######OpenITI# #META# URI: 1376ZakiMuhammadHasan.MisrWaHadaraIslamiyya.Hindawi81590631 #META# Tags: history #META# ID: 81590631 #META# Title: مصر والحضارة الإسلامية #META# AuthorID: 15169292 #META# Author: زكي محمد حسن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # توطئة‏ # تاريخ مصر في العصر الإسلامي‏ # نصيب مصر في تراث الإسلام‏ # خاتمة‏ # توطئة‏ # تاريخ مصر في العصر الإسلامي‏ # نصيب مصر في تراث الإسلام‏ # خاتمة‏ # | مصر والحضارة الإسلامية # | مصر والحضارة الإسلامية # تأليف # زكي محمد حسن # | توطئة # لعل وادي النيل أعظم أجزاء المعمورة اتصالا بالأحداث الجليلة في التاريخ العام، وأوفرها ~~نصيبا في التيارات المتباينة، التي كانت تلتقي فيه فتنصهر وتمتزج. وقد كتب الأستاذ فييت ~~المستشرق الفرنسي في مقال له عن السلطان بيبرس عبارة تؤيد هذا المعنى، كتبها السائح الفرنسي ~~جان جاك أمبير # Jaen Jacques Ampère # في القرن التاسع ~~عشر، وإليك ترجمتها: «إن الذي يعبر هذا البلد العظيم الشأن ليلقى في طريقه الكتاب المقدس، ~~وهو ميروس والفلسفة والعلوم والإغريق والرومان والمسيحية، والمذاهب التي خرجت عليها، ~~والرهبنة والإسلام والحروب الصليبية والثورة الفرنسية، بل إنه ليكاد يلقي فيها كل ما كان ~~خطير الشأن في تاريخ هذا العالم ... وأنى لنا أن نجد مدينة كالإسكندرية شيدها الإسكندر، ~~ودافع عنها قيصر، ثم فتحها نابليون؟» # والذي نقصده في الصفحات التالية أن نلم بنصيب مصر في الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في ~~قسم كبير من أنحاء العالم إلى أن طغى سيل المدنية الغربية على أغلب الدول الإسلامية. # | تاريخ مصر في العصر الإسلامي # توفي محمد # صلى الله عليه وسلم # سنة 11ه /632م بعد أن وحد كلمة العرب؛ فاستطاع خلفاؤه إنشاء دولة ~~إسلامية مترامية الأطراف، إذ لم تنقض على وفاته بضع سنين حتى سقطت على يدهم إمبراطورية ~~إيران، وتقلص نفوذ بيزنطة في الشرق الأدنى، وحاز المسلمون الانتصارات المجيدة في الشام ~~والعراق وإيران، ثم ما لبثوا أن فطنوا إلى ما لمصر من عظيم الشأن بفضل موقعها الجغرافي ~~والحربي، وخصوبة أرضها التي تنتج الحنطة، وتدر الخير العميم، فسيرا إليها جيوشهم، وتم لهم ~~فتحها سنة 21ه/641م. # وأصبحت مصر ولاية من ولايات الخلافة الإسلامية، يحكمها ولاة يبعثهم الخلفاء من المدينة أو ~~دمشق أو بغداد، وأصبح الإسلام دين الأغلبية في وادي النيل منذ نهاية القرن الثالث الهجري ~~(9م)، وظل الولاة يحكمون مصر من قبل الخلفاء إلى أن استطاع ms01 أحمد بن طولون أن ينشئ فيها سنة ~~254ه/868م دولة مستقلة عن الخلافة العباسية إلى حد كبير. # والمعروف أن سنة جديدة بدأت في حكم بعض الأقاليم التابعة للخلافة حين عظم نفوذ الجند من ~~الترك في البلاط العباسي؛ إذ بدأ الخلفاء يقطعون تلك الأقاليم أولياء عهدهم، ثم بعض قواد ~~الجند. وطبيعي أن هؤلاء القواد الترك كانوا يؤثرون البقاء في عاصمة الخلافة خشية أن تدبر ~~الدسائس ضدهم، وكان الخليفة نفسه يرحب ببقائهم في العاصمة مخافة أن يستقلوا بما يولونه من ~~الأقاليم، فكان هؤلاء لا يحكمون بأنفسهم بل يوفدون إلى الأقاليم نوابا عنهم، ويتلقون منهم ~~ما يتبقى من الجزية والخراج بعد دفع نفقات الإدارة، فيدفعون إلى بيت مال الخلافة جزءا منه. ~~وبدأ هذا النظام في مصر منذ سنة 219ه/834م، وبقي إلى أن وفد أحمد بن طولون إلى مصر نائبا ~~عن واليها القائد التركي. # وأدرك ابن طولون أن في استطاعته الاستقلال بشئون مصر، فقد كانت حكومة العراق قد تطرق ~~إليها الضعف، كما قام الزنج في إقليم البصرة بثورة خطيرة، وظل القتال بينهم وبين جند ~~الخليفة نحو أربعة عشر عاما، وقامت ثورات إقليمية أخرى في بعض أنحاء الدولة الإسلامية. ~~وكان صاحب الأمر والنهي في الخلافة هو الموفق أخو الخليفة المعتمد الذي لم يكن له من الأمر ~~شيء، وطبيعي أن أعباء الحكم ونفقات الجيش كانت تتطلب الأموال الطائلة؛ فكان الموفق يلح في ~~طلب المساعدة المالية من ابن طولون، ولكن حاكم مصر لم يقدم ما كان ينتظره نائب الخليفة فدب ~~الخلاف بينهما، وكان هذا إيذانا بعصيان ابن طولون واستقلاله بمصر. ولم يعد دخل مصر يتسرب ~~إلى بيت مال الخلافة في المدينة أو دمشق أو بغداد، أو إلى جيوب الولاة وأصحاب الإقطاع، بل ~~بقيت أموال مصر فيها، وبدأ وادي النيل حياته لنفسه في مجموعة الأمم الإسلامية. # وأفادت مصر من حكم الأسرة الطولونية وساد فيها رخاء نسبي، وأصبحت تخشاها الدولة العباسية، ~~ويخطب البيزنطيون ودها بإرسال الهدايا النفيسة، وإطلاق الأسرى المسلمين. # 1 # واستطاع ابن طولون فتح سورية، وأصبحت مصر مستقلة للمرة ms02 الأولى بعد عصر ~~البطالسة، وعاد إليها سلطانها على الشام للمرة الأولى بعد عصر الفراعنة. # واستقلت دويلات أخرى عن الخلافة العباسية، أو أصبح سلطان الخليفة عليها سلطانا اسميا ~~فحسب، ولكن الدولة الطولونية ومعظم تلك الدويلات الأخرى لم يكن لها أساس قومي في الأقاليم ~~التي كانت مسرحا لنشاطها، ولم يكن قيامها صدى لحركة في الرأي العام، أو خلاف في العقيدة ~~الدينية، أو المبادئ الاجتماعية السائدة في الدولة العباسية، ولذا فليس غريبا أن نراها لا ~~تعمر طويلا. والحق أن مؤسسي تلك الدويلات لم يكن لهم أنصار كثيرون من بني جنسهم، فكانوا في ~~أغلب الأحيان يجمعون جيوشهم من عناصر أجنبية مختلفة، وكان مثل هذا النظام لا يمكن المحافظة ~~عليه إلا بوساطة زعماء ذوي نفوذ شخصي عظيم كالذين يؤسسون الدويلات المذكورة، وكانت هذه ~~الدويلات تسير في طريق الاضمحلال تدريجيا بعد ذهاب أولئك المؤسسين. # وهكذا كان طبيعيا أن تضعف الدولة الطولونية، وأن يعود حكم مصر إلى العباسيين سنة ~~292ه/905م، وعاد الخلفاء العباسيون يرسلون الولاة من قبلهم لحكم وادي النيل إلى سنة ~~323ه/935م حين استطاع محمد بن طغج التركي الأصل أن ينظم أمور مصر التي اضطربت بعد سقوط بني ~~طولون، وحصل هذا الوالي على لقب إخشيد، وهو لقب بعض الأمراء الإيرانيين السابقين، واستطاع ~~أن يؤسس الدولة الإخشيدية في مصر، وأن يحصل على قسط وافر من الاستقلال، ونسج على منوال ابن ~~طولون فاستولى على سورية، ثم ضم إلى حكمه مكة والمدينة، وأصبح مصير الحجاز متصلا بوادي ~~النيل لعدة قرون بعد ذلك. # وقد خلف الإخشيد اثنان من أبنائه، ولكنهما لم يحكما إلا بالاسم فقد كانت مقاليد الأمور ~~بيد العبد الحبشي كافور، الذي كان أبوهما اشتراه بنحو ثمانية جنيهات، ثم أصبح قائدا في ~~الجيش فأستاذا للأميرين، فوصيا عليهما، فأميرا على مصر بعد وفاتهما، وكان آخر أمراء ~~الأسرة الإخشيدية صبيا في الحادية عشرة من عمره، ورث مع العرش أخطارا سياسية واقتصادية ~~قضت على دولته: القرامطة في الشرق، والفواطم في الغرب، وملك النوبة في الجنوب، والقحط ~~والوباء واضطراب الأمن في مصر نفسها. ms03 # أما الفاطميون، فقد كانوا منذ استقرارهم في إفريقية يتحدون العباسيين، ولا يعترفون لهم ~~بالخلافة أو الرئاسة الدينية والسياسية، بل يرونها من حقهم، وهم نسل فاطمة وعلي بن أبي ~~طالب. وكانوا غير قانعين بإفريقية، فعملوا على الاستيلاء