######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.IbnInsan.Hindawi68502850 #META# Tags: literature :: biographies #META# ID: 68502850 #META# Title: ابن الإنسان: حياة نبي #META# AuthorID: 63747261 #META# Author: إميل لودفيغ #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1367EmilLudwig.Menschensohn (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # إلى القارئ‏ # المقدمة‏ # 1 - النداء‏ # 2 - البشرى‏ # 3 - السحب‏ # 4 - الكفاح‏ # 5 - الآلام‏ # مقدمة المترجم‏ # إلى القارئ‏ # المقدمة‏ # 1 - النداء‏ # 2 - البشرى‏ # 3 - السحب‏ # 4 - الكفاح‏ # 5 - الآلام‏ # | ابن الإنسان # | ابن الإنسان # | حياة نبي # تأليف # إميل لودفيغ # ترجمة # عادل زعيتر # | مقدمة المترجم # يحيط بحياة السيد المسيح غموض، ووجد من أفرطوا في النقد فقالوا: إنه من صنع ~~الخيال، وذهب من اعتقدوا ظهوره مذاهب شتى في اكتناهه مما لا نرى الخوض فيه. # ويضع المستشرق الفرنسي إميل درمنغم في سنة 1929م كتابا عن سيرة السيد الرسول فيسميه ~~«حياة محمد»، ويقول في مقدمته: «لم يشك أحد بعد في ظهور النبي العربي، ولم يفكر أكثر ~~النقاد تطرفا في إنكار وجوده.» ونتصدى لنقل هذا الكتاب إلى العربية، فتطبع الترجمة ~~في سنة 1945م. # ويضع الكاتب العالمي إميل لودفيغ قبل ذلك بسنتين؛ أي في سنة 1927م، كتابه المشهور: «ابن ~~الإنسان»، وفيه يذهب إلى ظهور السيد المسيح، ويترجم هذا الكتاب إلى أرقى اللغات، وتظل ~~المكتبة العربية عاطلة من ترجمة له، ولم يتعرض أحد لنقله إلى العربية مع افتقار ~~مكتبتنا العربية إلى مثله ليكون بجانب كتاب «حياة محمد». # ويلوح لي أن أترجمه والكتاب قد وضع باللغة الألمانية التي لا أعرفها، وأطالع ترجمته ~~إلى اللغات الثلاث: الإنكليزية والفرنسية والتركية، فيروعني ما وجدته فيها من غموض ~~والتواء. # وكان على رأيي في صعوبة الكتاب واستغلاقه جميع من حدثتهم عنه، ولكنني رأيت مع ما كان ~~يساورني من عوامل الإقدام والإحجام، أن أنقله من تلك الترجمات المتطابقة - تقريبا - على أن ~~أضاعف الجهود فأجعل الترجمة جلية حرفية ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فكانت الحال التي ~~أعرضها بها على القراء. # أجل، قد يكون النقل من الأصل الألماني أولى من «النقل عن التراجم حين يمكن النقل عن ~~الأصل»، ولكن سكوت من يجيدون اللغة الألمانية واللغة العربية مدة عشرين سنة مع هضم ~~للموضوع، يجعل لي ما أعتذر به عن اعتمادي في ترجمة هذا الكتاب على تلك التراجم الثلاث ~~الصحيحة. # ومما حدث أن ترجمت إلى العربية كتاب «نابليون» ms001 الذي وضعه إميل لودفيغ سنة 1924م، ~~فطبعت ترجمتي له سنة 1946م، وقد اعتمدت في نقله أيضا على تراجمه لتلك اللغات الثلاث. ~~ومما ذكرته في مقدمتي لذلك الكتاب: «وفي كتاب نابليون خيال وغموض وإبهام ... والغموض ~~والإبهام مما لا يلائم الروح الفرنسية الجلية الواضحة ... فكان ما تراه من بعد الترجمة ~~الفرنسية النسبي عن روح الغموض ... وما كانت الترجمة الفرنسية لتبلغ هذا إلا باختصار يعدل ~~خمس الكتاب ... وقد قابلت بين ترجمة كتاب «نابليون» إلى اللغات الثلاث ... فوجدتها تختلف فيما ~~بينها اختلافا كبيرا في غير موضع، فعزوت ذلك إلى ما في الأصل الألماني من إبهام ~~والتباس ... والأمر مهما يكن فقد نقلت الكتاب في البداءة نقلا يكاد يكون حرفيا، مع اجتهادي ~~في التوفيق بين ما اختلف في تلك الترجمات الثلاث ... ثم أعدت النظر في الترجمة بعد سنة، ~~فرأيت أن أهذبه وأصقله، وأوجز القليل من فقراته مع تقديم وتأخير في بعضها أحيانا، فجعلته ~~أكثر انسجاما وارتباطا، وأقل إبهاما، وأحسن أسلوبا، وأجزل عبارة، وأسهل منالا ... ولا ~~أدعي خلو هذه الترجمة من أي خطأ؛ لما ذكرته من غموض الأصل، واختلاف تلك ~~الترجمات الثلاث فيما بينها ...» # ويقول كاتب مصري: «ولعل الترجمة الفرنسية أدق من الإنكليزية إلى حد ما وإن جنحت ~~أحيانا إلى الاختصار ...» والترجمة الفرنسية هي التي اعتمدت عليها في ترجمة ذلك الكتاب على ~~الخصوص؛ لردها النصوص التي اقتطفها لودفيغ - وهي تعدل ثلث الكتاب - إلى أصلها الفرنسي. ومن ~~غريب المصادفات أن بلغت صفحات الترجمة العربية لكتاب «نابليون» 560 صفحة من القطع الكبير، ~~وأن كانت صفحات الترجمة الفرنسية 560 صفحة من القطع الكبير. # وقد جعلنا ترجمتنا لكتاب «نابليون» الضخم في جزء واحد كالأصل لا في جزأين، ولم نقصر في ~~طبعها وحروفها وحركاتها وورقها، ولم نتوخ الربح المادي عند وضع ثمن للنسخة منها ما كانت ~~وجهتنا خالصة لوجه الثقافة والأدب وخدمة العرب، مع ما كابدناه من جهود عنيفة مضاعفة في ~~سبك عباراتها، وجعلها بعيدة من العجمة والألفاظ الحوشية، ومع ما زهدنا عنه في ~~أثنائها من كسب نناله من مهنة المحاماة وغيرها، ms002 فكان ما لاحظه القراء من إتقانها، ~~وبعدها من التعجل والاختطاف، وإقبالهم على مطالعتها، وتقديرهم إياها بما لا يقل ~~عن كلمة أحد الأساتذة الأفاضل الآتية، التي نشرها عنها في صحيفة راقية: «لا يكفي أن يكون ~~عمل المترجم نقل العبارة الأجنبية إلى العربية، بل إن ما هو أهم وأعظم من هذا بمراحل كثيرة ~~هو أن ينفذ المترجم إلى روح الكاتب، وروح الكتاب، وأن يفهم شخصية المؤلف تمام الفهم، ~~ويهضم مادة الكتاب أكثر من مرة، وكل هذا استعداد للبدء في كتابة الترجمة لتخرج عربية ~~مائة في المائة؛ أي إن المترجم البارع هو من ينقل الكتاب إلى لغته وكأنه هو الكاتب ~~المؤلف. وهذا هو رأينا في ترجمة كتاب نابليون التي بين أيدينا، فأنت حين قراءتك لها تكاد ~~تجزم بأن العبارة ليست منقولة عن لغة أجنبية؛ لما تقع عليه فيها من فصاحة وبلاغة ~~ملازمتين للأسلوب العربي الرفيع الذي يمتاز به الأستاذ عادل زعيتر ...» # ونعود إلى كتاب «ابن الإنسان» فنقول: إننا لم نسوغ السير في ترجمته ما سوغناه في ~~صيغة ترجمة كتاب «نابليون» الثانية، من إيجاز بعض الفقرات، ومن تقديم وتأخير فيها، ومن ~~تهذيب يخرجها أحيانا عن الترجمة الحرفية؛ لما رأيناه من تقارب ترجماته إلى تلك اللغات ~~الثلاث؛ ولما وطنا عليه أنفسنا - جهد الاستطاعة - من نشر ترجمة حرفية له، مع جعل ~~عبارة هذه الترجمة سائغة غير مملة. # ولم يشر لودفيغ إلى محال النصوص التي اقتطفها من التوراة والأناجيل الأربعة، وهي ~~تعدل ثلث الكتاب؛ شأنه في كتاب «نابليون». فكنا نضطر إلى البحث عدة ساعات في أسفار ~~التوراة الكثيرة والأناجيل الأربعة؛ كي نعثر فيها على النص العربي الأصلي