######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.Bismarck.Hindawi86369197 #META# Tags: biographies #META# ID: 86369197 #META# Title: بسمارك: حياة مكافح #META# AuthorID: 63747261 #META# Author: إميل لودفيغ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1367EmilLudwig.Bismarck (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # مقدمة المؤلف‏ # الجزء الأول: التائه‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الجزء الثاني: الطموح‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الجزء الثالث: الباني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الرابع: المسيطر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الجزء الخامس: المبعد‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # فهرس التواريخ‏ # مقدمة المترجم‏ # مقدمة المؤلف‏ # الجزء الأول: التائه‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الجزء الثاني: الطموح‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الجزء الثالث: الباني‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الجزء الرابع: المسيطر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل ms001 الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الجزء الخامس: المبعد‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # فهرس التواريخ‏ # | بسمارك # | بسمارك # | حياة مكافح # تأليف # إميل لودفيغ # ترجمة # عادل زعيتر # إلى جرهرت هوتمن مع المودة والإكرام. # موشيا، صيف 1926 (المؤلف) # | مقدمة المترجم # هذه هي ترجمة كتاب «بسمارك» للكاتب الألماني الكبير «إميل لودفيغ». وربما كان هذا ~~السفر أعمق ما وضع لودفيغ من كتب التراجم وأدق، ولا نستثني من ذلك كتاب «نابليون» ~~الذي امتاز بحسن التحليل، ولا كتاب «ابن الإنسان» الذي امتاز بقوة الوصف. والكتب الثلاثة ~~هذه هي خير ما ألف لودفيغ من رسائل السير على ما نرى. ولا عجب؛ فموضوع الكتاب ~~ألماني يشغل بال الألمان والعالم بأسره، والكاتب ألماني لم يأل جهدا في أسر أفئدة ~~الناس أجمعين. # والمؤلف يقول: «ولما حلت سنة 1911 حاولت أن أقف حيال أسطورة هذا الوزير الحديدي ~~في رسالة نفسية، عارضا فيها بطريق الوصف طبيعة عدت من الألغاز، ثم انقضت عشر سنوات ~~فوضعت رواية مؤلفة من ثلاثة فصول عن بسمارك طامعا أن تمثل على المسرح الألماني. ~~ويختلف السفر الوصفي الحاضر عن ذلك السفر غير السياسي الباكر. وليس في هذا الكتاب ~~اللاحق ما هو مقتبس من ذلك الكتاب السابق؛ فما في هذا الكتاب من عرض لبسمارك فقد ~~تم على نور جديد، ولا تبصر في الكتابين من أوجه الشبه سوى الصورة الأساسية التي تجلت ~~بها تلك الطبيعة المعقدة. ومما اقتضى وضع كتاب جديد عن بسمارك أكثر ملاءمة لأصول ~~النقد؛ ما أسفرت عنه الحرب الأخيرة من نشر وثائق قاطعة ومذكرات مفيدة، وما اتفق لنا ~~من النضج.» # وعلى كثرة ما يتردد اسم «بسمارك» في الرسائل والصحف، ~~وعلى كثرة ما يدور اسم «بسمارك» على الألسن، وعلى ما مثله ms002 بسمارك من الدور العظيم في ~~تاريخ العالم، عطلت العربية من كتاب كبير أو صغير عن حياة هذا الإمام في السياسة، عن ~~تاريخ هذا الذي لم يتحرج أحد فلاسفة # 1 # فرنسة من وصفه ب «صاحب الدماغ القدير المتصرف في المصير.» # وبسمارك هو الذي جعل من ضعف ألمانية قوة، وبسمارك هو الباني للإمبراطورية الألمانية ~~والموجد لألمانية الحديثة والرافع لذكرها والمعلي لشأنها والمظهر لها فوق الجميع، ~~وبسمارك هو الجامع لأجزاء ألمانية بعد تفرق والموحد لأقطارها بعد شتات، فإذا ما ذكر ~~قيام الدول وتأسيس الجامعات وتوحيد ما اختلف من الجهات؛ كان بسمارك أول من يبدو للأعين ~~نبراسا يهتدى به وللأبصار قبسا يسار على نوره. # وقد بلغ ما شاده بسمارك من القوة درجة لم تسطع أن تدكه حربان طاحنتان؛ فالأساس ~~متين والأصول ثابتة، وإذا ما قطعت الفروع أخرجت السوق شطأ أقوى مما كان؛ كما ثبت بعد ~~الحرب العالمية الأولى، وكما يلوح بعد الحرب العالمية الثانية. ولو خلا من الرعونة من قبضوا ~~على زمام الأمور في ألمانية بعد بسمارك، وبين تينك الحربين أيضا، فكان لهم مثل ما ~~له من اتساع الأفق وأصالة الرأي؛ ما أصيبت ألمانية بغلب بعد طويل جهاد وعظيم ~~دفاع، ولظلت ألمانية أول دولة في العالم على ما يحتمل. # والمؤلف في هذا الكتاب - كما في كتاب نابليون - سار مع بسمارك سيرا طبيعيا من ولادته ~~إلى وفاته بأسلوب أخاذ مؤثر لم يسبقه إليه أحد. ولا نرى أن نسهب في بيان ما وجدناه ~~من إبهام والتباس وغموض في هذا الكتاب، ولا في بيان ما بذلناه من جهود مضاعفة في جعل عبارة ~~الكتاب واضحة جهد المستطيع؛ فذلك يقدره قراء كتب لودفيغ، ولا نرى أن نضع مقدمة مطولة ~~نعرض فيها مناحي الكتاب؛ لما قصدناه من ترك ذلك للقارئ، وإنما نذكر أن هذا الكتاب هو خير ~~ما أخرج للناس عن بسمارك - على ما نعتقد. # نقدم هذا الكتاب إلى الأمة العربية في وقت هي في أشد الاحتياج إلى مثله؛ فلعل ~~العرب يبصرون من مطالعته كيف تقام الجامعات وكيف توحد الشعوب ms003 والدول على أسس صحيحة ~~بعيدة عن الرئاء والشعوذة والكيد والتخاذل والمظاهر الخادعة، قائمة على الإيمان والإخلاص ~~والبذل والتضحية والجهاد الصادق. فإذا كنت قد نقلت هذا الكتاب إلى العربية نقلا يكاد يكون ~~حرفيا معتمدا على ترجمته إلى الفرنسية والإنكليزية، فإنني أكون قد نلت ما أرجو. ~~«نابلس»، عادل زعيتر # | مقدمة المؤلف # واضح غامض، كامل العدة، منير في سحر، # 1 # هذا هو بسمارك الذي يشابه ما رسمه رنبرانت # 2 # من الصور، فيجب وصفه بمثل ما في هذه الصور. وبسمارك هو الذي أحاطته شحناء ~~الفرق منذ ثمانين سنة بضياء البرق، وبسمارك هو الذي أحب قليلا في حياته؛ لما كان من ~~قلة حبه للآخرين، وبسمارك هو الذي قضي عليه بعد مماته بأن يبدو تمثالا؛ لما كان من عسر ~~اكتناه سرائره، فكان بين الألمان كرولان # 3 # منحوتا من صوان. # وغرض هذا السفر هو وضع صورة لمناضل ووصف انتصاراته وغواياته، # 4 # وفي هذا السفر سيوصف بسمارك بصاحب سجية مملوءة بما صدرت عنه أفعاله من عجب ~~وشجاعة وحقد. وبينما ترى اليوم فريقا من الألمان يغالي في تمجيد بسمارك ترى فريقا آخر ~~يدينه. ونحن نرى أن ندرس حياته درسا عميقا ما قررت هذه الحياة مصير ألمانية وما وجب على ~~الألمان معرفة خلقه كما هو لا كما شوهه ما دار حوله من التقديس والتدنيس. # ورجل التاريخ ذلك هو، على الدوام، أحكم من طريقته وأعقد من صورته. ولا نجد أن نسير على ~~غرار المحافل العلمية فنثقل وصفه بالحواشي والمذكرات، بل يجدر بزماننا أن تعرض ~~الأخلاق العامة فيه عرضا ماثلا، وأن يستخرج منها للعالم بأسره مثل ودرس، والمرء ~~رجلا يتعذر فصله عنه قطبا سياسيا، فمشاعره وأعماله متلازمة متفاعلة، وحياته الخاصة ~~وحياته العامة كلتاهما متسايرة متجارية. وواجب المتفنن هو في صنع الشيء الواحد من ~~المواد التي يأتي بها الباحث الفاحص. # وقف نشوء حياة بسمارك الخاصة في الثلاثين من عمره تقريبا، واحتمل في خمس عشرة سنة من ~~ذلك أعنف هياج واضطراب، ولم يحدث بعد ذلك سوى عمق في خطوطه الأصلية؛ فمن أجل هذا يجب ms004 ~~تفصيل وصف شبابه، أي دور محياه # 5 # غير السياسي، وقد اقتصرت تراجمه على بضع صفحات عن هذا الدور. # وكلين هاتنجن - الذي لم يعرف قدره - هو الكاتب الوحيد الذي استطاع أن يجيد وصف بسمارك ~~وصفا نفسيا مستعينا بالوثائق التي أمكن الوصول إليها في زمنه. ولما حلت سنة 1911 ~~حاولت أن أقف حيال أسطورة هذا الوزير الحديدي في رسالة نفسية، عارضا فيها - بطريق ~~الوصف - طبيعة عدت من الألغاز. ثم انقضت عشر سنوات فوضعت رواية مؤلفة من ثلاثة ~~فصول عن بسمارك طامعا أن تمثل على المسرح الألماني. # ويختلف السفر الوصفي الحاضر عن ذلك السفر غير السياسي الباكر، وليس في هذا الكتاب ~~اللاحق ما هو مقتبس من ذلك الكتاب السابق؛ فما في هذا الكتاب من عرض لبسمارك فقد تم على ~~نور جديد. ولا تبصر في الكتابين من أوجه الشبه سوى الصورة الأساسية التي تجلت بها ~~تلك الطبيعة المعقدة، ومما اقتضى وضع كتاب جديد عن بسمارك أكثر ملاءمة لأصول النقد، ~~ما أسفرت عنه الحرب الأخيرة من نشر وثائق قاطعة ومذكرات مفيدة، وما اتفق لنا من ~~النضج. # وبدا أمر بسمارك الواضح الغامض أكثر وقفا للنظر مما كان عليه بعد تلك الأسانيد؛ فالذي ~~يحاول اكتناه مكافح - بدلا من نحت تمثال له - يظل دهشا أمام تلك الحياة التي هي ~~نسيج من نضال مستمر ونصر عارض وحرص دائم وعدم قناعة مستمرة، ومن حكمة في أكثر ~~الأزمان وخطأ في بعض الأحيان، ومن عبقرية حتى في العماية والضلال. # الجزء الأول # | التائه # بسمارك ذو مزاج تضنيه الحياة، ولكن الراحة تقتله. # أ. كيزر لنغ # | الفصل الأول # في الصيف، تحت أشجار البلوط القديمة بالحديقة يلعب صبي أشقر بادن، حاد ~~العينين قاتم الناظرين، هو في السنة الرابعة من عمره، ولكنه يبدو في السادسة من سنيه ~~حين يحفر بمجرفته الأرض فيملأ عربة اليد فيقلبها بالقرب من الحوض حيث يبني بهمة ~~حصنا من الحجر والتراب، والبستاني إذا ما أراد رد الصبي إلى البيت وقت الغداء ~~صلب الصبي وغضب. # ذلك بيت ريفي عادي، كان منزلا لفلاح ثري، لا ms005 مسكنا لوجيه سري، ذلك بيت ~~خشبي وضيع عاطل من الزخرف مؤلف من طبقة واحدة خلا وسطه حيث تبدو طبقة ثانية ذات ~~خمس نوافذ، والصبي حينما ينظر من نافذته في الطبقة الأولى يمتد بصره ساكتا صامتا ~~إلى سهل ذي بر # 1 # ضارب إلى صفرة، والريح حينما تهب من تلقاء بوميرانية، تهز رءوس ~~السنابل الثقيلة فيتموج الحقل وتظهر فيه أخاديد، والأب حينما يأخذ الابن إلى القرية ~~يقول له: «كل هذا لنا!» والأب قد ورث - حين كانت سن الابن سنة واحدة - نحو ~~ألفي فدان في كنيبهوف، فعدل عن شونهاوزن وسكسونية إلى بوميرانية ~~الغربية. # والصبي إذا ما رافق أباه ذكر قوله: «كل هذا لنا!» ما دامت القرية واستغلالها أمرا ~~واحدا، ولا تبصر هنالك فلاحين، بل تبصر عمالا مرتبطين في الضيعة # 2 # مقيمين بأكواخ حقيرة مماثلين تحت سقفها التبنية للفدادين # 3 # أكثر ما للفعلة مرضيا عن وضعهم ذلك من سادتهم أولئك، وهنا معمل الجير # 4 # وهنالك الكير، # 5 # وينساب الصبي في الحظيرة عند البقر فيقول له براند البقار الهرم ~~البالغ من العمر تسعين سنة: «حذار أيها الشريف! فليس من العسير أن تضع البقرة ~~قرنها في عينك، والبقرة تداوم على أكلها هادئة من غير أن تبصر ذلك، ولكن مع فقد ~~باصرتك!» # ويقول ذلك الهرم: «أيها الشريف!» بلهجته العامية، ويمضي سبعون عاما، فيذكر بسمارك ~~ذلك البقار الواقعي الذي كان يقص عليه من أنباء الملك فردريك ولهلم الأول، ~~فيروي أنه رآه في كوسترين قبل الملك فردريك الكبير بزمن طويل. # وفي أيام الأعياد يدخل الأب وابنه البهو ذا النوافذ الثلاث، فيقص الأب على ابنه ~~هذا أحاديث لما يبدو في البهو من صور بعض الأجداد اللابسين خوذا والحاملين سلاحا ~~والناظرين بعبوس ووقار من صورهم ذات الأطر المعلقة على الجدر. والواقع هو أن ~~معظم أولئك الأجداد كانوا أصحاب الحكم في الإلبة مدة تزيد على خمسمائة عام، فإذا ما ~~حدث الأب ابنه البكر، الذي هو في السنة التاسعة من عمره فيقدر على وعي ما يقال ~~له؛ أصغى الابن الأصغر إلى الحديث، وماذا ms006 يسمع؟ هو يسمع أن أجداد أبيه كانوا من ~~الفرسان وفق صورهم في البهو، وأنهم كانوا يسكنون البروج والقصور عدة قرون، وأنهم ~~كانوا يملكون من الفدادين من يحرثون أراضيهم وأنهم كانوا يمارسون شئون الأمن والعدل، ~~وأنهم - منذ القديم وفي أيام الآحاد - كانوا يجلسون على كراسي من خشب السنديان بصدر ~~الكنيسة منفصلين عن خدمهم وبقية أتباعهم كما لا يزال حفدتهم يصنعون. # ومن المحتمل أن روى الهر فرديناند فون بسمارك لابنه أن أشراف المارش القديم ~~أولئك كانوا من المتغلبين، لا من الندماء، وأنهم كانوا من الرماة - في أكثر ~~الأحايين - أولم يكره أحد الأمراء الناخبين آل بسمارك منذ طويل زمن على التنزل عن ~~غاباتهم الرائعة فيقبلوا - مغبونين - شونهاوزن بدلا منها؟ ومنذ مائة سنة يحاول ~~الملك أن يفرض ضريبة على أملاك أشراف المارش القديم، فيضع جد فرديناند الأكبر نفسه ~~على رأسهم محتجا على «تنزيل إمارة حرة إلى ولاية هزيلة خاضعة للإتاوة». # 6 # وقبل أن يموت الملك أعطى ابنه فردريك الشاب جدولا بأسماء الأسر الأربع ~~المتمردة فذكر فيه آل بسمارك ب «أنهم أشدها زهوا وأجدرها بأن تخشى.» # وكان جد الصبي شريب خمر وصيادا قديرا؛ فقد أصمى # 7 # في سنة واحدة 154 وعلا كبيرا. ويشابه الصبي جده هذا أكثر من مشابهته ~~لأي رجل كان، وقد عاد أبوه لا يكون فارسا. ومن الواقع أن الجد بعد من ~~الفروسية، فلما ماتت زوجه الفتاة قبل فرتر بقليل نشر مرثية مؤثرة غالى فيها بوصفها ~~ووصف قرانه بها. وتلميذ جان جاك روسو، هذا الذي لم يرد أن يجعل من أبنائه ~~«غير أربعة رجال صالحين» كان يدعوهم بأصدقائه وكان يقرأ رسائلهم مسرورا إذا ما عنوا ~~بأسلوبهم، وكانت لديه مكتبة كاملة مشتملة على أفضل الآثار. وعدم الحرص، مع البطالة، ~~هو ما ورثه عنه فرديناند (والد بسمارك) وإخوته؛ فهم، وإن كانوا جميعهم يذهبون إلى ~~الحرب، لم يقصدوا البلاط راضين بحياتهم المنزلية. # والآن يقوم فرديناند بتربية ولديه الصغيرين في كنيبهوف، ولا غرو إذن أن يترك الخدمة ~~منذ المعركة الأولى ابنا للثالثة والعشرين من عمره، ويبلغ الملك ms007 من الغضب ما ينزع به ~~رتبته قائدا لمائة من الفرسان ويحظر عليه لبس بزته العسكرية، فلم يعدهما إليه ~~إلا بعد وقت كبير، حتى إن أبا بسمارك لم يعد إلى الجندية في أحرج الأدوار، بل أهل # 8 # في أواسط سنة 1806 حين خلع الإمبراطور فرنسوا تاج الإمبراطورية الألمانية ~~عن رأسه، وهو لم يغادر عزلته الريفية أيام معركة ينا، ولا أيام حرب الخلاص فيمتشق حسامه # 9 # في تلك السبيل، مع أنه كان يتمتع بصحة جيدة ولم يكد يجاوز الأربعين من ~~عمره. # وكان فردريك الكبير قد كلم ذلك القليل الميل إلى القتال والضخم الجثة ~~والحاد الطبع كابنه والقوي الشكيمة والرجل العاطفي في صغره، فكانت هذه حكايته ~~البروسية الوحيدة، وكان أبوه محبا للثقافة الفرنسية فرباه نبيلا مع تحلل من ~~الأوهام الطبقية، وهو لما اتفق له من هذه التربية كان رصينا مدى حياته سيدا ~~لمنزله مع اقتصاد في المطاليب ومخاطبة لصبيته كما لو كانوا شبابا، وكان مرحا ~~كريم الطبع رغيد العيش غير مكترث لأملاكه ما قام بإدارتها ناظر. وكان ولوعا بالصيد ~~وشرب الخمر ما ظلت معاقرة # 10 # الراح # 11 # ديدن # 12 # آل بسمارك منذ قرون. وإليك بعض ما في كتبه من كلمات جديرة بالقيد: # اليوم عيد ميلاد أوتو، وفي هذه الليلة فزر كبش جميل لنا، يا له من جو ~~كريه! ... يبدو لي أن خمر مدوك والرين غير مؤثرة في بدرجة الكفاية، ~~فتراني أتعاطى رحيق # 13 # بورتو وشيري طامعا في شيء من التحسن، ولا أحرم نفسي قوي ~~القهوة (غير مغض عن المحار # 14 # والكبد الدسم ... إلخ)، وعلى ما أتعاطاه من هذه الأدوية الصالحة ~~تبصرني أكتلي، # 15 # فليس من الحسن أن يشيب الإنسان. # وهو حين كان في الخامسة والثلاثين من سنيه قد تزوج فتاة في السنة السابعة عشرة من ~~عمرها فتتصف هذه الفتاة بالملاحة مع طول أنف وذكاء عين وحدة ملامح ونفوذ نظر؛ ~~أي بما يدل هذا الخطيب على ما في طبيعة هذه الخطيبة من عناصر مختلفة عما عنده، ومن ~~جبلة هذه المخطوبة اعتدال العقل وشدة الحرص، ms008 وقد كان أجدادها - ويدعون ~~بآل منكن - أساتذة حقوق وتاريخ مدة قرن فنقلوا هذه الخلال إلى أبيها فكان فرعا ~~لتلك الدوحة الإنسانية، وفي عهد فردريك كان منكن مستشارا للقصر فرئيسا للعدل، ثم ~~خسر حظوته في سنة 1792 أيام غضب ذلك الملك على والد بسمارك، وما كان منكن ليعود إلى ~~خدمة مولاه الثالث إلا في سنة 1800، فهنالك وجه سهام النقد إلى جبروت فردريك الكبير ~~مطالبا مولاه بأن يقيد سلطانه بنفسه، مصرا على أن تكون المسئولية من نصيب ~~الوزراء، منتحلا شأن المصلح كالبارون فون شتاين الذي امتدح منكن بأنه حر ~~صميمي، ومن أبيها هذا ورثت أم بسمارك ذكاءها وبصرها بالأمور، فكان الصواب شعارها ~~وكانت تحب حياة المدن والنفائس والبلاط على خلاف زوجها، وزوجها هذا كان راغبا في ~~العيش والعزلة، وزوجته هذه كانت راغبة في الظهور وفي أن تعد شيئا ~~مذكورا. # وعن أمه تلك ورث أوتوفون بسمارك حكمته وذكاءه واعتداله مع حب السيطرة الجم ~~الذي لم يحرك ساكن أحد من آله قبله، وعن أبيه ذلك ورث أوتوفون بسمارك مزاجه وخلقه، ~~فما انتقل إليه من ناحية أبيه ومن ناحية أمه جاء مصدقا لنظرية شوبنهاور. # | الفصل الثاني # وضعت الأم ابنها البكر، وتضع ابنها أوتوفون بسمارك بعد ذلك بخمس سنين، وكان ذلك أيام ~~عودة الإمبراطور نابليون من جزيرة إلبة، وكان ذلك حين حبوط مؤتمر فينة وارتباط ~~بروسية في أوروبة بحلف جديد، وفي اليوم الثاني من أبريل سنة 1815 يصدر الإمبراطور ~~بباريس بيانا ضد ذلك الحلف، وفي ذلك اليوم يمكن البرليني أن يقرأ في جريدة فوسيش ~~إعلانا عن ولادة ابن للهر فون بسمارك بكنيبهوف، ويبصر الصبي في أمه خصما له منذ ~~أوائل عمره فيبتعد عنها في صباه، وعلى ما كان من حبه العجيب لآله لم يبد في ~~سنواته الأخيرة غير ما يؤكد ذلك أمام الغرباء، فلا تجد في مئات الأحاديث القلبية التي ~~نطق بها كلمة واحدة ملائمة لأمه، وهو قد وصفها في شيبته بالمتعلمة التي لم تعن ~~بتربيته قط، وهو قد تكلم عنها بمرارة، فقال: «لم يكن لديها ms009 غير القليل من ذلك الشعور ~~الذي يدعوه أهل برلين برقة الشمائل ... فكان يلوح لي - في الغالب - أنها كانت شديدة ~~فاترة نحوي.» # ولذلك الحقد الذي يرجع إلى أيام طفولته سببان، وهما: أن أمه كانت تستقبل أضيافا في ~~الشتاء، فكان أبوه يضحي بسريره نظرا إلى ضيق وسائله، فلم يسطع الصبي أن يعفو ~~لأمه ذلك، وأن الصبي كان قد تكلم بزهو عن صورة جد لأبيه ذات يوم، فأخفت أمه، ~~التي هي من الطبقة الوسطى، تلك الصورة كسرا لعجبه الأريستوقراطي، فيا لهول تلك ~~الأوقات للولد! ويا لخطر نتائجها! # والخيلاء أبرز ما يبدو في أقدم ذكرياته؛ ومن ذلك أن هرب ذات مرة حينما أساء أخوه ~~الأكبر معاملته، وهو لم يمسك إلا تائها تحت الزيزفون. وفي مرة أخرى كان في البيت ~~زائرون فاختار مكانا له في زاوية فسمع غير واحد منهم يقول مع تردد: «قد يكون هذا ~~ابنا للمنزل أو ابنة له.» # فيقول بسمارك: «قد أجبتهم عن ذلك قائلا - بلا حياء: أيها السيد إن هذا ابن. فدهشوا ~~لذلك.» # ولم تكن تربيته في المدرسة أحسن من ذلك؛ فقد قضى ما بين السنة الثامنة والسنة الثالثة ~~عشرة من عمره تلميذا داخليا في معهد بلامان ببرلين؛ فما انفك مع العمر يبدي ~~ضغنه على تلك السنوات. ومن قوله: # صرت غريبا في بيت والدي منذ نعومة أظفاري، فلم أجدني فيه بالحقيقة، وقامت ~~تربيتي منذ البداءة على المبدأ القائل باتباع كل شيء لكمال الذهن وبتوقف ~~كل شيء على تحصيل المعارف الوضعية بسرعة. # وهو - إذ عد أمه آمرة ناهية في البيت - كان يراها مسئولة عن كل ما كابده من ~~الشدائد في ذلك المعهد الداخلي، وهو لم يفتأ يتوجع من ذلك الخبز اليابس الذي كان ~~يطعمه هنالك، ومن تلك التربية الإسبارطية التي كانت تفرض عليه هنالك، ومن تلك الثياب ~~الخفيفة التي كان يحمل على لبسها في الشتاء «خلافا للطبيعة» هنالك، وهو لم يزل ~~يذكر في الثمانين من عمره «أنه كان ينبه بوخز السيف». # وما كان يلوح من القومية الألمانية، وما كان يصدر عن أتباع ms010 ياهن # 1 # من اندفاع حر، وما كان من حقد على طبقة الأشراف، وما كان عرضة له من ~~تهجم معلميه عليه بسبب انتسابه إلى النبلاء، فأمور كانت تقوي فيه، وقد كان في ~~السنة العاشرة من عمره، ميله الغريزي إلى طبقته وتثير فيه حقدا على الأفكار الحرة ~~التي كان يجدها بادية لدى أمه. # قال بسمارك: «كنت لا أتناول من الطعام حتى الشبع ما لم أكن ضيفا في مكان ما، وما ~~كنا نأكله من اللحم فمثل المطاط على الدوام، وكان علينا أن ننهض من الفراش في ~~منتصف الساعة السادسة صباحا، وأن نكتب فيما بين الساعة السادسة والساعة السابعة، وكنا ~~نضطهد بأشد ما يسوم وكلاء الضباط به الجنود، وما كنا نصاب به من الضربات في الأذرع ~~حين المسايفة # 2 # فتبقى آثار رضه ظاهرة أياما بأسرها.» # ويود الولد أن يعود إلى كنيبهوف، ويبلغ الكمد # 3 # في ولهلمستراس غايته؛ فهي غامرة # 4 # غير عامرة، وى! لو شيدت المدرسة في مكان المباني العامة حيث يمر الملك ~~أحيانا ما كان ذلك سيئا، ولكن كل شيء خارج أبواب المدينة ينطوي على غم وعزلة، ~~«فإذا ما أبصرت من النافذة بقرا يثير الأرض فكرت في كنيبهوف وأنفي راغم.» وهكذا ~~تراه يقضي أيام السنة ناظرا إلى العطل طامعا في قضائها بمنزله. # وما أشد المشاعر التي تزعزع الصبي عندما تكتب أمه فتقول: إنها راغبة في قضاء شهر ~~يوليو في مكان ذي مياه، وإن على الأولاد أن يبقوا في برلين، ويحدث هذا صيفا بعد صيف، ~~فتمضي سنوات من غير أن يقيض للأولاد فرصة رؤية البيت والحديقة والحقل والأنبار # 5 # والزراب # 6 # والكير والقرية. وبسمارك قد دعا ذلك فيما بعد بحياة الإصلاحية (سجن ~~الإصلاح)، وما كان يصدر عن أمه وما كانت ترغب فيه وما كانت تعلمه فكان يلوح في ~~صغره أمرا كريها. # وهو كلما كبر أبصر ما يجر إليه نشاط أمه وحرصها من ضرر في الاقتصاد؛ فهي ~~تدخل في كل سنة آلات جديدة ومناهج جديدة إلى كنيبهوف قاصدة بذلك تجديد ما نهكه ~~زوجها وأفسده بإهماله، ms011 ثم حملت بعلها هذا على قضاء الشتاء في برلين، فأقاما ~~بأوبرنبلاتز فكان لها بذلك عيش رفيع واختلاط بالعالم، وما كان أوتو لينسى ذهاب أمه ~~مع أبيه متبرجة لتحضر سهرة الوزير. # وقد قال: «يتمثل لي ذلك كما لو وقع اليوم، فأذكر ما كان من لبسها قفازا طويلا ~~وثوبا قصيرا، وما كان من تدلي خصل شعرها على أطرافها، وما كان من نصب ريشة ~~نعامة كبيرة على رأسها.» # ومن أمه سمع - للمرة الأولى - ما تتخذه المعارضة الحرة من عبارات تعقيب، ولم ~~يجاوز دور المراهقة حينما أهرع إلى يوستي باحثا عن صحف باريس الخاصة بثورة يوليو، ~~وهو بسبب أمه عرف كيف يزدري هذه الأمور. # وكتب يقول في أخريات سنيه: «إذا ما أحضرني الخادم من المدرسة في عيد ميلاد والدتي ~~وجدت غرفتها مملوءة بسوسن # 7 # الوادي الذي كانت تحبه على الخصوص، وبما يهدى إليها من الثياب والكتب ~~واللعب، ثم يحل وقت الغداء فيتناوله كثير من شبان الموظفين ... ومن الشيوخ المناهيم # 8 # الحاملين أوسمة وأوشحة ... ثم تأتي بي الخادمة إلى ركن فتعطيني مقدارا من الخبياري # 9 # والمعجونات وما إلى ذلك من الأطعمة التي تضعها جانبا فتؤذي معدتي، وما ~~أكثر ما يسرقه أولئك الخدم! ... ولم يتفق لي من التربية ما هو لائق ... وكانت أمي ولوعا ~~بالزيارات فلم تبال بنا إلا قليلا ... وتبصر، على العموم، تعاقب جيلين: أحدهما ~~مخبوط والآخر غير مخبوط، وهذا ما هو واقع في أسرتي على الأقل، وأعدني من الجيل ~~المخبوط.» # ويقضي أوتو ما بين السنة الثانية عشرة والسنة السابعة عشرة من عمره في مدرسة غراو ~~كلوستر، فيرى هنالك ما تلقنه الطبقة الوسطى من حقد شديد على طبقة الأشراف فيغدو ~~زهوه الأريستوقراطي أبعد غورا، والآن يعيش أوتو في منزل أبويه ببرلين بين طيش أمه ~~في الشتاء واشتراك أبيه في ذلك عن حلم، فإذا حل فصل الصيف أصبح في المنزل وحيدا مع ~~أخيه الذي هو أكبر منه بخمس سنين والذي «يتورط، وهو طالب حينئذ، في الحياة الجسدية» ~~وإذا عدوت أخاه هذا لم تجد له رفيقا في ms012 المنزل غير معلم وخادم، فتراه إذن عاطلا ~~من المرشد الخلقي، موكولا إلى نفسه في سنيه الحرجة، وإذا عدوت أباه لم تجد ~~أمامه، بين السنة السابعة والسنة السابعة عشرة من عمره، من يصلح أن يكون قدوة له أو ~~من يحبه. وهل ترى ما يدعو إلى العجب بعد أن تعلم أنه صار خالع العذار قبل ~~الأوان؟ # ويروي الابن أن الأب «لم يكن نصرانيا» وكانت الأم ضربا من الاتصالية، # 10 # ولم يواظب أي واحد منهما على الذهاب إلى الكنيسة، وقد تلقى أبناؤها ~~أفكار شليرماشر النقاد الذي عرف الصلاة بأنها مرحلة إلى السحر فلم يوص بها إلا ~~لتأثيرها المطهر. ومما ذكره أوتو أن أمه كانت تتعصب لسويدنبرغ ولنبوءة بريفورست ~~ولنظريات مسمر «فيعارض هذا ما تتصف به نفسه من وضوح فاتر» وتعتقد أمه أنها ملهمة، ~~وترى - مع ذلك - أن بعلها فرديناند وحده هو الذي لا يستطيع أن تحتال عليه في ذلك، وإن ~~كانت تنظر إليه من عل؛ لما يلازمه من أغاليط نحوية، وزوجها هذا قال لصديق له - ~~بما عرف عنه من تهكم: «إنها لم تسطع بإلهامها أن تبصر ما يعتور ثمن الصوف من ~~نزول في آخر السوق أكثر مما في أولها.» # ومن الطبيعي أن يكون الأب - خلافا للأم - راضيا عن أولاده على الدوام. # الأب: «ترونني فخورا دوما بأخباركم، وقد كان آل بولوف عندنا في الأمس فأطلعتهم ~~عليها فشعرت بسرور حقيقي حينما سمعتهم يثنون عليكم.» # الأم: «انظر إلى من حولك واسمع ما يقال عن التربية المتينة تجد أنه يعوزك أمور ~~كثيرة قبل أن تستطيع أن تدعي أنك رجل مثقف.» # وفي السنة الرابعة عشرة من عمره يقع أوتو ذات يوم عن الحصان فتقول له أمه: «أي بني ~~أوتو العزيز! يقول أبوك إن حصانك لم يكن دلوقا # 11 # كما ترى، وإنك سقطت لأنك كنت على السرج كرزمة من رثاث، # 12 # فإذا ما تلافيت الأمر لم تجد ما يزعجك.» # فبمثل تلك اللهجة يجعل الأبوان والأساتذة من أنفسهم مضحكين أو مكروهين، فغباوة كتلك ~~مما يصدم الزهو الفطري فيغدو الولد به ms013 متكبرا غير منطقي، والألمانية هي التي برع ~~فيها الابن، والابن لم يلمع حتى في التاريخ، والخامسة عشرة من ثمانية عشرة هي مرتبته ~~في علم البيان، وفي جدول لعلاماته يعزر «من أجل تطاوله # 13 ~~... ولم ينزع إلى ما يجب عليه من توقير أساتذته»، وهو - دوما - يحاول ~~النوم طويل زمن في الصباح، وهو لا يشعر بانشراح إلا في ساعة متأخرة من النهار، وهو ~~يظل من عصبيي المزاج مدى حياته؛ فالحق أن بسمارك رجل مساء. # وأخت بسمارك الصغرى - مالوينشن - هي التي كانت تسري عن فتائه # 14 # القاتم؛ هي دونه سنا باثنتي عشرة سنة، هي بهجة أبويها، هي ألعوبة ~~إخوتها. # وفي الرابعة عشرة من سنيه يقول بسمارك في كتاب له: «إن مالوينشن تتكلم باللغتين: ~~الألمانية والفرنسية، كما يشاء هواها، وهي تعرفك جيدا.» # ويبلغ بسمارك السنة الخامسة عشرة من عمره، فيباح له أن يقضي عطله الكبرى في ~~المنزل، ويطيب له «أن يتلهى قليل الساعات مع زوجة أحد المالكين المجاورين الحسناء»، ~~ويبلغ بسمارك السنة السادسة عشرة من عمره فتكون له مغامرة في مركبة بريد مع «قهرمانة # 15 # جميلة» منحرفة المزاج قليلا، فيغمى عليها فتقع بين ذراعيه، وهذا إلى ما ~~كان من إيصائه أخاه بأن يرسل على حسابه «علامة حب» مغفلة إلى جارة ذات دلال. ~~وتجد سمة الشك حتى على رسائله التي كان يكتبها في الريف ابنا للخامسة عشرة من ~~سنيه؛ ومن ذلك: # فر من السجن، ذات يوم جمعة، ثلاثة فتيان كثيري الرجاء، فكان أحدهم حارقا ~~متعمدا، وكان الثاني قاطع طريق وكان الثالث لصا ... وفي المساء تخرج كتيبة ~~كنيبهوف الملكية المسلحة المؤلفة من خمسة وعشرين مقاتلا؛ لتعقب أولئك ~~الغيلان ... ويستحوذ الذعر على جنودنا حينما التقت مفرزتان فتساءلتا يائستين، ~~ولكن مع فزع، فلم يجرؤ أحد منهما على الجواب. # وأحوال مثل تلك مما يؤدي - بين السنة السابعة عشرة من عمره والسنة الثامنة عشرة من ~~عمره - إلى إنكاره العقيدة والفكر إنكارا مطلقا، ويشتق معتقده السياسي الوجيز ~~الأول من ارتيابه العام، فلما غادر المدرسة في السابعة عشرة من سنيه وفي ذلك ms014 الحين ~~توفي غوته، «كان عند عدم نزوعه إلى النظام الجمهوري قانعا - على الأقل - بأن ~~الجمهورية هي أقرب طرز الحكومة إلى الصواب، فيأتي بتحفظات حول خضوع ملايين ~~الآدميين لرجل واحد خضوعا مستمرا ... وتبقى هذه التأملات ضمن نطاق الآراء النظرية، ~~فلم تكن من القوة بحيث تقوض ميلي الغريزي إلى الملكية البروسية، وتبقى عواطفي ~~التاريخية بجانب السلطة.» وهو يعد هرموديوس # 16 # وبروتوس # 17 # مجرمين عاصيين، ومما كان يغضبه أن يقاوم الإمبراطور أمير ~~ألماني. # ولم تتجل تلك المشاعر الغامضة حول الدولة تجليا واضحا بالحقيقة غير مرتين - على ~~ما يذكر - ويلائم تانك الحالان سجيته وتعين على سبر غوره؛ وبيان الأمر هو أنه ~~كان يشعر أيام طلبه بمعارضة في نفسه لأسلوب الخطب البرلمانية، فيقول إنه يحس ~~«نفورا من مطالعة الخطب البرلمانية؛ لما هي مملوءة به من الشتائم الشديدة ... التي كان ~~أبطال أوميرس # 18 # يطربون منها قبل النزال.» وهو لكرهه الثرثرة السياسية كان حتى في ذلك ~~الحين يمقت العمل الهادئ فيراه صنوا للإحساس الحماسي. # وبسمارك ذلك يدين ولهلم تل # 19 # فيقول: «أرى أنه أقرب إلى الطبيعة والنبل قتل تل للحاكم النمسوي من ~~فوره بدلا من توجيه سهمه إلى الصبي الذي يمكن أقدر النبالة أن يصيبه دون التفاحة؛ ~~وذلك لما ينطوي عليه من سخط على نظام ظالم؛ فالاكتنان # 20 # والاكتمان # 21 # مما لا يروقني.» # ومخالفته للدين أمر بين، فاسمع ما يقوله يوم تثبيت عماده عند بلوغه السنة السادسة ~~عشرة من عمره: «عدلت، لا عن عدم اكتراث، بل عن كبير تأمل، عن الصلاة في كل مساء ~~وفق عادتي منذ طفولتي؛ وذلك لما أراه من مناقضة الصلاة لفكري حول الذات الإلهية، فأقول ~~في نفسي إما أن يكون الله هو الذي يخلق كل شيء بقدرته مستقلا عن أفكاري ورغائبي ... ~~وإما أن تكون إرادتي مستقلة عن إرادة الله، فيكون من الانتفاخ أن يعتقد تأثر الله ~~بدعواتنا.» # والذي يقف النظر فيما تقدم هو طراز برهنته، وما كان من نشوئه ملحدا وما كان من ~~بلوغه بطبيعته ارتيابا يتعذر عليه أن يصبح معه مؤمنا من ms015 تلقاء نفسه؛ فأمر يتوقف ~~عليه وعلى والديه، ولكن ما أقامه من دليل في مقتبل عمره فينم على أنه واقعي غطريس لا ~~ينحني أمام أية قدرة عالية إلا بقدر ما تتطلبه الأحوال، ويسوغ ذلك الفتى إنكاره مع ~~اجتنابه التجديف # 22 # على الله جهرا، وهو كسياسي حقيقي يلقي على الله مسئولية عدم الصلاة له، ~~وهكذا ينتحل شهادة حسن حال تنطوي على سخرية، وهو يضع الرب ب «إما ... وإما» تجاه ~~برهان قاطع تجاه برهان قاطع ذي حدين لا عهد للرب بمثله، وليس إجلاله التقليدي بالذي ~~يقلل ثقته بنفسه. # ذلك هو وضع بسمارك للمرة الأولى في حضرة مليك. # | الفصل الثالث # شاب يجوب السوق بخطا بطيئة ووقار مصنوع، وما عليه من نحافة فيكفي وحده ليجذب ~~الأبصار إليه. هو يلبس رداء الزينة وعمرة # 1 # غريبة الشكل، هو يدير عصاه حول رأسه، هو يضع غليونا # 2 # طويلا في فمه، فإذا ما نادى «أريل» فرك ركبته كلب ضخم أصفر، هو يتوجه ~~إلى جامعة غوتنجن فيمثل أمام رئيسها الذي دعا إليه التلاميذ بسبب سلوكهم غير اللائق ~~ولباسهم غير المناسب، ويمر بعض رفقائه بالقرب منه لابسين ثيابا عادية وعمرات ~~تقليدية ملونة فيضحكون، ويتحداهم تلميذ السنة الأولى ذلك من فوره، ويسوي أسنهم ~~الأمر، ويكون لما يبديه من عزم في هذا الفصل الأول بالغ الأثر، ويدعى، ويعرض عليه ~~أن ينتسب إلى الفرقة، ولا يلبث أن يصير عضوا فعالا فيها. # والمباغتة كانت مقصده الأول عند وصول إلى جامعة غوتنجن، ولدينا وصف حي له في ~~الرواية التي دبجها يراع رفيقه في الطلب الأمريكي جون لوثروب موتلي، فنشرها بعد ~~سنوات قليلة من ذلك الحين، وبسمارك في هذه الرواية هو أوتوفون رابنمارك، وموتلي ~~يقول: «هو شاب صغير ... هو لم يتم السابعة عشرة من سنيه، ولكن مع نضج في السجية ... ~~هو يعلو جميع من عرفتهم علوا لا يقاس به غيره ... ومن النادر أن رأيت من هو غير خلاب ~~أكثر منه ... وإن سمت درايته ... بدأت أظنه حسن المظهر نوعا ما، فوجدته ذا شعر ~~أشعث وسط بين الأحمر والأسمر، ms016 ووجدت وجهه أنمش، ووجدت عينيه عاطلتين من اللون في ~~المركز فتخفهما شريطة حمراء كما يبدو، ووجدت ندبة كبيرة، بقية لمبارزة ~~جديدة، ممتدة من أرنبته # 3 # إلى حافة أذنه اليمنى ومخاطة بأربع عشرة غرزة ... وقد حلق أحد حاجبيه ~~حديثا فدل وجهه على خلق عجيب فريد في بابه، وقد كان وجهه نحيلا غير كامل ~~النمو ، ولكن مع طول محتمل ... وكان يلبس معطفا مشوشا بلا طوق ولا أزرار خاليا ~~من الشكل والهندام، وكان يلبس سروالا وحذاء ذا كعب حديدي وذا مهماز هائل، وكانت قبته، # 4 # وتكاد تعطل من الربطة، منثنية على كتفيه، وكان شعره متدليا على ~~أذنيه وعنقه، وكان تعهد شاربيه غير المعيني الهيأة يوجب إكمال جهاز محياه، # 5 # وكان يحمل حول صدره حساما عظيما.» # ومما رواه موتلي - أيضا - أن «رابنمارك» كان يعزف على البيان والكمان، وأنه كان ~~يتكلم بأربع لغات، وأنه يعبر عما في نفسه بفطنة إذا ما كانا وحدهما معا. # ومن قول بسمارك: «إنني بمثل ذلك السلوك والسب وما إليه؛ كنت أريد الانتساب إلى أحسن ~~فرقة، ولكن جميع ذلك ليس سوى لعب صبي، وقد كان لدي وقت واسع، وقد أردت جلب رفقائي ~~إلى هنا كما أقود الناس فيما بعد.» ومن قوله مع اليمين إنه لن يموت قبل انقضاء عشرين ~~سنة إلا ثلاثة أشهر؛ فهو إذا ما بلغ هذا كانت أمامه اثنتا عشرة سنة أخرى، ومن قول ذلك ~~الروائي الفتى بعد ذلك الفصل: «تبصر جوهر بطل يبذر هنا»، وذلك قبل أن يكشف هذا ~~الجوهر للمرة الأولى بعشر سنين. # وما في طالب السنة الأولى ذلك من إقدام وكبرياء وفجور وهيف وعنف مع سلامة نفس، ~~فيناقض مع عند التلاميذ الآخرين، وهو يدعى في الحانة بكندسكوبف وكسوب وأشيل، وهو ~~يعرف بالشذوذ وبالبروسي الشرقي وبالذي لا يجرح. وهو يدل على «غنى صوانه» بمعطفه ~~الأخضر التفاحي ذي الرفرفين الطويلين وبسترته المخملية المزينة بأزرار صدفية. لا ~~بلبس النسيج الصوفي المخطط والقبعة - على حسب عادة تلاميذ ذلك الحين - وهو بعد أن ~~يشرب كثيرا من خمر الرين ومادر يغادر الحانة؛ ms017 ليستحم في النهر ليلا. وهو يعزر ~~على الدوام من أجل تدخينه بلا إذن ومن أجل ما يأتيه من شجار وشغب. وهو يحتقر دروس ~~الأساتذة بأكثر مما يصنع رفقاؤه، وهو ينام دوما عاريا؛ لما يؤدي إليه الكتان من ~~تهييج بشرته، وهو يجتنب الهزوء به لما يوجبه ذلك من إثارته فورا، فيخرج في كل مرة ~~من الصراع منصورا، وهو قد قام بخمس وعشرين مبارزة في فصوله المدرسية الثلاثة ~~الأولى، فلم يجرح في غير واحدة منها، فله بذلك عظيم تأثير في الأسن منه، وله بذلك ~~سريع بلوغ لغايته، فيخشى جانبه. # وعلى المائدة، حيث يفضل أن يتغدى، يتكلم بخمس لغات، والسيد البوميراني ذلك لا ~~يعاشر غير غرباء لذلك، ويتخذ من فوره صديقين فيظلان ثابتين مدى حياته؛ وذلك لما لا ~~يكون بينه وبينهما من نفور سياسي كما بينه وبين الآخرين الذين خالطهم في شبابه، وذانك ~~الصديقان هما: موتلي الأمريكي المرح الكيس # 6 # الطليق من كل وهم، والكونت كيزرلنغ الكورلندي الزاهد الرشيد، ويبقى ~~هذان الرجلان صاحبين وحيدين لبسمارك حتى شيبته، ويصبح مولي الذي لم يكتب إلا في عهد فتائه # 7 # مؤرخا وسياسيا، ويصبح كيزرلنغ عالما طبيعيا فلا يشترك في الحياة ~~العامة. وكلا الرجلين أسن من بسمارك وأهدأ وأنسق، ويجد بسمارك فيهما ما يعوزه من ~~التواضع وما ليس لدى الألمان الذين يعرفهم من الحرية، وكلا الرجلين لم يكن عضوا عاملا ~~في «الفرقة». # وما افترض دراسته له من الحقوق فمن شأنه أن يجعل منه سياسيا، وكان من آمال ~~أمه ذات الحرص أن ترى ابنها يسير على غرار أبيها. وفكر كهذا من سمات الطبقة ~~الوسطى، وهو جدير بآل منكن، وهو غريب في الحقيقة عن آل بسمارك الذين لم يخدم أحد ~~منهم مليكه بغير السيف حتى الآن، والأم لذلك لم تجد ما يحفزها إلى مناهضة ولدها، ~~وللولد هذا لم يكن غير قليل ميل إلى وظيفة ضابط، وكان من الممكن أن يكيف كما يراد ~~في سنوات الفجور المترجحة بين السابعة عشرة والعشرين من عمره؛ لما لم يكن لإرادته أي ~~وجهة في ms018 ذلك الدور. # وبسمارك من الناحية السياسية أيضا كان من عدم الاكتراث ما لا يسير معه وراء ميوله ~~الأولى، فهو منذ البداءة قد اجتنب جمعيات الطلبة الذين كانوا يشربون وينشدون على شرف ~~الإمبراطور والإمبراطورية؛ «لأنهم كان يذمون ما يرى ذلك الطالب من المبارزات وشرب ~~الجعة»، والذين كانت تعوزهم أوضاع الجمعيات الصالحة، وهو قد اعتزل الأوساط التي كانت ~~تشاطر وحدها في ذلك الحين فكرة الريخ سائرا مع مزاجه ومناحيه، ولكنه إذا ما حدث أن ~~استهزئ حول المائدة بالتلاميذ البروسيين - وهذا ما يندر وقوعه في هانوفر - لم يلبث أن ~~يدعو إلى المبارزة ستة من رفقائه مدافعا عن قرار بلوخر في واترلو بحرارة فيقول ~~بعضهم: «إن تلميذ الصف الأول يتكلم كما في زمن فريتز القديم!» # وما كان ليبالي بالمسائل القومية كما يلوح، وما كان ليحضر درس أشهر الأساتذة في ~~هذا الموضوع، وكان يحب أن يشارك رفقاءه الأمريكيين في احتفالهم بيوم الاستقلال وأن ~~يشرب معهم نخب الحرية، ولكن أحد هؤلاء يتكلم عن انقسام ألمانية فيراهن بسمارك على خمس ~~وعشرين زجاجة من خمر الشنبانية بأن الوحدة الألمانية ستتحقق في خمس وعشرين سنة، فمن ~~يخسر الرهان يجاوز البحر ليشربها مع الآخرين، وهو لم يخطئ في غير ثلاث عشرة سنة من ~~العد. # والشكل هو الذي يعنى به في كل شيء وقبل كل شيء، فيقول لأخيه الملازم آنئذ: ~~«لا تكتب إلى المنزل بقسوة، فبلاط كنيبهوف أكثر استعدادا للكياسة السياسية والمدالسة # 8 # الدبلمية مما للغلظة العسكرية.» # ويكلف المظهر والملبس وطراز العيش مالا كثيرا، فلما قضى سنة في الجامعة «حدثت ~~أمور غير مستحبة بيني وبين والدي الذي كان يرفض أداء ديوني ... وما كانت قلة النقد ~~بالأمر الخطير ما دمت أتمتع باعتبار مالي واسع أستطيع أن أعيش به داعرا، والمسألة ~~هي أنني أبدو شاحبا مريضا، فإذا غدوت في البيت في عيد الميلاد عزا والدي ذلك - بحكم ~~الطبع - إلى قلة الغذاء، فأصرح له إذ ذاك مؤكدا مندفعا بأن اعتناقي الإسلام أحب ~~إلي من موتي جوعا، ويقضى الأمر.» أفلم يولد التلميذ الذي يكتب ذلك ms019 دبلميا؟ فما ~~ترى من مداراة الرجال ووزن الأسباب واستغلال الوضع وتسويغ كل عمل مع جعل الخصم ~~مسئولا فينطوي على جميع عناصر الدبلمية، ولم تكن الأم التي أضناها سلوك ابنها ~~لتدرك وجودة غريزة صادقة توجه طموحها من أجل أوتو. # ويعود إلى المنزل ذلك الفتى، البالغ من العمر ثماني عشرة سنة، مريضا مضنى فاقد ~~النشاط، كالشاب غوتة، فيسترد عافيته بفضل راحته الريفية وأطعمته البيتية، فيريد أن ~~يستمر على دراسته، ببرلين في هذه المرة مع سابق قنوط أمه منه «وأمي تفضل الآن أن ~~ألبس البزة العسكرية الزرقاء وأهرع إلى الدفاع عن الوطن في باب الهال؛ وأنهض من ~~الفراش متأخرا في هذا اليوم، فألوح لها راغبا عن أية دراسة كانت.» أجل، إنه راغب ~~عنها، غير أنه رغبته في البزة العسكرية أقل مما في الدراسة، ويعاشر ابن عم له ~~اسمه بلانكنبرغ ويعاشر رون الشاب، ويلاقيهما بعدئذ في أحسم الأوقات، ولكن مع ~~بقاء كيزرلنغ وموتلي رفيقيه المفضلين، ويسكن مع موتلي، ويسر إذ يرى هذا ~~الأمريكي لابسا قبة على طريقة بايرون مع شيء من الألمانية، فيترجم فاوست أو حين ~~يركز هذا الأمريكي رجليه على قضيب النافذة فيرى الناس من الأسفل خفه الأحمر، ولا ~~يفقد بسمارك وعيه إلا بعد أن يكون قد جادل صديقه ذلك هزيعا # 9 # من الليل، فيلجأ هذا الصديق في الصباح إلى البحث حول «إمكان مقايسة بايرون ~~بغوتة»، وما يتصف به موتلي من الجمال والنجل # 10 # والظرف والأنس، فكان يجذب إليه الألمان. وقل مثل هذا عن كيزرلنغ ~~الذي كان بسمارك يعجب بحسنه وألفته ونبوغه في العزف على البيان أكثر مما بذكائه، ~~والحق أنه كان يستطيع أن يدق على ألحان بتهوفن عدة ساعات. وألحان بتهوفن هي التي ~~كانت تحرك ساكن ذلك التلميذ المنهوك. # ويلوح أنه لا دواء لبسمارك، ولا يتفلت شيء من هزوئه حتى نفسه على الأقل، ويقول في ~~كتاب إلى صديق له: «أنتظر فأعيش هنا كنبيل وأغدو ذخرا ثمينا وأتكلم الفرنسية كثيرا ~~وأقضي معظم وقتي في شئون زينتي وأقضي ما يبقى منه في الزيارات وفي ms020 صحبة صديقتي القديمة ~~القنينة، وأقضي المساء في الصف الأول من دار التمثيل فأبدي أقصى ما يمكن من المجون ~~... وهكذا أتبرم بما فيه الكفاية ... ومن غوتنجن تجد هنا ذلك المكسال (ش)، وهنا تجد دوحة # 11 # الأريستوقراطية التي يعوزها كل شيء لتصنع رجلا، لتصنع حاجبا، لا ~~قفلا أمام فوهة، وهنا تجدها مغتبطة بمعاشرة ثلاثين ابن عم لها فلا ترى ما يؤخذون ~~عليه ... هم لا يأكلون ولا يشربون، فماذا يصنعون إذن؟ إنهم يعدون أجدادهم!» # وهل يمكن احتقار الرجال بأبعد من ذلك؟ إنه يزدري الطبقة والصلات والبطالة ~~والتكلف لديه ولدى قريبه، ولكنه لا يبدي أي رغبة في إصلاح نفسه، وهو في فؤاده ~~أسف على ضعفه فقط، وما يبقى له بعد ذلك؟ صل السيف والزواج! # واسمع ما يكتبه من مزرعة أبيه: «وها أنا ذا أفكر في رفض وزارة الخارجية، فأتلهى ~~بسيفي أيام الطلب، ثم أتزوج فأنجب بأولاد وأحرث الأرض وأقضي على عادات فلاحي بأن ~~أقطر مقادير كثيرة من المسكرات، فإذا ما قيض لك ذات يوم في خلال عشر سنين أن ~~تزور هذه البقعة من العالم وجدت ضابطا زراعيا بادنا ذا شاربين كبيرين شاتما ~~مقسما أن يهز الأرض كارها للفرنسيين ضاربا كلابه وخدمه بقسوة عندما تغضبه ~~زوجته، وسألبس سروالا من وثر # 12 # فأجعل من نفسي أضحوكة في سوق الصوف بستتين، فأقوم شاربي بالبرم وأبيع ~~صوفي بثمن أقل مما يجب بتاليرين # 13 # عندما أخاطب بالسيد البارون، وسأشرب نخب الملك في عيد ميلاده وأرفع ~~صوتي بقولي «يعيش!» وسأكثر من الشرب وسأتكلم عن الغلال وعن الخيل على ~~الدوام.» # ويكره بسمارك الزواج فيقيه ذلك منه، ولا تناقض هذه الكراهية خطباته المكررة، بل ~~جاء حل هذه الخطبات دليلا على تلك الكراهية، ويروي موتلي أن بسمارك «يخضع في أمر ~~الحب لغرائزه من غير كبير اكتراث.» وهو في الوقت نفسه «يقع في أشراك الغرام دوما.» وفي ~~تلك الأيام يقول لنا بسمارك إنه كان يزاول أمور الزواج «أو إنه كان علي أن أفعل ذلك ~~لو كانت ميولي الحسية تدوم زمنا طويلا، ولكن الأجمل هو ms021 أنني أزدري النساء ببرودة في ~~كل وقت، فيخدع الناس أنفسهم على هذا الوجه.» # ويبلغ العشرين من عمره فيعده معيد، فيجاوز بنجاح امتحان النقابة، ويزاول القانون ~~في محكمة برلين البلدية لقليل زمن، ويزيد اشمئزازه من مثل هذه الحماقات، وهو لم يواظب ~~على ذلك لكيلا يكره على الجندية من فوره؛ وذلك لقوله: «إنني قاومت ظافرا رغائب ~~أبوي الملحة في ذلك المضمار.» وهو على ما لا تجد له ندا # 14 # في السباحة والمسايفة، ينفر من التمرين العسكري، وهو على العكس يذعن ~~لأمر الذهاب إلى المحكمة، «وليس لدي كبير شوق إلى ذلك الذهاب، بيد أن والدي ~~يودان ذلك، والحق معهم لما قد يؤدي إليه ذلك من تقدمي.» وفي قاعة لهو المحكمة ~~يعجب أمير بروسية بقامة القانوني الشاب أوتو، وقد كان عمره ضعفي عمر أوتو، فيسأله: ~~«لم لا تكون جنديا؟» # بسمارك ~~: # ذلك لما لا أنتظره من ارتقاء في الجيش يا صاحب السمو الملكي. # الأمير ~~: # والآن أشك في أن يكتب لك تقدم في ممارسة القانون. # ومن خلال هذه المحاورة الأولى بين ولهلم وبسمارك، ومن خلال تلك الكلمات المتبادلة في ~~قاعة لهو، نبصر اختلاف طبيعتيهما؛ فأحدهما جندي من كل وجه، والآخر على خلاف ~~ذلك، وفيما ترى الأمير يدهش من عدم انتفاع رجل جميل المظهر بمظهره في أجمل مهن ~~الدنيا؛ ترى ذلك الرجل يوارب فيكلمه عن عدم الرقي، وتمضي أعوام ويكتم أوتو السبب ~~الحقيقي من ولهلم في الغالب مداريا شعور ولهلم العسكري. # ومع ذلك تبصر برلين وعملها الرسمي ومنظر فقهائها المتنافسين ومنظر حياة المحكمة ~~وتأملات المهنة، مما يخرج ذلك القانوني الناشئ من جحوده، فيرى ما يمكن بلوغه من ~~المعالي، ويطلع واحدا أو اثنين من أصدقائه للمرة الأولى على شيء من طموحه الخفي ~~المستتر خلف مجونه، وهو قد أكثر من الحديث حول ذلك ما ادكر # 15 # معه كيزرلنغ كلماته الآتية بعد عشرين سنة: «لا غنية عن الدستور في ~~طريق الشرف الظاهر هذا، ولكن أليس على المرء أن يكون تقيا باطنا؟» ويضيف إلى ذلك ~~قوله متبسما: «لقد أردت أن أزور ms022 حملة أوسمة الصليب حاجا حكيما.» # وعلى ذلك أفلم يبصر بسمارك البالغ عشرين عاما من عمره ما لا يبلغ بدونه شيء في ~~أيامنا ببروسية الحديثة؟ هنالك دستور يزدريه في صميم فؤاده، وهنالك تقوى تعوزه في ~~الحقيقة، وتنطوي تلك الذكريات على صدق لا مراء فيه، وما وصفه كيزرلنغ في ذلك الحين، ~~كما صنع الحاج الحكيم، فيدل على درجة حلم صديقه بما تنم عليه الأوسمة من سلطان إن ~~لم يدل على حبه لهذه الأوسمة نفسها، ولكن هل على المرء أن يكون تقيا في باطنه؟ ~~هذا يعني أن على المرء أن يكون تقيا، وهو إذ ليس كذلك كان ذلك «هراء» فدعنا نملأ ~~كئوسنا إذن. # وإذا أردنا أن نعرف أن ما في قلب بسمارك هو خصم لطموحه، وإذا أردنا أن نرى زهوه ~~الثابت الذي يناهض به ذلك الطموح؛ لم يكن علينا إلا أن نستمع إلى حديثه الكتابي مع ~~صديقه الثالث شرلاخ الذي عرفه منذ أيام غوتنجن والذي كان يراسله صريحا، ولكن على ~~قلة، والذي كتب إليه أيام تمرينه المهني يقول له معترفا: «إن ما كان من إكراه ~~طموحي - الذي كان أقل عنفا تجاه وجهة أخرى - إياي على مهنة لا عهد لي بها سابقا ~~يحفزني إلى سلوك سبيل لا مثيل لها في حياتي فأتخذ جميع الوسائل التي أجدها نافعة ~~لتقدمي، ولا أدري هل أنت مقيم على الابتسام من حماقتي وأنت خلف قدح من خمر شرلاخبرجر، # 16 # ألا إن هذه هي حال نفسية لا أمنع نفسي من وصفها بالسعادة مع عدم أسف ~~عليها، ألا إنني بلغت في هذا الحين من الافتتان بالعمل ما يساورني معه سرور لا نفع ~~فيه كضياع للوقت.» # ولكنه لم ينشب أن يرى ذلك كله موجبا للسخرية، فقد أضاف إليه قوله: «إنني إذا رجعت ~~البصر إلى حياتي وجدتها أمرا موجبا للرثاء في الحقيقة، وأقضي نهاري فيما لا ~~يهمني من الدراسات، وأبدي في أوساط المحكمة والموظفين المسائية ارتياحا لا أحسه ~~أو أرغب فيه لعدم دناءتي، ومن الصعب أن أعتقد أن بلوغي التام للغايات التي أسعى ms023 إليها ~~ونيلي أكبر لقب وأعظم وسام وأرقى مقام في ألمانية مما يمكن أن أكافأ به على ما ~~ألاقيه من حصر مادي وأدبي ناشئ عن مثل ذلك العيش، أجل، إنني أشعر في الغالب ~~بضرورة استبدالي المحراث بالقلم وكيس الصيد بالمحفظة، غير أن صنع ذلك يروقني على ~~الدوام.» # وهكذا يناهض عجبه الموروث عن أبيه ما ورثه عن أمه من طموح ويطارده في زاوية، ~~وإذ إن ما فيه من ثقة بنفسه يصرفه عن الشك في نجاح ما يبدأ به من أمر فإنه يبصر منذ ~~البداءة عدم وجود قيمة جوهرية لذلك النجاح. # والآن يبحث عن النجاح مع ذلك، فتراه يحسب أسرع الوسائل لنيله، ويقدم نفسه إلى ~~الرين ويستقر بالمنزل صيفا بأسره للمرة الأولى في حياته، معدا فيه أجوبة عن ~~وثيقتي امتحان؛ تمهيدا لارتقائه في النقابة، ويصنع ذلك عن عزم، لا عن كبير أثرة، ~~ويصنع ذلك لأنه غادر المدينة ووجد نفسه هادئة مطمئنة في نهاية الأمر. # ويبلغ ذلك السيد الحادية والعشرين من سنيه، فانظر إليه في شونهاوزن حيث عاد ~~أبوه الآن، «فهنالك تبصر بناء ذا ثلاثين غرفة، وتبصر اثنتين من هذه الغرف ذاتي أثاث، ~~وتبصر زرابي شرقية رائعة رثة، لا يكاد لونها الأصلي يبدو، وتبصر ما لا يحصيه ~~عد من الجرذان، وتبصر مواقد تلعب فيها الريح، أي تبصر قصر أجدادي الذي يهدف كل ~~شيء فيه إلى إنماء السوداء. أي تبصر قصر أجدادي الذي تعنى به قهرمانة واهنة ~~ممرضة لوالدي البالغ من عمره خمسا وستين سنة ملاعبة له، والآن أعد نفسي للفحص، ~~وأستمع للعنادل، # 17 # وأتمرن على الرماية، وأقرأ كتب فولتير ورسائل سبينوزا في الأخلاق ... ~~وتروي لي طاهيتنا القديمة أن الفلاحين يسألون عني بقولهم: ماذا يصنع معلمنا الشاب ~~المسكين في هذه الدنيا؟ ولذا لا تجدني راضيا عن شيء كوجودي هنا، وأنام ست ساعات ~~فقط، وأشعر بلذة في المطالعة؛ أي أتمتع بأمرين كنت أظن تعذرهما علي، وأعتقد أن ~~سبب جميع هذا هو ما كان من شدة غرامي في الشتاء الأخير ... ومما لا يروقني أن أفصل على ~~ذلك ms024 الوجه عن هدوئي الفلسفي وعن تهكمي. واها! واها! ستقول: ذلك ولع تعس، تلك ~~عزلة، تلك سوداء ... إلخ، والدنو ممكن، ولست مبال بشيء مع ذلك، وأحلل علل ~~الحب وفق مبادئ سبينوزا حتى أعالجه باعتدال في المستقبل.» # ويجمع بسمارك فؤاده القلق للمرة الأولى ولبضعة أسابيع، بعض الجمع تحت دوح # 18 # الزيزفون والبلوط وتحت أنظار أب طيب، وبفضل عناية فلاحة أريبة، ~~وبفضل عمل متصل، فعاد مزاجه لا ينم على خلع عذار ، بل يدل على رصانة، وكأن ~~سبينوزا يبارك ذلك، فلا يرى تعليم المحلل بفطرته غير أساليب التحليل. # وينال بسمارك أحسن شهادة وأطيب توصية فيذهب إلى إكس لا شابل حيث أرادت أمه، ورئيس ~~هذه المستعمرة البروسية الجديدة كان من آل أرنيم الذين يرجع أصلهم إلى المارش القديم، ~~وأمه تلك رأت أنه إذا ما قضى هنالك أكثر من سنتين سار على أثر جده منكن. # | الفصل الرابع # كانت إكس لا شابل في ذلك الحين محطة ماء معدني وملتقى لثلاث بلدان، وكانت تعج ~~بالأجانب الذين يقصدونها لتبديد الوقت والمال، وكيف يستطيع مفتون في الحادية والعشرين ~~من عمره أن يمارس القانون في بناء حكومي هنالك؟ وكان الكونت أرنيم ممتازا ذا أطوار ~~إنكليزية، فيتقبل ابن وطنه كولي عهد، فيسدي إليه بعد الغداء بنصائح خاصة ويرسم ~~له خطة ثمينة يستطيع القانوني الشاب أوتو أن يجاوز بها جميع المراحل بسرعة فيصل ~~إلى منصب نائب قاض، وهنالك يبدأ الدبلمي الحدث # 1 # عمله «فيتساوى في الأهمية عندي أن يعين مقامي في سان بطرسبرغ أو في ~~ريودوجانيرو.» # بيد أن الغطريس أوتو الذي لم يأل أبواه جهدا في إنالته ذلك الحظ، يزدري ركاب ~~السرج الذي يعرض عليه ليرتقي منه، فيفضل أن يدور بجواده مع فتيات إنكليزيات ~~فيقع وترض أعضاؤه فيعاوده نفوره من الحياة فيقرأ فوق سريره رسالة الواجبات لشيشرون، ~~ويطالع كتاب سبينوزا العزيز عليه، ويتلو قصة ريشارد الثالث ورواية هملت، ثم يشفى ~~ويدع الحكومة وشأنها، ويصول في ملاذ العصر ويحول بأحمق مما كان عليه، ويثير دهش ~~رفقائه حول المائدة بالتهامه 150 محارا وإبدائه لهم أحسن ms025 الطرق في شيها. # 2 # ومن قوله: «والآن يتألف المتكئون على مائدتي من سبعة عشر إنكليزيا ومن فرنسيين ~~ومن شخصي الصغير، ونجلس على أقصى حد أريستوقراطي؛ أي بالقرب من دوك كليفلاند ودوكتها ~~وابنة أخيهما المس رسل التي هي أنيسة جذابة.» # وتلائم ذوقه لورا، تلك الحسناء الهيفاء الإنكليزية والابنة لدوك، فلما غادرت إكس ~~كانت خطيبة لأوتو، وكان أوتو خطيبا لها سرا. # أجل، ولكن كيف يكون لديه من المال ما يستعين به على تزوجها ؟ وتتراكم ديونه كما ~~في الروايات. # وهو في الوقت نفسه يسمع عن آله أمورا تفزعه، وهو بعد ذلك بقليل وقت يعاشر امرأة ~~في الثلاثين من عمرها معاشرة غرام، ثم يلج دورا جديدا، وذلك كله مع صبابة إلى ~~الوطن وشوق إلى زمجرة الأبوين، ومع مجون وديون، ومع صيد وجديد خطط، «وقد علمت ضرورة ~~ملاحظة نفسي، فلا تزال ترى روائية في شخصي.» وهذه هي العبارة الوحيدة التي صدرت ~~بخطه في ذلك الدور، فتلقي نورا على مشاعره الهائجة، # 3 # وتقطع خطباته من تلقاء نفسها. # وفي الصيف تفتنه امرأة إنكليزية أخرى اسمها إيزابل لورين، وهي وإن كانت دون لورا محتدا # 4 # تفوقها جمالا، هي ابنة قسيس، هي شقراء، هي هيفاء، وينال عطلة أسبوعين ~~ويتجاهل ما عليه من ديون عظيمة في إكس، ويتبع إيزابل في ويسبادن حيث يلاقي لورا مرة ~~أخرى لما بينها وبين إيزابل من صداقة، ويجد الوضع حادا إلى الغاية، ويغدو عاشقا ~~لخطيبته الثانية، ويكتب إلى صديقه: # أنبئك عابرا أنني خاطب مفكر في أن أدخل عهد الزواج مثلك، وذلك بأن أتزوج ~~فتاة إنكليزية شقراء باهرة الجمال وإن لم تعرف كلمة ألمانية واحدة، وسأرافق ~~أسرتها إلى سويسرة، وسأودعها في ميلانو، مسرعا إلى أبوي اللذين لم أرهما منذ ~~سنتين، وعليك أن تذهب معي إلى إنكلترة لتحضر عرسي في الربيع. # ويساوره كبرياء آله، ويظهر أنه فوق غيره من الموظفين فلم يفكر في الكتابة إلى ~~رئيسه العطوف في إكس لا شابل إلا بعد شهرين معتذرا له عن غيابه بسبب «أمور تهمه ~~شخصيا على الخصوص»، مطالبا بعطلة أخرى ms026 معربا عن عزمه على «الاستعفاء الرسمي من ~~فوره»، وتزيد غربة آله عنه مقدارا فمقدارا، ويمنع أبوه النقود عنه، وتغدو أمه ~~المريضة غضبى، فلما عاد في آخر الأمر لم يكن لديه دانق # 5 # واحد، فقاسم غريبا ركوب عربته فوجده كريها، وماذا حدث؟ # فاسمع قوله: «كان لدي أكبر حظ لمزاولة أروع مهنة، ومن المحتمل أن كان طموحي الذي ~~هو دليلي يستمر على توجيهي لطويل زمن، أو في كل زمن، لو لم توجب غادة إنكليزية باهرة ~~الجمال انحرافي عن وجهتي، ولو لم تجرني على أثرها فوق بحار أجنبية ستة أشهر، وقد ~~حملتها على وقف المركب في آخر المطاف فخضعت، ولكن غنيمتي أخذت مني بعد شهرين، فقد ~~قبض عليها زعيم # 6 # خمسيني أبتر الذراع صاحب لأربعة حصن ولدخل خمسة عشر ألف تالير، ~~وهكذا أعود إلى بوميرانية بادي الإنفاض # 7 # مريض الفؤاد، مجررا في مركب ثقيل كريه.» # ويصبح مريضا كالمرة الأولى، ويبلغ من توتر الأعصاب درجة يقترف بها أغاليط لغوية ~~كثيرة فيما يكتب من رسائل، ويغدو كامل الكبو، # 8 # فذلك أمر الولد الذي بدد أبواه أحلامه، فيعود إلى منزلهما حيث يلم ~~بها الغم، ويستحوذ حزن شديد على الأم؛ لما كان من تأخر ثراء الأسرة، وتجمع ~~قواها لتعد عملا لولدها مرة أخرى، وتنال له وظيفة في إدارة بوتسدام بعد أن ~~سرحه أرنيم من إكس لا شابل ساخرا لما كان من إبداء البارون الشاب «نشاطا ~~مضنيا، ولما كان من إتيانه جهودا لاغية في صلاته العصرية بإكس لا شابل»، ويلوح ~~التقرير الرسمي عنه أقل لطفا، فمن هذا التقرير عرف في بوتسدام أن الفندقي ~~الذي كان البارون الشاب أوتو يتناول عنده وجباته # 9 # يطالبه هو وغيره بمئات التاليرات وأنه لم يتوار عن إكس لا شابل إلا بسبب ~~ديونه. # وعن ذلك يجيب المتهم بسمارك متكبرا حين يقول: «ليس من مقاصدي أن أعرض حسابا ~~عن شئوني الشخصية على إدارة إكس لا شابل الملكية، وسأقدم شكوى حول قحة التدخل ~~هذه في حقوقي الخاصة.» ويخاطب الأب في أمر تلك الديون فيغضب، ويرفض في ms027 نهاية الأمر ~~أن يستمر على المراسلة في هذا الموضوع، فكان هذا آية على الاستقلال الذي يتمتع به ~~أولئك السادة تجاه سلطان حكومة يستخفون بها مستعلين، ويرجعون إليها وفق منافعهم ~~مستمدين، ويقبل بسمارك في إدارة بوتسدام مع ذلك، وذلك بفضل ما حبي به من حماية، ~~وبفضل ما أعطي من عهد خطي بأن يقوم بوظيفته نشيطا غيورا. # وما كان تصرف أوتو الشاب في بوتسدام أحسن مما في إكس؛ فما رآه من صغر رقعة ~~المديرية ومن هزال البطانة وحذلقة الرؤساء والتدقيق في ساعات الحضور، فقد أسفر بعد ~~ثلاثة أشهر عن تواريه بلا إذن، وما يحدق بأملاك أبيه من دمار فيلوح قريبا، وتمرض ~~أمه في الحقيقة، ولا ينظر أحد إلى ذلك بعين الجد ما حصرت عنايتها في نفسها، وفي ~~نفسها فقط، ويعجز أبوه الشائب من فوره عن إدارة ما يملك، ويقول الأب بإجارة العقار، ~~وتقول الأم بصنع السكر، وفي برلين يرى الطبيب أنها مصابة بالسرطان، وفي برلين تبقى ~~للمداواة، ويكون ابنها بجانبها في الغالب، وتموت بعد مدة، ويحقد عليها لحملها إياه على ~~تلاوة كتب في التصوف بصوت عال عند وسادتها. # ويا ليته يعفى من الخدمة العسكرية! ويبلغ الثالثة والعشرين من سنيه فيقول في كتاب ~~إلى أبيه: «لقد حبط ما سعيت إليه في برلين أخيرا لإعفائي، ويجعلونني آمل ترك ~~الخدمة بعد قليل زمن بسبب ما في عضلات ذراعي اليمنى من ضعف نتيجة لضربة سيف، وأزعم ~~أن مما يؤلمني مد ذراعي إلى الأمام، ولكن هذا ليس علة خطيرة مع الأسف، وليس الأمر ~~في أن أدخل قبل الميعاد بأسبوعين أو ثلاثة أشهر، فلا بد من ختام التدريب استعدادا ~~للاشتراك في العرض؛ ولذلك فإنني سأؤخر وقت ابتدائي بالخدمة إلى شهر مارس مثلا؛ أي إلى ~~أقصى ما يمكن من المدة، ومن ثم تبصر ما كان يساور بسمارك الفتى المفتول الساعدين من ~~فتور حول الجندية، ومن ثم تبصر تظاهره بما لم يكن فيه بالحقيقة من ضعف عضلي طمعا ~~في تركها، والعامل في ذلك هو عدم احتمال هذا الأستاذ في الفروسية ms028 والمسايفة والرماية ~~لكل إكراه، فأقام بذلك دليلا جديدا على إقدامه الذاتي وبأسه الشخصي، وليس زهوه بالذي ~~ينثني، وهو لم يعتم أن تصادم هو والضباط حينما وجب عليه أن يكون من جنود الحرس، ~~«فما أنا بالذي يطيق السير تحت إمرة ضابط».» # وفي تلك الأثناء تسير الأمور في البيت من سيئ إلى ما هو أسوأ منه؛ فربة المنزل ~~مريضة مدللة، والولدان في الخدمة العسكرية، ولا ينتجان شيئا ويحتاجان إلى نقود، ~~ولا يقدر الأب على إجابتهما إلى طلبهما فيستدينان بفائدة 12 في المائة، ويؤدي كل ذلك ~~إلى أزمة، وفي تلك الأثناء يعن خاطر، ومن أين؟ ومن يقدر على بيانه؟ أمن الأم ~~المحتضرة، أم من الأب المضطرب، أم من أرشد الأخوين الذي ما فتئ يداوم على دروسه، أم ~~من ذلك البطال الذي لا يميل إلى أي عمل كان؟ ومهما يكن الأمر فإنهم أبصروا من خلال ~~ورطتهم أن يذهب الأولاد إلى الريف لإنقاذ الأسرة من الإفلاس، ومما لا مراء فيه أن سير ~~بسمارك الموجب لليأس قد عجل الأزمة، وبسمارك هذا قد ذهب إلى أمه وأخبرها بأنه ~~لا مناص له من عمل شيء. # ويكتب الأب إلى ابنه الأكبر قوله: «إن أوتو بلغ من كرهه لوظيفته في الحكومة ما ~~يحفزه إلى النفور من الحياة، ولو كرس معظم سنيه للوظيفة لأصبح رئيسا مع ألفي ~~تالير راتبا على ما يحتمل، ولكن لا شيء يرجى من الطالع، وقد التمس من أمه أن تجد له ~~عملا يقوم به، وهو يرى أن نعود إلى صنع السكر وأن نرسله إلى مغدبرغ ليتعلمه ثم ~~أن نعهد إليه في إدارة المصنع بكنيبهوف، وإن مما يزعجني كثيرا أن أجده تعسا إلى ~~الغاية، وقد رأيت في كنيبهوف درجة اكتراثك للزراعة، وأبصر ما ينتظرنا من البوار إذا ~~ما بقيت في برلين، فتراني قد عزمت على نقل كنيبهوف إليكما واكتفائي بدخل ~~شونهاوزن.» وريثما يحدث ذلك وجب على الأخوين أن يجاوزا الامتحان. # ولا يعسر ذلك القرار على الأب اللين البالغ سبعين سنة من عمره، وتعود موافقة الأم ~~عليه إلى دنو ms029 وقت البوار، وإلى انحلال صحتها على ما يحتمل، ويقترب أجل الأم، ~~ونودع هذه المرأة الطموح التي توفيت بعد بضعة أشهر من تاريخ ذلك القرار، وقد ~~كان عمرها خمسين سنة، وكانت أسيفة مصابة في جميع آمالها بأولادها فتفكر في أبيها ~~غير مبصرة تحقيق هذه الأماني بعد ثلاثين عاما بما يقضي بالعجب. # بسمارك في سنة 1826. # ويرى الأقارب الأباعد الذين لم يبدوا استعدادا لمد يد العون أن يظهروا ~~توجعهم، وترانا مدينين لكتاب ابنة عم موزعة للنصائح بجواب بسمارك المهم الصريح ~~الذي حلل فيه نفسه بأشد مما فعل في حياته، وبسمارك كان عاشقا لها قبل سنة أو ~~سنتين، وبهذا نرى سر تسويغه لهذه المرأة ما صنع، وبسمارك أدرك ما لهذا الجواب من خطر ~~فاحتفظ بمسودته، ثم أرسل هذه المسودة إلى خطيبته بعد عشر سنين لتكون وثيقة لترجمة ~~حاله، قال بسمارك: # إن ما كان منذ البداءة من عدم ملاءمة الإدارة والأعمال الرسمية لي، وما كان ~~من عدم عدي الوظيفة، وإحدى الوزارات أيضا؛ عامل سعادة لي، وما كان من ~~اعتقادي أن زراعة البر # 10 # مصدر احترام ككتابة المراسيم الإدارية إن لم تزد عليها، وما كان ~~من حفز طموحي إياي إلى القيادة أكثر مما إلى الطاعة لأمور لا سبب لها غير ~~ذوقي، وما الموظف البروسي إلا كالموسيقي في جوقة، فسواء عليه أعزف على ~~الكمان أم على المثلث من غير أن يرى المجموعة ويؤثر فيه، لا ينبغي له سوى ~~إنجاز فصله كما هو مكتوب له، بيد أنني أود أن أعزف كما أجده صالحا أو لا ~~أعزف أبدا ... # والحق أن حب الوطن هو الذي يدفع أقطاب السياسة القليلين المشهورين في البلدان ~~ذات النظام الملكي المطلق على الخصوص، إلى سلوك سبيل الخدم العامة، وفي ~~الغالب يتجلى الباعث في الحرص وحب القيادة والطمع في إعجاب الناس والرغبة في ~~الشهرة، ولا أرى غير الاعتراف بأنني لست مبرأ من هذا الهوى، فأجد كثيرا من ~~المميزات، كالتي يتصف بها الجندي في ميدان الوغى والقطب السياسي في البلد ~~الحر مثل بيل وأوكونيل وميرابو ... إلخ، والرجل ms030 الذي يمثل دورا في الانقلابات ~~السياسية، مما يستهويني ويجتذبني اجتذاب النور للبعوض. # وأراني أقل انجذابا إلى كل نجاح يأتيني من الطرق المعبدة بالامتحانات ~~والدسائس والوثائق والقدم وعطف الرؤساء، وأجد - مع ذلك - أويقات لا أفكر ~~فيها من غير أسف على المسرات الزاهية التي تنتظرني في الخدمة العامة ~~والانشراح الذي يتفق له من الاعتراف الرسمي بقابلياتي حينما أرتقي بسرعة، ~~والانبساط الذي يلائم عزتي وقتما أعد رجلا ماهرا نافعا، والمجد ~~الباطني الذي يحف بي وبآلي في نهاية الأمر، ويبهرني جميع ذلك كثيرا إذا ما ~~شربت زجاجة خمر جيدة، وأحتاج إلى تأمل دقيق رزين لأبصر ذلك من الوهم والعجب ~~الذي يحكى انتفاخ المغناج بفعل لباسه أو غرور الغني بفعل ماله، ومن الغفلة ~~واللغو أن يبحث المرء عن السعادة في رأي الآخرين، ومن الواجب أن يعيش الرجل ~~الرشيد من أجل نفسه ومن أجل ما يراه صدقا وحقا، لا من أجل تأثيره في ~~الآخرين، ولا من أجل ما يقال عنه في الحياة وبعد الممات. # والخلاصة هي أنني لست خاليا من الطموح، وإن كنت أعده سيئا كبقية الأهواء ~~أو أكثر منها حماقة؛ وذلك لأنني إذا ما سلمت أمري إليه أوجب علي أن أضحي ~~بجميع نشاطي واستقلالي من غير أن يضمن قناعة دائمة، حتى في أسعد الأحوال، ~~ومهما بلغت من النجاح لم يكن لدي من الدخل ما يكفي لاحتياجاتي ولفتح بيت ~~لي ما لم أبلغ الأربعين وأصبح رئيسا، فهنالك أكون قد هزلت بغبار الأضابير # 11 # وأصبت بالسوداء وصرت مريض الصدر والبطن بسبب جلوسي المستمر، ~~فأحتاج إلى زوج تمرضني. # ولست أغوى بما يساورني من تلك الفوائد الزهيدة ومن رغبة كبيرة في أن أدعى ~~بالسيد الرئيس ومن وثوقي بأن أكون نافعا للبلد بنسبة ما أكلفه مع الزيادة، ~~فقد عزمت على حفظ استقلالي ونشاطي وهمتي، وعلى عدم التضحية بقواي الحيوية، ~~مع وجود ألوف من الأشخاص، ومنهم الأكفياء، من يعدون تلك الأمور ثمينة ~~فيفرحون بشغل المنصب الذي أتركه لهم مختارا. # ومن تلك الوثيقة الأولى عن نفس بسمارك يظهر كبره وبصره وزريه وجسوره ms031 فتتألف من ~~هذه الأمور عناصر خلقه وعوامل نجاحه وأصل عطله من حس السعادة وأسباب عراكه ~~الأدبي القادم، ومن تلك الوثيقة الأولى عن نفس بسمارك يظهر احتقاره لكل حقير ~~وصورة هزلية للطموح الطامع في أن يدعى بالسيد الرئيس ذات يوم مهما كلفه الأمر. ~~وهو بذلك لا يعتقد سعادة الموظف الذي يكون له رئيس دائم مع عطل من الحرية، وفي ذلك ~~آية على ما يواثب شابا في الثالثة والعشرين من سنيه من حال روحية يعارض بها ما ~~يبهر بالهوى، والغرور بالصيت، والاشتراك بالانفراد ، والمقام بالسلطان، وذلك مع تركه ~~القارئ يبصر ذلك التلذذ العصبي بنعم الحياة نتيجة لأثر الكحول، وقد رأينا ذلك ~~الرجل الريفي الذي يود أن يقوي بدنه، وأن يضع صحته فوق المهنة، والغابة والصيد ~~فوق الكرسي والمكتب. # وفوق كل ذلك نبصر فتى ذا عجب لا يوصف راغبا عن إطاعة أي كان شاعرا ~~مقدما بتفه أي مكافأة تقتضي تضحيته بحريته، ويا للعزة التي يدفع بها دليل ~~حب الوطن ويطرح بها الأوهام القومية والمسائل الحكومية التي تحل أو تبسط ~~لينفذ واثقا كلمة الميل والهوى في القلب، وهو إذا ما منح سلطان الطاغية انقض ~~انقضاض البعوض على الضياء ليقود ويشتهر، لا لتحقيق فكرة، غير أن هذا لا يمكن الآن في ~~سوى الدول الحرة كإنكلترة، وفيما هو يدون ذلك كتابة تجد بيل، الذي كان رئيسا ~~للوزارة بالأمس، يجاهد في مجلس النواب من أجل حرية المبادلة ضد حزبه الخاص، وتجد ~~أوكونيل يجاهد - أيضا - من أجل استقلال إيرلندة، فذانك ثوريان، لم يعولا على غير ~~نشاطهما ورأيهما الخاص، لا على رغائب مليك، وكلاهما دعا إلى انقلاب، حتى إن ميرابو ~~أراد تحديد امتيازات النظام الملكي، ولكنك ترى في بروسية، ولكنك ترى هنا، ولكنك ترى ~~في هذه البقعة الألمانية العاطلة من دستور، العاطلة من مجلس شيوخ ومجلس نواب؛ أن ذلك ~~كله حلم بارون خيالي يحاول عبثا إحداث حركة سياسية. # تلك هي صورة عن بسمارك، ويشعر هذا المولود طاغية بقواه الخاصة التي لا يحفزه إليها ~~ولاؤه للملك ولا خوفه من الله ms032 ولا مسئوليته تجاه المجتمع، هو وحيد، هو عظيم، هو ~~يزدري الرجال، وينتظر هذا المكافح، هذا الثوري الفارغ الصبر، تبديلا، ويحتقر هذا ~~المغامر كل ما هو راكد، ولا يود نشاطه العصبي الإدارة، بل يود التحويل، وهو ~~يرغب في القيادة كما يشاء، وهو لا يصفح عمن يعلوه. # | الفصل الخامس # بيوت العمال المستطيلة بكنيبهوف مغطاة بالتبن، وفي كل واحد من اثني عشر من هذه ~~البيوت يسكن أربع أسر، وهذه الأسر فقيرة إلى الغاية، ولا يكاد الرجل منها يكسب ~~تاليرا في الشهر الواحد، وعلى الرجل أن يعمل عدة أيام من السنة بلا عوض، ولأولئك ~~مساكن وحطب وأفدنة ثلاثة ومرعى وعلف وحب، ولهم عون في الموسم السيئ إذا ما أراد ~~سيدهم، وإذ إن كنيبهوف ضرب من الإمارات الإقطاعية؛ فإن السيد فيها يعد رئيسا ~~للشرطة ورئيسا للعدل ورئيسا للكنيسة، وله كرسي في مجلس الولاية وله أن يبدو حاكما ~~فيباح له أن يساعد من يود ويؤذي من يريد، وفي الواقع لم يكن لأولئك الفلاحين حقوق ~~ولا ضمانات حتى سنة 1840، بل كانوا عبيدا متصفين بولاء العبيد، وأجداد هؤلاء كانوا ~~يخدمون أجداد سيدهم الكريم. # ويعاملهم بسمارك وديا ويظل لهم سيدا، ويرسل صديق له كتابا يقول فيه: «حقا ~~إنك أوتو المحبوب، حقا إنك الشريف الذي يحمل قلبا عطوفا على رجاله، ومما يسرني أن ~~يحدث رجالي عني بأطيب القول كما يحدثون عنك.» # ولكن الفلاح يرغب ذات يوم عن الاصطفاف ليدعه يمر، ويسفر ذلك عن اصطدام هائل، ~~وتقاوم عربة الفلاح وتحطم عربة السيد على الطريق، ويمكن تمثل ما ينجم عن ذلك من ~~النتائج، وهو يوضح من البداءة كيف يسير بهذا النوع الجديد من الحياة، وهو يقول في كتاب ~~يرسله إلى صديقه إنه عازم على أن يكون «سيدا، لا خادما، وعلى ألا ينسخ ~~الرسائل.» # وعلى ما كان من حبه القلبي لأخيه لم تدم شركتهما زمنا طويلا؛ فما كان بسمارك ~~ليطيق العيش مع أحد مساو له في الحقوق، فاقتسما الميراث بعد وقت قصير لذلك، والأمر ~~هو كما جاء في كتاب له: «إنني أكاد أقتسم ms033 الميراث مع أخي لما وجدته من مشتر يعرض ~~ثمنا عاليا، فهذا هو عزمي.» ثم يعمل كل من الأخوين على إطفاء الدين بتؤدة ~~ومشقة. # وأراد بسمارك أن يعرف شيئا عن الزراعة فقضى من جديد بضعة أشهر في الجامعة، وحضر ~~دروس كيمياء في غريفسفالد وإلدينا، وحمل كيزرلنغ على إرسال كتب في النبات إليه، ووجد ~~طبيبا يعلمه قليلا من الكيمياء. وتقع مبارزات جديدة ومصادمات مع الشرطة، ويغدو ~~غير تلميذ، ولا يغدو سيد نفسه من جميع الوجوه، ويجلس حول المائدة بين كبار الملاكين ~~الذين أتوا إلى السوق، «وأصغي إليهم كثيرا، ثم أفكر فيما يقولون وأحلم ليلا حول البيدر # 1 # والسماد وجرامة البر». # 2 # ويحافظ على لهجته التهكمية في الحقيقة، ولكنه إذا ما صار في ملكه «مع ما في ابن المصر # 3 # الصالح للكتابة من جهل تام»، حاول أن يرفع مستوى زراعته جهد الاستطاعة، ~~وجلب عددا من الكتب بواسطة الجمعيات الزراعية في الولاية، وأمسك حسابه بنفسه مع كبير ~~عناية، ومسألة القروض التي تؤخذ وتدفع هي أهم ما في دفاتره، وتعوزه النقود في ~~الغالب، لا على الدوام، ويسافر فيرفه عن نفسه وينفق عن سعة، ويقامر في الحين بعد ~~الحين، ولكن مع اعتدال في المقدار، وهو يدخل إلى الحساب جميع نفقاته الخاصة كما يدخل ~~إليه ما يكسب وما يخسر حول مائدة الميسر، ويرافقه خولي # 4 # أو لا يرافقه، فيطوف أحيانا راكبا حصانا، فيعلم ويفحص ويرتب، ويسر ~~على ظهر جواده كالب، وهكذا يتعلم كيف يعرف العوام والفلاحين والتجار وحقائق الأرض ~~وكيف يقدر قيمة الوقت والجزئيات، وينمي ذاكرته بما يثير العجب، ويقوم لسانه ~~بمائة استعارة زراعية، وفي هذه الحياة العملية يزيد تقديره للوقائع ويزيد ازدراؤه ~~للآراء، فإذا ما عاد إلى منزله عشاء أخذ يطالع ويشرب كئوس الشنبانية والبورتو ~~بكثرة. # وتمضي تسع سنين فيقضي بسمارك ثلاثة أرباعها في الأرياف على ما يحتمل، وبسمارك يقول: ~~«ترجع معارفي العامة إلى ذلك الدور الذي لم يكن لدي ما أصنعه فيه فوجدت عند وصولي ~~إلى ملكي مكتبة كاملة فالتهمتها.» ويقرأ كثيرا من كتب التاريخ، ms034 ولا سيما تاريخ ~~إنكلترة، ويقرأ ما تيسر من علم الاجتماع حتى كتب لويس بلان، ويقرأ غير قليل في اللغات ~~الأجنبية، ويقرأ كتب شكسبير - على الخصوص - وكان الكتاب المفضلون لديه هم بايرون ~~ولينو وبولفير. وهو قد كون في العزلة، والعزلة هي التي كونته، وفي العزلة وجد ~~أوقاتا سعيدة فلم يكن لأحد أن يزعجه فيها. ومما كتب: «لا بد من الإقامة بعاصمة أو ~~بالريف.» # وفي سنتين يروق ذلك العمل هذا الرجل البالغ خمسا وعشرين سنة من عمره «بسبب ~~استقلاله» بيد أن هذا الوهم لم يعتم أن تبدد ، فاسمع قوله: «لقد علمتني التجربة ~~أن أعرف عبث الكلام حول السعادة الأركادية # 5 # في حياة خصصت للزراعة، مع إمساك الدفاتر بالطريقة المزدوجة، ومع المباحث ~~الكيماوية.» ويود التنوع فيمتطي الخيل أو يذهب إلى الصيد أو يزور جيرانه ثم ~~يهمهم فيقول: «لأن يشتري هؤلاء غلالي أفضل من أن أدعى إلى الغداء معهم، حتى إن ~~أحدا منهم لم ينظر إلى خرافي، والأثمان تهبط في برلين يوما بعد يوم.» ويركب زورقا ~~أحيانا فيصطاد بطا، ولكن زجاجة الشنبانية لا تفارقه أبدا، ويقرأ كتب بايرون في ~~الفينة بعد الفينة، ويناقض سلوكه كرجل دنيوي سلوك المالكين الآخرين كل مكان، فقد قام ~~بسياحات طويلة وكان في دار القضاء، وهو يعرف أن يتكلم بطلاوة، وهو يركب الخيل بجرأة، ~~وهو ذو إقدام مع النساء، وهو لديه غير سبب ليسخر من أولئك الناس، «فإذا ما سئل أحدهم ~~عن صحته أجاب بقوله: إنها جيدة جدا، ولكنني ألمت في هذا الشتاء من الجلبة.» # 6 # ويكسف صيته شيئا فشيئا؛ وذلك لأنه كلما ضجر حاول أن يتلهى بدعابات مشئومة ~~وأن يلقي الحيرة في نفوس الآخرين ممن يعيش بينهم، وتصبح الخدمة العسكرية ذاتها ~~ألهية لديه، ويغدو ملازما مساعدا في كتيبة الرماة، ويشترك في التمرينات، وتعيش ~~أخته الصغرى عنده الآن، وتثب معه في العربة، ويسوق العربة بأسرع ما يمكن على الرغم من ~~حصاني الركوب اللذين قرنهما بالمجر بقوة. وهو إذا عاد من منادمة على الشراب في ساعة ~~متأخرة من الليل كبا غير ms035 مرة، ولم يرجع إلى وعيه إلا بعد حين، ويستحم كثيرا ويسبح ~~غالبا، وعليه في كل وقت أن يتغلب على أثر البرد أولا. وهو يجد خليلات في جميع ~~الطبقات، وهو يهزأ بأولئك الذين يعيشون رسميا مع أزواجهم، ومما حدث يوما أن تأخر ~~أصدقاء له عن الحضور في الساعة المقررة من الصباح، ومما حدث أن أراد هؤلاء أن يداعبوه ~~فسدوا بابهم بصوان الثياب، ويطلق الرصاص من النافذة المفتوحة على سقف الغرفة حتى ~~يتساقط الجص عليهم، ويتغدى ويجلس على متكأ، ويطلق النار على الهدف متعمدا، ~~وما كان ليزعج من إتلافه خشب الجدار بذلك، ويسقط سائسه في الماء وينقذه مجازفا ~~بحياته. # وإذا ما زاره شخص عرض عليه رحيق الشنبانية وراح بورتو، ثم قال له: أعن نفسك، وبعد ~~منادمة كتلك يذهب - ذات يوم - إلى الدسكرة # 7 # المجاورة مارا عدة ساعات من طرق وحلة فيغتم الجمع الأنيق من مظهره ~~المخزي، وهكذا ينال لقب السيد المجنون، وإن لم يكن مجنونا في الحقيقة، وهو ينال هذا ~~اللقب بسبب شدة نهمه وكثرة شربه وطراز صبره، ويدعوه المدرعون فيطلب منه أن يأخذ ~~الرشفة الأولى من القعب # 8 # الذي يعدل زجاجة كاملة فيجرع ما فيه دفعة واحدة مثيرا دهش عشرائه، ~~وعلى ما كان من عدم انشراحه حتى ذلك الحين يقول لنا: «إن معدتي ظلت أربعة أسابيع ~~أحسن مما كانت عليه.» ويتكلم أحيانا عن سياسة العاصمة مع عدم احترام على الدوام، ويمضي ~~قليل وقت فيجد الفتيات الكونتسات من الممتع دعوتهن إلى الغداء، ولكن وجودهن حول ~~المائدة بجانب فون بسمارك مما يؤلم أمهاتهن. # ويصبح ذات حين موضوع قول في الصحف؛ فقد نشرت إحدى صحف الساحل البلطي الحرة شكوى من ~~الضرر الذي يحدثه أشراف بوميرانية بحصنهم الإنكليزية وكلابهم السلوقية حين ~~الصيد في الحقول التي لا يحميها شيء غير المالك نفسه، ويحاول بسمارك الذي يرفض المحرر ~~نشر جوابه فيصل إلينا هذا الجواب مسودة مع كثير ترميج # 9 # أن يثبت أن تلك المواكب لا توجب أي أذى في المزروعات، وأنها تنفع في ~~تحسين جنس الخيل، وأن ms036 الحصن هي ألمانية، وأن السياط وحدها هي إنكليزية، وأنه يود ~~«أن يفضح كثيرا من كبار الأشرار الذين يجلبون سياطا من إنكلترة فضلا عن صابون ~~الحلاقة والقمصان والجبن المعروف بالشستري.» ثم يهاجم كاتب تلك المقالة فيقول إن ~~عوامل شخصية لا عوامل جدية، هي التي حفزته إلى كتابتها. ومن الواقع أن كان اسمه الخاص ~~وفروده قبضته، ومن الواقع أن تناول المسائل الاجتماعية والسياسية، فقال: «إن مما ~~أعلمه جيدا أن يبدو أشخاص لابسون معاطف حمرا مستوون على صهوات # 10 # الجياد سائرون في مواكب صيد مع كلاب سلوقية مطاردين أرنبا، راضون عن ~~أنفسهم وعن عملهم ، فيمقتهم الأرانب ومن ليس قانعا بنفسه ولا بالعالم، ومن هو لابس ~~ثيابا سودا، ومن ليس عنده خيل ولا كلاب ولا قنص ولا هوس إلى الرياضة.» وقال: «إنه ~~من طبقة أولئك الأشراف الذين يقوم امتيازهم الشامل على إضافة كلمة «فون» إلى أسمائهم، ~~كسحاب مركوم تنقله قوى الدهر الغامض الأمر فيحجب عن ألمانية الحزينة شمس المساواة ~~المدنية والاجتماعية.» ثم ختم كلامه بقوله: «إنه ترك للبوميراني من المنافع ومن ~~الحرية الشخصية ما يمكنه أن يتلهى معه بماله كما يشاء.» # ذلك هو أول اعتراف سياسي صدر عن بسمارك أيام كان في الثامنة والعشرين من سنيه بسبب ~~بعض الأرانب وجذامة # 11 # بعض الحقول، ولكن مع تعزير أولئك الذين يريدون تحدي امتيازه، وبذلك يسير ~~خطوة إلى الأمام، وبذلك لا يقف بسمارك عند الدفاع عن طبقته العليا، بل تبصره يهزأ ~~بالطبقة الدنيا التي لا صيد لديها مع جوابه الخبيث القائل إنه ليس عندها أي هوس إلى ~~القنص، وبسمارك يقابل بين الأرنب وابن الطبقة الوسطى أو الفلاح الذي ينظر حاسدا على ~~الموكب حين مروره مسرعا، ولو سأله أحدهما تعويضا عادلا لأعطاه إياه من فوره، ولكن ~~مهاجمة امتيازاته عند صولة المبادئ الجديدة مما يحمله - في الحال - على التسلح ~~بسلاح أجداده. ولم تكن كلمات بسمارك السياسية الأولى إلا كلمات رجل يجاهد في سبيل ~~طبقته. # وقبيل ذلك يقوده السأم إلى خطبته الثالثة، وخطيبته في هذه المرة هي ابنة من ~~الجوار ms037 اسمها أوتيلي فون بوتكامر، وتعارض أمها في زواجها به، وفي ذلك يقول: «مضت ~~خمسة عشر يوما فتشاجرت مع أم خطيبتي التي أرى من الإنصاف أن أصفها بأخبث امرأة ~~عرفتها في حياتي، والتي لم تبصر أنها بلغت من الكبر ما لا ينبغي أن تعشق معه.» ~~وتود هذه السيدة أن تفرق بين الخطيبين سنة كاملة لسوء سمعة أوتوفون بسمارك، ويتوسط ~~أبوه فرديناند في الأمر كتابة. وأوتو هو الذي أملى ذلك الكتاب السياسي - كما هو واضح ~~- ولا يسعنا غير الضحك حينما نقرأ فيه وصفه لنفسه بأنه «ذو حيوية وعقل عند الإغضاء عن ~~كبريائه»، بيد أن الحماة ظلت صعبة المراس، فأملت على ابنتها (خلافا لما هو مألوف في ~~كنيبهوف) كتابا مؤذيا جائرا. # ويسقط في يد بسمارك بسبب الإهانة على الخصوص، لا بسبب تلك الفتاة التي نسيها في ~~غضون السنة تقريبا، ويرى بسمارك أن «مما ينافي عزته أن يبدي ألم فؤاد جريح، وأن ~~يفرج عن نفسه بإطلاق نار على الإخوان»، ويسيح ويقصد من سياحته «أن يزيل غمه في ~~البلدان الأجنبية»، ويصرح بعد ذلك بقوله: «إنني بلغت من فتور الهمة ما أعد به من ~~السعادة العظيمة ذلك الذي جعلني أغضب على القدر.» ولكن ذلك الجرح ظل ذا أثر عميق ~~في كرامته، فلما انقضت أربعة أعوام أرادت الأم وابنتها تسوية الأمر وإعداد الزواج، ~~فأبى ذلك وقد قال لصديق له: «إن ما كان من مساورة تلك المشاعر في سنوات لإحساسي ~~المهان ومن إخفار ذمتي ومن إخزاء كبريائي ترك في بقية مرارة لا أظنني قادرا على ~~استئصالها. ومما يعسر علي أن أنسى - بعض النسيان - سبا مؤثرا مع رغبتي ~~الصادقة.» وفي ذلك الحين يقول مؤكدا: «إنني لا أستطيع أن أحب.» وهكذا تبصر رسوخ ~~الزهو والحقد في قلب يبدو الغرام والتضحية غريبين عنه في الساعة الراهنة. # وتسوقه تلك السياحة التي قام بها في السنة السابعة والعشرين من عمره إلى إنكلترة في ~~بدء الأمر، وينزل إلى البر في هول، ويبدي ملاحظات حول الصفير يوم الأحد، ويعود ~~إلى السفينة من فوره، ويتوجه إلى ms038 اسكتلندة، ثم يبصر خارج مجلس اللوردات بلندن حصن ~~ركوب تنتظر هؤلاء «بدلا من العربات»، ويبصر أناسا من الوجوه يمرون مسرعين على ~~ظهور الخيل فيؤثر ذلك كله في نفسه كثيرا، ويقيد كل شيء خاص بعالمه، ويقول في ~~كتاب يرسله إلى أبيه: «إن ما يخصص من العلف لخيل فرسان يورك التي لم تشتغل حتى ~~الآن هو بوشل # 12 # جلبان واثنا عشر رطل تبن. ويبدو لي عدم الأهراء # 13 # أمرا غريبا، ويجعل القمح في كدس يترجح طوله بين اثني عشر أونا # 14 # وخمسين أونا على ما يحتمل، ولا تجد بجانب الهواء المغطى سوى هري ~~صغير من مدر.» # 15 # ثم يثني بسمارك على «لطف الإنكليز وأدبهم الجم الذي يفوق ما أنتظره، ~~حتى إنك إذا ما كلمت العوام وجدت فيهم تهذيبا وتواضعا وذكاء.» ويروق بسمارك ما ~~لدى الإنكليز من شهوة طعام فطرية، فيقول في ذلك الكتاب: «ذلك هو بلد النهماء، وفي ~~ذلك البلد لا يقدم إليك الطعام أجزاء، وفي ذلك البلد تجد أمامك حين الفطور - ~~أيضا - أطعمة هائلة لا تخطر ببالك، فتقتطع منها ما تود وتأكل منها ما تريد من غير ~~أن يضاف شيء إلى حسابك.» ولا يدرك أمر تلك الملاحظات التي أبداها لأبيه حول الطعام ~~النفيس الوافر إلا إذا عرفنا ما اشتملت عليه رسائله من نصوص كثيرة، بحث فيها عن ~~ملاذ المائدة بجد عظيم حتى أواخر أيامه. # ويبدو أن من في الدار أقل تأثرا بروح السيطرة من ذلك السائح الذي وصل إلى ~~سويسرة، فيطلب من أبيه وأخيه دفع ما استحق من الضرائب، وكان لا بد من مطالبة هذا أو ~~ذلك بنقد، «أو من المساومة بالقمح أو المسكرات، فآمل راجيا أن تنظر إلى هذا الأمر ~~المستعجل بعين العناية كما لو كان خاصا بك.» # ويعود فيجد ما يغضبه من فوره، وماذا يصنع في هذا الخرق؟ إن بوميرانية بلد ضيق، ~~وألمانية بلد كئيب، والناس في الخارج أحب إلى النفس. # ويجلس بجانب الموقد، ويقرأ ديوان بايرون، وينسخ أكثر قصائد هذا الشاعر الإنكليزي ~~تحديا، ثم يفكر في تقليد هذا ms039 اللورد، ويخبط ذلك الديوان مع دفتر الحساب، ويفكر في ~~رحلة يقوم بها مع رفيق المدرسة أرنيم «في مصر وسورية، وفيما هو أبعد من ذلك - على ما ~~يحتمل - على أن تسير التدابير التي أبصرها حول ما أملك كما أروم. ويلوح لي أن أمثل ~~دور الآسيوي بضع سنين؛ لأحدث تغييرا في زخرف روايتي ولأدخن سجايري على الغنج، ~~بدلا من الريغا.» ولكن ذلك الرفيق يعدل عن مغامرات السياحة تلك مولعا بأخت بسمارك ~~الحسناء مالوين البالغة من العمر سبع عشرة سنة. # وتطرح الهند جانبا، فقد كتب الأب الشيخ فرديناند إلى ابنه «رسالة مبللة بالدموع ~~يحدث فيها عن شيبته (وعن بلوغه الثالثة والسبعين من سنيه أرمل أصم)، وعن ~~دنو أجله وعن طمعه في رؤية ولده»، والآن يسأله صديق له عن سبب عدم ذهابه إلى ~~الهند، فيجيبه عن سؤاله هازلا: «لقد أردت أن أخدم في الهند تحت الراية الإنكليزية، ~~ثم فكرت فيما أصابني به الهنود من أذى.» فبهذه النتيجة البوميرانية انتهت خطته في ~~السياحة العالمية على الطريقة البايرونية. # وروائية المالك الشريف في الولاية هي التي تهدف إلى الحركة والألهية، فتسخر ~~الحكومة إلى هذا الغرض مهما حدث من سوء، ويبلغ الثلاثين من عمره فيقول في رسالة له: ~~«أعيش في الريف وحيدا منذ خمس سنين، ولكنني غدوت غير صابر على حياة العزلة شريفا ~~ريفيا، فأتحرق لأعرف هل أعود إلى الإدارة أو أقوم برحلات طويلة، وتراني مستعدا ~~لشنق نفسي تخلصا من سأم الانفراد هنا، ويخيل إلي أن هذه هي حال المثقف الذي ~~يعيش عزيبا في الريف.» وحوالي ذلك التاريخ يكتب في مذكرته: «قمت بأمور حسابية في ~~النهار كله، وقمت بجولة راكبا وماشيا في النهار كله تحت وهج الشمس، فالحق أن ~~الحياة تبدو كفانوس سحري.» ويرغب في حين آخر أن ينتحل لنفسه حياة الخواص فيقيد اسم عساسه # 16 # ومصفيه باسم حارس الليل والخادم المقطر. # وتتحول عدمية الطالب إلى سوداء شديدة في فارس وحيد في قصره، «فتجدني منذ حضوري هنا ~~فاقد الحس أدبيا تقريبا، وأقوم بأعمالي في الأوقات المقررة، ولكن من ms040 غير اكتراث ~~خاص، وأحاول أن أجعل الحياة مقبولة لدى أجرائي، وألاحظ - غير غاضب - ما يأتونه من ~~اختلاسي، وفي الصباح أكون عسيرا وبعد الغداء أكون يسيرا، ويتألف رفقائي من الكلاب ~~والخيل وأشراف الأرياف، ولي حرمة عند هؤلاء لقدرتي على القراءة بسهولة، ولادثاري ~~كرجل في كل حين، ولاستطاعتي تقطيع القنيصة كقصاب، ولامتطائي صهوة الجواد بسهولة ~~وإقدام، ولتدخيني سجاير كبيرة، ولاقتداري على الشرب معتدل الدم على حين يقع ضيوفي تحت ~~المائدة، ومن المؤسف أنني لا أبلغ درجة السكر، مع أن ذاكرتي تخبرني بأن هذه هي حالة ~~سارة، وهكذا أعيش كساعة عظيمة من غير رغائب خاصة، أو مخاوف خاصة، وتبصر حياتي ~~مملوءة انسجاما وطافحة غما.» # ويغوص أحيانا في عشرة الخواص، ويرجع من رحلة في بحر الشمال الذي يصفه بالمحبوب، ~~ويبلغ ما خسره هنالك من المال حول مائدة الميسر ما يسر معه أن يقول: «كنت حسن ~~التصرف في الحدود فلم أدفع ضريبة دخول.» # والآن تتزوج أخته فيزيد فؤاده كدرا أكثر من قبل، وقد كان عاشقا لها، وقد ظل ~~مغرما بها مدى حياته، ويعدها عنوان الذكاء والكياسة ما دامت فتاة تعبث بغلظته ~~عبثا عجيبا، ويقضي عدة شهور عند أبيه الشائب قارئا مدخنا آكلا شلقا # 17 ~~«ممثلا معه أحيانا رواية يحب أن يدعوها بصيد الثعلب»، ويصف لأخته ~~إحاطة الصيادين والكلاب السلوقية في يوم ماطر بارد لغابة صنوبر صغيرة مشتملة على ~~شرذمة من العجائز المحتطبات - كما هو معلوم - ويصف لأخته كيف يخرج رئيس القنص من ~~الأصوات الحلقية الغريبة ما يحمل به الثعلب الوهمي على الخروج، «فيسأل الوالد بسذاجة ~~عن مشاهدتي ذلك، فأجيبه بكلمة: كلا، مبديا أقصى الدهش، ويدوم ذلك ثلاث ساعات أو ~~أربع ساعات، فإذا ما انقضت هذه المدة زرنا بستان البرتقال مرتين، وزرنا الزريبة # 18 # مرة واحدة في اليوم الواحد، وفي كل ساعة نقابل بين موازين الحرارة في ~~الردهة، وننقر زجاجها فنعلم أن الجو جميل، ونجعل ساعتنا الدقاقة من الاتساق مع ~~الشمس ما تدق به معا على حين تتأخر ساعة المكتبة دقة واحدة.» وهو بعد أن يتندر ms041 ~~بمرارة على ذلك الوجه يحرض أخته على الكتابة إلى الأب عن أعمالها الصغيرة، «فتحدثه ~~عن الخيل وعن سلوك الخدم وعن صرير الأبواب وإغلاق النوافذ وعن أمور أخرى، وهو لا يطيق ~~أن يدعى بالأب لنفوره من هذه الكلمة.» # وهكذا ينمو الصلاح والسأم والتسامح والغم على مقياس ضيق في قلبه، فلا غرو إذا ~~ما حاول في الثلاثين من سنيه أن يعود إلى خدم الدولة للمرة الثالثة، «وذلك لأحرر ~~نفسي من متاعب بيئتي التي تبغض الحياة إلي.» ويكتب ذلك الفتى الشريف إلى رئيس ~~براندبرغ الأول معتزا؛ إذ يقول: «غدت أحوالي لا توجب إقامتي بالريف في الوقت ~~الحاضر؛ فالآن يمكنني أن أسير مع ميلي إلى خدمة الدولة.» أفلا يقال بعد ذلك: إنه ~~يفترض انتظار الدولة عرض نفسه عليها فقط؟ # وتدوم التجربة الثالثة أسبوعين، ولم تكد هذه المدة تنقضي حتى تصادم هو ورئيسه. ويكتب ~~الرئيس الأول قائلا مذعورا: «لقد مرت علي أمور كثيرة في حياتي، فلم أر حتى الآن ~~اقتراف رجل قانوني لثلاث وستين أغلوطة.» وله من المعاذير المألوفة ما يغادر معه ~~وظيفته بسرعة، وهو إذ لم يقابله الرئيس من فوره، قال للخادم: «بلغ الرئيس أنني ~~ذاهب غير آيب.» # 19 # وفي مساء ذلك اليوم يجتمع بالرئيس في وليمة فيسألهما بعض الحضور: «أيعرف أحدكما ~~الآخر؟» # بسمارك ~~: # لم يكن لي شرف ذلك! # ويقدم بسمارك نفسه ويعرب عن عظيم سروره بذلك اللقاء! # وما كاد بسمارك يصل إلى منزله حتى دون مشاعره كتابة، قائلا إنه قام بتلك ~~التجربة «كنشر نفساني للخشب؛ وذلك لأعيد الصحة إلى دماغي بعد أن رهل # 20 # قليلا في الوظيفة بسبب نمطية العمل كما هي العادة. وما أبداه رؤسائي ~~الرسميون من تعاظم عقيم وعطف سخيف فكان غير محتمل لدي أكثر مما في أي زمن بعد أن ~~فقدت عادته منذ زمن طويل.» وهو لم يعتم أن مرض من العمل هو و«خيلي أيضا» حتى ~~بعد أن حل محل أخيه عمدة للناحية، ولسرعان ما ترك هذا العمل كذلك. ~~«وهكذا ركبت نهر الحياة عاطلا من الإرادة ومن أي خدف # 21 ms042 # خلا عطف الفينة، # 22 # ولست أبالي بالشاطئ الذي ستقذفني الأمواج إليه.» # | الفصل السادس # ظلت البياتية # 1 # صاحبة الحظوة بين أشراف الأرياف في بوميرانية زمنا طويلا، وتخرج في ~~المدرسة الحربية فون تادن تريغلاف وصهره لودفيغ غرلاخ، وأخو هذا الأخير القائد ~~العزيز على الملك والمسمى بوتكامر رينفيلد والبارون سنيفت بلساخ، وغدا هؤلاء ضباطا ~~في حرب الإنقاذ، واعتنق هؤلاء جميعهم ذلك المذهب في برلين فنقلوه إلى بلدهم بوميرانية ~~رافضين الكنيسة الحرة، جالبين من بعيد قسيسين مصدقين بهم، واعظين في ديارهم ~~وقراهم، هادين عمالهم، مستغفرين تائبين محاضرين راغبين في أن يحدث عنهم بغيظ أو ~~استطلاع، ولم يفتهم أن يتكلموا عن جزر المحبة. # وكانت ماري فون تادن فتاة حسناء ذات حبور ~~وذات ولوع، وكانت مطربة شهاءة، # 2 # مع تمنع، وقد قرأت آثار جان بول وشعر برنتانو وأوقعت على ألحان ~~مندلسن، وفيما كانت خطيبة للشاب موريتز بلانكنبرغ تعرفت بصديقه فون بسمارك ~~أيام رسمه خططا للسياحة في آسية، ومن الطبيعي أن تقع في هواه من غير إقرار ومع ~~حبها بأن يكرمها بدعوتها خطيبة صديقه، ومن قولها: «إن قوامه الممتاز وسناءه البدني ~~والأدبي مما كان يجتذبني على الدوام، ولكنني كنت أشعر بأنني أزلق معه على جليد رقيق قد ~~يثقب في كل حين.» ولا تعرف هذه العاشقة أين هي عندما تكون في حضرته، وهي تحس أنه ~~عبقري حقا، ومن المحتمل أن تشعر بأنه شيطان، وقد يستنبط من اعترافها ذلك وجود ~~بضعة عشر كتابا صبيانيا أرسلتها من بوميرانية فلم تنته إلينا، وذلك هو الكتاب ~~الوحيد الذي وصل إلينا فنرى منه درجة تأثير أوتو بسمارك في فتاة عاشقة كما يجب أيام ~~كان في الثلاثين من سنيه، وبسمارك ذلك قد عد من الشرفاء، فبدا لتلك الغادة في ~~بوميرانية مثل ميفيستوفل # 3 # غواية. # وهي إذ كانت ابنة بياتي مؤمن حاولت أن تسير أختا له كفتاة تصطاد بصنارة # 4 # في مرفأ، وهي بعد حديث طويل له معها ومع أمها في تريغلاف تكتب إلى خطيبها ~~قائلة: # لم أسمع قط بوجود شخص يحلل إلحاده أو مذهبه ms043 في وحدة الوجود بمثل تلك الحرية ~~والصراحة. وما يساور أوتو من آراء كامدة لا ترضيه فأمر تعرفه، ولا مراء في ~~إخلاصه، وفي هذا ما يشجع إلى الغاية، وهو لا يزال، مع ذلك، ذا خوف أمام ما ~~لديه عن الله من وهم. وهو يذكر جيدا تلك الليلة التي أحياها بآخر صلاة له ~~منقطعا عن ذلك بعدئذ متعمدا. وما يزهو به المؤمنون من أن الحق فيما ~~يعتقدون، ومن عظمة الله الذي لن يبالي بمخلوق حقير مثله، ومن جحوده التام، ومن ~~ميله البعيد إلى الإيمان، ومن عدم اكتراثه للمسرة والألم، ومن غمه الذي لا ~~يسبر غوره، ومن فراغه الذي لا قعر له، فمما يبعده عن العقيدة التي هو ~~عاطل منها في الحقيقة، ومن قوله: إن على الله أن يأخذ بناصيتي أو يدخل ~~الإيمان إلى فؤادي من غير أن أساعد على ذلك أو من غير أن أكون راغبا في ذلك، ~~هو قد كان كثير الهيجان، محمر الوجه حينا بعد حين، ولكن مع عجزه عن الإفلات، ~~هو لم ينصرف، بل داوم على تفاسيره الحارة مع ارتباطه في وعد بالغداء تلبية ~~لدعوة وجهها إليه بعض الجيران. ومن الواضح أن كان أوتو ذا اضطراب مستعذب؛ ~~فقد شعر بنفوذ الحب في نفسه، وأنت تعرف جيدا مقدار ما قد يكون عليه من اللطف ~~وما هو عليه الآن من الأنس. وقد جرى ألف مرة على رأس لساني قولي: أوتو، أوتو! ~~اتخذ حياة جديدة إذن، دع عنك طرق الفسوق إذن! # وتعلم قواعد النصرانية، وتسلح اليوم بمذهب العقليين كما كان عليه في السنة ~~السادسة عشرة من عمره، ولكن مع خيلاء نفس حساسة تأبى كل هم وكل تقدم، وذلك ~~وفق ما كان عليه أيام وظيفته، ومن رأيه أن من شأن الله أن يعيده إلى نفسه كما أن من ~~شأن الملك أن يستدعيه، ثم أصبح من فوره ولدا صالحا، ويعود بعد يومين فيبدو هادئا ~~متأملا رصينا، جزوعا أحيانا. # وتأخذ تلك الفتاة الحسناء المختلجة الصدر بمجامع قلبه، ويجد لذة في كتب يرسلها إليه ~~خطيبها بلانكنبرغ ms044 الذي كان مهتديا أيضا، وعن هذه الرسائل يقول كاتبها: «إنها كتبت ~~بحرارة صديق وحماسة نصراني، فتنزل على فؤادك المريض كبرد عريض مع أشرف ما في الدنيا ~~من مقاصد.» ويكتب بلانكنبرغ ثلاث مرات إلى بسمارك فلا ينال جوابا، ولا بد من أن ~~يكون أوتو عازما على الإيمان وقراءة التوراة والاعتراف بما يكن، وماري وراء ذلك على ~~الدوام؛ وذلك لأن مما يثير خيال هذه البنت هو «تلك الصداقة مع عنقاء بوميرانية ذلك ~~الذي يفترض أنه مثال الصولة والغطرسة التام، ولكن مع كبير جاذبية.» وهي حين أرسلت ~~إلى موريتز «زهرة زرقاء فوضعها على صدره مباركا إياها.» أرسلت أيضا زهرة حمراء إلى ~~صديقه أوتو عارفة معنى ذلك جيدا. # ويحل عيد العنصرة فيؤثر الخطيبان فيه عند وجودهما في غيضة، # 5 # ويطلع الملحد بسمارك على كتاب من صديقة بعيدة مصدورة عاشقة له وعاجزة عن ~~الوفاة حتى يهتدي، ويعقب ذلك كتب مبجلة من بلانكنبرغ مملوءة وعودا مؤكدة ~~وتموت تلك الفتاة الغريبة المصدورة، ولكن مع «يقينها بأنك لن تخسر نفسك. آه، لو كنت ~~تعلم مقدار دعائها من أجلك!» ولم تنته أجوبة بسمارك إلينا، فقد أتلفها بلانكنبرغ بعد ~~ذلك عن حقد سياسي، ولكننا نقرأ في رد عليه: «لم سكبت سخين العبرات؟ ولم ملئت ~~عيناي دموعا عندما قرأت كتابك؟ أجل، يا أوتو، أوتو، إن كل كلمة تكتبها صادقة.» وقد ~~اعترف بسمارك مؤخرا بأن هذه الحوادث كانت ذات أثر كبير في نفسه، ويقطع بسمارك تبادل ~~الرسائل ذلك فورا؛ وذلك لما يسفر عنه كبرياؤه من تعذر احتماله للعطف، وهو لم يلبث ~~أن شعر بأنه مصنف مصفوف أيضا، فعاد لا يطيق سماع كلمة في الموضوع. # ولم تلبث تلك الأرض الحجرية أن امتصت ماء السماء، ولا عجب إذا ما بكى عند سماعه نبأ ~~وفاة فتاة كانت تحبه سرا، وهذا الرجل الطويل النجاد، # 6 # وإن كان كثير المجون، شديد الإحساس فيبكي بسهولة، كما يدل عليه أمره غير ~~مرة في الأزمات السياسية الكبيرة القادمة، وهو ليس بالذي يعتريه ذلك من غير أن يبدي ~~وجدا، وهو ذو ms045 طبيعة غريبة، فتمر طريق الإيمان منها بعد أن تجاوز منطقة الخرافة ~~التي ظل مرتبطا فيها مدى حياته، وهو إذا ما أصابه خير غير منتظر حاول أن يبصر ~~القدرة الصمدانية من خلاله، وهو قد كتب يقول مشيرا إلى خطبته الأخيرة: «لو كان لدي ~~شك في العناية الربانية وفي رضاها الخاص عني لزال هذا الشك عند حل عقدة تلك ~~الخطبة التي استمسكت بها عن وجد شارد.» # بيد أن ارتيابه المتنبه يبدو، فيكتب إلى أبيه بعد عاصفة بحرية قائلا: «لقد أغمي ~~على بعض السيدات، وقد بكى بعض آخر منهن، ولم يقطع الصمت في حجرة الرجال غير دعاء ~~تاجر من بريم بصوت عال بعد أن ظننت عنايته بصدرته أكثر مما بربه. وهكذا كان لنا ~~خلاص بصلاة هذا السيد البريمي في هذه المرة أيضا.» # وأسفر عرس ماري فون تادن عن احتراق القرية كلها بالأسهم النارية، فلما أشار بعض ~~الأتقياء على الناس بالدعاء أكثر مما بالإطفاء استشهد بسمارك بقول كرومويل: «اتكلوا ~~على الرب يا أبنائي، ودعوا البارود يكون جافا!» وركب حصانا وقضى ليلته في ~~مكافحة النار، وفي الغد جادل بعضهم في إباحة التأمين على أنه يجعل الرب افتراضا، ~~فقال بسمارك: «حقا إن ذلك تجديف صرف؛ فالرب يستطيع أن يصيبنا!» # ومنذ قليل شاع في بوميرانية أن بسمارك عاشق للسيدة بلانكنبرغ، والحق أن ذلك لم يكن ~~في غير محله؛ فكلاهما كان يعيش معا، وكلاهما كان يسبح في بحر من الأحلام معا، وكان ~~متعصبا لبايرون، وكانت متعصبة لجان بول الذي لم يعجب به أوتو قط. وهي لم تعتم ~~أن صارت أما، فتقول له «دعني أبلغك أن من يغشون حلقتنا قليلون، وقد قصدتها ~~الآنسة (س) التي هي مليحة، وأن جميع الغواني والعواجز يلدن، وأنني سأكون بعد يومين في ~~كاردومن (من أملاك بلانكنبرغ)، حيث أتناول شايا فنيا، وحيث أطالع وأدعو، وحيث آكل ~~أناناسا.» وبهذا اليسر تراه يقوم بما يفرض عليه من عبء في تلك البيئة ما وجد فيها ~~عافية وما وجد فيها ما يبحث عنه من ذكاء وجمال شكل «وحياة منزلية ms046 أكون عضوا فيها، ~~ومن مقام تقريبا.» # ومن الواقع أن ظلت أعصابه نزقة حتى في ذلك المقام، ويغدو في إحدى النزه ~~سوداوي المزاج من فوره، ويمكن ألين القول أن يقوده إلى الضنى، وتروي ماري «أنه ~~يسهل قياده إذا شعر بأنه قبضة صديق.» ولما أرادت ماري أن تغيظه فأحزنته بصرير ~~كأسين ضرع إليها أن تكف قائلا: «إن هذا يثير الأشجان، إن هذا يذكرني بقصة ~~الكونت هوفمان حول النفس السجينة في كمان.» # وذات يوم يلاقي حنة فون بوتكامر في منزل بلانكنبرغ، وليس لها سحر ماري، فهي ~~قصيرة، وهي سمراء، وهي خفيفة، وهي إيطالية المنظر، غير أنها ذات بصر حديد، وتلمع حرارة ~~فؤادها من عينيها الشهباوين، وتسطع من شخصيتها ذات الحماسة، والذي يميزها من ماري هو ~~ظرفها وعدم تصنعها وعنف مشاعرها، ولا تقدر على التفكير مرتين، ويسهل أخذها بالعاطفة ~~التي تنعش بدنها النحيف النحيل، وحنة من الفتيات اللاتي يتمسكن بأي قرار بعد اتخاذه، ~~وحنة تخصص نفسها، بلا تحفظ، للرجل الذي تهب له حبها، فلا تسأله شيئا لذاتها ~~وتسر بما يحدث من تضحيتها، وكل ما تحتاج إليه هو وجود رجل يكون دليلا لها، وكل ~~ما تقدمه هو ميناء أمين من هبوب الريح. # وتبدأ بلوم ذلك العملاق المكرم على إلحاده لوما صريحا، وإن بدا دليلا لها، ومن ~~المحتمل أن أغضت عن ذلك ذات حين، فقد كتبت ماري تقول لها: «إن مخالفتك لم تزعجه ~~بالحقيقة، فهو يحب الصراحة، وهو سيغير آراءه كما تخبرين، وهو يفكر وفق ذلك في ~~سويداء في فؤاده، ولكن من يكون ذا مزاج مثل مزاجه لا يكافح في سبيل النور بسرعة ولا ~~بسهولة، فيظل ذلك مكنونا فلا يبدو لعيون الناس إلا بعد زمن طويل.» # وتصيب ماري المحز في وصفها ذلك، وهي تشبهه بنهر جامد، فلا يذوب إلا مؤخرا ~~وبشدة، وهي تبصر فيها طبيعة غامضة، وهي تحفزه حفزا رمزيا إلى ولاية في الأسداد، وهو ~~يرغب في سماع اختلاج نهر الإلبة في الربيع، وهو يود أن يلاحظ المجرى العظيم حين ذوبان ~~الجليد، وهو يحب أن يوجه ms047 مياهه كما يحب أن يوجه الحركات السياسية العنيفة، وكما يحب ~~أن يوجه نفسه. # ويغادر بسمارك بوميرانية إلى شواطئ الإلبة، فيكون ذلك أكثر من رحلة؛ فقد مات الشيخ ~~فرديناند في نهاية الأمر على الرغم من خمر شيري ورحيق بورتو، ويضطلع ابنه الأصغر بملك ~~شونهاوزن في وادي الإلبة، ويؤجر كنيبهوف، وفي كنيبهوف قد ترعرع، وكنيبهوف هو المكان ~~الذي تصرف فيه آل بسمارك وأداروه وحدهم منذ قرون، فكان له بتلك الإجارة ألم وندم، ~~واسمع ما يقول: # كان يسود جميع المروج والمياه وشجر البلوط المجرد غم ناعم عندما ~~ودعت، وقت الغروب، وبعد كثير من الأشاغيل، تلك الأماكن العزيزة، حيث كنت ~~أسبح في بحر من الرؤى والحسرة في الغالب، وهنالك حيث كنت راغبا في شيد منزل ~~جديد أبصرت هيكلا عظميا فعرفت أنه لجوادي الوفي كالب الذي امتطيت صهوته ~~مدة سبع سنين مسرورا ومحزونا، نشيطا ومتثاقلا، قاطعا فراسخ وفراسخ، وقد ~~فكرت في الخلنج # 7 # والحقول وفي البحيرات والبيوت وساكنيها الذين كنا نتعداهم حين ~~العدو فتمثلت لي حياتي منذ صباي وقتما كنت ألعب في ذلك المحل ~~نفسه. # وكان ماء السماء ينزل رذاذا # 8 # على النجم # 9 # والعوسج، وقد أنعمت النظر طويل زمن في شحوب الغروب فملئت ~~مرارة وأسفا على ما بددته قصدا من مواهب الشباب ومن الذكاء والثراء ~~والصحة والعافية، خليا كسولا، ولوعا بالاستمتاع، عاطلا من الهدف، بعيدا ~~من الفلاح، وأعود إلى البيت كامدا خامدا فيخيل إلي أن كل شجرة ~~غرستها، أو كل بلوطة تفيأتها مستلقيا على الكلأ، تلومني على تسليمها ~~إلى أيد غريبة، وأبلغ من ذلك ما أبداه جميع عمالي الذين وجدتهم متجمعين ~~أمام بابي لبث شكواهم من البؤس الراهن ومن الغم المقبل الذي يلاقونه من الخائل، # 10 # ويعربون لي عن طول الزمن الذي قضوه في خدمة والدي فيبكي شيبهم ~~وتدمع عيناي. # ومن يقرأ ذلك الكلام المملوء حنانا، والذي يذكرنا بعضه الشعري بوداع غوتة لمغناه # 11 # الصيفي، يسأل عن سبب التبديل، أي عن صدوره عن علل مالية أو عن رغبة في ~~منزل أجمل من ذلك، فلا ms048 شيء من هذا، وإنما الدافع إلى ذلك هو الطموح والرغبة في ~~السير. # حقا إن موت أبيه في ذلك الحين، وصلاته بذلك الوسط الأدبي النشيط الذي وصفه في ~~صفحات قليلة، وشعوره ببلوغه الثلاثين من عمره وبوجوب وضعه حدا لجميع مغامراته من ~~فوره؛ كلها أمور أثارت فيه ميلا جديدا إلى العمل على مقياس واسع، فتستحوذ عليه هذه ~~الرغبة مدة نصف قرن بعد ذلك مع تموج خفيف، وفي البداءة تدعه # 12 # الأحوال دعا إلى الحياة العامة في البيئة التي يجب عليه أن يدير شئونها ~~بحكم الوراثة، وخططه مما يمكن تحقيقه في سكسونية بسرعة، وتفتح إدارة الأسداد على ~~شواطئ الإلبة بابها له، وينبه ذلك الأمر فيه شعورا راقدا حول نصيب ذلك النهر الذي ~~وجب عليه أن يصف أزماته ببلاغة، شعورا أصبح لزاما عليه أن يحوله إلى أعمال، ~~والمسافة بين إدارة أسداد الإلبة واللندتاغ غير طويلة، ولحلقة البيتان علاقات ~~كبيرة ببوتسدام، ويود بيتاني في ذلك الزمن تسهيل دخول بسمارك في الإدارة، ~~فيعرض عليه حتى منصب مندوب ملكي في بروسية الشرقية، فيبدي بسمارك عدم ميله إلى ~~القبول في كتاب يرسله إلى أخيه من شونهاوزن: ~~«لا ريب في أن الترقي يكون حليفي ببروسية الشرقية، ولكن من سوء حظي أن كل وظيفة ~~أنالها تظهر لي مرغوبا فيها إلى أن أشغلها، ثم أجدها ثقيلة مملة، وسيكون مثل هذا ~~نصيب المنصب الذي يعرض علي، وإذا ما ذهبت إلى بروسية الشرقية رفضت مديرية الأسداد ~~التي وعدت بها من قبل الحكومة، ولكن إدارة الأسداد مع العمل في اللندتاغ الذي ~~أراني مطمئنا إلى انتخابي عضوا فيه، مما يدنيني من مراقبة أملاكي، وأوجه همي ~~إلى تأدية بعض الديون قبل كل شيء.» وهو في الوقت نفسه يصر على نيته أن يكون عمدة ~~الناحية هنالك، ويلوح أن الموظف العتيد لا يظل في منصبه أكثر من ثلاث سنوات أو أربع ~~سنوات، «لما عليه صحته من وهن باد، فتبصر أن خططي تقوم على آراء طبية، وستقام ~~حفلة رقص في راتينوف يوم السبت، ولا أذهب إليها، فليس لدي قفاز، ms049 فأنا ~~حاد.» # وهكذا يحسب ما يصير قبل أن يسير، فيوعد بإدارة الأسداد ويثق بانتخابه عضوا في ~~اللندتاغ ويقدر مدة مرض سلفه، ثم يسأل عن عزل رئيس الأسداد لغيابه بلا إذن، وهو ~~حين يلتمس المنصب يطالب بخفض الضرائب النهرية المفروضة على أملاكه، وينبش نظاما ~~قديما قائلا بأن يولى رئاسة الأسداد رجل مثله ذو أملاك واقعة على شواطئ النهر، ~~ويعود إلى مبادلة أراض فرضت على أجداده منذ بضعة قرون دعما لادعائه بالمنصب، وهو ~~يجد في ذلك حقا، وهو ينتحل بذلك إنقاذا لجيران من موظف كسلان، وهو يصنع ذلك حفظا ~~لأطيانه وخفضا لضرائبه وفرضا لاسمه على الولاية حتى يغدو نائبا وعمدة ~~ناحية. # والنشاط والاستعداد والذرائع والإنجاز وابتغاء السلطان؛ أمور أظهرها بسمارك في عمله ~~السياسي الأول فكان له بهذا العمل فلاح ثابت سريع، حافز إلى قيامه بجديد الأفعال على ~~الدوام. # | الفصل السابع # يقع بيت الأسرة بشونهاوزن بين شجر الزيزفون وشجر البلوط الكبير. هو منزل ~~جليل، هو مسكن متين، هو ليس قصرا، بل هو حصن حصين، فمن ينظر من إحدى نوافذه إلى ~~الخارج يشعر بأنه في حرز حريز، ويصفه بسمارك لصديقه وصفا مؤثرا، فيقول: # إذا كنت عند النافذة فسرحت طرفي # 1 # من خلال سيغاري الذي أمسكه بيدي اليسرى ووجهته نحو الشمال ~~أبصرت - يمينا ويسارا - شجر الزيزفون المسن، ثم أبصرت حديقة قديمة ذات ~~سياج مشذب، وأبصرت آلهة مصنوعة من حجارة رملية، وأبصرت بقسا، # 2 # وأبصرت شجرا قصيرا غير مثمر، وأبصرت وراء ذلك مروج بر # 3 # كبيرة (لا أملكها مع الأسف)، وأبصرت - على بعد فرسخ مني وعلى ضفة ~~نهر الإلبة العالية - مدينة أرنيبرغ الصغيرة، وإذا ما كنت عند نوافذ الوجهة ~~الجنوبية أبصرت أبراج تانغرموند، وأبصرت قبة ستندال من الناحية الغربية، ~~وإذا ما رجعت البصر إلى الداخل وجدت بيتا ذا طبقات ثلاث وذا جدر ثخينة ~~قديمة، ووجدت هذه الجدر مغطاة بأدم # 4 # ونسج ذوات زخارف شرقية ومناظر عامة، ووجدت رياشا حريريا ~~ذاويا زالت عادته، وأثاثا مضى ذوقه، ووجدت - على العموم - جهازا يوحي ~~بيسر المالك العتيد أكثر مما يوحي ms050 به تراث أجداده التليد. # والزوجة هي أول شيء يبحث عنه سيد المنزل القديم، وقد كان هذا موضوع النقاش ~~الدائم بكنيبهوف في سنوات أبيه الأخيرة، ومن هنالك ومن أوتو في رحلاته كانت ترفع إلى ~~الوالد تقارير كثيرة مريبة حول الأمر، «وأعرف لويز (س) وهي تبدو باهرة الجمال ~~أحيانا، وسوف تفقد نضارتها باكرا فتغدو حمراء الوجه، وقد عشقتها مدة أربع وعشرين ~~ساعة، ومما يسرني أن تصبح زوجا لماير فتقيم بسيلوف»، ويفرز النساء في جزيرة ~~نوردرني، فيميز الكونتس ريفنتلو «ذات الأسنان الرائعة واللون النحاسي، والتي ستصير ~~يوما رئيسة جليلة لإحدى المبرات»، والسيدة فون ريتزنشتاين «التي تعد بنتها ~~البالغ من الحسان فتكون زوجة رائعة العشرة في نزهة، وهي تتصف بالطول والنحول وحسن ~~الفهم، وهي من بنات الموزيل، وهي حسنة الخلقة، وهي ليست بالفاترة ولا ~~بالمرة.» # وكل نعت ينم على العارف بالنساء، فهو يفرز السيدات كتاجر الخيل، وهو يكترث ~~لنسبهن أكثر مما لثرائهن؛ فما كان بسمارك ليتزوج من أجل المال، والآن يبدو الأمر ~~جديا في شونهاوزن؛ فقد جاء في كتاب أرسله إلى أخته: «يجب أن أتزوج حقا، ~~وليستحوذ علي الشيطان، وذلك أمر جلي لدي؛ وذلك لأنني أشعر منذ وفاة والدي بأنني ~~وحيد متروك، ويجعلني الجو الرخو الرطيب سوداويا خموليا غراميا، وسيكون الحبوط ~~نصيب كل مقاومة في ذلك، وسأتزوج ه. ا. في النهاية، وكل إنسان يتمنى لي ذلك ... أجل، ~~إنها توحي إلي بالفتور، ولكن هذا هو شأن غيرها من النساء أيضا، والعفريت يعرف من ~~أين يأتي ذلك، ولا معدل لي من الاعتراف بأنني لا أزال ذا هيام بزوج صانع العجل ~~الخئون، ولي في ذلك تقدير لنفسي مع ما فيه من ضعف، ومن الجميل ألا يستطيع المرء ~~تغيير حبه كتغيير قمصه، وإن ندر هذا العمل الأخير.» # وقد قضى عاما أو يزيد في بيئة البياتيين أيام تلك الاعترافات الصريحة «بأسلوبه ~~الخاص» وذلك الغرام المذكور آنفا، وقد تعرف بحنة فون بوتكامر قبل موت أبيه بسنة ~~واحدة في الحقيقة، فكان لديه قليل استعداد ليؤثر في طراز عيشه تأثيرا باطنيا ~~إذن، ms051 بيد أن آل بلانكنبرغ ما فتئوا يفكرون في الزوجين اللذين لم يكن اجتماعهما في ~~وليمة عرسهم وليد مصادفة، وهذا ما حفزهما إلى دعوة بسمارك وحنة إلى السياحة معهم في ~~جبال الهارز صيفا، ومما لا مراء فيه أنهم لم يكونوا خالين من الرأي في إنقاذ روح أوتو ~~بتزويجه تلك البنت التقية، ومن الرأي في مشاهدتها تتأهل بشريف ملحد، ومما لا ريب ~~فيه أن بلانكنبرغ حدث صديقه عنها قبل أن يجتمع بها، ~~«وهي ذكية إلى الغاية، وهي بارعة في الموسيقى، وهي ~~عذبة موهوبة مبدعة خالصة التقوى، وهي ماهرة في رقصة الدوران مع روعة وبساطة بما لم تقع ~~عيناي على مثله قط، فتعال وانظر! فإذا ما رغبت عنها اتخذتها مثل زوجة ~~ثانية.» # وقد صيغ ذلك الوصف بدهاء مؤثر في بسمارك، وهو في الحقيقة عاطل من الإسراف في ~~التعبير العاطفي الذي يتخذ في الكتابة عادة، ووصف ماري لها فيما كتبته أكثر ~~تعظيما وأشد غرورا؛ فقد قالت: «إنها زهرة عطرة لم يطمثها # 5 # نسم سام ... ولا شيء أكثر روعة في مظهرها من عينيها وخصل شعرها ~~الطويلة السود، هي تبدو نامية، هي تبدو صريحة القول، هي مليحة، هي مرحة مع كل إنسان، ~~ذكرا كان أو أنثى، هي لا تفرق مثلنا بين المغري وغير المغري، وإن كانت تشعر بذلك، ~~هي فتاة في أعماق نفسها، هي رائقة صافية كالسلسبيل.» # 6 # والذي يميز حنة من أصدقائها الأتقياء هو ما عليها من مناكدة تمت إلى السخرية بصلة، ~~وهي تدنو بهذا من أصحاب الارتياب، وما كان ذكاؤها وحده ليستهويه بغير ابتكار وإطراب ~~ورقص وحديث طليق مع هذا وذاك، وما كان إيمانها أو ذكاؤها هو الذي يحفزه إلى الزواج بها، ~~بل نضار # 7 # قلب إنساني جامع لما يعوزه من صفات إنكار الذات، بل قدرتها العاطفية ~~على استيعاب كل أمر تختاره، ولم تكن ابنة صغيرة لديه، وإن كانت دونه سنا بتسع ~~سنين، ودون تجربة بمائة سنة، بل هي رفيقة تدع له أمر القيادة، وترضى بآرائه ~~وتقاسمه همومه وآلامه وهزوءه وازدراءه، وهي تساويه تحديا ms052 تقريبا وإن كانت أقل ~~منه عجبا، وهي لينة الجانب في المنزل، وهي شديدة الخصام، وهي منسجمة النغم مع ~~الحشمة، وهي غضوب مثله على الأعداء، ولكن باتزان لا عهد له به. # وفيما يلوح أن حنة تنال حظوة بسرعة في أثناء تلك الرحلة بجبال الهارز، وفيما ~~«يعجب بسمارك بأنسها ودلالها» كان يتبادل الحديث هادئا هو وماري التي هي أنضج ~~وأكبر عقلا وأرق قلبا منها فتلقي ماري نورا على ذلك في مذكرتها بقولها: «هو ~~يحب العزلة، هو ينشد الراحة، هو يحاول كل شيء على غير جدوى.» # فهذا هو استسلام رجل يعرف أن خياره قد يسوقه إلى السعادة، ولكن مع دلالته على ~~الإقلاع والعدول، وبمثل هذه المشاعر يقتحم بسمارك سياج الزواج. # ومع ذلك تبصر نور القمر، وتبصر صفاء، وتبصر مغارة وهامة، # 8 # وهو يدعو إلى تناول رحيق الشنبانية دوما، وهو يؤدي بدل كل شيء، وهو ~~يقوم بتنظيم كل شيء، ويعود إلى الدار، ويأخذ رسائل من بلانكنبرغ حول هدايته ~~فتؤثر هذه الرسائل فيه فيبدأ بتلاوة التوراة ويحدث عن الرب بتحفظ، ويكتب رسالة ~~حول موضوع حنة فيذكر فيها أنه لا يخاطر بنفسه بعد الآن، وتكتب تلك الرسالة التي ~~أتلفت مع غيرها باللغة اللاتينية، وذلك مداراة للسيدة إذا ما وقعت في يدها. # وتنتشر النزلة الوافدة # 9 # في بوميرانية فجأة، فيموت بها أخو ماري، وتمرض بها أم ماري فتلزم ~~فراشها، وتمرضها ماري، فتكتب إلى بسمارك ذات ليلة كتابا وديا، تدعوه فيه إلى ~~الحضور بسرعة، وتموت الأم ويأتي، وتدور أحاديث طويلة، وتقام صلوات في المساء، فلا ~~يركع مع الآخرين، ولكنه يبدو كثير الخشوع، ثم تمرض ماري نفسها فتصاب بنوبات إغماء، ~~وترسل إليه وتخبره بأنه أنى # 10 # له أن يهتدي، وهنالك امرأة أخرى تدعو له وهي تحتضر، ويؤثر في نفسه ~~فيسأل: أفلا يقرر ذلك سيره نهائيا؟ وتلين قناته، ويصلي للمرة الأولى منذ خمس ~~عشرة سنة من أجل شفاء صديقته «غير مفكر في صواب الصلاة». # ويعلم دهشا درجة صحو المحتضرة وصفاء روحها، وهما يعدان الموت بدءا للرحلة قبل ~~الأوان، فلا بد ms053 من اللقاء، وتقضي ماري نحبها، # 11 # فيسقط في يد صديقها الذي أحبها، وما كان ألمه من غير أثرة خالصة، فقد ~~قال: # يعبر حزني الأول عن أثرة عاطفية بسبب ما منيت به من فقد. والحق أن هذه ~~هي المرة الأولى التي أخسر فيها شخصا بالموت، لما ترك ارتحاله من فراغ كبير ~~غير منتظر في حياتي، وفقدان الأبوين من نوع آخر، فما بين الولد والوالدين من ~~صلة فليس صميميا بتلك الدرجة عادة، وما كان من شعور عميق بأنني لن أرى من ~~هي عزيزة علي لازمة لي، وبأنني لن أسمعها فأمر جديد يصعب علي أن أعتقد ~~معه صحة ما حدث فأصدقه. # بسمارك في سنة 1834. # ويرى صديقه الأرمل ثانية فينطق بالكلمات المؤثرة الآتية: «ذلك هو الفؤاد الأول ~~الذي فقدته والذي أعلم أنه كان يخفق بحرارة من أجلي، والآن أومن بالأبدية، وإلا لم ~~يخلق الله العالم!» # وفي هم يساور قلبه وفي حال طبيعية جدا يسير إلى الصلاة ككل إنسان مؤمن أو ~~غير مؤمن، ويصلي حتى في «القطار» كما روى بلانكنبرغ ساخرا، ويتوجه إلى الله على ~~أبسط وجه في العالم وبين الوجد والحداد تلبية لدعوة المحتضرة وصداقة الأحياء، والآن ~~أيضا يأتي بتحفظ على شاكلته، فيترك المرتاب باب الاعتزال مفتوحا، فلم يغب عنه ~~أيام نضجه ذلك الوضوح الخصر # 12 # الذي فسر به حين كان في السادسة عشرة من سنيه سبب تركه الصلاة وما ~~قاله لصديقه فيثير ارتيابا كبيرا في اعتقاده أن الرب برأ العالم على الرغم مما ~~ذهب إليه سبينوزا. # ويكتب بسمارك من بيته في عشية سفره كتابا إلى صديقه فيلخص له الحادثات، ويصف له ما ~~أورثته إياه من الانطباعات، ويثور صدر الصديق بلانكنبرغ ويبكي، ويقول بصوت عال: ~~«إنك تلقي من السعادة في نفسي ما يعجز القلم عن وصفه!» فتلك التصريحات الطبيعية ~~الصادقة الصادرة بعد محن الأسابيع الأخيرة عن بسمارك المرهف الحس وفق مزاج آل بيته، ~~توحي برغبته في نيل تلك الفتاة التي عاش أبوها خالص التقوى فلم يكن بياتيا فقط، بل ~~كان متصوفا أيضا، وما كان ms054 إعرابه عن إيمانه بالله خداعا، بل عن غرور ذاتي - على ~~الأكثر - وما كان له نفع مادي من ذلك الزواج بالحقيقة، وما كان الهوى ليحفزه إلى ~~الاقتران بتلك الفتاة في الحقيقة، فهو قد أرادها لمحيطها الخاص الذي صار مقاما ثانيا ~~له، ويبدو إيمانها غريبا عنه، ويغدو مقبولا لديه مع بعض التحفظات، وبينما ترن في ~~نفسه دعوة امرأة محبوبة لم يملكها قط تتحول مشاعره إلى دعوة امرأة أخرى يجدها ~~أهلا لتكون رفيقة صالحة له فيود أن يتزوجها لهذا السبب. # وتمضي أسابيع قليلة، فيجتمع بها في بيت آل بلانكنبرغ مرة أخرى، فيبدي ما في ~~نفسه ويقبل من فوره، وفيما هو راجع إلى منزله يكتب إلى أبيها من فندق في ستيتن # 13 # خاطبا لها. # ويدبج ذلك الكتاب يراع سياسي ماهر موهوب بروح ما عليه المرسل إليه من التقوى، ~~ولم يحدث أن أكثر بسمارك من ذكر اسم الله في كتاب إكثاره من ذلك الكتاب وفي الكتاب ~~الآخر الذي أرسله إلى فون بوتكامر، مستعملا تعبيرات إكليريكية غريبة عن أسلوبه ~~العادي، وهو يعرف ضرورة الاعتراف بسابق خطيئاته وجحوده ليعتقد إيمانه الحاضر، وعلى ~~صحة جميع ما صرح به وفق في صوغه توفيقا جالبا للنجاح؛ كالاتهام الذي كان قد ~~صوب إلى مدير الأسداد الأخير، وهو إذا ما تكلم فيه عن الرب فبتواضع، ومن قوله: «إن ~~الله لم يستجب دعائي هنالك، وهو لم يتركني مع ذلك؛ وذلك لما أجده من نشاط في دعوته، ~~وإني إذا خلوت من راحة البال وجدت في نفسي من الثقة والإقدام ما لا عهد لي به منذ ~~طويل زمن، وإني أعتقد أن الله مع الصالحين لسبب ما عرضته عليك دون غيرك بصراحة ~~وصدق.» # وهو إذا حدث عن نفسه كان ذلك بإباء. ومن ذلك قوله: «إنني أعتذر عن مشاعري ونياتي ~~في أمر الآنسة ابنتكم؛ وذلك لأن الخطوة التي أتخذها تنطق بصوت أعلى من الكلام وأبلغ، ~~وأعتذر عن العهود أيضا، فلن أقطع لكم عهدا لما تعلمونه من تقلب قلب الإنسان ما لا ~~أعلم، ويقوم ضماني لسعادة الآنسة ابنتكم ms055 على صلاتي نيلا لبركة الرب.» # ويأبى الأب العابد أن يهب ابنته لرجل «سمع عنه كبير سوء وقليل خير»، ويأخذ بسمارك ~~الجواب الطليق غير المرتبط في وعد فيتخذ خطة الهجوم فيظهر في رينفيلد من فوره ~~فيجد «ميلا إلى إطالة المفاوضات وعدم وقفها عند حد. ومن يدري ماذا تكون وجهتهم لو ~~لم أقبل خطيبتي لدى نظرتها الأولى فيدهش والداها، ولو لم أضع الأمور في نصاب آخر ~~فأمهد كل شيء تمهيدا موفقا.» وهنا يتجلى بسمارك الحقيقي، وما كان من تنفيذ هذا ~~القطب السياسي ما أعده وفكر فيه زمنا طويلا تنفيذا سريعا جريئا فقد ظل ~~لازمته العجيبة دوما. # والآن يلقي إلى أولئك الآل بما لديه من المودة، فيتغلب عليهم من فوره، ويشرب خمر ~~الشنبانية ورحيق الهوك الريني مع الشيخ الشريف، ويرقص مع خطيبته على حين يعزف ~~الهرفون بوتكامر على البيان، حتى إن الأم نفسها على ما فيها من عسر مراس وسمو ~~ثقافة لم تعتم أن «شملت ذلك الملحد الملتحي بصميم فؤادها»، وهو الذي كان ~~مرسلا لحيته الشقراء في ذلك الحين. # ولا جرم أن محادثات طويلة دارت بين الخطيب والخطيبة في أمور الدين، غير أن ما اتصفت ~~به من سذاجة طبيعية أوجبت انطلاقه من حس الكبت الذي كان يضغطه عند أسرة ~~بلانكنبرغ، وهو قد سر من قولها له باسمة: «أطلقك ما لم تنل فضل الله، أو لا ~~أدعك على الأقل تنظر خلسة من ثقب باب رحمته!» وما كان من استعارتها كلمة «ثقب الباب» ~~فأصوب ما قصدت، وهي لم تعرف ما كتب أوتو إلى أخيه يقول له: # يختلف كل منا عن صاحبه قليلا في أمور الدين فيورثها هذا أسفا أكثر مما ~~يورثني، وليس ذلك الاختلاف من العظم ما قد تتوهم؛ فقد أوجب كثير من ~~الحوادث الخارجية والداخلية مؤخرا في تبديلا أحسب به بين أنصار الدين ~~النصراني خلافا لما سلف كما تعلم، وعلى ما ليس بيني وبين المظهر النصراني من ~~عدم مطابقة تامة في بعض المبادئ التي يعدها النصارى أساسية على ما يحتمل ~~تبصر ضربا من معاهدة ms056 باسو # 14 # بيني وبين حنة، وأحب البياتية في النساء مع ذلك. وأزدري ~~اللائي يبدين عرفانا. # وهل يحتاج إلى ما هو أصرح من ذلك؟ ومن خلال تفوهاته نرى ذوق العليم بالمرأة وصدى ~~تجاربه للقلب النسوي وحقده القديم على أمه، وهو لو بلغ ضفة الأردن الأخرى لكان ~~على الجسر السريع الانكسار، وهو يعبر عن جميع تاريخ «هدايته» بمعاهدة باسو؛ أي ~~بالتسامح المتقابل بين المتحاربين الدينيين، وهو إذ تروقه بياتية النساء تجده مسرورا ~~لقول امرأته بهذا المذهب. # وترى وضعه العام وضع رجل دنيوي تجاه خطبته، ولا تجد غير قليل حديث عن الله ~~فيما يكتبه إلى أخيه وأخته، وتجد طويل قول عن فارس شارد، وتبصره لينا عن كبرياء، ~~ويهرول إلى المنزل بعد أن طاف كثيرا، فيقول: «أظنني عظيم السعادة أكثر مما كنت ~~أرجو، وذلك بأن أتزوج مع اعتدال في القول بامرأة ذات ذكاء عزيز ونبل نادر وأنس ~~متناه ويسر حياة؛ أي ذات صفات لم أرها في أية امرأة قط ... وغاية القول أنني راض عن ~~الأمر إلى الغاية، فأتمنى أن تجدوا فيه ما يسركم أيضا.» وإذا ما نظر إلى أمر ~~المال كان ما تحضر منه قليلا، فلا بد من نيله بنفسه إذن، ومن قوله: «وأما ~~التفصيلات الأخرى، كحيرة الأهالي التي لا حد لها وتبرم العجائز، فمما أقصه ~~عليك فمي إلى فيك، وأما الآن فأطلب إليك وإلى أوسكار أن تكونا ذوي مشاعر كريمة نحو ~~زوجتي القادمة، وتقرب رينفيلد من حدود بولونية، ويسمع الإنسان عواء الذئاب ونباح ~~الأهالي في كل ليلة، وفي هذه الولاية وفي الولايات الست المجاورة يسكن ثمانمائة ~~شخص في كل فرسخ مربع، والبولونية هي اللغة التي يتكلم بها القوم هنا، والبلد ~~جميل جدا.» ولا يبعد عقاره غير بضع ساعات من هنالك. # وله في دهش بنات عمه الكثيرات تسلية لنفسه، وقد شق عليهن جهلهن ما يحدث، وهو ~~لما كان من صبوته # 15 # غير مرة ومن كثرة أسفاره اتفقن على القول: «وي! نحن راغبات عنه، ولكنه ~~ممتاز إلى الغاية حقا.» ويذعر أصدقاؤه من انقلابه إلى «تقي»، ms057 فلم يزعجه ذلك، ~~ويدرس التوراة بحرارة في تلك الأسابيع الأولى حين عزمه على الاعتقاد، ولكن مع تأثره ~~بإلحاده الذاتي، وينبئ بلانكنبرغ المهدي الهادي بأنه لا يعرف أن يسوع ابن لله أو ~~أنه رجل رباني فقط، وبأنه يشك في الخطيئة الأصلية، وبأن في التوراة من ~~المتناقضات ما لم يصل معه إلى نتيجة بعد، ويعرب عن إعجابه بالشيطان في كتاب له، ~~فيستحوذ الفزع على حنة. # | الفصل الثامن # ويقضي دور الخطبة في تربية المختارة، ولم يحدث في اللغة الألمانية أن كتب رجل ~~دنيوي أو شاعر إلى امرأة ما هو أشد من ذلك سحرا وأعظم بهرا، ولم يحدث أن كتب ~~بسمارك مثل ذلك مرة أخرى، وتبديه تلك الرسائل المملوءة فتنة في الذروة من خاطره ~~ودريه، ومن نزواته ومجازاته، ومن دقته ورقته، وتقودها يد سديدة إلى دربه ~~رويدا رويدا، وفيما تراه يقيت تقواها بعنصر جديد، وفيما هو يدعها تعتقد أنها تروض ~~رجلا بريا، تبصره يروض ابنة الريف تلك التي هي أجفى منه وأحدث كثيرا في ~~الواقع، ويبلغ هذا التحول من الغرابة ما تكتب معه ذات يوم إلى السيد المفتون بقولها: ~~«إنك مغرم بالرسميات، مع أنني أود اقتحام جميع العوائق عند إمكان ذلك.» # ويساورها قليل وجل من إزعاجه في أول الأمر، وتكتب فتقول: «لا تنظر إلي بهذا ~~المقدار من السخرية، ولم يبق علي إلا أن أمس قليلا حتى تذرف عيناي نهرا من ~~الدموع، فلا ينبغي لك أن تفعل ذلك، فليس ذلك ما تبتغيه مني، آه! اعف عني، أنت الوحيد، ~~اصبر علي، انتظر فصل الربيع ونتائج ما زرعت.» ثم تذكر من فورها ما قيل عن إرعاده ~~للناس فتقول: «أنتظر منك أن تظهر لي ما في قلبك من وفاء، وماذا يكون لو خدعت نفسي؟ إن ~~الريبة هي أخوف ما يكون في هذا العالم ... يدلني خط رسائلك على أنك غدوت أكثر ~~اتباعا لهواك مما تدل عليه كتبك السابقة، فهل هذا هو أمر فؤادك يا أوتو؟» ثم ~~تجيب عن سؤالها هذا بأسلوب نسوي فتقول: «لا تبال بكون الأمر على هذا ms058 المنوال، فلن ~~أكون أقل مرونة مما كنت عليه يا حبيبي، وسأحاول أن أثني ما لا أقدر على كسره، ~~وإذا لم يتم لي هذا فلم تسلك سبيلي التزمت جانب الصمت وصنعت ما تريد.» وهكذا ~~استطاع في أربعة أشهر أن يحملها على التسليم التام بحزم ممزوج بلطف، وهي إذا ما فرضت ~~عليه مطالعة كتب جان بول ولبس معطف من مخمل - ويكره الأمرين - قرنت ذلك ~~بكلمة «لا» المعهودة. # وهو يبدو كثير الحمد لها؛ لما كان من تسليمها، وهو يظهر عظيم الشكر لها لما كان ~~من بقائه معتزلا زمنا طويلا، وهو على ما كان من اكتشافه في نفسه قبل خطبته ما يحتاج ~~إليه العيش النشيط المنظم من شروط لازمة، وعلى ما كان من تجلي خطته قبل خطبته ~~بسنة، تبصره قد بسط هذه التحولات على حسابها وزاد عزتها بفوزه. # ويقصد منزله بعد خطبته فيكتب قوله: «دخلت القرية فشعرت أكثر من قبل بمقدار ما في ~~وجود مسكن للإنسان من بهجة، ولا تكادين تقدرين يا فؤادي درجة ما يساورني من اليأس ~~عندما كنت أعود إلى منزلي بعد سياحة، وما كان الفراغ في حياتي ليظهر في زمن مثل ظهوره ~~في تلك الأحايين، وذلك إلى أن أنهمك في كتاب لا يكون كئيبا في نظري، أو إلى أن أزاول ~~عملي اليومي آليا. والآن ما أشد اختلاف نظري إلى أي شيء كان، لا من حيث الأمور ~~الخاصة بك فقط، ولا من حيث إن هذا الأمر أو ذلك الأمر يلائمك فقط (وإن كنت قد شغلت ~~بالي منذ يومين لأجد أصلح مكان لمكتبك)، بل لجدة الوجه الذي أدرك به الحياة، ~~وأجدني مباليا أيضا بشئون الأسداد والأمن.» وهو قبل أن يحقق ما يصنع، ينسخ لها ~~قصيدتين قائمتين لبيرون، (وإن لم تكونا كذلك في نظره) طويلتين محزنتين إلى الغاية، ~~ويكتب في أسفلهما كلمة «هراء!» ويرسلهما إليها من غير أن يمحوهما مع ذلك. # وفي كتابه الثاني يبدأ تربيتها بلطف، فيوجب عليها أن تكب على تعلم اللغة ~~الفرنسية، وإن لم تفعل ذلك عطلت من المقام في المجتمع ms059 الراقي، وهو يضع أجمل الصيغ ~~وأكثرها سحرا مع الجهر بذلك، ويمضي وقت قصير فيخبرها بضرورة تعلمها ركوب الخيل، ~~وتمر أسابيع قليلة فيقول: «عدت غير مبال بتلك القصائد الإنكليزية الهزيلة، ~~والآن أبصر سنورا # 1 # أسود يلعب بها على ضوء الشمس، فيدحرجها ككرة، فيسرني أن أرى ذلك.» بيد ~~أنه يداوم على نسخ ما تيسر من شعر بايرون فيرسله إليها، وفي الكتاب التالي يرسل ~~إليها قصائد فرنسية عن الألم العام، ويضيف - مع وهم عجيب - الكلمة: «لا تشغلي ~~بالك بأنني أقرأها الآن، فقد غدت غير مؤذية لي.» # ويستشهد بإحدى تلك القصائد ذات مرة فيطلق العنان لخيال أيامه الأولى فيقول: ~~«أجدني شديد الرغبة - في مثل تلك الليلة - أن أكون شريكا في السرور وجزءا من زوبعة ~~في عتمة، فأثب من فوق الصخور مع حصاني القافز في دوي انحدار نهر الرين»، وما كادت ~~الفتاة تدرك مذعورة معنى كلمات خطيبها تلك، وما كادت تفهم ذكريات فتائه الفالت تلك، ~~فوجدته كفارس يقف حصانه الوثاب عند صخرة، حتى أبصرته يقلب حالته الروحية بإضافته ~~من خلال دخان سيغاره ساخرا، قوله: «إن لهوا كهذا مما لا يسمح به غير مرة واحدة في ~~عمر المرء، مع الأسف.» # وهكذا كان قلب أوتوفون بسمارك مملوءا بالمتناقضات. # وكان فؤاد بسمارك يروق عندما يصف أفعاله الراهنة، ولا تدور هذه الأفعال حول إدارة ~~ما يملك، بل حول الأسداد والسلطان، وما مثله إلا كمثل القابلة # 2 # التي تنتظر الوضع دوما، فيحدث في رسائله عن اضطراب نهر الإلبة، وعن ~~التدابير التي تتخذ للسيطرة على الجمد، # 3 # وهو إذا ما قضى نصف لياليه في الماء لإصدار ما يجب من الأوامر؛ شعر بأنه ~~في حبر، # 4 # ويحس بسمارك أنه في عافية على الدوام إذا ما عالج قوى الطبيعة الكبرى، ~~ويقول بسمارك: «وداعا! قطع الجليد تدعوني عندما أعزف بنشيد بابنهايم وتغني ~~جوقة الفلاحين الراكبين حصنا؛ فالشجاعة يا أصحاب! ولم لا ينشد هؤلاء الأغبياء في ~~الحقيقة؟ فيا لروعة هذا! ويا لشعرية هذا! يظهر أن حياة جديدة تهتز في، والآن قد ~~انتهى ذلك الانتظار الطويل ms060 وحل الأمر محله ... خادمك بسمارك يقبلك.» يا للهزج! # 5 # يا لبهجة الحياة! ثم يأتي في الذيل: «إذن، أرسلي إلي غلاف الرسالة ~~التي وصلت إليك بعد خمسة أيام في الطريق، فسوف أشكو الأمر إلى برلين.» ثم يقص عليها ~~نبأ الليلة الحاسمة فيخبرها بسير حقول الجليد مع ضوضاء، «وتتكسر هذه الكتل ~~الجليدية ويشبو # 6 # بعضها على بعض وتجول وتصول على ارتفاع القصر، وهي تؤلف أحيانا حواجز ~~على طول نهر الإلبة فتتجمع المياه حتى تأتي على كل شيء أمامها هائجة، والآن قد كسر ~~جميع المردة إربا إربا في النضال فتبصرين الماء مستورا بأجزاء جليدية صغيرة عائمة ~~متصادمة حانقة على حين يحملها النهر إلى البحر الحر كسلاسل محطمة.» # ومن خلال مثل تلك البلايا الطبيعية، التي لم تكن في الحقيقة غير تأملات لحال بسمارك ~~النفسية، نسمع بسمارك الثوري ينادي بوغي # 7 # الحرب، وندرك السبب في أن نسبه وحده هو الذي جعل منه نصيرا للنظام ~~الملكي. # وتبصر بسمارك القوي المملوء حيوية، كما في ساعات النضال تلك التي تهدد فيها ~~الأوساط فيفرض إرادته عليها، لا يزيد نشاطا إلا عند قدرته كسياسي حكيم على تحويل ~~الخصام إلى وئام، ومن قوله بحماسة: # إن من أعز دواعي الغبطة ما كان في ~~هذا الصباح من توفيقي بين واحد وأربعين فلاحا وقحا يحقد كل واحد منهم على ~~الأربعين الآخرين فيدفع مختارا ثلاثين تاليرا إذا ما استطاع أن يخسرهم ~~عشرة تاليرات، ولو كان مدير الأسداد السابق في مكاني لسوف الأمر أكثر من ~~أربع سنوات؛ لما قد يجده في ذلك من بقرة حلوب. لقد استطعت أن أصلح ذات بينهم ~~في أربع ساعات، ولما صارت الوثيقة الممضاة في جيبي ركبت العربة فكان لي بذلك ~~من السرور النادر ما أجدني مدينا به لمقامي الرسمي. وقد دلني هذا الحادث ~~مرة أخرى على أن اللذة الحقيقية في المنصب الرسمي لا يمكن أن تنال إلا إذا ~~اتصل الرئيس بالمرءوسين اتصالا شخصيا، والرئيس أو الوزير عندنا لا يتصل بمن ~~هم تحت إمرته إلا بالحبر والورق. # وإني حين أفكر فيما يمكن ms061 رئيس الأمة مهما بلغ من السمو والسؤدد أن يزيده ~~من سعادة ويخففه من بؤس بفضل نشاطه الرسمي، وإني حين أفكر في أن الوزير أو ~~الملك (ما لم يكن ضالا مجنونا) لا يستطيع أن يغمض عينيه عن يقين بأن وقى ~~أي واحد ممن هم تحت رعايته من كدر أو حباه بسرور، لا أقدر على منع نفسي من ~~إنعام النظر في قصيدة لينو # 8 # المحزنة المسماة ب «الخلي». وليست حياتنا الدنيوية مجدية إلا من ~~أجل أرواحنا. وإذا ما قيس إمتاع الآخرين بالسعادة فوق الأرض بالحياة الأبدية ~~وجد أمرا لا يؤبه له، فهو ينقلب إلى غبار وتراب بعد ثلاثين عاما، ثم تعصف ~~به ألوف السنين، ومن يمت الآن لا يبال بأن حياته في هذا العالم كانت ذات ~~بهجة أو غم. # وها هو ذا جالس في عربته حامل لمحضره في فروته، ويبلغ السنة الثانية والثلاثين من ~~عمره، ويفترض أن يكون راضيا عن نفسه وعن العالم للمرة الأولى في حياته، ويفكر في ~~الفلاحين الواحد والأربعين، وفي سبب تصارعهم وتباغضهم، وفي الوجه الذي قلب به ~~أمورهم فجعل الوفاق يسودهم، ويتمثل أمر الدول والأمم بدلا من الفلاحين، ويتأمل ~~فيما قد يشعر به القطب السياسي - الوزير أو الملك - الذي يصنع على مقياس واسع ما ~~استطاع صنعه بنفسه في هذا الصباح على مقياس محدود، ويبصر من جديد النظام القرطاسي ~~الكريه الذي يفسد نظر كل بروسي، ويذعر من رغبته الحارة في السلطان، ويحمل نفسه على ~~نطاقه الضيق، ويسخر من سرور البشر ويقصد هادئا باب أجداده. # ويوفق لكبير وقت في بيته، ويقضي هذا الوقت في كتابة طويل الرسائل إلى حنة ~~فيعرض عليها آراءه ومشاعره وريبه محاولا في حياته الباكرة تلك صنع ما يروقها، ~~ويخبرها بما كان من تبادله الكتب هو وابنة عمه التي هي سمية لها فكان ~~يحبها قبلها، وترتجف مع دهش من إمكان حب الرجل مرتين بمثل تلك الشدة، ~~وينبئها بأمر الكتاب الطويل الذي أرسله إلى ابنة عمه تلك عندما ترك خدمة الدولة، ~~ويضيف إلى ذلك قوله لها بعد فترة ms062 السنوات العشر تلك: «لا أزال عند رأيي الذي كنت قد ~~أبديته حول عقم نظامنا الإداري، وإذا أصاب رفقائي في الدراسة تقدما باهرا شعرت ~~متوجعا - أحيانا - بأنني كنت أستطيع أن أفوز بمثل ما نالوه، غير أن لي سلوانا ~~بتفكيري دوما في أن بحث الإنسان عن السعادة خارج نفسه أمر باطل.» وفيما هو يكتب ~~ذلك عن صدق وإخلاص تجده يندفع بحرارة في سبيل انتخابه عضوا في اللندتاغ، وتراه لا ~~يألو جهدا في اختياره عمدة للناحية. # وهو يداري ريبها ومشاعرها بأسلوب أبوي سام سلس فيقول لها: «ولم تودين ~~البكاء بهذه المرارة يا ملاكي؟ ولكن بلغيني السبب في أنك تريدين تذريف الدموع، ~~وأنا رجل من المارش القديم، وأنا امرؤ يرغب في معرفة علل الأمور، وأنا الذي ربي ~~في بوميرانية فيما بين السنة الثانية والسنة السابعة عشرة من عمره فيدرك الدعابة ~~ببطوء أحيانا.» # وهي إذا ما كتبت بعد زيارته رسالة مملوءة شوقا إليه أجابها بقوله: «يجب أن ~~تتعلمي الشكر لما تم لك من السرور، لا البكاء كالطفل عند ختامه.» وهكذا تبصر هذا ~~الساخط الأزلي يوصي تلك الفتاة المتقدة بما لا عهد له به من الحبور الذاتي، وهي إذا ~~ما بهرت بوجود عباد لها جرحته في كبريائه، وهي تزدري - كما يروي - كل من لا يعرف ~~قيمتها، فتقول له: «سيدي! إن ولوع السيد ب... بي دليل على أن كل رجل لا يعبدني هو ~~جليف غير حصيف ... ولا تكن من الاعتدال كما لو كنت قد اقتطفت إحدى شقائق النعمان بعد ~~طواف عشر سنين في حدائق ألمانية الشمالية.» وما كان من زهو فطري في السيد بسمارك ~~الذي لم يصنع شيئا لإثبات قيمته حتى الآن فإنه يحفزه إلى جعل المرأة التي اختارها ~~أزهى نساء العالم طرا # 9 # لهذا الاختيار وحده. # ويتلو التوراة كثيرا في الوقت الحاضر، فيذكر ذلك، ويبدو وضعه تجاه الزواج على الوجه ~~اللوثري تماما، فيقول دوما: «علينا أن نكون قلبا واحدا وقالبا واحدا، وأن ~~نألم معا، ونعرب عن أفكارنا معا، فلا تكتمي شيئا عني، ولا يكون السرور حليفك ms063 في ~~كل وقت عند مس أشواكي. وعلينا أن نرضى بخدش أيدينا بها سوية ولو ~~دميت.» # ويصف لها وصفا واضحا أمر قديم أسر الخدم والعمال في أملاكه، ويحدثها عن ~~خدمة أجدادهم لأجداده، فيقول لها: «يصعب علي أن أسرح أي واحد منهم بعد أن ~~يخدمني، ولا أنكر أنني فخور بثباتي على المبدأ المحافظ في هذا البيت حيث عاش أجدادي ~~في غرفه منذ قرون، وحيث ولدوا وحيث ماتوا، وحيث تبدو صورهم على جدره وجدر ~~الكنيسة فيظهرون فيها مدججين بالسلاح، ومنهم الفرسان الطويلو الشعر أيام حرب ~~الثلاثين سنة مع لحى وشوارب مذربة # 10 # ومنهم رجال ذوو شعور مستعارة مذيلة وأحذية حمر مكعبة ذوات جرس # 11 # في المجلس، ومنهم خيالة ذوو صفائر قد حاربوا من أجل فردريك الأكبر، وفي ~~الختام تبصرين أنيثا # 12 # سليلا لأولئك فيركع الآن عند قدمي فتاة سوداء الشعر.» # وعكس اهتداء بسمارك هو الذي يقف نظر بسمارك مرة أخرى، ويقرر هذا النصراني ~~الجديد أن يعنى بالفقراء في أملاكه أكثر من قبل، فيقول: «إنني حين أفكر في كفاية ~~تالير واحد لعيش الأسرة الواحدة من هذه الأسر الجائعة عدة أسابيع، وإنني حين ~~أنفق ثلاثين تاليرا في سبيل زيارتك أجدني سارقا لهؤلاء الفقراء الذين يعانون ألم السغب # 13 # والبرد، أجل، يمكنني أن أدفع المبلغ وأقوم برحلتي مع ذلك، غير أن هذا ~~لا يغير من الأمر شيئا، فمضاعفة ذلك المبلغ وجعله عشرة أمثاله مما لا يسكن سوى ~~قليل من البؤس، وما علي إلا أن أهدئ نفسي بأن أغالطها فأرى أن ما أبذله ليس ~~تبذيرا في سبيل لذاذي، بل هو واجب أؤديه نحو خطيبتي ... والفقراء هم الذين يجب أن ~~تدفع إليهم نفقات أسفاري مع ذلك، ومن عويص المسائل أن أعرف ماذا أنفقه في لذاذتي ~~مما جعله الله تحت حراستي مع وجود أناس يتضورون جوعا ويقاسون قرا # 14 # في كنفي فيرهنون فراشهم وثيابهم عند عجزهم عن العمل، «فبع ما تملك ~~ووزعه بين الفقراء واتبعني!» ولكن ما هو المدى الذي يؤدي إليه ذلك ألا إن ~~الفقراء كثير، فلا تكفي ms064 جميع خزائن الملك لإطعامهم، وسنرى ما يكون.» # وفي تلك الحال حين رأى بسمارك أن يختبر إيمانه الحديث، تجده يقتحم للمرة الأولى ~~(وللمرة الأخيرة مع مشاعر بلغت تلك الدرجة من الروح النصرانية) مسألة ينكرها ذات يوم ~~إنكارا تاما لما يكون من قصوره عن إدراكه لها، والحق أن تصوفه هزل غير ملائم ~~لذكائه، وما يصفه بسمارك مذعورا من سرق نحو الجائعين، وما كان من تردده في ~~التمتع بالملاذ المناسبة لمن هم في مثل وضعه ولو لبضع دقائق (تلك الملاذ التي ~~يتمتع بها لما كان من انتهاب أجداده الفرسان المعلقة صورهم على الجدر ~~للأسلاب)، فأمور جديدة عليه، فأمور غريبة عن مزاجه، فأمور عابرة لغربها، ومما لا ~~مراء فيه أن بسمارك المالك راغب في العناية بمرءوسيه، بيد أن مما لا يدور في خلده ~~ولا يأذن فيه أن يبحث هؤلاء الناس في شئون أنفسهم وأن يطالبوا بعيش أفضل مما هم ~~عليه وفق مرسوم؛ وذلك لأن بسمارك لم يغد نصرانيا صادقا في الحقيقة فيطلب منه أن ~~ينتقل إلى تلك المرحلة فتجده غير قادر على النفوذ إلى رسالة عصره الاجتماعية أو القول ~~بها. # وبسمارك إذ يجاهد خطيبته أكثر من أن يجاهد نفسه في سبيل التوراة والاعتقاد؛ فإنك ~~تجده اليوم عاطفيا وتجده في الغد هزليا، وبسمارك يمسكنا دوما، وبسمارك في ذلك ~~مخلص دوما، وبسمارك يفسر وينقد التوراة ثم يصرخ من فوره قائلا: «ومن هي ~~العفريتة بولين؟ أهي ابنة عم لم أعرفها سابقا؟ وإني بسبب هذه العفريتة أذكر ~~أنني لا أستطيع أن أجد في التوراة نصا على حظر تدنيس اسم الشيطان، فإذا كنت تعرفين ~~ذلك فتفضلي علي ببيان الإصحاح والآية.» والواقع أنك ترى الفارس والموت والعفريت ~~يتناوبون هنالك، وهو يروي أن أجداده لم يكونوا صادقي النصرانية، «ولم تكن أمي أحسن ~~منهم إيمانا، وهل أتاك حديث الرئيس الفريزي # 15 # حين عماده؟» ويسأل عن مكان أجداده الملحدين فيما مضى. ويقال له: إنهم ~~كانوا مدينين فيرفض تعميده، ويقول: «أود أن أكون حيث يكون آبائي.» ويمضي شجاعا بعد ~~تلك الوثنية، فيقول: «أذكر ذلك ms065 من الناحية التاريخية فلا أطبقه.» وهو يعلق على ذلك ~~كثيرا من التأملات اليائسة، فيقول: «لا أريد أن أنطق بالريب.» وهو بعد مثل تلك ~~العبارة يقدر ضرورة وصول رسائله قبل الميعاد بيوم. # وهو خرافي بفطرته، فتحركه الخرافة أكثر ~~من تحريك الاعتقاد الديني له، فيحسب في جميع أدوار حياته - حتى في أثناء شيبته - ~~الزمن الذي يجب أن يموت فيه، وهو كرجل سياسي يذكر الرقم فيضع الله أمام دليل ذي ~~حدين، فيقول: «إنني إذا لم أمت في السنوات (س) مت في السنوات (و).» أو يقول في ~~كتاب إلى خطيبته: «لا تكادين تعرفين مقدار خرافيتي، فمما حدث أن الساعة الكبرى - ~~الدقاقة الإنكليزية التي ابتاعها جدي في شبابه - وقفت بغتة ومن غير سبب في الدقيقة ~~الثالثة بعد الساعة السادسة، وذلك في المكان الذي كانت فيه منذ سبعين سنة. اكتبي إلي ~~بسرعة واذكري أنك تتمتعين بصحة جيدة.» # ويكون هدير كيانه أوضح من ذلك عندما يدون نجاواه # 16 # الطويلة في يوميات بلا شروح، فهنالك يستعمل أعظم ما في كلامه الرجولي ~~من استعارات، «وذلك من مميزات الطبيعة البشرية لا ريب. فالذي يكترث لما يسود حياتنا ~~الدنيا من سخف ولغو وغم يكون أكثر انتباها من الذي يمس ما هو أقل قوة من ~~تلك العناصر العابرة الثائرة فينا بفعل ما للصفو غير المكدر من أزهار سهلة ~~الذبول، وما على الأرض من جليل، تراه أبدا كملك ساقط جميل مع عدم صلح عظيم في ~~مقاصده وجهوده مع عدم نجح حمي شجي.» # وهكذا تنعكس تأملاته الكبرى - وفي مثل تلك ~~الأمسية - حين يجلس وحيدا في ردهة ذات قباب عالية يتدفق مثل تلك العبارات من ~~أعماق نفسه بأسلوب عظيم كاعتراف شاعر، ولكن الصباح إذا لاح وبلغته دعوة النهار ~~وأنذرته الدنيا وما فيها من صراع، هب ذلك الفارس من سباته، # 17 # والآن يتكلم عن شعر بايرون القاتم في الحسرة والألم، فيقول: «إنه شعر ~~مخنث يمكنني أن أعارضه بأغنية الفارس: «اطلب الموت توهب لك الحياة»، وأفسر هذا ~~بقولي: توكل على الله، وضع الركاب على طرفي جوادك النزق، ms066 وجب به البلاد ~~مخاطرا غير هياب عالما بأن الموت آت ذات يوم وإن لم يكن أبديا. ولكن مع عدم ~~مشاركتي للسيد غم.» # | الفصل التاسع # جواد في إصطبل يسمع عدوا في الخارج فيود أن يثب ليجري # 1 # هو أيضا، فذلك هو شأن بسمارك عندما علم أن ملك بروسية يريد أن يجمع في ~~برلين مجالس ولاياته الثمانية المعروفة باللندتاغ في مجلس عام واحد؛ وذلك للبحث في ~~الدستور الذي وعد أبوه به الشعب بعد حرب الإنقاذ، وقد كان هذا أول برلمان حقيقي في ~~تاريخ ألمانية، وبذلك الأمر القائل بتحويل بروسية إلى «دولة ذات دستور حر» سير ~~نحو تحقيق رغائب فتاء بسمارك الغطريس بعد أن كان عطلها من مثل هذا الدستور يؤدي إلى ~~رفضه كل خدمة عامة أيام بلوغه الثالثة والعشرين من سنيه، والآن في ذلك الحين ~~الحاسم ليس له أن يشترك، فهو لا بد له من كرسي وصوت في مغدبرغ حتى يصبح ذا مقعد ~~في اللندتاغ الموحد ببرلين، وهذا المطمح هو الذي حفزه أكثر من سواه إلى إبدائه ~~عظيم نشاط في مجلس أشراف ولاية بوميرانية المعروف بالريترشافت، غير أن زملاءه في ~~هذا المجلس لم يختاروا هذا الشريف السكسوني الشاب إلا نائبا رديفا يقوم بالنيابة ~~عند خلو كرسي. # ويطالع بسمارك في منزله بشونهاوزن - كل يوم - أنباء اجتماع ممثلي بروسية للمرة ~~الأولى في مجلس أهلي بين حماسة القوم، ويساور دماغه وفؤاده دافع إلى العمل، ومن ~~المؤسف أن كان الأكبر منه سنا في برلين هنالك يتمتعون بصحة جيدة فيحولوا دون أخذه ~~مكانه تحت الشمس، وما عليه إلا أن يزحزح أحدهم عن محله وصولا إلى بغيته، ويزعم أن ~~البارون الذي انتخب للرئاسة الأولى لا يستطيع أن يجلس نائبا لهذا الانتخاب فيحتج ~~على بقائه نائبا لدى أصدقائه ببرلين، ويرفع هؤلاء أكتافهم تهكما، ويسألونه عن سبب ~~مغادرته بوميرانية، ويزيد حقده، ويذهب مغاضبا إلى خطيبته، ويتنادر حول الأمر مصرحا ~~بعدوله عنه من فوره. # وأخيرا يمرض أحد فرسان سكسونية في برلين، ويحثه أصدقاء بسمارك على التخلي عن ~~مكانه لهذا حتى عند ms067 تحسن صحته، ولا جرم أن بسمارك ذو ضلع في هذا اللعب؛ وذلك لما ~~كان من إعلانه «شديد رغبته في أن يغدو عضوا في اللندتاغ»، ويهرع بسمارك إلى ~~برلين ويدخل قاعة المجلس، وحدث ذلك في سنة 1847 حين كان أوتوفون بسمارك في السنة ~~الثانية والثلاثين من عمره. # ويبصر بسمارك جميع الولايات من الرين حتى ميمل ممثلة هنالك، فيجد في ذلك ~~رمزا إلى الوحدة البروسية، بيد أن الذي يساور أحسن الرءوس في تلك الردهة هو الخيال ~~الألماني لا الخيال البروسي؛ وذلك لأن كل لبيب ينظر إلى المستقبل كان في تلك ~~الأيام حرا في مشاعره مملوءا شوقا إلى الوحدة الألمانية، ويستحوذ مبدأ الوحدة ~~الألمانية على الملك مع سابق مقت أبيه لهذا المبدأ، ويبدو الشعب وأكثرية المجلس ~~الشاملة نصراء الملك في ذلك على حين ترى أنصار العرش الأوفياء ليسوا غير ذوي مشاعر ~~بروسية، وفي ذلك المجلس المؤلف من خمسمائة عضو لا ترى سوى سبعين محافظا، وهؤلاء ~~المحافظون السبعون غير قائلين بالوحدة الألمانية . # ويشعر بسمارك بأنه منفرد؛ فقد كان مركزه الاجتماعي يرغبه في الانحياز إلى الملك، ~~وكانت مشاعره الشخصية منذ صباه تحفزه إلى معارضة الأحرار فيوجب كلا الأمرين عدم ~~تعاونه مع أي واحد من الحزبين، وتبلغ عناصر مزاجه الأساسية - أي الزهو والشجاعة ~~والحقد - درجة الهيجان، ويبحث في الجلسة الثالثة في مسألة إنشاء مصرف للفلاحين مع ~~ضمان الدولة، ويرفض المحافظون اللائحة، ويطلب بسمارك أن يتكلم للمرة الأولى فيدافع ~~باختصار عن الحكومة ضد حزب اليمين، ويدافع عن حزب اليمين ضد الأحرار، وتنطوي خطبته ~~الأولى تلك على هجوم؛ أي تنطوي على مهاجمة الاتجاهين. ويكتب إلى خطيبته متكبرا ~~متأثرا قوله: «إن من الغريب أن يرى ما يبديه الخطباء من إقدام إذا ما قيس ~~بأهلياتهم، وأن يرى ما يظهرونه من قحة في محاولتهم فرض ترهاتهم على مجلس ~~كبير كذلك المجلس. ألا إن الأمر يثيرني أكثر مما كنت أنتظر.» ثم يتكلم عن «ذلك الهياج ~~السياسي الذي يضغطني أكثر مما كنت أتوقع». # ولم يحدث في حال حتى في حال لواعج الحب أن ms068 أعرض بسمارك عن ارتيابه إعراضه في تلك ~~الحال، ولم يحدث أن أثار بسمارك أناس أو آراء إثارته بذلك المقدار، ولم بلغ بسمارك ~~من الهيجان ذلك الحد في ذلك اليوم؟ لم تكن تلك المناقشة سبب ذلك ما دام لا يبالي ~~بالفلاحين أبدا، وكذلك أمر بروسية وأمر ألمانية مما لا يقض عليه مضاجعه، وإنما ~~الذي أهمه هو ميدان المباراة، هو معترك أفخم الأساليب، وفي الصباح يقصد اللندتاغ ~~ويكتب إلى خطيبته غير مرة، ومن غير سخرية، قوله «يجب أن أذهب إلى الصراع.» # وكان اعتزازه يتجلى في ازدرائه للناس حتى ذلك الوقت، وذلك في بضع رسائل ساخرة ~~وفي قليل مبارزات على الأكثر، ولم يكن هنالك أي ترجيع، ويظل نشاطه الحي ~~وشجاعته ومهارته بغير حافز إلى المنافسة، وتظل غريزة بسمارك المنافحة المكافحة ~~بغير تغذية لعزوفه # 2 # عن المنصب ترفعا وزهده في الجندية حرية، ولكونه سيد بعض الفلاحين ~~ولسيطرته على بيئة يسهل التغلب عليها، والآن بعد حين يجد المنبر الذي يناضل من فوقه ~~شفاء لما يغلي في صدره من حقد على الرجال وزمر الرجال، ورغبة في قهرهم، لا ~~انتصارا لمبادئ وأفكار، ولا تحقيقا لخطط تهدف إلى إصلاح اقتصادي أو سياسي، فتمثيل ~~الأمة عنده يعني امتشاق # 3 # الحسام. # وفي الجلسة الرابعة ينطق بأول خطبة طويلة، ويصفه شاهد عيان بأنه «رجل في الثلاثين ~~من عمره طويل القامة قوي البنية ذو رأس موثق بعنق متين قصير فوق كتفين ~~عريضتين، وذو وجه ممتاز مع عدم دقة، متحرك مع عدم بلادة، رصين مع عدم شدة، وذو ~~محيا نضير مستدير مزين بلحية شقراء غير عاطل من ندوب # 4 # نسيبة طافح حياة وصحة لحيم # 5 # الأسفل، وذو تبسم ينم على التهكم، وذو أنف قليل الاطمئنان # 6 # غير جميل التكوين، وذو عينين لامعتين حادتين ماكرتين يعلوهما حاجبان أوطفان، # 7 # وذو جبين سوي رسي # 8 # عريض، وما يوحي به من أثر في أنه يود طيب العيش فيضفو عليه ما يشعر به ~~من ثقة أدبية وعزم صارم.» حتى إن هذا الوصف إذا ما أصلح بتاريخ بسمارك ms069 اللاحق عن ~~عمله السياسي ظل مؤثرا، وهو لم يغفل عن غير أمر خاص عامل في نفوس من سمعوه منذ ~~الأيام الأولى وفي غضون السنين القادمة، وهو أن صوت هذا العملاق كان نحيفا ضعيفا مع ~~لعثمة، فهذا التناقض مما كان يدل على مكان اللغز في كيانه، وما الذي دفعه اليوم إلى ~~المنبر؟ # ويجرؤ شريف من حزب من الأحرار، وكان هذا الحزب يحتوي بعض الأشراف، على الجهر بأن ~~الحقد على الفاتحين لم يكن حافزا للبروسيين في حركتهم سنة 1813؛ وذلك لما لم يكن ~~لدى قوم كثيري النبل كالبروسيين من حقد قومي، والأمر كان أحسن مما عليه الآن مع ~~ذلك، لاستناد الحكومة إلى الشعب آنئذ، وينطوي هذا وإن خلا من الصراحة على المبدأ ~~الشائع في ذلك الحين والقائل إن الشعب ذهب إلى الحرق وقتئذ إنقاذا لنفسه، وإنه لهذا ~~السبب نال في سنة 1813 حق إقامة حكومة شعبية، ويناهض بسمارك مثل هذا المبدأ، وما ~~يبدو الآن نتيجة ثوران غيظ فجائي فقد أعد بدقة في الحقيقة، وتوجد مسودته، ويصرخ ~~قائلا: «إن من السخف أن تعزى حركة الأمة في سنة 1813 إلى سبب غير الخزي الذي ~~أصابنا به وجود عدو في بلادنا، وعندي أن من الإضرار بالمبدأ القومي أن يقال بعامل ~~سوى العار الذي يفور به الدم، وسوى الحقد الذي يخنق جميع المشاعر الأخرى، وإن من ~~الإنكار لكل شعور بالشرف أن يريد أناس آخرون بعد دفاع شخص أمام ضربات تسدد إلى ~~كيانه، استخراج منافع أخرى كما لو كان ذلك الدفاع قد تم في سبيل هذه ~~المنافع.» # ويصغي أصدقاؤه إليه، ويسقط في أيديهم، ويكون كفاحه الأول ضربة سيف في الهواء ~~ما دام الخطيب الذي تقدمه لم يقل شيئا من ذلك. # ويعد جميع المتطوعين في حرب الإنقاذ وجميع أبناء هؤلاء حتى أناس من المحافظين ~~ذلك إهانة لهم، «فيعلو الاحتجاج والتذمر والضجيج»، كما ورد في المحضر، وينبري خطيب ~~آخر له فيجيبه عن قوله بأن حب الوطن - لا الحقد - هو الذي دفع الشعب حين كان ~~أوتوفون بسمارك صغيرا فلا يقدر على ms070 تقدير ذلك، فيا للخطيب من خصم شخصي! ويخفق ~~قلب بسمارك سرورا! ويرتقي المنبر مرة ثانية، «ويكون صخب، ويدعو الرئيس إلى السكون، ~~ويرتفع احتجاج»، فهنالك ولى بسمارك المجلس ظهره ساخطا، وقد كان أحدث أعضائه ~~سنا، وأخرج جريدة من جيبه وقرأ بنفسه إلى أن عاد الهدوء، ثم قال: أجل، إنه لم يكن ~~قد ولد حين حرب الإنقاذ، غير أن أسفه على ذلك قد قل بعدما أتي به اليوم من ~~إيضاح قائل إن استعباد بروسية في ذلك الزمن كان نتاجا محليا لا أمرا فرضه ~~الأجنبي. # ويأتي بسمارك ضربة أخرى في الهواء؛ فقد قال صديق من حزبه: «إن مما لا يدرك أمره أن ~~يجعل امرؤ بارع مثله من نفسه موضع سخرية بهذا المقدار.» ويقول للخطيب قريب حامل ~~لوسام الصليب: «إن الحق بجانبك لا ريب، بيد أن ذلك مما لا يباح به.» ويقول ~~بلانكنبرغ: «لا يعتم الضرغام الذي يلعق الدم هنا أن يزأر على نغم آخر!» ~~وينتقد المؤرخ الشاب سبيل تلك الخطبة في جريدته بقوله: إنه لا يمكن فصل الإصلاحات عن ~~الحريات بمثل تلك المماحكات. # والحق بجانب سيبل، والحق مع جميع النقاد، ومنهم بلانكنبرغ، ولكنك لا تجد ~~واحدا منهم استطاع أن يدرك السبب الحقيقي في تعريض بسمارك نفسه لمثل ذلك الهزوء، ~~وهو أن العبقري يصادم الجميع دوما عند ملاقاته أول مرة، ومما لا ريب فيه أنه أعد ~~خطبه، وفي هذا علة فلت الزمام من يده، ومما لا ريب فيه جهله لسنن الزمان ~~فأغضب أصدقاءه، غير أن ما كان وراء ذلك من شدة الحقد الموجه إلى أولئك الذين يأبون ~~مقت الفرنسيين أكثر مما إلى الفرنسيين أنفسهم، ومن الشجاعة التي جرؤ بها، وهو ~~المجهول الأمر أن يصعد في المنبر بين الشغب للمرة الثانية ومن الازدراء الذي ولى ~~المجلس به ظهره، أمور أظهرته في ذلك النضال مكافحا، ويكتب إلى خطيبته قوله: «لقد ~~أثرت في الأمس زوبعة عظيمة من الاستياء بخطبة غير تامة الوضوح حول حركة سنة 1813 ~~الشعبية، فجرحت بهذه الخطبة غرور كثير من رجال حزبي، فأسفر ذلك ms071 بحكم الطبيعة عن ~~تألب جميع المعارضة ضدي ونباحها علي، وكانت البغضاء شديدة، وقد يكون قولي ~~الحق سببا لها، وقد عيرت بفتائي وبأمور أخرى.» # وعلى ما في رسائله إلى خطيبته حنة من رقة، تكتسب هذه الرسائل لهجة التقارير ~~مقدارا فمقدارا، وتصاب حنة بمرض شديد ويصلي من أجلها، غير أنه يظل «في ~~مركزه» ويعد بعيادها في عيد العنصرة، ويخلف الوعد، ويكتب إليها قوله: «لا أبين ~~لك السبب في أنني لم أسطع أن أجيء؛ لما في ذلك من عدم فائدة، وإنما أذكر لك أن ~~أهم شئون البلاد هي موضوع البحث، وقد يتوقف الأمر على صوت واحد. ومما يؤلمني أن تكون ~~المسافة بينك وبين اللندتاغ خمسين فرسخا، وأنتن أيها النساء غريبات الطبع؛ ~~فالأصلح أن يتصل بكن مشافهة لا كتابة.» ولا ينبغي تأجيل الزواج، وعلى حنة أن ~~تمرض هادئة في البداءة وإلا اعتقد «وجودي مكسالا في رينفيلد، ولا أستطيع أن ~~أشاركك بحرية كما يجب قبل أن نتزوج.» # وهكذا يتكلم العاشق بلهجة الزوج الرزينة مع عدم نقص في العطف، ولكن الحزم والتوجيه لم ~~يلبثا أن رسخا بعد أن غدت السيطرة لإرادته، ويبدأ بسمارك بتقدير الوقت والقول عن ~~الكسل للمرة الأولى من حياته، ويبدو أحد الأمور لبسمارك مهما للمرة الأولى من حياته، ~~وهو يصرح بأن السياسة تحرمه شهوة الطعام ولذة النوم، «وأراني غضابيا # 9 # بسبب مكر المعارضة وكذبها» ويجهر برغبته في مشاهدة الغابة وحنة مرة ~~ثانية مع ذلك، ويعترف لها بعد تجربة أسبوعين من وجوده في اللندتاغ بأن وجده ~~السياسي يجاوز ما كان ينتظر بمراحل، ويكتب إليها بعد خمسة أسطر في الأسفل: «يا ليتني ~~أتمكن من مخاصرتك مع كمال الصحة! يا ليتني أقدر على الانزواء معك في فسطاط صيد بالجبل ~~حيث الغابة الخضراء وحيث لا أرى وجها بشريا غير وجهك! ألا إن هذا هو حلمي الدائم، ~~ألا إن دق ناقوس الحياة السياسية يؤذي أذني يوما بعد يوم، آلغياب أم المرض أم ~~الكسل هو سبب ذلك؟ أود أن أكون معك وحدك فأتأمل في الطبيعة، وربما كانت روح التناقض ms072 ~~هي التي تجعلني أمد عيني في كل حين إلى ما لا أملك.» # والأمر يتجلى لنا هنا أيضا، فعندما كان بسمارك غير درب # 10 # بالسياسة والشئون العامة كان يوعز إلى خطيبته بأن تعد نفسها للحياة ~~الدنيوية، ولم يكد بسمارك ينال ذلك حتى أخذ يحلم بفسطاط الصيد في الغابة، ويعرف بسمارك ~~السبب، وهو يعرب لها عنه، وسيتوجع منه مدة أربعين سنة، وهنالك لب المسألة، وهنالك ~~لغز طبيعته التي لا يرضيها أي مقام كان، ولا غرو؛ فهو بسمارك التائه. # | الفصل العاشر # رجل قلق حاد الصوت غير عسكري مختال غافل مشمول بلطف الله، فذلك هو أمر ~~فردريك ولهلم الرابع الذي كان يلقب بالراقص على الحبل، والذي لم يكن دوره بين ~~الشعب والعرش غير دور الماجن، هو روائي غير جلي، ولكن مع تصوره في البداءة ~~بخبث إمكان حله جميع المعضلات، وإمكان توجيهه الدول الشرقية ودولة فرنسة إلى ~~العمل مع الحلف المقدس وتأسيسه الوحدة الألمانية وخدمته الرجعية والحرية معا، وهو ~~يقول بعد افتتاح اللندتاغ الأول متظاهرا بالديمقراطية ومنجزا عهد والده: «إنكم ~~ستقضون على العمل في نهاية الأمر لا ريب!» وهو يضيع الفرص عندما يجب عليه أن يعطي ~~بسخاء، وهو يجهل روح العصر جهلا تاما، وهو عنيد غطريس، وهو يعتقد قدرته على الحكم ~~بنفسه، وتدل هذه العلائم على ارتباك نفسي فيه، ولم ينشب هذا المرض أن بدا لكل ~~ذي عينين، وإن ترك يؤذي بلاده مدة عشرين سنة قبل أن يعلن اختلال عقله رسميا، ~~وهو يعطي الأمة آلة موسيقية، بيد أنه يهدد جميع من يجرءون على العزف عليها، وفيما هو ~~يقول: «أرحب بكم أجمل ترحيب.» تراه يحرم على كل إنسان أن يدنو منه، وهو آخر ~~ملوك بروسية، وأحد هؤلاء الملوك الذين يستطيع الواحد منهم أن يقول: «هنالك أمور لا ~~يقدر على معرفتها غير الملك.» # ومما يصعب في ذلك الحين وجود شخص يبغضه أوتوفون بسمارك شونهاوزن مثل ذلك الملك، ~~ويكثر بسمارك من التردد إلى البلاط سنة 1847 مع ذلك، ويشترك في النزه النهرية على الهافل، # 1 # ويقول: «لقد زرنا ms073 صديقنا الملك في عيد الفصح، فأكثر الأمراء من ~~تدليلي.» ويهنئه الأمراء بخطبه في اللندتاغ، ويحجم الملك عن مثل ذلك؛ لكيلا ~~يثير الريب حول استقلال مناضله الشاب بسمارك الذي كان الملك يعلم أنه لا يزال ~~مستقلا، وكان مستشار الملك - ليوبولد ولودفيغ فون غرلاخ، أي القائد والرئيس، أي ~~الأخوان الحسنا العرفان بالعالم - مستشارين لبسمارك أيضا، وكانا أسن منه ~~بعشرين سنة، وكان لودفيغ بياتيا اجتمع ببسمارك عند آل تادن فأحبه كثيرا، ~~ويوعز لودفيغ إلى بسمارك في النطق بخطبة طويلة وفق رغبة الملك. # وهكذا ينمو فيه بخطوط كبيرة غير مستقرة، أملان، وهما: أن يكون نافعا لنفسه وللملك ~~معا، فيزيد نفوذه الشخصي بولائه للملك، ويروج خططه الخاصة بتأييده خطط ~~الملك، ويمهد سلطانه في المستقبل بتوطيد سلطان الملك في الزمن الحاضر، وتسفر تلك ~~الصلات الأولى بأنجية # 2 # العرش عن شد ما في الفارس بسمارك من طموح فطري، ولم تلبث أن جعلت منه ~~نصيرا للملك سيرا مع أصله، فصار يسره أن يدعو ذلك بالشعور الإقطاعي فيما ~~بعد. # وكان ذلك الشعور الذي تعهده بعدئذ في سبيل خططه متأصلا فيه منذ زمن ، ويسر ~~إلى زوجه قوله بأسلوب غريب: «إذن، لا تتكلمي عن الملك باستخفاف، فكلانا يميل إلى ~~التيهان في هذا الميدان، وعلينا ألا نحدث عنه بقحة كما علينا ألا نحدث عن ~~آلينا، وهو إذا ما اقترف خطأ وجب علينا أن نذكر أننا أقسمنا يمين الولاء والطاعة لدمه ~~ولحمه.» ولا تجد لجدية هذا الإنذار مثيلا في أي واحد من كتبه الأخرى، فهو يفرض ~~على زوجه تمجيد مليكه فرضها عليه تمجيد ربها، وهو يتمسك بعقيدته مدى حياته ~~تمسكها بعقيدتها، وتغلي ذكريات أجداده القديمة في دمه من جديد، ويتحدى أجداده ~~ملوكهم، ولم يحدث أن مكروا # 3 # بهم مرة واحدة مع ذلك، وفيما هو يشبه بالملوك أجداده الذين لا يرى ~~لغيره حق التكلم عنهم بارتياب تراه يتطلع إلى الأسرة الكبرى في المرتقى على حين يعيش ~~باقي الشعب في الأدنى. واليوم لا يتطلب هذا الوضع الملائم لخططه والخليق بطبقته ~~أية تضحية من عزته، وهو ms074 لا يزال حرا في اختيار حزبه أو في تبديله ما ظل محل ~~تودد وما بقي ناقدا وما عطل من أية مسئولية، والويل لخيلائه إذا ما غدا ذات ~~يوم مرشدا قائدا للملك تابعا له في حين واحد! # والآن تأخذ المعضلة ذات الحدين حكمها، ويود النائب الشاب نيل مقعد في ~~المجلس بأي ثمن كان، وإلا فأين يعرض قوته وذكاءه؟ فإذا أراد انعقاد المجلس في ~~دورات سنوية وجب عليه أن يصوت مع من يمقتهم من الأحرار، وماذا يصنع إذن؟ إن من ~~مخادعة الملك ضغطه في هذا السبيل؛ ولذا رأى بسمارك تعليق المسألة، ويبحث في معضلة ~~اليهود فيفضل بسمارك أن يتغيب لما بينه وبين الحكومة من اختلاف في ذلك، ويبدو مع ~~ذلك وهو لما كان من ظهوره رئيسا لأقصى اليمين من بعض الوجوه يتكلم ضد «الهراء ~~الإنساني المزعج» الصادر عن أصحاب الشمال والقائل بمساواة جميع رعايا الملك. # ويقول بعنجهية: # 4 ~~«لست عدوا لليهود، وهم لو كانوا أعدائي لعفوت عنهم، حتى إنني أحبهم ~~بتحفظ، حتى إنني أمنحهم جميع الحقوق، خلا ممارسة المناصب الكبيرة في دولة نصرانية. ~~وليست عناية الله كلمة فارغة عندي، ولا أستطيع أن أعد غير ما أوحي به في الإنجيل ~~معبرا عن إرادة الله، ونحن إذا ما جردنا الدولة من أساسها الديني لم يبق لنا ~~منها سوى مجموعة من الحقوق، سوى حصن ضد حرب الجميع للجميع. وفي دولة كتلك لا أرى كيف ~~يناقش في مبادئ كمبادئ الشيوعيين حول مخالفة التملك للأدب؛ ولهذا السبب يجب ألا ~~نعتدي على نصرانية الشعب.» # تلك هي لهجة الملوك والوزراء المطلقين، ولو عبر جد بسمارك - منكن - عن نفسه ~~على ذلك الوجه ما وجد لوما من ملوكه، ولو لم يرب الشيخ منكن ابنته وفق ~~مبادئ التقدم ما حاولت هذه الابنة أن تنقل هذه المبادئ إلى ابنها، ومن المحتمل أن ~~يصير بسمارك الشاب من الأحرار خلافا لأمه غير المحبوبة لديه لو تلقت هذه الأم ~~من أبيها مبادئ رجعية، والذي لا مراء فيه أن كان ذلك الرجل، الذي يحسد ميرابو وبيل ~~في ms075 فتائه والذي يعتريه وجد من شعر بايرون، ويعجب بإنكلترة في شبابه، يقتحم ~~بتربيته وارتيابه الطبيعي فروق العروق أكثر من اقتحامه فروق الطبقات، وهو عندما جهر ~~بالفروق الطبقية للمرة الأولى مؤكدا لم يكن متأثرا بالبياتية ما دامت البياتية ~~غير ذات أثر في سياسته الحاضرة والقادمة، ومن الممكن مع ذلك أن يكون قد صنع ذلك ~~مراعاة للبياتيين، وآية ذلك أنه دافع قبل سنة عن مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة ~~خلافا للرئيس فون غرلاخ، فسره اليوم أن يسر زمرة البياتيين، ولم يحسب ~~حساب اليسوعية في ذلك، وإنما فعل عن لا شعور تقريبا ما يقرب به بين معتقداته ~~وغاياته، شأن العاشقين اللذين يبحث كل منهما عن الآخر فيكون من الطبيعي أن ~~يلتقيا؛ فالحق أن أوتوفون بسمارك كان قطبا سياسيا. # وبعد خمس دقائق يدعو طبقات المجتمع الدنيا إلى الشهادة فيقول: «إذا ما تصورت أنني ~~ملزم بالإطاعة ليهودي، ممثلا لصاحب الجلالة المقدسة الملك، وجدتني مرهقا ~~مهانا في أعماق نفسي، وأشاطر هذا الشعور أدنى طبقات الشعب ولا أخجل من أن أكون ~~بجانبها في ذلك.» ولكنه لم يرد قط أن يطيع أحدا من ممثلي الملك - يهوديا كان أو ~~نصرانيا - ولم يفعل غير قسر قدرته الحيوية عندما رأى نفسه ملزمة بإطاعة الملك ~~ذاته حين تمثيله له. # ولا يخف ذلك العجب الجاف قليلا إلا حين ملاقاة خطيبته أو حين تفكيره فيها، وهي ~~إذا كانت مريضة لم يبال بجميع نصارى رينفيلد المتوكلين على الله ولم يطق قولا عن ~~الطب، وهو يصر عن استعمال الأدوية متذرعا عن مزح بأن الرب هو الذي أعطاها، ~~وهي وقت شفائها تقابل بين حياتها الهادئة وحياته الممتعة التي تتبينها من رسائله ~~ومما تقرأه عنها في الصحف. # وهي تكتب إليه قائلة: «عندما أتعقب بأفكاري مجرى حياتك الراهنة منتقلة من مسرة ~~إلى مسرة لديك، وفي أثناء ما لا حد له من الضوضاء والاضطراب، يساورني القلق فأضع ~~إصبعي على فمي، وأضع يدي على فؤادي، وأدعو لك هادئة، أخشى أن يجعلوك كثير الزهو، ~~فتزدري رينفيلدنا الوضيعة في نهاية الأمر.» وهي تستر ms076 تحت مثل هذه العبارات هولا ~~حقيقيا في بعض الأحيان، وهي تختم كتابها بالكلمة الفاجعة الساخرة: «حقا إنك ~~يا أوتو، ذو دم حام إلى الغاية!» # ويبدو أنيسا كلما دنا وقت العرس، ويكتب بكياسة تخالطها سيطرة قوله: «أتنتظرين ~~مني - في مساء هادئ، لابسا مخملا أسود وريشة نعامة متموجة - أن أعزف على القيثارة # 5 # تحت نافذتك فأصدح بأغنية «فري معي ...» التي يمكنني الآن أن أغرد بها ~~فاتنا على ما أرى مع كلمة «نامي على ...» أو يجب علي أن أظهر وقت الظهيرة # 6 # مرتديا بزة فارس ولابسا قفازا أحمر فأعانقك من غير أن أغني وألغو؟» # 7 # ويشير عليها بأن تدعو بعض الأصدقاء ليرافقوهما في رحلة الزفاف فترفض ذلك ~~بإباء. # ويكون العرس بعد الخطبة بستة أشهر، وتقدم صديقة إليها منديل الزفاف الموشى ~~بوردة بيضاء وفق لغة الأزهار التي تعرفها تلك البيئة، وفيما كان العريس جالسا حول ~~المائدة شاربا غير قليل من رحيق الشنبانية أمسك منديل حنة، وتقع عينه اليانعة ~~الواقعية وغير الروائية على الوردة الرمزية فيحرقها بسيغاره قبل أن تتمكن العروس من ~~صده عن ذلك، وبهذا يريد أن يقول: «هنا ينتهي أمر جان بول مع تصوف الصبية.» # ولكنه يتذرع بمرح أبوي خالص، فيطلع الحبيبة على العالم في سفر شهر العسل الطويل، ~~ويكتب إلى أخته ما لا يصدق صدوره عن كاتب في السنة الثانية والثلاثين من عمره، ~~فيقول: «وأما من ناحيتي فأذكر أنني بلغت من الكبر ما لا يستهويني معه جديد المناظر، ~~وإن كنت قد تذوقت انطباعات حنة.» وأحزم من ذلك قوله في كتاب إلى أخيه: «وأخيرا ~~يأتي المؤلم، فقد أضافت حنة إلى الليرات الذهبية المائة التي لدي نحو مائتي تالير ~~كانت أخذتهما لابتياع أوان فضية، ولا ضير في هذا ما دامت الشماعد # 8 # المعدنية المصفحة تكفي هنا، وما دام شرب الشاي في ودود أمرا ~~جميلا، وما دام عندنا الشيء الكثير من هدايا العرس، وتبلغ نفقات رحلتنا نحو 750 ~~تاليرا، وتدوم هذه الرحلة 57 يوما فيكون ما ننفقه كل يوم 13 تاليرا، وأدعى إلى ~~المقت من ms077 ذلك ما كان من موت ست بقرات وثور لي، أي أحسن ما في أنعامي، بداء ~~الجمرة.» # ويا للألفة التي آل إليها بسمارك المغامر! والحق أن بسمارك إذا ما ساح وحده أو مع ~~زوجه، وجب أن يتم له كل شيء على ما يرام، غير ناظر إلى ما يقتضيه ذلك من نفقات، ~~والآن إذ يعرب بسمارك وهو راجع من شهر عسله أن يقسم المجموع إلى سبعة وخمسين، وأن ~~يختم تقريره الأول بقصة ثوره وبقراته الست، نبصر وضعه نفسه في آفاق ضيقة مع ~~تفتح آفاق واسعة له. # | الفصل الحادي عشر # يزور بسمارك في 19 من مارس سنة 1848 جارا له، ومن المحتمل أن بحث مع صاحبه في أمور ~~السياسة؛ فالدور كان دور فتن واضطرابات، وتأتي عربة على غير وعد، وتنزل منها ~~سيدات، ويخبرن بسمارك وأصحابه الحائرين، هائجات بفرارهن من برلين، حيث اشتعلت ~~الثورة وأصبح الملك سجين الشعب، وكان بسمارك يقضي شتاءه مع زوجه الفتاة ~~بشونهاوزن منذ عطلة اللندتاغ، وكانت الأشهر الستة تلك هي الأولى والأخيرة هدوءا ~~في حياته الزوجية، ويساور القلق بسمارك منذ خمسة عشر يوما كبقية الناس، وعلة ذلك ~~ما كان من ثورة أهل باريس وطردهم الملك وإعلانهم الجمهورية مرة أخرى، وقد أسفر ذلك ~~عن تقوية مثل تلك الأماني في ألمانية، فأدى ذلك إلى تسريح الوزراء الرجعيين ~~واستبدال وزراء من الأحرار بهم، وفي 18 من مارس يتجمع أهل برلين في الشوارع ~~ويتصادمون هم والجنود إلى أن يأمر الملك - بلا ضرورة وعن جبن، لا عن حنان - برجوع ~~الكتائب، ويهرع بسمارك إلى شونهاوزن عند سماعه تلك الأنباء. # بسمارك في سنة 1834. # وفي ذلك الحين يرى بسمارك أن حياته مهددة، ~~ومن ذا الذي تبحث عنه تلك الجموع الهائجة فتقتله على ما يحتمل إن لم يكن من زعماء ~~الرجعية؟ إن من الطبيعي أن تتجه أفكاره إلى تراثه، وإن من الطبيعي أن ينشد الوقاية ~~زوجا وأبا لولد منتظر، ويمس زهوه ويحث بأسه، فيرى ضرب الحمر، وهكذا ~~تحفزه الطبيعة والمنفعة إلى استعمال العنف فيتخذ وسائل قاسية من فوره، وفي ms078 الصباح ~~التالي يأتي مفوضون من المدينة إلى شونهاوزن ليحملوا الفلاحين إلى رفع العلم ~~الأسود الأحمر الذهبي، ويدعوهم متبوعهم إلى المقاومة وطرد الحضريين، «فتم هذا ~~بمساعدة النساء الفعلية»، ثم ينصب راية سوداء ذات صليب أبيض فوق برج الكنيسة، ويجمع ~~سلاحا، ويجد عنده عشرين بندقية صيد، ويجد في القرية خمسين بندقية صيد أخرى، ويرسل إلى ~~المدينة رجالا راكبين خيلا للبحث عن بارود. # ويضع زوجته الجسور في عربة ويطوف معها في القرى المجاورة، ويجد معظم الناس ~~مستعدين للزحف معه إلى برلين إنقاذا للملك الذي يقال إنه سجين، ويهدد جاره الذي ~~هو من الأحرار بمعاكسته، فاسمع ما رواه بسمارك نفسه: ~~- «إذا ما فعلت ذلك قتلتك بإطلاق النار عليك.» ~~- «لن تفعل ذلك!» ~~- «أقسم لك بشرفي أنني أصنع ذلك، وأنت تعلم أنني أنفذ قولي، فلا تصر على ما أنت ~~عليه!» # ويغدو بسمارك رجل سياسة بعد تلك البداءة الجريئة، فيذهب وحده إلى العاصمة، ويزور ~~بوتسدام في طريقه، ويعلم من أصحابه القواد ماذا حدث في الحقيقة، ويطلبون منه ~~مقدارا من البطاطا والحبوب لإطعام جنودهم، لا فلاحين لعدم فائدتهم، ويعربون له عن ~~غيظهم لمنع الملك إياهم من الاستيلاء على برلين، ويعرض بسمارك آنئذ عن الملك لقنوطه ~~منه، ويود أن يعمل برأيه الخاص، ويحاول أن ينال أمرا بالسير من الأمير ولهلم ~~البروسي، ويصرف إلى الأميرة. # وكان أوغوستا أسن من بسمارك بأربع سنوات، وهي تزوجت في العشرين من عمرها، وهي ~~تنتظر لذلك، وكلما بدا جنون الملك العاطل من الولد أشد مما كان عليه أملت أن ~~تخلفه هي وزوجها على عرش بروسية، والآن يظهر انهيار آمال حياتها دفعة واحدة بعد أن ~~لاح فقد الأخوين للسلطة، ويتوارى ولهلم في جزيرة الأطواس، # 1 # ويكتم مكان عزلته حتى عن أشد رجاله ولاء، ويتيح هذا الأمر لتلك ~~الطموح المستبدة الحسناء فرصة استغلال ما نالتها من ثقافة في فيمار، وتمثيل دور ~~ملكات القرون القديمة العظيمات ما ألقت بيديها إلى التهلكة، وتريد أن تجعل وراثة ~~العرش في ولدها، وتفاوض في ذلك زعيم قدماء الأحرار الشيخ فنكه، وإنها لترسم ms079 ~~هذه الخطط إذ تفاجأ بنبأ قدوم زعيم الملكيين الجديد «بسمارك»، وهل تستقبله في البهو ~~وجميع الجدر ذات آذان؟ ~~«وتستقبلني في غرفة الخدم بالدور المسحور جالسة على كرسي من خشب أبيض، ~~وتخفي عني مكان زوجها، وتصرح لي هائجة بأن من الواجب عليها أن تدافع عن ~~حقوق ابنها، ويستند ما تبديه إلى الافتراض القائل: إن الملك وزوجها لا ~~يقدران على حفظ مقامهما، فهي تفكر في أن تكون وصيته على العرش في أثناء ~~صغر ولدها.» # وهنالك يقف المخلص لمليكه بسمارك مذعورا من اختفاء الأمير، لما يرجوه من وجود رجل ~~يبذر في النفوس شجاعة ومقاومة تجاه فتنة الشعب، وتجلس زوجة الأمير ولهلم في غرفة ~~الخدم تلك مواجهة له على مقعد خشبي، وكانت قاطعة كل أمل في أمر زوجها وأمر الملك ~~منذ زمن طويل، ويتجلى أملها الوحيد العتيد في إنقاذ العرش من أجل نفسها وأجل ولدها، ~~وتطلع على محاولتها الخائنة هذه نائبا في اللندتاغ غريبا عنها تقريبا مع أنه ~~يريد العكس، ونجهل الكلام الذي نطق به آنئذ، ويمكن استنباطه من جوابه لفنكه بعد ~~قليل وقت. # قال بسمارك: «يطلب فنكه، باسم أعضاء حزبه ووفق رغبة مرجع عال على ما يحتمل ~~مؤازرتي في اللندتاغ وحملي له على المطالبة بتنزل الملك عن العرش والإعراض عن ~~الأمير البروسي بموافقة هذا الأمير الفرضية ونصب الأميرة البروسية وصية على العرش ~~مدة صغر ولدها، فأعلن أنني سأجيب عن مثل هذا الطلب بأن أقترح اتهام مقدمه ~~بالخيانة العظمى، ويترك فنكه مشروعه بسهولة في نهاية الأمر، قائلا: إن الملك لا ~~يحمل على التنزل عن العرش بغير مساعدة أقصى اليمين الذي يعدني ممثلا له، ويقع ~~هذا الجدال في غرفتي الأرضية بفندق الأمراء، ويتخلل هذا الجدال أمور لا ينبغي ~~إثباتها كتابة.» # وتنطق تلك العبارة الأخيرة - التي كتبت بعد أربعين سنة من ذلك التاريخ - بأكثر مما ~~قرر الشيخ «بسمارك»، وبسمارك هذا عارف بالسبب الذي أتم به كلامه بقوله: «إنني لم ~~أخاطب الإمبراطور ولهلم في هذا الأمر قط، حتى حين كنت أرى الملكة أوغوستا مناوئة ~~لي، وإن كان ms080 الصمت أقسى امتحان تصاب به أعصابي وشعوري بالواجب في أي وقت من أيام ~~حياتي، وما كانت أوغوستا فيما بعد لتغفر ليوسف «بسمارك» هذا طهره السياسي.» # وكان ذلك المنظر الموصوف أول المناظر وأدعاها إلى العجب حول كفاح بسمارك عن مليكه ~~فردريك ولهلم شعورا بالولاء، لا عن باعث شخصي، وكان ذلك حين ازدرائه الشديد لذلك ~~الملك، وما كان في مثل تلك الأوقات الصعبة من امتزاج مشاعره بالإقدام والحقد على ~~الجمهور (الذي يجب ألا يذعن له) والزهو الفروسي الموروث والتصور الروائي الإقطاعي ~~المثالي فيغمر في تلك الأحايين الحرجة برودة تقليبه الأمور، ويصيب فنكه من حيث ~~الأحوال في وصف اقتراحه الشخصي «بأنه تدبير اقتضته السياسة وفكر فيه بدقة وأحكم ~~إعداده»، وكان يمكن بسمارك - كرجل طموح - أن يسير في أيام الفتنة تلك، باحتراس أشد ~~مما صنع لو مال مع شعوره بالولاء لفردريك ولهلم وللأمير البروسي، إلى ما قد تعرضه ~~عليه الأميرة أوغوستا في مقابل تأييده لرغائبها، وكان يمكن بسمارك أن يعذر لو انضم ~~إلى أعضاء الأسرة المالكة الأحداث أولئك الذين لم تكن صفحتهم سوداء في ذهن ~~الشعب. # وعند بسمارك أن مصير بيت الملك كان قبضته في ذلك الحين؛ فقد كان المحافظون أنفسهم ~~يرون تنزل فردريك ولهلم عن العرش، وكان يمكن حزبه الصغير أن ينزع السلطان من ~~هذا الملك الذي كانت فرائصه ترتعد فرقا، وكانت أكثرية الأحرار في اللندتاغ ~~ترحب بذلك الحل، وما كان ولهلم ليغدو ولهلم الأول لولا ذلك. وكان فردريك ~~يجلس على العرش في السنة الثامنة عشرة من عمره بدلا من السنة الثامنة والخمسين من عمره ~~لولا ذلك. وما كان بسمارك ليبصر تحول نفسه ولا تحول فردريك في المستقبل مع ذلك، ~~وما كان من الوضع الذي اتخذه في غرفة الخدم تلك بقصر بوتسدام ثم في تلك الغرفة من ~~فندق ليبسيكرستراس، فيحتمل أن يكون قد قرر سيره في الحياة وقرر مصير ألمانية ~~مع ذلك. # ويرفض خلع الملك فردريك ولهلم، ويوجه الآن همه إلى جعل هذا الملك مغلوبا على ~~أمره، ويطلب في ذلك اليوم إلى الأمير ms081 فردريك شارل أن يأمر الكتائب بالزحف إلى برلين على ~~الرغم من أوامر الملك «ما دام صاحب الجلالة غير حر في السير»، ويحبط ما سعى إليه ~~بسمارك حتى لدى القائد الذي دعاه إلى التمرد توا، # 2 # وهنالك يذهب بسمارك إلى برلين قاصدا الدخول على الملك بذاته، وهنالك لا ~~يترك بسمارك في منظره ما يستفز الملك، فيزيل لحيته، ويلبس قبعة عريضة الحافة ~~مع إشارة ملونة، وهنالك يكتسب هيئة أجنبي لارتدائه سترة رسمية رجاء مقابلة ~~الملك، فيصرخ بعضهم في الشارع خلفه قائلين: «وي! ولكن هذا فرنسي!» ويريد ابن عمه أن ~~يضع نقودا في صندوق المقاتلين في المتاريس، فيقول له بصوت عال (كما يروي): «أجل، ~~لقد أخافتك البنادق الصغيرة، فتدفع إلى هؤلاء القتلة نقودا!» وذلك لما كان من ~~تبينه بين حرس الوطنيين من أبناء الطبقة الوسطى قاضيا صاحبا، فيلتفت هذا إليه ~~فيعرفه مع حلق ذقنه ويقول له: «رباه! بسمارك! يا لمنظرك! يا لهذه القذارة ~~هنا!» # ويصرف عن باب القصر من غير أن يقابل الملك، فيكتب إلى الملك فردريك ولهلم على ~~قصاصة ورقة حقيرة (بقصد تشجيع الملك وعن عدم معرفة دقيقة) ويقول له فيها: إنه لا ~~ثورة في أية ناحية من البلاد ، وإنه لا يعتم أن تعود إليه السيادة إذا ما غادر ~~العاصمة. # ويذهب ما هدف إليه جفاء، # 3 # ويعود إلى سكسونية ليصل بين قائدها والقائد في بوتسدام، وينصح في ~~مغدبرغ بأن يرجع من فوره، وإلا وقف متهما بالخيانة العظمى، ويذهب إلى ~~شونهاوزن ويكتفي بالأوب # 4 # إلى بوتسدام مع وفد من الفلاحين الراغبين في مخاطبة القادة بأنفسهم، ~~وفي بوتسدام يسمع قول الملك لضباطه: «لم أكن حرا مطمئنا في زمن مثلي في حمى ~~أبناء وطني.» وفي ذلك يقول بسمارك: «كان تذمر، وكانت قعقعة غمود؛ # 5 # أي كان ما لم يسمعه ملك بروسية بين ضباطه في أي زمن كان؛ أي ما يأمل ~~المرء ألا يسمع مثله مرة أخرى، وأقصد شونهاوزن جريح الفؤاد.» # وهكذا ينتهي عمل بسمارك اللاثوري مع الحقد وتبدد الأحلام، ويمضي أسبوع فتقدم ~~وزارة الأحرار الجديدة ms082 إلى البرلمان مشروع قانون الانتخاب الذي أوجبته فتنة شهر مارس ~~كرها، ويوفق بسمارك بصعوبة لحذف تهنئة المقاتلين في المتاريس من تلك الوثيقة، ~~ويبدو أن روعه سكن بذلك، ويزج بالمسألة الألمانية في خطبة العرش مجددا، ~~وفي تلك الخطبة يعلن الملك وجوب صهر بروسية في ألمانية بعد الآن، ويعارض بسمارك تلك ~~الفكرة، ولكن تلك المسألة لم تكن قد بلغت حدها آنئذ، ويطرح الجواب للتصويت، ويرتقي ~~بسمارك في المنبر فجأة، ويبدو عليه غضبه وحزنه من فوره بما هو ابتدائي بعيد من ~~السياسة، ويفلت منه عنان نفسه فيظهر أن خطبته مناجاة ذات لجلجة. # 6 # ويبدأ بقوله: إنه يود أن يصوت لبرنامج الملك، «ولكن الذي يدفعني إلى التصويت ~~ضد الجواب هو اشتماله على عبارات الابتهاج وعرفان الجميل تجاه ما حدث في الأيام ~~الأخيرة، وقد دفن الماضي، ومما يؤسفني أكثر من كل واحد منكم عدم استطاعة أية ~~قدرة بشرية على بعثه بعد أن حثا # 7 # العرش نفسه ترابا على التابوت. والحق أن سلوك هذه السبيل لو كان ~~يؤدي إلى نيل وطن ألماني موحد لأبصرت دنو الوقت الذي أعرب فيه عن شكري ~~للداعي إلى النظام الجديد، ولكن ذلك يتعذر علي الآن ...» وتخنقه العبرات، ويعجز ~~عن الدوام على الكلام، ويترك المنبر من غير أن يتم خطبته. # وعلى ذلك النمط يظهر شعوره المجروح بغتة حين يلوح له ضياع كل شيء غدرا، ~~ويعرض نفسه للريب بإبدائه رأيا مردودا، ويعرض الملك أيضا للظنون حين ~~يسالم شعبه، وهو بما فيه من ارتياب مغلوب وبصر عبقري سياسي؛ يشعر من اليوم ~~بأن الوحدة الألمانية لا تحقق على ذلك الوجه وفي الوقت العتيد، وهو مع ما يساوره من ~~شك كبير يشكر ببلاغة لمن يوجد النظام الجديد في المستقبل، فيثير نفسه بسذاجة، ~~ويصعد ما اعتراه من ألم ومرارة في تلك الأيام إلى عينيه من فؤاده كما لو كان ذكاؤه ~~يريد الانتقام ولم ينفذ ظلام الغيب، فينتحب # 8 # فيضطر إلى قضب # 9 # خطبته حيث يسطع نجمه. # | الفصل الثاني عشر # يمضي شهران فيجرؤ الأمير ولهلم على العودة من ms083 إنكلترة حيث فر، ويمر من ~~سكسونية فينتظره بسمارك في محطة صغيرة، ويرى بسمارك أن من الحذر أن يكون خلف ~~الآخرين، ويعرفه الأمير (الذي حدثته الأميرة عن زيارة بسمارك لها، فذكرت له ~~نيته من غير أن تفشي له سرها)، فيشق طريقا له بين الجمع ويصافحه، ويقول له: ~~«أعرف أنك عملت بنشاط ما فيه مصلحتي، فلا أنسى لك ذلك أبدا!» # وهكذا يقترن سوء تفاهم منطقي عجيب بتصافح ذينك الرجلين اللذين - وإن فرق ~~بينهما حقد الأميرة - اتحدا على منصة التاريخ العام فيما بعد. # ويدعو الأمير بسمارك إلى بابلسبرغ فيحدثه بسمارك عن استياء الكتائب التي أعيدت ~~إلى أماكنها في أيام مارس، ويحمل على قلبه العسكري غير راحم بتلاوته عليه أغنية ~~أنشئت في تلك الأيام فختمت بما يأتي: # لقد قرع آذانهم الصادقة صوت خائن، قرع آذانهم قول بأنك لن تكون ~~بروسيا، بل تكون ألمانيا، والآن يتموج العلم الأسود الأحمر الذهبي ~~تحت وهج الشمس، والآن يطوى العلم ذو النسر مدنسا، وهنا ينتهي تاريخكم ~~المجيد يا آل زولرن، وهنا يخر مليك بلا قتال، وليس علينا أن نسير وراء ~~النجوم الهاوية، فيا أيها الأمير سيؤنبك ضميرك على ما صنعت هنالك، ولن ترى ~~كالبروسيين إخلاصا! # ويسمع الأمير ذلك فيذرف سخين العبرات، فلا يراه بسمارك يفعل ذلك غير مرة واحدة ~~في قادم الأيام، ويدل شكل الوجد ذلك لدى رجلين جسورين شخصيا على تقارب وضعهما ~~في بعض الأحوال العالية، لا على تشابههما في مزاجهما، وكان عمر ولهلم يزيد على ~~خمسين سنة، وكان قد قضى حياة كامدة ولكن ناعمة، وإذا عدوت بعض الأقاصيص الغامضة عن ~~فتائه وما اضطر إلى تركه من المعاشق وجدته لم يلاق أي عائق جدي كان، ~~والآن مع خدع الندماء إياه حول زوال الخطر يبصر في بيان بسمارك أولى الحقائق ~~السافرة، وبسمارك قد عرف كيف يعرضها عليه في نشيد جندي. # وفي أيام يوليو يعارض بسمارك ملكه بمثل تلك القوة والإقدام، ويتميز بسمارك من ~~الغيظ فيكف عن زيارة البلاط، ويرسل الملك خادما خاصا إلى الفندق الذي يقيم به ~~بسمارك ليبلغه ms084 أمر الملك بضرورة حضوره، فيجيبه عن ذلك بأنه مضطر إلى مغادرة المصر # 1 # قاصدا الريف حالا بسبب مرض زوجه وضرورة وجوده بجانبها، ويأتي ذلك غريبا ~~على الملك فيرسل إليه حاجبا من فوره ويدعوه إلى تناول الغداء معه واضعا خادما تحت ~~تصرفه حتى يأتيه بأنباء عن صحة حنة مكرها إياه بذلك على المجيء، ويتنزه الملك ~~وبسمارك على رصيف سانسوسي بعد الغداء، ويسأله الملك ملاطفا: كيف تسير الأمور ~~عندكم؟ ~~- «الأمور عندنا سيئة يا صاحب الجلالة.» ~~- كنت أظن أن الوضع عندكم حسن؟ ~~- «أجل، إن الوضع كان حسنا جدا، ولكنه ساء منذ تسربت فينا الثورة بفعل سلطة ~~الملك وختومه، فلم تبق هنالك ثقة بمعونة الملك.» # ويروي بسمارك أن الملكة خرجت من مكمن آنئذ فقالت: «كيف تجرؤ على مخاطبة الملك بهذه ~~اللهجة؟» # بيد أن الملك فردريك ولهلم قال: «دعينا يا إليزة، فسأبلغ مرامي، وبماذا ~~تعيبونني إذن؟» ~~- «بإخلاء برلين.» ~~- لم أرد ذلك. # وكان ذلك على مسمع من الملكة، فقالت: ليس الملك هو الذي يلام على ذلك، وهو الذي لم ~~يقدر على النوم ثلاثة أيام. ~~- «على الملك أن يستطيع النوم!» ~~- العودة من دائرة البلدية خير من الذهاب إليها، وأنتم يا رجال المجلس الاشتراعي ~~أدرى من غيركم، وليس التأنيب أقوم الوسائل في تقويم عرش منكوس، ولا بد لذلك من ~~المعاضدة والهمة والتضحية لا النقد والتنديد. # ويؤدي ذلك الكلام إلى جعل الضيف بسمارك يشعر فورا بأنه «عزل # 2 # منيل # 3 # كله». # وهكذا كانت مقابلة بسمارك السياسية الأولى لملك بروسية، وقد كان وضعه سهلا في ~~الحقيقة، فهو ملكي عذل الملك، وكان وضعه صعبا من حيث الشكل؛ فهو قد دخل القصر ~~ليعنف في الواقع، وهو قد غلب لمعاملته بالحسنى، ويرضى الملك بنقده مترفقا به ~~رفقا أبويا، ويوصي غرلاخ بعد زمن قليل بتعيين بسمارك النائب وزيرا فيعلق الملك ~~على ذلك قوله: «ينتفع به في وقت يكون الحكم فيه للحراب.» فهذا الحكم الباطل ~~سياسيا صحيح نفسيا في ذلك الدور الأول؛ فالحق أن بسمارك عازم عزما صارما على ~~الدفاع عن أمره بكل وسيلة. # وتود ms085 الحكومة أن تسير على غرار البلاد الأخرى، فتلغي مبدأ إعفاء الأراضي ~~الإقطاعية من الضرائب فيكتب بسمارك إلى الملك كتابا خاصا يقول فيه مبالغا: «إن هذه ~~المصادرة تطعن الأملاك الكبرى طعنا استبداديا لم يأت بمثله غير الطغاة والفاتحين ~~حتى الآن، فذلك عمل قسري ظالم موجه إلى رعايا عزل من السلاح في الوقت الحاضر، ~~مخلصين للعرش منذ قرون. وإننا مع أكثرية الشعب الشاملة نعدكم - يا صاحب الجلالة - ~~مسئولين أمام الله والأعقاب إذا ما أبصرنا اسم الملك الملقب أبوه بالعادل في ذيل ~~القوانين القائلة بترك الدرب الذي سار عليه ملوك بروسية فاشتهروا معه اشتهارا ~~أثيلا بإنصاف نظيف غير مشوب فجعلوا من طاحون سانسوسي أثرا تاريخيا.» وبتلك اللهجة ~~المتوعدة يجرؤ - ضالا - على مقاومة مليكه الذي لم يلقب أبوه بالعادل قط. # وهو - في الوقت نفسه - يكتب مقالات للفلاحين ضد الثورة محاولا إبطال عمل الجرائد ~~التقدمية والصحف الثورية، وهو يغدو من مؤسسي الحزب الزراعي وصحيفته المسماة ~~كروززايتنغ، فيكتب لها الشيء الكثير في السنوات القليلة القادمة، وهو لا يألو جهدا ~~في سبيل انتخابه نائبا في المجلس الوطني ببرلين، فإذا ما سقط في الانتخاب اشترك ~~اشتراكا عنيفا في «دسائس القصر والمجلس»، فتسفر هذه الدسائس عن انقلاب في نوفمبر ~~يؤدي إلى حل ذلك المجلس قوة وطغيانا ، وهو يضع نفسه في حرز حريز قبل وقوع ذلك، ~~فيقول في كتاب يرسله إلى زوجته: «لا أرى أن أنتظر استفحال الأمور هنا، كما لا أرى أن ~~أرغب الرب في حفظي من الأهوال التي لا أود البحث عنها، ولكن الخرق إذا ما ~~اتسع وجدت بجوار الملك مع ذلك، فلك أن تثقي بأنه لن يكون خطر هنالك، معربا عن ~~أسفي على ذلك.» # ولم يدخر وسعا لإعادة انتخابه، ويحاول نيل مؤازرة دائرتين لنفسه، ويبلغ من ~~الاتضاع ما يشيد معه بممادحه، ويرسل إلى بودلشوينغ كتابا يلتمس فيه، عند عدول ~~مخاطبه هذا عن دائرة تلتوف، وذلك بفضل إمكان الانتخاب في دائرتين، أن يوصي الناخبين ~~هنالك بأن يصوتوا للأستاذ ستاهل بدلا منه، «وإذا كانت مناحي هذا الأخير الدينية ~~تحول ms086 دون ذلك أمكنكم أن تحولوا جهدكم إلي، فلدي ما يجعلني أعتقد أن توصية ~~منكم يا صاحب السعادة ذات أثر فعال في ذلك. وتجدونني جادا في نيل مبتغاي بهافلند ~~«براندبرغ» مع قليل أمل، ريثما أظفر بذلك. خادمكم المخلص، فون بسمارك.» # ويبذل كل سعي ليفوز في الانتخاب، وهو لم يجئ شيئا إدا # 4 # يعدل ما صنع في أسابيع شهر فبراير سنة 1849 حين رأى أن يمثل دور كوريولانوس # 5 # متملقا العوام الذين يزدريهم كثيرا، وتزيد رغبته في إلقاء ذلك الأمر ~~عن كاهله؛ لمنافاته أعصابه وتربيته وذوقه. ~~«واليوم يجب علي أن أتعرف أيضا بجمع من الناخبين، ويرسل الرسل إلى ~~كل ناحية، ويذهب خطيبان وطنيان إلى فردر، والأمر كمعسكر يأتيه السعاة ~~والبرد في كل دقيقة، والشكر الجزيل لكتابك الذي أخذته أمس بين الضوضاء ~~والدخان وفي وسط أربعمائة شخص، وقد قرأته على نور مصباح كان ينشر دفرا، # 6 ~~«فإذا ما نشلني صوت عذب من هذا الشغب الكريه» خرجت من ذلك ~~النشاط المشوش لوقت قصير، وسيكون هذا أمرا مكدرا إذا ما انتخبت لما في ~~انتخابي من حياة بلا راحة بال. والآن يلقي الناخبون أصواتهم، وأسلم الأمر ~~إلى الله، وأنتظر النتيجة ثابت الجنان، وإن كنت حتى الساعة الأخيرة هائجا ~~محموما.» # وينتخب، وهو لم يكد ينتخب حتى ترفع عمن تودد إليهم، ويقول في كتاب إلى ~~أخيه: «لقد سخرت من نفسي غير مرة لما فرط من تحببي إلى جميع أولئك الناس ~~التماسا لأصواتهم، وتختم الانتخابات فتقام مأدبة غداء لأكثر من أربعمائة شخص، ~~وينشد نشيد: «الشكر لله»، ونشيد: «سلام عليك أيها المتوج بالنصر»، والنشيد ~~البروسي، وفي اليوم التالي أصاب بالصداع، وأحس ألما في عضل يدي اليمنى بفعل ~~المصافحة، وفي اليوم الثالث تكسر نوافذ فريق من أصحابي ويؤذى بعضهم، على حين كنت ~~مطمئنا بجانب حنة.» # وتنم هذه الملاحظات التي أبديت وفق طريقة فالنشتاين # 7 # على استخفاف بسمارك الذي اضطر إلى مداراة العوام وصولا إلى السلطان، ~~وبسمارك هو الذي كان يجتنب كل صدام للفلاحين كأحد الشرفاء فتراه يهزأ بهم كرجل ~~سياسي، فلا ms087 يلتفت إليهم إلا من أجل أصواتهم ولاتخاذهم آلات لمناهضة الثورة. # وما لدى بسمارك من مشاعر الشريف في ذلك الحين فيعين وضعه بين بروسية وألمانية، ~~وتناوئ هذه المشاعر ألمانية مناوأة تامة، ويقول لصديقه كودل: «وما هو شأن الدويلات ~~لدي؟ فالذي يهمني هو سلامة دولة بروسية وتوسيع رقعتها!» ويدعى في اللندتاغ ~~بابن ألمانية الضال، فيجيب عن هذا بقوله: «إن بروسية هي وطني، ولم أودع # 8 # هذا الوطن بعد، ولن أودعه!» والحق أن روحه البروسية أشد من شعوره ~~الملكي؛ وذلك لأن المليك هو الذي أعلن حديثا إدماج بروسية في ألمانية، وإن كان ~~مترددا في ذلك، وبروسية بسمارك أعظم فعلا من محافظته في معارضته الوحدة الألمانية، ~~والواقع أن الثورة هي التي أيقظت مبدأ الوحدة في الشعب، وفيما كنت ترى الطبقات ~~الدنيا في فرانكفورت راغبة في شيد إمبراطورية الألمان كنت تبصر قطع هذا العمل ~~بحسد الأمراء وتقويضه بحقدهم على الدهماء، # 9 # ويناهض صغار الأمراء سيطرة بروسية، ويناهض ملك بروسية سيطرة الألمان في ~~فرانكفورت. # ويمضي أربعون عاما، ويدكر بسمارك ذلك السياق فيسجل في مذكراته قوله: «لو ~~حدث أن استغل انتصار 19 من مارس 1848 - وهو الانتصار الوحيد الذي تم في أوروبة ~~على الفتن - استغلالا حازما ماهرا لحققت الوحدة الألمانية بأحكم مما وقع أيام ~~اشتراكي في الحكم، ولا أبت في القول: هل كان يحدث ما هو أفيد مما حدث وأدوم، فأترك ~~الأمر مفتوحا. إن الوحدة التي يكمل أمرها بقتال يقع في الشوارع تختلف نوعا وتقصر ~~معنى عن وحدة تكتسب في ميدان الوغى. وإن مما يشك فيه أن تكون الوحدة التي تتم ~~بأقصر الطرق وأسرعها نتيجة لانتصار مارس سنة 1848، ذات تأثير تاريخي في نفوس الألمان ~~كتأثير الوحدة الراهنة التي توحي إلى النفس بأن الأسر المالكة حتى التي اشتهرت ~~بالأثرة فيما مضى، أشد تعلقا بألمانية الموحدة من الفرق والأحزاب.» # ونعيش جيلا بعد تسجيل ذلك الشيخ نشيده الختامي فيكون لتأملاته تلك كبير أثر ~~فينا، وهو يخبرنا بأن ما أتمه بقوة السلاح في حروب طويلة كان يمكن إتمامه من غير ~~حرب ms088 محكما سريعا، وهو قد أخافته المتاريس وذعر من قتال الشوارع، وهو لذلك يفضل ~~ميدان الوغى على ذلك، وهو كما يلوح لا يقابل بين مائة القتيل أو مائتي القتيل الذين ~~صرعوا في أيام مارس ومئات ألوف القتلى الذين خروا في الحروب الثلاث، ولم يعش ~~بسمارك ليرى أن الوحدة الألمانية دامت بعد تواري الأسر المالكة، ولم يعش بسمارك ~~ليرى أن الأسر المالكة التي وصفها بتألف ألمانية الموحدة (وإن سخر منها في ~~أمور أخرى) لاذت بالفرار تاركة للفرق والأحزاب إنقاذ الإمبراطورية ~~الألمانية. # وفي الساعة العتيدة يشاطر بسمارك مليكه وجهات نظر بقدر ما يعرف منها، وفي اليوم ~~الثاني من أبريل يعتقد وفد فرانكفورت، حتى رئيس وزراء الدولة الكونت براندبرغ أن ~~الملك في اليوم التالي يقبل التاج الإمبراطوري المعروض عليه، ويحل الغد فيرفض ~~الملك - الذي لا يحزر له أمر - ذلك التاج في خطبة أعدها بنفسه، وذلك بعبارات ~~بلغت من الغموض ما تساءل معه الأمير ولهلم وسيمسون (زعيم الفرانكفورتيين) مساء ~~عن رفض الملك للتاج الإمبراطوري حقا، ويدهش الشرفاء أنفسهم بعد أن أمضوا قبل يوم ~~في اللندتاغ، العريضة التالية، فقدمت إلى الملك، وهي: «إن ما لممثلي الشعب ~~الألماني من الثقة يدعوكم - يا صاحب الجلالة - إلى ~~الأمر المجيد القائل بأن تكونوا الإمبراطور الأول لألمانية المبعوثة. وإننا - يا صاحب ~~الجلالة - نخاطب مع الاحترام قلبكم، فنلتمس ألا تتجاهلوا نداء المجلس الألماني ~~القومي.» # وعلى قلة من يعرفون الأمر، وعلى جهل جميع ~~مترجمي بسمارك للأمر؛ نرى بين الإمضاءات على تلك المذكرة إمضاء فون بسمارك شونهاوزن ~~وأقربائه من آل كليست وأرنيم ووزيرين من الشرفاء (انظر إلى ص355-357 من التقرير ~~الاختزالي)، وهكذا يعترف بسمارك بتعبير كنيسة بولس البغيضة (مجلس فرانكفورت الوطني) عن ~~صوت الشعب الألماني، فينصح مليكه بقبول ذلك التاج من تلك المشكاة الشعبية معتقدا أنه ~~راغب فيه! ويرجع إمضاؤه ذلك إلى اليوم الثاني من أبريل سنة 1849، وفي اليوم الثاني من ~~أبريل سنة 1848 كان قد نطق بتلك الخطبة الثائرة ضد الملك لتودده إلى الشعب فلم ~~يسطع أن يتمها بسبب بكائه الشديد، فهذا ما ms089 اكتسبه ذلك السياسي الناشئ في سنة ~~واحدة من الوفاء والولاء! # ولم يكد الملك يرفض ذلك التاج؛ خلافا لما كان ينتظر حتى تنفس الشرفاء ~~الصعداء، وفي اليوم الحادي والعشرين من أبريل يقول بسمارك من فوق المنبر: «إنني ~~أعد مقررات مجلس فرانكفورت الوطني غير الشرعية التي حاول أن يحقق بها مطامعه ~~الطاغية (مقاطعة، الرئيس يدق الجرس) غير ذات فعل لدينا.» ثم يصف جميع المفاوضة بأنها ~~«فوضى قائمة عرضتها فرانكفورت.» فيرفض «منح طمع فرانكفورت في السيادة ~~أصواتنا.» # ثم يقول: «إن مما لا أتصوره وجود دستورين، وسيرهما معا في بروسية وألمانية، ~~ولا سيما أن الشعب الألماني في الجامعة الصغرى (بغير النمسة) سيشتمل على شرذمة ~~قليلين يعلون الرعايا البروسيين.» ثم يختم كلامه بقوله: «إننا راغبون في الوحدة ~~الألمانية بأسرنا، ولكنني راغب عن هذه الوحدة مع ذلك الدستور، وإذا كان الشر يأتي ~~بما هو أشد منه فضلت بقاء بروسية على ما هي عليه الآن. أجل، قد يكون تاج فرانكفورت ~~براقا، غير أنه لا بد من صدور الذهب الذي يهب له لمعانه عن صهر تاج بروسية في بوتقة # 10 # قبل كل شيء، ولا أراني واثقا بنجاح الصب في قالب هذا ~~الدستور.» # وعلى ذلك الوجه يرفض بسمارك في سنة 1849 مبدأ ألمانية الموحدة على غير صواب وعن ~~ارتياب، فيرجع عن غيه بعد عشرين عاما، ويصبح رادوويتز وزيرا ويقنع الملك بأن ~~يتبنى مبدأ ألمانية الصغرى، ويعرض عليه خطة مطولة، ويكتب بسمارك مقالة بلا ~~إمضاء في جريدة كروززايتنغ فيهزأ بنأمة # 11 # رادوويتز «الحبلى ب (مرحى) # 12 # ويعود هذا الوزير - تحت عاصفة من الهتاف - إلى مقعده ساكنا كنفس من ~~رمس، فيصافحه بيكيرات باسم ألمانية.» # وفي برلين وإرفورت حيث يتولى رادوويتز أمر مناقشة الدستور لم يرغب بسمارك في ~~ألمانية ولا في أي شيء إيجابي، وإنما أراد مناهضة الثورة، وهو ينكر على اللندتاغ ~~جهرا حق رفض الضرائب، وهو يرعد ضد كل مقابلة بإنكلترة وفرنسة اللتين تناول ~~ملوكهما التيجان من أيدي الثورة الملطخة بالدماء، وضد حرية الصناعة والزواج ~~المدني، ولا سيما ضد المدن الكبرى ms090 التي هي أوكار الديمقراطية الراخمة، # 13 ~~«فهنالك لا أبصر الشعب البروسي الحقيقي، وهذا الشعب يدعو تلك المدن إلى ~~الصواب إذا ما ثارت مرة أخرى، وإلا جعل هذا الشعب عاليها سافلها»، ويبلغ تصرفه من ~~الثورية ما يشبه معه في إرفورت بزعيم الراديكاليين كارل فوغت. # وهو إذا خلا إلى خلانه سخر من المجلس الذي بذل جهدا غير قليل في سبيل دخوله ~~فعده قاعة «يقرر فيها 350 شخصا مصير وطننا، ولا تكاد تجد خمسين من هؤلاء يعرفون ~~ماذا يصنعون. وثلاثون من هؤلاء الخمسين - على الأقل - يبدون لصوصا حراصا بلا ضمير ~~أو ممثلين فاسدين مغرورين»، ويألم من فتن تشتعل في جنوب ألمانية، فيقول لليرشنفلد: ~~«أدعو الله أن يهزم جيشكم حيث يتقلب، فهنالك يشتد الكفاح، وتكون النتيجة حاسمة ~~عند برء الجرح، وسننجز غرضنا وغرضكم، وكلما اشتد الخطب طاب!» ويساوره حقد ~~إلحادي قوي، فلما زار قبور أبطال الحرية في فردريكشن بعد عام من أيام مارس كتب ~~يقول لزوجته: «لا أقدر على العفو حتى عن الأموات، فأرى كل كتابة على صلبانهم تنم ~~على تبجح بالحرية والحق فتنطوي على سب الرب وشتم الناس!» # والآن يضع قبل اسمه كلمة «فون» التي كان يهملها في تواقيعه قبل ذلك، وذلك عن حقد على ~~الثورة التي تهدف إلى إلغاء الحسب، ومن قوله لأحد الأحرار: «إنني من الشرفاء، فأود ~~أن أتمتع بفوائد مقامي!» بيد أنه يختار مكانا له بين خصومه في جلسات اللجان، «وذلك ~~لما أجده من ملال بين الأصدقاء ومن تسلية بين الخصماء.» ويلقي خطبة فيدافع فيها عن ~~مزايا الحسب في بروسية، ويقوم بذلك على فضل واعتدال، فيكون لكلامه أثر بالغ، ويزور ~~ميادين القتال حيث صارع أشراف بروسية وصرعوا، فيقول: «أجل، إنهم وجدوا لهم معركة ينا # 14 # هنالك. ولكنني لا أجد في تاريخهم ما يسوغ الهجمات التي وجهت إليهم في ~~الأيام القليلة الأخيرة.» ثم يعارض الملوك بالحسب ويشير إلى تاريخ الحسب في البندقية ~~وجنوة وهولندة، فيعد تقلب كثير من دول أوروبة الراهن نتيجة لذلك الدور الذي ~~ضغط فيه الأمراء ذوي الاستقلال من ms091 الشرفاء، وتجد تعبيرا عن ذلك الاتجاه ببروسية في ~~تصريح فردريك ولهلم الأول القائل: «أوطد دعائم السيادة كصخرة من قلز.» # 15 # وبذلك يربط بسمارك نفسه بتقاليد أجداده العصاة، فيتحدى سلطة الملك موجبا دهش ~~حزبه، فالحق أنه إقطاعي أكثر من كونه نائبا منتخبا من قبل الشعب. # وحس الطبقة، والسياسة أمران متشابكان لديه، فعندما سألت صحيفة الكلاديراداش ~~بعد خطبته تلك: «أين كانت قيادة المدعو فون بسمارك إذن؟» أجابها عن ذلك من فوره ~~متحديا قائلا إنه لا يود غير استعمال الصحافة للرد من ناحيته، وأما أجداده فقد ~~كان منهم أربعة ضباط يحاربون في سنة 1813 (لا أبوه حقا)، «وأما من حيث الشتائم التي ~~وجهت إلى آلي فإنني أفترض - إلى أن يقوم دليل معاكس - أن طرازكم غير بعيد من ~~طرازي كثيرا. فلي أن أنتظر منكم اعتذارا لا يأبى منحه شريف في مثل تلك ~~الأحوال.» # ويتعارض مبدأ العنف ومبدأ النصرانية في بعض الأحيان، وإن كان هذا الصراع لا يثار ~~في غير الأسر، فحينما أيدت حماته الحرة الفكر والكثيرة الثقافة، والتي تبدو ~~وإياه على خلاف، قضية أبطال الحرية في بلاد المجر فلامت هاينو الذي غمر آمالهم ~~بحمام من دم، أطلق نفسه مع كثير ثوران بالكتاب التالي: (وإن كان من عادته أن يكتب ~~إليها في أيام ميلادها فقط)، قال بسمارك: # أراك كثيرة العطف على آل باتياني، فهل لديك من العطف على ألوف الأبرياء ~~الذين آمت نساؤهم ويتمت أبناؤهم بفعل ما لدى أولئك المردة من حرص سعر # 16 # وبفعل الافتراض الذين يريدون به نشر السعادة في العالم على ~~شاكلتهم ككارل مور؟ وهل يمكن إعدام رجل أن يؤدي وحده إلى توزيع العدل ~~والإنصاف في هذه الدنيا في مقابل المدن التي حرقت والولايات التي خربت ~~والنفوس التي قتلت فتبتهل دماؤها إلى الرب أن يعيد إلى إمبراطور النمسة ~~سيف السلطان؟ إن عاطفة كالتي تبدينها نحو المجرمين هي مسئولة عن أكثر الدماء ~~المسفوكة في السنين الستين الأخيرة، أنت تخشين أن تحمل الحكومة النمسوية ذوي ~~الديمقراطية على الطريق، ولكن كيف تستوي السلطة الشرعية وحزب ms092 الخائنين؟ يجب ~~على السلطة الشرعية أن تحمي بالسيف الذي أودعها الله إياه من المفسدين، ويظل ~~العصاة من القتلة ومن الكاذبين ولو قبضوا على ذلك السيف بالقوة، فهم وإن ~~كانوا قادرين على القتل يعجزون عن الحكم بالعدل. ومن أحاديث لوثر الصريحة: «لا ~~ينبغي للسلطات الزمنية أن تعفو عن المذنبين، بل يجب عليها أن تجازيهم ...» ~~اغفري لي إسهابي القول في تلك الأمور، فأنا متأثر شخصيا مما قلت، فإذا ما ~~قيض لي ذات يوم أن أمارس السلطة العليا لم أرد أن تنظر حنة إلي بمثل ~~العين التي تنظرين بها إلى هاينو. وداعا! # ابنك المخلص: فون بسمارك # ويلوح أن لذلك الكتاب قيمة مذكرة وزارية عند بسمارك، والآن حين أخذ بسمارك يرى ~~ماذا يكون مستقبله أو كيف يوجه جهوده، أصبح لزاما عليه أن يجد في نفسه مناعة ضد ~~العاطفة منذ البداءة، والحق أنه رقيق القلب وأن المؤثرات النصرانية قد جردته ~~من بعض عدته، وأن الزوجة التي يحبها خطر عليه من هذه الناحية ولو كانت تحبه؛ ~~وذلك لأنها بنت أمها أيضا، ولأنها تقضي أشهرا من شهور السنة مع والدتها بين أشراف ~~الولاية العاطفيين الذين يكرهون الطغاة كما يكرهون الأحرار، وتنطوي تلك السطور على ~~إنذار، ويبحث بسمارك عن السلامة في بيته ضد أعدائه قبل أن يجاهد خارج داره، وهو ~~يحصن معسكره قبل أن يقيم به. # | الفصل الثالث عشر # يصبح بسمارك برلمانيا، وينقطع إلى هذه المهنة فيما بين الثالثة والثلاثين والسادسة ~~والثلاثين من سنيه، وعلى من يحار من رقصه على إيقاعها أن يتمثل الغيرة التي ~~يحاول بها أن يتدارك السنوات العشر التي أضاعها، وتبدأ الزوج والأملاك باحتلال ~~المكان الثاني منه بالتدريج وعلى وجه غير محسوس، وتستحوذ الحميا عليه فيسير وراء ~~طموحه الغريزي فيدفعه ذلك إلى المفاخرة، والآن يتمتع بصحة تامة، فيأكل بنهم ويشرب ~~بوفرة، «فعلي أن أضع حدا لذلك، فلقد أفرطت في العشاء، فلا أستطيع أن أظل ~~جالسا.» «ولما حان وقت النوم طعمنا # 1 ~~- ثلاث مرات وبلا خبز - أمعاء محشوة باللحم، مستعينين بسكين الصيد، ~~ولم يكن الطرف الرقيق ms093 طيبا كالطرف الثخين، ولكن الانطباع العام كان وافيا إلى ~~الغاية.» «وفي هذا النهار بلغت من أكل التين ما اضطررت معه إلى شرب مقدار من عرق ~~السكر.» «ثم تناولت عشائي وأنا أذرع الغرفة فالتهمت معيا كبيرا لذيذا محشوا ~~باللحم، وشربت قعبا # 2 # من جعة # 3 # إرفورت، والآن حين أكتب إليك آكل علبة ثانية من المعجونات. فالحق أنني ~~حسن الصحة، ولكن معدتي مملوءة بالمعي المحشو باللحم.» # وما يصنعه بسمارك فبعنف، وهو يعود إلى المنزل منهوكا «بعد نزه طويلة جدا»، وهو ~~يقضي عدة ساعات مع صديق عدوا على الخيل، وهو ينام كثيرا على الدوام، وهو يتميز من ~~الغيظ إذا ما نبه باكرا، وهو إذا ذهب إلى صيد الدجاج البري قتل نهاره في ذلك، ~~«وفي الليل آكل سمكا نهريا غير مرة وأشرب مقدارا من الجعة الخفيفة.» وهو يسير ~~تحت ماء المطر مدة تترجح بين ساعة واحدة وأربع ساعات، فيستريح ثلاث مرات، «وما أكثر ~~ما أشعر بأنني أكاد أسقط من شدة الإعياء، فأستلقي تحت شجر الخلنج # 4 # الندي فأدع ماء السماء ينزل علي، غير أنني كنت عازما عزما تاما ~~على رؤية دجاج بري، وقد أبصرت كثيرا منه من غير أن أقدر على إطلاق النار لبعده ~~من نطاقها. وفي الساعة الخامسة كنت في المنزل، فأكلت كثيرا بعد صيام أربع وعشرين ~~ساعة، وشربت كأسين من رحيق الشنبانية ثم نمت أربع عشرة ساعة؛ أي حتى الساعة الواحدة ~~بعد الظهر، والآن أشعر بأنني في عافية أحسن مما كنت عليه قبل الرحلة، والآن أتمتع بما ~~حباني به الرب من طبيعة رائعة تمكنت بها من صنع جميع ذلك.» # وهو يدرس حسن الإلقاء، وهو يحاول التغلب على «الحياء الفطري»، وهو يتكلم رابط ~~الجأش كغوتة في الثلاثين من عمره، ما دام قد صار ذا أثر في الحياة أكثر مما مضى، وهو ~~إذا ما وجد قليل معارضة غدا عاجزا عن القول الذي يرضى به، وهو يألم بعد ذلك مما في ~~خطبته من خلل، «وفي الصباح كنت ذا رعن ونسيان بسبب الزكام، فذهب عن بالي ms094 أحسن ما ~~كنت أريد أن أقوله فصرت كالمسمر»، ويعترف بسمارك اعترافا عاما فيقول: «وفي ~~المساء أكون متبرما في عزلتي على الدوام ما لم أكن تعبا على التمام.» # ويتذمر بمرارة من قضائه حياة عزيب في برلين، وينعت الأعمال بالدسائس والمساوئ، ~~ويقيم بتلك العاصمة أكثر مما تدعوه إليه الضرورة مع ذلك، وهو إذا ما استأجر مسكنا ~~لأشهر الشتاء وصف غرفه لزوجته وصفا دقيقا، وذكر لها مكان المتكأ والمهد والمشكاة # 5 # فيه، وهو يخبرها بأنه يدفع ثلث راتب نيابته إجارة، وهو في جميع حياته ~~يعنى كل العناية بالمحل الذي يعيش فيه ويأكل، «وتجدين جميع أشيائي مبعثرة على ~~الأرض، وليس عندي من يرتبها، ومتى نستطيع أيتها الحبيبة أن ننام نوما هادئا خلف ~~الستارة الحمراء وأن نشرب الشاي معا؟» # والآن تسير حياته الزوجية سيرا هادئا، كما في السنين الأربعين القادمة، وتنطفئ ~~نار مغامراته الغرامية، لا لأن حنة تفوق جميع النساء؛ بل لأنه اتخذها زوجا حين ~~ختام كفاحه للنساء وتحويله نشاطه إلى قتال الرجال، ويسجلان بعض الملاحظات في ~~يومية، ويكتب في عيد قرانهما السنوي ساخرا كلمة: «متأهل!» وتقيد ذات يوم ~~الكلمة: «مضى يوم في التعزير، فليقض يومان في الصمت.» فيمحو ذلك ويسجل في أسفله ~~الكلمة الشعرية: «يا له من جو جميل!» أو يكتب إليها قوله: «لقد مضى على فراقنا 42 ~~ساعة فقط، فيلوح لي مرور أسبوع منذ أبصرتك واقفة بين شجر الصنوبر على الربوة مشيرة ~~إلي من بعيد، فسالت دموعي على لحيتي، والذي أرى أن هذه هي المرة الأولى التي بكيت ~~فيها منذ بكائي عند انتهاء العطل المدرسية مودعا ... وما يكون من صرفي البصر إلى ~~الوراء، فمما يجعلني أشكر للرب - من صميم فؤادي - إمساكي أمرا يؤلمني الانفصال ~~عنه.» # وتضع ابنة لهما فيقول لها: «إنه سعيد لأن ولدهما الأول أنثى، ولو كان المولود هرا ~~لشكرت لله ساجدا سلامة حنة.» وفي أيام نفاسها ينام وراء الستار من غرفتها لثقة ~~زوجته به أكثر مما بالظئر، # 6 # وقد قال بعد أمة: # 7 ~~«وهكذا أقضي بعض الوقت في مكتبي بين المعارك ms095 السياسية والخطط كفارس سان ~~جان دوشيلر، وهكذا أقضي بعضه الآخر ممرضا فوق وسادتها، وهكذا أجد المقارنة طيبة ~~لدي.» وهو يصبح عصبيا إذا مرضت الزوج والأولاد أو كادوا، وتقتصر نصرانيته ~~حينئذ على الدعاء بأن يحفظ صحة الجميع وألا يموت أي واحد منهم، ويقول في كتاب ~~إلى زوجته: «إنني أيتها الحبيبة قلق جدا في الأيام الأربعة؛ أي منذ إصابة ولدي ~~بالحمى القرمزية، ولا يكون الأمر غير ذلك بعد كتابك الأخير، ولو كنت مريضة ~~لوجدت من يتصدق علي بكلمة، فأنا لا أطيق هذا الهلع، # 8 # وقد مر بخاطري جميع الممكنات المخيفة في هذه الأيام القليلة.» ويموت ابن ~~الظئر ببرلين فيرسل ثلاثة كتب إلى أهله مشيرا بالأسلوب الذي تنبأ به؛ لئلا ~~يكون للصدمة التي تمنى بها أثر سيئ في الطفل الرضيع. # وينمو جبروته العاطفي بسرعة؛ فهو بعد أن ترك زوجه وحيدة عدة شهور منعها من ~~النفاس عند والديها، «فوضعك في رينفيلد يعني: نصف طلاق، فلا أستطيع ولا أريد ~~أن أبقى زمنا طويلا بغيرك، ولنا الكفاية من سابق فراقنا.» ويكتب متلهيا كلمة ~~«كتابك الظريف الخفيف.» وهي تسأله مضطربة عن وجود كثير من كتبها لديه، وترسل كتابا ~~إلى صديقة لها في الحين نفسه فيرجو منها «كتابة العنوان نثرا؛ فقد وضعت عنوانا ~~جديدا كبير الحروف باسم صديقتك إليزابت، فأحبيها كما تودين باطنا، ولكن كوني ~~فاترة المجاملة على الغلاف كما تقتضيه العادة.» # وهو وإن رغب أيام مجاملاتهما الأولى في تدريبها على ما لم يقرر العود إليه آنئذ من ~~معاشرة الأكابر، تراه الآن راغبا عن إشراكها فيما عاد إليه من تلك المعاشرة هنالك، وقد ~~كتب يقول لها: «لا جرم أن هذه الحوادث مما يهم والدك كثيرا، وأما أنت فلا ~~تدركين من أمرها شيئا.» وعادت كتبه لا تعدو حد النجاوى، مازجا فيها الشئون ~~السياسية الدولية بالأمور المنزلية مزجا عجيبا، «وإذا أخذ الولد يخسر صحته مع ~~هذه المرضعة وجب عليك أن تصنعي كما تشيرين. وخطاب العرش خلو من الخلط الثوري، ~~فلعل ذلك يقف عند ذلك الحد. ومن الطبيعي أن يبقى ما ms096 كان على ما كان ما أعرضت دولة ~~النمسة والدول الأخرى عن معرفة شيء من تاريخ فرانكفورت. ولا أستطيع عد رغبتي، ولا ~~معدل لي عن الإذعان، وكل شيء خلط ملط في حقيبة السفر، فاعفي عني، فسوف أعيد ~~الأمر إلى محله يوم الأحد.» # ويقول في كل كتاب يرسله إنه سيعود إلى البيت بسرعة، وهو لا يعود إليه مع ذلك، ~~وتلومه ذات يوم على تلهيه بين العشراء على حين تقضي وقتها عند والديها فيقول لها ~~بكياسة: «علي أن أتغدى وأتعشى كل يوم، فأرجو أن تفعلي مثل ذلك حيث أنت ~~هنالك.» # وهو سمح في حياته المنزلية على العموم، ولا يثور ذوقه وحس طبقته واتزانه في ~~أموره البيتية إلا حين عرض هذه الأمور على الجمهور، ويولد ابنه البكر هربرت في ~~السنة الثالثة من زواجه ويسيح الجميع معا. # ويعرب عما يساوره من كدر في كتاب فكه إلى أخته فيقول فيه: «والآن أصور نفسي ~~مع الأولاد على رصيف محطة جنثين، ثم يقضي اثنان منهم ضرورتها في عربة القطار على غير ~~استحياء فتفوح رائحة كريهة، ويبدي المسافرون الآخرون تقززا، وتخجل حنة من ~~إعطاء ثديها للطفل، ويزعق الطفل حتى يزرق، ثم يزعق مع قردين زياطين # 9 # في محطة ستيتين. وبالأمس بلغت من اليأس تجاه مثل تلك المناظر المؤذية ما ~~عن لي معه أن أعدل عن جميع هذه الرحلات. وفي هذه الليلة هاجمتني حنة بغتة حاملة ~~الطفل بين ذراعيها، فأبدت من ضروب المكر النسوي ما خسر به الجنة عرق البشر، ~~ومن الطبيعي أن قلبت عقلي فنجحت في إبقائي على خطتي، بيد أنني أبدو لنفسي إنسانا ~~أصيب بظلم عظيم، ومما لا ريب فيه أنني سأضطر إلى السفر في السنة المقابلة مع ~~ثلاثة مهود # 10 # ومع مراضع وقمط # 11 # وفرش. ويا ليتهم يزيدون راتب نيابتي ما دمت رب أسرة! وتصوري تبذير ~~ما بقي من ثراء رائع في السفر مع رضع، ألا إنني عاثر الجد # 12 # جدا!» # واليوم يعيش مقتصدا لذلك السبب، واليوم ليس له ولع بغير الراح، ومن ذا الذي ~~يعتقد أن ms097 ذلك تحاور أخوين حسيبين حين يكتب بسمارك إلى أخيه الأكبر قائلا له: ~~«كانت حال سوق الصوف هنا كما كانت في ستيتين. وفلت عزائم البائعين في أربع وعشرين ~~ساعة، مع أن الوالد كان يحاول أن يبرك ساكنا خمسة أيام أو أسبوعا على كيس الصوف ~~في سالف الأزمان، وفي عشية السوق بعت ب 73 تاليرا على حين كان يجب علي أن أبيع ب 75 ~~تاليرا. وعندي أنك بعت بخمسة تاليرات دون الثمن.» # والحق أن بسمارك كان محتاجا إلى النقد على الدوام، وما كان من نقص سبعين ~~تاليرا فحال يدعو إلى شغل البال، وجياد الركوب هي التي تقرن بالعربة، ويبلغ ما ~~يعود عليه من بدل إجارة شونهاوزن ثلاثة آلاف تالير أو أربعة آلاف تالير، «وقد بلغت ~~نفقات البستان في أثناء هذه السنة 103 تاليرات، ولا بد من إضافة أربعين أو خمسين ~~تاليرا إلى ذلك حتى عيد الميلاد في سبيل العزق # 13 # والقطف، وذلك عدا ما يقتضيه الوقود»، ويرسل إلى زوجه حسابا دقيقا كما ~~يأتي: «زيت ب 8,8 من التاليرات، وسكر وتوابل وملح ب 9,2 من التاليرات». # ويحسب كلفة خدمه فيقول إنها دون التقدير، وفي هذا يقول: «إن قسما من نفقات ~~تكلفتهم يستتر تحت جعائل # 14 # البستانية ما داموا يستنفدون محاصيل من البستان.» ويرسل إليها من برلين ~~اثنين وعشرين رطل شاي مع قوله لها: «يجب عليك أن تضيفي نفقات العربة إذا ما رغبت ~~في التنزل عن شيء منه.» ومن بواعث سعادته أن يوفر شيئا من راتب نيابته. # وهو إذا ما جاء إلى البيت انتحل وضع الطالب في ~~العطل، «فأقضي حياة كسل هائل، فأقضي وقتي في التدخين والمطالعة والنزه وملاعبة ~~الأولاد، وفي الاطلاع على السياسة من قراءة جريدة كروززايتنغ. ولي كبير متعة من ~~هذه العزلة الرعائية الشعرية، وأستلقي على الكلأ وأقرأ قصائد وأستمع إلى الموسيقى، ~~وأنتظر نضج الكرز»، ويسلك سلوك الحضري، ويبدو صاحبا لسر الرجل الذي يعمل بعقله ~~كأنه لم يعش عشر سنين في سواء الريف! # وهو إذا ما جاء إلى البيت وحده لاحت له ms098 الأيام الثلاثة الأولى وحدها رائعة كأنه ~~كان ينتظرها حين شد العدة عليه، وهنالك الدرواس # 15 # أودين الذي لم تتركه أصوله وفروعه قط، وهو يأسف على أن زوجه لم تبصر ~~الذرة التركية «ذات السوق التي يبلغ طول الواحدة منها ثلاث أقدام، فلا أقدر على ~~بلوغها بيدي»، وهو يسر من نمو الأشجار الجديدة في الحقل الحديث، وإذا ما انقضت ~~بضعة أيام بدا الاختلاف وبدأ السأم؛ لوجود حنة عند والديها ولوجوب مراقبته ~~الأسداد، ويصبح لزاما عليه أن يسرح الطاهية مع معارضة حنة لذلك؛ وذلك لقذارتها ~~وإرسالها للغسل - مع ذلك - مقدارا من الثياب لا يصدقه العقل، «ووسخ المطبخ أمر ~~واقع، وهي رعناء فضلا عن ذلك، فهي تحرق شماعد، ومن المحتمل أن تكون هذه الشماعد لنا ما ~~دمت لا أعرف مكان حفظها ولا عدد ما كان منها»، ولسرعان ما يزول كل شعور بالراحة ~~والرضا، فيشعر بالبؤس لأنه وحده؛ فالحق أن بسمارك يحتاج إلى زوجه ما دام عاطلا من ~~العمل المنتج، وهكذا يكتب إليها في ثلاثة أسابيع من أكتوبر مجلدا من الرسائل، وهناك ~~يتجلى سابق لهجته، فيسمع من بعيد صوت الخوف من أن يحكم عليه، ذات يوم بالعزلة ~~وبحياة فاترة. # وقد بلغت من السأم ما لا أكاد أطيق البقاء معه هنا، وتحدثني نفسي ~~باعتزال خدمة الحكومة وبترك شئون الأسداد وبالذهاب إلى رينفيلد. فاكتبي إلي ~~كتبا كثيرة إذن، ولو كانت أجرة البريد مائة تالير، وأخشى أن تكوني مريضة، ~~واليوم غدت نفسي من الحال ما وددت به أن أسير إلى بوميرانية ماشيا، ~~وأراني عظيم الشوق إلى الأولاد وإلى أمك وأبيك، وإليك قبل كل إنسان ~~أيتها الحبيبة. وصرت لا أعرف الراحة، وما قيمة شونهاوزن بغير وجودك، يوحي ~~إلي خلو غرفة النوم وخلو المهود وصمت الخريف ذي الضباب بأنكم من ~~الموتى، ويخيل إلي دوما أن كتابك القادم سيأتيني بسيئ الأنباء. ويحتمل ~~ذلك في برلين، مع وحدتي فيها، ما دمت أعمل وأتكلم في اليوم كله، وأما هنا ~~فيكفي ذلك لجنون الرجل، ولا بد من أنني كنت امرأ آخر فيما مضى حتى ms099 صبرت على ~~ذلك. # وهنالك رزمة لها يفتحها ويسجلها فيجمل بعض الشيء فيقول في ~~كتاب يرسله إليها: # أبصرت وشاحا مع شريط أحمر، وجوارب للأولاد، فبدا لي هذا أمرا ظريفا ~~جدا، وقد ظننتني قريبا منك، فساورني سرور كبير، ثم تذكرت الفراسخ ~~السبعين التي تفصل بيننا والتي لا خطوط حديدية في خمسة وثلاثين منها، ~~والحق أن بوميرانية واسعة جدا، وتصل إلي كتب كثيرة من المجلد، ~~ويخبرني الخياط بأنه استطاع أن يصنع لي خمسة لباسات من قطعة النسيج، وأفترض ~~أنه يلبس السادس. أسبغ الله عليك نعمته. # المخلص: فون بسمارك # ونبصر من خلال ذلك العطف الحار أن بسمارك - الرجل الملغز - يخالطه وجل من ~~زوال سعادته، وهو كلما زاد ازدراؤه للناس عظم ارتباطه في زوجته وأولاده، وفي تلك ~~الأسابيع يبلغ هلعه حول هؤلاء درجة الخباط، # 16 # مع أنهم يتمتعون بصحة رائعة، ومن ذلك ما اعتراه من جزع كبير لعدم وصول ~~كتاب إليه منذ يومين أو ثلاثة أيام «حتى صرت عاجزا عن صنع شيء خلا الجلوس أمام ~~الموقد فألاحظ تأجج النار وانطفاءها فيه، فأتمثل ألفا من ممكنات المرض والموت ~~وخطأ البريد وخطط السفر واللعنة على إدارة الأسداد والعرفاء»، ثم يقول: «وتنفد ~~سغايري من فوري، والآن - وللمرة الأولى - أدرك أنك مع أطفالك جزء كبير مني كما ~~أدرك مقدار ما تملئين به فؤادي، وفي هذا سر ما يبدو من فتوري تجاه كل إنسان ~~سواك وسوى أمك، ولو أصابني الله بأكبر شقاء ففقدتك، لتمسكت بأبويك كثيرا ~~ولتوجعت والدتك من إزعاجها بغرامي.» # وهكذا يبلغ ذلك الأناني الغاية من العلوق بأقرب الناس إليه وأعزهم عليه فيؤمن ~~نفسه ضد فقدهم ويوجه قلبه إلى أناس عاش حتى ذلك الحين بغيرهم، وهكذا يفر ~~- دوما - أمام أنانيته المائجة باستمرار. # ولم يجد نجاة في إيمانه الجديد بيسوع، وليس الرب في السنوات الأولى الثلاث من ~~زواجه غير الحكم الذي يطلب منه العون لمن هم أعزاء عليه، ونشعر بمعنى عميق في قوله ~~لزوجه إنه يدعو لهم في كل وقت من «الليل، عند الساعة الثانية، بغيرة أشد مما أدعو ~~به ms100 لسلامة نفسي مع الأسف»، ولا ترى له كتابا لا يدع فيه زوجه وأولاده لعناية الله، ~~ولا تكاد ترى دليلا غير ذلك على أنه مؤمن، «وأضرع إليه في الغرفة وفي الشارع لكيلا ~~ينزع منا ما أنعم به علينا»، والأمر كذلك عند اشتداد مرض ولد له، ولكنه عندما ~~سمع خطيبا نصرانيا يرفع عقيرته # 17 # ضد إعدام روبرت بلوم قاطعه بقوله صارخا: «ذلك خطأ، ذلك خطأ كبير، فإذا ~~وجد عدو تحت سلطاني وجب علي أن أهلكه!» # بسمارك في سنة 1835. # وذات يوم يحلل في كتاب يرسله إلى حماته مباركا لها بعيد ميلادها ومستعينا ~~بالأسلوب البياتي ما يفصله عن الإيمان من تباين فيقول: «يا ليتني أستطيع بعون ~~الله أن أدفع الغضب عن قلبي. ومهما يكن الأمر فالله هو الذي يستطيع بعنايته أن يجمع ~~في شخصين وأن يقوي في نصيبه الأمين الذي يقضي على نصيب الشيطان، وليحدث هذا، ~~وإلا ساءت الأمور عندي، ولا مراء في أن الله سيعين نصيبه حتى يظل سيد البيت، ~~فلا يقدر صاحب النصيب الآخر على غير الظهور في سوى السرداب، وإن كان يبدو أحيانا ~~كما لو كان سيدا في الحقيقة.» # والواقع أن ذلك الاتضاع هو أقصى ما يسمح به كبرياؤه، وإذا عدوت ذلك وجدته ~~يتطلع إلى السلطة العليا من مسكنه، وتثور زوجته في أحد الأيام، فيقول لها: «لا تدعي ~~ما يدعوك إلى الشك في أنني أحبك كجزء من نفسي، وأعتقد أنني كنت لا أنال رضا الرب ~~لو لم أنلك، فأنت مرساتي في المكان الأمين من الميناء، فإذا كسرت هذه المرساة ~~دعوت الله أن يرحم روحي.» فالسلام والإيمان، والزواج والدعاء، أمور بلغت من الاشتباك ~~فيه ما يداوي معه بعضها ببعض من ناحية وصولا إلى ممارسة عواطفه كما يشاء من ناحية ~~أخرى. # ولذوقه - أيضا - تأثير حاسم في بياتيته، وهو كما يقدر البياتية في ~~النساء وحدهن يمقت ترتيل الكنائس البروتستانتية، وهو يقول: «أفضل عليه الموسيقى ~~الجيدة التي يقوم بها في الكنيسة ناس عارفون أن يصلوا بها من أجلي، وأفضل عليه ~~قداس مرلاخي الذي يرتله بين ms101 دخان الشمع وعثان # 18 # اللبان قسيسون لابسون ثيابا بيضا. وكان لبوشل جوقة من الصبيان، ~~فكان هؤلاء يرتلون بغير أرغن مع خطأ ولكنة # 19 # برلينية.» # ولكن العالمين اللذين يود فصل أحدهما عن الآخر في الحين بعد الحين يريدان أن يمرجا، # 20 # فهنالك يقع في الوضع الغريب الذي يحاول الرجل أن يوازن به بين الطموح ~~والواجب الحكومي والحب الزوجي، فهو قد دعي إلى مغدبرغ كمحلف، وهو قد دعاه ~~الملك إلى الصيد معه في اليوم نفسه، وهو قد وعد زوجه بالذهاب إلى رينفيلد ليراها في ذلك ~~النهار، وهو تجاه ذلك تتجاذبه العوامل بين القصد الحسن والعاطفة والمغالطة، فيخيل ~~إلى المرء أنه يسمع برهنة مراهق، إذ يقول: # لقد ألقيت قرعة حول الأمر، فلم أعرف حين أتيت هذا العمل الصبياني هل ~~أتوجه إلى الرب أو لا، وتتجه أفكاري إليه في آخر الأمر؛ وذلك لأنني لا ~~أستطيع أن أرفض الدعوة من غير أن أقول الكذب؛ وذلك لأن ذكري أنني عظيم الشوق ~~إليك مما لا يقبل في البلاط وإن كان لهذا السبب ما لغيره من الوجاهة. # وإذا ما قلت الكذب ووجب علي أن أبقى هنا مع ذلك كانت لي حسنة في ذلك، وإذا ~~ما قلت الحق استطعت أن أقول على أية حال: سيكون ما يشاء الله؛ (أي في ~~مغدبرغ أو لا). # ومهما يكن الأمر فإن الملك يود أن يحدثني. وأكتب إليك عن ذبذبة أفكاري ~~منذ ساعتين، فأبدي لك كيف تبدو لي نفسي تارة كرجل يعمل بمشيئة الله فيعدل ~~عن لقائك سريعا، وكيف تبدو لي نفسي تارة أخرى كرجل ينظر إلى الصيد بمثل نظر ~~الثعلب إلى العنب فيخشى أن يقع في شرك بما يلقيه من معاذير كاذبة.» وهو ~~يتفلت في نهاية الأمر من حبائل شعوره فيقبل الدعوة في البداءة محتفظا لنفسه ~~بحق رفضها ضمنا، «فمن الممكن ألا أكون قد أتممت عملي في أمور ~~الأسداد. # وهو - وإن كان يحاول أن يواثب ظله على ذلك الوجه - يندم في كل مرة تقريبا على ~~قبوله الحل الذي ارتضاه، ويهجع # 21 # بجانب طموحه ms102 ازدراء لنتائج ما أبصر فساده في فتائه، فتبصر تأهب هذا ~~الازدراء للهبوب عند أقل اضطراب، فإذا ما سار أمر سيرا معوجا، أو إذا ما أثاره ~~أمر، لم يعتم أن يبدي شوقه إلى «تطليق السياسة واعتزال حياتي البرلمانية وإلى ~~الحياة بجانبك في شونهاوزن، فأقتدي بوالدي الذي كان يقطع الغابة الصغيرة مع رجال ~~وكلاب فيرقب في كل مرة هرب الثعلب بجد، حتى عند علمه مثلي عدم وجود ثعلب ~~هنالك». # وبسمارك لم يترك الكفاح قط مع تبدد وهمه، فهو لا يهجر السياسة أبدا، وهو لا يجد ~~العوض في غير الالتجاء - دوما - إلى الطبيعة والعزلة استهانة بالناس والأشياء، ثم ~~تتدفق حوباؤه # 22 # وينطق فؤاده ويعود صباؤه # 23 # فيصير شاعرا، «وقد كنت جالسا في تيرغارتن على مقعدنا أمام حوض الإوز، ~~وتغدو فراخ الإوز التي كانت غير ناقفة # 24 # في الجزيرة الصغيرة، نامية رمادية فتعود هناك وهنالك بين البط القذر. ~~وأصبح ورق الجرمشق # 25 # الجميل الطويل أسمر ضاربا إلى حمرة. ويستر الطرق أوراق صفر ذات خفخفة # 26 # بعد سقوطها من الزيزفون والحور وما إلى ذلك من الشجر. وتذكرني نزهتي ~~كثيرا بكنيبهوف وبما يقع فيها من صيد الدجاج البري ومن القنص بالأشراك، وكل شيء ~~أخضر غض كما كان عليه أيام كنا معا هنالك يا عزيزتي»، وهذه التصرفات تثير فيه ~~ببساطة ومن غير سفسطة حنانا حقيقيا إلى الحياة المحدثة، وهو إذا كتب إليها حول ~~موضوع بيع الحطب فلكي يقول لها بلهجته العجيبة: «والآن تركت حطبنا القليل حيث هو ~~فعدت لا أطيق قطعه.» أو إنه يذهب إلى الصيد فلا يلبث أن يرى نفسه عاجزا عن شد ~~زند البندقية؛ «لأنني لا أستطيع أن أرى سوى الأمهات والأطفال.» # ويضطرب الموج في أعماق نفس لا تحتاج إلى عقيدة، وتبصر اتصال مراهقته الوثيق ~~بشبابه، وذلك هو تيار الخليج الذي يفيض من فؤاد بسمارك عند زيارته مصادفة، مدرسته ~~الأولى (التي غادرها في السنة العاشرة من عمره)، وحين قام فيه أسف لطيف مقام ارتيابه ~~المعهود، «فيا لصغر هذه الحديقة التي كنت أعدها كل العالم! فأين ms103 المدى الواسع ~~الذي كنت أركض فيه لاهثا؟ وأين بستاني الصغير وما فيه من الجرجير؟ وأين الأمكنة التي ~~قامت عليها قصور الهواء الخربة اليوم؟ وأين ضباب الجبال الأزرق الذي كان يبدو خارج ~~السياج ذي الأوتاد؟ وما أكثر ما اجتذبني العيش والعالم! لقد بدت الدنيا الملونة ~~لي، عند وجودي في الحديقة، وفق ما كان لدي من أفكار حول غابها وحصونها وما كان ~~ينتظرني من الحوادث، ومن المحتمل أن كنت أبكي لو لم أناد بصوت عادي. وهنالك ذكرت ~~أن تلك الحديقة لا تزيد على بقعة صغيرة في ولهلمستراس وأنه لا شيء يقف النظر خارج ~~سياجها الخشبي. وأن مساحة دورنبرغ في كنيبهوف ستة عشر فدانا، وأنه كان لنا ~~عمل مع القائد غرلاخ». # | الفصل الرابع عشر # كانت الوحدة الألمانية قد أقفل عليها في صندوق الاتحاد بفرانكفورت تحت حماية ~~مترنيخ، بيد أن اللهب الأكبر الذي كان جميع محبي الوطن من الألمان يتدفأ به ~~منذ حرب الإنقاذ لا يزال يومض # 1 # مع سكون، وكان يدارى سرا في أصغر أجزاء ألمانية وأدقها بدلا من أن ~~يثار ببأس، فكنت تراه محاطا بأبخرة خانقة منبعثة من «غرف نظام الحكم الرصاصية ~~بفينة» وتندلع النار الثورية من باريس مرة أخرى فتجاوز نهر الرين وتنظر أوروبة ~~مبهوتة إلى انتشار الحماسة السياسية حتى بين الألمان، فإما أن يكون هذا الوقت هو ~~الذي تحقق فيه الوحدة الألمانية بجانب الحرية وإما ألا يكون أبدا. # وذلك عمل جلل، وذلك فعل هائل؛ لاقتضائه انتزاع الحرية والوحدة من أسر إقطاعية ~~مسلسلة مستعبدة، وكان الأمراء والعسكريون ورجال الدواوين وأصحاب السلطان معارضين ~~للحرية، وكان الخلاف بين بروسية الألمانية الحديثة والنمسة اللاألمانية في ثلاثة ~~أرباعها عقبة كئودا # 2 # في وجه الوحدة، وهكذا ختمت حركة سنة 1848 بنزاع بين الملكيين ~~والديمقراطيين، وبين كبراء الألمان وصغرائهم، وإن انتهت بغنى في الأفكار وبإقامة ~~حريات ظاهرة على جناح السرعة في «دساتير» كل من الإمارات الألمانية، وهكذا لم يكد ~~عامان صاخبان يمضيان على ذلك التاريخ حتى بعثت المعبودات المحلية الألمانية مرة أخرى. # ولم يبق من مساعي كنيسة ms104 بولس (مجلس فرانكفورت الوطني)، ومن مرسومها في الحقوق ~~الألمانية، ومن قوانين هذا البرلمان القومي الأول، ومن مبادئ دستوره ونظرياته، غير ~~قصاصة ورق بلا تنفيذ، فقد نسفت النمسة وأعداء بروسية الآخرون كل شيء منذ ~~البداءة، وذهبت جميع الجهود في توحيد ألمانية أدراج الرياح، ويعاد تأليف ~~البندشتاغ القديم في حمى النمسة، وتصدر دعوات رسمية إلى افتتاحه في صيف سنة ~~1850. # وما خطب بروسية؟ لقد رفض فردريك ولهلم الرابع تاج ألمانية التالد الذي عرض ~~عليه، فبحث عن الملجأ في روائيته على استحياء، وتقتصر مزاعمه حول زعامة ألمانية على ~~جمع دويلات ألمانية الشمالية في اتحاد جمعا غير ثابت، وينحل برلمان إرفورت تجاه ~~وعيد النمسة وروسية، وينطوي رفض إرسال مندوبين إلى البندشتاغ في فرانكفورت (الذي ~~حل بالإجماع في سنة 1848) على استفزاز. # ولم يكن حاكم النمسة الجديد الأمير شوارزنبرغ ليطيق الإبهام، فلما انتحل ناخب ~~هس الأمير - الذي أتعبه العمل وفق ما نص عليه دستور دويلته من مراقبة - نظام ~~فينة الحكومي فأثار بهذا كبير استياء في دويلته تلك، ضمن له شوارزنبرغ ~~الحماية من البندشتاغ، أو يمكن المرء أن يتمثل تحديا أوقح من هذا بعد الثورة ~~بقليل زمن؟ وتحتج على ذلك بروسية التي هي رئيسة الاتحاد المنسوبة إليه هس، ويلوح ~~شبح الحرب، وتبدو بروسية نصيرة الحرية! وتنظر ألمانية إلى تصرف بروسية ذلك بعين ~~الارتياح ذات حين، ويحمل القائد والوزير ببرلين - رادوويتز - جذعه على عنقه ~~رجلا لا قيصرا، وتصوب النمسة وبافارية سلاحهما نحو الكتائب البروسية، ويلوح دنو ~~الساعة التي تزن به الدولتان المتنافستان قوتهما في القتال من أجل زعامة ألمانية، ~~والتي تجران بها الجامعة الألمانية القديمة إلى الهاوية، وكان ذلك في شهر نوفمبر ~~سنة 1850. # ويدعى بسمارك إلى الجيش المحلي ضابطا وإلى المجلس نائبا، وإنه لفي طريقه إلى برلين ~~إذ يصعد إلى عربته عمدة قرية شائب، اشترك في حرب الإنقاذ سنة 1813، فيسأله: «أين ~~الكتائب الفرنسية؟» ويدهش هذا المقاتل القديم حين يعلم أن العدو في هذه المرة ~~هم النمسويون لا الفرنسيون، ويصل بسمارك إلى برلين ويزور وزير الحربية قبل غيره، ويعلم ~~أن ms105 الكتائب البروسية هي من التفرق بما تسلم معه برلين إلى العدو بعد شهر الحرب، ~~ويعد بسمارك ببذل جهده قبل اجتماع المجلس في الإيصاء بالاعتدال؛ وذلك لما ينجم عن ~~الخطب النارية من تدهور الأمور، ولما تحتاج إليه بروسية من الوقت، ويتفق الملازم ~~فون بسمارك مع الوزير على تأجيل لحقه بكتيبته، ويكتب إلى قائده قوله: «لقد استيقظت ~~أمس صباحا فوجدتني مصابا بصداع كبير فلم أذهب ...» وهذا من أجل نفسه ومن أجل ~~خادمه. # ويتحمس الأمير ولهلم للحرب، ويعجب برادوويتز الذي يعتزل الخدمة، ويروى أنه ~~حل حسامه من حمالته وطرحه على قدمي أخيه قائلا مع القسم: «لا يستطيع المرء أن ~~يخدم بشرف تحت إمرتك!» حتى إن رئيس أركان الحرب - مولتكه - كان يرى أن لدى بروسية ~~أربعمائة ألف جندي مستعد للقتال، «وأن أسوأ الحكومات لا يقدر على سوق أولئك ~~القوم إلى البوار، فستقبض بروسية على زعامة ألمانية على الرغم من كل شيء، ولكنك لا ~~تبصر على وجه البسيطة أمة أشقى من الشعب الألماني!» بيد أن رادوويتز يسجل ~~قبيل وفاته وفور سقوطه «رؤيا سنة 1900»، فنقرأ فيها قوله: «أرى بعث الإمبراطورية ~~الألمانية برئاسة بروسية، وستعود فرنسة إلى حدودها الطبيعية بفقدها الألزاس، فلا ~~يكون لديها ما تخافه لهذا السبب»، وعلى ما كان من بصر هذا الرجل بسياسة بسمارك كان ~~بسمارك يدعوه بداهية بروسية الداعر. # وما هي علة انحياز بسمارك إلى ناحية السلم؟ أفيعتقد عجز بروسية الحربي؟ إن من ~~المحتمل أن يكون السبب الحقيقي في ذلك هو ارتياعه وارتياع الوزراء المحافظين من ~~حول الأحرار وطولهم، # 3 # فكان الرأي عندهم - كما عند الملك - أن يقتفى أثر الرجعية النمسوية أكثر ~~من اقتفاء أثر المبادئ الثورية في الوحدة، ويعد بسمارك خيله وأحذيته للحرب ثم ~~ينقض فعله طورا بعد طور، فيلوح مذبذبا كالمعلقة، ويبدي لزوجه شاكيا كون ~~الدسائس دون سواها هي التي تقرر مصير سبعين مليونا من الآدميين، وإذا ما سلمت ~~السلم مثل دوره في الأمر على ما يحتمل، «والآن تكون الحرب عملا سخيفا إلى ~~الغاية، فسيكون من نتائجها منذ البداءة أن تزلق ms106 حكومتنا فرسخين نحو الشمال». # وينهمك من فوره في أسلوب الخطبة التي يتوقع أن يلقيها في الأسبوع القادم، فيقول ~~إنه من الإجرام أن يساق مئات الألوف إلى الموت بلا ضرورة، وينسى - وهو أكثر ~~الكتاب بعدا من التكلف في رسائله - من يوجه إليه قوله: إن بروسية ذات رخاء ~~حتى الآن، وأولئك هم الذين سيفيدون من النصر، فإذا ما كتب لنا الفوز بمعونة ~~الديمقراطيين عرض هؤلاء جروحهم على الملك كأنهم قائمة لم تدفع قيمتها، ولا أستطيع ~~أن أكون عصي الدمع عندما أفكر فيما تكون قد أصيبت به كرامتي وبهجتي وبيضتي، # 4 # ولشد ما أسكر الشعب البروسي المخلص المقدام المكرم برحيق «شرف ~~بروسية!» # ولم يحدث أن كتب فارس الأسلوب ذلك إلى غريب، بله # 5 # زوجه، بمثل تلك اللهجة، ويرسم مسودة لخطبته، وبعد بضعة أيام تبدو ~~الحرب قريبة ويأمر بإحضار خيله وسلاحه على جناح السرعة، ويكتب كفارس، كرجل يسر ~~من مغامرة، ويمضي رسالته للمرة الأولى بالكلمة «لك إلى الأبد»، ويكتب إليها في حال ~~أخرى قوله: «لما يمض من الزمن ما أتشوف فيه إلى ألهيات الريف.» ~~«أولئك هم الذين سيفيدون من النصر»، فهذا هو ما حدا بالصلف الطرماذ # 6 # بسمارك إلى معارضة حرب مؤدية إلى الوحدة الألمانية تحت سلطان بروسية وضد ~~النمسة، وتمر أيام قليلة من ذلك الحين فيجنح للسلم بضغط من روسية، وذلك كما كتب ~~بسمارك في شيبته: «لأن إمبراطور النمسة الشاب كان يروق الروس أكثر من ملك بروسية.» ~~ويذهب الوزير الجديد - مانتوفل - إلى أولموتز وينبئ شوارزنبرغ بعدول بروسية ~~عن الزعامة، ولا بد من تأليف البندشتاغ الذي نبذته بروسية منذ عامين فتكون ~~الزعامة للنمسة في فرانكفورت. # وتثور بروسية - أو الشعب البروسي - ويطلب عزل مانتوفل وشهر الحرب، وما كان ~~الشعور بالشرف القومي ليثير إنسانا مثل إثارته بسمارك المخلص لبروسية والمناهض ~~للنمسة على الدوام، والآن بعد ذلك الانتكاس من ذا الذي يجب عليه أن يمقت خصمه ~~ويود محوه؟ حقا إن بسمارك حقود، وبسمارك وإن أمكنه أن يشايع مغلوبا لا يستطيع ~~أن يشايع غالبا. # ولم ينشب بسمارك أن ms107 عرف من التفصيل ما يجرح عزته؛ فقد علم أن الأمير النمسوي ~~يقيم بالطبقة الأولى من الفندق في أولموتز ومعه حاشية عظيمة، على حين يقيم الوزير ~~البروسي ومعه خادمان بالطبقة الأرضية من ذلك الفندق ممثلا دور مكتر # 7 # حقير، ويشعر بسمارك لا ريب بأن شوارزنبرغ اعترف لأصدقائه بأن النمسة ~~تهدف إلى إهانة بروسية ثم إلى هدمها. # ولكن ماذا حدث؟ نهض بسمارك الصوال المنافح ليلقي خطبة طويلة في اللندتاغ ~~يدافع فيها عن الحكومة وعن أمر أولموتز، فكانت هذه آخر خطبة نطق بها في إبان ~~نيابته وأكبرها خطرا، قال بسمارك: # ولم تشهر الدول الكبرى الحرب في هذه الأيام؟ إن الأثرة - لا التأثر - ~~هي السبب الصحيح الذي يحفز إحدى الدول الكبرى إلى الحرب، مع أن تلك الدولة ~~تمتاز من أية دولة صغيرة كانت، يسهل على رجل الدولة أن ينفخ في صور # 8 # الحرب على حين يتدفأ أمام الموقد أو ينطق من فوق هذا المنبر ~~بخطب فخمة رنانة تاركا للجندي الذي يسفك دمه بين الثلج أن يكسب ~~النصر والمجد. والويل لرجل الدولة الذي ليس لديه من أسباب شهر الحرب ما يكون ~~ذا قيمة بعد أن تضع الحرب أوزارها. والحرب إذا ما انتهت كان لكم بعدها ~~وجهات نظر مختلفة حول مسائلها، وهل يكون عندكم بعد ختام الحرب من الشجاعة ما ~~تدنون به من الفلاح الذي ينعم النظر في حقله المحروق، أو من الرجل ذي ~~العضو المقطوع أو من الوالد ذي الولد المفقود، فتقولوا له: أجل، إنك لاقيت من ~~الآلام ما لاقيت، ولكن كن قرير العين معنا، فقد أنقذ دستور ~~الاتحاد! # ويلتفت بسمارك إلى الشمال بعد تلك الجمل الساخرة اللاذعة، فيقول إن القوم يبحثون عن ~~شرف بروسية، ومما يقضي بالعجب أن يولع فريق الأحرار بذلك على الخصوص، «فأنتم لا ~~توفقون لتحويل هذا الجيش، الذي مثل في 19 من مارس دور المغلوب إلى جيش ~~للبرلمان. فهذا الجيش سيظل جيشا للملك وسيجد شرفه في الطاعة، وليس الجيش البروسي ~~محتاجا إلى إثبات بسالته والحمد لله، وإنما أنشد الشرف البروسي قبل ms108 كل شيء في ~~عدم اتفاق بروسية مع الديمقراطية اتفاقا شائنا.» ثم يتكلم بسمارك عن النمسة فيقول: ~~«إنها دولة ألمانية لها شرف السيطرة على شعوب من أصل أجنبي قهرتها جيوش ألمانية. وإني ~~أعد النمسة ممثلة ووارثة لدولة ألمانية قديمة امتشقت السيف الألماني مع المجد ~~والفخار.» # ذلك ما قاله بسمارك ابنا للخامسة والثلاثين من سنيه، متما كلامه بصب ~~اللعنات على من يودون أن يضحوا بالدم البشري في سبيل دستور الاتحاد؛ أي في ~~سبيل الإمبراطورية الألمانية بغير النمسة؛ أي بما اضطر إلى التضحية به بعد ست عشرة ~~سنة وصولا إلى تلك الغاية، وذلك ما دافع به بسمارك عن خضوع بروسية لأولموتز، وليس ~~لدينا من الوثائق الخاصة ما يبيح الذهاب إلى أن تلك الخطبة هي أمر سياسي يستتر ~~وراءه أفكار حربية مضمرة وآراء لا نمسوية مبيتة، ولم سار بسمارك على ذلك الدرب ~~إذن؟ ذلك لأن الأخوين غرلاخ ومانتوفل وبراندبرغ وجميع مستشاري الملك ووزرائه ~~كانوا ضد الحرب ومن القائلين للنمسة، وإن شئت فقل لفينة التي كانوا يعدونها ~~معقل الرجعية الحصين، وكان بسمارك يرى أن يتبعهم ما وجدهم موطئا لرقيه، وهنالك ~~الوقت الذي يحالف فيه الحكومة والملك بين عشية وضحاها بأن يلقي خطبة طويلة ملائمة ~~لهما، فبهذا ينال قسطا من السلطان، وهو إذا ما نال السلطان غدا نافعا لبلده وفق ما ~~يرى، وتلتقي مشاعر آل بسمارك الإقطاعية التالدة وحرص آل منكن الطريف فيحفزه هذا ~~إلى الدفاع عن أمر أولموتز. # وأحسن بسمارك التقدير، فكفت خطبته للدلالة عليه كسياسي، وإن الرجل الذي استطاع ~~في أزمة الخزي القومي تلك أن يدافع مغامرا عن هذا الخزي لحري بأن يمثل البلاد في ~~البندشتاغ حيث يصبح لزاما عليه أن يتعاون هو والنمسة من جديد، وبسمارك كان قد ~~قدر ذلك منذ سنتين حين قال: «على الأمور أن تسير سيرا سيئا قبل أن تتحسن، ولا بد ~~من انقضاء عامين أو ثلاثة أعوام قبل أن يكون لأمثالي وأمثال كليست مكان في خدمة ~~الدولة.» ويحل الوقت، فلم تكد أربعة أسابيع تمر على خطبته تلك حتى عرضت ms109 عليه ~~وزارة أنهالت، وفي ذلك يقول في كتاب إلى زوجته بأسلوبه المعهود: «لم أسع إلى ~~الأمر حتى الآن تاركا إياه لله، وإلا فالمقام جذاب، وإن الدوك غبي، وإن الوزير هو ~~الدوك، وإن من المغريات أن أقوم بشئون الحكم هنالك كدوك مستقل؛ أي في جميع وادي ~~السلكة القريب خطوتين من الهارز.» # ولم يحدث أن كتب كلمة «الحكم» والآن - بتلك الكلمة - ينزل ضربة كما لو كانت من ~~مطرقة، فترن في الغابة الروائية التي يحاول أن يتمثلها، ويبصر أن أمر أنهالت ~~غير مجد، ويحار فيما يصنع، ويتردد بين إمساك حوذي # 9 # شونهاوزن وتسريحه، ويرى أن يبيع شونهاوزن، ثم يعود فيقول كشريف ساخر: ~~«يلوم لي أن البيع عمل طائش، وإن كان من المحتمل أنني اتخذت هذه الخطوة لأسباب لا ~~وزن لها أمام المولى.» # ثم يحصي المناصب التي بلغها رفقاء حزبه، ويريد ترك إدارة الأسداد، «ولكنني لا ~~أود أن أكون سيدا في غير شونهاوزن وكنيبهوف ورينفيلد. ولو كنا واثقين ~~بالبقاء في شونهاوزن لرأيت أن أغير الحوذي، وإذا ما اضطررت إلى الخدمة في ~~مكان آخر أبقيت هيلدبراند الذي ألفته.» # أفي الخدمة؟ يعتقد من يسمع ذلك أمر رجل خسر منصبا فيبحث عن سواه طلبا للرزق، ~~كلا، وإنما ذلك هو شريف يتمتع بنصيب من الثراء فلم يطق - قط - خدمة إنسان، وقد ~~حاول كل شيء فرفض كل شيء لكيلا يطيع إنسانا، وهو قد بلغ من الانسياق بعجلة ~~السياسة ما عجز به عن تكوين رأي له في الحياة الخاصة، فأضحى اضطراره إلى قضاء بضعة ~~أيام في شونهاوزن بغير زوجه «كثير الهول»، فعدل عن ذلك وإن كان لديه من الأعمال ما ~~يستلزم حلا هنالك، والآن ليس عنده ما يكفي للتحديث عن برلين ، ولا عن البلاط على ~~الخصوص، ويعود إلى الرقص بعد بضع سنين فيثير هذا غيرة حنة الوحيدة في رينفيلد فلا ~~تكاتبه بغير واسطة ابن عم، بيد أنه يصالحها من فوره، ويروي لها قول الملك بعد ~~الرقص: «ترنو # 10 # الملكة إليك منذ نصف ساعة من غير أن تلاحظ ذلك!» وفي مرة ms110 أخرى يكتب ~~بسمارك إلى حنة كتابا يحدثها فيه بوجد عن روعة الردهة البيضاء مع من فيها من ~~ألوف السيدات المتبرجات والرجال ذوي البزات، فيقول لها: «إن الشعر كل ~~الشعر والخيال كل الخيال في سماع الموسيقى والجلوس على أريكة وثيرة بين نخيل ~~وعيون ذات خرير، وفي النظر إلى أمواج الغرور من عل.» # أجل، إن ميفيستوفل # 11 # لم يزل عنه، وإنما انتحل وضع جليس الأمراء، ويمثل دور هذا الجليس في ~~كتبه الأهلية، فلما كان ملحقا عسكريا ببطرسبرغ نقل إلى زوجه كثيرا من مجاملات ~~قيصر روسية وقيصرتها فختم كلامه بقوله: «إن ذلك جميل، ولكنني أفضل عليه إقامتنا ~~الهادئة معا في هذا البيت، في كنيبهوف التي تروقني أكثر من كل حظوة لدى ~~الملوك.» ويكتب ذلك من قصر الملك في براندبرغ، ولا شيء يمنعهما من الحياة بدعة في ~~كنيبهوف، بيد أن عيش البلاط ليس بالذي يزدرى، ويكون حلم بسمارك أروع الحقائق إذا ~~نقل قصر الملك إلى منزله فيضع السياسة والسلطان في جناح ويضع الهدوء وحنة في جناح ~~آخر. # ولا غرو إذا ما شكا إليها حياة الهرج في برلين، مع أنه يود ألا يحرمها ~~الآن، «وإليك صورة عن حياتي: ففي يوم السبت أقضي ما بين الساعة العاشرة صباحا ~~والساعة الخامسة مساء في المراسم وأفاوض في الساعة السابعة رئيس الغرفة التجارية ~~البحرية وأقلب الوثائق وأفحص الحسابات حتى الساعة العاشرة، ثم أقابل مانتوفل فيدوم ~~تناول الشاي وحوك المكايد إلى منتصف الليل، ثم آوي إلى بيتي فأكتب كتبا إلى زمرة ~~الناخبين، ثم ألزم سريري في الساعة الثانية من الصباح، وفي يوم الأحد أستيقظ في الساعة ~~السادسة، وأقضي ما بين الساعة السابعة والساعة التاسعة في المفاوضة حول المنصب ~~الوزاري في أنهالت-برنبرغ، ويستمر وعظ بوشل حتى الساعة الحادية عشرة، ويستمر ~~الحديث مع وزير الداخلية حتى وقت الظهر، وتستمر الزيارات حتى الساعة الثالثة، فإذا ~~حلت الساعة السادسة واجهت غولتز وكلمته في أمر فوضه إلي أمير بروسية، ثم أكتب ~~حتى الساعة التاسعة، ثم أجتمع بستولبرغ، ثم أذهب إلى فراشي في الساعة الواحدة ~~صباحا.» ms111 # وفي نهاية الأمر - أي في ربيع سنة 1851 - يحمل الجنرال غرلاخ الملك على إرسال ~~بسمارك إلى فرانكفورت، ويقول غرلاخ: إن هذا التعيين من عمله، ونفترض أنه مقدما، ~~بحث مع صديقه بسمارك في الأمر مليا حول اتباع وجهته في البندشتاغ من قبل ~~بسمارك - رضيعه السياسي كما كان يعد - ويجاوز هذا التعيين، الذي كان يدور في خلد ~~بسمارك - والذي لم يفتأ بسمارك يحوك من أجله الدسائس منذ شهور - آمال بسمارك ~~المعقولة، وإن كان دون ما تصبو إليه غطرسته بمراحل، وفي بروسية كان لا بد - لإدخال ~~مثل ذلك العبقري إلى الدواوين بمرقاة الخدمة - من إبداء «الحكومة المكنونة» كثيرا من ~~اللباقة في سنين طويلة ومن مكايد في البلاط والوزارة غير قليلة. # وهنالك يصف لزوجته - بسذاجة سياسية كبيرة - ما كللت به من النجاح جهوده التي ~~بذلها في ذلك السبيل، فكان أمره وهو الجوال غير المؤذي كصياد الطيور هنري الذي ~~عرض عليه التاج حينما كان يحتبل # 12 # العصافير، وإلى حنة يكتب قوله بعد عودته من عندها إلى برلين: «إن كل ~~إنسان يتكلم حول تعييني لفرانكفورت، واليوم قد ذكر الأمر في فوسيش زايتنغ، ولكنني لا ~~أعرف شيئا عنه.» وفي اليوم التالي يكتب إليها قوله: «حقا إنهم يودون تقليدي ~~منصبا سياسيا، وأود - فضلا عن ذلك - مقاما ذا ديمومة فأستطيع أن أرتب نفسي ~~معك يا ملاكي. ومن الممكن أن يحبط الأمر لهذا الشرط، وسأترك من فوري منصبا لا ~~أستطيع أن أعيش فيه مع أسرتي.» وفي كل حال «يجب علي أن أترك عاداتي الطيبة، وأن ~~أترك أملي في العيش معك ومع الأولاد بهدوء كالذي اتفق لنا في شتائنا الأول، وهذا لأمد ~~بعيد ما رزحت تحت ذلك النير، ولا ريب في أن الرب سيفعل ما يلائم نفوسنا، ألا ~~إنني لم أعرب عن أمل مطلق، ولا يضيق صدري.» وفي الغد يكتب إليها قوله: «عزيزتي، أصبح ~~ذهابي إلى فرانكفورت ضربة لازب تقريبا، وذلك مع التعويض، وإن كان لأجل ~~مسمى.» # والرب هو الذي يعين مصير بسمارك في مكان غرلاخ، وما كتبه حول المنزل ~~والأسرة، ms112 وحول رغبته في منصب دائم، وحول هوان العمل تحت «النير» حين كتب له ~~النجاح فأمور حقيقية؛ وذلك لأنه وإن كان يحتمل حياة العمل بلا راحة، يحتمل الراحة بلا ~~عمل، فلما سأله مانتوفل بعد يوم عن قبوله المنصب أجابه بقوله البسيط: «نعم»، ولكنه ~~لم يكد يثق بأمر تعيينه حتى أنشط زهوه من عقاله بعد أن ظل مكبوتا زمنا طويلا، ~~وهكذا يذهب إلى الملك. # الملك ~~: # لقد بلغت من الجرأة ما تقبل معه منصبا في الخارج من غير سابق ~~تجربة. # بسمارك ~~: # إنك - يا صاحب الجلالة - مصدر الجرأة بتفويضك ذلك المنصب إلي، ولك ~~يا صاحب الجلالة، ألا تبقيني في ذلك المنصب إذا لم أثبت أنني ابن بجدته، ولا ~~أرى المنصب فوق طاقتي ما لم أجربه، وإذا كان لديك يا صاحب الجلالة من الجرأة ما ~~تأمر به كان لدي من الجرأة ما أطيع به. # الملك ~~: # لنجرب إذن. # وقبل ثلاث عشرة سنة من تلك المحاورة التي أعادت بسمارك إلى خدمة الدولة؛ كان بسمارك ~~قد اعتزل الخدمة بأن بلغ الرئيس الأول بواسطة الحاجب أن يذهب بلا عودة، واليوم يكتب ~~إلى زوجه قائلا: «إنك تألمين من أن أولياء الأمور لا يجدون عملا لي، وإليك الآن ~~ذلك المنصب الذي هو أهم ما في خدمنا الدبلمية فوسد إلي فوق ما كنت أنتظر ~~وفوق ما كنت أود.» # وعلى ما كان من إظهاره في ذلك الكتاب تحريض زوجه إياه على مطالبته بالتقدم، وألمها ~~من عدم تعيينه حتى ذلك الحين؛ داوم على قوله هادئا: «إنني لم أطلب هذا المنصب، ~~والمولى هو الذي أراده، وما علي إلا أن أقبله، ولا أستطيع أن أتملص منه. ومن ~~النذالة رفضه. وإني لأدعو رب الرحمة من صميم فؤادي أن يهيئ كل شيء من غير ~~إلقاء بسعادتنا العتيدة إلى الخطر ومن غير إضرار بروحي.» وينتقل في الأيام القليلة ~~الآتية إلى ضرب آخر من الآراء فيوصي بإحضار سترته الحريرية وفروده التي لا يستطيع ~~أن يقوم بمنصب دبلمي بدونها، وهو ينبئ زوجه بأنه لا يبقى في منصب من الدرجة ~~الثانية إلا ms113 لبضعة أشهر ثم يغدو سفيرا بسرعة. # والآن يأتي دور حنة في بث الشكاوى، وهو يجيب عن ذلك بقوله: «ولم هذا الغم، ~~أجل، إن العيش في بلد أجنبي مبهج، ولكنني أكاد أبكي عندما أفكر في حياة الريف ~~الهادئة معك ومع الباقين، في تلك الحياة التي أبصرها حلما لطويل زمن على ما يحتمل ~~والتي تبدو لي رائعة إلى الغاية في الساعة الراهنة. وطني نفسك على قضاء الشتاء معي ~~بين الأصحاب، وإلا فأين أدفئ فؤادي؟ ومن المحتمل، ومن الراجح، أنني لا أقصد وطني ~~لسنوات كثيرة إلا زائرا مستعجلا مأذونا، غير أنني جندي لله فيجب أن أذهب إلى حيث ~~أوجه، وما يصنعه الله فهو جميل، وليكن هذا المبدأ رائدنا في المستقبل، وأشعر بشوق ~~عظيم إليكم كلكم وإلى الربيع الأخضر وإلى الحياة في الريف؛ فقلبي حزين، واليوم وقت ~~الظهر ذهبت لمقابلة الجنرال غرلاخ، وإني لأتلقى منه معلومات عن المعاهدات والملوك؛ ~~إذ رأيت تحت النوافذ نمو شجيرات الكستناء والليلك التي تحركها الرياح، إذ ~~سمعت تغريد البلابل فخيل إلي أنني معك عند نافذة غرفة الطعام وأن الرصيف هو الذي ~~أبصرت، فلم أدر ماذا يكون غرلاخ، وقد أخذت كتابك أمس مساء، وقد بلغت من الشجن # 13 # والحنين إليكم جميعا ما سكبت به عبرات كثيرة حين قصدت السرير. وفي ~~فرانكفورت يدفع إلي في الوقت الحاضر ثلاثمائة تالير راتبا، وأبدو مستشارا ~~خاصا عما قليل، وأعد ذلك سخرية يجازيني الله بها على ما كان من تهكمي ~~بالمستشارين الخاصين. ويا ليتني أضمك بين ذراعي، ولو دقيقة واحدة، فأعرب لك ~~عن درجة حبي لك وأسألك العفو عن كل سيئة فرطت مني يا فؤادي. ويزعجني ذلك ~~التمييز المفاجئ، وأود أن أكون بجانبك أكثر مما في أي وقت، وأحبك أكثر مما في ~~أي وقت يا حبيبتي!» # تلك هي الأفكار المتضاربة التي تتجاذب ذهنه إقبالا وإدبارا، وليلق الرب ~~الحنان، وليوجب عطف مضاعف، سكينة في قلب ذلك النصراني المكروب عند تحقيق مقاصده، ~~والعزوف عن الاعتراف الصريح بغاياته على ما فيها من صواب وأدب ومناسبة، وماذا؟ أبسمارك ~~خائف؟ ms114 لا ريب في عدم وجله من السلطان ومن الكفاح، ومن المحتمل أن تكون قد أخافته ~~تلك المرقاة الإدارية التي نفر من منظرها أيام شبابه، وهو يجزع منها وإن لم يتسور ~~ذروتها بعد، وهو يفزع من آمره، ومن رفع تقرير إليه والمثول بين يديه إذا ما ~~حمله عليه، وتأبى كبرياؤه الإذعان، وفي هذا سر شوقه المفاجئ إلى الحياة الريفية ~~الهادئة التي هجرها منذ سنين، وفي هذا سر رغبته الثائرة في العثور على السعادة ~~والسلام بين ذراعي حنة، غير أن غرلاخ حاضر، فيزود تلميذه بالنصائح ويحثه على ~~السفر وإن لم يكن لذلك آخر، ويضيف الدبلمي الحديث بسمارك الذيل الآتي إلى كتاب ~~يرسله إلى زوجه: # ليكن عنوان رسائلك إلي بعد الآن: فرانفكورت سورلومين، فون بسمارك، المستشار ~~الملكي الخاص بالسفارة البروسية. # الجزء الثاني # | الطموح # أجل، إن ما تنم عليه كل كلمة ينطق بها من العبقرية يزيل شكوكي، ولكنه ~~لا يوثق به وثوقا تاما. # فونتان # | الفصل الأول # «يساورني كبير سأم هنا، لا يفتأ النمسويون يحوكون الدسائس تحت ستار من ~~اللطف العنيف، وعلى العموم يبدو ممثلو الدول الصغيرة دمى دبلمية ذوي ~~شعور مستعارة، وهم ينتحلون منظرا رسميا إذا ما سألوني عن نار لشعل سيغار، ~~وهم يعنون بنظراتهم ويختارون ألفاظهم إذا ما أرادوا مفتاح مستراح. ولو كان ~~وجودي هنا لأمر خاص بي لطهرت حقلي من العشب البري أو لعدت إلى داري من ~~فوري، وسأشعر بانحداري وخسري لحريتي بلا سبب ما لم يحول ذلك إلى ما هو ~~أحسن منه بسرعة، ثم إنني لا أعرف كيف أتساوق مع سياستنا الألمانية ما دمت غير ~~ماسك بالحبل الأصلي، وإذا عدوت مقام الملك ومنصب رئيس أركان الحرب ووظيفة ~~وزير الخارجية لم أجد في ميدان الدبلمية البروسية ما يشبع الطموح ~~والنشاط في رجل رشيد.» # وهكذا يترجح بسمارك في أول عمله الدبلمي بين الضجر وعدم الصبر، وبين المهزأة ~~والمنزلة، ولما تمض بضعة أسابيع على تحقيق بسمارك لأمله القديم، وعلى مسكه بقسط من ~~تلك السلطة التي أراد أن يقبض على زمامها بأسرها لكي يحرك ساكن ms115 بروسية، والآن ~~تبصره يصرح بأنه لا يجد في عمله ما يستحق أن يبذل في سبيله نشاط رجل راشد، والآن ~~تبصره يعد زملاءه محلا للهزوء، والآن تبصره يود أن يضع عنه القيد الذي ~~اختاره، وهو لو سئل أن يتمهل إحدى عشرة سنة أخرى، وهو لو سمع هاتفا يقول له إنك لن ~~تمسك الحبل الأصلي قبل سنة 1862 «لاعتزل العمل في الحال ولفر مسرعا إلى ~~شونهاوزن»، ومما لا مراء فيه أنه كان راغبا عن رئاسة أركان الحرب، وأنه كان يتطلع ~~إلى الملك، ولو تم له ذلك لحلت المعضلة الألمانية بغتة، ولحل لغز ~~بسمارك. # وبيان ذلك أن الذي يثير أعصابه هو ما كان عليه أن يتلقاه من الأوامر للمرة ~~الأولى، وما كان من شعوره بوجود مولى فوقه، وما كان من بصره إطاعة هذا المولى لمن ~~يعلوه، وإلى زوجه حنة يكتب قوله يوم وصوله إلى فرانكفورت: «يجب علي أن أتعود ~~تحولي إلى عامل جاف منتظم الساعات مخصص أوقاتا لسير الأمور وتقدم العمر، وقد ~~فات زمن الرقص واللعب عندي، فكأن الله وضعني في مكان أصبح فيه رجل جد.» وهو بهذا ~~الوقار يخاطب زوجته، وهي في الحقيقة لا تود مثله أن تعتقد أنه لم يكن رجلا جديا ~~حتى ذلك الحين، وأنه سيغدو رجلا جافيا، وهو في الحقيقة يظل رجل عواطف قوية كما ~~كان في كل وقت، ويسرع هذا المتبرم في ازدراء ما وفق لنيله، ويدع غير القانع ~~هذا ما أنقذه فاوست بعد جهد طويل، يتفتت بين يدي ميفيستوفل. # وفي كتاب إلى غرلاخ يقول: «إن تعييني في هذه السنة لأتخرج في أتفه المفوضيات ~~بألمانية أمر يفوق ما كنت أنتظر.» وفي الواقع أن كل شيء كان يلوح له أفضل من هزال ~~ثرثرة النواب الذين ما انفك يهزأ بهم منذ ثلاث سنين، بيد أن الدبلميين ~~الذين أخذ يختلط بهم لأول مرة في حياته لم يعتموا أن بدوا له «أدعى إلى السخرية من ~~نواب المجلس الأدنى في الأهمية. والآن أعرف جيدا مقدار ما نصنعه في سنة أو سنتين أو ~~خمس ms116 سنين، فأستطيع أن أنجزه في أربع وعشرين ساعة إذا ما ملك الآخرون حواسهم وسلكوا ~~سبيل الرشاد ليوم واحد.» ولكنه لم يكد يعود إلى المحيط البرليني الذي كان قد مدحه، ~~والذي ما انفك يستهويه في سنوات فرانكفورت، حتى بدأ يصب جام # 1 # غضبه على «لجاجات المجلس غير المجدية، وجميع الحماقات التي تثير ~~السخط. والحق أنني أميل إلى مناقشات مجلس الجامعة التي تقوم على المجاملة مع أنها ~~مملة.» # ذلك هو القريض الذي يخفق له قلب بسمارك؛ وذلك لأن بسمارك بمزاجه السعر # 2 # يزدري - قبل كل شيء - كل ما ينال، لا لأن بسمارك يعرف فقط أن يحل ~~ببصره الحديد وعقله الجبار معظم المسائل بأسرع مما يستطيعه أحد المجالس، وبسمارك ~~يضيع إذا لم يقارع، ولو صار بسمارك سيد العالم لاعتراه السأم. # ويرتعش بسمارك تجاه ما عرفه من إمكان إهمال الملك فردريك ولهلم لتعيينه سفيرا ~~بضغط من النمسة، ويا لسرور أعدائه! وفي ذلك يكتب إلى غرلاخ قوله: «إنني لست طموحا ~~بالمقدار الذي يظنه أخوكم، ولكن مشروع تعييني إذا ما عد تدبيرا حزبيا كان ~~إلغاؤه دليلا على عدم أهليتي لذلك المنصب. ولذا فإنني أتمسك بتعييني عن طموح.» وهكذا ~~تبصره يحمل على أحد الأخوين غرلاخ على حين يبلغ الأخ الآخر بأنه لا يرغب في ~~جعله سفيرا، وهو يود من ذلك أن يقصا كلاهما النبأ على الملك، بيد أنه واثق ~~بمستقبله في قرارة نفسه، وآية ذلك قوله في كتاب إلى زوجه: «نستطيع أن نعيش هنا - مع ~~ضيق - براتب ثلاثة آلاف تالير وقليل دخل، وإذا لم أعين حتى الصيف سفيرا لدى ~~البندشتاغ طالبت بزيادة الراتب، وإلا اعتزلت العمل كله.» # ويتغلب أصدقاء بسمارك على تردد الملك، ويصبح بسمارك الذي لم يكن ذا سابق خدمة في ~~الدولة سفيرا في السادسة والثلاثين من سنيه خلافا لكل عادة؛ وذلك لأنه كان فارس ~~الملك نائبا، ولأنه كان لرئيس فرسان الملك صديقا. # والتأنيث هو أول شيء يصنعه لعدم خبرة زوجه في ذلك، ولأنها ليست معه، وهو - كما في ~~شبابه وشيبته - ينشد الراحة ويود حيازته لبعض ms117 الأشياء، ويبلغ راتبه - سفيرا - ~~واحدا وعشرين ألف تالير، ولم يقع أن تصرف بمثل هذا المقدار للإنفاق فيما مضى، وهو ~~يوسع على نفسه لذلك، ولكن مع الاقتصاد، وهو يقول في كتاب إلى أخيه: «ومن كان يظن ~~منذ عام، حتى منذ ستة أشهر، أنني أستأجر منزلا بخمسة آلاف فلورين، وأنني أستأجر طاهيا ~~فرنسيا إعدادا لعشاء في عيد ميلاد الملك. ويترجح ما أنفقته على تأنيث البيت بين ~~عشرة آلاف تالير واثني عشر ألف تالير، ولما أفرغ من ذلك، ويتألف الأثاث - على الخصوص - ~~من الأواني الفضية والبرونزية والزجاجية والصينية، ولم يكن ثمن البسط والرياش ~~عاليا مثل ذلك، وهنا لا يأكل أحد طبقين بشوكة واحدة فيجب أن تحتوي الوليمة لثلاثين ~~شخصا مائة طقم من السكاكين والشوكات والملاعق على الأقل. والآن أجدني مكلفا بإقامة ~~حفلة راقصة لثلاثمائة شخص. والاستغلال من دأب العمال والتجار هنا، والنفقات العقيمة ~~عظيمة هنا، دع عنك الخدم الاثني عشر الذين يتألف نصفهم من الذكور ونصفهم الآخر من ~~الإناث، وأفضل على ذلك إمرتي على ثلاثين خادما في الريف.» # ولم يحدث في مجتمع الطماعين ذلك أن بدأ أحد مثل مهنته بمثل طبيعته، ولكننا عندما ~~نسمع بسمارك - بعد رحلات يتوجه إلى البلاط، وبعد زيارات يقوم بها لدى البلاط - يجادل ~~في عدد السكاكين والملاعق، أو عندما يقول إن حوذيه الشائب في حلته الجديدة يبدو ~~كأحد الكونتات؛ نبصر أنه نشأ متوسط الحال مع أخيه، وأن «رجل العالم العظيم» - كما ~~تدعوه فتيات بوميرانية - ليس سوى شريف قليل اليسر دعي إلى تمثيل الدولة بغتة، ~~وما كان من تلك الأوصاف الفلاحية؛ أي من اقتصاده الذي هو وجه جديد لسابق إسرافه، ~~ومن رغبته في زيادة تراثه، ومن دفعه الضرائب عن أملاكه، ومن حيازته جديد الأملاك ~~وجمعه الغاب والقرى في سبيل حفدته، فأمور لازمته حتى آخر عمره، وهذه الأمور، وإن ~~كانت سببا لغضبه في بعض الأحيان، ما انفكت تكون مصدر قوة له على العموم؛ وذلك لما ~~كانت توجبه من حكمته في اقتصاد الدولة كما في تدبير شئونه الخاصة، وقد نمت تلك ~~الأمور ms118 في رب الأسرة الذي أضحى رب الشعب. # والزهو الطبقي أمر بارز لدى ذلك الشريف الذي شق طريقه فجأة إلى المجتمع ~~الراقي، والزهو الطبقي في ذلك الشريف أعظم مما في الكونت تون الذي كان شعوره ~~بمنزلته يأذن له في دعوة أثرياء التجار بفرانكفورت إلى العشاء، ويجيء في تقرير رفعه ~~بسمارك إلى رئيسه وزير الخارجية مانتوفل: «إن من موجبات سروري أن رقصت رقصة ~~الكدريل مع كثير من نساء ملتزمي الأثاث في منزلي، وما وجدته من أنس هؤلاء السيدات ~~فينسيني ما يسلمه إلي أزواجهن من القوائم العالية والسلع الرديئة، وكانت تجاهي ~~زوجة ماجد بلغت من الرقة ما كانت تتحفني معه بالسغاير، وبلغ زوج جارتي من اللطف ~~ما جهز معه زوجتي، أول من أمس، بستائر النوافذ.» فهذه لهجة رجل لا يرى معدلا له عن ~~نزاع الطبقات حتى في السياسة الداخلية. # وإذا عدوت أخاه لم تجد أحدا يدرك حقيقته في ~~تلك الأمور، وأخوه ذلك لم يدرك حقيقته في كل أمر مع ذلك، وأخوه ذلك كان «بسمارك في ~~صورة مالك شريف بالمارش»، ومع ما كان من انفصال أحد الأخوين عن الآخر في الأمور ~~المالية وفق ما اتفقا عليه سابقا، ومع ما نراه من عدم الأدلة على أن بسمارك ~~الدبلمي أعطى أخاه المالك الشريف أية وكالة مهمة في إدارة أملاكه؛ نبصر ~~بسمارك كان يطلع أخاه ذلك على وضعه المالي الخاص، وهو يبث شكواه إلى الحكومة ~~المحلية، التي ينتسب إليها في الوقت الحاضر، حول العلاوات، وأعمال الأسداد الإضافية ~~التي يطالب بها سيد شونهاوزن العتيد، «وإني، بعد أن قبضت ما بقي لي من الإجارة ~~بشونهاوزن، أجد لدي من الخطط ما أطفئ به الديون، فأنا بخيل ككل واحدة من أرباب ~~رءوس الأموال.» وهو إذا ما دعي مع زوجته إلى بيت أحد الدوكات في يوم من الأيام، وهو ~~إذا ما دعي معها في يوم آخر إلى بيت دوك كبير، حسب فوجد «أن مثل تلك الرحلات مع ~~الحقائب والخدم والحلوان وأجرة العربة يكلف بدلا أعلى مما يكلفه تناول عشاء ~~في منزلي»، ثم ms119 يعد ما يقيمه من الولائم بسبب منصبه، «وما يتطلبه جميع ذلك من مال ~~يدفع فيستلزم حذرا من قبلي أكثر مما تعودته نحو أعمالي النقدية فيما مضى، ~~والآن نعيش مقتصدين؛ تأدية لنفقات الشتاء الماضي، وستعود ميزانيتي إلى مجراها الطبيعي ~~في اليوم الأول من يوليو»، ويطالب ذات يوم بألف تالير كنفقات كانت الدولة تقوم بها، ~~فبلغ من الغيظ ما غدا معه «أكثر تقتيرا مما كان عليه سابقا في الأمور الاجتماعية»، ~~وما كان يكثر من الحديث في كثير من رسائله عن أولى ولائم العشاء التي يقيمها فقط، ~~بل تجد مثل ذلك فيما كتبه حتى بعد ست سنوات أيضا، ومن ذلك «أن فضلات المائدة ~~تؤلمني في كل مرة، فإذا ما ابتلعتها وحدي أفسدت معدتي، وإذا ما دعوت شباب ~~النهام وشيبهم إلى أكل تلك الفضال شربت حتى سكرت معهم فلا يلائمني ذلك.» # ثم يجد بسمارك حياة الوظيفة مملة؛ فقد جاء في كتاب إلى حماته: «من العادة أن ~~أقضي وقتي من ساعة تناول الشاي صباحا حتى الظهر في استقبال السفراء وسماع تقارير ~~الموظفين، ثم أحضر جلسات تنتهي على غير انتظام بين الساعة الواحدة والساعة الرابعة، ~~فإذا ما حل ذلك كان لي من الوقت الكافي ما أركب فيه جوادا وما أقوم فيه بكتابة ~~الرسائل حتى الساعة الخامسة، ثم نتناول العشاء - عادة - مع واحد أو اثنين من ملحقي ~~السفارة، وتكون ساعة الهضم أفضل ساعات النهار على العموم، وإن كنت أضطر إلى ~~الذهاب، في الغالب، قبل أن أزدرد آخر لقمة، وأدخن تبغا مستلقيا على كرسي ~~طويل مستور بجلد نمر مع جلوس حنة والأولاد حولي، فأتصفح نحو عشرين جريدة، ونخبر ~~في الساعة التاسعة أو في منتصف الساعة العاشرة بانتظار العربة، فنلبس ثيابنا على عجل، ~~ويساورنا سوء مزاج وألف تأمل مر حول غرابة ما يحس من «الملاذ» في مجتمع ~~أوروبي كالذي نذهب إليه، وهنالك تثرثر حنة مع الأمهات على حين أرقص مع البنات ~~أو أهذر مع الآباء، ونعود إلى المنزل حوالي منتصف الليل فأقرأ مستلقيا على السرير ~~ما تيسر، ثم أنام ms120 إلى أن تنبهني حنة وتسألني ثلاث مرات عن عزمي على ~~النهوض.» # وفي المنزل تسلية لا شكل لها، ولا نظام في المنزل، وتجيء الراحة في المنزل قبل ~~الرسميات، ويزور الأمريكي موتلي صديقه القديم بسمارك في فرانكفورت، فيقول: «إن ذلك ~~هو أحد البيوت التي يصنع فيها كل واحد ما يود. وتقع الغرف الخاصة في الخلف، وهي ~~تشرف على حديقة كبيرة، وهنالك يجتمع الشباب والشيب والآباء والأبناء والكلاب، وهنالك ~~يأكلون ويشربون ويدخنون، وهنالك يعزف على البيان، وفي الحديقة تطلق العيارات ~~النارية، ويقع ذلك كله في وقت واحد، وفي ذلك المنزل يقدم كل ما يؤكل ويسقى، ~~وفي ذلك المنزل يتناول الإنسان ما طاب من ضروب الشراب كالبورتو والسودا والجعة ~~والشنبانية والبورغون والبوردو. وفي ذلك المنزل يدخن الجميع أجود سغاير ~~الهافانا على الدوام.» وإذا ظل بسمارك في مباذله ذات الصور كالأزهار حتى الضحى - حتى ~~الظهر أحيانا - ظهر طيب المزاج، وبسمارك إذا خرج من المنزل وجب أن يكون كل شيء ~~عنده على ما يرام، قال بسمارك: «أفضل خمسة أقمصة من أحسن نوع على عشرة أقمصة ~~منشاة، ولن يشترى قميص لائق بتاليرين.» # وذلك الطراز من الحياة يجدد شبابه إلى حد ما، وذلك كما يستدل عليه من الصورة ~~الزيتية التي صوره بها صديقه بيكر، والآن يفقد بحلق ذقنه شيئا من وقاره الذي ~~لازمه قبل سفارته وبعدها، وحلق الذقن تضحية في سبيل الدبلمية، وقد قال لزوجه: ~~إنه حلق ذقنه ببرلين إجابة إلى رغبة أبدتها، وهو لم يحلقه بالحقيقة إلا عملا ~~بنصيحة نيسلرود حين وجب تقديمه في برلين إلى القيصر الذي كان لا يحب اللحى، ~~وكانت تلك الحياة الحضرية جديدة عليه وكان يكرهها في الغالب، ويشتكي «من اطراد ~~الأعشية والاستقبالات المملة الموجبة لضياع الوقت، ويسفر ازدراد ما في الأطباق من ~~أطعمة ناعمة عن بيد # 3 # الكبد، ويؤدي عدم الحركة في أيام إلى داء السكتة»، ويشير الطبيب عليه ~~بالنهوض من الفراش في الساعة الخامسة صباحا وبلف بدنه بنسيج ثري، # 4 # فيفضل عليه «ضربا من الموت أقرب إلى الطبيعة، إذا كان لا ms121 بد من ~~الهلاك ذات يوم». # وله توازنه بركوب الخيل وبالصيد، وهو يغضب في كل مرة تحمله أعماله على العدول عن ~~رحلة صيد، «فالصيد أحسن وسيلة لقتل الوقت، والآجام أحب شيء إلي لما لا يصل إلي ~~فيها إنسان ولا رسالة برقية، وما أكثر ما يساورني حنين إلى حياة الريف. ويمر العمر، ~~وأود الهدوء»؛ ولذا يطلب إلى أخيه أن يجد له سرج فرس، «لثقلي ومنظري، ولست أبالي ~~برشاقة الدابة ما دمت محتاجا إلى تمرين عنيف.» # والفرق بعد عشر سنين واضح في ذلك الكتاب الذي يطلب فيه فرسا، فلم تكن الخيل والنساء ~~لديه ذوات نزق كاف في الماضي، والآن لا يريد ترويض أحد، والآن يريد الهمز # 5 # فقط، وهو لا يثور فيهدر # 6 # أحيانا إلا عند قضائه ليلة عاصفة على ظهر مركب في دانيماركة، أو عند ~~سماعه في هنغارية أن اللصوص دهموا أصحابه في غابة فأطلقوا النار عليهم، أو عندما يكون ~~في الخارج فيقول: «لا يبتلى المرء في فرانكفورت المملة بمثل ذلك.» # والحق أن منصبه الجديد يقدمه في السن بسرعة، ويظل بسمارك سفيرا من السنة ~~السابعة والثلاثين إلى السنة الثامنة والأربعين من عمره، ولكن مع نقص عميق في قواه ~~الحيوية، وليس ذلك لما اتفق له من راحة بال، بل لزيادة سرعة انفعاله، وبصره ~~انقضاء الزمن، وعجزه عن تغيير شيء في بروسية مع استيائه في عشر سنين مما يحدث فيها، ~~ونفاد نشاطه في كتابة سلسلة من التقارير والرسائل، وقد كتب بعد عامين يقول: «ما كنت ~~أظن أنني أتعود العمل بهذا المقدار من الانتظام هنا. وأعجب بنفسي كل يوم حين ~~أرى درجة كفاحي لكسلي الطبيعي ومقتي الغريزي للمداد.» وإذا تمثلنا ما كان عليه ~~بسمارك بدا لنا أنه كان مروضا حينما اتهم نفسه برعونة الصبا لعطله من الصحف ~~في سياحة أسبوعين، ويتحسر بعد ثلاث سنين، فيقول في فرانكفورت: «وذلك لرقاد في ~~الأمور!» # ولا يخفى علينا أنه أشار بذلك إلى أمور السياسة العليا، لا إلى الأمور اليومية التي ~~تركها لمرءوسيه، ويكتب رسائل إلى أسرته في غضون اجتماعات ms122 البندشتاغ وعند إلقاء ~~الخطب المملة فيه، ويرى لزاما عليه ذات يوم أن يحمل على وقف شاب متهم بأمر ~~سياسي، ويذهب ليرى هذا الفتى باكرا، ويصل إليه بعد صعود درج ثلاث طبقات في المنزل ~~الذي يقيم به، ويقول له: «خير لك أن تقصد بلدا أجنبيا بما يمكنك من السرعة!» ~~ويتردد الفتى، ويقول بسمارك: «يظهر أنك لا تعرفني، ويحتمل أنك محتاج إلى نقود نفقة ~~للرحلة، فخذ هذا المبلغ وأسرع في مجاوزة الحدود؛ لكيلا يقال إن الشرطة أبرع من ~~الدبلميين.» وفي سان بطرسبرغ أيضا يعرف أثيم في السفارة، فيعطيه ثيابا ~~أخرى، ويهربه من الباب الخلفي، ثم يهزأ بالشرطة لأنها تركته يفر، فمن خلال ذلك ~~الشذوذ النادر نبصر ظهور مغامرات شبابه مرة ثانية. # ويبدو عمل دماغه مضاعفا حين إملائه الرسائل؛ فقد روى أحد ملحقيه أنه يذرع ~~الغرفة إذ ذاك ذهابا وإيابا لابسا بذلته الخضراء فيلوح أنه يفكر جهارا في ~~جمل تتدفق بفروغ صبر ويتخللها كثير تفسير، وهو إذا ما لاءمه ذلك فاستطاع أن يمسك ~~أمين سر داوم على الإملاء من منتصف الليل إلى الصباح، وهو كرئيس منصف لطيف، فلا ~~يحتمل أمناء السر الذين «يبدون من الاحترام الهائل ما لا يرتاح إليه»، وهو يدعوهم ~~إلى الصيد وتعاطي الشراب معه، وهو يخشى جانبه في الأمور الظرفية، وهو إذا ما أنجز ~~له عمل بعناية لم يبد رضا، ويتحد اثنان من أمناء سره في قولهما إنه يعامل ~~أمناء سره كتلاميذ مدرسة متمردين، وهو إذا لم ينفذ له أمر قال: «أراكم ستأسفون ~~على ذلك؛ وذلك لأنني أعتقد أنكم تشاطرونني رأيي في أن الرجل الشريف ينجز ما أوجبه على ~~نفسه.» وما كان يبدي من مثل هذه الملاحظات بصوت لين فيثلج سامعيه إلى فقارهم، ~~وقد تأتون عملا خاطئا من الناحية التاريخية، فيقول لكم حينئذ بأدب ذرب: # 7 ~~«يظهر أن صفحات فاتتكم من التاريخ العام لبيكر!» # | الفصل الثاني # كانت النمسة أكبر خصم، وما كان بسمارك محتاجا إلى اختبار كبرياء آل هابسبرغ في ~~فرانكفورت حتى يكره النمسة وتغدو هدف منازعاته، وإلى ذلك النفور ms123 الفطري من ذلك ~~البلد يضاف ارتيابه فيزيد عداءه الموروث، وما ارتيابه من كل دولة تود أن تأخذ ~~مكان بروسية إلا كارتيابه من رؤسائه الأربعة الذين تناوبوا المكان الذي كان يريده ~~بوزارة الخارجية في سنوات الانتظار الاثنتي عشرة بفرانكفورت، وإن كانت ألمانية ~~بأسرها - ما عدا بروسية - تبدو له بلدا أجنبيا فضلا عن النمسة، وقد كان لدور ~~الأمور في أولموتز من جرح عزته ما لم يكن لشروط المعاهدة نفسها، وهو لم يدافع عن ~~هذه المعاهدة اجتنابا للحرب، بل لتأجيلها إلى أن يحل الوقت الذي تمثل عوامل ~~طموحه دورها في مجرى عمله. # وكان حقد ذلك الذي لا يقدر أن يشغل مكان الصدارة حادا منذ البداءة، وما كان أوتو ~~بسمارك بصفته الشخصية ولا بصفته بروسيا ليطيق بزهوه أن يجلس مع اثني عشر سفيرا ~~حول مائدة برئاسة غيره، وما ذلك الرجل الجالس في المكان الأول هنالك إلا قنيصة لذلك ~~الصياد الموهوب، وما ذلك إلا الكونت تون الشبيه بشوارزنبرغ غطرسة ومكرا، وتون ~~«إذ يقوم بمنصب الرئاسة لابسا سترته القصيرة المصنوعة من نسيج صيفي زاه والمزررة ~~لإخفاء عدم الصدرة مع ربطة رقبة وهمية يلقي خطبته بلهجة المحادثة»، فتبصر في ~~هذا الوصف الأول الذي أتى به بسمارك ازدراء هذا المستمع الحديث لذلك الرئيس، ولسنا ~~بالذين نصدق زعمه أنه يلاحظ ذلك الحادث بهدوء العالم الطبيعي. «ويقامر تون في ~~النادي حتى الساعة الرابعة صباحا، وهو يرقص من الساعة العاشرة إلى الساعة الخامسة بلا ~~انقطاع، وهو في الوقت ذاته يشرب مقدارا كبيرا من رحيق الشنبانية المثلوج، وهو يتعشق ~~نساء التجار الحسان بقصد المباهاة والتأثير في الحضور أكثر مما بقصد اللذة والسرور، ~~وهو مزيج من الأريستوقراطية الفاترة ومكر الفلاح السلافي، والمراوغة مع الحذر ~~أبرز صفاته»، وعن البارون، مساعد تون، يقول بسمارك: «إنه شاعر في الحين بعد الحين، هو ~~رقيق العواطف، هو بكاء في دار التمثيل، هو ولد صالح لطيف، هو يشرب أكثر مما ~~يطيق.» # بسمارك في سنة 1847. # ولتلك التهكمات تأثير مدمر، ولكنها لا تكشف عما يستتر تحتها من كلمات ونظرات ~~توجب السوء، ms124 ويزور بسمارك - أيام كان مستشارا للسفارة - تون، ويقوم بتلك الزيارة مع ~~موظف برليني آخر، ويعرف تون النمسوي أن تعيين بسمارك سفيرا صار قريب الوقوع فلا ~~يشركه في الحديث عمدا جهد الاستطاعة، ويقول بسمارك لرفيقه «بصوت متهدج»: # 1 ~~«ألم تر كيف عاملني تون؟» ويسوى الأمر شخصيا بذلك، ومن موجبات العجب ~~أن استقبل تون بسمارك سفيرا في وقت آخر جالسا مدخنا سيغارا لابسا قنا # 2 # لشدة الحر ظاهرا، ولم يدخن بسمارك سيغارا بنفسه إلا في زيارته ~~الثانية موجبا حيرة زملائه، وبسمارك أراد في اليوم التالي أن يعرف الناس خبر ~~ذلك. # ويكتب بسمارك كتبا خاصة في جلسات البندشتاغ، «ويصعب وضعي بما عرضت له من ~~نفس جاري ( # x # و # y ~~)، فأما ~~الأول فيمكنك تصور رائحته التي هي خليط مما ينبعث من أسنانه النخرة القذرة ومن بعض ~~ضلوعه عندما يفتح سترته، وأما الآخر فتنم رائحته قبل وجبات الطعام على اختلال ~~هضمه نتيجة لأعشية كثيرة وتمرينات رياضية حقيرة، فهذه هي رائحة الدبلميين ~~ومريشالات البلاط الطبيعية.» # وليس فناء الأمور بفرانكفورت في المسائل الشخصية من ذنوب بسمارك فقط، وإنما ذلك أيضا ~~من مقتضيات جو البندشتاغ حيث الجميع متساوون في الظاهر عدا النمسة التي لها ~~الصدارة بين نظائرها كما في تاريخ الأزمنة الحديث، وكيف لا ينتظر من ممثل النمسة ~~ألا يهدف إلى إهانة ممثل بروسية حول تلك المائدة، وعلى مشهد من العالم، بعد أن ~~تركت بروسية مكانها منذ ثلاث سنين قاصدة إيجاد مائدة اتحاد أخرى لها بغير النمسة ~~ثم عادت إلى مكانها نادمة؟ والآن يمكن النمسة أن تركن إلى معظم الدول الأخرى، على ~~حين يمكن بروسية أن تعتمد على أصوات أربع إمارات صغيرة واقعة في شمال ألمانية، ويرتاب ~~جميع الدول الأخرى من بروسية؛ لاعتقادها أن بروسية تريد أن تحملها على الخضوع ~~لاتحادها وأنها تحمل فكرة الثورة مستعينة بألمانية السيئة الحظ، وذلك إلى أن النمسة ~~القوية تجتذب إليها جميع أنصار العروش الشرعية، ومن ثم جميع الأمراء تقريبا. # وهكذا لا يجد بسمارك في فرانكفورت أمرا يأخذه على غرة، بل أبصر فيها ms125 ما يؤيد ~~وجهات نظره السابقة، حتى إن بسمارك يتكلم في شيبته عن صداقة البلدين، بروسية والنمسة، ~~فلا يراها أكثر من «حلم الشباب نتيجة لحروب الإنقاذ وتأثير المدارس» ويصل بسمارك ~~إلى فرانكفورت خصما للنمسة، ويظل بسمارك مع ذلك دهشا من شدة عداء النمسة ~~لبروسية، وفي فرانكفورت يعلم بسمارك للمرة الأولى خبر برقية الأمير شوارزنبرغ عن ~~موضوع ألموتز القائلة «بإهانة بروسية أو العفو عنها بسراوة» # 3 # وكانت تلك البرقية المملوءة غطرسة وانتفاخا قد أرسلت أيام دفاع بسمارك ~~عن معاهدة أولموتز في اللندتاغ البروسي، ويا لهول ما يصاب به عجبه عند ~~اطلاعه على تلك الكلمات! # ولم يمض على وجود بسمارك في فرانكفورت ستة أسابيع حتى أعرب عما في نفسه بقوله: ~~«سيظل النمسويون أكثر اللاعبين خداعا كما هم الآن، ولا أعتقد أنهم ينتهون إلى ~~حلف شريف معنا لشمول طموحهم ولخلو سياستهم الداخلية والخارجية من العدل ~~والإنصاف.» # ويحل شهر نوفمبر فيحاول بسمارك إنزال ضربته الأولى، فيقول: «يسير الكونت تون على ~~غرار بوزا في الكلام فيأتي بترهات حول ألمانية الكبرى، وأتم بيانه فأقول: إنه ~~إذا ما نظر إلى الأمور بعينه وجد كيان بروسية والإصلاح الديني أمرين مؤسفين. ألا ~~فليعلم أنه لا يوجد في أوروبة شيء يقال له بروسية «مع العدول عن تراث فردريك الأكبر» ~~كما يصرح به، وإنني قبل أن أشير على بلادي بمثل هذه السياسة لا أرى غير السيف ~~حكما.» فهذه قطعة من محاورة بين حليفتين صديقتين ويمزق اثنا عشر حجابا ويحار ~~المرء من أن حرب بسمارك لم تشهر إلا بعد خمس عشرة سنة. # وينقل نبأ ذلك الجفاء إلى فينة بدقة، ومن الطبيعي أن يزيد الحسد بين الدولتين، ~~والجو حتى في برلين لم يكن ملائما حينما قرأ غرلاخ على الملك بصوت عال طائفة من ~~رسائل بسمارك، فجاء فيها أن مصدر كل بلاء هو ما كان من تسليم إلى النمسة، ومما ورد ~~فيها: «إن من يشاطرني فراشي يسهل عليه أن يضربني أو يسمني أو يخنقني، ~~ولا سيما عند اتصاف من يشاطرني فراشي بالقسوة والنذالة.» وليس مما ms126 يساعد على ~~تحسين الحال أن يستدعى الكونت تون وأن يستبدل به ذلك الذي ظل سفيرا للنمسة في ~~برلين حتى الآن. # كان الكونت بروكش أوستن أكثر إمتاعا من تون؛ لحسن اطلاعه على شئون الشرق الأدنى ~~وسمو ثقافته وأصالة أوروبيته، ولكنه كان يعاسر زميله البروسي بعلل أخرى، فإذا ~~عدوت زيارة بروكش أوستن لبسمارك كثيرا ومكوثه عنده طويلا ولطفه في ملاعبة ~~الأولاد وإطالة الحديث معه في الاجتماعات؛ «وجدت صلتي به أوضح من صلتي بأوتون؛ ~~فأوتون يقول الصدق أحيانا، وبروكش لا يقوله أبدا»، وبسمارك يقول - مع ذلك - إنك ~~تستطيع أن تقرأ حقائق الأمور على وجه بروكش، ومن دواعي الأسف أن ترك بروكش - عن إهمال ~~- وثائق ضد بروسية في مكتب باعه، وتلك الوثائق هي مسودات مقالات ثورية لتنشر ~~في الصحف البروسية، فكانت تعزى قبل ذلك إلى الديمقراطيين، ويشير بسمارك باتخاذ تدابير ~~هجومية ودفاعية على ذلك الغرار. ومن الخطأ أن تفضح أساليب ذلك السفير في فينة؛ ~~لما يوجبه ذلك من تعذر بقائه في فرانكفورت؛ فالرأي إذن «أن يجعل غير مطمئن إلى ~~وضعه وأن يسر إلى حلفائنا بالأمر، حتى يتضح لهم شدة صبرنا» ومن الصواب أن ~~ينشر شيء من مقالات بروكش غير الشرعية مع القول ضمنا بأن ريب الحكومة نشأت ~~للمرة الأولى عن اكتشاف تلك الوثائق عند أحد الناس. # وهكذا يسير بسمارك الأمر بدهاء، وبسمارك هو الذي يتهم خصومه بعدم الإخلاص على ~~الدوام، بيد أن بروكش عالم بالرجال، فإليك قوله السافر عن بسمارك: «يعلن فون بسمارك ~~أن بروسية هي مركز العالم. هو ذو ميل عظيم إلى تقويض دعائم الجامعة. لو نزل ملك من ~~السماء ما استقبله بغير سمة بروسية. هو كمكيافيلي مكرا وملمسا فلا يترفع عن ~~أية وسيلة تصل يده إليها، وعلينا أن نعترف بأنه ليس رجلا يقول بأنصاف التدابير. ~~وهو لذلك لا يألو جهدا في القضاء على الجامعة. وهو يسرف في استخدام الصحافة فيعرف أن ~~يلقي الذنب على عاتق النمسة، وهو قد بلغ من التأثر برسالة بروسية ما صرح لي به ~~غير مرة بضرورة توحيد ألمانية ms127 تحت سلطان بروسية، ولم يحدث قبل الآن أن لاقيت رجلا ~~مثله مقيدا بعقائده معتدا بنفسه معتمدا على أعماله.» # وذلك الحكم مما كان بسمارك يوافق على صحته، وقد أيده الأعقاب، وما كان بسمارك ~~ليتأخر عن شهر فرده عند أدنى إهانة توجه إلى وضعه البروسي، ويحتد الكونت ~~ريشبرغ الفيني بعد إحدى الجلسات فيعلن أنه يطالب باعتذار في غابة بوكنهايم ~~فيجيب بسمارك عن ذلك هادئا: «ولم نزعج بالذهاب إلى مكان بعيد كذلك المكان، فيوجد ~~محل لتبادل العيارات النارية في الحديقة هنا حيث يجاور ضباط من الألمان ~~والنمسويين، وإنما أطلب أن تأذن لي في تسجيل سبب النزاع؛ لأنني لا أريد أن يعدني ~~مليكي سائفا # 4 # صلفا يسير الأمور الدبلمية بقوة السلاح.» ويبدأ بسمارك بكتابة ~~تقريره، ويبصر ريشبرغ سوء ما صنع، ويرجع عما رأى ويسوي المسألة. # ويسافر بسمارك إلى فينة فتؤدي هذه الرحلة إلى زيادة البغضاء بينه وبين النمسويين، ~~وبيان الأمر أن الاتحاد الجمركي الألماني، وهو الخطوة الأولى نحو الوحدة الألمانية، ~~كان أقوى رابطة بين بروسية ودول ألمانية الأخرى، وتطمع النمسة أن تثلم ما لذلك ~~الاتحاد الجمركي من حد سياسي بأن تعيد تنظيمه على أسس جديدة، فتود أن ~~تتدخل بين دوله وتوجه المسائل الجمركية توجيها سياسيا ويعرض بسمارك عقد ~~معاهدة تجارية بدلا من ذلك، ولا يتزحزح بسمارك عن موقفه قيد أنملة. # ويعود بسمارك إلى بلده من فينة تاركا الأمور كما كانت، ويعد ذلك أول فوز ~~كبير له؛ لما أدى إليه من بقاء الاتحاد الجمركي بغير النمسة وعلى الرغم مما حاكته ~~النمسة من الدسائس، والشخص الوحيد الذي راقه في فينة وفي أوفن (بودا) فرضي عنه هو ~~الإمبراطور الشاب الذي كان في الثانية والعشرين من عمره، وهو حينما قرأ لإمبراطور ~~النمسة كتابا من ملك بروسية لم يستحسن فيه أكثر من اعتراف هذا الملك بأن آله سكنوا ~~المارش قبل آل هوهنزلرن، وفي ذلك الحين قال مثنيا على فرنسوا جوزيف: «إن لديه ~~نارا ووقارا واعتدالا وتأملا وصراحة وصدقا ولا سيما عندما يضحك.» # وبسمارك لما له من الحظوة لدى الملك ms128 تجد له منذ البداءة، وفي جميع تلك السنوات ~~وضعا خاصا تجاه رئيسه الذي يضغن عليه بحكم الطبيعة، وكان تعيين بسمارك قد أثار ~~مقت رئيس الوزراء لتدبيره من قبل رهط غرلاخ الذي كانت تشين صداقة مانتوفل له ~~مزوزة، ويتصف سلطان مانتوفل في السنوات الثماني التي كان يعمل بسمارك تابعا لها ~~في أثنائها بفرانكفورت بالقصر والفتور والمكر والطموح والترنح والديمقراطية، وما ~~كان بسمارك - بالحقيقة، وفي الغالب - إلا أكبر تأثيرا في تسيير الأمور من مانتوفل ~~لنفوذه المزعج المستمر، وكان مانتوفل يشعر بأن سفيره بسمارك سيخلفه، وكان يعلم أن ~~بسمارك قادر غير صابر، فلم يسطع أن يعامله رئيسا، وإنما كان يكتفي أحيانا بمقاومة ~~نفوذه أمام الملك في الأمور الجزئية وبعناد عجيب، ومن ذلك أن أبرق بسمارك من ~~فرانكفورت بضبط أمتعة قنصل مشتبه فيه فجعل مانتوفل من ذلك مشكلة وزارة بدعوته ذلك ~~القنصل إلى العشاء في البلاط، ومن ذلك أن رفض مانتوفل إحالة شائب عاجز في سفارة ~~فرانكفورت على المعاش لإيصاء بسمارك بذلك، ومن ذلك أن غرلاخ استدعى بسمارك إلى برلين، ~~فوخز مانتوفل بذلك، فكتب إلى بسمارك يقول له ألا يلبث كثيرا في برلين. # ويحدثنا بسمارك من ناحيته بأنه كان أكثر «كسلا مما كان عليه في العام الماضي؛ ~~وذلك لأنني لا أجد في برلين صدى لنشاطي ولا نتيجة لنا هنالك.» وعلى ما كان من ملاطفة ~~مانتوفل لبسمارك وتبادلهما رسائل كثيرة ومع كون مانتوفل أبا في العماد لابن ~~بسمارك، عين مانتوفل وكيلا سريا دربا بسرقة البرقيات ليقبض على المحفظة ~~التي تسافر فيها رسائل الملك وغرلاخ وبسمارك ذهابا وإيابا، ويمضي بضع سنوات فيسأل ~~الملك سفيره بسمارك، بواسطة رئيس الوزراء مانتوفل، عن رغبته في أن يغدو وزيرا ~~للمالية، فيأخذ مانتوفل على نفسه أن يجيب الملك بقوله: «إن بسمارك يسخر ~~مني!» # ومصدر تلك المكايد، وزعيم الحكومة الخفي، هو رئيس أركان الحرب وصديق الملك ~~ليوبولد فون غرلاخ، فهذا القائد الحربي هو الذي أوجب تعيين بسمارك ليقوي ~~حزبه ضد مانتوفل، وإذا استثنيت بسمارك الذي ود غرلاخ أن يدربه وصولا ~~إلى مقاصده؛ ms129 وجدت غرلاخ هذا كان يزدري جميع من يتصل بهم فكان يقول عن مانتوفل ~~إنه وزير بلا مبدأ فلا يركن إليه، وكان يقول عن الملك: «إنه سيد ذو شذوذ فلا ~~يعتمد عليه كثيرا»، وهذا يعني بصريح العبارة أن الملك مجنون، وكان غرلاخ محنكا ~~تقيا معلما في فن الكيد، وكان أسن من بسمارك بخمس وعشرين سنة فيعد بسمارك ~~من اكتشافاته، ويعد بسمارك ولدا له بالتبني، وهو ما كاد يبصر أن هذا الولد ~~المتبنى، الذي هو دونه سنا ومنصبا بمراحل، لم يلبث أن فاقه، وفاق الملك ~~ومانتوفل أيضا في حوك الدسائس، ولم يدار بسمارك إنسانا باحتراز كبير مثل ~~مداراته لصديق الملك ذلك ما دام الملك جالسا على العرش، ولكن ولهلم لم يكد يصير ~~وصيا على العرش حتى فترت الصلات بين بسمارك وغرلاخ؛ لأن ولهلم كان لا يطيق ~~غرلاخ. # ولم يكتب بسمارك إلى شخص من الكتب الكثيرة الجديرة بالذكر كالتي كتبها إلى ذلك؛ فهي ~~لا تقدر بثمن لدلالتها على آرائه السياسية كدلالة كتبه إلى زوجه على مشاعره ~~المنزلية، وهي تتلألأ بالأفكار الحية والتهكمات الزاهية، وهي تسطع بعبارات ~~العداء النارية، وبالخطط الماكرة الهادرة # 5 # التي تهدف إلى بلوغ السلطان، وكان كثير من تلك الكتب يبلغ اثنتي عشرة ~~صفحة مطبوعة، وكانت تقرأ على الملك في الغالب، وكانت لهذا السبب وسيلة نفوذ لبسمارك ~~لدى الملك أبلغ من الكلام ما دامت نتيجة تفكير أستاذ وقلم معلم، وكان بسمارك ~~يخاطب غرلاخ فيها ب «صاحب السعادة وصديقكم الوفي وخادمكم المخلص»، ثم عدل عن ذلك ~~إلى «لي الشرف بأن أكون صديقكم»، ثم عدل عن هذه إلى «صديقكم المخلص». وفي تلك الكتب ~~تعرض الدول كقرى، والأشخاص كأناس ذوي صفات على غرار شكسبير، ويطفح بعض تلك ~~الكتب حبورا، ومن تلك الكتب ما تبصره مملوءا هذرا داعرا # 6 # ونوادر عن القصر، وهذا كله للترفيه عن المرسل إليه المستتر (الملك) ~~فضلا عن غرلاخ المرسل إليه المباشر. # وترى مع ذلك أن الأب بالتبني كان يعمل على ألا يركب ابنه بالتبني ظهره، ~~فصرف الملك عن نصب بسمارك ms130 وزيرا في سنة 1854 معترضا دون اكتسابه نفوذا عظيما في ~~حزبهما المحافظ، وفي أمور أخرى ينتحل غرلاخ وضع كهنوتي على أفكه وجه، ويود ~~بسمارك «أن يستخدم طالحا لاقتضاء المصلحة ذلك»، ويرى غرلاخ «أن يذكره بتحذير ~~الرسول من الأشرار حتى يأتي الخير؛ وذلك لأن دينونتهم أمر لا مفر منه»، وبسمارك ~~هو الذي يقهر كبرياءه دوما في أوقات التوتر تلك؛ وذلك لكيلا يخسر ذلك الوسيط ~~الذي لا يعوض؛ وذلك لأن بسمارك يجيب المقاتل القديم غرلاخ بلهجة من التقوى تنفذ ~~الفؤاد. ~~«أحاول كل يوم أن أنال ثقتك بالدعاء والإذعان للمولى الذي جعلني في هذا المنصب.» ~~«أراني مجذورا # 7 # تماما إذا لم أتصل بك، ولا أستطيع أن أخدم المليك مسرورا ما لم أشعر ~~بصلتي القلبية الوثيقة بك أنت الذي لم أكن رفيقه في النضال إلا في الأيام السود. ~~أنت الذي لم يكن ليفصلني عنه أي اختلاف في المبادئ والخطط.» «يمكنك أن تشك في ~~كون النجوم من نار ... إلخ، كما في رواية هملت، ولكن لا تشك في محبتي!» «لا تدع ~~أمرا يضعضع ثقتك بي؛ فأنا صبور على كل محنة في سبيلك وسبيل الملك.» ويا لهزوء ~~بسمارك بمرسلي مثل تلك الرسائل عند أخذه ما يعدلها بعد حين! # أجل، إن على بسمارك أن ينشئ الجسر المؤدي إلى السلطة، وإن على من يريد بلوغ ~~السلطة، حتى عند عدم طموحه، أن ينال تأييد الملك المطلق متذرعا بجميع الذرائع ~~الممكنة، وقد أولع هذا المليك ببسمارك منذ سنين في الحقيقة، وكان بسمارك يتملق ~~الملك بقوله: إنه «اكتشفه»، «وكان المليك يرى في البيضة التي ألقى بها فيرخم # 8 # عليها.» وكان بسمارك الشاب نافعا للملك مع ذلك، لعده غولا يخوف به ~~وزراءه، أو ليحمل مانتوفل على الطاعة - كما يقول - ويزيد الملك حماقة فيغدو ~~خدعه لوزرائه من دأبه، وتعد له بطانته رسائل مستعجلة مهمة من غير استشارة ~~مانتوفل ، فيرسل مشروعها إلى بسمارك بفرانكفورت، ويتصل بسمارك بمانتوفل ليكلمه ~~في الأمر، ويدعو مانتوفل إليه رجلا من الجالية الفرنسية، وينتظر عدة أيام إلى أن يجد ~~له هذا ms131 الفرنسي أحسن تعبير فرنسي «يكون وسطا بين المغبس # 9 # والملتبس والمريب والمرعب»، ويطلب الملك من بسمارك في أيام أخر ~~مذكرات ينقض بها مذكرات وزارة الخارجية، وبسمارك على ما يتمتع به من حظوة يشكو الآن ~~من نزوات الملك الباطلة، ويحدث عن «تقلب آرائه واختلاط أعماله وتأثره بالأصابع ~~الخفية». # ويدعى بسمارك في السنوات الأولى من وجوده بفرانكفورت من قبل الملك أو من قبل ~~غرلاخ عند كل مناسبة، فيقطع في عام واحد ألفي فرسخ بين فرانكفورت وبرلين، ويقع ذلك ~~في الغالب وقتما يمتنع مانتوفل عن إجابة الملك إلى ما يرغب فيه، وإذا حدث أحيانا أن ~~أخر بسمارك سفره إلى برلين بسبب عمل خاص بمنصبه فلم ينته إليها على عجل فإن الملك ~~فردريك ولهلم لا يستقبله حين وصوله كما أنه لا يأذن له في العودة إلى محل عمله، ~~«وذلك ضرب من أصول التربية كما في المدارس حيث يقصى التلميذ عن صفه ثم يسمح له ~~بالرجوع إليه، فكنت أبدو معتقلا في قصر شارلوتنبرغ من بعض الوجوه فيلطف اعتقالي ~~بما يقدم إلي من الغداء بظرف.» ويريد الملك تعيين بسمارك سفيرا في فينة، ~~فيجيب بسمارك بأن ذلك يعني تسليمه إلى خصمه فلا بد من إصدار أمر صريح في ذلك، فيقول ~~الملك: «لا آمرك، وإنما يجب عليك أن تذهب إلى هنالك مختارا ثم أن ترجو مني الرعاية. ~~وعليك أن تشكر لي عنايتي بتربيتك، لاستحقاقك مثل هذا الجهد.» # وتلك هي علاقة الملك بمحبوبه المكلف بالصبر على تقلبات مزاجه كما يصبر على ~~تقلبات الجو، ويدعو الملك بسمارك ذات يوم إلى روجن ليكتب مذكرة مخالفة للتي كان ~~مانتوفل قد سلمها إليه، ويرسل الملك هذه المذكرة ويثني عليها لبسمارك ويمسكه ~~وإن كان بسمارك يريد منذ طويل زمن أن يذهب إلى زوجه المريضة، ثم يسافر بسمارك بلا إذن ~~فيجازيه الملك على ذلك بوقفه المذكرة برقيا وباستردادها وتحريفها، فبمثل هذا ~~كانت تساس المملكة البروسية. # وما كان بسمارك ليفرط في تقدير قيمة ذلك، وهو يعلم كيف تزول الحظوة لدى الأمراء، ~~ويمضي عام فيقول بسمارك في ms132 منزله: «والآن - حين وصولي - تشرق الشمس؛ فالبلاط ~~يلاطفني، والأكابر يدارونني، والأصاغر يريدون شيئا مني أو يودون نيل شيء بواسطتي، ~~وليس عسيرا علي أن أذكر أن هذا المجد الذهبي مما يزول بين عشية وضحاها، فأرى في ~~مهرجان يقام في البلاط من الظهور الجامدة حولي بمقدار ما أبصر الآن من الوجوه ~~الناضرة.» # ولا ريب - إذن - في أنه لم يدهش بعد خمس سنين حينما كتب إلى غرلاخ قوله: «أرى ~~تغير كل شيء، فإما أن أكون عند الملك رجلا عاديا كبقية الناس، أو أن يكون الملك ~~قد بلغه قول سيئ عني، وقد يكون هذا هو الصحيح. والخلاصة هي أن صاحب الجلالة ~~أقل ميلا إلى رؤيتي مما في الماضي، وأن نساء الشرف لديه يبتسمن لي بأفتر مما في ~~الماضي، وأن الرجال يصافحونني بأبرد مما في الماضي.» ثم يغير لهجته فيقول: «ولكنني ~~يا صديقي الجليل أعتقد أنك منزه عن مثل سفاسف رجال القصر تلك، وإذا كانت ثقتك بي قد ~~قلت فإنني أطلب إليك أن تبدي لي سببا لذلك غير تقلب عطف البلاط.» # وهكذا يخفض بسمارك بلطف لهجة رثاء عزيز خسر حظوته فيرفع ذلك إلى مسمع نديم تقي، ~~وهكذا يستطيع أن ينتقل برقة من عذل معتدل إلى عقل حكيم. # | الفصل الثالث # كان القيصر نقولا أقوى رجل في أوروبة، ويظل كل شيء هادئا في إمبراطوريته ~~وحدها، ويبقى الاسترقاق هنالك أمرا غير ظاهر، فلما اشتعلت الثورة في هنغارية استطاع ~~القيصر أن يرسل إلى الشاب فرنسوا جوزيف فيلقا، فأبلى هذا الفيلق في القتال بلاء ~~حسنا، وصار القيصر بعد هذا ينظر إلى فرنسوا جوزيف نظر المتبوع إلى التابع، ويحل ~~الوقت الذي فيه يطالب القيصر بالآستانة وبتقسيم تركية التي دعاها بالرجل المريض للمرة ~~الأولى. # بيد أن نابليون الثالث لم يرد أن يترك له مفاتيح القبر المقدس، وكان يود أن ~~ينتقم لما أصيب به عمه من الهزائم بين سنة 1812 وسنة 1814، وأن ينتقم لما كان من ~~مخاطبة القيصر المتكبر إياه في رسائله، ب «ابن عمي» بدلا من «أخي»، فعلى مثل هذه ~~الترهات كان ms133 يتوقف مصير أوروبة في ذلك الحين. وفي أوائل سنة 1854 توشك الحرب أن ~~تقع بين روسية وحلف مؤلف من فرنسة وإنكلترة وتركية، وكانت النمسة تخشى توسع ~~روسية في البلقان فقررت الانضمام إلى الحلف الغربي، ويبحث في الأمر ببروسية. # ويقول جميع أحرار بروسية بالانحياز إلى الحلف ~~الغربي ضد روسية، ويقول كثير ممن هم حول الملك بالحرب، ويبدو الأمير ولهلم على رأس ~~هؤلاء، وكان مانتوفل قد وافق على فكرة إرسال إنذار إلى سان بطرسبرغ، والمحافظون وحدهم ~~ويقودهم غرلاخ هم الذين قاوموا الرأي في مهاجمة حصن الرجعية الروسي الحصين متذرعين ~~بأن روسية كانت حليفة بروسية في سنة 1813، وتبلغ الأزمة حدها فيستدعي غرلاخ ~~تلميذه «بسمارك» إلى برلين، ويدعوه ولهلم إليه من فوره، لا لأنه يحبه، بل لما ~~يعرفه من نفوذه الكبير لدى أخيه المتردد، وهذا إلى ما بينه وبين بسمارك من حسن صلات، ~~وإلى ما كان من وقوفه بجانب مانتوفل أبا في المعمودية لابن بسمارك الثاني ولهلم ~~الذي عرف باسم بيل فيما بعد. # ولهلم ~~: # أنت ترى وجود اتجاهين يمثل أحدهما مانتوفل، ويمثل الاتجاه الآخر ~~الملائم لروسية غرلاخ هنا ومونستر في سان بطرسبرغ، وقد وصلت حديثا، ويدعوك ~~الملك لتكون حكما إلى حد ما، وسيكون لرأيك قيمة، فألتمس منك أن تذهب إلى هذا ~~المعنى وهو: أن وضع روسية مما يؤلب جميع أوروبة عليها وأنها ستغلب في ~~نهاية الأمر. # والواقع أن ولهلم كان يود تهديد ابن أخته القيصر عن صداقة له، ومن ثم كان ~~يريد إنقاذه من أوروبة المتفقة عليه. # بسمارك ~~: # لا أستطيع أن أصنع ذلك، فليس لدينا سبب لشهر الحرب، وليس لنا ما نكسبه من ~~الحرب، والحرب إذا ما شهرناها لم نحصد سوى حقد جارنا المغلوب وإثارة رغبته ~~في الانتقام منا، ولا يكون الدور الذي نمثله عند شهر الحرب عن خوف من ~~فرنسة أو عن خدمة لإنكلترة إلا كالدور الذي يمثله الأمير الهندي التابع ~~لإنكلترة والمضطر إلى القتال بجانبها. # ولهلم ~~(صارخا محتدما) ~~: # ليست المسألة مسألة تابع أو خائف! # ويخيل إلى بسمارك أنه يسمع بذلك صوت أوغوستا ms134 التي يعلم أنها ذات عواطف ~~مضادة لروسية معاكسة لأمها الروسية وشعورا بمحاكاتها له في نفوره من والدته، ثم إن ~~أوغوستا تبدو له «امرأة تعنى بما هو أجنبي أكثر من عنايتها بما يقع تحت نظرها ~~عادة»، وكان قد أنشئ في كوبلنز - حيث يعيش ولهلم وأغوستا - بلاط منافس لبلاط ~~سانسوسي. # وتلك هي المرة الثانية التي يتقابل فيها ولهلم وبسمارك كخصمين، فمنذ أربع سنين ~~أراد ولهلم شهر الحرب على النمسة فأراد بسمارك الذهاب إلى أولموتز، فعد ~~ولهلهم تعيين خصمه بسمارك سفيرا في فرانكفورت حينئذ علامة خضوع للنمسة، واليوم ~~يخشى هذا الأمير خزيا أمام روسية، وكيف لا يظهر بسمارك له جبانا؟ ومهما يكن الأمر ~~فإنه يكتب إلى مانتوفل قوله مغاضبا: «إن نشاط هذا الرجل السياسي هو كنشاط تلميذ ~~في إحدى الكليات.» # والحق أن تلك هي المرة الأولى التي يعمل فيها بسمارك على مقياس واسع في الحقل ~~السياسي، وهو يصبح من أقطاب السياسة بأوروبة في أثناء حرب القرم، ومما كان يرى أن ما ~~تصنعه بروسية يحول إلى ما فيه منفعة النمسة في نهاية الأمر؛ فلذلك لم يرد ~~«أن يقرن بارجتنا الأنيقة الصالحة للملاحة بمدرعة النمسة النخرة. ومن شأن ~~الأزمات الكبرى إعداد العاصفة التي تنمو بروسية بها، والتي يمكننا في أثنائها أن ~~نحول الأمور إلى ما فيه نفعنا غير خائفين وغير ناظرين إلى أي داع آخر على ما ~~يحتمل. وكيفما كان الحال أرى أن الأمور كلما استفحلت زادت قيمة عوننا.» وعلى ~~فينة أن تعترف بسلطان بروسية على ألمانية في مقابل شد بروسية لأزرها! ولم يعرف ~~الملك الضعيف ماذا يفعل في ذلك الحين، واليوم يعقد حلفا دفاعيا هجوميا مع ~~النمسة، وفي الغد يترك أنصار هذه السياسة ويبصر انصراف أخيه ساخطا للمرة الثانية، ~~وهو يعرف قول أهل برلين عنه: «إنه ينام مع فرنسة وإنكلترة في سانسوسي على فراش واحد ~~ليلا ليصحو مع روسية صباحا.» # وبسمارك في العام القادم ينفصل عن البلاط وعن الملك انفصالا أوسع من ذلك، ويقصد ~~باريس بلا إذن، ويعود من باريس ولا يرى ما يمنع ms135 من السير مع نابليون الثالث عند ملاءمة ~~الأحوال، ويثير هذا الرأي ذعرا في سانسوسي، ويكتب غرلاخ كتب تقوى ضد ~~«الاقتران بالشيطان»، ويبدي الملك جفاء، ويوجب ذهاب آخر إلى باريس تأييدا لبسمارك ~~في سياسته. # ويحادث بسمارك نابليون الثالث حديثا خاصا أربع مرات فيما بين سنة 1857 و1861، ~~فتكون كل واحدة أدعى إلى الحيرة من التي سبقتها، وينطلق لسان نابليون وكذلك لسان ~~بسمارك على ما يحتمل في اثنتين منها، وهما لم يفترقا إلا ليجتمعا في سيدان، والآن ~~وبعد حرب القرم التي انتهت بإمضاء معاهدة الصلح في باريس، صار يمكن نابليون أن يعد ~~نفسه حكم أوروبة، على حين بدا سفير بروسية الذي مثل أمام عرشه رجلا هزيل القدر. ~~وعلى ما كان من هذا نرى أن استقبال بسمارك كان جميلا، وتحسن الإمبراطورة أوجيني ~~القادرة قبوله، ويفتن بكليهما؛ يفتن بالإمبراطور لما أبصره من لطفه وحسن ذوقه، ~~ويفتن بالإمبراطورة لما وجده من جمالها الذي يفوق ما تنم عليه صورها ومن شدة ~~ظرفها وخفة روحها، ومن قول بسمارك: «إنه أعجب بها كثيرا؛ فهي في الحقيقة امرأة ~~نادرة، لا في المظهر فقط ...» ومن قوله أيضا: «إنها تجيد الحديث أحسن من باريسي.» والذي ~~يكرر هذا الكلام رسميا وشخصيا هو ذلك الرجل الذي سخر من ارتقاء حديث النعمة ~~ذلك، هو ذلك الرجل الذي لعن الثورة التي أسفرت عن هذا الإمبراطور، هو بسمارك البروسي الجاسئ # 1 # المخلص لمليكه والقائل بالعروش الشرعية، هو بسمارك الذي لا يحلم الآن ~~بسوى باريس وبذينك الحديثي النعمة، ومع ذلك يظل الشعب الفرنسي غريبا عن بسمارك ~~بما يعدل ملاءمة الإنكليز له في كل زمن، ومع ذلك لم يلبث أن انتقد باريس التي ~~سحرته، ولم لا يصنع مثل هذا تجاه الإمبراطور أيضا؟ ألأن ما حباه به نابليون من ~~عز هو الذي ألهبه؟ # بسمارك قد من جمد، # 2 # فقد خمدت فيه منذ زمن تلك النار التي أوقدته في اللندتاغ حينما حاول ~~الناس إشعال الثورة أو الديمقراطية، وهو ينعم النظر في ألاعيب القوى ببرودة وجلاء ~~يتخلص بهما من ربقة الأوهام، ms136 وهو يعرف أن نابليون الثالث يحاول محالفة روسية ~~المقهورة وأن النمسة تتودد إلى القيصر، وماذا تصنع روسية غير بحثها عن خرابها إذا ~~أرادت أن تظل منعزلة في الوسط الدولي؟ هنالك حلف مع فرنسة! ويتنصف # 3 # منه الإمبراطور ويبدي له أن من الحماقة أن يطالب بحد الرين، ويقول له ~~إنه لا يروم توسعا في غير البحر المتوسط. # الإمبراطور ~~: # إن الفرنسي جندي بري، لا مقاتل بحري؛ ولذا يروقه هذا الحقل ~~الأخير، وعلى بروسية أن تتوسع فتستولي على هانوفر وشليسويغ وهولشتاين، ~~ثم تصبح دولة بحرية من الدرجة الثانية، ثم تصادم إنكلترة بمعونة فرنسة، ~~ولي أن أعتمد على حياد بروسية إذا ما تعقدت الأمور بين فرنسة والنمسة بسبب ~~الطلاينة، فاسبروا غور الملك في هذه الأمور. # بسمارك ~~: # أبدي ابتهاجي المضاعف بما كان من مكاشفتكم إياي بذلك يا صاحب الجلالة، وذلك ~~لما يدل عليه من الثقة بي؛ وذلك لأنني الدبلمي البروسي الوحيد الذي ~~يعد بعدم إفشاء ذلك لأحد في بلده ولا لمليكه، فموافقة الملك عليه متعذرة، ~~وقد تسفر محادثته في ذلك عن إباحته له بما يكدر صفو الصلات ~~بفرنسة. # نابليون ~~: # يكون ذلك أكثر من إذاعة سر، يكون ذلك خيانة! # بسمارك ~~: # ذلك ما يوقعكم في الوحل. # ويرضى نابليون بهذا التلميح، ويشكر لبسمارك صراحته ويسجل وعده بعدم الكلام ~~في الأمر. # وأول مرة يجرب فيها بسمارك على المسرح الأوروبي يدل على أنه في الذروة من ~~قواه، فهو بدلا من أن يسلك سبيل الدبلميين العاديين فيجيب بأنه ليس لديه ~~إرشادات في الأمر، وأنه سيرفع تقريرا في الموضوع، قد كان من حضور الذهن وكثرة الشجاعة ~~وحس المسئولية ما أبطل معه خطط العدو الذي يود أن يتدخل في شئون ألمانية، وهو ~~يطفئ اللهب بعقب موقه # 4 # قبل أن يشعر بذلك أحد، وهو يفعل ذلك وإن كان عدوا للنمسة، وإن كان ~~السياسي البروسي الوحيد - تقريبا - المستعد لنصيحة الملك بأن يحالف ~~الإمبراطور! ويقول في نفسه: «إنك تجعل نفسك في وضع ذي إبهام.» ويحار المرء من أن ~~يؤدي الذكاء الفرنسي إلى مثل ذلك الاقتراح الطائش، ms137 وهل أبصر منهاج ذلك البروسي ~~الجديد فأراد أن يفل صراحة بصراحة؟! # والخطأ أساسي، فبسمارك يكون صريحا عندما يريد الإرهاب أو الخداع، لا عند ثقة ~~خصمه به، وقد أراد بسمارك بجوابه أن ينال ثقة نابليون، فوفق لما أراد، وبسمارك قد ~~حذف التفصيل من تقريره كما وعد، وبسمارك قد قص كل شيء على غرلاخ وعلى الملك ~~عند عودته إلى بلده مع ذلك، وبسمارك، مع وصفه نفسه بأنه البروسي الوحيد القادر على ~~كتمان ذلك الاقتراح؛ كان القادر وحده على نصيحة الملك بأن يدعو نابليون الثالث إلى ~~برلين على حين كانت كروززايتنغ تسب نابليون ذلك بلا انقطاع، وبسمارك الواقعي ~~الأكبر يعارض في إبان تقدمه روائيي بوتسدام للمرة الأولى، وبسمارك العاطل من ~~المبادئ يقاوم أنصار العرش الشرعي للمرة الأولى، وبسمارك يتحلل للمرة الأولى من حزبه ~~الذي لم يقسم له يمين الولاء قط، والآن وبعد أن تبادل هو وغرلاخ رسائل كثيرة، ~~يتخلى عن رئيسه هذا لأسباب نفعية وبلا تورع، والآن يضحي بمبدأ العرش الشرعي ~~الأساسي الذي كان يفترض وفاؤه له؛ فالحق أن هذا الرجل الحزبي غدا رجل دولة ~~راغبا في ترك أحكامه الخاصة العقيمة. ~~«والرجل «نابليون» لم يملأ عيني قط، ولدي ~~قليل استعداد للإعجاب بالرجال، وربما كان هذا نقصا في باصرتي التي أرى بها المساوئ ~~قبل المحاسن. وإذا ما أشرتم إلى المبدأ الذي يطبق على فرنسة وعلى شرعيتها ~~وجدتموني موافقا على ربط هذا المبدأ بمذهبي البروسي في الوطنية، ولتعلموا أن اكتراثي ~~لفرنسة هو بما يكون له من الأثر في وضع بلادي، والآن لا نقدر على غير إنشاء الصلات ~~بفرنسة الموجودة فعلا. وفرنسة ليس لها من القيمة عندي أكثر من قطعة ضرورية على رقعة ~~الشطرنج السياسية التي لا أجد لنفسي رسالة فيها غير خدمة مليكي وبلادي، وما لدي من ~~حس الواجب في خدمة بلادي الخارجية فلا أسوغ به العاطفة أو النفرة في وفي ~~الآخرين نحو الدول الأجنبية والأكابر من الأجانب ، فمثل تلك العاطفة أو النفرة يحمل ~~بذور عدم الولاء للملك والبلاد. وعندي أنه لا يحق للملك أن ms138 يجعل مصالح الوطن تابعة ~~لشعوره الشخصي تجاه الأجانب حبا أو حقدا. # وهنا أسألكم: هل ترون في أوروبة وزارة ترغب بغريزتها أكثر من رغبة وزارة فينة في ~~عدم ترك بروسية تتقوى، ومن ثم في خفض شأنها في ألمانية؟ ولو سألتني عن البلدان ~~الأجنبية ما وجدتني عاطفا في حياتي على غير إنكلترة وسكانها، ولا أزال أحمل هذا ~~الميل نحوهما، بيد أن القوم لا يقبلون صداقتنا، وإذا وجد من يثبت لي أن هذه ~~السياسة وليدة تأمل وتفكير نظرت بعين الرضا إلى إطلاق كتائبنا النار على الفرنسيين ~~والروس والإنكليز والنمسويين. # ومتى عادت تلك الدول لا تكون ثورية؟ وما هو الدليل على ذلك؟ فالذي يلوح أننا ~~سنغفر لها عدم شرعيتها ما غدت غير خطرة علينا، وليس لنا أن نجدها مذنبة ~~مبدئيا ولو داومت على القول بعدم شرعيتها غير نادمة، أو فخورا بخزيها. وإذا ما ~~بحثنا عن أصل دنيوي للثورة وجب علينا أن نطلبه في إنكلترة أكثر مما في فرنسة ما لم ~~ننشده في ألمانية ورومة منذ زمن بعيد. وما هو عدد الكينونات التي لا تجد لها جذورا ~~في أرض ثورية؟ انظروا إلى إسبانية والبرتغال والبرازيل وجميع الجمهوريات الأمريكية ~~وإلى بلجيكة وهولندة وسويسرة واليونان وإسوج وإنكلترة، حتى إلى الأملاك التي اقتطع ~~أمراء ألمانية في الزمن الحاضر بعضها من الإمبراطور والإمبراطورية، والتي اقتطع ~~بعضهم من بعض قسما آخر منها، لم تجدوا واحدة منها مستندة إلى وثيقة شرعية. # ولو رجعت البصر إلى دولتنا ما وجدتها سالمة من أسس ثورية، حتى إن حوادث الماضي ~~الثورية (عند عدم سريان مرور الزمن عليها بما يمكن أن يقال به عنها؛ كقول العرافة في ~~رواية فاوست: «عندي قنينة أرشف منها في الحين بعد الحين، فلا يأسن # 5 # ما فيها أبدا».) لا نعتف في كل وقت عن ملاطفتها.» # وهنا نلاقي بسمارك السياسي للمرة الأولى، وفي كتابه ذلك إلى غرلاخ نبصر أسس ~~سياسته، وما كان لديه من آراء في ذلك عند بلوغه الثانية والأربعين من عمره؛ فقد ظل ~~كما هو عند بلوغه الثانية والثمانين من ms139 سنيه، ولنفترض أنه كان لدى الأحرار دائرة ~~استخبارات نشيطة كما لدى الحكومات فاستطاعت أن تضبط ذلك الكتاب، فماذا كان يقول ~~نائب من نواب أحزاب الشمال عما يشتمل عليه من عبارات ذاكرا ما نطق به منذ سنين ~~قليلة ذلك الشريف «بسمارك» من تعزير البلدان والتيجان التي نالت أوضاعها بفضل ~~الثورات ومقاتلات الشوارع؟ يقول ذلك النائب: «هل الأمر كذلك؟ إذن، نحن كلنا من أصل ~~ثوري، والأمر يتوقف على مدة مرور الزمن، وقد لا يتوقف عليها، وما كانت لتأتي من الله ~~تلك التيجان التي قيل إنها جاءت بفضل الله، وما صدر عن الشعوب من الفتن وما أبداه ~~الأمراء من حرص وما وقع بين الطبقات من نزاع، وما كان بين الدوكات من تنافس فيما ~~مضى؛ فأمور قررت بالعنف مصير البلاد وحولتها إلى أملاك مقدارا فمقدارا، وليس ما ~~يقع الآن غير ذلك، ولم يكون آل هوهنزلرن شرعيين أكثر من آل بونابارت؟ ولم يكون ~~آل رومانوف شرعيين أكثر من آل سافوي؟ وبم تسوغ امتيازات الأشراف؟» # وهل الذي نطق به ذلك المكافح من حقائق عن الملوك والشرفاء قد أوحي به إليه ~~مصادفة للمرة الأولى؟ كلا، فبسمارك كان يعرف جميع ذلك منذ سبع سنين كما يعرفه اليوم، ~~وبسمارك سيجهر بإنكار ذلك في الغد كما صنع في الماضي إذا ما وجب الدفاع في بلده ~~الخاص عن طبقته الخاصة، ولكن بسمارك يرى أن يسير في الخارج طليقا كما يراه نافعا ~~لبلده الخاص، وليس عنده أوهام مقررة في الأمور الخارجية، وما يعده عقيدة في ~~بلده فيراه من المشاعر في الخارج، وما هو من شئون الدولة في الداخل فيراه من المهازئ ~~الروائية في الخارج، والحق أن من مبادئ بسمارك الأساسية أن تقوم السياسة الداخلية ~~والسياسة الخارجية على مقياسين مختلفين، وليس من التجوز أن يقال إن بسمارك هو الذي ~~أدخل ذلك المبدأ ذا الوجهين إلى ألمانية سائرا على غرار ريشيليو، ولكن هذا ~~الانفتاق هو مصدر مختلف الأوهام والأضاليل التي ساورت الألمان في الداخل على حين كان ~~سلطان الدولة يزيد في الخارج مع الشعور ms140 بقدرة ذلك القطب السياسي. # وتتجلى عظمة بسمارك وحدود نفوذه في عزمه الذي لا يكدره مبدأ ولا تهزه ~~عاطفة فلا يهدف إلا إلى سلطان بلده الخاص، وفي هزوئه بالآراء التي كانت توجه أوروبة ~~وعصره، وفيما كان هذا المناضل ينال لبلده نصرا بعد نصر في الخارج كان يدوس حقوق الأمة ~~في بلده تحت قدميه، كان يطأ برجليه تلك الحقوق التي لا يمتهنها أي رجل سياسي من غير ~~أن يجازى، وذلك بدلا من الموازنة بينها بقوى متكافئة، ومما يسره أن يرى جنودا ~~يطلقون النار على الأجانب أو على الألمان إذا ما كان في ذلك نفع لبروسية، وما يبديه ~~في المستقبل من ميل إلى مطاردة الجيش لعصاة بروسية الراغبين في إدارة بلدهم بأسلوب ~~يخالف أسلوبه فينطوي على عوامل كسر شوكته. # | الفصل الرابع # عين الملك بسمارك عضوا في مجلس الأعيان، فقال في كتاب أرسله إلى أخيه بسبب ~~النفقات: «حقا إن ذلك حمق، ولكن ذلك لمدى الحياة؛ فهو سيقوي وضعي وسيزودني ~~بنفوذ في الحكومة، ومما يجادل فيه فائدة ذلك وإمتاعه، والجواب السلبي هو ما أميل ~~إليه في معظم الأوقات وإن كان يأتي حين يستحوذ علي الطموح وحب الوطن فيه فألقي ~~السمع فرضا لآرائي السياسية، ويا ليتني أقبض على الدفة لمدة ستة أشهر.» ويهجر الحزب ~~والمجلس على عجل، ويرفض إعادة انتخابه، ويفيد من وضعه الثنائي ببرلين، متغيبا ~~في وقت يجب على أصدقائه أن يصوتوا فيه ضد الحكومة ويجب عليه أن يصوت فيه ضد ~~أصدقائه. # ويعتذر عن مصادفته أحرارا في مطعم ببرلين، وعن جلوسه حول مائدتهم نحو ربع ساعة، ~~فيقول راضيا: «حقا لقد أفسدت شهوتهم، فقد لطمت مداريا خد أحدهم وكبست مداريا ~~على يد آخر منهم وبدوت أنيسا نحوهم، ومما طابت به نفسي ما أبصرته من الحقد الذي ~~كانوا ينظرون به إلي!» بيد أنه على غير وئام مع حزبه الخاص أيضا؛ لما كان من ~~معارضته لأي تغيير في الدستور؛ وذلك لأنه «كف عن مضايقة الحكومة فصار بالتدريج ~~إناء يشتمل على ما يرضي ولي الأمر قبل كل شيء»، وهكذا ms141 يعدل أساليبه، حتى إنه ~~في عقر داره يبارك لما كان يكرهه، وهو يسأل: هل من الحكمة أن يظل رجعيا إلى ~~الأبد؟ أفلا يؤدي هذا إلى انحياز بعض الدويلات إلى النمسة بدلا من أن تصبح هذه ~~الدويلات صديقة لبروسية بفضل بعض الحريات؟ فمن أجل ذلك يدع مجالس برلين مع منازعها ~~الديمقراطية تتكلم عن ألمانية على الدوام؛ لما في ذلك من جعل بروسية مألوفة في ~~الريخ كزعيمة. # ويرى هذا البروسي «بسمارك» أن من الخير لبروسية أن تكون لها زعامة ألمانية الصغرى، ~~وهو يصرح بقحة ولادة: «كما أنني أكره أن يضحى بالحقوق في سبيل السياسة في ~~وطني الخاص أجد عندي من الأثرة البروسية ما لا أبالي معه بحقوق هانوفر.» وإن ألمانية ~~الكبرى من الأحلام، وإن الاتحاد الألماني ميت، أو يوشك أن يموت، وإن إرادة صغار ~~الأمراء لا تعدو حد الكلام، وتلوح جامعة الرين في الأفق مرة أخرى، ويسأل بسمارك ~~غرلاخ: «وما الذي يحملك على الاعتقاد بأن دوك بادن الأكبر ودوك دارمستاد الأكبر ~~وملك ورتنبرغ وملك بافارية مستعدون لتمثيل دور ليونيداس؟ # 1 # وهل تظن أن الملك ماكس قال لنابليون في فونتنبلو إنه لا يجاوز حدود ~~ألمانية أو النمسة إلا على جثته؟» # ويغدو عارفا بألمانية في غضون ذلك؛ فهو حينما قبل منصبه اشترط لنفسه أن يزور جميع ~~قصور أولياء الأمور بألمانية، فكادت معارفه الشخصية بذلك تصبح كاملة في بضع سنين، ~~وهكذا يصير عالما بالأمراء والوزراء وأصحاب الصحف ومن إليهم من أرباب الدس ~~والمكايد، وهكذا يطلع على كل شيء فيروقه ذلك إلى الغاية، حتى إن الرسائل التي ~~يكتبها من خلال ضوضاء برلين يدبجها يراعه كما لو كانت بقلم شاب مداعب. # ويولع بالسياحة، ويسيح أكثر مما يجب، ويسيح وحده على الدوام، وإذا كانت رسائله ~~إلى زوجه تختم عادة برغبته في أن يكون بجانبها؛ فلأنه رجل يجب أن يوكد دوما ~~مشاعره التي يرى أن يصونها، ويزور بروكسل وأمستردام وكوبنهاغن وبودابست وباريس، ~~والآن، حين يستطيع أن يسافر للمرة الأولى عظيما حاملا مالا وألقابا يستقبل في كل ~~مكان كأجنبي وجيه، ms142 فيسر بهذا الشكل من التنقل كثيرا، وبينما تكون حنة في سويسرة ~~مع أولادها وأبويها يستلقي بسمارك على شاطئ نوردرني «مدخنا حالما أو مفكرا ~~في إنترلاكن» # 2 # غير أن أحب شيء إليه هو أن يدعى إلى الصيد في دانيماركة أو كورلاند ~~مثلا، «وإذا ما أصميت وعلا في الغد كان لدي من الوقت ما أقفز فيه إليك، فلن ~~أغادر هنا قبل أن أوفق لهذا.» # ويبلغ سروره بالحياة ذروته في تلك الأسابيع؛ لما شعر به من رجوع شبابه إليه، ومن ~~أوستند يكتب مغتبطا: «إن ما أشعر به من خلقي في أحسن تقويم يجعلني فخورا بعرض ~~نفسي على نساء العالم، وعلى ما يساورني من هذا الشعور أفضل على ذلك أبعد جنة، حيث ~~لا يبدو غير الرجال في الزي الذي عنيته آنفا، ولست بالذي يحتمل السحب الندية ~~على بدنه.» أو إنه يذهب في ليلة من ليالي يوليو على زورق فوق نهر الرين، ويسبح على ~~ضوء القمر حتى الموزيتورم، ويتمتع بسحر العزلة، ثم يجلس مع صديق أمام رحيق الرين ~~ويتفلسف حول روسو والرب. # والموسيقى هي وسيلة أخرى لهدوء الأعصاب، ويدخن ويسير ذهابا وإيابا على حين يعزف ~~كودل من أجله، وله في ذلك بهجة وإن كان يكره الفرق الموسيقية، فلا يذهب إليها ~~أبدا، «ولتعرض الموسيقى عليكم طليقة كالحب، ولا أطيق القعود مضغوطا»، وهو يرغب ~~عن المقامة لأربعة مغنين؛ لما فيها من حصر له، وهو لا يحب التنوع، وهو لا يرتاح ~~إلا إذا عزف الموسيقي عن ظهر القلب؛ فهنالك تتعاقب الصور أمام عينيه، فيرى نفسه ~~دوما، فإذا ما أبان أحاسيسه بعد العزف نم على رجل فعال، وقد قال بعد سماعه ~~الأباسيوناتا (لبتهوفن): «إن هذا هو صراع الحياة البشرية وزفيرها. إنني أبسل # 3 # كثيرا عندما أسمع هذه الموسيقى.» وقد يذهب به الخيال إلى مدى بعيد، ~~فيرى بعد سماع لحن لمندلسن: «فارسا من فرسان كرومويل يصول تاركا عنان حصانه على ~~عنقه فيظن أنه يبحث عن حتفه»، فيقول : «إن هذا الرجل بائس حقا.» ويقول بعد سماعه ~~توشيحا لباخ: «إن الرجل كان ms143 مترددا في البداءة، ثم شق طريقه بالتدريج، فانتهى إلى ~~إيمان ثابت بهيج.» # ويرجع ذلك الرجل الغامض الأمر إلى بتهوفن على الدوام، وقد قال: «إن بتهوفن هو ~~المفضل عندي، وهو أكثر من سواه ملاءمة لأعصابي.» وإننا لننفذ فؤاد بسمارك حينما ~~نسمع قوله معترفا: «تسوقني الموسيقى الجيدة إلى أحد الاتجاهين المختلفين، تسوقني إلى ~~الحرب أو إلى الشعر الرعائي.» وهو في ذلك الدور ينحني إجلالا للموسيقى، ويعزف كودل ~~على البيان ذات مرة، وفيما هو يعزف إذ يرى في المرآة دنو بسمارك من كرسيه رويدا ~~رويدا ومد يديه فوق رأسه لبضع ثوان، «ثم يجلس بسمارك بالقرب من النافذة فيسرح ~~طرفه في الشفق ما دمت أعزف.» ويمكن رد تلك الثواني القليلة التي يقضيها في الوجد ~~والغيوب والتسليم والتجرد إلى نوب سوداء كانت تستولي عليه في الأيام السابقة عندما ~~يكون وحده فتسحره. # وهو لم يدع شبابه يعود إليه إلا في أحوال نادرة، وهو لما زار ثانية فسبادن ~~التي قضى فيها حياة جهل منذ عشرين سنة لم يبد حاملا ذكريات جميلة تجاه النساء ~~اللائي كن يعاشرنه عشرة ذات بهجة، وهو لم يتكلم متحسرا عن سوى «الأيام التي ~~كان رحيق الشباب يجيش فيها على غير جدوى فيترك ثفلا تافها، وأين، وكيف، تعيش ~~إيزابل لورين ومس رسل الآن؟ ولا أدري كيف يمكن إنسانا يفكر في نفسه فلا يعرف - أو ~~لا يريد أن يعرف - شيئا عن الرب، أن يحتمل حياته مع سأمه وغمه؟ ولا أعلم كيف ~~صبرت على ذلك في الماضي، وإذا ما وجب علي أن أعيش الآن كما في السابق بغير الله ~~وبغيرك وبغير الأولاد لم أر لم لا أنزع عني الحياة كقميص قذر، وأشعر بما يشعر ~~الإنسان به في يوم رائع من شهر سبتمبر، حين ينظر إلى اصفرار أوراق الشجر، فأجدني ~~سليم البنية مسرورا مع قليل سوداء وحنين إلى الوطن ورغبة في مشاهدة الغاب والبحر ~~والمروج وشوق إليك وإلى الأولاد ممزوجا بغروب الشمس وإيقاع بتهوفن .» # والآن يبدو الإيمان الديني والشعور المنزلي فيه أقوى مما في أي زمن مضى، ms144 وهو إذا ~~ما خشي الكفر فلفزعه من العزلة، وهو ينظر إلى أيام فتائه بحقد غريب وعداء مستهجن ~~يجد بهما ما يعينه على مسامحة تقدمه في السن، ويجيء في كتاب إلى أخيه: «أرتعش ~~تجاه بلوغي الأربعين من عمري، فهذا يعني انتهائي إلى ذروة الجبل ثم انحداري إلى الوادي ~~المؤدي إلى سرداب شونهاوزن، ويخيل إلى المرء دوما أنه في أوائل الحياة وأن ~~أمامه ما جل منها. ويعسر على المرء أن يفرغ من مزاعم الشباب، والمرء إذا ما سجل ~~عمره ب 3، ثم أتبع ال 3 ب 9، كان عنده ما يعين على ذلك الوهم أيضا، وما الحياة إلا ~~كقلع الضروس بمهارة، ولا نفتأ نعتقد أنه لا بد من مجيء ما يطيب إلى أن نبصر مع ~~الحيرة انتهاء ذلك منذ زمن، وإن شئت فسر على غراري فشبه ذلك بظهور اللحم المشوي ~~مع الكوامخ على عجل وإثارة علائم اليأس على وجوه الضيوف.» # هنا تهكم وهنالك لوم يوجهه إلى نفسه، فيحملها على ضرب من الصبر والتسليم ~~يقاوم به عطشه الشديد إلى الحياة، وما يكون من انتظار لب الحياة فيجعل هذا ~~الفاوستي المزاج لا يعفو عن الرب، وعنده أن ما صنعه لا يعدل شيئا، والخلاص ~~كل الخلاص في السلطان، ويبلغ الثانية والأربعين فيسأله كودل: «ألا تشعر بأن أمواج ~~الحياة أقوى لديك مما كانت عليه أيام كنت طالبا؟» ويسود صمت، ويجيب بعد لأي: ~~«كلا ... بلى ... إذا ما استطعت أن أتمتع بالحياة كلها كما أريد ... ولكن من المفزع أن ~~يبدد المرء قواه بإمرة سيد لا يطيعه المرء إلا مستمدا العون من الدين.» # ولا ينم هذا الاعتراف الخفي الذي يسير عليه آخرون من ذلك الطراز على جزع ~~نفسه فقط، بل ينم أيضا على نوع إيمانه الذي يدعمه بولائه للملك حتى يشد ~~كل منهما أزر الآخر، ومن قوله في ذلك الحين: «إن النصرانية وحدها هي التي تستطيع ~~أن تنقذ الأمراء من وجه تفسيرهم للحياة؛ وذلك لأننا إذا ما نظرنا إلى الوضع الذي ~~جعلهم الله فيه وجدنا النصرانية تحفزهم إلى البحث عن الوسائل ms145 التي يبلغون بها حياة ~~أطيب مما هم عليها وأحكم.» وهكذا يعن لبسمارك أن يهزأ بمبدأ العروش الشرعية ~~مثبتا أن جميع دول أوروبة من أصل ثوري، وهكذا يرفع بسمارك الرب عند احتياجه إليه ~~ويخفضه إذا ما حال دون سبيله، واليوم يحاور زوجته التقية فيجرؤ على القول لها: «قد ~~أطعم عدوي إذا جاع، ولكنني إذا أحببته كان ذلك في الظاهر.» ويود أن يقوم الأسطول ~~بهجوم على غير مسوغ حقيقي، ويعتذر عن رغبته هذه بقوله القاسي: «إن ما يزهق بذلك ~~من النفوس هو ما يزهق قبل أربعين عاما على كل حال.» # ويذعر لودفيغ فون غرلاخ البياتي إذ يرى انتحال ابنه الروحي بسمارك لذلك ~~الأسلوب المكيافيلي فيبلغ قريبه كليست رستوف إنذاره: «دعوا إيمان بسمارك يكون ~~حارا، ولا تدعوا زهو الدنيا يستهويه؛ فبسمارك من رخام كارار # 4 # الكريم، هو قطعة بديعة قدت للعالم والشيطان اللذين لا يسهل عليهما ~~أن يسرحا فريستهما ... علموه قواعد الدين!» وهو مع ذلك قد علم بسمارك السياسة ~~الواقعية منذ زمن طويل. # وتبلغ معضلة الفارس النصراني «بسمارك» أقصى حد لها في مبارزة، ويصفه منافسه في ~~المجلس، فينكه، وذلك من فوق المنبر بالدبلمي الذي يرد عمله في التاريخ إلى ~~سيغار الكونت تون وبالعاجز عن الاختيار، ويجيب بسمارك عن ذلك بأن فينكه فاقد التربية ~~فيدعوه هذا إلى المبارزة، ويرجع بسمارك ذلك العداء وتلك المبارزة إلى المحادثة الحادة ~~التي وقعت في شهر مارس سنة 1848 حول خطط أوغوستا الماكرة، وعند صلاة المساء يسأل ~~بسمارك القسيس هازئا أسئلة عن صواب إصابته الهدف عند إطلاقه النار في الصباح، ~~«وكان الجو جميلا، وكانت الطيور تغرد على نور الشمس، وتزول أفكاري الكئيبة عند ~~دخول الغابة.» وهنالك وجد من حاول مرة أخرى إصلاح ما بين المتبارزين، ويتم ~~الاتفاق على أن يكتفي كل منهما بإطلاق عيارين فقط، ثم يتفق على إطلاق كل ~~منهما عيارا واحدا فقط، ثم يذهب إلى تسوية الأمر بأن يعتذر بسمارك عما فاه به ~~فيأبى ذلك، ويأخذ كل منهما مكانه «وأطلق النار غير غاضب وأخطئ الغرض، ولا أنكر ms146 ~~أنه مازجني شيء من الغم عندما أبصرت من خلال الدخان بقاء خصمي واقفا، فلم أقاسم ~~الحضور سرورهم، وقد أزعجني خفض عدد الطلقات التي نتبادلها فوددت دوام المبارزة، ~~والله يعلم ماذا يخبئ لفينكه.» # وفي ذلك التقرير الذي لا مراء في صحة ما ورد فيه من دلالة على المعاشرة، ما دام قد ~~أرسل إلى حماته بأسلوب تقي، ترى ما بين بسمارك المكافح الشديد الشكيمة وبسمارك ~~النصراني من تناقض، ومن المباح إطلاق النار، ولكن من المريب أخلاقا أن يسدد ~~الفرد، وعلى الصائد ألا يساوره غضب إذن، ومما يزعج الصائد مع ذلك أن يبصر ~~الطريدة واقفة سليمة بعد تبدد الدخان! ولا يرد خاطره سؤال عن السبب في سلامة ~~نفسه أيضا، فالذي يهم ذلك الضارب الساخط «بسمارك» هو ما يبيته الرب لفينكه، ~~لا العامل الذي ظل به «بسمارك» حيا، ففي هذه الحال - كما في أحوال أخرى - يبدو أنه ~~يحقد على عدوه أكثر من حبه لنفسه. # وما كانت حنة لتصفح عنه قبل انقضاء زمن، فهي تحب الدعة بقدر ما يحب ~~الصراع، وهي عاطلة من جميع الصفات الجوهرية التي تؤهله لمثل ذلك النزاع؛ أي عاطلة ~~من الطموح وروح المصاحبة وحسن الصحة، وهي مريضة في الغالب، وهي لم تكن مريضة فقط؛ ~~لوضعها أولادا تعنى بهم، على خلافه، ليل نهار؛ ولأنها تقضي في سبيل تربيتهم ~~ساعات وشهورا من كل سنة، وهي ذات عينين ضعيفتين، وهي مضطرة إلى قصد المنتجعات ~~الصحية، وهي تطالب بأن يوطأ لها كل شيء في الرحلات والمجتمعات، وهي لما ليس ~~لديها من القوة ما تقوم به وحدها في تدبير المنزل؛ تلجأ إلى بسمارك في حفظ النظام بين ~~الخدم وتسريح بعضهم وإمساك ما بقي منهم وفي ابتياع الرياش والأواني فيسر بما ~~يجده من عمل في ذلك ملائم لما شب عليها مالكا للأراضي، وبسمارك - مع أن لديه ما ~~ليس لديها من الأعمال الكثيرة - تراه يلتمس منها أن تراسله، وفي المراسلة تبصرها ~~متقلبة الأطوار، فلا تعرف كيف توزع وقتها . # ولا يؤثر فيها ما يحرص عليه فيوفق لصنعه، ولا تكتم ms147 استنكارها لحياته الدنيوية، ~~وتكتب في ساعة أزمة إلى صديقها كودل كتابا تقول فيه: «ليتنا نذهب إلى شونهاوزن ~~فلا نبالي بسوى أنفسنا وأولادنا وأهلينا والمخلصين من أصدقائنا؛ فما أكثر سروري بذلك! ~~ولا ريب عندي في أنه يعود إلى سابق نضارته إذ ذاك، وهو عندما بدأ تلك الحياة ~~الدبلمية، البائسة العاصفة التي لم تأته بصالح، لم يجد فيها غير الغم ~~والخصام والحسد والكنود، وهو لو نفض عن رجليه العزيزتين غبار ذلك الكدر ~~العقيم، وهو لو ترك جميع تلك السخافات التي لا تلائم خلقه القويم الكريم لغدوت ~~سعيدة راضية، ولكن من المؤسف أنه لا يفعل ذلك؛ لما يراه من ضرورة خدمة «الوطن ~~المحبوب»!» # ولا نبصر بذلك الكتاب ما يدور في خلدها التقي النقي من الأماني فقط، بل نبصر ~~به أيضا مقدار ظهوره مفخرة لها، وليس من خداع في ذلك، وأي شيء يكون طبيعيا عنده ~~أكثر من أن يوصف سموه الخلقي العتيد نفعا له وللآخرين، ومن أن يصرح بأن ~~خصومه أو زملاءه أو رؤساءه الذين هم دونه براعة أكثر منه مخادعة! ولا مراء في أن ~~امرأة تكون من الدهاء ما توجهه معه نفسيا، أو تكون من الطموح ما تدفعه معه إلى ~~ضروب المكايد؛ تغدو ثقيلة الوطأة مع الزمن، وما فطر عليه بسمارك من بصر بالأخلاق ~~فجعله يختار - صائبا - حنة بوتكامر زوجا له؛ ~~فهي قد أحبته دون سواه، وما فطرت عليه من عواطف فلم يحفزها إلى انتقاده ولا إلى ~~عبادته إلها، فهي قد أسرت فؤاده ولم تطلب منه أمرا ولا عبقرية. # وما يجب عليها أن تصنعه فقد علمها إياه بسهولة، وهو لم يعلمها أكثر من ذلك، ~~ويكتب إليها في الأيام الأولى قوله: «وأنت يا بنيتي، يجب أن تعرفي الجلوس في البهو ~~رزانا وقورا، وأن تظهري فطونا ذات لقانية # 5 # مع أصحاب السعادة.» وتتعلم الفرنسية والفروسية، وهو إذا ما طالبها بشيء ~~يجده كثيرا عليها لم يعتم أن يسترد ما طلب، حتى إنه يتكلم عن نفسه مغاضبا لما ~~فرط منه، «فلقد تزوجتك لأحبك في الله وعلى حسب ms148 احتياجات فؤادي؛ ولكي يكون له بين ~~الغرباء مكان يقيه شديد الرياح، ولكي يكون لي ملجأ آوي إليه لأدفأ عند وجود ~~البرد والزوابع في الخارج.» بيد أن الدبلمي لم يلبث أن بدا، فهي إذا ما عبرت ~~عما في نفسها غاضبة واجدة على الرجال قال لها بسبب جواسيس البريد إنه لا ينبغي لها ~~«أن ترعد كتابة ضد بعض الناس على ذلك الوجه؛ وذلك لعدي مسئولا عما تكتبين، ~~وهذا إلى وجود جور فيما تكتبين عن أولئك. ولا تكتبي إلي شيئا يمكن الشرطي أن ~~ينقله إلى الملك أو إلى الوزير. ولا تنسي أن ما تهمسين به إلى شارلوت في حمامك ~~ينقل إلى الملك في قصر سانسوسي مع المبالغة.» # ولم يكلل بدء أمرها في البلاط بالنجاح، ولم يصدر هذا الخطأ عنه أو عنها، فقد ~~دعي إلى نزهة في باخرة على نهر الرين، ويحضرها معه ليقدمها إلى الملك والملكة، ~~غير أن «صاحبي الجلالة جهلاها مع أننا قضينا عدة ساعات - جميعا - في لجنة صغيرة على ~~المركب، ولم تكن الملكة في عافية فلم يكن لديها من النشاط ما ترعاها به، وتعرض أميرة ~~بروسية عنها عمدا، وعلى ما كان من محاولة الأمير أن يلاطف زوجي التي أهملت على ذلك ~~الوجه أثبتت زوجي تمسك أبيها البوميراني بالنظام الملكي بما سكبته من العبرات. ~~وإن ما أنتم عليه من النبل يجعلكم تقدرون ما يساورني من الألم بسبب ما أصاب زوجي ~~من الإهانة التي أعدها أشد من كل ما أصاب به. ومن الطبيعي أن حاولت إقناعها ~~بأنه لم يحط من قيمتها وبأن ذلك من عادات البلاط.» # بسمارك في سنة 1855. # ويمكننا أن نتمثل الفصل من تلك الشكوى اللبقة الواضحة التي كاشف بها صديق ~~الملك، ومما لا ريب فيه أن حنة لم تأل جهدا في إثباتها، حين العود من السفر، أن ~~تلك الحياة هي متاع الغرور، وأنها لا تفي بمرامه، وقد نستنتج من ذلك أن أميرة بروسية ~~أبدت غطرسة لا تطاق، وتظهر حقيقة بسمارك بمغادرته السفينة الملكية في أول موقف، ~~ونفترض وجود أفكار لديه حول ms149 النساء العظيمات المنيرات اللاتي يتخذ نحوهن ما حسن ~~من الأوضاع في مثل تلك الأوساط. # وبسمارك يعطي حنة كل ما تريد، وبسمارك يعنى بالجزئيات عناية الرجل العارف ~~بالنساء، فلما أوصى زميله بباريس أن يشتري شالا كشميريا ذكر له أدق الأوصاف عن ~~اللون، ويسأل أخته ذات مرة أن تبتاع لحنة ثوبا أبيض متموجا يبلغ نسيجه عشرين ~~ذراعا، وأن يكون ذا مروحة مموهة بالذهب كثيرة الخشخشة لدى استعمالها وإن كان يكره ~~مثل هذا الصوت. ويبحث في باريس عما تحلم به من العصافير الزرق، فتذهب جهوده أدراج ~~الرياح. ويبلغ من المسايرة لها ما يحمل معه سلسلة ذات أوسمة متدلية تهديها إليه ~~على نفوره من ذلك؛ وذلك لأن مما «يؤلمها كثيرا أن تراني راغبا عن حمل مثل هذه ~~الأدوات». # وبسمارك يظهر ذا ود لأنسبائه، وهو يحدث بعطف عن حميه، وهو يحب زياراتهم ~~لعدة أسابيع، وهو يتكلم عن «الدويلة التي نؤلفها لنا من سبع أرواح. ولا تخلو هذه ~~الدنيا من الغم والهم، والأفضل للإنسان أن يكون فاترا في الشارع أكثر مما في ~~منزله الخاص.» # | الفصل الخامس # يزيد الملك جنونا، وتجد السنوات العشر التي عقبت الثورة مملوءة بالمتناقضات ~~والتقلبات والمبالغات من قبل فردريك ولهلم، فصار من العسير على حاشيته أن تكون ~~على شيء من الانسجام السياسي في الغالب، وفيما كانت أوغوستا تزيد آمالا، وفيما كانت ~~تتجه مع زوجها إلى الأحرار كان الملك يتكلم عن نتونة الثورة وعن التاج الإمبراطوري ~~الوهمي المصنوع من «مدر # 1 # وقذر»، فيسميه سخاب # 2 # الكلب، ويريد غير مرة أن يستبدل بالدستور مرسوما، ويصرح لفرنسوا جوزيف ~~«بأنني لم أكن إلا لأمسك ركاب إمبراطور النمسة.» ويقول لقيصر روسية: «حفظ الله لك ~~ذلك الملك الذي أورثك إياه.» فيؤدي ذلك إلى زيادة ازدراء ذينك العاهلين له. # وتحل سنة 1858 فيبلغ الملك من اختلال العقل ما يفكر معه في نزع سلطانه ~~رئيسا للدولة، وما كان من عدم ظهور سورة # 3 # للجنون فيه، ومن نضوب لمعين الفكر عنده فيدل على أنه مفتون # 4 # كان يدير أمور الدولة منذ سنين، ms150 ويرى بسمارك في الأسابيع الحرجة أن يكون ~~راكبا بجانب الملك وأن يمسك عنانه موجها إياه، وما كان الملك ليحتمل رائحة ~~الشمع الأحمر ولا دخان التبغ، وهو إذا ما رافق القيصر في ردهة قطار مقفلة، والقيصر ~~مدخن مدمن، أصيب بالهمدة، # 5 # ولم يلبث الخصام بين الأحزاب أن اشتد في البلاط، ولم يرد أنصار الملك ~~الراغبون في حفظ مركزهم غير تمثيل مجدد «بتعيين مؤقت للنيابة»، ويريد أنصار أخيه ~~أمير بروسية الوصاية على العرش؛ لكي يغدو الحكم قبضتهم. # ويكون بسمارك ببرلين في الوقت المناسب، ولم يذعر بسير الحوادث التي أبصر وقوعها ~~منذ زمن، ولكنه يرى مستقبله في خطر؛ لما يعلمه كثيرا من تفكير الأمير البروسي ~~ولهلم في أمره، ولما يعرفه من مقاومته لرغائب هذا الأمير البروسي الحربية لدى الملك ~~وإحباطه لها عند الملك منذ ثماني سنين في أولموتز، ومنذ أربع سنين في حرب القرم، وما ~~كان الحقد ليفرق بينهما، فقد كانا يجتمعان في الغالب تبعا للمصالح السياسية، ~~والآن يفقد الملك وعيه فيدعو الأمير ولهلم السفير بسمارك إلى نزهة طويلة معه، ~~فيشير عليه بسمارك، عند تسلمه زمام الحكم، بألا يمس الدستور وبألا يطالب بتعديله، ~~ويقول بسمارك أيضا بالوصاية على العرش وصولا إلى استقرار الأحوال، وهل لنا أن نفترض ~~انتظاره وزارة من وراء ذلك؟ لا نكاد نفترض ذلك، وأقل من هذا افتراضا طمعه في أن ~~يستدعى من فرانكفورت، وما هي أفضل الطرق لربطه بالمولى المنتظر؟ # ويتكلم القوم في الوصاية المؤقتة، ويعلم بسمارك سرا ما يهدف إليه من إعادة ~~الملك المجنون إلى عرشه وجعل الملكة مشرفة، ويهرع بسمارك إلى ولي العهد في بادن، ~~ويبوح إليه بذلك، وينتحل ولهلم وضع الضابط، فيقول ببساطة: «هنالك أرتد!» # ويجيب بسمارك عن ذلك بقوله: «الرأي أن تستدعي مانتوفل وتقضي على تلك المكيدة!» ~~ويعلم بسمارك أن مانتوفل عارف بما هو واقع، وأنه ينتظر نتائج ما يخصه منه، ويدعو ~~الأمير مانتوفل، ويرتعش مانتوفل خوفا على مقامه منذ ذلك العارض الذي أصيب به ~~الملك، فيطلب مرافقة بسمارك له، ويعزله الأمير بتأثير أوغوستا عند قبضه ms151 على ناصية ~~الأمر، ويحلف الأمير اليمين في فصل الخريف وصيا للعرش، وتؤلف وزارة من الأحرار، ~~ويعتقد أصدقاء بسمارك، وتأمل حنة أن يعتزل بسمارك المنصب، ولكن بسمارك كان داريا ~~بما بذله من الخدمة العظيمة تجاه سيده الجديد في أصعب وقت فأجاب عن ذلك بأن الأمور ~~ستمر على ما يرام وبأن رئيس الوزارة الأمير كارل أنطون فون هوهنزلرن محافظ ~~مثله، «ولو لم يكن في بقائي بفرانكفورت غير إغاظة فراو أوزدوم الأراجة # 6 # التي تود المجيء إليها، لحملني ذلك على عدم تركها!» وبسمارك يضع ~~اعتزاله نصب عينيه مع ذلك، ناظرا إلى حقد أوغوستا وضعف ولهلم. # ويكتب بسمارك إلى أخته قوله: «إن التحول روح الحياة. ولي أمل في أن أشعر بالشباب ~~فأصبح كما كنت عليه في سنة 1848 وسنة 1849، ولو رأيت من المتعذر أن يجمع بين شأن ~~الرجل الدبلمي والرجل النبيل، مع ما في ذلك من إمكان الإنفاق عن سعة، ما ترددت ~~في الاختيار دقيقة، ولدي ما يكفي لعيشي، وإذا ما حفظ الله لي صحة زوجي وأولادي في ~~الحال والمستقبل لم أبال بما يكون، وإذا مرت سنون ثلاثون لم أكترث لما أمثله ~~الآن من دور دبلمي أو دور مالك ريفي، وما أبصره من نضال فعال شريف بغير ~~قيود رسمية، أو بغير سراويل الاستحمام السياسية، فذو سحر كنظام الكمأة والبرقيات ~~والصلبان الكبرى، ويقول الممثل الروائي: إن كل شيء ينتهي في الساعة التاسعة.» ~~ويدور حديث حول نقله إلى سان بطرسبرغ، فيقول: «إذا نظرنا إلى الأمر من الوجهة ~~السياسية قلنا: إن الجو سيئ هنالك، ولكنني أنتظر ذلك ثابت القدم لابسا جلد ~~الدب مع بطارخ # 7 # وختل # 8 # الأيل!» # 9 # وفيما ينتظر بسمارك وقته تجد في تلك الرسائل إعلانا وضمانا. وفي الحقيقة لا تجد ~~بحثا حول رجوعه إلى شونهاوزن وإن كان يزمجر شوقا إلى ذلك في الحين بعد الحين، ~~فقد قضي الأمر، وكل ما يبغيه إذا ما خسر منصبه الراهن هو أن يعود إلى النضال في ~~المجلس لإمكان تغير كل شيء في بضع سنين، أفلم يزد عمر الوصي ms152 على الستين سنة ~~وإن كان دون الملك سنا؟ وهل تعيش أوغوستا مخلدة؟ والآن تحمل أوغوستا زوجها ~~على تعيين أصدقائها الأحرار، ويعزل بسمارك ويرسل أوزدوم وزوجته الغريبة الأطوار ~~إلى فرانكفورت، ثم يقصى بسمارك إلى سان بطرسبرغ. ولم يكد بسمارك يعلم نصيبه حتى رأى ~~إنذار الوصي على العرش، وعرض الوضع عليه بكل صراحة - كما رواه بنفسه: «فمن ~~المؤسف أن يبطل بلا سبب معقول عمل رأس المال الذي جمعته في ثماني سنين بفرانكفورت ~~مستعينا بمعرفتي الرجال والأحوال، وسيغدو من اللغو وجود فون أوزدوم هنالك بفعل ~~زوجته.» # الوصي على العرش ~~: # أجل، لا يمكن الانتفاع بمواهب أوزدوم العالية في غير ~~فرانكفورت؛ وذلك لما توجبه زوجه من الارتباك في كل بلاط. # بسمارك ~~: # إذن، يلوح أنني زللت إذ لم أتزوج امرأة غير أريبة، وإلا لحق لي ~~البقاء في منصب أحس به أنني في منزلي. # الوصي على العرش ~~: # لا أرى وجها لنظرك إلى الأمر بمرارة، فسفارة سان بطرسبرغ تأتي ~~في الدرجة الأولى من مناصبنا الدبلمية، وما عليك إلا أن تتلقى تعيينك لها ~~دليلا على أسمى ثقة. # بسمارك ~~: # لا أرى سوى الصمت ما دمت يا صاحب السمو ترد الأمر إلى هذا ~~النصاب. # ويبدي بسمارك جزعه من مسائل فرانكفورت فيقول له الوصي على العرش: «أتظن أنني ~~سأضع عمرة # 10 # النوم على رأسي؟ فسأبدو وزيرا للخارجية ووزيرا للحربية لما لي من ~~اطلاع تام على شئونهما.» # بسمارك ~~: # ما كان المالك القدير ليدير أرضه اليوم بغير سكرتير ذكي، وما كنت ~~يا صاحب السمو الملكي لتسر بالنتائج من غير وزراء أذكياء، فانظر إلى صورة شويرين ~~الجانبية؛ تجد علائم تجمع الفكر فوق حاجبيه، ولكنه ليس لديه من الجبين ما يبصر ~~به علماء قيافة الدماغ شيئا من الحذر؛ فالحق أن شويرين رجل دولة يعوزه ~~البصر فيصلح للهدم أكثر مما للبناء. # وهكذا يتناول بسمارك أعضاء الوزارة واحدا بعد الآخر. # ومن خلال تلك المحادثة الرسمية الأولى نبصر ما يفصل بين بسمارك وولهلم من ~~العلامات الواضحة، ومن الصعب أن نبين أي الأمرين أدعى إلى العجب: أجرأة بسمارك ~~ودهاؤه ومنطقه، ms153 أم لباقته في إلقاء التبعة على عاتق خصمه ثم في فرزه منافسيه؟ ~~ونحن حين نقول ذلك نرى هدوء السيد الذي يعتقد رفع مولاه. # ولم ينفذ ولهلم حتى اليوم صميم الوضع السياسي، وهو لم ينظر إليه إلا من خلال ~~شعوره العسكري، ولا غرو، فليس وراءه سوى ماضي جندي مدرب ضيق الأفق، وولهلم من ~~كل ناحية أفضل من أخيه الذي لم تدل خططه الوهمية على غير عجزه، فهو يفوقه صلابة ~~وقلة خيال، وهو يتصف بما لا يتصف به أخوه الأكبر ذلك من الفضائل البروسية، أي يتصف ~~بالدقة والمثابرة والإتقان والعدل والإحسان والتقوى، وتمسكه بشرعية العروش من أجل ~~نفسه ومن أجل سواه، وبالبساطة مع ضيق الأفق، كما ذكرنا ذلك. # ولم يتصف بسمارك بشيء من تلك الشمائل؛ فقد كان حاد الطباع جريئا ساخطا ماكرا ~~حذرا جافيا مذبذب المشاعر تجاه الرب والملك، فطورا تراه من القائلين بالعروش ~~الشرعية، وطورا تراه من ذوي المناحي الثورية، وهو على غموض أمره كان عبقريا. # وكلا الرجلين فخور جسور، وما يتصفان به من الجسارة فيوجب تعاونهما، وما يتصفان ~~به من الفخارة فيوجب تباينهما، ويقوم فخر ولهلم على أنه من آل الملك، وتؤدي تقواه ~~وعبادته للنسب إلى عده نفسه أرفع من جميع من يتصل بهم مع عدم غلوه في تقدير ~~ذكائه، وما كان من اعتداده بنفسه وشعوره بسموه الملكي فقد انقلب مع السن إلى عناد ~~فعاد لا يحتمل الاعتراف بأن وزراءه يوجهونه، وبسمارك يدفعه فخره إلى الأمام على ~~الدوام، فيناضل مع الحذر في كل وقت كما يود، وبسمارك عند العطل من البطل كان ~~يداري رأي رفقائه وفق فائدته؛ ولذا لم يكن ولهلم ليقبل توجيه بسمارك له، مع أن ~~بسمارك كان يردد في نفسه بلا انقطاع أنه يوجه ولهلم، فلولا هذان القيدان ما ~~استطاع الرجلان أن يتعاونا. # وكان بسمارك يريد العلو مع التنفيذ دوما، وكان ولهلم أسن من بسمارك بعشرين سنة ~~فلم يبغ غير الملك والحكم، وكان ولهلم راغبا عن فتح شيء لبروسية ولو في ~~ألمانية، وكان بسمارك راغبا في توسيع بروسية ms154 بألمانية، ومن دأب ذلك الملك أن كانت ~~له أنباض # 11 # الوارث الموزونة، فإذا ما تأزمت الأمور تحمس وتصلب إلى درجة الجنون، ~~ومن دأب ذلك القطب السياسي أن كان يأتي بنظم فطري مختزل، فيبدو دائم الحركة ~~ويتقدم بدافع باطني، فإذا ما تأزمت الأمور بدا بصيرا فاترا. وهكذا تراه في ~~الأيام القادمة قد قطر الملك الشائب الساكن بمؤخره مخصصا مواهبه لخدمة آخر، ~~فنم بذلك عن مشاعر فاجعة لعبقري خاضع. # | الفصل السادس # كان القيصر إسكندر الثاني ابنا لأخت ولهلم، وظلت قرابة الدم هذه ضمانا للصداقة ~~بين البلدين ما دام ولهلم حيا، أي مدة ثلاثين سنة، فيندر تصادم مصالح ذينك ~~البلدين خلافا لما يقع اليوم، وما كان من حدود مترامية الأطراف بين البلدين فسبب ~~صالح لبقائهما متحابين، وما كان من اتصاف ولهلم وأخته القيصرة الأم الذكية بحس ~~الأسرة مع البساطة، فيحول دون نشوب الحرب بين البلدين في عهد ولهلم الأول على ما ~~بينهما من مائة مشكلة. # ومن الصعب مسايرة إسكندر الثاني مع ذلك؛ فهذا القيصر كان في الأربعين من عمره، وكانت ~~ملامحه لا تدل على معنى، وكان متعصبا فظا بذيئا، وكانت جدر بيوته الخاصة ~~مستورة بالصور الداعرة التي لم يطلع العالم على أمرها إلا في أيامنا، وكان يظهر ~~فاتنا منفعلا إذا ما استحوذ عليه الخيال، وكان طموحه يحفزه إلى الحرية حينا وإلى ~~الانتقام حينا آخر، وكان صيادا كبيرا لا جنديا لفزعه. # ويلوح أنه صورة روسية مطابقة لخاله فردريك الرابع؛ فهو وإن كان أكثر من خاله هذا ~~ظرفا وضعفا يعدله خباطا، # 1 # وهو إذا ما حرر الفلاحين فلما عليه من الهوى والجبن، وقد ظل مرسومه ~~في ذلك عاطلا من العمل سنين كثيرة كما عطل الدستور الذي منحه فردريك ولهلم الرابع ~~لبروسية، والآن يغتبط ابن الأخت «القيصر» كما اغتبط الخال «الملك» ببارون ~~بوميرانية العظيم «بسمارك»، ولعل القيصر يسر بما في بسمارك من إبداع، ~~ويتقبل القيصر بسمارك كرسول للأسرة، ويفضله في البلاط على جميع الأجانب الآخرين، ~~ويأذن له في التدخين بحضرته مكرما إياه ومثيرا غيرة زملائه. # وذلك ms155 إلى ما بين القيصر والسفير الجديد بسمارك من الأواصر # 2 # السياسية، وبسمارك هذا كان ملكيا عدوا للنمسة، وفيما يصل بسمارك إلى ~~سان بطرسبرغ يتذرع نابليون الثالث بنصوص حلفه لكافور فيشهر الحرب على النمسة ~~انتصارا لساردينية، ويعود الوضع إلى ما كان عليه في أيام حرب القرم منذ خمس سنين، ~~فيقول نصف ألمانية بالحرب بجانب النمسة «الألمانية» ضد العدو التقليدي ما قيل: إن ~~نابليون الثالث يريد السير على غرار نابليون الأول، فيهدم النمسة ثم بروسية، فيجب ~~إذن أن يدافع عن الرين على ضفاف نهر البو # 3 # وأن يستولى على الألزاس واللورين؛ ضمانا للأمن، وتتوعد صحيفة ~~كروززايتنغ ابن الثورة «نابليون الثالث»، ويشير بالحرب مولتكه الذي عينه ~~الوصي على العرش رئيسا لأركان الحرب، غير أن ولهلم يرتعد فرقا من اقتراف مثل ~~خطأ أبيه، فيجد نفسه وحيدا مثله تجاه فرنسة الظافرة، وهل من الممكن بعث الحلف ~~المقدس باسم آخر؟ وتواثبه حمية الجندي، فيذكر ما كان من دخوله المجيد باريس سنة ~~1815 أيام كان شابا، ويأذن للشيخ غرلاخ في تقديم الحسام إليه للهجوم على فرنسة ~~مرة أخرى. # ومن بين رجال الدولة يبدي بسمارك وحده رأيا مخالفا للحرب، ولو أظهره ذلك بمظهر ~~المقاسم لمشاعر الأحرار المعارضين للنمسة بحرارة، والمؤازر للبولونيين والإيطاليين، ~~واليوم - كما في أيام حرب القرم - لا يريد بسمارك أن يهب إلى نصر آل ~~هابسبرغ، واليوم يجهر بسمارك بأن النمسة «بلد أجنبي»، واليوم يطالب بسمارك بحياد ~~بروسية على الأقل، واليوم يصرح بسمارك بأن الأفضل لبروسية أن تنحاز إلى ناحية ~~فرنسة، وبسمارك ينعت صحيفة كروززايتنغ ب «البلاهة»، وبسمارك يحذر من إنجاد عدوة ~~بروسية، وبسمارك يبدي لأخيه مخاوفه بالكلمة الرائعة الآتية، وهي: «أخشى أن نغدو ~~نشاوى بالنمسة، كما وقع سنة 1813.» # ويغلب النمسويون في شهر يونيو بماجنته وسولفرينو، ويود ولهلم أن يزحف ~~مساعدا لهم ويعبئ قواه، ويرتمي كل من العدوين بين ذراعي الآخر؛ خشية تدخل جيش ~~سليم آخر، وما كان نابليون ليجازف بمجده الحربي الجديد، وما كان فرنسوا جوزيف ~~ليجازف في ألمانية بمقامه العتيد، فيعقد الصلح في شهر يوليو، ms156 ويتميز البروسيون مع ~~الوصي على العرش من الغيظ ، ويسر بسمارك وحده من عدم اشتراك بروسية في القتال، ~~وقل مثل هذا عن القيصر الذي هتف لهزيمة النمسة فيحيط سفير بروسية الجديد (بسمارك) ~~بدخان كثيف من التبغ أكثر مما في أي زمن كان. # ويحسن استقبال بسمارك، ويعمل بسمارك على توثيق الصلات بين بروسية وروسية، فيرى ~~أنه في بيئته، ويستولي بسمارك على قلب القيصرة الأم، ويبلغ من فتنه لها ما قالت ~~معه أميرة في الرابعة من عمرها باللغة الروسية على ما روى: «هي تحب الجنرال، ~~ولكنها لا تريد السلام عليه؛ لأنه يذفر» # 4 # وتمرض القيصرة الأم، ويجلس بسمارك بجانب سريرها فيتكلم ويسمع فيعلم ~~بذلك أمورا أكثر مما يعلمه بالاجتماعات أو بمساعدة الجواسيس، ويعرف أيضا كيف يجاري ~~رئيس الوزراء المكار المتدين الشائب غورشاكوف، فيبدي له احترام التلميذ، ~~ويداري له حتى غروره، وبسمارك في جميع ذلك لا يحقد على مولاه الذي لم يرفع درجته ~~العسكرية، فتكون نتيجة هذا في العروض العسكرية «أن يبدو سفيره «بسمارك» ملازما ~~ضخما بين جميع أولئك الجنرالات الشمخ»، وبسمارك مع رؤيته القيصر باستمرار يخبر ~~برلين بأن من مقاصده: «أن يعدل بعد الآن عن فرصة مشاهدة القيصر في غير المهرجان ~~الشتوي؛ فالحق أنني لست مع أهلي في هذه الخدمة.» # ويصبح بسمارك راضيا ببطرسبرغ في الحين بعد الحين، ولبسمارك في بطرسبرغ كل ما ~~يرضيه؛ فله فيها منزل مريح شغل باله بجزئياته حتى قبل وصوله، وبسمارك يلتفت إلى ~~رياش بيته ذلك أكثر مما إلى شئون منصبه الرسمي، وبسمارك يصف جميع هذا البيت ~~المستأجر لزوجه فيذكر لها غرف الخدم ويخبرها بأن غرف الأولاد تنعم بشعاع ~~الشمس إلى وقت الظهر على الأقل، ويأبه بسمارك إلى تلك الدقائق كما كان يصنع حين ظهوره ~~شريفا معسرا، وتعلم زوجه غلاء ثمن الأثاث في روسية، فتحصل على ما يلزم من ~~دارمستاد لعدم مغادرتها فرانكفورت بعد، «وللنماذج الحريرية القطنية مثل منظر الحرير ~~وهي تصلح لجميع الأثاث، ولا سيما أثاث غرفتي الأخضر، كما تصلح للستائر أيضا. ولا ~~أرى خزائن الكتب لائقة، وأرى ms157 القاعدة جيدة، وإن وجب أن تكون أعلى مما هي عليه، ~~وسأبحث عن متاع أضعه عليها.» وجاء في الذيل: «إذن، لا تنبت أسنان الأولاد ~~الرديئة، فهل يجب إصلاحها؟» ولا بد من جلب خمره المعتقة إلى روسية بطريق البحر ~~البلطي، «ومن يدري من يشربها في شونهاوزن؟» ويباهي باتساع بيته الواقع على ~~شاطئ نهر النيفا وبأناقته وبأصابله # 5 # الجيدة وبميدانه الخاص للتدريب على ركوب الخيل، ويوصي لاستعماله الشخصي ~~ب «مكتب كبير»، وب «فراجن # 6 # أسنان ضخمة قاسية كالحجر». # وبسمارك كلما زاد دخله زاد توفيره، وبسمارك يصرح بأن عليه أن يوفر كثيرا من ~~راتبه البالغ ثلاثين ألف تالير، فعاد لا يقيم الولائم، وهو لا يكاد يستبقي زائريه ~~للغداء إلا إذا كانوا عنده في الوقت المناسب، وهو يحمل أخاه على إرسال تفاح وبطاطا ~~إليه من بوميرانية بحرا، وهو يعهد إلى برنهارد في مراقبة أمور الري وغيره في ~~أملاكه، وهو يسر لاقتصاده دخله الخاص. # ولا شيء يبهره في روسية أكثر من اتساع المساوف، # 7 # ولا سيما عند ذهابه إلى القنص، ولا بلد أنسب له - أول وهلة - من ~~ذلك البلد الذي يصطاد فيه الدببة، وأكثر من صداقة القيصر قدرا، ومن هزيمة النمسة ~~في سولفرينو قيمة على ما يحتمل، ذلك الحين الذي «يقبل علي فيه دب جريح ~~واقفا فاغرا فاه، فأدعه يدنو قريبا مني خمسين خطوة فأطلق عيارين ناريين على ~~صدره فأرديه قتيلا، ولا أشعر بخطر دقيقة واحدة، فورائي صائد حامل بندقية أخرى ذات ~~طلقتين. ولا أحد يجاوز تلك الغابات الواسعة. وهنالك أيضا توجد جنات حقيقية ~~للصائدين ومما حدث أن عض إصبعي دب صغير أروضه لأرسله إلى رينفيلد؛ فلذا ~~أبحث عن رفيقة له لأبعدهما إلى بوميرانية.» ويعود من الصيد فيحدث عنه صديقه ~~كودل ويختم قوله عن اعتقاد ب «أن حياة الصائد هي حياة الإنسان الطبيعية»، وفي ~~أويقات كتلك التي يغير الدب عليه فلا يشعر بذعر تبصر ظهور دم الفرسان ~~النهابين عليه، وإذا قابلنا هذا الحادث بما يماثله اعترانا الدهش من كونه رجل ~~عشرة ومن قدرته على تمثيل دور ms158 في البلاط. # ومما يسره إلى الغاية أن يرسل إلى أخته فخذ خنزير مقددة، ويعتذر عن المقدار ~~مازحا بقوله: إن هذه الفخذ «من دب صغير لم يبلغ من العمر غير سنة، وقد تجدينها ~~مملحة قليلا، ولكننا نأمل أن تكون من الطراء ما قد يكون عليه الدب.» وتزوره ~~الدوكة الكبرى، ويفك حزمة السيغارات التي تهديها إليه فيقدر ثمن السيغار الواحد ~~بخمسة عشر غروشنا، وتمضي ثلاثون سنة، فيكتب مذكراته، فيذكر فيها أنه عندما يزور ~~القيصرة الوالدة «كان يعد في المطبخ القيصري ثلاثة أعشية لي وعشاءان لسادة ~~السفارة الذين يدعون معي. ويؤتى إلى منزلي ذات يوم بجميع العشاء مع توابعه، ثم ~~يؤخذ ولا أستطيع أن آكل مع رفقائي على مائدة القيصرة في يوم آخر لاضطراري إلى ~~الطعام قريبا من سرير القيصرة المريضة بعيدا من رفقائي.» ولم يعتم أن انتحل لنفسه ~~وضع الأمير الروسي المستبد، فيقول بدم بارد بعد عرض أربعين ألف رجل: «تلك ~~عدة جميلة من الرجال والخيل والجلد.» # وكل شيء هنا على مقياس واسع، حتى «منازعات فرانكفورت تقع هنا على مدى أعظم مما ~~هنالك وأدعى إلى الالتفات. ويلوح ما يقع هنالك من الحقد الاتحادي والسم ~~الرئيس أمرا صبيانيا إذا ما قيس بما يحدث هنا. وعندما نتوجه إلى المنزل فيصرخ ~~على الدرج بالكلمة: «سفير بروسية!» يلتفت إلينا مع ابتسام كريم كما لو شرب أولئك ~~الناس رحيقا قويا.» ومما أثر في بسمارك ما رآه في روسية الناعسة من الاتساع ~~والسلطان والسيادة، وتقوي هذه الانطباعات مناحيه الروسية، وتؤثر في سياسته ~~القادمة، ويظل مقيما على ميوله إلى روسية في السنين الثلاثين المقبلة مع تقلب ~~سياسته العامة بحسب الأحوال، حتى إنه في شيبته يجد في مثل الأقاصيص المذكورة آنفا ~~دليلا على «ما يقوم عليه بأس الروسي من الثبات والعناد تجاه بقية أوروبة.» # وما كان يمازج بسمارك من ركون إلى روسية قلبا وقالبا فلم يكدر بغير عارضين ~~لم يعرض لمثلهما سابقا ولم يعد إلى مثلهما لاحقا. وبيان الأمر أن بسمارك حين ~~وصوله إلى سان بطرسبرغ وجد سكرتيرا ثانيا قواما ms159 بشئون السفارة أيام سلفه، ويظهر ~~هذا الرجل عارفا بكل شيء مدركا لكل شيء، ويجلس عدة أيام متكلما عن الأمور ~~مدخنا مع بسمارك، ويود بسمارك بعدئذ أن يملي عليه رسالة مطولة فيجيبه عن ~~ذلك بقوله: «إن مما لا أقدر عليه أن أكتب رسالة يمليها علي سواي.» وما كان كوردفون ~~شلوزر هذا عبقريا ولا رجلا سياسيا، ولكنه كان عالي الثقافة موظفا فاضلا ~~ألمعيا منتسبا إلى أسرة محبة للخير، وكان أصغر من رئيسه الجديد «بسمارك» بسنتين، ~~وكان يشاطر بسمارك صفتين: الشجاعة والعزة، وهو قد رفض لهذا السبب ومن فوره أن ~~يتخذ آلة، وهو قد وجه ذلك الجواب إلى متبوعه بسمارك على طريقة بسمارك. # وماذا يصنع الرئيس تجاه ذلك الوضع غير المألوف؟ هو لم يحدث له مثل ذلك فيما مضى، ~~هو يمكنه في صميم فؤاده أن يحترم شلوزر، ولكنه كان من قلة الحكمة وكثرة الاستبداد ~~ما لا يرى معه بقاء الأمر عند ذلك الحد، بسمارك لم يفعل بشلوزر شيئا إذ ذاك، ~~بسمارك يملي الرسالة على ملحق بالسفارة منتحلا وضع «أحد الباشوات» ذارعا الغرفة ~~ذهابا وإيابا. وتمضي بضعة أيام فيستدعي السكرتير لكتابة رسالة بالأرقام في ساعة ~~مقصودة غير معتادة، ويصل شلوزر بعد ساعة من الوقت المعين، ويجد بسمارك بادئا ~~بالعمل مع الملحق، ويستقبله بسمارك مصعرا # 8 # خده، ويغدو الأمر واضحا لشلوزر، ويعير شلوزر بسمارك «قطعة من ~~ذهنه» ويقول: «تلك صراحة لم يتعودها الرئيس.» ويمضي يومان فيرسل مرسوم من ~~السفارة إلى شلوزر ليضع توقيعه عليه، وفيه يقال: «أرجو من فون شلوزر أن يأتيني ~~في الساعة الحادية عشرة من كل يوم للبحث في المسائل الجارية.» ويحضر شلوزر منتصبا ~~أنوفا ويسأل: «ماذا يعمل في هذا النهار؟» ويرتبك بسمارك قليلا ثم يقول: «لا شيء، ~~لم أرد السير على هذا المنوال، وإنما أطلب مجيئك عندما يكون هنالك أمر ~~يعمل.» # والآن يدخل بسمارك دورا من النضال، والآن يرى أي الرجلين أصلب عودا من ~~الآخر، والآن ينظر إلى كل ما يخص المصلحة، «ولكنني لم أبد له وجها طليقا، ولم ~~يحدث أن عملت ms160 مع شخص من ذلك الطراز فيما مضى، وليس في الأمر ما يسر، وأي شيء ~~أدعى إلى النفور من الإذعان؟» وكلا الرجلين يكتب رسائل نارية. ويكتب بسمارك إلى رئيس ~~الوزراء قوله: «إن فوز شلوزر موظف سطحي، وهو من قلة الأدب ما يدعو إلى الحيرة.» ~~وتنظر المراكز العليا ببرلين إلى السكرتير بسمو، وتعد السفير رجلا خطرا، فلم ~~تبد حراكا، ويعبر شلوزر عن مشاعره في رسائل ومفكرة فيكتب بعد أسبوع: «إن ما ~~يقوم به من الاستبداد المستمر ذلك الرئيس الذي لا يعد الآخرين إلا من الضعفاء، ~~والذي يحيط خططه بالغموض فيحاول خدع سامعيه، والذي لا يثق بأحد، فمن المناظر ~~المؤذية، وليس لي ما أعمله معه سوى القليل، وعلى الرجل أن يكشر له عن أسنانه وإلا ~~ضاع، وما سياسته إلا عصر لليمون ورمي له بعد ذلك.» ثم يرى حوك الدسائس حوله، ~~فيقول: «تبصر العملاق المقاتل بسمارك في الدهليز. وقد كنت من الصراحة تجاهه ما أخذ ~~يتحداني معه، وهو لم يبد موفقا في السلك السياسي حتى الآن.» # وتمضي ثلاثة أسابيع، فيقول: «كلما دخلت مكتب الباشا قلت في نفسي: لا تكن لينا، ~~لا تدعه يأخذك على حين غفلة! هو يود تمثيل مهزأة الصلح ولكنني لا أود ذلك. وإني ~~على ما يساورني من عرفان بعقله الجبار وإني على ما يواثبني من وجوب دعوته بالسيد؛ لا ~~أجد في نفسي ما يحفز إلى تلبية ذلك النداء، فعليه أن يعترف بجوره علي.» # ويمضي شهر آخر، فيقول: «يبدي الباشا رفقا، ويظهر الباشا ودا، وأظل فاترا، ~~غير أن الباشا تغير، فيثني علي في غيابي. هو لا يصحح مسوداتي الآن. هو مريض ~~منذ ثمانية أيام، فيجعله هذا أكثر دعة واعتدالا.» ويلتحق بالسفارة أحد الأمراء، ~~كروا، بطلب من الرئيس، فيبدو هذا الأمير، بسرعة، عاجزا مضحكا، ولا شيء أدعى إلى ~~سرور بسمارك من أن «يهزأ بالرجل، ولكنه لم يوفق في ذلك لما لم أبد له من لطف، ~~حتى إنني رفضت دعوته إياي إلى الغداء، كما رفضت ما كان يقدمه إلي من السيغار غير ~~مرة، والحق ms161 أنك إذا عدوتني وجدت كل واحد يخشاه، وفي هذا سر غضبه ~~علي.» # وتمضي ستة أشهر، ويغادر شلوزر السفارة مع مرض الرئيس فيكتب إلى كنته معتذرا ~~عن عدم إرساله كتابا إليها بقوله: «سبب ذلك هو الباشا، فقد بلغت روحي من الارتباك به ~~ما لا أريد معه أن تطلعي على هذا الارتباك.» وفي شهر فبراير يكتب إليه الرئيس عن ~~الأثاث والخدم ما دام لا يوجد غيره من يستطيع معالجة ذلك، «وهكذا يعض الباشا على ~~التفاح المر فيكتب إلي كتابا خاصا، وأرسل إليه جوابا مناسبا، وأرسل إليه ~~بطارخ مرتين كما طلب»، وفي الوقت نفسه يرسل بسمارك إلى رئيسه ببرلين كتابا يقول فيه: ~~«لا يسعني سوى الثناء على فون شلوزر، فأمحو رأيي السيئ السابق فيه» وكان هذا بعد ~~الاجتماع الأول بسنة واحدة تقريبا. # وتمضي ستة أشهر فيكتب شلوزر في الصيف قوله: «يسير كل شيء مع بسمارك على أحسن ~~وجه، وفي برلين كان قد قيل لي إنه أثنى علي في ولهلمستراس، وإنه استرد مخلصا ~~كل ما أبداه في البداءة ضدي حينما كان مريضا منكدا سياسيا حانقا علي بفعل ~~بعض الأشخاص على ما يحتمل. والآن تطوى تلك الصفحة، وغير هذا أمر السياسة حيث يظهر ~~الرجل جهنميا، ولكن إلى أين يهدف؟» ثم يقول: «إنه يدعوني إلى العشاء كل يوم ~~فأتناوله معه، وليس لدي ما يوجب مخاصمته، والسياسة قد حلت فيه، فهو عنوانها، ~~وكل شيء يجيش فيه، وكل شيء يحفزه إلى العمل والتكوين، هو يحاول أن يحل النظام ~~محل الفوضى في برلين من غير أن يعرف كيف يصل إلى ذلك بعد. هو رجل عجيب مملوء ~~بالمتناقضات ظاهرا.» وتمضي سنتان على وصول بسمارك إلى سان بطرسبرغ فيكتب إلى برلين ~~مطالبا باسترجاع الأمير كروا وبجعل شلوزر السكرتير الأول، ويقرأ هذا الكتاب على ~~الممدوح شلوزر قبل إرساله، ويقول فيه: «إن شلوزر صعب المراس في صلاته برؤسائه، ~~وقد قضيت معه أوقاتا سيئة في بدء الأمر، بيد أن ما بدا من جدارته وأمانته في ~~الخدمة محا رأيي الرديء فيه.» # ذلك حادث فريد في ms162 حياة بسمارك، ولا يكاد بسمارك يرى في المستقبل مرءوسا مستقلا، ~~ولن يحتمل بسمارك مرة أخرى وجود رجل جموح بجانبه، ومن العجب أن اعترف كل من ~~الخصمين بقيمة الآخر، فبسمارك قد أقر بإخلاص شلوزر، وشلوزر قد أقر بعبقرية ~~بسمارك، وتتوتر صلاتهما الرسمية في البداءة، ثم تصبح ميدانا يتسابق فيه زهوهما فلم ~~يرد كل منهما أن يغلبه الآخر بسنه ومقامه، بل عن عبقرية وخلق، وهما لاتصاف ~~كل منهما بالعبقرية والخلق كتب لهما الفوز في نهاية الأمر ولم يصب أيهما ~~بهزيمة. # | الفصل السابع # في ذات يوم من يوليو وبعد شهرين من وصول ~~السفير الجديد بسمارك إلى سان بطرسبرغ، يجول هذا السفير راكبا في ميدان للترويض ~~حار، ثم يرجع إلى منزله غير لابس معطفا، فيشعر بألم في ساقيه، ويستدعي طبيبا ~~ألمانيا فيضع هذا الطبيب لزقة على ساقه اليسرى، ويشتد وجعه في الليل فيخلع هذه ~~اللزقة، وفي الغد يبصر أحد عروقه في حال يرثى لها، فيزيد غضبا لعجزه عن تعيين ~~أي الرجلين هو «السام»: آلطبيب أم الصيدلي؟ ويرى جراحي روسي مشهور أن الضرورة ~~تقضي ببتر الساق، ويسأل المريض: «أيكون البتر فوق الركبة أم تحتها؟» ويشير الطبيب إلى ~~فوقها ويرفض بسمارك ذلك، ويبحر إلى ألمانية مع مرضه. # وبذلك يضحي منصبه وعمل حياته في كف عفريت، أجل إن بسمارك لا يخسر ذكاءه ~~بساق واحدة، ولكنه لا يصيب بذلك نجاحا مثل الذي كان يتم لذكائه بفضل هيئته وحضوره ~~وجرأته، وفي برلين تنقذه طبيعته الجبارة، وفيما هو يعود إلى سان بطرسبرغ نصف ~~متعاف؛ إذ يستريح مع أسرته في ملك لصديق له قليل وقت، فيشعر باضطرار إلى التزام ~~السرير مرة أخرى؛ فقد ظهرت في العرق المعطل دمة، # 1 # ويصاب بالسداد في الرئة، ويقنط من حياته بضعة أيام ويكتب وصيته، ~~ويقول في شيبته: «إنني كنت أتقبل الموت مسرورا؛ لما بدا به الألم أمرا لا ~~يطاق.» وهو لم يذكر الدين بكلمة في ذلك، وهو يصب غضبه على الدواوين، وذلك كما ~~يبدو من حظره على الحكومة - وهو من أكابر موظفيها - أن تتدخل في ms163 الوصاية على ~~أولاده. # وفي برلين يظل ناقها ستة أشهر، وفي برلين يعنى بالساسة أكثر مما بالأطباء، ~~ويمسكه الوصي على العرش هنالك، وإن كان لديه ما يطلب به عودته إلى منصبه لو كان من ~~القادرين على ذلك؛ فالوصي كان يخشى ما يمكن بسمارك أن يجره إليه من النزاع، ~~والوصي - مع عدم احتماله بسمارك - لم ير أن يتخلى عن هذا الرجل في مكافحته ~~القادمة للأحرار، وما كان بسمارك لينفر من ذلك الوضع المذبذب، وبسمارك حينما يكون في ~~مركز الأمور، يستطيع أن يدفع فريقا من الأصدقاء إلى العمل على تعيينه وزيرا للخارجية ~~أكثر مما يستطيعه عندما يكون في منفاه على ضفاف النيفا، # 2 # ولكبريائه العذر فيما يقول به الطبيب من الانتظار الطويل، فاسمع ما يقوله ~~لزوجه مبتهجا: «أراني جالسا فوق شرفتي هنا كجلوس لورليه # 3 # على صخرته فأبصر ملاحي سبريه # 4 # يعبرون الترعة، ولكنني لا أغني ولا أزعج نفسي كثيرا بمشط شعري، ~~ويخيل إلي في الفندق هنا أنني أغدو شيخا كبيرا فتمر علي الفصول وتسير أمامي ~~أجيال السياح والخدم، على حين أمكث في الغرفة الخضراء الصغيرة فألقي الحب إلى ~~العصافير الدورية وأخسر شعري.» # وينتظر الوصي على العرش موت أخيه، ويساير في دور الانتظار شلينتز كرئيس ~~للوزارة، ويتكلم بسمارك عن شلينتز كنديم متوكل على أوغوستا، ويتم ولهلم ~~المهزأة بدعوة شلينتز وبسمارك إلى مؤتمر كأنه يود إدارة سباق بين الفريقين، ~~ويطلب من بسمارك شرح برنامجه فيصر على رأيه أيام حرب القرم في أن النمسة ~~ضعيفة وأن بروسية قوية وأن روسية صديقة وأن بروسية هي كالدجاجة التي لا تجرؤ على ~~مجاوزة الخط الطباشيري السحري المرسوم على الأرض. # ثم يأمر الوصي على العرش شلينتز بالكلام فيذكره شلينتز بوصية أبيه التي هي ~~«حبل لا يفتأ يهز فؤاده» والتي وضعت ضد باريس ولمصلحة آل هابسبرغ، ويختم ~~شلينتز كلامه فينطق ولهلم من فوره بخطبته المعدة مقدما - كما هو واضح - ~~والقائلة إنه ينحاز إلى هذه التقاليد القديمة، ثم يفض الجلسة، وأوغوستا هي التي ~~رسمت تلك الرواية، وذلك لإطلاعها الرجعيين على خطر ms164 المناوبات، ويرى بسمارك أن ~~أوغوستا لم تكن آنئذ متأثرة كثيرا بالمقاصد الإيجابية تأثرها بنفورها من روسية، ~~ومن نابليون الثالث، «وبنفورها مني؛ لاستقلالي في الرأي ولرفضي - في غير مرة - أن ~~أقدم أفكار هذه الأميرة إلى زوجها على أنها خاصة بي». # وليست أوغوستا وحدها هي التي أقصته عن السلطة في سنة 1860، بل نشأ هذا عن ~~برنامجه الألماني قبل كل شيء. ومما أسفرت عنه الحرب في السنة الماضية أن ثارت ~~المشاعر القومية بين الأحرار كما ثارت بين أبطال مبدأ سنة 1848، فتبصر عدة خطب ~~ومهرجانات وإخاءات كما في تلك السنة الثورية، ويريد المتقدمون من رجال الدولة أن ~~يعقد حلف مع النمسة في مقابل السيادة على ألمانية؛ أي ما يؤدي إلى بقاء الجامعة ~~الألمانية، ويريد بسمارك أن ينسف هذه الجامعة لعده إياها «عاهة لا تشفى بغير ~~الحديد والنار، عاجلا كان ذلك أو آجلا، فلنتخذ العلاج الشافي في الوقت المناسب.» ~~وهكذا يكتب السفير إلى رئيس الوزراء، بالأبيض والأسود «مع الحديد والنار»، وهكذا لا يرى ~~السفير إمكان بناء ألمانية الموحدة بغير هذه الوسيلة، ويضيف السفير إلى ذلك قوله: ~~«لا أود أن أشاهد كلمة ألمانية مكتوبة على علمنا بدلا من كلمة بروسية ما لم ~~يغد اتحادنا مع بقية البلد أوثق وأفيد، ويضيع ذلك فتونه إذا ما انتحلناه قبل ~~الأوان.» # وما كان من انفصال بسمارك التام عن أنصار العروش الشرعية فقد أوجب فصله عن ~~الوصي على العرش، وفي ذلك الحين يرسل سرا كتاب وداع إلى غرلاخ الفاقد ~~لسلطانه فيعرب فيه عن الحقيقة كما يراها بقوله: «إن فرنسة هي فرنسة سواء أكان على ~~رأسها نابليون الثالث أم سان لويس. والخلاف إذا ما نظر إليه من حيث السياسة وجد ~~عظيم القيمة، والأمر إذا ما نظر إليه من حيث الحق لم يكن له أدنى معنى. ولا ~~أشعر بتبعة تجاه الأوضاع الأجنبية، ولكنك إذا ما فرقت بين الحق والثورة، وبين ~~النصرانية والزندقة، وبين الرب والشيطان لم أسطع مناقشة الأمر معك، ولا أصنع سوى ~~قولي: لا أشاطرك رأيك؛ فأنت تحكم في أمر موجود في، ms165 وفي أمر ليس لك أن تقضي فيه. ~~أريد ضرب فرنسة حتى تلغ # 5 # الكلاب في الدم، ولا أفعل ذلك بشعور من العداء الشخصي أكثر مما أفعل ~~لو غزوت الكروات والبوهيميين واليسوعيين المبشرين والبنبرغيين الفلاحين.» # وما كان بسمارك ليتخذ هذه اللهجة عندما كان غرلاخ صديقا للملك، والآن حين أهمل ~~الوصي على العرش غرلاخ، وحين زادت واقعية بسمارك الدولية؛ تبصر بسمارك يفصح عما ~~في ذهنه بحرية إلى ذلك الرجل السياسي الذي ذهب سلطانه، وبسمارك ينسى غرلاخ على ~~عجل باحثا عن سواه مع ذلك، وتشتد الأزمات وتقع تباعا ويرجع بسمارك إلى سان ~~بطرسبرغ، ويرقب الحوادث عن بعد قانطا مرة أخرى، هائجا محموما، مازحا محللا ~~مركبا، وإليك كيف يصفه رفيقه اليومي شلوزر في خريف تلك السنة: # ترى آمري الباشا في دور من الهيجان رهيب؛ فما كان من إقامته ببرلين وما ~~أصيبت به برلين من ارتباك واضطراب؛ فقد جعل دمه يفور مرة أخرى، ويظهر أنه ~~يشعر بأن دوره دنا، ويوشك شلينتز أن يعتزل منصبه، ويأمل الباشا أن يتقدم، ~~والمسألة هي: هل يلائم بروسية؟ وهل تلائمه بروسية؟ فيا لانسياب تلك الروح ~~البركانية في مثل تلك الأحوال الضيقة المحدودة! هم لا يحبونه، وهم يسيرون ~~كأنه غير موجود؛ ولذا تبصره يمثل دوره السياسي الخاص، هو لا يقوم هنا ~~بما يسمى تدبير الدار، هو يألم من ارتفاع الأثمان على الدوام، هو يقابل ~~قليلا من الناس، هو لا ينهض قبل الساعة الحادية عشرة أو قبل الظهر، هو يظل ~~في المنزل لابسا بذلته الخضراء، هو لا يمارس الرياضة البدنية، هو يكثر من معاقرة # 6 # الخمر، هو يلعن النمسة. هو يقص علي أمورا كثيرة، فيبدو صريحا ~~ممتعا مندفعا ثوريا مزدريا لكل نظرية، تمثله في ولهلمستراس! تصور ألف ~~رعد! ويقول حديثا: ليصبح شلينتز مديرا لأملاك البلاط، وليخترني ~~الملك، أو ليختر برنستورف أو بورتاليس وزيرا للخارجية. هذا ما قاله الباشا ~~حرفيا، والباشا يحلم بتلك الوزارة ليل نهار! # ويظهر كالنمر المتأهب للوثوب فلا يمنعه من فريسته سوى القضبان، ويغدو غير مكترث ~~لألهياته الماضية، ولا يرى ms166 أحدا، ولا يخرج للصيد، ولا يحصر ذهنه في غير السؤال ~~الكبير: «متى أقبض على زمام السلطة؟» ذلك هو بسمارك الحقيقي، ذلك هو بسمارك الخالص أكثر ~~من بسمارك في كتبه إلى زوجه حيث يمثل دور النصراني المعذب. # ثم يموت الملك المجنون فردريك ولهلم في أوائل سنة 1861، وينادى بالأمير ولهلم ~~ملكا، وولهلم هذا قد انتظر أكثر من ثلاثين عاما، والآن يصل إلى الثالثة والستين من ~~سنيه، فيبدو كل شيء مرتبكا له، وهو يبلغ من إزعاج الأحرار له بحملتهم على خططه ~~الجديدة حول الجيش ومن إعيائه بجدال زوجه وابنه؛ ما يفكر معه أن يتنزل عن العرش ~~لابنه فردريك الذي كان في الثلاثين من عمره، ويرتجف جميع المحافظين - أي جميع رجال ~~البلاط - لما يرونه من إسراع فردريك عند وقوع ذلك إلى معاهدة الأحرار بتأثير زوجته ~~الإنكليزية، وكان ألبرخت فون رون ظهير الملك الأول وقتئذ، وكان هذا العضد المعين ~~جنديا صادقا فيسمو على جميع الحاشية بعلو شرفه، وكان شهما هماما رزينا ~~متواضعا تقيا أنوفا من المظاهر والهتافات مبرأ من الغيرة ممتازا عائشا وفق ~~شعاره: «اصنع ما يجب واحتمل ما يقتضي»، وهذا هو الرجل الذي يصهر سلاح بروسية، وهذا ~~الرجل، مع شديد مقته للحرب، شب مع من ينظرون إلى الأمور بعين الجندية، فيفكر ~~بها، وكان الملك الجديد عسكريا أيضا، ويدعو هذا الملك حين كان وصيا على العرش رون ~~ليعيد تنظيم الجيش، ويذكر رون ولهلم بأجداده، وينصح رون ولهلم عند التتويج بأن ~~يسير على غرار أجداده المطلقين فيطالب رعاياه بيمين الولاء، ويقاوم الوزراء الآخرون ~~الحائرون ذلك، ويعرف رون رجلا واحدا حازما يصلح لمنصب شلينتز، يعرف رون رجلا ~~يمكنه أن يصر بحزم على يمين الولاء تلك مع القدرة على إصلاح الجيش حتى في دولة ~~دستورية حين الاعتراك، يعرف رون بسمارك. # ويجتنب الملك ذلك، ويبدي الملك أن أقصى ما يوافق عليه في أمر بسمارك هو تعيينه ~~وزيرا للداخلية؛ لاتصافه بحب النضال والجبروت، لا وزير خارجية لنزعته «البونابارتية» ~~ويحتج بسمارك على هذه التهمة في كتاب خاص يقول فيه: «إذا ما ms167 بعت روحي من الشيطان ~~بعتها من شيطان توتوني، لا من شيطان غولي!» وبهذا يعترف بسمارك بأنه ألماني لأول ~~مرة مجتنبا استعمال كلمة «بروسي»، وبسمارك حينما يصنع هذا ينتحل تلك الكلمة الكلاسية # 7 # التي كان يسخر منها في شبابه، ويعلق رون كبير أهمية على يمين الولاء ~~إذن، ويدعو بسمارك إلى برلين ويطلب منه أن يبرق بقراره إذن؛ وذلك «لأن الملك يتوجع ~~إلى الغاية، ولأن أقرب أفراد آله يبدون ضده ويقولون بسلم فاضحة»، والآن بعد ستة أشهر يظهر بسمارك الذي كان في الشتاء شديد الشوق إلى وزارة الخارجية قانطا من ذلك ~~الاقتراح الذي يقصيه عن أعز أمانيه، فلا يبرق وإنما يجيب عن ذلك بكتاب مع الحذر، ~~قال بسمارك: ~~«يرن أمركم «إلى الحصان» بقسوة حين تتجه مشاعري إلى الدجاج البري من ناحية ~~وإلى رؤية الزوجة والأولاد من ناحية أخرى، وأجدني هامدا كاسدا خائر العزم منذ فقدت ~~صحتي الجيدة»، وتلوح يمين الولاء له غير ذات خطر، ويعرض عن وزارة الداخلية؛ لأن ~~النظام البروسي ديمقراطي في الداخل شديد المحافظة في الخارج، مع أن العكس هو الذي ~~يجب أن يكون. وهو إذ يحمل هذه الأفكار يدبج يراعه أعمق ما قيل عن الألمان حول ~~ذلك: «فلنا ما للفرنسيين من غرور، فإذا ما قنعنا بوجود نفوذ لنا في الخارج احتملنا ~~أمورا كثيرة في الداخل» وإلى هذا يضيف بسمارك قوله: «أخلص لمليكي كما في فنده، # 8 # ولكنني لا أشعر بميل إلى رفع خنصري في سبيل الآخرين، فهذا هو طراز ~~تفكيري، وإني لأخشى بهذا التفكير أن أكون بعيدا من تفكير مولانا المعظم فلا يجدني ~~أهلا لمقعد في مجلس التاج»، ثم يختم كلامه بغتة بقوله: «وإذا انحرف المليك قليلا إلى ~~وجهة نظري قمت بالعبء مسرورا.» # ويفسر هذا الرفض الناقص وهذا الأسلوب الضارع بالعناد أكثر مما بالمرض؛ فهو من ~~حسن الصحة ما يفيق معه من نومه في منتصف الليل ليذهب إلى صيد الدجاج البري؛ ولذا نجد ~~صحته من الأسلحة التي يتذرع بها في النضال السياسي، والحق أن بسمارك يبصر من خلال ~~التباس ms168 تلك الدعوة غير الرسمية أن ذلك يجعله في وضع غير مناسب، ويجيء إلى برلين في ~~نهاية الأمر، ويرى أن عدوته القديمة أوغوستا كسبت الشوط، فقد أذعن الملك راضيا ~~بتتويج بسيط «كان قد أمر بإعداد حلله في شهر فبراير، فصار الملك - كما روى رون - ~~خاضعا للملكة وتوابعها أكثر مما في أي وقت كان، فإذا لم يشتد الملك نشاطا ضاع ~~كل شيء وغدونا تحت نير البرلمانية والجمهورية.» # وبسمارك - مع ذلك - يذهب إلى بادن بغتة ليواجه الملك ولهلم «ويحار الملك كارها؛ ~~لاعتقاده أنني لم أحضر إلا بسبب الأزمة الوزارية» ولا يعود إلى الملك لطفه إلا بعد ~~اطمئنانه إلى مؤامرات ميفيستوفل، # 9 # ويحاول تلميذ ألماني أن يقتل الملك في تلك الأثناء؛ لما كان من عدم ~~جهاد الملك في سبيل الوحدة الألمانية، ويقاسم بسمارك وجهة نظر الجاني وإن قام اصطياده ~~للملك على الأفكار، ويرى بسمارك الإفادة بسرعة من تلك الفرصة، فقد أثر في الملك ما ~~كان من نجاته ومن اعتراف الجاني بالسبب، ويشرح بسمارك أفكاره الخاصة للملك ولهلم الذي ~~كان للمؤامرة أبعد الأثر في نفسه، ثم يدون أفكاره هذه في مذكرة يكتبها في عطلة ~~الصيف برينفيلد فتنسخها حنة، وفي هذه المذكرة يقيد بسمارك تغييرا قاطعا ثمينا ~~في أفكاره، وهو يعنى فيها بتفصيل رأيه الأساسي حول الإمبراطورية الألمانية، قال ~~بسمارك: ~~«لا يمكن بروسية أن ترضى بأن تكون تحت الوصاية في ألمانية، وللحكومة الاتحادية من ~~السلطان البالغ ما ليس للحكومات التي تتألف منها؛ لما لها من النفوذ العظيم في الأمور ~~المشتركة بينها. ويبلغ هذا الهدف على ما يحتمل بتمثيل الألمان القومي لدى الدول ~~التي تتألف منها الجامعة، فتكون بذلك موازنة لميول الأسر المالكة التي تقوم سياستها ~~على الانفصال، والشعب إذا مثل في جميع الدول الألمانية تعذر عد مثل هذا النظام ~~أمرا ثوريا. وقد يضمن الانسجام والبقاء لمثل هذا النظام التمثيلي عند انتخاب أعضائه ~~من مجالس اللندتاغ، لا من الشعب رأسا. وتفسح الخصومات الثانوية في مجالس الدولة ~~مجالا لعمل رجال الدولة الأكثر اكتراثا لمصالح الألمان العامة.» ولكل دولة ms169 أن ~~تحافظ على سلطانها الخاص في داخلها، ولا أمل في الوصول إلى ذلك النظام بالبندشتاغ ~~الراهن ما دامت النمسة معارضة له، «وقد يكون عمليا أكثر من سواه أن يصار، كما ~~وقع في أمر الاتحاد الجمركي، إلى إقامة نظم قومية من طراز آخر»، ولا بد من إعلان ~~هذه الخطط؛ «ليكون لها ما يجب من الأثر المضاعف، فيهدأ - من جهة - بال أمراء ~~الألمان حول دائرة خططنا ويعرفوا أننا لا نهدف إلى الضم، وإنما نريد موافقة الجميع، ~~ويزال من جهة أخرى قلق الشعب بأن يحمل على الاعتقاد بأن بروسية تسعى إلى ارتقاء ~~ألمانية الذي لا ينتهى إليه بالبندشتاغ العتيد». # وإذا أنعم النظر في هذه الآراء حول البرلمان الجمركي المؤدي إلى الريشتاغ ذات ~~يوم، ثم رجع البصر إلى ما ألقاه بسمارك من الخطب وكتبه من الرسائل سنة 1848 أدرك ~~أمر تحوله من رجل حزب إلى رجل دولة، وبسمارك هو الذي يريد اليوم تحقيق مبدأ ~~الثورة؛ أي تحقيق الوحدة الألمانية التي كان يقاومها فيما مضى؛ لما تنطوي عليه من أصل ~~ثوري، «وكل واحد منا يود الوحدة الألمانية، ولكنني لا أريدها بهذا الدستور» هذا ~~ما صرح به بسمارك، وبسمارك وإن كان راغبا عن هذا الدستور اليوم، يقول به كعامل ~~أساسي، وبسمارك يرى الزمان قد مر على أصله فصار من الشرعية «ما لا يعد معه ~~ثوريا» أجل، إنه يصرح معترفا بضرورة اشتراك الألمان في حكومة ألمانية، ولكن ذلك ~~هو لموازنة منافسة الأمراء! # وتكتب الوثيقة المذكورة آنفا بأسلوب قضائي، وتجد مثل هذا التحول بأقوى مما تقدم، ~~وبأدل على طريقة بسمارك من ذلك في الكتاب الذي أرسله بسمارك إلى صديق له في ذلك ~~الوقت ضد برنامج المحافظين؛ فقد جاء فيه: «بلغنا المرحلة التي تصبح فيها سيادة ~~أمراء الألمان الطاغية وغير الشرعية وغير التاريخية؛ معشوقة حزب المحافظين، مع أن ~~أولئك الأمراء يتخذون وضعنا الاتحادي قاعدة يتلهون فوقها كذوي السلطان في أوروبة. ~~ولا أدري لم نتقهقر فزعا وهلعا من مبدأ التمثيل الشعبي في مجلس الجامعة أو مجلس ~~الاتحاد الجمركي. فمن الممكن ms170 إيجاد مجلس قومي محافظ مع نيل شكر الأحرار.» # وتمضي عشر سنين على ذلك القول فيفتتح بسمارك الريشتاغ الألماني الأول. # | الفصل الثامن # يقف ولهلم الأول أمام الهيكل فيلتقط التاج من المائدة المقدسة ويضعه على رأسه ~~بيديه؛ علامة على أنه ناله من الله لا من الناس، ثم كان عرض كبير للكتائب، وكان ~~يبدو بين الحاشية الزاهية علج # 1 # لابس بزة زرقاء، فيلوح لمن يترددون إلى البلاط أنه بسمارك لو لم ~~تزين جبينه خصل كثيرة، ويقترب منه فيظهر أنه بسمارك في الحقيقة فيقول ضاحكا: ~~«أراني حكيما في ساحة القصر إذ أجهز نفسي بشعر مستعار، يلقي برنار # 2 # في الظل، فضلا عن بزتي العسكرية، ولولا هذا لأسفر قضائي ساعتين حاسر ~~الرأس في الهواء الطلق عن انحراف في صحتي.» وهكذا يحضر بسمارك متنكرا حفلة تتويج ~~الملك، ثم يتم بسمارك تتويج الملك إمبراطورا بعد عشر سنين، ويعرض الملك عن تابعه ~~ذلك في حفلة التتويج الأولى تلك كما يفعل ذلك بعد عشر سنين. والسبب في هذه المرة هو أن ~~ولهلم يود ألا يظهر بمظهر الرجعي، وتعمل الملكة على ارتباك زوجها وارتباك ~~بسمارك، فهل تقبل عدوها هذا بلطف لم تقبله بمثله منذ سنين، وهي تقف بجانبه في ~~المهرجان، وهي تكلمه في السياسة الألمانية، «فيحاول الملك الذي يقودها ممسكا يدها ~~أن يقطع حديثها على غير جدوى». # بيد أن نيل التاج من الله لم يلق سكينة في قلب الملك؛ فقد اضطربت شئون مملكته ~~بأشد مما كانت عليه في عهد غيره، ويفوز حزب التقدم الجديد في الانتخابات التي وقعت ~~بعد عام، ويضن البرلمان على الملك بالجنود انتقاما، وتجازى وزارة الأحرار ~~بالعزل في فصل الربيع، ولم يضم رون إليه غير محافظين، ويحل النبيه النشيط ~~الكونت برنستورف محل شلينتز مع عجز فيه عن سلوك سبيل جديدة، ويداوم شلينتز ~~على الحكم من الدهليز، ويستدعى بسمارك من سان بطرسبرغ نهائيا، ويلاحظ بسمارك أنه ~~سيكون للخارجية ثلاثة وزراء، ويسفر جنون أمير هس الناخب الذي امتنع رعاياه عن دفع ~~الضرائب عن إرسال جنود يكسرون خزائنهم، وتسنح فرصة ms171 التدخل، فيقول بسمارك ~~لبرنستورف: «إذا كنتم تودون محاربة هس فاجعلوني سكرتيرا ثانيا لكم، فسوف ترون ~~هنالك اشتعال حرب أهلية طاحنة في أربعة أسابيع.» وبسمارك في هذا الدور «يعارض ~~معارضة شديدة بكلمة محاربة الأخ لأخيه». # ويبلغ شوق بسمارك إلى العمل في ربيع سنة 1862 ما يرضى معه أن يصير وزيرا بلا ~~وزارة على الأقل، ويتلقى بسمارك من الملك، في هذه المرة أيضا، قرارا مزريا به ~~قائلا إنه يمكنه أن ينال أي منصب كان خلا وزارة الخارجية مع عد بسمارك أمر ~~القيام بهذه الوزارة من اختصاصه، وما كان بسمارك ليطيق الانتظار كما صنع منذ عامين؛ ~~فقد هدد رئيسه بالاعتزال أو رفعه إلى منصب، ويعين سفيرا بباريس في ثلاث ساعات، ~~وهذه هي الحلقة الأولى من سلسلة تهديدات بسمارك بالاستقالة حملا للملك على النزول إلى ~~ما يريد، وكان منصب السفير بباريس شاغرا، وكان منصب السفير بلندن شاغرا أيضا، فأبدى ~~برنستورف ميلا إلى ملئه له، ولكن رجل الدولة (بسمارك) كان غير محبب، فبلغت ~~الملكة من كرهها له، وبلغ الملك من عدم الاكتراث له، ما عرض بإنذاره ذلك نفسه لخطر ~~الاستغناء عنه في ساعة ملال، وما كان من إشارة برنستورف بعكس هذه المجافة ففضل منه، ~~والرجل الوحيد الذي كان بسمارك يعتمد على عونه الشخصي هو رون، ورون هذا كان لا غنية ~~للملك عنه. # وفي سان بطرسبرغ كان بسمارك يشعر دوما بأن إقامته مؤقتة بها، فلم يقض فيها سوى نصف ~~السنوات الثلاث من سفارته بها، وإلى باريس يذهب بسمارك كما لو كان ذاهبا لزيارة، فمن ~~الممكن أن تشتد الأزمة في كل وقت فلا يوجد لها حل، فيستدعيه رون وفق ما اتفق ~~عليه هذان الصديقان فيما بينهما، وبسمارك على ما كان من سابق حبه لباريس لم ترقه ~~باريس في الوقت الحاضر؛ فهو يجد السفارة فيها عفنة، وهو يجد الفرنسيين بلديين ~~متصنعين متحفظين، وهذا إلى ما كان من توقانه إلى السلطان منذ عامين على الأقل، ~~فصار كل شيء يكدر صفوه، وأصبح غائصا في روح من السلبية ما يذكر معه ms172 ساعات ~~فتائه القاتمة. # ويرسل إلى أخته كتابا عند نقله من سان بطرسبرغ يقول فيه: «غدوت متهدما نفسيا ~~منذ مرضي، فصرت راغبا عن معالجة الأحوال المضطربة، وكان يمكنني أن أكون وزيرا نافعا ~~للدولة قبل ثلاث سنين، والآن لا أبدو لنفسي سوى فارس عليل في الميدان، فسأذهب إلى ~~باريس أو لندن غير راض أو غاضب، أو أبقى هنا كما يرى الرب وصاحب الجلالة، فجميع ~~هذه الأمور سواسية لدي، وهي لا تغير شيئا من حياتنا السياسية. أرتعش من المنصب ~~الوزاري كما لو كنت أمام مغتسل بارد، وأود شغل أي منصب خال كان، أو العود إلى ~~فرانكفورت، وأريد حتى الذهاب إلى برن لما أجده من الراحة فيها. والآن أقرأ مذكرات فارنهاجن # 3 # فأجدها لاغية خبيثة، ولكن من ذا الذي يظهر بغير هذا؟ تتوقف الفروق بين ~~الناس على الطراز الذي تنشأ به حياة كل واحد منهم، شأن الثمرة التي تسوس ~~بالحشرات أو تنضر تحت شعاع الشمس، أو تعرض للرطوبة فتصير مرة أو حلوة أو ~~فاسدة.» # وما كان بسمارك متألما مع ذلك، أجل إن المرض يلم دوما بزوجه وولده وبجميع ~~أفراد منزله، فتبصر رقة زائدة فيما يكتب إلى من في بوميرانية، ولا سيما ~~أخته، بيد أنه إذا مرض في الحقيقة اعترف بنسبية مشاعره السياسية، فيسير على غرار هملت # 4 # في كتاب يرسله إلى زوجه فيقول لها فيه: «لا أرى في هذا العالم سوى ~~المصانعة والاحتيال، ولا يهم في نهاية الأمر أن تمزق الحمى أو البندقة # 5 # نقاب اللحم ما دام وقوع هذا أمرا لا بد منه عاجلا أو آجلا، وهذا إذا ~~ما حدث كان بين البروسي والنمسوي من الشبه ما يصعب معه تمييز أحدهما من الآخر ~~لتماثلهما حجما كتماثل شرك ورشبرك، وهما إذا ما جملا، فلم ينظر إلى غير الهيكل ~~في العاقل والمجنون منهما، وجدا متقاربين؛ فالوطنية الخاصة تتوارى عند النظر إليها ~~من هذه الجهة.» # وبسمارك - فيما بعد - يتغافل شيطانا عن بعض ما عليه، فيحلل حتى تجاه زوجه أحيانا ~~ما به من بقايا تدين ذات تأثير ms173 غريب فيه، وبسمارك يقلل من كتبه إلى زوجه، وهو إذا ~~ما كتب إليها كان ذلك باختصار، وهو إذا ما كتب إليها أبدى لطفا لها كما في الماضي، ~~ولا يسهب بسمارك ولا يتعمق في غير وصفه لأمور الطبيعة، فهنالك يكون شاعرا. # وبسمارك يفكر في العناية الإلهية بعد أن يضربه القدر، وبسمارك يكتب إلى أخته التي ~~قتل ابنها في الصيد حديثا قوله: «إذا ما انقضت عشرون سنة أو ثلاثون سنة - على ~~الأكثر - خلع كل منا عبء هذه الحياة، فيصبح أولادنا حيث نحن الآن، فيدهشون لما ~~يرون إذ ذاك من انحدار حياتهم إلى الزوال، ولا يستحق لبس الثياب وخلعها عناء ~~ما دام هذا هو المصير. ينقص عدد من نحب باستمرار، وهو لا يزيد إلا بعد أن نغدو ذوي ~~حفدة، ومن كان في عمرنا لا يؤسس من الصلات ما يقوم مقام التي كانت لنا بمن ~~ماتوا.» وحس الأسرة لدى بسمارك يدحر الحس الديني في هذا الموقف أيضا. # والحقيقة هي التي يصف بسمارك في أحوال الحياة العادية؛ أي عند عدم المرض والضعف. قال ~~بسمارك بعد حضوره مأتم أمير: «جلست في الكنيسة المفروشة بالسواد مع غورشاكوف قريبا ~~من التابوت المغطى بمخمل جنازي فتكلمنا في أمور السياسة. ويقتبس أسقف الكنيسة ~~وعظه من المزمار الثالث بعد المائة «حول الكلأ والريح والغبار»، على حين نرسم الخطط ~~ونضع المكايد كما لو كنا من الخالدين.» فهذه التأملات هي من الأمور الدارجة لدى هذا ~~الرجل الذي يحلل نفسه دوما، وهي أكثر في سنوات نصرانيته العشر مما في شبابه، وهي ~~تزيد الآن؛ لما تنطوي عليه من إنذار بالحقيقة أمام المرآة. # بسمارك في سنة 1859. # ويساوره مثل تلك الحال النفسية، فيجوب شوارع باريس عاطلا من منزل منظم، عاطلا ~~من زوجه التي لم تكن معه، بعيدا من المجالس الراقية التي يغادر أهلوها باريس في منتصف ~~الصيف، ويزيد اضطرابه لعدم بلوغه هدفه فيبلغ درجة يزدري معها هذا الهدف، ويجيء في ~~كتاب يرسله إلى رون: «إن لدي نوبات نشاط، وإن لدي من روح الإقدام ما لدى هذا ~~الحيوان ms174 الذي يود الرقص على الثلج في إبان سعادته.» ثم يعد العلل المنزلية ~~التي يمكن أن تحفز برنستورف إلى تأجيل سفره، فإلى تأخير الأزمة حتى أوائل السنة، ~~ثم يختم بسمارك قوله بالكلمة: «من المحتمل أننا نقوم بأمر الحساب من غير مضيفنا، ~~ومن المحتمل أن صاحب الجلالة لا يقرر تعييني أبدا، والآن لا أرى سببا لتعيينه ~~إياي ما امتنع عن ذلك في الأسابيع الستة الأخيرة.» ويحل شهر أغسطس فيلحف على رون ~~ليتحفه بحوادث قاطعة؛ وذلك لأنه يود أن يعرف أين يكون مكتبه في فصل الشتاء ~~القادم، أفيكون في لندن أم في باريس أم في برلين، فيجيء في جواب رون: «إن الملك سيعرف ~~هذه العوامل، فيكون لها ما ليس للعوامل السياسية من التأثير.» # وما لديه من حنين متصل إلى الوطن ومن شوق إلى إقامة ثابتة فيجعله عصبي المزاج، ~~فيعكس هذا على أصدقائه ببرلين، «فلا تزال أشيائي ببطرسبرغ حيث تكاد تجمد. وتبصر ~~أفراسي في ضواحي برلين، وتبصر أسرتي في بوميرانية، وتبصرني على الطريق، ولا ترى ما ~~هو أطيب عندي من البقاء بباريس، ولكنني أريد الاطمئنان إلى أنني لا أنقل بعد بضعة ~~أسابيع أو أشهر فأزعج بجلب متاعي الكثير»، ويداوم على كلامه فيقول: «إنني مستعد ~~للخدمة بلا وزارة، ولكنني لا أرى ما يجعلني آمل ذلك.» ويعود إلى عادته فيدع خطا ~~لرجوعه فيكتب إلى أخيه أنه إذا ما نال منصبا وزاريا، فليس ذلك لطويل زمن، فهو يرغب ~~في الذهاب إلى الريف لكي يغرس أشجارا، «ومن رأيي الثابت أن يكون عندي شجر بلوط في ~~الأراضي الرملية لصنع المراكب؛ فالهولندي حتى في أسوأ تربة ينال ما بين عشرين فلورينا ~~وثلاثين فلورينا»، وفي حين آخر يكتب إلى أخيه كما لو كان ملازما بعد مأدبة «أن ~~ابتعادي عن زوجي وأولادي وما كان من بشمي بالمشمش قبل يوم؛ فمما يجعلني أكتئب، فأطمع ~~أن يكون لي من المنصب الثابت ما أختم به بقية أيامي مطمئنا.» # وأجمل شيء وجده في ذينك الشهرين بباريس هو ما اتفق له من حديث في فونتنبلو؛ فقد ~~حاول ms175 الإمبراطور أن يغوي بسمارك كما حدث منذ خمس سنين وإن كان على وجه ملح أكثر ~~من قبل، فكأن نابليون شعر بأن من المحتمل أن يقبض بسمارك على زمام السلطة قريبا فيسعى ~~في خرابه، فيرجو أن يحول دون وقوع الكارثة مقدما، وفيما كانا يتنزهان قال ~~الإمبراطور لبسمارك على غير انتظار: «أترى الملك مستعدا لمحالفتي؟» # بسمارك ~~: # لا شيء يعدل ما يكنه الملك من الصداقة لشخصكم يا صاحب الجلالة، وما ~~كان من تحامل الرأي العام على فرنسة فقد ذهب أدراج الرياح، غير أن المحالفات في ~~الوقت الحاضر لا تكون مجدية إلا إذا كانت مفيدة ضرورية؛ فالحلف لا بد له من بواعث ~~ولا بد من وجود هدف له. # الإمبراطور ~~: # ليس هذا صوابا في كل حين، فترى الدول على شيء من الصداقة، ولا مناص ~~من تبادل الثقة تجاه مستقبل مجهول، ولا أتكلم عن الحلف مغامرا، بل أجد بين بروسية ~~وفرنسة من المصالح المشتركة ما يشتمل على بذور حلف صميمي دائم ما لم تحل الأوهام ~~دون ذلك، ومن الخطأ البين أن يراد خلق الأحوال؛ فالأحوال تأتي بنفسها من غير أن ~~نقدر على تقدير قوتها ووجهتها؛ ولذا يجب علينا أن نكون مطمئنين إلى الوسائل التي ~~نواجه بها الأحوال فننتفع بها. # ويسهب الإمبراطور الكلام في «الحلف الدبلمي» ولكنه يقف في الحديقة بغتة ~~ويقول: «إن ما عرضته النمسة علي من اقتراحات عجيبة في هذه الأيام مما لا ~~تصدقونه. والذعر هو الذي يلوح في فينة، وقد حدثني مترنيخ عن السلطات ~~الشاملة، وهو لم يكد يجرؤ على ذكر مداها، وهو قد قال لي إنه مفوض بأن يفاوضني في ~~كل المسائل غير مقيد، وإن لديه من السلطات ما لم يمنحه ولي أمر لرسول، ويربكني ~~هذا التصريح فلم أعرف كيف أجيب عنه، فهو يريد تسوية الأمور معي تسوية مطلقة بأي ثمن ~~كان، ولكنني من غير قول عما بين البلدين من اختلاف في وجهات النظر؛ أشعر بوجل ~~يكاد يكون خرافيا من ارتباطي في مصاير النمسة.» # والأمر الأول الذي يثير دهشنا في هذه المحادثة هو ms176 عدم تكلف الإمبراطور خلافا ~~لعادته، وما كان من إفشائه لذلك القطب السياسي بما يدور في خلده مع اشتهار ذلك القطب ~~بالمصانعة في ذلك الحين، وقد يرد الخاطر كون نابليون الثالث نطق بما نطق عن رعونة ~~وهوى، ولكن ما عرف من أخلاق الرجل وتاريخه يدحض هذا الافتراض، ولكن ما علم من ~~عادته في المحادثات الدبلمية يحول دون اختراعه ما عرض مترنيخ، وهذا إلى أن ~~طراز إدراكه لطبيعة الحلف أكثر صوابا وأشد ملاءمة للعصر، ولم يضرب بسمارك عن قوس ~~فكره الحقيقي فيما قاله، ولم يعد ما قاله حد الادعاء. ولا نرى ما هو أدعى إلى ~~الذكر من رفضه الطاهر، وقد شبهه في تقريره برفض يوسف لما راودته به امرأة ~~العزيز (فوطيفار) عن نفسها، «فهو يعرض علي أفسق ما عرف من حلف، ولو سايرته ~~أكثر مما فعلت لكان ما صرح به أوضح مما صنع.» # وهل كان يمكن بسمارك أن ينال من الإمبراطور تصريحا أعظم مما وقع؟ لم تكن المبادئ ~~لتعوقه ما دام من غير القائلين بشرعية العروش، ولو أتى باقتراح إيجابي من فرنسة القوية ~~لناقش الملك فيما يشتمل عليه من الأمور، ونعرف فضلا عن ذلك أن بسمارك أوضح في كتابه ~~إلى برنستورف كون الإمبراطور «نصيرا قويا لمبدأ الوحدة الألمانية الصغرى؛ أي ~~لمبدأ الوحدة الألمانية بغير النمسة، ومما حدث منذ خمس سنين أن صرح لي في اجتماعي ~~الأول به أنه يود أن تكون بروسية دولة بحرية - من الدرجة الثانية على الأقل - وأن ~~يكون لديها من المرافئ ما يفي بهذا الغرض. وعنده أن من العبث إغلاق خليج جاد في ~~هانوفر-أولدنبرغ»، ولكن بسمارك لم يقل لرئيسه شيئا عن جوابه إلى الإمبراطور في ~~أمر اقتراحات النمسة؛ فقد اكتفى بما انتهى إليه من النتيجة العامة القائلة: إن من غير ~~الملائم أن تحالف فرنسة في مسائل معينة، وإن من غير الملائم أيضا أن تعاهد النمسة ~~ضد فرنسة؛ وذلك لأن النمسة «لن توافق - مختارة - على كل تحسين لوضعنا في ألمانية ~~ولو أدى هذا إلى تضحيتها بالبندقية وضفة الرين اليسرى»، ويتكلم ms177 بسمارك عن الأمر ~~بوجه عام، فيقول: «إن النمسة تريد الدخول في كل عمل يؤدي إلى تفوقها على بروسية ~~في ألمانية.» # وما كان من سكوت بسمارك تجاه رئيسه فذو مغزى؛ فبسمارك كان من سرعة الخاطر ما أدرك ~~معه أول وهلة مقدار العمق في تلك المحادثة بحديقة فونتنبلو الإمبراطورية، ومن ~~الواضح أن كان بسمارك صريحا تجاه الإمبراطور أكثر من صراحته تجاه الوزير برنستورف ~~الذي كان بسمارك يطمع أن يحل محله بين حين وآخر، والذي سيصبح سفيرا في لندن ~~فيغدو بسمارك في مكانه بولهلمستراس آمرا له بعد أن كان مرءوسه، ولم يبوح بسمارك ~~لبرنستورف بجميع ما اشتملت عليه تلك المحادثة المنقطعة النظير من الحقائق إذن؟ ومن ~~المحتمل أن يكون بسمارك قد كتم حتى عن الملك فحوى ذلك الحديث، وبسمارك وإن لم يذكر ~~للإمبراطور نابليون الثالث غير العموميات؛ استطاع أن يقتطع من اعترافات هذا الإمبراطور ~~ما هو أبعد من ذلك، وتمضي أربعة أعوام، وتقع الحرب البروسية النمسوية فيذكر بسمارك ~~نابليون الثالث بتلك المسائل على ما يحتمل. # وبسمارك حين وجوده بباريس يتصل بزعيم المعارضة تيار، ويسافر بسمارك إلى لندن أيضا، ~~فيزور الزعماء فيها، ويتناول العشاء في السفارة الروسية، فيبهر ديسرائيلي وفريقا من ~~الزعماء الآخرين بصراحته، وإن عد الطراز الذي كتب به تقريره حول ما حدث موضع ~~شك لا ريب، ويسأل عما يفعل إذا ما قبض على زمام السلطة، فاسمع قوله: «إن أول ~~شيء أصنعه هو إعادة تنظيم الجيش بسرعة. فإذا ما أصبح قويا اغتنمت أول فرصة لتصفية ~~الحساب مع النمسة فأحل الجامعة الألمانية، وأقيم دولة ألمانية موحدة بزعامة ~~بروسية.» وبسمارك - وهو الذي ألف الخداع - كان يرى أن الناس يصدقونه دوما إذا ما ~~كذب مع انتحال الجد، وأنهم لا يصدقونه إذا قال الحق مع ظاهر خداع، ولكن بسمارك ~~يخطئ في هذه المرة؛ وذلك لأن الذي ينصت له الآن هو ديسرائيلي الذي لا يقل عنه ~~ذكاء، ويكرر ديسرائيلي كلمات بسمارك فيضيف إليها قوله البالغ: «انتبهوا إلى هذا ~~الرجل، فهو يعني ما يقول!» # والحق أن المسألة الألمانية كانت ms178 تتوقف على الجيش البروسي، وأن كل حزب كان يود ~~أن يكون الجيش البروسي بجانبه، وكان هنالك ثلاثة أحزاب؛ فأما الأحرار فكانوا يرون ~~الوحدة الألمانية بزعامة بروسية، وأما المحافظون الألمان فكانوا لا يريدون رؤية ~~البروسيين فوقهم، وأما المحافظون البروسيون فكانوا لا يريدون أن يحولوا إلى ~~ألمان. ويبدو الخلاف في الشعب والمجتمع الراقي والبلاط والموظفين والأسرة المالكة، ~~وتتموج المشاعر كما في الثورة. # والملك وحده هو الذي كان يسمع صوتين في فؤاده، والملك ما انفك منذ ثلاثين سنة يقول ~~بإعادة تنظيم الجيش، فهنالك فائدته الوحيدة، وذلك كل ما يعرف، ويظل جهاز الجيش ~~على ما كان عليه منذ حرب الإنقاذ، ولا تنال يد التعديل عمر من يدعون إلى الجندية ~~وإن تضاعف عدد السكان في البلاد، والآن تصبح السلطة قبضة ولهلم بعد زوال عهد أخيه ~~المتردد، فيريد سن قانون قائل بتجنيد أقصى ما يمكن من الرجال على أن تكون مدة ~~الخدمة العسكرية ثلاث سنين، وعلى أن ينقص عدد من يجمع من الردفاء المتزوجين. ~~وهكذا يجدد الجيش ويزيد عدد من يحملون السلاح من 400000 إلى 700000 جندي أكثر ~~شبابا، ولمداراة المسنين في التجنيد معنى اجتماعي إلى الغاية، ومن المحتمل أن ~~يكون الملك قد أراد هذا في بدء الأمر. # ولم يلبث غرض ولهلم أن فسر تفسيرا سياسيا، فهوجم من الجهتين، ومن الحق ~~أن كان الردفاء لدى الأحرار حصن الشعب الأخير الذي ما فتئوا يشغلونه منذ سنة ~~1813، فآباؤهم؛ أي الشعب بالمعنى الحرفي، هم الذين كسبوا حرب الإنقاذ، لا الأشراف ~~الذين كان وضعهم مذبذبا، ولا الملك الذي كان عدوا للأمة، والآن يلوح أن جيش ~~الشعب، الذي أوجده شارنهورست في تلك الأيام، انحط من شرفه إلى جيش للملك، وهذا إلى ~~أن الأحرار يريدون تقوية الجيش كولهلم، ويريدون الوحدة الألمانية، ويريدون ~~الخدمة لمدة سنتين وصولا إلى تلك الغاية؛ فالذي يكرهونه هو زيادة نفوذ الأشراف في ~~الجيش، فتراهم يناهضون ما يراد توسيع نطاقه من جماعة الضباط والكليات الحربية وما ~~يراد صنعه من تحويل ضباط الطبقة الوسطى إلى ردفاء، واليوم تبصر رجوع كل ms179 شيء ~~إلى حظيرة الأشراف، واليوم تبصر الدبلميين والرؤساء والمالكين من الشرفاء، فإذا ~~ما أمسك الجيش على أنه جيش شعبي نم ذلك على بقاء شيء من روح سنة 1848 التي ~~أخذت تميل إلى الأفول. # ورون هو الذي أوصل الصدام إلى أقصى حد، ورون هذا كان ملكيا أكثر من الملك ~~فصرح في المجلس بأنه لا ينبغي للتاج في الأوقات العصيبة أن يكون تابعا للأكثريات ~~المتقلبة ولا لخطب الأحزاب، وهكذا يعارض الدستور ويجر أحزاب الشمال إلى المعركة ~~التي يودها، والملك قبل إعلان الدستور كان قد أمر بزيادة عدد الجنود، والآن أتكون ~~بروسية دولة دستورية أم دولة عسكرية، كما في الماضي؟ ولا جنود بلا مال! وليرفض ~~فرض المال من أجل خدمة السنوات الثلاث! يغدو حل المجلس ضربة لازب إذا فعلتم ذلك، ~~فهذا هو الوجه الذي صار إليه الصدام. # وفي أسابيع الأزمة ببرلين تلك يسبح بسمارك كل صباح وبعد كل ظهر في مياه المحيط ~~الأطلنطي، حيث تلطم الأمواج شواطئ فرنسة بشدة، ويكون بسمارك في بياريتز قريبا من ~~الحدود الإسبانية بعيدا من الخطوط الحديدية ومن الأعمال والصحف الألمانية، ويغتسل ~~بسمارك مرتين في كل نهار، ويقضي بسمارك هنالك أسابيع بدلا من الأيام الثلاثة التي ~~كان يقصد التمتع بها هنالك، ويستلقي بسمارك على الكثبان «مدخنا ناظرا إلى البحر ~~متمرنا على إصابة الأهداف، فنسيت السياسة وصرت لا أقرأ الجرائد»، وتلحق رسائل ~~برنستورف ورون المهمة به في سفوح جبال البيرنه (البرانس)، وينبطح بسمارك على ~~الرمل ويصرخ قائلا: «علي ألا أدعى إلى برلين رأسا، فلست سوى ملح بحر وشعاع ~~شمس. لقد مكثت أكثر من نصف ساعة بالماء، وأشعر بأنني عاطل من جناحين أطير بهما، ~~ونتعشى ونتنزه على الخيل، والقمر يسطع نورا والبحر يرجع جزرا، ثم أعود وحيدا ~~وأشعر بأنني عدت نشيطا.» # ولم يتفق لبسمارك من الهناءة منذ عشر سنين - أو يزيد - مثلما اتفق له في تلك ~~الأسابيع القليلة، ويبدو عاشقا كما يبدو مسرورا، ولكن مع شرف ووفق مبادئ وثيقة، ~~ولكن مع ذكاء رجل عارف بالنساء، ويبدي بسمارك فيما يكتبه كل يوم ms180 إلى زوجه من ~~الرسائل وجدا تجاه امرأة أخرى يشبهها بقريبة ميتة فيلقي نورا على غرامه في ~~شبابه. قال بسمارك: «أرى ما لم يره أحد في العالم، أرى البحر الأخضر الأبيض بفعل ~~الزبد وشعاع الشمس وراء صخرتين مستورتين بشجر الخلنج # 6 # الزاهر، وأبصر بجانبي أكثر النساء فتنة، أبصر من تحبينها كثيرا ~~إذا ما عرفتها، هي تذكرني بماري تادن. هي نسيج وحدها، هي مرحة، هي ذكية، هي ~~أنيسة، هي صبية، هي جميلة.» هي الأميرة أورلوف، بنت تروبتزكوا، التي اجتمع ~~بسمارك بها وبزوجها على ذلك الشاطئ فكان له عندهما زلفى فصار مع السنين يضعهما أمام ~~الغابات البرية والصخور الوعرية، «وأجدني جيد الصحة بما يثير الضحك، وأجدني ~~فرحا ما دمت بعيدا منك.» ويذهب إلى الفراش باكرا، ويفيق باكرا نشيطا، وتعزف ~~السيدة الروسية الفاتنة له على البيان ليلا، ويكون إذ ذاك قريبا من النافذة ناظرا ~~إلى البحر، وهي تلحن له قطعا مفضلة من بتهوفن وشوبن وشوبر، «وهي امرأة ~~ستكونين شديدة الحب لها إذا ما عرفتها.» ويزورون منارة ويجدون زوج الحارس ~~حاملا، ويستحوذ خيال روائي على العاشقين، ويعربون عن حبهم للطفل الذي لم يولد ~~بعد ويقترحون أن يكونوا عرابيه، # 7 # والواقع أن الولد عند وضعه يسمى أوتون لافلور جمعا لاسميهما، ~~والواقع أن بسمارك ينسى عيد زواجه، فقد استهوت الروسية هذا العارف بالنساء ~~المفتون بالأجنبيات على الدوام، وكانت هذه آخر مغامراته. # والآن يتعقب غادة حسناء أخرى، والآن يسافر إلى ما يأخذ بمجامع قلبه، والآن يولي ~~وجهه شطر السلطان. # وتأتيه إشارة برقية بأفينيون بعد صد ورد في البريد، وتصل هذه الإشارة من باريس ~~إليه بعد أن أرسلها رون إليه في كتاب منذ أسبوعين، ويقرأ بسمارك كلمة «أسرع!» وينتهي ~~إليه ذلك في 18 سبتمبر سنة 1862، والبرقية مؤرخة في 17 من ذلك الشهر، وفي 19 من ذلك ~~الشهر يتوجه بالقطار صباحا إلى برلين حاملا حالا نفسية كما كان عليه منذ خمس عشرة ~~سنة حين أهرع فلاحوه إلى باب شونهاوزن بعد طويل انتظار، راكبين صائحين قائلين: ~~«أخذ الجليد يتكسر، فاحضر سريعا ms181 أيها السيد!» # ويجمع حزب التقدم في المجلس الأدنى على رفض مشروع الجيش ما لم تجعل مدة الخدمة ~~العسكرية سنتين، ورون يضغطه رفقاؤه الضعفاء فيجيب بأنه سيفكر في الأمر مع استعداده ~~للتخلي عن أمور كثيرة، ويعلن برنستورف اعتزاله للخدمة إذا ما رئي عدم احترام ~~البرلمان فلم تجعل مدة الخدمة العسكرية سنتين، غير أن الملك يظل ثابتا لا يتزحزح ~~مستندا إلى مولتكه، وفيما كان كل شيء في خطر إذ يستدعي رون ذلك القطب السياسي ~~الذي سوف يجهز القادة الثلاثة بالفيالق؛ كان الملك في نوبابلسبرغ مضطربا ~~اضطرابا شديدا حين كان بسمارك يسمع صوت النفير بباريس، والملك يجد نفسه للمرة ~~الثانية بين القانون والعقيدة، والملك إذ كان نبيلا، لا رجلا سياسيا، رأى أن ~~يتنزل عن العرش، ويتمثل الأحوال الهائلة التي لقيها في حياته، فيذكر فراره إلى ~~ميمل في صباه، ويذكر هربه، بعد أن صار رجلا، إلى جزيرة الأطواس فإلى لندن، ثم إلى ~~أولموتز، ويذكر ما كان قبيل حرب القرم، ويغدو جميع ذلك أمرا باطلا ~~إذن. # وفي 18 من سبتمبر يستدعي الملك ولده فردريك ويطلعه على وثيقة التنزل عن العرش ~~قبل أن يذيلها بإمضائه، وولي العهد هذا لما كان عليه من ضعف شديد ومن قلة ~~استعداد للقيام بأعباء الملك؛ يمتنع حتى عن قراءة صك التنزل مصرحا بأنه لا ~~يقدر على الحكم بعد الارتداد أمام المجلس، وبأن التنزل عن العرش لا يؤدي إلا إلى ~~زيادة الاصطدام، وبأن ساسة اليمين سيمثلون دور الأب ضد الابن الديمقراطي، ~~ويذكر اسم بسمارك. # الابن ~~: # هو موال لفرنسة. # ولهلم ~~: # ولم لا أعينه وزيرا؟ # ويحض رون على تعيين بسمارك، ويؤيد برنستورف هذا القائد في ذلك، ويلزم الشيخ ~~ولهلم أسفل الجدار ويصرخ قائلا: «هو لا يقبل الآن ما يعرض عليه! هو ليس هنا! نحن ~~لا نقدر على مناقشته!» ذلك هو آخر جهد بذله الملك ليحول دون وقوع ما لا بد من ~~حدوثه، ويصل بسمارك في صباح اليوم العشرين من ذلك الشهر، ويصفه صديق له بأنه كان ~~«نحيفا جيد الصحة مسمر الوجه كأنه جاب الصحراء ms182 على ظهر جمل»، ويجد بسمارك كل ~~شيء مرتبكا، ولكل واحد ما يقوله له، وكل واحد يبدي له رأيا، ولا يزال الوزراء ~~يعتقدون قرب تنزل الملك عن العرش فيرون صرفه عن ذلك، ويحاول ولي العهد أن ~~ينجو من الورطة فيسافر إلى ينبوع ماء معدني غير بعيد، ويستدعي ولي العهد بسمارك ~~في 21 من ذلك الشهر فيجده متحفظا لما كان من عدم محادثته الملك بعد، ويخبر الملك ~~بزيارة بسمارك لولي العهد فردريك، فيؤذيه ذلك، فيقول لرون الذي جاء لينبئه بوصول ~~بسمارك: «لا شيء يعمل مع بسمارك، فقد كان عند ولدي!» هذا ما رواه بسمارك نفسه، ~~ومنها يطلع على أمر الملك ولهلم الذي كان جنديا يفضل التنزل عن العرش على ~~الإذعان للمجلس، وللملك سلوان في معارضة ولده لتنزله. ومن الطبيعي أن يود الملك ~~بقاءه جالسا على عرش انتظر وصوله إليه ثلاثين عاما، والملك إذا ما أبصر ذلك الذي ~~دعاه إليه بالأمس يغازل ولده كما يلوح ارتاب منه ولو كان بسمارك، ولا بد من وجود ~~مؤامرة، ورون هو الذي استدعى بسمارك، ولرون ضلع فيها إذن! ومن المؤسف أن كان بسمارك ~~هنا، ومن المؤسف أن كان بسمارك في عطلة، ولا يمكن الملك أن يأبى الاجتماع بسفيره هذا، ~~ولا يمكن الملك أن يمتنع عن الاستماع لسفيره هذا، ولا داعي اليوم لذلك، واليأس قد دب ~~في نفوس الآخرين مع ذلك، ولا يعرف أحد منهم ماذا يشير، ولا يريد ولهلم أكثر من ~~جيش جديد. # وليأت إذن، وليختبر إذن، وليحذر إذن! # دخل بسمارك في اليوم الثاني والعشرين من سبتمبر مكتب الملك ببابلسبرغ صباحا، وكان ~~الملك أقل استعدادا للتنزل عن العرش مما كان عليه منذ ثلاثة أيام، وينبئ بسمارك ~~بعزمه على التنزل عن العرش مع ذلك، ويري هذا الرجل الخطر وثيقة التنزل المعدة ~~كما كان قد أرى رون وفردريك إياها. والملك على ما كان من وثوقه بأنه ملك بفضل الله ~~ومن اعتقاده قدسية كل تاج يؤخذ من هيكل الرب، يدرك شأنه جنديا، فيقول غير ~~مرة: «ولذا سأتنزل عن العرش». «لن ms183 أظل وليا للأمر ما لم أملك كما يحب الله ~~ويرتاح إليه ضميري ويرغب فيه رعاياي. ولا أجد من الوزراء من يستعد لإدارة حكومتي، ~~فتراني عازما على ترك العرش.» # كان بسمارك ينتظر هذا التصريح، والملك كان يعرف أنه ينتظره ؛ وذلك لأن جميع الوزراء ~~كانوا عالمين بمقصده، ويجيب السفير بسمارك عن ذلك بقوله: «أنا للأمر، وتعرفون يا صاحب ~~الجلالة، أنني مستعد للقيام به منذ شهر مايو.» وطفق بسمارك يلقي المسئولية على ~~عاتق الآخر وفق سابق أساليبه؛ وذلك لما كان من عدم دعوته قبل ذلك، ثم يضيف إلى ذلك ~~قوله بضرورة الاحتفاظ برون وتغيير الآخرين. # الملك ~~: # وهل أنت مستعد لإعادة تنظيم الجيش على الرغم من الأكثرية؟ # بسمارك ~~: # أجل. # الملك ~~: # إذن، يقضي علي الواجب بأن أداوم على الكفاح مستعينا بك، فلا أتنزل عن ~~العرش. # وتدلنا تلك المحادثة على أن الملك كان قد قرر قبل أن يفتح الباب أن يداوم ~~على الحكم بمعونة هذا القطب السياسي المقدام فيحفظ مقامه بشرف، وتوحي أسئلته إلى ~~السفير بسمارك بما ينتظر من جواب، وهو يضع هذه الأسئلة مخاطبا الوجدان مع ذلك، ~~والملك كان من البساطة ما هم به أن يمزق وثيقة التنزل على العرش بحركة روائية، ~~وأن يصافح يد وزيره الجديد وأن يفتح عهدا جديدا، والملك هو كبسمارك الذي اتخذ ~~قرارا كبيرا بكلمة واحدة للمرة الثانية، ويدعوه الملك إلى التنزه معه في الحديقة، ~~ويكثر من سؤاله، ويطلعه على مذكرة مؤلفة من سبع صفحات مكتوبة بخط يده ومشتملة على ~~جميع المسائل الراهنة المعلقة بين ما ناله الأحرار من الامتيازات وما كان من الإصلاح ~~الإداري، وهكذا كان الملك متسلحا قبل اجتماعه بخادمه المخيف، وللملك بتلك المذكرة ~~ضمان له تجاه حماقات ذلك الرجل المغامر، ويتصفح بسمارك تلك المذكرة فيعزوها في ~~نفسه إلى الملكة. # والآن يغير لهجته؛ فما كان من شعوره بمصدر معاداته الخفي، وبما له من ضمان ~~بتعيينه غير الرسمي فيعيد إليه سابق اعتداده فيعين من الكلمة الأولى، وفي ذلك ~~الائتلاف الخطر حقوقه وسياسته الخاصة، فيأبى النقاش حول ذلك البرنامج. ~~«والمسألة الآن ms184 تحت النظر، والمسألة لا تدور الآن بين المحافظين والأحرار، ~~وإنما تدور لمعرفة أي النظامين يكون الراجح في بروسية: آلنظام الملكي ~~أم النظام البرلماني؟ فالنظام البرلماني يحدد عند الضرورة بحكم مطلق ~~مؤقت، وما كان للبرنامج غير ربط أيدينا، وفي وضع كذلك أعرب عن رأيي لكم ~~بصراحة عند أمركم إياي، يا صاحب الجلالة، بأن أصنع أمورا لا أعدها صوابا، ~~فإذا أصررتم على رأيكم، يا صاحب الجلالة، فضلت الهلاك مع الملك على ~~التخلي عنه في مكافحة البرلمان.» # تلك هي لهجة جديدة، وبسمارك قد اختارها بعد إنعام نظر؛ وذلك كسبا لثقة الملك، ~~وبسمارك قد حلف في ذلك الوقت يمين الطاعة للملك مع ذلك، وذلك شعورا بقدرته على ~~النشوز والاستبداد بالسلطة، ولنا أن نطمئن إلى أن بسمارك يفكر على غرار ~~ميفيستوفل فيقول: «سأنتشله من ورطة الحياة إلى حيث أريد!» # هو قد لبى الدعوة كتابع وضابط، وكدبلمي أيضا، وتنقضي دقيقة فيبدي بصره ~~بالعواقب حين يريد الملك أن يقذف في الخندق ذلك البرنامج الذي لا قيمة له، ويصد ~~الملك صاحبه مظهرا له ما لتلك الحركة من نتائج خطرة، وكانت هذه أول نصيحة يبديها ~~الوزير بسمارك للملك، وبسمارك في الغالب سيحذر ولهلم على حافة الخنادق ~~الجافة. # وبسمارك يجتمع بشلوزر في طريقه عائدا من بابلسبرغ، وبسمارك يقول «بلهجة غريبة» ~~لهذا الذي نال ثقته بطرق عجيبة كما ذكر شلوزر: «أظن أنهم كانوا أقوى مني فقبض ~~علي.» # الجزء الثالث # | الباني # لا نستطيع أن نأكل من شجرة الحياة بلا جزاء. # رون # | الفصل الأول # «وفيما أكتب إليك من اللندتاغ هنا أجدني مضطرا إلى الاستماع للخطب ~~الغريبة السخيفة التي ينطق بها أناس من محترفي السياسة الصغار الأحلام ~~المحتدمين، فيكون لي بذلك فراغ غير مقصود. ولما كنت سفيرا كان يساورني ~~شعور بأنني سميذع # 1 # وأغدو وزيرا فأجدني عبدا خاضعا، ولا أرى أولئك السادة متفقين ~~على العوامل التي ينضم بها بعضهم إلى بعض، وهذا هو مدار النزاع، ويتذابحون ~~مع حب، وهذه هي النتيجة اللازمة للأمور التي هي من ذلك الطراز. ولا يقدر ~~أولئك الأخطال # 2 # على ms185 حكم بروسية، فيجب علي أن أقاومهم، وأولئك وافرو اللغو ~~كثيرو اللهو، وأولئك من الأغبياء والسفهاء. وكلمة الأغبياء إذا ما استعملت ~~هنا بمعناها العادي كانت تعبيرا غير صحيح، فأولئك الناس يكونون على شيء من ~~النباهة أحيانا، وأكثرهم أوتي قليلا من العلم فيبدون محاصيل للتعليم ~~الجامعي الألماني، ولا يعدو مقدار ما يعرفون من السياسة حد ما كنا نعلمه ~~منها أيام طلبنا، إن لم يكن أقل من هذا، وهم لا يجاوزون مستوى الصبيان فيما ~~لديهم من السياسة الخارجية، وهم في المسائل الأخرى يظهرون من الأطفال إذا ما ~~انتظموا في جماعة.» # ذلك ما كتبه بسمارك إلى رفيق شبابه موتلي، وذلك هو شعور بسمارك في الأشهر الأولى ~~من حكمه؛ فبسمارك كان يزدري أولئك الخياليين إذا ما صاروا ضمن زمرة، فيناهضهم وإن ~~عرف أن زعماءهم مثقفون، وبسمارك كان يشعر بأنه يعلوهم في الشئون الأوروبية ~~علوا مطلقا، وبسمارك كان يألم من مكافحته ما به من عزة نفس متناهية كفاحا ~~مستمرا، وبسمارك كان عليه ألا يرد الضربات كما في الماضي، وبسمارك حتى الآن كان ~~يمكنه أن يطعن خصومه رأسا وأن يعبئ جميع قواه وصولا إلى غرضه، فإذا كان ~~نائبا فعل ذلك من فوق المنبر، وإذا كان دبلميا فعل ذلك في تقاريره ورسائله، ~~وبسمارك بعد الآن يجب عليه أن يكتم عن نواب الشعب أفكاره وخططه، وإلا اطلعت الشعوب ~~على ذلك وغدا وضع خطط جديدة ضربة لازب، فعزلة بسمارك بدأت بقبضه على زمام ~~السلطة. # وما كان لبسمارك أن يحار من قول إحدى الصحف البرلينية عنه ما يأتي: «إنه بدأ مهنته ~~كشريف ريفي ذي عرفان بسيط بالسياسة، فلم يرتق اطلاعه وتحصيله إلى ما فوق مستوى ~~المتعلمين العام، ويصل إلى ذروة صيته البرلماني في السنتين 1849 و1850، ويبدي في ~~خطبه من العنف وعدم الاكتراث ما يبلغ درجة الاستهتار ودرجة الغلظة، ولكن متى أبان ~~رأيا سياسيا؟» أجل كان يصنع ذلك قليلا أمام أعين الناس، وقليلون أولئك الذين عرفوا ~~ما فعل في سبيل السلم في السنوات العشر الأخيرة، وإذا كان بعيدا من الكهنوتية فيما ms186 ~~يصنع كان ذلك مع الخفاء، ومن قول غوستاف فريتاغ في غرينز بوتن: «تكسر أمام صلابة ~~المجلس شوكة من هو أعظم منه، ولتمض سنة لنرى أمر فون بسمارك.» ويدوم سلطانه ~~ثمانيا وعشرين سنة! # ومن يراقب عمل بسمارك عن كثب في ذلك الحين يشك في عقله، ومن ذلك قول أحد موظفيه ~~بعد بضعة أسابيع: «إن بسمارك مصاب بمرض عصبي شديد، فيلوح لي أحيانا أنه غير ~~مسئول تماما، فهو إذا ما أصدر نصائح إلى الصحف مثلا تدفقت أفكاره بسرعة يتعذر ~~تعقبه معها، والرأي العام بين الدبلميين ببرلين هو أنه لا يعيش طويلا لعدم ~~مداراته نفسه.» # وبسمارك مع ذلك يبدأ بالسير البطيء الوئيد على طريقته العلمية ليتسنى له أن ينجز ~~عمله مع الحذر بعد التحليل الوسيع والتجريب الرحيب، ويكتب إلى رون منذ وقت قليل، فيقول ~~له: إنه إذا ما قبض على زمام السلطة قال الناس «ذلك شر منتظر!» ويعزم على تبديد ~~آمال أعدائه في بداءة حافلة بالعنف والسخف، فلم ينشب بعد قبوله المنصب أن استرد ~~ميزانية سنة 1863 مهادنا المجلس بذلك، مفاوضا شيوخ الأحرار ليعرض عليهم بعض ~~الوزارات محيرا إياهم بأوضاعه أكثر مما باقتراحاته، وماذا يقول النائب تويستن ~~لأصدقائه عن ذلك الرجل الذي كان أقرب إلى احتقاره مما إلى تهيبه في بدء الأمر فكلمه ~~بإسهاب، ومع إخلاص ونقد، عن الملك الذي كان يفترض أنه نصيره الطائش؟ وما هو أمر ~~أوتكر الديمقراطي الذي كان ينتظر في الزيارة الأولى أن يبصر شريفا لئيما ووجه ~~صياد ولاعب، فلم ألبث أن غيرت رأيي عندما ظهر لي أنه لا أثر لذلك فيه. وإنما ~~وجدت رجلا طويل النجاد، شديد الشكيمة، لين العريكة يقبل علي حتى الباب ويمسك ~~يدي ويقدم إلي مقعدا، ويقول لي متبسما: «وأنت، أيضا لا حظوة لك عند ~~الديمقراطيين! ثم يقول لي إن الزمن تغير منذ مقاومته لرجال المتاريس، فقد تعلم في ~~فرانكفورت أمورا كثيرة.» ويحمل على جريدة كروززايتنغ بعبارات «لم يخرج من فم ~~الزائر ما يعدلها أو ما يكتب مثلها.» # وهكذا يداري خصومه ببراعة بعد توقعهم منه ms187 غطرسة وتحفظا، وهكذا يستقبلهم بأدب ~~جم وصفاء ظاهر، وما كان أوتكر موظفا صغيرا أو تاجرا حقيرا يشتغل بالسياسة في ~~ناد بلدي، بل كان زعيما لأحد الأحزاب في هس، وكان محاميا كثير الثقافة، ويلاطف ~~أوتكر بالطراز الذي استقبله به ذلك الرجل العظيم من الباب وتحيته له وتقديمه مقعدا ~~إليه مع النظر إلى طبقة ذلك الشريف البروسي لا إلى كونه رئيسا للوزراء، والزهو كان ~~مظهرا تقليديا للأشراف ببروسية في ذلك الزمن، وبسمارك، مع افتراض تقمص تلك المشاعر ~~فيه، أخذ يسلك سلوكا طبيعيا وينتقد تطرف حزبه أمام خصومه، ولا يبدو بسمارك ~~قاسيا لحمله لقب «صاحب الفخامة»، ولا متمذهبا كالشريف، ويبدي بسمارك نفسه رجلا بدعا # 3 # دنيويا محترما للعادات؛ أي غير موظف بروسي. # ولم يبلغ أحد من النظر الثاقب ما يلاحظ معه تجاريب تلك الأيام الأولى في الديوان ~~بلوغ شلوزر الذي كان يدعوه بسمارك في الحين بعد الحين من ذلك الدور إلى تعاطي أقداح ~~الراح معه، قال شلوزر: «يمثل بسمارك مهزأته كاملة، محاولا إلقاء الرعب في الملك ~~وفي جميع الأحزاب. وبسمارك يتسلى بختل # 4 # كل إنسان، وبسمارك يسعى في حمل الملك على الإذعان في أمر مدة الخدمة ~~العسكرية، وبسمارك يصف في المجلس الأعلى مشروعه الخاص الرجعي بألوان تبلغ من القتوم # 5 # ما يخاف معه أعضاء هذا المجلس. وبسمارك ينتحل الصلابة أحيانا تجاه أعضاء ~~المجلس الأدنى، وبسمارك يتخذ تجاه هؤلاء الأعضاء من الوضع أحيانا ما يجنحون معه إلى ~~التراضي، وبسمارك يحمل الوزارات الألمانية على الاعتقاد بأن الملك يلاقي كل شدة ~~في صد الوزارة الجديدة عن الكافورية، # 6 # ومما لا مراء فيه أن صار ذا نفوذ بالغ بألمعيته وعبقريته، فهو ~~رجل!» # ويظهر بسمارك في الوقت الراهن أقصى درجات الكياسة والأدب، حتى في أحرج الأوقات، وما ~~كاد يمضي أسبوع واحد على وزارته حتى جلس في إحدى لجان اللندتاغ ليأتي بشيء من ~~الاعتراف الشخصي، ويفتح علبة سغايره في أثناء المناقشة فيري خصومه غصنا من الزيتون ~~ويقول: «لقد جئت بهذا الغصن من أفينيون # 7 # منذ زمن قليل لأقدمه إلى ms188 حزب الشعب دليلا على السلم، وأرى مع ذلك أن ~~وقت السلم لم يحن بعد.» ويلوح أنه أتى بهذا الغصن من بلد الزيتون مع زهو ممزوج ~~بالمجاملة، بيد أن هذا الموسيقار لم يلبث أن غير لحنه فصرح بأن الصحافة لا تأتي ~~بغير الافتراء حين تعزو إليه بحملاتها مقاصد حربية كي يقضي على الارتباك الداخلي، ثم ~~يضيف إلى ذلك قوله: # ولا ريب في أننا لا نكاد نتفلت من الارتباك بألمانية وإن كنا لا نطلبه، ~~وما كانت ألمانية لتنظر إلى ديمقراطية بروسية، وإنما تنظر إلى قوة بروسية، ~~وعلى ما ترونه من تسامح في دول ألمانية الجنوبية لا يمكن هذه الدول أن ~~تمثل دور بروسية! فيجب على بروسية أن تجمع قواها وأن تحتفظ بها إلى الوقت ~~الملائم الذي مر غير مرة فيما مضى على غير جدوى، ولم تعين حدودنا في ~~معاهدات فينة تعيينا ملائما لكيان الدولة السياسي، ولا تحل معضلات ~~زماننا الكبرى بالخطب أو بقرارات الأكثرية، بل بالحديد والدم. # وإذا ما سألت عن الوجه الذي سقطت به تلك الكلمات من بين شفتيه وجدته قد نطق بها ~~حول مائدة خضراء مخاطبا عشرة نواب أو عشرين نائبا وقليلا من وزراء الدولة، وذلك ~~من غير تحريض، فكان ما فاه به ضربا من المناجاة بلهجة حبية ونوعا من الارتجال في ~~الظاهر ومن الكلام المعد سابقا في الحقيقة، ولم يسجل تلك الكلمات أي كاتب ~~اختزالي كان، ولكنها لم تعتم أن دوت في أرجاء ألمانية، وتمسك الصحافة والشعب ~~كلمة «الحديد والدم» ويناديان بالويل والثبور، ولكن قائل تلك الكلمة لم ~~يكذبها. # ويأسف بسمارك على استعماله تلك الكلمة مع ذلك، ويكون صدورها عن بسمارك الوزير ~~ضربة سيف في الماء كتلك الكلمة التي صدرت عن بسمارك النائب منذ أربع عشرة سنة. ~~وبسمارك في هذه المرة قد أغضب جميع العالم من أصدقاء وأعداء، ويقول له رون: «إن جملا ~~كتلك هي من الشذوذ الحاد المذاق.» ورون هذا هو صديقه الذي أوصله إلى حيث هو، فلامه ~~على تلك الكلمة في طريقهما إلى منزليهما، ويقول الأحرار: «إن ms189 كل شيء هو لعب رياضي ~~عند هذا الرجل، وليس هذا مما ينطق به وزير مسئول.» ويفسر بسمارك الأمر إلى أحد ~~النواب بقوله: «أردت أن أبين بذلك كون الملك محتاجا إلى جنود فقط، ولم أقصد بتلك ~~الخطبة تعقيب مسألة ألمانية، وإنما أردت تحذير فينة وميونيخ. ولا تهدف تلك الخطبة ~~إلى أخذ دول ألمانية الأخرى بالقوة؛ فالدم معناه الجنود. والآن أرى أنه كان علي أن ~~أختار ألفاظي بحذر.» وهكذا كانت أشهر كلمات بسمارك خطأ في التعبئة. # ويقرأ الملك تلك الكلمة مذعورا، ويكون الملك عرضة لنقد الملكة، ويكون الملك ~~آنئذ بجانب الملكة في بادن، احتفالا بعيد ميلادها فيعرض لنقد ولي العهد ولنقد ~~زوجته الأميرة أيضا. ومن الطبيعي أن يساور الملك كثير من الخواطر السود حول رئيس ~~وزرائه الجديد الذي حلف يمين الولاء له منذ أسبوع فقط، والذي وعد الملك زوجته برد ~~جماحه، ويفقد آل الملك رشدهم، ويذكر ما حدث للويس السادس عشر، ويذكر مصير سترافورد، # 8 # ومصير بولينياك، # 9 # وهذا كله في عيد ميلاد الملكة، وتزول بهجة هذا العيد، ويبصر بسمارك في ~~برلين ما يكون لخطبته تلك من أثر في بادن، ويحسب بسمارك ما يواجه الملك من ~~المنازعات الداخلية، وإن لم يكتب الملك إليه ويبرق، وبسمارك يتمثل عودة ولهلم ~~وحده بعد بضعة أيام مملوء الأذنين بالإنذار والعتاب، وهنالك يعن لبسمارك أن يذهب إلى ~~مليكه سرا من غير أن يخبره أو يخبر مجلس الوزراء بذلك فيمثل بين يدي مليكه ذلك ~~ويؤثر فيه قبل أن يصل إلى العاصمة، وهكذا ينطلق بسمارك إلى لقاء ولهلم. # وعند كوة التذاكر في المحطة يعرف فون أونروه، الذي هو من الأحرار، بسمارك، ويدخل ~~بسمارك في حجيرة ذلك طمعا في تلقينه آراءه، ويكلمه بسمارك عن الوضع مع الحذر، ~~ويغادر بسمارك القطار في جوتربرغ قائلا إنه ذاهب ليزور قريبا له، ثم يجلس بسمارك ~~في المحطة التي لم يتم بناؤها، وذلك «في الظلام على عربة يد مقلوبة»، وذلك بين ~~العمال ورقيقي الأحوال، ويسأل الحرس عن مقطورة الملك فيعنف، ويكتم اسمه فلم ~~يعرف، ويلوح ms190 بذلك أنه لم يطالب بإجلال مقامه مع أنه ينشد كل تجلة لطبقته، ~~وهكذا ترى رجل الحديد والدم الذي يذكر العالم اسمه مع اللعنة للمرة الأولى يتبوأ ~~مقعده في العتمة على عجلة منتظرا مولاه، وفي ذلك الدور الأسطوري كان ملك بروسية في ~~قطار عادي، ويبدو الملك وحده في حجيرة شبه مظلمة ، ويبصره الوزير بسمارك خائر النفس، ~~ويستأذنه بسمارك في إيضاح الوضع فيقطع عليه الكلام بقوله: «أبصر نتيجة ذلك ~~جيدا، فسيضربون رقبتك هنالك في أوبرنبلاتز، تحت نوافذي، ثم يقطعون عنقي.» # ويرى بسمارك شبح الملكة أوغوستا خلف الملك فيكتفي بالإجابة عن ذلك بقوله: «وبعد ~~ذلك يا مولاي؟» # الملك ~~: # أجل، سنموت بعد ذلك. # بسمارك ~~: # أجل سنموت بعد ذلك، ولا بد من موتنا عاجلا أو آجلا، ولكن هل هنالك موت ~~أفضل من ذلك، سأموت مدافعا عن قضية مليكي وسيدي، وعليك يا صاحب الجلالة أن تختم بدمك ~~حقوقك الملكية التي نلتها بنعمة الله، ولا ينقص شيء من مجد مجازفتك بالروح والبدن ~~في سبيل الحقوق التي من الله بها عليك سواء أسفك دمك على النطع # 10 # أم في ميدان القتال، ولا ينبغي لك، يا صاحب الجلالة، أن تفكر في لويس ~~السادس عشر، فهذا الملك عاش ضعيفا ومات نعا # 11 # فلم يكن أمره في التاريخ لامعا، والأفضل يا صاحب الجلالة أن ترجع البصر ~~إلى شارل الأول، أفلا ترونه ممتازا لما كان من امتشاقه الحسام دفاعا عن حقوقه ~~وخسرانه المعركة ثم استقباله الموت ثابت الخطا جليل الطلعة؟ ولا معدل لجلالتكم ~~عن النضال، ولا يمكنكم التسليم والإذعان، ولا مناص لكم من مقاومة العنف ولو أودى ~~بحياتكم! ~~«وكلما تكلمت بهذه اللهجة اشتد ساعد الملك وشعر بأنه ضابط عهد إليه في ~~الدفاع عن الملكية والوطن. وإن الضابط البروسي المثالي - أي الرجل الذي ~~يستقبل الموت الواقع بكلمة «كما تأمرون» منكرا لنفسه غير خائف - ليخشى ~~رأي رؤسائه أو رأي العالم أكثر من خشيته الموت إذا ما اضطر إلى السير ~~وفق اجتهاده الشخصي. وإنه يشعر بإمساكه من نجاده. وهكذا يقاد إلى الطريق ~~الملائمة لطراز تفكيره، ms191 وتمضي بضع دقائق فتعود إليه طمأنينته التي أضاعها ~~في بادن ويرجع إليه حتى سروره، وتذهب غمومه، فيبدو حتى قبل وصوله إلى برلين ~~مرحا سعيدا مملوءا نشاطا، فيكون لذلك بالغ الأثر في الوزراء والموظفين ~~الذين خفوا إلى استقباله.» # وما تنطوي عليه تلك القصة من الطابع التمثيلي فينم على صحتها وإن قيدها بسمارك ~~في أوابده بعد ثلاثين سنة، ومن الأدلة على صدقها ما نراه من عدم محاولته حمل خصم ~~على التسليم أو عدم تحريضه مولاه على شهر حرب، ومن ذكره أنه جعل الملك الساخط ~~يوافق على خطبة عزاها «بسمارك نفسه» إلى عدم الفطنة، وبسمارك حين جلوسه على عربة اليد ~~كان مضطرب الشعور، وبسمارك وإن أقر إلى خصومه بأن كلمته عن الحديد والدم جاوزت حدود ~~فكره؛ لم ير الإتيان بمثل هذا الاعتراف إلى مليكه مع أنه لم يمض على رئاسته للوزراء ~~أسبوع واحد، وقد اهتبل بسمارك تلك النهزة # 12 # فتذرع هو والملك بروح من النضال لم يكونا قد بلغاها عند محادثاتهما ~~الأولى، ويغدو ما أيقظه بسمارك من روح الكفاح في ولهلم قوة احتياطية للفرص ~~الأخرى. # وعلى ما يمكن عزو ذلك إلى دهاء بسمارك ~~الفطري وحسابه للأمور؛ نرى ذلك آية على مشاعره العميقة أيضا، وبسمارك منذ أيام ~~مبارزته الأولى في دور طلبه، ما انفك يظهر مستعدا للموت مكافحا، ولا تجد في حياته ~~ساعة رهب فيها الردى، وما اتصف به هذا الوزير من البأس الذاتي ومن العبقرية ~~التي أثرت في الملك الجندي فمن أقوى وسائل الإغواء. # فذلك هو الإكسير الذي يداوي بسمارك به مولاه في ساعات ضعفه. # | الفصل الثاني # «لا ألائم الملك لما يطلب من مداراته بلطف كبير!» فبهذه الكلمة التي قالها بسمارك ~~قبل تعيينه بأربع سنوات، وحين صار ولهلم وصيا على العرش يذكر بسمارك لغرلاخ ما ~~يعده تبديل أولياء الأمر له من المصاعب، وهل يناسب بسمارك بروسية؟ هذا هو السؤال ~~العظيم الذي لم يجرؤ شلوزر مع حبه الممزوج بالحقد أن يؤكده بالإيجاب، ولكن الملك ~~وحده هو الذي يستطيع أن يسلم إليه بروسية ليسوس أمورها، ms192 وعلى بسمارك أن يمسك ~~ولهلم في بدء الأمر، ثم أن يحفظه بعد ذلك، وبسمارك يمسكه كالعاشق الحاذق الذي ~~يداري الخليلة التي لا يطمئن إلى حبها له، أو كالمخترع الذي يداري الثري ~~طمعا في إمداد اختراعه بالمال، ولا غنية لأحد الرجلين عن الآخر في اصطراعهما، ولكل ~~من ذينك المتقاتلين المختلفين خلقا، نصف فضل ونصف عبء في كفاحهما الصامت حول ~~التسليم، لا حول السلطة، ولا يمكن تعيين أيهما أصلب من الآخر، آلملك الشائب الموهوب ~~قليلا، والذي يحتمل، وهو سليل الملوك، وزيرا أصغر منه سنا ولا يعدو أمره حد ~~الشريف أم ذلك القطب السياسي المقدام الذي يجب عليه أن يكابد تردد الملك. وإنما ~~الذي يبدو هو أن الفارس الشيخ يحذر حصانه الرشيق وأن الحصان يجنح إلى الجموح، ~~فيسيران في نهاية الأمر. # ويتناقش الملك ووزيره غير مرة فيتمسك كل واحد منهما بوجهة نظره التي تخالف ~~وجهة نظر الآخر، ويفترقان متحاقدين، ولا يود كل منهما سوى التخلص من صاحبه، ولكن ~~المرءوس إذا ما قدم استقالته إلى رئيسه خشي الرئيس مغبة الأمر وأذعن من فوره، ~~وقد كان بين ذينك الرجلين ساعات حمق وحنق، ولا تجد لهذه الساعات سوى صدى ضئيل ~~في مذكرات بسمارك. # وكان بسمارك يعلم ذلك مقدما، وذلك قبل أن ينال السلطة كل منهما، وبسمارك حتى ~~حين وجوده سفيرا، كان يحسب ذلك فيما يعده للمستقبل من الخطط، والآن في كل يوم ~~يتصل بسمارك بالملك من أجل العمل، فيمثل دوره، وبسمارك ذو علم عظيم بالرجال على ~~العموم، وبسمارك جليس للملك على الخصوص، وبسمارك جندي بين وقت ووقت، فعليه أن ~~يظهر متدينا؛ منعا لذعر الملك البالغ من العمر سبعين عاما، والملك - حتى في تلك ~~السن - يبدي من الغضب في بعض الأحيان ما يدعك معه أوراق الدولة التي ينعم ~~بسمارك، بعد الأزمة، نظره فيها متبسما مقدرا إمتاعها بجعادها، # 1 # شأن المصور الذي يرى متعة الوجه الذي يصوره في تكرشه، والاعتدال ~~هو الذي تداوى به تلك النزوات، وهذا هو الذي أدركه بسمارك حديثا، ويحتمل بسمارك ~~مليكه لما يعلمه من ms193 استقامته، ويصبر بسمارك على مليكه لما يجده من عدم مداجاته ~~كفردريك ولهلم الذي كان يخادع وزراءه ويحرض بعضهم على بعض، وقد وثق ولهلم ~~الأول ثقة مطلقة بذلك الذي احتمل أعظم مسئولية. # وكان بسمارك يعرف الملك حين قبضه على زمام الأمور، فلا يجد منه ما يفاجئه إذن، ~~غير أن الملك لم يألف بسمارك إلا ببطوء ، والملك لم تزل مخاوفه من وزيره ذلك إلا بعد ~~سنين، إلا بعد أن رأى من نجاح وزيره ذلك ما رأى، وما كان الملك ليرضى ببسمارك في بدء ~~الأمر إلا كارها، وما كان أقرباء الملك وأصدقاؤه ليصنعوا في السنوات الأولى سوى العمل ~~على تخليصه منه بسرعة، وأول ما حدث هو إرسال شيوخ الأحرار إلى الملك رسلا ثقات ~~ليعزل وزيره الجديد. ومن المؤسف أن أبصر الملك الشيخ تحول عواطف رعاياه عنه، ~~والملك في الأيام الأولى كان مكروها لوصفه ب «الأمير الرامي الرصاص»، فكان ينفر من ~~تلك العواطف، ثم أخذ الملك ينال تلك العواطف في العصر المدعو بالحر، فلما مر ~~على نصب بسمارك أربعة أشهر أخذ الملك كتابا من صديق قديم له جاء فيه: «إن الشعب ~~مخلص لجلالتكم، ولكنه متمسك بحقوقه، فأدعو الله أن يبعد برحمته ما ينجم عن سوء ~~التفاهم الهائل من النتائج السيئة.» # ويلهبه مثل تلك الكلمات، ويجعله التناقض أشد عنادا، ويضع خطين أو ثلاثة ~~خطوط تحت العبارات المهمة، ويجيب بحماسة الشباب: «ما فتئت أكرر أن ثقتي بشعبي لا ~~تتزعزع؛ وذلك لما أعرفه من ثقة هذا الشعب بي، ولكنني ألعن أولئك الذين يودون نزع ~~حب شعبي لي واعتماده علي. وكل يعلم أن أولئك الذين يريدون فعل ذلك لا يتركون ~~وسيلة لبلوغ ذلك. ألم أتنزل عن أربعة ملايين مع الأسف؟ ألم أتنزل عن أمور أخرى مع ~~الأسف؟ يجب على من يتصرف في حقوقه على ذلك الوجه، أي من يخفض الميزانية بما تقف به ~~أعمال الدولة، أن يقيم بمشفى المجانين، وأين النص في الدستور على أن الحكومة - لا ~~النواب - هي التي تلزم بضروب التنزل؟» والملك لكي يكتب إلى أحد ms194 رعاياه غير الرسميين ~~بمثل تلك الحميا، لا بد من أن يكون قد بلغ من عذاب الضمير ما يقض مضاجعه، ~~والملك لا بد من أن يكون مغالبا للرب من أجل وزيره. # وفي أوقات الأزمات لا يدع بسمارك كتابا يقدم إلى الملك من غير أن يبتهل إلى ~~الله، ويحل عيد الميلاد فيهدي الملك إلى بسمارك عصا فيشبهها بعصا هارون وإن لم ~~توجد نسبة بين العصوين، ويرقب بسمارك قلب الملك دوما حين اتخاذ القرارات الكبرى، ~~وذلك بعد أن يلقنه إياها مقدارا فمقدارا، فيضطر إلى اقتطاعها منه مع ذلك، ~~ويكتب بسمارك إلى صديقه رون قوله: «إن فؤاد الملك في معسكر آخر، وأرى مشاعر الملك ~~ضدي.» ويكتب بسمارك إلى رون قبل أمره بالتعبئة قوله: «إن من المأمول أن يصدر الملك ~~أمره النهائي غدا؛ وذلك لأن الملك في خميس العهد لا يكون مستعدا لمثل ذلك العمل.» ~~ويمضي بضع سنين فيقول بسمارك: «لقد أعيتني الحيل مرة أخرى، فعاد فؤادي لا يحتمل ~~دوام مناضلة الملك.» # وما كان بسمارك في البداءة ليبادل ولهلم كرها بكره، وكان بسمارك يشعر بتفوقه ~~فيكتفي بذلك على العموم، وكان هذا منهاج بسمارك، وبسمارك في شبابه قد تعود فحص ~~بنية كل من يلاقيه، وبسمارك في شيبته يدرس صفات الناس النفسية ليتبين أنه أعلى ~~منهم في جميع الأحوال والوجوه، ولم يلاق بسمارك عسرا في إقناع نفسه بأنه يسمو على ~~ولهلم أميرا وملكا، بيد أنهما عندما أخذا يتقابلان ملكا ووزيرا لم ير بسمارك ~~غير مداراة شعورين لا يمكنه أن يحتمل منصبه بدونهما، وهما: أن يرى في ولهلم ملكا ~~وأن يبصر فيه أبا، ويكتب بسمارك إلى زوجه في الأيام الأولى من زواجه: «إننا حلفنا ~~يمين الولاء لدمه.» ويصير بسمارك وزيرا فيجتمع بولهلم كل يوم، ويصبح مكلفا ~~بحمايته وبظهوره ترسا لوقايته، وتشتد هذه المشاعر الرمزية بمنظر ذلك الشيخ ذي ~~اللحية البيضاء، ويتكلم أوتوفون بسمارك بعد سنين كثيرة عن صلته بالملك الذي يثور في ~~الغالب فيشبهها بعلاقة الابن بأبيه الذي لا معدل له عن معاناة مزاجه ونزواته، ~~غافلا عن أنه ms195 في شبابه لم يجد في نفسه ما يدعوه إلى الإذعان لأبيه مع حبه ~~له. # بسمارك في سنة 1865. # ويخضع بسمارك لمليكه رويدا رويدا إذن، وتنمو في بسمارك بالتدريج عاطفة نحو هذا ~~الرجل الذي سلم إليه مقاليد الأمور، وتزيد هذه العاطفة بعد موت الملك فتتحول إلى ~~حب تجد رد فعل له في حقده على ولهلم الثاني وبقية ورثته، ويشعر بسمارك في جميع ~~أزمات السنوات العشر الأولى بثبات ارتباطه في مولاه مبصرا ما يبديه من الشجاعة في ~~ميدان القتال ثم فيما يوجه إلى حياته من الاعتداءات. # وما كان الملك ولهلم ليخشى غير «حيل زوجه وانتقادها»، وما كان لأمر أن يخفف ~~حقد بسمارك على النساء، ولا سيما أوغوستا، لمحاولتهن تمثيل دور في ميدان السياسة، ~~ويرجع نفوره من الملكة إلى تلك المحادثة التي وقعت بينهما أيام مارس في غرفة الخدم بقصر ~~بوتسدام، ولم يلطف أي شعور ملكي هذه الكراهية، ولم يعدل هذا النفور ما صدر ~~عن بسمارك من تسامح تجاه النساء حين تكلم عن «حقوق السيدات». # ويحدث بسمارك عن اصطدامه هو وأوغوستا فيقول «إنه أعنف اصطراع وقع في حياته.» ~~وكانت أوغوستا تؤثر في زوجها بدروس تلقيها عليه في مخدعها؛ فما يكون لهذه الدروس ~~من النفوذ البالغ في الملك فموضوع ألم لبسمارك يكاشف به زوجه، ولم تكن أوغوستا التي ~~«أبصرت عيني غوتة» على غير جدوى لتطيق نظر بسمارك في غير حمى مقامها الخاص، ولو كان ~~لدى أوغوستا أي رأي سياسي أو خيال تقيمه حيال ما لديه لأمكن الإعجاب بها حتى ~~في هزيمتها، ولكن لم يكن عندها سوى جمل إنسانية مبهمة يستتر وراءها خوفها من عودة ~~مثل عام 1848. وهي حينما قابلت لدى خلصائها بين الملك ولهلم ووزرائه من ناحية ولويس ~~السادس عشر وسترافورد وبولينياك من ناحية أخرى؛ بدا لها أن بسمارك رأس المؤثرات ~~المهلكة في زوجها، وقد نسيت أنه - لا هي - هو الذي كان على صواب في أيام مارس، وأنه حفظ ~~لها التاج برفضه الموافقة على خططها، وأنها كانت مستعدة لعزو أفظع المثالب إليه بدلا ~~من أن ms196 تعترف بأنه المدافع عن حقوق الملك فتمجده. # وما كان عند بسمارك من سوء ظن وبغض للناس فيقوده في الغالب إلى اعتقاده الخاطئ ~~بأنه مضطهد، ولكن ما كان من صبره في ست وعشرين سنة على «تدخل أوغوستا ومعارضتها في ~~شئون الحكومة» بما لا يطاق فيحفزنا إلى الرثاء له في الحقيقة، ولا غرو، فهذا البطل ~~العاطل من السلاح كان يحتمل ضربات الملكة صامتا، وإذا وقع مولاه تحت نفوذ الملكة ~~أوغوستا، وهذا يحدث وقت الإفطار في الغالب برسائل كتبت لهذا الغرض؛ عرف مصدر ذلك في ~~الحال، وإذا حدث في السنوات الأولى أن ألمع إلى ذلك كانت النتيجة «إنكار ذلك بشدة، ~~فالملك كان يحاول أن يحول دون اعتقادي تلك الأمور ولو كانت صحيحة». # وكان بسمارك لا يحول الملك عن زوجته ليصل إلى غايته إلا بوسائل غريبة ومداورات ~~لطيفة. وفي سنة 1865 يناقش في غاستن # 2 # حول محالفة النمسة، ويبدو كل شيء ضد سياسة بسمارك مرة أخرى، ويبدي ~~الملك له أنه اتصل بالملكة اتصالا سريا، ويذهب بسمارك إلى منزله قانطا لتلك الثرثرة ~~البيتية التي أبصرها، والتي قد تفسد خططه، ويجلس ويكتب عريضة مطولة بخطه لعدم ~~ثقته بغير نفسه في أمور دقيقة كهذه. وفي تلك الوثيقة يقول بسمارك: # أطمع في عفو جلالتكم الممزوج بحسن العاطفة إذا ما جعلني حرصي على خدمتكم ~~العالية أعود إلى ما تفضلتم علي به من الاتصالات، وأشاطر رأي جلالتكم في ~~أن جلالة الملكة تحفظ سر اتصالكم بها، ولكن إذا حدث في كوبلنز أن لمح إلى ~~الأمر أمام الملكة فيكتورية وولي العهد وقرينته نتيجة لصلات القرابة، أو ~~لوح به في فيمار أو في بادن؛ كان ذلك دليلا كافيا على أن السر الموعود ~~لم يحفظ، فينجم عن ذلك إثارة حذر الإمبراطور فرنسوا جوزيف وحبوط المفاوضات، ~~ويؤدي هذا الحبوط إلى محاربة النمسة لا محالة. # ولكم - يا صاحب الجلالة - ألا تنظروا إلى الأمر من حيث اكتراثي لخدمتكم ~~العالية فقط، بل من حيث إخلاصي لشخصكم السامي أيضا، وذلك عند عدم منع نفسي من ~~التفكير في أنكم ذاهبون ms197 إلى محاربة النمسة بمشاعر وشجاعة من طراز غير ما تقضي ~~به الضرورة الصادرة عن طبيعة الأمور وعن واجبات الملك أكثر من صدورها عن رأي ~~مبيت يحمل الإمبراطور، بما كان من إفشاء سر، على إعراضه عن أقصى ما ترضون ~~به من الوسائل، وقد يكون تحسبي مخالفا للصواب، وتحسبي هذا إذا كان في ~~محله، وكنتم - يا صاحب الجلالة - راغبين عنه اعتقدت معه أن الله هو الذي ~~يوجه فؤادكم فأقوم بأمور الخدمة مسرورا، ولكنني أرى إراحة ضميري فأجرؤ على ~~السؤال مع الإجلال عن أمركم إياي - يا صاحب الجلالة - بأن أستدعي الرسول من ~~سالزبرغ برقيا، وقد تصلح الأعمال الوزارية المستعجلة ذريعة لهذا ~~الاستدعاء، ويمكن إرسال رسول غيره أو إعادته في اليوم التالي مع ذلك. وأثق ~~بكرمكم - يا صاحب الجلالة - ثقة احترام فأحس معها أنكم حتى عند عدم ~~موافقتكم على اقتراحي، تغفرون لي ذلك فتعزونه إلى حرصي الخالص على خدمة ~~جلالتكم، لا عن واجب فقط، بل عن غيرة لنيل رضاكم أيضا. # أحقا أن نصف قرن مر على قطب سياسي كذلك رأى من الضروري أن يكتب مثل تلك ~~الرسالة إلى ملك لولا ذلك القطب ما كان لاسمه في التاريخ غير رقم؟ ألا نظن عند قراءة ~~تلك الرسائل أننا تجاه مستعطف يلتمس وساما أو يطلب عفوا؟ إن ما يجري هنا في ~~غاستن هو من الأمور التي أنعم كاتب تلك الرسائل نظره فيها طويلا راجيا أن ينقذ ~~مولاه من الموافقة على الصراع الطويل، وما كان للرب ولا للضمير ولا للواجب ولا للخدمة ~~فعل في ذلك الرأي، وإنما وجد هنالك لاعب شطرنج ماهر يدحر خصمه بحيل بعيدة ~~الغور إلى زاوية فيغلبه في نهاية الأمر، والآن في أثناء أعقد المفاوضات يبصر بسمارك ~~الذي تعب من مكافحته مولاه أن الخطر يحيق بعمله لما قد يفشي من سر خططه بثرثرة ~~البلاط، ويفكر بسمارك في الطرق التي يمكن أن يباح بها سر خطة فينقل من بلاد ~~إلى أخرى، وذلك بأن تطلع أوغوستا الأميرة فيكتورية عليه فيمكن فيكتورية هذه أن ~~تنبئ أمها الإنكليزية به، ms198 فتخبر ملكة إنكلترة فينة أودرسدن بذلك عن ولع ~~أو عن حقد، فيسفر ذلك عن إبطال كل شيء بسرعة. وهل من الغريب إذن أن يزيد ازدراء ~~بسمارك لذوي التيجان يوما بعد يوم وسنة بعد سنة؟ والذي يثير دهشنا هو أن يظل ~~ملكيا! # ولا تجد بين آل هوهنزلرن من يؤيده، ويبدو فردريك خصما معاكسا لحذر الملك، ~~وتؤثر في فردريك هذا زوجه الأرقى منه ثقافة، ويدخل فردريك مبادئ الإنكليز العادلة ~~من غير أن يكون لديه من القوة والبسالة ما يحمل على انتحالها في وطنه، ويجرؤ فردريك على ~~المغامرة مرة واحدة، ويشتد الصدام، فلما أصدر بسمارك مراسيم ضد الصحافة واستقبل ~~ولي العهد وزوجه في دانزيغ تشجع وصرح في دائرة البلدية بقوله: «يؤسفني أن يكون ~~حضوري هنا في وقت يوجد فيه خلاف بين الحكومة والشعب فيدهشني خبره، ولا أعرف شيئا عن ~~المراسيم التي أوجبت ذلك، فقد كنت غائبا، ولم أشترك في تلك التدابير.» # وتنشر تلك الخطبة في جميع صحف بروسية ويقرؤها الملك، فيشق ذلك عليه، لا لما ~~تؤدي إليه من نيل ابنه حظوة لدى الشعب؛ بل لما أبصره من خطر يصاب به مبدأ الطاعة ~~الذي هو قوام جيشه، وهو الذي تعود الجندية وغدا مؤمنا بالنظام، أجل كان ولهلم ~~في وضع مماثل منذ عشر سنين، غير أنه لم يدع غضبه على فردريك ولهلم يعدو جدر ~~غرفته، غير أنه لم ينبس بكلمة في إبان حرب القرم. وولهلم اليوم يسخط على فردريك ~~لجهره بالاحتجاج على ذلك الوجه، وماذا يصنع بسمارك؟ كان يمكن بسمارك أن يحمل الملك في ~~تلك الحال على إهانة ولده، كان يمكنه أن يحفزه إلى استدعائه أو وقفه أو اعتقاله، وهذا ~~ما فكر فيه الملك فعلا، ولكن بسمارك نصحه بالصفح عنه، وهل قصد بسمارك بذلك أن ~~يستميل ولي العهد؟ كلا! وإنما أراد أن يحرمه ما قد تسفر عنه مجازاته من تزيينه ~~بإكليل مجد، ويقول بسمارك للملك الشديد الولوع بالتوراة: «عامل الابن أبشالوم برفق، ~~وإياك والعمل عن غضب، وسر مع ما تقتضيه مصالح الدولة، وإذا ما كان ms199 هنالك خصام بين ~~فريتز الشاب وأبيه كان عطف الشعب كله إلى الابن.» فبمثل هذه الكلمات المختارة ~~بعناية يسوي بسمارك الأمر. # بيد أن ولي العهد حر في قول ما يود خفية، وكما أن ولي العهد يمقت بسمارك ~~في الوقت الحاضر أكثر مما في الماضي تراه يلعن سياسة بسمارك اللاشعبية، ويرفض ولي ~~العهد الاستمرار على الاشتراك في مجلس الوزراء، «لأنني خصم بسمارك الجازم»، ويمضي بعض ~~الحين فيلتقي الرجلان فيسأل بسمارك فردريك عن سبب ابتعاده عن حكومة ستكون قبضته بعد ~~سنوات قليلة، والأصلح أن يبدي ولي العهد من خلافاته ما يسهل معه ~~الانتقال. # آلانتقال؟ تكهرب هذه الكلمة ولي العهد، «ويرفضها بشدة معتقدا، كما لاح لي، أنني ~~راغب في تمهيد السبيل لانتقالي إلى خدمته، وتمضي سنوات فلا أستطيع أن أنسى ما كان من ~~تصعير خده عند مخاطبته، ولا أزال أتمثل، بعد ثلاثين سنة، شموخ أنفه واحمرار وجهه وشفونه # 3 # إلي من فوق كتفه اليسرى، وأكظم غيظي، وأفكر في كارلوص وألبا، ~~وأجيب عن ذلك بأنني حينما نطقت بكلمة الانتقال قصدت مسألة البيت المالك، راجيا أن ~~يعتقد أنني لا أحاول نصبي وزيرا له ذات يوم، ولن أكون ذلك، وقد سكن عنه الغضب بسرعة ~~كما بدأ، فختم الحديث بمودة.» # ونتمثل الرجلين في قاعة فخمة بين بابين، ونبصرهما واقفين لابسين بزتين ~~رسميتين ومتقلدين سيفين، ويا لهول الساعة! ويا لهول ما أهين به زهوه! ولم ~~يحدث قبل ذلك أن نظر إليه رجل بمؤخر عينه ومن فوق كتفه تكبرا، ولم يقع مع ذلك ~~سوى احتماله تلك النظرة البغيضة بدلا من امتشاق # 4 # حسامه غسلا لذلك العار، ولكنه كان يعرف فكر خصمه، فينطق بصوت خافت ~~قوله: «لن أكون ذلك!» # | الفصل الثالث # وإذا عدوت أولئك الخصوم الأمراء بدمهم وجدت لبسمارك خصوما عن عاطفة وعن أسباب ~~ذهنية، ويصنفهم بسمارك بعد زمن إلى صنف أول وثان وثالث. # وإذا عدوت رون وحده لم تجد بسمارك منسجما مع أحد، ولا تقرب ثقة وثيقة بين ~~بسمارك وأي واحد من الوزراء والقواد ورجال البلاط وزعماء الأحزاب، ولا ينتسب ms200 بسمارك ~~إلى أي حزب كان في الحقيقة، ويرى بسمارك في جريدة كروززايتنغ ولويس غرلاخ ~~تطرفا شديدا، ويراه شيب الأحرار متطرفا، وتراه يحارب الشمال جهرا، وبسمارك لا ~~يبدي صداقة فحولة لغير الجندي الحمس رون، فلا يكدر هذه الصداقة أي اختلاف في ~~الرأي حول الأمور الذهنية، وبسمارك لم يمنح رون إجازة ستة أشهر سوى مرة واحدة غير ~~مرتاح لها فيقول : «لا غنية لي عن الاعتماد على درايتكم السياسية؛ وذلك لأنني لا أعلم ~~أحدا أكل ملحا مع المعلم أكثر مما أكلتم.» # ويستدعي بسمارك صديق حنة الموسيقي كودل لما بينهما من ثقة متبادلة، وتمضي بضعة ~~أسابيع فيتصادما؛ فقد أوصى كودل بسمارك كتابة بأن يستند إلى الرأي العام في المسألة ~~الدانيماركية، وقد أخبره بعزمه على الاستقالة والرجوع إلى الموسيقى عن ود عند عدم ~~موافقته على ذلك، ويستدعيه بسمارك في اليوم التالي، ويقول له «بصوت مكبوت، ولكنه صوت ~~ثائر كما هو ظاهر»: «ما هو السبب في كتابتك هذا الكتاب إلي؟ إذا كنت تظن أنك ~~تؤثر بذلك فيما أقرر قلت لك إن ذلك لا يناسب سنك، أيجوز لك - وأنت الذي عرفني ~~جيدا ومنذ زمن - أن تذهب إلى أنني أركب هذا المركب الصعب عن طيش، وكمرءوس، من غير أن ~~أتزود بالذرائع التي أسوغ بها سلوكي أمام الله؟ إنني لا أصبر على ذلك، ولم يخالط ~~النوم جفني منذ ليلتين، ولا أرى ما يبعث على استقالتك، وإنما أردت أن أدلك على ~~عمق الجرح في صدري!» ويطلب كودل العفو ويسترد كتابه، ويقول بسمارك: «والآن سوي ~~كل شيء، وإذا حدث أن كان لديك ما تختلف به عني مرة أخرى فلا تكتب إلي ذلك، وإنما ~~كلمني في ذلك.» # ذلك هو أمر بسمارك الوحيد، ذلك هو أمر بسمارك تجاه ذلك الذي كان على وئام معه منذ ~~خمس عشرة سنة، والذي عرف زوج بسمارك منذ أكثر من هذه المدة، والذي هو تابع لبسمارك في ~~الساعة الحاضرة فينصحه بأدب لينسجم مع الصوت العام حول المسألة، فيسلبه ذلك ما لم ~~تقدر شتائم الصحافة عليه من الرقاد، وأنت ms201 يا بروتوس؟ وعلى ما كان من رتق ما ~~بينهما من فتق لم تعد صلة أحدهما بالآخر إلى ما كانت عليه، وما كان لكودل أن ينال ~~من الحرمة لديه ما ناله شلوزر، وما كان كودل غير ظهير موهوب وموسيقي لوذعي، ~~وما كان كودل عاملا يعتمد عليه القطب السياسي ~~بسمارك. # وتجد وزارة الخارجية في مجموعها معارضة لرئيسها، «ولكن هذا لا يزعجني» وهو؛ لما ~~أبصر من سعي سفرائه في الخارج ضده اتخذ خطة دفاعية في ميدان جديد، ويطمع أوزدوم ~~في فلورنسة وغولتز في باريس أن ينالا منصبه فيكتبان إلى الملك ضد سياسته رأسا، بيد ~~أن الملك وفي لوزيره، ولا يود الملك أن يخون وزيره على غرار أخيه فردريك ولهلم ~~في حال مماثلة، فهو يسلم إليه تلك الكتب ليجيب عنها، وبسمارك مع ما كان من إرساله ~~منذ ثمانية أعوام رسائل خاصة إلى الملك وإلى غرلاخ ضد سياسة رئيسه لا تراه الآن ~~متسامحا في ذلك بعد أن غدا رئيسا للوزارة، وبسمارك العبقري لما كان من وقوفه فوق ~~الأخلاق لم يسلم بتماثل الأسلوبين، أسلوبه وأسلوب أوزدوم وغولتز، فحظر على سفرائه ~~ما أباحه لنفسه أيام كان سفيرا، ولنا في الوجه الذي حرم به بسمارك ذلك في كتاب أرسله ~~إلى غولتز على الخصوص - وبسمارك هو الذي نصبه سفيرا بباريس - مثال ساطع على الطريقة ~~الفريدة التي يمزج بها بين اللهجة الرسمية واللهجة الودية؛ فقد جاء في ذلك الكتاب ~~الذي خطه بيده: # لا أحد ينتظر تقارير تنطوي على صدى ~~لرأي الوزارة فقط، ولكن تقاريركم ليست من النوع المعروف، بل هي من المعروضات ~~الوزارية التي تشير على الملك بسياسة معاكسة، وتصادم أفكار كتلك قد يسفر عن ~~ضرر لا ضرورة له، وهو لا خير فيه على كل حال؛ وذلك لما يؤدي إليه من ~~التردد وعدم الاستقرار. وعندي أن كل سياسة هي أفضل من السياسة المذبذبة، ~~وأقدر ما لديكم من بعد نظر في السياسة، ولا أعدني غبيا في الوقت نفسه، ~~وأراني مستعدا لسماع قولكم إن هذا يخادع نفسه، ومن المحتمل أنكم تقدرون لي ms202 ~~وطنيتي وقوة عارضتي إذا ما أخبرتكم أنني أعالج منذ أسبوعين ما ورد في تقريركم ~~من المسائل. # ولكن كيف أفضي إليكم بمكنون فؤادي وأنتم تعربون بشيء من الصراحة عن عزمكم ~~على مكافحة الوزارة الحاضرة ومناهضة سياستها وإسقاطها، إذا كنتم على ذلك من ~~القادرين؟ ولا مناص لي وزيرا من أن أكاشف سفير باريس بكل كلمة من سياستي في ~~جميع صلاتي به، ما لم توجب مصالح الدولة عكس ذلك، وما يكون عرضة له كل من ~~هو في وضعي، وذلك في صلاته بالوزراء والمستشارين والبلاط والمؤثرات ~~السرية والمجالس والصحافة والقصور الأجنبية، من الاحتكاك والدعك فمما لا ~~يجوز زيادته بلغم النظام في دائرتي بالمنافسة بين الوزراء والسفراء. ومن ~~النادر أن أكتب ليلة عيد الميلاد مطولا إلى سواكم على حين أرى جميع الموظفين ~~في الإجازة، وأرغب عن كتابة ما يعدل ربع هذه الرسالة إلى غيركم، وأصنع ذلك ~~تجاهكم؛ لأنني لا أود أن أجيبكم رسميا وبطريق المكاتب سائرا على منوال ~~الأسلوب الذي تشتمل عليه تقاريركم، وإذا كنتم تريدون إسقاط الوزارة فما عليكم ~~إلا أن تفعلوا ذلك هنا في المجلس وفي الصحافة وعلى رأس المعارضة، لا بطريق ~~منصبكم الحاضر. وفي تلك الحال أهتدي بمثلكم الخاص القائل إن الفصل للوطنية ~~عند الخلاف بين الوطنية والصداقة، وثقوا بأن وطنيتي بلغت من المتانة ~~والنقاوة ما لا تقاس الصداقة بجانبه، مع بقاء هذه الصداقة قلبية. # ومن شأن ذلك الكتاب أن يفحم المرسل إليه، ووجه الاستعلاء فيه هو زيادة الغيظ ~~المشروع بمقادير محكمة من الاحترام والتهديد تبلغ درجة صدم قلب صديق، وعلى ما كان من ~~عدم استعماله عبارة دامعة تراه قد ترك منافسه غولتز يبصر ما ينتظره من حياة صعبة إذا ~~ما أراد إسقاطه، وبسمارك لما يعرف من منزلة غولتز لدى الملك قد ذر السكر على ~~دواء الرفض فجعل غولتز لا يرى في ذلك الكتاب عن زهو غير ثناء رئيسه عليه وإعجابه به، ~~ولم ننقل غير ربع ذلك الكتاب الذي هو من الأوابد، وهو على جانب كبير من الذوق ~~الفني فيجدر إنعام النظر ms203 فيه كثيرا كما ينظر إلى تمثال كلاسي، # 1 # ونرى أن كتابا كهذا يكفي وحده للدلالة على علو كعب كاتبه في ~~الدبلمية. # ويحاول آخرون أن يزعجوا الرئيس البصير بالاستقالة، وقد كان محافظ شليسويغ صاحبا ~~قديما لبسمارك وصديقا للملك فيلتمس السماح له بالاستقالة لتعبه من تدخل وزارة ~~الخارجية المستمر في المسائل الجزئية، فاسمع جواب بسمارك: «إنني مستعد لأعرض على ~~الملك ما أنتم فيه راغبون، ولكنني أعدكم بتنفيذ سياستكم تنفيذا وثيقا وبألا أزيد ~~متاعب الوزارة إذا ما عينكم الملك وزيرا للخارجية وجعلني محافظا لشليسويغ. وإذا حدث ~~أن أعلنت نصبي في تلك الحال فنلت ما أصبو إليه من الاعتزال أضعت راحة الضمير الذي ~~أطمئن به إلى قدرتي على خدمة الملك والوطن؛ فلذا أطلب إليكم من صميم فؤادي أن تقبلوا ~~هذا الكتاب دليلا على الثقة الأخوية التي أحملها لكم على رءوس الأشهاد.» # وهل هذا هو رجل الحديد والدم؟ هذا هو بسمارك الغاوي. # وغير ذلك لهجته تجاه أعدائه الأحرار، فهنا يترجح بين الازدراء والسخرية، وشأن ~~بسمارك في ذلك هو كشأن كل طاغية من طغاة القرن التاسع عشر في إلباس ما يصنع لباس ~~العدل والقانون، فهو يبدأ «بتفسير» الدستور الذي يود خرق حرمته في سبيل الجيش، وفي ~~الدستور يجد من الدقائق ما يهزأ به في نفسه، وفي الدستور عوامل ثلاثة غير متطابقة ~~إذا أريد المخرج. وبسمارك يتكلم عن حقوق التاج التي لم ينص عليها الدستور فيعيد ~~النظام الذي غضب حين أبصره ينهار في مارس سنة 1848، وبسمارك يصرح أمام ~~اللندتاغ بأن تحل المعضلة كما جاء في قوله: «بما أن الجهاز الحكومي لا يمكن ~~أن يقف فإن المنازعات القانونية تنقلب إلى منازعات قوة، فهنالك يسير صاحب القوة ~~وفق أفكاره.» # ولم تلبث هذه الكلمة أن فسرت بكلمة «القوة فوق الحق»، وبسمارك وإن اعتقد هذا في ~~الأوقات الحاسمة لم يكن من الجنون ما ينطق معه بها، وما كان جوابه عن ذلك التفسير إلا ~~قوله: «لم آت بأي حل كان، وإنما أشرت إلى أمر واقع.» # وبوثبة خطرة كتلك يصل بسمارك وحده إلى ms204 حافة الهوة التي يود أن يقع الصدام ~~فيها، ثم يحمل مجلس الأعيان على إقرار الميزانية كما هي، ويقرر مجلس النواب عدم ~~دستورية ذلك القرار، وينهض بسمارك في مكانه ويدعو النواب إلى القصر في الساعة ~~الثالثة، وهنالك يخبرهم بأن الملك عزم على تنفيذ الإصلاحات، ويفض اللندتاغ، ويعلو ~~صراخ جميع صحف بروسية، ويطالب بعضها بالقبض على هذا الوزير، ويرى المحافظون أن الخير ~~في عزله، وقد بقي من هؤلاء أحد عشر شخصا مع ذلك، وكان يمكن حزمهم في عربة نقل كما ~~يقول أهل برلين! # وتحل الدورة الآتية بعد ستة أشهر، ويتخذ من التدابير ما هو أقسى من التدابير ~~السابقة، وفي أثناء ذلك يشتد الصدام في الجرائد وفيما يلقى من الخطب، ويصفه لوسيوس ~~من فوق المنبر ب «أنه كان يلبس بزة مدنية، وأنه كان ذا شاربين كثيفين أشقرين ~~نحاسيين كما بقي من شعره، وأن قوامه الطويل كان قويا مؤثرا على المقعد ~~الوزاري، وأن رصانة وضعه وما يبديه من حركات وما ينطق به من كلام أمور تنطوي على ~~التحريض، وأنه كان يضع يده اليمنى في جيب سرواله الزاهي، وأنه كان يذكرني كثيرا ~~بضجيج الحضور في مباريات التلاميذ.» وما في كلامه من الإثارة فمثل ما في سلوكه، ~~ويتكلم بذلاقة أعظم مما في الأسابيع الأولى حين كان مترجحا بين الحكم مع ~~اللندتاغ أو ضده، وفي ذلك يقول شلوزر: «إنه كان يتلعثم فيفلت زمام كل كلمة ~~منه حينما كان يحاول أن يركب حصانين دفعة واحدة!» # والآن يتكلم من عل؛ «فالحكومة ستشهر كل حرب تراها ضرورية، سواء على المجلس ~~أرضي عن ذلك أم لم يرض»، ويقول في وقت آخر: «إن مملكة بروسية لم تقم برسالتها بعد ~~مع أنه ولد منذ أربع سنوات - وفي مثل هذا اليوم - وارث لعرشها، ولم تعد هذه ~~المملكة بعد لتعمل عن زينة بأسلوبكم الدستوري.» وكان الملك قد رجا منه في الصباح أن ~~يتكلم بذلك المعنى، وكان هذا في اليوم السابع والعشرين من شهر يناير. ووارث العرش الذي ~~كان في الرابعة من عمره في ذلك الزمن ms205 والذي أشار بسمارك إلى قادم سلطانه هو الذي سيدعى ~~ولهلم الثاني بعد حين. # وبسمارك في السنوات المقبلة يثبت أنه أعلى من أولئك الذين يكافحونه في تلك القاعة، ~~ومن يود أن يتبين ذلك بإنصاف فليقرأ تاريخ السنين الخمسين القادمة التي صارت ~~الآن من سنوات الماضي، وما وفقت أوروبة لنيله حتى ذلك الحين، وما حدث في جميع ~~البلدان قبل الحرب العالمية وبعدها؛ فقد كان منصوصا عليه في برنامج الحزب البروسي ~~التقدمي الفتي الذي كان لا يرغب في غير «جمهورية يرأسها ملك» على غرار حكومة ~~الشعب في إنكلترة؛ فرجال هذا الحزب وحلفاؤهم الديمقراطيون الاشتراكيون هم الذين ~~كان بسمارك يخشاهم - على الخصوص - في كتابه إلى صديقه موتلي، حيث وصفهم بقلة الخبرة في ~~السياسة الخارجية، وما كان من عدم تدريب الشعب الذي ظل حتى الأمس خاضعا لملك مطلق ~~والذي سارت الدولة والثقافة فيه على طريقين منفصلين فأمر بدا طبيعيا لدى ~~الأحزاب الحرة في أوائل أمرها، وعلى ما كان من إخلاص أعضاء هذه الأحزاب وحسن ~~تعليمهم تجدهم غير عمليين عاطلين من الابتداع فكان هؤلاء الخياليون يجلسون على تلك ~~المقاعد شاخصة أبصارهم إلى المستقبل تجاه ذلك الواقعي الذي ينعم النظر في الحاضر ~~بعينه النفاذة، فيحاول أن يهيمن عليه بوسائل الماضي. # وكان فيرشوف أكثر التقدميين إمتاعا، وكان أحدث من بسمارك سنا ببضع سنين، وكان ~~صغير الجسم دقيق البدن تجاه بسمارك النشيط العملاق، ونشأ فيرشوف في بيئة فقراء الطبقة ~~الوسطى محبا للتعليم طامحا في شبابه أكثر من بسمارك مماثلا له في التحليل، وإذا ما ~~قابلنا بين الكتب التي دبجها يراعه في العقد الثالث من عمره والكتب التي كتبها ~~بسمارك في مثل تلك السن حول موضوعات واحدة؛ وجدنا ذلك الطبيب الشاب الناهض الباحث ~~خلف هذا الشريف الخلي العدمي المتواني، فكل شيء في فيرشوف مبهم وهمي طائش، ~~وكل شيء في بسمارك وليد تأمل ورصانة، ويقول فيرشوف لأبيه دوما إنه ذو مشاعر، ولكنه ~~كاتم لها، فهل كان يحن إلى المشاعر على هذا الوجه؟ إن في فيرسوف ثقة قوية بنفسه ~~فتغمرها أفكار غير ms206 عملية مقتبسة من سواه فتتدحرج تحت الموج، «ولا أستطيع أن أكون ~~غير جمهوري؛ لأنني عالم طبيعي، فتحقيق الرغائب التي توجبها سنن الطبيعة ~~والرغائب التي تنشأ عن طبيعة الإنسان لا يكون إلا في نظام جمهوري.» والحق أن ~~تلك السنن الطبيعية تسوقه إلى النتيجة الفاضحة القائلة: «إنني شرحت ألف جثة، فلم ~~أجد للروح أثرا فيها.» # وتبصر رسائل بسمارك حافلة بأشخاص وأشياء مشاهدة مغربلة محقرة عادة، ~~مجربة دوما، وتبصر رسائل فيرشوف حافلة بألفاظ باهرة، وما كان من وعده بترك ~~الاضطراب السياسي في سبيل منصبه في خدمة الدولة فصواب كتنكر بسمارك بحلق ذقنه في ~~أيام مارس سنة 1849، وكلا الرجلين يبدو هاويا للسياسة في الثلاثين من سنيه، ولكن ~~بسمارك بينما كان مالكا من الدرجة الثانية كان فيرشوف حجة في التشريح المرضي، ~~فضلا عن أنه كان ناقدا اجتماعيا على مقياس واسع حتى في فتائه، ثم يدرس بسمارك علم ~~السياسة درسا أساسيا مدة خمس عشرة سنة، على حين يدرس فيرشوف علم الحياة، فلا عجب ~~إذا ما قهر فيرشوف من قبل بسمارك المطلع على جميع أمور أوروبة، ولو كان فيرشوف ~~ذا عبقرية سياسية. # وليس في جدالهما باللندتاغ ما يشرفهما، ومما يوجب حيرتنا ما نبصره من تبديد ~~رجلين عبقريين مثلهما لوقتهما الخاص ولوقت أبناء الوطن حول تلك الحماقات. # بسمارك ~~: # ألا يرى العضو المحترم أنه يمكن خطيبا هاويا لعلم التشريح أن يدعم بنسبة ~~أهليته، وذلك أمام حضور عاطفين عليه سياسيا وشخصيا، وذلك مع عدم تعمقهم في مثل ~~ما عند العضو المحترم من العلم، وذلك ببلاغة أقل مما أتاه العضو المحترم، رسالة في ~~علم التشريح يعرف العضو المحترم عدم صحتها بصفة كونه خبيرا في الموضوع، ولكن مع ~~تعذر رفضها في غيبة أناس عالمين بدقائق الموضوع مثله؟ # فيرشوف ~~: # أود أن يكون لرئيس مجلس الوزراء من الصيت بين الدبلميين بأوروبة مثل ~~الذي نلته بين زملائي في دائرة اختصاصي، هو لا يمكن تعريف سياسته، وقد يقال ~~أيضا إنه لا سياسة له، وإنه لا رأي عنده في السياسة القومية، وإنه لا معرفة ~~لديه في الشئون ms207 الوطنية. # بسمارك ~~: # أعترف بأن للعضو المحترم مكانا عليا في دائرة اختصاصه، وأعترف بأنه ~~يفوقني في هذا المضمار، ولكن العضو المحترم إذا ما ابتعد عن منطقته ودخل ~~منطقتي معتديا؛ أمكنني أن أقول له: إنني لا أجد غير وزن قليل لرأيه في ~~الأمور السياسية، ولي أن أقول غير مبالغ - أيها السادة - إني درب بهذه ~~الأمور أكثر منه ~~(قهقهة) ~~، ويتهمني العضو ~~المحترم بعدم فهم السياسة القومية، فأستطيع أن أرد التهمة إليه مع حذف ~~الوصف، فأقول: إن العضو المحترم لا يفقه من السياسة شيئا.» # ولو اختصم ممثلان روائيان في المشلح # 2 # حول خطرهما وحظوتهما لدى الناس ما كان لهما غير شأن الخطيبين (فيرشوف ~~وبسمارك) الهزيل في اللندتاغ البروسي، ويضع فيرشوف في يوم آخر إخلاص رئيس الوزراء ~~موضع الشك، فيدعوه بسمارك إلى المبارزة، ويجيب فيرشوف على ذلك بإبهام في بدء الأمر، ~~ثم يصرح أحد التقدميين بعدم المبارزة فيرسل فيرشوف إذ ذاك رفضه، وكان هذا ~~التحدي آخر نزوات الشباب في بسمارك، وكان بسمارك آنئذ في الخمسين من سنيه. # ويأخذ بسمارك حذره وزيرا، فيزيد نفوذا. # سيمسون ~~: # تلك السياسة هي قصيدة رجل ليس بشاعر، ويمكننا أن نشبه بسمارك بالبهلوان # 3 # الذي نعجب به لأنه لا يسقط عن الحبل أبدا، وما يناله البهلوان ~~من الإعجاب فمما لا يلائم ذوق جميع الناس مع ذلك. # بسمارك ~~: # لا أود أن أقحم نفسي في جدال حول مسائل اللياقة والذوق السليم. # وهكذا يعامل خصومه جزرا ومدا، ولكن الأمر إذا مس الجهاز الحكومي لم يستحوذ ~~على بسمارك ذي الحذق المنوع سوى استعمال العنف، وما كان من إمكان ممارسة بسمارك ~~حكما استبداديا فقد بدا له نتيجة للصدام مرغوبا فيها، فبسمارك لم يكن ليأمل - في ~~الحقيقة - سوى تمثيله دور بيل أو دور أوكونيل الذي حلم به منذ خمس عشرة سنة، وما كان ~~من اتصاف بسمارك بالاعتداد بالنفس والطموح إلى السلطان فمن شمائل المستبدين؛ ولذا لم ~~يرتح للدستور في السنوات الكثيرة القادمة ارتياحه له في النضال الذي دام أربع سنين، ~~وبسمارك لا يساوره هم تجاه حقوق الشعب، وبسمارك ms208 لا يشعر بالخطر كما لو كان يصطاد ~~دببة أو غيرها، وبسمارك يهنئ نفسه لإمكان وقوع مثل تلك المغامرات «في بلد ممل ~~كبروسية». # والآن يصب جام الانتقام على عدو المستشارين الخصوصيين، والآن يفرغ بسمارك ~~للسلسلة الكبرى التي تدير أمور الدولة، فعلى من لم يتبع تعليماته اتباعا حرفيا ~~أن يستعفي، ويبدأ بسمارك فور نصبه بعزله من القضاء والإدارة كل من كان - أو ~~يشتبه أنه كان - من ذوي الأفكار الحرة، فيرد أكثر من ألف موظف هذا المورد في ~~السنوات الأربع الأولى، ويناضل أعضاء حزب التقدم عن هؤلاء الضحايا فيغدون عرضة ~~للاضطهاد مثلهم، ويحال الضباط الأحرار المحليون إلى التقاعد من قبل محاكم الشرف، ~~ويحال إلى نصف المعاش عمد البلد ومستشارو البلديات وجباة النصيب وموظفو المصرف ~~ومطعمو الجدري، ويجازى موظفو العدل، فينقلون وتخفض رواتبهم ويحرمون رواتب ~~تقاعدهم. # ويأتي دور الصحافة في نهاية الأمر، فيسار على الطريقة الروسية فتصدر مراسيم ~~صحافية أشد من التي وضعها نابليون الثالث، فلا يقف جريدة لأجل قصير بسبب مقالة ~~تنشرها بل يقفها نهائيا بسبب مسلكها العام، وذلك كله تحت ستار الأخلاق، وذلك ~~كله استنادا إلى نصوص من الدستور، «فلا بد للهياج غير الطبيعي الذي ساور النفوس ~~في هذه السنوات الأخيرة نتيجة لهرج الأحزاب ومرجها من أن يفسح في المجال إلى حال ~~نفسية أكثر هدوءا وإنصافا»، ويستشهد بسمارك بالله وبالأخلاق ليقنع الملك بما تنطوي ~~عليه تلك التدابير من عدل أساسي، ويرى بسمارك أن يتذرع بمثل هذه العلل لإقناع حنة ~~أيضا؛ وذلك لما بقيت عليه أمها من القوى العقلية. وبسمارك لم ينس بعد ما كانت قد ~~كتبته هذه العجوز إلى ابنتها عن ثوار المجر وما كان من جوابه حول هؤلاء، وبسمارك ~~ليس محتاجا إلى هذه المعاذير ليسكن وجدانه؛ فهو يزدري الجمهور، وما يشعر به من قوة ~~في نفسه فيكفي لقهر هذا الجمهور. # وكان حب بسمارك للقوة أكثر من حبه للحرية، فكان بهذا ألمانيا كما كان بغير ~~هذا. # | الفصل الرابع # كانت ألمانية بأسرها تفرح بما يقع في بروسية من الصراع، وإن كان هذا الصراع ms209 يسفر عن ~~ازدياد الحكومة قوة شهرا بعد شهر، وتعلق الدويلات الرجعية أهمية على ما كان من ~~سماحها بالمناقشة في الميزانية، وفي سكسونية يأذن بوست في إقامة مهرجان شعبي، ~~احتفالا بذكرى معركة الأمم؛ وذلك لأنه لا يحتفل في بروسية بتلك الذكرى إلا مع ~~الموسيقى العسكرية، ويوعز بوست إلى الشاب تريشكه بأن يلقي خطبة نارية حول حرية ~~ألمانية إزعاجا لزميله ببرلين، وتسر فينة على الخصوص، ويشمل شميرلينغ مشروع ~~دستور بعين رعايته، ويجد رشبرغ حلا للمعضلة الألمانية، ويستطيع ثوري سابق بسيط من ~~«أبناء الطبقة الوسطى» أن يبسط مشروعا للتوفيق بين الحرية والشرعية، وبين النمسة ~~وألمانية في عشر دقائق! # ويرى آل هابسبرغ اتفاق الروس والبروسيين فتخفق قلوبهم من أجل البولونيين ~~الثائرين، والواقع أن ثورة بولونية ضد القيصر في أوائل سنة 1863 كانت موفقة؛ وذلك ~~لأن غورشاكوف نفسه هو الذي كان يقود أصدقاء بولونية في سان بطرسبرغ؛ وذلك لأن رسل ~~الحرية في الغرب كان يمكنهم أن يستروا عداوتهم لروسية وراء كلمة الحرية القومية، ويبدأ ~~نصف أوروبة بالكلام حول إقامة دولة حاجزة، ويبدي نابليون الثالث حماسة في سبيل الحرية ~~لولع الفرنسيين بغزليات شوبن الليلية، وتشتد الأزمة ويخشى صدور إنذار كما في ~~سنة 1854، وقد يتوقف كل شيء على بروسية، وماذا صنع بسمارك؟ عقد من فوره اتفاقا ~~عسكريا مع القيصر؛ راغبا في اغتنام تلك الفرصة واجتذاب ذلك العاهل إلى جانبه. # سفير إنكلترة ~~: # لا تسمح أوروبة للجيوش البروسية بأن تخف إلى نصرة روسية. # بسمارك ~~(بهدوء) ~~: # وما هي أوروبة؟ # سفير إنكلترة ~~: # هي أمم عظيمة كثيرة. # بسمارك ~~(مستفسرا) ~~: # هل هي متفقة» # ولم يلق بسمارك جوابا عن سؤاله هذا، ولم ينفك بسمارك يسبر غور هذا السؤال في ~~اثنتي عشرة سنة، وهذا هو السؤال الذي أدى إلى ترتيبات واحدة أو متماثلة في ثلاث أزمات ~~كبيرة. ويزن بسمارك جميع احتمالات الوضع في مائة مذكرة وتقرير ورسالة يكتبها في ~~ليال طويلة، والآن يستطيع بسمارك أن يوسع لعبته بسرعة واطمئنان كلاعب الشطرنج ~~الماهر. # وفي اللندتاغ يصرخ الأحرار قائلين: «تسلم الحكومة منطقة مساحتها خمسمائة فرسخ ~~مربع إلى ms210 فظائع حرب يشنها الروس! لا ينبغي للدم البروسي أن يسفك في سبيل سياسة ~~طائشة كتلك! نزج بأنفسنا - من غير ضرورة - شركاء في مجزرة بشرية هائلة تنظر إليها ~~أوروبة كلها بعين السخط!» ويضع بسمارك بأدب السؤال الآتي تجاه خطب تويستن ~~وفالدك وفيرشوف تلك: «أتدع بولونية - إذا ما استقلت - جارتها بروسية قابضة على زمام ~~دنزيغ وتورن؟ ألا إن التضحية بالنفس في سبيل القوميات الأجنبية على حساب الوطن مرض ~~سياسي خاص بألمانية». # والأمر بين؛ فبسمارك على حق من حيث سياسة القوة؛ فما يريد أن يفعله في الساعة ~~الراهنة فلا ينطوي على بغض لبولونية أكثر من ميل إلى روسية، فيسهل على دولة بولونية ~~تبعث من جديد أن تصبح خطرة بمحالفتها روسية وفرنسة، ولكن بروسية إذا ما أزالت مخاوف ~~القيصر المزمنة حول فتن تشتعل في بولونية بإمداده بما يحتاج إليه من العون غدا من ~~العسير على القيصر إسكندر أن ينحاز إلى النمسة في تصفية الحساب بين بروسية والنمسة، ~~وبذلك يمكن بسمارك أن يشري صداقة القيصر بثمن بخس؛ فما كان قراره ليوجب شهر حرب أو ~~سفك دم، وما كان قراره ليكلف أكثر من إمضاء ومن بغضاء البولونيين، وبسمارك ~~يتلقى حكما بالموت من وارسو في علبة صغيرة موثقة بحبل وعقدة سوداء وبيضاء، ~~ويتلقى بسمارك حكما آخر بالموت من برشلونة جاء فيه: «إن اللجنة الثورية للدعاية ~~حكمت عليك بالموت مجمعة، فعينت الأسبوع الأول من الشهر القادم للتنفيذ.» # بيد أن بسمارك لم يخف ذلك؛ فالشجاعة هي أجمل ما ورثه هذا الصنديد كابرا عن كابر، ~~ولولا الشجاعة ما استطاع في العقد السادس من عمره على الأقل أن يشق طريقه وحيدا إلى ~~الهدف رابط الجأش غير هياب، فيصمد لتهديد المجلس وريب الملك ونفوذ الكلمة وضغائن ~~القصور ودسائس السفراء ثم لمسدسات المثاليين المتعصبين، ولو لم يبق شيء مما بنى ~~بسمارك، ولو ظهر أن كل ما صنع بسمارك هو من الخطأ؛ لظل مثالا عاليا للشجاعة ~~الأدبية لدى الألمان، وعنوان بسالة ثبت عطل الأمراء وزعماء طبقته منها، فكان ذلك سبب ~~خسرانهم بعد حين. # وكانت ms211 المكايد في فينة أكثر من الشجاعة في بوتسدام، فيرى القوم فيها تلك اللهجة ~~الجديدة من البلف # 1 # ويضحك أولياء الأمور في النمسة من زمجرة شمال ألمانية، وقد كانوا يبتسمون ~~من برنامج بسمارك، وكان بسمارك قد قال لكاروليه بعد تسلمه منصبه بقصير وقت: «لا ~~بد من تحسن صلاتنا أو فسادها، وتود بروسية أن تصير تلك الصلات إلى أحسن مما ~~كانت عليه، ولكننا إذا ما أبصرنا عدم تساهل من مجلس الوزراء الإمبراطوري لم نتردد في ~~سلوك النجد # 2 # الثاني والاستعداد له. وتستطيع النمسة أن تختار بين ترك سياستها العتيدة ~~في معاداة بروسية، وترك فكرة عقد حلف شريف، وأراكم ترون احتياجنا الكبير إلى ~~الحماية، فالواجب يقضي علينا إذن بأن نثبت بالأعمال خطأ هذا الافتراض إذا لم تنظروا ~~بعين الجد إلى أقوالنا وآمالنا.» ولم يحدث منذ شباب فردريك أن خاطب بروسي سفير آل ~~هابسبرغ بمثل ذلك، غير أن كاروليه كان في الحقيقة معجبا بالوزير الخصم بسمارك، ~~وكان له من مجريته ما يحول دون إثارته ضجيجا على غير جدوى؛ فقد جاوب عن ذلك ~~مؤدبا بسؤاله: «وأين نجد العوض؟» # بسمارك ~~: # إن أقرب شيء إلى الطبيعة هو أن تنقلوا مركز الثقل إلى بودابست. # فبهذه الطعنة المحكمة غلب بسمارك الكونت كاروليه الذي رحب بمثل تلك الأمنية لصدق ~~مجريته وإن كان لا يجرؤ على الجهر بها، ويمضي قليل زمن فيقول بسمارك لسفير آخر ~~من فينة: «أعارض بشدة استعمال كلمة حرب يقتل الأخ فيها أخاه، فلا أعرف سياسة تقوم ~~على العاطفة ولا تهدف إلى رد العدوان بالعدوان، وعلى الحارك» وماذا كان أثر مثل هذه ~~اللغة في فينة؟ قال الناس هنالك مبتسمين: «إن الرجل مصاب بمرض عصبي شديد.» # وتقوم خطة آل هابسبرغ على تجديد الجامعة الألمانية، فيكون هنالك خمسة مديرين، وعلى ~~أن تكون الرئاسة للنمسة ونيابة الرئاسة لبروسية، وأن يضاف إلى ذلك مجلس عاطل من ~~السلطان ومؤلف من مندوبين تختارهم برلمانات ألمانية، ويهدد بسمارك بانفضال ~~بروسية، وتبصر النمسة بقاءها في الأقلية، فتأتي المبادرة منها، فترى دعوة جميع ~~الأمراء للمناقشة في فرانكفورت، ms212 فيشعرون بأن شأنهم رفع، أفليست غاستن ينبوع ماء ~~معدني لشيوخ الشرفاء؟ ونحن الأمراء بنعمة الله سندبر الأمور فيما بيننا، ويزور فرنسوا ~~جوزيف من فوره ضيفه الملك ولهلم في غاستن، ويقترح إقامة برلمان إمبراطوري من ~~الأمراء ومن مجلس شعبي، ويدعو الإمبراطور ملك بروسية إلى مجلس من الأمراء يعقد في ~~فرانكفورت، ويميل الملك الشائب ولهلم إلى قبول الدعوة ويسر فرنسوا جوزيف ~~بذلك. # واحسرتاه! فما كان ذلك الرئيس للوزراء البغيض ليترك مليكه وحده حتى في جبال ~~النمسة، واسمع ما قاله بسمارك في شيبته: «كنت في اليوم الثاني من شهر أغسطس سنة 1863 ~~جالسا تحت شجرة الصنوبر، وكان يوجد فوقي وكر # 3 # قرقف # 4 # وجعلت الساعة في يدي لأعد مقدار ما يأتي به الطائر في الدقيقة الواحدة ~~لفراخه من الأساريع # 5 # وما إليها من الدود، وبينما كنت أتأمل نشاط تلك المخلوقات الصغيرة كنت ~~ألاحظ من بين اللهب # 6 # في شلربلاتز الملك جالسا على مقعد.» فلما عاد بسمارك إلى المنزل وجد ~~كتابا من الملك يطلب فيه أن يوافيه في شلربلاتز للمناقشة في زيارة الإمبراطور. ~~«وكان ذلك بعد فوات الوقت، فلو قضيت وقتا أقل مما قضيت في ملاحظة ذلك ~~الحادث الطبيعي فأتيح لي الاجتماع بالملك مبكرا لكان لاقتراحات الإمبراطور ~~أثر آخر فيه غير الذي كان لها في بدء الأمر على ما يحتمل. # فلم يلاحظ الملك أن تلك الدعوة المفاجئة لمدة قصيرة تتضمن معنى الاستخفاف، ~~ومن المحتمل أن يكون الاقتراح النمسوي قد راقه لما اشتمل عليه من تضامن ~~الأمراء، وتحثني الملكة الأيم إليزابت على الذهاب إلى فرانكفورت، وأجيب عن ~~ذلك بقولي: إن الملك إذا ما رأى ذلك ذهبت إلى هنالك وقمت بأموره، ولكنني لا ~~أعود وزيرا، ولا ترتاح الملكة لذلك الاتجاه، وتكف عن معارضة رأيي لدى الملك، ~~ولم يكن ليسهل علي أن أحمل الملك على الابتعاد عن فرانكفورت، وقد ظننت أنني ~~أقنعت الملك عند وصولنا إلى بادن، ولكننا وجدنا هنالك ملك سكسونية الذي جدد ~~الدعوة باسم جميع الأمراء، ويجد مليكي مشقة في مقاومة تلك الحركة، ويكرر ~~كثيرا ms213 قوله: أرى ثلاثين أميرا مالكا وملكا ساعيا! وأقنعه برفض الاقتراح ~~بعد أن تصبب العرق من فوق حاجبي، وكان مستلقيا على متكأ وكان يسكب ~~سخين العبرات، وقد بلغ مني الجهد في جعله يرفض ذلك الاقتراح فصرت لا ~~أستطيع الوقوف بلا صعوبة، وغادرت الغرفة مترنحا وغدوت في حال من الانفعال ~~والهيجان ما أحسست معه انفصال يدي عني عندما أغلقت الباب من الخارج!» # ويرسل بسمارك كتاب الرفض إلى المرسل إليه، ويكسر طبقا موضوعة عليه أوان زجاجية، ~~ويقول: «لا معدل لي عن تحطيم شيء، والآن أتنفس مرة أخرى!» # ولنا بذلك الحلقة الأولى من سلسلة متشابهة المشاهد، يتألف منها تاريخ اصطراع ~~بسمارك وولهلم كوعيده الذي وجهه إلى الملكة الأيم، وكتنويره ببطء بصيرة الملك ~~العزيز الذي لم يبصر استهزاء النمسة به، وفيما كان وزيره بسمارك يرقب القراقف ذات ~~الأذناب الطويلة فيبدو شبه عالم طبيعي وشبه أمير مالك ويحسب مقدار ما تحتاج إليه ~~مملكة الطيور من الدود للتغذية؛ كان الملك يعد ابن خاله بأن يصبح ثاني أمراء ~~ألمانية في أربعة أسابيع، ويبكي ولهلم الشيخ لما كان من رفضه ذلك مع أن ملكا جاءه ~~ساعيا، ويغدو الرجل الحديدي بسمارك كتلة أعصاب، فكان لا بد له من كسر شيء ~~تنفيسا عن نفسه وإن خرج فائزا، وهكذا يرتبط أحد الرجلين في الملك الوراثي، ويرتبط ~~الآخر فيه برابطة الولاء والطاعة، والآن حين يبدآن ببناء البيت الألماني معا يلوح ~~تعذر قدرتهما على إتمامه مع كثرة العوائق. # وكانت تلك آخر محاولة قامت بها النمسة لتظل زعيمة ألمانية، ثم تبدو مسألة شليسويغ ~~فتكون مقدمة هجائية لمأساة. # | الفصل الخامس # ولم يكن لعبقرية بسمارك منافس في ذلك الدور، ولم يكن الملوك والقياصرة ليقدروا على ~~التفكير أو السير، فكانت التجربة تعوز فرنسوا جوزيف، وكان نابليون ضنى، # 1 # وكان إسكندر هزيلا، وكان كل من ولهلم وفيكتورية وفيكتور إمانويل ~~متوسط الحال، فلا يستطيع أن يضطلع بأعباء السياسة معتمدا على وسائله الخاصة، وكان ~~كل من غلادستن وديسرائيلي غير مدرك لذروة سلطانه، وكان غورشاكوف مغترا، وكان ~~كافور ذو القدر بين أضرابه ms214 قد مات حين جاء بسمارك إلى الجبهة، وفي بروسية وحدها كان ~~يوجد عبقري سياسي من نوع آخر، وكان اسمه فرديناند لاسال، ولاسال مع عدم ~~انتسابه إلى حزب ومع أنه ثوري ومع عطله من قوة أو مماثلة أفكار يغري بها خصمه ~~العظيم لم يعتم أن اعترف به هذا الخصم، وجاذبية العبقرية وحدها هي التي دانت بين ~~بسمارك ولاسال. # كان بسمارك ذا بسطة في الجسم والعقل، وكان ذا رأس على شكل القبة ، وكان يتقدم إلى ~~الأمام على مهل بعد استهلال طويل، وكان ينظر إلى عدة سنوات مقبلة كأعاظم بناة الألمان ~~الذين يعملون مدى حياتهم فيما يسروا له، وكان يخضع خياله لواقعيته فيزن كلامه ~~ويهيئ أفعاله، وكان في حسابه يفضل عظائم الأمور على الصور، وكان بسمارك - الذي ~~هذا هو أمره - في الخمسين من سنيه حينما بدأ عمله العظيم، وكان لاسال أهيف ~~نحيفا رعيشا كحصان عربي جامح، وكان ساميا مستطيل الرأس ضيق الهامة لامعا، ~~وكان مصورا قديرا موهنا لغريزته في الوصف الباهر، وكان رجلا خياليا متأملا، ~~وكان يتملص من مدرسة الأفكار إلى عالم الأعمال، وكان يكافح حتى في عالم الأعمال، ~~بفصيح الكلمات أكثر مما بالضربات، وكان ينظر إلى المستقبل على الدوام، وكان لاسال ~~الذي هو أمره في الأربعين من سنيه حينما دنا من نهاية عمله العنيف، وترعرع بسمارك ~~مالكا فكان فارس طبقته، وقضى بسمارك شباب مغامرة، فعاد إلى حياة مقيدة وإلى عيش ~~المالكين الذين ظهر منهم، وبدا القطب السياسي بسمارك غير عاطفي، فكان مستعدا ~~للعمل مع أية أمة وأية دولة إذا ما لاءم هذا هدفه، ولاسال لما كان من يهوديته ~~وعطله من وطن، ارتقى بفضل ما بذله من عمل عنيف في فتائه، ولاسال حارب طبقته وكافح ~~وراثته، ولاسال كان فؤاده يشتعل بسهولة من أجل قضية أمة لا ينتسب إليها عرقا، ~~ومن أجل قضية طبقة لا ينتسب إليها مولدا، ولم يضح بسمارك بشيء في البداءة، وجازف ~~لاسال بكل أمر، ووطد بسمارك مقامه بارتقائه، وخسر لاسال في السجن حريته وصحته، ~~وإذا كان بسمارك قد دخل المعترك ms215 في الثانية والثلاثين من سنيه وفق أساليب بيئته ~~فإن لاسال بدأ ينكر - في الوقت نفسه، وحينما كان في الثانية والعشرين من سنيه - ~~مبادئ عشيرته. # ومهما يكن الأمر فقد كان يحفز كل واحد منهما عوامل واحدة، أي كان يحث ~~اليهودي الاشتراكي والمالك البوميراني زهو وإقدام وحقد، وقد أوجبت هذه العوامل ~~فيهما ميلا إلى السلطان، وما كان الخوف ليجد إليهما سبيلا، وما كان أيهما ليطيق ~~وجود من هو أعلى منه، وما كان أيهما ليحب حبا حقيقيا. وكما أن كره بسمارك ~~للنمسة القوية أشد من حبه لبروسية التي هي أقل من النمسة قوة كان لاسال أقل ~~حبا للشعب من بغضه للطبقة الوسطى؛ ولذا لم ينشد كل منهما، ولم يجد أصدقاء له، ~~فلم يكن لبسمارك أصدقاء بين الشرفاء، ولم يكن للاسال أصدقاء بين زعماء الأحزاب، ولم ~~يعش بسمارك عيش البلاط، ولم يعش لاسال عيش الشعب، وكان كلا الرجلين يتميز من ~~الغيظ لضيق طبقته، وكان كل من الرجلين يشابه الآخر تهكما واستخفافا. # وبسمارك - لثبات أصله - مضطر إلى خدمة الملك التي اختارها ما دام حيا، ولاسال ~~اختار خدمة الجمهور، وكان بسمارك يسكن حصنا، ولكن مع سماعه فوق رأسه على الدوام خطا ~~رجل يتوقف عليه مصير حياته، وكان لاسال لا يسمع إنسانا فوقه، ولكنه كان ذا حصن ~~خيالي وكانت ريح المستقبل تهز أعصابه بأشد من فرك الحقائق التي كانت تهد أعصاب ~~بسمارك، وكان كلا الرجلين ذا مزاج فني فيلعب أسنهما لعبة الشطرنج ضد الدولة ~~الأخرى ويمثل أحدثهما رواية هزلية، وكان الطموح يدفع أحدهما وكان الغرور يحرك ~~الآخر على الخصوص، وكان يمكن لاسال أن يثمل بما يعلل به نفسه من ضروب الفوز ~~والآمال التي يبصر بها مستقبلا أبعد مدى مما يبصر بسمارك الراغب فيما هو دون ذلك مع ~~الحقائق الملموسة والموطن نفسه على الصبر، وفي هذا سر ما اتفق لبسمارك من العمر ما ~~هو ضعف عمر لاسال، وفي هذا سر ما اتفق للاسال من أوقات الهناءة ما لم يتفق ~~لبسمارك. # ولم يكد بسمارك ولاسال يلتقيان حتى عرف كل ms216 منهما للآخر قيمته قبل أن يعرفها ~~العالم، ولو خر بسمارك صريعا في سنة 1863 في المبارزة التي تحدى بها فيرشوف ما زاد ~~صيته على ما ناله رادوويتز ولنسيه الشعب منذ طويل زمن، وعلى ما كان من نقص سن ~~لاسال عن سن بسمارك بعشر سنين في ذلك الحين؛ مات لاسال في مبارزة عند بدء عمله ~~الذي كان يحيق به خطر النسيان، واسم لاسال مع ذلك يترنم به ملايين الآدميين من ~~جميع الأمم في أغنية الائتلاف، ولا مراء في أنه سقط، ولكنه صار مشهورا في العالم؛ ~~لما كان من رغبته في تحقيق مبادئ يوم لم يكن فجره قد لاح، وقد بلغ بسمارك غاية غده، ~~فيبقى تمثاله قائما في بلده ألمانية. # والأمر الذي يقرب بين الرجلين هو الكفاح ضد الطبقة الوسطى، وأراد بسمارك ~~السلطان ليناهض الدستور، وأراد لاسال تعبئة الجماهير، والسلاح قبضة بسمارك، ~~ويجهز بسمارك الرجال بالسلاح كرها، والرجال قبضة لاسال، ويصرخ الرجال من أجل ~~السلاح على غير جدوى، ويود كل من الرجلين الحكم المطلق لنفسه، ويزدري كل من ~~الرجلين حرية مبادلة السلع والأفكار، ولا يقل عن ذلك ازدراؤهما لأبطال حرية ~~المبادلة الأحرار، ويتماثلان حتى في كلماتهما الجامعة؛ فقد قال بسمارك في سبتمبر سنة ~~1862: «يسهل على مسائل الحق أن تصبح مسائل قوة.» وقد قال لاسال في أبريل سنة ~~1862: «ليست مسائل الدستور مسائل حق في الأساس، بل مسائل قوة، وليس للدساتير ~~المكتوبة قيمة ولا ديمومة إلا لأنها عنوان علاقات القوة العتيدة في المجتمع.» وما كان ~~جواب لاسال حينما هوجم من أجل تلك الكلمة غير جواب بسمارك، فقد قال إنه لا يضع ~~القوة فوق الحق، وإنه لا يجعل من هذا مبدأ مسلما به، وإنما يسجل ظاهرة ~~تاريخية، وكان لاسال كبسمارك من القائلين بسياسة القوة، فجعل سيكنجن، الذي هو صورة ~~له، يقول في رواية تمثيلية: «بالسيف تنال عظائم الأمور.» # وليس من العجيب إذن أن وافقه كونتات بروسية في مجلس الأعيان، وأن قالت جريدة ~~كروززايتنغ: «أولئك رجال حقيقيون، مع أن الأحرار ليس لديهم حراب ولا لكمات ~~ولا ms217 فتون العبقرية.» وذلك لأن هدف الرجعيين في هذه الأيام هو استمالة طبقة العمال ~~وفصل هذه الطبقة عن التقدميين، ومن قول المحافظين: «وهل نحار من عدم ميل العمال ~~إلى شد عضد حكومة لا تعمل من أجلهم شيئا؟» ولم يعتم بسمارك أن تبنى الفكرة ~~فعين لجنة للبحث في إعانة الشيب وتحسين حال العمال، وتوصي هذه اللجنة «بأن يعرف ~~عزم الحكومة على تنظيم حال عمالها بصفتها مستصنعة، فتكون قدوة لأرباب المصانع ~~الآخرين»، ويتكلم بسمارك حول ضرورة الإنذار لأمد بعيد قبل التسريح، وحول تنظيم الأجور ~~ومقاسمة الأرباح وإسكان العمال والتحكيم عند الخلاف في أمور العمل، وحول جمعيات العمال ~~التعاونية والتسليف وصناديق للإعانة عند المرض، وشركات للتأمين على الحياة، فهذا هو ~~برنامجه الاجتماعي بعد خمسة أشهر من نصبه رئيسا للوزارة، ولا تجد لهذا البرنامج ~~مثيلا في أي مكان آخر بأوروبة سنة 1860، وجميع هذه التدابير موافقة لمطاليب ~~لاسال. # ولم يصدر ذلك عن حب بسمارك للشعب، وإنما نشأ عن بغض للطبقة الوسطى، وبسمارك ~~لما كان من رفض الشعب سياسته، يحاول أن يستميل الشعب إلى وجهة نظره بانتحاله ~~إصلاحات اجتماعية، وفيما كان الأغنياء في اللندتاغ يظهرون الصداقة للشعب كان ~~لاسال يهزأ بهم في رسائله وخطبه لثنائية أخلاقهم، فلا يسر إنسانا بمقدار ما ~~يسر رئيس مجلس الوزراء، وكان مؤسس اتحاد عمال الألمان العام لاسال قد نعت ~~بأنه آلة الرجعية، وقد أنذره لوتار بوشر بقوله: «حذار! نراك تساعد الحكومة في ذلك ~~المضمار، وستترك وشأنك حينا من الزمن ثم تبسط الأيدي إليك!» # ولاسال كبسمارك يبلغ أسباب الرجولة في أيام الثورة، وتدع هذه سمة ثابتة في ~~أخلاقه، ويترفع عن الحذر، فلا ينظر إلى لون حليفه ويصافح عدو عدوه، ولاسال يجرؤ ~~على ذلك مع اشتراكيته، فيدنو جهرا من وزير الخارجية البغيض. ونظرة كلا الرجلين في ~~السياسة الخارجية واحدة على الدوام، وذلك عدا ما كان من سبق لاسال لبسمارك في القول ~~بالوحدة الألمانية، ويسخر لاسال من لابسي المعاطف الذين سافروا في سنة 1849 من ~~فرانكفورت إلى بوتسدام ليطالبوا بألمانية لملك بدلا من أن يقرروا ms218 وجود ألمانية. ~~ولاسال إذ كانت الجماهير لا الأمراء قبلته، عد الوحدة الألمانية مسألة عرق لا ~~مسألة بيت مالك، وتجعل السنوات العشر التي حلت بين سنة 1850 وسنة 1860 بسمارك ~~برلمانيا، وتحفزه برلمانيته إلى كتابة مذكرته حول إقامة برلمان ألماني، ويعترف ~~لاسال في ذلك الحين بإمكان تحقيق الوحدة الألمانية مع الأمراء، ويقف بسمارك ولاسال ~~ضد النمسة وهنغارية حيث يعارض ستة وعشرون مليونا من السكان قيام الوحدة الألمانية، ~~على أن كل واحد منهما يسلك سبيله الخاصة وصولا إلى غايته، وما كان لاسال ليبصر ~~سياسة بسمارك الخارجية بواسطة سفرائه، وما كان بسمارك محتاجا إلى قراءة رسائل لاسال ~~ليتأثر بها في رأيه حول المسألة النمسوية. # وكان وضع لاسال تجاه نابليون الثالث مثل وضع بسمارك، فعلى ما يحمله من مقت ~~لاستبداد نابليون كان يفضل أن يسير بجانبه في الأزمات ضد النمسة على أن يسير بجانب ~~النمسة ضد فرنسة، وما كان يجهر به لاسال فذو أثر كالذي يأتيه بسمارك في الخفاء، ~~ومن قول لاسال: «إذا كان نابليون يرى تعديل خريطة جنوب أوروبة وفق مبدأ القوميات ~~فإننا نرى صنع مثل ذلك في الشمال، وإذا كان نابليون يرى تحرير إيطالية فإننا نرى ~~الاستيلاء على شليسويغ، وهكذا تكون بروسية قد غسلت عار أولموتز. وإذا كانت بروسية ~~تتردد فإن ذلك يدل على عجزها عن القيام بعمل قومي.» والأمر الوحيد الذي يميزه ~~هنا من بسمارك هو انتحاله أسلوب المحرض في الحقل القومي وسلوك بسمارك سبيل ~~الدبلمية، وتلميذ هيغل وفيخته لاسال يصوغ مزاعمه بأسلوب أكثر فلسفة من ~~أسلوب تلميذ مكيافلي بسمارك، ومن قول لاسال: «يتوقف على هذه الأمة الفلسفية ~~النزعة، يتوقف على هذه الأمة الألمانية، وذلك بفضل نشوئها ووفق تاريخها الأدبي ~~والمادي، ذلك المصير الأسمى وذلك الشرف الوحيد في التاريخ العام، فيكون لها من ~~الأموال ما يسفر عنه المبدأ الشعبي البسيط غير المادي ويكون لها من الكيان ما يسفر ~~عنه الفكر، ويشابه عمل كهذا خلق الرب للعالم! ولقد غدا هذا دينا حيا في كل ~~قلب ألماني نبيل مسمى باسم الوحدة الألمانية الشعبي ms219 الجازم، وفي اليوم الذي تدق ~~فيه جميع النواقيس إيذانا بولادة الدولة الألمانية نحتفل بعيد فيخته الحقيقي؛ أي ~~باقتران روحه بالحقيقة!» # وكان بسمارك يغضي عن تكلف ذلك الأسلوب، وكان يقلب العبارة في ذهنه ويستخرج ~~منها ما يراه من النتائج، وقد قرأ ما قاله الزعيم الجديد لاسال عنه في الاجتماعات ~~العامة التي كان يمقتها، «ومما لا جدال فيه أن لدى بسمارك معرفة صحيحة بالمسائل ~~الدستورية، فتنسجم وجهات نظره انسجاما تاما مع نظريتي، ويعلم بسمارك جيدا أن ~~الدستور الحقيقي لبلد ليس قصاصة ورق، بل هو وليد أحوال واقعية.» ولسرعان ما سار ~~خطوة واسعة إلى الأمام فقال في اجتماعات عامة عقدها في بلاد الرين: «إن التقدميين ~~يلاطفون الأمراء في فرانكفورت ليزعجوا بسمارك، ولو كان علينا أن نتبادل نحن وفون ~~بسمارك العيارات النارية لقضى العدل علينا بأن نعترف - حتى في أثناء ذلك - بأن ~~بسمارك رجل وبأن الآخرين عجائز.» # وبسمارك قبل أن يقرأ ذلك الإقرار الحبي، أخذ برقية من سولنجن حيث منعت ~~اجتماعات لاسال، وإليك نصها: «حضر العمدة التقدمي على رأس عشرة من الشرطة ~~مسلحين بالبنادق والحراب فحلوا - بغير مسوغ شرعي - اجتماع عمال دعوت إليه، ~~فاحتججت على غير جدوى، وليس من غير صعوبة أن حلت دون التجاء جمهور مؤلف من خمسة ~~آلاف شخص إلى استعمال العنف؛ فالبدار إلى مراضاة قانونية حاسمة، لاسال.» # جاء ذلك في حينه؛ وذلك لأن بسمارك كان منذ بضعة أيام يقوم بلعبة ضد مؤتمر الأمراء ~~فيطالب بإجراء استفتاء عام متماثل في أمر الجامعة الألمانية، ويدفع بسمارك تلك الشكوى ~~إلى المراجع القانونية، ويزوره لاسال «ليعرب له عن شكره»، ثم يزور بسمارك في شتاء ~~عام 1863-1864 ما يزيد على اثنتي عشرة مرة، ويطيل الاجتماع به في كل مرة، وتمضي ~~عدة أعوام فيرى بسمارك من المصلحة أن يقطع تلك الصلات السياسة بلاسال فيقول في ~~الريشتاغ: «أبصر في لاسال ما يجتذبني إليه اجتذابا شخصيا عجيبا؛ فلاسال هو من ~~أكثر من عاشرتهم موهبة وأنسا، ولاسال طموح إلى أوسع مدى، وكانت محادثاتنا ~~تدوم ساعات كثيرة فآسف على مرورها، وأظن ms220 أن لديه انطباعا جميلا بأنني كنت له ~~مصغيا مدركا حسن الالتفات.» # بسمارك في سنة 1866. # وكانت تلك المحادثات بين أقوى ساسة الألمان في ذلك الدور تدور حول المسألة العظيمة ~~القائلة بأن تقوم الوحدة الألمانية على أساس الأسر المالكة أو على أساس شعبي، ~~والآن يرى لاسال أن الجمهورية الألمانية غاية لا تنال، والآن يرى بسمارك تعذر ~~تحقيق حلف بين الأمراء، وكلاهما لا يقدر في نفسه هذين الحلين المثاليين، ~~وإليك لمحة عن اجتماعاتهما ثبت أمرها بما رواه لاسال ، كما يأتي: # بسمارك ~~: # ولم لا تصوتون مع المحافظين ما دمتم لا تأملون فوز مرشحيكم؟ ~~فمصالحنا تسير مع مصالحكم، فأنتم تناضلون سائرين من وجهة نظركم ونحن نناضل ~~سائرين من وجهة نظرنا، وذلك ضد رغبة الطبقة الوسطى في القبض على زمام ~~السلطة. # لاسال ~~: # يلوح أن تحالف المحافظين وحزب العمال أمر ممكن لأجل معين يا صاحب ~~الفخامة، ولكننا لا نسير معا إلا لمسافة قصيرة في الطريق، ثم نصطرع بعنف ~~أكثر مما مضى. # بسمارك ~~: # وي، أدرك ما تعني، والمسألة هي أن يعرف أينا يقدر على أكل الكرز ~~مع الشيطان، وسنرى! # وإذا ما نظر إلى الأمر من حيث الواقع رد نقاشهما إلى نقطتين في برنامج لاسال ~~ود بسمارك أن يحققهما وفق مصالحه، ومن قوله عن التصويت العام: «إن التصويت العام ~~في بلد ذي تقاليد ملكية ومشاعر صادقة؛ يؤدي إلى إبطال مؤثرات الطبقة الوسطى ~~الحرة وإلى انتخاب ممثلين ملكيين، فانظر إلى بروسية تجد إخلاص تسعة أعشار الشعب ~~للملك، وتجد أن جهاز الانتخابات المصنوع هو الذي يحول دون إعراب أكثرية الشعب ~~الساحقة عن رأيها الصحيح.» وكان إدخال حق التصويت إلى بروسية يلوح لبسمارك أمرا ~~مبتسرا، وإذا كان بسمارك يسير على رسله فإن لاسال يمشي على عجل، ولاسال ~~يحاول إقناع بسمارك بانتحال التصويت العام، لا في ألمانية وحدها [في الوقت المناسب، ~~لاعتقاد كلا الرجلين ضرورة نشوب حرب قبل قيام الاتحاد الألماني]، بل في بروسية أيضا، ~~وفي الحال وفق مرسوم، وهكذا تدعو الراديكالية الديمقراطية إلى الانقلاب، ويشك بسمارك ~~في حلول الوقت المناسب. # ويكتب لاسال ms221 إلى بسمارك قوله: «ألوم نفسي لما كان من نسياني بالأمس أن أذكر لكم ~~مرة أخرى ضرورة جعل حق الانتخاب شاملا لجميع الألمان، وليكن هذا أداة قوة ~~عظيمة! وليكن هذا فتحا أدبيا لألمانية! وإذا سئلت عن الجهاز الانتخابي قلت إنني ~~قرأت في الليلة الماضية تاريخ الاشتراع الفرنسي فلم أجد فيه غير فائدة قليلة حول ~~الموضوع، ومهما يكن الأمر فقد قلبت الأمور وصرت في وضع أستطيع معه أن أمدكم - ~~يا صاحب الفخامة - بما تودون، فأرى أن يصار إلى «الوصفة السحرية» المنشودة منعا ~~للامتناع ودرءا لتبديد الأصوات، ولا أشك في أن الشفاء هو فيما اقترحت؛ ولذا أنتظر ~~من فخامتكم تعيين وقت للمقابلة ذات مساء، ولي أن أصر على فخامتكم بتخصيص مساء لا ~~يقطع فيه الحديث، ولدي قول كثير عن الجهاز الانتخابي وعن شئون أخرى.» # ومن يقرأ ذلك الكتاب الصميمي يبصر مصدر المبادرة، ويعتقد كتابته من قبل ~~شاب إلى شائب مع أن لاسال كان قد جاوز الأربعين من عمره وأن بسمارك كان قد جاوز ~~الخمسين من سنيه، ونتمثل بسمارك في المساء السابق جالسا على كرسيه مستمعا من ~~خلال دخان سيغاره لمحاولة ضيفه النشيط هزه بكلمات ك «الوصفة السحرية»، وينشأ عن تلك ~~المبارزة الروحية بعض ما يسر الرجلين، وتحول الحوادث دون اختلاطهما؛ فقد بدئ ~~بغزو دانيماركة بعد تاريخ ذلك الكتاب بخمسة أيام، وقد وجد لاسال ما يحفزه إلى ~~الكتابة ثانية: # لا ألحف، # 2 # ولكن الحوادث تحث، فاعذروني إذا ما بدوت ملحاحا؛ فقد ~~أرسلت إليكم يوم الأربعاء كتابا أنبأتكم فيه بأنني الوصفة السحرية المنشودة ~~الشافية، وأرى أن اجتماعنا القادم سيؤدي إلى نتائج حاسمة، وأرى أن يوصل ~~إلى هذه النتائج على جناح السرعة؛ ولذا سأجرؤ على زيارتكم في منتصف الساعة ~~التاسعة من صباح الغد. # يا له من ناري! يا لإغراء الأمر له! يا لشعوره بدنو تحقيق ما لم يكد يأمله ~~حتى الآن! ولكن بسمارك يبدأ حربه، ويمكن مبدأ التصويت أن ينتظر! # وتمضي بضعة أسابيع، فيتهم لاسال بالخيانة العظمى، فيخاطب المحكمة العليا ~~بقوله: «لا أريد قلب الدستور فقط، ms222 فمن المحتمل أن أقلبه في أقل من عام، ويمكن أن ~~يلعب أكبر لعب؛ فأوراق اللعب على المائدة! ولذا أخبركم في هذا المكان الموقر أنه ~~قد لا يمضي عام حتى يكون فون بسمارك ممثلا لدور روبرت بيل فيمنح حق التصويت ~~العام المباشر!» ويرن اسم ذلك القطب السياسي الإنكليزي عاليا، وإن لم يدرك أحد في ~~قاعة المحكمة معنى ذلك، ويبلغ صاحب تلك النفس العالية لاسال من النفوذ الأساسي في ~~الوزير الحريز بسمارك ما يلمع معه إلى المثال الذي ذكره بسمارك في كتاب كتبه أيام ~~كان في السنة الخامسة والعشرين من عمره حيث فسر سبب تركه للإدارة قائلا إنه لا ~~ينتظر منه أن يمثل دور بيل في بروسية، ولم يعلم غير قليل من أقرباء بسمارك أمر ~~ذلك الكتاب، ومن الممكن أن يكون كاتبه بسمارك قد نسيه، وهو ما زال يعرف أن بيل وأوكونل ~~وميرابو كانوا يساورون ذهنه في قديم زمانه، فلما قرأ ما أبداه اليهودي الثوري ~~لاسال من البسالة في الدفاع عن نفسه ضد الحكومة وما كان من كشفه عن السرائر؛ زاد ~~إجلاله له. # ويتبع بسمارك لاسال في الجزء الثاني من برنامجه، فيغري هذا الاشتراكي ذلك ~~الوزير الرجعي موفقا بتأليف جميعات للإنتاج وبإقراض العمال مائة مليون وبجعل ~~الدولة مستصنعا كبيرا، ويريد لاسال إقامة دولة اشتراكية وفق مذهب ماركس الجديد، ~~ويريد بسمارك تقوية الدولة الملكية بتوسيع سلطاتها، ويريد كلا الرجلين بلوغ غايات ~~مختلفة بوسائل واحدة كما في مسألة التصويت العام، وتمضي سنوات فيصف بسمارك تلك ~~الأساليب ب «الأمور الجدية الرزينة»، وبسمارك يكتفي الآن بشكره للاسال إرساله ~~إليه كراسة جامعة لتلك الآراء. # ولاسال هو من الزهو ما لا يطيق معه ذلك، فكان على بسمارك أن يسلم تلك ~~الكراسة إلى الملك حتى يعلم ولهلم «أية مملكة تكون في المستقبل»، ويتوجع ~~لاسال فيرغب في محادثة الوزير في الأمر، وتزعج تلك اللهجة بسمارك، ولا يقطع بسمارك ~~صلته بلاسال، بل يماطل، وهكذا لا يرى لاسال مرة أخرى لما كان موت لاسال في ~~المبارزة بتلك السنة. # ولاسال مع ذلك استطاع ms223 في الربيع من تلك السنة أن يمهد لقبول الملك وفدا من ~~فقراء الحاكة بسليزية قبولا حسنا، وكان هذا حادثا مهما منقطع النظير قبل ذلك ~~الحين في بروسية، ويخرج أولئك الحوكة الجياع من حضرة المليك فيجدون بسمارك في غرفة ~~الانتظار، فيسألهم ثم يقول لهم: «أخشى ألا تأكلوا إوزا مشويا بسرعة لا تعدو يوم ~~الأحد القادم!» وهنالك يقف أولئك الفقراء مرتعشين، وهنالك يقف جمهور من البائسين ~~الخائفين من الكبو على الأرض الذهبية المشمعة في القصر الملكي، والآن يلاقيهم رئيس ~~الوزراء، فيوسع بنكتته الهائلة تلك الهوة التي وجب عليه آنئذ أن يهتبل فرصة ~~إقامة جسر عليها مترفقا، ويشعر العمال بانقباض صدر حتى بين البسط التركية ~~والتماثيل النصفية الرخامية في منزل لاسال الأنيق ببلفوستراس حيث خفوا إلى ~~زيارته، ولم يسر العمال بمنظر الصدر الرائعة التي ترى على ذلك الزعيم الشعبي ~~فوق المنابر العامة؛ فالزعيم ليس من أمثالهم. # ويتخذ بسمارك تدابير فعالة لتقييد امتيازات المكاتب الاجتماعية، ويود بسمارك أن ~~يستميل حزب العمال الجديد، ويحاول بسمارك أن يجتذب أربعة كتاب اشتراكيين بجانب ~~لاسال، فيغدو مقاوم الضرائب لوتار بوشر مديرا لجريدة بسمارك - نوردوتشه - بعد ~~سابق نفي ولاحق عفو، ويغدو معه مديرا براس الذي كان قد أنشد قائلا: «ندهن ~~بالأحمر، نجيد الدهن، ندهن بدم الطغاة!» ويتبع ليبكنخت براس، ويوصي بسمارك ~~بوشر بأن يضم كارل ماركس إلى إدارة الجريدة، ويرفض ماركس ذلك، ويتملص ليبكنخت لما ~~أبصره من ارتشاء براس، ويبقى بوشر عشرين عاما، ويرى الشريف المسعار بسمارك ~~مرة أخرى من خلال تلك المغامرات في جمع الجنود من معسكر العدو. # وبسمارك - في الوقت ذاته - اشتراكي حكومي، فلما أصغى عمدة إحدى النواحي إلى ما ~~قاله المستصنعون وحدهم حول فقر حوكة سيليزية مستندين إلى ما ذكره شرطي سأل بسمارك ~~غاضبا عن السبب «في عدم اتخاذه وجهة نظر عادلة يمكن أن تعرف بها تلك المصاعب معرفة ~~صائبة، وذلك بدلا من أن يتساوق مع مصالح المستصنعين فقط»، ويريد بسمارك أن يعزله لقلة ~~نضجه، ويعين لجنة لدرس أجور العمال واحتياجاتهم الحيوية ووسائل مساعدتهم، «ولكي ~~يستمع ms224 للعمال بواسطة أناس راشدين قادرين على الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة ضد ~~المستصنعين»، وفي ذلك الحين يحمل بسمارك الملك على دفع سبعة آلاف تالير من ماله لإنشاء ~~جمعية تعاون للإنتاج وفق خطط لاسال، «واختبارا لما يؤدي إليه تطبيق المبدأ على ~~مقياس واسع من الممكنات والنفقات والنتائج»، ويجب تسجيل جمعية التعاون للإنتاج تلك، ~~ويجب أن تكون تلك الجمعية من النشاط والاستقلال «ما يلزم لبيع السلع وما يمتع ~~الحاكة بأقصى المنافع الممكنة فضلا عن أجورهم»؛ وهكذا يصبح بسمارك الاشتراكي ~~الحكومي الأول في بروسية عن بغض للأحرار الأقوياء. # وفي ذلك الصيف يقتل لاسال بعيار ناري يصيبه به مكسال في مبارزة صادرة عن ~~شعور بالشرف زائف، ويظل عمله بلا زعيم في الوقت العتيد، وتمضي سنة فتعلن وزارة ~~الدولة معارضتها لكل محاولة اجتماعية، فيدرج بسمارك في التقرير قوله: «ينقص إلى ~~أدنى حد ضروري للحياة طعام الحوكة المؤلف معظمه من حساء البطاطا، ومن حساء ~~الطحين والملح ومن قليل دهن ومن قهوة الهندبا.» # ويقرأ بسمارك في ذلك التقرير قولا عن تقديم العمال في كل مكان طلبات واحدة لا ~~يمكن الدولة تلبيتها فيكتب على هامشه بخطه الغليظ: # أذلك سبب لعدم إعانة الدولة أحدا؟ تستطيع الدولة أن تصنع ذلك! # فبتلك الكلمات الثلاث تهز إرادة بسمارك المنتجة مرة أخرى قضبان القفص ~~الكبير الذي سجن فيه مع أبناء طبقته الأشراف، ومع كثير من الأحرار أيضا، وتلك ~~الكلمات الثلاث هي صدى لمحادثات الشتاء الماضي حين حاول صاحب النفس النارية ~~المتطلعة إلى المستقبل أن يفتنه. # | الفصل السادس # «والآن أنا وزير هنا، أنا السهم الأخير في الكنانة، فإذا أردتم إقامة ~~إمبراطورية سكندينافية أردت إقامة الوحدة الألمانية، وهنالك نؤلف ~~جامعة ألمانية سكندينافية تكون من القوة ما نسيطر به على العالم، ولا عجب ~~فديانتنا واحدة وثقافتنا واحدة، ولا نكاد نختلف لغة، فأرجو أن تبلغ بني ~~قومك قولي إنهم إذا لم يوافقوا على خططي اضطررت - على ما يحتمل - إلى إبطال ~~عملهم لكيلا يوجد عدو ورائي عندما يعن لي مهاجمة جهات أخرى.» # بذلك الكتاب الغريب يبدو بسمارك ممازحا ms225 صديقه القديم المرسل إليه، ممازحا رفيقه ~~السابق في الصيد بدانيماركة، ولنا أن نفترض أن المرسل إليه في كوبنهاغن، البارون ~~بليكسن، قرأه مرتين؛ وذلك لأنه رئيس الوزارة الدانيماركية، ولأن لدى الدانيماركيين من ~~الأسباب الوجيهة ما يرقبون به الجو الألماني في الزمن الراهن، ولو كان يعرف بسمارك ~~لوجب عليه أن يعرف أنه ليس ذا خنزوانية # 1 # أو ذا خيال، بل هو حاسب واقعي، وليست تلك الفكرة سخيفة كما قد تبدو ~~أول وهلة، فارجع البصر إلى ما هو أقل من خمسمائة سنة تجد بلاد سكندينافية ~~الثلاثة كانت موحدة وأن أميرها كان من أصل بوميراني، وذلك الكتاب أكثر من دعابة، ~~وقد يكون إنذارا، وبسمارك إذ كان لا يحاول نيل غير الممكن، وبسمارك إذ كان لا يسعى ~~إلى بهر الذراري كما كان يصنع نابليون الأكبر؛ لا يهدف ما قاله اليوم إلى سوى ~~شليسويغ وهولشتاين. # كان ذانك البلدان الصغيران شوكة بجانب ألمانية، وإن شئت فقل حافزين لألمانية نحو ~~الوحدة منذ خمسين سنة، فلما أراد ذانك البلدان أن يظلا متحدين إلى الأبد نقبت ~~أوروبة في المعاهدات التي ترجع إلى أربعة قرون والتي لا تهم أحدا، والتي لا ~~تهم حتى أهل شليسويغ وهولشتاين أنفسهم، وقد أعمل الناس أذهانهم حول الذكور ~~والإناث من ورثة ملوك دانيماركة ودوكات هولشتاين؛ وذلك لأن أحد أولئك الملوك مات ~~الآن، فوجب على وارثه أن يحلف يمين الولاء للدستور الجديد في شليسويغ وهولشتاين ~~كما في غيرهما، فأدى هذا إلى تصادم القوميات المتناظرة هنالك، فوجد ابن دوك ~~أوغوستنبرغ الذي تنزل أبوه عن بلده في مقابل مليوني تالير ثغرة في عقد تخلي ~~أبيه، فرأى أن يفيد من النزاع القائم فتسرب في بلد آبائه فكتب بيانا بدأه بكلمة ~~«رعاياي المخلصين»، ونادى بنفسه دوكا لشليسويغ وهولشتاين. # وكان يرقب الأمر عن كثب ذلك البروسي المخيف الذي لم يبال بألمانية ذينك ~~البلدين؛ أي بأن يغدوا عضوين في الجامعة الألمانية لما يسفر عنه هذا من زيادة عدد ~~أعداء بروسية، وبسمارك يود رفع شأن بروسية، وبسمارك مع أنه كان يعرف كيف يستغل ما ms226 ~~ينعش بعض أهل الشمال أولئك من غيرة نحو الوحدة الألمانية لم يفكر في غير دستوره ~~القائل: «ما السبيل إلى تحويل الدوكيتين إلى ولايتين بروسيتين؟» ويبدو تلخيصه الكلاسي # 2 # للأمر في الكلمة الآتية وهي: «إن اتحادا شخصيا مع دانيماركة خير من ~~الأمر الواقع، وإن أميرا مستقلا خير من الاتحاد الشخصي، وإن اتحادا مع بروسية خير ~~من الأمير المستقل، والحوادث وحدها هي التي تثبت أي الأمور الثلاثة هو الذي ينال»، ~~وبسمارك - لمكيافيليته - ظاهر دانيماركة في البداءة، ثم ظاهر أوغوستنبرغ ضد ~~دانيماركة، ثم ظاهر النمسة، وذلك كله رجاء الفوز في نهاية الأمر. # وإذا لم يكن ذلك نتيجة خطة فكر في جزئياتها مقدما كان ذلك - على كل حال - ~~قلادة لؤلؤ فتل سمطها، # 3 # ويشتد الأمر في أواسط سنة 1863، وفيما كانت ألمانية بأسرها تهتف لدوك ~~أوغوستنبرغ الشاب تقديرا لعزمه على تخليص أرض ألمانية من دولة أجنبية؛ نهض بسمارك ~~على رجليه في اجتماع مجلس الدولة مقترحا ضم ذينك البلدين، ويرفع الملك بصره ~~ويقول: «ولكن ليس لي حق في تينك الدوكيتين!» # بسمارك ~~: # وهل كان للناخب الأكبر، وهل كان للملك فردريك حق أعظم من ذلك في بروسية ~~وسيليزية؟ فآل هوهنزلرن جميعهم قد وسعوا رقعة الدولة! # ولم يجب الملك عن ذلك، ويرفع ولي العهد يديه إلى السماء كما لو كان يشك في ~~سلامة عقل المتكلم، ويلزم الوزراء ومنهم رون جانب الصمت، وينتقل المجلس إلى جدول ~~الأعمال، ويقرأ بسمارك المحضر فلا يجد ذكرا لاقتراحه فيذكر السكرتير أن هذا الإهمال ~~وقع بأمر الملك الذي رأى أن بسمارك نفسه يفضل عدم تسجيل ما قال، ويقول بسمارك: «إن ~~صاحب الجلالة - كما يظهر - أبصر أن ما أعربت عنه كان بتأثير غداء خمري فيسرني ~~ألا أسمع شيئا مما قلت، بيد أنني أصر على تسجيل اقتراحي في المحضر.» # وفي ذلك الحين يكتب بسمارك قوله: «إن منهاجي الراهن في السياسة الخارجية هو كمنهاجي ~~في غابر الأزمان، حين كنت أذهب إلى صيد الدجاج البري، وحين كنت لا أتقدم ~~خطوة قبل أن أختبر التراب الذي أمشي عليه فأعرف قدرته ms227 على حملي.» والذي لا ريب ~~فيه هو أنه لما كان من جزر ومد في مسألة شليسويغ؛ استطاع أن يسير النمسة ~~فيجذبها إلى جهته في البداءة ثم ينفصل عنها ليتمكن من طردها من الجامعة في ~~النهاية، فلولا دوبل # 4 # لصعب أمر كونيغراتز، # 5 # ولكن هذه الطريق تؤدي إلى شفا الهاوية بأوروبة، ولبسمارك عين لا تغفل عن ~~مراقبة أحوال الدول العظمى أبدا، على حين يراقب الملك بالعين الأخرى مراقبة مروض ~~الأسود، ويلوح غير مرة أنه يخسر اللعب الذي يدعوه بمكيدة الكاتب، وإذا كان من الصواب ~~قول المثل التركي إن الحظ حليف العفيف؛ وجب أن يكون بسمارك في الدرجة القصوى من ~~الفضيلة لعدم مفارقة الحظ له في تدابيره تقريبا ولا سيما ذلك التدبير ~~الذاتي. # ولو هاجم بسمارك دانيماركة وحده، ومن فوره لوجد النمسة وراءه وأوروبة أمامه، ~~وبسمارك، بدلا من ذلك، أنبأ وزير خارجية النمسة الكونت رشبرغ بأنه سيقوم بإنقاذ ~~الدوكيتين الذي هو أكثر الأمور شعبية في ألمانية، فحمله بذلك على الانحياز إلى جانبه، ~~فصار بسمارك لهذا الحليف القوي لا يبالي بالجامعة الألمانية، ويسكن بال أوروبة ~~التي كانت ترى في تباغض دولتي ألمانية العظيمتين ضمانا تجاه نيل إحداهما فوزا ~~شاملا على الأخرى، وهكذا يجعل النمسة حليفة وأوروبة محايدة بعمل واحد، وهكذا يزول ~~شبح حرب عامة بشهر بروسية والنمسة الحرب معا على دانيماركة، وهذا هو الذي استطاع ~~بسمارك أن يكتبه حتى قبل بدء تلك الحرب فعلا: # أليس من أتم الانتصارات ابتهاج النمسة بعد محاولة تجديد الجامعة الألمانية ~~بشهرين تجاه ما أبصرته من السكوت عن المسألة ومن إرسالها مذكرات واحدة ~~معنا إلى أصدقائها السابقين؟ لقد أنجزنا في هذا الصيف ما سعينا إليه مدة اثنتي ~~عشرة سنة على غير جدوى؛ فقد انتحلت النمسة برنامجنا الذي كانت تهزأ به في شهر ~~أكتوبر الماضي، وقد فضلت الحلف البروسي على حلف فرتزبرغ، وقد قبلت ~~العون منا. واليوم لو أدرنا ظهرنا إليها لسقطت وزارتها، ولم يحدث قبل الآن ~~أن اتبعت فينة سياسة برلين على ذلك الوجه إجمالا وتفصيلا، وتدارينا ~~فرنسة. ولصوتنا ms228 في لندن وسان بطرسبرغ من التأثير ما لم يكن لنا منذ عشرين ~~عاما. ويجب أن يقوم سلطاننا على سياسة القوة المستندة إلى السلاح لا على ~~مناقشات المجالس والصحافة، وليس لدينا من القدرة والصبر ما نبدد معه تلك ~~القوة في جبهة زائفة وفي تنميق الجمل وفي سبيل دوك أوغوستنبرغ. ولا أعتمد ~~على النمسة اعتمادا لا حد له، ولكنني أرى من الصواب أن نجعلها بجانبنا في ~~الوقت الحاضر، وسيحل وقت الانفصال، فأينا يكون مصدره؟ هذا ما يكشفه ~~المستقبل. # وردت تلك العبارات في كتاب طويل أرسله بسمارك إلى غولتز بباريس في عيد الميلاد سنة ~~1863، ولا نكاد نلومه في مباهاته لمنافسه على ذلك الوجه، وكتابه ذلك ضرب من مناجاة ~~النفس أو صدى لمائة مناجاة مقصودة على ما يحتمل؛ وذلك لأنه يعني نفسه بكلمة «نحن»، ~~وهو يشعر بأن ساعة ظهوره قطبا سياسيا حانت ولم يبق لدخول سنة 1864 سوى أيام ~~قليلة. # ويسبق ويرافق النزاع الصامت بين بسمارك والملك، جدال صاخب في اللندتاغ، ويثبت ~~نقاش الديمقراطيين صعوبة القيام بسياسة خارجية مع برلمان ما لم تسر جميع الدول ~~على هذا النهج، وهذا ما كان يتعذر أمره أحيانا. # فيرشوف ~~: # يجب أن يخبر الملك بالخطر الذي يحيق بنا؛ فقد انتحل رئيس الوزارة وجهات ~~نظر مختلفة في وقت قصير، وهو يسرع بلا بوصلة في بحر زاخر بالمعضلات ~~الخارجية، وليس لديه مبدأ موجه له، ومن ضعفه أنك لا تجد لديه إدراكا لما ~~ينبعث من قلب الشعب، وهو لما يلجأ إليه من العنف يصيب مصالح ألمانية وبروسية ~~المقدسة بأفدح الأضرار، وهو ألعوبة بيد الشيطان، وهيهات أن يتخلص من ~~براثنه. # بسمارك ~~: # لا يستطيع مجلس مؤلف من ثلاثمائة وخمسين عضوا أن يدير في أيامنا ~~دفة سياسة دولة كبيرة بأن يفرض على حكومتها برنامجا تسير عليه إلى أقصى ~~حد، وإن السياسي الذي ليس اختصاصيا في العمل ليعد كل حركة على رقعة ~~الشطرنج نهاية للعب، والوهم يتطرق إليه من تبدل الهدف باستمرار، ولكن ~~السياسة ليست علما محكما، ولا أخشى الديمقراطية، ولو خفتها لخسرت اللعب ~~(صوت: لعب! ms229 لعب!) وإذا رفض المجلس الموافقة على ما نحتاج إليه من الوسائل ~~اضطررنا إلى نيل هذه الوسائل حيث نجدها. # ويرد المجلس اقتراح قرض الحرب ويفض المجلس ولا يجتمع قبل انقضاء ~~سنة. # ويبلغ الكفاح غايته، فيبدو الخلاف من خلاله كالشرر، وتردد الكلمات: أقدس ~~المصالح، والهوى السياسي بلا بوصلة ولا معرفة، والمبادئ، ولعبة الشطرنج! وما كان من ~~تسليم الطبيعي الملحد فيرشوف عدوه إلى الشيطان بدلا من أن يتخذ السياسي ~~النصراني بسمارك مثل هذا الوضع تجاهه، فيرجع إلى مثل تلك المحاولة كل ما تنطوي ~~عليه هذه العبارات من لسع قارص. # وفيما كان بسمارك يشير في المجلس إلى سلطة الملك كان يهدد الملك بالمجلس قائلا ~~لا شيء يسكت خصوم إصلاح الجيش غير سياسة خارجية قوية، غير الحرب، ويقرأ بسمارك ~~العزائم على كاروليه ببرلين ويرهب رشبرغ بفينة حين يذكر له ما تشتمل عليه ~~مشاعر الألمان القومية من بذور الثورة، ويبدي المجلس الإمبراطوري بفينة من ~~الروية ما يهزأ به أحد أعضائه بتقرير رشبرغ المغرور، فيقول: «ترانا ذاهبين إلى ~~الحرب حلفاء للوزارة البروسية التي يمقتها جميع العالم، وتقض أكاليل بسمارك ~~مضاجع ساسة الدول الأخرى، وفي بروسية يصرح بضرورة التوسع، ولم تكد بروسية تهضم ~~أرض سيليزية التي اغتصبتها حتى أخذت تنشب أظفارها في الدوكيتين، ونرسل أحسن ~~فرقنا الموسيقية العسكرية للعزف بالسلام البروسي! فبأي لحن تخرج؟» # ويتردد الملك بين حث بسمارك وتحذير المقربين إليه، وينظر الملك إلى الفريسة، ~~ويخاف أن يمسكها، ويسأل وزيره بجد: «ألست ألمانيا أيضا؟» وتمر على بسمارك ~~أويقات قنوط، ثم يكتب إلى رون قوله: «يخالجني شعور بأن الملك خسر قضيته ضد ~~الثورة؛ وذلك لأن ثقة الملك تتجه إلى خصومه أكثر مما إلى خدمه، وليكن ما يريد الله، ~~ولسنا نبالي بانقضاء عشرين سنة أو ثلاثين سنة بعد الآن من أجل أنفسنا، ولكن لا من أجل ~~أبنائنا، ولا معدل عن ضياع اللعب بغير معجزة، وسيلقي المعاصرون والأعقاب تبعة ذلك ~~علينا، وليكن ما يريد الله، والله يعلم عدد ما تعيشه بروسية من السنين، والله يعلم ~~مقدار حزني إذا انقطعت حياة ms230 بروسية.» وهكذا يتكلم بسمارك عن كسب اللعب وخسره فلا ~~يذكر اسم الله في غير ساعة العسرة. # وبسمارك حتى بعد أن أقنع الملك ولهلم والإمبراطور فرنسوا جوزيف بشهر الحرب لم ~~يكن واثقا بمصير البلاد التي تفتح، وبسمارك قد يعن له، خلافا لنفسه، أن يعلن ~~حربا «شرعية» فينقذ الدوكيتين في سبيل الجامعة الألمانية، وبسمارك الدبلمي ~~لم يهدأ باله حتى بعد إطلاق القذيفة الأولى، فهو لم ينشب أن أرسل إلى رون مذكرة ~~مستعجلة جاء فيها: «أليس من القليل جدا أن يكون ل «ف...» فرقتان؟ وتقع فرقنا في ~~مصيدة فئران ما لم تسيطر مدفعيتنا على الساند المذكور آنفا، ولدينا كتائب ~~احتياطية كثيرة في هولشتاين، فلم لا نستولي على الجزيرة ببأس؟ فالعفو منك لما ~~أبديت من تلك الملاحظات حول أمور عسكرية.» وماذا يقول بسمارك لو أبدى رون له نصيحة ~~سياسية؟ ولكن مسئولية بسمارك أعظم من مسئولية كل قائد ما دامت تلك الحرب وليدة ~~خياله وما دام قد فرضها. # وتمضي ثلاثة أشهر فتفتح حصون دوبل عنوة، ويستولى على المنطقة الممتدة إلى ~~ألسن، وتدعو لندن إلى مؤتمر وتعلن الهدنة، وينظر بسمارك إلى باريس على الدوام، ~~ويعد نابليون الثالث بمبهم الكلام إذا لزمت فرنسة جانب السكون في الوقت الحاضر، ~~والآن لا يستطيع أن يصنع شيئا غير مشاركة الآخرين في الدفاع عن قضية الدوك ~~أوغوستنبرغ، ويبحث عن وثائق مصفرة؛ ليثبت تلك الدعوى المهمة، ويتذرع بحيل ~~المحامين، ويحمل ذلك الدوك على منح بروسية من الضمانات والحقوق ما يصبح به عاطلا من ~~السلطان من البداءة. # ويدب الخلاف في مؤتمر لندن فيدعو بسمارك ذلك الدوك إلى برلين ثانية، ويقابله ~~حوالي منتصف الليل (لما في هذا من التلقين)، وذلك بعد أن قضى الدوك يومه مع الملك ~~وولي العهد عن مكيدة حاكها بسمارك، وتعرض عليه مطاليب جديدة؛ أي يطلب منه ألا ~~يكون بلده ملجأ للأحرار المشاغبين، والدوك كان قد وافق على جميع الشروط بلا تردد (ما ~~دام السلطان همه الوحيد)، فيشعر الآن بأن وضعه تقوى بمقابلته ولهلم وفردريك، ~~والدوك يبدي رأيه الشخصي للمرة الأولى، ms231 فيقول إن نصوص دستوره تقضي عليه بأن يرجع إلى ~~نواب بلده في جميع تلك الشروط وينال موافقتهم عليها، وهل شرب هذا المجنون كثيرا ~~من رحيق الشنبانية على مائدة الملك؟ ألا يعني وضعه شروطا حول ما وافق عليه تجريدا ~~لما قبله من كل قيمة؟ ويفكر بسمارك في الأمر، وليكن ذلك البلد من أملاك بروسية إذن، ~~فلم يعتم بسمارك أن أبدى مثل تلك البراعة في بيان زوال حقوق آل أوغوستنبرغ في ~~ذلك، ومن المحتمل أن سر بسمارك بما يحف الموقف من سخرية؛ فقد كتب يقول: «كلما ~~أوغلت في السياسة قل إيماني في حسابات الناس.» # ولا يدوم الشوط الثاني من الحرب سوى أسبوعين من شهر يوليو، فتنال الحليفتان نصرا ~~حاسما، وتصبح الأملاك قبضتهما، وتحاران فيما تصنعان بها، ويعقد اجتماع في قصر ~~شونبرن، ويجلس العاهلان وبسمارك ورشبرغ حول مائدة واحدة فرحين بما تم من نصر، ~~وكان الملك ولهلم مضطرب الوجدان، وكان مثله، على ما يحتمل، أمر رشبرغ الذي ~~كان سليم الطوية مستقيما تجاه تلك السياسة، وكان كل من فرنسوا جوزيف وبسمارك هادئ ~~البال موطنا نفسه على خدع الآخر. # بسمارك ~~: # يدعونا التاريخ إلى سياسة مشتركة، ونحسن إلى أنفسنا من الناحية الشرعية ~~والناحية السياسية إذا تضافرنا وأدرنا دفة ألمانية؛ فهي تبقى قبضتنا ما بقينا ~~مؤتلفين، ولو كان ما نلناه معا قد وقع في إيطالية بدلا مما في هولشتاين، فغدونا ~~مسيطرين على لونباردية، ما خطر ببالي إقناع مليكي بأن تكون رغائبنا معارضة لرغائب ~~حلفائنا. # فرنسوا جوزيف ~~: # أتصير الدوكيتان ولايتين، أم يكون لبروسية فيهما بعض الحقوق؟. # كان سكوت، وكان صموت من الملك # بسمارك ~~: # من بواعث غبطتي أن وضعتم - يا صاحب الجلالة - هذا السؤال أمام مليكي ~~المعظم، فأرجو أن أعرف الآن وجهة نظره. # ولهلم ~~(مترددا) ~~: # ليس لي - في الواقع - أي حق في الدوكيتين، ولا أدعي بشيء ~~فيهما. # يا له من فصل روائي! هنالك عاهلان حائران فيما يصنعان بفتح حملهما عليه ~~وزراؤهما وناله بالسيف قوادهما، ويبدو ارتياب متقابل يعرب عنه بعبارات مهذبة ~~إلى أن صرح أسن العاهلين مضطربا بأنه لا ms232 حق له هنالك خاذلا وزيره الذي كان ~~يود العكس، ويظهر كل واحد من العاهلين من الصداقة الزائفة ما يكلم به الآخر ~~بصيغة المفرد المخاطب مع مجموعة من كلمة «صاحب الجلالة» و«صاحب الفخامة»، وتنتهي ~~المناقشة بغداء على أطباق من ذهب وفضة، ويحاول الوزير اليائس أن يزيل غمه بخمر ~~من قبو آل هابسبرغ. # | الفصل السابع # لم تؤد الحرب الدانيماركية إلى حسم الخصام، بل زادته شدة، وأمكن الحكومة أن ~~تشير إلى ما حف إصلاح الجيش من فلاح بعد أن ضن النواب بموافقتهم عليه، ولكن ~~الأحرار لم يعسر عليهم أن يثبتوا أن الإصلاح لم يكد يبدأ، وتدور المسألة ~~الأساسية حول معرفة أي الأمرين يجب أن يسود: آلحق أم القوة؟ وتبقى هذه المعضلة ~~حائرة حتى بعد النصر الذي تم، حتى في بلد الطاعة، ويحل شهر يناير سنة 1865، ويفتتح ~~بسمارك دورة مجلس النواب، ويظهر بسمارك أكثر تهذيبا، وأقل تهكما مما كان عليه ~~قبل النصر، مما كان عليه أيام الكفاح، وما كان الأحرار ليتركوا الأمور تسير مع ذلك، فقد ~~رفعوا عقيرتهم # 1 # قائلين: «لم تصنع الحكومة غير السير مع مجرى الرأي العام.» فأدى هذا ~~إلى صولة بسمارك قائلا: «هل أوجبتم فتح دوبل وألسن برفضكم القرض الأول؟ فآمل ~~- أيها السادة - أن يسفر رفضكم القرض العتيد عن تجهيز بروسية بأسطول جديد.» ويدوم ~~الخصام. # ويقع مثل ذلك الخصام بين الحليفتين، فقد أرادت النمسة أن تجعل من تينك الدوكيتين ~~المحتلتين دولة من دول الجامعة الألمانية؛ وذلك لكيلا تغدوا من أملاك بروسية، ~~ويعين الكونت منسدورف وزيرا للخارجية في فينة، وكان منسدورف أريستوقراطيا ~~أكثر من أن يكون قطبا سياسيا، وكان رقيق الإحساس متشائما، ومع ما كان عليه منسدورف ~~من أدب جم بدا كيادا # 2 # كالكونت تون حين كان في فرانكفورت منذ عشر سنين، وفي برلين قال بسمارك ~~لكاروليه: «ألا ترانا أمام الدوكيتين كالضيفين أمام طعام فاخر؟ فالفاقد لشهوة الطعام ~~منهما يمنع الجائع من مس ذلك الطعام بشدة، فلننتظر مجيء الوقت إذن، والآن نجد ~~أنفسنا هزلى في الوضع الراهن.» # ويأتي فصل الصيف، فيبلغ القوم ms233 في فينة من القلق الكثير ما يغدو معه قطع ~~الصلات ببروسية قريب الوقوع، ويزيد نبض بسمارك، ويلوح أن غاية الحرب الأولى؛ أي غاية ~~مجهود خمس عشرة سنة قد أخذت تدنو من دور التحقيق، ويقول بسمارك لمجلس الدولة بدم ~~بارد: «إن الوقت ملائم لنشوب حرب، ولكن لا ينبغي للوزراء أن يشيروا بسلوك تلك الطريق، ~~فيصدر قرار في ذلك عن غير قناعة الملك.» # بيد أن الملك يبعد شبح حرب مؤدية إلى قتل الأخ لأخيه، فيعود إلى غاستن فيأمر ~~بسمارك بأن يتفق مع الصديق الحاقد، وكان هذا في شهر أغسطس سنة 1865، أي بعد محادثات ~~شونبرن بعام واحد؛ أي بعد مؤتمر الأمراء بعامين، والآن «يصلح الفلح # 3 # في الصرح»، وتقسم المغانم، فتأخذ النمسة هولشتاين ولوينبرغ وتأخذ ~~بروسية شليسويغ على أن تكون السيادة مشتركة في كلا البلدين، ويسقط الدوك ~~أوغوستنبرغ تحت المائدة، وتسأل أوروبة بين ضاحك وغاضب: «إلى متى؟» ويقول بسمارك: ~~«لعبت في ذلك الوقت خمس عشرة للمرة الأخيرة في حياتي، وقد بلغت في لعبي ذلك من ~~الطيش ما دهش منه كل إنسان، وكان الكونت بلوم قد قال إن أحسن وسيلة لمعرفة أخلاق ~~الناس هو أن يلعب معهم خمس عشرة، وأرى أن أريه لعبي! لقد خسرت مئات من التاليرات ~~كان يمكنني أن آخذها من حساب الخدمة، وقد وفقت في خدعه؛ وذلك لاعتقاده أنني مجازف ~~أكثر مما أنا عليه، فأذعن.» ويمضى العقد فيفترض أن بسمارك قال لبلوم: «ما كنت ~~أظن وجود دبلمي نمسوي يمضي تلك الوثيقة!» والحق أن النمسة كانت مضطربة في الداخل، ~~وليس لها حليف بين الدول الأجنبية، فأمضت النمسة وثيقة أفيد لبروسية مما لها إلى ~~أبعد حد من حيث وضع بروسية وقيمة حصتها، وتبيع النمسة دوكية لوينبرغ من ~~بروسية ب 2500000 تالير دانيماركي فيسر بسمارك بذلك، فيقول: «قل ما للنمسة من ~~حرمة لدى الجميع؛ فالذي يبتاع هو رجل وجيه، والذي يبيع بثمن بخس هو رجل ~~كريه!» # ويجعل الملك بسمارك كونتا بعد «توسيع رقعة الدولة» الأول ذلك، وينعم الملك على ~~بسمارك بعد الحرب الدانيماركية بوسام ms234 النسر الأسود، فيعبر بسمارك عن مشاعره تعبيرا ~~صادقا في كتاب يرسله إلى زوجه حيث يقول: «إن الذي هو أحب إلي من ذلك هو ما كان من ~~معانقة الملك إياي عناق محبة ووداد.» وما كان ليبالي حتى بأسمى وسام منحه إياه ~~ولهلم، وعكس ذلك ما كان من شدة كلفه بلقب كونت الذي ناله، فقد وجد بهذا اللقب ~~مكافأة لشعوره الأسري الذي هو أقوى صفاته الموروثة، وبسمارك ما انفك يفاخر بصور ~~أجداده المعلقة على جدر شونهاوزن، وبسمارك كان قد قال مباهيا إن حكم آبائه في ~~بلاد المارش أقدم من حكم آل هوهنزلرن فيها، ولكنك تجد بين «أبناء عمه» وأصحابه ~~من هم أعرق منه، فكانت صورهم تساور ذهنه دوما كلما حفزه طموحه إلى المعالي فكان ~~يرغب في الظهور بما يليق أمامهم حذر كبرهم. # وما كان محتاجا إلى شعار شرف، فهو بسمارك، هو ذلك الرجل الذي أخذ صيته يطبق ~~أوروبة، ولكن الذي راقه هو تلقيب زوجه بالكونتس بعد استخفاف الأوساط العالية بها وبعد ~~أن كانت ابنة لوجيه بوميراني، ولكن الذي راقه هو تلقيب أبنائه وأبناء أبنائه ~~بالكونتات، وهذا قد سر الشريف «بسمارك» أكثر من جميع المميزات والمناصب التي نالها ~~فيما مضى، وهذا قد سره أكثر من التفات الملكات والإمبراطورات، وما يبغي بسمارك، فقد ~~تقدم أقرب الناس إليه وأعزهم عليه خطوة إلى الأمام، وبسمارك كان في الخمسين من ~~سنيه آنئذ، وبسمارك كان في الخامسة والعشرين من عمره حينما غادر الخدمة العامة ~~فرسم مستقبله في كتاب أرسله إلى صديق له حيث قال: «أبيع صوفي بثمن أقل مما يجب ~~بثلاثة تاليرات عندما أخاطب بالسيد البارون.» # ويقرأ بسمارك تفسير الملك ولهلم الودي حول منحه ذلك اللقب فيضحك قلبيا ~~من زهو الملك؛ وذلك لما كان من اتباع الملك إياه خطوة بعد خطوة في العامين ~~الماضيين، ثم لما كان من قول الملك حول فتح «ناشئ عن إدارتي للأمور بطراز اتبعتموه ~~بحذر كبير أثير. # 4 # مليككم المحب: ولهلم.» # وفيما كان وقت الحساب الأكبر يقترب كان بسمارك يرقب نابليون الثالث، وكان هذا ms235 ~~الإمبراطور والقوم الذين يملكهم ينظرون شزرا إلى ما تم من توفيق بين دولتي ~~ألمانية المتنافستين اللتين كان خصامهما المزمن يسر أوروبة، وكانت إنكلترة في ~~الحقيقة قد بدأت تفكر في إقامة حلف قوي ضد ألمانية الموحدة، ويقلب ~~بسمارك الأمور، ويلوح لبسمارك أن الطريقة الوحيدة لمعرفة ماذا يدور في خلد نابليون ~~الثالث هي الاجتماع به، ويهرع بسمارك، الذي كان قد حادث إمبراطورا في غاستن، من هذا ~~المنهل إلى منهل آخر، إلى بياريتز، لينفث # 5 # إمبراطورا آخر، ويشعر بأن سفره ذلك هو إلى بلد معاد تقريبا، ويتخذ ~~لنفسه منزلا قريبا من مغنى # 6 ~~«أوجيني» حيث مقر نابليون الثالث في الصيف، وإذا عدوت زوجة بسمارك ~~التي ساءت صحتها، فحمله هذا الانحراف على سفره العجيب ذلك ظاهرا، لم تجد أحدا ~~يعتقد صدق هذا، ومن بياريتز تكتب زوجته حنة قولها: «ساورني الحزن في الأيام ~~الأولى لائمة نفسي على ما كان من تحميلي بسمارك المسكين نفقات كثيرة من غير أمل في ~~أي تحسين! ويلوح لي أن صحتي في هنبرغ خير مما هي عليه هنا بدرجات.» فهذه الكلمة ~~الساذجة تدل على مقدار كتم بسمارك لخططه السياسية عن زوجه منذ سنوات زواجه ~~الأولى. # أفلم يكن أكثر هناءة في السنة الماضية حينما كان وحده في بياريتز؟ كان بسمارك ~~بعد مصالحته دانيماركة قد زار ذلك السيف # 7 # زيارة قصيرة فلم يكن هنالك إمبراطور، ولم تكن معه زوجه، وإنما كانت ~~ترافقه هنالك السيدة الفاتنة أورلوف وزوجها فقضى معهما وقتا في السباحة وركوب ~~الخيل وتشنيف # 8 # الآذان بالموسيقى، وبسمارك في العامين اللذين مرا بعد استدعاء نفير رون ~~إياه من بياريتز قد اجتمع بتلك الروسية الحسناء ست مرات، وهي في كتبها لم تدع ~~نفسها بسوى كاتي الذي هو اسم لا يوحي بأنها أميرة روسية، ويقضي أولئك ساعات سرور، ~~ويكتب إلى زوجه مرتين بشرود فكر غريب عن طبيعته - كما يلوح - «وأجدني هنا في حلم ~~يا حبيبتي؛ فالبحر أمامي، وكاتي تمارس ألحان بتهوفن فوقي، ولم نر مثل هذا الجو في ~~جميع الصيف، ولا قطرة مداد في ms236 البيت! سأفر إلى جبال البرانس إذا ما أبرقوا إلي ولن ~~أشتري لوبن (القريبة من رينفيلد)، بل أبتاع إيشوكس أو أرضا أخرى قريبة من داكس، ~~وإني إذ أفكر في ضرورة التدفئة ببادن، وبباريس أيضا، وفي حمل الشمس إيانا على ~~خلع المعاطف والسراويل الثقيلة، وفي استلقائنا حتى الساعة العاشرة من ليلة أمس على ~~الشاطئ وتحت نور القمر، وفي تناولنا الغداء في الهواء الطلق؛ أبصر مقدار ما يحبو به ~~الله أهل الجنوب من الجو الرائع، ولا يعوز مسرتي غير أخبارك.» # وهكذا يخف فؤاد ذلك الألماني عندما يكون في صحبة غرباء، ولا سيما امرأة جميلة ~~تفتنه، وهكذا يخف فؤاد ذلك الألماني عندما يمتع نفسه بساحل البحر كسولا ~~عدة أسابيع، فلا يتفق له مثل ذلك في غابات وطنه؛ ففي الآفاق الواسعة والأيام اللامعة ~~والأجواء الزرق الساطعة والبحار البراقة والشمس الحارة وثياب النساء الزاهية ~~واللغة المطربة؛ يتجلى خيال الألماني. # والآن حين ترافقه زوجته وابنته المتوجعتان، وحين يخلو المكان من السيدة الروسية، ~~وحين يمتلئ ذهنه بالخطط، يبدو الساحل ذا منظر مختلف، والآن يقيم الكاتب المشهور ~~بروسبير مريمه ببياريتز، وعلى ما كان من أجنبية بسمارك عنه ينفذ أخلاقه أكثر ~~من أي ألماني كان، فاسمع قوله: «إن بسمارك أنبه من أي ألماني كان، إن بسمارك ~~هو هانبولد الدبلمي، هو ألماني عظيم مهذب، هو عاطل من البهجة كما يلوح، هو ~~يفيض ذكاء.» واسمع قوله بعد عام: «إن هذا الرجل العظيم كامل العدة، فلا ينبغي لنا ~~أن نثيره، وخير لنا أن نغص بسببه حتى يكون لدينا مثل إبر بنادقه.» ولا ~~يسع الإنسان إلا أن يعجب بذلك القطب السياسي أكثر مما أعجب به ذلك الكاتب؛ ~~فبسمارك متفنن قادر على إبداء شيء من التحول، فكان الذي أظهره من انتحال بعض ~~أوضاع ذلك البلد انتحالا كان في أشد الاحتياج إليه، فهل يقدر على خدع ~~الإمبراطور؟ # كلا الرجلين يمشي على الرصيف قريبا من البحر، ويبدو بسمارك قويا صحيح البنية ~~حاد البصر فلا يغيب عن باله أن يسير في كل عودة عن شمال الإمبراطور، ويبدو ~~الإمبراطور ms237 أصفر أحدب أشيب قبل الأوان، وإن كان عمره لا يزيد على عمر بسمارك بسوى ~~سنوات قليلة، فيظهر قصير الخطا حائر البصر، ويسير الكلب نيرو وراءهما رويدا ~~رويدا، ومن يقدر أن يبصر الحرب التي ستقع بين الرجلين بعد خمس سنوات يمكنه أن يرى ~~نتيجتها من خلال نظراتهما. # بيد أن من يسمعهما يشك في احتمال نشوب الحرب بينهما ذات يوم، وكان كلاهما راغبا ~~عن القتال، وكان الإمبراطور مصابا بالكباد # 9 # فلا يخاف شيئا خوفه من حرب جديدة، وإن ود في أيام صحته «اشتعال حرب ~~في كل سنتين»، وإذا ما وجب عليه أن يحارب الآن رأى الخير في وقوع ذلك على شواطئ ~~البحر المتوسط أو في البندقية حتى ينزل ضربة في سبيل إيطالية وانتصارا لمبدأ حرية ~~الأمم ونيلا لشيء من السلطان وتحقيقا لآمال الفرنسيين. وأهداف كهذه إذ كانت لا ~~تبلغ بغير حرب ضد النمسة، رأى الإمبراطور مظاهرة بروسية وصولا إليها، وماذا يطلب ~~من بروسية في مقابلة هذه الخدمة العظيمة؟ # وماذا يطلب نابليون الثالث؟ ذلك ما سأله بسمارك في نفسه غير مرة، ولا يستطيع بسمارك ~~أن يقطعه أرضا ألمانية، ولا يدور في قلب الفرنسي أن يضم إليه أملاكا نمسوية، ~~ويكلمه بسمارك في أمر بلجيكة، ويتحفظ نابليون فيلخص الوضع على الطريقة الميفيستوفلية # 10 # فيقول: «إن من الصعب أن تعرض أملاك أجنبية على رجل راغب عنها.» ثم ~~يكلمه بسمارك عن سويسرة الفرنسية وعن أراض ألمانية واقعة على ضفة الرين وعن تريف ~~ولندو، ويحدث ذلك كله حين سير الرجلين ذهابا وإيابا، ويحدث ذلك كله ضمن معنى ~~الكلمة القائلة «لا نعرض عليك أرضا، ولكنك إذا ما استوليت عليها لم تجد أحدا يعترض ~~دونك.» ويدع الإمبراطور أمر الضم غير صريح، وينطق بقوله العام: «نرحب ببروسية ~~الموسعة المحرزة من أية عبودية.» # بسمارك ~~: # تعلق بروسية الطموح أهمية كبيرة على صداقة فرنسة، وتنشد بروسية ~~اليئوس محالفات ضد فرنسة، ولا نستطيع أن نوجد الحوادث، ولكننا نستطيع أن ~~ندعها تأخذ مجراها. # الإمبراطور ~~: # إذا ما قضت الأحوال بائتلاف أشد وثاقة وأعظم صداقة؛ أمكن مليككم أن ms238 ~~يكتب إلي ذلك سرا. # ولا يسير بسمارك إلى ما هو أبعد من ذلك ولو أراد ذلك، فقد منعه الملك ولهلم من ~~الارتباط في حلف، وهل يبلغ بسمارك إلى مليكه جميع تلك المحادثة؟ يبلغ بسمارك ~~إلى الملك ما يراه مناسبا وبالمقدار الذي يستطيع الملك أن يستوعبه، وبسمارك قد أضحى ~~غير صريح بعد أن قبض على ناصية السلطة، وبسمارك لا يطلع المستمع على غير ما يمكنه ~~إدراكه، وبسمارك يعامل الملك كما يعامل سواه فلا يراه مستعدا لشهر حرب على ~~آل هابسبرغ، «والذي يظهر لي أن عاطفة البلاط الفرنسي ملائمة لنا تماما»، وهكذا ~~يضع تقريره بصيغة مبهمة مناسبة للحديث المنوه به، ونبصر من خلف اللثام سهام روحه ~~الوثابة، فنرى كيف ينوي هذا القطب السياسي محاربة إخوانه الألمان متحديا رغائب ~~قومه ومليكه وأوروبة، ونرى كيف يحاول تسكين فرنسة العظمى الطموح بالوعود ~~الناقصة. # وكلا الرجلين - بسمارك ونابليون الثالث - كان يقصد الخداع فلم يعلم بالضبط أيهما ~~غر الآخر في بياريتز، وقد أسفر انتصار المدفعية في سنة 1870 عن ختام المبارزة ~~بين ذينك الرأسين من غير تعيين. # | الفصل الثامن # بلغ بسمارك منتصف العقد السادس من عمره، فأخذ يصير ألمانيا. # ولا أقصد أنه في الوقت الحاضر وفي الماضي أراد أن يضرب النمسة ضمن الجامعة لسبب آخر ~~سوى الحقد والكرامة، لسبب آخر سوى هذين العاملين اللذين كانا لديه أقوى من حب ~~النظام والرغبة فيه، وقيام بروسية مقام النمسة ومقاتلة هذه الدولة المنافسة ~~والانتصار عليها، لا «الفكرة الألمانية» أمور تنم على ما كان يهدف إليه ذو ~~الطبيعة الصئول # 1 # ذلك، والحق بجانب الأحرار الذين يعدون تلك «الفكرة الألمانية» ديانة ~~لهم عندما أنكروا في تلك الأيام مقاسمة بسمارك لعقيدتهم، وما كان بسمارك في ذلك الحين ~~ليثق ببلاد الرين وبافارية أكثر من ثقته بفينة وسالزبرغ، فلم يزعج نفسه ~~بتصنيف الألمان خارج الحدود إذن؟ واليوم كما كان عليه منذ عشر سنين حينما كتب إلى ~~غرلاخ لا يتأخر عن صرع أي من أولئك الناس إذا ما جعلت سياسته العامة مثل هذا ~~العمل أمرا مرغوبا ms239 فيه؛ ولذا سيرى بعد قليل أشهر، بارد الدم، مصارع الألوف من ~~السكسونيين والهسيين والهانوفريين في حربه؛ فالواقع هو أن هؤلاء من الأجانب في ~~نظره، وأن بروسية وحدها هي وطنه، هي بلده. # ومظهر حب الوطن - الخاص بالألمان - تبعا لنشوئهم هو مما يثير دهش بسمارك ~~باتساعه أكثر مما بضيقه؛ وذلك لأن الألماني - كما قال بسمارك في مشيبه - مخلص ~~لآله الذين نبت بينهم ومحب، في الغالب، لزاوية من الأرض، وهكذا لا يحب بسمارك سوى ~~بوميرانية حبا أساسيا، وبروسية إذ كانت وليدة فتوح مصادفات وكانت أضيق مما هي ~~عليه؛ عدت من اتساع الكيان ونبو البنيان ما لا تثير معه المشاعر الأسرية، ولم ~~تكن هنالك وحدة مشاعر بين كولونية وميمل، وبسمارك كان مع ذلك من أولئك القليلين الذين ~~عزموا على حب بروسية كما هي، كما كونت دوما؛ وذلك لأن الفتوح الملكية عنده ضرب ~~من العقائد، ولأن الأصول قليلة الأهمية مهما كانت، وبسمارك إذ كان تابعا لملك بروسية ~~وفارسا لبراندبرغ، كان همه مصروفا إلى توسيع بروسية، وكان يفضل أن يغلب أمراء ~~ألمانية وفق أساليب سالف القرون، فيزيد رقعة بروسية، على أن يكافح في سبيل الجامعة ~~الألمانية، فهو يريد أن يكون الأول، وهو الذي لم يكن بين النظراء إلا قهرا، وهذا هو ~~منطق دمه! # غير أن ذهنه المضطرب وعلمه العميق بالتاريخ وبصره الحديد بالحقائق أمور كانت ~~تتغلب على رغائبه الطبيعية فيتطلع إلى ما يمكن نيله ويعرض عما يبتغى ويوطن ~~نفسه بعد قهر النمسة على جعل زعامة ألمانية لبروسية. أجل، ستضم بعض الولايات إلى ~~بروسية، غير أن الفتح لم يظل غاية. # ويتنبه فيه طموح جديد، ويروي الشاهد الصادق كودل أن بسمارك قال له منذ عشر سنين: ~~«إن تاج بروسية وحده هو الذي أكترث له.» فيقول له الآن: «إن أقصى آمالي هو أن أجعل ~~الألمان أمة واحدة!» ومنذ عشر سنين يصبح بسمارك المتحزب دبلميا، فيتخلى عن بعض ~~مزاعمه الرجعية، ولا يشغل نفسه بسوى المعالي معرضا عن المبادئ، واليوم يصير ~~بسمارك وزيرا لبروسية فيتحول إلى قطب سياسي ألماني، ويبدأ بإعمال ms240 الرأي في شأن ~~البلاد الألمانية، ومن صفاته الفطرية نظره إلى الأمور من خلال السلالة الملكية، لا من ~~حيث الأصول القبلية، وما كان بسمارك لينقذ نفسه من تلك الفكرة الابتدائية الآن ولا ~~بعد زمن؛ ولذا كان بسمارك أعظم قطب سياسي في عصره؛ ولذا لم يكن بسمارك ~~نبيا. # ومما يسر بسمارك الآن عسر الوضع في النمسة، وترى النمسة أن إدارة ولاية ~~هولشتاين من بعيد ينطوي على مصاعب كالتي تشتمل عليها إدارة المستعمرات، وترغب ~~النمسة في بيع هولشتاين من بروسية وفي بيع البندقية من نابليون بأربعة ملايين ليرة، ولا ~~تجرؤ النمسة على إتيان الأمرين، بل تدع دوك أوغوستنبرغ يعود إلى سابق فتنه في ~~هولشتاين ناقضة بذلك معاهدة غاستن التي تمنح بروسية صوتا في كلتا الدوكيتين، واليوم ~~يستطيع بسمارك أن يثبت لمليكه وقوع اعتداء على حقوق بروسية، واليوم يستطيع بسمارك أن ~~يحرك ساكن فردريك ولهلم، واليوم يعرب بسمارك عن مقاصده بصراحة عجيبة فيقول ~~لسفير فرنسة بنيديتي: «إذا ما أردت حمل الملك على المطالبة بحق وجب علي أن ~~أثبت له أن الآخرين ينازعون فيه، وإذا أقدم إنسان على تحديد سلطانه أمكنت موافقته ~~على اتخاذ تدابير فعالة.» ويشتكى إلى فينة، ويؤخذ جواب محنق، ويجتمع ~~المجلس الخاص ببرلين في شهر فبراير سنة 1866، ويتكلم الملك بحزم فيقول: «لا نرغب في ~~إثارة حرب، ولكنه لا ينبغي لنا أن نخشى الحرب إذا حملنا عليها.» ويوافق الوزراء ~~وينفرد ولي العهد بالمعارضة، ويقول الملك: «إن تملك الدوكيتين يستحق مشقة حرب، ~~ولنفاوض ولننتظر، أريد السلم، ولكنني عازم على الحرب إذا قضت الضرورة بذلك، والحرب ~~عندي أمر عادل، والآن أدعو الله أن يهديني إلى سواء السبيل.» والله منذ عام ونصف ~~عام قد ألهمه أن يرى أنه لا حق له في الدوكيتين، والآن يرى الجامعة الألمانية ~~والحقوق النمسوية دخلت في ذمة الماضي! # ويزيد بسمارك آمالا، ويجادل ولي العهد الذي «صار حريفا» # 2 # ويملي كتابا على سكرتير له في ذلك المساء، ثم يجلس قريبا من النافذة ~~ويفضي إلى كودل بما في نفسه قائلا: «إذا عاد منسدورف ms241 إلى السياسة السابقة وجب علينا ~~أن نلوح له بالأسود والأحمر والأصفر، # 3 # وأرى أن كلا من مسألة شليسويغ ومسألة ألمانية مرتبطة في الأخرى بما ~~يحملنا على حلهما معا عند التصدع، وتسفر إقامة برلمان ألماني عن رد الدول ~~الصغيرة والدول المتوسطة إلى حدود ملائمة»، ويسكت بسمارك قليلا ثم يقول: «وإذا وجد ~~بينهم إفيالت # 4 # قضت الحركة الألمانية عليه وعلى مولاه!» ثم نهض بسمارك بسرعة وغادر ~~الغرفة، وهكذا ينتهي بسمارك إلى حل المعضلات، فهو يفكر فيها ويقلب أمورها مقدارا ~~فمقدارا، ثم يبدو له قياس تاريخي يقابل به الحال بالماضي فيحطم به خصومه، ثم ~~يثب على رجليه ويفصح عن الحل المكنون في ذهنه. # وكلما اقتربت الحرب وضع بسمارك ذلك الحل موضع العمل، وهنالك يشتد حكمه المطلق، ~~وتؤدي حرية النواب في قول ما يحلو لهم إلى عدم استعداد البلاد لقبول عظائم الأمور، ~~وليتعقب النائب العام الأحرار أمام المحاكم بتهمة إساءة حق حرية الكلام إذن، ~~وليعين قاضيان مساعدان لهذا الغرض إذن، ويسود اللندتاغ هياج، و«يمكنكم أن ~~تزينوا قضاتكم بجميع ما في الدولة البروسية من أوسمة؛ فما كانت نجومكم لتغطي ~~الجروح التي أصاب به أولئك الناس شرفهم، وما كانت تلك النجوم لتخفيهم عن أعين ~~المعاصرين والأعقاب! وا أسفاه، إنهم جرحوا شرف وطنهم أيضا! تؤدي تلك الأساليب إلى ~~التشاؤم الذي فيه خطر على الدولة! حتى إن أولي الدعة من الناس أخذوا يرون ~~المستقبل حافلا ببذور الانتقام!» وهذا القول هو ما نطق به تويستن من فوق المنبر، وهذا ~~القول هو للنائب تويستن الذي تعقبته النيابة العامة مع نواب آخرين، وهذا القول هو ~~لتويستن الذي أشار به إلى الثورة عشية شهر الحرب. # ويجيب بسمارك عن ذلك بقوله: «وهكذا نجعل من المجلس محكمة استئناف أرفع من المحكمة ~~العليا! وهكذا يجب علينا أن نمنح النواب من الامتيازات ما يجعلهم فوق أبناء الوطن ~~الآخرين، وهكذا نمتع النواب بحقوق لا يحلم بها أشد الأشراف خيالا! وهكذا تطالبون ~~لأنفسكم بحق كيل الشتائم وصب أفظع الافتراءات!» ويتعذر حل النزاع، ونزاع مثل ~~ذلك هو الأمر الوحيد ms242 الذي كان يحفز الملك إلى شد أزر وزيره المكافح، ويحل ~~اللندتاغ ويرضى بسمارك بالوضع. # والخطوة التالية هي الاطمئنان إلى فرنسة وإيطالية، ويجب على الملك أن يرسل كتابا ~~إلى نابليون الثالث عند تأزم الأحوال إجابة إلى سابق رغبة في نابليون، وسيبلغ ~~السفير إلى نابليون الثالث كل شيء، ويحل الوقت، ويقول غولتز للإمبراطور: «إننا لا ~~نرغب في امتلاك الدوكيتين فقط، بل نرغب أيضا في اتحاد ألمانية الشمالية بزعامة ~~بروسية.» ويعد الإمبراطور بالحياد، والإمبراطور لما كان يخامره من شك في وجود خطط ~~أخرى لدى بروسية يصرح بأنه سيطالب بأملاك على الرين عند توسع بروسية بأكثر من ~~ذلك، ويقوم بسمارك بالمفاوضات حذرا، ويرسل موضع ثقته، بليشرودر إلى باريس، ~~وينقل بليشرودر رغبات بسمارك إلى روتشلد لكي يوصلها هذا إلى الإمبراطور، ومن ~~ثم ترى كيف ينتفع بسمارك بصلاته الخاصة، ومن ثم ترى كيف ينتفع بسمارك حتى باليهود، ~~ويمضي وقت قصير فيتكلم تيار في مجلس النواب بباريس عن قرب اتحاد دول شمال ألمانية ~~فيقول إن رجحان فرنسة يتوقف على بقاء ألمانية مجزأة، وتهتز أركان المجلس ~~بالهتاف لهذا القول، ويرتعب نابليون الثالث، ويبحث من الآن عن تعويض النمسة بسيليزية ~~في مقابل شليسويغ منعا لزيادة بروسية قوة، وهكذا تنتقل تلك المساومة حول بعض ~~الأقاليم من وزارة إلى وزارة ومن برلمان إلى برلمان، وهكذا تطفح جميع دواوين الشفرة # 5 # بالمذكرات المتبادلة عن الرغائب وعن سلوك الدول العظمى بعد حرب يمكن ~~ألا تشهر. # ويزور برلين في ذلك الحين جنرال إيطالي، ويرى بسمارك من المصلحة أن تطلع ~~فينة على المعاهدة السرية بين بروسية وفلورنسة؛ لما يؤدي إليه ذلك من احتجاج ~~النمسة بشدة ومن غيظ مليكه، ويطلع على خططه فرانجل الشائب المشهور بإفشاء كل ما ~~يسر إليه من فوره، ويقول بسمارك للجنرال الإيطالي: «أظن أنني قادر على جعل ~~الملك يشهر الحرب، ولكنني لا أستطيع وضع يدي في النار!» وعلى ما كان من تحذير جميع ~~الأجانب ببرلين لذلك الجنرال الإيطالي من مكايد بسمارك لم يقع أي سوء تفاهم في ~~فلورنسة، ولما تصاعدت الشكاوى من ms243 فينة عزمت إيطالية على محالفة بروسية، وللطلاينة ~~أن يستولوا على البندقية عند استيلاء البروسيين على بوهيمية، وهذه السفتجة # 6 # واجبة الأداء في ثلاثة أشهر، وما كان ليزعج ذلك الألماني الملكي ~~«بسمارك» أن يستعين بالأجنبي ليضرب آل هابسبرغ الألمان. # ويأبى الملك ولهلم أن يوافق حينما استعد حلفاء بسمارك للإمضاء، وتخور أعصاب ~~بسمارك، ويقول رون: «يشكو صديقنا من تشنج شديد في المعدة منذ يومين بعد أن نهكته ~~أعماله الجبارة في الليل والنهار، وهو من انحطاط المزاج ومن الهياج والكدر ما صار معه ~~في خطر؛ ولذا أجده يحتاج إلى جمع قواه الأدبية وإلى الخلاص من كل ألم بدني.» وفي ~~ذلك الدور يفكر ويفكر معه رون في الاستقالة جديا، ولكن كلا الرجلين يتمالك بعد ~~نهارين، ويكتب بسمارك إلى صديق له قوله: «تعرف من تجاربك الخاصة ما هي الحياة، وتعرف ~~تكاليفها وحوادثها وغوائلها، وتعرف قلة الوقت ونقص القوة، ولا تظن أن القنوط هو ~~الذي يملي علي ما أقول، فبالحرب أومن وإن كنت لا أدري هل أراها، ولكن الضنى ~~يهلكني.» ولهجة مثل هذه مما لا يعرفه هذا المكافح، فلسفة فزهد فنصب. # ويحيط أعداؤه به إحاطة السوار بالمعصم، وتدب القوة فيه، ويهجره أكثر ~~المحافظين في الساعة الراهنة، ويرى المحافظون تعذر محاربة آل هابسبرغ الشرعيين، ويبدو ~~لهم أن الذي قاوم رادوويتز منذ ست عشرة سنة تحول إلى رادوويتز جديد، ويجلس صديقه ~~وحاميه ذات حين لويس غرلاخ بالقرب من الموقد مساء فيلومه بين ماء الصودا ~~والسيغارات مهددا إياه بلعنة الله، ويهاجم غرلاخ سياسة بسمارك في جريدة ~~«كروززايتنغ»، فيقول بسمارك لهذا الشيخ البياتي مغاضبا: «لم أبلغ من الحماقة ~~ما أورط البلاد معه في الحروب! وأسير وفق وجهة نظري في هذه المسألة من غير أن ~~يكون للآخرين أي أثر في، وأدبر الأمر مستعينا بالله، لا بعد استشارة أعضاء ~~حزبي.» ويبدو - مع هذا - «فظا شاحبا حادا هائجا بعيدا من القول اللين» ويعرب ~~غرلاخ عن أمله بألا يؤثر هذا الخلاف السياسي في صداقتهما فيلزم بسمارك جانب ~~الصمت، والسكوت في هذا المعرض رفض، وبسمارك ms244 لم يكلم غرلاخ بعد ذلك قط. # ويعمل ولي العهد وزوجه في ذلك الوقت، وتعمل أوغوستا أكثر من كل إنسان، ولم ~~يأل الجميع جهدا ضد الحرب، أي ضد بسمارك، ويحصل دوك صديق على رسائل سلمية ~~من الوزير النمسوي ليوصلها إلى الملك، وتقدم عرائض إلى الملك ولهلم من ~~أخلص رعاياه إليه ومن الأمير شارل وسنفت بيلساخ وبوديلشوينغ وغرلاخ ومن جميع ~~البياتيين، حتى الاتحاد المقدس يبعث من القبر، وتبصر غليانا عاما، ويظل ~~رجل واحد هادئا بين الاضطراب، فلما نفخ في صور # 7 # بسمارك الحربي صرح مولتكه بأن الأنباء عن استعداد النمسة العسكري ~~مبالغ فيها، وبسمارك مع ذلك لم يدخر وسعا في الاستمرار على سياسة حافزة للنمسة ~~إلى مبادرة الهجوم؛ وذلك لما يعلمه من كون الملك لا ينزل الضربة الأولى، ولو خوفا ~~من زوجه، ويروي بسمارك أن أوغوستا كانت في ذلك الوقت من اللاوطنية ما كانت تقع معه ~~«مفاوضات مريبة في برلين تحت رعاية جلالتها على حين كان القتال شديدا على حدود ~~بوهيمية.» # بسمارك في سنة 1868. # وتأتي ولية العهد ما هو أسوأ من ذلك أيضا؛ فقد كتبت في نهاية شهر مارس إلى والدتها ~~بلندن تقول لها: «والدتي العزيزة، يروقك أن تعرفي أن الرجل الخبيث يتميز من الغيظ ~~لرغبة الملك في كتابة فريتز إليك، والأمر هو أن الخطط تتخالط وتغدو غير مجدية، إلخ ... ~~والخلاصة أن الرجل ساخط، وهو لا يألو جهدا في منع كل تدخل، وأرى أن تعلمي هذا؛ ~~ولذا أكتب إليك مباشرة، وإن كان هذا من قبيل الدس الذي أبغضه.» وما كان هذا دسيسة، ~~بل هو خيانة، حتى إن الأميرة فيكتورية، وإن فتئت تكون إنكليزية، وجب عليها أن ~~تعرف أن من تقاليد وزراء إنكلترة في كل زمن عدم السماح للأمراء المنتزحين # 8 # بالتدخل في شئونهم. # وتساور بسمارك حمى من الهيجان، ويروي شاهد عيان أنه كان وهو جالس حول مائدة ~~الطعام يضع يده على جبينه في الحين بعد الحين، فيقول بصوت خافت: «أرانا صائرين إلى ~~الجنون!» # وماذا يصنع الأمراء الألمان؟ أيدعون بروسية تقودهم؟ يواثب بسمارك ms245 وحي سعادة في ~~ذلك الحين فيتذرع بأدعى الوسائل إلى الحيرة؛ كسبا للرأي العام؛ فهو يقترح على الجامعة ~~الألمانية دعوة مجلس ألماني تمثيلي منتخب بالتصويت العام انتخابا مباشرا! ~~أجل، مات لاسال، غير أن إحدى فكره العظيمة تبعث بغتة على هذا الوجه، وبسمارك ~~يقول في مشيبه: «نظرت إلى ضرورة الحال في أثناء مكافحة الخارج فلم أتحرج في ~~الالتجاء إلى الوسائل الثورية، فأبشر بالتصويت العام الذي هو أقوى سهم لدى ~~الأحرار؛ وذلك للقضاء على كل ميل في الممالك الأجنبية إلى وضع إصبع في عجتنا # 9 # القومية، وليس على الإنسان أن يدقق كثيرا في نوع السلاح الذي يستعمله ~~عند نشوب معركة كتلك يتوقف عليها محياه ومماته، والأمر الوحيد الذي يضمن لنا الفوز ~~هو أن نستقل عن الخارج.» # واسمع قول النائب فون بسمارك-شونهاوزن ضد التصويت العام منذ ثماني عشرة سنة: «لا ~~يصلح رطل من اللحم البشري والعظم البشري أن يكون قياسا.» ويجيب فينكه عن ذلك ~~بقوله «أرواح!» # والآن بتلك الخبطة يشهر بسمارك الحرب على الألمان، والآن يقابل ذلك بالضحك، والآن ~~أيجرؤ هذا الذي ساس بلاده سياسة غير دستورية مدة أربع سنوات وبلا ميزانية ومثل ~~الطغاة؛ أن يسخر بالألمان بعرض أمر يعد دليل خوفه على العموم؟ ولو أعلنت ~~كلمات ولي العهد التي نطق بها في تلك الايام لهتف لها جميع الناس، وهي: «ويلعب ~~بسمارك بأقدس الأمور لعبا آثما، فلا ينبغي لوزير شديد الخصام مثله أن يحل ~~المعضلة الألمانية»، ولم يعلم ولي العهد أن بسمارك في مذكرته التي كتبها ببادن ~~سنة 1860 أوصى الملك بأن يجمع برلمانا ألمانيا! ويكتب تريتشكه، ويصفق له نصف ~~ألمانية، قوله: «كلا، ثم كلا، فلا ينبغي لتلك الفكرة التي يحملها الألمان في ~~صدورهم منذ سنوات كثيرة أن تبرز على مسرح السياسة العملية كالروح التي تدعى وقت ~~الخطر، ولا ينبغي لتلك الفكرة أن تظهر في الميدان قبل أن تعد إعدادا ناضجا في ~~بروسية بنظام وفي للدستور، ومستند إلى عزم الأمة الألمانية الثابت، وموجب لابتهاج ~~الرأي العام الألماني! وما أشد ما اعترى الشعب من الحيرة ms246 تجاه هذا الانقلاب ~~المفاجئ في الحكومة البروسية!» # وهكذا تبصر العاطفة الألمانية تطغو على العقل، والعقل يشير بقبول ما كان يطالب به ~~منذ زمن طويل، وفيما كان جميع خياليي الألمان يبكتون فيقولون: «كلا، لا يجوز أن ~~يسار على ذلك الأسلوب.» كان بسمارك قاهرا لنفوره من البرلمانات، سائرا وراء ~~العقل. # ولكن أذني ذلك اللاشعبي لم يؤذهما ذلك بمقدار ما صدر عن فينة من دعوة ~~إلى السلم؛ ففي ذلك الحقل أيضا حدث تحول مفاجئ نحو السلم، ومن ذلك الحقل يخرج ~~اقتراح داع إلى نزع السلاح من قبل الفريقين، ويمرض بسمارك الذي أصيب بتوتر ~~الأعصاب عند سماع ذلك، فلا يستطيع أن يخاطب الملك في ذلك إلا كتابة، وهنالك يقرر ~~فيكتور إمانويل أن يبرز في الميدان تحت رعاية نابليون الثالث، وتجيب النمسة عن ذلك ~~بإعلان النفير العام وجمع جميع جيشها، لا جمع جيش كاف لمواجهة إيطالية وحدها؛ ~~وذلك لما علمته منذ زمن من وجود معاهدة سرية، وتعود إلى بسمارك عافيته في ~~الحال، ويشير بإصبعه - متهما - إلى أولئك «المخادعين» في فينة، ويبدو الملك في ~~المجلس الخاص حازما أكثر مما في كل وقت، ولا يتطلب قفزه أكثر من وخزه ~~قليلا. # ألتمس منكم - يا صاحب الجلالة - أن تتفضلوا فتثقوا بأن مما يخالف مشاعري، ~~وهذا ما أقوله عن إيمان؛ أن أحاول، ملحا، أي تأثير في قراراتكم ~~المكرمة المطاعة حول مسائل الحرب والسلم، فأكتفي بترك الأمر إلى الله ~~القادر حتى يلهم قلب جلالتكم إلى ما فيه سعادة الوطن، وذلك مع الدعاء لكم ~~أكثر من تقديم نصيحة إليكم، وليس لي، مع ذلك، أن أكتم عن جلالتكم اعتقادي بأن ~~خطب الحرب يغدو أشد خطرا فيما بعد، وفي ثلاثة أشهر على ما يحتمل، وفي ~~أحوال أقل ملاءمة، إذا ما حافظنا على السلم في الساعة الراهنة، وما كانت ~~السلم لتدوم بغير عزم الفريقين عليها، وإن رجلا - كخادم جلالتكم المخلص - ~~اطلع على باطن السياسة النمسوية مدة ست عشرة سنة لا يشك في أن عداء ~~فينة لبروسية صار عاملها السياسي وحافزها الرئيس، ولا يلبث هذا ~~الدافع ms247 أن يتجلى بأشد مما هو عليه الآن عندما تصبح الأحوال أكثر ~~ملاءمة لوزارة فينة مما هي عليه الآن، وسيكون أهم عمل تأتيه النمسة هو ~~أن تصهر الأحوال بإيطالية وفرنسة في قالب أعظم مناسبة. # وهكذا تتوقف تعبئة الملك على تعبئة الدعاء والرب والإيمان، ويصيب بسمارك ~~المحز، ويذكر الملك بأيام أولموتز حين تخاصم هو وإياه منذ ست عشرة سنة بسبب ~~أولموتز، وترتعش يد الملك ولهلم عندما لاح له إذعانه للمرة الثانية، ويكتب ~~قوله: «يمكنك أن تقول لمانتوفل، إنني أتنزل عن العرش من فوري إذا ما همس ~~بروسي إلي بكلمة أولموتز!» # وبعد لأي يأمر الملك بالتعبئة في أول شهر مايو على وجه لا يعني الحرب، وتغادر ~~أوغوستا برلين محتجة، ويصرح ولي العهد، الذي هو ضابط من درجة عالية، بأنه لا ~~مسوغ لحرب يقتل الأخ فيها أخاه، فيضحي عليلا على ما يحتمل، ويلوح إمكان ~~ضياع سيليزية وولاية الرين، وتشتاط الملكة الأيم البافارية الأصل غيظا، ويعارض ~~الحرب بعض قدماء الضباط الذين حدثهم آباؤهم عن معركة الأمم، والآن حين اتفق ~~بسمارك والملك على الحرب تبصرهما واقفين وحدهما، والآن يقول الملك لقارئه: «أعرف أن ~~جميعهم ضدي، ولكنني سأستل سيفي على رأس جيشي مفضلا الهلاك على خضوع بروسية في ~~هذه المرة!» والآن يقول بسمارك: «أعرف أنني ممقوت على العموم، ولكن الحظ متقلب ~~تقلب رأي الناس، وأجازف برأسي وألعب لعبتي وإن أسفرت عن سوقي إلى المشنقة، ولن ~~تبقى بروسية ولا ألمانية كما كانتا، ولا بد لهما من سلوك تلك السبيل، وصولا إلى ما ~~يجب أن تكونا عليه، ولا تجد سوى هذه السبيل.» # أجل، إنه يخاطر برأسه، ويترصده سفاح، ويترقب خروج هذا الوزير البغيض من بيته ~~حتى يغتاله، وفي اليوم السابع من مايو يغادر بسمارك منزله للمرة الأولى منذ المرض ~~الذي ألم به قاصدا الملك، ويرجع إلى داره من زقاق أونتردن لندن الأوسط (تحت ~~الزيزفون)، ويسمع إطلاق بضعة عيارات نارية عليه من مكان غير بعيد، ويلتفت بعنف ~~فيرى شابا يكاد يعيد محاولته وينقض بسمارك عليه بسرعة البرق ويمسكه من معصمه ms248 ~~بيده اليمنى ويمسكه من رقبته بيده اليسرى، ولكن الجاني إذ كان مزمعا على القتل تناول ~~المسدس بيده اليسرى من يده اليمنى وأطلق عيارين ناريين آخرين من كثب؛ فأما ~~العيار الأول فقد أخطأ هدفه وأصلى معطفه بفضل تجنبه المفاجئ، وأما العيار الآخر ~~فيخيل إليه أنه بلغ غايته، ويجمع بسمارك قواه بعد ثانية ضعف وهز فقار فيداوم ~~على إمساك الجاني من عنقه حتى مر عابر سبيل وجنديان فقبضوا عليه، ويبصر ~~بسمارك مع الحيرة أنه لا يشعر بغير ألم قليل فيسير ماشيا إلى بيته حيث تنتظره ~~حنة وبعض الضيوف لتناول الطعام معا. # ويدخل بسمارك غرفته من غير أن يراه أحد، ويفحص ثيابه قبل كل شيء، ويرسل إلى ~~الملك تقريرا مختصرا، ثم يدخل البهو ويقبل جبين زوجه ويقول لها: «لا تجزعي، ~~يا عزيزتي؛ فقد أطلق شخص نارا علي فلم أصب بأذى والحمد لله.» وحول المائدة ~~يقص الخبر كما لو كان حادث قنص، «وإني لما كان من سابق عهدي بالصيد قلت في نفسي: ~~لا بد من أن أكون قد أصبت بالطلقتين الأخيرتين، وإنني قد هلكت بهما، ولكنني ~~استطعت أن أسير إلى البيت ماشيا، وفي البيت فحصت الأمر فوجدت ثقوبا في معطفي ~~وسترتي وصدرتي وقميصي، ووجدت القذيفة قد زلقت على ثيابي التحتانية الحريرية من ~~غير أن تخدش الجلد، وشعرت بألم في ضلعي نتيجة للإصابة، ولكن هذا لم يلبث أن زال. ومما ~~يقع في أثناء صيد الفرائس الكبرى أن تلتوي إحدى الأضلاع التواء لينا نتيجة لصدى ~~صدمة الإصابة، ويعرف هذا بزوال الشعر من ذلك المكان، وأفترض انحناء ضلعي بمثل ذلك ~~الفعل، ومن المحتمل أيضا ألا يكون للطلقات جميع قوتها لما كان من استناد فوهة ~~المسدس على معطفي رأسا.» # يسرد بسمارك هذه القصة بهدوء العالم الطبيعي، وذلك من غير أن يفسر إنقاذه ~~لنفسه ببسالته الفائقة وبالوجه الذي هجم به على المعتدي، وبسمارك قد أمسك رقبة المعتدي ~~بما فطر عليه من البأس فأمكنه في تلك الساعة أن يرفع قدح راحه برصانة، ولم يلبث ~~الملك أن حضر فعانق وزيره، ثم ms249 أظهر الأمراء مختلف العواطف، ثم تجمع جمهور غير ~~قليل أمام البيت، فخرج بسمارك وزوجه إلى الشرفة، وبسمارك هو الذي كان أبغض رجل إلى ~~الناس في جميع بروسية فلم يهتف له جمهور فيما مضى، وبسمارك لما كان من إطلاق ~~ديمقراطي النار عليه في هذا النهار فلم يصبه؛ حياه الديمقراطيون، وبسمارك ينطق ~~بكلمات قليلة ويهتف بحياة الملك، والجاني ينتحر في اليوم التالي بالسجن، والجاني ~~يسمى كوهين بلند، وهو يهودي من طلاب جامعة توبنجن، وهو نصف إنكليزي مولدا ~~فأراد أن يقتل عدو الشعب فيحول دون شهر الحرب، ولا مراء في أن بسمارك أسف على ~~أن الانتقام فاته. # ولو كانت بنية هذا الرجل من فولاذ ، ولو كانت بنية هذا الرجل غير مرنة كروحه، فخر ~~صريعا لأمكن اشتداد الكفاح بين بروسية والنمسة لزمن ولأمكن عدم اشتعال الحرب ~~الألمانية؛ وذلك لأن هذه الحرب ليست حرب شعب، ولا حرب وزارة أيضا، بل هي حرب وزير ~~قطر الوزارة والملك والقادة وراءه، ولو أقعده المرض عن العمل في تلك الأسابيع ~~«لأسفر هذا عن خسران البروسيين لمعركة كولين مرة ثانية»، كما قال رون. # وعند كودل أن بسمارك بعد محاولة قتله «شعر بأنه وسيلة الله المختارة وإن لم ~~يصرح بذلك»، وكودل هذا كان مراقبا ثاقبا فيرى الوزير يوما بعد يوم، فلا نشك ~~في شهادته، وبسمارك قد حاق به خطر قاتل قبيل حربه ووقتما كان لا يعرف كيف تنتهي، ~~وبسمارك قد نجا من هذا الخطر بما يراه معجزا، وتقف واقعية بسمارك ذات حين، ~~ويخيل إليه أن يد الله تعمل. # | الفصل التاسع # والفاصلة بين إطلاق المثالي لناره وقذيفة الواقعي على إخوانه من الألمان خمسة ~~أسابيع، «والتعويض»، هذا ما صاحت به باريس حتى قبل أن يتحرك الجيش الألماني، ~~ويخامر فؤاد نابليون الثالث ندم على سياسته تجاه حملات تيار العنيفة، ويمكن أنه ~~ظل مؤمنا بالوعد الزائف الذي نقله الإيطالي إليه من بسمارك، «ولو نيط بي الأمر ~~لوددت - على ما يحتمل - أن أخون بعض الخيانة وصولا إلى غاية جميلة فأقطع فرنسة جزءا ~~من بلاد الرين ومن ms250 جنوب الموزيل ما دمت بروسيا أكثر من أن أكون ألمانيا، ولكن ~~الملك لا يأذن لي في ذلك كما ترون»، وفي تلك الأسابيع يمزح بسمارك فيشبه نفسه ~~بمروض الأسود ويشبه نابليون الثالث بالإنكليزي «الذي يقف أمام قفص الأسود في ~~كل مساء منتظرا بدم بارد حل الوقت الذي تفترس فيه هذه الوحوش ~~مروضها.» # وتمضي سنتان أو ثلاث سنوات فيدهش الملك من كشف تم فيؤكد له بسمارك دقته ~~«حتى عند ظهور سياستي غير ملائمة لهم، والواقع أنني لا أستطيع أن أحبط سياسة ~~نابليون إلا بإسماعي بنيديتي والطلاينة استعدادي للابتعاد عن سبيل الفضيلة، وعكس ~~هذا وضعي تجاه مولاي الرءوف الذي لا بد له من كبير وقت لإقناعه، وتعرفون - يا صاحب ~~الجلالة - أنني لم أحاول صنع شيء من ذلك، ولكن مما يفيدنا أن نحمل الفرنسيين على ~~اعتقادهم محاولتي ذلك». # وفي تلك الأسابيع الأخيرة يحاول كل إنسان أن يحمل الملك على الإعراض عن بسمارك، ~~وتتراكم لدى الملك كتب التحذير من قبل أمناء سره السابقين، ويتطرف بتمان ~~هولويغ، وهو الذي أبدى حفيده لحفيد الملك مثل نصحه ذات يوم قادم، فيجادل حتى في ~~صدق بروسية بسمارك، فيقول: «يتعذر كل تفاهم ما بقي هذا الرجل بجانب جلالتكم، وما ~~ظل موضع ثقة جلالتكم، وما غدت جميع الدول غير واثقة بجلالتكم نتيجة لأفعاله، ~~أوشكت الساعة أن تدق، فإذا ما ألقي بزهر النرد فات الوقت.» وما كان كاتب ذلك ~~الكتاب ليعرف أن الساعة دقت، وما كان الملك ليعرف أنه منساق، والواقع أن ~~النمسويين عندما دعوا أعيان هولشتاين في أول يونيو استطاع بسمارك أن يتهمهم ~~بأنهم نقضوا العهد وأن يثير بذلك غضب الملك ولهلم! ويقول هذا الملك لأمير من أمراء ~~الكنيسة أتى ليحذره: «إن النمسة تتذرع دوما بالغدر والكذب والخداع، ودعوت الله أن ~~يوفقني لما يريد، ووضعت شرف بروسية نصب عيني، وسرت وفق ضميري!» والحق ~~أن هذا الملك الطيب يعتقد ما يقول، على حين يستلهم بتمان هولويغ إله الألمان ذلك، ~~فينتهي إلى أن الشرف الألماني لوث، وعلى حين يستلهم رجال شواطئ الدانوب ذلك ms251 ~~الإله بشعائر مختلفة عن شعائر أولئك قليلا داعين إياه أن يحفظ شرف ~~آل هابسبرغ. # حتى إن بسمارك - الذي أعياه العمل - يستفتح الكتاب المقدس فيقع بصره على المزمور ~~التاسع حيث يقرأ: «أفرح وأبتهج بك، أرنم لاسمك أيها العلي، عند رجوع أعدائي إلى ~~خلف يسقطون ويهلكون من أمام وجهك؛ لأنك أقمت حقي ودعواي، جلست على الكرسي ~~قاضيا عادلا»، ولم تكن حنة لتدهش من شعور زوجها بهذه الكلمات، ب «سكينة في ~~فؤاده فيمتلئ أملا». # حتى إن كودل الذي روى ذلك لم يسأل في نفسه - كما يلوح - عن سير منسدورف في ~~بلهوسبلاتز وعن سير بوست فوق رصيف بروهلشن على ذلك المنهاج، فيفتحان تلك الصفحة من ~~التوراة ويفسران تلك الكلمة بما يعتقدان به أن الله معهما. # ولم يلاحظ أحد من أولئك أن ذلك النصراني الذي تقمصت فيه الفروسية والموت ~~والشيطان كان - وقتما يستلهم الرب - يفاوض قائدا مجريا في إمكان مقاتلة فرقة ~~هنغارية لملك المجر، وأن ذلك النصراني بسمارك أقنع مولاه الملك ولهلم بأن يستصوب ~~هذه المؤامرة مع ثائري سنة 1848. # وبينما كان الجيش البروسي يستولى على بوهيمية كان بسمارك يحرض التشيكيين على ~~الخيانة العظمى، ويذيع بسمارك منشورا يخاطب فيه: «أهل مملكة بوهيمية المجيدة» ~~فيوكد لهؤلاء الأهالي أنه عند النصر «يكون الوقت من الملاءمة ما يحقق فيه ~~البوهيميون والمورافيون أمانيهم القومية كما اتفق للمجر». # وينحاز معظم أمراء الألمان إلى النمسة في ذلك الحين، وتنفصل بروسية عن الجامعة ~~الألمانية، ويوجه إنذار إلى أولياء الأمر في هس وناسو وهانوفر وسكسونية أعطوا ~~فيه مهلة أربع وعشرين ساعة للتفكير، ويدعو بسمارك في تلك الأيام صحافيا باريسيا ~~إلى الغداء مع عدم معرفته إياه سابقا، ويحادثه مليا ويمازحه ويناقشه في مذكرات ~~باريس، ويتخذ من الوضع المطمئن ما يسرع معه الضيف إلى وصف ذلك في برقية يرسلها ~~إلى باريس في ذلك المساء، وفي ليلة الإنذار يتنزه بسمارك وسفير إنكلترة في حديقة ~~وزارة الخارجية، ويتكلم بسمارك معه عن أتيلا فيلوح أنه اكتشفه في ذلك الوقت لألمانية، ~~«والخلاصة أن أتيلا كان رجلا أعظم من مستر جون ms252 برايت في مجلس نوابكم!» ويحل ~~منتصف الليل، وينظر بسمارك إلى ساعته فيقول: «الآن تدخل كتائبنا هانوفر وهس، ويدخل ~~الكفاح دورا جديا، ويحتمل أن تهزم بروسية، فثقوا بأننا سنقاتل ببسالة، ولا ~~أرجع إذا ما غلبنا فسأقتل في آخر هجوم، ولا يموت الإنسان سوى مرة واحدة، والموت ~~خير من الغلب.» # ويمضي أسبوعان، ويقرر كل أمر في الشمال، وترد أخبار النصر، ويبدأ فريق من ~~الشعب بتغيير رأيه، ولم يحدث غير قليل هياج عند محاولة قتل رئيس الوزارة، بل زينت ~~جثة الجاني المثالي بالأكاليل سرا بما كان لا يتفق لجثة بسمارك لو قتل في ~~أونتردن لندن، وبيعت صور هزلية مشتملة على ملامح ولهلم تل # 1 # وممثلة لهذا المنتقم البطل وهو يطلق النار على بسمارك فيمنعه الشيطان ~~من ذلك باعتراضه بينهما قائلا: «هو منتسب إلي!» والآن بعد ستة أسابيع يتجمع ~~الجمهور أمام القصر هاتفا لولهلم الذي كان في أيام مارس قد فر من هذا القصر ~~إلى جزيرة في الهافل، # 2 # ويقف الملك بجانب رون وبسمارك شاكرا لرعاياه، ويعود بسمارك إلى منزله ~~راكبا عربته فيحل الجمهور الخيل منها ليجرها بنفسه، ويجتمع ألوف الناس أمام ~~بيته فيهتف بعضهم قائلا: «عاش القائد المقدام في ميدان الدبلمية!» ويقف بسمارك ~~مع زوجه بالقرب من النافذة فلا يسعه إلا أن يقول: «لقد ظهر الآن أن الملك كان على ~~حق!» ويقصف الرعد فلا تسمع كلمة بسمارك الأخيرة بفعل الهزيم، # 3 # فيقول: «السماء تحيينا»، ولطائف مثل هذه لم تنشب أن انتشرت من ~~العاصمة إلى الخارج فجعلت رجل الشارع يدرك أمر بسمارك أكثر من قبل، ولآراء بسمارك من ~~البرهان بها ما ليس لأي إعلان كان. # ولم ينشد بسمارك حظوة لدى الشعب، واليوم يمكن بسمارك أن يزدريها هادئا، واليوم ~~يبحث بسمارك عن أساس مكين لحل النزاع، فيرى أن يصار إلى انتخابات جديدة، وتمر ~~ثلاثة أيام على إطلاق هذه القذيفة فيدعو إليه اثنين من زعماء المعارضة، ويأتي الآن ~~لزيارة عدوه بسمارك تويستن الذي اتهم أمام القضاء بتحريض من بسمارك من أجل خطبة ~~في المجلس النيابي، ونرى ms253 في عمل تويستن هذا دليلا على حس الطاعة لدى البروسي ~~عندما يحيق الخطر بالبلاد، وإن ترك ينتظر عدة ساعات، ويعرض بسمارك الوضع عليه ثم ~~على أونروه الذي هو من الأحرار، ويكلم أونروه في الحديقة في ليلة صيف باردة ~~لما ليس لدى بسمارك من ساعات فراغ في النهار، ويشير أونروه إلى خلو البيان من ~~أي ذكر للرجوع إلى حكومة دستورية، وهنالك يهيج بسمارك فيقول: «يظن الناس أنني ~~قادر على كل شيء! يواجهني من المصاعب ما لا يتصوره غير القليل! لا أستطيع إقناع ~~الملك بأن يصنع كل شيء أحبه! قبلنا ذلك فقال الملك: إن البيان سيئ سوء ~~الدستور! يمكن أن يؤخذ بعض كتائبي بعد الحرب إذن ! لا أفعل ذلك!» # ويعدو ذلك حد الذريعة؛ وذلك لأن الصراحة الهائجة التي كلم بها بسمارك هذا الخصم ~~وهذا اللاملكي عن الملك؛ تدل على ما يجب عليه أن يكافح به الملك. # أونروه ~~: # يشابه وضعنا الراهن ما كانت عليه بروسية قبل حرب السنوات السبع ... وترانا ~~ملزمين بتبجيل الملك مع ذلك. # بسمارك ~~: # الوضع هو هو، ولكن بغير فردريك الأكبر! حقا! يجب صنع ذلك مع ذلك! أفاخر ~~بأنني استطعت أن أحمل ملك بروسية على إمضاء مرسوم قائل بدعوة برلمان ~~ألماني، ولكن سياسة كهذه لا يمكن أن تكون نافذة بالخطب والأنظمة، بل ~~تقرر بنصف مليون جندي، وليست محاربة هنغارية وروتينية وسلوفاكية هي ~~قتال الأخ لأخيه! # أونروه ~~: # يحار كل واحد من بقاء العلم متموجا فوق القصر. # بسمارك ~~: # سألت الملك غير مرة عند إصدار الأوامر بالانطلاق، فأجاب غاضبا بأنه سينظر ~~في ذلك، ومن ثم ترى أنني لا أصل إلى ما أود في كل وقت، والملك في ~~السبعين من سنيه، والملكة تعاكسني! # أونروه ~~: # وماذا يحدث إذا ما نكسنا؟ # بسمارك ~~: # هنالك يتنزل الملك عن العرش. # وتدل هذه الأجوبة التي نطق بها كالبركان على اندفاع السباح الذي كاد يغرق في ~~الماء، والذي يهم الآن هو الوصول إلى أقصى شاطئ، وفي هذا سر اقتضاب عباراته، ~~ويسلم الملك ثلاث مرات في نصف الساعة تلك، ويعلم بسمارك جيدا أن ms254 أونروه سيقص ~~ذلك على زملائه في الصباح، ويعرف بسمارك مصيره عند الهزيمة، وتنزل الملك عن العرش، ~~فلما كلمه ولي العهد عن احتمال الانكسار جاوبه عن ذلك بصولة: «وماذا يهمني شنقي ~~إذا ما ربط الجلاد بالحبل عرشكم بألمانية الحديثة ربطا وثيقا؟» # وبعد ثلاثة أيام من الانطلاق يقف بسمارك مع الملك على ذروة تل قريب من كونيغراتز، # 4 # والذي يهز نفوس الأعقاب من حديث هذه المعركة هو قصة مصير القائد ~~المقهور بنديدك الذي أجرى عليه الإمبراطور فرنسوا جوزيف، بارد الدم، شيئا لا مثيل ~~له في تاريخ الشرف الإنساني، وتميل كفة الحرب إلى بروسية بوصول الفيالق التي ~~يقودها ولي العهد في الوقت المناسب، ويروى المتفنن كودل: «أن بسمارك كان راكبا ~~جوادا كميتا # 5 # ضخما، وكان لابسا معطفا رماديا، وكانت عيناه تلمعان من تحت خوذته ~~الفولاذية، وكان ذا منظر عجيب يذكرنا بقصص عمالقة الشمال القدماء التي قرأتها في ~~طفولتي.» غير أن هذا البطل الأسطوري لم يلبث أن زال، فيظهر من تحت معطفه رجل ذو مشاعر ~~بشرية، وذلك حين يقول بسمارك لكودل بصوت خافت وبين الجثث المحطمة: «إن مما يجعلني ~~أشعر بالمرض إمكان وقوع هربرت صريعا هنا ذات حين أيضا.» # ويبقى بسمارك واقفا بين القنابل المتساقطة، ويضرع بسمارك إلى القائد - على غير ~~جدوى - أن يجعل الملك خارج خط النار؛ فما كان جواب رون إلا قوله إن الملك يمكنه أن ~~يذهب راكبا حيث أراد، «والقادة إذ كانوا فريسة الخرافة القائلة إنه لا ينبغي لهم ~~- جنودا - أن يذكروا للملك أمر الخطر، وإني لما كان من عدي قائدا، أرسلوني إليه، ~~وقد تمرغت في الدم، وبالقرب منه، مفرزة مؤلفة من عشرة مدرعين وخمسة عشر ~~حصانا»، ويدفع حصانه نحو الملك ويقول له: «إذا ما أصابتك - يا صاحب الجلالة - قذيفة هنا فسقطت زال كل سرور بالنصر، فأتوسل إليك أن تتفضل فتغادر ميدان ~~القتال!» ويسير الملك ببطوء نحو الشمال ويمر من طريق قاطعة لأخدود، ويتوارى من ~~بنادق العدو وراء سلسلة من الأكمات، وكان الملك في السبعين من عمره، ولم يحدث أن شاهد ms255 ~~معركة منذ خمسين عاما، ولا جرم أن بسمارك ساورته مشاعر مختلفة حينما حرض الملك ~~على الخروج من خط الخطر، فمن الراجح أن يكون قد تمثل له تهيب الملك الراحل فردريك ~~ولهلم، وأن يكون قد فكر في الرجل الذي يخلف ولهلم إذا ما قتل، وأن يكون قد ~~فكر في الله أيضا، وعن الملك وبعد المعركة كتب يقول لزوجته هادئا متجملا: ~~«ولكنني أفضل ذلك على أن أراه مفرطا في الحذر.» # وفيما كانت عزائم العدو تنحل ذهب بسمارك إلى مولتكه وسأله: «أتعرف طول المنديل ~~الذي أمسكنا طرفه؟» # مولتكه: «لا أعرف ذلك تماما، وإنما أمسكنا ثلاثة فيالق، ومن المحتمل أن يكون ذلك ~~جميع جيش العدو.» # وينال نصر حاسم، ويلخص ضابط مرافق قضية بسمارك تلخيصا رائعا بقوله: «إنك - ~~يا صاحب الفخامة - رجل عظيم، فلو تأخر ولي العهد لكنت أكبر الفجرة!» ولم يضق ~~صدر بسمارك بهذه الكلمة مع إحساسه، بل ضحك كثيرا. # | الفصل العاشر # «العالم ينهار!» هذا ما صاح به سكرتير الدولة في الفاتيكان عندما وصل الخبر إلى رومة ~~في الصباح التالي، وتغدو بروسية منذ ذلك الحين حليفة أمير اللصوص فيكتور إمانويل ~~وتنال معه نصرا على صاحب الجلالة الرسولي، فيعد ذلك إثما قاتلا، وفي يوم ~~المعركة ينتخب في بروسية مائة وأربعون نائبا محافظا قبل معرفة خبرها، وفي اليوم ~~التالي يكلم بسمارك ولي العهد حول الصلح، وستهدف خطبة العرش إلى السلم، «ومع ~~ذلك سنؤلف جامعة لدول شمال ألمانية؛ لتكون أول خطوة نحو الوحدة الألمانية»، ~~والخطة واضحة في ذهنه، ويسنتجد بولي العهد تنفيذا لها؛ فقد هز ذينك الرجلين ما ~~قاما به من عمل جليل معا على الرغم من نفسيهما، وتقرب معجزة الساعة الراهنة ~~بينهما، ويسودهما ضرب من التفاهم الصامت، ويلبي ولي العهد دعوة بسمارك إلى ~~العشاء للمرة الأولى منذ سنين. # والآن يعرف بسمارك حقيقة الشعب الذي لم يعلم عنه شيئا عمليا منذ أيام ~~شونهاوزن، وكيف رآه؟ «إن رجالنا روع # 1 # طوع شجعاء ودعاء محبون للنظام، وكان رجالنا جياعا لابسين ~~ثيابا مبتلة نازلين أرضا مخضلة، وكان نومهم قليلا وأنسهم ms256 كثيرا، ولا يعرف ~~رجالنا النهب ولا الحرق، ويدفع رجالنا ثمن ما يبتاعون، وهم من الخبز الكارج # 2 # يأكلون، وليتأصل خوف الله في أفئدة الشعب خشية زوال تلك الأمور»، هذه ~~هي الكلمات التي قالها بسمارك في كتاب أرسله إلى زوجه، وهي كلمات صدق ووليدة ملاحظة، ~~فكأن بسمارك يتكلم بها عن مزارعيه، وكأن بسمارك الشريف يطلب بها طاعة وتضحية قبل كل ~~أمر، وكأن بسمارك السري يرى الفضائل التي تبهره صادرة عن تقوى الله فلا تفسر ~~بين البروسيين بغير هذا، أجل إنه مخلص في تأثره، ولكنك لا ترى في الحقيقة جسرا بينه ~~وبين الشعب، وبسمارك مع أنه رئيس الوزراء لا يطلب لنفسه معاملة خاصة؛ ففي الليلة التي ~~تلت معركة كونيغراتز نام على «ما هو أصلح قليلا من دمنة» # 3 # نام على مقعد عربة بين الجرحى في العرى # 4 # بلا تبن، وذلك إلى أن تبين دوك رئيس الوزراء فأخذه لينام فيما هو ~~أحسن من ذلك المكان. # وصلات بسمارك مع القادة تجعله نزقا، فمما يشق عليه ولا يطيقه أن يصدر ~~هؤلاء أوامر فيصمت، ومما حدث في ليلة من تلك الليالي أن أيقظه رجل ليخبره بأن ~~الملك يريد ركوب حصان في الساعة الرابعة بعد منتصف الليل ليحضر مناوشة، فصرخ من ~~فراشه غضبان قائلا: «يا لغيرة هؤلاء القادة الشاربي الجعة! فهم يودون إطلاع ~~الملك على مناوشة في الساقة، # 5 # فأمنع من النوم مع شدة احتياجي إليه!» ويبدأ كفاحه للحربيين بهذا ~~الاستهلال الهزلي، ويكتب إلى زوجه من فوره بعد النصر قوله لها: «إذا لم نفرط في ~~مطالبنا، وإذا لم نحد عن الاعتقاد بأننا غير فاتحين للعالم كان لنا من السلم ما ~~يستحق الهم، ولكننا إذ كنا فرحين خائرين في آن واحد، كان من واجبي الجحود أن ~~أروي الخمر المختمر بالماء فأذكر القوم بأننا لا نعيش وحدنا في أوروبة، حيث تقوم ~~ثلاث دول تكرهنا وتحسدنا!» # وفيما كان بسمارك يسمع ما تقوله أوروبة منتبها كان القادة يسمعون صليل سيوفهم ~~زاحفين عامدين إلى فينة، ويعقد مجلس حربي في كزير ناهوره، ويصل ms257 بسمارك ~~متأخرا، ويطلعه الملك على الأنباء وينتظر وصول المدفعية الثقيلة في أسبوعين، ثم ~~يسار إلى فينة، ويرتجف بسمارك ويقول: «خمسة عشر يوما!» وبسمارك ليس سوى مقدم، ~~وليس على كتفيه من السمات ما يسطع كثيرا، ولا قول حول الشريط الأحمر، ويجلس ناظرا ~~إلى الخريطة وينصت له الجنرالات إنصات تهكم، فينصح بعدم ضرب فينة بالمدافع ~~وينصح بالذهاب إلى برسبرغ وعبور نهر الدانوب، فيكون وجه العدو إذ ذاك إلى ~~الشرق على وضع غير ملائم، أو يتقهقر إلى هنغارية مغادرا فينة بلا قتال، ويبصر ~~الملك الخريطة، ويؤيد اقتراح بسمارك: «وتقبل الخطة على مضض، وكان همي الوحيد ~~مصروفا إلى اجتناب كل ما يؤذي صلاتنا بالنمسة في المستقبل، وكل ما ينكأ القروح # 6 # من الذكريات الجارحة، ومن شأن دخول الجيش البروسي فينة ظافرا أن ~~يسدد ضربة هائلة إلى كرامة النمسة مماثلة لترك ملك قديم قهرا، ولا أشك في ~~أننا - كفردريك الأكبر - نكون مضطرين في الحروب القادمة إلى الدفاع عما نستولي عليه ~~الآن في ميدان الوغى، ومن المنطق التاريخي أن نحارب فرنسة بعد محاربتنا النمسة في ~~الوقت الحاضر». # وتمضي بضعة أيام فيعقد في هذه المرة مجلس حربي آخر في برون، # 7 # فينظر في مصالحة فينة، فيقول بسمارك هادئا بحضرة الملك: «إذا غادر ~~العدو فينة وارتد إلى هنغارية وجب علينا أن نتعقبه، وإذا عبرنا نهر الدانوب ~~وجب علينا أن نبقى على ضفته اليمنى لتعذر السير على الخيل من ذلك المضيق الهائل، ~~والرأي حينئذ أن نزحف إلى الآستانة ونؤسس إمبراطورية بيزنطية جديدة تاركين بروسية ~~وشأنها!» # ومن النادر أن يتجلى هدوء ذكاء بسمارك بأوضح من ذلك، وبسمارك وحده قد دعا إلى ~~تلك الحرب، وبسمارك وحده قد فرضها، ولكن تلك الحرب ما كادت تكسب في معركة واحدة حتى ~~رفض الدوام عليها، حتى وقف حركاتها؛ وذلك لأنه أبصر في الأفق حربا أخرى، أبصر حربا ~~يحمل عليها طوعا أو كرها، ويعمل ذهنه بعد المعركة بعشرة أيام فيرى مصالحة ~~النمسة بلا غنم ولا ضم، والذي يغري الجنرالات بفينة هو نزوات أفئدتهم، والذي ~~يحفز بسمارك ms258 إلى رأيه ذلك هو كونه قطبا سياسيا، لا كونه قائدا عسكريا أبرع من ~~الجنرالات، وبسمارك عليه أن ينفذ خطته من غير أن يكدر الملك الجندي، وولهلم ~~في الحقيقة لم يرض بذلك لقول جنرالاته له إن الميجر بسمارك خوار، فهنالك تذرع ~~القطب السياسي بسمارك الذي ترك هو ومصادره الخاصة بوسائل أخرى فحاول متهكما أن ~~يقوي الوضع الذي ألمع إليه في المجلس الحربي السابق. # والواقع هو أن العاهل الفرنسي كان يضغطه؛ ففي عشية كونيغراتز عرضت فينة ~~البندقية على الإمبراطور نابليون الثالث إذا ما وقف الزحف الإيطالي، ويفاوض الإمبراطور ~~منفردا بدلا من التدخل مع الدول الأخرى، ويعرض على المركز البروسي في بوهيمية ~~أن يتوسط في سبيل السلم، ويتنفس بسمارك الصعداء! قبول سريع، وعدم طلب شيء من ~~النمسة، وتسوية المسألة الألمانية بواسطة غولتز في باريس، ويستعد بسمارك كما يقول: ~~«لحلف يمين لذلك الغولي على مذهب هنيبال.» ويظهر في الحال بنيديتي الذي ترك ~~يمر من قبل حرس قليل الدربة، فيقف قريبا من وسادة بسمارك كأنه طيف حقيقي، ~~وهنالك يبدأ بتبادل البرقيات مع باريس، وكان يلوح زوال الخطر؛ وذلك لأن بسمارك كان ~~يحاول أن يحول الدول العظمى، ثم أتت دولة عظيمة لتتدخل على غير انتظار، فظهر ملك ~~بروسية. # حقا أن ولهلم دخل الحرب «لمقاصد دفاعية» والآن بعد أن ذاق هذا العاهل المسالم ~~طعم النصر، وبعد أن حرضه جنرالاته؛ تحول إلى طامع في التوسع، ومع أن الواقع ~~هو أنه لولا قلم بسمارك ما استل أحد سيفا يصرح الملك مغاضبا بأنه لا ينبغي ~~للقلم أن يبطل ما ناله السيف، فيطالب بواسطة نابليون الثالث بشليسويغ ~~وهولشتاين وبزعامة بروسية على ألمانية وبغرامة حربية وبتنزل جميع أولياء الأمور ~~المخاصمين، ومنهم ملك سكسونية، عن عروشهم وبضم جميع تلك الأقاليم، فهذا هو السهم الذي ~~أطلقه ولهلم نحو باريس، ولكن بسمارك أطلق سهما آخر من كنانته، فعلى السفير أن ~~يقدم تقريرا عن أثر تلك المطالب في فونتنبلو، وذلك «لأنني أعتقد أن من الممكن أن ~~نصل إلى اتفاق مع الإمبراطور بتعديل تلك الشروط تعديلا معقولا ms259 مقبولا ~~عندنا». # ويضغط نابليون الثالث وزراؤه، «ويهز في الحقيقة ويسقط في يده تماما»، وماذا ~~يعمل؟ هو قد اقترف خطأ، فيجب الإبقاء على النمسة وسكسونية، وتضطرب فرنسة ضد شيد ~~إمبراطورية ألمانية، والرأي إذن أن يفصل الجنوب عن الشمال ولو ظاهرا، ويبدو القيصر ~~في الميدان فيقترح عقد مؤتمر، ويعني هذا أنه يريد الربح أيضا، وتظهر العدوى التي ~~ود الطبيب عدم شمولها، وتستحوذ حمى الضم على وزارات أوروبة، ويعلن تفشي الهيضة # 8 # بالجيش البروسي، ويتوقف على الهيضة عدم اشتعال حرب كبيرة. # وليعقد الصلح مع النمسة في هذا اليوم إذن! لا في الغد إذن! ولا تجوز المجازفة ~~بالنصر ثانية في سبيل خصام حول كيلومترات مربعة وملايين نقود إذن! «فكل شيء ~~يعوق تسوية الأمر أملا في نيل فوائد ثانوية يكون قد وقع على الرغم مني»، وإليك ~~بنيديتي مرة أخرى؛ فهو يتكلم عن ضفة الرين اليسرى، ويسحره الغالب بدلا من أن يطفر # 9 # عليه، ويلمع الغالب بدلا من أن يقطع ويقمع، «والآن لا أقبل أي تصريح ~~رسمي، وإن كنت مستعدا للمناقشة في كل ما يروقك، ولفرنسة كل الحق، ولنبحث في ~~الوسائل التي يحقق بها هذا الرأي، ولا تستطيع بروسية أن تقطع أرضا بعد النصر، ~~ويمكننا أن نبحث في إمكان صنع شيء في أمر بلاتينة الرين، وأبسط شيء لدى فرنسة هو أن ~~تحدق إلى بلجيكة»، ويفتن بنيديتي بذلك فيبرق إلى باريس ناصحا بالقبول، ~~ويوصل إلى اتفاق. وفي 27 من يوليو سنة 1866 يعقد مجلس حربي في قصر نقولسبرغ، ~~ويعد كل أمر، ولا يبقى غير إقناع الملك. # وفكرت في الأمر من جميع نواحيه فقررت أن أجعل قبول السلم التي تعرضها ~~النمسة مسألة وزارة، وكان الوضع صعبا؛ فما كان جميع الجنرالات إلا كارهين ~~لترك دور النصر ذلك، وما كان الملك في ذلك الحين إلا عرضة لتأثير مستشاريه ~~الحربيين الدائم، فيصغي إلى نصيحتهم أكثر مما إلى نصيحتي، وما كنت أقدر من ~~غيري على البصر بالمستقبل وبما يصدر عن العالم من حكم في الأمر، ولكنني كنت ~~الشخص الوحيد العتيد الذي يفرض ms260 عليه منصبه الشرعي أن يكون صاحب رأي وأن ~~يجهر به وأن يدافع عنه، وما كنت أجهل أنهم يلقبونني بكويستنبرغ # 10 # في المقر العام، وما كان هذا ليروقني كثيرا. # تلك هي أخطر ساعات في حياة بسمارك، وليس مجلس الحرب أصعب شيء عليه، بل كانت ~~الأيام التي سبقته، فكان عليه أن يكون فيها قراره فيشعر فيها بالمسئولية ~~التاريخية أشد أوقاته حرجا، وبسمارك في تلك الأوقات وللمرة الأولى ولهذه المرة وحدها ~~في الحقيقة كان مستقلا استقلالا تاما، فلما مضت أربع سنوات أوجب مختلف العوامل ~~في فرساي ضياع قدرته على المبادرة والبت وحده، واليوم في المسألة النمسوية تبصر ~~بسمارك منفردا، وفيما تراه يقضي نهره كلها في المفاوضات لما يجب من تمام كل ~~شيء على يده؛ تراه يقضي لياليه ساهرا مفكرا في أجمل ما يعمل، ولو كان بسمارك ممن ~~يذعنون للملك وللقواد لأمكنه دوما أن يقدم تقريرا أو أن يستقيل عند الضرورة ~~فينقذ سمعته أمام البلاد والحفدة، ولكن بسمارك إذا ما قرر فرض وجهة نظره فاحتمل ~~تبعة ذلك وحده كملك مطلق عارفا أن نجاحه هو شفيعه وأن فلاحه سبب للصفح عنه. # وكان بسمارك مريضا في ذلك الحين، وكان لذلك عاجزا عن إبدائه مظاهر مؤثرة ~~ببزته الرسمية الزرقاء وبتقلده حسامه، وكان الألم يلم ببسمارك فيلزم غرفته ~~مرتديا رداء مدنيا ويستقبل في غرفته الملك والقواد آتين من نزهة صباحية كانوا ~~يقومون بها في الهواء الطلق راكبين خيلا، وبسمارك كان من الجرأة مع ذلك ما يشرح لهم ~~به علل قناعته، ويريد العسكريون متابعة الحرب، وينحاز الملك إلى رأيهم، ويظل بسمارك ~~وحيدا، «ولم تقاوم أعصابي تلك العوامل التي تؤثر في أياما وليالي، فأنهض ~~صامتا، وأذهب إلى غرفة نومي المجاورة وأبكي بكاء شديدا، وأسمع في تلك الأثناء انفضاض ~~مجلس الحرب في الحجرة القريبة». # وحدث له مثل ذلك منذ سبع عشرة سنة حينما كان يتكلم من فوق المنبر، وكانت آخر كلمات ~~خاطب بها المجلس في ذلك الوقت هي: «إذا كان الوطن الألماني الموحد يبلغ على ذلك ~~الوجه في الحقيقة، فإنه يأتي ms261 زمن أشكر فيه لمبدع نظام الأمور ذلك، ولكن هذا يتعذر ~~علي الآن.» وكان النائب بسمارك يغالب هذه المعضلة منذ سبع عشرة سنة، فينظر ~~إليها عن كثب تارة وعن بعد تارة أخرى، وبسمارك حل العقد، وبسمارك شدها ~~ثانية، وبسمارك حلها مرة أخرى، وبسمارك في ذلك كله يتعقب فكرة، لا كخيالي ولا ~~كمثالي، بل كمجاهد يعمل دوما عمل المستقتل على إزالة حجر العثرة؛ أي على تقويض ~~النمسة ذات اللغات السبع، وذلك بالهزوء والتهكم والتلقين والمنطق، واليوم يدحرج ~~حجر العثرة وتفتح الطريق، والكفاية فيما كان من حقد، والكفاية فيما أتي من تخريب، ~~والآن وقت البدء بالبناء. # ولكن مليكه يقف مرة أخرى في طريقه، والملك منذ سبعة عشر عاما كان قد منعه من القضاء ~~على الثورة التي عرض عليه أن يناهضها بفلاحي شونهاوزن وبما هو أقوى من هذا الجيش ~~الرمزي، أي بعزمه الحازم، وكان ملك ذلك الوقت جبانا، ثم أصبح مجنونا فمضى لسبيله، # 11 # ويحل ولهلم محل أخيه، وينتحل مثل سلطانه، وولهلم ليس بالجبان ~~ولا بالمجنون، وولهلم لم يرد القتال مع ذلك، ولم يكد ولهلم يرى ما كان قد ~~رفضه يسير وفق فائدته حتى أعرض عن البناء وطمح إلى الفتح، ويجلس بسمارك هنالك ~~مواجها له مريضا مهرما لابسا ثيابا مدنية، وما كان الملك ولا القواد ليروا ~~فيه «موجد نظام الأمور الجديد»، فيعربوا له عن شكرهم، ولم يساور بسمارك غضب ~~حينئذ، ولم يهدد بسمارك بالاستقالة آنئذ، وبسمارك لم ينبس بكلمة وإنما يقتصر على ~~الانزواء بعيدا من عيون خصومه وآذانهم فيسكب من الدموع الكثيرة كما صنع منذ سبع عشرة ~~سنة، ومن ذا الذي يقدر في القصر هنالك على إدراك ما في هذا المسرح من منظر روائي ~~مؤثر مذكر بالمآسي الكلاسية؟ # 12 # بيد أن الوقت ليس وقت عرض للمشاعر، ويرتبك الملك قليلا وينهض ويتبعه قواده ~~إلى خارج الغرفة، ويظل بسمارك في حجرة نومه وتخنقه العبرات ويسمع وقع أرجلهم ~~عند رحيلهم، ويعرف بشعوره الدبلمي ماذا يعني هذا، ويتمالك ويكتب ويبين ~~الأسباب التي سيرته ويلتمس أن يؤذن له في ms262 الاستقالة إذا لم يجب إلى ما أراد، وفي ~~الغد يذهب إلى الملك حاملا كتابه بيده فيعلم في بهو الاستقبال آخر الأخبار عن ~~الهيضة ومدى انتشارها فيبصر أنها ستشتد في شهر أغسطس بهنغارية؛ نتيجة لقلة الماء ~~وكثرة الفاكهة الناضجة، فيجد في غوائل الصحة العسكرية ما يقوي عوامله السياسية، ~~ويدخل على الملك، ويبين له أن النمسة إذا ما ضربت بقسوة لم تلبث أن تحالف فرنسة، ~~وروسية أيضا، فتنتقم من بروسية، وأن هدم النمسة يسفر عن ثغرة تكون بابا لثورات ~~جديدة، وأن بروسية غنية عن النمسة الألمانية، «فجمع النمسة الألمانية مع بروسية ليس ~~عملا صائبا، فلا تصبر فينة على سلطان برلين، وعلينا أن نسرع في تسوية الأمور ~~بسرعة، وذلك قبل أن يكون لدى فرنسة من الوقت ما يصبح لها من الصلات الوثيقة بالنمسة ~~أكثر مما مضى.» # ويصرح الملك بعدم كفاية هذه العوامل، ويصر على تنزل النمسة عن سيليزية ~~وأن يؤخذ من الدول الألمانية الأخرى قطع أملاك، ويرد الوزير جميع هذا، ~~ويحذر ولهلم من بتر شيء من تلك الدول لما يوجبه ذلك من انتقام حلفاء لا ~~يوثق بهم، ولكن الملك ضابط، وليس الملك أكثر من هذا، والملك يريد ألا يقف زحف ~~الجيش الظافر، والملك لما لم يجد ما يدحض به براهين بسمارك هز كتفيه هازئا وصاح ~~قائلا: «لا يجوز للجاني ألا يجازى! ويمكن أولئك الذين أضلهم أن ينجوا ~~بسهولة!» # بسمارك ~~: # ليس لنا أن نقوم بوظائف القاضي، والسياسة الألمانية هي التي نبالي بها، ~~وليست منافسة النمسة لبروسية بالتي تستحق العقاب أكثر من منافسة بروسية للنمسة، ~~وعملنا الرئيس هو أن نؤسس وحدة ألمانية بزعامة ملك بروسية أو أن نخطو الخطوات ~~الأولى نحو هذه الغاية. # وما كان بسمارك ليجاوز هذه الجمل الثلاث القومية العادلة ~~المبدعة، وما كان بسمارك ليصوغها مجددا، وكان بسمارك يعلم - كما نعلم اليوم - ماذا ~~يعني حجز ثمانية ملايين من الألمان عن إمبراطورية خضعوا لها منذ ألف عام، وهل كان ~~بسمارك يعلم أيضا أنه يفض بذلك تلك النمسة التي سيعتمد عليها كثيرا في قادم ~~الأيام؟ ms263 كان دمل الجرح أعظم منية لبسمارك، فلم يرد ضما ولا تعويضا، وكان رغب ~~بسمارك الوحيد هو إيجاد اتحاد صائب بين دول ذات أمور مشتركة، ويعدل بسمارك عما ينال ~~بالمدافع، ويضع بسمارك العقل فوق القوة، وبسمارك في نقولسبرغ يدنو بذلك المنهاج ~~من المبدأ السياسي في القرن العشرين. # غير أن الرجل الذي يواجهه بسمارك قد ولد في القرن الثامن عشر، غير أن ولهلم ~~يقصر عن إدراك بسمارك، فيقول هذا: «إن من المتعذر أن أستمر على عرضي، وأترك ~~الغرفة معتقدا رد دعواي.» وأول ما يدور في خلد بسمارك هو أن يلحق بفرقته ضابطا، ~~وأن يداوم على حرب يعدها حماقة حاملا سيفه، ومثبتا أنه لا يفتقر إلى شجاعة، ~~ويعود إلى غرفته «في حال روحية أسائل نفسي فيها طرفة عين، عن أن الأفضل في الارتماء من ~~النافذة الواقعة في الطبقة الرابعة، وما كنت لألتفت عندما سمعت فتح الباب، وإن خطر ~~ببالي أن الشخص الداخل هو ولي العهد الذي مررت أمام غرفته حين عودتي إلى غرفتي، ويضع ~~يده على كتفي ويقول لي: تعرف أنني كنت ضد الحرب، وقد أبصرتها ضرورية فغدوت ~~مسئولا عنها، فإذا كنت تعتقد أن غايتها بلغت وأنه لا بد من عقد الصلح؛ وجدتني ~~مستعدا لمعاضدتك ولدعم وجهة نظرك لدى والدي.» # ويمضي نحو نصف ساعة فيرجع ولي العهد فردريك إلى بسمارك هادئا، ويقول له: «وافق أبي ~~على ما ترى بعد جدال طويل.» ويشرف ولي العهد تأييده لقضية خصمه، ويدل هذا ~~التأييد على مقدار اتباع الملك لوزيره، والملك يكتب على هامش مذكرة بسمارك ~~مغاضبا: «بما أن رئيس وزرائي تركني أمام العدو فلا أقدر على استبدال غيره به في ~~هذا الوضع، وبما أن ابني جادلني في الأمر فوجدته على رأي رئيس الوزراء؛ فإنني أراني ~~مضطرا - مع الأسف الشديد - إلى قضم هذه التفاحة المزة موافقا على صلح مخز ~~بعد ذلك النصر الباهر.» # ويشابه ذلك إحدى الروايات الهزلية حيث تبصر سيدا شائبا يود أن يرقص فيمنعه ~~طبيبه من ذلك مهددا بتركه، ويتعذر على ذلك الشيخ أن يستبدل بذلك ms264 الطبيب طبيبا آخر ~~فلم ير بدا من قبول نصيحة ابنه، ويومئ إلى الجوقة وتقف الموسيقى. # | الفصل الحادي عشر # مر أسبوع على أزمة نقولسبرغ، فوقع نزاع بين الرجلين في القطار المسافر من ~~براغ إلى برلين، ولينتقم الملك من العدو في الداخل بعد أن حظر عليه الانتقام من ~~العدو في الخارج، ويهرع جميع متطرفي اليمين الذين كانوا يكافحون بسمارك منذ طويل ~~زمن إلى المقر العام مصرحين بأن ذلك هو الوقت الذي يقلب فيه الدستور أو ~~يعدل على الأقل، وبأن ذلك هو الوقت الذي تقلع فيه أسنان الأحرار القليلين الذين ~~أسفرت الانتخابات الأخيرة عن بقائهم نوابا. وتحف وفود المحافظين من حول ~~الملك، وتجعله متشددا في هذا الأمر. # ويفكر بسمارك في هذا الأمر هكذا: «على جميع أولئك الذين لم يرضهم ما تم من ~~النصر أن يهجروا بروسية المستبدة، وستقف الولايات الجديدة موقف المعارضة، وهنالك ~~نكون قد أوجبنا حرب فتح على بروسية، وتكون سياسة بروسية القومية قد عرقلت.» فبمثل ~~هذا البصر الثاقب يحاول بسمارك في أثناء العودة إلى الوطن أن يقنع الملك بضرورة توكيد ~~أمر الدستور في هذا الحين، وأن يسار على غرار الإنكليز فيؤلف مجلس شعبي ~~تعويضا من عمل غير دستوري كان قد وقع. # تعويض؟ اعتذار؟ التماس لذلك بعد ذلك النصر؟ أفلا يعد الملك وزيره جبانا؟ ~~«لا أقول إنني جئت شيئا إدا!» # 1 # ذلك ما صاح به الملك، متحولا إلى رجل خلقي مرة أخرى غير مبصر وجه ~~المجون، ويبين له الوزير - صابرا - أن ذلك يعني «اعترافا بأن الحكومة والملك ~~سلكا سلوكا محمودا في مثل هذه الأمور، ولا ينطوي ذلك على غير معنى الاعتراف بهذا»، ~~وعكس المغزى ما فهمه الملك، والفرصة تلحف، # 2 # ولا مناص من إدماج عبارة مثل تلك في خطبة العرش، «وتدوم المحادثة عدة ~~ساعات، فتتعبني كثيرا لاضطراري إلى الكلام بحذر كبير، وكنا ثلاثة في حجيرة ~~القطار، أنا والملك وولي العهد، ولم يعاضدني ولي العهد علنا، وإنما كان يشجعني ~~بأسارير وجهه الدالة على ارتياحه لطراز تفكيري فيشد ذلك عزمي تجاه أبيه، ويذعن ~~الملك ms265 في نهاية الأمر ممتعضا». # ويقع تبدل في الوضع؛ فقد كان ولي العهد - منذ أربعة أسابيع - عدوا لبسمارك ~~وخصما للملك، والآن لا يود فردريك أن يجهر بالقول ضد الإبراء لما يعرفه والده ~~من حريته الفكرية، وإنما يعطي خصمه بالأمس من الإشارات ما يؤدي إلى بقائه ثابتا، ~~ويمضي وقت قصير فيقول الوزير في اللندتاغ: «نريد السلم، وسنحل المسائل ~~الآتية متعاونين معكم، وترونني بعيدا من الانحراف عما صدر من الوعود تجاه الدستور»، ~~وبسمارك الآن - وللمرة الأولى في حياته - يسمع هتافات استحسان من جميع الجهات، ~~وبسمارك يداوم على كلامه مع كبير التواء في التفكير: «لا تزال المسائل السياسية ~~الراهنة معلقة، ويزيد ما ناله الجيش من نصر باهر مخاطرنا، وقد نخسر أكثر مما في ~~الماضي، ومما لا مراء فيه أنكم لا تكادون تجدون في أوروبة دولة يسرها أن توافق ~~على إقامة هذه الحياة الجديدة العامة في ألمانية، من أجل ذلك - أيها السادة - سيقوم ~~عملنا على توكيد وحدة جميع البلاد قلبا وقالبا، وأرجو أن ترجعوا البصر إلى الخارج؛ ~~لكيلا تنسوا مقدار ما نحتاج إليه من التضامن تجاه الأجنبي.» فيالها من كلمات ~~معدنية! ويصوت للإبراء بأكثرية كبيرة؛ أي أن المجلس يعدل عن حقه في اتهام ~~الحكومة بعدم شرعية أفعالها. # حتى إن بعض زعماء الأحرار - ومنهم لاسكر وفينكه - وافقوا على الإبراء، وأبصر ~~بسمارك ذلك فلم يأل جهدا في شق أعدائه الأحرار، ويتألف من الأحرار الذين أيدوه ~~الحزب الحر الوطني فيما بعد، غير أن خبث الجذريين # 3 # في ذلك الأمر دون خبث الملك، فقد قال فالدك: «نحتج على تطليق ذلك الأمر ~~الذي جاهدنا في سبيله كثيرا.» وقال فيرشوف: «لنحترز من الاسترسال في وثنية الفوز!» ~~وهل السياسة في الحقيقة سوى فلسفة تطبيقية إذن؟ يصف بسمارك السياسة بأنها فن ~~الممكن، فإذا لم ينظر إلى غير الفوز في السياسة لم يكن لسوى وثنية الفوز ما يدوم له ~~النصر، ولم تؤد مدافع كونيغراتز إلى حل الخصام بين السلطة والحرية لفائدة بسمارك ~~كما هو ظاهر، وتبدأ وثنية الفوز مع ذلك حينما دنا ذلك المرافق ms266 العسكري من بسمارك ~~وقال له: «لو تأخر ولي العهد لكنت أكبر الفجرة!» # وما كان بسمارك ليعترف لفيرشوف إلا بعد عشر سنين حينما دخلت تلك المنازعات في ذمة ~~التاريخ، فقال له: «إنني كبير التقدير لما كان من ثبات ممثلي الشعب في الدفاع عما ~~يعتقدون صوابه، وما كنت لتعرف في ذلك الوقت ماذا كان هدف هذه السياسة، وما كنت ~~لأعرف عقباها، ولو قلت لك ذلك لأمكنك أن تجيبني بقولك: «إننا نفضل الحقوق ~~الدستورية على السياسة الخارجية»؛ ولذا تراني راغبا الآن عن لوم أي واحد في جميع ~~الأحوال وإن كنت في حمى الحين أبدو مبكتا في بعض المرات.» # وتتقلب الريح في اللندتاغ أيضا، ويعترض له المحافظون في هذا المجلس وفي البلاط ~~فيصرحون ساخطين بأن عليه أن يضم أكثر مما وقع؛ وذلك لعدم إمضاء معاهدة السلم ~~بعد ، ويود الملك في الساعة الأخيرة أن يحصد في ألمانية ما انتزعه وزيره منه في ~~النمسة، والملك هو الذي صرح منذ سنة في شونبرن بأنه لا حق له في شليسويغ، ~~والملك هو الذي استخار الله في أمر الحرب منذ ثلاثة أشهر، والملك يعود الآن شابا بما ~~تم له من النصر، فيقول لرون: «ذلك يدفعني إلى مباشرة حرب جديدة في الحال.» ويجب ملء ~~الهوة بين الولايات الغربية والشرقية! ويجب علينا أن «نوسع» أملاكنا بهانوفر ~~وانتخابية هس، ويبتلع أهل ورتنبرغ إمارة هوهنزلرن الصغيرة فيما مضى، فنرى ~~الآن أن نجعل جزءا من أملاكهم الشمالية بروسيا، وكانت أنسباخ وبايروت تابعتين ~~لأجدادنا في غابر الأزمان فنريد أن تعودا إلى بيتنا المالك. # ويرفض بسمارك نصف ذلك، وإن لم يكن في حال نفسية يعارض بها الملك، ويصل أناس من ~~بادن إلى برلين ليثبتوا أن بافارية الكبيرة قادرة على عوق توحيد ألمانية، ويقولون ~~إن الأمر الذي يؤدي إلى دوام السلم هو إيجاد توازن بين دول الجنوب، ويعني هذا أن ~~توسع بادن بمنحها قسما من بافارية، ولم يكد البادني يغلق الباب حتى دخل منه ~~الهسي مطالبا بجزء من أملاك بافارية تعويضا له من القسم الهسي الذي كان ms267 قد ~~تنزل عنه، ويتحسر هذا الرسول ويذكر أن الأميرة شارل تبكي إذا ما طلبت بروسية همبرغ ~~فيصرخ بسمارك الملكي قائلا: «إذا ما أزعجنا أنفسنا في برلين هنا بعبرات الأميرات ~~لم ننل شيئا!» # ويجامل بسمارك دول الجنوب على الخصوص، ويلاطف ~~بسمارك هذه الدول، ويرى فيها مقدما أجمل الغواني اللائي يدخلن دائرة حريمه ~~قريبا، ويرغب في بافارية ويقول: «لا أبالي بمشاعر الأسرة ومطالبها، ولا أريد تمثيل ~~دور نميزيس، # 4 # وقد يترك الملك ذلك لوزير الأديان والمعارف!» ويطلب بسمارك مالا وأرضا من ~~الوزير البافاري في أول الأمر، ويقول له بعد أن ألانه: «يمكنكم أن تنالوا صلحا ~~رخيصا من غير أن تتركوا أرضا.» ~~- «وكيف وبأية وسيلة؟» ~~- «أن تمضوا من فوركم حلفا هجوميا دفاعيا.» # ويروي بسمارك أن الوزير عانقه باكيا، وينال بسمارك مثل هذا الفوز تجاه دول الجنوب ~~الأخرى ، ويجد بسمارك مكافأته في تلك المحادثات الخاصة وتلك الوثائق التي لا يعرفها غير ~~رجلين أو ثلاثة رجال، وبسمارك عندما يقفل عليها يشعر بأنه سعيد. # ويرى اكفهرار السحاب في الغرب مع ذلك، ولا أحد يعرف كيف يقصف الرعد، ولم يتمالك ~~نابليون أن أظهر طورا صارما في شهر أغسطس سنة 1866 فطالب بحدود سنة 1814، ويغير ~~بسمارك لهجته تجاه بنيديتي حالا، فيقول: «إذا ما أصررتم على هذا الطلب اتخذنا ~~جميع الوسائل، ولا نكتفي بدعوة جميع الأمة الألمانية، بل نعقد صلحا بأي ثمن كان، ~~فنترك جنوب ألمانية للنمسة ونرضى بالبندشتاغ مرة أخرى، ثم نجمع قوانا ونزحف إلى الرين ~~بثمانمائة ألف جندي ونستولي على الألزاس، وأنتم تعلمون أن جيشينا متأهبان وأن جيشكم ~~غير متأهب، ففكروا في الأمر وقدروا النتائج.» # وهكذا يبلف # 5 # ذلك الفرنسي، ويبلغ التوازن من الاضطراب في صيف سنة 1866 ما يعتقد معه ~~رئيس وزراء بافارية هوهنلوهه أن بسمارك يقترح فيما يقترحه «إقطاع جزء من ~~بالاتينة البافارية لنابليون الثالث، فيعارضه الملك في ذلك بشدة، فإذا لم يذعن الملك ~~وقعت الحرب بين بروسية وفرنسة»، ثم تسلك فرنسة سبيلا أخرى فتحاول محالفة بروسية؛ ~~بغية ابتلاع بلجيكة، وينحاز غولتز إلى هذا الرأي، ms268 ويقضي غولتز أول أسبوع من شهر ~~سبتمبر في برلين باحثا في هذا الأمر، ويساير بسمارك الريح ويتمور، # 6 # ومن المحتمل أن كان بسمارك يوافق على هذا الاقتراح لو لم يبصر تقلب آل ~~بونابارت الحديثي العهد، ومهما يكن الأمر فقد أراد بسمارك أن تكون تلك الاقتراحات ~~خطية وطلب من بنيديتي وضع مشروع معاهدة تنص على ضم فرنسة بلاد بلجيكة ~~إليها، وبهذا يريد أخذ الوثيقة من مأمنه في أحرج وقت. # وهكذا يداور بسمارك ذلك الفرنسي حتى إمضاء معاهدة الصلح في براغ، حتى إقامة جامعة ~~دول شمال ألمانية، وعلى النمسة في معاهدة الصلح أن تعترف بضم ثلاث دوكيات ألمانية إلى ~~بروسية وبحل الجامعة الألمانية، وأن تعترف أيضا بتأليف جامعة جديدة في شمال نهر ~~المين، وعلى النمسة في تلك المعاهدة أن توافق على «اندماج الدول الواقعة في جنوب ذلك ~~الخط في جامعة يكون لحقها بدول شمال ألمانية موقوفا على اتفاق وثيق بين ~~الجامعتين، ويكون لها كيان دولي». # تلك هي غاية ذلك القطب السياسي المكافح في نقولسبرغ، فلا ضم ولا تعويض، ~~وكان ذلك القطب قد قال منذ اثنتي عشرة سنة: «إن النمسة بلد أجنبي» وعلى النمسة الآن ~~أن تعترف أمام جميع العالم بأنها بلد أجنبي تجاه ألمانية! # وتضع الحرب أوزارها فيريد الملك أن يكافئه، وماذا يعرض الملك على بسمارك الذي ~~كان قد نال لقب كونت؟ فلينعم عليه برتبة جنرال وبأربعمائة ألف تالير إذن، ويعبر عن ~~هذه الهبة بكلمة «مهر»، كما يعبر عن الحرب بالتعبئة، وكما يعبر عن العفو ~~بالإبراء، وتأتي الهبة طيبة وإن كان بسمارك لا يستطيع التمتع بها في ذلك الحين ~~لاقترابه من شفا # 7 # جرف هار، # 8 # وفيما كان الشعب يهتف في ذلك اليوم من سبتمبر للجيش عند رجوعه إلى العاصمة ~~كان بسمارك مدرعا راكبا حصانا بجانب الملك، وفيما كان ولهلم وقواه سفعا # 9 # نشاطا أكثر من قبل كان بسمارك شاحبا تعبا «كما لو كان ناقها لا ~~ينبغي له أن يغادر سريره»، وكان بسمارك مطلعا على ضعفه الجثماني، وكان يألم من ~~ضناه فيقول: ms269 «إن من الأفضل لي هو أن أقدم استقالتي الآن، وإني أصنع هذا شاعرا بأنني ~~كنت نافعا لبلدي مقدرا تركي ذلك الأثر ورائي، ويساورني ريب في قدرتي على فعل ~~ما يجب علي إنجازه من أمر باق.» # كودل ~~(ناصحا) ~~: # الرأي أن تذهب إلى الريفيرا فتقضي فصل الشتاء هنالك حيث تسترد صحتك ~~وقوتك. # بسمارك ~~: # يقول النساء في بوميرانية عند قرب الوضع: «والآن يجب علي أن أواجه ~~الخطر.» ومن المحتمل أن تهدأ النفوس في فصل الخريف، فإذا لم أذهب نهائيا ~~ولم يدبر الأمر غيري؛ وجب علي أن أجد بنفسي، ولا أجد من أوصي به ~~خلفا لي، ولأعد إلى عملي فور استرداد نشاطي، ولأسافر ولأقض بضعة ~~أسابيع على شواطئ البحر البلطي. # بسمارك في سنة 1871. # ويتوجه بسمارك فور عودة الجيش إلى برلين، ويتدهور في فندق ببتبس ويأخذه بعض ~~الأصدقاء إلى منزلهم، وتسرع حنة إليه، وتجده موعوكا منهوكا كما كان حين التهابه ~~الوريدي، وتكتب حنة قائلة: «تجعله السياسة غضبان كئيبا، ولكنه إذا ظل هادئا ~~تحت جلد # 10 # أزرق أو ناظرا إلى مرج أخضر أو متصفحا كتابا ذا صور؛ حسنت ~~حاله.» # وهنالك يجلس على كرسي بعيدا من داره باكيا لاعنا عند القول حول أعماله، وبينما ~~كان القوم يعجبون ببسمارك رجلا تصور النصر وفاز به، وبينما كان ينتشر خبر ~~فخاره ويستعد الناس لتهنئته وتمجيده، تجده في ذلك المكان يقلب صفحات كتب ~~مصورة! # | الفصل الثاني عشر # في أصيل يوم من شهر سبتمبر سنة 1866، وبعد عودة بسمارك إلى بيته في عافية، يملي على ~~صديق لاسال لوتاربوشير، دستور ألمانية الجديد، وفي الليل يهذب بوشير الأسلوب، ~~وفي الغد يناقش فيه بمجلس الملك الخاص، وفي اليوم التالي يعرض على جميع المفوضين، ~~«وتصل النسخ من المطبعة رطيبة متتابعة في أثناء الاجتماع»، وهذا الدستور الخاص ~~بجامعة دول ألمانية الشمالية لم يكد يعدل من قبل الريشتاغ الأول وفي سنة 1918، ~~وهذا الدستور ظل دستور الإمبراطورية الألمانية خمسين سنة، أي إلى سنة 1918، وهذا ~~الدستور أملاه واضعه في خمس ساعات بعد تأمل عشر سنوات فجاء آية على تمثله لمبدأ ~~الدولة، ms270 وإن شئت فقل عنوانا لروحه، وهذا هو دستور بسمارك، وهذا الدستور لا يعبر عن ~~غير شيء في أمر الألمان، وهو أن بسمارك كان ألمانيا أيضا؛ أي فرديا. # ولذا أعد ذلك الدستور لتقوية النظام الملكي لا الشعب؛ ولذا كان ذلك الدستور نصرا ~~لثورة أتت من عل، نصرا لثورة دامت ضد الشعب أربعة أعوام، نصرا لثورة استذلت ~~أعداءها خمسين سنة فيما بعد، ومن الممكن أن كان الشعب الألماني غير أهل ليحكم في ~~نفسه بنفسه، ومن الأكيد أن كان ذلك أقل تقريرا للأمر مما بعد نصف قرن، وإنما الذي لا ~~ريب فيه هو أن هذه القناعة لم تملل على بسمارك قراره، وإنما الذي حفزه إلى ذلك هو ~~ازدراؤه البالغ للجمهور وزعمائه. # وهذا النفور وذلك الازدراء لم يصدرا عن ولوعه بسلطة الملك أو عن تقديس لها، وهو ~~الذي لا يثق بحكمة الرئيس المتوج أكثر من ثقته بالرئيس المنتخب، ولكن عزته تجاه ~~الناس وحقده على الناس كانا يدفعانه في جميع أمور الحياة والدولة إلى مقاومة قرارات ~~الجمهور، وبسمارك إذ لم يسطع أن يضم إليه أحدا كان يود دوما أن يكون مسئولا ~~وحده، وبسمارك إذ يرى نفسه خير رأس في البلد كان يعتقد علمه بالبلد أحسن من أي شخص ~~كان. وبسمارك لهذه المشاعر الأساسية؛ أي الزهو والحقد والشجاعة، كانت تواثبه رغبة في ~~المسئوليات ونفرة من القرارات التي يشترك في وضعها الآخرون، وقد أدت تلك الدوافع ~~في بسمارك إلى رفضه مبدأ الحكومة البرلمانية؛ أي إلى رفضه طراز الحكم الذي كان جميع ~~الأحرار ينشدونه للدولة الجديدة، وكلما أبصر الرجل المسيطر بسمارك تقمص سلطات ~~الدولة فيه؛ جمع في شخصه جميع المسئوليات التي يفضل غيره ألا يحملها كلها على ~~عاتقه. ويضع هذا المعلم الباني رسم صرحه راغبا في سكناه إلى الأبد، ويشابه في ذلك ~~لاسال الذي أضر نظمه بعوامل شخصية مماثلة لتلك. # وتقوم خطة بسمارك على تنافس البندشرات والريشتاغ، وفي البندشرات «يجب أن ~~تجد سيادة الأمراء لها تعبيرا لا جدال فيه»، وفي البندشرات - كما في مجلس الجامعة ~~الألمانية السابق - يجب ms271 على السفراء أن يجلسوا برئاسة المستشار الذي لا يمثل سوى ~~«بريد» وزير خارجية بروسية، وبهذا التدبير استطاع بسمارك أن يوكد للأمراء الذين لم ~~يريدوا الخضوع لإمبراطور فرانكفورت ولا خسران شأنهم في إمبراطورية فرانكفورت؛ أنهم ~~يغدون أولياء الأمر في الإمبراطورية الجديدة، وإن كان هذا لا يؤدي إلى غير ستر سلطان ~~بروسية الحقيقي، وسفينة الدولة بعد تجهيزها على هذا الوجه، وسفينة الدولة بعد أن ~~تمسك وتدرع على هذا الوجه، يمكنها أن تشق عباب المحيط البرلماني ببسالة ~~ومن غير خطر. # وكانت روح الزمن لا تستمرئ ذلك، حتى إن الحزب الجديد المؤلف من أولئك الذين انحازوا ~~إلى خصمهم القديم طالبوا باتحاد الشعب والحكومة في الجامعة الجديدة بدلا من وجود ~~جبهتين كما في بروسية، وبأن يكون وزراء الإمبراطورية مسئولين أمام الريشتاغ، وهذا ~~ما لا يطيقه بسمارك، «وفي مشروع حكومي كذلك لا يكون أحد مسئولا، فإذا ما اقترف ~~خطأ لطم الفاعل من قبل قوة خفية، وفي هذه الجماعة الغامضة الأمر تبصر سلطانا ~~كالمحكمة السرية التي تهيمن دوما على رجل». # وهكذا يبدأ بسمارك المكافح الذي كان حكمه مطلقا حتى الآن بتجربة النظم البرلمانية ~~التي قضت الضرورة بها، ولا ريب في أن بسمارك كان عالما بما يواجهه من ضروب النضال وإن ~~لم يكد يلوح له كيف يختم تلك التجربة، وما كان ذلك المنهاج ليمضي، وهو لم يمض إلا ~~بصعوبة، إلا إذا ترك الملك المتوسط الذكاء والعارف بنفسه وزيره القدير يوجهه، ~~وإذا وجد ملوك ذوو صلف ومستشارون غير مستقلين كان من العبث أن تبحث الأمة ~~الموحدة في مثل ذلك الدستور عن حقوق تقيدهم بها. وقد أبصر بسمارك جميع ذلك سلفا، ~~ولكن كان عليه أن يختار بين ضمان سلطانه في الوقت الراهن وضمان سلطان من يخلفه في ~~الغد، وبسمارك لم يسطع أن يضمن كلا الأمرين، ولو كان بسمارك يحب الدولة أو العرش ~~حب رون لاختار عند الخيار # 1 # ما يفعله الملك المفكر في أمر وارثه الشرعي، بيد أن بسمارك إذ كان ~~موظفا يمكن عزله في كل وقت رأى أن يصون ms272 سلطانه الخاص الذي أحس أنه أفضل شيء في ~~الدولة تجاه هوى الأحزاب. وبسمارك لم ينظر إلى غير تذبذب الملك مع ما قد ينطوي عليه ~~هذا التذبذب من إزعاج، عادا إياه أقل خطرا من تذبذب الريشتاغ. # حقا أن محاولات وقعت لمقاومته، وحقا أن النص الآتي وضع إيهاما بوجود سلطة ~~عصرية للدولة، وهو: «أن أنظمة رئاسة الجامعة وقراراتها تصدر باسم هذه الجامعة، وأنها ~~لا تصبح نافذة إلا بإمضائها من قبل مستشار الجامعة الذي يحتمل مسئوليتها»، وتجاه ~~من يكون مسئولا؟ أتجاه الريشتاغ؟ أم تجاه البندشرات؟ أم تجاه الملك؟ أم تجاه ~~المحكمة العليا؟ ويرفض الريشتاغ جميع الاقتراحات التي وضعت حول هذه المسألة، ويضحك ~~بسمارك ويود أن يملأ الثغرة التي يمكن أن تقصيه عن الجامعة فيقرر تعيين نفسه ~~مستشارا للجامعة بدلا من سافينيي الذي لم يعد أمره حد «حامل الرسائل»، وبذلك ~~يجمع بسمارك بين مستشارية الجامعة ورئاسة وزراء بروسية نتيجة لتحويل انتقادات خصومه ~~إلى فائدته، وبذلك تصير وظائف الجامعة تابعة لمستشار الجامعة بحكم المنطق، وبذلك يصير ~~موظفو الجامعة موظفين لديه. # ويصبح بسمارك وحده مسئولا إذن، ولكن أمام من؟ لم يجرؤ أحد على قول هذا؛ فالذي ~~يظهر هو أنه مسئول أمام الله فقط، والذي يبدو هو أن على بسمارك أن يقف في بؤرة # 2 # جميع المباريات التي يوجهها الريشتاغ ضده في السنين الثلاث والعشرين ~~القادمة، وما السبب في قبول هذا المجلس لما عرضه هذا الوزير عليه إذن؟ كان يمكن المجلس ~~أن يرفض ذلك المشروع لو أراد، وفي ذلك المجلس كان من الأعضاء من يكفون للتصويت ~~لرواتبهم الخاصة، وفي ذلك المجلس لم يسجل سوى ثلاثة وخمسين عضوا أنفسهم للمراقبة ~~البرلمانية وصولا إلى حكومة شعبية! وكان حزب الشعب وحده ويماثل جمعية العمال ~~الألمانية العامة صريحا في مطالبته ب «الوحدة الألمانية ضمن دولة ديمقراطية، فلا سلطة ~~مركزية وراثية، ولا ألمانية الصغرى برئاسة بروسية، ولا ألمانية الكبرى برئاسة ~~النمسة». # وذلك الدستور لعدم فرضه من عل كالدستور البروسي، وذلك الدستور للتصويت له من ~~قبل نواب ينتخبهم الشعب، يكون الشعب به مسئولا ms273 عن نتائجه أمام التاريخ. # وفي الواقع أن الريشتاغ انتخب وفق مبدأ التصويت السري المباشر وإن عارض ~~بسمارك ذلك مدعيا أن ذلك يخالف صراحة الخلق الألماني وحريته، وكان لاسال ~~ميتا، وكان لاسال أول من قال بحق التصويت العام، ولكن لاسال خسر الرهان الذي ~~قال به كلاهما قولا ضمنيا؛ وذلك لأن أماني بسمارك تجمعت في بروسية الملكية، وكان ~~الديمقراطيون يبصرون ما يحدث فلم يروا ترك مبدأ التصويت الذي لم ينفكوا يطالبون به ~~منذ زمن طويل؛ لما في تركه من دواعي السخرية، وقد قال بسمارك «إذا دل التصويت ~~العام على عدم صلاحه تخلصنا منه.» وبسمارك على الرغم من رغائب الأكثرية لم يكن ليريد ~~مجالس جامعة لتأييد وضعه تجاه الريشتاغ، وبسمارك كان يرى - مع كبير ازدراء - أن ~~أكثر أعدائه انحازوا إليه؛ لأن جيوش رون ومولتكه حققت سياسته، وبسمارك لم يرفض ~~دستوره سوى تسعة عشر من ذوي النفوس الحرة عادين دستوره هذا «معيبا مضيقا ~~معرضا حقوق الشعب للخطر»، ولم تجد في ذلك المجلس غير اشتراكي ديمقراطي واحد ~~عرض مبادئ لاسال، وكان نظام الدولة الدستوري يذوي، وكانت حقوق الشعب ترجع ~~القهقرى عند انتصار الحديد والدم، وأخذ قدماء المحافظين كغرلاخ يتأخرون بعد تمام ~~الوحدة الألمانية بغير النمسة. # وكان الحزب الوطني الحر الجديد أقوى الأحزاب، وكان هذا الحزب يجمع بين عالمين ~~كما يدل عليه اسمه، وكان لاسكر وتويستن وفوركنبك وأونروه الأعضاء في ~~اللندتاغ البروسي، وبنيغسن الهانوفري زعماء له، وكان أرباب الصناعة الثقيلة ~~وأصحاب السفن يمدونه بالمال، وكان الأساتذة يغذونه بالقواعد والاصطلاحات، ~~ويعد بسمارك الأصوات ويتساهل في قليل من الأمور الشكلية ويسر حين يرى روح ~~الإمبراطورية الجديدة شديدة القوة في بندشراته، وتجد لبسمارك في رئاسته لهذا المجلس ~~سلطانا لم يتفق لآل هابسبرغ مثله في ألمانية قط مع أنه لم يكن له فيه سوى سبعة عشر ~~صوتا من ثلاثة وأربعين صوتا، ويقول بسمارك في كتاب يرسله إلى رون: «لم أجد في الوجه ~~الذي يسيطر فيه الملك على ألمانية كبير أهمية، ولكنني بذلت جميع جهودي وجميع ما ~~أعطاني الله من قوة ms274 ليمارس سلطانه ذلك.» # ويتألف من الملك والمستشار والجيش ثالوث ~~كان بسمارك يسعى في رفع شأنه، ويقع في الريشتاغ الجديد كفاح حول الأمر الذي وقف ~~في اللندتاغ القديم؛ أي حول حق رفض المال في سبيل الجيش، والآن يشتد النزاع في ~~اللندتاغ أيضا، «وإذا حدث أن جاهد رجل خمس سنين جهادا كبيرا إنجازا لما ترونه ~~الآن بأعينكم، وإذا حدث أن بذل رجل أجمل أوقات حياته وضحى بصحته في سبيل ذلك، ثم ~~إذا ظهر رجال هنا لا يعرفون غير قليل عن ذلك النضال فيسلكون مثل هذه السبل، ~~أوصيتهم بأن يقرءوا فصلا من فصول هنري الرابع الأولى، وأن يقيدوا انطباعات هاري ~~برسي عندما أتاه حاجب فسأله عن بعض الأسرى، وذلك وقتما كان ذلك الحديدي المزاج ~~جريحا تعبا فأزعجه ذلك بكلام طويل عن الأسلحة النارية والقروح # 3 # الداخلية»، ويطالب بحق الريشتاغ في تعيين الميزانية؛ أي بحق تقرير ~~مصير الجيش فينطق من فوق المنبر بقوله العاصف: «وماذا تقولون للرجل الذي أقعد في ~~معركة كونيغراتز الهائلة إذا ما سألكم عن نتيجتها؟ تقولون له: إن ما هو خاص ~~بالوحدة الألمانية لم يتم في هذه المرة بعد، فلا بد من إنجازه في فرصة أخرى. ~~ومهما يكن الأمر فقد احتفظ مجلس النواب لنفسه بحق تعيين الميزانية؛ أي بما يلقي كيان ~~الجيش البروسي في الخطر كل سنة. وهذا هو الأمر الذي من أجله قاتلنا إمبراطور ~~بروسية خارج أسوار برسبرغ!» # ومنذ ست عشرة سنة كان النائب فون بسمارك-شونهاوزن قد وقف فوق ذلك المنبر وقال ~~محتجا على محاربة النمسة، حين كان الأحرار يصرخون مطالبين الوزيرين، رادوويتز ~~ومانتوفل، بشهرها ردا لإهانة أولموتز: «وهل يكون عندكم بعد ختام الحرب من الشجاعة ~~ما تدنون به من الفلاح الذي ينعم النظر في حقله المحروق، أو من الرجل ذي العضو ~~المقطوع، أو من الوالد ذي الولد المفقود، فتقولوا له: أجل، إنك لاقيت من الآلام ما ~~لاقيت، ولكن كن قرير العين معنا، فقد أنقذ دستور الاتحاد؟!» ولا بد من وجود أعضاء ~~في المجلس العتيد سمعوا قول بسمارك في تلك ms275 الأيام فيودون تذكيره بكلماته المذكورة ~~قائلين له: «إن ما أراده رادوويتز من إقامة اتحاد برئاسة بروسية ومن غير النمسة تم ~~بعد ست عشرة سنة، وإن بسمارك الذي لم يكن آنئذ كونتا ولا موظفا من موظفي ~~الدولة سخر على غير حق من نأمة # 4 # الخطيب الحبلى ب «مرحى» # 5 # ومن أسلوبه الحافل بالأسرار ومن كلامه المرصع الفخم، وإنه ليس عليه إلا ~~أن يكرر خطبة رادوويتز!» فلم يكن للحرب التي حال دونها في الأيام السابقة، ولهذه ~~الحرب التي أدى إليها حديثا، غير غاية واحدة، غير الوصول إلى دستور ألماني ~~جديد، وليس للرجال الذين جرحوا في معركة كونيغراتز نتيجة للحرب التي أوجبتها ~~وزارة بسمارك سلوان أحسن مما يتفق لهم نتيجة لحرب كان يوجبها رادوويتز. # والحق أن أمر الوحدة الألمانية لم يتم حتى ذلك الحين، والحق أن ديمقراطيي ~~جنوب ألمانية يجاهدون في سبيلها، غير أن أمراءهم كانوا يقاومونها، وأمير بادن وحده - ~~وقد كان صهرا للملك ولهلم - هو الذي كان يبدي بعض الإخلاص، فلما دعا بسمارك دول ~~جنوب ألمانية إلى برلمان اتحاد جمركي احتجت كلها على ذلك قائلة: «إن ذلك هو ~~الخطوة الأولى نحو الوحدة الألمانية.» ولما شرب سفير بافارية نخب منافس ملكه ~~البروسي صنع ذلك عاجيا # 6 # وجهه، وكان زعيم بافارية الأمير كلودويغ هوهنلوهه وقد ذكر هذه ~~الملاحظة معارضا لفكرة انتساب بافارية إلى الجامعة، وكان البلاط البافاري والمجتمع ~~البافاري معارضين لذلك أيضا، نعم إن بافارية بلد كاثوليكي، ولكن بروتستانية ~~الشمال لم تكن وحدها سبب الاعتراض؛ فما كانت بافارية لتطلب أكثر من «جامعة لدول ~~ألمانية» وفق ما يقتضيه «وضع آل فيتلسباخ التاريخي» وتفضل بافارية أن ترتبط ~~في النمسة أكثر من ارتباطها في بروسية، ويرى هوهنلوهه بعد معركة كونيغراتز ~~احتمال وقوع حرب بين بروسية وفرنسة، فيقول: «إذا ما حدث ذلك حاربت بافارية والنمسة ~~بجانب فرنسة.» حتى إن الناس في ورتنبرغ كانوا في أوائل سنة 1870 يفضلون «أن ~~يكونوا فرنسيين أكثر من أن يكونوا بروسيين»، وذلك لأسباب أخرى؛ وذلك لأن أهل ~~ورتنبرغ كانوا يودون أن يكون لهم ms276 جيش محلي على طراز الجيش السويسري فلا ~~يكون «آلة لقتل الأمم»، وذلك حين كانت ملكة ورتنبرغ الروسية الأصل تحوك المكايد ~~ضد بروسية، ودوك هس الأعظم هو الذي كان يقيم أدق دليل على مشاعره الألمانية، ~~فهذا الدوك ويؤيده وزيره دالفيغ قد أنبأ في خريف سنة 1868 محافظ ستراسبرغ بأن ذلك ~~هو الزمن الذي يجب على فرنسة أن تهاجم فيه بروسية، ويقدم هذا الدوك في الوقت نفسه ~~قسم هس الواقع في غرب الرين إذا ما عوضه نابليون الثالث من ذلك على حساب ~~دوكية بادن. # وينتظر بسمارك هادئا، ويدع بسمارك للدول والأشخاص من الوقت ما يكفي للتقرب، ~~ويقول لوزير ورتنبرغ في ربيع سنة 1870: «لا تؤدي محالفة دول الجنوب إلى تقويتنا ~~عسكريا، ولا نحتاج إلى إدماج هذه الدول فينا سياسيا، ومن الصعب أن يعرف أشد ~~الناس عداوة لبروسية: أمحليوكم أم ديمقراطيوكم، ويأتي الضروري قبل الكمالي ~~عند السياسي، وإذا ما ألقيت شركا لاصطياد أيل لم أطلق النار على أول أيل ~~يأتي، وإنما أنتظر تجمع جميع القطيع.» # | الفصل الثالث عشر # ما انفك بسمارك يتطلع إلى فرنسة منذ عشر سنين، ولا سيما في الأشهر العشرة ~~الأخيرة؛ ففرنسة هي الدولة الوحيدة القادرة على الوقوف بينه وبين هدفه، وكان هذا ~~القطب السياسي يهدف بطموحه إلى توحيد ألمانية من غير أن يقهر فرنسة؛ وذلك لأنه لم ~~يثر فخره شيء أكثر من براعته في منع فرنسة من التدخل في الحرب الأخيرة، ولا ~~جرم أن ما فطر عليه بسمارك من عنف مزاج يوجب عده الحرب من «أحوال البشر ~~الطبيعية»، ولكن كما أن خصام بسمارك للشعب كان لا يؤدي إلى رغبته عن الحكم بغير ~~الأشراف، ولكن كما أن ما يجده بسمارك من لذة في مخاطر الصيد والغابات البرية ~~والمبارزات الفردية والتمرينات العسكرية كان لا يؤدي إلى حسبانه الحرب وسيلة وحيدة ~~لتقوية إحدى الأمم، كان بسمارك في عشرات آلاف الجمل التي كتبها أو نطق بها فرويت ~~عنه لا يرى في الحرب مغتسلا يشد الشباب، وما كان بسمارك في كتبه حول الحرب ليتكلم ~~عن عظمة ms277 الحرب، بل كان يتكلم فيها عن جدية الحرب، وبسمارك - وقد كبر أولاده - درس ~~أمر الحرب عن كثب في بوهيمية فصار خصما للحرب، وبسمارك قال مؤكدا غير مرة: إن ~~منظر ميادين القتال ومنظر المشافي العسكرية جعلاه أكثر حذرا مما كان عليه، وبسمارك ~~لم يقل هذا أمام الأجانب وحدهم تسكينا لهم، وإنما ~~قاله لخلصائه أيضا. # وإلى ذلك يضاف شعوره النامي بمهنته، وكلما ذاع ~~صيت بسمارك في أوروبة وفيما وراء أوروبة وكلما اتسع نطاق استخفافه قل إعجابه ~~بفن القيادة الحربية، وبسمارك قد قال بعد نصبه رئيسا للوزارة ببضعة أشهر: «إن ~~الناس أكثر غباوة مما كنت أظن!» وبسمارك إذ لم يعرف الخوف قط، وبسمارك إذ كان يشابه سيغفريد # 1 # وهاغن # 2 # من هذه الناحية، وضع الحرب غير هياب في جامع أدويته، عازما على ~~استعمال هذا السم القوي عند عدم نفع السموم الأخرى، والذي يجعل بسمارك وحيدا بين ~~الألمان هو ما اتصف به من ذكاء نادر وشجاعة فائقة. # وبسمارك - فضلا عن ذلك - لم يجد له نفعا في فتح يتم له في فرنسة، وبسمارك كان ~~يفضل قهر فرنسة في الميدان الدبلمي على قهرها بجيش مولتكه في الميدان ~~الحربي، وبسمارك - مع ذلك - كان يعد الحرب - في غير دور - أمرا لا مفر منه، ~~وبسمارك قال في اللندتاغ في أواخر سنة 1866: «ليس لنا ما نكسبه في حرب تقع بيننا ~~وبين فرنسة فننصر فيها، ويختلف الإمبراطور نابليون «الثالث» في هذا عن بقية أسر ~~فرنسة المالكة فيرى بعين حكمته أن السلم والثقة أمران تقتضيهما مصلحة الأمتين، ~~وأن الطبيعة لم تعد إحدى هاتين الأمتين لتحارب الأخرى، بل تقضي عليهما بأن ~~يسلكا سبيل الرقي جارتين، ولا تود فرنسة أن تقوم في ألمانية دولة قوية موحدة ~~بزعامة النمسة، ولا توازن بقيام إمبراطورية مشتملة على خمسة وسبعين مليونا من ~~الآدميين ولا بامتداد حدود النمسة حتى نهر الرين، ولا بتوسع فرنسة حتى نهر ~~الرين، ولا يكون إلا قليلا ما يؤدي إلى علاقات عدائية من نقاط التماس بدولة ~~ألمانية منفصلة عن النمسة، ولا أعتقد أن فرنسة ترى ms278 من مصالحها زوال سلطان بروسية أو ~~سلطان النمسة.» وبسمارك منذ عشر سنين كان قد حادث نابليون الثالث في حديقة فونتنبلو ~~فقال له: «إنك ستقع في الوحل.» # وبسمارك في خمس سنين ألهى نابليون بالحديث حول بلجيكة، وبسمارك بعد أن أبصر قوة ~~نفسه أوصاه بأخذ اللوكسنبرغ على أنها في الدرجة الثالثة من بلجيكة؛ وذلك لأن طمع ~~الفرنسيين في الأملاك وهم الذين أوجب توسع بروسية قلقهم، لم يهدف إلى غير فراسخ ~~مربعة، سواء أكان ذلك في نيس أم في بروكسل أم في تريف أم في لندو أم في اللوكسنبرغ، ~~ولا شيء يدل على حب نابليون الثالث للنفوذ المحض في مزاعمه أكثر من نقص خياره، ~~وهو أنه لا يبحث عن الأنفع، بل يتطلع إلى ما يسوله له خياله، وكان بسمارك سخيا ~~في عرضه بلجيكة على الخصوص، والآن حين حلت الجامعة الألمانية أمكنه أن يكون ~~كريما بعرضه اللوكسنبرغ أيضا، وذلك مع تصريحه بزوال حقوق بروسية عنها مع مرور الزمن، ~~ويلوح لبسمارك أن أسهل طريق وأنسب سبيل لإرضاء فرنسة هو أن يبيع ملك هولندة (وهو ~~الذي أصبح بالوراثة والمبادلة صاحبا للوكسنبرغ منذ ثلاثين سنة) هذا البلد الصغير من ~~نابليون الثالث ببضعة ملايين من الفرنكات، «فأمضوا عقد البيع من فوركم، ثم أخبرونا ~~بذلك.» وهذا ما قاله بسمارك لبنيديتي، وهذا لكي يجعل بسمارك الريشتاغ أمام أمر ~~واقع! # ويدور بين الناس خبر ذلك المشروع، ويرفع في جميع ألمانية صوت كما رفع أيام مسألة ~~شليسويغ وهولشتاين، فيقال: «لا ينبغي لعدونا التقليدي أن يقبض على بلد ~~ألماني من الأساس.» ويريد أركان الحرب شهر الحرب لعدم استعداد فرنسة لها، ويحول ~~بسمارك دون ذلك، وينذر بسمارك خصومه بنشر صكوك الحلف الدفاعي الهجومي مع دول ~~الجنوب، ويفيد بسمارك من مخاوف ملك هولندة الذي لم يبين له بسمارك ماذا يود، ولا ~~يدع بسمارك جنرالا هنغاريا يباغته فيحول الحديث من فوره إلى احتمال محاربة ~~فرنسة، ويقول ذلك الجنرال: «لا أزال أذكر التماع عينيه حينما أبصر معرفتي لأفكاره ~~السرية، وقد كان من ضبط النفس ما لا أستطيع ms279 معه غير الإعجاب به، وقد قال لي ~~برقة: لا أريد محاربة فرنسة أبدا.» ثم التمس بسمارك من هذا الجنرال المجري أن ~~يبلغ إلى الإمبراطور ضرورة استدعاء بنيديتي، ويقول بسمارك لهذا الجنرال: «على ~~أن صاحب الجلالة الإمبراطور يعرف آرائي حول بلجيكة من مشروع المعاهدة التي حادثت ~~بنيديتي في أمرها، وأما اللوكسنبرغ فلا أبالي برأي الأكثرية فيها، وإنما أقول ~~خذوها!» ويقص الجنرال الهنغاري الخبر في قصر التويلري فيقول الإمبراطور: ~~«أعرف جيدا أن بنيديتي مزعج، وهو قد ملأنا وعودا، وزد على ذلك كون بسمارك ~~يعرض علينا دوما ما لا يملك.» # ويريد بسمارك اجتناب محاربة فرنسة، ويحادث بسمارك نائبا في مسألة الحرب فيضع الأمر ~~كما يأتي: «لا أعد الحرب أمرا لا مناص منه، ولا أجد نفعا جديا لنا ولا ~~لفرنسة، لا يمكن تقريره بغير قوة السلاح، ولا يجوز لأحد أن يبادر إلى الحرب ما لم ~~يوجبها شرف البلاد (الذي يجب ألا يخلط بالنفوذ) أو مصالحها الحيوية، ولا يحق ~~لرجل سياسي أن يبدأ حربا لاعتقاده أنها أمر لا مفر منه في زمن معين، ولو سار ~~وزراء الخارجية مع ملوكهم أو قوادهم إلى ميادين القتال لسجل التاريخ من الحروب ما ~~هو أقل مما وقع، وقد رأيت الشبان يهلكون في ساحة الوغى وفي المشافي العسكرية، ~~والآن أرى من هذه النوافذ كثيرا من مقعدي الحرب يرفعون رءوسهم وهم يمرون من ~~ولهلمستراس فيقول الواحد منهم في نفسه حينما ينظر إلى وزارة الخارجية: لولا ذلك ~~الرجل الجالس هنالك، ولولا ما أوجبه من حرب لعينة، لسلمت أعضائي الأربعة ~~وتمتعت بصحة جيدة، وهذا إلى ما لا يتيسر لي من ساعة راحة، وهذا إلى ما يساورني من ~~لوم نفسي على شهر حرب عن طيش أو عن طموح أو عن حب لفخر الأمة.» # ويروي نجيه # 3 # كودل صدور مثل تلك الأحاديث عنه سواء حول مائدة الكتابة أو في المساء بعد ~~العمل، ويظهر أن تلك الأحاديث صحيحة وأنها تنم على شعور أعمق من الذي يخالط خطب ~~المنابر المدقق فيها، ونسبر غور الفؤاد البشري في تلك ms280 الأوقات حين لا يحدث عن ~~الله أو عن الملك، ونبصر كيف أن حسابات لاعب الشطرنج الدقيقة تحرك الفؤاد ~~وتقيده، ونرى في المرصد الهادئ المنفرد تسجيل عقرب مقياس الزلازل الصادق لهزات ~~داخل الأرض. # ويخاف ملك هولندة ثوران ذلك البركان ويطلع بسمارك على ما تعرضه فرنسة، ويزيد ~~الهياج في ألمانية، ويتكلم كل إنسان عن ذلك الإخلاء الذي سيقع في الحال، ويزور ~~بنيديتي بسمارك في اليوم الأول من أبريل صباحا ليهنئه بعيد ميلاده، ويود هذا ~~السفير أن «يبلغ إليه رسالة مهمة»، ولكن بسمارك يقاطعه بقوله: «ليس لدي وقت ~~أعالج فيه الأمور، وعلي أن أذهب إلى الريشتاغ لأجيب عن سؤال حول اللوكسنبرغ، وإذا ~~ما رافقتني أطلعتك على مضمون جوابي، ولن أسمع قولا عن نتيجة المفاوضات؛ لأن هذا يعني ~~قطع العلاقات بفرنسة، ولو حدث أن علمت بيع ذلك البلد رسميا لوجب علي أن ~~أبلغ ذلك إلى الريشتاغ، والآن نحن هنا، ولأفارقك، وهل لديك يا صاحب السعادة ~~برقية تعطيني إياها؟» ويبتسم المتفائلون. # وفي الداخل يغدو بنيغسن مشهورا؛ نتيجة لخطبة وطنية طنانة نطق بها، ويتفاهم ~~هذا الخطيب مقدما هو وبسمارك ليظهر لفرنسة قوة الحركة القومية في ألمانية، ويقول ~~هذا الخطيب: «وهل قررت حكومة بروسية أن تسير وفق رغبة الريشتاغ الإجماعية فتعمل ~~من غير خطر وباستمرار على ربط دوكية اللوكسنبرغ الكبرى ببقية ألمانية وعلى حفظ ~~حق بروسية في فتح قلعة اللوكسنبرغ؟» ولم تعد هذه المسألة حد البيان لما عقبها ~~من تظاهر جميع الأحزاب العجيب، وينهض بسمارك ليلقي إحدى خطبه البارعة، واليوم ~~يستطيع بسمارك أن يصير شعبيا، ولا شيء أسهل من هذا؛ فما عليه إلا أن يترنم ~~بالشرف القومي؛ أي بالحرب حتى يلتف الجميع حوله، غير أن بسمارك رأى أن يسلك سبيل ~~الحذر أمام ذلك المجلس الهائج بدلا من أن يبدو رجل الحديد، فإليك ما قال: «بعد النظر ~~إلى دقة شعور الشعب الفرنسي، وبعد النظر إلى العلاقات السلمية الودية بين الحكومة ~~البروسية وحكومة تلك الأمة المجاورة العظيمة، أترك السؤال الذي وجه إلى حكومة ~~جلالته بلا جواب.» ويسود الجو صمت ms281 عجيب، ويقول بسمارك: «وليس لدى حكومة جلالته ما ~~يدفعها إلى افتراض عدم وجود قرار حول مستقبل ذلك البلد حتى الآن، كما أنها لا تعرف ~~أن العكس هو الصحيح، وأنه إذا ما اتخذ قرار في ذلك لم يصل إلينا أو أنه لن يصل ~~إلينا.» # ويصل فحوى ذلك الكلام مساء إلى ملك هولندة فيمتنع عن التوقيع الموعود حول بيع ~~اللوكسنبرغ، ويستحوذ الذعر على الرجل المريض نابليون، وتضطرب وزارات أوروبة، وتتبادل ~~هذه الوزارات البرقية بالشفرة، # 4 # وتوضع خطط الغزو، ويقترح قيصر روسية عقد مؤتمر - على حسب عادته - وترى ~~لندن مثل ذلك، وتقرر لندن حياد ذلك البلد الصغير وهدم حصونه، وعبثا يحاول في ~~باريس وصف ذلك بتراجع من قبل بروسية، وعبثا يحاول في برلين وصف ذلك بتراجع من ~~قبل فرنسة، وهكذا يكدر صفو الوفاق ويسود الحقد، وستقع الواقعة بين الفريقين بعد ~~ثلاث سنين. # ويصبح نابليون الثالث بعد الآن عدوا لبسمارك بلا كيفية؛ وذلك لما يحس من ~~مخادعته إياه للمرة الثانية، ويبدأ نابليون الثالث بمفاوضة فلورنسة وفينة جديا، ~~وما تحمله هذه الدول الثلاث من بغضاء لبروسية فيقرب بينها، وتزيد أعصاب أقطاب ~~السياسة توترا بين سنة 1867 وسنة 1870، ويضاعف أركان الحرب جهودهم في التأهب كما ~~وقع قبل حرب سنة 1914، وتنتشر أسهم البغضة # 5 # المصنوعة من باريس إلى خارج الحدود بعد ختم الخصام الأخير، وأقول ~~«المصنوعة»؛ لأن الأمة الفرنسية في مجموعها ليست أقل من الأمة الألمانية ميلا إلى ~~السلم، والآن فقط يعطي بسمارك صحافة البلاد كلمة السر، فعلى الصحف «أن تظهر أكثر ~~سلاطة وأشد وطئا وأقوى وعيدا، ويجب أن يكون المسدس في الجيب والإصبع على ~~الزند وأن ترقب أيدي جارتنا المتهمة رقابة وثيقة فتعلم أننا لا نتردد في ~~إطلاق النار بسرعة وبقصد القتل إذا ما حاولت مجاوزة حدودنا». # وشدة اللهجة هذه من قبل بسمارك تجاه فرنسة أمر جديد، وبسمارك كان يتكلم بهذا ~~الأسلوب ضد النمسة وحدها، وبسمارك يقول لأحد زائريه في سنة 1868 إن تقلب نابليون ~~سيجعل وقوع الحرب أمرا لا مفر منه في سنتين - على ما ms282 يحتمل - وبسمارك يعرب لزائر ~~آخر عن السبب الأساسي الذي يجعله مسرورا من الباعث الذي يجعل وقوع الحرب أمرا لا ~~مفر منه، «فلا تتم لأكثرية الألمان وحدة أوسع نطاقا مما حدث بغير العنف، أو بغير ~~خطر مشترك يثير غضبهم»، ثم يتوارى هذا الباعث في نفسه، ويصف بسمارك لصديقه ~~كيزرلنغ في حديث سري ما كان للحرب الأخيرة من انطباعات هائلة فيه، فيقول: ~~«وماذا تكون النتيجة إذا كتب النصر لبروسية على فرنسة؟ ولنفترض أن الألزاس غدت ~~قبضتنا، فهنالك يجب علينا أن نحافظ على فتحنا هذا بأن تكون لنا حامية دائمة في ~~ستراسبرغ، وهذا وضع متعذر؛ وذلك لما يتفق لفرنسة من حلفاء في نهاية الأمر، ولما ~~يكون لنا بهذا من سوء حال حينئذ.» # | الفصل الرابع عشر # «إذا ما هددت بالاستقالة أخذ مولاي الشائب يجهش # 1 # بالبكاء وينشج # 2 # ويقول: وأنت الآن تريد أن تتركني؟ فماذا أصنع بعد ذلك.» فعلى هذا الوجه يصف ~~بسمارك صلته بالملك في حديث له مع كارل شورز الغريب عنه تماما، ولا ريب في أن له ~~غاية من وراء ذلك؛ فهو يريد أن يبين للولايات المتحدة ضرورته وأن يذيع أمره ~~فيها، وهو يبلغ هذا الهدف مضحيا بكرامة ولي أمره، ويقول بسمارك لوزير سكسونية، ~~ويريد نشر الوزير لقوله هذا في بلده: «ترى ثقافة مولاي ناقصة مع شعوره العظيم ~~بالواجب؛ وذلك لأن أباه لم يعن بغير تربية أخيه الأكبر تربية كافية، وفي هذا سر ~~ما نبصره من عدم وجود رأي خاص به ومن اتباعه للآراء التي تتجاذبه من مختلف ~~الجهات.» وفي ذلك الدور يكون لبنيغسن صلات كثيرة به، فيقول في كتاب إلى خل # 3 # له إن بسمارك يزدري جميع الوزراء ماعدا رون، «وإن كل واحد من الملك ~~وبسمارك يبغض الآخر أكثر من أن يحبه، وإذا نظرت إلى علاقاته بوارث العرش وجدتها ~~فاترة إلى الغاية.» # ويلوح أن تعبير «البغض» غير صحيح؛ فبسمارك قد تعود الملك، وبسمارك عانى كبير ~~عسر في جعل الملك يتعوده، وبسمارك يكون - بما تم له من فوز على الملك - قد ~~روض ms283 صاحب السلطان الوحيد الذي يحتمل وجوده فوقه، وبسمارك وإن بدا الحصان الحامل ~~للفارس الملكي في بدء الأمر غدا اليوم الفارس، ويتكلم بسمارك عن حرب الأسابيع ~~السبعة من سنة 1866 فيقول: «لقد همزت # 4 # في ذلك الحين بشدة لأحمل الجواد الأصيل القديم على الوثوب والمجازفة.» ~~والطريق التي يسلكها عندما يبصر جماح الملك هي ما يبديه من الروائية في طلب الإذن ~~له في الاستقالة، وذلك كما فعل في أوائل سنة 1869 حين انتزع إقالة أوزدوم الذي ~~ساوره شك في أنه سيخلفه ما أبصر من صلة الملك الوثيقة به كأحد البنائين ~~الأحرار: ~~«وإن الحافز الوحيد هو نقص قواي وصحتي نقصا لا أنجز معه ما تطلبه جلالتكم من ~~الخدم، وإن مجموع الواجبات الملقاة على عاتقي مما لا يمكن إتمامه إلا ببذل جميع ~~نشاطي، وبضمان جلالتكم تهوين ما يلازمني من شدة في اختيار زملائي، وبمنحي كامل ~~ثقتكم، وبما يؤدي إليه هذا من حرية السير.» ومما يزيد عزمه تثبطا «هو أن جلالتكم ~~بما عليه من أريحية مجيدة تجاه كل واحد من خدمها وتجاه مقتضيات الخدم تؤثر ~~تأثيرا ضارا ببواعث ذلك الذي يحتمل نتائج أعمال الآخرين الناقصة، وما علي أن ~~أحتمله من كفاح في حياتي الرسمية فقد أورثني زوال الحظوة لدى الأكابر وجعلني موضع ~~نفور عند ذوي النفوذ، ولي أن أطمع في عفو جلالتكم تجاه هذا الضعف الذي هو نتيجة حبي ~~لشخص جلالتكم والذي قد يكون نتيجة اعتلال، ولا أشعر بأنني أعيش طويلا، وأخشى أن ~~أصير إلى ما صار إليه الملك الراحل، وليس لي معذرة لدى جلالتكم في إدارة الشئون ~~الرسمية مع ضعف صحتي». # ذلك الكتاب من الغرر، ويروي بسمارك نفسه أنه ظل مضربا بعض الإضراب عن العمل ~~عدة أيام قبل أن يرسل ذلك الكتاب، وفي الكتاب تعداد لمآثم الملك، وفي الكتاب يذكر ~~بسمارك أن الملك ولهلم يفضل عليه لأسباب شخصية أناسا كانوا يتدخلون في ~~أعماله فيعرضونه لبغض الناس، وهكذا يخسر قواه البدنية والذهنية، وهكذا يتدرج ~~إلى الجنون كالملك الراحل، ولا يشفيه مما هو عليه غير أمر ms284 واحد، غير حرية ~~السير. # ويفزع الملك، «وكيف تظن أنني أسلم بما تطلب طرفة عين؟ إن هناءتي في أن أعيش ~~معك وأن نكون متفاهمين دوما! وكيف تكون مكتئبا بهذا المقدار فيدفعك اختلاف صغير ~~في الرأي إلى اتخاذ هذه الخطوة التي لا مبرر لها؟ إن اسمك في تاريخ بروسية أعلى من ~~اسم أي قطب سياسي بروسي كان، وكيف أدع سياسيا مثلك يترك خدمتي؟ كلا، إن في ~~الهدوء والرجاء ما يذلل كل صعوبة، صديقك المخلص: ولهلم.» وتكرر كلمة صديق ~~ثلاث مرات، ويضحى بأوزدوم، ويمكن قياس قوة مشاعر الملك عند تسريح أخيه من ~~البنائين الأحرار، أوزدوم، بإظهاره الفرق بين دخل أوزدوم الرسمي وما ~~ينفقه من ماله الخاص، وبلغ حز ذلك في نفس الملك ما قال معه في كتاب ثان: «ولي ثقة ~~بأنك لا تراني أجعل أصابعي في أذني تجاه أصوات أولئك الذين يتوجهون إلي في ~~الأوقات الخطيرة مطمئنين.» ولما بلغ من الحال ما طلب معه الإذن له في ترك منصبه الملكي ~~بحجة التعب أيضا كما طلب بسمارك كتب بسمارك على الهامش قوله: «كلا! ولكن مع ~~الاطمئنان - بسلامة نية - إلى ما لا يستطيع الإنسان أن يراه بنفسه بين ثلاثين ~~مليونا، ومع اعتقاد ما يؤكده الوزير رسميا!» ويوقع الملك مع جملته الجميلة ~~للمرة الأولى: «الشاكر لكم إلى الأبد: الملك ولهلم.» # ويصبح الوضع مقبولا مع ولي العهد، ويلطف النصر حدة كلا الرجلين، ويستطيع أمين ~~سر فردريك دنكر وهو من الأحرار أن يضع مشروع دستور، وإن لم يقبل بسمارك هذا ~~المشروع، وينطلق الأحرار الوطنيون إلى المناصب الوزارية، غير أن الأميرة فيكتورية وهي ~~أكثر من زوجها حماسة وغطرسة اغتنمت ذات يوم فرصة حديث حول مائدة عشاء، فهاجمت ~~الوزير «مع مؤانسة ومناكدة» قائلة له: «من الواضح يا كونت بسمارك أنك بلغت من الطموح ~~ما تطمع به أن تكون ملكا أو رئيس جمهورية!» # ويجيب بسمارك عن هذا التنكيت قائلا بجد تام: «لا أكون جمهوريا صالحا، ومن ~~تقاليد آلي أن أحتاج إلى عاهل من أجل سعادتي الدنيوية، ولكنني أحمد الله على أنني ms285 لا ~~أضطر دوما إلى العيش على طبق كالملك، ومن المحتمل ألا تعم قناعتي الشخصية، ~~ومما لا أفترضه أن يفنى الملكيون وإن هلك الملوك، وقد يكون الجيل المقبل جمهوريا ~~عند عدم وجود ملك.» # ويشتمل ذلك القول على ثلاثة أفكار، ولكل واحد منها طعنة كالسهم، والطعنة الأخيرة ~~مميتة؛ وذلك لأنه ألمع بها إلى عطل زوج الأميرة من الصفات الخاصة بالملك. # وإذا كان عدد مثل تلك السهام التي تنم على عبقرية ذلك الدبلمي الموهوب ~~يزداد مع الوقت؛ فلأن كل واحد يقيد كتابة ما يقوله بسمارك له بعد الآن. وكان ~~كارل شورز ثوريا في سنة 1848 فهاجر إلى الولايات المتحدة، فعاد إلى برلين بعد عشرين ~~عاما جنرالا أمريكيا مملوءا تحاملا شخصيا على ذلك الشريف، ويدهم بسمارك ذلك ~~الجنرال الذي لا تلين له قناة، ويجتمعان، ويقول الجنرال عن بسمارك: «تبصر حيوية ~~نطق، وتبصر لطائف وأماليح، # 5 # وتبصر ضحكا يسري مسرة حينا ويسري استهزاء حينا آخر، وتبصر ~~انتقالا مفاجئا من مزاج بهيج إلى شعور عميق، وتبصر مرحا في روايته أقاصيصه ، ~~وتبصر إيقاعا منيعا، وتبصر وراء ذلك كله شخصية قوية.» ويدعى شورز إلى تناول ~~العشاء في الغد، وكان الضيوف الآخرون من قدماء المحامين المتعبين، ويطلب منه أن ~~يبقى عندما انصرفوا، والآن يبدو بسمارك ودودا فيسأله عن أمريكة بحرارة. # وحالة بسمارك الصحية هي من حيله الدبلمية، وهو إذا ما أراد انتحال الضعف ~~وعدم النفوذ وعدم الاكتراث قال إنه عليل، وقد قال في عرض عسكري فسمع قوله نحو ~~عشرين شخصا من الحضور: «ساءت صحتي سواء داعيا إلى الشفقة، فصرت غير قادر على الأكل ~~والشرب والضحك والتدخين والعمل، وأفلست أعصابي، ولم يبق لي دماغ خلف هذا الجبين، ولم ~~يبق لي وراء هذه الجبهة غير كومة من الهلام.» # 6 # وبسمارك إذا رافق الملكيين مثل دور الناصح المستقيم، ومع ذلك أن قال لأحد ~~أساتذة الحقوق الدستورية إن آل هوهنزلرن إذا ما وجهوا قواهم ضد الأشرار ~~العند «انحاز آلي إلى فرع الشرفاء الذي يقاتل بجانبهم على ضفة نهر الإلبة ~~اليسرى حملا لأشراف ضفة ms286 نهر الإلبة اليمنى على الطاعة.» وإن كان هذا هو عكس ~~الصحيح. # وإذا ما أتاه رجل سياسي من ستوتغارت انتحل وضع الديمقراطي وتكلم حول المائدة ~~عن نعم الخدمة العسكرية الإلزامية؛ وذلك «لأنني كنت ابن والدتي المدلع، # 7 # وقد كان من الخير العميم علي أن ألزم في الحين بعد الحين بحمل بندقية ~~على كتفي وبالنوم على التبن، ولا تعرفون مقدار أثر ذلك في الفلاح الذي يمكنه أن ~~يقول: هنالك كان الشريف بجانبي وقت التمرين، وذلك أمر طيب لأبدان الضباط أيضا؛ ~~وذلك لأنه إذا وجد بين الجنود العاديين مثقفون أمعن الضباط في ملاحظة أنفسهم ~~بحكم الضرورة.» وبسمارك أراد أمام ذلك الورتنبرغي أن يطلي الخدمة العسكرية بصبغة ~~شعبية وإن لم يكن ولدا مدلعا في الحقيقة، وإن لم ينم على التبن إلا عند تلهيه ~~بالصيد في الحقيقة، وإن كان يكره التمرين العسكري في الحقيقة. # وقال رون في تلك الأيام: «هو يعتقد إمكان اكتسابه كل شخص وتسييره بأسلوبه ~~الدبلمي وذكائه النادر، وهو محافظ مع المحافظين وحر مع الأحرار، وهو يستخف ~~بجميع من يحيطون به أو يسير مع الظنون بما يفزعني، وهو يود - بأي ثمن - أن يكون ~~كل شيء لدى كل إنسان في الحال والمستقبل؛ وذلك لأنه يشعر بأن البناء الذي أخذ ~~يشيده سينهار بين ضحك العالم وازدرائه عندما يسترد يده، وليس هذا بعيدا من الصحة، ~~ولكن أتبرر الغاية الواسطة؟ وهل تقدس الوسيلة؟» فهذا هو الذي يسأله صديق ~~بسمارك الحميم رون، وهذا هو الذي يسأله الرجل الحديدي رون الذي يعد الواجب ~~إلها، ويرتعش رون أمام تلك الروح التي استدعاها. # وبينما ترى بسمارك مع تغايره الشخصي يقدر أثر كل كلمة ينطق بها - ولو بين ~~الأخدان - تجده غير مبال بالصيت، وقد ظل بسمارك على هذا الوجه مدى حياته، وهو لا ~~يبالي بالصيت لاحتقاره إياه، وهو يحسب تأثير كلماته لقيمة هذا التأثير في سياسته، ~~وهو لعطله من البطل يجد من المكروه «أن يحدق إلي في كل محطة كما لو كنت ~~يابانيا.» أو أن ينظر إليه كل شخص إذا ما كان ms287 في فولكسغارتن بفينة «كما لو ~~كنت فرس ماء جديدا معدا لحديقة الحيوانات.» وهو يرى الألقاب والأوسمة مثيرة ~~للسخرية، وهو يحذف في الرسائل الرسمية بعض العبارات المزوقة المعهودة ليبدو على ~~حقيقته. # وهو يدعى ذات يوم مع وزيرين إلى الاجتماع بالملك فيسأل الحاجب عند وصوله: «ألم ~~يحضر المضحكان بعد؟» وهو يرى في حفلات البلاط الراقصة ما يسليه إذا ما رقص عند ~~بدئها، بيد أن الملك لم يتمالك أن يمنع الأميرات من الرقص معه «لعذل الناس إياي ~~على اختياري رجلا خفيفا لرئاسة مجلس الوزراء.» ولم ينفك شريط نسره الأحمر يملص ~~ذات حين فيأذن لموظف بالبلاط في شده، وفيما كان يعاني مضض الصبر على ذلك أشار إلى ~~أمير بإصبعه قائلا: «إن الأوسمة تظل حيث هي لدى هؤلاء الأمراء، فأظن أنهم ولدوا ~~ذوي جلود مرصعة بالمحاجم، # 8 # أي بالممسكات لمثل تلك الأدوات.» # وتنشر صحيفة «كلاديراداتش» له صورة هزلية كصائد، وينصحه هوهنلوهه بعدم ~~الاكتراث، فيقول له غاضبا: «لا أبالي بحملتهم على سياستي، وهذا لا يثير سوى تبسمي، ~~ولكن لا هزل حول الصيد؛ فالصيد أمر جدي!» وعلى ما كان من اتصاف زوجه بالقناعة ~~لم يسمح لها بتمثيل دور ربة المنزل الريفية المقتصدة في بلد الماء المعدني بادن ~~على الأقل، ويميل بسمارك إلى السخر من مظاهر الحياة الرسمية، وإذا ما ذهب بسمارك إلى ~~البرلمان أو إلى بيته، وهو الذي لا تجده في غيرهما إلا نادرا، تراه مع ذلك مبديا ~~هدوء المولود أريستوقراطيا، ولا يري بسمارك أفعاله العصبية لسوى خلصائه، لسوى ~~أقربائه في الغالب، لسوى أمناء سره في بعض الأحيان، حتى يرووها للأعقاب. # ونال بسمارك كبير شهرة في أوروبة بأسرها، ويلقبه الدبلميون في برلين ~~بالساحر العظيم أو بساراسترو، ويملأ اسمه الرسائل والمذكرات في العواصم ~~الأجنبية، ويقول ميريمه دوما إن هذا الشيء أو ذلك الشيء سيكون «ما لم يقرر السيد ~~بسمارك عكس الأمر»، ويجيد زولا وصفه ضيفا في قصر التويلري، فيقول: «يجاوز ~~ساكارد القاعة منتصرا متأبطا ذراع خليلته جومون التي يقاسمه الإمبراطور إياها ~~ويتبعه زوجها فيغرق الكونت بسمارك في الضحك، ms288 مع بعض الضيوف، هنيهة طويل النجاد # 9 # رياضيا ساخرا ناظرا إلى مرور الثلاثة مستطلعا.» # واشتهر بسمارك في ذلك الحين بواقعيته أكثر مما في المستقبل، وعد بسمارك في ذلك ~~الحين متحللا فحار الخبراء من اختلاط حريته بحيلته، وقال بنيغسن: «إنه خادع ~~الفرنسيين في مسألة اللوكسنبرغ خداعا عجيبا، أجل إن الدبلمية من أكثر ~~أمور الدنيا كذبا، ولكنها إذا ما استعين بها لمصلحة ألمانية فبذل كثير خداع ~~وعظيم نشاط في هذا المضمار كما صنع بسمارك لم يسع الإنسان إلا أن يقضي منها ~~العجب.» ومن غير وصف له بالبطل كان دبلميو العصر يتناقلون كلماته مشافهة ~~وكتابة، ومن ذلك ما رواه بوست # 10 # وهو: «قال بسمارك لغاستن: لم نفكر طرفة عين في ضم النمسة الألمانية ~~إلى الريخ، وأقرب من ذلك تفكيرنا في أمر هولندة، وتمضي بضعة أشهر فيذكر لي سفير ~~هولندة الذي غادر برلين إلى لندن أن بسمارك صرح له موكدا بأن أحدا لا يتطلع ~~إلى هولندة، وأن التفكير في أمر النمسة التي هي ولاية ألمانية أقرب من ذلك!» # والحق أن بسمارك لم يرد هذه ولا تلك، وإنما كان يهدف إلى جعل جيرانه وخصومه ~~قلقين مذعورين، وما كان غير هذا حاله أيام دراسته، ومن المحتمل أن أتى بتينك ~~الملاحظتين ليتناقلهما الأجانب، ولم يكن ليبالي بمن هو حاضر، ولم يكن ليمتنع عن ~~صب أشد ما عنده من القدح، وكان يطيب له نعت خصومه باللؤم، وكان حين أنسه يقول ~~عن هذا أو ذلك «إنه أبله!» وكانت هذه الحريات التي يبيحها لنفسه في تلك الأمور ~~نتيجة ضرورية لزهوه ولكرهه لغيره وسببا لسروره، وقد يكون شعوره بأنه يستطيع أن يقول ~~ما يروقه عن كل إنسان - وعن الملك أيضا - أحسن ساعات حياته. # وغوستاف فريتاغ - مع خصومته - نرى رأيه الآتي جديرا بالذكر، وإليكه: «حقا لا يكون ~~بسمارك يسيرا إلا بين الليل والضحا، وتبدو بين الروائية وحب الجمال طبقة ثقافية ~~ضيقة للرحالة الهوي، للشريف في مظهره الظريف، ويلوح بسمارك لي أنه متعوق ~~متخلف عن العصر النباتي، وعندي أن أبرز صفاته هو عدم ms289 المراعاة ومحاولة كل شيء ~~بنفسه، وكما يرى مع بواكير نشاط حيوي غض جريء؛ ولذا لا يكون هذا الرجل مؤسس ~~مذهب؛ ولذا ليست عيوبه عيوب زماننا على الخصوص، ولن يتخلى الملك الحالي عنه ما ~~لم يرد بسمارك ذلك، ولا نفع من خداع الوادع، ولا طائل في التجهم أمام العزم ~~الخفي، وقد عرف ذلك الرجل المتردد الجامح العسير المعشر كيف يتأبط مجد ~~بروسية وعظمتها ويتسنم متن المعالي بفضل إقدامه ورصانة صفاته، فصار كل من يؤذيه ~~مؤذيا للدولة». # وبذلك الشذوذ يظهر بسمارك للعالم إذن، وعلى ما كان من تسليم الكثيرين بعلو خلاله ~~التي ألمع إليها فريتاغ، وعلى ما كان من نفع هذه الخصائل للبلد؛ تجده - إجمالا - ~~في ذلك الدور الذي أتى بعد إحدى منازعاته الحزبية العظيمة كما تقدم واحدة منها، غير ~~محبب لجميع الأحزاب ولجميع طبقات المجتمع، ولا سيما حزبه وطبقته، ولم يكن لمظاهره ~~العامة - أي لخطبه التي تتمثله الأمة بها وحدها - غير ذلك الأثر، وبسمارك يجرؤ ~~على القول أمام الريشتاغ الجديد: «لو عدلت عن مقاومة معارضتكم على وجه ما لذهبتم ~~إلى عدم اكتراثي للأمر، فأرى أن تسروا لعدم سلوكي مثل هذه السبيل.» (حركة)، ~~وبسمارك يقول عندما حرض على قبول بادن عضوا في جامعة دول شمال ألمانية: «لا ~~تذهبوا إلى ما هو أبعد من حدودكم أيها السادة، وارضوا الآن أن تتمتعوا بما نلتموه، ولا ~~تطمعوا فيما لم تنالوه، وقد أكون مخطئا وقد تكونون مخطئين، وإنما الذي أستطيع قوله ~~لكم هو أنني لا أوافقكم على رأيكم، فسأسير وفق رأيي في الأمر.» # ومن يعامل ممثلي الشعب على هذا الوجه يعده زملاؤه مستبدا، وبسمارك بعد أن صار ~~يعد جامعة دول ألمانية الشمالية من صنعه الخاص أخذ ينتحل لنفسه حق السلطان ~~عليها وعلى بروسية معا، وفي تلك الأيام صار خلصاؤه يتذمرون، فقيل: «غدت طريق أوتو ~~(بسمارك) الاستبدادية لا تطاق بعد اعتزال رون (الموقت)، وهي قد بلغت من الحرج ما صار ~~معه لا يحتمل أدنى معارضة.» ويقول رون في كتاب أرسله إلى بسمارك بعد اعتزاله الموقت ~~ذلك: «يبدو ms290 بسمارك في الجلسات ذا حيوية لا مثيل لها، ويحتكر بسمارك الكلام فيها تقريبا ~~فيعتقد مخطئا أنه يستطيع بنشاطه الذهني أن يتغلب على جميع مصاعب الوضع، وأنتسب ~~إلى المعارضين المحافظين سياسيا؛ لأنني لا أرضى أن أغمض عيني وأن أساق ضد ~~إرادتي، والله يعلم إلى أين، ولكن بسمارك يهمل أكثر أصحابه صدقا وأشدهم إخلاصا، ~~وهو لا يتأخر عن معاملتهم بغلظة.» ويقول سكرتير الدولة المساعد تيله: «الرئيس ~~عنيد كما هي عادته، والرئيس يبرطم # 11 # على الدوام، ويتدخل الرئيس في الدقائق تارة من غير أن يعرف الوثائق ~~معرفة كافية، ويرفض الرئيس - تارة - أن يتدخل في الأمور المهمة، ولا ضير، فإذا ما ~~عادت إليه صحته أمكننا أن نسأله بلا حياء: ما هي قيمة أوروبة؟» # ويخشى الجميع ذلك الطاغية، فلا يجرؤ أحد أن يتخذ أقل قرار، فيغضبه ذلك، ومن ~~الريف تكتب حنة إلى كودل قولها فيخيل إلينا أننا نسمع به صوت زوجها: «لا تعرف ~~درجة حنق بسمارك من خجل أولئك السادة الطفلي في برلين لما يرون من عجزهم عن ~~تحمل أية مسئولية كانت، فيرسلون كل أمر تافه إليه هنا حتى يوافق عليه أو ~~يتخذ قرارا حوله، وتعرف ربان دولتنا العظيم جيدا، وتعرف ماذا يضجره وماذا ~~يكدره.» وإذا غاب بسمارك فلم يسر كل أمر كما يروم كتب يقول: «إن مما يؤسفني ~~ألا يكون لحثي في القسم الثاني غير أثر يسير، ويلوح لي مع ذلك أنني لا أزعج ~~هؤلاء السادة إلا نادرا، فحمل رجل مريض على الرجوع إلى مثل ذلك الأمر ثلاث مرات ~~هو من المخزيات في الحقيقة.» # وفيما يتحول بسمارك إلى مغن وإلى نجم ~~تصمت الجوقة حوله، ولا أحد يميل إلى الاشتراك مع هذا الذي هو أقوى الألمان وأدعاهم ~~إلى الالتفات، وتنحسر ألمانية الذهنية حتى قبل قيام الإمبراطورية الألمانية الحديثة ~~عن غير قصد وبلا برنامج وبدون نية للمعارضة، ولا تجد في الرسائل ولا في الأحاديث ~~ذكرا لأناس من ذوي القرائح بين ضيوف بسمارك، وإذا كنت ترى وضع بعض الوثائق تحت ~~تصرف تريتشاك، وإذا كنت تسمع ذكرا لرواية ms291 سبيلهاغن الجديدة، وإذا كنت تعلم ~~شكره لفريتز روتر كتبه فإن القائمة أقفلت لسنوات، ويزور الرقيب الأريب إكارت ~~بيت بسمارك للمرة الأولى فلا يجد فيه سوى أشراف لا يكلمون بسمارك بسوى ضمير المفرد ~~المخاطب، وإن كانوا في الغالب يناهضونه في الخارج، وهنالك يسأل إكارت: «وماذا يمكن أن ~~يكون المجتمع الخالص المعتاد لهذا الألماني العظيم ما دام زعماء الفكر في الأمة ~~يظلون غرباء عن ذلك المنزل أو لا يدخلونه إلا نادرا؟» # واليهود هم الذين كان بسمارك يشير إلى أحاديثهم مسرورا في تلك الأيام، ويقول بسمارك ~~عن لاسال إنه من ألمع الناس وإن كان لا يعاف محادثته إلى ساعة متأخرة من الليل، ~~ويتخذ بسمارك من بليشرودر نجيا يمكنه الدخول عليه بلا قيد، ويوكله بسمارك ~~وكالة كاملة لإدارة أمواله وأملاكه، ويرفع بليشرودر إلى مرتبة الأشراف الوراثية ~~وفق توصية بسمارك، ويعتمد بسمارك على الدكتور كوهين صديقا وطبيبا ولا تقطع ~~الصلات بينهما إلا بموت هذا الطبيب، وهكذا يثق بسمارك باليهود في شئون صحته وأمور ~~ثروته، وبسمارك يقول: «إن لي مسرة بمعاشرة سيمسون، وهو ذو ذكاء خالص ، ولي متعة ~~بزيارته لي خلافا لمعظم ضيوفي، وهو محب للوطن، وهو إناء نبيل صبت فيه أصفى ~~العواطف.» ولا تجد حكما كهذا في جميع ما خطه يراع بسمارك، وبسمارك منذ عشرين عاما ~~حينما كان سكرتيرا لبرلمان إرفورت، قد جعل من سيمسون هذا أضحوكة، وبسمارك قد قال: ~~«يفضل والدي أن يذهب إلى قبره إذا ما أبصرني كاتبا عند أستاذ يهودي.» وكان سيمسون ~~قد نعت بسمارك بالبهلوان في أثناء نزاع، فلم ينس بسمارك جميع هذا قط، ويمضي زمن ~~فيضفر بسمارك أكاليل المدح لديسرائيلي، ولا يسعنا هنا سوى السؤال: ولم جعل ~~بليشرودر بدلا من هانسمن، وجعل كوهين بدلا من فريريشز، وجعل لاسال بدلا من ~~ليبكنخت، وجعل سيمسون بدلا من ريشتر، وجعل ديسرائيلي بدلا من ساليسبري؟ # وفي ذلك الدور يترك بسمارك مبدأ اللاسامية مع جميع أفكار شبابه الرجعية، وبسمارك حتى ~~في أوثق نجاواه لم يصدر عنه أدنى ملاحظة ضد اليهود، ولا نكاد نشك في زوال ms292 أوهامه ~~الوراثية حول ذلك زوالا تاما كما يوجبه العقل، وبسمارك بعد خطبته التي ألقاها منذ ~~عشرين سنة ضد قبول اليهود في المناصب الحكومية هو الذي أتم قانون تحرير اليهود ~~قائلا: «إن الحكومة لا يمكن أن تحابي في مثل هذه المسائل ما دام لا يوجد دين ~~للدولة في بروسية.» وبسمارك هو الذي أطرى اليهود في الريشتاغ بسبب «استعدادهم ~~الخاص وإدراكهم الرئيس في أمور الدولة»، وبسمارك هو الذي مدح فضائلهم المنزلية؛ ~~كاحترام الأبوين والإخلاص الزوجي وحب الخير، وبسمارك هو الذي حض على تزاوج ~~الأشراف واليهود مشيرا إلى أسر لينار وستيروم وكوسيروف وما إليها من الأسر التي ~~أسفرت مصاهرتها لليهود عن «مولد أناس ألباء لطفاء، وأحسن من ذلك اقتران حصان ~~نصراني من أصل ألماني بحجر # 12 # من أصل يهودي، فتداول الأيدي للمال أمر ضروري، ولا يوجد عرق ~~رديء، ولا أعرف ماذا أنصح به أولادي ذات يوم في هذه المسألة»، وبسمارك يلخص في ~~شيبته قيمة اليهود الاجتماعية والحيوية في الكلمة الجامعة الآتية، وهي: «إن اختلاط ~~الدم اليهودي بمختلف العروق الألمانية يؤدي إلى بريق لا يستهان به.» # والواقع أن بسمارك فاتر تجاه جميع الناس، نصارى كانوا أو يهود، وزراء كانوا أو ~~رؤساء أحزاب، أمراء من بلاده كانوا أو أمراء من الأجانب، والواقع أن بسمارك لم يحمل ~~ودا لغير رون من بين رفقائه القدماء، ومن المؤثر، ومن المضحك أيضا، أن يمسك كل ~~من هذين الصديقين بطوق # 13 # الآخر في سنة 1869 حملا له على الخدمة عند ميله إلى الخروج منها، وينظر ~~رون بعين الجد - وعن سلامة طوية - إلى ما ذكرناه آنفا من محاولة بسمارك أن يستقيل، ~~فيقول في كتاب يرسله إليه: «ما فتئت - منذ تركتك أمس - يا صديقي الكريم، أفكر ~~في أمرك وفي قرارك، فلم أذق طعم الراحة، دع في كتابك منفذا عند وضعه، لتعلم أن ~~في الكتاب الذي أخذته من الملك أمس طابع صدق، ولا يغب عنك أن كل شيء لا ~~ينم على الحق فيه هو نحاس من حياء زائف لا يراد الاعتراف به، وأن ms293 وضع الذي يكتب ~~يمنعه من الإقرار بعمله الخاطئ فلا يرجع عنه، وليس من الرأي أن تحرق سفنك، ولا ينبغي ~~لك أن تصنع ذلك، فإذا فعلت ذلك خسرت صيتك في البلاد وضحكت أوروبة، وسيقول الناس ~~إنك استقلت لأنك قطعت الأمل من القدرة على إنجاز عملك، ولا أرى أن أؤكد ذلك، وذلك ~~مع توقيع صديقك الثابت المخلص ...» # بسمارك في سنة 1877. # يا لنبل ما يجد رون من معذرة للملك من غير دفاع عنه! يا للبراعة التي كتبت بها ~~تلك الكلمات وشعر بها! يا لصحة ما تشتمل عليه تلك الجمل من بصر تاريخي! ~~يا لتأثير تحفظ رون! وتمضي بضعة أشهر فيزعج رون بمعارضة بسمارك في أمر بحري ~~فيريد الاستقالة بجد تام ومن غير رأي خفي، فيكتب بسمارك إليه من فارزين ~~قائلا: «لم أكن لأفكر في غير كنيبهوف عندما مددت يدي إليك مصافحا ثابتا قائما ~~على العهد في شهر سبتمبر سنة 1862، ولا يجوز لنا أن نختلف اختلافا جديا في مسألة ~~بحرية بعد سبع سنوات مجيدة قضيناها في الجهاد معا، يجب عليك أن تقرأ شعار اليوم الرابع ~~عشر من شهر أغسطس مع تفسير دنيوي له، ويلوح لي - قبل كل شيء - أن تلك المسألة ~~ليست من الأهمية ما تسوغ به أمام الله والوطن توديعك الملك البالغ من العمر ~~ثلاثا وسبعين سنة، وإعراضك عن رفقائك، وأنا منهم، باستقالتك.» # وفي هذا الكتاب حسب تأثير كل كلمة في شعور المرسل إليه بالواجب وفي تقواه، وفي ~~هذا الكتاب الصادر عن أثرة على الطريقة البسماركية تلقى المسئولية على عاتق ذلك الذي ~~كدر صفوه ذات يوم فيود اليوم أن يبديه جائرا عليه باستقالته. # ويمضي يومان فيمسك القلم ذلك الذي يتكلم عن أهمية الواجب وضبط النفس بتقوى، ذلك الذي ~~كتب كأنه قس، ويجلس حول المائدة ذاتها ويرسل إلى رون قوله الناري: «لا ينبغي ~~لأحد أن يطلب مني أن أضحي بصحتي وبحياتي وبسمعتي الشريفة وبإصابة نظري سيرا وراء ~~الهوى، ولم أنم منذ ست وثلاثين ساعة، وقد قئت مرة # 14 # في الليل كله، وكان رأسي يشتعل ms294 كالنار مع لفه بضماد بارد، وكان هذا يكفي ~~لانخلاع عقلي! غض الطرف عن هياجي الكثير، ولكن الكتاب مذيل بإمضائكم، ولا أراني ~~معتقدا أنكم سبرتم غور الأمر بأسره، وإذا كان لا بد من تدهور العربة التي ~~تحملنا حق لي أن أجعل الناس يعرفون براءتي من شائبة الاشتراك في الجريمة، وقد ~~يكون كل واحد منا من حرارة المزاج ما لا يستطيع معه أن يجذف القارب بأطول مما ~~صنع، وعلى المرء أن يكون ذا قلب وشعور قدا من رق جاف حتى يقدر على احتمال ذلك.» ~~وماذا حدث؟ وهل دبر الملك حلفا خارجيا بعد أن باحث الوزراء ببرلين في شأنه؟ أو ~~هل أنبأ بنيته فعل ذلك؟ وهل حل الريشتاغ، وهل استرد مشروع لبسمارك؟ وهل ~~عزل وزير؟ # حدث أن أوصى بسمارك بتعيين أحد موظفي البريد بهانوفر مديرا عاما للبريد فرفض مجلس ~~الوزراء ذلك لسبب مضحك! # | الفصل الخامس عشر # «أفطر وأقرأ جريدتي وأطوف في الغابات لابسا حذاء الصيد وأتسلق التلال ~~وأسير في البطائح والأوحال وأتعرف بالأماكن والمغارس، وأعود إلى المنزل ~~ويشد السرج على حصاني وأرجع إلى ذلك، وهكذا ... وهنا العوسج الكثيف ~~والسوق المقطوعة والأرض الواسعة والمنابت والجداول والسباخ # 1 # والخلنج # 2 # والرتم، # 3 # وهنا الظباء والحجلان، وهنا ما لا ينفذ من شجر الزين # 4 # والسنديان، وهنا غير أمر يلقي السرور في قلبي كثلاث الحمائم والبلشون # 5 # والحدءان، # 6 # وهنا شكاوى المزارعين من غارات الخنازير البرية، وهنا ما أصعب ~~وصفي لك كل هذا!» # ويكتب بسمارك من فارزين غير البعيدة من رينفيلد، ويشعر بسمارك عندما يطوف بها في ~~زيارته الأولى بأن الأمة كافأته على جهاده وانتصاراته، والأمر الغريب هو قبوله ~~المال الذي اشترى به تلك الغابات، وبسمارك يقول بعد بضع سنين: «ما كان ينبغي أن يعطى ~~ذلك نقدا، وقد أنفت من ذلك طويل زمن ثم أذعنت للإغراء، ومما أمضني أن كان ذلك ~~من اللندتاغ لا من الملك، ومما كنت أرغب عنه هو أن أقبل مالا من أناس كافحتهم ~~بمرارة في سنين كثيرة.» واقترح الأحرار في ذلك الحين ألا ms295 يعطى الوزيران، بسمارك ورون، ~~أي مهر قائلين: إنه عمل لهما ما فيه الكفاية من الإبراء، وما كان من قبول بسمارك ما ~~قدم إليه من نقد فيعد دليلا على حبه المتزايد للثراء واقتناء الأملاك ~~الأسرية مع تقدمه في العمر، وإن لم يكن رجل عمل في شئونه الشخصية، ومهما يكن من ~~أمر فإنه كان من الاحتياج إلى الوقت والهدوء ما لا يعنى معه بتوظيف ماله توظيفا ~~نافعا. # ورغبة بسمارك في المال مما يصاول كبرياءه، فلما قرر اللندتاغ في بدء الكفاح ~~إمكان حجز أموال الوزراء ضمانا لما ينفقونه خلافا للدستور بدا له نقل أملاكه إلى ~~أخيه، ولكن «تنزلا كهذا لأخي فرارا من المصادرة التي لا يتعذر أمرها عند جلوس ~~ملك جديد على العرش مما يوحي إلى النفوس بطمعي في المال خلافا للواقع، وهذا إلى أن ~~محافظتي على مقعدي في مجلس الأعيان موقوف على امتلاكي كنيبهوف.» وذلك التخلي وإن كان ~~غير محبب له لم ير غير فعله مع اعتراضه ذلك، ومع أن فقده لمقعده في مجلس الأعيان ~~يجعل الأمر عاما ويؤدي إلى تفسير حار. ويعرض بسمارك ملكه على أخيه فعلا، ~~ويستند في ذلك إلى السبب المهم الآتي وهو: «إن مما يشق علي أن أترك فكرة قضاء ~~أواخر عمري هنالك، غير أنني خرافي ولدي ما يحفزني إلى البيع، وتجعلني حالي المالية ~~أو حال أولادي المالية لا أطلب منك ثمنا يقل كثيرا عما أطلبه من الغريب»، فيا ~~للغز! والذي لا ريب فيه هو أن البيع لم يقع في ذلك الحين. # والآن بعد أربعة أعوام عندما يكافئه اللندتاغ على أعمال كان يعدها مساوئ ~~يغدو غنيا، فيسرع في التخلص من كنيبهوف التي قضى فيها ما بين السنة الثانية والسنة ~~الثامنة والعشرين من عمره! أفلم يحزن حزنا شديدا عندما أجر ذلك الملك للمرة ~~الأولى منذ طويل زمن؟ والآن - أيضا - عندما يقصده من فارزين «لا يدعونني وحدي ~~أبدا، ولدي ما أقوله للشجر هنالك أكثر ما للبشر مع ذلك»، وتظل تلك الأماكن التي ~~كانت شاهدة على صباه جنة عنده في مشيبه، ms296 على أنه لم ينشب أن كتب من فارزين يقول ~~لأخيه إنه يريد بيع كنيبهوف في الحال، «مفضلا بيعها من فيليب أو منك، ولكن على ~~ألا يكون الثمن دون ما في السوق كثيرا»، وقد عاد لا يقول شيئا عن خزعبلاته ولا عن ~~ارتباطه الوثيق في الأرض وفي البيت، كما كان يشعر به في أمر شونهاوزن وكنيبهوف ~~فيما مضى. # أجل، تروقه غابات فارزين، ولكن من غير أن تنفذ فؤاده، وما كان منزل فارزين ليقاس ~~بمنزل شونهاوزن الكبير، «فلذلك المنزل منظر المشفى؛ أي له جناحان، وهو منزل ~~عادي ذو نوافذ كثيرة، وليس له مظهر القصر ولا مظهر المغنى». # 7 # وهذا هو وصف كيزرلنغ له عند إقامته به، وبما أن الغابات لا تأتي ~~بدخل وجب إنشاء مناشر # 8 # بخارية ومعمل ورق، «فيتطلب هذا مائة ألف تالير، ولكن كل شوحة # 9 # تحول في يوم واحد إلى ما لا يحصى من الورق»، ويا لتحول هذا ~~الولوع بالطبيعة إلى رجل عمل! هو اقتصادي سياسي! هو رب أسرة! # وبسمارك، إذ كان لا يصبر على الراحة، وكان لا بد له من الحركة؛ بدأ ينشر ~~الحياة في الغابات وفي البيت بفارزين، «فأرسلي من شونهاوزن الأقداح الحمر ~~والكراسي المنقوشة وما يمكن إقفاله من مكتب أو مكتبين وما بقي من سرر، ويمكن ~~أن يؤتى من برلين بموائد، ويمكنك أن تضعي في غرفة مطالعتي المكتب الأمريكي ~~الموجود في غرفة الاستقبال بدلا من ذلك، ولماذا يجب علينا أن نجهز غرف صاحب ~~الجلالة؟ والآن أذهب لأرى الغاب والأيل وضوء الشمس، ولا أستطيع الكتابة كثيرا، ~~والحبر لا يحبني، تعالي مسرعة إلى هنا، والأولاد يتبعونك وحدهم، ولي أمل ~~في أن يكون بكوسلين أسرة، ولا تأتي بأية خادمة معك، خلا وصيفتك، وقد تكونين في ~~غنى عن هذه الوصيفة أيضا؛ وذلك لوجود فتاة غسالة عملت ثلاث سنين في بلومنتهال، ~~إذن لا ضرورة لإحضار الطاهي ولا الخادمة ما لم تودي غير ذلك، وابعثي بنسج كثيفة ~~سمر خضر غير لامعة؛ لتكون ستائر مزدوجة تغطى بها الأبواب الزجاجية، فلا يرى ~~ما وراءها، ms297 ولا أظنني ذاهبا إلى برلين قبل وصولك، وبلغي إلى الناس أنني منهوك، ~~ولكن مع تحسن، ولكن مع رغبة عن سفرة أخسر فيها ما اكتسبت، تعالي مسرعة، المخلص لك ~~كثيرا ...» # ومن ثم ترى بسمارك مسرورا؛ فبسمارك قد بعد من الخدمة، وصار ينتظر زوجه، وعاد ~~لا يدعو أحدا ولا يستقبل ضيفا ولا يتلقى برقية ولا يرسل رسالة، وصار لا يتطلع ~~إلى غير حرس الصيد وخفراء الغاب وجياد الخيل والحساب المناسب، وفي أحوال كهذه ~~يجد بسمارك الحياة أمرا طيبا لأسبوع واحد، ثم يساوره شوقه إلى الأعمال مرة ~~أخرى أو يواثبه ميله إلى السير والقيادة مجددا، وبسمارك حتى في عزلته الريفية ~~لم ينج من رغبة في السلطان، ولا تخلو من رمز كلماته عن ملك جار له، وهي: ~~«يستحوذ علي في كل مساء عطش شديد إلى ضم تلك الأرض إلى أملاكي، ويمكنني في ~~صباح الغد أن أتأملها مليا.» فهوى بسمارك واعتداله؛ أي جميع هزج سياسته، ~~تجدهما في تلك الجملة. # وهنا - في الريف - تقف غباوة الضيوف نظر بسمارك أكثر مما في كل وقت، أجل، ~~يمكن بسمارك أن يدعو إذا أراد أرجح الناس عقلا في ألمانية ليحادثهم، ولكنك إذا ~~عدوت زائريه من وزراء الدولة أو أمناء السر أو زعماء الأحزاب وجدته جالسا «بين ~~اثني عشر قريبا يتصف ثلاثة منهم بالصمم ويتصف معظمهم بالصخب مع الكلام في ~~وقت واحد، وبسمارك مع ذلك يبدي كبير أنس لكل واحد منهم، فيفتنون بهذا، فلا ~~يعودون إلى منازلهم قبل منتصف الساعة الحادية عشرة»، ومما يحدث أحيانا أن يجيء ~~كيزرلنغ أيضا، «فنجلس كلنا إذ ذاك على سرير سهل النقل، ونستمع بين حديث سار ~~إلى عزيف فون كودل»، ومما يقع في الغالب أن يضنى فيسر إلى كودل بمقدار تعبه ~~من رفيق صباه كيزرلنغ فيسر في نفسه من دنو الوقت الذي ينصرف فيه. # وموتلي هو صديق بسمارك المفضل في كل وقت، وإذا نظرت إلى الوجه الذي مال به ~~قلب بسمارك إلى هذا الأمريكي الفرح الصريح، إلى هذا الرجل الأريب العالي الثقافة، ~~أبصرت دليلا على صبوة ms298 # 10 # بسمارك إلى تسكين هياجه الطبيعي بتأمل ذوي الطبائع المنسجمة، وما كان ~~الملك ولا حنة ليقوما بهذا الدور، وإن كان كلاهما ذا مكان خاص في نفسه، وإن كان ~~يستثنيهما من ازدرائه لكل إنسان في الدنيا تقريبا، غير أن كل واحد من الملك ~~وحنة عاطل من العذوبة والإنعاش والمبادرة، وتتصف زوجته بالحنان وعدم الدربة، # 11 # ويتصف الملك بالشيبة وشدة العناد، وعلى ما يتصفان به من الهدوء لم ~~يكونا قادرين على إلقاء السكينة في فؤاده، وموتلي هو جوهر السلام، وموتلي شهم ~~همام، وموتلي قانع بالعالم، وموتلي ساذج على سجيته، وموتلي ممتاز مخلص ~~لبسمارك غير مطالب إياه بشيء، وموتلي هو - قبل كل شيء - أكثر استقلالا من كل ~~إنسان يعرفه بسمارك، وموتلي هو الذي يستطيع بسمارك أن يركن إليه بين أناس من ذوي ~~المكر والخرق، وموتلي هو صديق بسمارك. ولم يحدث أن كتب بسمارك كتبا إلى أحد بخط ~~يده كما كتب إلى موتلي، ومع أن بسمارك يدع مئات الناس ومنهم أقرباؤه بلا جواب تجده ~~يبادل موتلي بالرسائل باللغة الألمانية عادة، وباللغة الإنكليزية أحيانا، كالرسالة ~~الآتية، وهي: # عزيزي جاك، أين أنت يا شاطر؟ وماذا تصنع ما دمت لا تكتب إلي سطرا واحدا؟ ~~تراني عاملا من الصباح إلى الليل كزنجي، وليس لديك ما تعمل، فكان يمكنك أن ~~ترسل إلي كلمة بدلا من أن تتأمل رجليك حين استنادهما إلى قضبان نافذة ~~للرب عارفا بما في اللون من قتوم، ولا أقدر على الكتابة إليك بانتظام، ومما ~~يحدث أن تمضي خمسة أيام من غير أن أجد ربع ساعة للنزهة، ولكن ما الذي ~~يمنعك أيها الشيخ الشاب الكسلان من التفكير في الكتابة إلى صديقك القديم؟ ~~وإني إذا ذهبت إلى السرير نظرت إلى ما لك أو إلى صورتك، وأمسكت عن المعيد ~~العذب ونمت لأذكرك بأولدلانغ سينه، ولم لا تأتي إلى برلين أبدا، ~~والأمر لا يعدل ربع رحلة عطلة أمريكي يقوم بها من فينة، ~~ويسرني مع زوجتي أن نراك مرة أخرى في هذه الحياة الكئيبة، ومتى تحضر؟ ومتى ~~تعزم على ذلك؟ أقسم ms299 لك بأنني سأجد من الوقت ما أذهب فيه معك إلى جهات لوجير ~~فنشرب زجاجة راح في حانة جيرولت حيث لا يسمح لك بأن تضع ساقيك ~~الدقيقتين على كرسي، علق السياسة وجئ، ومما أعدك به هو جعلي العلم ~~يخفق فوق منزلنا، وسيدور حديثنا حول صب اللعنات مع الرحيق على العصاة، ~~ولا تنس الأصدقاء القدماء ولا أزواج الأصحاب الأوفياء، وتود زوجي أن تراك ~~مثلما أود، وإن لم تفعل ذلك فأسرع في إرسال كلمة بخطك، كن لطيفا، فإما ~~أن تحضر وإما أن تسطر، ودم لصديقك. # بسمارك # وما كان من حذف كلمة «فون» من توقيعه هنا فلا مثيل له منذ سنة 1848. # ويعين صديق بسمارك الأمريكي ذلك سفيرا للولايات المتحدة بلندن، ويغدو قريبا ~~من بسمارك بذلك، ومن فارزين يكتب بسمارك إليه قوله: «تفضل فسرنا بإرسال كوخك ~~الأحمر إلى غابات بوميرانية، والأمر أهون على سائح مثلك يجاوز البحر المحيط الآن ~~من هونه عليه في مجاوزة ما بين برلين وغوتنجن # 12 # فيما مضى؛ فما عليك إلا أن تتأبط ذراع زوجك وأن تدخل نفسك إلى حجيرة ~~معها، وأن تصل إلى المحطة في عشرين دقيقة وأن تبلغ برلين في ثلاثين ساعة، ثم تكون هنا ~~بعد رحلة نصف نهار، وفي ذلك روعة، وسنطير فرحا أنا وزوجتي وابنتي وأولادي، وسنكون من ~~المسرة ما نعيد به مرح سالف الأيام، وقد بلغت هذه الفكرة من الأخذ بمجامع قلبي ~~ما يمكن أن يؤدي رفضك معه إلى مرضي فيكون لهذا تأثير جالب للنوائب في الوضع ~~السياسي، صديقك المخلص.» # ولموتلي وهب بسمارك ما في فؤاده من حب حقيقي، ويمازج حب بسمارك لزوجه ~~غبطة المالك، ويحب بسمارك هذا الأمريكي بلا داع ولا غرض، وترجع صداقة ~~بسمارك القلبية لهذا الأمريكي إلى أيام بلوغه السابعة عشرة من سنيه، ويدوم ولوع ~~بسمارك بهذا الأمريكي جيلين دواما مطردا، ومن الجلي أن يكون موتلي قائما ~~مقام شيء يتوق إليه بسمارك توق زيلتر إلى غوته، ويلوح موتلي لبسمارك بين الرجال ~~كما تلوح ملفين له بين النساء؛ ذلك الشخص الإنساني المتزن الذكي البهيج ~~المحنك ms300 الجدي التفكير، وليس من المصادفات أن يكون هذا المثال الألماني قد ~~أغرم بهذا الصديق الذي هو من أبناء العالم الجديد. # وتألم حنة، ويسلب كل راحتها خوفها من محاولة قتل زوجها في ذلك الدور من ~~الصدام، ويصفها في الغالب ب «الأرقة الخفاقة القلب والخائرة النفس»، ويرسلها ~~وحدها إلى مدن المياه المعدنية، ويبدو عصبي المزاج من أجل نفسه ومن أجلها، وتبلغ ~~الأربعين من عمرها فتضع مع توقيعها كلمة «الأم العجوز» إذا كتبت إلى أولادها، ~~ويكبر أولادها فلا يمرضون إلا قيلا فتغدو أما لزوجها تماما فترقب صحته ~~وتسكن روعه وتعنى به وتحميه، وتزهد في كل شيء، ولا تبالي برغائبها ولا ~~بأهوائها ولا بآرائها الخاصة، ولا تقدم على نصيحته، ولا على إبداء مشاعرها له حتى بعد ~~معركة كونيغراتز، وهي تعتصم بصديقها كودل لتعرف هل تستطيع أن تذهب حتى ~~فينة فتشترك في «دخول هذه المدينة رسميا»، ولا يرى كودل من الحكمة أن يطلع ~~الرئيس المهيب على ذلك، وهكذا تفنى حنة في حب زوجها، ومما وقع ذات مرة أن خرج ~~بسمارك وزوجه وكيزرلنغ للنزهة، فسألها بسمارك عن ميلها إلى الدوام أو العود ~~فأجابته بقولها: «اصنع كما يحلو لك، فليس لي غير إرادتك .» ولما انحرف مزاجه في ~~فارزين ظلت «بجانبه ليل نهار خلا فترات الغداء والعشاء القصيرة، فأبدو هادئة ~~قارئة أو عاملة أو معدة شيئا له، وتضنيه كل كلمة ينطق بها أو يسمعها ~~فأصير نصف ميتة هلعا.» # والأولاد سلبيون أيضا، فلا يجرءون على شيء، وهو لا يطالبهم بشيء، وهو إذا ما ود ~~أن تكتب ماري إليه أذعن عند علمه أن ذلك يشق عليها ابنة في السادسة عشرة من ~~سنيها، وما يساوره من ذكريات فتائه الممض فيقوده إلى ترفيه أولاده، وما يمازج ~~هذا الذي هو أكثر الناس نجاحا من حقد على العالم وسوء ظن به فأمر بان عندما قال ~~لكيزرلنغ إنه لا يقترح أن يربى أبناؤه لخدمة الدولة؛ «وذلك لأنه ينظر إليهم ~~نظر سوء في نهاية الأمر، وعليهم أن يحملوا صليبهم في هذا العالم»، وبينما يعلم في ~~نقولسبرغ ms301 أن ألمانية منتظرة بأسرها يكتب إلى ابنه الأصغر في عيد ميلاده كتابا ~~يبدؤه فيه بأنباء سياسية، وهو لم يلبث أن أبصر الورطة التي وقع فيها حين أصبح سياسيا ~~ومربيا معا؛ وذلك لقوله: «إن على المرء في الحقل السياسي أن يتخلص من أقوى ~~خصومه عند وجودهم، وذلك بما ينزله من الضربات، وعليه بعد ذلك أن يسلخ جلد أضعفهم، ~~وفي الحياة الخاصة يعد هذا سلوكا مزريا بمن هو فارس.» والصحة والقوة هما ما ~~يتمناه لأولاده، وإذا ما عن له أن يمدحهم فلما يراه من سواعدهم المفتولة، وقد ~~اعترت الحيرة ضيفا شابا «حينما رأى مقدار ما يلتهمه بسمارك وأولاده، فهم كالأسد ~~وأشباله!» # وتتوقف صحته على أعصابه، وتتوقف أعصابه على أشغاله، وأدويته عنيفة عنف ~~حياته، وهو إذ كان يرغب عن حمل مظلة أو لبس جرموق، # 13 # وهو - إذ كان يركب عربة مكشوفة - لا يرجع إلى الأطباء عند مرضه، بل يكون ~~طبيب نفسه، ومن فارزين كتب بلانكنبرغ يقول: «يغدو مرضه داء عضالا إذا داوم ~~على حياة غير صحية كما في الماضي، فهو ينهض متأخرا كثيرا، وهو يطوف في الغابات ~~كالحارس، وهو يتعشى في الساعة الخامسة أو الساعة السادسة أو الساعة السابعة، ثم يلعب ~~لعبة البلياردو نصف ساعة، ثم يشتغل فيما لا بد منه حتى الساعة العاشرة أو الساعة ~~الحادية عشرة، وهو يختم يومه بتناول حساء بارد، وهو يأرق لعسر الهضم، وهو ~~يحدثني كأنه يبكي من كثرة همومه، وهو يقول: إن الناس هجروه غير تارك لي من الوقت ما ~~أنطق فيه بكلمة واحدة، ثم يصاب بتشنج في المعدة؛ نتيجة لهذا الهياج.» # وهو لم يظفر بغير أكثرية خمسة أصوات في أمر خاص بميزانية هانوفر، «فيهزه هذا ~~في فؤاده ويلم الألم برجليه ويقيء صفراء ويصاب بوجع الأعصاب من فوره»، ~~وينذره رون بقوله غير المجدي: «أرى أن يكون لديك من ضبط النفس ما يكفي للتغلب على ~~اندفاعك الطبيعي فتفرض على نفسك حياة جديرة بأبي الأسرة الألمانية المجيد! حقا ~~يجب أن تقدر على ذلك!» وكلمة «يجب» هي ما يستطيع رفيق ms302 الجهاد رون وحده أن يخاطبه ~~به، ولكن بلا طائل. # ويألم بسمارك عن نزق فطري من جزئيات الخدمة التي تقع في كل يوم أكثر مما ~~بعظائم الأمور التي تقع في أوقات نادرة، وإذا نزل من السماء ماء متواصل بغاستن في ~~يومين أو ثلاثة أيام فإنه يتذمر من ظهور جو المكان كجو المغسل، وهو يتجنن من ~~الشلال بقرب الفندق، وهو بين الجبال يأسف على الآفاق الواسعة، وهو حينما تذكر له ~~زوجه سحل # 14 # أسنان الأولاد يقول: «إن هذا يزعجني فيجعلني أحس ذلك في أعصابي.» ~~ويسأله رئيس حزب هسي عن مستقبل بلده، «فيتلبد وجهه الجلي مع عدم جماله ~~بعاصفة من الفكر، ويتبرم صامتا متأملا، والآن يمسك قلما رصاصيا، والآن ~~يمسك مقصا، وتظهر ابتسامة سارة على فمه وقتا قصيرا، ثم تزول فتبدو على ~~سحنته علائم جنون على حين يزوي ما بين عينيه». # وفيما كان يهرم جسما وروحا على ذلك الوجه، وفيما كانت قواه الطبيعية تكافح ~~السنين كنت تراه يدنو من إلحاد شبابه فيرجع بخطا واسعة إلى ارتياب دوره الأول، فلم ~~يبق عنده غير القليل إلى الغاية من أيام جهاده في سبيل الإيمان الديني، ولما ~~اتهمه جار تقي من بوميرانية بالاستهتار انتحل تجاهه وضعا نصرانيا في كتاب ~~مطول أرسله إليه في عيد الميلاد، فقد جاء فيه: «أعترف طائعا بأنه كان يجب علي أن ~~ألازم الكنيسة أكثر مما كنت أصنع، ولكنني إذا كنت لا أفعل ذلك فليس لعدم الوقت، بل ~~لأمر يتعلق بصحتي في فصل الشتاء على الخصوص، ومن الظلم أن يدعوني أي واحد من ~~الناس بالسياسي المستهتر، وليتفضل فيحاول أن يثبت لي وجود ضمير له في مضمار ~~النضال هذا.» وإذا كان العفو والتوبة ركني النصرانية الأساسيين لم يسعنا سوى ~~التبسم عند سماعنا نبأ سرور بسمارك حينما علم خبر إضافة ضابط إلى شعاره رمزا ~~فنديا قائلا: «لا تستغفر أبدا، ولا تصفح أبدا!» وقد قال بسمارك: «إنني وجدت منذ ~~زمن طويل أن هذا المبدأ كثير الفائدة في حياتي العملية!» ويكتب بسمارك العبارة ~~الشيطانية الآتية قبل بدء محاربة ms303 النمسة ببضعة أيام: «لقد ألقي زهر النرد، فننظر ~~إلى المستقبل مطمئنين، ولكن لا يغب عن بالنا أن الله القادر يفعل كما يهوى!» # والآن كما في الماضي ينضد بسمارك مبادئه الملكية فوق شعائر نصرانيته، شأن الرجل ~~الذي يعلق ترسه على شجرة طلبا لظله، ويبلغ بسمارك من العنجهية # 15 # ما يرى معه أن يأتي بثورة أو يهلك ما لم يلقن نفسه دوما بأن ~~السلطة الملكية صادرة عن أصل إلهي، قال بسمارك حول مائدة عشاء وعلى مسمع من ~~مدعوين كثيرين: «لو لم أكن نصرانيا ما خدمت الملك ساعة واحدة، فلدي ما أعيش به ~~وما أمتاز به وما أستغنى عنه به، ولست بالذي تفتنه الأوسمة والألقاب، أومن بوجود ~~حياة بعد الممات، وهذا هو الذي يجعلني ملكيا، وإلا لاتبعت ميلي الطبيعي وصرت ~~جمهوريا، والحق أنني جمهوري إلى أبعد حد! ولم يجعلني شيء غير ثبات إيماني ~~الديني رصينا في السنوات العشر الأخيرة، ولولا ما في من أساس ديني عجيب لقلت ~~للبلاط منذ وقت كبير: اذهب إلى جهنم!» ويقول أناس إن كثيرا من الناس من يخدمون ~~الملك عن حس حكومي، فيجيب بسمارك عن ذلك بقوله: «إن إنكار النفس هذا؛ أي إن ~~التضحية بالنفس هذه، في سبيل الدولة والملك هو من بقايا إيمان آبائنا وأجدادنا، هو من ~~إيمان تحول فغدا غامضا، ولكن مع تأثير، وعاد غير إيمان فبقي إيمانا مع ذلك، ~~ويا لشدة سروري بعودتي مختارا! ولي بهجة في الحياة الريفية وفي الغابات وفي ~~الطبيعة، فإذا ما قطعتم صلتي بالله حزمت رزمي في الغد وانزويت في فارزين وانغمست ~~في الملذات وقلت على الملك العفاء، ولم أخضع لآل هوهنزلرن لولا أمر الله؟ فآل ~~هوهنزلرن من الأرومة السؤابية التي ليست خيرا من أرومتي والتي لا أجد ما يحفزني ~~إلى المبالاة بها لهذا السبب، وأكون شرا من جاكوبي الذي يمكن قبوله رئيسا ~~للجمهورية، وهو رجل عاقل من عدة وجوه، وهو لا يكلف غاليا في الحقيقة.» # وأفكار كتلك مما أبداه بسمارك في غير حال، وبسمارك لم يظهرها بمثل تلك السخافة في ~~أي ms304 وقت مع ذلك، وبسمارك إذ يقول إن الشعور الحكومي من بقايا الإيمان الديني يكون ~~قد أيد حس الواجب العام الذي لم يعترف بوجوده في شخص، وبسمارك كما أبصر صدور ~~أتفه أعمال رجال التاريخ وأعمال معاصريه عن عوامل شخصية طمع في المسرح السياسي ~~وانساق إلى خدمة الدولة وارتقى إلى السلطة العليا عن طموح ورغبة في السلطة، وما في ~~جبلته من قوى أولية فقد دله على تلك السبل، وهو لم يسلك تلك السبل خوفا من ~~الله كلوثر، ولا حرصا على مساعدة الملك كرون، ولا شعورا بالواجب تجاه ألمانية ~~كشتاين. # وبسمارك لاعترافه بأنه جمهوري نفترض أن ~~مشاعره الثورية تحفزه إلى ابتغاء رئاسة الجمهورية لو ولد في بلد موتلي (الولايات ~~المتحدة)، وما كان يساور بسمارك من شعور بالكرامة فيجعله راغبا في رؤية أمته ~~وطبقته وأسرته في موقع الشرف، وهو للوصول إلى هذه الغايات لا بد له من خدمة أسرة ~~سؤابية كان أجدادها أبعد نفوذا وأكثر جدا # 16 # من آل بسمارك، ولا بد من الخضوع لأناس يفوقهم ذكاء ومزاجا وحماسة، ~~بيد أن أمرا كهذا مما يتعذر عليه بغير تلقين ديني ذاتي يعتقد به أن تلك الأسرة ~~تملك بفضل الله. # وكيف نفسر بغير ذلك مشاعر ذلك الشريف في فتائه، حينما كان يصرح بأنه من ~~القائلين بوحدة الوجود ساخرا من النصرانية؟ ولم ازدرى ذلك الأريستوقراطي الملحد ~~فريق الأحرار الذين كانوا يهدفون إلى إقامة جمهورية معتدلة؟ فلما غدا وزيرا معتقدا ~~صار يود أن يحكم مستعينا بهم، وإذا كان عدوا لله في ذلك الحين وجب عليه أن يكون ~~خصما للملك وفق منطقه المصنوع إذن، وإذا كان اليوم عبدا لله وجب عليه أن يمجد ~~النظام الملكي إذن، أفيمجده فعلا؟ لقد سئل عما يجب أن يتعلمه الأمير، فاسمع ~~جوابه الخفي: «يجب أن يربى الأمير على الطريقة الفارسية في الحقيقة؛ أي أن ~~يتعلم ركوب الخيل والقتال، وهو إذا ما أراد أن يعرف مهنته الخاصة - فضلا عن ذلك - ~~وجب عليه أن يتعلم الوقوف طويل ساعات، وأن يتعلم كيف يخاطب كل أجنبي بكلام ~~لين ms305 وأن يتعلم الكذب، وليس عليه أن ينطق بالحقائق المرة، فليدع أمرها إلى ~~وزرائه، ولا يعرف ملكنا كيف يكذب، وهذا ما يبدو عليه عند محاولته ذلك.» # واسمع الآن كيف يتكلم عن الأسرة المالكة: «إذا ما ذهبت إلى الصيد مع الملك في ~~ليتزلينجن كان ذلك في غابة خاصة بأسرتنا في غابر الأزمان، فقد اغتصب ~~آل هوهنزلرن بورغاستال منا منذ ثلاثمائة سنة لصلاحها للصيد ولاشتمالها على ~~ضعفي ما تحتويه من الغاب في الوقت الحاضر، وإذا عدوت ما فيها من صيد وجدتها ذات ~~قيمة كبيرة أيضا، وهي تساوي ملايين من الدراهم في هذه الأيام، والحق أن ~~آل هوهنزلرن انتزعوها منا بما اتخذوه من ضروب القهر وأعمال العنف وانتهاك ~~الحق ومن زج للمالك في السجن المظلم وتغذيته بطعام كثير الملح مع عدم تقديم شيء ~~ليشربه، وذلك عند رفضه التنزل عن أرضه، وما كان يعطى من تعويض فأقل من ربع ~~قيمتها.» ومن ثم نرى طبيعة اعتقاد بسمارك بنعمة الله الذي جعل آل هوهنزلرن ~~فوقه. # ونحن إذا ما أبصرنا حاقدا عرفناه جيدا، وهو ~~ولوع بذكر ميفيستوفل كما يجب، وهو يحفظ فصولا طوالا من الجزء الأول من رواية ~~فاوست فيتلوها عن ظهر القلب بما يثير العجب، وبسمارك هو الذي نطق بهذا الرأي ~~الأدبي الرائع، «وإذا سألت عما كتب غوتة أعطيتك ثلاثة أرباعه، وأما الباقي - وهو ~~سبعة مجلدات أو ثمانية مجلدات من أربعين مجلدا - فأود أن أقضي به وقتا في ~~جزيرة قفر.» ثم يصف غوتة بأنه عامل مياوم # 17 # عند خياط فيقول: «طوبى لذلك الذي يخلو من الضغينة فيعتزل العالم! طوبى ~~لذلك الذي له صديق حميم فيتمتع بالحياة! طوبى لذلك العامل المياوم عند خياط ~~فيبدع تلك الأشعار! فكروا فيه بلا حقد إذن! واجعلوه في قلوبكم إذن!» وتتكلم ابنة ~~كيزرلنغ بحماسة - وفي مناسبة أخرى - عن المأساة حيث يضع الإنسان نفسه في مكان ~~البطل طائعا، فيقول لها بغلظة: «أتريدين أن تقتلي كما قتل نشال فالنشتاين في ~~حانة حقيرة؟» ويتكلم كودل عن الخوف والرأفة فيجيب بسمارك عن ذلك بعنف قائلا: «أجل، ~~إنني ms306 أبلغ من شدة الخوف والرأفة ما أستعد معه في دار التمثيل إلى الأخذ بخناق ~~النذل.» ويتمسك كودل الإنساني ب «الفكرة الظافرة» في الرواية، فيتكلم بسمارك عن ~~الإوز المشوي ويسأل: «أيأكل الناس في الولايات البلطية الإوز مع البطاطا أم مع ~~التفاح؟ إني أفضل أكله مع البطاطا.» # والآن لا يستمع إلى الموسيقى إلا عند مطالعته أو عند عمله، فلما غدا مستشارا ~~للإمبراطورية عاد لا يصغي إليها أبدا؛ لأنها تحول دون نومه جيدا. # وإذا ما تكلمنا عنه بوجه عام وجدنا تحول حاله الروحية إلى حال «التائه»، ويزيد ~~اضطرابه الباطني مع زيادة نجحه وبلوغه من السلطان ما لم يكد يحلم به، والأمر ~~كما لو كان ينتظر تحقيق رغائبه في التحرر من تلك الأحاسيس الفاوستية فأبصر ~~تبدد أحلامه أكثر مما في البداءة، «ويشكو فاوست من وجود روحين في صدره، ويتنازع في ~~صدري عدة أرواح، وتسير كما لو كانت في جمهورية، وأبلغكم معظم ما تقول، ولكن هنالك ~~من المناطق ما لا أبيح لأحد أن يلمحها.» وينطق بهذه الكلمات عندما كان راكبا عربة ~~مع اثنين من مساعديه اللذين لا يميل أحدهما إليه. # وتعبر هذه الكلمات عن تبرم أكثر مما عن عزلة، وإلا لكان قد كتم أمرها، ويكتب ~~إلى أقرب الناس إليه وأعزهم عليه في أيام عيد قائلا بصراحة: «إن قلق الحياة أمر ~~لا يطاق، وليست هذه حياة جديرة بشريف ريفي، أحن إلى أيام الهدوء في الوطن حيث ~~كنت سيد وقتي وحيث كنت - كما يخيل إلي الآن - أكثر هناءة، وإن كنت أذكر ~~تماما أن كلمة: «يلم الغم به ويعدو معه» أمر صحيح عندما كنت أركب كالب ~~القديم»، وتتردد النغمة، نغمة الاستياء الواهن التي تعبر عن سجيته، بأوضح من ذلك، ~~في كتاب يرسله إلى أخته بسبب عيدها الفضي، فقد جاء فيه: # يسرني أن أبادلك، مرة أخرى، بتأملات حول بطل الحياة، وسيمضي كبير ~~وقت قبل زوال الوهم في أن الحياة تبدأ مرة ثانية من فورها، وأننا صائرون ~~إلى ذلك البدء، ونحتاج إلى مثل تلك الصوى، # 18 # كهذا العيد الفضي، لنرجع ms307 البصر إلى الوراء ونبصر طول ما ~~قطعنا من طرق ومقدار ما جاوزنا من محاط حسنة وسيئة، وهل يعد دليلا ~~على نقصنا، أو على خطأ خاص بي شعوري، دوما، بكون المحطة العتيدة أصلح من ~~جميع ما تقدمها وأنه لا ينبغي لي أن أكف عن الكفاح بلا انقطاع سائرا إلى ~~الأمام؛ أملا في الوصول إلى ما هو أحسن منها؟ أرجو من صميم فؤادي أن تحتفلي ~~بعيدك راضية مسرورة فتنادي حوذي # 19 # الزمن بقولك: «سق برفق يا صاح!» # 20 # وأجدني جاحدا - بفضل الله - لما أراني غير راض على ما لدي ~~من عوامل الرضا عندما أفكر في زوجي وأولادي وفي أختي قبل الجميع وفي أمور ~~أخرى مشتهاة في الدولة وفي حياتي الخاصة فلم تقدر بعد ظفري بها. # فيا لدقة حوك هذا التحليل القاسي من كمد! # 21 # ويا للطف مسه تلك السخريات! ويا لعصر عمل حياته في مقطع واحد مع ~~كبير تحفظ! ويا لبضع نفسه بقلمه منفعلا عارضا لشخصه التائه! وما كانت جميع ~~انتصاراته وكفاحاته وما انتهى إليه من نتائج عظيمة في عشرين سنة قضيت في جهاد متصل ~~سوى محطات سيئة، فلا بد له من السير إلى الأمام طلبا لما هو أطيب منها! # | الفصل السادس عشر # كان نابليون الثالث راغبا عن الحرب، ولكنه كان مفتقرا إليها، ومن الصعب أن يعرف ~~ماذا كانت فرنسة تريد، ولا أن يعرف عدم احتمالها عن طموح لاقتراب الوحدة الألمانية ~~التدريجي بأوضح مما في الماضي، ومن المحتمل عدم ذيوع أي شعور في هذا الأمر ما ~~انحصر في باريس سخط أيام يوليو، وقد اقتصر ما وقع من تظاهر على بضعة شوارع بباريس، ~~وقد نظم هذا التظاهر بفعل بعض الجرائد المأجورة من قبل الحكومة، والشيء الوحيد ~~الذي تستبر به مشاعر الشعب الفرنسي في ذلك هو الاستفتاء العام الذي وقع في شهر ~~مايو، فعلى ما تخلل هذا الاستفتاء من ضغط وفساد لم ينل نابليون الثالث سوى سبعة ~~ملايين صوت على حين صوت ضده مليون ونصف مليون، وعلى حين أبدى ثلاثة ملايين ~~خصومة ضمنية له ms308 بالإمساك عن التصويت. # ولكننا إذا علمنا أن نابليون الثالث كان يزدلف بنظامه إلى الشعب مدعيا أنه ~~يود أن يحافظ على مجد فرنسة وعظمتها؛ أبصرنا أن فريق الأمة الفرنسية المعارض ~~والمستنكف ذلك كان يعرب جهرا أو سرا عن رغبه في سياسة عمل وسلم ثابتة، وما كانت ~~الأمة الفرنسية الهادئة المرحة بطبيعتها، والتي لا تسير مع العاطفة إلا بفعل زعماء ~~ممتازين أو عن ضرورة؛ لتميل إلى مقاتلة أي كان، وحال روحية كتلك مما لا يروق فاتحا ~~يرى بهر عيون الجمهور حفظا لمقامه، والأمة كانت راغبة في النظام الجمهوري حبا ~~للسلم، والإمبراطور كان يبحث عن انتصارات فيرتعد عند تفكيره فيما قد يمنى به من ~~غلب بدلا من الوصول إليها. # وكان نابليون الثالث يرى الحرب أمرا لا مفر منه بعد مسألة اللوكسنبرغ، وكان أهون ~~على بسمارك من غيره أن يحول دون وقوعها بعد الهرج مع عسر ذلك، وكان نابليون ~~الثالث قد تفاهم هو وإيطالية والنمسة، فلما كانت أوائل سنة 1870 وضع مع أرشيدوك ~~نمسوي خطة مشتركة لمحاربة بروسية، ويعين في ذلك الحين دوك دوغرامون وزيرا ~~للخارجية مع مقته له شخصيا؛ وذلك لما كان من إصرار الإمبراطورة وكارهي بروسية في ~~البلاط على ذلك التعيين، وكان هذا الوزير قد أبدى في سنة 1866 رأيا في الهجوم على ~~بروسية، فلا بد من أن يكون قول بسمارك «إن غرامون غبي» قد انتهى إلى مسمعه، وهكذا ~~كان كل شيء معدا للحرب، وشهر الحرب لا يحتاج إلى غير ذريعة، ولسرعان ما ~~ظهرت! # طرد الإسبان ملكتهم، فبحثوا عمن يقوم مقامها على غير جدوى، ثم ولوا وجوههم ~~شطر ألمانية التي أمدت بيوت أمرائها نصف أوروبة بالملوك، ويسأل عن كلالة # 1 # لآل هوهنزلرن كانت قد جهزت رومانية بملك، ويستأذن رئيس الأسرة ~~ولهلم فيبدي نفوره من ذلك، وكان من سياسة بسمارك فتح فروع لشركته ما استطاع إلى ~~ذلك سبيلا، ومن الحماقة أن يفترض أن غايته هي إحداث ثغرة ضد فرنسة، وكل ما ~~يمكننا قوله هو أنه كان يفضل أن يرى رجلا من آل هوهنزلرن ms309 فوق عرش إسبانية ~~على تسكين باريس، وأنه كان يفضل نصرا دبلميا على ملك لآل هوهنزلرن في ~~إسبانية، وأنه كان يفضل تفاهما على نصر دبلمي. # وبسمارك إذ لم يكن لديه سبب ولا شوق إلى الحرب (ضما للألزاس مثلا)، وبسمارك إذ ~~كان يرى الحرب آتية من أجل توحيد ألمانية، وبسمارك إذ كان مستعدا لقبول الحرب على ~~هذا الأساس، لم ينشد أية ذريعة مطمئنا إلى أن فرنسة ستجد من ناحيتها ما يكفي ~~لذلك في مسألة إسبانية؛ ولذا كان عازما على الانتظار. # وكان بنيديتي قبل الاقتراحات الرسمية قد أنبأ في شهر مايو سنة 1869 بأن صداما من ~~الطراز الأول يقع لا محالة إذا ما قبل رجل من آل هوهنزلرن تاج إسبانية، ~~واجتنب بسمارك تحريض الملك على رفض العرض الإسباني ناظرا إلى أن المسألة مسألة ~~أسرة يمكن الكلالة أن تصنع ما تراه فيها، فلا يرتبط في شيء تاركا الخصم خائفا، ~~ولم يلبث بسمارك أن أبصر أن المسألة شائكة، وكيف يغري الملك بقبول العرض ~~الإسباني بعد أن كان الملك مخالفا قبول العرض الروماني؟ ~~«ومن المحتمل أن يكون الإسبان كثيري الشكر لألمانية إذا ما حررتهم ألمانية من خطر ~~الفوضى، وإذا ما نظر إلى صلاتنا بفرنسة رئي من الأمور الطيبة أن يكون في الناحية ~~الأخرى من فرنسة بلد يمكننا الاعتماد على عواطفه ولا معدل لفرنسة عن الركون إليه»، ~~وبهذا تقتصد بروسية فيلقا أو فيلقين، وبذينك الفيلقين يوجه ذهن الملك. # ويعرف بسمارك أن تلك الخطوة مما يؤدي إلى الحرب، وبسمارك كان مستعدا للمخاطرة، ~~وبسمارك إذ كان لا يعمل إلا من أجل سلطان بروسية وما يتعلق به لأسباب سياسية، ~~وبسمارك إذ كان اليوم قليل المبالاة بالألزاس قلة مبالاته بسليزية النمسوية سنة ~~1866، وبسمارك إذ لم يرد اليوم ولا في أي يوم آخر أن يستولي على أرض ألمانية أو ~~أجنبية في سبيل بروسية، وبسمارك إذ كان راغبا في بسط زعامته السياسية على ألمانية، ~~أعد العدة لمحاربة نابليون الثالث كما كان قد أعدها لمحاربة فرنسوا جوزيف، ومن ~~كلا العاهلين نزعت جامعة دول ألمانية ms310 الشمالية ثم الإمبراطورية الألمانية. # وكانت رغبة ذلك القطب السياسي الألماني المعقولة في جمع أبناء أمته - ولو على ~~الرغم منهم - سبب كلتا الحربين، ولم يكن في ألمانية شيء يقال له مسألة الألزاس في ~~الحقيقة كما أنه لم يكن في فرنسة شيء يقال له ضفة الرين في الحقيقة، وما كانت ~~هاتان المسألتان إلا من اختراع متحذلقين قليلين أرادوا تحريض شعوب مسالمة على مسك ~~بعضها برقاب بعض. ولكل من سياسيي فينة وباريس حق كبير في الحيلولة دون قيام ~~دولة موحدة على الحدود، ولكل من جموع الألمان والأمراء أن تجاهد في سبيل شيد تلك ~~الدولة مع اختلاف الخطط وتفاوت الأدوار والمبادرات. # ويطبق المثل الذي ضربه بسمارك في نقولسبرغ، فقال فيه إن محاربة النمسة ~~لبروسية ليست أنفى للأخلاق من محاربة بروسية للنمسة، على الحرب الفرنسية الألمانية ~~بمثل ذلك الوضوح أيضا، وما كانت أمة لتأذن للأمم الأخرى في إتمام وحدتها وفي ~~تحولها إلى أمة ذات سلطان عظيم إلا حربا ما دامت الدول العظمى في أوروبة الصغيرة ~~ولوعا بالزعامة والسيطرة كلفة بالمحالفات. # وكان بسمارك لا ينشد غير الممكن لا المشتهى فيتجاذبه متباين العوامل لما كان من ~~تباغض الألمان وانقسام بلادهم، ولو كان بسمارك بافاريا لقاوم مقاومة عنيفة كل ~~وحدة بزعامة بروسية، وبسمارك - بروسيا - أراد هذه الوحدة وهدف إليها عن عز شخصي ~~وشعور طبقي وزهو قومي، وبسمارك - سياسيا - وجد رغبه معقولا من الوجهة ~~الألمانية العامة، ويلائم هذا المفهوم المجرد رغبه الطبيعي فيجعل هذا الرغب ~~موافقا للأخلاق وحافزا له إلى ضغط دول الجنوب ضغطا سهلا غير معترف به. # وإذا كانت الأمة «لا توحد إلا بسخط عام»، فكيف يثار هذا السخط بأكثر من ~~التدخل الأجنبي؟ إن مواربات نفسية مثل تلك التي تهدد بها فرنسة لا تكون إلا ~~ملائمة لرجل التحليل بسمارك، كما أن الحرب تلائم رجل السياسة بسمارك مع عدم طلبه ~~إياها. # ويبصر بسمارك في أمر إسبانية إمكان إبلاغ المسألة إلى حدها، وتثار غيرة بسمارك ~~الدبلمية بما رآه من وجوب تذليل بعض العوائق، ويرسل إلى إسبانية وكيلين، ~~يرسل إلى إسبانية ms311 بوشر وأحد ضباط الجيش؛ ليبعث الاقتراح من مرقده بعد أن كاد ~~يترك، ويصنع بسمارك ذلك سرا ليضع نابليون الثالث أمام أمر واقع وليوقع هذا ~~الإمبراطور في الخطأ إذا أبدى اعتراضا، إسبانية بلد مستقل! ولم لا تستطيع أن ~~تنشد لنفسها ملكا أينما شاءت؟ لقد أرسل الطلب الرسمي، وقبل في ~~سيغمارنجن من خلف ولهلم، والملك في النهاية، وملك بروسية، «وافق على الأمر ~~كرها بعد كفاح عنيف». # وهنالك وقبيل البلاغ الرسمي يعرف الأمر في باريس، ويصبح الشحم في النار! ~~ويقيم غرامون صحافة باريس ويقعدها بمقالة شبه رسمية يوعز بنشرها حول الموضوع، ~~ويستحوذ غضب حقيقي أو مصنوع على الصحف فتذيع نبأ «المفاجأة باختيار ملك ألماني»، ~~والواقع هو أن غرامون كان يعلم أن بسمارك تكلم عنه مزدريا، فأراد أن يلطم ~~الوزير البروسي على وجهه جهرا ليرى العالم ذلك. # ويقيم بسمارك بفارزين هادئا، ويجلد # 2 # المكان في منتصف الصيف، ويصف بسمارك ذلك في كتاب يرسله إلى زوجه، كما ~~يأتي: «كنت قد أكلت من لحم السمك الرمحي ولحم الضأن، واليوم آكل من لحم السمك ~~الرمحي ولحم العجل ومن قضبان الهليون # 3 # التي هي أحسن مما في برلين، وقد أشاط # 4 # الصقيع بعض أشجار الزين # 5 # الحديثة في فالدشن وسود كثيرا من أشجار السنديان الصغيرة، وأسوأ من ~~ذلك ما أصاب وردك ، ولا أجد أثرا للحياة في ست أو ثمان من ذوات السوق الطويلة، ~~ويرى على الجاودار # 6 # أثر للجليد، ولم تصب البطاطا بشيء - كما يظهر - فكان لأهل بوميرانية ~~سلوان بهذا، وأتناول طعامي وحيدا حزينا، ولا أفكر في غير جعة غراتز عندما ~~أتسلق التلال في الدفء، ولم يبق شيء من هذه الجعة ولا من جعة كليت، ولا أجد ما يدفعني ~~إلى طلب جعة برسلاو؛ لما فيها من عبيثران # 7 # يجعلها غير ملائمة للشرب بانتظام، وتنزهت في الحديقة بعد الغداء وسرت ~~في الحقل بين الصيد المصان، ورأيت أربعة أوعال منها ثلاثة أتياس، وما غرسته من ~~الحور في الغدير الأبيض فقد أفسده الجليد بعد نجاح، وابيضت الأرض السوداء تحت شجر ~~الصنوبر ms312 لسترها بالزهر الأبيض على ارتفاع ثلاث أقدام كالآس، فتجدين نماذج منه مع ~~هذا الكتاب، وهو ما يعرف بحي العالم # 8 # الغيضي، # 9 # وهو ما يدعى في بوميرانية بوبر الخنزير وبإكليل الجبل، وأذهب إلى ~~السرير في الساعة العاشرة، المخلص.» # والآن تنفجر القنبلة في باريس، ويذرع بسمارك غرفته ذهابا وإيابا بعد قصير ~~زمن ممليا موحيا ما يود طبعه جوابا عن صخب باريس، ويملل بسمارك «أكداس ~~ملاحظات؛ لتكون مدارا لمقالات ولرسائل مفصلة، ويجب أن تكون التصريحات الرسمية ~~هادئة، وأن يؤذى شعور الفرنسيين في البيانات شبه الرسمية»، «ويظهر أن الإمبراطورة ~~التي تزيد النار لهيبا راغبة في إيقاد حرب جديدة حول وراثة عرش إسبانية، والفرنسي ~~كالملايوي الذي يثار فيسير في الشارع مزبدا حاملا خنجرا ليطعن به كل من ~~يجد في طريقه ...» وفي اليوم السابع من شهر يوليو يقرأ بسمارك الخطبة التي ألقاها ~~غرامون في مجلس النواب قبل يوم، فجاء فيها: «لا نعتقد أن احترام حقوق دولة مجاورة ~~يحملنا على احتمال نصب دولة أجنبية أحد أمرائها على عرش شارلكن مقوضة ~~أركان التوازن الأوروبي الراهن بما فيه ضررنا معرضة للخطر مصالح فرنسة ~~وشرفها، فإذا ما حدث ذلك قمنا بما هو واجب علينا بلا تردد ولا ضعف!» عاصفة ~~تصفيق! # فلما قرأ بسمارك ذلك قال لكودل: «يلوح أنه لا مفر من الحرب، وما كان غرامون ~~لينطق بهذا قبل تفكير في الأمر وتقدير له، ولو هجمنا على فرنسة لأسفر ذلك عن نصرنا ~~لا ريب! ومن المؤسف أنني لا أستطيع ذلك لأسباب كثيرة.» # وفي ذلك اليوم يوعز غرامون إلى سفير فرنسة في برلين بمقابلة الملك ولهلم ما دام ~~بسمارك قد رفض كل بحث رسمي في مسألة أسرية. # وكان الملك ذا مزاج رضي، ولم يكن ليريد تكدير صفو صيفه في إمس؛ أي كان راغبا ~~عن تعكير معالجته ومجده وسنه، فرضي بمباحثة بنيديتي في الأمر بدلا من صرفه ~~من فوره كما أراد بسمارك، وفي اليوم التاسع من الشهر يقول الملك الذي أبصر شؤم الأمر ~~لسفير فرنسة إنه بصفته رئيسا لأسرة هوهنزلرن سينصح ابن ms313 عمه بالعدول، وإنه أرسل ~~مرافقا له إلى سيغمارنجن، ويكتب ولهلم إلى زوجه قائلا: «أسأل الله أن يلهم ~~آل هوهنزلرن الصواب!» وينتهي الخبر إلى بسمارك بفارزين فيغضب ويصرخ قائلا: «وها ~~هو ذا الملك يبدأ بالارتداد!» ويشعر بسمارك بأن أمله خاب، وبأن وضع ولهلم ~~يفسر باستسلام بروسية. # ويبرق بسمارك في الحال سائلا مقابلة الملك فلم يتلق الأمر إلا في اليوم الحادي ~~عشر من الشهر، ويا لهول الانتظار يوما واحدا! ويقصد في اليوم الثاني عشر من الشهر ~~برلين مع كودل لما لا غنية له عن المرور بها، ويدخل بسمارك ساحة وزارته بعد رحلة ~~عشر ساعات فيسلم برقية فلا يجد أن ينتظر نزوله من العربة فيفتحها غير صابر، ~~فيعلم منها أن بنيديتي حاول محاولة جديدة في إمس وأن الملك قابله بجواب مهذب، ~~ويدعى مولتكه ورون إلى العشاء بسرعة، ويصلان بعد بسمارك بوقت قصير، وفيما كان هؤلاء ~~الثلاثة حول المائدة وردت برقية أخرى قائلة بإقلاع الأمير الهوهنزلرني عن رغبته ~~في العرش الإسباني. # قال بسمارك بعد حين محدثا عن الماضي: «كانت الاستقالة أول ما فكرت فيه؛ وذلك ~~لما ينطوي عليه ذلك الإذعان الإلزامي من خزي على ألمانية، لست مسئولا عنه ~~رسميا، ويفت ذلك في عضدي إلى الغاية؛ لأنني لم أسطع أن أجد ما أصلح به ~~فتقا نشأ عن سياسة خائرة، فيمكن أن يؤثر في وضعنا القومي ما لم ألجأ إلى نزاع ~~عامدا، وأعدل عن الذهاب إلى إمس وأرجو من الكونت أولنبرغ أن يذهب إلى هنالك ~~ويعرض على الملك وجهة نظري، والملك لما كان من ميله إلى توجيه أمور الدولة بشخصه ~~وعلى مسئوليته الخاصة؛ وضع نفسه في مأزق لا يقدر على الخروج منه، ومولاي المعظم ~~لما كان له من رغبة شديدة في أن يكون له قرص في كل عرس، إن لم يقرر جليل ~~الأمور بذاته، لم يكن ليستطيع أن ينتفع بالشعار القائل بالعمل من وراء ستار، ومصدر ~~هذا الخطأ إلى مدى بعيد، هو تأثير الملكة في الملك من مدينة كوبلنز المجاورة، وكان ~~الملك في الثالثة والسبعين من ms314 سنيه، وكان محبا للسلم، وكان كارها لتعريض إكليل ~~المجد الذي ناله سنة 1866 للخطر، والملك إذا كان طليقا من هذا النفوذ النسوي خضع ~~لما يوحي به حس الشرف على الدوام، والملك لما اتصف به من الفروسية تجاه المرأة، كان ~~عاطلا من الحول أمام نفوذ زوجه الصادر عن وجل ثابت وعن قلة وطنية.» # وبسمارك لم يصب كأس النقد ذلك على ملك بروسية وملكتها إلا بعد عشرين عاما من ~~الحوادث التي أشار إليها، وبسمارك فعل ذلك في وقت يفترض فيه أن تكون الأعمال العظيمة ~~والانتصارات الكبيرة قد محت ما ساوره من الأحاسيس عن عطل الملك من حس الشرف ~~وخلو الملك من الشعور القومي، لا كما فعل غرامون الذي ملأ وصفه لتلك الأيام ~~بلوم الإمبراطور والإمبراطورة حين خسر معركة سياسية، وبسمارك بلغ من الغضب الغاية؛ ~~لأن الملك أباح لنفسه النقاش المباشر في «أمر خاص بالأسرة المالكة»، وبسمارك كتب ~~في تلك الليلة يقول لأسرته: إنه سيعود سريعا، وإنه لا يعرف أنه سيرجع إلى منزله ~~وزيرا. # وتلك ساعات سهاد، # 10 # وتقضى ليلة بأسرها في وضع التدابير ورسم الخطط، وفي إيقاظ كوامن العجب ~~والحقد، وفي صباح اليوم الثالث عشر من الشهر تأتيه أنباء من سفارة روسية، لا من إمس ~~لا ريب، فيعلم منها أن باريس لا تزال غير راضية، فيا له من إسعاف! والآن في محادثته ~~سفير إنكلترة يمكنه أن ينتحل وضع الغاضب الصائب فيقول: «إذا ما قدمت باريس ~~طلبات أخرى شهد العالم أنها تود شهر حرب انتقام في الحقيقة، وقد عزمنا على ألا ~~نحتمل الشتم وأن نصمد للتحدي، ولا نستطيع أن نقف موقفا سلبيا تجاه تسلح ~~فرنسة وسبقها في الاستعداد الحربي، نحتاج إلى ضمان وثيق ضد خطر هجوم مفاجئ، ~~وستطالب بروسية بالاعتذار ما لم يكف غرامون عن خطب وعيده.» # وكانت الأمور سائرة سيرا ملتويا، فأعادها إلى نصابها، ويضع غريمه القصير البصر ~~والضعيف المستوى الورق الرابح في يده، فبينما كان بسمارك مسافرا بالأمس وبينما ~~يتنزل الأمير الهوهنزلرني عن تاج إسبانية يبرق غرامون من تلقاء نفسه إلى ms315 ~~بنيديتي ليطالب ملك بروسية ببيان رسمي عن ذلك التنزل، ويحمل غرامون سفير ~~بروسية بباريس على الكتابة إلى الملك ولهلم قائلا إن نابليون الثالث يريد منه ~~كتابا مشتملا على أن بروسية لا تأتي عملا ضارا بمصالح فرنسة ماسا لكرامتها، ~~ويأمل غرامون أن ينال نصرا مؤزرا في مجلس النواب بوضعه تينك الوثيقتين في قمطره، # 11 # وفي ذلك المساء يبدي غرامون نفسه في سان كلو هائجا مغاضبا، ومما حدث ~~منذ أربعة أيام أن مرض الإمبراطور نابليون الثالث مرضا شديدا فرفض العملية التي ~~حضه عليها ناصحوه خشية الهلاك، وتمضي ثلاث سنين فيرضى بهذه العملية، فلو ارتضاها ~~الآن لمات بالمبضع # 12 ~~- على ما يحتمل - ولسلم أناس كثيرون من القتل في ساحة الوغى. # ويحتدم بسمارك عند سماعه نبأ ذلك الاقتراح الذي قدم إلى سفيره وما كان من رد ~~سفيره له بأدب، ويستدعي بسمارك سفيره ذلك من فوره، ويبرق بسمارك إلى مليكه بإمس ~~مهددا بالاستقالة إذا ما قابل بنيديتي مرة أخرى، ويأتي مولتكه ورون للغداء معه ~~بعد الظهر، ويعرب لهذين القائدين، اللذين قالا أمس بالحرب، عن عزمه على الاستقالة، ~~ويقول رون إن هذا يعني الارتداد على حين يجب على الجنود أن يحتملوا كل شيء، وينتصب ~~بسمارك قائلا: «إنكما جنديان تمتثلان الأوامر، ولا تستطيعان أن تشاطرا بصر وزير ~~مسئول، ويتعذر علي أن أضحي بشرفي في سبيل السياسة.» ثم يؤتى ببرقية من إبيكن ~~مكتوبة بالشفرة، فتوضع على المائدة، وهي: # كتب صاحب الجلالة يقول لي: «دنا الكونت بنيديتي مني في أثناء نزهتي ~~ليسألني ملحا أن آذن له في الإبراق حالا بأنني ألزم نفسي في المستقبل ~~بألا أوافق على ترشيح أحد من آل هوهنزلرن، وقد رددته بشيء من الشدة ~~قائلا إنه لا يمكن، ولا ينبغي إعطاء مثل هذا التعهد إلى الأبد، ومن ~~الطبيعي أن قلت له إنني لم أتلق خبرا بعد، وإنه إذ كانت عنده أنباء ~~أحدث مما لدي من باريس ومدريد، يمكنه أن يحقق أنه لا شأن لحكومتي في ~~الأمر.» ثم أخذ الملك كتابا من الأمير شارل أنطوني بعد ذلك، ms316 وبما أن صاحب ~~الجلالة قال للكونت بنيديتي إنه ينتظر أخبارا من الأمير عزم على عدم ~~مقابلة الكونت بنيديتي لما تقدم متبعا نصيحتي ونصيحة الكونت ~~أولنبرغ كما عزم على تبليغه بواسطة حاجب أن لديه الآن ما يوكد النبأ ~~الذي تلقاه بنيديتي من باريس، وأنه ليس عنده ما يقوله للسفير، فصاحب ~~الجلالة قد ترك لفخامتكم أن تقرروا: هل من الأصلح أن تبلغوا إلى ~~سفرائنا وإلى الصحافة في الحال خبر طلب بنيديتي الجديد وخبر ~~رفضه. # ويدل نص تلك البرقية البعيد من الأسلوب الرسمي على بلوغ الاستياء غايته، وكانت ~~نصيحة أولنبرغ تلك، وفق إرشادات بسمارك، آخر الوقش، # 13 # وكانت نصيحة أولنبرغ تلك كسهم ولهلم تل! # 14 # ورسول بسمارك أولنبرغ هذا أخبر الملك بغضب مستشار الجامعة بسمارك، ~~وأولنبرغ هذا قص على الملك نبأ أسف مولتكه ورون، وأولنبرغ هذا أطلع ~~الملك على خيبة أمل بسمارك بسبب سلوكه، ثم كان امتناع بسمارك عن زيارة إمس، ثم كانت ~~برقية تهديده! وبدا الملك مؤدبا مع «قليل شدة» تجاه السفير الفرنسي، ولا بد ~~من أن يكون الجميع قد أرخى للغضب عنانه في الحجرة، وإذا كان الأنيس أبيكن، وهو ~~الذي يعجز عن إلحاق الأذى بذبابة - وهو الذي يعجز عن إيذاء دوك لذلك - يتكلم رسميا ~~عن «طلب قسري»، وعن «رفض»، أمكننا أن نستنبط من هذا استعمال ألفاظ أقوى من تلك في ~~أثناء المفاوضة، وما الأمر ، وقد فوض إلى حاجب أن يقول لسفير دولة عظيمة: إن الملك ~~راغب عن مقابلته مرة ثانية وإن الملك ليس عنده ما يقول له؟ ومن المحتمل أن يكون الملك ~~الشائب قد انساق وفق تحريض أولنبرغ أو أحد الحجاب، فوافق على الفكرة القائلة ~~بأن يطلع الناس على ذلك الرفض بطريق السفراء والصحافة، وبسمارك في هذه المرة، كما في ~~سنة 1862 حينما كان في إحدى حجيرات القطار مع الملك بين جوتربوغ وبرلين، ولكن مع ~~التجاء بسمارك إلى الواسطة الآن، يشعر الملك بأنه بذل أقصى جهده كضابط في الجيش، ~~فعليه أن يحاول العمل بتردد أقل من قبل. # ويكون لتلك البرقية تأثير ms317 هاد في بدء الأمر، ويفقد كل من القائدين شهوة ~~الطعام، «فلا يأكلان ولا يشربان، وأفحص الوثيقة غير مرة، فأقف عند حد ما ~~تشتمل عليه من تفويض صاحب الجلالة إياي، وأضع بضعة أسئلة لمولتكه مستفسرا عن درجة ~~استعدادنا الحربي، وعن الزمن الذي لا بد منه تأهبا لحرب قريبة الوقوع»، ويجيب ~~مولتكه عن ذلك بأن شهر الحرب في الساعة الراهنة أفيد لبروسية من التأجيل، وهنالك ~~يمسك بسمارك قلمه الرصاصي الضخم، وهنالك يلخص تلك البرقية الرقمية به لتنشر ~~كما يأتي: # بعد أن بلغ رسميا خبر عدول الوارث الهوهنزلرني عن كل مطالبة ~~بالتاج الإسباني إلى حكومة فرنسة الإمبراطورية بواسطة حكومة إسبانية الملكية ~~قدم سفير فرنسة إلى الملك بإمس طلبا آخر بالإذن له في الإبراق إلى باريس ~~بأن صاحب الجلالة الملك ألزم نفسه بعدم الموافقة في المستقبل على ذلك إذا ~~ما عاد آل هوهنزلرن إلى خطة الترشيح، فهنالك رفض صاحب الجلالة ~~مقابلة سفير فرنسة مرة أخرى، مفوضا الحاجب العتيد بأن يقول لهذا السفير ~~إنه ليس عند صاحب الجلالة ما يبلغه إليه. # ومن ثم ترى أن كلمة جدية لم تدس إلى البرقية، أجل حذف منها بعض الكلمات، ~~ولكنه لم يضف إليها شيء، حتى إن الكلمة الجافية: «ليس عنده ما يقوله للسفير» قد ~~حولت إلى ما هو ألطف منها؛ أي حولت إلى: «ليس عنده ما يبلغه إليه»، وتبليغ ~~الأمر إلى السفراء وإلى الصحافة، وهو خطوة ذات تأثير هائل، هو من إيحاء الملك وإيصائه ~~وإيعازه، ويمكن ذلك الرجل الذي أعاد كتابة البرقية أن يتمثل، وأن يسمع ترجمتها إلى ~~الفرنسية، وأن يرى بعين بصيرته «رفضه» حينما ينادي به باعة ملحقات الجرائد في شوارع ~~باريس، ولا يوجد تزوير مع ذلك، ولا يوجد أكثر من تكثيف مع ذلك. # ولا يعدو الأمر حد منطاد طويل لا شكل له مشتمل على قليل غاز جاثم فوق الأرض ~~فلا يستطيع الصعود في الهواء، فلما ذئط # 15 # قب # 16 # ما بقي منه فطار في الجو بسرعة وصار ظاهرا لألوف الأبصار. وتنطوي تلك ~~البرقية التي نشرت على ms318 ذلك الوجه؛ على الجواب الذي قصده بسمارك تجاه الفرنسي، فعلى ~~الفرنسي أن يختار الحرب أو الإذعان، وعلى ما كان من تسمية ليبكنخت بعد زمن لتلك ~~البرقية ب «الجريمة التي لا نظير لها في التاريخ» لا نرى هذه الجريمة من صنع بسمارك، ~~وإنما الجريمة كل الجريمة هي في نظم المجتمع والحكومة التي تبيح لرجلين أو ثلاثة ~~رجال إيقاد نار حرب من غير استشارة الشعب. # وأراد بسمارك أن يباغت الملك فضلا عن ذلك، وبسمارك كان يفكر في الملك حينما أتى ~~بذلك البت السريع الذي هو نتيجة سلسلة من الأفكار القديمة ساورت ذهنه في سنوات كثيرة ~~كما هو أمره مدى عمره في أحوال مماثلة، ويود بسمارك الضرب والحديد حام؛ وذلك خشية ~~قول زوجة الملك بالسلم غدا وخشية قول ابن الملك بها بعد غد، والواقع أن بسمارك ~~بنشره تلك البرقية جعل الحرب أمرا لا مفر منه من غير أن يسأل مولاه عن رأيه، بيد أن ~~الملك كان ذا منازع حربية في ذلك الحين، وآية ذلك ما كان من إرساله برقية ثانية من ~~إمس بعد قصير وقت وبعد أن كانت البرقية الأولى مرسلة لتنشر على العالم، فقد جاء ~~في هذه البرقية رفض ثالث لمقابلة بنيديتي كما يرى من العبارة الآتية، وهي: «إن ما ~~قاله صاحب الجلالة في هذا الصباح هو كلمته الأخيرة في الموضوع، وصاحب الجلالة ~~يذكركم بقوله السابق.» وهذه الكلمة جاءت مصدقة لما أذاعه بسمارك! # بسمارك في سنة 1883. # وتصرف بسمارك منطقي ما أبصر القائد العام يصرح له بأن الوقت ملائم، وما ~~رأى أن تطور الأحوال في السنوات الأخيرة القليلة ينبئ بأن الحرب آتية لا ريب ~~فيها، وما أريد بناء ألمانية الحقيقية. وبسمارك إذ كان عليما بأحوال النفس، وبسمارك إذ ~~كان عارفا أن فوزه يتوقف على روح أوروبة إلى أبعد حد؛ وجد تلك الفرصة أحسن ~~ما يبدو به معتدى عليه شكلا وجوهرا. وإذا ما ظهر لنا، نحن أبناء الجيل الأخير، أن ~~توحيد شعب في المستقبل يستحق الكفاح كان جيراننا الفرنسيون في أسوأ مأزق خلقي؛ ~~لعزمهم ms319 على شهر الحرب منعا للوحدة الألمانية من القيام. # ومهما يكن الأمر فإن بسمارك قبل كل شيء وبعد الظهر لم يخل من سبب ومن وضع ~~يلهب بهما آخر بافاري موال لفرنسة وآخر ورتنبرغي معاد لبروسية؛ بغية ~~الاشتراك في السخط العام الذي كان محتاجا إليه، وتمضي ثلاثة أيام فتشيع بين الأنام ~~أسطورة تنزه الملك الشائب المحب للسلام في بلد المياه المعدنية وانتظار الفرنسي ~~الشاطر له مترقبا في غيضة كالمغتال، ويرى بسمارك ذلك ببصيرته، وبسمارك يكتب في ~~الساعة السادسة تلك البرقية التي سيقذفها في منتصف الليل في جميع عواصم أوروبة كما ~~لو كانت قنبلة هائلة. # | الفصل السابع عشر # ويمضي أسبوع فينطق بخطب العرش في برلين وباريس معا، إنباء للعالم بأن العدو ~~حمل الأمة على امتشاق الحسام؛ فالله الذي كان نصيرا لحق أجدادنا سيكون نصيرا ~~لحقنا، وهلم جرا، ويدعو كل من البرلمانين ناخبيه إلى السلاح، ويتصرف كل من ~~البرلمانين في نقود ناخبيه، ويحرق كل من البرلمانين الأرم # 1 # على الآخر من غير عرفان بالعدو ومن غير حقد عليه، وفي شهر يوليو ذلك ~~وفي كل من البلدين يتجمع ضد الحرب - ولأول مرة في التاريخ الحديث - بعض الناس على ~~شكل جماعات، لا على شكل جماهير، ومن باريس يخرج نداء موجه إلى عمال جميع الأمم ~~حاو للكلمة الآتية، وهي: «يرى العمال أن حربا تهدف إلى هيمنة دولة أو إلى تأييد أسرة ~~لا تكون إلا حماقة جارمة»، ويردد غير بيان وغير منشور ذلك المعنى، ويتجاوب عبر ~~الرين أصداء ما يلقى في مجلس سكسونية وبافارية الاشتراعية من الخطب، وفي بروسية ~~وحدها لم يجرؤ أحد على الكلام بذلك الأسلوب، وكل ما استطاعه الخطيب الاشتراكي ~~ببرلين هو خفضه الجناح دفاعا عن الفرنسيين ضد نابليون الثالث موصيا بشهر الحرب ~~على هذا الإمبراطور، ثم أعلن مجلس العمال الدولي العام أن على العمال أن ~~يشتركوا في حرب دفاعية ألمانية، وأن عليهم أن يقاوموا كل محاولة لتحويل هذه الحرب ~~إلى حرب هجومية. # ويكون للشعور بأن فرنسة هي الفريق المعتدي بالغ الأثر في الجذريين # 2 # بالمجالس، ms320 وفي باريس وبعد خطب تيار وغنبتا النارية لا يرفض قروض ~~الحرب سوى عشرة أصوات، وفي برلين يمتنع ليبكنخت وبيبل عن التصويت مجتنبين الدفاع عن ~~سياسة بسمارك وسياسة نابليون الثالث، وتجد بين الديمقراطيين الاشتراكيين من انتقد ذلك ~~الوضع، فتقرأ في جريدة اشتراكية قبل كل شيء قولها: «إن انتصار نابليون يعني انكسار ~~العمال في جميع أوروبة، ويعني تجزئة ألمانية تماما، وتقضي مصلحتنا بالقضاء على ~~نابليون، لانسجامها مع مصالح الشعب الفرنسي.» # وتقرأ في هذه الجريدة الشعبية بعد ثلاثة أيام: «دعوا القيصرية الألمانية ~~والقيصرية الفرنسية تتنازعان الأمور هما والرأسمالية، وليس لنا - نحن الصعاليك - ما ~~نعمله في الحرب!» وفي الغد يصدر منشور معاكس لذلك، ويدور حديث الشعب حول «ملكية ~~ليبكنخت»، وإن كان هذا قد صوت ضد القروض. # ويبدي كارل ماركس سعة بصر أوروبية فيكتب إلى إنجلس من اليوم الأول: «إن ترتيل ~~نشيد المارسلياز هو جد في هزل كجميع الإمبراطورية الثانية، ولا فائدة لبروسية من ~~القرديات القائلة إن يسوع هو ملاذي ومرتجاي والتي تعد مارسيلياز الألمان ~~فيتغنى بها ولهلم الأول وبسمارك عن يمينه ووزير الشرطة ستيبر عن شماله، ويظهر ~~أن الألماني الفلسطيني سعيد بأن له من الحظ في الوقت الحاضر ما يطلق به ~~العنان لعبوديته الفطرية، ومن ذا الذي كان يظن إمكان اتفاق مثل ذلك التعبير ~~النظري لحرب قومية في ألمانية بعد سنة 1848 باثنتين وعشرين سنة؟» ولكن تحاور ~~المبعدين لا يزال بلا صدى. # وكانت عواطف أوروبة مع فرنسة خوفا من بروسية، ويرى بسمارك أن يوجه الرأي ~~العام الإنكليزي حيث يريد فيرسل إلى جريدة «التايمس» صورة عن مشروع معاهدة ~~سلمه بنيديتي إليه في أثناء مسألة اللوكسنبرغ، فينص على رضا نابليون بالوحدة ~~الألمانية إذا ما أطلقت يده في ضم بلجيكة، ويسأل بنيديتي رسميا، فيقول إن ~~الفكرة هي لبسمارك وإن بسمارك هو الذي أملى تلك الوثيقة، ويجيب بسمارك عن ذلك بأنه ~~بحث في الأمر مع نابليون مرارا وبأنه إذا لم ينشر الوثيقة في الساعة الحاضرة فإن ~~الإمبراطور يقترح - لا ريب - إجابته إلى رغائبه على حساب بلجيكة وذلك بعد ms321 إتمام ~~استعداده الحربي، وذلك تجاه أوروبة العزلاء، وذلك مع الاستناد إلى مليون جندي؛ أي ~~وفق ما اقترح بسمارك نفسه قبل إطلاق العيار الناري الأول في سنة 1866. # ومن الصحيح ما ذكره بنيديتي، وإذا ما صدقته أوروبة دل ذلك على علم الناس ~~بما يتم بسمارك عمله به من الدهاء، ويكتب إنجلس قوله: «وللأمر حسنة واحدة، وهي ~~تنظيف الثياب القذرة علنا، ولا بد من خاتمة للمكايد بين بسمارك وبونابارت.» # والأمر الذي لم يعرفه أحد في ألمانية، (وذلك لأنه لم يعلن إلا في سنة 1926 حينما ~~نشرت مراسلة الملكة فيكتورية) هو: كيف أن النفور الأعمى من بسمارك أدى إلى حوك ~~الأميرة فيكتورية البروسية الإنكليزية المولد وزوجها للمكايد ضد الوطن، ولما وضعت ~~الحرب أوزارها زار ولي العهد إنكلترة، فكتبت الملكة فيكتورية في يوميتها ما ~~يأتي: # أوسبرن، 30 من يوليو سنة 1871، نهار رائع، غداء في الخيمة، اجتماع ~~بفريتز الجميل وحديث حول الحرب، هو حسن، هو أنيس، هو طيب، هو يمقت بسمارك ~~مقتا شديدا، هو يقول إن بسمارك نشيط ذكي، ولكن مع خبث وخلو من كل ~~مبدأ، هو يقول إن بسمارك صاحب السلطان والإمبراطور الحقيقي، هو يقول إن ~~بسمارك غير محبب لأبيه «ولهلم» مع عجز أبيه عن عمل شيء ضده، ويرى ~~فريتز أن المعاهدة التي نشرها بسمارك على أنها من اقتراح بنيديتي هي من ~~صنع بسمارك ونابليون معا، ويشعر فريتز بأنهم يعيشون على بركان فلا يدهشه ~~أن يحاول بسمارك شهر الحرب على إنكلترة ذات يوم! # فهذا هو شكر وارث عرش آل هوهنزلرن للرجل الذي كسب له تاجا إمبراطوريا ~~تشرئب إليه الأعناق! # والناس - كما حدث في سنة 1866 - قائلون لسياسة بسمارك ما سوغت المدافع - التي لم ~~يصوبها بعد - سيره، ويمكن ذلك الضابط الذي خاطب بسمارك مساء معركة كونيغراتز ~~أن يكرر بعد المعركة الأولى قوله: «إنك من العباقرة ما دام الفوز قد كتب للهجوم ~~الأول، فلو عبر العدو نهر الرين لغدوت أكبر المجرمين!» # وعلى ذلك القطب السياسي أن يتدخل في هذه المرة أيضا؛ أي بعد بضعة أسابيع، ففي ~~الليلة ms322 التي عقبت معركة سيدان التمس التعس وينبفن # 3 # من مولتكه أن يبقي على الجيش الفرنسي وأن يقهر الأمة الفرنسية بكرمه، ~~فهنالك توسط بسمارك قائلا: «لا يمكن الاعتماد على شكر أمير ولا على شكر قوم ولا ~~على شكر الأمة الفرنسية، ولا ثبات لوضع الفرنسيين العام؛ فالحكومات والأسر ~~تتغير عندهم على الدوام، ومن يقبض على زمام الأمور منهم لا ير أن يرتبط في عهد من ~~جاء قبله، والفرنسيون قوم حسد، فلا يزالون ينفسون علينا نصرنا في معركة ~~كونيغراتز مع أن ذلك لم يضع لهم حقا، وما هو الكرم الذي ينتظر منهم ~~فيحملهم على العفو عن نصرنا في سيدان؟» ويطلب تسليم الجيش بأسره تسليما مطلقا ~~بلا أسلحة ولا رايات. # فبمثل ذلك العبوس يبدأ بسمارك سياسته ضد الجمهورية الفرنسية القادمة مبصرا ~~قرب إعلانها، وهو لا ينفك يبدي غلظة في أثناء أشهر المفاوضات الستة المقبلة، ~~ويتخذ بسمارك سياسة قاسية، وينتحل بسمارك سياسة الفاتح، ويحيد بسمارك عن السياسة ~~التي اتبعها في نقولسبرغ، وقد ذكر بسمارك أحد الأسباب التي يتمسك بها وهو عدم ~~ثبات حكومات باريس، وسيأتي دور الأخرى، وتحفزه هذه السياسة إلى ضم اللورين، ولهذه ~~السياسة نتائج لا تحصى. # وفي اليوم الثاني من شهر سبتمبر يستدعيه نابليون باكرا، فيجتمع به على الطريق في ~~عربة محاطا بضباط راكبين خيلا، «وكان مسدسي على زناري، فلما وجدتني ~~وحيدا أمامه وأمام ستة ضباط ألقيت نظرة على سلاحي ذلك غير قاصد على ما يحتمل ، ومن ~~المحتمل أن وضعت يدي عليه بغريزتي، ومن المحتمل أن أبصر الإمبراطور ذلك لما رأيت ~~من اغبراره مع الاصفرار»، ويتجلى اجتماع الرجلين وأخلاقهما في تلك الساعة كما لو كان ~~الأمر في رواية؛ فالغالب يجد نفسه من فوره تجاه عدوه، وإن شئت فقل رجلا تجاه ستة ~~فيقبض بحركة طبيعية على مسدسه الذي يحمله للضرورة، والمغلوب يلاحظ وهو في عربته تلك ~~الحركة فيصفر وجهه، وكلا الرجلين يعرف أنه لن يطلق عيار ناري هنالك، وكلا ~~الرجلين يتأثر بغريزته كأنه يتوقع إطلاق عيار ناري في كل دقيقة. # وإذا عدوت هذه المقدمة ms323 وجدت اجتماع الرجلين في كوخ حقير على جانب الطريق غير ذي ~~بال. والفروسي المتحرز بسمارك قال عن ذلك - بعد زمن - إنه «حديث رقص موسيقي»، ~~وبسمارك في ذلك الاجتماع وافق الإمبراطور، ولكن بعد الأوان، على أن كليهما كان ~~راغبا عن الحرب، والمبغض الأكبر بسمارك لم يحاول شهوة انتقام في تلك الساعة كما كان ~~يصنع في أحوال أخرى، ولم يكن المخاطب، ولم يكن غرامون هو الذي يشكو ضعفه ضارعا، بل ~~نابليون الذي وصفه بسمارك منذ ثلاث عشرة سنة بأنه رجل لا وزن له مع طيبة، ولم يكره ~~بسمارك نابليون قط، وبسمارك وإن خشي الإمبراطور أحيانا كان يسعى في اكتسابه على ~~الدوام، وبسمارك يمكنه الآن أن ينظر إلى خصمه المقهور نابليون كما ينظر الرجل إلى ~~امرأة تمناها طويل زمن فنالها في نهاية الأمر فصار لا يمن عليها بسوى ~~الشفقة. # وإذا نظرت إلى جوهر الأمر أبصرت أن هذا الإمبراطور الأسير مصدر زعج لبسمارك، ~~وبسمارك هو الذي قال في المساء بعد المعركة وبعد استسلام نابليون بما عرف عنه من ~~وميض ذهني: «والآن يجب علينا أن ننتظر طويل زمن ليتم الصلح.» وبسمارك يخشى حتى ~~ما تصير إليه الأمور من نصيحة بالسير على غرار ما حدث بعد معركة كونيغراتز، ومن ~~نصيحة باجتناب أي تقدم عسكري آخر، ومن نصيحة بالبقاء في القسم الذي احتل من ~~فرنسة حتى الآن! وذلك لأنه قضي على جيش العدو، أو لأن هذا الجيش قد استسلم، أو ~~لأنه حوصر حصارا تاما؛ وذلك لأنه لا بد من انقسام الأمة الفرنسية إلى أحزاب ~~فتذعن عن ضعف، ولو عمل بسمارك بتلك الآراء في ذلك اليوم كما صنع قبل أربعة ~~أعوام لكان هذا تتويجا لسياسته في نقولسبرغ، ولكنه إذا كان قد وجد مصاعب في حمل ~~الملك والقواد على العدول عن دخول فينة كان من المتعذر أن يقنع هؤلاء بالابتعاد ~~عن باريس في هذه المرة، وكان أركان الحرب على حذر تجاه مثل تلك الحماقات المدنية! ~~وكان ذلك المدني يعرف أن رفعه إلى مرتبة جنرال منذ أيام كونيغراتز لا قيمة ms324 ~~له، وفيما كان بسمارك يدخل القطار الذي يسافر فيه إلى الجبهة سمع بوديلسكي يقول ~~في الحجيرة المجاورة: «أخذنا حذرنا في هذه المرة، فلن يستطيع بسمارك أن يدخل ~~بيننا!» # والذي يدفع بسمارك - قبل كل شيء - هو الرأي العام الألماني الذي كان يخشى ~~دخول فينة بعد معركة كونيغراتز أكثر من رغبته في ذلك، فصارت الصحافة ~~الألمانية تطالب الآن بضم الألزاس «ضمانا تجاه هجوم يقوم به أعداؤنا التقليديون ~~في المستقبل». # والاشتراكيون وحدهم هم الذين صرحوا بأن الحرب انتهت بسقوط نابليون، وتعلن ~~الجمهورية بباريس في اليوم الرابع من سبتمبر، ويعرب عن عطف على هذه الجمهورية في ~~تظاهرات شعبية كثيرة تقع في ألمانية في اليوم الخامس من شهر سبتمبر، ويمكن القول ~~باشتمال كل عدد من جرائد العمال بعد ذلك الحين على عناوين كبيرة مثل: «صلح ~~عادل مع فرنسة! لا ضم! مجازاة بونابارت وشركائه!» وتتداول الأيدي في جميع ألمانية ~~بيانا بقلم كارل ماركس ينبئ فيه بأن ضم الألزاس «يؤدي إلى عداوة قاتلة بين البلدين ~~وإلى هدنة لا إلى سلم»، وهنالك يقف جنرال في المؤخرة أعضاء لجنة الحزب ويرسلهم إلى ~~إحدى القلاع مقرنين في الأصفاد، # 4 # ويوقف يوهان جاكوبي أيضا لما كان من إلقائه خطبة في كونيغسبرغ حمل ~~فيها على فكرة الضم فيهز هذا أقوياء الديمقراطيين هزا عنيفا، وكان ماركس قد ~~كتب في منتصف شهر أغسطس يقول: «يظهر أن مصدر التوقان إلى الألزاس واللورين ~~طبقتان: إحداهما هي طبقة الندماء في بروسية والأخرى هي طبقة وطنيي الجعة في جنوب ~~ألمانية، ويعد ذلك أعظم مصيبة تصاب بها أوروبة ولا سيما ألمانية، وعلى ~~البروسيين أن يعلموا من تاريخهم الخاص أنه لا ضمان ضد حرب انتقام يقوم بها عدو ~~مقهور بتقسيم بلاده ... إلخ.» ورأي مثل هذا مما يلوح قول بسمارك به في بدء ~~الأمر. # قال بسمارك مؤكدا في خطبة العرش عند اشتعال الحرب: «يدعى الشعب الألماني ~~والشعب الفرنسي، وهما اللذان يرغبان في التمتع ببركات الحضارة النصرانية وبرخاء ~~كبير، إلى تنافس نجيع # 5 # أكثر مما إلى تنافس مسلح مضرج بالدم، وقد عرف ms325 أولياء الأمور في ~~فرنسة كيف يستغلون كرامة جارنا الشعب العظيم الصالحة الحساسة ويسيئون استعمالها ~~وفق مآربهم الخاصة وشهواتهم الشخصية.» ولا تجد رجلا في العالم يمكنه أن يتكلم ~~بصراحة ولباقة كما صنع بسمارك في اليوم الأول من الحرب مخاطبا العدو وأوروبة معا ~~على ذلك الوجه، ولا تجد قطبا سياسيا فرق بوضوح بين أمة وحكومتها كما فعل بسمارك ~~على ذلك الوجه، والشيء الوحيد الذي كان بسمارك لا يفكر فيه في تلك الساعة الملحة ~~- على ما يحتمل - هو انهيار نابليون مولى ورجلا بسرعة، وبسمارك حتى عند إدراكه مثل ~~تلك العاقبة الحائقة # 6 # قد غاب عنه - لا ريب - تقدير ما يمكن أن يكون لذلك من الفعل في فريق من ~~أبناء بلاده. # وفضلا عن ذلك بدأ بسمارك بيانه بالكلمة الآتية، وذلك حينما وطئت قدما الملك ~~ولهلم أرض فرنسة في منتصف شهر أغسطس: «بما أن الإمبراطور نابليون هجم بحرا ~~وبرا على أرض الأمة الألمانية التي كانت ترغب - والتي لا تزال راغبة - في العيش ~~بسلام مع الشعب الفرنسي ...» وفضلا عن ذلك أصدر فردريك شارل أمرا يوميا جاء فيه: ~~«لم يسأل الشعب الفرنسي عن رغبته في شهر حرب طاحنة على جاره، فلا داعي إلى ~~الحقد.» # ثم ماذا حدث؟ مضت خمسة أسابيع على تلك البيانات فجاء إلى المقر العام للغالب ~~أول وزير لخارجية الجمهورية ليطلب هدنة في أثناء انتخاب نواب لمجلس وطني، أفلم ~~يكن لدى جول فافر ما يأمل به أن يكون الفارق الواضح بين نابليون وشعبه أكثر من جملة ~~بسيطة؟ أفلم يكن لدى خصوم تلك الحرب في البلدين ما يرون به أن ذلك الشعب أقام الدليل ~~على مناحيه السلمية بإسقاطه حكومته المحراب # 7 # ورفعه خصومها إلى السلطة محولا النظام الإمبراطوري إلى نظام ~~جمهوري تحويلا أساسيا؟ أفلم يكن تيار وفافر قد حكما على الحرب في يوم الفصل مع ~~رفقائهما الذين رفضوا الموافقة على القروض فتسلما الآن إدارة الجمهورية؟ # ومن المؤسف أن كان النظر لا يطبق على العمل في كل وقت وإن أدى اكتساب ~~اثنتي عشرة معركة إلى فرق، فبسمارك ms326 الذي كان قد أعرب في خطاب العرش عن عطفه على ~~الشعب الجار العظيم لأنه ضلل من قبل أناس يسيرون وراء مصالحهم الخاصة، وبسمارك ~~الذي قال في بيان أذاعه في منتصف شهر أغسطس: إن الألمان لا يزالون راغبين في سلم مع ~~فرنسة، هو بسمارك الذي أصدر نشرتين لتبلغا إلى السفراء فصرح فيهما بأن الأمة ~~الفرنسية بأسرها هي المسئولة عن حرب الفتح، وفيما كان فافر يذكر لبسمارك أن ~~الفرنسيين طردوا إمبراطورهم المحراب وأنهم يريدون السلم وأنهم يقدمون تعويضات؛ ~~قال بسمارك لرسول مغامر أرسلته الإمبراطورة أوجيني إليه: # لا نكترث لشكل حكومتكم؛ فلو كان نابليون ملائما لمصالحنا لأعدناه إلى باريس ~~... ولو كنت واثقا بأن سياستكم هي سياسة فرنسة لحملت الملك على الرجوع غير ~~مطالب بأرض ولا بدانق، # 8 # ولكنكم لا تمثلون سوى أقلية لا يؤبه لها، ولا نرى فيكم ولا في ~~أية حكومة تخلفكم أي ضمان لنا، ولنا أن نفكر في سلامتنا المقبلة، ~~فنطالب بجميع الألزاس وبجزء من اللورين مع مدينة ميتز. # وكان واقفا هنالك جول فافر المحامي الشاحب اللون والغليظ الشفتين والصاحب ~~للحية شعثاء كبيرة، فيأخذ «معطفه المغبار # 9 # وعمرته # 10 # المتجعدة»، ويقول: «إننا لن نتخلى عن ذراع من أرضنا ولا عن حجر من ~~حصوننا!» ويروقه بسمارك الغضوب مع ذلك فيقول عن هذا السياسي الألماني: «إنه وقور ~~عنيف، فتلطف عنفه بساطة طبيعية وبعض البشاشة، وقد قابلني بالحسنى، وبأدب ومن ~~غير تصنع وغلظة، وهو لم يلبث أن أظهر طلاقة وجه وأريحية فلم يفارقه ذلك حتى ~~نهاية الاجتماع.» # وكان لما طرأ على بسمارك من حال نفسية جديدة نتائج خطرة في نصف قرن، وكان يمكن ~~بسمارك أن يحمل الملك على السلم على الرغم من جميع القواد كما ينم عليه تاريخ ~~الأشهر الآتية، وما كان من ذهابه إلى أن سلامة الريخ تكون بالتنزل عن الألزاس ~~واللورين فيدل على إظلام ذهنه، ولما تمض سنة على إسرار بسمارك إلى كيزرلنغ ~~بقوله: # وفضلا عن ذلك أسأل: ماذا تكون النتيجة إذا ما كتب النصر لبروسية على ~~فرنسة؟ ولنفترض أن الألزاس غدت ms327 قبضتنا، فيجب علينا إذ ذاك أن نحافظ على ~~فتحنا بأن تكون لنا حامية دائمة في ستراسبرغ، وهذا وضع متعذر؛ وذلك لما ~~يتفق لفرنسة من حلفاء في نهاية الأمر، ولما يكون لنا بهذا من سوء حال ~~حينئذ. # ولدينا قول آخر لكارل ماركس وهو «تكون هدنة بدلا من السلم!» وبسمارك قد أبصر ~~الحرب آتية لا ريب فيها، وكان يسر بسمارك أن يرى هذا؛ وذلك لأن الربح الذي كان ~~يطمع فيه من الحرب هو بناء الريخ، وما كانت أفكار بسمارك ورغائبه لتوجه ضد ~~جار لأنه جار متبرم، وكاد الفرنسي ينسى في خمس وخمسين سنة الغزو الألماني ~~الأخير، وأعصاب فرنسة لم تضطرب في السنوات الأربع الأخيرة إلا لتوسع بروسية، ولا ~~تجد في أية مذكرة من مذكرات بسمارك ولا في أية خطبة من خطبه ولا في أية رسالة من ~~رسائله ولا في أي حديث من أحاديثه الخاصة كلمة العدو التقليدي، أجل إنه لا ~~يحب الفرنسيين، ولكن من هو الذي يحب؟ والآن - بغتة - وخلافا لبياناته الأخيرة ~~يجد بسمارك أن من غايات الحرب سلامة الريخ التي هي وليدة هذه الحرب، ومن ثم تبصر ~~تبدلا تاما في المبادئ الأساسية لسياسته العالمية، فقد تحول بسمارك الباني إلى ~~بسمارك الفاتح. # وتسأل أوروبة: لماذا لا تكون تانك الولايتان محايدتين ما دامتا راغبتين في ~~الحياد، وعن هذا يجيب بسمارك مؤخرا في تصريح ألقاه في الريشتاغ حيث يقول: # يعني ذلك إقامة سلسلة من الدول المحايدة من البحر البلطي إلى جبال الألب، ~~فيؤدي هذا إلى تعذر هجومنا على فرنسة برا ... إن من عادتنا أن نحترم ~~المعاهدات والمحايدات (بخ بخ!) ... ولفرنسة الوقاية من ناحيتنا إذن، وذلك على ~~حين ليس لنا من الوقاية البحرية شيء ما دام أسطولنا أضعف من أسطول ~~فرنسة. # وهذا سبب ثانوي، والسبب الرئيس هو أن بلجيكة وسويسرة ترغبان في البقاء دولتين ~~مستقلتين محايدتين مع أن الألزاس واللورين لا تريدان ذلك. ~~... ومما يجب توقعه هو أن العناصر الفرنسية تظل كما هي في ذينك البلدين ~~زمنا طويلا، فتبقى إلى أمد بعيد مرتبطة في فرنسة ms328 بمصالحها وعواطفها ~~وذكرياتها، فإذا ما وقعت حرب فرنسية ألمانية جديدة أثرت هذه العوامل في ~~تلك الدولة المحايدة الجديدة، ولا نجد ما يفعل إذن غير وضع ذينك البلدين ~~وما فيهما من حصون تحت السيطرة الألمانية وغير الدفاع عنهما كصياص # 11 # ألمانية في وجه فرنسة، فبذلك نعوق بدء كل هجوم فرنسي منتظر ~~على ألمانية لعدة أيام. # وعداوة السكان كانت أول حائل دون تحقيق ذلك الرأي، وكان يوجد مليون ونصف ~~مليون من الألمان لهم ما للألماني من المزايا، فكانوا يعيشون بين أبناء ~~أمة لها مزايا أخرى غير تلك، فكان لهم بذلك مقام مرموق، وإن من خلق ~~الألماني أن تكون له أفضلية على أقرب جار إليه، وكان يوجد خلف أهل ~~الألزاس واللورين باريس مع سنائها وفرنسة مع عظمتها ووحدتها، فإذا ما واجهوا ~~أبناء جلدتهم من الألمان قالوا إن باريس لنا! وجود هذا النفور أمر لا ريب ~~فيه، وعلينا أن نتغلب عليه صابرين، ولدينا، نحن الألمان الآخرين، وسائل ~~كثيرة، والحكم من دأبنا على العموم، وحكمنا يكون قليل الحكمة في بعض ~~الأحيان، ولكنه يكون مع الزمن أكثر إنسانية وأدعى إلى الخير من حكم أولياء ~~الأمر بفرنسة (ضحك) ... ولكن لا ينبغي لنا أن نتمدح فنقول إننا سنصل إلى تلك ~~الغاية بسرعة فنرى المشاعر الألمانية في الألزاس تحولت فصارت كما في ~~تورنجية. # ومن خلال جميع تلك العوامل المعقولة الصائبة تبصر اكتراث القطب السياسي ولو ~~جرؤ هذا القطب السياسي بعد صلح ظافر أن يقول لبني قومه عند الكلام عن أسلاب ~~الحرب: إنه لا معدل عن أخذها لأقام دليلا آخر على أنه لم يحتفظ بها بلا طول روية ~~وإنعام نظر، ولم أخذها؟ صرح بسمارك بعد سنوات كثيرة لممثلي ولايتي الألزاس ~~واللورين بأنه ضمهما على الرغم منه وعملا بضغط القواد العسكريين. # تجد الأسباب الأولى في مزاج الجيش وقواده؛ فالحق أن معارك كبيرة وخسائر ~~عظيمة كانت هنالك، وكان العدو سيئ الاستعداد، فلا يستطيع الدفاع عن حصونه طويل ~~زمن، وكان الأمراء والجنرالات سكارى النصر، فأضف إلى ذلك كله مقت بسمارك لجيرانه ~~المتكبرين الذين ms329 لا يحتملون قيام دولة قوية عبر الرين مساوية لدولتهم، وهذا إلى ~~العامل الألماني القومي القائم على شعور بسمارك بأن ألمانية معرضة لخطر هجوم ~~فرنسي جائر، وكان ملك ورتنبرغ قد بين لبسمارك - ذات مرة - أن ضعف البلاد من ~~تلك الناحية مما يعوق اتجاه جنوب ألمانية نحو الوحدة، وبسمارك قد عرض الأمر على ~~الريشتاغ بقوله: «إن الطرف الذي تدخل به زاوية الألزاس في ألمانية بالقرب من ~~فيسنبرغ يفصل بالحقيقة جنوب ألمانية من شمالها بأكثر مما يوجبه خط نهر المين ~~السياسي.» بيد أن هذه الملاحظة الواقعية تنطبق على الألزاس وحدها، وهي لا تنطبق إلا ~~على قسم من هذه الولاية. # وبسمارك - فضلا عن ذلك - سخر من الأقاويل الوحدية الألمانية التي زعم أنها ~~ألهبت الحماسة خلف خط القتال، فقال: «إن الحصون هي التي نحتاج إليها؛ فالفكرة ~~القائلة بألمانية الألزاس هي من اختراع الأساتذة.» وكان بسمارك يعلم أن وضع الأمير ~~الناخب الأكبر تجاه لويس الرابع عشر هو السبب الرئيس في ضياع الألزاس، وأنه ليس لآل ~~هوهنزلرن أدنى ادعاء ممكن بهذه الولاية، وقد اعترف بسمارك بما في ضم ~~اللورين من خطر، فقال في اليوم السادس من سبتمبر: «لا أريد ضم اللورين، ولكن ~~الجنرالات يرون أن ميتز ضرورية وأنها تعدل قوة 120000 جندي.» ولم يلبث بسمارك ~~أن أفضى إلى دبلمي إنكليزي بقوله: «لا نطمع في الألزاس ولا في اللورين، ويمكن ~~فرنسة أن تحتفظ بهما على أن يتعذر عليها اتخاذهما نقطتي ارتكاز في حرب تقوم بها ~~ضدنا، وإنما نحتاج إلى ستراسبرغ وميتز.» # ولكن أهم سبب حفز بسمارك إلى ذلك الضم البادي الخطر هو فكرة الريخ التي كانت ~~في دور التكوين، ويلوح لبسمارك أن قلوب الناس القاسية تلين وتصير مرنة ب «غضبة ~~عامة»، ثم إن هنالك عهدا بين الحلفاء الألمان بأن تكون تلك الولاية مشتركة بينهم، ~~فرأى بسمارك أن زواج شمال ألمانية بجنوبها يبدو جليا لهما بتعاونهما على تربية هذا ~~المولود الجديد. # وفي يوم سيدان قال أمين سر بسمارك دلبروك كلمته: «من أرض الريخ (ولايتي ~~الألزاس واللورين) يلد الريخ (الإمبراطورية ms330 الألمانية).» # | الفصل الثامن عشر # يسير بسمارك قدما نحو إمبراطوريته هادئا هدوء المعلم، ولما قتل البروسيون ~~بجانب البافاريين في المعركة الأولى أخذ الناس يقولون في صحف برلين بضرورة المناداة ~~بولهلم إمبراطورا، وقد أعرب بسمارك لسفير بافارية عن امتعاضه من هذه التفوهات، ~~كما صرح له بأنه لم يدر في خلد أحد أن يحط شيئا من استقلال بافارية، ~~«وترانا - بالعكس - شاكرين إلى الأبد لحليفتنا المجيدة، ولا ضرورة إلى نشدان الوحدة ~~الألمانية ولا إلى صنعها؛ فهي قائمة فعلا»، وستكون السياسة التي يتبعها بسمارك ~~في الأشهر الثلاثة القادمة مثل سياسة شركة مثرية تبيح للشركات الدنيا أن تطلب ~~الاندماج فيها، فلما أرسل بسمارك دلبروك إلى درسدن لم يقصد بذلك سوى تقبل ~~اقتراحات من تلك الناحية، ويقول بسمارك لأهل ورتنبرغ: «ننتظر طلباتكم.» ويبدو ~~بسمارك عازما على سماع جميع الأصوات ثم يصنع ما يراه صوابا. # والحق أن شعبنا المؤلف من فرديين عندما حاول أن يتحد، عرض كل واحد من ~~رجاله خطة مخالفة لخطط الآخرين، فكانت جميع الفصائل والطبقات والجمعيات و«الفلسفات» ~~تتصادم، وكانت كل واحدة منها تنوي عدم بناء ألمانية إذا كان هذا البناء وفق وصفة ~~الأخرى، وكان القوميون ببروسية يريدون اتحاد إمارات ألمانية بزعامة آل هوهنزلرن، ~~وكان الأحرار يودون أن تكون ألمانية واحدة فيكون الحكم فيها للشعب، وكان الملك ~~راغبا عن سماع شيء يقال له إمبراطور وإمبراطورية، قاصدا وضع معاهدات تنص على ~~وجود جيش مشترك فقط، وكان ولي العهد يهدف إلى الإمبراطورية وإلى خضوع أبناء عمه ~~الملوك للتاج الإمبراطوري ، وكانت بادن وحدها - شعبا وأميرا - تحب بناء ~~الريخ برئاسة بروسية، وكانت حكومة بافارية ترى إنشاء جامعة لدول جنوب ألمانية مع ~~النمسة على حين كانت مدنها الكبرى ترى الانتساب إلى جامعة شمال ألمانية، وعلى حين ~~كان ملكها يفضل عدم قيام أية جامعة، وكانت ملكة ورتنبرغ تحوك الدسائس ضد ~~بروسية على حين يسعى أحرار ورتنبرغ في الانضمام إلى دولة ألمانية في الشمال ~~الديمقراطي، وكان الوزير القدير في هس يقترح سن دستور للإمبراطورية الألمانية ~~مخالف لما يبتغي عارفا أن المستشار «بسمارك» لا ms331 يوده مثيرا بذلك ارتباكا ~~عاما. # وغاية القول أن الجميع يتوجهون إلى فرساي حيث يجلس بسمارك أمام فرنه معدا هومنكولوس # 1 # في قارورته. # وكان ولي عهد بروسية يظهر أنه رجل المستقبل، وأنه أهم شخص ما دام الإمبراطور ~~الأول في الرابعة والسبعين من عمره، وكان بين فردريك وبسمارك اختلافات خطيرة من أول ~~الحرب، ولولي العهد حلم روائي أسري ديمقراطي في أمر الريخ؛ فهو يريد أن ~~تبرز بروسية في ألمانية، وألا يترك شيء لأمراء ألمانية الآخرين خلا الألقاب وحقوق ~~الشرف وبعض المقاعد في المجلس الأعلى، وأن يكون التاج الإمبراطوري والسلطة ~~الحقيقية لآل هوهنزلرن، وأن يقوم بأمر الحكومة وزارة إمبراطورية مسئولة أمام ~~الريشتاغ، ويطلع ولي العهد أمين سره غوستاف فريتاغ على خطته تلك في منتصف ~~شهر أغسطس وفي أثناء تقدم الألمان، ويبدو ولي العهد «هائجا لامع العينين فيقول: ~~يجب أن أكون إمبراطورا»، ومما قاله فريتاغ أيضا: «إنني نظرت إلى الأمير دهشا، فقد ~~وجدته مزملا # 2 # بمعطف جنرال مشتمل على قوامه الطويل كما لو كان هذا المعطف عباءة ملكية، ~~ووجدت حول عنقه سلسلة آل هوهنزلرن الذهبية التي ليس من عادته أن يحملها في ~~المعسكر، ووجدته يجوب القرية صعودا وهبوطا رافع الرأس ناضرا، ومن الواضح أن كان ~~ذهنه مملوءا بحسه ما للمبدأ الإمبراطوري من شأن فيأخذ من المظهر الخارجي ما ~~يناسب موضوع حديثه.» # وكان صديقه ذلك أديبا، وكان من العبث تحذيره لولي العهد من مخاطر ذلك ومن إنبائه ~~«أن بزة آل هوهنزلرن الزرقاء البسيطة لن تكون أكثر من ذكرى قديمة في نهاية ~~الأمر ... وكلما زاد الرخاء وعم صعبت المحافظة على النظام القديم والبساطة القديمة ~~بين الضباط، ولن يمكن ذلك إلا إذا جعل أمراؤنا من أنفسهم المثل في هذه البساطة على ~~الدوام، والأمر كما حدث حتى الآن يبدو في انتشار رغبة حقيرة بين الناس؛ أي في انتشار ~~روح ملق بين الشعب غير ملائمة للإخلاص البروسي القديم، وكل وجهة نظر ~~تستدعي ما يخالفها، ويرى سيل ديمقراطي جارف يخترق عصرنا، وإذا ما وقعت مصائب ~~ومساوئ وسرى الاستياء في الشعب ms332 ذات يوم وقع في الخطر أكرم الأسر المالكة، وما ~~مثل أمرائنا إلا كمثل ممثلي المسرح الذين يؤثرون في الحضار بين الهتاف وطاقات ~~الأزهار على حين ينتظر العفاريت تحت الباب الأفقي ليقضوا على جميع مظاهر ذلك ~~البهاء!» # ترك ولي العهد فريتاغ يتكلم، فلما أتم فريتاغ نبوءته العجيبة قال ولي ~~العهد محتدا: «والآن أنت تسمع لي!» وماذا كان جوابه عن مثل ذلك الإنذار المهم؟ لا ~~شيء أكثر من أن الملك ولهلم لما سأله نابليون عن أي العاهلين تكون له الصدارة ~~في معرض باريس العام: أقيصر روسية أم ملك بروسية، أجاب عن ذلك بقوله يجب أن يكون المكان ~~الأول للقيصر، «فهذا هو الذي لا ينبغي لأحد من آل هوهنزلرن أن يقوله بعد الآن! ~~وهذا هو الذي لا ينبغي لأحد من آل هوهنزلرن أن يرضاه بعد الآن!» وهذا هو الذي ~~تمخض عنه ولي العهد، ويقول فريتاغ: «استطعت بهذه الكلمات أن أسبر غور فكره، ~~فوجدته مشبعا من عجب أميري، وشعرت بأن من غير المفيد أن أنطق بكلمة أخرى ~~صرفا له عما يساوره.» ولدينا نحو اثني عشر فصلا غير ذلك مقنعا لذلك الأديب ~~بأن لمثل تلك المشاعر سلطانا مطلقا على عقل الأمير. # وبعد معركة سيدان يكلم ولي العهد بسمارك في أمر الإمبراطورية، فيجتنب بسمارك ~~الخوض فيه، ولما وصل الجميع إلى فرساي أثار منظر رداه الملك الشمس في ابن ~~أخي فردريك ولهلم الرابع # 3 # فكرة قائلة: «إن هذا هو أصلح مكان للاحتفال بإعادة بناء الريخ ونصب ~~الإمبراطور»، وهو لم يلبث أن أضاف إلى ذلك قوله: «كنت قبل هذا مضطرا إلى ~~الاعتراف بأن (قطبنا السياسي العظيم) الكونت بسمارك غير ذي حماسة خالصة للمسألة ~~الألمانية، وإذا لم تثر الانتصارات الباهرة التي كتبت لنا نارا مقدسة فيه لم ~~يبق لنا سوى الإذعان لما لا بد منه، ولا يستطيع موظفو المملكة البروسية أن ~~يجاوزوا أفق برلين الضيق، وويل للذين لا يعرفون الحقيقة حتى من خلال وقت عصيب ~~كوقتنا، وويل للذين لا يعلمهم شيء ولا يريدون أن يتعلموا الحكمة!» # ذلك هو الرأي ms333 الذي سجله ولي عهد بروسية في يوميته عن رئيس وزراء بروسية حين ~~دنو إقامة الإمبراطورية الألمانية، وما السياسي العظيم الذي سخر من عظمته بوضعها ~~بين هلالين إلا «موظف في خدمة ملك بروسية»؛ فالويل له؛ لأنه لم يتعلم شيئا من ~~الحرب الألمانية! ويدل رأي فردريك الذي أبداه في شهر أكتوبر سنة 1870، ويدل طيشه ~~الذي أبداه في شهر أغسطس سنة 1871 على تدرج آل هوهنزلرن إلى الانحطاط، ويظهر ~~الملك الشائب بطلا بجانب ابنه. # ولم يعتم ولي العهد والقطب السياسي أن اصطدما، فقد طلب ولي العهد أن ~~يدعو بسمارك دول جنوب ألمانية إلى إعمال العقل وأن يهددها وأن يحملها على ~~الاتحاد، «ولا خطر في إطلاعنا هذه الدول على ما نحن عازمون عليه، فإذا ما أخذناهم ~~بالحزم وبما يقتضيه من روح أبصرتم أنكم لم تعملوا ما في وسعكم بعد!» # بسمارك ~~: # نحارب بجانب حلفائنا، ولا نستطيع أن نهددهم لهذا السبب، ولا يؤدي تهديدهم ~~إلى غير إلقاء أنفسهم بين ذراعي النمسة. # ولي العهد ~~: # وما هي أهمية ذلك؟ لا شيء أبسط من إعلان الإمبراطورية بأكثرية الأمراء ~~الحاضرين، ومن إعلان دستور! وسيرى الملوك أنهم مضطرون إلى قبول الأمر ~~الواقع. # بسمارك ~~: # هذه سبيل لا يستطيع الملك ولهلم نفسه أن يسلكها. # ولي العهد ~~: # إذا كنت يا صاحب الفخامة لا تود ذلك كفى هذا لمنع الملك من التقدم ~~خطوة. # بسمارك ~~: # الرأي أن نترك تطور المسألة الألمانية للزمن. # ولي العهد ~~: # بما أنني أمثل المستقبل لا أطيق الوقوف غير مبال تجاه هذا ~~البطء. # بسمارك ~~: # لا يجوز لولي العهد أن يبدي مثل هذه الآراء. # ولي العهد ~~: # أحتج بكل قوتي على كم فمي على هذا الوجه، وصاحب الجلالة وحده هو الذي ~~يستطيع أن يأمرني بما يمكن أن أقول وبما لا يمكن أن أقول. # بسمارك ~~: # إذا كان ولي العهد يأمرني سرت كما يوجهني إليه. # ولي العهد ~~: # ليس لدي ما آمر به الكونت بسمارك، وأحتج على هذا الكلام أيضا. # بسمارك ~~: # إنني مستعد لأن أفسح في المجال لأي شخص ترونه قادرا على حمل أعباء ~~الأمور بما هو أحسن ms334 مني. # ولولي العهد أن ينتقد، وليس عليه أن يميل إلى ما يريد بسمارك، وقد سلم أبوه ~~مقاليد الأمور إلى هذا الرجل الذي لا تروقه آراؤه في الدولة، وإذا كان بعض أبناء ~~الطبقة الوسطى يهدفون إلى زيادة استقلال ألمانية فلا يكون هنالك سبب يحول دون طلب ~~ولي العهد مثل ذلك، والأمر هو أن أفكاره حول شئون الدولة يجب أن تصدر عن اختبار ~~شخصي، وأن يشعر بها شعورا خالصا، وأن تكون ديانة خاصة به. والواقع هو أن شخصا ~~أذكى منه هو الذي لقنه تلك الأفكار، والواقع هو أنه لم يصور النسيج، والواقع هو ~~أنه نسيج إنكليزي أزرق من تصوير زوجه التي يعجب بها أيما إعجاب والتي يؤثر ~~وطنها فيه بحكم الطبيعة، وما السدى # 4 # البروسي الأرجواني الذي هو خيوط إمبراطورية غير دليل على اللحمة # 5 # الإنكليزية، ويود هذا الهوهنزلرني دعوة قومه إلى الحكم معه على ~~الطريقة الإنكليزية، وتراه مع ذلك يريد أن يضع عن الإمبراطورية نظراءه من الأمراء ~~وأن يحصر سلطاتهم في الألقاب والأشعرة! # ويريد فردريك ولهلم الحكم ولبس الثوب الأرجواني الإمبراطوري ووضع ~~التاج الإمبراطوري على رأسه، ويريد فردريك ولهلم أن تشاطره زوجه هذا الشرف، ~~ولكنه لا يريد أن يكون الأول بين نظرائه، ولكنه يريد أن يكون شعاره التهديد وحط ~~ملوك ألمانية الآخرين إلى مستوى العصاة وتأديبهم، وهو يصرح لبسمارك بأنه لم يكن ~~لديه شعور كاف بسلطانه، فكانت هذه هي المرة الأولى التي يوجه فيها مثل هذا ~~التعزير إلى هذا الموظف على ما يحتمل، فلا يسعنا سوى التبسم إزاء هذا، وهو يود ~~خيانة رفقائه في السلاح وأن يصوب إليهم السلطان الذي لم ينله إلا بفضل معونتهم، ~~فلا يؤذيه ذلك، فيختلف بذلك عن أبيه اختلافا تاما، وما أشد صراحة الشريف بسمارك ~~بجانب ذلك الديمقراطي المتلبس، وذلك حينما سخر من «خنزوانية # 6 # أمراء الألمان الملحدة العاتية»، فكان يود لو يستطيع خلع جميعهم ~~كأمراء هانوفر وناسو، لا من أجل أشعرة، بل من أجل السلطة العتيدة التي لا يأذن ~~لأي ريشتاغ في التطاول عليها، وتبدو الأوقات ms335 «عصيبة» في تلك الساعات التي تنكشف ~~فيها الأخلاق من غير أن يلجأ فيها إلى إطلاق المدافع وإلى الهجوم ما دمنا لا نتكلم ~~عن عنف الجيوش الذي لا يقاس بتدابير ذي ذكاء قدير. # وترى الرجل العبقري القوي يشق عباب البحر على الرغم من ريح الوقت على حين ~~ينقاد ولي العهد النع # 7 # مع ذلك، وولي العهد هذا يسجل في يوميته عشية رأس السنة قوله: ~~«يبدو أننا في ذلك الدور لم نحب ولم نحترم، بل كنا مرهوبين، وكنا نعد قادرين ~~على كل جرم ولؤم، فتزيد عدم الثقة بنا، وليس ذلك نتيجة هذه الحرب، وإلى ذلك ~~جرتنا نظرية الحديد والنار التي ابتكرها بسمارك فسار عليها عدة أعوام! وما هي ~~فائدة كل قوة وكل مجد وكل رفعة في الحروب إذا ما وجدنا الحقد والارتياب ~~أمامنا في كل مكان؟ أجل، إن بسمارك جعلنا عظماء وأقوياء، ولكنه أفقدنا أصدقاءنا ~~وعطف العالم علينا وراحة البال فينا. ولا أزال أعتقد أن ألمانية كانت تستطيع بغير ~~الدم والحديد أن تأتي بفتوح أدبية وأن تصبح موحدة حرة قوية بحقها الخاص ~~الصالح، وكان للشريف المقدام - وهو رجل عنف - وجهات نظر أخرى، وقد أسفرت حيله ~~ومكايده في سنة 1864 عن الإضرار بانتصار قضية صالحة، وقد هزم النمسة في سنة 1866 من ~~غير أن يحقق الوحدة الألمانية، فما أصعب مقاومة عبادة القوة الجافية والفوز ~~الخارجي! وما أصعب تنوير البصائر! وما أصعب توجيه الطموح والغيرة إلى غايات ~~جميلة ومقاصد سليمة!» # تلك الكلمات جديرة بأريستيد العادل وأبراهام لنكولن، وهي من الكلمات التي استطاع ~~فريتاغ وليبكنخت أن ينطقا بها هنا وفي الوقت الحاضر، ولكنها مما لا ينبغي أن تصدر عن ~~قائد عام جعل رايات الماريشال بلومنتال المنصورة تخفق تحت اسمه وأراد أن يكره ~~أبناء عمه الحلفاء من الأمراء على الخضوع ورغب عن استفتاء الشعب واقترح الاكتفاء ~~بإعلان الدستور وأن يلبس فرو السمور الأبيض وقورا ساحرا وفق الوضع الذي ~~انتحله في تلك القرية المورقة، وهو لم يفقه تاريخ السنوات العشر الأخيرة، وإلا ~~فبأي شيء تكون الحرب الدانيماركية ms336 «قضية صالحة» إذا لم تعد الدوكيات إلى ~~بروسية؟ ولم هزمت النمسة وهو الذي أيد طلبات بسمارك في نقولسبرغ حفظا لها؟ ~~ولم أجل مستشار جامعة دول الشمال الألمانية «بسمارك» اندماج الجنوب في هذه الجامعة ~~إن لم يكن قد رأى هذا الاندماج لا يتم بسوى الحديد والدم؟ ولا جرم أنه كان من ~~الممكن إتمام الوحدة الألمانية بغير استعمال السلاح، غير أن هذا يعني فقدان ~~الأسر المالكة العتيدة لسلطانها، ويعني عدم ترك شيء لذلك الناقد في عشية رأس ~~السنة سوى فرو السمور الأبيض الذي يلبسه اثنان وعشرون من أبناء عمه الأمراء ~~بجانبه، ويا لحسن حظ هذا الأمير الذي أنقذه عمر والده الطويل من الامتحان ~~العملي فمكنه بذلك من دخول حظيرة التاريخ متوجا بهالة الرجل المثالي الذي لم ~~يجرب نظرياته! # وبجانب هذا اللامكيافيلي يسير ذلك الواقعي العظيم قدما نحو هدفه، ويريد ~~ولي العهد الديمقراطي «إعلان» الدستور في المعسكر، ويفكر الوزير الرجعي في ~~دعوة جميع الريشتاغ الألماني إلى فرساي، ومع أن هذا التدبير الرئيس لا ينطوي ~~في الظاهر على غير تهديد الأمراء المترددين يحول بسمارك هذا تهديده إلى غيرة ~~وجد، وكان بسمارك قد أحصى المنازل في القصر، وكان وزراء دول الجنوب الأربع ~~يذهبون ويجيئون، وتعترض بافارية على اثنتين وعشرين مسألة في المشروع ويتشدد بسمارك، ~~ويرجع الوزراء إلى ميونيخ، ويظل كل شيء ساكنا كما في الماضي. # والآن يتظاهر بسمارك بأنه يرى التفاهم مع بادن وورتنبرغ وحدهما، والآن تبدو ~~بادن مستعدة لعمل هذا ما أبصرت بافارية تطلب التوسع على حساب بالاتينة ~~البادنية، وترفع دوائر البريد والخطوط الحديدية ومصالح البرق أصواتها، وتطالب جيوش ~~مختلف البلدان الألمانية ببزات مميزة، وتكاد الوحدة الألمانية تصاب بالخيبة من أجل ~~لون الطوق، ويقول أحد وزراء بادن عن بسمارك مادحا: «إنه أبدى أطيب العواطف نحو ~~مصالح الدول، وإنه لم يصب هذه المصالح بشيء من غير سبب مقبول، وإنه لم يمس مصالح ~~بافارية إلا بالمقدار الذي تتطلبه مصالح الريخ.» وبسمارك إذ كان راغبا في إيجاد ~~الريخ تساهل في جزئيات البزات وما إليها من الترهات، وتبلغ ms337 الوحدة، وإذا ~~عدوت بافارية بدا لك كل شيء جاهزا ووجدت الفرقاء الذين اشتركوا في المفاوضة ~~راغبين في الإمضاء، وهنالك تتدخل ملكة ورتنبرغ التي هي من أصل روسي، وهنالك ~~تتأثر بدس أحد البارونات فتحمل زوجها الضعيف الإرادة على الإبراق قائلا إن من ~~الرأي أن ينتظر أمر بافارية، وهنالك يبدي بسمارك غضبه لخلصائه مع هدوئه الظاهر ~~فيمرض ويفكر في تعبئة جماهير جنوب ألمانية ضد حكوماتها. # والآن ينتصب عرف # 8 # البافاريين مرة أخرى، والآن عند عودتهم يعطون الشيء الكثير، والآن ~~يدخل إلى الدستور نص قائل بتأليف لجنة دبلمية ترأسها بافارية، وستتمتع ~~بافارية باستقلالها في دوائر بريدها وخطوطها الحديدية ومصالح برقها، وفي جيشها أيام ~~السلم، وتنال بافارية ضرائب الجعة والمسكرات، ويضمن بسمارك لها كل ما تريد، ~~«وتمضي بافارية العقد». # وفي ذلك المساء من شهر نوفمبر وبعد المفاوضة؛ يدخل بسمارك القاعة حاملا قدحا ~~ويجلس بين زملائه، «وتهيأ معاهدة بافارية وتوقع، وتصير الوحدة الألمانية أمرا ~~واقعا، ويغدو الحكم قبضة الإمبراطور، وهذا حادث، ولا ترضى الصحف بهذا، ومن يكتب ~~تاريخا وفق الوجه المألوف يستطع أن يقول: كان يمكن الأغبياء أن يطالبوا بما هو أكثر ~~من ذلك، وكان يجب عليهم أن يصنعوا ذلك، وقد يكون للمؤرخ حق في استعمال كلمة «يجب» ~~هذه، ولكن ما هي فائدة المعاهدات إذا قامت على كلمة «يجب»؟ أراهم قد انصرفوا راضين، ~~وللمعاهدة نقائصها، ولكن ليس في الإمكان أبدع مما كان، ويمكن في المستقبل تلافي ما ~~فات، وأعد المعاهدة من أهم ما أنجزناه في السنوات الأخيرة». # ثم يتكلم بارتياب عن ملك بافارية، ويقول أبيكن الدائم الولاء : «ولكنه رجل ~~كثير الظرف مع ذلك». # وينظر بسمارك إليه دهشا فيقول: «كلنا ذلك الرجل هنا». # وبمثل تلك البساطة يؤدي حسابه عشية إتمام عمله، ويطيل تعاطي رحيق الشنبانية ~~قاعدا مفكرا غير مبال بالحضور، وإنه لكذلك إذ يقول من غير انتقال: «سأموت في ~~الحادية والسبعين من عمري.» وهو يستخرج هذا من حسابات لا يدركها الحاضرون. ~~- «لا ينبغي لك أن تموت بهذه السرعة! فعلينا أن نطرد ملك الموت!» # بسمارك هادئا: «كلا ms338 - في سنة 1886 - لا يزال لدي ست عشرة سنة، وهذا رقم ~~مقدر.» # | الفصل التاسع عشر # وفيما كان بسمارك مكبا على تحقيق عمله في فرساي كان يفكر في التاريخ أحيانا، ~~ومما قاله ذات مرة: «نعيش اليوم في عالم رائع، وكل شيء يقف الآن على رأسه بعد أن كان ~~واقفا على رجليه، ومن المحتمل أن يسرع البابا إلى الحياة في مدينة بروتستانية ~~ألمانية، وسيأتي الريشتاغ إلى فرساي، وسيكون في كاسل جمعية «اشتراعية»، وسيصير ~~غاريبالدي جنرالا فرنسيا، وسيحارب جنود البابا بجانبه!» ولما انتظر الملك لويس ~~قال: «لم يكن ليدور في خلدي أن أكون وكيل خرج في تريانون، # 1 # وماذا كان نابليون ولويس الرابع عشر يقولان عن ذلك؟» # وبسمارك في الأشهر الخمسة الأخيرة، وعلى العموم؛ قضى وقته في أعمال لا أهمية لها، ~~ويدل ما صدر عنه من مئات الأحاديث في تلك الأثناء على أنه كان مكتئبا، ولما ~~سئل عن كيفية تمتعه بالساعة العتيدة قال: «ليس في الحياة السياسية ذروة يمكن أن ~~ينظر منها إلى الوراء بما يسر، ولا أدري ماذا أحصد مما أبذر اليوم.» ولنا بهذا ~~اعتراف بين فاوست وميفيستوفل، وترى كلامه مملوءا غضبا وبغضا أكثر من ملاته ~~عطفا وحصافة، وما ينطق به من الكلام حول المائدة فضرب من مناجاة النفس، فإذا لم ~~يدر هذا الكلام حول اليوم والغد وإذا ما نفد حديثه عن حياته الخاصة، تكلم عن ~~الصيد والسياحة والطبخ والخمر دون أمور السياسة والثقافة التي هي موضوع بحث في جميع ~~ألمانية، ودون ذكر لمثل المسائل التي يتبادلها رينان وستراوس، ويكثر بسمارك من ذكر الفطر # 2 # والسمك والكباب والنقانق # 3 # والسلاف # 4 # وراح مدوك وديدسيمر ورحيق الشنبانية فيدل هذا على ما لهذه الأشياء ~~من الأهمية في حياته اليومية، وما كان بسمارك ليعنى بالمقادير فقط، بل كان يعنى بالجيائد # 5 # أيضا، وهذا دليل على امتزاج القوة والأعصاب الخطر في طبيعته. # وإذا ما دعي بسمارك إلى الغداء مع الملك أكل في بيته قبل ذلك أو بعده، وذلك «لعدم ~~كفاية الطعام هنالك، ولا أتناول من الأضلاع ms339 المشوية غير ضلع واحدة لما أراه من ~~كونها بعدد المدعوين، ولما أخشاه من عدم بقاء شيء منها لبعض الضيوف عند أخذي قطعتين ~~منها، ولما يحدث من تخصيص كل طبق بقطعة واحدة منها، ولا أستطيع أن أوقع صلحا ~~صالحا ما لم آكل وأشرب بما هو واف! وهذا من أجزاء مهنتي؛ ولذا أفضل الطعام في ~~بيتي»، ويكرر بسمارك هذه الملاحظة كثيرا عندما يكون أحد مرافقي الملك حاضرا، ~~ويظهر بسمارك حول المائدة وطنية فيقول: «أين الخرنق # 6 # الفرنسي من الخزز # 7 # البوميراني، فليس للخرنق الفرنسي طعم الطريدة، وهو لا يقاس بصيدنا ~~الذي يحسن مذاقه # 8 # باقتياته بالخلنج # 9 # والنمام # 10 ~~... ولا تجد في أسرتنا سوى نهماء، # 11 # ولو كانت هذه هي حال كثير من الناس لأفلست البلاد كما يخيل ~~إلي.» # وما أكثر ما يشكو عدم استطاعته النوم بعد تلك الأعشية # 12 # الهائلة، وهو لا يذهب إلى سريره بعد طعام العشي قبل منتصف الليل، وهو ~~ينام هنيهة، وهو يفيق في الساعة الواحدة عادة، «وهنالك تتوارد إلي أفكار في ~~جميع الأمور، ولا سيما ما كان من إيذائي ... وهنالك أكتب في رأس رسائل وبرقيات من غير ~~أن أنهض، وهذا إلى أنني كنت أنهض وأكتب بالفعل في أوائل وزارتي، فإذا قرأت في الصباح ~~ما كتبت في الليل وجدته من السخافات الخليقة بصاحب السمو (س) ... وأريد الرقاد، ~~وهذا ما لا أقدر عليه، فلا بد من التفكير والتدبير»، وينام صباحا متأخرا فلا ~~يجرؤ أحد على إيقاظه قبل الساعة العاشرة أو الساعة الحادية عشرة فتفوته التقارير ~~الحربية. # ويتوج حياته عدم صحة بقلة ركوبه خيلا، وتصبح رياضته الوحيدة أن يمشي في ~~الحديقة المحاطة بأسوار عالية عند عدم وجع رجليه، ويجد نفسه ذات مرة تجاه مرقاة ~~مستندة إلى الحائط، «وتساورني من فوري رغبة كبيرة في الصعود فوق الحائط، وإذا وجد ~~هنالك حارس؟ وأكلم الخفير في نهاية الأمر ويهمه أن يعرف عزمنا على دخول ~~باريس»، وهو لم يكن متقلدا سيفا عند خروجه، «ولكنني كنت حاملا مسدسي؛ وذلك ~~لأنني وإن كنت لا أبالي بالقتل ms340 عند الضرورة لا أود أن أهلك من غير انتقام لنفسي!» ~~ويكرهه الناس في فرنسة بالحقيقة، فنظمت مؤامرة لاغتياله في أثناء تقدم الجيش، ~~ولزوجه يقول في كتاب يرسله إليها: «يلوح لي أن القوم يعدونني هنا كالكلب الضاري ~~المتعطش إلى الدم، فإذا ما طرق اسمي آذان العجائز ركعن طلبا للعافية، وما ~~أتيلا إلا حمل بجانبي!» # ويندر أن يسبح بسمارك في الخيال كما في الماضي، ولا نرى غير بيان واحد لهذه ~~الحال؛ فقد كتب يقول: «اليوم هربت من همي لأتمتع بهواء الخريف الرخو على ~~الطرق المستقيمة في حديقة لويس الرابع عشر، وبين حفيف أوراق الشجر ومقصوص الدغل ~~والحياض الهادئة والآلهة المصنوعة من المرمر، وما كنت أريد أن أسمع غير صليل سيف ~~يوسف الراكض ورائي، وأسير مع حنيني إلى الوطن، ويثير هذا الحنين في ما يقع في ~~هذا الفصل من سقوط الورق وما أجدني فيه من العزلة في بلاد الغربة، وتعود إلي ذكريات ~~الصبا وذكريات ما غدا مفقودا من العوسج المقصوص.» وعاد راغبا عن مثل هذا الخيال ~~مرة أخرى وإن أصبح يقضي في فرساي حياة أهدأ مما في برلين. # وأمر بسمارك بنيه في بدء الغزو بقوله: «أبرقوا إلي بمقر الملك العام، ~~وإياكم والإبراق إلى والدتكم في أول الأمر!» وفي مساء من أمسية شهر أغسطس يكون بسمارك ~~مع الملك بعد المعركة التي وقعت بالقرب من مارس لاتور فيدخل ضابط ويبلغ إلى ~~مولتكه - الذي كان هنالك أيضا - شيئا فيذعر هذا، فيسأل بسمارك بغتة: «أيتعلق ~~الأمر بي؟» # الضابط ~~: # سقط الكونت هربرت بسمارك وجرح الكونت بيل جرحا قاتلا في الهجوم ~~الأخير الذي قام به فرسان الحرس. # بسمارك ~~: # ومن أين أتى النبأ؟ # الضابط ~~: # من قائد الفيلق العاشر. # ويسرج # 13 # بسمارك فرسه من فوره، ويمتطي صهوته # 14 # من غير أن ينبس بكلمة، ويبحث مع ابن عمه في مشافي الميدان فيجد بيل ~~جيد الصحة وأنه تدهور مع حصانه فقط وأن هربرت جرح بطعنة رمح، وتكون تلك الساعات ~~التي قضاها بسمارك في التفتيش أشد عليه من جميع ما احتمله منذ مرضه في ms341 روسية، ولو وجد ~~ولديه قد قتلا - كما كان يخشى - لأدى ذلك إلى نفاد قواه الحيوية كما كان يحدث ~~لو بترت ساقه كما أريد سابقا، ولمات بسرعة بعد أن تضع الحرب أوزارها، فلا غاية ~~لحياة بلا أولاد عنده، ولا يجد في عمله آنئذ ما يكافئه على ذلك، وهو على ما كان من ~~عدم عنايته بتعليم أولاده يود بمشاعره الفروسية أن يطمئن إلى وجود ورثة من الذكور ~~له كما كان شعوره اللاإنساني يجعله محتاجا إلى موضوع عاطفي، وكما كان دمه ~~يحتاج إلى ضمان للديمومة. # إذن، كان بسمارك في الحرب يفكر في أولاده أكثر مما في الأيام العادية، ومن فرساي ~~كان بسمارك يدير ملكه في فارزين مع إدارته لمملكة بروسية، ويرسل بسمارك كتابا إلى ~~زوجه، ويبرق بعد ذلك ليسلم الكتاب المتأخر إليها؛ وذلك لما علمه من ~~مغادرتها رينفيلد ولإمكان فتحه من قبل حميه البالغ من العمر ثمانين سنة وإطلاعه ~~القسيس عليه وانتهاء أمره إلى الصحافة، وفي ذلك الكتاب يبدي بسمارك قلقا حول صحة ~~بيل، وفي ذلك الكتاب يسأل زوجه عن وجود ثياب تحتانية من صوف لها وللأولاد، وفي ذلك ~~الكتاب يبدي استياءه لعدم نيل ولديه وسام الصليب الحديدي مع استحقاقهما له ومع ~~اجتنابه قول كلمة للملك في ذلك، ويكون ابنه هربرت ناقها في عيد الميلاد فيهدي إليه ~~سيفا جميلا، ويمتنع عن البحث له عن عمل في الجبهة مرة أخرى متبعا نصيحة رون ~~الذي قتل ولد له في الحرب. # ونحن حين نسمع أن بسمارك وهو مع الملك بغرافيلوت في أثناء المعركة فقد رباطة ~~جأشه لأنه علم أن ولديه بين الغوغاء حيث اختلط الحابل بالنابل، «فمال إلى الأمام ~~بادي الهيجان»، نعتقد زيادة رغبته في تعجيل عقد الصلح تبعا لعواطفه الأبوية. # وتضغط جميع تلك المؤثرات الكثيرة بسمارك من كل ناحية فتؤذي أعصابه، فيتأذى ~~تابعوه من نروزته، # 15 # ومما حدث ذات يوم أن خط بالقلم الرصاصي إيضاحا على هامش ما كتب فلم ~~يمر الحبر على ذلك قبل إرسال الوثيقة إلى الطبع، فعنف موظفيه الخصوصيين بقوله: ~~«إنكم لا ms342 تنظمون المكتب! لسنا الآن في رحلة للراحة، تتركوني كلكم، تدعونني ~~جميعكم أتميز من الغيظ، تختارون أسوأ الأوقات لذلك ناظرين إلى صعوبة الاعتياض مني.» ~~وفيما كان بسمارك يخاطب نفسه حول المائدة في أحد الأيام قاطعه أحد البارونات فقال له ~~بسمارك بغلظة: «لا يجوز أن يقاطع المرء حينما يقص أمرا، فقد ذهب عني حبل ~~أفكاري، وكان يمكن الملاحظة التي أردتم إبداءها أن تنتظر.» حتى إن المفضال أبيكن ~~قال لزوجه متوجعا: «إن أسوأ شيء هو أن يعرض عن السماع علي حين يريد الرجل أن ~~يعرض عليه أمورا بسيطة لا غنية له عن معرفتها ... وفي الغالب لا يجيب أبدا، أو ~~يجيب عن أمور لا تمت إلى السؤال بصلة، وهو لا يلتفت إلى ما أقول، وإنما يفكر فيما ~~يريد أن يقوله لي، وهو يتعمد ذلك في أكثر الأحيان.» وفي الوقت نفسه يشعر بسمارك ~~بأنه منكور مكروه، فيشتكي إلى زوجه قائلا: «وليصعد غدير الحسد والحقد القارس إلى ~~القلب رويدا رويدا، فلا أحد يكسب لنفسه صديقا جديدا، ويموت الأصدقاء القدماء أو ~~يتوارون، ويزيد البرد الذي يأتي من عل؛ لأن هذا طبيعي عند الأمراء وعند أحسن ~~الأمراء، أشعر بالبرد وأشتاق إليك، وأحن إلى العزلة معك في الريف.» # بسمارك في سنة 1885. # ويعاشر بسمارك أناسا من الأجانب مع الحذر، ومما قاله بسمارك لأمريكي موكدا ~~إنه يتوجه «إلى الجمهورية» منذ شبابه، وإن المؤثرات الأسرية هي التي تصرفه عن ~~ذلك، وإن ألمانية لم تتقدم بدرجة الكفاية إلى النظام الجمهوري مع ذلك، ويألف ~~بسمارك محادثة مراسل جريدة «التيمس» فيعلم بسمارك من هذا المراسل حوادث أكثر مما ~~يعلم هذا المراسل من بسمارك، وينبأ بسمارك وجود مراسل جريدة «نيوفري برسه» ~~عند بوشر فيدخل بسمارك عليه من غير إخبار، ويظهر له أن هذا المراسل بوميراني ~~شريف حكم عليه بالموت في أيام سنة 1848 فحول هذا الحكم إلى عقوبة السجن لمدة ست ~~سنين، ويرى بسمارك أن يظفر بهذا الخصم، فيزعم أنه يعرفه مع أنه لم يبصره قبل الآن، ~~ثم يقول له بسمارك: «أنت لدتي، # 16 # ولا تزال ms343 جيد الصحة بما يثير العجب.» # وعن هذا يجيب كورفين مسرورا: «يمكنني أن أدلك على وسيلة جيدة تحافظ بها على ~~فتائك، وهي أن تقضي حكم ست سنوات سجينا في حجيرة!» # ولبسمارك تسلية في ذلك، ويسأل بسمارك كورفين عن كثير من أبناء الأعمام، وهو لم ~~يتمالك أن قال: # نشأ كل منا في أحوال واحدة تقريبا، وكنت مثلك حينما أثرت ذعرا في ~~أسرتي بأفكاري الحرة، وكنت مثلك حينما أشبعت في شبابي من مبدأ الوحدة ~~الألمانية، ولكنني نفرت من عجز كثير من زعماء سنة 1848، أجل، يكون ~~الإنسان أكثر حماسة في فتائه، ثم تمحي أشعرة الأحزاب من عل، ثم إن ~~تراث الشريف لا يزول تماما كما ترى ... وترى كيف يسير القدر الأمور؛ ~~فالمشاعر الواحدة جعلتك في السجن وجعلتني في منصبي الحاضر. # ويصغي الصحافي إليه حائرا، فيا لبراعته البالغة في تضليل خصم سياسي ~~بمقايسات فاسدة واستنباطات باطلة! ويا لمهارته في الترحيب بكورفين كشريف وفي ~~تملقه هذا الصحافي بإشارته إلى تماثلهما في الشباب وإلى مذهبه الحر الباكر! ~~ويبلغ بسمارك في ذلك غايته؛ فقد حدثنا كورفين عما لقيه من وداد المستشار بسمارك ~~وعطفه وتقديره! # ويمكن تقسيم أعداء بسمارك في فرساي إلى مدنيين وعسكريين، وإلى أمراء ورجال ~~دواوين، والفرنسيون وحدهم هم الذين كان معهم على وئام، ومن المقر العام يكتب ~~ستوش قائلا: «لم أر في الماضي مرارة أبديت لإنسان كما يبدى لبسمارك الذي لا ~~يألو جهدا في فرض أفكاره.» وهو ذو صلات سيئة مع أركان الحرب على الخصوص، وهو ~~يصرح ب «أن جحود هؤلاء العسكريين أمر كريه تجاهي، مع أنني لم أدخر وسعا ~~في عمل كل ما يطيب لهم أمام الريشتاغ! وسيرون ما جعلوه في من تبديل، فسأعود إلى ~~البلاد برلمانيا بعد أن ذهبت إلى الحرب رائدا، وسيرون الميزانية الآتية عاطلة من ~~الحديد!» ويذكر بسمارك بعد سنين ما كان من «المقاطعة العسكرية» ضده، ويدل الواقع ~~على أن رجال الجيش كانوا يبذلون ما يستطيعون ليقصوه عن مذاكراتهم وليبحثوا في المسائل ~~عندما يكون نائما، «وكان مراسل جريدة التيمس رسل أحسن وقوفا ms344 مني على ما يزمع ~~عمله وعلى ما تم فعله فيكون لي مصدرا نافعا للأنباء»، ويراقب خلصاء مستشار ~~الجامعة بسمارك من قبل أركان الحرب وتفتح العيون حول كل من يأتيه بالأخبار، ~~ويرصد القواد بسمارك كما لو كان محايدا لا يركن إليه، وهنالك سببان كانا ~~يحفزان رجال الحرب إلى اتباع سياسة حمقاء مؤدية إلى كتم سير الأعمال العسكرية ~~عن ذلك القطب الذي كان قابضا على زمام الأمور فيستند في قسم من حساباته إلى تلك ~~الأعمال، فأما السبب الأول فلا يعدو حد حسدهم له على قوته، وأما السبب ~~الثاني فهو الاستياء الناشئ عن أسلوبه الاستبدادي في توجيه كل شيء. قال مانتوفل: ~~«كان يرى من العار أن يكون لرجل سياسي من النفوذ ما ليس لقواد الجيش!» # وبسمارك من ناحيته يدع منذ عشر سنوات - وللمرة الأولى - وقوع أمور كثيرة على غير ~~ما يرضى وخلافا لما يود، وبسمارك يكره على التغافل عن الملك ولهلم الذي لم ~~يغفل بسمارك عنه طرفة عين حتى الآن، فيخالط الملك القواد فيؤثرون فيه ~~سياسيا وعسكريا، وما عليه بسمارك من عزة واستبداد وعادة في تقرير جميع المسائل - ~~بما عرف عنه من عناد - فيدفعه إلى الثورة على عزلته التي ما فتئ القواد ~~يوطدونها، وبينما كان رجال الجيش ينتقدون سياسته حول السلم والإمبراطورية كان ~~يري الجيش أنه يجب عليهم أن يعرفوا جهره بلومهم على خططهم في الغزو، «فخطط القيادة ~~العليا الحربية هي خطط غرفة، والجندي العادي هو صاحب جميع الانتصارات، ونحن ~~مدينون بما تم لنا من نصر لسواعد جنودنا الذين هم أقوى من جنود فرنسة بدنيا، فهم ~~خير من هؤلاء سيرا وصبرا وشعورا بالواجب وصولة في الهجوم، ولو كان مكماهون ~~قائدا لجنود من البروسيين وكان ألفنسليبن قائدا لجنود من الفرنسيين لقهر هذا ~~الأخير»، ويؤنب ستينميتز ألفنسليبن حول المائدة ويدعو الوزير أولنبرغ إلى ~~المعسكر «ليرى رجل خفيف الظل بين هؤلاء اللابسي البزات العسكرية»، ويشعر ~~بانحراف مزاجه ويكون في غرفة بالغة الحرارة فيبدي ألمه لفالدرسي بقوله: «يخفى عني ~~أهم الحركات، ولا أطلع إلا مصادفة على خبر ms345 أعظم الحوادث عندي.» وقد روي لنا أنه ~~حين قوله ذلك «كانت عيناه تتسع وكان العرق يتحدر على وجهه وكان يدخن ~~سيغارا كبيرا، وكان يشرب خمرا صرفا كما بدا لي من القنينة.» # ويصرح بسمارك للأمير هوهنلوهه بأن الجيش لم يأت بغير الغباوة بعد معركة ~~سيدان، «ومما لا ريب فيه هو أنني لست صاحب ذكاء كبير ولا صاحب استعداد كثير، ~~ولكن هنالك أمرا أحسن إدراكه في الحقيقة، وهو فن الحرب، فنحن بدلا من أن نجمع ~~جميع قوانا في غابة أرغون فننتظر هجوم العدو علينا، تقدمنا إلى باريس رأسا من ~~غير أن نعرف السبب، وقد احتججت فلم يرد مولتكه أن يسمع شيئا»، ومولتكه هو أشد ~~الناس خصومة لبسمارك في أثناء حصار باريس، وليس هذا سوى نفور تراكم في زمن طويل، ثم ~~ظهر في نهاية الأمر. # وارجع البصر إلى وصفهما في فتائهما، في سن يمكن الإنسان أن يختار فيها ماذا يصير، ~~تجد بينهما اختلافا بينا، فترى بسمارك كله من عضل وجوهر وإرادة، وترى مولتكه ~~كله من عظم ورسم وفكر، وفيما كان بسمارك يكتب، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ~~رسائل هزوء بالنفس مع زهو؛ كان مولتكه يترجم نفسه بقوله: «يحيط بوجه شاحب جلي ~~خصل شقر، وعلى ما لا يزعم هذا الوجه من حسن منظر فيه تجد عليه سمة الجد ~~والنبل، وله هيئة ذات ظرف، وله ملامح لا تهتز بغير دافع باطني، وهو كالنهر ~~العميق الذي يتدفق إلى الأمام بلا انقطاع تحت سطح هادئ، وهو لا يضطرب مزبدا ~~إلا إذا اعترضت صخور لمجراه.» وروح بسمارك الدائمة الحركة منذ شبابه كانت تشابه ~~البحر الهائج. # وكان مولتكه لطيفا رءوفا نحو كل واحد وكان إيجابيا كرون مع فتور أشد مما ~~عند هذا، وكان معتدلا في كل شيء، وكان بلا بدن تقريبا، وكان غير محتاج إلى العمل ~~تسكينا لاضطراب نفسي فيه، وكان رصينا في الشغل والراحة، وكان قليل الكلام لا عن ~~غموض أمر ولا عن حقد على الناس، بل لعدم اضطراره إلى التذمر، ولا إلى البيان عن ~~أثرة، ولا ms346 إلى كتم شيء وراء ألفاظ عن مهارة، وكان لا يلتزم جانب الصمت عن كبرياء ~~ولا عن سوداء، بل عن ميل إلى مشاهدة الممثل وعن كره لمشاهدته إذا ما مثل. # وكان ذا مزاج معتدل وذا طبع صباحي حتى في نزهه، حتى في نومه وشربه وقراءته، ~~وكان يفضل حديقته على الغاب، وكان ينجز عمله بيده سواء أكتب تقارير إلى الملك ~~أم نشر شجرا أم طعم نباتا، وكان بلا ولد، وكان يفكر في الآخرين على الدوام، وكان ~~غير ذي خدم، وكان كاتبا روائيا ومغرما بموزار ومترجما لقصائد أجنبية، فإذا ~~ما حولنا كل واحدة من صفاته هذه إلى ضدها وجدنا صورة بسمارك. # ويشتد ذلك التضاد بما كان من عدم وجود وطن له، وهو في ألمانيته كبونابارت في ~~فرنسيته تقريبا، وهو وإن كان ألمانيا مولدا اتخذ أبوه الدانيماركية له جنسية ~~حينما كان (القائد القادم الصبي مولتكه) في السنة الخامسة من عمره، ويصير مولتكه ~~ملازما دانيماركيا فيعود إلى وطنه الأصلي ألمانية ابنا للثانية والعشرين من ~~سنيه، وتمضي أربعون سنة فيحارب مولتكه دانيماركة بحماسة لا تزيد على حماسة قائد ~~جنود من المرتزقة موجها مدافعه إلى أبطال هذا البلد وراياته وكتائبه التي أقسم ~~على الدفاع عنها في غابر الأزمان، ويقوم حسابه على الأرقام على حين يقوم حساب بسمارك ~~على الأجرام، # 17 # وتقوم خدمته على خبرته المهنية على حين تقوم خدمة بسمارك على ما له ~~من شخصية؛ ولذا يمكن مولتكه أن يبرر سيره في ذلك الأمر بأسهل مما يبرر به ~~بسمارك قراره في إطلاق النار على الألمان، وبسمارك هو الذي سبق فعين وجهة حركات ~~مولتكه وخطط هجومه، وبسمارك هو الذي يتخذ تصاميمه فيجعل نفسه مسئولا عنها، ويحب ~~مولتكه أن يسيح ويقضي سنين كثيرة في البلدان الأجنبية، ويجاوز مولتكه الأربعين من ~~عمره فيتزوج فتاة إنكليزية يمكن أن تعد ابنة له لصغرها، ويبتعد مولتكه عن ~~الألماني في أوضاعه وأخلاقه وطرز حياته، ولو كان من طالع مولتكه أن يكون ملازما في ~~الجيش الروسي لشعر في روسية بأنه بين أهله كما يكون في ms347 الأرض السيليزية التي سيشتريها ~~بمهره، وهنالك لا بد من أن يكون في المقدمة من مهنته بروسية كما أصبح في بروسية، ~~وبذلك بفضل عبقريته الحربية التي هي أكثر المواهب والمهن دولية. # وتناسق في الخصائص والسلوك كذلك، واعتدال مع صموت كذلك، مما يجعل مولتكه غير ~~محبب إلى بسمارك كما يجعل بسمارك غير محبب إلى مولتكه، ويقوم وصفهما المشترك على ~~شك كل منهما في الآخر شكا عميقا، وما كان مولتكه ليدرك أن رجلا يعيش ~~هائجا بذلك المقدار، وما كان بسمارك ليدرك أن رجلا يعيش هادئا بذلك المقدار، ولم ~~يتبادل الرجلان كلمة وداد مع أن رون كان ودودا لكليهما، واليوم حين وجب عليهما أن ~~يعملا معا كثرت عوامل تصاكهما. وفي المساء بعد معركة سيدان يدعو مولتكه بسمارك ~~التعب المنهوك إلى الترجل والركوب معه في عربته، فلما كانا سائرين فيها هتف ~~الجنود لقائدهم مولتكه هتافا حارا، فقال بسمارك: «من الغريب أن يعرفني جميعهم ~~بهذه السرعة!» ويصمت مولتكه آنئذ، ثم يروي القصة بعد بضعة أيام مبتسما. # وفي شهر أكتوبر يشتكي بسمارك من القائد مولتكه لعدم سماعه بيانا له، «مشابها طيرا ~~طريدا رويدا رويدا»، مع أن الآخرين يصفون مظهر مولتكه ب «البتولي # 18 # تقريبا». # ويجادل في مسألة ضرب باريس بالمدافع، فلما «تدخلت أميرات إنكليزيات وغير ~~إنكليزيات عن إنسانية» في الأمر فصرحن بأن من الخير أن تكره عاصمة الدنيا ~~الفرنسية على التسليم بفعل الجوع لا بإطلاق النار، ولما مضت أسابيع مع عدم اشتمال ~~البلاغ الرسمي في أثنائها على غير كلمة «لا حادث في باريس» المملة أخذ القطب ~~السياسي بسمارك يخشى توسط المحايدين كما كان يخشى في نقولسبرغ، فصب جام # 19 # غضبه على مولتكه الذي صرح بأن كبريات المدن تستسلم من تلقاء نفسها إذا ~~ما حوصرت. # وقد استفزت بسمارك هذه النظرية التي نبذها أساتيذ فن الحرب فيما بعد، وقد أبدى ~~لبلومنتال بعنف ألمه من الملك ومن مولتكه قائلا حنقا: «إنهما لم يخبراني بشيء، ~~إنهما عاملاني بغلظة ... فمتى انتهت الحرب اعتزلت من فوري، لا أطيق هذا الازدراء ~~زمنا طويلا، هو ms348 قد جعلني مريضا، هو سيقتلني ما لم أضع حدا له، ما فتئت أعارض ~~من البداءة حصار باريس الذي أعده خطأ كبيرا، والأفضل أن يعاد نابليون مع ~~كتائبه التي لا تزال مخلصة له، فهذا الرجل المريض ليس خطرا، ولا يريد الملك أن ~~يعرف شيئا، لقد كنت ملكيا حينما ذهبت إلى الحرب، فلن أكون كذلك بعد العود.» وقال ~~لبنيغسن: «لن يطول انتظاري، فإذا دام وقف الحركات هذه انطلقت على حصاني إلى ~~الحدود الألمانية مع خادمي!» وفي ذلك الحين يتظلم مولتكه إلى ولي العهد من بسمارك ~~بقوله: «يريد بسمارك أن يقرر الأمور الحربية كما يقرر الأمور المدنية غير ~~مستمع إلى ما يقوله الخبراء المسئولون، ويوجه الكونت بسمارك - فضلا عن ذلك - ~~أسئلة إلى أركان الحرب عن أمور عسكرية سرية فلا أجيب عنها في مرات كثيرة، ~~وأجدني مستشارا حربيا للملك، ولا أجدني ملزما بالانحراف عن مقاصدي عملا بآراء ~~الكونت بسمارك.» # ويلجأ بسمارك في منتصف شهر ديسمبر إلى أسلوبه المفضل، فيضرب ويظل غائبا عن ~~الأنظار أسبوعا كاملا، ويطلع صحافيا على الخصام الواقع فيأذن له في إنباء ~~أمريكة بذلك، وبسمارك لم يظهر إلا بعد تقرير الضرب بالمدافع، وولي العهد يدعوه مع ~~مولتكه إلى الغداء إذ ذاك حتى يوفق بينهما، ويتدخل فردريك مرارا مسيرا للحديث ~~بهدوء؛ وذلك لما يبديه بسمارك من انتقاد لاتجاه الحرب منذ معركة سيدان على مسمع ~~من مولتكه. # وفي المقر العام يجيء أمراء الألمان بعد القواد في إغضاب بسمارك، فقد كتب ~~بسمارك بعد نشوب الحرب بثمانية أيام يقول لزوجه متذمرا: «إن من الفظاعة بمكان ~~تلك الطريقة التي يشغل بها هؤلاء الأمراء النظار أحسن الأماكن، فيعرقلون عملي ~~وعمل رون فيحملوننا على صرف موظفينا تمكينا لأصحاب السمو الملكي من إسكان ~~خدمهم وحصنهم وحجابهم على الرحب والسعة.» # وكان بسمارك في أثناء تقدم الجيش يجتنبهم جهد الاستطاعة، فإذا ما صادفهم في ~~أثناء زيارته للملك مضطرا وصف لزملائه ما أبصر من مهزأة بقوله: «يضم الاجتماع ~~من الأمراء الكثيرين ما لا يكون معه مكان لجلوس الناس ... ويرى هنالك ذلك الأحمق ~~الصاحب ms349 لرأس فارغ مع كلام لا معنى له ... والمعتز بنفسه لأنه أمير على حين تبصرني ~~مستشارا في الجامعة له! ومصدر هذا ما يتلقونه من تربية تهدف إلى إتقانهم صوغ ~~الجمل فقط، والكرسي هنالك في القصر، ويأتي عميد البلد فون (س) ليقدم واجب ~~الإجلال، فيقال له: سررت برؤيتك أيها السيد العميد! وماذا تصنع هذه المدينة؟ ~~أتنتج تبغا وجوارب قصيرة؟ وأوضع حول مائدة الملك بين أمير بافارية ودوك فيمار ~~الأكبر، ويخلو الحديث من روعة.» # وذلك الدوك الأكبر من أشد بلايا بسمارك، فقد قال ذلك الدوك لبسمارك: «بما أن ~~المفاوضات تتقدم الآن آمل منك يا مستشاري في الجامعة أن تزودني من الأنباء ما ~~أتقدم معه بما يسر روسية.» وهذا الذي يريد بسمارك أن يجتنبه، وينحني بسمارك ويقول ~~ساخرا سخرا مضمرا: «لن أترك أمرا يرضي دوكي الأكبر.» ولما أرسل الدوك الأكبر ~~وزيرا إلى بسمارك بعد ذلك قال هذا الأخير إن مما يذهله أن يأتي الدوك الكريم بما ~~يؤثر في وقته وصحته من الادعاء، ويرسل أمير كوبرغ إليه كتابا مؤلفا من ~~اثنتي عشرة صفحة عن السياسة الألمانية، فيخبره بأنه وجد واحدا من جميع الاقتراحات ~~يكاد العمل به يكون ممكنا، وبأن هذا الاقتراح لا يستحق أن يناقش فيه ~~بالحقيقة. # ويبرق دوك فيمار الأكبر إلى زوجته بأسلوب الملك ولهلم فيقول لها: «إن جيشي ~~قاتل ببسالة.» وتمر البرقية من يد بسمارك فيأتي بأمين سره في منتصف الليل ليطلعه ~~عليها وليذيع أمرها المضحك بين الناس، ويفرط دوك سكس ميننجن في شغل دائرة ~~البرق المرهقة بأموره الخاصة، فيرسل إلى هذا الأمير الصغير من يخبره بأنه لا ~~يسمح باستعماله برق الميدان في شئونه الشخصية؛ أي في موضوع مغارسه ومغانيه ~~ومرابطه، ويفرط أمير كوبرغ في الأمر أكثر من ذلك، وكتب أمير هس في شهر نوفمبر، ~~وهو وطني ألماني آخر أراد في شهر يوليو أن يحفظ لنفسه حرية القرار مستقلا، يقول ~~له إنه سيأتي إلى فرساي إذا ما ضمن له ألا يكون راكبا حصانا لدى دخول الغزاة ~~باريس ظافرين! # ويجد بسمارك جميع أمراء ألمانية ms350 عند الملك في يوم آخر، «فيجتمع أصحاب السمو حولي ~~كتجمع الغربان حول البوم ... ويزين كل واحد منهم نفسه باقتطاعه أكثر من سواه ~~دقيقتين أو ثلاث دقائق من قوتي ... ويروى لهم في نهاية الأمر وجود رجل أو ظهر ~~لأريكة تتويج قديمة في الغرفة المجاورة فيذهبون ليروا هذا الشيء الغريب، فأغتنم ~~فرصة ذلك فارا»، وفيما هو يتغدى في مسكنه ذات يوم يدعى لوصول دوك بادن الأكبر، ~~ويعود بعد عشر دقائق مغاضبا قائلا: «هذه عادة رديئة! هم لا يدعونني وحدي حين ~~الطعام! هم سيقتفون أثري حتى غرفة نومي! الناس في برلين ينبئونني كتابة قبل حضورهم، ~~فلم لا يصنعون مثل ذلك هنا؟ وماذا أفيد من هذا؟ الانزعاج! أقيء صفارا # 20 # في كل مرة إذا ما ناداني إنسان وقت الأكل! هم يظنون أن وجودي هنا هو من ~~أجلهم فقط!» # وبعد مثل تلك المهازئ، وبعد إبداء ذلك «الملكي» ازدراءه للأمراء، يسمع ذلك ~~الطاغية المحكوم عليه بالخدمة تحسرا مؤثرا، ويدخل البهو متأخرا ذات مساء ~~من شهر نوفمبر بعد مباحثات طويلة مع وزراء دول جنوب ألمانية، ويطلب جعة، ويتأوه، ~~ويقول: «آه! كنت أفكر مرة أخرى في أمر سبق أن فكرت فيه مرات كثيرة، ويا ~~لجلال ما يكون لو قيض لي أن أقول في خمس دقائق: سيكون هذا، ولن يكون غير هذا! ~~ويا ليتني أجد مالا أزعج به نفسي بكلمة «وبما أن» وكلمة «وعليه» مساوما ~~مبرهنا على أتفه الأمور! ويكون قليل تبديد للوقت مع أناس كفردريك كانوا جنودا ~~عارفين بعض الشيء من سير الأمور عاملين كوزراء دولتهم، وكان نابليون كفردريك في هذا ~~الشأن، ولكن يجب على المرء هنا أن يتكلم دوما ويرجو دوما!» ويقول بعد هنيهة: «ذلك ~~كابوس على صدري! ذلك يمنعني من التنفس! ليت الإنسان أمير ألماني! كان يمكنني أن ~~أكون شديدا، ولكنني لست أميرا ألمانيا!» # ويلخص لغز وضعه ومأساة حياته بتلك الكلمات القليلة الحاقدة التي دمدم بها ~~حسيرا ذات مساء وقتما كان يشرب جعة، فهو قد ولد ليسود، وهو قد اختير ليخدم، ~~والعالم لا يروقه، وما يحب ms351 أن يفعل، وما عليه أن يصنع، فيلوح أنه قبضته، بيد أنه ~~إذا ما بسط يده أرخى أمير ستارا زجاجيا من عل مقصيا القطب السياسي ملزما ~~إياه بالانتظار خارجا، أجل ليت الإنسان أمير ألماني! # | الفصل العشرون # «عاد الوضع غير ما كان عليه في شهر سبتمبر، فإذا ما زلتم تقولون: إننا لا نسلم ~~حجرا واحدا من حصوننا عد البحث في الأمور لغوا»، هذه هي الكلمة الأولى التي خاطب ~~بسمارك بها جول فافر عندما زاره هذا الأخير في آخر شهر يناير للمرة الثانية؛ أي عندما ~~كان الألمان يحاصرون باريس منذ ثلاثة أشهر. ويضيف بسمارك إلى ذلك قوله: «إنك تشيب ~~- يا جناب الوزير - أكثر مما كنت عليه حينما رأيتك في المرة الأولى، ومهما يكن الأمر ~~فقد وصلت متأخرا، فوراء الباب هنالك ينتظر سفير نابليون، فسأفاوضه ... ولم أفاوضك؟ ~~ولم أعطي جمهوريتكم مظهرا شرعيا؟ لم تؤلف جمهوريتكم من غير شرذمة قليلين من ~~المردة، ولو عاد إمبراطوركم لحق له أن يقتلكم رميا بالرصاص كخائنين.» # فافر: «يؤدي هذا إلى الفوضى وإلى الثورة.» # بسمارك ~~: # أأنت واثق بذلك؟ لا أرى في حربكم الأهلية ما يؤذينا نحن الألمان! # فافر ~~: # ألا تخشون أن تسيروا بنا إلى اليأس؟ ألا تخشون أن تجعلوا مقاومتنا أشد ~~مما هي عليه الآن؟ # بسمارك ~~: # آه! أجل! مقاومتكم! أحسن السماع لي، لا يحق لكم أمام الله والناس أن ~~تسلموا مدينة يزيد عدد سكانها على مليونين من الآدميين إلى المجاعة وصولا ~~إلى مجد حربي هزيل! إن الطرق مقطوعة، ولا يمكننا أن نعيدها إلى سابق ~~حالها في ثمان وأربعين ساعة، وستخسرون مائة ألف شخص في كل يوم، ولا تتكلموا ~~عن المقاومة؛ فهي جريمة في مثل هذه الحال! # وهنالك يلتفت بسمارك إلى الباب الذي افترض وجود سفير نابليون منتظرا ~~خلفه. # فافر ~~: # والآن، لا تفرضوا على فرنسة عار الإذعان لرجل من آل بونابارت بعد تلك ~~المصائب التي أصبنا بها! # وتمضي خمس دقائق فيتفق على التنزل والغرامة الحربية مبدئيا، ويعقب الغداء ~~ذلك، وينظر الجميع إلى طعام رسول العاصمة الجائعة، ويبحث في المقدمات ويعرض ~~بسمارك ms352 سغاير فيرفض الفرنسي. # ويقول القطب السياسي الألماني: «أنت مخطئ؛ فالأفضل التدخين عند البدء بحديث ~~يلوح اشتداده، ولا تجد مدخنا يريد رمي سيغاره، والمدخن يجتنب كل حركة بدنية ~~عنيفة، والتدخين يصقل أذهاننا، وأدخنة التبغ الزرق التي تتصاعد من سغايرنا ~~تسحرنا فتجعلنا أكثر مجاملة، والأعين تبصر، والأيدي تعمل، والرائحة تسر ~~والناس يشعرون بسعادة عند التدخين.» ويمضي بضع دقائق على قوله هذا فيلتهب غيظا حول ~~موضوع غاريبالدي، فيقدم الكونت الفرنسي - الذي كان رفيقا لفافر فروى ذلك الحديث ~~- سيغارا إليه وهو يتبسم. # ويعترف الفرنسيون لبسمارك بتمام نبوغه وكمال لطفه، أجل إنه يلاعب الفرنسيين كما ~~يلاعب الهر الفار، غير أنه يبدو للحضور بأسلوب غولي فتنا لخصومه الذين لا ~~يقل رغبة عنهم في السلم، ولو كان مفاوضا لأناس من الإنكليز لاختلف أسلوبه عن ~~ذلك لا ريب، ويقابل تيار بسمارك بعدئذ ويجيد تيار الكلام ويطلب بسمارك ستة مليارات، ~~ويصرخ تيار قائلا «هذا عيب!» ويبدأ بسمارك الكلام باللغة الألمانية في الحال ويقول ~~إن عليه أن يطلب حضور ترجمان، ويقول في ذلك: «إن معرفتي لغتكم هي من الضعف ما لا أستطيع ~~معه أن أفهم ألفاظ مسيو تيار الأخيرة.» ثم يتشاوران ويتفاوضان ويداومان على النقاش، ~~ويتكلم بسمارك بالفرنسية مجددا. # ويقول فافر: «لقد أبصرت في بسمارك رجلا سياسيا أسمى من كل ما يمكن الإنسان أن ~~يتصوره من مدلول هذه الكلمة، وتدل سيماه على أنه لا يبالي بغير الموجود وعلى أنه لا ~~يبحث عن غير الحلول العملية ... ويتقبل كل مؤثر مهيج فلا يملك صولته دائما، ~~وكنت دهشا لما يبديه من حلم أحيانا ومن قسوة في أحيان أخرى ... وهو لم يخدعني ~~قط، وهو يؤذيني ويثيرني بقسوته في الغالب، ولكنني أجده في الأمور الصغيرة والكبيرة ~~مستقيما مدققا.» ويعد هذا الحكم الصادر عن عدو أعظم من كل مدح نفح به ~~بسمارك. # ويعوق المفاوضات ما يقع بين الملك والقواد من طويل مشورات، ويعرض أناس كثيرون ~~غير رسميين ما يعن لهم من نصح، وتبدو أوغوستا في طليعة هؤلاء، ويقول بسمارك: ~~«أعرف هذه المكايد الكريهة، ويكتب الملك إلى ms353 أوغوستا رسالة مطولة وفق طلبي فلا ~~تجيب عنها من فورها!» # ويريد بسمارك أن يفرض على باريس مائتي مليون تعويضا لأمراء الألمان، الذين هم حلفاء ~~بروسية في الوقت الحاضر، مما ابتز منهم في سنة 1866، فيرفض الملك ذلك، وإذا عدوت ~~بسمارك أبصرت كل واحد يصر على تسليم القلاع، ويوافق بسمارك في نهاية الأمر على ~~المطالبة بالألزاس مع بلفور وبقسم من اللورين مع ميتز، ويوافق بسمارك؛ لأن مولتكه يؤكد ~~أن ذلك التنزل ضروري لسلامة ألمانية، ويطالب بسمارك بستة مليارات غرامة وبدخول ~~الألمان باريس، وينقص بسمارك هذا المبلغ إلى خمسة مليارات ليكون مناسبا للمبلغ الذي ~~دفعه أهل بروسية عن كل شخص غرامة في سنة 1807، وذلك تبعا لحساب بليشرودر الذي ~~استدعاه بسمارك لهذا السبب، ويخير بسمارك العدو بين تسليم بلفور والموافقة على ~~دخول باريس فيختار الفرنسي إنقاذ ذلك الحصن بقبول العار خلافا للخلق الفرنسي ~~المعهود. # وفيما كان الجميع في حبور كان بسمارك غير مرتاح لذلك الضم، وقد قال لولي العهد: ~~«لم يحفزني إلى الإصرار على ضم ميتز غير داعي الجنود، وهذا إلى ما أشعرني به ~~الملك من استعداده لإدامة الحرب في سبيل فتح ذلك الحصن.» وكتب بسمارك يقول لزوجه: «لقد ~~نلنا أكثر مما أراه مفيدا من حيث حسابي الشخصي السياسي ... وعلى أن أراعي ما يصدر ~~عن الأعلى والأدنى من أصوات تدل على قصر النظر، وقد أخذنا ميتز مع عناصر يعسر ~~هضمها إلى الغاية.» # ويتنفس بسمارك الصعداء بعد أن سويت الأمور مع تيار وفافر. وبسمارك كان في ~~الأيام الأخيرة القليلة يعاني ألما عصبيا شديدا فشفي الآن، ويذهب بسمارك إلى ~~ردهة ضباط الحرس ويدندن بنغم الصائد، ويدعو بسمارك في المساء وزير بافارية ~~وبليشرودر إلى العشاء معه رمزا إلى الوحدة والمالية، فلما انصرفا طلب ما تيسر ~~من الموسيقى بعد طويل حرمان، وكان نشيد هوهنفربرغ أول شيء رجا من كودل أن يشنف ~~الآذان به. # ويأتي تيار بعد يوم للإمضاء، ويتحول إلى مؤرخ رصين، ويرمق الغالب، ويقول: «نحن ~~الذين صنعوا لكم وحدتكم مع ذلك.» # ويصيب السهم هدفه، وينظر بسمارك إلى ms354 ذلك العلامة الفرنسي بدهاء، ولا يقول له ~~غير كلمة: «ربما». # وترفعنا هذه المحاورة القصيرة من جو المنافع وأرقامها إلى نسيم الروح المحض ~~بعدما اكتنف تلك المفاوضات الطويلة من المناضلات والدسائس والأكاذيب والحيل، ويقوم ~~ما بين ذينك الشعبين المجتورين # 1 # على منع أحدهما الآخر من الوصول إلى الوحدة وعلى عدم استطاعة هذا الآخر ~~أن يصل إلى الوحدة بلا قتال. # وما يبدو في ألمانية من تقدم قومي مستند إلى ما بين ألمانية وفرنسة من عداوة ~~دولية، بعد ضرب بالمدافع ونزاع بالبراهين؛ فأمر باد لكل ذي عينين، ولا يمكن ~~أوفر الفريقين المتحاربين حظا أن ينكر هذا، وكان تيار - وهو أسن من بسمارك ~~كثيرا - بارعا أيضا، ولم يرد بسمارك الألماني أن يكون فظا تجاه تيار ~~الفرنسي كما أنه لم يرد أن يفترضه هذا الفرنسي ناقص البصيرة، وأقل من هذا ~~رغبة بسمارك في وضع نفسه رهنا بين يدي تيار باعتراف يستطيع تيار أن يلوح به من ~~فوق منبر مجلس النواب الفرنسي فيما بعد كتاج فخر جديد غير منتظر. # ويبصر بسمارك جميع هذا بأقل من لمح البصر، ويزن بسمارك هذا ويقدره، فيعرف ~~كيف يتخلص من المعضلة، فيجيب عن ذلك بعبقريته قائلا: «ربما». # وفي نهاية شهر نوفمبر، وبعد إعداد لأوليات الوحدة الألمانية؛ صار التاج هو الشيء ~~الوحيد، وحول هذا الأمر دام كفاح الجميع ضد الجميع، فانحط إلى مهزأة كقصة ~~للإمبراطورية لم تعرف أوروبة مثلها منذ رفض قيصر الأول للتاج ثلاث مرات، وكان جميع ~~الأحرار معارضين لمبدأ إقامة إمبراطورية، حتى إن فريتاغ قاوم انتحال ذلك اللقب الذي ~~يوحي بسيادة العالم والذي يعني «بعثا لمثالية باطلة» وكان جميع ملوك ألمانية ومعظم ~~أمرائها مناوئين له عن حسد، وكان الرئيس الذي هو موضوع التاج أكثر من أولئك ~~كلهم مخالفة لذلك، وهل كان منذ عشر سنين يتوج نفسه بيده فتأتي الآن جوقة ~~الأمراء ثم يأتي الشعب ليقدموا إليه تاجا آخر كان أخوه قد رفضه داعيا إياه تاجا ~~من قذر ومدر؟ # 2 # وكان الملك ولهلم يقول مفكرا في أجداده وفي بلوغه الرابعة ~~والسبعين ms355 من عمره وعازما على مقاومة كل غصب من ذلك الضرب: # 3 ~~«إنني بروسي.» # وقال الملك ولهلم الذي كان ضابطا في الجيش قبل كل شيء: «وما الذي يغريني بمثل ~~هذا اللقب الذي أكون به كمن يلهو لابسا ثياب التنكر في حفلة رقص؟» فلم يسع ~~بسمارك إلا أن يجيب عن هذا ماجنا: «لا ترى - يا صاحب الجلالة - أن تبقى مجردا ~~إلى الأبد، أي رئاسة!» # وقال الملك المتواضع لابنه في عيد ميلاده: «إن أبغض شيء إلي وأثقله علي هو أمر ~~اللقب، ولا يسعني إلا أن أذكر أن توحيد ألمانية على مقياس واسع كان أهم مقاصد ~~صاحب الجلالة أخي الملك الراحل، ولا يسعني إلا أن أحمد الله على أنه رفض ذلك التاج ~~الورقي عندما عرض عليه! ... وعلي أن أرى، على الرغم من كل شيء، وذلك ببصري ~~البروسي، تواري ذلك اللقب الذي كان شاهدا على ما بلغ من شأو بعيد في ميدان المجد، ~~أمام لقب آخر ظل خصما لبروسية مدة قرن ... فالأقدار تأتمر بي.» # وكان شارلمان قد شعر منذ ألف سنة بمثل شعور ولهلم العتيد، وكان من المباغتة أن ~~توجه البابا مع رغبته عن التاج، فقال بعد ذلك: «لو كنت أعلم مقدما عزم البابا ~~ما دخلت الكنيسة على الرغم من الاحتفال العظيم الذي أقيم فيها.» # والواقعي بسمارك قاوم مبدأ «صنع إمبراطور» في البداءة، وبسمارك في شهر أكتوبر ~~كلم ولي العهد عن روعة البلاط البروسي القديم، ولكن بسمارك صار يتحمس للمبدأ ~~الإمبراطوري رويدا رويدا معترفا بأن اللقب الإمبراطوري عنصر نافع للوحدة ~~والمركزية. # وكان معظم البيوت الألمانية يقول بإقامة إمبراطورية، شأن دوك بادن الأكبر، وشأن ~~ولي العهد قبل كل إنسان، وعن ولي العهد يقول فريتاغ الذي كان يصاحبه في ذلك ~~الحين صحبة وداد فيحادثه كثيرا: «كان ولي العهد يرى تجهيزه هو وزوجته بتاج جديد ~~وبسلاح جديد على جانب عظيم من الجد، وأقصد بهذا أنه كان أول مبشر بالنظام ~~الألماني الجديد، وأنه كان الباعث الرئيس على إقامته.» وولي العهد فردريك هو الذي ~~عمل عند افتتاح الريشتاغ الأول على ms356 إدخال الكرسي القديم الخاص بتتويج أباطرة ~~السكسون إلى الاحتفال الحديث، موجبا بذلك عجب النواب. # وما كان ابن ملك بروسية ولا ختنه # 4 # في وضع يصنع به اقتراح حول ذلك، وأمر مثل هذا مما يصدر عن أقوى ملوك ~~ألمانية، وكان هذا المصدر ملتزما قصر أحلامه فيسحر بالموسيقى ويسير - مثل ~~لوهنغرين - على بحيرة محاطة بالصدف، ولا يجيب عن كتب ابنه خاله البادني الرائعة؛ ~~لما يراه من عدم احتياج الملك لويس إلى الإمبراطور ولا إلى الإمبراطورية، وهو لم يلتفت ~~إلا بعد أن قيل له إنه يمكنه أن يقيم بدار التريانون التي هي أجمل مما هو فيه، ~~فيرسل سائسه الأكبر إلى ساحة الحرب ليدل على منازل وأصابل # 5 # قريبة من باريس المحصورة. # ويظفر بسمارك بالسائس الأكبر الكونت هولنشتاين، وهل تحبط خطط بسمارك بعد ~~جهده؛ لأن ملكا يرغب عن التاج الإمبراطوري، ولأن ملكا آخر يرغب عن عرض التاج ~~الإمبراطوري؟ هو يكتب ثلاث رسائل تعد من أروع ما خطه يراعه «إذ ذاك وهناك ~~على مائدة الطعام بعد أن نظفت، وذلك على ورق ليس أحسن من ورق النشاف إلا ~~قليلا». # ويبين بسمارك للرجل البسيط الملك لويس أنه لا يسمح لملك بروسية بأن يزاول ~~نفوذا في بافارية، وأن إمبراطور ألمانية ليس جارا لبافارية، بل هو ابن لها، وأن ~~الملك لويس لا يمنح امتيازا لسوى إمبراطور ألمانية لا لملك بروسية، وإذا كان هذا ~~البرهان غير مقنع سمع لبسمارك ما هو أقوى منه، أفلا يمكن أن يكون هنالك نسب بين ~~آل فيتلسباخ وآل بسمارك؟ أجل! لما يمض ثلاثمائة سنة على وجود هذا النسب! ويضع ~~بسمارك كتابا ثانيا في غلاف ذلك الكتاب يشكر فيه للملك «ذلك اللطف البالغ الذي ~~عامل به آله البافاريون أجدادي في أكثر من جيل حينما كان آله يملكون مارش ~~براندبرغ!» # وإليك إذن برهانا ملكيا وبرهانا بشريا! وإذا ما كتب الملك لويس فماذا يكون ~~جوابه؟ إذا جاء اقتراحه مخالفا لما أشار به بسمارك وإذا أتى ما يمس عصب ~~آل ولهلم ضاع كل شيء ما انتظر ملك بروسية وسيلة ms357 للرفض، وعند بسمارك أن ~~ولهلم «ليس راغبا عن إظهار أفضلية آله أمام الأسر المالكة الأخرى ... وهو أكثر ~~عناية بتوكيد نفوذ التاج البروسي من الحمل على الاعتراف باللقب ~~الإمبراطوري». # وعلى طبيب الأعصاب بسمارك أن يعطي دواء واحدا لمريضيه العجيبين إذن، وعلى طبيب ~~الأعصاب بسمارك أن يعالج بهذا الدواء على وجه مختلف في الحالين إذن، وبسمارك يصنع ~~أصوب الأمور؛ فهو يربط بكتابه إلى الملك لويس - خاشعا - مشروع الجواب الذي يرسله ~~هذا الملك إلى الملك ولهلم «راجيا من جلالتكم أن تتفضلوا بنسخه فقط»، وينطلق ~~رئيس السواس بالكتب الثلاثة، فيجد الملك لويس منحرف المزاج؛ أي إنه في ~~هوهنشفانغو، فلا يريد أن يسمع شيئا عن سوى الملك هنري في أثناء فصول فاغنر ~~الثلاثة، لا عن الإمبراطور ولهلم، وهذا إلى ما كان من ألم أسنانه. ويوفق الكونت ~~هولنشتاين في الدخول عليه مع ذلك، ويقرأ الملك لويس الكتب مرتين، ويشعر بأنه ~~أطري فيها كما توقع بسمارك، ويرسل من فوره سائسا ليأتي بالمداد والقرطاس ~~ويستوي على سرير نومه وينسخ من غير أن يستشير أي واحد من وزرائه ذلك الكتاب ~~المملى عليه، ويقفل # 6 # الكونت هولنشتاين إلى فرساي بما يمكنه من السرعة. # وكان الجمع يحتفل هنالك بعيد ميلاد إحدى الأميرات، ويتلقى أمير بافاري ~~«أمرا، غير محبب إليه طبعا، بأن يقدم الكتاب إلى الملك قبل العشاء ببضع ~~دقائق»، «وهل الكتاب رسمي؟ فعلى بسمارك أن يقرأه قبل سواه؛ لأن ذلك من أعمال منصبه»، ~~وبعد العشاء يسلم الملك ولهلم الكتاب إلى بسمارك ويأمره بأن يقرأه بصوت ~~عال لنفسه ولفردريك، ويتلو بسمارك الكتاب الذي هو من إنشائه بجد، وماذا يكون قول ~~المرسل إليه؟ لم ير ولهلم أن يداري شعور المرسل الغائب، ولا غريب هنالك، فيصرخ ~~هذا الملك الشيخ غاضبا قائلا: «أتاني هذا الكتاب في وقت غير ملائم!» ويروي فردريك ~~أن الملك «فقد صوابه وخارت قواه مما احتواه هذا الكتاب». # ثم يصرف ولهلم فردريك وبسمارك من غير أن يدور في خلده أمر المؤامرة، ويشعر ~~ولي العهد في خارج الغرفة بنفاذ رغبته كما يلوح فيصافح ms358 بسمارك ويسجل وقت المساء في ~~يوميته قوله: «اليوم تم أمر الإمبراطور والإمبراطورية بما لا ينقض، والآن انتهى ~~الدور المرهوب الذي لم يكن فيه إمبراطور، وفي هذا اللقب النبيل ضمان كاف.» # ويبدي الإمبراطور مقاومة سلبية في ~~البداءة، ولا يجرؤ أحد على مخاطبته في أمر التاج الجديد؛ لزهده فيه، ولكن كل شيء ~~كان معدا، والآن يمكن الأمة أن تقول: «آمين»، ويمثل الفصل الثاني من المهزأة في ~~الريشتاغ، فيؤذن إلى أحد النواب في السؤال عن إمتاع الشعب بعاهل عال، وهنالك «يقرأ ~~دلبروك بصوت جهير رسالة ملك بافارية، فكأنه أخرج تاج ألمانية الإمبراطوري الشقي ~~من جيب سرواله ملفوفا بجريدة»، وعن هذا يقول بسمارك: «أجل، إن هذه الأغنية ~~الإمبراطورية الصغيرة كانت تقتضي مديرا أكثر براعة وتمثيلا أعظم تأثيرا.» # ويدعى ثلاثون نائبا من الريشتاغ إلى فرساي، لا لعرض التاج الإمبراطوري، بل ~~لالتماس قبوله، ويبدي اللندتاغ البافاري ميلا إلى عدم الموافقة على المعاهدة، ~~ويصب الملك ولهلم غضبه على «الوفد الإمبراطوري» فلما وصل هذا الوفد مساء ~~صرح الملك بأنه لا يقابله ما لم يقدم جميع الأمراء إليه طلبا رسميا خطيا، ~~«وذلك خشيه أن يلوح أمر إقامة الإمبراطور والإمبراطورية صادرا عن الريشتاغ أكثر من ~~صدوره عن الأمراء». # ويروي ولي العهد أن رجالا من البلاط تساءلوا جهرا: «لماذا جاء هؤلاء إلى هنا؟» ~~ويكتب رئيس الشرطة في المقر العام ستيبر إلى زوجه قائلا: «يبدو الفتور على حزب ~~البلاط والحزب العسكري، وأما أنا فإنني أمثل الشعب الألماني هنا.» وستيبر ~~هذا إذ كان شيوعيا في غابر الأزمان حق له أن يضيف إلى ذلك كلمة: «يا لها من ~~أوقات عجيبة!» # ولم يبق لتمام الأمر غير مقابلة ممثلي الريشتاغ، ولكن الأمراء والقواد لم ~~يقرروا الحضور إلا قبل الاحتفال بساعة واحدة، فيصلح المسرح بدائرة الشرطة في أثناء ~~ذلك، ويقول ولي العهد متلهفا: «إن من المؤسف ألا تستعمل المرقاة المرمرية ~~الرائعة في هذا النهار.» ويلقي الفاضل سيمسون خطبة، ومن المحتمل أن يكون قد ذكر ما ~~نطق به منذ إحدى وعشرين سنة من كلمة أمام أخي ولهلم، الملك ms359 الراحل، حين عرض ذلك ~~التاج عليه فقوبل بالفرض فأثار هذا دهشته، ثم تلا سيمسون طلبا مشتملا على القول: ~~«إن ريشتاغ شمال ألمانية يلتمس - متفقا مع أمراء ألمانية - أن تتفضل جلالتكم فتبارك ~~الوحدة الألمانية بقبول التاج الإمبراطوري الألماني.» # ويدع جواب الملك الوضع الشرعي «سديميا» # 7 # كذلك الالتماس، فقد قال ولهلم: «أبصر النداء الرباني في صوت أمراء ~~ألمانية والمدن الحرة الإجماعي وفي رغبة الأمة الألمانية وممثليها الملائمة لرغبة ~~الأمراء، فأرى تلبيته معتمدا على نعمة الله.» وهكذا ترى للأمراء أصواتا، ولا ترى ~~للرعية غير رغائب، وهكذا يموه «القذر والمدر» بالتبر، وتمثل ألمانية في ~~هذه المرة بيهوديين؛ وذلك لأن ما تلاه سيمسون هو بقلم لاسكر، وقد قال الملك بعدئذ: ~~«أراني مدينا للهر لاسكر دين شرف!» # وفي تلك الأيام - حين إقامة الإمبراطورية - يقبض على بيبل وليبكنخت بتهمة ~~الخيانة العظمى، فهما قد جهرا بانتقاد الدستور الجديد، وهما قد رفضا الموافقة مع ~~ستة آخرين على قروض جديدة لحرب فتوح، وكان هدف وقفهما إبعاد الزعماء الاشتراكيين ~~من المعركة الانتخابية. # وكان على العاهل الشائب أن يمثل الفصل الثالث الذي هو أصعب الفصول؛ ففي اليوم ~~الثامن عشر من يناير أصدر ناظر القصر الدعوة الآتية، وهي: «سيحتفل بالتولية في ردهة ~~المرايا من قصر فرساي وقت الظهر، وستقام صلاة فور الإعلان»، وتكتب هذه الدعوة ~~بلغة ألمانية سقيمة، ولا يريد الملك أن يعترف بها، والملك قبل يوم رفض أن يكون ~~«إمبراطورا ألمانيا» مصرحا بأن من مقاصده أن يكون «إمبراطور ألمانية» أو لا ~~يكون إمبراطورا أبدا. # ويحاول بسمارك عبثا أن يقنع الملك بأن هذا ينطوي على ادعاء بالسيادة، ويذكر ~~بسمارك له مثال الإمبراطور الروسي الذي لا يلقب بإمبراطور روسية، ويجادل الملك في ~~هذا الزعم قائلا: إن ذلك خطأ في الترجمة، ويطلعه بسمارك على تالير لقب فردريك ~~فيه بالملك البروسي لا بملك بروسية، ثم يرجع بسمارك إلى نص كتابه الخاص الذي نسخه ~~ملك بافارية ليرسله إلى ملك بروسية، ويتكلم عن الفرق بين الأباطرة والملوك والأمراء ~~الناخبين والدوكات الأعظمين، ويذكره بسمارك بالسرادق الذي اجتمع فيه ملك ms360 بروسي ~~بإمبراطور، ويستعد بسمارك ليثبت لولهلم - بأمثلة تاريخية مستفيضة - أن احتفال الغد ~~لا يتضمن ارتقاء عرش، ويزداد الملك الشيخ غضبا فيصرخ قائلا: «لا أبالي بما كانت ~~الأمور عليه في الماضي، ولي أن أقول: كيف يجب أن تكون عليه اليوم، وكان للأمراء ~~الناخبين حق التقدم على أمراء بروسية دوما، ويكون الأمر كذلك فيما بعد!» # ولم يتمالك الملك أن صار ينحب # 8 # وينحط # 9 # وينوح «من وضعه القاطع للرجاء؛ وذلك لما عليه من توديع بروسية القديمة ~~العزيزة غدا ... ويصرخ الملك هائجا قائلا: إن ولدي من القائلين بنظام الأمور الجديد ~~من سواد فؤاده، مع أنني أتعلق ببروسية وحدها، فلا أريد نقل مقدار شعرة إلى ذلك ~~الاتجاه! ثم ينهض مغاضبا ويقطع النقاش ويعلن أنه لا يرغب في سماع كلمة حول ~~الاحتفال المقررة إقامته غدا»، وقد كانت هذه هي صرخة الإنذار لملك بروسية الأخير، ~~وقد صدرت هذه الصرخة عن ذلك الرجل الذي أقام سرير معسكره وقت الزحف الألماني في ~~غرفة مزخرفة من غرف قصر لأسرة روتشيلد، والذي جعل من الحمام فيه مكتبا له، ~~والذي غضب عندما نعت بالبطل المضرس # 10 # في الحروب، والذي ذكر الناس له نسور آل هوهنزلرن، فقال حانقا إنه ~~لا نسور في أشعرتهم. # وفي سنة 1848 رغب ولهلم في الاعتزال؛ إنقاذا لأخيه، وفي سنة 1862 رغب ولهلم في ~~الاعتزال؛ إنقاذا لشرفه في النضال حول الجيش، والآن في سنة 1871 أراد الاعتزال للمرة ~~الثالثة متنزلا عن العرش «تاركا كل شيء لفريتز»؛ وذلك لأن جميع عواطفه مع ~~بروسية، وذلك لأنه يرى ببصيرته ما يخشى من أبهة اللقب الجديد. # وكتب ولي العهد يقول: «بلغت من انحراف المزاج ما رأيت معه أن أتناول دواء، فقد ~~علمت أن الملك أراد عدم المجيء إلى مائدة الشاي في هذا المساء.» وماذا يحدث غدا؟ لا ~~أحد يعرف ذلك، غير أن إدارة ناظر البلاط أقوى من الملوك، وما تلقاه ولهلم من ~~تدريب كضابط بروسي قديم فيجعله يخضع وأنفه راغم، ففي صباح اليوم التالي يشرف ~~ولي العهد على الأمر، ويدخل ردهة المرايا ms361 أصحاب المقام الرفيع وستون من حملة ~~الأعلام وستمائة من الضباط وبعض رجال الكتائب، ثم يصل أمراء ألمانية ويصل ~~الملك ولهلم في أثرهم، وما كان أحد يعرف الرمز الذي يريد أن يكون به إمبراطورا، ~~وعليه أن يبتده أهم أمر هنالك؛ أي عليه أن يعين انتظام الأمراء من فوره ~~هنالك، ويفعل ذلك رسميا، ويفعل ذلك متواضعا فروسيا، وبعد يوم يصف الوضع بأسلوبه ~~المستقيم الآتي: # لم أك لأزعج نفسي بالتدابير الحربية، ولم أك لأعرف أين الرايات، وأراد ~~هؤلاء السادة إجلاسي على عرش فنهيت عن ذلك، وأردت أن أظل في الاحتفال ~~واقفا بين الأمراء أمام الهيكل، ولكنني أبصرت رفع أعلامي وراياتي فذهبت إليها ~~بحكم الطبع لما يجب من وجودي بجانبها، وكانت هذه الأعلام والرايات من الكثرة ~~ما عسر معه على الأمراء أن يجدوا مكانا لهم فاضطروا إلى الوقوف تحتي، ~~وهنالك جعلتهم أول الصاعدين. ومما سرني أن جعلت خلفي رايات فرقة ~~الحرس الأولى، وهي الفرقة التي التحقت بها عند انتسابي إلى الجيش، وراية ~~فرقتي الخاصة المؤلفة من رماة القنابل، ورايات كتيبة الردفاء التي كنت ~~قائدها الأول لطويل زمن، وهكذا حالت الرايات دون الوقوف أمام الهيكل فأقبل ~~هنالك عهدي الجديد الثقيل، وكل ما يؤسفني هو أن كانت رايات كتائب الحرس ~~بأسرها غير موجودة في ذلك المكان! # وبعد أن دحر الهيكل العرش، وبعد أن دحرت الرايات الهيكل، وبعد أن دعا ~~الإمبراطور الجديد أبناء عمه من ذوي التيجان ليقفوا على مستواه، وبعد أن فصل ~~الإمبراطور الجديد عن أصحاب التيجان هؤلاء بالأعلام لم ير القسيس أن يتلو دعاء ~~مختصرا كما كان قد أمر، بل أتى بوعظ حول لويس الرابع عشر وبخطبة حول اليوم الثامن ~~عشر من يناير فأغضب بسمارك بما ينم عليه هذا اليوم من «الوثنية البروسية الأثرية» ~~ثم تقدم المستشار بسمارك وتلا البيان الذي بدئ ب «نحن ولهلم، ملك بروسية ~~بنعمة الله، بعد أن دعانا أمراء ألمانية ومدنها الحرة بالإجماع إلى تحديد مقام ~~الإمبراطورية الذي غدا شاغرا منذ أكثر من ستين سنة وأن نحمل عبأه، نبلغكم ~~أننا نعد ms362 من الواجب علينا تجاه جميع الوطن أن نلبي دعوة أمراء ألمانية الحلفاء ~~ودعوة مدنها الحرة فنقبل اللقب الألماني الإمبراطوري.» وهذا البيان موجه ~~«إلى الشعب الألماني»، ولم يعد الشعب فيه حد المستمع، ولم يكن شأن الشعب فيه ~~غير سلبي، ولم يذكر الريشتاغ فيه قط، وهكذا يذاع في أواخر القرن التاسع عشر ~~بيان رسمي على العالم قائل: إن أمراء ألمانية اختاروا إمبراطورا كما كانوا يصنعون ~~في القرون الوسطى. ~~«وبسمارك عندما نطق بالكلمات الأولى، كان صدره يلهث هياجا، وكان شاحب اللون، ~~وكانت أذناه خاليتين من الدم فتبدوان شفافتين، وبسمارك قد لفظ بالجمل الأولى»، ~~وهذه الكلمة هي من شهادة طبيب كان حاضرا ذلك الاحتفال، ومن المحتمل أن كان المستشار ~~بسمارك كثير الهيجان بمجاوزته تلك الزاوية الخطرة، وولي العهد مع ذلك يروي خلاف ~~ذلك فيقول إن بسمارك «بدا رجل جد فلم يظهر عليه أثر للحماسة ولا للكآبة.» ويقول ~~فردريك معقبا الهتاف الذي عقب البيان: «كانت تلك الساعة مثيرة إلى الغاية، وقد ~~ركعت أمام الإمبراطور وقبلت يده فأنهضني وعانقني بوجد عظيم، ولا أقدر على ~~وصف حالي النفسية.» وولي العهد يلاحظ مع ذلك ما كان لعمله من أثر فيقول: «حتى إن ~~حملة الرايات أبدوا وجدا صادقا.» # ويشد العاهل المحنك حيله # 11 # لما ليس في ذلك المظهر الروائي ما يروقه طويل زمن، ويغادر العاهل الدكة، # 12 # ويدل اتجاه خطواته ونظراته على أنه يقصد الرجال الذين أتوا مثل تلك ~~الأعمال، ويكون القواد مواجهين للأمراء، ويبدو في وسط المسافة بين الفريقين رجل ~~واقف هنالك، يبدو المستشار بسمارك منتصبا هنالك، ولا يزال بسمارك حاملا للبيان ~~منتظرا؛ وذلك لأن التصافح الذي لا بد من وقوعه الآن هو رمز، ولن يركع بسمارك كما ~~صنع ولي العهد، فبسمارك يوالي عاملا لا عابدا، وبسمارك يوالي متوترا لا ~~مترهلا، ولبسمارك كل الحق في انتظاره أن يقابل بالشكر الصامت أمام مئات من ~~الناظرين، ولكن بسمارك مع كل ما وقع لا يزال غير عارف بمولاه الشائب، وما كان ~~ولهلم راغبا في نصبه إمبراطورا قط، وود ولهلم أن يكون ms363 لقبه إمبراطور ~~ألمانية لا إمبراطورا ألمانيا، إذا ما حمل على حمل لقب إمبراطور، فيكون بسمارك ~~قد نغص على ولهلم صفوه في ذلك الاحتفال إذن! وليتجاهل ولهلم هذا المسيء ~~فيمر أمامه من غير أن يلتفت إليه إذن! وليقتصر ولهلم على مصافحة القواد ~~وحدهم إذن! # وكانت تلك الساعة أظهر ما بدا فيه ضعف ولهلم الأول؛ لا لأنه تجاهل جهرا ~~ذلك الرجل الذي أوجب بعقله المبدع جميع ما وقع، بل لأن عناده - وهو عناد شيخ - ~~جاوز ما يخالج فؤاده، وولهلم الأول في ساعة ضعفه تلك أرى الأمراء وحملة ~~الرايات والصحافيين والقواد (ومعظمهم أعداء للمستشار أو من حساده أو ممن ديدنهم # 13 # الثرثرة فيذيعون غدا ما حدث اليوم) من يفضل ومن لا يحتمل، والوزير ~~إذ وقف وحده في عزلة رمزية صار يتعذر على كل واحد من الحاضرين أن يغضي عما ~~أهين به، وما انعكس اليوم على مئات مرايا الردهة ينعكس في الغد على ألوف ~~الأفئدة ... # ويقابل بسمارك الإهانة رابط الجأش، ويكتفي بتسجيلها لعدم تأثيرها في العلاقات ~~السياسية، ويقول بعد أيام قليلة: «عادت الصلات بيننا إلى ما كانت عليه بالتدريج.» ~~ونداوم قليلا على الكلام عن الملك حول ذلك اللقب الرفيع الذي ما فتئ بسمارك يستعمله ~~فنقول إن الملك رضي باللقب الإمبراطوري الذي غرز فيه، ويجد الملك ما ~~يعزيه بدرجة الكفاية في الإساءة التي عامل بها بسمارك حينما نودي به إمبراطورا، ~~ومن عادة الملك إعادة الوثائق منتفعا بالغلاف الذي يأخذها فيه، وينجز الملك عمله ~~في ذلك المساء - كما في كل يوم - ويقرأ الملك على الغلاف جملة «إلى صاحب الجلالة ~~الإمبراطور، من مستشار الجامعة.» ويمحو الملك كلمة «الجامعة» ويضع كلمة «الإمبراطورية» ~~في مكانها. # وهكذا تبدأ الإمبراطورية الألمانية عملها باحتراز واقتصاد وعدم فخار. # وإلى زوجه يكتب رون الذي أقصي عن الاحتفال قوله: «رجوت أن يشرح صدر بسمارك - ~~ولو موقتا - بولادة مباركة لإمبراطور جديد، ومن المؤسف أن يكون الأمر غير ذلك.» ~~وإلى زوجه حنة يكتب بسمارك قوله: «اغفري لي ما كان من تأخيري كتابة شيء إليك، فقد ~~كانت ولادة ms364 الإمبراطورية أمرا عسيرا إلى الغاية، وقد أخذت الغيرة العجيبة من نفوس ~~الملوك في تلك الأوقات كما تأخذ من نفوس النساء قبل أن يضعن ما لا يقدرن على حفظه ~~فيهن، وقد عهد إلي في تمثيل دور القبيل # 14 # فوددت - غير مرة - لو كنت قنبلة فأنفجر حتى يصير البناء هباء ~~منثورا»، وتمضي ليلتان على الاحتفال، فيجادل عند تناول العشاء حول الفرق بين ~~«الإمبراطور الألماني» و«إمبراطور ألمانية» فيلزم بسمارك جانب الصمت في بدء الأمر، ~~ثم يسأل: «أيعرف أحدكم كيف عبر فورست # 15 # عن نفسه باللغة اللاتينية؟ أمهزأة؟ أمهزأة؟ لا أدري أي المهازئ أصلح ~~لي!» # الجزء الرابع # | المسيطر # جعل بسمارك من ألمانية بلدا كبيرا، ومن الألمان شعبا صغيرا. # ج. فون بنسن # | الفصل الأول # «يكون الكونت بسمارك-شونهاوزن شاكرا للنائب، إذا ما تفضل فأتى لزيارته ~~في الساعة التاسعة مساء من كل سبت بعد اليوم الرابع والعشرين من شهر أبريل ~~وفي جميع دورة الريشتاغ.» # ألقيت هذه الدعوة للمرة الأولى بعد افتتاح ريشتاغ شمال ألمانية، فأثارت بلبلة ~~بين ممثلي الشعب، ومن هؤلاء من فرح بهذه البدعة، ومنهم من عارضها بشدة، ويقول ~~سيمسون: «ومما لا ريب فيه أن علينا أن نلبس ثياب السهرة وأن نحافظ على مقتضى ~~المقام.» ولم يرد بسمارك ثياب سهرة ولا مقاما بحكم الطبع، وكان بسمارك يهدف إلى ~~إقامة ندوة سياسية أسبوعية حيث «يسوى في عشر دقائق، وفي زاوية من الردهة، ما ~~يقتضي استيضاحا في الريشتاغ.» # وبسمارك من ناحيته قد انقطع عن قبول الدعوات منذ زمن، وبسمارك من ناحيته صار لا يذهب ~~إلى البلاط إلا نادرا مفضلا لبس سترة طويلة فلا تبدو ربطة قبته # 1 # تقريبا، أو لبس بزة مختلطة القطع موجبة لتبسم مولتكه، وهكذا ترى ~~في نروزة # 2 # هذا الرجل المدلل المتهارم وعتو هذا الرجل المطلق ورغبته في أن يكون ~~داعيا لا مدعوا وفي ألا يشكر لإنسان حوافز إلى استقبال أعدائه عن حساب ودهاء تحت ~~سقفه في كل أسبوع. # وفي أعوام الحروب عد بسمارك فيرشوف ودنكر أشد عداوة له من نابليون الثالث ~~وفرنسوا جوزيف، والآن ms365 حينما أخذ بسمارك يدخل في العقد الثاني من سلطانه وهو عقد ~~السلم؛ أبصر الريشتاغ يؤلف جبهة واحدة ضده، وما كان من وقوف بسمارك وحده أمام ~~المئات من الأعداء فقد قوى تحرقه إلى الكفاح، وما كان بسمارك ليرضى بإغلاق دار ~~أعدائه ووضع المفتاح في جيبه. # وقد أراد بسمارك معارضة علنية، ولم يكن بال بسمارك ليهدأ إلا إذا وجد شيئا ~~يتذمر منه، ولو كان بسمارك عاهلا مطلقا لبحث عن أسباب للاحتكاك، وسنرى بسمارك في ~~السنين العشرين القادمة متضجرا دوما متذمرا دوما، وسنعرف أن حس الاحتكاك في ~~بسمارك ينطوي على سر الدوام في قوى هذا المناضل الحيوية، ومن شأن المنازعات ~~الداخلية التي كانت تتجدد بلا انقطاع أن تجدد عزمه على الخصام في الخارج. # وفي عدم ملال بسمارك من الكفاح أعمق تفسير لزلاته، وبسمارك لنمو كرهه الناس ~~مع السنين، وبسمارك لأنه لم يسطع أن يتنزل عن شيء لبقاء خصم أو ألمعية عدو، ~~وبسمارك لأنه رغب عن المفاوضة بالتدريج، وبسمارك لأنه تدرج إلى الأمر والنهي، ~~غاب عن عينيه ما طرأ على روح العصر من تحول، فكان غافلا عن أفكار الآخرين ~~ورغائبهم وعن أفكار الطبقات الأخرى ورغائبها. # وفي الصلات الخارجية لم يقدر بسمارك الخصم بأقل مما هو عليه، فكان لا ~~يزج إلا بقوى أعظم من قوى العدو وبمدافع أثقل من مدافعه وبمحالفات أقوى من ~~محالفاته، وفي الداخل يبدأ بسمارك بمغامرات خطرة في الوقت العتيد، وقد تم الفوز ~~لنظام بسمارك اللادستوري فزاد بسمارك ازدراء لقدماء خصومه وجددهم غير عالم أن ~~هؤلاء الخصوم سيقهرونه في نهاية الأمر، وما كان من مدافع رون وبنادق مولتكه ونظام ~~البروسيين المطيعين فحمل أوروبة على التجاوز عن وضع بسمارك القوة فوق الحق، ثم ~~ينتقم منه قومه لوضع القوة فوق الروح. # ويقذف بسمارك أخلاقه في بلده، ويوفق بسمارك لجعل الريشتاغ عدوا له بدلا ~~من أن يكون آلة في يده، وينجح بسمارك في جعل الأحزاب تنفر منه بالتناوب، حتى ~~رسمه مصور معاصر هزلي مفترسا أولاده مثل كرونوس، # 3 # وفي الشئون الوطنية يعقد بسمارك - بواقعيته القاسية ms366 - محالفات وينقض ~~أخرى كما كان يراه ضروريا في الحين بعد الحين في الأمور الخارجية، وكلما مر الزمن ~~جعل بسمارك جميع طبقات المجتمع في شك منه ما انحرف في كل خمس سنين، وعند كل ~~انتخاب، ضد طبقة من طبقات الأمة. # وعلى ما كان من إثارة عبقرية بسمارك لإعجاب جميع أوروبة ومن تحول هذا الإعجاب إلى ~~إجلال؛ كانت سياسته الاستبدادية في البلاد تغيظ الشعب فيعجز هذا الشعب عن إدراك ~~براعته في الأمور الخارجية، وبسمارك في الأمور الخارجية كان قادرا على الجلوس وحده ~~ليلاعب الدول العظمى صامتا غير مسئول تجاه أحد غير الملك الشائب الذي كان يقطره ~~بسمارك وراءه، وبسمارك كان يرفض بعض ما يطلب الريشتاغ عن ضغن على هذا الزعيم أو ~~ذلك الزعيم، كما كان الريشتاغ يأبى الخضوع أمام إرادته عن حقد عليه، والرجل ~~يمكنه أن يكون طاغية أو برلمانيا، والرجل لا يمكنه أن يكون طاغية وبرلمانيا ~~معا. # وفي مساء كل سبت تزدحم بممثلي الأمة رداه منزل المستشار بسمارك ذات الرياش ~~البعيد من حسن الذوق، وإلى هنالك يأتي بعض أعضاء المعارضة بفعل مغنطة خصمهم ~~العظيم، وبانجذابهم إلى مائدته الفاخرة التي يجهزها بأطيب طعام وشراب، وهو يرحب ~~بضيوفه بأدب جم وتبجيل مقصود، وهو يعرف زائريه شخصيا وإن لم يذكر أسماءهم ~~دوما، فيحفزه هذا إلى أن يقول إن عينيه تعملان بضبط كبندقية عصرية وإن ذاكرته هي من ~~البطء وعدم الدقة ما تشابه به بندقية زندية، # 4 # وإذا عدوت حسن السلام عند الوصول وجدت ارتفاع الكلفة، ولا يقدم ~~أحد إلى آخر هنالك، ويذهب من يريد إلى دن # 5 # جعة ميونيخية فيفصد فوده # 6 # فيأخذ ما يود، ويندر أن تأتي سيدات فيقيدن حرية السهرة، ~~فإذا ما حان منتصف الليل تكلم رب البيت أمام عدد كبير من الناس عن أمور مضت ووضع ~~خططا للمستقبل منتحلا وضع الراصد بين رفقاء راغبين في الارتفاع إلى مستواه. # وهنالك تراه جالسا متكئا على كرسي طويل ممسكا غليونا # 7 # ألمانيا طويلا بيده اليمنى محاطا بجبل من الجرائد لا ينفصل عنه ~~أبدا، ويتفرس ms367 في بضع عشرات من ضيوفه منتبها إلى خصومه منهم على الخصوص، وهو لا ~~يحمل سلاحا ولو كان لابسا بزة عسكرية معتمدا على وجود حرس صادق قريب منه، وترى ~~بجانبه كلبين دانيماركيين كبيرين رقيبين مستعدين للصراع شاعرين بأنهما في ~~الخدمة في تلك السهرات البرلمانية تجاه تلك الوجوه المائة، أو الأكثر من المائة، التي ~~لا تنم على حسن العاطفة، ويكتب صديق للأسرة قائلا: «إنه يأكل ويشرب كثيرا في تلك ~~الأحوال، فإذا ما أحضر غليونه اتخذ وضع شيخ جليل بين تلاميذه.» # ولأولئك الذين هم مجتمعون حوله رءوس مختلفة ناشئة عن مصاير مختلفة، وهنالك رجل ~~أهيف نحيف نشيط أحمر الوجه أسمر اللحية عالي الجبهة أصلع الجبين لامع العينين، ~~ينم ما في ملامحه من ود وما في مظهره من جد على إنسانيته، وينم بعض أوضاعه وما ~~في وجهه من ندبة كبيرة على أنه ضابط شريف، والواقع أنه جامع لهذه الأمور الثلاثة، ~~واسم هذا الشخص هو رودولف فون بنيغسن، وهو من أحسن رجال دوره وأقدر رءوس ~~عصره. # ورودولف هذا متحفظ شهم نبيل مخلص كرون، ورودولف هذا فطري متواضع وإن لم يبخس ~~مقدرته الخاصة، ورودولف هذا قد برئ ليقود بلدا بأسره، وهو لتردده في دخول ~~الوزارة في الأوقات الحاسمة تراه يخصص حياته لزعامة حزب يمثل فيه دور الوسيط ~~المطبوع مروجا لهذا الحزب بما يلقيه من خطب نادرة جزيلة وبمواظبته على اللجان ~~وبصلاته الدائمة بزملائه الذين يوفق بينهم في كل وقت. والحزب نفسه هو حزب وسط، هو ~~حزب الأحرار الوطني، وردولف يشغل في هذا الحزب مكانا بين أقصى طرفيه. # وبسمارك يجد رودولف لينا إلى الغاية، وبسمارك ينفر من قوة عاطفة رودولف وقلة ~~حماسته، وبسمارك على حق في عده رودولف ألمانيا خياليا أقدر على التفكير مما على ~~العمل، ولا غرو، فقد عزم رودولف على الجلوس بين الطلاب في غوتنجن للتعلم ابنا ~~للسبعين من عمره. # ورودولف هو ابن جنرال من سكسونية الدنيا، ورودولف هو ابن أسرة قديمة كآل بسمارك، ~~والمستشار بسمارك يحمل له احتراما لهذا السبب، ورودولف قد غادر وطنه ms368 هانوفر من أجل ~~ألمانية ومن غير أن يحب بروسية، وبسمارك الذي ضم هانوفر إلى بروسية يمكنه أن ~~يدرك هذا، وبسمارك يدعو رودولف في الحين بعد الحين ب «الصديق المكرم»، ويقود رودولف ~~أناسا لا يناضلونه بلا قيد عندما يرغبون عن اتباعه، ولا يفقه بسمارك أمرا كهذا ~~وينعت بسمارك بنيغسن بالرجل الغبي عند حدوث ذلك. # وترى بجانب بسمارك رجلا أوعر من ذلك وأفتر، ويدل قوامه الطويل على ثبات عزمه، ~~ويكون له بشعره الرمادي الأشعث طابع معين، وهذا الرجل العبوس الأنوف ~~الصوال - كبسمارك - هو ولهلم فون كاردوف، وهو أصغر سنا من المستشار بسمارك، ~~وهو إذا لم يلبس نظارته بدت عيناه العسليتان حادتين ثاقبتين كعيني بسمارك. ~~ونحن إذا ما نظرنا إلى ملامحه البرونزية أبصرنا لون أنفه الأبيض الضارب إلى زرقة، ~~فعلمنا أنه مصنوع؛ وذلك لفقده أنفه الأصلي في مبارزة قام بها أيام كان ~~طالبا. # وقد وقف نظر بسمارك مزاجه واستعداده، وما فطر عليه من تصميم على أن يكون ~~مستقلا فقد أنقذه من براثن بسمارك، وهو ببقائه مستقلا يمكنه أن يظل موائما ~~لبسمارك مخلصا لآل صديقه حينما يولي الأشراف الآخرون وجوههم شطر الشمس الجديدة، ~~وكان فكر كاردوف أكثر تنقلا من أبناء طبقته فأخذ مكانه بين أحزاب اليمين، ويرغب ~~كاردوف - غالبا - في النزهة في الجو الحر مغامرا، ويتعلق كاردوف بالمبادئ ~~الاقتصادية السائدة لشرق الإلبة، فيبدو ذا تأثير في انتحال بسمارك لسياسة الحماية ~~الجمركية. # وتبصر يهوديا بين هؤلاء الألمان الأريستوقراطيين، فهذا اليهودي نحيف أسمر ~~اللون مع قسمات مستدقة، واسم هذا اليهودي هو إدوارد لاسكر، وهو لدة ~~بنيغسن، وهو كهذا الأخير قد تعلم الركوب والمسايفة حينما كان يعيش في ملك ~~الأسرة، ولما كان لاسكر صبيا درس التلمود في مدينة صغيرة ببوزن، ونقل إلى العبرية ~~نظما كتاب «تقسيم الأرض» لشيلر، ولذا لا عجب إذا ما غدا من فوره منافسا ~~لبنيغسن كمحام بارع ورجل حصيف وزعيم للحزب الجذري، # 8 # وهو أفضل من بنيغسن ناقدا ومجادلا وخطيبا، وكان قيام دولة دستورية ~~مثله الأعلى على حين كان بنيغسن يميل بمثله الأعلى إلى ms369 قيام دولة وطنية، ~~وكانت له ميول اشتراكية، ولكنه لم يكن دون بنيغسن وطنية، وكان إيجابيا في ~~أهدافه، وكان رجلا ذا مطالب قليلة، وكان ذا مزاج استبدادي، وكان مضادا لبسمارك ~~لهذا السبب، وبسمارك هو الذي كان يفضل أن يرى حوله أناسا سمانا لينين على أن ~~يرى حوله رجالا نحافا غيورين. # ورجل من عرق لاسكر وحزبه يستمع إليه مرتابا مصفرا، وهذا الرجل هو لودفيغ ~~بانبرجر، وهو شيخ ضيق الصدر مدور الكتف، ومن ينظر إليه في هذه الأيام حين صار ~~نحيفا منهوكا لا يصدق أنه كان نشيطا في سنة 1848، أو أنه كان ذا قوى بدنية، أو ~~أنه استطاع أن يمثل دورا في الحياة العملية ولو كان صغيرا، ولا بد من أن يكون ~~قد أبدى غيرته في حقل البيان وحده. # ولكن لودفيغ بانبرجر وإن كان مسلولا دخل صفوف الجذريين بحماسة، وهو لما قام ~~به من أفعال فيما مضى فر من بروسية مفكرا في الذهاب إلى أمريكة، ثم بقي بلندن ~~في نهاية الأمر عائشا عند أقرباء أغنياء، ويعين موظفا ثانويا في مصرف لهؤلاء ~~حينما كان في السادسة والعشرين من سنيه، ويغدو غنيا وينتقل إلى باريس وتلقي ~~روحه الجوالة مرساها في مدينة النور هذه حيث يفتنه الذكاء الفرنسي والأسلوب ~~الفرنسي والتهكم الفرنسي وحسان فرنسة، وفي باريس تفتح له جميع الأبواب نصيرا ~~للفنون. # وهذا الرجل لما كان من تمثيله دورا فعالا في الحياة؛ صار يعد الحياة مسرحا ~~لا يظهر فيه إلا عندما يكون طيب المزاج، وهو إذ كان امرأ لا وطن له، وهو إذ كان ~~ضيفا مقبولا لدى كل حضارة؛ صار عارفا باللغة الفرنسية تكلما وكتابة كما ~~يعرف لغته الأصلية، ووجد لمواهبه المرنة في الملاحظة والاشتراك مجالا ملائما في ~~باريس. ويعود إلى ألمانية بعد الهدنة ويصبح من الأحرار الوطنيين، ويقف موقف الحياد ~~تقريبا ما دامت الحرب قائمة، ويكتب إلى مراسل صديق قوله: «في باريس تتفتح زهرة ~~الروائية الكاثوليكية، وفي فرساي حيث المقر الألماني العام تتغلب جذرية طريف، ~~وتبدو باريس حصن الباستيل الذي فتح عنوة، ويمثل فافر وغنبتا ms370 مبدأ الشرعية، ~~ويمثل ولهلم وبسمارك مبدأ الثورة.» # ويدعى إلى المقر العام مع كل ما تقدم؛ وذلك لميل بسمارك إلى الإفادة من معرفته ~~الكبيرة في أمر البنوك، ويخلو بانبرجر من الغرض فيصف بسمارك بقوله: «إنه مزيج من ~~الفارس ستيوارت والملازم البروسي والشريف الألماني ودون كيشوت الإسباني.» والآن - كما ~~في المستقبل - يعترف بانبرجر بعظمة المستشار بسمارك وإن لم يسطع بسمارك أن ~~يطيقه. # وهنالك رجل يكرهه المستشار بسمارك أكثر من كرهه لبانبرجر، وهو رجل شاب ~~ملتح، وهو لا يزوره إلا نادرا. ولنا أن نعتقد أن بسمارك لا ينام في هذه الليلة لأن ~~الرجل أوجن ريشتر واقف خلف الآخرين قليلا، ولأن بسمارك يحدق إليه من خلال نظارته ~~اللامعة متقصيا ناقدا، وريشتر يتصف بالصحة والفتاء وحب النضال فيقف نظر ~~بسمارك الشائب ويثير غيرته. # ولريشتر وقوف صادق بالأمور، وريشتر نزيه، وريشتر يلزم مبادئه بلا هوادة، وريشتر هو ~~ضحية بسمارك في سنوات الصدام. وريشتر يعزل من منصب عميد الناحية ويمنع من ~~الوظيفة ومن راتب شيخ البلد؛ لأنه كتب ينتقد تصرف الشرطة الاستبدادي، ويصير ريشتر ~~صحافيا ويعارض لاسال لمفاوضة لاسال لبسمارك رأسا، ويميل ريشتر إلى الشيوعية، ولا ~~يريد ريشتر لنفسه شيئا ولا يطالب بسلطان، بل يبغي تقدم القضية، ويرقب ريشتر بسمارك ~~بعد سابق رقابته لاسال، ولا يحط ريشتر من قدر الشرفاء أكثر مما يحط به ~~قدر صاحب المقام العظيم الشريف بسمارك؛ ولذا يغادر بسمارك البهو عندما يبدأ ريشتر ~~بالكلام. # ويقرأ بسمارك نقد ريشتر في الصباح عند تناوله طعام الإفطار، ويوجه هذا النقد ~~مثلا إلى أمر خاص بالجيش معزز بالأرقام كاشف لبعض الأمور، ويهرع بسمارك إلى ~~الريشتاغ ليرد الضربات فيقول: «إن من دواعي الأسف أن يعيش الهر ريشتر في البيوت ~~وبين الجرائد فلا يعرف عن الحياة العامة إلا قليلا، ولا يعرف هذا الأوتوقراطي من ~~الحزب الديمقراطي غير المبالغات وبث الأراجيف.» وهنالك يتخذ ريشتر وضع المهاجم ~~الهادئ فيقول : «وهل السيد مستشار الريخ يعرف؟» # ومن المحتمل أن كان المستشار الإمبراطوري بسمارك يبصر وراء ذلك الضيف ظلي ~~رجلين آخرين كطيفين، كشبح بانكو ms371 # 9 # حول المائدة، ويفضل ذانك الرجلان عدم المجيء إلى هنالك أبدا؛ وذلك لأنه ~~وإن لم يقع معهما نقاش يشعر بحقد عميق بين عالمين لا يوفق بينهما: «أنا» ~~أو «أنت»، وأما «نحن» فأمر متعذر، ويمكن أحد الخياليين ولهلم ليبكنخت أن ~~يعد من الأجداد ما يعد بسمارك، وإذا ما صنع هذا أوصل سلسلة نسبه إلى رجل أشبه ~~ببسمارك مما بأجداد بسمارك الفرسان النهابين، إلى لوثر، كما يستطيع أن يوصل نسبه ~~إلى كثير من علماء ألمانية الذين ورث عنهم أفكارا وحبا للبحث، وقضى أورفاند ~~شبابا شديدا، وكان يمكن هذا الطموح أن يكون سهل العمل في وقت مبكر لو اقتفى آثار ~~الآخرين من أبناء طبقته ووقف عند تقاليدهم! ولكن عمرته # 10 # تنطوي على نحلة فيريد الخير لجميع البشر لا لطبقته فقط؛ ولذا نفي في ~~العشرين من عمره كشيوعي، وإليك زوريخ، وإليك باريس، وإليك سنة 1848، وإليك فتنة بادن، ~~ويرفع راية الجمهورية ابنا للثانية والعشرين، وهو لم ينج من الموت رميا بالرصاص ~~مع شركائه في المؤامرة إلا مصادفة، وقد حدث بعد سبعين سنة أن قتل ابنه؛ لأنه ~~اشترك في تأسيس الجمهورية. # وأي حياة يقضيها مثل هؤلاء الرجال! هم يرون أنفسهم أمام قضاة معادين دوما، هم ~~يحيط بهم سجانون عاطلون من العاطفة، هم يحشرون في حجيرات ضيقة، هم لا يعرفون ~~الحرية في غير الخارج، هم يؤدون رسالتهم في وطنهم الذي يحبونه محبة الشرعيين له ~~مع ذلك. ولا ريب في أن على أعصاب بسمارك أن تعاني كثيرا من الهموم في أربعين عام ~~خصام، وقد سمعنا الشيء الكثير عن حسرات هذا المهيمن الذي خلق ليسود. # وهو يغدو مع ذلك ذا رخاء في أحوال حياته المادية يوما بعد يوم وعاما بعد عام، وهو ~~يصبح مع ذلك مالكا لقصور وغابات، وهو يستطيع مع ذلك أن يقيم مآدب فاخرة مشتملة ~~على ما يلائم شهوة طعامه، وترى الملك والشعب يمطرانه بضروب الهدايا والإكرام ، واسمع ~~الآن ماذا قال ليبكنخت لقضاته بأنفة: «أراني فخورا إذا ما بقيت حتى الآن فقيرا بعد ~~نجاح لا مثيل له.» ms372 والحق أن ليبكنخت عاد إلى ألمانية معسرا بعد نفي اثنتي عشرة ~~سنة، والحق أن حياة ليبكنخت لم تنر بغير الروح، فلا مال عنده ولا سلطان، ولا يملك ~~سوى الإيمان. # ولو حدث أن التقى الرجلان، بسمارك وليبكنخت، على طريق غابة بعيدة من غير أن يكونا ~~متعارفين سابقا لساد الاتفاق بينهما؛ فكلاهما محب للشجر وكلاهما عالم بالطير، ~~وكلاهما مولع بوطنه ألمانية، ولكن المثالي لم يعتم أن وصم بأنه شغوب، # 11 # ولكن الساخر لم يعتم أن عرف المؤمن، ولكن الحاسب لم يعتم أن أبصر ~~الحالم، وإذا كانت الطريق ضيقة لم يدع أحدهما الآخر يمر، ولا أحد منهما يود ~~الرجوع إلى الوراء، ولا مناص من تضاربهما، فكل واحد منهما مستبد. # وأوغوست بيبل أقل من مستبد، ولا تجد في شجرة نسبه ثوريا ولا خيريا، وإذا ~~نظرت إلى تراثه أبصرته طيعا، فهو قد ولد في حصن، وهو ابن لملازم ثان، ~~والنظام هو ما يجب أن يكون فارسا له، ولا شيء غير التعطش إلى المعرفة يقود تلميذ ~~الخراط إلى جمعية تعليم العمال، وهو إذا ما صار هنالك ذات مرة تمكن بذكائه ~~النير من إدراك السبب في سوء وضعه هو ومن على شاكلته، والسخط يحل عقدة لسانه، ~~ويحرض الرفقاء ويصل إلى الريشتاغ ويحاول متابعة أعماله، وبسمارك هو الذي يعد ~~له فرصة توسيع دراساته، فلما حكم عليه بالسجن في قلعة، وقد ولد في قلعة فلم ~~يرهبه ذلك، اجتمع بسجين آخر، اجتمع بليبكنخت الذي هو أكبر منه سنا، ومن هذا الرفيق ~~تعلم الأسس النظرية للقضية التي جاهد في سبيلها بعاطفته فخسر حريته من أجلها، ~~ويقضى على ليبكنخت وبيبل بالسجن سنتين، ويرى بيبل في هذه المدة ما يكفي لوقوفه على ~~تعاليم كارل ماركس الذي تخرج عليه ليبكنخت في لندن. # ويظل ابن الشعب عمليا جبليا أكثر من سليل العلماء، ويكون ذكاؤه أعظم وأوضح، ~~وتكون قوى النقد فيه أبسط وأقبل عند الشعب مما لدى صديقه الجديد الذي ظل شديد ~~الارتباط فيه على الدوام، وكلا الرجلين أخ في الإيمان، وكلا الرجلين أخ في التضحية، ms373 ~~وكلا الرجلين أخ في مجازفته بحريته وصحته، وفي الحين بعد الحين يألم بيبل الذي قضى ~~أكثر من خمس سنوات في السجن من الأرق نتيجة لارتجاج أعصابه، ويقول بيبل: «إذا وقع ذلك ~~فكرت في بسمارك الذي ألم أيضا من الأرق ومن الأوجاع العصبية.» # والأشباح تزول، ويستأذن الضيوف ويصافحون صاحب المنزل وينصرفون، وينهض من كرسي ذي ~~ذراعين رجل قصير القامة بعد أن لبد به في جميع السهرة، ويسير بخطا صغيرة نحو ~~المضيف، فيبدو قزما بجانب عملاق، ويمكن يدي العملاق أن ترضا يدي القزم، ~~ويمكن يدي القزم أن تتغلبا على يدي العملاق بقوى سحرية، ويحيي كل من ~~الرجلين صاحبه بوداد بدلا من ذلك، ولكن العملاق يتكلم وقت الفراق ليظفر بنبوءة من ~~القزم، واسم القزم هو فيندهورست، ويعلو جسمه المثير للرحمة رأس كبير، ويتصف ~~بفم عريض لا يفتحه إلا نادرا، ويرمق الخواء # 12 # بعينيه الشهباوين # 13 # الغائرتين ومن خلال نظارته الثخينة، وينظر بسمارك خافضا ناظريه إلى هذا ~~القزم المدخل يده اليمنى إلى صدر معطفه الأسود، ويبصر بسمارك نور الذكاء على ~~ملامحه، فلما تكلم القزم مجيبا كان ذلك بصوت ثابت غليظ إذا ما قيس بصوت بسمارك العالي ~~الرقيق. # والقزم، لضعف بصره كان يرهف أذنيه وذاكرته مضاعفا، وفي الريشتاغ يمكن القزم ~~أن يعرف صوت كل من يتكلم من فوق المنبر وأن يضمنه ملاحظة، والقزم إذا تكلم كان ~~ذلك من رأسه وبلا مفكرة، فيوفق لجعل الخصم محل سخرية في آخر الأمر لا ريب، ~~وللقزم كل الفائدة من كونه سليل سلسلة طويلة من الفقهاء، وما كان من صغر جسمه ~~وضعف باصرته الموروث فقد حفزه إلى تدريب ذهنه ليقوم مقام النقص في بدنه. # وهكذا، درس الشاب فيندهورست مثابرا في غوتنجن حيث كان ينفق بضعة قروش ~~ثمنا لغدائه، وحيث كان معتدلا إلى الغاية، وذلك حين كان الشاب بسمارك معتمدا في ~~ذلك المكان على قواه البدنية وعلى شجاعته مبذرا مال أبيه المعسر، وقد نشأ عن ~~ذلك أن صار فيندهورست قاضيا في محكمة الاستئناف العليا في الثلاثين من عمره، وذلك ~~حين كان ms374 بسمارك يحاول أن يؤثر في كونتسات بوميرانية بلهوه وركوبه الخيل، وما ~~إلى ذلك من الأمور المؤدية إلى الكوارث. # ويروي أصدقاء فيندهورست أنه كان متدينا مع تسامح، وأنه كان من المجون المقبول ~~ما لا يمثل معه دور رسول، وما كان لينقطع تنكيته الذي لا يلبث في أثناء الجدال أن ~~يشتد فيتحول إلى هزوء حتى بما هو خاص به، وما كان يكف عن السخرية من «جسمه ~~الصغير» و«دمامته» ضاحكا من هذين العيبين. # وكان كلفا بالموسيقى الخفيفة، وكان يناكد النساء منتحلا مثل مزاح القباح من ~~مضحكي قديم الأيام، ولكن مع عطل من مثل خبثهم التقليدي، ومظهرا لضعف أمثاله ~~إظهارا صحيحا مع عدم ازدراء لهم كما يصنع بسمارك، ومن المحتمل أن كان ذا كرامة ~~كالمستشار، وكان يعد مستبدا في الحزب السياسي الذي يرأسه، وكان يميل إلى عد ~~نفسه رجل دولة، وكان مع ذلك رجل دولة أقل منه برلمانيا ومحاميا كما قال صديق ~~له. # وكان ضمن هذه الحدود دربا لا مثيل له، وكان يبدو لا بدن له تقريبا، فلم يحتج ~~لحماية بدنه إلى إقامة الدليل على شجاعته كبسمارك، فكان يلوح أنه ممثل للسلطان الروحي، ~~وكان يبالغ في الحذر فلم يكد يكتب رسائل، أو كان يضرع إلى المرسل إليه أن يمزقها ~~حالا، وهو لعدم لبسه مسحا # 14 # كان له الخلاص بتواضعه. # وكان يمكنه أن يكون مكافحا من غير احتياج إلى حرارة رسول، وكان عليه في دورة ~~اجتماع الريشتاغ أن يقضي أيام الأحد في برلين، فيذهب في صباح كل أحد إلى كنيسة ~~القديس هدفيغ ثم يزور بليشرودر، وإذا نظرت إلى الطريقة التي يقضي بها فارس ~~الإيمان الدنيوي هذا يوم الراحة وجدتها من طراز خاص، ولكن من غير محاولته اقتناص ~~شيء لنفسه. # وفيندهورست وحده هو الذي كان ذا أثر شخصي في بسمارك؛ ولذا لم يشف هذا البطل ~~المقهور من غلبه، قال بسمارك: «ليس الحقد أقل دفعا من الحب في الحياة، فكل من ~~الشخصين - زوجي وفيندهورست - ضروري لي.» # | الفصل الثاني # تتراكم الغيوم المتوعدة في الأجواء نتيجة للانتصارات الثلاثة، ويعرف ms375 بسمارك ~~الأخطار القادمة في الحين بعد الحين فيعتقد قدرته على اتقائها، وكان ملك بروسية قد ~~قال منذ عشرين عاما إن بسمارك يصلح أن يعين رئيسا للوزارة «في وقت يكون الحكم فيه ~~للحراب.» ومنذ عشر سنين يسلم الملك الحاضر مقاليد ذلك المنصب إليه مع الارتياب، ~~راغبا في رجل قادر على تدبير أمور الوطن. # وبسمارك من ذلك الحين سار جبارا في الخارج فنال ثلاثة انتصارات، وهل نعجب بعد ~~ذلك من عودة هذا الرجل إلى نقطة الابتداء فيرى في نفسه من القوة ما يمثل به دور ~~الطاغية؟ وهل نعجب من أن الحبوط سيكون نصيب هذه المحاولة؟ وهو إذ كان فخورا ~~بتحرره من كل مذهب لم يوفق لمعرفة ما في عدم استناده إلى أي مبدأ فلسفي من ~~خطر، وهو إذ كان مزدريا للأحزاب الكثيرة المتصدية له لم يوفق لملاحظة عدم وجود ~~حزب يدعمه، وهذا الباني العظيم إذ رجع غضا من ميادين القتال عاطلا من مبادئ ~~اجتماعية أساسية، لم يبد أهلا لتنظيم داخل بيته. # وفي اعتداد بسمارك بنفسه أعمق سبب لحبوطه، وبسمارك إذا ما فكر حول الدول وجد ~~نفسه تجاه خصوم في مثل وضعه، فكان أمره كلاعب الشطرنج الذي يرى أمامه من القوة ما ~~يجب عليه أن يداوره ويقضي عليه، وبسمارك إذا ما كان عليه أن يعالج شئون الوطن بدا ~~واثقا قبل بدء اللعب بأن الغلب له على خصومه معرفة ونشاطا وكيدا، وفي الخارج دول ~~كبيرة عليه أن يقهرها، وفي الداخل أناس صغار لا يجرءون على الجواب، وفي الخارج يقف ~~بسمارك بين أمثال يحق لهم أن يكونوا خصوما لألمانية، وفي الداخل لا يدرك أحد ما هو ~~ألماني خيرا من بسمارك، فلا ينبغي لأحد أن يعارض خطط هذا السيد التي تؤدي إلى ~~عظمة البلاد ولا أن يزعم وجود ما هو أصلح منها. # وبسمارك يكون متفننا حول وضع ألمانية في أوروبة، وبسمارك يكون طاغية حول المسائل ~~الاجتماعية الأوروبية إذا ما لاحت في ألمانية، وبسمارك إذ كان متعودا توجيه ذهنه ~~إلى عظائم الأمور لا إلى الأفكار، وبسمارك إذ ms376 كان متعودا تقدير الأمور الحربية لا ~~المدنية؛ تجده منوعا مقيما سلطانه المطلق في الداخل على صخرة من برونز. # وأول عراك يقع بينه وبين الكنيسة. # فمما وقع ذات يوم في فرساي أن واجه المستشار أسقف مايانس، وكان هذا الأسقف من ~~ذرية أشراف الكاثوليك، وكان لابسا حلة الكهنوت فيقابل الشريف اللوثري اللابس ~~بزة عسكرية، ويريد الأسقف إدخال بضع مواد إلى دستور الريخ حامية للكنيسة ~~الكاثوليكية الرومانية، فلما عجز عن نيل ما يود حول الحديث إلى العقيدة: # الأسقف: «تكون الضمانات للكاثوليك بعد الموت يا صاحب الفخامة أعظم مما لسواهم.» ~~صمت وتبسم. «أو أنتم تفترضون أن الكاثوليكي لا يمكنه إنقاذ روحه.» # بسمارك البروتستاني: «لا ريب في نجاة الكاثوليكي العلماني، # 1 # ولدي ريب في خلاص الإكليريكي؛ فهو قد اقترف خطيئة تجاه الروح القدس، ~~ويدينه نص الكتاب المقدس.» # ولا يجيب الأسقف عن هذه الدعابة بغير الانحناء ساخرا، ويتفرس كل من القطب ~~السياسي اللابس بزة جنرال والأسقف اللابس حلة الكهنوت في الآخر باسما، ولكنه ~~كان يستتر تحت ابتسامة بسمارك الرياضية مشاعر داوية مضادة للكاثوليك، وبسمارك في ~~الوقت نفسه كان يفكر في دعوة البابا، الواقع الآن تحت وعيد «ملك اللصوص» إلى كولونية ~~أو فولدة معتقدا «أنه لا شيء يمكنه أن يبدد أوهام الألمان وينير بصائرهم ~~بسرعة أكثر من مشاهدتهم مطبخ الكهنوت في قبضتهم». # ومن خلال ذلك، ومن خلال غير ذلك، نبصر قلة فهم بسمارك للقوى الأدبية، أجل ~~إن بسمارك كثير الاطلاع على التاريخ، ولكننا نجد نقصا في وقوفه على تاريخ ~~الكنيسة. # والحق أننا لا نعنى هنا ب «محاربة الظلام»؛ أي بالكفاح بين ثقافتين مختلفتين، ~~أي بين ثقافة الكنيسة الكاثوليكية وثقافة الدولة العلمانية، فبسمارك كان يجاهد في ~~سبيل السلطان، لا في سبيل المبادئ التي حول أفكاره حولها في السنين العشرين ~~الأخيرة تبعا للأحوال، وبسمارك كان متسامحا في الأمور التي لا أهمية لها مع ذلك، ~~وبسمارك كان لا يناهض الكنيسة إلا كصاحبة سلطة، لا لأنها دليل ثقافة خاصة، وبسمارك كان ~~يبدو عدوا لها حينما يراها تضعف دولته، وبسمارك كان يبصر ms377 حدوث ذلك الكفاح منذ ~~عشرين عاما. # وبسمارك صرح في فرانكفورت بأن مكافحة «روح الفتح في المعسكر الكاثوليكي» أمر ~~لا مفر منه منذ أصبح العهد النمسوي يأتي بأعداء بروسية إلى هذا المعسكر، وبسمارك ~~بعد أن ارتقى في سلم السلطة وصف في الفاتيكان، كما يعرف بأن «الشيطان تجسد ~~فيه»، وقد قال فيندهورست بعد زمن: «إن محاربة الظلام ترجع إلى معركة ~~كونيغراتز»، ومن الواقع أن خوارج البروسيين المدثرين بثياب الإكليروس، ~~ولا سيما قسيس برلين، قالوا وكتبوا: «إن على أوروبة ومنها تركية أن تدين ~~بالبروتستانية!» # بيد أن الأزمة لم تظهر إلا بعد عقد المجمع البابوي في رومة وتركيز جميع سلطات ~~أوروبة الكاثوليكية هنالك، فلما حل منتصف شهر يوليو سنة 1780، وكانت الحرب في ~~مرحلتها الأولى، أعلنت عصمة البابا فكان هذا طعنا لمشاعر بسمارك وخططه؛ فما كان ~~بسمارك ليطيق أن يدعو إنسان نفسه بالمعصوم، ولم ذلك وهو الذي لم يعتقد عصمة ~~نفسه؟ ومن الفظاعة أن يتبع قسم من ألمانية سلطانا أجنبيا، وهو عندما انطلق إلى ~~فرنسة أنذر أساقفة الألمان بعدم الموافقة وأنذر البابا بألا يأتي أي إكراه كان، ~~وهو في الوقت نفسه أعرب عن قصده في حماية الدولة تجاه سلطان رومة، وإلا «عدت ~~الحكومة الأساقفة موظفين لدى سيد أجنبي». # وهنالك - وفي إبان الحرب - جعل أصحاب فيندهورست من حزب الوسط حزبا ~~كاثوليكيا مجاهدا، ويعجز بسمارك عن إقامة كنيسة ألمانية كاثوليكية فيتخذ خطة ~~الهجوم من فوره، ويمنع رئيس أساقفة كولونية طلاب بون من حضور دروس علماء اللاهوت من ~~الأحرار، ويصرح بسمارك ببطلان هذا النهي، وبسمارك لكونه باني الإمبراطورية، وبسمارك ~~فيما كان جادا في ذلك يسم النزاع الكنسي بسمة الهجوم على الإمبراطورية ~~فيصر على قوله إن رومة هي مركز لالتقاء جميع أعداء الريخ، وبسمارك عند رجوعه ~~إلى الوطن يجد أن الحزب الجديد يتألف من سبعة وخمسين رجلا، وأن جميع الساخطين يلتفون ~~حوله. # وهنالك ما يستفز من هو أهدأ من بسمارك، وبسمارك قضى عشرين سنة مفكرا في عمله، ~~وبسمارك قاتل ثماني سنين في سبيل عمله، وبسمارك - أخيرا وبعد أسابيع إعياء ms378 - ~~سير السفينة إلى مرفأ متحديا الرياح المعاكسة. وبسمارك الآن يصل إلى الوطن ~~ليجادل الشعب تعبا مضنى منهوك الأعصاب، وماذا يجد؟ يجد عصبة مؤلفة من نواب الأمة ~~المعادين يجمعهم إيمان ديني واحد، ويرأسهم رجل بعيد من ألمانية، فلا بد من ~~خصومته لإمبراطور ألمانية اللوثري الجديد نادبا الإمبراطور الرسولي القديم، وهل ~~يغيب عن المستشار المرتاب الذي أبصر إمكان انهيار عمله أن يرى تلك الجماعة حاملة ~~مطارق خفية معدة لتحطيم ذلك البناء الذي شيد بمشقة؟ ومن ذا الذي يطالب صاحب ~~مزاج حاد أن يكون منصفا في مثل تلك الحال؟ هو يعزم على حماية عمله مشبعا من روح ~~ميدان الحرب فيخطئ تقدير مدى قذيفته، فيرمي بها سلطة رومة العظمى فلا يؤذيها كثيرا، ~~وذلك بدلا من أن يصيب بها تلك الزمرة من كاثوليك الألمان، وما فطر عليه ذلك الفاتح ~~من مزاج مكافح وما يساور ذلك الباني الواقعي من هم فيوضح خطأه في تقدير أمر ~~حلف كاثوليكي ضد إمبراطوريته الفتية وتخوفه منه. # وليس ذلك الحزب وحده هو ضده في الحقيقة؛ ففي الداخل يتألب عليه الغلفيون ~~والبولونيون والألزاسيون، وفي الخارج يتضافر عليه النمسويون والفرنسيون، وتتفاهم ~~الديمقراطية الاشتراكية، الفتية فتاء الإمبراطورية والضعيفة ضعف أوروبة، هي وحزب ~~الوسط ذلك، ومن بين جميع «أعداء الريخ» ترى حزب الوسط وحده هو «أول من يبرز في ~~الميدان» ويزيد الارتباك بما كان من اعتراض بعض علماء اللاهوت في الجامعات الألمانية ~~(ومنهم الكاردينال هوهنلوهه) على مبدأ العصمة، وبما كان من مؤازرة ملك بافارية ~~الكاثوليكي لاحتجاجهم، وبما كان من لوم رومة لحزب الوسط الألماني. ومن الزعماء أناس ~~خضع لم يبالوا بالأمر مع الشغب، ومنهم سافينيي الذي عطل بسمارك طموحه منذ بضع ~~سنين. # ولكن أفكار بسمارك المكونة سابقا ونزوات مزاجه ليست كافية لحمله على اتخاذ قرارات ~~بعد ذهاب سورة غضبه الأولى، وبسمارك لم يفعل ذلك إلا بعد أن حسب النتائج السياسية ~~لما يريد أن يصنع. ويقدر بسمارك أنه إذا قام بتلك الحملة قوى المناحي ~~اللاإكليريكية في إيطالية الجديدة وفصل إيطالية عن فرنسة، وأمكنه تقوية الصلات بين ms379 ~~ألمانية وروسية ما دامت روسية معادية لرومة على العموم ولقساوسة الكنيسة الكاثوليكية ~~الرومانية المثيرين للفتنة في بولونية على الخصوص. وقد تجعل هذه السياسة ولي العهد ~~وديا في البلاد، وقد تتغلب هذه السياسة على تذمر الأحرار من الدستور؛ وذلك لاتخاذ ~~ولي العهد والأحرار فلسفة عقلية نبراسا لهم فلا يودون أمرا أكثر من مكافحة ~~الكنيسة. # ولم يتمالك بسمارك أن بدأ حملته بعد إمضاء معاهدة الصلح في شهر مايو، وذلك بصولة ~~تذكرنا بما يقع في المعسكر الحربي، ومن بيان بسمارك غير الرسمي: «ستقرر الحكومة ~~الألمانية بعد قليل قيامها بعمل عدائي ... وكان الشعور الألماني في ألمانية منذ ~~ثلاثمائة سنة أقوى من شعور الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وشعور مثل هذا هو أشد في ~~الوقت الحاضر مما كان عليه في ذلك الحين ... وذلك لأن رومة عادت لا تكون عاصمة للعالم، ~~ولأن الذي يضع على رأسه التاج الإمبراطوري الألماني هو أمير ألماني لا ~~إسباني.» # ولم يرد بسمارك في ذلك الوقت فصل الكنيسة عن الدولة فصلا غير مقيد، وإنما كان ~~يرغب في اتخاذ «وضع دفاعي قوي تجاه اعتداء الكنيسة الكاثوليكية»، وهو لكي ينفذ ~~هذه السياسة يدخل إلى الريخ في بدء الأمر «فقر المنبر» التي تجعل كل جدال حول ~~أمور الدولة من فوق المنبر جرما يعاقب فاعله بالسجن. # ثم يندفع بسمارك إلى الأمام فيصدر ببروسية في عام أو عامين «قوانين مايو» التي ~~كانت لها نتائج مهمة، فيلغي بسمارك الفرع الكاثوليكي من وزارة الديانة والتعليم ~~ويمحو من الدستور ما فيه من نصوص ملائمة للكنيسة، ويتدخل في إدارة الأسقفيات وفي أمور ~~التعليم الديني في المدارس، ويطرد اليسوعيين ومن إليهم من أصحاب الطرق خارج بلاد ~~الريخ، ويجعل الزواج المدني إلزاميا، ويتوعد العند بالإبعاد والغرامة ~~الاعتقال والحبس ومصادرة الدخل. # ويجرد أديارا كثيرة من الرعاة، ويلقي بسمارك بذور الشقاق بين الأساقفة ~~والقساوسة، وبين العلمانيين والشمامسة، ويوقع الشر بين أبناء الأسر، ويعرض ~~للخطر وجدانات الأقسة والنسوة والطلبة والطبقة الوسطى، وتلوح الفوضى في المشاعر ~~والمصالح. وهكذا، يتحقق وعيده على وجه يخالف ما أبصره، وهو: أن يقيم العالم ms380 ~~ويقعده. # وصرخ بسمارك مخاطبا خصومه: «لا تضطربوا، فلا نذهب إلى كانوسا # 2 # جسما وروحا!» وسيأسف على هذه الكلمات التي لم تلبث أن طارت من ~~ألمانية إلى فوق جبال الألب، ويشبه أمير كنسي حكومة ألمانية بالرجل الذي يدخل ~~نهرا من غير أن يعرف عمقه، فكلما تقدم هذا الرجل إلى الأمام وجد هوى غير ~~منتظرة، ووصف آخر بسمارك بأنه «مبيد الثعابين». # ويذكر فيندهورست ما أصاب قدماء النصارى من الاضطهاد، ويعلن أساقفة بروسية ~~معارضتهم «لمبادئ دولة وثنية»، ويمنع البابا كاثوليك الألمان من إطاعة القوانين ~~الجديدة، ويصعد بسمارك فوق المنبر ويقول هائجا بما لا عهد له بمثله: # ليس الأمر مكافحة أسرة بروتستانية ضد الكنيسة الكاثوليكية، وليس الأمر ~~نزاعا بين الإيمان والكفران، وإنما الأمر يقوم على الصراع حول السلطان، ~~وإنما الأمر يقوم على قتال قديم قدم الجنس البشري، على قتال بين النظام ~~الملكي والنظام الإكليريكي للوصول إلى السلطة، على قتال بدأ قبل ظهور منقذنا ~~«يسوع» بزمن طويل جدا، على قتال في سبيل الحكم أثاره أغاممنون # 3 # في أوليس # 4 # ضد عرافيه فكلفه هذا حياة ابنته وعوق هذا انطلاق ~~الأغارقة على قتال ملأ جميع تاريخ ألمانية، فختم في القرون الوسطى بقطع ~~رأس آخر ممثل لآل أباطرة السؤاب بفأس فاتح فرنسي حليف للبابا، # 5 # وكاد الوضع يتطلب مخرجا للقتال مثل هذا مع ملاحظة التحول في ~~طبائع الزمن، ولو أسفرت حرب الفتح الفرنسية التي يطابق أولها ما نشره ~~الفاتيكان من مراسيم عن نصر لفرنسة، فمن ذا الذي يستطيع آنئذ أن ينبئنا ~~بما يقال في حقلنا الروحي بألمانية عن أعمال الرب على يد ~~الفرنسيين؟ # وهكذا ترى بسمارك الحذر في إلقاء الكلام على العموم يقذف بكلمة القتال أمام ~~مستمعيه كاشفا عن السبب الحقيقي والزيف التاريخي للوضع مع القياس الرائع، ~~وليست الثقافة موضع بحث، فلم يتكلم عن «مكافحة الظلام»؟ # ولعوامل مختلفة يدافع عن القضية ذاتها خصم بسمارك القديم وحليفه الجديد فيرشوف ~~الذي انتحل كلمة «مكافحة الظلام» مستعيرا إياها من لاسال، قال فيرشوف: «تؤدي ~~البروتستانية في روح البحث الحر إلى فتح أوسع ms381 الآفاق في كل جهة للجنس البشري، ~~وتدفعنا البروتستانية إلى العمل المستقل. ادفعوا أساقفتكم إلى حرية أكبر مما هو ~~واقع، وادفعوا موظفيكم إلى نشاط أعظم استقلالا مما هو حاصل؛ تروا تحول جميع ~~ذلك، وعليكم أن تقاوموا ذلك النظام الروماني المضاد للنظام الألماني. وإذا كنتم ~~تجدون أن من حقكم جعل الروحاني شاملا للزمني ... قضيتم علينا بالهلاك ~~وحولتم تقدم ألمانية إلى هباء!» # آلحرية والعلم؟ ألم نسمع منذ هنيهة قولا عن الكفاح في سبيل السلطان؟ اليوم كما كان ~~الأمر منذ عشر سنين تبصر عالمين مختلفين، تبصر فيرشوف وبسمارك متفقين في أثناء ~~رقص مقنع على قفز سياسي بالذكاء مبرقع، والآن تشاهد أحد زعماء حزب الوسط ~~المنافح مالينكرود ينهض ويرد ذلك الطبيب البليد: «إذن، أين تثبت قوى ~~البروتستان العقلية العظمى نفسها؟ من المحتمل أنها تظهر نفسها في الارتباك المتأصل ~~بينهم والصادر عن وجود رأي خاص لكل واحد منهم حول الحق! وأما نحن فتقوم ~~قضيتنا الأساسية على كون الكنيسة ممثلة للحق. والكنيسة إذا ما انتهت إلى قرار ~~وجب الاعتراف بأن قرارها هذا مطابق للحقيقة. وبهذا يتجلى الفرق بين مبدئنا في ~~الرئاسة ومبدئكم في الحكم الفردي؛ ولهذا تروننا منذ دخول القرن التاسع عشر لا نزال ~~أقوياء متحدين في العالم، على حين تبصرون - متفجعين - تفتت حجارة بنيانكم!» ~~وماذا يمكن مستشار الريخ بسمارك أن يفكر فيه عندما يقرأ هذه الخطبة؟ أفلا يشعر ~~بأنه أوثق عروة بهذا الخصم مما بحلفائه؟ يحمل هذا الكاثوليكي طابع بسمارك في ~~أسلوب بيانه، وهو يرمي فيرشوف بالكلمات التي كان على هذا الطبيب أن يسمعها من بين ~~شفتي بسمارك في أثناء الصدام. # ويقاتل الفارسان ببراعة، وتبلغ خطبهم حول «مكافحة الظلام» قمما في السياسة ~~الألمانية، وفيندهورست هو الذي يخرج فائزا على الدوام، فلما عيره بسمارك ذات ~~مرة بأنه غلفي # 6 # مغيظ، محذرا الوسط من هذا الزعيم الحزبي المعادي للريخ محدثا مع ~~السخرية عن خشوع هذا النصراني الهانوفري وعدم إحساسه أجابه فيندهورست بقوله: ~~«إنني كثير العيوب، ولكنني بريء من شائبة الهياج في المناقشات البرلمانية، وهنا ترون أنباضي # 7 # ستين ms382 في الدقيقة الواحدة كما هي خارج جدر البرلمان، ثم إن الخصم ~~المحترم يلوم الوسط؛ لتعلق شخصي الصغير به، أفينطوي هذا على إطرائي أم على ~~تعزيري؟» # ولما قال فيندهورست إن بسمارك يريد نقل معظم سلطان الدولة إلى البرلمان أمسك ~~بسمارك الكأس التي أمامه على المائدة مضطربا، ولم يتمالك أن شرب ما فيه على عدة مرات ~~بسرعة عازما على الجواب، ويواصل فيندهورست كلامه قائلا: «إذا ما طردت الكنيسة ~~من المدارس فمن ذا الذي يقوم بالتعليم الديني بدلا منها؟ وهل الدولة أهل لهذا ~~الأمر؟ وهل لديها من الوسائل ما تنجزه به؟ وإذا كان الأمر كذلك فدعوني أطلع على كتاب ~~الدولة الديني الجديد، ألا إن هذه الدولة ستكون دولة وثنية أو دولة بلا رب، أو دولة ~~إلهة في الأرض.» وهنالك لم يرد بسمارك أن يجيب أو لم يقدر على الجواب، وإنما ~~اكتفى بقوله متأثرا: «لقد أدليت بأدلتي حول المبدأ الملكي ببروسية في سنوات ~~كثيرة قضيتها في الخدمة، فآمل أن يأتي نائب مبن المحترم بذلك المقدار.» # وفي اليوم التالي يقوم بسمارك بهجوم مضاد فيقول شاتما بشدة: «ليس من شأن كلماتكم ~~أن تشفي الجروح، بل من دأبها أن تزيد نار الغضب لهيبا، ومن النادر أن أبصرت نائب ~~مبن المحترم يحاول الإقناع أو إصلاح ذات البين، أدعو الله الذي أومن به ألا ~~يمن على هذا النائب المحترم بحق التصرف في كرمه، لما لا يكون لي غير نصيب هزيل ~~إذ ذاك، وإنك تكون على وئام مع الدولة إذا ما عدلت عن الزعامة الغلفية، وما كانت ~~الآمال الغلفية لتحقق إلا إذا سيطر الشقاق والاضطراب على الدولة.» # ويجيب فيندهورست من فوره: «لست شيئا، ولا أستطيع أن أصنع أمرا، ولكنكم أيها ~~السادة تودون أن تجعلوا مني شيئا كما يظهر، ولا أريد أن أقول ما أفكر فيه حول ~~مهاجمة الوزير لي؛ وذلك لوقوعي تحت سلطة رئيس المجلس غير الواضحة تجاه الوزراء، ولكنني ~~لا أتقهقر أمام أي إنسان كان؛ ولذا أقول: إن الخطيب المحترم يسأل عن بقائي مرتبطا ~~في أسرة هانوفر المالكة، فأجيب ms383 عن ذلك بأنني سأظل وفيا لها حتى الممات، ولا يوجد ~~في الدنيا من القوى - ومنها قوة وزير ألمانية القدير - ما يستطيع أن يفصلني عن تلك ~~الأسرة، وهذا مع اعتقادي أنني قمت بواجباتي عن وجدان كأحد الرعايا وكما تقتضيه ~~أحكام الكتاب المقدس، وإذا ما عزي إلى الوسط خطط مثيرة للشبهات، وإذا ما قصد ~~إلقاء الرعب في الوسط ببذر الريب حول نائب؛ فإننا نكون قد دنونا من دور الهول ~~الذي يبطل حرية القول، وليعلم السيد المحترم أن من السهل دعم المبدأ الملكي عند ~~اليسر وأن من الصعب دعمه في أيام العسر حين تفرض الطاعة!» # وعلى ذلك الوجه الساطع يكافح فيندهورست خصمه، ثم يحل فيندهورست عقدة ما ~~بين القوة والروح من كفاح، حيث يقول: «يحالف النجاح جناب الوزير ما دام ذا جند ومال ~~أكثر مما لدي ... وليست السياسة الخارجية أمرا عسيرا على من يستند إلى مليوني ~~جندي!» وهنالك يغادر بسمارك المجلس فيقول فيندهورست باسما مستنتجا: «إن من عادات ~~الفرسان في مثل تلك الحملات أن يتلقوا الأجوبة شخصيا، ولمخاطبة الوزير المحترم ~~أمام ألمانية قيمة عظيمة»، فبهذه العزة وبهذه المرونة وبهذه المهارة وبهذه الصولة ~~حمل داود على جليات بالمقلاع والحجر. # ولكنه لم يسطع إصابة الهدف، فلم يلبث بسمارك أن عرف خطأه حول تلك المسألة ~~الدينية، وقد أفاد بسمارك من موت محب العراك بيوس التاسع ومن ارتقاء ~~الدبلمي ليون الثالث عشر إلى عرش البابوية فتقهقر مستترا ملقيا على عواتق ~~مرءوسيه مسئولية غارة أمر بشنها، ويقف بسمارك الكفاح بغتة في الشئون الداخلية، ~~ويكتب أندراسي في أواخر سنة 1873 قوله: «يحتقن الدم في عيني بسمارك عندما يتكلم عن ~~البابا، وترن كلماته كصب اللعنات، ويدعي أن الباب خطر على جميع البلدان، ~~وينعته بالثوري والفوضوي فيدعو أوروبة إلى مقاومته إذا أراد كل أمير فيها أن ~~يحفظ عرشه.» # ولم يمض كبير وقت حتى أيقن بسمارك بأن رومة لا تغلب، فوجه كل اللوم إلى ~~وزير الديانة والتعليم فالك، ويهزأ بسمارك بوزير ورتنبرغ ميتناخت ؛ إذ يشبه الدولة ~~ب «شرطي حامل سيفا طويلا خلف ms384 قساوسة خفاف»، ويصرح بسمارك بأنه كان بعيدا في ~~فارزين عندما نشر قانون الزواج المدني، ولوزير سكسونية يقول بسمارك رسميا: # وقع الكفاح خلافا لمقاصدي؛ فالذي أردت هو مكافحة الوسط سياسيا، ولست ~~المذنب في إغاظة جميع الكاثوليك من السكان، وقد عارضت ذلك ... ولكن كنفاوزن ~~وفالك هددا بالاستقالة فلم أر لي مناصا من الإذعان، والآن تراني آسفا على ~~أنني أمضيت تلك القوانين من غير أن أقرأها؛ فهي تحتوي كثيرا من الترهات ... ~~فأطلب إليك - والحالة هذه - أن تتفضل فتقول لملكك إنه لا ينبغي له أن ~~يعدني مسئولا عما حدث في بروسية في أثناء السنتين الأخيرتين. # ذلك ما نطق به بسمارك الذي حرض منذ سنة نصف أبناء الوطن على نصفهم الآخر، حين ~~قال: «إن البابا المعصوم هو الذي يهدد الدولة، وينتحل البابا لنفسه ما يروقه من ~~الحقوق الزمنية، والبابا يصرح بأن قوانيننا باطلة لاغية، وهو يجبي الضرائب. ومجمل ~~القول أنك لا تجد في بروسية من هو قوي كهذا الأجنبي!» # ويظن بسمارك أن درسدن نسيت ذلك منذ زمن طويل، ولكنه مخطئ فيما يظن، وتذكر ~~أوروبة ذلك، وتذكر رومة ذلك قبل الجميع، وليس مما سدل عليه ثوب النسيان قوله منذ ~~خمس وعشرين سنة في اللندتاغ: «أرجو أن أعيش إلى الزمن الذي أرى فيه سفينة مجانين ~~زماننا تتحطم على صخرة الكنيسة النصرانية.» ويذكره الشيخ غرلاخ بهذه الكلمة التي ~~نطق بها في أيام بياتيته فيجيبه بسمارك غير مكترث بأنه قصد الكنيسة ~~البروتستانية في ذلك الحين، ويتبسم عرافو الرومان لا ريب، ويلقب بيوس التاسع ~~قبيل موته عدوه الأكبر بسمارك بفيليب البروتستاني، ويضيف إلى هذا نبوءته ~~القائلة: «إن صخرة ستتدحرج إلى سفح الجبل في نهاية الأمر فتكسر التمثال ~~الهائل!» # | الفصل الثالث # في اليوم الثامن عشر من مارس سنة 1848 فر ولهلم من برلين بسبب الثورة، وفي ~~اليوم السابع عشر من مارس سنة 1871؛ أي بعد ثلاث وعشرين سنة يدخل ولهلم برلين ~~إمبراطورا ظافرا فيقابل بالهتاف، وفي اليوم التالي يعلن الكومون # 1 # بباريس، فتظهر الجماهير في جميع ألمانية عطفها على ذلك بما حدث ms385 من ~~اضطرابها الشعبي. # ويذعر بسمارك فيقول: «إن هذه هي ليلة أخرى قضيتها أرقا.» وكان بيبل الاشتراكي ~~الوحيد في الريشتاغ الأول الذي انتخب فور النصر فقال من فوق المنبر بعد أسبوعين من ~~إمضاء معاهدة الصلح: «ليس الكومون سوى مناوشة استكشاف، وقد لا يمضي وقت كبير حتى ~~يصبح شعار الكومون القائل «حرب على القصور وسلم مع الأكواخ!» نداء لحرب جميع ~~الصعاليك في أوروبة.» (قهقهة)، ثم يدعو بيبل أهل الألزاس واللورين إلى الاشتراك في ~~كفاح ألمانية من أجل الحرية إلى أن يحل اليوم الذي تنال فيه شعوب أوروبة حق تصرفها ~~في شئون نفسها، إلى حين إعلان النظام الجمهوري، وهنالك يقول بسمارك: «لا تخافوا، فلن ~~أجيب الخطيب الأخير، وأراكم تشاطرون رأيي في أن خطبته في هذا المجلس لا تستحق ~~الجواب!» وبسمارك مع ذلك يصف خطبة بيبل تلك بعد أمة # 2 # بالنور الساطع الذي أضاء الوضع بغتة، والدولة والمجتمع في خطر، وعليهما ~~أن يدافعا عن نفسيهما، فيجب محو هذا العدو! # ولم يزل بسمارك ذا صلة بخليفة لاسال بعد موت لاسال، ولم ينس بسمارك تماما ~~أفكار لاسال حول الدولة الاشتراكية. والآن بعد الكومون لا يريد بسمارك قولا عن ~~الاشتراكية، وبسمارك يبصر أنه في غنى عن معارضة الأحرار، فيحاول حماية الملك ~~الخاص بقوانين جديدة معاقبا بالسجن كل من يلقي خطبة اشتراكية، ويرفض الريشتاغ ~~اقتراحاته فينذره بقوله: «إن الاشتراكية الديمقراطية تقدمت كثيرا ... وستكون الطبقة ~~الوسطى متعطشة إلى التدابير الجزئية بعد بضع سنين.» # وفي الانتخابات القادمة ينال الحزب الديمقراطي الاشتراكي الجديد اثني عشر مقعدا ~~في الريشتاغ، فيدعو بسمارك إلى معالجة ذلك بعصا الإصلاح التي فرضها الرب على النوع ~~البشري، ولم يدرك بسمارك سير الفكر الحديث فيتكلم عن «فساد رأي أولئك الذين يعتقدون ~~طيران الحمام المشوي إلى أفواههم»، ولم يجد بسمارك غير مداواة هذا «الجنون ~~الإجرامي بالهواء والشمس»، ولم يوفق بسمارك لفرض تدابير زاجرة للاشتراكيين؛ فقد ~~خشي الريشتاغ وضع قوانين استثنائية ضد فريق من أبناء الوطن. # واليوم يتوتر الوضع بعيار ناري. # ففي شهر مايو سنة 1878 أطلق رجل عيارا ناريا ms386 على الإمبراطور الذي كان في الثمانين ~~من سنيه، وذلك حينما كان يتنزه في العربة، والجاني هو طالب رث الثياب فاسد السيرة ~~كان قد طرد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فلما انتهى الخبر إلى بسمارك خبط ~~المائدة وصرخ قائلا: «والآن أضحوا قبضتنا!» ~~- «أهم الاشتراكيون يا صاحب الفخامة؟» ~~- «كلا! هم الأحرار!» # ويدبر بسمارك الأمر في أقرب من لمح البصر، واليوم لا بد من أن تؤثر محاولة ~~قتل ولهلم في الأحرار فيوافقوا على سن قانون استثنائي، فبهذه الوسيلة يمكن ~~الخلاص مع الوقت من الأحرار الذين غدوا غير ضروريين بعد وضع «مكافحة الظلام» على ~~الرف، وفي ذلك اليوم يطلب بسمارك من وزير العدل كتابة مشروع القانون الجديد، وفي ~~اليوم التالي يرسل هذا المشروع إلى الوزراء الآخرين وبعد عشرة أيام يقدم إلى ~~الريشتاغ ذلك التدبير المرغوب فيه كثيرا والذي رقع على جناح السرعة فاشتمل على ~~أغاليط فنية كثيرة، والذريعة لعرض ذلك المشروع على الريشتاغ هي: «إننا لا نستطيع ~~قهر الاشتراكية الديمقراطية إلا بمجاوزة الحواجز التي أقامها الدستور في القوانين ~~الأساسية مستندا إلى مبادئ نظرية في حماية الأفراد والأحزاب». # ويمضي عشرون يوما على محاولة قتل الإمبراطور، فيرفض الريشتاغ ذلك المشروع بالإجماع ~~مع استثناء المحافظين من أعضائه، وينبئ بنيغسن بأن قبول ذلك المشروع يعني: إيجاد ~~مجال للدسائس الخفية أخطر من المكايد العلنية، ويعني: تنغيصا كبيرا لعيش الطبقات ~~التي تكون هدفا له، «فيقول من يراعي القانون: إذا التجأت ذوات الأملاك من الطبقات ~~إلى مثل تلك الوسائل، وإذا صار مئات الألوف من أبناء الوطن خارج حماية القوانين، ~~فلماذا نحترم هذه القوانين؟» ويقول بنيغسن مداوما: إن مثل ذلك القانون يؤدي إلى ~~اضطراب واسع المدى، ويسير ريشتر على ذلك المنهاج فيصرح بأن ذلك القانون ~~الاستثنائي ينعم بتاج الشهادة على أناس حقيرين. # ومن نافذة مشرفة على أنتردن لندن (تحت الزيزفون)، وبعد ثلاثة أسابيع، يطلق عيار ~~ناري آخر على الإمبراطور الشيخ فيصاب بجرح بالغ في هذه المرة، ويسقط في العربة، ~~وبعد ثلاث ساعات من محاولة القتل هذه ينقل المستشار الخاص فون تيدمن نبأ ذلك ms387 ~~الحادث إلى ولي العهد حينما كان في حديقة فردريكسروه، # 3 ~~«وقد أبصرته بعد بحث، فوجدت معه كلابه الدانيماركية الكبيرة، ووجدته ~~يمشي على هينته فوق العشب وتحت أشعة الشمس، وأذهب إليه، وأراه طيب المزاج، ~~ويحدثني عن نزهه في أثناء النهار وعن تأثيرها في أعصابه». ~~- «وصلت برقيات مهمة.» ~~- «هل هي من الأهمية بحيث أطلع عليها في سواء الحقل؟» ~~- «هي بالغة الأهمية مع الأسف، فقد أطلق الرصاص على الإمبراطور فأصيب بعيار ~~ناري في هذه المرة فجرح جرحا بالغا.» ~~- «علينا أن نحل الريشتاغ في هذه الحال.» # وهنالك يقطع الحديقة بسرعة متوجها إلى البيت، ويفصل تيدمن النبأ في غضون ~~ذلك، ويدخل المنزل فيأمر بإعداد ما يلزم للعودة إلى برلين. # ولم يشاهد أوتوفون بسمارك مسرورا في يوم مثل سروره في ذلك النهار، وبسمارك مغرم ~~بالعاهل المحنك وفق شاكلته؛ وذلك لما كان من تسليمه مقاليد السلطة إليه منذ ست ~~عشرة سنة وتمكينه من إظهار عبقريته في مجال طليق، أجل، كان بسمارك يبدو شاكيا ~~مضطربا تجاه حران # 4 # ذلك العاهل الشائب، ولكنه لم يزدر ولهلم كما كان يزدري الآخرين، ~~ومهما يكن من أمر فإن بسمارك كان يصبر على نزوات الإمبراطور صبر الابن - الذي ~~تسلم الأعمال منذ زمن طويل - على مشاكسات أبيه، وبسمارك يريد المنصب لمدة كبيرة، ~~وبسمارك يود طول عمر مولاه لسنوات كثيرة، وولي العهد خصم لبسمارك، وفردريك ~~قد يغدو مليكا في الغد، وفي هذا ختام لعهد بسمارك، والإنسان أمام ذلك يظن - أول ~~وهلة - أن مشاعر بسمارك ومصالحه تحفزه إلى السؤال عن حال الرجل الجريح. # ولكن بسمارك مكافح حقود قبل كل شيء، ولكن بسمارك يمقت في الليل ويقدر في ~~النهار، ولكن بسمارك لا يغفل عن عدوه أبدا، ولكن بسمارك يرقب عدوا جديدا على ~~الدوام، ماذا؟ يتذرع الريشتاغ الذي صنعه بسمارك بحق الرفض فيقاوم خططه، أترى ~~ريشتر وفيندهورست ولاسكر وبنيغسن ومن إليهم من القوة ما يحولون به دون ~~مكافحته مخلي النظام ونهابي الأموال؟ أفلم يخطف أولئك «المهاذير» السلاح من ~~يده؟ هنالك قذيفة منقذة، ولا يهم مصدرها ، وبسمارك لا يعرف ms388 حتى الآن طبقة الجاني ~~المجهول ولا حزبه، وبسمارك لا يعرف حتى الآن خطورة الجرح ولا إمكان شفاء الرجل ~~الجريح البالغ من العمر ثمانين سنة، وبسمارك لا يعرف غير أمر واحد، وهو أن جرح ~~الإمبراطور بيد أثيم له من القيامة ما لنصر ينال في ميدان القتال، وليخض غمار ~~معركة انتخابية إذن! والآن يمكننا أن نسقط جميع أعدائنا في الداخل! وسنحل ~~الريشتاغ! # حل الريشتاغ بعد عشرة أيام من محاولة قتل العاهل، وينال بسمارك أكثرية بفضل ~~محاولة القتل الثانية هذه. # وليس القطب السياسي بسمارك بالذي يبالي بما كان من جنون الجاني، ومن عدم انتسابه ~~إلى أي حزب سياسي كان، ومن انتحاره وقوله قبل الانتحار إنه لم يرد أن يفارق ~~الدنيا قبل أن يرافقه رجل عظيم، فبسمارك يملأ الصحف باعترافات نوبيلينغ وبحديث ~~آثام نوبيلينغ! وبسمارك يبلغ إلى جميع ألمانية برقيا وفي اليوم بعد اليوم ~~قصة المؤامرات واكتشافها! وبسمارك يضع برلين تحت الحكم العسكري! وذلك لأن «أقوم ~~تدبير هو تشجيع التصادم الذي لا مفر منه، ثم قمع الفتنة بالقوة، فإذا ما دب ~~الذعر في الجمهور وافق الريشتاغ على قوانين قاسية». # بسمارك في سنة 1886. # وهكذا، يعود الوزير المستبد إلى أوائل عهده بعد نصف جيل، وعلى الدم والحديد أن يكون ~~لهما من الفوز في الداخل مثل ما تم لهما في الخارج، ويعارض ولي العهد هذه ~~التدابير، ويتسلم ولي العهد شئون الدولة في أثناء مرض أبيه، ولا يريد أن يبدأ عهده ~~بطوفان من الدم، ويتمنى جميع الأحرار موت الإمبراطور وجلوس ابنه على العرش، بيد أن ~~فردريك لم يجرؤ على الجهر بالكلام ضد القانون الاستثنائي ما اقترح هذا القانون ~~لحماية حياة أبيه في الظاهر، وتزيد مشاعر ولي العهد إبهاما مقدارا ~~فمقدارا. # ثم يحدث غير المنتظر، فقد شفي الشيخ، والخوذة هي الشيء الوحيد الذي أنقذه، ~~والخوذة هي التي كان معتمرا بها في ذلك النهار على خلاف عادته، والآن وقد سبق أن ~~نصر في ثلاث حروب على الرغم منه، يعرض نفسه للخطر مع مشيبه، وهذا أمر يمكن الشعب ~~أن يدركه، ويصير ms389 العاهل الذي كان الشعب يمقته في الماضي محبوبا عنده إلى الغاية، ~~وتعود إليه عافيته فينهض من فراشه ويقول مازحا إن نوبيلينغ داواه بأحسن مما ~~اتفق للأطباء ما دام محتاجا إلى الفصد، وتبتهج ألمانية بأسرها، ويجد بسمارك مولاه ~~أشد مرحا وأكثر حياة مما كان عليه في أي وقت مضى، ويشعر بسمارك والألمان وولي ~~العهد وزوجه وأهل أوروبة وكل الناس بأن ولهلم سيتمتع بعمر طويل لم يتفق لأي ~~عاهل منذ قرون، وهكذا تؤتي القذيفة ثمرها، ويفيد بسمارك من روح الوقت فيغامر بأخطر ~~تدابيره. # وفي الانتخابات التي عقبت محاولة قتل الملك، وهي الانتخابات التي ما انفك ~~بسمارك يعطي في أثنائها كلمة السر، ضعفت قوى اليسار كثيرا، على حين عظمت ~~قوى اليمين إلى مدى بعيد، والآن يستطيع المعلم أن يحمل الريشتاغ على إجازة ~~قانونه الاستثنائي وأن يغتنم الفرصة فيجعل نصوصه أشد صرامة مما كانت عليه، ويرعد ~~الأحرار ويتوعدهم مرة أخرى كما في السابق، ويقبل العون من فيندهورست الذي أنبأ ~~باسما بإفلاس سياسة الكنيسة. # ويغير جبهته، ويبدو قادرا على الانتفاع بالوسط وبالأحرار الوطنيين مناوبة ~~وصولا إلى الأكثرية، وينص هذا القانون الجديد الذي سن لسنتين في بدء الأمر ~~فجدد لأربع سنوات أخرى فيما بعد على حق السلطات في القضاء على كل نشاط يهدف إلى ~~«تقويض النظام العام»، وأن يجازى كل من يحاول ذلك، ويمكن طرد أرباب المطابع وباعة ~~الكتب وأصحاب الحانات أو اعتقالهم، ويمكن إبعاد كل من ينشر مذهبا اشتراكيا، ~~ويمنع الاشتراكيون من حرية الصحافة وحرية الاجتماع، ويستطيع كل وال أن يعلن الحكم ~~العسكري في ولايته. # وكانت أسرة # 5 # العصر الجديد تلوح في الحين بعد الحين من خلال النقاش حول تلك التدابير ~~كلمعان حرارة الصيف، ويبدو بسمارك شريفا وصاحبا للحلف المقدس ومجتنبا لنابليون ~~فيتهدد الاشتراكيين بقوله: «تعدون الناس بأجمل الوعود، وتسخرون وتضحكون من كل ما ~~هو مقدس لدى الناس حتى الآن عادين إياه إفكا ... فإذا جردتم الناس من الاعتقاد ~~بالله والإيمان بالعاهل ومن الوطنية وأواصر الأسرة ومن التملك والميراث والمكاسب، ~~سهل عليكم أن تقودوا الجاهلين إلى ms390 القول مع فاوست: لعن الأمل، ولعن الإيمان، ~~ولعن الصبر على الخصوص! وماذا يبقى للواحد من أولئك غير تصيد الملاذ الحسية التي ~~لا يظل في الميدان سواها ما يوفق بينه وبين الحياة؟ فإذا قضي علينا باحتمال ~~نظام استبدادي لمجتمع من اللصوص لم تبق لحياتنا قيمة!» # وإليك جواب بيبل: «إن ما نراه من اتخاذ عمل مجنون قبل ختام التحقيق فرصة لإنزال ~~ضربة رجعية معدة منذ زمن طويل، وإن ما نراه من الرغبة في إلقاء المسئولية الأدبية، ~~على حزب يمقت ضروب الاغتيال ويدرك التطور الاقتصادي والسياسي مستقلا عن إرادة ~~الأفراد؛ أمور تدين نفسها بنفسها، وليس من مقاصدنا إلغاء التملك، وإنما نهدف إلى ~~توزيع عادل للملك نفعا للجميع.» ثم يتكلم مفصلا عن صلات لاسال ببسمارك على ~~مسمع من ألمانية الذاهلة. # والآن يبدأ دور الحقد والفساد، والآن يبدأ عهد التجسس والقسوة الهوجاء، والآن ~~يبدأ بالتنقيب والتعقيب والاعتقال والإبعاد في البلاد، وتمضي أربعة أسابيع فلا ~~يتقيد بسمارك بوعده الصريح الذي قطعه للأحرار الوطنيين فقال لهم فيه إنه لن يلجأ ~~إلى الحكم العسكري وإلى الطرد إلا «عند أقصى الضرورة»، فيعلن هذا الحكم في برلين ~~وأطرافها ويطرد منها سبعة وستين زعيما اشتراكيا، وتجري الانتخابات في مدينة ~~همبرغ الحرة على غير ما يشتهي بسمارك فيعلن الحكم العسكري فيها أيضا، وقبل ذلك ~~تفرض عقوبة السجن على ألف وخمسمائة شخص فيبلغ مجموع ذلك ألف سنة، وفي بضعة ~~أسابيع، وفي أرجاء الريخ، تلغى مائتا جمعية وتمنع 250 رسالة أو نشرة دورية، وفي ~~ستة أشهر يصير هذا العدد ستمائة على حين يقضى على وسائل عيش الألوف من ~~الناس. # ويشبه بيبل هذه الحوادث بما كان يقع في القرون الوسطى، كما ذكر فيندهورست ~~قدماء النصارى، فيقول: «يحرم من هم على مذهبنا في التفكير أسباب رزقهم، وتساء ~~معاملتهم، ويفترى عليهم، ويوصفون بالشين # 6 # والعصيان، فيراد بذلك إخلال الأمن والنظام، ألا إن هذه الأيام التي ~~يحاول فيها قتل النفوس والتي يخان فيها عهد الملك من أفجع ما في تاريخ ألمانية ~~الحديث.» # ويقع ما تنبأ به بنيغسن، فتعقد ms391 اجتماعات سرية كثيرة في الغابات والمقالع، # 7 # ويتباحث الزعماء والأتباع، ويلتقون هم وإخوانهم في المؤتمرات الخاصة ~~والعامة بسويسرة، ويقول بيبل في كتاب يرسله إلى إنجلس: «إن ما يساور بسمارك من قلق ~~وما يبديه من نشاط مخرب فيؤدي إلى ما نود.» ويقول ليبكنخت من فوق المنبر قول ~~الظافر: «إن القانون المضاد للاشتراكية هو إطار حديد يجعل حزبنا وثيق العرا ويحول ~~دون انقسامه إلى معتدلين وجذريين، # 8 # وسيجني الرجل الذي غرس تلك الشجرة ثمرة مرة، وسيتم لنا النصر بأحد ~~الوجهين، وما تصنعوا من شر فإنه يعود علينا بخير! وكلما زدتم حماقة في أعمالكم ~~دنوتم بسرعة من خاتمتكم!» # | الفصل الرابع # عندما صار بسمارك كونتا رحب برفع مستوى أسرته، ولكن مع ازدراء لرهطه من الأشراف ~~الذين كانوا غير معتقدين إمكان ظهور عبقري منهم، ويستحوذ ذعر على بسمارك عندما ~~أنعم الملك عليه بلقب أمير (برنس) بعد العود من فرنسة، ويعزم على نصيحة مولاه بأن ~~ينحي عنه ذلك، غير أن الملك يباغته بمقابلته أميرا ويهنئه آل العاهل بذلك مع ~~إجماعهم على معاداته، فلم يبق له سوى التسليم بالأمر الواقع، ويلومه الأمير فردريك ~~شارل على ما كان من عدم شكره، فيجيب بسمارك هذا الضابط عن ذلك بالكلمة الآتية الرائعة ~~وهي: «ما فتئت أعد نفسي حسيبا.» # ولم خاف بسمارك لقبه الجديد؟ فاسمع قوله: «يمكن الموسر أن يكون كونتا، وعلى ~~الأمير أن يكون ذا مال كثير، ومن شأن رفع مرتبتي أن يؤدي إلى ما لا يروقني من ~~تغيير في طراز عيشي، وهذا إلى ما كان من رغبتي مع الحسرة في تأسيس أسرة من أقدم أسر ~~الكونتات!» وقد أبدى بسمارك هذه الملاحظة في نجوى # 1 # له وود الملك أن يحقق بعض رغبته فأعطاه ساشنفالد القريبة من همبرغ ~~والبالغة مساحتها ثلاثين ألف فدان والمقدرة قيمتها بثلاثة ملايين تالير لدى ~~التسجيل، ولكن ولهلم لم يكن ليدرك أو يسكت فخر بسمارك بمحتده # 2 # القديم. ويكفيه مع ذلك أن يذكر ما كان من كدره في فرساي حديثا عندما ~~يشعر بأن ارتباطه في أجداده يوحي ms392 إليه بالخوف من رفع رتبته. # وإذا ما قاس بسمارك الخادم مجده العتيد بمجد مخدومه في ذلك الحين اعترف بما يواثب ~~نفسه من شك عميق كما واثب الملك آنئذ، وذلك عن خوف من «رهطه» وإلى أي وقت يصبر ~~ملوك بافارية وسكسونية هادئين على ما تم لابن عمهم الهوهنزلرني من ارتقاء لا ~~مثيل له؟ وإلى أي وقت يصبر أشراف بوميرانية والمارش على ما تم لابن عمهم ~~الشونهاوزني من ارتقاء لا مثيل له؟ أفلا ينمو فيهم حس التنافس؟ أفلا يرى في ~~كلتا الحالين أن الحسد يؤدي إلى دسائس سياسية؟ إن ما يصدر من الحسد عن أعز ~~الأقرباء الذين يعزون إلى سوء حظهم ما يجب عليهم أن يعزوه إلى عدم ألمعيتهم؛ ~~يميط اللثام عن أصدق الأسباب في انقسام أفراد طبقة بسمارك بما يعيبهم أمام محكمة ~~التاريخ، وذلك بدلا من أن يتمتعوا بنعمة التفكير في مجد ذلك الرجل العبقري الذي ~~نبغ من بينهم. # ووتر الخصوم السياسيون الوضع حتى انقطع، مع أن من حسن الشعور اجتناب ذلك، ولم ~~ينفصل هؤلاء الشرفاء البروسيون عنه إلا محافظين مع أنهم لم يظهر منهم قبل ذلك رجل ~~يعدله ذكاء ومضاء، وهكذا ينفض آخر الأحزاب السياسية الكبرى من حول رئيس الدولة ~~بسمارك مسيئين إلى مصالحهم الخاصة بتسهيلهم له سبيل الاتفاق مع الأحرار خلافا ~~لطبيعته. وهكذا، يمثل الشرفاء دور الزوجة المهانة التي يكشف لها زوجها عن تصابيه ~~فتبتعد عنه متوعدة، فتدفعه بذلك إلى الاستمتاع في مكان آخر على حين كان يمكنها ~~أن تسايره فتحول دون إتيانه شيئا من ذلك. # وكان بسمارك في سنة 1868 قد أخبر حزبه بأن من الضروري في الحين بعد الحين أن يعتمد ~~على عون فريق لا يروقه، وإلا «اضطرت الحكومة إلى السير والائتمار بالدستور، ~~فتصاب إذ ذاك بوهن الوزارات الائتلافية»، وترى المحافظ المتصلب رون يشتكي منذ ذلك ~~الحين من «غطرسة بعض المحافظين الخبيثة المشوبة بالحسد، وعلى الحزب أن يعلم - في نهاية ~~الأمر - أن من الضروري أن تختلف أهدافه ووجهات نظره عما كانت عليه في بدء الصراع، ~~وعلى الحزب ms393 أن يتحول إلى حزب محافظ تقدمي وأن يعدل عن بقائه عائقا». # والآن يغدو ابن العم بسمارك أميرا وطاغية فيوغر الصدور، والآن يقول بسمارك في ~~ذلك: «تنح حتى أحل محلك.» ويذكر بسمارك في مذكراته التي كتبها بعد نهاية تلك ~~المنازعات بزمن طويل أن أرنيم وغولتز كانا خصمين من الطبقة الثانية، وينبئ ~~بسمارك بأن الطبقة الثالثة تشتمل على «أعضاء طائفتي الإقطاعية التي أثارها ما رأته ~~من عدم تقيدي في أثناء مهنتي الاستثنائية بالتقاليد التي هي بولونية أكثر من أن ~~تكون ألمانية والقائلة بمبدأ المساواة الإقطاعي، أجل إنه يغفر لي أمر ارتقائي من ~~دائرتي الريفية إلى منصب وزير، ولكن مما حدث من الإنعام علي بالمهور وبلقب أمير ~~على الرغم مني فمما لا يغفر، وليست مخاطبتي ب «صاحب الفخامة» بالتي تجاوز الحدود ~~المألوفة، وتثير مخاطبتي ب «صاحب السمو» أشد انتقاد، ويسهل علي احتمال جفاء ~~أصدقائي السابقين ورفقائي في الطلب إذا وجد في مزاجي ما يسوغ ذلك.» ولا تجد أحدا ~~يفوق بسمارك ببيان نفسي يعلو ذلك البيان عن طبقته الخاصة. قال أحد أشراف ~~بوميرانية في سنة 1872: «سنصغر بسمارك حتى يأكل بيد أي شريف ريفي ~~بوميراني!» # والكدر يبدأ بمكافحة الكنيسة حين يجد البياتيون اللوثريون على البابا ~~بحماسة، وكان بسمارك متهما بالإلحاد لاتفاقه مع الملحد فيرشوف على الكنيسة، ويكره ~~في دفاعه الخاص على الكلام من فوق المنبر بأسماء التفضيل غير المعتادة تأييدا ~~«للإصلاح البروتستاني الذي هو أهم سبب لذلك الكفاح، والذي يتصل بروحنا ونجاتنا ~~اتصالا وثيقا»، وليس الشيب أشد مهاجمي بسمارك، ونسمع موسيقى القلب حين نسمع ~~الشيخ غرلاخ يقول: «إن بسمارك يسيء معاملتي، ولكنني أحبه مع ذلك!» ويبدو حامي ~~بسمارك التقي الآخر - سينفت بيلساخ - رجلا كريما حين يحذر هذا المستشار ~~مجاملا متنبئا ويثيره بقوله: «يجب أن تشتد عزيمة سموكم بخشوع، ويجب أن ~~تشتد عزيمتكم بالرب الذي أحبكم كثيرا، فمد عمركم وفتح يديه المثقوبتين لكم، ~~فإذا ما أصررت يا صاحب السمو على الإعراض عن إنذار الرب، أثبت الرب لك أن ~~عمله هو الصحيح، فأصابك في عملك العظيم وصرت ms394 هدفا لحسابه.» # وذلك الأسلوب يدفع الفارس إلى وضع السرج على الحصان، فلما قرأ بسمارك ذلك أجاب ~~بعنف قائلا: «يسرني جدا إذا ما وثقت بتوجيه إنذارك إلى أناس يقفون بجانبك ~~فيبدون أعداء لحكومة صاحب الجلالة، إلى أناس بعيدين من تواضع منقذنا الذي تذكرني ~~به فينظرون إلى ذلك التواضع حانقين متكبرين وثنيين كما لو كان دأبهم أن ينتصبوا ~~سادة للبلاد والكنيسة، أداوم على عملي اليومي مخلصا مستغنيا عن حث سعادتك، ~~ولكنني فيما أخشى الله وأحبه وأخدم مليكي بصدق وبجد مضن لا أجد في السخف ~~الفريسي حول كلام الرب، وفي خرق الخصوم من أهل بوميرانية وأتباع الكنيسة ~~الرومانية الكاثوليكية، ما يضعضع إيماني بيسوع، فدعني يا صاحب السعادة ألتمس ~~منك الحذر من عجبك؛ لكيلا يسوقك إلى حساب الرب الذي تنذرني به.» ثم يدعو ~~بسمارك مخاطبه إلى إنعام النظر في قول التوراة: «قم يا رب، خلصني يا إلهي، فإنك ~~قد ضربت جميع أعدائي على فكوكهم وقصمت أسنان المنافقين، للرب الخلاص، على ~~شعبك بركتك، سلاه!» # وهنالك في ذلك الهوى الخاص بالتوراة آخر وثبات لنصرانية بسمارك. # والشباب من أعدائه يتقدمون إلى هدفهم توا، وهم لا يستعملون الصليب إلا إذا ~~قاتلوا تحت شعار جريدة «كروززايتنغ» التي كان بسمارك أحد مؤسسيها، وهذه الجريدة، ~~كما قال المستشار بسمارك في مذكراته: «عادت تحت رمز الصليب وتحت شعار «مع الله في ~~سبيل الملك والوطن»، لا تمثل منذ سنين فريق المحافظين ولا تمثل الدين النصراني.» ~~وفي سنة 1872، وفي جريدة «كروززايتنغ» وفي جريدة «رايشغلوك» التي أسسها ~~الشرفاء لمهاجمة بسمارك على الخصوص تبدأ حملة المثلبة # 3 # ضد شرف المستشار ونزاهته، «ومن دور دلبروك - كنبهاوزن - بليشرودر» ~~تتألف السلسلة الأولى لمقالات مغفلة موقعة من قبل أحد موظفي الجريدة شكلا، ~~عملا بأحكام القانون، والبارون فون لويه وهو دبلمي نحاه بسمارك هو الذي كتب ما ~~يأتي: ~~«أطلب أن يكون العدد التالي من جريدة رايشغلوك ذا فائدة للمستشار، ويبدو لي - من ~~ناحية الطب النفسي - أن من المهم في هذه المقالات بيان جهة الجد أولا، ثم ~~جهة الهزل ثانيا، ويجب قبل ms395 كل شيء أن يبدأ بتشويش هضمه لبضعة أيام، وهذا لا ~~يكون إلا باستفزازه.» وفي الوقت نفسه يكتب أحد الأخوين من آل مانتوفل إلى الآخر ~~(وقد كان رئيسا لبسمارك ذات حين، فصار اليوم خصما له فتكلم ضده في المجلس ~~الأعلى) قوله: «لا تحتاج إلى الاستشفاء بالماء المعدني حتى تصبح رئيسا للوزارة.» فتلك ~~هي لهجة أولئك السادة في الدهاليز، وهم يقولون في المقالات التي نشروها من تحت صف ~~الأنوار الظاهر أمام موقف الممثلين في المسرح: # هنالك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الأمير بسمارك كان قبل أن يصير وزيرا في ~~بروسية ذا صلة بالأوساط العظيمة في عالم المال، ويرجع ما بين فون بليشرودر ~~والأمير من صلات وثيقة على وجه غير مباشر على الأقل إلى ما قبل نصبه ~~وزيرا؛ أي إلى الأيام التي استطاع فيها - براتبه الضئيل ومع ضعف ثروته - أن ~~يمثل مولاه سفيرا لبروسية في سان بطرسبرغ وباريس وفرانكفورت، فكان لا بد ~~له من الإفادة في الأمور المالية. ومما لا ريب فيه أنه يحق للأمير بسمارك - كما يحق لكل إنسان آخر - أن يطالب ببراءة ذمته إلى أن يظهر من الأدلة ما ~~يدينه، ومما لا يمكن إنكاره مع ذلك أن هذا القطب السياسي القدير جعل من ~~نهابي الشعب المعروفين محلا لرعايته، ولا يكاد يوجد خطأ لم تقترفه ~~الحكومة الحاضرة، وذلك سترا لصلاتها الشائنة برجال المال في برلين. # وذكر البارون فون لويه أنه لقي بليشرودر في الوزارة في شهر يوليو سنة 1870 وقبل ~~شهر الحرب بيوم واحد، فقال: «لا يفترض أن يكون فون بليشرودر وفون بسمارك قد ~~حضرا معا للكلام عن المطر وحسن الجو، ولا أعرف هل باع فون بليشرودر أو ~~اشترى في ذلك النهار؛ أي ضارب على الحرب والسلم، وإنما الذي لا أشك فيه هو أن ما ~~بين فون بليشرودر وفون بسمارك من الصداقة كان مفيدا لهذا الأخير، أعني: مفيدا ~~ذهنيا!» # ثم قيل إن بسمارك وضع أمور الحكومة في يد يهودي مستأجر لمصنع ورقه في فارزين ~~اسمه بهرند، ثم كتب قائد المائة المسمى فون ms396 بوتكامر يقول: إن وضع بسمارك للقانون ~~الخاص بإقطاعات بوميرانية هو لتتمكن زوجته من وراثة إحدى إقطاعات ~~آل بوتكامر! # وهل تصل الخسة إلى ما هو أبعد من ذلك؟ أنداد بسمارك يرمون بالقول السيئ هذا ~~الرجل الذي يكسفهم ظله جميعا، فيودون عرضه على أنظار الناس إنسانا مضاربا، ~~وهم بمداخلهم ينزعون منه كل وجه للشكوى، وهم يؤذونه في دور تقدم الشركات، وهم ~~يجعلون من اليهود في كل حال محل لعناتهم، وهم يسيئون إلى بلدهم قبل كل شيء بما ~~تسر به أوروبة من تلك التهم بالارتشاء، وهم على ما كان من إفادتهم من المضاربات ~~الموفقة في ذلك الدور بفضل حذق معظم المصارف اليهودية؛ تجدهم يفترون على هذه ~~المصارف ويجعلون من بسمارك الذي أوجب ذلك الانتعاش القومي مبتكرا لتلك القبائح، ~~«وذلك لاتساع مدى الارتشاء، ونحن نعيش تحت ظل حكومة فاسدة تسمى بسمارك»، وهذه هي ~~الجملة الوحيدة التي أمكن رفع قضية بسببها، وقد فر كاتبها اللاسامي مجتنبا ~~للسجن مواظبا على الكتابة في سويسرة. # ولو وجهت هذه المثالب إلى فيندهورست الذي كان يجتمع ببليشرودر في الحين بعد ~~الحين لأثارت تبسما؛ وذلك لبقاء فيندهورست فقيرا حتى مماته، وعكس ذلك أمر ~~بسمارك الذي عزم على جني بعض الفوائد الشخصية مستعينا بلوذعيته وقدرته، وهو الذي ~~كان يشير - في الغالب - إلى الهدايا العظيمة التي يقدمها الشعب الإنكليزي إلى ~~أقطابه السياسيين مقدرا أنه لا يقدر على حفظ مقامه أميرا إلا بمثل هذه الهبات، ~~فاستطاع أن يجمع ثروة كبيرة في أثناء السنين الثلاثين التي ظل قابضا فيها على زمام ~~الأمور. # بيد أن بسمارك كان من الذكاء العظيم ما لا يخاطر معه بمقامه الرسمي أو بصيته ~~الشخصي ولو أتته هذه المجازفة بالملايين، وماذا فعل؟ اكتشف - بما اتفق له من ~~دهاء سياسي - طريقا وحيدة يستطيع أن يبلغ بها غايته من غير أن يخاطر بشيء؛ وذلك ~~أنه اختار من بين أصحاب مصارف الريخ رجلا رآه أجرأهم وأشرفهم فربط هذا الرجل به ~~مكلما إياه عن سير المعاملات عند الاقتضاء ضامنا أقصى ما يمكن من نمو ماله ~~بإمضاء ms397 واحد؛ أي بتوكيل صاحبه هذا وكالة عامة . # ويعم الناس عظيم استياء ضده لعمله ذلك، ولا سيما في دور نمو الشركات ذلك، ~~حيث ترى كل رجل ناجح عينا على الآخرين، ويسري بين النبلاء الذين كانوا يجمعون مالا ~~قول حول «الخطر على يسر الدولة العام من إعطاء قطب الإمبراطورية السياسي الأول ~~وكالة عامة بإدارة أمواله لرأس أصحاب البنوك الذي هو مالي يهودي كبير»، ويحاول ~~مولتكه وقواد آخرون أن يفصلوا بسمارك عن بليشرودر بوسائل غير مباشرة، ~~وينذره خلصاؤه القدماء كتابة، ومن ذلك قول أحدهم: «لا أستطيع أن أمنع نفسي من ~~مصارحة سموكم بذيوع نكتة بين الشعب قائلة إن بليشرودر شريك في الحكومة، وقد ~~هتك شرف بروسية القديم بما يلاقيه أصحاب الشركات من الحظوة لدى المقامات ~~العليا.» # وما كان لبسمارك ليسمتع لأية نصيحة كانت، فلما كتب بعضهم إلى الإمبراطور محذرا ~~عمل بسمارك على زيارة بليشرودر لولهلم في أملاكه، وأموال الإمبراطور الخاصة ~~- فضلا عن ذلك - كانت سائرة في طريق النجاح على يد «مالي يهودي» آخر كما تسير ~~أموال بسمارك. # ويقول بسمارك في مشيبه: «أعرف ماذا يجب علي أن أفكر فيه حول بليشرودر ~~وأولاده، فقد كان صرافي، ومن البهتان أن يقال إنني كنت أعطيه إشارات سياسية ~~يتمكن بها من القيام بأمور مفيدة لي أو له، ومن الصحيح أنه أمدني في سنة 1866 ~~بوسائل مواصلة الحرب على حين كان كل واحد غير راغب في إعطائنا قرضا، وهذا ما ~~جعلني شاكرا له، وإنني - كرجل مسئول - كنت لا أدع إنسانا يهوديا أو غير يهودي ~~يقول إنني استغللته ثم قصرت في مكافأته على ما قدم من خدم لا يسعني سوى ~~تقديرها كرجل سياسي.» وهنا نرى تشابك الشكران والإذعان. # ويعنى بسمارك بالجزئيات في السنوات العشر الأولى، وهو يقص علينا أنه لم يبع ~~سنداته الأجنبية حتى سنة 1877، «فلما علمت أن شوفالوف عين سفيرا في لندن لم ~~أنم ليلة واحدة قائلا في نفسي: إن الروس بانفصالهم في ذلك الحين عن أنبه رجل فيهم ~~يكونون قد أخطئوا، وهذا ما جعلني في اليوم التالي أوعز ms398 إلى بليشرودر بأن يبيع ما ~~لدي من سندات الدولة الروسية، فأثنى بليشرودر على سعة نظري في هذا ~~الأمر.» # وبسمارك لكي يتمكن من اللعب ضد أوروبة لم ينظر إلى مصالحه المالية الشخصية فلم ~~يشر بعد ذلك سندات أجنبية، ولم يحدث في أي وقت كان - في ذلك الحين أو قبله أو ~~بعده - أن صنع بسمارك كما فعل هولشتاين وغيره مؤخرا فاهتدى في شئونه المالية ~~وأموره السياسية بسير الأسعار في المصفق، # 4 # بل كان يكتفي بقائمة الحساب التي يقدمها بليشرودر إليه في كل ~~عام، ومن الصحيح أن كان مصنعه الورقي بفارزين يقوم ببعض طلبات الدولة، ولكن مستأجره ~~كان لا يأخذ سوى أدنى الأثمان، وذلك من غير أن يكون لبسمارك أقل فائدة شخصية من وراء ~~ذلك، وما وجهه الضابط بوتكامر من تهمة إلى بسمارك فيسقط من تلقاء نفسه ~~أيضا. # واستطاع بسمارك أن يتوارى وراء تلك الوكالة العامة فيصوب إلى خصومه في الريشتاغ ~~ضربات قاتلة، ومن ذلك قوله: «إذا ما بلغت جريدة كجريدة كروززايتنغ من القحة ~~ما وجهت به أفظع إفك وأكذب بهتان إلى أناس من ذوي المقامات العالية في العالم ~~فوضعتهما في قالب لا يمكن معه أن يرفع أمرهم إلى القضاء، وأثارت بهما - مع ذلك - ريبا حول شرف هذا أو ذلك الوزير في أعماله؛ وجب علينا تجاه هذا الزور أن نؤلف ~~جميعا جبهة واحدة فلا يشجع كل واحد هذه الجريدة بالاشتراك فيها، وكل واحد ~~يحفظ هذه الجريدة يكون شريكا فيما تنشره من افتراء وأكاذيب.» # ولكن الأشراف «أبناء العم» يتحدونه؛ فقد برز ستة وأربعون من حملة الألقاب، وقد ~~انضم إليهم مئات كثيرة من الإكليروس فيما بعد، فصرحوا من فورهم في ~~كروززايتنغ بأنهم أنصار مخلصون للراية الملكية المحافظة، وبأنهم لا ينفصلون عن ~~صحيفتهم هذه «وبأن مستشار الإمبراطورية إذا كان يشك في صدق مشاعرنا النصرانية فإننا ~~نترفع عن مجادلته كما نترفع عن قبول نصائحه عن الحشمة والشرف»، ومن موقعي ~~ذلك ترى أسماء فيدل وزيتزيفتز ومارفيتز وسهرتوس وغوتبرغ وأسماء أقدم ~~أصدقاء بسمارك مثل بلانكنبرغ وكليست ريتزوف، والشيخ تادن-تريغلاف ms399 «مع الأسف ~~العظيم». # وهكذا تبصر أولئك الذين أيدوا بسمارك في مغامرات شبابه يعادونه مغاضبين في ~~كمال رشده حين أصبح أقوى رجل في الإمبراطورية، وينشر بسمارك قائمة «المصرحين» ~~هؤلاء في جريدة «رايخسانزيجر» معلنا أنهم يثبتون عداءهم للدولة بحملتهم على شخصه، ~~وبسمارك بعد هذه الضربة الشديدة ينفصل عن طبقته لعدة سنوات. # وجرح كرامة الشريف بسمارك أشد مضا من جرح القطب السياسي بسمارك، ولا يحمل ~~بسمارك حبا خاصا لأشخاص أولئك الموقعين، ولكن بسمارك ينظر إلى الأمر قائدا ~~فيعد الزمرة أو الطبقة التي ينتسبون إليها درة # 5 # له فيجدهم قد خانوه، ويمس بسمارك في كبريائه، «ومتى قطعت بغتة صلة ~~المرء بالذين يعدهم أكفاءه لأسباب شخصية أكثر من أن تكون مادية، ولأسباب حقيرة أكثر ~~من أن تكون شريفة، ومتى قاطع الوزير جميع من كانوا أصدقاء له حتى ذلك الحين فعومل ~~عدوا فغدا وحيدا، لا يمكن هذا الغزو أن يؤدي إلى غير زيادة همومه الرسمية وقلب ~~أعصابه وربك عاداته، ومن كان في سني فأيقن أنه لن يعيش طويلا ثم رأى فقده ~~لجميع أصدقائه القدماء ورأى قطع جميع ما يربطه بهم من قديم الصلات استحوذ عليه ~~قنوط عميق يعدل العزلة التامة، فكيف إذا أضيف إلى ذلك ما يساورني من الغم حول ~~صحة زوجتي؟» # ويكشف غضب بسمارك عن أحط الدوافع في كل واحد من أعدائه، فلما رجع البصر مع أحد ~~خلصائه إلى جدول الأشراف الذين صوتوا ضد قانونه الكنسي تناول اسم كل واحد منهم ~~بقلمه الرصاصي الضخم، وقال مخاطبا نفسه على طريقة فالنشتاين: # 6 ~~«غوتنبرغ؟ هو ساخط؛ لأنه لم يعين رئيسا حتى الآن! روزنبرغ؟ هو يصوت ~~ضدي مع أنني أنقذته من أخطار كثيرة! غرويز؟ هو طموح مجروح! بوتكامر؟ هو يهزأ ~~بالكنيسة، ولكنه يريد أن يرى بغلظته ومعارضته أنه عدل # 7 # لي! لقد غضب هؤلاء الفجار؛ لأنني صرت أميرا، ولأنني لم أدعهم إلى ~~مائدتي! ألا إنني عارف بأبناء بلدي من أهل بوميرانية!» # ويصب بسمارك جام غضبه على موريتز بلانكنبرغ على الخصوص؛ وذلك لأنه رفض ~~منصبا وزاريا، ولأنه كرر بإهمال ms400 قولا عن صك مصفقي # 8 # أسيء تفسيره فاستشهد به «مصرح» آخر أمام المحكمة فيما بعد، وهذه هي ~~خاتمة صداقة بدئت بحماسة، وهذه هي خاتمة أغنية حب ماري فون تادن وموتها، ~~وينتهي ذلك بثرثرة حول أسهم عقارية قيل إن بليشرودر اشتراها لمستشار الريخ مع ~~أنه لم يشرها قط. # وإليك أيضا ثغرة قاطعة للرجاء بين بسمارك وهانس فون كليست ريتزوف الذي هو من ~~أقرباء حنة، والذي كان رفيقا لغرفة بسمارك أيام اللندتاغ، والذي كان يمد ~~عينيه معه إلى منصب وزاري، والذي بدا أبا عماد لابنة بسمارك، والذي كان لا ~~يخاطبه فيما يكتب إليه من كتب إلا بكلمة «حبيبي بسمارك»، والذي احتمل بسمارك ~~آراءه الدينية صابرا، فالآن يتواجه الرجلان في المجلس الأعلى، والآن يظهران خصمين، ~~والآن حين يتراشقان بجارح الكلام يذكران - على ما يحتمل - ما كان منذ خمس وعشرين سنة ~~من إسماع كل منهما للآخر ما يلقيه من خطب ضد الديمقراطيين. # ويدعو المستشار صديقه إلى زيارته طمعا في إقناعه، ويأبى كليست الإذعان، ويمسك ~~بسمارك السكين ويبدو كمن يقطع غطاء المائدة، وينهض، ويدع صديقه السابق ينصرف، ولم ~~يعتم بسمارك أن صار يتكلم عنه من فوق المنبر ساخرا، ومن ذلك قوله: «لقد قضى جناب ~~الخطيب وقتا طويلا في دراسة علم اللاهوت، ولا جرم أنه سيفكر ذات يوم في هل ~~تحفزه سلامة روحه إلى انتحال الكثلكة!» # ويحاول كليست أن يصالح بسمارك، فينظم قصيدة بسبب عيد زواجه الفضي، غير أن بسمارك ~~يمنع زوجه حتى من الكتابة إليه، ويقول لخادمه على مسمع من الحضور: «إذا جاء فون كليست ~~فبلغه أنني لست في المنزل.» # | الفصل الخامس # يبلغ بسمارك الستين من سنيه، فيبصر - بمرارة ممزوجة بسرور - ثبات ما كان عليه من ~~كره للناس ابنا للعشرين من عمره، ويقول للوسيوس: «إذا ما كنت فوق السرير ولم يخالط ~~عيني نعاس ذكرت في الغالب ما اقترف نحوي من ذنوب قبل ثلاثين سنة فلم تكفر، ~~فأتميز من الغيظ وأحلم - شبه نائم - بمقابلة المثل بالمثل، ومن ذلك ما كان من ~~معاملتنا في معهد بلامان حيث ms401 كانوا ينبهوننا بوخز السيف.» ومن يثب وهو نصف نائم ~~فيمسك خناق معلمه بعد خمسين سنة يتعهد عداءه الطبيعي حتى يشتد فيتعطش إلى ~~الانتقام، وهو كما لاحظه بنسن «يكون أشد من الطغاة حقدا وحبا للانتقام، ويظهر ~~صغيرا في الأمور الصغيرة». # والآن يكدس التهم ضد جميع من هم على خلاف رأيه فيؤذونه، ويبلغ السبعين ~~فيتهم كل أثيم، ولديه نماذج مطبوعة لتملأ في الأحوال المستعجلة بتهم القذف، ~~وهو يدعو هذا إرهابا، ومن النادر أن يجرؤ أحد على مقاومته، حتى إن مومسن المتهم ~~بالقذف كان من الضعف ما أنكر معه الكلمات التي تفوه بها في خطبة انتخابية، فقال ~~بسمارك شامتا: «أجل، قد يكون الاتهام مختلا، ولكن بما أن مومسن قد انحط إلى ~~درجة الإنكار؛ فإننا نكون قد فزنا في اللعب.» # ومما حدث أن نشر صاحب جريدة «كلاديراداتش» الذي كان بسمارك مغرما بمداعبته حول ~~مائدة الأسرة ذما بريئا ضده، فلم يلبث بسمارك أن اتهم هذا الصحافي وسجنه، ~~ويحادث بسمارك قطبا سياسيا روسيا، فيأتيه بالاعتراف الآتي المثير للحير: «إن ~~الغضب يستولي علي في بعض الأحيان، وأسوأ من ذلك أن يفقدني صوابي». # ويموت لاسكر في أمريكة، ويقرر المؤتمر # 1 # الأمريكي مشاطرة الأمة الألمانية أساها، ويبرق بذلك إلى مستشار الريخ ~~فيمتنع هذا المستشار من نقل برقية تأبين خصمه الميت هذا إلى الريشتاغ معيدا ~~البرقية إلى وشنغطن، وتساوره الريب، فلما كان يتنزه في حديقة المستشارية ذات ~~مرة وأبصر نورا في غار وقف حالا وسأل: «ما هو سبب هذا الضياء؟ لا أحد يسكن هنالك، ~~ألا ترونه بؤرة لصنع نقود زائفة؟» # ويرى بسمارك أن كل رأي مخالف لا يصدر عن غير سببين، لا يصدر إلا عن خبث أو ~~رغبة في الارتقاء، ولا مراء في أن البلاطات والسفارات ووزارات الدولة صارت مراكز ~~خطرة للدسائس، فلما كتب بسمارك مذكراته في شيبته جعل «الدسائس» أطول فصولها، ويظل ~~أمر أرنيم أشهرها. # وكيف لا يعطف المرء على رفيق صبا بسمارك: أرنيم؟ فهذا الدبلمي الذكي كان ~~مختالا متصنعا متخبطا متخوفا متزعزعا، وكان أسدا في رداه الاستقبال وعازفا ms402 ~~ممتازا على البيان، وكان طموحا منذ زواجه المغني، وكان مشخصا متظاهرا بعدم ~~الاكتراث ، وكان ولوعا بذكر مكيافيلي، وكان ثرثارا في غير لغة، وتدور الخمر في ~~رأسه ذات ليلة فيسر إلى بسمارك بقوله: «أعد كل شخص يقف في سبيل تقدمي ~~عدوا شخصيا لي فأعامله بهذه الروح، ولكنني لا أبدي له ذلك ما دام رئيسا لي!» ~~وبسمارك قال عن أرنيم: «إنه ذو رأس جميل، ولكن يعوزه خز في الخلف» وكان هذا قبل ~~تخاصمهما. # وبسمارك كان يعد مرءوسه أرنيم من ذوي القرائح، فأرسله سفيرا إلى كورية ~~الرومانية ثم سفيرا إلى باريس، ويغدو أرنيم كونتا في غضون ذلك، ويتقدم بأسرع من ~~تقدم غيره، ولا يخامره ريب في أنه سيكون مستشارا فينشد الحظوة لدى الإمبراطورة ~~أوغوستا، وتعده أوغوستا هذه صديقا للكاثوليك والفرنسيين وتمتدحه متكلما ~~بارعا، ويود أن يكون كما كان بسمارك وإن لم يرد أن يميز نفسه في حضرة ~~أوغوستا. # ويرغب بسمارك في تأييد النظام الجمهوري في فرنسة ومنع فرنسة من أن تتقوى برجوعها إلى ~~نظام ملكي، وفي باريس يعمل أرنيم إذن ضد تيار وغيره من الجمهوريين، ومن باريس يرسل ~~أرنيم كتبا خاصة إلى الإمبراطور ولهلم للتأثير فيه، ويحول الإمبراطور البسيط ~~النزيه هذه الكتب إلى المستشار كما كان يحول رسائل غولتز إلى وزيره بسمارك في غابر ~~الأيام. # وهنالك يعزم بسمارك على إسقاط أرنيم، فلا يقابله عند مجيئه إلى برلين، ويسافر بسمارك ~~ولا يجيبه عن كتبه، ويستدعي الإمبراطور سفيره أرنيم إليه عدة مرات قاصدا تعويضه ~~من إهمال المستشار بسمارك له، ويبلغ أرنيم من السخف ما يرى به إمكان تعاونه هو ~~والإمبراطور ضد بسمارك ويشكو بثه # 2 # وحزنه إلى مولاه ويضرع إليه أن يأذن له في الاستقالة، فيرفض الإمبراطور ~~ذلك، ويروي أرنيم أن الإمبراطور ولهلم قال له: «لم يكن هنالك غير حقد الأمير ~~«بسمارك» والحقد أبرز صفاته، ومن المؤسف أن أقول هذا عن ذلك الرجل الممتاز.» ويشعر ~~أرنيم بأن وضعه تقوى بتلك المحادثة فيجازف في عرين الأسد بحديث رواه هو ~~وبسمارك. # يذكر أرنيم أن بسمارك بدأ الكلام ms403 ب «صوت جارح مع سماح ولهجة مستعل مع ارتياح»، ~~ويسأل أرنيم عن السبب في اضطهاد المستشار إياه فيغمره بسمارك بسيل من اللوم وهو يقول: ~~«آذيت صحتي منذ ثمانية أشهر وسلبتني كل راحة! أنت تأتمر مع الملكة! لن يهدأ لك ~~بال إلا إذا جلست على هذا الكرسي، وأنت حينئذ تدرك مثلي أن ذلك متاع ~~الغرور!» # ويندر أن نسبر غور فؤاد بسمارك في زمن بأوضح من ذلك، ففي تلك الساعة انتزعت ~~عزيمته اعترافا عظيما منه، فهو قد أقر بتفه ذلك الكرسي الذي يدبر الأمور من ~~فوقه فيطمع أرنيم أن يقعد عليه. # وأرنيم بدلا من أن يقف مواثبا فتكون الاستقالة جوابه، يقول لبسمارك بصوت رقيق: ~~«ألم يبق عند سموكم أي ثقة بي؟» فهنالك يلقي عليه بسمارك «نظرة حادة»، ويقول ~~له: «كلا!» # وهنالك يمد أرنيم إليه يده وهو يقول: «ألا تتفضل بمصافحتي مودعا؟» # بسمارك ~~: # لا أود أن أرفض ذلك في منزلي، ولكنني أرجو منك ألا تطالبني بالمصافحة في ~~مكان آخر. # وبسمارك بعد تلك المقابلة سهل عليه أن يضع أمام الإمبراطور ولهلم تخييره ~~المعهود: «إما هو وإما أنا»، ويكتب بسمارك ذلك مهددا قائلا إنه لا يريد أن ينازع ~~«سفيرا سيئ النية» ثقة مولاه، وجاء في كتابه هذا: «أرى مرتابا - ولست وحيدا في ~~هذا الارتياب - أن هذا الموظف الكبير يسير في أعماله الرسمية وراء نفعه الشخصي، ~~أجل لا يسهل إثبات هذا الادعاء، ولكن ما يخالطني من اشتباه فيه بلغ من القوة ما ~~يشق علي معه أن أظل مسئولا عن الوجه الذي ينفذ به ما يوجه إليه من ~~تعليمات.» # ويزعم أن أرنيم أجل بعض المفاوضات حول تأدية فرنسة للغرامة الحربية؛ قاصدا ~~الاستفادة من بعض المضاربات التي ارتبط فيها مع البارون هيرش، وهنالك شبه مضحك بين ~~التهم التي يوجهها كل من بسمارك وأرنيم إلى الآخر، كل من بسمارك وأرنيم ~~اللذين هما من أشراف بوميرانية واللذين هما من خدمة الإمبراطورية فيسيرهما ~~في الأعمال المالية يهودي رفع إلى مرتبة الأشراف، ويتهم كل واحد منهما الآخر ~~بالسعي وراء مصلحته الخاصة على ms404 حساب الدولة، وأرنيم - وإن لم يظهر اسمه - هو من زمرة ~~الأشراف الذين يحملون على بسمارك، ويظل ما يتقاذفان بلا دليل، ويعجزان كلاهما عن ~~إقامة الدليل، ويتماثلان كلاهما في القول، وأقوى الرجلين وحده هو الذي يصيب ~~المحز. # وأقصى ما يوافق الإمبراطور ولهلم عليه هو إحالة سفيره أرنيم إلى نصف معاشه، ولا ~~يروق هذا بسمارك الذي يخشى حوك أرنيم للدسائس طليقا ببرلين أكثر مما يخشاه سفيرا ~~بباريس، ويبعد بسمارك خصمه أرنيم سفيرا إلى الآستانة لذلك، وهنالك يقترف أرنيم ~~حماقة؛ فهو بدلا من أن يستقيل فيصبح حرا في الانضمام إلى الحزب في المجلس الأعلى ~~الذي يناصب بسمارك العداء؛ ينحني أمام هذا الرئيس الخصم الذي ما انفك يوبخه في ~~الأشهر القليلة الأخيرة ضمن أشد الرسائل إنذارا، ومن ذلك: «أرى مطالبتكم بأن ~~تبدوا كبير عناية بتعليماتي وقليل ميل إلى اتباع آرائكم السياسية الخاصة، وذلك ~~بأكثر مما ظهر من تقاريركم وتصرفكم الرسمي حتى الآن.» # وينشر أرنيم بعض الوثائق المطبوعة المغفلة التي تهدف إلى بيان تبصره وإعلان غفلة ~~بسمارك، وبهذا يبدو أرنيم من ضيق الأفق ما لا يبصر معه إمكان افتضاح ذلك، والآن يصير ~~أرنيم قبضة بسمارك، والآن لا تستطيع الملكة أن تحمي أرنيم، والآن يقدر بسمارك على ~~عزله؛ لإخلاله بالواجب الرسمي، وكان الكفاح يقع بين خصمين حتى اليوم، ثم سهل ~~أضعفهما بخرقه وسائل الفوز لأقواهما. # وهنالك تبدأ قسوة بسمارك التي شابهت في «أمر أرنيم» ما جاء في الأساطير، فجعلت ~~نصف الأمة ضد الظافر، وما كان معاصرو بسمارك ولا الأعقاب من بعده ليغفروا له ~~رغبته في القضاء على خصمه المقهور، وبيان الأمر هو أن خلف أرنيم بباريس أخبر بفقدان ~~بعض الوثائق، فرفض أرنيم تسليمها مصرحا بأنها من أوراقه الخاصة، وتخبو نار أرنيم ~~ولا يعدو حد الموظف المتقاعد بعد أن كان يطمع في نصبه مستشارا. # وينشد أرنيم السند بين حماته الأماجد ويعتمد على شرف محتده، ويتحدى أرنيم ~~خصمه القدير بسمارك، فيقف بسمارك الأثيم أرنيم في الحال ضمن دائرة حقوقه، ويحاكم ~~أرنيم بتهمة سرقة أوراق رسمية فيحكم عليه بالسجن ms405 تسعة أشهر، ويفر إلى سويسرة، ~~والذي حفز بسمارك إلى محاكمة أرنيم مرة واحدة هو ميله وميل الملك إلى عدم دوام ~~الاستقصاء وما يؤدي إليه من الإفشاء عدة سنوات، وبسمارك في الوقت نفسه ينصح أرنيم ~~بطلب العفو. # ويتميز أرنيم من الغيظ، وينشر في منفاه رسائل لا كوع لها ولا بوع، ويؤدي هذا ~~إلى اتهام الآثم بالخيانة وبسب الإمبراطور وبقذف بسمارك ويحاكم، فيحكم عليه ~~غيابيا بالسجن مع الأشغال الشاقة خمس سنوات وبسقوط حقوقه المدنية مع التصريح بأنه سلك ~~سلوكا شائنا، وتمضي أربعة أعوام، وينال أرنيم حق دخول ألمانية طليقا والمثول أمام ~~محكمة الإمبراطورية ليبرئ نفسه، ولكنه يموت في نيس قبل بلوغه ألمانية «مهانا» ~~شريدا. # وفي تلك المحاكمة يظهر للمرة الأولى والمرة الأخيرة رجل يقتضي عمله الكتمان، واسم ~~هذا الرجل هو البارون هولشتاين الذي تعرف بسمارك به في سان بطرسبرغ والذي عينه ~~المستشار بسمارك عينا على خصمه أرنيم في سفارة باريس؛ ليرسل إليه تقارير عنه، فبهذه ~~الوسيلة اطلع بسمارك على طمع أرنيم في منصبه، ويرسل بسمارك هولشتاين إلى ~~المحكمة؛ ليؤدي شهادته أمامها، ويتأذى هولشتاين كثيرا لحمله على إظهار ~~تجسسه، فيحقد على بسمارك حقدا شديدا لا يبديه إلا بعد سنين فيكون له نتائج ~~تاريخية مهمة واسعة المدى. # | الفصل السادس # لم يكن بين أولئك الذين اتصلوا ببسمارك غير رجل واحد، غير رون، استطاع أن يمزج بين ~~الاستقامة والانتقاد وبين الصداقة واستقلال الفكر، وكادت عواصف سنة 1870 تقضي على ما ~~بين بسمارك ورون من صداقة، وفروسية رون وحدها هي التي أنقذت هذه الصداقة من الزوال، ~~ورون لما هو عليه من جد ومن غاية دائمة في خدمة ملكه وبلده ومن عدم اكتراث ~~لمنفعته الخاصة وللمقام وللعوامل الحزبية أبصر ما يقع في الداخل من أمور، فكتب في سنة ~~1872 يقول: «كانت انتصارات سنة 1866، وإن شئت فقل كانت الأوهام التي نشأت عن هذه ~~الانتصارات حول التوفيق بين جميع الأحزاب السياسية، أول الأمور التي شغزبتنا # 1 ~~... ثم وقع ما نعلم من وثبات البطولة في سنة 1870 فلم تنقذ الوضع، ~~ومما ms406 لا ريب فيه أن ما أسفرت عنه الانتصارات في تلك السنة من نشوة أجل رجوعنا إلى ~~دور الاتزان ، فترانا نداوم على الدنو من الهو.» # 2 # ومهما يكن من أمر ظل رون بجانب بسمارك في وقت قلب فيه لبسمارك ظهر المجن # 3 # جميع أنصاره القدماء من «أبناء العم»، ولم يوجد أحد قادر على إغواء رون ~~بأن يكون من أولئك «المصرحين الموقعين» مع أن بلانكنبرغ ابن أخت له وموضع ~~لسره منذ عشرات السنين، وما كان من حب رون لوطنه فأكثر من حب كل بروسي له ~~في ذلك العصر، وما كان من اعتقاده أن بسمارك أعظم منه فكان يصونه من الحسد، وهو إذ كان ~~أذكى من «أبناء العم» الآخرين، وكان قانعا بما بلغه من السلطان لم يستح أن يكون في ~~المرتبة الثانية، ومن عادته أن يحدث عن نفسه بقوله إنه الترس الذي قام به ~~بسمارك. # ومن المحتمل أن ما يحمله رون من الاحترام للمستشار بسمارك هو الذي كان يسوقه إلى ~~الانفصال عن صاحبه هذا، ورون لما كان من إعجابه العظيم ببسمارك قرر الاستقالة عند ~~التحاك، ويفزع الملك ولم يبق له سوى ذينك الخادمين الشائبين من عزم رون فلم ~~يأل جهدا في إمساكه، ويوفق بسمارك إلى صنع ما هو أكثر من ذلك، ويحفظ بسمارك ~~بعبقريته هذا المخلص بجانبه في آخر الأمر ملقيا عن كاهل نفسه بعض الأعباء، فقد ~~قلل ملال رون من منصبه بأن رفعه إلى رئاسة وزراء بروسية ناقلا المسئولية من عاتقه ~~إلى عاتق رون حين كان كفاح المحافظين في أشد أدواره، وقد حدث هذا كله فور أخذه ~~رسالة رون فأغذ في الذهاب إلى برلين عشية سنة 1872 الجديدة تدبيرا للأمر، وفي ~~اليوم ذاته، وقبل أن يسافر، كتب إلى صديقه رون يخبره بأنه مريض وبأنه لا يقدر على ~~تسيير الأمور كما في الماضي: # يسرني أن أخدم الملك وزيرا للخارجية للمدة التي يأمر بها ... ولا أستطيع أن ~~أنقل إلى أي شخص كان ثمرة تجربتي في عشرين سنة في سياسة أوروبة الخارجية ~~ولا ما نلته ms407 من ثقة في القصور الأجنبية، بيد أن الأمور الخارجية لأقوى الدول ~~العظمى تتطلب انتباها موحدا غير منقسم لدى الرجل المسئول عنها ، وإن من ~~الشذوذ الذي لم يسبق له مثيل أن يكون وزير خارجية دولة عظيمة مسئولا في ~~الوقت نفسه عن الأمور الداخلية، وإن من شأن عملي أن يجعل للرجل الذي يقوم به ~~أعداء كثيرين من غير أن يكسب صديقا واحدا، ورجل مثل هذا يخسر حتى أصدقاءه ~~القدماء إذا ما أراد القيام بعمله شريفا غير خائف، وفي الداخل خسرت المكان ~~الذي كنت راغبا فيه بسبب ارتداد حزب المحافظين، وقد شل نشاطي بالعمل ~~الشاق، ولا يكاد الملك الراكب على السرج يشعر بأنه نهك في حصانا قويا ~~لكثرة ما امتطاه، والكسالى وحدهم يحتملون الضربة. # ولذا عاد بسمارك لا يرغب في غير المستشارية ووزارة الخارجية: # ولصاحب الجلالة آراء ورغائب لا أستطيع الموافقة عليها، وعدت غير قادر على ~~احتمال مسئوليتها مع وهني الراهن، واشتدت المؤثرات التي تعارضني، وزال ~~نشاطي في الكفاح منذ الربيع بسبب عجب المحافظين المحزن وعجزهم السياسي، ولا ~~أجد ما أصنعه تجاه المحافظين، ولا أريد فعل ما أتحداهم به، ولهذه العوامل ~~سأقدم استقالتي الجزئية إلى جلالته بعد غد، وإذا ما أنعم الله علينا بطول ~~العمر ذكرنا - مسرورين - تلك الأيام العظيمة التي عملنا فيها كأصدقاء قدماء مع ~~الود الخالص الثابت. # وبسمارك بهذا الأسلوب العالي يعرض اعتزاله السياسي الجزئي الذي قدره باعتدال ~~على أنه عمل ودي، وبسمارك يعرف في الحقيقة أنه لا يعتم أن يعود، وبسمارك ينتظر ~~دعوته كما قال لخلصائه، ورون هو أسير بسمارك أدبيا، ورئيس وزراء بروسية الجديد هذا ~~سيبقى في منصبه تسعة أشهر، فإذا كان من الصعب أن يعمل بأوامر بسمارك فإن من المتعذر أن ~~يعمل بجانبه، وقد قسم المستشار سلطانه، وعلى المستشار أن يطلب إذن رجل آخر إذا ~~ما أراد عمل شيء رئيسا للوزارة، وبسمارك هو الريخ ورون هو بروسية، ويجتنب كل ~~تحاك باتحاد المنصبين في شخص واحد، وتبدو عيوب دستور الريخ الأساسية وتنتقم من ~~واضعه. # ويحل شهر فبراير سنة 1873، ويبلغ ms408 بهتان الأشراف «أبناء العم» غايته؛ فهم ~~يدهمون نجي بسمارك الشيخ فاغنر متلبسا بجرم الرشوة، وهم يحاولون أن يثبتوا ~~اطلاع بسمارك على ذلك، ويشتاط بسمارك غيظا، ويكشف بسمارك عن ضغنه حول الأمر أمام ~~رون وآخرين، ويغضب الصديقان، ويشعر بسمارك بأن رون لا يفعل ما فيه الكفاية في الدفاع ~~عنه غير كاتم انفعاله، ولا مدار لرون، ويفاجأ بسمارك بالكتاب التالي مساء: # لا أتردد في الاعتراف بأفضليتكم في أمور كثيرة كما حاولت دوما أن أظل ~~على وئام مع سموكم، واليوم أيضا حاولت أن أجتنب قطع العلاقة مع أن أسلوب ~~ملاحظاتكم يجعل هذا الاجتناب صعبا إلى الغاية، ومن الجلي أن «موادكم ~~الملتهبة» حطت من قيمة ما لدي، وقد يكون من المستحب لنا نحن الاثنين - ولي على الخصوص - اجتناب مثل ذلك التحاك في المستقبل، وإني حين أذكر روابط ~~الصداقة التي ارتبط بها كل منا في الآخر منذ سنين كثيرة، وفي عشر سنين ~~عملنا فيها معا؛ ألتمس من سموكم أن تطمئنوا إلى إمكانكم الاعتماد ~~علي وعلى نشاطي بما يلائم، ولكنكم إذا ما فتحتم باب الكلام احتجاجا أو لوما ~~على تصرفي الرسمي استطعتم فعل ذلك مع مواجهتكم بجميع ما في «موادي ~~الملتهبة» من الأخطار، ولست من الحماقة أو الأنانية ما أحاول معه الوقوف ~~ضدكم بقواي المسنة ونفوذي القليل، فهذا صحيح! ولكن من الصحيح أيضا أنني ~~لا أحتمل تجاهلكم مزاجي ومحاولتكم معاملتي برعاية قليلة وضغينة كبيرة كمتمرد أو ~~مهمل خلافا لما أنا عليه في أي وقت كان، خلافا لما أنا عليه في الماضي ~~والحال والمستقبل. # ورون في كتابه هذا يرجو من بسمارك أن يعد كتابه محاولة «لإنارة سموكم بوجهة ~~نظري حول صلاتنا المتقابلة والشروط الضرورية التي يمكن أن تدوم بها، وسواء علينا ~~أفترقنا أم لم نفترق لا أرى غير إقامة الدليل مرة أخرى على سروري البالغ ببقائي ~~صديقكم القديم: رون». # وهل تجد في اللغة الألمانية ما هو أكثر روعة من هذا الكتاب الذي دبجه يراع ~~الأقل عبقرية، فأرسله إلى الأعظم عبقرية نتيجة لصداقة مجروحة وكرامة مكلومة؟ ~~وماذا يمكن ms409 المرسل إليه أن يصنع سوى الإسراع إلى المرسل فيجيبه عنه بلكمة صميمية ~~وحملقة ودية؟ ولكن بسمارك الذي كتب في حياته كثيرا من الكتب الحاقدة والذي لم يأخذ ~~مثل ذلك الكتاب قط؛ اتخذ طريقا ضعيفا وسطا فكتب يقول: # عزيزي رون، إن مما يؤسفني أن أرسلتم إلي كتابا كثير الفتور؛ وذلك لما ~~كان علي أن أحتمل منكم مواد ملتهبة أشد مما لدي في الوقت العتيد ~~فنسيت ذلك في الحال، والآن يخيل إلي أن سبيل الغضب إليكم أسهل مما ~~إلي، ولا أظن أنكم تضعون نفسكم في مكاني كما يجب على صديق قديم أن يفعله ~~وكما أراني جاعلا نفسي في محلكم لو حمل عليكم بمثل تلك السفالة، وكنت ~~أعتقد أنني أستطيع الاعتماد على عطف زملائي الصادق إذا هوجمت في شرفي ونزاهتي ~~علنا، ومن المحتمل أن كان عليكم صنع الشيء الكثير حتى تتصرفوا في وقتكم ~~وأعصابكم من أجل الآخرين، والذي لا ريب فيه هو أنه لم يوجد رفيق ولا جريدة ولا ~~صديق رفع من تلقاء نفسه صوته ليكافح الشتائم الخطيرة التي توجه إلي من ~~غير أن أستحقها؛ ولذا أجدني مضطرا إلى اتخاذ التدابير الرسمية وصولا إلى ~~المساعدة التي لم أنلها من صداقة ولا من حسن عاطفة ... # ومهما يكن الأمر فإن مشاعري لا تنطوي على ما تظنون من افتراض، وهي مشاعر ~~زميل يألم كثيرا مما أهين به على غير حق فلا يجد أي التفات ممن كان ~~ينتظر عونه، واصبروا علي واذكروا سنواتنا العشر التي قضيناها في العمل معا، ~~واذكروا أيام اشتراك أقدم من ذلك، وليس عليكم أن تصبروا أكثر من ذلك، ~~وسأجاهد في سبيل سمعتي إلى آخر ما تركه الله لي من عزم قوي، ولن أتيح ~~لكم بعد ذلك أية فرصة بمثل المحادثات والرسائل الراهنة تبصرون بها صداقتنا ~~القديمة - التي أرجو دوامها بعد ختام خدمتي العامة - تدنو من الخطر. # ويسكن رئيس مجلس الوزراء قريبا من المستشار، ومن المحتمل استطاعته أن يرى من نافذته ~~بسمارك يذرع الحديقة ذاهبا آيبا مسكنا نفسه بعد إرساله ذلك الكتاب، وكيف يمنع ms410 رون ~~نفسه من التبسم عندما يقرأ توكيد هذا الأناني الأكبر الذي يصرح بأنه يميل دوما ~~إلى الدفاع عن أصدقائه ويزعم أنه سيستقيل قريبا؟ يبدو رون ألطف من بسمارك فيغفر لهذا ~~الأخير اتهاماته المكررة، ورون مع أنه ضابط حرب ينسى أنه أهين أمام شهود لم ~~يتأخروا عن رواية ما كان من تعنيف المستشار لرئيس الوزراء، ورون يتناول قلما وقرطاسا ~~ويبدأ كتابه ب «عزيزي بسمارك». # ولم يحدث قبل الآن أن بدأ رون كتبه إلى بسمارك بمثل تلك الفاتحة، وأحيانا يبدأ ~~رون كتبه إليه بكلمة: «الصديق الأكرم»، وغالبا لا يبدأ رون كتبه إليه بشيء من ~~ذلك، وذلك لعدم تصميمه على أن يرد إلى بسمارك كلمته «عزيزي رون» لما تنطوي عليه من ~~تمويه أو صميمية كبيرة، ورون حين يخاطب بسمارك ب «عزيزي بسمارك» على ذلك الوجه؛ ~~وذلك للمرة الأولى والأخيرة؛ يكون محاولا محو كلمة «سموكم» من كتابه الذي أرسله ~~إليه قبل يوم ومحاولا العودة إلى حظيرة الصداقة، ورون يحافظ على أسلوبه الودي هذا ~~بوصفه ظاهرة أمس، حيث يقول: # وإذا كنت قد اضطررت إلى إرسال كتاب «كثير الفتور» إليكم فإن عليكم أن ~~تعلموا أن أشد المشاعر كانت تمزقني، ولا يمكنكم أن تجهلوا درجة احترامي ~~لكم وتقديري إياكم، وعليكم أن تذكروا أنني أرمي كل يوم برماح في سبيلكم ~~لما يمازجني من شعور معكم وأنني لا أتردد في إبداء ما يجب من الشجاعة في ~~أي مكان أجد فيه عداوة لكم، وما كان من افتراض أنني أميل إلى الظهور ~~بمظهر الخلي تجاه ما يمس شرفكم وسمعتكم ومن افتراض أنني أتخلى عنكم ~~غير مكترث فمما يجرحني في الفؤاد، وهذا إلى ما كان من اشتمال كتابكم على ما لا ~~مبرر له من وعيد كثير الخطر، وقد أعربت في كتابي عن دهشي من استرسالكم ~~ضدي على ذلك الوجه، فأجبتم عن ذلك ببيانكم مجددا قلة ثقتكم بحميتي ~~وبشككم فيما أحمله من عاطفة نحوكم ... # ويكفي ما وقع من حديث عن أمس وعما هو جاثم وراءنا ومن قولكم إن علي أن ~~أبدي صبرا نحوكم، ms411 وأنتم تعرفونني منذ طويل زمن، فأنى لكم أن تثقوا ~~بأنني أحاول المحافظة دوما على قول الرسول: «ليحمل بعضكم أثقال بعض»، ~~وبأنني أحاول العمل به جهد الاستطاعة؟ ولكنني إنسان ضعيف أيضا، فمما لا ~~أطيقه أن ينكرني ويسيء معاملتي أولئك الذين أقدرهم تقديرا خاصا ~~وأحبهم من سويداء قلبي، ولي أن أطالبكم باحترامي أيضا، وألا تنتظروا ~~مني أن أكون هدفا أبكم يمكنكم أن توجهوا إليه سهام غضبكم بلا إنذار، ~~ولنأت إلى قولكم عن الوقت القصير الذي أحتاج إليه لأبدي صبرا معكم، ~~فدعوني أبين لكم أنني آمل وأرغب من فؤادي في دوامكم على قيادة مقادير ~~وطننا إلى ما فيه الخير العام، وذلك إلى ما بعد رقود عظامي في القبر. # تلك هي اللهجة التي كتب بها شريف إلى صديقه. # ولكن الجو لم يصف؛ فما انفك التحاك يحدث، ورون إذ كان راغبا في المحافظة ~~على صداقة بسمارك بأي ثمن كان، استقال في فصل الخريف، ورون يكتب إلى ابن أخيه يخبره ~~بأن التضافر مع بسمارك على الأحرار أمر يمكنه صنعه، «وأما أن يقاتل بسمارك ~~والأحرار معا فأمر فوق طاقتي»، وإلى بسمارك يكتب رون قوله الرجولي الممزوج بإنكار ~~الذات: «دعني أستصرخك مرة أخرى بقولي: إلى الأمام أيها البطل المقدام! وسأصنع هذا حتى ~~ختام حياتي الذي قد يكون قريبا، سواء علي أكنت على المسرح أم بين الحضور.» # وليس جواب بسمارك أقل روعة، وبسمارك قدير على معرفة ما يدور في قلوب الناس إذا ما ~~تجرد من المأرب وتحرر من الريب، وبسمارك لم يقلل من قيمة ما أصاب به نفسه ~~من خسار، فقد قال: «تمسكني الخدمة على ثلمة، ولم يترك لي مولاي خطا للرجعة، ~~وكانت النتيجة أن لاحت رايات الملك، وسواء علي أكنت سقيما أم سليما لا أرغب عن ~~حمل راية مولاي إلى الأمام ضد أبناء عمي العصاة ثابتا كما أحملها ضد البابا ~~والترك والفرنسيين، وأراني منهوكا، وقد ضنيت في سبيل غاية، ولا يسوغ الخرج ~~ديوان محاسبة، وسيجعلني استعفاؤكم وحيدا، وأنتم وحدكم تحملون قلبا حنونا بين ~~الوزراء، وأما بقية الساق ففاسدة، ms412 وسيظل مكانكم في متكأ بهو الاجتماعات ~~خاليا، فإذا ما نظرت إليه قلت في نفسي: كان لي رفيق ذات مرة.» # 4 # وتتوارى بروسية القديمة بختام أنشودة ذينك الرجلين الفخمة معا، ومنذ إحدى عشرة سنة ~~هجم ذانك الرجلان ليقتلا تنين الديمقراطية، وقد لاح لأجل أن النجاح حليف ~~الفارسين، وهما ما فتئا يرميان روح العصر بنبالهما إلى أن صاح مهللا وسقط، ولكن ~~الحياة عادت إلى التنين فبدا ذا ثلاثة رءوس بدلا من رأس واحد مزمجرا من الغور، ~~وهل تفترض قدرة بطل حي لا نصير له على إنقاذ العالم من هذا الغول؟ # ومن النادر أن فتح بسمارك قلبه لأحد، والآن بعد ذهاب رون لم يلبث أن أقفل قلبه مرة ~~أخرى، والآن تعين المقاصد والمصالح جميع أعماله، وتمضي ستة أشهر فيقول بسمارك الذي ~~لم يأل جهدا في منع انزواء رون: إن غرور رون كان سبب جميع ما وقع من خطأ، وإن رون ~~كان يروم دوام السلطان لنفسه مع أن كنبهاوزن كان أحسن منه موهبة، وإن رون فقد ~~عادة العمل وصار لا يصنع شيئا، ولكن رون الذي بقي له ست سنوات راحة كان يعظم ~~صورة صديقه من بعيد، فلما هدد بسمارك بالاستقالة مرة أخرى قال رون لابن أخيه: «أنزل برومثيوس # 5 # النار من السماء، فصار عليه أن يصبر على الوثاق # 6 # والعقاب، وما ناله يفوق مدى قدرته! ولا أحد يأكل من ثمرة شجرة الحياة ~~بلا عقاب، وإذا ما انزوى الآن في كنف الريف الهادئ نزع بنفسه التاج من جبينه.» # بسمارك في سنة 1889. # ولما أحس رون دنو أجله سافر إلى برلين، وأقام بفندق مقابل للقصر مشاهدا رفع ~~العلم في كل صباح قاعدا على كرسي ذي ذراعين، ويزور الملك البالغ اثنتين وثمانين ~~من سنيه هذا الماريشال البالغ ستا وسبعين سنة من عمره، وهنالك يجلس هذان الشيخان ~~الشريفان العالمان بالواجب والخالصا التقوى، ويتكلم هذا الشائبان عن المعارك السابقة، ~~ويهم ولهلم بالانصراف وينظر إلى السماء قائلا: «سلم على رفقائي القدماء، ~~فستلاقي كثيرا منهم هنالك!» # وهكذا يموت ألبرخت فون رون. # | الفصل ms413 السابع # «إذا قيل للثور «هت» ذهب إلى اليمين، وإذا قيل له «هه» ذهب إلى اليسار، ولكن هذا ~~الشيخ لا يسمع هت ولا هه!» هذه هي الشكوى التي يبدي بسمارك بها رأيه الخاص في ~~الملك في أثناء العقد الأخير من حياة ولهلم، وما انفكت صلات الرجلين تزيد سوءا ~~منذ بلوغ بسمارك الستين من عمره وبلوغ ولهلم الثمانين من سنيه، وكيف يستطيع قطب ~~سياسي ذو ذكاء نادر رفع ذكره بما تم له من النجاح في أوروبة وأبصر من إذعان ~~مولاه له ما يبلغ مائة مرة وسلك سبيل الاستبداد في الشئون العامة؛ أن يبقى مداريا ~~صابرا على ضرورة السؤال والرجاء؟ وكيف يستطيع شيخ عنيد شريف متمتع بعزة الملك ~~متمرن على القيادة أن يبقى مداريا صابرا على تمثيل بسمارك لدور المستبد؟ # والحق أن بسمارك في كتبه كثير الإسراف في صيغ الاحترام، والحق أن بسمارك لا ~~يهمل في كتبه نثر ما يقتضيه البلاط والتاريخ من أزهار البلاغة، ومما رواه شاهد ~~أن بسمارك في اجتماعات مجلس التاج لا يقصر في «اتخاذ لهجة مجاملة مملوءة لطفا ~~ممزوجا بالاحترام»، وإذا ما أجابه المليك كان ذلك بخفض جناح وأصدق وداد، وما ~~يبديه ولهلم نحوه من شعور؛ فطبيعي، وما سكبه بسمارك من العبرات حينما أنعم ~~عليه بلقب أمير؛ فحقيقي، ولم يصدر عن الملك ولهلم ما يدل على حسد، ولم يأل ~~هذا الملك جهدا في رفع ذكر وزيره، وترى جميع كتبه مفعمة بتعابير الشكر، ومن ~~ذلك قوله: «سيدوم شكري لكم إلى ما بعد موتي، فملككم وصديقكم معترف بالجميل لكم إلى ~~الأبد.» # ومما وقع أن أراد رجل من الشعب أن يتزوج أميرة، فهو لكي يصل إلى ذلك لا بد له من ~~نيل لقب الشرفاء، ويستأذن الملك بسمارك في ذلك قبل كل شيء؛ وذلك لأن طالب الزواج كان ~~قد رفض ذات مرة شرب نخب بسمارك، «وذلك لأن إنعامي بالسعادة على عاشقين موقوف ~~على سؤالكم عن وجود اعتراض لكم إذا ما صنعت ذلك!» # وبسمارك - من ناحيته وعن زهو عبقري هادئ - يمتدح دوما وعلى مسمع ms414 من الناس جد ~~مولاه وشعوره بالواجب؛ أي يبجل تينك الصفتين اللتين كانتا ملازمتين ليل نهار ~~لولهلم دون سلفه وخلفه. # وبسمارك مع ذلك يتكلم بصراحة يريدها أمام العشرات من الوزراء والنواب، حتى أمام ~~أناس من الأجانب، حتى أمام أناس من الزوار غير الرسميين الذين لا يمتون إلى ~~السياسة بصلة، فلا يعتم أن يكذب ما قاله إذا ما عن له ذلك في بعض ~~الأحيان. ~~«والأمور التي يمجد من أجلها الملك هي أمور حملته على إتيانها بعد جهد عظيم، ~~وتغدو معاشرته صعبة مقدارا فمقدارا، ومما لا يطاق عدم قدرته على البت بسبب ~~تقدمه في السن وزيادة وهنه»، ويقول لهوهنلوهه: «عاد الملك لا يعرف ماذا وقع، ~~وهو يبدو قاسيا أحيانا إذا سمع أن هذا الأمر أو ذلك الأمر حدث مع ظنه أنه لم ~~ينبأ بأمره!» ويقول لوزير ورتنبرغ، فون ميتناخت: «لقد حملت مليكي على كتفي ~~إلى العرش الإمبراطوري، مع أنه كان في سنة 1866 يفكر في التنزل عنه، والآن يظن ~~أنه يعرف كل شيء خيرا من وزيره، فيود أن يصنع كل شيء بنفسه.» ويقول لمدير ~~البساتين بوت موجزا واضعا غليونه بين أسنانه: «إنه ضابط طيب محبوب لدى النساء»، ~~ولما أثنى هذا الغريب على خطب الإمبراطور ولهلم أمام اللندتاغ أيام كان أميرا ~~قال بسمارك: «مه! كانت تلك الخطب تهيأ له مقدما، فهو غير بليغ، إن كان في ~~الحين بعد الحين يحسن الكلام أمام قواده! وهو فريد في إخلاصه وأمانته، ولا أكتفي ~~بحيازته هذه الصفات؛ فالذي أريده هو أن يقف بجانبي.» # وما يكدر صفو بسمارك بعد تلك المدائح أن يجد مولاه امرأ لا يؤمن جانبه، ويعلم ~~بسمارك كل ما يقوله الملك ضده، ويقول العاهل الشائب لهوهنلوهه «يهدد بسمارك ~~بالاستقالة دوما وصولا إلى أهدافه، وهذا مما لا يمكن دوامه على هذا الوجه، ولا أحد ~~يعرف إلى أين يريد أن يسوقني.» ويذكر بسمارك - مسرورا - أن الشيخ ولهلم كان قد غضن # 1 # إحدى عرائض استقالته وجعل منها كرة، ثم كتب على هامشها مغاضبا كلمة ~~«لا!» فلما التقى الرجلان للمرة ms415 الأولى بعد ذلك لام الملك خادمه قائلا: «أتريد أن ~~تفضحني في آخر عمري؟ إن من عدم الإخلاص تركك لي!» وفي مرة أخرى يدع بسمارك عريضة ~~استقالته معلقة بالميزان مهددا طالبا ألا يبت فيها إلى أن يعود من إجازته، ~~وهذا يعني أن ينتظر الملك ساكتا خمسة أشهر، ويكاد لب الملك يطير من الغضب، ويقول ~~الملك: «لا أدري بماذا أصف لك ما لكتابك من سوء أثر في نفسي، ولكن بما أنك طلبت ~~مني كتابة أن أكتم مضامين كتابك فإن لي أن أرجو منك أن تحلف ناقله على الكتمان ~~أيضا ... صديقك المغتم كثيرا: ولهلم.» # ويقرأ الملك جريدة رايشغلوك في كل أسبوع من ذلك، ويألم بسمارك في مذكراته من ~~ذلك لما يعلمه من تأسيس تلك الجريدة للافتراء عليه، ويعين ثلاثة أشخاص لوظائف ~~عالية، ويحتج بسمارك ضد جهر الملك بلطفه تجاه أعدائه، ويكتب عن أحد هؤلاء الثلاثة ~~المفضلين قوله: «إن الشيء الوحيد الذي لفت نظر الجمهور إلى شخصه هو ما كان من عداوته ~~لي عدة سنين، وهو لم يمتز بحسن قريحة ولا بجمال خدمة، وهو أيام شغله منصبا في ~~الخارج كان مصدر زعج لعدم أهليته ولزيادة حماقته في الأوقات المهمة، وهو لم يصنع ~~في السنوات الخمس عشرة التي أتت بعد ذلك غير الكتابة ضدي والكلام عني بشكاسة من ~~يؤدي عجبه إلى ظنه أنه منكور.» # ولكن بسمارك يعرف جيدا أن ينقم دوما، ومع احترام خليق بجليس الملوك، إذلال مولاه ~~إياه، فلما تذمر الملك سنة 1874 من شدة عبارة في خطبة العرش كتب بسمارك من فارزين ~~يصرح بأنه إذا ما وقع أقل تبديل في النص لم يجئ إلى برلين لافتتاح الريشتاغ، ~~وعلى هوهنلوهه أن يقول للملك إن بسمارك بلغ من الزهو ككاتب ما لا يوافق معه على ~~ذلك التصحيح، ويبلغ هوهنلوهه ذلك ويقول الملك الشيخ هائجا: «يستنبط من تلك ~~العبارة أننا نريد محاربة فرنسة مرة أخرى! ولا أرغب في سماع كلمة من هذا الطراز، ~~وتقدمت في السن كثيرا، وأخاف أن يجرني بسمارك إلى حرب جديدة شيئا فشيئا!» ms416 # ويخالف هوهنلوهه قول الملك بأدب، ويلاعب ولهلم لحيته ولم ينطق بغير قوله: ~~«لا أوافق الأمير بسمارك على ذلك، ويسرني أن تنقلوا إليه وجهة نظري.» وهكذا يقول ~~كل من الخادم والمخدوم للآخر ما يراه صحيحا بواسطة شخص ثالث خشية التحاك، ومن ~~الطبيعي ألا يقع ما أراده الملك من تصحيح! # ويقول ولي العهد: «ما بيدنا حيلة، فإذا ما اقترح بسمارك على والدي عقد اتفاق مع ~~غاريبالدي، أو مع مازيني، ذرع والدي القاعة ذاهبا آيبا قائلا مع قنوط: ماذا ~~تحاول أن تفعل بي يا بسمارك؟ ثم يقف والدي في سواء القاعة وهو يقول: لا أعارض ذلك ~~الأمر عند تقديرك أنه ضروري لمصالح الدولة.» ومن ثم ندرك السبب في أن بعض أكابر ~~الموظفين يتكلمون في كتبهم الخاصة عن بسمارك ساخرين داعين إياه كاراكالا، # 2 # ومن ثم ندرك السبب في كتابة الملك الشائب بعد خصام كتابا مؤثرا إلى ~~بسمارك في سنة 1873 الجديدة تلبية لطلبه، وبسمارك لم يعتم بعد ذلك أن قال لأحد ~~الأحرار وعن رغبة في إذاعة الخبر إن مسودة ذلك الكتاب عرضت عليه في بدء الأمر، ~~وإنه لم يصنع فيها غير تصحيح أغلوطتين أو ثلاث أغاليط في التهجية، وينتحل بسمارك روح ~~ميفيستوفل فيقول: «إن من المؤسف أن قمت بذلك التصحيح لما يوجب ذلك عد الوثيقة ~~أقل صحة!» # ومن النادر أن يقول أحد الصدق حول تلك الأمور، وقد جازف أونروه ذات مرة، فقال ~~لبسمارك: إن التاريخ سيحاسب الإمبراطور على أنه «احتفظ بوزير معنت # 3 # واتبع نصائحه اتباعا غير مقيد خلافا لما سار عليه أي ملك من ملوك ~~بروسية»، ويستمع بسمارك لأونروه، ثم يجيب على هذا بقوله الكلاسي: «بالحق ~~نطقت، فللملوك بصر ثاقب غريب في معرفة ما يفيدهم!» # وكان بسمارك لا يتقيد أمام أي رجل كان إذا تكلم عن مولاه الشائب، وروى لوسيوس ~~أن بسمارك قال في جمع مختلط في سنة 1875: «نأخذ في بعض الأحيان رسائل بخط ~~الإمبراطور يتطلب الجواب عنها عمل عدة أسابيع، ولا يدخن الإمبراطور، ولا يقرأ ~~جرائد، ولا يطلع على غير الوثائق ms417 والرسائل؛ فالأجمل به أن يتأنى، وإذا حدث أن وجد ~~مني جوابا صارما امتقع ولان، وقال: «أعرف أنني وهنت بتقدمي في السن، ولكن طول ~~عمري ليس ذنبي!» ومن الطبيعي أن ملاحظة من هذا الطراز مما يحزنني.» ويحدث بسمارك ~~عن اللهجة التي يجب اتخاذها في البلاط، فيقول: «لا أقدر أن أقول مثلا إن جلالتكم ~~تهذر، أو إن جلالتكم لا تعرف من السياسة أكثر من معرفة صبي من تلاميذ الصف الثالث، ~~وإنما يجب علي صوغ ذلك كله في عبارات مهذبة، ولا يعرف الناس ماذا كان يجب أن ~~أصنع للتفاهم مع ذلك العظيم في ثماني عشرة سنة، وإنما كنت أصل إلى ذلك بأن أهدد ~~بالاستقالة كمسدس أحمله بيدي على الدوام.» # ويمتدح نجي بسمارك - لوسيوس - الملك ولهلم فيجيبه بسمارك عن ذلك قائلا بقسوة: ~~«يسير جميع الملوك على خطة واحدة في استغلال أقدر مستشاريهم وأخلصهم، ولا بد من أن ~~يكون مليكنا قد ورث هذه الخطة عن فردريك الكبير، فهو فاتر، وهو قاس كالحجر، وهو ~~لا يعرف معنى للشكر نحوي، وهو يحتفظ بي عاملا له؛ لما يراه من وجود نفع له ~~في.» # ويبلغ خصام أوغوستا غايته في سنة 1870؛ فهذه الإمبراطورة ومستشارها ناظر القصر ~~شلينتز يرعيان كل من يكتبون ضد بسمارك ويحوكان الدسائس حوله، سواء أكان هؤلاء ~~من الكاثوليك الرومان أم من الشرفاء، ولم تنشب أوغوستا أن صارت ضد الأحرار بعد ~~أن اتفق بسمارك معهم، وتضع الحرب أوزارها، وتشترك أوغوستا في عرض النصر العظيم الذي ~~أقيم ببرلين بعد الوقت المقرر له بعدة أسابيع، وأوغوستا هي التي أجلت هذا ~~العرض بعد جهد لتلك المدة بسبب استشفائها في ينبوع معدني؛ أي لسبب لم يعرفه الشعب، ~~ولا يكاد يعرفه حتى الآن، مؤخرة بذلك تسريح الجنود ستة أسابيع، ومكلفة البلاد ~~بذلك ملايين كثيرة من التاليرات، ومبدية بذلك نوبة من جنون العظمة! # وما كان من وضعها تجاه النواب والوزراء في الداخل وتجاه الأمراء في الخارج فيضر ~~سياسة الريخ في الداخل والخارج، ويجعل المستشار مضطرا إلى الكفاح المضني، ويقول ~~بسمارك لاثنين من خلصائه متألما: ms418 «هي تكاتب ملوك الأجانب بخط يدها وبتحريض زوجها ~~- كما هو ظاهر - وهي تعارض سياستي وتواد سفير فرنسة وتعمل برأيه ورأي ~~فيندهورست، وهي تدنو بمكايدها من باب الخيانة، وهي تجعل الناس يكتبون إليها رسائل ~~فتضعها أمام الإمبراطور عند تناول الفطور، فيرسل الإمبراطور إلي ما لا يروقني من ~~المذكرات، فإذا لم تنته هذه الأمور قدمت استقالتي وغدوت قادرا على الجهر بما ~~أفكر فيه.» # وتؤيد الإمبراطورة سفير فرنسة - وهو من الأشراف - فيما يصبو إليه من إعادة الألزاس ~~واللورين إلى فرنسة، ويكون لديها بذلك مكار خبيث في صورة قارئ فرنسي يمثل دور ~~جاسوس، وتعنى عناية خاصة بالغرباء وقسيسي الكاثوليك، ويزودها ناظر القصر ~~شلينتز بكل ما يدور في خلد أرنيم وفيندهورست وجميع الساخطين من الأشراف ضد ~~بسمارك، ويؤدي ذلك إلى تقوية آمال الأوساط المعادية لبسمارك في سقوط المستشار الذي طال ~~عهده، ويكتشف بسمارك أن صحيفة رايشغلوك تهيأ في نظارة القصر، «فالوسيط هو ~~مستخدم عادي يبري أقلام زوجة شلينتز وينظم منضدة الكتابة، وتجعلني ~~الإمبراطورة أشعر بدوام جفائها لي، ويبدي أكابر موظفي القصر من القحة نحوي ما أرفع ~~معه شكواي إلى صاحب الجلالة نفسه.» # ويذهب بسمارك ذات صباح ليسأل الإمبراطور عن التفات خاص إلى حزب الوسط، فيجده ~~مريضا ويجد أوغوستا قريبة من سريره «بزي استنبطت منه أنها لم تصل إلى هنالك إلا ~~بعد أن أخبرت بحضوري، فلما أبديت رغبتي في محادثة جلالته وحده انصرفت، ولكنها ذهبت ~~لتجلس على كرسي خلف باب لم تغلقه تماما عاملة بحركاتها على إشعاري بأنها تسمع كل ~~كلمة»، وتقام حفلة راقصة في القصر مساء، فيرجو بسمارك من أوغوستا ألا تؤذي صحة ~~زوجها برأي معارض، «وما أبديته من حركة غير منتظرة فكان ذا أثر جالب للنظر لعدم ~~ملاءمته تقاليد القصر، ولم يحدث في السنوات العشر الأخيرة أن أبصرت الإمبراطورة ~~أوغوستا جميلة جمالها في تلك الساعة، وتعدل قامتها وتلمع عيناها لمعا لم أرهما ~~به من قبل ومن بعد، وتتركني بغتة، ويروي لي أحد الندماء أنها قالت: إن مستشارنا ~~اللطيف كان اليوم غير لطيف». # وفي ذينك ms419 المنظرين اللذين قص بسمارك خبرهما بلباقة تبدو أوغوستا كما هي، فهي ~~تظهر في الصباح متحدية غيري وتسلك سلوكا غير لائق طمعا في أن تكون ذات إصبع ~~في الحكومة بأي ثمن كان، ولو من وراء الباب، وهي تظهر في المساء مشبعة من مقامها ~~الملكي فتجدد نشاط شبابها وتسترد جمالها الذي اشتهرت به ثلاثة أجيال، وهل ~~نعجب من تمني بسمارك موت أوغوستا؟ قال بسمارك غاضبا منكتا: «لا بد من ~~نهاية أحد النظامين: الزواج والملكية، فمن العبث جمعهما معا، وبما أننا نحتاج إلى ~~الملكية وجب علينا أن نضع حدا للزواج!» ويقول للوسيوس بجد أكثر من ذلك: «إذا ~~ما اتفق على أمر مساء قلب على مائدة الفطور في الصباح كل شيء رأسا على عقب، ~~فيا ليت الإمبراطور كان من الأرامل!» # وتفتر ملكية بسمارك بعد أن بلغ ذروة سلطانه، ويفقد بسمارك تقريبا ما يجب أن يقوم ~~عليه النظام الملكي من إيمان، ويروي لنا اثنان من خلصائه، وهما بوشر وبوش، خبر ~~مقالة كتب مسودتها الرئيس «بسمارك» فتشتمل على تهديد بالاستقالة، وهو قد عمل على ~~نشرها في إنكلترة حتى تتناقلها صحف ألمانية، وتكون مؤثرة في الملك فيذعن ~~لرغائبه، وقد أشير في تلك المقالة إلى ما يمازج المستشار من «شعور ملكي وإخلاص ~~للملك» فحدث بوش «أن كلا من ذينك العرافين أخذ ينظر إلى الآخر متبسما»، ~~ويشكو الأمر إلى ميتناخت مع كبرياء ذاتي، فيقول: «يبلغ الملوك من جعل الحياة ~~قاسية على الوزراء ما يدنو به الإنسان من النظام الجمهوري بعد تجربة، ويتكلم الملوك ~~في كتبهم الخاصة عن وزرائهم كما لو كان هؤلاء الوزراء من الخول!» # 4 # ويكتب متهكما عن سكرتير الدولة قائلا إن هذا السيد يحدث عن أبطال ~~أوميرس بعبارات خسيسة خليقة بحياة البلاط؛ ك «صاحب السمو الملكي، والمبارك الذكر ~~هيكتور»، وفي سنة 1880 يلخص بسمارك الأمر سرا كما يأتي: «لست نصيرا للحكم ~~المطلق، وكيف يمكن أن يكون نصيرا لذلك الحكم من ظل وزيرا للدولة سنوات كثيرة؟ ~~وليس على الوزير أن يعمل للملك وحده، بل عليه أن يعمل لزوجة ms420 الملك، ولخليلته - على ما ~~يحتمل - ولجميع من في البلاط من الأنذال، وترى رءوس أشراف القصر مملوءة بالترهات، ~~وترى الطبقة الأريستوقراطية القديمة مفعمة بالعجب الممزوج بالشر، فلا يزينون ~~أنفسهم بسوى شجر أنسابهم.» # ويقول بسمارك للوزير شولز: «كنت ملكيا مخلصا لملكيتي ومقدسا لمليكي عندما ~~قبضت على زمام السلطة، فيؤسفني أن أصرح بأن هذا الشعور يقل مقدارا فمقدارا!» ~~ويضيف بسمارك إلى ذلك قوله: «لقد رأيت ثلاثة ملوك عراة، ولم يكن منظرهم جاذبا ~~دوما!» # | الفصل الثامن # يجوب الطاغية إمبراطوريته بخطا داوية، ويسميه الشعب بالمستشار الحديدي، ~~فيهزأ عن غير قصد، فبسمارك كان بالحقيقة حديديا في الشئون الداخلية على حين كان ~~أمرن الدبلميين في الصلات الخارجية، ومهما يكن الأمر فإنك ترى على رأس الأمور ~~في الوقت الحاضر رجلا قادرا على القيادة، والآن لا يتطلب الألمان أكثر من هذا. ~~وبسمارك لعدم ثقته بأحد وعدم افتراضه اتصاف أحد غيره بالذكاء والإخلاص؛ كان لديه ~~من الأسباب الوجيهة ما يؤمن معه بدهائه الخاص وما يرتاب معه في كل رجل قدير يقترب ~~منه منافسا، ويسفر اجتماع هذه العوامل فيه عن جعله متشددا مستبدا ممسكا ~~بجميع الأعنة. وإذا ما نظرت إلى ما اتحد فيه من أثرة و«كره للقرطاس والقلم» ~~وبغض للبشر وحب للشجر وعدم ميل إلى أي مشير خاص أبصرت ما يثير فيه شوقا إلى ~~الراحة وحياة الريف والإجازات الطويلة، ويود بسمارك أن يكون بهذه الإجازات الطويلة ~~التي بلغت إحداها خمسة أشهر ذات مرة؛ أن يعمل موظفوه في برلين كل شيء بأنفسهم، ~~والويل لهم إذا فعلوا أمرا عن مبادرة منهم مع ذلك، ولم يدرك أحد هذه الظاهرة ~~بأحسن مما أدركها رون الذي كتب يقول قبل أن يصير رئيسا لوزارة بروسية: ~~«ويريد ناسك فارزين «بسمارك» أن يصنع كل شيء بنفسه، ويصدر أوثق الأوامر مع ذلك؛ ~~لكيلا يزعجه أحد، ولو لم يزود الريخ بمجلس عال وبما يحتاج إليه من الوزراء لكان ~~حكم التاريخ ضده، ولا تستطيعون العيش من اليد إلى الفم # 1 # على الدوام، وإن كانت اليد مستقيمة قوية وكان الفم مقنعا مجهزا ~~بأقوى ms421 أسنان، وأصدقاؤه المخلصون قليلون جدا، وهو يستمع إلى أعدائه كثيرا، وأشد ~~أعدائه خطرا أظهرهم عبادة له، وإني لما أحمله له من كبير تقدير أريد تعديله في ~~عدة أمور»، ولم ينشب ذلك أن يبدو لكل ذي عينين، ويشتكي لاسكر من عدم احتمال ~~بسمارك لأي وزير ومن عدم رغبته في غير رؤساء للدواوين، ومما قيل: «تود ألمانية أن ~~يحكم بسمارك في أمرها، وما فتئت ألمانية تريد هذا حتى عند ذهاب بسمارك إلى فارزين ~~وزعمه أنه مريض، وتفضل ألمانية إذن أن تنال أدنى حكم من بسمارك على أتم حكم من ~~سواه.» # وأول تجلي استبداد بسمارك كان تجاه الوزراء، ثم تجاه الريشتاغ، ثم بلغ ~~غايته تجاه الموظفين، حتى إنه لا يقابل الدوكات الحاكمين بلا تعيين موعد، حتى إنه ~~يصد الملوك، وينتظر أحد الدوكات الأعاظم في الساعة التاسعة مساء، ويحضر بسمارك ~~بزته الرسمية في الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين حين كان غارقا في ~~العمل، ويعيد مبذله القديم الذي كان يلبسه في منزله وقت الشغل - كما هي عادته - ~~ثم يقول لتيدمان الذي كان يملي عليه ما يود كتابته: «لا ينبغي لأي صاحب سمو ~~ملكي أن يظن أن علي أن أنتظره أكثر من ربع ساعة»، وفيما هو يقول ذلك إذ ~~ينبأ بوصول الدوك الأكبر، وتفتح الأبواب ويجلس بسمارك الذي كان يذرع الغرفة ~~ممليا ذاهبا آيبا خلف منضدته في الحال، ويزعم غرقه بين الوثائق - كما روى تيدمان ~~- ويقول مع كبير توقير: «ظننت أنكم يا صاحب السمو الملكي لا تشرفونني بالزيارة، ~~فنحن في الساعة التاسعة والدقيقة العشرين.» ولا يكتفي بسمارك بمجازاة الأمير على هذا ~~النمط من الإهانة التي وجهها إليه أمام أحد خلصائه قاصدا إذاعتها، بل كان يهدف ~~إلى الإفادة من ثرثرة جميع دوائر الخارجية، ويجيء ملك سكسونية ذات يوم بغير سابق ميعاد ~~فيسأل البواب الذي هو بروسي خالص: «أهو مدعو؟ كلا؟ لا أدعه يدخل إذن.» وينصرف ~~الملك، ويقبل المعاذير التي تقدم إليه فيما بعد. # ويجعل بسمارك من يبلغ وزراءه وسفراءه مدة أسابيع أنه ليس في منزله؛ وذلك لعدم ms422 ~~حبه إياهم أو لإراحة نفسه منهم، ويروي لنا لوسيوس وتيدمان نبأ كثير من الحيل التي ~~يتذرعون بها؛ ليحملوه على تلقي خبر أو اتخاذ قرار عندما يكون منوعا، ويخيل ~~إلينا أننا نقرأ مذكرات البلاط عن طاغية جميع الروس، ولا يريد من هم من أصحاب الذكاء ~~النادر أن يكونوا من أركان وزارة شكلية كتلك، ويزيد ارتباك بسمارك في إيجاد وزراء، ~~وهو إذا وجدهم لم يلبث أن يميل إلى الخلاص منهم؛ ولذا شبهه كونت نكات بدون جوان ~~قائلا إن المستشار يتملق الحسان حتى يظفر بهن، فإذا فاز بهن سرحهن بسرعة، ولا ~~تجده يحترم أي وزير لمدة تزيد على عامين، ولا يكاد يمسك بوزير أكثر من سنتين، ولا ~~يرى بسمارك في هذا ما هو غير طبيعي، وبسمارك يصف هذا الوضع بقوله: «إذا أردت ~~تناول ملعقة حساء وجب علي أن أنال إذن ثمانية أغبياء قبل كل شيء!» ولكن ~~زملاءه الذين يؤذيهم إذا ما انحازوا إلى أعدائه تذمر بمرارة من إنكارهم الجميل ~~قائلا إنه انتشلهم من عالم الخمول. # وكل زائر يورثه زعجا ما لم يكن هو المتكلم، «ومن يود أن يحدثني عن أمر ~~يجب عليه أن يتم حديثه في عشرين دقيقة، ويمكث معظم السفراء مدة أطول من تلك طمعا ~~في انتزاعهم خبرا يدخلونه إلى تقاريرهم»، حتى إن أعلى الموظفين، حتى إن الأصدقاء ~~المقربين، لا ينبغي لهم أن يأتوا لزيارة بلا دعوة ولا ميعاد ولو كان في ملكه بالأرياف، ~~حتى إن الإمبراطور ولهلم نفسه لا يحق له أن يرسل إليه أحدا في فارزين لإمكان ~~عدم ترحيبه به. # ومما حدث أن قابل الإمبراطور سفيره بباريس الأمير هوهنلوهه، وأن أشار على ~~سفيره هذا بالذهاب إلى فارزين عادا ذهابه هذا مساويا لأمر، وأن أجاب الأمير ~~هوهنلوهه عن هذا بأنه لا يستطيع أن يذهب إليها من غير أن يدعوه بسمارك، وهنالك ~~يسكت الإمبراطور والأمير هنيهة ثم يذعن الإمبراطور الصبور، ولكن بسمارك إذا ما رأى ~~تبليغ الإمبراطور شيئا من فارزين أرسل إليه هوهنلوهه هذا مثلا لإيصال ذلك ~~إليه. # وصحته من وسائل استبداده، ms423 فإذا لم يسطع بلوغ أمر وقع مريضا، وبعض مرضه هذا يكون ~~حقيقيا وبعضه الآخر يكون سياسيا، وهنالك يصرح بأن صحته تقضي عليه بالانصراف، ~~وتعلق صحيفة كلاديراداتش على ذلك منتحلة سخرية هين: # 2 ~~«أجعل الضرائب الصغيرة من آلامي الكبيرة.» # وفي كل مرة يقدم بسمارك استقالته، وقد قدمها ست مرات، لا يستند إلى صحته ~~وحدها فقط، بل يستند أيضا إلى الخدمة، وإلى الإمبراطور نفسه في أكثر الأحيان، ويجده ~~هوهنلوهه في فارزين ذات يوم «حسن الحال طيب المزاج»، ويعهد إليه بسمارك في ~~أخبار الإمبراطور بأنه دائم المرض تعب الأعصاب، «وذلك لأن الإمبراطور لا يعنى بي، ~~وهو يزعجني». # بيد أن المستشار ينتظر من الريشتاغ عناية ضن المستشار بها عليه، فلما حمل ~~بسمارك على لاسكر حملة شخصية في سنة 1879 دق الرئيس الجرس بلطف، فيقف بسمارك ~~حملته ويقول: «ما هو السبب في دق الجرس؟ كل شيء هادئ في القاعة!» ثم يقول ~~للوسيوس: «إنني أعلى موظفي الإمبراطورية هنا، ولست خاضعا لنير الرئيس، ولا يحق ~~للرئيس أن يقاطعني أو أن ينذرني بالجرس، فإذا فعل شيئا من هذا دنونا من حل المجلس ~~خطوة!» وهكذا يحول جميع أسهمه إلى نفسه، وهكذا يتعطش إلى القراع مع ازدراء ~~الآخرين، ويهاجم ريكرت الحكومة ذات مرة، فيصب بسمارك جام غضبه قائلا: «أجل، أيها ~~السادة، إنكم تحملون على اشتراعنا وأعمالنا وعلى سياسة الحكومة، ومن تقصدون بهذه ~~الحملات؟ ومن ذا الذي تهاجمونه غيري؟ ولست أدعكم توجهون إلي مثل هذه الشتائم ~~زاعمين أنكم تحملون على الدولة من غير أن أنتحل حق دفع الأذى!» # وفي ذلك الاجتماع يغير بسمارك السبب فينتقل من الشرف إلى الرياضة، ويقول لريشتر: ~~«وإنني كرجل رياضي، وعند جواز هذا التشبيه، لا أستطيع أن أردع نفسي هنا من الدفاع ~~ضد مثل تلك الحملات!» وفي يوم آخر يترجح مزاجه بين الكرامة والتواضع، فلما قال لاسكر ~~بعدم وجود رجل قادر على فعل كل شيء عد بسمارك هذا الكلام تحديا لسلطاته ~~الخاصة، وقال مسيئا الاقتباس من شيلر عن قصد: «يلوح لي أن ما يستطيع ألفا أن ~~يصنعه ms424 يستطيع شارل أن يصنع مثله، لا أكثر!» وقال ما هو في غير مصلحته في الظاهر: «ويمكن ~~شارل أن يصنع أكثر!» ومن النادر جدا أن يشير بسمارك إلى تاريخه الخاص، ولكنه قال في ~~الريشتاغ ذات مرة: «لقد باريت أوروبة مجتمعة، ولستم أول من عاملته!» وفي ساعات ~~كتلك لا يسع سامعيه حتى أشد أعدائه سوى الارتعاش عالمين أنه يقول الحق. # وفي تلك الأيام يتدرج بسمارك إلى الشعور بأنه إمام السياسة، وهو يعلم النظريين في ~~الريشتاغ «أن السياسة ليست علما - خلافا لما يخيل إلى كثير من الأساتذة - بل ~~هي فن، وهي بعيدة من العلم بعد النحت والتصوير منه، وقد يكون المرء ناقدا ~~حاذقا من غير أن يكون متفننا، حتى إن أستاذ النقاد ليسنغ لا يستطيع أن يصنع مثل ~~تمثال لاكون». # وبسمارك بعد مثل تلك المعارك في الريشتاغ إذا ما أتى المائدة سيئ المزاج بدا ~~تجهمه بعد الأطباق الثلاثة أو الأربعة الأولى، وهنالك يبدي رغبة في إلقاء خطبة ~~كالتي كان قد ألقاها في إحدى الولائم، «وهنا يجمعنا صمت طويل ووجوه حائرة». # ولتلك الأهواء التي يسير معها طاغية ارتباط في سلامة مقامه الخاص، وفي الحقيقة ~~يشابه بسمارك في ذلك أسدا يلوح في الحين بعد الحين أنه يطلق الحيوان الذي أمسكه ~~ليقبض عليه ببراثنه العظيمة في آخر دقيقة. # وفي شهر أبريل سنة 1880 يساوره الغضب لما كان من الفوز على بروسية في البندشرات ~~وظهورها أقلية في هذا المجلس للمرة الأولى، فلما كانت الساعة العاشرة مساء أحضر ~~تيدمان - على خلاف عادته - وطلب منه وضع مذكرة في تلك الليلة عن استعفائه لتعلن في ~~«النور دوتش» ويهيئ هذه المذكرة على الرغم من النصائح التي تعرض عليه، وينزل إلى ~~الحديقة للنزهة، وكان كلما دنا من النافذة التي يعمل بجانبها أمين سره أصدر إليه من ~~الإرشادات ما هو أشد مضاضة مما تقدم، فعلى كثير من أمراء الاتحاد وممثليهم أن ~~يبرروا موقفهم، ويحثه تيدمان قبيل إرسال الجريدة إلى الطبع على الانتظار إلى ~~الصباح، فيقول: «كلا!» ويتم نقل كتاب استقالته في أربع صفحات ms425 من القطع الكامل بخط ~~جميل، ويحمل أربعة كتاب من ديوان الشفرة # 3 # على تسجيله، وإلا تعذر وصوله إلى الإمبراطور قبل منتصف الساعة الخامسة، ~~وينطلق به فارس إلى القصر في منتصف الساعة الخامسة تماما، ويجلس بسمارك في الساعة ~~الرابعة والدقيقة الخامسة والأربعين حول المائدة ليتناول طعام الفطور، ولم يكد بسمارك ~~يبدأ بالأكل حتى أرسل من يخبر بضرورة عدم إرسال كتاب الاستقالة، ويهرع تيدمان إلى ~~الطبقة العليا لينبئ بسمارك بأن الوثيقة أرسلت منذ نصف ساعة، ومن البديهي أن ~~يحاول استردادها من المرافق، ولكن إعلان الاستقالة كان قد أرسل إلى الجريدة مع ~~الأسف، وسيقرؤه الإمبراطور، ويقول بسمارك: «إذن، لتأخذ الأمور مجراها، وما أكثر ما ~~أزعجني! والآن أتى دور إقلاقه!» # تلك هي المهازئ التي يمثلها بسمارك عندما يشعر بأن منصبه كمستشار في خطر ما، ~~وليس بسمارك بالذي يسير في السياسة الخارجية عن هوى لا عن نهى ولو في أتفه الأمور، ~~وبسمارك لا يلبث أن يحتدم إذا ما سار أحد مرءوسيه مع الهوى في مثل هذه الأمور، ولكن ~~بسمارك يتحامق في الشئون الخاصة بمركزه لما يعرفه من تعذر استبدال غيره به، وبسمارك ~~جعل أحد النائبين لوسيوس وتيدمان وزير دولة وجعل الآخر رئيسا لديوان مستشارية ~~الريخ، ولوسيوس وتيدمان وحدهما هما اللذان استطاعا بفضل لباقتهما ونشاطهما أن يعملا ~~تحت إمرة بسمارك عدة سنوات، ووزير المالية شولز وفق لمثل ما وفقا له فيما ~~بعد. # وبوش وبوشر رجلان جالبان للنظر، وكلاهما أصغر من بسمارك سنا بقليل زمن، وكلاهما كان ~~ثوريا، وكلاهما كان صحافيا عندما أخذا للخدمة العامة، وكان بوش ماهرا مستهترا ~~مرنا رحرحا، # 4 # ويغدو بوش رئيسا لتحرير «غرينزبوتن» بعد قيامه بسياحة طويلة فيلفت نظر ~~بسمارك إليه، وينال حظوة لدى بسمارك قبل الحرب الفرنسية الألمانية، ثم يطرده، ثم ~~يسلك بوش سبيل المكر القريب من الاحتيال فيجعل نفسه رجلا ضروريا مرة أخرى فيرجعه ~~بسمارك إلى الخدمة لما كان من خوف بسمارك منه أكثر من خوفه من بسمارك، ويظهر أستاذا ~~في التقاط الأنباء، وهو يرى ويسمع ويقيد كل ما يقع، وتشتمل ms426 يوميته على ما لا ~~يقدر بثمن من الملاحظات الصحيحة فيطلع عليها رئيسه بسمارك. # وبجانب ذلك الرجل الرحاب # 5 # الممراح # 6 # الحوالي # 7 # الطوباوي # 8 # تبصر لوتار بوشر الملغز، وكان بوشر محاميا في بدء الأمر، وكان أحد ~~النواب الجذريين # 9 # في اللندتاغ سنة 1849، ويحكم عليه بالسجن فيفر إلى لندن، ويقضي في ~~هذه المدينة عشر سنين وحيدا فقيرا جارا لماركس في المنفى، ويعود إلى ألمانية بعد ~~العفو العام فيقدمه لاسال إلى بسمارك، ويكاد يبلغ الخمسين من عمره مع عطل من ~~وسائل عيش مضمونة، ويبدو تعبا من حياة ثوري حائرة، وتظهر الطوالع ملائمة، فيسهل ~~على بسمارك أن يبتاع قلمه القوي، وفي أيام الصدام وفيما كان صديق بوشر بلندن ليبكنخت ~~يبدأ عمله العسير الهزيل تفتح أبواب وزارة الخارجية لبوشر فيسير منها مرتقيا ~~ارتقاء مستمرا، ولبوشر أن يتطلع إلى الأمام متقدما في منصبه ما فعل كل ما ~~يقال له وما كف عن إبداء آرائه الخاصة. # وكان بوشر أهيف نحيفا، وبوشر هذا إذا خرج من الوزارة مؤقتا كان خروجه هذا ~~فرارا من الناس ومن الصحف وجوبا للغابات وملأ لدرجه # 10 # بنماذج العشب والأشنة # 11 # ورصدا للطيور مع حنان، ويعنى الأعزب الشائب بوشر بأخته على الدوام، ~~ويأكل بوشر قليلا، ولا يشرب راحا، وهو إذا عاد إلى عدة بسمارك خلص له ليل ~~نهار، وهو إذا ذهب إلى دار التمثيل أعطى سيده هذا رقم مقعده ليسهل إحضاره عند ~~الضرورة، وهو ثاقب الفكر سلس القلم، وهو قد كتب مقالات إنكليزية كثيرة ومذكرات ~~فرنسية غير قليلة وعدة مشاريع قانونية ألمانية، وقد كان يصنع أي شيء وكل شيء ~~يأمره به سيده بسمارك لبيعه منه روحه مع عدم حبه له، وبوشر لما كان من كفه عن ~~إبداء أية إرادة له كان قادرا على تلقين أي تحسين حتى لبسمارك، فيعرف من هذا ~~الأخير قبول انتقاده أو عدم قبوله، ويغالي بسمارك في تقديره، ولم يحدث أن قال بسمارك ~~عن غيره: «إنه لؤلؤ حقيقي، وقد كان صديقي المخلص، وكان رقيبي في الغالب.» ومن ناحية ~~أخرى وذات ms427 مرة يقول بسمارك عن الوجيه المخلص أبيكن إنه أجيره. # ويطالب بسمارك جميع مستشاريه بالإيجاز إذا ما تكلموا وبالبساطة إذا ما كتبوا، ولم ~~يكن بسمارك ملولا عند رجل مثل تيدمان أو بوشر قادر على الكلام بصرامة وعلى العمل ~~من أول الليل إلى آخره، وليبتعد عن الحنو في الحديث وعن الحشو في الكتابة، ويضع ~~بسمارك قاعدة لذلك في قوله الذهبي: «كلما كانت العبارة بسيطة عظم تأثيرها.» ~~ويقول بسمارك أيضا: «مهما كان الأمر معقدا أمكن حل عقده بكلمات قليلة»، وعلى من ~~يعمل تحت إمرته أن يكون قادرا في عشر دقائق على إعطاء تقرير عن مشروع قانون شامل ~~لأكثر من مائة فقرة «اقتضى إعدادها عدة ساعات»، وإذا أراد الإلمام بمسألة اقتصادية ~~وجد بيانها في خمس صفحات أمرا مطولا. # وهو يحتمل المناقضة هادئا، وهو يعرف قيمتها بعد الصدمة الأولى، وعلينا أن ندرك ~~طبيعة هذا الرجل المؤلف من أعصاب والذي قد من «حديد»، والذي إذا ما هيج برم ~~حاجبيه الكثيفين كما يبرم الرجل شاربيه الطويلين، وفي مثل تلك الأيام تجد بين ~~وثائق محفظة تيدمان واحدة خاصة بأمر بسيط معد، «فإذا ما دخلت الغرفة فوجدته ينظر ~~من النافذة متألما زاويا ما بين عينيه تكلمت في الحال عن أمر غير مهم فقال لي ~~على العموم: يمكنك أن تسوي الأمر كما تراه مناسبا، وهل لديك أمر آخر؟» وينصرف ~~تيدمان، ويكون الرئيس بسمارك طيب المزاج في الغد، ويستمع للتقارير ساعات كثيرة ~~صابرا. # وكان بسمارك ينام إلى ساعة متأخرة من الصباح، فلا يبدأ العمل في مكتبه حتى الظهر، ~~ثم يجد عاملا من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة السادسة، ثم من الساعة التاسعة ~~إلى ما بعد منتصف الليل. وبسمارك من هذه الناحية من ذوي الطبائع المسائية، وبسمارك ~~يود لذلك تأخر جلسات البرلمان كما هو الأمر في إنكلترة، «ففي المساء يكون الإنسان ~~أطيب حالا وأحسن كلاما وأكثر تساهلا، وفي الصباح يكون مزاج الإنسان من نوع آخر، ~~فهو ينتظر من الآخرين قولا عن أمر لكي يهاجم». # ولكنه إذا كان نشيطا مسرورا طالب مرءوسيه بالمستحيل، ms428 شأن ذوي الأمزجة العصبية؛ ~~وذلك كأن يرسموا مشروعا عظيما في ساعة واحدة، وذلك على أن يزعج الكاتب عشر مرات ~~في أثناء تلك الساعة، «ويجب على خدم المستشارية أن يركضوا دوما، ويجب أن ينجز كل ~~عمل بسرعة مضاعفة، ولا تقاوم أقوى الأعصاب ذلك»، ويقول تيدمان في الوقت نفسه: «لم ~~يبد عنيفا نحوي في أي وقت كان، ولا أذكر أنه كلمني مرة بلهجة غير التي تكون بين ~~النبلاء، وهو في ذلك أكثر مجاملة وأعظم لطفا من الوزراء الآخرين، ومن الحق أن على ~~الناس ألا يستنفدوا صبره وألا يستفزوه، وكان المرءوسون وكبار الموظفين يخشون ~~الرئيس كثيرا، فقد كان يؤنبهم بشدة لأتفه خطأ، وكانوا يرتجفون أمام جوبيتر # 12 # الراجس». # 13 # ويصغي بسمارك إلى التقارير التي تقدم إليه نصف مضطجع على متكأ في غرفة عمله ~~الكبرى المنارة بمصباح فضي طويل، فيصدر قراره في الأمر من فوره، ولم يذكر تيدمان أن ~~بسمارك تردد في هذا الشأن ولو مرة واحدة في ست سنوات، وكان بسمارك إذا ما أملى ~~يذرع الغرفة صاعدا نازلا فيتدفق كلامه كما لو كان يخطب الناس من فوق المنبر، وهو ~~وإن كان يقف طويلا أحيانا لا يلبث القول أن ينبثق منه، وهو وإن كان يملل في الغالب ~~تعبيرين مترادفين يفعل هذا لاختيار أحدهما فيما بعد، «وبما أنه كان لا يطيق مقاطعته ~~لما تؤدي إليه من قطع سلسلة كلامه فقد كانت متابعته صعبة إلى الغاية، ومما حدث ~~حوالي نهاية سنة 1877 أن أملى علي تقريرا ليعرض على الإمبراطور مصورا فيه نشوء ~~أحزابنا السياسي منذ إعلان الدستور، وقد دام الإملاء خمس ساعات بلا توقف، وقد كان ~~يتكلم بما هو أسرع من عادته فكنت أجد أعظم مشقة في قيد جميع ما ينطق به، وقد اشتدت ~~حرارة الغرفة فخشيت الشنج # 14 # فأعملت ذهني بسرعة وخلعت سترتي وداومت على الكتابة مشمرا عن ساعد ~~الجد، وينظر الأمير بسمارك إلي حائرا في بدء الأمر، ثم يومئ إيماء المدرك للسبب ~~من غير أن يقطع ما يملي، ويتم الإملاء فأنقل ذلك بخط جميل ms429 فيقع ذلك في مائة وخمسين ~~صفحة من القطع الكامل، فأقضي العجب من عدم وجود أي عيب فيما قيدت، وهو تحليل دقيق ~~عاطل من التكرار خال من الاستطراد». # 15 # وهكذا يري بسمارك نفسه في عمله الرسمي مستبدا رصينا، وبسمارك في الأمور ~~الأخرى يبدو جامعا بين المحافظة على المواعيد والمجاملة الشخصية ، وبسمارك لما ليس ~~لديه صبر ولا وقت لتقاس عليه ثيابه كان يجب على خياطه أن يصنع ذلك بعينيه، فإذا ~~لم تكلل هذه الطريقة بالنجاح أخذ الخياط المسكين مثل الكتاب الآتي: «سبق أن خطت ~~ثيابا ملائمة لي، ولكنك فقدت هذه العادة مع الأسف مفترضا أنني صرت، مع تقدمي في ~~السن، أنحف مما كنت عليه وأقصر غافلا عن أن هذا لا يقع إلا نادرا، وما أرسلت إلي ~~منذ سنة 1870 من ثياب فلا يناسبني لبسه، وما كنت أنتظر من محل حسن الإدارة كمحلك ~~أن يكون قليل الانتباه إلى التاريخ الطبيعي للبدن الإنساني.» وأسلوب مؤنب كهذا هو ~~الذي كان يستعمله تجاه من هم دونه إذا ما اضطر إلى التعزير. # وتبلغ عزته ذروتها إزاء نظرائه، ولا مراء في عدم احتماله زملاءه، فيعاملهم ~~بأسوأ مما يعامل به مستشاريه الصميمين الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمامه، ويصف ~~كثير من الوزراء ما فيه من «ترفع ممتنع»، ويقولون إنه يعدهم مساعدين عاديين، ومما ~~كتبه وزير البحرية فون ستوش: «إنه يأذن لي في الجلوس، ويدقق في عملي كما يدقق أحد ~~معلمي المدرسة في فرض تلميذ بليد عنيد، وهو ينتهرني كلما حاولت إبداء أقل اعتراض ~~فلا يسعني سوى السكوت والتسليم.» وهكذا يخسر الرجل في نصف ساعة احترام بسمارك إلى ~~الأبد، ويسيء بسمارك معاملة أولنبرغ على غير حق، فيحتج هذا الوزير على ذلك ~~بشدة فيحمل بسمارك العنيف على كتابة الكلمة الآتية، وهي: «استنبطت من كتابكم أنه ~~أسيء إليكم بخطأ أرى طلب الصفح عنه، وإن كنت سببه غير المباشر.» فيتناقل آل ~~المرسل إليه هذا الكتاب جيلا بعد جيل، وهنالك وزراء آخرون ارتقوا إلى مناصبهم بفضل ~~صلاتهم الودية ببسمارك، فلا يعتمون أن يفقدوا ms430 هذه الصداقة فيفقدوا مناصبهم ~~تلك، وهم بعد قصير وقت من تعيينهم يأخذون منه كتبا خاصة جارحة وكتبا رسمية مبكتة، ~~فلا يتمالكون أن يغدوا أعداء أشداء لصديقهم القديم بسمارك، فبسمارك ينتظر شكر الناس ~~له، وهو لا يحمد أحدا. # ومن النادر أن يبدي بسمارك لإنسان شكرانا، وهو إذا ما فعل ذلك على قلة لم يشق ~~له غبار، ومن ذلك ما وقع بعد حرب سنة 1870؛ أي بعدما تم النصر على فرنسة، فقد كان ~~بسمارك ممتطيا صهوة جواده بين مولتكه ورون، ووراء الإمبراطور، في أثناء عرض عسكري تحت ~~باب براندبرغ، فأبصر موظفي وزارته فوق منصة خاصة، فأمسك أحد الأكاليل الثلاثة ~~المعلقة بقربوس # 16 # سرجه، ورمى به إلى مساعديه أولئك. # | الفصل التاسع # في مساء من شتاء سنة 1860 كان الرئيس وشلوزر وكروا والشاب هولشتاين ومعلم ~~الأولاد جالسين حول الموقد بسفارة بطرسبرغ، وكان الحديث يدور حول خلود الروح، ويحاول ~~هولشتاين أن يثبت أن الخلود المضمون الوحيد هو ما يترك من صيت، وهنالك يتناول ~~بسمارك كأسه الموضوعة على الموقد، ويقول: «دعني أذكر لك شيئا يا فون هولشتاين، ~~دعني أذكر لك أن هذا القدح من رحيق مدوك هو أفضل عندي من ثلاثين صفحة من التاريخ ~~العام لبيكر!» # وازدراء بسمارك بالصيت الذي سخر منه في أيام طلبه وفي أيام مشيبه هو من أبرز صفاته، ~~وهو على ما يحتمل أظهر فارق يمتاز به من نابليون الذي كان يبقى غير ذي خطر لو لم يعجب ~~بأبطال بلوتارك # 1 # ولو لم يتق إلى المجد، وفي الحقيقة أن بسمارك لم يكن ليبالي بثلاثين ~~صفحة حينما انتهى بيكر إلى سنة 1870 في تاريخه العام، وبسمارك كان يعرف من هو، وبسمارك ~~فيما لديه من مؤلفات كارليل رسم خطوطا تحت ما جاء فيها من عبارات عن العبقرية ~~السياسية، وبسمارك في احتفال كارليل ببلوغه الثمانين من سنيه أرسل إليه من التحيات ~~الطيبات ما لم يفعل مثله تجاه أي ألماني لوذعي كان، وما يجدر ذكره هنا هو أن ~~كارليل كان قد أخذ منذ خمسين عاما مثل ذلك الكتاب ms431 من ألماني أعظم من ذلك. # ويسفر تقدير معاصري بسمارك له عن فتوره التام، ويؤدي ازدراء بسمارك للرجال إلى ~~نفوره من إعجابهم به، ويعيره ريشتر في الريشتاغ بجهله الاقتصاد السياسي فيجيبه ~~بسمارك بأنه يستطيع انتظار حكم معاصريه هادئا، ولكنه يضيف إلى هذا قوله: «لا أود ~~قول شيء عن الأعقاب؛ لعدي هذا أمرا عاطفيا إلى الغاية .» وإذا تجمع جمهور أمام ~~الريشتاغ ليراه حين وصوله راكبا عربته، انزعج، وقال إنه يعرف أي وجه يجب عليه أن ~~يري فينفر منه كوزير بغيض يود الناس أن يتفلوا عليه؛ فالآن أصبح لزاما عليه أن ~~يبدي وجها آخر. # ويدعوه ولهلم لحفلة شد الرايات التي سيحمل إحداها اسم بسمارك وشعاره فيرفض ~~الدعوة معتذرا بخوفه من الرد، ويرسل ولهلم إليه صليبا من الألماس مع كلمته ~~المؤثرة: «إن هذا هو آخر وسام يمكنني أن أقدمه إليك، وهو قد أوجد من أجلك.» ~~فيقول في بيته: «أفضل على ذلك دنا من خمر الرين أو حصانا أصيلا.» # ويجد بسمارك في دماه # 2 # ما يسليه، فلما أبصر نفسه ذات يوم مصورا على شكل ملك السلم لابسا ~~حلة قصيرة مع تاج من آذان الفأر # 3 # وإكليل من الغار على رأسه الأصلع؛ عجب من «ممكناته المتصاعدة»، ولم ~~ترقه التماثيل الأولى التي أقيمت له، وقد صرح للبلاد بقوله: «لا يسرني مثل ~~هذا الاعتراف بالجميل، ولا أعرف أي وجه أتخذه عند مروري أمام تمثالي بكولونية، وإذا ~~ما تنزهت في كيسينغن أزعجتني رؤية نفسي من المتحجرات.» # وبسمارك واقعي، وهو لواقعيته لا يحركه الذكر، ولا حيلة في ذلك، بيد أن بسمارك ~~يرى في الرأي العام ما يحتاج إليه فلا يألو جهدا في استغلاله، وفي هذا تجد سر ~~عنايته بتكييف نفسه مع قحة عظيمة عظم الأثر المبصر البادي على معاصريه فيظل فاترا ~~تجاهه. وعلى ما كان من عدم احتمال بسمارك لرؤية تمثال له يود أن يتحدث الناس عن ~~أعماله وحركاته وشذوذه ما كانت له بهذا دعاية مفيدة. # ويدعى سيبل إلى وضع كتاب عن تأسيس الإمبراطورية الألمانية من قبل ولهلم ~~الأول، وتفتح ms432 الوثائق المحفوظة؛ تسهيلا لعمل ذلك المؤرخ، بيد أن على بوشر أن ينخل ~~هذه الوثائق فيترك له «غير الخطر» منها؛ ولذا غدت المجلدات السبعة التي هي نتيجة تلك ~~الغربلة خالية من القيمة. ويعرض هيزيكيل وبوش وآخرون كتبهم على بسمارك قبل طبعها، ~~ويحذف بسمارك من هذه الكتب ما لا يرغب فيه من مطالب وإفادات، ويشير بأن يدخل إليها ~~بعض الإضافات، وينتقد فصولا لم يعالج فيها بدرجة الكفاية ما قام به من تصرفات، ~~حتى إنه يسلم إلى هيزيكيل مختارات من الرسائل الشخصية التي كتبت في سنة 1870، ~~فأمكن نشرها في سنة 1877. # ويعنى بسمارك بكل طور من أطوار سيره ناظرا إلى ما يكون لذلك من نتائج ~~سياسية، وبسمارك الذي اشتكى بمرارة من ناظر أموال الإمبراطورة لأن هذا الموظف لم ~~يحيه كما يجب أنزل ستائر حجيرته في القطار في أثناء سياحة قام بها في النمسة ~~لإمكان ما يسفر هتاف الجمهور له عن إيلام لمزاج زملائه بفينة في زمن أزمة. # ولا تجد أحدا يستطيع أن يباري بسمارك في الانتفاع بالصحافة، وعلى مرءوسيه أن ~~يشتغلوا ليل نهار بأمر الصحافة معدين موعزين ملخصين مكذبين، ويثبت بسمارك أنه ~~بارع في تعيين مقادير الرسوم، ويأتي بسمارك بالأنباء إلى برلين من إحدى نواحي ألمانية ~~أو من إحدى العواصم الأجنبية فيذيعها ليؤثر في الرأي العام تأثيرا خاليا من الغرض ~~في الظاهر، ويملي بسمارك في مكتبه الخاص أغرب الأمور عن نفسه فيذيعها في العالم كما ~~لو كانت مرسلة من ستوكهلم إلى بوتسدام، ويبلغ حوك هذه الأمور من الحذق ما لخص خلصه # 4 # تيدمان معه ظاهرتها بقوله إن بسمارك هو «ميفيستوفل أكثر من فاوست»، ~~وفيما كانت أوغوستا تشد عضد أرنيم في سنة 1872، وفيما كان بسمارك في فارزين ~~يملي بسمارك على بوش مقالة عن «رغائب سيدة معظمة في تغيير المستشار»، ولما أراد ~~بسمارك نقاشا حول النمسة جعل مراسل كلونيش زايتنغ العرضي بوشر ينشر خبرا ~~اتفاقيا من ستولب ببوميرانية. # ويبلغ الكفاح ضد الكنيسة أقصى حدوده في سنة 1874، فيحاول قتله مرة أخرى بإطلاق ~~النار عليه في وقت يلائمه، ms433 وبسمارك منذ بضعة أشهر كان قد قال للريشتاغ مزدريا ~~متكبرا: «لي الشرف بأن يكون لي أعداء كثيرون في أثناء حياتي السياسية، فسافروا من ~~الغارون إلى الفيستولا ومن البلت إلى التيبر، وابحثوا في مياه الأودر والرين تجدوني ~~في كل مكان أكبر مبغض في البلاد ولا فخر!» ولكن بسمارك في ذلك الحين كان يجهل أن ~~نحاسا بجليكيا عرض على رئيس أساقفة باريس أن يرسل إليه رأس بسمارك لحملة هذا ~~الأخير على رومة، ومما قاله هذا المتعصب: «إنني مستعد لذبح الجبار إذا كنتم ~~تعتقدون أن الرب يعفو عني وإذا كنتم تدفعون إلي مبلغ ستين ألف فرنك عند انقطاع عمل ~~هذا الجبار اللعين قبل نهاية السنة.» # وتمضي بضعة أشهر فيطلق شاب في كيسينغن نارا على بسمارك وهو في عربته فتجرح ~~إصبع بسمارك جرحا خفيفا، ويصرح الجاني بأنه من أعضاء حزب الوسط، ويسر بسمارك ~~ويوقف أساقفة لما رئي من مساعدتهم الجاني بوقفهم العربة، ثم يبدأ بحملة صحافية ~~فتدوم ستة أشهر، ويبلغ الأمر ذروته في الريشتاغ، وينهض عضو مغرور من حزب الوسط ~~فيقول: «يطلق النار على الأمير بسمارك نصف مجنون، فيصير فريق كبير من مفكري الأمة ~~الألمانية هاذيا.» وبهذا يتاح لبسمارك أن ينطق عن كبير حقد بواحدة من أعنف خطبه، ~~قال بسمارك: ~~«إن الرجل الذي تكلمت عنه هو مالك لملكاته العقلية تماما كما يدل عليه ما لدينا ~~من الشهادات الطبية، وإنني أدرك أن النائب المحترم لا يود أن نعتقد وجود أي ~~اشتراك له في الجرم مع مثل ذلك الشخص، ومما لا مراء فيه أن العضو المحترم لم يفكر ~~قط أن هذا المستشار يكون هدفا لمثل هذا العارض ذات يوم، ومن المحقق أن مثل ذلك الفكر ~~لم يدر في خلده، ولكن ألا تزالون تنكرون كما يشاء هواكم أن ذلك الجاني يتمسك ~~بأذيالكم قائلا إنه من حزبكم السياسي؟ (هياج شديد)، ولا أقول لكم غير وقائع ~~تاريخية، وكولمن هذا قد أجاب عن سؤالي بقوله: «أردت أن أقتلك بسبب ما سن من ~~القوانين ضد الكنيسة، وقد آذيت حزبي السياسي.» (قهقهة)، ms434 وكولمن هذا قد أجاب عن ~~سؤالي الآخر أمام شهود: «إن ذلك الحزب هو حزب الوسط في الريشتاغ.»» وهنالك يصرخ ~~الكونت بلرسترم قائلا: «عار!» ومن يعرف مزاج بسمارك يعتقد أنه يأتي الكونت ~~توا ويهينه لطما، غير أن بسمارك يكتفي بزوي ما بين عينيه، ويفوز على ~~بلرسترم بقوله هادئا: «إن كلمة «عار» هي تعبير نفور وازدراء، وأنت لا ترى بعد ~~هذه المشاعر مني، ولكنني بلغت من الأدب ما لا أعبر بها.» # ومحاولة قتله تلك تشغل ذهنه زمنا طويلا، ولنا أن نفترض أنها الفرصة الوحيدة ~~التي يتاح له بها أن يعتزل، وبسمارك قال لبنيغسن في حال هياج شديد إنه سيستقيل، ~~وبسمارك أطلقت النار عليه مرتين، وما فتئت الشرطة تحذره، وبسمارك يقول: «سأترك ~~الأمر لمستشار آخر حتى يكون هدفا للكاثوليك، وسأبلغ الستين من عمري في اليوم الأول ~~من أبريل، وهنالك أنزوي وأعود إلى حياة الريف!» وما انفكت زوجه وأولاده يحرضون على ~~ذلك منذ زمن كبير، والآن يسير على غرارهم في التفكير. # وكان تأثير حنة فيه قد زال في تلك المدة الطويلة، وزادت حنة حقده بدلا من ~~تلطيفه، وغاية ما نعلمه هو أنها لم تحاول في ثلاثين سنة أن تشفيه ولو مرة واحدة، وهي ~~قد أحبته، وهي لحبها إياه قد أبغضت كل رجل سواه لما تعرفه من عدائه لجميع العالم، ~~وهي لذلك قد أضحت حادة الطبع مع العمر، وهي في مشيبها قد كسرت كأسا دفاعا عن بعلها ~~ذات يوم كما روى أولنبرغ، وهي لم تذهب إلى البرلمان غير مرة واحدة، وهي لم تطق ~~قصده مرة أخرى، وهي قد قالت عن ذلك: «وددت لو أرميهم بساق كرسي!» وهي قد قالت ~~لكريسبي في أثناء حديث: «والحق أن زوجي طيب كما تقول»، ولكن كريسبي تبسم هازئا ~~قائلا: «ليس هذا رأي كل واحد!» # ولم ينفك بسمارك ينذرها بلطف في الحين بعد الحين، فلما ذهبت إلى السوق ذات مرة قال ~~لها: «لا تبقي هنالك بعد انصراف الملك؛ فلا أريد أن تكوني بين الجمهور طويل زمن.» ~~وتبلغ من البساطة في إبداء ms435 حبها لها ما تقوم معه ربطة عنقه حول المائدة على ~~مرأى من ضيوف وجهاء، ولم ينقص كلفه بها وإن كان يقضي أسابيع من الصيف بعيدا ~~منها، وهو لم يكف بعد مرور ثلاثين سنة أو أربعين سنة على حياته الزوجية عن الكتابة ~~إليها بمثل قوله: «حبيبتي ... أحييك تحية الحب.» أو بمثل قوله في برقيته التي أرسلها ~~إليها من فردريكسروه: «لا أقدر على البقاء طويلا بغير حصني وغير زوجي، فسنعود ~~غدا.» والآن تروقها الحياة في برلين أكثر مما في الماضي، فلما أبصر البقاء ~~كثيرا في فارزين قالت صديقة لها: «إن العزلة الكبيرة تؤثر في أعصاب ~~الأميرة.» # ومن دواعي الحيرة أن يرى عدم نفوذ الروح في ذلك المنزل، ولم يعيش بعيدا من ~~الروح رب ذلك المنزل الذي هو أقوى وأشهر ألماني في عصره والذي كان رجل دنيا في ~~فتائه، والذي أطري بأنه متكلم محدث حتى في هذه الأيام ومن قبل جميع من يجتمعون ~~به في أثناء حياته الخاصة؟ إذا لم نعرف من أموره غير تلك الناحية بدا لنا أكثر رجال ~~زمنه بعدا من الروح. # ولا يبالي بسمارك بكيفية رياش الغرف التي يعيش فيها ما دامت مجهزة بمقاعد ~~مريحة، ولا ينظر بسمارك إلى ناحية الجمال الفني فيها، فلما أخبره بعضهم بأن أثاث ~~رون الجديد جميل قال: «إن الذين يعنون بحسن الأثاث لا يأكلون جيدا.» وبين الرياش ~~الشنيع وبين الجدر المستورة بالورق البشيع المعلقة عليه شهادات الترفيع، وبين ~~الكراسي المصنوعة من خشب المغني المغطى بالنسيج الكتاني القنبي المختلط ~~الألوان، وبين ذلك العطل من الانسجام يجلس أو يضطجع على متكأ، ذلك الرجل العظيم ~~متوسطا ضيوفه بعد العشاء، ويلبس ذلك الرجل العظيم سترة مصنوعة من الجوخ الأسود ~~مزررة إلى عنقه، ويستبدل بالقبة # 5 # ربطة رقبة لنفوره من قيد القبة، وتبصر كلبا دانيماركيا كبيرا ~~جاثما عند قدميه، وتبصر غليونا طويلا في فمه، وتبصر أرض الغرفة مفروشة ~~بالصحف التي ترمى بعد قراءتها، ويقول صديق المنزل أولنبرغ منذ سنين: «لا ترى ~~الصلات الأممية في ذلك الوسط؛ فأشراف الأرياف لا يغادرون ms436 ردهة بسمارك.» ولا يكاد ~~الضيوف ينقطعون؛ فهنالك تجد بعض المساعدين وبعض شبان الضباط الذين يقدمهم ~~الأولاد وبعض الأقرباء والشرفاء يتعاطون الخمر والجعة والكونياك بلا كلفة، «فتلك هي ~~صورة بارزة لردهة استقبال الدبلمي الأول في العصر، ويوحي جو تلك الردهة بوجود ~~برلمان للتبغ، وتلقي السيدات الأنيقات الملبس روعة على ذلك المنظر في ~~الغالب.» # ويدور الحديث ملائما لتلك البيئة، حتى إن الأمير بسمارك إذا قص قصة أو أوضح ~~أمرا سياسيا لم يكتسب كلامه شكلا ذهنيا، وإذا ما أتى ضربا من المناجاة قوطع ~~بمظاهر التكريم، وهو يحدث دوما عن حوادثه التاريخية كبرقية إمس ومحاولة قتله ~~وأيام فرساي، ويمر هذا عقدا بعد عقد، ويجمع وصافو تلك الأحوال على توجعهم ~~من قطع الممتع من أقوال بسمارك على الدوام بتدخل ولد له أو بعرض رسالة عليه أو ~~بتقديم طبق إليه، ويروي بسمارك نفسه أنه دعي إلى حضور زفاف ابنته أناس كثيرون، ~~فأخذ أصحاب الدعوى «يؤزون كذبابتين في مصباح مقفل حين يتدخلون طوعا ويوجبون ~~ارتباكا في كل شيء.» # ومما لا يجدي نفعا أن يسأل عن ذوي القرائح الذين كانوا يلازمون منزل بسمارك فيما ~~بين سنة 1870 وسنة 1890، لما لا تجد أحدا منهم، وذلك مع استثناء الأخوين لندو ~~اللذين كانا نافعين لبسمارك، واستثناء كورسيوس وفلدنبروخ، وغير ذلك عدد من كانوا ~~يقصدون المجتمعات البرلينية في ذلك التاريخ من غير أن يمروا بساحة بسمارك كهيزه ~~وستورم وفيلبراند وبراند وإيبسن وبورنسن ومنزل وكلينجر وبراهمز وهلمولتز ودوبوا ~~ريمون ولانجبنبك وروبرت كوخ وهرمن غريم وإريك شميت وشيرير ورودنبرغ ورانكه، ولا ترى بين ~~هذه الأسماء من هو عدو لبسمارك كفيرشوف وفريتاغ ومومسن، ولما أحضر لنغبهن إلى ~~الأميرة حنة رواية هيبريون لهلدرلن قالت بعد قراءتها: «لقد ضحكنا ~~كثيرا.» # ولا يعارض ذلك الشذوذ ما كان من صحة فهم بسمارك لكتب شكسبير وغوتة وشيلر وبايرون ~~كما تشهد بذلك رسائله التي كتبها في شبابه، وكل ما نعلمه من مثل تلك الأحوال ومن ~~مئات الأحاديث المروية التي لا يمت سوى القليل منها إلى المسائل الذهنية بصلة هو أن ~~بسمارك ms437 المملوء دماغه بالخطط والمرتبط عزمه في ضروب الكفاح والعاني بأسباب الصحة ~~والمفطور على الاستبداد يجتنب كل اختلاط بالأشخاص الذين لا يساعدونه على بلوغ أهدافه ~~والذين لا عمل له معهم والذين لا يمثلون حزبا ولا يظهرون عداء. # ولذلك نتائج هائلة، فرجل كبسمارك ظل ثلاثين سنة لا يقرأ شيئا خلا ما كان من نظره ~~الخاطف إلى أشعار هين وبايرون وأوهلند وروكرت ، ورجل كبسمارك يبعد نفسه من جميع ~~الحركات اللاسياسية في بلده، لا بد بعد طويل سير من أن ينتهي إلى الحكم في البلاد ~~بأساليب غير ذهنية، لا بد من أن يفصل الذهن في ألمانية من الدولة، لا بد من أن ~~يخطئ في تقدير الأمور الأوروبية الثلاثة وهي: عالم الاقتصاد والكنيسة والاشتراكية، لا ~~بد من أن يحاول - بتدابير أميرية وعلى غير جدوى - استغلال تلك الأمور على حسب ما ~~تقتضيه مصلحة الحاكمين، وعلى ما كان من ضيق أفق المليك الطاعن في السن كان هذا ~~المليك يبصر ويسمع عن الأمور اليومية خيرا مما كان يبصر ويسمع عنها بسمارك مع ما ~~لهذا الأخير من قدرة على الإحاطة بأهم المسائل ومعالجتها في أثناء الحديث حول المائدة، ~~وبسمارك ورث عن آله ميلا إلى الكسل مضافا إلى ما فيه من حب للراحة، وبسمارك كانت ~~أعصابه متوترة مضطرة إلى بذل أقصى جهد على الدوام، فلما أراد الارتخاء كان ذلك على ~~حساب حياة بلده الذهنية، ومهما يكن الأمر فإن لبسمارك ما يترفع به من تلقاء نفسه، وما ~~زال مثقفو الألمان في ذلك الدور يحملون عظيم احترام تجاه ضباط الجيش وأكابر ~~الموظفين، وإليك مع ذلك رأي ذوي القدر من العارفين بالتاريخ حول بسمارك: # بسمارك في سنة 1890. # براند: ~~«بسمارك بركة لألمانية إن لم يكن محسنا للإنسانية، وبسمارك للألمان ~~كالنظارات القوية الرائعة لقصير البصر، فيا لسعادة المريض الذي يحوزها ويا لمصيبة ~~المحتاج الذي لا يستطيع اقتناءها!» # بركهارد (1877): ~~«يوحي اعتزاله ورجوعه بأنه كان لا يعرف كيف يخرج، ويدل سيره في ~~جميع المسائل السياسية الداخلية على أنه كان سيئ التقدير تقريبا، أجل، يمكنه أن ~~يبرز عند ms438 نشوب حرب أوروبية عامة كالتي تنذر بها الحرب التركية الأخيرة، ولكنه ~~عاد غير قادر على شفاء البلاد من الفوضى.» # فونتان (1881): ~~«يتمخض الشعب عن عاصفة صماء ضد بسمارك بالتدريج، وتتوعد ~~الزوبعة بين الأوساط العليا منذ زمن طويل، وريبه لا تدابيره هي التي تقوض ~~دعائمه، وهو رجل عبقري عظيم لا رجل كبير.» وفي 1893: «يجب أن نذكر دوما ما حققه ~~من أمر جلل إذا أردنا ألا نيأس بتلك المتناقضات، وأراه أكثر الناس لفتا إلى النظر، ~~ولا أعرف شخصا أدعى إلى الاهتمام منه، ولكنه يشق علي أن أجده يحاول خداع ~~الآخرين دوما، وما فيه من رغبة في إخضاع الآخرين فجالب للنوائب.» وفي 1895: «هو رجل ~~كامل ورجل مراوغ معا، وهو في آن واحد بطل وساذج لا يود إيذاء ذبابة، وهذا هو ~~الذي يثير في مختلف المشاعر ويحول دون إعجابي الخالص القلبي به، وأراه عاطلا من ~~أمر، وأراه محتاجا إلى شيء فيه سر العظمة.» # ويبصر نيتشه مبذلة فيقول: «بلغ الألماني ذات يوم سبب الذوق السليم مع مباذله، ~~وماذا حدث مع الأسف؟ شد ضمن ثيابه الضيقة تاركا نهيته لخياطه بسمارك!» # ولبسمارك مع ذلك ملاحظات عميقة حول المؤرخين؛ «فالمؤرخون صنفان؛ فالصنف الأول ~~يصفي مياه الماضي تصفية نبصر بها القعر، وإلى هذا الصنف ينتسب تاين، والصنف الثاني ~~يعكر تلك المياه، وإلى هذا الصنف ينتسب سيبل.» وبسمارك قال هذا مع مدح سيبل إياه ~~وحملة تاين عليه، وما كان يتصف به بسمارك من نظر ناقد فيؤدي إلى تمييزه أعاظم رجال ~~العصر، وبسمارك هو القائل: «إن المؤرخين لا يبصرون إلا من خلال نظاراتهم، ~~والذي يجعلني كثير التقدير لكارليل هو معرفته كيف ينفذ روح الآخرين.» # | الفصل العاشر # كان قصر فردريكسروه فندقا قديما، وكان أصحاب الثراء من أهل همبرغ الذاهبين ~~يوم الأحد إلى ساشنفالد يأكلون وينامون في ذلك المكان الذي قضى بسمارك فيه كثيرا من ~~أيام مستشاريته ومعظم السنوات العشر الأخيرة من عمره، وبسمارك إذ ينتقل من ~~شونهاوزن إلى فارزين ومن فارزين إلى فردريكسروه، تغدو محال إقامته غير ~~شبيهة بقصر أو برج وإن تدرج ms439 مرتبة من شريف إلى بارون فإلى أمير، ولم لم يرد أن ~~يقيم لنفسه منزلا فخما في غابته الجديدة؟ ولم لم يصلح الفندق القديم الذي ظل ~~عدد غرفه أكثر من عدد أبوابه، ولم لم يمل إلى إنفاق نقود وبذل مجهود في تجميل ~~منزل آله وهو الفخور بآبائه؟ أجل، قد بيعت كنيبهوف التي ما فتئ يذكرها والتي ما ~~انفكت تكون المكان الوحيد الذي أحبه، غير أنه يستطيع أن يطلبها إلى آله، ولم يزل ~~مالكا لمسقط رأسه شونهاوزن، ولم يكن ليعرف همبرغ عندما جاء ليستقر بجوارها، ~~وكانت فارزين قفرا روائية مثل فردريكسروه، وكان المسكن هنالك داكنا من غير ~~أن يكون سيئا، وبين هذين الملكين كان يوزع أضيافه. # وكان بسمارك يقصر حبه الوطني على بوميرانية، وقد امتد شعوره بالطبيعة إلى ~~ما بعد هذه الولاية الشمالية، والغابة أينما كانت هي وطنه، والغابة عزيزة عليه سواء ~~أكانت في هنغارية أم في روسية أم في دانيماركة، ولم يعتم بسمارك أن صار ولوعا ~~بساشنفالد ولعه بالغابة المعروفة المحيطة بفارزين، وفي الغابة وحدها كان بسمارك ~~يتحرر من سلطان غايات حياته، وبسمارك في شيبته كما في شبابه كان يجد في الغابة ما ~~يرضي خياله ومناحيه الشعرية. # ومن قول بسمارك: «أحب الأشجار؛ فالأشجار أجداد، ولولا حبي الجم للأشجار ما ~~عرفت كيف أعيش، وما بهجة الطبيعة إلا هبة من الآلهة لا يمكن المرء أن يظفر بها ما ~~لم يدركها، وأميل إلى عدم الثقة بمن لم يحب الطبيعة، وإذا ما هيئ لي أن أنام ~~جيدا حلمت بشجر الشوح # 1 # المغروس حديثا والذي يبدو في الربيع أخضر غضا مبللا بالندى، ثم ~~أفيق منتعشا نشيطا، ويمكن الإنسان هنا في الغابة أن يطوف عدة ساعات راكبا عربة وأن ~~ينتقل بين مقعد ومقعد وأن يسرح طرفه في النباتات الوارفة # 2 # بلا غم ولا سأم.» وهذا لا يمنع من إعمال الفكر هنالك مع ذلك، فقد قال في ~~وقت آخر: «إنني أتخذ أهم قراراتي حينما أكون في الغابة وحدي.» # وفي الغابات وحدها لا تجد اللاإنسانية إلى نفس بسمارك سبيلا، ms440 وفي الغابات قد يحتدم ~~بسمارك عندما يرى اقتلاع شجرة أو عندما يبصر في حد غابة حراثا يلعن حصنه ~~ويضربهم غير راحم، فهنالك يترجل ويجلده بسوطه، وهو يناقش حارس الغابة الأول سائلا ~~إياه عن كل شجرة بمثل قوله: «ماذا تقول؟ ألا ترى رأس هذه الشجرة يابسا؟ وأنا أيضا ~~لي جمجمة يابسة!» وهو حينئذ يريه صلع رأسه، ومن المحتمل أن كان أروع مناظر حياته ~~أن يرى مع أولاده في غابة فردريكسروه يسقط رءوس الشجر اليابسة بضربات البنادق ~~تضليلا للحارس، وهكذا تراه بهذه الوسيلة الملتوية يحمي أشجاره المفضلة من خدمه مع أن ~~الجميع يرتعش تجاه أوامره، وبسمارك يجيب عن سؤال ضيف جالس حول مائدته بأنه لا يأكل من ~~لحم طرائده وإن كان يسمح لضيوفه بالصيد في غابه. # وبذلك لا تكاد تبصر روائية في مظهره، والتأمل في الجزئيات هو تأمل محبب لا ~~غبار عليه، وهو يقول إنه يضع نظارات في فردريكسروه لوقف كل شيء نظره، مع ~~أنه لا يجد في برلين أمرا جالبا لبصره، وفي الحقيقة أن النظارات هنالك أقل قوة ~~وأن النفس هنالك أكثر تساهلا، ويبلغ بسمارك السبعين من سنيه فيكتب إلى زوجه القطعة ~~الرعائية الواقعية الآتية: # هنا جمال الحال، وإن كان نمو الليلك هنا يتأخر ثلاثة أيام عما في ~~برلين، وإن كان نمو البلوط هنا يتأخر ستة أيام عما في برلين، وهنا ~~الزعرور ينمو نمو ما في برلين، ولا ترى هنا عنادل، # 3 # وإنما يرى ما لا يحصيه عد من الصيقان # 4 # والزرازير وما إليها من العصافير، ويسمع هنا ما لا نسمعه في ~~برلين من الوقوق، وقد سألت: إلى متى؟ فأرادوا مجاملتي فنطقوا بكلمة: اثني ~~عشر يوما، ولكن الغناء في اليومين الأخيرين كان ضعيفا! ومجرى الرحى منتظم ~~الانحدار رائع المنظر، ويفاد من الغدير الطبيعي، أي من مزيج الطين والماء، ~~فيدحر بشيء من التكلفة فيكون هنا ماء صاف كثير، والطاحون يسير، والمطر ~~غزير، والجاودار في سيلك نحيف، والشعير فيها يحتاج إلى ماء من السماء أكثر ~~مما نزل، والزارع يتذمر، وأحواض السمك الجديدة جيدة، ms441 ولا يزال الغرس ~~الحديث عميقا كما في الماضي! وليمن الله عليك بالشفاء السريع! # والحق أن بسمارك يغدو في الغاب عادلا، ويروى في فارزين وجود صيادين فيما ليس ~~لهم من أراض فيهرع إلى هنالك هو وضيوفه عن شبهة ليرى المشتبه فيه، ويلعن الطحان ~~بغلظة، ويعود إلى المنزل فيستدعي رئيس حارسي الغاب، فيقول له رئيس الحراس هذا إنه ليس ~~عند ذلك الطحان الشائب بندقية وإن ابنه قتل في الحرب، ويهز ذلك بسمارك ويصمت ~~بسمارك هنيهة، ثم يقول: «يمكن الغداء أن ينتظر، وتفضلوا بمرافقتي أيها السادة.» ~~ويصل بسمارك إلى الرحى فلا يخرج الطحان الشائب لاستقباله، وينزل بسمارك من ~~العربة ويدخل عليه هو وضيوفه ويطلب منه أن يغفر له ما كان من اتهامه، أجل، إن بسمارك ~~يجور على مرءوسيه في أثناء الخدمة، ولكن ذلك الحادث فريد في بابه. # وبسمارك بدا ذا شعور رقيق تجاه شرف ذلك الشخص المسكين العاجز عن الدفاع عن نفسه، وما ~~طلبه بسمارك هنالك من العفو فقد أثر في أولئك الشهود تأثيرا عميقا، وقد أراح ضميره ~~في مثل تلك الحال، ولا ريب في أن بسمارك يميل بعد اندفاعاته إلى تقليب الأمور مع ~~تأنيب الضمير كبروتستاني، ومن الراجح أن كان بسمارك في لياليه يفكر فيما اجترحه من ~~جور تجاه وزراء الدولة وخدم المستشارية وحارسي الغاب والأمراء بأكثر مما يعتقده ~~أي واحد من ضحاياه هؤلاء وبأكثر مما يعترف به. # وهنالك عادة حافظ عليها في مشيبه بفردريكسروه؛ وهي استقباله ضيوفه استقبالا ~~رسميا لائقا، ويصف وزراء الدولة وأشراف الناحية وزوج القسيس وأميرة فيمار ~~استقباله لهم عند باب المنزل بأنه ممتاز نبيل، وبسمارك إذا ما صافح أحدا خلع ~~قفازه، والضيوف إذا ما صاروا في غرف المنزل ذات السقوف العالية والنوافذ العريضة ~~المنخفضة قاسموا الأسرة حياتها البعيدة من الكلفة، وهنالك - بين القعاب # 5 # الغريبة الشكل ومنافض السغاير والنقوش البارزة والموائد القريب بعضها من ~~بعض والمغطاة بالسمط # 6 # ذوات المربعات - يمكنك أن ترتشف ما يطيب لك من ضروب المشروب، وإذا كان ~~كل شيء في البيت هادئا كتب بسمارك ms442 إلى زوجه مثل قوله: «تقرأ أديلائيد ما تيسر ~~من الإيطالية، ويكتب هربرت بجانبها، وتقضم تيراس عظمة عظيمة ويئز إبريق الشاي.» ~~ويعمل تيدمان أسابيع بأجمعها عند الأمير بسمارك هنالك، فلا يجد عند نزوله وقت الظهر ~~على العموم غير الأميرة التي «تنهض في تلك الساعة قريبا»، ويظهر بسمارك حوالي الساعة ~~الواحدة ويستمع إلى تقرير تيدمان في أثناء غدائه، وبعد الغداء عادة يغادر بسمارك ~~المنزل هو وابنه أو ابنته راكبا لساعتين أو ثلاث ساعات سائرا بخطو أو عدو، ~~ويكون تيدمان حاملا مفكرة مستعدا، وهكذا يتم أهم الأمور في أثناء تلك النزه ~~ولا سيما في نصف الساعة الأخيرة منها، وتبث العيون في الجوار منذ محاولة قتل ~~المستشار بسمارك الأخيرة، ولا ينقطع هؤلاء من تتبع خطاه، ويضطر بسمارك إلى احتمال ~~ذلك مؤديا بذلك إتاوة السلطة حتى في العزلة، ويكون العشاء في الساعة السادسة، ~~«وتقدم أربعة أطباق مع راح الشنبانية والخمر العادية ورحيق بورتو، ومما يسر ~~بسمارك أن يرى أمام طبق من قلوب الإوز وقوانصه وأكباده، ومن قول بسمارك ذات يوم إن ~~من خصائص السراطين # 7 # الغريبة أن تبدو صغيرة كلما أدير الطبق.» وإذا تم تناول العشاء ذهب ~~الجميع إلى ردهة الاستقبال الكبرى وتجمعوا حول الموقد حيث يدير بسمارك النار ~~بنفسه، «وهنالك يقضى أمتع ساعات اليوم، وهنالك يفضي بأفكاره السرية، وهنالك يتكلم ~~عن ماضيه بلا انقطاع، ويذهب إلى غرفة عمله في الساعة التاسعة، وفي هذا الحين يبدأ عملي ~~اليومي، ويجب انتهاء كل شيء قبل منتصف الليل، وتقدم الأميرة شايا في الساعة ~~الثانية عشرة والدقيقة الثلاثين، ويجلس مع الأميرة ساعة واحدة بعد ذلك.» # وليس حديثه عن مقتضيات المنصب وحده هو الذي يكدر صفو حياته في الغاب، بل يكدر ~~ذلك الصفو بما هو واقع من زيادة نفقاته ونقص دخله، ويتناول ببرلين ثمانية عشر ألف ~~تالير راتبا، ويقول إنه يحتاج في برلين إلى نفقة خمسين ألف تالير، ويألم من زيادة ~~النفقات التي اقتضتها ألقابه ومهوره، «وكان وضعي حسنا قبل أول مهر أخذته، ثم ~~التهمت فارزين كل شيء، وإذا عدوت ms443 راتبي ودخلي من شونهاوزن لم تجد لي مورد ~~رزق، ويبقى كل إيجار هنا من غير أن يكفي، وسيسوي المستقبل جميع ذلك لا ريب، ولا ~~أدري أيكون الدخل جميلا، نعم إن المهر الجديد (فردريكسروه) ذو قيمة كبيرة، ولكن ~~مجموع ما دخل علي منه حتى الآن هو خمسة وثمانون ألف تالير، وقد اشتريت بهذا المبلغ ~~أرضا واقعة ضمن تلك الأرض حيث يستطيع الإنسان أن يستقر ما لم يرد العيش في خص # 8 # صيد بوسط الغاب». # ويتذمر بسمارك لأخيه غير مرة من تفه الحصاد في فارزين تقريبا، ومن أن الخشب في ~~ساشنفالد لا يأتي بشيء ومن وجوب سفره الآن في ردهة مقطورة ومما عليه أن ينفقه في ~~رحلته هذه من مال يزيد على ما ينفقه في أية سياحة مضت، «وعلي أن أؤدي بدل كل شيء، ~~وأن أعين لهذا الغرض شخصا أنفق عليه عن سعة ما دمت قد شقيت بكوني أميرا، وكان ~~يسرني أن أفكر في صير أولادي من أشراف الريف الموسرين، ولكنني لا أحب أن ~~أبصرهم من الأمراء المعوزين.» # ويؤجر مصنع الورق في فارزين من مستصنع بثمانين ألف تالير مسانهة، ويؤجر مصنع بارود ~~على ضفاف نهر الإلبة باثني عشر ألف تالير مسانهة، ويدخل عليه من فردريكسروه أربعة ~~وثلاثون ألف تالير سنويا، ويقول: «ذلك دخل جميل لو لم أكن أميرا، ولن أتعود هذه ~~الدعابة.» وتدخل حنة وتشكو إلى زوجها المتبسم - وبحضرة زائر - بحثها منذ ساعة عن ~~خطأ أحد عشر ماركا وخمسين فنيغا # 9 # في دفتر حساب المنزل! # ويبلغ بسمارك السبعين من عمره، وتجمع نقود في أنحاء ألمانية لتكون هدية شكر له ~~باطنا، و«لينفقها في الشئون الوطنية» ظاهرا، ويدفع مئات المئات من أبناء المدن ~~قروشهم، ويدفع ألوف الألوف من العمال فنيغاتهم بتحريض وهنائهم # 10 # فيصل المجموع إلى 2500000 مارك، ويبلغ إلى بسمارك قرار رسمي حث ~~بسمارك على اتخاذه وقال الملك فيه: «إنه وضع من اليوم مبلغ 1200000 مارك تحت ~~تصرفكم لينفق في الشئون العامة، ويسرني أن أفوض إليكم أن تتسلموا ذلك المبلغ ~~مع ما يجمع ms444 من المبالغ بعد الآن، تاركا لكم أمر إنبائي في الوقت المناسب عن ~~نياتكم في استعمال هذه الهبات: ولهلم.» # ويقع حديث بين اللجنة والمستحق «بسمارك» فتشتري اللجنة بعض أملاك حول مركز ~~شونهاوزن، ويسلم الدوك راتيبور إليه في عيد ميلاده صك تملك تلك الأملاك ~~«التي كانت خاصة بآل بسمارك فأضاعوها في غضون القرون». # ويثير ذلك دهشا عاما، وإن كان بسمارك قد أنشأ في شونهاوزن وقفا على طلبة ~~الوظائف العالية الجامعيين بمبلغ ال 1200000 مارك الذي فوض إليه تسلمه كما هو ~~مذكور آنفا، ويزعم أن الأمة تعيد إلى رئيسها ملك أجداده، غير أن النظر إلى ~~الأمر على هذا الوجه لا يلاقي سوى أنصار قليلين؛ فالمركز موجود هنالك دوما، وإذا كان ~~أجداده قد باعوا بعض الأراضي منذ زمن طويل فإنه يمكن الأمير بسمارك أن يبتاعها لو ~~أراد ما دام قد قبض مهرين. # قال لوسيوس: «لم يرتح الجمهور لذلك التفسير؛ فهنالك أناس كثيرون يرون أنه كان ~~عليه أن ينشئ وقفا خيريا.» بيد أن بسمارك يجد ما يسوغ به وضعه بمثال الإنكليز ~~الذين يكافئون أبطالهم القوميين بسخاء، وبسمارك ينسى أو لا يدري ما يساور الجمهور ~~الفقير من قنوط، والجمهور قد أسهم في جمع هدية الشكر تلك معتقدا أنها تخصص ~~للقيام بعمل صالح يستطيع صنعه. أجل إن ما وجهه «أبناء العم» من لوم إليه بعد سنة ~~1870 لم يعد حد الافتراء، غير أن سيره في الحال الأخيرة أساء إلى سمعته لا ~~ريب. # الا إن تلك الساعة هي ساعة ضعف في حياة بسمارك. # وبسمارك في عزلته الريفية يحاول دوما أن يهدئ أعصابه، ولكنه لا يوفق لهذا، ~~ولكن حالته تتفاقم لإفراطه في الأكل والشرب، ومما حدث أن أوصاه طبيبه بالحمية، ~~فروى لوسيوس أنه اكتفى بعد تناول الحساء بأكل سمكة نهرية مكتنزة وشرحة من عجل حنيذ # 11 # وثلاث من بيض زمج # 12 # الماء مع شرب مقدار كبير من أنواع الخمر البورغوني، ويزعم بسمارك أنه لا ~~يستطيع النوم إلا بعد أن يشرب كثيرا من الجعة، ويأكل بسمارك ما يمكنه من الخبياري ms445 # 13 # وما إليه من الأطعمة المعللة بالتوابل جلبا للظمأ، وقد اشتكى بسمارك ذات ~~مرة من عسر هضمه وفقدان شهوة طعامه وألم أعصابه فذكر هوهنلوهه الذي كان ~~ضيفا عنده أنه اشترك في الأكل كثير من الأطباق الآتية بالتعاقب، وهي الحساء والجري # 14 # واللحم البارد والجمبري # 15 # والسرطان البحري واللحم المدخن وفخذ الخنزير المقددة واللحم المشوي ~~والمخللات، وإذا ما قيل له إن هيئته تدل على حسن صحته أجاب عن هذا بقوله: «أود ~~أن أكون سيئ المنظر مع العافية، ومن سوء حظي ألا يعطف أحد علي! ويبلغ هذا من ~~ضغط دماغي ما يخيل إلي معه أنه مجموعة هلام # 16 ~~... والدم سائل عجيب، وأعجب منه أعصابنا التي هي خيوط حيوية تلبط ~~المخلوقات المسكينة عند طرفها.» # واستبداده أساس اضطرابه، واسمع قوله: «لقد حاولت تسيير أطبائي حتى الآن، وأخيرا ~~وجدت واحدا منهم يسيرني.» ويغدو في ذلك الحين؛ أي عند بلوغه الثامنة والستين من ~~عمره، حاد الطبع محركا للعواطف، فقد صار يشكو من الصداع والشقيقة # 17 # والأرق والمغص وورم الساق وتمدد الأوردة، ويبلغ وزنه 247 رطلا، ويذهب ~~أطباؤه إلى أنه مصاب بسرطان في المعدة والكبد لا يرجى له شفاء، ويفحصه في فارزين ~~صديق بيل وطبيبه إرنست شويننجر فيسأله أفراد الأسرة عن رأيه فيقول: «إذا لم ~~يدار الأمير نفسه هلك قبل ستة أشهر.» ويستفسر المريض منه بنفسه فيجيبه قائلا: «لا ~~أستطيع النطق بالألفاظ الطنانة، ولا أستطيع معالجة مثل هذه الأمراض المزعومة.» ~~ويؤثر هذا في بسمارك، ولم يكلمه أحد بمثل ذلك قبل الآن، فهذا هو الإنسان! # ثم يبدو الطبيب في برلين قويا فيحمل المريض على اتباع نظام خاص، وهو يجعل ~~المستشار في الساعة الثامنة من كل صباح ينهض للتمرين الرياضي بمقابض من حديد، ~~وهو لا يدعه يأكل في كل يوم من غير الرنكة، # 18 # ولما صاح بسمارك قائلا: «يظهر أنك مجنون!» أجابه شويننجر بقوله: ~~«حسنا يا صاحب السمو، والأحسن أن تستدعي بيطارا!» وهنالك ينصرف شويننجر، ~~ويقص شويننجر هذه البداءة في الغالب، ويضحي ذلك الرجل القوي قبضته بعد اليوم، ~~ويذعن ms446 بسمارك، ولا يغادر ذلك الطبيب منزل بسمارك مدة خمسة عشر يوما، ويعنى ~~ببسمارك ويرقب أكله وشربه ورقاده ونهوضه وعمله ونومه، وتتحسن صحة المريض بعد ~~أسبوعين تحسنا ملحوظا، ويترك شويننجر المنزل للمرة الأولى، ولم يتمالك المريض ~~أن أمر بإحضار «ثلاث قطع من القشدة» # 19 # فشعر بمغص شديد ثم باليرقان، # 20 # ويذهب إلى فردريكسروه وهنالك يرقبه الطبيب رقابة وثيقة، حتى إنه لم ~~يكله في كيسينغن ولا في غاستن إلى نفسه يوما واحدا، وينقه المريض بعد بضعة ~~أشهر، ويرى أنه يعود إلى صباه إذا عاد إلى عمله العادي. # وينقذ شويننجر حياة بسمارك بهيمنته عليه لا بتركه يهيمن عليه، ولو سار الألمان ~~الآخرون في الحقول الأخرى على ذلك الدرب ما وجدوا قياد المستشار أمرا مستحيلا على ~~الدوام. # | الفصل الحادي عشر # وكيف تمتع ذلك الرجل الدائم السخط بالحياة في أثناء مشيبه؟ # هو تمتع بها بفضل أولاده الذين كان يغفر لهم كل شيء وكان يدعهم يصنعون كل شيء ~~خلا تصرفهم بأنفسهم، وبفضل أصدقاء صباه القليلين، وبفضل خمره، وهو يفضل الخمر ~~الجيدة على جميع الأوسمة، وهو يثبت هذا بصنعه من جميع أوسمته الروسية قدحا عظيما ~~من الفضة مع استهجان الإمبراطور لهذا، وهو يقول إن لكل رجل مقدارا من الخمر والتبغ: ~~«وأحتاج إلى 100000 سيغار و500 زجاجة من الشنبانية.» ويضحك أحد الحضور فيحسب له ~~ذلك. # ومن بين أصدقاء بسمارك القدماء يندر مجيء كيزرلنغ في الوقت الحاضر، ~~«وكيزرلنغ هو الرجل الوحيد الذي خشيت ذكاءه أحيانا في أثناء حياتي.» وبسمارك ~~بهذا المديح العجيب ينبئ بترفعه، وكيزرلنغ عارف بذلك، فلم يذهب ليزوره في ~~الريف مدة عشر سنين؛ وذلك لأن «بسمارك أصبح مسيطرا، وإذا ما لقيته اتفاقا وجدته أخلص ~~الأصدقاء وأكثرهم أنسا، وأما البحث عنه في الريف للهو فأمر لا يتسع له وقته ~~الثمين». # ولكن موتلي إذا ما حضر كانت لبسمارك أيام سعادة، ويصل هذا الأمريكي في صيف سنة ~~1872 بعد غيبة ثماني سنوات، ويكتب بسمارك إليه قوله: «كانت مفأجاة سارة بمشاهدة خطك ~~الذي أبصرت منه وعدك إياي بزيارة، وذلك قبل فض ms447 غلاف كتابك فأرحب بك ألف ترحيب، ~~وأول يوم تستطيع أن تتصرف فيه هو اليوم الأغر الذي تأتي فيه لترانا.» ثم يخبره ~~بسمارك بساعات القطار إلى برلين ثم إلى فارزين، ويبقى موتلي أسبوعا، ويقضي بسمارك ~~معه أربع عشرة ساعة في كل يوم؛ أي يأتي بسمارك أمرا لم يطق صنعه مع أي رجل ~~آخر في أثناء حياته. # ويسجل موتلي في منزله قوله: «وجدته أسمن مما كان عليه سابقا، ووجدته مضعضع ~~الصحة، ووجدت الزمان قد عمل في وجهه مع بقاء معناه وقوته، ووجدته لا يستطيع النوم ~~قبل الساعة الرابعة أو الساعة الخامسة صباحا، وبعد الغداء كنت أقوم مع بسمارك بنزهة ~~طويلة في الغابات، وكان بسمارك يتكلم بأبسط أسلوب وأمرحه وأمتعه، ومن غير تكلف، ~~حول مختلف الأمور التي حدثت في غضون تلك السنين الهائلة، وذلك كما يتكلم حول صغريات ~~حادثات الحياة الدارجة، والحق أنه كان من البساطة والتساهل ما يقول المرء معه: هذا ~~هو بسمارك العظيم، هذا هو أعظم رجل في العصر الحاضر، وهو أقل وضاع متصنع بين ~~من عرفتهم من الأكابر والأصاغر، ولا تبصر مخلوقا قليل التكلف كثير اللطف مثله.» ~~ومن خلال هذه الزيارة التي قام بها موتلي، وموتلي لم يعش بعدها غير عام أو ~~عامين، نرى مرة أخرى مقدار النفوذ الذي أثر به في بسمارك هذا الرجل الذكي الحر ~~المرح البعيد من الطمع. # ونرى مرة أخرى سبب قدرة هذا الرجل على إلقائه من السكينة والبهجة في قلب ذلك ~~المضطرب ما لا يستطيعه أي واحد من أبناء طبقة بسمارك ولا زوجه ولا أولاده ولا أخوه ~~ولا رون ولا أحد من مساعديه، والعون يأتي من ابن لجمهورية بعيدة، من ممثل للعالم ~~الجديد. # ومن البكم أصدقاء لبسمارك في الوقت الحاضر، وكلما زاد بسمارك كرها للناس أولع ~~بكلابه، فعدها رفيقة في الحياة أكثر صدقا وأشد وفاء حتى من زوجه، وتلوح كلابه ~~هذه في جميع المحادثات واليوميات وبين الخطط والقرارات والأوامر، وتظهر كلابه هذه في ~~ولهلمستراس وفي الغاب أيام الضراء # 1 # وأيام السراء، # 2 # ونبصر في كل ms448 وقت رأسي ذينك الدرواسين # 3 # الرماديين أو الأسودين اللذين يشابهان سيدهما ضخامة وعضلا وجرأة ~~وخطرا، وتجد سلسلة من كلابه مدفونة في حديقة فارزين، وتجد ثمانية منها مدفونة في ~~ناحية بارزة من تلك الحديقة بجانب حصنه المفضلة، وتجد قلب بسمارك الشيخ منجذبا ~~إلى تلك الكلاب انجذابه إلى الأولاد؛ لما يبدو من عدم مطالبتها بشيء ومن عدم مقاومتها ~~له ومن سكوتها مع ظهورها مدركة لكل أمر، قال بسمارك: «أحب الكلاب، فهي لا تشعر ~~المرء بأنه أصابها بأذى.» وهذه الكلمات التي نطق بها بسمارك بعد أن بلغ من الكبر عتيا # 4 # تنم على طبيعته الخاصة أكثر من أن تنم عليه أهداف عطفه. # وإذا ما أبدت ربيكا الصغيرة تمردا عاملها كما يعامل ابنة مدللة، وأخذ يضحك ~~من حيلها وغناجها، وإذا ما أخذت فلورا «تركض في الردهة كالمجنونة»، وإذا ما أخذ ~~سلطان يكدر صفو الحديث، لم يتعرض لهما أحد، وإذا ما تذمر من محادثة رسمية سكن ~~أعصابه بمداعبة عنق الكلب الحريري الرابض بين ركبتيه، وفي فردريكسروه تنتظره ~~الكلاب صابرة تحت مائدته، وهنالك تبصر رءوسها الكبيرة مستندة إلى مخالبها ~~الأمامية، وهنالك تبصرها ناظرة إلى سيدها، وبسمارك حينما ينهض فيمسك عصاه ~~السنديانية تجتمع كلابه حوله مبصبصة # 5 # عارفة أنه ذاهب إلى الغاب مرافقة إياه، وحنة حينما تشكو المنجد إليه ~~لصنعه الستائر طويلة جدا يقول الأمير بسمارك له إنه عمل صالحا؛ فالآن تجد ~~الكلاب شيئا ناعما تنبطح عليه، ويتردد بسمارك ذات مرة بين قضائه الصيف في غاستن ~~وبقائه في المنزل فيقرر سلطان الأمر، فسلطان كان مريضا ولم يكن من حسن الصحة ما ~~يقدر به على السياحة، ومما يقع أن يكون ضيوفه كونتات من ذوي الذوق الرفيع فيكرهون ~~وهم حول المائدة ما يكون من إحضاره قطعا كبيرة من اللحم ليرميها إلى الكلاب في وسط ~~حجرة الطعام. # وينتفع بسمارك بهؤلاء الخلصاء في حياته الرسمية انتفاعه بأي شيء آخر، فهذه ~~الكلاب تريد ما يأتيه من السحر، والسحر من مواهبه الطبيعية التي يتعهدها، ويعرف ~~القطب السياسي الخطير بسمارك مقدار ما يتفق له ms449 من تأثير عندما ينهض ليرحب ~~بزائر، فيثب كلباه الدانيماركيان الكبيران ليكونا بجانبه أينما وقف، ويعتمد بسمارك ~~على غرائز كلابه قائلا إنها أذكى من الخيل، ويصاحب سلطان خوليا # 6 # جديدا بعد أن يشتم هذا الرجل ويضع رأسه على ركبتيه فيرضى بسمارك به ~~قائلا: «أقدر معرفة كلبي للخلق البشري؛ فكلبي أشد مني حيوية وأبعد مني ~~غورا في هذه الناحية ... فأهنئك!» # وما كان بسمارك ليغفر لمليكه وضعه تجاه كلابه، وبيان الأمير أن قيصر روسية كان ~~مغرما بالكلاب فامتدح، في أثناء محادثته خاله ولهلم، تيراس بعد أن تعرف به ~~منذ هنيهة، فأبدى الإمبراطور بأدب رغبته في مشاهدة هذا الكلب، «فيؤتى بتيراس، ~~ويحسن هذا الكلب تصرفه، وهنالك يقول الإمبراطور، إن الكلب جميل، ولكن من الخسر أن ~~يكون أصلم # 7 # كالجراء!» # 8 # وهنا الكارثة. # وسلطان كلب أهداه أمير مراكشي إلى بسمارك، وهو أجمل كلاب بسمارك، ولا ينبغي ~~لأحد أن يدعوه بغير «سلطل» خشية ارتباك الأمور مع تركية كما قال الأمير بسمارك، ~~وليس سلطان شرقيا مع ذلك، فقد صفد # 9 # بالأغلال في فارزين ذات مساء، «ولم يحتمل سلطان ذلك فقضم قيوده وقضم خشب ~~المربط الصلب الذي يبلغ ثخنه قيراطين # 10 # فظهرت شظاياه ملطخة بدم فمه، وهكذا يطلق سلطان نفسه ويفر إلى ~~الغاب، وتغدو الغاب المجاورة خطرة بعد ذلك، وأطمع في رؤيته ثانية، فيذهب بيل وفيليب ~~للبحث عنه راكبين خيلا ويعودان مبللين بالماء، وهكذا يتحول سلطل إلى ذئب ~~فيفترس الخشفة # 11 # فصارت الضرورة تقضي بإصمائه # 12 # لخطره.» # بيد أن سلطان يعود، ويظل صديق سيده خمس سنوات أخرى، ويبدو وحشيا أحيانا ~~فيعاقب في الغالب، ويدلل عادة، ومهما يكن الأمر فقد كانت خاتمته فاجعة، وإليك ~~كيف يرويها تيدمان: # بدا الأمير بسمارك في أيام ذلك الخريف ذا مزاج جديد، فيظهر مسرورا من ~~الصباح إلى المساء، مستعدا لكل مداعبة، وبالأمس بينما كنا نتناول القهوة ~~رئي غياب سلطان بغتة، وسلطان لما كان من علوقه بمعشوقة في قرية قريبة ~~افترض بسمارك أنه ذهب ليزور معشوقته تلك مرة أخرى فأزعجه ذلك وقرر أن يجلده ~~جلدا ms450 شافيا، ونذهب إلى غرفتنا لنقوم فيها بأعمالنا حتى ساعة إقفال البريد، ~~فلما دنت الساعة الحادية عشرة سمعنا ضوضاء في الطبقة الأولى من المنزل، ~~فجاء من يخبرنا بأن سلطان حضر وهو يحتضر. # وفي الطبقة الأولى نبصر منظرا مؤثرا، نبصر بسمارك جالسا على الأرض ~~وواضعا رأس سلطان المحتضر في حجره # 13 # وهو يسر إليه بكلمات عاطفية وهو يحاول كتم عبراته عنا، ~~وعلى ما كان من إصرار هربرت ظل بسمارك بجانب الكلب، فإذا ما نهض مرة؛ فلكي ~~يعود إليه في الحال، ويموت الكلب فيقول الأمير: «كان لدى قدماء الألمان دين ~~كريم، فكانوا يعتقدون به ملاقاتهم بعد الموت، وفي مرابع الصيد السماوية، جميع ~~الكلاب الطيبة التي كانت صاحبة لهم في هذه الدنيا، وأود القدرة على اعتقاد ~~ذلك.» وينزوي الأمير في غرفته، ولم يعد في ذلك المساء إلا ليتمنى لنا ~~ليلة سعيدة. # وفي الصباح نشعر بأننا في منزل مأتمي، وما كان لأحد أن يتكلم بغير صوت ~~خافت، ولم ينم الأمير؛ فقد آلمه ما كان من تأديبه الكلب قبيل موته، وعلى ما ~~كان من إثبات تشريح الجثة وقوع الموت بالسدادة الدموية لم ينفك بسمارك ~~يؤنب نفسه، ونذهب بعد تناول طعام الفطور راكبين خيلا، ولا يكاد الأمير ~~يتكلم، ويبحث الأمير عن الطرق التي سلكها في المرة الأخيرة مع كلبه الوفي ~~المحبوب، ونبقى زمنا طويلا تحت ساحية، # 14 # وأكون بجانبه حينا، ويقول لي إن من الحنث # 15 # أن يولع الإنسان بحيوان على هذا الوجه، ولكن ما فقده هو أعز ~~شيء عليه في هذا العالم؛ ولذلك فهو يوافق هنري الخامس على قوله: «كان يسهل ~~علي أن أستغني عما هو أحسن منه!» ثم يهمز جواده فيصل الفرسان والحصن إلى ~~القصر عوما. # ويمضي على ذلك أربعة أيام، فلم يشف من ألمه بسبب موت كلبه، ما ظل ~~معذب الضمير نتيجة لضربه إياه قبل زمن قصير، وهو لم ينقطع من التألم ~~مفكرا في أنه عجل حدوث المأساة، ويتهم نفسه بسرعة الغضب وبالقسوة، ~~وبأنه يؤذي كل من يدنو منه، ثم يلوم نفسه على شدة ms451 اكتئابه من موت حيوان ~~له. # ولا تجد حادثا مماثلا لذلك في حياة بسمارك، وذلك الحادث هو من طراز الأقاصيص، ~~ويطابق ذلك الحادث مع ذلك خلق بسمارك اللغزي. # ويلوح أن ذلك الكلب الذي أرسله أمير شرقي إلى بسمارك قاصدا التزلف إلى ~~مستشار الإمبراطورية الألمانية هذا هو أمير مسخ درواسا، وما كان ذلك الكلب في صباه ~~ليصبر على القيود فحرر نفسه بقضم الخشب الذي ربط به وعاش طليقا في الغاب متغذيا ~~بالصيد، ومن الحق أن يقال إنه حفيد سيده متصفا بحماقات هذا السيد أمام فتائه ~~باديا موضعا لإعجابه، وما بين الكلب وسيده من رابطة فيشابه ما بين الحفيد الجموح ~~والجد الشديد، ولا تزول هذه الرابطة إلى أن يهلك ذلك الحفيد في مغامرة. # ويبقى السيد وحيدا، ويبقى السيد نادما على إساءته معاملة ذلك الحيوان الذي كان ~~يحبه كثيرا، ومن المحتمل أن كان مسئولا عن موته، ومن المحتمل أن كان من الإثم ذلك ~~الحب الجم لحيوان أبكم، أو تبيح النصرانية التي يدين بها مثل ذلك؟ وهل كان ~~قدماء الألمان خيرا من المعاصرين؟ أفلم يحدث بسمارك حين اهتدائه عن ذلك الأمير ~~الوثني الذي أبى العماد مفضلا الانضمام إلى أجداده الكفرة؟ أفلم يكن هذا إنذارا ~~من إله النصارى يطلعه به على ذنوبه الأخرى ويريه به غضباته وأثرته العميقة؟ # وهو حين يفكر في أمر السنين الماضية وأمر الأمم الأخرى وأمر المعارك والتدابير ~~والانتصارات والإخضاع لا يسعه في أيام الحزن هذه إلا أن ينعم النظر في أمر الرجال ~~الذين أذلهم وآذاهم وقادهم إلى الموت كما صنع بهذا الكلب الذي قد لا ينسى ما أنزله ~~عليه من الضربات، والآن تمر أمام هذا القلب الكسير وجوه أعدائه الشاحبة ووجوه من ~~قهرهم فتتوارى إدارته بغتة ويسأل في نفسه: لم كل هذا؟ ومتى زال عنه هذا الكابوس ~~وعاد إلى أعماله وكفاحه لم يبق له من ذلك سوى حقيقة واحدة، وهي: أن كلبه الوفي ~~دفن في الأكمة بجانب الكلاب الأخرى، فأصبح عدد هذه الكلاب الميتة تسعة. # | الفصل الثاني عشر # «حقا إنني خيالي عاطفي ms452 بطبيعتي؛ فالذين يصفونني يقترفون خطأ بتصويري رجل ~~عنف»، ولا ريب في أن بسمارك يصف وجها من طبيعته في هذه الكلمات، ومن عادة بسمارك في ~~شبابه أن كان يبدي - في الحين بعد الحين - شعور النافر من الحياة على طراز بايرون، ~~وبسمارك وإن ملئ بحب الكفاح في كهولته، كان أميل إلى السوداء في شيبته، وما أبصره ~~بسمارك في صباه فقد حقق بأكثر مما كان ينتظر، وما كان من دوام اضطراب فاوست ~~واستمرار قحة ميفيستوفل فقد أثبت له بطل ما فعل، ولو حدث أن معلما غبيا أراد ~~إقناع تلاميذه بأنه لا فائدة من كل جهد نفسيا ما وجد خيرا من بسمارك مثالا كلاسيا، # 1 # ولكنك لا تجد بين من هم حوله من يدرك هذه الأحوال النفسية فيرحب بها، ~~وتقول حنة للوسيوس: ~~«فقد أوتو صوابه عندما انتحر خادمه هنري بإطلاق النار على نفسه، فصار لا ينام ~~وصار يقضي جميع وقته في التفكير في المآسي، وفي مثل هذه الأحوال نبدي ضروب الغباوة ~~مع الكلاب وغير الكلاب ترويحا له.» وهكذا لا يدرك أمر بسمارك فلا يسار معه كما يجب، ~~وعلى ذلك الوجه يعيش بسمارك بين من يحبونه، غير أن تلك الأفكار القاتمة تأتي في ~~الوقت المناسب، ومن ذلك أنه لما بلغ الثانية والستين من سنيه وفي أحد الأيام وحينما ~~كان في أوج سلطانه وبعد أن التزم جانب الصمت حينا من الزمن مفكرا متأملا ~~نطق بالكلمات المؤثرة الآتية: «ما أقل ما اتفق لي من فرح وارتياح بفعل ما قمت ~~به من عمل! فلم يحبني أحد من أجل ذلك ولم أجعل أحدا سعيدا بذلك، ولا أستثني من ~~ذلك نفسي ولا من هم أعزاء علي.» # ويحتج عليه، ويقول مستمرا غير ملتفت: «أجل، إنني جعلت من البائسين أناسا ~~كثيرين، ولو لم أك هناك ما اشتعلت الحروب الثلاث، وما قتل ثمانون ألف جندي، وما ~~لبس آباء ولا أقرباء ثياب الحداد، وإلى الله قدمت حسابي عن ذلك، ولم أجد من ~~جميع ذلك غير سرور قليل، أو إنني لم أجد مما صنعت سرورا ms453 قليلا ولا كثيرا، بل ~~وجدت بدلا من ذلك كدرا وهما ونصبا.» وليست هذه هي المرة الوحيدة التي يتكلم ~~فيها على ذلك الوجه، فقد روى هولشتاين وبوشر عنه أمورا مثل تلك كثيرة، وهنا نبصر ~~مرة أخرى مظاهر للروح اللوثرية التي تنشد المسئولية، لا الهرب منها، وهنا نبصر ~~أيضا ادعاء الوصولي الذي لا يدرك البروسيون الخلص أمره كالملك أو رون. # وفي أوقات الملل تلك يتوجه إلى ميدان السياسة في بعض الأحيان، وهنالك يتجلى العجب، ~~وفي سنة 1877، وفي إحدى أمسياته البرلمانية، قال على مسمع عشرين شخصا أو أكثر: «إذا ~~ما ذهب رجل إلى الصيد باكرا فصار يطلق النار على أية طريدة يبصرها، وإذا ما قطع ~~بضعة فراسخ فأصمى طيرا بريا، وإذا ما قضى نهاره في القنص فملأ كيسه بالطرائد، ~~وإذا ما دنا من منزله فبدا جائعا ظامئا تعبا، فلم يفكر في غير الراحة، فلا يمشي ~~خطوة واحدة صيدا لزوجين من الحجل، بيد أنه إذا ما جاء هذا المنهوك رجل وقال له ~~إن في الغابة هلوفا # 2 # تحرك دم الصياد في عروقه فنسي نصبه وجاب الغاب طلبا للقنيص، وإذا ~~سألتم عن أمري قلت لكم إنني ما فتئت أصطاد منذ الفجر، ولم أعد إلا متأخرا ولم ~~أعد إلا تعبا تاركا للآخرين اصطياد الأرانب والحجلان، ولكنكم إذا ما أنبأتموني ~~بأنكم رأيتم خنزيرا بريا كان لي شأن آخر.» # وبسمارك بعد مثل ذلك التعب يصير مرحا إذا ما ساوره سابق مجونه، وهنالك يبدو ~~ميفيستوفل الحقيقي مسرا بقوله الآتي إلى أقرب صديق له في الغاب: «كنت أظنني ~~أريبا عندما كنت شابا، ولكنني أعتقد الآن أنه لا سلطان لأحد على الحوادث، وأنه لا ~~أحد عظيم أو قوي، ومما يضحكني أن أمدح بأنني حكيم بصير مؤثر في العالم تأثيرا ~~كبيرا، وفيما يتساءل الدخلاء عن المطر أو الصحو في الغد يلزم من كان في مثل وضعي ~~بأن يقرر وجود مطر أو صحو في الغد؛ ليسير وفق قراره، فإذا ما أصاب المحز قال ~~جميع الناس: يا له من صاحب بصر حديد! يا له ms454 من رجل موهوب! وإذا ما أخطأ ضربه جميع ~~العجائز بعصي المكانس، ولو لم أتعلم من ذلك غير التواضع لكفى!» # هذه الكلمة تشابه ما كان قد قاله لعدوه أرنيم مغاضبا، هذه الكلمة قالها لصديقه ~~موتلي، هذه الكلمة تنطوي على عدمية عميقة، هذه الكلمة تشتمل على اعتراف رجل ذي شعور ~~عال بنفسه، وقائل هذه الكلمة التي نطق مسارا بها ينكر كل ادعاء بوجود مزية ~~شخصية له، وقائل هذه الكلمة يقر - وهو في ذروة المناصب - بأنه جبري كما كان في ~~مقتبل شبابه، وقائل هذه الكلمة يصل الآن وبعد سلوك سبل ملتوية وطرق ذات مكاره ~~إلى حظيرة الاتضاع التي يستتر تحتها هزوء من يزدري الرجال. # وفي تلك الأحايين تشرق أسرة وجهه، وتعود إلى المغامر روحه فيغتبط بذلك، ويشتركون ~~ذات مرة في وليمة يقيمها مكتري فارزين، ويسمع من الباب نوري يغني، ويرسل إليه ~~قدح من رحيق الشنبانية، ويدخل مع قيثارته وينحني أمام بسمارك كما ينحني بسمارك أمام ~~مليكه، وينشد أغنية عن الشباب والحب ويشرب نخب الأمير وينصرف مغردا، وتسأل ~~حنة عن الوجه الذي يساعد به على قضاء حياة منتظمة، فيقول بسمارك: «لا يؤدي هذا ~~إلى خدمة رجل مثله، فحبه للحرية أعظم من رغبته في العيش المنظم، أعظم من رغبتنا ~~نحن الناس فيما نسميه سعادة.» ويسكت بسمارك وينعم النظر في وجهة ذات النوري كما ~~لو كان آية على سابق فتائه، ثم يقول: «حقا إن هذه حال محسودة! حقا إن هذه حياة ~~محسودة!» # ولتجدنه أحرص الناس على الحياة مع ذلك، و«لتجدنه ككل شخص عادي في ذلك»، ~~ويكون على واحدة من تلك النصب فيحدث أخاه عن شعوره حول مسألة الحياة بقوله: ~~«تزيد سنواتنا الأخيرة سرعة كما تزيد سرعة الحجر عند سقوطه، ولا أقول إن هذه ~~الحركة المتزايدة أمر يسرني، وإني - وإن كنت أذهب إلى أن كل يوم راهن هو آخر ~~أيامي - أراني عاجزا عن عد هذا الذهاب أمرا سارا، والحياة شيء محبب إلي، ~~لا لأن ضروب الفوز الخارجي هي التي ترضيني وتسحرني؛ بل لأنه يشق علي كثيرا أن ms455 ~~أفصل عن زوجي وأولادي، وكان الحظ حليفي في منصبي الرسمي، وأقل من ذلك أمري في ~~شئوني الخاصة، غير أن أكثر ما بارك لي به الرب فأضرع إليه أن يديمه هو السعادة ~~المنزلية والرفاهة البيتية وصحة أولادي البدنية وعافيتهم الأدبية، وليس عندي من ~~الأسباب ما أشكو منه إذا سلمت هذه الأشياء كلها.» # وما يسعى إليه بسمارك من جعل حياة أولاده رغيدة فينم على أثرته، ويصف صديق ~~لأسرته ابنته «بالغرابة أكثر مما بالجاذبية»، فتصبح مع السنين غليظة ظاهرا وغبية ~~باطنا، وتراها شاردة الفكر ساخرة المزاج، وتراها غافلة رفلاء، # 3 # وتراها من عدم الترتيب ما وجد معه أولنبرغ في السفارة، التي غادرتها ~~هي وزوجها رانتز ومنذ قصير وقت، وحول سريرهما اثنا عشر كرسيا خيزرانيا وثلاثة ~~أقراص من المعجونات أنصافها مأكولات، وما وجد معه في جميع الرقع هنالك نثار ~~عصافير وخنازير وعلب ورق لوضع القبع، ويقول بسمارك لصديقته سبيتزنبرغ: ~~«أراني في الغالب على خلاف مع ماري، فإذا عدوتنا وعدوت زوجها وأولادها وجدتها غير ~~مكترثة لأحد، فهي مكسال، وفي كسلها سر عدم اكتراثها.» ويذكر له أن ابنته لا ~~تشاطره مشاعره فيجيب عن هذا بقوله: «وقل مثل هذا عن زوجي؛ ولهذا ناحيته الحسنة، ~~وأجدني في منزلي عائشا في جو آخر.» # وإذا نظرت إلى ابنيه وجدتهما مساعدين لأبيهما حينا من الزمن ووجدت هربرت وحده ~~مساعدا له، وهربرت وإن كان أقل الأخوين موهبة، أكثرهما نشاطا، وأذكى الأخوين بيل ~~كسول، ويتزوج بيل ابنة عمه، ولا يؤذن لهربرت في الزواج بمن يهوى فؤاده، وكلا ~~الأخوين شريب خمر، وكلا الأخوين يموت كهلا؛ أي في الخمسين من عمره، ولم يظهر في ~~آل بسمارك عبقري قبل أوتو، وجد أوتو لأمه هو الرجل الممتاز بين آل منكن، ~~ويسفر تزاوج العنصرين عن ظهور عبقري فريد، عن ظهور أوتوفون بسمارك، ثم يبدو ~~الانحطاط في أولاد هذه الداهية الذين يلوح أنهم ورثوا عن أبيهم عدم الاعتدال وعن ~~أمهم قلة التضحية. # ولا يكادون يدخلون إلى بيت أبيهم ما هو جميل أو مليح، أجل حاول أكبرهما ذلك ذات ~~مرة، ms456 ولكن ما وقع من محاولته معارضة والده في بعض تصرفاته؛ أدى إلى كفاح خرج الابن ~~منه مغلوبا. # وتم قطع العلاقات السياسية بالمحافظين منذ زمن طويل، ولم يبق من ذلك سوى ذكريات ~~الحقد القديم حينما أولع هربرت بالأميرة كارولات وغدا خدنا لهذه السيدة التي ~~انفصلت عن زوجها بعض الانفصال، وتطلب الطلاق؛ لتصبح زوجا لهربرت، أو كنة لبسمارك ~~- على الأصح - ويبلغ الأمر من هذه السيدة ما تميل معه إلى انتحال البروتستانية وصولا ~~إلى هذا الغرض، وهي لما عليه من جمال باهر، ولأنها من أسرة ممتازة، (وإليزابت هذه هي ~~ابنة الأمير هاتزفيلد تراشنبرغ)، ينظر إلى طلاقها بعين الإغضاء، وأبو هربرت ~~بسمارك لما كان من تربيته ولده هذا البالغ ثلاثين سنة من عمره ليسير على غراره ~~مرتبة ووظيفة يكون لديه من الدوافع ما يوافق به على ذلك الزواج. # بيد أن لإليزابت أختين، إحداهما متزوجة بالجنرال فون لوئه، والأخرى متزوجة بناظر ~~القصر فون شلينتز، أي بعيابي بسمارك الأكبرين، وكان شلينتز نجي أوغوستا منذ ~~سنوات كثيرة، وكان لوئه أخا للشريف الذي هو أحد المفترين على بسمارك، وهل ينبغي لهذين ~~الرجلين أن يكونا عديلين لهربرت؟ أفلا يجب في هذه الحال أن يدعيا إلى وليمة ~~العرس أو إلى حفلة التعميد في المستقبل على ما يحتمل؟ وهل يكون بيت المستشار حليفا ~~لتلك الأسر البغيضة التي تكلم في منازلها جميع الساخطين بالعيب ضده والتي يرى ~~هؤلاء سهامهم فيها ليوجهوها إليه، والتي ازدهر فيها كل افتراء عليه والتي تحول ~~فيها كل حسد إلى مكايد مهلكة؟ أفلا تستتر مؤامرة تحت أمر الغرام ذلك؟ فالانتقام ~~والشك والحقد والاحتراس أمور حملته على منع ذلك الزواج. # واتخذت تلك الحسناء بعض الخطا نحو الطلاق من أجل هربرت، وثرثرت بعض الصحف ~~كلاما حول الموضوع، وتشاجرت تقريبا هي وآلها في سبيل ذلك، وبدت خيالية عاشقة ~~بأكثر مما يقره أقرباؤها في البلاط فاستأجرت مسكنا في بلازومودينا بالبندقية، ~~وإذا قابلنا الرسائل التي كتبتها من هنالك إلى هربرت بالرسائل التي كتبها هربرت إليها؛ ~~بدا لنا أنها كانت حاسبة وأنه كان إحساسيا، ms457 أجل، إنه شديد العاطفة على ما يحتمل، ~~غير أن خوفه من أبيه القوي واحترامه لوالده القدير أعظم من عاطفته تلك. # وبعد إعلان الطلاق يكتب هربرت إلى فيليب أولنبرغ قائلا: «سأذهب في أول شهر مايو ~~إلى البندقية لأرى إمكان تنظيم الأمور بيننا على وجه تكون به الحياة أمرا مقبولا، ~~فإذا عدت قمت بآخر محاولة تجاه والدي، والذي يبدو لي أن تلك المسألة هي مسألة ~~حياة وموت، والله يعلم ماذا يحدث! ويلوح لي أنه يستحيل علي تخصيص ما بقي لي من ~~الحياة للأميرة.» # وبعد يومين «قال لي والدي مؤكدا دامع العينين: إنه عازم على عدم الحياة إذا تم ~~ذلك الزواج، ومن قوله إنه يكتفي بما اتفق له من عيش حتى الآن، ومن قوله إنه يجد له ~~سلوانا في جميع كفاحه بما وضعه من آمال في، فإذا زالت هذه الآمال كان ذلك خاتمة ~~أمره، ومما علمته أنه أبدى كثيرا من غمه وهمه لثلاثة أشخاص أو أربعة في أثناء ~~حديثه، وأخبرني اثنان من الأطباء أن حالة والدتي الصحية خطرة، وأن كل إزعاج قوي ~~لها يقضي عليها، وفي الناحية الأخرى تبصر الأميرة المسكينة الوحيدة التي لم تكد تدخل ~~دور النقه والتي تنتظر زواجي بها والتي قد تقع مريضة إذا قيل لها إن هذا الزواج ~~متعذر في الوقت الحاضر، وإذا فارقت هذه الحياة جعلت وضع الأميرة صعبا وأورثت ~~أحبائي كربا». # وبعد يومين آخرين «قال لي والدي إن مما لا يلائم شرفه أن يرتبط اسمه بالزواج في ~~هاتزفيلد وكارولات ولوئه ... إلخ، وإن مثل هذا الأمر إذا قيل حول امرأة لم تسطع هذه ~~المرأة بسببه أن تكون كنة له، ومن قوله إن علي أن أفكر في أنني لا أحمل الاسم ~~من أجل نفسي فقط وفي أن كل شيء يمس اسمي يؤثر فيه وفي أخي كما يؤثر في؛ ولذا ~~فسيقاوم ما أهدف إليه بما أوتي من قوة! وتقول الأميرة في كتاب ترسله إلي إن ~~كل حل آخر غير الزواج أمر مستحيل تجاه كلام الصحف الفاضح، ولولا مقالات الجرائد ~~تلك ms458 ما رغبت في الزواج! ولأبي وجهة نظر أخرى ... # وأضف إلى ذلك منعي مغادرة دائرتي، وضرورة انتظاري مرور عشرة أشهر حتى يمكن ~~زواجي قانونا إذا لم يأذن لي أبي، وعدم استطاعتي تقديم شيء إلى الأميرة، وتعديل ~~قانون البكورة بموافقة الملك تعديلا ينص على منع الابن الذي يتزوج امرأة مطلقة من ~~الإرث، وعدم تصرف والدي في غير ملكين كبيرين وإمكان عدم بقاء ميراث لي، ولا أرى ~~كبير أهمية لهذا الأمر ما دمت أشعر بأنني لا أعيش طويلا بعد الزواج وما دمت أبصر ~~أن قطع صلاتي بأبوي يقودني إلى القبر، وإذا مت بعد الزواج بقصير وقت خسرت ~~الأميرة نصف الدخل الذي يجب على الأمير كارولات أن يؤديه إليها وفق ما نص عليه ~~في العقد فلا يكون لديها آنئذ ما يكفي لعيشها، ويظهر أنه لا مخرج من المأزق، وما يساور ~~والدي من مرارة حاضرة إزاء الأميرة فلا يجعلني أفترض إمداده إياي بأي مال، ووالدي ~~يقول إن الأميرة إذا حملت اسمه ساقه هذا إلى الانتحار، ولا أجد من الكلمات ما ~~أعبر لكم به عن مقدار تحطيم والدي إياي بحديثه ذلك، ولا يمكنني أن أنسى قلب والدي ~~لحسابي رأسا على عقب». # وبعد أسبوع من ذلك «تذكرني الأميرة في كتاب ترسله إلي بقول التوراة: «لأجل هذا ~~يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته ...» ومن المتعذر أن يبقى سفري إلى البندقية ~~مكتوما؛ فآل الأميرة - وبعضهم مستهتر مع الأسف - يعملون على نشر أحاديث عن رحلتي في ~~الجرائد، وهم كآل كارولات لا يودون غير وقوع الزواج لأسباب مالية وخلاصا لهم من ~~التزاماتهم، وللأمير كارولات - على الخصوص - توفير مالي كبير إذا تم الزواج، ومحامي ~~أسرته هو الذي كتب المقالات الصحافية الأولى حول الموضوع، ويقول لي أبي إنني إذا ذهبت ~~إلى البندقية ذهب معي، وإنه أميل إلي وإلى منع هذا الزواج من ميله إلى الريخ، ~~وإلى أعماله وإلى ما بقي من حياته، فهو لن يدعني أسافر وحدي بأي ثمن كان، وهو ~~سيكلم الأميرة في الموضوع، وقد بلغت محادثات والدي إياي في الأمر من ms459 ربكي ما صرت ~~معه عاجزا عن عمل أي شيء كان، ولن أكون سعيدا بعد اليوم ولو ليوم واحد، وهنالك ~~ثرثرة حول صلاتي بالأميرة منذ سنين، وقد حامت الظنون في الصحف حول صلاتي بالأميرة ~~منذ سنين فصار من الشرف أن أتزوجها ولو زال ولوعي بها، ويختلف والدي عني، ولكن لا ~~أستطيع أن أتخذ وجهة نظر أخرى، وعلي أن أضحي بشرفي في سبيل أبوي! وكيف أستطيع ~~العيش مع هذا الكدر؟» # ولم يظهر شيء تحل به العقدة، وتقطع إليزابت صلتها بهربرت مبلغة إليه ~~احتقارها له جاعلة من يخبره سير كل شيء على ما تروم، ويسقط في يد هربرت، ~~ويقول: «يؤلمني ظهوري غير أهل لما وضع في من ثقة أوحيت بها، وألوم نفسي على ما ~~حدث، ولا أجد ما أحترم به نفسي، وكل ما بقي لي من الحياة يبدو لي مثل سكة لا ~~نهاية لها بين صفين من الصفصاف، فأراني مع تعبي مداوما على السير في الرمل مبصرا ~~استمرار الأمر على هذا النمط.» # وهكذا تجد هربرت وحده هو المعذب، وهكذا تجد هربرت وحده هو الذي يثير عاطفة من ~~يقرأ تلك الرسائل الروائية، وكان يعرض على أبيه في سالف أيامه ما يطيب له من نساء ~~كثيرات ليتزوج إحداهن، ولكنه كان يتملص في كل مرة حين حلول ما تتبدد به أحلامه ~~من أيام، ولم يحاول بجد ربطه في عهده لما كان من مغامراته حوالي العشرين من عمره ~~عاطلا من المال والمنصب، والآن يورط ابنه في وضع مماثل، والآن يجب على الابن أن ~~يكفر عن الأب. # والحق أنه يسهل لوم هربرت على تركه الأمور تسير من ذلك الدرب وأنه يصعب بيان ~~مخرج آخر من ذلك المأزق، وهربرت قد أذعن عند وعيد أبيه الجبار. # وسلوك السيدة مثالي؛ فهي قد سارت قدما نحو الطلاق حملا لصاحبها الحسيب على ~~تزوجها، وهي لم تأل جهدا في إلزامه بالانضمام إليها في البندقية معتقدة أن هذا ~~يسفر عن فضيحة لا يبقى له معها غير اختيار النجد الذي يصير به اقترانهما أمرا ~~شرعيا، وهي ms460 تتخذ نصوص التوراة حجة لها، وهي لا تريد العيش في كوخ عن زواج ~~حبي، ولا الإقامة بمغنى في الريفييرا عن حب غير زواجي، وهي لا ترغب في ~~هربرت وحده، بل هي ترغب في اسمه وفي ملكه أيضا، والآن حينما وجدت أنها مخطئة في ~~حسابها نبذت سابق حبها وراءها ظهريا مستأنفة عيشها الغرامي مع أخدان ~~آخرين. # ويقف خلفها أولئك الذين يصطادون في الماء العكر، ولا يقصر أولئك في زيادة الارتباك ~~شدة، ومنهم زوج يود الإفلات من الدفع، ومنهم أختان توقدان نار الخصام بنشر ~~مقالات فاضحة بذيئة في الصحف، وصولا إلى مصاهرة بيت تكرهانه، ويبرز الجميع طمعا ~~في الربح وطمعا في المال من هذا الزواج ؛ وذلك لأن الزواج إذا تم لم يكن هنالك ما ~~يحفز الأختين إلى الاكتراث لأختهما القليلة الجد؛ وذلك لأن الزواج إذا تم وضع ~~الطاغية يده في أيديهما ووجد لأبنائهما وظائف، وقد يحقق أقصى الآمال فلا يذلل ~~هذا الجبار تلك العقبات فيتابع وعيده ويستعفي، وهنالك تكون إليزابت قد عملت ما لم ~~تعمله رايشغلوك في حياتها كلها، ويكون أمرها كأمر تلك الأمير الحسناء التي جاء في ~~إحدى الأساطير أنها رأت قتل التنين القديم ووضع رجلها الصغيرة على رأسه ~~المخيف بعد فوزها. # بسمارك في سنة 1890. # غير أن التنين مؤلف، # 4 # فهو يعرف جميع حيل أعدائه، وهو يعرف جميع سمومهم وما يجب اتخاذه من ترياق، # 5 # وكيف ذلك؟ إنه عبد وذلل دول أوروبة، فكيف يخضع لتدابير امرأة مغناج ~~غير غنية؟ دخل الدبلمي الأكبر ميدان الكفاح وجال فخرج منصورا. # وماذا نقول عن هربرت؟ كان هربرت وديعا وجلا من أبيه مجلا له محترما لسنه ~~راغبا في التراث عاجزا عن كل عمل مستقل غير ميال إلى حرية السير، ويمثل ~~أبوه دور الأب الشديد، فهو يصرح مع القسم بأنه يستقيل ويعدل عن تسيير دفة الدولة ~~ويقتل نفسه ما لم يذعن ابنه، وهو يعلن أن هذه البلايا تودي بحياة الأم - كما ~~قال الأطباء - وهو يبدو رئيسا رسميا لهربرت فلا يستطيع هذا المرءوس الخادم أن يتزوج ~~بغير موافقة ms461 رئيسه المخدوم، وهو يبرز صاحبا للميراث فيهرع إلى الإمبراطور الذي ~~أنعم عليه بتلك الأراضي حتى يحق له تعديل صكوكها بما يبقى به هربرت عند دوام جماحه ~~فقيرا مدى حياته مقتصرا في عيشه على النفقة المشروط على زوج تلك الحسناء الأول أن ~~يؤديها إليها. # وليس ذلك كل ما في الأمر، فقد مضت سنوات كثيرة بعد شباب بسمارك، وبسمارك في شبابه ~~كان ذا تجريب كبير في تلك الأمور، وهو يعرف كيف يربط الرجل نفسه بعهود في ليلة يقضيها ~~في قصر قوطي بين ذراعي خليلته؛ ولذا لا ينبغي لهربرت أن يذهب إلى البندقية؛ ولذا لا ~~مناص من ذهاب الأب أوتو مع الابن هربرت إلى البندقية إذا توجه هذا الأخير إليها، ~~والابن هربرت دبلمي، والابن هربرت تلميذ للرأي العام، أفلا يحسب هربرت ما في ~~الوضع المضحك من خزي؟ هو يغدو إلى الأبد محل سخرية أوروبة إذا أبدى المراسلون ~~والمصورون والمغنون بسمارك الشائب، وهو ينزل من زورق بندقي بسرعة إنقاذا لابنه ~~العاشق. # ولكن هنالك ما يعود إليه المضطهد غير مرة، وهو ذلك العهد الأدبي الذي ارتبط فيه ~~نحوها، فلولا هذا الارتباط الأدبي ما ورطت الأميرة نفسها في شين الطلاق لتلهو كما ~~تهوى، وللمصارع الدرب بسمارك ما يصد به عن كل طعنة، وبسمارك يقول إن تلك المطلقة ~~هينة الفضيلة، واسمها اليوم مقرون باسم هربرت، ومن الممكن أن كانت في المس مقترنة ~~بشخص آخر، ومن الممكن أن تقترن بشخص آخر في الغد، وفي الواقع أن الاسم لا يستحق ~~الدفاع، ولا يريد من ناحيته أن يقرن اسم بسمارك باسم لوئه واسم شلينتز، وإذا ~~كان الشرف هو المقياس وجب أن يكون شرف بسمارك هو الراجح. # وكيف؟ آلهوى؟ أوخز الضمير؟ أكرامة الابن البكر؟ يذلل الشباب هذه الغوائل! ~~فإلى الأمام! # | الفصل الثالث عشر # أملى بسمارك على ابنه الأسطر الآتية في أثناء استشفائه بكيسنغن في خريف سنة ~~1877، وهي: «قالت إحدى الصحف الفرنسية حديثا إنني كنت كابوس المحالفات، وهنالك من ~~الأسباب الوجيهة ما يجعل وزراء الدولة الألمانية يعانون أمر هذا الكابوس لطويل زمن ms462 ~~وإلى الأبد على ما يحتمل، ويسهل على الدول الغربية أن تؤلف محالفات ضدنا بتدخل ~~النمسة، وأخطر من هذا أن تقع محالفة بين روسية والنمسة وفرنسة، ومن شأن كل صداقة ~~وثيقة بين اثنتين من هذه الدول الثلاث أن تجهز الدولة الثالثة منها بما تضغطنا به ~~ضغطا محسوسا على الدوام.» ويحفز بسمارك خوفه من هذه الممكنات إلى التفكير في وضع ~~سياسي عام، «تحتاج به إلينا جميع الدول ما عدا فرنسة، ولا يساورها به أي ميل ~~إلى التحالف ضدنا نتيجة لصلاتها المتقابلة». # ذلك هو مبدؤه السياسي الأساسي مستشارا للإمبراطورية الألمانية، وذلك المبدأ هو ~~نتيجة للعوامل الثلاثية الآتية وهي: وضع ألمانية وحسد أوروبة وتصادم مصالح الدولة، ~~وهنا يبرز لاعب الشطرنج الواقعي الأكبر بسمارك، ويعرف بسمارك أن يميز الضروري ~~من المشتهى، ولا يريد بسمارك أن يضم قرية واحدة عن كرامة، ولا يرى بسمارك أن يعرض ~~سلامة وطنه للخطر رغبة في السيادة العالمية، ولا ينفك بسمارك يفكر في إمكان تألب ~~الدول العظمى على ألمانية، فلا يألو جهدا في منع ائتلاف الروس وإنكلترة ~~الطموح، وفي منع ائتلاف فلاحي النمسة وفرنسة الطموح. # ولا يثق به أحد في العالم الخارجي، وتجد إجماعا في رسائل ملكة إنكلترة وتقارير ~~سياسيي روسية وخطب زعماء فرنسة على الحذر من رغبة بسمارك في السلم، وقد ~~تجمعت تعابير الخوف والحقد ضد «الفاتح» والعالم ينظر إليه بهذه العين، أفلم يكن ~~ذلك الرجل الذي قضى على السلم الأوروبي ثلاث مرات في سبع سنين بحروبه التي انتهت ~~بالضم؟ أفلم يقم تمثالا عظيما في قلب أوروبة حيث كان تصدع الألمان في ثلاثة ~~قرون يزود جميع الجيران بفرص ممارسة مهن الفساد؟ لقد تم النصر له في الداخل ~~ثم في الخارج بالدم والحديد، فكيف يمكنه أن يحفظ سلامة ذلك الكيان الذي أوجده بقوة ~~السلاح على طريقة نابليون إذا لم يقم بفتوح جديدة؟ ويدعوه قومه بالمستشار ~~الحديدي! # وإدراك شعبه لطبيعته قليل جدا، وقد أدى هذا إلى ذلك الخطأ الذي صار مؤذيا ~~لاسم ألمانية مع الزمن، فارجع البصر إلى خلقه وأحواله النفسية المعقدة ms463 تجد ما ~~يكفي لإظهار ذلك الإجحاف، ومن يبحث في برقياته ورسائله وأحاديثه يكن لديه من ~~الأدلة ما يؤدي إلى حكم صحيح، ومن يلق نظرة عامة على عهد مستشاريته الذي دام ~~عشرين سنة يبصر صدق هذا الرأي، ويكتب في مشيبه مذكراته فيسأل عن إمكان قيام ~~الوحدة الألمانية بغير تلك الحروب الثلاث، فلما دون فيها حوادث سنة 1849 لم يجادل ~~في ذلك الإمكان، والذي لا مراء فيه هو أنه لم يقم بتلك الحروب وصولا إلى فتوح، وأن ~~هذه الفتوح لم تكن غير نتائج لما تم فيها من انتصارات، وما أشبهه بالذي دلله ~~الحظ فوجد في طريق طموحه نساء فضمهن إليه لملاءمتهن ذوقه! # ولم يقم بسمارك بحرب فتح قط ، وبسمارك لم يذهب إلى الحرب للمرة الأولى ضما ~~لشليسويغ، بل ذهب إليها تحويلا للريح القومية إلى بروسية، وبسمارك لم يذهب إلى ~~الحرب في المرة الثانية ضما لهانوفر وهس، بل ذهب إليها إخراجا للنمسة منهما، ~~وبسمارك لم يذهب إلى الحرب للمرة الثالثة ضما للألزاس، بل درءا لإنذار فرنسة، ولكن ~~بسمارك بعد ثلاثة انتصارات جاوزت حدود آماله سرعة واتساعا وقف أمام الخريطة ~~وأخذ ما عرضه الطالع عليه. # وكان بسمارك معلما عظيما، فلا يرى أن يشد الوتر كثيرا، نعم إنه لا يرمي ~~بالسهم إلى مسافة قصيرة جدا، ولكنه لا يرمي به إلى مسافة طويلة جدا، فلم يخطئ ~~بسمارك في المسافة حول الأمور الخارجية قط، وقد حاولنا أن نوضح سبب عطله من حسن ~~تقدير المسافة في الأمور الداخلية، وهذا ما فكر فيه، فقد قال في سنة 1866: «أرى ~~المسائل الخارجية غاية بنفسها، وهي لهذا السبب أهم من كل شيء في العالم.» ومن حسن ~~حظ بسمارك أن كان يجد الحروب حاضرة عند احتياجه إليها، غير أنه لم يسئ استعمال ~~تفوقه في أية مرة بلوغا لفتوح، وبسمارك قد صان السلم في أوروبة مدة عشرين سنة، ~~وإذا ما وجد الأعقاب انتقاص بعض مزاياه لم يسعهم سوى الإقرار بأنه حفظ السلم في ~~أوروبة مدة عشرين سنة. # وإذا كان بسمارك قد حفظ السلم في ms464 أوروبة مدة عشرين سنة فإنه لم يفعل هذا ~~لأسباب إنسانية، أو لأنه خاف أن يخسر سمعته، وإنما صنع هذا معتقدا أن أوروبة عادت ~~لا تقنع بتمثيلها دور المحايد المشاهد، متوقعا قيام محالفات ضد ألمانية، ~~مبصرا وقوع محالفات دفعه خطرها إلى رغبته في العدول نظريا عن ضم الألزاس سنة ~~1869، وما كان من الطريق التي سلكها بسمارك، توا أو التواء، تجاه فرنسة بعد سنة 1871 ~~فيدفع إلى التفكير في وضعه السياسي بنقولسبرغ بعد ما كان من غموضه بفرساي، ~~قال بسمارك: «إننا نحتاج إلى ترك فرنسة إيانا هادئين، فإذا لم تود فرنسة مسالمة لنا ~~وجب علينا أن نحول دون وجود حلفاء لها، ولا تكون فرنسة خطرة علينا ما خلت من ~~حلفاء، ولا خطر على ممالك أوروبة العظمى من بلد جمهوري عند تضافرها، ومن الصعب على ~~كل جمهورية فرنسية أن تجد لها حلفاء ملكيين ضدنا.» # وهنا يحدثنا بسمارك عن السبب في وجوب منعه قيام محالفات ضد ألمانية، وعن ~~السبب في وجوب سعيه إلى قيام محالفات تكون ألمانية عضوا فيها، وبسمارك أراد فيما بين ~~سنة 1850 وسنة 1870 أن تظل بروسية على حدتها، وبسمارك أراد ذلك حتى يشترى عونها ~~بثمن عال في الأزمات الكبيرة، وبسمارك ينشد الآن عقد محالفات لألمانية القوية، ~~وبسمارك كان ضعيفا في الماضي فود البقاء منفردا، واليوم غدا بسمارك قويا فصار ~~يبحث عن أصدقاء، وتبقى فكرته الأساسية هذه صحيحة حتى بعد انقضاء عهده. # قال بسمارك: «إن من مصلحتنا حفظ السلم، مع أن لجيراننا في القارة من الرغائب ~~الخفية أو الرسمية ما لا يقدرون على تحقيقه إلا حربا، وقد أثار تحولنا إلى دولة ~~عظيمة من المخاوف ما يجب علينا أن نبدده بما نبديه من نفوذ سلمي شريف، ومن ~~السهل على الإمبراطورية الألمانية أن تحترم حقوق الدول الأخرى؛ وذلك لما فطر عليه ~~الخلق الألماني من واقعية من ناحية، ولما لا نحتاج إليه من توسيع رقعة البلاد، ولما ~~نراه من عدم استطاعتنا الوصول إلى مثل هذا التوسيع بغير تقوية عناصر بلادنا المنحرفة ~~عن المركز، من ms465 ناحية أخرى. # وقد قام مثلي الأعلى في كل حين على ضرورة اكتساب ثقة الدول العظمى بعد أن تمت ~~الوحدة ضمن الحدود التي بلغناها، وعلى وجوب جعل السياسة الألمانية سلمية عادلة بعد ~~إزالة جور الزمن ورأب صدع أمتنا، وإني حين أنعم النظر في المنازعات الدولية ~~التي لا تسوى بغير الحرب لا أعد هذه المنازعات مسائل شرف كالمبارزات التي تقع ~~بين الطلاب.» # ويروي تيدمان أن بسمارك بعد سنة 1870 صرح غير مرة بأنه أوروبي قبل كل شيء، ~~ومن ينظر إلى الخطوط العريضة في سياسته الخارجية يبصر أنه أوروبي فعلا؛ فهو لم ~~يبرز قوميا قط، وهو لم يعتقد قط، وهو لم يزعم قط أن شعبه هو الشعب المختار، وهو ~~«كان مجردا من الوطنية المبتذلة العامية»، وهو قال لأحد الوفود: «لقد عددت أهل ~~الألزاس دوما خيار الأمة الفرنسية؛ فهم أصلح الجنود، وهم جامعون لمزايا كلتا ~~الأمتين، ولو كنت قادرا على تزويج الفرنسيات بأحسن الألمان لأخرجت عرقا رائعا ~~من الآدميين.» # وود بسمارك أن يبدي لتيار أطيب تمنياته في عيد ميلاده، فسأل هذا القطب ~~الفرنسي بواسطة السفير قبل فعل ذلك عن إمكان تقليل حظوته الشعبية بسبب رسالة كتلك ~~يرسلها إليه بسمارك، ويموت تيار فيطلب بسمارك من أصدقائه أن يشربوا نخب ذكراه، وكان ~~يمكن بسمارك أن يضرب فرنسة مرة أخرى في سنة 1875؛ وذلك لما كان من استعداد فرنسة ~~الحربي في ذلك الحين ولما كان من الهتاف لحرب الانتقام عبر الحدود. # ولكن بسمارك داس الشرر الذي ينذر بنار الحرب قائلا: «إن من المكروه أن تهاجم ~~فرنسة منعا لها من أن تتنفس مرة أخرى، وهجوم كهذا يكون ذريعة صالحة تتمسك بها ~~إنكلترة لرفع عقيرتها انتصارا للإنسانية، وهجوم كهذا يؤدي إلى انتقال روسية من سياسة ~~صداقة بين العاهلين إلى سياسة مصالح الدولة، ودليل ذلك هو ما أبدي من ريب على ~~ضفاف نهر النيفا في ترك الأمور تسير إلى أبعد مما وقع بلا تدخل». # وفي ربيع سنة 1875 كان يلوح حصار ألمانية بحلف كالذي حدث سنة 1915 أمرا منتظرا، ~~وكانت الذريعة ms466 في مكافحة الكنيسة، وقد تبنى فرنسوا جوزيف وفيكتور إمانويل وليو بولد ~~الثاني قضية الكاثوليك الرومان، ومد غورشاكوف عينيه إلى البلقان فمال إلى ~~التفاهم مع فرنسة، حتى إن إنكلترة استعدت لمصادقة روسية عن سوء مزاج تجاه ألمانية، ~~وهكذا كان الخطر يحف بنظام بسمارك، وهكذا يواجه بسمارك هزيمة دبلمية للمرة ~~الأولى، وماذا يصنع؟ إن أول عمل أتاه هو جعله جميع المطاحن تدور بمقالة عنوانها: «هل ~~الحرب قريبة الوقوع؟» # ويتوجه الدبلميون في رومة ولندن وفي كل مكان إلى مستشار روسية غورشاكوف عن ~~حقد على بسمارك، ويتخلى هذا المستشار لإنكلترة عن بقعة صغيرة في البلقان، ويذهب ~~هذا المستشار مع القيصر إلى برلين حلا للأزمة أو تعقيدا لها، ويستقبل بسمارك ~~غورشاكوف استقبالا سلميا ويطلعه على آخر استقالة قدمها لمرضه، ولأنه أصبح ~~غير ضروري ما دام كل أمر هادئا، ويتخذ بسمارك هذا الأسلوب تجاه القيصر فيبدي ~~له أنه سعيد لعدم الضرورة إلى امتشاق الحسام. # وهكذا يخدع المستشار الروسي المغرور المكار الشائب تلميذه بسمارك، وهكذا ~~يتبخر آخر حظ للمستشار الروسي في عالم الشهرة، وقد أراد المستشار الروسي أن ~~ينقذ ما بقي له من السمعة فأرسل إلى ممثليه في جميع العواصم برقية غير رقمية ~~قال فيها: «والآن أنقذت السلم» وقد صيغت هذه البرقية على هذا الوجه لإعلان فوز ~~غورشاكوف على بسمارك وأن روسية الأم تغلبت على الجنون التوتوني، # 1 # ولحمل أوروبة على الاعتقاد بأن روسية وغورشاكوف أنقذا محبة ~~السلم فرنسة من جشع بسمارك الذي هو آفة أوروبة! # ويروي بسمارك مغاضبا أنه ذكر لذلك الروسي بعض الحقائق الهائلة الخاصة بالوطن، ~~ومن كتب بسمارك إليه: «لا ينبغي لكم أن تثبوا على كتفي صديق من الخلف ولا أن ~~تراهنوا على حسابه بتذكرة سباق! وإذا أردتم اكتساب صيت في باريس فلا يجوز لكم أن ~~تنتهوا إلى ذلك بتعكير صفو علاقاتنا بروسية! وإذا أردتم صنعت قطع خمسة فرنكات ~~مشتملة على شعار «غورشاكوف يحمي فرنسة!» وإذا أردتم أقمنا في السفارة الألمانية ~~بباريس دار تمثيل تعرضون فيها على الجمهور الفرنسي بذلك الشعار مع إظهاركم على ms467 ~~شكل ملك مجنح حارس لابس ثيابا بيضا باد بنور الأسهم النارية!» ولنا أن نبصر ~~عدم أخذ غورشاكوف بمثل ذلك التهكم، وإنما الذي لا ريب فيه هو أن هذا اللحاء ترك ~~أعمق أثر في ذهن بسمارك فلم يعتم أن صار له من النتائج ما هو مهم في تاريخ ~~العالم. # ولم يتمالك القيصر أن ذهب إلى زيارة بسمارك على غير ميعاد في الحقيقة، فبدأ الكلام ~~بقوله: «دعوني أبدأ قولي بأن أؤكد لكم أنه لم يساورني اعتقاد بأن ألمانية تميل ~~إلى إيقاد نار الحرب!» ويروي بسمارك أن القيصر قال له عن مستشار في حال أخرى: «دعوه ~~يتمتع بعجب المشيب!» وفي الظاهر يبدو بسمارك مغلوبا دبلميا على يد ~~غورشاكوف، وترى بسمارك مع ذلك في وضع استثنائي يظهر فيه ذا شعور سياسي نقي، ~~وما كان بسمارك لينسى تلك الساعة، والآن يمتنع بسمارك عن تكذيب خصمه الذي يعلن في ~~كل مكان أنه محل لاستحسان القيصر، ولكن بسمارك يدخر الأمر في ذاكرته، فبسمارك الذي ~~لم يسطع السكوت في مشيبه عن «جور لم يكفر» منذ خمسين سنة لا بد من أن يرى ~~الانتقام من أجل إهانة وجهت إليه في أوج سلطانه. # ولم تكد سنة واحدة تمر حتى طلب منه الروس أن يختار بين روسية أو النمسة؛ ففي صيف ~~سنة 1875، وبعد انقضاء الأزمة الأخيرة بوقت قصير جدا أسفرت الثورات الجديدة التي قام ~~بها سكان البلقان ضد الترك عن زيادة تحاسد تينك الإمبراطوريتين، وغدا كل ما ~~يعد منوطا بالقرار الذي يتخذه بسمارك، وبسمارك بعد السلم لم يلبث أن حاول ~~عرقلة المتنافسين في البلقان بتأليف حلف الأباطرة الثلاثة، وبسمارك يقول لخلصائه: ~~«لا أقصد التدخل لما ينشأ عن ذلك من حرب أوروبية، وإذا ما أيدت أحد الفريقين لم ~~تنشب فرنسة أن تنحاز إلى الفريق الآخر، وترونني ممسكا بالحيوانين القويين من ~~طوقيهما فاصلا بينهما لسببين: لكيلا يمزق كل منهما الآخر، ولكيلا يتحدا على ~~حسابنا.» وفي الريشتاغ يجعل بسمارك ذلك الرأي الرائع مقبولا بالكلمات الآتية: ~~«أعارض كل تدخل فعلي من قبل ألمانية في تلك ms468 المسائل ما دمت لا أرى وجها ~~يجعلني أفترض مسها للمصالح الألمانية، وما دمت لا أرى مس المصالح الألمانية بما ~~يعدل المجازفة بما في الجندي البوميراني الواحد من عظام سليمة مع الرجاء بالصفح ~~عن غلظة التعبير.» # ولا أحد كبسمارك يعرف ما في تحالف الأباطرة الثلاثة من عدم ثبات، وبسمارك كثير ~~الشك في قدرته على المسك بطوقي الحيوانين فصلا لأحدهما عن الآخر إلى الأبد، ~~وكل ما في ذلك التحالف من وزن أدبي هو تعاهد الأباطرة الثلاثة ضد الجمهوريات ~~والديمقراطيات وتفضيلهم اصطبار بعضهم على بعض على أن يقهرهم من يكرهونه. # وفي هذا سر ما كان من تأييد بسمارك في سنة 1870 لفكرة الاتحاد الثلاثي الشرقي ~~الذي سبق أن قضي عليه في سنة 1850، وتجد ما في قيصر روسية وإمبراطور النمسة من ~~الأماني الأسرية حفظا لسلامتهما أقوى من تنافسهما وصولا إلى الفتح، ولكنك لا تبصر ~~في تلك الأيام من طيف لعدو مخيف يوجب تحويل تحالفهما إلى اتحاد مقدس كالذي قام ~~في عهد آبائهما. # وفي ذلك التزاوج الثلاثي تبدو ألمانية أحدث الأزواج الثلاثة فتتجاذبه زوجتان أكبر ~~منه سنا، وكلا الزوجتين محراب، فيصعب على الزوج أن يتصرف منصفا تجاههما، ويقول ~~بسمارك لهوهنلوهه في ذلك الحين: «إذا ما بقينا محايدين في حرب تقع بين روسية ~~والنمسة؛ لم يعف المغلوب منهما عنا قط، وإذا ما أصيبت النمسة بهزيمة تامة لم يكن ~~لنا من ذلك مغنم، نعم نستطيع إذا ذاك أن نضم النمسة لألمانية، ولكن ماذا نصنع ~~بالصقالبة والمجر، ولا يسمح الرأي العام لنا بمحاربة النمسة، وتكون روسية شديدة ~~الخطر علينا إذا زالت النمسة، ولا نقدر على إحباط عمل روسية إلا بمساعدة النمسة.» ~~وبسمارك وجد نفسه أمام تجربة خطرة بعد هذا التصريح بقليل زمن. # أنبأ سفير بسمارك في ربيع سنة 1876 غورشاكوف بأن ضربته الروائية ببرلين في السنة ~~الماضية أسفرت عن «حذر وحير» في ألمانية تجاه روسية، وأجاب غورشاكوف عن هذا ~~بحماسة قائلا إن عد بسمارك تلميذا له كعد رفائيل تلميذا لبيروجينو، وفيما هو ~~ينطق بمعسول الكلام على هذا الوجه ms469 تبصره مستمرا على حوك الدسائس في ميدان السياسة ~~ضد بسمارك. # وهو إذ كان عارفا بورطة خصمه لم يلبث أن نصب له شركا؛ ففي خريف سنة 1876 أرسل ~~من ليفادية إلى برلين السؤال الآتي بواسطة الملحق العسكري الألماني، وهو: هل تظل ~~ألمانية محايدة عند وقوع حرب بين روسية والنمسة؟ وكان غورشاكوف من الحذق السياسي ~~ما لا يضع معه مثل هذا السؤال القاسي من غير أن يكون قد حسب نتائجه الممكنة، ويأخذ ~~بسمارك هذه البرقية حينما كان في فارزين، ويسير في المرحلة الأولى عن مبادرة منه، ~~فيأمر ديوان الخارجية مؤكدا على خلاف عادته ب «عدم الجواب عن مسألة سرية قائلا ~~إننا لا نعرف مقاصد غورشاكوف بوضع هذا السؤال ولا وجه فائدته منه، والسؤال وقح، ~~والسؤال في غير وقته ، والسؤال دسيسة حيكت بخيوط بيض.» ثم يقول غاضبا: «إن الأمر ~~يدور حول توقيعنا سفتجة على بياض لتملأها روسية وتقبض بدلها ولتستعمل ما تقبض ضد ~~النمسة وإنكلترة.» # وهنالك أيضا يدقق بسمارك في حساباته وفق جدول الأنساب العددية، وهو يعرف جيدا ~~غرض غورشاكوف من السؤال، وهو يعرف أن غورشاكوف يريد أن يعلم: هل تقسم النمسة؟ ~~فإذا قال: «كلا» كان ذلك لما يبصره من تدفق سلافي يغمر شرق أوروبة فيجعل ~~ألمانية في وضع التابع فما بعد، ويرى بسمارك أن الخير كل الخير في دعوة القيصر إلى ~~الانتباه ما دامت سياسة بسمارك قائمة منذ زمن طويل على جعل كل من الدول الثلاث ~~المتنافسة، روسية والنمسة وإنكلترة، في حال توتر وفي طور ينشد معه التأييد من ~~ألمانية، والآن يريد منع نشوب حرب عالمية بأن يوجه جيش الروس المستعد للقتال إلى ~~البلقان. # ويضغط بسمارك مرة أخرى؛ حملا له على الجواب القاطع، فيقول إنه، وإن كان لا يميز ~~أحد الفريقين الصديقين المتقاتلين من الآخر يأسف كثيرا إذا بلغ جرح أحدهما من ~~الخطر ما يغدو به دولة غير عظيمة. # والآن يستطيع غورشاكوف أن يقيم لمولاه دليلا قاطعا على أن بسمارك هو العقبة ~~الكأداء دون تحقيق الروس لآمالهم في نصب الصليب فوق قبة ms470 أياصوفية، ويقنع القيصر ~~بذلك فيقلع عن فكرة مهاجمة فرنسوا جوزيف، وهو بدلا من هذه المهاجمة يجتمع بأخيه ~~الإمبراطور في رايشتاد، ويصل معه إلى اتفاق مؤقت حول البلقان فيعده بإعطائه البوسنة ~~إذا ظل محايدا، وهكذا تتوجه الزوبعة المتوعدة إلى الجنوب الشرقي، فيزحف الروس ~~إلى الآستانة؛ ليواجهوا الأسطول البريطاني في الدردنيل في ربيع سنة 1877 وليلاقوا ~~مصاعب إضافية، وهنالك يشعر الروس بأن الدول لا تدعهم يصلون إلى القرن الذهبي، ~~فيكتفون بمعاهدة أياستفانوس موجبين «اختلال التوازن الدولي». # وقال غورشاكوف في جوابه إلى بسمارك: «ليست المسألة التي يرى حلها ألمانية ولا ~~روسية وإنما هي أوروبية.» ويكتب بسمارك على الهامش: «من يقل أوروبة يخطئ؛ فما ~~هي أوروبة؟» ومنذ عشر سنوات مضت، وحين بدا سفير إنكلترة متوعدا، كان بسمارك قد ~~استعمل تلك الكلمات الثلاث موكدا مع مزح، وبسمارك يقول: «يلوك رجال السياسة ~~كلمة أوروبة عندما يطلبون من الدول شيئا لا يجرءون على سؤاله باسمهم الخاص.» وبهذه ~~الكلمة الصائبة في تلك الأيام يجيب بسمارك عن عبارة غورشاكوف. # وفي سان بطرسبرغ كان يوجد رجل ذو آراء أوروبية وصاحب قلب يلبي ما لا يعرفه ~~الشيخ غورشاكوف من مشاعر الإنسانية، وذلك أيام عقد معاهدة أياستفانوس التي تقضي ~~بطرد الترك من أوروبة وبتوسيع رقعة دولة بلغارية التابعة، وأيام شعور النمسة بأن روسية ~~تحيط بها إحاطة جزئية، وأيام تظهر إنكلترة قلقها، وأيام كان شبح حرب طاحنة أشد ~~من الأولى يلوح في الأفق، والرجل هو الكونت بطرس شوالوف، ويهرع شوالوف هذا إلى ~~صديقه بسمارك ويرجو منه أن يتوسط، وكان بسمارك في فردريكسروه وكان مصابا بالهرص # 2 # ووجع الأعصاب وشقيقة الوجه فلا يستطيع حتى حلق ذقنه، ويقابل بسمارك ~~شوالوف مع ذلك، ولكنه يرد طلبه. # وفي هذه المرة - كما هو الأمر قبل ضم الألزاس واللورين - لم تضل غريزة بسمارك ~~السياسية، وبسمارك منذ بضعة أشهر حينما عرضت عليه اقتراحات شبه رسمية وصولا إلى ~~توسط ألمانية؛ رفض ذلك رفضا باتا قائلا: «لا نكاد نعتقد أن التوسط لدى دولة ~~أخرى يتم بغير ضغط روسية، ولكن ضغطا كهذا لا ms471 يؤدي إلى إذعان روسية إلا بصعوبة ~~عظيمة، ونحن لما نبصر من اتساع الحدود بيننا وبين روسية؛ نرى صلاتنا بهذه ~~الإمبراطورية أهم من جميع تركية بمراحل؛ ولذا لا نرى من الرأي إحداث كدر غير ~~مجد بقبول ذلك التوسط.» وليس عندنا دليل مؤيد للزعم القائل إن بسمارك في مشيبه ~~وجد هذا التدخل أعظم خطأ وقع في غضون منصبه، وليس هذا الزعم صحيحا - كما يظهر - ~~وإنما الذي لا مراء فيه هو أن بسمارك رفض التدخل في بدء الأمر. # وما كان شوالوف لينثني؛ ففي اليوم التالي أتت برقية من القيصر - كما طلب ~~شوالوف لا ريب - التمس فيها القيصر إسكندر من بسمارك أن يتوسط قائلا فيها إنه ~~يعد ذلك آية على إخلاصه، وماذا على بسمارك أن يصنع؟ وبسمارك منذ زمن قليل كان قد ~~كتب إلى سفيره ببطرسبرغ يقول له: «إن عاهلا قريبا منا كالقيصر إسكندر يجب أن ~~يعد من قبلكم ومن قبلي صاحب حق على الدوام، وذلك كما يعترف لإحدى ~~السيدات.» # وقد جعلت محاولة قتل الإمبراطور ولهلم أمر القانون اللاشتراكي ممكنا، ويشعر ~~بسمارك بأن وضعه الداخلي اشتد، ومن المحتمل أن يكون قد أثر في بسمارك حقده ~~على غورشاكوف فأبصر وجوب جلوسه تحت رئاسته إذا ما عقد مؤتمر، وبسمارك كما في فرساي ~~قال «نعم» حيث كان قد قال «لا» مخالفا بذلك إحدى صفاته البارزة، ويعمل بسمارك ~~ذهنه، فيملي على ابنه في خمس وعشرين دقيقة برنامج مؤتمر برلين. # ويخاطب بسمارك الرأي العام بقوله: «سنمثل دور السمسار الشريف»، ويقرأ ~~بليشرودر هذا فيهز رأسه مرتابا ويقول عن حنكة: «لا وجود لسمسار ~~شريف». # | الفصل الرابع عشر # في 13 من يوليو سنة 1870 تناول بسمارك برقية إمس، وفي 13 من يوليو سنة 1874 جرح ~~بعيار ناري أطلقه عليه كولمان، وفي 13 من يونيو سنة 1878 يفتتح مؤتمر برلين، وفي 13 ~~من يوليو سنة 1878 يوقع بسمارك معاهدة برلين التي هي وليدة ذلك المؤتمر، ويجلب الرقم ~~13 - وهو الرقم الذي يتطير به تطيره من يوم الجمعة - حسن الحظ إليه مرتين من خلال ms472 ~~الشر، والمسألة هي أن يعرف هل تكون نتيجة ذلك المؤتمر الذي بدئ وختم بتاريخين ~~مشئومين شؤما عليه مع أنه توج بنجاح ساطع، وإذا نظر إلى المظهر لم ير بسمارك في ~~أي دور من أدوار منصبه أبهر فلاحا مما في ذلك الدور حين كان ينهض في قاعة قصره ~~الرسمي المقببة ومن مركز المائدة العظيمة المصنوعة على شكل نعل الفرس ليحيي - ~~وهو رئيس لأوروبة - سياسيي الدول العظمى، وأمر مثل هذا مما لم يحدث منذ عشرات ~~السنين، وكان بسمارك يكتسب بلحيته البيضاء الكبيرة منظرا أبويا، غير أن أحوالا ~~كثيرة كمرضه واضطراره إلى القيام بشئون الرئاسة بلغة أجنبية وحمله عبء جميع العمل ~~كانت تزعجه بعض الإزعاج، وإن كان قد افتتح المؤتمر مع قليل ضيق و«عدم عطل من نروزة». # 1 # ويجلس حول تلك المائدة المصنوعة على شكل نعل الفرس عشرون سياسيا مشهورا من سبع ~~أمم مختلفة، والملكية عن يمين بسمارك، أفلا تبصر هنالك ثوريا يمثل دور قائد الهونفد؟ # 2 # ترى ملامحه النحيفة الضيقة على شيء من التخالف، وتراه ذا أنف كبير وأذنين ~~عظيمتين وفم حساس ولحية صغيرة، وينم منظره على النفور وعدم التقيد بالرسميات، ~~فهذا هو الكونت أندراسي السريع الفهم والبطيء العزم، وبجانب الكونت أندراسي يجلس ~~الكونت كاروليه؛ أي سفير النمسة الدائم ببرلين، والذي لم تقصه محاربة النمسة عنها ~~سوى بضعة أسابيع، والبارون هايمرل هو العضو الثالث في الوفد النمسوي المجري، وهو ~~الذي تشاهد فيه كل شيء حادا من أنفه إلى رأس قلمه الرصاصي الذي يقيد به ~~ملاحظاته. # والرجل الجالس عن شمال بسمارك هو ودينغتن الذي ينم بسيماه على إنكلترة القديمة ~~المرحة، والذي هو سهل مقبول، والذي هو رئيس للوفد الفرنسي وإن كان إنكليزيا بالاسم ~~والأصل، والذي هو عالم أثري أكثر من أن يكون وزيرا للخارجية، وأما الجالس بجانبه ~~فهو الكونت سان فاليه الدائم الحركة والكثير التبرم والسفير لفرنسة ببرلين، والذي هو ~~أكثر تمثيلا لأمته، وأما العضو الفرنسي الثالث فهو ديسبرز الذي يدل مظهره ~~الذهني على أنه بلاطي إكليريكي. # وماذا يصنع الشرق الأقصى هنالك؟ أحقا ms473 أن ذلك الرجل الصغير الذي يدل منظره على ~~المكر هو ياباني؟ كلا، وإنما هو الكونت كورتي الذي يمثل إيطالية بذكاء أكثر مما ~~يبديه جاره الكونت لوني، وبالقرب منه يجلس عسكري ألماني مرتزق أزرق العينين ~~لابس طربوشا، ويلوح كل شيء حول تلك المائدة مقلوبا رأسا على عقب، ويدلنا كل ~~شيء حول المائدة على سخافة أي حديث عن الشعوب والعروق، وذلك التوتوني المليح هو ~~الفريق الأول علي باشا وإن كان يحمل في صباه بمغدبرغ اسما آخر، وإن كان في ~~مغدبرغ نوتيا فأبق # 3 # فغدا غلاما لدى الصدر الأعظم علي - كما أشيع - فصار ذلك الصدر الأعظم ~~حاميا له، وقد قتل الأفاق الألماني علي باشا بخنجر ألباني بعد المؤتمر بشهرين، ~~والممثل التركي الآخر هو قره تيودوري باشا، وهو لطيف الأنف محكم الفم شاحب ~~الوجه متحفظ مولود في الشرق الأدنى، وهو يوناني حسيب. # ومن هو ذلك الجالس هنالك عن اليمين قريبا من البارون الفيني؟ أهو عضو آخر من ~~الوفد الألماني؟ كلا، وإنما هو السفير البريطاني ببرلين اللورد أودو رسل، وهو يبدو ~~أريبا لطيفا نشيطا بسيطا، ويجلس بجانبه رجل ذو لحية شقراء عريضة وجبين عال، وهو ~~اللورد سالسبري الخبير في المسألة الشرقية، وما كان طرفنا ليرتد عن ملامح هذا ~~الرجل الإنسانية إلا ليبصر الممثل البريطاني الثالث الذي هو أكثر رجال المؤتمر وقفا ~~للنظر على ما يحتمل، ولا يكاد منظره ينم على جنسيته، ولا يدل مظهره على أنه ~~إنكليزي، وديسرائيلي هذا، قبل أن يصبح اللورد بيكونسفيلد بزمن؛ أي حين اشتهر بأنه ~~كاتب روائي، كان شابا يهوديا ذا ظرف مثالي، والآن يبدو ديسرائيلي ~~ميفيستوفليا موسيقيا، وهو يشابه كاتبا صوره رنبرانت بأنفه الكبير وارتخاء ~~شفته السفلى وخشنة شاربيه وجبينه العالي المزين بخصل من الشعر، واليوم يظهر ~~شائبا منهوكا متوكئا على عصاه عند ذهابه إلى مقعده، ولا أحد ممن ينظرون إليه ~~يظن أنه هو الرجل الذي فتن قلب الملكة فيكتورية. # وأين غورشاكوف الذي له ما لديسرائيلي من الشهرة؟ وهل هذا هو الرجل القصير ~~المتكرش هنالك؟ هو في الثمانين من سنيه، ms474 وهو على خلاف الإمبراطور ولهلم الذي ~~لا يزال منتصب القامة كضابط شاب، وهو يألم من النقرس # 4 # فيحمل إلى مقعده، وإذا رجعنا البصر إليه عن كثب لم نجد وجهه ~~متكرشا بمقدار تكرش جسمه، ولا يزال فمه باديا حساسا، ويظهر ناعم الخدين ~~حاد الأنف، وهو إذا تلفت ذات اليمين وذات الشمال ألقى في روعنا أنه نصف ألماني، ~~وذكرنا بصورة ألماني غريب الأطوال لسبيتزفيغ، ويدل محياه على أنه رجل لهو ~~لا رجل كيد وإن كان جامعا للأمرين في الحقيقة، وهو قد أقنع مولاه بأن يأذن له في ~~الجلوس حول تلك المائدة على أن يكون حق التصويت لسفيره ببرلين بول دوربيل وأن يقوم ~~بالنقاش في الأمور جارهما الأهيف الكونت بطرس شوالوف الذي هو صاحب فكرة عقد المؤتمر ~~والذي يشابه ماريشالا فرنسيا مظهرا، والذي يبدو نبيها نبيلا مفاوضا منقطع ~~النظير. # وفي البداءة تصل سيوف الخصوم حينا من الزمن، ومع أن الرئيس ألقى خطبة ~~الافتتاح باللغة الفرنسية في أرض ألمانية ألقى ديسرائيلي جوابه باللغة الإنكليزية ~~وقورا متخذا لهجة أوكسفورد الخالصة، ولكن على وجه لم يفهمه غير القليل من الحضور، ~~وبعد ذلك نطق غورشاكوف باللغة الفرنسية - خلافا لما كان يتوقعه بسمارك - لا باللغة ~~الروسية بطائفة من الأمور التي لا تعد جوابا فأدى هذا إلى جعل الرئيس الملول ~~يكتب على ورقة الألفاظ «بونبوس، بونبو، بونب، بو»، ثم انتقل الجميع إلى غرفة ~~مجاورة حيث مدت مائدة مشتملة على مرطبات، وحيث أتم برشارد «أعظم نجاح في كل ~~واحدة من اجتماعات المؤتمر العشرين». # ويساور الغضب بسمارك حتى قبل افتتاح المؤتمر؛ وذلك لأن جميع الممثلين حينما ردوا ~~إليه زيارته «أبدوا من الروح الريفية ما أتعبوه به»، وبسمارك بعد ذلك أخذ يهزأ ~~بضيوفه منكتا، وصار يحاول في الجلسات القادمة أن يدير كل شيء وفق منهاجه، ومن ~~ذلك أن قدم إليه سالسبري مشروعا جديدا فقال له: «وشيء آخر أيضا!» ومما جاء في ~~التقرير اليوناني «أنه لا يلتفت إلى الاعتراضات، ولكنه يمعن في الإسراع فيضغط ~~الجميع بتبرمه العصبي، مشعرا كل واحد بهيمنته شيئا فشيئا»، ms475 وهو مع إتقانه ~~التكلم باللغة الفرنسية كان لا ينطق بها إلا بهزات سريعة أو بطيئة على حسب حال ~~أعصابه - شأنه عندما يتكلم بالألمانية - ومن قوله: «إن من النادر أن أنام قبل الساعة ~~السادسة صباحا، وأنام في الساعة الثامنة غالبا؛ وذلك لساعة أو ساعتين، ولا يقابلني ~~أحد قبل الظهر، ويمكنكم أن تتصوروا الحال النفسية التي أكون عليها عند افتتاح الجلسات، ~~وأشرب قبل كل جلسة ثلاثة - أو أربعة - قعبة # 5 # جعة مملوءة برحيق بورتو القوي، فلولا فعلي ذلك لم يجر الدم في ~~عروقي وصرت غير صالح لعمل شيء.» وقد أجمعت التقارير - مع ذلك - على أن بسمارك أعان ~~إلى أبعد حد على التوفيق بين الجميع؛ بفضل صلابته وبصيرته وسعة حيلته. # ومن بين أعضاء المؤتمر كان يثق بالدرجة الأولى بأندراسي ورسل، وقد حاول - على غير ~~جدوى - أن يكتشف «عيبا في رسل الذي لم يجد إنكليزيا مثله كمالا، وهو رجل يتقن ~~ست لغات»، وهو يتمنى أن يقود اللورد سالسبري بين يدي عريف ألماني معلم ~~للرياضة نصف ساعة في كل يوم حتى يتعلم تقويم هيئته، وهو ينظر إلى أحمد علي كمرتد ~~فيعامله ببرودة وغلظة تقريبا، وهو يبدي لعدوه غورشاكوف إخلاصا ساخرا، ويزوره ~~الشيخ غورشاكوف ذات مرة، ويود بسمارك أن يساعده على النهوض على كرسيه، ويظن الدرواس # 6 # الدانيماركي أن هذه الحركة علامة للهجوم، وينتهر بسمارك الكلب، ~~ويخيل إلى غورشاكوف الذي لم يلاحظ هذا الحيوان سابقا أن بسمارك فاجأه بذلك ~~انتقاما منه فينصرف مغاضبا، ويقص بسمارك الخبر مساء، ويضيف إلى ذلك تعليقه ~~الآتي الذي ينم على سياسي محب للكلاب أيضا، قال بسمارك: «لما يتم تدريب ~~تيراس كما يجب؛ فهو لا يعرف من يجب عليه أن يعض، ولو عرف ذلك لعض ~~التركي.» # ويؤثر على أوجه مختلفة كل من مغامري المؤتمر الثلاثة، الغلام والروائي وبسمارك، ~~في الآخر، وبسمارك قال في المساء الأول: «أود لو أعرف هل يريد بيكونسفيلد ~~الحرب، لا أحد يعرف ذلك! والشعور السائد هو أن الميزان بيده، وهو حذر مرتاب، ولا ~~يعرف مصوره فرنر الإنكليزية، ولكن ديسرائيلي ms476 لم يقنع بذلك حتى أكده له غير مرة، وما ~~فطر عليه هذا الشيخ من روح الملح فقد مكنه من التمتع ببعض النكات البرلينية على ~~حساب شخصيته واسمه وأصله اليهودي، ومن تلك الطرائف أن ضابطا كان يسير حوله فسأل ~~الحارس الواقف أمام باب ديزي عن الذي يحافظ عليه فأجاب هذا الرجل عن ذلك بقوله: «كما ~~تأمر يا سيدي، هو ب. أ. كوهنفيلد».» # 7 # ولو كان بسمارك لا ساميا لكان كل شيء في ديسرائيلي ولا سيما ميوله الخطابية ~~غير ملائم لبسمارك، ولكن بسمارك بعد أحاديث قليلة كان على تفاهم معه أكثر من ~~تفاهمه مع كل واحد من الآخرين، وبسمارك يقول بعد زمن: «إنه قضى ليالي كثيرة هنا، ~~وهو - لانحراف مزاجه - كان يشترط خلو المكان من كل ضيف، وهكذا غدونا متحابين، ~~وهو مع وضعه روايات خيالية كانت تسهل مناقشته، وكان يعرف في ربع ساعة ما يوده ، ~~ويعلم الحد الذي لا يريد مجاوزته، فنسوي كثيرا من المسائل معا.» # وما فتئ ديسرائيلي - حتى موته - يكون صديقا لبسمارك وإن شبه بسمارك في ~~الإنديميون بكونت فيرول بعد رواية موتلي عن بسمارك بأربعين سنة. # ويلوح أن بسمارك اتخذ لهجة المساوم مع بليشرودر، وقد قال له في أول مساء: «إن ~~فائدة السلم هي 66 : 34، وقد تكون 70 : 30.» ويقيم بليشرودر «حفلة عشاء كبيرة ~~بلا مملحة، ولكن مع كثير غناء»، ويدعو ولي العهد إلى نزهة في سفينة فوق الفانسي، ~~وكاد أعضاء المؤتمر يغرقون بعاصفة هبت فورا حين عودتهم إلى قصر سانسوسي حيث «وجد أعضاء المؤتمر قبل العشاء - كما روى هوهنلوهه - طسوتا # 8 # كثيرة لغسل الأيدي، ولكن مع إناء خزفي لغير الغسل تجمعت حوله جميع ~~أوروبة». # والمسائل التي يجب النقاش حولها في المؤتمر نسيت منذ زمن طويل، وعادت التفصيلات ~~غير مجدية، وعادت المسألة المهمة الوحيدة لا تبدو في سوى ما بين الدول الثلاث الطامعة ~~في الشرق الأدنى من منافسة، ويبلغ ما بين روسية وإنكلترة من مزاحمة غايته حول مسألة ~~بلغارية، وتتشدد روسية، وكان بيكونسفيلد قد أوصى بقطار خاص له، وكان بسمارك قد ms477 ~~اطلع على ضعف روسية من شوالوف، فأقنع الإنكليز بأن يكونوا أقل تصلبا وأقنع ~~الروس بأن يكونوا أقل انتفاخا، وهكذا وفق بسمارك لحفظ السلم على حساب صداقة ~~روسية، فصار الناس يتحدثون في الحقيقة «عما أصاب به بسمارك روسية من خزي». # وإذا عدوت ما قيل من البهتان العام حول حماية النصارى من الكافرين وجدت ~~المساومة تتجلى في تحديد مناطق المصالح المزعومة على خرائط لا يفقه أمرها أقطاب ~~لندن وسان بطرسبرغ أكثر مما يفقهه واسطتهما الألمان، ومن الأمثلة على ذلك ما كان من ~~تخصيص بلغارية الحديثة بالسنجق ثم اكتشاف وقوع السنجق وراء سلسلة جبال البلقان ~~بمسافة غير قصيرة وظهور تنزل إنكلترة عن الشيء الكثير ورغبتها في اقتضاب ذلك، ومن ~~الأمثلة على ذلك ما رواه هوهنلوهه من «اكتشافنا مساحة صغيرة يمكن اقتطاعها من ~~الروس، وهي صرد # 9 # مع أن أحدا منا لم يعرف كونه حدا معقولا، وكانت الخرائط متناقضة غير ~~دقيقة ». # وتمضى المعاهدة بعد أربعة أسابيع فلا تسفر عن سكون مزار في البلقان، فقد «بنيت» ~~بلغارية و«استقلت» صربية ورومانية والجبل الأسود، ووسعت بلاد اليونان، وجعل نهر ~~الدانوب محايدا تديره لجنة دولية، وأغلقت المضايق، وتحتل النمسة ولايتي البوسنة ~~والهرسك وتديرهما مع بقائهما تركيتين، ويكون هذا الأمر الأخير مصدر توتر في عشرات ~~السنين الآتية وإن اتفق عليه قيصر روسية وإمبراطور النمسة سرا منذ عام. ولم يسو ~~شيء وفق العوامل العرقية ولا وفق رغائب السكان؛ فقد ظل الصرب مقسمين بين ~~أربعة بلاد، وبقي البلغار موزعين بين ثلاثة بلاد، ودحر الإسلام مع بقاء الترك في ~~أوروبة، وهكذا اشتمل رق دقيق على مسائل كثيرة لم تحل. # ولم يكن لألمانية أية مصلحة مباشرة في الأمر، وخسرت ألمانية الشيء الكثير على ~~وجه غير مباشر مع ذلك، فزعزع ما بينها وبين روسية من الصداقة، ولم تنل صداقة ~~إنكلترة بدلا من ذلك، ويعزو بسمارك ذلك إلى علل شخصية، فقد قال: «كنا قبل المؤتمر ~~على تفاهم مع القيصر إلى أبعد حد، وكان من المتفق عليه أن أستصوب جميع رغائب ~~روسية، وأن يرسل شوالوف بدلا ms478 من غورشاكوف كما وعد القيصر، ويظهر أن غورشاكوف نشي # 10 # ريح ذلك كما يدل عليه قيام سياسته على تناقض طلبات روسية فاضطررت إلى ~~القول لشوالوف إنني لا أستطيع أن أكون روسيا أكثر من روسية نفسها، ويقدم ~~غورشاكوف تقريره إلى القيصر بعد ذلك، ويقول له: علينا أن نشكر لبسمارك هزال النتائج ~~التي انتهينا إليها، ومما روي لنا أن القيصر قال له عندئذ: حسنا إذن! ستظل ~~مستشارا إذن!» والذي لا ريب فيه هو أن القيصر شعر بأن ذلك «السمسار الشريف» تخلى ~~عنه في أثناء الكفاح الدبلمي، وعن المؤتمر قال القيصر: «إنه حلف أوروبي بإمرة ~~بسمارك ضد روسية.» وإن شوالوف كان ضحية خداع بسمارك. # وقد مهد مؤتمر برلين السبيل لاضطراب البلقان وشقاق بين الدول العظمى لم ينشب ~~أن بدا أثره. # | الفصل الخامس عشر # خالي العزيز، أجد في صداقتكم الدائمة ما يشجعني على التعبير بصراحة عن ~~أمر دقيق أزعجني كثيرا؛ وذلك أن سلوك وكلاء ألمانية الدبلميين في وقت ~~مضى كان ينم على خصام لروسية مناقض لتقاليد الصداقة التي سارت عليها سياسة ~~حكومتينا منذ قرن فكانت منسجمة مع مصالحهما المشتركة، وقد ظلت هذه الصداقة ~~ثابتة غير متغيرة عندي، فأرجو أن يكون الأمر لديكم كذلك، بيد أن العالم يحكم ~~في الأمور بالأعمال، ويظاهر الإنكليز والنمسويون الترك فيضع هؤلاء العراقيل ~~في طريق البلغار، والآن يجب على أكثرية ممثلي أوروبة أن يقرروا، وتؤيدنا ~~فرنسة وإيطالية على حين يسير الألمان - كما يظهر - مؤازرين لوجهة نظر النمسة ~~مؤازرة مطلقة ومعاكسين لنا معاكسة منظمة ... # ولي منكم الصفح، ولكنني أجد من الواجب أن ألفت نظركم إلى النتائج السيئة ~~التي قد يؤدي إليها ذلك في صلاتنا الودية، وما اتخذته صحافة كلا ~~البلدين من الوضع فأخذ يزعجنا، ولا يغيب عني ما يجب أن تكونوا عليه من حسن ~~العلاقات بالنمسة، ولكن الذي لا أدركه هو أن يكون لألمانية مغنم من التضحية ~~بالمصالح الروسية، وهل يجدر بقطب سياسي كبير أن يتأثر بما يواثبه من ~~كمد شخصي عندما تمس المسألة مصالح دولتين كبيرتين أسدت إحداهما إلى ~~الأخرى ms479 في سنة 1870 ما لا يمكن نسيانه من الخدم كما أقررتم؟ وما كان ينبغي لي ~~أن أذكركم بذلك لولا بلوغ الأحوال من الخطورة ما لا يجوز لي معه أن أكتم ~~عنكم مخاوفي حول النتائج الشديدة لكل من بلدينا، أنار الله لكم السبيل ودفع ~~ذلك البلاء عنا. # ويقرأ ولهلم ما اشتملت عليه رسالة القيصر المطولة تلك من العبارات الخطيرة في ~~شهر أغسطس سنة 1879، ولا يزيد ما يراه من جد في محتوياتها على ما يراه كاتبها، وغير ~~قليل ما حدث من تحاك الحليفين في غضون المائة سنة الأخيرة وتصادم مصالحهما، ولكن ~~الأمور كانت تسوى بينهما على الدوام، ومن مبادئ بسمارك أن ألمانية وروسية صديقتان ~~طبيعيتان، وبلغ بسمارك من اعتقاده ذلك ما رأى معه أن ما بدا من حملة صحافية بعد ~~مؤتمر برلين لا ينتظر تأثيره في مشاعر قيصر روسية وإمبراطور ألمانية حول شرعية ~~العروش، ولا في حركة القطع على رقعة شطرنجه. # وما بين البلدين من حدود مشتركة طويلة وما ليس لدى البلدين من وجود سبب لاحترابها، ~~فكان يجعل بسمارك منذ خمس وعشرين سنة حتى في الأدوار الخطرة صديقا ثابتا لروسية، وما ~~توانت فرنسة منذ سنة 1871 في طلب محالفة روسية وصولا إلى مهاجمة ألمانية من جبهتين؛ ~~ولذا قامت سياسة بسمارك في الأعوام الثمانية الأخيرة على الوقوف وسيطا بين ~~الإمبراطوريتين الروسية والنمسوية مانعا «الحيوانين المجهزين» من أن يمزق كل ~~منهما الآخر مجتنبا الانحياز إلى أي واحد منهما، وحديثا قال بسمارك لميتناخت: ~~«إذا ما تدخلنا لمصلحة النمسة جعلنا روسية عدوة لنا لا يشفى لها غليل، فغدت ~~حليفة لفرنسة.» # وجاء في آخر تقرير من سفير ألمانية بسان بطرسبرغ أن القيصر فيما كان يبدي ألمه ~~من سوء التفاهم بين البلدين في الكتاب المذكور آنفا كان يذكر الجيش الألماني ~~بالجميل في حفلة عشاء فشرب نخبه، وبسمارك منذ بضعة أشهر أخذ يرى آراء جديدة حول ~~روسية مع ذلك، فصار يدنو من صديقه المجري أندارسي ويدعوه إليه في غاستن، ومن المحتمل ~~أن كان حبه للانتقام من غورشاكوف هو الذي ms480 حفز إلى ذلك مع أنه لم يبق لهذا ~~الأخير من السلطة سوى الشكل، وقد بدأ شعور بسمارك بالعداء نحوه منذ إيلامه إياه كما ~~بينا ذلك سابقا، ثم اشتد ارتيابه من روسية بجحود هذا البلد بعد مؤتمر برلين، ~~ثم زاد ارتيابه بسبب حملة الصحف وصعوبة رقابة الجيش الروسي وعظم نفوذ وزير ~~الحربية الكاره لألمانية، ثم يأتي كتاب القيصر ذلك فيثير غضب بسمارك، ويهرع ~~بسمارك إلى لقاء أندارسي. # وما كتبه بسمارك إلى مولاه من غاستن حول القيصر فيشتمل على أشد العبارات التي ~~استعملها حول أي بلد أجنبي منذ أيام إمس، ومن ذلك «أنه لا معنى للألفاظ التي أعرب ~~بها القيصر عن صداقته لجلالتكم بجانب وعيده المكشوف حول الحال التي لا تجعلون بها ~~سياستكم تابعة لسياسة الروس، ولهجة بين الملوك مثل تلك هي نذير قطع للعلاقة عند ~~عدم وجود معاهدات تحول دون ذلك، وما كانت المجاملة بين الملوك لتوجب اتخاذ لهجة ~~أقسى من تلك حتى عند شهر الحرب، وإذا كان جواب جلالتكم بمثل تلك اللهجة وجدنا ~~أنفسنا في حرب ضد روسية على الأرجح.» # ويصف بسمارك وزير حربية روسية بالعدمي الذي يمهد السبيل للنظام الجمهوري ~~بزج روسية في حرب - على ما يرجح - ويعزى تحفظ روسية في سنة 1870 إلى ضغط ~~النمسة، ويعدد ما قدمته بروسية إلى روسية من خدم، ثم يستخرج بسمارك نتائجه فيقول ~~إنه كان، دوما، نصير الاقتراب من روسية لما بدا له من كون هذه السبيل أسلم من ~~سواها، وهو يقول مع ذلك: «لنا من عوامل الصلة بالنمسة أكثر مما لنا بروسية، وما ~~يربطنا بالنمسة من وشائج الدم والذكريات التاريخية واللغة الألمانية وتعلق هنغارية ~~بنا؛ فيجعل محالفة النمسة أعظم حظوة في ألمانية - وأكثر دواما على ما يحتمل - من ~~محالفة روسية، وما هنالك من علاقات أسرية وصداقة شخصية نحو القيصر إسكندر، فكان ~~يميل الميزان إلى روسية حتى الآن، ونحن لما نراه من خطر يحيق بمزية محالفة ~~روسية؛ نرى من الجوهري أن نعنى - بعض العناية - بصلاتنا بالنمسة.» # ويقرأ الإمبراطور تلك الكلمات فيذعر ويزيد الإمبراطور ms481 ذعرا عندما يجد بسمارك ~~راغبا في الذهاب إلى فينة، ويبدي ولهلم من الصلابة غير المعتادة ما يقول ~~معه: «لا أوافق على مثل هذه الخطوة مهما كان الأمر، فروسية إذا ما أبصرتني أصنع ذلك ~~عدت عملي معادلا لقطع العلاقات!» # وتمضي بضعة أيام على ذلك، فيأخذ الإمبراطور من بسمارك برقية يقص فيها خبر ~~محادثته أندارسي الذي يقترح عقد حلف دفاعي بين ألمانيا والنمسة تجاه هجوم تقوم ~~به روسية، ويرتعب الإمبراطور، ويتفق من تلقاء نفسه هو والقيصر على الاجتماع في قرية ~~واقعة على الحدود الروسية للحديث حول رسالة القيصر، ويثور غضب بسمارك تجاه فكرة هذا ~~الاجتماع، ويكتب تقريرا مطولا في عشر صفحات من القطع الكامل يشرح فيه لمولاه ~~سياسته الجديدة، ويذكر فيه حسد غورشاكوف وكتاب إسكندر التهديدي وخطر تحالف ~~كالذي كان في حرب السنوات السبع، ويذكر فيه وجود صلات بالنمسة منذ ألف سنة كان قد ~~أشار إليها في نقولسبرغ، ويذكر فيه أنه يمكن كلا من ألمانية والنمسة أن تقوم ~~بدفاع متقابل من غير أن تضطلع بالتزامات الأخرى، ثم يختم بسمارك تقريره بوعيد ~~استقالته المعتاد قائلا إنه لا يستطيع أن يقوم بسياسة أخرى. # وهنالك يرسل الإمبراطور إليه كتابا بخط يده عن حديثه مع القيصر، فيذكر له أنه كان ~~هنالك سوء تفاهم، وأنه لم يكن هنالك تهديد بل خطأ، وأنه يرجى عد الرسالة غير ~~موجودة، وأنه ألمع إلى الآباء، وأنه أعرب عن كل ثقة قلبية، وأنه وعد بالصداقة ~~التامة؛ ولذا لا مناص من رفض محالفة النمسة، وكان بسمارك في تلك الأثناء يضع خططه ~~وصولا إلى ذلك الحلف فصار يرسل من غاستن إلى مولاه في كل يوم - أو في كل يوم ~~تقريبا - تقريرا عن السياسة الأوروبية، وأخيرا يكتب إليه في شهر سبتمبر ما يأتي: # ليس من الرأي أن تناط سلامتنا بروسية، وأجمل من ذلك أن يعتمد على ~~النمسة، ومن ينظر إلى وضع النمسة وطبيعة الأجزاء التي تؤلف منها؛ يجدها ~~محتاجة إلى سند في أوروبة كاحتياج ألمانية إلى مثله، وعكس هذا أمر روسية ~~التي لا تحتاج إلى ms482 دعامة ما لم تكن إمبراطوريتها معرضة لخطر التقسيم، ومن ~~ينظر إلى النمسة وهنغارية يجد لشعوبها كلمة في الموضوع ويجد رغبة هذه الشعوب ~~في السلم، وعكس هذا أمر روسية التي لا تنطوي سياسة معاداتها لألمانية وسياسة ~~محاربتها لألمانية على تهديد لوضع إمبراطوريتها الداخلي فيمكنها انتحال ~~هاتين السياستين في كل حين، والنمسة - لا روسية - هي المحتاجة إلينا، ومن ~~ينظر إلى النمسة يجد داخلها - على ما يحتمل - سليما أكثر من داخل جميع الدول، ~~ويجد بيتها الإمبراطوري ثابت الأساس بين جميع شعوبها، وعكس ذلك أمر روسية ~~التي لا يستطيع أحد أن يبصر ما تخفي من اندفاعات ثورية يمكن أن تعم ~~إمبراطوريتها الكبيرة. # والعكس هو الذي كان بسمارك يعتقده، أو كان يتمسك به، حتى ذلك الحين، فكان ~~يعد روسية صخرة النحاس ضد الثورة على حين يرى ثبات النمسة ملغوما بتحاسد ~~مختلف الشعوب التي تتألف منها، والآن يقول لنا بسمارك إن النمسة إمبراطورية ~~نموذجية على حين يجد روسية بؤرة ثورة! فبمثل هذه البراهين أخذ بسمارك يحاول أن ~~يقنع نفسه ويقنع مولاه، ولكن السبب الحقيقي يمكن أن يبصر من خلال السطور، ومن ~~ذلك أن النمسة ضعيفة محتاجة إلى ألمانية، وأن روسية قوية غير محتاجة إلى ألمانية؛ ~~ولذلك يعدها بسمارك خطرا، والحكم من عادة بسمارك، وبسمارك وزيرا، وهذا يعني أن على ~~الوزير أن يعمل متحدا مع الوزراء الآخرين. كان يفضل ألا يكون في وزارته سوى أناس ~~يستطيع أن يسيطر عليهم، فهل يحتمل الآن ظهور القيصر بجانبه صديقا متوعدا؟ والذي ~~يصد بسمارك عن روسية قبل كل شيء هو جرأتها على المطالبة بحقها في المساواة، ~~ومثل هذا الطلب مما لا يطيقه بسمارك في عالم السياسة ولا في الحياة المنزلية ولا في ~~المجالس الوزارية. والهنغاريون أناس مسالمون دوما، وهم يسعون في إرضاء ألمانية ~~القوية، وهم يرون أنفسهم من السعداء إذا ما كانوا تحت حماية من هو أقوى منهم. # ويركب الإمبراطور متن العناد، ويبلغ ولهلم الثانية والثمانين من سنيه، وهو ~~قد ترك بسمارك يقوده في الأعوام السبعة عشر الأخيرة، ولم يبدو الآن ms483 جامحا؟ ثار حس ~~الشرف فيه، وأخذ يفكر في تراث أبيه، ويظهر أثر الشعور الأسري، وتمثل العادة ~~والرغبة دوريهما، ويتمثل ما كان من اعتذار ابن أخته القيصر إليه قلبا وقالبا، وتزول ~~عوامل الخلاف بينهما: «وتمازجني هذه العقيدة فيتعذر علي أن أوافق على اقتراح ~~مستشار الإمبراطورية، وأجدني قد وقعت في ورطة هائلة، وأفضل أن أنزوي من الميدان ~~فأسلم إلى ابني مقاليد الحكم على أن أسير ضد عقيدتي فأقترف خيانة ضد روسية، ~~ويمكن الأمير «بسمارك» أن يخاطب الكونت أندراسي حول بعض الاحتمالات في المستقبل، ولكن ~~على ألا يكون هنالك تحالف لا أريده، وكان الأمير قد قال لا ينبغي لنا أن نقيد ~~أيدينا بمحالفات، وكان الأمير يقول - في الحين بعد الحين - إن النمسة دولة لا يعتمد ~~عليها.» # وتكون ذاكرة العاهل الشائب جيدة عندما يكون مضطربا، وتظهر أجوبة بسمارك طويلة ~~مقدارا فمقدارا، ومن الواضح أن كان ذهنه مصروفا إلى عمل إنشائي، ولا نكاد نشك ~~في أنه كان يفكر فيما هو أهم من إقناع الملك، والآن يشكو تهدم صحته ويصرح بأنه ~~لا يستطيع احتمال مثل ذلك التحاك وبأنه يستقيل إذا لم يعقد الحلف، «وقد يمكنني أن ~~أستمر على خدمة الإمبراطور إذا كنت من السعادة ما أقدر معه على مشاطرة صاحب الجلالة ~~عقائده في المسائل السياسية الحاسمة، ولا تزال صحتي تقاسي تأثير مثل ذلك التحاك ~~الذي احتملته في نقولسبرغ وفرساي، واليوم بلغت صحتي من الوهن والانحطاط ما لا ~~أقدر أن أحلم معه بإنجاز عمل في مثل تلك الأحوال، وفي التاسع عشر من الشهر الجاري ~~يكون قد مضى سبع عشرة سنة من بدء احتمالي هذا الكفاح الذي دام بلا انقطاع، وأعتقد ~~أنني في أثناء هذا الدور قمت بالواجب الرسمي، وإذا لم يغير الوضع في ثمانية ~~أيام أو عشرة أيام من الآن استقلت وظائفي وبينت الأسباب وفق قوانين ~~الإمبراطورية». # ولم يؤد تعيين بسمارك وقتا لاستقالته التهديدية إلى غير إثارة غضب الإمبراطور ~~الذي صرح غير مرة بأنه يتنزل عن العرش إذا اعتزل بسمارك منصبه. # وهكذا تبصر كلا من ذينك الزوجين ms484 يهدد الآخر، من برلين إلى غاستن ومن غاستن ~~إلى برلين، بالطلاق إذا لم يصنع ما يرضيه، وفي كل يوم يحمل المستشار سكرتير ~~الدولة على الإبراق مخبرا إياه بمزاج الإمبراطور كما يحمل الإمبراطور على سؤال ~~هوهنلوهه: «أأفترض أن المستشار متبرم مني؟» ولا يعرف الإمبراطور كيف يعامل ~~بسمارك، وبسمارك هو الذي يهيئ أهم وثائق الدولة عن مبادرة منه! ويكتب الإمبراطور ~~إلى بسمارك ما يأتي: # يشق علي أن نبدي صداقة لروسية في الظاهر، وأن نحالف النمسة ضدها، ~~وقد بلغتم من العزم على ذلك ما لم تقتصروا معه على إيضاح خطتكم للكونت ~~أندراسي، بل أذنتم له في عرض الأمر على إمبراطوره الذي لم يعتم أن وافق ~~على الفكرة، فضعوا أنفسكم في مكاني لقصير وقت وفكروا في أنني ذهبت ~~للاجتماع بصديقي وقريبي وحليفي في السراء والضراء فأسفر ذلك عن زوال ما حام ~~حول بعض عبارات وردت في كتابه من سوء تفاهم وعن الوصول إلى نتائج سارة، ~~ثم فكروا في أنني في الوقت نفسه أعقد حلفا معاديا لهذا العاهل؛ أي ~~أصنع خلف ظهره ما يناقض أقوالي، ومهما يكن الأمر فلا أريد - ولا ينبغي لي - أن ~~أتنصل من الخطوات التي اتخذتموها لدى أندراسي ومولاه، فيمكنكم إذن أن ~~تبحثوا في فينة عن عواقب اختلاف مع روسية قد يؤدي إلى قطع الصلات ~~بها، ولكنني لا أستطيع - عن وجدان - أن آذن لكم في عقد أي اتفاق ولا ~~ائتلاف ولا حلف ... # المخلص لكم: ولهلم # عالمان مختلفان يتحادثان هنا، وهما بروسية القديمة والإمبراطورية الجديدة، أو الفارس ~~والدبلمي، أو الوجدان والذكاء، بيد أن ميفيستوفل يتصرف في وسائل قوية، ~~فعلى هوهنلوهه بباريس وروس بفينة ومولتكه ببرلين وجميع الوزراء أن يؤيدوا ~~سياسته، وتهدد الوزارة بالاستقالة، ويجد الإمبراطور نفسه محصورا، وليست سياسة ~~بسمارك ولا حيله هي التي تثير إعجابنا في هذه المرة، بل نعجب بالإمبراطور ~~الفارس. # ويذهب بسمارك إلى فينة ويتم المفاوضات، ويضع عقد التحالف حتى التوقيع، ~~ويجتنب بإصرار برلين وستيتن وبادن حيث يذهب الإمبراطور مناوبة؛ وذلك خشية التنافر ~~المباشر، ويحاول الإمبراطور أن يدافع - مع ذلك ms485 - عن شرفه خطوة بعد خطوة، ~~والإمبراطور؛ لعجزه عن حفظ سياسته لا يريد أن يزج باسم روسية في معاهدة تعقد ~~ضدها، والإمبراطور يرى أنه خسر اللعب، فيتألف من ذلك أسطورة ألمانية. # ويكتب العاهل المغلوب بعد ذلك قوله: «ما فتئت منذ أربعة أسابيع أجاهد ضد عبارة ~~وردت في معاهدة فينة ظهر لي أنها مخالفة لكرامتي وواجبي، وقد أذعنت أمس مساء بعد ~~أن أدليت بكل دليل، وذلك على أن يبلغ إلى روسية ما أوجب اتخاذ تلك الخطوة من ~~الأسباب، وأرى أن قوتي الأدبية كسرت بأسرها، ولا أدري ماذا يصيبني! وسيعدني ~~القيصر إسكندر ناكثا للعهد ما دمت قد كتبت إليه وقلت له غير مرة ما أملاه علي ~~الأمير بسمارك من عزمي على صيانة وصية الآباء المئوية.» وهنا نتثمل هذا الإمبراطور ~~الشيخ الذي ولد في القرن الثامن عشر ذاكرا ما كان منذ خمس وستين سنة من دخوله باريس ~~مع القيصر إسكندر الذي هو جد للقيصر الحالي، وذلك قبيل إرسال نابليون إلى جزيرة ~~إلبة. # والآن سياسته هي الصحيحة وإن كان لا يستطيع فرضها، وليس ذلك لأنه أنفذ بصيرة من ~~المستشار، بل لأنه وهو المستمسك بعروة التقاليد وهو المعتمد على قرابته الأسرية ~~بروسية لا يمكنه أن يتخلص منها بلا إيلام نفسه، ولأن البلاد لا تنفصل عنها بلا خطر، ~~وهو لبلوغه من الكبر عتيا ولتصلب روحه أكثر من تصلب أعضائه؛ يبصر نتائج ذلك ~~في الوقت العتيد أحسن مما يبصره غيره، ولم يسطع أحد في عشرات السنين القادمة أن ~~يعيب بسمارك عيبا قاطعا لتقريره محالفة النمسة، ولا يستطيع أحد في الوقت الحاضر أن ~~يعيب بسمارك بأقطع مما فعله ولهلم بالملاحظة الآتية التي كتبها على هامش إحدى ~~رسائل المستشار بسمارك، فقد جاء فيها: # ولم يجب علينا أن نؤيد النمسة ضد روسية بكل ما لدينا من قوة على حين ~~نكتفي بحياد النمسة إذا ما هاجمتنا فرنسة؟ فما علينا أن نصنعه للنمسة ضد ~~روسية يجب على النمسة أن تصنعه لنا ضد فرنسة ... وتلك إذن قسمة ضيزى! # 1 # ولا جرم أن المعاهدة المقترحة ms486 ستلقي روسية بين ذراعي فرنسة، ~~وستغذي شوق فرنسة إلى الانتقام! وأي وضع يمكن فرنسة أن ترجو وقوعه ~~أكثر من جعل ألمانية والنمسة بين نارين؟ ولذا يجب صون تحالف الأباطرة ~~الثلاثة بدلا من القضاء عليه في سبيل تحالف إمبراطورين، وإذا ما علم أمر ~~المعاهدة المقترحة أو ظن وجودها اتحدت فرنسة وروسية من فورهما لا ~~محالة! # وقد نظر بسمارك في كل واحد من هذه البراهين فرفضه، والذي يظهر أن الأحاسيس هي ~~التي حفزته إلى تغيير سياسته أكثر من أن يحمله الحساب عليه، وليس ما قاله كارل ~~ماركس عن غورشاكوف في كتاب أرسله إلى إنجلس غير صدى لما قاله بسمارك عنه، وإليك ~~كلمة ماركس: «إن أبرز أمر في بسمارك هو الوجه الذي ظهر به عداؤه لروسية، وبسمارك ~~أراد إسقاط غورشاكوف ونصب شوالوف في مكانه، وبسمارك إذ لم يوفق لذلك قال ها هو ~~ذا العدو! وبسمارك وهو ينتظر، أبصر في سحب الشرق ما يؤيده، فبدا رجل الساعة ~~مرة أخرى، وستجدد ميزانية الحديد العسكرية في الريشتاغ القادم، ومن المحتمل أن ~~يصوت لهذه الميزانية إلى الأبد.» # وهنالك سبب آخر، وهو عاطفي أيضا، وهو أن بسمارك قبل ذلك ما كان ليطلب موافقة ~~الشعب ليسوغ حلفا، ولا لينظر إلى رفض الشعب لينقض حلفا؛ فالآن يشير بسمارك ~~إلى الرأي العام كثيرا، ويبتهج جنوب ألمانية بذلك في الحقيقة، وتوافق جميع الأحزاب ~~في الريشتاغ على سياسته، وهذا ما أبصره وأراده ما دامت أكثريته متذبذبة. # وهنالك سبب ثالث لتغيير السياسة تجده في مزاج بسمارك، وبسمارك قال للوسيوس: «إن ~~من الخطر محالفة عاهل مستبد يحكم في أمة مضطهدة شبه متبربرة، على حين ترى فوائد ~~كثيرة في محالفة دولة ضعيفة نسبيا كالنمسة.» وقال له أيضا: «إذا خيرت اخترت ~~النمسة التي هي ذات نظام دستوري والتي هي دولة مسالمة واقعة تحت بنادق ألمانية، مع ~~أنه لا سلطان لنا على روسية.» ومتى كان بسمارك ينفر من محالفة مستبد قبل ذلك؟ ومتى ~~فضل بسمارك قبل ذلك أن يشد أواصر صداقة مع دولة دستورية؟ ومنذ كم كانت النمسة ms487 ~~سلمية أكثر من روسية؟ ألا إن ذلك هو استهواء ذاتي لكتم أعمق الأسباب عن نفسه وعن ~~الآخرين، وما فطر عليه من ميول استبدادية فيفسر رغبته في حليف «ضعيف نسبيا»، ~~و«واقع تحت بنادق ألمانية» ولا سيما عند ظهور وزير هذا الحليف مستعدا ~~للطاعة. # وإن تلك المشاعر المختلفة أو تلك الأخيلة التي تساور ذلك القطب السياسي القائمة ~~عظمته على الحساب الدقيق، هي الناظمة لتغيير سياسته واستحسانه ذلك ثم تصميمه على ~~ذلك، ولأن يرى بسمارك وجوب اختياره مطلقا مناقض لمبادئه القديمة، ولأن يرى وجوب ~~اختياره النمسة أمر جالب للنوائب، وما أتمه فلا يعدو حد الوقاية ضد دولة ~~استطاع حتى الآن أن يكسب صداقتها فأقصاها، وما ناله في هذه المرة فأقل مما كان ~~ينتظره تقريبا. # وما هدف إليه بسمارك فأكثر من طمأنة لا تمنع من زوال اتفاق الأباطرة الثلاثة من ~~غير أن يقوم مقامه اتفاق آخر، فبسمارك أراد في هذه المرة وضع معاهدة مع النمسة، وإن ~~شئت فقل أراد قيام محالفة حقيقية مع النمسة، يوافق عليها برلمانا البلدين وتدمج ~~في دستوريهما. وليس الأمر غير عاطفي هنا؛ فقد ود بسمارك إعادة بناء ما هدمه ~~الزمن، وقد خيل إليه إتمام الناقص فعن له إقامة دولة ألمانية أوسع نطاقا، ~~وهل عاد الحاسب المتروي في السنوات 1860 وما بعدها غير موجود قبل انقضاء خمس عشرة ~~سنة؟ وهل نسي إذن ما حفزه من سبب إلى إخراج ثمانية ملايين ألماني من الريخ ~~تخلصا من شعوب أجنبية كثيرة ومن مزاحمة آل هابسبرغ؟ وقد انتهت تلك المزاحمة ~~وسوي أمرها، ولكن تلك الشعوب الأجنبية لا تزال قائمة، ولكن الذي لا ريب فيه هو ~~أن بسمارك الذي كان قد قوض شوكة النمسة جاء اليوم ينشد محالفة النمسة؛ لأنها ~~ضعيفة! # وهكذا تبصر القدر يعيد العدو إلى ضحيته ويدفعه إلى الاتحاد بمن سبق أن كسر ~~قواه وإلى الزواج بامرأة مسنة كان قد تركها حينما كانت فتاة، وهل وجد في شوق ~~الفريق الآخر إلى المساومة ما يدعوه إلى التوقف؟ لقد أتى فرنسوا جوزيف الذي نزعت منه ~~معركة ms488 كونيغراتز نصف سلطانه، ليزور بنفسه قاهره في منزله بفينة بعد تلك ~~المعركة بثلاث عشرة سنة، غير أن الإمبراطور الزائر وأندراسي أصرا على رفض الحلف ~~وفق الوجه الذي اقترحه بسمارك، وبسمارك كان قد قضى على الجامعة الألمانية، والآن لا ~~يريد المغلوبون أن يثيروا ذكرى تلك الجامعة، ويريد بسمارك أن يخل بالتوازن الأوروبي ~~في سبيل أوروبة الوسطى، وتفضل النمسة أن تولي وجهها شطر الشرق، وشطر الغرب عند ~~الضرورة، ويرفض أندراسي الحرب بجانب ألمانية في سبيل الألزاس رفضا باتا، ويمكن ~~الشيخ ولهلم أن يقول دهشا: «تلك إذن قسمة ضيزى!» وهذه هي أول مساومة في حياة ~~بسمارك يعطي فيها أكثر مما ينال. # ويشتد شعور البغضاء في سان بطرسبرغ ضد ألمانية، ولما دفع حب الانتقام فرنسة ~~إلى انتظار العون من روسية تطلعت فرنسة إلى المرضاخ # 2 # الغربي الشرقي الذي يسهل به كسر المحارة # 3 # إذا كان أحد فكيه مجوفا، وقد احتاج بسمارك إلى جهاد ثماني سنين لدرء ~~هذا الخطر الذي أوجده، ولكن خلفاءه بعثوه مجددا. # وبسمارك - قبل أن يختار - أتى بعدة براهين مكتوبة جديدة عن روسية، ذاكرا ما لها ~~وما عليها، قائلا إنها أقوى حليف من الناحية مشيرا إلى الولاء الملكي وغريزة ~~المحافظة على النفس وفقدان الخلاف. ثم تكلم عن ضعف النمسة فبحث عما فيها من «تذبذب ~~الرأي العام بين الشعوب الهنغارية والسلافية والكاثوليكية، وتأثير المرشدين في ~~الأسرة الإمبراطورية واحتمال تأسيس صلات ودية بين النمسة وفرنسة على أساس ~~روماني كاثوليكي»، ويذكر بسمارك المسألة البولونية، وقد عاد إليها في مذكراته، ~~فيقول إن مسألة مستقبل بولونية ستكون على جانب كبير من التعقيد عند عقد حلف عسكري ~~بين ألمانية والنمسة، وهو يلخص الأمر كما يأتي: «لا يمكن أن يدوم أي واحد من ~~الحلفين: الحلف الأسري مع روسية والحلف القائم على العاطفة الشعبية بين الألمان ~~والمجر، والذي يبقى هو كابوس الخوف من المحالفات الألمانية.» # وفي سنة 1880 يكتب قوله: «نرجو، ونريد، أن نظل في حال سلم مع روسية، فإذا تعذر ~~ذلك لمهاجمة روسية إيانا أو مهاجمتها النمسة كانت محاربتنا ms489 لروسية وحدها أو ~~محاربتنا لروسية وفرنسة وإيطالية معا ذات نتائج خطيرة، ولا نكون قد نلنا ما يعدل ~~متاعبنا، ولو تم لنا النصر.» # وهكذا ينتصب شبح الحرب العظمى أمام بسمارك عند توقيع المعاهدة مع النمسة، ولن يقدر ~~أحد على دفعه. # | الفصل السادس عشر # واختيار بسمارك للنمسة كان أمرا حاسما، وهذا الاختيار نظم سير السياسة ~~الأوروبية فيما بعد، ومنها التحالف الثلاثي، واليوم بعد الكارثة الكبرى عدنا لا ~~نبالي بالتمورات # 1 # والأزمات إلا قليلا، وتمكن مجاوزة سنة 1880 وما يليها بسرعة بعد عرض ~~الأدلة الملائمة وغير الملائمة للحلف النمسوي مفصلا وفق الوثائق والأسباب والمشاعر ~~والأمزجة، وقد أعاد بسمارك بناء أوروبة الوسطى، وعدل عن حرية الاختيار، وأقصى روسية، ~~وصار يحاول الدنو من إنكلترة على غير جدوى. # وحبوطه جلب إليه الحظ في البداءة، فلما رفضت إنكلترة أن تكون فريقا في عصبة ~~ضد فرنسة ولى عدو إنكلترة القيصر وجهه شطر الدول الألمانية، وقد قام اتفاق ~~الأباطرة الثلاثة الجديد على اقتسام المصالح في البلقان قبل كل شيء، وأطلقت يد ~~القيصر في الشرق الأدنى ضد إنكلترة، وبسمارك بتأييده رغائب إسكندر على هذا الوجه، ~~يكون قد حال دون اتفاقه مع فرنسة، وفي سنة 1884 جدد اتفاق سنة 1881، وفي أثناء ذلك ~~ألف بسمارك التحالف الثلاثي مع النمسة وإيطالية، وغاية بسمارك من هذا هو منع ~~اتحاد إيطالية وفرنسة وإن لم ينتظر بسمارك عونا جديا من إيطالية، مكتفيا بأمله ~~«أن يظهر الطبل الإيطالي مع علمه المثلث الألوان على جبال الألب»، وهدف التحالف ~~الثلاثي الآخر هو إزالة العداوة المميتة بين ركنين من أركانه. # ولم يعد بسمارك أي واحد من هذه الأمور أساسيا؛ فهي لم تهدف إلى غير غرض ~~واحد، إلى غير صون السلم، وما كان بسمارك في سنة 1880 وما بعدها ليريد الحرب ~~أبدا كما أنه لم يردها في السنوات العشر الماضية، وبذل بسمارك جميع نفوذه مرتين ~~أو ثلاث مرات في حفظ السلم، ورجع بسمارك بصره إلى إمبراطورية آل هابسبرغ فعدد ~~ثانية المؤثرات التي تضعفها فذكر مسائل اختلاف العروق ونفوذ الكنيسة الرومانية ~~الكاثوليكية ms490 والوحدة السلافية والبوسنة وصربية وبولونية والتشيك وترنتينو، وأبصر إمكان ~~تحول هذه المسائل جملة وتفصيلا إلى «نقاط تبلر للأزمات النمسوية والأوروبية التي ~~لا تتأثر بها المصالح الألمانية إلا عند متانة التحالف مع النمسة، وليس من الحكمة أن ~~يعد التحالف الثلاثي ضمانا في الأيام السود»، ورفض بسمارك منذ بداءة التحالف وفي ~~السنوات المقبلة وفي مرات كثيرة أن يؤيد النمسة في البلقان، وكان بسمارك يجتنب ~~مباينة روسية، ولم يكن أمر التحالف الثلاثي ممكنا إلا بهذه الشروط وببقاء بسمارك ~~موجها له، وكان الوثاق المرخى خطرا في عهده تقريبا، ثم استبدل خلفه ولاء ~~قاتلا بهذا التحالف الخطر. # ويمكن الاطلاع على كيفية سير بسمارك في الأزمات التي حدثت قبل الحرب العالمية من ~~تصرفه في سنة 1880 وما بعدها؛ ففي سنة 1885 أوشك اتفاق الأباطرة الثلاثة أن يزول ~~بسبب بلغارية، وبيان الأمر هو أن بسمارك فيما كان حليفا للنمسة وإيطالية ورومانية طردت ~~روسية باتنبرغ وأراد البلغار الحكم المستقل فطلبت فينة العون من ألمانية في ~~شئون البلقان فرفض بسمارك ذلك رفضا باتا، وهو لم يصنع أكثر من حفظ الحالة الراهنة، ~~فإذا أراد النمسويون التوسع فهم وشأنهم وعليهم أن يقوموا بذلك على مسئوليتهم، ~~«وإذا ما اعتدت روسية، أو أتت عملا استفزازيا متحدية تعهداتها، أيدنا النمسة ~~بجميع قوانا، ولكن النمسة إذا ما استولت على صربية من غير سابق تفاهم معنا حول ~~المسألة فأسفر ذلك عن محاربة روسية لم نتخذ ذلك ذريعة لشهر الحرب على روسية»، فهذا ~~وحي حول يوليو سنة 1914. # وتجدد تلك الأزمات غمومه، ويقول لوزير الحربية كلمة المحارب هذه: «إذا لم ننل ~~ما تقتضيه الاستعدادات الحربية الجديدة من المال سرقته، وهنالك أنام في السجن بأهدأ ~~مما أنا عليه الآن!» # وفي أوائل سنة 1881 يقتل القيصر إسكندر الثاني، ويبدو ابنه إسكندر الثالث أصعب منه ~~مراسا وإن لم يكن مبغضا للألمان، ولم يرغب القيصر الجديد بعد حوادث سنة 1885 أن ~~يجدد حلف الأباطرة الثلاثة فغير بسمارك الجبهة مرة أخرى وحاول في أوائل سنة ~~1887 أن يحالف روسية، وهكذا يظهر بسمارك بعد ms491 تفاهمه مع النمسة بثمانية أعوام مستعدا ~~للعود إلى موضع حبه الأول روسية، ويبقى الحلف النمسوي قائما مع ذلك، ولم يقل ~~شيء من حظوته. # وكانت الرغبة في الاتحاد بألمان النمسة من قوة الصولة وملاءمة الطبيعة ما لا تترك ~~معه مجالا للتفكير في أن أقلية صغيرة من سكان الإمبراطورية الجنوبية ألمان بدمهم، ~~وأن معظم الأهالي ومعظم الجنود الذين يعيشون ويقاتلون تحت الرايات النمسوية من عروق ~~أخرى ومن المتكلمين بلغات أخرى ومن الذين لا فرق بينهم وبين الفرنسيين في الميل إلى ~~مصادقة ألمانية. # وفي غضون ذلك يغدو الكونت بولس شوالوف (الأخ الأصغر للكونت بطرس) مديرا لسياسة ~~روسية الشرقية، وينبئ بسمارك بأن القيصر إذا أمكنه أخذ المضايق أمكن ألمانية أن ~~ترسل حاكما بروسيا إلى باريس، ورغبة بسمارك الآن في محالفة روسية كرغبة أندراسي ~~في محالفة ألمانية منذ ثمانية أعوام، ويقوم كلا الأمرين على الطمأنة المؤكدة، ولكن ~~لمقاصد مختلفة، فغاية التحالف الروسي الجديد هو حماية ألمانية ضد فرنسة. # ولم يعد غرضه حد الدفاع، وهو لم يهدف قط إلى إضعاف وضع فرنسة كإحدى الدول ~~العظمى، وهو بعيد من ذلك، وكل ما ينعم النظر فيه هو إمكان عقد غلادستن تحالفا ~~إنكليزيا روسيا مؤديا إلى ارتماء ألمانية بين ذراعي فرنسة. وهو يود لذلك ~~مساعدة إحدى الدولتين فرنسة وروسية على كل حال، قال بسمارك: «إذا حدث أن هاجمتنا ~~فرنسة ما جاز لنا أن نفكر في القضاء على أمة كفرنسة مؤلفة من أربعين مليون أوروبي ~~موهوب شاعر بوجوده، وارجعوا البصر إلى مائة السنة الأخيرة؛ تجدوا أن إمبراطوريات شرق ~~أوروبة الثلاث حاولت على غير جدوى أن تبيد الأمة البولونية في أثنائها، مع أن هذه ~~الأمة دون فرنسة حيوية، ولكن فرنسة إذا بقيت قوية، أو صارت قوية ثانية بعد نقه ~~قصير فصرنا نحسب لها حسابا دوما كجارة هائلة فتم لنا النصر عليها في الحرب ~~القادمة، وجب علينا أن نعاملها بعقل كما عاملنا النمسة بعد حرب سنة 1866، وإذا كنت في ~~بعض الأحيان قد اتخذت لهجة أخرى في الريشتاغ فإنني لم أفعل ذلك إلا ms492 لحفظ السلم ~~وإبعاد شبح الحرب بتخويف من يعادينا، وإذا تعذر اجتناب الحرب ونصرنا في المعركة ~~الأولى عرضنا على فرنسة صلحا بشروط سهلة، وإذا هزمنا لم أكد أفترض أن تسر ~~روسية بوجود جمهورية فرنسية منتصرة قريبة من تخومها الخاصة.» # وفي شهر مايو سنة 1887 يبدو وقوع حرب بين فرنسة وألمانية أمرا لا مفر منه، ويرى ~~بسمارك حل الوقت الذي يضغط فيه شوالوف ليبت في الأمر، والآن يبدي الساحر ~~القديم إحدى مباغتاته فيطلع الروسي على اتفاقه السري مع النمسة ضد روسية ~~والمؤرخ في سنة 1879، ويرى المفاوض الروسي بالأسود على الأبيض أن زميله يتأهب دوما ~~لحماية نفسه من حليف بمساومة حليف آخر، وما كان من إفشائه ذلك فيناسب خططه الراهنة ~~بدلا من أن يفسد عليه لعبته بإساءته إلى معنوية الروسي، والقيصر إسكندر الثالث ~~أحدث من ولهلم الأول سنا وأبرد منه دما، وكلمته هي عهده، ويشري شوالوف إذن ~~بسمارك له في التقدم إلى البوسفور وفي حرية التصرف في بلغارية في مقابل حياد روسية ~~عند هجوم فرنسة على ألمانية . # والآن يسر بسمارك بأن يضع في جيبه معاهدة من الطراز القديم ينال بها مثل ما ~~يعطي، وللروسي ما يدعوه إلى السرور بها أيضا، والروسي قد أخذ وعدا من ~~الألماني بالمحافظة على الوضع الراهن في البلقان؛ أي أن يكون معه على النمسة، ~~والروسي لم يبق له الآن ما يخشاه من تعاون ألمانية والنمسة، فإذا ما هاجمت النمسة ~~روسية التزمت ألمانية خطة المحايد الداعي إلى الخير، وتنسى ليفادية # 2 # ويمكن روسية أن تميل على النمسة، ومن ذا الذي يستطيع أن يقول أي ~~المحاربين هو المعتدي إذا وقعت الواقعة في الأوقات الحرجة؟ # ومن ينعم النظر في الأسباب المضحكة لجميع معاهدات التحالف الأوروبية المزينة ~~بأزهار البلاغة؛ أي بالألفاظ: «هجمات غير ناشئة عن استفزاز، حروب فتح، معارك ~~دفاعية»، يجدها خالية من المعاني العملية كما يجد عطلها من القوة الأدبية لكتمانها، ~~وبسمارك حين يقي ألمانية من مكايد فينة بالتزامات سان بطرسبرغ ومن دسائس روسية ~~بتخويفها من النمسة لا تعد معاهداته شرا من ms493 معاهدات أوروبة السرية الأخرى، ولكن ~~بسمارك يبصر إمكان وجود ذلك العيب فيدافع عن نفسه بما يأتي: # أرى العكس، فأعتقد أن إمبراطور النمسة يرحب بمثل ذلك التدبير، حتى عند ~~غلطي في هذا الافتراض، وإن سوء ظن النمسة أقل خطرا من قلة ثقة القيصر ~~إسكندر، ما دامت صلتنا بالنمسة أعرض أساسا، فلا يقضى عليها بريب عاهل ~~ظنان، ولا يضرنا أن تفشي روسية الأمر، ولا أجد في هذا ما يؤسفني حقا، ~~ولا أظن أن هذا يقلق إمبراطور النمسة، وسيعلم أن هدفنا الوحيد هو تأخير ~~الحلف الفرنسي الروسي ثلاث سنين. # وأسطر كتلك لا تصدر عن غير خريج مدرسة مكيافيلي، وهو يهدف إلى كبح جماح ذينك ~~الجارين المتبرمين المتنافسين بتخويفهما بدولة ثالثة، وهو يود أن يفصل كلا من ~~الحيوانين عن الآخر بإمساكهما من طوقيهما، ولم يكد يتم اختيار الأمير فرديناند ~~الذي هو من آل سكس - كوبرغ - غوتا، أميرا لبلغارية من قبل السوبرانية، # 3 # حتى رأى أن يقنع حليفه الروسي بأن هذا لا ينطوي على عداء ولا يدل ~~على «هجوم» ضمن معنى المعاهدة، وماذا يصنع إذا خرج الهر من الكيس؟ خيرا! وهنالك ~~يرى أن ريب بسمارك حوله هي لثلاث سنين فقط، وبسمارك من ناحية أخرى يقول للقيصر في ~~آخر خطاب أعده بعناية: «لا يكون تقديرنا لجيوش روسية الهائلة غير ناقص إذا لم ~~نصن أنفسنا مستعدين تجاه خطر الاتحاد السلافي!» # وهكذا استطاع بسمارك في صفحتين من المعاهدة الروسية أن يعالج أربعة أخطار معا، ~~وهو إذا لم يزلها أبعدها لبضع سنين على الأقل، فتولي روسية وجهها شطر بيزنطة فلا ~~تهدد حدودنا الشرقية، وتحذر النمسة المغامرات في البلقان، وتفصل فرنسة عن روسية ~~وتضطرب إنكلترة حول روسية فتضطر إلى طلب صداقة ألمانية، وهذه لعبة شطرنج موفقة ~~في ختام الدور الذي لعب فيه بعض الأمم مع بعض لعبة الشطرنج على أنها قطع ~~للشطرنج. # والفوز بإنكلترة هو آخر رغبة لبسمارك، وبسمارك قال ذات يوم إن ذلك كان سعيه ~~الرئيس في السنوات العشر الأخيرة من منصبه، وبسمارك ب «التحالف الثلاثي الشرقي» ~~الذي أوجده، ms494 أو الذي لم يأل جهدا في سبيل نجاحه، حاول أن يقرب بينه وبين إنكلترة؛ ~~وذلك لما يؤدي إليه من ضمان بريطانية وإيطالية والنمسة للأمر الواقع في البحر المتوسط، ~~وبسمارك في سنة 1882 حقق وجود صعوبة عظيمة في محالفة إنكلترة، «فمن المتعذر أن ~~يقع حديث سري مع الإنكليزي؛ لما يمكن وزراء بريطانية في أي حين أن يبوحوا ~~بذلك إلى البرلمان، ثم إننا لا نرى ما يضمن ثبات مثل ذلك التحالف ما دام العرش في ~~إنكلترة غير مسئول عن مثل تلك الأمور وما دامت الوزارة التي تتغير دوما هي المسئولة ~~عنها، ويصعب كثيرا أن يوصل إلى تفاهم صادق مع إنكلترة وأن يقوم هذا التفاهم على أساس ~~متين ما لم يذع في جميع أوروبة». # وقد كتبت هذه الأسطر إلى الأمير فردريك الذي أراد بسمارك أن يقنعه بعدم نفع ~~الحكومة الديمقراطية، ومن الواضح أن العلانية تلائم سياسة بسمارك، وإذا كان بسمارك قد ~~وجد في سياسته الخارجية أن يطلع البرلمان - في الحين بعد الحين - على بعض «الأمور ~~السرية» فإنه لم يجاوز بعض الحدود. # وبسمارك في تقربه إلى إنكلترة في سنة 1880 وما بعدها ينتحل طرازا من الشعور ما هو ~~مشترك بين رجال السياسة والشعراء ويتخذ نغمة ظرفية رزينة ملائمة لأساليب الإنكليز ~~كما تلائم أساليب الفاتيكان، ولم يبد بسمارك حذرا أكثر مما أبداه في هذه المسألة، ~~وبسمارك كتب يقول منذ ثلاثين سنة إنه يشعر بضعفه تجاه إنكلترة «غير أن هؤلاء القوم ~~لا يريدون أن نحبهم». # وبسمارك في خريف سنة 1879 حين مكافحته الإمبراطور حول التحالف النمسوي الذي لم ~~يتم أمره حتى ذلك التاريخ؛ توجه - بعض التوجه - إلى لندن ثم سدل الستار على ~~الأمر؛ لما لم يجد من فائدة في بحثه، ومهما يكن الأمر فإن غلادستن هو الذي كان ~~قابضا على زمام الحكم، فكانت الأحوال في إنكلترة غير ملائمة لبسمارك. # ويعود اللورد سالسبري إلى السلطة في سنة 1885، ويغتنم بسمارك فرصة الاستيلاء على ~~موطئ أو موطئين في إفريقية، ويستطيع تسوية الأمر بلا أسطول ولا إطلاق قذيفة واحدة، ~~وكانت ms495 هذه واحدة من «لعباته بالكرات الخمس» ومن غير الضروري أن يفصل هذا الأمر ~~ما دامت ألمانية غير ذات سياسة استعمارية عالمية بعد. # وبسمارك - قطبا سياسيا - برع في هذا الكفاح؛ لرده اندفاع إمبراطوريته الفتاة ~~نحو التوسع ناظرا إلى وضعها، ولم يدر في خلد بسمارك أن يدع ألمانية تحاول ~~مزاحمة إنكلترة كدولة عالمية مبصرا أن الإنكليزي أمهر من الألماني في ميدان ~~الاستعمار، وأن موقع إنكلترة الجغرافي أكثر ملاءمة لقيام دولة استعمارية، والمبدأ ~~الذي سار عليه في السنين العشرين بعد قيام الإمبراطورية هو: «لا بلد كبير، بل أمن ~~كثير!» # وما انفك قلقه الدائم في سبيل صيانة الإمبراطورية الجديدة العظمى مع عدم ملاءمة ~~وضعها يضفو على زهوه، وفيما كان يشجع فرنسة على تأسيس دولة استعمارية كبيرة ~~صرفا لنظرها عن استرداد الألزاس؛ كان يرى من الضروري ألا يساعد رواد الريخ ~~أو أن يساعدهم بتحفظ وعلى قلة، ونراه لم يمل إلى ضم عروق بيض من غير الأرومة ~~الألمانية، ونراه يمتنع أيضا عن ضم عروق غير بيض مقدرا أن ضر هذا أكبر من ~~نفعه، وعند بسمارك أن مستقبل ألمانية ليس على الماء. # ويناقش بسمارك حول مسألة أمين باشا مع إفريقي، فيقول: «أرى المجازفة عظيمة، أجل إن ~~خريطتكم الإفريقية رائعة، ولكن خريطتي الإفريقية في أوروبة؛ فروسية هنالك، وفرنسة في ~~الجهة الأخرى، ونحن في الوسط. فهذه هي خريطتي الإفريقية.» ومع ذلك وفي سنة 1880 وما ~~بعدها بلغ بسمارك من النفوذ الشخصي في أوروبة ما وجه معه إلى زميله الإنكليزي ~~الكلمات الأبية الآتية عندما رفعت بريطانية أول اعتراض لها حول إحراز الألمان ~~لإفريقية الجنوبية الغربية: # إذا كنا ننوي في الحقيقة أن نؤسس مستعمرات فكيف يكون اللورد غرنفيل أن ~~يجادل حول حقنا في صنع ذلك في وقت نرى الحكومة البريطانية تنتحل فيه مثل ~~هذا الحق في مستعمرة الكاب؟ تنطوي هذه الأثرة الساذجة على إهانة لشعورنا ~~القومي الذي آمل من فخامتكم أن توجهوا نظر اللورد غرنفيل إليه، وإن مما ~~يسرني أن أعرف السبب الذي تنكرون به حقنا في استعمار تمارسه إنكلترة إلى ms496 ~~أبعد مدى، وإن ثقتنا لتزعزع بفعل الأسلوب الكبريائي الناشئ عن النظريات ~~والمزاعم التي تناقض مبدأ المساواة بين الدول المستقلة. # ولكن فيما كان الوضع الأوروبي بأسره - ولا سيما الوضع الألماني - يبدو قاتما ~~في أواخر سنة 1887، حين بلوغ الإمبراطور ولهلم التسعين من عمره وحين مرض ولي ~~العهد مرضا مميتا، لخص بسمارك ما اشتملت عليه من أفكار الأحاديث الطويلة التي ~~قام بها سفيره وولده مع الإنكليز، فكتب إلى اللورد سالسبري باللغة الفرنسية عارضا ~~عرضا مجملا سياسة ألمانية في المحالفات داعيا إنكلترة إلى التضافر معها، قال ~~بسمارك: # أصبح يتعذر قيام حروب كحروب الماضي، صادرة عن المحبات والمكرهات ~~وحرص الأسر المالكة، بجيش كجيشنا يجمع بلا تمييز من جميع طبقات السكان، ~~ومن هنا يبدو أن قوتنا الحربية هي - في الدرجة الأولى - جهاز دفاعي ~~معد للسير عندما تعتقد الأمة أن عليها أن تدرأ اعتداء، ولا يجوز ~~للإمبراطورية الألمانية أن تغفل عما يمكن حوكه ضدها من المحالفات، وإذا ~~افترضنا أن النمسة غلبت أو وهنت أو صارت معادية؛ غدونا منعزلين في القارة ~~الأوروبية تجاه روسية وفرنسة وتجاه تحالف هاتين الدولتين، واليوم تعد ~~النمسة وألمانية وإنكلترة من الدول الراضية المشبعة المسالمة المحافظة، وقد ~~قبلت النمسة وإنكلترة - بإخلاص - ما عليه الإمبراطورية الألمانية من أمر واقع، ~~وبالعكس تظهر فرنسة وروسية مهددتين لنا ... # ولكننا إذا ظللنا في ريب من أن تتخلى عنا الدول ذوات المصالح المماثلة ~~لمصالحنا لم يكن هنالك أي إمبراطور لألمانية يسير على غير سياسة الدفاع عن ~~استقلال الدول الصديقة الراضية مثلنا بوضع أوروبة الحاضر، وسنتجنب إذن ~~محاربة روسية ما لاءم هذا الاجتناب شرفنا وسلامتنا وما لم يوضع استقلال ~~النمسة وهنغارية موضع بحث، لما توجبه مصالحنا الرئيسة من بقائهما، ويقوم ~~ما نرغب فيه على أن الدول الصديقة - التي لها من المصالح في الشرق ما ليس لنا ~~شركة فيه وما يجب عليها أن تحميه - ألا تدع الروس يمتشقون الحسام، # 4 # أو تقاوم روسية مقاومة فعلية إذا قضت الأحوال بالإخلال بالسلم، ~~وسنقف موقفا حياديا ما أبصرنا مصالح ألمانية في غير خطر، ولكن ليس ms497 هنالك ~~أي ضمان يقضي على أي إمبراطور ألماني بأن يؤيد روسية تأييدا مسلحا ~~ترهب به، أو تضعف به دولا نعتمد على تأييدها. # وبسمارك في تلك السنين وفي غير مرة يعرض على سالسبري حلفا بمثل هذه الشروط، ~~ورئيس الوزارة الإنكليزية هذا لم يرد أن يقيد يديه مع ذلك، وأهداف ألمانية هي ~~التي كانت تحول دون صدوعه، # 5 # فهو وإن كان مستعدا لعقد تحالف ضد روسية؛ كان راغبا عن عقد تحالف ~~ضد فرنسة، وهكذا يؤجل تسوية الأمر ويوجه إلى هربرت بسمارك الجواب الحلو المر ~~الآتي: # إن من المؤسف أن صرنا لا نعيش في عهد بيت حين كان السلطان للأريستوقراطية، ~~وأن صرنا بعد مؤتمر فينة قادرين على اتباع سياسة تستطيع إنكلترة أن ~~تصبح بها أغنى دول أوروبة وأكثرها محلا للاحترام، والحكم للديمقراطية ~~الآن، ولدينا اليوم نظام حزبي تجري به كل حكومة إنكليزية مع ريح الشعب، ~~والحوادث وحدها هي التي تربي الجيل الحاضر. # | الفصل السابع عشر # «سأكافح ما بقيت عندي قوة!» هذا ما قاله المستشار البالغ من العمر اثنتين وسبعين ~~سنة مهددا الريشتاغ الذي انتصب مقاوما لإرادته. # استقرت السلم بينه وبين اثنين من أعدائه، وهو لم يسترض حزب الوسط إلا مقدارا ~~فمقدارا، مستردا معظم تدابيره ضد أعضاء هذا الحزب، خاتما النضال، منذرا ~~الريشتاغ بلطف حيث يقول: «إننا نضع أسلحتنا في مستودع الأسلحة، ولكن على ألا تكون ~~بعيدة منا.» وفي شتاء سنة 1879، وللمرة الثانية يبدو فيندهورست في ردهة بسمارك ~~البرلمانية فيرحب به أجمل ترحيب، ويكتب البابا الجديد إلى الإمبراطور وإلى بسمارك ~~أيضا، وبعد بضع سنين يجعل البابا لوثر العصري من فرسان يسوع؛ أي ينعم عليه بالوسام ~~الأكبر مع الصليب والشعار المالطي محتويا ذلك كله كتابات لاتينية، ويتجهم بسمارك، ~~وتقول صحيفة كلاديراداتش: «ذهب بوتكامر إلى رومة ليرجو من الحبر الأعظم أن يؤثر ~~في بسمارك وصولا إلى قبول التهجية الجديدة.» # وما كان من مسالمة المحافظين فتدبير انتهازي على حد سوي، وهو أمر مرتبط في ~~مسالمة حزب الوسط، وكانت انتخابات سنة 1877 قد أسفرت عن فوز المحافظين وخسران ms498 ~~الأحرار الوطنيين، فساعد بسمارك على انفصال كل من هذين الحزبين عن الآخر، وأراد ~~بسمارك أن يكتسب السياسي المطواع نسبيا بنيغسن فيجعله وزيرا، قاصدا إفراد ~~لاسكر العنيد، بيد أن بنيغسن أبصر أنه لا يكون غير آلة مسخرة لمقاصد بسمارك، ~~فرأى ألا يجازف بمقامه فاشترط أن يشترك اثنان من أعضاء حزبه في الوزارة معه، ويلغى ~~البرنامج لهذا الشرط، ويعرض بسمارك عن بنيغسن ولا يريد أن يسمع عنه قولا مع أنه ~~ود أن يكون زميلا له في الوزارة، ويقول بسمارك: «لا أستطيع أن أصنع شيئا مع ~~بنيغسن وميكويل اللذين ينساقان مع الرأي العام انسياقا تاما، وهما ليسا ~~أفضل من أحد تلاميذ الصف الرابع!» # ونشأ عود بسمارك إلى سياسته الحزبية في شبابه عن نظام الحماية الذي أدخله سنة 1879 ~~بعد أن طبق مبدأ حرية المبادلة أربع عشرة سنة، فنظام الحماية عنده وسيلة لزيادة ~~سلطان الدولة، وهو يعد أن ساعد الإمبراطورية يشتد بوضع يدها على الخطوط الحديدية ~~وبفرض ضرائب غير مقررة على الأموال، وهو يحرص على سن ضرائب جديدة، وقد أسف عندما ~~علم وجود زيادة تسعة وثلاثين مليونا بسبب دفع الغرامة الحربية، فقال: «خير للحكومة ~~أن تحتاج إلى نقود حتى تتمكن من فرض ضرائب جديدة.» ولم يمنعه الأمر القائل بأن ~~معظم عبء تلك الضرائب يقع على الطبقة الرابعة من أن يخضع للضرائب «مواد الجمهور ~~الكمالية»؛ كالتبغ والجعة والسكر والقهوة والبترول، و«حماية الصناعة والزراعة» ~~وحدها هي التي صارت تسمع في أنحاء الإمبراطورية الألمانية للمرة الأولى، وما أدلى ~~به بسمارك من علل حول التعريفة الجديدة فأمر بارز، قال بسمارك: # إن حرية المبادلة مثال عال جدير بهيام الألمان الوهمي، وقد تبلغ ~~هذه الحرية في المستقبل، وأهتدي بالعلم إلى حد كما في أمور الحياة الأخرى، ~~ولم يحل علم الطب هذه الألغاز، وتطبق مثل هذه الملاحظة على شئون ~~الدولة، وتجعلني مبادئ العلم المجردة فاترا، وأحكم في الأمور بتجربة الحياة ~~اليومية، والآن أشعر بأننا جعلنا تعريفتنا منخفضة، فصرنا في حال نزيف، ~~فيجب أن نطعم الجسم الألماني بدم جديد. # ولا يزال بسمارك ms499 يستعمل كلمة «أشعر» كما كان يفعل منذ خمس وعشرين سنة، وهو يعارض ~~العلم بالتجربة، ويعد كل ما هو ذهني أوهاما، ويريد بسمارك في الحقيقة أن ينزع ~~من الريشتاغ حق مراقبة الميزانية، واليوم يود بسمارك - كما في الماضي - أن يجمع ~~للدولة ما يمكن من المال بضريبة الدخل، فذلك كله برنامج محافظ! # وتقع الانتخابات بعد سنتين، ويعطي الناخبون جوابهم، وينتخب ما يزيد على مائة من ~~الأحرار، وينال حزب الوسط مائة كرسي، ويتعاهد الحزبان على معارضة كل تغيير في ~~السياسة الاقتصادية، وتكون الأكثرية ضد المستشار! ويقول غوستاف فريتاغ في كتاب ~~خاص دبجه يراعه في ذلك الدور: «إن الانتخابات التي تمت هي عند بسمارك نفسه وعند ~~الشعب وعند العالم الخارجي دليل على أن جبروته ليس مطلقا على الرغم من سمته التي ~~وسم بها الأمة والتي تسوق إلى نهاية، وقد خسر كثير من حيله تأثيره، والآن يدرك ~~الشعب ماذا تنطوي عليه روحه الروائية من أسد وذئب وثعلب، وأخيرا ومع الزمن أخذ ~~الألمان يعرفون أن هذا الرجل الذي عزوا إليه كل عظمة وصلاح على أسلوبهم لا يتصف ~~بجميع صفات رجل القلب، لقد حل وقت اعتزاله، ولكنه عظيم، جسيم، فهيم!» # تلك هي الحال التي كانت عليها النفوس حينما بدأ بسمارك يكافح معظم الأمة بعد تأسيس ~~الريخ بعشر سنين وبعد أول الصدام بعشرين عاما، وصار على بسمارك في كل مشروع جديد ~~أن يكون صاحبا لأكثرية جديدة، وصار بسمارك مضطرا إلى تحويل أسلوب المحالفات في ~~المجلس كما يصنع في سياسته الخارجية، وصار بسمارك يصب اللعنات على كل معارضة مهما ~~كان نوعها، وصار بسمارك يعد حزب الوسط والألزاسيين والبولونيين والاشتراكيين أعداء ~~للإمبراطورية! # والآن عندما يصعد هذا المكافح في المنبر يبدو مجدد الشباب، فيقول في سنة 1880: ~~«عشت وأحببت وجاهدت، فعدت لا أشعر بنفور من الحياة الهادئة، والأمر الوحيد الذي ~~يمسكني في منصبي هو إرادة الإمبراطور الذي لا أقدر على تركه بعد أن طعن في السن ~~كثيرا»، ويمضي عام فتكون نتيجة الانتخابات معاكسة له فيقول: «سأموت مناضلا إذا أراد ~~الله، وقد أموت ms500 في هذا المكان إذا جاء أجلي، ويعدو الحصان الأصيل إلى أن يهلك، وكنت ~~أفكر في الانزواء ذات حين، ومن المفيد أن أنبئكم بأنني عدلت عن كل فكر من هذا ~~النوع، فأنا حيث أنا، وسأظل حيث أنا! وإرادة الإمبراطور وحدها هي التي تستطيع أن ~~تنزلني من فوق السرج، والذي يقنعني بالبقاء حيث أنا حتى النهاية هو أن أتبين أولئك ~~الذين يسرون من اعتزالي، من أجل ذلك عزمت على خدمة بلادي إلى آخر رمق من ~~حياتي.» # وفي العام القادم يقول: «وما الذي يجعلني أتمسك بمنصبي إن لم يكن إخلاصي له؟ ولا ~~يحف بالمنصب كبير لذة، وفي الأيام الأولى كنت أقوم بالواجب طائعا مولعا آملا، ~~ولما يحقق معظم أماني، وقد كنت حسن الصحة، والآن أراني مريضا، وقد كنت ~~شابا، والآن أراني شائبا، وما الذي يمسكني هنا؟ وهل تظنون أنني أحب الوقوف هنا ~~كالبوم بين الغربان التي تأتي دوما لتلطم هذا الطير المسكين وتطعنه بمناقيرها من ~~غير أن يتمكن من الدفاع عن نفسه تجاه الشتائم والإهانات التي توجه إليه؟ وإذا ما ~~تفضل العاهل فأذن لي في الانصراف سررت بتوديعكم إلى الأبد أيها السادة!» # وهكذا يبدي بسمارك حنقه وحقده بكلامه المتدفق كالشلال، وبسمارك هو الذي يدع ~~سامعيه في بعض الأحيان ينتحبون بفعل نظرته الساخطة وانتحاله وضع المعتدى عليه، وذلك ~~من غير أن يبحث مقدما عما تنطوي عليه جمله الطويلة من تأثير ونجيع، # 1 # فإذا ما أتم كلامه أمسك محفظته وذهب فلا يرى المجلس غير ظهر هذا ~~العملاق والقبة الصفراء لبزته الزرقاء، ويجاوز العتبة ويتوارى، ويزيد احترام ~~سامعيه له مع حقدهم عليه، ويزيد ازدراؤه في الوقت نفسه لأعدائه. # ويغير لهجته أحيانا على طريقته، وهنالك ترن كلماته كإنذار نبي أو تعبر عن ~~زهد تهكمي، ومن ذلك قوله للريشتاغ: «لا أنكر أن مما كان يؤلمني إيلاما دائما في ~~السنين العشرين الأخيرة هو القياس بين التاريخ الألماني والقصص التوتوني، # 2 # فربيع الأمم لا يدوم غير أعوام قليلة بعد الانتصار العظيم، ثم يأتي ما ~~أدعوه لوكي، أي عدو ألمانية التقليدي ms501 ونزاع الأحزاب الذي يغذيه الاختلاف ~~القبلي ونضال العصبيات حول العرش الشرعي والعامل الدستوري، فيتسرب ذلك في حياتنا ~~العامة، ويضل لوكي - وهو الروح الحزبي - هودور فينزل ضربة قاتلة على وطنه، ~~ولوكي هو الذي أتهمه أمام الله والتاريخ إذا ما قضي على عمل أمتنا العظيم الذي ~~تم فيما بين سنة 1866 وسنة 1870، وفي أيام شبابنا كنت ترى صولة قومية تختلف عن ذلك ~~إلى الغاية وكنت تبصر إدراكا للحياة السياسية أروع مما لدى معاصرينا الذين جاوزوا ~~سنة 1847 وسنة 1848 موسومين بالطابع الحزبي فلم يقدروا على محوه من جلودهم، فإذا ~~متنا جميعا رأيتم ماذا يقع في ألمانية!» # وفي انتخابات سنة 1881 ينال الاشتراكيون الديمقراطيون مقاعد على الرغم من القانون ~~اللااشتراكي، وفي زمن الوزير بوتكامر جعلت كبريات المدن خاضعة للأحكام العسكرية، ~~وفي ليبسيغ يحكم على زعماء الاشتراكيين بالسجن مع الأشغال الشاقة لنشرهم صحفا ~~ممنوعة، وينجز الوعد بوضع اشتراع عن العمل مع ذلك، ويعقب قانون تعويض العمال الذي ~~كان فاتحة لسلسة من القوانين الحامية للعمل، فوصفه أحد أنصار الحكومة بانبرجر ~~بالوهمي، قانون التأمين ضد المرض، ثم قانون التقاعد عن عجز أو شيبة لسنة 1888. ~~وتعد هذه خطا نحو الاشتراكية الحكومية التي رسم بسمارك خطوطها قبل محادثته ~~لاسال بزمن طويل. # وليست فكرة وضع قوانين لحماية العمال بروح نظام اشتراكي حكومي من مبتكرات ~~بسمارك؛ فقد سبقه إليها نابليون الثالث وغيره، وإنما كان بسمارك أول من نادى بها في ~~الإمبراطورية الألمانية، وبسمارك هو القائل: «حل الوقت الذي نحقق فيه ما في رغائب ~~الاشتراكيين من أقسام معقولة مقبولة في نظام الدولة الحالي.» وبسمارك نطق بهذه الكلمة ~~سنة 1871 في حديث مع وزير التجارة، وتمضي عشر سنين على ذلك فيقول المستشار لبوش ~~متنبئا: «يجب على الدولة أن تتبنى الأمر لسهولة جمعها المال الضروري، ولا ينبغي ~~للدولة أن تمد العمال بهذا المال كصدقة، بل تأدية لحق العمال في عون الدولة ~~عندما لا يقدرون - عن حسن نية - على العمل. ولم يحصر أمر منح الرواتب فيمن يصبح ~~عاجزا عن العمل من الموظفين وجنود الجيش ms502 دون جنود العمل؟ سيعمل بهذه الفكرة في غضون ~~الزمن، ومن المحتمل أن تنهار سياستنا ذات مرة، ولكن الاشتراكية ستشق طريقها مع ذلك، ~~وسيكون الحكم قبضة من يعتنقون هذه الأفكار.» # وهكذا يبصر بسمارك المستقبل عند هدوئه الفلسفي، ولكن بسمارك إذا ما كشف عن ~~حوافزه ظهر أنها لم تعد حد قديم خططه وحساباته التي تبدو قاسية حينما يبرزها ~~كأسس «لنصرانيته العملية»، «ومن يعلم أنه ينال راتبا في مشيبه يكن راضيا سهل ~~الطاعة، فانظروا إلى الفرق بين خادم عادي وخادم في المستشارية أو البلاط تجدوا هذا ~~أكثر لطفا وإطاعة من ذلك لما يعتمد عليه من راتب تقاعد، وليس من الغلاء في شيء أن ~~ينال المحرومون طيب العيش راتب تقاعد مهما كثر فيصبحوا راضين، وهذا توظيف رابح ~~حتى لنا، ما دمنا نجتنب به نشوب ثورة تبتلع مالا أكثر من ذلك بدرجات»، وبسمارك بعد ~~تلك القحة قال من فوق المنبر مجددا «حتى إن أفقر الناس له كرامة الإنسان ...» # وبسمارك لسوء فهمه معنى الحركة الاشتراكية تماما؛ لم يكسب شيئا بتدابيره ~~الاشتراكية الحكومية، وتزيد الأصوات الحمر حتى تعد بالملايين، وفضلا عن ذلك فإن ~~القانون الاستثنائي المضاد للاشتراكية كان يجدد فيما بين الانتخابات من فترات، ~~وذلك على حين كانت النماذج النصرانية العملية المذكورة آنفا تحتل مكانها في مجموعة ~~القوانين، وفي سنة 1887 تريد الحكومة وضع نص قانوني قائل بأن من يحكم عليه ~~وفق ذلك القانون يحرم حقوقه المدنية، فيرفض الريشتاغ هذا الحرمان. # وفي أثناء تلك المنازعات الداخلية والمصادمات الخارجية يبلغ الإمبراطور ولهلم ~~التسعين من سنيه، وتبدو خاتمته قريبة الوقوع، ويحتفل في شهر مارس سنة 1887 بعيد ~~ميلاده، فيسأل كل إنسان: «وإلى متى؟ وماذا يحدث بعد ذلك؟» ويبدأ الملأ بالقول همسا ~~إن ولي العهد مريض وإن لم يسطع الكلام في احتفال عيد الميلاد ذلك إلا بصوت أبح، ~~ويمضي شهران فيقول العالم إن الذي يخلف الإمبراطور الشيخ عاهل شاب. # وتزيد دقات قلب بسمارك، ويشعر بسمارك بأن حكم القدر واقع لا ريب فيه، وبأنه ~~سيقع تبدل لم يحدث مثله منذ ربيع ms503 سنة 1861 حين مات فردريك ولهلم، والآن تسأل ~~أوروبة عن حوادث صحة الإمبراطور كلما خرج للنزهة، ولا أحد يجازف بتجديد حلف، ~~ويحف بعمل المستشار الماهر طائفة من الحذر والخوف والوهم فيهزه ذلك، ويسأل ~~اللورد سالسبري عن كون محاباة الأمير ولهلم لروسية ستجعل منه كارها لإنكلترة، ~~ويسر القيصر بإلقائه السمع إلى ابن خاله ولهلم على حين يسر ولهلم هذا ~~إليه بالعداوة لإنكلترة، ويبدو الوضع مضطربا حينما زار القيصر إسكندر برلين في أواخر ~~سنة 1887، فيظهر إمكان اشتعال الحرب في الحين بعد الحين. # ويشير بسمارك إلى العاهل الشائب بما يجب أن يدور عليه حديثه مع القيصر، فعلى ~~ولهلم أن يوضح بأن الحرب القادمة تفرق بين الثورة والملكية، فإذا تم النصر ~~فيها لفرنسة دنت ألمانية من الثورة، فهل يريد القيصر وبلاد الروس هذا؟ وهل يهدف ~~القيصر إلى تهديد ملوك أوروبة الشرقية بمحالفته فرنسة؟ إذا ما كسرت النمسة قامت على ~~أنقاضها عدة جمهوريات، وظهرت في البلقان عدة جمهوريات أيضا، فأسفرت هذه التغييرات ~~عن خسران روسية، وعلى العاهل أن يجتنب شهر الحرب ما استطاع إلى ذلك سبيلا؛ وذلك لأن ~~الشعوب في أيامنا تعد ملوكها مسئولين عما تصاب به من هزيمة كما حدث في فرنسة بعد ~~حرب سنة 1870، حتى في ألمانية يزيد احتمال قيام نظام جمهوري فيها عند الهزيمة، ~~وهنالك يتفق فوضويو فرنسة واشتراكيو ألمانية وثوريو روسية، واليوم ليست الحروب ~~حروب وزارات، وإنما الأمر هو رفع العلم الأحمر ضد قوى القانون والنظام. # ويكرر العاهل الشيخ تلك العبارات عدة أيام ليحفظها على ظهر القلب، وقد صاغها ~~بسمارك في قالب ملائم لنفسية الإمبراطور ولهلم والقيصر إسكندر، ويذعر ولهلم ~~بحلم رآه في منامه؛ فقد أبصر القيصر واقفا وحده في المحطة من غير أن يخف أحد ~~إلى استقباله، ولم يفتأ ولهلم يروي حلمه هذا لمن يريد أن يسمع، ومهما يكن الأمر ~~فقد اجتمع العاهلان اجتماع وداد وتبادلا عبارات صداقة، وسار على غرارهما وزراؤهما ~~الذين أمضوا معاهدة. # ولكن الظلال تمتد، فيجب على من يكون ذا مال أن يتسلح، والآن يقترب أجل ~~ولهلم ms504 الأول من نهايته، فيعود تابعه إلى عهده الأول، وهو إمساك ترس مليكه ~~وتقويته، وسيكون هذا آخر عمل مماثل له، وهو كما في سنة 1862 يكافح في سبيل حال ~~الجيش، فيحل البرلمان مرة أخرى، ويعمل على جعل الانتخابات تأتي بنتائج أكثر ~~ملاءمة، فيوافق الريشتاغ الجديد على جمع الجنود وإعداد المدافع لسبع سنين، ويرتقي ~~بسمارك في المنبر قبل موت مولاه بأربعة أسابيع ويلقي آخر خطبه في الريشتاغ، ~~وخطبته هذه طويلة جدا فاضطر إلى الجلوس في أثنائها؛ طلبا للراحة، فكان هذا ~~شاقا على هذا الرجل الذي بلغ من العمر ثلاثا وسبعين سنة، وهذه الخطبة خالية من ~~الخيال والمجاز، وهي عملية إيجابية إلى الغاية، وفيها يلقي بسمارك نظرة على الوضع ~~العالمي كما كان يصنع في الغالب، وتنطوي كلماتها الهادئة على إنذار خفي، ومنها ~~نبصر شدة توتر الحال في أوروبة، ونبصر ما ينذر به من شؤم مرض ولي العهد، ~~ونبصر قرب دور جديد. وكل هذا يرى من خلال خطبته تلك، فتسفر عن إسكات أعدائه، ~~قال بسمارك: # يجب علينا أن نكون في هذه الأيام أقوياء جهد الطاقة، ولدينا من الوسائل ~~ما نستطيع أن نكون به أقوى من كل أمة يعدل عدد سكانها عدد سكاننا، ونقيم ~~بوسط أوروبة، وتمكن مهاجمتنا من ثلاث جبهات، ونحن معرضون لخطر المحالفات ~~أكثر من أية أمة أخرى ... والأسياف # 3 # في حوض الشبابيط # 4 # الأوروبي، وهي تحول دون تحولنا إلى شبابيط لما تشعرنا به من ~~أثر حرابها في أطرافنا، وهي تكرهنا على الوحدة التي تخالف طبيعتنا، ~~ولولاها لانفصل كل واحد منا عن الآخر ... # ولا تتوارى دولة كالنمسة، ولكننا إذا تركناها وشأنها غدت غريبة عنا ~~ومدت يدها إلى عدو صديق عادت لا تعتمد على صداقته، وغاية القول هي أننا إذا ~~أردنا ألا نبقى منعزلين وجب علينا أن نجعل لأنفسنا صديقا صادقا ... وإذا نظرت ~~إلى عدد الجنود وجدت الآخرين قادرين على مباراتنا كمية، ولكنهم لا يستطيعون ~~منافستنا كيفية، وإذا بحثت عن البسالة لم تر فرقا فيها بين الأمم ~~المتمدنة؛ فالروس والفرنسيون يحاربون بشجاعة كما يحارب ms505 الألمان ... # ولا أحد يفكر في استعمال جهازنا القوي الذي ينمو به الجيش الألماني ~~لمقصد هجومي، وإذا ظهرت اليوم أمامكم فقلت لكم بعد النظر إلى تغير ~~الأحوال: إننا مهددون تهديدا جديا من قبل فرنسة وروسية؛ كان ذلك على ~~أساس كوننا سنهاجم، وإنني أعتقد كدبلمي - وأستند في رأيي إلى التقارير ~~العسكرية - أن الخير لنا في الهجوم كتدبير دفاعي، وأن علينا أن ننزل ~~الضربة حالا؛ ولذا أطلب منكم اعتماد مليار ونصف مليار، وإذا كنت قد خاطبتكم ~~بمثل ذلك أيها السادة فإنني لا أدري هل تحملون لي من الثقة الكافية ما توافقون ~~به على رغائبي، ذلك ما لا آمله! ولكنكم إذا فعلتم ذلك لم أكتف بذلك. # وإذا أردنا في ألمانية أن نقوم بحرب بما لدينا من قوى قومية وجب أن تكون ~~هذه الحرب حرب شعب ... وقد يمكن القيام بحرب ليست وليدة مبادرة شعبية، وقد ~~يمكن القيام بحرب يراها أولياء الأمور ضرورية فيوضحوا وجه لزومها، ولكن ~~حربا كهذه تعوزها الحماسة والصولة منذ البداءة، ولا جرم أن كل جندي ~~يعتقد أنه أفضل من العدو، وهو لا يكون جنديا نافعا ما لم يرد الحرب ~~ويؤمن بالنصر، ونعتقد اعتقادا جازما أن النصر سيكون حليف قضيتنا العادلة، ~~وذلك كاعتقاد كل ضابط يكون في معسكره بعد تناول قدحه الثالث من رحيق ~~الشنبانية، إن لم يفق وثوقنا هذا ... # وما يصدر عن الصحافة الأجنبية من تهديد فحماقة لا تصدق، ويعد كل ~~بلد مسئولا ذات يوم عن النوافذ التي تحطمها صحفه، وستقدم يوما ما ~~قائمة الحساب من قبل البلد المتبرم، ويسهل استهواؤنا بالمحبة وحسن ~~الشعور، ولا يؤثر فينا بالوعيد، ونحن الألمان نخاف الله، ولا نخشى في العالم ~~أحدا سوى الله، وتقوى الله هي التي تدفعنا إلى نشدان السلم وصيانه. # فلما أتم خطبته هتف له جميع المجلس للمرة الأولى منذ سنوات كثيرة، وصار كل ~~واحد يشير إلى تلك الخطبة كحادث أوروبي، وكان الإمبراطور من حسن الصحة ما قرأ معه ~~التقرير عما قاله بسمارك، ومما حدث قبل ذلك بوقت قصير؛ أي عندما لاح قرب وقوع ms506 ~~الحرب، أن صرح العاهل الصنديد # 5 # بأنه بلغ من الكبر ما لا يقدر معه على قياد جيوشه، ولكن مع رغبته في ~~اتخاذ مكان له في المعسكرات، ويحتفل ولهلم في تلك الأحيان بمرور ثمانين عاما ~~على انتسابه إلى الجندية، ويطلع ولهلم على لوح مشتمل على «سفر المتطوعين من ~~برسلو في سنة 1813»، فيرى بلوخر راكبا حصانه في الطليعة ويقول: «إن المصور اقترف ~~خطأ؛ فالذي أذكره تماما هو أنني رجعت إلى برسلو راكبا حصانا مع والدي والقيصر وأن ~~بلوخر لم يكن هنالك، فيجب على المصور أن يستبدل القيصر إسكندر ببلوخر في الصورة، ~~والقيصر إسكندر هو الذي أرانا مدينين له كثيرا!» وهكذا ينطق التاريخ الحي. # وهو أقل اكتراثا لقرب موت ابنه مما لمصير بلده، وهو مضطرب حول تعليم حفيده، وكيف ~~تتخذ الخطا الضرورية في سبيل ذلك التعليم من غير أن تقضي على العليل؟ ويكتب ~~العاهل الشيخ في عيد ميلاد سنة 1887 آخر كتاب إلى بسمارك، وإلى هذا الكتاب يضيف ~~وثيقة يرفع فيها هربرت بسمارك إلى مرتبة سفير، «قاصدا أن تنقلوا إلى ابنكم هذه ~~المسرة التي لا أضن بها عليكم، والذي أرى أن هذه البهجة مشتركة بينكم وبين ~~ابنكم وبيني ... الشاكر لكم: ولهلم .» # ويشعر الإمبراطور بدنو أجله، ويستدعي المستشار إلى جانب سريره، ويطلب منه أن يعد ~~بمساعدة حفيده، فلما أجيب طلبه، كانت المصافحة الخفيفة رد جوابه، ثم أخذ يهذي؛ ~~فقد خيل إليه أن الأمير ولهلم جالس قريبا منه بدلا مني، وهو لم ينشب أن أخذ ~~يكلمني بضمير المفرد المخاطب، فصار يقول: «يجب عليك أن تكون دائم الاتصال بقيصر ~~روسية، ولا ضرورة إلى القتال في ذلك الميدان، ثم يسكت برهة، # 6 # ويعود إليه وعيه ويأمرني بالانصراف وهو يقول: سأراك مرة أخرى.» وفي الصباح ~~التالي يلفظ أنفاسه الأخيرة. # ووقت الظهر ينعى بسمارك الإمبراطور إلى الريشتاغ رسميا، وتخنقه العبرات غير ~~مرة في أثناء بيانه القصير، ومن قوله: «التمست من صاحب الجلالة أن يكتفي بالحروف ~~الأولى من اسمه حين التوقيع، ولكنه أفاد أنه لا يزال من القوة ما يستطيع ms507 معه أن يمضي ~~باسمه الكامل؛ ولذا تحمل هذه الوثيقة التاريخية التي هي أمامي آخر إمضاء له، ولا ~~ينبغي لي في هذا المكان الرسمي أن أسترسل في بيان مشاعري الشخصية، ولا يفيد هذا ~~ما دام مثل الأحاسيس التي تواثبني حيا في قلب كل ألماني، وليس من النافع أن ~~يعرب عنها إذن، ولا يخامرني ريب في أن ما فيه من شجاعة بطل وحس شرف وإخلاص عمل ~~وصدق جهاد في سبيل الوطن سيظل تراث أمتنا الذي لا يندرس.» وما كاد الخطيب يتم ~~كلمته حتى غطى بيديه وجهه. # ومن ثم ترى كيف أنجز بسمارك عمله الرسمي، وكيف ظل وفيا لنفسه حتى في تلك ~~الساعة، وكيف أنه لم يسلك سبيل عرض عواطفه مع عدم وجله من إظهارها، وكيف أنه كان ~~حريصا على اجتناب كل انطلاق مع الحسرات رحمة بنفسه ونفس سامعيه، وكيف أنه عرض آخر ~~توقيع لولهلم كرمز بدلا من الكلام حول الإمبراطورية، وكيف أنه تفادى من النطق ~~بلفظ زائد فلم ينعت العاهل الراحل بالعظيم ولا بالمنصور ولا بالحذر ولا بالحكيم، بل ~~وصفه بالشجاعة والإقدام والنشاط فقط؛ أي بما يصدر عن رجل ناضج يرى إظهار ما يلائم ~~قلبه المضطرب الأبي في تلك الساعات. # وتشترك العاصمة والأمة الألمانية وأوروبة وجميع البلدان الأجنبية في تشييع العاهل، ~~فلما مر الموكب من شارع أنتردن لندن (تحت الزيزفون)، وفي وسط الصمت، دوى صوت ~~ملخص في كلمتين ساخرتين لسير هذا الأمير المحير، فقد صرخ رجل من بين الشجر ~~بقوله: «يأتي لهمن إلى هنا!» وباسم لهمن المستعار كان الأمير ولهلم قد فر ~~إلى لندن منذ أربعين عاما حين كان العصاة في مثل ذلك اليوم من شهر مارس، وحين كانت ~~الرياح تخفق فوق شجر الزيزفون ذلك، ينادون بسقوط الأمير الرامي بالرصاص! وفي تلك ~~الأيام كان ولي العهد ولهلم مختبئا في جزيرة الأطواس، ولم ترد زوجه أن تدل ~~على مكان استتاره حتى الشريف الشونهاوزني «بسمارك»، وفي ذلك الحين يعرف خبر ~~هروب ولهلم، وتعرف قصة جواز سفره الزائف، فتنظم القصائد الساخرة حول لهمن ~~ويسير بها ms508 أهل برلين مغردين، وقد قرأ بسمارك هذه القصائد آنئذ - لا ريب. # ولا عجب إذا ما سمع بسمارك ذلك الصوت الصادر من بين الزيزفون، وفيم فكر حينما كان ~~وراء النعش؟ وكان جالسا في العربة بجانبه غريبا عنه متلففا في فروته مولتكه الذي ~~كان شيخا في التسعين من عمره، وكان رون ميتا، ومن كان هنالك أداة وصل بغابر ~~الأزمان؟ لا أحد، فلا ترى من أولئك ضابطا ولا وزيرا، ولا نديما يستحق الذكر، وكانت ~~أوغوستا على قيد الحياة، ولكنها لزمت بيتها لشيبتها، وما كنت تبصر من لابسي ~~البزات الرسمية سوى أناس من حديثي السن، ولا سيما ذلك الحفيد الذي يبدو وحده خلف ~~الجثمان رأسا، وكان الإمبراطور الجديد مضطجعا على سرير موته في القصر، وقد أصبح شهود ~~بروسية القديمة من الهالكين. # وبسمارك آخرهم. # الجزء الخامس # | المبعد # ولم أكون منسجما؟ # | الفصل الأول # «معدل النبض عندي في الساعة الراهنة يزيد على ما كان عليه في العهد الماضي خمس عشرة ~~مرة ... ومن ذا الذي يخبرنا بما يكون عليه وقتما أدبر؟» فبهذا الاعتراف الذي أوجبه ~~الخوف والحمى مع النغم المسرع يبدأ الفصل الأخير من اللحن الأخير، وبه ترى الحال ~~الروحية التي قضى بسمارك بها مائة اليوم الأخيرة بجانب الإمبراطور. # وبسمارك مر عليه عام وهو يعمل على جعل الوسائل الجديدة ملائمة للأحوال الحديثة، ~~وبسمارك لما رآه من دنو أجل فردريك غدا الأمير ولهلم موضع حسابه، وبسمارك يعرض ~~على العاهل المحتضر نصحه الرسمي بعد أربعين عاما من عرضه مثل ذلك على ملك ~~بروسية، وبسمارك في شهر مارس سنة 1848 - كما في شهر مارس سنة 1888 - كان يرقب الملك في ~~قصر بوتسدام، أوتخطر بباله تلك الأيام التي مرت فيها عربته من باب الحديقة ~~الملكية؟ # ولم تكن عربة البلاط هي التي جاوز بها بسمارك المجاز في تلك الأيام، وكانت أوغوستا ~~قد قابلته سرا في غرفة الخدم، ولم ترد أوغوستا أن ترى حينئذ في أثناء حديث ~~شخصي مع هذا الشريف البوميراني؛ لما كان من الاستمرار على إطلاق النار في الشوارع، ~~ولو وافق هذا ms509 الشريف على برنامجها لكان من المحتمل أن ينادى بابنها فردريك البالغ من ~~العمر ثماني عشرة سنة ملكا بتنزل عمه وأبيه عن العرش، ولكن الواقع هو أن بسمارك أكره ~~أوغوستا على أن تصير ملكة ثم إمبراطورة بعد زمن مع ظهورها شديدة العداوة له بما كان ~~لها من السلطان على مولاه. ويقضي ولهلم نحبه بعد عمر طويل، ويبدو ابنه فردريك، ~~الذي منع من الجلوس على العرش مبكرا بسبب رفض الشريف بسمارك فاضطر إلى الانتظار ~~أربعين سنة مضنية؛ إنسانا مثيرا للرحمة ناحطا # 1 # ضاجعا على كرسي، وبالأمس يبرز فردريك الثالث في عربته للشعب كالسيد ~~والمهدي الميتين المربوطين فوق حصان. # وفيما كان بسمارك يصعد في السلم وجد فيكتورية تنتظره، وقد كانت مسيطرة على زوجها ~~حتى في أيام صحته، وهي تقبض الآن على جميع أمور زوجها العليل وإن لم تتصرف في السلطة ~~التي كانت تحلم بها، وهي في الأحوال الحاضرة تبدي استعدادا للتفاهم مع الخادم ~~العدو القوي الذي ما فتئت تكافحه، والحق أنها ستصبح أيما عما قليل ~~فتضطر إلى مساعدته ضد عدوها الثاني، ضد ابنها الذي سيكون إمبراطورا، ولم ~~يدخر ميفيستوفل وسعا، ويبذل كل حيلة إغواء للفيكتوريتين. # وقد أتت ملكة إنكلترة فيكتورية إلى بوتسدام ففتنت بالشيخ الصنديد المرهوب، ~~ويسحر ذلك القصر اللعين الذي يسير فيه كل واحد مختنق الخطا؛ خوفا من إزعاج ~~المريض، وكتما لما يحدث عن ولي العهد ذي العيون المبثوثة في القصر الذي ينتظر ~~الموت فيه فريسته والذي يريد النساء أن يحكمن فيه حتى يأتي ذلك العملاق المخيف ~~والشيخ المقبب الرأس والعسلي العينين والكثيف الحاجبين من برلين فيطرح - بجليل ~~القول وخفض الجناح - اقتراحاته على أرجلهن. # ولكن هنالك فيكتورية ثالثة، وفي ذلك القصر الإمبراطوري تتصادم الأهواء بلا ~~انقطاع، وفي ذلك القصر الإمبراطوري يتنازع حب السلطان والحرص على الحياة والحقد ~~الأسري والغطرسة، وتطمع زوج فردريك «فيكتورية الوسطى» في تزويج المطالب بعرش ~~بلغارية الجديد الأمير باتنبرغ بابنتها فيكتورية الثالثة، غير أن الساحر الأشيب ~~يصرخ قائلا: «ابتعدي عني!» وذلك لما يراه في هذه القصص النسوية من إفساد ms510 ~~لخططه. # ويقول بسمارك في حديث له مع بوش: «قد يكون باتنبرغ أبغض الناس إلى القيصر ... ~~وظلت الإمبراطورة الجديدة إنكليزية في تصوراتها على الدوام، وتزيد على ما كانت عليه في ~~هذه الأيام وصولا إلى مآربها، فتريد أن تكون آلة بيد باتنبرغ الذي هو ابن لسيدة ~~بولونية من آل هوكه الذين ليسوا أهلا للاحترام!» ويسر إلى صديقه فون ~~سبيتزنبرغ بقوله: «إن فيكتورية الوسطى هي الأشر، وهي مشهورة، فإذا نظرت إلى ~~صورتها ارتعشت مما تنم عليه عيناها من معاني الشهوة الجامحة، وهي عاشقة ~~لباتنبرغ وتريده لنفسها كما تريد أمها أن تحتفظ بأخيه لباسا لها، والله يعلم ~~مقدار ما ينطوي عليه ذلك من الدعارة!» # ويجعل المستشار من ذلك مسألة وزارة، ومع ذلك - وفي تلك الساعة - يبدو المريض الذي ~~لا يعترض على الزواج قانعا بأن يعلم إمكان حدوث تغيير بخطابات تصدر عن بيئة ~~بسمارك، وينطفئ مع قوى المريض ما فيه من طموح وكفاح، ولا تنشد روحه غير الراحة، ~~بيد أن قلب بسمارك ما انفك يدق على وزن النضال، وبسمارك منذ عام كان قد قال ~~عن فردريك وفيكتورية: «إنهما يحوكان خيانة، فهما خاليان من كل شعور ألماني، وهما ~~قد خسرا ما لهما من مكان في نفوس الشعب، وهما يلقيان بذور الشقاق بين أبناء ~~الأسرة.» واليوم يقول بسمارك: «كان مولاي الشائب السابق يعرف أنه خاضع لزوجه، فيقول: ~~أعني، فأنت تعلم أنني لست اللابس للسروال، غير أن هذا الرجل هو من الغرور ما لا ~~يرضى معه بمثل ذلك، مع أنه من بعض الوجوه عبد شديد الخضوع كالكلب، ولا تكاد تعتقد ~~مقدار ذلك.» # ويشتد بغض بسمارك للناس مع السنين، وتتبلر هذه البغضاء، فيبدأ بسمارك بفقد ~~كياسته النفسية وترتبك دقته الروحية ويزيد فتوره وسوء ظنه، ويظهر الأسد الشيخ ~~رابضا أمام عرينه، ويخرج الشرر من عينيه اللامعتين، ويبدو مستعدا لهرس كل من ~~يدنو منه ببراثنه، ويحرس الكنز الداخلي؛ أي الريخ، على الدوام، ويسأل صديق شباب ~~بسمارك «كيزرلنغ» في إحدى زياراته النادرة له: «وماذا يدور في أعماق قلبه؟ لا ~~الشعور الزاهي بأنه ms511 أتم أمورا، ولا ارتياحه لأنه أنجز أعمالا عظيمة ولا تمتعه ~~بالراحة والسلام بعد جهاد ...» # أفلا يشعر الزملاء والنواب بهذه البغضاء المتراكمة الهائلة للناس؟ أفلا تعرف الأمة ما ~~يكنه زعيمها لها من ازدراء فاتر؟ ويقول هوهنلوهه ملاحظا: «يوحي إلي بأنه غير ~~سليم العقل.» وفي الريشتاغ - حيث كانت منذ سنة 1887 أكثرية كثيفة مؤلفة من المحافظين ~~والأحرار الوطنيين يقدر بها بسمارك على سن قوانينه حول العمل ونظام الحماية، كانت ~~الكراهية الشخصية لهذا الشيخ تزيد مقدارا فمقدارا، وبسمارك قال ذات مرة عند عودته من ~~المجلس إلى منزله: «إنني أشعر بوجع في شعري كالذي لببه # 2 # الأوباش وأخذوا برأسه في حانة شائنة.» ويعلق «أبناء العم» من الأشراف ~~آمالهم على الشاب الذي سيصبح إمبراطورا عما قليل، وكان هولشتاين قد تفاهم هو ~~وفيندهورست في زاوية من بهو استقبال حول ما يعملان في مستقبل خطر. # وبسمارك بعد الآن يرجع البصر إلى الدور الزائر فيصفه ب «الأيام القديمة الملاح» ~~والآن يمدح بسمارك مولاه الراحل كما كان ينتقده في حياته، ومن قوله: «حقا كان ~~الإمبراطور الشائب رفيقا صادقا، وكان يمكن الاعتماد على إخلاصه ... وهو وإن كان يخطئ ~~في سيره في بدء الأمر لم يعتم أن يعود إلى الصراط السوي.» # والمستشار إذا ما أنعم النظر في فيكتورية مجد حتى أوغوستا قائلا عنها: «أجل، ~~إنها كانت تضع العراقيل في سبيلي، ولكنها لم تنفك تكون امرأة ممتازة، ولكنها كانت ~~ذات شعور حي بالواجب، ولكنها كانت تتصف من هذه الناحية بما يعوز الإمبراطورة ~~الحاضرة، وهي كانت تود أن تضحي بشيء في سبيل أصدقائها التقدميين لعطل بعلها ~~من العزم، وفي مثل تلك الأحوال حين يكون كل أمر ملتويا؛ لا نستطيع أن نسلي ~~أنفسنا بقولنا إن الأمر يسير على ما يرام، وسأتمسك بمنصبي ولو سرحت فلن أبرحه! ~~ولن يولد عاهل، غير أن لي رجاء في مولانا الشاب، فلعل فتاءه الشديد كان مفيدا ~~له.» # ولم يشعر الأمير ولهلم بأنه عومل بالحسنى في أسرته، وقد أبصر بسمارك ذلك في ~~السنوات الأخيرة. وفي سنة 1886 كتب فردريك إلى ms512 المستشار بسمارك يقول له عن الأمير ~~ولهلم متوجعا: «يقرب من الطيش ما اتصف به من شدة التسرع، ويعوزه النضج، ~~ويميل إلى الزهو والصلف.» وأمور مثل هذه مما يجعل الأمير الذي انتقد على هذا الوجه ~~موضعا لعطف المستشار المرسل إليه فيحاول هذا المستشار أن يشفي الأمير من «احتباسه ~~البوتسدامي»، وفردريك كان قد مرض قبل ذلك أيضا فصار يساور بسمارك شعور بقصر ~~عهد هذا العاهل الجديد، وما كان من كره بسمارك وولهلم لوالدي هذا الأمير فقرب ~~بينهما في بدء الأمر. # ومهما يكن الأمر فقد أسفر عناد ولهلم عن تحاكهما من السنة القادمة، ويقنع ~~ستوكر وفالدرسي ولهلم بأن أقوم طريق لمكافحة الاشتراكية هو سلوك سبيل الكياسة ~~والإحسان، ويقترح ولهلم إقامة مهرجانات فروسية جمعا للأموال من أجل فقراء ~~برلين، ويغضب بسمارك، ولا يغضب هذا المستشار ما أبدي من نشاط كبير من هذا الطراز، ~~وإنما الذي أثاره هو ما أبداه العاهل المقبل من ولع بأن يحل وديا تلك المسألة ~~الاجتماعية التي ما انفك ذلك المناضل القديم يناهضها بقوة القانون والسيف، ويقول ~~الأمير ولهلم جوابا عن اعتراض المستشار: «أفضل أن أقطع إربا إربا على ~~نصب المصاعب لك.» ويرد احتجاج بسمارك بهذه التأمينات الطائشة. # ومما زاد بسمارك زعجا ما كان بعد زمن قريب؛ أي في الشهر الأخير من حياة ~~الإمبراطور، من إرسال الأمير ولهلم إليه مسودة اقتراح يصير تبليغه إلى جميع أمراء ~~الريخ على أن يحفظ من الآن في مستشاريات الاتحاد في غلف مختومة «لما يتوقع من ~~وفاة الإمبراطورة ووفاة والده عاجلا»، وفي ذلك الاقتراح «ينبئ أعمامه الشيوخ بأنه لا ~~ينبغي لهم أن يرموا عصا بين ساقي ابن أخيهم الشاب العزيز». # ويعظم قلق بسمارك، وما أشد الحمى التي تشتعل في عروق هذا الشاب الذي يضع ~~مسودات بيانات ويستعد لإرسالها إلى اثني عشر ديوانا عاما، على حين لا يزال سلفاه ~~من الأحياء! أويجهل هذا الأمير أحكام الدستور الإمبراطوري، فينظر إلى أمراء ~~الاتحاد على ذلك الوجه كما لو كان مسيطرا عليهم؟ ويكتب بسمارك بخط يده كتابا يبلغ ~~ثماني صفحات ms513 عند الطبع، مجاوزا بذلك حدود طاقته كما قال، وفي هذا الكتاب يشرح بسمارك ~~للأمير الوارث ولهلم ما قامت عليه الإمبراطورية من المبادئ ويطلب إليه أن يحرق ~~مسودة الاقتراح تلك، ويصيب هذا الطلب المحز من الأمير، ولا غرو؛ فالكلمات الأولى ~~للإمبراطور السابق لأوانه هي غير صالحة للتبليغ إذن! وعليه أن يحتمل هذا من مستشار ~~قاسى بسببه الشيء الكثير! والأمير - وإن ثار ضد والديه عن أثرة - يمكنه اليوم أن ~~يلقن نفسه بأن ذلك كان عن تضحية! وسيزعم الأمير - بعد زمن - أنه يحق له أن يكون ~~محلا لشكر الشائب بسمارك! # ويبدو جواب الأمير باردا، وهو ينطوي على الوعيد الآتي، وهو: «ويل لهم عندما أغدو ~~قادرا على الأمر!» أجل، إن هذه الكلمة كتبت ضد أناس آخرين، غير أن لهجتها القاطعة ~~لا بد من أن تقرع أذني قارئها المرهفتين، فتتيح له فرصة التفكير في الأمر ~~جديا، ولبسمارك من الحافز الصالح ما يقول معه لوارث العرش في رسالته المطولة: «أرى ~~أن أقوى دعامة للنظام الملكي هو أن يعزم الملك عزما صادقا على ألا يكتفى ~~بالاشتراك في إدارة أمور حكومة البلاد في الأيام الهادئة، بل يجب عليه في الأوقات ~~العصيبة أن يستعد مستلا سيفه للسقوط صريعا على درج العرش مجاهدا في سبيل حقوقه ~~غير جبان، فعاهل كهذا لن يتخلى عنه جندي ألماني.» وهل المصادفة، أو المعرفة ~~العميقة بالخلق البشري، أو الرؤيا النبوية؛ هي التي دفعت بسمارك إلى كتابة ذلك ~~الإنذار إلى ولهلم قبل ثلاثين عاما من اليوم الذي جعل القدر فيه ولهلم على ~~محك التجربة فوهن بسبب ما في أخلاقه من ضعف جوهري؟ # ويصير ولهلم ولي العهد، فيبدأ بالسير على غرار فردريك في نثر التعاليق ~~بالقلم الرصاصي، وببعض هذه التعاليق نطلع على محاورات بين ولهلم الشاب ~~وبسمارك وعلى نقض بسمارك لتفاسير الأمير بتفاسير مضادة في حقل السياسة العليا، ~~وتصبح رسائل بسمارك لسفرائه في الخارج واسعة عامة شيئا فشيئا، ويصبح الأمير ذا ~~حق في مطالعة نسخ عن أصل الأوامر الرسمية التي تنطق بالأمثال وتشتمل على دروس في ~~سياسة ms514 الدولة، ويمكننا أن ننظر إلى رسائل بسمارك تلك في السياسة الخارجية كما ننظر إلى ~~حكمة كاتب خيالي ناضجة أو كما ننظر إلى صورة مصور كبير رسمها بنفسه، ولما زاد ~~في ألمانية كره روسية وصار الحزب العسكري يحرض على الحرب كتب إلى سفيره ~~بفينة ما يأتي: # تظل الإمبراطورية الروسية التي لا تمحي والتي هي مدينة بمناعتها لمناخها وسهوبها # 3 # وقلة احتياجاتها عدوتنا الشديدة المتعطشة بعد الهزيمة إلى ~~الانتقام كما هو أمر فرنسة في الغرب، وهكذا يكون الوضع متوترا دوما لا ~~محالة، ولا أرى أن أحتمل مسئولية العمل على إحداث هذا الوضع، وقد تعذرت ~~على أقوى الدول العظمى «إبادة» قومية في قرن كامل كما ثبت ذلك من حال ~~بولونية البالغة الضعف، والرأي هو أن نعد روسية عامل خطر دائم فنقيم ~~ضدها أسدادا للوقاية. # ويقرأ ولهلم ذلك، فيعلق على مسألة قيام عدو جديد محب للانتقام بقوله: «لا ~~يكون أكثر مما عليه الآن.» فيجيب بسمارك عن هذا بكلمته: «أؤكد لكم بأنه يكون أكثر مما ~~هو عليه!» ويعلق ولهلم على مسألة التعطش إلى الانتقام بقوله: «قد يتعطش إلى ~~الانتقام، ولكنه لا يقدر عليه.» فيجيب بسمارك على هذا بكلمته: «إنه يغدو قادرا عليه ~~بسرعة، كما اتفق لفرنسة بعد اثنتي عشرة سنة.» ويعلق ولهلم على مسألة إبادة إحدى ~~القوميات بقوله: «نعم، ولكن قواهم المقاتلة زالت.» فيجيب بسمارك عن هذا بكلمته: ~~«يمكنهم أن يعيدوا تكوينها في خمس سنين، فانظروا إلى مثال فرنسة.» # وبتلك المحاورة الصغيرة الخطية تبصر اصطراع الحنكة وقلة الصبر، وتبصر ~~معارضة الرأي النضيج بالرأي الفطير، بيد أن بسمارك الشيخ يطمع أن يعلم ولهلم ~~الشاب فيكتب إليه كتابا مطولا عن السياسة الألمانية الروسية ويحذره من ~~التعليقات البعيدة المعنى قائلا له: «إن الموظفين الذين يطلعون على تعليقات ~~سموكم - وأنا منهم - يصعب عليهم أن يحافظوا على أساس سياسة ألمانية السلمية عند ~~تبدل العهد، وأفهم من تعليقات سموكم أنه يراد حملي على القول بما يناقض عقيدتي، ~~وفي هذا من قلة الإخلاص لسياسة إمبراطور ألمانية ما هو أشد خطرا من العزم ms515 على ~~الحرب.» # تلك هي الكلمات الرفيعة التي اختارها بسمارك إنذارا للأمير الشاب، وفي الغد يدهش ~~بسمارك عند سماعه قول هذا الأمير إنه «بولغ في المعنى» الذي استخرج من تعليقاته ~~موكدا أن ميوله الخاصة سلمية تماما، أفينطق الأمير الشاب عن هوى إذن؟ ~~أولا يدرك ما يكون لما يقول من تأثير نفسي؟ ويضيف الأمير إلى ذلك قوله إنه ~~سيمتنع بعد الآن عن إتيان مثل تلك التعاليق «تسليما جزئيا بالأسباب التي أبداها ~~المستشار.» بيد أنه ما فتئ يرغب في اطلاع الجمهور على وجهات نظره بإحدى الطرق. ~~ولم يحدث أن كتب ولهلم الشيخ بمثل تلك الوقاحة، «فالتسليم الجزئي» أمر جديد ~~على بسمارك. # ومن الطبيعي - لا ريب - أن يتكلم الوارثون الشبان عن الحروب التي قد تكون ضرورية، ~~وهؤلاء الشبان لا يعرفون ماذا تنطوي عليه هذه الحروب من الأخطار، وليس في القلق الذي ~~يساورهم ما يقض مضاجعهم، وإن الأمير الذي يحيط به قواد محبون للحرب ~~ليذعر إذا ما قرأ نبوءة بسمارك القاتمة الآتية التي خاطب بها وزير الحربية، قال ~~بسمارك: «إذا قضت إرادة الله بهزيمتنا في الحرب القادمة لم يدخر أعداؤنا المنصورون ~~وسعا في اتخاذ جميع الوسائل الممكنة لمنعنا من الشفاء مدة جيل كامل، ولا أعتقد أن ~~أعداءنا يكتفون بالألزاس، فسيطالبون بأراض على طول نهر الرين، وليس لنا أن ننتظر ~~العون من روسية والنمسة وإنكلترة كما تم لنا سنة 1812؛ فقد أبصرت هذه الدول ما اتفق ~~لألمانية الموحدة من القوة.» # وأنبأ بسمارك في الوقت نفسه أن روسية أكثر جذرية # 4 # بمراحل مما يرى الناس؛ «فالثورة والجمهورية أمران قد يلمان بروسية في ~~أقرب وقت، وفي روسية أناس كثير يعلقون آمالهم على كارثة حربية تصاب بها تخلصا ~~من النظام القيصري»، ويسطع معظم عنايته من خلال عبارة قصيرة كتبت على هامش ~~تقرير، وهي: «لا معدل لنا عن إنكلترة إذا أردنا صون السلم مدة أخرى.» # وهكذا كان جو أوروبة مكفهرا حين موت فردريك، وكان هذا الإمبراطور شاعرا بذلك، ~~وآية ذلك أنه استدعى بسمارك في اليوم الذي سبق وفاته، فمد إليه يديه ms516 مع اشتداد ~~الحمى عليه، ثم تناول يد الإمبراطورة ووضعها في يد بسمارك اليمنى وضغطهما معا، ~~ويصمت الإمبراطور صموتا مؤثرا، ولهما في صمته تحذير، فكأنه وهو يحتضر يبارك ~~أعمال بسمارك التي ما انفك يناهضها في حياته. # وفي الغد يقضي فردريك نحبه، ويغدو ولهلم سيدا. # | الفصل الثاني # «يا صاحب الجلالة! ما كان فردريك ليكون فردريك الأكبر - على الأرجح - لو كان يقوم ~~بإدارة الأمور في بدء عهده رجل له ما لبسمارك من القوة والشأن، ولو كان قد أبقى مثل ~~هذا الرجل في منصبه»، فهذه هي الكلمة التي نطق بها فالدرسي مؤثرا بها في فؤاد ~~الإمبراطور، والإمبراطور كان في الثامنة والعشرين من سنيه، وكان منذ بدء عهده شديد ~~الشوق إلى دعوته بولهلم الأكبر، وكان فالدرسي يطمع أن يكون مستشاره، بيد أن ~~الإمبراطور كان يخشى العملاق في أول الأمر فيحفه بهالة من الإجلال، وكان هربرت بسمارك ~~في الأربعين من عمره فيظهر أن من الممكن نصبه خلفا لأبيه. # وكان هربرت بسمارك عسير الأخلاق سيئ الطالع، ولم يقتصر أمر هربرت على أنه ابن ~~لعبقري، بل كان أبوه يعرقل سيره بعزمه على جعله مستشارا خلفا له. ومن شأن رجل ~~مثله يسير على خطا آبائه الأقوياء أن يدنو من العاهل الشاب فيجدد ما كان بين ~~أبيه وبين جد ولهلم من عهد ولاء وثقة، ولكن بينما كان يسهل على كل من ~~ولهلم الأول وبسمارك الأول أن يتصل بالآخر اتصال المخدوم بخادمه لزيادة عمر ~~المخدوم على عمر الخادم عشرين سنة تقريبا؛ كانت صلة السن بين ولهلم الثاني ~~وبسمارك الثاني معكوسة؛ فالخادم هنا أسن من المخدوم بسنوات كثيرة، ويتعذر عليه أن ~~يكون تجاه المخدوم كالابن الذي لا يحقد على والده زمنا طويلا عند غضب هذا الوالد، على ~~حسب تعبير بسمارك. # والمواهب والعيوب أسوأ توزيعا بين الزوجين الجديدين مما بين الزوجين القديمين، ~~وعلى ما لم يتصف به ولهلم الأول من ألمعية وذكاء كولهلم الثاني كان أكثر من ~~هذا لباقة وأحسن أوضاعا وأعظم تحفظا، فغدا بالتدريج راغبا رغبة كافية في ~~الاقتداء بوزيره الذي كان ms517 رجلا عبقريا، ويحفز ولهلم الثاني مزاجه العصبي إلى ~~أعمال تفوق مقدرته فيواجه ببسمارك الثاني الذي يدفعه إعجابه بأبيه وتربيته وشعوره ~~الخفي بعجزه عن الإبداع إلى خدمة والده أكثر مما إلى خدمة وطنه، وفيما كنت ترى ~~ولهلم الثاني كثير الاعتداد قليل التبجيل لآبائه ترى هربرت عاطلا من الاعتماد على ~~النفس مثقلا بتعظيم عظيم لأبيه، فصار يتعذر عليه عند الاقتضاء أن يكون لنفسه آراء ~~خاصة ويعمل بها، وأضف إلى ذلك كون ولهلم الثاني لم يجد عطفا مع أن هربرت كان ~~مغمورا بضروب الحب، أجل قدم هربرت تضحية كبيرة بهواه وبشرفه تقريبا، ولكن أباه ~~ما فتئ يريه أكبر حنو وأقوى كلف، وما انفك شعور بسمارك الشيخ الأسري يحثه ~~مع السنين على العمل في سبيل ابنه ليكون خلفا له في منصبه. # وصار هربرت نجي أبيه الوحيد، وتخرج في السياسة على والده الذي هو أعظم سياسيي ~~العصر، وكان عليه ألا يقل ثورة عن أبيه؛ ليستطيع نقد أبيه هذا، وورث عن أبيه ~~كراهية الناس فضلا عن مبادئه وحيله التي تصدر عنها، ويشتد بغض هربرت للناس إلى ~~درجة الإمحال، قال أبوه: «إنه يكره ما أزدريه، وهذا شعور حسن، غير أنه لا يحفظ أواره # 1 # طويلا.» وهو لعطله من علة النجاح الذي اتفق لأبيه فجعله مرهوبا ، عزا ~~الناس وضعه الفاتر النافر إلى الكبرياء، وقد قيل سرا: إن جميع الوزراء يكرهونه، ~~وإنهم لا يصبرون عليه إلا من أجل أبيه، وكان هربرت على وئام مع ولهلم أيام كان ~~هذا أميرا، ولكن أصواتا كثيرة ارتفعت بعد ذلك لانتقاصه والافتراء عليه، فأشبع ~~ذهن ولهلم المذبذب ضده، وتزيد البطانة ما كان من أثر فتدخل إلى الروع زعمها ~~أنه يطمع أن يكون رئيسا للبلاط؛ أي أن يجعل سلطان آل الملك ومجدهم في خطر، ولا مكان ~~في تلك البيئة لغير الرئاء، ولا يعيش أولئك الذين يبدون مثل تلك الملاحظة لولهلم ~~الذي هو أذن # 2 # بغير الرئاء البعيد منه قلب بسمارك وقلب ابنه، وما كان نشاط هربرت ~~سكرتيرا للدولة ليسفر عن غير ابتعاد الإمبراطور عن الابن ms518 والأب. # ولكن ولهلم كان مكارا، فلم يبد مقاصده في بدء الأمر، حتى إن سفير النمسة ~~كتب يقول: «إن ذلك شهر عسل ينقضي بين الحب والتبجيل»، حتى إن بسمارك غر في ~~البداءة فقال: «إن الإمبراطور بلغ من الشجاعة والاستقلال ما لا يتأثر معه بعوامل ~~البلاط.» خلافا لآبائه، ولما ظل بسمارك في فردريكسروه ساهرا إلى الساعة ~~الحادية عشرة ليلا، وليس في هذا ما يخالف عادته، ليرحب بولهلم ضيفا؛ شكر هذا ~~العاهل الشاب للمستشار عنايته فلم ينهض إلى الساعة التاسعة صباحا مراعاة له، ~~ولما زار ولهلم الشرق لم يستصحب بسمارك مكتفيا بالإبراق إليه مجاملة، ثم ~~أخذ ولهلم يشكو إلى دوك بادن الأكبر إعطاء بسمارك الشيخ له دروسا محدثا إياه ~~عن تجاريبه في الغالب، ولا بد من أن يكون ولهلم قد قال لدوك بادن الأكبر ما هو ~~أشد من ذلك لما كان من تصريح هذا الدوك بأن الإمبراطور يمسك بسمارك وابنه في خدمته ~~«في الوقت الحاضر». # وكانت سنة 1889 عصيبة، فقد قسم بسمارك فيها عنايته بين روسية والنمسة متبعا ~~سياسته القديمة في حفظ التوازن، ويريد الإمبراطور سياسة أكثر ثباتا، ويود ~~الإمبراطور أن يستبدل بهذا الأسلوب المعقد أسلوبا «أبسط» منه. وكان ولهلم - على ~~العموم - كارها لروسية محبا للحرب، وكان بسمارك موائما لروسية ولو لسبب انتهاء ~~أجل المعاهدة مع روسية في العام القادم، فيجب أن يعمل كل ما يؤدي إلى تجديد التأمين ~~الذي تتوقف عليه سلامة الإمبراطورية. # ويأتي القيصر إلى برلين ضيفا فيعرب للمستشار عن ثقته به، بيد أنه يبدي فتورا نحو ~~ابن خاله الإمبراطور، ويدعو ولهلم نفسه إلى الصيد في روسية فلا يستطيع إسكندر أن ~~يرفض ذلك، ويودع ولهلم القيصر، ويرجو من بسمارك أن يركب معه في عربته قاصدا ~~الحديث عن الأمور في وزارة الخارجية، وفي الطريق يذكر الإمبراطور عزمه على زيارة ~~القيصر، ويقابل بسمارك هذا بالصمت، فيتبرم ولهلم ويقول مغاضبا: «أليس عندك كلمة ~~تجاملني بها؟» # وتنم هذه العبارة البسيطة على عدم فهم ولهلم لكرامة مقامه ولأخلاق بسمارك، ~~كما تنم على ما يرغب فيه هذا ms519 العاهل الشاب كثيرا، ولكن بسمارك الشيخ الحكيم ~~العارف بنفور القيصر من مثل مزاج ولهلم؛ خشي زوال الصداقة غير القوية بين ألمانية ~~وروسية إذا ذهب العاهلان إلى الصيد معا، فأشار بعدم القيام بتلك الزيارة المقترحة، ~~وكيف لا يتحول العاهل الشاب إلى جمد إزاء ذلك؟ هو يشعر بأنه جرح في كرامته وفي ~~كيانه، فينزل المستشار أمام منزله ويودعه وداعا جافيا وينطلق تاركا البحث في ~~الأمور المقصودة. # وكانت تلك الركبة في العربة فاتحة التصدع، وما أشبه الأمر بخصام العاشقين عند ~~رفض القبلة للمرة الأولى! ولسرعان ما تدخلت الضباع، ولا شيء أسهل من إثارة حفيظة ~~العاهل، أفلم يكره بسمارك الشائب - عن خبث - إمبراطوره على الإغضاء عن لوم أبويه ~~بشدة لما كان حديثا من نشر مذكرة ولي العهد فردريك عن الحرب بلا إذن؟ وكان ~~بسمارك يهدف إلى تبديد الخرافة القائلة بوجود هوهنزلرني من الأحرار كما يستخرج ~~من تلك الورقات، وذلك وصولا إلى عدم تمكن الديمقراطيين من الانتساب إلى الإمبراطور ~~الراحل، ويرفع «أبناء العم العصاة» رءوسهم ثانية، ويسعون في القضاء على الائتلاف ~~وتقويض سلطان بسمارك معه، ويسلك بسمارك سبيل النضال لأسباب حكومية كما صنع بعد سنة ~~1870، فيهاجم جريدة «كروززايتنغ» في جريدة «رايخسانزيجر»، ولا يرى بسمارك ما ~~يراه لوسيوس من كون الكفاح اليوم أخطر مما في الماضي ، «فبسمارك لا يؤثر في العاهل ~~الشاب بمثل تأثيره في العاهل الشائب». # ويسمع صريف # 3 # عال للآلة الألمانية عند العمل، فقد أضرب المعدنون، ويريد الإمبراطور ~~أن يعالج هذا الإضراب معالجة مثالية على حين يرى المستشار مكافحته بالدم والحديد، ~~وبهذا يثبت بسمارك سوء فهمه لمعنى الحركة الاشتراكية وما تنطوي عليه هذه الحركة من ~~قسر، فيبدو مخطئا أمام محكمة التاريخ، ويهدف بسمارك إلى استغلال هذا الإضراب ضد ~~الحمر ولمقاصد انتخابية كما استغل محاولة اغتيال الإمبراطور ولهلم الأول فيما ~~مضى، وذلك إلى أن وصل الإمبراطور «فجأة صالا مهمازيه» إلى مجلس الوزراء المنعقد ~~مصرحا بأن المستصنعين هم المذنبون، وبأنه أمر هؤلاء بأن يجزلوا أجور العمال، وإن لم ~~يفعلوا ذلك استرد جنوده، وهكذا يخشى الإمبراطور الشاب ms520 الثورة فيرغب في منع ~~حدوثها بالإصلاحات، وهكذا يبتغي المستشار الشائب تبين معشر الثوريين فيصرعهم ~~بالنار، ويبدو الإمبراطور ومستشاره متفقين في الظاهر. ويتعذر تطبيق جميع أفكار ~~الإمبراطور الحديثة الصحيحة مبدأ في آن واحد أو بتلك الطريقة، والإمبراطور قد اقتبسها ~~من بعض ندمائه الذين يتملقونه مبينين أنه يقوم بدور ملك الصعاليك. # ومن هؤلاء الندماء نذكر معلمه هنزبتر الذي لم يطق إطراء بسمارك بما يكفي عند ~~محادثته والذي لم يتحدث عنه حتى في مذكراته التي كتبها بعد حين، ومن أولئك الندماء ~~نذكر دوغلاس الذي يضارب على أسهم التعدين والذي هو مثر مسل فلم يلبث أن صار ~~كونتا. ومن أولئك الندماء نذكر فون هيدن الذي هو مصور مدير لشركات التعدين فيرسم ~~عاملا شائبا من شرق برلين فيبديه نبيا ويجعل منه عنوانا لفاقة الفقير. # والآن يحدث ما لم يحدث سابقا في حياة بسمارك، فيقدر قوة الخصم دون الحقيقة، ~~ويغالي في الاعتماد على مركزه الخاص، ويدع شرذمة من الندماء يصنعون وفق هواهم مع ~~أنه أخذ على عاتقه مناهضة طبقة بأسرها، وإذا عدوت فترة قصيرة وجدته قد أقام ~~بفردريكسروه فيما بين شهر مايو سنة 1889 وشهر يناير سنة 1890، ولم يحذر حتى ما كان ~~في تلك الأشهر الثمانية من تحريض الإمبراطور إياه غير مرة على الاستراحة حيث هو إلى أن ~~يسترد صحته، وقد لا يستطيع الزوج المسن الذي يتزوج زوجا فتاة أن يشترك في ~~ألهياتها، ولكنه إذا كان حكيما قاسمها إياها جهد المستطيع، ومهما يكن الأمر ~~فإننا نبصر هنا رجلا عميق العرفان بالناس يدع زوجه تتمتع حرة بمعاشرة شبان ~~مرحين مغامرين عابدين لها غير مبصر سهولة إغوائهم لها، وما كان من اعتداد بسمارك ~~بنفسه وازدرائه للناس فأخذ يقضي عليه بالعمى. # وكان لدى بسمارك ما يكفي لإنذاره مع ذلك؛ فما عليه إلا أن يطالع الصحف في ~~فردريكسروه حتى يجد جميع الأحزاب ضده، وقد جاء في إحدى هذه الصحف: «أن ذلك شلل ~~في الحياة العامة»، وجعلت جريدة «جرمانية» عنوان مقالة لها: «الآن يسير كل شيء ~~ملتويا»، وتبصر جريدة كروززايتنغ مملوءة ms521 بالخبائث، وتبتهج صحف الأحرار ~~بمناحي الإمبراطور الاجتماعية، ويداوم الاشتراكيون على مكافحة المستشار كما في كل وقت، ~~ويباغت القيصر بسمارك بسؤاله عن عزمه على البقاء في منصبه، ويحذره بوتيشر من خطر ~~استمرار غيابه فيقول له غير مكترث: «لا يجازف الإمبراطور بتسريحي بعد النظر إلى مقامي ~~وسابق أيامي»، ومثله في هذا كمثل دانتون # 4 # الذي كان يقول عند تحذيره في كل مرة: «إنهم لا يجرءون!» # وما انفكت روح النقد تكون يقظى في بسمارك مع ذلك، فيذمر من تقلب الإمبراطور، «وعلى ~~الوزراء أن ينتظروا غالبا لطويل زمن في أهم الشئون، ولا يلتفت إليهم كما يجب على ~~الدوام» ويعد بسمارك بلاغا أصدره ولهلم لمصلحة صحيفة فولكزايتنغ أنه ~~«استعداد موروث للجنون»، ولا عجب؛ فقد جاء في تقرير لسفير روسية في ذلك الحين أن الناس ~~يتساءلون عن عقل الإمبراطور. # ولكن هنالك وعدا من الإمبراطور لبسمارك الشيخ، ولكن هنالك رمزا منه إلى الصدام، ~~ولكن هنالك «كلبا أسود شنيعا كبير الرأس أرمص جاف الصدر غير أصيل»، وهذا الكلب ~~هدية من الإمبراطور إليه، والآن يعيش هذا الكلب بجانب الأمير بسمارك الذي يقول: «ذلك ~~ما يأتي من خادم ملك، فقد سلمت كلبي الجميل تيراس إلى حارس غابة الصيد ليعنى به ~~متحفظا بهذا الدرواس، وكان يمكنني أن أسم هذا الحيوان لو لم يمنعني من ذلك ما ~~أبصره في عينيه من إخلاص.» # وهكذا، ترى بسمارك شبه المبعد والقريب من التسريح تاركا مولاه في العاصمة بلا ~~رقيب، وهكذا تراه منزويا في غابة فردريكسروه صابرا على صحبة ذلك الدرواس ~~المرسل إليه من مولاه، وهكذا ترى رفيق أيامه و«أعز صاحب له في العالم» - تيراس - لا ~~يحييه في الصباح خلافا لما كان عليه في السنين الماضية، وعلى حارس غابة الصيد أن ~~يقيد تيراس بالسلاسل؛ خشية شروده وعوده إلى حيث يقتل الكلب الإمبراطوري، وإذا ~~خرج بسمارك الشيخ للنزهة ماشيا أو راكبا رافقه هذا الكلب الغريب البشيع، وهو إذا ما ~~جلس بجانب الموقد وضع هذا الدرواس رأسه الكبير على ركبتيه مطالبا بتدليله، ~~وبسمارك يقول ساخرا: «ذلك ما يأتي ms522 من خادم ملك.» وبسمارك يصبر عليه مع ذلك. # ونكاد نشعر بأنه بلغ من الاعتزاز ما يعتقد معه تعذر تسريحه، وفي شهر ديسمبر يقول ~~لرفيقة حياته: «يبدي الإمبراطور أقصى درجات الإجلال لي، وهو لم يجرؤ حتى الآن على ~~معاكستي في أية مسألة سياسية، ولو كنت شابا قادرا على البقاء قريبا منه في كل وقت ~~لاستطعت أن أجعله كخاتم إصبعي، ويمكن حل الريشتاغ ثلاث مرات متتابعات، ولكن على ~~الرجل أن يكسر الجرار في نهاية الأمر، ولا يمكن حل مسائل كهذه المسألة الاجتماعية ~~الديمقراطية من غير عماد دم، كما أنه لم يمكن حل المعضلة الألمانية بغير ذلك، وبما ~~أن عاهلنا الشاب يعاف استعمال العنف ...» ولم يتم بسمارك هذه العبارة الأخيرة، ~~ولكن صدرها يدل دلالة كافية على سوء إدراكه لولهلم. # | الفصل الثالث # وفي نهاية الأمر - أي في 23 من يناير سنة 1890 - يستدعى بسمارك إلى برلين برقيا، ~~وذلك لما يكون من عقد مجلس التاج في اليوم التالي حلا للمعضلة الاجتماعية، ويسافر ~~بسمارك يوم الجمعة خلافا لعادته، ويصل إلى العاصمة تعبا، ويجمع مجلس الوزراء ~~ويقترح انتظار ما يريده الإمبراطور، وهنالك ينهض بوتيشر، وبوتيشر هذا ظل نجيا ~~لبسمارك صديقا لأسرته مدة عشر سنين فأصبح اليوم صاحب الحظوة لدى الإمبراطور من بين ~~جميع الوزراء، ولم يرتب بسمارك منه إلا حديثا، ومن رأي بوتيشر أن على مجلس ~~الوزراء أن يوجه الأمور وضعا لها في نصابها بعض الوضع، ومنذ وقت قصير كان بوتيشر ~~قد ذكر لبسمارك موكدا أن الإمبراطور عازم عزما قاطعا على القيام بإصلاحات ~~اجتماعية، وذلك حينما كان بوتيشر وبسمارك يتعاطيان الشراب في فردريكسروه، ولكن ~~بوتيشر يكرر الأمر أمام زملائه في الساعة الراهنة، فيقع غير المنتظر، يقع ظهور ~~الجميع موافقا على رأيه. # تلك ساعة هائلة لم يعرف بسمارك مثلها منذ خمس وعشرين سنة، فهو يبصر هجره من قبل ~~زملائه الذين عرفوا اتباع غيره في الأشهر الثمانية الأخيرة، وهو يبصر كيف أهمل فرصه ~~فيتصدى للوزراء غاضبا ويتوجع من سوء توجيه الأمور ويتكلم عن استقالته رجاء معارضته في ~~ذلك فيقابل ms523 بالسكوت، ويفض الاجتماع «بين شعور عام بالتوتر»، ويذهب بسمارك إلى ~~الإمبراطور الذي لم يره منذ ركبة العربة تلك، ويقول له هذا الرجل الشيخ والقطب ~~السياسي: «إنني أود إلغاء القانون الراهن المضاد للاشتراكية؛ لاحتياجي إلى ~~تدابير أقوى منه.» وهنالك يذعر الإمبراطور الشاب، ويجمع مجلس التاج ثانية، ويبدي ~~الإمبراطور رغبته في سن قوانين لحماية العمال، ويقوم حلمه على اجتناب ثورة متوعدة، ~~وعلى عقد مؤتمر، وعلى مخاطبة الشعب ب «أسلوب ملهم» في عيد ميلاده. # ويقول لوسيوس: «نتساءل - والحيرة ملء نفوسنا - عمن لقنه تلك الأفكار.» وكان ~~الإمبراطور قد عين مشاوريه، وهم الثلاثة الذين ذكرناهم آنفا، ويطلب من بوتيشر أن ~~يقرأ المذكرة، ويرجى من بسمارك أن يكون أول من يبدي رأيه، ويتظاهر بالهدوء فيشير ~~بالتأجيل قائلا إن الإمبراطور إذا ما نفذ خطته كان لذلك أثر سيئ في الانتخابات ~~لما يؤدي إليه من غم الملاك وتشجيع العمال، ويجيب الإمبراطور عن ذلك مع ~~المجاملة بأنه يود قبل كل شيء جعل القانون المضاد للاشتراكية أقل شدة، ~~ويضيف إلى ذلك قوله إن مشاوريه الشرعيين حملوه على سلوك هذه السبيل، وهنالك يقول ~~بسمارك مزمجرا: «لا أستطيع أن أثبت أنه سيكون لسياسة جلالتكم القائمة على الإذعان ~~نتائج جالبة للنوائب، ولكن ما اتفق لي من تجاريب في سنين كثيرة يجعلني أحس ~~معتقدا وقوعها في المستقبل، والآن إذا ما خضعنا لم نسطع حل الريشتاغ فيما بعد، ~~ووجب علينا أن نتوقع أحداثا أشد خطرا وصولا إلى ذلك، والقانون إذا ظل موقوفا ~~أمكن أن يسفر ذلك عن اصطدام!» # الإمبراطور هائجا: «سأجتنب مثل تلك النكبات وسأحول دون غمر سنوات عهدي الأولى ~~بالدماء ما لم تقض الضرورة القصوى بعكس ذلك.» # بسمارك ~~: # يكون ذلك ذنب الثوريين، فلا تسوى الأمور بغير سفك دم، وإلا عد الأمر ~~تسليما! وإني - لما لدي من خبرة في هذه الأمور - أشير بعكس ما تقترحون، ~~وقد زادت سلطة الملك باطراد منذ تسلمي زمام الأمور، ولا يدل الارتداد ~~الاختياري على غير الخطوة الأولى نحو نظام الحكم البرلماني الذي يكون خطرا ~~في نهاية الأمر وإن لاءم الساعة ms524 العتيدة، ولا أدري هل أبقى في منصبي إذا لم ~~تقبل جلالتكم نصيحتي. # الإمبراطور يقول لبوتيشر بصوت خافت: «يوجب ذلك توريطي.» وينم هذا التسار على ~~توادهما ضد بسمارك. # وعندئذ يسأل الآخرون كلهم عن آرائهم، وهؤلاء جميعهم يشعرون بتقاطع قريب الوقوع، ~~ولا يجرؤ أي واحد منهم أن يجهر بالانحياز إلى الإمبراطور مع ذلك، وهنا حيث يجب ~~عليهم أن يختاروا أحد النجدين في وسط المبارزة، كان سلطان بسمارك من القوة ما يفرض ~~عليهم انتحال وجهة نظره ظاهرا، بيد أنه يبصر الرعب بلا داع معقول في نظراتهم ~~وملامحهم، فعاد لا يعتقد وجود نفوذ حقيقي له فيهم وإن لاح أنه رقيب عليهم ~~شكلا. # وتشتد عزيمة زعماء المحافظين بأنباء ذلك الخصام، فيبدءون من الغد بمعارضة القانون ~~المضاد للاشتراكيين والذي هو من وضع بسمارك مصوتين ضده مقوضين قبل الانتخابات ~~ذلك الائتلاف الذي استند إليه بسمارك ثلاث سنين مجردين إياه من أكثريته، وفي اليوم ~~نفسه يهز الإمبراطور جمع كفه أمام وزير الحربية متوعدا قائلا: «عدتم لا ~~تكونون وزرائي، بل وزراء الأمير بسمارك! وقد بدوتم كأنكم ضربتم بالسوط! هو قد غرس ~~كرسيه أمام بابي!» وفي اليوم نفسه يستلقي بسمارك فوق المتكأ محطما لابسا ~~مبذله، فيقول لرئيس المستشارية الإمبراطورية: «أرى الإمبراطور متجافيا عني مصغيا ~~إلى أناس كدوغلاس، وأرى زملائي قد هجروني»، وابنه بيل وحده هو الذي جرؤ على ~~نصحه بالاستقالة، وبيل هذا قال لصديق له: «عاد والدي لا يعرف الضرب كما في ~~الماضي.» # ذلك صواب؛ فالآن يبدأ دور التردد الذي يدوم حتى النهاية، الذي يدوم سبعة أسابيع، ~~وإلى الآن كان يتعذر وقوع مثل هذا التردد؛ لما اتفق لبسمارك من عزم حديدي ~~وذكاء مرن، ويلوح أن كل شيء يتوقف على الانتخابات التي يتمناها ويخشاها معا، ~~ويجتمع في غد الاجتماع الموصوف آنفا بزملائه الحيارى الذين بدوا فيه لطفاء سمحاء، ~~فيقول لهم: «تتقلب أهواء كل عاهل كتقلب الجو، وتظلون مبللين ولو اتقيتم ~~بمظلة، وأبجل في الإمبراطور نسبه وكونه مولاي وإن كان يؤسفني وضعه، ولا ~~يمكننا أن نغضي عن تأليف عصبة # 1 ~~... ويبدو لي ms525 الاستسلام.» ويرى اعتزال وزارة التجارة، ويدع أحد مقربي ~~الإمبراطور يحل محله، ويفوض إلى بوتيشر أن يضع مشروعا للمراسيم المرغوب ~~فيها، وينبئ بأنه سيقتصر على وزارة الخارجية، وبأنه قد يكتفي بمستشارية ~~الإمبراطورية، ويبدو تفاهم في عيد ميلاد الإمبراطور مع تبادل ولاء. # بيد أن الوضع يتوتر في شهر فبراير، فتكثر الدسائس، ويرى تغير في مزاج ~~بسمارك الشيخ فيدع نفسه تسير مرة أخرى، ويحاول أن يؤثر في زملائه ضد المراسيم ~~الاجتماعية، وينتحل بوتيشر وجه البلاطي فيذكر أن كل قرار سلبي يسيء ~~الإمبراطور، فيعنفه بسمارك علنا بقوله: «أرى من الخيانة أن يبصر الوزراء ~~المسئولون مولاهم يسلك طريقا خطرة على الدولة فلا يجهرون بمخالفتهم إياه، ولو كان ~~عملنا مقتصرا على تنفيذ رغبة الإمبراطور لكفى ثمانية موظفين عاديين للقيام مقام ~~الوزراء الحاليين.» وتهيأ المراسيم في نهاية الأمر، ويود بسمارك أن يجس في ~~الاجتماع نبض الإمبراطور فيقول: «أخشى ألا أكون عقبة في طريقكم.» فيلزم الإمبراطور ~~جانب الصمت من غير مناقضة، حتى إن هذا لم يكن عند بسمارك من القوة ما يعد به ~~تلميحا كافيا. # وبسمارك يحاول عبثا أن يحمل زملاءه على الاحتجاج، ولما أعرب لهم عن عزمه على اعتزال ~~بعض وظائفه كان السكوت جوابهم، ويقول بسمارك لابنه بعد ذلك: «تنفس جميعهم ~~الصعداء؛ لما لاح من خلاصهم مني بعض الخلاص!» # ويرى بسمارك ما واثبهم من سرور خبيث فيروي أنه رأى ركوب متن العناد متحديا فأقلع ~~عن عزمه على ترك بعض وظائفه، وبذلك يغضب الإمبراطور الذي كان قد سر بعزم ~~بسمارك على ذلك، وهنالك تقع مباراة بين هذين الخصمين، ويرى أيهما يقصر في ~~العدو، وكلاهما يشعر بتعذر دوام الأمر على ذلك المنوال، وكل منهما يريد إلقاء ~~تبعة التصدع على الآخر، ولا يغامر الإمبراطور في تسريح بسمارك، ولا يريد بسمارك ~~الانصراف إلا بصرفه، ويفضل أن يبقى حيث هو لما يرى في استعفائه مختارا ما يرتاح له ~~الإمبراطور، وهكذا يتباغض الرجلان بين البقاء والانتقال، وهكذا يشابه وضعهما ~~وضع الزوجين عند تفكك عقدة زواجهما ورغبة أحدهما في الانفصال وخشية الآخر من ~~الانفصال ms526 مع عدم إقدام أي واحد منهما على اتخاذ خطوة حاسمة في الأمر. # ولا ينشد بسمارك إيماء لطيفا ولا تعظيما رفيعا، وإنما يود الكفاح لما فطر ~~عليه من عناد، وهو إذ أبصر تعذر النصر في هذه المرة صار لا يبحث عن سوى هزيمة خصمه ~~أدبيا، ويملأ بغضا وغيرة فيتمسك حتى بأصغر حقوقه، ومن ذلك أن ثار غضبا عندما ~~أصدر أمين السر الثاني بتوقيعه دعوة إلى مستشار في مجلس الدولة بدلا من عرضها عليه ~~ليمضيها، ويرقب ما يسير عليه خصومه من طرق ملتوية، ويبصر وجود مكايد حيث لا ~~تحاك مكايد، ويعد فيكتورية مصدر وحي هنزبتر فيقول: «إن هنزبتر مسدس تعبئه ~~فيكتورية التي هي أقدر شخص، فتستعمله للتأثير في الإمبراطور.» وهو في الوقت نفسه ~~يتذلل بما لا عهد له به فيزور فيكتورية ويقول لها شاكيا إنه عاد غير ملائم للوقت ~~منتظرا عبثا ردها ذلك عليه، وما كان جوابه عند سؤالها إياه عما يمكنها أن تصنعه له ~~إلا قوله: «لا أرغب في غير قليل عطف!» ولو كان ما نعرفه من تاريخ ذلك الدور سوى هذه ~~الكلمة لقلنا إنه شيخ خطف من فمه خبز الحياة! # والواقعي الصنديد بسمارك كان في ذلك الوقت قادرا على التفكير في الأمر بأسره مع ~~ذلك، وبسمارك في شهر فبراير وضع مشروع تقاعده، ويفضي إلى جميع السفراء بحقائق البلد ~~عالما أنهم يسجلونها فيما يرسلونه من التقارير إلى البلاط، وإلى الإمبراطور الذي ~~لم ييأس من استمالته، ويقول بسمارك لسفير سكسونية: «والخلاصة هي أن الإمبراطور يسأل ~~أحد ضباط الفرسان عن رأيه في حل المعضلة الاجتماعية ثم يريد فرض رأي هذا الضابط ~~علي، وهو يتلهف على الهتاف له قلبا وقالبا، ولكنه ليس ذا حظوة عند الطبقات ~~الموسرة لتبنيه قضية طبقات العمال، وأبصر قرب الوقت الذي لا يعتمد فيه على ~~الجيش أيضا فيبدو مصير ألمانية واضحا لكل ذي عينين.» وهكذا ترى ذهنه يترجح بين ~~الأمور الكبيرة والأمور الصغيرة في تلك الأسابيع المترنحة. # والقول الفصل للانتخابات، وبينما كانت الحامية مذعورة من رب الحرب فتسير صاخبة ~~إلى ms527 ميدان تنبلهوفر كانت كتائب العمال تمشي صامتة إلى صناديق الانتخابات، واليوم ~~تنتقم لنفسها من عنف عشرة أعوام، واليوم تتحقق نبوءة ليبكنخت الحديثة، وهي: «وماذا ~~اكتسبتم بعد أحد عشر عاما؟ اعترف كل إنسان في مؤتمر باريس بأن الديمقراطية ~~الاجتماعية الألمانية أقوى منظمات العالم وأحسنها، أردتم خنقنا، ولكنكم أوجبتم ~~تقويتنا، وما هي ألمانية بغير عمالها، ألا إن العالم عرف فكرة جديدة، ألا إن العالم ~~عرف ثورة جديدة، فإذا أردتم مقاومة روح الوقت وقعت الواقعة لا محالة!» # واليوم يبلغ الحزب الاشتراكي الديمقراطي من الشأن ثلاثة أضعاف ما كان عليه، ~~واليوم يبلغ عدد الأصوات الحمر مليونا ونصف مليون من سبعة ملايين، واليوم يبلغ عدد ~~الأصوات ضد بسمارك أربعة ملايين ونصف مليون. # ومن الصحيح أن يعتقد بسمارك أن مراسيم الإمبراطور المشوشة أعانت - بعض الشيء - على ~~ذلك السقوط الانتخابي، ومن الخطأ زعمه أن نتائج الانتخابات تكون كما كانت عليه منذ ~~ثلاث سنين لولا تلك المراسيم، ولم يزل أمله؛ فقد أبصر تجدد الكفاح، ويزول ضعفه، ~~ويشمر عن ساعده لما رآه من خطر يحيط بالدولة، ويصقل سلاحه، ويقوم سلاحه هذا على ~~إنقاذ الوضع بتشديد أحكام القانون المضاد للاشتراكية وتقوية الجيش، ويقول للإمبراطور: ~~«سيكون حل المجلس مرة أو مرتين أمرا ضروريا، وندعو أمراء الريخ إلى برلين عند ~~الاقتضاء، ونضيق نطاق التصويت العام، وهنالك تضيق الجماهير بالإضرابات والانتخابات ~~ذرعا فلا ترتاح لهما، وقد تشتعل بعض الفتن، فيكون لنا بذلك من الفرص ما يصفى به ~~الحساب مع الديمقراطية الاشتراكية، والنجاح لا يزال ممكنا، ولا يزال عندي من القوة ~~والثقة ما أقوم معه بذلك، وسيتعذر ذلك بعد حين، فلا إذعان!» # وعلى ذلك الوجه يتكلم المكافح القديم، والآن كما كان منذ ثلاثين سنة يود أن يقضي ~~على روح الوقت، وليس الإمبراطور الشاب أكثر صداقة للشعب من بسمارك، ولكنه ~~«وهو كاره لاستعمال القوة»، يجيب عن ذلك بقوله: «إنك تبدي من النصائح ما يستحيل على ~~عاهل شاب أن يرضى به!» # بسمارك ~~: # لا بد لنا ولكم من إنزال الضربات، وعاجلها خير من آجلها! ولن تستطيعوا أن ms528 ~~تقضوا على الاشتراكية الديمقراطية بسياسة الإصلاح، وسيأتي يوم تكرهون فيه على ~~سحقها بالبنادق. # وهكذا يسير بسمارك بالأمور إلى أقصى الحدود، وهكذا يبلغ من الثقة بنفسه ما يقدم ~~معه استقالته عند وقوع العكس جاعلا الأمور بذلك سهلة على الإمبراطور، بيد أن ~~ولهلم يحلم بالألوف الثمانين من الجنود الإضافية التي وعده المستشار بالفوز بها من ~~الريشتاغ، فتناول يد المستشار وردد كلمته الآتية ترديدا روائيا وهي: «لا ~~إذعان!» # ويتقوى بسمارك بهذا النجاح فيصل إلى مجلس الوزراء في الغد حاملا شعورا من الزهو ~~مضاعفا قائلا: «إن الإمبراطور مستعد للنضال، فأستطيع أن أظل بجانبه!» وينظر ~~إليه سامعوه صامتين مشغولي البال، ويعتز بسمارك فيقبض على زمام الأمور بإحكام ويعزم ~~على إبعاد زملائه من الإمبراطور مذكرا إياهم بأمر وزاري قديم قاض بمنع الوزراء من ~~الاتصال المباشر بالملك. # ويأتي هذا التذكير بعد الأوان، فمنذ طويل زمن تضافر كل من الوزراء والندماء ~~ورؤساء الجيش وزعماء المحافظين ضد بسمارك، ومنذ طويل زمن ألقى جميع هؤلاء في روع ~~الإمبراطور كون بسمارك مسئولا عن الخيبة في الانتخابات، ويترك ولهلم كل فكرة ~~كفاح بغتة فيقول في إحدى الولائم متوعدا: «سأسحق كل من يعوق عملي!» وهذا الوعيد ~~هو صورة حرفية عما كان الأمير قد كتبه إلى بسمارك قبل ذلك بزمن طويل، ويرتفع نجم ~~بوتيشر، ويشكوه بسمارك إلى الإمبراطور، فلم يتمالك الإمبراطور أن أنعم عليه في ~~المساء نفسه بوسام النسر الأسود الذي كان قد أنعم على بسمارك بمثله بعد حل معضلة ~~شليسويغ هولشتاين، ولما سمع بسمارك بهذا النبأ ردد قول شيلر في رواية ~~فالنشتاين: «لقد وجدت سبيلك يا أوكتافيو!» # والآن لا يبالي بغير نيل أكثرية جديدة في الريشتاغ، وتبدأ الصخرة القديمة للسلطة ~~الملكية بالارتجاج تحت رجليه، ويبحث حوله عن أساس ثابت جديد، شأن الملاح الذي ~~لا يزال يتشبث بالصخرة التي سيتحطم عليها. # | الفصل الرابع # يلوح لبسمارك أن آخر ما يتمسك به من وسيلة هو أن ينال أكثرية في الريشتاغ وأن ~~يطيب خاطر الإمبراطور وأن يقابل غضبه بما لهذا البرلمان الذي ازدري طويلا من ~~سلطان وهمي، ms529 فبالأكثرية يستطيع أن يعطي الإمبراطور ثمانين ألف جندي، وهو على صواب ~~في اعتقاده أن أحدا غيره لا يستطيع أن يصنع ذلك، أفلم يرد «أبناء العم» ~~المعارضون أن يسلموه إلى الوسط مخادعين؟ أفلم تحك المكايد حوله قبل الانتخابات ~~بأشهر مع فيندهورست إسقاطا له؟ وماذا عليك لو تلافى ذلك؟ وليبرز العدو ~~والمؤتمن من الجحيم! ويمكن اليهود واليسوعيين أن يتفقوا، ويحدث بليشرودر، ~~ويوعز إلى فيندهورست بأن يعطي إشارات التفاهم، وتبدو المفاجأة، ثم يعقد ~~اجتماع ويناقش في الأمور كما في غابر الأيام. # وهنالك يجلس فيندهورست قليلا، وهو يستطيع للمرة الأولى منذ عشر سنوات أن يصوغ ~~مطاليبه ثانية، وكان من الممكن أن ينال فيما مضى، ولكن المستشار وجد الثمن غاليا في ~~ذلك الحين، واليوم يلم ببسمارك احتياج ملح، ولا بد من قبول الشروط، ويطالب ~~فيندهورست بإلغاء أشد البنود في القانون المضاد لليسوعيين، ويطالب بتعليم ~~النصرانية في المدارس الابتدائية، ويجادل في المسائل ويناقش فيه مدة طويلة، ويظهر ~~بسمارك علائم التعب ويتكلم عن ضعف صحته، ويعلم فيندهورست خيرا من سواه أن بسمارك - وإن أساء استعمال هذه العبارة ثلاثين سنة - قد تكون عبارته هذه صحيحة في الوقت ~~الحاضر، ويذعر فيندهورست الكاثوليكي من ارتفاع السيل الأحمر، ويرى أنه لا يقدر ~~على عوق تقدمه غير ذلك الساحر الشائب. # وهكذا يوصل إلى النتيجة الغريبة القائلة إن فيندهورست يضرع إلى بسمارك أن يبقى ~~في منصبه! ووجه الغرابة هو أن كل واحد منهما كان - منذ عشر سنوات أو تزيد - يتمنى ~~موت الآخر أو اعتزاله، فلما أصبح اعتزال بسمارك قريب الوقوع طلب إليه فيندهورست ~~أن يظل فوق السرج، ويبقى الأمر معلقا عندما انصرف فيندهورست، ولكن هذا ~~الكاثوليكي قال لصديق له في ذلك المساء: «تراني آتيا من لدن رجل عظيم على سرير ~~موته السياسي.» # والرجل العظيم يود الحياة مع ذلك، والآن يدعو إليه زعيم المحافظين ليعلم مطاليب ~~هذا الحزب، ولكن «أبناء العم» البارونات المالكين، يحتشدون، فيعرفون في ساعات قليلة ~~آخر مشاريع بسمارك، وهم يرصون صفوفهم مرة أخرى ضد هذا الفرع الشرير لدوحتهم، ~~وهم يرفضون أن ms530 يحققوا معه، أو تحت إشرافه، ائتلافا فكروا في صنعه بغيره وخلافا ~~له، وهم يرفضون بغلظة أن يأتوا إليه، وهم يبلغون إلى فيندهورست أسباب رفضهم في ~~اليوم التالي طمعا في أن يعرف الإمبراطور رسميا ما هو الشرط الوحيد الذي يعين به ~~العرش أركانه، وفي الوقت نفسه يذهب الكونت لنبرغ ستيرم إلى بوتيشر ويضع نفسه ~~تحت تصرفه ليكون واسطة اتصال بين الحزب والحكومة، وهو يضيف إلى ذلك قوله: «عادت ~~مفاوضة الأمير بسمارك غير ممكنة.» # وعلى المجاهد القديم أن يواجه الآن رءوس السعالي، # 1 # واليوم يرفع رءوسهم ضده - للانتقام - جميع من ازدراهم في الماضي، واليوم ~~يقتله أبناء طبقته الخاصة أدبيا بدلا من الالتفاف حوله والمحافظة عليه، واليوم يقهر ~~الطاغية عشيرته الأقربون، واليوم يطعن في فؤاده، وليس هذا عمل بطل يا أوكتافيو! ~~وفيما كنت ترى الجميع يهجرون بسمارك كنت لا ترى بجانبه غير عدوه القديم - غير حزب ~~الوسط - وتنتقم ألمانية منه؛ لجبروته، وتنتقم ألمانية من عظمته. # وهكذا تشدب الأيدي الحازمة جميع غصون شجرة البلوط القديمة الهائلة في آن ~~واحد، ولا ترى الآن من يسقط رأس الشجرة الذاوي خدعا لحارس الغابة الجافي! # ولم يبق على حارس الغابة الإمبراطور الشاب غير عمل سهل يقوم به، ويقوي ~~الإمبراطور قلبه فيقرأ مقالات جميع الصحف، ويجتمع بجميع الوزراء والندماء فيرى ما ~~يساورهم من حقد وضيق بسبب المستشار، ويتشجع الإمبراطور في نهاية الأمر ويقنع نفسه ~~بألا يصبر على حزب الوسط، ولا على زعيمه على الخصوص، ويجرؤ أخيرا على اتخاذ خطوة ~~حاسمة، وينبئ المستشار بزيارته له، ولا تفتح الرسالة في تلك الليلة مصادفة، وينادى ~~بسمارك قبيل الساعة التاسعة من الصباح التالي للاجتماع بمولاه الذي جاء في وقت غير ~~مقرر ومن غير سابق تنبيه. # ويبصر ولهلم حل ساعته الكبرى، ويظل واقفا في أثناء الحديث كله فيضطر ~~بسمارك إلى بقائه قائما مع ما يشعر به من تعب في الصباح الباكر على الدوام، ويسأله ~~الإمبراطور بعد كلمات قليلة تمهيدية عن عدم رده فيندهورست، ومن الواقع أن كان ~~الإمبراطور قد أمر الشرطة منذ أسابيع بأن ms531 تراقب المستشارية مراقبة وثيقة كما لو كان ~~يصنع فيها نقد زائف، فصار الإمبراطور يعرف جيدا من يزورون المستشار، ثم قال ~~الإمبراطور إن على المستشار أن يستشيره قبل الاجتماع بأناس من ذوي الشأن ~~كفيندهورست. # وهنالك يتميز بسمارك غيظا، وهنالك يبدو عنيفا لاذعا، وهنالك يوضح للعاهل واجبات ~~رئيس الوزراء وحدود حقوق الملك التي لا يمكنه أن يجاوزها، وهنالك يذكر شين ما ~~يوده الإمبراطور من رقابة، وهنالك يصرح بأنه لا يخضع لمثل هذه الرقابة ولا يأذن ~~فيها. # الإمبراطور ~~: # حتى لو أمرك مولاك بذلك؟ # بسمارك ~~: # حتى لو أمرت بذلك يا صاحب الجلالة! # ولم يسبق أن سمع بسمارك الذي «شاهد ثلاثة ملوك» كلمة «أمر» تخرج من فم أي واحد من ~~سادته هؤلاء وإن لم تزل تستعمل في المراسيم تبعا للعادة القديمة، حتى إن المليك ~~الأول كان قد قال للسفير الشونهاوزني الشاب بسمارك إنه لا «يأمره» بالذهاب إلى ~~فينة، بل «يطلب منه» أن يفعل ذلك. # ويدل أشد كتب ولهلم الأول المرسلة إلى وزيره في ست وعشرين سنة اشتمالا على ~~الغضب على تقيد في اللهجة جدير بالذكر، وكان هذا القيد الأكبر غير المكتوب هو ~~الشرط الضمني الذي وافق به على الخدمة ذلك الذي خلق للقيادة، وهو إذا ما أنب ~~زال ولاؤه، ولا تكون إلا متعذرة خدمة بسمارك إذا اختلفت صلته بمليكه تحت أزهار ~~الولاء عما يكون عادة بين رجلين شريفين متساويين مرتبة، والآن ينهار البناء بأسره ~~أمام تلك المسألة ذات الصرير فلا يبدو سوى شريف أمام شريف. ويسفر ما حدث في تلك الساعة ~~الهائلة من توتر عن فقد ولهلم لشجاعته التي أعدها بعناية وعن عدم ضبط بسمارك ~~لنفسه عدة دقائق. # وفيما كان الإمبراطور يتمتم معتذرا ويقول إنه قصد الرغائب لا الأوامر وإن المستشار ~~لا يمكن أن يكون قاصدا إحداث شغب في الشعب؛ صاح بسمارك غاضبا قائلا: «هو كذا! ~~ولا بد من وقوع مثل تلك الاضطرابات في بلد لا يعرف أحد فيه ماذا يهدف إليه الإمبراطور ~~بسياسته!» # ويرتعب الإمبراطور الشاب، وهو لم يتعود الكفاح مقابلة على ذلك الوجه، ms532 ولكنه يظل ~~هادئا أكثر من ذلك القطب السياسي الشائب في بدء الأمر، ويتكلم عن إنقاص طلب زيادة ~~الجيش حتى يمكن الاتفاق مع الريشتاغ الجديد طامعا أن يثير هذا الاقتراح غضب ذلك ~~المكافح الشيخ فيقدم استقالته، ولكن بسمارك يسترد رباطة جأشه ويبصر نصب ~~شرك له فيصرح بأنه يستقيل إذا رغب الإمبراطور في ذلك. وهكذا، يحاول كل من ~~الرجلين إلقاء التبعة على عاتق الآخر، وتكاد عواصف ذلك الكفاح الأخير حول السلطان ~~تضطرب بلا صوت تحت سطح تلك المحاورة المستحرة، والآن يبدأ الإمبراطور قوله: «عاد ~~وزرائي لا يقدمون إلي أي تقرير شفوي، وقد قيل لي إنكم منعتموهم من ذلك بغير ~~موافقتكم مستندين في ذلك إلى أنظمة مهملة منسية.» # ويبدي بسمارك اعتدال دم فيوضح له أنه عمل وفق نظام صادر سنة 1852 قائل إنه ~~يحق للملك بعد أن يناقش رئيس الوزارة في الأمور أن ينحاز دوما إلى الوزير المختص ~~ضد رئيس الوزارة، فيقضي بذلك. ويقول بسمارك إن هذا النظام ضروري لا ينبغي ~~إلغاؤه. # وهل سدت جميع الطرق المؤدية إلى السلطان إذن؟ يحاول الإمبراطور أن يهاجم من جهة ~~ثالثة، فيدنو من الرجل الشائب منتحلا لهجة ولي عهد قائلا إنه يلتمس أن يشرك بأكثر ~~من قبل في إدارة الأمور وأن يذاكره المستشار قبل تقرير الشئون المهمة، وهل معرفة ~~الإمبراطور قليلة بالرجل الذي هو أمامه؟ يرفض بسمارك بغلظة عمل أي شيء من ذلك، ~~معتمدا على نصوص الدستور، ويتكلم عن صلاته بولهلم الأول ويقول باختصار: «وجب أن ~~تكون قراراتي معدة عندما أجيء إلى جلالتكم.» # صخر تحت سطح البحر، ولا ميناء أمين! السلطان قبضته، ولا يفرط في ذرة منه! ~~أنت تظل ظل عاهل إذا ما ساس وسيطر! # والآن لم يقنع الشيخ بدحض مطاليب مولاه الشديد الشكيمة، بل يود أن يذل ~~الإمبراطور، بل يريد أن ينتقم من هذا الذي أساء إليه في الأيام الأخيرة، بل يبغي أن ~~يرمي قلب عدوه العاهل بسهم! # بسمارك في سنة 1894. # ترى على المائدة هنالك محفظة، وليس عليه إلا أن يفتحها، وهي تمثل علبة بندورا، # 2 ms533 # وبسمارك بلا مناسبة يحول الحديث إلى مسألة زيارة الإمبراطور المقترحة ~~لقيصر روسية، ويخرج ورقة من تلك المحفظة وينظر إليها وهو يقول: «لدي أسباب وجيهة ~~ضد مثل هذه الرحلة؛ فقد وصل تقرير من لندن في هذه الأيام قال السفير فيه إن القيصر ~~أبدى ملاحظات غير سارة حول جلالتكم في أثناء حديث خاص.» ويمسك بسمارك الورقة بهدوء ~~كما لو كان ممثلا، ويعض الإمبراطور على شفتيه، وهل يذعر؟ # الإمبراطور: «تفضل بتلاوتها علي!» # هنالك يبدو ميفيستوفل جزوعا فيقول: «محال! لم تبد تلك الملاحظات لتكرر!» ~~وهنالك يهز بسمارك الورقة بيده هز إغراء، وهنالك يرتعش الإمبراطور ولا يود أن ~~يظهر ضعفا، فيقول: «أعطني إياها!» وهنالك يختطفها الإمبراطور ويقرؤها فيحمر ويصفر ~~وينصرف صامتا، فقد أبصر - فيما أبصر - أن القيصر يقول عنه «إنه مجنون، إنه غلام غير ~~مهذب!» وقد شعر بأن بسمارك ساطه # 3 # بأشد مما فعل القيصر، وبسمارك عامله في بدء الأمر كما يعامل الأستاذ ~~تلميذه ثم شتمه، وهل يستطيع بعد تلك الإهانة أن يمد إليه يده؟ إنه مدها إليه ~~متكلفا حينما ولى ظهره ذاهبا حاملا خوذته بيده اليمنى، ويسرع في النزول من ~~الدرج وفي مغادرة ذلك المنزل وفي ركوب عربته، ويهرع راجعا إلى أخلائه، ويسير ~~بسمارك الشائب وراءه متئدا وينحني عند عتبة باب داره. # ولا مثيل لما فعله بسمارك في تلك الساعة، وإن هذا العاصي الذي هزأ بالنبلاء ~~والأمراء عن خبث منذ خمسين سنة يعود اليوم إلى سابق سيرته ليعاقب العاهل، وقد بلغ من ~~الحذق في تمثيل دوره ما عبر معه عن رأيه في ولهلم على لسان شخص ثالث، وما كتم ~~معه حكمه الذي هو حكم القيصر في ولهلم حتى اختطفه منه هذا الإمبراطور، وما كان ~~ليستطيع عدم تسليم الورقة عندما خطفها الإمبراطور منه! ولم كان ولهلم من الغباوة ~~ما اختطفها معه حين تحذيره؟ «يمكن الرجل أن يكون أشقر الشعر أزرق العينين فيخطئ ~~كالقرطجي!» # | الفصل الخامس # ترى في اليوم التالي رجلين شائبين في غرفة ذات نور غبش يرتبان أوراقا، وترى ~~أحدهما يخرج غلفا من الخزائن والمحافظ، ms534 وترى الآخر يقرأ العناوين ويجمعها أكداسا ~~أكداسا، والرجلان هما بسمارك وبوش، ويقول بسمارك لصاحبه: «سأكتب مذكراتي، وستساعدني ~~على ذلك، فسأستقيل، وأستعد لوضع متاعي في عيابي، # 1 # ولا بد من إرسال أوراقي في الحال، وذلك حذر حجزها إذا ما بقيت هنا وقتا ~~آخر ... والحكاية هي أمر ثلاثة أيام، أو ثلاثة أسابيع على ما يحتمل، ثم أنصرف لا ~~محالة؛ فالوضع أصبح لا يطاق، ولكنني لا أعرف كيف أخرج هذه الأوراق بأمان، وقد ترسل ~~إلى بيتكم، ولكن كيف؟» # بوش ~~: # يمكنني أن آخذها رزما صغيرة يا صاحب السمو ثم أسلمها إلى ~~هيهن. # بسمارك ~~: # ومن هو هيهن؟ # بوش ~~: # هو رجل يوثق به. # بسمارك ~~: # يمكنني أن أرسلها إلى شونهاوزن ثم تذهب فتحضرها من هنالك، ولا تتوان ~~في استنساخ أهمها، ثم احفظ النسخ إلى إشعار آخر، وهذه هي رسائلي إلى ~~الإمبراطور ولهلم، وهذه هي رسالة التوصية التي أخذتها من فردريك ولهلم ~~حينما ذهبت إلى فينة، قل لي ما هو عمرك؟ # بوش ~~: # تسع وستون سنة؟ # بسمارك ~~: # وي، يمكنني أن أتمتع بحياة الريف حتى الثمانين من عمري. # ويمضي يومان فيأتي بوش بالنسخ، فيقول له بسمارك: «أعدها معك، لا؛ فالرأي ألا ~~يفعل هذا، وماذا يحدث لو رأوك تجيء وتخرج حاملا غلفا كبيرة، تعال وانظر إلى ~~هنا، فهذه هي أقوم طريقة.» ويضعان الأوراق في صندوق بين بعض الخرائط حيث لا يلاحظها ~~أحد - كما يظهر. # وهكذا يغادر بسمارك ذلك البيت الذي سيطر منه على البلاد، وهكذا يغادر بسمارك ذلك ~~البيت الذي شاد منه إمبراطورية، وهكذا يغادر بسمارك ذلك البيت كأنه مؤتمر يتعقبه ~~أعداؤه فيود أن ينجو ظافرا بكنزه الأخير؛ أي بأوراقه التي سينتفع بها في منفاه ~~والتي سيتخذها سلاحا ضد أعدائه، ولا تجد في الديوان، الذي ظل رئيسا له زمنا ~~طويلا، شخصا واحدا يستطيع أن يعتمده فيودعه ما هو خاص به! وهل من مأمن بعيد من ~~العيون؟ هنالك يفكر في شونهاوزن لما لا تلوح له فردريكسروه مكانا أمينا، ~~ومن ثم ترى كيف يذكر اسم مسقط رأسه للمرة الأولى بعد سنوات كثيرة، ويستدعي ms535 صحافيا؛ ~~أي رجلا كان يمكنه أن ينتزع منه نبأ في الحين بعد الحين (لأن بوش كان ذا نفوذ كاف ~~يستطيع به أن يؤذي بسمارك)، ويمر هذان الشيخان تلك الغلف التي لا تقدر بثمن ~~ذهابا وإيابا، ويخيل إلى بوش أن تلك الوثائق مما يفيده إذا كتب مذكراته ~~الخاصة، ومن المحتمل أن يذكر بسمارك مصير أرنيم الذي حكم عليه - بتحريض منه - بالسجن ~~مع الأشغال الشاقة؛ لأنه رفض إعادة بعض أوراق الدولة. # وفيما كان ذلك العمل السري يسير إذ يحضر جنرال بهي، إذ يحضر رئيس الغرفة ~~العسكرية، فيقول إنه مرسل من الإمبراطور ليسأل كيف يمكن إلغاء النظام الوزاري الذي ~~سنه المرحوم الملك فردريك ولهلم الرابع في سنة 1852؟ فيجيب بسمارك بغلظة قائلا ~~إن ذلك النظام سيظل نافذا قاصدا حمل الملك على عزله. # ويصل الكونت بولس شوالوف في اليوم التالي، ويأتي من سان بطرسبرغ مفوضا ~~تفويضا تاما في تجديد المعاهدة الروسية لست سنوات بدلا من ثلاث سنوات، وهذا ما ~~سعى إليه بسمارك منذ سنة، وسينتهي حكم المعاهدة في شهر يونيو، وتتوقف سلامة ~~الإمبراطورية على راحة بالها من ناحية الشرق، وكان الإمبراطور الشاب قد وافق على ذلك ~~التجديد، وكان القيصر على علم تام بضمن الأمر، فكتب على هامش إحدى وثائق الدولة ~~يقول: «ومن أجل بسمارك ينطوي اتفاقنا الودي على ضمان بعدم وجود أي تفاهم مكتوب ~~بيننا وبين فرنسة، وهذا ما يهم ألمانية إلى الغاية.» والآن يهز بسمارك كتفيه، ~~ويقول للرسول الروسي المذعور إن ما أشيع من خبر قرب اعتزاله صحيح، وإنه يمكنه أن ~~يسوي الأمر مع خلفه المجهول، وهنا نبصر أولى نتائج سقوط بسمارك وأخطرها، فقد ~~تبودلت البرقيات مع سان بطرسبرغ وصارت روسية غير مطمئنة إلى سياسة ألمانية بعد أن ~~أصبح تسريح ذلك القطب السياسي الممتاز قاب قوسين أو أدنى، ويرفض القيصر تجديد ~~المعاهدة. # وفي ذلك الصباح، وفور معاهدة شوالوف للمستشارية، يعود الجنرال هنكه حاملا طلبا ~~حاسما من الإمبراطور قائلا بوجوب إلغاء النظام الوزاري القديم، ويصعب على الجنرال ~~أن يملك صوته وهو يقول: «وإلا فإن صاحب ms536 الجلالة ينتظر أن تقدموا إليه استقالتكم ~~في الحال وأن تقابلوه شخصيا في القصر في الساعة الثانية بعد الظهر ليقبل ~~الاستقالة.» ~~«العالم ينهار!» هذا ما قاله الكردينال في الفاتيكان بعد معركة كونيغراتز، وما ~~كانت هذه الكلمة لتدور في خلد بسمارك طرفة عين، وسيقول ما يفكر فيه حول المسألة بعد ~~قليل، والآن يجيب عن ذلك هادئا: «لست من حسن الصحة ما أغادر معه المنزل، وسأكتب.» ~~ويخيل إلى هنكه أن بسمارك ثوري بين سحابة حمراء وينصرف، ولما يمض قليل وقت ~~حتى أخذ الأمير بسمارك من الإمبراطور مذكرة غير مختومة جاء فيها: «تدل تقارير قناصل ~~ألمانية في روسية دلالة واضحة على أن الروس يقومون بحركات عسكرية استعدادا لمحاربتنا، ~~فمن المؤسف جدا ألا تكون هذه التقارير قد بلغت إلي، وكان يجب عليكم أن توجهوا ~~نظري إلى هذا الخطر الهائل الذي يهددنا! وقد أنى لنا أن نحذر النمسويين ونتخذ ما يجب ~~من تدابير الدفاع ... ولهلم.» # والواقع أن هذه التهمة مختلفة، فليس في الأفق مثل ذلك الخطر، وإنما الحافز إلى تلك ~~المذكرة هو الحرص على الانتقام الشخصي تجاه ذلك الخزي القاتل الذي أصاب بسمارك به ~~ولهلم بذلك التقرير عما قاله قيصر روسية فروته سفارة لندن، ولا شيء يلائم ~~بسمارك أكثر من كتاب القذف ذلك الذي أرسل إليه بلا غلاف ولا عنوان، وأول شيء يجب عليه ~~أن يكتبه هو أن يرد عنه «تهمة الخيانة العظمى»، ويأبى الإمبراطور قبول الجواب، ~~ويعيده بلا تعليق، وبسمارك الآن في وضع يعزو فيه سقوطه إلى أسباب سياسة عالمية لم ~~يعارضه في ميدانها أي حزب حتى الآن. # وبسمارك بعد الظهر من ذلك النهار يشرح لمجلس الوزراء كيف نشأ الخصام، وبسمارك يختم ~~كلامه العظيم بقوله: «وعلى ما كان من ثقتي بالتحالف الثلاثي لم يغب عن بالي إمكان ~~حبوطه ذات يوم؛ وذلك لأن النظام الملكي في إيطالية غير ثابت الأساس، ولتهديد حزب ~~الشمال الإيطالي ما بين إيطالية والنمسة من صلة؛ ولذا لم أدخر وسعا في عدم هدم ~~الجسر بيننا وبين روسية ... وإني لما يمازجني من ثقة ms537 بمقاصد القيصر الودية لا أستطيع أن ~~أعمل بما يود أن يوجهني به صاحب الجلالة في هذا المضمار، وأما قوانين حماية العمال ~~فلا تستحق أن يجعل منها مشكلة وزارية، وإذا كنت لا أستطيع أن أدير دفة السياسة ~~الخارجية كما أود انصرفت، وهذا يلائم رغائب الإمبراطور.» ويوكد بسمارك حسن صحته ~~وقدرته على العمل، ويصرح بأن العامل الوحيد في اعتزاله هو إرادة عاهل يريد أن ~~يتسلم زمام الحكومة بيده. # ويتوقف بسمارك مرة أخرى، وهل يدركون معنى فقد بسمارك وزيرا للخارجية؟ وهل يعربون ~~بالإجماع عن عزمهم عن الاستقالة مؤثرين في الإمبراطور بذلك؟ وهم إذا فعلوا ذلك يكونون ~~قد حذروا مولاهم الشاب من المستقبل، ويكونون قد أتوا عملا يستحق الذكر في ~~التاريخ، ولكنك لم تسمع غير تمتمات، ومايباخ وحده هو الذي نطق بكلمته المهمة: «سيكون ~~اعتزال المستشار كارثة قومية، وعلينا أن نحول دون اعتزاله، ولننصرف معه جميعا، وهذا ~~الذي سأفعله مهما كان الأمر.» ويسير الجدال سيرا وديا ذات ساعة، ويفض الاجتماع ~~مع الاحتجاج على اعتزال بسمارك، فلما حل المساء اجتمع زملاء بسمارك مرة أخرى، ~~«وعدلوا عن فكرة الاستقالة الشاملة لمخالفتها تقاليد بروسية». # وبسمارك بعد تلك الجلسة يأمر بشد حصانه ويخرج من المنزل راكبا وإن لم يكن من ~~عادته في مثل ذلك الحين من حياته وفي مثل ذلك الفصل من السنة؛ أن يأتي مثل ذلك العمل ، ~~وهو قد صنع ذلك؛ لكي يري الإمبراطور مقدار الصحة في قوله له بواسطة هنكه: «لست ~~حسن الصحة ...» ولكي يعجم عود أهل برلين - على ما يحتمل - ولكن لم يهتف له أحد، ~~ولما عاد بسمارك إلى البيت وجد جوبيتر # 2 # قد أرسل إليه رسولا آخر في غيابه، وقد عاد إليه رئيس الديوان المدني ~~لوكانوس في المساء، ويبدو هذا الرسول زاويا ما بين عينيه جزعا، وتقوم رسالته على ~~سؤاله بأمر صاحب الجلالة عن سبب عدم تقديمه استقالته بعد، وهل يضرب بسمارك المائدة ~~بجمع كفه الآن؟ كلا، وإنما يجيب عن ذلك بأدب: «يمكن الإمبراطور أن يعزلني متى ~~أراد ... وإني مستعد أن أضع التوقيع الثاني ms538 من فوري على مرسوم عزلي، ولكنني أحمل ~~الإمبراطور مسئولية تسريحي، وسأنشر الأسباب على الجمهور؛ ليدرك الحقيقة. ولا بد لي من ~~وقت أسوغ به استقالتي أمام محكمة التاريخ بعد جهاد ثمان وعشرين سنة لم يخل من ~~فائدة لبروسية وللريخ.» ثم عقب ذلك حديث كاد يفقد فيه رباطة جأشه، ويملي بعد ذلك ~~صيغة استقالته ويصححها ويهذبها في الصباح التالي ويرسلها إلى القصر، وفي تلك الوثيقة ~~يبين أوجه العراك الرئيسة ويختمها بكلمة المعلم الآتية: # إنني بعد النظر إلى إخلاصي في خدمة البيت المالك وخدمة جلالتكم وبعد النظر ~~إلى الوجه الذي لاءمت به وضعا اعتقدت دوامه حتى الآن، وجدت من المؤلم جدا ~~أن أترك علاقتي المعتادة بجلالتكم وبسياسة الريخ وبروسية العامة، ولكنني بعد ~~أن رزت بدقة مقاصد جلالتكم التي لا بد لي من تنفيذها إذا بقيت في منصبي، ~~رأيت أنه لا معدل لي عن الالتماس من جلالتكم خاشعا أن تتفضلوا علي بقبول ~~استقالتي من منصب مستشار الريخ ومنصب وزير الخارجية مع منحي راتب التقاعد ~~القانوني، وإني بعد النظر إلى ما كان من انطباعات في الأسابيع الأخيرة ~~القليلة أجد مع الاحترام أن تقديم هذه الاستقالة يناسب رغائب جلالتكم وأرى ~~أنها تقابل بالموافقة الكريمة، وكان يمكنني أن أقدم استعفائي منذ زمن طويل إلى ~~جلالتكم لو لم أعتقد رغبتكم في الانتفاع بخبرة خادم آبائكم المخلص، والآن حين ~~يساورني يقين بأنه لا حاجة لجلالتكم بذلك، يمكنني اعتزال الحياة السياسية ~~غير خائف من حكم الرأي العام بأن ذلك وقع قبل الأوان. # فون بسمارك # وعلى ما أبداه بسمارك من احتجاج كثير أنعم عليه الإمبراطور عند اعتزاله بلقب دوك ~~لوينبرغ؛ أي بشرف أراد الإمبراطور فردريك أن يمنحه إياه فوفق في رفضه آنئذ، ولكن ~~المستشار المعتزل استطاع بعد جهد كبير أن يتخلص من منحة مشبها إياها بالمكافأة ~~التي تعطى لذوي الجد من موظفي البريد عند اعتزالهم الخدمة، ويود الإمبراطور أن ~~يعتقد الجمهور كون اعتزال المستشار بسمارك منصبه نشأ عن عوامل صحية ممسكا عن ~~إرسال نص كتاب الاستقالة إلى الصحف مقتصرا على ما ms539 وجهه إلى بسمارك من عبارات الشكر ~~لخدمه السابقة، مصيبا نجاحا في أعين الشعب على هذا الوجه في بدء الأمر، ويحاول ~~الإمبراطور في الوقت نفسه أن يحتفظ بهربرت في الخدمة، فيطلب من بسمارك أن يستعمل نفوذه ~~لدى ابنه هذا في الأمر، غير أن بسمارك يجيب عن ذلك على طريقة فالنشتاين بقوله: «إن ابني ~~بلغ سن الرشد.» وبسمارك يسر إلى بعض خلصائه بأن الحافز إلى ذلك هو رغبته في عدم ~~الإذعان للإمبراطور، وبسمارك يقول «ومن يشعر بغرق السفينة لا يدع ولده ~~فيها.» # وتشتد فجيعة هربرت في ذلك الحين، وهربرت لو خلف أباه بعد موته منصبا وكان موضع ~~حظوة لدى الإمبراطور لاستطاع أن يبدو رجلا سياسيا ذا قيمة، والآن على هربرت أن ~~يقاسم أباه نصيبه في الانزواء فينصرف، والآن يود هربرت فعل ذلك لمشابهته أباه في ~~الشعور بالشرف، وهربرت يخبر الإمبراطور في ذلك المساء بما اتخذته روسية من قرار في ~~رفض تجديد المعاهدة، ومن ينعم النظر في فحوى هذا النبأ يجده من إملاء الأب الشائب؛ ~~فقد جاء فيه: «في الأمس علم الكونت شوالوف أن جلالتكم لا تتردد في تسريح الأمير ~~بسمارك، فلم يتمالك القيصر إسكندر أن قرر الامتناع عن تجديد المعاهدة السرية ما دام ~~يرى المناقشة في أمر سري كهذا متعذرة مع مستشار الريخ الجديد.» ويكتب ولهلم في ~~أعلى تلك الرسالة كلمة: «أوافق على تجديد المعاهدة.» كما يكتب في أسفلها كلمة: «لماذا؟» ~~ويأتي هربرت بإيضاح أوفى من ذلك، ويأتي تعليق آخر مع تكرار كلمة «لماذا؟» # ولا شيء كهذا الاستفهام المكرر يدل على عدم معرفة ولهلم درجة ما لاسم ~~بسمارك من النفوذ في أوروبة، والآن يذعر ولهلم، فيرسل من يوقظ شوالوف في ~~الساعة الواحدة بعد منتصف الليل راجيا أن يقابله في الساعة الثامنة صباحا، وفي هذه ~~المقابلة يوكد ولهلم لشوالوف أنه يود تجديد المعاهدة، وهنالك يفعل ~~شوالوف كل ما يستطيعه تنفيذا لآخر ما رغب فيه بسمارك ونيلا لتفويض من القيصر ~~في تجديد المعاهدة مع تغير الوضع. # وفي تلك الأثناء يقرأ الإمبراطور الصحف فيجد أن ms540 جميع الأحزاب وجميع طبقات الأمة ~~تستحسن ما تم؛ «فالأمة هادئة مع وجد، ولكن الأمة تنظر غير وجلة إلى انصراف ذلك ~~الرجل القوي من الوضع الذي عاق به تقدم البلاد الداخلي، وستذكر الأمة يوم 18 من ~~مارس سنة 1890 من الأيام التي يفكر فيها مع السرور»، ولم يعلق مجلس النواب ~~البروسي أي تعليق على البلاغ الرسمي باعتزال بسمارك، ويعم الفرح رجال البلاط ~~وقواد الجيش لانصرافه. # ويروي هوهنلوهه عن أحد الجنرالات أنه «كان من المرح كالرجل الساذج المثلوج # 3 # الفؤاد الذي لا يستطيع الآن أن يعبر عما في نفسه حرا طليقا، فشعور ~~طرب كهذا كان عاما، وعلى ما كان من شمول نفوذ الأمير كان يمازح الناس حس الضغط ~~وحس التكمش، فأصبحوا من الانتفاخ ما يشابهون به الإسفنج الجاف بعد أن كان مغموسا ~~في الماء.» ولم تتنفس الأمة الصعداء بمثل ذلك منذ قرن، منذ موت فردريك ~~الأكبر. # وفي تلك الأيام لم يعرف أحد في ألمانية تقرير مصير البلاد من قبل ثلاثة رجال، وإن ~~شئت فقل من قبل رجل واحد في الحقيقة، ولما زود القيصر شوالوف بسلطات تامة ~~وجد شوالوف هذا بعد تسريح بسمارك بخمسة أيام تغيرا في الأحوال الروحية، وأراد ~~بسمارك صيانة المعاهدة من دسائس برلين فاقترح بواسطة ابنه أن توقع في سان بطرسبرغ، ~~وأراد هربرت إحضار المعاهدة من بين المحفوظات السرية فلم يجدها لما سبق من نقل ~~هولشتاين إياها من مكانها، ويثور سكرتير الدولة هربرت ويعزر المسجل ثم البارون، ~~ويقول: «كان يمكنكم أن تجتنبوا هذه الغباوة! يظهر أنكم تعدونني رجلا ميتا قبل ~~الأوان!» ويراه هولشتاين رجلا خطرا، وما الذي يحفز هذا البارون كثيرا إلى تهييج ~~جميع الناس ضد روسية؟ «ولا ينتظر خير من المعاهدة، وهي لو أذيعت لعزينا إلى ~~النفاق، ولو نفذت المعاهدة لوقع صيتنا ومقامنا الاجتماعي تحت رحمة روسية، ومن ~~مصلحة روسية أن يشيع أمرها لما يؤدي إليه أقل شك فينا من ابتعاد العالم عنا، ثم ~~يمكن روسية أن تملي علينا صلاتنا في المستقبل، والشرط الأول هو: «أنني أريد ~~الاشتراك مع ms541 عميلي السابق ب... ومعه فقط»، والآن أتعرفون ما هو الوضع؟» # والحق أن هذه الإفادات الظرفية غير صادقة، فكما أن بسمارك أطلع الكونت شوالوف ~~على معاهدته الدفاعية الأولى ضد روسية كان مستعدا في كل وقت لإطلاع النمسة على ~~المعاهدة الثانية، وإنما الذي منعه من صنع هذا هو ما أبداه القيصر من رغبة في ~~الكتمان، ومما يتعذر إدراكه على رجل له ما للقزم من طبيعة كهولشتاين وشركائه هو ~~إمكان الجمع بين الشجاعة والحيلة، وهؤلاء الناس الذين لا يزيد ذكاؤهم على ما لدى ~~المتغطرس هم من المتلبسين بالفضيلة والمنتحلين للصراحة، وإذا سألت عن هولشتاين وجدته ~~ذا حقد مقنع وعزة مكلومة، ووجدته يهدف إلى جعل عودة بسمارك إلى السلطان أمرا ~~مستحيلا، وهو الذي ما انفك يحوك الدسائس هو وفالدرسي ضد بسمارك منذ ~~سنين. # وينم خلفاء بسمارك على عجز في المناصب التي تسلموها، فقد كتب ماريشال يقول: «إن ~~رجلا عظيما كبسمارك يمكنه أن يستعين في عمله بأعقد الآلات، ولكن رجلا عاديا مثلي ~~يعجز عن صنع ذلك.» ويجتنب كابريفي سلفه عند مغادرة هذا للقصر، ولما أخذ بسمارك يدعوه ~~إلى العشاء بعد حين لم يلب الدعوة غير مرة قائلا إنه لا يستطيع أن يسمع مثلما سمع ~~عن مولاه في المرة الأولى. # ثم يواثب القلق بسمارك فيسأل كابريفي عن المعاهدة الروسية في أثناء تنزه في حديقة ~~المستشارية، فيجيب هذا الجنرال عن ذلك بقوله: «يمكن رجلا مثلكم أن يلعب بخمسة كرات ~~دفعة واحدة على حين يكتفي الآخرون باللعب بكرة واحدة أو كرتين.» ويجتمع المستشارون، ~~ويوجههم هولشتاين، ويصرحون بأن ما تشتمل عليه هذه المعاهدة من فوائد هو لروسية، ~~ويقولون إنها تشجع روسية على إثارة أزمة في الشرق، فتنقض فرنسة على ألمانية ~~آنئذ! # وهكذا ترى إزالة ركن من أسس عمل بسمارك في ثلاثة أيام نتيجة لتلك الحجج الواهية ~~التي تنم على قصر بصر، ونتيجة لحقد ودس فيهتز جميع البنيان، وهولشتاين ~~فضلا عن ذلك يؤثر في أناس من ذوي القدر بكلام يخرج من فيه، ثم يؤثر كابريفي فيما ~~يأتي به هولشتاين من ms542 تلقين قاصدا أن يجيء بشيء جديد يحمل به مولاه الشاب على ~~الإعراض عن القيصر البغيض، ويسر الإمبراطور بأنه وجد أخيرا ناصحا بدلا من الثعلب ~~الخطر «يعمل بهدوء وصراحة ووضوح ومع اجتناب للمخاطر الدبلمية»، ويشعر ولهلم ~~بأنه يسير سيرا مستقيما كالبروسي الحقيقي في قديم الأزمان، وينبئ هولشتاين في ~~نهاية المقابلة بأن الإمبراطور قال: «والآن يجب أن يسدل ستار على المسألة، وأراني ~~آسفا على قول هذا.» # كلمات قليلة يسهل النطق بها في حجرة صغيرة من ذلك القصر الذي ولد فيه ذلك ~~الإمبراطور الشاب منذ ثلاثين سنة، كلمات قليلة يمليها الميل والحقد والحسد ~~والطموح والحمى والفزع والهلع والهوى ونسيج مستعص من الفتون كان عدم شعور العاهل ~~به أقل من سواه، كلمات قليلة لم يسطع أحد أن يبصرها غير ذلك البصير الذي عاد لا ~~يسأل عن رأيه، كلمات قليلة تزلزل سلامة الإمبراطورية الألمانية، كلمات قليلة تسفر ~~عن التحالف الفرنسي الروسي. # وبسمارك في الأيام الأخيرة التي يقضيها في برلين يزيد ثبات خلق، وبسمارك لا يكظم ~~غيظه، ولكن ضربا من المكر كان يحول دون تبرمه فيهدف إلى إظهار نفسه رجل العالم، ~~وهو لا يبدي شيئا لزملائه العدائيين، وهو يقول لبوتيشر الذي قبل يديه مودعا: ~~«إنكم مسئولون جزئيا عن هذا الفراق.» ويقيم مأدبة وداع خيالية للوزراء في الغرف ~~الخالية التي أنى له أن يغادرها فلم يصافح بوتيشر عند وصوله مزدريا مع أنه هو ~~الداعي ومع اشتهاره بمراعاة الرسميات في مثل هذه الأمور، ويعرض عليه زملاؤه إقامة ~~وليمة له فيرفض ذلك بصوت ثابت: «لم أر بين موظفي الإمبراطورية غير وجوه باسمة، وهذا ~~إلى أنني عدت الآن غير مستشار بما اقترفتموه من ذنب.» وفي تلك الأحايين تساور فؤاد ~~ذلك الوثني مشاعر الحقد والانتقام، وليس هذا من الخسة، بل هو زئير أسد جريح. # ومن يزره يأخذ رشاشا من الصحة، ومن ذلك أن جاءه سفير النمسة بكتاب ودي ~~رقيق من الإمبراطور فرنسوا جوزيف، وفي هذا الكتاب إشارة إلى أن استقالة بسمارك كانت ~~لانحراف صحته، فيرد المستشار السابق هذا السبب مناقضا بذلك ms543 ما ذكره الإمبراطور ~~ولهلم مصدرا للأمر، مبينا أنه كان يتمتع بصحة جيدة جدا حين استقالته، ومن ذلك ~~أن جعل السلطان يعلم بواسطة سفير تركية أنه عزل من منصبه عزلا، ومن ذلك أن قال لسفير ~~بافارية إن الإمبراطور لا قلب له وأن وصف له ولهلم بالرجل الذي «سيدمر ~~الإمبراطورية» وقد ذهب مودعا إلى السفارات الأجنبية فمحى بالقلم الرصاصي كلمة ~~«مستشار الإمبراطورية» من البطاقات التي تركها فيها، وقد تكلم عن وضعه الجديد فقال: ~~«يسرني أن يخاطبني الناس باسم بسمارك، فإذا حدث أن استعملت لقب دوك كان ذلك عند ~~سياحتي متنكرا.» وقد اتهم دوك بادن الأكبر مواجهة بحوك الدسائس حتى تركه هذا ~~الأخير مغاضبا. # ويذهب بسمارك لتوديع الإمبراطور شكلا، فلا يدع مسئولية ولهلم في عزله تمر ~~مقنعة، ولما تظاهر الإمبراطور بالسؤال عن صحته مع الاكتراث قاطعه بغلظة قائلا: ~~«إن صحتي جيدة يا صاحب الجلالة.» ولكنه لم يستطع أن يجعل ولهلم يوافق على نشر ~~كتاب استقالته، ويعود إلى المنزل فيقول: «إن أمورا نفسية استحوذت علي» في تلك ~~الزيارة، وفي الوقت نفسه يضطر بسمارك إلى رزم ثلاثمائة صندوق وثلاثة عشر ألف زجاجة ~~خمر على عجل فيؤدي هذا إلى انكسار أدوات ثمينة؛ وذلك لأن خلفه كان قد تسلم عمله، ~~ولأنه أمهل يوما واحدا كما روى، وتموت أوغوستا، وتحاول عدوته الأخرى فيكتورية أن ~~تشمله بكل مجاملة بعد فوزها العظيم. # ويزور بسمارك التربة الملكية قبل رحيله نهائيا، وينتحل وضع شاعر فيضع ثلاث ~~وردات على ضريح مولاه الشائب، ثم يتناول القربان في منزله، ويريد القسيس أن يعظ ~~بآية «أحب أعداءك»، فتنهض حنة التي نظمت تلك الحفلة وتسكت القسيس المذعور. ~~ثم تمدد بسمارك على متكأ فلخص السنين العشرين التي قضاها في هذا البيت كما ~~يأتي: «لقد أمتعت نفسي بأمور كثيرة، وأنا الآن في الخامس والسبعين من عمري، ولا تزال ~~زوجتي معي ولم أفقد أحدا من أولادي، فهذه من النعم الكبرى، وكنت أعتقد دوما أنني ~~أموت في منصبي، والآن ليس لدي ما أصنعه، وكنت أقوم بشئون الخدمة مترجحا بين ~~المرض والصحة ms544 مدة ثمان وعشرين سنة فأستقبل بريدا وأرسل بريدا في كل يوم، والآن قد ~~انتهى ذلك، ولا أعرف ماذا يجب علي أن أعمل، وأجدني مع ذلك أحسن مما أنا عليه في أي ~~وقت مضى.» # وهنالك العامل الفاجع في الوضع، فعمل الشيخ اليومي هو الذي نزع منه، وبسمارك في ~~تلك الليلة لم يتكلم عن الخطط ولا عن الريخ الذي أوجده فيشعر اليوم بأنه في خطر، ~~بل يتكلم عن بريده اليومي، وهكذا تكون آخر يد يصافحها هي اليد التي لم يحدث أن ~~مسها قبل اليوم مع تناوله مواده منها في كل يوم منذ عشرين سنة، هي يد لفرستروم ~~المعروف بالفارس الأسود وببريد بسمارك، لا يد وزير أو يد سفير أو يد أمير، ويتجلد ~~لفرستروم بعد أن يدعى قبل انصراف الأمير بثلاث ساعات فيقابل من فوره، ويظهر أن هذا ~~هو الوداع الوحيد الذي فقد فيه المستشار السابق رباطة جأشه هنيهة عند النهاية. # ويدخل لفرستروم فتتوارد ذكريات اليوم الأول من الإمبراطورية إلى خاطر بسمارك، ~~ويفكر بسمارك في أيام فرساي حينما نظر إلى ذلك الرجل للمرة الأولى فعينه في وظيفته ~~الحاضرة، ويسأله بسمارك عن بقائه محبا لعمله، ويقول: «لا أزال أذكر الغرفة التي ~~قدمت إلي فيها تقريرك الرسمي الأول حينما كنت قائد عشرة.» ثم يشكر بسمارك ~~له صدق خدمته في تلك السنوات الكثيرة، أي يبدي له من الشكر ما لم يبد مثله لأحد ~~من رجال الإمبراطورية، ثم يقدم إليه ما هو بدع لديه من هدية، ويتناول بسمارك أول ~~كأس تقع تحت يده من الكئوس الفضية الكثيرة ويسلمها إليه «لتكون شاهدة على عرفاني ~~الجميل ولكيلا تنساني». # | الفصل السادس # وقف بسمارك في مدرسة القرية بفارزين، وأشار إلى المواقع في الخريطة، ويوضح للصبيان ~~كيف صنعت ألمانية وكيف كانت فيما مضى، ويضع لأحد الأولاد سؤالا، ويغضب لأنه لم ~~ينل جوابا، ويرتجف المعلم قليلا بجانب بسمارك؛ حذر أن يسأله أيضا. # وفي أثناء تلك الأشهر الأولى، وبعد خدمة الدولة أربعين عاما، يحاول المبعد أن ~~يستأنف حياة شريف في الريف، فيستدعي الخول # 1 ms545 # والمستصنعين والنواطير والرعيان، وفي كل أسبوع يزور المدرسة ليعلم ~~صبيان قريته ببوميرانية ما لا يريد أن يتعلمه أبناء برلين منه، ويضجر ضجر الشريد ~~أينما كان فيكتب إلى صديق له قوله: «وددت في شبابي أن أتمثل نفسي في مشيبي خليا ~~متمايلا حاملا مبضع تطعيم بيدي.» أفلم يكن هذا مبتغاه منذ عشرين سنة أو تزيد؟ ~~وعليه أن يتعلم ذلك، والآن يشعر مع عسر سجيته بأن «المحطة الحاضرة هي أقل ~~ملاءمة من كل محطة تقدمتها». # وبسمارك - مع الزمن - يعود غير مكترث للتطعيم ولا للصبيان ولا للنواطير ولا لمصنع ~~الورق، وبسمارك على ما لديه من وقت فراغ ومن عطل من الأشاغيل الرسمية، وبسمارك مع ~~بلوغه ما ابتغاه منذ طويل زمن؛ لا يصبر على تخصيص نفسه لإدارة أملاكه الواسعة وثروته ~~الكبيرة، حتى إنه إذا ما قرأ لم يبال بغير ما يلائم مصيره، وهو يتبين من مذكرات ~~نابليون خياله الخاص، وكتاب الانقلاب لزولا هو كل ما يعنى به من كتب هذا ~~الكاتب، وعنده أن يوليوس قيصر «يمكنه أن يكون كثير الملاءمة لزماننا، وبروتوس هو من ~~الأحرار الوطنيين». # وتتمتع حنة بحياة هدوء، وتشعر بالربو # 2 # وكثير من الأوصاب في الغالب، وترغب عن الذهاب إلى الينابيع المعدنية لكيلا ~~تترك رفيقها وحده، وهي إذا ما دار الحديث حول عزله - وهذا ما يقع كثيرا - التهبت ~~غضبا وأخذت تسب، وما خطب هربرت؟ لقد لزم جانب أبيه الشائب ، ويبلغ الأربعين من ~~عمره ويبقى عزيبا، ويفقد خدمته، ويكره الزراعة، ويجهل أمور الفلاحة، ويملأ مرارة ~~باطنية، وينغص والده عليه عيشه للمرة الثانية، ويعن لأبيه أن من الممكن أن ~~يروق ابنه منصب سفير، بيد أن الأب والابن لم يلبثا أن أبصرا عسر ذلك، ويرى ~~بسمارك دنوه من الثمانين مع عدم وجود ذرية له من الذكور ومع شدة شعوره ~~الأسري، فهربرت أعزب، وبيل ليس له من الولد سوى البنات، ويتكلم بسمارك عن إحدى ~~بنات بيل، فيقول: «يا ليتني أعرف الرذيل الذي يتزوجها فتبذر معه نقودي ذات ~~يوم!» # وتهن العظام منه، أجل، لا يزال حسن السمع والأسنان ms546 والهضم، ولا يحتاج إلى ~~نظارات قوية، غير أنه إذا أراد الركوب وضعت له مرقاة ورفع السائس ساقه اليمنى؛ ~~تسهيلا لاستوائه على ظهر فرسه، ولا يطيق حتى اليوم من يبدو فوقه، ولا يزال كما كان ~~طالبا يناجز من يلوح التماعهم أكثر منه، وهو يقول لبارون طويل كلوح الخشب فيعيره ~~فروة قصيرة: «حقا إنني لا أحب أن يكون ضيوفي أطول مني.» # وفي سنيه العشر الأخيرة يصبح بسمارك حاد الطبع أكثر من قبل: «فأنا مجموعة ~~أعصاب، وكان ضبط النفس أصعب الأمور في حياتي»، وهذا ما أجاب به عن سؤال مصور ألوان: ~~هل هو المستشار الحديدي حقا؟ والذي عرف تأثير حاله النفسية في حاله البدنية أحسن ~~من سواه هو الكاتب الخيالي فيلبراند، فلما زاره أبصره من الباب مستلقيا وحده على ~~متكأ، «فوجده غارقا في تأملاته، ووجد وجهه الأحمر ضاربا إلى صفرة، ووجد ملامحه ~~مسطرة متكرشة، وكان يلوح أنه جالس بين الأنقاض مفكر في السنة التي كانت شاهدة على ~~سقوطه وفي كنود الحياة، ولكنه ينهض ويقبل علي بقامته الطويلة وقورا ... ويعود إليه ~~شبابه في ذلك الوقت القصير، ويقف نظري ما ينم عليه بصره الثاقب من صموت وترقب ~~وتفرس وتأمل عميق فيما يقع تحت عينيه وما يدور في خلده». # وأظهر ما يوصف به بسمارك في تلك الأيام هو ما عند المفكر من نظر بعيد؛ وذلك ~~لتواري الأمور في الوقت العتيد وراء مدى الرؤية، وكما نزع السلاح من يد هذا الولوع ~~بالكفاح، وكما عاد دماغه لا يكون مركز الوحي السريع كالبرق فيحركه عزم قاطع؛ ~~منعت عيناه من ألوف الجمل المكتوبة التي كان يمكنه أن ينقب بهما فيها، فيختار ما ~~يطيب له منها، وإن هذا الرجل الذي كان يصبو في أثناء نشاطه على الدوام إلى الإقامة مرة ~~أخرى بغابات فتائه الهادئة؛ يألم الآن من احتماله هذه الحياة التي كان يحلم ~~بها. # والحق أن المبعد يشعر بأنه يعيش في صحراء، ويعيش مبغض الناس الكبير هذا وحيدا، ~~وكان يشكو من فتح باب مكتبه دوما مدة ثلاثين سنة فصار الآن يئن ms547 من عدم فتح ~~إنسان لبابه مرة واحدة في كل أسبوع تقريبا، وبسمارك يقول: «لدي صحف، لا أناس، ولي ~~ملايين من الأصدقاء، ولا أكاد أجد صديقا.» ويصفه فرنسي بعد سقوطه بقوله: «إنه ~~يرتجف من فوره في بعض الأحيان، ويقول - كما لو أفاق من حلم: أنسى عطلي من عمل أقوم ~~به.» ويراه رجل من حرسه القديم، فيقول إن الأمير «محتاج إلى من يصغي إليه.» # ويأتي كيزرلنغ الذي هو آخر من بقي حيا من أصدقاء بسمارك والذي لم يدعه بسمارك ~~مرة واحدة في السنوات العشر الأخيرة من سلطانه إلى زيارة المبعد، ثم يذهب إلى ~~همبرغ ليقيم بها ويعود إلى فردريكسروه فيبقى فيها يوما واحدا - أو يومين - ~~وتكتب إليه حنة في همبرغ، فترجو منه أن يطيل إقامته بفردريكسروه وتقول له: ~~«إنك تقوم بأحسن ما يعمل لنا نحن البائسين الذين فقدوا كل إيمان بأي إنسان كان ~~تقريبا، ونحن الذين ترونهم شديدي الثقة بمودتكم المحببة، ونحن الذين ينعشهم حبهم ~~الشامل الذي يرتبطون به فيكم، أبرقوا بأنكم آتون فتسرون صديقكم القديم.» وتكتب ~~حنة بالأسلوب البياتي المسرف، وتخادع حنة نفسها كما حاولت صنع ذلك، ~~ولكننا نبصر من خلال الأسطر حقيقة وحدتهم القاسية. # والمقاطعة شديدة، ولم يقصده في البداءة سوى نفر قليل من الأجانب للاستطلاع في ~~الغالب، ومن هؤلاء الأجانب نذكر أمريكيا من ملوك الخطوط الحديدية لم يره بسمارك من ~~قبل، فلما وصل هذا الأمريكي أخذ ينفض غبار السفر عن نفسه فسمع صوت خطا مضيفه ~~الثقيلة صاعدا في الدرج، ويدخل المضيف ويجلس بجانب الأجنبي الذي كان يعنى ~~بزينته، ويقول له: «إنكم أول شخص أبصره في هذا الأسبوع لما هو واقع من مقاطعتي ~~التامة، ولا يرغب أحد في الاتصال بي؛ فالناس يخشون أن تذكر أسماؤهم في الصحف ~~زائرين لي، فلا يروق ذلك عاهلنا الشاب الجالس على العرش، ومن الناس من يجاوز ~~فردريكسروه في كل يوم من غير أن يراني مع أن الناس منذ شهر كانوا لا يمرون ~~علي في شوارع برلين بلا تحية؛ فالكلاب تتبع من يطعمها.» # وغير قليل عدد ms548 الرجال الذين يذكرون تقبيل بسمارك إياهم عند انصرافهم، وليس هؤلاء ~~فقط من الشبان الذين يشعر الشيب بحب لهم، غير أن مشاعر عوام بوميرانية ~~أطيب من مشاعر ذوي البصائر من أهل برلين، وقد قال فلاح في فارزين للخولي: «دعوه ~~يأتي إلى هنا؛ فهو يستطيع أن يعتمد علينا!» # ولم يلبث كيزرلنغ وبوشر أن توفيا بعد اعتزال بسمارك، ويحزن عليهما ~~لخلوهما من الأثرة ولصداقتهما الخالصة، وفي الحين بعد الحين تزوره السيدة فون ~~سبيتزنبرغ وحسناء من صواحب الأملاك المجاورة، ويرحب بلنباخ وشويننجر لما ~~عندهما من أحاديث مسلية لبسمارك، لا لمواهبهما، وذلك ما يعرفه مكس ليبرمان فيرفض ~~دعوة إلى فردريكسروه مع أنه المتفنن الوحيد الذي استطاع أن يرسم لبسمارك صورة ~~رائعة في ذلك الدور، ولكنك إذا عدوت زوج بسمارك وأخته وأبناءه لم تجد في العالم من ~~يأبه بسمارك لحياته، حتى إن أخلص خدمه ماتوا فلم يحل محلهم أحد، حتى إن تيراس ~~الثاني مات حينما كان سيده في الثمانين من سنيه، فعزم هذا السيد على عدم اقتناء ~~أي كلب آخر درءا لألم الدفن عنه. # وهكذا يهجر بسمارك الكلاب في نهاية الأمر بعد أن هجره الرجال. # | الفصل السابع # يستخرج المنفي حياة جديدة من حقده، والحقد أشد المشاعر لدى هذا المبعد، وإذا ~~كان العالم ينتقم من رجل عبده، فإن هذا ما صنعته ألمانية عند سقوط بسمارك، وأمواج ~~الحقد تعود إلى الشاطئ الذي سالت منه ، وكان أبناء طبقته ومرتبته؛ أي أكابر الموظفين ~~والأشراف والأمراء، أكثر الناس صفاقة مخزية كما دل عليه سلوكهم. # وإذا حدث في عيد أو احتفال عام أن أريد الإبراق إلى فردريكسروه منع مدير ~~المنطقة ذلك معتذرا بأن ذلك يؤدي إلى فقده وظيفته، ولا أحد من زملاء بسمارك سابقا ~~يجرؤ على زيارته، وينوي فالدرسي الذهاب إلى همبرغ فيسأل برلين أن تأذن له في ~~زيارته، والمرة الوحيدة التي قرأ فيها الأمير بسمارك إمضاء كابريفي في أسفل وثيقة هي ~~المرة التي طالبت فيها الحكومة الإمبراطورية هذا الرجل الذي خدم بروسية والإمبراطورية ~~مدة أربعين سنة بأن يعيد الراتب الذي أخذه ms549 عما بين اليوم العشرين واليوم الحادي ~~والثلاثين من شهر مارس سنة 1890 مستندة في ذلك إلى أن اسمه في ذلك الحين كان مسجلا ~~في جدول المتقاعدين، وفي الوقت نفسه جعل كابريفي هذا سفراءه يبلغون جميع الحكومات ~~الأجنبية رسميا بألا تعلق أدنى أهمية على آراء الأمير بسمارك. # ويصرح أحد زعماء حزب الوسط أمام الناس بأنه: «لا ينبغي للأمير بسمارك أن يكون ذا ~~نصيب في عظمة ألمانية ومجدها! فمن العار علينا أن يحتوي وطننا أناسا من طرازه!» ~~ويمنع سيبل من الوثائق الضرورية لإتمام تاريخه؛ وذلك لتمجيده في ذلك الأثر بسمارك ~~أكثر من تمجيده ولهلم، وإذا استثنيت كاردورف وآخرين قليلين رأيت أكابر الأشراف ~~ببرلين قد اتفقوا - بعد نقاش شامل - على الابتعاد عنه بعد سقوطه، فيقول إنه يجتنب كما ~~تجتنب الهيضة # 1 # في همبرغ، «والنذالة حرفة رابحة، وماذا أقول عن وغد كأوغوست ~~دونهوف يدور في الطريق؛ لكيلا يلاقي هربرت!» # ويعزر دوك بادن الأكبر رئيس بلدية هذه المدينة؛ لأن مجلسها أراد منح بسمارك لقب ~~متوطن شرف، وتصرح الإمبراطورة فردريك لهوهنلوهه بأن بسمارك مدين في فوزه ~~لمولاه المسن، ويجد فرنسوا جوزيف أن من «الفواجع إمكان سقوط مثل هذا الرجل بهذا ~~المقدار»، ويراقب الإمبراطور فردريكسروه، ولا يتفلت من عيون جواسيسه سوى ~~الزوار الذين ينزلون على استحياء إلى محطة بوشن ليتموا رحلتهم إليه في قطار ~~محلي غير مراقب. # ويأمر ولهلم بفتح الرسائل والكتب التي ترسل إلى الأمير بواسطة البريد، ولا ~~يدعوه ولهلم إلى حفلات تسليم الأوسمة مع أنه حامل لرتبة فارس النسر الأسود، ويقول ~~ولهلم لفرنسي إنه لا ينوي «أن ينال من الدوك بقوة محكمة الإمبراطورية العليا ما ~~لا يود أن يمنحني إياه طيب النفس»، وولهلم وحده هو الذي يستعمل نحوه لقب دوك ~~الذي أنعم به عليه، ولا تجد غير ولي أمر واحد يأسف على سقوط المستشار بسمارك الذي هو ~~أكثر سواس أوروبة دهاء، غير ليون الثالث عشر الذي كان أشد الناس عداوة لبسمارك ~~فيقول: أفتقد بسمارك. # ومن بين الذين عملوا مساعدين له نذكر ذلك الذي كان خصما ms550 له سابقا فصار أكثر الناس ~~ولاء له، نذكر شلوزر: الرجل الوحيد الذي جلب العزل إلى نفسه لجهره بتأييد رئيسه ~~السابق، والآن تكون ثلاثون سنة قد مرت على احترابهما بسان بطرسبرغ في سبيل شرفهما، ~~والآن حينما جردت الحكومة الجديدة شلوزر من منصبه المهم لدى الفاتيكان يزور ~~فردريكسروه «لينقل خبر تسريحه»، وكان شلوزر في السبعين من عمره، وكان من شدة ~~العناية بالأمير بسمارك ما يبدو معه مثل ولد له، فيأتي إليه بأحسن مقعد ويرقب ~~غليونه، ويبدي له بذلك قيمة الصلح الحقيقي مرة أخرى. # وإذا جرؤ إنسان على الصراخ في ساشنفالد رجع الصدى إليها، ويهزأ الشيخ بجميع من ~~يسقطون ولا يستثني منهم أحدا، ويعدد خطايا خلفه، ويقول عن كابريفي ساخرا: «إنه ~~جنرال فاضل.» ويقول عن ميكل: «إنه أحسن خطيب ألماني، فصوغ العبارات هو آية ~~زماننا.» وهو يرقب سقوط فالدرسي وكابريفي وبوتيشر مسرورا، وإذا أردنا تمثل ~~وضعه تجاه المجتمع البرليني الذي أبعده وجب علينا أن نبصره رئيسا لوليمة عندما ~~يرفع نظارته القديمة ذات الإطار الذهبي ليرى المدعوين بها فيسأل بصوت خافت: «ما هو ~~اسم ذلك البادني الدبلمي الجالس هنالك؟» ويقول الرجل الذي يقص علينا هذا ~~النبأ، ويقول الرجل الذي سئل عن ذلك، إن وضعه كان كوضع الأسد الناظر إلى ~~ذبابة. # وهو لا يضن على الإمبراطور بمظاهر الاحترام، فترى صورة مكبرة لهذا العاهل ~~معلقة في غرفة الطعام، وينهض في عيد ميلاد ولهلم ويقول : «أشرب نخب صاحب ~~الجلالة الإمبراطور والملك.» وترن هذه الكلمة رنينا باردا في الغرفة، ولا شيء ~~يدل على أنه يهدف إلى رجل أجنبي أكثر منها، وجميع من يسمعونها من بسمارك يعلمون ~~مؤلم الحقائق عن سقوطه وعن الإمبراطور، ومن ذلك قوله: «إن كاتون كان رجلا ممتازا إلى ~~الغاية، وما فتئ موته يبدو لي رائعا، ولو كنت في مكانه لسرت على سنته أيضا فما ~~طلبت عفو قيصر، وقد بلغ رجال ذلك الزمن من احترام أنفسهم ما لا ترون مثله في أيامنا.» ~~وقس على هذا ما كان يصدر عنه من كلام بعد روية! # وأقسى من ذلك ms551 ما أبداه لفريونغ من ملاحظة، ويقرأ كتاب اللصوص لشيلر ليلا، فيأتي ~~إلى قول فرانزمور للشائب: «إذن، أنت تهوى أن تعيش مخلدا؟» ويعلق بسمارك على هذا ~~قوله: «إذن، ينتصب مصيري أمام عيني.» ويقول الراوي: إنه نطق بهذه الكلمة مع اهتزاز ~~خفيف في الصوت، ولكن من غير تغير في وجهه الشديد التكرش، ثم صمت الأمير كثيرا ~~مفكرا وهو يرسم صورا بطرف عصاه على الأرض الندية، ثم يعود إليه وعيه فيطمس ~~ما رسم، ويقول: «لا تظنوا أنني جرحت جرحا بليغا بما حدث في السنوات القليلة ~~الأخيرة، وإن شئتم فقولوا إنني فخور بما صنعت في العالم فلا أدع تلك الحوادث ~~ترجني.» # بيد أن غضب المعتدى عليه يبدو في اعترافه لصديقته سبيتزنبرغ، وقد جاء هذا ~~الاعتراف بعد العاصفة بعام، ومنه نعلم أن الرعد لا يزال يقصف، قال بسمارك: «قذف بنا ~~في الشارع كاللصوص، وطردني الإمبراطور كالخادم، وكانت سيرتي في جميع حياتي سيرة شريف ~~لا يمكن سبه بلا تعويض، وأشتمل على نسيج ماجد لا يعتدى عليه من غير أن يعاقب، ~~ولكنني لا أقدر على مطالبة الإمبراطور باسترضائي، ولا أحمل تجاه أولئك الناس من المشاعر ~~غير ما لدى غوتزفون برليشنجن # 2 # عند النافذة، ولا أستثني الإمبراطور من هؤلاء، وأبشع ما في أخلاقه وأخطر ~~ما في سجيته هو أنه لا يستقر عند مؤثر وأنه عرضة لجميع المؤثرات في الحين بعد ~~الحين، ولن أسره بالموت، وهم كلما أمعنوا في تهديدي أريتهم من هو الرجل الذي ~~يعاملون، ويا ليتني أختم حياتي قائما بعمل فاجع!» # وهكذا يتأجج شوقا إلى الانتقام ويتوهج، وهكذا يترشح من جميع مسامه شعوره ~~بأفضليته، غير أن ما فطر عليه هذا المتمرد من مشاعر إكرام للدم الملكي يعترض له ~~بغتة، غير أن ما تم لهذا المتمرد من عادات في نصف قرن جعله ينظر إلى مليكه نظره ~~إلى رجل لا يقدر على تحديه فيدعوه إلى النزال. # ويشعر ولهلم بأن الأمة تميل إلى تأييد قضية بسمارك شيئا فشيئا، ويسعى ولهلم ~~أن يكسب شوطا في اللعب، فلما مرت ثلاثة أعوام على ms552 الخصام مرض بسمارك فوجد ~~ولهلم وسيلة لوصل ما انقطع فعرض عليه قصرا يمرض فيه فرفض بسمارك ذلك ~~برقيا، وهنالك يرسل ولهلم إليه مقدارا من المعتقة # 3 # المشهورة فيشربه بسمارك عن حقد مع هاردن الذي هو أشد الناس عداوة ~~للإمبراطور، ويقول بسمارك لأحد أصدقائه: «ينتقص صاحب الجلالة قواي، فهو يشير علي ~~بأن أشرب قدحا واحدا من الرحيق في كل يوم، مع أنني أحتاج يوميا إلى ست زجاجات ~~منه حتى أصح.» # ومهما يكن من أمر فإنه يتعذر على بسمارك بعد تينك المحاولتين اللتين قام بهما ~~ولهلم أن يجتنب الشكر له شخصيا، ولو لم يفعل ذلك لوجده هؤلاء القوم الطوع ~~مخطئا، ومما يزعجهم ما يتمثل لهم من خصام بين الإمبراطور والمستشار السابق، وهم ~~يفضلون صمه # 4 # على لحمه # 5 # روما # 6 # لكتمه، وهذا إلى أن بسمارك يود إخافة خصومه ببرلين. # وبسمارك قبل قيامه بزيارة الشكر هذه يستدعي ضابطا ليعلم منه تفاصيل عن الزي ~~الرسمي المناسب، ثم يسأله هازئا: «وما هي أقوم طريق لإمساك السيف وفق النظام ~~الجديد؟» # والواقع أن لبس البزات الرسمية مع تقلد السيوف من الأمور الشائعة في برلين، ~~ويود الإمبراطور أن يقنع نفسه ويقنع الآخرين بأنه يستقبل جنرالا، فينظم كل ~~أمر بين كتيبة الشرف المحيطة بعربة البلاط وكتيبة الشرف أمام القصر كما لو كان الشيخ ~~مولتكه هو الزائر، والآن على الإمبراطور أن يسمع صابرا هتافات الترحيب بخصمه ~~العظيم، والآن على الإمبراطور أن يطيق تصفيق الجمهور لشخص غيره. # ولا يسر بسمارك بهذا الرئاء الشعبي، ويصفه من رأوه جالسا في عربته في ذلك ~~الحين بطيف لابس بزة بيضاء شاحب اللون شارد الذهن كما لو كان يفكر في أمور ~~بعيدة جدا، ولا بد من أن تكون مشاعره آنئذ مزيجا من الهزوء والازدراء، وهو إذا ما ~~رجع بصره إلى الذكريات التاريخية لم يغب عن باله أن واحدة من زياراته النافعة ~~للبلاط لم تثر مثل هذا الابتهاج الذي اتفق للرواية الراهنة الخالية من الخير، ومما ~~لا ريب فيه أنه يتمثل حينما ينحني الآن احتراما ما أتاه ms553 من تلقين في أربعين سنة بأن ~~الملك وكيل الله، فيرى ما في هذا التلقين من باطل ما دام يحتقر من أعماق فؤاده ذلك ~~الرجل الذي يبدي له إجلالا على ذلك الوجه! وكيف يحتمل مع كبريائه مثل تلك الساعة إذا ~~لم يقنع نفسه بأن العاهل يبجله كذلك؟ # ولم يكد بسمارك يبلغ درجات القصر المعهودة، ولم يكد بسمارك يبصر تلك الوجوه التي لم ~~يرها منذ أربع سنين حتى أخذ يناكد الجميع فيأتي بهربرت معه خلافا للبرنامج ~~المقرر، ويأتي زعيم # 7 # لتحيته فلا يقول له غير كلمة: «كيسل؟ يلوح لي أنك أصغر مما كنت عليه في ~~ذلك الحين.» وكل واحد في غرفة الانتظار يسمع كلام بسمارك، وكل ما يقوله بسمارك ~~يطبق عليهم، ويلزمون جانب الصمت جميعا، ويدخل بسمارك على الإمبراطور وحده، وينحني ~~احتراما ويعدله الإمبراطور ويقبله هذا العاهل البغيض، وتمضي دقائق قليلة فيأتي ~~الأمراء الصغار وتسفر أصواتهم الصبيانية عن بهجة، ويقدم الغداء في الساعة الرابعة، ~~ويرجى من بسمارك أن يداري نفسه بعد متاعبه. # وفي الليل تقام له حفلة عشاء كبيرة فتحضرها الحاشية، ويصل بيل غير مدعو ~~كهربرت، ويجلس بسمارك بين ابنيه فيشعر بأنه أكثر أمانا، ويحس - أبا - أنه أعلى ~~من العاهل الهوهنزلرني، ولا يؤدي وجود ابنيه إلى غير اشتداد الحقد عليه، فيعم ~~الجميع روح انقباض، ولم يشعر أحد بأنه في مأمن حول المائدة حتى عندما يأتي بسمارك ~~الشيخ بالنوادر، وهل هنالك من يحمر وجهه بفعل الخمر، فتخرج من فيه كلمة قاسية ~~كما جاء في الأساطير التوتونية؟ # 8 # وهل يستل الآخر سيفه فيقاتل ابنا بسمارك فرسان الإمبراطور؟ يعرف ~~أوتوفون بسمارك جيدا كيف يمسك بسيف النظام القديم، ولكن هذا لا يعدو حد الخيال، ~~ولا يفكر أحد - ولا الإمبراطور - في هذا جديا، ويعد الإمبراطور الدقائق على ~~الساعة الدقاقة نزقا منتظرا الوقت الذي يغادر فيه هذا الضيف الخبيث قصره ~~وعاصمته، فالحق أن جميع من هم حول المائدة يخشونه مع عدم إكرام، وعليهم مع ذلك أن ~~يشعروا بأنهم أصحاب السلطان تجاه هذا المنفي. # ثم يتنفس الجميع الصعداء، فقد ms554 أشعر خادم بعربة الضيف، ويشيع الإمبراطور عدوه ~~هذا ليلا، ويعود هذا العدو إلى منفاه في منتصف الليل. # ويرد الإمبراطور الزيارة إلى بسمارك في فردريكسروه فيأخذ معه نموذجا من ~~الجهاز الحربي الجديد ليسأل القطب السياسي الأول في عصره عن رأيه في الجراب وفي ~~اليوم التالي يتساءل الناس عما دار بين الإمبراطور والمستشار السابق من حديث، ~~فيقرءون في جريدة بسمارك كلمة أملاها بسمارك مجاملا مع خبث - كما هو واضح - فقد جاء ~~فيها: «إن الإمبراطور تفضل فسأل الأمير بسمارك عن أمر مهم، تفضل فسأله عن رأيه في تخفيف ~~أجهزة الجنود المشاة لدى الخدمة الفعلية، تفضل فعرض عليه عسكريين كاملي العدة طالبا ~~ملاحظاته، وقد رئي تعديل القبة # 9 # بأيسر مما كانت عليه من قبل»، فبمثل هذا البيان البريء يجعل الشيخ ذلك ~~الشاب محل سخرية في عيون نصف ألمانية. # وبسمارك مع ذلك ينشر ما يستطيعه ضد ولهلم وحكومته قائلا: «ليس من الإخلاص أن ~~أمتنع عن إبداء رأيي الصريح، كما يتوقع أناس من أهل برلين على ما يظهر، ومن قول هؤلاء ~~الناس إنني إذا التزمت جانب السكوت كان تأثيري في التاريخ أعظم ومنظري فيه أروع.» وما ~~بقيا عليه من عدم صلح فيرى من خلال ما حدث في السنين الأربع الأخيرة من تقلبات، ~~ويبلغ بسمارك الثمانين من عمره، ويأتيه الإمبراطور في عيد ميلاده مع دبدبة وعدة وحفدة، # 10 # ويسلم إلى بسمارك سيف شرف من ذهب ويلقي خطبة بهية، ولكن بسمارك ~~لا يجيب عنها، وتفتتح قناة كييل التي تصل بين بحر الشمال والبحر البلطي والتي هي ~~من آثار بسمارك فلا يذكر لهذا المستشار السابق اسم، ويحتفل في سنة 1896 بعيد الريخ ~~الفضي فيرسل ولهلم إلى بسمارك برقية شكر خالدة، ويحتفل في سنة 1897 بمرور مائة ~~عام على ولادة ولهلم الأول فتذكر أسماء صغار مساعديه ولا تقال كلمة عن ~~بسمارك. # وترسل إليه نماذج سفن حربية ذات يوم، ويضطر أحد الكونتات في يوم آخر إلى ~~إلغاء دعوة هربرت إلى عرس بعد أن انتهت إليه هذه الدعوة؛ وذلك لأن الإمبرطور علق ms555 ~~حضوره العرس على ذلك الإلغاء. # وهكذا يتوقف مقياس نعمة الإمبراطور ونقمته على ما يحدثه بسمارك من هزات في ~~الحكومة بما يبديه من نشاط سياسي. # | الفصل الثامن # حقا لم يظهر بسمارك استعدادا لكم فمه وعدم إبداء رأيه، فأما الحاضر فكان ~~يبدي لمعاصريه نقده حوله بواسطة الصحافة، وأما الماضي والمستقبل فقد وضع عنهما ~~كتابا، ولما عن له في السنين العشر السابقة أن يضع كتابا عندما يكون لديه فراغ ~~بعد اعتزاله لم يعد ذلك حد النظر، ولم يقع ذلك عن رغبة في الإبداع، وهو لم يرد ~~عندئذ سوى قضاء فراغه في العمل، ومن الأسباب الحافزة إياه إلى ذلك الآن ما كان من طلب ~~الناشر الألماني كوتا المستعد لتحدي المقاطعة. ولا يقوم السبب الثاني على سابق ~~حكمة ولا على تنوير بصيرة، بل على دهاء وحب انتقام، وبسمارك في سنين كثيرة كان يكتفي ~~بما يدبجه يراع أصدقائه عما يقصه من أنباء أعماله إجمالا وتفصيلا فيسد بذلك ~~ما في تاريخه من ثغرات حالا، شأن المصور المزخرف، واليوم حل أجل تصفية ~~الحساب. # وهنالك يرى ما في روح بسمارك من قليل خيال ومن كثير قيمة في الأمر الراهن، وإن ~~هذا المتفنن في اللغة الألمانية، وإن هذا الرجل الذي أبدع في كثير من خطبه ووثائقه ~~ورسائله وأحاديثه أسلوبا ألمانيا خيرا من كل ما تم منذ أيام أستاذ البيان ~~والخالد بآثاره غوته، يجهزنا بمذكراته بجذع ساطع، لا بأثر فني رائع؛ وهذا لأنها ~~تهدف إلى غاية، ولأنها وليدة حال نفسية خاصة، لا لأنه طعن في السن أو لأنه كدر ~~كثيرا، ما ظهر الآن قادرا على إملاء أنفس المقالات وأعسف المجادلات عن شئون الزمن ~~العتيد، وما دلت عليه رسائله الأخيرة من هوى رجولي ممزوج بسوداء هادئة كما في ~~الماضي، وهو - حتى عندما يتكلم عن الماضي أبا - يؤدي نظر سامعه ووجود كلبه وإمساكه ~~القدح بيده إلى إعارة روحه أجنحة وتثبيت نسق نعوته. # والآن يجلس في مكتبه فيريد أن يرسم في نفسه مجرى سابق حياته، ومن أجل من؟ وماذا ~~كانت عليه الأمة؟ وهل لهذه ms556 الكلمة معنى مقرر؟ وهل للأمة معالم؟ يبدو قادرا كتابة ~~وتكلما على رسم أقسام من تاريخه بروعة إذا ما تناول الملك والريشتاغ وقصد ~~التأثير في سامعيه، ولكنه إذا ود الآن أن يزود جمعا مجهولا بصورة فنية عن أعماله ~~وبنموذج عن البناء الذي أتم شيده احتاج إلى صبر وانسجام وقدرة على إنكار الذات؛ ~~ولذا أوجب شعوره بأمر الأسلوب تمرده على كتابة مذكرات على النموذج المألوف. # وفي البداءة يجعل عنوان مسوداته «مذكرات وأفكار»، وهو بهذا النوع من الجمع ~~الواسع يسهل عليه أن يلم أفكاره ويضم بعضها إلى بعض، وهو لسلامة القرينة في ~~أسلوبه لم يحاول أن يأتي بأي انتقال بين ما ذكر من الوقائع، وهكذا لم يكن الكتاب ~~الجليل الذي تركه تراثا للألمان تاجا يصلح حتى لجبينه الخاص، وهكذا نرى هذا الكتاب ~~مجموعة من الحجارة الكريمة المنفصلة وغير المرصعة، ولكن مع حسن نحت ~~وتشذيب. # ومن مميزات أسلوبه في هذا الكتاب بلوغه الغاية، وهذا الكتاب مشحون بالجمل الموجزة ~~التي يعبر غيره عما في الواحدة منها بستة أمثالها، وهذا إلى خلو الكتاب من ~~التكلف والتنميق، وهذا إلى الحفر فيه بمنقاش دقيق حتى صار بيانه سفر أخبار ~~مكثف. وفي الكتاب تبصر جميع مشاعره وأحقاده مستترة وراء الوقائع فلا يجد عسرا في ~~صرع أعدائه، وهو يختار موضوعه محابيا مجتنبا نقد نفسه غير مادح لها، وحيل ~~القطب السياسي هذا، وهذا العبث الرائع بين الماضي والذراري، مما يضاعف استمتاع من ~~يعرفون طبيعته جيدا، وعلى جميع الناس أن يقرءوه مع ذلك، ولو من أجل أسلوبه الألماني ~~الكامل الذي ليس بالكلاسي # 1 # ولا بالعصري. # وتعدل قيمة هذه الوثيقة التاريخية قيمة مذكرات نابليون، وهي دون مذكرات قيصر ~~نفعا، وقد استطاع النقاد أن يجدوا فيها طائفة من الأغاليط التي إذا ما استثنيت ~~واحدة منها لم تعدها تلفيقا، ولا غرو، فالمؤلف لم يزعم أنه يتوخى الدقة المطلقة ~~ولا الكمال الأمثل. ولنا قول عن بسمارك لإهماله أهم الوقائع عن الكفاح الثقافي، ~~ولسكوته عن القانود المضاد للاشتراكية وعن سياسته الاقتصادية، وليس لنا ما نقوله حول ~~ما ms557 علمناه من المسائل، وهو فضلا عن ذلك، وهو لأنه عدو مذهب ماركس الأزرق، يشعر ~~بنفوذ سلطانه الشخصي في التاريخ، والعيب الوحيد في تصويره البطولي هو أنه - مع ~~استثناء أوغوستا - لم يبد على نسيجه صورة أخرى تقاس بصورته الخاصة وتستحق أن ~~تكون خصما له. # ولم تزل العفاريت الثلاثة التي كانت بجانب مهد بسمارك - وهي العجب والشجاعة ~~والحقد - تسيطر على هذا الشيخ عندما كتب مذكراته، وهي قد بلغت من السيطرة عليه ما ~~بدت معه اعترافاته صورة عن روحه الملغزة، ولا تكاد تجد في كتابه المؤلف من ~~ثمانمائة صفحة شخصا أثنى عليه، ولا تستثن من ذلك معلميه ولا رؤساءه الرسميين ولا ~~الأمراء ولا النواب ولا الزملاء ولا التابعين. ولا ترى من هؤلاء من مدح مدحا غير ~~مقيد، حتى إن رون الذي هو أخلص الجميع لم يخل من تنديد به، ولا تبصر غير ~~الأصاغر، كستيفان وهولشتاين وشويننجر من سلم من الذم، وإذا ما استحوذ الحقد ~~والهزوء على قلمه صلح له كل شيء، ومما لا مراء فيه أنه هدف إلى إطراء مولاه ~~الشائب خلافا لمولاه الشاب. # والحقد حتى في أمر ولهلم الأول وجد إلى قلب بسمارك سبيلا، ويمكن استجلاء ~~الوجه الذي عامل به كبار أعدائه وصغارهم من مطالعة الصفحة التي صب فيها جام غضبه ~~على الطبيب الألماني المجهول الأمر الذي أسفرت مداواته له في سان بطرسبرغ عن أذى ~~كبير له، ولم يكتف بسمارك بإسقاط هذا الطبيب مع مضي ثلاثين عاما على ذلك، بل أشار ~~مغاضبا إلى الدوكة الكبرى التي أوصته وأوصت بلاط سان بطرسبرغ به. # وبسمارك بين سراح ومراح وحتى موت بوشر في سنة 1892، أملى على هذا المفضال جوهر ~~المجلدات الثلاثة، ثم غير فيها مقدارا لا يستهان به متبسطا هنا وهنالك، وهو لم ~~يبد كبير حماسة حول هذا العمل، وإذا حضر الطبيب شويننجر أبصر - في الغالب - ما يأتي فقال: «بوشر أبكم مكتئب متجهم مرهف الأذنين مستدق القلم الرصاصي جالس ~~أمام ورقة بيضاء، والأمير مضطجع على كرسي طويل متأمل في الصحف غير ناطق بكلمة، ~~وبوشر ليس ms558 أقل منه صموتا، وتظل الورقة بيضاء»، ثم يساعده الطبيب قليلا، ومن ~~المحتمل أن يتلو بعض المقالات، وقد يجد بسبب أحد الزوار ما يدفعه إلى الإملاء ذات ~~حين. # بسمارك في سنة 1895. # وكان بوشر دون بسمارك حماسة للأمر مع تمتعه بذاكرة أحسن من ذاكرة ذلك، وكان يشكو من ~~كون الأمير «يكرر كثيرا من الأمور عدة مرات وعلى أوجه مختلفة تقريبا، وهو يقف ~~عند أكثر المسائل أهمية ويعيد نفسه متناقضا، وهو إذا تناول أمورا كان نصيبها ~~الحبوط تنصل من مسئوليتها؛ حذر اللوم، ولا تكاد ترى من يبدو مثله خطرا، وقد أنكر ~~كتابه إلى بريم (في سنة 1870) إلى أن ذكرته بأنني أنا الذي نقله إلى الجنرال في ~~مدريد، ومن المحتمل أن يكون قد فكر في مؤرخي المستقبل وفي ترك وصية للأعقاب، ولكنه ~~يفكر أيضا في الحال، وفي الحال يريد أن يؤثر». # وبسمارك إذ عطل من المستندات وكان راغبا في الانتقام من أعدائه وخروجه رابحا ~~لقضيته، راعه ما أبصره من تناقض بين ما أبداه من رأي خاص وما أبداه من رأي عام عن ~~السلطة الملكية، فقد قال: «ما فتئت منذ سنة 1847 أدافع عن المبدأ الملكي وأرفعه ~~كالراية، ولكنه كشف لي أمر ثلاثة ملوك فوجدت تصرفاتهم لا تناسب من هم في مثل ~~سموهم، ومما يناقض المبدأ الملكي أن يذاع هذا بين الأنام، ومما يتعذر علي مع ذلك ~~أن أسلك سبيل النذالة فأسكت عن ذلك أو أن أذكر أمورا على غير وجهها.» # وهكذا، وفي نهاية الأمر يرى هذا الممثل الأكبر أن يكفر عن عيشه في عالمين، والآن ~~يجب على هذا الذي لم ينطق بالحق إلا وراء المسارح حتى الساعة الراهنة أن يقول الصدق ~~للمرة الأولى على نور المنحدر، وبسمارك حتى في ذلك التاريخ يضفو حقده على عامله ~~السياسي فيدبج يراع هذا الملكي ذات حين فصله المشهور عن ولهلم الثاني ~~فيصوب به سهما مميتا إلى سمعة هذا العاهل، ولا يتناول في ذلك هذا العاهل وحده ما ~~أبدى آل هوهنزلرن هنالك بأقتم صورة، ولن تجد ما هو أبلغ ms559 من ذلك الفصل ضد النظام ~~الملكي. # وكان بسمارك بصيرا بصرا تاما بما يكون لذلك من أثر بالغ حينما أمر بنشر جميع ~~كتابه فور وفاته، ويدعي ورثته وجود إشارة فيفضلون حماية الإمبراطور على دفاع ~~أبيهم عن نفسه من قبره، وهم لم يمتنعوا عن نشر المجلد الثالث في سنة 1898 فقط، بل ~~داوموا على حفظ سمعة ولهلم الثاني حتى بعد فراره من ألمانية سنة 1918، وقد احتجوا ~~على ما كان من «نشرها الفوري» عند تلك الهزيمة مؤيدين القضية التي رفعها ~~الإمبراطور ضد الناشر بدلا من أن يتخذوا جميع الوسائل وصولا إلى عرض تلك الوصية ~~على أعين الأمة في نهاية الأمر. # | الفصل التاسع # «يقضي الواجب علي بأن أتكلم، ويسدد هذا الواجب إلى وجداني كالمسدس الذي ~~يصوب إلى كياني، وبما أنني أعتقد أن السياسة الحاضرة تقود الوطن إلى ورطة ~~يجمل اجتنابها، وبما أنني أعرف هذه الورطة على حين يخادع الآخرون أنفسهم ~~حولها؛ كان من الخيانة أن أسكت، ويريد أصدقائي الأعزاء أن أكون ميتا حيا ~~مكتوما بكيما # 1 # فلا يحق لي أن أبدي حراكا، ولكنني في عزلتي أستطيع أن أداوم ~~على خدمة وطني، والآن أجدني طليق اليدين أكثر مما كنت عليه من بعض الوجوه، ~~والآن وقد خلوت من العوائق الإدارية أقدر في الخارج على الدعاية في سبيل ~~السلم التي ما انفكت تكون غايتي الوحيدة منذ عشرين سنة.» # وهكذا يسير اكتراثه لتراثه مع عدائه لخلفائه وشوقه إلى الانتقام من الطاعنين ~~فيه، ويسترد المبعد في العقد الأخير من عمره سلطانه على الرأي العام الذي أضاعه في ~~السنين السابقة، وهو لكي يصل إلى هذه الغاية يلوح له أن يسوغ جميع صنعه بما يطيب ~~له من الوسائل، وهو يرى أن يلقي إلى الصحف بواسطة خلصائه ما لديه من كتب مهمة من ~~ولهلم الأول، فيحمي نفسه من مثل ما أصاب به أرنيم بأن يقال عند الضرورة مثلا إن ~~بعض هؤلاء الخلصاء لا بد من أن يكون قد استنسخ تلك الرسائل عند تقليبها ضيفا في ~~فردريكسروه، وهذا إلى قوله إن الكتب الخاصة ms560 التي أرسلها إلى الملك هي ملك أدبي ~~له، «فما يكون من إدماج الأفكار الواحدة في الرسائل لا يجعل لها صفة رسمية.» ويبوح ~~بسمارك بأمور أخرى إلى هاردن الذي دعاه إليه بعد أن قرأ مقالاته والذي كان محل سره ~~وموضع صداقته في سنين. # وبسمارك - خلافا لما يظن في البداءة - لم يتصرف في صحف كثيرة في أول اعتزاله، ~~فكان معظم الجرائد الألمانية يخشى مجازفة الاتصال به، وبسمارك لم يستقبل في الأشهر ~~الأولى غير صحافيين من الأجانب مع ذلك، وجريدة هنبرغرنخريختن وحدها هي التي فتحت ~~صدرها للمستشار السابق، فظلت أكثر الصحف الألمانية طرافة عدة سنين، ويملي بسمارك ~~مقالات كثيرة لها، ويوحي بسمارك بغير قليل من المقالات إليها، حتى صار الناس ~~يعدونها مونيتور # 2 # فردريكسروه، وقد تصدت جريدة هنبرغر تلك لجريدة «رايخسانزيجر» ~~في الأزمتين أو الأزمات الثلاث التي حدثت في تلك السنوات. # وبسمارك بعد عامين من سقوطه يواجه خطبا جللا، وبيان الأمر: # أن الأمة التي بعدت منه منذ زمن طويل صارت تعود إليه بعد عزله، وتغدو تلك ~~الأحوال معلومة بالتدريج فيسفر ذلك عن عزيف رياح وعن إثارة عواطف كثيرة، ويأخذ ~~بسمارك - في الأيام القليلة الأولى - أكثر من ستة آلاف برقية حمد وثناء، وتتبنى ~~مدينة همبرغ الحرة قضية جارها الجديد، وتستقبله استقبالا باهرا، وفيما كان يمر ~~راكبا عربته من الشوارع المزينة بالأعلام إذ يهرع إليه ملاح إنكليزي وهو ~~يقول: «أريد أن أصافحك!» ولا ريب في أن هذه هي المرة الأولى التي يصافح فيها إنسانا ~~من العوام، ولم يحدث قبل ذلك أن دعا فلاحا إلى مائدته، والآن يدعى إلى الغداء ~~معه فلاحان حمسان من شونهاوزن؛ لما أبدياه من تقديس مؤثر له، ويلخص ~~هربرت الوضع بعبارته البارعة: «إنهم يعدونك ضمانا لهم، والحق معهم.» # وتظل هذه الحوادث منعزلة لكبير وقت، حتى إن المنفي بعد عامين؛ أي في أواخر ~~شهر مايو سنة 1892، استطاع أن يقول: «أجل، إنني خدعت في أمر الشعب الألماني، وهذا ~~الشعب لم يدرك أن الذي يدفعني إلى الانتقاد هو قلقي العظيم حول مستقبل الإمبراطورية ~~الذي يقض ms561 تفكيري في أمره مضاجعي، لا ما يظن؛ من ضغينة ولا حب انتقام ولا ~~أمل في العود إلى السلطان.» # وما كان ليقول مثل ذلك بعد أسبوعين، ويصبح هربرت خاطبا لوارثة نمسوية مثرية وفق ~~رغبة أبيه، ويرى بسمارك أن يذهب إلى فينة ليحضر العرس، ويلتمس مقابلة فرنسوا جوزيف ~~فيقال له إنه سيرحب به، بيد أن ولهلم وأعضاء بلاطه يخشون أن يكون المستشار ~~السابق حاملا مقاصد سيئة، ويئز # 3 # زعانف # 4 # ولهلمستراس، ويخافون اكفهرار الجو ويرفعون أصابع التحذير، ويكتب ~~الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور فرنسوا جوزيف قوله: «سيسافر بسمارك إلى فينة ~~في أواخر الشهر، اقتطافا لما أعده المعجبون به من استقبال حماسي، وأنت تعرف أن ~~من آثاره تلك المعاهدة الروسية ذات الوجهين التي وضعت وراء ظهرك فأبطلتها. وما ~~انفك بسمارك منذ اعتزاله يشن حربا غادرة ضدي وضد وزيري كابريفي، وهو لم يأل ~~جهدا في إبداء ضروب المكر والحيل حتى يحول المسائل بما يعتقد معه العالم أنني ~~أتقدم إليه بسلف، ويبدو له أن يقوم بمقابلتك كما طلب، وقد تكون هذه المقابلة أهم ~~ما يهدف إليه، فأطلب إليك - والحالة هذه - ألا تعقد وضعي في بلدي بمقابلة هذا ~~التابع غير الطائع ما لم يأتني معترفا بذنبه.» # وفي الوقت الذي يرسل فيه ذلك الكتاب الوقح يرسل كتاب آخر إلى سفير ألمانية في ~~فينة الأمير روس من إنشاء هولشتاين وبإمضاء كابريفي جاء فيه: «إذا ما زار ~~سموكم الأمير أو أي واحد من أفراد أسرته؛ فإنني أرجو منكم أن يقتصر ذلك على ~~الشكليات وألا تقبلوا منه أية دعوة إلى العرس، وبهذا التوجيه يخاطب رجال السفارة ~~كما تخاطبون. وأضيف إلى هذا أن صاحب الجلالة لن يقبل دعوة إلى هذا العرس، ونوصي ~~سموكم بإنباء (الوزير) الكونت كلنوكي بهذا الأمر بما ترونه من أسلوب.» وهكذا يوصم ~~بسمارك رسميا بالرجل الذي لا يقبل، وهكذا يحذر وزير خارجية النمسة منه. # ويخبر بسمارك سرا بأمر ذلك الكتاب، ويدعو كابريفي إلى المبارزة قائلا: «لقد ~~اخترت شاهدي، ولا تزال يدي اليمنى سليمة، ولي خبرة في إطلاق النار من ms562 المسدس، ولكنني ~~قلبت الأمر في ذهني فوجدتني ضابطا يرى عرض الأمر على محكمة شرف مؤلفة من شيوخ ~~القواد، ليس لي أن أدعه يواجه هذا المسدس.» وعلى هذا الوجه يبدي ذلك المارد بسالة ~~الأسد فيه ابنا للسابعة والسبعين من سنيه، وهو يريد أن يدافع عن اسمه ومرتبته وشرفه ~~مخاطرا بحياته، ولن يرسل ابنه ليقوم مقامه في ذلك، وهو يود مقابلة الموسيقى ~~بنفسه، وهو - كما في كل حين - تساوره رغبة روائية في ختم حياته المكدرة ~~بفاجعة. # وبسمارك يسلك أقوم الطرق، وبسمارك يصف لخلانه «كتاب أوريا» # 5 # هذا بالمجون، وبسمارك يذيع في جريدته على الجمهور ما يأتي: «إن ما اتخذ ~~من الوسائل لحمل عاهل النمسة على عدم مقابلة الأمير - بعد أن كان مستعدا لذلك - ~~حمل على انتقاص مقام الأمير الاجتماعي والحط من قدره، وعد إهانة لشخصه، فلا ~~نجد في سابق سيرة الأمير ما يسوغ ازدراءه بمثل هذا.» وتنفجر هذه القنبلة ~~وتجاوز شظاياها ما وراء حدود ألمانية. # ولم يحدث منذ وجدت بروسية أن أثار ملك بروسي شعبه ضده بمثل ذلك، ولم يصب ~~البروسيون في سنة 1848 غضبهم على العاهل الضعيف في الحقيقة، والآن يبدو نصف ألمانية ~~في هرج ومرج، والآن حين يمر آل بسمارك من برلين يزدحم الجمهور على رصيف المحطة ويطلب ~~من الشيخ أن يلقي خطبة، ولكنه يجد من الحكمة أن يضبط نفسه فيصمت لإحكامه خطط ~~انتقامه، ويشق الأمر على طبقة الأشراف في فينة ثم تبتعد، ويتظاهر سفير ألمانية ~~بالمرض ويلزم سريره على حين تناضل زوجه الأميرة الفيمارية بشجاعة عن المستشار السابق ~~المشتوم. وفيما تحف ببسمارك تلك المشاعر يحتفل ابنه هربرت بتزوجه الكونتس هويو ~~بعد عشر سنين من امتناعه عن الزواج بإليزابت هاتسفلد لمثل تلك الأسباب. # ويشعر بسمارك الشيخ برجوع شبابه إليه تجاه تلك النظرات المعادية، ويفكر مرددا ~~سابق قوله بلسان الحال: «نجهل فوق جهل من يجهل علينا!» فيدعو إلى مقابلته رئيس تحرير ~~جريدة نيوفري بريسه فيهاجم الحكومة جهرا بما لم يصنع مثله منذ أربع وأربعين سنة، ~~وفي الماضي لام الملك على نذالته ms563 أمام الشعب، والآن يلوم الحكومة على حماقتها حيث ~~يقول: «لا ريب في أن النمسة أفادت ما استطاعت من ضعف مفوضينا وعجزهم في المعاهدة ~~التجارية، وكانت النتيجة عندنا أن أرى الآن في المقدمة أناسا كنت أدعهم في المؤخرة ~~لما رئي من وجوب تغيير كل شيء، ثم إنني لا أرى ارتباطي في عهد تجاه أي رجل ذي ~~منصب ولا تجاه خلفي، فجميع الجسور هدمت، وقطع الحبل الذي كان يربطنا بروسية، وقد ~~عطلت برلين من السلطان الشخصي والطمأنينة.» # وفي برلين يستحوذ الغم على أولياء الأمور، وهؤلاء إذ لم يستطيعوا أن يعيبوا هذا ~~«الشيخ الثرثار» خفية، وجب عليهم أن يقوموا بذلك علنا؛ ولذا تبدأ الآن جريدتا ~~«المونيتور» بالمبارزة أمام ألمانية الهائجة على حين تنظر أوروبة إلى ذلك بعين الفرح ~~والارتياح، وفي تلك المبارزة لا تصيب كل طعنة تصوبها الحكومة الهدف، وفي تلك ~~المبارزة تبلغ كل قذيفة يوجهها الخصم غايتها. # جاء في صحيفة كابريفي: «لا نذكر وجود رجل دولة في تاريخ البلدان الأخرى، بله ~~ألمانية، سلك مثل تلك السبيل بعد ترك منصبه، والذي يلوح أن الأمير لا يألو جهدا في ~~نشر عدم الثقة معقدا بذلك سوق مركبة الإمبراطورية الصعب، وهل هذا من الوطنية؟ ~~وتخونه ذاكرته، ولا أحد يستطيع أن يقدر مبلغ الأذى الذي يتأهب الأمير ليصيب به وطنه ~~الخاص.» # وفي اليوم التالي يبدي بسمارك نفسه صحافيا بارعا، فيبدو معتقدا أن تلك ~~المقالة من إنشاء رئيس تحرير تلك الجريدة المهاجمة، وبذلك يمكنه - مع احترام ساخر - أن ~~يوجه سهامه إلى الحكومة غير المسماة فيقول: «إن من المستحيل أن يكون أناس ~~محنكين مهذبين كأولئك الذين يسيرون شئون الدولة مسئولين عن مقالة صحافية ~~سليطة مثل تلك المقالة، ويفترض أن ذلك قذف، ولا يسع الأمير إلا أن يرى من ~~المضحك انتصاب رئيس التحرير بنتر فوق منصة الخطابة ليعظه، ولا شيء يسر الأمير ~~بسمارك أكثر من تعقبه قانونا، ولا يجد الأمير محذورا في ختم عمله السياسي بتلك ~~الخاتمة الروائية.» # ويظهر أن حنق الجمهور الألماني انقلب إلى ضحك بعد ذلك الجواب، بيد ms564 أن أولياء ~~الأمور ببرلين فقدوا رشدهم غضبا، فحملوا على بسمارك وعلى نصف الأمة أيضا، فنشروا في ~~ذلك التاريخ ما أصدر إلى سفارة فينة من إرشادات خسيسة، فبذلك أتيح لكل ألماني ~~أن يقرأ في جريدة «رايخسانزيجر» كيف أن المستشار الجديد كان حريصا على إهانة سلفه، ~~ويغلي دم الأمة، وفي البداءة عد مئات الألوف من الألمان عزل بسمارك عملا غليظا، ~~ولكن مع الفائدة، فرأوا أن الإمبراطور قام بذلك عن دهاء وحسن ذوق، والآن يدرك كل ~~واحد عطل الإمبراطور من هذا وذلك، ويسفر ذلك عن تبدد آخر شعور عدائي ضد ~~بسمارك بطوفان من الهتاف الشعبي لم يتفق قبل ذلك لرجل في ألمانية غير متوج أو ~~غير لابس بزة رسمية. # وكان على بسمارك أن يبلغ الثمانين من عمره قبل أن يفوز بالشعب الألماني، وبسمارك، ~~نائبا، كان خصما للشعب، وبسمارك رئيسا للوزارة البروسية كان مكافحا للشغب، وبسمارك ~~مستشارا للإمبراطورية كان عدوا للريشتاغ، وكان بسمارك في منزله وفي أملاكه الريفية ~~يعيش بين أبناء طبقته الخاصة بعيدا من الطبقة الوسطى ومن ذوي الثقافة فلا تجد بين ~~عشرائه أساتذة ولا رجال أعمال ولا أرباب فن، وبسمارك عاش بين السياسيين والأشراف ~~ستين سنة، وبسمارك في كلتا الحربين على الأكثر، وفي حياته الزراعية كشريف على الأكثر؛ ~~تنفس بمثل هواء هذا الشعب الذي عمل من أجل ذراريه عشرات السنين فشعر ~~بوجوده. # واليوم تأتي جماهير كثيرة لتحيته في جميع الأماكن التي يمر منها في أثناء رحلته ~~من فينة إلى كيسينغن، واليوم تلتمس المدن شرف استقباله استقبالا عاما، ~~واليوم يرحب به جميع أقوام الألمان الذين قهرهم أو عاسرهم كأهل سكسونية وجنوب ألمانية، ~~وتسخر أوروبة من منع حكومة بروسية مدينتي هاله ومغدبرغ من تكريم بسمارك وذلك حين ~~كانت موسيقى كولبرغ الحربية مستعدة للعزف، فأخذت ترسل ألحانها راجعة؛ لكيلا ~~تحتفل بعدو البلد، ولكن الفرح يعم ألمانية عند قراءة ما حدث في ينا. # فهنالك في السوق القديمة تحتشد المدينة والجامعة وفلاحو القرى المجاورة والأساتذة ~~والولدان والنساء، ويستقبل رئيس الجامعة الأمير في بيت لوثر، ويخرج بسمارك إلى ms565 ~~الباحة حيث كانت تشتعل نيران المعسكر الفرنسي منذ تسعين سنة فوجدها بسمارك مكتظة ~~بالموائد الطويلة وما عليها من قناني الخمر والجعة وبالأغاني وآلات الطرب وبأهل هذه ~~المدينة الألمانية الإقليمية المنتظرين المرحبين به ترحيبا روائيا المتشوقين ~~إليه المتحمسين له. # وهنالك يتقدم هذا الطويل النجاد اللابس معطفا أسود ويطوف على الجموع ويلقي تسع ~~خطب لا تشتمل واحدة منها على عبارة فارغة، ثم يلتفت إلى تمثال غوتزفون برليشنجن ~~ويقتبس قول غوته الذي أجراه على لسان غوتز هذا جوابا عن وصف وكيل إياه باللص، ~~وإليكه: «لو لم تكن ممثلا لإمبراطوري الذي أقدس له حتى في مثل هذا الوضع القذر؛ ~~لحملتك على ابتلاع هذه الكلمة حتى تتخم أو تفزر بها!» وما كان ينطق بالكلمات ~~الأولى من جملة غوتز الغليظة هذه التي ما انفك يرددها في حياته حتى تعالت أصوات ~~الهتاف البالغ حد الجنون، ثم قال مستنتجا: «يمكن الرجل أن يكون تابعا مخلصا لأسرة ~~مليكه ولعاهله ولإمبراطوره من غير أن يعتقد الحكمة فيما يأتيه عمال هذا العاهل أو ~~الإمبراطور من التدابير، وإني غير معتقد وجود تلك الحكمة فيما يقوم به عمال ولي ~~الأمر عندنا، ولا أكتم رأيي في ذلك في الحال والمستقبل!» # تلك اللهجة هي لإلقاء البهجة في نفوس أناس من الألمان جلسوا حول موائد أقداح ~~مدت في ميدان عام ذات مساء من يوم صيف، غير مسئولين عما قيل بها، وهنالك حين عودته ~~إلى عربته لم يقدر على الخطو لشدة الازدحام، فتبصر مئات الناس يحاولون لمس تلك اليد ~~التي ظلوا يخشون شدة وقعها ثلاثين عاما فأصبح صاحبها الشيخ يمدها إلى الجميع ~~للمصافحة، ويسكت عنه ارتيابه الفطري لقليل ساعات أو لبضعة أسابيع، ويسأل نفسه عن ~~إمكان صدور أصدق الأقوال وأعمقها من هؤلاء العوام أكثر من صدورها عن طبقته الخاصة ~~التي حسدته حينما كان قابضا على زمام الحكم فخانته ثم أسقطته في نهاية ~~الأمر. # وهو في أثناء هذه الاحتفالات والولائم والمواكب التي جعلت من سياحته - مجاوزا جنوب ~~ألمانية - مظاهر نصر، وهو في غضون ما لقيه من ولاء وحماسة ms566 وجد ما يدفعه إلى التفكير ~~في منح مثل هؤلاء القوم من السلطان أكثر مما لديهم، وهكذا في تاريخ لاحق، ونتيجة لجور ~~يتوجع منه، يبصر بسمارك كيف أضاع الفرص، وتلك الخطب كانت أولى خطبه الشعبية، وهو ~~قد ألقاها في دوائر البلدية وحانات الجعة وفي أعلى الشرف وفي الساحات العامة بين ~~درسدن وميونيخ، وبتلك الخطب ينطق ذلك الشيخ بإنذاراته المتأخرة كما يأتي: # يقوم النظام الملكي الدستوري الذي نعيش به على تعاون بين إرادة العاهل ~~وقناعة الرعية، ومن المحتمل أن أعنت من غير قصد على خفض شأن البرلمان إلى ~~مستواه الراهن، ولم أرد قط أن يبقى على مستواه المنخفض زمنا طويلا، وأتمنى ~~أن أرى في البرلمان أكثرية ثابتة لما لا يكون له من السلطان الضروري بغير ~~هذه الأكثرية، وإن الواجب الدائم للمجلس التمثيلي هو أن ينتقد ويرقب وينذر ~~ويحذر، وأن يوجه الحكومة في بعض الأحوال، ولا يهدأ لي بال حول دوام ~~نشوئنا القومي ومتانته ما لم يتحول الريشتاغ على ذلك الوجه، وفي الماضي كنت ~~لا أدخر وسعا في تقوية الشعور الملكي في الشعب، وقد هتف لي وشكر لي في ~~البلاطات وفي العالم الرسمي مع رغبة الشعب في رجمي، واليوم يهتف لي الشعب ~~ويصفق لي على حين يطوي أركان البلاط والأوساط الرسمية كشحا عني، وأظن أن ~~هذا يسمى سخرية القدر. # فبتلك البراعة يتخلص ذلك النقادة الأعظم في أصعب أدوار خطته حين يهدف إلى التأثير في ~~الجمهور، والحق أن تصرفه ينطوي على سخرية فاجعة، وهو يعرف هذا، وعن هذا التحول ~~المتأخر يصدر سهاده ، وإذا نظرت إلى عمله السياسي في جميع حياته وجدته مركزا ~~تركيزا ذاتيا، مفكرا فيه تفكيرا ذاتيا، موجها له توجيها ذاتيا، وبسمارك ~~في جميع حياته يرد كل شيء إلى المبدأ الحكومي الآتي وهو: أن عداء بسمارك العميق ~~للشعب لم ينشأ عن رغبته في الإشراق ما دام استخفافه بالناس صانه من هذا الزهو، كما أنه ~~لم ينشأ عن نيله سلطانه وحفظه هذا السلطان بفرضه من عل، وإنما نشأ عما في الرجل ~~من ذكاء يعد ms567 ضربا من العبقرية الفطرية وعن شعوره دوما، ومن ناحية الدم بأنه سليل ~~طبقة عالية، فلا يريد الحكم بسوى هذه الطبقة التي هي طبقته وإن لم تكن هذه الطبقة ~~عنده دون غيرها محلا للانتقاد، وكان يرى أن الملك وطبقة الأشراف ركنا الدولة، فلا ~~يعدو منح حق التصويت العام حد إعطاء جيل يسير في الظلام امتيازا عن غصب، فمن ~~إضعاف البرلمان وإخضاعه لسلطة الملك يتألف مبدأ بسمارك الأساسي بانيا للدولة، وعلى ~~هذا المبدأ سار بسمارك في عشرات السنين. # ولم يكن النظام الملكي القوي الذي كان يباهي به بسمارك في اللندتاغ ~~والريشتاغ غير سلطان صوري كالنظام الملكي الإنكليزي الذي لم يقصر في ~~انتقاده، ولكن بينما ترى الشعب في إنكلترة جوهرا لشكل النظام الملكي ترى جوهر شكل ~~النظام الملكي في ألمانية هو المستشار، وإن شئت فقل بسمارك نفسه، وبسمارك قد عرف بما ~~فيه الكفاية وجه الخدعة في ملاعبته الشعب، وذلك من غير أن يأذن لأي غريب أن يدخل بين ~~الإمبراطور والمستشار في تلك الرواية الاستبدادية، والإمبراطورية هي إمبراطوريته، ولا ~~يرى لسواه حقا في إصدار الأوامر، وما كان ليرضى بعمله، وما كان لاعتداده بذاته أن ~~يسكن بغير هذه الشروط، وقد دام هذا حتى حدث المستحيل، وهو أن الملكية التي ما فتئ ~~يعلن سلطانها مدة ثلاثين سنة قضيت في مكافحة ممثلي الشعب؛ لم تنشب أن تجسدت في ~~شخص آخر فبدت بكل قوتها وأسقطت مولاها، وهنالك وقف ذات حين وحيدا بلا ولي وبجانب ~~الشعب. # والآن حينما انحاز الشعب إلى بسمارك اعترف هذا الشيخ بما في حساباته من خطأ، والآن ~~يقف بجانب الشعب عن هوى غريزي؛ أي لمثل السبب الذي سبق أن وقف به مخلصا بجانب ~~النظام الملكي، والآن يتنزل عن مقدار كبير من كبريائه فيعترف أمام بني وطنه وأمام ~~أوروبة بقوله: «إن من المحتمل أن أعنت - عن غير قصد - على خفض شأن البرلمان إلى ~~مستواه الراهن.» # وفي تلك الأسابيع يقيم رجال الفن بميونيخ وليمة له، ويرفع لينباخ قعبا مملوءا بجعة ~~ميونيخ تكريما لضيف الشرف، ولكنه وجد قعب ms568 الجعة من الثقل ما خشي معه أن يسقطه ~~فأعاده إلى المائدة، وهنالك يصرخ بقوله ملهم هز به مشاعر الحضور، وهو: «من يعجز ~~عن حمله يضعه!» # وبتلك الكلمة المرتجلة يلخص المصور ما بين ولهلم وبسمارك من صراع، ويقول بسمارك: ~~«إذا ما دنا قطاري من محطة وأخذ يدخلها ببطء سمعت هتاف الجمهور الذي ينتظرني وهزجه ~~فيكاد قلبي يطير فرحا من عدم نسيان ألمانية إياي.» # | الفصل العاشر # نرى في طالع بسمارك كما في خط يده ما يؤيد تقديرنا لسجيته، فهو قد ولد في برج ~~الأسد فدل هذا على القوة، وكانت الشمس في برج الحمل كما كانت خاضعة للمريخ فدل هذا ~~على الشجاعة، وكانت الشمس مضادة لأورانوس فدل هذا على القيام برسالة، وهكذا تراه ~~جامعا لعلامات النار الثلاث. # ويدل خطه على العقل أكثر من دلالته على الخيال، وينم خطه على الإرادة والقوة ~~والاعتداد بالنفس وضبط النفس والثقة بالنفس وحس الشكل، وعلى الزهو والعناد، وعلى ~~البعد من الاصطلاح، وعلى الترتيب وكثرة مفاجئات رجل واقع تحت رحمة أعصابه، وخطه ضخم ~~مع عدم تكلف لكبر الحجم، وأظهر انتظام في خطه كان عند بلوغه منتصف عمره فلا تجد ~~فيه علامة انفعال أو آية زيادة، ويغدو خطه في مشيبه أكثر مرونة وأعظم سخاء، ~~ومما يجدر ذكره بقاء خطه كسجيته غير متحول مدة خمسين سنة. # وهو حتى في مشيبه ظل مناضلا قبل كل شيء، فلما حرضه كيزرلنغ على أن يبدو ~~الآن رجلا منسجما قال له متحديا: «ولم أكون منسجما؟» ولما تقاطر الناس إليه ~~احتفالا ببلوغه الثمانين من عمره متوقعين أن يروا شيخا هادئا سمعوه ينطق من شرفة ~~منزله بالكلمة النارية الآتية، وهي: «ليست الحياة غير كفاح بين الخلائق كلها، فارجعوا ~~البصر إلى النباتات فإلى الطيور ناظرين إلى الحشرات، وارجعوا البصر إلى الكواسر فإلى ~~البشر لا تجدوا حياة بلا كفاح!» فبهذه الذهنية سوغ انتخابه عضوا في الريشتاغ، وفي ~~ذلك يقول: «أود أن أرى وجوههم جالسين على مقاعد الحكومة حينما أكون جالسا في الدور ~~الأدنى من الردهة، فأنا قطرة كيماوية تحلل كل ms569 أمر عند صبها في المناقشة.» ويدور ~~الحديث حول القناعة فتمدح فيقول: «أتجدون ما هو أتعس من إمبراطورية ألفية تقتل ~~الطموح وتعرقل التقدم وتؤدي إلى ركود في الأخلاق؟» # ولم تعد نصرانيته حد الشكل منذ زمن طويل، والآن تبصر صحيفتها مطوية تماما، ~~ولا تجد في نهاية حياته - كما في بدئها - سوى شك يحوله إلى وثنية صوفية في ~~الحين بعد الحين، وإليك ما أتاه من إيضاح عاطفي رفيق صباه كيزرلنغ الذي جرؤ ~~وحده على سؤاله عن هذه الأمور، فقد كتب يقول بعد زيارته الأخيرة له: «يظهر أن شعوره ~~الديني يترجح بين جزر ومد، وينام غرامه في مشيبه، ومن المحتمل أن يكون قد نام فيه ~~مع العمر أيضا شوقه إلى إله ذي مشاعر بشرية، وهذا يفسر ما بين الحب والدين من ~~علاقة مطلقة.» ويروي كيزرلنغ أن آخر اعتراف لبسمارك هو قوله: «يؤسفني أن أقول إنني ~~ابتعدت كثيرا عن الرب فيما قمت به من ضروب الكفاح في السنوات العشرين الأخيرة، ~~والآن في هذا الدور الكئيب أشعر مع الألم بهذا الابتعاد.» # وهو إذا ما أخذ يجادل في الدين ذكر أمورا قد تزعج حنة المتدينة العجوز، ومما حدث ~~أن كان يقرأ جريدة فتركها تسقط، فقال أمام أحد الضيوف: «أود أن أعرف جيدا: هل ~~تمتد الثنائية التي تتخلل فينا إلى الكائن الأعلى؟ تبدو الثنائية في كل أمر خاص بنا، ~~فالإنسان مؤلف من روح وبدن، والدولة مؤلفة من حكومة وممثلين للشعب، وكيان البشرية ~~بأسرها قائم على العلاقات المتقابلة بين الرجال والنساء، وتشتمل هذه الثنائية على أمم ~~بأجمعها ، وإني - من غير تجديف # 1 # على الله - أود أن أعرف: هل يوجد بجانب إلهنا كائن يكمله كما تكمل ~~المرأة الرجل؟» وتذكره حنة بالثالوث على استحياء، فيقول: «إن هذا مذهب غير ~~معقول.» ثم يداوم على قوله سائلا نفسه بلهجة جدية: «قد تكون بيننا ويبن الله مراحل، ~~وقد يكون لدى الله من يستعين بهم على تدبير شئون هذا الكون الذي لا حد له، ومن ذلك ~~أنني إذا ما قرأت غير مرة صحفا، فأبصرت الوجه ms570 المحزن الذي تسير به الأمور عندنا ~~وأبصرت توزيع السعادة والشقاء بيننا توزيعا غير عادل سألت في نفسي دوما عن ورثنا ~~في هذه الأرض من نائب رئيس لا ينجز في كل وقت إنجازا دقيقا مقاصد إلهنا ~~الكريم.» # وذلك هو آخر شرر متطاير من ذلك المذهب الطبيعي قبل أن ينطفئ، وليس العالم في نظره ~~سوى دولة مترامية الأطراف، وهو على ما يراه من عيوب كثيرة فيه يجد حاكمه الأعلى ~~واجب الكمال، ثم يفترض وجود نائب رئيس كعميد الناحية البروسي يكون - كما يقول - في ~~حال أخرى مفسرا للقوانين تفسيرا فاسدا، ومطبقا لها تطبيقا خاطئا، ويعود في ~~أواخر عمره عودا قاطعا إلى الأساطير التوتونية # 2 # التي لم يتركها في السر قط، وبسمارك - في أوقات عناده تلك - لا يرغب في ~~سماع قول عن مخافة الله لهذه المخافة نفسها، وبسمارك يقول إن سبب عبادة الناس للشمس في ~~المناطق الحارة هو ما تبدو به الشمس في هذه المناطق من قوة خطرة، وبسمارك يعزو عبادة ~~التوتون للصاعقة والرعد إلى مثل ذلك السبب، وبسمارك يضيف إلى ذلك قوله مزدريا: ~~«والناس هنالك كلاب أيضا، فهم يحبون من يخافون، ولا يقدسون لغير من ~~يخشون.» # خطوط بسمارك في أدوار حياته (السنوات 30 و45 و80 ~~من عمره). # ويقص أحد القناصل كيف تفلت من الزنوج فيقول له بسمارك: «إن جميع أمورنا بيد ~~الله، وأحسن عزاء لنا في مثل هذه الحال هو أن يكون لدينا مسدس جيد فلا نسيح بلا ~~رفيق.» # ولا يخلو ذهنه من التصوف، وتعظم خرافته، فمن قوله: «أعلق أهمية كبيرة على مثل تلك ~~العلائم في الطبيعة الصامتة، فالطبيعة أبرع منا وأعقل.» وهو يكثر من ذكر ما تنطوي ~~عليه الأرقام من سحر، فقد سبق أن نظر إلى دورية حياته فحسب تاريخ وفاته، والآن يرى ~~أن حياته ستختم في سنة 1898 لأنه لم يمت في سنة 1883، والآن يقول: «هنالك أمور ~~كثيرة لا يمكن تفسيرها كالنور والشجر وحياتنا الخاصة، ولم لا يكون من الأمور ما ~~يجاوز حدود إدراكنا المنطقي إذن! أوصى مونتين بأن تكتب على ms571 قبره كلمة: ربما، ~~فأود أن تكتب على قبري كلمة: سنرى.» # أويعتقد بسمارك الشيخ دوام أثره؟ هو لم يخدع بملق قومه، وهو لم يبهر ~~بالصيت، ولا جرم أن ذكره طبق الآفاق في الوقت العتيد، ومن ذلك أن أتاه نائب ~~عاهل الصين؛ ليسأله عن أقوم الطرق في مقاومة دسائس البلاط في بكين، ومن ذلك أن وجد ~~من العرب من كتب يقول له إنه مشهور في العالم العربي وإن معنى اسمه «طلقات سريعة» ~~و«نشاط مع شجاعة» (؟)، وما قيمة اشتهاره بين الألمان؟ فالألمان «صغار قصار الأبصار، ~~ولا أحد منهم يعمل في سبيل الجميع، وكل واحد منهم يعمل من أجل نفسه، وكل واحد منا ~~لا يحتمل الآخر، وكل واحد منا سمح مع الأجنبي، وإن مما يقض مضاجعي أن ~~أبصرهم يهدمون البناء الذي أقمته حجرا بعد حجر، ثم يختلط حابل أفكاري بنابلها.» ~~وهكذا يزعج بسوء ظنه القديم، وهكذا يحرك بانقسامات الأمة وبارتيابه الحديث من ~~مولاها، فينظر إلى المستقبل بقلق متزايد بعد بلوغه الثمانين من سنيه. # وفي عيد ميلاده يعرب له جميع شعوب ألمانية عن ولائهم، وهو لم يغمطه فيرفض تهنئته ~~غير عدوه القديم الريشتاغ، ويقف بسمارك على الشرفة ويخاطب الشبيبة بقوله: «لا ~~تضق صدوركم، وارضوا بما أعطاكم الله، وقد وفقنا لإنقاذ ما أعطاه على الرغم من ~~خطط بقية الأوروبيين المتوعدة، وليس هذا بالأمر الهين في كل زمن.» فبهذه البراعة ~~يلقي برقعا دقيقا على غمومه في تلك الساعة من عيد ميلاده، وهو - كما في كل وقت - ~~يتذرع بذلك الأسلوب المغري الجدير بمن يمهد المصاعب، وينظر الطلاب إلى الشائب ~~الساحر الذي يتبلج وجهه مع غموض على نور المشاعل الخفاقة، فلا يدركونه ~~جيدا. # والمستقبل وحده هو مصدر غمومه تلك، وليس في الماضي ما يخافه، وإذا نشرت مذكرات ~~ورسائل كان له بذلك حافز، فلما اشترى أحد المصارف رسائله لحساب مانتوفل قال: «لقد ~~نسيت - في الحقيقة - ما تشتمل عليه هذه الرسائل، وهذا إلى أنني لم أكتب رسالة يؤسفني ~~نشرها.» # وهذا صحيح، فهو لم يرغب في كتمه تغيير رأي أو حزب، وهو ms572 لم يأت قط أي عرض ~~لمبادئ، ومما سره أن قرأ رسائل رون عنه بعد طبعها، ولديه مجموعة عن صوره الهزلية، ~~فكان يبتهج بأن يتلو على ضيوفه قولا عن فمه الصارم وعينيه الغاضبتين وحاجبيه ~~الحادين، ولكن لما عرض عليه نموذج لتمثال له أيام طلبه بحث في الملامح كعالم ~~بالفراسة، فقال: إن المتفنن أخطأ في عرضه أصيلا ودبلميا في وقت واحد، وقال إن ~~شفته السفلى أغلظ من شفته العليا على الدوام، فكان ذلك آية على الثبات، وقال إن ~~رقة شفته العليا علامة على الطموح إلى السلطان. # وإذا لم تتح له فرصة للمشاكسة ولم يجد موضوعا للسخرية، وإذا لم يجلس وحيدا ~~مستمعا من بعيد إلى ضوضاء عمله؛ لم يجد في ذلك ما يحمله على المباهاة باتساع بصيرته، ~~وإنما يذعر من مغامرته، وفي ذلك يقول: «كانت حياتي بأسرها مضاربة جريئة بمال ~~الآخرين، وما كنت أبصر هل يكتب النجاح لخططي، ويا لعظم ما أشعر به من مسئولية في ~~ذلك اللعب بمال غيري! ولا أزال أقضي ليالي أرق عندما أفكر في إمكان سير الأمور في ~~الماضي على وجه خلاف ما وقع.» # ويشتد غما في أثناء مرض حنة الأخيرة، ويود لو يموت معها، فقد قال: «لا ~~أرغب في الموت قبل زوجي، كما أنني لا أرغب في البقاء بعدها.» ويأتي بها إلى فارزين ~~وفق طلبها، وهي تشكو من ضيق النفس فلا تكاد تتحرك، وبسمارك مع أنه صار يملي على غيره ~~ما يرسل من كتب قليلة، ومع أنه عاد لا يكتب من الرسائل بيده إلا نادرا؛ خط بقلمه ~~الأسطر الآتية بعد موت أخيه مرسلا إياها إلى أخته: «يجب ألا أزيد سوداء حنة بأن ~~أدعها تلاحظ ما في من حزن، فهي منهوكة القوى، وتتوقف حياتها على المؤثرات ~~النفسية، واليوم لدينا أخبار مكدرة عن بيل لإصابته بداء المفاصل، وفي الماضي كان ~~يسرني دوما أن أذهب إلى فارزين، وأما الآن فلا أكاد أوطن نفسي على السفر إليها ~~لولا وجود حنة فيها، وأتمنى في الوقت الحاضر أن أقيم بمكان لا أغادره إلا إلى ms573 ~~القبر، والعزلة هي ما أبحث عنه ... من أخيك المخلص الوحيد التعب من الحياة: فون ~~بسمارك.» # وفي الخريف تموت حنة بالغة السبعين من عمرها، وفي الليلة السابقة استطاعت حنة ~~أن تكلمه حول المائدة عند تناول العشاء، وفي الصباح ذهب إلى غرفتها فوجدها متوفاة، ~~ويجلس رجل القوة هذا حافيا لابسا ثياب النوم ويبكي كالطفل، فقد خسر شيئا لا ~~يعوض، وكان هذا من ملاءمة ثنائية حياته ما قابل معه في المساء نفسه بين نهاية ~~سلطانه السياسي ونهاية حياة هذه الصادقة، «وهذه نهاية أعظم مما في سنة 1890؛ لما ~~لها من الأثر العميق في حياتي، ولو بقيت في الخدمة لدفنت نفسي في العمل، وقد ضن ~~علي بتلك التعزية.» # وفي اليوم التالي يأخذ وردة من إكليل، ويذهب إلى خزانة كتبه، ويتناول مجلدا من ~~التاريخ الألماني ويقول: «قد يغير هذا أفكاري». # والآن يوجد محل خال في حياته، ولا شيء يستطيع أن يقوم مقام تلك النظرة الهادئة ~~المخلصة التي كان يمكنه أن يغوص فيها حينما يود أن ينسى لبضع دقائق مناضلاته ~~وإهاناته، واليوم يسأل أخته عن سبب سكنها بعيدة منه: «وهكذا يصنع ولداي اللذان نشدا ~~الاستقلال عن ظل المنزل الأبوي، وابنتي المحبوبة ماري هي عندي ... وهي إعارة لدي ... ~~وكان كل ما بقي لي هو حنة وصلتي بها وقلقي الدائم حول صحتها وما أحمله من شكر ~~لها منذ ثمانية وأربعين عاما، والآن كل شيء باطل، والآن كل شيء خال، وهذا الشعور ~~جائر، ولكن ما بيدي حيلة، وأعذل نفسي لما كان من كفراني تجاه حب الشعب وشكرانه ~~لما قدمت إليه من خدم، وإذا كنت قد تمتعت في السنين الأربع الأخيرة بذلك الحب ~~والعرفان بالجميل فلتمتع حنة بهما أيضا، واليوم خبت تلك الشعلة في، فأدعو ~~الله ألا يطيل عمري ... اغفري لي شكواي هذه يا أخت قلبي الصغيرة، فلن أعيش ~~كثيرا.» # وبسمارك في عزلته تعود أفكاره إلى عهد شبابه، فهو لم يلبث أن صار يقص أمورا ~~لم يحدث بها أحدا قبل الآن، ومن ذلك: «كنت في السنة السادسة من عمري عندما علمت ms574 ~~نبأ موت نابليون، وأحد المنومين هو الذي أخبر أمي بذلك، وقد أنشد أمي قصيدة ~~إيطالية تبدأ بكلمة: كان!» وهكذا يبدو أول القرن في آخره، وهو يتكلم عن الماضي كما لو ~~كان شعر مانزوني # 3 # يدفعه إلى القول لنفسه: «كان!» ومما حدث ذات مرة أن تكلم بسمارك ~~الشيخ عن كنيبهوف، فكتب يقول لصهره: # عزيزي أوسكار! لقد بلغنا من الكبر ما لا نطمع معه أن نعيش طويلا، أفلا ~~نستطيع أن نجتمع ونتحادث مرة أخرى قبل حل تلك الخاتمة؟ مضت ست وستون سنة ~~أو سبع وستون سنة على الزمن الذي كنا في الكلية قد اجترعنا فيه الجعة من ~~القنينة لأول مرة، وكان هذا على الدرج القريبة من الطبقة الثالثة، ~~فدعنا نشرب معا قبل فوات الأوان، أود أن أسمع صوتك مجددا قبل أن ... ألا ~~تركب القطار قبل مغادرة برلين؟ ولم لا تركب قطار همبرغ بدلا من قطار ~~ستيتن؟ # ويظل هذا الكتاب على مائدته بسبب لطخ مداد، فلم يرسله إلا مؤخرا، فبسمارك في ~~وحدته هذه يشتاق إلى عشرة رجل أهمله مدى حياته، والآن بعد موت زوجه وعند بعد ولديه ~~يريد أن يسمع صوت وداد، وهو وإن بقي واقعيا عادا للسنين ذاكرا المكان الذي شربا ~~فيه الجعة أيام الطلب؛ يشعرنا بأنه عاد لا يتبسم عندما يكتب. # وهل ذهب نشاطه الذهني بين تلك الكروب؟ وهل غفل عن الريخ؟ # كلا، لم يغب عنه ذلك، ولم يذهل عن أعدائه الحاكمين؛ ففي فصل الخريف من سنة 1896 ~~بدت نتائج عدم تجديد المعاهدة الروسية؛ فقد سافر القيصر إلى باريس، وجنت فرنسة ~~ابتهاجا بروسية، ويقرأ بسمارك في الصحف الألمانية أن قطع الصلات بروسية من ~~زلاته فيشتاط غيظا، ولا غرو؛ فهو يعرف جيدا من هم المسئولون عن التصام عن ~~إنذاراته، ولن يدع أحدا يدعوه هادما ما بقي حيا، ويستل سيفه خوضا لغمار ~~معركة قاتلة، ويدل الشعب الألماني على أولئك الذين يحملون تبعة عزل ألمانية في ~~الحقيقة، ويكتب في جريدته: # كانت تانك الإمبراطوريتان حتى سنة 1890 متفقتين اتفاقا تاما على أن ~~إحداهما إذا ما ms575 هوجمت ظلت الأخرى محايدة ساعية إلى الخير، فلما اعتزل الأمير ~~بسمارك لم يجدد هذا الاتفاق، وإذا كان ما لدينا من أخبار دقيقا حول ما حدث ~~في برلين وجدنا أن الكونت كابريفي هو الذي رفض دوام ذلك الضمان المتقابل، لا ~~روسية التي ساءها ما وقع من تغيير في المستشارية والتي كانت مستعدة لصنع ذلك ~~مع ذلك، وبهذا يفسر أمر المرسيلياز في كرونشتاد، والذي نراه هو أن خطأ ~~سياسة كابريفي هو الذي أسفر - للمرة الأولى - عن تأليف ما بين إمبراطورية ~~القيصر المطلقة والجمهورية الفرنسية. # وتلقي أوروبة السمع، ويئن الألمان، وما كان المجاهد الشيخ ليجرح الإمبراطور ~~بأبلغ من تلك الطعنة النجلاء، وتجيب جريدة «رايخسانزيجر» عن ذلك متلعثمة: «إن ~~أمورا دبلمية كالتي هي موضوع بحث، هي من أسرار الدولة التي يجب حفظها حفظا ~~وثيقا، وإن كتمها بدقة هو واجب دولي، وعكس ذلك يصيب مصالح الدولة بضرر كبير.» ~~ويكتب آخرون عن الخيانة العظمى وعن السجن مع الأشغال الشاقة وهلم جرا، ويبرق ~~الإمبراطور ولهلم إلى الإمبراطور فرنسوا جوزيف إبراق الظافر بقوله: «والآن تعرف ~~- كما يعرف جميع العالم - علة عزلي الأمير.» # ومع ذلك يرسل الإمبراطور تريبيتز إلى الأمير في الصيف آملا أن يقول بسمارك شيئا ~~مفيدا للأسطول، ولكن المستشار السابق يركب متن العناد، فهو بدلا من أن يجيب عما ~~يسأل عنه، يعرب عن رأيه في الإمبراطور «غير متحفظ كثيرا»، فيضطر تريبيتز إلى ~~إراءته بزته الرسمية، ويقول بسمارك مستنتجا: «بلغ الإمبراطور أنني لا أرغب في ~~غير بقائي وحدي وفي غير الموت مستريحا.» بيد أن العاهل الشاب لم يدعه وحده على ما ~~أهانه به هذا الشائب؛ فالإمبراطور يشعر دوما بانجذابه إلى الشيخ الساحر، فيزوره قبل ~~موته بستة أشهر مع حاشية كبيرة، وذلك بلا دعوة وللمرة الثانية. # والشيخ يجلس أمام بيته على كرسيه ذي العجلتين، والشيخ يدعهم يمرون أمامه ~~عارضا لجميعهم، فلما مد لوكانوس إلى بسمارك يده التي كان قد سلم بها كتاب ~~العزل إليه «جمد الأمير كالتمثال، فلم تتحرك عضلة في وجهه كما لو كان شاخصا إلى ثغرة ~~في ms576 الفضاء.» ويقف لوكانوس أمامه مختلج الوجه، ثم يدرك لوكانوس الأمر وينصرف، ويفكر ~~المضيف حول المائدة في توجيهه آخر إنذار إلى ضيفه وخصمه الذي لن يراه مرة أخرى، ~~ويستوحي اعتزازه التقليدي فيبدأ للمرة الأولى بعد سبع سنين بمحادثة الإمبراطور حول ~~السياسة العالمية، ويحول ولهلم الحديث إلى مزاح، ويحاول بسمارك الرجوع إلى حيث ~~وصل، ويأتي الإمبراطور بنكتة أخرى، ويذعر رجال البلاط، ويقول الشاب مولتكه همسا: ~~«يا للهول!» # ثم يتحول بسمارك إلى نبي، ويشعر بسمارك بأن الساعة تمضي، وبأن حياته تنقضي، وبأنه ~~لن يبصر الشاب الذي اغتصب منه إمبراطوريته مع أنها ثمرة جهاده في حياته، ويرى ~~بسمارك أن هذا العاهل سيضيع البلاد ويخسر تاجه - عاجلا كان ذلك أو آجلا - وأن من ~~الواجب أن يخبر بالخطر الذي يسير إليه قدما، فربما يهزه صوت المحتضر، وهنالك ~~يقول بسمارك بغتة وبصوت يسمعه كل من كان حول المائدة: «يا صاحب الجلالة، يمكنكم - ~~لا ريب - أن تصنعوا ما تودون ما دام هؤلاء رجالكم، ولو حدث غير هذا لتغيرت ~~الأمور.» ويبدو الإمبراطور أصم، ويثرثر الإمبراطور وينصرف. # ويرسل القطب السياسي الشيخ إنذاراته ونبوءاته تباعا أمام خلصائه، فيؤثر ~~هذا في كل واحد من هؤلاء، ومن ذلك قوله: # إذا ما أحسنت سياسة البلاد أمكن الحكومة اجتناب الحرب القادمة، وإذا ما ~~أسيئت سياستها دامت تلك الحرب سبع سنين على ما يحتمل، والمدفعية هي التي ~~تقرر مصير الحروب القادمة، ويمكن أن تستبدل المدفعية بالجيوش لدى الضرورة، ~~فيجب صنع المدافع في أيام السلم، وقد تعلن روسية النظام الجمهوري في وقت ~~أقرب مما يظن، والعمل أكثر نيلا للانتصارات في الكفاح بينه وبين رأس المال، ~~ولا يلبث هذا أن يحدث في كل مكان يكون للعمال فيه حق التصويت، وسيكون ~~النصر النهائي الحاسم للعمال. # وما وجهه بسمارك إلى ألمانية من إنذارات فجميعه وليد شجاعة وإقدام، وقد بلغ بسمارك ~~من صفاء النفس ما صار يمكنه أن يتهم معه نفسه، ومن قوله: «قد يكون الوجه الذي قمت به ~~بوظيفتي علة ما يبصر في ألمانية من عدم حزم، وقد يكون ذلك ms577 سبب ما ينمو في ألمانية ~~من الوصولية والملق على حساب الكرامة، وكل شيء يتوقف على تقوية الريشتاغ، وهذا لا ~~يتم إلا بانتخاب نواب مطلقي الاستقلال، والريشتاغ ينحط، فإذا داوم على انحطاطه ~~بدا المنظر قاتما لا ريب، وأعتقد أن الأزمات القادمة أشد خطرا من كل ما حدث، ~~ولم أزل أرى ألا يطاع أحد خير من أن تحاول قيادة الآخرين. وإن شئتم فقولوا ~~إنني كنت ذا رأي جمهوري، ولعل الله يهيئ لألمانية دور مجد بعد دور بوار، ولا ~~مراء في أن ذلك سيقوم على أساس جمهوري.» # | الفصل الحادي عشر # بسمارك أتى من الغابة وإليها يعود، وبسمارك ماتت زوجه وأصدقاؤه، وماتت خيله وكلابه، ~~وعاد لا يبالي بأولاده ولا بحفدته، ونزع منه السلطان، وغدا غضبه على ضياع سلطانه لا ~~يهزه، وصار يقاسي آلاما في أعضائه؛ لبلوغه من الكبر عتيا، # 1 # والآن يلزم جانب الصمت ذلك الذي بلغ الثمانين من سنيه وهو يفتن العالم بما ~~يكتب، والآن لا يكاد هذا الشيخ يشرب، والآن يجلس على كرسيه مستمعا لثرثرة الشبان، ~~والآن لا يبدو غير ظل لبسمارك! # ولم تزل الغابة ذات أثر كبير في حياة بسمارك عند مجاوزته سنواته الأخيرة، وصار بسمارك ~~في الثالثة والثمانين من عمره ولما ينفك عن السير في الغابة صامتا غير مبال بسوى ~~أفكاره الخاصة، وقد قال: «ليس لي الآن غير الغابة ملجأ.» وأصبح بسمارك لا يلتفت إلى ~~الحقول موليا وجهه شطر شجر الصنوبر الذي غرسه في دوغلاس منذ سنين منجذبا إلى ~~المغارس وإلى أقسام الغابة المشتملة على أقدم الأشجار التي يهز النسيم أوراقها ~~فيسمع لها حفيف، وتتجمع الزرازير وراء المنزل، فيقول: «إنها تعقد مجلسا شعبيا ~~لاقتراب الربيع.» وينتظر ظهورها على المصطبة مساء عارفا كل واحد منها، «ولم يأت ~~غير خمسة منها مع أن عددها سبعة، ويكون رئيسها آخر ما يحضر، ويمكنها أن تنام وتنهض ~~بلا ألم.» ثم يذهب إلى الحوض ويفكر في أقوم الطرق لتسوية ما بين الإوز والبط ~~والجرذان من خصام دائم، ويريد أحد ضيوفه أن يخرج لابسا عمرة # 2 # عالية ms578 فيعرض عليه لبادته الخاصة قائلا: «أعف شجري من رؤية هذه ~~الأداة!» # وحب بسمارك لأشجاره أكثر من حبه لزواره ومن حبه لألمانية، وقد قال ~~محدثا عن الأشجار ذات مرة إنها من الأجداد، والآن يود اتخاذ مقره الأخير ~~بينها، ويختار صنوبرتين عظيمتين ويطلع عليهما خلصاءه ويقول لهم: «أريد أن تكون ~~راحتي الأبدية هنالك في المكان الأعلى بين تينك الشجرتين حيث هواء الغابة الطلق وحيث ~~يمر علي نور الشمس والنسيم العليل، فمما أكرهه أن أوضع في صندوق ضيق وأحبس ~~تحت الأرض.» ثم يتكلم عن الهنود وقدماء التوتون الذي يعلقون موتاهم بين ذرى الشجر، ~~يقول هذا وهو يعرف أن ضريحا ضخما ينتظره في مكان آخر، يقول هذا وهو يعرف أن كتابة ~~قبره تنقش، وتجده يميل إلى مردة الغابة مع ذلك، ولو كان يستطيع السير وراء ميله ما ~~كان له ضريح ولا كتابة قبر غير الريح ونور الشمس. # إذن، ينتهي بسمارك كما بدأ وثنيا ثوريا قائلا بوحدة الوجود، وينم على هذا كل ~~كلمة فاه بها بين خلصائه، وبسمارك مع ذلك يرضى الآن كما رضي في الماضي بطقوس ~~المؤمن بإله النصارى، وسيكون له قبر شريف، وستنقش أسلحته على هذا القبر، وسيقال على ~~حجر قبره إنه خادم الملك المخلص مع أنه لم يكن خادم أحد وقد مارس القيادة مدة أربعين ~~سنة، ولم هجر غاباته التي كان فيها وحده مع النور ومع الرب فيبدو ملكا في أرضه؟ ~~ولم تحول عن الفلاحين والطرائد وأشجار البلوط المئوية التي كان يلعب تحتها ~~وليدا وينعم النظر فيها شابا ويستجم حولها سياسيا ويستمع لحفيف أوراقها ~~شائبا؟ وما الذي ربحه فؤاده من هذا الرحيل؟ # كلا، لا رضا، وتتبدد أوهام الشيخ، ويكره على الزهد، وهو حين يفكر في هذا يبحث ~~عبثا عن ساعات العمل التي كانت له سعادة فيها، ولم تكن له نشوة من نجاح أو مجد أو ~~جلال أو نصر، أو من انتقام تقريبا، ويبصر دنو أثره من الخطر نتيجة لجهل ~~خلفائه، ويبصر ارتجاج أثره نتيجة لخفة خلفائه، ويرى تمايل أثره في العصر ~~الجديد، ms579 وسيدب الوهن فيما شاده، وسيكون موضع شك ما وجده ثابتا، وسيصاب بالعطب ~~مبدؤه حول الدولة، فلن يكون العاهل صاحب السلطة العليا، ولن يكون الشعب محل ازدراء، ~~وهو إذ يقذف به خارج سبيله يغدو ضمن دائرته الواضحة الغامضة، ولا يجد في كل وقت ~~أجوبة عن الأسئلة التي وضعها عن العدمية في أثناء فتائه متبعا تلك الطرق التي ~~كان بسمارك الصبي يسلكها راكبا حصانا، فصار بسمارك الشائب يسلكها راكبا عربة ~~صامتا مفكرا في وسط الغابة. # وتمضي ثلاثون سنة، فيقف الألمان عند ضريح بسمارك ويخفضون راياتهم تحية له، وكان ~~البناء الذي شاده هذا المعلم من البساطة والمتانة ما عاش معه أطول مما جاء في ~~نبوءته، وقد زال جميع أمراء الألمان الذين استند إليهم في إقامة الريخ، ولم يجرؤ أحد ~~منهم أن يمتشق مثل الحسام الذي كان يستله أمير فردريكسروه ببسالة حتى في ~~الثمانين من سنيه، وترى الإمبراطورية ثابتة أمام عمايات أوروبة مع ذلك، وترى تلك ~~القبائل الألمانية التي لم يؤخذ رأيها قط، وترى تلك الشعوب الألمانية التي عدت ~~موافقتها غير ضرورية، وترى تلك الأمة الألمانية التي ظلت قبل ذلك منقسمة ألف سنة، ~~قد ظهرت متحدة في أثناء الحرب الكبرى، وبقيت حية بعد تغيير نظام الحكم، فهي وإن خسرت ~~ملوكها وأمراءها لم تخسر وحدتها الألمانية. # وتعيش ألمانية، وقد خذلها أمراؤها في محنتها، غير أن الشعب الألماني الذي اعترف ~~بسمارك بمزاياه الرائعة بعد حين ظل ثابتا، فأنقذ أثر بسمارك من الدمار. # | فهرس التواريخ # الجزء الأول (1815-1851) # 1771: # ولادة فرديناند فون بسمارك، والد أوتو. # 1790: # ولادة ولهلمين منكن، أم أوتو. # 1810: # ولادة برنهارد فون بسمارك، أخي أوتو. # 1815: # ولادة أوتوفون بسمارك في الساعة الواحدة بعد الظهر من اليوم الأول من ~~أبريل. # 1816: # إقامة آل بسمارك في كنيبهوف. # 1822: # بسمارك يدخل معهد بلامان ببرلين. # 1827: # ولادة ملفين فون بسمارك، أخت أوتو. # 1832-1833: # بسمارك طالب في غوتنجن. # 1833: # يتعرف برون. # 1835: # يتمرن في محكمة بلدية برلين. # 1836: # مقرر في إكس لا شابيل. # 1836-1837: # خاطب مرتين. # 1837: # مقرر في بوتسدام. # 1839: # وفاة أمه واستقراره بكنيبهوف. # 1842: # خاطب للمرة الثالثة. # 1844: # معاشرته تادن وبلانكنبرغ، ms580 خطط رحلة في آسية، ملفين تتزوج أرنيم ~~كروشلندورف. # 1845: # وفاة أبيه واستقراره بشونهاوزن. # 1846: # يصير مراقب الأسداد، موت ماري بلانكنبرغ. # 1847: # خاطب حنة فون بوتكامر (ولدت سنة 1824) نائب في اللندتاغ الموحد، ~~خطبته الأولى، زواجه. # 1848: # ولادة ابنته ماري. # 1849: # نائب في المجلس الأدنى، ولادة ابنه هربرت. # 1850: # نائب في برلمان إرفورت. # 1851-1858: # سفير لدى البندشرات في فرانكفورت. # الجزء الثاني (1852-1862) # 1852: # ولادة ابنه ولهلم بيل. # 1855: # زيارته الأولى لنابليون الثالث. # 1858: # يصبح الأمير ولهلم وصيا على العرش. # 1859-1862: # يعين سفيرا في سان بطرسبرغ. # 1859: # مرض شديد. # 1861: # ينادى بولهلم ملكا لبروسية. # 1862: # يعين سفيرا في باريس، يزور بياريتز. # الجزء الثالث (1862-1871) # 1862: # يعين رئيسا للوزارة ووزيرا للخارجية. # 1862-1866: # تصادم الحكومة والبرلمان. # 1864: # لاسال يجتمع به، الحرب الدانيماركية. # 1865: # معاهدة غاستن، يجتمع بنابليون الثالث في بياريتز. # 1866: # محاولة قتل بسمارك في شارع أنتردن لندن، نصر على النمسة. # 1867: # إقامة جامعة دول ألمانية الشمالية ونصبه مستشارا للجامعة، المهر ~~الأول وابتياع فارزين. # 1869: # يقدم استقالته للمرة الأولى. # 1870: # برقية إمس والحرب الفرنسية الألمانية. # 1871: # إقامة الإمبراطورية الألمانية (الريخ) وتعيينه مستشارا لها، الإنعام ~~عليه بلقب أمير يرثه الخلف عن السلف، معاهدة صلح فرانكفورت، المهر ~~الثاني، ابتياع فردريكسروه. # الجزء الرابع (1872-1888) # 1872: # الكفاح الثقافي، تحالف الأباطرة الثلاثة، زيارة موتلي الأخيرة، ~~يقدم استقالته للمرة الثانية. # 1873: # قوانين مايو المضادة للكاثوليك، حملة المحافظين القائمة على الافتراء، ~~رئاسة رون لمجلس الوزراء واعتزال رون. # 1874: # محاولة قتل بسمارك في كيسينغن. # 1875: # يقدم استقالته للمرة الثالثة. # 1877: # يقدم استقالته للمرة الرابعة. # 1878: # محاولة قتل ولهلم الأول مرتين، القانون المضاد للاشتراكية، مؤتمر ~~برلين. # 1879: # تحول في السياسة الخارجية، محالفة النمسة. # 1880: # مرض، يقدم استقالته للمرة الخامسة، وزير للتجارة. # 1881: # فاجعة هربرت الغرامية. # 1883: # التحالف الثلاثي، نجاح الطبيب شويننجر في معالجته. # 1887: # معاهدة الضمان. # 1888: # موت ولهلم الأول. # الجزء الخامس (1888-1898) # 1888: # عهد فردريك الثالث وموته. # 1889: # آخر خطبه في الريشتاغ. # 1890: # يقدم استقالته للمرة السادسة، تسريحه، الإنعام عليه بلقب دوك لوينبرغ، ~~عدم تجديد المعاهدة الروسية. # 1892: # مقاطعته في فينة، سياحة ناجحة في ألمانية. # 1893: # موت أخيه برنهارد فون بسمارك، مرض شديد. # 1894: ~~«تسوية» مع ولهلم الثاني، موت الأميرة حنة. # 1895: # بلوغه الثمانين من عمره. # 1896: # إفشاء حول المعاهدة الروسية. # 1897: # توجيه آخر ms581 إنذار إلى الإمبراطور. # 1898: # وفاة أوتوفون بسمارك في 30 من يوليو (الساعة العاشرة مساء). ms582