######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.CaqdIjtimaci.Hindawi68050471 #META# Tags: philosophy :: social.sciences #META# ID: 68050471 #META# Title: العقد الاجتماعي #META# AuthorID: 48639273 #META# Author: جان جاك روسو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1191JeanJacquesRousseau.ContractSocial (TRANSL) #META#Header#End# # الترجمة‏ # الباب الأول‏ # 1 - موضوع هذا الباب الأول‏ # 2 - المجتمعات الأولى‏ # 3 - حق الأقوى‏ # 4 - العبودية‏ # 5 - يجب الرجوع إلى أول عهد دائما‏ # 6 - الميثاق الاجتماعي‏ # 7 - السيد‏ # 8 - الحال المدنية‏ # 9 - التملك‏ # الباب الثاني‏ # 1 - امتناع التنزل عن السيادة‏ # 2 - امتناع انقسام السيادة‏ # 3 - أيمكن أن تضل الإرادة العامة؟‏ # 4 - حدود السلطة ذات السيادة‏ # 5 - حق الحياة والموت‏ # 6 - القانون‏ # 7 - المشترع‏ # 8 - الشعب‏ # 9 - طرق الاشتراع المختلفة‏ # 10 - تقسيم القوانين‏ # الباب الثالث‏ # 1 - الحكومة على العموم‏ # 2 - المبدأ الناظم لمختلف أشكال الحكومة‏ # 3 - تقسيم الحكومات‏ # 4 - الديمقراطية‏ # 5 - الأرستقراطية‏ # 6 - الملكية‏ # 7 - الحكومات المركبة‏ # 8 - لا يلائم كل شكل للحكومة جميع البلدان‏ # 9 - علامات الحكومة الصالحة‏ # 10 - إساءة استعمال الحكومة وتدرجها إلى الانحطاط‏ # 11 - موت الهيئة السياسية‏ # 12 - كيف تدوم السلطة صاحبة السيادة‏ # 13 - نواب أو ممثلون‏ # 14 - كون نظام الحكومة ليس عقدا مطلقا‏ # 15 - نظام الحكومة‏ # 16 - وسيلة منع اغتصابات الحكومة‏ # الباب الرابع‏ # 1 - كون الإرادة العامة لا تضمحل‏ # 2 - التصويت‏ # 3 - الانتخابات‏ # 4 - مجالس الشعب الرومانية‏ # 5 - المحاماة عن الشعب‏ # 6 - الحكم المطلق‏ # 7 - الرقابة‏ # 8 - الدين المدني‏ # الخاتمة‏ # الترجمة‏ # الباب الأول‏ # 1 - موضوع هذا الباب الأول‏ # 2 - المجتمعات الأولى‏ # 3 - حق الأقوى‏ # 4 - العبودية‏ # 5 - يجب الرجوع إلى أول عهد دائما‏ # 6 - الميثاق الاجتماعي‏ # 7 - السيد‏ # 8 - الحال المدنية‏ # 9 - التملك‏ # الباب الثاني‏ # 1 - امتناع التنزل عن السيادة‏ # 2 - امتناع انقسام السيادة‏ # 3 - أيمكن أن تضل الإرادة العامة؟‏ # 4 - حدود السلطة ذات السيادة‏ # 5 - حق الحياة والموت‏ # 6 - القانون‏ # 7 - المشترع‏ # 8 - الشعب‏ # 9 - طرق الاشتراع المختلفة‏ # 10 - تقسيم القوانين‏ # الباب الثالث‏ # 1 - الحكومة على العموم‏ # 2 - المبدأ الناظم لمختلف أشكال الحكومة‏ # 3 - تقسيم الحكومات‏ # 4 - الديمقراطية‏ # 5 - الأرستقراطية‏ # 6 - الملكية‏ # 7 - الحكومات المركبة‏ # 8 - لا يلائم كل شكل للحكومة جميع البلدان‏ # 9 - علامات الحكومة الصالحة‏ # 10 - إساءة استعمال الحكومة وتدرجها إلى الانحطاط‏ # 11 - موت الهيئة السياسية‏ # 12 - كيف تدوم السلطة صاحبة السيادة‏ # 13 - نواب ms001 أو ممثلون‏ # 14 - كون نظام الحكومة ليس عقدا مطلقا‏ # 15 - نظام الحكومة‏ # 16 - وسيلة منع اغتصابات الحكومة‏ # الباب الرابع‏ # 1 - كون الإرادة العامة لا تضمحل‏ # 2 - التصويت‏ # 3 - الانتخابات‏ # 4 - مجالس الشعب الرومانية‏ # 5 - المحاماة عن الشعب‏ # 6 - الحكم المطلق‏ # 7 - الرقابة‏ # 8 - الدين المدني‏ # الخاتمة‏ # | العقد الاجتماعي # | العقد الاجتماعي # تأليف # جان جاك روسو # ترجمة # عادل زعيتر # | مقدمة المترجم # بقلم عادل زعيتر # أقدم ترجمة «العقد الاجتماعي أو مبادئ الحقوق السياسية» لجان جاك روسو ... # في اليوم الثامن والعشرين من يونيو # 1 # سنة 1712 ولد جان جاك روسو في جنيف . # وكان أبوه إسحق ساعيا، # 2 # وكانت أمه سوزان ~~برنارد ابنة قسيس، وكان جده الأعلى ديديه روسو قد هاجر من باريس إلى جنيف في سنة 1550؛ أي ~~أيام الحروب الدينية، وقد استقرت أسرته، التي هي من أصل فرنسي خالص، بهذه المدينة منذ ذلك ~~الحين. # ولم يعرف روسو أمه سوزان برنارد؛ فقد ماتت بعيد ولادته، ولم يكن ليجاوز اليوم الثامن ~~من عمره حينما فقدها، فقام أبوه بشئون تربيته في البداءة، ولكن من غير أن يعنى بأمر ~~تهذيبه كما يجب، ومع ذلك فقد تعلم القراءة ابنا للسادسة، وطالع مع أبيه كتبا كثيرة قبل ~~بلوغه العاشرة من سنيه. # وكان أبوه إسحق نزقا عاطفيا ذا أثرة، ومما حدث في سنة 1722 أن تشاجر هو وضابط في ~~جنيف قريب للقاضي الذي يحكم في الدعوى، ففر من جنيف؛ خشية القسوة عليه، وأقام بقرية نيون ~~البعيدة حيث تزوج واستقر حتى آخر حياته، وقد ندر اجتماعه بابنه بعد ذلك. # ويقوم بشأن تربيته بعد فرار أبيه خاله برنارد الذي كان مهندسا في مدينة جنيف، ويرسله ~~خاله هذا إلى كاهن بواسي، لانبرسيه؛ ليتعهد أموره، فقضى عنده عامين، ويكسر مشط لأخت ~~معلمه، ويعاقبه معلمه هذا على فعل لم يقترفه، فيألم كثيرا، ويعود إلى منزل خاله سنة 1724، ~~وتحسن زوج خاله معاملته، وتعطف عليه. # ويبلغ الثالثة عشرة من سنيه، ويجعله خاله تلميذا لدى موثق على الرغم منه، ويزدريه ~~معلمه لعدم نجاحه، ويعيده إلى خاله، فيرسله إلى نحات ms002 في سنة 1725، ويحب فن النحت، ولكن ~~النحات يقسو عليه، ويكثر ضربه ويجعله بائسا مكارا خبيثا، وفي سنة 1728 حين كان في السادس ~~عشر من عمره، ذهب مع أصدقاء له للنزهة خارج جنيف، ولما عاد مساء وجد أبواب هذه المدينة ~~مقفلة، فتمثلت له غلظة أستاذه، ولم يرجع إليه، وصار يطوف حول جنيف أياما ويعيش مع الأشرار ~~فانحط. # ويقصد روسو دير كونفنيون بمديرية سافوا الإيطالية، ويلقنه كاهن هذا الدير، بونفير، مبادئ ~~الكثلكة، ويبعده عن البروتستانية التي كان يدين بها، ويرسله إلى مدام دوفارنز بمدينة ~~أنسي، وكانت هذه السيدة بالغة الجمال فحاولت أن تجعله كاثوليكيا مقبولا في مدرسة كاتشو ~~من بتورين حيث ارتد عن البروتستانية. # وجد روسو رجال دير تورين فاسدي السيرة، وود لو ينجو منه، فساعده على الخلاص كاهن عطوف قام ~~بزيارة عابرة لذلك الدير، وهكذا هرب روسو منه ليعود إلى سابق فقره. # ظل روسو عاطلا من العمل جائلا في الطرق حتى نفذ جميع ما عنده من نقد، وكاد يموت جوعا ~~فرجع إلى ذلك الكاهن المحسن فأشركه في معيشته موصيا إياه بالصبر واحتمال الألم ... ومن هذا ~~الكاهن اقتبس الإخلاص وحب الإنسانية ومقت النفاق. # ويبحث روسو عن عمل يعيش منه، ويستخدم في حانوت حسناء إيطالية، ويطرده زوجها عن غيرة، ~~ويعمل عند أرملة غنية، وتموت هذه السيدة، ثم يصير خادم مائدة في بيت إحدى الأسر النبيلة، ثم ~~يزوره صديق من جنيف فيرافقه ويترك الخدمة مفضلا الحرية على الاستقرار. # ويفرغ كيسه، ويقصد ثانية منزل مدام دوفارنز بمدينة أنسي سنة 1729 ابنا للثامنة عشرة، ~~فيرحب به، ويقضي في هذه المدينة حياة سعادة، يقضيها في القراءة والدراسة، وترسله مدام ~~دوفارنز إلى إحدى المدارس لإتقان اللاتينية فيقرر أساتذته عدم صلاحه لهذا، ويسافر إلى ~~ليون بعد شتاء يقضيه في منزل تلك السيدة، ويلقى حياة قاسية في ليون، ويعود إلى ذلك المنزل ~~فيجد مدام دوفارنز مسافرة، ويسأل فلا يعرف أين تقيم، ولا متى تعود. # ومن المصادفات أن لاقى في أنسي خادمة جاءت للبحث عن مداد دوفارنز فلم تعلم أين هي ms003 ~~أيضا، ويسافر مع هذه الخادمة إلى قرية فريبرغ حيث يقيم أبوها، ويمر في طريقه على أبيه في ~~قرية نيون، ويتعانقان، ولا تحسن زوج أبيه قبوله، فيداوم على سفره إلى قرية فريبرغ، ولا يحسن ~~أبو الخادمة استقباله، فيتوجه إلى مدينة لوزان معسرا كسيرا. # وفي لوزان يزعم أنه أهل لتعليم الموسيقا مدعيا أنه تعلمها في باريس؛ مع أنه لم يرها حتى ~~ذلك الحين، وهو على ما كان من كلفه بالموسيقا كان جاهلا لها، فيمنى بحبوط ~~ذريع. # ويغلب الغموض على تاريخ تلك المغامرات التي حدث عنها في «اعترافاته»، ولكنها وقعت في ~~ثلاث سنين كما يظهر ، فلما حلت سنة 1731 ذهب إلى مدينة بودري فوجد في أحد فنادقها قسيسا ~~يحدث بلغة لا يعرفها غير روسو، فاتخذ روسو ترجمانا له، وصار يجوب معه بلادا كثيرة حتى ~~انتهيا إلى سولور، فأعجب السفير الفرنسي فيها بروسو وجعله موضع رعايته، ويرسله إلى باريس مع ~~ضابط صغير، ويعتريه سأم من باريس ومظاهرها، ويعلم نبأ عودة مدام دوفارنز إلى أنسي ويرجع ~~إليها. # بلغ ليون خاوي الوفاض، فأخذ ينسخ قطعا من الموسيقا، وظل يصنع هذا أياما حتى تلقى كتابا ~~من مدام دوفارنز تدعوه فيه إلى مدينة شانبري، فلبى الدعوة غير آسف على ليون؛ لبعدها من ~~الحياة الريفية، وقد بقي محل رعاية مدام دوفارنز، وقضى حياة هدوء عندها سنين كثيرة؛ سواء ~~أفي شانبري أم في شارمت، وفي هاتين المدينتين أمعن روسو في دراسة شتى العلوم فكان لذلك ~~أبلغ الأثر في كتابة رسائله وكتبه القادمة. # وفي سنة 1738 يصاب روسو بمرض شديد، ويرسل إلى كلية مونبليه للمعالجة، ولم تحسن مدام ~~دوفارنز استقباله بعد شفائه لاشتعال قلبها بغرام حبيب آخر، وما بذله روسو من جهود كثيرة ~~لإقصاء هذا المنافس كان على غير جدوى. # وفي سنة 1740 سافر إلى ليون حيث مكث عاما، وحيث اتخذ مربيا لأبناء حاكم ليون الأكبر ~~دومابلي، ثم عاد إلى شارمت عن شوق إلى مدام دوفارنز، فكان قبولها له حسنا على غير ما ~~ينتظر، ولكن مع بقاء الحبيب المنافس محتلا للمكان ms004 الأول من فؤادها، فعزم على السفر إلى ~~باريس. # ذهب إلى باريس سنة 1741 بالغا التاسعة والعشرين من سنيه، ونزل بفندق سان كنتان الوضيع، ~~وقد كان ذا مزاعم في الموسيقا، وقد جد في كسب عيشه من هذا الفن، فعرض في سنة 1742 على ~~مجمع العلوم منهاجه فيها فلم يجده هذا المجمع جديدا ولا نافعا، فرده، غير أن ~~النجاح إذا لم يكن حليفه في هذا الحقل كانت له تعزية بما اتفق له من اتصال برجال العلم ~~والأدب والفلسفة في باريس وانتفاعه بمعارفهم. # وفي ذلك الفندق وقع نظر روسو على فتاة ريفية اسمها تريز لوفاسور بالغة من العمر اثنتين ~~وعشرين سنة، وكانت هذه الفتاة تعمل خادمة فيه، وكانت من أهل أورليان، وقد رق روسو لها؛ لما ~~رأى من هزوء الناس بها؛ لبساطتها وبلهها، فاتخذها رفيقة له عن حب وعاطفة، وغادرا الفندق، ~~وقد دامت حياتهما معا ستا وعشرين سنة. # والحق أن تريز كانت على جانب عظيم من الغباوة، وكانت لا تحسن شيئا من القراءة والكتابة، ~~وكانت كثيرة الشغب والنزاع، ومع ذلك كان روسو كثير الإعجاب بها، ناظرا إليها بعين الحب، ~~راضيا بجمالها وحسن صوتها، متجاوزا عن عيوبها وفقرها، مغضيا عما يفصله عنها من عبقرية ~~ونبوغ، وقد دامت حاله هذه نحوها اثنتي عشرة سنة. # وتغير حب تريز له مع الزمن، وصارت لا تبالي به ولا تفكر فيه، وطلبت منه الفراق قبل موته ~~بتسع سنين؛ فقد ولدت له خمسة أولاد، وسلمهم إلى ملجأ اللقطاء على مضض من الأم، وذلك من غير ~~أن يترك ما يدل على أصلهم في المستقبل، ويعتذر عن ذلك بفقره واضطراره إلى كسب عيشه بكده، ~~وإن كان يهدف في الحقيقة إلى الحياة الحرة الطليقة التي لا تشغل باله بولد، وفي ذلك من ~~الابتعاد عن الإنسانية والمروءة وحس الواجب ما لا يخفى، وقد أراد روسو أن يكفر عن خطيئته ~~هذه التي لا تغتفر بوضعه كتاب «إميل» العظيم الشأن فيما بعد، ومع ذلك فقد وجد من شك في ~~صحة حكاية أطفاله الخمسة تلك ذاهبا إلى ms005 أنها دست في «اعترافاته» التي نشرت بعد ~~موته. # وفي اعترافاته تلك يذكر روسو أنه صرح رسميا بزواجه بتريز بعد معاشرته إياها ربع قرن، ~~وقد صرفها بذلك عن طلبها الفراق، فظلت رفيقة له إلى أن مات، وإن لازمها الغم والألم؛ حزنا ~~على أطفالها أولئك. # قلنا إن روسو ذهب إلى باريس، وفي هذه المدينة قضى حياة عسيرة ككتاب ذلك العصر؛ فقد كان ~~يتعيش من استنساخ القطع الموسيقية فيها مع قبوله في رداه المجتمع الراقي، ثم ذهب إلى ~~البندقية سكرتيرا لسفير فرنسة دو مونتيغ. # ويعود روسو إلى باريس حيث أصبح مستخدما لدى الملتزم العام دوبان سنة 1748، وفي ذلك الحين ~~يقدم إلى مدام ديبيناي، ويرتبط بأواصر الصداقة في ديدرو الذي كان من رجال الشعب أيضا ~~فيقضي حياة شاقة مثله في باريس. # وبينا كان ذلك حال روسو في سنة 1749، حين كان ابنا للسابعة والثلاثين نشرت أكاديمية ~~ديجون إعلان مسابقة في موضوع: «هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق، أو إلى ~~إصلاحها؟» وكان صديقه ديدرو في سجن فنسن وقتئذ بسبب «رسالته عن العمي»، فاطلع على ذلك ~~الإعلان حين ذهابه إلى زيارته، فعن له وهو في الطريق أن يشترك في المسابقة، ويكلم ديدرو ~~في الأمر فيشير عليه بالتزام جانب إفساد العلوم والفنون للأخلاق؛ لما في هذا من طرافة ~~وتوجيه نظر، ولما ينطوي التزام جانب إصلاحهما للأخلاق من ابتذال. # أعمل روسو ذهنه وجمع قواه، وكتب في الموضوع فأقام الدليل على أن العلوم والفنون ~~أفسدت الأخلاق، وأوجبت شقاء الإنسان، وادعى أن الترف والحضارة من نتائج العلوم والفنون، ~~وأنهما علة فساد الأخلاق؛ فقال بالرجوع إلى الحال الطبيعية، ومما ذهب إليه في تلك ~~الرسالة كون الثقافة أقرب إلى الشر منها إلى الخير، وكون التفكير مناقضا لطبيعة الإنسان، ~~وكون الفضيلة والأمانة والصدق لا أثر لها في غير الحال الطبيعية؛ حيث لا علوم ولا فنون ... ~~وكتب روسو رسالته تلك بقلم حار وعاطفة جارفة، فجاءت مبتكرة في مجتمع بلغ الغاية في المدنية، ~~مخالفة لما عليه الجمهور، فنال روسو بها الجائزة. # ويعد روسو في ms006 رسالته تلك كالمحامي الذي يلتزم طرفا واحدا في المرافعات، فيصعب تصديق ~~جديته في تمثيل دوره، ولذلك لا تتجلى أهمية رسالته تلك في اشتمالها على مذهب إيجابي، بل في ~~كونها مفتاحا لنشوء روسو الذهني، وفي كونها مرحلة مؤدية إلى «العقد الاجتماعي». فالواقع أن ~~هذه الرسالة تحتوي أصل مذهب روسو وعقيدته، ومنها تعلم عداوته للترف والمدنية ونظام ~~الطبقات، كما يعلم منها دفاعه عن الحرية. # ويذيع صيت روسو بتلك الرسالة بعد خمول ذكر، ويعجب بها كتاب، ويحمل عليها آخرون، ويجيب ~~روسو عن النقد الموجه إليه بأنه لم يرد الرجوع بالناس إلى الوراء، وإنما أراد العود إلى ~~الفضائل، والابتعاد عن الترف والرذائل، وسيادة المساواة بين الأنام. # ويرى روسو بعد وضع تلك الرسالة أن يوفق بين سلوكه وما عرضه فيها من مبادئ ويعيش ~~مستقلا، فيترك مكانه مستخدما، ويجعل من نفسه ناسخا للموسيقا. # وفي سنة 1753 أعلنت أكاديمية ديجون مسابقة أخرى عنوانها «ما أصل التفاوت بين الناس؟ وهل ~~أجازه القانون الطبيعي؟» ويشترك روسو في المسابقة؛ لما لاقى من نجاح في الأولى، ولكنه لم ~~ينل الجائزة؛ لشدة حمله على الاستبداد، وينشرها في سنة 1755 مقدمة إلى جمهورية جنيف، ~~ويذهب إلى جنيف بعد إصدارها، ويعود إلى باريس منتحلا البروتستانية، حاملا لقب مواطن ~~بجنيف. # وتدل كلمة «الطبيعة» هنا على تطور كبير، فلا يعارض روسو بها شرور المجتمع معارضة فارغة، ~~بل تنطوي على أمور إيجابية، فترى نصف «أصل التفاوت» يشتمل على وصف خيالي لحال الطبيعة التي ~~يكون الإنسان فيها محصورا ضمن أضيق مجال مع قليل احتياج إلى أمثاله، وقليل اكتراث لما وراء ~~احتياجات الساعة الحاضرة. # وفي هذه الرسالة يصرح روسو بأنه لا يفترض وجود الحال الطبيعية فعلا، وإنما يستحسن حالا ~~من الهمجية متوسطة بين الحال الطبيعية والحال الاجتماعية يحافظ الناس بها على البساطة ~~ومنافع الطبيعة ... ويظهر من تعليقات روسو على متن الرسالة أنه لا يريد رجوع المجتمع الفاسد ~~الحاضر إلى حال الطبيعة، وإنما يعد المجتمع أمرا لا مفر منه مع فساده ... وهو يعلل هذا ~~الفساد بالتفاوت بين أفراد المجتمع في ms007 المعاملات والحقوق فيتغنى بالإنسان الطبيعي الطاهر، ~~ويقول بتلك الحال المتوسطة؛ حيث تسود المساواة. # وقد وجد من يؤاخذ روسو على سلوكه منهاج التاريخ في «أصل التفاوت»، مع أنه لم يحرص على ~~إلباس هذه الرسالة ثوبا تاريخيا، وانتحال المناحي التاريخية الزائفة من خصائص القرن ~~السابع عشر والقرن الثامن عشر، وروسو لم يبال بهذه المناحي. # وفي سنة 1755 نشر روسو رسالة «الاقتصاد السياسي»، وهنالك شك في كونها وضعت قبل رسالة ~~«أصل التفاوت» أو بعدها، فالذي يظهر أول وهلة كون رسالة «الاقتصاد السياسي»، على نمط «العقد ~~الاجتماعي»، وهذا يدل على أنها ألفت بعد «أصل التفاوت». # ومهما يكن من أمر فإن روسو بدأ هذه الرسالة بمناقشة حول طبيعة الدولة وإمكان التوفيق بين ~~وجودها وحرية الإنسان، فرأى أن الدولة هيئة تهدف إلى سعادة جميع أعضائها، وجعل جميع وجهات ~~نظره في الجباية تابعا لهذا الهدف، وذهب إلى أن الكماليات وحدها هي ما يجب أن يكون تابعا ~~للضرائب، وإلى وجوب فرض ضرائب فادحة على أمور الترف، وإلى عدم وضع ضريبة على الحاجيات ~~كالقمح والملح. # ولم تشتمل رسالة «الاقتصاد السياسي»، على كثير من مباحث الاقتصاد المعروفة، بل تحتوي آراء ~~روسو السياسية إجمالا، وقد وضعها أيام عمت المجاعة فرنسة فكان الفقراء يموتون عن احتياج، ~~على حين يتمتع الأغنياء بأطايب النعم وضروب الترف. # وقسم «الاقتصاد السياسي» الأول هو أكثر ما يستوقف النظر؛ فهو يهدم ما يبالغ فيه ~~غالبا من المقابلة بين الدولة والأسرة، فيذهب إلى أن الدولة ليست ذات طبيعة أبوية، وأنها ~~تقوم على إرادة أعضائها العامة. # ومن مطالعة كتاب «الاقتصاد السياسي» يرى أن روسو كاد يبلغ به مرحلة النضج في آرائه ~~السياسية، فكان هذا مبشرا بكتاب «العقد الاجتماعي» في نهاية الأمر. ~~••• # ظهر «العقد الاجتماعي» مع كتاب «إميل» سنة 1762، فدل بذلك على بلوغه الذروة من عمله، ~~والواقع أن «العقد الاجتماعي» يشتمل عمليا على نظريته السياسية الإنشائية كلها، ويدل ~~عنوانه على موضوعه، ويسمى هذا الكتاب «مبادئ الحقوق السياسية»، أيضا، ويوضح هذا العنوان ~~الثاني العنوان الأول. # وضع روسو هذا الكتاب، وكان من الخطر ms008 البالغ أن يجهر الإنسان بأي رأي حر حينما وضعه، وكان ~~روسو جريئا في كل ما أبداه فيه، وفي هذا الكتاب حمل روسو على الرق وعدم المساواة، وناضل عن ~~حقوق الإنسان وأقامها على طبيعة الأمور، وقال إن هدف كل نظام اجتماعي وسياسي هو حفظ حقوق كل ~~فرد، وإن الشعب وحده هو صاحب السيادة. وكان يهدف إلى النظام الجمهوري، فتحقق هذا النظام ~~بالثورة الفرنسية بعد ثلاثين سنة حين اتخذ «العقد الاجتماعي» إنجيل هذه الثورة. # ولم يقل روسو بحكومات زمنه لمنافاتها للطبيعة، ويقوم مذهبه على كون الإنسان صالحا ~~بطبيعته، محبا للعدل والنظام، فأفسده المجتمع وجعله بائسا، والمجتمع سيئ؛ لأنه لا يساوي ~~بين الناس والمنافع، والتملك جائر؛ لأنه مقتطع من الملك الشائع الذي يجب أن يكون ~~خاصا بالإنسانية وحدها، فيجب أن يقضى على المجتمع إذن، وأن يرجع إلى الطبيعة، وهنالك ~~يتفق الناس بعقد اجتماعي على إقامة مجتمع يرضى به الجميع، فيقيمون بذلك حكومة تمنح الجميع ~~ذات الحقوق، فتقوم سيادة الشعب مقام سيادة الملك، ويتساوى فيها الناس وتنظم الثروة ~~والتربية والديانة. # وفي كتاب «إميل» ظهر روسو الفيلسوف المربي بجانب روسو الفيلسوف الاجتماعي، وقد حاول روسو ~~أن يكفر بكتاب «إميل» عن خطيئته تجاه أولاده - كما قلنا - ويعد روسو بهذا الكتاب مؤسس ~~التربية الحديثة، ففيه ألقى دروسا ممتعة في تربية الأطفال، ومذاهب التربية، والفضيلة ~~والحياة الزوجية، وقد نال كتاب «إميل» من بعد الصيت والأثر ما أصبح معه معول علماء ~~التربية، حتى إن الفيلسوف الألماني الكبير كنت تأثر به كثيرا، وكنت حينما أخذ يطالعه ~~أبى مغادرة منزله إلى نزهته اليومية قبل الفراغ من قراءته، وكنت من تعلم تمسكه ~~بنزهته تلك، وعدم عدوله عنها إلا لأمر جلل. # وقد ألف روسو قصة حياته الخاصة في «اعترافاته»، فوضع الجزء الأول منها سنة 1766، وقد ~~ظهر روسو في هذا الكتاب مثال القاضي المؤرخ العادل النزيه، فلم يكتم شيئا من خطيئاته، ولم ~~يزد في حسناته، ولم تنشر هذه «الاعترافات» إلا بعد موته، وعليها يعتمد في ترجمة ~~حياته. # قلنا إن روسو عاد من جنيف إلى ms009 باريس منتحلا البروتستانية، وتعرض عليه صديقته مدام ديبناي ~~في سنة 1756 ملجا في وادي مونمورنسي بالإرميتاج، فيقبله، وهنالك كتب رواية إلوئيز عن حب ~~كان يشعر به نحو بنت أخت مدام ديبيناي، مدام دو ديتو، التي كانت ذات صلة بالشاعر لنبر، ~~وقد كان لهذا الغرام المحزن أثر سيئ في نفس روسو؛ فقد أصبح قاتم الطبع، فقطع اتصاله بمدام ~~ديبيناي، وغادر الإرميتاج ليأوي إلى مونلويس بالقرب من مونمورنسي، إلى هذا المأوى الذي قدمه ~~إليه مريشال لوكسنبرغ، وإلى هذا الدور ترجع نظرياته الاجتماعية وأفكاره الإصلاحية التي ~~أدرجها في «العقد الاجتماعي» و«إميل» وفي رسالته إلى دالنبر عن المسارح، فباعدت هذه الرسالة ~~بينه وبين فولتير ، وألقت بينهما بذور البغضاء، وفي «إميل» هاجم عقيدة الوحي منكرا له مع ~~قوله بوجود الإله، فحكمت عليه جنيف وباريس والبرلمان، فهاجر إلى مونته ترافير في حكومة ~~نوشاتل؛ حيث قضى حياة غريبة وتزيا بزي الأرمن، وحيث وضع في سنة 1764 دفاعا عن «إميل»، ~~ويحمل على مغادرة سويسرة، ويستقر بإنكلترة، بفونون، عند الفيلسوف الإنكليزي هيوم، ويكتب ~~القسم الأول من «اعترافاته»، ولكنه لم يلبث أن ترك هذا الفيلسوف الإنكليزي متهما إياه ~~بالائتمار به مع أعدائه. # ويعود روسو إلى باريس في سنة 1770 بعد طواف في عدة مدن بدوفينه، متنكرا؛ خشية الاعتقال، ~~ويقيم بباريس سبع سنين غير واثق بأحد متمتعا بجمال الطبيعة في ضواحيها، ويكسب عيشه من نسخ ~~قطع من الموسيقا، ويبتعد عن الناس والأصدقاء، ثم يترك استنساخ القطع الموسيقية عن ضعف وعجز ~~فيغدو معوزا إلى الغاية. # وفي السنة الأخيرة من حياته يقدم إليه صديقه دو جيراردن ملجا في إرمنونفيل البعيدة ~~من باريس نحو عشرين كيلومترا فيقبله، ويموت فجأة بعد ستة أسابيع من انزوائه في هذا الكوخ، ~~وكان ذلك في 3 من يوليو # 3 # سنة 1778، تاركا هذه الحياة وما فيها من أحزان وآلام - ~~ويظن على غير حق أنه مات مسموما أو منتحرا بطلقة فرد - ويدفن بجزيرة الحور في ~~إرمنونفيل. # ويرقد في هذه الجزيرة حتى سنة 1794، وفي 20 من فنديمور من السنة الثالثة (11 من ms010 أكتوبر # 4 # سنة 1794) ينقل رفاته باحتفال عظيم إلى مدفن ~~العظماء بباريس (البانتيون) وفق مرسوم أصدره مجلس العهد، وذلك مع بقاء ضريحه قائما في تلك ~~الجزيرة حيث مكث مدفونا ستة عشر عاما. ~~••• # كان روسو سيئ الحظ فعاش شريدا بائسا، ولعله كان لهذا أثر في عبقريته ووضع مبادئه، وعاش ~~روسو في بيئة فاسدة قاسية، وكان لهذا عمل عظيم في نضج آرائه والكشف عن كثير مما يحيط به من ~~المفاسد والشرور، والجهر بآرائه في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية. # وكان روسو عليلا فآثر الحياة الهادئة على غيرها، فكان هذا عاملا في عمق تفكيره، وحمل ~~روسو على العقل، ورفع من شأن الشعور؛ فقال: إن العقل إذا ما استطاع أن ينقض العقيدة بالله ، ~~وأن ينكر الخلود؛ فإن الشعور يؤيدهما، فلماذا لا نصدق الشعور بدلا من الشك الجامح الذي ~~يؤدي إليه العقل؟ وقد أراد «كنت» أن ينقذ الدين من العقل كذلك، فقامت رسالته على ذلك ~~أيضا. # ويعد روسو من أعظم من أنجبتهم فرنسة من الكتاب، غير أن آراءه تقبل أو ترفض على حسب ~~الأمزجة، وهو يحب أو يكره ككاتب أوحى بالثورة الفرنسية قبل كل شيء. # والآن يوجد لكتبه معنيان، فبها ينفذ إلى الذهنية التي كانت سائدة للقرن الثامن عشر، ~~وهي ذات أثر بالغ في حوادث أوربة التي وقعت فيما بعد، وبهذه الكتب يمثل روسو في عالم الفكر ~~السياسي مرحلة الانتقال من النظرية التقليدية للدولة في القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة ~~حول الدولة. # ولم يعالج روسو نظم الدول الموجودة، خلافا لما صنع مونتسكيو وفولتير، فبينما كان ~~مونتسكيو وفولتير، اللذان هما من أبناء الطبقة العليا، يقتصران على المطالبة بالإصلاح ~~السياسي والديني وثلم شوكة الاستبداد، كان ابن الساعي روسو، كان ابن الشعب روسو، الذي قضى ~~شبابا قاسيا، ينتهي بآلامه إلى ضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديدا كليا، ومن قول ~~روسو: «لم يهدف مونتسكيو إلى معالجة مبادئ الحق السياسي، وإنما كان يكتفي بمعالجة الحق ~~الوضعي (القانون) للحكومة القائمة، فلا يمكن أن يبدو اختلاف بين دراستين أكثر من هذا.» ومن ~~ثم يكون روسو ms011 قد تمثل موضوعه مختلفا عن موضوع «روح الشرائع» كل الاختلاف. # وعن روسو وما كتب يقول المؤرخ الاسكتلندي المشهور توماس كارليل: «لقد قدر العالم على ~~إلجاء ذلك البطل إلى الأسطحة، وعلى اتخاذه أضحوكة يسخر منها كما يسخر من البله ~~والمجانين، وعلى إجاعته وتركه يتضور جوعا كالوحش المسجون، فهل قدر العالم على منعه من ~~إضرام الثورة وإشعال الأرض نارا تلظى؟ لقد وجدت الثورة الفرنسية إنجيلها في كتابات ~~روسو، وقد أحدثت آراؤه الشبيهة بالجنون في آفات المدنية وتفضيله عيش المتوحشين على عيش ~~المتمدنين جنونا فاض في أنحاء فرنسة وغمرها.» # نابلس # | الترجمة # تنبيه # استخلصت هذه الرسالة الصغيرة من كتاب أكثر اتساعا، من كتاب شرعت فيه قديما ~~من غير أن أزن قدرتي فتركته زمنا طويلا، وهذا المقتطف هو أعظم ما أمكن اختياره من ~~مختلف المختارات التي اقتبستها مما كتبت، وقد بدا لي أنه أقل تفها مما يعرض على ~~الجمهور، وعاد ما بقي غير موجود. # | الباب الأول # أريد البحث عن إمكان وجود قاعدة إدارية شرعية صحيحة في النظام المدني عند النظر إلى ~~الناس كما هم عليه، وإلى القوانين كما يمكن أن تكون عليه، وسأحاول أن أمزج دائما، بين ~~ما يبيحه الحق وما تأمر به المصلحة؛ وذلك لكيلا يفصل بين العدل والمنفعة مطلقا. # وأدخل في البحث من غير أن أثبت أهمية موضوعي، وسأسأل عن كوني أميرا أو مشترعا حتى ~~أكتب في السياسة! ويكون جوابي: كلا، ولذا أكتب عن السياسة، ولو كنت أميرا أو مشترعا ~~ما أضعت وقتي في قول ما يجب أن يصنع، وأصنع ذلك أو أسكت. # وقد ولدت مواطنا في دولة حرة، وعضوا لصاحبة سيادة، وعلى ما يمكن أن يكون لصوتي في ~~الشئون العامة من نفوذ ضعيف يكفي ما لي من حق التصويت فيها لحملي على القيام بواجب ~~دراستها، وأراني سعيدا عندما أنعم النظر في الحكومات فأجد في مباحثي دائما أسبابا ~~جديدة أحب بها ما هو خاص ببلدي منها. # الفصل الأول # | موضوع هذا الباب الأول # يولد الإنسان حرا، ويوجد الإنسان مقيدا في كل مكان، وهو يظن ms012 أنه سيد الآخرين، ~~وهو يظل عبدا أكثر منهم، وكيف وقع هذا التحول؟ أجهل ذلك، وما الذي يمكن أن يجعله ~~شرعيا؟ أراني قادرا على حل هذه المسألة. # لو كنت لا أنظر إلى غير القوة وإلى غير ما يشتق منها من أثر لقلت إن الخير هو ما يصنع ~~الشعب ما أكره على الطاعة وأطاع، وأحسن من ذلك أن يخلع النير عنه عندما يستطيع صنع ~~هذا؛ وذلك لأنه باسترداده حريته لذات الحق الذي نزعت به منه إما أن يكون معذورا ~~باستردادها، وإما أن يكون من نزعوها منه غير معذورين في ذلك، غير أن النظام الاجتماعي ~~حق مقدس يصلح قاعدة لجميع الحقوق الأخرى، ومع ذلك فإن هذا الحق لا يصدر عن الطبيعة ~~مطلقا، وهو، إذن، قائم على عهود، والموضوع هو أن تعرف هذه العهود، وأرى أن أثبت ~~ما أسلفت قبل أن أتناول ذلك. # الفصل الثاني # | المجتمعات الأولى # مجتمع الأسرة هو أقدم المجتمعات، وهو المجتمع الطبيعي الوحيد، وذلك إلى أن الأولاد لا ~~يبقون مرتبطين في الأب إلا للزمن الذي يحتاجون فيه إليه لحفظ أنفسهم، وتنحل الرابطة ~~الطبيعية عند انقطاع هذا الاحتياج، ويعود الأولاد إلى الاستقلال بالتساوي عندما ~~يحلون من الطاعة الواجبة عليهم نحو الأب، ويحل الأب من رعاية الأولاد الواجبة ~~عليه، وهم إذا ما استمروا على البقاء متحدين عاد هذا لا يكون طبعا، بل طوعا، ولم ~~تدم الأسرة نفسها إلا عهدا. # وهذه الحرية العامة هي نتيجة طبيعة الإنسان، وقانون الإنسان الأول هو أن يعنى ببقائه ~~الخاص، وواجبه تجاه نفسه هو أول ما يحرص عليه، وهو إذا ما بلغ سن الرشد أصبح سيد نفسه؛ ~~لما يكون بذلك حكما في وسائله الخاصة. # ويمكن أن تعد الأسرة، إذن، أول نموذج للمجتمعات السياسية؛ حيث يكون الرئيس صورة ~~الأب، والشعب صورة الأولاد، وبما أن الجميع يولدون أحرارا متساوين فإنهم لا يتنزلون عن ~~حريتهم إلا لنفعهم، وكل الفرق هو أن حب الأب لأولاده في الأسرة يؤديه بما يرعاهم به، ~~وأن لذة القيادة في الدولة تقوم مقام هذا الحب الذي لا يحمله ms013 الرئيس نحو رعاياه. # وينكر غروسيوس قيام كل سلطة بشرية نفعا للمحكوم فيهم، ويورد الرق مثالا، ~~ويقوم طرازه المعتاد في التعليل على تقرير الحق بالواقع # 1 # دائما. أجل، يمكن اتخاذ منهاج أكثر منه منطقا، ~~ولكن لا شيء يكون للطغاة أكثر منه ملاءمة. # وعند غروسيوس أن من المشكوك فيه، إذن، كون الجنس البشري تابعا لمئة من الناس، أو كون ~~هؤلاء المئة من الناس تابعين للجنس البشري، ويبدو في جميع كتابه ميله إلى الرأي الأول، ~~وهذا هو شعور هوبز أيضا، وهكذا يكون النوع البشري مقسوما إلى قطعان من حيوان فيكون ~~لكل قطيع منها سائسه الذي يرعاه ليلتهمه. # وبما أن الراعي أعلى من قطيعه طبيعة فإن رعاة الناس، الذين هم رؤساء لهم ، أعلى من ~~شعوبهم طبيعة، وهكذا كان يرى الإمبراطور كليغولا على رواية فيلون، مستنتجا من هذا ~~القياس أن الملوك كانوا آلهة، أو أن الشعوب كانت حيوانات. # ويتفق كليغولا هو وهوبز وغروسيوس في الاستدلال، وكان أرسطو قد قال قبلهم جميعا: «إن ~~الناس ليسوا متساوين بحكم الطبيعة، وإنما يولد بعضهم للعبودية، ويولد الآخرون ~~للسيطرة.» # وكان أرسطو على حق لو لم يتخذ المعلول محل العلة، فلا شيء أكثر صحة من كون الإنسان ~~الذي يولد عبدا يولد للعبودية، ويخسر العبيد كل شيء بإيثاقهم حتى الرغبة في الخروج ~~منه، وهم يحبون عبوديتهم كما كان رفقاء أوليس يحبون وحشيتهم، # 2 # وإذا وجد عبيد عن طبيعة، إذن؛ فذلك لما كان من وجود ~~عبيد ضد الطبيعة، فالقوة صنعت العبيد الأولين، والنذالة أدامتهم. # ولم أقل شيئا عن الملك آدم، ولا عن العاهل نوح، بجانب الملوك العظماء الثلاثة الذين ~~اقتسموا العالم فيما بينهم كما صنع أولاد ساتورن الذين ظن أنهم معروفون، وأرجو أن ~~أقنع بهذا الاعتدال، وذلك بما أنني سليل أحد هؤلاء الأمراء رأسا، سليل الفرع الأسن على ~~ما يحتمل، فكيف أعرف أنني لا أكون الملك الشرعي للجنس البشري بالبحث في الوثائق؟ ومهما ~~يكن من أمر فإنه لا يمكن أن ينكر أن آدم كان ملك العالم كما كان روبنسن ملك جزيرته ما ~~بقي ms014 ساكنه الوحيد، وكل ما هو سائغ في هذه الإمبراطورية هو أن الملك المطمئن إلى عرشه ~~لم يكن ليخشى تمردا ولا حربا ولا مؤتمرين. # الفصل الثالث # | حق الأقوى # لا يكون الأقوى قويا بما فيه الكفاية، مطلقا، حتى يكون سيدا دائما، ما لم يحول ~~قوته إلى حق وطاعته إلى واجب؛ ومن ثم كان حق الأقوى، هذا الحق الذي يتلقى بسخرية ظاهرا ~~والذي يوضع كمبدأ حقيقة، ولكن أليس علينا أن نوضح هذه الكلمة؟ إن القوة طاقة فزيوية، ~~ولا أرى أي أدب يمكن أن ينشأ عن معلولاتها، والإذعان للقوة هو عمل ضرورة، لا عمل إرادة، ~~وهو أثر حذر غالبا، وما المعنى الذي يحمل به هذا على الواجب؟ # ولنفرض هذا الحق المزعوم هنيهة، فأقول إنه لا ينشأ عنه غير هراء يتعذر تفسيره، وذلك ~~إذا كانت القوة هي التي تصنع الحق، فإن المعلول يتغير بتغير العلة، وتخلف الأولى في ~~حقها كل قوة تقهرها، ومتى أمكن العصيان بلا عقاب صار العصيان شرعيا، وبما أن الحق ~~يكون بجانب الأقوى دائما فإن الأمر الوحيد الذي يهم هو أن يسار بما يصار به ~~الأقوى، ولكن ما الحق الذي يزول بانقطاع القوة؟ وإذا ما لزمت الطاعة قهرا لم تكن هنالك ~~ضرورة إليها عن واجب، وإذا عدنا غير مكرهين على الطاعة عدنا غير محمولين عليها، ولذا ~~ترى أن كلمة «الحق» هذه لا تضيف إلى القوة شيئا، ولذا فهي لا معنى لها هنا ~~أبدا. # وأطيعوا السلطات، فإذا كان معنى هذا: «أذعنوا للقوة» فالمبدأ صالح ولكنه هادر، أجبت ~~بأنه لا ينقض مطلقا، وأعترف بأن كل سلطان يأتي من الرب، غير أن كل مرض يأتي منه ~~أيضا، وهل يقصد بهذا حظر دعوة الطبيب؟! وإذا ما فاجأني قاطع طريق في زاوية من غابة ~~وجب علي أن أعطي كيسي قسرا، ولكن هل أكون ملزما وجدانا بأن أعطيه إياه إذا كنت ~~قادرا على منعه منه؟ وذلك لأن السلاح الذي يحمله هو سلطة أيضا. # ولنعترف، إذن، بأن القوة لا تخلق الحق، وبأننا غير ملزمين بغير الطاعة للسلطات ~~الشرعية، وهكذا ms015 فإن مسألتي الأولى ترجع دائما. # الفصل الرابع # | العبودية # بما أنه ليس لإنسان سلطان طبيعي على مثله، وبما أن القوة لا توجب أي حق، فإن العهود ~~تظل أساسا لكل سلطان شرعي بين الناس. # ومن قول غروسيوس أن الفرد إذا كان يستطيع بيع حريته فيصبح عبد سيد فلماذا لا يستطيع ~~شعب أن يبيع حريته ويصبح تابعا لملك؟ توجد كلمات كثيرة مبهمة في ذلك تحتاج إلى إيضاح، ~~ولكن لنقف عند كلمة «البيع»، فالبيع هو الشرى أو المنح، والواقع أن الإنسان الذي ~~يجعل نفسه عبد آخر لا يمنح نفسه، وإنما يبيع نفسه؛ نيلا لمعاشه، ولكن لم يبيع شعب ~~نفسه؟! إن من المستبعد أن يجهز الملك رعاياه بمعاشهم مع أنه ينال معاشه منهم، ولا يقنع ~~الملك بالقليل، كما يرى رابله، والرعايا يمنحون أشخاصهم، إذن، على أن يأخذ الملك ~~أموالهم أيضا، ولا أرى ما يبقى لهم للحفظ. # وقد يقال إن المستبد يضمن السكون المدني لرعاياه، وليكن ذلك، ولكن ما يكسبون من ذلك ~~إذا كانوا يكدرون بالحروب التي يسوقهم إليها طموحه وبطمعه الذي لا يشبع وبمظالم ~~عماله أكثر مما يصيبهم بتفرقهم؟ # وما يكسبون من ذلك إذا كان هذا السكون من بؤسهم؟ وقد تقضى حياة سكون في السجون ~~المظلمة أيضا، ولكن أيكفي هذا لجعلها أماكن طيبة للعيش فيها؟ وكان الأغارقة الذين ~~حبسوا في غار سكلوب يعيشون ساكنين، ولكن مع انتظارهم أن يفترسوا بدورهم. # والقول إن الإنسان يعطي نفسه متبرعا محال لا يمكن تصوره، وعقد مثل هذا باطل غير ~~شرعي، ولا يصدر هذا العقد عن رشيد، وقول ذلك عن شعب يفترض جنون هذا الشعب، والجنون لا ~~يوجد حقا. # وإذا ما استطاع كل واحد أن يبيع نفسه فإنه لا يقدر على بيع أولاده، فهؤلاء الأولاد ~~يولدون أناسا وأحرارا، وتكون حريتهم خاصة بهم؛ فلا يستطيع أحد غيرهم أن يتصرف فيها، ~~ويمكن أباهم - قبل أن يبلغوا سن الرشد - أن يضع شروطا لحفظهم وسعادتهم، لا أن يهبهم ~~هبة مطلقة لا رجعة فيها؛ وذلك لأن هذه الهبة مخالفة لمقاصد الطبيعة وتجاوز حقوق الأبوة، ~~ولذا ms016 يقتضي تحول الحكومة المرادية ~~(Arbitraire) # إلى ~~حكومة شرعية أن يكون الشعب في كل جيل حكما في قبولها أو رفضها، ولكن هذه الحكومة تعود ~~غير مرادية إذ ذاك. # وتنزل الإنسان عن حريته يعني تنزلا عن صفة الإنسان فيه، وتنزلا عن الحقوق ~~الإنسانية، وعن واجباتها أيضا، ولا تعويض يمكن لمن يتنزل عن كل شيء، وتنزل كهذا ~~يناقض طبيعة الإنسان، ونزع كل حرية من إرادة الإنسان هو نزع كل أدب من أعماله، ثم إن ~~من العهود الباطلة المتناقضة اشتراط سلطان مطلق من ناحية، وطاعة لا حد لها من ناحية ~~أخرى، أليس من الواضح أننا غير ملزمين بشيء نحو شخص يحق لنا أن نطالبه بكل شيء؟ ~~أليس هذا الشرط وحده يتضمن بطلان العقد عند عدم وجود بدل أو معادل؟ وأي حق يكون لعبدي ~~تجاهي ما دام كل ما عنده خاصا بي، وما دام حقي هذا تجاه نفسي كلمة لا معنى لها مطلقا ~~عن كون حق عبدي هو لي؟ # ويستنبط غروسيوس وآخرون من الحرب مصدرا آخر لحق العبودية المزعوم؛ فبما أن للغالب ~~عندهم حق قتل المغلوب فإنه يمكن المغلوب هذا أن يشتري حياته على حساب حريته، ويكون ~~هذا العهد أكثر العهود شرعية لقيامه على نفع الطرفين. # بيد أن من الواضح عدم صدور حق قتل المغلوبين المزعوم هذا عن حال الحرب قطعا، ~~ولهذا وحده لا تجد بين الناس، الذين يعيشون على استقلالهم الفطري، أية علاقة ثابتة بما ~~فيه الكفاية يكونون بها في حال السلم وحال الحرب، فلا يكون بعضهم عدوا لبعض بحكم ~~الطبيعة، وعلاقة الأشياء بعضها ببعض، لا علاقة الناس، هي التي توجب الحرب، ولا يمكن حال ~~الحرب أن تنشأ عن الصلات الشخصية، بل تنشأ عن الصلات الحقيقية فقط، ولا يمكن الحرب ~~الخاصة أو حرب الإنسان للإنسان أن تكون في الحال الطبيعية حيث لا يوجد ملك ثابت ~~مطلقا، ولا في الحال الاجتماعية حيث يكون الجميع تحت سلطان القوانين. # وتعد المنازعات الخاصة والمبارزات والمصارعات أفعالا لا تتألف منها مهنة مطلقا، ~~وإذا نظرت إلى الحروب الخاصة التي أباحتها ms017 نظامات ملك فرنسة، لويس التاسع، ومنعها ~~السلام الإلهي، وجدتها من سوء استعمال الحكومة الإقطاعية، هذا النظام المضاد للصواب ~~إذا ما وجد، والمخالف لمبادئ الحقوق الطبيعية وكل سياسة صالحة. ~~«وليست الحرب، إذن، صلة إنسان بإنسان، بل صلة دولة بدولة، أي صلة لا يكون بعض الناس ~~فيها أعداء لبعض إلا عرضا، وذلك كجنود، لا كأناس مطلقا، ولا كمواطنين # 1 # أيضا، وذلك كحماة الوطن، لا كأعضاء ~~له مطلقا، ثم إن كل دولة لا يمكن أن يكون لها من الأعداء غير دول أخرى، لا أناس؛ لما ~~لا يمكن أن يقرر بين مختلف الطبائع أية علاقة حقيقية.» # ثم إن هذا المبدأ يلائم جميع القواعد المقررة في جميع الأزمنة وتعامل جميع الأمم ~~المتمدنة الدائم، وشهر الحرب أقل إنذارا إلى الدول مما إلى رعاياها، وليس الأجنبي الذي ~~يسرق، أو يقتل، أو يعتقل الرعايا من غير شهر الحرب على الأمير عدوا، بل قاطع طريق، ~~سواء أكان ذلك الأجنبي ملكا أم فردا أم شعبا، حتى إن الأمير المنصف يستولي في بلاد ~~العدو، حين الحرب، على كل ما هو خاص بالجمهور، ولكن مع احترام شخص الأفراد وأموالهم، ~~ومع احترام الحقوق التي قامت عليها حقوقه، وبما أن غاية الحرب هي تقويض دولة العدو فإن ~~من الحق قتل حماتها ما داموا حاملين سلاحا، فإذا ما وضعوا هذا السلاح وسلموا ~~أنفسهم عادوا لا يكونون أعداء أو أداة للعدو، بل صاروا أناسا فقط، وأصبح لا يكون لأحد ~~حق في نزع حياتهم، ومن الممكن أحيانا قتل الدولة من غير قتل أحد من أعضائها، ~~والواقع أن الحرب لا تمنح حقا غير ضروري لبلوغ غايتها، وليست هذه مبادئ غروسيوس، ~~ولم تقم على براهين الشعراء، وإنما تشتق من طبيعة الأمور، وتستند إلى العقل. # وليس للفتح أساس غير قانون الأقوى، وإذا كانت الحرب لا تمنح الغالب حق قتل ~~الشعوب المغلوبة مطلقا فإن هذا الحق الذي ليس له لا يمكن أن يقيم حق استعبادها، ولا ~~يحق قتل العدو إلا عند تعذر استرقاقه، وحق استرقاقه لا يأتي، إذن، من حق قتله، ms018 وتعد، ~~إذن، مبادلة جائرة تلك التي يحمل بها على اشتراء حياته بحريته مع أنه لا حق للغالب ~~على الحياة، أليس من الواضح أنه يوقع ضمن دائرة معيبة بإقامة حق الحياة والموت ~~على حق الاسترقاق، وبإقامة حق الاسترقاق على حق الحياة والموت؟ # حتى إنني أقول عند افتراض هذا الحق الهائل في قتل الجميع إن العبد الذي ملك في ~~الحرب، أو الشعب المقهور، غير ملزم نحو مولاه بغير الطاعة ما أكره عليها، والغالب، ~~إذ يأخذ منه ما يعدل حياته، لا يكون قد من عليه بها مطلقا، أي إنه يكون قد قتله ~~قتلا مجديا بدلا من قتله على غير جدوى. وبعد، إذن، نيله عليه سلطانا مضافا إلى ~~سلطان الحرب، فتظل حال الحرب قائمة بينهما كما في الماضي، وتكون صلة كل منهما بالآخر ~~معلولا لها، ولا يفترض استعمال حق الحرب أية معاهدة سلم. أجل، قد وضع عهد، غير ~~أن هذا العهد يفترض دوام حال الحرب مع بعده من القضاء عليها. # وهكذا، مهما تكن الجهة التي ينظر منها إلى الأمور، يكون حق الاسترقاق باطلا، لا لأنه ~~غير شرعي فقط، بل لأنه مخالف للعقل خال من كل معنى أيضا، فكلمتا الاستعباد والحق ~~متناقضتان، متنافيتان مبادلة، ومن الحماقة أن يقول رجل لرجل أو لشعب: أضع معك ~~عهدا يجعل كل غرم عليك وكل غنم لي، وأراعي هذا العهد ما راقني، وتراعيه ما ~~راقني! # الفصل الخامس # | يجب الرجوع إلى أول عهد دائما # إذا منحت جميع ما كنت قد منعت لم يتزحزح أصحاب الاستبداد، ويكون، في كل وقت، فرق ~~عظيم بين إخضاع جمع وإدارة مجتمع، وإذا ما استعبد أناس متفرقون من قبل واحد ~~بالتتابع، مهما كان عددهم، لم أر هنالك غير سيد وعبيد، لا شعبا ورئيسا، وذلك كما لو ~~كنت أرى تكتلا، لا شركة؛ فلا يوجد هنالك نفع عام ولا هيئة سياسية، ولا يعدو ذلك الرجل ~~كونه فردا دائما، ولو استعبد نصف العالم، وليست مصلحته غير مصلحة خاصة عند فصلها عن ~~مصلحة الآخرين، فإذا ما هلك ذلك الرجل ظلت إمبراطوريته ms019 متفرقة بلا ارتباط، وذلك ~~كالبلوطة التي تنحل وتتحول إلى ركام رماد بعد أن تحرقها النار. # والشعب، عند غروسيوس، يستطيع أن يهب نفسه لملك. والشعب، عند غروسيوس إذن، شعب قبل أن ~~يهب نفسه لملك، وهذه الهبة نفسها عقد مدني ينطوي على تشاور عام، ولذا يصلح درس العقد ~~الذي يكون به الشعب شعبا قبل درس العقد الذي يختار به الشعب ملكا، وبما أن ذلك العقد ~~أقدم من الآخر بحكم الضرورة فإنه أساس المجتمع الحقيقي. # والواقع أنه إذا لم يوجد عهد سابق فأين يكون، عند عدم الإجماع في الانتخاب، إلزام ~~الأقلية بالخضوع لاختيار الأكثرية؟ ومن أين يحق للمئة الذين يرغبون في سيد أن ~~يصوتوا عن العشرة الذين لا يريدونه مطلقا؟ # وهل قانون أكثرية الأصوات أمر قرر بعهد فيفترض الإجماع لمرة واحدة على ~~الأقل؟ # الفصل السادس # | الميثاق الاجتماعي # أفترض انتهاء الناس إلى النقطة التي تغلبت عندها العوائق الضارة بسلامتهم في الحال ~~الطبيعية، وذلك عن مقاومة فيها، على القوى التي يمكن كل فرد أن يستعملها للبقاء في ~~هذه الحال، وهنالك لم تقدر هذه الحال الابتدائية على الدوام، وكان الهلاك نصيب الجنس ~~البشري إذا لم يغير طراز حياته. # والواقع أن الناس، إذا كانوا لا يستطيعون إنتاج قوى جديدة، بل توحيد القوى القائمة ~~وتوجيهها، عاد لا يكون لديهم وسائل للبقاء غير تأليفهم، بالتكتل، مقدارا من القوى ~~يمكنه أن يتغلب على المقاومة وتحريك هذه القوى بمحرك واحد وتسييرها متوافقة. # وما كان هذا المقدار من القوى لينشأ إلا باتفاق أناس كثيرين، ولكن بما أن قوة كل ~~إنسان وحريته كانتا أولى الوسائل لسلامته، فكيف يرهنهما من غير أن يضر نفسه ويهمل ما ~~يجب من العناية بشخصه؟ إذا ما ردت هذه المعضلة إلى موضوعي أمكن أن يعبر عنها ~~بالكلمات الآتية؛ وهي: «إيجاد شكل لشركة تجير، وتحمي - بجميع القوة المشتركة - شخص كل ~~مشترك وأمواله، وإطاعة كل واحد نفسه فقط، وبقاؤه حرا كما في الماضي مع اتحاده ~~بالمجموع»، فهذه هي المعضلة الأساسية التي تحل بالعقد الاجتماعي. # وشروط هذا العقد هي من التحديد بطبيعته ms020 ما يجعلها أقل تبديل باطلة غير ذات عمل. ~~وهي، على ما يحتمل من أنه لم ينطق بها صراحة قط، واحدة في كل مكان، مسلم معترف بها ~~ضمنا في كل مكان، فإذا ما نقض الميثاق الاجتماعي استرجع كل واحد حقوقه الأولى ~~واسترد حريته الطبيعية التي عدل عنها في سبيل الحرية العهدية الضائعة. # ويرد جميع هذه الشروط، المفهومة حقا، إلى شرط واحد، وهو بيع كل مشترك مع جميع ~~حقوقه في المجتمع بأسره بيعا شاملا، وذلك، أولا، أن الشرط متساو نحو الجميع ما وهب ~~كل واحد نفسه بأسرها، وأنه لا مصلحة لأحد في جعل الشرط ثقيلا على الآخرين ما كان الشرط ~~متساويا نحو الجميع. # ثم بما أن البيع وقع بلا تحفظ فإن الاتحاد يكون على ما يمكن من الكمال، ولا يبقى ~~لمشترك ما يدعيه؛ وذلك لأنه إذا ما بقي للأفراد بعض الحقوق، فبما أنه لا يكون هنالك أي ~~رئيس عام يقدر على الفصل بينهم وبين الجمهور، وبما أن كل واحد يكون قاضي نفسه الخاص ~~من بعض الوجوه، لم يلبث كل واحد أن ينتحل هذه الصفة في جميع الأحوال، وهكذا تظل الحال ~~الطبيعية باقية، وتصبح الشركة طاغية أو لاغية بحكم الضرورة. # ثم بما أن كل واحد لا يهب نفسه لأحد بهبتها للجميع، وبما أنه لا يوجد مشترك لا يكتسب ~~عين الحق الذي تنزل له عنه، فإنه يظفر بما يعدل جميع ما يفقد وبزيادة قوة لحفظ ما ~~يكون له. # وإذا ما أقصي عن الميثاق الاجتماعي، إذن، ما ليس من جوهره حصر في الكلمات الآتية، ~~وهي: «يضع كل واحد منا شخصه وجميع قوته شركة تحت إدارة الإرادة العامة، ونحن نتلقى - ~~كهيئة - كل عضو كجزء خفي من المجموع.» # والآن يؤدي عقد الشركة هذا إلى هيئة معنوية ألبية مؤلفة من أعضاء بمقدار أصوات ~~المجلس، وذلك بدلا من الشخصية الخاصة لكل متعاقد، ومن ذلك العقد تنال هذه الهيئة ~~وحدتها وذاتيتها المشتركة وحياتها وإرادتها، وكان يطلق اسم المدينة # 1 # على هذا الشخص العام الذي ~~يؤلف، على هذا الوجه، من اتحاد ms021 جميع الآخرين، فيسمى اليوم «جمهورية» أو «هيئة سياسية»، ~~وهي ما يسميه أعضاؤها «دولة» إذا كانت منفعلة، و«سيدا» إذا كانت فاعلة، و«سلطانا» إذا ~~ما قيست بأمثالها. وأما المشتركون فإن اسم «الشعب» هو الذي يحملونه ألبيا، ~~ويسمون «مواطنين» على وجه الخصوص، كمشتركين في السلطة ذات السيادة، ويسمون «رعاياه» ~~عن خضوع لقوانين الدولة، غير أن بعض هذه الألفاظ يختلط ببعض في الغالب ويتخذ أحدها ~~للتعبير عن آخر، فيكفي أن يعرف تمييز بعضها من بعض عند استعمالها مضبوطة ~~تماما. # الفصل السابع # | السيد # يرى بهذه الصيغة اشتمال عقد الشركة على التزام متبادل بين الجمهور والأفراد وكون ~~كل فرد متعاقد مع نفسه ملزما بعلاقتين، وذلك: كعضو للسيد نحو الأفراد، وكعضو للدولة ~~نحو السيد، بيد أنه لا يمكن أن يطبق هنا مبدأ الحقوق المدنية القائل: إن الإنسان غير ~~ملزم بالعهود التي اتخذها مع نفسه؛ وذلك لوجود فرق بين التزام الإنسان نحو نفسه، ~~والتزامه نحو مجموع يعد جزءا منه. # ويجب أن يلاحظ، أيضا، أن الشورى العامة التي يمكن أن تلزم جميع الرعايا نحو ~~«السيد» وذلك من حيث الناحيتان المختلفتان اللتان ينظر بهما إلى كل من أولئك، لا يمكن ~~أن تلزم «السيد» نحو نفسه للسبب المعاكس، ومن ثم فإن مما يخالف طبيعة الهيئة السياسية ~~أن يلزم «السيد» نفسه بقانون لا يستطيع نقضه، وهو إذ لا يستطيع أن ينظر إلى نفسه إلا ~~من ناحية واحدة فقط فإنه يكون، هناك، في وضع الفرد المتعاقد مع نفسه، وبهذا يرى عدم ~~وجود أي قانون أساسي ملزم لهيئة الشعب، ولو كان العقد الاجتماعي، وهذا لا يعني عدم ~~قدرة هذه الهيئة على إلزام نفسها نحو الآخرين فيما لا ينقض ذلك العقد مطلقا؛ وذلك ~~لأنها تغدو شخصا بسيطا، تغدو فردا، تجاه الغريب عنها. # ولكن بما أن الهيئة السياسية، أو السيد، لا ينال كيانه إلا من قدس العقد فإنه لا ~~يستطيع أن يلزم نفسه، حتى نحو الآخر، بشيء ينقض هذا العقد الأولي، وذلك كأن يبيع جزءا ~~من نفسه أو أن يخضع لسيد آخر، ونقض العهد الذي وجد ms022 بسببه يعني تلاشي نفسه، ومن لا يكون ~~شيئا لا ينتج شيئا. # وإذا ما تم اجتماع هذا الجمهور كهيئة على هذا الوجه لم يمكن إساءة أحد الأعضاء من غير ~~إيذاء الهيئة، وإساءة الهيئة من غير إيذاء الأعضاء، وهكذا فإن الواجب والمصلحة يلزمان ~~الفريقين المتعاقدين بالتساوي، على التعاون مبادلة، فعلى الناس أنفسهم أن يجمعوا جميع ~~المنافع المتصلة بتلك الناحية تحت هذه الناحية المزدوجة. # والواقع أن السيد إذ لم يتكون من غير أفراد يؤلف منهم فإنه لا يكون لديه مصلحة مخالفة ~~لمصلحتهم، ومن ثم لا يحتاج السلطان السيد، مطلقا، إلى ضامن تجاه الرعية؛ وذلك لأن من ~~المحال أن تريد الهيئة إيقاع الضرر بجميع أعضائها، وسنرى، فيما بعد، أن الهيئة لا ~~تستطيع الإضرار بأحد على انفراد، فالسيد، بما قد كان فقط، هو ما يجب أن يكون عليه ~~دائما. # وليس ذلك أمر الرعايا تجاه «السيد» الذي لا يكون لديه، على الرغم من المصلحة ~~المشتركة، ما يحمل على قيامهم بتعهداتهم ما لم يجد وسائل تضمن ولاءهم له. # والحق أن كل فرد يمكنه، كإنسان، أن يكون ذا إرادة خاصة معاكسة، أو مباينة، للإرادة ~~العامة التي يملكها كمواطن، ويمكن مصلحته الخاصة أن تخاطبه بما يخالف المصلحة المشتركة، ~~ويمكن كيانه المطلق، والمستقل بحكم الطبيعة، أن يحمله على مواجهة ما يجب عليه تجاه ~~الباعث المشترك كضريبة مجانية يكون ضياعها أقل ضررا بالآخرين من ثقل دفعها عليه، ~~وهو، عند النظر إلى الشخص المعنوي الذي تتألف منه الدولة ككائن اعتباري؛ لأنه غير ~~إنسان، يتمتع بحقوق المواطن من غير أن يريد القيام بواجبات التابع، فالاستمرار على هذا ~~الحيف يوجب هلاك الهيئة السياسية. # والميثاق الاجتماعي، لكيلا يكون صيغة فارغة إذن، يشتمل ضمنا على ذلك العهد الذي ~~يمكنه وحده أن يمنح الآخرين قوة، فكل من يأبى الخضوع للإرادة العامة يكره عليه من ~~قبل الهيئة بأسرها، وهذا لا يعني غير إلزامه بأن يكون حرا، وذلك أن هذا الشرط إذ يعطي ~~كل مواطن للوطن يضمنه من كل خضوع شخصي، وأن هذا الشرط ينطوي على مفتاح إدارة الآلة ms023 ~~السياسية، وأنه وحده يجعل العهود المدنية شرعية، هذه العهود التي تكون بغير هذا متعذرة ~~جائرة عرضة لأعظم المساوئ. # الفصل الثامن # | الحال المدنية # أدى الانتقال من الحال الطبيعية إلى الحال المدنية إلى تغيير في الإنسان جدير بالذكر ~~كثيرا؛ وذلك بإحلاله العدل محل الغريزة في سيره، وبمنحه أفعاله أدبا كان يعوزها ~~سابقا، وهنالك - فقط - إذ عقب صوت الواجب الصولة الطبيعية، وعقب الحق الشهوة، رأى ~~الإنسان، الذي لم ينظر غير نفسه حتى ذلك الحين، اضطراره إلى السير على مبادئ أخرى، ~~وإلى «مشاورة عقله قبل الإصغاء إلى أهوائه»، وهو - مع حرمانه نفسه في هذه الحال منافع ~~كثيرة ينالها من الطبيعة - يبلغ من كسب ما هو عظيم منها، وتبلغ أهلياته من الممارسة ~~والنمو، وأفكاره من الاتساع، ومشاعره من الشرف، وروحه من السمو، ما إذا لم يحطه معه سوء ~~استعمال هذه الحال الجديدة في الغالب إلى ما تحت الحال التي خرج منها وجب عليه أن ~~يبارك، بلا انقطاع، تلك السويعة السعيدة التي انتزعته من ذلك إلى الأبد، والتي جعلت ~~موجودا ذكيا وإنسانا من حيوان أرعن قليل العقل. # ولنحول جميع هذا الحساب إلى حدود يسهل قياسها؛ فالذي يخسره الإنسان بالعقد الاجتماعي ~~هو حريته الطبيعية وحق مطلق في كل ما يحاول وما يمكن أن يحصل، والذي يكسبه هو الحرية ~~المدنية وتملك ما يجوز، ويجب - لعدم الخطأ في هذه المعاوضة - أن تماز الحرية ~~الطبيعية، التي لا حدود لها غير قوى الشخص، من الحرية المدنية المقيدة بالإرادة ~~العامة، وأن تماز الحيازة، التي ليست سوى نتيجة قوة المستولي الأول أو حقه، من ~~التملك الذي لا يمكن أن يقوم على غير صك إيجابي. # وعلى ما تقدم يمكن أن تضاف إلى الحال المدنية الحرية الأدبية التي تجعل - وحدها - ~~الإنسان سيد نفسه بالحقيقة؛ وذلك لأن صولة الشهوة وحدها هي العبودية، ولأن إطاعة ~~القانون الذي نلزم به أنفسنا هي الحرية، غير أنني كنت قد أفضت في الكلام حول هذا ~~الموضوع، وليس معنى كلمة «الحرية» الفلسفي غرضي الآن. # الفصل التاسع # | التملك # كل عضو في الجماعة يهب ms024 نفسه لها حين تأليفها، كما يكون لحينه، مع جميع وسائله التي ~~يكون ما يحوزه من أموال جزءا منها، وليس بهذا العقد ما تغير الحيازة طبيعتها بتغير ~~الأيدي وتصبح تملكا في أيدي السيد، ولكن بما أن قوى المدينة أعظم من قوى الفرد بما لا ~~يقاس فإن من الواقع كون الحيازة العامة أشد قوة وأكثر ثباتا، وذلك من غير أن تكون أكثر ~~شرعية من حيث الأجانب على الأقل؛ وذلك لأن الدولة، من حيث أعضاؤها، سيدة جميع أموالهم ~~وفق العقد الاجتماعي الذي يصلح في الدولة أساسا لجميع الحقوق، ولكنه ليس كذلك نحو ~~الدول الأخرى إلا من حيث حق المستولي الأول الذي ناله من الأفراد. # وحق المستولي الأول، وإن كان أكثر حقيقة من حق الأقوى، لا يصبح حقا حقيقيا إلا ~~بعد استقرار حق التملك. أجل، إن لكل إنسان حقا فيما هو ضروري له بحكم الطبيعة، غير أن ~~العقد الإيجابي الذي يجعله مالكا لمال يبعده من كل شيء آخر، وهو إذ نال نصيبه وجب أن ~~يقتصر عليه وعاد غير ذي حق فيما تملك الجماعة؛ ولذا فإن حق المستولي الأول، البالغ ~~الضعف في الحال الطبيعية، جدير باحترام كل إنسان مدني، ونحن في هذا الحق أقل احتراما ~~لما هو خاص بالآخر من احترامنا لما لا يخصنا. # وعلى العموم لا بد من الشروط الآتية لإجازة حق المستولي الأول على أرض ما؛ وهي: ~~أولا: ألا تكون هذه الأرض معمورة بأحد. ثانيا: ألا يستولي الإنسان منها على غير ~~المقدار الضروري لعيشه. ثالثا: ألا تحاز بمظهر فارغ، بل بالعمل والحرث، أي بهذا ~~الدليل الوحيد للتملك الذي يجب أن يحترمه الآخرون عند عدم وجود مستندات قانونية. # ألسنا، بمنحنا حق المستولي الأول للضرورة والعمل، نكون في الحقيقة قد وسعناه إلى ~~أبعد مدى يمكن أن يمتد إليه؟ أويمكن أن يترك هذا الحق على إطلاقه؟ أويكفي الإنسان أن ~~يضع رجله على أرض مشتركة ليدعي أنه صاحب لها من فوره؟ أويكفي أن يكون لدى الإنسان من ~~القوة ما يقصي به الآخرين عنها ذات حين؛ لينزع منهم ms025 حق عدم العود إليها مطلقا؟ وكيف ~~يمكن إنسانا أو شعبا أن يستولي على أرض واسعة وأن يحرم الجنس البشري إياها بغير ~~اغتصاب يستوجب العقاب ما دام هذا الاغتصاب ينزع من بقية الناس ما تنعم الطبيعة عليهم به ~~من المأوى والغذاء مشتركا؟ ووقف نونز بالباو على الشاطئ وحاز أبحر الجنوب وجميع ~~جنوبي أمريكة باسم تاج قشتالة، فهل كان هذا كافيا لنزعها من جميع السكان وإغلاقها دون ~~جميع أمراء العالم؟ وهكذا كثرت هذه الظواهر عبثا، ولم يبق لذلك الملك الكاثوليكي ~~غير حيازته، من حجرته بغتة، جميع العالم، خلا إفرازه من إمبراطوريته بعد ذلك ما كان قد ~~حازه الأمراء الآخرون سابقا. # ونتمثل كيف أن أرض الأفراد الموصول المتصل بعضها ببعض تصبح أرضا عامة ، وكيف أن ~~حق السيادة، إذ يمتد من الرعايا إلى الأرض التي يشغلونها، يصبح حقيقيا وشخصيا، وهذا ~~ما يجعل بعض المتصرفين تابعا لبعض اتباعا عظيما، ويجعل من قواهم ضمناء لإخلاصهم، ~~ويظهر أنه لم يشعر بذلك جيدا من قبل قدماء الملوك الذين لم يدعوا ملوك الفرس ~~والشيت والمقدونيين إلا لعدهم أنفسهم، كما يلوح، رؤساء الناس أكثر من عدها سادة البلاد، ~~وأليق من أولئك ملوك اليوم الذين يدعون أنفسهم ملوك فرنسة وإسبانية وإنكلترة، إلخ ... ~~فهؤلاء إذ يقبضون، هكذا، على الأرض يوقنون بأنهم يقبضون على السكان. # وغرابة هذه المبايعة هي أن الجماعة؛ إذ تقبض على أموال الأفراد، تبتعد عن اغتصابها، ~~وإنما تضمن لها تصرفا شرعيا وتحول الغصب إلى حق صحيح، والتمتع إلى تملك، ~~وهنالك إذ يعد المتصرفون مؤتمنين على المال العام وإذ تحترم حقوقهم من جميع ~~أعضاء الدولة وتصان بجميع قواها ضد الأجنبي، عن تنازل نافع للجمهور، ولأنفسهم أكثر من ~~ذلك، فإنهم يكونون قد كسبوا بذلك جميع ما أعطوا، ويسهل تطبيق هذا القول البديع ~~بتفريق ما للسيد والمالك من حقوق على ذات العقار كما يرى فيما بعد. # ومما يمكن حدوثه أيضا بدء الناس بالاتحاد قبل حيازة شيء، وأنهم إذ يستولون، فيما ~~بعد، على أرض كافية للجميع يتمتعون بها مشاعا، أو يقتسمونها فيما بينهم بالتساوي ms026 أو ~~على حسب النسب التي يضعها السيد، ومهما يكن الوجه الذي يتم به هذا الاكتساب فإن ~~حق كل فرد على عقاره الخاص يكون تابعا دائما لحق الجماعة على الجميع، ولولا هذا لم ~~توجد متانة في الرابطة الاجتماعية ولا قوة حقيقية في ممارسة السيادة. # وأختتم هذا الفصل وهذا الباب بملاحظة لا بد من نفعها أساسا لجميع النظام الاجتماعي؛ ~~وذلك أن الميثاق الأساسي، بدلا من نقض المساواة الطبيعية يقيم، على العكس، مساواة ~~معنوية وشرعية مقام ما قدرت الطبيعة أن تضعه من تفاوت طبيعي بين الناس، وأن الناس إذ ~~يمكن أن يتفاوتوا قوة وذكاء فإنهم يتساوون عهدا وحقا. # 1 # | الباب الثاني # الفصل الأول # | امتناع التنزل عن السيادة # إن أولى نتائج المبادئ المقررة آنفا وأهمها هو كون الإرادة العامة وحدها هي التي ~~يمكنها أن توجه قوى الدولة وفق هدف نظامها الذي هو الخير العام، وذلك إذا كان تعارض ~~المصالح الخاصة قد جعل قيام المجتمعات أمرا ضروريا فإن توافق هذه المصالح نفسها هو ~~الذي جعل ذلك ممكنا، وهذا ما هو مشترك في هذه المصالح المختلفة التي تتألف الرابطة ~~الاجتماعية منها، وإذا لم توجد نقطة تتوافق فيها جميع المصالح لم يمكن قيام أي مجتمع ~~كان، والواقع أنه يجب أن يدار المجتمع على أساس هذه المصلحة المشتركة فقط. # وأقول إذن بما أن السيادة ليست غير ممارسة الإرادة العامة فإنه لا يمكن أن ~~يتنزل عنها، وإن السيد الذي ليس غير موجود ألبي لا يمكن أن يمثل بغير نفسه، ~~فالسلطان، لا الإرادة، هو الذي يمكن نقله. # والواقع أنه إذا كان لا يتعذر توافق الإرادة الخاصة والإرادة العامة في نقطة؛ فإن من ~~المستحيل، على الأقل، أن يدوم هذا التوافق ويثبت؛ وذلك لأن الإرادة الخاصة تميل إلى ~~التفضيلات بطبيعتها، وأن الإرادة العامة تميل إلى المساواة، وأكثر من ذلك استحالة، ~~أيضا، وجود ضامن لهذا الاتفاق حتى عند وجوب وجوده، فهذا لا يكون نتيجة الصنعة، بل ~~المصادفة، ويستطيع السيد أن يقول: «أريد فعلا ما يريده الرجل الفلاني، أو أريد على ~~الأقل ما يقول ms027 إنه يريده»، ولكنه لا يستطيع أن يقول: «إن ما يريده هذا الرجل غدا ~~سأريده أيضا»، ما دام من العبث أن ترتبط الإرادة في قيود للمستقبل، وما دامت الإرادة ~~لا تتعلق بشيء مخالف لخير الموجود الذي يريد، ولذا فإن الشعب إذا وعد بالطاعة فقط فإنه ~~يحل نفسه بهذا العهد لفقده صفة الشعب، فإذا وجد مالك عاد لا يوجد سيد ~~حالا، وهنالك تتلاشى الهيئة السياسية. # ولا يعني هذا عدم اعتبار أوامر الرؤساء إرادات عامة ما دام السيد الحر في معارضتها لم ~~يفعل هذا، ففي مثل هذه الحال يجب أن يفترض رضا الشعب من السكوت العام، وسيوضح هذا ~~فيما بعد. # الفصل الثاني # | امتناع انقسام السيادة # يمتنع انقسام السيادة لذات السبب في امتناع التنزل عنها ؛ وذلك لأن الإرادة تكون عامة # 1 # أو لا تكون، وهي إما أن تكون إرادة هيئة الشعب أو قسم منه فقط، وتكون هذه ~~الإرادة، المعلنة في الحال الأولى، عقد السيادة ويصبح لها حكم القانون، وهي في الحال ~~الثانية ليست غير إرادة خاصة أو عقد قضائي، فتعد مرسوما على الأكثر. # ولكن بما أن سياسيينا لم يستطيعوا تقسيم السيادة في مبدئها فإنهم يقسمونها وفق ~~غرضها، أي إنهم يقسمونها إلى قوة وإرادة، وإلى سلطة اشتراعية وسلطة تنفيذية، وإلى حق ~~فرض الضرائب والعدل والحرب، وإلى إدارة داخلية وإمكان معاهدة الأجنبي، وهم يخلطون بين ~~هذه الأقسام حينا، ويفصلون بينها حينا آخر، وهم يجعلون من السيد موجودا خياليا ~~مؤلفا من أجزاء لاصق بعضها ببعض، وهذا كما لو كانوا يركبون الإنسان من أبدان ~~كثيرة، يكون لأحدها عينان وللآخر ذراعان وللثالث رجلان من غير زيادة. ويروى أن ~~مشعبذي اليابان يقطعون الولد أمام الحضور، ثم يقذفون جميع أعضائه في الهواء واحدا بعد ~~الآخر، ثم يسقطون الولد حيا مجتمع الأجزاء! فهذه هي شعوذات سياسيينا تقريبا، فهؤلاء، ~~بعد أن قطعوا الكيان الاجتماعي أجزاء بسحر جدير بالسوق، جمعوا بين هذه الأجزاء بما لا ~~نعرف كيف وقع. # ومصدر هذا الخطأ عدم قيامه على مبادئ محكمة حول السلطة ذات السيادة، وعلى عد ~~ما ليس ms028 غير نفحات أجزاء لهذه السلطة، وهكذا رئي، مثلا، أن شهر الحرب وعقد السلم من ~~أعمال السيادة، والأمر غير هذا ما دام كل واحد من هذه الأعمال ليس قانونا، بل هو تطبيق ~~للقانون فقط، بل هو عمل خاص يعين منحى القانون كما يتضح ذلك عند تحديد الفكرة الملازمة ~~لكلمة «القانون». # وإذا ما أنعمنا النظر على هذا الوجه في التقسيمات الأخرى أبصرنا وجود وهم حينما تبدو ~~السيادة مقسومة، فجميع الحقوق التي عدت جزءا من هذه السيادة تابعة لها في الحقيقة، وهي ~~تفترض دائما وجود إرادات علوية لا توجب هذه الحقوق غير تنفيذها. # ولا يمكن بيان مقدار ما ألقى عدم الضبط ذلك من غموض على أحكام المؤلفين في موضوع ~~الحقوق السياسية عندما أرادوا الفصل في حقوق الملوك والشعوب المتبادلة وفق المبادئ التي ~~وضعوها، وكل يستطيع أن يرى في الفصل # الثالث # و # الرابع # من الباب الأول من غروسيوس كيف أن هذا الرجل العالم ~~ومترجمه باربيراك اشتبكا وارتبكا في سفسطاتهما عن خوف من الإسهاب أو الإيجاز فيما ~~ارتأيا، ومن صدم المصالح التي كان عليهما أن يوفقا بينها، وقد التجأ غروسيوس إلى ~~فرنسة، ساخطا على وطنه، عازما على لزام باب لويس الثالث عشر، فأهدى إلى هذا الملك ~~كتابه، ولم يدخر وسعا في تجريد الشعوب من جميع حقوقها، وفي انتحال هذه الحقوق ~~للملوك بجميع ما يمكن من الحيل، وما كان هذا ليصدر عن ذوق باربيراك الذي أهدى ترجمته ~~إلى ملك إنكلترة جورج الأول، ولكن من سوء الحظ أن أكرهه طرد جيمس الثاني، الذي دعاه ~~تنزلا على التزام كل حذر في الاعوجاج والمواربة؛ لكيلا يجعل من وليم غاصبا، ولو اتخذ ~~ما صح من المبادئ لأزيلت جميع المصاعب ولكانا مجديين دائما، ولكنهما كانا يقولان ~~الحقيقة هزيلة، ولم يكن عليهما أن يداريا غير الشعب ... والواقع أن الحقيقة لا تؤدي إلى ~~الجاه، والشعب لا ينعم بسفارات ولا بكراس وجعالات. # الفصل الثالث # | أيمكن أن تضل الإرادة العامة؟ # يستنتج مما تقدم كون الإرادة العامة صائبة دائما، وأنها تهدف إلى النفع العام ~~دائما، ولكنه ms029 لا يستنتج من ذلك اتصاف شورى الشعب بمثل تلك الإصابة دائما، ونريد ~~ما فيه خيرنا دائما، ولكنا لا نبصر ذلك دائما، ولا يرشى الشعب مطلقا، غير أنه يخدع ~~غالبا، وهنالك، فقط، يلوح أنه يريد ما يكون سيئا، ويوجد، في الغالب، فرق كبير بين ~~إرادة الجميع والإرادة العامة، فالإرادة العامة لا تبالي بغير المصلحة المشتركة، وتبالي ~~الإرادة الأخرى بالمصلحة الخاصة، وهي ليست غير حاصل العزائم الخاصة، ولكن انزعوا من هذه ~~العزائم نفسها أكثر وأقل ما يتهادم # 1 # تبصروا بقاء الإرادة العامة حاصل الاختلافات. # وإذا ما تشاور الشعب الخبير بما فيه الكفاية، ولم يكن بين المواطنين أي اتصال، فإن ~~العدد الكبير والاختلافات الصغيرة يسفران عن الإرادة العامة دائما، ويكون القرار ~~صالحا دائما، ولكن العصبات إذا ما قامت وتألفت جمعيات جريئة على حساب الجمعية الكبرى ~~فإن كل واحدة من هذه الجمعيات تصبح عامة بالنسبة إلى أعضائها، وذلك على حين تبقى خاصة ~~بالنسبة إلى الدولة، وهنالك يمكن أن يقال إنه عاد لا يكون مصوتين بمقدار الناس، وإنما ~~يقال، فقط، وجود كذا جمعيات، وتصير الاختلافات أقل عددا وتعطي نتيجة أقل عمومية، ثم ~~إذا كانت إحدى هذه الجمعيات من العظم ما تغلب معه جميع الأخرى عاد حاصل الفروق ~~الصغيرة لا يكون عندكم نتيجة، بل صار عندكم اختلاف وحيد، وهنالك لا تبقى إرادة عامة، ~~ولا يكون الرأي الغالب غير رأي خاص. # ومن المهم، إذن، ألا تكون في الدولة جمعية جزئية عند قدرة الإرادة العامة على التعبير ~~عن نفسها، وأن يعطي كل مواطن رأيه كما يرى، # 2 # وهذا هو النظام الوحيد الرفيع الذي وضعه ليكورغ، ولكنه إذا وجدت ~~جمعيات جزئية وجب تكثير عددها وأن يحال دون تفاوتها كما صنع سولون ونوما وسرفوس، ~~فهذه الاحتياطات هي التي تصلح وحدها لجعل الإرادة العامة منورة دائما، ولعدم ضلال ~~الشعب مطلقا. # الفصل الرابع # | حدود السلطة ذات السيادة # إذا كانت الدولة أو المدينة لا تعد غير شخص معنوي تقوم حياته على اتحاد أعضائه، ~~وإذا كانت سلامتها الخاصة أهم ما تعنى به، وجب أن ms030 تكون لها قوة عامة قاهرة لتحريك ~~وإعداد كل قسم على أكثر الوجوه ملاءمة للجميع، وكما أن الطبيعة تمنح كل إنسان سلطة ~~مطلقة على جميع أعضائه، يمنح الميثاق الاجتماعي الهيئة السياسية سلطانا مطلقا على ~~جميع أعضائها أيضا، وهذه السلطة نفسها، وهي التي توجهها الإرادة العامة، تحمل اسم ~~السيادة كما قلت. # ولكننا إذا عدونا الشخص العام، وجب علينا أن ننظر إلى الأشخاص الخاصين الذين يتألف ~~منهم والذين يستقلون عنه حياة وحرية بحكم الطبيعة، وعلينا، إذن، أن نميز جيدا حقوق ~~المواطنين والسيد # 1 # المتقابلة، وأن نميز الواجبات التي يجب على المواطنين أن يقوموا بها ~~كرعايا، من الحقوق الطبيعية التي يجب أن يتمتعوا بها كأناس. # ويسلم بأن كل واحد يتنزل بالميثاق الاجتماعي عن قسم من سلطانه وأمواله وحريته، ~~وذلك بالمقدار الذي يهم الجماعة استعماله، ولكنه يجب أن يسلم أيضا، بأن السيد وحده هو ~~الحاكم في هذه الأهمية. # وكل خدمة يقدمها المواطن إلى الدولة يجب أن يقدمها فور مطالبة السيد إياه بها، غير أن ~~السيد، من ناحيته، لا يمكن أن يثقل الرعايا بأي قيد غير نافع للجماعة، حتى إنه لا ~~يستطيع أن يريد ذلك؛ وذلك لأن من مقتضيات ناموس العقل، وناموس الطبيعة أيضا، ألا يحدث ~~شيء بلا سبب. # وليست التعهدات التي تربطنا بالهيئة الاجتماعية إلزامية إلا لأنها متقابلة، ومن ~~طبيعتها أنها إذا ما أنجزت لم يمكن أن يعمل الإنسان في سبيل الآخرين من غير أن يعمل في ~~سبيل نفسه، ولم تكون الإرادة العامة صائبة دائما؟ ولم يريد الجميع سعادة كل واحد ~~منهم دائما، إذا لم يعن الشخص نفسه بكلمة «كل واحد» ولا يفكر في نفسه عند التصويت ~~من أجل الجميع؟ هذا يثبت كون المساواة في الحقوق، وكون فكرة العدل التي تنشأ عن هذه ~~المساواة، يشتق من إيثار كل واحد نفسه، ومن طبيعة الإنسان نتيجة، وهذا يثبت وجوب كون ~~الإرادة العامة عامة في أغراضها وجوهرها؛ لتكون هكذا في الحقيقة، ووجوب صدورها عن ~~الجميع لتطبق على الجميع، وكونها تفقد سدادها الطبيعي عندما تهدف إلى غرض شخصي ~~معين؛ ms031 وذلك لأننا إذ نحكم فيما هو غريب عنا هنالك لم يكن لدينا أي مبدأ صحيح في ~~الإنصاف يرشدنا. # والواقع أن الأمر يصبح موضع جدل عندما تثار مسألة خاصة أو حق خاص حول نقطة لم تنظم ~~بعهد عام سابق. أجل، إن هذه قضية يكون الأشخاص ذوو العلاقة طرفا فيها، ويكون الجمهور ~~الطرف الآخر فيها، غير أنني لا أرى أن القانون هو الذي يجب أن يتبع فيها، ولا ~~القاضي هو الذي يجب أن يحكم فيها، ومن المضحك أن يراد الاستناد هنالك إلى قرار صريح ~~للإرادة العامة قد لا يكون غير استنتاج أحد الطرفين، فلا يعده الطرف الآخر غير إرادة ~~غريبة خاصة مالت في هذه الحال إلى الجور وكانت عرضة للخطأ، وهكذا، كما أن الإرادة ~~الخاصة لا تستطيع أن تمثل الإرادة العامة تغير الإرادة العامة طبيعتها بدورها عندما ~~يكون موضوعها خاصا ولا تستطيع، كإرادة عامة، أن تقضي في أمر رجل ولا واقعة، ولما كان ~~شعب أثينة، مثلا، ينصب رؤساءه أو يعزلهم، وكان يكرم أحدهم ويعاقب آخر منهم، وكان يمارس ~~جميع أعمال الحكومة على السواء ووفق كثير من المراسيم الخاصة، عاد هذا الشعب هنالك لا ~~يكون ذا إرادة عامة بحصر المعنى، وعاد لا يسير مثل سيد، بل مثل حاكم، ويلوح هذا مخالفا ~~للآراء العامة، ولكن يجب أن يترك لي من الوقت ما أعرض فيه آرائي. # يجب أن يرى مما تقدم أن الذي يجعل الإرادة عامة هو المصلحة المشتركة التي تؤلف بين ~~المصوتين أكثر من أن يكونه عددهم؛ وذلك لأن كل واحد في هذا النظام يخضع، بحكم ~~الضرورة، للأحوال التي يفرضها على الآخرين، وهذا الاتفاق العجيب بين المصلحة والعدالة ~~هو الذي يمنح المشورات المشتركة صبغة إنصاف يبصر زوالها في المناقشة حول كل أمر ~~خاص، وذلك عند عدم وجود مصلحة مشتركة توحد، وتوفق، بين قاعدة القاضي وقاعدة ~~الخصم. # ومهما تكن الجهة التي يقترب منها إلى المبدأ فإنه يوصل إلى ذات النتيجة دائما، وذلك ~~أن الميثاق الاجتماعي يجعل بين المواطنين من المساواة ما يلزمون أنفسهم معه بذات ms032 ~~الشروط وما يجب أن يتمتعوا معه بذات الحقوق، وهكذا فإن كل عقد سيادة، أي كل عقد ~~صحيح للإرادة العامة، يلزم أو يساعد، على السواء، وعن طبيعة الميثاق، جميع ~~المواطنين، فلا يعرف السيد بذلك غير هيئة الأمة، ولا يفرق بين من تتألف منهم، وما يكون ~~عقد السيادة بحصر المعنى إذن؟ ليس هذا عهدا بين الأعلى والأدنى، بل عهد هيئة بين كل ~~واحد من أعضائها، وهو عهد شرعي؛ لأنه قائم على العقد الاجتماعي، وهو عادل؛ لأنه مشترك ~~بين الجميع، وهو نافع؛ لأنه لا غرض له غير الخير العام، وهو مكين؛ لأن له ضمانا بالقوة ~~العامة والسلطة العليا، ولا يخضع الرعايا لغير إرادتهم الخاصة ما داموا غير خاضعين لسوى ~~تلك العهود، والسؤال عن مدى حقوق السيد والمواطنين المتبادلة هو سؤال عن المدى الذي ~~يمكن المواطنين ضمنه أن يلزم بعضهم بعضا، وعن المدى الذي يمكن كل واحد أن يلزم ~~نفسه نحو الجميع، وعن المدى الذي يمكن الجميع أن يلزموا أنفسهم نحوه. # ومن ثم يرى أن السلطة السيدة، المطلقة، المقدسة، المبرمة كما هي، لا تجاوز ولا يمكن ~~أن تجاوز، حدود العهود العامة، وأن كل إنسان يستطيع أن يتصرف تصرفا تاما فيما ترك ~~له من أمواله وحريته بهذه العهود، فلا يحق للسيد، مطلقا، أن يحمل أحد الرعايا ~~أكثر مما يحمل الآخر؛ وذلك لأن الأمر يصير خاصا هنالك فيعود سلطانه غير ذي ~~اختصاص. # وعندما سلم بتلك الفوارق مرة رئي من غير الصواب كثيرا وجود أي تنزل حقيقي من ~~قبل الأفراد في العقد الاجتماعي، وذلك عن كون الوضع الذي صاروا إليه نتيجة العقد أفضل، ~~في الحقيقة، من الذي قبل ذلك، وذلك أنهم قاموا بمبادلة رابحة بدلا من المبايعة، وأنهم ~~نالوا طراز حياة أكثر صلاحا وأعظم قرارا بدلا من طراز حياة متقلب غير ثابت، وأنهم ~~فازوا بحرية بدلا من استقلال طبيعي، وأنهم ظفروا بحق يجعله الاتحاد الاجتماعي منيعا ~~بدلا من قوتهم التي يمكن الآخرين أن يتغلبوا عليها، وتحمي الدولة، باستمرار حياتهم ~~التي وقفوها عليها. فإذا ما خاطروا بها دفاعا ms033 عن الدولة، فما يصنعون أكثر من ردهم ~~إليها ما كانوا قد أخذوه منها؟ وما يفعلون أكثر ما يفعلون، غالبا، مع مجازفة أعظم شدة، ~~في الحال الطبيعية، التي يخوضون فيها معارك لا مفر منها معرضين حياتهم للهلاك دفاعا عن ~~وسائل حفظها؟ إن على الجميع أن يحارب في سبيل الوطن عند الضرورة لا ريب، ولكن ليس لأحد ~~أن يقاتل في سبيل نفسه إذ ذاك، أو لا نكسب شيئا باقتحامنا، في سبيل ما يمنحنا سلامتنا، ~~بعض المخاطر التي يجب أن نسعى إليها في سبيل أنفسنا عند فقد هذه السلامة؟ # الفصل الخامس # | حق الحياة والموت # يسأل: كيف أن الأفراد الذين ليس لهم حق التصرف في حياتهم الخاصة يمكنهم أن ينقلوا ~~إلى السيد هذا الحق الذي لا يملكونه؟ # لا تبدو هذه المسألة صعبة الحل إلا لسوء وضعها، ولكل إنسان حق المخاطرة بحياته ~~الخاصة حفظا لها. وهل قيل، قط، كون الذي يقذف نفسه من نافذة؛ فرارا من حريق، مقترفا ~~ذنب الانتحار؟! وهل عزي ذلك الجرم، أيضا، إلى من يهلك في عاصفة؛ لأنه كان يجهل ~~خطرها؟! # غاية المعاهدة الاجتماعية هي سلامة الطرفين المتعاقدين، ومن يرد الغاية يرد الوسائط ~~أيضا، وهذه الوسائط ملازمة لبعض المخاطر، ولبعض المهالك كذلك، وعلى من يريد حفظ حياته ~~على حساب الآخرين أن يهبها، أيضا، في سبيلهم عند الضرورة، والواقع أن المواطن يعود غير ~~قاض في الخطر الذي يود القانون أن يعرض نفسه له، فمتى قال الأمير له: «يلائم ~~الدولة أن تموت» وجب عليه أن يموت؛ وذلك لأنه لم يعش في مأمن حتى ذلك الحين إلا وفق ~~هذا الشرط، ولأن حياته عادت لا تكون نعمة من الطبيعة، بل هبة من الدولة مقيدة ~~بشرط. # ويمكن أن ينظر إلى عقوبة الإعدام التي تفرض على المجرمين من هذه الوجهة أيضا ~~تقريبا؛ وذلك أننا، لكيلا نكون ضحية قاتل، نوافق على إعدامنا إذا ما صرنا قاتلين، وفي ~~هذه المعاهدة، إذ يبعد الإنسان من التصرف في حياته الخاصة، لا يفكر في غير ضمانها، ولا ~~ينبغي أن يفترض كون أحد من ms034 المتعاقدين قد أبصر في ذلك الحين أنه سيشنق. # ثم إن كل شرير، إذا ما هاجم الحقوق الاجتماعية، يصبح بجرائمه عاصيا خائنا للوطن، ~~ويعود غير عضو فيه بانتهاكه حرمة قوانينه، ويعد حتى شاهرا الحرب عليه، وهنالك تصير ~~سلامة الدولة مناقضة لسلامته، فيجب أن يهلك أحدهما، فإذا أعدم المجرم وقع هذا على أنه ~~عدو أكثر منه مواطنا، وتعد المحاكمات والحكم بينات على نقضه المعاهدة الاجتماعية وعلى ~~كونه عاد لا يكون عضوا في الدولة من حيث النتيجة، كما تعد تصريحا بذلك، وهو إذ يعرف ~~هكذا، كما هو الواقع، ولو من حيث إقامته على الأقل، وجب أن يقطع منه بالنفي كناقض ~~للميثاق، أو بالقتل كعدو عام؛ وذلك لأن عدوا كهذا ليس شخصا معنويا، بل إنسان، وفي ~~مثل هذه الحال يكون حق الحرب في قتل المغلوب. # ولكنه يقال: إن الحكم على المجرم عمل خاص. أوافق على هذا، غير أن حكما كهذا ليس من ~~وظائف السيد، بل هو حق يمكنه أن يوليه من غير أن يمارسه بنفسه، وتتوافق جميع ~~آرائي، ولكن مع عدم استطاعتي عرضها دفعة واحدة. # ثم إن كثرة العقوبات دليل على ضعف الحكومة أو كسلها، فلا يوجد رذيل لا يمكن جعله ~~صالحا لشيء ما، فلا يحق إعدام غير من لا يمكن حفظه بلا خطر، ولو كان ذلك الإعدام ~~للعبرة. # وأما حق العفو أو إعفاء المجرم من العقوبة التي فرضها القانون ونطق بها القاضي فإنه ~~لا يخص غير من هو فوق القاضي والقانون، أي السيد، حتى إن حقه في هذا الأمر غير واضح ~~تماما والأحوال التي يستعمله فيها نادرة جدا، والعقوبات قليلة في الدولة الحسنة ~~الإدارة، لا عن كثرة العفو، بل عن قلة المجرمين، فكثرة الجرائم تضمن عدم العقاب عند ~~انحطاط الدولة، ولم يحاول السنات، ولا القناصل، العفو في الجمهورية الرومانية، حتى ~~إن الشعب كان لا يفعل هذا، وإن كان ينقض حكمه الخاص أحيانا، وكثرة العفو تشعر بأن ~~الجرائم لم تلبث أن تغدو غير محتاجة إليه، ويبصر كل واحد مرد هذا، بيد أنني أحس ~~احتجاج ms035 قلبي، وأحبس قلمي، فلندع مناقشة هذه المسائل للرجل العادل الذي لم يذنب ولم ~~يحتج إلى العفو عن نفسه قط. # الفصل السادس # | القانون # بالميثاق الاجتماعي منحنا الوجود والحياة للهيئة السياسية، والآن يجب علينا أن ~~نمنحها الحركة والإرادة بالاشتراع؛ وذلك لأن العقد الابتدائي الذي تألفت به هذه الهيئة ~~والتحمت لم يعين، بعد، شيئا مما يجب أن يصنعه للبقاء. # وما هو حسن ملائم للنظام هو هكذا بطبيعة الأمور مستقلا عن العهود البشرية، وكل عدل ~~يأتي من الله، والله وحده هو مصدره، ولكننا لو كنا نعرف أن نتلقاه من هذا المقام ~~الأعلى لم نحتج إلى حكومة، ولا إلى قوانين، ولا ريب في وجود عدل عام صادر عن العقل ~~وحده، غير أنه يجب أن يكون هذا العدل متبادلا؛ ليكون مقبولا بيننا، وإذا نظر إلى ~~الأمور من الناحية الإنسانية وجدت قوانين العدل غير مؤثرة بين الناس من عدم وجود مؤيد ~~طبيعي، فهي تجعل من الخبيث خيرا ومن العادل سوءا، وذلك إذا ما راعاها هذا الأخير تجاه ~~جميع العالم من غير أن يراعيها أحد تجاهه، فيجب، إذن، وجود عهود وقوانين لتوحيد ما ~~بين الحقوق والواجبات ورد العدل إلى غايته، ولا أكون في الحال الطبيعية حيث كل شيء ~~شائع، مدينا بشيء لمن لم أعدهم بشيء ولا أعترف بشيء لآخر غير ما لا يكون نافعا لي، ~~ولا يكون الأمر هكذا في الحال المدنية حيث تعين جميع الحقوق بالقانون. # ولكن ما القانون في آخر الأمر إذن؟ نداوم على البرهنة من غير أن نصل إلى اتفاق ما ~~اكتفينا بربط أفكار لاهوتية بهذه الكلمة، ونحن إذا ما عرفنا قانونا للطبيعة لم نقترب ~~من تعريف قانون للدولة. # كنت قد قلت إنه لا يوجد إرادة عامة حول غرض خاص، والحق أن هذا الغرض الخاص إما أن ~~يكون داخل الدولة أو خارجها، فإذا كان خارج الدولة لم تكن الإرادة الغريبة عنه عامة قط ~~بالنسبة إليه، وإذا كان هذا الغرض داخل الدولة عد جزءا منها، وهنالك تقوم بين الكل ~~وجزئه علاقة تجعلهما موجودين منفصلين، فيكون الجزء ms036 أحدهما ويكون الكل هو الآخر مع طرح ~~هذا الجزء منه، بيد أن الكل مع طرح جزء ليس الكل مطلقا، وما دامت هذه العلاقة موجودة ~~يعود الكل غير موجود، بل يوجد جزءان متفاوتان، ومن ثم تعود إرادة أحدهما غير عامة ~~بالنسبة إلى الآخر. # ولكن جميع الشعب إذا ما سن في سبيل جميع الشعب لم ينظر إلى غير نفسه، فإذا ما تكونت ~~علاقة حينئذ كان هذا بين وجهتين للغرض كاملا، وذلك من غير تقسيم للكل، وهنالك تكون ~~المسألة التي يسن حولها عامة كالإرادة التي تسن، وهذا العقد هو ما أسميه ~~قانونا. # وعندما قلت إن غرض القوانين عام دائما أردت بذلك كون القانون يعد الرعية ~~جملة والقضايا مجردة، فلا يكون الإنسان فردا ولا تكون القضية خاصة، وهكذا يمكن ~~القانون أن يقول في الحقيقة بوجود امتيازات، ولكنه لا يستطيع أن ينعم بها على شخص ~~باسمه؛ ويمكن القانون أن يقول بعدة طبقات من المواطنين وأن ينص حتى على صفات ~~الانتساب إلى هذه الطبقات، ولكنه لا يستطيع أن يعين هؤلاء أو أولئك الأشخاص لينتسبوا ~~إليها، ويمكن القانون أن يقول بالحكومة الملكية والخلافة الوراثية، ولكنه لا يستطيع ~~انتخاب ملك ولا تعيين أسرة مالكة، والخلاصة أن كل وظيفة ذات غرض خاص هي غير خاصة ~~بالسلطة الاشتراعية مطلقا. # وإننا بعد النظر إلى ذلك نرى من فورنا أنه عاد لا ينبغي أن يسأل عمن يحق له وضع ~~القوانين ما دامت من عمل الإرادة العامة، ولا عن كون الأمير فوق القوانين ما دام عضوا ~~للدولة، ولا عن كون القانون غير عادل ما دام الإنسان لا يجور على نفسه، ولا عن كيفية ~~كون الإنسان حرا وخاضعا للقوانين معا ما دامت القوانين سجلات لعزائمنا ~~فقط. # وإذ يجمع القانون بين عمومية الإرادة وعمومية الغرض، كما يرى أيضا، فإن الرجل، مهما ~~كان شأنه، لا يعد ما يؤمر به قانونا مطلقا، وكذلك لا يعد قانونا ما يأمر به ~~السيد حول موضوع خاص، بل مرسوم. ولا يعد عمل سيادة، بل عمل حاكمية. # وأسمي جمهورية، إذن، كل دولة ms037 تدار بقوانين مهما كان شكل هذه الإدارة؛ وذلك لأن ~~المصلحة العامة هي التي تسود هنالك، وهنالك فقط. ويكون الأمر العام حقيقة، وكل حكومة ~~شرعية جمهورية، # 1 # وسأفصل ما الحكومة فيما بعد. # وليست القوانين، بحصر المعنى، غير شروط شركة مدنية، ويجب أن يكون الشعب الخاضع ~~للقوانين واضعا لها، ولا يقع تنظيم شروط الشركة على غير الشركاء، ولكنهم كيف ينظمونها؟ ~~أيكون هذا باتفاق عام أم بتلقين مفاجئ؟ وهل للهيئة السياسية جهاز تعبر به عن إرادتها؟ ~~ومن ذا الذي يمنحها البصيرة الضرورية لوضع أفعالها ونشرها مقدما؟ أو كيف تنطق بها حين ~~الحاجة؟ وكيف يمكن جمهورا أعمى لا يعرف، في الغالب، ما يريد؛ لأن من النادر أن يعرف ما ~~هو صالح له، كيف يمكن هذا الجمهور أن ينفذ من تلقاء نفسه مشروعا بالغ العظم بالغ ~~الصعوبة كالنظام الاشتراعي؟ أجل، إن الشعب يريد الخير دائما، ولكنه لا يراه من تلقاء ~~نفسه دائما. أجل، إن الإرادة العامة مستقيمة دائما، ولكن قوة التمييز التي ترشده ~~لا تكون منورة دائما، ويجب أن تبدى له الأغراض كما هي، وكما يجب أن تبدو له ~~أحيانا، فيدل على الطريق الصالح الذي يبحث عنه، ويصان من إغواء الإرادات الخاصة، ~~وتقرب الأمكنة والأزمنة إلى عيونه، ويعلم كيف يوازن بين جواذب المنافع الحالية ~~الحساسة تجاه الشرور البعيدة الخفية، ويرى الأفراد ما يطرحون من خير، ويريد الجمهور ما ~~لا يرى من خير، والجميع يحتاجون إلى أدلاء على السواء، ويجب أن يلزم أولئك بجعل ~~عزائمهم ملائمة لعقلهم، وأن يعلم ذاك معرفة ما يريد، وهنالك ينشأ عن البصائر العامة ~~اتحاد الإدراك والإرادة في الهيئة الاجتماعية، ومن ثم يكون اتفاق الأجزاء التام ~~ويرفع المجموع إلى أعظم قوته، وهذا يجعل المشترع ضروريا. # الفصل السابع # | المشترع # يجب، لاكتشاف أحسن قواعد المجتمع الملائمة للأمم، وجود ذكاء عال يرى جميع أهواء ~~الناس من غير أن يبتلي واحدا منها، وألا يكون لهذا الذكاء أية صلة بطبيعتنا مع معرفة ~~أساسية لهذه الطبيعة، وأن تكون سعادته مستقلة عن سعادتنا مع إرادة في العناية بسعادتنا، ~~ثم ms038 أن يتطلع مع الزمن إلى مجد بعيد فيجد في قرن ليستطيع التمتع في القرن التالي، # 1 # فكان لا بد من آلهة لمنح الناس قوانين. # وما أتاه كليغولا من برهنة حول الوقائع أتاه أفلاطون حول الحقوق لتعريف الإنسان ~~المدني أو الملكي الذي يبحث عنه في كتابه «الحكم»، ولكن إذا كان من الصحيح كون الأمير ~~العظيم رجلا نادرا فما أشد ندرة المشترع العظيم! ليس على الأول غير اتباع النموذج ~~الذي يجب على الآخر أن يقدمه، وهذا هو الميكاني الذي يخترع الآلة، وذلك ليس غير العامل ~~الذي يعدها ويسيرها. ويقول مونتسكيو: «إن رؤساء الجمهورية هم الذين يضعون النظام حين ~~قيام المجتمعات، ثم يكون النظام رؤساء الجمهوريات.» # 2 # ويجب على من يكون من الجرأة ما يحاول معه وضع نظم لشعب أن يشعر بقدرته على تغيير ~~الطبيعة البشرية، ومن ثم على تحويل كل فرد، هو في نفسه كل كامل منفرد، إلى جزء من ~~كل أعظم منه، فينال مع هذا الكل حياته ووجوده من بعض الوجوه، وعلى تبديل كيان ~~الإنسان تقوية له، وعلى إقامة كيان جزئي معنوي مقام كيان طبيعي مستقل منحتنا الطبيعة ~~إياه جميعا، والخلاصة أنه يجب أن ينزع من الإنسان قواه الخاصة؛ ليعطيه من القوى ما ~~يكون غريبا عنه، وما لا يستطيع أن يستعمله من غير مساعدة الآخرين، وكلما بادت هذه ~~القوى الطبيعية وتلاشت عظمت القوى المكتسبة ودامت، وأصبح النظام متينا كاملا، ~~وذلك أن الموطن إذا لم يكن شيئا، ولم يستطع شيئا، من غير الآخرين، وكانت القوة ~~المكتسبة من قبل الجميع مساوية لحاصل قوى جميع الأفراد الطبيعية أو أعلى منها، أمكن أن ~~يقال: إن الاشتراع في أعلى نقطة من الكمال يمكنه أن يصل إليها. # والمشترع رجل عجيب في الدولة من كل ناحية، وهو إذا وجب أن يكون هكذا بعبقريته ليس أقل ~~من ذلك بوظيفته التي ليست قضاء ولا سيادة مطلقا، وهذه الوظيفة التي تتألف الجمهورية ~~منها لا تدخل ضمن نظامها مطلقا، وإنما هي وظيفة فردية عالية لا اشتراك بينها وبين ~~السلطان البشري مطلقا؛ وذلك ms039 لأنه لا ينبغي لمن يسيطر على الناس أن يسيطر على القوانين، ~~ولأنه لا ينبغي لمن يسيطر على القوانين أن يسيطر على الناس أيضا، وإلا كانت قوانينه ~~خدمة أهوائه فلم تؤد، في الغالب، إلى غير دوام مظالمه، وما كان ليستطيع أن يتجنب، ~~مطلقا، إفساد غاياته الخاصة قدسية عمله. # ولما منح ليكورغ وطنه قوانين بدأ باعتزال العرش، وكان من عادة معظم المدن الإغريقية ~~أن يعهد إلى غرباء في وضع قوانينها، وقد سارت جمهوريات إيطالية الحديثة على هذا ~~الغرار في الغالب، وقد صنعت جنيف مثل هذا وانتفعت بما صنعت، # 3 # وقد أبصرت رومة في أزهى عصورها انبعاث جميع جرائم الطغيان في صميمها وكادت ~~تبيد؛ وذلك لجمعها السلطة الاشتراعية والسلطة ذات السيادة في رءوس واحدة. # ومع ذلك فإن الحكام العشرة أنفسهم لم يدعوا ، قط، حق وضع أي قانون استنادا ~~إلى سلطانهم فقط، وقد كانوا يقولون للشعب: «لا شيء مما نقترحه عليكم يمكن أن يتحول إلى ~~قانون من غير موافقتكم. فيا أيها الرومان، كونوا بأنفسكم واضعي القوانين التي يجب أن ~~تؤدي إلى سعادتكم.» # إذن، لا يوجد، أو يجب ألا يكون، أي حق اشتراعي لمن يدون القوانين، ولا يستطيع الشعب، ~~ولو أراد، أن يجرد نفسه من هذا الحق الذي لا ينقل؛ وذلك لأنه لا يوجد، وفق ~~الميثاق الأساسي، غير الإرادة العامة ما يلزم الأفراد، ولا يمكن أن يوجد ضمان تكون به ~~الإرادة الخاصة ملائمة للإرادة العامة إلا بعد إخضاعها لأصوات الشعب الحرة. أجل، كنت قد ~~قلت هذا، ولكن ليس من غير المفيد تكراره. # وهكذا يوجد في عمل الاشتراع، معا، أمران يلوح أنهما متناقضان، وهما: مشروع فوق ~~الطاقة البشرية، وسلطة لتنفيذه ليست شيئا. # وتوجد مشكلة تستحق الانتباه؛ وهي أن الحكماء، إذا ما أرادوا أن يخاطبوا بلسانهم فريق ~~العوام بدلا من لسان هؤلاء، لم يستطيعوا أن يسمعوا على ما يحتمل، والواقع أنه يوجد ~~ألف نوع من الأفكار يتعذر ترجمتها إلى لغة الشعب، وكذلك المقاصد البالغة العموم، ~~البعيدة الغور تكون خارجة عن إدراكه، وبما أن كل فرد لا يستحسن ms040 خطة للحكومة غير ~~التي تلائم مصلحته الخاصة فإنه يجد من العسير عليه أن يحقق الفوائد التي يرجو ~~نزعها من الزهد الدائم الذي تفرضه القوانين الصالحة، ويجب، لكي يستطيع الشعب الناشئ ~~أن يتذوق مبادئ السياسة الصحيحة، ويتبع القواعد الأساسية لداعي الدولة؛ أن يصبح المعلول ~~علة، وأن تكون الروح الاجتماعية، التي يجب أن تصدر عن هذا النظام، على رأس هذا النظام، ~~وأن يكون الناس قبل القوانين ما يجب أن يكونوه بهذه القوانين، وهكذا، إذ كان لا ~~ينبغي للمشترع أن يستعمل القوة، ولا الدليل، فإن من الضروري أن يلجأ إلى سلطان من صنف ~~آخر قادر على الجذب بلا عنف وعلى الإقناع بلا قطع. # وهذا ما حمل آباء الأمم، في جميع الأزمنة، على استشفاع السماء وتمجيد الآلهة بحكمتهم ~~الخاصة، وذلك لكي تطيع الشعوب الخاضعة لقوانين الدولة خضوعها لقوانين الطبيعة، والمقرة ~~بذات القوة في تكوين الإنسان وتكوين المدينة، بحرية وتحمل نير السعادة العامة ~~بدعة. # وإن هذا العقل الأسمى الذي يعلو مدارك العوام هو العقل الذي يضع المشترع به أحكامه ~~في فم الخالدين؛ ليسوقوا بالسلطان الإلهي من لم تقدر البصيرة البشرية أن تحركهم، # 4 # ولكن لا يستطيع كل واحد أن يجعل الآلهة يتكلمون، أو أن يؤمن به عندما ~~يجهر بأنه ترجمان لهم، وتكون روح المشترع العظيمة هي المعجزة الحقيقية التي تثبت ~~رسالته، ويمكن كل إنسان أن ينقش موائد من حجر، أو أن يشتري هاتفا للغيب، أو أن يتظاهر ~~بأنه يعاشر إحدى الإلهات سرا، أو أن يروض طائرا ليكلمه في أذنه، أو أن يجد وسائل ~~غليظة أخرى للتمويه على الشعب، حتى إنه يمكن من لم يعرف غير هذا أن يجمع، مصادفة، كتيبة ~~من الحمق، ولكنه لن يؤسس دولة مطلقا، ولا يلبث عمله الأخرق أن يزول معه، ويؤلف ~~النفوذ الفارغ صلة عابرة، ولا تجد غير الحكمة ما يجعله باقيا، ولا تزال الشريعة ~~اليهودية القائمة دائما، وشريعة ابن إسماعيل التي تسيطر على نصف العالم منذ عشرة قرون، ~~تنبئان بالعظيمين اللذين أملياهما، ومع أن الفلسفة المنتفخة، أو روح التعصب العمياء، ms041 لا ~~ترى فيهما غير مخادعين مبخوتين فإن السياسة الصحيحة تبصر في نظمها تلك العبقرية العظيمة ~~القوية التي تهيمن على المؤسسات الخالدة. # ولا ينبغي لنا أن نستنتج مع واربرتن، مما تقدم، وجود غرض مشترك للسياسة والدين ~~بيننا، غير أن أحد هذين الأمرين كان يصلح أداة للآخر في الأدوار الأولى للأمم. # الفصل الثامن # | الشعب # كما أن المهندس يعاين الأرض ويستبرها قبل إقامة بناء عظيم عليها، وذلك ليرى هل تستطيع ~~حمل الثقل، لا يأخذ المشترع الحكيم في وضع قوانين صالحة بنفسها، وإنما يبحث ~~مقدما في كون الشعب الذي يعدها له قادرا على احتمالها أو لا، ولذا رفض أفلاطون ~~أن يمنح الأركاديين والسيرنائيين قوانين عالما أن هذين الشعبين كانا غينيين ~~فلا يطيقان المساواة، ولذا وجد في أقريطش قوانين صالحة ورجال أردياء عن كون ~~مينوس لم يدرب غير شعب مثقل بالعيوب. # وظهر في العالم ألف أمة أخذت بأسباب العظمة من غير احتمال لقوانين صالحة، حتى إن ~~التي استطاعت احتماله منها لم تستطع الصبر عليه إلا لوقت قصير من تاريخها الطويل، ومعظم ~~الشعوب، ككثير من الناس، لا يكون مطواعا في غير شبابه، فهو إذا شاب تعذر إصلاحه، ~~والعادات إذا ما استقرت والأوهام إذا ما تأصلت حينا كان من الأمور الخطرة الفارغة أن ~~يراد إصلاحها، حتى إن الشعب لا يطيق مس أمراضه لمعالجتها، وهو في هذا كأولئك المرضى ~~الهوج الجبناء الذين يرتعشون عند منظر الطبيب. # وكما أنه يوجد أمراض تقلب رءوس الناس فينسون الماضي، يوجد في تاريخ الدول، أحيانا، ~~أدوار عنيفة يكون للثورات فيها من العمل في الشعوب ما تعمله بعض الأزمات في الأفراد ~~فتقوم كراهية الماضي مقام النسيان، وتبعث الدولة التي أحرقتها الحروب الأهلية من ~~رمادها وتسترد قوة شباب بإفلاتها من فكي الموت، شأن إسبارطة في زمن ليكيورغ، ورومة ~~بعد آل تاركن، وشأن هولندة وسويسرة بعد طرد الطغاة في الزمن الحديث. # بيد أن هذه الحوادث نادرة، وهي استثناءات تجد سببها دائما في النظام الخاص للدولة ~~المستثناة، ولا يمكن هذه الاستثناءات أن تتفق لذات الشعب مرتين، وذلك ms042 لإمكان جعل نفسه ~~حرا ما بقي متوحشا، ولكنه يغدو غير قادر على ذلك عند بلى النابض المدني، وهنالك يمكن ~~الفتن أن تبيده من غير أن تستطيع الثورات أن تجدده، وهو إذا ما كسرت قيوده لم يلبث ~~أن يتفرق ويصبح غير موجود، وهو يحتاج إلى سيد فيما بعد، لا إلى منقذ، فيا أيتها الشعوب ~~الحرة، اذكري هذا القول الجامع وهو: «يمكن اكتساب الحرية، ولكنها لا تسترد ~~مطلقا.» # وليس الشباب طفولة، ويأتي على الأمم، كما على الناس، دور شباب، وإن شئت فقل دور رشد ~~لا بد من انتظاره قبل إخضاعها للقوانين، غير أنه لا يسهل أن يعرف دائما، وهو إذا ما ~~سبق أخفق العمل، وذاك الشعب أهل ليدرب منذ نشأته، وذلك الشعب لا يكون أهلا ~~لذلك إلا بعد عشرة قرون، ولن يتمدن الروس حقا؛ لأنهم تمدنوا على عجل، وكان بطرس يتصف ~~بعبقرية اقتدائية، لا عبقرية حقيقية، والعبقرية الحقيقية هي التي تبدع وتصنع كل ~~شيء من العدم. أجل، إنه فعل أمورا صالحة، غير أن معظم ما فعل كان مخالفا للصواب. أجل، ~~إنه أبصر توحش شعبه، غير أنه لم يبصر عدم بلوغه نضجا يتقبل معه الحضارة ... وهو قد أراد ~~تمدينه حينما كان يجب تمرينه على الحرب، وهو قد أراد أن يصنع ألمانا وإنكليزا منذ ~~البداءة حينما كان عليه أن يصنع روسا، وهو قد منع رعاياه من أن يكونوا ما يمكنهم أن ~~يكونوه؛ وذلك بإقناعهم أنهم كانوا ما لا يكونونه، وهو في ذلك كالأستاذ الفرنسي الذي ~~يكون تلميذه ليلمع في طفولته ولا يكون شيئا مذكورا في بقية عمره، وترغب ~~إمبراطورية روسية في إخضاع أوربة، وستخضع هي نفسها، فسيكون رعاياها وجيرانها من ~~التتر سادتها وسادتنا، وتظهر لي هذه الثورة آتية لا ريب فيها، ويعمل جميع ملوك أوربة، ~~متفقين، تعجيلا لها. # تكملة # كما أن الطبيعة جعلت لقامة الإنسان الحسن التقويم من الحدود ما إذا جاوزه لم تصنع ~~هذه القامة غير عمالقة وأقزام يوجد لنظام الدولة الأقوم حدود لا يكون بها من ~~الاتساع ما ينافي حسن إدارتها ولا ms043 من الضيق ما لا يستقيم معه حفظها بنفسها، ويوجد ~~في كل هيئة سياسية من الحد الأعلى للقوة ما لا تمكن مجاوزته، وإنما يبتعد عنه في ~~الغالب للتوسع، وكلما اتسعت الرابطة الاجتماعية ارتخت، وإذا نظر إلى دولة صغيرة ~~وجدت، على العموم، أقوى من الدولة الكبيرة نسبيا. # ويمكن عرض ألف دليل لإثبات هذا المبدأ، ومن ذلك أن المسافات الكبيرة تجعل ~~الإدارة أكثر صعوبة، وذلك كالوزن الذي يصبح أشد ثقلا في طرف أعظم عتلة، ~~وكلما زادت الدرجات غدت الإدارة أثقل