على مصر لخيراتها الواسعة، وموقعها ~~الجغرافي، وليستطيعوا فيها أن يوسعوا نطاق دعوتهم، ويمدوا نفوذ خلافتهم الشيعية. # وقد حاول أول خلفاء الفاطميين وخليفتاه من بعده أن يفتحوا مصر، ولكن الحملات الحربية التي ~~أرسلوها لهذا الغرض فشلت في بسط نفوذهم على وادي النيل، فلجأوا إلى نشر الدعوة السرية، ولم ~~تكن تعوزهم السبل في هذا الميدان، واستطاعوا أن يكسبوا إلى جانبهم بعض أعيان مصر، وضباط ~~الجيش، وكتب إليهم بعض هؤلاء يدعونهم إلى فتح مصر، ويسهلون لهم أمرها، ومهما يكن من الأمر ~~فإن شرف فتح مصر من الصحراء الغربية لأول مرة كان لجوهر الصقلي قائد الجيش الذي سيره المعز ~~لدين الله رابع الخلفاء الفاطميين. وكان الفاطميون قد مهدوا لهذا الفتح بأعمال استراتيجية ~~لازمة لمثل هذا المشروع العظيم، فظلوا نحو عامين يمهدون الطرق، ويحفرون الآبار، ويشيدون ~~المباني الصغيرة، ويخزنون المؤن والعتاد في الطريق من تونس إلى الإسكندرية. وكان الفاطميون ~~يعرفون ما في مصر من فوضى وبؤس، ويثقون بنجاح دعوتهم فيها إلى حد كبير، # 2 # ويطمئنون إلى الهدوء في أملاكهم، ولا يخشون أن تهدد مؤخرة جيوشهم. وسار جوهر ~~الصقلي من تونس سنة 358ه/969م على رأس جيش قوامه نحو مائة ألف جندي، وسلمت الإسكندرية له، ~~ثم لقي بعض المقاومة عند الجيزة والفسطاط، ولكنه تغلب عليها في بضعة أيام، وتم له الاستيلاء ~~على الفسطاط بعد نحو ستة أشهر من قيام حملته من القيروان، ووضع جوهر أساس مدينة جديدة قدر ~~لها أن تكون عاصمة الإمبراطورية الفاطمية التي امتدت من سورية إلى حدود المغرب. وورث ~~الفاطميون فيما ورثوه عن الإخشيديين حكم مكة والمدينة. والحق أن صلة وادي النيل بالمدينتين ~~المقدستين في الحجاز ترجع إلى بداية العصر الإسلامي منذ كانت الغلال ترسل سنويا من مصر ~~إلى الحجاز كما كانت ترسل قبل ذلك إلى روما ثم ms04 القسطنطينية. # على أن انتقال الفاطميين إلى مصر أطلق يد عمالهم في شمالي إفريقية، فلم يلبثوا أن استقلوا ~~تماما عن الإمبراطورية، وأسسوا أسرة بني زيري في تونس، وبني حماد في الجزائر. ولكن ~~الإمبراطورية الفاطمية كانت قد بلغت أوج عزها في عصر العزيز، حين كان يدعى له في خطبة ~~الجمعة بالمساجد الواقعة بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي، وفي سورية والحجاز واليمن، وحين ~~كان نفوذه يمتد إلى كل هذه الأصقاع، حتى تضاءلت الخلافة العباسية إلى جانب خلافة الفواطم، ~~ثم بدأ الضعف يدب إلى الدولة الفاطمية على يد الخلفاء الضعفاء الذين تقلدوا أزمة الحكم بعد ~~العزيز، وانتقل السلطان إلى يد الوزراء تدريجيا، حتى أتيح للوزير الفاطمي منذ سنة ~~531ه/1136م أن يتخذ لنفسه لقب «ملك»، مثل: الملك الأفضل رضوان، والملك الصالح طلائع، والملك ~~المنصور ضرغام. وزاد الطين بلة أن الفوضى عمت بين الجند، وتفاقم التطاحن بين أجناسهم ~~المختلفة، ومنيت البلاد بالمنافسة بين الوزراء، ونسي كل منهم أمور البلاد ونفعها في سبيل ~~نفعه الخاص؛ فكان ذلك كله سببا في سقوط الفاطميين، ولا سيما حين قوي ساعد الصليبيين، ~~وتطلعوا إلى فتح مصر، وعمل نور الدين صاحب الموصل على منعهم من ذلك حين طلب إليه بعض وزراء ~~مصر مساعدته على وزراء آخرين. وصفوة القول أن الصليبيين ونور الدين سيروا الحملات ~~العسكرية إلى وادي النيل، وتنافسوا في توطيد مركزهم فيه إلى أن استطاع شيركوه قائد جيش نور ~~الدين أن يقتل الوزير المصري شاور، وأن يحتل مصر، ويتولى منصب الوزارة فيها سنة 564ه/1169م، ~~ولكنه مات بعد ثلاثة أشهر، وخلفه ابن أخيه صلاح الدين، فقضى على الدولة الفاطمية، ونفذ ما ~~أراده مولاه نور الدين فأحل اسم الخليفة العباسي المستضيء محل الخليفة الفاطمي العاضد في ~~خطبة الجمعة، وكان الأخير على فراش الموت، وتوفي قبل أن يعرف هذا التغيير الخطير. وأسندت ~~المناصب الدينية إلى فقهاء المذهب السني، وعادت مصر إلى هذا المذهب، ولم تكن ثمت مقاومة حتى ~~تمت هذه العودة، «ولم ينتطح فيها عنزان» على حد قول المؤرخ أبي الفداء. # وكان طبيعيا أن ms05 تتوتر العلاقة بين صلاح الدين ومولاه نور الدين، ولكن الأول كان حكيما ~~بعيد النظر، فاستمر على إظهار ولائه لمولاه، وكان من حسن الحظ أن توفي نور الدين سنة ~~569ه/1174م فخلا الجو لصلاح الدين، وأصبح حاكم مصر المستقل، بل أعظم الأمراء المسلمين على ~~الإطلاق، وامتد حكم صلاح الدين إلى الشام ومكة والمدينة واليمن، فكتب إلى الخليفة في بغداد ~~سنة 570ه/1175م يعدد فتوحاته، وجهاده للفرنج، وإعادته الخطبة العباسية بمصر، واستيلاءه على ~~بلاد كثيرة في أطراف المغرب، وعلى بلاد اليمن كلها. «وطلب صلاح الدين من الخليفة تقليد مصر ~~واليمن والمغرب والشام، وكل ما يفتحه بسيفه؛ فوافته بحماة رسل الخليفة المستضيء بأمر الله ~~بالتشريف والأعلام السود، وتوقيع بسلطنة بلاد مصر واليمن وغيرها.» # 3 # والحق أن هذه الأقاليم الواسعة التي أرسل الخليفة إلى صلاح الدين تقليدا ~~بتوليتها لم تكن خاضعة للخلافة العباسية تماما، ولم يكن للخليفة أي سلطان فعلي عليها، ~~ولكنه كان يطرب لطلب صلاح الدين ويسره أن يرى لنفسه ظلا من سلطان الخلفاء السابقين، ذلك ~~السلطان الذي فقده خلفاؤه منذ تفككت إمبراطوريتهم، وقامت على أنقاضها الدويلات ~~الصغيرة. # على أن هذه الدولة الواسعة التي بناها صلاح الدين، وامتدت من الدجلة إلى وادي النيل لم ~~تلبث أن قسمت بين أولاده وإخوته، واستطاع أخوه العادل سيف الدين أن يتفق مع العزيز أحد ~~أبناء صلاح الدين، وأن تصبح له المكانة الأولى، فيضم إلى مصر غيرها من أملاك صلاح الدين. ~~وطلب العادل من الخليفة العباسي الناصر لدين الله تقليدا بحكم مصر والشام، وسائر البلاد ~~التي تحت حكمه، فجاءه هذا التقليد مع الخلع الثمينة له ولأولاده، وكبار رجال دولته، وتم ~~تسليم ذلك في احتفال عظيم. # ومهما يكن من الأمر فإن أمراء الأيوبيين ظلوا يحكمون الأقاليم المختلفة من إمبراطوريته ~~الكبيرة، ولكن كلا منهم كان يخشى الآخرين، ولا يثق بهم، فاضطروا إلى مسالمة الصليبيين ~~حينا، وعقد بعضهم مع الصليبيين اتفاقا، قوامه أن يساعدوه على منافسيه لقاء ما ينزل لهم ~~عنه من الامتيازات، وأفاد المسيحيون من ذلك كثيرا. وحسبهم أن الملك الكامل نزل ms06 للإمبراطور ~~فريدريك الثاني عن بيت المقدس لقاء تعهده بمساعدة الملك الكامل ضد أعدائه. # وقد وجه الصليبيون إلى مصر ثلاث حملات في عصر خلفاء صلاح الدين، ولكنهم لم يوفقوا فيها، ~~وكان للأيوبيين الفضل في حماية وادي النيل من هذه الهجمات. وسقطت الدولة الأيوبية حين ضعف ~~سلاطينها، وقوي شأن عبيدهم وجندهم من المماليك الذين انتهى بهم الأمر إلى القبض على مقاليد ~~الحكم سنة 648ه/1250م. وانقضى بسقوط الأيوبيين عهد الأسرات الوراثية الحاكمة، إذ الواقع أن ~~الوراثة لم تكن دائما القاعدة المتبعة في نظام العرش عند المماليك، ولا سيما الشراكسة ~~منهم، بل كانت دولتهم حكومة حربية أوليجاركية، البقاء فيها للأصلح، والعرش فيها لأقوى ~~المماليك، وأعظمهم نفوذا، وإن حدث أن أفرادا من أسرة واحدة - كأسرة قلاوون - تعاقبوا على ~~عرش مصر فترة من الزمن. وظل المماليك البرجية أو البحرية - وهم من الترك والمغول - يحكمون ~~وادي النيل إلى سنة 792ه/1390م، ثم خلفهم المماليك الشراكسة الذين استمر سلطانهم إلى سنة ~~922ه/1517م. وعلى الرغم من أن معظم سلاطين المماليك كانوا لا يمكثون على العرش طويلا، وأن ~~المنافسات بينهم كانت تؤدي إلى الحروب الأهلية، والمؤامرات، والثورات، والسلب والنهب، وأنهم ~~لم يراعوا نظام الوراثة في الحكم، نقول: إنهم على الرغم من ذلك كله أفلحوا في إقامة ~~إمبراطورية إسلامية عظيمة في الشرق الأدنى، ولكن تسرب الضعف إلى سلاطينهم في نهاية القرن ~~التاسع الهجري (15م) بسبب بعدهم عن الشعب، واستغلالهم إياه استغلالا معيبا، يعود عليهم ~~بالمال الوفير، ويترك الشعب في بؤس شديد، فضلا عن أن الخراب المالي حل بالبلاد عندما كشف ~~فاسكودي جاما طريقا جديدا للوصول إلى الهند حول رأس الرجاء الصالح، فتحولت التجارة إلى ~~هذا الطريق، وضاعت على المماليك وعلى مصر المكوس التي كانت تفرض على التجارة التي تمر في ~~مصر وسورية، فكان ذلك ضربة قاضية على حكم المماليك، وفاتحة لانتهاء دولتهم. # وكانت الدولة العثمانية الفتية تطمع في الاستيلاء على مصر، واستطاع السلطان سليم الأول أن ~~ينتحل المعاذير، فأخذ على المماليك أنهم كانوا يجيرون من يلتجئ إليهم من أعدائه، وأنهم ~~كانوا يوالون ms07 عدوه الشاه إسماعيل الصفوي، وحارب سليم الشاه إسماعيل، وانتصر عليه، ثم انقلب ~~يزحف على مصر ففتحها سنة 923ه/1517م، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، وانتقل مركز العالم ~~الإسلامي منها إلى القسطنطينية. # ووضع العثمانيون لحكم مصر نظاما يقضي بتوزيع الحكم بين الوالي العثماني، وديوان مكون من ~~ضباط جيش الاحتلال على أن تبقى السلطة الإدارية المحلية في يد (البكوات) أمراء المماليك، ~~وكان الغرض من هذا التوزيع منع حكام وادي النيل من الاستقلال عن الباب العالي، ولكنه لم ~~يستمر أكثر من قرن واحد، إذ دب الضعف في الدولة العلية، وزادت سلطة المماليك في مصر. والحق ~~أن الحكم العثماني في وادي النيل من بداية الفتح إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري (18م) ~~كان فترة ركود، بل كان من أظلم العصور في التاريخ المصري عامة، وليس فيه ما يستحق الذكر ~~إلا ظهور علي بك الكبير واستقلاله بمصر سنة 1183ه/1769م. # ولم تكن مصر لتبقى بعيدة عن الثورة الفرنسية وآثارها الدولية فغزاها نابليون سنة 1798 ~~ميلادية، وكانت الحملة الفرنسية على مصر ثم ظهور محمد علي فاتحة التاريخ المصري الحديث، ~~وإيذانا باندماج وادي النيل في زمرة الأمم الحديثة بدون أن يفقد صلته بالعالم ~~الإسلامي. # مصر والأحداث السياسية في العالم الإسلامي # ولعل من وسائل البحث في نصيب مصر في تطور الحضارة الإسلامية أن نعرض سريعا الأحداث ~~السياسية العظيمة التي كان لمصر فيها شأن خاص. # ولنبدأ بالثورة على الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فإن الاستياء من سياسته كان شديدا ~~في مصر، وأتيح لعبد الله بن سبأ - أكبر الدعاة ضده - أن يجد في مصر مرتعا خصيبا ~~لدعوته، وساعد على نجاحها في وادي النيل أن انضم إليه نخبة العرب في مصر كمحمد بن أبي ~~بكر ومحمد بن أبي حذيفة، بل انضم إليها عمار بن ياسر، وهو رسول عثمان إلى مصر لتهدئة ~~الحال، والبحث في أسباب السخط، ولكن الثائرين استمالوه إلى جانبهم. وخرج من مصر وفد من ~~الثوار في نحو ستمائة رجل انضم في المدينة إلى سائر وفود الثوار من الأمصار، ولكن كان ~~له الشأن ms08 الأكبر في مقتل عثمان، # 4 # فبدأت بذلك الحرب الأهلية في الإسلام إذ قام النزاع على الخلافة بين علي ~~ومنافسيه طلحة والزبير، ثم بينه وبين معاوية، وكان عمرو بن العاص على رأس أنصار معاوية، ~~ولعله كان يطمع في العودة إلى حكم مصر بعد أن عزله عثمان وولى عبد الله بن سعد. وقد ~~أتيح لعمرو أن يخضع مصر لمعاوية، فأقره واليا عليها، بل أقطعه إياها، وأطلق يده في ~~إدارة شئونها. # أما الدولة الطولونية فكانت أقدم مثل لاستقلال العنصر التركي بحكومة في قلب العالم ~~الإسلامي، وقد تلتها أسرات تركية أخرى، ولكن ابن طولون هو الذي شق الطريق وأظهر إلى أي ~~حد يمكن لحاكم قوي أن يصل إلى السلطان السياسي والحربي في إمبراطورية إسلامية اتسعت ~~أرجاؤها حتى أصبح من العسير على الخلفاء الضعفاء أن يحتفظوا بنفوذهم فيها. # ومما نلاحظه في التاريخ الإسلامي عامة أنه وحد بين الأقاليم المختلفة في الشرق ~~الأدنى وشمالي إفريقية، ونجح في تكون إمبراطورية كبيرة، ولكن تفككت أجزاؤها ثانية، ~~وعادت هذه الأقاليم إلى استقلالها بفضل جهود أمراء قد يكونون غرباء عنها. ولا نكاد نرى ~~في العالم الإسلامي أن إمارة صغيرة كانت نواة لدولة كبيرة نشأت بالاتساع، وغزو جيرانها، ~~والاتحاد بغيرها كما كان سهل لا تيوم نواة للإمبراطورية الرومانية، وكما كانت دوقية ~~براندنبرج الأصل في تكوين مملكة بروسيا، ثم الإمبراطورية الألمانية. # 5 # وأصبحت مصر في عصر الفاطميين عاصمة إمبراطورية شيعية كبيرة، على حين أن إيران لم يصبح ~~المذهب الشيعي دين الدولة الرسمي فيها إلا بعد ذلك بنحو خمسة قرون. والحق أن دعوة ~~القرامطة وحركتهم الثورية كانت في الشرق الأدنى إرهابية غير موفقة، ولكنها تمخضت في ~~شمالي إفريقية عن نظام حكومي سليم على يد الفاطميين. # ولما انتقل الفاطميون إلى مصر أتيح لوادي النيل أن يكون مركزا من المراكز الثلاثة ~~التي انقسم إليها العالم الإسلامي في ذلك الوقت، والتي كان على رأس كل منها خليفة من ~~الأسرات الثلاثة الرئيسية في الإسلام: خليفة عباسي في بغداد، وخليفة فاطمي علوي في مصر، ~~وخليفة أموي في الأندلس. ms09 ولم يعد لمصر استقلالها فحسب بل أصبحت ندا ومنافسا للخلافة ~~العباسية نفسها. # ومما يستحق الذكر أن مصر لم تنقل عنوة إلى المذهب الشيعي على يد الفاطميين، فإن ~~القائد جوهر أخذ على نفسه في العهد الذي نشره على المصريين يوم الفتح أن يترك لهم ~~الحرية الدينية، # 6 # ولكن الفاطميين أقبلوا بعد ذلك على نشر دعوتهم في المساجد وبوساطة المكتبات ~~ودور العلم وغيرها، وأصابوا في ذلك نجاحا كبيرا بدون أن يلجأوا إلى العنف، اللهم إلا ~~في عهد الحاكم بأمر الله حين اضطر السنيون إلى دفع الجزية. # 7 # وشيد الفاطميون القاهرة التي ازدهرت، وأصبحت من أعظم مدن العالم في العصور الوسطى. ~~وقد زارها الرحالة الفارسي ناصر خسرو سنة 439ه/1047م في عصر الخليفة الفاطمي المستنصر ~~بالله، وأبدع في وصف عمائرها وثروتها، وقال إنه لو أفاض في وصفها لما صدقه أحد من أهل ~~إيران، وكان للفاطميين من الكنوز الفنية ما عقد المقريزي لوصفه الصفحات الطوال في كتابه ~~«المواعظ والاعتبار»، # 8 # كما كانت مكتبة القصر أعظم المكتبات في العالم كله، وضرب معظم الخلفاء ~~الفاطميين للمسلمين أحسن الأمثلة في التسامح الديني. # أما في عصر الدولة الأيوبية، فقد استطاع صلاح الدين أن يوقع بالصليبيين الهزيمة ~~الساحقة في واقعة حطين، ثم فتح بيت المقدس، وجعل مملكتهم في الشام تنكمش، ولو توفر له ~~أسطول قوي لقضى عليها نهائيا. وقد غزا الصليبيون مصر في العصر الأيوبي، ونجحوا مرتين ~~في الاستيلاء على دمياط: الأولى