######OpenITI# #META# URI: 1376MustafaFarrukh.InsanMinLubnan.Hindawi36861464 #META# Tags: literature #META# ID: 36861464 #META# Title: قصة إنسان من لبنان #META# AuthorID: 90853852 #META# Author: مصطفى فروخ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تقديم الكتاب‏ # مقدمة‏ # الفصل الاول‏ # الفصل الثانى‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الإهداء‏ # تقديم الكتاب‏ # مقدمة‏ # الفصل الاول‏ # الفصل الثانى‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # | قصة إنسان من لبنان # | قصة إنسان من لبنان # تأليف # مصطفى فروخ # | الإهداء # إلى الطبقة العصامية المجاهدة، # إلى جميع العاملين المتألمين. # م. ف # | تقديم الكتاب # فروخ، وتر حساس وشعور مرهف، فتح عينيه للنور في مطلع هذا القرن، في بيئة مظلمة تجمع ~~إلى الجهل المطبق إساءة لمفاهيم الدين، فنشأ من جراء ذلك في أمة - تداركها الله - ~~غريبا لا تفهمه، بل تعمل جاهدة إلى إخماد جذوة الفن التي حباه الله بها، والله يأبى ~~إلا أن يتم نوره، وطبيعة الفن تأبى إلا الظهور مهما اعترضتها الصعاب، كالحبة النابتة ~~تشق الصخور حتى تبرز من تحت التراب. # هذه هي «قصة إنسان من لبنان» التي يطلع بها علينا الصديق الفنان، فهي إذن قصته، بل ~~قصة كل فنان يسبق عصره ويأتي قبل أوانه، وهي تمتاز بدقة الملاحظة وبساطة الأسلوب ~~وبراعة التصوير؛ ذلك أن فروخ مصور لبق، وأديب ذواق؛ فهو يجيد التصوير بريشته كما ~~يجيده بقلمه، وهو إلى هذا وذاك متوقد الوطنية، شديد الغيرة على أن يشيع الجمال ~~والخير في بني قومه. # وهذا الإحساس الرفيع هو الذي حدا به إلى نشر هذه القصة شبه الواقعية، التي أرجو لها ~~من الرواج ما تستحقه. # سلمت ريشة فروخ للفن، وسلم قلمه للأدب. # كامل البابا # بيروت 7 آذار سنة 1954 # | مقدمة # هذه قصة من صميم الحياة التي نحياها كل يوم، وهي تتناول بعض مشكلاتنا الاجتماعية، ~~ويدور محورها على الظلم النازل بأهل الفكر، وعلى العصاميين من الطبقة المتوسطة، في ~~الأمة التي تؤلف السواد الأعظم منها، والتي هي العنصر العامل الذي يقوم على مجهوده ~~وعصاميته بناء الأمة. # ولكن على رغم أهمية هذه الطبقة، نراها مغمورة، مهضومة الحق، بفضل نظام خلفته ظروف ~~طارئة تعيش على هامشه طبقة من الطفيليين المستثمرين، الذين لا يقدمون للمجتمع أية ~~رسالة، ms01 ولا يساهمون في أي مجهود نافع، غير مجهود الهدم ونشر الفوضى والسمعة ~~السيئة. # ومن هذا الوضع السيئ يشقى الناس ويتألمون، وقد يضر استمراره بالتوازن الاجتماعي؛ لأنه ~~مخالف لطبيعة الأشياء؛ ولأنه يخلق أنانية وفوضى، ثم حقدا وكرها، ثم فقرا ~~وعوزا. # ولو أن هناك من يهمه أمر مجتمعه من المفكرين فيقوم على معالجة هذه الأزمة الخطيرة ~~بإخلاص وتفهم وعدل، لما كان هذا الوضع المؤلم، ولزال هذا البؤس، وأخذ كل مكانه ~~الذي يستحق، ولكانت حالة مجتمعنا - بلا ريب - أفضل وأسلم، وعاش الناس في هذا الوطن ~~الصغير الجميل، حيث يوجد متسع للجميع، عيشة سعادة وهناء. # ولا بد من القول إن هناك عراكا شديدا بين عنصر الفكر وعنصر الجهل في بلد العلم ~~والفكر، ساد فيه الجهل، مما دفع بأكثر الآباء للتفكير بالانصراف عن تعليم أبنائهم، ~~وهذا يهدد الجيل الطالع بخطر كبير، ويرجع بالبلاد إلى عهد الظلمات والانحطاط. # هذا بعض ما تصوره أمامنا هذه القصة الصغيرة، وخاصة أهل الفكر منهم للعناية به، وما ~~يستحقه هذا الموضوع من الاهتمام، والله من وراء القصد. # مصطفى فروخ # بيروت 7 آذار سنة 1954 # | الفصل الاول # - سليم! ~~- نعم يا أماه. ~~- سليم تعال، أسرع. ~~- ... ~~- سليم! أسرع. ~~- ... # ثم أعقب ذلك صراخ الأم وصوت عصا تقرقع هنا وهناك في زوايا الغرفة، ولكن الولد سليما، ~~ما كاد يلمح شبح العصا، حتى هرب كالقطة الصغيرة واختبأ تحت الكنب الكبير القائم في ~~زاوية المكان. وانتهت المعركة بتمزيق الورقة التي كان يرسم عليها الصغير سليم، والتي ~~كانت تشغل باله وسببت المشكلة. # جرى ذلك في البيت الذي كانت تسكنه هذه العائلة المتوسطة، وهو يقع في أحد أحياء مدينة ~~بيروت، وهو بناء قديم نخر الدهر حجارته الرملية وأتى على نوافذه العتيقة، ولكن أجمل ~~ما فيه بابه ذو القنطرة الشرقية، حيث تدلت من فوقه عريشة العنب تزخرفه بظلالها ~~البنفسجية كما تزخرف جدرانه. # في هذا البيت الذي سقف بالقرميد الأحمر، كأكثر البيوت البيروتية، كانت تسكن هذه ~~العائلة المؤلفة من رجل وزوجته وأولادهما الثلاثة. # وسليم هذا، ولد كثير الإحساس، دقيق الملاحظة، حبته العناية ms02 ذوقا مرهفا، فكان ~~يمضي وقته بالرسم والتزويق، خلافا لأقرانه من الأولاد، مما كان يضايق أمه ويدفعها ~~أحيانا لضربه. # وكانت الأم هي المشرفة على البيت بعد وفاة زوجها، وكانت منصرفة بكليتها لتدبير ~~مستقبل عائلتها؛ فكان أول ما فكرت به بناء هذا البيت الصغير كي تستر عائلتها؛ إذ كانت ~~تعتقد - كما كان يعتقد أكثر أهل عصرها - أن البيت سترة الإنسان، أما «اللقمة» - على ~~حد تعبيرهم - فالله يدبرها، لا سيما إذا اقترنت بالقناعة والعمل وحسن التدبير. # وكان سليم أصغر أولادها، وله من العمر نحو السابعة، أرسلته إلى الكتاب القريب من ~~البيت، حيث يتلقى بعض مبادئ القراءة والكتابة، وكان يحلق حوله الرفاق الذين كانوا ~~يعجبون بما كانت تخطه أنامله الصغيرة من أشكال وصور. # كان والده قبل وفاته على رغم حبه له، يؤنبه على هذه الرسوم، ويخوفه من عذاب جهنم ~~ونارها الهائلة، أما أمه فكانت أشد قسوة في هذه الناحية؛ فكانت تزجره ولا تتورع عن ~~ضربه قبل أن يتمكن من الاختباء تحت الكنب العارم كي يقلع عن الرسم. # وكان لسليم الصغير صندوق صغير يضع فيه وريقاته وقلمه الصغير، وكانت أمه كلما أرادت ~~إغاظته، وهي تدرك شدة ولع سليم وحبه لصندوقه الصغير، تأخذ هذا الصندوق وترمي به على ~~درج البيت حتى يترك ولدها الرسم، وقد ثار هذا الولد مرة وقال لأمه: لماذا تمزقين ~~رسومي وتكسرين أقلامي؟ هل تؤذيك رسومي؟ أرجوك يا أمي وأتوسل إليك أن تتركي الرسوم، ~~إني أحبها، أحبها كثيرا مثلك يا أمي. # ولكن الأم لم تكن تدرك ما تعني هذه الرسوم وما يعني تعلق الولد بها، وما تخبئ ~~وراءها من موهبة. وللأم عذرها، وأنى لها أن تدرك معنى الرسم وتمسك الصغير به وما ~~تنطوي عليه كل هذه القضية النفسية، وعصرها نفسه وبيئتها بأسرها كانت تجهل الفن ~~والطفولة ونوازعها. # إن الأم كانت ترى في عمل ولدها شذوذا عن غيره من الأولاد الذين تعرفهم، إن ولدها لا ~~يلعب ولا يلهو ولا يصرخ ولا يعاشر، حتى إنه كان يدفع إلى الطعام دفعا، همه أن ~~يرسم دائما؛ لذلك ms03 كانت تتضايق منه ومن مغايرته لحالة الأولاد أمثاله. # كانت ترى أولاد الجيران يملئون الزاروب الذي يصل إلى بيت سليم بصراخهم ولعبهم، بينما ~~كان سليم همه تخطيط رسومه التي لا يفتر دقيقة عن مزاولتها بصبر ووله عجيبين، وما ~~كان صوت الأولاد ولعبهم ليدفع فيه غريزة الاشتراك مع أمثاله من الصغار في اللعب ~~والتسلية. # وكان بين أولاد الجيران العديدين ولد وهبته العناية جسما ضخما وعضلا قويا، ~~وحنجرة رنانة، ولسانا طلقا، وقحة مزعجة، ولكنها إلى كل هذا قد ضنت عليه بالعقل ~~والنباهة وحسن الذوق، فكان أشبه بالحيوان شكلا وحركة. # عندما كان يضايق أمه كانت هذه تشتمه مرسلة عليه اللعنات، ثم تقول له: «انظر ابن ~~جارنا سليما فهو كالملائكة، نكاد لا نسمع له صوتا ولا نرى له وجها، يقضي أوقاته ~~بالدرس والرسم، وأنت تلعب وتلهو وتملأ الدنيا صراخا وشتائم! تعلم من سليم الهدوء ~~والاجتهاد وحسن السلوك.» ولكن ولدها - وكان يدعى معروفا - يجيبها: «حطي بالخرج، ~~اجتهاد تربية وعقل؟ بكرة منشوف مين منا بصير له قدر وقيمة، ومن منا بصير معه فلوس ~~ويملك البنايات!» # إن معروفا عندما كان يتكلم كان كمن يقرأ في لوح الغيب، رغم أن والدته كانت تلعنه ~~وتقول له: «يا لك من أهبل مجنون، إن نهايتك ستكون مظلمة كوجهك!» # وكانت أم معروف ألحقت ابنها بالكتاب مع سليم، ولكنه كان يفر منه ليذهب إلى شاطئ ~~البحر أو على الرمل يقضي يومه مع أمثاله من الصبية المتشردين، ويعود المساء إلى البيت ~~ملوث الثياب ممزقها، فكانت والدته تنزل به القصاص الصارم، فيتعالى صراخه الذي يملأ ~~الحي ويزعج الجيران، ولكن هذا القصاص ما كان ليؤثر بمعروف الذي امتاز بجلد سميك وشعور ~~قليل يختلفان عن البشر، والطريف هو مشهد صباح ذهابه للكتاب. # كان والده جزارا، وهو مضطر للذهاب باكرا للمسلخ؛ لذلك كان من نصيب أمه أن تحمله ~~حملا للمدرسة، والأصح كانت تجره إليها وتضربه حتى تصل به للكتاب القريب من ~~البيت. # كان الناس يتجمعون لمشاهدته على هذه الصورة المزرية المضحكة معا، فمن يشاهده يظن أنه ~~يقاد إلى المقصلة ms04 أو إلى الجلاد. # وبعد الظهر عند انتهاء الكتاب، كان رغم هربه منه كسولا لا يحسن تهجئة الحرف أو ~~لفظه، ولكنه كان في إرسال الشتائم والكلام البذيء أبلغ من قس، لذلك كان المعلم يهيئ ~~له احتفالا يليق بقلة اجتهاده وخلقه. # كان حسب عادة العصر، يحضر له عقدا من «قباقيب» الأولاد، ثم يضعه في رقبته ويلبسه على ~~رأسه «قبوعة» مزخرفة تثير الضحك، ثم يعد ولدين من الأقوياء يشدان على رجليه الآلة ~~المعروفة «الفلق»، ثم يتقدم الأستاذ وينزل به ما فيه النصيب من ضرب العصي. # وعند خروج التلامذة من الكتاب، يأتي المعلم بمعروف ويوقفه أمام الباب، ويطلب من كل ~~ولد أن يصفعه كفا على قفاه، على سبيل التحية والوداع. # وبالطبع فالأولاد كانوا يتبارون بهذه العملية المحببة إلى نفوسهم، أما معروف فما كانت ~~كل هذه الحفلات التكريمية لتؤثر بقليل أو كثير على إحساسه وكرامته، فكان كلما سنحت له ~~الفرصة للفرار من الكتاب اغتنمها، وراح مع أمثاله من الأشقياء يعبث هنا ~~وهناك. # وبعد مضي سنوات ترك الكتاب، وكبر فصار يرتاد المقاهي وغيرها من أماكن اللهو ~~والشقاوة. وفي هذه المدة كان سليم قد انتقل إلى مدرسة جديدة وجو جديد، عرف به ~~مديرها الراقي، وعرف ما في نفس سليم من استعداد وما عنده من مواهب، لذلك كان الميدان ~~للصبي أفسح من الكتاب حيث كان أولا، ولهذا بدأت تتبلور مواهبه، وتظهر بشكل أوضح من ~~قبل، وبات مشهورا في بعض الأوساط بميله الفني على رغم حداثته. وما كانت هذه الشهرة ~~إلا لتزيد في كثرة معارضيه المتهجمين عليه، وتزيد في اضطهادهم له. فأمه في البيت تضع ~~العثرات في سبيله، وتمزق كل ورقة تراها بين يديه، وفي المدرسة كان معظم المعلمين ~~يضايقونه، ويعدون عليه أنفاسه، وفي الطريق كان جماعة المشايخ والمتطفلين على الدين ~~يوقفونه ويهددونه بنار جهنم وعذاب الآخرة، وهو لا يزال صغيرا لا يفهم من أمر الآخرة ~~ونار جهنم شيئا، إنه طفل بريء وهبته العناية حب الجمال والشعور به، يعكسه بسذاجة ~~وبراءة على وريقاته، هذا كل ما في الأمر. # لقد ms05 كثر أمثال هؤلاء في المجتمع العربي، وكثر ضررهم وعم بلاؤهم، وخدعوا الرجل البسيط ~~بعذب حديثهم ومعسول أسلوبهم، فإذا بالجهل يمد بساطه، وبالفكر ينكمش ويكاد ~~يتوارى. # وأخيرا وقد ضاق هذا الولد ذرعا بما يناله من تثبيط وتهديم، وتأثرت مشاعره الرقيقة ~~من ترداد هذه الأشياء على مسمعه كل حين، أن توقف عن الرسم وعن التفكير به، وصادف أن ~~زار المدرسة أحد الرجال الذين فتح الله عليهم، وأنار بصائرهم فتحرر عقلهم بالنسبة ~~لأبناء جيلهم، فسأل الصبي عن حال الرسم، فأخبره هذا بتركه، وبين له ما سينتظره في ~~الآخرة من عذاب أليم ونار شديدة أعدت خصيصا لأهل الفن! وما إن سمع الرجل من الصبي ~~هذا الحديث الطريف حتى انفجر من الضحك، وفكر بانتشار السخافة والجهل والشعوذة بين ~~الناس، ثم التفت إلى سليم بلطف وطمأنه بمداخلته لدى رب العالمين بالعفو والمغفرة لأهل ~~الفكر والأدب والفن إلى يوم الدين. # واقتنع الولد بهذه الوساطة، واطمأن قلبه، وأمن نار جهنم فعاد سيرته الأولى. # وشاءت العناية أن تهيئ لهذا الصبي طريق التقدم، فسلكت به على أيدي بعض الناس سبيل ~~التعرف إلى أوساط أجنبية، قدرت فيه هذا الاستعداد فحدبت عليه وشجعته كل التشجيع، ~~وليس هذا بعجيب، فمن يعرف شيئا عن حقيقة الحضارة الأوروبية يدرك أسباب هذا ~~التشجيع. # فالأمم كالأفراد تماما؛ لها طفولة، ولها شباب، ولها نضج، ولها شيخوخة، ولها خرف ~~وموت. فأوروبا في مطلع القرن العشرين كانت في تمام نضجها وذروة حضارتها. # ومن غريب أمر سليم أنه كان في أوقات الفرص المدرسية والأعياد يذهب إلى شاطئ البحر، أو ~~إلى الطبيعة حيث يقضي أوقاته منفردا يتأمل ما حوله من جمال بعين واعية، ثم يعود ~~للبيت يسجل ما علق في نفسه من مناظر الطبيعة الجميلة. # وعندما كانت تلامذة المدرسة تقوم بنزهة بإشراف المعلمين، كان يرى سليم منتحيا ~~مكانا منفردا ينظر إلى الطبيعة، فلا يقترب من أحد ولا يعاشر أحدا، وكان يلاحظ ~~عليه هذه الحالات سواء في البيت أو المدرسة، وصادف أن مرضت أمه وجاء الطبيب ~~لمعاينتها، وهي أول مرة يرى سليم طبيبا ms06 يفحص مريضا بآلته، فيتناول قلمه ويرسم هذا ~~المشهد خفية خشية الضرب، ولكن الطبيب لمح الصبي وهو يرسم، فتعجب لسرعة خاطره وقوة ~~ملاحظته، وقد أخذته الدهشة لما رأى، فالتفت إلى الأم وهو يشير إلى الرسم: «من يكون ~~هذا الولد؟» قالت: «ولدي.» قال: «عليك بالعناية به، فله موهبة نادرة.» أجابت الأم: ~~«وما فائدة ذلك؟ إنها إضاعة للوقت، فلو أنه ينصرف لتعلم مهنة أو حرفة لكان أجدى ~~له.» # أما الطبيب فلم يشاركها هذا الرأي، بل قال لها: «إنك مخطئة يا خالة، إنه لفن جميل، هو ~~موهبة من الله، فلا يمنحه لأي كان، عليك بتشجيعه كي يتقدم ويصبح فنانا تفتخر به ~~البلاد ...» فضحكت الأم من كلام الطبيب وهي تهز رأسها متمتمة: «إن ابن جارنا معروفا ~~خير منه، فهو لا يقرأ ولا يكتب ومع ذلك فهو يربح كل يوم ثلاثة غروش وأحيانا ~~بشلك.» # ومن طريف حوادث سليم في هذا العمر أن أمه ضايقته يوما لكثرة ما أثنت وأطنبت بمهارة ~~ابن جارهم معروف، ومعرفته في كسب المال وجلب الحلويات وغيرها لأهله، بينما هو لا ~~فائدة ترجى منه ومن رسومه التي ليست سوى مضيعة للوقت، وقد حز هذا في نفس الصبي سليم، ~~فعزم على إخراج صورة أحد بائعي الحلو المعروفين وقتئذ في البلد، وقد أبدع فيها، لا ~~سيما في توسيع العيون وتكحيلها، ثم بالعناية في الشوارب التي كان للناس في ذاك العصر ~~أهمية خاصة بها وولع شديد بتوقيفها، ثم قدمها له بواسطة ابنه الذي كان رفيقا له، ~~فكان إعجاب بائع الحلو بصورته بالغا؛ لذلك أرسل لبيت سليم هدية ممتازة من حلوه، وكتب ~~عليها: «إلى سليم أفندي.» فكان لهذه المفاجأة عند المساء أثرها، لا سيما عندما جلس ~~جميع إخوانه يأكلون من طيباتها أثناء الحرب، وكان مجلس سليم هذه المرة في صدر المكان، ~~بعد أن كان قبلا في الزاوية. # وكان هذا الحادث انتصارا عظيما لسليم وللفن؛ إذ برهن أن باستطاعته أن يأتي بفائدة ~~محسوسة وحلوة، ولم تنس أم سليم أن تقدم في الصباح شيئا منها لأم معروف. # وهذا الحادث ms07 رفع - ولا شك - من معنويات سليم، حتى ومن أسهمه في البيت؛ ولذلك كبر حجم ~~وريقاته ورسومه. # وله حادث لا يقل طرافة عن الأول، ففي بدء الحرب، وكان الناس في حماس شديد للدولة ~~والجيش المظفر، وكان أينما ذهب الصبي يسمع الناس يلغطون في حديث المعارك الدائرة في ~~الجبهة، غير أنهم كانوا يشكون من قلة المدافع والطائرات عند الدولة، فتألم سليم لهذا ~~النقص في المعدات وخشي خسارة المعركة و... لذلك أسرع يصور معركة عظيمة بين الجيشين أكثر ~~فيها من الطائرات والمدافع الثقيلة؛ وبهذا حمل النصر الباهر إلى جيوشنا المظفرة، ~~وقد أعجب الذين شاهدوا صورة سليم لنشاطه وقوة خياله، وتمنوا لو أن للدولة مثلها وأن ~~تقوم بتحقيق بعضها. # وكانت له أحيانا مشاريع غريبة رغم هدوئه وانزوائه، مما يدل عن نفسية حساسة وشعور ~~وطني عميق. # عندما كانت الحالة على أشدها أثناء الحرب الأولى، وكان هو على رغم صغره يشاهد الجياع ~~يستغيثون ويطلبون لقمة، مما أثر عليه وعلى بعض أقرانه، فعقدوا مؤامرة رسم لهم خطتها، ~~ولكن علم أخوه بذلك وكانت النتيجة «قتلة» من عصا أمه المعلومة، تركت آثارها على ~~جوانبه اللينة، أنسته إلى حين أصول الرسم ولذة التصوير، وأنفخت الدف طبعا. # ومن حوادثه أيضا أن والدته كلفته مرة بشراء بعض أغراض لعمل الطعام، وذهبت في مهمة ~~خارج البيت، وكان سليم منهمكا في عمل رسم فنسي مشترى الأغراض، وقد تذكر ذلك في آخر ~~دقيقة، ولكنه لم يجد منها لأنها نفذت من عند البقال، فعاد إلى البيت وصور مثلها، ~~وعندما عادت أمه وسألته عن الأغراض دل بيده المرتجفة على الصورة! وبالطبع كانت ~~النتيجة معروفة، هي بضعة عصي مكينة. # وكان دأبه الرسم المستمر، طبعا بعد أن يقوم بفروضه المدرسية، فهو لم يكن خاملا بين ~~أقرانه، ولكنه كان يقوم بهذه الرسوم في أوقات فراغه، وصادف أن مرض سليم مرة وعندما ~~شاهده الطبيب قال لأمه: «إن ولدك لا يحمل علة، ولكنه بحاجة للانطلاق في قلب الطبيعة، ~~فهو أشبه ما يكون بالعصفور والفراشة، وهو بحاجة للطبيعة حيث يشدو ويلعب.» # وقد أصبح ms08 سليم أحسن حالا من قبل، فهو يملك الآن بدل الوريقات المبعثرة دفترا ~~ودفترين، يرسم بهما الحوادث التي كانت تقع في صفه وفي حديقة المدرسة، فهو يصور ~~بعينيه النافذتين بعض رفقائه في الصف في مختلف الحالات، من قصاص المعلم للبعض، أو ~~يمثل الأستاذ وهو غاضب وتكاد عيناه تبرزان من محلهما، بينما تكون إحدى يديه مرفوعة ~~فوق رأس التلميذ الذي يحاول ردها بيديه المتجمعتين أمام رأسه، وغيرها من المشاهد التي ~~تحصل بالصف، فكانت هذه الرسوم الانتقادية بما فيها من صدق، أداة إصلاح لأسلوب القصاص ~~في المدرسة، مما حدا بالمعلمين على الإقلاع عن عاداتهم غير اللائقة، وبالتلاميذ ~~للهدوء حتى لا يمثلوا بهذا الشكل المخجل، وقد كلفت هذه الرسوم سليما عند بعض ~~المعلمين الضيقي الأفق ببعض الضربات على يديه الطريتين، وحرمته من مسك دفاتره ~~وقلمه. وعلى الرغم من كل هذا فقد نشر هذا الصبي الهادئ في جو المدرسة نوعا جديدا من ~~أنواع الفكر غير مألوف في العالم العربي وفي الذهنية العربية. # وعندما نعلم أن سليما كان يعيش في عهد متأخر، وفي عقلية قديمة، لا عهد لها بالفنون ~~ولا في أمثالها من أسباب التأمل الرصين، يستطيع الإنسان أن يدرك أثر ذلك وتأثيره في ~~النفوس. # ففي ساحة اللعب كان يجتمع حوله التلامذة من صغار ومن كبار، يعجبون بقلمه وهو يسجل بعض ~~صور رفاقهم أو أساتذتهم، ويمثل بعض اللاعبين في كرة القدم أو ضرب الجريد أو القفز ~~وغيره. # كان سليم يتدرج في المدرسة ويتلقى العلوم الابتدائية برغبة ونهم، وكان يشعر بحاجة إلى ~~المال ليشتري بعض اللوازم لذلك، أخذ يرسم لرفاقه صورا كبيرة وخاصة الأغنياء منهم، ~~ولكن الأمور لم تدم له طويلا، فقد أقفلت المدرسة أبوابها وتفرق التلامذة، أما سليم ~~فلم يقنط، بل تابع العمل بنشاط عجيب؛ ليجمع بعض المال ويتلقى العلم الذي كان يحبه في ~~آن واحد. # لقد أدرك الصبي، وقد بلغ الحادية عشرة من عمره، وبعد أن علمته الحوادث القاسية التي ~~ابتلي بها، أن المال ضروري، وأنه العنصر الأساسي لإكمال دروسه ودرس الفن الذي أحبه، ~~وأدرك ms09 تماما أنه بدونه لن يبلغ غايته في استكمال الفن حسب أصوله العريقة. # وقد علق بذهنه عندما كان يتردد إلى بعض الأجانب الذين يعيشون في الشرق، أن إيطاليا ~~وفرنسا هي بلاد الفن ومهده، وهي موطن التصوير والنحت والهندسة والموسيقى وغيرها من ~~الفنون الجميلة، وحدثوه أيضا عن نوابغهم أمثال: ميكاليخ رامبرنت ودوفنسي ورفائيل ~~وتيسيان وغيرهم، وحدثوه عن الصور العظيمة التي تزدان بها قصور الفاتيكان وبورغيزي ~~وكولونا وبرباريني وكبجي، وفي المتاحف والقصور العديدة التي تحفل بها روما المدينة ~~الخالدة، ونابولي وفنيس وفلورنسا وبولونيا أو باريس وآثارها العظيمة، فكان لهذه ~~الأحاديث ولتلك الأسماء رنة طرب في نفس سليم، فإذا هو لا يحلم إلا بالذهاب إلى تلك ~~البلاد لمشاهدة الآثار والتحف الفنية الرائعة التي حدثوه عنها، غير مدرك للصعوبات ~~والتكاليف التي تتطلبها أمثال هذه الرحلات البعيدة، وهو الولد الذي يكاد لا يعرف بعد ~~أحياء بيروت، ولكنه هوس الفن خلق له ودفعته العناية في سبيله. # بينما هو في أحلامه هذه، بعيد عما يجري حوله من اهتمام الناس للأكل وتفاخرهم في ~~اللباس، من زنار أو مسدس وخنجر، أو طربوش مايل، أو التباهي بتفتيل الشوارب إلى آخر ما ~~هنالك من المباذل والسخف. # كان سليم يقابل ابن جاره معروفا بعض الأحيان وهو خارج من داره، وقد أصبح هذا شابا ~~عظيما يفتل شاربيه الصغيرين ويرمي بطربوشه للوراء وسرواله يهتز وراءه عندما يسير ~~يمنة ويسرة، والخيزرانة الصفراء ذات العقد يهزها بيده بكبرياء وتيه كأنه عنترة أو أبو ~~زيد الهلالي. # أما سليم فكان يبدو أمامه كالحمل الوديع، وهو عنه وعن هذه المظاهر الفارغة في شاغل، ~~بل هو في عالم آخر. # وكان معروف يرميه بنظرة كلها الإشفاق وبعض الهزء، وكأنه يقول في نفسه: «مسكين هذا ~~الصبي! لعله معتوه أو به مس، فهو يحرم نفسه لذائذ العيش وهو لا يسيء إلى أحد، ولا ~~يعرف أن يضرب بالخيزرانة، ولا يحسن أن يصفع كفا أو يلفظ جملة واحدة من الشتائم ~~المختارة، ولا يعرف أن يعتدي على أحد! مسكين سليم! كيف يستطيع العيش بيننا؟ وكيف ~~سيكون مستقبله؟» ms10 ويستمر في نزول درجات سلم الزاروب وهو يهز رأسه متمتما: «قلم، ~~دائما يحمل هذا القلم! مرحبا، قلم! أليس الأفضل له أن يستعيض عنه بهذه الخيزرانة ~~القوية التي تغني عن كل الأقلام والعلوم والفنون؟! كم من الناس يخضعون لي ويهابون ~~ضربات عصاي، ويقدمون لي الفلوس والهدايا ثم يبادرونني بالتحية ومظاهر ~~الاحترام. # الويل ثم الويل لمن يجسر أن يخالفني، أو من تحدثه نفسه بالخروج عن طاعتي، أو يرد لي ~~كلمة أو يعارضني برأي، فإني أبادره بوابل من الشتائم بصوت كالرعد، فإن لم تسفر عن شيء ~~هددته بهذه العصا.» ثم هز عصاه بعد ذلك كأنه يقوم ببعض التمارين أو يمثل دورا في ~~إحدى الروايات المضحكة! # ثم يتابع سيره وقد أحس بنشوة الظفر باختيار مهنته، فيرفع عقيرته بموال من تلك ~~المواويل البغدادية المشهورة، فتدوي لها أنحاء الحي بأجمعه. # وكان يقاطع بتحية المارة وهو يسير بينهم كالطاووس، أو كأنه أحد الأبطال المغاوير ~~والعلماء المبجلين. # وما مضى على خروج معروف من بيته غير ساعة حتى كان العتال يدق باب بيته قائلا: ~~«يالله، نزلوا الأغراض، باعتهم معروف.» فإذا بالسل الكبير مملوء بالخضار المختلفة ~~يتلوها فخذ لحم، وبضعة دجاجات وكمية من الفاكهة. # واستمر الحال مع معروف على هذا الشكل، كل يوم يبعث بسل محشو بالأغراض، أو يحمل الخادم ~~صدرا من الحلو، من بقلاوة أو كنافة أو عثملية وغيرها. # وكانت أمه، وقد غيرت رأيها فيه تقول: «الله يرضى عليه، معروف الله هداه وصار آدمي ~~وشغيل، وهو يرسل لنا الخيرات والطيبات.» # ومضت ليال لم يأت معروف فيها إلى البيت، وقبيل انبثاق الفجر داهمت الشرطة ومعها ~~المحقق بيت معروف الذي أصبح في السجن منذ أمس بسبب اقترافه سرقة أحد المحلات الهامة ~~في المدينة. # وعندما خرج المحقق ومن معه، وقد سمع الجيران الضجيج والجلبة، قالت أم معروف للجيران، ~~وهي تحاول ستر الطابق، وقد خجلت من هذا اللقب الجديد الذي أتاهم به ولدهم، قائلة: ~~«الحمد لله، ما في شي أبدا، جاءوا بالغلط، معروف بألف خير.» # وبالطبع فإن معروفا بألف خير في سجنه وقد ms11 وجد مكانه اللائق ونهايته المحتمة؛ لأن ~~أمثاله يجدون في هذا الجو المكان الصالح والتربة الملائمة لنمو مواهبهم وظهور ~~مؤهلاتهم؛ لذلك ما إن دخل معروف إلى السجن حتى تلقاه زملاؤه بالترحاب، وأفسحوا له ~~المقام اللائق به، وكالعادة أخذ يقص عليهم سبب حلوله