######OpenITI# #META# URI: 1377CabdRahmanShukri.Ictiraf.Hindawi83964838 #META# Tags: literature #META# ID: 83964838 #META# Title: الاعتراف: وهو قصة نفس #META# AuthorID: 57064917 #META# Author: عبد الرحمن شكري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # رسالة من صاحب الاعتراف‏ # مقدمة لمؤلف الاعتراف‏ # ذكرى الطفولة‏ # ظل الطهر‏ # أزهار الشباب‏ # شعر الألوان والروائح‏ # سماء الأمل‏ # أحلام الأدباء‏ # أطوار العقيدة‏ # لذات الحياة‏ # عشق أصحاب الفنون‏ # الإحساس والحياة‏ # الغرور‏ # الخوف والعي‏ # وسائل النجاح‏ # الحياء والوحشة‏ # الحياة والرحمة‏ # ضعف العزيمة‏ # سلطان القضاء‏ # خواطر الانتحار‏ # العجب واليأس‏ # الكذب‏ # الخوف والوهم‏ # سوء الظن‏ # الفزع من التهم‏ # الحذر‏ # الخوف والرحمة‏ # داء الضمير‏ # المجرمون والأبرياء‏ # أمواج النفس‏ # الأبد في دقيقة‏ # جنون الأماني‏ # الضاحك الباكي‏ # عبث الفكر‏ # طعم الذل‏ # سخر القضاء‏ # الإنسان والكون‏ # بقاء النوع وتعاسة الفرد‏ # ظل الموت‏ # الخاتمة‏ # رسالة من صاحب الاعتراف‏ # مقدمة لمؤلف الاعتراف‏ # ذكرى الطفولة‏ # ظل الطهر‏ # أزهار الشباب‏ # شعر الألوان والروائح‏ # سماء الأمل‏ # أحلام الأدباء‏ # أطوار العقيدة‏ # لذات الحياة‏ # عشق أصحاب الفنون‏ # الإحساس والحياة‏ # الغرور‏ # الخوف والعي‏ # وسائل النجاح‏ # الحياء والوحشة‏ # الحياة والرحمة‏ # ضعف العزيمة‏ # سلطان القضاء‏ # خواطر الانتحار‏ # العجب واليأس‏ # الكذب‏ # الخوف والوهم‏ # سوء الظن‏ # الفزع من التهم‏ # الحذر‏ # الخوف والرحمة‏ # داء الضمير‏ # المجرمون والأبرياء‏ # أمواج النفس‏ # الأبد في دقيقة‏ # جنون الأماني‏ # الضاحك الباكي‏ # عبث الفكر‏ # طعم الذل‏ # سخر القضاء‏ # الإنسان والكون‏ # بقاء النوع وتعاسة الفرد‏ # ظل الموت‏ # الخاتمة‏ # | الاعتراف # | الاعتراف # | وهو قصة نفس # تأليف # عبد الرحمن شكري # | رسالة من صاحب الاعتراف # صديقي الأعز # لقد مللت الحياة في عالم المدنية، فرأيت أن أهيم في مجاهل السودان؛ لأن صحراءها أشبه ~~بالأبد الذي أحببته من المدن، وستضيق الصحراء بنفسي كما ضاقت بها المدن. وقد رأيت أن ~~أودع عندك «مذكراتي»؛ كي تذكرك بي، وبما كان بيننا من الود. فإذا مضت سنة ولم أراجعك، ~~فانشرها إذا وجدت في نشرها ما يفيد. # المخلص # م. ن. # | مقدمة لمؤلف الاعتراف # لقد مضت سنوات لم أسمع في خلالها شيئا عن صديقي م. ن. صاحب الاعتراف، فجعلت أسأل عنه حتى ~~علمت أنه صار يهيم في فيافي السودان، حتى وصل إلى بلاد نيام فأكله أهلها رحمة الله عليه. ~~لقد كان يحتقر الإنسانية؛ فانتقمت منه بأن أكله أبناؤها، ولكنه انتقام يثبت أنه كان مصيبا ~~في احتقاره إياها. وقد زعم أناس ms01 أنه لم يمت، وأنه توغل في أواسط أفريقيا إلى مواطن الزنوج، ~~فأسرته قبيلة منهم تدعى قبيلة الشنانجة، ولكنهم أعجبوا بسكوته وعبوسه وكسله وقلة مبالاته ما ~~يقع حوله من أمور الحياة؛ فاتخذوه إلها، حاسبين هذه الصفات من صفات الله! فإذا صح ذلك كان ~~صديقي إلها لا يزال حيا يرزق، يعبده زنوج قبيلة الشنانجة في أواسط أفريقيا. وليت شعري ما ~~حاله؟ وما خواطره؟ وهل هو سعيد بمنزلته بين أولئك الوحشيين الجهلاء؟ # وقد رأيت أن أجمع هذه المذكرات وأن أنشرها؛ لأن في نشرها عبرة كبيرة لمن يعتبر. وسيرى ~~كثير من القراء نفوسهم مكبرة مرسومة في هذه الصحائف؛ لأننا في حياتنا الاجتماعية سواسية ~~مثل أسنان الحمار - هذا إذا صح أن أسنان الحمار سواسية، ولا أظن ذلك - أو مثل أسنان المشط. ~~وسبب ذلك أن العوامل الاجتماعية التي تعمل في نفس الفرد منا، تعمل أيضا في نفوس سائر ~~الأفراد. فصفات الشاب المصري هي صفات م. ن. صاحب الاعتراف. # فالشاب المصري في حالة أمتنا الاجتماعية الحاضرة عظيم الأمل، ولكنه عظيم اليأس، وكل منهما ~~في نفسه عميق مثل الأبد؛ والسبب في ذلك أن حالتنا الاجتماعية تستدعي شدة الأمل وشدة اليأس. ~~وما زلت أجد بين حالة الأمة الاجتماعية وبين نفوس أفرادها رابطة متينة. والشاب المصري يكثر ~~من إساءة الظن، وهي صفة اشتهر بها المصريون. والسبب في سوء ظنه عصور الاستبداد الطويلة التي ~~مرت على مصر، فإنها أبقت هذا الإرث في نفوس الأفراد؛ لأن الاستبداد يبعث سوء الظن. والشاب ~~المصري ضعيف العزيمة، كثير الأحلام والأطماع والأماني، يمضي أيامه في الأحلام بدل أن يمضيها ~~في مزاولة الأعمال. وكذلك الخوف فيه، فإن شجاعة الشاب المصري شجاعة متقطعة مبتورة، شجاعة ~~تستحي من نفسها، وأما خوفه فهو مبدأ عام. # والشاب المصري عنده ميل شديد إلى مزاولة الأعمال العظيمة المجيدة، ولكن يعجز عنها! والشاب ~~المصري مهيج العواطف، ولكنه غير عظيمها. وهو كثير الغرور؛ لأنه كثير الأحلام والأماني، وهو ~~ليس عنده شيء من الاعتماد على النفس. وهو شديد الإحساس، ولكنه يبكي في ضحكه، ويضحك في ~~بكائه ms02 . وهو كثير الشكوى والتضجر، قليل الصبر مثل صاحب الاعتراف، تحز في نفسه قيود القدر ~~المحتوم، فيجتهد أن يصدعها عنه فلا يقدر؛ فيزداد حزنا ويأسا ... ويفكر، ولكن تفكيره غير ~~منتظم! وهو كثير الحيرة والشك، بالرغم من غروره يترك ما يعنيه لما لا يعنيه، لا يعرف أي ~~أفكاره وعاداته القديمة خرافات مضرة، ولا أي أفكاره وعاداته الجديدة حقائق نافعة؛ من أجل ~~ذلك يضره القديم كما يضره الجديد، فهو من قديمه وجديده غريق بين لجتين، أو مثل كرة في أرجل ~~المقادير، فإلى أين تقذف به تلك المقادير؟ # أما م. ن. فإنه - رحمه الله - كان شابا يحب القراءة والتفكير، وكانت تلوح في عينيه ~~علامات السأم والحزن والتفكير، وقد تقلصت شفته السفلى تقلص السخر. ولكن كان يلوح على وجهه، ~~بالرغم من ذلك، أنه كثير الحنان رقيق القلب، وأحيانا كنت لا ترى في وجهه شيئا من الحزن أو ~~الألم، وفي بعض الأحايين كان وجهه مثل السماء التي تراكمت سحائبها وتلبدت غيومها. وكان كثير ~~من الناس يسيئون فهمه؛ فأساء فهمهم، كما هي الحال بين الناس قاطبة. # وكان أحيانا شديد التواضع، وأحيانا شديد التكبر. كان لا يعرف كيف يعاشر الناس ويداريهم، ~~ويأخذ ما صفا ويتغاضى عما كدر، ويحتال للحياة ولاستجلاب السعادة؛ فضاقت بنفسه الصحراء، بعد ~~أن ضاقت بها المدن كما يقول في رسالته. # | ذكرى الطفولة # إن المرء إذا جعل يتذكر أيام طفولته؛ أحس لذة مثل لذة الرجل عند رؤية ابنه الصغير. فإننا ~~ننظر في أعماق السنين إلى ذلك الطفل الذي كناه في طفولتنا؛ فنحنو عليه ونقبله بفم ~~الذكرى، وهو لدينا مثل وليد لنا رضيع. ولقد يجول بخاطر المرء أن ذلك الطفل الصغير الذي كانه ~~ليس بذلك الرجل الكبير الذي يحنو عليه، الذي يعبث بالذكرى، ويكشف عن الطفولة حجابا مثل ~~حجاب الحسان. فإن أكثر المرء مكتسب من الأيام والحوادث؛ ومن أجل ذلك صار يعد شخصه في ~~الطفولة جزءا صغيرا منه، ولو تفهم المرء تقلبه في أطوار عمره لرأى أنه ينتقل من حياة إلى ~~حياة، وأنه يخلع كل يوم حياة ms03 ويلبس أخرى. # لست أعجب من شيء عجبي من أني لا أزال أذكر حوادث من حوادث الطفولة. وإن المرء ليزهى ~~بالمقدرة على ذلك التذكر، كأنه قد سلب جزءا من الخلد، وصفة من صفاته. ولقد تمر بالمرء ~~ساعات يتوق فيها إلى طفولته، ويناجي شخصه الصغير الذي كان يعمرها قائلا: يا بني قد جعلت ~~بيني وبينك الأيام سدا، فنحن لا نلتقي حتى يلتقي الأزل والأبد، أمد يدي إليك كما يمد ~~الأعمى يده إلى قائده، وأقول لك: أين أنت؟ فيجيب الصدى قائلا: أين أنت؟ # | ظل الطهر # على ذكر الطفولة وأيام الصغر، أقول: تحزنني رؤية علامات الشر على أوجه الأطفال والغلمان ~~الصغار، فإنها - بالرغم من طهارة الطفولة - تلوح على أوجه الصغار كما تلوح على أوجه الكبار. ~~وأما الطهارة التي تنسب إلى الطفولة فهي عجز الطفل عن مواقعة كثير من الشر؛ لأنه ليس عنده ~~من القوة والدهاء والتفكير ما يعينه على ذلك. وقد تجد الطفل يتعجب من وقوع الشر من غيره ~~ويحزن لذلك، لا سيما إذا كان الشر واقعا به، ولكنه لا يحس ما يفعله من الشر، ولا يعرف أنه ~~شر! وهذه الخصلة موجودة في الرجال أيضا؛ فإنهم يفعلون الشر فلا ترتاع ضمائرهم، ولكن إذا ~~فعل غيرهم الشر اهتاجت لواعجهم، وارتاعت ضمائرهم من أجل ذلك! وهذا دليل على أن الضمائر آلة ~~من آلات العواطف والرغائب تحركها كيف شاءت. # إني أرى على أوجه الأطفال ما تكنه أخلاقهم من أوائل الجشع والبخل واللؤم والقسوة، ولكن ~~ضعفهم وقلة مكرهم تسدل على هذه الملامح حجابا مضيئا رفرافا كالسراب. وتبعثني رؤية هذه ~~الملامح إلى التفكير فيما يستقبل من حياة هؤلاء الأطفال الآمنين المطمئنين الضاحكين. فكأني ~~بأوائل شرهم صارت نهاية، وبنضارتهم شحوبا، وبضعفهم الذي يلين لهم قلوبنا قوة ومكرا. ~~وكأني بذلك السراب الرقراق الذي كان يلوح لنا في وجوههم؛ سراب الطهر والعفة، قد اختفى ولم ~~يبق مكانه غير آثار العواطف قد ارتسمت على أسرة تلك الوجوه، فخدود شاحبة من معاناة ~~الأقدار، وشفاه مقلصة من الضعف أو السخر والكبر، وعيون غائرة يلوح فيها ms04 بريق الشهوات، ~~وابتسامة كلها خبث ودهاء، وجبهة قد رسم الدهر بها خطوطا، فكأنما طيات تلك الجبهة المعقدة ~~أطلال سني العمر الماضية. # | أزهار الشباب # هل تذكر طيش الحب في أول الشباب، وما كان يغريك به من نزوات وهفوات حين أفقت من غفلة ~~الصغر، فأحسست تلك العاطفة في قلبك؟ إن الحب لا بأس به إلا إذا أغرى المرء بأعمال تزري ~~بعقله. ولكن من ذا الذي لم ينز به الحب في شبابه نزوات التيوس أو العصافير؟! فإن طيش ~~المحب مثل طيش العصافير في حركاتها، وإنه ليخيل له أن الحب قد أنبت في كتفيه أجنحة يطير ~~بها إلى حيث يشاء، فيحسب أنه لو رمى بنفسه من نافذة منزله لم يسقط ولم يصبه أذى، بل يطير ~~به الحب! ويخيل له أنه قادر على أن يقفز من شارع إلى شارع فوق المنازل من غير أن يلمسها! ~~ويسمع المحب أنغاما وألحانا غريبة لا يسمعها غيره وليس لها وجود، ويرى أشكالا هندسية ~~بديعة لا تسمع عنها في كتب الهندسة! ويرى أزهارا خيالية لا يعرفها الباحثون في علم ~~النبات. # ويحسب أنه مركز هذا الوجود، وأن حبه موجود من الأزل خالد إلى الأبد، مثل جمال حبيبه. ~~ويحسب أن هذا الوجود لو أصابه العدم، لبقي حبه مستقلا عن الوجود! وتراه يتصيد أصحابه، ~~فيخبرهم كل خبر تافه عن حبه، حتى يتضجر جليسه، وهو لا يرى شيئا من ضجره. بل يحسب أن جليسه ~~مصغ إليه كل الإصغاء، وأنه يجد لذة في حديث حبه كأنما هو قصيدة من قصائد النسيب والغزل، ~~فيا بؤس من يجالس المحب! # ثم يفيق المرء من حلم الحب الذي يشبه أحلام معاقر الأفيون، فيخجل من جنون أحلامه، ويتذكر ~~الساعات التي قضاها تحت نافذة حبيبه، والحالات التي كانت تعتوره كلما نظر إليه حبيبه نظرة ~~غضب أو رضا، أو إدلال أو إغراء أو زجر، أو أمر أو نهي، أو تشجيع أو تثبيط، ويتذكر رسائله ~~إلى حبيبه، وكلمات العشق التي كان يتلوها على سمعه، ويتذكر ما كان يضل عقله من المواعيد، ~~وكلما خاف ms05 أن يفوته ميعاد من حبيبه بحث عن نعله وهو لابسه، وسأل عن عصاه وهي في يده! # | شعر الألوان والروائح # الشباب كثير الألوان، جم الروائح، فهو حديقة من حدائق الربيع، وروح من أرواح الفردوس، ~~وهو الحياة ولا حياة بعده. والألوان والروائح من أشد الأشياء إثارة للعواطف، وإني لأجد لذة ~~في النظر إلى الألوان المختلفة؛ من الحمرة أو الزرقة أو البياض أو الصفرة أو البنفسج أو ~~الخضرة، وأجد في كل لون معنى ولحنا من معاني العواطف وألحانها، فالألوان والروائح تبعث ~~الذكر والأماني، ألم تر قط لونا بديعا، أو رائحة ذكية فأذكرتك حبيبا مضى، وعهدا تقضى؟ ~~أم لم توقظ ذكرى الساعات اللذيذة، والأماني والأحلام الحلوة، التي هي جمال الحياة، حتى كأنك ~~تسمع تغريد العصافير في صدرك، وتجد لذة ليس بعدها لذة في النظر إلى الأشياء، حتى كأن الله ~~قد كسا وجوه الحياة بنور من نوره؟! # ولقد تنقلب الألوان في أيام الشقاء والتعاسة، فتصير جمرات مختلفة الألوان؛ فتحس لهيبها في ~~العين والقلب. وكذلك في الروائح لذة وألم، فإني أحيانا أشم الروائح العطرية بعنف، كما ~~يلتهم الجوعان طعامه. ولكني تؤلمني الرائحة الكريهة مهما خفيت، وأتأذى بها كما أتأذى بالخطب ~~الجلل، وأتمنى أحيانا لو تكون الحياة في يدي خرقة أريق عليها ما أشاء من الروائح العطرية. ~~آه، ما أجمل الحياة التي يشم صاحبها منها رائحة الفل أو الياسمين أو البنفسج! # إن لذات الحس قد تبلغ بالمرء جنون اللذة، ولكنها تبلغ به أيضا جنون الألم، ومن كان كذلك ~~لم ترج له سعادة؛ فإن السعادة أن لا يكون إحساسك شديدا. # آه، ليتني أمد يدي إلى السماء فأختطف بها الضوء، وأخط به على القرطاس خدودا مثل خدود ~~الحسان، وعيونا مثل عيون الملاح؛ تلك العيون التي تضيء وجه النهار، وتلك الخدود التي تنير ~~وجه الحياة! # | سماء الأمل # إن الأماني والأطماع من أسباب الشقاوة، ولكنها أيضا من مصادر السعادة. وهي بنات الخيال ~~المستفز. ويخيل لي أحيانا أنها تملأ هذا الهواء الذي أنشقه! وقد يخيل لي أني إذا نظرت في ~~المنظار المكبر ms06 ، رأيت جراثيمها في الفضاء كالذباب الكثير الألوان الذي يتهافت على ~~الرمم. # ومن أجل ذلك صرت كأني مريض بالأماني، وكانت الأطماع تحوم حولي من صغري، وتطن في أذني طنين ~~الذباب، وتارة تسمعني ألحان البلابل. وتليح لي بضياء يملأ السماء، فكأنها قد فتحت أبوابها ~~وخرج منها ذلك الضوء الذي يعشي البصر، وكأن هذا الضوء سلم ممدود بيني وبينها فأحب أن أتعلق ~~به، وأبلغ به طبقاتها العالية. وإني لأذكر فرحي بقوس قزح وأنا غلام صغير؛ إذ كنت أصفق وأرقص ~~طربا برؤيته، وأتمنى لو كنت مثله أزين السماء بتلك الألوان الرائقة، وكلما كبرت تمكنت من ~~قلبي تلك الأمنية، فأتمنى لو أعيش كالشمس ... أشرق كشروقها، وأغرب كغروبها، وأملأ السماء ~~ضياء، وأنشد قول الأحوص: # إني إذا خفي الرجال وجدتني # كالشمس لا تخفى بكل مكان # هكذا خلقت كثير الأماني والأطماع، ومن أجل ذلك كنت أيضا كثير البأس؛ لأن من سما به ~~الأمل إلى سمائه، لا بد أن ينزل به البأس إلى حضيضه. # ولقد كنت وأنا غلام صغير أصعد إلى سطح المنزل بالليل، وأسهر الساعات الطوال؛ كي أرى ليلة ~~القدر، ثم أحدث نفسي قائلا: ماذا أطلب من الله؟ أطلب الغنى، أم الصحة والعافية، أم ~~السعادة، أم التقوى، أم القوة، أم كبر العقل ورجاحة الفضل؟ فتدركني الحيرة، وأخشى أن تظهر ~~ليلة القدر وتنقضي وأنا في تلك الحيرة، لم أختر بعد الشيء الذي أطلبه، وعند ذلك أطلب من ~~الله أن يؤخر ظهورها قليلا، ثم أرى أن أطلب كل شيء! وصارت هذه الأطماع تعظم كلما كبرت، ~~فصرت أقضي الساعات في أحلام الأماني، فتارة أحلم أني زوس سيد الآلهة ورئيسها، أو هرقل إله ~~القوة، أو مارس إله الحرب. وتارة أحلم أني أفلاطون الفيلسوف أو باكون، وتارة أحلم أني ~~شكسبير أو ملتون أو وردزورث أو جيتي أو ابن الرومي أو المتنبي. وتارة أحلم أني نابليون أو ~~إسكندر الأكبر، أو يوليوس قيصر، أو كريستوف كولومب. وتارة أحلم أني جمس وات أو فارداي أو ~~أركميدس. وتارة أحلم أني جمعت كل هؤلاء في شخص واحد، فكأني ms07 لبست كل أزياء العظمة، وكتبت ~~كل شيء جليل في الشعر والأدب والعلوم والفلسفة، واخترعت كل مخترع، وغزوت العالم وفتحت ~~السماء والأرض ... ثم أصحو من هذا الحلم فأسمع توبيخ المدرس الذي يطلب مني أن ألتفت إلى ~~الدرس، فأتعجب من جرأة هذا المدرس على توبيخي بعد أن عملت هذه الأعمال العظيمة! # هكذا كنت، ولكن رياح الحوادث قد أطفأت نور هذه الأطماع، فلا أستضيء الآن إلا بنار ~~اليأس. # | أحلام الأدباء # إن كل أديب أو شاعر أو فيلسوف في أول أمره؛ أي في شبابه، يحسب أنه مركز هذا الوجود، وأن ~~كل شيء فيه من أجرام أو علوم، أو آداب أو أنظمة، أو آراء أو عواطف تدور حوله، منجذبة إليه؛ ~~فيظهر الشاعر وفيه من الكبر والغرور ما لو وزع على الناس لملأ نفوسهم. فيرى أن أشعاره هي ~~الشعر وليس غيرها شعرا، وينظم القصيدة فكأنه قد تمخض عن وليد! ويحسب أنه لو وضع شعره في ~~كفة ميزان، ووضع الوجود في كفة أخرى لرجح شعره، ويرى أن الذكاء مقصور على الشعراء، ويحسب أن ~~كل حسناء تنشد قول شوقي: # أنتم الناس أيها الشعراء # فإذا نشرت له قصيدة في الجرائد حسب أن قد قرأها جميع الناس في مشارق الأرض ومغاربها، ~~وأنها قد سارت بها الركبان، وأن ليس للناس حديث غيرها، وأن الملائكة تتغنى بها، وتحدو بها ~~الأفلاك في دورتها، وأن أهل الجنة يتخاطفون الجريدة التي نشرت فيها، وأنهم يتسابقون إلى ~~قراءتها، وأنها تلهيهم عن الرحيق وعن غير ذلك من ملذات الجنة، وأن الحور والولدان ترقص في ~~الجنة على نغمها، وأنهم أرسلوا إليه وفدا يهنئه بها ويشكره عليها. # ما أشد الدافع الذي يدفع المرء إلى ما تتهيأ له نفسه وما يميل إليه قلبه من الأعمال، ~~حتى ولو كان رزقه في غيرها! إنه ليلهي المرء عن معاشه ومورد كسبه ورزقه، وإنه ليلهيه عن كل ~~ما تطيب به الحياة من الجاه والمنزلة العالية. إني لأذكر يوم نشرت لي أول قصيدة، وقد اشتريت ~~الجريدة التي نشرت فيها، وصرت أقرأ القصيدة مرات عديدة، وكان ms08 يخيل لي أن الحروف ترقص على ~~الجريدة. وصرت أخبط خبط الضال في الطرق والأزقة، وكلما نظر إلي أحد حسبته قد قرأ القصيدة ~~وأعجب بها. وكان يخيل لي أنها أحدثت أثرا باقيا في نفوس الناس، وأنها أصلحت من عواطفهم ~~وقوتها، وزادت في عظم نفوسهم، وأنها ستحدث تغييرا كبيرا في سنن الوجود وأنظمته. وخيل ~~لي أن الهواء الذي كنت أنشقه في ذلك اليوم غير الهواء الذي أنشقه كل يوم، بل ذاك كان أرق ~~وأحلى! # ولا يعدل مقدار هذا السرور شيء غير الحزن والغيظ الذي نالني حين قرأت نقدا لها في إحدى ~~الجرائد، فخيل لي عند قراءته أن هناك مؤامرة في هذا الوجود، يراد بها ضري والإساءة ~~إلي. # ولكن بعد ذلك ألفت المدح والذم. وإلف المدح والذم يفيد في الحياة، أليس يغيظك أن يمدحك ~~رجل ثم يغضب إذا لم تشكره على مدحه؟ فإن هذا المادح إنما مدحك كي تغتبط بمدحه، وهو يحسب أنه ~~لو ذمك لحزنت لذمه! هذا ولا شك غرور منه وعدوان؛ أي رغبته في أن تعلق فرحك وحزنك بحسن رأيه ~~أو سوء رأيه فيك. # ولا أكتمك أني أحتقر رأي الجماهير؛ فإن ذوق الجماهير في الآداب والفنون فاسد في كل مكان، ~~فهم يحسبون أن من أجاد التهاني والمدح والمراثي والأهاجي، وأوصاف الحوادث اليومية الحقيرة، ~~كان من الصنف الأول من الشعراء. وأنا لا أعد هذا من الصنف العاشر، هذا شاعر الحقائر، شاعر ~~المظاهر الكاذبة والقلوب الكاذبة. وإنما الشاعر شاعر القلب، فهو الذي يصف عواطف النفس ~~وأطوارها؛ فيصف عواطف الحب والجمال والجلال، والخوف والفزع والأمل، واليأس والرحمة والكره ~~والحقد، والبخل والجود، والشجاعة والجبن ... وغيرها من عواطف النفس وأحوالها. وهو الذي يصف ~~أساليب الحياة التي تجول فيها هذه العواطف كل مجال، ومظاهر الوجود التي تتعلق بها ~~العواطف، فهو الشاعر الذي عواطفه مثل عواطف الوجود، مثل الأمواج أو الرياح أو الضياء أو ~~النار أو الكهرباء، فإن هذه عواطف الكون. وهو الذي يحكي قلبه الأركستر الكثير الآلات، ~~الكثير الأنغام. ولكن ينبغي لمن يحس في نفسه عظمة الفكر ms09 وجلاله وقوة العواطف ألا يغتر ~~بها؛ فإن الناس يهمهم اسم الأديب أو العالم، ويحفلون به أكثر مما تهمهم مؤلفاته حتى بعد ~~موته. أليس الناس تهمهم أسماء شكسبير وفكتور هيجو وجيتي وأفلاطون وأرسطاطاليس أكثر مما ~~تهمهم مؤلفاتهم؟ # | أطوار العقيدة # لقد كنت في صغري كثير الاعتقاد بالخرافات، وكنت ألتمس العجائز من النساء، أسمع قصصهن ~~الخرافية، حتى صارت هذه القصص تملأ كل ناحية من نواحي عقلي، وحتى صارت عالما كبيرا، ملؤه ~~السحر والعفاريت، وحتى صارت العفاريت حولي، تحل حيث أكون. وأذكر أني رأيت مرة عفريتا على ~~سطح منزلنا، وكان أسود الجسم، شخصه مثل شخص الإنسان، ولكن جسمه يعلوه الشعر الكثيف، ولا ~~أدري أكان عفريتا، أم كان من مخلوقات الخيال، أم من ظلال الثياب التي كانت معلقة على ~~الحبال لتجف؟ ولما حدثت العجائز بأمر هذا العفريت، جعلن يعلقن على جسمي التمائم، ويرقينني ~~بالرقى. # ثم أتى علي بعد ذلك دور التعبد؛ إذ كنت كثير الصلوات، كثير الأوراد، أكثر من قراءة ~~كتب المتعبدين، فكنت أقرأ فيها عن العبد الصالح، والعبد الفاسق، وعن عقاب الله الفظيع. ~~وكانت هذه الكتب تشرح لي عقاب الله بالغا من الفظاعة حدا لا يطاق، فكنت أقوم من النوم ~~مذعورا حينما كنت أحلم بذلك العقاب. وكنت أقرأ في تلك الكتب عن كرامات الأولياء من إحياء ~~الموتى وإماتة الأحياء، ومن إزالة العمى عن أعين أهل العمى، وإزالة البصر عن أعين أهل ~~البصر. ولم يمنعني هذا التعبد الشديد من مواقعة الشهوات، بل كانت كثرة مواقعة الشهوات بقدر ~~شدة التعبد، فلم يمنعني تخويف تلك الكتب وإرهابها من اللذات، بل كان يفزعني من عواقبها في ~~الآخرة. وقد كنت أحسب من فزعي أن كل كلمة أقولها، وكل عمل أعمله جريمة كبيرة، فكنت أبكي ~~وأنتحب خشية عقاب الله، حتى إذا قضيت حاجة أعصابي المهيجة من البكاء والانتحاب رجعت إلى ~~مواقعة الشهوات، من غير أن يعوقني عنها ذلك الفزع وذلك البكاء؛ لأن الفزع نتيجة قراءة تلك ~~الكتب والبكاء حاجة يستلزمها هياج الأعصاب. # كما أن للشهوات حوائج أخرى قلما يعوق عنها ms10 الفزع من عواقبها، وقد بلغ بي الفزع من عقاب ~~الله أني كنت يخيل لي - وأنا نائم - أن فوق الفراش عقارب وثعابين بعثها الله لعقابي، ~~وأحيانا يخيل لي أن الفراش كله من جمرات نار؛ فأنتبه مذعورا صارخا! # ثم تركت بعد ذلك قراءة كتب التعبد، وجعلت أقرأ كتب الشعر والأدب؛ ففطنت إلى جمال الحياة، ~~وقللت مطالعتها من ذلك الفزع الذي كان باعثه الدين. ثم أتى علي دور الشك والبحث، والشك ~~إذا أبحته العنان جرى بك في كل مكان، حتى يريد أن ينزل الله عن عرشه، وأن يعزله عن ~~ملكه! وما يزال الشك بالمرء حتى يدفعه إلى الإنكار والجحود. # نحن الآن في عصر لا نرقى معه إلا إذا خلصنا من رق الأوهام والخرافات التي هي كالأغلال ~~والقيود، ومن أجل ذلك صرت أتعصب للإنكار والجحود بقدر ما يتعصب غيري للإيمان، غير أن هذا ~~الإنكار يخيفني ولا يرضي ذهني، فلا يفسر لي شيئا، لا يفسر لي: من أنا؟ ولماذا خلقت؟ وإلى ~~أين أذهب؟ فنفسي من النفوس التي لا تقنع بالإنكار؛ لأن لها حاجات دينية ليس لها غنى عنها. ~~ومن أجل ذلك كان الإنكار يورثني اليأس والحزن، فكنت أهيم في شوارع المدينة ليلا؛ لأن الليل ~~أشبه بما كنت فيه من اليأس والحزن. وكنت أنظر إلى النجوم وهي تنظر إلي بحزن وإشفاق، ~~وأسألها عن الحياة والموت، عن البقاء والفناء، عن الله والإنسان، عن الدنيا والآخرة، فتنظر ~~إلي بحزن وإشفاق، ويخفق سهيل كأنما يهز رأسه قائلا: لا أعرف عنها شيئا! فتصير الحياة ~~أثقل من الكابوس، أو كأنها حلم فظيع يروع ويقلق ولا يبعث الطمأنينة والسكينة. # فأعيد النظر إلى النجوم وأقول: هل فيك من كوكب كريم يضحي نفسه خدمة للناس، فيصادم كوكبنا ~~الذي نسميه الأرض فيهشمه ويتهشم، ويستريح جميعنا من عبث الحياة وأمراضها ومصائبها، وبؤسها ~~وشقائها، وجرائمها وحماقتها، وذلك الجهل العظيم الذي يضغط علينا كالكابوس؟ اللهم أرسل ~~كوكبا نشيطا من عندك يقوم بهذا الأمر. فتومض النجوم كأنما وميضها وميض أسنانها حين تفتح ~~أفواهها قائلة: آمين ... آمين! # وقد رجعت إلى ms11 الإيمان لأستفيد منه شيئا جديدا، فعلمني الإيمان أن للوجود روحا كبيرة ~~لها حياة وشخصية، وأن هذه الروح توحي إلى أرواح الأفراد بما تريد، ولها من المقادير جنود. ~~ولكني على شدة إنكاري لمعتقدات العامة، تمر بي حالات أعتقد فيها كل شيء حتى السحر، وحتى ~~ما يخرق سنن الطبيعة ويعلقها عن العمل كما يقول النحويون. # أما السحر، فإني أفسره بتغليب إرادة على إرادة، وأنه نوع من التنويم المغناطيسي. أما ~~السنن الطبيعية فإني أبغضها؛ لأنها تعوقني عن أطماعي وآمالي، ومن أجل ذلك لا أرى بأسا في ~~خرقها. وأكثر ما أكون إيمانا عند المصيبة أو المرض، فإن أمثال ذلك يذل قلب المرء ويخيفه ~~ويوهن عزمه، وفي بعض الأحايين أخاف خوفا شديدا أن يظهر لي إبليس، وأن يخدعني كما خدع فوست ~~فأتلفت كي أثق أنه لم يظهر بعد. وفي بعض الأحايين أعتقد وجود العفاريت والجن، كما كنت أعتقد ~~في أيام صغري. # لقد سمعت البارحة القطط تعوي وتصرخ مثل عواء المجانين، أو عواء الأرواح الحائرة المعذبة ~~التي تتخذ الليل جلبابا، ثم تفرغ في ذلك العواء ما تقاسيه من العذاب. فلما سمعت عواء القطط ~~كأنها الخرس إذا حاولت الكلام، لم أشك في أنها عفاريت من الجن، وأصابتني رعدة شديدة. ومما ~~زاد الطين بلة - كما يقولون - أن النافذة كانت مفتوحة، وكان يصيبني منها تيار بارد من ~~الهواء، فحسبت رعدة البرد من فعل العفاريت. وقد سمعت مرة عواء الخنازير كأنه عواء جنية ~~أصابها الموت في ولدها. # إن النفوس تتأثر بالأصوات تأثرا غريبا، لا سيما عند هياج العواطف، انظر مثلا إلى صوت ~~قرع الباب في قصة ماكبيث، أو إلى صوت البومة الذي يسمعه الخائف في المكان الخراب الموحش، أو ~~إلى صوت الغراب الذي يسمعه المتشائم، أو إلى صوت الرعد الذي يسمعه القاتل! # | لذات الحياة # نرى في الناس الضاحك الجذل الذي يزل الخوف عن صفحات قلبه زلول الماء عن صفحات جلده، ~~ونرى فيهم الحزين الباكي، الذي يبكي على الحياة والناس والدنيا، والذي يرى النعيم والشقاء ~~كبلين من كبول الحياة؛ الذي يرى ms12 أن الأرض قبر الأحياء، وأن السماء غطاء ذلك القبر. ~~ولكني وجدت نفسي تارة أقرن مع الأول وتارة ألز مع الثاني، فإني أرغب في لذات الحياة حتى ~~لو اختبأت مني لذة تحت قدم نملة ما. فإنني أرى في الضياء لذة، وفي الظلام لذة، لذة في ~~النعيم ولذة في الشقاء، لذة في الألم وألما في اللذة. # أرى لذة في استنشاق الهواء حتى ولو كان كله جراثيم، أرى في النشاط لذة، وفي الكسل لذة، ~~وفي الاستضاءة بالقمر لذة، ولذة في الاستضاءة بالشمس، ولذة في الاستضاءة بالفتيلة. أرى لذة ~~في الاضطجاع على الأرائك، ولذة في القعود على الأرض، لذة في الطعام الفاخر واللباس الفاخر، ~~ولذة في المش والفجل، والثياب ... الثياب الخلقة. أرى لذة في حرارة الشمس، ولذة في برودة ~~الهواء، لذة في المطر والغيم، ولذة في الصحو. # أرى لذة في الصباح وحسن مرآه، ولذة في الظهيرة المكسال، لذة في المساء ووقاره، ولذة في ~~الليل وسواده ونجومه ونسيمه. أرى لذة في الماء، ولذة في النبيذ وغير ذلك من الأشربة ~~... # ولكني بالرغم من ذلك كثير التفكير فيما أعانيه ويعانيه الناس، وما قد عانيناه وما سنعانيه ~~من آلام الحياة ومصائبها وأدوائها. وأرى كأن الحياة حمل ثقيل وحلم يروع، ففي بعض الأحايين ~~أحسب أن شقائي في الحياة أعظم من لذتي فيها، ولكني أراجع نفسي فأحسب أن لذاتي في الحياة ~~أعظم من شقائي! ولا عجب في ذلك الشك؛ فإن من كانت لذاته عظيمة كانت شقاوته عظيمة، حتى إنه ~~ليشك فلا يعرف أي الجانبين أرجح! نعم، قد شربت كأس الشقاء حتى لم أدع فيها بقية، ولكني جرعت ~~أيضا كأس اللذات حتى لم يبق فيها سؤر، وحتى امتصصت ما علق بالكأس من حلاوة الحياة. وكنت ~~وأنا أنعم بالحياة كأني قد استعرت من الوجود عظمه وعواطفه، فكنت لا أبالي في حب الحياة كل ~~رادع أو زاجر، أو مانع أو لوم، أو أمر أو نهي. كنت أحس أن نفسي غير مقيدة بقيود العادات ~~والحزم، كنت أحس أن نفسي إله أعظم له أن يفعل ms13 ما يشاء. وكنت أتمنى أن أقطف أزهار الحياة ~~كلها، وأن أخرج من الحياة عطرها، فإن للحياة عطرا كما أن للزهر عطرا. # كنت أتمنى أن أمتع نفسي بكل شيء في هذا الوجود، وفي كل وجود تتصوره وتتوق إليه النفس. كنت ~~أتمنى أن أعانق الوجود، وأن أقبله قبلة أمتص بها كل ما في روحه من الجمال