للعبارة الصغيرة ~~الواحدة، وكثيرا ما رأينا الأمر الواحد يرد في غير إنجيل بعبارات مختلفة، فكنا نضطر ~~إلى المقابلة بين هذه العبارات وما عول عليه المؤلف منها، فنقضي في ذلك وقتا غير قليل، ~~فبلغت مطالعتنا للتوراة والأناجيل عشرات المرات، وكان توقع هذه المشاق من أسباب ترددنا في ~~ترجمة الكتاب في بدء الأمر. # ومما كان يجعلني أتهيب نقل الكتاب إلى العربية ما ms003 أبصرته من سلوك المؤلف طريقا قد لا ~~ترضي رجال الأديان؛ غير أنني رأيت، بعد امتناع، أن ما وسعته المكاتب: الألمانية ~~والإنكليزية والفرنسية والتركية وغيرها لا تضيق المكتبة العربية به ذرعا، والعرب من تعلم ~~من شدة تساهل وكبير تسامح، كما أثبت ذلك تاريخ حضارتهم العظيمة الشأن. # والمؤلف، كما ذكر في كلمته التي وجهها إلى القراء، ذهب إلى أن السيد المسيح ظهر حقا، ~~غير أن المؤلف وجده إنسانا ابن إنسان، فوفق - على رأيه - بين ما جاء في الأناجيل عن ~~سيرته توفيقا ملائما للسنن النفسية، غير ناظر إلى ما طرأ على النصرانية من الطقوس والمبادئ ~~اللاهوتية بعده. ومن قول المؤلف: «فسرت ما أشرت إليه من معجزات يسوع تفسيرا ~~طبيعيا. ما قصدت كتابة تاريخ رجل، وما أردت بيان أخلاق إنسان؛ فليس مما يزيد يسوع عظمة ~~أو يحط من قدره عزو مائة معجزة جديدة إليه، أو إنكار أية معجزة له. فتراني قد مزجت مختلف ~~الروايات مزجا تبدو به الحقائق ... من أجل ذلك تجد لما هو مسطور في هذا الكتاب من قول ~~ليسوع أو عمل له أصلا في الأناجيل، ولم نر إتمام ذلك إلا بما تصورناه له من نظرات ~~وأوضاع وأوجه تعبير، ووصل بين الفكر والكلام، وبيان للأسباب، وتسلسل للمشاعر.» # وتجد تفصيلا لمناحي المؤلف في وضع هذا الكتاب في كلمته تلك. والمؤلف ظل مخلصا لتلك ~~المناحي في جميع الكتاب. ومما لاحظناه في أثناء ترجمتنا أن المؤلف يحول أحيانا بعض ~~الوقائع التي وردت في الكتاب المقدس تحويلا تقتضيه السنن النفسية التي يراها، والمؤلف قد ~~سار في وضع الكتاب على أسلوبه في القصص والوصف كما سار عليه في كتاب نابليون، مبتعدا عن ~~الأسلوب التاريخي. # وإنني - ككل مسلم - لا أوافق المؤلف على ما ذهب إليه في أمر السيد المسيح. ويدرك القارئ ~~مما تقدم أن إقدامي على ترجمة هذا الكتاب الذي يمثل ناحية من التفكير الغربي هو حرصي على ~~عدم خلو المكتبة العربية من ترجمة له. وإنني إذ أقتصر في عملي على الترجمة، أترك البحث في ~~آراء المؤلف لغيري. فإذا ms004 كنت قد وفقت لترجمة هذا الكتاب ترجمة صحيحة لم يضع فيها ~~معنى، ولم يضطرب فيها لفظ؛ فإنني أكون قد أصبت الهدف. # عادل زعيتر # نابلس «فلسطين» # المعمودية. # | إلى القارئ # يعلم الناس ما أقصه في هذا الكتاب من تاريخ بني قومي ما رجع البحث التاريخي الخالص في ~~سيرة يسوع إلى القرن الثامن عشر، الذي هو عصر النقد العقلي. # ومن الصعب وصف رجل كيسوع لا نكاد نعلم شيئا عن حياته وأوصافه وسريرته قبل بلوغه ~~الثلاثين من عمره، وليس لدينا غير معارف متناقضة عن عامي سنه الأخيرين؛ فالأناجيل ~~الأربعة التي هي كل ما لدينا متباينة، ويدحضها ما هو غير نصراني من المصادر القليلة. ونحن ~~إذا حذفنا الأقوال المكررة لم يبق لدينا من ذلك كله سوى خمسين صفحة تحتاج إلى تمحيص ~~جديد. # أضف إلى ذلك ما تراه في تاريخ حوادث يسوع من خلط أثار أسف الباحثين في كل قرن. وأول ~~تلك الحوادث وآخرها؛ أي العماد والحكم، فقط هما ما صح مكانه منها، وأما أخبار ما بين ~~هذين الحادثين فبادية التخليط. # قال لوثر: «الأناجيل غير منظمة، وليس في هذا كبير أهمية، فإذا ما بحث في نصوص الكتاب ~~المقدس ولم يمكن التوفيق بينها وجب العدول عن البحث.» # فعدم انتظام هذه النصوص هو سبب تناقضها تقريبا، ويصبح كل شيء منطقيا فيها عند ~~الرجوع إلى ما يقول به علم النفس من الترتيب. وبهذا وحده يمكن تفهم دوري حياة ~~يسوع: دور الخشوع والهدوء والتعليم، ودور الرسالة. والباحث حين يفترض تتابع هذين ~~الدورين يرى تواري ما في سجية يسوع من التناقض، ويطلع على تطور حياته تطورا ~~طبيعيا. # ولا نلم بعلم اللاهوت الذي وضع بعد يسوع بطويل زمن إلا قليلا، فلا نعد يسوع ~~في هذا الكتاب إلا إنسانا، لا مخلصا. ولا نقص من أنباء يسوع إلا ما هو مجرد مما ~~أضيف إليها بعد زمن مما لم يعرفه يسوع ولم يرده، فترى هذا الكتاب خاليا مما ذهبت إليه ~~تفاسير الأناجيل من تأييد لنبوءات سابقة، أو دعم لكنيسة حادثة. # ولا يجد القارئ في هذا ms005 الكتاب ما نقضه العلم من شتى الأمور. والقارئ إذا لم يعثر في هذا ~~الكتاب على نص مألوف لديه منذ صباه؛ فليذكر أن هنالك كتبا كثيرة ألفت لدحض مثل هذا ~~النص، فأكثر الناس لا يعرفون حياة يسوع من الأناجيل كما يعرفونها من الأقاصيص اللاحقة. ~~فغابت عنهم تفاصيل غير قليلة لهذا السبب، فلم يلاحظوا مثلا أن متى ومرقص لم يدخلا ~~يسوع الطفل إلى المعبد، كما أن ثلاثة من الأناجيل الأربعة أماتت يسوع في غياب مريم ~~ويوحنا. # وهنا أقول: إنني فسرت ما أشرت إليه من معجزات يسوع تفسيرا طبيعيا، ما قصدت كتابة ~~تاريخ رجل، وما أردت بيان أخلاق إنسان؛ فليس مما يزيد يسوع عظمة أو يحط من قدره عزو ~~مائة معجزة جديدة إليه، أو إنكار أية معجزة له، فتراني قد مزجت مختلف الروايات مزجا تبدو ~~به الحقائق، فلم أعتمد إلا قليلا على إنجيل يوحنا، الذي وجه إليه من الانتقاد في ~~الوقت الحاضر ما يوجه إلى غيره، مستندا إلى إنجيل مرقص وإنجيل متى على ~~الخصوص. # ولم أضف إلى هذا الكتاب ما هو جديد، فكان ما ترى من صغر حجمه، فليس القصص التاريخي ~~الذي هو مسخ للقصة والتاريخ معا - كما قال غوته - بجائز عند قلة المصادر، وإن أحل عند ~~كثرتها؛ فيجب على من يرغب في وضع أقوال على لسان يسوع للدلالة على مقاصده أن يكون ~~شبيها له في بصيرته ووجدانه. # من أجل ذلك، تجد لما هو مسطور في هذا الكتاب من قول ليسوع أو عمل له أصلا في ~~الأناجيل. ولم نر إتمام ذلك إلا بما تصورناه له من نظرات وأوضاع وأوجه تعبير، ووصل ~~بين الفكر والكلام، وبيان للأسباب، وتسلسل للمشاعر. # ولم نسر في هذا الكتاب على طراز الأناجيل ما أدى ذلك إلى ابتعاد المعاصرين عن مطالعته. ~~وما دمنا على علم باعتراك الأهواء، واصطدام الأغراض، وضروب المحرضات، واختلاف الأحكام، ~~وما إلى ذلك من الأمور الملازمة لضمائر الناس. # ونحن إذ اجتنبنا في كتابة هذه القصة تزويق الكلام؛ لما يجر إليه من الخيال، لم يبق ~~لدينا غير ما ms006 هو مماثل لحفر الخشب. # وليس من مقاصد هذا الكتاب زعزعة إيمان من يؤلهون يسوع؛ وإنما