######OpenITI# #META# URI: 1376ZakiMuhammadHasan.RahhalaMuslimunFiCusurWusta.Hindawi26180405 #META# Tags: history #META# ID: 26180405 #META# Title: الرحَّالة المسلمون في العصور الوسطى #META# AuthorID: 15169292 #META# Author: زكي محمد حسن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # سلام الترجمان‏ # ابن وهب القرشي‏ # سليمان السيرافي‏ # ابن فضلان‏ # أبو دلف‏ # جغرافيو القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة (9-10م)‏ # قصة الفتية المغررين‏ # محمد بن قو سلطان مالي‏ # البيروني‏ # ناصر خسرو‏ # الإدريسي‏ # السمعاني‏ # ابن جبير‏ # الهروي السائح‏ # أسامة بن منقذ‏ # ياقوت الحموي‏ # عبد اللطيف البغدادي‏ # ابن سعيد وابن فاطمة‏ # القزويني‏ # العبدري‏ # البلوي‏ # ابن بطوطة‏ # عبد الباسط بن خليل بن شاهين الظاهري‏ # الخاتمة‏ # مراجع‏ # مقدمة‏ # سلام الترجمان‏ # ابن وهب القرشي‏ # سليمان السيرافي‏ # ابن فضلان‏ # أبو دلف‏ # جغرافيو القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة (9-10م)‏ # قصة الفتية المغررين‏ # محمد بن قو سلطان مالي‏ # البيروني‏ # ناصر خسرو‏ # الإدريسي‏ # السمعاني‏ # ابن جبير‏ # الهروي السائح‏ # أسامة بن منقذ‏ # ياقوت الحموي‏ # عبد اللطيف البغدادي‏ # ابن سعيد وابن فاطمة‏ # القزويني‏ # العبدري‏ # البلوي‏ # ابن بطوطة‏ # عبد الباسط بن خليل بن شاهين الظاهري‏ # الخاتمة‏ # مراجع‏ # | الرحالة المسلمون في العصور الوسطى # | الرحالة المسلمون في العصور الوسطى # تأليف # زكي محمد حسن # فنحن الناس كل النا # س في البر وفي البحر # أخذنا جزية الخلق # من الصين إلى مصر # إلى طنجة، بل في ك # ل أرض خيلنا تسري # إذا ضاق بنا قطر # نزل عنه إلى قطر # لنا الدنيا بما فيها # من الإسلام والكفر # فنصطاف على الثلج # ونشتو بلد التمر # أبو دلف مسعد بن المهلهل # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # لما بدأ القرن الثامن الميلادي كان العرب قد امتدت فتوحاتهم وأصبح لهم ملك واسع ~~الأرجاء. وفي بداءة هذا القرن فتحوا بلاد ما وراء النهر وبلاد الأندلس؛ فانبسطت ~~إمبراطوريتهم من حدود الهند شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن آسيا الوسطى وجبال ~~القوقاز شمالا إلى صحاري إفريقية جنوبا. # وكان لاختلاط العرب بالشعوب الأخرى أثر كبير في نشأة المدينة الإسلامية وتطورها، فملك ~~العرب ناصية العلم والمعرفة، وحفظوا لأوروبا تراث اليونان، وتقدمت على يدهم العلوم ~~المختلفة. # وأتيح للمسلمين في العصور الوسطى أن يحوزوا قصب السبق في ميدان الرحلات والاكتشافات ~~والدراسات الجغرافية. وأفادت أوروبا مما كان عند المسلمين من علم بأجزاء العالم ~~المعروفة في القرون الوسطى. # والحق أن ازدهار الحضارة الإسلامية، ms01 وسيادة المسلمين في البر والبحر، وطبيعة الدين ~~الإسلامي، كل ذلك كان من شأنه أن يشجع على الأسفار والرحلات. ~~••• # فالجزء الأكبر من العالم المعروف في فجر الإسلام كانت تزدهر فيه مدنية الإسلام وتدير ~~دفته حكومة إسلامية. ثم فقدت الإمبراطورية الإسلامية وحدتها السياسية منذ منتصف القرن ~~الثاني الهجري (الثامن الميلادي)، ولكن روابط الدين واللغة والثقافة ظلت تجمع بين سكان ~~الدول الإسلامية، فكانوا يشعرون بأنهم أبناء إمبراطورية إسلامية بعيدة الأطراف. وقد ~~كانت تلك الروابط قوية في العصور الوسطى. ولم تكن القوميات الإقليمية قد عظم شأنها بعد. ~~وكانت أنحاء هذا الملك الواسع الذي أسسه المسلمون تتطلب الدراسة والوصف، تمهيدا لتطبيق ~~أحكام الشريعة، وتسهيلا لمهمة الولاة. فسافر القوم، لدراسة البلاد وطرقها وحاصلاتها ~~وخراجها وما إلى ذلك، مما لا بد منه للتأليف في علم تقويم البلدان. وطبيعي أن تكون ~~الرحلات والأسفار من أول السبل لطلب العلم في تلك العصور؛ فقد كانت الكتب نادرة، وكانت ~~الدراسة العملية تقوم مقام ما نصنعه اليوم من تتبع المراجع والمؤلفات، التي تزدحم بها ~~خزانات الكتب الخاصة والعامة. وفضلا عن ذلك فقد تعددت مراكز الثقافة في ديار الإسلام، ~~وكان رجال العلم ينتقلون في طلبه من إقليم إلى آخر، يدرسون على مشاهير الأساتذة ويلقون ~~أعلام الفقهاء والمحدثين واللغويين ثم الأطباء والفلاسفة والرياضيين. ~~••• # وكذلك كان الحج من أعظم بواعث الرحلات، فإن ألوف المسلمين يتجهون كل عام من شتى أنحاء ~~العالم الإسلامي إلى الحجاز، لتأدية فريضة الحج وزيارة قبر النبي. وكان الحجاج عند ~~عودتهم إلى بلادهم يخبرون عن الطرق التي سلكوها والأحداث التي صادفوها. وقد كان ~~النابهون منهم يدونون مشاهداتهم، ويعملون على أن ينفعوا المؤمنين بتجاربهم؛ فيصفون ~~رحلاتهم، تسجيلا لفضلهم، وهداية لغيرهم، ولفتا لنظر أولي الأمر إلى ما يجب إصلاحه، ~~كما كان أهل الخير والتقوى في شتى البلاد الإسلامية يرحبون بإخوانهم المسلمين الميممين ~~شطر الأراضي المقدسة، ويعنون بإقامة الرباطات وحبس الأوقاف للإنفاق في سبيل راحتهم. ~~••• # واتسع نطاق التجارة عند المسلمين اتساعا لم يبلغه عند شعب آخر قبل كشف أمريكا؛ ~~فانتشرت قوافل التجار المسلمين في القسم ms02 الأعظم من العالم المعروف في ذلك العهد، وخاضت ~~سفنهم عباب البحار والمحيطات، وازدهرت على أيديهم الطرق التجارية بين بحار الصين وآسيا ~~الوسطى وسواحل بحر البلطيق والأندلس وشواطئ المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط وساحل ~~أفريقيا الشرقي وجزر المحيط الهندي وصحاري السودان. وكان التجار يحملون السلع بين ~~الأسواق المختلفة في العالم الممدن حينئذ، ويقومون بالرحلات الطويلة في هذا السبيل. ~~وحسبنا أن نشير إلى الكنوز الوافرة من النقود الإسلامية التي عثر عليها في الروسيا ~~وفنلندة والسويد والنرويج، بل في سويسرا وجزيرة أيسلندة والجزائر البريطانية. وترجع قطع ~~العملة المذكورة إلى الفترة الواقعة بين نهاية القرن الأول وبداية الخامس بعد الهجرة ~~(السابع وبداية الحادي عشر الميلادي). ولسنا نجزم بأن كثيرا من التجار المسلمين أنفسهم ~~وصلوا إلى أيسلندة أو النرويج أو الجزر البريطانية، ولكن كتب الرحلات وتقويم البلدان ~~عندهم تشير إلى ترددهم على جنوبي الروسيا، وإلى وصولهم أوروبا الوسطى. ويشهد ذلك كله ~~بما كان للمسلمين من سيادة تجارية في تلك البقاع. # وقد كتب المقدسي بيانا بالسلع التي كان المسلمون يحصلون عليها من جنوبي الروسيا ~~والبلاد الأوروبية الشمالية، وقوامها أنواع الفراء والجلود والشمع والنشاب والقلانس ~~والغرا والعسل والسيوف والدروع والأغنام والبقر، كل ذلك فضلا عن الرقيق من الصقالبة. ~~والمعروف أن المسلمين استعملوا لفظ «الصقالبة» بمعنى أوسع، فكان لا يشمل عندهم ~~السلافيين حسب، بل امتد إلى الجرمان وسائر سكان أوروبا. أما أهم ما كان يحمله التجار ~~المسلمون إلى تلك الأقاليم فالمنسوجات بأنواعها وبعض التحف المعدنية ثم الفاكهة. وسوف ~~نرى عند الكلام على الرحالة أنفسهم عظم تجارة المسلمين في شرقي أفريقيا ووسطها وإقليم ~~غانة وفي بحار الصين وجزر الهند الشرقية. وحسبنا ما ذكره ابن جبير وابن بطوطة من أن ~~التجار في عدن كانت لهم ثروات طائلة، وكان بعضهم يملك المراكب العظيمة لنقل سلعهم. أما ~~التجارة بين الشرق الأدنى والأمم المسيحية في البحر الأبيض المتوسط، فقد كان معظمها في ~~يد اليهود، # 1 # ولكن الرحالة والتجار المسلمين كانوا يزورون القسطنطينية والمدن التجارية ~~في شبه جزيرة إيطاليا، وكان للمنسوجات الشرقية والسجاد سوق ms03 رائجة في أوروبا . # ومن الطريف أن بعض المسلمين كانوا يجمعون بين التجارة وطلب العلم، من ذلك أن أحد ~~رفقاء المقدسي في السفينة إلى عدن صارحه بأنه يخشى عليه إذا دخل هذا الثغر «فسمع أن ~~رجلا ذهب بألف درهم فرجع بألف دينار وآخر دخل بمائة فرجع بخمسمائة، طلبت نفسه ~~التكاثر»، وانصرف عن جمع العلوم إلى التجارة. فدعا المقدسي أن يعصمه الله، ولكنه لما ~~دخل عدن وسمع عن إثراء التجار أكثر مما قال رفيقه في السفينة، غره ذلك وعقد العزم على ~~السفر بتجارة إلى ساحل إفريقية الشرقي، واشترى مع شريك له ما يلزم للتجارة مع تلك ~~الأقاليم، ولم يثنه عن هذا العزم ويبقه لطلب العلم إلا موت هذا الشريك. وسيمر بنا في ~~الصفحات التالية أن ياقوت صاحب «معجم البلدان» كان ممن رحلوا للتجارة وطلب ~~العلم. ~~••• # وكان بعض أمراء المسلمين يوفدون الرسل والسفراء إلى غيرهم من أمراء المسلمين، فدعا ~~ذلك أحيانا إلى القيام برحلات طريفة إلى أصقاع لا يألفها المسلمون. من ذلك رحلة ابن ~~فضلان إلى جنوبي الروسيا. ومن ذلك أيضا السفارة الأندلسية نحو سنة (362ه/973م) إلى ~~أوتو الأكبر إمبراطور الجرمان. والمحتمل أن بعض أعضاء تلك السفارة كانوا مصدر ما كتبه ~~القزويني عن بعض البلاد الألمانية. # وطبيعي أن كثيرين من المسلمين كانوا يرحلون سعيا في طلب الرزق. وحسبنا أن نشير إلى ~~الخياط البغدادي الذي قابله الرحالة ابن فضلان في إقليم الفولجا. ثم كان أعلام الفنانين ~~ومهرة الصناع ينتقلون من إقليم إلى آخر لينتفع الأمراء بجهودهم؛ أو كانوا يؤمرون بالسفر ~~إلى بعض الأطراف النائبة، للاشتراك في المنشآت الجديدة، أو المساهمة في تجديد بناء أو ~~زخرفة عمارة أو إنتاج التحف الفنية النفيسة. # ولسنا ننسى في هذه المناسبة أن إكرام الضيف عند الشرقيين، وبساطة العيش في القرون ~~الوسطى، وحث الإسلام على السفر بتخفيف بعض الواجبات الدينية على المسافرين، كل ذلك سهل ~~الرحلات وشجع على القيام بها. ~~••• # ومن المحتمل أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام كانت تخفف بعض متاعب الأسفار، ولا تجعل ~~الرحالة المسلمين محل شكوك أو ms04 مصدر متاعب اجتماعية. فكان بعضهم يتزوج في البلاد التي ~~ينزل فيها فترة من الزمن. ومن الطريف في هذا الصدد أن الرحالة ابن بطوطة تزوج في مصر ~~مرتين على الأقل، وكانت له في جزائر الملديف أربع زوجات. وقد كتب عن هذه الجزائر: ~~«والتزوج بهذه الجزائر سهل، لندارة الصداق، وحسن معاشرة النساء ... وإذا قدمت المراكب ~~تزوج أهلها النساء. فإذا أرادوا السفر طلقوهن. وهن لا يخرجن عن بلادهن أبدا ... ولم أر ~~في الدنيا أحسن معاشرة منهن. ولا تكل المرأة عندهم خدمة زوجها إلى سواها؛ بل هي تأتيه ~~بالطعام، وترفعه من بين يديه، وتغسل يده، وتأتيه بالماء للوضوء، وتغم رجليه عند النوم. ~~ومن عوائدهن ألا تأكل المرأة مع زوجها. ولا يعلم الرجل ما تأكله المرأة. ولقد تزوجت بها ~~نسوة؛ فأكل معي بعضهن بعد محاولة، وبعضهن لم تأكل معي، ولا استطعت أن أراها تأكل.» ~~وكذلك أعجبه من نساء مدينة زبيد باليمن «أن للغريب عندهن مزية؛ ولا يمتنعن من تزوجه، ~~كما يفعله نساء بلادنا (أي: المغرب). فإذا أراد السفر خرجت معه وودعته. وإن كان بينهما ~~ولد فهي تكفله، وتقوم بما يجب له، إلى أن يرجع أبوه. ولا تطالبه في أيام الغيبة بنفقة ~~ولا كسوة ولا سواها. وإذا كان مقيما، فهي تقنع منه بقليل النفقة والكسوة. لكنهن لا ~~يخرجن عن بلدهن أبدا. ولو أعطيت إحداهن ما عسى أن تعطاه، على أن تخرج من بلدها لم ~~تفعل». ~~••• # ومن القصص الطريفة التي تشهد باتساع الأسفار الإسلامية قصة رواها الرحالة ابن بطوطة ~~الذي سيلي ذكره في هذا الكتاب. وتشير هذه القصة إلى أن الرحالة المسلم كان يعثر أحيانا ~~في أبعد آفاق المعمورة عن بلاده على مواطن له من التجار أو السياح. قال ابن بطوطة في ~~كلامه على إقامته بمدينة قنجنفو بالصين: «وبينما أنا يوما في دار ظهير الدين القرلاني، ~~إذا بمركب عظيم لبعض الفقهاء المعظمين عندهم، فاستؤذن له علي. وقالوا: مولانا قوام ~~الدين السبتي؛ فعجبت من اسمه. ودخل إلي. فلما حصلت المؤانسة بعد السلام، سنح لي أني ~~أعرفه. فأطلت النظر ms05 إليه. فقال: أراك تنظر إلي نظر من يعرفني! فقلت له: من أي البلاد ~~أنت؟ فقال: من سبته (على شاطئ مراكش في مواجهة جبل طارق). فقلت له: وأنا من طنجة. فجدد ~~السلام علي، وبكى حتى بكيت لبكائه. فقلت له: هل دخلت بلاد الهند؟ فقال لي: نعم، دخلت ~~حضرة دهلي. فلما قال لي ذلك تذكرت له. وقلت: أأنت البشري؟ قال: نعم. وكان وصل إلى دهلي ~~مع خاله أبي القاسم المرسي، وهو يومئذ شاب لا نبات بعارضيه من حذاق الطلبة يحتفظ ~~الموطأ. وكنت أعلمت سلطان الهند بأمره، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وطلب منه الإقامة عنده ~~فأبى. وكان قصده في بلاد الصين. فعظم شأنه بها واكتسب الأموال الطائلة. أخبرني أن له ~~نحو خمسين غلاما ومثلهم من الجواري. وأهدى إلي منهم غلامين وجاريتين وتحفا كثيرة. ~~ولقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان. فيا بعد ما بينهما!» ~~••• # وهكذا نرى أن المسلمين في العصور الوسطى أتيح لهم القيام بكثير من الرحلات والأسفار. ~~والحق أن ما كتبه المؤلفون المسلمون فيما بين القرنين الثالث والتاسع بعد الهجرة ~~(التاسع والخامس عشر بعد الميلاد) عن الرحلات كثير جدا، ولكن المعروف أن الرحالة لم ~~يكتبوا أخبار رحلاتهم في مؤلفات قائمة بذاتها إلا نادرا. أما معظمهم فقد أدمجوا حديث ~~تلك الرحلات فيما ألفوه من كتب التاريخ أو تقويم البلدان. كما أشار بعض المؤلفين إلى ~~رحلات قام بها غيرهم ولم يصل إلينا شيء عنها من تأليف أصحابها أنفسهم. وفضلا عن هذا ~~كله فثمة رحلات قام بها الملاحون التجار ضاعت أخبارها أو لم يدونها أصحابها، وإن كانوا ~~من المصادر التي نقل عنها المؤرخون والجغرافيون الكثير من وصف البلاد النائبة، والتي ~~يرجع إليها ما نراه من قصص البحر في الأدب العربي مثل قصة السندباد البحري. # | سلام الترجمان # إن رحلة سلام الترجمان إلى سور الصين الشمالي قد تكون حقيقة تاريخية، وإن كان سببها الذي ~~يذكره الجغرافيون العرب - كالقزويني وياقوت - على لسان الرحالة نفسه، أشبه بأسطورة خيالية. ~~والظاهر أن حديثها كان مشهورا في العصور الوسطى. وقصة هذه الرحلة أن ms06 سلاما الترجمان يزعم ~~أن الخليفة العباسي الواثق بالله (227-232ه/842-847م) رأى في المنام أن السد الذي بناه ~~الإسكندر ذو القرنين (والذي يقع بين ديار المسلمين وديار يأجوج ومأجوج) مفتوح؛ فأرعبه هذا ~~المنام، وأمر سلاما بأن يرحل ليتفقد السد. فسار الترجمان من مدينة سر من رأى، ومعه خمسون ~~رجلا ومائتا بغل تحمل الزاد والماء، وكان الخليفة قد أعطاه كتابا إلى حاكم أرمينية ليقضي ~~حوائجهم ويسهل مهمتهم. فعني هذا الحاكم بالرحالة ورجاله، وزودهم بكتاب توصية إلى حاكم ~~إقليم السرير. وكتب لهم هذا الحاكم إلى أمير إقليم اللان. وكتب هذا الأمير إلى فيلانشاه. ~~وكتب لهم فيلانشاه إلى ملك الخزر في إقليم بحر قزوين؛ فوجه معهم خمسة من الأدلاء وسار ~~الجميع ستة وعشرين يوما؛ فوصلوا إلى أرض سوداء كريهة الرائحة وكانوا قد حملوا معهم بإشارة ~~الأدلاء خلا لتخفيف هذه الرائحة. وسار الركب في تلك الأرض عشرة أيام ثم وصلوا إلى إقليم ~~فيه مدن خراب، وساروا فيها سبعة وعشرين يوما. وقال الأدلاء: إن شعب يأجوج ومأجوج هو الذي ~~خرب تلك المدن. وانتهوا إلى جبل فيه السور المنشود. وعلى مقربة منه حصون تسكنها أمة مسلمة ~~تتكلم العربية والفارسية؛ ولكنها لم تسمع بخليفة المسلمين قط. وتقدم الركب إلى جبل لا نبات ~~عليه يقطعه واد عرضه مائة وخمسون ذراعا. وفي الوادي باب ضخم جدا من الحديد والنحاس، عليه ~~قفل طوله سبعة أذرع وارتفاعه خمسة، وفوق الباب بناء متين يرتفع إلى رأس الجبل. وكان رئيس ~~تلك الحصون الإسلامية يركب في كل جمعة ومعه عشرة فرسان، مع كل منهم مرزبة من حديد، فيجيئون ~~إلى الباب ويضربون القفل ضربات كثيرة؛ ليسمع من يسكنون خلفه، فيعلموا أن للباب حفظة، ~~وليتأكد الرئيس وأعوانه الفرسان من أن أولئك السكان لم يحدثوا في الباب حدثا. # ولما فرغ سلام الترجمان ورفقاؤه من مشاهدة السور رجعوا إلى سر من رأى مارين بخراسان. ~~وكان غيابهم في هذه الرحلة ثمانية عشر شهرا. # وقد ذكر المستشرق الفرنسي كرادي فو # Carra de Vaux # أن من ~~المحتمل أن هذه الرحلة كانت إلى الحصون ms07 الواقعة في جبال القوقاز، وعلى مقربة من دربند (أو ~~باب الأبواب)، في إقليم داغستان غربي بحر قزوين. ومهما يكن من الأمر فإننا لا نعرف عنها إلا ~~بعض المقتطفات في كتب التاريخ والجغرافية، ولا سيما «نزهة المشتاق» للإدريسي و«معجم ~~البلدان» لياقوت. ~~••• # ومن غريب ما نقله أبو حامد الأندلسي في كتاب «العجائب» عن سلام الترجمان أنه قال: # وأقمت عند ملك الخزر أياما، ورأيت أنهم اصطادوا سمكة عظيمة جدا وجذبوها ~~الجبال، فانفتح أذن السمكة وخرجت منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر حسنة الصورة، ~~فأخرجوها إلى البر وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح، وقد خلق الله تعالى في وسطها ~~غشاء كالثوب الصفيق من سرتها إلى ركبتها كأنه إزار مشدود على وسطها، فأمسكوها حتى ~~ماتت. # وقد تساءل الدكتور حسين فوزي في كتابه «حديث السندباد القديم» (ص135) عن تفسير ما رأى ~~سلام الترجمان عند ملك الخزر، وكتب في ذلك: «أيكون الملك قد عرض على خليفة المسلمين منظرا ~~تمثيليا من نوع «البانتوميم» احتفاء به واحتفالا بقدومه، وفهمه هذا الساذج على أنه ~~حقيقة؟ أو أن ملك الخزر كان ماجنا مهزارا لا يرى عيبا أن يسخر من ضيفه فيدخل عليه منظر ~~الغانية التي تخرج من أذن سمكة عظيمة جدا، فيبتلع (أي: فيصدق) سلام المنظر والغانية ~~والسمكة الكبيرة؟» وعندنا أن من المحتمل أيضا أن يكون سلام الترجمان سمع من بعض العامة في ~~بلاد الخزر حديث تلك السمكة، فعلقت بذهنه ونسبها إلى مشاهداته الخاصة. # | ابن وهب القرشي # كان ابن وهب من ذوي الثروة والجاه في العراق ومن ولد هبار بن الأسود. وتذكر بعض ~~المصادر التاريخية أنه قام برحلة إلى الصين نحو سنة (256ه/870م)، فترك مدينة البصرة عندما ~~خربها الزنج وخرج من ميناء سيراف على بعض مراكب هندية. وساح طويلا في ممالك الهند، إلى أن ~~انتهى إلى مدينة خانفو (كنتون) بمملكة الصين. ثم تقدم إلى مدينة خمدان عاصمة تلك المملكة، ~~وتقع هذه المدينة على مقدار شهرين من خانفو. والتمس ابن وهب مواجهة الإمبراطور؛ ولكنه لم ~~يفلح إلا بعد انتظار طويل، وبعد أن ms08 أرسل الإمبراطور إلى حاكم خانفو يأمره بالبحث عن حقيقة ~~ابن وهب، والاستفسار من التجار العرب عما يدعيه من قرابته لنبي المسلمين. فلما كتب الحاكم ~~بصحة نسبه أكرم الإمبراطور مثواه وأذن له في الوصول إليه وناقشه في الدين والسياسة؛ ثم عرض ~~عليه صور بعض الأنبياء، مثل نوح في السفينة، وموسى وبني إسرائيل، وعيسى على حماره ~~والحواريون معه، ثم محمد على جمل وأصحابه محدقون به. # 1 # وأمر له بعد ذلك بالهدايا النفيسة. وأوصى به حاكم خانفو. # ولا نعرف أن ابن وهب دون ما شاهده في رحلته، ولكن لا شك في أنه تحدث عنها. وقد أفاد من ~~هذا الحديث مؤلف اسمه أبو زيد حسن، سوف يأتي الكلام عليه. كما أشار المسعودي إلى هذه الرحلة ~~في كتابه «مروج الذهب»، في الفصل الذي عقده للحديث عن ملوك الصين. وقد رجح المستشرق ~~رينو # Reinaud # أن أبا زيد حسن لقي المسعودي وتبادلا ما ~~كانا يعرفانه عن الهند والصين والبحار الشرقية. # | سليمان السيرافي # تشير المصادر التاريخية في اللغتين العربية والصينية إلى وجود جموع من المسلمين في الصين ~~في عهد أسرة تنج التي حكمت الصين بين عامي 618 و906م وكان معظمهم من التجار الذين نزلوا ~~الثغور. # وكان التجار المسلمون المنصرفون إلى الشرق الأقصى يبحرون من البصرة ومن سيراف على الخليج ~~الفارسي أو «الخليج الصيني»، كما كانوا يسمونه أحيانا في القرن الثالث الهجري (التاسع ~~الميلادي). وكانت السفن الصينية الكبيرة تصل إلى ثغر سيراف، وتشحن بالبضائع الواردة من ~~البصرة؛ ثم تتجه إلى ساحل عمان وتعبر المحيط الهندي مارة بسرنديب وجزائر البحار الجنوبية، ~~حتى تصل إلى مدينة خانفو، حيث كانت تعيش جالية إسلامية وافرة العدد عظيمة الشأن. وفي كتاب ~~المسالك والممالك لابن خرداذبه عبارة تفيد أن بعض تجار المسلمين وصلوا إلى شبه جزيرة ~~كوريا. # والمعروف أن قدوم التجار الصينيين أنفسهم إلى الخليج الفارسي، أخذ يهبط تدريجيا منذ ~~بداية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)؛ على حين زاد سفر العرب إلى البحار الجنوبية. ~~ثم حدث أن خرج ثغر خانفو نحو سنة (264ه/878م)؛ بسبب بعض ms09 الاضطرابات في بلاد الصين؛ فقتل ~~كثير من المسلمين، ولم تعد المواصلات البحرية تامة الانتظام بين الصين والشرق الأدنى في ~~القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وأصبحت السفن من الجانبين لا تبحر إلا إلى مدينة في ~~منتصف الطريق بين البلدين تسمى «كلاه»، اشتهرت بمناجم القصدير. وأكبر الظن أنها كانت من ~~ثغور الشاطئ الغربي في ملقا. # وقد أشار أبو زيد حسن والمسعودي إلى هذه الحالة في حديثهما عن رجل من أهل مدينة سمرقند: ~~«خرج من بلاده ومعه متاع كثير حتى انتهى إلى العراق، فحمل من جهازه وانحدر إلى البصرة، وركب ~~البحر حتى وصل إلى بلاد عمان، وركب إلى بلاد «كلاه» وهي النصف من طريق الصين أو نحو ذلك، ~~وإليها تنتهي مراكب الإسلام من السيرافيين والعمانيين في هذا الوقت، فيجتمعون مع من يرد من ~~أرض الصين في مراكبهم. وقد كانوا في بدء الزمان بخلاف ذلك، وذلك أن مراكب الصين كانت تأتي ~~بلاد عمان وسيراف من ساحل فارس وساحل البحرين والأبلة والبصرة ... ولما عدم العدل وفسدت ~~النيات ... التقى الفريقان جميعا في هذا النصف. ثم ركب هذا التاجر من مدينة كلاه في مراكب ~~الصين إلى مدينة خانفو.» ~~••• # ومن المسلمين الذين زاروا الهند والصين عدة مرات رحالة عربي اسمه سليمان، لا نكاد نعرف ~~شيئا عن ترجمة حيات، ولكن وصف سياحته في الهند والصين انتهى إلينا. فقد كتبه سنة ~~(237ه/851م) ولهذا الوصف ذيل وضعه في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) مؤلف من سيراف ~~اسمه أبو زيد حسن، واعتمد فيه على ما سمعه من قصص الرحالة والتجار في بحار الصين، ولا سيما ~~ابن وهب الذي مر ذكره. وقد طبعت هذه الرحلة سنة (1811) على يد المستشرق لانجلس # Langlès # ثم نشرها المستشرق رينو # Reinaud # مع ترجمة فرنسية سنة (1845). كما أحاط بها المستشرق فران # Ferrand # في مجموعة الرحلات والنصوص الجغرافية العربية ~~والفارسية والتركية الخاصة بالشرق الأقصى، والتي ترجمها إلى الفرنسية وعلق عليها ونشرها في ~~مؤلف من مجلدين. # وتحدث الدكتور حسين فوزي عن هذه الرحلة في كتابه «حديث السندباد القديم» (ص21-32)، وقال: ~~إنها ms10 «تعد من أهم الآثار العربية عن الرحلات البحرية في المحيط الهندي وبحر الصين في القرن ~~التاسع. وربما كانت الأثر العربي الوحيد الذي يتحدث عن سواحل البحر الشرقي الكبير والطريق ~~الملاحي إليها على أساس الخبرة الشخصية مع التزام الموضوع، وعدم الخروج عنه إلى أحاديث ~~تاريخية وغيرها مما عودنا الجغرافيون والمؤرخون العرب؛ وإذا رأينا فيما بعد ابن خرداذبة ~~وابن الفقيه والإصطخري وابن حوقل والمسعودي يتكلمون على أساس من المعرفة الشخصية لبعض ~~المواضع التي يذكرونها، فإنهم أيضا ينقلون الكثير عن ذلك الأثر العربي الأول بلفظه ومعناه ~~في بعض الأحيان، وبما يكاد يكون لفظه ومعناه في البعض الآخر. # وتمتاز رحلة سليمان والذيل الذي وضعه أبو زيد بما فيهما من وصف صادق للطرق التجارية، ~~ولبعض العادات والنظم الاجتماعية والاقتصادية، ولأهم المنتجات في الهند وسرنديب وجاوه ~~والصين، مع قلة الخرافات والأساطير التي تكثر في أحاديث البحارة. وتمتازان أيضا بالأخبار ~~الوافية عن علاقة المسلمين بالصين في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة (التاسع والعاشر ~~بعد الميلاد). من ذلك أن مدينة خانفو، أكبر أسواق الصين حينئذ، كان فيها رجل مسلم «يوليه ~~صاحب الصين الحكم بين المسلمين الذين يقصدون إلى تلك الناحية ... وإذا كان في العيد صلى ~~بالمسلمين وخطب ودعا لسلطان المسلمين»، والواقع أن المصادر الصينية تشهد بوجود هذا النوع من ~~الامتيازات، وبأنه امتد إلى الجاليات الإسلامية الأخرى في سائر مدن الصين؛ فكان لكل منها ~~قاضيها وشيوخها ومساجدها وأسواقها، وإن كانت الحكومة الصينية احتفظت لنفسها بحق النظر في ~~الجرائم التي قد يترتب عليها النفي أو الإعدام. والحق أن الاختصاصيين في الدراسات الصينية ~~من المستشرقين ثبت عندهم صدق كثير مما جاء في حديث سليمان عن أحوال الصين الاجتماعية. # ومن الطريف أن سليمان السيرافي أول مؤلف غير صيني يشير إلى الشاي. وذلك حين يذكر أن ملك ~~الصين يحتفظ لنفسه بالدخل الناتج من محاجر الملح ومن نوع من العشب، يشربه الصينيون في الماء ~~الساخن ويباع منه الشيء الكثير في جميع مدنهم ويسمونه «ساخ». # وقال سليمان في وصف بعض جزائر المحيط الهندي أن لأهلها ms11 ذهابا كثيرا «وأكلهم النارجيل ~~وبه يتأدمون ويدهنون، وإذا أراد واحد منهم أن يتزوج. لم يزوج إلا بقحف رأس رجل من أعدائهم، ~~فإذا قتل اثنين زوج اثنين، وكذلك إن قتل خمسين زوج خمسين امرأة بخمسين قحفا، وسبب ذلك أن ~~أعداءهم كثير، فمن أقدم على القتل أكثر كانت رغبتهم فيه أوفر». # ومما ذكره أبو زيد حسن، في الذيل الذي وضعه لرحلة سليمان، أن السفن القادمة من سيراف ~~متجهة إلى البحر الأحمر كانت إذا وصلت جدة أقامت بها، ونقل ما فيها من السلع إلى مراكب خاصة ~~تحمله إلى مصر، وتسمى مراكب القلزم؛ وذلك لأن المراكب الأخرى كانت لا تستطيع الملاحة في ~~شمالي البحر الأحمر. # وأتى أبو زيد بكثير من أخبار الهند وسائر الأقاليم المطلة على المحيطين الهندي والهادي، ~~وتحدث عن العنبر واللؤلؤ والمسك ومصادرها. وأشار إلى قلة الاتصال بالصين بعد رحلات سليمان ~~وذلك بسبب قيام ثورات فيها. # | ابن فضلان # هو أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد. كان مولى لأحد الخلفاء العباسيين وللقائد محمد بن ~~سليمان، الذي أفلح في هزم الدولة الطولونية وإعادة مصر إلى حظيرة الخلافة سنة (292ه/905م). ~~ولسنا نعرف من سيرة ابن فضلان شيئا كثيرا. والذي لا نشك فيه أنه قام سنة (309ه/921م) ~~برحلة إلى بلاد البلغار. وهم الشعب الذي أسس في بداءة العصور الوسطى