والجلال، فأتذكر ~~عند هذا التمني قول الشاعر: # وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا # لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر # عليه ولا عن بعضه أنت صابر # | عشق أصحاب الفنون # إن ألذ شيء في الحياة هو قدرة المرء على أن يجعل إرادته غالبة لإرادة مخلوق جميل، وبواسطة ~~ذلك التغليب يبحث عن روح ذلك المخلوق الجميل، ويعطيها من آرائه وعواطفه وخيالاته؛ فحينئذ ~~يكون كأنه أعطى لآرائه وعواطفه جسما جميلا هو جسم ذلك المخلوق الجميل، ويكون مثله مثل ~~صانع التماثيل، الذي يودع آراءه وعواطفه في ذلك الرخام الذي يصنع منه حسان الدمى. ولكن ~~الشاعر المحب أجل صنعة؛ لأنه يودع عواطفه وآراءه في روح حية وجسم جميل حي. وينظر الشاعر ~~المحب إلى جسم حبيبه كأنه ينظر إلى تمثال آرائه وخيالاته وعواطفه. # آه، ما ألذ تلك الساعة التي تشعر فيها أن حبيبك يجد لذة وسعادة في حبك إياه! إن حب ~~الشاعر أو غيره من أصحاب الفنون الجميلة غير حب الفرد من أفراد جمهور الناس؛ لأن حب الأول ~~وسيلة، ولكن حب الثاني غاية يسعى إليها. أما حب أصحاب الفنون الجميلة، فإنه وسيلة يريدون أن ~~يوقظوا بها قواهم وملكاتهم الكامنة، ويشعلوا بها التخيل ويهيجوا بها العواطف، ويجعلوا ~~حبيبهم تمثالا لما ينشدونه في فنونهم من الجمال. # لقد مضى علي زمن كنت أعد الجمال فيه عقيدة، ولكني الآن أكاد أعد هذه العقيدة ~~خرافة مثل غيرها من الخرافات التي كنت أحسبها عقائد؛ لأني صرت أشك في الفنون وقيمتها في ~~الحياة. # | الإحساس والحياة # ليس الشاعر من يملأ أذهان قومه بالمعاني الجديدة والآراء الجليلة، وإنما الشاعر الذي يملأ ~~قلوبهم بالرغائب الجديدة، والذي يقوي عواطفهم؛ لأن العواطف ms14 هي القوة المحركة في الحياة. ~~والأديب العظيم هو من كانت كلماته كهرباء النفوس، هو الذي يحرك النفس كما يحرك العواد ~~عوده، فيوقع عليها من الألحان ما تهتاج له قوى النفس في أعماقها. هو الذي يجعل لكل ~~عاطفة من عواطف النفس روحا وحياة وشخصية؛ لأن النفوس يعلوها صدأ مثل صدأ المادة، ولا يجلو ~~عنها هذا الصدأ إلا ما يحرك أعماقها في النفس، كالماء الراكد الذي تعلوه المواد العطنة. ~~وكما أن هذا الماء الراكد لا يجدده غير تيار جديد، كذلك الروح ينبغي أن تكون معرضة للتيارات ~~الروحية، وليست حياة الأديب إلا تيارا من تلك التيارات التي تحرك النفس. # لقد كنت في أول الأمر أحسب أن الأديب حلية لقومه، وأن الأدب زينة؛ فكنت أقضي الأيام ~~في تصيد الألفاظ، واختلاس الأساليب اللفظية. ولكني ضجرت من هذه المنزلة الحقيرة، وقلت: ~~إن كان الأدب في تصيد الألفاظ، فلا خير في الأدب! ثم فطنت بعد ذلك إلى الحياة وأساليبها، ~~وإلى الروح وعواطفها، وعلمت أن الشاعر هو الذي يعبر عن أساليب الحياة وعواطف النفس، ولا ~~يستقيم له ذلك إلا إذا تقلب في أساليب الحياة، وكانت عواطفه مثل البحر الزاخر، بل كانت ~~كل عاطفة فيه عاصفة تبعث الخوف والجلال. ومن أجل ذلك صرت أجد لذة وألما في هياج العواطف، ~~وكنت أبحث في عواطفي وهي هائجة، كأني أنظر إلى الرياح الهوج العمر، أو الحريق المتلف، وأجد ~~في تلك العواطف ما أجده في قوى الطبيعة. وكنت أبحث في قلبي بعد سكون هذه العواطف، فكأني ~~أنظر إلى مكان خراب دمرته العواصف، أو إلى ميدان الحرب بعد الحرب، كله أشلاء وأطلال. ولكن ~~الضرر الذي يحدثه هياج عواطفي أقل من الضرر الذي يحدثه خمودها وسكونها؛ لأن روحي لا حياة ~~لها إلا إذا اشتعلت، فهي تحيا بأن تحترق وتفني نفسها. # فإذا خمدت عواطفي أحسست كأن هذا الوجود كله يضغط على قلبي، فأحس كأني أكاد أختنق. وفي مثل ~~هذه الحال يخيل لي أن لو وضع هذا الوجود كله في كفة ميزان، ووضع ضجري ومللي من الحياة ms15 في ~~كفة، لرجح مللي وضجري؛ ومن أجل ذلك أجتهد دائما أن أهيج عواطفي فرارا من ذلك اليأس الذي ~~يأتي به جمودها. ولقد بلغت بي تلك الحاجة إلى تهييج العواطف أني أحيانا أطل على الأماكن ~~المنخفضة من الصخور أو البيوت العالية، فأحس دوارا غريبا وكأن نفسي أعمق من الأبد، وكأن ~~فكري يهوي في عمقها الذي لا نهاية له، ثم أرمي بنفسي إلى الوراء؛ لأني أحس اندفاعا إلى ذلك ~~المكان المنخفض. وأحيانا أقف على شاطئ البحر، وكأن عيني زجاج آلة التصوير؛ فينطبع هياج ~~الأمواج في نفسي وفي عواطفي. وأحيانا أحس كأني سهم قذف به في الفضاء، فهو إلى الأبد يخترق ~~ذلك الفضاء الذي لا نهاية له. # أذكر أني رأيت مرة حريقا هائلا في جنح من الليل، فهيج في قلبي عواطفه، ولم يهيج سطح ~~العاطفة، بل هيج أعماقها. وجعلت أشعر بالجلال؛ جلال ذلك المنظر الهائل، وبرقت عيناي حتى كدت ~~أرى بريقها. وصارت النار تأكل المنازل؛ فتتهدم وتنهال وتتصاعد ألسنة النار، والدخان يعلوها، ~~والظلام حولنا، وعلى أوجهنا نور يزيدها شحوبا، فكأنما نحن في الأحلام، وكأننا لا نرى ~~حريقا، بل قطعة من الجحيم. وكنت أحس لفح تلك النار في خيالي وذهني. وأذكر أني رأيت هياج ~~الأمواج في المحيط؛ فأحسست ضعف الإنسان وقوته: ضعفه أمام قوى الطبيعة، وقوته التي في خياله ~~وقلبه، والتي تمكنه من أن يجد لذة حتى في مظاهر الطبيعة التي تهيج خوفه، وتبعث في قلبه ~~الإحساس بالجلال. # هذه هي المناظر التي ألتذها، ومن الغريب أني يخيل لي أن هذه المناظر وما تبعثه من الإحساس ~~تعين المرء على تفهم معاني الحياة ومعرفة سرها، ولكن كيف؟! هذا لغز أشد غموضا من لغز ~~الحياة نفسها. أستغفر الله! أنا لا أعتقد أن للحياة لغزا؛ لأن هذا الاعتقاد يكون إحسان ظن ~~بالحياة، وهل من العقل أن نحسن الظن بالحياة إلى هذا الحد؟! ليست الحياة لغزا، بل هي نكتة ~~باردة لا معنى لها. أستغفر الله! لقد حرت في أمري، فلا أعرف هل الحياة لغز عجيب جليل، أم هي ~~نكتة ms16 باردة؟! # أكبر ظني أن الخيال هو الذي يجعل الحياة لغزا؛ لأنه يعطيها قيمة أكبر من قيمتها، وهو ~~الذي يجعلها نكتة باردة؛ لأن المغالاة بقيمتها تؤدي إلى اليأس منها. # | الغرور # إني إذا قلت كلمة أو فعلت فعلا يبعث سخر الناس؛ أعاني من توبيخ الضمير من أجله أكثر مما ~~أعاني إذا أتيت جريمة، فإن المرء مهما عظم احتقاره الناس يتألم من سخر الناس أكثر مما ~~يتألم لهم إذا أصابهم بسوء، فليس الذي يصيبه بشر أعز عليه من نفسه حتى يتألم له. ولو كان ~~تألم المرء إذا أتى جريمة لمن وقعت عليه الجريمة، لما تألم كثير من الناس من جرائمهم. وإنما ~~تألم المرء إذا أتى جريمة أن إتيانها يفسد أعصابه، مثل إدمان الزنى أو إدمان معاقرة الخمر، ~~فهذا التألم ناشئ من تأثير الجريمة في أعصابه ونفسه. # فإذا سخر الناس من رجل من أجل كلمة قالها، أو فعل فعله؛ عانى هذا الرجل من ضميره تأنيبا ~~على ما قال أو فعل، لا سيما إذا كان كثير الإحساس. فإن المرء ليس عنده شيء أعز عليه من ~~نفسه، فإعجاب المرء بنفسه أعز عليه من فضائله ومن رذائله - وبعض الرذائل عزيز - ومن حسناته ~~ومن سيئاته. فإعجاب كل امرئ بنفسه جزء من حياته، لا تستقيم الحياة إلا به، والناس أشباه ~~سواسية في هذا الإعجاب، سواء الأمير وسائق الحمير، فإن كل الناس مغرور، ولكن على حسب ~~طبائعهم تختلف أنواع غرورهم. والغرور من أسباب سوء الظن، فإن من كان مغرورا خشي أن يهينه ~~أو يؤلمه الناس، وهذا الخوف قد يزداد بالمرء حتى يجعل إحساسه مثل جلد اللديغ الذي إذا احتك ~~به الحرير آلمه. # وما يدريني! ربما كانت معائب الإنسان في الإنسان مثل الملح في الطعام، أليس غرور الناس من ~~التوابل التي تسيغ بها الناس؟ ولا أنكر أن التوابل والأملاح إذا أكثرت منها أتلفت عليك ~~الطعام. وكذلك الغرور، إذا أكثرت منه لم تسغك الناس، ولكن هذا الإكثار لا يقلل من فضل ~~التوابل ولا من مزايا الغرور. والغرور شيء يصح أن تصرف به ms17 الضمائر، فتقول: أنا مغرور، وأنت ~~مغرور ... إلى آخر ما ذكر النحويون من الضمائر. # استعرض على خيالك جماعة من الناس ليس عندهم شيء من الغرور، إنك لتكلف نفسك شططا؛ لأن ~~المرء إذا لم يكن فيه نوع من الغرور؛ فإنما سبب ذلك أن فيه نوعا آخر من أنواعه. فالضاحك ~~مغرور، والباكي مغرور، والفقير مثل الغني مغرور بما يجده في العيش من اللذات والآلام، فهو ~~في ذلك مثل الغني حذوك النعل بالنعل، لا يختلفان إلا بمقدار ما تختلف القدم اليمنى والقدم ~~اليسرى، والجواد مغرور بماله مثل البخيل، والغبي مغرور بعقله مثل غرور صاحب الذكاء بذكائه، ~~وصاحب التقوى مغرور بتقواه، مثل غرور صاحب العهر بعهره. # | الخوف والعي # إن الرجل الذي يخشى إيلام الناس إياه مثل النبات الذي لا يعيش إلا في بيوت الزجاج. فإن ~~خوف المرء أن يؤلمه مؤلم، يضعف عزيمته، ويمنعه من العمل والسعي إلى ما فيه منفعته، ~~ويعوده البأس من الناس، ويورثه العي، ويغطي على فصاحته، ويلبسه ثوب الغباوة، فيخفي ~~ذكاءه؛ خشية أن يكون في كل قول يقوله، أو عمل يعمله ما يبعث إهانة الناس إياه، أو سخرهم به. ~~ومن أجل ذلك تقف الكلمة في حلقه؛ خشية أن يصيبه من جراها ما يؤلمه، فيتردد في إخراجها، ~~فيكون كالأخرس إذا حاول الكلام، فتسقط الفرص من يديه كما يسقط الماء من ثقوب ~~الغربال. # ومن أجل هذه الصفة التي أعالجها وأعانيها، صار من لا يعرفني إذا سألني سؤالا وترددت في ~~إجابته ولم أحسن الكلام، يحكم علي بالعي والغباء. ولو تفرس في وجهي في تلك الساعة، ~~وكان أكثر الناس معرفة بالفراسة؛ لقال: هذا ملك الأغبياء؛ والسبب في ذلك أن كل عصبي المزاج ~~مهيج العواطف تختلف هيئات وجهه حسب ما في نفسه وذهنه. وقد لاحظت ذلك بالنظر إلى أوجه الناس، ~~فإن الوجه يختلف حسب أطوار النفس وأحوالها، حتى كأن للمرء أوجها كثيرة، ومن أجل ذلك تختلف ~~صور الرجل العصبي الفوتوغرافية، حسبما يجيش في صدره من العواطف. # إني في خلوتي بنفسي أعد الكلام البليغ والحجج الراجحة، والكلمات البليغة ms18 ، وأتخيل ~~محادثات تجري بيني وبين الناس، تكون كل كلمة من كلماتي فيها آية من آيات البلاغة. ولكني إذا ~~لقيت هؤلاء وحادثتهم لم أجد في كلامي هذه الآيات البينات، ثم إذا خلوت بنفسي بعد ذلك أقول: ~~كان ينبغي أن أقول لهم كذا وكذا، فينطلق لساني بالكلام الفصيح البليغ. ولكن أي مزية في أن ~~يكون المرء عييا في المجالس، فصيحا في الخلوات؟! وهذا سبب من أسباب انفرادي ووحدتي، ويرى ~~الناس سكوتي ووحدتي فيحسبون حياتي هادئة مطمئنة، وتغرهم مظاهر سكوتي كما يغر مجاور ~~البركان الذي لا يعرف متى يثور مظاهر سكوته وخموده. فإن سكون المرء يخفي عواطف نفسه، إلا ~~ما بدا للناس منها في عينه وأسرة وجهه، ويحسب الناس أني سعيد وما أنا بسعيد. # إن العواطف سبب شقاء الناس وعظمتهم، وسبب سعادتهم وتعاستهم، وسبب مصائبهم ومحامدهم، وهي ~~سبب لذاتهم وآلامهم. إنها تملأ الحياة نارا، ولكنها أيضا تملأ الحياة نورا، فما أقبح ~~الحياة، والحياة وابزدها وأغثها لولا جمال العواطف! وما أجمل العواطف لولا مصائبها وآلامها! ~~آه يا صديقي، أبعد تمرسي بالحياة والنظر فيها، تطلب مني أن أؤمن بها وبما للناس فيها؟! ~~ولو كان ذلك موكولا إلي لآمنت بها، ولكن للنفس أطوارا وأحوالا يستحيل فيها الإيمان ~~بالحياة. # | وسائل النجاح # من العيوب التي حالت بيني وبين النجاح في كثير من أمور الحياة أني أحتقر الأشياء الصغيرة، ~~فلا أتطلب معرفتها. وإنما وجه العيب في ذلك أن الحياة مكونة من هذه الأشياء الصغيرة، انظر ~~إلى الساعة من ساعات العمر، تجدها مملوءة من الحوادث الصغيرة والأشياء الحقيرة الدقيقة ~~التي لا يحويها إلا التفصيل. ومن أجل ذلك كان الرجل الذي تمرس بأسباب النجاح لا يهمل شيئا ~~مهما صغر، ولا يحتقر شيئا مهما كان دقيقا. فلا تعرض عليه شيئا من الأمور اليومية وحوادث ~~الساعات إلا فصله وشرح لك كنهه ومصدره وقيمته. # وقد حدثني رجل من أهل النجاح مازحا، قال: قد يكون النجاح في الحياة رهينا بإجادة مشية ~~خاصة، أو بأن نعرف أن في دكان فلان يباع الشيء الفلاني، أو بأن تعرف ms19 أن فلان بك الذي أنت ~~صنيعته يعرف فلان باشا، وأن فلان باشا يحب كذا من أنواع المأكولات، وكذا من أنواع النساء، ~~أو بأن تذكر دائما أن فلان بك يكره من يذم أمامه الكذب، وأن الشيخ فلان يبغض من يمدح أمامه ~~الأمانة. هذه أشياء صغيرة، ولكن العمل بها قد يكون سببا من أسباب النجاح، كما أن إهمالها ~~قد يكون سببا من أسباب الفشل! # هذا ولا شك مزح، ولكنه مزح ترقص فيه الحكمة رقص العربيد. وأنا من الناس الذين لا يعرفون ~~الفرق بين الخروف والدجاجة، ولا أيهما أحلى في حلق فلان بك، ولا يهمني أن فلان بك يحب رأيه ~~أكثر من حبه الحق والصواب، وأنه مفتون بمكانته مغرور بجاهه. ثم إني أجهل أثمان الأشياء ~~وأستحي من شرائها؛ ومن أجل ذلك أود لو أمد يدي فآخذ كل ما أريد من الهواء. ومما زادني رغبة ~~في هذه الأمنية الكسل وحب الغريب المعجز؛ ومن أجل حب المعجز أتمنى لو أملك خاتم سليمان ~~الذي يسخر لي الإنس والجن. # آه ما ألذ المعجز، وما أجل المستحيل! وما أحلى أن يستحيل المستحيل على غيري من ~~الناس، وأن لا يستحيل علي! # لو يستحيل المستحيل على الورى # وأنال من أحلامه ما أطلب # لجننت جنة قادر متحكم # يرضى على هذا الأنام ويغضب # وأخذت من هذي الحياة لبانتي # وشربت من أكوابها ما يشرب # إن الوراثة والبيئة والتربية رأس مال السعيد، وإنك ليخيل لك أن في الناس من تسعدهم هذه ~~العوامل حتى إنهم لو تطلبوا الشقاء لما وجدوا إليه سبيلا. هنيئا لهؤلاء! فإنهم أبناء ~~هابيل الذين يحبهم الله. وإن في الناس من تشقيهم هذه العوامل حتى يأنسوا إلى الشقاء، يا بؤس ~~هؤلاء! فإنهم أبناء قابيل الذين يبغضهم الله. هؤلاء الذين رأس مالهم القمل والذل ~~والمسكنة والجهل والآلام والمصائب. وهم الذين أراد الله أن يخلقهم بهائم لا تحس، ولكنه رأى ~~أن يعذبهم في الحياة الدنيا، فخلقهم من البشر، هؤلاء هم أهل الفشل. # إن النجاح في الحياة يستلزم طبائع لا يستقيم