نثبت فيه للذين ~~يرونه من صنع الخيال أنه بشر حقيقي، قال روسو: «لو لم يظهر يسوع حقا لكان واضعو ~~الأناجيل عظماء مثله.» # ولم أعرض في هذا الكتاب مذهبا معروفا، بل أوضحت فيه باطن حياة ذلك النبي الذي فاق ~~جميع معاصريه، وإن لم يكن لديه من السلاح ما يغلبهم به، ولم أبال بما نسب إليه من عمل ~~لاحق ما دام ذلك من فعل الآخرين، لا من فعله، بل حاولت أن أوضح فيه تاريخ قلبه، وإن شئت ~~فقل تاريخ شعوره ومقاصده، وعوامل قيادته للناس، وميوله وأحلامه، وتبدد أوهامه، وما ~~قام في نفسه من صراع بين الإقدام والإحجام، وبين البأس واليأس، وبين الدعوة ~~والسعادة. # وإذ إن غايتي هي كما ذكرت لم أكن جازما فيما شرحت وفسرت، فكان ما تراه من البساطة، ~~وعدم التصنع، وملاءمة روح الزمن الحاضر. # وقد صدرت كتابي بمقدمة رسمت فيها البيئة السياسية الفكرية التي ظهر فيها نبي من ~~ذلك الطراز، وأبنت فيها كيف نضجت فيه الأفكار السائدة لذلك العصر، وكيف بشر ~~بها. وفي هذا ما يكفي لإثبات عظيم عبقريته. # وهذا إلى أن سر عمله العجيب في قلبه الإنساني، لا في عبقريته. # إميل لودفيغ # موشيا 1927 # | المقدمة # | أورشليم «القدس» # لا يزال الليل مرسلا سدوله # 1 # على أروقة الهيكل، وينظر كهنة الهيكل إلى الظلام جثيا أو ضاجعين، ولا ~~يكادون يتعارفون بين سدف # 2 # وهمس، ولا عند حركة أذرعهم حينما يردون إلى أنفسهم أرديتهم ليشتملوا ~~بها، ويمور # 3 # البحر وتضطرب أمواجه في شهر الاعتدال مارس؛ فتكنس عواصفه قناطر ~~الرصيف العالي. # وترى المدينة الكبرى الحجرية هاجعة في أسفل الهيكل، وترى فيها الأبناء، والغرباء، ~~والحكماء، والأغنياء، والأحبار، والسائلين، والمؤمنين والكافرين نياما، وترى الحقد بين ~~بيوتها، والمحبة في منازلها، وترى قليل سرور وكبير أمل فيها، وتراها معبدة يزدري ~~المغلوب فيها الغالب، وترى السلطة فيها ساكنة، والحديد باردا، والأسلحة صامتة، ولا ~~تسمع للأوامر صوتا، فكأن السماء تمطرها سلاما. # تلك العاصمة لم تعرف ms007 صلصلة السيوف منذ عشرات السنين، ولكن ما يغلي في صدور هؤلاء ~~القوم من الحقد على الفاتحين لم يفتر فائره؛ فمع ما كان يبدو من عدم اتقاده في الظاهر لم ~~يفتأ أولئك الناس المؤمنون بإله واحد يسبحون في الرؤى قائلين: «سيعود هذا الإله ~~ملكا لليهود، وربا للعالم.» # والأمر فيما هو كذلك إذ كان يسمع صليل حديد، وخفق نعال، ويرى التماع نور تحت ~~قباب الرواق وتواريه؛ ليعود فينصب بشدة، فينهض الكهنة النائمون لحضور الضابط ~~العسكري الذي يطوف هو وجنوده ثلاث مرات حول ذلك الهيكل في كل ليلة؛ لحراسته ظاهرا، ومراقبته ~~باطنا، فتلتقي أنظار الفريقين على ضوء المشاعل من غير أن يتبادلا كلاما، مع اشتعال ~~قلب كل منهما غلا على الآخر. # وماذا يرى الكهنة على ضوء المشاعل؟ يرون بضعة جنود ذوي التماع كالذهب ~~الضارب إلى حمرة، مربوعي القامة، مكشوفي الذرعان والسيقان، مدرعي الأجسام، ~~حاملين سيوفا ورماحا، ويرون تحت خوذ هؤلاء الجنود وجوها مردا سمرا ملزة # 4 # جافية تدل على قلة التفكير، وكثرة الضحك، والأكل والسير، وسرعة العشق والغرام، ~~ويرون رداء فوق لأمة # 5 # ضابطهم اللطيف القسمات، والشارد الفكر. والحق أن من عادة هذا الضابط أن يخفي ~~وراء ذلك ما يشعر به في كل مرة من الهزؤ بأولئك الكهنة، والحق أن نور المشاعل ~~يسفر عن نظره إلى أولئك الكهنة الغريبي الأطوار، المائلين إلى الأمام، والبادين طورا ~~طوالا عاطلين من الظرف، وطورا قصارا سمانا، والمجررين أذيالهم فوق ~~نعالهم، والذين تظهر بين شعورهم ولحاهم السود، وجوههم المصفرة المتكرشة بفعل السهر ~~والسهاد، والذين تدل عيونهم السود على التعصب المملوء أملا وزهوا. # ومن ثم تبصر تقابل عالمين: عالم المؤمنين وعالم المقاتلين، أو عالم المغلوبين ~~وعالم الغالبين؛ ومن ثم تبصر التقاء اليهود والرومان في أورشليم ليلا. # مضت ثلاث ساعات فطلعت الشمس فوق جبال الأردن الجرد؛ فكشفت للكهنة والحرس عما ~~تعودوا أن يروه كل يوم من المناظر، ومن ذلك منظر التلال الباردة الجافية الخضر الصفر ~~العاطلة من الماء والشجر، والمحيطة بالمدينة الكبيرة البيضاء، التي يخيل إلى الناظر ~~اختلاط الصخر بأسوارها؛ ms008 فلم تكن بالحقيقة سوى قلعة طبيعية، فلم يصنع الإنسان في هذه ~~القلعة غير تحويل حجارتها إلى متاريس، وتلالها الخمسة إلى أسوار، فأسفر ذلك في مجموعه عن ~~قيام تلك المدينة بينها. # يسوع وصيادو السمك. # وقديما مهد الملك سليمان التل الذي أقيم عليه الهيكل الأول وسواه، ثم أقيم ~~عليه الهيكل الثاني بعد إسارة بابل. وفي هذا التل تبصر أولئك الكهنة والحرس، ويقع في ~~جنوبه الغربي تل آخر يوصل إليه بجسر، فيبدو أعلى من ذلك وأجمل. وعلى هذا التل الذي ~~يدعى بجبل صهيون شاد الملك داود صرحه في أيام سعادة ولت، فيأمل اليهود عودتها. وعلى ~~جبل صهيون هذا بنى الأغنياء بيوتهم، فكان حيا لهم. وفي الأمام من جهة الشمال، قامت قلعة ~~أنطونيا الرومانية البغيضة على الربوة التي اعتصم بها المكابيون، عندما ثار إسرائيل على ~~عبدة الأصنام قبل ذلك بمائتي سنة. وخلف تلك القلعة من جهة الشمال مستنقع لم يقم به ~~غير الفقراء؛ ومن ثم ترى أن من يملك تلك القلعة يسيطر على الهيكل، والمداخل، وعاصمة ~~أولئك القوم المشاغبين وجنوب ذلك البلد الضيق الواقع بين الصحراء والبحر المتوسط، فيمكن ~~اجتيابه في قليل زمن. ~~••• # أفاق الناس في الأحياء المكتظة الواقعة في سفوح الجبال، فدبت الحياة في ~~شوارعها الضيقة، ورددت جدرها صدى أصوات الباعة، وأخذت تعج بألوف الغرباء ما اقترب ~~عيد الفصح، وبدأت الفنادق والحظائر تغص بالناس والجمال، وصار التجار والصناع ~~والسكافون والخياطون والحلاقون والبقالون وكاتبو العرائض يصيحون، ويسيرون، ويدفعون ~~دوابهم من سوق إلى سوق عارضين سلعهم وأعمالهم؛ طلبا للزبن. # ويتوجه الناس في تلك الأثناء إلى تل الهيكل، وإن كان ما يقع اليوم لا يختلف عما يقع ~~عادة، ويقوم هذا الهيكل على أرض مربعة يبلغ كل ضلع منها خمسمائة ذراع، ويحيط بجدره ثلاثة ~~أرصفة منضدة رائعة. وإلى هذه الأرصفة يسير الجمهور بغية مجاوزة أدنى القناطر، ~~والالتقاء في فناء الغرباء. وفي هذا الفناء ألواح ذات كتابات باللغتين اللاتينية ~~واليونانية يحذر الكافرون فيها من دخول الرصيف الثاني، الذي يرقى إليه بتسع عشرة ~~درجة فاصلة بين الإيمان والكفران. والكافرون ms009 يعلمون من تلك الألواح أن القتل جزاء من ~~يصعد في تلك الدرج. # ذلك حد لا يقدر على تعديه أحد من