وقرا، وذلك أن لكل مدينة إدارتها في بدء ~~الأمر فيدفع الشعب إليها، وأن لكل مديرية إدارتها فيدفع الشعب إليها أيضا، ثم تأتي ~~كل ولاية، ثم تأتي الحكومات الكبيرة والمرزبات والإيالات، فيجب أن يدفع إليها ~~كلما ارتقي وذلك على حساب الشعب البائس، وأخيرا تأتي الإدارة العليا التي تعصر ~~الجميع، وتقع هذه المرهقات الكثيرة على الرعايا فتنهكهم شيئا فشيئا، ومن البعيد ~~أن يكون الرعايا أحسن إدارة بجميع هذه الدرجات المختلفة، وهم بها أسوأ إدارة مما ~~لو حكمت فيهم سلطة منفردة تعلوهم، ومع ذلك لا تكاد تبقى وسائل كافية لمواجهة ~~الطوارئ، فمتى وجب الإسراع إليها كانت الدولة على شفا الانهيار. # وليس هذا كل ما في الأمر، لا لأن الحكومة أقل بأسا وسرعة، فقط، لتحمل على ~~مراعاة القوانين، ولتحول دون المظالم، ولتقوم المساوئ، ولتمنع المفاسد التي يمكن ~~أن تقع في الأماكن البعيدة؛ بل لأن الشعب، أيضا، أقل حبا لرؤسائه الذين لا يراهم ~~مطلقا، وللوطن الذي يتمثل له كالعالم، ولمواطنيه الذين يعد معظمهم غرباء عنه، ولا ~~يمكن القوانين نفسها أن تلائم ولايات كثيرة ذات عادات مختلفة وواقعة في أقاليم ~~متباينة جدا فلا تحتمل شكل الحكومة عينه، ولا تؤدي القوانين المختلفة إلى غير ~~الاضطراب والارتباك بين الرعايا الذين يعيشون تحت ظل الرؤساء أنفسهم والذين يكونون ~~على اتصال دائم فيختلطون، أو يتزاوجون، مع خضوع لعادات أخرى فلا يعرفون هل تراثهم ~~ملك لهم. والمواهب مدفونة والفضائل مجهولة والرذائل بلا عقاب في هذا الجمهور من ~~الناس الذين لا يعرف بعضهم بعضا، والذين ms044 يجمع بينهم مقر الإدارة العليا في مكان ~~واحد، ولا يرى الرؤساء المثقلون بالأعمال شيئا بأنفسهم، ويقوم الكتبة بإدارة ~~الدولة، ثم إن التدابير التي يجب اتخاذها حفظا للسلطة العامة، والتي يرغب هؤلاء ~~الموظفون الأباعد في الإفلات منها أو فرضها، تستوعب جميع النشاط العام فلا يترك ~~شيء لسعادة الشعب، ولا يكاد يبقى شيء للدفاع عنه عند الضرورة، وهكذا تهن الهيئة ~~البالغة الضخامة بالنسبة إلى نظامها وتهلك مسحقة تحت عبئها الخاص. # وعلى الدولة، من ناحية أخرى، أن تجعل لنفسها قاعدة أمينة لتضمن الاستقرار، ~~ولتقاوم الزعازع التي لا يقل ابتلاؤها بها، ولتقوم بالجهود التي تلزم بها لتبقى ~~على حالها؛ وذلك لأنه يوجد لدى جميع الشعوب ضرب من القوة الدافعة التي بها يعمل ~~بعضها ضد بعض عملا مستمرا ويميل إلى التوسع على حساب جيرانه كزوابع ديكارت، ~~وهكذا يحف خطر الابتلاع بالضعفاء حالا، ولا يستطيع أحد أن يحفظ نفسه، مطلقا، إلا ~~بتوازنه مع الجميع، فيكون الضغط بذلك متساويا في كل ناحية تقريبا. # ومن ثم ترى وجود أسباب للتوسع وأسباب للتقلص، وليست أدنى موهبة في السياسي ما ~~يجد به بين هذه الأسباب وتلك الأسباب أنفع نسبة لصيانة الدولة، ويمكن أن يقال على ~~العموم إن الأسباب الأولى، إذ لم تكن غير ظاهرية نسبية، يجب أن تكون تابعة للأسباب ~~الأخرى التي هي باطنية مطلقة، والنظام السليم هو الشيء الأول الذي يجب البحث عنه، ~~ويجب أن يعتمد على الحيوية التي تنشأ عن الحكومة الصالحة أكثر مما على الوسائل التي ~~تنشأ عن الأملاك الكبيرة. # ومع ذلك شوهدت دول بلغت من إحكام التركيب ما دخلت ضرورة الفتوح معه ضمن نظامها، ~~وقد اضطرت هذه الدول، لتبقى، إلى التوسع بلا انقطاع، ومن المحتمل أن هنأت هذه ~~الدول نفسها كثيرا بهذه الضرورة السعيدة التي كانت تدلها، مع حد عظمتها، على ~~الخصوص، على زمن سقوطها الذي لا مناص منه. ~~••• # يمكن قياس الهيئة السياسية على وجهين، أي باتساع أرضها وبعدد شعبها، ويوجد بين كل ~~من القياسين علاقة مناسبة تكتسب الدولة عظمتها الحقيقية بها، والناس هم الذين ~~يصنعون ms045 الدولة، والأرض هي التي تقيت الناس، وتقوم هذه العلاقة، إذن، على كفاية ~~الأرض لمعيشة سكانها وعلى وجود سكان يمكن الأرض أن تقيتهم، وعلى هذه النسبة يقوم ~~الحد الأعلى لقوة العدد المعين للشعب؛ وذلك لأن الأرض إذا كانت واسعة جدا ثقلت ~~حراستها ونقصت زراعتها وفاضت غلتها، فكان هذا سبب الحروب الدفاعية قريبا، ولأن ~~الأرض إذا كانت غير كافية استخذت الدولة لجارتها تلافيا للنقص فكان هذا سبب الحروب ~~الهجومية قريبا، وكل شعب ليس له، بوضعه، غير الخيار بين التجارة أو الحرب ضعيف ~~بنفسه، فأمره منوط بجيرانه وبالحوادث، ولا يكون له من الوجود غير ما هو متقلب قصير ~~مطلقا، فإما أن يدوخ ويغير وضعه، وإما أن يدوخ ويصبح كالمعدوم، وهو لا ~~يستطيع أن يبقى حرا إلا عن صغر أو عن عظمة. # ولا يمكن أن تقرر بالحساب نسبة ثابتة بين اتساع الأرض وعدد الأهلين الذين ~~يكفي بعضهم بعضا وذلك بسبب الفروق في خواص الأرض، وفي درجات خصبها وطبيعة ~~غلاتها، وفي طبيعة الأقاليم، وبسبب الفروق التي تلاحظ في أمزجة سكان هذه ~~الأقاليم فترى بعضهم يستهلك قليلا في بلد خصيب، وترى آخرين يستهلكون كثيرا في أرض ~~غير خصيبة، وكذلك يجب أن ينظر بعين الاعتبار إلى كثرة خصب النساء وقلته، وإلى ~~الأحوال الملائمة، أو قليلة الملاءمة، في كل بلد لزيادة السكان، وإلى مقدار النفوذ ~~الذي يمكن المشترع أن يرجو ممارسته في نظاماته حول ذلك، لذلك لا ينبغي لمشترع أن ~~يقيم رأيه على ما يرى، بل وفق ما يبصر، ولا أن يقف عند حال السكان الحاضرة بمقدار ~~وقوفه عندما لا بد لهم من الوصول إليه بحكم الطبيعة، ثم إنه يوجد ألف حال تقتضي ~~فيها الحوادث المحلية الخاصة، أو تجيز، نيل أرض أكبر مما تلوح ضرورته، وهكذا ~~يتوسع كثيرا في البلاد الجبلية حيث الإنتاجات الطبيعية، كالغاب والمراعي، ~~تتطلب عملا قليلا، وحيث يعلم من التجربة كون النساء أكثر خصبا مما في ~~السهول، وحيث الأرض المائلة الكبيرة لا تنعم بغير قاعدة أفقية صغيرة يعتمد عليها ~~وحدها في النبات، وعلى العكس يمكن ms046 أن يتقبض على شاطئ البحر، حتى في الأرضين ~~الصخرية وفي الرمال الجديبة تقريبا؛ وذلك لأن صيد البحر يمكن أن يقوم مقام غلات ~~الأرضين إلى حد بعيد، ولأن على الناس أن يكونوا أكثر تجمعا لدفع القراصين، ثم لأنه ~~يسهل كثيرا إنقاذ البلاد، بالجاليات، من السكان المرهقة بهم. # وإلى هذه الشروط في تنظيم شعب يجب أن يضاف شرط لا يمكن أن يقوم مقام أي شرط آخر، ~~ولكن مع عدم فائدة الشروط الأخرى بغيره، وذلك هو التمتع بالأمن واليسر؛ وذلك لأن ~~الزمن الذي تنظم فيه الدولة هو كالزمن الذي تؤلف فيه كتيبة حين تكون بهيئتها ~~أقل اقتدارا على المقاومة وأقدر على التخريب بسهولة، فالمقاومة تقع مع وجود الفوضى ~~المطلقة أحسن مما في وقت الاختمار حين يعنى كل واحد بمرتبته لا بالخطر، وإذا ما ~~وقعت حرب أو مجاعة أو فتنة بغتة في زمن الأزمة هذا سقطت الدولة لا محالة. # ولا يعني هذا عدم قيام كثير من الحكومات في أثناء هذه الزوابع، وإنما هذه ~~الحكومات نفسها هي التي تقوض دعائم الدولة، ويوجب الغاصبون، أو يختارون، أزمنة ~~الاضطرابات هذه دائما، فيجيزون، تحت ستار من الذعر العام، قوانين هدامة لم يكن ~~الشعب ليقبل بها رابط الجأش، ويعد اختيار الوقت من أصح الدلائل في تمييز عمل ~~المشترع من عمل الطاغية. # إذن، أي الشعوب أصلح موضوع للاشتراع؟ ذلك الذي ارتبط برابطة الأصل أو المصلحة أو ~~العهد فلم يحمل نير القوانين الحقيقي بعد، وذلك الذي لم يكن لديه من العادات ~~والخرافات ما هو متأصل كثيرا، وذلك الذي لا يخاف أن يرهق بغزو مفاجئ، فيستطيع، من ~~غير تدخل في منازعات جيرانه، أن يقاوم بمفرده كل واحد منهم، أو أن يستعين بأحدهم ~~على دحر الآخر، وذلك الذي يمكن أن يعرف كل عضو فيه من قبل الجميع فلا يلزم فيه ~~بتحميل الإنسان ما لا طاقة له به، وذلك الذي يستطيع أن يستغني عن الشعوب الأخرى ~~استغناءها عنه، # 1 # وذلك الذي ليس غنيا ولا فقيرا فيمكنه أن يكفي نفسه بنفسه، وأخيرا ~~ذلك الذي يجمع ms047 بين ثبات الشعب القديم ودعة الشعب الحديث، والذي يجعل عمل الاشتراع ~~شاقا هو ما يجب أن يبنى أقل مما يجب أن يهدم، والذي يجعل النجاح أمرا نادرا ~~جدا هو تعذر اجتماع البساطة الطبيعية واحتياجات المجتمع، والحق أن من الصعوبة أن ~~توجد هذه الشروط متحدة، ومن ثم كانت قلة الدول ذات النظم الصالحة. # ولا يزال يوجد في أوربة بلد قادر على تقبل الاشتراع، وذلك البلد هو جزيرة ~~قورسقة، وما استطاع به هذا الشعب الباسل أن يسترد حريته ويدافع عنها من شجاعة وثبات ~~يستحق أن يعلمه رجل حكيم معه كيف يحافظ على ما فاز به، ولدي من الشعور ما ~~أبصر به كون هذه الجزيرة الصغيرة ستدهش أوربة ذات يوم. # الفصل التاسع # | طرق الاشتراع المختلفة # إذا بحث عن الشيء الذي يقوم عليه أعظم خير ~~للجميع، والذي يجب أن يكون غاية كل طريق اشتراعي، وجد أنه يرد إلى أمرين أصليين: ~~الحرية والمساواة؛ الحرية لأن كل تبعية خاصة تعني القوة التي أخذت من هيئة الدولة ~~بمقدارها، والمساواة لأن الحرية لا يمكن أن تكون من غيرها. # وكنت قد عرفت الحرية المدنية، وأما المساواة فلا ينبغي أن يعرف بهذه الكلمة ~~كون درجات السلطة والغنى واحدة لدى الجميع على الإطلاق، وإنما السلطة في كونها دون كل ~~طغيان، وفي كونها لا تمارس إلا من حيث المرتبة والقوانين، وإنما الغنى في عدم وجود ~~مواطن يكون من اليسر ما يشتري معه آخر، وفي عدم وجود أحد يكون من الفقر ما يضطر معه إلى بيع # 1 # نفسه، وهذا يفترض، من ناحية الكبراء، اعتدال الأموال والاعتبار، وهذا ~~يفترض، من ناحية الصغراء، اعتدال الشح والشهوة. # وقد قيل: إن هذه المساواة وهم نظري لا يمكن أن ~~يكون عمليا، ولكن سوء الاستعمال إذا كان أمرا لا مفر منه أفلا يجب تنظيمه على الأقل؟ ~~فبما أن قوة الأحوال تميل، بالضبط، إلى القضاء على المساواة دائما فإنه يجب على قوة ~~الاشتراع أن تميل إلى صيانتها دائما. # بيد أن هذه الأغراض العامة لكل نظام صالح يجب ~~أن تعدل في ms048 كل بلد على حسب الوضع المحلي وطبع السكان. ويجب، بناء على هذه العوامل، ~~أن يعطى كل بلد طريقة نظام خاصة تكون أصلح ما يكون، لا في حد ذاتها على ما يحتمل، بل من ~~حيث الدولة التي عين لها؛ ومن ذلك أن الأرض إذا كانت نكدة جدباء أو كان البلد ~~زاخرا بالسكان وجب على الشعب أن يتحول إلى الصناعة والحرف فيبادل بين ما ينتجه وما ~~يعوزه من البياعات ... ومن ذلك أن الشعب إذا كان يشغل سهولا غنية ومنحدرات خصيبة أو ~~أرضا صالحة، فيعوزه الأهلون، وجب عليه أن يوجه جميع همه إلى الزراعة التي تزيد السكان، ~~وأن يقصي الحرف التي لا تؤدي إلى غير نقص السكان بحشدها في أماكن قليلة ما تشتمل ~~عليه من الأهلين ... # 2 # ومن ذلك أن الشعب إذا كان يسكن شواطئ واسعة ملائمة فدعوه يملأ البحر ~~سفينا ويزاول التجارة والملاحة، فهنالك يقضي حياة زاهرة قصيرة، ومن ذلك أن البحر إذا ~~كان لا يبلل من سواحل الشعب غير صخور وعرة فدعوه يبقى متوحشا آكلا للأسماك، فهنالك ~~يعيش أهدأ بالا، وأحسن حالا على ما يحتمل، وأكثر سعادة لا ريب ... والخلاصة أنك إذا ~~عدوت المبادئ المشتركة بين الجميع وجدت كل شعب يشتمل في نفسه على سبب ناظم لتلك المبادئ ~~نظما خاصا به، على سبب جاعل اشتراعه خاصا به، وهكذا كان الدين غرض العبريين ~~الرئيس في الزمن القديم وغرض العرب الرئيس في الزمن الحديث، وهكذا كانت الآداب غرض ~~الأثنيين، والتجارة غرض قرطاجة وصور، والملاحة غرض رودس، والحرب غرض إسبارطة، ~~والفضيلة غرض رومة، وقد بين مؤلف «روح الشرائع» في طائفة من الأمثلة دهاء المشترع في ~~توجيه النظام نحو كل واحد من هذه الأغراض. # والذي يجعل نظام الدولة متينا باقيا حقا هو الإمعان في مراعاة الملاءمات بما ~~تلتقي به العلاقات الطبيعية والقوانين في نقاط واحدة وما تضمن به هذه القوانين وتصاحب ~~وتقوم تلك العلاقات، ولكن المشترع إذا ما أخطأ غرضه فاتخذ مبدأ غير الذي ينشأ عن ~~طبيعة الأمور، كأن يهدف أحدهما إلى العبودية والآخر إلى ms049 الحرية، وكأن يهدف أحدهما إلى ~~الثروات والآخر إلى السكان، وكأن يهدف أحدهما إلى السلم والآخر إلى الفتوح ضعفت ~~القوانين رويدا رويدا، وفسد النظام، وما انفكت الدولة تضطرب حتى تنهار أو تغير ~~فتسترد الطبيعة التي لا تقهر سلطانها. # الفصل العاشر # | تقسيم القوانين # لا بد من مراعاة علائق كثيرة لتنظيم الكل ومنح الأمر العام أحسن شكل ممكن، وأولى ~~هذه العلائق هي تأثير الهيئة بأجمعها في نفسها، أي علاقة الكل بالكل، أو علاقة السيد ~~بالدولة، وتؤلف هذه العلاقة من علاقة الأحوال المتوسطة، كما نرى ذلك فيما بعد. # وتحمل القوانين التي تنظم هذه العلاقة اسم القوانين السياسية، وتسمى القوانين ~~الأساسية أيضا، وليس من غير سبب أن تكون هذه القوانين حكيمة؛ وذلك لأنه إذا لم يوجد في ~~كل دولة غير منهاج صالح لتنظيمها وجب على الشعب الذي يجده أن يتمسك به، ولكن النظام ~~القائم إذا كان سيئا فلماذا تعد القوانين التي تحول دون صلاح الشعب أساسية؟ ثم إن ~~الشعب، في كل حال، يكون دائما ولي تغيير قوانينه، حتى أحسنها؛ وذلك لأنه إذا ما ~~راقه أن يؤذي نفسه فمن ذا الذي يحق له أن يمنعه من هذا؟! # والعلاقة الثانية هي ما بين الأعضاء، أو مع الهيئة بأسرها، ويجب أن تكون هذه العلاقة ~~قليلة الأهمية في الوجه الأول، وأن تكون عظيمة الأهمية في الوجه الثاني ما أمكن، أي إن ~~يكون المواطن كامل الاستقلال عن الآخرين وأن يكون شديد الاتباع للمدينة، وهذا ما يقع ~~بذات الوسائل دائما؛ وذلك لأنه لا يوجد غير قوة الدولة ما يضمن حرية أعضائها، وعن هذه ~~العلاقة تنشأ القوانين المدنية. # ويمكن أن يبصر، أيضا، نوع ثالث من العلاقة بين الإنسان والقانون، أي علاقة التمرد ~~على عقابه، وهذه العلاقة هي التي تؤدي إلى وضع القوانين الجزائية التي هي في الأساس نوع ~~خاص من القوانين أقل من كونها مؤيدة لجميع القوانين الأخرى. # وإلى هذه الأنواع الثلاثة من القوانين يضاف نوع رابع، وهو أهم من جميع الأنواع، وهو ~~لا ينقش على الرخام ولا على النحاس، بل في ms050 قلوب المواطنين، وهو الذي يتألف منه نظام ~~الدولة الحقيقي، وهو الذي ينال قوى جديدة في كل يوم، وهو الذي إذا ما هرمت القوانين ~~الأخرى أو انطفأت أحياها أو قام مقامها، وهو الذي يحفظ الشعب في روح نظامه، ويحل ~~قوة العرف محل السلطة على وجه غير محسوس، وأتكلم عن الطبائع والعادات، وعن الرأي ~~العام على الخصوص، أي عن هذا القسم الذي يجهله سياسيونا، ولكن مع توقف جميع الأقسام ~~الأخرى عليه، عن هذا القسم الذي يعنى المشترع العظيم به سرا، وإن بدا اقتصاره على ~~أنظمة خاصة ليست غير عقد القبة التي تؤلف الطبائع البطيئة التكوين غلقها ~~الراسخ. # وبين هذه الأصناف المختلفة للقوانين تكون القوانين السياسية التي تتألف منها الحكومة، ~~تكون هذه القوانين وحدها، خاصة بموضوعي. # | الباب الثالث # دعنا نحاول، قبل الكلام عن مختلف أشكال الحكومة ، أن نحدد، بالضبط، معنى هذه الكلمة ~~التي لم توضح جيدا حتى الآن. # الفصل الأول # | الحكومة على العموم # أنذر القارئ بضرورة قراءة هذا الفصل بدقة، وبأنني لا أعرف فن جعل نفسي واضحا ~~عند من لا يريد أن يكون منتبها. # إن لكل عمل حر سببين يتعاونان في إحداثه: فأحدهما أدبي، وهو الإرادة التي تعين ~~العمل، والآخر طبيعي، وهو السلطة التي تنفذه، ومتى سرت نحو غرض وجب أن أكون قد ~~أردت السير إليه أولا، وأن تحملني قدماي ثانيا، وإذا أراد كسيح أن يعدو، ولم يرد رجل ~~نشيط ذلك، ظل الاثنان حيث هما، وللهيئة السياسية ذات البواعث؛ ففيها تماز القوة ~~والإرادة، وهذه باسم السلطة الاشتراعية، وتلك باسم السلطة التنفيذية، ولا شيء يصنع، ~~أو لا شيء ينبغي أن يصنع، من غير تعاونهما. # وقد رأينا أن السلطة الاشتراعية خاصة بالشعب، ولا يمكن إلا أن تكون خاصة به، وعلى ~~العكس يسهل أن يرى، بالمبادئ المقررة آنفا، أن السلطة التنفيذية لا يمكن أن تكون ~~خاصة بعمومية كالاشتراع أو السيد؛ وذلك لأن هذه السلطة لا تقوم على غير أعمال خاصة ~~ليست، مطلقا، من نابض القانون، ولا من نابض السيد نتيجة، من نابض هذا السيد الذي لا ms051 ~~يمكن أن تكون أعماله غير قوانين. # ولذا تحتاج القوة العامة إلى عامل خاص يجمع بينها ويسيرها وفق مناحي الإرادة ~~العامة، ويكون واسطة اتصال بين الدولة والسيد، ويصنع في الشخص الألبي ما يصنعه ~~اتحاد الروح والبدن في الإنسان، وهذا هو داعي الحكومة في الدولة التي خلطا خطا بالسيد ~~مع أنها ليست سوى وزير له. # وما الحكومة إذن؟ الحكومة هيئة متوسطة قائمة بين الرعايا والسيد؛ ليتواصلا، موكول ~~إليها تنفيذ القوانين وصيانة الحرية المدنية والسياسية. # وتسمى أعضاء هذه الهيئة «حكاما» أو «ملوكا»، وتحمل الهيئة بأسرها اسم «الأمير» # 1 ~~... وهكذا يكون على حق كبير أولئك الذين يزعمون أن السند الذي يخضع الشعب به ~~لرؤساء ليس عقدا مطلقا، وإنما هو تفويض فقط، وإنما هو وظيفة يمارس بها عمال السيد ~~باسمه ما أودعهم إياه من سلطة فيمكنه أن يحددها ويستردها ويحولها متى أراد، ما دام ~~التنزل عن مثل هذا الحق منافيا لطبيعة الهيئة الاجتماعية مباينا لغاية الشركة. # ولذا أدعو بالحكومة أو الإدارة العليا ممارسة السلطة التنفيذية ممارسة شرعية، وأدعو ~~بالأمير أو الحاكم الرجل، أو الهيئة، المفوض إليه هذه الإدارة. # وفي الحكومة توجد القوى المتوسطة التي تتألف من نسبها نسبة الكل إلى الكل أو نسبة ~~السيد إلى الدولة، ويمكن تشبيه هذه النسبة الأخيرة بحدي تناسب تكون الحكومة وسطا ~~متناسبا بينهما، وتتلقى الحكومة من السيد ما تعطيه الشعب من الأوامر. ويجب لتوازن ~~الدولة جيدا، وذلك عند تعديل كل شيء، أن توجد مساواة بين حاصل أو سلطان الدولة في حد ~~ذاته، وحاصل أو سلطان الموطنين، الذين هم سادة من ناحية ورعية من ناحية أخرى. # ثم إنه لا يمكن تحريف أي واحد من هذه الحدود الثلاثة من غير أن يقضى على النسبة ~~حالا، وإذا أراد السيد أن يحكم، أو أراد الحاكم أن يصدر قوانين، أو رفضت الرعية أن ~~تطيع، اختل النظام، وعادت القوة والإرادة لا تتفقان، ووقعت الدولة المنحلة في الاستبداد ~~أو الفوضى، ثم بما أنه لا يوجد غير متوسط مناسب واحد بين كل نسبة فإنه لا يمكن غير وجود ms052 ~~حكومة صالحة واحدة في الدولة أيضا، ولكن بما أن ألفا من الحوادث يمكن أن يغير ~~نسب الشعب، فإن شتى الحكومات لا تكون وحدها صالحة لشتى الشعوب، بل تكون هكذا لدى ~~الشعب نفسه في مختلف الأزمان. # وإني، إذ أحاول إبداء رأي حول مختلف النسب التي يمكن أن تسود بين ذينك الحدين ~~المتناهيين، أتخذ عدد الشعب مثالا كنسبة يسهل التعبير عنها أكثر مما عن ~~سواها. # ولنفترض كون الدولة مؤلفة من عشرة آلاف مواطن، فلا يمكن السيد أن يعد إلا ألبيا ~~وكهيئة، غير أن كل عضو يعد فردا بصفته تابعا، وهكذا يكون السيد بالنسبة إلى التابع ~~كعشرة آلاف بالنسبة إلى واحد، أي إنه ليس لكل عضو في الدولة نصيب غير جزء من عشرة ~~آلاف من سلطان السيد وإن كان خاضعا له بأجمعه، وإذا كان الشعب مؤلفا من مائة ألف نفس ~~لم يتبدل حال الرعايا، ووجد كل واحد تحت سلطان القوانين على السواء، مع أن تصويته ~~المنقوص إلى جزء من مئة ألف ذو تأثير في كتابة القوانين أقل عشر مرات. وهنالك إذ يبقى ~~التابع وحده دائما فإن نسبة السيد تزيد بمقدار عدد المواطنين، ومن ثم تنقص الحرية كلما ~~عظمت الدولة. # وعندما قلت إن النسبة تزيد قصدت ابتعادها عن المساواة، وهكذا كلما عظمت النسبة في ~~اصطلاح المهندسين صغرت في اصطلاح الناس، والنسبة إذ ينظر إليها في الاصطلاح الأول ~~من حيث الكمية، تقدر بالحاصل. والنسبة إذ ينظر إليها في الاصطلاح الثاني من حيث ~~وحدة الذات، تقدر بالمشابهة. # والواقع أن الإرادات الخاصة كلما قلت نسبتها إلى الإرادة العامة، أي نسبة الطبائع إلى ~~القوانين، وجبت زيادة القوة الزاجرة. ولذا يجب، لتكون الحكومة صالحة، أن تكون أكثر قوة ~~نسبيا كلما زاد الشعب عددا. # ومن ناحية أخرى، إذ يمنح توسع الدولة حفظة السلطة العامة نزعات ووسائل إلى ~~إساءة استعمال سلطانهم فإن الحكومة كلما وجب أن تزيد قوة لزجر الشعب وجب على السيد من ~~ناحيته، أن يزيد قوة لزجر الحكومة، ولا أتكلم هنا عن القوة المطلقة، بل عن القوة ~~النسبية لمختلف ms053 أقسام الدولة. # وينشأ عن هذه النسبة المضاعفة كون النسبة المتصلة بين السيد والأمير والشعب ليست فكرة ~~مرادية مطلقا، بل نتيجة ضرورية لطبيعة الهيئة السياسية، وينشأ عنها، أيضا، أن أحد ~~الحدود القصوى، أي الشعب كتابع، إذ كان ثابتا ممثلا بوحدة فإن الداعي المضعف ~~كلما زاد أو نقص زاد الداعي البسيط أو نقص أيضا، ومن ثم تغير الحد المتوسط، وهذا ~~يدل على عدم وجود نظام وحيد مطلق للحكومة، بل على إمكان وجود حكومات مختلفة طبيعة ~~بمقدار وجود دول مختلفة حجما. # وإذا ما قيل، عن تحويل لهذه الطريقة إلى سخرية، إنه كان يجب علي أن أستخرج الجذر ~~المربع من عدد الشعب، لكي يعثر على ذلك المتوسط النسبي وتؤلف هيئة الدولة، أجبت ~~أنني لم أتناول هذا العدد هنا إلا مثالا، وأن النسب التي أتكلم عنها لا تقاس بعدد ~~الناس فقط، بل بكمية الباعث الذي هو مزيج من مجموع العلل، وإذا كنت أستعير اصطلاحات ~~هندسية للتعبير بأقل ما يمكن من الكلام فإنني لا أجهل، مع ذلك، أن الدقة الهندسية ~~ليس لها مكان في الكميات الأدبية. # والحكومة مصغرة عن الهيئة السياسية التي تكتنفها على مقياس كبير، وهي شخص معنوي ~~مجهز ببعض الخصائص، فاعل كالسيد، منفعل كالدولة، ويمكن تفريقه إلى نسب متماثلة ~~تنشأ عنها نسبة جديدة من حيث النتيجة، وتنشأ عن هذه النسبة الجديدة نسبة أخرى وفق نظام ~~المحاكم، وذلك إلى أن ينتهى إلى حد لا يتجزأ، أي إلى رئيس أو حاكم عال يمكن تمثله ~~بين هذه النسبة المتوالية كالوحدة بين سلسلة الكسور والسلسلة العددية. # ولنقنع بعد الحكومة هيئة جديدة في الدولة منفصلة عن الشعب والسيد متوسطة بينهما، ~~وذلك من غير أن نرتبك في تلك الكثرة من الحدود. # ويوجد بين الهيئتين هذا الفرق الجوهري القائل: إن الدولة توجد بنفسها، وإن الحكومة لا ~~توجد بغير السيد، وهكذا فإن إرادة الأمير المسيطرة ليست، أو يجب ألا تكون، غير الإرادة ~~العامة أو القانون، وليست قوته غير القوة العامة المتجمعة فيه، فإذا ما حاول أن يستخلص ~~من نفسه عملا مطلقا مستقلا ms054 أخذت رابطة الكل في الارتخاء حالا، وأخيرا إذا ما ~~انتهى الأمير إلى حيازة إرادة خاصة أكثر فعالية من إرادة السيد واستعمل القوة العامة ~~التي هي قبضته اتباعا لهذه الإرادة الخاصة فإنه يكون هنالك سيدان: سيد حق، وسيد ~~واقع، وهنالك يتلاشى الاتحاد الاجتماعي من فوره وتنحل الهيئة السياسية. # ومع ذلك فإنه، لكي يكون لهيئة الحكومة وجود وحياة حقيقة تماز بها من هيئة الدولة، ~~ولكي يستطيع جميع أعضائها أن يسيروا متفقين وأن يلائموا الغاية التي أقيمت من أجلها، لا ~~بد لها من شخصية خاصة وحاسة مشتركة بين أعضائها، من قوة، من إرادة خاصة تسعى إلى ~~بقائها، ويفترض هذا الوجود الخاص مجالس ومجامع وسلطة عقد وفصل، وحقوقا وألقابا، ~~وامتيازات خاصة بالأمير حصرا، جاعلة منصب الحاكم أكثر شرفا بنسبة صعابه، والصعوبة ~~كل الصعوبة في تنظيم هذا الكل التابع ضمن الكل فلا يفسد النظام العام مطلقا ~~بتوطيد نظامه، ولا يميز دائما قوته الخاصة المعدة لبقائه من القوة العامة ~~المعدة لبقاء الدولة، والخلاصة أن يكون مستعدا دائما للتضحية بالحكومة في سبيل ~~الشعب، لا بالشعب في سبيل الحكومة. # ثم مع أن هيئة الحكومة المصنوعة من عمل هيئة أخرى مصنوعة، ومع أنه ليس لها غير ~~حياة مستعارة تابعة من بعض الوجوه، فإن هذا لا يمنع من قدرتها على السير بشيء من البأس ~~أو النشاط، ومن تمتعها بعافية ذات قوة ما، ثم إنها، من غير ابتعاد مباشر عن غاية ~~نظامها، تستطيع أن تنحرف عنها بعض الانحراف وفق الوجه الذي أقيمت به. # وينشأ عن جميع هذه الفروق ما يجب أن يكون للحكومة من علائق مختلفة بهيئة الدولة؛ ~~وذلك وفق العلائق العرضية والخاصة التي تعدل بها هذه الدولة نفسها؛ وذلك لأن ~~الحكومة التي هي أحسن ما يكون بنفسها تصبح أكثر ما يكون عيبا إذا ما فسدت العلائق ~~التي تقوم عليها وفق نقائص الهيئة السياسية التابعة لها. # الفصل الثاني # | المبدأ الناظم لمختلف أشكال الحكومة # يجب لبيان سبب تلك الفروق العام أن يماز بين الأمير والحكومة هنا كما مزت بين ~~الدولة والسيد فيما ms055 تقدم. # ويمكن هيئة الحكام أن تؤلف من أكبر عدد من الأعضاء أو أقل عدد منهم، وقد قلنا: إن ~~نسبة ما بين السيد والرعايا كانت من العظم بنسبة كثرة عدد الشعب ويمكننا، بقياس واضح، ~~أن نقول مثل ذلك عن الحكومة تجاه الحكام. # ولكن بما أن قوة الحكومة التامة هي قوة الدولة دائما فإنها لا تتبدل أبدا، ومن ~~ثم كلما اتخذت هذه القوة نحو أعضائها الخاصة قل ما يبقى لها منها للعمل في جميع ~~الشعب. # ولذا كلما زاد عدد الحكام ضعفت الحكومة، وبما أن هذا المبدأ أساسي فلنعمل على إيضاحه ~~جيدا. # يمكننا أن نميز في شخص الحاكم ثلاث إرادات مختلفة جوهرا؛ وهي: # أولا: # إرادة الفرد الخاصة التي تهدف إلى نفعه الخاص فقط. # ثانيا: # إرادة الحكام المشتركة التي تعمل في نفع الأمير فقط، والتي يمكن ~~تسميتها إرادة الهيئة، هذه الإرادة التي تكون عامة نظرا إلى الحكومة، ~~وخاصة نظرا إلى الدولة التي تؤلف الحكومة جزءا منها. # ثالثا: # إرادة الشعب، أو إرادة السيد التي هي عامة نظرا إلى الدولة التي تعد ~~الكل أكثر مما إلى الحكومة التي تعد جزءا من الكل. # وفي الاشتراع الكامل يجب أن تكون الإرادة الفردية أو الخاصة صفرا، وأن تكون إرادة ~~الهيئة الخاصة بالحكومة تابعة إلى الغاية، ومن ثم أن تكون الإرادة العامة أو إرادة ~~السيد مسيطرة دائما وقاعدة وحيدة لجميع الإرادات الأخرى. # وعلى العكس، تصبح هذه الإرادات المختلفة، وفق النظام الطبيعي، أكثر فاعلية كلما ~~تجمعت، وهكذا فإن الإرادة العامة هي الأضعف دائما، ويكون لإرادة الهيئة المقام الثاني، ~~وللإرادة الخاصة أول مقام، بين الجميع، فيكون كل عضو في الحكومة نفسه أولا، ثم حاكما، ~~ثم مواطنا، أي وفق ترتيب معاكس، تماما، لما يقتضيه النظام الاجتماعي. # وإننا بعد تقرير ذلك، نقول: إن جميع الحكومة إذا كان قبضة رجل واحد اتحدت الإرادة ~~الخاصة وإرادة الهيئة تماما، ومن ثم كانت إرادة الهيئة هذه في أقصى ما يمكن من شدتها، ~~ولكن بما أن استعمال القوة يتوقف على درجة الإرادة، وبما أن قوة الحكومة المطلقة لا ~~تتغير ms056 مطلقا، فإن أكثر الحكومات فعالية هي حكومة الفرد. # وعلى العكس، وحدوا بين الحكومة والسلطة الاشتراعية، واجعلوا من السيد أميرا ومن ~~جميع المواطنين حكاما، تروا هنالك أنه عاد لا يكون لإرادة الهيئة المختلطة بالإرادة ~~العامة من الفاعلية ما يزيد على هذه الإرادة، وتركت الإرادة الخاصة في كمال قوتها، ~~وهكذا تكون الحكومة، الصاحبة لذات القوة المطلقة دائما، في الحد الأدنى من قوتها ~~النسبية أو فاعليتها. # ولا جدال في هذه النسب، ويوجد من العوامل ما يؤيدها، ويرى مثلا، أن كل حاكم ~~أعظم فاعلية في هيئته من كل مواطن في هيئته، ومن ثم أن الإرادة الخاصة أكثر نفوذا في ~~أعمال الحكومة مما في أعمال السيد؛ وذلك لأن كل حاكم موقر ببعض وظائف الحكومة دائما ~~تقريبا، مع أن كل مواطن، إذا ما أخذ على حدة، لم يمارس أي وظيفة من السيادة، ثم ~~إن الدولة كلما اتسعت زادت قوتها الحقيقية وإن لم تزد هذه القوة بنسبة اتساعها، ولكن ~~بما أن الدولة تبقى كما هي فإن عدد الحكام يزيد على غير طائل، ولا تنال الحكومة قوة ~~حقيقية أكثر من قبل؛ وذلك لأن هذه القوة هي قوة الدولة التي يبقى مقياسها متساويا ~~دائما، وهكذا فإن قوة الحكومة النسبية أو فاعليتها تنقص من غير أن تمكن زيادة ~~قوتها المطلقة أو الحقيقية. # ومما لا ريب فيه، أيضا، أن تسيير الأمور يصبح أكثر بطئا كلما عهد فيه إلى أناس ~~كثيرين، فالحذر حيث يكون لا يكثر الحظ، وتضيع الفرصة، وبالنقاش تفوت ثمرة ~~النقاش. # وقد أثبت أن الحكومة ترتخي كلما كثر الحكام، وقد أثبت أن الشعب كلما زاد وجبت ~~زيادة القوة الزاجرة، ومن ثم يجب أن تتغير نسبة الحكام إلى الحكومة على عكس نسبة ~~الرعايا إلى السيد، أي إن الدولة كلما عظمت وجب أن تتقبض الحكومة، وذلك بحيث ينقص عدد ~~الرؤساء بنسبة زيادة الشعب. # ومع ذلك فإنني لا أتكلم هنا عن غير القوة النسبية للحكومة، لا عن سدادها؛ وذلك لأن ~~الحاكم إذا كان، على العكس، كثيرا اقتربت إرادة الهيئة من الإرادة العامة، وذلك ms057 بدلا ~~من ألا تكون إرادة هذه الهيئة نفسها، تحت سلطان حاكم منفرد، غير إرادة خاصة كما قلت ~~ذلك، وهكذا يخسر من ناحية ما يمكن أن يكسب من الأخرى، ويقوم فن المشترع على ~~معرفة تعيين النقطة التي تلتقي فيه قوة الحكومة وإرادتها، المعكوستا النسبة دائما، ضمن ~~أنفع علاقة للدولة. # الفصل الثالث # | تقسيم الحكومات # رأينا في الفصل السابق سبب التميز بين مختلف أنواع الحكومة أو أشكالها على حسب عدد ~~الأعضاء الذين تتألف منهم، فبقي علينا أن نرى في هذا الفصل كيف يقع هذا التقسيم. # يمكن السيد، أولا أن يفوض إلى جميع الشعب، أو إلى أكبر قسم منه، عبء الحكومة، ~~فيكون من المواطنين الحكام من هم أكثر من المواطنين الأفراد، ويطلق اسم «الديمقراطية» ~~على شكل الحكومة هذا. # أو يمكن السيد أن يحصر الحكومة في يد عدد قليل ، فيكون من المواطنين الأفراد من هم ~~أكثر من الحكام، ويطلق اسم «الأرستقراطية» على هذا الشكل. # وأخيرا يمكن السيد أن يجمع جميع الحكومة في يد حاكم منفرد يستمد الآخرون كلهم ~~سلطانهم منه، وهذا الشكل الثالث هو أكثر الأشكال شيوعا، ويسمى «الملكية» أو الحكومة ~~الملكية. # ومما تجب ملاحظته كون جميع هذه الأشكال، أو الشكلين الأولين على الأقل، تقبل الزيادة ~~والنقصان، وكونها على شيء من التفاوت الكبير أيضا؛ وذلك لأنه يمكن الديمقراطية أن ~~تشتمل على جميع الشعب أو أن تنقبض إلى النصف، ويمكن الأرستقراطية من ناحيتها أن تتقبض، ~~بلا تحديد، من نصف الشعب إلى أصغر عدد ممكن، حتى إن الملكية نفسها تقبل بعض التقسيم، ~~ومن ذلك أن كان يوجد في إسبارطة ملكان دائما وفق نظامها، ومن ذلك أن رئي في ~~الإمبراطورية الرومانية حتى ثمانية أباطرة دفعة واحدة من غير أن يمكن القول بأن ~~الإمبراطورية وزعت، وهكذا توجد نقطة يختلط فيها كل شكل للحكومة بما يليه، ويرى أن ~~الحكومة، بثلاث تسميات حصرا، عرضة لأشكال مختلفة، في الحقيقة، بمقدار ما للدولة من ~~مواطنين. # ويوجد ما هو أكثر من هذا، وذلك أن الحكومة إذ يمكن أن تنقسم إلى أقسام أخرى من بعض ms058 ~~الوجوه، فيدار بعض هذه الأقسام على طراز، ويدار بعض آخر منها على طراز آخر، يمكن أن ~~ينشأ عن هذه الأشكال الثلاثة المختلطة طائفة من الأشكال المركبة التي يقبل كل واحد ~~منها الزيادة بجميع الأشكال البسيطة. # وفي جميع الأزمنة نوقش كثيرا حول أحسن شكل للحكومة، وذلك من غير أن ينظر إلى أن كل ~~واحد منها أحسن الأشكال في بعض الأحوال وأسوأها في أحوال أخرى. # وإذا كان عدد الحكام الأعلين في مختلف الدول يجب أن يكون على عكس عدد المواطنين فإنه ~~ينشأ عن هذا، على العموم، كون الحكومة الديمقراطية تلائم الدول الصغيرة، وكون الحكومة ~~الأرستقراطية تلائم الدول المتوسطة، وكون الحكومة الملكية تلائم الدول الكبيرة، ~~وتستنبط هذه القاعدة من المبدأ رأسا، ولكن كيف تعد الأحوال الكثيرة التي ~~يمكن أن تسفر عن شواذ؟ # الفصل الرابع # | الديمقراطية # من يضع القانون يعرف أكثر من غيره كيف يجب أن ينفذ ويفسر، ويلوح، إذن، أنه لا يمكن أن ~~يوجد نظام أحسن من النظام الذي يوحد فيه بين السلطة التنفيذية والسلطة الاشتراعية، ~~ولكن هذا نفسه هو الذي يجعل هذه الحكومة غير كافية من بعض الوجوه؛ وذلك لأن الأمور التي ~~يجب أن تماز تكون مختلطة، ولأن الأمير والسيد، إذ لم يكونا غير ذات الشخص، لا يؤلفان ~~غير حكومة بلا حكومة. # وليس من الصالح أن ينفذ القوانين من يضعها، ولا أن تحول هيئة الشعب ~~انتباهها من المقاصد العامة إلى الأغراض الخاصة، ولا شيء أشد خطرا من تأثير المصالح ~~الخاصة في الأمور العامة، وإن سوء استعمال الحكومة القوانين أقل شرا من فساد ~~المشترع الذي يكون نتيجة لازمة للأغراض الخاصة، فالدولة إذ تكون قد فسدت في جوهرها فإن ~~كل إصلاح يصير متعذرا، وإن الشعب الذي لا ينبغي له أن يسيء استعمال الحكومة مطلقا لا ~~ينبغي له أن يسيء استعمال الاستقلال أيضا، فالشعب الذي يحسن الحكم دائما لا يحتاج إلى ~~أن يحكم فيه أبدا. # وإذا ما نظر إلى الاصطلاح في أوثق معانيه رئي أنه لم توجد ديمقراطية حقيقية قط، وأنه ~~لن توجد مطلقا، فمما ms059 يخالف النظام الطبيعي أن يحكم العدد الأكبر وأن يحكم في العدد ~~الأصغر، فلا يمكن أن يتخيل بقاء الشعب مجتمعا بلا انقطاع لينقطع إلى الأمور العامة، ~~وليس من السهل أن ينصب الشعب لجانا من غير أن يتبدل شكل الإدارة. # والواقع أنني أعتقد اقتداري على وضع هذا المبدأ القائل: إن وظائف الحكومة عندما ~~تقسم بين محاكم كثيرة فاز أقلها عددا بأعظم سلطان، عاجلا كان هذا أو آجلا، ولو ~~من أجل سهولة إنجاز الأمور التي تسوقها إلى هذا السلطان بحكم الطبيعة. # ثم ما أكثر ما يصعب توحيده من الأمور التي تفترض هذه الحكومة! ومن ذلك: # أولا: # كون الدولة بالغة الصغر؛ حيث يسهل اجتماع الشعب، وحيث يسهل على كل ~~مواطن أن يعرف الآخرين. # ثانيا: # بساطة كبيرة في الأوضاع تحول دون كثرة الأمور ودون المناقشات ~~الشائكة. # ثالثا: # كثير مساواة في الصفوف وفي الثروات، فلا يمكن بقاء المساواة بغيره ~~زمنا طويلا في الحقوق والسلطان. # وأخيرا: قليل ترف أو عدمه؛ وذلك لأن الترف إما أن يكون نتيجة الثروات وإما أن يجعلها ~~ضرورية، والترف يفسد الغني والفقير معا؛ الأول عن حيازة، والآخر عن رغبة، والترف يبيع ~~الوطن من التخنث والتباهي، والترف ينزع من الدولة جميع مواطنيها ليجعل بعضهم عبيدا ~~لبعض، وليجعل الجميع عبيدا للرأي العام. # وهذا هو السبب في أن مؤلفا مشهورا جعل الفضيلة مبدأ الجمهورية؛ وذلك لأن جميع تلك ~~الأحوال لا يمكن أن تقوم بلا فضيلة، غير أن هذا العبقري البهي فاته السداد غالبا، ~~والوضوح أحيانا، عن عدم القيام بما يجب من تفريق، فلم يبصر أن السلطة السيدة إذ تكون ~~واحدة في كل مكان فإنه يجب وجود ذات المبدأ في كل دولة حسنة النظام على درجة كبيرة أو ~~صغيرة حقيقة، وذلك على حسب شكل الحكومة. # وأضف إلى ذلك أنه لا توجد حكومة عرضة للحروب الأهلية واضطرابات الداخلية كثيرا ~~كالحكومة الديمقراطية أو الشعبية؛ وذلك لأنك لا تجد حكومة مثلها تميل بقوة واستمرار إلى ~~تغيير الشكل، ولا حكومة تتطلب كثير انتباه وإقدام لبقائها كما هي، وفي هذا النظام على ms060 ~~الخصوص يجب أن يتسلح المواطن بالقوة والثبات، وأن يقول في كل يوم من حياته، وفي صميم ~~فؤاده، ما كان يقوله شريف # 1 # فاضل في ديات بولونية: «أفضل الحرية مع الخطر على السلم مع ~~العبودية.» # ولو وجد شعب من الآلهة لكانت حكومته ديمقراطية، فحكومة بالغة الكمال كهذه لا تلائم ~~الآدميين. # الفصل الخامس # | الأرستقراطية # لدينا هنا شخصان معنويان مختلفان كثيرا، وهما: الحكومة والسيد، ومن ثم إرادتان ~~عامتان، إحداهما بالنسبة إلى جميع المواطنين، والأخرى بالنسبة إلى أعضاء الإدارة، وهكذا ~~فإن الحكومة، وإن كانت تستطيع أن تنظم ضابطتها الداخلية كما يروقها، لا يمكنها أن ~~تخاطب الشعب بغير اسم السيد مطلقا، أي باسم الشعب نفسه، وهذا ما لا يجب أن ينسى ~~أبدا. # والمجتمعات الأولى حكمت في نفسها أرستقراطيا، وكان رؤساء الأسر يتشاورون فيما بينهم ~~حول الأمور العامة، وكان الشبان يذعنون لسلطان التجربة بلا سؤال، ومن هنا جاءت ~~الأسماء: الكهنة والشيوخ والسنات والجرونت، ولا يزال همج أمريكة الشمالية يحكمون في ~~أنفسهم على هذا الوجه حتى أيامنا، وحكومتهم حسنة جدا. # ولكن كلما تغلب تفاوت النظام على التفاوت الطبيعي فضل الثراء # 1 # أو السلطان على السن وأصبحت الأرستقراطية انتخابية، ثم بما أن السلطان الذي ~~يفضي إلى الأولاد مع أموال الأب يجعل الأسرة من الأشارف فإنه يجعل الحكومة وراثية ويرى ~~من أعضاء السنات من هم في العشرين من السن إذن. يوجد للأرستقراطية ثلاثة أنواع: طبيعية ~~وانتخابية ووراثية، فالأولى لا تلائم غير الشعوب البسيطة، والثالثة أسوأ جميع الحكومات، ~~والثانية أحسنها، وهي الأرستقراطية بالمعنى الصحيح. # وإذا عدوت الفرق بين السلطتين وجدتها قائمة على انتخاب أعضائها؛ وذلك لأن جميع ~~المواطنين في الحكومة الشعبية يولدون حكاما فتقصرهم هذه على عدد قليل، وهم لا يغدون ~~ذلك إلا بالانتخاب، # 2 # أي بهذه الوسيلة التي يكون بها الصلاح والإدراك والتجربة وجميع الأسباب ~~الأخرى للتفضيل والاحترام العام ضمناء جددا للحكم بروية. # وإلى ذلك أضف إنجاز المجالس أعمالها بما هو أكثر سهولة، والمناقشة فيها وتوجيهها بما ~~هو أكثر نظاما وأعظم همة، وكون اعتبار الحكومة أشد دعامة في الخارج ms061 بفضل سناتيين ~~أجلاء مما بجمهور مجهول أو محتقر. # والخلاصة أن أحسن ترتيب وأقربه إلى الطبيعة أن يحكم أرشد الناس في الجمهور عندما ~~يطمأن إلى أنهم يحكمون فيه نفعا له، لا نفعا لأنفسهم، ولا ينبغي، مطلقا، أن ~~تكثر النوابض عبثا، ولا أن ينال بعشرين ألف رجل ما يستطيع مائة رجل مختار أن ~~يصنعوا حتى ما هو أحسن منه، ولكن مما يجب أن يلاحظ كون مصلحة الهيئة تأخذ في توجيه ~~القوة العامة هنا على قاعدة الإرادة العامة بما هو أقل، ووجود ميل آخر لا مناص منه ينزع ~~من القوانين قسما من السلطة التنفيذية. # وأما من حيث ما يلائم فرديا فلا يجب أن تكون ~~الدولة من الضآلة والشعب من البساطة والاستقامة ما يتبع معه تنفيذ القوانين الإرادة ~~العامة من فوره كما في الديمقراطية الصالحة، ولا أن تكون الأمة من العظمة ما يقدر معه ~~كل من الرؤساء المفرقين للحكم فيه أن يظهر سيدا في ولايته وأن يصبح مستقلا؛ ~~ليصير ملكا في آخر الأمر. # ولكن الأرستقراطية إذا كانت لا تتطلب جميع ما تحتاج إليه الحكومة الشعبية من الفضائل ~~فإنها تقتضي فضائل أخرى خاصة بها؛ وذلك كالاعتدال في الأغنياء والقناعة في الفقراء، ~~وذلك لما يلوح من عدم صواب المساواة الوثيقة هنالك، وهذه المساواة لم توجد حتى في ~~إسبارطة. # ثم إذا كان شكل الحكومة هذا يحتمل تفاوتا في الثراء فذلك لكي يعهد في إدارة ~~الشئون العامة، على العموم، إلى من يستطيعون أن يقفوا عليها جميع أوقاتهم أحسن من ~~غيرهم، ولكن لا ليفضل الأغنياء دائما كما يزعم أرسطو، وعلى العكس يرى من المهم أن ~~يعرف الشعب، أحيانا، عن خيار مضاد، وجود أسباب تفضيل في مزية الرجال أهم من ~~الثراء. # الفصل السادس # | الملكية # حسبنا الأمير، حتى الآن، شخصا معنويا ألبيا متحدا بقوة القوانين وأمينا على ~~السلطة التنفيذية في الدولة، والآن يجب علينا أن نعد هذه السلطة مجتمعة في يد شخص ~~طبيعي، في يد شخص حقيقي، يحق يحق له وحده أن يتصرف فيها وفق القوانين، وهذا الشخص هو ما ~~يسمى ms062 عاهلا أو ملكا. # وعكس هذا حال الإدارات؛ حيث يمثل الموجود الألبي فردا، فتكون الوحدة المعنوية، التي ~~يتألف الأمير منها، وحدة طبيعية في الوقت عينه، فترى جميع الخصائص، التي يجمعها ~~القانون في الآخر بجهود كثيرة، مجتمعة اجتماعا طبيعيا. # وهكذا فإن إرادة الشعب وإرادة الأمير وقوة الدولة العامة وقوة الحكومة الخاصة أمور ~~تلائم كلها ذات الباعث، وإن جميع النوابض قبضة واحد، وإن الجميع يسير نحو غرض واحد، ~~فلا توجد حركات متخالفة متهادمة، ولا يمكن أن يتصور نظام كذلك يسفر أقل جهد فيه عن ~~أعظم عمل، ويخيل إلي، بأرخميدس الجالس هادئا على الشاطئ والجار مركبا كبيرا بلا ~~مشقة، ملك ماهر يدير ولاياته الواسعة من غرفته ويحرك كل شيء مع ظهوره ساكنا. # ولكن إذا لم توجد حكومة أكثر من تلك قوة فإنه لم يوجد من الحكومات ما تكون الإرادة ~~الخاصة فيه أكثر سيطرة وأسهل هيمنة على الإرادات الأخرى. أجل، إن الجميع يسير نحو ذات ~~الغرض، غير أن الغرض ليس السعادة العامة مطلقا، حتى إن قوة الإدارة ذاتها تبدي نفسها ~~مجحفة بالدولة دائما. # ويريد الملوك أن يكونوا مطلقين دائما، ومن بعيد ينادون بأن أحسن وسيلة إلى ذلك أن ~~يحببوا أنفسهم إلى رعاياهم، وهذا المبدأ رائع جدا، وهو صحيح جدا من بعض الوجوه، ومن ~~سوء الحظ أن يسخر منه في البلاطات دائما، ولا جرم أن السلطان الذي يأتي من حب ~~الرعية هو أعظم القوى، ولكنه موقت شرطي، وما كان الأمراء ليرضوا به مطلقا، ويرغب ~~أحسن الملوك أن يكونوا في وضع الخبثاء إذا ما راقهم هذا، وذلك من غير انقطاع عن أن ~~يكونوا سادة، وقد يقول واعظ سياسي لهم: بما أن قوة الشعب هي قوتهم فإن أعظم مصلحة لهم ~~هي في ازدهار الشعب وكثرته وهيبته، وهم يعلمون جيدا أن هذا غير صحيح، فأول ما تقوم ~~عليه مصلحتهم الشخصية هو أن يكون الشعب ضعيفا بائسا وألا يستطيع مقاومتهم مطلقا، ~~وأعترف، عند افتراض خضوع الرعية التام دائما، بأن مصلحة الأمير تقضي بأن يكون الشعب ~~قويا؛ وذلك لتجعله هذه القوة ms063 التي هي قوته مرهوبا لدى جيرانه، ولكن بما أن هذه ~~المصلحة ليست غير ثانوية تابعة، وبما أن كلا الافتراضين، القوة والخضوع، متناقض، فإن من ~~الطبيعي أن يعطي الأمراء مكان الأفضلية للمبدأ الذي هو أفيد لهم مباشرة، وهذا ما ~~عرضه صموئيل أمام العبريين بقوة، وهذا ما أظهره مكيافيلي بوضوح، ومكيافيلي؛ إذ تظاهر ~~بأنه يلقي دروسا على الملوك، ألقى ما هو عظيم منها على الشعوب، فكتاب «الأمير» ~~لمكيافيلي هو كتاب الجمهوريين. # 1 # ونعلم من العلائق العامة أن الملكية لا تلائم غير الدول الكبيرة، ونجد هذا عندما ~~ندرسها في حد ذاتها، وكلما كانت الإدارة العامة كثيرة نقصت علاقة الأمير برعاياه، ~~واقتربت من المساواة، وذلك بحيث تكون هذه العلاقة وحدة أو مساواة في الديمقراطية، ويزيد ~~هذا الفرق كلما تقبضت الحكومة، وهو يبلغ حده الأقصى عندما تصبح قبضة واحد، وهنالك ~~يوجد بون واسع بين الأمير والشعب وتفقد الدولة ارتباطها، ولا بد من المراتب المتوسطة ~~لتكوين هذا الارتباط، ولا بد من الأمراء والعظماء والأشراف لملئه، بيد أن مثل هذه ~~الأمور لا يلائم دولة صغيرة حيث جميع هذه المراتب تقوضها. # ولكن إذا كان من الصعب أن تحسن إدارة دولة كبيرة فإن من الصعب أكثر من ذلك أن تدار من ~~قبل رجل واحد إدارة حسنة، فكل يعلم ما يحدث عندما ينيب الملك عنه أناسا ~~آخرين. # ويوجد عيب جوهري لا مفر منه يضع الحكومة الملكية دائما دون الحكومة الجمهورية، وهو ~~أن الصوت العام في الحكومة الجمهورية لا يرفع إلى المراتب الأولى، تقريبا، غير أناس ~~منورين قادرين يملئونها بشرف، مع أن أولئك الذين يبلغون المعالي في الملكيات هم، في ~~الغالب، من صغار الشطار وصغار ذوي الدسائس وصغار المفسدين الذين يصلون بمواهبهم ~~الحقيرة إلى المناصب العالية في البلاطات فتبدو غباوتهم للجمهور فور انتهائهم إليها، ~~ويكون الشعب أقل زللا من الأمير في هذا الاختيار، ويندر وجود الرجل ذي المزية الحقيقية ~~بين وزراء الملك، تقريبا، ندرة وجود رجل ذي جهالة على رأس حكومة جمهورية، وهكذا إذا ~~ما قضى حسن الحظ بأن يقبض على ms064 زمام الأمور أحد هؤلاء الرجال المفطورين على الحكم، وذلك ~~في ملكية فسدت تقريبا بتلك الأكداس من المديرين اللطفاء، بهت الناس من الوسائل التي ~~يجدها، وعد ظهوره دورا جديدا في تاريخ بلاده. # ويجب، لحسن إدارة الدولة الملكية، أن يقاس عظمها أو اتساعها بجدارة الحاكم فيها، ~~فالفتح أسهل من الإدارة. أجل، يمكن أن يستعان بعتلة كافية فيرج العالم بإصبع ~~واحدة، غير أنه لا بد من كتفي هركول لدعمه، ومهما تكن الدولة صغيرة فإن الأمير يكون ~~دونها صغرا على الدوام تقريبا، وعلى العكس إذا كانت الدولة صغيرة جدا بالنسبة إلى ~~رئيسها، وهذا ما يندر وقوعه إلى الغاية، فإنه يساء الحكم فيها أيضا؛ وذلك لأن الرئيس ~~إذ يتبع اتساع أغراضه دائما فإنه ينسى مصالح رعاياه ولا يجعلهم أقل بؤسا بإساءة ~~استعمال مواهبه مما يجعلهم رئيس دونه جدارة عن عوز إلى ما ليس عنده، وهكذا على المملكة ~~أن تنبسط أو تنقبض مع كل عهد على حسب مدارك الأمير، ولكن بما أن مواهب السنات أثبت ~~كمية فإنه يمكن الدولة أن تكون ذات حدود دائمة من غير أن تكون الإدارة دون ذلك حسن ~~سير. # وأكثر ما يحس في حكومة الفرد من محذور هو عدم تلك الوراثة المتصلة التي تجعل في ~~الحكومتين الأخريين اتصالا غير منقطع، فإذا مات ملك افتقر إلى آخر، وتدع ~~الانتخابات فترات خطرة، وهي عاصفة، وتكثر الدسائس والفساد في تلك الحكومة ما لم ~~يتحل المواطنون بما لا تحتمله من نزاهة وإخلاص، ومن الصعب ألا يبيع الدولة بدوره ~~من باعت الدولة نفسها منه، وألا يعوض نفسه على حساب الضعفاء من النقد الذي ~~اعتصره الأقوياء منه، وفي إدارة كهذه تنتشر الرشوة عاجلا أو آجلا، وما يتمتع به ~~من أمن في عهد الملوك على هذا الوجه شر من فوضى فترات الملك. # وماذا صنع لتلافي هذه الشرور؟ جعلت التيجان وراثية في بعض الأسر، ووضع نظام ~~للوراثة مانع لكل نزاع عند موت الملوك، أي إن محذور الوصايات على العرش أقيم مقام محذور ~~الانتخابات، وإن الهدوء الظاهر فضل على الإدارة الرشيدة، ms065 وإن مغامرة اتخاذ أولاد أو ~~شكس أو بله رؤساء رجحت على الخصام حول اختيار ملوك صالحين، ونحن إذا لم ننظر ~~إلى هذا بعين الاعتبار، وذلك بتعريضنا أنفسنا لمخاطر التناوب، فإننا نوجه جميع ~~المصادفات تقريبا ضد أنفسنا ومن الكلام الرصين جواب الشاب ديونيزيوس لأبيه الذي أنبه ~~على قيامه بعمل شائن، وذلك حين سأله: «ألم أعطك المثل؟» «وي، لم يكن أبوك ~~ملكا!» # وكل يتسابق ليخطف العدل والعقل من الرجل الذي نشئ ليتولى أمر الآخرين، ويقال: إنه ~~يعاني كثير نصب لتعليم شباب الأمراء فن الحكم، ولا يلوح أن هذه التربية تفيدهم، وخير من ~~ذلك أن يبدأ بتعليمهم فن الطاعة، ولم يدرب على الحكم قط أعاظم الملوك الذين رفع ~~التاريخ ذكرهم، فالحكم علم لا نبتعد عن نيله مطلقا بمقدار ما نتعلم منه كثيرا، وهو ~~علم نناله بالطاعة أحسن مما نناله بالقيادة؛ «وذلك لأن أقوم وسيلة وأقصر طريقة للتمييز ~~بين الخير والشر هو أن تسأل نفسك عما تريد وما لا تريد إذا ما كان غيرك ملكا». # 2 # ومن نتائج عدم الالتحام هذا تقلب الحكومة الملكية، التي تنظم نفسها وفق ~~منهاج تارة، ووفق منهاج آخر تارة أخرى، وعلى حسب طبع الأمير أو على حسب أخلاق من ~~يحكمون نيابة عنه، فلا يمكن أن يكون لها غرض ثابت ولا نهج موافق لزمن طويل، أي ذلك ~~التقلب الذي يجعل الدولة مذبذبة دائما بين مبدأ ومبدأ، وبين مشروع ومشروع، والذي لا ~~محل له في الحكومات الأخرى حيث يكون الأمير عينه دائما، ولذا يرى، على العموم، أنه إذا ~~وجد كيد كبير في بلاط وجد عظيم حكمة في سنات، وأن الجمهوريات تسير نحو مقاصدها ببصائر ~~أكثر ثباتا وأحسن انتظاما، وذلك بدلا مما يحدثه من انقلاب في الدولة كل انقلاب ~~في الوزارة الملكية، وذلك ما دام المبدأ المشترك، بين جميع الوزراء، وجميع الملوك ~~تقريبا، هو سلوك سبيل معاكسة لسبيل سلفهم في كل أمر. # ومن عدم الالتحام ذلك يستخرج حل لسفسطة معروفة كثيرا لدي السياسيين ~~الملكيين، وذلك ألا يقتصر على قياس الحكومة الملكية بالحكومة ms066 الأهلية وعلى قياس الأمير ~~برب الأسرة، وهذا خطأ قد دحض، بل أن يتناول ذلك، أيضا، منح هذا الأمير بسخاء كل ما ~~يحتاج إليه من الفضائل، وافتراضا، دائما لحيازة الأمير ما يجب أن يكونه، افتراضا ~~تكون الحكومة الملكية به أفضل من سواها صراحة؛ لأنها الأكثر قوة لا مراء، وهي، لكي تكون ~~الأكثر صلاحا، لم يعوزها غير إرادة هيئة أكثر ملاءمة للإرادة العامة. # ولكن الملك عن طبيعة إذا كان شخصية بالغة الندرة، كما يرى أفلاطون، # 3 # فما هو عدد المرات التي تتفق فيها الطبيعة والطالع لتتويجه؟ وإذا كانت ~~التربية الملكية تفسد بحكم الضرورة من يتلقونها فما يجب أن يرجى من سلسلة ~~الرجال الذين نشئوا للحكم؟ من أجل ذلك كان من العبث خلط الحكومة الملكية بحكومة ~~الملك الصالح، وعلى من يود رؤية الحكومة كما هي أن ينظر إليها وهي تحت أمراء عاجزين ~~أو خبثاء؛ وذلك لأنهم إما أن يبلغوا العرش خبثاء أو عاجزين أو أن العرش يجعلهم ~~هكذا. # أجل، لم تفت هذه المصاعب مؤلفينا، غير أنهم لم يبالوا بها قط، وهم يقولون: إن العلاج ~~هو الطاعة بلا تذمر، فالرب يبعث أشرار الملوك عن غضب، فيجب احتمالهم كعقاب من عنده، ~~ولا ريب في أن مثل هذا الكلام موجب للعبرة، ولكنه أجدر بالمنابر مما بكتاب في السياسة، ~~وما نقول عن طبيب يعد بالمعجزات فيقوم جميع فنه على حث مريضه على الصبر؟ ونعلم جيدا ~~ضرورة الصبر على حكومة سيئة عند وجودها، والمسألة في الفوز بحكومة صالحة. # الفصل السابع # | الحكومات المركبة # لا حكومة بسيطة بحصر المعنى، فلا بد للرئيس المنفرد من حكام تابعين، ولا بد للحكومة ~~الشعبية من رئيس، وهكذا يوجد في توزيع السلطة التنفيذية دائما تسلسل من العدد الأكبر ~~إلى الأقل، وذلك مع الفرق القائل باتباع العدد الأكبر للأصغر تارة واتباع العدد الأصغر ~~للأكبر تارة أخرى. # ويكون التوزيع متساويا أحيانا، وذلك عندما يكون بعض الأقسام المكونة تابعا لبعض ~~اتباعا متبادلا كما في حكومة إنكلترة، أو عندما تكون سلطة كل قسم مستقلة، ولكن ~~ناقصة، كما في بولونية، ms067 وهذا الطراز الأخير سيئ؛ لعدم وجود وحدة في الحكومة مطلقا، ~~ولافتقار الدولة إلى رابطة. # وأي الحكومتين أصلح من الأخرى، آلحكومة البسيطة، أم الحكومة المركبة؟ هذه مسألة ~~جادل فيها المؤلفون السياسيون كثيرا، فيجب أن يجاوب عنها بذات الجواب الذي أتيته عن ~~جميع أشكال الحكومة آنفا. # والحكومة البسيطة هي الأصلح بنفسها عن كونها بسيطة فقط، بيد أن السلطة التنفيذية إذا ~~كانت غير تابعة للسلطة الاشتراعية بما فيه الكفاية، أي إذا كانت صلة الأمير بالسيد أكثر ~~من صلة الشعب بالأمير، وجب تدارك هذا النقص في النسبة بتقسيم الحكومة؛ وذلك لأنه لا ~~يكون لجميع أقسامها حينئذ سلطان أقل من ذلك على الرعايا، ولأن تقسيمهم يجعلهم كلهم أقل ~~قوة تجاه السيد. # ويتلافى عين المحذور أيضا بنصب حكام متوسطين يصلحون، بتركهم الحكومة على ~~تمامها، لموازنة ما بين السلطتين وصيانة حقوقهما المتقابلة فقط، وهنالك تعود الحكومة ~~غير مركبة وتكون معدلة. # وبوسائل مماثلة يمكن تلافي المحذور المعاكس، فمتى كانت الحكومة رخوة كثيرا أمكن ~~إقامة محاكم لتضامها، وهذا يزاول في جميع الديمقراطيات، وتقسم الحكومة في الحال ~~الأولى لإضعافها، وتقسم في الحال الثانية لتقويتها؛ وذلك لأن الحدود القصوى للقوة ~~والضعف توجد في الحكومات البسيطة على السواء، وذلك على حين تسفر الأشكال المركبة ~~عن قوة متوسطة. # الفصل الثامن # | لا يلائم كل شكل للحكومة جميع البلدان # بما أن الحرية ليست ثمرة جميع الأقاليم فإن جميع الأمم لا تطول إليها، وكلما فكر ~~في هذا المبدأ الذي وضعه مونتسكيو شعر بصحته، وكلما جودل فيه لاحت فرصة لتأييده ~~بأدلة جديدة. # والشخص العام في جميع حكومات العالم يستهلك ولا ينتج شيئا، ومن أين تأتيه المادة ~~المستهلكة إذن؟ تأتيه من كد أعضائه، والذي يفيض عن الأفراد هو ما ينتج حاجي ~~الجمهور، ومن ثم ينشأ عجز الدولة المدنية عن البقاء إلا بالمقدار الذي يقدمه عمل الناس ~~من زيادة على احتياجاتهم. # والواقع أن هذه الزيادة ليست واحدة في جميع بلاد العالم، فهي عظيمة في كثير منها، وهي ~~متوسطة أو لا يؤبه لها أو معدومة في بلدان أخرى، وتتوقف هذه ms068 النسبة على خصب الإقليم ~~ونوع العمل الذي تقتضيه الأرض وطبيعة إنتاجها وقوة أهليها ومقدار ما هو ضروري لهم من ~~الاستهلاك وكثير من النسب الأخرى المماثلة التي تتألف منها. # ومن جهة أخرى ترى جميع الحكومات من غير ذات الطبيعة، فبعض الحكومات أقل شرها من ~~بعض، وتقوم الفروق على المبدأ الآخر القائل: إن الضرائب العامة كلما ابتعدت عن منبعها ~~زادت رهقا، وليس مقدار الضرائب هو الذي يجب أن يقاس عليه ذلك التكليف، بل المنهاج الذي ~~عليها أن تسلكه للعود إلى الأيدي التي خرجت منها، وإذا ما كان هذا التداول سريعا حسن ~~الوضع لم يكن من المهم قلة الدفع أو كثرته، فالشعب غني دائما وتسير المالية سيرا ~~مرضيا بلا انقطاع، وعلى العكس إذا قل ما يعطي الشعب، ولم يعد هذا القليل إليه قط، ~~فإنه لا يلبث أن يهن عن إعطاء دائم، وهنالك لا تكون الدولة غنية مطلقا، ويكون الشعب ~~فقيرا دائما. # وينشأ عن ذلك كون المسافة بين الشعب والحكومة كلما زادت أصبحت الضرائب ثقيلة، وهكذا ~~يكون الشعب في الديمقراطية أقل وقرا وفي الأرستقراطية أعظم ثقلا وفي الملكية ~~أشد حملا، ولذا لا تلائم الملكية غير الشعوب الموسرة، ولا تلائم الأرستقراطية غير ~~الدول المتوسطة الثراء والاتساع، ولا تلائم الديمقراطية غير الدول الصغيرة ~~والفقيرة. # والحق أنه كلما أنعم النظر في ذلك وجد فرق بين الدول الحرة والملكيات، ~~وكل في الأولى يستعمل في سبيل النفع العام، وتكون القوى العامة والخاصة متبادلة ~~في الأخرى، فتزيد إحداها بضعف الأخرى، ثم إن الاستبداد يجعل الرعايا بائسين للحكم فيهم ~~بدلا من الحكم فيهم ليكونوا سعداء. # ونجد في كل إقليم، إذن، عوامل طبيعية يمكن أن يمنح بها شكل الحكومة الذي تؤدي إليه ~~قوة الإقليم، ويقال بها ما يجب أن تشتمل عليه من نوع الأهلين، فيجب أن تظل الأماكن ~~الجديبة الجارزة، حيث لا يعدل الدخل العمل، برية بائرة، أو أن تكون آهلة بالهمج، ~~ويجب أن تكون الأماكن، التي لا ينتج عمل الناس فيها غير الحاجي، مأهولة ببرابرة لتعذر ~~كل نظام فيها، فالأماكن التي ms069 تكون زيادة الدخل على العمل قليلة فيها تلائم الشعوب ~~الطليقة، وتستدعي الأماكن التي تكون فيها الأرضون كثيرة خصيبة، فتغل كثيرا بعمل ~~قليل، حكما ملكيا لينفق ما يفيض من زوائد الرعايا على كمالي الأمير؛ وذلك لأنه ~~يرجح استنفاد هذا الفائض من قبل الحكومة على تبديده من قبل الأفراد، وأعلم وجود ~~شواذ لهذا، غير أن هذه الشواذ ذاتها تؤيد القاعدة، وذلك عن كونها تؤدي، عاجلا أو ~~آجلا، إلى ثورات ترد الأمور إلى النظام الطبيعي. # ولنفرق دائما بين القوانين العامة والعوامل الخاصة التي يمكن أن تغير فعلها، وإذا ~~ستر جميع الجنوب بجمهوريات وجميع الشمال بدول مستبدة لم يكن أقل من هذه حقيقة ~~ملاءمة الاستبداد للبلاد الحارة والبربرية للبلاد الباردة والنظام الصالح للبقاع ~~المتوسطة بفعل الإقليم، وأرى، أيضا، أنه إذا ما سلم بالمبدأ أمكن الجدال حول ~~التطبيق، فيمكن القول بوجود بلاد باردة بالغة الخصب وبلاد جنوبية بالغة الجدب، بيد أن ~~هذه المشكلة لا تبدو لغير من لا ينظرون إلى الأمر من جميع وجوهه، فيجب أن يحسب ~~حساب العمل والقوة والاستهلاك، إلخ، كما قلت آنفا. # ولنفترض وجود أرضين متساويتين اتساعا فتغل إحداهما خمسة والأخرى عشرة، فإذا كان أهل ~~الأولى يستهلكون أربعة وأهل الأخرى تسعة فإن فائض الإنتاج الأول يكون خمسا وفائض ~~الإنتاج الثاني يكون عشرا، وبما أن نسبة هذين الفائضين تكون على عكس نسبة الإنتاجين ~~فإن الأرض التي لا تغل غير خمسة تمنح فضلة تعدل ضعفي فضلة الأرض التي تغل عشرة. # ولكن لا قول حول غلة مضاعفة، ولا أعتقد وجود أحد يجرؤ على جعل خصب البلاد الباردة ~~مساويا لخصب البلاد الحارة كقاعدة عامة، ومع ذلك دعنا نفترض وجود هذه المساواة، ودعنا، ~~إذا ما أردتم، نجعل إنكلترة على مستوى صقلية، ونجعل بولونية على مستوى مصر، فإذا أمعنا ~~في الجنوب وجدنا إفريقية والهند، وإذا أمعنا في الشمال لم نجد شيئا، وما يجب أن يكون ~~من فرق في الفلاحة نيلا لهذه المساواة في الإنتاج؟ لا اضطرار إلى غير حراثة الأرض ~~حرثا خفيفا في صقلية، وما أكثر ما يحتاج ms070 إلى العناية في إنكلترة لفلحها! والواقع ~~أنه كلما اضطر إلى ذرعان نيلا لعين الغلة وجب أن يكون الفائض قليلا بحكم ~~الضرورة. # وفضلا عن ذلك لاحظوا أن ذات المقدار من الآدميين يكون أقل استهلاكا إلى الغاية في ~~البلاد الحارة حيث يتطلب الإقليم قناعة الإنسان ليكون ذا عافية، فالأوربيون الذين ~~يرغبون في العيش هنالك كما في بلادهم يهلكون جميعهم بالزحار والتخمة. قال ~~شاردان: «نكون من الضواري والذئاب عند قياسنا بالآسيويين، ويعزو بعضهم قناعة الفرس إلى ~~كون بلدهم أقل فلحا، وعلى العكس أعتقد أن بلدهم أقل زخرا بالغلال؛ لكون سكانها أقل ~~احتياجا إليها، وإذا كان زهدهم نتيجة جدب البلد لم يكن غير الفقراء فيه من يأكلون ~~قليلا مع أن هذا شأن جميع الناس على العموم، ويؤكل في كل ولاية كثيرا أو قليلا على ~~حسب خصب البلد مع أن ذات القناعة توجد في جميع المملكة، وهم يفاخرون بطراز عيشهم ~~قائلين: إنه يكفي النظر إلى لونهم ليعرف مقدار كونه أجود من لون النصارى، والواقع أن ~~لون الفرس متعادل، وأنهم ذوو جلد جميل ناعم صقيل، على حين يبدو لون رعاياهم الأرمن ~~الذين يعيشون على الطريقة الأوربية خشنا ذا بثور وتظهر أبدانهم سمينة ~~ثقيلة.» # وكلما اقترب من خط الاستواء عاشت الشعوب من القليل، وهي لا تأكل لحما تقريبا، ~~ويعد الأرز والذرة والكسكسو والدخن والكصوة أغذيتهم العادية، وتجد في ~~الهند ملايين من الآدميين لا يكلف غذاؤهم اليومي فلسا واحدا، ونرى في أوربة نفسها ~~فروقا محسوسة في شهوة الطعام بين شعوب الشمال وشعوب الجنوب، فالإسباني يعيش ثمانية ~~أيام من غداء الألماني، ويتحول إلى أمور الاستهلاك أيضا في البلدان التي يكون الناس ~~فيها أشد شرها إلى الكمالي، ويتبين الكمالي في إنكلترا على مائدة مثقلة ~~باللحوم، وتتخمون بالسكر والأزهار على الموائد في إيطالية. # ويظهر الكمالي في الثياب مثل تلك الفروق أيضا، ففي الأقاليم التي يكون تقلب الفصول ~~سريعا عنيفا فيها تلبس ثياب أكثر صلاحا وأعظم بساطة، وفي الأقاليم التي لا ~~يلبس فيها إلا للزينة يبحث عن اللمع أكثر مما عن النفع، ms071 وتكون الثياب فيها كمالية ~~بنفسها، وفي نابل ترون كل يوم أناسا يتنزهون في جبل البوزيليب لابسين حللا ~~مذهبة دون سواها، وقل مثل هذا عن المباني، فالبهاء هو كل ما يعنى به عندما لا ~~يخشى شيء من متالف الهواء، وفي باريس ولندن يرغب في السكن الدفيء الهنيء، وفي مدريد ~~توجد رداه رائعة، ولكن من غير نوافذ تغلق، وتنامون في نخاريب مجردة. # وتكون الأطعمة في البلاد الحارة أكثر تغذية وعصارة، وهذا فرق ثالث لا يمكن إلا أن ~~يكون مؤثرا في الثاني، ولم يؤكل كثير من الخضر في إيطالية؟ لأنها جيدة مغذية لذيذة ~~الطعم فيها، وفي فرنسة، حيث تقات بالماء فقط، لا تغذي مطلقا، ولا يؤبه لها على ~~الموائد تقريبا، وهي لا تشغل مكانا أقل من ذلك مع ذلك، وهي تكلف تعبا في زراعتها ~~بمثل ذلك على الأقل، ومن التجارب الواقعة كون بلاد المغرب، التي هي دون بلاد فرنسة من ~~نواح أخرى، تنتج دقيقا كثيرا جدا وكون بلاد فرنسة تنتج من ناحيتها دقيقا أكثر مما ~~تنتج بلاد الشمال، ومن ثم يمكن أن يستنتج كون مثل هذا التدرج يلاحظ على العموم في عين ~~الاتجاه من خط الاستواء إلى القطب، أليس من النقصان الواضح في الحقيقة أن ينال أقل ~~مقدار من الغذاء في إنتاج معادل؟ # وإلى جميع هذه النقاط يمكنني أن أضيف نقطة أخرى ناشئة عنها مقوية لها، وهي كون البلاد ~~الحارة أقل احتياجا إلى السكان من البلدان الباردة، وكونها تستطيع أن تغذي أهلين أكثر ~~مما تغذي، وهذا ما يسفر عن فائض مضاعف نفعا للاستبداد، وكلما شغل ذات العدد من السكان ~~مساحة كبيرة صعب اشتعال الفتن، وذلك لتعذر الائتمار بسرعة وخفاء، ولأنه يسهل على ~~الحكومة دائما أن تحبط الخطط وأن تسد المنافذ، غير أن الشعب الكثير العدد كلما ~~تدانى قلت قلت استطاعة الحكومة أن تعتدي على السيد، فالزعماء يأتمرون في غرفهم بأمان ~~ائتمار الأمير في مجلسه، والجمهور يتجمع في الميادين من فوره تجمع الكتائب في ~~معسكراتها، ولذا تكون فائدة الحكومة الطاغية من ذلك أن تسير ms072 على مسافات واسعة، وهي بفضل ~~ما تتخذ من نقاط ارتكاز تزيد قوتها في البعد كزيادة قوة العتل، # 1 # وعلى العكس لا تعمل قوة الشعب إلا متجمعة، وهي تضمحل وتزول بتمددها كفعل ~~البارود المنتثر على الأرض فلا يشتغل إلا حبة بعد حبة، وهكذا فإن أقل البلدان سكانا ~~أصلحها للطغيان، فالضواري لا تسيطر على غير الصحاري. # الفصل التاسع # | علامات الحكومة الصالحة # إذن، عندما يسأل إطلاقا عن أصلح حكومة يوضع سؤال معضل كغير محدد، وإن شئت فقل إن ~~لهذا السؤال حلولا صالحة كثيرة كثرة التراكيب الممكنة في أوضاع الشعوب المطلقة ~~والنسبية. # ولكنه إذا ما سئل عن العلامة التي يمكن أن يعرف بها كون أحد الشعوب محكوما فيه ~~حكما صالحا أو سيئا اختلف الأمر وأمكن حل المسألة الواقعية. # ومع ذلك فإنها لا تحل مطلقا؛ وذلك لأن كل واحد يرغب في حلها على شاكلته، ويثني ~~الرعايا على الراحة العامة، ويمتدح المواطنون حرية الأفراد، فيفضل أحدهم ضمان ~~التصرفات ويفضل الآخر ضمان الأشخاص، ويرى أحدهم أن أصلح الحكومات أشدها ويذهب الآخر إلى ~~أن أصلحها ألينها، ويود هذا أن يعاقب على الجرائم، ويود ذاك منع وقوعها، ويجد أحدهم أن ~~من الجميل أن يخشى من الجيران، ويحب الآخر أن يجهل من قبلهم، ويسر أحدهم ~~بتداول النقد ويتطلب الآخر أن يحوز الشعب خبزا، حتى إنه إذا ما اتفق حول هذه ~~النقاط وما ماثلها فهل يعني هذا تقدمنا أكثر من قبل؟ وبما أنه يعوز المقادير الأدبية ~~قياس دقيق فإذا ما اتفق على العلامة فكيف يتفق على التقدير؟ # ومن جانبي أعجب دائما من جهل علامة بالغة هذه البساطة، أو من عدم الاعتراف بها عن ~~سوء نية، وما غاية الجمعية السياسية؟ صيانة أعضائها وفلاحهم. وما أضمن علامة لصيانتهم ~~وفلاحهم؟ عددهم وأهلوهم. ولا تذهبوا بعيدا، إذن، للبحث عن هذه العلامة المجادل فيها ~~كثيرا، ثم بما أن كل شيء متساو فإن الحكومة التي يعمرها المواطنون ويزيدونها ~~أكثر من قبل، وذلك من غير عون خارجي أو تجنيس أو جاليات، هي أصلح الحكومات لا ريب، وإن ~~الحكومة ms073 التي يقل رعاياها ويفنون هي أسوؤها، فيا أيها العادون! الآن ترك لكم أمر ~~الحساب والقياس والمقابلة. # 1 # الفصل العاشر # | إساءة استعمال الحكومة وتدرجها إلى الانحطاط # كما أن الإرادة الخاصة تسير بلا انقطاع معاكسة للإرادة العامة تقوم الحكومة بجهد ~~مستمر ضد السيادة، وكلما زاد هذا الجهد فسد النظام، وبما أنه لا يوجد هنا، مطلقا، ~~إرادة أخرى للهيئة توازن إرادة الأمير وهي تقاومها فإن الذي يحدث عاجلا أو آجلا كون ~~الأمير يضطهد السيد ويلغي العهد الاجتماعي، وهنا العيب الملازم الحائق الذي يفضي بلا ~~مهل إلى تقويض الهيئة السياسية منذ ولادتها كما يقوض الهرم والموت بدن ~~الإنسان. # ويوجد سبيلان عامان تنحط بهما الحكومة، أي عندما تتقبض أو عندما تنحل الدولة. # وتتقبض الدولة عندما تسير من العدد الكبير إلى القليل، أي من الديمقراطية إلى ~~الأرستقراطية ومن الأرستقراطية إلى الملكية، وهنالك ميلها الطبيعي، # 1 # وهي إذا تقهقرت من العدد الصغير إلى الكبير أمكن القول بأنها ترتخي، غير أن ~~هذا التقدم المعاكس مستحيل. # والحق أن الحكومة لا تغير شكلها إلا حين يدعها نابضها البالي من الضعف ما لا تستطيع ~~معه أن تحفظ شكلها، والحق أنها ترتخي أيضا عند تمددها، فتصبح قوتها قاصرة تماما وتكون ~~أقل بقاء، فيجب، إذن، أن يرجع إلى النابض وأن يشد كلما ارتخى، وإلا انهارت ~~الدولة التي يمسكها. # ويمكن أن يقع انحلال الدولة على وجهين: # أولا: عندما ينقطع الأمير عن إدارة الدولة وفق القوانين ويغتصب السلطة ذات السيادة، ~~وهنالك يقع تغيير عجيب، وذلك أن الدولة، لا الحكومة، تتقلص، وبهذا أعني أن الدولة ~~الكبيرة تنحل وتتألف منها دولة أخرى مركبة من أعضاء الحكومة فقط تكون تجاه بقية الشعب ~~سيدته وطاغيته، حتى إذا ما اغتصبت الحكومة السيادة نقض الميثاق الاجتماعي وحمل ~~المواطنون، العائدون إلى حريتهم الطبيعية عن حق، على الطاعة من غير ارتباط. # ويقع ذات الحال أيضا عندما يغتصب أعضاء الحكومة على انفراد ما لا ينبغي لهم أن ~~يمارسوه من سلطان إلا كهيئة، وهذا ما ينطوي على نقض للقوانين، ويؤدي إلى أعظم فساد، ~~وهنالك يوجد، ms074 كما أقول، من الأمراء بمقدار الحكام، فتهلك، أو تغير شكلها، الدولة ~~التي هي ليست أقل من الحكومة انقساما. # ومتى انحلت الدولة اتخذ سوء استعمال الحكومة، مهما كان أمره، اسم الفوضى الشائع، ~~فتنحط الديمقراطية، عن تمييز، إلى حكومة عوام والأرستقراطية إلى حكومة أعيان، وإلى هذا ~~أضيف انحطاط الملكية إلى طغيان، بيد أن هذه الكلمة الأخيرة مبهمة، وتحتاج إلى ~~إيضاح. # إن الطاغية، في الاصطلاح العامي، ملك يملك بعنف ومن غير مراعاة للعدل والقوانين، ~~والطاغية، في المعنى الدقيق، فرد ينتحل السلطان الملكي من غير أن يكون له حق في ذلك، ~~وكان الأغارقة يطلقون كلمة الطاغية، بلا تفريق، على الصلاح والطلاح من الأمراء ~~الذين لم يكن سلطانهم شرعيا، # 2 # وهكذا فإن الطاغية والغاصب كلمتان مترادفتان تماما. # وإذا ما جاز لي إطلاق أسماء مختلفة على أشياء مختلفة دعوت غاصب السلطان الملكي ~~طاغية ودعوت غاصب السلطة ذات السيادة مستبدا، والطاغية هو الذي يتدخل ضد القوانين في ~~الحكم وفق القوانين، والمستبد هو الذي يضع نفسه فوق القوانين نفسها، وهكذا قد لا ~~يكون الطاغية مستبدا، ولكن المستبد طاغية على الدوام. # الفصل الحادي عشر # | موت الهيئة السياسية # ذلك هو الميل الطبيعي الملازم لأحسن الحكومات نظاما، وإذا كانت إسبارطة ورومة قد ~~هلكتا؛ فأية دولة يمكن أن ترجو البقاء دائما؟! وإذا أردنا إقامة نظام دائم فلا ~~نحلم مطلقا بجعله خالدا إذن، ولا ينبغي، للنجاح، أن يحاول المستحيل، ولا أن نعلل ~~أنفسنا بمنح عمل الآدميين من الصلابة ما لا تحتمله الأحوال البشرية. # ويبدأ الكيان السياسي، ككيان الإنسان، بالموت منذ ولادته، وهو يحمل في ذاته أسباب ~~زواله، بيد أنه يكون لكل من الكيانين نظام على شيء من القوة صالح لحفظه زمنا ~~طويلا أو قصيرا، ونظام الإنسان من عمل الطبيعة، ونظام الدولة من عمل الفن، ولا يتوقف ~~على الناس إطالة حياتهم، وعلى الناس يتوقف إطالة حياة الدولة بمنحها أحسن نظام ممكن. ~~أجل، إن للدولة المنظمة أحسن تنظيم نهاية، ولكن هذه النهاية تأتي متأخرة عن غيرها ما ~~لم يؤد حادث مفاجئ إلى هلاكها قبل الأوان. ms075 # ويقوم مبدأ الحياة السياسية على السلطة ذات السيادة، وتعد السلطة الاشتراعية قلب ~~الدولة، وتعد السلطة التنفيذية دماغها الذي يوجب حركة جميع الأجزاء، وقد يصاب الدماغ ~~بالفالج ويظل الفرد حيا، وقد يبقى الإنسان أبله ويعيش، ولكن القلب إذا ما انقطع عن ~~القيام بوظائفه مات الحيوان. # وبالسلطة الاشتراعية، لا بالقوانين، تبقى الدولة، ولا يلزم اليوم بقانون الأمس، ~~غير أن القبول الضمني يفترض بالسكوت، ويحسب السيد مؤيدا بلا انقطاع للقوانين التي لا ~~يلغيها كما يستطيع، وكل ما يصرح بأنه أراد مرة يريده دائما ما لم ينقض ~~تصريحه. # ولم تحترم القوانين القديمة كثيرا إذن؟ ذلك لذات السبب، ويجب أن يعتقد ~~أنه لا يوجد غير حسن العزائم القديمة ما استطاع حفظها زمنا طويلا، وإذا كان السيد لا ~~يعترف بفائدتها بلا انقطاع ألغاها ألف مرة، ولهذا تنال القوانين باستمرار قوة جديدة في ~~جميع الدولة الحسنة التنظيم بدلا من أن تهن ، وتجعلها سابقة القدم أكثر حرمة في كل ~~يوم، فبينا تضعف القوانين مع العمر في كل مكان يدل هذا على عدم وجود السلطة ~~الاشتراعية وعلى أن الدولة تموت. # الفصل الثاني عشر # | كيف تدوم السلطة صاحبة السيادة # بما أنه ليس للسيد قوة غير السلطة الاشتراعية فإنه لا يؤثر بغير القوانين، وبما أن ~~القوانين ليست غير أعمال رسمية للإرادة العامة فإن السيد لا يؤثر إلا عندما يجتمع ~~الشعب، وأقول: إن اجتماع الشعب وهم، وهو اليوم وهم، ولكنه كان غير ذلك منذ ألفي سنة، ~~فهل تغيرت طبيعة الناس؟ # وإن حدود الممكن في الأمور الأدبية أضيق مما نتصور، وإن وهناتنا ومعايبنا ~~ومبتسراتنا هي التي تضيقها، ولا تؤمن النفوس الوطيئة بعظماء الرجال مطلقا، ~~ويتبسم أراذل العبيد ابتسام سخرية من كلمة الحرية هذه. # ودعنا نحكم بما صنع فيما يمكن أن يصنع، ولا أتكلم عن جمهوريات اليونان ~~القديمة، ولكن يلوح لي أن الجمهورية الرومانية كانت دولة عظيمة، وأن مدينة رومة كانت ~~مدينة كبيرة، ويدل آخر إحصاء على احتواء رومة أربعمائة ألف مواطن قادر على حمل السلاح، ~~ويدل آخر إحصاء للإمبراطورية على أكثر من أربعة ms076 ملايين مواطن عدا الرعايا والأجانب ~~والنساء والأولاد والعبيد. # وما أكثر ما نتمثل من مصاعب في جمع أهل هذه العاصمة وجوارها الكثيرين تكرارا! ومع ~~ذلك كانت لا تمر أسابيع قليلة قبل أن يجتمع الشعب الروماني، وكان هذا يقع عدة ~~مرات، وكان لا يمارس حقوق السيادة وحدها، بل كان يمارس قسما من حقوق الحكومة أيضا، ~~وكان يعالج بعض المسائل، وكان يحكم في بعض القضايا، وكان جميع هذا الشعب حاكما في ~~الميدان العام أكثر من أن يكون مواطنا في الغالب. # وإذا ما رجعنا إلى أزمنة الأمم الأولى وجدنا أنه كان لمعظم الحكومات القديمة، حتى ~~الملكيات كحكومات المقدونيين والفرنج، مجالس مماثلة لتلك، ومهما يكن من أمر فإن هذا ~~الشيء الوحيد الذي لا جدال فيه ينطوي على جواب عن جميع المصاعب، وإن من المنطق الصالح ~~أن يبصر الممكن من الواقع. # تكملة # لا يكفي أن يكون الشعب المجتمع قد قرر لمرة واحدة نظام الدولة بتأييده ~~قانونا معينا، ولا يكفي أن يكون قد أقام حكومة دائمة، أو يكون قد قام لمرة واحدة ~~بانتخاب الحكام، وإذا عدوت المجالس النادرة التي تقتضيها أحوال مفاجئة وجب وجود ~~مجالس ثابتة دورية لا يمكن إلغاؤها ولا تأجيلها، فيدعى الشعب في اليوم المعين ~~شرعا بقوة القانون، وذلك من غير احتياج إلى دعوة رسمية أخرى لهذا السبب. # ولكنك إذا عدوت هذه المجالس الشرعية بتاريخها فقط وجدت كل مجلس للشعب لم يدع ~~من قبل الحكام الموكل إليهم هذا الأمر، وفق الأنظمة المرعية، غير شرعي وأن جميع ~~أعماله باطلة؛ وذلك لأن أمر الاجتماع يجب أن يصدر عن القانون. # وأما دورات المجالس الشرعية القليلة أو الكثيرة فتتوقف على عوامل كثيرة لا يمكن ~~إعطاء قواعد دقيقة عنها، وإنما يمكن أن يقال على العموم: إن الحكومة كلما كانت ~~لها قوة وجب أن يظهر السيد نفسه كثيرا. # وسوف يقال لي: إن هذا قد يكون صالحا لمدينة واحدة، فما يصنع إذا اشتملت الدولة ~~على مدن كثيرة؟ هل تقسم السلطة صاحبة السيادة؟ أو هل تحشر في مدينة واحدة ~~وتسخر لها المدن الأخرى؟ ms077 # أجيب بأنه لا ينبغي أن يصنع هذا ولا ذاك، وذلك: # أولا: # أن السلطة صاحبة السيادة بسيطة وواحدة، فلا يمكن أن تقسم من غير ~~أن تقوض. # ثانيا: # أن المدينة، كالأمة، لا يمكن أن تسخر شرعيا لأخرى؛ لأن جوهر ~~الهيئة السياسية هو في توافق الطاعة والحرية، ولأن الكلمتين، ~~التابع والحرية، صلتان متحدتان ذاتا ومعنى فتجتمع فكرتهما في ~~كلمة المواطن الواحدة. # وأجيب، أيضا، بأن من السوء في كل وقت جمع مدن كثيرة في حاضرة واحدة، فإذا ما ~~رغبنا في مثل هذا الاتحاد لا ينبغي لنا أمل اجتناب محاذيره الطبيعية، ولا يجوز أن ~~يعارض بسوء استعمال الدول الكبيرة من لا يبتغي غير صغيرها، ولكن كيف تمنح الدول ~~الصغيرة من القوة ما تقاوم به الكبيرة؟ ذلك كما قاومت المدن الإغريقية الملك ~~الأعظم فيما مضى، وكما قاومت هولندة وسويسرة آل النمسة حديثا. # ومع ذلك إذا تعذر رد الدولة إلى حدودها المناسبة بقيت وسيلة أيضا، وذلك ألا ~~تعاني عاصمة، وأن تحمل الحكومة على الاستقرار بكل مدينة مناوبة، وأن تجمع ولايات ~~البلاد، كذلك، تتابعا. # واعمروا الأرض متساويا، واحملوا عين الحقوق إلى كل مكان، واحملوا الرخاء والحياة ~~إلى كل مكان، فعلى هذا الوجه تصبح الدولة أقوى وأصلح ما يمكن أن يحكم فيها معا، ~~واذكروا أن جدر المدن لا تكون من غير أطلال منازل الحقول، وأرى بعين بصيرتي ~~أن كل قصر يقام في العاصمة بلد بأسره من أنقاض. ~~••• # إذا ما اجتمع الشعب اجتماعا شرعيا كهيئة ذات سيادة انقطع كل قضاء للحكومة، ~~ووقفت السلطة التنفيذية، فشخص آخر مواطن هو من التقديس والحرمة كأول حاكم؛ وذلك ~~لأنه لا ممثل حيث يوجد الممثل، وعن جهل هذه القاعدة أو إهمالها نشأ معظم ~~الاضطرابات التي نشبت في مجالس الشعب برومة المعروفة بالكوميس، فلم يكن القناصل ~~حينئذ غير رؤساء للشعب، ولم يكن التريبونات حينئذ غير خطباء، # 1 # ولم يكن السنات شيئا مذكورا. # وفواصل الوقف تلك التي يسلم في أثنائها الأمير، أو يجب أن يسلم، بوجود عال ~~فعلي كانت مصدر ذعر له في كل حين، ومجالس الشعب ms078 تلك، التي هي ترس الهيئة ~~السياسية وزاجر الحكومة، كانت مصدر هول الرؤساء في كل زمان، فلم يدخروا ~~جهودا، ولا مصاعب، ولا وعودا؛ صرفا للمواطنين عنها، فمتى كان المواطنون بخلاء ~~نذولا جبناء أشد حبا للراحة مما للحرية صاروا لا يعارضون جهود الحكومة المضاعفة ~~زمنا طويلا، وهكذا فإن السلطة صاحبة السيادة تزول في نهاية الأمر بزيادة قدرة ~~«الحكومة» المقاومة بلا انقطاع فتسقط المدن وتهلك قبل الأوان. # غير أنه يتدخل بين السلطة ذات السيادة والحكومة المرادية، أحيانا، سلطة متوسطة ~~يجب أن يحدث عنها. # الفصل الثالث عشر # | نواب أو ممثلون # عندما تنقطع الخدمة العامة عن كونها عمل المواطنين الرئيس، ويفضل هؤلاء قيام ما ~~لهم مقام أشخاصهم، تكون الدولة قريبة من سقوطها، فإذا ما وجب السير إلى الحرب أدوا إلى ~~الكتائب وظلوا في منازلهم، وهم بما هم عليه من كسل وما لديهم من مال يكونون في نهاية ~~الأمر ذوي جنود لاستعباد الوطن وذوي ممثلين لبيعه. # وهذه هي رجة التجارة والمهن، وهذه هي منفعة الربح ذات الشره، وهذه هي نعومة وهوى ~~الملاذ التي تحول الخدم العامة إلى مال، وإذا ما تنزل الإنسان عن قسم من فائدته فلكي ~~يزيدها على هونه، وإذا ما أعطيت مالا لم تلبث أن تكون ذا قيود، فكلمة «المالية» هي ~~كلمة العبودية، وتجهلها الحاضرة، ويعمل المواطنون في الدولة الحرة حقا بذرعانهم، لا ~~بالمال مطلقا، ويبعدون من الدفع ليعفوا من واجباتهم، ويدفعون إنجازا بأنفسهم، ~~وأجدني بعيدا جدا من الأفكار السائرة، وأعتقد أن السخرات أقل مباينة للحرية من ~~الجبايات. # وكلما كان نظام الدولة صالحا فضلت الأعمال العامة على الأعمال الخاصة في نفوس ~~المواطنين، حتى إن الأعمال الخاصة تكون قليلة جدا؛ وذلك لأن حاصل السعادة العامة ~~يقدم حصة أعظم من حصة كل فرد فلا يكون له ما يطلبه في الخدم الخاصة غير القليل، وكل ~~واحد في الحاضرة الحسنة القيادة يطير إلى المجالس، ولا أحد في الحكومة السيئة يود أن ~~يتقدم خطوة إليها؛ وذلك لأنه لا يكترث أحد لما يحدث فيها، ولأنه يرى أن الإرادة العامة ~~لا ms079 تسيطر عليها، ولأن الأمور المنزلية تستغرق كل شيء فيها، وتؤدي القوانين الصالحة إلى ~~وضع ما هو أصلح منها وتؤدي القوانين الصالحة إلى ما هو أسوأ منها، وحالما يوجد من يقول ~~عن أمور الدولة: ما يهمني؟ جاز عد الدولة هالكة. # وأدى فتور حب الوطن ونشاط المصلحة الخاصة واتساع الدول والفتوح وسوء استعمال الحكومة ~~إلى تخيل سبيل نواب الشعب أو ممثليه في مجالس الأمة، وهذا ما جرئ على تسميته في بعض ~~البلدان بالطبقة الثالثة، وهكذا وضعت مصلحة الطبقتين (الإكليروس والأشراف) الخاصة ~~في المرتبة الأولى والثانية ولم توضع المصلحة العامة في غير المكان الثالث. # ولا يمكن السيادة أن تمثل لذات السبب الذي لا يمكن أن تباع معه، وتقوم السيادة، ~~جوهرا، على الإرادة العامة، والإرادة مما لا يمثل مطلقا، والإرادة إما أن تكون ~~عين الشيء أو غيره، ولا وسط، وليس نواب الشعب ممثليه إذن، ولا يمكن أن يكونوا ممثليه ، ~~وهم ليسوا غير وكلائه، وهم لا يستطيعون تقرير شيء نهائيا، وكل قانون لا يوافق الشعب ~~عليه شخصيا باطل، وهو ليس قانونا مطلقا، ويرى الشعب الإنكليزي أنه حر، وهو واهم ~~كثيرا، وهو ليس كذلك إلا في أثناء انتخاب أعضاء البرلمان، فإذا ما انتخبوا عاد ~~عبدا ولم يك شيئا، وما يقوم به من استعمال أويقات الحرية يدل على أنه يستحق ~~ضياعها. # وفكرة الممثلين عصرية، وهي تأتينا من الحكومة الإقطاعية، من هذه الحكومة الباغية ~~الباطلة التي انحط النوع البشري فيها، والتي شين اسم الإنسان بها، ولم يكن لشعب ~~ممثلون قط في الجمهوريات القديمة، ولا في الملكيات أيضا، ولم تعرف هذه الكلمة، ~~ومن الغريب أن كان محامو الشعب في رومة بالغي الحرمة، وأنه لم يخطر حتى على البال ~~إمكان اغتصابهم وظائف الشعب، وأنهم لم يحاولوا قط في وسط جم غفير أن يتقدموا من تلقاء ~~أنفسهم إلى استفتاء عام، ومع ذلك فليقدر الارتباك الذي كان يؤدي إليه الجمهور ~~أحيانا بما حدث في زمن الغراكين حين كان قسم من المواطنين يلقي صوته من فوق ~~السقوف. # وحينما كان الحق والحرية كل شيء ms080 لم تكن المساوئ شيئا، وكان كل شيء يعطى قيمته ~~الحقيقية لدى هذا الشعب الحكيم، وكان يدع حملة الفئوس يصنعون ما لم يجرؤ محاموه أن ~~يصنعوه، وكان لا يخشى رغبة حملة فئوسه في تمثيله. # ومع ذلك يكفي، لإيضاح الوجه الذي كان محامو الشعب يمثلونه به في بعض الأحيان، أن ~~يتصور كيف أن الحكومة تمثل السيد، فبما أن القانون لم يكن غير إعلان للإرادة ~~العامة، فإن من الواضح في السلطة الاشتراعية تعذر تمثيل الشعب، غير أن من الممكن ~~ومن الواجب، أن يمثل في السلطة التنفيذية التي ليست غير قوة تطبيقية للقانون، وهذا يدل ~~على أن الأمور إذا ما دقق فيها وجدت أمم قليلة ذات قوانين، ومهما يكن من أمر فإن من ~~المؤكد كون محامي الشعب لم يستطيعوا تمثيل الشعب الروماني بمقتضى وظائفهم لما لم يكن ~~لهم نصيب في السلطة التنفيذية، وإنما اتفق لهم بما اغتصبوه من السنات فقط. # وما كان على الشعب أن يصنعه لدى الأغارقة كان يصنعه بنفسه فيجتمع في الميدان بلا ~~انقطاع، وكان يقيم بإقليم معتدل، ولم يكن طماعا قط، وكان العبيد يقومون بأعماله، ~~وكانت حريته همه الأكبر، وكيف يحافظ على ذات الحقوق وقد عادت لا تكون له ذات ~~المنافع؟ تزيد أقاليمكم الأقسى في احتياجاتكم، # 1 # ويكون ميدانكم العام غير صالح للإقامة مدة ستة أشهر من السنة، ولا تستطيع ~~ألسنتكم البكم أن تسمع نفسها في العراء، وتبالون بكسبكم أكثر مما بحريتكم، وتخشون ~~العبودية أقل مما تخشون البؤس. # ماذا؟ ألا تستقيم الحرية بغير عون العبودية؟ ربما كان ذلك، فالأقصيان يلتقيان، ولكل ~~ما ليس في الطبيعة محاذيره، والمجتمع المدني أكثر من الجميع، ويوجد من الأحوال السيئة ~~ما لا يمكن أن تحفظ معه الحرية إلا على حساب حرية الآخرين، وما لا يمكن المواطن معه أن ~~يكون تام الحرية إلا بكون العبد عبدا إلى الغاية، وكانت هذه حال إسبارطة، وأما ~~أنت، أيتها الشعوب الحديثة، فليس عندك عبيد، وإنما أنت من العبيد لتأديتك حريتهم من ~~حريتك، ومن العبث مفاخرتك بهذا الاختيار، ففي هذا أجد نذالة ms081 أكثر مما أجد ~~إنسانية. # ولا أقصد بجميع هذا ضرورة اقتناء عبيد، ولا كون حق الرق شرعيا، وإنما ذكرت أسباب ~~كون الشعوب الحديثة التي تعتقد أنها حرة ذات ممثلين، وكون الشعوب القديمة غير ذات ~~ممثلين، ومهما يكن من أمر فإن الشعب إذا ما جعل لنفسه ممثلين عاد لا يكون حرا، وعاد ~~لا يكون موجودا. # وإني، بعد بحث في جميع الأمور، لا أرى، فيما بعد، كونه يمكن السيد أن يحافظ بيننا على ~~ممارسة حقوقه إذا لم تكن الحاضرة صغيرة جدا، ولكن ألا تقهر إذا كانت صغيرة جدا؟ ~~كلا، وسأثبت، فيما بعد، # 2 # كيف يمكن جمع قوة الشعب الكبير الخارجية مع الضابطة السهلة وحسن نظام ~~الدولة الصغيرة. # الفصل الرابع عشر # | كون نظام الحكومة ليس عقدا مطلقا # إذا أقيمت السلطة الاشتراعية، جيدا ذات مرة كان الأمر الآخر الذي يقام هو السلطة ~~التنفيذية، وذلك بما أن هذه الأخيرة، التي لا تسير إلا بأعمال خاصة، ليست من جوهر ~~الأخرى فإنها منفصلة عنها بحكم الطبيعة، وإذا كان من الممكن كون السيد، المعدود كذلك، ~~صاحب السلطة التنفيذية فإن الحق والواقع هما من الاختلاط ما لا يعرف معه ما هو ~~قانون وما ليس بقانون، فلا تلبث الهيئة السياسية المحرفة على هذا الوجه أن تصبح ~~فريسة العنف الذي أقيمت ضده. # وبما أن جميع المواطنين متساوون بالعقد الاجتماعي فإن ما يجب أن يصنعه الجميع يمكن ~~الجميع أن يأمر به، ولكن ليس لأحد حق أن يطالب بأن يصنع آخر ما لا يصنعه بنفسه ... ~~والواقع أن هذا الحق، الضروري لمنح الهيئة السياسية حياة وحركة، هو الذي ينعم السيد به ~~على الأمير بإقامة الحكومة. # وزعم كثيرون أن هذا العمل الإنشائي كان عقدا بين الشعب والرؤساء الذين يقيمهم على ~~نفسه، عقدا بين الفريقين ينطوي على شروط يلزم أحدهما نفسه بالقيادة وفقها، ~~ويلزم الآخر نفسه بالطاعة وفقها. # وإني لواثق بأنه سيفترض كون هذا طرازا غريبا للتعاقد، ولكن لننظر هل هذا الرأي مما ~~يمكن تأييده؟ # أولا، لا يمكن السلطة العليا أن تعدل أكثر مما يتنزل عنها، ويعني ms082 تحديدها ~~تقويضها، ومن العبث والمتناقض أن يضع السيد فوقه من هو أعلى منه، فإلزام نفسه بأن ~~يطيع مولى يعني عودا إلى الحرية المطلقة. # ثم إن من الواضح كون هذا العقد بين الشعب وهؤلاء أو أولئك الأشخاص عملا خاصا، ومن ~~ثم لا يمكن أن يكون هذا العقد قانونا ولا عمل سيادة، ومن ثم يكون غير شرعي. # ومما يرى أيضا أن يكون الفريقان المتعاقدان فيما بينهما تابعين لقانون الطبيعة ومن ~~غير ضامن لتعهداتهما المتبادلة، وهذا يخالف الحال المدنية من جميع الوجوه، وبما أن ~~القابض على القوة هو صاحب التنفيذ دائما فإن ما يعدل ذلك إطلاق اسم العقد على عمل ~~الرجل الذي يقول لآخر: «أعطيك جميع مالي على أن تعيد إلي منه ما يروقك.» # ولا يوجد في الدولة غير عقد واحد، وهو عقد الجمعية، وهذا وحده يبعد غيره، ولا ~~يمكن أن يتصور أي عقد عام لا يكون نقضا للأول. # الفصل الخامس عشر # | نظام الحكومة # تحت أي مبدأ يجب تصور العمل الذي قامت به الحكومة؟ ألاحظ قبل كل شيء أن هذا العمل ~~مركب مؤلف من عملين آخرين؛ وهما: وضع القانون، وتنفيذ القانون. # وبالعمل الأول يقرر السيد وجود هيئة للحكومة قائمة تحت هذا أو ذلك الشكل، ومن الواضح ~~كون هذا العمل قانونا. # وبالعمل الثاني يعين الشعب الرؤساء الذين يقومون بالحكومة القائمة، والواقع أن هذا ~~التعيين ليس قانونا ثانيا؛ لكونه عملا خاصا، وإنما هو تابع للأول ووظيفة ~~للحكومة. # والصعوبة في إدراك وجود عمل حكومي قبل وجود الحكومة وفي إمكان تحول الشعب الذي ~~غير سيد أو تابع إلى أمير أو حاكم في بعض الأحوال. # وهنا تكتشف، أيضا، إحدى هذه الخصائص المحيرة للهيئة السياسية التي توفق بين ~~أعمال متناقضة ظاهرا؛ وذلك لأن هذا يتم بتحويل مفاجئ للسيادة إلى ديمقراطية، وذلك أن ~~المواطنين الذين أصبحوا حكاما ينتقلون من الأعمال العامة إلى الأعمال الخاصة ومن ~~القانون إلى التنفيذ من غير تغيير محسوس وبصلة جديدة بين الكل والكل فقط. # وليس تغيير الصلة هذا براعة نظرية لا مثيل لها في العمل، فهو ms083 يقع كل يوم في البرلمان ~~الإنكليزي؛ حيث المجلس الأدنى يتحول إلى لجنة كبيرة لحسن النقاش في الأمور، ويصبح هكذا ~~جماعة بسيطة من مجلس ذي سيادة كما كان ذات حين، وذلك بأن تقدم، فيما بعد، إلى نفسه، ~~كمجلس نواب، تقريرا عن نتيجة أعماله في اللجنة الكبرى وأن يناقش مجددا باسم آخر ~~غير الذي كان قد قرر به. # وهذه هي مزية الحكومة الديمقراطية الخاصة في استطاعتها أن تقوم فعلا بقرار بسيط من ~~الإرادة العامة، ثم تظل هذه الحكومة المؤقتة قابضة على السلطان عند قبول هذا الطراز، أو ~~أنها تقيم باسم السيد الحكومة التي يأمر بها القانون، وهكذا يوجد كل شيء في نصابه، ~~ومن المتعذر إقامة الحكومة على وجه شرعي آخر ومن غير عدول عن المبادئ المقررة ~~آنفا. # الفصل السادس عشر # | وسيلة منع اغتصابات الحكومة # ما أبديناه من بيان يؤيد الفصل السادس عشر ويوضح كون نظام الحكومة ليس عقدا، بل ~~قانون، وكون حفظة السلطة التنفيذية ليسوا أولياء الشعب، بل موظفوه، وكونه يستطيع نصبهم ~~وعزلهم عندما يود، وكونه لا محل لإبرامهم عقدا، بل لطاعتهم، وكونهم لا يصنعون غير ~~القيام بواجبهم كمواطنين عند تقلدهم الوظائف التي تلزمهم الدولة بها، وذلك من غير أن ~~يحق لهم أن يجادلوا في الشروط. # ومتى حدث، إذن، أن الشعب يقيم حكومة وراثية، سواء أكانت ملكية في أسرة أم أرستقراطية ~~في منظمة للمواطنين، فلا يكون هذا عهدا يتخذه مطلقا، أي إن هذا طراز موقت يمنحه ~~الإدارة، وذلك إلى أن يود تنظيمها على وجه آخر. # أجل، إن هذه التحولات خطرة دائما، وإنه لا ينبغي أن تمس الحكومة القائمة مطلقا ~~إلا حين تصبح منافية للخير العام، غير أن التحفظ مبدأ سياسي، لا قاعدة حقوقية، ولا ~~تعود الدولة ملزمة بترك السلطة المدنية لرؤسائها أكثر من ترك السلطة العسكرية ~~لقادتها. # ومما لا ريب فيه أيضا أنه لا يمكن في مثل هذه الحال ملاحظة جميع الشكليات المطلوبة ~~بعناية كبيرة؛ تمييزا للعمل المنظم المشروع من شعب تمردي، ولإرادة جميع الشعب من ضجيج ~~عصابة، وهنا لا يجوز، على ms084 الخصوص، أن تمنح الحال الممقوتة غير ما لا يمكن إمساكه ~~عنها في أوثق نطاق الحق، ومن هذا الالتزام أيضا يستخرج الأمير فائدة عظيمة لحفظ سلطانه ~~على الرغم من الشعب ومن غير أن يمكن القول بأنه اغتصبه؛ وذلك لأنه بظهوره غير مستعمل ~~لغير حقوقه يكون من السهل عليه كثيرا أن يوسع مداها وأن يزجر بحجة الراحة العامة ما ~~هو معد لإعادة حسن النظام من المجالس، وذلك من حيث انتفاعه بسكون يحول دون الإخلال ~~به، أو بمخالفات يوجب اقترافها ليفترض، نفعا لنفسه، اعتراف من حملهم الخوف على السكوت ~~وليعاقب من يجرءون على الكلام، شأن الحكام العشرة (لدى الرومان) الذين انتخبوا لعام ~~واحد، وبقوا في مناصبهم لعام ثان فحاولوا إدامة سلطانهم بعدم الإذن لمجالس الشعب في ~~الاجتماع، فبهذه الوسيلة السهلة يغتصب جميع حكومات العالم السلطة ذات السيادة عاجلا أو ~~آجلا بعد أن تشتمل هذه الحكومات بالقوة العامة. # والمجالس الدورية التي تكلمت عنها آنفا صالحة لتلافي هذه البلية أو لتأخيرها، ~~ولا سيما عند عدم احتياجها إلى دعوة رسمية؛ وذلك لأن الأمير لا يستطيع، إذ ذاك، منعها ~~من غير أن يصرح جهرا بأنه ناقض القانون وعدو الدولة. # ويجب في كل وقت أن يتم افتتاح هذه المجالس، التي لا غرض لها غير حفظ الميثاق ~~الاجتماعي، وفق مطلبين لا يمكن إبطالهما مطلقا، ويجب أن يصوت لهما على ~~انفراد. # فالأول هو: «هل يود السيد أن يحافظ على شكل الحكومة الحاضر؟» # والثاني هو: «هل يود الشعب أن يترك إدارته لمن يقومون بها حاضرا؟» # وهنا أفترض ما أعتقد أنني أثبته، أي عدم وجود قانون أساسي في الدولة لا يمكن ~~إلغاؤه، ولو كان الميثاق الاجتماعي؛ وذلك لأن جميع المواطنين إذا ما اجتمعوا لنقض هذا ~~الميثاق باتفاق شامل فإن من المحال أن يشك في نقضه شرعيا إلى الغاية، حتى إن ~~غروسيوس يرى أن كل واحد يستطيع أن يعدل عن الدولة التي هو عضو فيها، وأن يسترد حريته ~~الطبيعية وأمواله عند خروجه من البلد، # 1 # والواقع أن من العبث ألا يستطيع جميع المواطنين ms085 المجتمعين صنع ما يستطيع كل ~~واحد منهم أن يصنعه منفردا. # | الباب الرابع # الفصل الأول # | كون الإرادة العامة لا تضمحل # إذا ما عد أناس كثير أنفسهم هيئة واحدة لم يكن لهم، ما داموا هكذا، غير إرادة ~~واحدة تناسب حفظ الجميع والسعادة العامة، وهنالك تكون نوابض الدولة كلها قوية بسيطة، ~~وتكون مبادئها صريحة ساطعة، ولا يكون للدولة مصالح ملتبسة متناقضة، ويبدو الخير العام ~~في كل مكان واضحا، ولا يتطلب غير سلامة إدراك حتى يشعر به، ويحسب السلم ~~والاتحاد والمساواة أعداء للحيل السياسية، فمن الصعب أن يخدع المستقيمون البسطاء ~~بسبب بساطتهم، ولا سبيل لتمويه الخدائع والذرائع الدقيقة عليهم مطلقا، حتى إنهم ليسوا ~~من الرقة الكافية ما يغرون معه، ومتى رئي لدى أسعد شعوب العالم كتائب من الفلاحين ~~تنظم أمور الدولة تحت بلوطة ويسيرون بحكمة فهل يمكن أن يمتنع عن ازدراء حيل الأمم ~~الأخرى التي تصبح مشهورة بائسة مع كثير حيلة وغموض ؟ # وتحتاج الدولة التي يحكم فيها على هذا الوجه إلى قوانين قليلة إلى الغاية، وكلما ~~صار من الضروري نشر قوانين جديدة منها بدت هذه الضرورة عموما، ولا يصنع أول من يقترحها ~~غير إعرابه عما يشعر به الجميع، فلا محل للمكايد والبلاغة تحويلا إلى قانون ما كان كل ~~واحد عازما على فعله عندما يوقن بأن الآخرين سيصنعونه مثله. # والخطأ يتطرق إلى النظريين من كونهم لا يرون غير دول سيئة التكوين من أساسها فيقف ~~نظرهم تعذر تطبيق مثل تلك الضابطة عليهم، وهم يسخرون من تمثل جميع الجهالات التي ~~يقنع بها شعب باريس أو لندن ماكر ماهر أو مهذار مغر، وهم لا يعلمون أن ~~كرومويل كان يوضع على الأجراس من قبل أهل برن لو ظهر في هذه المدينة وأن دوك ~~دوبوفور كان يحال إلى التأديب لو ظهر بين أهل جنيف. # ولكن الرابطة الاجتماعية إذا ما أخذت ترتخي، والدولة إذا ما أخذت تهن، والمصالح ~~الخاصة إذا ما أخذت تحس، والمجتمعات الصغيرة إذا ما أخذت تؤثر في الكبيرة، فسدت ~~المصلحة العامة ووجدت معارضين، أي عاد الإجماع لا يسيطر ms086 على الأصوات، وعادت الإرادة ~~العامة لا تكون إرادة الجميع، فتتصاعد متناقضات ومجادلات، ولا يؤخذ بالرأي الأصلح من ~~غير منازعات مطلقا. # ثم إن الدولة عندما توشك أن تزول، ولا تكون غير ذات كيان باطل وهمي، وتقطع الصلة ~~الاجتماعية في جميع القلوب، ويزوق أخس المنافع باسم الخير العام من غير حياء، تصبح ~~الإرادة العامة صامتة، أي تكون العوامل الخفية رائد الجميع فلا يبدي الجميع رأيهم ~~كمواطنين إلا كما لو كانت الدولة غير موجودة على الإطلاق، وتجاز زورا مراسيم جائرة ~~باسم القوانين ليس لها غاية غير المنفعة الخاصة. # وهل يستنبط من ذلك كون الإرادة العامة مبادة أو فاسدة؟ كلا، فهي ثابتة خالصة لا ~~تتغير، غير أنها تابعة لإرادات أخرى تتغلب عليها، ويبصر كل واحد، حين يفصل مصلحته عن ~~المصلحة العامة، أنه لا يستطيع فصل ما بينهما تماما، ولكن حصته من البلاء العام لا ~~تظهر له شيئا بجانب الخير الخاص الذي يزعم أنه يحتكره، وإذا عدوت هذا الخير الخاص ~~وجدته يريد الخير العام في سبيل مصلحته الخاصة ككل فرد آخر، حتى إنه إذا ما باع صوته ~~بنقد لم يطفئ الإرادة العامة في نفسه، بل يتجنبها، ويقوم الخطأ الذي يقترفه على تغيير ~~حال السؤال وعلى الجواب بأمر غير ما يسأل عنه، وذلك أن يقول بصوته: «إن من النافع لهذا ~~الرجل أو الحزب أو ذلك الرجل أو الحزب أن يفوز هذا الرأي أو ذلك الرأي» بدلا من أن ~~يقول بصوته: «إنه نافع للدولة»، وهكذا فإن قانون النظام العام في المجالس لا يقوم على ~~تأييد الإرادة العامة فيها بمقدار استيضاحها وردها الجواب دائما. # ويمكنني أن أضع هنا كثيرا من التأملات حول الحق البسيط للتصويت في كل عمل ~~للسيادة، ذلك الحق الذي لا يستطيع أن ينزعه من المواطنين شيء، وحول حق إعطاء الرأي وحق ~~الاقتراح والتقسيم والنقاش، أي ما تحرص الحكومة دائما على عدم تركه لغير أعضائها، بيد ~~أن هذا الموضوع المهم يتطلب رسالة مستقلة، فلا أستطيع أن أقول عنه كل شيء في هذا ~~الكتاب. # الفصل الثاني # | التصويت ms087 # يرى من الفصل السابق أن الوجه الذي تعالج به الأمور العامة يمكن أن ينم بدرجة ~~الكفاية على الحال الحاضرة للطبائع وعلى ما تتمتع به الهيئة السياسية من عافية، وكلما ~~ساد الاتفاق في المجالس، أي كلما قربت الآراء من الإجماع سادت الإرادة العامة أيضا، ~~غير أن المناقشات الطويلة والاختلافات والشغب أمور تدل على نفوذ المصالح الخاصة وانحطاط ~~الدولة. # ويظهر هذا أقل وضوحا عندما يتخلل نظامها طبقتان أو أكثر، كما اتفق في رومة للأشارف ~~والعوام الذين كدرت منازعاتهم مجالس الشعب في الغالب، حتى في أجمل أوقات ~~الجمهورية، بيد أن هذا الاستثناء هو في الظاهر أكثر منه في الحقيقة؛ وذلك لأنه يكون، ~~هنالك، بالعيب الملازم للهيئة السياسية دولتان في دولة واحدة، ولأن ما يصح عن الاثنتين ~~معا يصح عن كل منهما على انفراد، والواقع أنه، حتى في أكثر الأوقات عاصفة، كانت ~~استفتاءات الشعب العامة تمر دائما بسلام وبأكثرية الأصوات الساحقة، فبما أنه لم يكن ~~للمواطنين غير مصلحة واحدة لم يكن للشعب غير إرادة واحدة. # ويعود الإجماع إلى الطرف الأقصى الآخر من الدائرة، وهذا حينما يعود المواطنون ~~الساقطون في العبودية غير ذوي حرية ولا إرادة، وهنالك يحول الخوف والملق الآراء إلى ~~هتافات، فلا تشاور بعد، بل عبادة أو لعنة، وعلى هذا الطراز المنحط في إعطاء الرأي كان ~~يسير السنات في زمن الأباطرة، ومما كان يحدث أحيانا أن يتم هذا بتحفظات مثيرة للضحك، ~~ويلاحظ تاسيت في عهد أوتون أن أعضاء السنات كانوا يغرقون فيتليوس باللعنات، ~~فيتظاهرون في الوقت نفسه بأنهم يخرجون أصواتا هائلة؛ وذلك لأنه إذا ما أصبح سيدا ~~مصادفة لم يستطع أن يعرف ماذا كان كل واحد منهم قد قال. # وعن هذه العوامل المختلفة تنشأ المبادئ التي يجب أن ينظم وفقها طراز عد الأصوات ~~والمقابلة بين الآراء، وذلك بنسبة سهولة معرفة الإرادة العامة ونسبة ميل الدولة إلى ~~الزوال. # ولا يوجد غير قانون واحد يتطلب اتفاقا إجماعيا بطبيعته، وهذا هو الميثاق ~~الاجتماعي؛ وذلك لأن الاتحاد المدني هو أكثر عقود العالم اختيارا، وبما أن كل إنسان ms088 ~~يولد حرا سيدا لنفسه لا يستطيع أحد أن يخضعه بأي حجة كانت من غير موافقته، ~~فالحكم بأن ابن العبد يولد عبدا هو حكم بأنه لا يولد إنسانا. # ولذلك إذا وجد معارضون عند وضع الميثاق الاجتماعي فإن معارضتهم لا تبطل العقد، وإنما ~~تحول دون اشتماله عليهم، فيكونون غرباء بين المواطنين، وإذا ما أقيمت الدولة كانت ~~الموافقة في دار الإقامة، فسكنى البلد يعني خضوعا للسيادة. # 1 # وإذا عدوت هذا العقد الابتدائي وجدت صوت العدد الأكبر يلزم جميع الأصوات الأخرى ~~دائما، وهذه هي نتيجة العقد نفسه، ولكنه يسأل: كيف يمكن الإنسان أن يكون حرا ~~ومجبرا على ملاءمة عزائم ليست عزائمه؟ وكيف يكون المعارضون أحرارا وخاضعين لقوانين ~~لم يوافقوا عليها؟! # أجيب بأن المسألة سيئة الوضع، فالمواطن يوافق على جميع القوانين، حتى التي تسن ~~على الرغم منه، حتى التي تجازيه إذا ما جرؤ على انتهاكها، والإرادة العامة هي الإرادة ~~الثابتة لجميع أعضاء الدولة، وهم بهذه الإرادة مواطنون وأحرار، # 2 # وإذا ما اقترح قانون في مجلس الشعب فلا يقوم ما يطلب منهم على استحسانهم ~~الاقتراح بالضبط أو على رفضهم إياه، بل على ملاءمته أو عدم ملاءمته للإرادة العامة التي ~~هي إرادتهم، وكل واحد يعرب عن رأيه في ذلك عند إعطائه صوته، وتتجلى الإرادة العامة ~~عند إحصاء الأصوات، فإذا ما فاز الرأي المعاكس لرأيي في هذه الحال فإن هذا لا يثبت غير ~~كوني مخطئا، وأن الإرادة العامة لم تكن ما قدرت، وإذا ما فاز رأيي الخاص مع وجوب ~~إنجازي عكس ما كانت عليه إرادتي، وجب أن كنت غير حر هنالك. # والحق أن هذا يفترض كون جميع صفات الإرادة العامة لا تزال قائمة في الأكثرية، فإذا ~~عادت هذه الصفات لا تكون هكذا، عادت الحرية غير موجودة مهما كان الحزب الذي ينتسب إليه ~~الرجل. # وفيما تقدم أثبت كيف تستبدل الإرادات الخاصة بالإرادة العامة في المشاورات ~~العامة، فأشرت بما فيه الكفاية إلى الوسائل العملية لاجتناب سوء الاستعمال هذا، وسأتكلم ~~عن هذا فيما بعد أيضا، وأما عدد الأصوات النسبي للإعراب عن ms089 هذه الإرادة فقد عرضت ~~المبادئ التي يمكن تعيينه بها، وفرق صوت واحد يقضي على المساواة، ووجود معارض واحد يقضي ~~على الإجماع، غير أنه يوجد بين الإجماع والمساواة عدة أقسام متفاوتة، ويمكن تعيين ~~هذا العدد وفق حال الهيئة السياسية واحتياجاتها. # وتوجد قاعدتان عامتان يمكن أن تنظم هذه النسب بهما، فأما إحداهما فهي أن المشاورات ~~كلما كانت مهمة رصينة وجب اقتراب الرأي الفائز من الإجماع، وأما الأخرى فهي أن الأمر ~~المثار كلما تطلب سرعة وجب تضييق الفرق المقرر في تقسيم الأصوات، فيجب أن تكفي ~~زيادة صوت واحد في المشاورات التي يجب إكمالها حالا، ويلوح أن أولى القاعدتين أكثر ~~ملاءمة للقوانين، وأن الثانية أكثر ملاءمة للأمور العملية، ومهما يكن من أمر فإن مزج ~~ما بينهما هو الذي يسفر عن أصلح النسب لتعيين الأكثرية الضرورية لإصدار ~~القرار. # الفصل الثالث # | الانتخابات # يوجد في انتخابات الأمير والحكام، التي هي من الأعمال المركبة، طريقتان؛ وهما: ~~الاختيار والقرعة ، وقد استعمل كل منهما في جمهوريات مختلفة، ولا يزال يرى في ~~انتخاب رئيس البندقية مزيج معقد إلى الغاية منهما. # قال مونتسكيو: «إن التصويت بالقرعة من طبيعة الديمقراطية.» وأوافق على أن الأمر هكذا، ~~ولكن بأي معنى؟ ويقول مونتسكيو مداوما: «والقرعة هي طريقة انتخاب لا تغم أحدا، ~~فهي تدع لكل مواطن أملا معقولا في خدمة وطنه.» وليست هذه أسبابا. # وإذا ما علمنا أن انتخاب الرؤساء وظيفة حكومة، لا وظيفة سيادة، أبصرنا السبب في كون ~~طريقة القرعة أكثر ملاءمة لطبيعة الديمقراطية حيث الإدارة أكثر صلاحا بنسبة ما تكون ~~الأعمال أقل عددا. # وليست الحاكمية في كل ديمقراطية حقيقية خيرا، بل هي حمل ثقيل لا يمكن فرضه على فرد ~~بإنصاف أكثر مما على فرد آخر، والقانون وحده هو الذي يستطيع أن يفرض هذا الحمل على من ~~تصيبه القرعة؛ وذلك لأن الأحوال؛ إذ تكون متساوية بين الجميع إذ ذاك، وإذ يكون الاختيار ~~غير تابع لأية إرادة بشرية إذ ذاك، فإنه لا يكون أي تطبيق خاص يغير عمومية ~~القانون. # والأمير في الأرستقراطية يختار الأمير، والحكومة تحافظ على ms090 نفسها بنفسها، وهنالك ~~تكون الأصوات في محلها. # ويؤيد مثال انتخاب رئيس البندقية هذا التمييز بدلا من هدمه، ويكون هذا الشكل المختلط ~~ملائما لحكومة مركبة؛ وذلك لأن من الخطأ عد حكومة البندقية أرستقراطية حقيقية، وإذا ~~كان الشعب غير ذي نصيب في الحكومة فلأن طبقة الأشراف نفسها هي الشعب، ولم يدن جمع ~~مؤلف من البرنابيين الفقراء من أي حاكمية قط، ولم يكن له من شرفه غير لقب «صاحب ~~السعادة» وغير حضور المجلس الكبير، وبما أن هذا المجلس الكبير هو من كثرة العدد كمجلسنا ~~العام في جنيف فإنه ليس لأعضائه المشهورين من الامتيازات ما هو أكثر مما لمواطنينا ~~البسطاء، ومما لا مراء فيه أنك إذا عدوت ما بين الجمهوريتين من اختلاف متناه وجدت ~~برجوازية جنيف تمثل طبقة الأشارف لدى البندقيين، وكون أبناء وطننا وأهلينا يمثلون بلديي ~~البندقية وشعبها، وكون فلاحينا يمثلون رعايا اليابسة، ثم إنه مهما يكن الوجه الذي ينظر ~~به إلى هذه الجمهورية فإنه، عند قطع النظر عن اتساعها، يرى أن حكومتها ليست أكثر ~~أرستقراطية من حكومتنا، والفرق كل الفرق هو في أنه إذ لم يكن لنا رئيس لمدى الحياة ~~فإنه ليس لدينا الاحتياج عينه إلى القرعة. # ويكون للانتخابات بالقرعة قليل محذور في الديمقراطية الصحيحة، حيث يتساوى الجميع ~~بالطبائع والمواهب تساويه بالمبادئ والنصيب؛ فيكون الاختيار خليا تقريبا، غير أنني ~~قلت إنه لم توجد ديمقراطية صحيحة قط. # وإذا مزج بين الاختيار والقرعة وجب أن يملأ الأول المراكز التي تقتضي مواهب ~~خاصة كالخدم العسكرية، ويلائم الأمر الآخر المراكز التي يكفي فيها الرشاد والعدل ~~والنزاهة كالمناصب القضائية؛ وذلك لأن هذه الصفات مشتركة بين جميع المواطنين في الدولة ~~الحسنة التنظيم. # ولا مكان في الحكومة الملكية للقرعة ولا للتصويت، فبما أن الملك هو الأمير الوحيد ~~والحاكم الفريد عن حق فإن اختيار عماله أمر خاص به وحده، وحينما اقترح شماس سان ~~بيير تكثير مجالس ملك فرنسة وانتخاب أعضائها بالتصويت السري لم يبصر أنه اقترح تغيير ~~شكل الحكومة. # وعلي أن أتكلم عن طريقة إعطاء الأصوات وجمعها في مجلس الشعب، ms091 ولكن من المحتمل أن ~~قصة النظام الروماني من هذه الناحية توضح بما هو أكثر بروزا جميع القواعد التي أستطيع ~~وضعها، وليس مما لا يناسب القارئ الأريب أن يبصر مع قليل من التفصيل كيف تعالج الشئون ~~العامة والخاصة في مجلس مؤلف من مئتي ألف رجل. # الفصل الرابع # | مجالس الشعب الرومانية # ليس لدينا آثار وثيقة عن أزمنة رومة الأولى، حتى إن الظاهر يدل دلالة كبيرة على أن ~~معظم الأمور التي تروى عن ذلك هي من الأقاصيص، # 1 # وإذا ما نظر إلى الأمر على العموم وجد أن أكثر أقسام حوليات الشعوب ~~إمتاعا، وهو تاريخ تأسيسها، هو أكثر ما نفتقر إليه، وتعلمنا التجربة كل يوم أي ~~الأسباب تنشأ عنها ثورات الإمبراطوريات، ولكن بما أنه عاد لا يؤلف شعوب فإنه ليس ~~لدينا غير فرضيات غالبا لإيضاح كيفية قيامها. # وتدل العادات، التي نجدها قائمة، على الأقل، على وجود أصل لهذه العادات، وما يرجع إلى ~~هذه الأصول من روايات، وما يدعمه منها أعظم الثقات وما يؤيده أقوى الأدلة، يجب أن ~~يعد صحيحا كثيرا، وهذه هي القواعد التي حاولت اتباعها ببحثي عن كيفية ممارسة ~~أكثر شعوب الأرض حرية وقوة سلطته العليا. # وتقوم رومة، فتقسم الجمهورية الناشئة، أي جيش مؤسسها المؤلف من ألبين وسابين ~~وأجانب، إلى ثلاث طبقات حملت اسم قبائل بهذا التقسيم، ثم قسمت كل واحدة من هذه القبائل ~~إلى عشر عشائر، وقسمت كل واحدة من هذه العشائر إلى فصائل يكون فوقها رؤساء. # وإذا عدوت هذا وجدت أنه استخلص من كل قبيلة كوكبة مؤلفة من مائة فارس أو خيال ~~ومسماة مئوية يرى بها أن هذه الأقسام غير الضرورية كثيرا في مدينة لم تكن غير عسكرية ~~في البداءة، ولكنه يظهر أن غريزة عظمة كانت تحمل مدينة رومة الصغيرة على اتخاذها ~~مقدما ضابطة مناسبة لعاصمة العالم. # ولسرعان ما نشأ عن هذا التقسيم الأول محذور، وذلك أن قبيلتي الألبين # 2 # والسابين # 3 # إذ بقيتا على ذات الحال دائما، على حين كانت قبيلة الغرباء # 4 # تزيد بلا انقطاع بتزاحم الغرباء الدائم على ms092 رومة، لم تلبث هذه القبيلة ~~الأخيرة أن فاقت الأخريين قوة، وقد قام الدواء الذي وجده سرفيوس لهذا المحذور ~~الخطر على تغيير التقسيم، وقد قام الدواء الذي وجده لمحذور العروق التي ألغاها على ~~إقامة عرق آخر من أحياء هذا المصر التي يشغلها كل قبيلة، وهو قد أحدث أربع قبائل بدلا ~~من ثلاث فجعل كل واحدة منها تشغل أحد تلال رومة وتحمل اسمه، وهكذا يكون بمعالجته ~~التفاوت الحاضر قد تلافاه من أجل المستقبل أيضا، وهو، لكيلا يكون هذا التقسيم عن ~~الأحياء وحدها، بل عن الناس أيضا، قد حظر على أهل أحد الأحياء أن ينتقلوا إلى حي آخر، ~~وهذا ما حال دون اختلاط العروق. # وقد ضاعف مئويات الفرسان الثلاث القديمة وأضاف إليها اثنتي عشرة أخرى، ولكن ~~بأسماء قديمة دائما، أي اتخذ هذه الوسيلة البسيطة الصائبة فوفق لتمييز ما بين ~~كوكبة الفرسان والشعب من غير أن يؤدي إلى تذمر هذا الأخير. # وإلى هذه القبائل الأربع المدنية أضاف سرفيوس خمس عشرة أخرى سميت قبائل ريفية؛ ~~وذلك لأنها ألفت من سكان الريف الموزعين بين خمس عشرة مقاطعة، وقد أحدث خمس ~~عشرة أخرى فيما بعد، فوجد الشعب الروماني مقسما بين خمس وثلاثين قبيلة في نهاية ~~الأمر، أي إلى هذا العدد الذي ظلت باقية عليه حتى نهاية الجمهورية. # ونشأ عن هذا التفريق بين قبائل المدن وقبائل الريف أمر يستحق أن يلاحظ؛ وذلك لعدم ~~وجود ما يماثله في مكان آخر مطلقا، ولأن رومة مدينة له بحفظ أخلاقها وتوسع ~~إمبراطوريتها، وقد يظن أن القبائل المدنية لم تلبث أن انتحلت السلطان والشرف ولم ~~تعتم أن استذلت القبائل الريفية، والعكس هو ما وقع تماما، ومما يعرف ذوق ~~الرومان الأولين حول الحياة الريفية، وقد أتاهم هذا الذوق من المؤسس الحكيم الذي جعل ~~الحرية تسير بجانب الأعمال الريفية والعسكرية، والذي أبعد الفنون والحرف والدسيسة ~~والثراء والعبودية إلى المدينة. # وهكذا بما أن جميع أبناء رومة الممتازين كانوا يعيشون في الحقول ويزرعون الأرضين فإن ~~النفس وطنت على عدم البحث هنالك عن غير دعائم الجمهورية، وبما أن ms093 هذه الحال هي حال ~~أحسن الأشارف فإنها أكرمت من قبل جميع العالم، ففضلت حياة القرويين البسيطة الشاقة ~~على حياة برجوازية رومة المتوانية البطالة، ولم يكن غير صعلوك تعس في المدينة ذلك الذي ~~صار مواطنا محترما بالزراعة في الحقول، ومن قول فارون: إنه ليس من غير سبب إقامة ~~أجدادنا السراة في القرية منبت أولئك الرجال الضلع الشجعان الذين كانوا يدافعون ~~عنهم أيام الحرب ويطعمونهم أيام السلم. ويقول بليني مؤكدا: إن قبائل الحقول كانت تكرم ~~بسبب الرجال الذين تؤلف منهم، وذلك بدلا من أن ينقل إلى قبائل المدينة عن عار جميع ~~الأنذال الذين يراد إذلالهم، ولما جاء السابيني أبيوس كلوديوس ليقيم برومة غمر فيها ~~بضروب الإكرام وسجل في قبيلة ريفية اتخذت اسم عائلته فيما بعد، وأخيرا كان جميع ~~العتقاء يدخلون في القبائل المدنية، لا في القبائل الريفية مطلقا، ولا يوجد في جميع ~~العهد الجمهوري مثال واحد لواحد من هؤلاء العتقاء بلغ أي منصب قضائي وإن أصبح ~~مواطنا. # وكانت هذه القاعدة رائعة، غير أنه بلغ من استبعادها ما نشأ عنه تغيير وسوء استعمال ~~في النظام السياسي لا ريب. # والرقباء بعد أن انتحلوا، أولا، ولطويل زمن، حق نقل المواطنين من قبيلة إلى أخرى ~~نقلا مراديا أباحوا لمعظم الأشخاص أن يسجلوا أنفسهم في القبيلة التي تروقهم، ولم تكن ~~هذه الإباحة صالحة لا ريب، وكانت تنزع نابضا من أعظم نوابض الرقابة، ثم بما أن جميع ~~الكبراء والأقوياء كانوا يسجلون أنفسهم في قبائل الريف، وبما أن العتقاء الذين صاروا ~~مواطنين ظلوا مع الرعاع ضمن قبائل المدينة، عاد لا يكون للقبائل للقبائل على العموم ~~معنى المكان ولا الأرض، غير أنها كانت من شدة الاختلاط ما عاد لا يمكن معه تمييز أعضاء ~~كل واحدة منها بغير السجلات، فانتقل بذلك مدلول كلمة «القبيلة» من حقيقي إلى شخصي، أو ~~أصبح وهميا تقريبا. # وقد حدث أيضا ظهور قبائل المدينة، وهي ما يمكن التقرب إليه، أكثر القبائل قوة في ~~مجالس الشعب غالبا، وبيعها الدولة ممن يتفضلون باشتراء أصوات الأوباش الذين تتألف ~~منهم. # وبما ms094 أن المؤسس جعل عشر عشائر في كل قبيلة فإن جميع الشعب الروماني، المحاط بأسوار ~~المدينة حينئذ، كان مؤلفا من ثلاثين عشيرة، فكان لكل واحد منها معابدها وآلهتها ~~وموظفوها وكهنتها وأعيادها المسماة كنبيتالية والمشابهة للبغانالية التي اتفقت ~~للقبائل الريفية فيما بعد. # ولما قام سرفيوس بتقسيمه الجديد، ولم يمكن تقسيم الثلاثين عشيرة بين قبائله الأربع ~~على التساوي، لم يرد مسها قط، فأصبحت العشائر المستقلة عن القبائل تقسيما آخر لسكان ~~رومة، بيد أنه لم يكن موضع بحث عن العشائر قط في القبائل الريفية ولا في الشعب الذي ~~كانت تتألف منه، وذلك بما أن القبائل صارت نظاما مدنيا صرفا، وبما أنه أدخل نظام ~~جديد لجمع الكتائب وجدت فرق رومولوس العسكرية أمرا لا طائل فيه، وهكذا كان يوجد ~~كثير ممن ليسوا أعضاء عشيرة وإن سجل كل مواطن في قبيلة. # وكذلك قام سرفيوس بتقسيم ثالث لا صلة بينه وبين التقسيمين السابقين مطلقا، فأصبح ~~بنتائجه أهم من الجميع؛ فقد وزع جميع الشعب الروماني بين ست طبقات لم يفرق فيها ~~بالمكان ولا بالإنسان، بل بالمال، فملئت الطبقات الأولى بالأغنياء وملئت الطبقات ~~الأخيرة بالفقراء وملئت الطبقات المتوسطة بمن يتمتعون بثروة معتدلة، وقد قسمت هذه ~~الطبقات الست إلى 193 هيئة أخرى مسماة مئويات، وقد بلغت هذه الهيئات من التوزيع ما ~~احتوت الطبقة الأولى وحدها معه أكثر من نصفها وما اشتملت الأخيرة معه على واحدة منها ~~فقط، وهكذا كان أقل الطبقات عددا في الرجال أكثرها مئويات، وهكذا لم تعد الطبقة ~~الأخيرة بأكملها غير شعبة مع احتوائها وحدها أكثر من نصف سكان رومة. # وأريد أن يكون الشعب أقل نفوذا إلى نتائج هذا الشكل الأخير، فحاول سرفيوس منحه ~~مسحة عسكرية فأدخل إلى الطبقة الثانية مئويتين من السلاحيين، وأدخل إلى الطبقة ~~الرابعة مئويتين من صانعي آلات الحرب، وإذا عدوت الطبقة الأخيرة وجدته في كل طبقة قد ~~ماز الشباب من الشيب، أي ماز من هم ملزمون بحمل السلاح ممن تعفيهم القوانين منه بسبب ~~السن، وكان هذا التمييز هو الذي يقتضي في الغالب تكرارا للإحصاء أو ms095 التعداد أكثر مما ~~كان يقتضيه تمييز الثراء، وأخيرا أراد انعقاد المجلس في ميدان مارس، وأن يأتيه جميع من ~~هم في سن الخدمة مع أسلحتهم. # والسبب في عدم اتباعه في الطبقة الأخيرة ذلك التفريق بين الشبان والشيب هو أن الرعاع ~~المؤلفة منهم كانوا لا يمنحون شرف حمل السلاح في سبيل الوطن، فكان لا بد للرجل من دار ~~نيلا لحق الدفاع عنه، ولم يوجد، على ما يحتمل، من زمر الصعاليك هذه التي لا يحصيها ~~عد، والتي تزدهي بها جيوش الملوك في الوقت الحاضر، واحدة كانت لا تطرد مع الازدراء ~~من فوج روماني حين كان الجنود حماة الحرية. # وفي الطبقة الأخيرة أيضا ميز على الخصوص بين الصعاليك ومن كانوا يدعون # capite censi ~~، فالأولون، الذين لم يدفعوا تماما، ~~كانوا يمنحون الدولة مواطنين على الأقل، حتى إنهم كانوا يمنحون أحيانا جنودا عند ~~الحاجة الملحة، وأما الذين كانوا يدفعون فلا يمكن تعدادهم بغير رءوسهم فقد كانوا ~~يعدون شيئا غير مذكور، وكان ماريوس أول من تفضل بقبولهم في الجندية. # وإني، من غير أن أقرر هنا: هل كان هذا التعداد الثالث حسنا أو سيئا في ذاته، أعتقد ~~أنه يمكنني أن أؤكد أنه لا يوجد غير أخلاق الرومان الأولين البسيطة وخلوهم من الغرض ~~وميلهم إلى الزراعة وازدرائهم للتجارة ورغبتهم في الكسب ما يستطيع أن يجعله أمرا ~~يسيرا، وأين هو الشعب الحديث الذي يستطيع ما عنده من الجشع الجامح والروح الجزوع ~~والمكيدة والانتقالات الدائمة وتحولات الثروة المستمرة أن يدع مثل هذا النظام يدوم ~~عشرين عاما من غير قلب جميع الدولة رأسا على عقب؟ حتى إنه يجب أن يلاحظ أن الأخلاق ~~والرقابة إذ كانتا أقوى من هذا النظام فإنهما أصلحتا معايبه في رومة وجعلتا الغني يرى ~~نفسه مبعدا في طبقة الفقراء عند إفراطه في عرض غناه. # ويمكن من جميع ما تقدم أن يدرك بسهولة ما السبب في أنه لم يذكر من الطبقات غير خمس ~~تقريبا مع أنه كان يوجد ست طبقات بالحقيقة، فبما أن الطبقة السادسة لم تقدم جنودا إلى ~~الجيش، ms096 ولم تصوت في ميدان مارس، # 5 # ولم تكن ذات عمل في الجمهورية غالبا، فإن من النادر أن كانت شيئا ~~مذكورا. # وتلك هي تقسيمات الشعب الروماني المختلفة، ولننظر الآن إلى الأثر الذي أسفرت عنه في ~~المجالس، وكانت هذه المجالس التي تدعى إلى الاجتماع شرعيا تسمى كوميسات، وكانت تجتمع ~~عادة في ساحة رومة أو ميدان مارس، وكانت تماز بكوميسات عن عشائر وكوميسات عن مئويات ~~وكوميسات عن قبائل، وذلك على حسب الشكل الذي كانت تجمع به من هذه الأشكال الثلاثة، وإن ~~الكوميسات عن عشائر كانت من وضع رومولوس، وإن الكوميسات عن مئويات من وضع سرفيوس، وإن ~~الكوميسات عن قبائل من وضع محامي الشعب، وما كان لقانون أن ينال تأييدا، وما كان لحاكم ~~أن ينتخب، إلا في الكوميسات، وبما أنه لا يوجد مواطن غير مسجل في عشيرة أو مئوية أو ~~قبيلة فإنك لم تجد مواطنا محروما حق التصويت، فكان الشعب الروماني سيدا حقا ~~وفعلا لا ريب. # وكان لا بد من ثلاثة شروط لاجتماع الكوميسات شرعيا، ولنيل ما يقرر فيها قوة ~~القانون، فالشرط الأول هو أن يكون الشخص أو الحاكم الذي يدعوها صاحبا للسلطة الضرورية ~~في هذا السبيل، والشرط الثاني هو أن يقع اجتماع المجلس في يوم يسمح به القانون، والشرط ~~الثالث هو أن تكون الهواتف ملائمة. # ولا يحتاج سبب النظام الأول إلى إيضاح، والنظام الثاني من شأن الضابطة، وهكذا كان لا ~~يباح اجتماع الكوميسات يوم عيد أو يوم سوق، أي في يوم يأتي فيه أهل الأرياف إلى رومة ~~لقضاء أمورهم فلا يكون لديهم من الوقت ما يقضون معه يومهم في الميدان العام، وبالنظام ~~الثالث كان السنات يكبح جماح شعب مختال شموس فيلطف حميا محامي الشعب المشاغبين، ~~غير أن هؤلاء المحامين كانوا يجدون غير وسيلة للخلاص من هذا العائق. # ولم تكن القوانين وانتخاب الرؤساء كل ما هو خاضع لحكم الكوميسات، فبما أن الشعب ~~الروماني اغتصب أهم وظائف الحكومة فإن من الممكن أن يقال: إن مصير أوربة نظم ~~بمجالسه، وكان تنوع الموضوع هذا يفسح في المجال ms097 لمختلف الأشكال التي تتخذها هذه المجالس ~~وفق المواد التي كان يجب أن تقضي فيها. # وكان يكفي أن يقابل بين مختلف الأشكال هذه ليحكم فيها، وكان رومولوس، بإقامته ~~العشائر، يهدف إلى ردع السنات بالشعب وردع الشعب بالسنات مهيمنا عليهما بالتساوي، فمنح ~~الشعب بهذا الشكل، إذن، كل ما للعدد من سلطان ليوازن ما ترك للأشارف من سلطان القوة ~~والغنى، غير أنه ترك، وفق روح الملكية مع ذلك، للأشارف منافع كثيرة بنفوذ تابعيهم في ~~أكثرية الأصوات، فكان نظام السادة والتابعين العجيب هذا من روائع السياسة والإنسانية، ~~وما كان ليمكن بدونه بقاء طبقة الأشارف المخالفة لروح الجمهورية كثيرا، وكان لرومة ~~وحدها شرف منح العالم هذا المثال الجميل الذي لم ينشأ عنه سوء استعمال قط، والذي لم ~~يتبع قط مع ذلك. # وبما أن شكل العشائر ذلك بقي في عهد الملوك حتى زمن سرفيوس، وبما أن عهد آخر ~~تاركني لم يعد شرعيا قط، فإن هذا ماز القوانين الملكية، على العموم، باسم ~~شرائع الحاشية الملكية . # وبما أن العشائر في العهد الجمهوري كانت مقصورة على العشائر المدنية الأربع دائما، ~~وبما أنها عادت لا تشتمل على غير رعاع رومة، فإنها كانت لا تلائم السنات الذي كان على ~~رأس الأشارف، ولا محامي الشعب الذين، وإن كانوا من العوام، كانوا على رأس المواطنين ~~الموسرين، ولذلك زال نفوذ العشائر، وقد بلغت من الهوان ما صار حملة فئوسهم الثلاثون ~~يصنعون معه ما كان على المجالس عن عشائر أن تصنعه. # وكان التقسيم عن مئويات من ملاءمة الأرستقراطية ما يبصر معه في البداءة كيف أن ~~السنات يفوز دائما في الكوميسات التي كانت تحمل هذا الاسم والتي كان ينتخب بها القناصل ~~والرقباء وغيرهم من الحكام ذوي الكراسي العاجية، والواقع أن الطبقة الأولى إذ كانت ~~تشتمل على ثمان وتسعين مئوية من المئويات ال 193 التي كانت تتألف منها طبقات جميع الشعب ~~الروماني الست، وأن الأصوات إذ كانت لا تحصى إلا عن مئويات، فإن تلك الطبقة الأولى ~~وحدها هي التي كانت تفوز على جميع الأخرى بعدد الأصوات، وحينما ms098 كان جميع هذه المئويات ~~على اتفاق لم يداوم حتى على جمع الأصوات، وما كان يقرره العدد الأقل يعد قرار الكثرة، ~~فيمكن أن يقال: إن الأمور في الكوميسات عن مئويات كانت تنظم وفق أكثرية البدرات # 6 # أكثر مما وفق أكثرية الأصوات. # بيد أن هذا السلطان المتناهي كان يعدل بوسيلتين: فالأولى هي أن محامي الشعب إذ ~~كانوا من طبقة الأغنياء عادة، وعن عدد كبير من العوام دائما، فإنهم كانوا يوازنون نفوذ ~~الأشارف في الطبقة الأولى. # وكانت الوسيلة الثانية تقوم على ما يأتي، وذلك أنه بدلا من أن تحمل المئويات على ~~التصويت وفق ترتيبها، وهذا يعني البدء بالأولى، كان يصار إلى اختيار واحدة بالقرعة ~~فتأخذه هذه # 7 # وحدها في الانتخاب، فإذا ما وقع هذا كررت جميع المئويات، التي تدعى ~~ليوم آخر على حسب درجتها، ذات الانتخاب وأيدته عادة، وهكذا كان ينزع سلطان المثال من ~~المرتبة لتعطاه القرعة وفق مبدأ الديمقراطية. # وكان ينشأ عن هذه العادة فائدة أخرى أيضا، وهي أن كان لمواطني الأرياف من الوقت بين ~~الانتخابين ما يبحثون في أثنائه عن مزايا المرشح الذي عين موقتا فلا يعطون أصواتهم ~~من غير معرفة للأمر، بيد أن هذه العادة أبطلت بحجة السرعة فيقع الانتخابان في اليوم ~~نفسه. # وكانت الكوميسات عن قبائل مجلس الشعب الروماني ضبطا، وكانت تدعى من قبل محامي ~~الشعب وحدهم، وفي هذه المجالس كان محامو الشعب ينتخبون ويعرضون استفتاءاتهم، ولم يكن ~~للسنات حق حضورها فضلا عن عدم وجود مرتبة له فيها، وبما أن أعضاء السنات ملزمون ~~بإطاعة قوانين لم يستطيعوا التصويت لها فإنهم كانوا أقل حرية من آخر المواطنين، وقد ~~أسيء تمثل هذا الحيف تماما، فكان يكفي وحده لإبطال مراسيم هيئة لم يقبل جميع ~~أعضائها فيها، ولو كان لجميع الأشارف أن يحضروا هذه الكوميسات وفق حقهم كمواطنين ~~لبدوا أفرادا حينئذ ولم يؤثروا قط في طراز أصوات تجمع على حسب الرءوس فيكون لأحقر ~~الصعاليك من القدرة ما لأقطاب السنات. # وإذا عدوت النظام الذي كان ينشأ عن هذه التوزيعات المختلفة لجمع أصوات شعب بالغ ms099 تلك ~~العظمة أبصرت، إذن، أن هذه التوزيعات لم تتحول إلى أشكال غير مكترثة بنفسها، وإنما ترى ~~أن كل واحد منها ذو نتائج مناسبة للأغراض التي كانت تجعله مفضلا. # وإنا، من غير خوض في الجزئيات أكثر من ذلك، نرى أنه يستنتج من الإيضاحات السابقة كون ~~الكوميسات عن قبائل أكثر ملاءمة للحكومة الشعبية وكون الكوميسات عن مئويات أكثر ~~ملاءمة للأرستقراطية، وأما الكوميسات عن عشائر، حيث تكون الأكثرية لرعاع رومة وحدهم، ~~فبما أنها لم تكن صالحة لغير مساعدة الطغيان والمقاصد السيئة فإنه وجب خسرانها ~~حسن الذكر، حتى إن المشاغبين أحجموا عن استعمال وسيلة كهذه كانت تفضح خططهم كثيرا، ~~ولا مراء في أن جميع جلال الشعب الروماني تجلى في الكوميسات المئوية التي كانت شاملة ~~وحدها؛ وذلك لأن الكوميسات عن عشائر كانت لا تشتمل على القبائل الريفية، ولأن الكوميسات ~~عن قبائل كانت لا تشتمل على السنات والأشارف. # وأما طراز جمع الأصوات فقد كان لدى الرومان الأولين من البساطة كطبائعهم وإن كانت دون ~~ما في إسبارطة، وكان كل واحد يعطي صوته عاليا فيقيده كاتب، وكانت أكثرية الأصوات في كل ~~قبيلة تعين أصواتها، وكانت أكثرية الأصوات بين القبائل تعين أصوات الشعب، وقل مثل ~~هذا عن العشائر والمئويات. أجل، إن هذه العادة حسنة ما ساد الصلاح بين المواطنين فيستحي ~~كل واحد من إعطاء صوته جهرا لرأي مخالف للإنصاف أو لتابع غير أهل، ولكن الشعب عندما ~~فسد وصارت الأصوات تشترى صار من الملائم أن تعطى سرا زجرا للمشترين بعدم الثقة، ~~وتجهيزا للخبثاء بوسائل عدم الخيانة. # وأعلم أن شيشرون ذم هذا التحول، وعزا إليه خراب الجمهورية من بعض الوجوه، غير أني وإن ~~كنت أشعر بوزن حجة شيشرون هنا، لا أشاركه رأيه، وعلى العكس أرى أن زوال الدولة ~~عجل بعدم اتخاذ مثل هذه التحولات بدرجة الكفاية، وبما أن نظام الأصحاء لا يلائم ~~المرضى فإنه لا ينبغي أن يراد الحكم في شعب فاسد بقوانين ملائمة لشعب صالح، ولا شيء ~~يثبت هذه القاعدة أكثر من دوام جمهورية البندقية التي لا يزال هيكلها قائما ms100 لكون ~~قوانينها لا تلائم غير الخبثاء. # ولذا وزعت على المواطنين رقاع كان يمكن كل واحد أن يصوت بها من غير أن يعرف ~~رأيه، ووضعت أيضا شكليات جديدة لجمع الرقاع وعد الأصوات والمقابلة بين الأعداد، إلخ، ~~ولم يمنع هذا من الشك غالبا في إخلاص الموظفين الذين عهد إليهم في القيام بهذه الأعمال، # 8 # وأخيرا وضعت مراسيم لمنع المكايد والسحت دلت كثرتها على عدم ~~فائدتها. # ولما دنا الوقت الأخير (للجمهورية) قضت الضرورة في الغالب بأن يلجأ إلى وسائل ~~غير عادية تلافيا لعدم كفاية القوانين، فكانت العجائب تفترض أحيانا، غير أن هذه ~~الوسيلة، التي كان يمكن أن تخدع الشعب، لم تكن لتخدع من يحكمون فيه، وكان يدعى مجلس ~~بغتة في بعض الأحيان، وذلك قبل أن يكون لدى المرشحين من الوقت ما يقومون فيه بشغبهم، ~~وكان يقضى اجتماع بكامله في الكلام عندما يرى الشعب المنال مستعدا لاتخاذ وضع سيئ، ~~ولكن الطموح زاغ عن كل شيء في نهاية الأمر، وكل ما لا يمكن تصديقه هو أن هذا الشعب ~~العظيم كان بين كثير من سوء الاستعمال لا ينقطع، بفضل نظمه القديمة، عن انتخاب الحكام ~~وسن القوانين والقضاء في الدعاوي وإنجاز الأعمال الخاصة والعامة، وذلك بمثل السهولة ~~التي كان السنات نفسه يستطيع أن يأتيها. # الفصل الخامس # | المحاماة عن الشعب # إذا تعذر وضع نسبة صحيحة بين الأقسام التي تتكون منها الدولة، أو إذا وجد من ~~الأسباب ما لا تمكن إزالته فيغير باستمرار ما بين تلك الأقسام من صلة، أقيمت حاكمية ~~خاصة غير متحدة بالأخرى مطلقا، ويرد هذا كل حد إلى علاقته الحقيقية بالأخرى، فيحدث ~~رابطة، أو حدا متوسطا إما بين الأمير والشعب، وإما بين الأمير والسيد، وإما بين ~~الأمرين معا عند الضرورة. # وهذه الهيئة التي أدعوها «محاماة عن الشعب» هي