فقال: يا ~~بني غضبي لا يسقط هبتي إن أباك لا يغضب في النوال. # قال الحجاج يوما: قل السائلون؟ فقال رجل: أصلح الله الأمير إنك أكثرت خير البيوت ~~فاستغنى الناس بما يصل إليهم عن الترحال، فسر الحجاج، وقال: بارك الله فيك وأحسن ~~إليه. # مدح رجل كريما فقال: كيسه محلول وماله مبذول يطعمك نفسه إن أكلتها ويسقيك روحه إن ~~شربتها. # قيل للحسن بن سهل وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خير، فقال: ليس في ~~الخير سرف. # لما دخل الفضل بن يحيى الرقة قال لوكلائه: أحصوا منزل من يغنيه ألف درهم، فأحصوا ~~ثلاثمائة منزل، فوجه إليهم ثلاثمائة ألف درهم، ثم وضع له الطعام فقال ما أكلت طعاما ~~أهنأ من اليوم وقد علمت أني أغنيت ثلاثمائة ألف بيت. # دخل هشام بن عروة على المنصور فشكا إليه دينا، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال: يا أمير ~~المؤمنين روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «من أعطى عطية وهو طيب النفس بورك للمعطي ~~والمعطى منها» أفنفسك طيبة بها؟ قال: نعم. # فرق علي بن موسى الرضي ماله بخراسان كله في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ما هذا ~~المغرم؟ فقال: بل هو المغنم، لا تعدن مغرما ما ابتعت به أجرا وكرما. # قال الحسن بن علي لرجل سأله شيئا فلم يمكنه: لو أمكنني لكان الحظ فيه لنا دونك فإنا ~~حرمنا شكرك فلا تحرمنا سعة عذرك. # وإليك بعض أبيات في مدح الجود والأجواد: # لو ms136 أن عين زهير أبصرت حسنا # وكيف يصنع في أمواله الكرم # إذا لقال زهير حين يبصره # هذا جواد على العلات لا هرم ~~••• # وإن جاد قبلك قوم مضوا # فإنك في الكرم الأول ~~••• # لو أن ما فيه من جود يوزعه # على الخلائق عادوا كلهم سمحا # كأن فيض يديه قبل مسألة # باب السماء إذا ما بالحيا انفتحا ~~••• # مطرت أنامل راحتيه فوائدا # هانت علينا بعدها الأمطار # إذا القطر لم يغزر علينا سماؤه # بأرض وثقنا من سمائك بالغزر ~~••• # قوم إذا مطرت سماء نوالهم # ذم الأنام سحائب الأمطار ~~••• # يجود فتستحيي السحاب إذا رأت # نداه وتخطيه الغيوث المواطر ~~••• # إذا انبسطت بالمكرمات أكفهم # رأيت الحيا من صيبهن قد استحيا ~~••• # أنا الرجل الذي كلتا يديه # يمين في صروف النائبات ~~••• # فتى شقيت أمواله بسماحة # كما شقيت قيس بأرماح تغلب ~~••• # كأن لهم دينا عليه وما لهم # سوى جود كفيه عليه حقوق ~~••• # ألبستني حلل الغنى فلبستها # وجعلت آمالي لهن ذيولا ~~••• # بسطت لهم وجها طليقا إلي الندى # وشر الوجوه ما يعبسه البخل ~~••• # وتأخذه عند المكارم هزة # كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب ~~••• # وصنيعة لك قد كتمت جزيلها # فأبى تضوعها الذي لا يكتم ~~••• # وريق عودهم أبدا رطيب # إذا ما اغبر عيدان اللئام ~~••• # الجود يعلم أني منذ عاهدني # ما خفته وقت ميسوري ومعسوري ~~••• # هانت الدنيا عليه # فهي نهبى في يديه # يصبح الجود ويمشي # عاكفا في راحتيه ~~••• # وإن خليليك السماحة والندى # مقيمان بالمعروف حيث تقيم ~~••• # وإن وجود الجود في كل بلدة # إذا لم يكن يحيا بها لغريب ~~••• # أعطاك قبل سؤاله # فكفاك مكروه السؤال ~~••• # سألتك إغنائي عن الناس كلهم # فأغنيتني عنهم وعنك جميعا ~~••• # وأحسن وجه في الورى وجه محسن # وأيمن كف في الورى كف منعم ~~••• # لم يدعني وفي يميني فضل # لندى غيره ولا في شمالي ~~••• # أرى الناس خلان الجواد ولا أرى # بخيلا له في العالمين خليل ~~••• # لا فرق في ناطق بالشرك عندهم # وناطق في جواب السائلين بلا ~~••• # لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا # ببغداد من أرض الجزيرة وإبله # ونعم الفتى والبيد بيني وبينه # بعشرين ألفا حببتنا رسائله # لعمري ما ms137 النائي البعيد بنازح # إذا قربت ألطافه ونوائله # وما ضرنا أن السماك مملق # بعيد إذا جادت علينا هواطله ~~••• # يقول أناس لو جمعت دراهما # وكيف لم أخلق لجمع الدراهم # أبى الله إلا أن تكون دراهمي # مدى الدهر نهبى بين عاف وغانم ~~••• # ولو نزل الأضياف ليلة لا قرى # لأطعمتهم لحمي وأنتقيتهم دمي ~~••• # وحكمني حتى لو أني سألته # شبابي وقد ولى به الشيب رده ~~••• # ما زال يهذي بالمكارم والعلى # حتى ظننا أنه محموم ~~••• # فتى كملت أخلاقه غير أنه # جواد فلا يبقى من المال باقيا ~~••• # يعد ما أنفق من ماله # غنما وما أوفره غرما ~~••• # ليس العطاء من الفضول سماحة # حتى تجود وما لديك قليل ~~••• # العرض ليس يصونه مال إذا # ما المال عند حقوقه لم يبذل ~~••• # كريم رأى الإقلال عارا فلم يزل # أخا طلب للمال حتى تمولا # فلما أفاد المال عاد بفضله # على كل من يرجو جداه مؤملا # الحلم والحلماء # قيل: الحلم تجرع الغيظ ودعامة العقل، وقيل: ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر ~~انتصر، ولكن الحليم من ظلم فحلم فإذا قدر غفر، وقالت الفلاسفة: الحلم فضيلة النفس ~~يكسبها الطمأنينة ولا يحركها الغضب، وقيل: الحلم والأناة توأمان ينتجهما علو الهمة، ~~وقيل لعمر بن الأهتم: من أشجع الناس؟، فقال: من رد جهله حلمه، وقيل: ليس التاج الذي ~~يفتحر به العلماء والملوك فضة أو ذهبا لكنه الوقار المكلل بجواهر الحلم. # دفع أزدشير بن بابك ثلاثة كتب إلى رجل يقوم على رأسه، وقال له: إذا رأيتني قد غضبت ~~فادفع إلي الأول، وكان فيه «أمسك فلست بإله وإنما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا»، ~~فإن لم أندم، فادفع إلي الثاني، وكان فيه «ارحم عباد الله يرحمك الله»، وإلا فالثالث ~~وكان فيه: «احمل عباد الله على حقه». # ومر النبي # صلى الله عليه وسلم # بقوم يربعون حجرا فقال: «إن أشدكم من ملك نفسه عند الغضب»، وقيل: ~~الكظم يدفع محذور الندم كالماء يطفيء حر الضرم. وقال أحدهم: كظم يتردد في حلقي أحب ~~إلي من نقص أجده في خلقي، وقال الله تعالى: ms138 # إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون ~~(الأعراف: 201)، قيل لحكيم: أي الأحمال أثقل؟ فقال: الغضب. ~~وقيل لأبي عباد: أي أبعد من الرشاد السكران أم الغضبان؟ فقال: الغضبان لا يعذره أحد ~~في ذنب يجترمه وما أكثر ما يغدر السكران. وقيل: من غضب من غير ذنب رضي من غير عذر. ~~وقيل: من فاته الدين والمروءة فرأس ماله الغضب. وقال حكيم: إياك وعزة الغضب، فإنها تصير ~~بك إلى ذل الاعتذار، وقيل: أسرع الناس رضى أسرعهم غضبا كالحطب أسرعه خمودا أسرعه ~~وقودا. وشتم حليم سفيها وهو ساكت، فقال: إياك أعني، فقال: وعنك أغضي. وقيل: من كرم ~~أصله لان قلبه. وقيل: من أمارات الكرم الرحمة، ومن أمارات اللؤم القسوة، وقال الله ~~تعالى في العفو: # وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم ~~(النور: 22)، وقال أيضا: # خذ ~~العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ~~(الأعراف: ~~199). وقال الأحنف: إياكم وحمية الأوغاد، قيل: وما حميتهم؟ قال: يرون العفو مغرما ~~والبخل مغنما، وقيل: من شكر الموهوب العفو عن الذنوب والاحتمال قبر العيوب، وقيل: لذة ~~العفو أطيب من لذة التشفي لأن لذة العفو يتبعها حمد العاقبة ولذة التشفي يتبعها غم ~~الندامة، وقيل للإسكندر: أي شيء أنت به أسر مما ملكت؟ قال: مكافأة من أحسن إلي ~~بأكثر من إحسانه وعفوي عمن أساء بعد قدرتي عليه. وقال المأمون: الحلم يحسن بالملوك ~~إلا في ثلاثة قادح - في ملك ومتعرض لحرمة ومذيع لسر. وقال السفاح: الحلم يحسن إلا ~~ما أوضع الدين وأوهن السلطان. وقال الإمام عمر: لئن يخطئ الإمام في العفو خير له من أن ~~يخطئ في العقوبة. وقال الإمام علي: إذا قدرت على العدو فاجعل العفو شكر قدرتك. ظفر ~~الإسكندر ببعض الملوك فقال له: ما أصنع بك، قال: ما يجمل بالكرام أن يصنعوه إذا ظفروا، ~~فخلى سبيله ورده إلى مملكته. ولما ظفر أنوشروان ببزرجمهر، قال: الحمد لله الذي أظفرني ~~بك، فقال: كافئ من أعطاك ما تحب بما يحب. # وقال معاوية: العقوبة ألأم حالات ذي القدرة. وقال حكيم: من شفى ms139 غيظه لم يجب شكره. ~~وقيل: التشفي طرف من الجزع فمن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم إلا ستر رقيق ~~وحجاب ضعيف فلينصف. وقيل: عفو العزيز أعز له وعفو الذليل أذل له. وقال بعض الملوك: إنما ~~نملك الأجساد دون النيات ونحكم بالعدل لا بالهوى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر، وقال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا أخبركم بشركم من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده، ألا أخبركم بشر من ~~ذلك، من لا يقبل معذرة ولا يقبل عثرة». وقيل: لا عيب مع إقرار ولا ذنب مع استعفاء. سمع ~~حكيم رجلا يقول: ذنب الإصرار أولى بالاغتفار، فقال: صدق والله ليس فضل من عفا عن السهو ~~القليل كمن عفا عن العمد الجليل. وقال ابن المعتز: تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار ~~طريقا حتى اتخذ من رجائك رفيقا، وقال الفضل بن مروان لرجل عاتبه: بلغني أنك تبغضني، ~~فلم ينكر الرجل وقال: أنت كما قال الشاعر: # فإنك كالدنيا نذم صروفها # ونوسعها ذما ونحن عبيدها # أتي المنصور برجل أذنب فقال: إن الله يأمر بالعدل والإحسان فإن أخذت في غيري بالعدل ~~فخذ في الإحسان؛ فعفا عنه. # قال الشعبي لابن بسرة وقد كلمه في قوم حبسهم: إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم وإن ~~حبستهم بحق فالعفو يكفهم، فأمر بإطلاقهم. # قال رجل لمعن: ما على المذنب أكثر من الرجوع فهل على من لم يذنب أكثر من ~~الاعتذار. # وقال الرشيد لمذنب: لأضربنك حتى تقر بالذنب، فقال: هذا خلاف ما أمر الله تعالى به ~~لأنه أمر أن يضرب الناس حتى يقروا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقر بالكفر، فخجل الرشيد ~~وعفا عنه. # انقطع عبد الملك عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي فقال: أتعرف عبد الملك؟ قال: نعم جائر ~~بائر، قال: ويحك أنا عبد الملك، قال: لا حياك الله ولا بياك ولا قربك، أكلت مال الله ~~وضيعت حرمته، قال: ويحك أنا أضر وأنفع، قال: لا رزقني الله نفعك ولا دفع عني ضرك، فلما ~~وصلت خيله علم صدقه، فقال: يا أمير المؤمنين اكتم ما جرى ms140 فالمجالس بالأمانة. # عثر جعفر بن سليمان برجل سرق درة فباعها فلما بصر بالرجل استحيا ، فقال له: ألم تكن ~~طلبت هذه الدرة مني فوهبتها لك، فقال: نعم فخلى سبيله. # كان ركن الدولة يوما في الدار بحيث لا يرى، فدخل فراش فرأى طاسا من ذهب ولم يكن ~~بصر به أحد فتناوله وخرج، فرآه ركن الدولة ولم يعلم به، فلما استقصى عليه الخدم قال: ~~دعوه فإن من أخذه لم يأخذه على أن يرده ورائية لا يريد أن يذكره، فبينما كان الفراش ~~يوما يصب ماء على يده وعليه ثياب فاخرة، قال له ركن الدولة: هذه الثياب من ذلك الطاس، ~~وكان الفراش صبورا، فقال: نعم أيها الأمير، وغير ذلك من أثر النعم، فعفا عنه. # قال غلام هاشمي أراد عمه أن يجازيه لسهو منه: يا عم إني قد أسأت وليس معي عقلي فلا ~~تسيء ومعك عقلك. # اعتذر رجل إلى المنتصر، فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله؟ حيث يقول: # وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ~~(الأحزاب: ~~5). # قال هاشمي للمأمون: من حصل له مثل التي ولبس ثوب حرمتي وأسلف مثل مودتي وغفر له فوق ~~زلتي، فقال: صدقت وعفا عنه. # غضب عبد الملك على رجل فلما أتى به قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: لا سلام ~~الله عليك، فقال: ما هكذا أمر الله، إنما قال تعالى: # وإذا ~~حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ~~(النساء: 86)، وقال: # وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا فقل سلام عليكم ~~(الأنعام: 54) فعفا عنه. # وكان عمر رضي الله عنه يعس ليلة فسمع غناء رجل من بيت فتسور عليه فرأه مع امرأة ~~يشربان الخمر، فقال: يا عدو الله أرأيت أن يسترك الله وأنت على معصية، فقال: يا أمير ~~المؤمنين لا تعجل، إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيت الله في ثلاث فقد قال الله ~~تعالى: # ولا تجسسوا ~~(الحجرات: 12) وقد تجسست، وقال: # وأتوا البيوت من أبوابها ~~(البقرة: 189) ~~وقد تسورت علي،وقال: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير ms141 بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها ~~(النور: 27) وقد دخلت بغير سلام، فقال عمر : أسأت فهل ~~تعفو؟ فقال: نعم وعلى أن لا تعود. # أتي الحجاج برجل من أصحاب ابن الأشعث فقال له: أفيك خير أن عفوت عنك، فقال: لا، قال: ~~ولم؟ قال: لأني كنت خاملا فرفعتني وألحقتني بالناس فخرجت مع ابن الأشعث لا لدين ولا ~~لدنيا ومعي الحماقة التي لا تفارقني أبدا ولا أفلح معها سرمدا، فضحك منه وخلى ~~سبيله. # أتي معن بن زائدة بأسرى فأمر بضرب أعناقهم، فقام غلام منهم فقال: أنشدك الله أيها ~~الأمير أن لا تقتلنا ونحن عطاش، فقال: اسقوهم، فلما شربوا قال: ناشدتك الله أن قتلت ~~ضيفانك، قال: أحسنت وخلى سبيلهم. # هم الأزارقة بقتل رجل، فقال: أمهلوني لأركع، فنزع ثوبه واتزر ولبى وأظهر الإحرام، ~~فخلوا سبيله لقوله تعالى: # أيها الذين آمنوا لا ~~تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ~~(المائدة: ~~2). # ولما أتي عمر رضى الله عنه بالهرمزان أراد قتله، فاستسقى ماء، فأتوه بقدح فأمسكه ~~بيده فاضطرب، وقال: لا تقتلني حتى أشرب هذا الماء، فقال: نعم، فألقى القدح من يده، فأمر ~~عمر بقتله، فقال: أو لم تؤمنني، وقلت: لا أقتلك حتى تشرب هذا الماء، فقال عمر: قاتله ~~الله أخذ أمانا ولم نشعر به. # غضب رجل على عبده، فقال: أسألك بالله إن علمت أني لأطوع لك منك لله فاعف عني عفا ~~الله عنك، فعفا عنه. # وقال رجل لأمير غضب عليه: أسألك بالذي أنت أذل بين يديه غدا مني بين يديك إلا ما ~~عفوت عني، فعفا عنه. # جنى غلام للحسن بن علي فأمر بعقابه، فقال: يا مولاي إن الله تعالى قد مدح قوما فكن ~~منهم، فإنه يقول: # والكاظمين الغيظ # فقال: خلوا ~~سبيله، قال: وقد قال: # والعافين عن الناس # قال: قد ~~عفوت عنك، قال: وقد قال: # والله يحب المحسنين ~~(آل عمران: 134) قال: أنت حر لوجه الله تعالى ولك من المال كذا. # استعفى رجل من مصعب بن الزبير فعفا عنه، فقال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، ~~فأعطاه مائة ألف، فقال ms142 الرجل: إني قد جعلت نصفها لابن قيس الرقيات لقوله: # إنما مصعب شهاب من الله # تجلت عن وجهه الظلماء # فقال له مصعب: هذا لك وعلينا أن نعطيه ذلك. # أتي عبد الله بن زياد بخارجي فأمر بقتله، فقال: إن رأيت أن تؤخرني إلى غد فأمر ~~بتأخيره، فقال: # عسى فرج يأتي به الله إنه # له كل يوم في خليقته أمر # فعفا عنه. # غضب المأمون على علي بن الجهم، فقال: لآخذن مالك ولأقتلنك اقتلوه، فقال أحمد بن ~~أبي داود: إذا قتلته فمن أين تأخذ المال يا أمير المؤمنين، قال: من ورثته، فقال: حينئذ ~~تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك، فقال: يؤخر حتى يستصفى ماله، وانفض المجلس ~~وسكن غضبه وتوصل إلى خلاصه. # غضب الرشيد على رجل فقال له جعفر: غضبت لله فأطع الله في غضبك بالوقوف إلى حال ~~التبين كما غضبت له. # قيل: ما عفا عن الذنب من قرع به، والعفو مع العذل أشد من الضرب على ذي العقل، فرب ~~قول أنفذ من صول وعفو أشد من انتقام، وقال بعض الأدباء: من غرس شجرة الحلم اجتنى ثمرة ~~السلم، وقال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاما: يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا، ~~فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله عز وجل فيه، وشتم رجل الشعبي، ~~فقال: إن كنت كما قلت فغفر الله لي وإن لم أكن كما قلت فغفر الله لك، وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكرا للقدرة عليه». وقال بعض البلغاء: أحسن ~~المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر، وقال بعض الحكماء: احتمال السفيه خير من التحلي ~~بصورته والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته، وقيل للإسكندر: إن فلانا وفلانا ينقصانك ~~ويثلبانك فلو عاقبتهما، فقال: هما بعد العقوبة أعذر في تنقصي وثلبي، فكان هذا تفضلا ~~منه وتألفا. # وقال الأحنف: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال إن كان أعلى مني ~~عرضت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، ms143 وإن كان نظيرا بي تفضلت عليه. # وقيل في منثور الحكم: الحلم حجاب الآفات ، وأكرم الشيم أرعاها للذمم، ومن ظهر غضبه قل ~~كيده. وقال بعض الأدباء: غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله. وقال بعض الحكماء: ~~إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جوابا وأوجعته عقابا. وقالت الحكماء: ثلاثة لا يعرفون ~~إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الجواد إلا في العسرة والشجاع إلا في الحرب والحليم إلا في ~~الغضب. وقال بعض الحكماء: العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم. وقال عمرو بن ~~العاص: أكرموا سفهاءكم فإنهم يسومونكم العار والشنار. قال سلمان لعلي بن أبي طالب: ما ~~الذي يباعدني عن غضب الله عز وجل، قال: لا تغضب. وقال بعض البلغاء: من رد غضبه هد ~~من أغضبه. وقال رجل لبعض الحكماء: عظني، قال: لا تغضب فينبغي لذي اللب السوي والحزم ~~القوي أن يتلقى قوة الغضب بحلمه فيصدها ويقابل دواعي شره بحزمه فيردها ليحظى بأجل الخير ~~وليسعد بحميد العاقبة. # شكا رجل إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # القسوة، فقال: «اطلع في القبور