ضيفا بينهم، ساردا مغامراته في ~~عالم البطولة، وكان لا ينسى أن يفتل شاربيه بين الحين والحين وهو يقص حوادثه الجريئة، ~~ومعروف كأمثاله من هذه الطبقة، ذو خيال خصب في ابتداع القصص والمبالغة فيها وسرد ما ~~كان وما لم يكن، هو فنهم الذي برزوا فيه، وتربيتهم التي نشئوا عليها، فإذا كان مثلا ~~ارتكب سرقة، قال إنه قام بضرب من ضروب البطولة، وإذا اعتدى على بعض الأبرياء، زعم أنه ~~قام بمأثرة إنسانية أو عمل خيري، وإذا قتل فأرا راح يملأ الدنيا صورا عجيبة عن ~~بطولته، حتى يصير الفأر في خياله أسدا رهيبا. # وعندما طالت غيبته ولم يعد يأنس الجيران بصراخه وشتائمه، التي تبدأ بسب الدين عند ~~الصباح والظهر والمساء، كانت أمه تجيب عند سؤال الجيران عن أخباره (بأنه يقبر أمه) ~~مسافر إلى حلب لمشترى أغنام، ولكن إحدى جاراتها عرفت من زوجها الموظف عن محاكمته ~~بتهمة السرقة، وقد أعياها امتداد حبل الكذب، فقالت لها مرة بخبث: «لعل معروفا وهو ~~عائد من حلب بأغنامه قد تعب، فعرج ليستريح قليلا في بيت خالته، # 1 # على الرمل!» # لنترك معروفا يبني مجده في السجن، ولنتابع سليما، فهو ما زال يكمل دروسه بجد ليلا، ~~ويصور في النهار لبعض الناس ليظفر بالمال الحلال؛ لأنه وطد النية على السفر إلى ~~فرنسا أو إيطاليا لإكمال دروسه فيها، وإنه لمن العسير على الإنسان أن يتصور كم لاقى ~~هذا الشاب من الصعوبة والإرهاق من الزبائن وطباعهم وحيلهم وإقناعهم بضبط صوره كي ~~يدفعوا له أجره، كم مرة ترك الزبون الصورة ولم يعد، وكم مرة تآمروا عليه بأساليب ~~شيطانية، وفازوا مجانا بالصورة التي أضاع فيها نور عينيه وبذل حشاشة قلبه، وأخيرا ~~عندما تجمع لديه مبلغ من المال، عرض فكرة السفر على والدته؛ لأنه كان ms12 يعتقد لصفاء ~~نفسه، أن رضاء الوالدين هو أمر أساسي وعنصر من عناصر النجاح؛ لذلك ما كاد يعرض فكرة ~~الرحيل على والدته حتى غضبت قائلة: «إياك والسفر، بلاد الإفرنج تفسد عليك أخلاقك ~~وتضيع بينهم، وأنت لا تزال فتى لا تعرف شيئا ولا تستطيع إنقاذ نفسك، فالأحسن يا بني ~~أن تبقى في بلدك وأن تفتح دكانا تربح منها بعض الدراهم مثل قرايبك خليل وجارنا فؤاد ~~وابن صديقنا حسن، ثم منين طالع لنا بآخر هالزمان بهذه الأفكار؟ لا أبوك ولا جدك ولا ~~أحد من أهلك سافر قبلك لباريس، أو روما أو ... ما بعرف بعد ... الأحسن قعود في بلدك ~~...» # وقد انتشر خبر سفر سليم لأوروبا في الحي، والنساء عندنا معلوم حالهن، فعندهن من ~~المقدرة في سرعة نشر الأخبار ما تعجز عنه أعظم وكالات الأخبار العالمية، كما أن لديهن ~~من الوقت لاستطلاع أخبار الناس ودس أنوفهن في مصالح الغير، وتحليل أمور الناس الخاصة ~~بدقة وتفصيل عجيبين، نشاطا لو صرفن جزءا صغيرا منه في أمورهن الخاصة لكانت حالة ~~المجتمع العربي بألف خير. # ولكن سوء التربية الاجتماعية والجهل يدفعان بالإنسان أن يتدخل في أمور غيره ناسيا ~~شئونه الخاصة، فتحصل البلبلة ويقع الشجار وتسوء الحالة وتعم الفوضى. # وقد أصبح لسليم معارف ومعجبون، لا سيما بين الأجانب، ومن المواطنين المسيحيين الذين ~~كانوا يتوسمون فيه الاستعداد ويرجون له المستقبل اللامع. وصادف أن اثنين من معارفه ~~قابلا صديقا لسليم وسألاه عن أخباره، فأعلمهما لأمر ما أن سليما ترك الفن وفتح ~~دكانا قرب بيته يبيع الخضار والفجل، ولأمر ما أكد لهما ذلك بعد الإلحاح، عندئذ لم ~~يريا بدا من الذهاب لبيته ليجلوا الحقيقة بعد أن صعب عليهما الاعتراف بالخبر، فقصدا ~~منزله، وهناك وجدا سليما منكبا كعادته على عمله، فوقفا وقد بدت عليهما الدهشة، وقد ~~قرأ سليم على وجهيهما هذه الدهشة، وعندما سألهما أخبراه بالواقع. # فابتسم سليم كعادته في مثل هذه المواقف، وقد علمته الأيام منذ أبصر النور ما يضمر ~~الناس لبعضهم في هذه البلاد من نوايا قد لا تنفعهم، ولكنها على كل ms13 حال لا تفيد غيرهم ~~أبدا وقد تلحق بهم الضرر في بعض الأحيان. # وكأن هذه الأشياء ما كانت إلا لتزيد فتانا نشاطا وعزما، فإذا هو يصل ليله بنهاره ~~جادا عاملا يتلقى العلم ويجمع المال لتلك الغاية. # ومعلوم أن لكل شيء حدا ولكل أمر نهاية، ولا بد للصبر أن ينفد، فقد ضاق سليم ذرعا ~~بتطفل الأقارب والجيران والغرباء ومداخلاتهم في شئونه، فقد دخل يوما للبيت فإذا به ~~يرى جمهورا من النساء يلتففن حول أمه وهن يأتزرن بالملاءات السود ويكلمن والدة ~~سليم دفعة واحدة وبصوت عال. # وما إن أبصرن سليما داخلا حتى أنزلن المناديل على وجوههن تحجبا، ثم بادرنه بالكلام ~~وهن غريبات عنه قائلات: «شو يا ابنا، أنت لساك شاب صغير، حرام تسافر وتترك أمك، وإذا ~~كان في ما شاء الله غيرك في البيت لكن شو بدك بالسفر، بلاد بعيدة ما بتعرف فيها حدن، ~~أحسن لك تشوف لك بنت ناس تتزوج بها بهالمصاري أو بتعمل لك بيت بتنستر فيه و... ~~و...» # أما سليم، هذا الفتى الوديع الرقيق، فقد أضاع وعيه وأصبح كالذئب، فالتفت إليهن وقال ~~بلهجة حازمة: «أنا ما بعرفكن ولا عمري تداخلت معكن؛ لذلك فالأحسن أن تذهب كل منكن ~~لبيتها وتهتم بشغلها!» ثم التفت لأمه، وقد أخذ منه الغضب مأخذه وقال: «يا أماه، أنا ~~استشرتك بالسفر احتراما لك، فأنا لم أطلب منك مالا ولا شيئا، فالمال مالي جمعته ~~بعرق الجبين وسهر الليالي، لهذا أطلب الكف عن الحديث، وأنا مسافر لتحقيق غايتي التي ~~سأشرف بها أهلي وبلادي، ولن أفعل كغيري أسرق ثم أدخل السجن.» ثم بعد هذا الكلام ~~أبرز لهم بطاقة السفر. # وقد ساد سكوت رهيب؛ إذ انتصر الفكر على الجهل، والحق على التدجيل، والجد على الثرثرة، ~~ثم خرج توا لإكمال عمله. # وعند المساء جاء سليم يرافقه الحمال ووضع حقائب السفر، ثم أخذ بإعدادها وتنظيمها ~~دون أن ينبس بكلمة واحدة، وقد أدرك الجميع أن الأمر جد ولا مجال للشغب والجدل. # وفي المساء جاء بعض الأصحاب فأعادوا الحديث وكرروا النغمة لإرجاعه عن غايته في ms14 أمر ~~السفر، ولكن سليما لم يفه بكلمة، بل ذهب وعرض عليهم حقائب السفر، فكان ذلك أفحم ~~جواب وأبلغ حجة، وكان بين الحاضرين شاب نير الذهن فقال: «الحمد لله، لقد انتصر ~~العلم على الجهل ...» # وفي الصباح الباكر وكان موعد السفر، تقدم من والدته وقبل يدها مقدما هدية لها ~~ولبعض المقربين، فانقشعت الغمامة وارتفعت الأدعية له بالتوفيق في الحل والترحال، ~~سر سليم لهذه النتيجة؛ لأنه كان يهمه رضاء والدته، لذلك حرص كثيرا على أن ينال ~~هذا الرضا، لا سيما وهو قادم على سفر طويل ومستقبل محفوف بالأسرار. # وفي صبيحة أحد أيام تشرين الأول كانت سيارة تقله وبعض الأهل والأصحاب المقربين إلى ~~المرفأ؛ حيث كان في انتظاره بعض الأصدقاء المخلصين ممن يقدرون أهدافه، فكان يبدو ~~بينهم رغم الابتسامة التي كانت لا تفارق فمه، الانشراح والغبطة فكأنه في نعيم؛ لأن ~~أحلامه تجسدت وسبقته إلى باريس، وكأنه أخذ يسير في شوارعها العظيمة. # إن سليما لا ريب، بعد الذي ابتلاه، والشوق العظيم الذي به للعلم والتحصيل، بات الآن ~~منطلقا، وهذا رد فعل للكبت والضيق؛ لذلك كان يلاحظ في عينيه كثير من صور نفسه وما ~~كان يعتلج فيها من شتى المعاني. وجدير بنا أن نقول إن سفر سليم هو الأول من نوعه ~~عندنا، وإن عمله كان مغامرة بالنسبة لعصره وعقلية زمنه، فأي شاب من طائفته ووسطه خطر ~~له أن يسافر لأوروبا رغبة في تحصيل الفن؟ # إن الفن نفسه غير مرغوب فيه أصلا، فكيف السفر في سبيل تعلمه في بلاد غريبة بعيدة؟ ~~إنها كما قلنا كانت مغامرة جريئة من سليم لم يسبقه إليها أحد، لا سيما متى علمنا أن ~~السفر إلى دمشق أو بعلبك القريبة كان يعد جرأة، ويعد الذي يقوم به شجاعا وبطلا ~~مغوارا. # الخلاصة بعد القيام بالمجاملات التي تقتضيها مراسيم الوداع، نزل سليم الفلك الذي نقله ~~إلى ظهر الباخرة، وقد رافقه بعض الأهل والأصدقاء، وكانت دلائل البشر تبدو بجلاء على ~~وجهه كلما دنا من الباخرة. # وبعد قضاء بعض الوقت على ظهر السفينة دوى صفيرها إيذانا بالرحيل، ms15 فأخذ المودعون ~~يغادرونها تباعا، وكانت القبلات تتبادل من ناحية وكان نصيب صاحبنا سليم منها لا بأس ~~به. # وسليم الذي كان يرتقب هذه الدقيقة الحاسمة في حياته منذ سنوات ويعمل لها بكل كيانه، ~~وقف في مقدمة الباخرة يتأمل مدينته لأول مرة من البحر، هذه المدينة التي أحبها من كل ~~قلبه ويريدها أن تكون حقيقة لا اسما «درة البحر المتوسط» كي ينطبق جمالها الطبيعي ~~على جمال جهد أبنائها وتقدمهم ورقيهم العقلي. # وقد تكاثرت عليه الذكريات وازدحمت الخواطر وعجت الأفكار والمشاعر، وكانت تدور كلها ~~حول نقطة واحدة، هي أن يرى هذا الوطن الجميل بطبيعته، جمالا آخر يسود مجتمعه وآدابه ~~وخلقه ومعاملاته، ويتفق وهذا الجمال الطبيعي الفتان. # وكانت خيالاته الفتية وأحاسيسه المتوثبة تصور له أن كل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا عن ~~طريق الفن الذي هو أس الحضارة ونشر الثقافة الفنية عن سبيل المعارض والدعوات ~~والمحاضرات وما إليها، وكان سليم الشاب الطيب مفعما بهذه النظرية، مأخوذا برونقها، ~~مؤمنا أنها طريق الإصلاح والسبيل الأوحد لإسعاد وطنه وخلاصه من التأخر والانحطاط ~~والأخذ به إلى السمو والرقي وبلوغ المدنية والحضارة، فيصبح كسائر الأمم ~~المتمدنة. # وكانت هذه الأفكار وما شاكلها تملأ قلب الشاب الصغير سليم وتسيطر على أفكاره، وكان ~~المسكين يظن - لطيبة قلبه وصفاء سريرته وجهله لحقيقة مجتمعه - أنه اكتشف «البارود» أو ~~أنه وقع على طريقة فذة جديدة لم تخطر ببال سواه، وأنها ستحقق بسهولة بمجرد عمل لوحتين ~~أو بنشر مقالين، أو بإلقاء محاضرتين في مدرسة أو ناد يصفق لها ثم ينسى بعدها كل ~~شيء! # كانت الباخرة تمر بقرب الساحل اللبناني في تلك الساعة الهادئة الجميلة، ساعة الصباح ~~الحلوة المطمئنة، تبدو فيها الطبيعة أغنية عذبة وأنشودة منسجمة، وتبدو الأشياء كالطيف ~~وقد استحالت لونا ونغما وسحرا. # كان كل هذا يساعد في اتساع خيال الفتى المتهوس؛ فإذا هو يبني منها قصورا خيالية في ~~إسبانيا وباريس. # وفجأة يحس بيد تربت على كتفه وتقطع عليه أحلامه، فيلتفت كي يتعرف إلى صاحبها، فإذا به ~~يرى أحد مواطنيه، وهو وإن لم تكن تشده ms16 إليه في الوطن صداقة متينة ، إنما كان يعرفه، ~~وهي عادة أبناء الشرق العربي الذين يحبون بعضهم عن بعد، وعندما يتركون أرض الوطن، ~~ولكنهم ما إن يعودوا ويسكنوا أرضه حتى تأخذهم التفرقة ويفترسهم العداء والحسد، وتنفخ ~~فيما بينهم ريح الانقسام والبغضاء. # وكان هذا المواطن من الذين عرفوا بالمهارة والنباهة في جلب الثروة عن أي طريق كانت، ~~وله في هذا الميدان يد طولى وباع أطول؛ فهو لا يرى في كل ما تقع عينه عليه من أشياء ~~سوى ناحية المنفعة والاستثمار، فهو عريق في هذه الخلة، ممزوج دمه بهذه الغريزة، ~~وبعبارة أوضح، إن بينه وبين الجمال والفن شقة بعيدة، وواديا سحيقا، وقد اشتهر عنه ~~أنه من أهل الاختصاص في كافة مهن التهريب، وممن له فهم عميق في زراعة الحشيش وتصريفه ~~... ولكن ذلك كله لم يمنعه من أن يتقدم من مواطنه الشاب الذي عرف عنه حبه للفن وأن ~~يحييه ويتحدث إليه بعض الوقت، لا سيما وهو أيضا وحيد على ظهر السفينة، وقد أحب ~~مداعبته، لا سيما وهو يعرف حبه الشديد للطبيعة وغرامه بجمالها، فقال له بخبث، ليثير ~~إعجابه ويطلق لسانه ويستدرجه في الكلام عما يشاهده من المناظر الرائعة، لينتهي به ~~للكلام عن الفن فيسخر منه بعض الوقت، فسأله: «مناظر مدهشة حقا، ما هذا الجمال يا ~~عزيزي؟» فراح سليم الطيب يصف إحساسه بها بسذاجة وتأثر عميق، طبعا بعد أن مزجها بكمية ~~من الفن الذي ما كان سليم لينسى ذكره وعلاقته بالجمال، وبالطبع عرض بعض نظرياته التي ~~سبق وذكرنا عنها شيئا، وقد أحب تاجرنا الخبيث أن يثير الفتى وأن «يزرك» له فقال له: ~~«ولكن هل يمكننا يا عزيزي، أن نعيش من الخيال والجمال والفن فقط؟ ألا ترى أن الجمال ~~لا يشبع البطن ولا يروي العطش؟ ثم ألا ترى أن هنالك وسائل أخرى توحي الخيال وتلهم ~~وتسرح في أجواء قد تجعل الإنسان يبلغ بخياله عرش الملوك؟» # فأدرك سليم رغم صفاء سريرته ما يرمي إليه صاحبه، فهو لم يكن ضعيف النباهة ولا قليل ~~الذكاء؛ لأن طهارة القلب لا ms17 تنفي الذكاء، كما أن الشقاوة لا ترافق دائما الذكاء! ~~لذلك التفت إلى محدثه قائلا: «إن الفن والجمال يا صديقي لا يعنيان قط الخيال والشرود ~~والجلوس تحت شجرة ظليلة، والاسترسال للأحلام الذهبية التي لا طائل تحتها، وليس يعني ~~قط أنه يملأ البطن، فكل شيء له دوره في الحياة، فالإنسان مخلوق من جسد وروح، وهو ~~بحاجة لأن يغذيهما ليكون إنسانا بالمعنى الصحيح، وإن الجمال يظهر حقيقة الإنسان ~~ومؤهلاته للحياة والعمل لها، كما أن الفن هو الذي يرسم له مظاهر هذه الحياة وتصاميمها ~~للانتقال بها من الدور النظري إلى العملي على أسس منطقية جميلة، تنقله من مراحل ~~متدرجة وتفهمه في الدرجة الأولى قيمة الحياة وما تضمه من ثروات، وأنها جديرة بالعمل ~~والجهد كما هي جديرة أن تحيا بكل نواحيها ومعانيها، وبالطبع متى عرف الإنسان هذا، عمل ~~وأنتج وابتكر وأبدع، وهذا بالنهاية الاقتصاد والثروة التي تبحث عنها، ولكن هذه عن ~~طريقها الصحيح وليس على هامشها، أما الخيال، خيالك الذي عنيت، فهذا سجن وفناء ~~وانحلال، وهو ليس له علاقة ببحثنا، لندع يا صديقي الأموات في قبورهم ولننطلق في جوانب ~~الحياة الطاهرة الخلاقة؛ لأن فيها من الجمال والبهاء ما يقربنا من الله ويحببنا إلى ~~الناس أجمعين ...» # طبعا كانت هذه الكلمة كافية لرفيق السفر كي يتأدب ويلزم حده، فإذا به يدور بالحديث ~~مع سليم عن الهدف من سفره والبلد الذي يقصده. وكان جرس الطعام أخذ يدوي في جوانب ~~الباخرة؛ فأخذ الركاب يقصدون المائدة، ولحسن حظ صديقنا سليم أن صادف جلوس أحد ~~الأساتذة الأجانب إلى جانبه، ومقابله جلس المواطن الكريم واسمه إبراهيم. والباخرة ذات ~~رقعة محدودة تفرض على المسافرين شبه تعارف عائلي، فإذا بجار الأستاذ يتعارف وسليم ~~وهذا قدم له إبراهيم، ويعرف كل منهم وجهة الآخر ومهمته، والثقافة تشد أهلها إلى بعض، ~~وهي من نوع الأرواح، لذلك فهي سريعة الائتلاف، لا سيما بعد أن لاحظ الأستاذ سليما ~~يرسم أحد المسافرين النهمين على المائدة، ويسجله بسرعة خاطفة، فأكبره وأجله، والمثل ~~يقول: «الفن يفرض نفسه»، وماذا يرغب الناس من بعضهم ms18 غير تلك المواهب الخاصة التي ~~تتجلي عند أفراد قلائل فيشركون الناس مجانا بها ويشيعون في نفوسهم اللذة والبهجة، ~~فأخذ هذا الأجنبي يثني على موهبة سليم، وأحاطه بالكثير من التجلة والتقدير شاكرا ~~للظروف التي أتاحت له فرصة التعارف، قائلا: «هنيئا لبلادك بك.» وكأن هذا التمجيد ~~الذي جاء عفوا من هذا الأجنبي كان درسا صامتا للمواطن إبراهيم الذي أخذ يدرك ~~عمليا أن هناك أمورا لا تشرى بالمال، بل هي أمور معنوية تميز بين الناس والحيوان، ~~كما تميز بين الأمم. # وعلى هذا الأساس اشتدت الصداقة بين هذا الأجنبي وسليم، وقد باتا لا يفترقان، مما يثبت ~~أن الروابط الفكرية هي أشد الروابط وأصدقها؛ لأنها مجردة عن كل غاية إلا غاية الحق ~~والحب والخير. # وبعد مضي بضعة أيام في البحر بلغت السفينة مرفأ مرسيليا الشهير، وكان سليم قليل ~~الخبرة في الأسفار ومشاكلها، كتدبير الفندق والمطعم والجمرك والانتقال في القطر ~~الحديدية، وهي في الغرب ذات حركة عظيمة مدهشة يضيع فيها الغريب القليل الخبرة ~~والمران، وقد لاحظ الأجنبي على سليم أثر هذا الارتباك وأحس عليه هذا التهيب، فطمأنه ~~وخفف عنه؛ لأنه كان أكثر خبرة في الأسفار ومتاعبها. # وقد نشأ سليم على الوفاء ومحبة الواجب، فهرول نحو مواطنه إبراهيم ليودعه فلم ير له ~~أثرا، خلا رائحة الحشيش الذي خلفها وراءه. # وكان الأستاذ الأجنبي سبق حسب العادة وقدم لسليم بطاقة تحمل اسمه وعنوانه في باريس، ~~وهو يدعى مسيو «دورييه»، وبعد إكمال المعاملات غادرا السفينة معا، وما كاد يبلغ مسيو ~~«دورييه» الرصيف حتى أخذ بتدبير البحارة ونقل الأمتعة للجمرك وملاحقتها بمهارة أذهلت ~~سليما، ولم يفتر دقيقة عن شكر الله الذي هيأ له هذا الرفيق الغيور الذي أنقذه من ~~هذه الحالة المضطربة الكثيرة الصعوبات. # وبعد أن اجتازا كافة الحواجز وأنجزا المعاملات الرسمية واطمأن بالهما من كل هذا، كان ~~دنا وقت الغداء، فذهب مسيو «دورييه» بصحبة سليم إلى مطعم سبق للأستاذ معرفته، وقد ~~اشتهر بالنظافة والجودة والمهاودة، وقد سر سليم من جودة الطعام ومن الخدمة، وبعد ~~الانتهاء من الغداء قال الرفيق لسليم: ms19 «علينا الآن حجز غرفة في فندق أعرفه ولي ثقة ~~بصاحبه؛ لأن أمر الفنادق في هذه المدينة الكبرى يدعو للحذر والانتباه، فقد يقع الغريب ~~بين يدي جماعة تغرر به وتنتهي بفاجعة.» فشكره سليم لاهتمامه، واختار غرفة تطل على ~~منظر المرفأ الجميل، ثم أودع حقائبه واطمأنت نفسه. # وبعد أن أخذا قسطهما من الراحة خرجا عند الأصيل إلى مقهى هناك، قضيا فيه بعض الوقت، ~~ثم باتا ليلتهما في الفندق، وعند الصباح كان سليم يحتل مكانه في القطار؛ لأن رفيقه ~~مسيو «دورييه» اضطرته أعماله للبقاء بعض الوقت في مرسيليا، وقد أعطاه عنوانه في باريس ~~محددا له وقتا للاجتماع بعد أن زوده بكل المعلومات، ومنها اسم فندق يعرفه، أما ~~سليم فقد بات مطئن البال من ناحية وصوله إلى تلك المدينة العظيمة الصاخبة؛ ذلك لأن له ~~صديقا حميما من بيروت قضى أعواما في مدينة النور، وقد كتب له مسبقا يخبره عن موعد ~~وصوله لباريس، وكان شديد الثقة به، ومع ذلك فقد احتفظ بعنوان رفيق السفر مسيو ~~«دورييه». سار القطار يقطع الحقول والقرى، وكان سليم يعجب بالعناية بها والتنظيم ~~العجيب الذي يطغى على كل شيء، ولفت نظره خاصة كثرة الاهتمام بالزهور وولع القوم بها، ~~حتى إن الكوخ ما كانت لتنقصه بعض قطع الزريعة تتدلى منه، فتنشر حوله هالة من الأنس ~~والذوق. وكان يتساوى في هذا الذوق، الكوخ والقصر، فالحضارة لا تقف دونها المادة، فهي ~~ثقافة وتهذيب. # وعند ظهر اليوم التالي كان القطار في «محطة ليون» العظيمة، وهي تعج بالقطر الكثيرة ~~والخطوط المختلفة، فتبدو كالشرايين المتشابكة، وقد أرتج على سليم لهول المنظر فما ~~كانت عيناه تدري أين تستقر وعلى أي اسم من أسماء المدن تقف، وكان مشهد الدخان ~~المتصاعد من كل مكان، والصافرات الداوية من هنا وهناك، ومئات المسافرين والقادمين، ~~وباعة الصحف والشكولا كلاسه وغيرها كله مما يزيد في رهبة المشهد، لا سيما وأن سليما ~~المسكين قادم حديثا من بيروت ومن أحد أحيائها المتواضعة. وكانت عينا سليم تتفحص وجوه ~~الناس ليرى وجه صديقه وابن بلده أمين، الذي كان ms20 له كخشبة الإنقاذ؛ لأن سليما أحس في ~~هذه الساعة كأنه غريق في لجة هذا البحر الصاخب. ولكن كانت نظراته في البحث عن رفيقه ~~تذهب خائبة، غير أنه رغم الصدمة لم يحب أن يستسلم لليأس، فاعتمد على الله، ونادى أحد ~~الحمالين الذي نقل له حقائبه إلى إحدى سيارات «التاكسي» بعد أن أعطى للسائق عنوان ~~الفندق. تقدمت السيارة خلال المطر المنهمر تشق شوارع باريس العظيمة التي لا نهاية ~~لها، وكانت الحركة الهائلة والفخامة الماثلة والاتساع الجليل تزيد من دقات قلب الفتى ~~المسكين، الذي اعتراه الذهول بما كان يراه حوله، لا سيما وهو - كما قلنا - قادم من ~~بلد صغير، فإذا به أمام مدينة باريس إحدى عواصم الدنيا العظيمة. # وها هي السيارة تقف أمام الفندق، ونظر سليم إلى ساعة التاكسي وأضاف إلى المبلغ ~~بخشيشا، وهي عادة متأصلة هناك ونقده المبلغ، ولكن السائق وهو من هؤلاء الفرنسيين ~~الهرمين، التفت إليه قائلا: «آلو مسيو، أين «البوربوار»؟» أي البخشيش. فأجابه سليم ~~فورا وكان متأثرا بغياب صديقه: «أواه، لقد أعطيتك لتشرب وتأكل معا، هيا!» ويبدو أن ~~هذه النكتة قد أعجبت الفرنسي، وهو من الذين يتذوقونها، فضحك لها وتابع سيره ~~مقهقها. # وفي صباح اليوم الثالث، إذا بالكرسون يعلمه أن في الصالون سيدا يريده، وقدم بطاقته ~~فإذا به صديقه مسيو «دورييه» الذي عاد من السفر، فهرع لاستقباله، وقد سر كل ~~منهما بالآخر، ثم خرجا معا للبحث عن غرفة للسكن مع عائلة؛ لأن الإقامة لطالب كسليم ~~في فندق لا تتفق وفن الاقتصاد، لا سيما وهو يريد البقاء عدة سنوات، وكان مسيو ~~«دورييه» وهو ابن باريس، خبيرا في أحوال المدينة، لهذا قصد وإياه عائلة يعرفها ~~الباريسي، حيث الهدوء والجو الملائم لطالب كسليم. # وبعد أن تم الاتفاق واطمأن بال سليم من ناحية السكن، خرج ورفيقه ليتعرف إلى مكان ~~الدرس والمراسم في حي «مونبرناس»، ثم أخذه إلى متاحف اللوفر الشهيرة المعروفة باسم ~~«باله رويال»، وقد دهش سليم بما رأى من عظمة البناء وجمال الهندسة والحدائق المنظمة ~~والأفنان المنمقة بالزهر والبرك المائية وأقواس النصر التي ms21 تتوسط هذه الحدائق، فتجمع ~~إلى جمال الطبيعة جمال الفن وعبقرية الإنسان. وقد دفع الشوق سليما لزيارتها غير أن ~~الوقت كان لا يسمح بالزيارة لانتهائه، لذلك أرجئت الزيارة للغد، وقد بلغ منهما الجوع ~~لكثرة التجوال في نواحي المدينة التي يبلغ كل شارع منها عدة كيلومترات، لذلك دخلا أحد ~~المطاعم وأخذا طاولة، والمطاعم في باريس ككل شيء فيها على درجات، ومن له بعض الخبرة ~~يمكنه أن يتناول وجبة طيبة بقيمة معتدلة، ثم تناول الصديق قائمة الطعام المحددة ~~السعر، وأخذ يقرأ لصديقه، وبعد هنيهة أقبل الكرسون وسجل طلبهما، وما هو إلا بعض الوقت ~~حتى جيء بالطعام، والجدير بالذكر أن المطعم مكتظ بالناس، ولكن الهدوء يكاد أن يكون ~~كاملا والنظام تاما. # وبعد أن انتهيا من الطعام صفق أحدهما للخادم الذي قدم الحساب، وخرجا من المطعم، ~~وكان سليم مسرورا من هذا الترتيب ومن جودة الطعام. خرجا من هناك وهدفهما حدائق ~~«تويلري» القريبة، بعد أن مرا بشارع «ريفولي» واستعرضا مخازنه الزاخرة بأجمل البضائع ~~والنفوته والمجوهرات وما إليها مما تفردت به باريس مدينة الأناقة والذوق. وفي نهاية ~~الشارع بلغا قصور «تويلري» الفخمة المتناسقة التي بناها المهندس «ديلورم» في عهد ~~فرانسوا الأول وهنري الثاني، ومن ثم دخلا الحدائق الفسيحة من قرب قوس النصر الذي بناه ~~نابليون الأول، وسارا يتأملان جمال هذه الحدائق وحسن تنسيقها، وقد استقامت على شمالها ~~قصور «اللوفر» ذات الفخامة والجلال. وكانا يمران أثناء تسيارهما بسيدات جلسن إلى ~~أطفالهن، يشتغلن في الصوف أو يطالعن الكتب أو الصحف، ثم هناك الأولاد يسبحون زوارقهم ~~في البركة الواسعة، وبدت من هنا وهناك بين الأشجار الباسقة أو بين الأزهار اليانعة ~~حسناء في عمر الزهر جلست إلى جانب فتاها يهمسان ويتمتعان بما جال في الخاطر من أناشيد ~~الحب والصبا، ومنهما من يبحثان في مشاريع «كوبيدون» ويرسمان مواعيد لقاء. # إن الجميل في أمر باريس أنها تحوي كل شيء، فهي للتقي معبد، وللفنان متحف، وللأديب ~~قصيدة، وللعالم مكتبة، وللفاسق مفجرة، وللسكير حانة، وللنهم الأكول مطبخ، إلى آخر ~~القائمة، كل يجد فيها مبتغاه، ولكن ms22 كل ذلك في جو من الأنس والظرف والكياسة. # وكان الرفيقان أثناء مسيرهما يتأملان التماثيل الرائعة على اختلاف مواضيعها من نوابغ ~~وعلماء وفنانين وشهداء، تسترعي كلها الانتباه لتحدث عن مجد أمة وجهاد شعب. وبينما ~~كان الرفيقان يتنزهان في هذه الفسحة الحلوة، إذا بسليم يلتقي فجأة ووجها لوجه مع ~~صديقه ومواطنه أمين، الذي كان في قديم الزمان كتب له سابقا ليلقاه في المحطة ساعة ~~وصوله وتخلف، فإذا به يهجم على سليم معانقا وقد أغرقه بسيل من القبلات وبكمية ~~عظيمة من الأشواق الشرقية، والعبارات القلبية، والأعذار الخنفشارية لعدم تمكنه من ~~الحضور للمحطة، وقد دهش سليم لهذه المسرحية كما دهش رفيقه الأجنبي لهذا الغرام ~~الجنوني المخيف الذي لفت أنظار المارة وكاد يعرقل السير؛ لأنه لا توجد في الغرب مثل ~~هذه العادات، ولو علموا ما تخفيه تحتها من رياء لكرهوا بعدها العناق وملوا القبل ~~وترحموا على «يوداص»، وبعد أن قدمه سليم لرفيقه وأخذ عنوانه، تركه على موعد جديد ليشم ~~من خلاله - على حد قوله - رائحة الوطن، ثم ودعهم ورحل. # وقد أحب مسيو «دورييه» أن يزيد في دهشة سليم بجمال مدينته الساحرة، فخرج به من الباب ~~الذي يطل على ساحة «الكونكورد» الفسيحة وبركتها العجيبة، حيث يقيم في وسطها الأثر ~~المصري «المسلة»، وقد دهش سليم أمام هذه الساحة حيث امتد بصره إلى ذلك الشارع ~~اللامتناهي بالطول، ويسمى «شانزيلزه» الذاهب بخط مستقيم نحو ساحة النجمة وقوسها ~~الضخم، حيث يرقد تحته قبر الجندي المجهول، وامتدت الأشجار أيضا على طرفي الشارع ~~الفسيح العظيم، فزادت في روائه وروعته، ثم التفت إلى الناحية الأخرى من الساحة فإذا ~~ببناء روماني جليل يقف بعظمة وكبرياء، ذلك هو القصر المعروف «قصر البربون» هو الندوة ~~النيابية بيت الأمة وحامي الدستور. ثم التفت للجهة المقابلة فشاهد بعيدا بناء ~~مماثلا هو معبد «المدلين»، وفي الوسط قصور «مارنيون» ووزارة البحرية وفنادق الدرجة ~~الأولى وغيرها. وقف سليم هنيهة وقد أرتج عليه لهول ما رأى، وزاد في دهشته تلك ~~الحركة العظيمة من سيارات ومارة ودنيا عظيمة من النشاط والحركة، ولكن رائدها ms23 النظام ~~والطاعة، فكأن هناك حركة ولا حركة، وجماهير ولا ضجيج. ونظر الصديق إلى الساعة وقد ~~داهم الوقت، وسليم لا يشعر بالوقت والزمن لشدة انجذابه بما حوله، وقد أحب رفيقه ابن ~~باريس زيادة دهشته، فاقترح عليه العودة في «المترو»، وهو قطار كهربائي يسير تحت الأرض ~~ويمر تحت نهر السين أحيانا، وجميع جدرانه مغطاة بالصيني الأبيض اللماع، لذلك نزل به ~~بضعة أمتار تحت الأرض ثم عرج به على شباك التذاكر، فأخذ تذكرتين استطاعا بهما اجتياز ~~اللولب الحديدي أو الباب، وهو محكم الضبط، واستمر بعدها الرفيق في سيره نحو المجهول ~~المظلم وسليم يتبعه وهو مسلوب اللب مأخوذ الفكر، وقد انقطعا عن الكلام متابعين ~~سيرهما في الدهاليز المغطاة جدرانها بالصيني أيضا، وكانا طورا يسيران يمينا وطورا ~~يسارا، والناس هناك في زحمة وهرولة، كل يأخذ ناحية، وأخيرا شاهد سليم الخط ~~الحديدي وبدا الطرف الآخر من المحطة حيث يغص بالناس الذين ينتظرون القطار الآتي ~~بالهدف المعاكس، وبينما سليم يجول بنظره في وجوه القوم وهو مندهش بهذا العمل الهندسي ~~الجبار والنظام العبقري، إذ به يرى شابا يقبل فتاته على مرأى من الناس دون أن ~~يأبه لشيء ودون أن يهتم الناس بعمله. # وبعد مضي برهة من الزمن قدم القطار وفتحت الأبواب بشكل أوتوماتيكي، فهرع الناس للدخول ~~وأقفلت الأبواب بنفسها أيضا، وكان مسيو «دورييه» يشير إلى سليم عن أسماء المحطات ~~التي كان يمر بها، وعندما بلغ إحداها نزلا واتجه الصديق نحو يافطة كهربائية حمراء ~~الضوء كتب «مبادلة» وذلك للاتجاه لخط آخر، وسليم يتبع رفيقه وكأنه في حلم، كيف لا، ~~وهو يقدر المجهود العظيم والعبقرية الفذة التي تقوم بتحقيق أمثال هذه المشاريع ~~الجبارة، بينما هو لا يرى في الشرق العربي غير كلام ودس وحقد وغرور ومحاربة للعاملين ~~وسيطرة المشعوذين المضللين، فلا يأتون بعمل مفيد، ولا يدعون غيرهم يعمل، وعندما يأتي ~~الأجنبي بمشاريعه ويقبضون عليها يسكتون إلى حين، ثم هم يبدءون بالشغب ليقبضوا من ~~جديد. هذا هو عملهم وهذا أسلوبهم، والبلاد في تأخر وجمود بينما العالم يسير قدما نحو ~~الرقي، وإذا ms24 جاء مستعمر قوي قاموا يتشدقون ويندبون، ناسين أن الدنيا هي للقوي العامل ~~النشيط، وأن الجاهل الكسول لا حق له في الحياة، هذا هو ناموس هذه الدنيا منذ وجدت ~~الدنيا. # ثم تقدم سليم ورفيقه واستقلا قطارا آخر حملهما إلى الناحية التي يرغبان، فإذا هما قد ~~قطعا مسافة عظيمة من المدينة الواسعة، وقد عرف ذلك من أسماء المحطات، وعند مخرج كل ~~محطة توجد خارطة يستدل المسافر بها عن الاتجاه الذي يريده قبل النزول تحت الأرض، ولم ~~يخف سليم عن صديقه الدهشة التي اعترته والتي كادت تفقده رشده من كثرة ما رأى وبرم ~~ولفت، فضحك رفيقه قائلا: «سيكون العشاء هذا المساء حسنا مكافأة على صبرك هذا اليوم، ~~ولكن إياك أن تفكر بالنوم هذه الليلة قبل منتصف الليل، واعلم أنك في باريس، هي فرصة ~~نادرة عليك أن تقتنصها فلا تقضها في النوم والكسل، بل عليك الاستفادة من كل دقيقة ~~تمر.» # كانت وجهتهما هذه الليلة هي حي «مونبرناس»، وهذا الحي هو ملتقى العالم بمختلف أممه ~~وأجناسه وألوانه ولغاته وعقائده. # وقد أوصى الرفيق سليما أن يصطحب معه دفتره وقلمه؛ لأن الصيد هناك كثير، وعند الساعة ~~الرابعة كان سليم ورفيقه في هذا الحي الشهير يحتلان مكانهما في إحدى مقاهيه الشهيرة ~~وأعذبها «له كوبول» «والروتند» وغيرها كعبة الفن والمتعة والجمال، وكانت عينا سليم ~~تجول كالزئبق في أنحاء المقهى الفخم الكبير تتأمل هذا وتنظر ذاك، وتكاد نظراته ~~المتوقدة تلتهم كل ما تقع عليه من أناس وأشياء، إن روحه الفنية وجدت مقرها ولقيت ~~تربتها، والمجال هنا؛ أي في باريس، رحب لمن يريد التقدم ويهوى العمل ويسعى وراء ~~المعرفة. إن عند سليم ظمأ غريبا لهذه المعرفة، ولذلك تراه حيثما كان يدرس ويبحث ~~ويتأمل ثم يسجل، فلا تكاد تفوته مسألة، فهو شديد الملاحظة دائم الرقابة، لذلك ما كاد ~~يستقر به المقام حتى تناول دفتره وراح يسجل ما كان يمر أمامه وبسرعة فائقة، فكانت بعض ~~وجوه الموجودين هناك ممن لفتوا نظره تحتل مكانها في دفتره إلى الأبد، وكان الطعام قد ~~حضر فناداه رفيقه ms25 لتناوله؛ لأنه أحس أن صاحبه قد نسي نفسه. ولندع الآن سليما يتكلم: ~~المطعم هنا أنيق، سواء في الصحاف والشراشف وما إليها من كافة وسائل الخدمة؛ أي إن ~~المظاهر كانت تغري وتجعل العين وكافة الحواس تتهيأ للاشتراك بالطعام، كما أن كل ما ~~كان حولنا جميل مرح أنيق مهذب يحبب المرء بالاستمتاع بلذائذ الحياة، فلا ضجة ولا جلبة ~~ولا صراخ ولا خصام ولا روائح كريهة ولا مشاهد مؤذية، كل ما حولك جميل بهيج، والسكوت ~~يخيم على المكان الذي يعج بالناس، فكيف لا تكون هناك شهية للأكل؟ وقديما قيل: «العين ~~تأكل قبل الفم.» # والذي يلفت النظر في هذا المقهى أنه معرض لأجناس البشر، فترى الإنكليزي جلست بقربه ~~فرنسية تغازله وهو بقربها كلوح الثلج جامد كالمومياء، ثم الأميركي وبقربه زنجية تتقد ~~نارا وهو ينظر إليها باهتا، وترى الفرنسي يتأبط ذراع فتاة صينية صفراء، والإيطالي ~~يتحدث إلى ابنة مراكشية، وهلم جرا. # قضينا في جبل «البرناس» موطن الأدباء والشعراء وأهل الفن، ساعات هي من أحلى أيام ~~العمر، وعدنا عند منتصف الليل كل إلى داره، وكنت أنا أهجس طول ليلي بما رأيت من ~~الأمور الملاح والأشياء العذاب وما عساي سألقاه في غدي برفقة الصديق، وهو الخبير ~~بأسرار باريس ومخبآتها، وهو كان يهيئ المنهاج سلفا، لذلك قال لي قبل أن يتركني: ~~«إنني أخبئ لك مفاجأة تنسيك «مونبرناس» وروعته.» «ماذا تقول؟ وهل يوجد بعد أروع من ~~مونبرناس؟» «أجل يا عزيزي، إنك في باريس، نعم في باريس.» # وفي الغد مساء جاءني وقال: «هيا بنا.» وكانت الساعة التاسعة عندما كنا نقف أمام مدخل ~~مسرح «فولي برجير» ثم أخذنا مقاعدنا، وكان المكان غاصا بالجماهير، ولكنه كالعادة ~~هدوء وسكون ونظام، وفي الوقت المحدد ارتفع الستار على أنغام الموسيقى، تلك الموسيقى ~~المرحة الراقصة التي تدفع في النفس البهجة والحب والحياة، فتشعرك أن الدنيا جميلة ~~ساحرة، وأنها ملك لك، وأنك يجب أن تنعم بها وتتلذذ بجمالها، وأن تسعد ما أمكنتك ~~السعادة، لا أن تحزن وتبكي وتموت. # الخلاصة، ارتفع الستار، فإذا بنا نرى عجبا، باقة عظيمة ms26 من الزهر تملأ المسرح لونا ~~وجمالا، ثم أخذت تتفتح رويدا رويدا عن أضواء الفجر بزهرات مصغرة بتدرج ونعومة، ~~كأنوار الفجر تماما، ثم ألوان جديدة زادتها روعة وارتعاشا، ولكن هذه الزهرة العظيمة ~~التي ملأت باحة المسرح وتلك الأزهار الأخرى التي تفرقت عنها، ليست في الحقيقة سوى ~~باقات رائعة من ألحان انتظمت إلى بعضها بفن وانسجام يسحر الألباب. # وبالطبع فإن الناظر إلي في تلك اللحظة كان يرى الدهشة مرتسمة كلها على وجهي، وهنا ~~يحسن القول: «ليس من سمع كمن رأى، وليس الخبر كالعيان.» # يالله من روعة الفن ومن قوة سحره! تاج عظيم مرصع بشتى الألوان المنسجمة، يطفو عليها ~~عطر غريب وغشاء بهي، ليس هو من نتاج هذه الدنيا، ولا هو من جواهرها وورودها المعروفة، ~~إذن ما هذا الذي نرى؟ وما هذا الماس العجيب؟ وما هذه اليواقيت الغريبة؟ بل، ما هذا ~~النور المتلألئ المتحرك على هذا التاج السحري؟ ولكن لم يلبث بعد هنيهة أن انقشع السر ~~العجيب عندما أشرقت علينا الشمس بوهجها الذهبي وسنائها السحري، عندما انبثق من قلب ~~هذا التاج حسناء شقراء كالذهب الخالص تحمل بيديها، وهي شبه عارية، الكرة والصولجان، ~~ومن حولها انتشرت الحسان بأوضاع رائعة من الجمال، وكلهن شبه عاريات، يمثلن الرعية ~~التي تقدم خضوعها واحترامها لتلك التي تجلس على سدة الملك؛ ملك لويس الرابع عشر «ملك ~~الشمس» العظيم كما كان يدعى يومذاك، ثم أخذت تنفخ من هنا وهناك الأبواق وتخفق من ~~حولها الرايات وتنثر الزهور والعطور. # هكذا كانت تتوالى علينا المشاهد، وتتقلب اللوحات الحية، وكل واحدة منها أشد روعة من ~~سابقاتها من حيث الجمال والسحر والفتنة، ومن حيث الفن والإبداع والأسلوب، ومن حيث ~~التأثير، ولكن جميعها تنضح بالحب والأنس والفتنة، ولا ريب أنني كنت في هذه الساعة من ~~عام 1935 في دنيا غير التي كنت أعرفها في بيروت عام 1923 وما قبلها. # وقد أحب صاحبي مداعبتي بعد ما ظهر علي من الدهشة والإعجاب، فقال: «كيف رأيت، هنا ~~أجمل أم بيروت؟ ومتى تريد العودة؟» فمددت يدي إلى جيبي، فضحك وسكت ms27 عن الكلام ~~المباح. # وفي الغداة كنا أمام قصور «اللوفر» أي المتاحف الشهيرة، وكنا طبعا في طليعة ~~الزائرين، وفي الوقت المعين فتح الباب، فإذا بتمثال «فكتوار دوسومطرا» يقف على رأس ~~الدرج العظيم يستقبل الزائرين بلهفة، وكأنه يكاد يطير بأجنحته الرخامية. # ثم بدأنا نمر في المقاصير الكثيرة الواحدة تلو الأخرى، حيث لوحات المدرسة الفرنسية ~~الأولى في القرن الثامن عشر، ويظهر في الطليعة «لونان وده شامبان ولوران ~~وغيرهم». # ثم بعدهم بوشه وفراغونار وكروزوبرودن وشاردن وغيرهم، ثم وصلنا إلى زعماء المدرسة ~~التأثيرية وفي مقدمتهم «مونه ومانه وبيزارو ورينوار وديغاس» وغيرهم كثير. # ثم عدنا إلى المدرسة الإيطالية للنهضة فرأينا عجبا في تحف زعيمهم ليونارده فنسي، ثم ~~روفائيل وتيسيان وكوريج وفيرونيز وكويدريني ودللاميسنا وبروجينو وماساتشو وكثير ~~غيرهم، ثم نصل إلى المدرسة الهولاندية أو الفلمنكية، فيبرز لنا في الطليعة نابغة الفن ~~التصويري «رامبرنت»، وفرانس هالس وروبنس وفانديك وغيرهم من نوابغ هذه المدرسة التي ~~يلعب الظل والنور في أرجائها، والدقة والبحث في أجزائها، وها هي المدرسة الإسبانية، ~~حيث يطالعنا زعيمها «فيلاسكيز» ثم موريللو وغويا وغريكو وريبيره إلخ. ثم ندخل إلى ~~الصالون الكبير حيث لوحات كبار نوابغ المدرسة الفرنسية للفن في القرن التاسع عشر ~~ومطلع العشرين، ويأتينا في المقدمة «ده لا كروا وقوربيه وأنكر وجيريكو ومونه». ثم ~~نرتد إلى الصالون الآخر حيث أعلام نفس المدرسة الفرنسية لعصر الأمبير وعهد نابليون، ~~وتظهر علينا لوحة «تتويج نابليون» لزعيم المدرسة «دافيد» ثم مدام ريكاميه «لدافيد» ~~أيضا ثم «له كرو» بلوحاته الحربية التي تمثل عظمة بونابرت وأمجاده، التي خلدها له ~~الفن باللون والرخام والعمارة والكتاب، فإذا بهذا العبقري والزعيم الحكيم يعرف كيف ~~يفرض نفسه على التاريخ والخلود. # وقبل أن نهبط للطابق حيث الفن القديم من إغريقي ومصري وروماني وآشوري وفنيقي