سنة 615ه/1218م، وقد هزمهم بعد ذلك الملك الكامل في ~~المكان الذي أطلق عليه بعد ذلك اسم «المنصورة» إشارة إلى هذا النصر، وبرغم الفظائع ~~الكثيرة التي أتاها الصليبيون في دمياط فإن السلطان الأيوبي الملك الكامل كان شديد ~~التسامح معهم فأكرم أسراهم ومنحهم هدنة طويلة؛ حتى أنهم كتبوا إليه بعد إخلاء دمياط ~~يعترفون بكرمه وحسن معاملته، ويذكرون له نقله المرضى والعجزة على نفقته، وأنه منع إهانة ~~المسيحيين بالقول أو الإشارة. أما المرة الثانية التي استولى فيها الصليبيون على دمياط، ~~فكانت في الحملة الصليبية التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا سنة ms10 647ه/1249م، وتقدم لويس ~~بجيشه إلى المنصورة، ولكنه أسر في واقعة فارسكور ومعه معظم الأشراف من رجال جيشه، ولم ~~يفك أسرهم إلا بعد فدية عظيمة، وقد أضعف فشل هذه الحملة روح الصليبيين إلى أبعد ~~حد. # وكان للأيوبيين وعلى رأسهم صلاح الدين الفضل في إرجاع المذهب السني إلى مكانته الأولى ~~في الشرق الأدنى بعد أن أضعفه الفاطميون إلى أبعد حد، ومن أعظم منشآت الأيوبيين في ~~الشام ومصر المدارس، وأول ما نشأت المدرسة بهذا الاسم كان على يد السلاجقة في إيران، ~~وانتقلت منها إلى مصر والشام على يد الأيوبيين، وكان من أول أغراضها نشر التعاليم ~~السنية، وتخريج الأساتذة والموظفين المخلصين للمذهب السني، والذين يعملون على محاربة ~~التعاليم الشيعية ... وفضلا عن ذلك فإن سلاطين الأيوبيين كانوا ذوا مقدرة سياسية يحسنون ~~المفاوضات مع المسيحيين، ويعقدون مع بعضهم الاتفاقات الحربية، والمعاهدات التجارية التي ~~تعود على مصر بالنفع العميم. # ويلوح أن تطورا جديدا نشأ على يد الأيوبيين في العلاقة بين مصر والشام، فإن الأخيرة ~~لم تعد إقليما يفتحه أمراء مصر الأقوياء، ويحكمونه من مصر نفسها، بل كان سلاطين ~~الأيوبيين حكاما على مملكة إسلامية في الشرق الأدنى قوامها مصر وسورية متحدتين، وكذلك ~~كان الحال في عصر المماليك، والميزة الأولى للأيوبيين أنهم حموا مصر والعالم الإسلامي ~~من هجمات الصليبيين، ولكن الذين وجهوا الضربات القاضية إلى الصليبيين هم السلاطين ~~المماليك. فالسلطان الظاهر بيبرس البندقداري بزغ نجمه في عصر سلفه السلطان قطز حين تولى ~~قيادة الجيش المملوكي الذي أوقع بالمغول هزيمة حاسمة في معركة «عين جالوت» بفلسطين سنة ~~657ه/1259م. # وكان المغول قد أخذوا بغداد في العام السابق، وقتلوا الخليفة العباسي المستعصم بالله، ~~ثم استولوا على سورية، وهددوا مصر، بل أرسلوا إلى السلطان المملوكي يطلبون منه الخضوع ~~لهم. ولا ريب في أن هجوم المغول كان من أشد الأخطار التي هددت الشرق الأدنى والحضارة ~~الإسلامية، فإنهم لو تم لهم الاستيلاء على القاهرة لخربوا عمائرها، ونهبوا كنوزها ~~الفنية، وأتلفوا مخطوطاتها الثمينة، ونقلوا صناعها، ولما أتيح لوادي النيل أن يعرف ~~ازدهار العلوم والفنون الذي كان ms11 مسرحا له في عصر المماليك. ومما يزيد في جلال العمل ~~الحربي الذي قام به المماليك في صد المغول أن قدوم هؤلاء إلى الشرق الأدنى كان بتفاهم ~~مع الصليبيين، ومع ملك أرمينية، وأن المغول حين تمت لهم السيادة على الأقاليم الداخلية ~~في سورية كانوا على وفاق مع الصليبيين الحاكمين في إقليم الساحل، فأصبح الإسلام في ~~الشام ومصر مهددا بأن يفقد كل سلطان سياسي، وكان المغول في الشام يضطهدون المسلمين، ~~ويشملون المسيحيين برعايتهم. # ولم يكن بيبرس قائدا عظيما فحسب، أو حاكما شديد العناية بتنظيم الجيش، وإنشاء ~~البحرية، وإصلاح الثغور والحصون، وإنشاء البريد، وتعبيد الطرق، وتخفيف الضرائب، ولم ~~يعن فقط بعمارة الحرم النبوي وقبة الصخرة تدعيما لنفوذ مصر على الأماكن المقدسة، وبشن ~~الحروب على الصليبيين الذين أنهكتهم المنافسات، والجري وراء المنافع المادية، والذين لم ~~يبقوا بعد صلاح الدين إلا بفضل النزاع بين خلفائه من الأمراء الأيوبيين، ولم يكن فقط ~~صاحب الفضل في القضاء على طائفة الحشيشيين التي كانت تؤذي المسلمين والمسيحيين على ~~السواء، لم تكن لبيبرس كل هذه المزايا فحسب، بل كان سياسيا عظيما. وحسبه فخرا في ~~هذا الميدان أنه نجح في تحقيق حلم أحمد بن طولون فجعل مصر عاصمة الخلافة السنية. أجل، ~~إن ابن طولون فكر قبل بيبرس بأربعة قرون في هذا المشروع الخطير، فدعا الخليفة العباسي ~~المعتمد على الله إلى القدوم إلى مصر هربا من الموفق الذي كانت له السلطة العليا في ~~الجيش والحكومة، والذي اغتصب السلطان حتى لم يبق للخليفة منه شيء. وطبيعي أن وجود ~~الخليفة في وادي النيل كان من شأنه أن يزيد في نفوذ ابن طولون، ولو نجح هذا المشروع ~~لتغيير إلى حد ما مستقبل الخلافة ومستقبل مصر، ولكن الواقع أن المعتمد لم يفلح في الهرب ~~إلى مصر؛ إذ قبض عليه عيون أخيه الموفق، وأرجعوه إلى عاصمته شبه سجين. أما بيبرس، فإنه ~~أراد تثبيت مركزه من الوجهة الشرعية فاستدعى من الشام سنة 659ه/1261م أميرا من الأسرة ~~العباسية كان قد فر من بغداد عندما فتحها التتار، وقتلوا المستعصم بالله ms12 سنة ~~656ه/1258م. # وقدم هذا الأمير إلى مصر معززا مكرما، وبايعه السلطان بيبرس خليفة على المسلمين ~~باسم المستنصر بالله، «فلما تمت البيعة قلد الإمام المستنصر بالله السلطان الملك الظاهر ~~البلاد الإسلامية، وما ينضاف إليها، وما سيفتحه الله على يده من بلاد الكفار، ثم قام ~~الناس فبايعوا الخليفة المستنصر على اختلاف طبقاتهم، وكتب في الوقت إلى الملوك والنواب ~~بسائر الممالك أن يأخذوا البيعة على من قبلهم للخليفة المستنصر ... وأن يدعى له على ~~المنابر، ثم يدعى للسلطان بعده، وأن تنقش السكة باسمهما.» # 9 # وهكذا تم على يد بيبرس قيام سلسلة جديدة من الخلفاء العباسيين، ولكن الحق ~~أنهم لم يكن لهم من الخلافة أكثر من الاسم، وكان أهم أعمالهم إدارة الوقف، والاعتراف ~~بالسلطان، ومنحه التفويض بالحكم في احتفال التولية، وقد أضاف بيبرس وخلفاؤه من السلاطين ~~المماليك إلى ألقابهم لقبا جديدا، هو «قسم أمير المؤمنين»، ويشير هذا اللقب إلى طبيعة ~~العلاقة بين الخليفة والسلطان. ولعل هذه لم تكن المرة الأولى التي منح فيها خليفة عباسي ~~مستضعف مثل هذا اللقب إلى أمير من الأمراء، فقد سبق أن منحه الخليفة العباسي المستظهر ~~للسلطان السلجوقي غياث الدين محمد (498-511ه). # 10 # ومهما يكن من الأمر فإن وجود الخليفة العباسي في مصر جعل لوادي النيل مركزا ممتازا، ~~فقد كان بعض أمراء المسلمين - ومنهم السلطان العثماني بايزيد الأول وطائفة من أمراء ~~الهند - يطلبون من الخلفاء العباسيين في مصر تقليدا لم يكن في الحقيقة ذا قيمة جدية، ~~اللهم إلا ليجعل مركز أولئك الأمراء شرعيا، # 11 # وقد ظلت الخلافة في مصر إلى أن تحولت إلى العثمانيين. وآراء المؤرخين ~~مختلفة في هذا الصدد، فقد كان الشائع أن مقاليد الخلافة انتقلت من يد الخليفة العباسي ~~المتوكل إلى السلطان سليم العثماني بعد أن فتح مصر سنة 923ه/1517م، ولكن الظاهر أن لقب ~~الخليفة كان يطلق في ذلك العصر على كثير من الأمراء، وأن السلطان العثماني لم يحرص على ~~تقلده، ولا سيما أن أسلافه كانوا يستعملون هذا