واعتبر بالنشور». وكان بعض ~~الملوك إذا غضب ألقى عنده مفاتيح ترب الملوك فيزول غضبه. وقال عمر بن الخطاب: من أكثر ~~من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. وكتب أبرويز إلى ابنه شيرويه: «إن كلمة منك تسفك ~~دما وأخرى منك تحقن دما وإن نفاذ أمرك مع كلامك فاحترس في غضبك من قولك أن تخطئ ومن ~~لونك أن تتغير ومن جسدك أن يخف فإن الملوك تعاقب قدرة وتعفو حلما». وقال بعض الحكماء: ~~الغضب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم. وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ينادي مناد يوم ~~القيامة من له أجر على الله عز وجل فليقم فيقوم العافون عن الناس، ثم تلا: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~(الشورى: ~~40). وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى ابن الأشعث: إن الله قد أعطاك ما ~~تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو. وقال النبي # صلى الله ms144 عليه وسلم ~~: «الخير في ثلاث خصال ~~فمن كن فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل وإذا غضب لم يخرجه ~~غضبه من حق وإذا قدر عفا». وأسمع رجل عمر بن عبد العزيز كلاما فقال عمر: أردت أن ~~يستفزني الشيطان لعزة السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا انصرف رحمك الله. ~~قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما ازداد أحد بعفو إلا عزا فاعفوا يعزكم الله». وقال بعض ~~البلغاء: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام ولا من شرط الكرم إزالة النعم، وقال المأمون ~~لإبراهيم بن المهدي: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك ~~فكرهت القتل للازم حرمتك، فقال: يا أمير المؤمنين إن المشير أشير بما جرت به العادة في ~~السياسة إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث ما عودته من العفو فإن عاقبت فلك نظير ~~وإن عفوت فلا نظير لك وأنشد: # البر بي منك وطأ العذر عندك لي # فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم # وقام علمك بي فاحتج عندك لي # مقام شاهد عدل غير متهم # لئن جحدتك معروفا مننت به # إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم # تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به # فلا عدمناك من عاف ومنتقم # المروءة وأربابها # قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم ~~فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته». وقال بعض البلغاء: من شروط المروءة أن ~~يتعفف عن الحرام ويتصلف عن الآثام وينصف في الحكم ويكف عن الظلم ولا يطمع فيما لا ~~يستحق ولا يستطيل على من لا يسترق ولا يعين قويا على ضعيف ولا يؤثر دنيا على شريف ~~ولا يسر ما يعقبه الوزر والإثم ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم. وسئل بعض الحكماء عن ~~الفرق بين العقل والمروءة، فقال: العقل يأمرك بالأنفع والمروءة تأمرك بالأجمل. وقال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره دنيها وسفسافها». وقال عمر ms145 ~~بن الخطاب: لا تصغرن هممكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم. وقيل: الهمة ~~راية الجد. وقال بعض البلغاء: علوا الهمم بذر النعم. وقال بعض العلماء: إذا طلب رجلان ~~أمرا ظفر به أعظمهما مروءة. وقال بعض الأدباء: من طلب التماس المعالي بسوء الرجاء لم ~~ينل جسيما. وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما هلك امرؤ عرف قدره». وقيل لبعض الحكماء: من أسوأ ~~الناس حالا؟ فقال: من بعدت همته واتسعت أمنيته وقصرت آلته وقلت مقدرته. وقال بعض ~~الحكماء: تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خولتم وتستصغرون بها نعمة الله عليكم. وقيل: ~~الحظوظ كالسحاب الذي يمسك عن منابت الأشجار إلى مغايص البحار وينزل إلى حيث يصادف من ~~خبيث وطيب فإن صادف أرضا طيبة نفع وإن صادف أرضا خبيثة ضر كذلك الحظ إن صادف نفسا ~~شريفة نفع وكان نعمة عامة وإن صادف نفسا دنية ضر وكان نقمة طامة. دعا موسى بن عمران ~~على قوم بالعذاب فأوحى إليه قد ملكت أسفلها على أعلاها، فقال: يا رب كنت أحب لهم عذابا ~~عاجلا؛ فأوحى الله تعالى إليه: أو ليس هذا كل العذاب العاجل الأليم، وقيل: شرف النفس ~~مع الهمة أولى من علو الهمة مع دناءة النفس؛ لأن من علت همته مع دناءة نفسه كان متعديا ~~إلى طلب ما لا يستحقه ومتخطيا إلى التماس ما لا يستوجبه ومن شرفت نفسه مع صغر همته فهو ~~تارك لما يستحق ومقصر عما يجب له والفضل بينهما ظاهر وإن كان لكليهما من الذم ~~نصيب. # وقيل لبعض الحكماء: ما أصعب شيء على الإنسان؟، قال: أن يعرف نفسه ويكتم الأسرار فإذا ~~اجتمع الأمران واقترنا بشرف النفس وعلو الهمة كان الفضل بهما ظاهرا وافرا ومشاق الحمد ~~مسهلة وشروط المروءة بينهما متينة. # وتقسم شروط المروءة إلى قسمين، شروط المروءة في النفس وشروطها في الغير، فأما شروطها ~~في النفس ففي ثلاثة أمور وهي العفة والنزاهة والصيانة، فأما العفة فنوعان أحدهما العفة ~~عن المحارم والثاني العفة عن المآثم وفي ذلك يقول الشاعر: # الموت خير من ms146 ركوب العار # والعار خير من دخول النار # والله من هذا وهذا جاري # والداعي إلى ذلك شيئان إرسال الطرف وإتباع الشهوة. قال عيسى ابن مريم عليه السلام: ~~إياكم والنظرة بعد النظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة. وقال ~~الإمام علي: العيون مصايد الشيطان، وقال حكيم: من أرسل طرفه استدعى حتفه. # قيل: شر الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا، وقيل: من يزرع خيرا يحصد زرعه ~~غبطة، وقال بعض الحكماء: إنما هلك الناس بفضول الكلام وفضول المال، وجاء في الحديث: ~~«المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم». # وأما العفة عن المآثم