دولتين: أقدمهما في حوض ~~الفولجا الأوسط (أو نهر أتل كما تسميه المصادر العربية)، والأخرى في حوض الطونة. والأولى هي ~~التي زارها ابن فضلان وانتشر فيها الإسلام. وتطلق كلمة بلغار على الشعب وعلى البلاد، وعلى ~~عاصمتها، التي كانت تقع شرقي نهر الفولجا، والتي لا يزال بعض أطلالها قائما على مقربة من ~~مدينة قازان الحالية وعلى نحو ستة كيلومترات من شاطئ الفولجا الأيسر، وحيث الدرجة خمس ~~وخمسون من العرض الشمالي وست وستون من الطول الشرقي. ولسنا نعرف على وجه التحقيق متى اعتنق ~~البلغار الإسلام. فابن رسته الذي ألف كتابه «الأعلاق النفسية» حول سنة (291ه/903م) ذكر فيه ~~أن «أكثرهم ينتحلون دين الإسلام، وفي محالهم مساجد ومكاتب ولهم مؤذنون وأئمة ms12 ... وملابسهم ~~شبيهة بملابس المسلمين، ولهم مقابر مثل مقابر المسلمين». أما رحلة ابن فضلان فيبدو منها ~~أنهم لم يدخلوا في الإسلام إلا قبيل زيارة هذا الرحالة. # والحق أن لهذه الرحلة شأنا خاصا؛ لأن ابن فضلان كان في بعثة أرسلها الخليفة العباسي ~~المقتدر بالله إلى ملك البلغار، بعد أن أسلم وكتب إلى الخليفة يسأله «أن يبعث إليه من يفقهه ~~في الدين، ويعرفه شرائع الإسلام ويبني له مسجدا، وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة في ~~جميع بلده وأقطار ملكته، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له». وقد أجابه ~~الخليفة إلى طلبه. وأرسل إليه هذه السفارة، التي كان ابن فضلان الخبير الديني فيها، والتي ~~كان على رأسها مندوب من الخليفة لبحث الأمور السياسية والحربية. وغادر المندوبون بغداد في ~~(11 من صفر سنة 309ه/21 من يونية سنة 921م)، متجهين إلى بخارى فخوارزم فبلاد البلغار، حيث ~~وصلوا في (12 من محرم سنة 310ه/12 من مايو سنة 922م). # ورسالة ابن فضلان في وصف هذه الرحلة نقل عنها المؤلفون المسلمون، منذ القرن الرابع الهجري ~~(العاشر الميلادي) كالإصطخري والمسعودي. ثم نقل ياقوت الحموي أجزاء كبيرة منها فيما كتبه عن ~~مادة «أتل» و«باشغرد» و«بلغار» و«خزر» و«خوارزم». وقد نشرت هذه الرسالة لأول مرة بعناية ~~المستشرق فرهن # Fraehn # في سنت بطرسبورج سنة (1823) ومعها ~~مقتطفات أخرى مما كتبه المسلمون عن الروس. # 1 # وحديثا أفاد منها المستشرق الروسي برتولد في المقال الذي كتبه عن «البلغار» في ~~دائرة المعارف الإسلامية، ثم الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام في مقالين حديثين عن البلغار ~~المسلمين. وقد عثر العالم التركي أحمد زكي الوليدي منذ عشرة أعوام على مخطوط من رحلة ابن ~~فضلان أو في مادته من المقتبسات المعروفة وله مقدمة وصف فيها رحلته عبر فارس وبخارى وخوارزم ~~في طريقه إلى بلاد البلغار، كما أنه يحتوي على كثير من الزيادات والتفصيلات. # والحق أن ابن فضلان ترك لنا في وصف رحلته صورة واضحة للبلغار وحضارتهم وعادتهم وتجارتهم. ~~ويشهد ما كتبه في هذا الصدد بأنهم كانوا لا يزالون دون ما ms13 وصل إليه المسلمون في مدينتهم، ~~وإن بدت بعض عاداتهم طريفة، كأن يأكل كل واحد من مائدته لا يشاركه فيها أحد ولا يتناول من ~~مائدة غيره شيئا ، وكلبسهم القلانس يرفعونها عن الرأس ويجعلونها تحت الإبط للتحية وإظهار ~~الاحترام. # ويلوح أن علاقة ملك البلغار بشعبه كانت علاقة أبوية وديمقراطية؛ فقد دون ابن فضلان أن «كل ~~من زرع شيئا أخذه لنفسه، ليس للملك فيه حق؛ غير أنهم يؤدون إليه من كل بيت جلد ثور. وإذا ~~أمر سرية بالغارة على بعض البلدان كان له معهم حصة ... وكلهم يلبسون القلانس فإذا ركب الملك ~~ركب وحده بغير غلام ولا أحد معه. فإذا اجتاز في السوق لم يبق أحد إلا قام، وأخذ قلنسوته عن ~~رأسه وجعلها تحت إبطه، فإذا جاوزهم ردوا قلانسهم فوق رؤوسهم، وكذلك كل من يدخل على الملك من ~~صغير وكبير حتى أولاده وإخوته، ساعة يقع نظرهم عليه، يأخذون قلانسهم فيجعلونها تحت آباطهم ~~ثم يومئون إليه برؤوسهم ويجلسون، ثم يقومون حتى يأمرهم بالجلوس؛ وكل من جلس بين يديه يجلس ~~باركا ولا يلبس قلنسوته ولا يظهرها حتى يخرج من بين يديه فيلبسها عند ذلك. # والظاهر أن السمن كان محبوبا عند البلغار؛ وقد كان ملكهم بدينا. ورأى ابن فضلان عندهم ~~تفاحا «أخضر شديدة الحموضة جدا تأكله الجواري فيسمن»، ومما أتعب ابن فضلان في مهمته ~~الدينية أن الرجال والنساء كانوا ينزلون النهر فيغتسلون جميعا عراة لا يستتر بعضهم من بعض. ~~وقد اجتهد في منع ذلك فلم يوفق، وكان مركز المرأة بينهم عاليا، وكانت الملكة تجلس إلى جانب ~~الملك في المناسبات الرسمية. # وطبيعي أن هذا الرحالة عرض في رسالته لطول الليل شتاء وطول النهار صيفا، وتعذر تحديد ~~ساعات الصلاة فكتب في هذا الصدد: «ودخلت أنا وخياط كان للملك من أهل بغداد قبتي لنتحدث؛ ~~فتحدثنا بمقدار نصف ساعة ونحن ننتظر أذان العشاء؛ فإذا بالأذان، فخرجنا من القبة، وقد طلع ~~الفجر. فقلت للمؤذن: أي شيء أذنت؟ قال: الفجر. قلت: فعشاء الأخيرة. قال: نصليها مع المغرب. ~~قلت: فالليل؟ قال: كما ترى، وقد ms14 كان أقصر من هذا وقد آخذ الآن في الطول ... إلخ.» ونقل ابن ~~فضلان عن ملك البلغار «أن وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوما يقال لهم: ويسو ؛ الليل عندهم ~~أقل من ساعة». # والغريب أن ابن فضلان لم يكتب في رسالته شيئا عن نتائج هذه الرحالة من الوجهتين السياسية ~~والحربية؛ فلسنا ندري هل ساعد المسلمون البلغار في تشييد الحصون المطلوبة أم لا. وأكبر الظن ~~أن ملك البلغار كان يريد بناء تلك الحصون ليحتمي فيها من ملك الخزر بوجه خاص. وكان ملوك ~~الخزر من أصل يشبه البلغار، وكانت مملكتهم عند مصب نهر الفولجا ولكنهم كانوا من أتباع ~~الديانة اليهودية وكانوا يعدون ملوك البلغار تبعا لهم. وعلى كل حال فإن رحلة ابن فضلان من ~~أقدم ما وصل إلينا عن بلاد الروسيا. بل إننا لا نعرف عن رسالة سبقوه في هذه الجولة ما خلا ~~أوتير # Ohther # النرويجي الذي زار الإقليم الواقع شمالي ~~الروسيا حول البحر الأبيض الروسي، وذلك قبل رحلة ابن فضلان إلى بلاد البلغار بنحو ستين سنة. # وقد وصف ابن فضلان بعض قدماء الروس الذين شاهدهم في مكان على نهر الفولجا حين قدموا ~~للتجارة مع البلغار. وكتب المستشرق الروسي فلاديمير ~~مينورسكي # V. Minorsky # في هذا الصدد أن ابن فضلان كان دقيق الملاحظة فوصف حفلة دفن زعيم ~~روسي وصفا مفصلا دقيقا حتى لقد استطاع أحد رسامي الروسي منذ خمسين عاما أن يرسم - ~~اعتمادا على هذا الوصف - صورة لهذا المشهد الرهيب تزين الآن أحد جدران المتحف التاريخي في ~~موسكو. # وقد زار بلاد البلغار بعد ابن فضلان رحالة وعلماء مسلمون، ولكن معظمهم لم يدون عنها شيئا ~~كثيرا. ومنهم عبد الله أبو حامد الأندلسي الغرناطي صاحب كتاب «تحفة الألباب ونخبة ~~الأعجاب»، وقد زار بلاد البلغار سنة (530ه/1135م)، وصحب قاضيها يعقوب بن النعمان؛ وذكر أن ~~هذا القاضي ألف كتابا في تاريخ البلغار، ولكنا لا نعرف عن هذا الكتاب شيئا. على أن أبا ~~حامد الأندلسي نفسه لم يكتب عن رحلته إلا بعض قصص ضئيلة الشأن نشرها المستشرق دورن # B. Dorn ms15 ~~. # 2 # | أبو دلف # هو أبو دلف الخزرجي الينبوعي مسعر بن مهلهل. كان شاعرا وأديبا ورحالة؛ اتصل بالأمير ~~الساماني بن أحمد. وأوفده هذا الأمير إلى الصين حول سنة (331ه/942م) مع بعثة كان أحد ~~الأمراء الصينيين قد أرسلها إلى البلاط الساماني ليخطب ابنة أمير بخارى. وقد زار أبو دلف ~~بلاد الهند، وآخر نقطة كانت تصل إليها السفن الإسلامية. # ولسنا نعرف عنه شيئا كثيرا ما عدا اتصاله بالصاحب إسماعيل بن عباد وزير بن بويه. وهو ~~الذي قدم إليه أبو دلف قصيدة طويلة في حيل بني ساسان وأساليب حياتهم. والمعروف أن اسم «بني ~~ساسان» أطلق على قوم من العيارين المستهترين والشطار المحتالين، كانوا يطوفون الأقاليم، ~~ويتفننون في اختراع الحيل للحصول على المال (راجع مادة ساسان في دائرة المعارف الإسلامية ~~وما ذكر فيها من مراجع). # وفي بعض أبيات هذه القصيدة الطويلة إشارة إلى الرحلات والأسفار الطويلة. ومن ذلك الأبيات ~~الآتية منقولة من كتاب «يتيمة الدهر» للثعالبي: # ومن كان من الأحرا # ر يسلو سلوة الحر # ولا سيما في الغربة # أودى أكثر العمر # وشاهدت أعاجيبا # وألوانا من الدهر # فطابت بالنوى نفسي # على الإمساك والفطر # على أني من القوم ال # بهاليل بني الغر # فنحن الناس كل النا # س في البر وفي البحر # أخذنا جزية الخلق # من الصين إلى مصر # إلى طنجة، بل في ك # ل أرض خيلنا تسري # إذا ضاق بنا قطر # نزل عنه إلى قطر # لنا الدنيا بما فيها # من الإسلام والكفر # فنصطاف على الثلج # ونشتو بلد التمر # وقد حفظ لنا القزويني وياقوت وابن النديم مقتطفات يظن أنها من وصف أبي دلف لرحلته في ~~الصين والهند. # 1 # وهو وصف يشهد - على إيجازه - بأن هذا الأديب الرحالة كان دقيق الملاحظة. وحسبنا ~~مثلا أنه فطن إلى أن الخزف الصيني كان يقلد في بعض البلاد الأخرى، ولا سيما في إيران ~~وملبار، ولكن الأواني الصينية كانت تفضل في الأسواق على كل ما يصنع تقليدا لها. وقد انتشر ~~هذا الوصف سنة (1845) ومعه ترجمة لاتينية بعناية المستشرق فون شلوزر # Kurd vonSchloezer ~~، ثم ترجمه ms16 المستشرق فراند # Ferrand # في مجموعة الرحلات والنصوص الجغرافية التي نشرها عن ~~الشرق الأقصى، وخصه ماركارت # M. J. Marquart # بدراسة وافية في ~~مجموعة المقالات التي كتبت ذكرى وتكريما للمستشرق ساخاو ~~(Festschrift ~~Sachau) ~~. وفضلا عن ذلك فإن المستشرق وستنفلد # F. Wustenfeld # كان قد كتب في منتصف القرن الماضي مقالا في مجلة علم تقويم ~~البلدان المقارن، درس فيه ما كتبه أبو دلف عن القبائل التركية. # 2 # | جغرافيو القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة (9-10م) # بدأ المسلمون في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) يؤلفون في تقويم البلدان، ويصفون ~~أجزاء إمبراطوريتهم وما يجاورها من الأقاليم وامتاز الجغرافيون في القرن الرابع الهجري بأن ~~معظمهم كانوا رحالة، جمعوا كثيرا مما كتبوه بوساطة المشاهدة والاختبار والأسفار. ~~••• # فاليعقوبي توفي في نهاية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، بعد أن قام برحلات طويلة ~~في أمينية وإيران والهند ومصر وبلاد المغرب. وقد أفاد من هذه الرحلات فيما كتبه في التاريخ ~~والجغرافيا. وذكر ذلك في مقدمة «كتاب البلدان». قال: «إني عنيت في عنفوان شبابي، وعند ~~احتيال سني وحدة ذهني، بعلم أخبار البلدان والمسافة ما بين كل بلد وبلد؛ لأني سافرت حديث ~~السن، واتصلت أسفاري ودام تغربي.» والواقع أن قارئ «كتاب البلدان» يشعر بأنه كتاب مثالي، ~~لعمال الحكومة المعينين في مختلف أنحاء الدولة الواسعة الأرجاء، ولغيرهم من التجار والرحالة ~~الذين يحرصون على أن يعرفوا شيئا عن البلاد التي يزمعون الرحيل إليها؛ كما يقف منه على ~~أوصاف وأخبار تدل على أن اليعقوبي رأى بنفسه معظم ما عرض للكتابة فيه، مع أنه تحاشى ذكر ما ~~لقيه في أسفاره من المشاهدات والتجارب. ~~••• # أما الإصطخري فعاش في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). واعتمد في ~~تصنف مؤلفيه: «كتاب الأقاليم» و«المسالك والممالك» على رحلاته لطلب العلم والمعرفة في ~~الآفاق الإسلامية، وعلى ما نقله من كتاب «صور الأقاليم» لأبي زيد البلخي. وقد وضح الإصطخري ~~كتابه الأول بالخرائط. ~~••• # وعاش المسعودي في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي). وقد نشأ في ~~بغداد، ثم أقبل على السياحة لطلب العلم. وجمع ms17 الحقائق الجغرافية والتاريخية. فطاف في إيران، ~~ثم رحل إلى الهند وجزيرة سرنديب، ثم رافق جماعة من التجار في رحلة إلى بحار الصين، وجال بعد ~~ذلك في المحيط الهندي، وزار زنزبار وسواحل إفريقية الشرقية والسودان، ثم قام برحلات في ~~إقليم بحر قزوين وآسيا الصغرى والشام والعراق وبلاد العرب الجنوبية ومصر. والظاهر أن أشق ~~رحلاته كانت في المحيط الهندي شرقي إفريقية؛ فقد كتب: «وقد ركبت عدة من البحار كبحر الصين ~~والروم والقلزم واليمن، وأصابني فيها من الأهوال ما لا أحصيه كثرة، فلم أشاهد أهول من بحر ~~الزنج، وفيه السمك المعروف بالأوال، طول السمكة نحو من أربعمائة ذراع بالذراع العمرية، وهي ~~ذراع ذلك البحر. والأغلب من هذا السمك طوله مائة ذراع. وربما بدا بهذا البحر فيظهر طرفا من ~~جناحيه فيكون كالقلاع العظيم وهو الشراع. وربما يظهر رأسه وينفخ الصعداء بالماء فيذهب الماء ~~في الجو أكثر من ممر السهم. والمراكب تفزع منه بالليل والنهار وتضرب له بالدبادب والخشب ~~لينفر من ذلك ...» # وقد تحدث المسعودي عما لقيه من التجارب والمشاهدات خلال رحلاته في مؤلفات تاريخية ضخمة، ~~ضاع أكثرها بسبب ضخامة حجمها وقلة انتشارها. أما أعظم ما وصل إلينا منها فكتاب «مروج الذهب ~~ومعادن الجوهر» الذي اختصر فيه كتابين كبيرين له. وقد فرغ من تصنيفه سنة (336ه/947م). ~~والكتاب يجمع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة والعمران، بل يتضمن معظم ضروب العلم في عصره. ~~ويمتاز على غيره من الكتب العربية بكثرة ما فيه من أخبار الأمم التي كانت تحيط بالعالم ~~الإسلامي في العصور الوسطى، وبندرة بعض هذه الأخبار في كتب سائر المؤلفين. من ذلك عناية ~~المسعودي ببيان الطرق البرية للسفر إلى بلاد الصين، على حين أن الطرق البحرية إلى تلك ~~البلاد هي التي عني بها سائر من كتبوا في ذلك أيضا عنايته بالتعليل لبعض الظواهر ~~الاجتماعية والاقتصادية، مثل قوله: إن العاج كان يجلب في كثرة من شرقي إفريقية إلى الصين، ~~وإن إقبال الصينيين على استيراده هو الذي جعله نادرا وغالي الثمن في الأقطار الإسلامية. ~~ولكن كتابة المسعودي لم تخل ms18 من العيوب المعهودة في تأليف معظم الجغرافيين والمؤرخين أيام ~~العصور الوسطى، ومن تلك العيوب الاستطراد، ونقل الخرافات والأخبار السطحية بدون تمحيصها ~~بالنقد العلمي أو بالرجوع إلى المصادر الأولى، ذلك فضلا عن إغفال منهج معين في الدراسة. # وقد أشار المسعودي في مقدمة «مروج الذهب» إلى أسفاره الطويلة، فقال : «على أنا نعتذر من ~~تقصير إن كان، ونتنصل من إغفال أو عرض لما قد شاب خواطرنا وغمر قلوبنا من تقاذف الأسفار ~~وقطع القفار، وتارة على متن البحر وتارة على ظهر البر، مستعلمين بدائع الأمم بالمشاهدة ~~عارفين خواص الأمم بالمعاينة، كقطعنا بلاد السند والزنج والصنف والصين والرانج، فتارة بأقصى ~~خراسان وتارة بوسائط أرمينية وأذربيجان والهوات والطالقان، وطورا بالشام؛ فسيري في الآفاق ~~سري الشمس في الإشراق كما قال بعضهم: # تيمم أقطار البلاد فتارة # لدى شرقها الأقصى وطورا إلى الغرب # سرى الشمس لا ينفك تقذفه النوى # إلى أفق ناء يقصر بالركب # كذلك كتب في تلك المقدمة: «ولكل إقليم عجائب يقتصر على علمها أهله. وليس من لزم جهة وطنه، ~~وقنع بما نمى إليه من الأخبار عن إقليمه، كمن قسم عمره على قطع الأقطار، ووزع أيامه بين ~~تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه.» # والحق أن أوجه الشبه كثيرة بين المسعودي وهيرودوت. وحسبنا أن ابن خلكان وصف المسعودي بأنه ~~كان إماما للمؤرخين، وأن هيرودوت انعقدت له مثل هذه الإمامة، حتى سمي أبا التاريخ. ~~••• # ومن الجغرافيين في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) أبو القاسم محمد بن حوقل ~~البغدادي. وقد ظل يتجول في البلاد الإسلامية نحو ثلاثين سنة. ولقي البغدادي. وقد ظل يتجول ~~في البلاد الإسلامية نحو ثلاثين سنة. ولقي الإصطخري، فطلب منه هذا أن يراجع كتابه «المسالك ~~والممالك» ففعل، ولكنه ما لبث أن أخرج كتابا بنفس الاسم، اعتمد فيه على ما كتبه إصطخري في ~~كتابه. ولسنا نعرف شيئا كثيرا عن سيرة حياته عدا أنه غادر بغداد سنة (331ه/943م)، طلبا ~~لدراسة البلاد والشعوب، ورغبة في الارتزاق من باب التجارة. فطاف في العالم الإسلامي من ~~شرقيه ms19 إلى غربيه، ويبدو أنه شاهد كل ما كتب عنه وعاينه، ما خلا الصحراء الكبرى، فإنه لم ~~يشاهد إلا جزءا منها. وقد كتب في هذا المعنى: «وأعانني على تأليفه تواصل السفر وانزعاجي عن ~~وطني إلى أن سلكت وجه الأرض بأجمعه في طولها، وقطعت وتر الشمس على ظهرها.» وقد وصف ابن حوقل ~~بلرم عاصمة صقلية وصفا عظيم الشأن جليل القيمة؛ لأنه ليس أقدم وصف إسلامي لهذه المدينة ~~فحسب؛ بل لأنه يشير إلى أسلوب ساذج اتبعه المسلمون حينئذ في تقدير سكان المدن، ومبلغ عمارها ~~في تلك العصور التي لم تعرف فيها الإحصائيات الرسمية. ومما كتبه في وصفها: # وببلرم طائفة من القصابين والجرارين والأساكفة. وبها للقصابين دون المائتي حانوت ~~لبيع اللحم. والقليل منهم في المدينة برأس السماط. ويجاوزهم القطانون والحلاجون ~~والحذاؤون وبها غير سوق صالح. ويدل على قدرهم وعددهم صفة مسجد جامعهم ببلرم. وذلك ~~أني حزرت المجتمع فيه إذا غص بأهله بلغ سبعة آلاف رجل ونيفا؛ لأنه لا يقوم فيه ~~أكثر من ستة وثلاثين صفا للصلاة، وكل صف منها يزيد على مائتي رجل. # وقد عجب ابن حوقل لكثرة المساجد في صقلية. وسأل عن ذلك، فأخبر «أن القوم لشدة انتفاخ ~~رؤوسهم كان يحب كل واحد منهم أن يكون له مسجد مقصور عليه لا يشاركه فيه غير أهله وغاشيته». ~~وكذلك لاحظ كثرة المعلمين فيها وأن جنونهم المعلمين في كل بلد «وإنما توافرت عدتهم مع قلة ~~منفعتهم لفرارهم من الغزو ورغبتهم عن الجهاد»؛ وذلك لأن المعلمين في صقلية كانوا يعفون من ~~الجهات والقتال. والحق أن ابن حوقل كان قاسيا على أهل صقلية وعلى طائفة المعلمين بوجه خاص. ~~فهو يزعم - سامحه الله - «أن المعلم أحمق محكوم عليه بالنقص والجهل والخفة وقلة العقل». ~~ونراه ينتقص أهل صقلية لاحترامهم المعلمين، فيقول: «ومن أعظم الرزية وأشد البلية أن جميع ~~أهل صقلية، لصغر أحلامهم، ونقص درايتهم، وبعد أفهامهم، يعتقدون أن هذه الطائفة أعيانهم ~~ولبابهم وفقهاؤهم ومحصلوهم وأرباب فتاويهم.» # واتصل ابن حوقل بالفاطميين وقد ذهب المستشرق الهولندي دووزي # Dozy # إلى أن هذا الرحالة ms20 كان يتجسس، ويعمل لحساب الفاطميين في الأندلس؛ ~~فإنهم كانوا في البداءة يتطلعون إلى الاستيلاء على تلك البلاد، ولعلهم كانوا سيسعون إلى جمع ~~المعلومات عنها. وقد أشار دوزي إلى ما كتبه ابن حوقل في هذا الصدد: «ومن أعجب أحوال هذه ~~الجزيرة بقاؤها على من هي في يده، مع صغر أحلام أهلها، وضعة نفوسهم، ونقص عقولهم وبعدهم من ~~البأس والشجاعة والفروسية والبسالة، ولقاء الرجال ومراس نعمها ولذاتها ... وليس لجيوشهم حلاوة ~~في العين؛ لسقوطهم عن أسباب الفروسية وقوانينها. وإن شجعت أنفسهم ومرنوا بالقتال، فإن أكثر ~~حروبهم فتصرف على الكيد والحيلة. وما رأيت ولا رأى غيري بها إنسانا قط جرى على فرس فاره أو ~~برذون هجين ورجلاه في الركابين.» # ويذكرنا هذا بما كان للرحالة الفرسي قولني # Volney # من شأن ~~في فكرة استيلاء الفرنسيين على مصر، مع أنه لم ينصح لحكومته الإقدام على ذلك. # 1 # فقد نشر هذا الرحالة كتابا عن أسفاره في مصر سنة 1787، فقضى على الأساطير ~~السائدة عن قوة المماليك ومناعتهم، وأشار إلى جهلهم طرق الحرب الحديثة، وإلى سهولة فتح مصر ~~وخلو الإسكندرية من الحصون. ~~••• # ومن أعظم الجغرافيين في القرن الرابع الهجري (10م) المقدسي، أبو عبد الله، المعروف ~~بالبشاري. وقد طاف في الأقاليم الإسلامية، وقال عن نفسه: إنه لم يظهر كتابه «أحسن التقاسيم ~~في معرفة الأقاليم» حتى بلغ الأربعين. وأطنب في ذكر تجاربه قائلا: «فقد تفقهت وتأدبت ~~وتزهدت وتعدت ... وخطبت على المنابر، وأذنت على المنائر، وأممت في المساجد، وأكلت مع الصوفية ~~الهرائس، ومع الخانقائيين الثرائد، ومع النواتي العصائد ... وسحت في البراري، وتهت في الصحاري ~~... وملكت العبيد، وحملت على رأسي بالزنبيل، وأشرفت مرارا على الغرق، وقطع على قوافلنا الطرق ~~... وسجنت في الحبوس. وأخذت على أني جاسوس، ومشيت في السمائم والثلوج.» ويلوح لنا أن المقدسي ~~كان يعمد في رحلاته إلى التنكير وتغيير اسمه والدخول في الطوائف المختلفة لدراسة بيئاتها. # والحق أن المقدسي يكاد يزعج القارئ بإسرافه في وصف مزايا كتابه وذكر ما عانى في سبيل ~~تأليفه. مثل قوله: «وما تم لي جمعه إلا بعد جولاتي ms21 في البلدان، ودخولي أقاليم الإسلام، ~~ولقائي العلماء، وخدمتي الملوك، ومجالستي القضاة، ودرسي على الفقهاء، واختلافي إلى الأدباء ~~والقراء وكتبة الحديث، ومخالطة الزهاد والمتوفين، وحضور مجالس القصاص والمذكورين، مع لزوم ~~التجارة في كل بلد، والمعاشرة مع كل أحد والتفطن في هذه السباب بفهم قوي حتى عرفتها، ومساحة ~~الأقاليم بالفراسخ حتى أتقنتها، ودوراني على التخوم حتى حررتها، وتنقلي إلى الأجناد حتى ~~عرفتها ...» إلخ. # والظاهر أن المقدسي كان يعتمد على الرحلة والمشاهدة في جل كتاباته، وأن هذا هو الذي ~~منعه من التعرض لوصف الأقاليم التي يسكنها غير المسلمين والتي لم يتجه إليها. ولعل ~~ذلك أيضا مما جعله ينتقص كتاب أبي زيد البخل فيرميه بأنه «لم يدوخ البلدان ولا وطئ ~~الأعمال». # وكان المقدسي بوجه عام دقيق الملاحظة، باحثا ناقدا، يتحرى تمحيص ما نقل. وكان يعنى ~~بالأخبار الطريفة والعادات الشاذة. من ذلك ذكره أن جامع بغداد «كانت على أبوابه مياضئ ~~بالكرى». وقد بحثنا طويلا فلم نوفق إلى العثور على أمثلة تاريخية أخرى لمراحيض يدفع ~~القوم أجرا لاستعمالها، كما نرى في هذه الأيام. ومنه أيضا تلخيصه الكلام على عدن بأنها ~~«دهليز الصين وفرضة اليمن وخزانة المغرب ومعدن التجارات». # ومن الجغرافيين الذين كتبوا في القرن الرابع الهجري، وبذلوا الفوائد بفضل رحلاتهم ~~الطويلة، محمد التاريخي الأندلسي المتوفى سنة (363ه/973م). ألف كتابا في وصف أفريقية ~~والمغرب. وكان هذا الكتاب من أكبر المراجع التي اعتمدها البكري في كتابه «المغرب في ذكر ~~بلاد أفريقية والمغرب». ~~••• # ومن العلماء المصريين الذين برزوا في عصر الدولة الفاطمية الحسن بن محمد المهلبي. وقد كان ~~معاصرا للخليفة العزيز بالله. ويبدو أنه قام برحلة طويلة في بلاد السودان، وألف للعزيز سنة ~~(375ه/985م) كتابا في الطرق والمسالك، امتاز بأنه أول كتاب عني بوصف إقليم السودان وصفا ~~دقيقا؛ ولكنه لم يصل إلينا. ~~••• # ويظهر أن السفر من العالم الإسلامي إلى الشرق الأقصى في القرن الرابع الهجري لم يكن وقفا ~~على المسلمين فقط. فقد جاء في «الفهرست» لابن النديم أن هذا المؤلف كان يستقي أخبار الصين ~~حول سنة (377ه/987م) من راهب ms22 نجراني، بعثه رئيس طائفته إلى تلك البلاد ومعه خمسة من ~~القساوسة المسيحيين لرعاية النصارى الموجودين فيها؛ فأقاموا ست سنين ثم عاد الراهب وزميل ~~له؛ وأخبرا عن هلاك النصارى في الصين وخراب كنيستهم. ~~••• # وقد ظهر في الأندلس في القرن الخامس الهجري (11م) علم من أعلام الجغرافيين المسلمين. هو ~~عبد الله بن عبد العزيز البكري، صاحب «كتاب المسالك والممالك» غير أن هذا المؤلف لم يدون في ~~هذا الكتاب الكبير نتائج أسفاره ورحلاته، وإنما اعتمد على ما جمعه من الآثار العلمية التي ~~خلفها من سبقوه. # | قصة الفتية المغررين # اتجهت بعض الأبحاث العلمية الحديثة إلى القول بأن المسلمين عرفوا أمريكا قبل أن يكشفها ~~كولومبس. وأشار أصحاب هذه النظرية إلى وجود كلمات عربية في لغة هنود أمريكا، وإلى أن ~~كولومبس وجد في رحلته الثالثة زنوجا وذهبا إفريقيا في جزائر الهند الشرقية، وأن مدينة ~~بعض الجماعات الوطنية في أمريكا تشبه المدينة الإسلامية إلى حد كبير. # 1 # ولسنا نعرض هنا لبحث هذه النظرية، ولكنا لا نشك في أن العرب اتخذوا الأساطيل في المحيط ~~الأطلسي الدفاع عن ملكهم في المغرب والأندلس. وطبيعي أنهم عرفوا شيئا عن سواحل هذا المحيط ~~وعن الجزائر غير البعيدة عنها. ولكن في بعض المصادر التاريخية العربية ما يشهد بأنهم حاولوا ~~النفوذ إليه والتوغل فيه. # ومن ذلك حديث فتية من مدينة لشبونة حول القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، قاموا في ~~المحيط برحلة جريئة، وعادوا منها بعد تجارب قاسية وأهوال شديدة. ولم يصلنا من أخبار هذه ~~الرحلة إلا ما كتبه الشريف الإدريسي في كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق». وقد علق ~~عليه الأمير شكيب أرسلان في كتابه «الحلل السندسية»، والأستاذ عبد الحميد العبادي في مقال ~~عن قصة أولئك الفتية المغررين (أو المغربين؟) قال الإدريسي: «ومن مدينة لشبونة كان خروج ~~المغررين في ركوب بحر الظلمات ليعرفوا ما فيه وإلى أين انتهاؤه ... ولهم بمدينة لشبونة بموضع ~~من قرب الحمة درب منسوب إليهم يعرف بدرب المغررين إلى آخر الأبد. وذلك أنهم اجتمعوا، ثمانية ~~رجال كلهم أبناء عم، فأنشأوا مركبا ms23 حمالا وأدخلوا فيه من الماء والزاد وما يكفيهم لأشهر. ~~ثم دخلوا البحر في أول طاروس الريح الشرقية (أي: هبوبها) فجروا بها نحوا من أحد عشر يوما. ~~فوصلوا إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح كثير التروش (أي: الصخور التي لا يكاد يسترها الماء) ~~قليل الضوء؛ فأيقنوا بالتلف، فردوا قلاعهم في اليد الأخرى، وجروا في البحر في ناحية الجنوب ~~اثني عشر يوما، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عد ولا تحصيل، وهي ~~سارحة لا راعي لها ولا ناظر إليها. فقصدوا الجزيرة فنزلوا بها فوجدوا عين ماء جارية وعليها ~~شجرة تين بري، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها، فوجدوا لحومها مرة لا يقدر أحد على أكلها، ~~فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوما، إلى أن لاحت لهم جزيرة، فنظروا فيها إلى ~~عمارة وحرث فقصدوا إليها ليروا ما فيها. فما كان غري بعيد حتى أحيط بهم في زوارق هناك، ~~فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر فأنزلوا بها في دار، فرأوا بها رجالا ~~شقرا، زعروا شعور رؤوسهم، شعورهم سبطة وهم طوال القدود ولنسائهم جمال عجيب. فاعتقلوا فيها ~~في بيت ثلاثة أيام. ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي. فسألهم عن ~~حالهم، وفيم جاءوا، وأين بلدهم. فأخبروه بكل خبرهم، فوعدهم خيرا، وأعلمهم أنه ترجمان ~~الملك. # فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أحضروا بين يدي الملك. فسألهم عما سألهم ~~الترجمان عنه فأخبروه بما أخبروا به الترجمان بالأمس من أنهم اقتحموا البحر ليروا ما به من ~~الأخبار والعجائب ويقفوا على نهايته. فلما علم الملك ذلك ضحك، وقال للترجمان: خبر القوم أن ~~أبي أمر قوما من عبيده بركوب هذا البحر، وأنهم جروا في عرضه شهرا، إلى أن انقطع عنهم ~~الضوء وانصرفوا من غير حاجة ولا فائدة تجدي. ثم أمر الملك الترجمان أن يعدهم خيرا وأن يحسن ~~ظنهم بالملك ففعل. ثم صرفوا إلى موضع حبسهم إلى أن بدا جري الريح الغربية فعمر بهم زورق، ~~وعصبت أعينهم، وجرى ms24 بهم في البحر برهة من الدهر. قال القوم: قدرنا أنه جرى بنا ثلاثة أيام ~~بلياليها، حتى جيء بنا إلى البر، فأخرجنا وكتفنا إلى خلف، وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى ~~النهار وطلعت الشمس ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف، حتى سمعنا ضوضاء وأصوات ناس فصحنا ~~بأجمعنا؛ فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلوا من وثاقنا وسألونا فأخبرناهم ~~بخبرنا، وكانوا برابر، فقال لنا أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم؟ فقلنا: لا؛ فقال: إن ~~بينكم وبين بلدكم مسيرة شهرين. فقال زعيم القوم: وا أسفى! فسمي المكان إلى اليوم «أسفى» وهو ~~المرسى الذي في أقصى المغرب.» # وعلى كل حال فإن هؤلاء الفتية استطاعوا العودة إلى لشبونة، كما يؤخذ من سياق الكلام في ~~الإدريسي، وحدثوا أهلها بأخبار رحلتهم، ولكن مواطنيهم لم يروا فيهم إلا شبابا مخاطرين ~~مغررين (أو مغربين، من الاتجاه إلى المغرب؟) حتى عرف الدرب الذي كانوا يسكنونه بهذا الاسم. # وإن تكن معالم هذه القصة صادقة، فإننا لا نستطيع أن نتتبع سير هؤلاء الفتية؛ لنتبين الجزر ~~التي وطئتها أقدامهم في هذه الرحلة، ولكننا نرجح أنهم وصلوا أولا إلى مقربة من إحدى جزائر ~~أزور # Azores # التي تبعد عن غربي البرتغال نحو 1370 ~~كيلومترا، والواقعة بين خط 37 وخط 40 من العرض الشمالي وبين خط 25 وخط 32 من الطول الغربي. ~~والظاهر أنها لم تكن مجهولة عند الفينيقيين والقرطاجنيين والنورمنديين والعرب، وإن نسب ~~كشفها في القرن الخامس عشر الميلادي إلى الفلمنكيين في رواية، وإلى البرتغاليين في قول آخر. ~~ولما انحدر الفتية إلى الجنوب وساروا اثني عشر يوما فالمحتمل أنهم وصلوا إلى جزر ماديرا. ~~وقد نقل الأستاذ عبد الحميد العبادي عن بعض العلماء الأوروبيين أن بهذه الجزيرة كثيرا من ~~المعز تقتات بنوع من العشب، هو السبب في مرارة لحومها. أما الجزيرة التي انتهى إليها ~~المغرورون وقبض عليهم فيها، فلعلها إحدى جزر الخالدات أو كناري، التي تبعد عن الساحل ~~الشمالي الغربي لإفريقية بنحو مائة كيلومتر والواقعة بين خطي 27 و29 من العرض الشمالي وبين ~~خط ms25 13 وخط 18 من الطول الغربي. والراجح أن هذه الجزائر كانت معروفة عند الفينيقيين ثم ~~العرب، وذلك قبل أن يكشفها الأوروبيون ثانية في القرن الرابع عشر الميلادي. # ولعل هذه القصة لم تكن مجهولة في العصور الوسطى؛ بل لعل كولومبس كان يعرفها، ويعرف قصصا ~~أخرى من أخبار من حاولوا ركوب المحيط الأطلسي وكشف غوامضه، ومن روايات بعض البحارة في السفن ~~التي كانت تسيرها بعض البيوت التجارية إلى ساحل أفريقية الغربي، وإلى بعض جزر المحيط ~~الأطلسي، لجلب الذهب والعاج والأحجار الكريمة وغير ذلك. وكانت تلك البيوت التجارية تخفي ~~أعمالها استئثارا بالكسب، واحتكارا للتجارة مع تلك الأصقاع. # وأكبر الظن أن هذه القصة أساس رحلة تنسب إلى راهب إيرلندي اسمه القديس براندان. توفي سنة ~~(578م)؛ ولكن حديث رحلته لم يظهر إلا في القرن الحادي عشر الميلادي. والأرجح أنه خرافة، ~~قامت على بعض عناصر من قصة الفتية المغررين، وعلى عناصر أخرى من الأخبار العجيبة المعروفة ~~في أسفار السندباد البحري، # 2 # فضلا عن قصص أخرى في الأدب الكلتي عن رحلات وهمية إلى ما وراء البحار، وقد ~~اشتهر هذا الراهب بإنشاء عدة أديرة في إيرلندة. ويزعمون أنه أراد أن يبلغ الجنة التي جعلها ~~الله مأوى لعباده الصالحين. أو أنه أراد أن يجد مكانا قصيا يعتزل فيه الحياة الدنيا، ~~فركب سفينة ومعه سبعة عشر من زملائه الرهبان يقصدون إحدى جزر المحيط الأطلسي، ولعلهم وصلوا ~~إلى جزيرة من جزر الخالدات، ولكنهم لم يستقروا بها بل عادوا إلى إيرلندة. وقص براندان ما ~~شاهد من العجائب والغرائب في قصيدة طويلة يظن النقاد أنها ترجع إلى القرن الحادي عشر، أو ~~الثاني عشر بعد الميلاد. وقد ظل القوم يعتقدون بوجود جزيرة يطلقون عليها اسم هذا القديس، ~~ويظنونها غربي جزائر الخالدات؛ بل كانوا يرسلون البعثات لكشفها حتى بداءة القرن الثامن عشر. # | محمد بن قو سلطان مالي # ومن قصص الرحلات الإسلامية المجهولة حديث سلطان مسلم ركب المحيط الأطلسي لكشف غوامضه؛ وقد ~~جاء ذكره في كتاب «صبح الأعشى» للقلقشندي المتوفى سنة (821ه/1418م)، عند الكلام على مملكة ms26 ~~مالي في السودان الغربي جنوبي بلاد الغرب. # وبيان ذلك أن الملك منسا موسى بن أبي بكر ملك مالي مر بمصر في طريقه إلى الحج في عصر ~~الناصر محمد بن قلاوون سنة (724ه/1324م)، فأوفد السلطان الناصر أحد كبار موظفي القصر ~~لاستقباله، واحتفى به الأمراء المصريون، # 1 # واستفسروا منه عن أمور كثيرة في بلاده ولا سيما استخراج الذهب والنحاس. كما ~~سأله أحدهم عن سبب انتقال الملك إليه، فأجاب بأن ابن عمه السلطان السابق محمد بن قو كان يظن ~~أن «البحر المحيط له غاية تدرك»، فجهز مئات من السفن وشحنها بالرجال والمؤن التي تكفيهم ~~سنين، وأمرهم أن يسيروا في المحيط وألا يرجعوا حتى يبلغوا نهايته أو تنفذ أزوادهم. فغابت ~~السفن مدة طويلة ثم عادت منها سفينة واحدة. ومثل قائدها بين يدي السلطان، فسأله عن أمر ~~زملائه؛ فقال: «إن السفن سارت زمانا طويلا وحتى عرض لها في وسط اللجة واد له جرية عظيمة.» ~~فابتلع المراكب فلم ينج إلا هذا القائد بسفينته. وقد كانت آخر السفن، ولكن السلطان لم يصدق ~~هذا الحديث، أو لعله أراد أن يتبين نصيبه من الصحة، فأعد ألفي سفينة للرجال وألفا للأزواد، ~~واستخلف ابن عمه منسا موسى في حكم البلاد، وأقلع بنفسه على رأس حملته الاستكشافية العظيمة. ~~فكان ذلك آخر العهد به وبمن معه. # | البيروني # من العلماء المسلمين الذين كان للرحلات أكبر الفضل في علمهم أبو الريحان البيروني المتوفى ~~سنة 440ه/1048م. وقد امتاز بالاطلاع الواسع، وروح النقد العلمي الدقيق، والعمق في ~~التفكير؛ فحار قصب السبق في الفلسفة والفلك والعلوم الرياضية والتاريخ وعلوم اللغة وتقويم ~~البلدان. وامتدت شهرته في العصور الوسطى إلى أوروبا. # ولد البيروني ونشأ في إقليم خوارزم. ثم أتيح له بعد ذلك أن يصحب السلطان محمود الغزنوي في ~~فتوحاته بالهند. وقام برحلات طويلة في تلك البلاد، وتعلم لغاتها، وضبط مواقع مدنها، وأصلح ~~بعض البيانات الجغرافية الخاطئة، التي كانت مدونة عنها، وأفاد مما جمعه خلال أسفاره في ~~تأليف كتابه «تاريخ الهند»، ولا سيما أنه كان يقبل على البحث والتنقيب، وكان إسلامه ms27 لا ~~يمنعه من الإخلاص في الحكم على غير المسلمين. والحق أن كل ما كتبه عن الهند يشهد بسعة ~~اطلاعه وكثرة تجاربه ودقة ملاحظاته، وبأنه جال طويلا في تلك البلاد، فعرف آفاقها وخبر ~~أهلها ودرس عاداتهم ومظاهر حضارتهم. # | ناصر خسرو # ولد ناصر سنة (394ه/1003م) في بلدة من أعمال بلغ وتأدب أحسن تأدب. وقام في شبابه بأسفار ~~عديدة في أنحاء إيران وتركستان والهند وبلاد العرب، ثم استقر في منصب كبير في ديوان ~~السلاجقة بمدينة مرو. وظل يعيش ترف وبطالة حتى سنة (437ه/1045م)؛ فنراه يضحي بمنصبه ويبدأ ~~حياة جد وسفر وعلم وتقوى. وهو يذكر في كتاباته أن السبب في هذا التحول رؤيا ظهر له فيها شيخ ~~طلب إليه أن يكف عن شرب الخمر وعن حياة اللهو والمجون. فسافر لتأدية فريضة الحج وقام برحلات ~~طويلة في الشرق الأدنى بين عامي (437-444ه/1045-1052م). # ولما عاد إلى وطنه كان قد ترك مذهبه السني، وأصبح من أشد دعاة الإسماعيلية والمتعصبين ~~للفاطميين. ولا عجب فإنه غادر إيران في وقت انتشرت فيه الاضطرابات، واشتد النزاع بين أمراء ~~الأقاليم المختلفة، ورأى نفس البؤس في البلاد التي زارها ما خلا مصر، فقد وجد فيها رخاء ~~عظيما وأسواقا عامرة وتحفا فنية نادرة وهدوءا شاملا. وظن ناصر خسرو أن الفضل في رخاء ~~وادي النيل، إنما يرجع إلى الدولة الفاطمية ومذهبها الإسماعيلي، وأن هذا المذهب كفيل بإنقاذ ~~العالم الإسلامي؛ فلم يلبث ناصر أن اتصل ببعض رؤساء الشيعة الإسماعيلية في مصر. والظاهر أن ~~الخليفة المستنصر بالله أحسن استقباله وكلفه بأن يدعو لمذهب الإسماعيلية في خراسان. ولكن ~~السلاجقة لاحظوا خطر هذه الدعوة فاضطهدوا ناصر خسرو، واضطروه إلى الفرار إلى بلاد ما وراء ~~النهر، حيث توفي سنة (453ه/1061م). # وخلف هذا الرحالة وصفا دقيقا لرحلته يحمل على القول بأنه كان يدون مشاهداته أولا ~~فأولا وأنه كان يعنى بالاتصال بالشعوب التي يمر بها، ويتفهم مظاهر الحضارة التي يشاهدها. ~~وحسبنا أن نشير هنا إلى وصفه مدينة القاهرة، وكلامه عن حضارة مصر في عصر الخليفة الفاطمي ~~المستنصر بالله، وعنايته بدراسة الأعياد والحفلات ms28 والصناعات والفنون والأسواق، وإلى وصفه ~~الحرم الشريف بالقدس. # وقد ترجمت رحلة ناصر خسرو إلى الفرنسية. وأصبحت مصدرا أساسيا في دراسة الحضارة ~~الإسلامية في الشرق الإسلامي في القرن الخامس الهجري، والحق أن وصف مصر في رحلة ناصر خسرو ~~يعد من أكثر المصادر التاريخية إمتاعا وأعظمها شأنا في بيان حال البلاد قبل القحط أو ~~«الشدة العظمى» التي حلت بها في نهاية عصر الخليفة المستنصر. # 1 # ولا عجب فإن هذا الرحالة لم يكن سائحا عابرا؛ بل أقام في مصر نحو أربع سنوات ودون ~~مشاهداته بدقة وإسهاب، فوصف الحياة العقلية وتحدث عن الأزهر ودار الحكمة وجامع عمرو، وعن ~~العلماء والفقهاء ودعاة الفاطميين. # واستطاع أن يدرس الحياة الاجتماعية عن كثب. فذكر مثلا أنه لم يعرف بلدا يستمتع بمثل ما ~~ظفرت به مصر من الأمن والهدوء، وأن الصناع والعمال فيها يمنحون أجورا مرضية، فيقبلون على ~~العمل بسرور وانشراح، على عكس ما في الأقطار الأخرى من السخرة وما إلى ذلك؛ كما أن مرتبات ~~القضاة كانت كبيرة جدا، ليتم الاطمئنان إلى عدالتهم وبعدهم عن المؤثرات المختلفة ولتقل ~~حاجتهم إلى الناس. # ولاحظ ناصر أن التجار في مصر كانوا يبيعون بأثمان محددة، وإذا ثبت على أحدهم الغش فإنه ~~يركب جملا، ويوضع في يده جرس يدقه ويطاف به في البلد ويرغم على أن يصيح بأعلى صوته: «لقد ~~غششت وها أنا ألقى عقابي. جزى الله الكاذبين!» وكتب كذلك أن البقالين والعطارين وبائعي ~~«الخردة» كانوا يأخذون على عاتقهم إعطاء الزجاج والأواني الخزفية والورق لوضع ما يبيعونه ~~فيها؛ فلم يكن على المشتري أن يبحث عما يجعل فيه ما يقتنيه. # ومما ذكره أن ركوب الخيل كان وقفا على الجند والمتصلين بالجيش، على حين كان سائر الأهلين ~~ينتقلون على حمير ذات سروج جميلة. وكان في الفسطاط والقاهرة نحو خمسين ألف حمار للتأجير؛ ~~يشاهد المرء عددا كبيرا منها عند مداخل الشوارع والأسواق. # وأطنب ناصر خسرو في التدليل على ثروة البلاد ورخائها، ووصف مدينة القاهرة وصفا شائقا، ~~وقدر أنها في ذلك الوقت (فيما بين سنتي 449-441 هجرية/1047-1050م) كانت ms29 قد نمت عمارتها، ~~وأصبح فيها ما لا يقل عن عشرين ألف دكان، كلها ملك للخليفة. وكثير منها يؤجر بعشرة دنانير ~~في الشهر، وليس بينها إلا القليل تبلغ أجرته في الشهر دينارين. وكان في القاهرة من الخانات ~~والحمامات عدد وافر جدا، وكلها ملك للخليفة أيضا والقصر الملكي وسط المدينة، بينه وبين ~~الأبنية المحيطة به فضاء يفصله عنها. وأسواره عالية فلا يستطيع أحد رؤيته من داخل المدينة، ~~وهو يبدو من خارجها كالجبل. ولم يكن بالقاهرة سور محصن، ولكن أبنيتها كانت أعلى من الأسوار ~~المحصنة، وفي كل منها خمس طبقات أوست؛ فكأنها القلاع الضخمة. وكانت البيوت مبنية بناء ~~نظيفا محكما وكانت مفصولا بعضها عن بعض بحدائق ترويها مياه الآبار. # وانتقل ناصر خسرو بعد ذلك إلى وصف مدينة الفسطاط جنوبي القاهرة، حيث كانت الحركة التجارية ~~فأسهب في الكلام على عظمتها وبيوتها الشاهقة وجوامعها الكبيرة وحدائقها الغناء وصناعتها ~~الزاهرة، ووصف الثروة في أسواقها والازدحام فيها، وقال: إن الحوانيت مملوءة بالسلع المختلفة ~~والأقمشة الثمينة والذهب وسائر الحلي، حتى إن المشتري لا يجد فيها محلا يجلس فيه. # وذكر هذا الرحالة في مواضع عديدة من حديث رحلته قصصا تشهد بالتسامح الديني الذي عرف عن ~~العصر الفاطمي، وباطمئنان المسيحيين واليهود إلى عدل الخليفة وحكومته. ومن ذلك قصة تاجر ~~مسيحي كان من أغنى الأثرياء في مصر؛ فلا يستطيع أحد أن يحصي أرزاقه وأملاكه وماله من السفن. ~~وقد دعاه الوزير ذات يوم وأخبره أن الخليفة أقلقه، وأهمه ما حل بالشعب من الضيق بسبب قلة ~~المحصول ذلك العام، ثم سأله عن مقدار القمح الذي يمكنه أن يبيعه أو يقرضه، فأجاب التاجر بأن ~~عنده من القمح ما يكفي مدينة مصر (الفسطاط) ست سنوات. وقد أعجب ناصر خسرو بما عرف عن ~~الخليفة والحكومة من العدل الذي يسمح لمثل ذلك الرجل أن يمتلك مثل هذه الثروة، وأن يصدق ~~القول بشأنها بدون أن يخشى مصادرتها أو ضياع حقه في جزء منها. # وامتاز ناصر خسرو بما عرف عن الإيرانيين من الذوق الفني الجميل؛ حتى أصبحت ملاحظاته ~~وآراؤه ms30 عن الآثار والفنون في رحلته مرجعا أساسيا للمشتغلين بالفنون الإسلامية. فنراه ~~يتحدث عن مراكز الصناعات والفنون المختلفة، ويصف المساجد، والقصور والخانات وغير ذلك من ~~مفاخر العمارة الإسلامية. وتحدث ناصر عن مدينة تنيس، وأعجب بما كان ينسج في أي مكان آخر قصب ~~يوازيه في الجودة والجمال، وبقماش الأبوقلمون، الذي يتغير لونه باختلاف ساعات النهار، ~~ويصدره المصريون إلى بلاد الشرق والغرب. كما أعجب بالكتان الذي كان ينسج في أسيوط ويبدو ~~للعين كأنه الحرير. # وأشار إلى صناعة الخزف في العصر الفاطمي؛ فقال : إن المصريين كانوا يصنعون أنواع الخزف ~~المختلفة، وإن الخزف المصري كان رقيقا وشفافا، حتى لقد كان ميسورا أن ترى من باطن الإناء ~~الخزفي اليد الموضوعة خلفه. وكانت تصنع بمصر الفناجين والقدور وسائر الأواني، وتزين بألوان ~~مختلفة تختلف باختلاف أوضاع الآنية. # وكان ناصر خسرو شديد الإعجاب بسوق القناديل - بجوار جامع عمرو - فقال: إنه لم يعرف مثله ~~في أي بلد آخر، وإن التحف النادرة والثمينة كانت تحمل إليه من أصقاع العالم كله. وترجع هذه ~~التسمية إلى أن سكان هذا الحي كان لكل منهم قنديل على باب مسكنه. والطريف أن ما وصل إلينا ~~من التحف الفنية الفاطمية يؤيد تماما ما كتبه ناصر خسرو في هذا الميدان. وقد فصلنا الكلام ~~على ذلك في كتابنا «كنوز الفاطميين». # ولا ريب في أن هذا الرحالة أتيح له أن يدرس مصر دراسة طيبة خلال رحلته فيها، وإن كان من ~~المحتمل أن تعصبه الشديد للمذهب الفاطمي قد يكون من أسباب إفراطه في الإعجاب بثروة البلاد ~~ورخائها وأمنها، والتسامح الديني فيها وازدهار فنونها وعدالة النظم الاجتماعية فيها. # والحق أن ناصر خسرو لم يكن شديد الاهتمام بالنظم الاجتماعية في مصر فحسب؛ بل نراه يعرض ~~لما يصادفه من هذه النظم في سائر البلاد التي تجول فيها. مثال ذلك ما كتبه عن إقليم الأحساء ~~في بلاد العرب. فقد أعجب بنظام الحكومة القرمطية فيه. وذكر أنه إذا أعسر أحد السكان فيه ~~أقرضوه مالا يستعين به على تدبير أموره، وأن الذي يستدين شيئا لا يطالب بدفع ms31 ربح عنه، وأن ~~الغريب الذي يحسن إحدى الحرف يقرض عند وصوله إلى هذا الإقليم مبلغا من المال يستعين به على ~~شراء عدده. وإذا تهدمت دار أو مطحنة، وعجز صاحبها عن إصلاحها، فإن حكام الإقليم ينيطون ببعض ~~عبيدهم إتمام هذا الإصلاح من غير أجر. وللحكومة في الإحساء مطاحن تنفق عليها ويطحن الناس ~~فيها قمحهم بالمجان. وقد سجل ناصر إعجابه بهذه النظم التي تذكرنا الآن ببعض الاتجاهات ~~الاشتراكية في العصور القديمة وفي العصر الحديث. ~~••• # ودون ناصر في أخبار رحلته أن السفر في بعض أجزاء بلاد العرب لم يكن ميسورا إلا إذا ~~استأجر المسافر حارسا من أبناء القبيلة التي يمر بأرضها ليدله على الطريق ويحميه من اعتداء ~~قطاع الطرق. # ومن طريف ما ذكره ناصر عن البيع والشراء في أسواق البصرة أن هذه المدينة كانت تقوم في ~~أنحائها ثلاثة أسواق في اليوم الواحد، وأن رواد تلك الأسواق كانوا يودعون أموالهم عند أصحاب ~~المصارف المالية، ويأخذون منهم إقرارا باستلامها ثم يدفعون قيمة كل ما يشترونه «شيكا» أو ~~«إذنا» يقبض البائع قيمته من صاحب المصرف. وهكذا لا يستعمل التجار النقود في معاملتهم، ~~وإنما يستخدمون «الشيكات أو أذنات الصرف» يدفع قيمتها أصحاب المصارف. # 2 # ولاحظ ناصر خسرو في مدينة طبس (بين نيسابور وإصفهان) أن المرأة لا تخاطب إلا زوجها أو ~~قريبا لها وأنه إذا ثبت أن رجلا وامرأة لا قرابة بينهما قد دار بينهما حديث فإن جزاءهما ~~القتل. # وصفوة القول: أن رحلة ناصر خسرو في الشرق الأدنى تميط اللثام عن كثير من نظمه الاقتصادية ~~والاجتماعية والسياسية في منتصف القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). # | الإدريسي # هو محمد بن محمد الشريف الإدريسي صاحب كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق». ولا ريب في ~~أنه من أعلام الجغرافيين المسلمين الذين كان للرحلات شأن عظيم في آثارهم العلمية. ولد في ~~سبتة سنة (493ه/1100م). ودرس في جامعة قرطبة، ثم طاف في الأندلس وشمالي إفريقية وآسيا ~~الصغرى. ويقال أيضا: إنه زار فرنسا وإنجلترا. ثم لبى دعوة الملك رجار # Roger # الثاني فنزل في بلاطه ms32 بصقلية، حيث كان التأثر بالمدينة الإسلامية لا ~~يزال عظيما. # وكان رجار قد أراد - جريا على سنة كثير من الأمراء الشرقيين - أن يؤلف له كتاب شامل في ~~وصف مملكته وسائر الآفاق المعروفة في ذلك العهد، فجمع ما كتب المؤلفون في هذا الميدان. ووقع ~~اختياره على الشريف الإدريسي ليصنف له كتابا في وصف الكرة الأرضية الفضية التي صنعت له ~~مرسوما عليها جميع الأقاليم المعروفة حينئذ. وطبيعي أن هذا الاختيار يشهد بما كان للمسلمين ~~من تفوق في العلوم والفنون في ذلك العصر. وقد تم تأليف هذا الكتاب المسمى «نزهة المشتاق» ~~قبل وفاة رجار سنة (548ه/1154م)، وظل الكتاب ينسب إلى أمير البلاد فيقال: «كتاب رجار» أو ~~«الكتاب الرجاوي». # واستعان الإدريسي في كتابه مؤلفاته الجغرافية الواسعة بما أفاده من رحلاته الخاصة، وبما ~~جمعه الرواد الذين أوفدهم الملك رجار إلى أقاليم المختلفة لاستطلاع أوصافها وتحقيق مواضعها، ~~وبما قيده من أحاديث الرحالة والتجار والحجاج في السفن التي كانت تمر بموانئ صقلية، إلى جنب ~~ما استطاع الحصول عليه من بيانات عن البلاد المسيحية بفضل رعاية الملك رجار المسيحي. ~~والواقع أنه - بهذه البيانات - امتاز على سائر الجغرافيين المسلمين فإن من سبقه منهم لم ~~يستطع الكتابة على أوروبا في شيء من الدقة، ولم يظهر بمشاهدات أولئك الرواد الذين أوفدهم ~~الملك حتى إلى أقصى الأطراف مثل إسكندناوة. أما الذين خلفوه فقد عمد معظمهم إلى نقل ما كتبه ~~هو في هذا الصدد. # وطبيعي أيضا أن يمتاز كتاب الإدريسي بغزارة مادته في جغرافية المغرب وصقلية مما يشهد ~~بأنه ساح في تلك الآفاق. أما فيما يخص الشرق فقد نقل كثيرا عمن سبقه من المؤرخين. ومع ذلك ~~كله، فإن ما كتبه عن مصر والشام وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والأراضي المطلة على البحر ~~الأدرياتيك يشهد بأنه أفاد كثيرا من سياحاته الخاصة أو سياحات غيره من الرواد. وكتب ~~الإدريسي كثيرا في الغوص عن اللؤلؤ فأحسن عرض هذا الموضوع وألم بأطرافه. # 1 # وأكبر الظن أن كتب الإدريسي وصلت إلى العلماء المسيحيين بصقلية في العصور الوسطى، ولكننا ~~لم نظفر بدليل ms33 على ذلك؛ لأن أقدم ترجمة نعرفها لكتابه «نزهة المشتاق» كانت إلى اللاتينية في ~~بداءة القرن السابع عشر الميلادي. والذي لا شك فيه أن الغربيين اعتمدوا هذا الكتاب في تقويم ~~البلدان، ولا سيما بلاد الشرق، إلى أن تقدم علم الجغرافيا في القرنين الثامن عشر والتاسع ~~عشر. وحسبنا أن نشير إلى ما كتبه البارون دي سلان. (في عدد أبريل سنة 1841 من المجلة ~~الآسيوية الفرنسية)؛ فقد قال: «إن كتاب الإدريسي لا يمكن أن يوازن به أي كتاب جغرافي سابق ~~له، وإن ثمت بعض أجزاء من المعمورة لا يزال هذا الكتاب دليل المؤرخ والجغرافي في الأمور ~~المتصلة بها.» # ولا شك في أن ما كتبه الإدريسي عن صقلية يشهد بالتسامح الديني الذي كان سائدا فيها ~~برعاية الحكام النورمانديين الذين كانوا يحثون رعاياهم المسلمين على التمسك بأهداف دينهم ~~والذين يقال: إنهم كانوا لا يأذنون للمسلم أن يرتد عن الإسلام. ولا غرو في ذلك فقد كان ~~هؤلاء الحكم شبه شرقيين في مظاهر حضارتهم المختلفة. # ومما يؤسف له أننا لا نعرف شيئا كثيرا عن سيرة الإدريسي. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن ~~مرجع هذا أن المؤلفين العرب كانوا يتجاهلون وجوده لإسرافه في مدح رجار، ولإنصافه المسيحيين ~~في صقلية إلى أبعد حد، في وقت كان المسيحيون فيه يشنون على المسلمين الحروب الصليبية ~~الشعواء، أو يعملون على طردهم من الأندلس. ولكن هذا التعليل لا يقوم على أساس متين؛ لأن ~~شكنا في شأن ضياع سيرة الإدريسي تصلح أيضا لسيرة كثير من سائر الجغرافيين المسلمين، الذين ~~لم يتصلوا بالمسيحيين ولم يسرفوا في مدحهم. # | السمعاني # هو عبد الكريم بن أبي بكر السمعاني من علماء مدينة مرو. ولد سنة (506ه/1112م) من بيت كريم ~~انتهت إليه رئاسته. وقام برحلات طويلة في طلب العلم والحديث؛ حتى قيل: إن عدد شيوخه زاد على ~~أربعة آلاف. والمعروف أنه زار بلاد ما وراء النهر # Transoxiane # وجال في أقاليم الشرق الإسلامي، ولا سيما ~~إيران والعراق والشام والحجاز، ولعله طاف في «غيرها من البلاد التي يطرأ ذكرها ويتعذر ~~حصرها»، على ms34 حد قول ابن خلكان في ترجمته. # ويتجلى علم السمعاني ببلاد الإسلام في مؤلفه «كتاب الأنساب» الذي جمع فيه بضعة آلاف من ~~التراجم مرتبة على حروف المعجم، ونسب كل واحد منها إلى بلد أو قبيلة أو صناعة أو تجارة أو ~~غير ذلك؛ فكان يضبط حروف النسبة ويشرحها، وإذا كانت إلى بلد ذكر موقعه ثم ترجم لصاحب الاسم. ~~والحق أن مثل هذا المعجم المطول من الأعمال العلمية الجليلة، التي تتطلب الأسفار الطويلة ~~والاطلاع الواسع. وقد لخص «كتاب الأنساب» أو أجمله عدد من المؤلفين. واختصره السمعاني نفسه ~~في كتاب طبعته مصورا لجنة تذكار جب # Gibb Memorial # سنة ~~(1912). # | ابن جبير # كان كثير من الحجاج القادمين من الأندلس يزورون المغرب ومصر والشام في طريقهم إلى الحجاز، ~~ثم ينتهزون هذه الفرصة للطواف في بعض الأقاليم الإسلامية الأخرى. وأعظم أولئك الحجاج شأنا ~~في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) هو ابن جبير؛ فقد قام بثلاث رحلات إلى الشرق ~~ودون أخبار الرحلة الأولى في شبه مذكرات يومية تعرف باسم «تذكرة بالأخبار عن اتفاقات ~~الأسفار». ولعله كتبها حول سنة 582ه/1186م. وقد قام على نشرها المستشرق الإنجليزي ~~رايت # W. Wright # سنة 1852 ثم ظهرت منها طبعة جديدة سنة ~~1907 راجعها المستشرق الهولندي دي خويه. # ولد ابن جبير في مدينة بلنسية سنة 540ه/1145م. ودرس على أبيه وغيره من علماء العصر في ~~سبتة وغرناطة، ثم دخل في خدمة أبي سعيد بن عبد المؤمن صاحب غرناطة. ومما جاء في ترجمة ابن ~~جبير عن كتاب نفح الطيب للمقري أن الأمير أبا سعيد استدعاه يوما ليؤلف فيه كتابا، وهو في ~~مجلس شرابه وحدث أن دفع إليه كأسا من النبيذ، فاعتذر ابن جبير بأنه ما شرب الخمر قط، فقال ~~الأمير: والله لتشربن منها سبعا؛ فلم يستطع إلا الإذعان. وكافأه الأمير بأن قدم إليه القدح ~~سبع مرات أخرى مملوءة بالدنانير وصب ذلك في حجره. وانصرف ابن جبير. وعقد العزم في الليلة ~~نفسها على أن يذهب لتأدية فريضة الحج تكفيرا عن ذنبه في شرب النبيذ. وأنفق تلك الدنانير ms35 في ~~سبيل البر وباع عقارا له تزود به. ~~••• # بدأ ابن جبير رحلته إلى الأراضي الحجازية في شوال سنة 578ه/فبراير سنة 1183م مع صديق ~~اسمه أحمد بن حسان كان من رجال الطب والعلم والأدب. وعبر الصديقان البحر إلى مدينة ~~سبتة # Cauta ~~، حيث وجدا سفينة من سفن مدينة جنوة، تريد ~~الإقلاع إلى الإسكندرية، فركباها يوم الخميس 29 من شوال/24 فبراير، وبدأ ابن جبير تقييد ~~يومياته منذ اليوم التالي. ومما يشهد بأن العلاقات بين الأفراد المسيحيين والمسلمين كانت ~~طيبة أن ابن جبير سره التوفيق لتلك السفينة، وكتب أن الله «سهل عليه وعلى صديقه ركوبها». # أقلعت السفينة من ثغر سبتة الواقع على شاطئ مراكش في مواجهة جبل طارق. وسارت محاذية لشاطئ ~~الأندلس حتى ثغر دانية جنوبي بلنسية. ثم اتجهت شرقا مارة بجزائر البليار. وكادت أنواء ~~البحر وأمواجه أن تعبث بها، لولا مركبا مسيحيا آخر، كان قادما من قرطاجنة الإسبانية ~~وميمها شطر صقلية، فاقتفت أثره. واستطاعت أخيرا أن تصل مع ذلك المركب إلى برسردانية حيث ~~جدد المسافرون الماء والحطب والزاد. وقيد ابن جبير أن مسافرا مسلما ممن يعرفون اللسان ~~الرومي هبط مع جماعة من الروم إلى أقرب المواضع المعمورة من المرسى الذي وصلت إليه السفينة، ~~فرأى نحو ثمانين من أسرى المسلمين رجالا ونساء يباعون في السوق، وكان الروم قد عادوا بهم ~~من غزوة في سواحل البحر ببلاد المسلمين. # أقلعت السفينة بعد ذلك إلى صقلية. ووصف ابن جبير ما مر بها من العواصف والأهوال إلى أن ~~أرست على شاطئها عند موضع لم يحدده. ثم فارقته إلى ثغر الإسكندرية فوصلت إليه في 29 من ذي ~~القعدة أي بعد شهر من بدء رحلتها من مراكش. # وطبيعي أن أول ما شاهده ابن جبير في الإسكندرية إنما كان متصلا بما نسميه اليوم «إجراءات ~~الجمارك». والحق أنه وصفها في دقة وطرافة، تحملنا على روايتها على لسانه؛ لنتبين أن كثيرا ~~من الأنظمة التي تبدو لنا اليوم من تمخضات مدنيتنا ليس في الحق إلا تطورا طبيعيا لما ~~عرفه القوم في العصور الوسطى. # قال ms36 ابن جبير: «فمن أول ما شاهدنا فيها (أي: في الإسكندرية) يوم نزولنا أن طلع أمناء إلى ~~المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه، فاستحضر جميع من كانوا فيها من المسلمين ~~واحدا واحدا وكتبت أسماؤها وصفاتها وأسماء بلادهم، وسئل كل منهم عما لديه من سلع أو ناض ~~(نقد) ليؤدي زكاة ذلك كله، دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان ~~أكثرهم متشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فلزموا أداء زكاة ذلك دون أن ~~يسأل هل حال عليه حول أم لا. واستنزل أحمد بن حسان منا، ليسأل عن أنباء المغرب وسلع المركب؛ ~~فطيف به مرقبا على السلطان أولا. ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية ~~السلطان، وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله فيخلى سبيله. # وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم. وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم ~~وبحمل جميع ما أنزلوه إلى الديوان، فاستدعوا واحدا واحدا، وأحضر ما لكل واحد من الأسباب. ~~والديوان قد غص بالزحام فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وما جل. واختلط بعضها ببعض. ~~وأدخلت الأيدي إلى أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غيري ~~ما وجدوا لهم أم لا. وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام. ~~ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم ... وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان ~~الكبير المعروف بصلاح الدين. ولو علم بذلك، على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق، لأزال ~~ذلك وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة، واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ~~ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الأحدوثة، التي هي من نتائج عمال ~~الدواوين.» # فقد آلم ابن جبير أن يساء إلى الحجاج المسلمين، وأن يطلب إليهم أداء الزكاة عن جميع ما ~~معهم، بدون تفرقة بين الذي حال الحول فاستحقت عليه الزكاة وما ms37 لم يحل عليه الحول فلا زكاة ~~عليه، كما آلمته القسوة في تفتيشهم. والظاهر أن هذه الدقة في «جمرك» الإسكندرية قديمة، فقد ~~ذكر الأستاذ نقولا زيادة في كتابه «رواد الشرق العربي»، الذي أخرجته مجلة المقتطف، أن ~~السائح المسيحي برنارد الحكيم روى عن نفسه (في القرن التاسع الميلادي) أنه فتش في ~~الإسكندرية وحقق معه، ودفع ستة دنانير ذهبية. # وقد لقي ابن جبير مثل هذا التفتيش بالإسكندرية في رحلته الثانية إلى مصر؛ فكتب قصيدة يمدح ~~فيها السلطان صلاح الدين، ويشير إلى فتحه ببيت المقدس سنة 583ه/1187م، وينصحه بإزالة هذه ~~الأساليب التي تهتك فيها الحرمات وتنسى حقوق المسلمين، ومن أبيات هذه القصيدة: # يعنت حجاج بيت الإله # ويسطو بهم سطوة الجائر # ويكشف عما بأيديهم # وناهيك من موقف صاغر # وقد أوقفوا بعدما كوشفوا # كأنهم في يد الآسر # ويلزمهم حلفا باطلا # وعقبى اليمين على الفاجر # وإن عرضت بينهم حرمة # فليس لها عنه من ساتر # وليس على حرم المسلمين # بتلك المشاهد من غائر # ألا ناصح مبلغ نصحه # إلى الملك الناصر الظافر # فما للمناكر من زاجر # سواك وبالعرف من آمر # وحاشاك إن لم تزل رسمها # فما لك في الناس من عامر # أما الطواف بأحمد بن حسان - زميل ابن جبير - على طائفة من الموظفين لسؤاله عن أبناء ~~المغرب، فيذكرنا بما يحدث اليوم بين دول المتحاربة من استجواب القادمين إليها من أبناء بلاد ~~الأعداء أو ممن مروا بتلك البلاد؛ ليمكن الإفادة مما قد يدلون به من أخبار. ومما يؤسف له أن ~~ابن جبير لم يدون شيئا عما اتبع الثغر مع المسافرين من غير المسلمين. # عرض ابن جبير بعد ذلك لوصف الإسكندرية، فذكر آثارها وعمائرها ومنارها وأعجب بما فيها من ~~مدارس للغرباء «يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه ومدرسا ~~يعلمه الفن الذي يريد تعليمه»، كما أشار إلى المستشفى الذي شيده السلطان لأولئك الغرباء، ~~وإلى الخيرات التي أوقفها للعناية بهم. ولاحظ كثرة المساجد إلى حد أن توجد منها الأربعة ~~والخمسة في موضع واحد. وأتيح لابن جبير أن يشاهد ms38 في الإسكندرية دخول الأسرى الصليبيين، ~~الذين وقعوا في يد المسلمين في الحملة الصليبية الفاشلة، التي كان صاحب الكرك قد دبرها في ~~البحر الأحمر للاستيلاء على المدن الإسلامية المقدسة. وقد أدخل الأسرى «راكبين على الجمال ~~ووجوههم إلى أذنابها وحولهم الطبول والأبواق». # ثم انتقل ابن جبير إلى القاهرة ومصر - وهذا الاسم الأخير هو الذي كانت تعرف به حينئذ ~~مدينة الفسطاط وضواحيها المتصلة بالقاهرة - ونزل بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة ~~من جامع عمرو بن العاص. وأقام في عاصمة البلاد أياما؛ زار فيها مشهد الحسين والقرافة وضريح ~~الإمام الشافعي، والمدرسة الناصرية التي شيدها بإزائه السلطان صلاح الدين، ولم تكن عمارتها ~~قد تمت بعد. وأعجب ابن جبير بسعتها فكتب: «يخيل لمن يتطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته. ~~بإزائها الحمام إلى غير ذلك من مرافقها.» وحرص على لقاء شيخها نجم الدين الخبوشاني؛ لأنه ~~كان قد سمع في الأندلس بفضله وبركته. ثم شاهد مارستان القاهرة وبنيان القلعة والسور الذي ~~كان صلاح الدين يريد أن يتخذه حول القاهرة والقطائع والعسكر والفسطاط، فيجمع عواصم مصر ~~الإسلامية كلها. وقد عثرت دار الآثار العربية في حفائرها على أطلال هذا السور. # كما شاهد القناطر التي شيدها السلطان عند بدء الصحراء الغربية «بعد رصيف ابتدئ به من حيز ~~النيل بإزاء مصر، كأنه جبل ممدود على الأرض تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة ~~المذكورة». وكانت القنطرة والطريق المرصوف معا جزءا مما أعده السلطان للدفاع عن البلاد من ~~جانب الغرب. ولاحظ ابن جبير أن جميع المسخرين في العمائر والمنشآت المختلفة كانوا من أسرى ~~الروم. ووصف أهرام الجيزة «وأبا الهول». # وأشار في حديثه عن القاهرة إلى فضل السلطان صلاح الدين في محو المكوس، التي كانت مفروضة ~~على الحجاج في عصر الدولة الفاطمية، والتي كانت تجبى يضطهدون ويعذبون في سبيل دفعها؛ وأما ~~الذين لا يدفعون الضريبة في عيذاب، وتصل أسماؤهم إلى جدة «غير معلم عليها علامة الأداء»، ~~فكانوا يلقون فيها أضعاف هذا التنكيل. فأبطل صلاح الدين هذه المكوس، وعوض أمراء مكة بما ~~يرسله ms39 إليهم سنويا من الطعام والمال. ~~••• # ثم صعد ابن جبير في النيل إلى قوص. ووصف بعض المعابد في المدن. التي توقفت عندها المركب، ~~كما شرح ما يلقاه الحجاج والمسافر من عسف العمال المكلفين جمع الزكاة، فقد كانوا يعترضون ~~المركب ويفتشون المسافرين ويفحصون الأمتعة بوساطة مسلة طويلة يتخللون بها الأكياس والحزم. # ودخل ابن جبير قوص فكتب أنها حافلة الأسواق، متسعة المرافق، كثيرة الخلق لكثرة الصادر ~~والوارد من الحجاج والتجار المصريين والمغاربة واليمنيين والهنديين وتجار أرض الحبشة. ثم ~~سافر منها إلى عيذاب بطريق الصحراء الذي ذاعت شهرته في عالم التجارة في العصور الوسطى. ووصف ~~ابن جبير هذا الطريق وأشار إلى ضخامة تجارته في الفلفل وأنواع التوابل فقال: «ورمنا في هذا ~~الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة ~~لسلع الهند الواصلة إلى اليمن، ثم من اليمن إلى عيذاب وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، ~~فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب قيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي ~~بقارعة الطريق أحمال الفلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها، تترك بهذا السبل ~~إما لإعياء الإبل الحاملة لها، أو غير ذلك من الأعذار. وتبقى بموضعها إلى أن ينقلها صاحبها ~~مصونة من الآفات، على كثرة المارة عليها من أطوار الناس. # وصل ابن جبير إلى عيذاب ولاحظ أنها من أعظم الثغور شأنا «بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط ~~فيها وتقلع منها زائدا إلى مراكب الحجاج الصادرة والواردة». كما لاحظ أنها في صحراء لا ~~نبات فيها ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب، ولكن أهلها في نعمة بما يكسبونه من خدمة الحجاج ولا ~~سيما من تأجير الجلاب - والواحدة جلبة - وهي المراكب التي تنقل الحجاج بين عيذاب وجدة. وقد ~~وصفها ابن جبير وصفا فريدا؛ لأنها كانت غريبة لا يستعمل فيها مسمار البتة. وكان أهل عيذاب ~~لا يحفلون براحة الحجاج؛ فكانوا «يشحنون الجلاب بهم، حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم ~~كأنها أقفاص الدجاج»؛ لكي يستطيع صاحب الجلبة منهم أن يستوفي ms40 ثمنها في رحلة واحدة. والواقع ~~أن ابن جبير قدر أن الحلول بعيذاب من أعظم المكاره التي حف بها السبيل إلى الحج، فقد كان ~~ساخطا على هوائها الذي «يذيب الأجسام» ومائها «الذي يشغل المعدة على اشتهاء الطعام»، ~~وسكانها «الذين لا خلاق لهم ولا جناح على لاعنهم». وأشار في هذه المناسبة إلى ما يزعمه ~~الناس من أن سليمان بن داود كان اتخذها سجنا للعفارتة. ونصح ابن جبير بتجنبها وباتخاذ طريق ~~الشام. والحق أن هذا الطريق الأخير ومثله طريق العقبة، كان طريقا طبيعيا ولا سيما لحجاج ~~المغرب والأندلس. ولكن وجود الصليبيين في الشام حمل معظم الحجاج على التحول إلى طريق ~~عيذاب. ~~••• # على أن الجزء الأساسي في رحلة ابن جبير إنما هو وصف مكة والمسجد الحرام ومناسك الحج ~~وزيارة المدينة؛ فقد استغرق هذا كله أكثر من ثلث الكتاب، ووفق فيه الرحالة لتدوين أخبار ~~وملاحظات ذات شأن عظيم في دراسة التاريخ والآثار الإسلامية. ولا عجب فقد أقام بمكة حول ستة ~~شهور. وغضب ابن جبير لما شاهده من سوء معاملة الحجاج، وإمعان أهل مكة في استغلالهم، لولا ~~تدارك صلاح الدين بإرساله المال والطعام إلى مكثر الحسني أمير مكة، فضلا عن منحه إقطاعات ~~في صعيد مصر واليمن. غير إن غياب صلاح الدين في حروبه مع الصليبيين في الشام كان يشجع مكثر ~~الحسني على التمادي في نهب الحجاج، حتى تمنى ابن جبير أن تطهر تلك الأراضي المقدسة بسيوف ~~مولاه ملك الموحدين. # وكان أمراء مكة يدينون بالطاعة للخليفة العباسي ولصلاح الدين، ولكنهم كانوا ينعمون بقسط ~~وافر من الاستقلال، ما دام الخليفة العباسي ضعيفا، وما دام صلاح الدين مشغولا بقتال ~~الصليبيين. وذكر ابن جبير أن الخطيب في الحرم الشريف كان يدعو يوم الجمعة للخليفة العباسي. ~~ثم لأمير مكة ثم للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ولأخيه وولي عهده أبي بكر. «وعند ذكر صلاح ~~الدين بالدعاء تخفق الألسنة بالتأمين عليه في كل مكان. وحق ذلك عليهم، لما يبذله من جميل ~~الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ... وحسن رفعه من وظائف المكوس عنهم.» ms41 وليس هذا هو الوضع الوحيد ~~الذي أشار فيه ابن جبير إلى صلاح الدين بأعظم الإعجاب والتقدير. # أكمل ابن جبير حجته، ولكنه لم يعقد العزم على العودة إلى وطنه مباشرة. ولم يكن ليفكر في ~~الرجوع من طريق عيذاب؛ فرافق ركب الحجاج العراقي، ومر بطريق نجد قاصدا الكوفة، ودون أن هذه ~~المدينة «كبيرة عتيقة البناء قد استولى الخراب على أكثرها، ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة ~~المجاورة لها، فهي لا تزال تضر بها». وعبر الفرات عند مدينة الحلة على جسر جديد أمر الخليفة ~~بتشييده لراحة الحجاج. وكان هذا الجسر معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط، تحف ~~بها من جانبها سلاسل من حديد «كالأذراع المفتولة عظما وضخامة، ترتبط إلى خشب مثبتة في كلا ~~الشطين تدل على عظم الاستطاعة والقدرة». واجتاز ابن جبير بظاهر مدينة الحلة جسرا آخر على ~~نهب متشعب من الفرات يسمى «النيل». # وأخيرا ألقى الرحالة عصا التسيار في بغداد. ووصف أحياءها المختلفة ومساجدها وأسواقها ~~وحماماتها ومدارسها ومستشفياتها، ولكنه لم يجد العاصمة العباسية على حسب ما تخيل فكتب: «إن ~~هذه المدينة العتيقة، وإن لم تزل حاضرة الخلافة العباسية ... قد ذهب أكثر رسمها، ولم يبق منها ~~إلا شهير اسمها ... أما أهلها فلا تكاد تلقى منهم إلا من يتصنع بالتواضع رياء، ويذهب بنفسه ~~عجبا وكبرياء. يزدرون الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء، ويستصغرون عمن سواهم ~~الأحاديث والأنباء. قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن الوجود يصغر بالإضافة لبلده؛ فهم لا ~~يستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لا يعتقدون أن لله بلادا أو عبادا ~~سواهم ... يظنون أن أسنى الفخار في سحب الإزار ... يتبايعون بينهم بالذهب قرضا؛ فلا نفقة فيها ~~إلا من دينار تقرضه، وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه، لا تكاد تظفر من خواص أهلها بالورع ~~العفيف، ولا تقع من أهل موازينها ومكاييلها إلا على من ثبت له الويل في سورة التطفيف. ~~فالغريب منهم معدوم الإرفاق متضاعف الإنفاق، لا يجد من أهلها إلا من يعامله بنفاق، أو يهش ~~إليه هشاشة انتفاع ms42 واسترفاق ... فسوء معاشرة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها ... أستغفر ~~الله إلا فقهاءهم المحدثين ووعاظهم المذكرين ... لكنهم معهم يضربون في حديد بارد.» # والحق أن ابن جبير كان قاسيا على أهل بغداد قسوة تذكرنا بقسوة الطبيب ابن رضوان (القرن ~~6ه/12م) على المصريين عامة، حين أسرف في وصفهم بالجبن والبخل وما إلى ذلك، حتى لاحظ أن ~~كلابهم أقل جرأة وبهائمهم أشد ضعفا من الكلاب والبهائم في سائر الأقاليم. # 1 # وعرض ابن جبير في وصف بغداد لقصور الخليفة وأسرته. وذكر أن بني العباس كانوا وقتئذ ~~متعلقين اعتقالا جميلا لا يخرجون ولا يظهرون ولهم المرتبات القائمة، ولم يكن للخليفة ~~وزير؛ بل كان له موظف لشئونه الخاصة ، يعرف بنائب الوزارة، وله فضلا عن ذلك قيم على الدولة ~~كلها يعرف بالصاحب أستاذ الدار، ويدعي له في الخطبة إثر الدعاء للخليفة. ~~••• # وانتقل ابن جبير إلى الموصل مارا بسر من رأى وتكريت وأعجب بما في الموصل من عمائر حربية ~~ودينية ومستشفيات. ثم واصل الرحلة بين مدن الشام المختلفة فوصف آثارها، وتحدث عن عادات ~~أهلها وعن عنايتهم بالغرباء. ودون «أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به أحد ~~المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم، ويقولون: هؤلاء ممن انقطع إلى الله - ~~عز وجل - فتجب مشاركتهم». # والحق أن ابن جبير نبه إلى ما كان من مودة وعلاقات تجارية بين أفراد المسلمين والمسيحيين، ~~حتى في العهد الذي كانت الحروب الصليبية ناشبة فيه بين أمراء الفريقين، فقد كتب في رحلته: ~~«ومن أعجب ما يحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي ~~الجمعان ويقع المصاف (القتال) بينهم، ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض ~~عليهم. شاهدنا في هذا الوقت الذي هو شهر جمادى الأولى من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر ~~المسلمين لمنازلة حصن الكرك، وهو من أعظم حصون النصارى، وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع ~~لسبيل المسلمين على البر، بينه وبين القدس مسيرة يوم أو أشق قليلا، وهو سرارة أرض فلسطين، ~~وله نظر عظيم الاتساع متصل العمارة، ms43 يذكر أنه ينتهي إلى أربعمائة قرية، فنازله هذا السلطان ~~وضيق عليه وطال حصاره، واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع، ~~واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة كذلك، وتجار النصارى أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض، ~~وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم. وهي من الأمنة على غاية. وتجار النصارى ~~أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال، وأهل ~~الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب. هذه سيرة أهل هذه البلاد في ~~حربهم، وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك، ولا تعترض الرعايا ولا التجار، ~~فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا، وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن ~~يستوفى الحديث عنه.» # ولاحظ ابن جبير أن الفلاحين المسلمين في الأرض التابعة للمسيحيين كانوا في رخاء، بينما ~~كان إخوانهم الفلاحون المسلمون عند الملاك من بني دينهم لا ينعمون بمثل ذاك الرفق والعدل. ~~قال ابن جبير: «ورحلنا من تبنين سحر يوم الاثنين وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منظمة، ~~سكانها كلها مسلمون وهم مع الإفرنج على حالة ترفيه ... وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند ~~أوان ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط، ولا يعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر ~~الشجر ضريبة خفيفة يؤدون أيضا، ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم، وكل ما بأيدي ~~الإفرنج من المدن بساحل الشام على هذا السبيل، رساتيقها كلها للمسلمين وهي القرى والضياع، ~~وقد أشربت الفتنة قلوب أكثرهم، لما يبصرون عليه إخوانهم من رساتيق المسلمين وعمالهم؛ لأنهم ~~على ضد أحوالهم من الترفيه والرفق. وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين أن يشتكي الصنف ~~الإسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرة ضده وعدوه المالك له من الإفرنج ويأنس بعدله.» # لاحظ ابن جبير أن الصليبيين كانوا يفرضون على المسلمين المغاربة ضريبة خاصة قدرها دينار ~~على كل شخص. ودون أن السبب في ذلك أن طائفة من المجاهدين المغاربة اشتركت مع مسلمي الشرق ~~الأدنى في ms44 فتح أحد الحصون الصليبية، وكان لهم الفضل الأكبر في هذا الميدان. والظاهر أن ~~الصليبيين ضايقهم قدوم المغاربة من بلادهم البعيدة للمساهمة في قتالهم، فجزوهم بهذه الضريبة ~~«وقال الإفرنج: إن هؤلاء المغاربة كانوا يختلفون على بلادنا ونسالمهم ولا نرزأهم شيئا، ~~فلما تعرضوا لحربنا وتألبوا مع إخوانهم المسلمين علينا وجب أن نضع هذه الضريبة عليهم». ولكن ~~الواقع أن اشتراك المغاربة في الحروب الصليبية في الشرق ليس غريبا في شيء، ولا سيما إذا ~~تذكرنا أن بلاد المغرب والأندلس كانت في حروب صليبية مع المسيحيين قبل أن تنشب الحروب ~~الصليبية في الشرق الأدنى. ~~••• # ووصل ابن جبير إلى عكا في العاشر من جمادى الآخرة سنة 580ه/18 من سبتمبر 1184، ووصفها ~~بأنها ملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق. ولا عجب فقد كانت حينئذ أهم ثغور ~~الصليبيين. وعلم هناك أن مركبا في ثغر صور عازم على الإبحار إلى بجاية بتونس. فذهب إلى صور ~~ولكنه استصغر المركب فقفل راجعا إلى عكا بطريق البحر وركب فيها سفينة جنوية كبيرة من سفن ~~الحجاج المسيحيين والمسلمين كان قصدها ثغر مسينة بجزيرة صقلية. ودون ابن جبير أنها كانت ~~كالمدينة الجامعة؛ فيها أكثر من ألفي مسافر، ويباع فيها كل ما يحتاجه المسافر، وأن المسلمين ~~كانوا في المركب بمعزل عن الإفرنج. وأشار إلى أن عددا من المسافرين من المسلمين ومن ~~البلغريين (تعريب لكلمة Peregrini # بمعنى حجاج، في ~~اللاتينية) هلكوا في السفينة فقذف بهم في البحر، وورثهم قائد المراكب؛ لأن المتبع عندهم أنه ~~يرث كل من يموت في البحر. واستغرقت الرحلة إلى مسينة حول شهرين، وكان المقرر لها نحو ~~أسبوعين. والحق أنها كانت رحلة غنية بالأحداث والأخطار، تشهد بما كان يتعرض له المسافرون في ~~البحر حينئذ، وبما كان يستلزمه قيادة السفن من مهارة ومران وصبر. وقد أتيح لابن جبير في وصف ~~عبور البحر الأبيض المتوسط قادما وعائدا. وفي وصف عبوره البحر الأحمر، أن يستعمل كثيرا ~~من مصطلحات الملاحة وبناء السفن في العصور الوسطى، فحفظ لنا بذلك عددا وافرا منها، ويمكن ~~الإفادة منه في فهم بعض ms45 الأخرى المدونة في ذلك العصر. # أرست السفينة أخيرا عند مدينة مسينة في صقلية، فوصفها ابن جبير، ولكنه وصف ملؤه ~~المفارقات المتناقضات فبينما يقول: إنه «لا يقر فيها لمسلم قرار»، وإنها «لا توجد لغريب ~~أنسا» إذ به يضيف إلى ذلك «أن أسواقها نافقة حفيلة، وأرزاقها واسعة بأرغاد العيش كفيلة، لا ~~تزال بها ليلك ونهارك في أمان، وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان». ويلوح أن ابن جبير لم ~~يكن قد اطمأن بعد إلى حال المسلمين في صقلية، فإنه زار بعد ذلك بالرمة عاصمة البلاد، وزار ~~غيرها من مدن الجزيرة، ووصف عمرانها، وثقة حكامها المسيحيين برعاياها من المسلمين، وقد كان ~~عددهم وافرا في هذا الإقليم، الذي التقت فيه مختلف المدنيات الوثنية والمسيحية ~~والإسلامية. # ولكنا لا نستطيع أن نركن إلى رحلة ابن جبير في الوقوف على حال المسلمين بصقلية، ومعرفة ما ~~كانوا يتمتعون به من الحرية الدينية بعد أن زال سلطانهم عن هذه الجزيرة بقرن من الزمان. ~~فإنا نراه يدون ما يشهد بأن المسيحيين كانوا يحسنون معاملة المسلمين، ويستخدمونهم في ~~الوظائف والمهن، حتى في أعظمها شأنا ببلاط الأمير، وإنا نراه يروي حديث رجل مسلم لقيه في ~~مسينة، اسمه عبد المسيح، وقال له: «أنتم مدلون بإظهار الإسلام فائزون بما قصدتم له، رابحون ~~إن شاء الله في متجركم، ونحن كاتمون إيماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء ~~فرائضه سرا.» # وعلى كل حال فإن الذي وصل إليه المؤرخون أن الدولة النورمانية في صقلية كانت تشمل ~~المسلمين بقسط وافر من رعايتها، وكانت تعترف بفضلهم وسبق مدينتهم في كثير من نواحي الحياة. ~~وإذا لم يكن ما كتبه ابن جبير في هذا الصدد واضحا تماما، فإن سائر وصفه لبلاد صقلية عظيم ~~الفائدة من الناحيتين التاريخية والجغرافية؛ لأنه كان دقيق الملاحظة في وصف الظواهر ~~الاجتماعية. من ذلك ما فطن له من أن الخلاف بين أفراد الأسرة الواحدة من المسلمين كان يؤدي ~~أحيانا إلى دخول بعضهم في المسيحية، فرارا من رقابة أو ولاية أو علاقة شرعية أخرى. # ثم أقلع ابن جبير ms46 من صقلية على ظهر سفينة جنوية حملته إلى ثغر قرطاجنة في الأندلس، فوصل ~~إليها في الخامس عشر من المحرم سنة 581 ثم واصل السفر حتى وصل إلى غرناطة في الثاني ~~والعشرين من المحرم (25 أبريل سنة 1185) بعد أن غاب عنها حول سنتين وثلاثة أشهر. # وقام ابن جبير برحلة ثانية إلى الشرق الإسلامي سنة (585ه/1189م)، استغرقت سنتين وبضعة ~~أشهر. وقيل: إن الذي جذبه إلى الشرق هذه المرة ما سمعه من استيلاء صلاح الدين على بيت ~~المقدس سنة (853ه/1187م). ثم ترك ابن جبير المقام في غرناطة، وانتقل إلى بلاد المغرب حيث ~~أقام عشرين سنة أو نيف؛ رحل بعدها إلى الشرق مرة ثالثة سنة (614ه/1217م). وقيل: إن ذلك كان ~~بسبب وجده على زوجه عاتكة، التي توفيت في تلك السنة والتي نظم فيها ديوانه «نتيجة وجد ~~الجوانح في تأبين القرين الصالح». واستقر ابن جبير في الإسكندرية، وتوفي بها في السنة ~~نفسها، وقد جاوز الثانية والسبعين. # | الهروي السائح # هو علي بن أبي بكر - وقيل: أبي طالب - بن علي الهروي الأصل. ولد في الموصل. وطاف في أنحاء ~~الشرق الإسلامي وفي الهند وفي القسطنطينية والمغرب وصقلية وغيرها من جزائر البحر الأبيض ~~المتوسط. وكان مغرما بالأسفار وبكتابة اسمه على الآثار التي يزورها، حتى كتب عنه ابن خلكان ~~«أنه لم يترك برا ولا بحرا ولا سهلا ولا جبلا من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلا ~~رآه، ولم يصل إلى موضع إلا كتب خطه في حائطه»، وقد سار ذكره بذلك، حتى عرف باسم الهروي ~~السائح. # والمعروف أنه زار القسطنطينية في زمن الإمبراطور عمانوئيل كومنينوس، وأنه زار دمشق سنة ~~(568ه/1173م) قبل أن يستعيدها صلاح الدين من يد الصليبيين. وكان في الإسكندرية سنة 570ه. ثم ~~كان في قافلة نهبها الصليبيون سنة (588ه/1192م)، ففقد فيها كتبه وبعض المذكرات التي جمعها، ~~ولعله كان حانقا لهذا السبب، أو لعل تقواه وشدة اعتداده بنفسه حملاه على أن يرفض مقابلة ~~الملك ريكاردوس قلب الأسد، الذي سمع بفضله، وحرص على أن يتحدث إليه. # واتصل الهروي في خاتمة حياته ms47 بالملك الظاهر ابن صلاح الدين؛ فأقام تحت رعايته في حلب إلى ~~أن توفي سنة (611ه/1214م). # وقد وصل إلينا من مؤلفات الهروي كتاب «الإشارات إلى معرفة الزيارات»، ولا يزال مخطوطا لم ~~يطبع إلى اليوم، ولكن الرحالة يشير فيه إلى كتب أخرى من تأليفه، مثل كتاب «منازل الأرض ذات ~~الطول والعرض» و«كتاب الآثار والعجايب والأصنام.» # أما كتاب الإشارات إلى معرفة الزيارات، فقوامه ذكر الآثار والعمائر الدينية التي زارها ~~الهروي والتي يستطرد في الحديث عنها إلى بعض البيانات التاريخية الطريفة. وفي دار الكتب ~~المصرية نسخة مخطوطة منه بعنوان «رحلة أبي الحسن بن أبي بكر بن علي الهروي الموصلي، تمت ~~كتابتها سنة 602ه» أي: قبل وفاة المؤلف. ومما يؤسف له أن هذه الرحلة غنية بالخرافات ~~والأساطير، وإن كنا نجد في بعض أجزائها وصفا وأحاديث تدل على دقة الملاحظة. # وقد نسخ الهروي على منوال كثير من المؤلفين، فقال في مقدمة كتابه: إن بعض الإخوان والخلان ~~سألوه أن يذكر لهم ما زاره من الزيارات، وما شاهده من العجائب والأبنية والعمارات، وما رآه ~~من الأصنام والآثار والطلمسات «في الربع المسكون والقطر المعمور»، وأنه رفض أن يلبي هذا ~~الطلب، إلى أن اجتمع برسول الخليفة العباسي إلى صلاح الدين، وأقنعه هذا الرسول بتأليف ~~الكتاب الذي وصل إلينا. # ومن الطريف أن الهروي اعتذر عما في الكتاب من خطأ فقال: «وإن جرى السهو فيما أذكره بطريق ~~الغلط لا بطريق القصد، فأسأل الناظر فيه والواقف عليه الصفح في ذلك وإصلاح الخطأ وإيضاح ~~الحق؛ فإن كتبي أخذها الانكتار ملك الفرنج، ورغب في وصوله إليه، فلم يمكن ذلك، ومنها ما غرق ~~في البحر، وقد زرت أماكن ودخلت بلادا من سنين كثيرة، وقد نسيت أكثر ما رأيته، وشذ عني أكثر ~~ما عاينته، وهذا مقام لا يدركه أحد من السائحين