اللقب قبل فتح مصر. ويلوح أيضا أن ~~السلاطين العثمانيين لم يعنوا ms13 باستعمال لقب الخلافة إلا منذ القرن الثامن عشر الميلادي؛ ~~وذلك ليكونوا أمام الدول المسيحية رعاة العالم الإسلامي. ومهما يكن من شيء فإن امتيازات ~~الخليفة ولقبه تحولت شيئا فشيئا إلى سلاطين آل عثمان حتى لقب سلطان تركيا بلقب إمام ~~وخليفة في معاهدة كجوق قينارجي بين الدولة العلية والروسيا (سنة 1774م)، # 12 # وبقيت الخلافة بعد ذلك في آل عثمان إلى أن أعلن المجلس الوطني الكبير سنة ~~1922 الجمهورية في تركيا، ونصب خليفة جديدا، ولكن جرده من كل سلطان دنيوي، وفي سنة ~~1924 ألغيت الخلافة نفسها. # وإذا ذكرنا ابن طولون وبيبرس في معرض نقل الخلافة إلى وادي النيل يجدر بنا ألا ننسى ~~محمد علي باشا منشئ مصر الحديثة؛ فقد فكر أثناء نزاعه مع الدولة العلية في إحياء ~~الخلافة في مصر، وتكوين إمبراطورية عربية فيها، # 13 # وخير شاهد على هذا حديث لهذا العاهل الكبير مع قنصل فرنسا، وإلى القارئ ~~ترجمة جزء منه نقلا عن كتاب «محمد علي» للأستاذ كريم ثابت (ص172-173): «إن مكة في ~~قبضتي، والشريف يحيى يقيم فيها، وهو من سلالة نبينا، والخليفة هو نائب النبي ووارثه، ~~فالشريف يحيى هو الخليفة قانونا، فيجيء إلى القاهرة فأنادي به خليفة، وألثم ذيل ثوبه، ~~وأنادي بنفسي جنديه الأولى، وسيد المسلمين هو الرجل الذي يستطيع أن يقودهم، وأن يدافع ~~عن الحج في الأراضي المقدسة ويحميه، ومن ليس له سلطة، ويريد أن يأمرهم يكون منتحلا ~~لنفوذ ليس له فلا يقبلونه، وهناك أكثر من مائتي ألف بدوي مستعدين لأن يجيئوا ويؤيدوا ~~الإعلان الذي أذيعه بعدم صلاح الرجل الذي هدم مؤسسات الخلافة القديمة، في حين أن ~~الإسلام والأمم الإسلامية في حاجة إلى نهضة تجدد شبابها وتقويها، وقد كان في الإمكان ~~تجنب هذا كله، ولكن ما دام السلطان يريد هذه النتيجة فسنراها تتحقق.» # ولنترك الآن بيبرس وانتصاراته على المغول والصليبين، وتنصيبه الخليفة العباسي في مصر، ~~ولنعد إلى السلطانين المملوكين الآخرين اللذين كان لهما الفضل الأخير في طرد الصليبين ~~من الشرق الأدنى: قلاوون، وخليل. أما قلاوون 678-689ه/1279-1290م، فقد عقد هدنة مع ~~الصليبيين؛ ms14 لأن المغول كانوا يتأهبون للإغارة على مصر فهزمهم قلاوون عند حمص هزيمة ~~فاصلة سنة 680ه/1282م، ثم تحول إلى الصليبيين فطردهم من طرابلس، ومات وهو يستعد لغزو ~~عكا، ومع ذلك كله فقد وطد قلاوون الروابط الاقتصادية مع كثير من ملوك أوروبا وأمرائها، ~~وأمراء اليمن وسيلان، وفي عهد الأشرف خليل سقطت عكا في يد المسلمين، وتبعها سائر أملاك ~~الصليبين في الشام، فانقرضت دولهم فيها. # ولا يسعنا أن ننسى أن مصر في عصر المماليك كانت واسطة عقد العالم الإسلامي كله، ~~وحسبنا أن سلطانا كالناصر محمد بن قلاوون طبقت شهرته العالم المتمدين في ذلك الوقت، ~~فتقرب إليه إمبراطور بيزنطة، واتصل به إمبراطور الهند، وطلب إليه أن يساعده على المغول، ~~وبعث إليه البابا وبعض الأمراء المسيحيين في أوروبا وفودا تخطب وده، وتطلب إليه أن ~~يكرم المسيحيين في دولته، وتعد بأن تكرم المسلمين في أوروبا. # والمعروف أن المؤرخ المغربي ابن خلدون وفد إلى مصر سنة 784ه/1382م ووصفه مدينة ~~القاهرة يشهد بعظمة مصر في ذلك العصر، فقد كتب عن العاصمة المصرية: «فرأيت حاضرة ~~الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك ~~تلوج القصور والأواوين في جوه، وتزهر الخوانق والمدارس والكواكب من علمائه.» # 14 # وروى ابن خلدون في هذه المناسبة ما قاله عن القاهرة عالم أوفده السلطان ~~المغربي أبو عنان إلى مصر سنة 756ه/1358م، قال هذا السفير: «إن الذي يتخيله الإنسان ~~فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها لاتساع الخيال عن كل محسوس إلا القاهرة فإنها أوسع ~~من كل ما يتخيل.» # وطبيعي أن وادي النيل فقد كل شأن خطير سياسي أو اجتماعي في العالم الإسلامي منذ الفتح ~~العثماني إلى الحملة الفرنسية، وأتيح للفرنسيين ولمحمد علي من بعدهم أن يضعوا أساس مصر ~~الحديثة، وأن يدخلوا إليها معالم المدنية الغربية، فأصبحت لمصر القيادة في العالم ~~الإسلامي، ونهض بها محمد علي في وقت دب الضعف فيه إلى الدولة العلية حتى استطاع محمد ~~علي أن يقول في حديث له مع القنصل الفرنسي ميمو: «إن محمد علي وسائر كبار ms15 رجال الدولة ~~والأمة لا يريدون سوى إصلاح إدارة السلطنة وأحوالها، يريدون تجديد شبابها لتستطيع ~~مقاومة أعدائها الطبيعيين، فهم الذين يريدون تفككها لا نحن. وهناك سبيل واحد أمام ~~السلطنة يمكنها أن تسلكه لتسترد القوة التي فقدتها، ولتعززها بقوة جديدة لم تعرفها ~~قبلا، وهو التفاهم مع محمد علي؛ فيصبح لها جيش عظيم، وأسطول يمكن مضاعفته، ويصبح لها ~~رأس محمد علي، وذراع إبراهيم. لقد حدثتموني عن احتمال تدخل أوروبا بالسلاح، إني لا أخشى ~~هذا التدخل، ولن يجرؤ عليه أحد، وإذ خطر للمسيحيين أن يحتلوا بلادي بزعم أنهم يدافعون ~~عنها فإن عملهم هذا يشعل نار ثورة عامة عليهم، بل نار حرب دينية تفتك بهم فتكا ذريعا، ~~ويكون الذين سهلوا لهم القدوم إلينا ضحاياها الأولى.» # 15 # ولسنا نزعم أن ثورة محمد علي وعمله على الاستقلال بمصر كانا من أسباب تعقد المسألة ~~الشرقية، وازدياد الضعف في الدولة العلية، فالحق أنهما نتيجة، أو على أقل تقدير ظاهرة ~~لهذا الضعف الذي دب إلى الدولة منذ بدأ انهزامها أمام النمسا والروسيا بسبب ضعف السلطة ~~المركزية، وفساد الجيش والإدارة، وتدخل الأجانب في شئون الدولة الداخلية ~~والخارجية. # وخطت مصر في عصر إسماعيل وخلفائه خطوات واسعة في سبيل الإفادة من المدنية الغربية، ~~ولكنها لم تفقد يوما من الأيام صلتها بحضارة الإسلام، أو زعامتها بين الأمم ~~الإسلامية. # | نصيب مصر في تراث الإسلام # ولنعرج الآن على بعض مظاهر الحضارة الإسلامية لنرى الدور الذي كان لمصر في تطورها، ولكن ~~علينا أن نذكر دائما أن وادي النيل كان من أكثر الأقاليم التي فتحها العرب إقبالا على ~~اعتناق الإسلام، وأن الدين الجديد أيقظ مصر، وكان حافزا لها على أن تنهض بعد أن ظلت نحو ~~عشرة قرون خاضعة لحكم الروم. ولا يفوتنا أن مصر إحدى الأمم القليلة التي تخلت نهائيا عن ~~ماضيها الوطني، وعن لغتها القومية، ورمت بنفسها في أحضان الإسلام والمدنية الإسلامية، وفي ~~الحق أننا نستطيع أن نتتبع تطور الثقافة في مصر منذ فجر الإسلام إلى العصر الحاضر، فنجد ~~سلسلة متصلة الحلقات من الآثار الأدبية والعلمية، ولا ms16 غرو فقد أصبحت منذ دخول العرب إليها ~~مركزا علميا في المملكة الإسلامية كما هي مركز سياسي. # 1 # فكان للمصريين شأن واضح في علم القراءات، وكانوا أساتذة القراء في الأندلس والمغرب، وفي ~~علم الحديث زار أصحاب الكتب الستة مصر فيما زاروه من الأقاليم الإسلامية، واعتمدوا على ~~رواية كثير من المصريين. وكان أحدهم - وهو النسائي صاحب «السنن» - عظيم الاتصال بمصر، فقد ~~عاش فيها حقبة طويلة من عمره، ومن أقدم علماء الحديث عبد الله بن وهب المصري صاحب كتاب ~~«الجامع في الحديث»، وقد عثر على نسخة بردية منه ترجع إلى القرن الثالث الهجري. # وممن نبغوا