إلا بها، وإنه ليخيل ms20 لي أحيانا أن ليس ~~عندي هذه الطبائع، مثل: التمليق والرياء والنفاق والضعة والاهتمام بالأشياء الدقيقة الحقيرة ~~والمكر والتطفل وارتقاب الفرص الوضيعة، واتخاذ كل وسيلة مهما كانت دنيئة؛ لاكتساب ثقة ~~الناس، والإلحاح في طلب المنافع منهم، وإظهار الحاجة إليهم والتذلل لهم، والتهافت عليهم ~~وإخفاء مقابحهم مهما عظمت، أو إظهارها في مظاهر المحامد والفضائل، وأن أكسر لهم سلسلة ظهري ~~الفقرية احتراما وتبجيلا، وأن أضحك أو أهش أو أقهقه إذا تبسط أحدهم بالفكاهة الغثة ~~الباردة، وأن أضعهم في منزلة أفلاطون وسقراط إذا اجتهدوا أن يجدوا بالحكمة العالية، وأن ~~أبتسم إذا ابتسموا، وأن أعبس إذا عبسوا، وأن أجعل عرضي لهم خرقة أمسح بها أعراضهم ~~النجسة. # كل هذه الصفات ليس عندي منها إلا القليل النادر - هذا ما أظن - وافتقادها هو سبب من أسباب ~~فشلي في كثير من المساعي. ولا أكتمك أني أحاول التخلق بها، فلا يقربني ذلك التخلق من رغائبي ~~شبرا، كأنما هذه الصفات مثل كلمات السحر التي تؤذي من يفوه بها، إلا إذا كان قد أجاد ~~معرفتها. فأي ساحر كريم يعلمني كلمات السحر التي أفتح بها باب النجاح! فقد طرقت الباب حتى ~~كل ذراعي، وناديت بأعلى الصوت: افتح يا سمسم، فما فتح سمسم ولا صنوبر! # ومن أسباب الفشل في المهن، أن رئيسك أبدا يحاول أن تكون لك أربعة أرجل؛ ضعة وذلا، وأنت ~~تأبى إلا أن يكون لك رجلان ويدان. فإن بعض الرؤساء يجد شهوة في تنفيذ أوامره، ويلتذ تعذيب ~~مرءوسه كما يلتذ أهل نيام الزنوج شي لحوم أسراهم من البشر. إن رئاسة هؤلاء الرؤساء من ~~حجج أهل الفوضى، ومن بواعث التذمر في صدور أهل التذمر. # | الحياء والوحشة # إن الحياء من أكبر أسباب الفشل في الحياة، وهذا الحياء يعتادني إذا جالسني أو حادثني من ~~لا أعرفه. وإذا كنت في رفقة كلهم لي صديق، غير واحد؛ صاروا كأنهم كلهم أجانب لا أعرفهم. ومن ~~أجل ذلك صرت أستر هذا الحياء بالكبر والاحتجاز والتصلب واعتزال الناس؛ كي لا يزري بي ~~ويخفض من شأني، فإن الحياء ينزل الرجل منزلة ms21 الصبيان الصغار، ويغطي على فضله وأدبه ~~وعلمه. ولو شئت سردت لك من نوادر الحياء ما يوضح ذلك. ولكن ليس فريضة على صاحب الاعتراف أن ~~يذكر كل نقائصه، هل فعل ذلك روسو أو جيتي أو شاتوبريان؟ كلا، إن النفس لا تسخو بذلك ولا ~~تطيب، فإنها لا تقدر أن تنزع عنها غطاءها كل النزع. ومهما عظم نصيب صاحب الاعتراف من ~~الصراحة، فلا بد أن يكون عنده من الجبن والحزم واحترام النفس ما يغريه بإخفاء كثير من ~~نقائصه ومعانيه. # لعلك أيها القارئ قد رأيت أو سمعت بغلام صغير إذا نظرت إليه خجل، وإذا كلمته خجل، وإذا ~~دعوته خجل! إني ما رأيت غلاما كهذا إلا أشفقت عليه مما يستقبل من حياته؛ لأن هذا الخجل ~~الشديد هو رأس المصائب، فلا ينتفع المرء معه بحياته. وإنه لفرض على الآباء والمعلمين محو ~~هذا الخجل، وأن يعودوا الغلام الجرأة؛ فإن الوقاحة أقل شرا من الحياء. ولا يعرف قدر ~~المصائب التي يأتي بها هذا الخجل إلا من عالجه وعاناه، وهو أكبر عيوب التربية المنزلية ~~عندنا. # لقد كنت في صغري كثير الحياء، وكنت أنظر إلى جرأة أترابي من الغلمان، وحسن لهجتهم، وأعجب ~~بها وأتمنى أن أكون مثلهم. ولكني لم أعود ما عودوه من الاعتماد على أنفسهم. أذكر أن ~~أبي زار بي صديقا له من الفرنسيين، وكنت صغير السن، وكان لصاحب البيت ابن في عمري، فجاء ~~الغلام وصافحنا وحيانا بفصاحة وطلاقة ورشاقة أعجب بها الحاضرون، وصاروا ينظرون إلي ~~ويضحكون من خجلي. ثم جاء الغلام ومد ذراعه إلي كي نذهب فنلعب، ولكني انزويت وراء أبي، ~~فلم أخرج إليه إلا بعد القيل والقال. وهذه قصة توضح الفرق العظيم بين تربيتنا وتربيتهم. ~~وكنت أخجل في صغري من الزائرين والزائرات، وأستحي من النظر إليهم أو إليهن، وبقيت متصفا ~~بهذا الحياء حتى بعد أن عاشرت الكثير من الناس. وليس سببه الهيبة والاحترام أو الخوف، فإني ~~لم أجد عند الناس من كبر العقل ورجاحة النفس ما يسوغ أن أخجل منهم. وليس إعجاب المرء ~~بنفسه ولا إحساسه أنه ms22 يفضل الناس ذكاء وعلما بمانعه من الخجل منهم، إذا صارت هذه الصفة ~~طبيعة فيه. # ومن أجل هذا الحياء صرت لا أأنس بالناس، وأحس قلقا شديدا عند رؤيتهم، فيه شيء من المقت ~~والاحتقار، فلا أحضر مجالس الناس، ولا أتخذ صاحبا جديدا إلا في القليل النادر. ومن أجل ~~ذلك صرت أعوذ بنفسي أن أجالس أهل الجاه والثراء، والذين لا يبالون عواطف جلسائهم. وصرت أحب ~~الوحدة فأتجول منفردا في الأماكن الخالية، وصرت لا أحب الأماكن التي يزدحم فيها الناس، بل ~~أبغضها كل البغض. ولا تحسب أني أجد لذة في الوحدة، بل إني أحس فيها وحشة وغربة، فأحس كأن ~~قلبي صحراء مقفرة، ليس بها أنيس ولا رفيق. ولا تحسب أني أستميحك الشفقة بوصف هذه الوحشة ~~والغربة، فإن رحمة الناس تقلل من احترام المرء نفسه ومن احترامهم إياه. # | الحياة والرحمة # ولكن أي الناس في غنى عن الرحمة، إنها مصدر قوة لمن أحسها، ولمن وقعت عليه؛ فإنها تزيد ~~المرء ثقة بنوع الإنسان، وتعده لاستئناف مكافحة الحوادث ومناجزتها. وليس القوي العظيم، ~~ولا الملك صاحب الجند والحرس، ولا المصارع الجليد، ولا السري المنعم، ولا الوارث المترف، ~~ولا صاحب الدهاء والقدرة، بأقل حاجة إليها من الأرمل المريضة، أو الطفل الرضيع، أو الشيخ ~~الضعيف. وهي أساس كثير من أنواع الحب. وقد يصدر عنها من الأعمال ما يدل على أنها مظهر من ~~مظاهر القوة. # والناس في حاجة إلى الرحمة حتى ولو كانت رحمة عاقر، لا يصدر عنها عمل جليل، فإن إحساسها ~~يولد التفاهم الذي يوقظ قوى النفس وينعشها، يقول نيتشه: إن الرحمة تضر نوع الإنسان ... إلا ~~أنه لأحوج الناس إلى الرحمة. وأي الناس يقدر أن يمحو من قلبه عاطفة الرحمة إذا زار مستشفى ~~ورأى الأمراض والأدواء، وكأن المرضى تماثيلها؟! أليست هذه الدنيا أيضا مستشفى كبير ونحن ~~فيه تماثيل الأمراض والمعائب والنقائض والحماقات والخرافات والجرائم؟ وإن من كانوا كذلك ~~لخليقون بالرحمة. # | ضعف العزيمة # إن ضعف العزيمة له مظاهر كثيرة، من مظاهرها عند المفكر أنه يفكر في ألغاز الحياة التي يود ~~أن يوفق ms23 إلى حلها، وهي ليست لها حل. وإني أحيانا أسلي نفسي بالتفكير فيها، وأتتبع ما ~~يصدر عن الناس من أقوال وأعمال، وأجتهد أن أجد فيها حلا لهذه الألغاز، وأحيانا أتعب نفسي ~~وأجلب لها الهم بهذا التتبع والاجتهاد في حل ما ليس له حل. والسبب في ذلك ضعف عزيمة المفكر، ~~فلولا ضعف عزيمته لما خطر بباله أن يجتهد في حل ما ليس له حل من ألغاز الحياة، ولوجد في ~~الحياة والعمل من اللذات ما يلهيه عن هذا التفكير ويغنيه عنه. وضعف العزيمة صفة فينا تلحقنا ~~من طريق الوراثة، كما تلحقنا من التربية المدرسية والمنزلية، فينبغي أن تعود التربية ~~المرء الاعتماد على نفسه؛ ذلك الاعتماد الذي يبعث في المرء نشاطا وثقة بنفسه. # والتفكير إذا تملك المرء، وكان الصفة الغالبة عليه، يفقده الإقدام والنشاط وغير ذلك من ~~مميزات الرجل الذي طبعه يميل إلى العمل، وكل شيء عملي من أمور الحياة. وليس معنى هذا القول ~~أن التفكير ينفي قوة العزم، ولكن الصفتين لا تجتمعان إلا في القليل النادر من الفحول. وفي ~~بعض الأحايين أقول: لو كان لي عقل أفلاطون لبعته بذهن من الأذهان التي يعيش بها الجماهير من ~~الناس وعزيمة كبيرة؛ فإن التفكير يغري بالتفكير، وهذا التفكير يغري بغيره، فتضيع الفرص قبل ~~انتهاء المفكر من تفكيره وابتدائه في عمله. # ومثل هذا التفكير المطرد المتسع مثل الدائرة التي يصنعها الصخر إذا قذف به في الماء، ~~فإنها ما تزال تكبر وتتسع حتى تفنى. ولكني لا أجهل لذات التفكير، وإن كنت لا أحمد ~~آلامه؛ فإنه المعين على الحياة، يكبح من جماح الخيال والعواطف، وما تغري به العواطف من ~~الأعمال. نعم، إن صاحب الخيال والعواطف يحس لذات الحياة أكثر مما يحسها غيره، ولكنه يحس ~~متاعبها أكثر مما يحسها غيره من البشر؛ ومن أجل ذلك كان في كل يوم من أيام حياته، من الحزن ~~والسرور، ومن النعيم والشقاء، ما ليس في السنة من سني غيره. وماذا تفيده عظم لذاته إذا ~~كانت شقاوته عظيمة، بقدر عظم لذاته؟ وماذا تفيده تلك العواطف ms24 التي تتضارب في صدره؟ # ولقد يخيل لي أحيانا أن تلك العواطف شياطين تجذب أعصابي، وتجري مع الدم في العروق، ~~وتريق فيه السم. وماذا يفيدني أن في تلك العواطف شيئا من اتساع الأبد؟ فهي لا حد لها ولا ~~نهاية. هذا هو الشقاء الذي ليس بعده شقاء، فإن المرء مقيد بقيود الضرورة، ومحدود بحدود ~~القدر. حولي أسنة المقادير وسيوفها تشير إلي، فإذا سعيت إلى يساري وخزت جانبي الأيسر، ~~وإذا سعيت إلى يميني وخزت جانبي الأيمن، وإذا سعيت إلى أمامي أو إلى ورائي أحسست وخزها، ~~وإذا هممت أن أطير وجدت سيوف المقادير معلقة فوق رأسي. وقد تمر بي ساعات تهبط فيها السماء ~~وتضيق فيها الأرض، حتى أحسب الحياة أضيق من تنور عبد الملك بن الزيات. وفي تلك الحال أحس ~~كما يحس المجنون المقيد الذي يريد أن يفك عنه سلاسله، وأن يهيم على وجهه لا يقر في ~~مكان. # ولكن إلى أين يفر أسير الحياة؟ إلى أين يفر من عواطفه وآماله وأفكاره وذكره، ومن الزمن ~~الذي يعيش فيه؟ فالإنسان لا يقدر أن يفر من كل ذلك إلا إلى الموت. فلو كان للإنسان أن يهيم ~~في فيافي الأزمان، كما يهيم في فيافي الأرض فيفر إلى الزمن الماضي، أو إلى الزمن الآتي! آه ~~لو أمكن ذلك! كأني بك أيها القارئ تعجب من هذا التمني، وتراه ضربا من الجنون! هبه كذلك، ~~فما ألذ الجنون! ألم تجن قط؟ ألم يخطر ببالك أن هذه الأرض إنما هي مارستان كبير، وأن هذه ~~الأعمال التي تعملها والمساعي التي تسعى إليها إنما هي جزء من الدواء، جزء من طريقة العلاج، ~~وأن هذه النجوم والأفلاك التي في السماء إنما هي لعب معلقة فوق رءوس المجانين، وأنها أيضا ~~جزء من العلاج، وأن هذه العلوم والفضائل التي نفاخر فيها هي الأكاذيب والقصص والخرافات التي ~~يقصها الممرض أو الطبيب على المجانين، وأنها أيضا جزء من العلاج؟ # إني لا أريد منك أن يكون هذا رأيك في الحياة، وإنما أريد أن أبسط لك أسباب الشقاء، ~~فأليح لك أحيانا بالجحيم ms25 الذي يخلقه الخيال، والذي تؤججه العواطف. فإذا كان هذا الجحيم ~~الذي يخيفك ويفزعك، فاطو هذا الاعتراف واقرأ قصة من القصص التي أعمق عاطفة يشرحها الكاتب ~~فيها، لا يبلغ عمقها سنتيمترا واحدا، فأنت من الناس الذين يريدون أن يكون الشعر والأدب ~~بمنزلة التثاؤب والتمطي. # | سلطان القضاء # لا يعرف سلطان القضاء ولا يفهم سطوته، ولا يحس قيوده، إلا من خذله القضاء وعالج شدته. أما ~~السعيد، فإنه يحسب أن القضاء خادم بيته وصنيعة أبيه وعبد من عبيده. فإن السعادة هي الغفلة، ~~وأكثر الناس يعيشون غافلين، وبقدر غفلتهم يكون نصيبهم من السعادة. ولكن الرجل الذي تعود ~~التفكير، يبحث في نفسه فيرى أنه يعجز عن أشياء كثيرة يريد كل الإرادة أن يأتيها، ولكن تقصر ~~إرادته وقوته عنها، ويسكن إلى أشياء يود كل الودادة أن ينأى عنها، فلا يقدر على تركها. ألم ~~تر رجلا يريد إتيان الفضل والخير فيعجز، واجتناب الرذيلة والشر فيعجز، فيحس قيود القدر ~~تحز في نفسه، ويعرف عند ذاك حقارة الإنسان وضآلته، فينسل عنه غروره الذي هو رداء كل نفس، ~~ويرى نفسه عريانة من ثوب النفاق والغرور الذي كان يزينها، فيرى فيها العجز والضعف؟! # وإذا نظرت في حجج المفكرين الذين يقولون: إن المرء مخير، وجدتها مغالطات. فإن حججهم ~~المشهورة أن الله خلق للإنسان عقلا يهتدي به، وخلق له روحا، وأودع فيه عوامل الخير والشر، ~~فإذا اختار الشر كان جانيا على نفسه باختيار الشر. انظر إلى هذه المغالطة السخيفة، وكيف أن ~~قائلها لا يثبت شيئا؛ لأنه فرض الشيء الذي يريد إثباته. ولو أنه قال: فإذا اختار الشر كان ~~الله قد أودع في نفسه من ذلك الشر أكثر مما أودع فيه من نقيضه لصح قوله، فإن المرء لم يخلق ~~عوامل الخير والشر التي في نفسه، حتى تزعم أنه جعل الشر في نفسه غالبا للخير، أو أنه خلق ~~ميولها إلى الشر. ولو كان الإنسان هو الذي خلق نفسه لصح أن يقال: إنه خلق فسادها الناشئ من ~~تغليب قوى الشر فيها على قوى الخير. ولكن الأغبياء ينسبون ms26 إلى المرء خلق الفساد، كأن خلق ~~الشر أسهل من خلق الخير، والصواب أن المرء يعجز عن الخلق، سواء كان ذلك خلقا للشر أو ~~للخير. # وإذا تأمل المفكر وجد أن المرء لا يكون مختارا إلا إذا كان مستقلا في أموره عن الله ~~والكون، وإلا إذا كان هو الذي خلق نفسه. أليس كل شيء في الوجود يتبع سننا وأحكاما لا يقدر ~~أن يخرقها؟ والإنسان تحكمه عوامل الوراثة والتربية والبيئة، فهو لا يقدر أن يتعدى ~~حكمها. # إن الإنسان محكوم حتى بطعامه وشرابه وملبسه، وحرارة الهواء أو برودته، وبالضياء والهواء ~~والمطر، وبغير ذلك من أعضاء الوجود، وقواه في آرائه وعواطفه وأخلاقه وعاداته. ومن أجل ذلك ~~قد يرى المرء ما فيه ضره، فلا يقدر أن يتجنبه، ويرى ما فيه خيره، فلا يقدر أن يأتيه على أنه ~~ليس بينه وبين ما فيه خيره حاجز يمنعه عنه، غير تلك العوامل النفسية التي لم يخلقها ولم ~~يردها، بل هو يبغضها ويريد أن يصدع عنه قيودها، ولو كان مخيرا لما اختارها. وفي مثل هذا ~~المعنى يقول بشار بن برد: # طبعت على ما في غير مخير # هواي ولو خيرت كنت المهذبا # أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد # وقصر علمي أن أنال المغيبا # فأصرف عن قصدي وعلمي مقصر # وأمسي وما أعقبت إلا التعجبا # حدثني رجل من الجهلاء المعممين قال: أنت مخير؛ لأنك إذا أردت أن ترفع يدك لم يمنعك مانع. ~~قلت: لقد كنت تكون مخيرا لو أصابك الله بشلل في يدك، فأنكرت أن يصيبك شيء لم ترده، ورفعت ~~يدك بالرغم من شللها الذي أنكرته؛ لأنك لم تخلقه ولم ترده. فإذا كنت لم تخلق الشلل في يدك، ~~ولا الخبل في عقلك، ولا الجنة في نفسك، فكيف تنسب إليها فسادها وميلها إلى الشر، وهذه ~~أشياء سواسية؟! # | خواطر الانتحار # يرى المرء ما فيه خيره فلا يقدر أن يدركه، ويرى ما فيه ضره فلا يقدر أن يتجنبه. ويريد أن ~~يكسر قيود القضاء، وأن يكون مخيرا فلا يقدر، ويوجعه عض تلك القيود التي هي كالذئاب ~~المفترسة ms27 ، ويؤلمه نهشها حتى يصرخ صرخات تجرح الحلق وتخرج بالدم. وكأني به قد جرى مع الصبا ~~سلس العنان، فأحيا الليل وأمات النهار، وفعل ما يفعل المرء في شبابه من تصيد اللذات، يفعل ~~ذلك في أول الأمر خلسة حتى يصير عادة محبوبة، ويبلغ من حب الخمر واللذات الجنون، فيصدق فيه ~~قول حسان بن ثابت: # إن شرخ الشباب والشعر الأس # ود ما لم يعاص كان جنونا # فما يزال يزاول هذا الجنون حتى يتقصاه ناحية ناحية ومعنى معنى وعاطفة عاطفة. يرجع ~~إلى بيته في أواخر الليل وقد قضى منه ما قضى، فيرتمي على فراشه حتى يقوم في الظهيرة منتفخ ~~العينين، موجع الأعصاب، يمسي كأنه قد أنفق في تلك الليلة خمسين سنة من سني عمره، وهو يحسب ~~أن الشباب كنز لا يفنى، فيعذل نفسه ويسمعها تقريعا مرا ويلطم وجهه ويضرب ناحية قلبه ~~بيده، ويبكي بكاء شديدا. # ثم يعزم كل العزم على هجر ما فيه ضره، فما هو إلا أن يجيء الليل وينسى آلام الصباح، ~~ويرتدي ثيابه ثم يحس كأن شيطانا قد أفاق في نفسه وتمطى فيها، فيعيد في الليلة ما فعله في ~~ليلة أمس. # ثم يقوم بين الصبيحة والظهيرة مر الحلق، مر الفم موجع القلب والعظم، فيقول: أين عزم ~~الصباح؟ أين ما أردته؟ وأين ما يزعمون من التخيير؟ أين معين على ما لا أقدر عليه من نفسي؟ ~~كم عزمت وكم أردت وكم خادعت نفسي وزعمت أني قادر، وكم حاولت أن أكون قادرا! ولكن القدرة ~~ليست في يدي، أصرفها كيف أشاء. أصحيح ما يزعم اللائم من تقصيري في إرادة ما فيه خيري، ~~واجتناب ما فيه ضري؟ كلا، فقد أردت كل الإرادة وعزمت كل العزم، حتى صرت أود لو يظهر لي ذلك ~~الشيء الذي يمنعني من اجتناب ذلك الضر، أو بلوغ ذلك الخير فأقتله حتى ولو كان في قتله ~~العقاب. وعندئذ يحس المرء ضعفه أمام القضاء، حتى يخيل له كأن القضاء يبرز له وجهه في ~~الفضاء، ويسخر منه ويهزأ به ضاحكا؛ فيكاد المرء من غيظه يلقمه الحجر ms28 . ثم يعاود نفسه فيقول: ~~ينبغي لي أن أتشجع وأن لا أيأس، وأن أعزم عزما أعظم من العزم الأول. فيعزم ويريد، ولكن ~~شيطانا يفيق في نفسه ويتثاءب ويتمطى فيها، ثم يرقص فيه رقص المجنون أو رقص الزنوج، فيرى ~~المرء نفسه غريقا في تيار المقادير، الذي يقذف به إلى الشقاء. ثم يخطر له خاطر الانتحار، ~~فيقول: الانتحار سلاح أحارب به القضاء، وأمنعه به من أن ينال مأربه عندي! ولكن قدرة المرء ~~على التخلص من الحياة تسليه عن كثير من همومها، وتساعده على تحملها، فإنه يقول لنفسه: تشجعي ~~يا نفس، فإذا اشتدت بك الهموم أطلقتك من إسارك! فإذا اشتدت به الهموم ناجى نفسه قائلا: قد ~~اشتدت بك الهموم، ولكن بعد العسر يسرا، والحياة حلوة والموت مر مجهول، فلا بأس من تحمل ~~الهموم، ما دامت للحياة حلاوة، ولكن إذا اشتدت بك الهموم بعد اليوم، أطلقتك من ~~إسارك! # هكذا يخادع المرء نفسه، ويعللها طول حياته؛ كي لا تتأذى بمرارتها. فإن المرء لا يقدر على ~~الانتحار متى شاء، فإنه قد يريد الانتحار ولكنه يعجز عنه، بالرغم من شدة همومه ~~وآلامه. # ثم إنك تجد أناسا ينتحرون لأسباب تافهة، مثل وجع الضرس أو فشل في أمر يحاوله، أو موت ~~قريب، أو ضياع شيء عزيز ... ولكنك إذا تأملت علمت أن هذه الأسباب ليست أساس انتحارهم، وإنما ~~هي حوادث يقع فيها الانتحار. أما سبب انتحارهم فهو تغلب رغبتهم في الموت على رغبتهم في ~~الحياة. وكره الحياة الذي يدعو إلى الانتحار ليس مما يتهيأ لكل إنسان، ولا يكون نصيب المرء ~~منه على قدر مصائبه، بل هو دافع لا يملك المرء له دافعا حتى ولو كانت تظلله غصون النعيم ~~وثماره وأزهاره. وليس من سبب لبغض المنتحرين وانتقاصهم إلا حب الأحياء أنفسهم، وخوفهم من ~~الموت. # لقد حاولت مرات أن أنتحر فرارا من سلطان القضاء، فأخذت سكينا وأدنيتها من صدري، ثم قدرت ~~مكان القلب وقلت: هنا ينبغي أن أضرب نفسي الضربة القاضية، فلم تهن علي نفسي، فقلت: الليلة ~~الآتية أفعل ذلك، ولما أتت تلك ms29 الليلة أرجأت الانتحار إلى ليلة أخرى، حتى أفكر في طرق ~~الانتحار، وأختار منها واحدة. وكلما حزت بنفسي قيود الأقدار وحاولت أمرا فيه خيري تمنعني ~~عنه الأقدار وتدفعني عنه إلى ما فيه ضري، عاودني خاطر الانتحار، ثم أتناساه بالملاهي ~~والغفلة والتغابي والتبلد. ويل للإنسان يخضع لسلطان القضاء حتى في رغبته في التخلص من ~~الحياة! # إن الحياة حلوة بالرغم من مرارتها. نعم إن حلاوتها لا تنسي المرء مرارتها، ولكن مرارتها ~~أيضا لا تنسيه حلاوتها، على أن المرارة تغطي على الحلاوة وتفسدها وتمر طعمها، ولكن ~~الحلاوة لا تصلح طعم المرارة، وإن كانت تكسر من غضاضتها. # | العجب واليأس # لا تطلب من الناس الكمال فتيأس منهم، وتضيع ثقتك بهم، وتمل من أجل ذلك الحياة، فإن ~~طلبك الكمال من الناس ضرب من الغرور وحب النفس والعجب، فإنما تطلب منهم ذلك الكمال لتنتفع ~~به. # لقد كنت في صغري كثير الثقة بالناس، كثير المودة لهم؛ ولربما كان ذلك سبب قلة ثقتي بهم ~~الآن. كنت آتي إليهم وأظهر لهم الثقة بهم فيظهرون الحذر مني. كنت أدور على بيوتهم أستجدي ~~قليلا من الإخاء فلا أجده لديهم. كنت «دون كيشوت» صغيرا يطلب من الناس الكمال، ولكني لم ~~يكن عندي صبر «دون كيشوت» وأمله وعزمه. ولا غرابة في جزعي حين رأيت أن الناس ليسوا عند ما ~~ظننت فيهم من الكمال، فإن من أعمته ثقته بالناس عن عيوبهم، لا بد أن تعميه التجارب عن ~~حسناتهم. ومن أجل ذلك صرت إذا رأيت من إخواني مللا حسبته غاية الغدر، وإذا رأيت منهم خدعة ~~حسبتها غاية النفاق واللؤم، وإذا رأيت منهم جفوة حسبتها غاية البغض. ومما زاد امتعاضي منهم ~~أني لم أفطن إلى ما في نفسي من الغرور والأنانية، ولم أعرف أن في غروري وأنانيتي عذرا ~~للناس على ما في نفوسهم من أمثال هذه الصفات. # إن إعجاب المرء بنفسه لا بأس به إذا أغراه بالمحامد وزجره عن المقابح، ولكنه إذا عظم ~~واشتد كان سبب شقائه؛ لأنه يريد أن يحمل الناس على أن يكون في كل كلمة ms30 يقولونها أو عمل ~~يعملونه ما يرضي إعجابه بنفسه، وهذا لا يستقيم له؛ فيحزن وييأس، ولا ينتفع به طول حياته ولا ~~ينتفع هو بحياته. # | الكذب # ينبغي لك أن توطن نفسك على أن كل الناس كاذب، من الأمير إلى سائق الحمير، فاتخذ لنفسك عدة ~~تنفي بها ما قد يجلبه لك كذبهم من الشر. ولا تنس أن المرء مهما كان واسع الجاه معظما، أو ~~كثير التقوى والصلاح، لا يأنف من استخدام الكذب في مآربه؛ لأن الكذب سهل المخرج، يخرج من ~~الفم كالبصاق، ولولا ما يخشاه المرء من عاقبة الفضيحة إذا ظهر كذبه؛ لكانت حياته كلها كذبة ~~كبيرة مستطيلة. والحياة عند كثير من الناس مثل هذه الكذبة. وبعض الناس يشوب كذبه بشيء من ~~الصدق؛ ليكون أسير في الأفواه، وهذا أخبث الكذب وأشده إيلاما وأوسعه ضررا، ثم يحسب أنه ~~صنع الخير والإحسان والبر بأن لم يكذب الكذب كله، ويعلم أن شوب الكذب بشيء من الصدق أبلغ في ~~الكذب. # والكذب هو الطعام الذي يتغذى به الإنسان، والشراب الذي يروي به ظمأه، والهواء الذي ينشقه، ~~والسماء التي تظله، والأرض التي تحمله، فليس له غنى عنه في كل لحظة من حياته. فالإنسان ~~حيوان كاذب ثرثار، والناس يزينون كلامهم بشيء من الكذب، إما بثلث أو بربع أو بثمن. والحق ~~الذي بالباطل أسير من الحق المحض. والصدق المشوب بالكذب كالدنانير التي يشاب معدنها ~~النفيس بمعدن خسيس؛ كي لا يبريها لمس الأيدي. وكلما كانت الأمة أقرب عهدا بالجهل والظلم، ~~وأوفر منهما نصيبا، كانت أوفر نصيبا من الكذب، فالجاهل كثير الكذب؛ لأنه لا يعرف أن ~~مقادير الكلام تعين قيمته من صدق أو كذب، والمغلوب على أمره يكثر من الكذب؛ كي يتجنب بوادر ~~المستبد. # يكذب الناس أحيانا وهم يعرفون أنهم كاذبون، وأحيانا يكذبون وهم لا يعرفون أنهم كاذبون. ~~والمغالاة باب إلى الكذب، أعرف رجلا يتعمد الكذب، ثم يخادع نفسه حتى يعتقد أن كذبه صدق لا ~~شك فيه، وأكثر الناس مثل هذا الرجل، ولكنهم لا يشعرون. # إني قليل الكذب؛ لأن الكذب يوقفني مواقف تخجلني ms31 وتؤلمني، فإن ذا الشعور الشديد يكره أن ~~يأتي الكذب خشية الفضيحة؛ فيصير ضحكة إذا عرف كذبه، فتهتاج لواعجه من سخر الناس وضحكهم. ~~ولقد كذبت مرة كذبة بغضت إلي الكذب، حتى صرت لا أستخدمه الآن إلا بقدر اللازم منه، ولا ~~أرى هذا اللازم كثيرا. # أما قصة هذه الكذبة فهي أني كنت مرة أجالس جماعة من الناس، فجعلنا نتكلم في تقتير بعض ~~الأغنياء، فقال صديق: إني رأيت فلان باشا مرارا قاعدا في عربة الدرجة الثالثة من الترام. ~~ثم مضت أيام وجلسنا مجلسا آخر نتذاكر بخل الأغنياء، فقلت: إني رأيت فلان باشا مرارا ~~قاعدا في عربة الدرجة الثالثة من الترام! ومن الغريب أني وجهت كلامي إلى الصديق الذي قال ~~هذه الكلمة في مجلسنا السابق؛ فتبسم، وخجلت خجلا شديدا. وأكره الغش أيضا وأبغض إتيانه؛ ~~لأن انكشافه مؤلم. أذكر أني مرة حاولت الغش في امتحان مدرستي فوضعت المذكرة في ثيابي، ثم ~~أردت أن أخرجها وقت الامتحان، ولكن خجلت حينما وضعت يدي في ثوبي لإخراجها، واحمر وجهي حتى ~~صار كالجمرة، وخفت أن يرى المراقب خجلي فيعرف سببه؛ فتركت المذكرة في ثيابي ولم ~~أستخدمها. # | الخوف والوهم # إن للخيال تأثيرا كبيرا في الحياة، سواء النوم واليقظة، فالإنسان محكوم بخياله في آرائه ~~وخواطر باله ومساعيه وآماله، وما يزعم من الحقائق وفي معاملته الناس. ومن أجل ذلك كنت أتهم ~~رأيي فيعود اتهامه بالوبال؛ إذ يدعو إلى التردد والإحجام عن المضي فيما يحاول الإنسان عمله. ~~والخيال يشرك المرء في عواطف الناس وحالاتهم؛ مما يدعو إلى التعاطف والتفاهم، ولكنه يخلق من ~~الصغيرة كبيرة ومن الكبيرة صغيرة. والخيال جنة الأحلام وجحيمها، ألسنا نمضي الحياة بين ~~أحلام النوم وأحلام اليقظة، بين أزاهير الأحلام وأشواكها، وبين ملائكة الأحلام وشياطينها؟ ~~فتارة أحس كأني نقلت إلى وجود غير هذا الوجود، إلى حيث الهواء شذا والماء عطر، والناس من ~~الحسن والفضل في الكمال، فيخيل لي كأني: # أكاد أرى الفردوس خضرا غصونه # فليت مقاما في الجنان مقامي # وأبصر فيها الضوء لا ضوء مثله # له بهجة في زهرها المتسامي # وأسمع ms32 منها الطير تشدو فأنثني # وقلبي من ذكري الفرادس دامي # فيا حلم الفردوس حبك ذكرة # لأيام عيش في الجنان وسام # ففي بعض الأحايين أرى في اليقظة أحلاما لا أقدر على وصفها من فرط جمالها، ولكني في بعض ~~الأحايين أرى أحلاما سوداء من أحلام اليأس والأسى، فأخشى كل مصائب الحياة التي يمكن أن ~~يصورها الخيال في صحائفه ذات الألوان الكثيرة المختلفة، وأتوقعها وأحسها وأتألم منها مثلما ~~أتألم منها لو أنها وقعت بي. فأخشى الكهرباء في السحاب، وفي عرباتها، وما ركبت عربة منها ~~إلا خشيت انكسارها. وأخشى أخطار السكك الحديدية في الأسفار، وأخشى الحريق كل ليلة أو نهار، ~~وأخشى وقوع المنازل أو سقوط شيء من نوافذها إذا كنت بين المارة. وأخشى الكلب الكلب، ~~وأخشى الحشرات مثل الثعابين والعقارب، وأخشى الفئران والصراصير. وأخشى البرق أن يصيب عيني ~~بأذى، وأخشى اللصوص على عدمي، وأخشى الحاجة والفقر المترب، وأخشى العمى، وأخشى الجنون، ~~وأخشى الأوجاع والأمراض. وأخشى الموت ولا سيما الموت المؤلم، وأخشى الحياة وما قد تأتي به ~~من الأحزان والمصائب، وأخشى البرص، وأخشى الطاعون. وأتوقع كل المصائب والأضرار وأتألم منها ~~كأنها قد حلت بي جميعها. وهذا التألم من جنون الخوف الذي سببه الخيال. ومن أجل ذلك كان من ~~رحمة الله أن الخيال في الجمهور من الناس كالنسر الحبيس لا يبلغ الشمس ولا يفترس ~~الطير. # | سوء الظن # إني أسيء الظن بكل شيء، سواء الحميد والذميم. فلا غرو إذا رأيت في الضياء ظلاما ورأيت ~~في سواده ما يخلقه سوء الظن من الأوهام التي هي كخيالات الشياطين في ظلام الليل. ومن بلغ به ~~سوء الظن هذا المبلغ يسمع همس شياطينه في أذنه، فإذا تلفت إلى يمينه وجد سوء الظن يهمس في ~~أذنه اليمنى، وإذا تلفت إلى يساره وجد سوء الظن يهمس في أذنه اليسرى. ومن العجيب أن هذه ~~الشياطين التي يخلقها سوء الظن لا تخفي قبحها لتخدعنا، بل تظهر قبحها في حركات وجهها ~~وجسمها. هذه الشياطين هي الخواطر التي يهيجها سوء الظن، تمرح في ظلامه كما يمرح الوطواط في ms33 ~~الظلام، وتؤدي بالمرء إلى الجنون. نعم، فإني قد عانيت من أجلها الجنون، وجرعت كأسه المرة ~~وبلغت أعماقه. ولا أعني جنون من لا يحس جنونه، بل أعني جنون من يحس جنونه، ويفكر فيه ويعرف ~~أسبابه ونتائجه، ذلك الجنون الذي لا ينسي المرء الذكر والأماني. # على أني لا أقول إن سوء الظن كاذب أبدا، إذا كان في الكون حق، فالحق ما يسيء ظنك بالناس؛ ~~فإنهم خليقون بأن تسيء بهم الظن. ولكن ينبغي أن تسيء ظنك بنفسك، كما تسيء الظن بالناس، ~~أليست نفسك من نفوس الناس؟ ومن أجل ذلك كنت أحيانا أسيء ظني ببعض الناس، ثم أسيء ظني ~~بنفسي، وأتهمها في ظنها، ثم أسيء ظني بالشيء الذي جعلني أتهمها بسوء الظن ... وهكذا، لا حد ~~ولا نهاية لسوء الظن. # إني أسيء الظن بالناس؛ لأن في كل عمل يعملونه من الأعمال - حتى الحميد منها - شيئا من ~~اللؤم والدناءة. وقد بلغ بي سوء ظني أني ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يذكراني ~~بسوء، فأنا من الذين يصدق فيهم قول بشار بن برد: # يروعه السرار بكل شيء # مخافة أن يكون به السرار # وكذلك ما رأيت أحدا ينظر إلي إلا حسبت أنه يحدث نفسه عني بسوء. وإني لأسيء ظني الآن ~~بمن سيقرأ هذا الكتاب، وأزعم أنه سيحدث نفسه قائلا: لو لم يكن مظنة السوء لما خيل له أن ~~الناس تسيء به الظن. ولكن هذا القول ليس من المنطق في شيء، وإن كان معقولا جائزا، ولكن ~~يصح أيضا أن يكون باعث المرء إلى سوء الظن لؤم الناس قاطبة، وليس لؤم نفسه إلا جزءا ~~صغيرا من لؤم الناس. وما رأيت أحدا ينظر في ثيابي إلا حسبته رأى فيها شيئا خفي عني. وما ~~رأيت أحدا ينظر في وجهي إلا حسبته رأى فيه شيئا قذرا. وما رأيت أحدا عابسا إلا حسبته ~~يعبس من أجلي بغضا أو حقدا. وما رأيت أحدا باسما إلا حسبته يسخر مني ويهزأ بي. وما ~~سمعت ضحكا لم أعرف سببه إلا خجلت خجلا شديدا، وحسبتني غرضا لذلك الضحك ms34 أرمى به. ومن أجل ~~ذلك صرت أعبس في وجه كل من يبسم في وجهي من الناس، إلا من عرفت سبب ابتسامه. وأحيانا أعرف ~~سبب ابتسامه فلا يمنعني ذلك من إساءة الظن به، فأحسب أنه يظهر غير ما يخفي من سبب ضحكه، ~~وأنه إنما يفعل ذلك مكرا وسخرا. وإني أعتمد كثيرا على حسن رأي الناس في بالرغم من سوء ~~ظني. وأنا أعرف أن سوء ظن الناس بي مثل سوء ظني بهم، ولكن معرفتي ذلك لا تمنعني من الاعتماد ~~على حسن رأيهم، فلا أبرر أعمالي لديهم اعتمادا على حسن ظنهم ورغبتهم في تبرير أعمال ~~الناس. # وإذا أتيت زلة لم أعتذر؛ اعتمادا على كرم الناس وميلهم إلى غفران الزلات، وأنا أعرف أنهم ~~ليس عندهم شيء من كرم النفس. والناس تعد هذا الاعتماد على حسن ظنهم وكرم نفسهم وقاحة ~~وكبرا، كأن صاحب الزلة لا يعبأ بهم، وهذا يزيد نفورهم منه، ولست ألومهم في ذلك، فإني ~~مثلهم، فويل لمن يعتمد على حسن ظني به! # على أني في بعض الأحايين أكره من الصديق أن لا يعتمد على حسن ظني به، ولا ريب في أن هذه ~~مناقضة لتلك، ولكن النفس كلها تناقض. # | الفزع من التهم # الفزع من التهم ضرب من سوء الظن والجبن، لقد رأيت في الحلم البارحة أني اتهمت كذبا ~~بإتيان جريمة، ولم يكن عندي ما أدفع به التهمة من الأدلة والشواهد، وصرت أصيح أمام القاضي ~~وأقول: أنا بريء، والقاضي يهز رأسه ولا يصدقني، والشاهد الكاذب يبتسم ابتساما خبيثا، ثم ~~رأيت بعد ذلك، أني أساق للسجن والإعدام. إنه لحلم يفزع ذكره فلا أقدر أن أصفه، غير أني قد ~~استفدت منه أني أحسست ما يكون عليه المتهم البريء المحكوم عليه بالإعدام من اليأس، فيرى أن ~~العدل حلم يغر ويخدع، وأنه خيال جميل تلتمسه اليد فلا تناله. وأحيانا أحس في اليقظة أيضا ~~ما يحسه المتهم البريء، فأحسب أن العدل حلم يغر، وأن الفضيلة خيال جميل. # أي الناس لم يتهم وهو بريء في زمن من أزمان الحياة! إني لأذكر ms35 أني اتهمت زورا ~~وبهتانا في أيام صغري بسرقة علبة من علب الحلوى، ولا أزال أذكر ما نالني من الفزع أن تكون ~~الحياة كلها تهم باطلة. ثم سهرت ليلي أبكي وأنتحب من كذب الناس وتهمهم. ألم تتهم أيها ~~القارئ «باطلا» في أيام صغرك بسرقة قطعة من السكر، أو بكسر إناء زخرف، أو بأمثال ذلك من ~~التهم؟ إذن فكيف تتقي أن تتهم غدا باطلا بإتيان أفظع الجرائم وأعظمها؟! # على أنه من جنون اليأس والفزع والجبن توقع ما لم يحدث بعد من المصائب، وقتل النفس بهذا ~~التوقع. فكن كأنك قد ألفت من الناس الكذب والاتهام بالباطل، فلا تعبأ به إذا استطعت إلى ذلك ~~سبيلا، واجعل لك من صبرك جنة تتقي بها الناس، وخذ بقول ابن الرومي: # طامن حشاك فإن دهرك موقع # بك ما تخاف من الأمور وتحذر # فإن قلة الصبر وكثرة الضجر تنأى بالمرء عن كثير من عظائم الأمور وجليلاتها؛ لأن المطلب ~~الجليل والحياة العظيمة تستلزم الصبر، وليس الصبر أن يجهل المرء ما هو فيه أو ما يتوقعه من ~~الضر وأن لا يحسه، بل الصبر أن يعرفه ويحسه، ثم يجد من عظم نفسه ورجولته ما يغريه ~~بالطمأنينة والسكينة، فما أحقر من لا صبر له وما أذله! # قال صديق: عرفت حلاقا بطيئا، فكنت أذهب إليه إذا طال شعري كي أتعلم على يديه الصبر، ~~ولكني وجدت أنه يزيدني من قلة الصبر. # إنه لمن سخر القضاء أن يعرف المرء الداء، ولكن لا يجد إلى الدواء سبيلا. # | الحذر # الحذر أساس الحزم، والحزم من لوازم الحياة الهادئة المطمئنة، ولكنه إذا عظم أتلف طعم ~~الحياة. # إن الحذر مقرون بسوء الظن، وبقدر إساءة ظني يكون حذري، إني ما ركبت عربة ولا دخلت دكانا ~~لأشتري منه شيئا، ولا جلست في حانة، إلا وضعت يدي على صرة الدراهم؛ مخافة أن تكون قد سرقت ~~مني فلا أجدها عند الحاجة. # إن شدة الحذر قد بغضت إلي القدر اللازم منه؛ لأن من كان شديد الحذر كثر خوفه ~~وجبنه، فكأنما قلبه جناح طائر من كثرة الخفقان ms36 . ومن أجل ذلك أطفر الطفرة أحيانا؛ هربا من ~~الحذر، فأقع في ضده في التعرض للخطر. كما أني أمل الحياء الشديد وأبغضه، فأجتهد أن أتخلص ~~منه؛ فأقع في ضده في الوقاحة. ومن أجل ذلك صار بعض من يراني في تلك الحالات النادرة، يحسب ~~أني كثير التعرض للخطر قليل الحياء، وهذا خلاف الصواب. # وهذا الحذر الشديد الذي أعانيه جعلني أحس اندفاعا إلى الأخطار، كما أن من يطل على الحضيض ~~الأوهد من المكان العالي يحس اندفاعا إلى الحضيض. وأحيانا أنظر إلى الأخطار كما ينظر ~~الجرذ الكثير الخوف إلى عين القط؛ فيبلده الخوف فلا يتحرك، ثم يجمد دمه ويسكن خفقان قلبه ~~فيموت. # على أن للخوف مزية، فإنه يثير القوى الكامنة في نفس المرء، حتى كأنه يخلق له روحا ~~جديدة. أذكر أني خرجت مرة من المدرسة وأنا تلميذ صغير مع رفقة من التلاميذ، فمررنا برجل من ~~أهل الصعيد ضخم طويل، مفتول الذراع، عليه مظاهر القوة، فرأيناه قاعدا لحاجة، فأخذ أحدنا ~~حجرا ورماه به؛ فأصابه في أسفل ظهره، فقام الرجل يعوي، وأخذ عصاه الغليظة وصار يعدو وراءنا ~~ونحن نعدو أمامه هربا. وكان أصحابي كلهم خفاف الأجسام، معروفين بالحركة والعدو، ولم يكن ~~خوفهم إلى علي؛ لأني كنت معروفا ببطء الحركة. ولكني صرت أعدو لا أتلفت إلى أحد، حتى قطعت ~~نصف المدينة عدوا. ثم نظرت إلى ما ورائي فعلمت أني سبقت إخواني كلهم، ورأيتهم ورائي في تعب ~~وهم يعدون والصعيدي وراءهم يعدو رافعا عصاه، فوالله ما استرحت من العدو حتى بلغت منزلي! ~~ومن ذلك اليوم صرت معروفا عند التلاميذ بسرعة العدو، حتى إن الواحد منهم كان يخشى أن ~~يجاريني فأسبقه. # | الخوف والرحمة # إني لأستحيي أن أجود بشيء أمام الناس، ولا أعرف لذلك الخجل من الفضيلة سببا، هل هو خشية ~~أن ينسب الناس الجود إلى الرياء، أو الضعف أو الجبن أو الكبر؟ وما يدريني! ربما كانت الخصلة ~~نوعا من البخل. # أذكر أني مررت مرة برجل مقعد ضعيف أبرص يستجدي، فكاد قلبي يتقطع من الإشفاق والرحمة، ~~وأردت أن أبر الرجل ms37 بشيء، ولكن الحياء الكاذب وضعف العزيمة حالا بيني وبين ما أردت. فلما ~~رأى الرجل ميلي إلى أن أجود له بشيء جعل يلح علي في السؤال، وأنا بين دافع الرحمة ودافع ~~الخوف أن يلحقني مثل سوء حاله يوما، فقلت للرجل: أف لك يا تعس! ماذا رأيت في الحياة حتى ~~رضيت بها وغبنت نفسك؟ وماذا ترجي من الحياة وأنت مقعد أبرص ينتهرك الناس كما ينتهرون ~~الكلاب؟ ماذا تخشى من الموت؟ هلا أبقت من هذه الحياة، أليس الانتحار خيرا لك وأبر بك؟ ~~أليس خوفك من الموت وتعلقك بالحياة مما يجعلك أهلا للشقاء والانتهار؟ فلما سمع الرجل مني ~~تلك الكلمة القاسية نظر إلي نظرة حادة لم أفهم معناها، ثم تركني وأبقى في قلبي حسرة، ولم ~~يفه بكلمة. وبودي لو فسر لي معنى تلك النظرة! فقد كان يكون تفسيره بحثا في النفس ودرسا ~~من دروس الحياة. # وأذكر أني مررت مرة بعجوز يرتعش جسمها من الضعف، فأردت أن أجود لها بشيء، ولكن لا أعرف ما ~~الذي منعني من البر، فتركتها وأنا أقول: ما أهون قيمة الحياة وأبخسها! وما ألأم الإنسان! ~~وكم في الوجود مثل هذه المرأة من البؤساء والبائسين ومن هم أتعس منها، إذا صح أن تكون أعظم ~~من تعاستها تعاسة! ثم كاد قلبي يتمزق وجعلت أضرب رأسي بيدي، فلما اشتد بي ذلك جعلت أبحث عن ~~العجوز حتى وجدتها وأعطيتها ... نصف قرش! ولا تعجب أيها القارئ من صغر العطاء، فإن الناس ~~يمحون توبيخ ضمائرهم بأقل من ذلك؛ بمليم، أو بكلمة طيبة أو ابتسامة، أليس بر أكثر الناس ~~تخديرا لضمائرهم وتسكينا لوخزها؟! فليس جودهم إلا خوف عاقبة ما بدر منهم من الشر، وليست ~~رحمتهم إلا خوفا أن يصيبهم ما يصيب المسكين الذي يرونه من السوء. ومن أجل ذلك كنت لا أجد ~~فيما أحسن من الرحمة فخرا، فإن الرحمة ناشئة من خوف المرء وقع الشر، والجود من المنعشات ~~التي تزيل عنه حمى الندم والحزن واتهام النفس، وتعده لاستئناف الحياة وشرورها، من دناءة ~~وقسوة وغدر ونفاق. # هيهات لا يرحم ms38 المسكين ذو ترف # منعم البال لا يؤذيه حدثان # لولا المصائب والآلام قاطبة # ما كان في الناس إشفاق وإحسان # | داء الضمير # إن توزيع الضمائر بين الناس فيه غبن وظلم مثل توزيع المال، فلو كان نصيب المرء من وخز ~~الضمير على قدر نصيبه من الآثام لهان الأمر قليلا، ولكن نصيب المرء من وخز الضمير يكون على ~~قدر رقة شعوره وأعصابه، لا على قدر ذنوبه. وقد يشتد وخز الضمير حتى يصير داء، وحتى يؤنب ~~المرء على ما لم يجنه. وقد يليح له بمحامده كأنها رذائل، ثم يؤنبه عليها، وقد يؤنبه على ما ~~جناه غيره من الناس. وأنا من الناس الذين أصيبوا بداء الضمير، فأحيانا أحس وخزه في الرأس ~~والقلب، فتخور قواي وتخدر أعصابي، وأحس يأسا لا حد له، وأرى الدنيا مظلمة، فأود لو أتخلص ~~من ذلك العدو الذي ينهش قلبي، ولكن أذكر قول العباس بن الأحنف: # كيف خلاصي من عدوي إذا # كان عدوي بين أضلاعي # وكما أن الضمير قد يشتد وخزه حتى يصير داء، كذلك الرحمة قد تشتد حتى تصير داء. ومن العجيب ~~أن المرء في هذه الحال لا يقدر أن يعين من تقع عليهم رحمته، بل يحس انقباضا - إذا رآهم - ~~فيه شيء من المقت! ولقد كنت أعجب من هذا الشعور، ولكني أظن أن باعثه هو أن تألم المرء من ~~رؤية آثار الشقاء أكثر من تألمه لمن أصابهم الشقاء، فيحسب هذا التألم من آثار الشقاء فضيلة، ~~وما هو بفضيلة، ويراه ضربا من الجود والبر، وما هو بر، بل هو مثل تألم المرء من شم الرائحة ~~الكريهة، أو رؤية الشيء القبيح. # كنت وفئة من أصدقائي في مكان، نأكل ونشرب ونضحك، وعندنا غناء وجمال. وبينا أقهقه من ~~السكر، تلفت فرأيت فتاة تستجدي، قد نال منها السل وأنهكتها الحمى، ولها منظر تنقبض منه ~~النفس، فلم أقدر أن أتم الضحك، بل وقف الهواء في حلقي كأنه الغصة واشتد خفقان قلبي، ثم صرخت ~~قائلا: أمن القدر المحتوم أن لا ننال ما نحن فيه من اللذة إلا ممزوجا بالتألم ms39 لما نراه من ~~بؤس هذه الفتاة وشقائها؟! ثم جرعت كأسا من الخمر؛ كي أغرق فيها آلامي، وصرت أتأوه بصوت ~~عال: وكيف تغرق الخمر الآلام وهي خميرة الآلام؟! ثم قمت أسير كالمجنون، وأصابتني من الآلام ~~والتعاسة أضعاف ما أصبت من لذة الخمر. وربما كان هذا التألم الشديد من رؤية آثار الشقاء ~~غاية الجبن أو جنون الجبن. # | المجرمون والأبرياء # يحسب كثير ممن لم يتعود التفكير أن الناس منقسمون بفطرتهم إلى قسمين: فهم إما مجرمون وإما ~~أبرياء، وهذا نظر فاسد، فإن في نفس القديس جرثومة الإجرام، كما أن في نفس الشرير بذور ~~الطهارة والجلال. فإن في روح المرء شرا لا حد له، وخيرا لا حد له. # وكما أن الروح معبد يحله الله وينيره بنوره، فهي أيضا مغارة إبليس التي ينيرها بناره. أي ~~الناس لم تخطر بباله خواطر الإجرام، ولم يفزع مما يتحرك في نفسه من حشرات الشر؟! ونحن نعرف ~~استحالة براءة النفس، اللهم إلا من كان متغافلا عن نفسه، فلا يفهم هواجسها ولا يقدر أن ~~يحكم على أعماله، وأن يعرف كنهها. لقد مرت بي ساعات كنت أحس فيها تلك اللذة التي تدفع المرء ~~إلى الشر، فإن الجريمة مثل السراب اللامع، والحياة كالصحراء القاتلة الحرارة، والمرء فيها ~~كالمصحر الظمآن يليح له سراب الشر بضيائه، فيريد أن يروي ظمأه، وينقع غلته، ولكن لا يزيده ~~السراب إلا عطشا. وكنت أرتعد كلما قادني التفكير إلى معرفة محتملات الحياة وأطوارها، ~~والروح وتقلباتها وأحوالها، فإن الروح البشرية تخيف المفكر وتفزعه. # أنا اليوم بريء، ولكن ما يدريني؟! ربما كنت في غد مجرما، وربما تحركت عوامل الشر التي في ~~نفسي. إن قلبي يكاد يتقطع كلما فكرت في أمر هذه النفس؛ فتسيل الدموع حزنا وفزعا، فيصيب ~~يدي من بلل الدموع، وأضعها أمام عيني كي أرى ما بها من ذلك البلل، فتعروني الحيرة والدهشة، ~~وأقول: ما أخس الإنسان! وما ألأم الحياة! # وكنت أشفق على المجرمين وأملأ لهم قلبي رحمة، حتى لو أصابني أحدهم بسوء لما أشفقت على ~~نفسي أكثر من إشفاقي عليهم في ms40 تلك الساعة؛ فإنه لا يحزنني في الحياة شيء مثل رؤية آثار ~~التعاسة التي يجلبها الإجرام للمجرمين، ويعود بها الشر على الأشرار. لقد رأيت في الحلم مرة ~~أني أتيت جريمة القتل، ثم وقفت أمام جثة المقتول، وقد أحسست دوارا وصار العرق يتصبب على ~~جسمي، وكنت أحس جريه كأنه دبيب الحشرات، وقد جمد الدم في عروقي واسودت الدنيا في عيني، ~~وكلما أردت أن أتنفس أحسست شيئا يسد مجرى النفس، وكنت أحس صوتا كأنه صوت أعصابي تتقطع، ~~فيحكي صوت تقطع أوتار العود، أو كأنه صوت سقوط نقط الماء من عل. وكنت يخيل لي كأن يدا من ~~جليد قد وضعت على ظهري. # هذه هي الأحلام التي تمكن الأديب أن يعدم شخصه في أشخاص غيره، وأن يلج إلى أرواح الناس ~~وعواطفهم، وأن يرحم المجرم كما يرحم التعيس؛ لأن تخيل عاقبة الإجرام في الحلم يجلب من ~~الآلام والتعاسة ما قرأت وصفه، فكيف يكون مبلغ تعاسة المجرم وشقائه؟! # | أمواج النفس # إني لأجد من نفسي في بعض الأحايين ارتياحا إلى السكوت التام، فيزعجني الكلام مهما قل، ~~سواء مني أو من جليس. ومن أجل نوبات السكوت التي تعتادني أكره مجالسة الناس؛ لأنهم يريدون ~~مني أن أتكلم متى شاءوا، فإذا خالفت مشيئتهم عد ذلك ذنبا لديهم. ولكن في النفس مدا ~~وجزرا؛ ومن أجل ذلك أجد ذهني في بعض الأحايين يجود بالمعاني، كما تجود الأشجار بأزهارها ~~وثمارها. وأحيانا يكون كالشجرة العاقر التي ليس لها ثمر ولا زهر، أو كالبئر التي