والزهاد، ولا يصل إليه أكثر المسافرين ~~والعباد، إلا رجل جال الأرض بقدمه، وأثبت ما قلته بقلبه وقلمه.» # ومما كتبه الهروي: «الأهرام من عجائب الدنيا، وليس على وجه الأرض شرقيها وغربيها عمارة ~~أعجب منها ولا أعظم ولا ms48 أرفع، ورأيت بمصر أهراما كثيرة منها خمسة كبار والباقي صغار. فأما ~~الكبار فاثنان عند الجزيرة واثنان عند قرية يقال لها: دهشور، وهرم عند قرية يقال لها: ~~ميدوم، وقد اختلفت أقاويل الناس فيها وفي بانيها وما يريد بها، ومنهم من قال: إنها قبور ~~للملوك، ومنهم من قال: إنهم عملوها خوفا من الطوفان، وقيل: إن المأمون فتح هرما منها، وهو ~~أحد الهرمين اللذين عند الجزيرة؛ فوجدوا داخله بئرا مربعة، في تربيعها أبواب يفضي كل باب ~~منها إلى بيت فيه موتى بأكفانهم، وقيل: إنهم وجدوا في رأس هذا الهرم بيتا فيه حوض من الصخر ~~على مثال القبر، وفيه صنم كالآدمي الرهنج، وفي وسطه إنسان عليه درع من الذهب مرصع بالجوهر، ~~وعلى صدره سيف لا قيمة له وعند رأسه حجر ياقوت كالبيضة كالنار.» وأضاف الهروي أنه دخل إلى ~~هذا الهرم ورأى الحوض واضحا، وقد كتب أنه سيذكر في كتاب العجائب والآثار والأصنام ~~والطلسمات جميع ما سمعه من أخبار الأهرام والصنم أبي الهول، وجميع البرابي (المعابد) التي ~~ببلاد الصعيد. # ومما دونه عن الأقصر: «مدينة بها من الآثار والقصور والأصنام، وصور الأصنام وصور السباع ~~والدواب ما لم أر مثله في بلاد الصعيد ولا في غيرها، وذرعت يد صنم فكان من المرفق إلى ~~مفصل الكف سبعة أذرع.» # وقد كتب الهروي عن المقابر الأثرية في صعيد مصر، وعن الجثث المدفونة فيها، وعن أكفانها ~~المحفوظة على حالها الأولى. والحق أن الاكتشافات الأثرية الحديثة، والمنسوجات الوافرة التي ~~عثر عليها المنقبون عن الآثار في تلك المقابر، كل ذلك يؤيد ما كتبه الهروي كل التأييد. # وكتب عن أسوان: «آخر بلاد الصعيد وبلاد الإسلام وبها الجنادل حجارة نابتة في وسط البحر. ~~فإذا كان وقت زيادة النيل، يوضع عليها سرج فإذا زاد البحر وأخذها، وأرسلوا البشارة إلى مصر. ~~فينزلوا في مركب صغير ويسبقوا الماء ويبشروهم بالزيادة. وجميع معادن حجارة المانع والعمد ~~التي بالديار المصرية ومسال فرعون وعمد السواري بالإسكندرية من جبال هذه المدينة. ورأيت ~~آثار القطاعات في الجبل والحجارة المانع والعمد مقطوعة.» # وقد أعجب ms49 الهروي بما رأى في مصر من زهور ونبات، فكتب في رحلته: «وبالجملة في ديار مصر ~~ونيلها من عجائب الدنيا، ورأيت بها في أوان واحد مجتمعا وردا ثلاثة ألوان وياسمين لونين ~~ونيلوفر لونين وآسا ونسرينا وريحانا وخبريا وبنفسجا ومسورا ونبقا وأترنجا وليمونا ~~مركبا وطلعا ورطبا وموزا وجميزا وحصرما وعنبا وطينا (تينا) أخضر ولوزا وقثاء ~~وفقوسا وبطيخا وباذنجانا وباقلا أخضر ويقينا وحمصا أخضر وخسا وجوزا أخضر ورمانا ~~وهليونا وقصب سكر.» # | أسامة بن منقذ # هو أسامة بن مرشد من بني منقذ، أمراء إقليم شيزر شمالي سورية ولد سنة (488ه/1095). وكانت ~~إمارة هذا الإقليم قد آلت إلى أبيه مرشد ولكنه تنازل عنها لأخيه. وعني الأمير بأسامة، ابن ~~أخيه، ولكنه رزق ولدا ذكرا فاتجه إليه بعطفه، مهملا أسامة. وغادر هذا قلعة شيزر. وحدث أن ~~دمرت هذه القلعة في زلزال سنة (552ه/1157م)، ومات من كان فيها من آل المنقذ أما أسامة فقد ~~كان في بعض أسفاره. ومات سنة (584ه/1188م) بعد أن جاوز التسعين. # وقد قام أسامة بعدة رحلات في مصر والشام وبلاد الجزيرة وبلاد العرب. ومع أنها رحلات ضيقة ~~الأفق محدودة الدائرة، فإن لها شأنا عظيما في وصف الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وفي ~~بيان العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الشرق الأدنى في القرن السادس الهجري (الثاني عشر ~~الميلادي). ذلك أن أسامة كان أميرا فارسا وأديبا شاعرا، وأتيح له أن يتصل بأمراء ~~المسلمين في عصره، وأن يلقى بعض الأمراء الصليبيين ويصادق الفرسان من رجالهم. وأخبار رحلته ~~في كتابه «الاعتبار» تمتاز بالدقة في الملاحظة، والصدق في الرواية، والإبداع في الفن ~~القصصي، مع التوفيق في الفكاهة وإيراد النكتة. # وقد وقف الدكتور فيليب حتي Philip Hitti # اللبناني أستاذ ~~الآداب السامية في جامعة برنستون بالولايات المتحدة على نشر كتاب الاعتبار سنة 1930. وقدمه ~~بترجمة طريفة لأسامة، قال فيها: «فحياة أسامة إذن تمثل لنا الفروسية الإسلامية العربية على ~~ما ازدهرت في ربوع الشام في أواسط القرون الوسطى، والتي بلغت حدها الكامل في صلاح الدين، ~~وسيرته تتضمن موجز تاريخ البلاد في القرن الثاني عشر - قرن ms50 التجريدات الصليبية الثلاث ~~الأولى، ومذكراته الموسومة بكتاب «الاعتبار» مرآة تتجلى فيها المدينة الشامية في أجلى ~~مظاهرها - وذلك ليس بحد ذاتها فقط بل مع المدينة الإفرنجية التي قامت إلى جانبها. ولو أن ~~أسامة عاش اليوم، لكان عضوا عاملا في المجمع العلمي العربي، ولكان بيته صالونا للأدب ~~بدمشق، ولراسل «الهلال» و«المقطم» ولأكثر من العيش في الهواء الطلق، يدرس طبائع الحيوان ~~ويرقب نمو النبات، ولنالت جياده العربية جوائز السبق في بيروت، ولكان بلا تردد في أثناء ~~الحرب العظمى ديوان فرقة من المطوعة يتولى قيادتها بنفسه.» # وكتاب «الاعتبار» غني بأخبار القتال بين المسلمين والصليبيين، وبما شاهده أسامة في دمشق ~~ومصر، وبما اشترك فيه من المطارد والمصايد ومكافحة الأسود. ومن أمتع فصوله ما كتبه أسامة عن ~~الصليبيين؛ فقد كان يطوف في أنحاء إماراتهم، ويقاتلهم مع سائر المسلمين مع صداقته لبعضهم ~~ولا سيما الفرسان الداوية # Templars ~~- وكان هؤلاء الفرسان ~~يخلون له في المسجد الأقصى مكانا صغيرا يصلي فيه حين يزور بيت المقدس. ومما كتبه عن ~~الإفرنج: «ليس عندهم شيء من النخوة والغيرة. يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل آخر ~~يأخذ المرأة، ويعتزل بها ويتحدث معها. والزوج واقف ناحية ينتظر فراغها من الحديث. فإذا طولت ~~عليه خلاها مع المتحدث ومضى!» وساق أسامة ثلاث قصص في هذا الصدد. منها قصة إفرنجي «جاء ~~يوما ووجد رجلا مع امرأته في الفراش» فقال له: «أي شيء أدخلك إلى عند امرأتي؟» قال: «كنت ~~تعبان، دخلت أستريح.» قال: «فكيف دخلت إلى فراشي؟» قال: «وجدت فراشا مفروشا نمت فيه.» ~~قال: «والمرأة نائمة معك؟» قال: «الفراش لها. كنت أقدر أمنعها من فراشها؟!» قال: «وحق ديني، ~~إن عدت فعلت كذا تخاصمت أنا وأنت.» فكان هذا نكيره ومبلغ غيرته!» # وكان أسامة يعجب بمهارة بعض أطباء الصليبيين، ولكنه كان يتهكم من جهل البعض الآخر ومن ~~سذاجة الناس في الإيمان بهم. وروى في هذا الصدد قصة عن حاكم بلدة صليبية شمالي لبنان. كان ~~هذا الحاكم صديقا لعم أسامة فكتب إليه يطلب منه إيفاد طبيب يداوي بعض المرضى ms51 من أهل بلدته. ~~فأرسل إليه عم أسامة طبيبا عربيا نصرانيا. ولم يطل غياب هذا الطبيب؛ فلما رجع قال له ~~أهل أسامة متهكمين: ما أسرع ما داويت المرضى! فأجاب: «أحضروا عندي فارسا قد طلعت في رجله ~~دملة وامرأة قد لحقها نشاف. # 1 # فعلمت للفارس لبيخة ففتحت الدملة وصلحت. وحميت المرأة ورطبت مزاجها. فجاءهم ~~طبيب إفرنجي فقال: «هذا ما يعرف شيء يداويهم!» وقال للفارس: «أيهما أحب إليك تعيش برجل ~~واحدة أو تموت برجلين؟» قال: «أعيش برجل واحدة.» قال: «أحضروا لي فارسا قويا وفأسا ~~قاطعا.» فحضر الفارس والفأس، وأنا حاضر، فحط ساقه على قرمة خشب فقال للفارس: «اضرب رجله ~~بالفأس ضربة واحدة اقطعها.» فضربه وأنا أراه ضربة واحدة ما انقطعت. ضربه ضربة ثانية فسال مخ ~~الساق ومات من ساعته. وأبصر المرأة فقال : «هذه امرأة من رأسها شيطان قد عشقها. احلقوا ~~شعرها.» فحلقوه. وعادت تأكل من مآكلهم الثوم والخردل فزاد بها النشاف. فقال: «الشيطان قد ~~دخل في رأسها.» فأخذ الموسى وشق رأسها صليبا وسلخ وسطها حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح، ~~فماتت في وقتها. فقلت لهم: «بقي لكم إلي حاجة؟!» قالوا: «لا.» فجئت وقد تعلمت من طبعهم ما ~~لم أكن أعرفه!» # 2 # وروى أسامة في كتاب الاعتبار (ص134-135) قصة استنبط منها أن الصليبيين ترق أخلاقهم وتحسن ~~طباعهم باستيطان الشرق ومعاشرة المسلمين. وقال في هذا الصدد: «فكل من هو قريب العهد بالبلاد ~~الإفرنجية أجفى أخلاقا من الذين تبلدوا # 3 # وعاشروا المسلمين.» # بل أشار أسامة في كتابه إلى أن بعض الصليبيين تأقلموا في الشام، وعاشروا المسلمين وتطبعوا ~~بطباعهم، وكانت بينهم وبين المسلمين علاقات طيبة قال أسامة: «فمن ذلك أني نفذت صاحبا إلى ~~أنطاكية في شغل. وكان بها الرئيس تادرس بن ~~الصفتي # Theodorus Sophianos # وبيني وبينه صداقة، وهو نافذ الحكم في أنطاكية فقال لصاحبي يوما: ~~«قد دعاني صديق لي من الإفرنج. تجيء معي حتى ترى زيهم؟» قال: «فمضيت معه، فجئنا إلى دار ~~فارس من الفرسان العتق، الذين خرجوا في أول خروج الإفرنج، وقد اعتفي من الديوان والخدمة، ms52 ~~وله بأنطاكية ملك يعيش منه، فأحضر مائدة حسنة وطعاما في غاية النظافة والجودة. ورآني ~~متوقفا عن الأكل؟ فقال: «كل طيب النفس، فأنا ما آكل طعام الإفرنج، ولي طباخات مصريات ما ~~آكل إلا من طبيخهن ولا يدخل داري لحم الخنزير، فأكلت وأنا محترز وانصرفنا.» # وقد وصف أسامة في «كتاب الاعتبار» ما شاهده في مصر من الأحداث فيما بين سنتي ~~(539-549ه/1144-1154م)، فتحدث عن وصوله إليها في عصر الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله وعما ~~وقع فيها من الفتن بسبب ثورات الجند، والنزاع القائم بين الخلفاء والوزراء. ولتفاصيل هذه ~~الأخبار شأن تاريخي كبير؛ لأن أسامة ساهم في بعض تلك الأحداث وقام بمهمات سياسية لطائفة من ~~الأمراء. ومن طريف ملاحظاته عن إقليم الطور أنه كان ولاية مصرية بعيدة، وأن الخليفة الحافظ ~~لدين الله كان إذا أراد إبعاد بعض الأمراء ولاه الطور. ~~••• # أما الباب الذي عقده أسامة في ذلك الكتاب الكلام على الصيد والطرد فيشهد بأن هذا اللون من ~~الرياضة كان جد شائع ومستحسن في الشرق الإسلامي حينذاك، وهو جليل الشأن لأن أسامة كان من ~~أسرة أصابت في الصيد مهارة ودربة، وقد أتيح لأسامة نفسه أن يصحب في الصيد الأمراء المسلمين ~~في سورية والجزيرة ومصر. فدون في كتابه شيئا كثيرا في شأن الصيد بالبزاة يرمونها على ~~الطيور، ويدقون الطبول فتتصيد منها ما تصيد. وكتب في صيد الحيوان ولا سيما الذئب والضبع ~~والأرنب والغزال وحمار الوحش والثعلب والخنزير. ووصف أسامة أساليب الصيد عند المسلمين وصفا ~~دقيقا. وذكر بعض النوادر التي تدل على عنايتهم به وعلى أن بعض المولعين بالصيد كانوا ~~يرسلون إلى مختلف الآفاق في طلب البزاة وغيرها من طيور القنص. وكان التعاون صادقا بين ~~المسيحيين والمسلمين في هذا الميدان؛ فكان الروم في القسطنطينية والمسيحيون من الأرمن ~~يرسلون البزاة والكلاب إلى أصدقائهم من هواة الصيد في الشرق الإسلامي. # وكان أسامة يحترم المرأة ويعنى بأحوالها فألف كتابا في «أخبار النساء»، وروى في «كتاب ~~الاعتبار» قصصا كثيرة تشهد بما قام به بعض النساء من أعمال البطولة. ولعل هذا جانب ms53 من ~~الفروسية ونزعة الأرستقراطية عنده. والحق أن هذه النزعة الأرستقراطية كانت لا تفارقه حتى في ~~حضرة الملوك والأمراء. فقد روى في «كتاب الاعتبار» أنه شهد يوما الصيد مع الملك العادل نور ~~الدين وسأله هذا أن يصلح الباز، فرفض وأظهر نور الدين عجبه من أسامة يقضي عمره بالصيد ولا ~~يحسن إصلاح الباز، فأجاب أسامة: «يا مولاي، ما كنا نصلحها نحن، كان لنا بازيارية وغلمان ~~يصلحونها ويتصيدون بها قدامنا.» ~~••• # ومما حدث لأسامة في بعض رحلاته أن وقع وهو رفاقه أسرى في يد الصليبيين، وفقدوا ما كانوا ~~يحملونه من المال والمتاع، ولكن أسامة لم يأسف على ذلك كله أسفه على ضياع كتبه التي نهبوها، ~~وعددها أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة، وقال في ذلك: إن ذهابها كان حزازة في قلبه ما عاش. # 4 # ومن طريف ما يستنبط من إحدى القصص التي رواها أسامة في «كتاب الاعتبار» (ص115) أن استئجار ~~الندابات للندب في المآتم كان معروفا في القرن الثاني الميلادي كما هو معروف اليوم. # وكان أسامة، مثل الهروي السائح، مغرما بكتابة اسمه أو تقييد بعض خواطره في الأمكنة التي ~~ينزل بها، على نحو ما يفعل بعض السياح في العهد الحاضر. من ذلك الأبيات الآتية، وقد كتبها ~~على حائط مسجد في حلب، وكان قد زار المسجد قبلا في طريقه إلى الحج: # لك الحمد يا مولاي كم لك منة # علي وفضل لا يحيط بها شكري # نزلت بهذا المسجد العام قافلا # من الغزو موفور النصيب من الأجر # ومنه رحلت العيس في عامي الذي # مضى نحو بيت الله والركن والحجر # فأديت مفروضا وأسقطت ثقل ما # تحملت من وزر المسيئة عن ظهري # ومنه ما كتبه على حائط دار سكنها بالموصل، حيث لم تطب له الإقامة. قال: # دار سكنت بها كرها وما سكنت # روحي إلى شجن فيها ولا سكن # والقبر أستر لي منها وأجمل بي # إن صدني الدهر عن عودي إلى وطني # | ياقوت الحموي # كان ياقوت يوناني الجنس. ولد حول سنة (574ه/1178م) وأسر في حداثته، وبيع إلى تاجر حموي ~~مقيم ms54 في بغداد، فنشأ مسلما، وعني التاجر بتعليمه لينتفع به في تجارته، فتلقى العلوم ~~المعروفة في عصره. ثم قام بعدة أسفار في أعمال تجارية لسيده، ولا سيما بمنطقة الخليج ~~الفارسي. وأعتقه مولاه سنة (596ه/1199م). وأشركه في تجارته، وأخذ يبعثه في شئونها إلى ~~الأصقاع المختلفة. وجدت أن دب بينهما الخلاف، فاحترف ياقوت نسخ الكتب، وأفاد من ذلك كثيرا، ~~ثم صافى سيده السابق، واستأنف الأسفار التجارية. ومات السيد، فاشتغل ياقوت بتجارة الكتب، ~~ولكنه لم يلبث أن عاد إلى حياة الأسفار والرحلات، فجال في إيران وبلاد العرب وآسيا الصغرى ~~ومصر والشام وبلاد ما وراء النهر. وأقبل على التنقيب في خزانات الكتب، فجمع المواد اللازمة ~~للمعاجم التي عقد العزم على تأليفها في أسماء البلاد وتراجم الأدباء. # خريطة الكرة الأرضية للشريف الإدريسي. (عن كتاب الرواد). # ويلوح أنه أفاد من خزائن مدينة إفادة كبيرة؛ فقد أشار إلى ذلك في كلامه على هذه المدينة ~~في «معجم البلدان»؛ فذكر أنه أقام بها ثلاثة أعوام وأنه تركها وفيها عشر خزانات كبيرة، لم ~~يرد في أي مدينة أخرى مثلها. وكان العمل فيها واستعارة كتبها الموقوفة أمرا سهلا، حتى إن ~~عدد ما كان عند ياقوت من هذه الكتب في الآن الواحد كان يقرب من مائتي مجلد. والظاهر أنه كان ~~يدفع رهنا للنادر منها. ولكن أكثرها كان بغير رهن. وقد ختم ياقوت حديثه عن هذه الخزانات ~~بقوله: «فكنت أرتع فيها، وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد، وأنهاني عن الأهل ~~والوالد. وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته، فهو من تلك الخزائن.» ~~••• # والمعروف أن ياقوت لم يدون أخبار رحلاته. ولا ريب في أن ما شاهدته في أسفاره وما جمعه من ~~الخزائن التي نقب فيها، كان خير عدة له في تأليف كتابه «معجم البلدان» الذي امتاز بترتيبه ~~على حروف الهجاء، وبدقته واتساعه وجمعه بين الجغرافية والتاريخ والعلم والأدب، حتى إن أحد ~~المستشرقين قال فيه: إنه من المؤلفات التي يحق للإسلام أن يفخر بها كل الفخر. # 1 # وقد فرغ ياقوت من تأليف هذا المعجم في ms55 سنة (621ه/1224م). # ومما يؤسف له أننا لا نستطيع أن نحدد مقدار ما أفاده ياقوت من رحلاته تحديدا دقيقا. ~~فإنه نقل في معجمه عن كثير من الجغرافيين والرحالة والمؤرخين، ولم يعين الأقاليم التي زارها ~~بنفسه وكتب عنها مشاهداته الخاصة؛ مع أنه كان من أكثر العلماء طوافا في عصره، ومن أشدهم ~~عناية بالتاريخ الطبيعي ومظاهر الثقافة الشاملة، ومن أبعدهم عن الأخذ بالخرافات والأساطير. ~~وقد عني أحد المستشرقين ~~“Heer” # في نهاية القرن الماضي ~~بدراسة معجم البلدان، وأخرج بحثا في المراجع التاريخية والجغرافية التي اعتمدها ياقوت ~~لتصنيف هذا المعجم. ولكن أحدا لم يستطع حتى الآن أن يبين الخاص وآثار أسفاره وتجاربه في ~~هذه الموسوعة الجغرافية الجليلة الشأن. ~~••• # ومهما يكن من شيء فقد امتاز ياقوت عن كثير من مؤلفي العرب بملكة النقد التي كانت تتجلى في ~~روايته بعض الأساطير الذائعة في عصره، وفي حكمه على بعض الأساطير والتعليل لها. من ذلك ما ~~لاحظه الدكتور حسين فوزي في كتابه «حديث السندباد القديم» (ص123). فقد كتب ياقوت في مادة ~~(جاسك) من «معجم البلدان»: # جاسك بفتح السين المهملة وآخره كاف. جزيرة كبيرة بين جزيرة قيس هي المعروفة بكيش ~~وعمان قبالة مدينة هرمز. بينها وبين قيس ثلاثة أيام وفيها مساكن وعمارات يسكنها جند ~~ملك جزيرة قيس. وهم رجال أجلاء أكفاء لهم صبر وخبرة بالحرب في البحر وعلاج للسفن ~~والمراكب ليس لغيرهم. وسمعت غير واحد من جزيرة قيس يقول: أهدى إلي بعض الملوك جواري ~~من الهند في مراكب فرفأت تلك المراكب إلى هذه الجزيرة فخرجت الجواري يتفسحن، ~~فاختطفهن الجن وافترشهن فولدن هؤلاء الذين بها. # وطبيعي أن يروي ياقوت هذا الحديث المتداول بين أهل زمانه، ولكنه يحرص على أن يشعرنا بأنه ~~أسطورة وعلى أن ينسبه إلى قائليه، فينص على أنه سمعه من «غير واحد من جزيرة قيس» كما يحرص ~~بعد هذا كله على محاولة تفسيره فيضيف: # يقولون هذا لما يروى فيهم من الجلد الذي يعجز عنه غيرهم، ولقد حدثت أن الرجل منهم ~~يسبح في البحر أياما، وأنه يجالد بالسيف وهو يسبح ms56 مجالدة من هو على الأرض. # | عبد اللطيف البغدادي # ولد عبد اللطيف بن يوسف في بغداد سنة 557ه/1162م، ودرس الطب والفلسفة وعلوم اللغة. ~~وتنقل بين مصر والشام والعراق. واتصل بصلاح الدين وغيره من الأمراء الأيوبيين. واجتمع ~~بأعلام الأساتذة ولم يكن «يأخذ بقلبه ويملأ عينه» إلا النفر القليل منهم. وقد لقي الفاضل في ~~معسكر صلاح الدين بظاهر مدينة عكاء. وزوده القاضي الفاضل بكتاب توصية إلى وكيله في مصر، وهو ~~ابن سناء الملك. ولكن عبد اللطيف لم يلبث أن غادر مصر ورحل إلى القدس للقاء صلاح الدين، ثم ~~يمم شطر دمشق. وقدم مصر ثانية بعد وفاة صلاح الدين واشتغل بالتدريس في الأزهر، وشاهد الغلاء ~~الفاحش والقحط والوباء والشدة العظمى التي ألمت بوادي النيل فيما بين سنتي 595-598ه/ ~~1198-1201م. # وأهم ما وصل إلينا من مؤلفات عبد اللطيف البغدادي كتاب «الإفادة والاعتبار في الأمور ~~المشاهدة والحوادث المعانية بأرض مصر». وهو وصف رحلته إلى وادي النيل في نهاية القرن السادس ~~الهجري. وقد ذاعت شهرة هذه الرحلة، وترجمت إلى بضع لغات أوروبية. والحق أنها تمتاز - على ~~اختصارها - بدقة الوصف، وذكر مختلف الشئون العمرانية والاجتماعية، فضلا عن الاتجاه العلمي ~~المنتظر من طبيب مثل البغدادي، والذي يتجلى في كلامه على خواص مصر العامة، وعلى ما تختص به ~~من النبات والحيوان، وعلى ما فيها من الآثار القديمة مثل الأهرام وأبي الهول والمسلات، ~~والمعابد في مصر العليا، ومنارة الإسكندرية وعمود السواري. # رسم سفينة عربية في مخطوط من القرن السابع الهجري (13م). (عن فييت). # ومن الطريف أن عبد اللطيف سجل في رحلته رأيا في قيمة الآثار قد يظن بعضهم أنه غريب على ~~المسلمين في العصور الوسطى. أجل، فقد كتب هذا الرحالة: # وما زالت الملوك تراعي بقاء هذه الآثار، وتمنع من العيث فيها والعبث بها، وإن ~~كانوا أعداء لأربابها. وكانوا يفعلون ذلك لمصالح: منها لتبقى تاريخا يتنبه به على ~~الأحقاب ... ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سلف وسيرتهم وتوافر علومهم وصفاء ~~فكرهم وغير ذلك. وهذا كله مما تشتاق النفس إلى معرفته ms57 وتؤثر الاطلاع عليه. # ولكنه أضاف إلى ذلك أن القوم في عصره كانوا يخربون الآثار ويكسرون الأصنام، ويدخلون إلى ~~المقابر بحثا عن الكنوز وسعيا وراء الذهب المدفون مع الموتى. والحق أن ما كتبه البغدادي ~~عن المقابر الأثرية وما يوجد فيها لا يختلف كثيرا عما وصلت إليه الحفائر العلمية في العصر ~~الحاضر، أي: بعد وفاة البغدادي بسبعمائة سنة ونيف، بل إن الفصل الطويل الذي عرض فيه لآثار ~~مصر فيه من دقة الوصف وشدة الإعجاب ما يبدو كأنه بقلم عالم من علماء الآثار المحدثين. ~~••• # أما ما ذكره البغدادي عن حوادث مصر سنة 595 وسنة 598ه فوصف تقشعر لهوله الأبدان، إذ اشتد ~~القحط حتى أكل الفقراء لحم الميتة والكلاب: بل «تعدوا إلى أكل صغار بني آدم». ولم يفت ~~الرحالة أن يلاحظ أن فريقا من الناس استغل هذه الشدة العظمى على حساب الطبقات الفقيرة في ~~الشعب، فأثبت في أخبار رحلته أن «مما يقضي منه العجب أن جماعة من الذين ما زالوا مجدودين ~~سعدوا في دنياهم هذه السنة. فمنهم من أثرى بسبب متجره في القمح. ومنهم من أثرى بسبب مال ~~انتقل إليه بالإرث. ومنهم من حسنت حاله لا بسبب معروف». # وروى عبد اللطيف قصصا مروعة عن الجوع والوباء وتصيد الناس، وأثر هذا كله في الانصراف إلى ~~الضلالة والشهوات. وكأنه شعر بما يحمله بعضها من طابع المبالغة فقال: «ولو أخذنا نقص كل ما ~~نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر. وجميع ما حكيناه مما شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا ~~مظانه، وإنما هو شيء صادفناه اتفاقا، بل كثيرا ما كنت أفر من رؤيته لبشاعة منظره.» ~~والمعروف أن مصر ابتليت بمثل هذا القحط عدة مرات في تاريخها الطويل. وحسبنا أن المقريزي، ~~شيخ المؤرخين المصريين في العصور الوسطى، ألف كتاب «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، بحث فيه ~~المجاعات التي نزلت بمصر منذ أقدم العصور إلى سنة (808ه/1405م)، فتقصى أسبابها، وأشار إلى ~~الأساليب الممكنة لعلاجها. # والحق أن البغدادي كان دقيق الملاحظة في كل ما دونه في رحلته عن أرض مصر ومناخها ms58 ونباتها ~~وحيوانها، ومن ذلك قوله: «إن أرض مصر رملية لا تصلح للزراعة، لكنه يأتيها طين أسود علك فيه ~~دسومة كثيرة يسمى الإيليز؛ يأتيها من بلاد السودان مختلطا بماء النيل عند مده، فيستقر ~~الطين، وينضب الماء، فيحرث ويزرع. وكل سنة يأتيها طين جديد، ولهذا يزرع جميع أراضيها ولا ~~يراح شيء منها، كما يفعل في العراق والشام.» # ولاحظ عبد اللطيف أن مصر لم يكن بها فراريج عن حضان الدجاج إلا نادرا؛ فقد كان في البلاد ~~كثيرا من معامل الفروج، وكان القوم يتقنون صناعة حضانة الفراريج، ويتخذونها صناعة ومعيشة ~~يتجر فيها ويكتسب منها، وقد أسهب الرحالة في وصف طريقة المصريين في بناء تلك المعامل ~~واستخدام زبل البقر حتى لا يبقى فيها منفس للبخار. # ورأى البغدادي أن كثيرا من الناس يدخلون الهرم الأكبر، وذكر أن الطريق المسلوك في هذا ~~الهرم زلاقة تفضي إلى قلعة فيها ناووس من حجر، ولاحظ أن مدخل الهرم ليس الباب المتخذ له في ~~أصل البناء، وإنما منقوب نقبا صودف اتفاقا، وأعجب ببناء الأهرام إعجابا عظيما فقال: ~~«وقد سلك في بناء الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان، ولذلك صبرت على ممر الزمان، بل على ~~ممرها صبر الزمان، فإنك إذا تبحرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها، والعقول الصافية ~~قد أفرغت عليها مجهودها، والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها لها، والملكات ~~الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلا هي غاية إمكانها، حتى إنها تكاد تحدث عن قومها وتخبر ~~بحالهم وتنطق عن علومهم وأذهانهم وتترجم عن سيرهم وأخبارهم، وذلك أن وضعها على مخرط يبتدئ ~~من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة، ومن خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله في وسطه، وهو يتساند ~~على نفسه، ويتواقع على ذاته، ويتحامل بعضه على بعض؛ فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط ~~عليها، ومن عجيب وضعه أنه شكل مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح الأربع؛ فإن الريح تنكسر ~~سورتها عند مصادمتها الزاوية، وليست كذلك عندما تلقى السطح.» # ولم يكن البغدادي سائحا عابرا، بل كان يبحث ويتفهم. فنراه، ms59 مثلا قد سمع أن في القرية ~~المجاورة للأهرام قوما اعتادوا ارتقاء الهرم بدون عناء، فاستدعى أحدهم وأعطاه شيئا من ~~النقود وطلب إليه أن يصعد إلى قمته وأن يقيس أبعاده عندها، ولكنه لم يطمئن بعد ذلك إلى ~~قياسه، فدون رأيه في خطأ هذا القياس، وعلق عليه بقوله: «وإن ساعدت المقادير توليت قياسه ~~بنفسي.» # وأشار البغدادي إلى المغارات الموجودة على ضفة النيل الشرقية جنوبي القاهرة وقال: إنها ~~«مقابر كثيرة العدد كبيرة المقدار عميقة الأغوار متداخلة وفيها ما هو ذو طبقات ثلاث، وتسمى ~~المدينة، حتى لعل الفارس يدخلها برمحه ويتخللها يوما أجمع، ولا ينهيها، لكثرتها وسعتها ~~وبعدها، ويظهر من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام». # وشاهد عبد اللطيف أبا الهول وأعجب بتناسب وجهه وباستطاعة الفنان أن يحفظ نظام التناسب في ~~الأعضاء مع عظمها. # وصفوة القول: أن البغدادي أطنب في وصفه آثار مصر وأعمل الفكر في بيان عظمتها، وحسبنا أنه ~~ختم ما كتبه عنها بعبارة أودعها كل شعوره في هذا الصدد. قال: «وإذا رأى اللبيب هذه الآثار، ~~عذر العوام في اعتقادهم عن الأوائل بأن أعمارهم كانت طويلة وجثثهم عظيمة، أو أنه كان لهم ~~عصا إذا ضربوا بها الحجر سعى بين أيديهم، وذلك أن الأذهان تقصر عن مقدار ما يحتاج إليه في ~~ذلك من علم الهندسة، واجتماع الهمة، وتوفر العزيمة، ومصابرة العمل، والتمكن من الآلات، ~~والتفرغ للأعمال، والعلم بمعرفة أعضاء الحيوان، وخاصة الإنسان، ومقاديرها، ونسب بعضها من ~~بعض، وكيفية تركيبها، وبصفاتها، ومقادير وضع بعضها من بعض.» # وقد أطنب عبد اللطيف في وصف حمامات مصر وقال: إنه لم يشاهد «أتقن منها وصفا ولا أتم حكمة ~~ولا أحسن منظرا ومخبرا. أما أولا فإن أحواضها يسع الواحد منها ما بين روايتين إلى أربع ~~روايا وأكثر من ذلك، يصب فيه ميزابان ثجاجان حار وبارد، وقبل ذلك يصبان في حوض صغير جدا ~~مرتفع، فإذا اختلطا فيه جرى منه إلى الحوض الكبير، وهذا الحوض نحو ربعه فوق الأرض وسائره في ~~عمقها ينزل إليه المستحم فيستنقع فيه. وداخل الحمام مقاصير بأبواب، وفي المسلح ms60 أيضا مقاصير ~~لأرباب التخصص حتى لا يختلطوا بالعوام ولا يظهروا على عوراتهم. وهذا المسلح بمقاصيره حسن ~~القسمة مليح البنية وفي وسطه بركة مرخمة وعليها أعمدة وقبة وجميع ذلك نرزوق السقوف مفوف ~~الجدران مبيضها مرخم الأرض بأصناف الرخام مجزع باختلاف ألوانه، وترخيم الداخل يكون أبدا ~~أحسن من ترخيم الخارج، وهو مع ذلك كثير الضياء مرتفع الآذاج، جاماته مختلفة الألوان ضافية ~~الأصباغ بحيث إذا دخله الإنسان لم يؤثر الخروج منه؛ لأنه إذا بالغ بعض الرؤساء أن يتخذ ~~دارا لجلوسه، وتناهى في ذلك لم تكن أحسن منه». # والواقع أن عبد اللطيف البغدادي أعجب بكل ما شاهد في القاهرة من غرائب الأبنية ووسائل ~~الراحة التي قرنها أحد العلماء المحدثين بما نعرفه في الفنادق الحديثة من أرقى المخترعات ~~وأساليب الترف. # 1 # الإسكندر الأكبر في حديقة، أشجارها من الذهب، وقباب معابدها مغطاة بالذهب ~~ومرصعة بالأحجار الثمينة. صورة من مخطوط فارسي من تاريخ الإسكندر للشاعر نظامي، ~~كتب في القرن الحادي عشر الهجري (17م). (عن بلوشيه). # | ابن سعيد وابن فاطمة # ولد علي بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد المغربي في غرناطة حول سنة (610ه/1214م). ~~وتلقى العلم في إشبيلية، ثم أدى فريضة الحج مع أبيه، ولكن أباه توفي في طريقهما للعودة إلى ~~أرض الوطن سنة 639ه، وأقام الابن في الإسكندرية بضع سنوات، ثم قام برحلات طويلة في العراق ~~والشام والحجاز وتونس وأرمينية، واتصل ببعض أمراء المسلمين وعلمائهم. وتوفي في الربع الأخير ~~من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي). # وقد دون ابن سعيد أخبار بعض رحلاته. وأفاد من مشاهداته فيما ألف من كتب التاريخ. وقد خلف ~~تواليف كثيرة معظمها مخطوط إلى الآن، فلم يطبع إلا بعضها وأجزاء من البعض الآخر، ولا سيما ~~من كتاب «المغرب في حلى المغرب» وهو كتاب كبير أتم ابن سعيد تأليفه بعد أن بدأه أبوه وجده ~~من قبله. # وأكبر الظن أن ابن سعيد جال في غربي أفريقية، ورأى مصب نهر السنغال. أو لعله نقل ما كتبه ~~في هذا الصدد عن الرحالة ابن فاطمة، ms61 الذي قام برحلة بحرية جنوبي مراكش، وغرقت السفينة التي ~~كان فيها عند الرأس الأبيض (جنوبي المستعمرة الإسبانية التي تعرف الآن باسم ساحل الذهب)، ~~بعد أن توغل عند الأوروبيين حينذاك. # 1 # والظاهر أن ابن فاطمة قام بأسفار طويلة في أفريقية. ولعله كتب أخبار هذه الرحلات، ولكن ~~شيئا من آثاره لم يصل إلينا ما خلا الذي نقله عنه ابن سعيد، حين أشار إليه في أكثر من موضع ~~واحد. ~~••• # ومن طريف ما خلفه ابن سعيد وصف للقاهرة والفسطاط نقله المقري في كتابه «نفح الطيب». وقد ~~جاء في هذا الوصف: «قال ابن سعيد: ولما استقررت بالقاهرة تشوقت إلى معاينة الفسطاط، فسار ~~معي إليها أحد أصحاب القرية، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدة لركوب من يسير إلى ~~الفسطاط حملة عظيمة، لا عهد لي بمثلها في بلد. فركب منها حمارا وأشار إلي أن أركب حمارا ~~آخر، فأنفت من ذلك، على عادة من أخلفته في بلاد المغرب. فأخبرني أنه غير معيب على أعيان ~~مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزة والشارة الظاهرة يركبونها فركبت. وعندما استويت راكبا ~~أشار المكاري إلى الحمار فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عيني ودنس ثيابي وعاينت ~~ما كرهته. ولقلة معرفتي بركوب الحمار، وشدة عدوه على قانون لم أعهده، وقلة رفق المكاري، ~~وقعت في تلك الظلمة المثارة من ذلك العجاج فقلت: # لقيت بمصر أشد البوار # ركوب الحمير وكحل الغبار # وخلفي مكار يفوق الرياح # لا يعرف الرفق مهما استطار # أناديه مهلا فلا يرعوي # إلى أن سجدت سجود العثار # فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك أن تتركني أمشي على رجلي، ومشيت إلى أن بلغتها ~~... ولما أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة، وتأملت أسوارا مثلمة سوداء، وآفاقا مغبرة، ~~ودخلت من بابها وهو دون غلق، يفضي إلى خراب مغمور بمبان مشتتة الوضع، غير مستقيمة الشوارع، ~~وقد بنيت من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التراب الأسود ~~والأزبال ما يقبض نفس النظيف ويغض طرف الظريف. فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال، إلى ms62 أن ~~صرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها لحوائج السوق والروايا التي على الجمال ~~ما لا تفي به إلا مشاهدته ومقاساته، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق ~~الأسواق التي حوله ما ذكرت ضده في جامع إشبيلية، جامع مراكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعا ~~كبيرا قديم البناء غير مزخرف ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه وتنبسط فيه. ~~وأبصرت العامة رجالا ونساء قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ~~ليقرب عليهم الطريق. والبياعون يبيعون فيه أصناف المسكرات والكعك وما سوى ذلك. والناس ~~يأكلون في عدة أمكنة منه غير متحشمين لجري العادة عندهم بذلك. وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون ~~على كل من يأكل قد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقا. وفضلات مأكلهم مطروحة في صحن الجامع، وفي ~~زواياه العنكبوت قد عظم نسجه في السقف والأركان والحيطان والصبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه ~~مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة ... # وأما ما يرد إلى الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي فإنه فوق ما يوصف، ~~وبه مجمع ذلك لا بالقاهرة، ومنها يجهز إلى القاهرة وسائر البلاد. وبالفسطاط مطابخ السكر ~~والصابون ومعظم ما يجري هذا المجرى ... # والمكان المعروف بالقاهرة بين القصرين هو من الترتيب السلطاني؛ لأن هنالك ساحة متسعة ~~للعسكر والمتفرجين ما بين القصرين. ولو كانت القاهرة كلها كذلك كانت عظيمة القدر ... ولكن ذلك ~~أمد قليل، ثم تسير منه إلى أمد أضيق وتمر في مكان كدر حرج بين الدكاكين، إذا ازدحمت فيه ~~الخيل مع الرجالة كان مما تضيق به الصدور وتسخن منه العيون، ولقد عاينت يوما وزير الدولي ~~وبين يديه الأمراء وهو في موكب جليل، وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل حجارة، وقد سدت جميع ~~الطرق بين الدكاكين، ووقف الوزير وعظم الازدحام، وكان في موضع طباخين، والدخان في وجه ~~الوزير وعلى ثيابه. وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم.» # | القزويني # ولد زكريا بن محمد القزويني حول سنة (600ه/1203م) في مدينة قزوين بالعراق العجمي. ms63 وطاف في ~~إيران والعراق والشام. وتولى قضاء مدينتي واسط والحلة. وتوفي سنة (682ه/1283م). وقد خلف ~~كتابين كبيرين: الأول في الفلك والجغرافية الطبيعية عند العرب ويسمى «عجائب المخلوقات»، ولا ~~ريب في أنه أجل ما أنتجه في هذا الميدان علماء العصور الوسطى قاطبة، والثاني في التاريخ ~~وتقويم البلدان وما يتصل بهما، ويسمى «آثار البلاد وأخبار العباد». # وفي الكتاب الثاني ذكر بعض البلاد الفرنسية والألمانية والهولندية مثل ايطرخت # Utrecht ~~. وأبولده # Fulda # ومغانجة # Mainz # وشلشويق # Schleswig # وواطربورونة Paderborn ~~. والمعروف ~~أن القزويني اتصل بكثير من الرحالة، وقرأ آثارهم، وأفاد من مشاهداتهم. فنقل عن أبي الربيع ~~سليمان الملتاني الرحالة الذي نفذ إلى وسط أفريقية، وعن إبراهيم الطرطوشي الأندلسي وأحمد بن ~~عمر العذري اللذين توفيا حول سنة (477ه/1085م) بعد أن أتيح لهما رؤية بعض المدن في فرنسا ~~وأوروبا الوسطى. # السكان البيض والسكان السود: صورة في مخطوط من الترجمة الفارسية لكتاب «عجائب ~~المخلوقات» للقزويني، ويرجع المخطوط إلى القرن التاسع أو العاشر الهجري (15-16م). (عن سكسيان). # شجرة واق واق والملكة عرجون: صورة في مخطوط من الترجمة الفارسية لكتاب «عجائب ~~المخلوقات» للقزويني. ويرجع المخطوط إلى القرن التاسع أو العاشر الهجري ~~(15-16م). (عن ساكسيان). # ومما نقله القزويني عن الطرطوشي حديث مدينة النساء، وقد أشار إليه الدكتور حسين فوزي في ~~الفصل الذي عقده للكلام على جزائر النساء في كتابه «حديث السندباد القديم». نقل القزويني عن ~~الطرطوشي أن «مدينة النساء مدينة كبيرة واسعة الرقعة في جزيرة من جزائر بحر المغرب، أهلها ~~نساء لا حكم للرجال عليهن، يركبن الخيل ويباشرن الحرب ~~بأنفسهن ذوات بأس شديد عند اللقاء، ولهن مماليك يختلف كل مملوك إلى سيدته، ويقوم بالسحر ~~ليخرج مستترا قبل انبلاج الصبح فإذا وضعت إحداهن ذكرا وأدته في الحال». # وقد كتب المستشرق الألماني جاكوب # C. jacob # عدة أبحاث عما ~~ذكره القزويني من البلاد الأوروبية وعن العلاقات التجارية بين المسلمين وسكان أوروبا الوسطى ~~والشمالية. # | العبدري # هو محمد بن محمد بن علي العبدري نسبة إلى جده الأعلى عبد الدار بن قصي القرشي. أصله من ~~بلنسية. ولسنا نعرف ms64 من سيرة حياته شيئا كثيرا. ولكن الثابت أنه كان على مقربة من الصويرة ~~(مغادور # Mogador ~~) في المغرب الأقصى حين سافر لتأدية ~~فريضة الحج سنة (688ه/1289م). واتخذ العبدري في رحلته طريق أفريقية الشمالي إلى الإسكندرية، ~~ومنها بالطريق البري إلى مكة، وأقام بعد الحج فترة من الزمن بفلسطين، ثم قفل معرجا على ~~الإسكندرية. ودون أخبار رحلته، وأشار فيها إلى مواطنه ابن جبير. وقد وصلت إلينا بضع مخطوطات ~~من هذه الرحلة محفوظة في خزانات متفرقة. ونشر منها المستشرق الفرنسي شاربونو # Charbonneau # بعض مقتطفات في المجلة الآسيوية الفرنسية (ج4 ~~من الحلقة الخامسة). # وعني العبدري في رحلته ببيان المواقع الجغرافية، وذكر المعالم الأثرية، ودراسة العادات في ~~البلاد التي مر بها؛ فضلا عن الكلام على أعلام الفقهاء المسلمين في عصره. ومما عرض له شدة ~~ما يلقاه القادمون إلى ثغر الإسكندرية من قسوة مفتشي المكوس. فقد كتب في هذا الصدد: «ومن ~~الأمر المستغرب والحال الذي أفصح عن قلة دينهم أنهم يعترضون الحجاج، ويجرعونهم من بحر ~~الإهانة الملح الأجاج. ويأخذون على وفدهم الطرق والفجاج، يبحثون عما بأيديهم من مال ، ~~ويأمرون بتفتيش النساء والرجال. وقد رأيت من ذلك يوم ورودنا عليهم ما اشتد له عجبي، وجعل ~~الانفصال عنهم غاية أربي. وذلك لما وصل إليها الركب جاءت شرذمة من الحرس، لا حرس الله ~~مهجتهم الخسيسة، ولا أعدم منهم لأسد الآفات فريسة، فمدوا في الحجاج أيديهم، وفتشوا الرجال ~~والنساء، وألزموهم أنواعا من المظالم، وأذاقوهم ألوانا من الهوان، ثم استخلفوهم وراء ذلك ~~كله، وما رأيت هذه العادة الذميمة، والشيمة اللئيمة في بلد من البلاد، ولا رأيت في الناس ~~أقسى قلوبا، ولا أقل حياء ومروءة، ولا أكثر إعراضا عن الله، سبحانه، وجفاء لأهل دينه من ~~أهل هذا البلد.» # | البلوي # هو القاضي أبو البقاء خالد بن عيسى البلوي غادر الأندلس سنة (736ه/1335م) في رحلة إلى ~~أقطار الحجاز لتأدية الفريضة وزيارة بعض الأقطار الإسلامية. فمر بتونس والإسكندرية والقاهرة ~~وأقام بعض الوقت ببيت المقدس. ورافق منها ركب الحاج السوري إلى الحجاز. ثم دون أخبار رحلته ~~في ms65 كتاب سماه «تاج المفرق في تحلية علماء المشرق» فرغ من تأليفه سنة (767ه/1365م)، وقد ~~وصلت إلينا نسخ مخطوطة منه، لا تزال محفوظة في بعض الخزانات العامة. # وعني البلوي في أخبار رحلته بوصف البلاد التي مر بها، والإشارة إلى آثارها وذكر علمائها ~~وأدبائها مع نبذ من أشعارهم ونثرهم. ولكنه نقل كثيرا من غيره من المؤلفين والرحالة، ولا ~~سيما عن ابن جبير؛ فقد أخذ عنه وصف الإسكندرية والقاهرة ومكة والمدينة. بل إن معاصره لسان ~~الدين بن الخطيب صاحب كتاب «الإحاطة في أخبار غرناطة» فطن لهذا العيب في تأليفه، فكتب عنه ~~في الكتاب المذكور: «حج وقيد رحلته في سفر وصف فيه البلاد ومن لقيه بفصول جلب أكثرها من ~~كلام الأصبهاني وصفوان وغيرها.» # | ابن بطوطة # هو أعظم الرحالة المسلمين قاطبة، وأكثرهم طوافا في الآفاق، وأوفرهم نشاطا واستيعابا ~~للأخبار، وأشدهم عناية بالتحدث عن الحالة الاجتماعية في البلاد التي تجول فيها. حقا إنه ~~لم يكن فقيها دقيق الملاحظة سليم الحكم مثل ابن حجر، ولكن حديث رحلاته الطويلة غني ~~بالأحداث، يشع بالحياة، ويشهد بأن ابن بطوطة كان من المغامرين الذين لا يقر لهم قرار، ومن ~~الذين يدفعهم حب الاستطلاع والرغبة في الاستمتاع بالحياة إلى أن يركبوا الصعب من الأمور. # ولد محمد بن بطوطة في مدينة طنجة سنة (703ه/1304م) من أسرة عالية، أتيح لكثير من أبنائها ~~الوصول إلى منصب والنبوغ في العلوم الشرعية. غادر وطنه سنة 725ه لأداء فريضة الحج، ولكنه ظل ~~حول ثمانية وعشرين سنة في أسفار متصلة ورحلات متعاقبة. وألقى أخيرا عصى التسيار بما كان ~~فيه ابن بطوطة يقصه من أحاديث أسفاره، فأمر كاتبه محمد بن جزي الكلبي أن يدون ما يمليه عليه ~~هذا الرحالة. وتولى ابن جزي كاتب السلطان رواية الرحلة وتلخيصها وترتيبها وإضافة بعض ~~الأشعار إليها وتحقيق بعض أجزائها مستعينا بكتب الرحلات المعروفة في ذلك العصر، ولا سيما ~~رحلة ابن جبير. # ثم سماها «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، وفرغ منها سنة (757ه/1356م) ~~وختمها بعبارة أجزل فيها الثناء على ابن بطوطة، ولم ينس ms66 مولاه السلطان، فافتخر بأن ذاك ~~الرحالة اختار الاستقرار في دياره دون غيرها. # قال ابن جزي: «انتهى ما لخصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة أكرمه الله. ولا ~~يخفى على ذي عقل أن هذا الشيخ هو رحال العصر. ومن قال: رحال هذه الملة لم يبعد. ولم يجعل ~~بلاد الدنيا للرحلة. واتخذ حضرة فاس قرارا ومستوطنا بعد طول جولاته، إلا لما تحقق أن ~~مولانا - أيده الله - أعظم ملوكها شأنا، وأتمهم بما ينتمي إلى طلب العلم حماية. فيجب على ~~مثلي أن يحمد الله تعالى؛ لأن وفقه في أول حاله وترحاله لاستيطان هذه الحضرة، التي هذا ~~الشيخ بعد رحلة خمسة وعشرين عاما.» ~~••• # وقد طبعت رحلة ابن بطوطة في باريس مع ترجمة فرنسية في منتصف القرن الماضي على يد ~~المستشرقين ديفريمري # Defremory # وسانجنتي # Sanguinetti # وطبعت في القاهرة طبعتين غربيتين ونشر الأستاذ ~~جب # Gibb # ملخصا لها بالإنجليزية في سلسلة # Broadway Travellers # سنة 1929 قدم له بتصدير طيب تحدث ~~فيه عن الرحالة وعصره. # ولعل بعض الاضطراب في أخبار ابن بطوطة يرجع إلى أنه لم يدون رحلته بنفسه، وأن ابن جزي عدل ~~في بعض أخبارها وغير فيها بالحذف أو الإضافة، بعد أن راجع طائفة من كتب الأسفار الأخرى، حتى ~~جاءت بعض الأخبار بعيدة عن الدقة، ولا سيما أحاديث ابن بطوطة عن الصين: فاتهمه بعض النقاد ~~بأنه لم يصل إلى تلك البلاد كما زعم في رحلته. ولكنا لا نميل إلى تأييد هذا الاتهام كل ~~التأييد؛ لأن معظم تلك الأحاديث يدعمها ما نعرفه عن رحلة ماركو بولو، الذي زار الصين أيضا، ~~ومكث فيها حول سبعة عشر عاما، ثم أملى أخبار رحلته على كاتب آخر، وتوفي قبل أن يقوم ابن ~~بطوطة برحلته الأولى بسنة واحدة. # وقد أشار الدكتور حسين فوزي في كتابه «حديث السندباد القديم» (ص 118-119) إلى قصة نزول ~~ابن بطوطة ببلاد طوالسي في المحيط الهادي، ولاحظ أن وصفه تلك البلاد - ولا سيما نساءها - ذو ~~صلة بأسطورة جزيرة النساء وأسطورة الوقواق. وقال: إن تلك القصة من الحكايات ms67 التي دعت كثيرا ~~إلى التشكك من سفر ابن بطوطة إلى بلاد الصين وأنه ليس ببعيد أن يكون حديثه عن «أودجا» ملكة ~~تلك البلاد «نوعا من السطو البري على قصة علقت بذهن ابن بطوطة من مطالعاته عن البلاد التي ~~في شرق الصين ونسبها إلى نفسه». # وفي رأينا أن هذه القصة وغيرها من القصص الغريبة قد تحملنا على أن نشك في صحة بعض ما نسبه ~~ابن بطوطة إلى نفسه، ولكنها لا تكفي لأن نشك في صحة سفره إلى تلك البلاد. والحق أن ما كتبه ~~عن الصين يبدو قائما على أسس من المشاهدات الشخصية، ويجب ألا ننسى في هذه المناسبة أن مثل ~~هذه الرحلة إلى الصين كانت أمرا ميسورا لابن بطوطة بوصفه سفير سلطان دلهي. وإذا كان حديثه ~~عنها بعيدا عن الإسهاب والإطالة، فلعل السبب في ذلك أنه لم يكن يستطيع أن يتذكر السماء ~~الصينية أو أن ابن جزي محرر الرحلة أمعن في اختصاره لسبب من الأسباب. # ومهما يكن من الأمر فإننا نشعر حين نقرأ رحلة ابن بطوطة أن ثمة أجزاء عليها طابع ~~المبالغة، ونرجح أن الرحالة خصب الخيال، وأنه قد يكون مصداقا للمثل المشهور في بعض اللغات ~~الأوروبية # A beau mentir qui vient de join # ومعناه أن ~~القادمين من البلاد البعيدة لهم أن يختلفوا ما شاءوا، إذ لا رقيب عليهم. ولكن ليس في هذا ما ~~ينقص من شأن ابن بطوطة ورحلته. وحسبنا أن نتبعها مرحلة مرحلة، لنقف عند بعض أجزائها ~~الطريفة، مما يصف ظاهرة اجتماعية غريبة أو يثبت وجود نظم نظن أنها من مستحدثات العصر ~~الحاضر. ~~••• # غادر ابن بطوطة بلاد المغرب الأقصى إلى الأراضي الحجازية، فمر ببلاد الجزائر وتونس ~~وطرابلس. والظاهر أن هذا الطريق البري لم يكن أمينا كل الأمن؛ فقد علم الرحالة من صديق له ~~بضرورة الإسراع في السير خوف غارة العرب في الطريق، وحدث بعد ذلك أن أرادت طوائف الأعراب ~~الإيقاع بالركب قبل الوصول إلى الحدود المصرية. وحرص ابن بطوطة على أن يحدثنا عن بعض شؤونه ~~الخاصة في هذه المرحلة ms68 الخاصة في هذه المرحلة فأملى ما يأتي: «ووقع بيني وبين صهري مشاجرة ~~أوجبت فراق بنته وتزوجت بنتا لبعض طلبة فاس وبنيت بها بقصر الزعافية، وأولمت وليمة حبست ~~لها الركب يوما وأطعمتهم.» # ثم وصل إلى الإسكندرية ووصفها وصفا موجزا ولا سيما المنار وعمود السواري، وتحدث بشيء من ~~الإسهاب عمن زارهم من علمائها، ومنهم الإمام الزاهد برهان الدين الأعرج الذي توسم فيه حب ~~الرحلة والأسفار، فأوصاه إذا ذهب إلى الهند أو الصين أن يزور إخوانا سماهم له. وشجع ذلك ~~ابن بطوطة على التفكير في التوجه إلى تلك البلاد القاصية. على أننا لا نشك في أنه لم يكن ~~منذ البداية يقصد الحج فحسب، بل كان يزمع التجول في العالم الإسلامي، كما يظهر من قضائه عدة ~~شهور في الطريق إلى الإسكندرية، ومن تعريجه على مدن في الدلتا بعيدة عن الطريق العادي إلى ~~القاهرة. # ومن طريف ما ذكره ابن بطوطة عن مدينة دمياط أنها كانت مسورة، وإذا دخلها أحد لم يكن له ~~سبيل إلى الخروج منها إلا بإذن الوالي؛ فمن كان في الناس معتبرا أعطاه رجال الإدارة الإذن ~~على ورق مختوم بطابع الوالي، أما طالب الخروج من عامة الناس فكانوا يطبعون على ذراعه بخاتم ~~الوالي ، فيسمح له حراس باب المدينة بمبارحتها عند رؤية هذا الختم. # ثم وصف ابن بطوطة القاهرة والفسطاط (مصر) فذكر المساجد والمدارس والمستشفيات والقرافة ~~والنيل والأهرام، وقال عن هذه: إنها بنيت لتكون مستودعا للعلوم ولجثث الملوك. وتحدث عن ~~السلطان الناصر محمد بن قلاوون وعن بعض كبار الأمراء والعلماء في دولته، ووصف الاحتفال بسفر ~~المحمل. وقال: إن بنيل مصر من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية، تمر صاعدة إلى ~~الصعيد ومنحدرة إلى الإسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق، وأن «الروضة» كانت حينئذ ~~مكان النزهة والتفرج وبها البساتين الكثيرة الحسنة، وأن أهل مصر ذو طرب وسرور ولهو، وأنه ~~شاهد بها مرة فرجة - بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده - فزين كل أهل سوق سوقهم وبقوا ~~على ذلك أياما. # وسافر الرحالة من القاهرة إلى عيذاب، ms69 ولكنه لم يستطع أن يعبر البحر منها؛ لأنه وجد أميرها ~~الحدر بن زعيم البجاة قد ثار على مولاه السلطان الناصر المملوكي، وأقبل على مطاردة جنوده ~~المماليك، وأتلف المراكب فتعذر السفر في البحر. وعاد ابن بطوطة إلى الفسطاط، ثم رحل عنها ~~إلى فلسطين ولبنان وسورية؛ على أن يرافق إلى الحجاز ركب الحاج الشامي. ووصف الطريق الصحراوي ~~بين مصر وفلسطين، وما كان فيه من محطات ولا سيما «قطيا» التي كانت تجبي المكوس. قال: # ثم وصلت إلى الصالحية، ومنها دخلنا الرمال ونزلنا منازلها، وبكل منزل منها فندق ~~وهم يسمونه الخان، ينزله المسافرون بدوابهم، وبخارج كل خان ساقية للسبيل وحانوت ~~يشتري منه المسافر ما يحتاج إليه ودابته ومن منازلها «قطيا» المشهورة، وبها تؤخذ ~~الزكاة من التجار وتفتيش أمتعتهم، ويبحث عما لديهم أشد البحث، وفيها الدواوين ~~والعمال ... ومجباها في كل يوم ألف دينار من الذين. ولا يجوز عليها أحد من الشام إلا ~~ببراءة (إذن أو جواز سفر) من مصر ولا إلى مصر إلا ببراءة من الشام، احتياطا على ~~أموال الناس، وتوقيا من الجواسيس العراقيين. وطريقها في ضمان العرب وقد وكلوا ~~بحفظه، فإذا كان الليل مسحوا على الرمل لا يبقي به أثر، ثم يأتي الأمير صباحا ~~فينظر إلى الرمل، فإن وجد به أثرا طالب العرب بإحضار مؤثره فيذهبون في طلبه فلا ~~يفوتهم، فيأتون به الأمير فيعاقبه بما شاء. ~~••• # وتنقل ابن بطوطة بين مدن فلسطين والشام تنقلا يبدو غير منتظم في أخبار رحلته. ومهما يكن ~~من الأمر، فإنه وصف غزة وبيت المقدس، وأعجب بقبة الصخرة وتحدث عن فضلاء القدس، وانتقل إلى ~~وصف صور وطرابلس الشام وحلب، وسره بعض القصص التي تتصل بالنزاع بين السلطان الناصر محمد بن ~~قلاوون ودولة إيلخانات المغول بالعراق، وما تبعه من فرار الأمير قراسنقر نائب حلب إلى ~~إيلخان المغول. # وأسهب ابن بطوطة في الكلام على دمشق، فوصف مسجدها الجامع وصفا دقيقا، وتحدث عن حلقات ~~التدريس فيه. ومن أطرف ما كتبه عنها ذكر ما بها من أوقاف لمختلف الشؤون الاجتماعية «منها ~~أوقاف تجهيز البنات ms70 إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف ~~لفكاك الأسارى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ~~ومنها أوقاف على تعديل الطريق ورصفها؛ لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصفان في جنبيه يمر ~~عليهما المترجلون، ويمر الركبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير»، وسرد ابن ~~بطوطة قصة طريفة في هذا الصدد. قال: «مررت يوما ببعض أزقة دمشق، فرأيت به مملوكا صغيرا ~~قد سقطت من يده صفحة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت، واجتمع الناس، فقال له ~~بعضهم: «اجمع شفقها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني.» فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه، ~~فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال، فإن سيد الغلام لا بد له أن يضر ~~به على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير جل ذلك. فكان هذا الوقف جبرا ~~للقلوب.» # وطبيعي أن يعنى ابن بطوطة بالكلام على ما يلقاه مواطنوه المغاربة من كرم الوفادة في دمشق ~~فأشار إلى أن أهلها يحسنون الظن بالمغاربة، ويعهدون إليهم في شتى الأعمال، فلا يحتاج غريب ~~إلى بذل وجهه في السؤال «وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يأتي له وجه من المعاش» ~~من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة، أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو قراءة القرآن، أو ~~خدمة مشهد من المشاهد المباركة أو يكون كجملة الصوفية بالخوانق تجري له النفقة والكسوة. فمن ~~كان بها غريبا على خير لم يزل مصونا عن بذل وجهه محفوظا عما يزري بالمروءة. ومن كان من ~~أهل المهنة والخدمة فله أسباب أخر، من حراسة بستان أو إمامة طاحونة أو كفالة صبيان يغدو ~~معهم إلى التعليم ويروح، ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الإعانة التامة على ~~ذلك.» # وأشار ابن بطوطة إلى أن من فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده ~~البتة، فمن كان غنيا فإنه يدعو أصحابه والفقراء. أما الفقراء ms71 فإنهم يجتمعون كل ليلة في ~~دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا. # وكان ابن بطوطة يعنى بالنواحي الاقتصادية في مشاهداته، فيذكر أجل ما تختص به المدن التي ~~يزورها من منتجات زراعية أو صناعية ولا تفوته الإشارة إلى الطريف منها. ومن ذلك قوله في ~~بعلبك: «ويصنع بها أواني الخشب وملاعقه التي لا نظير لها في البلاد، وهم يسمون الصحائف ~~بالدسوت، وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تسع في جوفها أخرى إلى أن يبلغوا العشر، يخيل ~~لرائيها أنها صحفة واحدة. وكذلك الملاعق يصنعون منها عشرا واحدة في جوف واحدة ويصنعون لها ~~غشاء من جلد ...» فليس لنا أن نعجب إذن حين نرى مصانع الغرب في العصر الحاضر تطبق هذه الفكرة ~~في إنتاج بعض أنواع الآنية ومنافض السجاير. ~~••• # أدى ابن بطوطة بعد ذلك فريضة الحج، ووصف مناسكها، وتحدث عن الحجازيين وعاداتهم وأحوالهم ~~الاجتماعية، وأثنى على أهل مكة ومدح ما شاهده فيها من الكرم وحسن الجوار للغرباء، ولاحظ أن ~~نساء مكة «فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف، وهن يكثرن التطيب، حتى إن إحداهن ~~لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا. وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن ~~زي، وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب امرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا»! # ثم غادر الحجاز سنة (726ه/1326م) مع الركب العراقي، ولكنه تركه عند النجف، وعرج على واسط ~~والبصرة. وعجب لهذه التي إلى أهلها كانت انتهت رياسة النحو، فلم يبق بها من يعرف شيئا من ~~هذا العلم، حتى الخطيب يلحن في الخطبة لحنا كثيرا جليا. # ولم يشأ ابن بطوطة أن يقفل إلى العراق من الطريق عينها التي دخل منها. وقال في ذلك: إن من ~~عادته في سفره ألا يعود على طريق سلكها ما أمكنه ذلك. فزار بعض المدن في غربي إيران مثل ~~تستر وأصبهان وشيراز وكازرون. وأظهر في وصفها ذوقا فنيا وإعجابا بجمال الطبيعة، فضلا ~~عن عنايته المعهودة بالناس وأعيادهم وأحوالهم الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، ومن ذلك ~~قوله في ms72 وصف مدينة اشتركان: «وهي بلدة حسنة كثيرة المياه والبساتين. ولها مسجد بديع يشقه ~~النهر.» # ورجع ابن بطوطة إلى العراق