في علوم الدين من المدرسة المصرية في فجر الإسلام عبد الله بن لهيعة، والليث ~~بن سعد. وقد انتشر مذهب الإمام مالك في مصر منذ البداية، والحق أن لوادي النيل الفضل الأكبر ~~في انتشار هذا المذهب في إفريقية والمغرب والأندلس. وكذلك وفد الإمام الشافعي على مصر، ~~وقويت مدرسته فيها، وأخذ عنه المصريون طريقته في المناظرات الفقهية، والكتابة العلمية، ~~ولكنه تأثر بمصر، وكون مذهبه الجديد فيها. # 2 # وصفوة القول أن مصر مهد المذهب الشافعي، وأن من المصريين أعظم رجاله. # ونلاحظ في هذه المناسبة أن تغييرا كبيرا تم في وادي النيل منذ القرن الثالث الهجري ~~(التاسع الميلادي)، فقد اندمج المسلمون اندماجا كليا في الأمة الإسلامية، وأصبحت ~~الأغلبية العظمى في مصر تدين بالإسلام، كما أصبحت العربية لغة المصريين من مسيحيين ومسلمين، ~~وتزوج العرب من بنات المصريين الذين اعتنقوا الإسلام، فهوى الحاجز الذي كان يفصل في البداية ~~بين العرب وغير العرب. # وقد كان لمصر شأن يذكر في حياة المذهب الشيعي، وتطور تعاليمه، فلم تكن مصر حاضرة ~~الإمبراطورية الفاطمية الشيعية فحسب، بل إن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ادعى الألوهية ~~نتيجة للعقائد الفاطمية في أشد درجاتها غلوا، وأعلن أنصاره عبادته وتوحيده وتنزيهه، وكان ~~على رأس هؤلاء الأنصار داع اسمه درزي، وإليه ينسب مذهب الدروز الذين يعيشون في الشام، ~~ويعبدون الحاكم بأمر الله إلى اليوم، ويعتقدون بأنه لم يمت، وإنما اختفى وسيظهر يوما من الأيام. ms17 # 3 # وكذلك كان لمصر سبق مذكور في ميدان التصوف، فالمعروف أن ذا النون المصري كان من أكبر ~~النساك في بداية التصوف، وقد عاش ذو النون في مصر وتوفي في الجيزة سنة 245ه/860م، ويعدونه ~~من أقطاب الصوفية، بل يقال إنه أول شيخ أعلن اعتناقه العقيدة الصوفية، ومهما يكن من الأمر ~~فإن لذي النون فضلا كبيرا في وضع كثير من التعاليم الصوفية كما نعرفها الآن، وإليه ينسب ~~القول بأن الوجد وليس العلم هو السبيل الوحيد لمعرفة الله المعرفة الحقيقية. # وفضلا عن ذلك فإن أكبر الشعراء الصوفية هو ابن الفارض المصري (577-632ه/1181-1235م)، ~~وقصيدته التائية الكبرى التي مطلعها: # نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي # فيا حبذا ذاك الشذا حين هبت # فيها زهاء سبعمائة وخمسين بيتا، وليست من العيون الفريدة في الأدب العربي فحسب، ولكنها ~~ذات شأن عظيم في دراسة التصوف الإسلامي. # وممن كان لهم شأن عظيم من شعراء مصر محمد بن سعيد البوصيري المتوفى نحو 696ه/1297م، فقد ~~نظم في مدح النبي - عليه السلام - عدة قصائد، أشهرها قصيدته المشهورة بالبردة، والتي ~~مطلعها: # أمن تذكر جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # وقد أتيح لهذه القصيدة أن تصيب من الذيوع والانتشار أكثر من أي قصيدة عربية أخرى، ~~والمعروف أن الشاعر نظمها توسلا إلى الله أن يشفيه من فالج نصفي أصيب به، فرأى النبي في ~~المنام يلقي عليه بردته فانتبه من النوم سليما معافى، وبعد أن كانت القصيدة تسمى «الكواكب ~~الدرية في مدح خير البرية» أصبحت تعرف باسم «البردة»، وقد كان من شهرتها أن كتب لها زهاء ~~تسعين شرحا بالعربية والفارسية والتركية والبربرية كما ترجمت إلى شتى اللغات واللهجات، ~~ولا زالت أبياتها ترتل في الجنازات، وتكتب في التعاويذ حتى اليوم. # وقد بلغ الصوفية أوج عزهم في مصر في أيام صلاح الدين الأيوبي وخلفائه كما يشهد بذلك العدد ~~الوافر من البيوت التي شيدت لهم، والتي تعرف باسم الخوانك (جمع خانكاه)، وعلى رأسها ~~الخانكاه الصلاحية التي فتحها صلاح الدين «للفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة»، ~~ورتب الأوقاف للإنفاق ms18 عليهم. # 4 # وقدر للجامع الأزهر الذي شيده الفاطميون أن يصبح أكبر جامعة إسلامية للعلوم الدينية ~~العالية يفد إليها الطلاب من جميع أصقاع العالم الإسلامي، ويحملون إلي بلدانهم ما يفيدونه ~~من الحركات العلمية في وادي النيل، والحق أن الأزهر كان له شأن عظيم جدا في المحافظة على ~~التراث الثقافي الإسلامي، وفي إعلاء مكانة مصر بين الأمم الإسلامية. # ومن الطقوس الدينية التي كان لمصر صلة وثيقة بها إرسال المحمل إلى الحجاز، فقد قيل أن ~~شجرة الدر هي التي ابتدعت هذه السنة، وجاء في بعض المصادر القديمة أنها ترجع إلى عصر الحجاج ~~عامل بني أمية على العراق. ومهما يكن من الأمر فإن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس كان أول ~~من أقام الحفلات والطقوس في هذه المناسبة، وتبعه في ذلك أمراء مصر حتى العصر الحديث. وكان ~~الأمراء في مصر والشام والعراق واليمن يقصدون بإرسال المحمل إظهار استقلالهم وعظمتهم، وما ~~يشملون به الأماكن المقدسة من رعاية. والمعروف أن الوهابيين حين فتحوا مكة منعوا إرسال ~~المحمل، ولكن هزيمتهم على يد محمد علي أعادت إلى المحمل المصري مكانته. ولما أصبح ابن ~~السعود ملكا على الحجاز لم يسمح بدخول جند مصريين يحرسون المحمل أو موسيقى تتقدم موكبه، ~~وكان هذا الموقف سببا في منع المحمل من السفر إلى أن نجحت مصر والحجاز في السنين الأخيرة ~~في عقد اتفاق بهذا الشأن. # وأصبحت مصر في العصر الحديث المركز الثقافي في العالم الإسلامي، ونبغ من رجالها الشيخ ~~محمد عبده الذي يعد من أعظم الفقهاء المسلمين نفوذا في العصور الأخيرة، وإليه يرجع الفضل ~~في إزالة العوائق التي كانت تشل حركة الإسلام، وتمنعه من التجديد على أساس تحكيم العقل، ~~فأطلق الهمم لتعمل على التوفيق بين الإسلام والحياة الجديدة في العالم الإسلامي المتأثر ~~بالثقافة الغربية. وكان للشيخ محمد عبده الفضل في إدخال العلوم الحديثة في الأزهر، وفي ~~تفسير الإسلام تفسيرا جديدا، لا يقطع صلته بماضيه، ولا يقعده عن مسايرة النهضات الحديثة. ~~والحق أن الأستاذ الإمام وتلاميذه من بعده عملوا كثيرا في هذه السبيل، وانتشر نفوذهم في ms19 ~~العالم الإسلامي كله، فبعث فيه نهضة فكرية مباركة. ومن خير ما كتب بإيجاز في شرح مدرسة ~~الشيخ محمد عبده ما كتبه المستشرق الإنجليزي الأستاذ جب في كتابه «وجهة الإسلام»، وإلى ~~القارئ نبذة منه منقولة عن الترجمة العربية للأستاذ محمد عبد الهادي أبو ريدة (ص48-49): # غير أن الأفكار التي تأسست عليها كلية عليكرة (الجمع بين الإسلام والرقي العلمي ~~الحديث) أخذت تدب أيضا في نفوس أهل السنة في مصر، ولكنها هنا نزعت نزعة أعظم ~~خطورة، وأوسع شمولا للجماعة الإسلامية في جملتها، لم تكن هذه النزعة أقل من محاولة ~~تأويل العقائد الإسلامية من جديد، وصوغها بما يتلاءم مع الفكر الحديث، ولكن الذين ~~قاموا بهذا لم يكونوا من العلمانيين المثقفين ثقافة أوروبية، بل قام به جماعة من ~~الفقهاء الإخصائيين. وإذا أردنا أن نفهم الخطورة التامة لهذه الحركة ولوسائلها يجب ~~أن نلقي نظرة عجلى على إحدى مميزات منهج علم الفقه الإسلامي، لقد رأينا أن الإسلام ~~الأول خرج من جزيرة العرب مرنا بعض المرونة، وأنه قضى قرنين أو زهاءها عاملا على ~~تكييف نفسه مع البيئات التي حل فيها، وعلى وضع تفاصيل علومه الفقهية، وقد بلغ هذا ~~الأمر كماله بفضل جهود العلماء