الحافظة للقوانين وللسلطة الاشتراعية، ~~وهي تنفع أحيانا لحماية السيد تجاه الحكومة كما كان محامو الشعب يصنعون في رومة، وهي ~~تنفع أحيانا لتأييد الحكومة تجاه الشعب كما يصنع مجلس العشرة اليوم في البندقية، وهي ~~تنفع أحيانا لحفظ التوازن بين ms101 قسم وآخر كما كان حفظة النظام بإسبارطة يصنعون. # وليست المحاماة عن الشعب قسما مكونا للمدينة، ولا ينبغي أن يكون لها نصيب في ~~السلطة الاشتراعية، ولا في السلطة التنفيذية، ولكن هذا هو الذي يجعل لسلطانها النصيب ~~الأكبر؛ وذلك لأنها تقدر على منع كل شيء مع أنها لا تستطيع صنع شيء، وهي كمدافعة عن ~~القوانين أقدس وأجل من الأمير الذي ينفذها ومن السيد الذي يمنحها، وهذا ما رئي واضحا ~~في رومة عندما أكره الأشارف المختالون، الذين احتقروا الشعب بأسره دائما، على ~~الانحناء أمام موظف شعبي بسيط عاطل من الاعتبار والحكم. # وإذا ما عدلت المحاماة عن الشعب بحكمة كانت أقوى دعامة لنظام صالح، ولكن قوتها ~~إذا زادت قليلا قلبت كل شيء رأسا على عقب، وليس الضعف من طبيعتها، وهي ليست ~~دون ما ينبغي أن تكون على أن تكون شيئا. # وهي تنحط إلى طغيان عند غصبها السلطة التنفيذية التي ليست غير معدلة لها وعندما ~~تستغني عن القوانين التي لا ينبغي أن تفعل غير الدفاع عنها، وما كان يتمتع به حفظة ~~النظام من سلطان عريض، لا خطر فيه ما حافظت إسبارطة على أخلاقها، عجل فسادها ~~المبدوء، وما سفك من دم أجيس الذي ذبحه هؤلاء الطغاة انتقم له من قبل وارثه، ~~فجناية حفظة النظام وعقابهم عجلا زوال الجمهورية على السواء، وعادت إسبارطة لا تكون ~~شيئا بعد كليئومن، وكذلك رومة هلكت بذات الطريقة، وأخيرا أفادت سلطة محامي الشعب ~~المفرطة التي اغتصبت بالتدريج، وبمساعدة قوانين وضعت من أجل الحرية، كضمان للأباطرة ~~الذين قضوا عليها، وأما مجلس العشرة في البندقية فهو محكمة دم ممقوتة لدى الأشراف ~~والعوام بالتساوي، هو محكمة بعدت من صيانة القوانين علانية فعادت لا تنفع بعد ~~انحطاطها لغير إنزال ضربات لا يجرؤ أحد على ملاحظتها. # ومحاماة الشعب، كالحكومة، ضعفت بزيادة أعضائها، ولما أراد محامو الشعب الروماني، ~~الذين كانوا اثنين فصاروا خمسة، مضاعفة هذا العدد تركهم السنات يصنعون هذا معتقدا ردع ~~بعضهم ببعض، وهذا ما وقع فعلا. # وأحسن وسيلة لمنع غصب هيئة هائلة بذلك المقدار، وهي وسيلة ms102 لم تتخذها أية حكومة حتى ~~الآن، هو ألا تجعل هذه الهيئة دائمة، وإنما تنظم الفواصل التي يجب أن تبقى فيها معلقة، ~~ويمكن هذه الفواصل، التي لا ينبغي أن تكون من الطول ما يدع لسوء الاستعمال وقتا يثبت ~~فيه، أن تعين بالقانون، وذلك على وجه يسهل معه اختصارها عند الضرورة بلجان غير ~~عادية. # وهذه الوسيلة بلا محذور كما يلوح لي؛ وذلك لأن محاماة الشعب ليست من النظام مطلقا ~~فيمكن نزعها من غير تأثير في النظام، وتظهر لي هذه الوسيلة شافية؛ وذلك لأن الحاكم ~~الذي يرجع إلى المنصب مجددا لا يشرع من السلطة التي مارسها سلفه، بل يشرع من السلطة ~~التي يمنحه القانون إياها. # الفصل السادس # | الحكم المطلق # يمكن صلابة القوانين، التي تحول دون ملاءمتها الحوادث، أن تجعلها ضارة في بعض الأحوال ~~فتوجب هلاك الدولة في أزمتها، ويتطلب نظام الأشكال وبطؤها مدة من الزمن تأباها الأحوال ~~في بعض الأحيان، وقد يظهر من الأحوال ألف لم يعالجه المشترع قط، فمن الفطنة اللازمة ~~جدا أن يشعر بأنه لا يمكن أن يفطن إلى كل شيء. # ولا ينبغي، إذن، أن يبلغ من تمكين النظم السياسية ما يتعذر معه وقف عملها، حتى إن ~~إسبارطة تركت قوانينها ترقد. # بيد أنه لا يوجد غير أعظم الأخطار ما يستطيع موازنة خطر تغيير النظام العام، ولا يجوز ~~وقف سلطان القوانين المقدس إلا عندما يحيق الخطر بسلامة الوطن، ففي هذه الأحوال النادرة ~~الواضحة يهب إلى السلامة العامة بقرار خاص يفوض أمرها به إلى الأكثر جدارة، ~~وتفويض مثل هذا يمكن أن يقع على وجهين وفق نوع الخطر. # وإذا كان يكفي أن يزاد نشاط الحكومة لمعالجة ذلك فإن السلطة تجعل قبضة واحد أو اثنين ~~من أعضائها، وهكذا ليس سلطان القوانين هو الذي يغير، بل شكل إدارتها، وإذا كان الخطر ~~من الحال ما يكون جهاز القوانين معه مانعا من ضمانها فإنه ينصب رئيس عال يسكت ~~جميع القوانين ويقف السلطة ذات السيادة لحين، ولا شك حول الإرادة العامة في مثل هذه ~~الحال، ومن الواضح أن مقصد ms103 الشعب الأول ألا تهلك الدولة، وهكذا لا يعني وقف السلطة ~~الاشتراعية إلغاءها، فالحاكم الذي يسكنها لا يستطيع حملها على الكلام، وهو يسودها من ~~غير أن يقدر على تمثيلها، وهو يستطيع أن يصنع كل شيء خلا وضع القوانين. # وقد اتخذ السنات الروماني الوسيلة الأولى حينما عهد إلى القناصل بصيغة مرسومة أن ~~يعالج سلامة الجمهورية، وقد اتخذت الوسيلة الثانية حينما كان أحد القنصلين يعين ~~حاكما مطلقا، # 1 # أي يلجأ إلى عادة استعارتها رومة من ألبا. # وكان يلجأ إلى الحكم المطلق في أوائل الجمهورية غالبا؛ وذلك لأنه لم يكن للدولة ~~بعد قاعدة ثابتة بدرجة الكفاية لتستطيع البقاء بقوة نظامها فقط. # وبما أن الأخلاق كانت تجعل في ذلك الحين غير ذي طائل كثيرا من التحفظات يكون ~~ضروريا في زمن آخر فإنه كان لا يخشى أن يسيء حاكم مطلق استعمال سلطانه أو أن يحاول ~~الاحتفاظ به إلى ما بعد الأجل، وعلى العكس كان يلوح أن مثل هذه السلطة العظيمة عبء على ~~عاتق من يتقلدها فيسرع في إلقائها عنه ، وذلك كما لو كان القيام مقام القوانين منصبا ~~بالغ المشقة بالغ الخطر. # ولذلك فإن خطر الهوان، لا خطر سوء الاستعمال، هو الذي يجعلني أذم عادة هذه ~~الحاكمية العليا الطائشة في الأزمنة الأولى؛ وذلك أنه بينما كان يفرط فيها في ~~الانتخابات والتقدمات والشكليات الخالصة كان يخشى ظهورها أقل هولا وقت الضرورة ~~وأن يتعود عد اللقب الذي لا يستعمل في غير الرسميات الفارغة لقبا ~~فارغا. # ويصبح الرومان أكثر احترازا في أواخر الجمهورية فيقتصدون في انتحال الحكم المطلق كما ~~أسرفوا فيه قديما، ومن السهل أن يرى قيام تخوفهم على غير أساس، وكون ضعف العاصمة ~~مدار سلامتها تجاه الحكام الذين تشتمل عليهم، وإمكان الحاكم المطلق أن يدافع في بعض ~~الأحوال عن الحرية العامة من غير أن يستطيع تعريضها للخطر، وأن قيود رومة لا تطرق ~~في رومة نفسها مطلقا، بل في جيوشها، وما كان من مقاومة ماريوس القليلة لسيلا وبونبي ~~لقيصر يدل جيدا على ما يمكن أن ينتظر من السلطان في الداخل ms104 تجاه القوة من ~~الخارج. # وقد دفع هذا الخطأ الرومان إلى اقتراف خطيئات عظيمة؛ ومنها أنه لم يعين حاكم مطلق ~~في مؤامرة كاتيلينا، وذلك بما أن الأمر لم يشمل غير داخل المدينة، وولاية من إيطالية ~~على الأكثر، فإن السلطة غير المحدودة التي تنعم بها القوانين على الحاكم المطلق كانت ~~تمكنه من القضاء بسهولة على المؤامرة التي لم تطفأ إلا بمصادفات موفقة ما كانت ~~بصيرة الإنسان لتنتظرها مطلقا. # والسنات، بدلا من ذلك، اكتفى بتسليم سلطانه إلى القناصل، ويرى شيشرون أن يسير ~~سيرا فعالا فيضطر إلى زيادة سلطانه في أمر مهم، وإذا كان الفرح الشامل ~~الأول قد أسفر عن استحسان سلوكه فإن من العدل أن طلب منه فيما بعد تقديم حساب عن ~~دم المواطنين المسفوك خلافا للقوانين، أي عزر بما كان لا يعرض له حاكم مطلق ~~أبدا، غير أن فصاحة هذا القنصل جرفت كل شيء، وقد كان يفضل مجده الخاص على وطنه ~~على الرغم من رومانيته، فلم يبحث عن أكثر الوسائل شرعية وصحة لإنقاذ الدولة بحثه عن ~~نيله لنفسه شرفا جامعا بصنعه ذلك، # 2 # ولذلك فقد مجد بحق منقذا لرومة كما عوقب بحق ناقضا للقوانين، ومهما ~~كان من بريق في استدعائه ثانية لم يعد هذا كونه عفوا لا ريب. # ومع ذلك فمهما يكن الوجه الذي تقلد به تلك الوكالة المهمة فإنه يجب تحديد زمنها ~~لأجل قصير جدا فلا تمكن إطالته مطلقا، ولا تلبث الدولة في الأزمات التي تؤدي إلى ~~الحكم المطلق أن تزول أو تنقذ، فإذا ما انقضت الحاجة الملحة أصبح الحكم ~~المطلق باغيا أو لاغيا، وبما أن الحكام المطلقين في رومة لم يكونوا كذلك إلا لستة ~~أشهر فإن أكثرهم استعفى قبل حلول الأجل، وإذا كان أجلهم أطول من ذلك حاولوا إطالته على ~~ما يحتمل، وذلك كما صنع الحكام العشرة عندما اختيروا لعام واحد، ولم يكن لدى الحاكم ~~المطلق من الوقت غير ما اقتضته الحاجة التي أوجبت انتخابه، ولم يكن له أن يفكر في ~~خطط أخرى. # الفصل السابع # | الرقابة # كما أن إعلان الإرادة ms105 العامة يتم بالقانون، يتم إعلان الحكم العام بالرقابة، فالرأي ~~العام هو نوع القانون الذي يديره الرقيب والذي يطبق على أحوال خاصة ~~كالأمير. # فالمحكمة الرقابية تبعد، إذن، من أن تكون حكم رأي الشعب، وهي ليست غير معلنة ~~له، وهي إذا ما ابتعدت عنه غدت قراراتها لاغية غير مؤثرة. # ومن العبث أن تماز أخلاق الأمة من مواضع احترامها، وذلك لتعلق هذا بذات المبدأ ~~واختلاطه به بحكم الضرورة، ولا تجد في العالم أمة لا يكون الرأي العام، من دون الطبيعة، ~~هو الذي يقرر اختيار ملاذها، وقوموا آراء الناس تروا أخلاقها تصفي نفسها ~~بنفسها، وفي كل وقت يحب ما هو جميل أو الذي يوجد هكذا، غير أنه يخدع في هذا الحكم، ~~وهذا الحكم هو الذي يجب تنظيمه، ومن يحكم في الأخلاق يحكم في الشرف، ومن يحكم في الشرف ~~يجد قانونه في الرأي العام. # وتشتق آراء الشعب من نظامه، ومع أن القانون لا ينظم الأخلاق فإن الاشتراع هو ~~الذي ينشئها، ومتى ضعف الاشتراع انحلت الأخلاق، ولكن حكم الرقباء حينئذ لا يصنع ما تعجز ~~عن صنعه قوة القوانين، ومن ثم يمكن الرقابة أن تكون نافعة لحفظ الأخلاق، لا لإعادتها، ~~على الإطلاق، وانصبوا رقباء في إبان قوة القوانين، فإذا ما فقدت هذه القوة زال كل ~~أمل، ولا يستطيع سلطان شرعي أن يكون ذا قوة عندما تخسر القوانين قوتها. # والرقابة تحفظ الأخلاق بمنعها الآراء من الفساد، وبوقايتها استقامتها بتطبيقات حكيمة، ~~وتثبيتها، أحيانا، ما بقيت متقلبة، وما كان من عادة اتخاذ مساعدين في المبارزات التي ~~بلغت الحد الأقصى في مملكة فرنسة ألغي بالكلمات الآتية في مرسوم ملكي: «وأما الذين ~~يكونون من النذالة ما يستدعون معه مساعدين»، فبما أن هذا الحكم قد سبق حكم الرأي العام ~~فقد قرره من فوره، غير أن ذات المراسيم عندما أرادت أن تقول: إن الصراع في المبارزة ~~نذالة، وهذا صحيح إلى الغاية، ولكن مع مخالفة للرأي الشائع، سخر الجمهور من هذا ~~القرار في أمر كان قد أعطى حكمه فيه. # وقد قلت في مكان آخر: # 1 ms106 # إن الرأي العام ليس خاضعا لأي قسر مطلقا، ولا حاجة لأن يكون ذا أثر في ~~المحكمة التي تقام لتمثيله، ومن المتعذر أن يعجب كثيرا بالفن الذي كان هذا النابض، ~~الضائع لدى المعاصرين تماما، يستعمل به عند الرومان، وعند الإسبارطيين بما هو ~~أحسن مما عند الرومان. # ولما قدم رجل سيئ الأخلاق رأيا حسنا إلى المجلس الإسبارطي أهمله حفظة ~~النظام، وأوجبوا اقتراح عين الرأي من قبل مواطن صاحب فضيلة، فيا للشرف لأحدهما! ~~ويا للخزي للآخر! وذلك من غير أن يمدح أو يعاب أي منهما! ومما حدث أن دنس ~~سكارى من ساموس # 2 # محكمة حفظة النظام، فلما كان اليوم التالي أبيح لأهل ساموس، بمرسوم عام، أن ~~يكونوا أقذارا، فلو فرض عقاب حقيقي لكان أقل شدة من عفو كهذا! ولما نطقت إسبارطة ~~بما هو صالح وما هو غير صالح لم تستأنف بلاد اليونان أحكامها. # الفصل الثامن # | الدين المدني # لم يكن للناس في البداءة ملوك غير الآلهة وحكومة غير الحكومة الإلهية، وقد أتوا مثل ~~تعقل كاليغولا، وقد أصابوا في تعقلهم بذلك ، وكان لا بد من تغيير طويل في المشاعر ~~والأفكار حتى يمكن الناس أن يتخذوا أمثالهم سادة لهم راجين أن يلاقوا خيرا من صنعهم ~~ذلك. # ولذلك وحده وضع الرب على رأس كل مجتمع سياسي، ومن ثم كان يوجد من الآلهة من هم ~~بعدد الشعوب، وما كان الشعبان الغريب أحدهما عن الآخر، المتعاديان دائما تقريبا، ~~ليستطيعا أن يسلما بسيد واحد زمنا طويلا، وما كان الجيشان المتقاتلان ليستطيعا أن ~~يطيعا رئيسا واحدا، وهكذا تؤدي التقسيمات القومية إلى تعدد الآلهة، ومن هنا نشأ عدم ~~التسامح اللاهوتي والمدني الذي هو هو بحكم الطبيعة كما نرى ذلك فيما بعد. # وما كان من هوى الأغارقة في لقاء آلهتهم ثانية بين شعوب البرابرة نشأ عن أنهم كانوا ~~يعدون أنفسهم سادة طبيعيين لهذه الشعوب أيضا، ولكنك لا تجد عبثا كلوذعية أيامنا ~~المضحكة التي تطابق بين آلهة مختلف الأمم، كما لو كان يمكن مولك وساتورن وكرونوس أن ~~يكونوا عين الإله، وكما لو كان يمكن ms107 بعل الفنيقيين وزوس الأغارقة وجوبيتر اللاتين أن ~~يكونوا ذات الإله، وكما لو كان يمكن أن يبقى شيء مشترك بين موجودات وهمية تحمل أسماء ~~مختلفة! # وإذا ما سئل عن عدم وجود حروب دينية مطلقا في أدوار الوثنية حين كان لكل دولة ~~عبادتها وآلهتها، أجبت بأنه إذا كان لكل دولة عبادتها الخاصة، وحكومتها أيضا، فإنه لم ~~يفرق بين آلهتها وقوانينها قط، وكانت الحرب السياسية لاهوتية أيضا، ولذلك كانت ~~ولايات الآلهة معينة بحدود الأمم، ولم يكن لإله شعب أي حق على الشعوب الأخرى، ولم يكن ~~آلهة الوثنيين آلهة غيرا فكانوا يقتسمون سلطان العالم فيما بينهم، حتى إن موسى ~~والشعب العبري ذهبا إلى هذا الرأي أحيانا عند كلامهما عن إله إسرائيل. أجل، كانا يعدان ~~آلهة الكنعانيين عاجزين، آلهة هؤلاء القوم ذوي الدم الطليل، والمحكوم عليهم بالهلاك، ~~والذين كان بنو إسرائيل يطمعون في الاستيلاء على بلدهم، ولكن انظروا كيف كانوا يتكلمون ~~عن آلهة الشعوب المجاورة الذين منعوا من من الهجوم عليهم، قال يفتاح لبني ~~عمون: أليس أن ما يملكك إياه كموش إلهك إياه تملك، وجميع الذين طردهم ~~الرب إلهنا من أمامنا إياهم نملك؟ # 1 # فيظهر لي أن هذا اعتراف بأن حقوق كموش وحقوق إله إسرائيل متماثلة. # ولكن اليهود عندما خضعوا لملوك بابل، ثم لملوك سورية، أرادوا الإصرار على عدم ~~الاعتراف بإله غير إلههم، فعد هذا الرفض تمردا على الغالب وأدى إلى ما نقرؤه ~~في تاريخهم من اضطهادهم بما لا يرى له مثيل قبل النصرانية. # 2 # ولذلك، وبما أن كل دين مرتبط في قوانين الدولة التي أمرت به، فإنه لم يكن قط وجه ~~آخر لهداية شعب غير استعباده، ولم يكن قط مبشرون آخرون غير الفاتحين، وبما أن وجوب ~~تغيير العبادة قانون خضع له المغلوب فإنه كان من الضروري أن يبدأ بالانتصار قبل ~~الحديث في ذلك التغيير، ومن البعيد أن يكون الناس قد قاتلوا في سبيل الآلهة. والآلهة، ~~كما جاء في أوميرس، هم الذين قاتلوا في سبيل الناس، وكل كان يسأل إلهه أن ينصره فيقابله ~~بهياكل جديدة، ms108 وكان الرومان قبل الاستيلاء على مكان ينذرون آلهته بمغادرته! وهم عندما ~~تركوا لأهل تارانت آلهتهم الذين أغضبوا كان ذلك لأنهم عدوا هؤلاء الآلهة، حينئذ، ~~خاضعين لآلهتهم مكرهين على تقديم الولاء إليهم، وهم قد تركوا للمغلوبين آلهتهم كما ~~تركوا لهم قوانينهم، وكان وضع إكليل على جوبيتر بالكابيتول في الغالب الضريبة الوحيدة ~~التي يفرضونها. # ثم لما وسع الرومان عبادتهم وآلهتهم مع إمبراطوريتهم، ولما انتحلوا في الغالب آلهة ~~المغلوبين بمنحهم حق المدينة، وجد شعوب هذه الإمبراطورية الواسعة أنفسهم، على وجه غير ~~محسوس، ذوي جموع من الآلهة والعبادات واحدة في كل مكان، وهكذا لم تعرف الوثنية في ~~العالم المعروف غير دين واحد بعينه. # ففي هذه الأحوال أتى يسوع ليقيم على الأرض مملكة روحية، وهذا ما جعل الدولة، بفصله ~~النظام اللاهوتي عن النظام السياسي، تكون غير واحدة فأوجب من الانقسامات الداخلية ما ~~انفك يقلق الشعوب النصرانية، والواقع أن هذه الفكرة الجديدة لمملكة في العالم الآخر لم ~~تستطع الدخول في رأس الوثنيين قط فعدوا النصارى عصاة حقيقيين، مع تظاهر هؤلاء بالخضوع، ~~غير باحثين عن سوى الوقت الذي يكونون فيه سادة مستقلين فيغتصبون، بمهارة، السلطة التي ~~تظاهروا باحترامها في أثناء ضعفهم، فكان هذا سبب الاضطهادات. # ويحدث ما خافه الوثنيون، وهنالك يغير كل شيء منظره، ويغير النصارى الوضعاء ~~لهجتهم، ولسرعان ما رئيت مملكة العالم الآخر المزعومة تتحول إلى أعنف استبداد في هذه ~~الدنيا تحت قيادة رئيس منظور. # ومع ذلك، وبما أنه وجد أمير وقوانين مدنية دائما، نشأ عن هذا السلطان المضاعف ~~وتصادم الحاكمية في الدول النصرانية تعذر كل سياسة صالحة، ولم يوفق الناس ~~قط لمعرفة أي الرجلين يلزمون بإطاعته: آلسيد أم القسيس؟ # ومع ذلك فإن كثيرا من الشعوب، حتى في أوربة أو في جوارها، أراد حفظ النظام القديم أو ~~إعادته، ولكن من غير نجاح؛ فقد سادت الروح النصرانية كل شيء، وقد ظلت العبادة المقدسة ~~دائما، أو صارت ثانية، مستقلة عن السيد ومن غير ارتباط ضروري في كيان الدولة، وكانت ~~لمحمد آراء صائبة جدا؛ فقد أحسن وصل نظامه السياسي، ms109 وذلك أن ظل شكل ~~حكومته باقيا في عهد خلفائه، فكانت هذه الحكومة واحدة تماما، وصالحة إلى هذا الحد، ~~غير أن العرب أصبحوا موسرين متعلمين مثقفين مترفين مرتخين فأخضعهم البرابرة، ~~وهنالك بدأ الانقسام بين السلطتين، وهذا الانقسام، وإن كان أقل ظهورا بين المسلمين ~~مما بين النصارى، موجود على كل حال، ولا سيما في شيعة علي، ويوجد من الدول كفارس، ~~ما انفك يشعر به فيها. # وبيننا جعل ملوك إنكلترة أنفسهم رؤساء للكنيسة، ومثل هذا ما صنعه قياصرة روسية، ~~غير أنهم بدوا بهذا اللقب سادة لها أقل مما بدوا قساوسة لها، وأنهم نالوا حق ~~تغييرها أقل مما نالوا سلطة في حفظها، وهم ليسوا مشترعين لها، بل أمراؤها، والإكليروس، ~~حيث يكون هيئة، # 3 # يظهر سيدا ومشترعا في وطنه، ولذلك يوجد سلطتان وسيدان في إنكلترة وروسية ~~كما في غيرهما. # والفيلسوف هوبز، من بين جميع مؤلفي النصارى، هو الذي أبصر الشر جيدا وعالجه، وهو ~~الذي جرؤ على اقتراح جمع رأسي النسر ورد كل شيء إلى الوحدة السياسية التي لا تكون ~~الدولة، ولا الحكومة، حسنة التنظيم بغيرها، غير أنه وجب عليه أن يرى مناقضة الروح ~~السائدة للنصرانية لنظامها وكون مصلحة القسيس أقوى من مصلحة الدولة دائما، وما اشتملت ~~عليه نظريته السياسية من فظاعة وخطأ لم يجعلها ممقوتة # 4 # أكثر مما جعلها ما انطوت عليه من صواب وصحة. # وأرى أنه إذا ما فصلت الوقائع التاريخية وفق وجهة النظر هذه سهل رفض آراء بيل ~~وواربورتن المتناقضة، فزعم أحدهما أنه لا يوجد من الأديان ما هو مفيد للكيان السياسي، ~~وذهب الآخر إلى العكس فقرر أن النصرانية أقوى دعامة له، فللأول نثبت أنه لم تقم دولة من ~~غير أن ينتفع بالدين أساسا لها، وللثاني نثبت أن ضرر الدستور النصراني في الأساس أكثر ~~من نفعه لنظام الدولة المكين، وليس علي للإفصاح عما في نفسي أن أصنع غير إنعامي دقة ~~أكثر قليلا في مبادئ الدين المبهمة الخاصة بموضوعي. # إذا نظر إلى الدين من حيث المجتمع، الذي يكون عاما أو خاصا أمكن أن يقسم ms110 ~~إلى نوعين: دين الإنسان ودين المواطن؛ فالأول، العاطل من معبد وهياكل وطقوس والمقصور ~~على عبادة الرب الأعلى الباطنية وعلى واجبات الأخلاق الأزلية، هو دين الإنجيل البسيط ~~والتوحيد الحقيقي مع إنكار الوحي، وهو ما يمكن أن يسمى الحق الإلهي الطبيعي. ~~والآخر، المسنون في بلد واحد، ينعم عليه بآلهته وحماته الحافظين، وله عقائده وطقوسه ~~وعبادته الظاهرية المفروضة بقوانين، فإذا عدوت الأمة الوحيدة التي تتبعه عد جميع ~~العالم في نظره كافرا غريبا بربريا، وهو لا يجعل واجبات الإنسان وحقوقه شاملة لما ~~وراء هياكله، فهذا هو شأن جميع أديان الشعوب الأولى، وهي ما يمكن أن يطلق عليها اسم ~~الحقوق الإلهية المدنية أو الوضعية. # ويوجد للدين نوع ثالث أكثر غرابة؛ فهو يمنح الناس اشتراعين ورئيسين ووطنين، ويجعلهم ~~خاضعين لواجبات متناقضة، ويحول دون كونهم عابدين ومواطنين معا، شأن دين اللاما ودين ~~اليابان، والنصرانية الرومانية، وهي ما يمكن أن تسمى دين الكاهن، وينشأ عن هذا ضرب من ~~الشرائع المختلطة النافرة التي لا اسم لها مطلقا. # وإذا ما نظر إلى هذه الأنواع الثلاثة للأديان من الناحية السياسية وجدت معايب ~~لجميعها، ويبلغ الدين الثالث من السوء الواضح ما يعد من ضياع الوقت معه أن يتلهى ~~بإثباته، فلا قيمة لكل ما يقضي على الوحدة الاجتماعية، ولا تساوي شيئا جميع النظم التي ~~تجعل الإنسان مناقضا لنفسه. # ويكون الدين الثاني صالحا من حيث كونه يجمع بين العبادة الإلهية وحب القوانين، وهو، ~~إذ يجعل من الوطن موضع عبادة المواطنين، يعلمهم أن خدمة الدولة تعني خدمة الإله ~~الحافظ، وهذا ضرب من الحكومة الإلهية التي لا يمكن أن يكون فيها حبر غير الأمير، ولا ~~كهنة غير الحكام، وهنالك يكون موت الإنسان في سبيل بلده شهادة، ويكون انتهاك القوانين ~~إلحادا، ويكون تعريض المذنب للعنة العامة هدفا لغضب الآلهة، (فكن ~~صالحا). # بيد أنه سيئ من حيث قيامه على الخطأ والكذب فيخادع الناس ويجعلهم وابصات # 5 # سمع وخرافيين، ويغرق عبادة الألوهية الصحيحة في طقوس فارغة، وهو يكون سيئا ~~أيضا عندما يصبح مانعا لسواه باغيا فيجعل الشعب سفاكا متعصبا ms111 لا يتنفس بغير ~~الذبح والقتل، ويرى أنه يقوم بعمل مقدس بقتله كل من لا يؤمن بآلهته، وهذا ما يضع مثل ~~هذا الشعب في حال طبيعية للحرب تجاه جميع الشعوب الأخرى فيجعل سلامته الخاصة في خطر ~~عظيم. # ولذلك لا يبقى غير دين الإنسان أو النصرانية، لا نصرانية اليوم، بل نصرانية الإنجيل ~~التي تختلف عنها اختلافا تاما، فبهذا الدين المقدس الرفيع الصحيح يعترف الناس، الذين ~~هم أبناء رب واحد، بأنهم إخوة جميعا، ولا ينحل المجتمع الذي يوحد بينهم حتى ~~القتل. # ولكن بما أنه لا يوجد لهذا الدين أي صلة خاصة بالهيئة السياسية فإنه يترك للقوانين ما ~~تستخرجه من نفسها من قوة، وذلك من غير إضافة شيء إليها، ومن ثم تظل إحدى روابط ~~المجتمع الخاص العظيمة بلا عمل، ثم يبعد ذلك الدين من ربط أفئدة المواطنين بالدولة، وهو ~~يفصلها عنها كما يفصلها عن جميع أمور الأرض، فلا أعرف ما هو أكثر مخالفة منه للروح ~~الاجتماعية. # ويقال لنا: إن شعبا مؤلفا من نصارى صادقين يؤلف أكمل مجتمع يمكن تصوره، ولا أجد ~~في هذا الافتراض غير صعوبة كبيرة، وذلك أن مجتمعا مؤلفا من نصارى يعود غير مجتمع من ~~الناس. # حتى إنني أقول: إن هذا المجتمع المفترض لا يكون عند كماله أقوى المجتمعات ولا أكثرها ~~دواما، فبكماله يفقد الارتباط، ويكون عيبه الهدام في نفس كماله. # أجل، يقوم كل واحد بواجبه، ويخضع الشعب للقوانين، ويكون الرؤساء عادلين معتدلين، ~~ويكون الحكام صالحين عفيفين، ويستخف الجند بالموت، ولا يكون هنالك زهو ولا ترف، وجميع ~~هذا جميل جدا ولكن دعنا نرى ما هو أبعد من هذا. # فالنصرانية ديانة روحانية تماما، وهي تعنى بأمور السماء، وليس هذا العالم وطن ~~النصراني، ولا ريب في أن النصراني يقوم بواجبه، ولكنه يقوم به بعدم اكثراث بالغ لحسن ~~نجاح جهوده أو سوئه، وهو إذا لم يجد ما يلوم به نفسه لم يبال بسير الأمور سيرا حسنا ~~أو سيئا في هذه الدنيا، وإذا ما ازدهرت الدولة لم يكد يجرؤ على التمتع بالبهجة العامة، ~~وخشي الاختيال بمجد ms112 بلده، وإذا ما بادت الدولة بارك يد الله التي ثقلت على ~~أمته. # ولا بد، لهدوء المجتمع وبقاء الانسجام، من أن يكون جميع المواطنين بلا استثناء ~~نصارى صالحين على السواء، ولكن إذا ما وجد لسوء الحظ طامع واحد، مداج واحد، ~~كاتيلينا واحد، كرومويل واحد، مثلا، كانت له سوق رخيصة من مواطنيه الأتقياء، فلا ~~يبيح البر النصراني بسهولة أن يظن الإنسان سوءا بجاره، فعندما يجد بحيلة ~~فن الاحتيال عليهم وفن القبض على قسم من السلطة العامة يلج باب الوجاهة، فالرب يريد ~~احترامه، ولسرعان ما تواجهون صاحب سلطان، والرب يريد إطاعته، وإذا ما أساء استعمال ~~سلطان عد العصا التي يعاقب الرب بها أبناءه، وقد تدور في الرءوس هواجس لطرد ~~الغاصب، فلا بد لذلك من إقلاق الراحة العامة واستعمال العنف وسفك الدم، وهذا كله يلائم ~~حلم النصراني ملاءمة سيئة، وبعد هذا كله: ما أهمية كوننا أحرارا أو عبيدا في وادي ~~البؤس هذا؟ فالأصل أن يذهب إلى الفردوس، وليس التسليم غير وسيلة إضافية لبلوغ ~~هذا. # وإذا ما اشتعلت حرب خارجية سار المواطنون إلى القتال بلا مشقة ، ولم يفكر أحد ~~منهم في الفرار، وهم يقومون بواجبهم، ولكن من غير ولع بالنصر، وهم يعرفون كيف يموتون ~~أحسن من أن يعرفوا كيف يغلبون، وما أهمية كونهم غالبين أو مغلوبين؟ ألا تعلم العناية ~~الإلهية ما يلائمهم أحسن مما يعلمون؟ ولنتصور ما يمكن عدوا مختالا صائلا ذا ~~حميا أن ينال من عزمهم! قابلوهم بتلك الشعوب السخية التي يأكل قلبها حب متأجج ~~للمجد والوطن، وافترضوا مواجهة جمهوريتكم النصرانية لإسبارطة أو رومة تروا قهر ~~النصارى الأتقياء وسحقهم وإبادتهم قبل أن يكون عندهم من الوقت ما يتعارفون فيه، أو أنهم ~~يكونون مدينين بسلامتهم لما يحمله عدوهم من ازدرائهم، وعندي أن قسم جنود فابيوس ~~الذين حلفوا أن يعودوا منصورين، لا أن يغلبوا أو يموتوا، فبروا به، هو قسم رائع، ~~وما كان النصارى ليأتوا بمثله مطلقا لما يرون أن يطلبوا إلى الرب إظهار قدرته. # ولكنني أخدع إذ أتكلم عن جمهورية نصرانية، فكل واحدة من هاتين ms113 الكلمتين تنافي ~~الأخرى، فالنصرانية تبشر بالعبودية والطاعة، وتبلغ روحها من ملاءمة الطغيان ما ~~تنتفع به من هذا النظام دائما، وقد خلق النصارى الحقيقيون ليكونوا عبيدا، وهم ~~يعلمون هذا من غير أن يهزهم مطلقا، فقيمة هذه الحياة القصيرة قليلة في ~~أعينهم. # ويقال لنا: إن الكتائب النصرانية باسلة. وأنكر هذا، ولأدل على مثلها، وأما أنا ~~فلا أعرف كتائب نصرانية مطلقا، وستذكر الحروب الصليبية لي، وإني من غير أن أناقش في ~~قيمة الصليبيين أقول: إنهم بعيدون من أن يكونوا نصارى، وإنهم كانوا جنود قساوسة ~~ومواطني الكنيسة، فهم قد قاتلوا في سبيل بلدهم الروحي الذي جعلته الكنيسة زمنيا بما ~~لا يعرف كيف، وإذا ما أخذ هذا على وجهه الصحيح رد إلى الوثنية، فبما أن الإنجيل لا ~~يقيم دينا قوميا فإن كل حرب مقدسة أمر مستحيل بين النصارى. # وفي عهد الأباطرة كان جنود النصارى شجعانا، وهذا ما يؤكده جميع مؤلفي النصارى، وهذا ~~الذي أعتقده، وكان هذا منافسة شرف تجاه الكتائب الوثنية، وعادت هذه المنافسة لا توجد ~~منذ صار الأباطرة نصارى، وعندما طرد الصليب النسر زالت القيمة الرومانية. # ولكن لندع الاعتبارات السياسية جانبا، ولنعد إلى الحق، ولنقم المبادئ على هذه النقطة ~~المهمة، وقد قلنا: إن الحق الذي يجعله الميثاق الاجتماعي للسيد على الرعايا لا يجاوز ~~النفع العام # 6 # مطلقا، ولذلك لا يلزم الرعايا بتقديم حساب إلى السيد عن آرائهم إلا ~~بالمقدار الذي تهم به المجتمع، والواقع أن مما يهم الدولة أن يكون لكل مواطن ~~دين يحبب إليه واجباته، غير أن عقائد هذا الدين لا تهم الدولة ولا أعضاءها إلا ~~بالمقدار الذي تناط معه هذه العقائد بالأخلاق والواجبات التي يلزم من يعلمها ~~باتباعها نحو الآخرين، ثم إنه يمكن كل واحد أن يكون له من الآراء ما يروقه من غير أن ~~يكون من شأن السيد أن يعلمها، وذلك بما أنه ليس للسيد سلطان في العالم الآخر مهما كان ~~نصيب رعاياه في الحياة الآتية فإن هذا لا يكون من شئونه، وذلك على أن يكون هؤلاء ~~الرعايا صالحين في هذه ms114 الحياة الدنيا. # إذن، يوجد اعتراف بعقائد ديانة مدنية خالصة يجب على السيد أن يعين موادها، لا ~~كعقائد الدين بالضبط، بل كمشاعر اجتماعية يتعذر على الواحد أن يكون بغيرها مواطنا ~~صالحا أو تابعا صادقا، # 7 # ويقدر السيد، من غير أن يستطيع إكراه أحد على اعتقادها، أن يبعد من ~~الدولة كل من لا يعتقدها، لا كملحد، بل كنافر، كعاجز عن أن يحب القوانين والعدل ~~بإخلاص وعن التضحية بحياته في سبيل واجبه عند الضرورة، وإذا سار أحد كغير مؤمن بهذه ~~العقائد بعد أن أقر بها جهرا فدعه يعاقب بالموت؛ فقد اقترف أعظم الجرائم؛ فقد كذب ~~أمام القوانين. # ويجب أن تكون عقائد الدين المدني بسيطة قليلة العدد، وأن يعبر عنها بضبط ومن غير ~~إيضاح ولا تفسير، فوجود الألوهية القادرة العاقلة الكريمة البصيرة المدبرة، والحياة ~~الآتية، وسعادة الصالحين، ومعاقبة الأشرار، وقدسية العقد الاجتماعي والقوانين، أمور ~~يعبر عنها بالعقائد الإيجابية، وأما العقائد السلبية فإنني أقصرها على واحدة: ~~أقصرها على عدم التسامح، وهي من فصيلة العبادات التي رفضناها. # وعندي أن من يفرقون بين عدم التسامح المدني وعدم التسامح اللاهوتي يكونون مخطئين، ~~فلا يمكن فصل ما بين عدم التسامحين هذين، ومن المتعذر أن تقضى حياة سلم مع أناس ~~يعتقد أنهم مدينون، ويعني حبهم مقتا لله الذي يعاقبهم، ولذا يجب أن يردوا أو ~~يعذبوا، وفي كل مكان يسلم فيه بعدم التسامح اللاهوتي يستحيل ألا يكون عدم ~~التسامح هذا ذا أثر مدني # 8 # ومتى كان له مثل هذا الأثر عاد السيد لا يكون سيدا، حتى ضمن الدائرة ~~الزمنية، وهنالك يكون القساوسة السادة الحقيقيين، ولا يكون الملوك غير عمال ~~لهم. # والآن عاد لا يوجد دين قومي حصرا، فيجب أن يقع تسامح مع جميع الأديان التي تتسامح مع ~~الأخرى، ما دامت عقائدها غير مناقضة لواجبات المواطن، ولكن يجب أن يطرد من الدولة ~~من يجرؤ أن يقول: «لا سلامة خارج الكنيسة»، ما لم تكن الدولة هي الكنيسة، وما لم يكن ~~الأمير هو الحبر، وعقيدة مثل هذه لا تكون صالحة في غير حكومة إلهية، ms115 وهي تكون ضارة ~~في كل حكومة أخرى، ويجب أن يحفز السبب الذي من أجله اعتنق هنري الرابع الديانة ~~الرومانية، كما قيل، إلى تركها من قبل كل رجل صالح، ولا سيما كل أمير يعرف ~~كيف يعقل. # | الخاتمة # فأما وقد وضعت مبادئ الحقوق السياسية الصحيحة، وحاولت إقامة الدولة على أساسها، ~~بقي علي أن أدعمها بصلاتها الخارجية، وهذا ما يشتمل على حقوق الأمم والتجارة وحقوق ~~الحرب والفتوح والحقوق العامة والأحلاف والمفاوضات والمعاهدات، إلخ، غير أن جميع هذا ~~يكون موضوعا جديدا بعيدا على بصري القصير، فوجب علي أن أقصره على دائرة أكثر ~~ضيقا دائما. ms116