فنزل بالكوفة ثم انتقل إلى بغداد، وأتيح له أن يرى موكب ~~السلطان أبي سعيد، فوصفه على نحو ما وصف القلقشندي مواكب الفاطميين والأيوبيين والمماليك في ~~مصر. ~~••• # وقام ابن بطوطة برحلات من بغداد إلى تبريز والموصل ونصيبين وسنجار وماردين، ثم رافق ركب ~~الحاج العراقي إلى الحجاز فأدى الفريضة ثانية، وأقام يدرس بمكة سنة كاملة. ثم حج مرة ثالثة، ~~وركب البحر إلى اليمن مارا بسواكن، وأشار إلى أن البحر في هذه المنطقة لا يسافر فيه ليلا ~~لكثرة أحجاره، وإنما يسافرون فيه من طلوع الشمس إلى غروبها ويرسون وينزلون إلى البر. فإذا ~~كان الصباح صعدوا إلى المركب. # وزار الرحالة زبيد، وقال: إنها أملح بلاد اليمن وأجملها، وليس في تلك البلاد بعد صنعاء ~~أكبر منها ولا أغنى من أهلها. وأعجب بجمال نسائها وبقبولهن تزوج الغرباء. وغادرها إلى صنعاء ~~وذكر أن أرضها مبلطة فإذا نزل المطر غسل جميع أزقتها وأنقاها. وطبيعي أن يلاحظ ابن بطوطة - ~~وهو الناشئ في إقليم البحر الأبيض المتوسط حيث يهطل المطر شتاء - أن المطر ببلاد الهند ~~واليمن والحبشة إنما ينزل في أيام القيظ . # وقابل الرحالة سلطان اليمن في صنعاء ووصف بلاطه وترتيب الطعام فيه ثم أضاف: «وعلى مثل هذا ~~الترتيب ملك الهند في طعامه؛ فلا أعلم أسلاطين الهند أخذوا ذلك عن سلاطين اليمن، أم سلاطين ~~اليمن أخذوه عن سلاطين الهند.» # وسافر ابن بطوطة إلى عدن وأشار في وصفها إلى ثروة التجار فيها، ثم عبر البحر إلى زيلغ ~~بالصومال الإنجليزي الحالي، ووصفها بأنها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتنا «حتى ~~إنه اختار المبيت بالبحر على شدة هوله ولم يبت بها لقذرها»، وسافر بعدها إلى مقدشو عاصمة ~~تلك البلاد (وهي تقع على ساحل المحيط الهندي). ونزل بأمر السلطان في دار الطلبة، وهي معدة ~~لضيافة أهل العلم. وغادرها إلى جزيرة منبسي ثم إلى كلوا على ساحل أفريقية الشرقي جنوبي خط ~~الاستواء، وأهلها من الزنوج. ms73 وقال الرحالة عن المسلمين منهم: إنهم «أهل جهاد؛ لأنهم في بر ~~واحد متصل مع كفار الزنوج». # وعاد ابن بطوطة إلى بلاد العرب طائفا حول سواحلها الجنوبية والشرقية ومارا بمدينة ~~ظفار، وعجب لأنه رأى الدواب والغنم فيها بسمك السردين، وتحدث عن تجارها مع الهند وعن ~~سلطانها. ثم مر بهرمز وسيراف والبحرين، ووصف الغواصين على الجوهر، وعبر الخليج الفارسي إلى ~~القطيف في إقليم اليمامة، وانحدر منها إلى مكة فأدى الفريضة مرة أخرى وشاهد السلطان الناصر ~~محمد يحج ومعه طائفة من الأمراء والمماليك. # وأراد ابن بطوطة أن يبحر إلى اليمن والهند ولكنه لم يجد في ثغر جدة مركبا أو رفيقا إلى ~~الجنوب فرجع إلى مصر. وسافر منها إلى الشام على طريق بلبيس. ووصل إلى اللاذقية. وركب منها ~~البحر إلى العلايا في الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى، وكانت حينئذ مشتى الروم السلاجقة. # وطاف الرحالة في كثير من بلاد الأناضول، فوصف أحوالها السياسية قبل أن تصبح دولة واحدة ~~على يد العثمانيين. كما تحدث عن آثارها وصناعاتها وعادات أهلها، ولا سيما نظام جماعات ~~الإخوان أو الفتيان. وهي جماعات تضم الشبان العزباء أبناء الطائفة الواحدة أو القرية ~~الواحدة، فيقدمون عليهم رئيسا لهم ويتخذون مقرا لجمعيتهم ويتعاونون على البر وإكرام ~~الضيف الغريب ويشتركون في الطعام وفي الغناء وفي الرقص وما إلى ذلك من اللهو البريء. ~~ونظامهم يتصل بنظام فتوة الإسلام. وقد ذكر ابن بطوطة أن فتيان مدينة قونية «لهم في الفتوة ~~سند يتصل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ولباسها عندهم السراويل كما تلبس ~~الصوفية الخرقة». # وأبحر الرحالة إلى شبه جزيرة القرم من ثغر صنوب شمالي آسيا الصغرى، ونزل بمرسى «الكرش». ~~ثم انتقل إلى تغر كافا، وأكثر سكانه من أهل جنوة، جعلوه من أهم مراكز التجارة وأكبر أسواق ~~الرقيق. ورحل عنها إلى مدينة القرم. وكانت تابعة للسلطان محمد أوزبك، خان المغول المعروفين ~~بالقبيلة الذهبية. وغادر القرم إلى أزاق وأشار إلى كثرة الخيل بتلك البلاد وإلى أن ثمنها ~~زهيد فينقل التجار ألوفا منها الهند ويغنمون الأرباح الطائلة. ms74 # وانتقل إلى مدينة الماجر بالقوقاز حيث لقي يهوديا كلمه بالعربية وظهر أنه من الأندلس، ~~وأنه قدر إلى القوقاز بطريق البر الأوروبي، وأن رحلته استغرقت حول أربعة أشهر، وعلم ابن ~~بطوطة صحة ذلك من بعض التجار الآخرين ممن لهم المعرفة في هذا الشأن. وأعجب الرحالة بتعظيم ~~النساء في تلك البلاد حتى قال: «وهن أعلى شأنا من الرجال.» ووصف بعض مواكبهن ولاحظ أنهن لا ~~يحتجبن «وربما كان مع المرأة منهن زوجها، فيظنه من يراه بعض خدمها». # وتحدث ابن بطوطة عن السلطان محمد أوزبك وزار معسكره على أربعة أيام من مدينة الماجر في ~~موضع يقال له «بش دغ». وكان هذا المعسكر مدينة عظيمة متنقلة «فيها المساجد والأسواق ودخان ~~المطبخ صاعد في الهواء. وهم يطبخون في حال رحيلهم والعربات تجرها الخيل بهم» فإذا بلغوا ~~المكان الذي يريدون المقام فيه، أنزلوا البيوت عن العربات وجعلوها على الأرض. وقد أفاض ابن ~~بطوطة في الكلام على مواكب خواتينه أو نسائه الأربع. # وذكر الرحالة أن هذا السلطان أوفد معه دليلا لتوصيله إلى مدينة بلغار على الشاطئ الأيسر ~~لنهر أتل (الفولجا). وقد مر بنا ذكرها في الكلام على ابن فضلان. وأراد ابن بطوطة أن يجاوز ~~هذه المدينة إلى الشمال لزيارة أرض الظلمة (سيبريا وشمالي روسيا) وبينها وبين مدينة بلغار ~~أربعون يوما، ولكنه لم يفعل، فقال في رحلته: «ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤونة فيه وقلة ~~الجدوى. والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار، تجرها كلاب كبار، فإن تلك المفازة فيها ~~الجليد، فلا تثبت قدما الآدمي ولا حافر الدابة فيها. والكلاب لها أظفار فتثبت أقدامها في ~~الجليد. ولا يدخلها إلا الأقوياء من التجار الذين يكون لأحدهم مائة عجلة أو نحوها، موقرة ~~بطعامه وشرابه وحطبه، فإنها لا شجر فيها ولا حجر ولا مدر. والدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي ~~سار فيها مرارا كثيرة. وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها وتربط العربة إلى عنقه ويقرن معه ~~ثلاثة من الكلاب. ويكون هو المقدم وتتبعه سائر الكلاب بالعربات، فإذا وقف وقفت ... فإذا كملت ms75 ~~للمسافرين الفلاة أربعون مرحلة نزلوا عند الظلمة وترك كل واحد منهم ما جاء به من المتاع ~~هنالك، وعادوا إلى منزلهم المعتاد. فإذا كان من الغد لتفقد متاعهم. فيجدون بإزائه من السمور ~~والسنجاب والقاقم. فإن أرضى صاحب المتاع ما وجده إزاء من متاعه أخذه، وإن لم يرضه تركه ~~فيزيدونه. وربما رفعوا متاعهم، أعني أهل الظلمة، وتركوا أمتاع التجار، وهكذا بيعهم وشراؤهم. ~~ولا يعلم الذين يتوجهون إلى هنالك من يبايعهم ... والقاقم هو أحسن أنواع الفراء، وتساوي ~~الفروة منه ببلاد الهند ألف دينار ... وهي شديدة البياض من جلد حيوان صغير في طول الشبر وذنبه ~~طويل، يتركونه في الفروة على حاله. والسمور دون ذلك. تساوي الفروة منه أربعمائة دينار فما ~~دونها.» # وطبيعي أن ما يذكره ابن بطوطة في هذه العبارة مصدره ما سمعه من التجار عن تلك البلاد ~~الشمالية. ولا ريب في أن قصة تبادل التجارة من دون رؤية أهل تلك البلاد تبدو خيالية إلى حد ~~كبير، ومع ذلك فقد قرأنا أن الأوروبيين عرفوا مثل هذا الأسلوب التجاري مع الهنود الحمر في ~~أمريكا، كما عرفه القرطاجنيون مع بعض الأمم في العصور القديمة، وعرفه الأحباش مع بعض ~~القبائل الأفريقية في القرن السادس الميلادي. # 1 # عاد ابن بطوطة إلى بلاط أوزبك خان في القوقاز وأتيح له أن يغادره إلى القسطنطينية في رفقة ~~الخاتون بيلون زوجة هذا السلطان، وكانت تقصد زيارة أبيها ملك الروم «لتضع حملها عنده». ~~وكانت هذه الرحلة بطريق البر في جزيرة البلقاء. ولقي الرحالة من رعاية قيصر القسطنطينية ما ~~اعتاد أن يلقاه من سلاطين المسلمين. وذكر أنهم فتشوه قبل الدخول على الإمبراطور «لئلا يكون ~~معه سكين»، وأنه في البلاط ترجمان يهودي يتكلم العربية وأصله من بلاد الشام. وقد خلع الملك ~~على ابن بطوطة وأمر له بفرس. والغريب أن الذي يلبس خلعة الملك ويركب فرسا من هداياه يطاف ~~به في أسواق المدينة بالأبواق والطبول؛ ليراه الناس. وعلق ابن بطوطة على ذلك بقوله: «وأكثر ~~ما يفعل ذلك بالأتراك الذين يأتون من بلاد السلطان أوزبك؛ لئلا يؤذوا.» ms76 # وشاهد الرحالة آثار القسطنطينية. ثم رجع إلى السلطان أوزبك بدون الخاتون بيلون؛ فقد رغبت ~~في المقام مع أبيها. وقد شك بعض النقاد في رحلة ابن بطوطة إلى القسطنطينية، ولا سيما لأنه ~~لم يوضح الطريق الذي سلكه للوصول إليها، ولأنه أشار إلى لقائه قيصر الروم السابق بعد أن ~~انقطع للعبادة ونزل عن العرش لابنه، والحقيقة أن هذا القيصر توفي في السنة السابقة للعام ~~الذي ينم عنه كلام ابن بطوطة. ولكن المستشرق الإنجليزي الأستاذ جب # Gibb # كتب في مقدمته للمقتطفات التي نشرها من رحلة ابن بطوطة باللغة ~~الإنجليزية أن غموض الطريق الذي سار فيه الرحالة إلى القسطنطينية يمكن تفسيره بغرابة تلك ~~البلاد في وجه سائح لا يعرف لغتها ولا تربطه ببيئتها أي صلة، أما لقاء الإمبراطور السابق ~~فيمكن تفسيره بخطأ وقع فيه ابن بطوطة في حساب السنة التي زار فيها عاصمة الدولة البيزنطية. ~~••• # وسافر ابن بطوطة بعد ذلك إلى خوارزم وبخارى. ومن طريف ما شاهده في المدينة الأخيرة أن ~~شواهد القبور الموجودة في مدافن علمائها كانت تتضمن أسماء الكتب التي صنفوها في حياتهم. وقد ~~أعجب الرحالة بهذا الأسلوب في تخليد ذكراهم؛ فنقل بعض نصوص تلك الشواهد، ولكنه أضاعها بعد ~~ذلك. وأشار إلى ذلك بقوله: «وزرت ببخارى قبر الغمام العالم أبي عبد الله البخاري مصنف ~~الجامع الصحيح شيخ المسلمين - رضي الله عنه - وعليه مكتوب: هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري ~~وقد صنف من الكتب كذا وكذا. وكذلك على قبور علماء بخارى أسماؤهم وأسماء تصانيفهم. وكتب قيدت ~~من ذلك كثيرا، وضاع مني في جملة ما ضاع لي لما سلبني كفار الهند في البحر.» # ثم واصل ابن بطوطة أسفاره إلى سمرقند وترمذ وبلح وهراة وطوس ونيسابور وبسطام وغزنة وكابل. ~~ثم دخل بلاد الهندسنة (734ه/1333م) واتصل بسلطانها محمد بن تغلق. وتولى منصب القضاء في ~~دهلي. وأقام فيها حوالي ثماني سنين. وترك في رحلته وصفا حسنا لكثير من مدنها وآثارها ~~ونباتها وحيوانها. كما تحدث عن أمراء المسلمين فيها، ومن كان يفد عليهم من أعلام الغرباء. ~~وأشار إلى ms77 كثير من عادات الهنود وأحوالهم الاجتماعية، فذكر مثلا كيف يتشرف نساء الهندوس ~~بإحراق أنفسهن بعد موت أزواجهن. وقال: إن التي لا تفعل ذلك تقيم عند أهلها بائسة ممتهنة ~~لعدم وفائها. كما ذكر الذين يغرقون أنفسهم في نهر الكنج تقربا إلى معبودهم. # وطبيعي أنه أسهب في الكلام على مدينة دهلي وعمائرها وسكانها ومن حكمها من الأمراء ~~المسلمين، ولا سيما السلطان محمد شاه بن تغلق؛ فقد أفاض في وصف بلاطه ومراسيم احتفالاته ~~وفيض كرمه وعطاياه واستقباله للملوك والأمراء، ولكنه وصف إلى جنب ذلك قسوته وشغفه بإراقة ~~الدماء. والحق أن ابن بطوطة أتيح له أن يكتب في وصف هذا السلطان والمتصلين به ما لم يظفر ~~التاريخ الإسلامي بمثله عن بلاط أي أمير آخر. ولم يكن ابن بطوطة مرضيا عنه دائما في بلاط ~~ابن تغلق، فقد كان هذا السلطان يقصيه أحيانا ويقربه أحيانا أخرى. ~~••• # وكان أن غضب عليه السلطان مرة، فاعتزل الخدمة ووهب ماله للفقراء والمساكين، ولازم أحد ~~الزهاد، ولكن السلطان أراد أن يرسل وفدا من قبله إلى ملك الصين يحمل هدية سنية. واختار ابن ~~بطوطة لرياسة هذا الوفد إلى قندهار وركب منها البحر إلى ثغر قاليقوط التي كانت تقصدها سفن ~~أهل الصين وجاوة وسيلان واليمن وإيران وغيرها . # ورأى الرحالة في هذا الثغر ثلاثة عشر مركبا للصين. ووصف في هذه المناسبة أنواع المراكب ~~الصينية وأساليب بنائها. وأشار إلى ضخامة تلك السفن وقال: إن للمركب أربعة ظهور. ويكون فيه ~~البيوت (أي: مجموعة الغرف) والمصاري (أي: مجموعة الغرف وما يتبعها) والغرف للتجار. والمصرية ~~منها يكون فيها البيوت والسنداس (أي: الرحاض) وعليها المفتاح، يسدها صاحبها ويحمل معه ~~الجواري والنساء. وربما كان الرجل في مصريته فلا يعرف به غيره ممن يكون بالمركب حتى يتلاقيا ~~إذا وصلا إلى بعض البلاد»، وأضاف ابن بطوطة أن البحارة كانوا يسكنون مع أسراتهم في السفن، ~~وأنهم كانوا يزرعون الخضر والبقول في أحواض من خشب. # ثم شاء القدر أن هبت على مرسى قاليقوط عاصفة شديدة، قذفت إلى عرض البحر بالمركب الذي كانت ~~فيه الهدية ms78 التي يحملها الوفد إلى ملك الصين ولكن ابن بطوطة نفسه كان وقتئذ بالشاطئ. وكان ~~متاعه وغلمانه وجواريه بسفينة أخرى. فلما رأى أهل هذه السفينة ما حل بالسفينة الكبرى التي ~~كانت تحمل الهدية أقلعوا، وبقي ابن بطوطة منفردا على الساحل لا يملك إلا عشرة دنانير ~~وبساطا كان يفترشه. فلم يشأ أن يعود إلى سلطان دهلي؛ بل تنقل بين الساحلين الغربي والشرقي ~~في شبه جزيرة الهند. واشتغل حينا بالغزو والجهاد في خدمة جمال الدين سلطان مدينة هنور. # الجبال في الطريق إلى بلاد التبت: صورة في مخطوط من كتاب «جامع التواريخ» ~~لرشيد الدين مؤرخ بين عامي 707-714ه/1306-1314م. # ثم سافر إلى جزائر ديبة المهل (جزائر الملديف الحالية). وتولى القضاء فيها وأعجب بصلاح ~~أهلها وتقواهم. وكان أكثر نساء هذه الجزائر لا يلبسن سوى «فوطة واحدة تسترهن من السرة إلى ~~أسفل»، وسائر أجسادهن مكشوفة. وكن يمضين كذلك في الأسواق وغيرها. فجهد ابن بطوطة لما ولي ~~القضاء بها أن يقطع تلك العادة ويأمرهن باللباس فلم يوفق. ومما عجب له الرحالة «أنهن يؤجرن ~~أنفسهن للخدمة بالديار، على عدد معلوم من خمسة دنانير فما دونها، وعلى مستأجرهن نفقتهن، ولا ~~يرين ذلك عيبا. ويفعله أكثر بناتهم، فتجد في دار الإنسان الغني منهن العشر والعشرين. وكل ~~ما تكسره من الأواني يحسب عليها قيمته». # وكان حكم هذه الجزائر قد آل إلى السلطانة خديجة بنت جلال الدين البنجالي حين لم يبق من ~~بيت الملك غيرها وأختان لها. وكان ابن بطوطة صارما في منصب القضاء؛ فأبعد عنه قلوب بعض ~~الوزراء والعيان في الجزائر. ولم يشأ البقاء فيها بعد ذلك؛ فغادرها إلى جزيرة سيلان، ثم إلى ~~ساحل الهند الشرقي فإقليم بنجالة فشبه جزيرة الملايو فسومطرة. ~~••• # ووصل ابن بطوطة إلى الصين. وفي رحلته بيانات طيبة عن أحوال الصينيين من المسلمين ~~والوثنيين، وعن إتقانهم الصناعات والفنون، ولا سيما التصوير وصناعة الصيني. كما أن فيها ~~أقدم إشارة إلى استخدام ورق النقد في المعاملات. فقد ذكر الرحالة أن عادة التجار في الصين ~~أن يسبكوا ما يكون عندهم من الذهب ms79 والفضة قطعا، تكون القطعة منها من قنطار فما فوقه وما ~~دونه، ويجعل ذلك على باب داره، وأن «أهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم. وجميع ما يتحصل ~~ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرنا». وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد. كل قطعة منها ~~بقدر الكف، مطبوعة بطابع السلطان. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان، حملها إلى دار كدار ~~السكة عندنا؛ فأخذ عوضها جددا ودفع تلك. ولا يعطي على أجرة ولا سواها.» # ومما ذكره ابن بطوطة في معرض الحديث عن مهارة أهل الصين في التصوير أن عادتهم أن يصوروا ~~كل من يمر بهم من الغرباء «وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم ~~بعثوا صورته إلى البلاد، وبحث عنه، فحيثما وجد في تلك الصورة أخذ». # ولابن بطوطة إشارات طريفة إلى عادة رجال الإدارة والبحرية في تقييد أسماء البحارة ورجال ~~السفن قبل الإذن لها بالسفر، فإذا عادت «صعدوا إليها وقابلوا ما كتبوه بأشخاص الناس، فإذا ~~فقدوا أحدا ممن قيدوه طالبوا صاحب المركب به، فإما أن يأتي ببرهان على موته أو فراره أو ~~غير ذلك مما يحدث له، وإلا أخذ فيه، فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم ~~تفصيلا بجميع ما فيه من سلع قليلها وكثيرها. ثم ينزل من فيه، ويجلس حفاظ الديوان لمشاهدة ~~ما عندهم. فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم عاد جميع ما فيه مالا للمخزن». # وأشار ابن بطوطة إلى ما كان للمسلمين من امتيازات في الصين، فقال: «ولا بد في كل بلد من ~~بلاد الصين من شيخ الإسلام، تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه، وقاض يقضي بينهم.» وذكر أن ~~كل مدينة من مدن الصين كان فيها حي للمسلمين يسكنونه ويتخذون فيه المساجد، وأن الحكومة كانت ~~تعنى بمراقبة التجار المسلمين وضمان أموالهم التي يدخلون البلاد بها، بحيث لا يمكنهم ~~إنفاقها في الفساد. وكان أولو الأمر في الصين حريصين أشد الحرص على ألا يقال: إن المسلمين ~~يخسرون أموالهم في الصين. # وأعجب ابن بطوطة ms80 ببيوت أهل الصين فقال: «وجميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان ~~والأرض وداره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا. وبهذا عظمت بلادهم.» كما أعجب ببعض ~~منشآت الشؤون الاجتماعية ولا سيما بمعبد كبير شاهده في مدينة «جيني كلان» كان فيه بيوت لسكن ~~الضريرين وذوي العاهات وفيه مستشفى كبير. وكان الأيتام والأرامل والشيوخ الذين لا قدرة لهم ~~على التكسب يحصلون من هذا المعهد على ما يلزمهم من النفقة والكسوة. وطبيعي أن المعهد كانت ~~له أوقاف غنية. # ويبدو من رحلة ابن بطوطة أن المسافرين المسلمين القادمين إلى الصين كانوا يلقون من بني ~~دينهم في تلك البلاد أعظم الترحيب والإكرام. من ذلك أن ابن بطوطة، حين وصل إلى مدينة ~~قنجنفو، خرج إليه القاضي وشيخ الإسلام والتجار ومعهم الأعلام والطبول والأبواق والأنفار ~~وأهل الطرب، وأتوه بالخيل، فركب ومشوا بين يديه ولم يركب معه غير القاضي والشيخ. وكان ~~المسلمون في البلاد الصينية التي ينزلها ابن بطوطة يقيمون له الولائم، ويقدمون له الهدايا ~~ويصحبونه إلى رحلات في القوارب ومعهم المغنون والموسيقيون، يغنون بالصينية والعربية ~~والفارسية. # نقلا عن كتاب «مهذب رحلة ابن بطوطة». # ومن أعلام المسلمين الذين لقيهم ابن بطوطة في بلاد الصين أسرة مصرية الأصل نزل بدارها في ~~مدينة «خنسا ». قال الرحالة: «ونزلنا منها بدار أولاد عثمان بن عفان المصري. وكان أحد التجار ~~الكبار؛ استحسن هذه المدينة فاستوطنها. وعرفت بالنسبة إليه، وأورث عقبه بها الجاه والحرمة، ~~وهم على ما كان عليه أبوهم من الإيثار على الفقراء والإعانة للمحتاجين. ولهم زاوية تعرف ~~بالعثمانية حسنة العمارة لها أوقاف كثيرة. وبنى عثمان المسجد الجامع بهذه المدينة، ووقف ~~عليه وعلى الزاوية أوقافا عظيمة. وعدد المسلمين بهذه المدينة، وكانت إقامتنا عندهم خمسة ~~عشر يوما، فكنا كل يوم وليلة في دعوة جديدة، ولا يزالون يحتفلون في أطعمتهم، ويركبون معنا ~~كل يوم للنزهة في أقطار المدينة.» # ومن غريب ما ذكره ابن بطوطة عن نظم التأمين الاجتماعي في الصين أن «العامل أو الصانع كان ~~يعفى من العمل، وتنفق عليه الحكومة إذا بلغ الخمسين، ms81 وأن من بلغ ستين سنة عدوه كالصبي فلم ~~تجر عليه الأحكام». ~~••• # وعاد ابن بطوطة من الصين معرجا على سومطرة، حيث حظي بضيافة سلطانها الملك الظاهر وأتيح ~~له أن يشهد أعراس ابنه وولي عهده مع بنت أخيه، ولاحظ أن الزفاف بدأ بخروج العروس «من داخل ~~القصر عل قدميها بادية الوجه، ومعها نحو أربعين من الخواتين يرفعن أذيالها من نساء السلطان ~~وأمرائه ووزرائه، وكلهن باديات الوجوه، ينظر إليهن كل من حضر من رفيع أو وضيع. وليست تلك ~~أهل الطرب رجالا ونساء يلعبون ويغنون؛ ثم جاء الزوج على فيل مزين، على ظهره سرير، وفوقه ~~قبة والتاج على رأس العروس المذكور، عن يمينه ويساره نحو مائة من أبناء الملوك والأمراء قد ~~لبسوا البياض وركبوا الخيل المزينة وعلى رؤوسهم الشواشي المرصعة وهم أتراب العروس، وليس ~~فيهم ذو لحية. ونثرت الدنانير على الناس عند دخوله. وقعد السلطان بمنظرة له يشاهد ذلك. ونزل ~~ابنه فقبل رجله، وصعد المنبر إلى العروس فقامت إليه وقبلت يده. وجلس إلى جانبها والخواتين ~~يروحن عليها ...» # ولم يشأ ابن بطوطة أن يعود إلى دلهي ثانية واستأنف أسفاره إلى الخليج الفارسي والعراق. ~~ولقي في بغداد بعض المغربة. فعرف منهم الهزيمة التي حلت بأبي الحسن سلطان المغرب في قتال ~~الفونس الحادي عشر ملك قشتالة. (وكان ذلك على مقربة من طريف سنة 741ه/134م) كما علم ~~بسقوط الجزيرة الخضراء في يد الأسبان المسيحيين سنة 743ه/1342م. ~~••• # ثم وصل إلى دمشق. وذكر في الكلام عليها حديثا يؤيد ما أشرنا إليه من تزوج الرحالة ~~المسلمين في كثير من البلاد التي يمرون بها. قال: «وكانت مدة غيبي عنها عشرين سنة كاملة. ~~وكنت تركت بها زوجة لي حاملا. وتعرفت وأنا ببلاد الهند أنها ولدت ولدا ذكرا. فبعثت حينئذ ~~إلى جده للأم، وكان من أهل مكناسة المغرب أربعين دينارا ذهبا هنديا. فحين وصولي إلى ~~دمشق في هذه الكرة لم يكن لي هم إلا السؤال عن ولدي. فدخلت المسجد فوقف لي نور الدين ~~السخاوي إمام المالكية وكبيرهم فسلمت عليه فلم يعرفني، فعرفته بنفسي وسألته ms82 عن الولد فقال: ~~مات منذ اثنتي عشرة سنة، وأخبرني أن فقيها من أهل طنجة يسكن بالمدرسة الظاهرية؛ فسرت إليه ~~لأسأله عن والدي وأهلي، فوجدته شيخا كبيرا فسلمت عليه وانتسبت له، فأخبرني أن والدي توفي ~~منذ خمس عشرة سنة، وأن الوالدة بقيد الحياة.» # وكان ابن بطوطة بالشام حسن انتشر الطاعون في مدنها سنة 749ه/1348م، فأشار إلى كثرة ~~ضحاياه وواصل السفر في مصر، ووجد أن الوباء كان قد انتشر في بعض مدنها ثم خفت حدته. واتجه ~~الرحالة إلى عيذاب حيث أبحر إلى الحجاز لتأدية الفريضة مرة أخرى. ثم قصد إلى فلسطين ومنها ~~إلى القاهرة. # وأكبر الظن أنه لم يكن قد عقد العزم على الرجوع إلى وطنه بعد، ولكنه سمع في مصر عن عظمة ~~السلطان أبي عنان ونجاحه في النهضة ببلاد المغرب وإحسانه على الخاص والعام، فأراد أن يقصد ~~بابه، ويمم شطر وطنه الأول. ~~••• # أبحر ابن بطوطة من مصر إلى تونس في صفر سنة 750/مايو سنة 1349. وسافر من تونس على سفينة ~~مع القطلانيين مرت بجزيرة سردانية. ولم تكن رحلته إلى أرض الوطن خالية من الأخطار؛ فقد كاد ~~أن يقع في أيدي القرصان المسيحيين، ولكنه وصل أخيرا إلى مدينة فاس ونزل في بلاط السلطان ~~أبي عنان. ثم سافر إلى طنجة وزار قبر والدته، وعرج على مدينة سبته، فمرض بها ثلاثة أشهر. ~~وكأنه أراد ألا يلقي عصا التسيار قبل أن يزور الدولتين الإسلاميتين اللتين لم تطأهما قدماه ~~بعد وهما الأندلس ومملكة المسلمين في السودان الغربي. # قام ابن بطوطة إذن برحلة ثانية، زار فيها الأندلس. وأشار إلى موت الفونس الحادي عشر ملك ~~قشتالة أثناء حصاره جبل طارق وعمله على الاستيلاء على ما بقي بأيدي المسلمين من بلاد ~~الأندلس. وأتيح للرحالة أن يشاهد الحصون وأعمال الدفاع التي أقامها في جبل طارق السلطان أبو ~~عنان وأبوه السلطان أبو الحسن. ثم زار مالقة وأعجب بالخزف النفيس ذي البريق المعدني، وكان ~~يصنع بها ويصدر إلى أقاصي البلاد. ودخل بعد ذلك غرناطة وأعجب بجمال موقعها وما بها من قصور ~~وبساتين وكروم. ms83 ~~••• # وعاد ابن بطوطة إلى مدينة فاس عاقدا العزم على السفر في رحلة ثالثة ليزور بلاد المسلمين ~~في السودان الغربي؛ وقيل: إن السلطان أوفده في مهمة إلى تلك البلاد. ومهما يكن من الأمر فقد ~~استأذن في الرحيل، واتجه إلى سجلماسة وانضم فيها إلى جماعة من التجار. # 2 # وبدأت القافلة رحلتها عبر الصحراء الكبرى في أول سنة 753/فبراير 1352، ووصلت ~~بعد خمسة وعشرين يوما إلى مدينة تغازي حيث يستخرج الملح. ولاحظ ابن بطوطة أن السودان ~~يتعاملون بالملح كما يتعامل غيرهم بالذهب والفضة. ووصلت القافلة إلى (تاسرهلا)، ومنها يبعث ~~«التكشيف» إلى مدينة إيوالاتن. وقد شرح ابن بطوطة أن التكشيف دليل من قبيلة مسوفة يكتريه ~~أهل القافلة فيتقدم إلى إيوالاتن بكتب من المسافرين إلى أصحابهم بها؛ ليكتروا لهم الدور ~~ويخرجوا للقائهم بالماء مسيرة أربع ليال. ومن لم يكن له صاحب في إيوالاتن كتب إلى أحد ~~المشهورين بالفضل من تجارها، وإذا حدث أن تاه هذا الدليل أو أهلك، فلا يعلم أهل إيوالاتن ~~بالقافلة، وربما هلك من فيها أو الكثير منهم. وذكر ابن بطوطة أن دليل قافلته كان «أعور ~~العين الواحدة مريض الثانية»، وكان مع ذلك أعرف الناس بالطريق. وقد تحدث الرحالة عن شدة ~~الحر في الصحراء وذكر أن القافلة كانت ترحل بعد صلاة العصر وتسير الليل كله وتقف عند ~~الصباح. # وصلت القافلة إلى إيوالاتن بعد سفر شهرين كاملين من سجلماسة. وذكر ابن بطوطة أنها أول ~~أقاليم مملكة السودان وأقصاها شمالا، وأن أهلها كانوا يحتقرون البيض، وأن ثيابهم كانت من ~~المنسوجات المصرية، وأن معظمهم من قبيلة مسوفة. «وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب. فأما ~~رجالهم فلا غيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله. ولا يرث الرجل إلا أبناء ~~أخته دون بنيه. وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود. وأما ~~هؤلاء فهم مسلمون محفظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن. وأما نساؤهم فلا يحتشمن من ~~الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات. ومن أراد التزوج منهم تزوج. لكنهم لا ms84 يسافرن مع ~~الزوج. ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها. والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من ~~الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات، ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ~~ومعها صاحبها، فلا ينكر ذلك.» # وروى ابن بطوطة قصتين في هذا الشأن. قال في الأولى: «دخلت يوما على القاضي بإيوالاتن بعد ~~إذنه في الدخول، فوجدت عنده امرأة صغيرة السن بديعة الحسن، فلما رأيتها ارتبت وأردت الرجوع ~~فضحكت مني ولم يدركها خجل. وقال لي القاضي: «لم ترجع؟ إنها صاحبتي.» فعجبت من شأنهما، فإنه ~~من الفقهاء الحجاج، وأخبرت أنه استأذن من السلطان في الحج في ذلك العام مع صاحبته لا أدري ~~أهي هذه أم لا، فلم يأذن له.» # وقال ابن بطوطة في الحكاية الثانية: دخلت يوما على أبي محمد بندكان المسوفي الذي قدمنا ~~في صحبته فوجدته قاعدا على بساط وفي وسط داره سرير مظلل عليه امرأة معها رجل قاعد وهما ~~يتحدثان فقلت له: ما هذه المرأة؟ فقال: هي زوجتي، فقلت: وما الرجل الذي معها منها؟ فقال: هو ~~صاحبها. فقلت له: أترضى بهذا وأنت قد سكنت بلادنا وعرفت أمور الشرع؟ فقال لي: مصاحبة النساء ~~للرجال عندنا على خير وحسن طريقة لا تهمة فيها، ولسن كنساء بلادكم؛ فعجبت من رعونته وانصرفت ~~عنه فلم أعد إليه بعدها واستدعاني مرات فلم أجبه.» # غادر ابن بطوطة إيوالاتن ميمما شطر «مالي» الواقعة جنوبيها على مسيرة أربعة وعشرين ~~يوما. واكترى هو وثلاثة من أصحابه دليلا من قبيلة مسوفة. ومر بطريق فيها أشجار ضخمة قد ~~تستظل القافلة بظل الشجرة الواحدة منها. وبعض هذه الأشجار يحفظ فيه ماء المطر ويشرب الناس ~~منه. وقد ذكر الأستاذ جب # Gibb # في تعليقه على هذا الوصف أن ~~هذا النوع من الشجر أدخل من أفريقية الغربية إلى إقليم كردفان في القرن الثامن عشر، وكانوا ~~يفرغون جذوعه لتخزن فيها المياه فتقوم مقام الآبار. # وأشار الرحالة إلى أن المسافر في تلك البلاد لا يحمل زادا وإنما يحمل قطع الملح وحلي ~~الزجاج أو الخرز وبعض السلع العطرية، فإذا وصل إلى ms85 إحدى القرى جاء نساء السودان بالذرة ~~واللبن والدجاج ودقيق النبق والأرز والفوفي - وهو كحب الخردل يصنع منه الكسكسو - والعصيدة ~~ودقيق اللوبيا، فيشتري منهن ما أحب من ذلك. # ووصل ابن بطوطة إلى مدينة كارسخو على نهر النيجر وظنه نهر النيل وقال: إنه ينحدر من ~~كارسخو على بلدة كابره فبلدة زغة ثم إلى تنبكتو. ولاحظ أن أهل زاغة قدماء في الإسلام ~~متمسكون بأهداب الدين ومقبلون على طلب العلم. والواقع أن هذه المنطقة، وهي على فرع النيجر ~~الشمالي الغربي مقر مملكة تكرور التي كانت أول معقل للإسلام بالسودان في بداءة القرن الخامس ~~الهجري (الحادي عشر الميلادي). # وكان ابن بطوطة يعتقد أن «النيل» (أي: النيجر) ينحدر من تمبكتو إلى بلدة كوكوثم على بلدة ~~مولى فبلدة يوفي ثم ينحدر إلى بلاد النوبة ودنقلة. ولعل وجود بحر الغزال كان سببا في هذا ~~الخطأ. ولكن معظم الرحالة والجغرافيين كانوا يعتقدون أن نهر النيجر يصب غربا، وكانوا ~~يخلطون بينه وبين نهر السنغال، إلى أن أتيح للطبيب البريطاني منجو بارك # Mungo park # أن يقوم برحلته لكشف حوض النيجر سنة 1795، فيتقدم في إقليم ~~غمبيا ويعبر نهر السنغال، ثم يتبع مجرى النيجر إلى مسافة قريبة من تمبكتو. # ووصل ابن بطوطة أخيرا إلى مدينة مالي محاضرة مملكة السودان المسماة بهذا الاسم. وأشار ~~إلى أن من عادات أولي الأمر فيها أن يمنعوا الناس دخولها إلا بالإذن. وكان الرحالة قد كتب ~~إلى زعماء الجالية العربية فيها، فحصلوا على ذلك الإذن واكتروا له دارا وكان بين أولئك ~~الزعماء تاجر مصري اسمه شمس الدين بن النقويس المصري. والظاهر أن هذه المدينة كان فيها ~~جالية مصرية بارزة، وقد أشار ابن بطوطة إلى مرض أصيب به فيها، وكان علاجه على يد أحد أفراد ~~تلك الجالية. # وقد ذكر الرحالة بخل منسا سليمان سلطان مالي في عبارة ظريفة تشهد بما اعتاده من كرم ~~الأمراء والسلاطين، قال: «ولما انصرفت بعث إلي الضيافة، فوجهت إلى دار القاضي. وبعث القاضي ~~بها رجاله إلى دار ابن الفقيه. فخرج ابن الفقيه من داره مسرعا حافي ms86 القدمين، فدخل علي ~~وقال: «قم قد جاءك قماش السلطان وهديته. فقمت وظننت أنها الخلع والأموال، فإذا هي ثلاثة ~~أقراص من الخبز وقطعة لحم بقري مقلو بالغرتى، وقرعة فيها لبن رائب؛ فعندما رأيتها ضحكت وطال ~~تعجبي من ضعف عقولهم وتعظيمهم للشيء الحقير.» # وطبيعي أن السودان في تلك المملكة كانوا يتكلمون لغة غير العربية، ولعل المسلمين المقيمين ~~فيها من العرب والبربر كانوا يتعلمون تلك اللغة الوطنية. وقد أشار ابن بطوطة إلى وجود مترجم ~~في بلاط الملك كان وساطة الكلام بينه وبين من لا يعرفون لغة البلاد. وكان لهذا المترجم شأن ~~كبير بارز في البلاد فكان كالأمين الأول للملك. # وتحدث ابن بطوطة عن كثير من أحوال السكان في تلك البلاد وعن عاداتهم البدائية، وأعجب بقلة ~~الظلم في بلادهم، وشمول الأمن بحيث لا يخاف المسافر فيها ولا القيم من سارق ولا غاصب؛ كما ~~ذكر أنهم لا يتعرضون لمال من يموت في بلادهم من البيض، يتركونه لثقة من جنس المتوفى حتى ~~يأخذه مستحقه. وأشار إلى عنايتهم بحفظ القرآن وإقبالهم على صلاة الجماعة، وحرصهم على لبس ~~الثياب البيض النظيفة يوم الجمعة، حتى إنه إذا لم يكن لأحدهم إلا قميص بال غسله ونظفه وشهد ~~به الجمعة. ولكن ضايق ابن بطوطة أن رأى الخدم والجواري والبنات الصغار يظهرن للناس عرايا ~~باديات العورات، كما أغمه أن النساء كن يدخلن على السلطان عرايا غير مستترات وأن بنات ~~السلطان نفسه كن عرايا. # ومن طريف ما ذكره ابن بطوطة عن السودان أن منسا موسى أحد ملوك مالي كان قد غضب على قاض من ~~البيض، فنفاه إلى بلاد الزنوج الذين يأكلون بني آدم. وأقام هذا القاضي عندهم أربع سنين ثم ~~رجع إلى مملكة مالي. ولم يأكله الزنوج لبياضه؛ فقد كانوا يعتقدون أن أكل الأبيض مضر؛ لأنه ~~لم ينضج بعد! أما الأسود فهو وحده ذو اللحم الناضج. # وغادر الرحالة مدينة مالي ورأى في النيجر فرس البحر لأول مرة في حياته. ثم وصل إلى مدينة ~~تمبكتو وشاهد بها قبر سراج الدين بن الكويك أحد كبار ms87 التجار من أهل الإسكندرية، وكان قد ~~جاءها ليقتضي مالا له كان السلطان منسا موسى اقترضه منه لما كان بمصر متوجها إلى الحج. ~~وشاهد كذلك قبر الشاعر المهندس أبي إسحق الساحلي الغرناطي. وكان هذا الشاعر قد لقي منسا ~~موسى في مكة أثناء تأدية فريضة الحج؛ ثم صحبه بعد ذلك إلى بلاد السودان، وشيد له قصره ~~الملكي والمسجد الجامع في تمبكتو. # 3 # واصل ابن بطوطة السفر شرقا في الصحراء حتى وصل إلى مدينة تكدا. وذكر أن أهلها لا عمل لهم ~~إلا التجارة «يسافرون كل عام إلى مصر، ويجلبون ما بها من حسان الثياب وسواها». وكان سلطانها ~~من البربر، ولعله كان زعيم قبيلة المسوفة. وذكر ابن بطوطة أن أهل تكدا كانوا في رفاهية وسعة ~~حال، وكانوا يتفاخرون بكثرة العبيد والخادمات. وكان معدن النحاس يوجد بكثرة على مقربة من ~~بلدهم فكانوا يأتون به، ويسبكونه في دورهم، وينصعون منه قضبانا في طول شبر ونصف بعضها دقاق ~~وبعضها غلاط، ويتخذون هذه القضايا صرفا لهم فيشترون برقاقها اللحم والحطب، ويشرون بغلاظها ~~العبيد والخدم والذرة والسمن والقمح. ~~••• # وكانت هذه المدينة آخر مرحلة في رحلة ابن بطوطة، فقد وصل إليه فيها رسول من قبل السلطان ~~أبي عنان، يطلب إليه الرجوع إلى فاس. فغادر تكدا في الحادي عشر من شهر شعبان سنة 754ه/11 ~~سبتمبر سنة 1353، ووصل إلى فاس بعد سفر ثلاثة شهور. # والحق أن رحلة ابن بطوطة إلى بلاد السودان ليست أقل شأنا من رحلته الكبرى؛ فقد كان أول ~~رحالة الآفاق المجهولة في الصحراء الكبرى، وكتب عن مشاهداته فيها. # 4 ~~••• # وقد وفق ابن بطوطة كل التوفيق فيما أملاه عن رحلته، فخلف لنا صورا صادقة، كلها حياة ~~للعصر الذي عاش فيه، ووصف لنا الأشخاص والجماعات وصفا يجعلنا نشعر كأنهم بين أيدينا وزار ~~كل الدول الإسلامية في عصره، وقطع في أسفاره مسافة قدرها بعض العلماء بخمسة وسبعين ألف ميل، ~~وهي مسافة لا يظن أن رحالة غيره قطعها قبل استخدام البحار في وسائل السفر؛ لذلك كله خصصناه ~~بالإطالة في هذا العرض. # | عبد الباسط ms88 بن خليل بن شاهين الظاهري # هو زين الدين عبد الباسط، ولد في ملطية في رجب سنة 844/ديسمبر سنة 1440. وكان أبوه خليل ~~بن شاهين الظاهري من أمراء المماليك وأعلام رجال الإدارة في عصره، بل كان من كبار المؤلفين ~~كما يشهد بذلك كتابه «زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك». وهو عرض للوظائف السياسية ~~والإدارية في إمبراطورية المماليك في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة (13-14م). # ولكن عبد الباسط لم يتبع أباه في سلك الإدارة، بل درس الفقه والأدب والطب واشتغل بالتجارة ~~والتأليف. ومن آثاره كتاب «الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم»: ويبحث في تاريخ الدول ~~الإسلامية ولا سيما مصر وسورية، على نمط كتاب السلوك للمقريزي. ولم يصلنا منه إلا أجزاء في ~~مخطوطتين بمكتبة الفاتيكان. وتشمل إحداهما الكلام على ما بين سنتي 865 و847ه. وفيها إشارات ~~إلى رحلة طويلة قام بها عبد الباسط في بلاد المغرب للتجارة، ودراسة الطب على أعلام الأطباء ~~في تلك البلاد. # وقد أتيح له أن يقضي في هذه الرحلة بضع سنوات في زيارة الممالك والدويلات الإفريقية ~~الواقعة في حكم الحفصيين وبني عبد الواد وبني نصر. وكان سفره من الإسكندرية في شوال سنة ~~866ه/يوليه سنة 1462 على إحدى سفن البندقية ومر بجزيرة رودس، ثم نزل في تونس بعد رحلة ~~بحرية دامت ثلاثة وثلاثين يوما. # وبعد أن أقام عدة أشهر في عاصمة بني حفص غادرها على إحدى سفن البندقية إلى طرابلس ومنها ~~إلى قابس ثم القيروان. ورجع بعد ذلك إلى تونس ثم رحل عنها إلى قسطنطينية وبجايا والجزائر ~~ومازونا وتلمسان وواهران وأبحر على باخرة جنوية إلى الأندلس في ربيع الثاني سنة 870/ديسمبر ~~سنة 1465، وزار مالقة وغرناطة في شهرين ونصف. ثم رجع إلى وهران وغادرها بعد عدة أشهر إلى ~~تونس على باخرة جنوية. ثم رجع إلى مصر مارا بليبيا، فوصل الإسكندرية في شوال سنة 871/مارس 1467. ~~••• # ومما يؤسف له أن عبد الباسط لم يدون أخبار رحلته في كتاب مستقل، ولكنه كتبها في مواضع ~~متفرقة في كتابه «الروض الباسم». وقد قام المستشرق ليفي ~~ديلافيدا # Levi ms89 della vida # بنشر المقتطفات الخاصة بالأندلس مع ترجمة وتعليقات في مجلس ~~«الأندلس» سنة 1933، وأعلن عزمه على نشر الجزء الخاص بطرابلس. بينما قام الأستاذ ~~برنشويج # Brunschwig # بنشر الأجزاء الخاصة بتونس ~~والجزائر ومراكش ومعها ترجمة فرنسية وتعليقات. والحق أن هذه المقتطفات وثائق عظيمة الشأن في ~~تاريخ العرب في القرن التاسع الهجري (15م)، فهي تميط اللثام عن جوانب شتى من الحياة ~~الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ذلك العصر. # وكان عبد الباسط يكسب نفقات أسفاره من التجارة في العبيد، وفي البضائع المصرية والمغربية ~~واستطاع بذلك أن يختلط بالتجار في البلاد التي مر بها. ولكنه كان يجتمع - فضلا عن ذلك - ~~بالفقهاء والعلماء ولا سيما رجال الطب. وكان ينظم الشعر فأمكنه الوصول إلى مجالس العظماء. ~~وكان يكافأ على قصائده في المديح بإعفائه من الضرائب على تجارته أحيانا، وبمنحه العطايا ~~أحيانا أخرى. من ذلك أنه نظم قصيدة في مدح صاحب تلمسان «فكتب له ظهيرا بمسامحته في كل ما ~~يتصرف فيه من نوع المتجر»، وأنه في سنة 867 أنشد للمتوكل على الله صاحب تونس بيتين في مدح ~~بني حفص، هما: # ألا يا آل حفص يا ملوكا # ويا دررا بهم نظمت سلوك # ألا فقتم ملوك الأرض طرا # فما من بعدكم أحد مليك # فأعجب بهما المتوكل وكتب لعبد الباسط «ظهيرا بإعفائه من المغارم واللوازم فيما يتجر ~~فيه». # وعرف عبد الباسط بالتسامح الديني واحترام عقائد الآخرين كما يتبين من حديثه عن طبيب ~~إسرائيلي لقيه في تلمسان سنة 869ه، قال: «ولازمت في الطب الرئيس الفاضل الماهر ... موسى بن ~~صموئيل بن سهودا الإسرائيلي المالقي الأندلسي اليهودي المتطبب ... هداه الله تعالى للإسلام. ~~لم أسمع بذمي ولا رأيت كمثله في مهارته في هذا العلم، وفي علم الوقت والميقات وبعض العلوم ~~القديمة مع التعبد الزائد في دينه على ما يزعمه ويعتقده. وهو في الأصل من يهود الأندلس وولد ~~بمالقة قبل العشرين وثمانمائة، وأخذ عن أبيه وغيره، وأجازني وبلغني عنه في هذه الأيام بأنه ~~انتهت إليه الرياسة في الطب بتلمسان وهو مقرب ومختص بصاحبها.» # وقد وصف عبد الباسط ms90 نزوله وغيره من التجار المسلمين في ساحل البحر بالقرب من بجاية، بعد ~~تركهم السفينة الجنوية التي قدموا عليها، وأشار إلى أن طائفة من البربر في تلك النواحي فروا ~~عندما رأوه وسائر التجار وظنوا أن السفينة لبعض القرصان من الفرنج «غيروا هيئتهم حيلة لأخذ ~~المسلمين»، فصار التجار ينادونهم من البعد باللغة العربية ويقرون بالشهادتين، والبربر «لا ~~يلتفتون إليهم لكونهم لا يعلمون اللغة العربية بل البربرية، فلا يفرقون بين لغة الفرنج ~~والعرب». # وفي هذه القصة إشارة إلى الغارات الكثيرة التي كان المسيحيون يشنونها على ثغور إفريقية ~~لأسر المسلمين. وكان من المألوف في تلك البلاد أن يأتي الإفرنج بأسراهم من المسلمين إلى ~~إفريقية فيفديهم أهل البلاد. # ومن طريف ما رواه عبد الباسط قصة على عبث قطاع الطرق واللصوص بالتجار في ذلك الحين. ~~وخلاصتها أن جمعا من التجار باعوا تجارة لهم في فاس وأرادوا الرجوع إلى أوطانهم، ولكنهم ~~كانوا يحسبون لقطاع الطرق ألف حساب «فاتفق أربعة منهم على الرجوع بحيلة احتالوها، مشت على ~~العرب وقطاع الطريق، بأن شروا حميرا وجعلوا عليها أخراجا بما كان معهم من المال النقد، ~~وعمدوا إلى عبي عتيقة فجعلوها أغطية على الأخراج، وأنهم أخذوا الطحال من الغنم فجففوه ~~ودقوه، وحملوه معهم مع شيء من الغراء وخرجوا وكانوا إذا قربوا من طائفة من العريان أو نجع ~~أذابوا الغراء الذي معهم وجعلوا يلطخون مواضع من أبدانهم على رقابهم ووجوههم وأيديهم إلى ~~المرافق وأرجلهم إلى نصف الساق، ثم يذرون على ذلك مما معهم من الطحال المدقوق المجفف ويمشون ~~بأسكانهم، يوهمون بأنهم مجاذيم من أهل البلاء، وأنهم يجولون بحميرهم عليها زادهم وأثاثهم، ~~فكانوا إذا اجتازوا على العرب ورأوهم على تلك الحالة هربوا فارين منهم وأبعدوا عنهم يخشون ~~العدوى حتى كانوا يجعلون لهم من أنواع المآكل على ممرهم بالطريق، ويشيرون إليهم من البعد ~~بأن يأخذوا ذلك ويدعون لهم من غير أن يقربوا منهم ولا يصلوا إليهم ... ولم يزالوا على ذلك حتى ~~وصلوا إلى بلادهم ولم يروا إلا الخير والسلامة، وكان يكاد أن لا يطير الطير ms91 من شرور من ~~اجتازوا بهم من العربان وعد ذلك من غريب الحيل والنوادر». # وروى عبد الباسط قصة أخرى يتبين منها أن التجار الداخليين مدينة واهران كان يؤخذ منهم عند ~~باب المدينة عشر قيمة ما معهم من البضائع، وأن بعضهم كان يلجأ إلى تهريب بضائعه بتوزيعها ~~على من يدخل المدينة من أهلها؛ لأنهم لا يفتشون ولا يطلب إليهم أن يدفعوا أي ضريبة على ما ~~يحملون. وكان التجار يستردون بضائعهم في المدينة بعد نجاح حيلتهم في التخلص من دفع الضريبة ~~المطلوبة. # وأشار عبد الباسط إلى أن الأشراف من بني هاشم كانوا يلقون في بلاد العرب تعظيما كبيرا، ~~مما أدى إلى أن بعض المحتالين كان يفد من مصر والعراق إلى بلاد المغرب منتسبا إلى أسرة ~~النبي، وجامعا حوله نفرا من الأنصار والمحتالين ولم يكن من السهل أن يكشف أمرهم. # ومما لاحظه هذا الرحالة أن المسجونين في تونس كانوا في حالة يرثى لها، وقد حدث في جمادى ~~الثانية سنة 867ه أن كثرت استغاثتهم، «حتى أعيوا السامعين، فسأل السلطان صاحب تونس عن حالهم ~~فبلغه بأنهم يشكون الجوع، فأمر لهم بطعام يفرق فيهم وحصل لهم بذلك نوع رفق في الجملة.» # وصفوة القول: أن عبد الباسط روى في كتابه أخبارا كثيرة عن رحلته في بلاد المغرب ~~والأندلس. وكلها تشهد بدقة ملاحظته وتشير إلى نظم تلك البلاد في عصره وإلى أحوالها ~~الاجتماعية والاقتصادية. # | الخاتمة # عرضنا في الصفحات السابقة أخبار الرحالة المسلمين، وظهر لنا أن المجهولين منهم أكثر ممن ~~حفظ التاريخ أسماءهم. فمعظمهم لم يعن بتدوين أخبار أسفاره. واستطاع نفر قليل منهم أن ينتفع ~~بها في الكتابة في التاريخ وعلم تقويم البلدان. ووفق أفراد معدودون لتدوين أحاديث الرحلات ~~التي قاموا بها، ولسرد مشاهداتهم العجيبة في البلاد التي تجولوا فيها. ~~••• # وأما شأن هذه الرحلات في تطور العلم والمعرفة فما من شك في أن المسلمين ساهموا في تعريف ~~بالشرق الأقصى وأفريقية، فضلا عن آفاق دولتهم المتراخية. # فالرومان كانوا يتخيلون وجود الصين، ولكن الرحالة المسلمين عرفوها وكتبوا عنها منذ بداءة ~~العصور الوسطى ms92 أخبارا أيتها رحلة ماركوبولو البندقي في القرن الثالث عشر الميلادي. وكان ~~الرومان لا يعرفون من قارة إفريقية إلا سواحلها الشمالية، أما المسلمون فقد عبروا الصحراء ~~وعرفوا مجاهل هذه القاهرة التي ظل الأوروبيون حتى القرن الثامن عشر يقفون عند سواحلها فلا ~~تتطول أعناقهم إلى ورائها. # أما بلاد العرب والعراق وإيران فطبيعي أن يكون المسلمون المرجع الأساسي في دراسة وصفها ~~الجغرافي والعمراني والاجتماعي، إلى غير ذلك مما لم يصل إليه الغربيون قبل العصور الحديثة. ~~••• # وحسبنا لتبيان فضل الرحالة المسلمين أن ينتهي بنا المطاف إلى أن دراستهم على نحو واف ~~دقيق أمر لا بد منه لكل بحث في تاريخ التجارة أو النظام السياسي أو التاريخ الاجتماعي في ~~الشعوب الإسلامية والأمم التي اتصلت بها؛ فإن ما كتبه الرحالة المسلمون من وصافين وجغرافيين ~~كنز لا ينضب معينه، يضم الوثائق العظيمة الشأن في تاريخ الإنسانية. وفي استطاعة الباحث أن ~~يستخرج منها شتى الحقائق ومختلف ضروب المعرفة، مطمئنا إلى نتائج بحثه، إذا أقبل على دراسة ~~هذه الوثائق ببصيرة نافذة وبشيء من الحذر الذي يتطلبه النقد العلمي عند معالجة النصوص في ~~العصور الوسطى غربية كانت أو شرقية. ~~••• # وتمتاز قصص الرحلات الإسلامية عامة بظهور شخصيات الرحالة فيها، فإن أكثرهم لا يقفون عند ~~وصف مراحل أسفارهم وصفا عاما، بل يعنون بتقييد الظواهر الاجتماعية غير المألوفة في ~~أقاليمهم. ثم إنهم يحرصون على لقاء أعلام البلاد التي يجتازونها من علماء وأدباء ورؤساء إلى ~~جنب تعرفهم إلى طبقات الشعب المختلفة. ~~••• # وقد كتب المستشرق الروسي فلاديمير مينورسكي # V. Minorsky # أن جغرافي العرب ملأوا الفراغ وسدوا الفجوة الزمنية بين عهد بطليموس العالم اليوناني وعهد ~~ماركوبولو العالم البندقي، وأن أخبار رحالة العرب وقصصهم أكثر تنوعا وأشد حيوية وقوة مما ~~نجده مسطورا في كتب علماء اليونان وجداولهم، وأن علمهم الذي ضمنوه كتبهم يمتاز بأنه أعظم ~~اختيارا ونقدا وأكثر في التفاصيل مما ورد في كتابات الرحالة البندقي العظيم ماركوبولو. ~~••• # وكان ما كتبه الرحالة المسلمون عن البحار مصدرا لقصص البحرية العربية. وهي - على قلة ~~عددها - من أبدع القصص البحرية ms93 في آداب العالم على الإطلاق. # 1 # وحسبنا أن نشير هنا إلى قصة السندباد البحري وقصة عبد الله البري؛ فالثابت أن ~~كثيرا من وقائع القصص البحرية منقول من كتب الرحلات وكتب العجائب. # 2 # بل رأينا أن كتب الرحلات كانت مصدرا لكثير من الجغرافيين. ومن ذلك أيضا أن ~~ابن الفقيه نقل في كتابه «مختصر البلدان» أجزاء كبيرة من رحلة سليمان السيرافي. # وفضلا عن ذلك كله فإن بعض الرحالة والملاحين المسلمين كان لهم شأن عظيم في مساعدة أعلام ~~الرحالة الغربيين في مجاهل إفريقية والمحيط الهندي في نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة. # 3 # | مراجع # ابن بطوطة: تحفة النظار في عجائب الأمصار، ط. باريس والقاهرة. # ابن جبير: الرحلة إلى المشرق، ط. ليدن ولندن والقاهرة. # ابن حوقل: المسالك والممالك. ليدن 1873. # ابن خرداذبة: كتاب المسالك والممالك. ليدن 1889. # أبو زيد السيرافي: ذيل لرحلة التاجر سليمان. نشره رينو. باريس 1845. # الإدريسي: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (مختصر طبع روما 1592). # صفة المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس. عن «نزهة المشتاق»، ط. دوزي ودي خوي. ~~ليدن 1869. # أسامة بن منقذ: كتاب الاعتبار. نشره فيليب حتى، جامعة برنستون 1930 الإصطخري ~~(أبو إسحاق الكرخي الفارسي): مسالك الممالك. ليدن 1870. # انستاس ماري الكرملي (الأب): عرف العرب أميركة قبل أن يعرفها أبناء الغرب (مقال ~~في العدد الثاني في المجلد 106 من مجلة المقتطف. فبراير سنة 1945). # البيروني (أبو الريحان محمد بن أحمد): الآثار الباقية من القرون الخالية. لندن ~~1879. # تحقيق ما للهند مقالة مقبولة في العقل أو مرذولة. نشره ساخاو. لندن 1887. # حسين فوزي (الدكتور): حديث السندباد القديم. القاهرة 1943. # الدمشقي (شمس الدين أبو عبد الله الصوفي): نخبة الدهر في عجائب البر والبحر. سنت ~~بطر سبرج 1886. # سليمان (التاجر): سلسلة التواريخ. نشره لانجلس # Langles # سنة 1811 ونشره رينو # Reinaud # مع ترجمة فرنسية في باريس سنة 1845. # زكي محمد حسن (الدكتور): الصين وفنون الإسلام. الفاخرة 1941. # كنوز الفاطميين. القاهرة 1937. # الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي. القاهرة 1939. # التصوير في الإسلام. القاهرة 1936. # عبد اللطيف البغدادي: الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعينة ~~بأرض مصر، ط. أوروبا والقاهرة. # عبد الحميد ms94 العبادي: حديث الفتية المغررين من أهل لشبونة (مقال في العدد 136 من ~~مجلة الثقافة بالقاهرة، 5 / 8/ 1941). # عبد الوهاب عزام (الدكتور): البلغار المسلمون (مقلان في العددين 261 و262 من ~~مجلة الثقافة، 28/ 12 / 1943 و4 / 1 / 1944). # القزويني (زكريا محمد بن محمود): آثار البلاد وأخبار العباد. جوتنجن 1848. # عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات. جوتنجن 1849. # محمد مصطفى زيادة (الدكتور): رحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة (محاضرتان ألقيتا ~~بدار مكتب التبادل الثقافي للمغرب بمصر، ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة ~~(1939). # المسعودي (أبو الحسن علي بن الحسين بن علي): مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط. باريس ~~والقاهرة. # التنبيه والإشراف، ط. ليدن والقاهرة. # نقولا زيادة: رواد الشرق العربي. القاهرة 1943. # D’Avezac, Armand: Les files Fantastiques de l’Ocean Occidéntal au ~~moyen age, Paris 1845. # Beazley, C. R.: The Dawn of Modern Geogaphy, 3 vols. (vol.1, ~~London 1897). # Benjamin (of Tudela); The Travels of Rabbi Benjamin ben Jonas of ~~Tudela, through Europe, Asia and Africa, from Spain to China. London 1764. # Bretschneider, E: On the Knowledge possessed by the Ancient ~~Chinese of the Arabs and Arabinan Colonies and other western Countries ~~mentioned in Chinese Books, London 1871. # Brunschwig R.: Deux récits de voyage inédits en Afrique du Nord. Paris 1940. # Casanova, Paul: Notes sur Le svoyages de Sindbad le Marin, le ~~caire 1922 (Extrait du Bulletin de l’Institut Français d’Archéolgie ~~Orientale, t. xx). # Della Vida, L.: Une nouvelle source pour l’histoire de l’Afrique ~~du Nord (Hesperis, t. xix). ~~- Il regno di Granata nel 1465-66 nei ricordi di un viaggiatore ~~egiziano (al-Andalus. 1933). # Ferrand, G.: Voyage du Marchand Arabe Sulayman en Inde et en ~~Chine redige en 851, suivi de remarpues par Abu Zayd Hassan vers 916. Trad. ~~G. Ferrand. Paris 1922. # Relations des Voyages et texte géographiques Arabes, persans et ~~turcs relatives a l’Exterme-Orient du Ville au XVIIIes. Paris 1913-1914. # Fraehn, Ch. M.; Ibn Foszlan’s und anderer Araber Berichte uber ~~die Russen alterer zeit und ihre Nachbarn. St. Petersburg ~~1823. # Gibb, H. A. ms95 R.: Ibn Battuta, Travels in Asia and Africa ~~(Translated and selected, with an introduction and notes, by Gibb, London ~~1929) ~~. # Goeje, J: La légend de saint Brandan, tirée des Actes du 8e ~~Congrés international des Orientalistes, tenu en 1889 a Stockholm et a ~~Christiania, Leyde 1890. # Heyd; W: Histoire du commerce du Levant aut cmoyen ~~age. # Leipzig et Paris 1885-6. # Hirt, F. And Rockhill, W.W.: Chau Ju-kua: His Work on the Chinese ~~and Arab Trade in the Xlle and Xllle centuries entitled Chu-fan-chi, trans. ~~From the Chinese and annotated. # St. Petersburg. 1911. # G. Jacob: Studien in Arabischen Geographen. Berlin ~~1891-2. # Jaubert, P. A.: Géographie d’Edrisi, traduite et a ccompagnée de ~~notes, tone V et VI du Recueil de Voyages et de Memoires publie par la ~~Societé de Geogrphie de Paris 1836-40. # Kammerer, A: La mer Rouge, I’Abyssinie et l’Arbie depuis I’ ~~Antipuité. Le caire 1929 at 1935. # Marco Polo: The Book of ser Marco Polo, the Venetian. Translated ~~and edited by sir H. Yule. London 1903. # Nasir-i-Khosrua: Sefer Nameh, éd. Chefer. Paris ~~1881. # Reinaud, J. T.: Mémoire géographique, historique et scietifique ~~sur l’Inde, anterieurement au milieu du Xie siècle de l’ère chretienne ~~d’aprés les ecrivains arabes, persans et chinois. Paris ~~1849. # Renaudot, E: Ancient Accounts of India and china by two Mahomedan ~~Mediaeval Travellers 1733, retranslated from the annotated French ~~translation (1718) of the texts of sulayman the Merchant (851 A.D.) and Abu ~~Zayd Hassan of Siraf (912 A.D.). # De La Ronciere, Charles: La Découvorte de L’Afrique au Moyen Age. ~~Le Caire 1925. # De Saint-Martin, Vivien: Histoire de la géographie. Paris ~~1873. # Schloezer, k. Von: Abu Dolef Misaris Ben Mohalhal (texte arabe et ~~traduction latine, Berofini 1845). # de Vaux,. Carra: Les Penseurs de l’Islam (t. II, Paris ~~1921). # Youssef Kamal, Prince: Monumenta Géogrphicae Africae et Aegypti ~~(tome III, époque arabe). ms96