######OpenITI# #META# URI: 1376IbrahimZaydan.NawadirUdaba.Hindawi15792571 #META# Tags: literature #META# ID: 15792571 #META# Title: نوادر الأدباء #META# AuthorID: 50824950 #META# Author: إبراهيم زيدان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة لجامع الكتاب‏ # القسم الأول: في نوادر الملوك والخلفاء‏ # النوادر الأولى‏ # النوادر الثانية‏ # النوادر الثالثة‏ # النوادر الرابعة‏ # النوادر الخامسة‏ # النوادر السادسة‏ # النوادر السابعة‏ # النوادر الثامنة‏ # النوادر التاسعة‏ # النوادر العاشرة‏ # النوادر الحادية عشرة‏ # النوادر الثانية عشرة‏ # القسم الثاني: في نوادر الفلاسفة والحكماء‏ # الفلاسفة والحكماء‏ # القسم الثالث: في نوادر العظماء‏ # النوادر الأولى‏ # النوادر الثانية‏ # النوادر الثالثة‏ # النوادر الرابعة‏ # القسم الرابع: في نوادر الأذكياء‏ # الأذكياء‏ # القسم الخامس: في نوادر الزاهدين‏ # الزاهدون‏ # مقدمة لجامع الكتاب‏ # القسم الأول: في نوادر الملوك والخلفاء‏ # النوادر الأولى‏ # النوادر الثانية‏ # النوادر الثالثة‏ # النوادر الرابعة‏ # النوادر الخامسة‏ # النوادر السادسة‏ # النوادر السابعة‏ # النوادر الثامنة‏ # النوادر التاسعة‏ # النوادر العاشرة‏ # النوادر الحادية عشرة‏ # النوادر الثانية عشرة‏ # القسم الثاني: في نوادر الفلاسفة والحكماء‏ # الفلاسفة والحكماء‏ # القسم الثالث: في نوادر العظماء‏ # النوادر الأولى‏ # النوادر الثانية‏ # النوادر الثالثة‏ # النوادر الرابعة‏ # القسم الرابع: في نوادر الأذكياء‏ # الأذكياء‏ # القسم الخامس: في نوادر الزاهدين‏ # الزاهدون‏ # | نوادر الأدباء # | نوادر الأدباء # تأليف # إبراهيم زيدان # | مقدمة لجامع الكتاب # لما رأيت الإقبال عظيما على كتابي «نوادر الكرام في الجاهلية والإسلام» و«نوادر ~~العشاق» المطبوعين حديثا آثرت أن ألحقهما بثالث يكون منهما مكان الروح من الجسد، فنشرت هذا ~~الكتاب «نوادر الأدباء» وجمعت فيه ما راق وطاب من نوادر الملوك، والخلفاء، والفلاسفة، ~~والعظماء، والوزراء، والخطباء، والزاهدين، والأذكياء، وغيرهم، راجيا أن يصادف قبولا من ~~القراء وارتياحا في نفوس الأدباء، لا زالوا ملجأ للعلم والأدب في هذا العصر الزاهر. # أقسام الكتاب # القسم الأول: # في نوادر الملوك والخلفاء. # القسم الثاني: # في نوادر الفلاسفة. # القسم الثالث: # في نوادر العظماء «من الوزراء والخطباء وغيرهم». # القسم الرابع: # في نوادر الأذكياء. # القسم الخامس: # في نوادر الزاهدين. # القسم الأول # | في نوادر الملوك والخلفاء # | النوادر الأولى # في نوادر الملك كسرى # الرشيد وعنبر المغني # قال إسحاق الموصلي: حضرت مسامرة الرشيد ليلة عنبر المغني، وكان فصيحا متأدبا، ~~وكان مع ذلك يملي الشعر بصوت حسن؛ فتذاكروا رقة شعر المدنيين؛ فأنشد بعض جلسائه ~~أبياتا لأحد الشعراء؛ حيث يقول: # واذكر أيام الحمى ثم انثني # على كبد من خشية أن تصدعا ms001 # وليس عشيات الحمى برواجع # عليك ولكن خل عينيك تدمعا # بكت عيني اليمنى فلما زجرتها # على الجهل بعد الحلم أسبلتا معا # فأعجب الرشيد برقة الأبيات، فقال له عنبر: يا أمير المؤمنين، إن هذا الشعر ~~مدني رقيق، قد غذي بماء العقيق، حتى رق وصفا، فصار أصفى من الهواء، ولكن إن شاء ~~أمير المؤمنين أنشدته ما هو أرق من هذا وأحلى وأصلب وأقوى لرجل من أهل البادية. ~~قال: فإني أشاء. قال: وأترنم به يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك لك. فغنى لجرير: # إن الذين غدوا بلبك غادروا # وشلا بعينك لا يزال معينا # غيضن من عبراتهن وقلن لي # ماذا لقيت من الهوى ولقينا # راحوا العشية أوجه منكورة # إن حرن حرنا أو هدين هدينا # فرموا بهن سواهما عرض الفلا # إن متن متنا وإن حيين حيينا # قال: صدقت يا عنبر، وخلع عليه، وأجازه. # أفضل الملوك # قيل لكسرى: أي الملوك أفضل؟ قال: الذي إذا جاورته وجدته عليما، وإذا خبرته وجدته ~~حكيما، وإذا غضب كان حليما، وإذا ظفر كان كريما، وإذا استمنح منح جسيما، وإذا ~~وعد وفى وإن كان الوعد عظيما، وإذا اشتكي إليه وجد رحيما. # أنوشروان والفتاة # خرج كسرى أنوشروان إلى الصيد يوما واعتزل عسكره، فعطش، فرأى ضيعة قريبة منه، ~~فقصدها حتى وقف على باب دار قوم، وطلب منهم الماء ليشرب، فخرجت له فتاة، فلما رأته ~~عادت إلى البيت مسرعة، فدقت قصبة سكر، ومزجتها بماء، وخرجت به في قدح إليه، فنظر ~~القدح، فرأى فيه شرابا وقذى، فشرب منه شيئا فشيئا حتى انتهى إلى آخره، ثم قال: ~~نعم الماء لولا ما فيه من القذى! فقالت له الفتاة: أنا ألقيت القذى عمدا. فقال ~~لها: ولم فعلت ذلك؟ # فقالت: لما رأيتك شديد العطش خشيت أن تشربه مرة واحدة، فيضر بك شربه. فعجب كسرى ~~من ذكائها وفطنتها، وقال: كم عصرت فيه من قصبة؟ فقالت: عصرت فيه قصبة واحدة. فعجب ~~من ذلك، فلما مضى طلب اسم المكان، وكان قد نسيه، فرأى خراجه قليلا، فحدث نفسه أن ~~يزيد في خراجه، وبعد حين مر بذلك ms002 المكان منفردا، ووقف على ذلك الباب، وطلب الماء ~~ليشرب، فخرجت له الصبية عينها، ورأته فعرفته، وعادت مسرعة لتمزج له الماء فأبطأت ~~عليه، فلما خرجت إليه قال لها: قد أبطأت! فقالت له: لم تمزج حاجتك من قصبة واحدة، ~~بل من ثلاث قصبات. فقال: وما سبب ذلك؟! فقالت: من تغير نية الحاكم؛ فقد سمعنا أنه ~~إذا تغيرت نية السلطان على قوم زالت بركاتهم، وقلت خيراتهم. فضحك أنوشروان، وأزال ~~ما كان في نفسه من زيادة الخراج، ثم تزوج بتلك الفتاة؛ لعجبه من فصاحتها. # كسرى وبزرجمهر الوزير # قال أنوشروان لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء؟ قال: عقل يعيش به. قال: فإن لم ~~يكن؟ قال: فإخوان يسترون عيبه. قال: فإن لم يكن؟ قال: فمال يتحبب به إلى الناس. ~~قال: فإن لم يكن؟ قال: فعي صامت. قال: فإن لم يكن؟ قال: فموت جارف. # كسرى أنوشروان والغلام # أراد كسرى كاتبا لأمر أعجله، فلم يوجد غير غلام صغير يصحب الكتاب، فدعاه فقال: ~~ما اسمك؟ قال: مهرماه. قال: اكتب ما أملي عليك. فكتب قائما أحسن من غيره قاعدا، ~~ثم قال له: اكتب في هذا الكتاب من تلقاء نفسك، ففعل، وضم إلى الكتاب رقعة فيها: ~~«إن الحرمة التي أوصلتني إلى سيدنا لو وكلت فيها إلى نفسي لقصرت أن أبلغ إليها، فإن ~~رأى أن لا يحطني إلى ما هو دونها فعل»، فقال كسرى: أحب مهرماه أن لا يدع في نفسه ~~لهفة يتلهف عليها بعد إمكان الفرصة، وقد أمرنا له بما سأل. # نباهة كسرى # فر كسرى من ملاقاة بهرام جور، فاتبعه الجيش، وكان قد أعد معه فصوصا من زجاج ~~مختلفة الألوان والأصباغ ودنانير من صفرة مغشاة بالذهب، فلما خاف أن يدركه الطلب ~~نثر تلك الدنانير والفصوص على الأرض؛ فاشتغل الناس بجمعها فنجا بنفسه. # الحارث بن كلدة وكسرى أنوشروان # وفد الحارث بن كلدة - طبيب العرب - على كسرى أنوشروان، فأمر له بالدخول، فانتصب ~~بين يديه، فقال له كسرى: من أنت؟ قال: أنا الحارث بن كلدة. قال: أأعرابي؟ قال: نعم ~~من صحيحها. قال: فما صناعتك ؟ قال: ms003 طبيب. قال: وما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها وضعف ~~عقولها وقلة قبولها وسوء عزائمها؟! فقال: ذلك أجدر - أيها الملك - إذا كانت بهذه ~~الصفة أن تحتاج إلى ما يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل إسنادها. قال ~~الملك: كيف لها بأن تعرف ما تعهده عليها لو عرفت الحق لم تثبت إلى الجهل؟ قال ~~الحارث: أيها الملك، إن الله - جل اسمه - قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق، ~~وأخذ القوم نصيبهم، ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم وعاجز وحازم. قال الملك: فما ~~الذي تجد في أخلاقهم وتحفظ من أمزاجهم؟ قال الحارث: أنفس سخية، وقلوب جرية، وعقول ~~صحيحة مرضية، وأحساب نقية؛ فيمرق الكلام من أفواههم مروق السهم من الوتر، أسرع من ~~سفن الماء، وأعذب من الهواء، ويطعمون الطعام، ويضربون الهام، وعزهم لا يرام، ~~وضيفهم لا يضام، ولا يروع إذا نام، لا يقرن بفضلهم أحد من الأقوام، ما خلا الملك ~~الهمام؛ الذي لا يقاس به أحد من الأنام. فاستوى كسرى جالسا، ثم التفت إلى من حوله، ~~فقال: أطوى قومه، فلولا أن تداركه عقله لزم قومه، غير أني أراه ذا عمى! ثم أذن له ~~بالجلوس، فقال: كيف نظرك بالطب؟ قال: ناهيك. قال: فما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين، ~~والرفق باليدين. قال: أصبت الدواء، فما الداء؟ قال: إدخال الطعام على الطعام هو ~~الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البرية. قال: أصبت، فما الجمرة التي تلتهب منها ~~الأدواء؟ قال: هي التخمة؛ إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول ~~في إخراج الدم؟ قال: في نقصان الهلال، في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة، والسرور ~~حاضر. قال: فما تقول في الحمام؟ قال: لا تدخل الحمام شبعان، ولا تغش أهلك سكران، ~~ولا تنم بالليل عريان، وارفق بجسمك يكن أرجحه لنسلك. قال: فما تقول في شرب الدواء؟ ~~قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست بحركة الداء فاحسمه بما يردعه؛ فإن ~~البدن بمنزلة الأرض؛ إن أصلحتها عمرت، وإن أفسدتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ ms004 ~~قال: أطيبه أهناه، وأرقه أمراه، ولا تشرب صرفا يورثك صداعا ويثير عليك من الداء ~~أنواعا، قال: فأي اللحمان أحمد؟ قال: الضأن؛ أسمنه وأبذله. # | النوادر الثانية # نوادر الملك النعمان # النعمان وحاتم طيء وأوس بن جارحة # كان بين حاتم طيء وبين أوس بن جارحة ألطف ما كان بين اثنين، فقال النعمان ~~لجلسائه: لأفسدن ما بينهما! فدخل على أوس، فقال: إن حاتما يزعم أنه أفضل منك! ~~فقال: أبيت اللعن صدق! ولو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد! وخرج ~~فدخل على حاتم فقال له مثل ذلك، فقال: صدق، وأين أقع من أوس وله عشرة ذكور دونهم ~~أفضل مني؟! فقال النعمان: ما رأيت أفضل منكما. # النعمان والمحكوم عليه بالقتل # قيل: إن النعمان جعل له يومين؛ يوم بؤس من صادفه فيه قتله، ويوم نعيم من لقيه ~~أحسن إليه، وكان رجل يدعى الطائي، قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره، وأبلاه ~~القدر من قرب عسره، وبعد يسره بما أنساه جميل صبره، وأعاره شكوى ضره، فأحوجته ~~الحاجة إلى مزايلة قراره، وأخرجته الفاقة من محل استقراره، فخرج يرتاد نجعة لعياله؛ ~~إذ أوقفه القدر في منزل النعمان في يوم بؤس، فلما بصر به الطائي علم أنه مقتول، ~~وأن دمه مطلول، فقال: حيا الله الملك، إن لي صبية صغارا، وأهلا جياعا، وقد ~~أرقت ماء وجهي في طلب هذه البلغة الحقيرة لهم، وأعلم أن سوء الحظ أقدمني على الملك ~~في هذا اليوم العبوس، وقد قربت من مقر الصبية والأهل، وهم على شفا تلف من الطوى، ~~ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أول النهار وآخره، فإن رأى الملك أن يأذن لي في أن ~~أوصل إليهم هذا القوت، وأوصي بهم أهل المروءة من الحي؛ لئلا يهلكوا جميعا، وعلي ~~عهد الله أني إذا أوصيت بهم أرجع إلى الملك مساء، وأسلم نفسي بين يديه لنفاذ أمره. ~~فلما علم النعمان صورة مقاله، وفهم حقيقة حاله، ورأى تلهفه من ضياع أطفاله رق له، ~~وقال: لا آذن لك إلا أن يضمنك رجل معنا، فإن لم ترجع ms005 قتلناه، وكان في مجلسه شريك ~~بن عدي بن شرحبيل - نديم النعمان - فالتفت الطائي إلى شريك وقال له: # يا شريك بن عدي # ما من الموت انهزامي # بل لأطفال ضعاف # عدموا طعم الطعام # بين جوع وانتظار # واحتقار وسقام # يا أخا كل كريم # أنت في قوم كرام # يا أخا النعمان جد لي # بضمان والتزام # ولك الله بأني # راجع قبل الظلام # فقال شريك بن عدي: أصلح الله الملك، علي ضمانه. فمر الطائي مسرعا والنعمان ~~يقول لشريك: إن صدر النهار قد ولى ولم يرجع! وشريك يقول: ليس للملك علي سبيل حتى ~~يأتي المساء. فلما قرب المساء قال النعمان لشريك: جاء وقتك فتأهب للقتل! فقال شريك: ~~هذا شخص قد لاح مقبلا وأرجو أن يكون الطائي، فإن لم يكن فأمر الملك ممتثل، فبينما ~~هم كذلك وإذا الطائي قد أقبل يشتد في عدوه مسرعا، فقدم، وقال: خشيت أن ينقضي ~~النهار قبل وصولي فعدوت. ثم وقف قائما، وقال: أيها الملك، مر بأمرك. فأطرق النعمان ~~ثم رفع رأسه، وقال: والله ما رأيت أعجب منكما! أما أنت يا طائي؛ فما تركت لأحد في ~~الوفاء مقاما يقوم فيه ولا ذكرا يفخر به، وأما أنت يا شريك؛ فما تركت لكريم سماحة ~~يذكر بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة، ألا وإني قد رفعت يوم بؤسي عن ~~الناس، ونقضت يوم عادتي كرامة؛ لوفاء الطائي وكرم شريك. فقال الطائي: # ولقد دعتني للخلاف عشيرتي # فعددت قولهم من الإضلال # إني امرؤ حبي الوفاء خليقة # وفعال كل مهذب مفضال # فقال النعمان: ما حملك على الوفاء وفيه تلف نفسك؟! قال: ديني؛ فمن لا دين له لا ~~وفاء له. فأحسن إليه النعمان ووصله، وأعاده إلى أهله. # عدي بن زيد والنعمان # خرج النعمان بن المنذر متصيدا ومعه عدي بن زيد، فمرا بشجرة، فقال عدي بن زيد: ~~أيها الملك، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا! قال: إنها تقول: # من رآنا فليحدث نفسه # أنه موف على قرب السؤال # وصروف الدهر لا يبقى لها # ولما تأتي به صم الجبال # رب ركب قد ms006 أناخوا حولنا # يشربون الخمر بالماء الزلال # عصف الدهر بهم فانقرضوا # وكذاك الدهر حالا بعد حال # ثم جاوزا الشجرة فمروا بمقبرة، فقال له عدي: أيها الملك، أتدري ما تقول هذه ~~المقبرة؟ قال: لا! قال: إنها تقول: # أيها الركب المخبونا # على الأرض المجدونا # كما أنتم كذا كنا # كما نحن تكونونا # فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لا يتكلمان، وأنك إنما أردت أن تعظني، ~~فجزاك الله عني خيرا، فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان ~~وتعبد الله وحده. قال: أفي هذا النجاة؟ قال: نعم. فترك عبادة الأوثان، وعبد الواحد ~~القهار. # | النوادر الثالثة # متفرقات من نوادر الملوك # الإسكندر وساكن المقابر # مر الإسكندر بمدينة قد ملكها غيره من الملوك، فقال: انظروا، هل بقي بها أحد من ~~نسل ملوكها؟ فقالوا: رجل يسكن المقابر. فأحضره، وسأله عن إقامته، فقال: أردت أن ~~أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء. فقال: هل تتبعني فأحيي شرفك إن كان ~~لك همة؟ فقال: همتي عظيمة إن أنلتنيها. فقال: ما هي؟ قال: حياة لا موت معها، وشباب ~~لا هرم بعده، وغنى لا فقر معه، وسرور لا مكروه فيه! فقال: ليس عندي هذا. فقال: دعني ~~ألتمسه ممن هو عنده. فقال: ما رأيت مثله حكيما. # موت الإسكندر # حكم للإسكندر أنه لا يموت إلا بأرض سماؤه ذهب وأرضه حديد، فلما سقط من دابته ~~حمل على درع وظلل بترس من ذهب؛ فلما أفاق ورأى ذلك فطن لما حكم له، وقال: قاتل الله ~~المنجمين؛ يقولون ولا يفسرون! فكتب إلى والدته: أن اصنعي طعاما، وادعي له من لم ~~تصبه مصيبة، فامتثلت، فبقي الطعام ولم يأتها أحد، ففطنت أنه أرسل يعزيها، ~~وقال: # وما أنا بالمخصوص من بين من أرى # ولكن أتتني نوبتي في النوائب # تأبين الإسكندر # لما مات الإسكندر وضعوه في تابوت من ذهب، وحملوه إلى الإسكندرية، وندبه جماعة من ~~الحكماء يوم موته، فقال بطليموس: هذا يوم عظيم العبرة، أقبل من شره ما كان مدبرا، ~~وأدبر من خيره ما كان مقبلا. وقال ميلاطوس: خرجنا إلى ms007 الدنيا جاهلين، وأقمنا فيها ~~غافلين، وفارقناها كارهين. وقال أفلاطون الثاني: أيها الساعي المغتصب، جمعت ما ~~خذلك، وتوليت ما تولى عنك، فلزمتك أوزاره، وعادت إلى غيرك ثماره. وقال مسطور: قد ~~كنا بالأمس نقدر على الاستماع ولا نقدر على الكلام، واليوم نقدر على الكلام ولا ~~نقدر على الاستماع. وقال ثاون: انظروا إلى حلم النائم، كيف انقضى؟ وإلى ظل الغمام، ~~كيف انجلى؟ وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا عدة غير سفره هذا. وقال ~~غيره: لم يؤدبنا بكلامه كما أدبنا بسكوته. وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته علينا ~~حياة، واليوم النظر إليه سقم. # أزدشير الملك والخطيب # لما استوثق الأمر لأزدشير بن يزدجرد جمع الناس فخطبهم خطبة، حثهم فيها على الألفة ~~والطاعة، وحذرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصفق الناس أربعة، فخروا له سجدا، وتكلم ~~متكلمهم، فقال: لا زلت - أيها الملك - محبوبا من الله، رفيقا للنصر، حاصلا على ~~دوام العافية وتمام النعمة وحسن المزية، ولا زلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك ~~الذمامات، حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، ولا تنقطع زهرتها في دار القرار التي ~~أعدها الله لنظرائك من أهل الزلفى والحظوة لديه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين، ~~والشمس والقمر زائدين في زيادة البحور والأنهار حتى تستوي أقطار الأرض معها في ~~علوك عليها ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمنا عموم ضياء ~~الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم، فأصبحت وقد جمع ~~الله بك الأيادي بعد اختلافها، وألف بك القلوب بعد تباغضها، وأذهب عنا ألسن ~~الحساد بعد توقد نيرانها بفضلك الذي لا يدرك بوصف، ولا يحد بنعت. فقال أزدشير: طوبى ~~للممدوح إذا كان للمدح مستحقا، وللداعي إذا كان للإجابة أهلا. # بهرام جور والراعي # حكي أن الملك بهرام جور خرج يوما للصيد، فظهر له حمار وحش فاتبعه حتى خفي عن ~~عسكره، فظفر به فمسكه، ونزل عن فرسه يريد أن يذبحه، فرأى راعيا أقبل من البرية، ~~فقال له: يا راع، أمسك فرسي هذا حتى أذبح هذا الحمار ، فمسكه، ms008 ثم تشاغل بذبح ~~الحمار، فلاحت منه التفاتة فرأى الراعي يقطع جوهرة في عذار فرسه، فأعرض الملك عنه ~~حتى أخذها، وقال: إن النظر إلى العيب من العيب. ثم ركب فرسه ولحق بعسكره، فقال له ~~الوزير: أيها الملك السعيد، أين جوهرة عذار فرسك؟ فتبسم الملك ثم قال: أخذها من لا ~~يردها، وأبصره من لا ينم عليه، فمن رآها منكم مع أحد فلا يعارضه بشيء بسبب ~~ذلك. # الملك المتعظ # بنى أحد الملوك قصرا، وقال: انظروا من عاب فيه شيئا فأصلحوه وأعطوه درهمين، ~~فأتاه رجل، فقال: إن في هذا القصر عيبين. قال: وما هما؟ قال: يموت الملك ويخرب ~~القصر. قال: صدقت. ثم أقبل على نفسه، وترك الدنيا. # الملك وعبده # بعث الملك إلى عبد له: ما لك لا تخدمني وأنت عبدي؟ فأجابه: لو اعتبرت لعلمت أنك ~~عبد عبدي؛ لأنك تتبع الهوى فأنت عبده، وأنا أملكه فهو عبدي. # الملك والوزير # أشار وزير على ملكه بجمع الأموال واقتناء الكنوز، وقال: إن الرجال وإن تفرقوا عنك ~~اليوم فمتى احتجتهم عرضت عليهم الأموال فتهافتوا عليك، فقال له الملك: هل لهذا من ~~شاهد؟ قال: نعم، هل بحضرتنا الساعة ذباب! قال: لا. فأمر بإحضار جفنة فيها عسل، ~~فحضرت، فتساقط عليها الذباب لوقتها، فاستشار السلطان بعض أصحابه في ذلك فنهاه، ~~وقال: لا تغير قلوب الرجال، فليس في كل وقت أردتهم حضروا، فسأل: هل لذلك من دليل؟ ~~قال: نعم، إذا أمسينا أخبرك، فلما أظلم الليل قال للملك: هات الجفنة، فحضرت ولم ~~تحضر ذبابة واحدة. # ملك الجزيرة والرجل # انكسرت سفينة برجل في البحر فوقع إلى جزيرة، فعمل شكلا هندسيا على الأرض، فرآه ~~بعض أهل الجزيرة، فذهبوا به إلى الملك، فأحسن إليه، وأكرم مثواه، وكتب الملك إلى ~~سائر ممالكه: أيها الناس، اقتنوا ما إذا كسرتم في البحر صار معكم. # الملك الكريم # غضب الملك على بعض حاشيته؛ فأسقط الوزير اسمه من ديوان العطايا، فقال الملك: أبقه ~~على ما كان عليه؛ لأن غضبي لا يسقط همتي. # | النوادر الرابعة # نوادر الخليفة هارون الرشيد # الرشيد والمجنون # مر الرشيد بدير ms009 في ظاهر الرقة، فلما أقبلت مواكبه أشرف أهل الدير ينظرون إليه، ~~وفيهم مجنون مسلسل، فلما رأى هارون رمى بنفسه بين يديه، وقال: يا أمير المؤمنين، قد ~~قلت فيك أربعة أبيات، أفأنشدك إياها؟ قال: نعم، فأنشد: # لحظات طرفك في العدى # تغنيك عن سل السيوف # وغريم رأيك في النهى # يكفيك عاقبة الصروف # وسيول كفك بالندى # بحر يفيض على الضعيف # وضياء وجهك في الدجى # أبهى من البدر المنيف # ثم قال: يا أمير المؤمنين، هات أربعة آلاف درهم أشتري بها كبيسا وتمرا. فقال ~~هارون: تدفع له. فحملت إلى أهله. # الرشيد والأعرابي # ركب الرشيد في بعض أسفاره ناقة فطلع عليه أعرابي، فناشده: # أغيثا تحمل الناق # ة أم تحمل هارونا؟ # أم الشمس أم البدر # أم الدنيا أم الدينا؟ # ألا كل الذي قلت # ه قد أصبح مأمونا # فأمر له بعشرة آلاف درهم. # عبد الله العمري والرشيد # قال رجل لعبيد الله العمري: هذا هارون الرشيد في الطواف قد أخلي له المسعى. فقال ~~له: لا جزاك الله عني خيرا، كلفتني أمرا كنت عنه غنيا. ثم جاء إليه، فقال له: ~~يا هارون. فلما نظر إليه قال: يا عم. قال: كم ترى ها هنا من خلق الله؟ فقال: لا ~~يحصيهم إلا الله عز وجل. فقال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصة ~~نفسه، وأنت واحد تسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون؟ فبكى هارون وجلس، وجعلوا يعطونه ~~منديلا، منديلا للدموع، ثم قال له: وفيم؟ قال: إن الرجل ليسرع في مال نفسه، ~~فيستحق الحجر عليه، فكيف فيمن أسرع في مال أمة عظيمة؟! # الرشيد ومالك وسفيان بن عيينة # وجه الرشيد إلى مالك بن أنس ليأتيه فيحدثه، فقال مالك: إن العلم يؤتى. فصار ~~الرشيد إلى منزله، فاستند معه إلى الجدار، فقال: يا أمير المؤمنين، من إجلال الله ~~تعالى إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه، وبعث إلى سفيان بن عيينه، فأتاه، وقعد بين ~~يديه وحدثه، فقال الرشيد بعد ذلك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا ~~علم سفيان فلم ننتفع به . # الرشيد ms010 والعباس والفضل بن عياض # قصد الرشيد زيارة الفضل بن عياض ليلا مع العباس، فلما وصلا بابه سمعاه يقرأ: # أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ~~محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ~~(الجاثية: 21)، فقال ~~الرشيد للعباس: إن اتفقنا بشيء فهذا، فناداه العباس: أجب أمير المؤمنين. فقال: وما ~~يعمل عندي أمير المؤمنين؟! ثم فتح الباب وأطفأ السراج، فجعل هارون يطوف حتى وقعت ~~يده عليه، فقال: آه من يد ما ألينها إن نجت من عذاب يوم القيامة! ثم قال: استعد ~~للجواب يوم القيامة، إنك تحتاج أن تتقدم مع كل نفس بشرية. فاشتد بكاء الرشيد، فقال ~~العباس: اسكت يا فضل، فإنك قتلت أمير المؤمنين! فقال: يا هامان، إنما قتلته أنت ~~وأصحابك! فقال الرشيد: ما سماك هامان إلا وقد جعلني فرعون! ثم قال له الرشيد: هذه ~~ألف دينار أرجو أن تقبلها مني. فقال: لا حاجة لي بها رد ها على من أخذتها منه. فقام ~~الرشيد وخرج. # الدهري وأبو حنيفة عند الرشيد # حكي أن دهريا جاء إلى هارون الرشيد وقال: يا أمير المؤمنين، قد اتفق علماء عصرك ~~- مثل أبي حنيفة - على أن للعالم صانعا، فمن كان فاضلا من هؤلاء فمره أن يحضر ها ~~هنا، حتى أبحث معه بين يديك، وأثبت له أنه ليس للعالم صانع، فأرسل هارون الرشيد إلى ~~أبي حنيفة؛ لأنه كان أفضل العلماء، وقال: يا إمام المسلمين، اعلم أنه قد جاء إلينا ~~دهري وهو يد عي نفي الصانع، ويدعوك إلى المناظرة. فقال أبو حنيفة: أذهب بعد ~~الظهر. فجاء رسول الخليفة، وأخبر بما قاله أبو حنيفة، فأرسل إليه ثانية، فقام أبو ~~حنيفة وأتى إلى هارون الرشيد، فاستقبله هارون، وجاء به، وأجلسه في الصدر، وقد اجتمع ~~الأركان والأعيان، فقال الدهري: يا أبا حنيفة لم أبطأت في مجيئك؟ فقال أبو حنيفة: ~~قد حصل لي أمر عجيب فلذلك أبطأت؛ وذلك أن بيتي وراء دجلة، فخرجت من منزلي وجئت إلى ~~جنب دجلة حتى أعبرها، فرأيت بجنب دجلة سفينة عتيقة معطلة قد افترق ألواحها، فلما ~~وقع ms011 بصري عليها اضطربت الألواح وتحركت واجتمعت وتوصل بعضها ببعض وصارت السفينة ~~صحيحة بلا نجار ولا عمل عامل، فقعدت عليها وعبرت وجئت إلى ها هنا! فقال الدهري: ~~اسمعوا أيها الأعيان ما يقول إمامكم وأفضل زمانكم! فهل سمعتم كلاما أكذب من هذا؟! ~~كيف تحصل السفينة المكسورة بلا عمل نجار؟! فهو كذب محض قد ظهر من أفضل علمائكم! ~~فقال أبو حنيفة: أيها الكافر المطلق، إذا لم تحصل السفينة بلا صانع ونجار فكيف يجوز ~~أن يحصل هذا العالم من غير صانع؟! أم كيف تقول بعدم الصانع؟! فعند ذلك أمر الرشيد ~~بضرب عنق الدهري، فقتلوه. # الرشيد والجارية والتنوخي # قال التنوخي: كان عند الرشيد جارية من جواريه وبحضرته عقد جوهر، فأخذ يقلبه، ~~ففقده، فاتهمها به، فسألها عن ذلك، فأنكرت، فحلف بالطلاق والعتاق والحج، فصدقته، ~~فأقامت على الإنكار، وهو متهم لها، وخاف أن تكون خرجت في يمينه، فاستدعى أبا يوسف، ~~وقص عليه القصة، فقال أبو يوسف: خلني مع الجارية وخادم معنا حتى أخرجك من يمينك، ~~ففعل ذلك، فقال لها أبو يوسف: إذا سألك أمير المؤمنين عن العقد فأنكريه، فإذا أعاد ~~عليك السؤال فقولي: قد أخذته. فإذا أعاد عليك، فأنكري. وخرج، فقال للخادم: لا تقل ~~لأمير المؤمنين ما جرى. وقال للرشيد: سلها يا أمير المؤمنين ثلاث دفعات متواليات عن ~~العقد؛ فإنها تصدقك، فدخل الرشيد فسألها فأنكرت أول مرة، وسألها ثانية فقالت: نعم ~~قد أخذته. فقال: أي شيء تقولين؟ فقالت: والله ما أخذته، ولكن هكذا قال لي أبو يوسف. ~~فخرج إليه فقال: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، قد خرجت من يمينك؛ لأنها أخبرتك ~~أنها قد أخذته، وأخبرتك أنها لم تأخذه، فلا يخلو أن تكون صادقة في أحد القولين، وقد ~~خرجت أنت من يمينك. فسر ووصل أبا يوسف، فلما كان بعد مدة وجد العقد. # عبد الملك بن صالح والرشيد # دخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد فلقيه إسماعيل بن صبيح الحاجب، فقال: اعلم أنه ~~ولد لأمير المؤمنين ابنان فعاش أحدهما ومات الآخر، فيجب أن تخاطبه بحسب ما عرفناك . ~~فلما ms012 صار بين يديه قال: سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما ~~سرك وجعلها واحدة بواحدة تستوجب من الله زيادة الشاكرين وجزاء الصابرين. # ابتهال الرشيد # قال إبراهيم بن عبد الله الخراساني: حججت مع أبي سنة حج الرشيد، فإذا نحن بالرشيد ~~واقف حاسر حاف على الحصباء، وقد رفع يديه وهو يرتعد ويبكي ويقول: يا رب أنت أنت ~~وأنا أنا، أنا العو اد بالذنب وأنت العو اد بالمغفرة، اغفر لي. فقال لي أبي: انظر ~~إلى جبار الأرض، كيف يتضرع إلى جبار السماء؟! # الرشيد وجارية الناطقي # قال الأصمعي: ما رأيت الرشيد مبتذلا قط إلا مرة كتبت إليه عنان جارية الناطقي ~~رقعة فيها: # كنت في ظل نعمة بهواكا # آمنا منك لا أخاف جفاكا # فسعى بيننا الوشاة فأقرر # ت عيون الوشاة بي فهناكا # فسعي لغير ذا كان أولى # بك في حقنا جعلت فداكا # فأخذ الرقعة بيده - وعنده أبو جعفر الشطرنجي - فقال: أيكم يشير إلى المعنى الذي ~~في نفسي، فيقول فيه شعرا، وله عشرة آلاف درهم؟ فظننت أنه وقع بقلبه أمر عنان، ~~فبادره أبو جعفر قائلا: # مجلس ينسب السرور إليه # بمحب ريحانه ذكراكا # فقال يا غلام: ابدره، قال الأصمعي، وقلت: # لم ينلك الرجاء أن تحضريني # وتجافت أمنيتي عن سواكا # قال: أحسنت والله يا أصمعي، لها ولك بهذا البيت عشرون ألفا. # بكر بن حماد وهارون الرشيد وعنان # قال بكر بن حماد الباهلي: لما انتهى إلي خبر عنان، وأنها ذكرت لهارون، وقيل: ~~إنها أشد الناس. خرجت معترضا لها، فما راعني إلا الناطقي - مولاها - وقد ضرب على ~~عضدي، فقال لي: هل لك فيما سنح من طعام أو شراب ومجالسة عنان؟! فقلت: ما بعد عنان ~~مطلب، ومضينا حتى أتينا منزله، فعقل دابته ثم دخل، فقال: هذا شاعر يا عنان يريد ~~مجالستك اليوم؟ فقالت: لا، والله إني كسلانة! فحمل عليها بالسوط، ثم قال لي: ادخل. ~~فدخلت ودمعها يتحدر كالجمان في خدها، فطمعت بها، فقلت: # هذي عنان أسبلت دمعها # كالدر إذ ينسل من خيطه # ثم قلت: أجيزي. فقالت: # فليت من ms013 يضربها ظالما # تجف كفاه على سوطه # فقلت لها: إن لي حاجة. فقالت: هاتها. قلت لها: بيت وجدته على ظهر كتابي لم أقرضه ~~ولم أقدر على إجازته. قالت: قل. فأنشدتها: # فما زال يشكو الحب حتى حسبته # تنفس في أحشائه فتكلما # قال: فأطرقت ساعة، ثم أنشدت: # ويبكي فأبكي رحمة لبكائه # إذا ما بكى دمعا بكيت له دما # قلت لها: فما عندك في إجازة هذا البيت: # بديع حسن بديع صد # جعلت خدي له ملاذا # فأطرقت ساعة، ثم قالت: # فعاتبوه فعنفوه # فأوعدوه فكان ماذا # الرشيد والراعي النبيه # كان لراعي مواش دعوى على رجل، فأتى الرشيد يشكو خصمه، وبعد أن بسط دعواه قال: ~~وعلى كل حال الأمر لله ثم لدولتكم؛ فاحكموا بهذه الدعوى حسب ما تقتضيه حكمتكم، وأنا ~~متخذكم لي كالسطل والكلب؛ فإنهما عوني وملجئي! فلما سمع الرشيد ذلك قال له: ماذا ~~تقول؟! فأعاد ما قاله؛ فاستشاط الرشيد غضبا، وأمر حاجبه للحال أن يوثق الراعي ~~بالحبال ويودع السجن ليقتله في اليوم التالي، فلما بلغ الوزير ذلك سأل الرشيد العفو ~~عن الراعي، وأنه لو لم يكن ذا ذكاء وعقل ثاقب لما وصفه بما وصف، والتمس منه أن ~~يسلمه الراعي مدة وجيزة؛ ليدرسه قليلا، وحينئذ يمثله في نادي الرشيد ويطلب إليه ~~أن يصفه، فإن عاد وقال ما قاله قبلا يضرب عنقه وإلا يكرمه. # فأجاب التماسه وسلمه الراعي، فمضى به إلى بيته، وقال له: ماذا حملك على وصف الملك ~~بالسطل والكلب؟ قال: اعلم يا مولاي أنني لم أخطئ بذلك؛ فإن السطل هو الإناء الذي ~~أحفظ به الحليب، والكلب هو الذي يحرس المواشي من الوحوش، وبما أنهما الواسطة ~~الوحيدة لمعيشتي وصفته بهما. فعجب الوزير من ذكائه، وأخذ يدرسه أصول العربية برهة ~~من الزمان، ثم أحضره أمام الرشيد لإتمام وعده له، أما الرشيد فأمر أحد أصحابه أن ~~يسل سيفه، ويقبل ليضرب عنق الراعي إذا عاد فوصف الملك بما وصفه قبلا، فامتثل وسار ~~نحو الراعي وهو مشهر الحسام، فلما رآه أنشد: # يا من حوى ورد الرياض بخده # وحكى قضيب الخيزران بقده ms014 # دع عنك ذا السيف الذي جردته # عيناك أمضى من مضارب حده # كل السيوف قواطع إن جردت # وحسام لحظك قاطع في غمده # إن شئت تقتلني فأنت محكم # من ذا يطالب سيدا في عبده # فلما سمع الرشيد شعره أخذه الانذهال، وتحير مما كان، وكيف اكتسب ذلك الراعي من ~~العلم أجمله في وقت يسير؟! وحدثه بما وصفه به قبلا؟ فأجابه الراعي: إنني لم أخطئ ~~قبلا بوصفي إياك بذينك الوصفين؛ فإنهما سند حياتي، ولست أعيش إلا بهما، فحسنت لديه ~~فطنة الرجل وأكرمه. # هارون الرشيد وأبو معاوية # كان هارون الرشيد يتواضع للعلماء، قال أبو معاوية الضرير - وكان من علماء الناس: ~~أكلت مع الرشيد يوما، فصب على يدي الماء رجل، فقال لي: يا أبا معاوية، أتدري من ~~صب الماء على يدك؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: أنا. فقلت: يا أمير المؤمنين، ~~أنت تفعل هذا إجلالا للعلم؟ قال: نعم. # الأعرابي والرشيد والكاتب # دخل أعرابي على الرشيد فأنشده أرجوزة مدحه بها وإسماعيل بن صبيح يكتب كتابا بين ~~يديه، وكان من أحسن الناس خطا وأسرعهم يدا، فقال الرشيد للأعرابي: صف الكاتب. ~~فقال: # رقيق حواشي العلم حين بكوره # يريك الهوينا والأمور تطير # له قلما بؤس ونعمى كلاهما # سحابته في الحالتين درور # يناجيك عما في ضميرك خطه # ويفتح باب النجح وهو عسير # فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابي عليه حق كما وجب لك علينا، يا غلام، ادفع له ~~دية الحر، فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد. # ابن السماك وهارون الرشيد # قال ابن السماك: بعث إلي هارون الرشيد، فلما انتهيت إلى باب القصر، أخذ بي ~~حارسان، فأعجلاني في دهليز القصر، فلما انتهيت إلى باب القاعة لقيني خصيان، فأخذاني ~~من الحارسين، فأعجلا بي إلى قاعة القصر، فانتهيت إلى البهو الذي هو فيه فقال لهما ~~هارون: ارفقا بالشيخ، فلما وقعت بين يديه، قلت: يا أمير المؤمنين ما مر بي منذ ~~ولدت أتعب من يومي هذا، فاتق الله في خلقه، وأنصحك لنفسك في رعيتك؛ فإن لك مقاما ~~بين يدي الله تعالى أنت فيه ms015 أذل من مقامي هذا بين يديك، واتق الله واعلم أنه قادر ~~عليم. فاضطرب على فراشه حتى نزل إلى مصلى بين يدي فراشه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ~~هذا ذل الصفة، فكيف لو رأيت ذل المعاينة؟! فكادت نفسه تخرج، فقال يحيى للخصيين: ~~أخرجوه فقد أبكى أمير المؤمنين. # الرشيد والرجل # أحضر الرشيد رجلا؛ ليوليه القضاء، فقال له: إني لا أحسن القضاء، ولا أنا فقيه. ~~فقال له الرشيد: فيك ثلاث خصال: لك شرف؛ والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم؛ ~~يمنعك من العجلة، ومن لم يعجل قل خطؤه، وأنت رجل تشاور في أمرك، ومن شاور كثر ~~صوابه، وأما الفقه فنضم إليك من تتفقه به، فولي فما وجد فيه تقصير. # الرشيد والمرأة # دخلت على الرشيد امرأة وقالت له: أتم الله أمرك، وفر حك فيما أعطاك، لقد قسطت ~~بما فعلت زادك الله رفعة. فلما سمع قولها التفت إلى أرباب دولته، وقال: أعلمتم ما ~~قالت المرأة؟ وما القصد من كلامها؟ فقالوا: ما فهمنا من كلامها إلا دعاء لحضرتك ~~بالخير. فقال: لا بل دعاء علي . فقالوا: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟! فقال: أما ~~قولها: «أتم الله أمرك» أرادت به قول الشاعر: # إذا تم أمر بدا نقصه # توقع زوالا إذا قيل تم # وأما قولها: «فرحك الله بما أعطاك» أرادت بقوله تعالى: # حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ~~(الأنعام: 44). وأما قولها: «لقد قسطت بما فعلت»: أرادت قوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ~~(الجن: 15)، وأما قولها: «وزادك رفعة»: أرادت به قول الشاعر حيث يقول: # ما طار طير وارتفع # إلا كما طار وقع # ثم التفت إلى المرأة، وقال لها: ما حملك على ~~هذا الكلام؟ قالت: إنك قتلت أهلي وقومي. فقال: ومن أهلك وقومك؟ فقالت: البرامكة. ~~فأراد أن يجزيها ببعض العطايا فلم ترض، وذهبت في حال سبيلها. # الرشيد وابن المهدي وعبد الملك بن صالح # قال إبراهيم بن المهدي: كنت عند الرشيد، فأتاه رسول معه أطباق عليها مناديل ~~ورقعة، فأخذ يقرأ الرقعة ويقول: وصله الله وبره. فقلت: يا أمير المؤمنين، من هذا ms016 ~~الذي أطنبت في مدحه؛ لنشاركك في جميل ذكره؟ فقال: عبد الملك بن صالح. ثم كشف عن ~~الأطباق فإذا هي فواكه! فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يستحق هذا الوصف إلا أن يكون في ~~الرقعة ما لا نعلمه. فرمى بها إلي، فإذا فيها: «دخلت يا أمير المؤمنين إلى بستان ~~لي قد عمرته بنعمتك، وقد أينعت فواكهه، فحملتها في أطواق قضبان، ووجهت بها إلى أمير ~~المؤمنين ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من نوافل بره»، فقلت: وقال ~~في هذا الكلام ما يستحق الدعاء؟! فقال: أوما تراه كنى بالقضبان عن الخيزران؛ وهي ~~اسم أمنا؟! # أبو العتاهية والرشيد # حبس الرشيد أبا العتاهية الشاعر، فكتب على حائط الحبس: # أما والله إن الظلم شوم # وما زال المسيء هو الظلوم # إلى ديان يوم الدين نمضي # وعند الله تجتمع الخصوم # ستعلم في المعاد إذا التقينا # غدا عند المليك من الظلوم؟! # فقرأ الرشيد ذلك، فبكى بكاء مرا، ودعا بأبي العتاهية؛ فاستحله، ووهب له ألف ~~دينار وأطلقه. # الرشيد والعابد # حج الرشيد فبلغه عن عابد بمكة مجاب الدعوة معتزل في جبال تهامة، فأتاه هارون ~~الرشيد، فسأله عن حاله، ثم قال له: أوصني ومرني بما شئت؛ فوالله لا عصيتك. فسكت عنه ~~ولم يرد عليه جوابا، فخرج عنه هارون، فقال له أصحابه: ما منعك إذ سألك أن تأمره ~~بما شئت وحلف أن لا يعصيك أن تأمره بتقوى الله والإحسان إلى رعيته؟ فخط لهم في ~~الرمل: إني أعظمت الله أن يكون يأمره فيعصيه، وآمره أنا فيطيعني. # | النوادر الخامسة # نوادر المأمون # المأمون والرجل # عاب رجل رجلا عند المأمون، فقال له: قد استدللنا على كثرة عيوبك بما تذكر من ~~عيوب الناس؛ لأن طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما هي فيه، لا بقدر ما فيه منها، قال ~~الشاعر: # أرى كل إنسان يرى عيب غيره # ويعمى عن العيب الذي هو فيه # وما خير من تخفى عليه عيوبه # ويبدلها بالعيب عيب أخيه # المأمون وسهل بن هارون # كان المأمون يستقبل سهل بن هارون، فدخل عليه يوما والناس جلوس، ms017 وقد أسبلوا براقع ~~الغفلة على وجوه الفطن، والفهم عنهم قد رحل، والتبلد فيهم قد قطن، فلما فرغ المأمون ~~من كلامه أقبل سهل على الناس، وقال: ما لكم تسمعون ولا تعون؟ وتفهمون ولا تفهمون؟! ~~وتشاهدون ولا تعجبون؟! والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير مثل ما يفعله أبو ~~مروان في الزمن الطويل، عربكم كعجمهم، وعجمكم كعبيدهم، لكن كيف يعرف الدواء من لا ~~يشعر بالداء؟! فاستحسن المأمون منه ذلك، وأنزله منزلته الأولى. # أبو محمد اليزيدي والمأمون # كان أبو محمد اليزيدي ينادم المأمون، فغلب عليه الشراب ذات ليلة فغلبه، فأمر ~~المأمون بحمله إلى منزله برفق، فلما أفاق استحى وانقطع عن الركوب أياما، فلما طال ~~عليه ذلك كتب إلى المأمون: # أنا المذنب الخطاء والعفو واسع # ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو # سكرت فأبدى مني الكأس بعض ما # كرهت وما أن يستوي السكر والصحو # ولا سيما إذ كنت عند خليفة # وفي مجلس ما إن يجوز به اللغو # فلما قرأها المأمون وقع في الرقعة: «سر إلينا فقد عفونا عنك، فلا عتب عليك ~~وبساط النبيذ يطوى معه». # أبو دلف والمأمون # دخل أبو دلف على المأمون، وقد كان عتب عليه ثم أقاله، وقد خلا مجلسه: قل أبا دلف ~~وما عسيت أن تقول، وقد رضي عنك أمير المؤمنين، وغفر لك ما فعلت. فقال: يا أمير ~~المؤمنين: # ليالي تدني منك بالبشر مجلسي # ووجهك من ماء البشاشة يقطر # فمن لي بالعين التي كنت مرة # إلي بها في سالف الدهر تنظر # قال المأمون: لك بها رجوعك إلى مناصحته، وإقبالك على طاعته، ثم عاد إلى ما كان ~~عليه. # المأمون ومدعي النبوة # ادعى رجل النبوة في زمن المأمون، فبلغه خبره؛ فأحضره إليه، ثم سأله: ما علامة ~~نبوتك؟ فقال له: علمي بما في نفسك! فقال: وما في نفسي؟ فقال: تقول: إني كاذب. فحبسه ~~ثم أحضره، وقال له: هل أوحي إليك شيء؟! قال: لا. قال: ولم ذلك؟! قال: لأن ~~الملائكة لا تدخل الحبس! فضحك منه وأطلقه. # المأمون والحسن بن سهل # لما ودع المأمون الحسن بن ms018 سهل قبل مخرجه من مدينة السلام قال له: يا أبا محمد، ~~ألك حاجة تعهد إلي فيها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تحفظ علي من قلبك ما لا ~~أستعين على حفظه إلا بك. # ابن قتيبة والمأمون # قال سعيد بن مسلم بن قتيبة للمأمون: لو لم أشكر الله إلا على حسن ما أبلاني في ~~أمير المؤمنين من قصده إلي بحديثه وإشارته إلي بطرفه كان ذلك من أعظم ما توجبه ~~النعمة وتفرضه الصنيعة. قال المأمون: ذلك والله لأن الأمير يجد عندك من حسن الإفهام ~~إذا حدثت، وحسن الفهم إذا حدثت ما لا يجده عند غيرك. # المأمون والرجال الثلاثة # قال المأمون: ما عجزت عن جواب أحد قط مثلما عييت عن جواب ثلاثة. فقال بعض أصحابه: ~~من أولئك يا أمير المؤمنين؟ قال: أما الأول: فرجل من أهل الكوفة، وسبب ذلك أن أهل ~~الكوفة رفعوا قصة يشكون فيها عاملا عليهم، فقعدت يوما، وقلت لهم: إن خاصمتموني ~~كلكم مللت، ولكن اختاروا رجلا منكم أتولى مناطقته ويقوم مقامكم. قالوا: قد اخترنا ~~رجلا غير أنه أصم، فإن احتمله أمير المؤمنين فهو لساننا! قلت: قد احتملته. ~~وأحضروه، فلما مثل بين يدي قلت له: ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وليت علينا ~~رجلا ثلاث سنين، فاستأصل أموالنا، ويريد أرواحنا، ففي السنة الأولى: نفدت أموالنا، ~~وفي السنة الثانية: بعنا ضياعنا، وفي الثالثة: خرجنا من ديارنا وأوطاننا للشر الذي ~~نالنا والمسكنة التي حلت بنا. فقلت له: كذبت، وأنت أهل لذلك، بل وليت عليكم ثقة ~~عندي على أموالكم مأمونا فاضلا. فقال يا أمير المؤمنين: صدقت وبررت، وأنا كذبت ~~وأفكت، وأنت خليفة الله في بلادنا وأمينه على عباده، فكيف خصصتنا بهذا العادل ~~المؤتمن الفاضل ثلاث سنين ولم توله غير بلاده؛ فينشر عدله في البلاد، ويحيا به ~~العباد كما انتشر علينا، ويفيض من عدله على رعيتك ما أفاض علينا؟! ~~فضحكت، وقلت له: قم فقد عزلته عنكم. وأما ~~الثاني: فأم الفضل، دخلت عليها لما كثر بكاؤها وحزنها على الفضل، فقلت لها: يا أم ~~الفضل، لا تكثري ms019 البكاء والحزن على ذي الرئاستين؛ فأنا لك ولد مكانه. فاشتد بكاؤها، ~~فأعدت عليها القول، فقالت: يا أمير المؤمنين، كيف لا أحزن على ولد أكسبني مثلك؟ فلم ~~أجد كلاما بعده، وخرجت من عندها. وأما الثالث: فإني أتيت برجل يدعي النبوة، فأمرت ~~بحبسه، ثم تفرغت من شغلي، فأمرت بإحضاره، وقلت له: زعمت أنك نبي؟! قال: نعم. قلت: ~~إلى من بعثت؟ قال: أوتركتموني أبعث إلى أحد؟! بعثت الغداة وحبست نصف النهار! ~~فقلت: من أنت من الأنبياء؟ قال: موسى بن عمران. قلت له: إن موسى كانت له دلائل ~~وبراهين. قال: وما كانت براهينه؟ قلت: كان إذا ضم يده إلى جيبه أخرجها بيضاء، ~~وإذا ألقى العصا صارت حية. قال: نعم، إنما ذلك لأجل فرعون لما قال: أنا ربكم ~~الأعلى. فإن شئت ترى ذلك قل كما قال فرعون؛ حتى أظهر لك الآيات. فضحكت من كلامه، ~~وأمرت له بجائزة. # اليزيدي والمأمون # قال محمد اليزيدي النحوي: دخلت على المأمون يوما وهو في حديقة له، ريانة ~~أغصانها، غضة أوراقها في فصل الربيع، والدنيا قد تبرجت بثياب الرياض، وعنده جاريته ~~منعم - وكانت أجمل أهل دهرها - تغنيه بهذه الأبيات: # وزعمت أني ظالم فهجرتني # ورميت في قلبي بسهم نافذ # فنعم ظلمتك فاغفري وتجاوزي # هذا مقام المستجير العائذ # هذا مقام فتى أضر به الهوى # أوليس عندكم ملاذ اللائذ # ولقد أخذتم من فؤادي لبه # لا شل ربي كف ذاك الآخذ # فطرب المأمون طربا شديدا، واستعادها الصوت مرارا، ثم قال: يا يزيدي، هل شيء ~~أحسن مما نحن فيه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: وما هو؟ قلت: الشكر لمن خولك ~~هذا الإنعام الجليل العظيم. فقال: أحسنت وصدقت. ووصلني بصلة، وأمر بإحضار مائة ألف ~~درهم يتصدق بها، وكأني نظرت إلى البدر وقد خرجت وهي تفرق. # ذكاء المأمون # كان عبد الله المأمون يقرأ على الكسائي - والمأمون إذ ذاك صغير - وكان من عادة ~~الكسائي إذا قرأ عليه المأمون يطرق رأسه؛ فإذا غلط المأمون رفع الكسائي رأسه ونظر ~~إليه؛ فيرجع المأمون إلى الصواب، فقرأ المأمون يوما سورة الصف ، فلما ms020 قرأ: # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون ~~(الصف: 2) رفع الكسائي رأسه، ونظر المأمون إليه؛ فكرر ~~الآية، فوجد القراءة صحيحة، فمضى على قراءته وانصرف الكسائي، فدخل المأمون على أبيه ~~الرشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، إن كنت وعدت الكسائي وعدا فإنه يستنجزه منك. قال: ~~إنه كان التمس للقراء شيئا ووعدته به؛ فهل قال لك شيئا؟ قال: لا. قال: فما أطلعك ~~على هذا؟ فأخبره بالأمر، فسر من فطنته وحدة ذكائه. # المأمون والحائك # رفع صاحب الخبر إلى المأمون أن حائكا يعمل العام كله لا يتعطل في عيد ولا جمعة، ~~فإذا طلع الورد طوى عمله، وغرد بصوت، وقال: # طاب الزمان وجاء الورد فاصطبحوا # ما دام للورد أزهار وأنوار # فإذا شرب مع ندمائه غنى: # أشرب على الورد من حمراء صافية # شهرا وعشرا وخمسا بعدها عددا # فلا يزال في صبوح وغبوق ما بقيت وردة، فإذا انقضى عاد إلى عمله، وأنشد: # فإن يبقني ربي إلى الورد أصطبح # وندمان صدق عارفين مقاميا # فقال المأمون: لقد نظر الورد بعين جليلة؛ فينبغي أن نعينه على هذه المروءة، وأمر ~~أن يدفع إليه في كل سنة عشرة آلاف درهم. # يحيى بن أكثم والمأمون # قال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون يوما من الأيام في بستان مؤنسة بنت المهدي، ~~فكنت من الجانب الذي يستره من الشمس، فلما انتهى إلى آخره وأراد الرجوع أردت أن ~~أدور إلى الجانب الذي يستره من الشمس؛ فقال: لا تفعل، ولكن كن بحالك حتى أسترك كما ~~سترتني. فقلت: يا أمير المؤمنين، لو قدرت أن أقيك حر النار لفعلت، فكيف الشمس؟! ~~فقال: ليس هذا من كرم الصحبة. ومشى ساترا إياي من الشمس كما سترته. # المأمون والموبذ # حضر الموبذ عند المأمون وهو يكالمه؛ إذ وردت عليه خريطة من الحسن فيها أخبار ~~العراق وموت ابن الموبذ، فقال المأمون: أحسن الله لك العوض وعليه الخلف. فأجابه ~~بصالح الأدعية، فعجب المأمون وقال: أتدري ما أردت؟ قال: لا. قال: تعال إن ابنك ~~مات. قال: قد علمت ذلك. قال: ومن أين علمت ذلك والخريطة الساعة ms021 وردت؟! قال: قد علمت ~~ذلك يوم ولد وعلة موته وجوده. # نباهة المأمون # حكي أن أم جعفر عاتبت الرشيد في تقريظه للمأمون دون الأمين ولدها، فدعا خادما، ~~وقال له: وجه إلى الأمين والمأمون خادما يقول لكل واحد منهما على الخلوة: ما تفعل ~~بي إذا أفضت الخلافة إليك؟ فأما الأمين فقال للخادم: أقطعك وأعطيك. وأما المأمون ~~فإنه قام إلى الخادم - بدواة كانت بين يديه - وقال: اسألني عما أفعل بك يوم يموت ~~أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين؛ إني لأرجو أن نكون جميعا فداء له. فقال الرشيد ~~لأم جعفر: كيف ترين؟ فسكتت عن الجواب. # محمد بن عمران والمأمون # لما بنى محمد بن عمران قصره إزاء قصر المأمون قيل له: يا أمير المؤمنين، باراك ~~وباهاك. فدعاه، وقال: لم بنيت هذا القصر حذائي؟ قال: يا أمير المؤمنين أحببت أن ترى ~~نعمتك علي؛ فجعلته نصب عينك. فاستحسن المأمون جوابه وعفا عنه. # العباس بن الحسين والمأمون # قال العباس بن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين، إن لساني ينطلق بمدحك غائبا، ~~وقد أحببت أن يستزيد عندك حاضرا، أفتأذن يا أمير المؤمنين بالكلام؟ فقال له: قل ~~فوالله إنك لتقول فتحسن، وتحضر فتزين وتغيب فتؤتمن. فقال: ما بعد هذا الكلام يا ~~أمير المؤمنين أفتأذن بالسكوت؟ قال: إذا شئت. # المأمون وسوسن والجارية # كان للمأمون جماعة من المغنين وفيهم مغن يسمى سوسنا عليه وسم جمال. # فبينما هو عنده يغني؛ إذ تطلعت جارية من جواريه فنظرت إليه، فعلقته، فكانت إذا ~~حضر سوسن تسوي عودها وتغني: # ما مررنا بالسوسن الغض إلا # كان معي لمقلتي نديما # حبذا أنت والمسمى به أن # ت وإن كنت معه أذكى نسيما # فإذا غاب سوسن أمسكت عن هذا الصوت وأخذت في غيره، فلم تزل تفعل ذلك حتى فطن ~~المأمون، فدعا بها ودعا السيف والنطع، ثم قال: اصدقيني أمرك. قالت: يا أمير ~~المؤمنين، ينفعني عندك الصدق؟ قال لها: إن شاء الله. قالت: يا أمير المؤمنين، اطلعت ~~من وراء الستارة فرأيته فعلقته. فأمسك المأمون عن عقوبتها وأرسل إلى المغني فوهبها ~~له، وقال: لا يقربنا. ms022 # المأمون والجاني # وقف رجل بين يدي المأمون وقد جنى جناية، فقال: والله لأقتلنك. فقال الرجل: يا ~~أمير المؤمنين، تأن علي؛ فإن الرفق نصف العفو. قال: وكيف وقد حلفت لأقتلنك؟! ~~قال: يا أمير المؤمنين، لأن تلقى الله جانيا خير لك من أن تلقاه قاتلا. فخلى ~~سبيله. # المأمون وجلساؤه # قال المأمون يوما لبعض جلسائه: أنشدوني بيتا لملك يدل على أن قائله ملك، فأنشده ~~بعضهم قول امرئ القيس: # أمن أجل أعرابية حل أهلها # جنوب الحمى عيناك تبتدران # فقال: ليس في هذا ما يدل على أنه ملك؛ فإنه يجوز أن يقول هذا سوقي حضري، إنما هذا ~~بيت يدل على أن قائله ملك. وأنشد للوليد بن يزيد: # اسقني من سلاف ريق سليمى # واسق هذا النديم كأسا عقارا # أما ترون إلى إشارته وقوله: «هذا النديم» فإنها إشارة ملك. # المأمون وعلوية المجنون # دخل علوية المجنون يوما على المأمون وهو يرقص ويصفق بيديه ويغني بهذين ~~البيتين: # عزيزي من الإنسان لا إن جفوته # صفا لي ولا إن صرت طوع يديه # وإني لمشتاق إلى ظل صاحب # يروق ويصفو إن كدرت عليه # فسمع المأمون والحاضرون ما لم يستمعوا قبلا، وقال المأمون: ادن يا علوية ~~ورددهما. فرددهما عليه سبع مرات، فقال المأمون: يا علوية خذ الخلافة وأعطني هذا ~~الصاحب. # | النوادر السادسة # نوادر الخليفة المنصور # المنصور والرجل # دخل رجل على المنصور فقال له: تكلم بحاجتك، فقال: يبقك الله يا أمير المؤمنين. ~~قال: تكلم بحاجتك فإنك لا تقدر على هذا المقام كل حين. قال: والله يا أمير المؤمنين ~~ما أستقصر أجلك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك، وإن عطاءك لشرف، وإن سؤالك ~~لدين، وما لامرئ بذل وجهه إليك خيبة أو شين. قال: فأحسن جائزته وأكرمه. # المنصور ومعن بن زائدة # قال المنصور لمعن بن زائدة: ما أظن ما قيل عنك من ظلمك أهل اليمن واعتسافك عليهم ~~إلا حقا. قال: كيف يا أمير المؤمنين؟! قال: بلغني عنك أنك أعطيت شاعرا لبيت قاله ~~ألف دينار! فأنشده البيت، وهو: # معن بن زائدة الذي زيدت به # فخرا إلى فخر ms023 بنو شيبان # قال: نعم يا أمير المؤمنين قد أعطيته ألف دينار، ولكن على قوله: # ما زلت يوم الهاشمية معلما # بالسيف دون خليفة الرحمن # فمنعت حوزته وكنت وقاءه # من وقع كل مهند وسنان # قال: فاستحيا المنصور، وجعل ينكت الأرض بالمخصرة، ثم رفع رأسه، وقال: اجلس يا ابن ~~زائدة. # المنصور وابن طاوس # بعث أبو جعفر المنصور إلى مالك بن أنس وإلى ابن طاوس؛ فدخلا عليه، وإذ هو جالس ~~على فرش قد نضدت له، وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلادون بأيديهم السيوف لضرب رقاب ~~الناس، فأومأ إليهما بالجلوس، وأطرق عنهما طويلا، ثم التفت إلى ابن طاوس، فقال له: ~~حدثني عن أبيك. قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله: «إن أشد الناس عذابا ~~يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه؛ فأدخل عليه الجور في عدله»، قال مالك: فضممت ~~ثيابي مخافة أن يملأني دمه. # ثم التفت إليه أبو جعفر، فقال: عظني يا ابن طاوس. قال: نعم، أما سمعت الله يقول: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها ~~في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر ~~بالواد # إلى قوله: # لبالمرصاد ~~(الفجر: 6-14)، قال مالك: فضممت ثيابي أيضا مخافة أن يملأني دمه. فأمسك المنصور ~~ساعة، ثم قال: يا ابن طاوس، ناولني الدواة. فأمسك ابن طاوس ولم يناوله إياها وهي في ~~يده، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها؟! قال: أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك ~~فيها. فلما سمع المنصور ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي. قال ~~مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس بعدها فضلا. # المنصور وأبو جعفر # لما كتب أبو جعفر أمان ابن هبيرة، واختلف فيه الشهود أربعين يوما، ركب في رجال ~~معه حتى دخل على المنصور، فقال: إن دولتكم جديدة، فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنبوهم ~~مرارتها؛ لتسرع محبتكم إلى قلوبهم، ويعذب ذكركم على ألسنتهم، وما زلت منتظرا ~~لهذه الدعوة. فأمر أبو جعفر برفع الستر بينه وبين الرجل، فنظر إلى وجهه، وباسطه ~~بالقول حتى اطمأن قلبه، فلما خرج ms024 قال أبو جعفر: عجبا من كل من يأمرني بقتل مثل ~~هذا. # المنصور والشيخ الجريء # كان المنصور متطلعا إلى الإحاطة بأمور الناس عموما، وإلى معرفة أحوال بني أمية ~~خصوصا؛ فبلغه أن من مشايخ أهل الشام شيخا معروفا، وكان بطانة لهشام بن عبد الملك ~~بن مروان، فأرسل إليه المنصور، وأحضره بين يديه، وسأله عن تدبير هشام في حروبه مع ~~الخوارج؛ فوصف له الشيخ ما دبر، وقال: فعل - رحمه الله - كذا وكذا، ودبر كذا وكذا. ~~فقال له المنصور: قم عليك لعنة الله، تطأ بساطي، وتترحم على عدوي؟! فقال الرجل - ~~وهو مول يريد الخروج: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غال. فلما سمعه ~~المنصور قال: ردوه. فلما رجع قال: يا أمير المؤمنين، إن أكثر الناس لؤما من لم ~~يجعل دعاءه لمن أحسن إليه، وثناءه عليه وحمده لمعروفه عنده؛ وفاء له، ولو أمكنني ~~القدر وقدرني القضاء على الوفاء لهشام بأكثر من ذلك لوجدني أمير المؤمنين وافيا ~~لديه. فقال له المنصور: ارجع يا شيخ إلى إتمام حديثك، أشهد أنك نهيض حر وولد رشيد. ~~ثم أقبل المنصور على حديثه إلى أن فرغ فدعا المنصور بمال وكسوة، وقال: خذ هذا صلة ~~منا لك. فأخذ ذلك، وقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من حاجة، ولقد مات عني من ~~كنت في ذكره؛ فما أحوجني إلى وقوفي على باب أحد بعده، ولولا جلالة أمير المؤمنين ~~ولزوم طاعته وإيثاري أمره لما لبست نعمة أحد بعده. فقال المنصور: لله أنت لو لم يكن ~~لقومك غيرك كنت أبقيت لهم ذكرا مخلدا ومجدا باقيا بوفائك لمن أحسن إليك. ثم ~~أوصى المنصور برعاية أموره وقضاء حوائجه، وصار يذكره في خلواته ويستحسن ما صدر ~~منه. # المنصور ورجل في المسجد # بينما كان المنصور يطوف بالكعبة ليلا إذ سمع قائلا يقول: اللهم إني أشكو إليك ~~ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. # فخرج المنصور وجلس في ناحية المجلس وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى ركعتين واستلم ~~الركن، ثم أقبل مع الرسول ms025 فسلم عليه بالخلافة، فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تقول ~~وتذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع؟! فوالله ~~لقد حشوت مسامعي ما أمرضني. قال: يا أمير المؤمنين، إن أمنتني أنبأتك الأمور على ~~جليتها وأصولها، وإلا أجادل عن نفسي. قال له المنصور: أنت آمن على نفسك. فقال: إن ~~الذي داخله الطمع حتى حال بينه وبين إصلاح ما ظهر من البغي والفساد أنت. قال: ويحك! ~~وكيف يداخلني الطمع والبيضاء في قبضتي والحلو والحامض عندي؟! # قال: وهل داخل أحدا من الطمع ما داخلك؟! إن الله تعالى استرعاك المسلمين ~~وأموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر، وأبوابا من الحديد، وحجبة ~~معهم الأسلحة، وأمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان - سميتهم لهم - ولم تأمر ~~بإيصال الملهوف، ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير، وما أحد إلا وله في ~~المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن ~~لا يحجبوا عنك تجبي الأموال فلا تعطيها، وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا خان الله، ~~فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا نفسه؟! فاتفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس ~~إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه ونفوه؛ حتى تسقط ~~منزلته ويصغر قدره، فلما اشتهر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم، فكان أول من ~~صانعهم عمالك بالهدايا والأموال؛ ليتقووا بها على ظلم رعيتك؛ لينالوا به ظلم من ~~دونهم، فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء شركاءك في سلطانك وأنت ~~غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول عليك، فإن أرادوا رفع قصته إليك عند ~~ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك المظلوم إلى ~~الرجل وبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته؛ فإن المتظلم من له بهم ~~حرمة، أجابهم خوفا منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو ~~يدافعه ولا يقبل عليه، وإذا جهد واضطر وأخرج ms026 وقف وصرخ بين يديك، فيضرب ضربا شديدا ~~مبرحا؛ ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ولا تذكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟! وقد ~~كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه فبكى ~~بكاء شديدا؛ فعزاه بعض جلسائه، فقال: أما إني لست أبكي على ما نزل بي من ذهاب ~~سمعي، ولكني أبكي لمظلوم يقف يصرخ بالباب فلا يسمع صوته. ثم قال: أما إذا ذهب سمعي ~~فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا متظلم، ثم صار يركب ~~الفيل طرفي النهار وينظر؛ هل يرى مظلوما؟! فهذا مشرك بالله تعالى غلبت رأفته ~~بالمشركين شح نفسه، وأنت تؤمن بالله واليوم الآخر غلبك شح نفسك، فإن كنت إنما تجمع ~~المال لولدك فقد أراك الله في الطفل يسقط من بطن أمه وما له على الأرض مال، وما من ~~مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فما يزال الله - جل وعلا - يلطف بذلك الطفل حتى ~~تعظم رغبة الناس إليه، ولست الذي يعطي، بل الله يعطي من يشاء بغير حساب، وإن قلت: ~~إنما أجمع المال لتشديد السلطان وتقويته، فقد أراك الله تعالى ببني أمية ما أغنى ~~عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وما أعدوا من الرجال والكراع والسلاح حين أراد الله ~~بهم ما أراد، وإن قلت: إنما أجمعه لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنا فيها، ~~فوالله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلا منزلة لا تنال إلا بخلاف ما أنت عليه يا أمير ~~المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأكثر من القتل أو الصلب؟! قال المنصور: لا. قال: فكيف ~~تصنع يا أمير المؤمنين يوم القيامة عند لقاء الله - عز وجل - الذي خولك ملك الدنيا ~~وهو لا يعاقب من عصاه من عبيده وعمل بخلاف ما أمر به في كتابه بالقتل، ولكن يعاقبهم ~~في الخلود بالعذاب الأليم، وقد ترى ما عقد عليه قلبك، وحملته جوارحك، ونظر إليه ~~بصرك، واجترحته يداك، ومشت إليه قدماك، هل يغني ما شححت عليه من قلب الدنيا إذا ms027 ~~انتزعه من يديك ودعاك إلى الحساب على ما خولك؟ # فلما أتم الرجل كلامه والمنصور يتململ منه بكى بكاء شديدا ثم قال: يا ليت ~~المنصور لم يخلق. ثم قال للرجل: يا ويحك! كنت أفكر في الانتقام منك عما جبهتني به، ~~والآن قد رأيت العفو عن مقالتك لصدق مقصدك أولى، وشكرك على نصحك أحمد، فكيف احتيالي ~~لنفسي والسلامة مع مؤاخذة الله تعالى على ما أوضحت؟ # فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم، ويرصنون ~~بقولهم، فاتخذهم لك بطانة يرشدوك، واستعن بآدابهم وأقوالهم يسعدوك. قال المنصور: قد ~~بعثت إليهم فهربوا مني! قال الرجل: خافوا منك أن تحملهم على طريقتك، فلم يرضوا بها، ~~ولكن افتح باب مجلسك، وسهل حجابك، وانظر في أمور الناس، وانصر المظلوم، واقمع ~~الظالم، وخذ الغنى والأموال مما حل وطاب، واقسم ذلك بالحق والعدل على أهله، وأنا ~~الضامن لك أنك إذا فعلت ذلك أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة، فبينما هو والرجل في ~~الحديث دخل المؤذنون، فسلموا عليه للصلاة، فقام وصلى، فلما فرغ من صلاته عاد فطلب ~~الرجل فلم يجده، فما زال المنصور بعد ذلك يذكره، ويقول إذا ذكره: كرهت كلامه ثم ~~حمدته وانتفعت به. # المنصور والرجل # أخبر أحمد بن موسى قال: ما رأيت رجلا أثبت جنانا، ولا أحسن معرفة، ولا أظهر حجة ~~من رجل رفع فيه عند المنصور بأن عنده أموالا لبني أمية؛ فأمر المنصور حاجبه الربيع ~~أن يحضره، فلما حضر بين يديه قال المنصور: رفع إلينا أن عندك ودائع وأموالا ~~وسلاحا لبني أمية، فأخرجها لنا لنجمع ذلك إلى بيت المال. # فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أنت وارث لبني أمية؟ قال: لا. قال: فلم تسأل إذن ~~مما في يدي من أموال بني أمية ولست بوارث لهم ولا وصي؟! فأطرق المنصور ساعة ثم قال: ~~إن بني أمية ظلموا الناس، وغصبوا أموال المسلمين. فقال الرجل: يحتاج أمير المؤمنين ~~إلى بينة يقبلها الحاكم، تشهد أن المال الذي لبني أمية هو الذي في يديه، وأنه هو ~~الذي غصبوه من الناس ms028 ، وأن أمير المؤمنين يعلم أن بني أمية كانت لهم أموال لأنفسهم ~~غير أموال المسلمين التي اغتصبوها على ما يتهم أمير المؤمنين. فسكت المنصور ساعة، ~~ثم قال: يا ربيع، صدق الرجل، ما يجب لنا على الرجل بشيء. ثم قال للرجل: ألك حاجة؟ ~~قال: نعم، قال: ما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فوالله يا أمير ~~المؤمنين ما لبني أمية عندي مال ولا سلاح، وإنما أحضرت بين يديك وعلمت ما أنت فيه ~~من العدل والإنصاف واتباع الحق واجتناب المظالم فأيقنت أن الكلام الذي صدر مني هو ~~أنجح وأصلح لما سألتني عنه. # فقال المنصور: يا ربيع، اجمع بينه وبين الذي سعى به، فجمع بينهما، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، هذا أخذ لي خمسمائة دينار وهرب، ولي عليه مسطور شرعي. فسأل المنصور الرجل ~~فأقر بالمال، قال: فما حملك على السعي كاذبا؟ قال: أردت قتله ليخلص لي المال! فقال ~~الرجل: قد وهبتها له يا أمير المؤمنين لأجل وقوفي بين يديك وحضوري مجلسك، ووهبته ~~خمسمائة دينار أخرى لكلامك لي، فاستحسن المنصور فعله وأكرمه وأعاده إلى بلده ~~مكرما، وكان المنصور كل وقت يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ قط ولا أثبت من جنانه، ~~ولا من حجتي مثله، ولا رأيت مثل حلمه ومروءته. # المنصور وصاحب الضيعة # غصب أحد الولاة رجلا من العقلاء ضيعة له، فشكاه إلى المنصور فقال له: أصلحك ~~الله، أذكر حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا؟ قال: بل اضرب لي قبلها مثلا، قال: ~~أصلحك الله، إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنه يغير إلى أمه؛ إذ لا يعرف ~~غيرها، وظنا منه أنه لا ناصر فوقها، فإذا ترعرع واشتد فأوذي كان فراره وشكواه إلى ~~أبيه؛ لعلمه بأن أباه أقوى من أمه على نصرته، فإذا بلغ وصار رجلا ووقع به أمر شكا ~~إلى الوالي؛ لعلمه بأنه أقوى من أبيه، فإذا زاد عقله واشتدت شكيته شكا إلى السلطان؛ ~~لعلمه بأنه أقوى من سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكا إلى الله - عز وجل - وقد ~~نزلت بي ms029 نازلة، وليس فوقك أحد أقوى منك، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمرها إلى الله؛ إذ ~~ليس فوقك إلا الله تعالى. قال: بل ننصفك. وأمر بأن يكتب إلى واليه برد ضيعته ~~عليه. # عمارة والمنصور والرجل # جاء عمارة بن حمزة إلى الملك المنصور فأجلسه عنده، وكان ذلك في يوم نظره في ~~المظالم، فقام رجل على قدميه ونادى بأعلى صوته: يا أمير المؤمنين، أنا مظلوم. فقال ~~له: ومن ظلمك؟ فقال: عمارة بن حمزة هذا أخذ ضياعي وعقاري. فأمر المنصور أن يقوم من ~~مجلسه ويساوي خصمه، فقال عمارة: يا أمير المؤمنين، إن كانت الضياع له فلا أعارضه ~~فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أقوم من مجلس أكرمني به أمير المؤمنين لأجل ~~ضياع أو عقار. # المنصور وأحد ولد الأشتر # حكي إلى المنصور برجل من ولد الأشتر النخعي ذكر عنه الميل إلى بني علي بن أبي ~~طالب والتعصب لهم، فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين، ذنبي ~~أعظم من نقمتك، وعفوك أعظم من ذنبي، ثم قال: # فهبني شيئا كالذي قلت ظالما # فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل # فإن لم أكن للعفو منك لسوء ما # أتيت به أهلا فأنت له أهل # فعفا عنه. # المنصور وشبة بن عقال # جلس المنصور يوما فقال: من يصف صالحا ابني؟ وقد رشحه لأن يوليه بعض أمور؛ ~~فكلهم هاب المهدي، فقال شبة بن عقال: لله دره ما أفصح لسانه! وأحضر جنانه! وأبل ~~ريقه! وأسهل طريقه! وكيف لا يكون كذلك وأمير المؤمنين أبوه والمهدي أخوه؟! ثم ~~أنشد: # هو الجواد فإن يلحق بشأوهما # على تكاليفه ما مثله لحقا # أو يسبقاه على ما كان من مهل # فمثل ما قد ما من صالح سبقا # فقال المنصور: ما رأيت مثله مخلصا، مدحه وأرضاني. # إبراهيم بن هرمة والمنصور # يحكى عن المنصور أن الربيع بن يونس حاجبه قال له يوما: يا أمير المؤمنين، إن ~~الشعراء ببابك وهم كثيرون، وقد طالت أيام إقامتهم، ونفدت نفقاتهم. فقال: اخرج ~~إليهم، واقرأ عليهم السلام، وقل لهم: من مدحنا منكم فلا ms030 يصفنا بالأسد؛ فإنما هو كلب ~~من الكلاب، ولا بالحية؛ فإنما هي دويبة سيئة تأكل التراب، ولا بالحلي؛ فإنما هي حجر ~~أصم، ولا بالبحر؛ فإنه ذو مخاوف، فمن كان ليس في شعره شيء من هذا فليدخل، ومن كان ~~في شعره شيء من هذا فليصرف، فانصرف كلهم إلا إبراهيم بن هرمة؛ فإنه قال: أدخلني. ~~فأدخله، فلما مثل بين يديه قال: يا ربيع، قد علمت أنه لا يجيبك أحد غيره، هات يا ~~إبراهيم: فأنشده القصيدة التي أولها: # سرى نومه عني الصبا المتحامل # وأذن بالبين الحبي المزايل # حتى انتهى إلى قوله: # له لحظات في حقافي سديره # إذا كر ها فيها عقاب ونائل # فأما الذي أمنت أمنه الردى # وأما الذي خوفت بالثكل ثاكل # فرفع له الستر، وأقبل عليه مصغيا إليه حتى فرغ من إنشادها، ثم أمر له بعشرة آلاف ~~درهم، وقال: يا إبراهيم، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها، فما في كل وقت تصل إلينا ~~وتنال مثلها منا، قال إبراهيم: ألقاك بها يا أمير المؤمنين يوم العرض وعليها خاتم ~~الجهبذ. # المنصور العباسي وأبو عبد الله # كتب المنصور العباسي إلى أبي عبد الله بن جعفر الصادق (رضي الله عنه): لم لا ~~تغشاني كما تغشانا الناس؟ فأجابه: ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من ~~الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها، ولا نعدها نقمة فنعزيك لها. فكتب ~~المنصور إليه: تصحبنا لتنصحنا. فكتب إليه أبو عبد الله أيضا: من يطلب الدنيا لا ~~ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك. # المنصور وخالد وإيوان كسرى # كان المنصور تقدم بهدم إيوان كسرى وحمل نقضه إلى مدينة السلام، فقال له خالد: لا ~~تهدم بناء دل على فخامة قدر بانيه الذي غلبته، وأخذت ملكه فتعجز عنه، فيدل ذلك ~~على عجز منك. فقال: هذا الميل منك إلى المجوس. وأمر بهدمه فعجز عنه، فقال: يا خالد، ~~صرنا إلى رأيك. فقال: الآن أشير أن لا تكف عنه، فإن الهدم أيسر من البناء؛ لئلا ~~تقول الناس: إنك عجزت عن هدم بناء بناه ms031 عدوك. # | النوادر السابعة # نوادر الخليفة معاوية بن أبي سفيان # وصف ضرار لمعاوية # قال ضرار بن ضمرة: دخلت على معاوية بعد قتل أمير المؤمنين، فقال لي: صف أمير ~~المؤمنين. فقلت: اعفني! فقال: لا بد أن تصفه. فقلت: أما إذا لا بد فإنه كان والله ~~بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق ~~الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، غزير العبرة، ~~طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما خشب، وكان فينا كأحدنا؛ يجيبنا ~~إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه بنا لا نكاد ~~نكلمه؛ هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ~~ييأس الضعيف من عدله، ولقد رأيته مرة تحت جنح الدجى يتململ تململ السليم، ويبكي ~~بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غرى غيري، أبي تعرضت، أم إلي تشوقت؟! هيهات ~~هيهات! قد أبنتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وعيشك حقير، آه ~~آه! من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا الحسن ~~كان والله كذلك، فكيف حزنك يا ضرار؟ فقلت: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترفأ ~~عبرتها، ولا يسكن حزنها. # معاوية وعمرو بن العاص وعبد الملك بن مروان # دخل عبد الملك بن مروان على معاوية وعنده عمرو بن العاص فسلم ثم جلس، فلم يلبث أن ~~قام، قال معاوية: ما أكرم مروءة هذا الفتى! قال عمرو: إن أخذ بأخلاق أربعة وترك ~~أخلاقا أربعة: أخذ بأحسن البشر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع ~~إذا حدث، وبأيسر المؤنة إذا حولف، وترك مشورة من لا يثق بعقله، وترك مجالسة من لا ~~يرجع إلى دينه، وترك مخالطة لئام الناس، وترك من الكلام كل ما يعتذر منه. # معاوية وبكارة الهلالية # دخلت بكارة الهلالية على معاوية يوما وهو بالمدينة، وكانت قد أسنت وغشي بصرها ~~وضعفت قوتها ترتعش بين خادمين لها، فسلمت وجلست، فرد عليها معاوية السلام، وقال: ~~كيف ms032 أنت يا خالة؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين. قال: غيرك الدهر. قالت: كذلك ~~هو ذو غير، من عاش كبر، ومن مات فقد، فقال عمرو بن العاص: هي والله القائلة يا ~~أمير المؤمنين: # يا زيد دونك فاحتفر من دارنا # سيفا حساما في التراب دفينا # قد كنت أذخره ليوم كريهة # فاليوم أبرزه الزمان مصونا # وقال مروان: هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: # أترى ابن هند للخلافة مالكا # هيهات ذاك وإن أراد بعيد # منتك نفسك في الخلاء ضلالة # أغراك عمرو للشقا وسعيد # وقال سعيد بن العاص: وهي والله القائلة: # قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى # فوق المنابر من أمية خاطبا # فالله أخر مدتي فتطاولت # حتى رأيت من الزمان عجائبا # في كل يوم للزمان خطيبهم # بين الجميع لآل أحمد عائبا # ثم سكتوا، فقالت: يا معاوية، كلامك غشى بصري ~~وقصر حجتي، أنا والله قائلة ما قالوا، وما خفي عليك مني أكثر. فضحك معاوية، وقال: ~~ليس يمنعنا ذلك من برك، اذكري حاجتك. قالت: أما الآن فلا. وانصرفت، فوجه إليها ~~معاوية بجائزة سنية. # معاوية والحسن بن علي # خرج معاوية سنة حاجا فمر بالمدينة ففرق على أهلها أموالا جزيلة، ولم يحضر ~~الحسن بن علي، فلما حضر قال له معاوية: مرحبا مرحبا برجل تركنا حتى نفد ما عندنا ~~وتعرض لنا ببخلنا. فقال الحسن: كيف ينفذ ما عندك وخراج الدنيا يجيء إليك؟! فقال ~~معاوية: قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لأهل المدينة وأنا ابن هند. فقال الحسن: قد ~~رددته عليك وأنا ابن فاطمة الزهراء. # معاوية ووالداه # قال أبو حازم الأعرج لسليمان بن عبد الملك: إنما السلطان سوق، فما نفق عنده ~~حمل إليه. ولما قدم معاوية من الشام وكان عمر قد استعمله عليها دخل على أمه هند ~~فقالت له: يا بني، إنه قلما ولدت حرة مثلك، وقد استعملك هذا الرجل، فاعمل بما ~~وافقه؛ أحببت ذلك أم كرهته. ثم دخل على أبيه أبي سفيان، فقال له: يا بني، إن هؤلاء ~~الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا عنهم، فرفعهم سبقهم وقصر بنا ms033 تأخرنا، فصرنا ~~أتباعا وصاروا قادة، وقد قلدوك جسيما من أمرهم؛ فلا تخالفن أمرهم، فإنك تجري ~~إلى أحد لم تبلغه، ولو قد بلغته لتنبعث فيه. قال معاوية: فعجبت من اتفاقهما في ~~المعنى على اختلافهما في اللفظ. # معاوية وعمرو بن العاص # قال عمرو: رأيت معاوية في بعض أيامنا بصفين خرج في عدة لم أره خرج في مثلها، فوقف ~~في قلب عسكره، فجعل يلحظ ميمنة فيرى الخلل؛ فيبدر إليه من ميسرة، ثم يفعل ذلك ~~بميمنة، فتغنيه اللحظة عن الإشارة، فدخله ذهول لما رأى، فقال: يا ابن العاص، كيف ~~ترى هؤلاء وما هم عليه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ~~لقد رأيت من يسوس الناس بالدين والدنيا فما رأيت أحدا أوتي له من طاعة رعيته ما ~~أوتي لك من هؤلاء؟ فقال: أفتدري من يفسد هؤلاء؟ قلت: لا. قال: في يوم واحد. قال: ~~فأكثرت التعجب. قال: إي والله في بعض يوم. قلت: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: ~~إذا كذبوا في الوعد والوعيد، وأعطوا على الهوى لا على الغنى فسد جميع ما ~~ترى. # الزرقاء ومعاوية بن سفيان # بينما معاوية بن سفيان جالس في ديوانه بعدما آل الأمر إليه واجتمع هو والحاشية ~~تذاكروا حرب صفين، فقال أحدهم: إنه رأى الزرقاء ابنة عدي بن قيس الهمذانية وهي ~~راكبة على ناقة، واقفة بين الصفين تحرض الناس على القتال، ولم ترهب أحدا من ~~الفريقين! فقال معاوية: أوهي حية إلى الآن؟! فقيل له: نعم؛ هي مقيمة بالكوفة. ~~فقال: يجب أن نستقدمها إلينا، ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يبعث بها مع ثقة من ذوي ~~محارمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء لينا، ويسترها بستر حصين، ويوسع ~~لها من النفقة، فأرسل إليها فأقرأها الكتاب، فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل ~~الخيار لي فإني لا آتيه، وإن كان حتما فالطاعة أولى. فحملها وأحسن جهازها على ما ~~أمر به، فلما دخلت على معاوية، قال: مرحبا وأهلا، قدمت خير قدوم قدمه وافد، ~~كيف حالك؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، مات الرأس، وبتر الذنب، ولم ms034 يعد ما ذهب، ~~والدهر ذو غير، من تفكر بصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها معاوية: أتحفظين ~~ذلك يومئذ؟ قالت: لا، والله لا أحفظه ولقد نسيته. قال: لكني أحفظه، لله أبوك حين ~~تقولين: «أيها الناس، ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة غشيتكم بها جلابيب ~~الظلم، وجازت بكم عن قصد المحبة، فيا لها فتنة عمياء صماء بكماء، لا تسمع لناعقها، ~~ولا تنساق لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا ~~يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، أيها الناس، ~~إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين على المضض؛ فإنه قد ~~اندمل الشتات، والتأمت كلمة الحق، ودفع العين الظلمة، فلا يجهلن أحد فيقول: كيف؟ ~~وأنى؟ ليقضي الله أمرا كان مفعولا، الآن آن الأوان، خضاب النساء الحناء، وخضاب ~~الرجال الدماء، ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في الأمور عواقبا»، ثم قال لها: ~~والله يا زرقاء؛ لقد أشركت عليا في كل دم يسفكه! قالت: أحسن الله مشاركتك، وأدام ~~سلامتك، مثلك من يبشر بخير، ويسر جليسه. قال: أويسرك ذلك؟ قالت: نعم، والله لقد ~~سررت بالخبر، فأنى لك بتصديق الفعل؟ فضحك، وقال لها: والله لوفاؤكم له بعد موته ~~أعجب من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي أن ~~لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا. ثم انصرفت، فأرسل لها معاوية جائزتها. # الأحنف ومعاوية بن أبي سفيان # عدد معاوية بن أبي سفيان على الأحنف ذنوبا، فقال: يا أمير المؤمنين، لم ترد ~~الأمور على أعقابها، أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف ~~التي قاتلناك بها على عواتقنا، ولئن مددت فترا من غدر لنمد ن باعا من فتر، ولئن ~~شئت لتصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك. قال: فإني أفعل. # معاوية وعبد الله بن عامر # قال معاوية لعبد الله بن عامر: إن لي إليك حاجة. قال: بحاجة أقضيها يا أمير ~~المؤمنين، فسل حاجتك. قال: أريد أن تهب دورك وضياعك بالطائف ms035 . قال: قد فعلت. قال: ~~وصلتك برحم فسل حاجتك. قال: حاجتي إليك أن تردها علي يا أمير المؤمنين. قال: قد ~~فعلت. # معاوية وسودة بنت عمارة # دخلت سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية بعد موت أمير المؤمنين علي، فجعل ~~يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين، وآل أمره إلى أن قال: ما حاجتك؟ فقالت: إن الله ~~مسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا زال يعدد علينا من قبلك من يسمو ~~بمكانك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويسومنا الخسف، ويذيقنا الحتف، هذا بشر ~~بن أرطأة قدم علينا، فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، ~~فإن عزلته عنا شكرناك وإلا كفرناك، فقال لها معاوية: تهدديني بقومك؟! لقد هممت بأن ~~آمر فينفذ فيك الحكم. فأطرقت سودة ساعة، ثم أنشدت: # صلى الإله على روح تضمنها # قبر فأصبح فيه العز مدفونا # قد حالف الحق لا يبغي به بدلا # فصار الحق والإيمان مدفونا # فقال معاوية: من هذا يا سودة؟! قالت: والله هو ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والله لقد جئته في رجل كان وصيا علينا، فجار، ~~فصادفته قائما يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته، ثم أقبل علي بوجهه برفق ورأفة ~~وتعطف، وقال: ألك حاجة؟! قلت: نعم. وأخبرته، فبكى، ثم قال: اللهم أنت الشاهد علي ~~وعليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك، ثم أخرج قطعة من جلد، فكتب فيها: «بسم ~~الله الرحمن الرحيم: # قد جاءتكم بينة من ربكم ~~فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم ~~إن كنتم مؤمنين ~~(الأعراف: 85) فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما ~~في يديك من عملنا حتى يقدم من يقبضه منك والسلام»، ثم دفع الرقعة إلي فجئت بها إلى ~~صاحبه، فانصرف عنا معزولا. فقال معاوية: اكتبوا لها ما تريد، واصرفوها إلى بلادها ~~غير شاكية. # معاوية والأحنف # خطب معاوية يوما فقال: إن الله تعالى يقول: # وإن من ~~شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم ~~(الحجر: 21)، فعلام تلومونني؟! فقال الأحنف ms036 : إنا والله ما ~~نلومك على ما في خزائن الله، ولكن على ما أنزله من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت ~~بيننا وبينه. # معاوية وعبد الله بن الزبير # كان لعبد الله بن الزبير أرض وكان له فيها عبيد يعملون فيها، وإلى جانبها أرض ~~لمعاوية وفيها أيضا عبيد يعملون فيها، فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله بن ~~الزبير، فكتب عبد الله كتابا إلى معاوية يقول له فيه: «أما بعد يا معاوية، فإن ~~عبيدك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام»، فلما وقف ~~معاوية على كتابه وقرأه دفعه إلى ولده يزيد، فلما قرأه قال له معاوية: يا بني، ~~ما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك فيأتوك برأسه! ~~فقال: بل غير ذلك خير منه يا بني، ثم أخذ ورقة وكتب فيها جواب كتاب عبد الله بن ~~الزبير يقول فيه: «أما بعد؛ فقد وقفت على كتاب ابن الزبير، وساءني ما ساءه، والدنيا ~~بأسرها هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك؛ أضفها إلى أرضك بما فيها من المال ~~والعبيد، والسلام»، فلما وقف عبد الله بن الزبير على كتاب معاوية كتب إليه: «وقفت ~~على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا ~~المحل، والسلام»، فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله بن الزبير وقرأه رمى به إلى ~~ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه وأسفر، فقال له: يا بني، من عفا ساد، ومن حلم ~~عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء فداوه بمثل ~~هذا الدواء. # | النوادر الثامنة # نوادر الخليفة عمر بن عبد العزيز # زياد وعمر بن عبد العزيز # لما دخل زياد على عمر بن عبد العزيز قال: يا زياد، ألا ترى ما ابتليت من أمر ~~الأمة؟! فقال زياد: يا أمير المؤمنين، والله لو أن شعرة منك نطقت ما بلغت كنه ما ~~أنت فيه، فاعمل لنفسك في الخروج مما أنت فيه، يا أمير المؤمنين، كيف ms037 حال رجل له خصم ~~ألد؟ قال: سيئ الحال. قال: فإن كان له خصمان ألدان؟ قال: أسوأ الحالة. قال: فإن ~~كانوا ثلاثة؟ قال: لا يهنأه عيش. قال: فوالله ما أحد من أمتك إلا وهو خصمك. فبكى ~~عمر حتى تمنيت أن لا أكون قلت له ذلك. # عمر بن عبد العزيز والمؤذن # قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لآذنه: من بالباب؟ قال: رجل ~~أناخ الآن زعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأذن له، فلما دخل قال: ~~حدثني. فقال: حد ثني أبي أنه سمع النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: «من ولي شيئا من أمور ~~الناس ثم حجب عليه حجب الله عنه يوم القيامة»، فقال عمر لحاجبه: الزم بيتك. فما ~~رئي بعدها على بابه حاجب، وقال: لا شيء أضيع للمملكة، وأهلك للرعية من شدة ~~الحجاب. # بلال وعمر بن عبد العزيز والعلاء # وفد بلال بن أبي بردة على عمر بن عبد العزيز فجعل يدعي الصلاة، فقال عمر: ذلك ~~للتصنع. فقال له العلاء - وكان حاضرا: أنا آتيك بخبره، فجاءه وهو يصلي فقال له: ما ~~لي عندك إن بعثت أمير المؤمنين على توليتك العراق؟ قال: عمالتي سنة. وكان مبلغه ~~عشرين ألف درهم، فقال: اكتب به خطك. فكتب إليه، فجاء العلاء إلى عمر فأخبره، فقال: ~~أراد أن يغرنا بالله. # عمر بن عبد العزيز وابن عبد الملك # كان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بن عبد الملك - أيام خلافته - فسمع صوت ~~رعد؛ ففزع سليمان منه، ووضع صدره على مقدم رحله، فقال له عمر: هذا صوت رحمته، فكيف ~~صوت عذابه؟! # عمر بن عبد العزيز والفتى الزاهد # دخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه وفيهم شاب ذابل ناحل، فقال له ~~عمر: يا فتى، ما بلغ بك ما أرى؟ قال: يا أمير المؤمنين، أمراض وأسقام. قال له عمر: ~~لتصدقني؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ذقت من حلاوة الدنيا فوجدتها مرة عواقبها، ~~فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى ms038 عرش ربنا وإلى الناس يساقون إلى الجنة ~~والنار؛ فأظمأت نهاري وأسهرت ليلي، وقليل كل ما أنا فيه في جنب ثواب الله وخوف ~~عقابه. # عمر بن عبد العزيز والغلام # لما استخلف عمر بن عبد العزيز قدم عليه وفود أهل كل بلد، فتقدم إليه وفد أهل ~~الحجاز فاشرأب منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك. فقال ~~الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه؛ قلبه، ولسانه، فإذا منح الله عبده ~~لسانا لافظا، وقلبا حافظا؛ فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان ها ~~هنا من هو أحق بمجلسك منك. فقال عمر: صدقت، تكلم فهذا السحر الحلال. فقال: يا أمير ~~المؤمنين، نحن وفد التهنئة لا وفد الترزئة، ولم يقدمنا إليك رغبة ولا رهبة؛ لأنا قد ~~أمنا في أيامك ما خفنا، وأدركنا ما طلبنا. فسأل عمر عن سن الغلام، فقيل: عشر سنين. ~~فعجب من فصاحته وقوة جنانه. # عمر بن عبد العزيز وخالد بن عبد الله # دخل خالد بن عبد الله المقري على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة فقال: يا ~~أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، ومن تكون شرفته فأنت قد ~~شرفتها، كما قال الشاعر: # وإذا الدر زان حسن وجوه # كان للدر حسن وجهك زينا # فقال عمر: أعطي صاحبكم مقولا، ولم يعط معقولا. # سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز # قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز - وقد أعجبه سلطانه: كيف ترى ما نحن ~~فيه؟ فقال عمر: سرور لولا أنه غرور، وحرم لولا أنه عدم، وملك لولا أنه هلك، وحياة ~~لولا أنه موت، ونعيم لولا أنه عذاب أليم! فظهر في وجه سليمان الكآبة من كلام عمر، ~~ولم ينتفع بنفسه بعد ذلك. # مروءة عمر بن عبد العزيز # قام عمر بن عبد العزيز يوما وأصلح السراج لجلسائه، فقال أحدهم: ألا أمرتني يا ~~أمير المؤمنين، فكنت أكفيك إصلاحه؟ فقال: ليس من المروءة أن يستخدم المرء جليسه، ~~قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر. # عمر بن ms039 عبد العزيز والسكارى # قال المدائني: بينما أبرهة بن الصباح الكندي عند عمر بن عبد العزيز وإذا بفتية ~~سكارى لهم جمال وحشمة، فأمر عمر بضربهم، فقال أبرهة: بالله أيها الأمير، لا تفضح ~~هؤلاء بمصرنا. فقال: إني أقيم الحق فيهم وفي غيرهم واحدا. فقال أبرهة: يا غلام ~~آتني من شرابهم في القدح فناوله قدحا فشمه وشربه، وقال: أصلح الله الأمير، ما نشرب ~~في بيوتنا على عادتنا إلا من هذا. قال: أطلقوهم. فلما خرج أبرهة قيل له: أتشرب ~~الخمر؟! قال: الله يعلم أني ما شربتها قط، ولكن كرهت أن يفضح مثل هؤلاء في بلدة أنا ~~فيها. # عمر بن عبد العزيز والحسن البصري # كتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب ~~إليه بصفة الإمام العادل، فكتب إليه: # اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل ~~جائز، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، ~~والإمام العادل - يا أمير المؤمنين - كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق الذي ~~يرتاد له أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع التهلكة، ويحميها من السباع، ~~ويكتنفها من أذى الحر والقر، والإمام العادل - يا أمير المؤمنين - كالأب ~~الحاني على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعينهم كبارا، يكتسب لهم حياته، ويذخر ~~لهم بعد مماته، والإمام العدل - يا أمير المؤمنين - كالأم الشفيقة البرة ~~الرفيقة بولدها، حملته كرها ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن ~~بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته، والإمام ~~العدل - يا أمير المؤمنين - وصي اليتامى، وناصر المساكين، يربي صغيرهم، ~~ويحمي كبيرهم، والإمام العدل - يا أمير المؤمنين - كالقلب بين الجوانح؛ ~~تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده، والإمام العدل - يا أمير المؤمنين - هو ~~القائم بين الله وبين عباده، ويسمع كلام الله، ويسمعهم، وينظر إلى الله، ~~ويريهم، وينقاد إلى الله، ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين، فيما ملكك ~~الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله؛ فبدد المال وشرد العيال، ~~فأفقر أهله، وفرق ماله، واعلم - يا أمير المؤمنين - أن ms040 الله أنزل الحدود؛ ~~ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من بابها؟! وأن الله أنزل ~~القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟! فاذكر يا أمير المؤمنين ~~الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له لما بعده من ~~الفزع الأكبر، واعلم يا أمير المؤمنين، أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت ~~فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قصره فريدا وحيدا، ~~فتزود لهما، يصحبك يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبه وبنيه، واذكر ~~- يا أمير المؤمنين - إذا بعث من في القبور، وحصل ما في الصدور، فالأسرار ~~ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فالآن - يا أمير ~~المؤمنين - وأنت في مهل قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم - يا أمير ~~المؤمنين - في عباد الله حكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا ~~تسلط المستكبرين على المستضعفين؛ فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، ~~فتبوء بأوزارك وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك، ولا ~~يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب ~~طيباتك في آخرتك، لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا وأنت ~~مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين ~~والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم، إني - يا أمير المؤمنين - وإن لم ~~أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي فلم آلك شفقة ونصحا، فأنزل كتابي ~~إليك كمداوي حبيبه، يسقيه الأدوية الكريهة؛ لما يرجو له في ذلك من العافية ~~والصحة، والسلام. # عمر بن عبد العزيز والعجوز # 1 # لما رجع عمر من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس؛ ليعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز ~~في خباء لها، فقال: ما فعل عمر؟ قالت: قد أقبل من الشام سالما. فقال: ما تقولين ~~فيه؟ فقالت: يا هذا، لا جزاه الله عني خيرا. قال: ولم؟! قالت: لأنه ما أنالني من ~~عطائه منذ ولي أمر المسلمين دينارا ولا درهما. فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في ~~هذا ms041 الموضع ؟ فقالت: سبحان الله! والله ما ظننت أن أحدا يلي على الناس ولا يدري ما ~~بين مشرقها ومغربها! فبكى عمر، فقال: وا عمراه! كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا ~~عمر! ثم قال لها: يا أمة الله، بكم تبيعينني ظلامتك من عمر فإني أرحمه من النار؟ ~~فقالت: لا تهزأ بنا يرحمك الله! فقال عمر: لست أهزأ بك، ولم يزل بها حتى اشترى ~~ظلامتها بخمسة وعشرين دينارا، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب وعبد الله ~~بن مسعود فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فوضعت العجوز يدها على رأسها، ~~وقالت: وا سوأتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه؟! قال لها عمر: لا بأس عليك يرحمك ~~الله. ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها، فلم يجد، فقطع من مرقعته، وكتب فيها: بسم الله ~~الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا ~~بخمسة وعشرين دينارا، فما تدعي عليه عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر ~~بريء منه، شهد علي ذلك وابن مسعود. ثم دفعها إلى ولده، وقال له: إذا أنا مت ~~فاجعلها في كفني ألقى بها ربي. # جرير وعمر بن عبد العزيز # قدم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز عن أهل الحجاز، فاستأذن في الشعر، ~~فقال: ما لي وللشعر يا جرير، إني لفي شغل عنه؟! فقال: يا أمير المؤمنين، إنها رسالة ~~عن أهل الحجاز. فقال: فهاتها إذا. فقال: # كم من طرير أمير المؤمنين لدى # أهل الحجاز دهاه البؤس والفقر # أصابت السنة الشهباء ما ملكت # يمينه فحناه الجهد والكبر # ومن قطيع الحشا عاشت مخبأة # ما كانت الشمس تلقاها ولا القمر # لما جلتها صروف الدهر كارهة # قامت تنادي بأعلى الصوت يا عمر # | النوادر التاسعة # نوادر الخليفة عبد الملك بن مروان وأولاده # عبد الملك بن مروان والحجاج # قال العتبي: لما اشتدت شوكة العراق على عبد الملك بن مروان خطب في الناس، وقال: ~~إن نيران أهل العراق قد علا لهبها، وكثر حطبها، فجمرها حار، وشهابها وار، ms042 فهل من ~~رجل ذي سلاح عتيد وقلب حديد أبعثه لها؟! فقام الحجاج وقال: أنا يا أمير المؤمنين. ~~فقال: ومن أنت؟! قال: أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن عامر. فقال له: اجلس. ثم أعاد ~~الكلام، فلم يقم أحد غير الحجاج، فقال: كيف تصنع إن وليتك؟ قال: أخوض الغمارات، ~~وأقتحم الهلكات، فمن نازعني حاربته، ومن هرب مني طلبته، ومن لحقته قتلته، أخلط عجلة ~~بتأن، وصفوا بكدر، وشدة بلين، وتبسما بازورار، وعطاء بحرمان، وما على أمير ~~المؤمنين إلا أن يجرب، فإن كنت للأوصال قطاعا، وللأرواح نزاعا، وللأموال جماعا، ~~وإلا فليستبدل بي. فقال عبد الملك: لا، من تأدب وجد بغيته، اكتبوا له كتابه. # عبد الملك بن مروان والرجل # وجد عبد الملك بن مروان على رجل فجفاه وأطرحه، ثم دعا به ليسأله عن شيء؛ فرآه ~~شاحبا ناحلا، فقال له: متى اعتللت؟ فقال: ما مسني سقم، ولكن جفوت نفسي إذ جفاني ~~الأمير، وآليت أن لا أرضى عنها حتى يرضى عني أمير المؤمنين. فأدناه إلى ~~نفسه. # عبد الملك بن مروان وبعض العلماء # اجتمع عند عبد الملك بن مروان في الحرة علماء كثيرون من العرب، فذكروا بيوت ~~العرب، فاتفقوا على خمسة أبيات؛ بيت بني معاوية الأكرمين في كندة، وبيت بني جشم في ~~بكر تغلب، وبيت ابن ذي الجوشن في بكر، وبيت زرارة في تميم، وبيت بني بدر في قيس، ~~وفيهم الأحيرز بن مجاهد الثعلبي - وكان أعلم القوم - فجعل لا يخوض معهم فيما يخوضون ~~فيه، فقال له عبد الملك: ما لك يا أحيرز ساكتا منذ الليلة؛ فوالله ما أنت بدون ~~القوم علما؟! قال: وما أقول؟! سبق أهل الفضل في نقصانهم، والله لو أن للناس كلهم ~~فرسا سابقا لكانت غرته بنو شيبان، ففيم الإكثار؟! وقد قال المسيب: # تبيت الملوك على عتبها # وشيبان إن عتبت تعتب # فكالشهد بالراح أخلاقهم # وأحلامهم منهما أعذب # وكالمسك ترب مقاماتهم # وترب قبورهم أطيب # عاتكة وعبد الملك # لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب تعلقت به عاتكة وهي تبكي وتقول: قاتل الله ~~القائل: # إذا ما أراد ms043 الغزو لم يثن همه # جياد عليها نظم در يزينها # عبد الملك والغلام # هرب عبد الملك من الطاعون، فركب ليلا، وأخرج غلاما معه، وكان ينام على دابته، ~~فقال للغلام: حدثني. فقال: ومن أنا حتى أحدثك؟! فقال: على كل حال حدث حديثا سمعته. ~~فقال: بلغني أن ثعلبا يخدم أسدا ليحميه ويمنعه ممن يريده، فكان يحميه، فرأى ~~الثعلب عقابا فلجأ إلى الأسد؛ فأقعده على ظهره، فانقض العقاب واختلسه، وصاح ~~الثعلب: يا أبا الحارث، أغثني واذكر عهدك لي. فقال: إنما أقدر على منعك من أهل ~~الأرض، وأما أهل السماء فلا سبيل لي إليهم. فقال عبد الملك: وعظتني وأحسنت، انصرف، ~~فانصرف ورضي بالقضاء. # عمر وسليمان بن عبد الملك # حج سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فلما أشرفا على عقبة عفان نظر ~~سليمان إلى السرادقات قد ضربت له، فقال له: يا عمر كيف ترى؟ قال: أرى دنيا عريضة ~~يأكل بعضها بعضا، وأنت المسئول عنها، المأخوذ بها. فبينما هما كذلك؛ إذ طار غراب ~~من سرادقات سليمان في منقاره كسرة فصاح، فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب؟ قال عمر: ~~ما أدري ما يقول، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال: أخبرني. قال: هذا الغراب طار من ~~سرادقاتك في منقاره كسرة أنت بها مأخوذ وعنها مسئول: من أين دخلت؟ ومن أين خرجت؟ ~~قال: إنك لتخبرنا بالعجائب. قال: أفلا أخبرك بأعجب من هذا؟ قال: بلى. قال: من عرف ~~الله كيف عصاه؟! ومن عرف الشيطان كيف أطاعه؟! ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش؟! ~~قال: لقد نغصت علينا ما نحن فيه! ثم ضرب فرسه وسار. # الأعرابي وعبد الملك بن مروان # امتحن عبد الملك بن مروان أعرابيا من الشعراء، فقال: صف لي الخمر. فأطرق ~~الأعرابي وقال: # شموس إذا شيمت لدى الماء مرة # لها في عظام الشاربين دبيب # تريك القذا من دنها وهي دونه # لوجه أخيها في الوجوه قطوب # فقال عبد الملك: شربتها يا أخا العرب ووجب عليك الحد! فقال: ومن أين لك ذلك يا ~~أمير المؤمنين؟ قال: لأنك وصفتها بصفتها. فقال: ms044 وإني قد رابني من أمير المؤمنين ما ~~رابه بأن يكون أيضا شربها؛ إذ عرف أني وصفتها بصفتها. فضحك منه، وأحسن ~~جائزته. # عبد الملك بن مروان وخالد بن عبد الله # جلس يوما عبد الملك بن مروان وعند رأسه خالد بن عبد الله بن أسيد، وعند رجليه ~~أمية بن عبد الله بن أسيد، وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت ~~بين يديه، فقال: هذا والله التوفير، وهذه الأمانة، لا ما فعل هذا (وأشار إلى خالد) ~~استعملته على العراق فاستعمل كل مسلط فاسق، فأدوا إليه العشرة واحدا، وأدى إلي ~~من العشرة واحدا، واستعملت هذا على خراسان (وأشار إلى أمية) فأهدى إلي برذونين ~~حطمين، فإن استعملتكم أضعتم، وإن عزلتكم قلتم: استخف بنا وقطع أرحامنا! فقال خالد ~~بن عبد الله: استعملتني على العراق وأهله رجلان؛ سامع مطيع مناصح، وعدو مبغض مكاشح، ~~فأما السامع المطيع المناصح: فإنا جزيناه ليزداد ودا إلى وده، وأما المبغض ~~المكاشح: فإنا رأينا خفته وحللنا حقده، وأكثرنا له المودة في صدور رعيتك، وإن هذا ~~جبى الأموال، وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال، فتوشك أن تثبت البغضة بلا أموال ولا ~~رجال. فلما خرج ابن الأشعث قال عبد الملك: هذا والله ما قال خالد. # عطاء بن أبي رباح وهشام بن عبد الملك # قال عثمان بن عطاء الخراساني: انطلقت مع أبي يزيد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا ~~إذا بشيخ على حمار أسود وعليه قميص دنس، وجبة دنسة، وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من ~~خشب، فضحكت منه، وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت، هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء ~~بن أبي رباح. فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره فاعتنقا وتساءلا، ثم ~~عادا فركبا وانطلقا حتى وقفا على باب هشام، فما استقر بهما الجلوس حتى أذن لهما، ~~فلما خرج أبي قلت له: حدثني ما كان منكما. قال: لما قيل لهشام: إن عطاء بن أبي رباح ~~بالباب أذن له، فوالله ما دخلت إلا بسببه، فلما رآه هشام قال: مرحبا مرحبا ms045 ها هنا ~~ها هنا. ولا زال يقول له: ها هنا. حتى أجلسه معه على سريره، ومس بركبته ركبته، ~~وعنده أشراف الناس يتحدثون، فسكتوا، فقال له: ما حاجتك يا أبا محمد. قال: يا أمير ~~المؤمنين، أهل الحرمين أهل الله، وجيران رسوله، تقسم عليهم أرزاقهم وعطياتهم. قال: ~~يا غلام، اكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة. ثم قال: هل من حاجة غيرها ~~يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد هم أصل العرب وقادة ~~الإسلام، ترد فيهم فضول صدقاتهم. قال: نعم، يا غلام، اكتب بأن ترد فيهم فضول ~~صدقاتهم، وهل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور ~~يرون من ورائكم، ويقاتلون عدوكم، تجري لهم أرزاقا تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا ~~ضاعت الثغور. قال: نعم، يا غلام، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم، هل من حاجة غيرها يا أبا ~~محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم لا يجبى صغارهم ولا ينتفع كبارهم، ولا ~~يكلفون ما لا يطيقون، فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم. قال: نعم، يا غلام، ~~اكتب لأهل الذمة بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: ~~نعم، اتق الله في نفسك، فإنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا ~~والله ما معك من أحد. فأكب هشام ينكث في الأرض وهو يبكي، فقام عطاء، فلما كنا عند ~~الباب إذا برجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه دنانير أم دراهم، فقال: إن أمير ~~المؤمنين أمر لك بهذا. فقال: أنا لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على رب ~~العالمين. فوالله ما شرب عنده قطرة ماء. # ابن المهلب والوليد وسليمان بن عبد الملك # أخذ الحجاج بن يوسف يزيد بن المهلب وعذبه، واستأصل موجوده، وسجنه، فاحتال يزيد ~~بحسن تلطفه، وأرغب السجان واستماله، وهرب هو والسجان، وقصد الشام إلى سليمان بن عبد ~~الملك، وكان الخليفة إذ ذاك الوليد بن عبد الملك، فلما وصل يزيد بن الملهب ms046 إلى ~~سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه وأقام عنده، فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن ~~يزيد هرب من السجن، وأنه عند سليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين، فكتب الوليد ~~إلى أخيه سليمان بذلك، فكتب سليمان: «يا أمير المؤمنين، إني أجرت يزيد بن المهلب؛ ~~لأنه مع أبيه وإخوته أحباء لنا من عهد أبينا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين، وقد ~~كان الحجاج عذبه وغرمه دراهم كثيرة ظلما، ثم طلب منه بعدها مثل ما طلب أولا، فإن ~~رأى أمير المؤمنين أن لا يخزيني في ضيفي فليفعل؛ فإنه أهل الفضل والكرم»، فكتب إليه ~~الوليد: «إنه لا بد من إرسال يزيد مقيدا مغلولا»، فلما ورد ذلك الكتاب على سليمان ~~أحضر ولده أيوب فقيده، ثم دعا بيزيد بن المهلب وقيده، ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا ~~بسلسلة، وغلهما جميعا، وحملهما إلى أخيه الوليد، وكتب إليه: «أما بعد؛ يا أمير ~~المؤمنين، فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان، وقد هممت أن أكون ثالثهما، ~~فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد فبالله عليك فابدأ بقتل أيوب، ثم اجعل يزيدا ~~ثانيا، واجعلني إن شئت ثالثا، والسلام»، فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان ~~على الوليد - وهما في سلسلة - أطرق الوليد؛ استحياء، وقال: لقد أسأنا إلى أبي ~~أيوب؛ إذ بلغنا به هذا المبلغ. فأخذ يزيد يتكلم ويحتج لنفسه، فقال له الوليد: ما ~~يحتاج إلى الكلام، قد قبلنا عذرك، وعلمنا بحكم الحجاج. ثم استحضر حدادا فأزال ~~عنهما الحديد، وأحسن إليهما، ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم، ووصل يزيد بن ~~المهلب بعشرين ألف درهم، وردهما إلى سليمان، وكتب كتابا للحجاج مضمونه: «لا سبيل ~~لك على يزيد بن المهلب، فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم»، فسار يزيد بن المهلب إلى ~~سليمان بن عبد الملك، وأقام عنده في أعلى المراتب وأفضل المنازل. # سليمان بن عبد الملك والشيخ # دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا فقال: يا شيخ، أيسرك أن تموت؟ ~~فقال: لا والله. قال: لم ms047 وقد بلغت من السن ما أرى؟! قال: فني الشباب وشره، وبقي ~~الشيب وخيره، فأنا إذا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحب أن تدوم لي هاتان ~~الحالتان. # ابن أبي الجهم وهشام بن عبد الملك # قال أحمد بن عبيد: كنا عند هشام بن عبد الملك وقد وفد عليه وفد أهل الحجاز، ~~وكان شباب الكتاب إذا قدم الوفد حضروا لاستماع بلاغة خطبائهم، فحضرت كلامهم حتى ~~محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، وكان أعظم القوم قدرا، وأكبرهم سنا، فقال: ~~أصلح الله أمير المؤمنين، إن خطباء قريش قد قالت فيك ما قالت، وأكثرت وأطنبت، ~~ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى خطيبهم فضلك، وإذا أذنت في القول قلت. قال: قل ~~وأوجز. قال: تولاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى، وزينك بالتقوى، وجمع لك خير ~~الآخرة والأولى، إن لي حوائج، أفأذكرها؟ قال: هاتها. قال: كبر سني، ونال الدهر ~~مني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري، وينفي فقري؛ فعل. قال: ما الذي ينفي فقرك ~~ويجبر كسرك؟! قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار! قال: فأطرق هشام طويلا، ثم ~~قال: يا ابن أبي الجهم، بيت المال لا يحتمل ما ذكرت! ثم قال له: هيه! قال: ما هيه؟! ~~أما والله أنت الآمر الوالي، والله آثرك لمجلسك، فإن تعطنا فحقنا أديت، وإن تمنعنا ~~فنسأل الذي بيده ما حويت، يا أمير المؤمنين، إن الله جعل العطاء محبة، والمنع ~~مبغضة، والله لأن أحبك أحب إلي من أن أبغضك. قال: فألف دينار لماذا؟ قال: أقضي ~~بها دينا آن قضاؤه، وعناني حمله، وأضر بي أهله. قال: فلا بأس تنفس كربته، وتؤدي ~~أمانته، وألف دينار لماذا؟ قال: أعلم بها من بلغ من ولدي. قال: نعم المسلك سلكت، ~~أغضضت بصرا، وأعففت ذكرا، ورفعت نسلا، وألف دينار لماذا؟ قال: أشتري بها أرضا ~~يعيش بها ولدي، وأستعين بفضلها على نوائب دهري، وتكون ذخرا لمن بقي. قال: فإنا قد ~~أمرنا لك بما سألت. قال: فالحمد لله على ذلك. وخرج، فأتبعه هشام بصره، وقال: إذا ~~كان القرشي ms048 فليكن مثل هذا، ما رأيت رجلا أوجز في مقال ولا أبلغ في بيان منه. ثم ~~قال: أما والله إنا لنعرف الحق إذا نزل، ونكره الإسراف والبخل، وما نعطي تبذيرا، ~~ولا نمنع تقتيرا، وما نحن إلا خزان الله في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإذا أذن ~~أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكل سائل يستحق ما جبهنا قائلا، ~~ولا رددنا سائلا، ونسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا، فإنه: # يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان ~~بعباده خبيرا بصيرا # فقالوا: يا أمير المؤمنين، لقد تكلمت ~~فأبلغت، وما بلغ في كلامه ما قصصت أحد كما أبلغت. # عروة وهشام بن عبد الملك # وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فشكا إليه حاله، فقال: ألست ~~القائل: # لقد علمت وما الإسراف من خلقي # أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى إليه فيعييني تطلبه # ولو قعدت أتاني لا يعنيني # وقد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وعظت فأبلغت، ~~وذكرتني ما أنسانيه الدهر. وخرج من عنده، فركب ناقته وكر بها راجعا إلى الحجاز، ~~فلما كان الليل ونام هشام على فراشه ذكر عروة، وقال: «رجل من قريش وفد علي فرددته ~~خائبا» فلما أصبح وجه إليه بألفي دينار، فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة ~~وأعطاه المال، فقال له عروة: أبلغ أمير المؤمنين عني السلام، وقل له: «كيف رأيت ~~قولي؟ سعيت فرجعت خائبا؛ فأتاني رزقي في منزلي.» # | النوادر العاشرة # نوادر الخليفة المهدي # المهدي وشريك بن عبد الله # قال علي بن صالح: كنت عند المهدي ودخل عليه شريك بن عبد الله القاضي فأراد أن ~~يخبره، فقال لخادم على رأسه: هات عودا للقاضي. فجاء الخادم بالعود الذي يلهى به، ~~فوضعه في حجر شريك، فقال شريك: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: هذا أخذ صاحبه أمس ~~البارحة، فأحببت أن يكون كسره على يد القاضي. فقال: جزاك الله خيرا يا أمير ~~المؤمنين. فكسره، ثم أفاضوا في الحديث، حتى نسي الأمر، ثم قال ms049 المهدي لشريك: ما ~~تقول في رجل أمر وكيلا له أن يأتي بشيء يعينه فأتى بغيره فتلف ذلك الشيء؟ فقال: ~~يضمن يا أمير المؤمنين. فقال للخادم: اضمن ما تلف بقضيته. # المهدي وسفيان الثوري # قال سفيان الثوري: لما حج المهدي قال: لا بد لي من سفيان. فوضعوا لي الرصد حول ~~البيت فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه أدناني قائلا: لأي شيء لا تأتينا ~~فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه، وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه؟! ~~فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء. قلت: فما عذرك ~~غدا إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ~~لما حج قال لغلامه: كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، ثمانية عشر ~~دينارا، قال: ويحك! أجحفنا بيت المال! # المهدي وإياس بن معاوية # لما دخل المهدي البصرة رأى إياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء ~~وأصحاب الطيالسة وإياس يتقدمهم، فقال المهدي: أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا ~~الحدث؟! ثم إن المهدي التفت إليه وقال: كم سنك يا فتى؟ فقال: سني - أطال الله بقاء ~~الأمير - سن أسامة بن زيد بن حارثة لما ولاه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # جيشا فيهم أبو ~~بكر وعمر. فقال له المهدي: تقدم بارك الله فيك. # صالح بن بشر والمهدي # دخل صالح بن بشر على المهدي فقال له: عظني، فقال: ألم يجلس في هذا المجلس أبوك ~~وعمك قبلك؟ قال: نعم. قال: فكانت لهم أعمال ترجو لهم النجاة بها؟ قال: نعم. قال: ~~فكانت لهم سيئات تخاف عليهم الهلكة منها؟ قال: نعم. قال: فانظر ما رجوت لهم فيه من ~~النجاة فأته، وما خفت عليهم فيه من الهلكة فاجتنبه. # المهدي وأبو عبيد الله # كتب أبو عبيد الله إلى المهدي بعد عزله إياه عن الدواوين: «لم ينكر أمير المؤمنين ~~حالي في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة من حالي عنده قبل ذلك في قيامي بواجب خدمته التي ~~أولتني ms050 من نعمته، فلم أبدل - أعز الله أمير المؤمنين - حالي بالتبعيد، وقربني إلى ~~محل الإقصاء، وما يعلم الله مني فيما قلت إلا ما علم أمير المؤمنين، فإن رأى - ~~أكرمه الله - أن يعارض قولي بعلمه بدأ، أو عاقبة فعل إن شاء الله»، فلما قرأ كتابه ~~شهد بتصديقه قلبه، فقال: ظلمنا أبا عبيد الله؛ فليرد إلى حاله، ويعلم ما تجدد له من ~~حسن رأيي فيه. # وفاة المهدي # نام المهدي يوما فأنشد في نومه هذه الأبيات: # كأني بهذا القصر قد باد أهله # وأوحش منه ركنه ومنازله # فلم يبق إلا ذكره وحديثه # ينادي بليل معولات ثواكله # فاستيقظ مرعوبا ثم نام فأنشد: # أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت # سنوك وأمر الله لا بد واقع # فهل كاهن أعددته ومنجم # أبا جعفر عنك المنية رافع # فما أتت عليه عشرة أيام حتى مات. # | النوادر الحادية عشرة # نوادر الإمام عمر بن الخطاب، والخليفة المعتصم # عمر بن الخطاب والمرأة # نظر عمر بن الخطاب إلى حسناء وبها ندب في وجهها، فقال: ما هذه الندوب يا حسناء؟! ~~قالت: من طول البكاء على أخوي . قال لها: أخواك في النار. قالت: ذلك أطول لحزني ~~عليهما أني كنت أشفق عليهما من النار، وأنا اليوم أبكي لهما من النار، ~~وأنشدت: # وقائلة والنعش قد فات خطوها # لتدركه يا لهف نفسي على صخر # ألا ثكلت أم الذين غدوا به # إلى القبر ماذا يحملون إلى القبر # ثم تمثلت بقول الآخر: # أخ طالما سرني ذكره # فقد صرت أشجي إلى ذكره # وقد كنت أغدو إلى قصره # فقد صرت أعدو إلى قبره # وكنت أراني غنيا به # عن الناس لو مد في عمره # وكنت إذا جئته زائرا # فأمري يجوز على أمره # عمر بن الخطاب وأم كلثوم # قال أنس بن مالك: خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ليلة من الليالي في الظلمة ~~يطوف لافتقاد أحوال المسلمين؛ فرأى بيتا من الشعر مضروبا لم يكن قد رآه بالأمس، ~~فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلا قاعدا، فدنا منه، وقال له: من الرجل؟ فقال: ~~من أهل البادية، قدمت ms051 إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله. قال: فما هذا الأنين؟! قال: ~~امرأة تتمخض وقد أخذها الطلق. قال: فهل عندها أحد؟ قال: لا. فانطلق عمر والرجل لا ~~يعرفه فجاء إلى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: هل لك في أجر ~~قد ساقه الله إليك؟ فقالت: وما هو؟ قال: امرأة تتمخض وليس عندها أحد. قالت: إن شئت. ~~قال: خذي ما يصلح للمرأة من الخرق والدهن، وجيئيني بقدر وشحم وحبوب. فجاءت، فحمل ~~القدر، ومشت خلفه حتى أتى البيت، فقال: ادخلي إلى المرأة. وجاء حتى قعد إلى الرجل، ~~فقال: هات لي نارا. ففعل، فجعل عمر ينفخ النار ويضرمها تحت القدر حتى أنضجها، ~~وولدت المرأة، فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين، بشر صاحبك بغلام، فلما سمع الرجل ~~قولها: «يا أمير المؤمنين» ارتاع لذلك، وقال: يا أمير المؤمنين؟! وا خجلتاه منك! ~~أهكذا تفعل بنفسك؟! فقال: يا أخا العرب، من ولي شيئا من أمور الناس ينبغي أن يتطلع ~~على صغير أمرهم وكبيره؛ فإنه مسئول عنه، ومتى غفل عنهم خسر الدنيا والآخرة. ثم قام ~~عمر وأخذ القدر عن النار، وحملها إلى باب البيت، فأخذتها أم كلثوم، وأطعمت المرأة، ~~فلما استقرت وأسكنت، طلعت أم كلثوم، فقال للرجل: قم إلى بيتك، وكل ما بقي في القدر، ~~وفي غد ائت إلينا. فلما أصبح جاءه، فجهزه بما أغناه وانصرف. # عمر بن الخطاب والمرأة # كان عمر بن الخطاب يعس المدينة، فمشى حتى أعيا فاتكأ إلى جدار؛ فإذا امرأة تقول ~~لابنة لها صغيرة: قومي إلى ذلك اللبن فامزجيه بالماء. فقالت: يا أماه، أوما علمت ~~ما كان من عزم أمير المؤمنين؟ قالت: وما كان من عزمه؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى ~~أن لا يشرب اللبن بالماء، فقالت: امزجيه فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر! ~~فقالت الصبية: والله ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلا. # عمر بن الخطاب وعمرو بن معدي كرب # سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معدي كرب فقال: ما تقول في الرمح؟ قال: أخوك وربما ~~خانك. ms052 قال : فالنبل؟ قال: منايا تخطئ وتصيب. قال: فالدرع؟ قال: مشغلة للفارس، متعبة ~~للراجل، وإنها لحصن حصين. قال: فالترس؟ قال: مجن وعليه تدور الدوائر. قال: فالسيف؟ ~~قال عنده: ثكلتك أمك، قال عمر: بل أنت. # رسول قيصر وعمر بن الخطاب # أرسل قيصر رسولا إلى عمر بن الخطاب؛ لينظر ~~أحواله ويشاهد أفعاله، فلما وصل المدينة سأل أهلها، وقال: أين ملككم؟ فقالوا: ما ~~لنا ملك! بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة. فخرج الرسول في طلبه؛ فرآه نائما ~~في الشمس على الأرض فوق الرمال الحارة وقد وضع درته كالوسادة، والعرق يسقط من جبينه ~~إلى أن بل الأرض، فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه، وقال: رجل يكون جميع ~~الملوك لا يقر لهم قرار في هيبته وتكون هذه حاله، ولكنك يا عمر عدلت؛ فأمنت؛ ~~فنمت، وملكنا يجور؛ فلا جرم إذا ظل ساهرا خائفا. # عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص # كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: إن الله إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه، ~~فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما للناس ~~عندك. # عمر بن الخطاب وأحد الزهاد # قام عمر بن الخطاب بالجبانة فإذا هو بأعرابي، فقال: ما تصنع ها هنا يا أعرابي في ~~هذه الديار الموحشة؟ قال: وديعة لي ها هنا يا أمير المؤمنين. قال: وما وديعتك؟ قال: ~~ابن لي دفنته فأنا أخرج إليه كل يوم أندبه؟ قال: فاندبه حتى أسمع! فأنشأ ~~يقول: # يا غائبا ما يئوب من سفره # عاجله موته على صغره # يا قرة العين كنت لي سكنا # في طول ليلي نعم وفي قصره # شربت كأسا أبدل شاربها # لا بد يوما له على كبره # يشربها والأنام كلهم # من كان في بدوه وفي حضره # فالحمد لله لا شريك له # الموت في حكمه وفي قدره # قد قسم الموت في العباد فما # يقدر خلق يزيد في عمره # وفاة الإمام عمر # قال ابن عمر: لما حضرت الوفاة والدي عمر ~~غشي عليه، فأخذت رأسه ms053 فوضعته في حجري، فقال: ضع رأسي بالأرض؛ لعل الله يرحمني. فمسح ~~خديه بالتراب، وقال: ويل لمن لا يغفر له الله ذنبا. فقلت: إن حجري والأرض سواء! ~~فقال: ضع رأسي بالأرض كما آمرك، فإذا قضيت فأسرعوا بي إلى حفرتي، وإنما هو خير ~~تقدموني إليه، أو شر تضعونه عن رقابكم. ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: خبر ~~السماء؛ لا أدري إلى جنة ينطلق بي أو إلى نار؟! # تميم بن جميل والمعتصم # قال أحمد بن أبي داود: ما أتينا رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما ~~كان يحب أن يفعله إلا تميم بن جميل؛ فإنه كان على شاطئ الفرات، وأتى به الرسول إلى ~~باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة، ودخل عليه، فلما مثل بين ~~يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا، فجعل تميم بن جميل ينظر إليهما ولا يقول شيئا، ~~وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه، فكان جسيما وسيما، ورأى أن يستنطقه؛ لينظر ~~أين جنانه ولسانه من منظره، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأت به، أو حجة فادلها، ~~فقال: أما إذ قد أذن لي أمير المؤمنين فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعله نسله من سلالة من ماء مهين، يا أمير المؤمنين، إن ~~الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة، وكبر الذنب، وساء الظن، ~~ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما ~~بامتنانك وأشبههما بخلافتك. ثم أنشأ يقول: # أرى الموت بين السيف والنطع كامنا # يلاحظني من حيثما أتلفت # وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي # وأي امرئ مما قضى الله يفلت # ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة # وسيف المنايا بين عينيه مصلت # يعز على الأوس بن ثعلب موقف # يسل علي السيف فيه وأسكت # وما جزعي أني أموت وإنني # لأعلم أن الموت شيء موقت # ولكن خلفي صبية قد تركتهم # وأكبادهم من حسرة تتفتت # كأني أراهم حين أنعى إليهم # وقد خمشوا تلك الوجوه ms054 وصوتوا # فإن عشت عاشوا خافضين بغبطة # أرد الردى عنهم وإن مت موتوا # فكم قائل لا يبعد الله روحه # وآخر خذلان يسر ويشمت! # قال: فتبسم المعتصم، وقال: كاد والله يا تميم أن يسبق السيف العذل، اذهب فقد عفوت ~~لك الصبوة، وتركتك للصبية. # المعتصم والمغني # ذكر المعتصم جارية كانت غلبت عليه وهو بمصر، ولم يكن يخرج بها معه، فدعا مغنيا ~~له: فقال له: ويحك! إني ذكرت جارية فأقلقني الشوق إليها، فهات صوتا يشبه ما ذكرت ~~لك! فأطرق مليا ثم غنى: # وددت من الشوق المبرح أنني # أعار جناحي طائر فأطير # فما لنعيم لست فيه بشاشة # وما لسرور لست فيه سرور # وإن امرأ في بلدة نصف قلبه # ونصف بأخرى غيرها لصبور # قال: والله ما يجدون ما في نفسي. وأمر له بجائزة، ورحل من ساعته. # المعتصم وعبد الله بن طاهر # كتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر في أيام اعتلاله: # أعزز علي بأن أراك عليلا # أو أن يكون بك السقام نزيلا # فوددت أني مالك لسلامتي # فأعيرها لك بكرة وأصيلا # فتكون تبقى سالما بسلامتي # وأكون مما قد عراك بديلا # هذا أخ يشتكي ما تشتكي # وكذا الخليل إذا أحب خليلا # المعتصم وأبو تمام الشاعر # لما أنشد أبو تمام قصيدته في المعتصم التي مطلعها: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # قال له: لقد جلوت عروسك يا أبا تمام، فأحسنت جلاءها. قال: يا أمير المؤمنين، ~~والله لو كانت من الحور العين لكان حسن إصغائك إليها من أوفى مهورها. # | النوادر الثانية عشرة # متفرقات من نوادر الخلفاء # الخليفة وحامل الجرة # استدعى بعض الخلفاء شعراء مصر، فصادفهم شاعر فقير، كان بيده جرة فارغة ذاهبا ~~بها إلى البحر ليملأها ماء فتبعهم إلى أن دخلوا دار الخلافة، فبالغ الخليفة في ~~إكرامهم والإنعام عليهم، ورأى ذلك الرجل والجرة على كتفه، ونظر إلى ثيابه الرثة، ~~فقال: من أنت؟ وما حاجتك؟ فأنشد: # ولما رأيت القوم شدوا رحالهم # إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي # قال: املئوا له جرته ذهبا وفضة. فحسده بعض الحاضرين، وقال: ms055 هذا فقير مجنون لا ~~يعرف قيمة هذا المال وربما أتلفه وضيعه! فقال الخليفة: هو ماله يفعل به ما يشاء، ~~فملئت له، وخرج إلى الباب، ففرقها على الجميع، وبلغ الخليفة ذلك فاستدعاه، فعاتبه ~~على ذلك، فقال: # يجود علينا الخيرون بمالهم # ونحن بمال الخيرين نجود # فأعجبه ذلك، وأمر أن تملأ له عشر مرات، وقال: الحسنة بعشرة أمثالها. # المعتضد بالله وقطر الندى # لما زفت قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون إلى المعتضد بالله أحبها ~~حبا شديدا، وإنه وضع يوما رأسه في حجرها فنام، فتلطفت في إزالة رأسه من حجرها، ~~ووسدته، وخرجت من البيت، فلما استيقظ ناداها فأجابته من قرب، فقال: سلمت نفسي إليك ~~فذهبت عني؟! فقالت: والله لم أزل كالفة لأمير المؤمنين. قال: فما أخرجك عني؟! قالت: ~~إن مما أدبتني به أني لا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس. فاستحسن ذلك ~~منها. # عبد الرحمن القوصي والملك المظفر # اتفق أن الذكي عبد الرحمن القوصي حضر مجلسا عند الملك المظفر قبل أن يلي حماة ~~فأنشد: # متى أراك ومن تهوى وأنت كما # تهوى على رغمهم روحين في بدن # هناك أنشد والآمال حاضرة # هنئت بالملك والأحباب والوطن # فوعده إذا ملك حماة أعطاه ألف دينار، فلما ملكها أنشده: # مولاي هذا الملك قد نلته # برغم مخلوق من الخالق # والدهر منقاد لما شئته # وذا أوان الموعد الصادق # فدفع له ألف دينار وأقامه معه، ولزمته أسفار وهو بخدمته، فأنفق فيها المال الذي ~~أعطاه إياه ولم يحصل بيده زيادة عليه، فقال: # ذاك الذي أعطوه لي جملة # قد استردوه قيلا قليل # فليت لم يعطوا ولم يأخذوا # وحسبنا الله ونعم الوكيل # فبلغ ذلك الملك المظفر، فأخرجه من دار كان قد أنزله بها، فقال: # أتخرجني من كسر بيت مهدم # ولي فيك من حسن الثناء بيوت # فإن عشت لم أعدم مكانا يضمني # وإن مت تدري ذكر من سيموت # فحبسه المظفر، فقال: ما ذنبي إليك؟ قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، ثم أمر بخنقه، ~~فلما أحس بذلك، قال: # أعطيتني الألف تعظيما وتكرمة # يا ليت شعري ms056 أم أعطيتني بدمي # أبو العباس والأعرابي # خرج أبو العباس أمير المؤمنين متنزها بالأنبار، فأمعن في نزهته، وانتبذ من ~~أصحابه طواف خباء لأعرابي، فقال له الأعرابي: ممن الرجل؟ قال: من كنانة. قال: من أي ~~كنانة؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة! قال: فأنت إذا من قريش؟ قال: نعم. قال: فمن ~~أي قريش؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش! قال: فأنت إذا من ولد عبد المطلب؟ قال: نعم. ~~قال: فمن أي ولد عبد المطلب أنت؟ قال: من أبغض ولد عبد المطلب إلى ولد عبد المطلب! ~~قال: فأنت إذا أمير المؤمنين! السلام عليك يا أمير المؤمنين. فاستحسن ما رأى منه ~~وأمر له بجائزة. # الخليفة والأصمعي # من ألطف ما اتفق أن بعض الخلفاء كان يحفظ الشعر من مرة، وعنده مملوك يحفظه من ~~مرتين، وجارية من ثلاث مرات، وكان بخيلا جدا، فكان الشاعر إذا أتاه بقصيدة قال ~~له: إن كانت مطروقة بأن يكون أحد منا يحفظها نعلم أنها ليست لك فلا نعطيك عليها ~~جائزة، وإن لم نكن نحفظها فعطيتك وزن ما هي فيه مكتوبة. فيقرأ الشاعر القصيدة، ~~فيحفظها الخليفة من أول مرة ولو كانت ألف بيت، ويقول للشاعر: أسمعها علي فإني ~~أحفظها! وينشدها بكمالها، ثم يقول: وهذا المملوك أيضا يحفظها - وقد سمعها المملوك ~~مرتين: مرة من الشاعر، ومرة من الخليفة فيحفظها ويقرأها - ثم يقول الخليفة: وهذه ~~الجارية التي وراء الستر تحفظها أيضا - وقد سمعتها ثلاث مرات: مرة من الشاعر، ومرة ~~من الخليفة، ومرة من المملوك، فتقرأها بحروفها - فيخرج الشاعر صفر اليدين، وكان ~~الأصمعي من جلسائه وندمائه، فنظم أبياتا مستصعبة، ونقشها في أسطوانة، ولفها في ~~ملاءة، وجعلها على ظهر بعير، ولبس جوخة بدوية مفرجة من وراء ومن قدام، وضرب له ~~لثاما لم يبن منه غير عينيه، وجاء إلى الخليفة، وقال: إني امتدحت أمير المؤمنين ~~بقصيدة. قال: يا أخا العرب إن كانت لغيرك فلا نعطيك لها جائزة، وإن كانت لك نعطيك ~~زنة ما هي مكتوبة فيه. قال: قد رضيت. وأنشد: # صوت صفير البلبل # هيج قلب الثمل # الماء ms057 والزهر معا # مع حسن لحظ المقل # وأنت حقا سيدي # وسؤددي وموللي # وطاب لي نوح الحما # م قوققو بالزجل # قد فاح من لحظاتها # عبير ورد الخجل # قلت وصوص وصوص # فجاء صوت من عل # وقال لا لا لا للا # وقد غدا مهرولي # وفتية يسقونني # قهيوة كالعسل # شممتها في أنففي # أذكى من القرنفل # في بستتان حسن # بالزهر والسرولل # والعود دندن دندن # والطبل طبطب طبلي # والرقص ارطب طبطب # والماء شقشقشقلي # شووا شووا شووا # على وريق السفرجل # وغرد القمري يصيح # من ملل من مللي # فلو تراني راكبا # على حمار أعزل # أمشي على ثلاثة # كمشية المرتجل # والناس قد ترحمني # في السوق بالتعلل # والكل كع كع ككع # خلفي ومن حويللي # لكن مشيت هاربا # من خشية في عقللي # إلى لقاء ملك # معظم مبجل # يأمر لي بخلقه # حمراء كالدململ # أجر فيها مأربا # ببغدد كالدلدل # فلما فرغ من إنشادها بهت الملك فيها ولم يحفظها الخليفة؛ لصعوبتها، ثم نظر إلى ~~المملوك فأشار إليه أنه ما حفظ منها شيئا، وفهم من الجارية أنها ما حفظت منها ~~شيئا، فقال الخليفة: يا أخا العرب، إنك صادق، وهي لك بلا شك، فإني ما سمعتها قبل ~~ذلك، فهات الرقعة التي هي مكتوبة فيها حتى نعطيك زنتها. فقال: يا مولاي إني لم أجد ~~ورقا أكتب فيه، وكان عندي قطعة رخام من عهد أبي وهي ملقاة في الدار ليس لي بها ~~حاجة فنقشتها فيها! ولم يسع الخليفة إلا أن أعطاه زنتها ذهبا، فنفد جميع ما في ~~خزانة الملك من المال، فأخذ الأصمعي ذلك وانصرف، فلما ولى، قال: يغلب على ظني أن ~~هذا الأعرابي هو الأصمعي! فأحضره وكشف عن وجهه، فإذا هو الأصمعي، فتعجب من صنيعه، ~~ورجع عما كان يعامل به الشعراء، وأجراهم على عوائد الملوك. # أبو النواس وأحد الخلفاء # حكي عن أبي النواس أنه دخل على أحد الخلفاء فوجده جالسا وإلى جانبه جارية سوداء، ~~تدعى خالصة، وعليها من أنواع الحلي والجواهر ما لا يوصف، فصار أبو النواس يمتدحه، ~~وهو يسهو عن استماعه، فلما خرج كتب على الباب: # لقد ms058 ضاع شعري على بابكم # كما ضاع در على خالصه # فمرت الجارية، فقرأت البيت، فأطلعت الخليفة عليه، فغضب الخليفة، وأمر بإحضار أبي ~~النواس، وكان مختبئا وراء الباب، فمسح العينين اللتين في لفظة «ضاع»، وأحضر بين ~~يديه، فقال له ما كتبت على الباب؟ قال: كتبت: # لقد ضاء شعري على بابكم # كما ضاء در على خالصه # فأعجبه ذلك، وأنعم عليه، فخرج أبو النواس وهو يقول: لله درك من شعر؛ قلعت ~~عيناه فأبصر! # هشام والرجل # لما مات هشام بن عبد الملك بكى ولده عليه، فقال أحدهم: جاد لكم هشام بالدنيا ~~وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما كسب وتركتم عليه ما اكتسب، ما أسوأ حال هشام إن لم ~~يغفر الله له! # الخليفة والمسجون # حبس بعض الخلفاء شخصا على غير ذنب، فبقي سنين عديدة، فلما حضرته الوفاة كتب ~~رقعة، وقال للسجان: سألتك بالله أني إذا مت فأوصل هذه الرقعة إلى الخليفة، فمات، ~~فأخذها إليه، فإذا مكتوب فيها: أيها الغافل! إن الخصم قد تقدم والمدعى عليه بالأثر، ~~والمنادي جبريل والقاضي لا يحتاج إلى بينة. # ابن السكيت والمعتز بالله # قال ابن السكيت: أحضرت لتعليم المعتز بالله، فقلت له: بأي شيء نبدأ اليوم؟ فقال: ~~بالخروج، فقلت: نعم، فعدا من بين يدي وعثر على المرمر، فقال: # يموت الفتى من عثرة بلسانه # وليس يموت المرء من عثرة الرجل # فقلت للمتوكل: جئتم بي لتأديبه وهو آدب مني، فأمر لي بعشرة آلاف درهم. # هشام وأحد الشرفاء # غضب هشام على رجل من أشراف الناس فشتمه، فوبخه الرجل، فقال: أما تستحي أن تشتمني ~~وأنت خليفة الله في أرضه؟! فأطرق هشام واستحى، وقال له: اقتص. قال: إذا سفيه مثلك! ~~فقال: خذ عن ذلك عوضا من المال. قال: ما كنت لأفعل. قال: فهبها لله. قال: هي لله ~~ثم لك. فنكس هشام رأسه، وقال: والله لا أعود لمثلها. # ذخر الدولة والمعتمد # قال ذخر الدولة: استدعاني المعتمد على الله محمد بن عباد الأندلسي ليلة قد ألبسها ~~البدر رداءه وأوقد فيها أضواءه، وهو على البحيرة الكبرى، والنجوم قد انعكست فيها، ms059 ~~تخالها زهرا، وقابلتها المجرة، فسالت فيها شهرا، وقد أرجت نوافح الند، وماست ~~معاطف الرند، وحسد النسيم الروض، ففشى بأسراره، وأفشى حديث آسه وعراره، ومشى ~~مختالا بين لبات النور وأزراره، بدمع منسجم، وزفرات تترجم، فلما نظرت إليه ~~استدعاني، وقربني، وشكى إلي من الهجران ما استغربته، وأنشد: # أيا نفس لا تجزعي واصبري # وإلا فإن النوى متلف # حبيب جفاك وقلب عصاك # ولاح لحاك ولا ينصف # شجون منعن الجفون الكرى # وعوضنها أدمعا تنزف # فانصرفت عنه، ولم يعلمني بقصته، ولا كشف لي عنه غصته. # الشبلي وأمير المؤمنين # قال الشبلي في مجلس وعظه: لله الهيبة، فسمعه شاب فصرخ صرخة فمات، فخاصمه أولياؤه ~~إلى السلطان، وادعوا عليه أنه قاتل ابنهم، فقال له السلطان: ما تقول؟ فقال: يا أمير ~~المؤمنين، روح حنت؛ فرنت؛ فدعيت؛ فأجابت، فما ذنبي؟! فبكى أمير المؤمنين، ثم قال ~~لأوليائه: خلوا سبيله فلا ذنب له. # المعزي والحسن والخليفة # كان الحسن بن علي يوما جالسا فجاءه رجل وسأله شيئا من الصدقة، ولم يكن عنده ما ~~يسد به رمقه فاستحيا أن يرده، فقال: ألا أدلك على شيء يحصل لك منه البر؟ فقال: ماذا ~~تدلني عليه؟ قال: اذهب إلى الخليفة، فإن ابنته توفيت، وانقطع عليها، وما سمع من أحد ~~تعزية؛ فعزه بهذه التعزية يحصل لك بها الخير. فقال: حفظني إياها. قال: قل له: ~~«الحمد لله الذي سترها بجلوسك على قبرها، ولا هتكها بجلوسها على قبرك»، فذهب إلى ~~الخليفة وعزاه بهذه التعزية؛ فسمعها، فذهب عنه الحزن فأمر له بجائزة، وقال: بالله ~~عليك أكلامك هذا؟ قال: لا، بل كلام فلان. فقال: صدقت؛ فإنه معدن الكلام الفصيح. ~~وأمر له بجائزة أخرى. # عدل عضد الدولة # وقال أيضا: بلغني عن عضد الدولة أنه كان في بعض أمرائه شاب تركي، وكان يقف عند ~~روزنة ينظر على امرأة فيها، فقالت المرأة لزوجها: قد حرم علي هذا التركي أن أتطلع ~~في الروزنة؛ فإنه طول النهار ينظر إليها، وليس فيها أحد، فلا يشك الناس أن لي معه ~~حديثا، وما أدري كيف أصنع؟ فقال زوجها: اكتبي إليه رقعة، ms060 وقولي فيها: لا معنى ~~لوقوفك فتعال إلي بعد العشاء إذا غفل الناس في الظلمة، فإني خلف الباب. ثم قام ~~وحفر حفرة طويلة خلف الباب، ووقف له فلما جاء التركي فتح له الباب فدخل، فدفعه ~~الرجل فوقع، وطموا عليه، وبقي أياما لا يدرى ما خبره؟ فسأل عنه عضد الدولة؛ فقيل ~~له: ما لنا به خبر، فما زال يعمل فكره إلى أن بعث يطلب مؤذن المسجد المجاور لتلك ~~الدار، فأخذه أخذا عنيفا في الظاهر، ثم قال له: هذه مائة دينار خذها وامتثل ما ~~آمرك، إذا رجعت إلى مسجدك فأذن الليلة بالليل واقعد في المسجد، فأول من يدخل عليك ~~ويسألك عن سبب إنفاذي إليك فأعلمني به. فقال: نعم، ففعل ذلك، وكان أول من دخل ذلك ~~الشيخ، فقال له: قلبي عليك، وأي شيء أراد منك عضد الدولة؟ فقال: ما أراد مني شيئا، ~~وما كان إلا الخير، فلما أصبح أخبر عضد الدولة بالحال فبعث إلى الشيخ، فأحضره ثم ~~قال له: ما فعل التركي؟ فقال: أصدقك الخبر، لي امرأة رشيدة مستحسنة، كان يراصدها ~~ويقف تحت روزنتها، فرحت - من خوف الفضيحة بوقوفه - ففعلت به كذا وكذا. فقال: اذهب ~~إلى دعة الله، فما سمع الناس ولا قلنا. # القسم الثاني # | في نوادر الفلاسفة والحكماء # | الفلاسفة والحكماء # وصية لقمان لابنه # قال لقمان لابنه: لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها؛ فإنك لم تخلق لها، وما ~~خلق الله خلقا أهون عليه منها، فإنه لم يجعل نعيمها ثوابا للمطيعين، ولا بلاءها ~~عقوبة للعاصين، يا بني، لا تضحك من غير عجب، ولا تمش في غير أدب، ولا تسأل عما لا ~~يعنيك، يا بني، لا تضع مالك وتصلح مال غيرك، فإن مالك ما قدمت ومال غيرك ما ~~تركت، يا بني، إن من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يقل الخير يغنم، ومن يقل ~~الباطل يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم، يا بني، زاحم العلماء بركبتيك، وانصت إليهم ~~بأذنيك، فإن القلب يحيا بنور العلماء كما تحيا الأرض الميتة بمطر السماء. # لقمان ومولاه # كان لقمان ms061 عبدا أسود لبعض أهل الأيلة، فقال له مولاه: اذبح لنا شاة، وأتنا ~~بأطيب مضغة. فأتاه باللسان، فقال له: اذبح لي أخرى وائتني بأخبث مضغة. فأتاه ~~باللسان! فقال له في ذلك، فقال: ما شيء أطيب منه إذا طاب، ولا أخبث منه إذا ~~خبث. # سقراط وأحد الفلاسفة # كان سقراط الحكيم قليل الأكل خشن اللباس، فكتب إليه بعض الفلاسفة: «أنت تحسب أن ~~الرحمة لكل ذي روح واجبة، وأنت ذو روح فلا ترحمها بترك قلة الأكل وخشن اللباس.» ~~فكتب في جوابه: «عاتبتني على لبس الخشن، وقد يعشق الإنسان القبيحة ويترك الحسناء، ~~وعاتبتني على قلة الأكل، وإنما أريد أن آكل لأعيش وأنت تريد تعيش لتأكل، والسلام»، ~~فكتب إليه الفيلسوف: «قد عرفت السبب في قلة الأكل، فما السبب في قلة الكلام؟ وإذا ~~كنت تبخل على نفسك بالمأكل فلم تبخل على الناس بالكلام؟»، فكتب في جوابه: «ما ~~احتجت إلى مفارقته، وتركه للناس فليس لك، والشغل بما ليس لك عبث، وقد خلق الحق ~~سبحانه لك أذنين ولسانا؛ لتسمع ضعف ما تقول، ولا لتقول أكثر مما تسمع، ~~والسلام.» # فيثاغورس الفيلسوف وسائلوه # قيل لفيثاغورس الفيلسوف: من الذي يسلم من معاداة الناس؟ قال: من لم يظهر منه خير ~~ولا شر. قيل: وكيف ذلك؟! قال: لأنه إن ظهر منه خير عاداه الأشرار، وإن ظهر منه شر ~~عاداه الأخيار! # طاليس الفيلسوف والعجوز # بينما كان طاليس خارجا من محله لرصد الكواكب؛ إذ مر بحفرة عميقة فوقع فيها، ~~فرأته عجوز فأخرجته منها، ثم قالت له: أتزعم يا طاليس أنك تعلم جميع ما في السماء ~~مع أنك لم تعلم ما تحت رجليك؟! # سولون الفيلسوف وأهل أثينا # جرت قديما حروب بين الأثينيين والمغاريين بسبب جزيرة سلامينا، وانتهى الأمر ~~بينهم إلى أن انهزم الأثينيون تعبا بسبب سفك الدماء، حتى أجمع رأيهم على أن كل من ~~تكلم في شأن المغاريين لأجل جزيرة سلامينا وطلب تجديد الحرب معهم يكون جزاؤه الموت ~~ما دام المغاريون مستولين عليها، فرأى سولون الفيلسوف أنه إذا تكلم في ذلك أضر ~~بنفسه، وإذا سكت يعود الضر ms062 على وطنه وأهل مملكته، فتظاهر بالجنون خديعة لهم ليبدي ~~ما يخطر له، فشاع في المدينة خبر جنونه، فأنشأ أبيات شعر محزنة حفظها جيدا ثم خرج ~~لابسا ثياب صوف رثة، وفي عنقه حبل، وعلى رأسه طيلسان قديم، فاجتمع عليه أهل ~~المدينة، فطلع إلى مرتفع مخصص للمناداة وأنشد تلك الأشعار المحزنة، ثم قال بأعلى ~~صوته: ليتني ما كنت من أهل هذه البلدة، وا حسرتاه! أتمنى لو كنت مولودا في بلاد ~~الأعجام أو البرابرة أو في أي مكان آخر؛ فإن ذلك أهون علي من أن يراني الناس ~~ويشيروا إلي ويقولون: إن هذا الرجل من أهل أثينا الذين فروا من حرب سلامينا، ~~فأسرعوا في أخذ الثار، وامحوا عنا هذا العار الذي لحقنا، وتنبهوا حتى نأخذ هذه ~~المدينة التي أخذها أعداؤنا ظلما وعدوانا. فأثر قوله ذلك في عقول أهل أثينا، ~~وأبطلوا اتفاقهم، وأخذوا سلاحهم، ومضوا إلى حرب المغاريين. # أكرسيوس صديق يولون الفيلسوف # أسر قيروس ملك العجم إستياجس الملك جد أكرسيوس أبا أمه، وأخذ جميع ملكه رغما عن ~~إرادة أكرسيوس، فغضب لذلك أكرسيوس، وأخذته الحمية على جده، وقصد حرب بلاد العجم؛ ~~لأنه رأى نفسه ذا ثروة عظيمة، ورأى أن أهل مملكته أشجع في الحرب من جميع العالم، ~~فضمن لنفسه الظفر، ولكن لسوء حظه انهزم إلى مدينة سارديس في مروره فيها مدة أربعة ~~عشر يوما، ثم أخذوه أسيرا بالسلاسل والأغلال، وأحضروه إلى قيروس، فأمر أن يوضع ~~مغلولا في مستوقد من حطب، ووضعوا حوله أربعة عشر غلاما، وأمر بأن يحرقوه بالنار ~~بمشاهدة قيروس وجميع العجم، وهموا بوضع النار في الحطب، وإذا بأكرسيوس وقد تذكر ~~كلاما سمعه من سولون الفيلسوف وصاح آسفا حزينا: سولون، سولون، فعجب قيروس، وبعث ~~يسأله عن ذا الاسم الذي قد تذكره؛ أهو من أسماء الآلهة فينقذه؟ فما أجابه أكرسيوس، ~~فشددوا عليه، فقال بصوت ملؤه الأسف: إن من ذكرته رجل يجب على الملوك أن يستصحبوه ~~ويقربوه منهم، ويعتبروه ويسمعوا كلامه، فإنه أنفع من خزائنهم وجميع ما عندهم من ~~الأشياء النفيسة، فقالوا: حدثنا عنه سريعا. فقال: إنه ms063 من أعظم حكماء اليونان، وقد ~~كنت أرسلت له سابقا لأستشيره في جميع أموري، فقال لي عفوا: «ما هذه الحياة الدنيا ~~إلا باطل زائل، وأنه ينبغي على الأديب أن يتوقع آخر عمره، ولا يغتر بسعادته، ~~ولا يعتمد عليها؛ لأنها معرضة لأكثر المصائب التي تفوق الإحصاء»، فقد عرفت الآن ~~حقيقة ما قاله لي. وفيما هو يتكلم اشتعلت النار في الحطب من تحت المستوقد، وابتدأت ~~تتصاعد إلى أعلى، فعند ذلك حصل لقيروس الشفقة، واتعظ بكلامه، وهاجه حالة أكرسيوس ~~المحزنة، وذكر سابق مجده وما كان عليه من العز والرخاء، فأمر للحال بإطفاء النار، ~~وإطلاق أكرسيوس من السلاسل التي كان مقيدا بها، وأحسن إليه، واعتمد على مشورته في ~~سائر أموره. # بيتاقوس الفيلسوف والمستشير # جاء بيتاقوس يوما رجل فقال: أريد أن أتزوج بإحدى اثنتين؛ واحدة منهما تساويني في ~~الحسب، وأخرى أغنى مني وأعلى نسبا، فآخذ لي واحدة منهما. فرفع عليه عصا كان يتوكأ ~~عليها، وقال: اذهب إلى مجمع الصبيان الذي يلعبون فيه واسمع ما يقولون واعمل به! ~~فمضى الرجل إلى ملعب الصبيان؛ فسمعهم ينبهون بعضهم، ويقولون: «كل واحد يأخذ مثله»، ~~فاعتبر الرجل بذلك، وجنح عن أخذ التي فوقه في الغنى والنسب، وأخذ التي تماثله في ~~الصفات والأخلاق. # عدل بيتاقوس الفيلسوف # كان تيري بن بيتاقوس الفيلسوف يوما في حانوت رجل حجام مع جماعة من الشبان الذين ~~كانوا يجتمعون عادة هناك للتحدث والاستخبار، وبينما هو كذلك؛ إذ سقطت عليه حديدة ~~من يد صانع - غير عامد - فكسرت رأسه، فهم أهل المدينة بقتل ذاك الرجل، وأمسكوه ~~وأحضروه إلى بيتاقوس والد المقتول، فبحث عن السبب؛ فرأى أن الرجل الذي ألقى قطعة ~~الحديد على رأس ابنه غير متعمد، فعفا عنه، وقال: إن ذنبا غير مقصود لجدير بالعفو ~~والمسامحة؛ لأن الأعمال بالنيات لا بالمظاهرة. # بياس الفيلسوف والمشركون # كان بياس الفيلسوف يوما في سفينة مع جماعة من المشركين، هبت عليهم ريح عاصفة، ~~أشرفت منها السفينة على الغرق، فخاف المشركون غاية الخوف، وابتهلوا بالدعاء ~~لآلهتهم؛ لتنجيهم من الموت الذي يتهددهم، فقال لهم بياس: عليكم بالصمت؛ ms064 لأن آلهتكم ~~لو علمت أنكم في السفينة لأغرقتها وهلكنا جميعا! # بياس الفيلسوف والمحكوم عليه # اضطر بياس يوما أن يحكم بالقتل على أعز أصدقائه؛ عملا باقتضاء الشرع، فما كاد ~~أن ينطق بصيغة الحكم حتى شرع في البكاء وسط المحكمة، فقيل له: ما يبكيك، وأنت ~~الحاكم المطلق تغير الحكم كيف شئت؟! فقال: إنما بكيت أسفا وحنانا على من أصيب ~~بنكبات الدهر، ولكن الشريعة فرضت علي أن لا أعتبر هذه الطبيعة ولا أجري على ~~أميالها. # بياس الفيلسوف والسفينة # تأمل بياس يوما في شحن ألواح السفينة، فتأوه بأعلى صوته، وقال: إن المسافرين في ~~البحر ليسوا بعيدين عن الموت إلا بمقدار أربعة أصابع، فسئل عن آمن السفن، فقال: ~~هي التي تصل إلى البر سالمة. # بياس الفيلسوف ورجل من أثينا # قدم إلى بياس الفيلسوف رجل من أثينا وعيره بأنه من التتار، فقال له: إن بلدي قد ~~فضحتني، وأما أنت فقد فضحت بلدك. # انتيثينوس الفيلسوف # سئل انتيثينوس الفيلسوف يوما: ما الذي ينبغي طلبه من الدنيا؟ فأجاب: موت الإنسان ~~سعيدا. # وحصل له غيظ شديد من حساده الذين كان يرعاهم حسدهم رعي الصدأ للحديد، فكان يقول: ~~لو خيرت بين أن أكون غرابا أو حاسدا لاخترت أن أكون غرابا؛ لأن الغربان لا تأكل ~~الميتة، وأما الحساد فإنهم يأكلون لحوم الأحياء. # سمع ذات يوم كثيرا من الأراذل يمدحونه، فقال: ما الذي صنعت من سيئ الفعال حتى ~~مدحني أولئك الأراذل؟! # أرستيب الفيلسوف ودينيس الملك # اتفق أن دينيس الملك كان في نفسه شيء من أرستيب فلما وصل إليه الطعام وتهيئوا ~~للأكل أمره الملك دينيس أن يجلس في المحل الأخير، فلم يتأثر من ذلك ولم يغضب وقال ~~للملك: يخيل لي أنك أردت أن تشرف بي هذا الموضع. # أرستيب الفيلسوف وأبو التلميذ # أرسل بعض الناس ولده إليه ليعلمه وطلب منه أن يعتني بتعليمه فطلب منه أرستيب ~~خمسين درهما، فاستعظم ذلك أبو الغلام وقال: كيف أدفع خمسين درهما مع أني قادر على ~~شراء مملوك بها؟! فقال له أرستيب: اذهب واشتر بها مملوكا يكمل لك خادمان. # أرستيب ms065 وديوجينوس الفيلسوف # كان ديوجينوس الفيلسوف يوما يغسل حشائش على عادته، فبينما هو كذلك إذ مر به ~~أرستيب، فقال له ديوجينوس: لو أمكنك أن تقنع بمثل هذه الحشائش لما اضطررت للذهاب ~~إلى الملوك وسمعت منهم ما لا يلذك. فقال أرستيب: وأنت لو عرفت صناعة مجالسة الملوك ~~لكرهت هذه الحشائش. # أرستيب الفيلسوف وأثخينس # وقع بين أرستيب وأثخينس منازعة عظيمة أدت إلى إعراض كل منهما عن صاحبه، فذهب ~~أرستيب إلى أثخينس وقال له: هل لك في الصلح؛ فنكف عنا لسان الساخرين؟ فقال أثخينس: ~~الصلح بغيتي وعين مرامي. فقال أرستيب: لا تنس أني أنا الذي سعيت في الصلح وطلبته ~~منك مع أني أكبر منك سنا. # أرستيب الفيلسوف والرجل # أخذ أحدهم يسب أرستيب يوما ويذمه بحضرته، فتركه أرستيب وذهب فذهب خلفه وقال: لم ~~تذهب يا قبيح؟ فقال له أرستيب: أنت رجل قادر على السب، أما أنا فلست مأذونا ~~بسماعه. # أرستيب الفيلسوف والملك # لما أكثر أرستيب الذهاب إلى مدينة سراقوسة واعتاده أضمر دينيس الملك في نفسه أن ~~يسأله عن ذلك، فسأله: ماذا تصنع في هذه المدينة؟ فقال له أرستيب: آتي لأعطيك ما ~~عندي، وأستعيض عنه بما عندك. # أكسينوقراط الفيلسوف وتابع الإسكندر # كان أكسينوقراط الفيلسوف قنوعا للغاية، فاتفق أن الإسكندر بعث له جملة من ~~الدراهم، فلم يأخذ منها إلا ثلاثة ورد الباقي، وقال لحامل الهدية: إن للإسكندر ~~خلقا كثيرا يطعمهم؛ فيحتاج للدراهم أكثر مني. # ديوجينس الفيلسوف والرجل # أراد أحدهم أن يظهر دقة عقله لديوجينس فقال له: إنك لست أنا، وأنا رجل، فلست أنت ~~برجل! فقال له ديوجينس: لو قلت أنت لست أنا واقتصرت لأنتجت بنفسها أنك لست ~~برجل. # ديوجينس الفيلسوف والطفل # رأى ديوجينس يوما في سيره طفلا يشرب بكفيه؛ فاستحيا من ذلك جدا، وقال: كيف ~~تكون الأطفال أشد معرفة مني بالأشياء التي يدرك التخلي عنها؟ وأخرج عند ذلك قدحه ~~من خرجه وكسره؛ لأنه رآه غير نافع له. # ديوجينس الفيلسوف وديموثينس # اتفق أن ديموثينس أكل يوما في حانة؛ فحانت منه التفاتة؛ فأبصر ديوجينس فاختفى، ~~فلما لمحه ديوجينس قال: ms066 كلما اختفيت في مثل ذا المكان تمكنت فيه. # ديوجينس الفيلسوف ومعيروه # عيره أراذل الناس بالفقر وعابوه به؛ فقال لهم: لم أر أحدا عوقب على فقره، ورأيت ~~كثيرا من الناس أرباب القبائح والخيانات يعاقبون على خيانتهم. # ديوجينس الفيلسوف وصديقه # أتى ديوجينس صديق مدة أسره؛ لكي ينقذه من ذل يد العبودية، فقال له ديوجينس: أبك ~~جنون، أم تهزأ بي؟! أما علمت أن الأسد ليس أسيرا عند من يطعمه، إنما المطعم للسبع ~~هو أسيره. # ديوجينس الفيلسوف وأفلاطون # كان أفلاطون يقول في تعريف الإنسان: إنه حيوان ذو رجلين لا ريش له! فأخذ ديوجينس ~~ديكا ونتفه وخبأه تحت عباءته، ولما دخل المكتب أخرجه وطرحه في الوسط، وقال: هذا ~~إشارة أفلاطون! فاضطر أفلاطون لتصحيح تعريفه أن يزيد عليه: «ذو أظفار ~~عريضة»! # ديوجينس الفيلسوف في ميغاره # مر ديوجينس يوما بمدينة ميغاره فرأى أطفالهم عراة ورأى الغنم مرتدية بصوفها، ~~فقال: غنم هذه المدينة أسعد من بني آدم! # ديوجينس وحامل الخشبة # كان أحدهم يحمل خشبة طويلة على ظهره، فصدم بها ديوجينس على حين غفلة ثم قال له: ~~ق نفسك. فقال له ديوجينس: لقد ضاربتني ثانية بهذه الكلمة. # ديوجينس والرجل المسرف # رأى ديوجينس رجلا مسرفا سائرا في طريق فسأله دينارا؛ فقال له ذلك المسرف: لم ~~طلبت مني دينارا وتطلب من غيري درهما فقط؟! فقال: لأنه يعطيني مرة ثانية، وأشك في ~~أن أراك مرة أخرى قادرا على إعطائي! # ديوجينس وأهل التلميذ # أتوا ديوجينس يوما بتلميذ ومدحوه له بالعقل والمعارف والنباهة وحسن الأخلاق، ~~فلما أتموا كلامهم قال: من كانت هذه صفاته فلا حاجه له بي، ولم جئتم به ~~إلي؟! # بيرهون الفيلسوف وركاب السفينة # بينما كان بيرهون في سفينة صغيرة؛ إذ هبت ريح عاصفة على غفلة، فغدت السفينة في ~~خطر أزعج من كان معه، أما هو فلم يكترث، بل ظل يأكل ساكنا دون خوف ولا حذر، ثم ~~أشار إلى غنمة كانت بجانبه تأكل، وقال: يجب على العاقل أن يدرك بقوة القلب والجنان ~~رتبة هذا الحيوان الصغير. # بيون الفيلسوف والملك # بلغ بيون الفيلسوف يوما ms067 أن أحد الأعداء وشى به وعرض برداءة أصله لدى الملك ~~أنتيفونوس، فلم يكترث ولا تأثر من ذلك، مظهرا أنه غير عالم به، فأرسل الملك إلى ~~بيون زاعما أنه يفحمه بتلك الحجج ويحيره، فقال له: ما اسمك؟ واسم بلدك؟ وأصلك؟ ~~وحرفة أهلك؟ فلم يتحير من ذلك، وقال: كان أبي رجلا عتيقا، وكان يبيع دهن الخنزير ~~والسمن، ولا أعلم إذا كان جميلا؛ لأن وجهه الآن مشوه بآثار ضرب سيده، وكان تتاري ~~الأصل، مقيما في بلدة على شاطئ نهر يورثينوس، ولا أدري ما ارتكبه أبي من الذنب حتى ~~بيع مع زوجته وأولاده؟! وكنت أنا إذ ذاك فتى جميلا، فابتاعني أحد الخطباء، وأوصى ~~لي بجميع أمواله، فلما مات مزقت الوصية وحرقتها في النار، وذهبت إلى أثينا، وتعلمت ~~الفلسفة، وهذا كل ما يقال عني وعن أهلي أيها الملك. فعجب من تواضعه وذكاء ~~فؤاده. # زينون الفيلسوف # كان زينون آتيا من «قيتيا» ومعه شيء من أرجوان الصينيين، فكسرت به السفينة، وتلف ~~ما كان معه بمينا «بيري» فاغتم لتلك الخسارة، وجاء مدينة أثينا، فدخل على بائع ~~كتب، فقرأ المقالة الأولى من كتاب زنفون الفيلسوف؛ ليسلي همه بها، فسر بقراءتها ~~كثيرا، وسأل الكتبي عن أماكن الذين يتكلم عنهم زنفون، وإذا بأقراطيس الكلبي مارا ~~بالصدفة، فأشار إليه الكتبي، وقال لزينون: اتبع هذا الرجل، وكان زينون في الثلاثين ~~من العمر شديد الحياء والخجل، فلما رآه أقراطيس على ذي الحال أراد أن يقوي عزمه؛ ~~فأعطاه ذات يوم قدرا ممتلئة عدسا، وأمره أن يدور بها في طرق المدينة، فاحمر وجه ~~زينون خجلا من ذلك، واختفى خشية أن يرى من أحد أصحابه، فقال له أقراطيس: لم ~~هربت يا مكار مع أنه لا يضرك ذلك بل يمهد لك سبيل الدعة والتواضع؟! # الفيلسوف والولد # دخل ولد صغير على فيلسوف وطلب إليه أن يعطيه جمرة نار، ولم يكن معه وعاء يأخذ فيه ~~النار، فتعجب من أمره، وقال له: كيف تأخذ النار وأنت لم تأت بوعاء لها؟! قال: إن ~~شئت أعطني وها قد جئت بالوعاء اللازم. قال هذا ms068 وغرف رمادا ملء كفه، وقال: ضع النار ~~هنا، أرأيت ما أحسن هذا الوعاء. فتعجب الفيلسوف من فطنته، وقال: حقيقة إن الإنسان ~~مهما تعلم يبق قاصرا. # زينون الحكيم والرجل # رأى زينون الحكيم رجلا على شاطئ البحر مفكرا حزينا على الدنيا، فقال له: يا ~~فتى، ما تلهفك على الدنيا؟! لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر، وقد انكسرت ~~بك السفينة، وأشرفت على الغرق أما كانت غاية مطلوبك النجاة، وأن يذهب كل ما بيديك؟ ~~قال: نعم. قال: ولو كنت ملكا وأحاط بك من يريد قتلك، أما كان مرادك النجاة من يده ~~ولو ذهب جميع ما تملك؟ قال: نعم. قال: فأنت ذلك الغني الآن، وأنت ذلك الملك. فتسلى ~~الرجل بكلامه. # الرجل الحكيم بألف رجل # قيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم في مباشرة ما تأتون ومجانبة ما تعرضون عنه! قال: ~~نحن ألف رجل، وفينا رجل واحد حازم ذو رأي ومعرفة، فنحن نشاوره في الجليل والحقير، ~~ونعمل برأيه، فكأننا إذا عملنا برأيه ومشورته قد عملنا برأي ألف حازم، وجدير بألف ~~حازم أن يصيبوا. # وصية بعض الحكماء # أوصى بعض الحكماء ملكا فقال: «لا يكونن العدو الذي كشف لك عن عداوته بأحقر ~~عندك من الظنين الذي يستتر لك بمخاتلته، فإنه ربما تخوف الرجل السم الذي هو أقتل ~~الأشياء، وقتله الماء الذي هو محيي الأشياء، وربما تخوف أن تقتله الملوك التي تملكه ~~ثم تقتله العبيد التي يملكها.» # عمر بن عبد العزيز والحسن # كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن: اجمع لي أمر الدنيا، وصف لي أمر الآخرة. فكتب ~~إليه: «إنما الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت مستيقظ، ونحن في أضغاث أحلام، من ~~حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل، ومن ~~حلم غنم، ومن خاف سلم، ومن اعتبر أبصر، ومن فهم علم، ومن علم عمل، فإذا زللت فارجع، ~~وإذا ندمت فاقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمسك، واعلم أن أفضل الأعمال ما ~~أكرهت النفوس عليه.» # ابنة حاتم # اجتاز بعض ms069 الأمراء باب حاتم الأصم، فاستسقى ماء فلما شرب رمى إليهم شيئا من ~~المال، ووافقه أصحابه، ففرح أهل الدار سوى بنية صغيرة لحاتم فإنها بكت، فقيل لها: ~~ما يبكيك؟! قالت: مخلوق نظر إلينا نظرة فاستغنينا، فكيف لو نظر إلينا الخالق سبحانه ~~وتعالى؟! # القسم الثالث # | في نوادر العظماء # من الوزراء والأمراء والخطباء والقضاة وغيرهم # | النوادر الأولى # نوادر الوزراء والأمراء # ابن مقلة والواشي # وشى حاسد بابن مقلة الوزير الكاتب المتفرد في أمانته، وادعى أنه غدر الملك في بعض ~~الأمور، فأمر الملك بقطع يده، فلما فعل به هذا الأمر لزم بيته، وانصرفت عنه ~~الأصدقاء والمحبون، ولم يأته أحد إلى نصف النهار، فتبين للملك أن الكلام عليه ~~باطل، فأمر بقتل الذي وشى بابن مقلة ورده إلى ما كان عليه، فلما رأى إخوانه أن ~~نعمته عادت له عادوا يهنئونه وأقبلوا يعتذرون، فأنشد: # تحالف الناس والزمان # فحيث كان الزمان كانوا # عاداني الدهر نصف يوم # فانكشف الناس لي وبانوا # ومكث يكتب بيده اليسرى بقية عمره. # أبو بكر وأبو العباس بن صارة # اجتمع الوزير أبو بكر وأبو العباس بن صارة في يوم جلاد ذهب برقه، وأذاب ورق ورقه، ~~والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء؛ فقال ابن صارة: # هذي البسيطة كاعب أبرادها # حلل الربيع وحليها النوار # فقال أبو بكر: # فكأن هذا الجو فيها عاشق # قد شفه التعذيب والأضرار # فقال ابن صارة: # وإذا شكا فالبرق قلب خافق # وإذا بكى فدموعه الأمطار # فقال أبو بكر: # من أجل ذلة ذا وعزة هذه # يبكي الغمام وتضحك الأزهار # الفضل بن مروان وابن فراس الشاعر # كان الفضل بن مروان وزير المعتصم ظالما غاشما متبجحا بالظلم متجبرا متكبرا، ~~وكان المعتصم يقول: الفضل بن مروان أسخط الله وأرضاني؛ فسلطني الله عليه. دخل عليه ~~الهيثم بن فراس الشاعر متظلما من بعض عماله، فصرف وجهه عنه، ولوى عطفه؛ فخرج من ~~عنده وهو ينشد: # تجبرت يا فضل بن مروان فانتظر # فقبلك كان الفضل والفضل والفضل # ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم # أبادهم التغيير والموت والقتل # فإن تك قد أصبحت ms070 في الناس ظالما # ستودي كما أودي الثلاثة من قبل # فلما سمع الفضل أبياته قال: ما الذي عنى بقوله؟ فقيل: إنه أراد الفضل بن يحيى، ~~والفضل بن سهل، والفضل بن الربيع. فتغير وجهه، ولم يلبث إلا أياما يسيرة حتى قبض ~~عليه. # جعفر البرمكي وأبو نواس # بنى جعفر بن يحيى البرمكي دارا وتأنق فيها، وانتقل إليها، فدخل عليه أبو نواس مع ~~من دخل إليه من الشعراء لتهنئته، فأنشد: # أدار البلى إن الخشوع لبادي # عليك وإني لم أخنك ودادي # فمعذرة مني إليك بأن ترى # رهينة أرواح وصوت غوادي # ولا أدرأ الضراء عنك بحيلة # فما أنا منها قائل بسعادي # فإن كنت مهجور الفتاة فما رمت # يد الهجر عن قوس المنون فوادي # فإن كنت قد بدلت بؤسا بنعمة # فقد بدلت عيني قذى برقاد # وختمها بقوله: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم # بني برمك من رائحين وغاد # فتطير جعفر لها وأظهر الوجوم، ثم قال: نعيت إلينا أنفسنا يا أبا نواس. فلم تكن ~~إلا مدة يسيرة حتى أوقع بهم الرشيد. # عبد الله بن جعفر والرجل # بينما عبد الله بن جعفر راكب؛ إذ تعرض له رجل في الطريق، فمسك بعنان فرسه، وقال: ~~سألتك بالله أيها الأمير أن تضرب عنقي! فبهت فيه عبد الله، وقال: أمعتوه؟! قال: لا ~~والله. قال: فما الخبر؟ قال: لي خصم ألد قد ~~لزمني وألح وضيق علي وليس لي به طاقة. فقال: ومن خصمك؟! قال: الفقر! فالتفت عبد ~~الله إلى غلامه، وقال: ادفع له ألف دينار. ثم قال له: يا أخا العرب خذها ونحن ~~سائرون، ولكن إذا عاد إليك خصمك متغشما فأتنا متظلما فإنا منصفوك منه إن شاء ~~الله. قال الأعرابي: والله إن معي من جودك ما أدحض به حجة خصمي بقية عمري. ثم أخذ ~~المال وانصرف. # عبد الله بن جعفر ونصيب الشاعر # وقف الناس يوما من الأيام على باب عبد الله بن جعفر الطيار، وكان أرباب الحاجات ~~ينتظرون خروجه، فنهضوا إليه، فما طلب أحد حاجة إلا قضاها له، وكان فيمن حضر نصيب ~~الشاعر، فلما ms071 نظر إلى ما يسمع منه تقدم إليه، وقبل يده، وأنشد: # ألفت (نعم) حتى كأنك لم تكن # عرفت من الأشياء شيئا سوى نعم # وعاديت (لا) حتى كأنك لم تكن # سمعت بلا في سالف الدهر والأمم # فقال له عبد الله: ما حاجتك؟ قال: هذه رواحلي توسقها لي. قال: أنخ أنخ. ثم أوسقها ~~له تمرا، وأمر له بعشرة آلاف درهم وثياب، فلما انصرف نصيب قال قائل لعبد الله: يا ~~ابن الطيار أتعطي هذا العطاء كله لمثل هذا العبد الأسود؟! فقال: إن كان أسود؛ فإن ~~شعره لأبيض، وإن كان عبدا فإن ثناءه لحر، وهل أعطيناه إلا رواحل تمضي، ~~وطعاما يفنى، وثيابا تبلى؟! وكان يعتق في غرة كل شهر مائة عبد. # عبد الله بن جعفر وأحد الأنصار # ابتاع عبد الله بن جعفر حائط نخل من رجل أنصاري بمائة ألف درهم، فرأى ابنا له ~~يبكي، فقال له: ما يبكيك؟! قال: كنت أطلب أنا وأبي أن نموت قبل خروج هذا الحائط من ~~أيدينا، ولقد غرست بعض نخله بيدي. فدعا أباه ورد عليه الصلة، وسوغه المال. # علي بن عيسى وأصحابه # لما نكب علي بن عيسى الوزير لم ينظر ببابه أحدا من أصحابه وآله وإخوانه الذين ~~كانوا ملازمين له في حال تصرفه واشتغاله، فلما ردت إليه الوزارة اجتمعوا إليه ~~وعطفوا عليه، وجعل كل منهم يأخذ في السبق للقياه والنظر إلى محياه، فحين رآهم كذلك ~~أنشد: # ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها # فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا # يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت # عليه يوما بما لا يشتهي وثبوا # لا يحلبون لحي در نعمته # حتى يكون لهم شطر الذي حلبوا # دواء الخمار # سأل حامد بن العباس وزيره علي بن عيسى - وكان في ديوان الوزارة - عن دواء الخمار؛ ~~فأعرض الوزير عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسأله في مثل هذا المقام؟! فخجل منه ~~حامد، وكان أبو عمه وقاضي القضاة حاضرا، فتحرك ومكن جلوسه، وتنحنح لإصلاح صوته، ~~ووضع كما على كم، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: # وما آتاكم ms072 الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا ~~(الحشر: 7) وقال النبي: «استعينوا على كل صنعة ~~بصالحى أهلها» والأعشى هو إمام هذه الصنعة في الجاهلية، وقد قال: # وكأس شربت على لذة # وأخرى تداويت منها بها # ثم تلاه شاعر العرب مجنون ليلى فقال: # تداويت من ليلى بليلى من الهوى # كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # وتبعهما على ذلك أبو فراس فقال: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء # وداوني بالتي كانت هي الداء # فتهلل وجه حامد لذلك، وقال لعلي بن عيسى: ما منعك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب ~~به قاضي القضاة؟ وقد استظهر في الجواب بقول الله، ثم بقول رسوله، ثم بكلام العرب، ~~ثم بقول المولدين، وبين الفتوى، وأدى المعنى، وخلص من العهدة؟! فكان خجل علي بن ~~عيسى من حامد أعظم من خجل حامد منه. # الحجاج والأعرابي # انفرد الحجاج يوما عن عسكره فلقي أعرابيا، فقال له: يا وجه العرب، كيف الحجاج؟ ~~فقال: ظالم غاشم. قال: هلا شكوت إلى عبد الملك بن مروان؟! قال: أظلم وأغشم عليهما ~~لعنة الله! فبينما هو كذلك إذ تلاحقت به عساكره، فعلم الأعرابي أنه الحجاج، فقال ~~الأعرابي: أيها الأمير السر الذي بيني وبينك لا يطلع عليه أحد إلا الله. فتبسم ~~الحجاج وأحسن إليه وانصرف. # الحجاج وآكل الحلوى # حضر أعرابي عند الحجاج فقدم الطعام فأكل الناس منه، ثم قدمت الحلوى، فترك ~~الحجاج الأعرابي حتى أكل منها لقمة، ثم قال: من أكل من الحلوى ضربت عنقه، فامتنع ~~الناس من أكلها، وبقي الأعرابي ينظر إلى الحجاج مرة وإلى الحلوى مرة، ثم قال: أيها ~~الأمير، أوصيك بأولادي خيرا! ثم اندفع يأكل، فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه، ~~وأمر له بصلة. # المهلب ومالك بن بشير والحجاج # لما هزم المهلب بن أبي صفرة قطري بن الفجاءة - صاحب الأزارقة - بعث إلى مالك بن ~~بشير فقال له: إني موفدك إلى الحجاج، فسر؛ فإنما هو رجل مثلك! وبعث له بجائزة ~~فردها، وقال: إنما الجائزة بعد الاستحقاق، وتوجه، فلما دخل على الحجاج قال له: ما ~~اسمك؟ قال: مالك بن بشير. ms073 قال : ملك وبشارة! كيف تركت المهلب؟ قال: أدرك ما أمل، ~~وأمن من خاف. قال: كيف هو بجنده؟ قال: والد رءوف. قال: فكيف جنده؟ قال: أولاد بررة. ~~قال: كيف رضاهم عنه؟ قال: وسعهم بالفضل وأقنعهم بالعدل. قال: فكيف تصنعون إذا لقيتم ~~عدوكم؟ قال: نلقاهم بجدنا فنطمع فيهم، ويلقوننا بجدهم فيطمعون فينا. قال: كذلك الجد ~~إذا لقي الجد، فما حال قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه. قال: فما منعكم من اتباعه؟ ~~قال: رأينا المقام من ورائه خيرا من اتباعه. قال: فأخبرني عن ولد المهلب. قال: ~~أعباء القتال بالليل حماة السرح بالنهار. قال: أيهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم! قال: ~~لتقولن. قال: هم كحلقة لا يعرف طرفاها. قال: أقسمت عليك؛ هل رويت لغيري هذا ~~الكلام؟ قال: ما اطلع عليه غير الله وأنت. فقال الحجاج لجلسائه: فهو والله الكلام ~~المطبوع، لا الكلام المصنوع. # رؤبة وأبو مسلم صاحب الدعوة # قال رؤبة: قدمت على أبي مسلم صاحب الدعوة فناداني: يا رؤبة. فنوديت له من كل ~~مكان: يا رؤبة. فأجبت: # لبيك إذا دعوتني لبيكا # أحمد ربا ساقني إليكا # الحمد والنعمة في يديكا # قال: في يدي الله - عز وجل - قلت: وأنت لما نعمت حمدت. ثم استأذنته في الإنشاد، ~~فأذن لي، فأنشدته: # ما زال يأتي الملك من أقطاره # وعن يمينه وعن يساره # مشمرا لا يصطلي بناره # حتى أقر الملك في قراره # فقال: إنك أتيتنا وقد خف المال واستنفده الإنفاق، وقد أمرنا لك بجائزة، وهي تافهة ~~يسيرة، ومنك العود، وعلينا المعول، والدهر هادئ مستتب، فلا تلق بجنبك إلا شره. ~~قال: فقلت: الذي أفادني الأمير من كلامه أحب إلي من الذي أفادني من ماله. # أبو دهان وسعد بن مسلم # وفد أبو دهان على سعد بن مسلم ووقف ببابه، فحجبه حينا ثم أذن له، فمثل بين يديه ~~وقال: إن هذا الأمر الذي صار إليك وفي يديك قد كان في يدي غيرك فأمسى - والله - ~~حديثا، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فتحبب إلى عباد الله بحب البشر وتسهيل الحجاب ~~ولين الجانب، فإن حب ms074 عباد الله موصول بحب الله، وبغضهم موصول ببغض الله؛ لأنهم ~~شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوج عن سبيله. # ابن حمران وأبو الفضل الجوهري # لما هجم ابن حمران على مصر في أيام المستنصر بالله وأحرق داره بالزيت وتخطف ~~عسكره، اجتمع الناس إلى أبي الفضل الجوهري الواعظ، فشكوا حالهم إليه؛ فكتب إلى ~~المستنصر: «إن كنت خالقا فارحم خلقك، وإن كنت مخلوقا فخف خالقك والسلام»، فرفع ~~ذلك عنهم. # إحسان محمد بن حميد الطويسي إلى عدوه # حكي عن محمد بن حميد الطويسي أنه كان يوما على غذائه وإذا بضجة عظيمة على الباب، ~~فرفع رأسه، وقال لغلمانه: ما هذه الضجة؟! من كان عند الباب فليدخل؟ فخرج الغلام ~~وعاد، وقال: يا مولاي، إن فلانا أخذ وجيء به موثقا بالحديد، والغلمان والشرط ~~ينتظرون أمرك فيه. فرفع يده عن الطعام سرورا بأخذه، فقال رجل ممن حضر عنده: الحمد ~~لله الذي أمكنك من عدوك، فسبب لك أن تسقي الأرض من دمه! وقال آخر: بل يصلب حيا ~~ويعذب حتى يموت! وتكلم كل أحد بما وفق له، وهو ساكت مطرق، ثم رفع رأسه، وقال: يا ~~غلام، فك عنه وثاقه، وادخله إلينا مكرما! فلم يكن بأسرع مما امتثل أمره وأدخل ~~إليه رجلا لا دم فيه، فلما رآه هش له، ورفع مجلسه، وأمر بتجديد الطعام، وجعل يبسطه ~~ويملقه، حتى انتهى الطعام، ثم أمر له بكسوة حسنة، وصلة جميلة، وأمر برده إلى أهله ~~مكرما، ولم يعاتبه بحرف واحد على جفائه، ثم التفت إلى جلسائه، وقال لهم: إن أفضل ~~الأصحاب من حض الصاحب على المكارم، ونهاه عن ارتكاب المآثم، وحسن له أن يجازي ~~الإحسان بضعفه، والإساءه عمن أساء إليه بصفحه، إنا إذا جازينا من أساء إلينا بمثل ~~ما أساء فأين موضع الشكر عما أتيح من الظفر؟! إنه ينبغى لمن يحضر مجالس الملوك أن ~~يمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد؛ فإن ذلك أدوم للنعمة، وأجمع للألفة، إن الله تعالى ~~يقول: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر ms075 لكم ذنوبكم ~~(الأحزاب: 70-71). # الحجاج وأحد بني تميم # لما ظفر الحجاج بمحمد بن عبد الرحمن بن الأشعث - وكان قد خرج عليه، وخلع عبد ~~الملك بن مروان - فأمر بضرب أعناق الجند الذين ظفر بهم حتى أتى على رجل من بني ~~تميم، فقال: والله أيها الأمير لئن أسأنا في الأدب لما أحسنت في العقوبة. فقال ~~الحجاج: أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا؟! وأمر بإطلاق من بقي، ~~وعفا عنهم. # أبو دلامة ومروان بن محمد # خرج مروان بن محمد لمحاربة الضحاك الحروري، فلما التقى الجمعان خرج من أصحاب ~~الضحاك فارس فدعا إلى البراز، فقال مروان: من يخرج إليه وله عشرة آلاف درهم؟ فقال ~~أبو دلامة: أنا. وخرج طمعا في الجائزة، فرأى رجلا عظيم الهامة، وعليه فرو قد ~~أصابته السماء فابتل، ولفحته الشمس فيبس حتى صار كالقطة لا يعمل فيها السيف، فلما ~~رآه الفارس جرى إليه وهو يرتجز: # وخارج أخرجه حب الطمع # فر من الموت وفي الموت وقع # من كان يهوى أهله فلا رجع # فخافه أبو دلامة، فلوى جواده هربا، واتخذ من خوفه في الأرض نفقا، كما اتخذ ~~الحوت لنجاته في البحر سربا، فقال مروان: من هذا الفاضح لا أنجاه الله؟ فقال أبو ~~دلامة: فر لا أنجاه الله، خير من قتل ورحمه الله! # عزيز الدين والمهلب # كان المهلب بن شاهين الشاعر عاملا بنهر فروه ونهر رجا لعزيز الدين، فظهرت عليه ~~خيانة، فأشخصه وتوعده، فلما مثل بين يديه قال: # قل للعزيز أدام ربي عزه # وأناله من خيره مكنونه # إني جنيت ولم يزل جبل الورى # يهبون للخدام ما يجنونه # ولقد جمعت من الجنون فنونه # فاجمع من الصفح الجميل فنونه # من كان يرجو عفو من هو فوقه # فليعف عن جرم الذي هو دونه # فعفا عنه وأعاده إلى عمله. # السائل وأحد الأمراء # وفد رجل على بعض الأمراء فسأله حاجة فقضاها، ثم سأله أخرى فقضاها، حتى قضى سبع ~~حاجات، فلما خرج من عنده قيل له: ما فعل بك؟ قال: ما أدري! ثم قال: # لكني أخبركم عنه ms076 بنادرة # لم يأتها قبله عرب ولا عجم # قرأ عليه كتابا منه كاتبه # إلى أخ وجبت منه له نعم # حتى إذا ما مضت (لا) في رسالته # قال استمع ثم لا تمض لك الصمم # لا تكتبن بلا فيها إلى أحد # شق الكتاب ومر فليكسر القلم # الحجاج وقتيبة والأسير # أمر الحجاج بقوم ممن خرج عليهم، فأمر بهم فضربت أعناقهم، وأقيمت صلاة المغرب وقد ~~بقي من القوم واحد، فقال لقتيبة بن مسلم: انصرف به معك حتى تغدو به علي. قال ~~قتيبة: فخرجت والرجل معي، فلما كنا ببعض الطريق قال لي: هل لك في خير؟ قلت: وما ~~ذاك؟! قال إني والله ما خرجت على المسلمين ولا استحللت دماءهم، ولكن ابتليت بما ~~ترى، وعندي ودائع وأموال، فهل لك أن تخلي سبيلي وتأذن حتى آتي أهلي وأرد على كل ذي ~~حق حقه، وأوصي، ولك علي أن أرجع حتى أضع يدي في يدك؟! قال قتيبة: فعجبت له، ~~وتضاحكت لقوله، فمضينا هنية ثم أعاد علي القول، وقال: إني أعاهد الله لك على أن ~~أعود إليك. قال قتيبة: فوالله ما ملكت نفسي حتى قلت له: اذهب. فلما توارى عني شخصه ~~أسقط في يدي، فقلت: ماذا صنعت بنفسي؟! وأتيت أهلي مهموما مغموما، فسألوني عن شأني ~~فأخبرتهم، فقالوا: لقد اجترأت على الحجاج، فبتنا بأطول ليلة، فلما كان عند أذان ~~الغداة إذا بالباب يطرق، فخرجت فإذا أنا بالرجل، فقلت: أرجعت؟! قال: سبحان الله! ~~جعلت لك عهد الله علي فأخونك ولا أرجع؟! فقلت: أما والله إن استطعت لأنفعنك، ~~وانطلقت به حتى أجلسته على باب الحجاج، ودخلت، فلما رآني، قال: يا قتيبة أين أسيرك؟ ~~قلت: أصلح الله الأمير، بالباب، وقد اتفق لي معه قصة عجيبة، قال: ما هي؟ فحدثته ~~الحديث، فأذن له فدخل، ثم قال: يا قتيبة، أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم. قال: هو لك، ~~فانصرف به معك. فلما خرجت به، قلت له: خذ أي طريق شئت، فرفع طرفه إلى السماء، وقال: ~~لك الحمد يا رب. وما كلمني بكلمة ولا قال لي: أحسنت، ولا ms077 أسأت! فقلت في نفسي: مجنون ~~والله! فلما كان بعد ثلاثة أيام جاءني، وقال لي: جزاك الله خيرا، أما والله ما ذهب ~~عني ما صنعت، ولكن كرهت أن أشرك مع حمد الله حمد أحد. # أبو العيناء وعيسى بن فرخان # كان عيسى بن فرخان شاه يفد على أبي العيناء في حال وزارته، فلما انصرف عنها لقي ~~أبا العيناء في بعض الطرق فسلم عليه سلاما خفيفا، فقال أبو العيناء لغلامه: من ~~هذا؟ قال: أبو موسى. فدنا منه حتى أخذ بعنان بغلته، وقال: لقد كنت أقنع بإيمائك دون ~~بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك ~~النعمة لقد أصابت فيك النقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت قبائحها بالإقبال عليك لقد ~~أظهرت محاسنها بالإدبار عنك، ولله المنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزهنا عن قول ~~الزور فيك، فقد والله أسأت حمل النعمة، وما شكرت حق المنعم. ثم أطلق يده من عنانه، ~~ورجع إلى مكانه، فقيل له: يا أبا عبد الله، لقد بالغت في السب، فما كان الذنب؟! ~~فقال: سألته حاجة أقل من قيمته فردني عنها بأقبح من خلقته. # خرقاء وسعد بن أبي وقاص # لما نزل سعد بن أبى وقاص بالقادسية أميرا عليها، وهزمت الفرس، وقتل رستم أتت ~~خرقاء بنت النعمان بن المنذر في جماعة من قومها وجواريها وهن في زيها، عليهن ~~المسوح والمقطعات السود، مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد، ~~فقال: أيكن خرقاء؟ قالت: ها أنا ذا. قال: أنت خرقاء؟ قالت: نعم، فما تكرارك في ~~استفهامي؟! ثم قالت: إن الدنيا دار زوال لا تدوم على أهلها انتقالا، وتعقبهم بعد ~~حال حالا، كنا ملوك هذا المصر يجيء لنا خراجه، ويطيعنا أهله مدى الإمرة وزمان ~~الدولة، فلما أدبر الأمر صاح بنا صائح الدهر؛ فشق عصانا، وشتت شملنا، وكذلك الدهر ~~يا سعد؛ إنه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول: # وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا # إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف # فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ms078 # تقلب تارات بنا وتصرف # فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد، كأنه ينظر إليها حيث يقول: # إن للدهر صولة فاحذرنها # لا تبيتن قد أمنت الدهورا # قد يبيت الفتى معافى فيرزا # ولقد كان آمنا مسرورا # فبينما هي واقفة بين يدي سعد؛ إذ دخل عمرو بن معدي كرب، وكان زوارا لأبيها في ~~الجاهلية، فلما نظر إليها قال: أنت خرقاء؟ قالت: نعم. قال: فما دهمك، فأذهب بجودات ~~شيمك؟ أين تتابع نعمتك وسطوة نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن الدهر عثرات وعبرات تعثر ~~بالملوك وأبنائهم فتفضحهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عز، إن هذا الأمر ~~كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه ~~قالت: حي أختك بتحيات ملوكنا، لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها ~~عليه. ثم خرجت من عنده، فلقيها نساء المدينة فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: ~~أكرم وجهي، وإنما يكرم الكريم كريم. # المتنبي وسيف الدولة # كان المتنبي يأبى شرب الخمر ويكرهه، فألزمه سيف الدولة بن حمدان، فشرب ذات ليلة ~~عنده، فصدرت منه هفوة، وندم لوقته، فقام وانصرف، وبقي لا يحضر مجلسه، فأكثر في طلبه ~~حتى حضر، فأمره بالشرب فامتنع، وأقسم أنه لا يشرب أبدا خمرا، وأنشد يقول: # رأيت المدامة قلابة # تهيج للمرء أشواقه # تسيء من المرء تأديبه # ولكن تحسن أخلاقه # وبالأمس مت بها موتة # وهل يشتهي الموت من ذاقه؟! # أهل الحجاز والحجاج # مرض الحجاج مرضا شديدا، فأرجف أهل الحجاز بموته، فخرج مندملا من مرضه حتى صعد ~~ذروة المنبر فقال: ألا إن أهل السواق أهل الشقاق والنفاق نفخ الشيطان في عناصرهم، ~~فقالوا: مات الحجاج! وما مات الحجاج، وإن مت فإني والله ما أحب إلا الموت، وهل ~~أرجو الخير كله إلا بعد الموت؟! وما رأيت الله - علا ذكره وتقدست أسماؤه - رضي ~~بالتخليد لأحد من خلقه إلا لأخسهم وأهونهم عليه؛ إبليس، ولقد سأل العبد الصالح ~~ربه، فقال: هب لي ملكا لا يبقى لأحد من بعدي. ففعل، ثم اضمحل كأنه لم يكن، يا ms079 أيها ~~الرجل - وكلكم ذلك الرجل - والله كأني بي وبكم قد صار كل حي منا ميتا، وكل رطب ~~يابسا، ونقل كل امرئ في ثياب طاهرة إلى أربع أذرع طولا في ذراعين عرضا، وأكلت ~~الأرض شعره، ومصت دمه، ورجع الحبيبان: أهله وولده يقتسمان من ماله، ألا إن الذين ~~يعلمون ما أقول حقا. ثم نزل. # الكردي والأمير # حضر بعض مقدمي الأكراد على سماط أمير، وكان على السماط حجلتان مشويتان، فنظر ~~الكردي إليهما وضحك، فسأله الأمير عن ذلك، فقال: قطعت الطريق في عنفوان شبابي على ~~تاجر، فلما أردت قتله تضرع فما أفاد تضرعه، فلما رأى أني قاتله لا محالة التفت إلى ~~حجلتين كانتا في الجبل، فقال: اشهدا عليه أنه قاتلي. فلما رأيت هاتين الحجلتين ~~تذكرت حمقه! فقال الأمير: قد شهدتا! ثم أمر الأمير بضرب عنقه. # | النوادر الثانية # نوادر الخطباء # خطبة عبد الله بن الزبير بعد قتل مصعب # لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل مصعب صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم سكت، ~~فجعل لونه يحمر تارة ثم يصفر أخرى، فقال رجل من قريش لرجل إلى جانبه: ما له لا ~~يتكلم، فوالله إنه لبيب الخطباء؟! قال: لعله يريد أن يذكر مقتل سيد العرب فيشتد ~~عليه ذلك؛ وغير ملوم. ثم تكلم فقال: «الحمد لله، له الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، ~~تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء. # أما بعد: فإنه لم يعز الله من كان الباطل معه، وإن كان معه الأنام طرا، ولم يذل ~~من كان الحق معه، وإن كان بائسا حقيرا، ألا وإن خزان العراق أتانا فأحزننا ~~وأفرحنا؛ فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة غير أن دعوى ذوي الألباب إلى ~~الصبر وكريم العزاء، وأما الذي أفرحنا: فإن قتل المصعب له شهادة ولنا ذخيرة، أسلمه ~~النعام المعالم، ألا وإن أهل العراق باعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذونه منه، ~~فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه وكانوا الخيار الصالحين، إنا والله لا نموت ~~خنقا ولكن قصفا بالرماح، ms080 وموتا تحت ظلال السيوف، وليس كما يموت ابن مروان، ألا ~~وإنما الدنيا رية من الملك الأعلى الذي لا يبيد ذكره ولا يذل سلطانه، فإن تقبل ~~الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق ~~المهين»، ثم نزل. # خطبة عتبة بن أبي سفيان # صعد عتبة بن أبي سفيان المنبر فقال: «يا أهل مصر، قد كنتم تعذرون لبعض المنع منكم ~~ببعض الجور عليكم، فقد وليكم من يقول ويفعل ويفعل ويقول، فإن رددتم ردكم بيده، وإن ~~استصعبتم ردكم بسيفه، ثم رجا في الأمر ما أمل في الأول أن البقية متابعة، قلنا: ~~عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه، والله ما ~~انطلقت به ألسنتنا حتى عقدت عليها قلوبنا، ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم ناجزا ~~يناجز، ومن حذركن بشر» قال: فنادوه: سمعا وطاعة. فنادهم: عدلا عدلا. # خطبة جعفر بن محمد # خطب جعفر بن محمد فقال: «أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله، ولزوم طاعته، وتقويم ~~العمل، وترك الأمل، فإنه من فرط في عمله لم ينتفع بشيء من أمله، أين التعب بالليل ~~والنهار؟ والمقتحم بلجج البحار ومفاوز القفار يسير من وراء الجبال وعالج الرمال، ~~يصل الغدو بالرواح والمساء بالصباح في طلب محقرات الرياح هجمت عليه منيته، فعظمت ~~بنفسه رزيئته، فصار ما جمع بورا، وما اكتسب غرورا، ووافى القيامة محسورا، أيها ~~اللاهي الفائز بنفسه، كأني بك وقد أتاك رسول ربك لا يقرع لك بابا، ولا يهاب لك ~~حجابا، ولا يقبل منك بديلا، ولا يأخذ عنك كفيلا، ولا يرحم لك صغيرا، ولا يوقر ~~فيك كبيرا، حتى يؤديك إلى قعر مظلمة أرجاؤها موحشة كفعلة الأمم الخالية والقرون ~~الماضية، أين من سعى واجتهد، وجهز وعد، وبنى وشيد، وزخرف؟ ونجد بالقليل لم يقنع، ~~وبالكثير لم يمنع، أين من قاد الجنود، ونشر البنود؟ أضحوا رفاتا تحت الثرى ~~أمواتا، وأنتم بكأسهم شاربون، ولسبيلهم سالكون، عباد الله، فاتقوا الله، وراقبوه، ~~واعملوا لليوم الذي تسير منه الجبال، وتشقق السماء بالغمام، وتتطاير الكتب عن ms081 ~~اليمين والشمال ، فأي رجل يومئذ قال: هاؤم اقرءوا كتابيه؟ أم يا ليتني لم أؤت ~~كتابيه؟ نسأل من وعدنا بإقامة الشرائع في جنته أن يقينا سخطه، إنما أحسن الحديث ~~وأبلغ الموعظة كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد.» # علي بن أبي طالب # قال الإمام علي بن أبي طالب: «أعجب ما في الإنسان قلبه، وله موارد من الحكمة ~~وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاجه الطمع أهلكه الحرص، وإن ~~ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسي ~~التحفظ، وإن أتاه الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمن استقبله العز، وإن أصابته ~~مصيبة فضحه الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة بلغ به البلاء، وإن ~~جهد به الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل ~~إفراط له قاتل. # قس بن ساعدة والرجل # قال أحدهم: بينا أنا بجبل يقال له: سمعان، في يوم شديد الحر إذا أنا بقس بن ~~ساعدة خطيب العرب أمام قبرين بينهما مسجد، فقلت له: ما هذان القبران؟ فقال: هذان ~~قبرا أخوين كانا لي فماتا، فاتخذت بينهما مسجدا أعبد الله - جل وعز - فيه حتى ~~ألحق بهما. ثم ذكر أيامهما فبكى، وأنشد: # خليلي هبا طالما قد رقدتما # أجدا كما لا تقضيان كراكما # ألم تعلما ما لي براوند هذه # ولا بخراق من نديم سواكما # مقيم على قبريكما لست بارحا # طوال الليالي أو يجيب صداكما # جرى الموت مجرى اللحم والعظم منكما # كأن الذي يسقي العقار سقاكما # أناديكما كيما تجيبا وتنطقا # وليس مجابا صوته من دعاكما # أمن طول نوم لا تجيبان داعيا # خليلي ما هذا الذي قد دهاكما # قضيت بأني لا محالة هالك # وأني سيعروني الذي قد عراكما # سأبكيكما طول الحياة وما الذي # يرد على ذي عولة أن بكاكما # ثابت قطنة الخطيب # قال محمد بن يزيد: كان ثابت قطنة قد ولي عملا من أعمال خراسان، فلما ms082 صعد ~~المنبر يوم الجمعة رام الكلام فتعذر عليه، فقال: سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد ~~عي بيانا، وأنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال، ثم أشهر الحسام ~~وأنشد: # وإن لم أقف فيكم خطيبا فإنني # بسيفي إذا جد الوغى لخطيب # فبلغت كلماته خالد بن صفوان، فقال: والله ما علا ذلك المنبر أخطب منه. # الإمام علي والمسترشد # سأل رجل الإمام علي بن أبي طالب أن يعظه؛ فقال: لا تكن ممن يرجو الآخرة بلا عمل، ~~ويرجو التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بقول الراغبين، ~~إن أعطى منها لم يشبع، وإن منع لم يقنع، ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب ~~الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، ويكره الموت؛ لكثرة ذنوبه، إن ~~سقم ظل نادما، وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن ~~أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا ~~يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، ~~إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، يصف العبر ~~ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل، ينافس فيما ~~يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما والغرم مغنما، يخشى الموت ولا يبادر ~~الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، يستكثر من طاعته ما يحتقره ~~من طاعة غيره، فهو عن الناس طاعن ولنفسه مداهن، اللهو مع الأغنياء أحب إليه من ~~الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، فهو يطاع ويعصي ~~ويستوفي ولا يوفي، ويخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في خلقه. # أبو الدرداء وأهل الشام # لما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام، اسمعوا قول أخ لكم ناصح. فاجتمعوا ~~عليه، فقال: ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون؟ وتجمعون ما لا تأكلون؟ إن الذين كانوا ~~قبلكم ms083 بنوا شديدا ، وأملوا بعيدا، وجمعوا كثيرا، فأصبح أملهم غرورا، وجمعهم ~~بورا، ومساكنهم قبورا. # خطبة أبي العباس السفاح # ارتج على أبي العباس السفاح؛ فنزل ثم صعد، وقال: أيها الناس، إن اللسان بضعة من ~~الإنسان؛ يكل لكلاله، ويرتجل لارتجاله، ونحن أمراء الكلام، بنا تفرعت فروعه، وعلينا ~~تهدلت غصونه، وإنا لا نتكلم هدرا، ولا نسكت حصرا، بل نسكت معتبرين، وننطق ~~مرشدين. # قتيبة بن مسلم والرجل # خطب قتيبة بن مسلم على منبر خراسان عندما قدمها واليا فسقطت العصا من يده؛ فتطير ~~من ذلك، فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها، وقال: أيها الأمير، ليس كما ظن ~~العدو وأساء الصديق، ولكنه كما قال الشاعر: # فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # خطبة الإمام علي بن أبي طالب # قال الإمام على: «من حلم ساد، ومن ساد استفاد، ومن استحيا قتل، ومن احتفر لأخيه ~~بئرا وقع فيها، ومن نسي زلته استعظم ذله، ومن هاب خاب، ومن طلب للرئاسة صبر على ~~السياسة، ومن أبصر عيب نفسه غفر عن عيب غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن هتك ~~حجاب غيره انهتكت عورات بيته، ومن كابر في الأمور عطب، ومن اقتحم اللجج غرق، ومن ~~أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تجبر على الناس ذل، ومن تعمق في العمل ~~كل، ومن صاحب الأنذال حقر، ومن جالس العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن ~~حسن خلقه سهلت له طرقه، ومن حسن مكرمه كانت الهيبة أمامه، ومن خشي الله فاز، ومن ~~استعان بالجهل ترك طريق العدل، ومن عرف أجله قصر أمله، ثم أنشد يقول: # ألبس أخاك على عيوبه # واستر وعظه على ذنوبه # واصبر على بهت السفي # ه وللزمان على خطوبه # ودع الجواب تفاضلا # وكل الظلوم إلى حسيبه # | النوادر الثالثة # نوادر القضاة # مرزبان والخراساني والقاضي # باع رجل من خراسان جمالا إلى مرزبان المجوسي وكيل جعفر بثلاثين ألف درهم، فمطله ~~بثمنها وعوقه عن سفره؛ فطال ذلك على الرجل فأتى إلى بعض أصحابه وشاوره؛ كيف يعمل؟ ~~فقال: اذهب إلى مرزبان، ms084 وقل له : أعطني ألف درهم، وأحل عليك بالمال الباقي، وأسافر ~~إلى خراسان، فإذا فعل فعرفني حتى أشير عليك. ففعل الرجل وأتى إلى مرزبان، فأعطاه ~~ألف درهم فرجع إلى الرجل فأخبره، فقال له: عد إليه، وقل له: إذا ركبت غدا فاجعل ~~طريقك على القاضي حتى أوكل رجلا يقبض المال منك في دفعات، وأروح أنا إلى خراسان، ~~فإذا جاء وجلس إلى القاضي فادع بمالك كله، فإذا أقر حبسه القاضي وأخذت مالك ~~منه، فرجع الخراساني إلى مرزبان وسأله ذلك؛ فأجابه، فقال: انتظرني غدا بباب ~~القاضي، فلما ركب من الغد قام إليه الرجل، وقال: إن رأيت أن تنزل إلى القاضي حتى ~~أوكل بقبض المال وأروح؟ # فنزل مرزبان فتقدما إلى القاضي، وكان حفض بن غياث، فقال الرجل: أصلح الله القاضي، ~~لي على هذا تسعة وعشرون ألف درهم. وادعى عليه، فقال له حفص: ما تقول يا مجوسي؟ ~~قال: صدق، أصلح الله القاضي. قال: قد أقر لك. قال: يعطيني مالي وإلا الحبس. فقال ~~المرزبان: يا مجوسي ما تقول؟ قال: هذا المال مع السيدة أم جعفر. قال له: يا أحمق، ~~تعد ثم تقول هذا على السيدة! ما تقول يا رجل؟! قال: إن أعطاني مالي وإلا حبسته. ~~فقال حفص: يا مجوسي ما تقول؟ قال: المال على السيدة. قال حفص: خذوا بيده إلى الحبس. ~~فلما حبس بلغ الخبر به إلى أم جعفر؛ فغضبت، وبعثت إلى السندي، وقالت: وجه بمرزبان ~~إلي وعجل. فأسرع السندي، فأخرجه من الحبس، وبلغ الخبر إلى حفص أن مرزبان قد أخرج، ~~فقال: أحبس أنا ويخرج السندي؟! والله لا جلست للقضاء أو يرد مرزبان إلى الحبس. ~~وغلق باب بيته، فسمع السندي ذلك فجاء إلى السيدة أم جعفر، فقال: الله الله في! ~~فإن حفصا ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، وأخاف من أمير المؤمنين الرشيد يقول لي: ~~بأمر من أخرجته؟ رديه إلى الحبس وأنا أكلم حفصا فيه. فأجابته، وردته إلى الحبس، ~~وقالت أم جعفر للرشيد: قاضيك هذا أحمق حبس وكيلي، واستخف به، اكتب إليه ومره لا ~~ينظر في ms085 الحكم، فأمر لها بالكتاب، وبلغ حفصا ذلك، فقال للرجل: أحضر لي شهودا ~~لأسجل لك على المجوسي بالمال. وجلس حفص وسجل على المجوسي، فجاء خادم السيدة ومعه ~~كتاب الرشيد، فقال: هذا كتاب أمير المؤمنين. فقال: اسمع ما يقال لك. فلما فرغ حفص ~~من السجل أخذ الكتاب من الخادم وقرأه، وقال: اقرأ على أمير المؤمنين السلام، وأخبره ~~أن كتابه ورد وقرأته، وقد أنفذت الحكم عليه، فقال الخادم: قد عرفت والله ما صنعت؛ ~~أبيت أن تأخذ كتاب أمير المؤمنين حتى تفرغ مما تريد، والله لأخبرت أمير المؤمنين ~~بما فعلت. فقال له حفص: قل له ما أحببت، فجاء الخادم وأخبر هارون الرشيد بذلك، فضحك ~~وقال للحاجب: مر لحفص بن غياث بثلاثين ألف درهم. فركب يحيى بن خالد فاستقبل حفصا ~~منصرفا عن مجلس الحكم، فقال: أيها القاضي، قد سررت أمير المؤمنين اليوم، وقد أمر ~~لك بثلاثين ألف درهم، فما كان السبب في هذا؟! فقال حفص: تمم الله سرور أمير ~~المؤمنين وأحسن حفظه وكلاءته، ما زدت على ما أفعل كل يوم. قال: ومع ذلك؟ قال: لا ~~أعلم أني سجلت على مرزبان المجوسي بمال وجب عليه. فقال يحيى: فمن هذا سر أمير ~~المؤمنين. قال حفص: الحمد لله كثيرا، من أقام بحقوق الشريعة ألبسه الله رداء ~~المهابة. # ابن عيسى الوزير والقاضي أبو عمرو # كان أبو الحسن علي بن عيسى الوزير يحب أن يبين فضله على كل أحد، فدخل عليه القاضي ~~أبو عمرو في أيام وزارته وعلى القاضي قميص جديد فاخر غالي الثمن، فأراد الوزير أن ~~يخجله؛ فقال: يا أبا عمرو، بكم اشتريت شقة هذا القميص؟ قال: بمائة دينار. فقال أبو ~~الحسن: أنا اشتريت شقة قميصي هذا بعشرين دينارا. فقال أبو عمرو: إن الوزير أعزه ~~الله تعالى يجمل الثياب فلا يحتاج إلى المبالغة فيها، ونحن نتجمل بالثياب فنحتاج ~~إلى المبالغة فيها؛ لأننا نلابس العوام، والوزير أعزه الله تعالى يخدمه الخواص، ~~ويعلمون أن تركه ذلك لمثلي إنما هو عن قدرة. # الأزدي ومحمد بن داود والجارية # قال القاضي أبو عمر محمد ms086 بن يوسف الأزدي: كنت أساير أبا بكر محمد بن داود الإمام ~~الأصفهاني ببغداد، وإذا بجارية تغني من شعره هذه الأبيات: # أشكو عليل فؤاد أنت متلفه # شكوى عليل إلى ألف يعلله # سقى يزيد على الأيام كثرته # وأنت في عظم ما ألقى تقلله # الله حرم قتلي في الهوى سفها # وأنت يا قاتلي ظلما تحلله # فقال محمد بن داود: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت: هيهات! سارت به ~~الركبان. # | النوادر الرابعة # متفرقات من نوادر العظماء # أبو جعفر البغدادي وأبو عيسى # قال أبو جعفر البغدادي: خرجت يوما إلى المسجد الجامع ومعي قرطاس؛ لأكتب فيه بعض ~~ما أستفيده من العلماء، فمررت بباب أبي عيسى بن المتوكل، فإذا ببابه المشدود - ~~وكان من أحذق الناس بالغناء - فقال: أين تريد يا أبا عكرمة؟ قلت: المسجد الجامع ~~لعلي أستفيد فيه حكمة أكتبها. فقال: ادخل بنا على أبي عيسى. فقلت له: مثل أبي ~~عيسى في قدره وجلالته يدخل عليه بغير إذن؟! فقال للحاجب: أعلم الأمير بمكان ~~أبي عكرمة. # قال: فما لبث إلا ساعة حتى خرج الغلمان فحملوني حملا، فدخلت إلى دار لا والله ما ~~رأيت أحسن منها بناء، ولا أظرف فرشا، ولا صباحة وجوه، فحين دخلنا نظرت إلى أبي ~~عيسى، فلما أبصرني قال لي: يا بغيض، متى تحتشم؟ اجلس. فجلست، قال: ما هذا القرطاس ~~بيدك؟ قلت: يا سيدي، حملته لأستفيد منه شيئا، وأرجو أن أدرك حاجتي في هذا المجلس. ~~فمكثنا حينا ثم أتينا بالطعام، ما رأيت أكثر منه ولا أحسن، فأكلنا، وحانت مني ~~التفاتة، فإذا أنا بزنين ودبيس - وهما من أحذق الناس بالغناء - فقلت: هذا المجلس قد ~~جمع الله فيه كل شيء مليح، ثم رفع الطعام وجيء بالشراب، وقامت جارية تسقينا شرابا ~~ما رأيت أحسن منه، في كل كأس لا أقدر على وصفها، فقلت: أعزك الله ما أشبه هذا بقول ~~إبراهيم بن المهدي يصف جارية بيدها خمر: # حمراء صافية في جوف صافية # يسعى بها نحونا خود من الحور # حسناء تحمل حسناوين في يدها # صاف من الراح في صافي القوارير # وقد ms087 جلس المشدود وزنين ودبيس ولم يكن في ذلك الزمان أحذق من هؤلاء الثلاثة ~~بالغناء، فابتدأ المشدود فغنى: # لما استقل بأرداف تجاذبه # واخضر فوق حجاب الدر شاربه # وأشرق الورد في نسرين وجنته # واهتز أعلاه وارتجت حقائبه # كلمته بجفون غير ناطقة # فكان من رده ما قال حاجبه # ثم سكت فغنى زنين: # الحب حلو أمرته عواقبه # وصاحب الحب صب القلب ذائبه # أستودع الله من بالطرف ودعني # يوم الفراق ودمع العين ساكبه # ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي: # ارفق بقلبك قد عزت مطالبه # وقال: # وعاتبته دهرا فلما رأيته # إذ ازداد ذلا جانبي عز جانبه # عقدت له في الصدر مني مودة # وخليت عنه مبهما لا أعاتبه # ثم سكت فغنى دبيس: # بدر من الأنس حفته كواكبه # قد لاح عارضه واخضر شاربه # عاطيته كدم الأوداج صافية # فقام يشدو وقد مالت جوانبه # قالت: فعجبت كيف أنهم غنوا بلحن واحد وقافية واحدة؟! قال أبو عيسى: يعجبك من هذا ~~شيء يا أبا عكرمة؟ فقلت: يا سيدي، المنى دون هذا. ثم إن القوم غنوا على هذا إلى ~~انقضاء المجلس. # عبد الله بن طاهر وابن خليد # لما ولي عبد الله بن طاهر خراسان بعد موت أبيه من قبل الواثق دخل عليه عبد الله ~~بن خليد بن سعد المعروف بأبي العميل بقصيدة يمدحه فيها ويهنئه بالولاية ~~فقال: # يا من يؤمل أن تكون خصاله # كخصال عبد الله أنصت واسمع # اصدق وعف وبر وانصف واحتمل # واكفف وكاف ودار واحلم واشجع # والطف ولن واشتد وأرفق واتئد # واحزم وجد وحام واحمل وادفع # فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي # وهديت للنهج الأسد المهيع # حسانة النميرية وعبد الرحمن بن الحكم # وفدت حسانة النميرية بنت أبي الحسين الشاعر الأندلسي على عبد الرحمن بن الحكم ~~متشكية من عامله جابر بن لبيد والي إلبيرة، وكان الحكم قد وقع لها بخط يده تحرير ~~أملاكها، فلم يفدها، فدخلت إلى الإمام عبد الرحمن فأقامت بفنائه وتلطفت مع بعض ~~نسائه حتى أوصلها إليه وهو في حال طرب وسرور، فانتسبت إليه فعرفها وعرف أباها، ثم ~~أنشدت: # إلى ذي ms088 الندى والمجد سارت ركائبي # على إبل تصلى بنار الهواجر # ليجبر صدعي أنه خير جابر # ويمنعني من ذا المظالم جابر # فإني وأيتامي بقبضة كفه # كذي الريش أضحى في مخالب كاسر # جدير لمثلي أن يقال بسرعة # بموت أبي العاص الذي كان ناصري # سقاه الحيا لو كان حيا لما اعتدى # علي زمان باطش بطش قادر # أيمحو الذي خطته يمناه جابر # لقد سام بالأملاك إحدى الكبائر # ولما فرغت رفعت إليه خط والده وحكت جميع أمرها، فرق لها، وأخذ خط أبيه فقبله، ~~ووضعه على عينيه، وقال: تعدى ابن لبيد طوره؛ حتى رام نقض رأي الحكم، وحسبنا أن نسلك ~~سبيله بعده، ونحفظ بعد موته عهده، انصرفي فقد عزلته لك. ووقع لها بمثل توقيع أبيه ~~الحكم؛ فقبلت يده، وأمر لها بجائزة، فانصرفت. # كافور وأبو إسحاق والفضل بن عباس # جلس أبو إسحاق عند كافور الإخشيدي، فدخل عليه أبو الفضل بن عباس فقال: أدام الله ~~أيام مولانا (وكسر ميم أيام) فتبسم كافور إلى أبي إسحاق، ففطن لذلك وقال ~~بديها: # لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا # وغص من دهش بالريق أو بهر # فمثل سيدنا حالت مهابته # بين الأديب وبين الفتح بالحصر # وإن يكن خفض الأيام عن غلط # في موضع النصب لا عن قلة البصر # فإن أيامه خفض بلا نصب # وإن دولته صفو بلا كدر # فاستحسن قوله وأحسن إليهم. # فضل الحبر والمداد # كتب إبراهيم بن العباس كتابا؛ فأراد محو حرف، فلم يجد منديلا، فمحاه بكفه، فقيل ~~له في ذلك، فقال: المال فرع، والعلم أصل، وإنما بلغنا هذه الحال وحصلنا على هذه ~~الأموال بهذا العلم والمداد، ثم أنشد: # إذا ما الفكر أضمر حسن لفظ # وأداه الضمير إلى العيان # ووشاه ونمنمه مسد # فصيح بالمقال وباللسان # رأيت حلى البيان منورات # تضاحك بينها صور المعاني # الأحنف والرجل # سمع الأحنف بن قيس رجلا يقول: العلم في الصغر كالنقش في الحجر. فقال الأحنف: ~~الكبير أكثر عقلا، ولكنه أشغل قلبا. # الشعبي والأعربيان والعلم # قال الشعبى: العلم ثلاثة أشبار، من نال منه شبرا شمخ بأنفه وظن أنه ناله، ومن ms089 ~~نال الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله، وأما من نال الشبر الثالث ~~فهيهات لا يناله أحد أبدا، ومما أنذرك به في حالي أني صنعت في البيوع كتابا، جمعت ~~فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب ~~واستكمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعا بعلمه، حضرني وأنا في مجلس ~~أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه في البادية على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف ~~لواحدة منها جوابا، فأطرقت وبحالي وحالها معتبرا، فقالا: ما عندك فيما سألناك ~~جواب وأنت زعيم هذه الجماعة؟! فقلت: لا. فقالا: واها لك! وانصرفا، ثم أتيا من ~~يتقدمه في العلم كثير من أصحابي، فسألاه فأجابهما مسرعا بما أقنعهما، وانصرفا عنه ~~راضيين بجوابه حامدين العلم، فبقيت مرتبكا وبأمري معتبرا، وإني لعلى ما كنت عليه ~~من المسائل إلى وقتي هذا، فكان ذلك زاجر نصيحة ونذير عظة، تذلل بها قياد النفس، ~~وانخفض لها جناح العجب توفيقا منحته ورشدا أوتيته. # حكمة مالك بن دينار # قيل لمالك بن دينار: ادع الله لفلان المحبوس. فقال: مثل محبوسك مثل شاة غدت إلى ~~عجين فقير فأكلته فأتخمت، فصاحبها يقول: اللهم سلمها. وصاحب العجين يقول: اللهم ~~أهلكها! ولا ينفع دعاء صاحبها مع دعاء المظلوم، فقولوا لصاحبكم يرد إلى كل ذي حق ~~حقه؛ فإنه لا يحتاج إلى دعائي حينئذ. # أبو أيوب وعبد الله بن الأعرابي # قال أحمد بن عمران: كنا عند أبي أيوب أحمد بن محمد بن شجاع يوما في منزله، فبعث ~~غلاما من غلمانه إلى أبي عبد الله بن الأعرابي، وسأله المجيء إليه، فعاد الغلام، ~~فقال: قد سألته، فقال: «عندي قوم من الأعراب، فإذا قضيت وطري منهم أتيت»، قال ~~الغلام: وما رأيت عنده أحدا إلا أن بين يديه كتبا ينظر فيها؛ فينظر في هذا مرة ~~وفي هذا مرة! ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له أبو أيوب: يا أبا عبد الله، سبحان الله ~~العظيم! تخلفت وحرمتنا الأنس بك، ولقد قال لي الغلام: إنه ما رأى عندك ms090 أحدا، وقد ~~قلت له: أنا مع قوم من الأعراب إذا قضيت إربي منهم أتيت، فقال: # لنا جلساء ما يمل حديثهم # ألباء مأمونون غيبا ومشهدا # يفيدوننا من علمهم علم من مضى # وعقلا وتأديبا ورأيا مفردا # فإن قلت أموات فما أنت كاذب # وإن قلت أحياء فلست مفندا # نباهة وال # أحضر عند بعض الولاة رجلان اتهما بسرقة، فأقامها بين يديه ثم دعا بشربة ماء، فجيء ~~بكوز، فقال لهما: ضعا يديكما عليه. فمد أحدهما فارتاع، وثبت الآخر، فقال لمن خاف: ~~اذهب إلى حال سبيلك، وقال للآخر: أنت الذي أخذت المال. وتهدده، فأقر، وسئل عن ذلك؛ ~~فقال: إن اللص قوي القلب، والبريء يخدع، ولو تحرك عصفور لفزع منه. # الرازي والرجل # قال رجل ليحيى بن معاذ الرازي: إنك تحب الدنيا. فقال يحيى للرجل: أخبرني عن ~~الآخرة؛ بالطاعة تنال أم بالمعصية؟ قال: لا، بل بالطاعة. قال: فأخبرني عن الطاعة؛ ~~بالحياة تنال أم بالممات؟ قال: لا، بالحياة. قال: فأخبرني عن الحياة؛ أبالقوت تنال ~~أم بغير القوت؟ قال: لا، بل بالقوت. قال: فأخبرني عن القوت؛ أمن الدنيا هو أم من ~~الآخرة؟ قال: لا، بل من الدنيا. قال: كيف لا أحب الدنيا قدر لي فيها قوت أكتسب به ~~حياة أدرك بها طاعة أنال بها الآخرة؟! فقال الرجل: إن من البيان لسحرا! # نصر الدين والسراج بن الوراق # كتب نصر الدين المحامي إلى السراج بن الوراق، وكان السراج يسكن بالروضة: # كم قد أردد للباب الكريم لكي # أبل شوقي وأحيي بيت أشعاري # وأنثني خائبا فيما أؤمله # وأنت في روضة والقلب في نار # فكتب الجواب إليه: # الآن نزهتني في روضة عبقت # أنفاسها بين أزهار وأثمار # أسكنتني بشذاها فانثنيت بها # وكل بيت أراه بيت خمار # ولا تغالط فمن فينا السراج ومن # أولى بأن قال: إن القلب في نار # أبو حنيفة وشريكه التاجر # كان بين أبي حنيفة وبين رجل من البصرة شركة في تجارة، فبعث إليه أبو حنيفة سبعين ~~ثوبا ثمينا، وكتب إليه: إن في واحد منها عيبا وهو ثوب كذا، فإذا بعته فبين ~~العيب. فباعها ms091 بثلاثين ألف درهم، وجاء بها إلى أبي حنيفة، فقال له: هل بينت العيب؟ ~~فقال: لقد نسيت! فتصدق أبو حنيفة بجميع ثمنها. # رثاء لعلي بن أبي طالب # لما ماتت فاطمة كان علي بن أبي طالب يزور قبرها كل يوم، فأقبل ذات يوم، فانكب على ~~القبر وبكى بكاء مرا، وأنشد يقول: # ما لي مررت على القبور مسلما # قبر الحبيب فلم يرد جوابي # يا قبر ما لك لا تجيب مناديا # أمللت بعدي خلة الأحباب؟! # فسمع كأن هاتفا يقول: # قال الحبيب وكيف لي بجوابكم # وأنا رهين حفائر وتراب # أكل التراب محاسني فنسيتكم # وحجبت عن أهلي وعن أترابي # فعليكم مني السلام تقطعت # مني ومنكم خلة الأحباب # شهاب الدين وفاطمة بنت الخشاب # أرسل شهاب الدين بن فضل الله إلى فاطمة بنت الخشاب قصيدة طويلة مطلعها: # هل ينفع المشتاق قرب الدار # والوصل ممتنع مع الزوار # يا نازلين بمهجتي وديارهم # من ناظري بمطمح الأنظار # هيجتم شجني فعدت إلى الصبا # من بعدما وخط المشيب عذاري # فأجابته المترجمة بقصيدة منها: # إن كان غركم جمال إزار # فالقبح في تلك المحاسن وار # لا تحسبوا أني أماثل شعركم # أنى تقاس جداول ببحار # فلما وصلت القصيدة إلى شهاب الدين القاضي وجدها كلها ألفاظ درية ومعان ~~عبقرية؛ فأكبر مخاطبتها، وأخذها بعين الكمال، ولم يعد يراسلها إلا مراسلة العلماء ~~الأعلام. # يحيى بن خالد وصاحب الخريطتين # يروى أن يحيى بن خالد بن برمك عزم على زفاف حسان ولده؛ فأهدى إليه وجوه الدولة كل ~~منهم بحسب حاله وقدرته، فصنع بعض المتجملين العاجزين بطتين، وملأ إحداهما ملحا ~~مطيبا، وملأ الأخرى سعدا معطرا، وكتب معهما رقعة فيها: «لو تمت الإرادة لأسعفت ~~الحاجة، ولو ساعدت القدرة على بلوغ النعمة لتقدمت السابقين إلى خدمتك وأتعبت ~~المجتهدين في كرامتك، لكن قعدت بي القدرة عن مساواة أهل النعمة، وقعدت بي الجدة عن ~~مباهاة أهل المكنة، وخشيت أن تطوى صحيفة البر وليس لي فيها ذكر، فأنفذت المصلح ~~بيمنه وبركته - وهو الملح - والمختتم بطيبه ونظافته - وهو السعد - باسطا يده ~~المعذرة، صابرا على ألم التقصير، متجرعا غصص ms092 الاقتصار على اليسير، والقائم بعذري ~~في ذلك: أنه ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج، ~~والخادم ضارع في الامتنان عليه بقبول خدمته ومعذرته والإحسان إليه بالإعراض من ~~جراءته والرأي أسمى»، ثم دخل دار يحيى ووضع الخريطتين والرقعة بين يديه، فلما قرأ ~~الرقعة أمر أن تفرغا، وتملأ إحداهما دنانير، والأخرى دراهم. # محمد بن واسع وقتيبة بن مسلم # دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم والي خراسان في مدرعة صوف، فقال له: ما يدعوك ~~إلى لباس هذه؟! فسكت، فقال قتيبة: أكلمك لا تجيبني؟! قال: أكره أن أقول: زهدا؛ ~~فأزكي نفسي، أو أقول فقرا فأشكو ربي، فما جوابك إلا السكوت، قال ابن سماك لأصحاب ~~الصوف: والله لئن كان لباسكم وفقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن ~~كان مخالفا لقد هلكتم. # أبو العلاء وكتاب الفصوص # ألف أبو العلاء صاعد كتبا، منها كتاب الفصوص، واتفق لهذا الكتاب أن أبا العلاء ~~دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه وقطع نهر قرطبة، فخانت الغلام رجله فسقط في ~~النهر هو والكتاب، فعلم العريف الشاعر به، فأنشد بحضرة المنصور: # قد غاص في البحر كتاب الفصوص # وهكذا كل ثقيل يغوص # فضحك المنصور والحاضرون، وأردف العريف قائلا: # عاد إلى معدنه إنما # توجد في قعر البحار الفصوص # الحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك # توالى نزول المطر وقتا من الأوقات؛ فقطع الحسن بن وهب عن لقاء محمد بن عبد الملك ~~بن الزيات، فكتب إلى الحسن: # يوضح العذر في تراخي اللقاء # ما توالى من هذه الأنواء # فسلام الإله أهديه مني # كل يوم لسيد الوزراء # لست أدري ماذا أذم وأشكو # من سماء تعوقني عن سماء # غير أني أدعو لهاتيك بالثك # ل وأدعو لهذه بالبقاء # عمرو بن العاص حين الوفاة # لما احتضر عمرو بن العاص الوفاة جمع بنيه فقال: يا بني، ما تغنون عني من أمر الله ~~شيئا؟! قالوا: يا أبت، إنه الموت ولو كان غيره لوقيناك بأنفسنا. فقال: أسندوني. ~~فأسندوه، ثم قال: اللهم ms093 إنك أمرتني فلم أأتمر، وزجرتني فلم أزدجر، اللهم لا قوي ~~فأنتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا مستكبر بل مستغفر أستغفرك وأتوب إليك، لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فلم يزل يكررها حتى مات. # القسم الرابع # | في نوادر الأذكياء # | الأذكياء # أحمد بن طولون والسائل # جلس أحمد بن طولون يوما في منتزه له يأكل، فرأى سائلا في ثوب خلق، فوضع يده في ~~رغيف ودجاجة وقطع لحم وقطعة فالوذج، وأمر بعض الغلمان بمناولته إياها، فرجع الغلام ~~وأخبره أنه ما هش له، فقال ابن طولون للغلام: جئني به. فمثل بين يديه، فاستنطقه، ~~فأحسن الجواب، ولم يضطرب من هيبته، فقال له: أحضر لي الكتب التي معك، واصدقني عمن ~~بعث بك، فقد صح عندي أنك صاحب خبر. واستحضر السياط، فاعترف له بذلك، فقال بعض من ~~حضر: هذا والله السحر! فقال أحمد: ما هو بسحر، ولكنه قياس صحيح، رأيت سوء حال هذا ~~فوجهت إليه بطعام يسر إذا أكله الشبعان، فما هش له، وما مد يده، فأحضرته فتلقاني ~~بقوة جأش، فلما رأيت رثاثة حاله، وقوة جنانه؛ علمت أنه صاحب خبر. # ابن طولون والحمال # رأى ابن طولون يوما حمالا يحمل صندوقا وهو يضطرب تحته، فقال: لو كان هذا ~~الاضطراب من ثقل المحمول لفاضت عنق الحمال، وأنا أرى عنقه بارزة وما هذا إلا من ~~خوف ما يحمل. فأمر بحط الصندوق؛ فوجد فيه جارية قد قتلت، فقال: اصدقني بحقيقة ~~حالها؟ فقال: أربعة أشخاص في دار كذا أعطوني هذه الدنانير وأمروني بحمل هذه ~~المقتولة، فضرب الحمال مائتي عصا، وأمر بقتل الأربعة. # ابن أبي زيد وأبو جعفر الموسوي # قال أبو جعفر الموسوي: دخلت على أبي نصر بن أبي زيد وعنده علوي مبرم فتأذى بطول ~~جلوسه وكثرة كلامه، فلما نهض قال لي أبو نصر: ابن عمك هذا خفيف على القلب! فقلت: ~~نعم. فقال: ما أظنك فهمت. فعلمت أنه أراد خفيفا مقلوبا وهو الثقيل. # القاضي ومستودع الكيس والرجل # قال يزيد بن هارون: تقلد القضاء بواسط رجل ثقة، كثير الحديث؛ فجاء رجل فاستودعه، ~~وبعض ms094 الشهود كيسا مختوما، ذكر أن فيه ألف دينار، فلما حصل الكيس عند الشاهد وطالت ~~غيبة الرجل قدر أنه قد هلك، فهم بإنفاق المال وفتق الكيس من أسفله وأخذ الدنانير، ~~وجعل مكانها دراهم، وأعاد الخياطة كما كانت، وقدر أن الرجل وافى وطلب الشاهد ~~بوديعته، فأعطاه الكيس بختمه، فلما حصل في منزله فض ختمه؛ فصادف في الكيس دراهم، ~~فرجع إلى الشاهد، فقال له: عافاك الله، اردد علي مالي؛ فإني استودعتك دنانير، والذي ~~وجدت دراهم مكانها! فأنكر ذلك واستعدى عليه القاضي المتقدم ذكره، فأمر بإحضار ~~الشاهد مع خصمه، فلما حضرا سأل الحاكم: منذ كم أودعته هذا الكيس؟ قال: منذ خمس عشرة ~~سنة. فأخذ القاضي الدراهم، وقرأ سككها، فإذا هي دراهم منها ما قد ضرب منذ سنتين أو ~~ثلاث ونحوها، فأمره أن يدفع الدنانير إليه؛ فدفعها إليه، وأسقطه، وقال له: يا خائن، ~~ونادى مناديه: ألا إن فلان ابن فلان القاضي قد أسقط فلان ابن فلان الشاهد فاعلموا ~~ذلك، ولا يغتر به أحد بعد اليوم، فباع الشاهد أملاكه بواسط، وخرج عنها هربا، فلم ~~يعلم له خبر. # أبو حنيفة والأعرابي # قال يحيى بن جعفر: سمعت أبا حنيفة يقول: احتجت إلى ماء بالبادية، فجاءني أعرابي ~~ومعه قربة من أهله، فأبى أن يبيعها إلا بخمسة دراهم، فدفعت إليه خمسة دراهم، وقبضت ~~القربة، ثم قلت: يا أعرابي ما رأيك في السويق؟ فقال: هات. فأعطيته سويقا ملتوتا ~~بالزيت، فجعل يأكل حتى امتلأ، ثم عطش، فطلب شربة، فقلت: بخمسة دراهم. فلم أنقصه من ~~خمسة دراهم على قدر من ماء، فاسترددت الخمسة، وبقي معي الماء. # عضد الدولة ومستودع العقد والعطار # قال ابن الجوزي: بلغني أن رجلا قدم إلى بغداد للحج، وكان معه عقد من الحب يساوي ~~ألف دينار، فاجتهد في بيعه، فلم يتفق له، فجاء إلى عطار موصوف بالخير فأودعه إياه، ~~ثم حج وعاد فأتاه بهدية، فقال له العطار: من أنت؟ وما هذا؟ فقال: أنا صاحب العقد ~~الذي أودعتك إياه. فما كلمه حتى رفسه رفسة رماه عن دكانه، وقال: تدعي علي مثل ms095 هذه ~~الدعوى ؟! فاجتمع الناس للحاج وقالوا: ويلك! هذا الرجل خير ما لحقت من تدعي عليه ~~مثل هذه الدعوى! فتحير الحاج، فما زادوه إلا شتما وضربا، فقيل له: لو ذهبت إلى ~~عضد الدولة فله في هذه الأشياء فراسة. فكتب قصته ورفعها لعضد الدولة، فصاح به فجاء، ~~فسأله عن حاله، فأخبره بالقصة، فقال: اذهب إلى العطار بكرة واقعد؛ فإن منعك فاقعد ~~على دكة تقابله من بكرة إلى المغرب ولا تكلمه، وافعل هكذا ثلاثة أيام، فإني أمر ~~عليك في اليوم الرابع وأقف وأسلم عليك فلا تقم لي، ولا ترد علي السلام، وجواب ما ~~أسألك عنه، فإذا انصرفت فأعد عليه ذكر العقد، ثم أعلمني ما يقول لك، فإن أعطاكه فجئ ~~به إلي. # قال: فجاء إلى دكان العطار ليجلس فمنعه، فجلس بمقابلته ثلاثة أيام، فلما كان في ~~اليوم الرابع اجتاز عضد الدولة في موكبه العظيم، فلما رأى الخراساني وقف وقال: سلام ~~عليكم. فقال الخراساني ولم يتحرك: وعليكم السلام. فقال: يا أخي، تقدم فإنك لا تأتي ~~إلينا ولا تعرض حوائجك علينا! فقال كما اتفق ولم يتبعه الكلام، وعضد الدولة يسأله ~~وقد وقف ووقف العسكر كله، والعطار قد أغمي عليه من الخوف، فلما انصرف التفت العطار ~~إلى الحاج، فقال: ويحك متى أودعتني هذا العقد؟ وفي أي شيء كان ملفوفا؟ فذكرني ~~لعلي أذكره! فقال: من صفته كذا وكذا، فقام ومشى ثم هز جرة عنده فوقع العقد، ~~فقال: كنت نسيت ولم تذكرني الحال ما ذكرت! فأخذ العقد ثم قال: وأي فائدة لي في أن ~~أعلم عضد الدولة؟ ثم قال في نفسه لعله يشتريه، فذهب إليه فأعلمه، فبعث به مع الحاجب ~~إلى دكان العطار، فعلق العقد في عنق العطار، وصلبه بباب الدكان، ونودي عليه: هذا ~~جزاء من استودع فجحد. فلما ذهب النهار أخذ الحاجب العقد فسلمه إلى الحاج، وقال: ~~اذهب. # مصعب بن الزبير والمرأة # كان مصعب بن الزبير من أحسن الناس وجها، وكان جالسا بفناء داره يوما بالبصرة، ~~فجاءت امرأة فوقفت تلح النظر إليه، فقال: ما وقوفك يا أمة الله؟ ms096 فقالت: طفئ مصباحنا ~~فجئنا نقتبس من وجهك مصباحا! # آكل المشمش والطبيب # بينما كان أحد الخبازين يخبز في تنوره بمدينة دمشق؛ إذ عبر عليه رجل يبيع المشمش، ~~فاشترى منه، وجعل يأكل بالخبز الحار، فلما فرغ سقط مغشيا عليه، فنظروا فإذا هو ~~ميت، فجعلوا يتربصون به، ويحملون له الأطباء، فيلمسون دلائله ومواضع الحياة منه، ~~فقضوا بأنه ميت، فغسل وكفن وحمل إلى الجبانة، فبينما هم خارجون من باب المدينة ~~استقبلهم طبيب يقال له: البيرودي وكان حاذقا ماهرا، فسمع الناس يلهجون بقصته، ~~فقال لهم: أنزلوه حتى أراه. فجعل يقلبه وينظر أمارات الحياة التي يعرفها، ثم فتح ~~فمه وأسقاه شيئا فتقيأ، واندفع ما هنالك يسيل، وإذا بالرجل قد فتح عينيه وتكلم ~~وعاد كما كان إلى دكانه. # عبد الله بن جعفر والغلام # خرج عبد الله بن جعفر - وكان كريما - إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم وفيها غلام ~~أسود يقوم عليها، فأتى ومعه ثلاثة أقراص، ودخل كلب ودنا من الغلام، فرمى إليه بقرص ~~فأكله، ثم رمى إليه بالثاني والثالث فأكلهما، وعبد الله ينظر، فقال: يا غلام، كم ~~قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت هذا الكلب؟! قال: ما هي بأرض كلاب، وإنه ~~جاء من مسافة بعيدة خائفا فكرهت رده. قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي ~~هذا، قال عبد الله بن جعفر: ألام على السخاء وهذا أسخى مني! فاشترى الغلام وأعتقه ~~بعد أن أتحفه بمال جزيل. # الإعجاب بالنفس خلل # خطب معاوية خطبة أعجبته، فقال: أيها الناس هل من خلل؟! فقال رجل من عرض الناس: ~~نعم، خلل كخلل المنخل! فقال: وما هو؟ فقال: إعجابك بها ومدحك إياها. # أبو تمام والرجل # سمع بعضهم أبا تمام ينشد هذا البيت: # لا تسقني ماء الملام لأنني # صب قد استعذبت ماء بكائي # فجهز له إناء وقال: ابعث لي في هذا قليلا من ماء الملام! فقال له أبو تمام: لا ~~أبعث حتى تبعث لي بريشة من جناح الذل. # الهيثم بن صالح وابنه # قال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني، إذا ms097 أقللت من الكلام أكثرت من الصواب. فقال: ~~يا أبت، فإن أكثرت وأكثرت (أي كلاما وصوابا)؟ فقال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق ~~بأن يكون واعظا منك. # إبراهيم باشا والحمار # رأى إبراهيم باشا يوما حمارا يأكل وإلى جانبه حماره، وعلى ظهر الحمار حمل ~~ثقيل، فقال إبراهيم باشا للحمار: كم يأكل حمارك كل يوم؟ قال: ثلاث أقات شعير. ~~فأمر فأتي بالشعير ووضع في معلف الحمار، ثم قال لمن حوله: ضعوا هذا الحمل على ظهر ~~صاحبه. ففعلوا، فأخذ الحمار يستغيث من ثقل هذا الحمل، فقال له إبراهيم باشا: ~~لأتركنك على ذي الحال حتى ينتهي الحمار من أكله، وإنك كما جازيت تجازى. # المتنبي والكتاب # امتدح المتنبي بعض أعداء صاحب مملكته، فبلغه ذلك فتوعد المتنبي بالقتل، فخرج ~~هاربا ثم اختفى مدة، فأخبر الملك أنه ببلدة كذا، فقال الملك لكاتبه: اكتب للمتنبي ~~كتابا ولطف له العبارة واستعطف خاطره وأخبره أني رضيت عنه وأمره بالرجوع إلينا، ~~فإذا جاء إلينا فعلنا به ما نريد. وكان بين الكاتب والمتنبي مصادقة في السر، فلم ~~يسع الكاتب إلا الامتثال، فكتب كتابا ولم يقدر أن يدس فيه شيئا؛ خوفا من الملك ~~أن يقرأه قبل ختمه، غير أنه لما انتهى إلى آخره وكتب: «إن شاء الله تعالى» شدد ~~النون فصارت (إن)، وقرأه السلطان وختمه وبعث به إلى المتنبي، فلما وصل إليه ورأى ~~تشديد النون ارتحل من تلك البلدة على الفور، فقيل له في ذلك! فقال: أشار الكاتب ~~بتشديد النون إلى ما جاء في القرآن: # إن الملأ ~~يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من ~~الناصحين ~~(القصص: 20). «ثم كتب الجواب وزاد ألفا على آخر (إن)؛ ~~إشارة إلى ما قيل: # إنا لن ندخلها أبدا ما ~~داموا فيها ~~(المائدة: 24). # الأصمعي والرجل # قال الأصمعي: قلت لغلام حدث من أولاد العرب كان يحادثني فأمتعني بفصاحة وملاحة: ~~أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنت أحمق؟! قال: لا والله. فقلت: ولم؟ قال: ~~أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي. # صباح أبي العتاهية # قيل لأبى العتاهية: كيف ms098 أصبحت؟ قال : على غير ما يحب الله، وعلى غير ما أحب، وعلى ~~غير ما يحب إبليس! فقيل له في ذلك، فقال: لأن الله يحب أن أطيعه وأنا لست كذلك، ~~وأنا أحب أن يكون لي ثروة ولست كذلك، وإبليس يحب مني المعصية ولست كذلك. # الرازي والصبيان # حكى أبو علي الرازي قال: مررت بصبيان في طريق الشام يلعبون بالتراب وقد ارتفع ~~الغبار، فقلت: مهلا قد غبرتم! فقال صبى منهم: يا شيخ، أين تفر إذا هيل عليك ~~التراب في القبر؟! فغشي علي وفقت والصبي قاعد عند رأسي مع الصبيان يبكون، فقلت له: ~~أعندك حيلة في الفرار من التراب؟! فقال: أنا لا أعلم، ولكن سل غيري! فقلت: ومن ~~غيرك؟ قال: عقلك! # تارك الخمرة # ترك رجل النبيذ فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور إلى القلب؟ فقال: ولكنه بئس ~~الرسول، يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس. # الحداد والأمير # قال الآكدي: دخلت على الأمير سعيد بن المظفر أيام ولايته للثغر فوجدته يقطر ~~دهنا على خنصره، فسألته عن سببه؛ فذكر ضيق خاتمه وأنه ورم بسببه، فقلت له: الرأي ~~قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر. فقال: من يصلح لذلك؟ فاستدعيت ظافرا الحداد الشاعر ~~فقطع الحلقة وأنشد بديها: # قصر عن أوصافك العالم # وكثر الناثر والناظم # من يكن البحر له راحة # يضيق عن خنصره الخاتم # فاستحسنه الأمير ووهب له الخاتم. # وكان بين يدي الأمير غزال مستأنس، وقد ربض وجعل رأسه في حجره، فقال ظافر ~~بديها: # عجبت لجرأة هذا الغزال # وأمر تخطى له واعتمد # وأعجب به إذ بدا جاثما # وكيف اطمأن وأنت أسد # فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان. # أبو العلاء المعري والغلام # روي أن غلاما لقي أبا العلاء المعري، فقال: من أنت يا شيخ؟ قال: فلان. قال: أنت ~~القائل في شعرك: # وإني وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل # قال: نعم. قال: يا عماه، إن الأوائل قد رتبوا ثمانية وعشرين حرفا للهجاء؛ فهل لك ~~أن تزيد عليها حرفا؟! فدهش أبو العلاء المعري من ذلك، وقال: إن هذا الغلام لا ms099 ~~يعيش؛ لشدة حذقه وتوقد فؤاده. # السلطان والرجل المذنب # دخل مذنب على سلطان، فقال له: بأي وجه تلقاني؟! فقال: بالوجه الذي ألقى به ربي ~~وذنوبي إليه أعظم وعقابه أكبر. فعفا عنه. # عبد الملك والرجل # تكلم رجل عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب، فقال له وقد أعجبه: ابن من أنت يا ~~غلام؟ فقال: ابن نفسي يا أمير المؤمنين، التي نلت بها هذا المقعد منك. قال: صدقت. ~~وعجب من حدة ذهنه. # المعتصم وابن خاقان # عاد الخليفة المعتصم خاقان عند مرضه، وكان لخاقان ابن اسمه الفتح، فقال له ~~المعتصم: داري أحسن أم دار أبيك؟ فقال: ما دام أمير المؤمنين في دار أبي فهي ~~أحسن. # المأمون والرجل # تكلم رجل بين يدي المأمون فأحسن، فقال له: ابن من أنت؟ قال: ابن الأدب يا أمير ~~المؤمنين. قال: نعم النسب انتسبت إليه! # هارون الرشيد والكسائي # لقي هارون الرشيد الكسائي في بعض طرقه، فوقف عليه وتحفى بسؤاله عن حاله، فقال: ~~أنا بخير يا أمير المؤمنين، ولو لم أجد من ثمرة الأدب إلا ما وهب الله تعالى لي من ~~وقوف أمير المؤمنين لكان ذلك كافيا محتسبا. # القسم الخامس # | في نوادر الزاهدين # | الزاهدون # الراهب والرجل # مر رجل براهب في صومعته، فقال له: من أنيسك؟ فقال: قلبي. قال: فمن جليسك؟ قال: ~~الصبر. قال: فبأي شيء تقطع وقتك؟ قال: بذكر المساكين الذين في الدنيا. قال: فما ~~رأيت في الدنيا؟ قال: ما رأيت أصدق من الموت. قال له: فما بال الخلق لا يتفكرون ~~فيه؟! قال الراهب: إنما يتفكر الأحياء. وأما الموتى فقد أماتوا أنفسهم قبل الموت ~~بحب الدنيا؛ فهم لا يتفكرون. # بشر الحافي والرجل # قال أحدهم: دخلت على بشر في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب، فقلت: يا أبا ~~نصر، الناس يزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تنقص؟! فقال: ذكرت الفقراء، وما هم ~~فيه ولم يكن لي ما أؤاسيهم به؛ فأردت أن أرافقهم بنفسي في مقاساة البرد. # بلال ومالك بن دينار # خرج بلال بن أبى بردة في جنازة - وهو أمير ms100 على البصرة - فنظر إلى جماعة وقوفا، ~~فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار يذكر الناس. فقال لوصيف معه: اذهب إلى مالك ~~بن دينار فقل له: يرتفع إلينا إلى القبر. فجاء الوصيف فنادى الرسالة إلى مالك، فصاح ~~به مالك: ما لي إليه حاجة فأجيبه فيها، فإن تكن له حاجة فليجئ إلى حاجة نفسه. فلما ~~وقفوا بينهم قام بلال بمن معه إلى حلقة مالك، فلما دنا منه نزل ونزل من معه، ثم جاء ~~يمشي إلى الحلقة حتى جلس، فلما رآه مالك بن دينار سكت فأطال السكوت، فقال له بلال: ~~يا أبا يحيى، ذكرنا. فقال: ما نسيت شيئا فأذكرك به! فقال: فحدثنا! فقال: أما ~~هذا فنعم، قدم علينا أمير من قبلك على البصرة، فمات فدفناه في هذه الجبانة، ثم ~~أتينا وإذا بفقير قد مات فدفناه أيضا إلى جانبه، فوالله ما أدري أيهما كان أكرم ~~على الله سبحانه. فقال بلال: يا أبا يحيى، أتدري ما الذي جرأك علينا؟ وما الذي ~~أسكتنا عنك؟ لأنك لم تأكل من دراهمنا شيئا، أما والله لو أخذت من دراهمنا شيئا ما ~~اجترأت علينا هذه الجراءة. # الحجاج والرجل # حج الحجاج فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ودعا بالغذاء، وقال لحاجبه: انظر ~~من يتغذى معي واسأله عن بعض الأمر. فنظر نحو الجبل، وإذا براع بين التلال نائما، ~~فضربه برجله، وقال له: ائت الأمير. فأتاه، فقال له الحجاج: اغسل يدك وتغد معي. ~~فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: الله تعالى؛ دعاني إلى الصيام ~~فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟! قال: نعم، صمت ليوم هو أشد منه حرا. قال: فأفطر ~~وصم غدا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد! قال: ليس ذلك إلي! قال: فكيف تسألني ~~عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟! قال: لأنه طيب. قال: لم تطيبه أنت ولا الطباخ، ولكن ~~طيبته العافية. # أبو عقال وأبو هارون # كان أبو عقال علوان بن الحسن من أبناء الملوك، وكان ذا نعمة وملك، فزهد في ~~الدنيا، وتاب إلى ربه ورجع عن ms101 ذلك رجوعا فارق معه نظراءه؛ فرفض المال والأهل، ~~وهاجر البناء والوطن، وبلغ من العبادة مبلغا أربى فيه على المجتهدين، ثم انقطع إلى ~~بعض السواحل فصحب رجلا يكنى أبا هارون الأندلسي منقطعا مبتهلا إلى الله تعالى، ~~فرأى منه كبير اجتهاد في العمل، فبينما أبو عقال يسهد ليلة وأبو هارون نائم؛ إذ ~~غالبه النوم، فقال لنفسه: يا نفس، هذا عابد جليل القدر ينام الليل كله فلو أرحت ~~نفسي! فاستلقى قليلا؛ فرأى في منامه شخصا، فتلا عليه: # أم ~~حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ~~(الجاثية: 21) إلى آخر الآية، ~~فاستيقظ فزعا، وعلم أنه المراد، فأيقظ أبا هارون، وقال له: سألتك بالله؛ هل أتيت ~~كبيرة قط؟ قال: لا يا ابن أخي ولا صغيرة عن تعمد! فقال أبو عقال: لهذا تنام أنت، ~~ولا يصلح لمثلي إلا الكر والاجتهاد. ثم انقطع إلى العبادة ومات وهو ساجد في ~~صلاته. # ابن المعلم الهاشمي # قال عبد الله بن المعلم: خرجنا من المدينة حجاجا، فلما كنا بالرويثة نزلنا، فوقف ~~بنا رجل عليه ثياب رثة ليس له منظر وهيئة، فقال: من يبغي خادما؟ من يبغي ساقيا؟ ~~فقلت: دونك هذه القربة. فأخذها فانطلق، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أقبل وقد امتلأ ~~أثوابه طينا فوضعها كالمسرور الضاحك، ثم قال: لكم غير هذا؟ قلنا: لا. وأطعمناه ~~قرصا باردا، فأخذه وحمد الله تعالى وشكره، ثم اعتزل وقعد فأكله أكل جائع، ~~فأدركتني عليه الشفقة؛ فقمت إليه بطعام طيب كثير، فقلت له: قد علمت أنه لم يقع منك ~~القرص بموقع فدونك هذا الطعام. فنظر في وجهي وتبسم، وقال: يا عبد الله، إنما هي ~~فورة جوع فما أبالي بأي شيء رددتها. فرجعت عنه، فقال لي رجل إلى جنبي: أتعرفه؟ قلت: ~~لا. قال: إنه من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب كان يسكن البصرة، فتاب، فخرج ~~منها متفقدا، فما عرف له أثر ولا وقف له على خبر. فأعجبني قوله، ثم اجتمعت به ~~وآنسته، وقلت له: هل لك أن تعادلني؛ فإن معي فضلا من راحلتي؟ ms102 فجزاني خيرا ، وقال: ~~لو أردت هذا لكان لي معدا. ثم آنس إلي فجعل يحدثني، فقال: أنا رجل من ولد ~~العباس، كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد وبذخ، وإني أمرت خادمي أن يحشو فراشا ~~لي من حرير ومخدة بورد نثر، ففعل، وإني لنائم وإذا بقمع وردة قد أغفلته عين الخادم، ~~فقمت إليه وأوجعته ضربا، ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة، فأتاني آت ~~في منامي في صورة فظيعة فهزني، وقال: أفق من غشيتك، أبصر من حيرتك! ثم أنشأ ~~يقول: # يا خد إنك إن توسد لينا # وسدت بعد الموت صم الجندل # فامهد لنفسك ساعدا تسعد به # فلتندمن غدا إذا لم تفعل # فانتبهت فزعا، فخرجت من ساعتي هاربا إلى ربي. # عبد الواحد بن زيد والمرأة الحكيمة # قال عبد الواحد بن زيد: ذكر لي أن في جوانب الإبلة جارية مجنونة تنطق بالحكمة، ~~فلم أزل أطلبها حتى وجدتها في خرابة جالسة على حجر وعليها جبة صوف وهي محلوقة ~~الرأس، فلما نظرت إلي، قالت من غير أن أكلمها: مرحبا يا عبد الواحد. فقلت لها: ~~رحب الله بك! وعجبت من معرفتها لي ولم ترني قبل ذلك! فقالت: ما الذي جاء بك ها هنا؟ ~~فقلت: جئت لتعظيني. فقالت: وا عجباه لواعظ يوعظ! ثم قالت: يا عبد الواحد، اعلم أن ~~العبد إذا كان في كفائه ثم مال إلى الدنيا سلبه الله حلاوة الزهد، فيظل حيران ~~والها، فإن كان له نصيب عند الله عاتبه وحيا في سره، فقال: عبدي، أردت أن أرفع ~~قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي، وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضي؛ فملت إلى ~~عرض من أعراض الدنيا وتركتني، فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، ~~والفقر بعد الغنى، عبدي، ارجع إلى ما كنت عليه أرجع لك ما كنت تعرفه من نفسك. ثم ~~تركتني وولت وانصرفت عنها وبقلبي حسرة منها. # الراهب والرجل # صحب رجل راهبا سبعة أيام؛ ليستفيد منه شيئا، فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى ~~وعن الفكر لا يفتر، فلما كان اليوم السابع، ms103 التفت إليه قائلا: يا هذا، قد علمت ما ~~تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير، والتوفيق نتاج كل خير. ~~قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلا من الحكماء قد شبه الدنيا بسبعة أشياء؛ ~~فشبهها بالماء المالح يغر ولا يروي ويضر ولا ينفع، وبسحاب الصيف يغر ولا ينفع، ~~وبطل الغمام يغر ويخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم يصفر فتراه هشيما، وبأحلام الهائم ~~يرى السرور في منامه، فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم ~~الزعاف يلذ ويقتل، فتدبرت هذه الحروف السبعة سبعين سنة، ثم زدت حرفا واحدا؛ ~~فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها، وتترك من أعرض عنها، فرأيت جدي في المنام ~~يقول: يا ابن الرشيد، إنك مني وأنا منك، هي والله الغول التي تهلك من أجابها وتترك ~~من أعرض عنها. قلت: فبأي شيء يكون الزهد في الدنيا؟ قال: باليقين، واليقين بالصبر، ~~والصبر بالعين، والعين بالفكر. ثم وقف الراهب، وقال: خذها منا فلا أراك خلفي إلا ~~متجردا بفعل دون قول. فكان ذلك آخر العهد به. # ملك إسرائيل والرجل # ركب أحد ملوك إسرائيل يوما في زي عظيم، فشخصت نحوه الناس ينظرون إليه أفواجا، ~~حتى مر برجل ورأى شيئا مكبا عليه وهو لم يلتفت إليه ولا رفع رأسه، فوقف الملك ~~عليه، وقال: كل الناس ينظرون إلي إلا أنت! فقال الرجل: إني رأيت ملكا مثلك وكان ~~على هذه القرية فمات مع فقير فدفن إلى جنبه في يوم واحد، وكنا نعرفهما في الدنيا ~~بأجسادهما، ثم كنا نعرفهما بقبريهما، ثم نسفت الريح قبريهما وكشف عنهما فاختلطت ~~عظامهما، فلم أعرف الملك من المسكين، فلذلك أقبلت على عملي، وتركت النظر ~~إليك. # النعمان والحكيم # أشرف النعمان يوما على الخورنق فأعجبه ما أوتي من الملك والسعة ونفوذ الأمر ~~وإقبال الوجوه نحوه، فقال لأصحابه: هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم: أهذا ~~الذي أوتيت شيء لم يزل ولا يزال، أم شيء كان لمن كان قبلك زال عنه وصار إليك؟ ~~قال: بل شيء ms104 كان لمن قبلي زال عنه وصار إلي وسيزول عني! قال: فسررت بشيء تذهب ~~عنك لذته وتبقى تبعته! قال: فأين المهرب؟ قال: إما أن تقيم وتعمل بطاعة الله أو ~~تلبس أمساحا وتلحق بجبل وتعبد ربك فيه، وتفر عن الناس حتى يأتيك أجلك. قال: فإذا ~~كان ذلك فما لي؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم فيه، وصحة لا سقم فيها، وملك ~~لا يبلى. قال: فأي خير فيما يفنى؟ والله لأطلبن عيشا لا يزول أبدا، وملكا ~~جديدا. فانخلع من ملكه، ولبس الأمساح، وسار في الأرض، وتبعه الحكيم، وجعلا يعبدان ~~الله حتى ماتا. # سبب سلو أم الهيثم # قيل لأم الهيثم: ما أسرع ما سلوت؟! فقالت: إني فقدت منه سيفا في مضائه، ورمحا ~~في استوائه، وبدرا في بهائه، ولكن قلت: # قدم العهد وأسلاني الزمن # إن في اللحد لمسلى والكفن # وكما تبلى وجوه في الثرى # فكذا يبلى عليهن الحزن # الرجل والمرأة # قال بعضهم: نزلت بامرأة ذات أولاد وثروة، فلما أرادت الارتحال، قالت: لا تنسني ~~إذا وردت هذا الصقع. ثم أتيتها بعد أعوام فوجدتها قد افتقرت وثكلت أولادها وهي ~~ضاحكة مسرورة! فسألتها، فقالت: إني كنت ذات ثروة وجاه، وكانت لي أحزان، فعلمت أن ~~ذلك لقلة الشكر، وأنا اليوم بهذه الحالة أضحك شكرا لله تعالى على ما أعطاني من ~~الصبر. # زياد والرجل # قال زياد لرجل: أين منزلك؟ قال: وسط البلد. قال: كم لك من ولد؟ قال: تسعة. فقال ~~بعض من حضر: أيها الأمير، إنه يسكن المقابر وله ابن واحد! فقال: أجل داري بين أهل ~~الدنيا والآخرة، ومات لي تسعة فهم لي، وبقي واحد؛ لا أدري؛ أهو لي، أم أنا ~~له؟! # أبو ذر بن عمر يرثي ابنه # لما مات ذر بن عمر قام أبوه على قبره فقال: يا بني، شغلنا الحزن لك عن الحزن ~~عليك، فليت شعري ما الذي قلت، وما الذي قيل لك؟ اللهم أنت قد ألزمته طاعتك وطاعتي، ~~فإني قد وهبت له ما قصر فيه من حقي، فهب لي ما قصر فيه من طاعتك، اللهم ms105 ما وعدتني ~~من الأجر على مصيبتي به فقد وهبته له، فهب لي من فضلك. ثم قال عند انصرافه: ما ~~علينا بعدك من غضاضة، وما بنا إلى إنسان مع الله حاجة، وقد مضينا وتركناك، ولو ~~أقمنا ما نفعناك. # أمير المؤمنين بين مقابر الكوفة # مر أمير المؤمنين بمقابر الكوفة، فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، ~~والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، أما الأزواج فقد فرحت، وأما الديار ~~فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟! ثم التفت ~~إلى أصحابه، فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: «وجدنا خير الزاد التقوى.» # الناسك وأبو نواس # مر ناسك بدار فيها أبو نواس ينشد: # إن في توبتي لفسخا لجرمي # فاعف عني فأنت للعفو أهل # فرفع يده وقال: اللهم تب عليه. قال: # لا تؤاخذ بما يقول على السك # ر فتى ما له لدى الصحو عقل # فقال: اللهم أرشدنا. ومضى. # وصف عبد الله الحضرمي للمتصوفين # قيل لأبي عبد الله الحضرمي - وكان يعرف بالصامت؛ لأنه صمت عشرين سنة: من ~~المتصوفون؟ فقال: # رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه ~~، فقيل: كيف صفتهم؟ قال: # لا يرتد ~~إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ~~، قيل: فأين محلهم؟ ~~فقال: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر ~~، ~~قيل: زدنا. قال: # إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسئولا ~~. # فرقد السنجي والحسن # كان فرقد السنجي يلبس المسوح فلقي الحسن، فقال: يا أبا سعيد، ما ألين ثوبك! فقال ~~الحسن: يا فرقد، ليس لين ثيابي يباعدني من الله، ولا خشونتها تقربك منه «إن الله ~~جميل يحب الجمال». # الرشيد والبهلول # لما بلغ الرشيد الكوفة قاصدا الحج خرج أهل الكوفة للنظر إليه وهو في هودج عال، ~~فنادى البهلول: يا هارون، يا هارون، فقال: من المجترئ علينا؟! فقيل: هو البهلول. ~~فرفع السجف فقال البهلول: يا أمير المؤمنين، روي عن عبد الله العامري قال: «رأيت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سائرا إلى الحج؛ لا ضرب، ولا طرد، ولا قال: إليك، إليك»، ~~وتواضعك يا أمير المؤمنين في سفرك ms106 هذا خير من تكبرك. فبكى الرشيد حتى جرت دموعه على ~~الأرض، وقال: أحسنت يا بهلول، زدنا. فقال: أيما رجل آتاه الله مالا وجمالا ~~وسلطانا فأنفق ماله، وعف جماله، وعدل في سلطانه كتب في ديوان الله من الأبرار. ~~فقال له الرشيد: أحسنت. وأمر له بجائزة، فقال: لا حاجة لي بها، ردها إلى من أخذتها ~~منه! قال: فنجري عليك رزقا يقوم بك؟ فرفع البهلول طرفه إلى السماء، وقال يا أمير ~~المؤمنين، أنا وأنت عيال الله، فمن المحال أن يذكرك وينساني. # بعض الصلحاء والزاهد # قال بعض الصلحاء: بينا أنا سائر في بعض جبال بيت المقدس؛ إذ هبطت إلى واد هناك، ~~وإذا أنا بصوت عال ولتلك الجبال دوي منه، فاتبعت الصوت، فإذا أنا بروضة فيها شجر ~~ملتف، ورجل قائم يردد هذه الآية: # يوم تجد كل نفس ~~ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ~~أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله ~~نفسه ~~(آل عمران: 30)، فوقفت خلفه وهو يردد هذه الآية، ثم صاح صيحة ~~وخر مغشيا عليه، فانتظرت إفاقته، فأفاق بعد ساعة وهو يقول: أعوذ بك من أعمال ~~البطالين، وأعوذ بك من أعمال الغافلين، لك خشعت قلوب الخائفين، وفزعت أعمال ~~المقصرين، وذلت قلوب العارفين، ثم نفض يديه، وهو يقول: ما لي وللدنيا؟! وما للدنيا ~~وما لي؟! أين القرون الماضية؟ وأهل الدهور السالفة؟ في التراب يبلون، وعلى مر ~~الدهور يفنون. فناديته: يا عبد الله، أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك. قال: وكيف ~~يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره؟ كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه؟ ثم قال: أتت ~~وأنا لها، ولكل شدة أتوقع، ثم لها عني ساعة، وقرأ: # وبدا ~~لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ~~(الزمر: 47)، ثم ~~صاح صيحة أشد من الأولى، وخر مغشيا عليه، فقلت: قد خرجت روحه. فدنوت منه، فإذا ~~هو يضطرب، ثم أفاق وهو يقول: من أنا؟ ما خطئي؟ هب لي إساءتي بفضلك، وجللني بسترك، ~~واعف عني بكرم وجهك، إذا وقفت بين يديك. فقلت له: يا سيدي، بالذي ترجوه لنفسك ms107 وتثق ~~به إلا كلمتني! فقال: عليك بكلام من ينفعك كلامه، ودع كلام من أوبقته ذنوبه، أنا في ~~هذا الموضع ما شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدني، فلم يجد عونا علي ليخرجني مما ~~أنا فيه، فإليك عني، فقد عطلت لساني، ومالت إلى حديثك شعبة من قلبي، فأنا أعوذ من ~~شرك بمن أرجو أن يعيذني من سخطه. فقلت في نفسي: هذا ولي من أولياء الله، أخاف أن ~~أشغله عن ربه. ثم تركته ومضيت لوجهي. # ذو النون المصري والمرأة الزاهدة # قال ذو النون المصري: خرجت يوما من وادي كنعان، فلما علوت الوادي إذا بسواد مقبل ~~علي وهو يقول: # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون ~~(الزمر: 47) ويبكي، فلما قرب مني السواد إذا بامرأة ~~عليها جب صوف وبيدها ركوة فقالت لي: من أنت؟ غير فزعة مني، فقلت: رجل غريب. فقالت: ~~يا هذا، وهل تجد مع الله غربة؟! فبكيت من قولها، فقالت: ما الذي يبكيك؟! فقلت: وقع ~~الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه. قالت: فإن كنت صادقا فلم بكيت؟! قلت: ~~يرحمك الله، الصادق لا يبكي؟! قالت: لا، قلت: ولم ذاك؟! قالت: لأن البكاء راحة ~~للقلب! قال ذو النون: فبقيت والله متعجبا من قولها. # بعض العارفين والرجل # مر رجل ببعض العارفين وهو يأكل بقلا وملحا، فقال: يا عبد الله، أرضيت من ~~الدنيا بهذا؟! فقال العارف: ألا أدلك على من رضي بشر من هذا؟! فقال: نعم. قال: من ~~رضي بالدنيا عوضا عن الآخرة. # الغزالي وبعض الصلحاء # قال بعض الصلحاء: رأيت الغزالي في البرية وعليه مرقعة وبيده ركوة وعصا، فقلت: ~~أيها الإمام، أليس تدريس العلم ببغداد خيرا من هذا؟! فنظر إلي نظر الازدراء، ~~وقال: لما بزغ بدر السعادة من فلك الإرادة، وجنحت شمس الأصول إلى مغارب ~~الوصول: # تركت هوى سعدى وليلى بمعزل # وعدت إلى مصحوب أول منزل # ونادت بي الأشواق مهلا فهذه # منازل من تهوى رويدك فانزل # أبو الشمقمق والرجل # كان أبو الشمقمق الشاعر الظريف المشهور قد لزم بيته لثياب رثة كان يستحي أن يخرج ~~بها ms108 إلى الناس ، فقال له بعض إخوانه يسليه عما رأى من سوء حاله: أبشر يا أبا ~~الشمقمق؛ فقد روي: أن العارفين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة. فقال له: إن كان ~~ذلك حقا فوالله لأكونن غنيا بالملابس يوم القيامة. # موعظة حكيم # قال بعض الحكماء: مسكين ابن آدم! لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما ~~جميعا، ولو رغب في الجنة كما يرغب في الدنيا لفاز بهما جميعا، ولو خاف الله في ~~الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعا. # الربيع بن خيثم وأمه # لما رأت أم الربيع بن خيثم ما يلقى الربيع من البكاء والسهر قالت له: يا بني، ~~ما بالك؟ لعلك قتلت قتيلا؟! قال: نعم يا أماه! قالت: ومن هو؛ حتى نطلب من أهله ~~العفو عنك؟! فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك! فقال: يا أماه، هي ~~نفسي. فبكت رحمة له. # علي بن أبي طالب ونوف البكالي # قال نوف البكالي: رأيت أمير المؤمنين عليا ذات ليلة وقد خرج من فراشه، فنظر إلى ~~النجوم، فقال: يا نوف، أراقد أنت، أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين. قال: يا ~~نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، ~~وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا، والدعاء دثارا، يا نوف، إن داود ~~النبي - عليه السلام - قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال: إنها ساعة لا يدعو ~~فيها عبد إلا استجيب له إلا أن يكون عشارا أو عريفا أو جاهلا. # الأعرابية وأهل الميت # حكي أن أعرابية دخلت من البادية فسمعت صراخا في دار، فقالت: ما هذا؟! فقيل لها: ~~مات لهم إنسان. فقالت: ما أراهم إلا من ربهم يستغيثون، وبعطائه يتبرمون، وعن ~~ثوابه يرغبون! # أبو العتاهية والمسترشد # كتب رجل إلى أبي العتاهية فقال: # يا أبا إسحاق إني # واثق منك بودك # فأعني بأبي أن # ت على عيبي برشدك # فأجابه أبو العتاهية: # أطع الله بجهدك # راغبا أو دون جهدك # أعط مولاك الذي تط # لب من طاعة ms109 عبدك ms110