نضب ~~ماؤها، أو كالصحراء المجدبة، فطورا يرقى بي إلى منزلة الآلهة، وطورا ينزل بي إلى منزلة ~~البهم. # ولا غرابة في ذلك، فإن المرء لا بد أن يعدل في عمره ساعات الإلهام النادرة الثمينة، بأيام ~~طويلة من أيام البلادة والغباء، فإن محامد المرء ومواهبه محسوبة عليه في حياته. ومن أجل هذا ~~المد والجزر الذي أراه في النفس؛ يخيل لي أن روح الإنسان آلة تمر عليها من الطبيعة روح ~~تحركها فتجود تلك الآلة بأنغام المعاني، ثم تركد هذه الروح فتبقى الآلة خرساء لا ms41 تجود ~~بالنغم، كذلك الأغصان تهب عليها الرياح فتئن فيها أنينها، وتطلق فيها من أنغام الحفيف ما ~~يستهوي السمع، فإذا ركدت الريح بقيت الغصون خرساء ليس بها من نغم. # | الأبد في دقيقة # آه لو أمكن أن أعيش الأبد في دقيقة واحدة، فأحس كل إحساس، وأفكر كل تفكير، وتخطر على ~~ذهني كل الخواطر، وأجتبي كل المعاني، وألتذ كل اللذات، وأتألم كل الآلام، وأحب كل الحب، ~~وأحسو كئوس العواطف، فلا أترك بها سؤرا، وأتخيل كل تخيل، وأجني ثمار الحياة في دقيقة واحدة ~~تكون أجل من الأبد، وأعظم من الخلد. لا أحسب أن نفسي ترضى بلذة غير هذه اللذة، التي تجمع ~~بين لذات الأبد وآلامه في دقيقة واحدة. # إن نفسي لتحس قيود الضرورة وتتألم منها كما يتألم الأسد المكبل، وتريد أن تصدع عنها ~~أغلالها وأن تعيش حرة، ولكنها بالرغم من ذلك، تعرف أن ذلك أمر لا يكون؛ فإنه لا يصدع عن ~~النفس قيود الطبيعة إلا الموت. # ما أروع أن تكون حياة المرء عاصفة تجتلى فيها لذات التفكير والتخيل! عاصفة تهيج ساعة ~~ملؤها اللذة والجنون، ساعة ينال المرء فيها كل ما خطر بباله، أو حن إليه قلبه أو جن به لبه، ~~ساعة تكبر فيها النفس حتى تملأ الفضاء، ساعة تفني فيها النفس لذات هذا الوجود، ثم لا تشبع ~~فتخلس لذات كل وجود، إن كان هناك وجود غير هذا الوجود. ثم لا تشبع فتخلس لذات كل وجود يمكن ~~وجوده فيما يستقبل من الزمن، ثم لا يشبعها ما تناله فتخلس لذات الفردوس، وكل فردوس يتصوره ~~الخيال. ساعة تعظم فيها النفس حتى تملأ الأبد. ساعة لا يبالي فيها المرء الأقدار والأخطار، ~~ولا الموت والفناء. ساعة تصعد فيها النفس حتى تسامر الأفلاك. ساعة يعظم فيها المرء حتى يكاد ~~يلمس النجوم قاعدا. # | جنون الأماني # آه من لي بساعة أقف فيها بين الحياة والموت، بين البقاء والفناء، تكتنفني الأقدار ~~والخطوب وأنا قوي العضد، قوي القلب، قوي النفس، قوي الإيمان بنفسي، لا أبالي الأقدار ~~والأخطار! من لي بساعة ألهو فيها بالفناء والموت ms42 ، وأسخر فيها من الحوادث والمصائب، وأهزأ ~~فيها بالسماء والأرض وما بينهما! من لي بساعة أحمل فيها روحي في يدي كالرمح أرمي بها كل ~~مرمى، وأطعن بها كل مطعن! من لي بساعة أصافح فيها الحياة بيد والحمام بيد، وأنا قوي مثل ~~الحياة، قوي مثل الممات، مستقل عن الحياة والممات، أهزأ بالحياة وأهزأ بالممات ... آه، هذه ~~أماني مجنون. # | الضاحك الباكي # إن الحياة عندي ضحكة وبكاء، فأنا كثير الضحك كثير البكاء. فتارة أضحك وأنا أبكي، وتارة ~~أبكي وأنا أضحك، وتارة أضحك وأنا حزين، يكاد ينفطر قلبي من الجوى، وتارة أبكي وأنا جذلان ~~مسرور. تارة أحس قلبي يتقطع من الحزن، فأذكر قصة مضحكة أو فكاهة لطيفة، فأضحك حتى أقهقه، ~~فإذا فرغت من القهقهة رجعت إلى ما كنت فيه من الحزن والبكاء. وتارة أكاد أطير وأرقص من ~~الجذل والفرح، فأذكر حادثا مؤلما أو قصة محزنة أو منظرا من مناظر الشقاء فأبكي بكاء ~~مرا. # إني لأبكي عند رؤية غروب الشمس، وعند شروقها، وعند رؤية الجمال المفرط. وأبكي عند قراءة ~~قصيدة مؤثرة، وعند رؤية الرسم الجميل والألحان الرقيقة. وأبكي عند الغضب، وأبكي عند الرضا، ~~وأبكي عند الفرح، وأبكي عند الحزن. وأبكي عند سماع قصة مؤثرة، أو رؤية منظر من مناظر ~~الشقاء، أو منظر من مناظر الجلال والروعة. # غير أني أجتهد أن أخفي دموعي بالضحك أو السخر أو الهزل والفكاهة. إن بي شيئا كثيرا من ~~الحزن الطبيعي، لحقني من طريق الوراثة، وزادته القراءة والتفكير. وإنه ليخيل لي أن كل أمة ~~لها روح ذات إحساس مثل أرواح الأفراد، وإن روح الأمة تلج إلى أرواح الأفراد وتبث فيها ~~أطوارها وأحوالها، فإذا صح هذا التخيل لم يكن غريبا أن في نفسي شيئا كثيرا من القلق، ~~وغيره من الصفات التي تكتسبها أرواح الأمم في حالة التغير والانتقال من أخلاق إلى أخلاق، ~~ومن صفات إلى صفات. # | عبث الفكر # إن بعض التفكير داء عياء، ففي بعض الأحايين أفكر في كل شيء وفي غير شيء، فأفكر في الطعام ~~الذي آكله، وفيما تقع عيني عليه من ms43 الأشياء، وفي الأرض التي أمشي عليها، وفي السماء التي ~~تظللني، وفي الهواء الذي أنشقه، وفي الناس الذين أراهم، وفي غير ذلك من أمور الحياة. # وكلما فكرت في شيء قادني التفكير فيه إلى التفكير في شيء غيره، حتى إذا أردت بالليل عند ~~النوم أن أوقف تيار هذا التفكير الذي ليس له جدوى ما قدرت، فيخيل لي كأن عقلي آلة فسد ~~تركيبها، وأسمع ضجيج روافعها وعجلاتها، ثم أريد أن أضع يدي على الرافعة التي توقف حركتها ~~فلا أجدها، فأتركها حتى تقف من نفسها بعد عذاب شديد. ومن أجل ذلك أحس أحيانا كأن عقلي طائر ~~يهم بالطيران فأرتاع ارتياعا شديدا. وأحيانا أحس كأنه طاحون تدور، ولكن ليس بها ~~طحين. # إن في عقلي شرها إلى التفكير، مثل شره الإنسان إلى الطعام؛ فأتمنى أن أجتني كل معنى، وأن ~~أتخيل كل خيال، وأن أفكر كل فكر، وأن أعرف كل شيء، وأن أقرأ كل كتاب في العلوم والآداب. ولا ~~تحسب أن هذا الشره يعين على الاطلاع، إنه يعوق؛ لأن الحيرة تتملكني، فلا أعرف بأي الكتب ~~أبدأ. ومن أجل هذا الشره أسرع في قراءة ما أقرؤه حتى يألم ذهني. وفي بعض الأحايين أعد ~~كل تفكير عبثا وباطلا، وأتمنى أن تكون الحياة مثل خواطر الشعراء، وما يتخيلونه من الصور ~~البديعة. # | طعم الذل # لا يعرف المرء طعم الذل، ولا يذوق مرارته حتى يهينه من هو أقوى منه، فلا يقدر أن يمحو ~~إهانته. وفي مثل تلك الحال، يصير المرء عند نفسه في منزلة الإله المعزول الذي بال عليه ~~الثعلب. فإن في كل نفس شيئا تجله وتعبده، وتتخذه إلها، ونفس المرء بخير ما دامت واثقة من ~~ذلك المعبود الذي فيها. وهو شرفها وعزتها، وعندما تفقد النفس عزتها تكون مثل الفكر الحزين ~~الذي يحزنه أنه صار لا يؤمن بمعبوده الذي كان يعبده، وأن ثقته به قد فنيت؛ فيفقد ثقته بنفسه ~~من أجل ذلك. وكذلك النفس، إذا فقدت عزتها أحزنها أنها فقدت ثقتها وإيمانها بمعبودها. # وإني لا أزال أذكر ذلك اليوم النحس الذي لطمني ms44 فيه شقي، لم يكن يدري مبلغ إساءته إلي، ~~فرفعت يدي لألطمه كما لطمني، ولكن الجبن وأخاه الحزم همسا في أذني قائلين: إنك إذا لطمته ~~لطمك مرة ثانية، وهو أقوى منك فلا تصيبه إلا ببعض ما يصيبك، فخير لك إن تتحمل اللطمة الأولى ~~أن تنجو سليما. فوقعت يدي إلى جانبي، وأحسست أن روحي قد سلبت أجل شيء فيها، فنظرت إلى ~~ما بين قدمي لأرى ما سقط منها من العزة والأنفة والشجاعة. ثم أحسست كأن عظامي قد احترقت، ~~ولم يبق إلا رمادها، وخارت قواي. وعرتني حيرة وشككت في الحياة، فجعلت أعدو من الغيظ وقد ~~اسودت الدنيا في عيني، وجعلت أنظر إلى المارين وهم ينظرون إلي فأرميهم بلحاظ المقت ~~والكره؛ لأني كنت أحسبهم يسخرون بي ويعرفون ما حدث لي، ويفهمون سر روحي التي قد أهينت، ولم ~~تعد تصلح للحياة. ثم وقفت على غدير وهممت أن أرمي بنفسي فيه، لكني هزئت بنفسي وسخرت منها، ~~تلك النفس التي تفر من اللطام إلى الحمام. # ثم ذهبت إلى البيت وأنا أرتعد، وقد جحظت عيناي وملأ الغل قلبي فارتميت على الفراش وجعلت ~~أتلوى وأتقلب. وخطر لي أن أتأبط سكينا أو مسدسا، وأن أنتقم من ذلك الشقي الذي أهانني ~~فأقتله. ولكن الحزم والجبن - وهما سميراي ونصيحاي - ألاحا لي بالقضاء والمحاكم، فجعلت أقرض ~~أسناني من الغيظ، حتى تكسر بعضها، وكنت في حالة من حالات الجنون. وما زلت كذلك، حتى أنهكني ~~الغيظ والغل فنمت إلى الصباح، ثم قمت متثاقلا قيام المخمور من خماره، ولم يزل بي أثر من ~~نشوة الغيظ والحقد. # وهذا الجبن من تأثير التربية والوسط الذي نعيش فيه، فقد ثبت في نفوسنا أن الحزم والجبن ~~خير من الإقدام والخطر! ألم يكن أصلح لنفسي أن آخذ بتلابيب ذلك الرجل وأن ألاطمه؟ وماذا ~~علي لو أوجعني ضربه أكثر مما أوجعه ضربي؟ أكان يؤلمني أكثر من ألم الذل؟ أليست الآلام مع ~~العزة خير من الدعة والحزم والصبر والتوقي والجبن والذل؟ إن التربية تجني على أكثرنا ~~وتعودنا الجبن والذل والاستكانة، وكان ينبغي أن ms45 تعودنا أن لا نبالي الأخطار، وأن نهزأ بها، ~~وأن نضع عزة النفس فوق كل ذلك. # لقد جرى بيني وبين رجل من الناس خلاف بعد حدوث هذه القصة، فأردت أن أطبق هذه الفكرة ~~الجديدة؛ فكرة الاعتزاز بعزة النفس. فلما احتد الجدال بيننا وخفت أن يبدأ اللطام بدأته به ~~كما تفعل الأمم المتحاربة؛ فإن المبادرة نصف الظفر. فبادرته بلطمة بين عينيه، وكنت أريد أن ~~يخر مغشيا عليه منها، ولكني خفت أن أفقأ عينه أو أن أصيب أحد أعضاء وجهه بتلف دائم، أو أن ~~تكون ضربتي هي الضربة القاضية عليه التي تودي بحياته؛ فتعود بالطامة وبالعقاب الشديد. كل ~~هذه الخواطر جالت بذهني عندما مددت يدي لألطمه؛ ومن أجل ذلك لم يكن وقع اللطمة عليه شديدا. ~~فمد إلي يده باللطام، ولكن يخيل لي أنه لم يخش ما خشيت من العقاب، وإنما استنتجت ذلك من ~~وقع لطماته، فانصرفت بأنف مهشم وعين سوداء حمراء زرقاء كأنها قوس قزح! # على أني بالرغم من شدة المقت والكره الذي أعالجه إذا أساء إلي مسيء، لا أقدر أن أحمل ~~الحقد مدة طويلة؛ لأنه يورثني التعب الشديد، ومن أجل ذلك صرت قليل الانتقام لنفسي من إساءة ~~نالني بها مسيء. وربما كان سبب ذلك ضعف الإرادة؛ فإني لا أنسى إساءة مهما مر عليها من ~~الزمن، ولكني أذكرها إذا أذكرنيها شيء، فإذا تناسيتها لا أمقت من نالني بها حتى يذكرنيها ~~شيء آخر. وفي أثناء ذلك قد يكون ذلك المسيء عزيزا لدي، فإذا ذكرتها تألمت منها مهما قدم ~~عهدها، ووددت لو أعاقب عليها من نالني بها حتى أخشى عليه بوادر غضبي وفتكي. ولكني أسخر من ~~نفسي وأنشدها قول جرير: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا # أبشر بطول سلامة يا مربع! # ثم أرجع إلى نفسي فأقول: وأي نفع يرجى من الانتقام! إن العجز عن الانتقام من صفات صاحب ~~العقل الكبير والنفس العظيمة؛ فأجد تعلة وسلوانا في هذه الكلمة. غير أن الشك قد يعتورني ~~أحيانا فأقول: إن صاحب العقل الكبير والنفس العظيمة يربأ بنفسه عن الانتقام، وليس ms46 كل عجز ~~عن الانتقام دليلا على كبر العقل وسعة النفس، فإني أعرف من الحمقى والمجانين، وأهل البله ~~والغباء من لا يقدر على ذرة من الانتقام. # | سخر القضاء # ما أعجب هذه الحياة! وما أعجب تعجبي منها! على أن التعجب منها خير؛ لأني إذا لم أقدر على ~~ذلك أكون قد يئست منها، فأرى أنها لا تستحق أن يعالجها المرء. # ومن العجيب أني عوقبت كثيرا في الحياة على ما لم أجن من الذنوب، وكوفئت بالخير على ما ~~جنيت منها! أحيانا أفعل الشر فيخفى عن الناس، ويحسبون أني فعلت من الخير نقيض ذلك الشر. ~~وأحيانا أجد في عمل الخير، فيحسب الناس أني أسعى إلى الشر. وقد جلب لي فعل الخير من بغض ~~أهل الخير واتهامهم إياي قدر ما جلب لي من بغض أهل الشر. ولست أعجب من شيء عجبي ممن يثق من ~~نفسه أنه يفعل الخير، الذي يبغض المسيء أكثر من بغضه إساءته، ولا يعلم أن المرء قد يفعل ~~الشر وهو يحسب أنه خير، ويفعل الخير وهو يحسب أنه شر! # ما أعوص لغز الضمائر وأعمقه وأبعده عن المتناول! وما أذل الناس للتهم الكاذبة، والمصادر ~~الخداعة والحوادث التي تغر! أليس كل ذلك مما يجعلنا نعتقد أن الإنسان كرة في أرجل المقادير، ~~إذا عظم كانت عظمته منها، وإذا حقر كانت حقارته منها؟ وهل يمنع أهل السعي والجد والعمل ~~اعتقادهم بسلطان القضاء عن السعي والجد والعمل؟ أم هل يزع أهل الإرادة الضعيفة والكسل ~~والذل نكرانهم سلطان القضاء عن ضعف إرادتهم وكسلهم وذلهم؟ كلا فهذا أسلوب من أساليب سخر ~~القضاء. # | الإنسان والكون # ما أحقر حياة الفرد من البشر في هذا الوجود الذي ليس له حد ولا نهاية! انظر إلى هذه الأرض ~~التي تحملنا، أليست هي فلكا صغيرا من أفلاك كثيرة لا تعد ولا تحصى؟ وهذا النظام الشمسي، ~~أليس هو جزءا صغيرا من الوجود؟ أليس هو نظاما واحدا من أنظمة فلكية كثيرة؟ # إني كلما فكرت في ذلك أحسست ضآلة الإنسان وحقارته، فيصغر الناس في عيني حتى يصيروا في حجم ms47 ~~النمل أو أقل. فهب أن نملة تشكت وقع الأقدام، أليس ذلك مثل تشكي الإنسان ظلم الأقدار ~~وامتعاضه منها؟ وماذا يهم الكون أنه يتألم ويشقى؟ ألسنا نهزأ ونسخر من شكاية النمل؟ وكأني ~~بروح الوجود تهزأ بشكايتنا، وكأني بقوى الوجود تسخر منا. كلما فكرت في ذلك تملكني اليأس ~~والملل، وصغر عندي كل عظيم جليل من الناس، أو من أمور الحياة، أو من العلوم والآراء ~~والآداب، وأرى أن الحياة عبث، وأنها فكاهة غثة، فأود لو أريح نفسي من الاهتمام بما تستلزمه ~~من الأشياء الحقيرة، والأعمال الحقيرة، والمساعي الحقيرة، والقيام والقعود، والكلام ~~والسكوت، والنوم واليقظة، واليأس والأمل. فقد تمر بي ساعات أمقت فيها هذه الأشياء كلها، ~~وغيرها من أمور الحياة مقتا شديدا. وسبب ذلك كله أني أحس الحياة إحساسا شديدا وأحس ~~الأبد؛ فتصغر لدي الحياة. وأحس الأطماع الكبيرة؛ فأحتقر لها الحياة. وأرى أن المرء ينبغي ~~أن يسعى وراء المطلب الأجل الأكبر؛ فأجد كل مطالب الحياة صغيرة حقيرة. هذه تعاسة كل من ~~فكر فيما شابه الأبد من عظيم الآمال والمطالب والأعمال والمساعي. # وقد تمر بي ساعات، أحسب فيها أن رأسي مثل خلايا النحل، وأحس لذع الآراء والخواطر، وأحس ~~كأني أحمل بذور الشقاء في صدري، وأن له شجرات مرة الثمرات، تنبت في القلب، وكأني أحس ~~نموها فيه. وأحس كأن الشقاء كلب يعدو ورائي؛ فأتحفز للعدو هربا منه، وأتلفت ورائي لأرى ~~مسافة ما بيني وبينه. # هب أن للوجود روحا تسعى به إلى الخير، أليس سعيها إلى الخير أبطأ من سعي السلحفاة؟ فإن ~~هذه الروح تسير بالكون إلى الخير من الأزل إلى الأبد. # | بقاء النوع وتعاسة الفرد # ما أتعس الإنسان! إنه يمضي أكثر أوقاته في السعي وراء قوته، وحاجات عيشه، ويضطر في هذا ~~السعي إلى إذلال قلبه، وقد لا يحصل على تلك الحاجات وما تستلزمه المعيشة. فإن أكثر الناس ~~يعيش عيشة البهائم، يعمل طول نهاره لأجل لقيمات يسد بها سغبه. أليس هو في ذلك مثل الحمار ~~الذي يتعب طول النهار فيكون نصيبه من الحياة قليلا من البرسيم؟ وما ms48 نتيجة هذه المساعي وهذا ~~الاحتيال وراء المكسب، وهذا الشقاء وهذه الدناءة؟ هل نتيجة ذلك حفظ حياة النوع البشري؟ ~~وماذا يهمني ويهم كل فرد مثلي من حياة النوع، إذا كنا تعساء؟ أليس الناس ما عاشوا عبيد ~~الشقاء والتعاسة؟ # ما يدريني؟! لعل أصدق الناس نظرا هم الفلاسفة القدماء الذين قالوا بقتل الشعور والعواطف، ~~ومحاكاة الإنسان الجماد في فقدان الشعور! قد تكون شدة الإحساس من لوازم الشعر، ولكن إذا ~~كانت نتيجته تعاسة صاحبه، فلا خير في الشعر. وما يدريني؟! ربما كان الشاعر التعيس خيرا من ~~المتسول البليد السعيد، لقد جاء في المثل: إله تعيس خير من حمار سعيد. وما يدريني؟! لعل ~~الحمار السعيد خير من الإله التعيس! # هذا من الهراء في الصميم، أليس من غرور الإنسان أنه يشتكي محاكاته سائر الحيوانات، وأنه ~~يمضي أكثر وقته في طلب ما تستلزمه المعيشة من القوت؟ ومن هو الإنسان حتى يشتكي ذلك؟ أليس هو ~~حيوانا مثل سائر بني جنسه من الحيوانات؟ # لا تقل: إن سعادة كل الأفراد لا تستقيم. ولا تقل: إنه ينبغي للمرء تحمل شرور الحياة من ~~أجل حفظ حياة النوع، فهذه حجة يستخدمها الأغنياء المنعمون والسعداء؛ من أجل إخضاع الفقراء ~~والتعساء، والبله والأغبياء، والجهلاء والمجانين. وإنما سعادة الأفراد فكرة كبيرة يتم ~~تحقيقها إذا جن بها عدد كبير من الناس. ولكن الذي يجعل تحقيقها بعيدا أن الجماهير من الناس ~~يعيشون في جهل مثل ظلام الليل، ويتبعون خطة مطروقة وسبيلا ممهدا، ويخشون الجديد من ~~الآراء، ويجبنون عن تحقيقه. ولكن الذين قاموا بالنهضات الكبيرة وجعلوا آراءهم حقائق ووقائع ~~مقضية، هم الذين قابلهم الجماهير في أول الأمر بالأذى، ورموهم بالجنون. وهم كما زعم الناس ~~مجانين؛ لأنهم أغرموا بالأفكار البعيدة الجليلة. وقد يندم هؤلاء المجانين على عاقبة جنونهم، ~~ولكنهم مسوقون إلى ذلك الجنون مكرهون عليه. وكل رأي كبير لا بد أن يؤدي إلى نهضة كبيرة بين ~~الناس، وأن يكون له أثر باق إذا جن به عدد عظيم من الناس، هكذا قامت الأديان والنهضات ~~الكبيرة العلمية والاجتماعية. # وفي قديم الزمان، كان ms49 الطاغية إذا أراد أن يلهي قومه عن طغيانه وظلمه أوقعهم في حرب مع ~~قوم آخرين يريد طاغيتهم أيضا أن يلهيهم عن ظلمه وطغيانه؛ فعمت الحروب. وكان الطاغية يفعل ~~ذلك سواء كان عارفا ما يحبب إليه الحرب أو كان غير عارفه، فإن المرء قد يكون مدفوعا إلى ~~الشيء بدافع من نفسه لا يعرفه تمام العرفان، ولا يفهمه تمام الفهم. ويعين الطاغية على عزمه ~~ما أودع في الناس من التذاذ القسوة، فإن كل امرئ له نصيب من القوة يلتذه. # وكذلك ترى الطبقات الطاغية السعيدة في ممالك هذا العصر تريد أن تلفت الطبقات التعيسة من ~~الجماهير عن سوء حالها، وتشغلها عن حل مسائل الحياة بالحروب، مثل مسألة الشقاء والأمراض ~~والجرائم. ولو بطلت الحروب بين الأمم لاشتدت الحروب بين الطبقات السعيدة والطبقات التعيسة ~~في الأمة الواحدة؛ تلك الحروب التي تؤدي إلى حل مسائل الحياة. ولكن، ويل للأمة التي يتفرغ ~~فيها طبقات أفرادها إلى حل مسائل الحياة؛ فإنها تصير طعمة للأمة التي لا تريد فيها طبقاتها ~~حل تلك المسائل؛ لأن الشقاق في الأولى يكون نهزة تنتهزها الثانية. # وفي الناس من يقول: إن مسائل الفقر والتعاسة والجهل والجوع والأمراض وغيرها من مسائل ~~الحياة لا تحل. وأكبر ظني أن الطبقات السعيدة هي التي تنشر هذا الرأي وتؤيده. ولكن ما ~~يدريني؟! ربما كانوا مصيبين في زعمهم! على أنه لو صح زعمهم وكانت هذه المسائل لا تحل؛ فلا ~~خير في الحياة، فإنما يتحمل المفكر شقاوة الحياة إذا كان له إيمان بالحياة يعينه، مثل أن ~~يرى الحياة جهادا في سبيل تحقيق سعادة أفراد الناس. # ولقد يقول قائل: ولكن كيف تهمني سعادة أفراد الناس في الأجيال القادمة؟ هذا من الذين ~~يعيشون في دائرة لا تتسع لغير مآربهم، ولا يهمهم في الحياة شيء غير سلامة لحمهم وجلدهم ~~وشهوة بطونهم وفروجهم وترفيه ذهنهم. كأن التفكير في الحياة ترفيه الذهن بعد التفرغ من كسب ~~الرزق، وكأنما ليس له لذع مثل لسع الظنابير، وكأن فروض الإيمان فقاقيع ثغر الأطفال، وكأن ~~الكون خلق للفرد من الناس ms50 لا أن الفرد خلق للكون. # | ظل الموت # يخيل لي في بعض الأحايين أن قد قرب أجلي وحان حيني، فأخشى أن يمنعني الموت من بلوغ آمالي ~~وأطماعي. ولكني أرجع إلى نفسي فأرجو أن أجد في الموت ما لم أجده في الحياة من الطمأنينة ~~والسكينة. وماذا علي إذا عاجلني الموت دون وطر لم أصبه، ومطمح للنفس لم تبلغه، وعرفان لم ~~أعرفه؟ وماذا علي إذا لم تجد الديدان إذا بحثت في رأسي معنى ما اجتبيته أو علما ما ~~درسته؟ وما قيمة الأطماع والأوطار والعلوم والفنون والآداب لدى الموت؟ أليس الموت حقيقة ~~الحقائق؟ # غير أن هذا التفكير لا يمنعني من الحزن إذا خيل لي أني سأموت ولا أترك أثرا بعدي ~~خالدا كالخلد وباقيا كالأبد. وفي بعض الأحايين أنظر إلى أطماعي وآمالي وهي ماثلة لدي ~~نظرة الوداع، وأحزن عليها كما أحزن على صديق عزيز تفيض روحه. ثم أرجع إلى نفسي فأقول: أليس ~~من الغرور أن أحزن على ضياع أطماع وآمال يحول دونها الموت؟ وأي الآمال أهل لمثل هذا ~~الحزن؟ على أن الشك في قيمتها لا يقلل من الحزن والأسف عليها. # جعلت أسير يوما عند شاطئ البحر وأخط في الترب رسوما وأشكالا، ورأيت كأن البحر يحاول أن ~~يمحوها، فما زالت أمواجه تغدو وتروح حتى طغت موجة كبيرة عليها فمحتها، فذكرني ذلك حياة ~~المرء، فإن الدهر كالبحر لا يزال بالمرء حتى تطغى عليه موجة من أمواجه؛ فتمحوه كما محت ~~أمواج البحر تلك الرسوم. فالناس أيضا رسوم تمحوها أمواج الدهر، والذي يعيش في آثاره بعد ~~موته عاما كالذي يعيش فيها ألف عام، والذي تمتد شهرته ألف عام كالذي يعيش شهرته مليون عام. ~~ولا تغبط هوميروس أو شكسبير على شهرته؛ فإن شهرة الأول قد امتدت بضع آلاف من السنين، وشهرة ~~الثاني بضع مئات، وهذا شيء حقير إذا قيس بالأبد، فلو كان المرء بعد موته يملأ اسمه الوجود ~~ويبقى خالدا إلى الأبد لجاز تمني مثل هذا الخلد. على أن أمثال هذا التمني غرور وعبث باطل، ~~فإن الذي يعيش باسمه إلى ms51 الأبد كالذي يعيش باسمه بعد موته بضع سنين. # وإنما الناس وسائل من وسائل القضاء، لا يهم القضاء سعدوا أم تعسوا، وإنما يهمه أن يعطيه ~~كل امرئ نصيبه من الحياة والقوة والعمل والسعي، فالإنسان في الحياة مثل ... # | الخاتمة # كلمة للمؤلف في نقد المعترف # يرى القارئ الجملة الأخيرة من هذه المذكرات غير تامة، وقد تركتها كما وجدتها؛ كي تكون ~~عنوانا للحياة ونعتا لها، وإشارة إليها. ألسنا نحيا حياة ناقصة مغتصبة، نحاول أن نبلغ ~~تمامها وكمالها بالأحلام والأطماع والآمال والأوطار؟ فالحياة كالراقصة التي تدعوك بحركات ~~رقصها، ثم تفلت منك كالسراب الراقص الخداع. وأحيانا ترى الآمال على باب الحياة كالملائكة ~~على باب الجنة، يفتحون منه ناحية فيخرج منه نسيم الجنة ونورها، وتسمع منه ألحانها وتبصر منه ~~جمالها، ثم تغلق دونك أبواب الحياة، كما تغلق أبواب الفردوس دون المحروم. # هذه كلمتي التي أريد أن أقولها في هذه المذكرات كي يعرف القارئ ما أراه فيها وفي صاحبها، ~~فلا يتهمني بالمغالاة في تقريظه والتشيع له ولآرائه، ويحسب أن الود الذي كان بيني وبينه قد ~~أعماني عن خطئه. # أقول: إني أخالف صديقي م. ن. في بعض آرائه كما أوافقه في بعضها، فقد وجدته في هذه ~~المذكرات ينسب إلى نفسه صفات مذمومة قد كانت خافية عنا. # نعم، إن بين الفلاسفة من يزعم أن هذه الصفات كامنة في جميع النفوس، وأنها منازل وطبقات، ~~وهي لم تكن في نفسه من الشدة مثل ما يصف، فبينما كان يصف نفسه كان أيضا يستملي من خياله، ~~صنع الأديب المؤلف، فهذه المذكرات ليست اعترافات عريانة من ثوب الخيال. تراه ينسب إلى نفسه ~~الخوف والجبن وسوء الظن والكسل وضعف الإرادة والكذب، وأنه حاول الغش، وأنه حاول الانتحار، ~~وأنه قليل الصبر، كثير الضجر، وأنه كثير البكاء، وأن في نفسه خواطر الشر والإجرام، وأنه ~~كثير الغرور والعجب كثير الأطماع، وأنه كثير الخجل، كثير الحذر، عظيم الكبر، شديد اليأس ~~بالرغم من أطماعه، وأنه شره البطن والعقل، وأنه كثير الإنكار والجحود، وأنه بالرغم من ذلك ~~يعتقد الخرافات، إلى آخر ما ms52 وصف من صفات السوء. # وأنتم أيها القراء، لا تجدون شيئا من هذه الصفات في نفوسكم - ولا شك في ذلك - معاذ ~~الله أن تجدوا في نفوسكم هذه المعائب، ومعاذ الله أن أتهمكم أو أن أتهم نفسي بها! إني ~~وإياكم أبرياء منها، هنيئا لأنفسنا! إنها بريئة منها ... كأني بكم تهنئون أنفسكم ببراءتها ~~وطهارتها من هذه النقائص، وكأني بكم تقولون: إن م. ن. لا يستحق إلا الرحمة والاحتقار! أما ~~أنتم فإنكم أهل للإجلال والإكبار، والإعظام والهيبة، والتوقير والاحترام، والتبجيل ~~والتقريظ، والحمد والثناء ... نعم، إن بين الفلاسفة من يقول بأن صفات الشر والخير موجودة في ~~كل نفس، وأن النفوس لا تتفاضل إلا بمقدار تمكن صفات الخير، وقلة تمكن صفات الشر منها. فإذا ~~كان بين الفلاسفة من يقول بهذا الرأي، فهو فيلسوف مجنون، لا يعتد برأيه. والدليل على بطلان ~~زعمه أني وإياكم أبرياء من صفات الشر، مطهرون من السوء الذي يزعم أنه في كل نفس، فاضحكوا ~~معي من هذا الفيلسوف الأبله الذي وجد نفسه بؤرة النقائص، فظن أن كل نفس مثل نفسه ... هذا ~~الفيلسوف لا يستحق أن يعيش، بل ينبغي أن يشنق جزاء قذفه النفوس وافترائه عليها ما ليس ~~فيها. # ولكن، ما يدرينا؟ ربما كان في قوله شيء من الصدق. ثم إن م. ن. يعزو إلى نفسه من المحامد ~~قدر ما عزا إليها من المقابح، فتراه يعزو إليها الفطنة والذكاء، والعبقرية والخيال، وكبر ~~العواطف وسعة الذهن، والرحمة والكرم، وحياة الضمير، وحب الجمال، وحب الخير، وكره الشر، وأنه ~~يربأ بنفسه عن مظان الدناءة، وأنه يكره التمليق والرياء والنفاق والذل، وأنه كثير الود ~~والحنان، رقيق القلب. وبعض هذه المحامد التي يعزوها إلى نفسه يناقض ما قد عزا إليها من ~~المقابح، ولا غرابة في ذلك؛ فإننا نجد النقيضين في نفس واحدة. # كأني بكم تسخرون من صديقي م. ن. وتزعمون أن نسبة هذه المحامد إلى نفسه أعظم دليل على ~~غروره، وأن مثله إذا ذم نفسه صدق، وإذا مدح نفسه كذب. ولا ريب أنكم تجدون في نفوسكم هذه ~~المحامد، وأنكم ms53 يمنعكم الوقار والحياء الصادق والتعفف من تقريظ نفوسكم، وأنكم من أجل ذلك ~~تمقتون من يقرظ نفسه أشد المقت؛ لأنه يريد أن يخفض من شأنكم بمدح نفسه وإعلائها. ولكنه لم ~~يرد أن يكون هذا الاعتراف صورة لنفسه، وإنما أراد أن يصف نفسا من النفوس، وأن يشرح ~~عواطفها، وأن يذكر محامدها ومقابحها. ولا ريب أن الأديب في وصف العواطف يستملي من نفسه ومن ~~نفوس الناس؛ كي يجيء الوصف صادقا. فإذا رأيتم في مذكراتي صفات من صفاته فلا تظنوا أن كل ~~شيء فيها مأخوذ من نفسه، ألستم ترون أن من الخطأ أن لا نميز بين هامليت وشكسبير، أو بين ~~ورتر وجيتي؟ نعم، إن شكسبير كان يرجع إلى نفسه في تفهم العواطف وحركاتها، ومن هذا الوجه يصح ~~أن نقول: إن في كل فرد من أفراد قصصه شيئا منه؛ لأن روح الأديب ليس بالروح الجامدة ~~الصلبة، بل إن فيها من المرونة ما يمكنها من التشكل بأشكال متغايرة، والتزيي بأزياء مختلفة، ~~فتارة تراها في جسم هامليت، وتارة في جسم ماكبث، وتارة في جسم فلستاف، وتارة في جسم روميو ~~أو جوليت، وتارة في جسم شيلوك. # وإذا كان في م. ن. عيب من حيث هو أديب، فهو أن أسلوبه في الوصف والتنقل من مقال إلى ~~مقال، مثل وميض البرق تراه يشرح لك عاطفة من العواطف، كأنه يكتبها بالنار على وجه الدجى، أو ~~كأن كلماته الشرر المتطاير، ثم يتركها من غير استئذان إلى وصف غيرها. ولكن مذكراته بالرغم ~~من ذلك ليست أوراقا مفككة، ليس بينها ارتباط، فإنه لم يرد أن يكتب مقالا، مطرد الجمل ~~والكلمات والمعاني في سوء الظن أو الحب أو البخل أو الضمائر أو الشعر أو ضعف الإرادة أو ~~العقائد أو حب الحياة أو الجرائم أو القدر، ولكنه يليح لك بهذه الأشياء وبموقعها من النفس ~~كالصور المتحركة. وتراه دائما يحاول أن يؤجج عواطف القارئ، ويحاول أن يستفز منه عاطفة الحب ~~أو البغض أو الأمل أو اليأس أو الاحتقار أو الإجلال أو الرحمة أو الخوف. وربما كان مغاليا ms54 ~~في ذلك، فإن من يلعب بالعواطف مثل من يلعب بالنار. # ومن صفات م. ن. أنه يمزج الفكاهة بالجد مزجا غريبا، فبينما يستأذن على قلبك بالكلام ~~المؤثر المبكي، إذا به يقهقه في وجهك أو يسخر من كلامه الذي أراد أن يلين قلبك به. وأخشى أن ~~يكون كالغازل الذي ينقض بيده ما يغزله! ولكن المزج بين الفكاهة والجد لا يكون عيبا ~~دائما، وأكبر ظني أن م. ن. كان يأتي بالفكاهة في إثر الجد المؤثر، لا لينقضه، بل ليجعل ~~وقعه أشد حسرة؛ فتكون الفكاهة مثل ضحكات الرجل الذي يبدهه خطب شديد، يجل عن البكاء فيضحك ~~ضحك المجنون من شدته وهوله. # وقد كان بودي أن أغير بعض فصول هذا الكتاب، ولو كنت أعرف أن المعترف حي لفاتحته الرأي ~~في تغييره، ولكن لا سبيل إلى ذلك، فإن الأمانة ختام الود. ms55