والفقهاء الذين أقر لهم الجميع بالقدرة على ~~الاجتهاد، أو استنباط أحكام حاسمة في مسائل العقائد والأحكام، ومتى صدرت هذه ~~الأحكام اعتبرت غير قابلة للتغيير، ثم أخذ باب الاجتهاد يضيق تدريجيا إلى أن ~~انتهى إلى مسائل قليلة الخطر، حتى إذا ما بت في أمرها أغلق باب الاجتهاد ~~نهائيا، ومن ذلك الحين لم يكن لعالم عند أهل السنة مهما ارتفع شأنه أن يدعي ~~لنفسه لقب مجتهد (أما عند الشيعة، فإن النابهين من علماء الدين لا يزالون يحملون ~~هذا اللقب حتى اليوم). # وظل أهل السنة ما يقرب من عشرة قرون يسيرون في حياتهم الدينية «بالتقليد»، أعني ~~بمقتضى أحكام السلف المتقدمين، كانت هذه العقيدة هي موضوع الجدل بين الأحرار من ~~فقهاء مصر الذين ذهبوا يؤكدون أن تغير ظروف الحياة، وأن النزعات الفكرية الجديدة ~~يجعلان اطراح مجرد التقليد، وفتح باب ms20 الاجتهاد من جديد أمرا محتما، ويؤكدون أن ~~تنافر الإسلام مع الفكر الحديث إنما يعزى إلى ما يحيط به من المذاهب الجدلية ~~البالية للعصور المتوسطة، وأن الإسلام - على عكس ذلك - إذا فهم حق الفهم في صورته ~~الأصلية فإنه يكون على تمام الوفاق مع نتائج البحث العلمي الممحصة، بل إنه ليكون ~~أكثر توافقا مع تلك النتائج من أي نظام ديني آخر. وقد وجدوا زعيما عظيما في شخص ~~الشيخ محمد عبده (المتوفى سنة 1905م) الذي يعد من أشهر الشخصيات المحترمة في تاريخ ~~الإسلام الحديث، والذي جذبت إليه شخصيته ومواهبه طائفة كبيرة من المعجبين به، ~~وأكسبت الحركة أتباعا كثيرين لا في مصر فحسب، ولكن في البلاد الإسلامية ~~الأخرى. # ولنعرج الآن على نصيب مصر من النواحي الأدبية والعلمية من الثقافة الإسلامية. والحق أن ~~مصر كانت لها منذ البداية مكانة خاصة عند المسلمين، إذ إنها ذكرت في عدة مواضع في القرآن، ~~وفي الأحاديث، وهي فضلا عن ذلك موطن مارية القبطية زوج النبي - عليه السلام. وقد كانت بعض ~~الأحاديث التي تنسب إلى النبي عن «فضائل مصر» نواة لفصول في هذا الصدد كتبها المؤرخون ~~والمؤلفون المصريون في العصور الوسطى، بل قد ألف فيه بعضهم كتبا مستقلة، ومنها كتاب «فضائل ~~مصر» الذي ألفه عمر بن محمد الكندي لكافور الإخشيدي، والذي ينسب خطأ في بعض الأحيان إلى ~~أبيه محمد الكندي صاحب كتاب «ولاة مصر وقضاتها». # على أننا نذهب إلى أن أكبر نصيب لمصر في الثقافة الأدبية الإسلامية إنما هو ما كتبه ~~المصريون في التاريخ. والحق أنه ليست هناك أمة إسلامية أخرى تستطيع أن تفخر بمثل ما خلفه ~~المصريون من دراسات في تاريخ بلادهم، وأنظمتها السياسية. والمؤرخون المصريون في العصور ~~الوسطى لم يكتبوا في التاريخ السياسي، وفي التراجم فحسب، بل فاقوا سائر الكتاب المسلمين في ~~دراسات الخطط والآثار، التي يعتبر المقريزي بطلها الممتاز. # ولعل شهرة المقريزي ترجع قبل كل شيء إلى كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، ~~فهو على رأس المراجع الأساسية لمن يشتغلون بتاريخ مصر وآثارها، ونظمها في العصر ms21 ~~الإسلامي. # ومن المؤلفين المصريين الذين كتبوا في الخطط ابن عبد الحكم، والكندي، وابن زولاق، ~~والقضاعي، والأوحدي، ثم اقتفى أثرهم في العصر الحديث علي مبارك باشا في كتابه «الخطط ~~التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة»، والأستاذ محمد كرد علي بك في كتابه: «خطط الشام»، وهو ~~وثيق الصلة بمصر لما كان بين البلدين من اتحاد سياسي في العصر الإسلامي. # وقد أنجبت مصر عددا وافرا من المؤرخين، وحسبنا أن نذكر ابن الحكم، وابن الداية، ~~والكندي، وابن زولاق، وابن أبي أصيبعة، وابن الراهب القبطي، والعماد الأصفهاني، وأبا شامة، ~~وابن واصل، والقفطي، وابن خلكان، وابن شداد، والذهبي، والمقريزي، والعيني، وابن تغري بردي، ~~وأبا الفدا، والسخاوي، وابن إياس. ولا ننسى في هذه المناسبة أن مصر كان لها أثر ظاهر في ~~حياة ابن خلدون، فقد ولي القضاء بها، وكتب فيها الجزء الأكبر من كتابه في التاريخ، ثم توفي ~~بعد أن أقام بها زهاء عشرين عاما. # وقد نبغ من علماء اللغة العربية في مصر طاهر بن بابشاذ الذي تولى ديوان الإنشاء في العصر ~~الفاطمي، وكان إمام عصره في النحو، وكذلك ابن بري، وابن الحاجب، وابن مالك الطائي. وكان ابن ~~منظور صاحب «لسان العرب» من رجال ديوان الإنشاء بمصر في عصر المماليك، وكان للمصريين طريقة ~~أدبية في البلاغة، ومذهب يختلف عن المذهب الفلسفي أو الكلامي الذي اتخذ في سائر الأقطار العربية، # 5 # والمعروف أن في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول حركة ترمي إلى العناية بدرس ~~الأدب المصري الإسلامي، وقد اتجه بعض الأساتذة إلى البحث في أثر البيئة المصرية البحتة في ~~العلوم والفنون الإسلامية التي ازدهرت في مصر. # وأكبر الظن أن وادي النيل كان مهد القصص الشعبية الشرقية، فإن هذه القصص اليت يحفظها ~~القصاص، ويقبل العامة على سماعها أو قراءتها قد تم صوغها في مصر فاتخذت فيها شكلها الحالي، ~~إن لم تكن قد نشأت فيها منذ البداية. والحق أن قصص عنتر، والظاهر بيبرس، وأبي زيد، وسيف بن ~~ذي يزن يبدو عليها الطابع المصري، بالرغم من أن بعضها تدور حوادثه في بيئة غير ms22 ~~مصرية. # ولا ريب في أن مصر كان لها نصيب وافر في «قصص ألف ليلة وليلة» التي نعرفها الآن، ولسنا ~~ننكر أن هذه القصص مختلفة العناصر، وأن بعضها يرجع إلى العراق في القرن الرابع الهجري ~~(10م)، ولكن البيئة التي تشير إليها بعض القصص المذكورة هي البيئة المصرية، فضلا عن أن ~~مؤرخا مصريا اسمه القرطي كتب تاريخ مصر في عصر العاضد آخر خلفاء الفاطميين، أشار إلى ~~وجود قصص ألف ليلة وليلة، وفضلا عن ذلك فإن في هذه القصص ما يشير إلى مصر في عصر المماليك. # 6 # وكانت مصر والشام مهد الموسوعات والمجاميع الإسلامية، فإن معظم الذين ألفوا الكتب الجامعة ~~للموضوعات المختلفة كانوا من المصريين، أو كانوا من الشاميين في عصر اتحاد البلدين. ~~فالنويري صاحب «نهاية الأرب في فنون الأدب» كان من رجال السلطان المملوكي الناصر محمد بن ~~قلاوون، وابن فضل الله العمري صاحب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» تولى القضاء بمصر في ~~عصر المماليك، وأبو العباس أحمد القلقشندي صاحب «صبح الأعشى» كان أيضا من الموظفين ~~المصريين في ذلك العصر، وجلال الدين السيوطي تولى الإفتاء بمصر وتوفي في بداية القرن العاشر ~~الهجري (16م) بعد أن ألف الكتب والرسائل العديدة في التفسير والحديث والتاريخ والفقه ~~وعلوم اللغة، وغيرها. والحق أن كتابة الموسوعات من أخص مميزات الحركة الأدبية بمصر في ~~العصر المملوكي. ولا ننسى في هذه المناسبة أن بطرس البستاني اللبناني الأصل قام في العصر ~~الحديث بكتابة دائرة المعارف المنسوبة إليه، وكانت رعاية هذا المشروع للخديوي إسماعيل الذي ~~يرجع إليه الفضل في تشجيع البستاني من الناحيتين المادية والأدبية. # ومن العلماء المصريين الذين نبغوا في ميدان العلوم أبو كامل شجاع ابن أسلم، وعلي بن يونس، ~~وابن الهيثم، وعلي بن النفيس. أما شجاع بن أسلم، فقد ذاع صيته في علم الجبر في بداية القرن ~~الرابع الهجري (10م)، وكتب فيه فزاد على ما خلفه الخوارزمي