فنوعان أحدهما الكف عن المجاهرة بالظلم، والثاني زجر النفس عن ~~الإسرار بخيانة، فأما المجاهرة بالظلم فعتو مهلك وطغيان متلف، وهو يؤول إن استمر إلى ~~فتنة أو جلاء، فأما الفتنة في الأغلب فتحيط بصاحبها وتنعكس عن البادئ بها فلا تنكشف إلا ~~وهو بها مصروع كما قال الله تعالى: # ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله ~~(فاطر: 43)، وجاء في الحديث: «الفتنة نائمة ~~فمن أيقظها صار طعاما لها». وقال جعفر بن محمد: الفتنة حصاد للظالمين. وقال بعض ~~الحكماء: صاحب الفتنة أقرب شيء أجلا وأسوأ شيء عملا، والظالم كالنار إذا وقعت في يابس ~~الشجر فلا تبقي معها مع تمكنها شيئا حتى إذا أفنت ما وجدت أضمحلت وخمدت فيكون الظالم ~~مهلكا ثم هالكا، وجاء في الحديث: «اطلبوا الفضل والمعروف عند الرحماء من أن تعيشوا في ~~أكنافهم فترون آثار الله تعالى في الظالمين فإن له فيهم غيرا وتتصورن عواقب ظلمهم فإن ~~فيها مزدجرا». ورد في الحديث: «من أصبح ولم يف ظلم أحد غفر الله ما اجترم»، وورد عن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه خاطب عليا قائلا: «يا علي اتق دعوة المظلوم فإنه إنما يسأل ~~الله حقه وإن الله لا يمنع ذا حق حقه». وورد في منثور الحكم: ويل للظالم من يوم ~~المظالم. وقال بعض الحكماء: من جار حكمه أهلكه ظلمه، والاستسرار بالخيانة بذاء مهينة ~~ولو لم يكن من ذم الخيانة إلا ما يجده الخائن ms147 في نفسه من المذلة لكفاه زاجرا، ولو تصور ~~عقبى أمانته وجدوى ثقته لعلم أن ذلك من أربح بضائع جاهه وأقوى شفعاء تقدمه مع ما يجده ~~في نفسه من العز ويقابل عليه من الإعظام، وورد في الحديث: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ~~ولا تخن من خانك». وقيل: الأمانة مؤداة إلى البر. وقال بعض الحكماء: من التمس أربعا ~~بأربع التمس ما لا يكون، من التمس الجزاء بالرياء التمس ما لا يكون، ومن التمس مودة ~~الناس بالغلظة التمس ما لا يكون، ومن التمس وفاء الإخوان بغير وفاء التمس ما لا يكون ~~ومن التمس العلم براحة الجسد التمس ما لا يكون، والداعي إلى الخيانة شيئان المهانة وقلة ~~الأمانة، وإذا حسمها عن نفسه بما ذكر ظهرت مروءته. # وأما النزاهة فنوعان: أحدهما: النزاهة عن المطامع الدنية، والثاني: النزاهة عن مواقف ~~الريبة. # فأما المطامع الدنية فلأن الطمع ذل والدناءة لؤم وهما أدفع شيء للمروءة، والباعث على ~~ذلك شيئان، والشره وقلة الأنفة فلا يقنع بما أوتي وإن كان كثيرا لأجل شرهه ولا يستنكف ~~مما منع وإن كان حقيرا لقلة أنفته، وقال أحدهم: يا رسول الله أوصني، قال: عليك باليأس ~~مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه فقر حاضر وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع وإياك وما ~~يعتذر منه. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن نفسا لا تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في ~~الطلب ولا يحملنكم إبطاء الرزق على طلبه بالمعاصي فإن الله عز وجل لا يدرك ما عنده إلا ~~بطاعته». # وسئل محمد بن علي عن المروءة فقال: أن لا تعمل في السر عملا تستحي منه في العلانية، ~~وقف رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ليلة مع زوجته صفية على باب مسجد يحادثها وكان معتكفا فمر به ~~رجلان من الأنصار فلما رأياه أسرعا فقال لهما: على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا: ~~سبحان الله أوفيك شك يا رسول الله، فقال: «رأيت أن الشيطان يجري من أحدكم مجرى لحمه ~~ودمه فخشيت أن يقذف في قلبيكما سوءا». # وأما ms148 الصيانة وهي الثالث من شروط المروءة فنوعان: أحدهما: صيانة النفس كفايتها وتقدير ~~مادتها ، والثاني صيانتها عن عمل المنن من الناس، وأما التماس الكفاية وتقدير المادة ~~فلأن المحتاج إلى الناس كل منهضم ذليل مشتغل وهو لما فطر عليه محتاج إلى ما يستمده ~~ليقيم أود نفسه ويدفع ضرورة وقته. # وقد قالت العرب في أمثالها: كلب جوال خير من أسد رابض، وما يستمده نوعان لازم وندب، ~~فأما اللازم فهو ما أقام بالكافية وأفضى إلى سد الخلة، وعليه في طلبه ثلاثة شروط: أحدها ~~استطابته من الوجوه المباحة وتوقى المحظورة، فإن المواد المحرمة مستخبئة الأصول ممحوقة ~~المحصول إن صرفها في بر لم يؤجر وإن صرفها في مدح لم يشكر، وقد ورد في الحديث: «لا ~~يعجبك رجل كسب مالا من غير حله فإن أنفق لم يقبل منه وإن أمسكه فهو زاده إلى النار»، ~~وقال بعض الحكماء: شر المال ما لزمك إثم مكسبه وحرمك أجر إنفاقك، ونظر بعض الخوارج إلى ~~رجل من أصحاب السلطان يتصدق على مسكين فقال: انظر إليهم حسناتهم من سيئاتهم، والثاني ~~طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقه فيها غصن ولا يتدنس له بها عرض، فإن المال يراد ~~لصيانة الأعراض لا لابتذالها ولعز النفوس لا لإذلالها. وقال عبد الرحمن بن عوف: يا حبذا ~~المال أصون به عرضي وأرضي به ربي. وقال أبو شبر الضرير: # كفى حزنا أني أروح وأغتدي # وما لي من مال أصون به عرضي # وأكثر ما ألقى الصديق بمرحبا # وذلك لا يكفي الصديق ولا يرضي # وجاء في الحديث: «اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه». # والثالث أن يتأنى في تقدير مادته وتدبير كفايته بما لا يلحقه خلل ولا يناله زلل فإن ~~يسير المال على حسن التقدير، وإصابه التدبير أجدى نفعا وأحسن موقفا من كثيره مع سوء ~~التدبير، وفساد التقدير كالبذر في الأرض إذا روعي يسيره زكا وإن أهمل كثيره اضحمل. وقال ~~محمد بن علي رضي الله عنه: الكمال في ثلاثة، العفة في الدين، والصبر على النوائب، وحسن ~~التدبير في المعيشة. وقيل لبعض الحكماء: فلان ms149 غني، فقال: لا أعرف ذلك ما لم أعرف تدبيره ~~في ماله، فإذا استكمل هذه الشروط فيما يستمده من قدر الكفاية فقد أدى حق المروءة في ~~نفسه. وسئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: العفة والحرفة، وقيل: لا تأسف لمال كان ~~فذهب، ولا تعجز عن الطلب لوصب ولا نصب. # وأما الندب فهو ما فضل عن الكفاية وزاد على قدر الحاجة فإن الأمر فيه معتبر بحال ~~طالبه، فإن كان ممن تقاعد عن مراتب الرؤساء وتقاصر عن مطاولة النظراء وانقبض عن منافسة ~~الأكفاء فحسبه ما كفاه فليس في الزيادة إلا شره ولا في الفضول إلا نهم وكلاهما مذموم، ~~وجاء في الحديث: «خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي». وقال عبد الله بن مسعود: ~~المستغني عن الدنيا بالدنيا كمطفئ النار بالتبن. وقال بعض الحكماء: استر ماء وجهك ~~بالقناعة وتسل عن الدنيا لتجافيها عن الكرام فإن كان ممن مني بعلو الهمم وتحركت فيه ~~أريحية الكرم وآثر أن يكون رأسا ومقدما وأن يرى في النفوس معظما ومفخما فالكفاية لا ~~تقله حتى يكون ماله فاضلا ونائله فائضا. وقيل لبعض العرب: ما المروءة فيكم؟ فقال: ~~طعام مأكول ونائل مبذول وستر مقبول. وقال رجل لعمر بن الخطاب: خدمك بنوك؟ فقال: أغناني ~~الله عنهم. وقال الإمام علي لابنه الحسن في وصية له: يا بني إن استطعت أن لا يكون بينك ~~وبين الله ذو نعمة فافعل ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا فإن اليسير من الله ~~تعالى أكرم وأعظم من الكثير من غيره، وإن كان كل منه كثيرا، وقال زياد لبعض الدهاقين: ~~ما المروءة فيكم؟ قال: اجتناب الريب فإنه لا ينبل مريب وإصلاح الرجل ماله فإنه من ~~مروءته وقيامه بحوائجه وحوائج أهله فإنه لا ينبل من احتاج إلى أهله ولا من احتاج أهله ~~إلى غيره. وقيل: قدم لحاجتك بعض لجاجتك. وجاء في الحديث: «من أعياه رزق الله تعالى ~~حلالا فليستدن على الله وعلى رسوله». وقال الإمام علي: من أراد البقاء - ولا بقاء - ~~فليبادر الغداء وليخفف الرداء، قيل: وما في ms150 خفة الرداء من البقاء؟ قال: قلة في الدين ~~فإن أعوذه ذلك استسماحا فهو الرق المذل؛ ولذلك قيل: لا مروءة لمقل. وقال بعض الحكماء: ~~من قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه وجلالته، والذي يتماسك به الباقي من ~~مروءة الراغبين واليسير التافه من صيانة السائلين وإن لم يبق لذي رغبة مروءة ولا لسائل ~~تصون أربعة أمور: # أولا: # جهد المضطر، أحدهما: أن يتجافى ضرع السائلين وأبهة المستقلين فيذل ~~بالضرع ويحرم بالأبهة، وليكن من التحمل على ما يقتضيه حال مثله من ذوي ~~الحاجات، وقد قيل لبعض الحكماء: متى يفحش زوال النعم؟ قال: إذا زال ~~معها التجمل. # ثانيا: # أن يقتصر في السؤال على ما دعته إليه الضرورة وقادته إليه الحاجة ولا ~~يجعل ذلك ذريعة إلى الاغتنام فيحرم باغتنامه ولا يعذر في ضرورته، وقد ~~قال بعض الحكماء: من ألف المسألة ألفه المنع. # ثالثا: # أن يعذر في المنع ويشكر على الإجابة فإنه إن منع فعما لا يملك وإن ~~أجيب فإلى ما لا يستحق. # رابعا: # أن يعتمد على سؤال من كان للمسألة أهلا وكان أنجح عنده مأمولا؛ فإن ~~ذوي المكانة كثير والمعين منهم قليل، ولذلك قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الخير ~~كثير وقليل فاعله»، والمرجو للإجابة من تكاملت فيه خصالها وهي ثلاث: ~~إحداهن كرم الطبع فإن الكريم مساعد واللئيم معاند، وقد قيل: المخذول من ~~كانت له إلى اللئام حاجة. والثانية: سلامة الصدر فإن العدو ألب على ~~نكبتك وحرب على نائبتك. وقد قيل: من أوعز صدره استدعيت شره فإن رق لك ~~بكرم طبعه ورحمك بحسني ظفره فأعظم بها محنة أن يصير عدوك لك راحما وقد ~~قال الشاعر: # وحسبك من حادث بامرئ # ترى حاسديه لهف راحمينا # والثالث: ظهور المكنة فإن من سأل ما لا يمكن فقد أحال وكان كمستنهض ~~المسجون ومسعف المديون وكان بالرد خليقا وبالحرمان حقيقا، وقد قال ~~الإمام علي: من لا يعرف (لا) حتى يقال له لا فهو أحمق، ووصى عبد الله ~~بن الأهتم ابنه فقال: يا بني لا تطلب الحوائج من غير أهلها ولا ms151 تطلبها ~~في غير حينها ولا تطلب ما لست له مستحقا فإنك إن فعلت ذلك كنت حقيقا ~~بالحرمان. # أما شروط المروءة في الغير فثلاثة: المؤازرة، والمباشرة، والإفضال. أما المؤازرة ~~فنوعان: أحدهما الإسعاف بالجاه، والثاني: الإسعاف في النوائب، فأما الإسعاف بالجاه فقد ~~يكون من الأعلى قدرا والأنفذ أمرا، فقد قال بعض الحكماء: اصنع الخير عند إمكانه يبقى ~~لك حمده عند زواله، وأحسن والدولة لك يحسن لك والدولة عليك واجعل زمان رخائك عدة لزمان ~~بلائك. وقال بعض البلغاء: من علامة الإقبال اصطناع الرجال. وقال بعض الأدباء: بذل الجاه ~~أحد الحبائين. وجاء في الحديث: «من عظمت نعمة الله عليه عظمت مؤونة الناس عليه فمن لم ~~يحتمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة للزوال». وقيل لحكيم اليونان: من أضيق الناس طريقا ~~وأملهم صديقا؟ قال: من عاشر الناس بعبوس وجهه واستطال عليهم بنفسه، وقال عدي بن ~~حاتم: # كفى زاجرا للمرء أيام دهره # تروح له بالواعظات وتغتدي # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «خير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله». وقيل لبعض الحكماء: ~~هل شيء خير من الذهب والفضيلة؟ قال: معطيهما. # والإسعاف في النوائب نوعان واجب ومبدع، فأما الواجب فما اختص بثلاثة أصناف وهم الأهل ~~والإخوان والجيران، سئل الأحنف بن قيس عن المروءة، فقال: صدق اللسان ومؤاساة الإخوان ~~وذكر الله تعالى في كل مكان. وقال بعض حكماء الفرس صفة الصديق أن يبذل لك ماله عند ~~الحاجة ونفسه عند النكبة ويحفظك عند المغيب. ورأى بعض الحكماء رجلين مصطحبين لا ~~يفترقان، فسأل عنهما فقيل: هما صديقان، فقال: ما بال أحدهما فقير والآخر غني. وقال ~~الإمام علي: ليس حسن الجوار كف الأذى بل الصبر على الأذى، وقال بعض الحكماء: من أجار ~~جاره أعانه الله وأجاره، وقال بعض الشعراء: # وللجار حق فاحترز من إذائه # وما خير جار لا يزال مؤاذيا # وقال بعض الشعراء: # حق على السيد المرجو نائله # والمستجار به في العرب والعجم # أن لا ينيل الأقاصي صوب راحته # حتى يخص به الأدنى من الخدم # إن الفرات إذا جاشت غواربه # روى ms152 السواحل ثم امتد في الأمم # وأما التبرع فإن كان بفضل الكرم وفائض المروءة فقد زاد على شروط المروءة وتجاوزها. ~~وقيل لبعض الحكماء: أي شيء من أفعال الناس يشبه أفعال الإله؟ قال: الإحسان إلى الناس. ~~قال بعض الأدباء: ثلاث خصال لا تجتمع في كريم حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة الملال. ~~وقال بعض العلماء: من هجر أخاه من غير ذنب كان كمن زرع زرعا ثم حصده في غير أوانه، ~~وقال أبو العتاهية: # وشر الأخلاء من لم يزل # يعاتب طورا وطورا يذم # يريك النصيحة عند اللقاء # ويبريك في السر بري القلم # وقال بعض الحكماء: لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استطلاحه، وقال الأحنف: حق ~~الصديق أن تحتمل له ثلاثا ظلم - الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة، وقال أبو نواس: # لم أؤاخذك إذ جنيت لأني # واثق منك بالإخاء الصحيح # فجميل العدو غير جميل # وقبيح الصديق غير قبيح # وقال بعض الحكماء: لا يفسدك الظن على صديق أصلحك اليقين له. وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«إياكم والمشارة فإنها تميت الغيرة وتحيي الغرة». # وقال بعض الحكماء: من فعل ما شاء لقي ما لم يشأ. وقال بعض الأدباء: من نالته إساءتك ~~همه مساءتك. وقال بعض البلغاء: من أولع بقبح المعاملة أوجع بقبح المقابلة. وقال بعض ~~الحكماء: من كنت سببا لبلائه وجب عليك التلطف له في علاجه من دائه. قال لقمان لابنه: ~~يا بني كذب من قال: إن الشر بالشر يطفأ، فإن كان صادقا فليوقد نارين ولينظر هل تطفأ ~~إحداهما الأخرى وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار، وقال البحتري: # وأقسم لا أجزيك بالشر مثله # كفى بالذي جازيتني لك جازيا # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الناس كشجرة ذات جنى ويوشك أن يعودوا كشجرة ذات شوك إن ناقدتهم ~~ناقدوك وإن هربت منهم طلبوك وإن تركتهم لا يتركوك، قيل: وكيف المخرج يا رسول الله؟ قال: ~~أقرضهم من عرضك ليوم فاقتك». # وقال عبد الله بن العباس: العاقل الكريم صديق كل أحد إلا من ضره، والجاهل اللئيم عدو ~~كل ms153 أحد إلا من نفعه، وقال: شر أعدائك داؤك وفي البعد عنهم شفاؤك. وقال بعض الحكماء: شرف ~~الكريم تغافله عن اللئيم، وقيل: دواء المودة كثرة التعاهد. وقال بعض الحكماء: رغبتك ~~فيمن يزهد فيك ذل نفس، وزهدك فيمن يرغب فيك صغر همة. وقال بزرجمهر: من تغير عليك في ~~مودته فدعه حيث كان قبل معرفته. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تترك صديقك الأول فلا ~~يطمئن إليك الثاني، يا بني اتخذ ألف صديق والألف قليل ولا تتخذ عدوا واحدا والواحد ~~كثير. وقيل للمهلب بن أبي صفرة: ما تقول في العفو والعقوبة؟ قال: هما بمنزلة الجود ~~والبخل فتمسك بأيهما شئت، وقال الشاعر: # إذا أنت لم تترك أخاك وزلة # إذا زلها أوشكتما أن تفرقا # وقيل في منثور الحكم: لا تأمنن لملول وإن تحلى بالصلة وعلاجه أن يترك على ملله فيمل ~~الجفاء كما مل الإخاء، وإن كان لزلل لوحظت أسبابه، فقد حكي عن خالد بن صفوان أنه مر به ~~صديقان له فعرج عليه أحدهما وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: نعم عرج علينا هذا ~~بفضله وطوانا ذلك بثقته بنا، وقال مسلم بن قتيبة لرجل اعتذر إليه: لا يدعونك أمر تخلصت ~~منه إلى الدخول في أمر لعلك لا تخلص منه. وقال بعض البلغاء: من لم يقبل التوبة عظمت ~~خطيئته ومن لم يحسن إلى التائب قبحت إساءته. وقال بعض الحكماء: الكريم أوسع المغفرة إذا ~~ضاقت بالمذنب المعذرة، وقال بعض الشعراء: # العذر يلحقه التحريف والكذب # وليس في غير ما يرضيك لي إرب # وقد أسأت فبالقمى التي سلفت # إلا مننت بعفو ما له سبب # وقال بعض الحكماء: شافع المذنب خضوعه إلى عذره، وقال بعض الشعراء: # اقبل معاذير من يأتيك معتذرا # إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره # وقد أجلك من يعصيك مستترا # وقد قيل: من سل سيف البغي أغمده في رأسه. وقال بعض الحكماء: من عاشر إخوانه ~~بالمسامحة دامت له موداتهم. # وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أجملوا في طلب الدنيا فإن كلا ميسر ms154 لما كتب له منها» وقال: ~~«ألا أدلكم على شيء يحبه الله تعالى، قالوا : بلى يا رسول الله، قال: التغابن ~~للضعيف». # وحكى ابن عون أن عمر بن عبيد الله اشترى للحسن البصري إزارا بستة دراهم ونصف فأعطى ~~التاجر سبعة دراهم، فقال: ثمنه ستة دراهم ونصف، فقال: إني اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه ~~درهما. # حكي أن فتى من بني هاشم تخطى رقاب الناس عند ابن أبي داود، فقال: يا بني إن الآداب ~~ميراث الأشراف ولست أرى من عندك من سلفك إرثا. # وأما الإفضال فنوعان: إفضال اصطناع، وإفضال استكفاف ودفاع، فأما إفضال الاصطناع ~~فنوعان: أحدهما: ما أسداه جودا في شكور، والثاني: ما تألف به نبوة نفور، وقال بعض ~~الحكماء: أقل ما يجب للمنعم بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية، وقال إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي: # يبقى الثناء وتذهب الأموال # ولكل دهر دولة ورجال # ما نال محمدة الرجال وشكرهم # إلا الجواد بماله المفضال # لا ترض من رجل حلاوة قوله # حتى يصدق ما يقول فعال # وأما إفضال الاستكفاف فلأن ذا الفضل لا يعدم حاسد نعمة ومعاني فضيلة فإن غفل عن ~~استكفاف السفهاء، وأعرض عن استدفاع أهل البذاء صار عرضه هدفا للمثالب وحاله عرضة ~~للنوائب، وقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ما وقى المرء به عرضه فهو صدقة». وامتدح رجل الزهري ~~فأعطاه قميصه، قال رجل: أتعطي على كلام الشيطان؟ فقال: من ابتغى الخير اتقى الشر، وقال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك ~~وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك». # وقال الشاعر: # مولى المكارم يرعاها ويعمرها # إن المكارم قد قلت مواليها # وقال أبو تمام: # قوم تراهم غيارى دون مجدهم # حتى كأن المعالي عندهم حرم # وقال الراعي: # ومن يغمر بمكرمة فإنا # سنناها لأيدي الفاعلينا # وإليك بعض أبيات في وصف المروءة وأربابها: # عشق المكارم فهو معتمد لها # والمكرمات قليلة العشاق ~~••• # تلذ له المروءة وهي تؤذي # ومن يعشق يلذ له الغرام ~~••• # خدم العلا فخدمته وهي التي # لا تخدم ms155 الأقوام ما لم تخدم ~~••• # ليس له عيب سوى أنه # لا تقع العين على مثله ~~••• # ما كنت في غاية إلا سبقت ولا # طال المدى بك إلا زدت إحسانا ~~••• # وحزت بهم لا بل بنفس ابن حرة # مآثر يحصى دون إحصائها الرمل ~~••• # الناس عند علي حين تذكره # كالشوك يذكر بين الورد والآس ~~••• # فما أحسن الدنيا وفي الدار خالد # وأقبحها لما تجهز غازيا ~~••• # تنافس الناس في أيام دولته # فما يبيعون ساعات بأعوام ~~••• # إذا خفي القوم اللئام وجدتني # مقارن شمس في المجرة أو بدر ~~••• # ونفسك أكرمها فإنك إن تهن # عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما ~~••• # لبست من الحوادث كل ثوب # سوى ثوب المذلة والهوان ~~••• # نهين النفوس وهون النفوس # يوم الكريهة أوفى لها ~~••• # أهين لهم نفسي لأكرمها بهم # ولن تكرم النفس التي لا تهينها ~~••• # قال معاوية لقرشي: ما المروءة؟ قال: إطعام الطعام وضرب الهام، وقيل: المروءة أن تعطي ~~من حرمك وتعفو عمن ظلمك، وجاء في القرآن: # إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون ~~(النحل: 90)، وقيل: الحسب إحصاء المكارم والنسب إحصاء الآباء. ~~وقال عمرو بن معدي كرب في مدح قوم كرام: نعم القوم عند السيف المسلول والخير المسئول ~~والطعام المأكول. # وقف أعرابي على قبر عامر بن الطفيل، فقال: لقد كنت سريعا إذا وعدت بطيئا إذا أوعدت ~~وكانت هدايتك هداية النجم وجرأتك جرأة الشهم، وأخبر بعض الحكماء عن صاحب له، فقال: عظمه ~~في عيني صغر الدنيا في عينه فكان لا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد. # وقال رجل للمهدي: إنك ليوسفي العفو إسماعيلي الصدق شعبي الرفق سليماني الملك داودي ~~الفضل، وقال الشاعر: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # الوعد والإنجاز والمطل # قال المهلب يوصي ابنه: يا بني إياك والسرعة عند المسألة بنعم، فإن مدخلها سهل ومخرجها ~~وعر، واعلم أن (لا) وإن قبحت فربما أفرحت فإذا سئلت ما قدرت عليه فاطمع ولا توجب وإذا ~~علمت معذرة فاعتذر فالإتيان بالعذر الجميل خير من المطلب ms156 الطويل. # قيل: من كثر وعده ووعيده اجترأ عليه عدوه وصديقه، وقال العتابي: # لحسن اعتذار المرء أوفى لعرضه # من الذم من توكيد وعد يماطله # وقال المتنبي: # وفي اليمين على ما أنت واعده # ما دل أنك في الميعاد متهم # وعد أبو الصفر أبا العيناء بشيء، فتقاضاه، فقال: غدا، فقال له: إن الدهر كله غد فهل ~~عندك وعد يخلو من المعاريض. # وللخوارزمي في مماطل: # إذا أضحى فموعده مساء # وأذا أمسى فموعده ضحاء # لابن الرومي: # طال المطال متى الوفاء فلا خلو # د فحاجة أو رد يأس ينفع # واعلم بأني لا أسر بحاجة # إلا وفي عمري بها متمتع # قيل من بذل لك حلو مقاله ومر نواله فهو عدوك المبين، وقيل لأبي العيناء كيف تركت ~~فلانا مع قومه؟ قال: # يعدهم ويمنيهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا ~~(النساء: 120)، وقال الشاعر: # بذل الوعد للأخلاء سمحا # وأبى بعد ذاك بذل العطاء # فغدا كالخلاف يورق للعين # ويأبى الإثمار كل الإباء # وقال الصاحب: سأنجز الوعد حتى ترى الطل وابلا والهلال بدرا كاملا. # وقف بعضهم على أبي داود وأنشد: # حتى متى أنا موقوف على وجل # بين السبيلين لا ورد ولا صدر # فقضى حاجته. # وقيل: أورقت نعمك فليثمر كرمك، وقال جحظة البرمكي: # إذا كانت صلاتكم رقاعا # تخطط بالأنامل والأكف # ولم تكن الرقاع تجر نفعا # فها خطي خذوه بألف ألف # وللمتنبي: # وإن تأخر عني بعض موعده # فما تأخر آمالي ولا تهن # هو الوفي ولكني ذكرت له # مودة فهو يبلوها ويمتحن # وقيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل. # سأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده ثم لم ينجزه، فقال: أخلفت، فقال أبو عمرو: فمن ~~أولى بالغم، قال الرجل: أنا، فقال: بل أنا لأني وعدتك فأبت بفرح الوعد وأنا أبت بهم ~~الإنجاز، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة فلقيتني مدلا ولقيتك محتشما. # قيل لبعضهم: كيف حالك مع فلان؟ فقال: لا أحصل منه إلا على دق الصدر والجبهة، فقيل: ~~كيف، قال إذا سألته دق صدره، وقال: (أفعل) وإذا عاودته وتقاضيته دق جبهته، وقال: (لا ms157 ~~قوة إلا بالله نسيت). # الشفاعة والشفعاء # قال الله تعالى: # من يشفع شفاعة حسنة يكن له ~~نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل ~~منها ~~(النساء: 85)، وقال: «الشفاعة زكاة ونصرة اللسان فوق نصرة ~~السنان». وكان زياد يقول لأصحابه: اشفعوا لمن وراءكم فليس كل من أراد السلطان وصل إليه ~~ولا كل من وصل استطاع أن يكلمه، وقال أبو تمام: # وإذا امرؤ أسدى إلي صنيعة # من جاهه فكأنها من ماله # قيل لشعبة: أفنيت مالك وأخلقت جاهك في حوائج الناس، فقال: أصونهما للتراب، وقال أحدهم ~~يصف شفيعا: # ما تبالي وذا شفيعك لو كن # ت كعاد في غيها وثمود # ذاك لو كان في المعاد شفيعا # رضي الله عن جميع العبيد # وقال آخر: # ولو أن لي في حاجة ألف شافع # لما كان فيهم مثل جودك شافع # وقال جحظة البرمكي: # وما لي حق واجب غير أنني # إليكم بكم في حاجتي أتوسل ms158