وعربي، ~~مررنا بغرفة الجواهر المتلألئة، وصولجان نابليون، وتيجان ملوك فرنسا العظام، ثم ماسة ~~عظيمة قدر بيضة الدجاجة، ثم سيف وساعة سلطان مراكش، وكلها مرصعة بالماس والجواهر ~~الثمينة وهي من الذهب الخالص، وهناك غيرها من الآثار الملكية، ولكن هذه لم توح لنا ~~سوى المادة ms28 العابرة فحسب، بينما التحف الفكرية التي استعرضناها أولا هي من جواهر ~~الفكر، تلمع بأنوار العبقرية الإنسانية، فأفدنا منها الشيء الكثير. # وها هي آثار المصريين تطلع علينا من تماثيل طيور وحيوانات ووجوه بشرية منها «الكاتب» ~~الشهير ثم تماثيل كبيرة، فإذا هي حقا تتحدث عن عبقرية القوم وفي إدراكهم كنه ~~الطبيعة والأشياء، فأبرزها لنا الفنان المصري القديم بأجمل شكل وأبسط أسلوب وأروع ~~طراز، لا سيما البساطة التي بلغها، فهي ميزة لم يجاره فيها أحد. ولهذا نجد أن ~~الفنانين المحدثين ينقلون عنه هذه البساطة، ثم يدعون أنهم أتونا بالجديد المبتكر ~~وقد مررنا بقسم الفن الروماني وشاهدنا الحلي من قروط وأساور وعقود وغيرها، وأعجبنا ~~بالدقة والابتكار وقد بصرنا بعض الصياغ الباريسيين ينقلون عنها هناك ليضعوا للعالم ~~الحديث حليا ويطلقون عليها: آخر ما ابتكره الفن الحديث، ثم بلغنا القسم الخاص بالفن ~~الآشوري، وتأملنا النمر الجريح والثور المجنح، وأخذنا نعجب بروعته وتأثرنا لإهمال ~~الشرق اليوم للفنون وغيرها من ألون الفكر للتلهي بقشور السياسة، فتأخرت فنونه بعد أن ~~كان في الطليعة. # بعد أن ملئنا إعجابا بهذا الفن العظيم، نزلنا إلى الطابق الأسفل، حيث بدا لنا في ~~الصدر تمثال «فينوس دوميلو» آلهة الجمال تقف بقامتها السامقة وحركتها الجميلة ~~ورصانتها الساحرة. # وكنا نرى على الجانبين معروضات كثيرة من الفن الإغريقي والروماني، كتمثال «النيل» رجل ~~جليل منبطح وهو يتكئ على آنية يتفجر منها الماء، وعلى جوانبه النبات والفاكهة دليل ~~الخصب والثروة، ثم أطفال تحيط به رمز لفروع النيل العظيم، وهنا ضرب جرس المتحف ~~إيذانا بالخروج. # ما كدنا نترك المكان حتى شعرنا بالتعب الشديد، بينما قبل دقائق ما كنا نشعر بشيء منه؛ ~~لأن سحر الفن كان يحوطنا، لذلك سرنا على مهل بين حدائق «الشانزليزه» الفخمة لنقف أمام ~~محطة الأتوبيس «أو آب» لينقلنا إلى شارعنا العزيز، حيث المطعم المتواضع، ولكنه نظيف ~~يعد ألذ المآكل وفي رأسها «الاسكلوب السمين» أي العجل اللذيذ الذي طعمه والغريبة سواء ~~بسواء، وها هي الآنسة مارغريت تستقبلنا بابتسامتها الرقيقة التي تأتي بالشهية من آخر ~~الدنيا، وتفتح القلب والنفس ms29 والروح وكافة الجوارح، فتقبل على هذا «الاسكلوب » بشهية ~~عجيبة ومخيفة أكثر الأحيان. # لقد صدق ذلك الفيلسوف يوم قال: «الابتسامة أعظم فلسفة» فما معنى الحياة بدونها؟ وما ~~معنى الزهر والريحان والنهر والشجر والظل والثمر بدون ذاك السحر العجيب الذي يسمونه: ~~ابتسامة؟ # أجل، استقبلتنا مارغريت اللطيفة بابتسامتها، فإذا المكان يشع بالأنس والمحبة، وتطفو ~~على الطاولات والصحون وما حول الطاولات، بل يشع الأنس على العالم بأجمعه، لله درك ~~أيها الفيلسوف الإغريقي! يا ليتك قلت هذه الآية في اللغة العربية، لكان تبدل الحال ~~وتغير وجه التاريخ! # وما كدنا نأخذ أماكننا حتى كان كل شيء قد حضر، «سرفيس» تام ونظافة أتم، ولكن لعمري ما ~~ألذ قطع الخبز، هذا الخبز الرفيع الطويل ذو اللون الذهبي، الذي يزاحم بلونه الذهبي ~~الجميل شعر مارغريت المنسدل على كتفيها، انسدال شاغور حمانا أو نهر العسل. # إننا هنا نغوص ببحر من الشقرة المحببة، فالآنسة شقراء، واللحمة شقراء، والخبز أشقر، ~~فالحمد لله على نعمته الشقراء. # انتهينا من تناول الحساء، ثم حضر طبق اللحم العجلي، فانبعثت منه رائحة تملأ جوارح ~~النفس، قابلية ولذة، وبقربه البطاطة الفرنسية المحمرة، ومتى قلنا بطاطة، قلنا فرنسا، ~~كما نقول إيطاليا يعني معكرونة، ولبنان يعني كبة، ولا بأس بذلك لأن الطهي فن، وهو ~~يدل على الذوق أيضا، حقا إن لكل شيء جماله، فنحن لا نزال نسبح في بحرين من الجمال، ~~حدائق «الشانزليزه» وروائع الفن في اللوفر، إلى جمال شوارع باريس، ومن يسير فيها من ~~الحسان، إلى المطعم الذي يقدم لنا ألذ وأطيب المأكولات وأنظفها، ثم أولا وأخيرا ~~الجمال والأنس والكمال. # آه من ذلك الشاعر الذي يقول: # ما العمر إلا ليلة # كان الصباح لها جبينه! # تالله لقد نطق بالحق، إن الحياة لفن كل الفن، أما أن يعدد المرء أياما ويقبض راتبا ~~فهي فلسفة الأغبياء. # إن الحياة كما قال بعض العقلاء، تحسب في عمقها وليست في طولها، أجل ألف مرة أجل! ~~أعطني عشر سنين أعيش بها سعيدا في مثل هذا الجو الزاخر في ألوان الجمال والمعنى حتى ~~في الطعام، وخذ بدلها ms30 عشرين؛ إذ لا معنى لتلك السنين العجاف ، يقضيها المرء في قيل ~~وقال، وشقشقة لسان، وطعام ثقيل، وفكر خامل، ودس لئيم. # بالله! ما معنى هذه الحياة الرتيبة المملة القائمة على الرياء والكبت والملق؟ وما ~~معنى هذه الحياة التي يدور محورها على صغائر الأمور من طعام ممرغ بالوحل، وبيع للنفس ~~والكرامة، وتمريغ للوجوه على الأعتاب، والتملق صباح مساء لمن تعتقد بدناءتهم وكذبهم ~~وضلالهم؟ بل، ما معنى تلك الحياة التي تقوم على لقمة خبز وإغفاءة عين وبيع ~~وكرامة؟ # إن الحياة الحقة، هي حياة الفكر أولا وحياة الروح والتمتع بأوسع ما يمكن من الحرية ~~الشخصية والاحترام المتبادل، إن الحياة هي كتاب وزهرة ولوحة حب خالص، هذا هو الإنسان ~~وهذه حياته، وما تبقى فحيوانية لا تعرفها النفوس الكبيرة. # الخلاصة: إن مواطني وصديقي العزيز، قد عاد وتذكرني، فتلفن لي كي أوافيه في مقهى «كابولاد» # 2 # ولم أشأ أن أرفض طلبه حبا بالوفاء والقومية، فاعتذرت من رفيقي مسيو ~~«دورييه»، وذهبت لمقابلته، فوجدته برفقة بعض أبناء العرب البيروتيين، فسلمنا وبثثنا ~~الأشواق وحار العواطف، وما إليها من المنتجات العربية وهي كثيرة عندنا ولله الحمد، ~~وكانوا يلعبون النرد ويتحدثون، وكان صراخهم يملأ المقهى وإشارات أيديهم تظهر عن بعد، ~~وكان منهم من يناقش في السياسة فينرفز ويزعق ويثور، وذاك قد خسر «البرتيتة» فيغضب ~~ويعربد، وكانت هذه الزاوية من المقهى المكان الوحيد الذي تعلو منه هذه الضجة، ويثار ~~النقاش، ولذلك لا يصعب على أحدنا أن يعرف حالا أن هؤلاء من أبناء قحطان ~~الأشاوس. # سلام وكلام وبث لوعج الأشواق، ثم عودة إلى النرد ثم الصراخ، وبعد مدة سئمت وبدت لي ~~الحالة مزعجة كأغنية الشيطان ليس لها نهاية، وقد ضاق صدري وشعرت بالفرق العظيم بين ~~الحياة الأولى، اتنقل بها من متحف لآخر، ومن أوبرا لمسرح، ومن حديقة لمكتبة، وكانت ~~المعرفة تأتيني من كل صوب، أما هنا فأحسست كأنني عدت إلى موطني الأول، ثم خسارة الوقت ~~وتلاشي الأعصاب، ولذلك استأذنت وانصرفت وقد أخذت طريقي نحو حديقة «اللكسمبرج» القريبة ~~من المقهى، حيث وجدت في الحديقة العائلات ms31 تسرح وتتنزه، وحيث الزهور تملأ جوانب المكان ~~تقطعها بعض البرك الجميلة، يلعب بقربها الأولاد، وهناك أكوام من الرمل أعدت ليلعب بها ~~الأطفال وبقربهم أمهاتهم اللواتي يرعينهم ويعملن في شغل الصوف، وهناك بعض الناس مدوا ~~أيديهم ببعض الحب الذي يباع هناك، فتأتي العصافير وتتناول الحب منها دون خوف؛ لأن ~~روح الأذى والضرر للطير والحيوان أو الزهر ليست معروفة هناك، فلا أحد يفكر بأن يقطف ~~زهرة عن غصنها أو يقتل عصفورا، أو يؤذي حيوانا، لقد نشأ القوم على حب الزهرة ~~والحيوان وصداقة الطير، وهذا من تأثير الثقافة الفنية والمدنية الصحيحة التي يدور ~~محورها على الجمال، وهذه من لب الجمال، فلا هو يقتل عصفورا يغرد على شجرة، ومن أحب ~~الجمال فلا يستطيع أن يؤذي حيوانا أو يشوه زهرة. # وهكذا ترى أن هذه الروح منتشرة في الغرب بشكل واضح، لذلك ترى كل شيء جميلا لطيفا ~~نظيفا، وهذه التربية في الشعب تساعد الحكومات في رسالتها التمدينية ونهضتها ~~العمرانية، بينما نرى في الشرق العربي جهل الشعب لروح الجمال، وفقده للتربية الجمالية ~~هذه يعرقل، بل يقف سدا منيعا في طريق الحكومات فيه، فنرى مثلا أن بلدية بيروت ~~أنشأت حديقة، فإذا بالرواد يقطفون الأزهار ويشوهونها، ويكسرون المقاعد، ووضعت سلالا ~~من حديد للفضلات، رأينا أفراد هذا الشعب يبادر لكسرها، حتى إن السلاسل الحديدية التي ~~وضعتها مصلحة السير في المدينة قد كسروها، أما الأشجار التي تنصبها البلديات في ~~المدينة أم في قرى الاصطياف فكثيرا ما يحطمونها حبا بالأذى، لذلك أرى أنه يجب أن ~~يبدأ بالتربية الجمالية مع سن قوانين شديدة تطبق بقوة، حتى يصبح عند الشعب روح ~~المحافظة على هذه الأشياء، والشعور بأنها له ومنه ولمصلحته، فيحبها ويغار ~~عليها. # وبينما أنا في نزهتي في هذه الحديقة الجميلة رأيت بناء ضخما جميلا، خصص لعرض الصور ~~والتماثيل الحديثة، وهو يحمل اسم الحديقة «متحف اللكسمبرغ»، فقصدته وكانت الجماهير ~~تملأ ردهاته تتأمل روائع الفن الحديث، وتتثقف بأسلوبه الجديد، وتتبع الحركة الفنية ~~وتطورها، لذلك فالجماهير هناك تفهم ما يجري في عالم الفن من حركات وما ms32 يحدث فيه من ~~أدوار ومناقشات، فليس هو يعيش على هامش الحياة الفكرية، يدفن في مهنته ويموت في عمله ~~اليومي، كلا، فهو إلى جانب أشغاله الخاصة دائم الاتصال في ما يحصل في الحياة من شتى ~~الأمور والتطورات. # والمتاحف في الغرب هي كالمكاتب العامة، لها أثرها ولها اعتبارها عند مجموع الشعب، فهو ~~يقبل عليها بلذة؛ لأن له من ثقافته الصحيحة ما يؤهله لتذوق ما فيها، فيصقل معلوماته ~~الأولية التي لا تنفصل بانفصاله عن المدرسة، ففي الغرب يظل الإنسان تلميذا في ~~الحياة، كما قال لي أحد رواد بعض المكاتب العامة في يوم شتاء عاصف وكان رجلا ~~هرما. # إن الحكومات الأوروبية تعرف واجبها أمام شعوبها وتقدر مسئوليتها نحو من ائتمنها على ~~إدارة شئونه، فهي تخلص له وتمنحه الود، وتسعى جهدها لتقدم له ما ينفعه في حياته، ~~لتخلق من كل فرد من أفراده رجلا اجتماعيا صالحا، فيؤلف بالتالي مجتمعا ~~صالحا. # وكم كان يؤلمني وأنا أشاهد كل ذلك ثم ألتفت نحو بلادي فأرى العكس، حيث الإهمال وتشجيع ~~الفوضى ونشر الجهل والمحسوبية وإفساد الأخلاق وتبذير الأموال على أهل الشر والمفسدين، ~~ثم تبعد فوق ذلك أصحاب الكفاءات والمواهب، وتنظر في كافة أعمالها بمنظار الطائفية ~~والرجعية البغيضة والعائلية الضيقة. وها هو أحد الأصدقاء يناديني قائلا: «ما لك سارح ~~مهموم وأنت في قلب الجنة؟» أجبته: «أفكر في حالة بلادي.» أجاب: «ولكن ما الفائدة من ~~كل ذلك؟ ولماذا التحرق والألم؟ فهذا هو الشرق ولن يصلحه سوى رجل قوي صارم، فأين هو؟ ~~وهل سيدعونه يظهر؟! دعك من كل هذا ومن البكاء والنحيب ومن توجيه اللوم والانتقاد ~~لبلادك، دعك من المثل العليا ومن الشعر والخيال، اسرح وامرح، تعال الآن ندخل ~~المتحف، إن الوقت ضاق ويجب إلقاء نظرة سريعة على هذه اللوحات التي تنادينا، هذه لوحة ~~«الفتاة تستحم» لبول شاه باس، وهي تمثل الحياء والطهارة، وتمثل ألوانها وظلالها جرأة ~~وتجددا بالنسبة لزمنها، وهذه لوحة «درس الموسيقى» طفلة تلعب على البيانو وبجانبها ~~الأستاذ العجوز يصغي، إن قوة التعبير واضحة فيها، وكذلك الألوان وهي تمثل جوا ms33 ~~موفقا فيه حب العمل وفيه الوداعة وفيه الهدوء . # وهذه صورة «نحو المجهول» مركب صيد فيه بحارة نورمنديون يتقدمون بزورقهم بجو تتأهب فيه ~~العاصفة للثورة، إنها لوحة قوية بلونها الأسحم الرصين، ثم بتعبيرها الذي يمثل قوة ~~الإرادة في مجابهة الأخطار في سبيل الحياة والعيش والواجب. # وهذا قسم الفن الحديث المتطور وأخصه التنقيطي، أمامنا منه لوحة للفنان «سينياك» منظر ~~على نهر السين، فيه جو وفيه مرح وفيه لون يشع في الغرفة كلها، وهذه لوحة ثانية للفنان ~~هنري «مارتن» من المدرسة نفسها، منظر طبيعي حيث أضواء الشمس تشع في كافة جوانبه، وهذه ~~لوحة من الفنان «سورا» تمثل «السرك»، فيها كثير من الابتكار والتجدد والزخرفة ~~والجرأة.» # خرجنا من هذه الزيارة الممتعة وقد أفدنا من الطبيعة أولا، ثم من الفن، ودعني صديقي ~~وانصرف. # انتهت الامتحانات ونال سليم الدبلوم بامتياز، وقد ابتهجت رفيقته في المدرسة بهذا ~~النجاح، لذلك دعته لتناول العشاء مع أهلها، حيث استقبل بكل إعجاب لما كانت تحدثهم ~~فتاتهم عن مقدرته وحسن سلوكه، وأنه صورة عن الشرق العربي الذي طالما قرءوا عنه في ~~الأساطير، وقد أمضى بين هذه العائلة ليلة جميلة، محاطا بالعطف والتكريم، دل فيها عما ~~كانت أخبرتهم عنه فتاتهم من رقة وبساطة وكياسة، وقد اغتنم سليم الفرصة وطلب من والد ~~الفتاة أن يعمل له صورته، وقد جاءت موفقة ونالت إعجابهم جميعا، كما دلت عن ذوقه ~~السليم، وكانت الفتاة أشدهم إعجابا وسرورا بصديقها لهذه الهدية الفنية ~~الرفيعة. # وعلم سليم أن الأوبرا تقوم بتمثيل مسرحية شهيرة، فطلب من والد الفتاة السماح لها ~~بمرافقته، وهناك أمضيا سهرة من أجمل الليالي في جو من الفن والعاطفة، وكانت الفتاة لا ~~تفتر في كل مناسبة تمر من إظهار إعجابها بالصديق ومرافقته إلى بعض الحفلات الساهرة ~~بعد أن لمست منه المودة والإخلاص. # وكان لهذه الصداقة مع رفيقة المدرسة أثرها في ثقافة وبلورة مواهب هذا الشاب، فكان ~~كثيرا ما يخرج برفقتها، وأحيانا يصحبهما صديقه المسيو «دورييه» إلى المتاحف ومسارح ~~التمثيل والموسيقى والحفلات، ويتبادلون الآراء الفنية والأدبية مما ساعد سليما على ms34 ~~استكمال ثقافته وتطوره. # ولم ينس سليم أن يعمل قبل سفره لصديقه مسيو «دورييه» صورته، واضعا فيها كل ما يحس ~~في نفسه نحوه من تقدير وعرفان جميل، فجاءت آية من آيات الفن امتازت بالعاطفة والمعاني ~~النفسية وعرفان الجميل. # لقد أدرك سليم أن ليس للفن نهاية، وأنه بحر عظيم، فهو قد أتم دروسه ونال شهادته، وقد ~~عرض عليه أستاذه مشاركته في العمل، وبدأ يشق طريقه في الحياة، لا سيما والمجال هنا في ~~الغرب رحب لأمثاله، ولكن تجري الرياح بما لا يشتهي الإنسان، ذلك أن برقية وصلت إليه ~~من أهله أقضت مضجعه، وعكرت صفو آماله، وبعد أن كان يعمل مع أستاذه بحماس عجيب، وهمة ~~فائقة، إذ به مضطرب البال، شارد الفكر، وقد بدأت تظهر عليه حالات القلق وعلى وجهه ~~الشحوب، وقد فارقه هذا الابتسام والمرح الذي كان يلازمه ويكسبه تلك العذوبة. # ظل مدة على هذا الحال ولازم غرفته ولم يخرج منها إلا في القليل النادر، بعد أن تلقى ~~من ساعي البريد برقية أهله. # وقد شق ذلك على أصدقائه وهم لا يعرفون سبب هذا التغير المفاجئ، وقد حاولوا أكثر من ~~مرة الكشف عن هذا السر الدفين فلم يفلحوا. # وهنا لا يسعنا إلا أن نقف قليلا مع أصحابه نستطلع سر هذا التبدل العجيب في هذا الشاب ~~الذي كان لوقت قريب جدا يمرح وتملأ البهجة نفسه، ونحاول على قدر المستطاع الوقوف ~~على دخيلته لنعلم أسباب هذا الانقباض وعلة هذا الشحوب، ترى هل أصابه ضر، أم هل ~~داهمته علة، أم ماذا؟ # وبالطبع، كان في طليعة من أقلقه حال سليم صديقته «مارغو» لما بينهما من صداقة وود، ~~فجاءته يوما وطلبت إليه القيام بنزهة في الحديقة القريبة، حيث تعودا أن يلجآ إليها ~~الحين بعد الحين، وقد حاولت أثناء النزهة أن تعرف سر هذا الأمر الذي استعصى على ~~الجميع، وما زالت به تسأله أن يبوح لها عما في نفسه من ألم، أو عما يشكوه من علة حتى ~~تساعده في التخفيف عنه، وكان طيلة الوقت مطرقا برأسه إلى الأرض، لا يبدي ms35 ولا يعيد، ~~إلى أن خرج عن صمته الطويل بعد إلحاحها الشديد وتوسلها المؤثر، فقدم لها البرقية ~~التي تسلمها من أهله، تعلن عن مرض أمه الشديد وترجوه الحضور بسرعة، ثم كشف لها عن ~~حكايته، وأطلعها على موقفه الحرج من قضاياه المعقدة، مرض أمه، رسالته الفنية لبلاده، ~~وما ينتظره هناك من مستقبل قاتم، ثم وأخيرا. # إن هذا الفتى الذي أقام مدة طويلة في بلاد الغرب، واطلع على ما هو عليه من رقي وتقدم، ~~وما يحفل به من عمران، وما يسوده من نظام، وما في جوه من حرية وصراحة، وما ينعم به ~~الفرد من تحرر ويتمتع به من حقوق لا تتأثر بالزعامات والعصبيات والطائفية والمحسوبية، ~~وما إليها من العلل التي يتألم منها الشرق العربي، وتنخر في صميم كيانه وتعيق من ~~تقدمه ونهضته، ثم فكر سليم في وضعه كفنان في بيئته وما ينتظره هناك من عقبات، فكر ~~سليم في هذا ثم فكر في أهله ووالدته العجوز التي تكتب له باستمرار تنتظر عودته ~~بحرارة، وهو يعرف تماما ما ينطوي عليه قلبها من حب وحنان، وهي اليوم تعاني المرض، ~~وهو في خوف عليها، لا سيما أنه لم يفقد شرقيته، ثم فكر أيضا في واجبه نحو وطنه ~~الجميل الذي يدعوه للعمل، هذا الوطن الذي له عليه حق الوفاء وهو بحاجة للفن، ثم جاء ~~أخيرا، وهو المهم، وهنا تلعثم لسان سليم، وساد صمت مؤثر. # ولكن «مارغو» تشجعت وقطعت هذا السكون المؤلم بأن مرت بيدها برفق على شعر سليم الأسود ~~المتجعد قائلة: «تشجع يا عزيزي ولا تحزن، أجل إن في موقفك لحراجة قاسية، وأعلم أن ~~حبنا لا تحده الأبعاد ولا تقف دونه المسافات، وسأحافظ بأمانة على صداقتنا، وسأذكرك ~~كلما نظرت إلى آثار ريشتك في صورة والدي، إنني أقدر موقفك وأشعر معك، فالفن كان دوما ~~أشد من الحب، إني أرجو لك النجاح في رسالتك في وطنك الجميل.» # وهكذا فإن سليما الشاب المثالي، الذي لا يزال يتمسك بتقاليد بلاده الأولى، قدم ~~برهانا جديدا عن مثالية عالية، إذ إنه ضحى بقلبه في ms36 سبيل أمه وفنه ووطنه. # وأخيرا عقد العزم على العودة إلى الوطن إلى بيروت، بل إلى أحد أحيائها الغاصة ~~بالسكان ذات البيوت المشوشة التي لا يعرف لها لون من ألوان الهندسة، هي بنت الفوضى، ~~كل يبني على هواه، فلا تخطيط ولا تصاميم ولا بلدية تراقب ولا من يحزنون، ولقد صدق ~~من قال: «إن الهندسة تمثل عقلية أصحابها.» ومن يعود من جو أوروبي ويشاهد الانسجام في ~~البناء والنظام بين أجزائه والوحدة في طرازه، يسهل عليه أن يدرك سبب التأخر الشديد ~~والفوضى الضاربة في محيطنا العجيب. # وصل سليم إلى بيروت، وقصد توا إلى داره وشاهد أمه وأهله واطمأن على أنهم بخير كما ~~تركهم تماما فلا تقدم ولا تغير، فالتطور دليل الحياة. # وفي الصباح الباكر سمع صراخا يتعالى من عند الجيران، فتذكر جاره العزيز معروفا، وقد ~~عرف من الأهل أن معروفا أصبح من زعماء المحلة، وأنه بنى طابقا رابعا جديدا في ~~الدار التي اشتراها في السنة الماضية، وأصبح عنده سيارة خصوصية، يزوره كبار الحكام، ~~وأصحاب المصالح يخطبون وده، ويلتمسون مساعدته في أيام الانتخابات، فهو ممن يشار إليه ~~بالبنان في هذه الأزمان، وعلم سليم أن لجاره مكتبا، ولما سأل عن نوع الأعمال التي ~~يتعاطاها مكتبه الكريم، ومعروف كما هو معروف رجل أمي، كان الجواب علامات استفهام ~~مرفوقة بقلب الشفة السفلى! وقد أدرك سليم أن التهريب على أنواعه، هو اختصاص هذا ~~المكتب المحترم. # صبيحة ذات يوم، عندما كان سليم خارجا من داره إذا به يرى سيارة فخمة تقف أمام ~~الزاروب، وينزل منها أحد الوزراء في الحكومة الجديدة، فوقعت العين على العين فابتسم ~~معاليه لسليم، وهو أحد أبناء المحلة ويعرفه تماما، فبادله سليم الابتسامة وحياه ~~بأدب، وقد اعترى صاحب المعالي بعض الارتباك لهذه المصادفة غير المنتظرة، فمعاليه لم ~~يأت لزيارة شاب مثقف ترك في ديار الغرب اسما عطرا وصيتا حسنا لبلاده، إنما هو ~~يأتي الآن لزيارة من خرج حديثا من السجن، ولماذا؟ لسرقة موصوفة! # لقد احمر وجه معاليه، نوعا فانحنى سليم محييا وملقيا بنظرة نحو باب معروف، ms37 ثم تابع ~~كل منهما طريقه، إن سليما لم يتأثر لهذا الحادث، فهو الرجل الذي ابتلته الأيام ~~بالمصائب الكثيرة، وعلمته طبائع أهل هذه البلاد وحوادثهم وعقليتهم، ومتى عرف السبب ~~بطل العجب، والعاقل له من معرفته سلوى تخفف عنه قسوة الأحداث ومرارة الفواجع، فسار في ~~سبيله يستعرض في خياله وبسرعة تاريخ العلماء والأدباء وأصحاب المواهب الذين قدر لهم ~~أن ينشئوا في هذه البلاد، فكان محصول ما بدا له مما لاقاه هؤلاء في حياتهم من بؤس ~~وشقاء وجحود ومشاكسة خير عزاء وأجل سلوى، ثم تذكر جملة كان قرأها: «الشرق مقبرة ~~العلماء وجهنم المفكرين.» # وكانت تبدو على وجهه رغم كل ذلك، بعض المرارة والألم، فهو يرى بأن العلم الحق، والأدب ~~الحق، والفن الحق، لا يعرف التهريج ولا يحسن التدجيل، بينما يرى أن البلاد لا تؤمن ~~إلا بمن ارتدى ثياب المشعوذين، وأتقن أسلوب أهل الدجل وبرع في فن الكذب والخداع وكان ~~في أعماله مثال الخيانة، فإذا بهذا الشعب المخدوع المتسكع في ضلال العبودية يمرغ وجهه ~~على أعتاب من باعه ويلثم اليد التي لطمته وأذلته، فلا عجب فهو كما قال شاعره: # لا تلمه عشق الذل قديما فهو في الذل عريق ... # لا ريب في أن سليما ما كان ليستطيع الانفلات من المقارنة بين روح الشعب الذي عرفه في ~~أوروبا، وما هو عليه من وعي وجرأة وصراحة ونظام، وبين هذا الشعب المخذول المقسم الذي ~~يديره بعضهم طورا بالطائفية، وحينا بالمذهبية، وحينا بالحزبية الشخصية والعائلية ~~الضيقة، فهو لا يفهم أين حقه وأين مصلحته ولا يدرك أنه هو عماد البلاد وأن على أكتافه ~~تقوم هذه الطواويس، وهو لم يعرف يوما ما قاله الشاعر: # إذا الشعب يوما أراد الحياة # فلا بد أن يستجيب القدر # هو عبد، أنفه أبدا في التراب، يردد دوما: شو منعمل؟ ماشي الحال. # ومعلوم أن من نشأ وعاش زمنا بين أمة راقية تفهم حقها في الحياة التي لا بد له أن ~~يتأثر ببعض مزاياها، فالإنسان مقتبس بالفطرة، لا سيما ما كان أمامه من جميل مهذب، ~~ورائع منظم فلا ms38 يمكنه تركه ليتمسك بأشياء بشعة ينفر منها الذوق . # | الفصل الثانى # مسكين سليم، هكذا كان يفكر، وبمثل هذا كان يريد أن تكون بلاده التي يحبها ويغار ~~عليها، وأن يراها في الذروة! # كان سليم متشائما، كثير الندب، ولكنه الألم، ولكنه الإحساس، قاتل الله ~~الإحساس! # وأبرز ما لفت نظر سليم مدة وجوده في بلاده هي الدعوة إلى الطعام، فالطعام هو المحور ~~الذي تدور عليه كل الحياة في هذه البقعة من العالم، وكم تمنى لو طلب إليه أن يتكلم في ~~حفل عن البلاد التي أقام فيها، أو عن الفن الذي ذهب لتحصيله، أو عن مشاهداته هناك، أو ~~كلف بعمل فني تفخر به بلاده. # كلا، لا شيء من ذلك، فنحن من فضل الله قد بلغنا الذروة في الفن والذوق والكمال، وقد ~~ضمنا المجد من أطرافه ونحن نوزع على الدنيا شعاعا! نحن شعب الله الممتاز. # لقد كانت إقامة سليم القليلة في بلاده حقبة ألم وشقاء، إنها كانت صراعا ممضا، ~~وألما مستمرا، وكان المستقبل أمامه عبوسا قاتما؛ لأنه لمس أن الحياة هنا جهل ~~وتعصب، فأين للفن أن يعيش؟ # ولكن ما العمل؟ مشيناها خطى كتبت علينا، ومن كتبت عليه خطى مشاها، إذن لا سبيل للتردد ~~والفرار. # وكثيرا ما راودت نفسه فكرة فتح مطعم، بعدما رآه من اهتمام الناس هنا بالطعام الذي هو ~~شغلهم الشاغل، وهمهم الأكبر، فقد رأى أنه عن طريق المطعم يسترضي الكبراء والعظماء، ~~وعن طريقه يرضي أرباب الثروة والنفوذ، وكلهم من هواة الأكل وعشاق الطيبات، فلماذا لا ~~يطعم الجائعين ويشبع النهمين؟ # ولكنه مسكين، فكر، وهو رجل الخيال، أن يفتح لأبناء وطنه مطعما من نوع جديد، مطعما ~~روحيا، والأصح مطعما للذوق والإحساس الإنساني، بعد أن وجد أن هذا النوع يكاد أن ~~يكون مفقودا، وعلى ذلك صمم النية على الاستمرار في العمل. # | الفصل الثالث # لقد أبصر سليم بالحلم يوم كان في باريس أنه بينما كان يستعرض في المتاحف لوحات أئمة ~~الفن ويتهذب بفنهم، أجل قد أبصر في الحلم ذات ليلة جاره معروفا القبضاي الشهير في ~~مدينة بيروت عاصمة ms39 الشرق العربي ومدينة العلوم والجامعات ومبعث النهضة في العالم ~~العربي و... و... و... أبصره يتنقل من حانة إلى حانة ومن مقهى لمقهى ترعاه عناية الزعماء، ~~حلم به يدير الصفقات ويجمع الأموال، ويصبح بعدها سيدا من أسياد البلاد، وعينا من ~~أعيانها. # ورآه يقوم ببعض البطولات العنترية فيضرب ويعتدي، وأصبح له بفضل أعماله التي ذكرنا ~~بعضها مداخلات، وبات رغم دخوله السجن سنوات من أصحاب النفوذ، يدخل على الكبراء بدون ~~كلفة، ويفاوضهم، يهش لهم ويبشون له، بينما المهذبون من الناس ينتظرون ساعات ليؤذن لهم ~~بالدخول، ثم هم يخرجون بالنتيجة صفر اليدين. # وعندما نهض في الصباح قص على أصدقائه ذلك الحلم المزعج، فضحكوا له قائلين: «إن هذا ~~ناتج لا ريب من عشاء البارحة الثقيل، إنه أضغاث أحلام، إن بلادك من فضل الله بألف ~~خير.» # لقد أكمل سليم دروسه وعاد يحمل دبلوم الفنون، وهو يعتقد أنه سيعمل عملا فكريا ~~محسوسا، تهتم له البلاد وتقبل عليه، فيرتفع مستواها الفكري، وتنعم بثقافة صحيحة أسوة ~~بالبلاد الراقية، وما درى المسكين أنه بتفكيره هذا، كان كمن يكتب على صفحة الماء أو ... ~~أو كمن ينفخ في رماد، وأنه يعمل في بلاد المادة، بلاد بدائية في فكرها وروحها، وإن ~~طليت بدهان المدنية الزائفة. # جاء سليم إلى مدينته بيروت، وقد تغيرت عليه الأشياء وتغير الناس والأهل منهم ~~والأصدقاء، المتعلمون والجهلاء، فعندما غادر سليم البلاد يافعا كان الناس يؤمنون ~~بشيء يسمى الصدق والأمانة والوفاء، وكان يوجد ما يدعى الحياء والإخاء، فإذا بهذه ~~الألفاظ الشعرية باتت في نظر أهل اليوم، وقد تمدنوا وتطوروا، سخافة وضربا من ~~البلاهة، وحل مكانها الخدعة والرياء، حتى الجريمة، فمن تحلى بها ونجح عد ذكيا ~~لامعا موفقا، وبعض الأحيان عد عبقريا. # ومنذ أن حل سليم في بيروت، أحاط به رهط ممن تظاهروا له بالمحبة والغيرة فخدعوه ~~واستغلوه، ومن الأصدقاء من استغلوا إخلاصه، فكانوا ينعمون عنده باسم الصداقة، ومنهم ~~من كان يسمسر بأشغاله ويكسب المال، ومنهم من كان يروي لزملائه على لسانه الأحاديث ~~الملفقة ليخلق له العداوة، وأخيرا ضج واتخذ مكانا ms40 نائيا لينعم بالعزلة، وقد أصابه ~~نوع من كره المجتمع، حتى إن من علمهم من تلامذته مجانا حبا بالفن، كانوا يدسون ~~عليه ويطعنون به. # | الفصل الرابع # عاد سليم إلى وطنه وهو يعتقد بصدق رسالته، شأنه في ذلك شأن أكثر أصحاب المثل العليا، ~~فأخذ يكافح في سبيل نشرها بإيمان عجيب، ومن الحق أن نقول إن بعض الطبقات قدرت له هذه ~~الروح، ونظرت إليه نظرة إعجاب واحترام، لا سيما الأوساط الأجنبية، وهي التي تدرك قيمة ~~هذه الأشياء، وقد بدأت تظهر ثمرات كفاح سليم بما كان يقيمه من معارض تمثل نقاطا هامة ~~من حياة البلاد وتوجيه حكيم وتمثيل عميق لبعض النواحي الاجتماعية، مما دل على أن ~~سليما لم يتخذ الفن لمجرد تمثيل صور جميلة ليغري بها أو يثير الغرائز الجنسية، بل هو ~~يهدف منها التوجيه والبناء، ثم إنه فوق ذلك أخذ يدرس فنه في المدارس، فخلق في النشء ~~حب الفن وإدراكا له، كما أنه أخذ ينشر في الصحف والمجلات الأبحاث الفنية بأسلوب ~~علمي، مما ساعد على اتساع فكرة الفن في البلاد. # لقد أضاع سليم فرصا كثيرة كان بإمكانه أن يستغلها استغلالا ماديا كما يفعل غيره ~~اليوم، ولكنه كان مأخوذا بهوس الفن، وقد أفاق بعد زمن على فن ممسوخ يعتمد التجارة ~~والاستثمار والطائفية والعائلية والسفسطة فحسب، مما لا يصدر عن فن حق، وقد حز في نفسه ~~أن يرى هذه النتيجة المؤسفة لنهاية الفن في بلاده الجميلة. # | الفصل الخامس # لقد عرف سليم باطلاعه أن للفن حالات عجيبة تتصل بالمجتمع وبالأحداث القريبة منها ~~والبعيدة، فقد يطرأ على الفن مثلا ما يؤخره أو يدفعه للركود، ولكن الفن لا يموت إلا ~~إذا مات الجنس البشري؛ لأنه هو من الإنسان بمكان الروح تماما، ولكن الفن في بعض ~~الحالات ينطوي على شكل آخر، فعدما يكون المجتمع الإنساني بحالة طبيعية وصحة جيدة، ~~يكون الفن كذلك في حالة حسنة من الازدهار والتقدم، وعندما يكون المجتمع مريضا هزيلا ~~أو شاذا مشوشا تفتك فيه الفوضى وتنتابه النزعات الهدامة والآراء الخطيرة، يكون الفن ~~أيضا في حالة ms41 جنون ويعمل عن غير هدى، ويضرب دون وعي ، وتكثر فيه الثرثرة والشعوذة ~~والتضليل، ويصبح على اللسان أكثر منه في العمل والبرهان، ولهذا نرى اليوم حالة الفن ~~ونزعاته الحديثة التي يدعونها طورا «بالسورياليزم» وبالتجريدي وطورا «بالوحشي ~~والتكعيبي» وغيرها من المذاهب التي تمثل في الواقع مرض المجتمع الإنساني وحالة ~~الهستيريا، أو الهذيان الشديد الذي يصيب عادة المريض في حالة الحمى الشديدة. # ومتى نحن سلمنا بأن الفن هو صورة المجتمع، وهو المرآة التي تعكس صورته، لم نعجب قط ~~بأن نرى أمثال هذا النوع من الفن يطل برأسه على الناس، لا سيما عقب انتهاء حربين ~~عالميتين فظيعتين، تلك الحروب الهائلة التي صبغت الدنيا بالدماء وبالفظائع، والتي لا ~~بد لها أن تؤثر على الناس وتجر وراءها أمثال هذه النتائج والمخلفات المحزنة. # ويدلنا التاريخ أنه كلما كانت الإنسانية في طور من الازدهار والنضج أتت بالآثار ~~الفنية الرائعة وبالعباقرة الذين يقربون الأرض من السماء ويدنون من الآلهة، وعندما ~~تنحط البشرية وتنحدر ويصيبها المرض تغور في الأعماق وتغرق في الأوحال، وتقرب من ~~الجحيم، لا سيما عندما يكثر فيها محترفو السياسة وتجار الأسلحة والدماء، ويتعاون ~~الجزارون والسماسرة والفريسيون وزعماء الهيكل فهناك الكارثة. # | الفصل السادس # مما لا ريب فيه أن الفن هو «بارومتر» المجتمع، وهو المقياس الذي يدلنا عن حالة الأمم ~~وعن صحتها وعن نفسيتها ووضعها الاجتماعي والفكري. # وليس في ذلك غرابة، فالإنسانية من الإنسان وما ينطبق عليه يصح فيها من مرض وعافية ~~وجمود وحركة وثورة وركود ورصانة وجنون، إلى آخر ما يعتري الإنسان، ومن سوء حظنا أننا ~~نعيش اليوم في عصر باتت فيه الإنسانية بحالة مرض وجنون، وبحالة مادية مخيفة تكاد تقتل ~~الإنسان، ومن يتأمل حالة الفنون جملة يراها الصورة الصحيحة لهذا الواقع ~~المؤلم. # جلس سليم يوما يفكر بكل هذا، ثم ينظر إلى مواطنيه وإلى تبلبل ثقافتهم من جهة، وإلى ~~تهالكهم على المادة دون الاستفادة منها، وإلى الإثراء دون إثراء الفكر والروح وأثره ~~في حياتهم الاجتماعية، ثم ينظر إلى المتاجرين الذين ينحرون الفن والفكر، ويقتلون ~~الذوق في المهد في ms42 سبيل ربح دريهمات ومظاهر شخصية مضحكة، وكنفشات صبيانة يسخر منها ~~الفن، هذا الفن الذي يهدف إلى أجواء رفيعة فإذا به يلطخ بالأوحال، ويستثمر في أخس ~~الأمور وأحط الأشياء ويصبح مهنة مبتذلة للارتزاق، وقد قال الفنان العظيم رودن: «الفن ~~الصحيح يسخر من الفن المزيف كما تسخر البلاغة من الثرثرة.» # | الفصل السابع # جلس سليم يفكر ويوازن بين هذه الأمور، فإذا بنفسه الأبية تنفر من هذه الصور البشعة ~~والتمثيليات الرخيصة المضحكة، فيقرر الاعتزال عن هذا المجتمع المريض ويعمل للفن، كما ~~عمل من سبقه من الفنانين المخلصين، ورأينا كيف بالنتيجة مات التجار وخلد ~~المخلصون. # ولم يترك سليم الميدان انهزاما، فهو قام بقسطه من العمل على أتم وجه، فخلف تلامذة ~~ولوحات كثيرة في كل مكان، وأعلن عن ذلك في الصحف والمجلات، ينذر بها عن انهيار الفن ~~لانحرافه عن طريقه السوي، ولم يترك وسيلة لإسماع صوته إلا قام بها فأرضى ضميره وسجل ~~ما يجب أن يعلم أمام التاريخ. # وبينما كان يسير ذات يوم غارقا في أحلامه تائها في صحراء تمنياته وآماله، يعيش ~~طورا في الماضي وطورا في الحاضر ثم يقفز به الخيال للمستقبل، يود بالنتيجة لو أنه ~~يجعل الناس هنا يشعرون بالجمال ويحبون الفن ويشاركونه بلذائذهما، فإذا هم بعدها أشبه ~~بالملائكة، فلا غل ولا حسد ولا خلاف ولا شغب ولا أنانية ولا رياء، وتصبح بالتالي أرض ~~بلاده جنة النعيم والفردوس المقيم. # بينما كان سليم يسبح هكذا في دنيا أفكاره وآماله، إذ تفاجئه على منعطف الطريق سيارة ~~بويك ضخمة تلمع تحت نور الشمس كأنها قطعة بلور، كادت تدوسه، لولا لطف الله، بعجلاتها ~~فتقضي عليه وعلى مشاريعه وأفكاره وتنقله وإياها إلى العالم الآخر، ثم هو ينظر إلى ~~راكب السيارة، فيرى فيها رجلا ضخم المنكبين، منتفخ البطن، مفتول الشاربين، كأنه ~~إمبراطور من أباطرة الشرق القدماء، فيتأمله فإذا براكب السيارة الغضنفر جاره ~~معروف. # وتشاء الصدف أن تقع عينا معروف عليه، فابتسم له ابتسامة المتهكم الظافر، ثم أوقف ~~سيارته مقابله، وأخذ كل منهما ينظر إلى الآخر دون أن ينبسا بكلمة. # ترى ms43 بماذا كان يفكر معروف في هذه اللحظة وهو يتأمل صاحبه؟ هل كان يفكر بدعوة جاره ~~القديم إلى نزهة يروح بها عن نفسه ويسأله عن حاله؟ أم كان يسخر منه بعد أن صار حاله ~~من الضعف والإهمال ما رأينا؟ وهل كان يحمل له في نفسه احتراما وتقديرا، أم ~~ماذا؟ # وسليم، هو الآخر، بماذا كان يفكر في هذه اللحظة؟ هل كان يفكر بمعروف وهو العليم ~~تماما بحقيقته؟ ترى كان معجبا مقدرا له، بعد ما ناله من مال وجاه؟ أم كان يهزأ من ~~عقلية بلاد لا ينجح فيها غير أمثال هذه الطبقة؟ # | الفصل الثامن # إن الموقف حقا كان مثيرا ودقيقا، إنها كانت شبه معركة فكرية خرساء بين نفسيتين ~~متناقضتين، معركة بين المادة والفكر، بل بين العلم والجهل، بين النهضة ~~والانحطاط. # وفجأة قطع معروف هذا السكوت، وهو يرسل ابتسامة المتهكم الظافر، قائلا لجاره المجتهد ~~الصامت والمهذب العالم: «إيه! أين أنت يا صاحب المثل الأعلى؟! ألا زلت في أحلامك ~~وقصورك الخيالية تدرس وتبحث وتمحص وتكد في سبيل إصلاح مجتمعك وتقدم أمتك ورفع اسم ~~بلادك؟ ألا زلت في أوهامك تعمل في الفن وتبحث في مفاهيم الجمال، وترويض النفوس لترق ~~وترهف ثم تسمو وترفع، وما هناك من الترهات؟ مسكين أنت يا جار ...! لقد ذهب الزمن بنضارة ~~شبابك ونور عينيك وبعد همتك وأفقدك صحتك، ها أنت اليوم ضعيف تتجرع مر الدواء. # أجل ها أنت تسير على قدميك رغم علمك وفنك، رغم درسك وسهرك، رغم صبرك وجهادك، رغم بذلك ~~وعطائك! # وبعد، ماذا جنيت بعد كل ذلك؟ فلا قصور ولا جنائن ولا تجارة ولا عمارة، حتى ولا سيارة ~~بسيطة تحملك وتخفف من تعبك وتقلل من سقمك! # أين علمك وفهمك؟ ألم تعلم يا هذا أنك تعيش في الشرق؟ ألم تقرأ في ما قرأته من الكتب ~~الكثيرة أن هذا الشرق ما عرف يوما قدرا لعالم ولا فضلا لأديب ولا احتراما ~~لمفكر؟ # ألم تعلم أن الشرق لا يقدر غير الغني الغبي، ويحتقر الأديب اللوذعي؟ ألم تعلم أنه لا ~~يقر لأحد بفضل ولا يعرف ms44 قدرا إلا لحامل المال؟ فهو في نظره الأديب الأريب، وهو الذكي ~~اللبيب، وهو العالم القدير، وهو الوجيه الكبير، وهو سيد البلغاء، وأمير ~~الأمراء؟ # لقد سلكت أنت يا سليم طريق الفضيلة والمعرفة والشرف، فإذا هذا حالك من سقم ونسيان ~~وانزواء. # أما أنا، أنا معروف، فقد سلكت طريق الرذيلة واللصوصية، طريق التعدي والفجور، طريق ~~الجهل والاحتيال والتهريج، وهذا حالي من نفوذ وسلطة وثروة وحظوة لدى الحكام وأهل ~~الوجاهة، أدخل المجالس فيقف لي الناس مقدمين لي شتى ضروب التقدير والاحترام، ~~وينادونني بالوجيه الكريم، والزعيم الخطير، والمجاهد العظيم، ويجلسونني في صدر ~~المكان، وأنا، أنا أعرف نفسي، لص محتال، وزنديق أفاك، تعرفني السجون وأصحاب السوابق ~~وأسياد الجريمة.» # ولكن سليما وهو المثالي، فقد هز رأسه وتابع طريقه وهو يقول: «الحمد لله! لقد انتصر ~~العلم على الجهل والخير على الشر، لقد أرسلت لي العناية من جاء يعترف، رغم قوته، أنه ~~لص محتال وجاهل أفاك. # وإني أحمد الله، أن أمتي، رغم ما بلغته من انحلال وتفسخ وجهل، لا يزال فيها بقية من ~~تلك الأخلاق الطيبة والجوهر الإنساني، حتى في قرارة نفس لص جاهل، إنه حقا لمما يبعث ~~الثقة ويجدد الأمل بأنه لا يزال هناك مجال للعمل والإصلاح، أما ما تبقى فهو تراب وإلى ~~التراب.» # ولنختم مرددين قول الشاعر: # فكن رجلا إن أتوا بعده # يقولون مر وهذا الأثر ms45