في كتابه «الجبر والمقابلة». ~~وابن يونس اشتهر بالرياضيات والفلك في العصر الفاطمي، واخترع الرقاص أو بندول الساعة ~~الدقاقة، وكان لأرصاده الفلكية وبحوثه العلمية ms23 أثر كبير في علم الفلك. أما ابن الهيثم، فكان ~~أكبر علماء المسلمين في الطبيعة، بل أعظم علماء الطبيعة في العصور الوسطى، ولولاه لما أتيح ~~لعلم البصريات أن يصل إلى ما هو عليه الآن، وقد ترجم كتابه في هذا العلم إلى اللاتينية سنة ~~1572م، وأخذ عنه علماء أوروبا جميع معلوماتهم، ولا سيما في موضوعات انكسار الضوء، وتشريح ~~العين، وكيفية تكوين الصور على شبكية العين. # 7 # وممن ازدهروا بمصر في ميدان الطب علي بن النفيس الذي كان رئيس الأطباء في مارستان قلاوون ~~بالقاهرة، والمتوفى سنة 687ه/1288م، وقد كان فوق اشتغاله بالطب من البارزين في العلوم ~~الدينية واللغوية والأدبية في عصره. وكتب ابن النفيس شرحا لتشريح ابن سينا وصلت إلينا نسخة ~~مخطوطة منه، وقد ظهر من دراستها أن هذا الطبيب المصري اهتدى إلى حقيقة الدورة الدموية ~~الصغرى «دورة الدم من البطين الأيمن في القلب إلى الرئتين ثم إلى البطين الأيسر» قبل أن ~~يكشفها الأوربيان ميشيل سرفت # Michel Serfet # سنة 1556م، ~~وريالدو كولومبو # Realdo Colombo # سنة 1559م، وسبقهما ~~إلى ذلك بنحو ثلاثة قرون. # 8 # وكتب البيطرة نادرة في اللغة العربية، ولكن من أعظمها كتاب قدمه إلى الناصر محمد بن ~~قلاوون طبيب كان له الإشراف على إسطبله وخيوله. # ومن المسلم به عند المشتغلين بالطب وتاريخه أن أمراض العين كانت تعالج بمصر والشام في ~~القرنين السادس والسابع بعد الهجرة (12 و13م) بأسلوب علمي يفوق كل ما كان معروفا حينئذ في ~~سائر بلاد العالم. # ولا ريب في أن أعظم علماء الحيوان عند المسلمين هو محمد بن عيسى الدميري المصري المتوفى ~~بالقاهرة سنة 808ه/1405م، وأحسن مؤلفاته كتاب «حياة الحيوان الكبرى»، وقد ترجم إلى ~~الإنجليزية والتركية. # ومن خير من أنجبهم عصر المماليك أحمد بن ماجد الذي وضع الكتب والرسائل في علم البحار ~~وتسيير السفن، وكان لمؤلفاته وخبرته فضل كبير على الملاحة البرتغالية في القرنين الخامس عشر ~~والسادس عشر بعد الميلاد. وقد ثبت لبعض علماء أوروبا أن فاسكو دي جاما استعان بابن ماجد في ~~تسيير أسطوله من مالندي على ساحل ms24 إفريقيا الشرقية إلى قاليقوت في الهند. # 9 # والحق أن مصر ساهمت بنصيب وافر في إنشاء الأساطيل المصرية الأولى. وفي السنين التي تلت ~~فتح مصر استطاع العرب النزول في الجزائر الواقعة شرقي البحر الأبيض المتوسط مثل: قبرص، ~~ورودس، وكريت، بل لقد استطاعوا سنة 34ه/655م أن يكسبوا أول معركة حربية كبيرة ضد الروم. وهي ~~موقعة ذات الصواري التي مني فيها البيزنطيون بخسارة كبيرة. ويمكننا القول بأن عبد الله بن ~~سعد الذي خلف عمرو بن العاص في حكم مصر كان أمير البحر الثاني في الإسلام، أما أمير البحر ~~الأول فكان معاوية بن أبي سفيان أثناء ولايته على الشام، وقبل أن تصير له الخلافة. فكان ~~المسلمون يقومون بغزواتهم البحرية ضد البيزنطيين من الشام بقيادة معاوية، ومن مصر بقيادة ~~عبد الله بن سعد. وبعد أن كان البحر الأبيض المتوسط في عهد جستنيان بحيرة بيزنطية أصبح بفضل ~~مصر والشام بحرا إسلاميا، ولا ننسى أن سكان مصر - ولا سيما القبط - كان لهم الفضل في ~~بناء السفن، وتشييد دور الصناعات في وادي النيل، وفي تونس والشام. # أما في ميدان الفنون الإسلامية فقد كانت مصر مهد طرازين من أبدع الطرز الإسلامية، هما: ~~الطراز الفاطمي، والطراز المملوكي. # ووجد الفاتحون العرب في وادي النيل فنانين مهرة ولا سيما في النسج والحفر في الخشب وصناعة ~~الزجاج، وكان للمعماريين المصريين شهرة واسعة في فجر الإسلام، فقد وجدت أوراق بردية على ~~مقربة من سوهاج ثبت من نصوصها أن فريقا من مهرة البنائين المصريين استخدموا في المسجد ~~الجامع بدمشق، وفي المسجد الأقصى ببيت المقدس. # والمعروف أن المحاريب المجوفة التي تعين اتجاه القبلة في المساجد لم تكن فيها منذ ~~البداية، بل كانت ظاهرة حادثة في عمارتها. وقد تبين علماء الآثار الإسلامية أن هذه الظاهرة ~~المعمارية منقولة عن الكنائس المسيحية، وأن أول محراب مجوف بني في الإسلام شيده بناءون من ~~القبط كانوا يعملون في الحرم النبوي بالمدينة المنورة، ولا ريب في أن العمارة والفنون ~~الزخرفية الإسلامية في مصر احتفظت بطابع مصري يميزها إلى حد ما عن الطرز ms25 الفنية في سائر ~~العالم الإسلامي. فضلا عن أن كثيرا من الموضوعات الزخرفية التي استخدمها الفنانون ~~المسلمون في مصر مشتقة من الموضوعات الزخرفية القبطية، والإغريقية الرومانية في وادي ~~النيل. # وكانت المنسوجات المصرية الإسلامية، والتحف المصنوعة من البلور الصخري ذات شهرة عالمية في ~~العصور الوسطى، كما أن أقدم ما نعرفه من جلود الكتب الفنية الإسلامية تنسب إلى مصر في ~~القرنين الثاني والثالث بعد الهجرة (8-9م)، ولا ريب في أن سائر الأقطار الإسلامية تأثرت ~~بزخارفها وأساليبها الصناعية، بل إن تأثيرها امتد إلى جنوبي أوروبا، ولا سيما ~~إيطاليا. # وكان الإنتاج المعماري والفني في مصر الإسلامية عظيما في مقداره ونوعه، بل إننا لا نجد ~~له نظيرا في سائر الأقطار الإسلامية اللهم إلا في إيران، وحسبنا أن نقرأ وصف التحف الفنية ~~التي جمعها الخلفاء الفاطميون، أو أن نرى التحف المحفوظة في المتاحف والمجموعات الفنية ~~الخاصة، أو نقلب النظر في العمائر الإسلامية التي تزدحم بها مدينة القاهرة، والتي جعلت أعظم ~~متحف للطرز المعمارية الإسلامية في ممر العصور. # ولا غرو فقد كانت خيرات مصر واسعة إلى أبعد حد، وكان بين يدي حكام مصر ثروتها الطبيعية، ~~فضلا عن الأرباح الوافرة التي كانوا يجنونها من مرور تجارة الشرق في مصر والشام. وأصبحت ~~مصر المركز الرئيسي لتبادل التجارة بين آسيا وأفريقية وأوروبا منذ أن ضعفت بغداد، ثم سقطت ~~في يد المغول؛ فصار ثغر الإسكندرية «مخزن العالم» كما كانوا يسمونه إلى أن كشف طريق رأس ~~الرجاء الصالح، فكان ذلك سببا في خراب مصر المالي، وإيذانا بسقوط دولة المماليك. # | خاتمة # ولسنا نريد أن نعرض في هذه الرسالة الصغيرة لنصيب مصر الحديثة في بعث الحضارة الإسلامية، ~~وتقويم دعائمها، والعمل على نهضة العالم الإسلامي، فقد عقدت لمصر الزعامة الثقافية في الأمم ~~الإسلامية منذ انتشلها محمد علي من عصر الحكم التركي المظلم، فنظم التعليم، وأرسل البعثات ~~إلى أوروبا، وأصلح إدارة البلاد وأحوالها الاقتصادية، ونسج خلفاؤه على منواله فانتشرت ~~الطباعة، ونمت الصحافة، وقامت الجمعيات العلمية، وأنشئت المكتبات والمتاحف والجامعة. والحق ~~أن مصر تنهض في العصر الحديث بمهمة ms26 التوفيق بين الحضارة الإسلامية التي ازدهرت فيها منذ ~~العصور الوسطى والحضارة الغربية التي تأثرت بها منذ الحملة الفرنسية على وادي النيل. # وصفوة القول أن مصر - على عكس إيران وتركيا والأندلس - تخلت في الإسلام عن لغتها، وماضيها ~~القومي، وكرست كل جهودها للحضارة الإسلامية فساهمت فيها بنصيب وافر، وأنجبت كثيرين من أعلام ~~المسلمين في العلوم والآداب والفنون والسياسة. ms27