الرومان الغالبين واليونان المثرين، ولا من ~~البابليين والعرب الذين كانوا من الأعداء، فتم لهم السلطان على تلك المدينة في غابر ~~الأزمان، ولا ممن ليسوا على الإيمان الصحيح. # واليهودي - مهما يكن تربه # 6 ~~- ينتفخ غرورا وتكبرا حينما يرتقي في تلك الدرج التسع عشرة المؤدية إلى ~~الرصيف الثاني، فيقف على الساحة الواقعة بين الجدر والعمد ناظرا إلى ما فوقه، فإذا ~~ما تقدم اثنتي عشرة خطوة بلغ الهيكل الحقيقي حيث قدس الأقداس. # 7 # ترى الجمع منتظرا، ويغادر الكهنة حجراتهم، ويوزعون أعمال يومهم بينهم بالقرعة، ~~فيلزم أحدهم بإحضار قربان الصباح، ويلزم آخر بجلب الحطب إلى الهيكل، ويلزم ~~ثالث برفع الرماد منه، والعناية بالبخور، وأمور النور، وخبز التقدمة والآنية، فإذا أعد ~~كل شيء سيق الكبش إلى المذبح، وأخذ كل مرتل مكانه، وهيئت الأجران، وفتح الباب ~~الكبير، ونقر في النواقير # 8 # ثلاث مرات، فتشخص أبصار من هم على الرصيفين الأسفلين حين ذبح ذلك الكبش ~~المنذور. # هنالك يتقدم الكهنة تحت الأروقة رافعين أصواتهم بالصلوات، راكعين ما أحرق البخور ~~في المذبح الذهبي، ويقرع اللاويون الأجران، وتعزف المعازف، ويرتل المنشدون ~~الزبور، وفي كل ثماني فواصل ينفخ في الصور # 9 # فيخر القوم ساجدين. # وكلما تقدم النهار ضاقت أروقة الهيكل بالناس، فإذا حل وقت الظهر ودنا وقت الشعائر ~~الثانية ازدحموا، وعلت الأصوات، فكانت سوق في فناء الغرباء؛ حيث يباع ويشرى جميع ما ~~يعرضه الأهلون، وما قد ينتفع به الغرباء. ومما يحدث أن يعرض شائب جالس على درج ~~كبشا للبيع، فيعيش بثمنه ثلاثة أشهر على أن يسومه يهودي إسكندري زائر لأورشليم في ~~عيد الفصح مقدر له، عارف بأن تقريبه مما يرضي الرب. وإلى أورشليم يؤتى بقطاع الشياه ~~لحفز الحجيج إلى تقديم القرابين، وإنعاش التجارة. وفي أورشليم حركة للأخذ والعطاء، وفي ~~أورشليم ضروب للأطياب المترجحة بين عنبر آسية وعطور مصر، وفي أورشليم جريد للنخل يباع ~~للذكرى، وقراطيس مشتملة على حديث الأنبياء بحروف عبرية ms010 دالة على الرجولة، وحروف يونانية ذات ~~مسحة نسوية، وفي أورشليم صرافون جثي خلف موائد صغيرة قائمون بأعمالهم المالية وراثة. ~~والهيكل يرفض النقود الإغريقية والرومانية المشتملة على صور بشرية، فعلى اليهودي الأجنبي أن ~~يستبدل بنقوده نقودا أخرى قبل أن يؤدي إلى الهيكل ما يجب، أو أن يضع دينارا في صندوق ~~الفقراء. # ويزدحم الحجاج فوق تلك الدرج هادئين فيصلون وقوفا، وأنظار هؤلاء كانت قد توجهت منذ ~~سنوات من أثينة، وسراكوسا، ومراكش، والغول إلى تلك البقعة، منتظرة اليوم الذي ترى فيه ~~موطن الإيمان؛ الهيكل الثاني الذي أقامه هيرودس في مكان الهيكل الأول فزينه. والآن ~~يتدرج هؤلاء الذين أولهتهم الأدعية والصلوات إلى الأبواب المقدسة، مبصرين ذلك الحجاب ~~الموشى الذي حدثهم عنه آباؤهم، وتلك الكرمة الذهبية التي هي رمز الخصب والبركة. ~~والآن تطأ أقدام هؤلاء الرواق الكبير الذي يتقدم الهيكل، مضيفين إلى مئات قرابين الشكر ~~الثمينة تقادمهم، التي هي ثمرة ما اقتصدوه بجد، فضموها بالأمس إلى صدورهم عند هياج ~~البحر، ووضعوها بالأمس تحت وسائدهم في الفنادق. والآن يتمثلون ما لا يجوز لهم أن يروه ~~في غير يوم العيد، فيتنورون من خلال ذلك الرواق ذي الظل الحوض النحاسي المحمول على ~~ثيران؛ ليكون رمزا إلى الماء الذي استوت عليه روح الرب في بدء الخلق. # ويجلس بضع عشرات من الصبيان حول سارية مستمعين لكاتب يقرأ لهم مفسرا ما في قديم ~~القراطيس، فلا يأبهون لدعاء الغرباء، وضوضاء التجار. ويستطيع هؤلاء الصبيان أن يقاطعوه ~~مستوضحين، وكلما وضع أسئلة بدوا بارعين في الأجوبة، ثم ينقلب الدرس إلى مناظرة، فمن ~~يبز رفقاءه فيها يشر إليه بالبنان؛ فيصل ذات يوم إلى مرتبة كاتب. # والآن يقطع المعلم محاورة طلابه؛ فهو يبصر موكبا كبيرا من فلاحي بلاد الجليل قضوا ~~الليلة في العراء، فيعرفون بأزيائهم وبثورهم ذي القرنين الذهبيين الذي يجلبونه ليكون ~~قربانا، وبسلالهم المشتملة على بواكير ثمارهم. ويسير أمام هؤلاء كهنة، وينشدون ~~قائلين: «تقف أرجلنا في أبوابك، يا أورشليم.» ثم يأتي موكب آخر آت من مكان بعيد مؤلف ~~من رجال لابسين ثيابا زاهية، وراكبين جمالا ms011 محملة هدايا ثمينة في صرر. ~~••• # حل وقت الظهر، فيقصد الكهنة في موكب الحاكم الروماني، فما أقرب رومة من أرض ~~الميعاد ما قامت المسافة بينهما على النزول من ربوة، والصعود في ربوة أخرى! ولكن ~~الجمهور الذي يملأ الشوارع يبصر الهوة العميقة بين الربوتين فيشتاط غيظا من ~~ذل تلك الزيارة التي يبدأ بها كل عيد، والحاكم الروماني يرغب في إهانة ذلك الشعب ~~المختار، فيجيء إلى قلعة أنطونيا أربع مرات في كل سنة؛ ليدله على أن رومة صاحبة ~~السلطان. والحاكم الروماني هذا يحفظ الحلل المقدسة في صوان خاص ليعير أولئك ~~الضرعة المبتهلين إياها في كل مرة، ولماذا تظل حلة رئيس الكهنة قبضة الكافرين ~~بين موسم وموسم ما اقتضى تطهيرها بالبخور؟ # يدخل الكهنة باب القلعة فيستقبلهم الحاكم الروماني واقفا، لابسا خوذة وسلسلة، ~~متقلدا حساما لامعا، فينحني الكهنة منتظرين، فيأتي جنديان بالصوان المختوم، ~~فيكسر الحاكم الختم الرومانية، ويكسر الكهنة ختمهم اليهودية التي لم ينالوا ~~حق وضعها إلا بعد طويل جدل، فيخرجون من الصوان الحلل المطرزة بالذهب ~~وثمين الحجارة، فيتبادلون هم والحاكم التحية من غير أن ينطق بكلمة، فينصرفون من حضرته ~~حاملين تلك الحلل عائدين إلى الهيكل. # بيلاطس حاكم غليظ القلب، أفليس لذلك الذل من آخر؟ أفتعجز رومة التي فتحت العالم عن ~~إخضاع ذلك الشعب الصغير الضعيف؟ مضى أكثر من خمس سنوات على قيامه بشئون الحكم باسم ~~القيصر، وعلى ما في تقاريره من أخبار السكون والطاعة، كان يعلم أن النار تحت الرماد، وأن ~~الشرر قد ينتشر منها في أي وقت. # ما أبعد عجز بيلاطس عن رسم صورة القيصر على نقود اليهود من الصواب! وما هو الضرر في ~~اشتمال هذه النقود على صورة القيصر؟ حقا يحترم القيصر كإله، ولا يخرج عن كونه قيصرا ~~مع ذلك، فأين البلد الآخر الذي يكون إلهه ملكا؟ وماذا يقصد اليهود بتسمية مدينتهم بلد ~~الرب؟ وحقا لم يتعرض أحد لما يقوم به اليهود من الشعائر في هيكلهم، ولم تفكر رومة في ~~فرض آلهتها عليهم، فما هو سر ما يثيرونه من الضجيج حول بعض ms012 الرموز والصور ~~والأفكار؟ # لقد أتى بيلاطس في أول ولايته بالرايات الحاوية لصور القيصر ورفعها فوق المدينة المقدسة؛ ~~فكانت فتنة، وكان احتشاد أمام القلعة خمسة أيام، فحاصرت كتائب بيلاطس اليهود، فهددهم ~~بضرب رقابهم إذا لم يعودوا، فمدوها طالبين الموت، فماذا بقي له غير طي ~~الرايات؟ # لم يكن اليهود ليبالوا بغير ما يدفعونه إلى الهيكل من الخرج، واليهود ينادون بالويل ~~والثبور إذا ما دعوا إلى إعطاء رومة ما يفرض عليهم من الضرائب الخفيفة، مع أنهم ~~يدفعون المال إلى الهيكل طائعين؛ واليهود إذا صنعوا ذلك فلكيلا تكون رومة رقيبة على ~~ثرواتهم. ومن يدري ماذا يصنع بالأموال التي يؤدونها إلى الهيكل إذا ما اشتعلت الفتنة ~~في أورشليم، وإذا ما اضطربت بلاد الجليل، وإذا ما وجد من يبلغ رومة حبوط سياسة ~~بيلاطس عزل من ولايته؟ # اتجهت أفكار بيلاطس إلى رومة، وساورته الهواجس حول بقاء حامية سيجانوس حيا؛ فمن ~~ذا الذي يخبره بذلك؟ ومن المحتمل أن يكون القيصر قد مات، ورأت زوجة بيلاطس أحلاما مزعجة. ~~وزوجته هذه تؤمن بالرؤى، فألقت الرعب في قلبه، فصار يفكر في أمر القيصر. # كان القيصر طيباريوس شيخا، وكان يقيم بكابري معتزلا، وعاش سيد العالم هذا سنوات في هذه ~~الجزيرة الصغيرة بعيدا من عاصمته، مهملا لشئون حكومته، عاطلا من العمل، عبوسا خصما ~~للجميع، وأنشأ فوق هذه الجزيرة الصخرية قصرا فسكنه، فأخذ يقضي أوقاته في تأمل البحر وفي ~~أمور السحر، فيبدو خليا يوما وظالما يوما، فيعفو مرة ويقتل مرة، ويضطهد ساعة ~~ويحرر ساعة، وهو إذا ما فوض أمور السلطة إلى أناس آخرين ذات حين؛ فلكي يقبض على ~~زمامها في كل حين مستبدا متحرزا محوطا كئيبا. # سال ما سفكه القيصر طيباريوس من الدماء كالنهر، ولماذا؟ فقد ابنه الوحيد فلم يقدر ~~على الانتقام، فوطن نفسه على الحقد والقتل، فصار حرسه يحذر وزيره سيجانوس، وصار هو ~~يحذر حرسه، وصار الجميع يحذرونه. # رأى ذلك القيصر الأمان في تلك الجزيرة الصخرية، وهل يجد في غيرها ما يعتصم به؟ وهل يبصر ~~في الفلسفة الملجأ؟ # جاء في رسالة لسينيكا عن ms013 ديوجين: «إن مما يعدل مملكة ألا يصيب المرء أذى ~~في عالم من المنافقين والقاتلين والمفسدين.» وقرأ القيصر في مقالة لسينيكا قوله: «ليس ~~بيننا من لم يقترف ذنبا ، ولن ننفك عن اجتراح السيئات حتى نهرم، ولا يكون مصدر الآثام إلا ~~فينا، وما الجسم إلا إصر # 10 # الروح وعقابها، وما مرد النفس إلا مأتاها حيث السكون والنور، واليوم الذي ~~تتحرر النفس فيه من أوزار الحياة آت لا ريب فيه، والفضيلة في أن يقرن المرء في ~~الأصفاد، أو أن يبتر منه عضو، أو أن يسمر على الصليب.» # ألا ترى في هذا ما يشابه معتقد أورشليم الغريب؟ فكر القيصر في اليهود ففوض إليهم ~~في رومة أمر القيام بشئون خاصة به وبالدولة، وأرسل إلى هيكلهم ثمين الهدايا مع الإشارة بأن ~~يقرب فيه كل يوم ثور وحملان «تمجيدا لله العلي». ومن هو هذا الإله ~~العلي؟ هذا الإله هو الذي لا يقدرون على تصويره، ولا على النطق باسمه المقدس، وهل ~~نجاهم هذا الإله حينما استرد القيصر بغتة ما حباهم به من حظوة، وما شملهم به ~~من حماية؟ كلا، لم يأت هذا الإله لنصرتهم، ولكن الألوف منهم فضلوا العقاب على حرق ~~آنية القربان المقدس، فيا لغرابة طبائعهم! كان هيرودس رفيقا لدروزوس ابن القيصر في ~~الطلب، وكان كل منهما محبا لصاحبه، فلما قتل ابن القيصر أقصي هيرودس من ~~البلاط؛ لما في وجوده من إيلام للقيصر. والقيصر هذا لم يعتم أن استدعى هيرودس ~~إلى كابري ليكون بجانبه قبل أن يلحق بولده، وإلى أين؟ إلى عالم الفناء حيث الراحة والسكون، ~~كما قال سينيكا. # مرت تلك الأمور بخاطر بيلاطس، فترجحت أفكاره بين كابري ورومة، ولم يكن بيلاطس أسوأ ~~من الولاة الآخرين، وإن بدا أحيانا مستبدا متكبرا فظا بسبب منصبه الاستعماري، وسار ~~بيلاطس كأسلافه على قاعدة القبالة # 11 # في أمر المكوس والضرائب، وهل كانت تهمه حسرة القوم من ظلم العشارين ~~الجائرين السالبين، الذين يزيد ما يأخذونه لأنفسهم عما يؤدونه إليه؟ هؤلاء العشارون ~~عادمو الأمانة فاقدو الاستقامة، وبيلاطس ذو يدين نقيتين. ~~••• # ينعقد، بعد الظهر، ms014 المجمع اليهودي الكبير المعروف بالسنهدريم في الردهة الحجرية ~~الغضة الواقعة بين الرواق وقدس الأقداس، ويتألف ذلك المجمع من خواص الكهنة، ~~فيؤلف هؤلاء الذين وخطهم # 12 # الشيب حلقة، على أن يكون صدر الاجتماع العالي للحبر الأكبر الزعيم يوسف ~~قيافا، الذي صار رئيس الكهنة قبل أن يصبح بيلاطس واليا على اليهودية، فلم يصنع ~~بيلاطس غير تثبيته مع رفقائه في وظائفهم، ولم تكن عادة إجازة الوالي الروماني لقرارات ذلك ~~المجمع سوى أمر شكلي، فإذا عدوت هذا وجدت ذلك المجمع حرا في ممارسة أعماله؛ فذلك ~~المجمع الذي هو مجلس شيوخ، هو صاحب السلطة المدنية والدينية والقضائية، ولا تستأنف ~~أحكامه التي يخضع لها كافة اليهود وأمراؤهم وكهنتهم، خلا حكم القتل الذي لا بد من موافقة ~~الوالي الروماني عليه إذا ما صدر بأكثرية الآراء. # أجل يختار أعضاء ذلك المجمع أندادهم، بيد أن وظائف هؤلاء وراثية محصورة في قديم ~~الأسر بالحقيقة، وستظل رئاسته في آل الحكيم هلل لبضعة قرون أخرى. وقيام ذلك المجمع ~~على الشيبة والوراثة يجعل منه مجلسا محافظا، وتمكن الرومان في كل مرة من ~~انتخاب أناس مثرين ليكونوا أعضاء فيه يجعل منه مجلسا متسامحا. # والصدوقيون هؤلاء شرذمة قليلون من الأشراف الأقوياء الذين لم يريدوا أن يكدروا ~~صفو حياتهم الناعمة، الناشئة عن امتيازاتهم، ويعرضوها للخطر بأن يثوروا على الأجنبي ~~الغالب، وبأن يغالوا في القيام بالشعائر الدينية. ويرى الصدوقيون اتباع شريعة ~~موسى، لا ما طرأ عليها من التفاسير التي لم يوح بها إلى هذا النبي. ومما قالوه: أين نص ~~تلك الشريعة على حظر جمع الأموال، والأكل بآنية من فضة، وتحريم ما أحل الله من أطايب ~~النعم؟ أجل، إن الرومان من الأرجاس، ولكن الأموال التي يجلبونها من الغرب غير محرمة ~~علينا ما صمنا في الأيام المقررة؛ فهذه أمور لا يقدر العوام على إدراكها، وليس في ~~تفهمهم لها من فائدة، فعدوهم بما حكى عنه الأنبياء من الأجر الدنيوي كطول الحياة، ~~وعظوهم بصدق العيش واجتناب الآثام غير خائفين من آخرة أو آملين فيها، واذكروا لهم أن ~~خلودهم بأبنائهم، وحرضوهم على ms015 كثرة النسل ليبارك لهم. # يسوع يعلم. # وبجانب هؤلاء الأغنياء المترفين الجالسين في تلك المحكمة العليا، والبعيدين من ~~التعصب في المسائل الروحية، والمتشددين في المسائل الدنيوية، يجلس أعداؤهم ~~الفريسيون. فالفريسيون هؤلاء أناس شاحبون ذوو وجوه مستطيلة، ونظرات تدل ~~على التعصب، ويعني اسمهم «المتجانبين، الخلص»، ومنهم يتألف الحزب الوطني الكبير، ~~ويبلغ عدد المنتسبين إليه نحو ستة آلاف، وهم إذ كانوا ديموقراطيين نسبا وعلما وسيرا لم ~~تغب عنهم تفاسير الشرع الحديثة، وهم إذ كانوا أبناء لحدادين ودباغين وسكافين، ~~أو إخوة لهم، طالبهم حزبهم بأن يقضوا ثلث النهار في الأعمال اليدوية، أو أن يقضوا جميع ~~الصيف في هذه الأعمال، على أن يقضوا الشتاء كله في الدرس، وهم إذ كان أكثرهم من الفقراء ~~راعوا أحكام الشرع الذي يحرم عليهم أن يأخذوا أجرا على تعليمهم له، فنالوا بذلك ~~احترام الشعب. # والفريسيون بدوا بعيدين من حياة الشعب اليومية مع ظهورهم من صميمه، فكان ~~ذلك ثمنا لما أصابوه من الاعتبار، والفريسيون مع زهدهم في السلطة وحطام الدنيا ~~خلافا لأعدائهم الصدوقيين، أدركوا مكانا عليا؛ بفضل وقوفهم على الشريعة، ومباحثهم ~~فيها، وتفسيرهم لها. ولو اطلعت على سرائرهم لوجدتهم يزدرون الفلاحين والمحترفين من إخوانهم؛ ~~لعجز هؤلاء عن تلاوة التوراة، وجهلهم تفسيرها، وعدم إتقانهم العمل بأحكامها. ومن شأن ~~العصائب التي يمسكها الفريسيون بأيديهم على الدوام، والأهداب المجهزة بها ثيابهم ~~ألا تغيب الشريعة عن بالهم ثانية. # والفريسيون إذ كانوا يحسبون، في كل مرة، درجة تقبل الأزلي الصمد ~~لكل قربان، والفريسيون إذ كانوا يظهرون المكث في الصلاة والتقشف وإيتاء ~~الزكاة على مرأى من الناس في الميدان العام، وفي الهيكل، ويفرطون في الصوم والوضوء ~~والغسل، والفريسيون إذ كانوا يقومون بشعائر الدين غير تاركين شيئا منها، وغير ~~غافلين عن أمر أو نهي من أوامر الشريعة ونواهيها؛ بدوا أئمة للشعب، مهذبين له، ~~فيتساءل الصدوقيون، الذين وطنوا أنفسهم على الشك والارتياب، مستهزئين عن الوقت ~~الذي يصقل الفريسيون قرص الشمس فيه. # والعبرة للأعمال لا للنيات عند الفريسيين؛ فالذي يكثر من الهبات للهيكل يعفى، عندهم، ~~من الإنفاق على والديه العاجزين، ms016 والذي يذكرونه في دروسهم هو عدد الخطوات المباحة يوم ~~السبت، أو عدد الجلدات التي يجلد بها المذنبون، لا الخطايا والبغاء ونقاء الضمير. وقد ~~دام جدلهم عدة سنوات حول صلاح الغلات التي تقدم إلى الهيكل إذا ما حصدت سنابلها في اليوم ~~الثاني من عيد الفصح، وكان هذا اليوم سبتا. ومن مسائلهم: هل تنعقد اليمين بالقسم على ~~الهيكل أو ذهب الهيكل؟ وهل تظل النفساء دنسة في الأيام السبعة الأولى أو الأيام الأربعة ~~عشر الأولى؟ وهل يجب في يوم الغفران أن يحرق البخور أمام قدس الأقداس قبل حضور رئيس ~~الكهنة أو بعد حضوره؟ # وبينما كان الفريسيون يأتون تلك السفاسف فتطفو على اللباب كانوا ينفخون في الشعب ~~روح الأمل في مقاديره السياسية، فيحدثونه عن موسى، وعن الخلاص، وعن مملكة الرب، وعن احتقار ~~المشركين. واليوم تراهم يرفضون يمين الولاء للرومان كما رفض آباؤهم قسم الإخلاص لآل ~~الملك هيرودس في غابر الأزمان. # والموضوع الذي يبحث فيه المجمع اليهودي «السنهدريم» في هذا النهار هو تعيين الشخص المجرم ~~الذي يطالبون الرومان بإطلاقه؛ فمن العادة التي استقرت منذ جيل أن يلتمس اليهود من الوالي ~~الروماني في كل عيد فصح العفو عن مجرم محكوم عليه بالقتل، فمن هو الذي سيطلبون العفو ~~عنه في هذه المرة من بيلاطس؟ ~~••• # من عادة أغنياء الأشراف أن يجوبوا الشوارع على هوادج عند امتداد الظل، وعلى ما كان هؤلاء ~~يسدلونه من الستائر بين حين وحين عندما تنقبض صدورهم، لم يأنفوا من نظر الدهماء إليهم. وهم ~~حين يفكرون في أمر أورشليم التي أضحت، بعد قوة، عاصمة فقيرة لولاية فلسطين الحقيرة، إذا ما ~~قيست بالولايات الاثنتين والعشرين الواقعات في عبر البحر، تتجه أنظارهم إلى رومة ~~والإسكندرية. وما هي صادرات فلسطين البائسة؟ قليل زيت وفواكه، مضافا إلى ما تبذره في ~~العالم جميعه من أعمال الذكاء، ودقائق الذهن، والإيمان القوي بالله الذي لا تدركه ~~الأبصار، ورفض تقديس ملوك الدنيا، والقيصر منهم، بشمم، والأمل بالله أن يكب الآلهة ~~القديمة، وما إلى ذلك من الشئون التي تجعل اسم إسرائيل يتغلغل في مراكز ms017 الحضارة والثقافة، ~~وبنو إسرائيل القليلون كلما خسروا سلطانهم عمت شهرتهم في عالم المال والجبروت، ولا ~~مراء في استهزاء بعض الناس بهم، ولكن لا مراء في خشية أناس آخرين من ثبات معتقدهم، ~~وتركهم إياهم أحرارا في ممارسته. # أولئك الأشراف اللابسون ديباجا، فيحملهم عبيدهم على ذلك النمط مارين بهم من ضيق ~~الشوارع هم حفدة عبيد؛ فقد استرق فاتح أورشليم الأول بومبي أسرى اليهود في رومة، ثم فك ~~رقابهم، فبدوا من صغار التجار في جزيرة طيبر التي تجمعوا فيها، فلما آل السلطان إلى ~~يوليوس قيصر الأكبر عرف ذكاءهم، فقربهم منه ومنحهم حق التصويت في مجلس الأمة، وعهد إليهم في ~~تدارك ما يحتاج إليه الجيش من الميرة والعدد، فلم يمض وقت قصير حتى أصبحوا موضع ثقة، ~~فأضحوا صرافين للقيصر، ودائنين للملوك المخلوعين، وملتزمين لدور التمثيل والرقص، فكانوا ~~جماعين لفضائل الشرقيين ونقائصهم في المرونة والملاءمة والمعرفة وما إلى ذلك. # ومستعمرة اليهود الرومانية تلك كانت تشتمل على ثمانية آلاف يهودي، فزاد عدد سكانها بمن ~~قصدها من الغرباء والأفاقين، فلم تنشب أن اغتنت وزادت نفوذا، مع ظهورها منعزلة في ~~مدينة رومة العظيمة، والقليلون غدوا مشركين، وتسمى بعضهم بأسماء لاتينية منتحلين عادات ~~الرومان، غير مقاطعين لألعاب البرابرة كاتمين ختانهم، ولكنهم ظلوا أوفياء لدينهم تقريبا، ~~فيقوم به أكثرهم علانية، ويعمل به آخرون منهم سرا غير مختلطين بالمشركين إلا عند ~~الضرورة. # ومما أصبح عادة أن تجتمع الرومانيات المتبرمات على الخصوص في صلوات # 13 # اليهود. وهؤلاء النسوة المترفات حين يتكئن لتناول الغداء فيعبثن بشواء ~~الطاووس الساموسي، أو الشلق # 14 # الطرطسوسي، أو المحار الساقزي، أو حين ينظرن إلى تبديل أثاث المائدة، بعد أن ~~يقئن، منتظرات عودة شهوة الطعام إليهن، يبصرن حلول الزمن الذي يعتنقن فيه دين الله ~~الواحد الخفي. # ألم تشرف الآلهة القديمة على الموت منذ طويل زمن؟ ألم يدع الرواقيون الناس جهرا ~~إلى عبادة إله واحد، مستندين إلى أفلاطون الذي أسف، قبل ظهور يوليوس قيصر بثلاثمائة سنة، ~~على هبوط الروح إلى الجسم من العالم الأثيري، فانتظر مسرورا يوم رجوعها إلى حيث ms018 كانت؟ ~~أفيكفي هذا وحده للزهد في ملاذ الحياة؟ فاسمع ما قاله حديثا الحبر الروحاني ~~العلماني، والخطيب السياسي الفيلسوف سينيكا: «مثل الحياة العاطلة من الاضطراب، والآمنة ~~من النوازل كمثل البحر الميت، والأب الرب قد أنعم علينا بأطايب النعم قبل أن نبتهل ~~إليه بصلواتنا.» ~~«أب ورب»! يا له من تعبير غريب! يا لعظيم الخطر في الانتساب إلى أب واحد، وما يجر ~~إليه هذا الانتساب من المساواة! وأبعد من هذا قول سينيكا: «ليس العبيد من الآدميين فقط، ~~بل هم أيضا ندماء وأصدقاء ورفقاء لنا في الرق. وبيان الأمر أن زينة الحياة التي نبدو ~~أصحابا لها؛ كالأولاد والعز والشرف وفتنة الغواني، ليست ملكا لنا، بل هي ودائع أعدت ~~لزخرفة العيش، على أن تعود إلى ربها كما يعود الأثاث إلى الفندقي بعد سفر السياح.» ~~فإذا ما سمع العبيد هذا تداعت دعائم الدولة! # ولم يكن ذلك كله مقصد الفيلسوف سينيكا؛ فقد قال: «أسرعوا في التمتع بالمسار التي يوحي ~~بها أولادكم، ولا تبطئوا في اقتطاف اللذة التي تلوح لكم؛ فالعمر قصير، وأمسكوا بكل ما ~~يعرضه الحظ عليكم؛ فستحرمونه بعد حين.» ومثل هذا ما قاله الفيلسوف أبيقور، وإن حذر من ~~أكل الكمأة والمحار. # ذلك ما يفكر فيه أولياء الأمور برومة، ولم يروا غير صنع ما يسكنون به اضطراب النفوس ~~على ضوء ما في المذاهب الفلسفية الأجنبية من الترياق الروحي. وفي المجتمع زال متوسطو ~~الحال، ولم يبق فيه غير الأغنياء والفقراء، وفي الشوارع يتسكع ألوف الكسالى فيأكلون من أهراء # 15 # الدولة، وينجز الأفاقون والوسطاء والمضللون والوشاة كل عمل ثم ~~يفسدونه، ويختل في العهد الإمبراطوري ما كان في الدور الجمهوري من النظام، ويحوك ~~الولاة الدسائس حول الحرس، ويحوك الحرس الدسائس حول المقربين، ويحوك المقربون ~~الدسائس حول القيصر الغائب، وتلطم موجة البؤس مهددة نفائس القادة، وإن كان ذلك كلطم ~~موج البحر للصخر. ويرى هؤلاء القادة أن الوقت لا يزال ملائما للاحتراز من أي طارئ، ~~والوصول إلى ما فيه خير الدارين، وإن كان الصخر يهتز تحت قصورهم الفخمة. وكيف يعلم أن ~~قدرة ms019 رب اليهود القديم أو أرباب السفسطائيين المعاصرين لا تكون في عجز الأبصار عن إدراكها ~~لهم؟ # واليهودي الغني، حين يكون في هودجه فيجوب شوارع بلد الرب، ينعم النظر في آراء ~~أصدقائه من المشركين، وهو حين ينزل بفندقه يلاقي فيه، على ما يحتمل، صاحبا عميلا من ~~الإسكندرية، فيخبره هذا الإسكندري بإفلاس ملك مخلوع، ويحدثه عن أنباء أبناء دينه بمصر، ~~وعن مطالعاتهم ومناظراتهم، وعن الحد الذي يمزجون به الروح بالإيمان ويفصلون بينهما ~~... # والواقع أن اليهود استقروا بمصر منذ عهد بطليموس، فبلغ عددهم الآن مليون شخص، وأن نصف ~~الأحرار في الإسكندرية منهم، وأن لهم في هذه المدينة حيين، وأنهم قابضون على زمام ~~التجارة بين الشرق والغرب، وأنهم يديرون معظم أمور النقل في البحر منذ أن وثق بهم القيصر ~~أغسطس، فعهد إليهم في مراقبة مستودعي الحبوب لرومة: النيل والدلتا. # والإسكندرية أصبحت عاصمة العالم الثقافية قبل أن تصبح رومة عاصمته السياسية بقرنين، ولم ~~يعرض اليهود برومة عن الفن الإغريقي، الذي أدخل إلى عبر البحر المتوسط منذ زمن ~~الإسكندر الأكبر، فلا يتخذونه في معبدهم المنافس لهيكل القدس زهاء ورقة؟ إذا كان اليهود ~~يقرءون كتب أفلاطون وهوميروس؛ فلأن هذه الكتب روايات تعجز عن زلزلة حكم رجال الدين ~~الرباني، وقد نقلت صحف موسى وسليمان وشريعة الشعب المختار وحكمته إلى اليونانية في زمن ~~بطليموس الأول، فكان لها بذلك حظ الانتشار في العالم بأسره. وفي الأساطير أن اثنين وسبعين ~~عالما من اثنتي عشرة قبيلة هاجروا إلى جزيرة، فترجموا في اثنين وسبعين يوما أسفار موسى ~~الخمسة، فأسفر ذلك عن خروجهم من دائرتهم القبلية إلى الدائرة العالمية، وعن تمجيد اليوم ~~الذي ذهبوا فيه إلى تلك الجزيرة بأمر ملك مصر المفضال بطليموس فيلادلفوس، فعلم الناس أن ~~موسى أعظم من فيثاغورس. # واليوم، في الفندق، يسأل يهودي رومة يهودي الإسكندرية عن أنباء فيلو: أيذهب رسولا ~~إلى القيصر؟ أليس كتابه الأخير عن الأحلام ذا مناح طليقة حرة؟ ألا يؤدي إلى ضعف ~~الإيمان بالأنبياء؟ # فيلو؛ ذلك اليهودي الذي هو قبس دين اليهود في الخارج، يبلغ الستين من عمره، ms020 فيجمع في ~~كتبه العالمين المتقابلين على ضفاف النيل، وإن شئت فقل: تنطوي كتبه على الأفكار ~~السائرة التي تختلط أمواجها في دلتا عصره، وفيلو؛ ذلك الحكيم الذي هو من أبناء الدولة ~~الأولى في العالم ، والذي هو تلميذ حضارتين، يقطن بميناء تجلب السفن إليه سلعا ~~وأفكارا، وفيلو؛ ذلك الفيلسوف، يتحرر من ربقة الخرافات فلا يداري بني قومه؛ فيضع الروح ~~بعيدة من حدود اليونان وإسرائيل مستندا إلى تعاليم الأنبياء وآراء أفلاطون، فيرسم صورة ~~لإله إنساني يعد الناس إخوة ما دام أبا لهم جميعهم، فيقيم بذلك على سدة ~~المملكتين مملكة الروح للمرة الأولى. # يرى فيلو أن الإنسان سقط، وأن الله يريد أن يقيل عثرته بمعرفته لنفسه وبالتوبة. ومن ~~قول فيلو: لا تقسموا بالله، وادعوا إلى الألفة والاتحاد وشيوع الأموال، واحترموا جميع ~~الأمم على السواء، وأعينوا عدوكم إذا خانه الحظ فتضور جوعا، واعنوا بأسير الحرب، ~~وداروا العبيد، وارفقوا بالحيوان والأشجار المثمرة، وابتعدوا عن المادة، واتركوا الملاهي، ~~واطلبوا العزلة، وكفوا عن الشهوات؛ ففي ذلك كله قهر أجسامكم، وسمو أرواحكم إلى الله، ~~واجتنبوا الخصومات، ورفع الدعاوى، ولا تترددوا إلى الأسواق والمجتمعات العامة، والتزموا ~~جانب البساطة والحلم والدعة، وإياكم والتفاخر والغنى؛ فالدنيا هي المنفى، والسماء هي ~~الوطن، فمن يعرف ذلك ويفعله، ومن يعمل الصالحات ويقف نفسه على الله؛ فهو ابن الله، ~~كما في الشرع، فالله يحب الخاشعين وينجيهم، والله في عون من يؤمنون به قبل أن ~~يولدوا، وروح الله تتجلى في نفوس الأولياء فتنير بصائرهم، فيرتقون من المنطقة البشرية إلى ~~المملكة الإلهية. ~~••• # لنفترض أن شيخين من الفريسيين جالسان في ناحية من الفندق، فيستمعان إلى ما يدور بين ~~اليهودي الروماني واليهودي اليوناني من الحديث، لنعلم أنهما يعدان كل كلمة ينطقان بها ~~إهانة لهما، كما تدل عليه نظراتهما، وإن اليهودي الروماني ليلبس ثوبا ثمينا ويبدو ~~سمينا، حليقا، حسن المنظر، محاكيا المجتمع الذي يعيش فيه، وإن اليهودي اليوناني ~~الإسكندري ليظهر طليق الوجه، لين العريكة، حلو العينين، وإن الفريسيين ليلوحان أعجفين # 16 # جائعين، متجهمين، مستطيلي الوجهين، أبيضي اللحيتين، مرسليهما، متميزين من ~~الغيظ ms021 والحقد على ذينك الفاتري الإيمان أكثر مما على الكافرين. # ومن الحنث # 17 # العظيم عند الفريسيين أن نقل شيوخ الزنادقة التوراة إلى لسان المشركين، ~~فاطلع هؤلاء على عهد الله لشعبه المختار. ومما يجهر به الفريسيون في مدارسهم أن من ~~يقرأ كتاب إشراك يحرم السعادة في الدار الآخرة، وأن اليونانية هي لغة العبيد لا الأحرار، ~~وأن دور الانحطاط الثاني بدئ بتلك الترجمة، وأن يهود اليوم إذا كانوا عبيدا لا سادة، ~~فلما أنزله الله من العقاب على اليهود بسبب تلك الترجمة، وأن أولئك الطلقاء أدخلوا ~~إلى أرض الميعاد، حتى درج الهيكل، عاداتهم وطبائعهم الخطرة. # ومما يعلنه الفريسيون قولهم: آلروح؟ لنا مذهب في الروح أيضا، وأما كبح جماح الشهوات ~~الجسدية وإماتة البدن بذلك، فمما يضعف قوة شعبنا، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء الأجانب ذوو ~~أجسام منفوخة، ولم يكن لهم غير أبناء ضعفاء ملحدين بأوامر الأنبياء، فقصر كل وحي على ~~الروح وحدها يعني جحودا بالعالم الحسي، وإنكارا لماضي بني إسرائيل الجليل، ومستقبلهم ~~المجيد، مع أنه يجب علينا تجاه العدوان الذي نضام به أن نبذل أنفسنا في الدفاع عن روح ~~أجدادنا، ومذهبنا وشريعتنا التي لن تقدر رومة على نزعها منا! # ألم يسر آباؤنا على هذا النهج؟ حتى إن بومبي نفسه لم يسطع أن يفتح أورشليم إلا لأن ~~اليهود لم يريدوا أن يعدوا في السبت فيردوا عادية الغزاة بالسلاح. وفي ذلك الحين ~~كان اليهود شعبا واحدا تسري فيه روح المكابيين، فأطفأ هيرودس جذوة تلك الروح فيما ~~بعد. # يتكلم ذانك الشائبان الجالسان القرفصاء في زاوية من ذلك الفندق في شأن الملك هيرودس ~~الكبير، الذي أدركا آخر عهده أيام صباهم، فكان أدوميا ظالما آثما ملحدا خائنا لبلاده، ~~فسلمها إلى القنصل سيسرون، وأتى ببومبي وكراسوس ليحاصرا أورشليم. وهيرودس هذا كان ابن ~~رقيق، فسم أباه وإخوته، فاشترى من أفاقي الرومان عرش الملك بالذهب والكنوز، ثم خسر هذا ~~العرش في آخر الأمر، وما الذي ناله بنو إسرائيل في زمن حكمه الطويل؟ # حقا أنه وسع رقعة مملكته إلى حدود سورية وجزيرة العرب ms022 فجدد مملكة داود، ~~ولكنه لم يصنع ذلك بإيمان داود، بل بحيل أبشالوم ومكايده، وذلك بأن قدم إلى رومة ألوف ~~الهدايا، وبأن أنشأ للمشركين، حتى منطقة فنيقية، معابد وحمامات ودور تمثيل، وبأن نظم ~~حتى أبواب الهيكل مباريات لمصارعي الرومان، وبأن تذرع بالظلم والقسوة لينزع من العالم ~~مجدا واسما لنفسه، وإن استحق ازدراء بني قومه له، وحقا أنه أنفق ملايين الدراهم لإعادة ~~الهيكل، وذهب أبراج هذا الهيكل، وفرش صحونه # 18 # بالرخام، وصفح أبوابه بنحاس من كورنتوس، وستر قدس الأقداس بحجاب من ~~الديباج، ولكنه لم يسطع أن يكتم بالذهب والستار ما جنته يداه، وحقا أنه قرب ~~للهيكل ثلاثمائة ثور، ولكن ذكرى الخمسة والأربعين فريسيا الذين حمل المجمع اليهودي ~~الكبير على إعدامهم لم تفتأ تحوم حول ذلك الهيكل، وحقا أنه أنزل الراية الرومانية بعد أن ~~رفعها فوق الباب الأكبر، ولكنه كان لنصب تلك الراية من الأثر ما لم يقدر على إزالته صدأ ~~نصف قرن ومطره. # وهو لأنه أقام الهيكل وملك عدة نسوة، ظن نفسه سليمان الثاني، وهو لأن كليوباطرة ~~أرسلت إليه أربعمائة رماح، ولأن حرسه من الدروز والجرمان، رأى نفسه قيصر الثاني، وهو ~~لأنه كان لديه خصيان وعرافون وعيون وندامى كثيرون، ولأنه انتحل صفة الخطيب، ولأنه ~~سمى أولاده بأسماء رومانية، ولأنه تزوج عشر مرات فولدن له اثني عشر ولدا؛ اعتقد ~~أنه أبو الوطن! # فهل من العجيب إذن أن تصبح البلاد فريسة الفتن عند موت هيرودس؟ نادى الجنود بأنفسهم ~~ملوكا في كل مكان، فتقاتلوا إلى أن أرسل العقلاء إلى رومة رسلا لينضموا إلى مهاجري اليهود ~~فيها، فيضرعوا إلى القيصر المشرك أن يطرد ملوك اليهود الغاصبين الكاذبين، ويعيد الأمن ~~والنظام إلى أرض الميعاد، فاستمع أغسطس لدعاء ثمانية آلاف يهودي في معبد أبولون متكلفا ~~الجد، ضاحكا في قرارة نفسه، فاستجاب لهم تبعا لمبدأ «فرق تسد» الروماني، فقسم ~~فلسطين إلى خمسة أقسام، معطيا أبعد هذه الأقسام وأفقرها لأبناء هيرودس الذين تباهوا ~~انتفاخا بما تم لهم من ألقاب الملك، واحتفظ باليهودية فجعل منها ولاية رومانية، ~~فصار الوالي الروماني يشرف ms023 من حصنه على الهيكل بأورشليم، قابضا بذلك على قلب فلسطين ~~النابض. # يذكر ذانك الفريسيان الشائبان البلايا التي أصيبت بها بلادهما، ما ذكرا الماضي ونظرا ~~إلى المستقبل في كل عيد فصح، فيسألان: ألا نزال شعب الله المختار ؟ لم يلمع على صدر ~~رئيس الكهنة منذ مائتي سنة؛ أي منذ زمن متياس، العقيق الذي هو رمز لحضور الرب ~~تقريب القرابين، فأين الخلاص؟ كل شيء في أورشليم مرتج # 19 # موقوف مراقب مهدد. فلترفع راية العصيان في الشمال، في بلاد الجليل ~~المرتجاة حيث الشبان الحمس عازمون على فك قيود العبودية. ألم يكف إحصاء النفوس ~~لحمل يهوذا الجليلي على الثورة؟ صاح هذا الوطني الحر أمام الحامية الأجنبية قائلا: ~~«الإحصاء خزي وعار!» فجمع كتيبة من ذوي الحمية، فاشتعلت الفتنة في وجه رومة، وفي وجه أذناب ~~الرومان من اليهود، وعلى رأسهم هيرودس، وفي وجه الثراء، وفي وجه السلطة الزمنية، فقيل: ~~لا ينبغي ليهودي أن يعترف بسيادة أحد؛ فالله هو رئيس دولتنا، وشريعة موسى هي دستورنا، ~~والرب في عوننا ما دمنا في عون أنفسنا، فنحن أرباب السيف، ونحن أهل القتال، ذلك ما رفعوا به ~~أصواتهم حينما زحفوا لينازلوا كتائب القائد فاروس الروماني، بعد أن تسلحوا في مصانع ~~الجليل السرية. # أجل، إنهم غلبوا، ولكن الحماسة التي اشتعلت في نفوسهم لم تخب، بل زادت سعيرا في قلوب ~~أبناء من خروا صرعى في ميدان الوغى، فلم يبق لهؤلاء غير اهتبال الفرص عندما تلوح، ما ~~تسلحوا سرا ووطنوا نفوسهم على دفع الشر بالشر، ومقابلة العدوان بالعدوان، فهذا جيش غير ~~جيش قديسي الأردن الذين طمعوا في إعادة بناء المملكة بالصلوات والحلم وماء ~~العماد؛ فمن بلاد الجليل، ومن بلاد الجليل وحدها يأتي الخلاص. ~~••• # تزاور # 20 # الشمس عن سطح الهيكل الذهبي فتغرب في البحر، وتنير أشعتها الأخيرة معبد ~~جوبيتر «المشترى» في قيصرية لا ريب. وتلك الشمس هي الشمس نفسها، وملك اليهود هيرودس الذي ~~زخرف هيكل أورشليم بضروب الزينة، هو الملك هيرودس نفسه الذي أنشأ معبد جوبيتر ذلك، ونقص ~~إيمان الناس منذ تم للسلاح فلاح لم تسمع ms024 بمثله أذن، فقامت دولة عالمية على شواطئ ~~البحر المتوسط، فارتقى أناس إلى مصاف الآلهة، وإن لم تختلف أفكار المؤمنين عن أفكار ~~آبائهم، وبلغت الآلهة زوس وجوبيتر ويهوه من الكبر درجة لم ير الإنسان معها أن يناضل ~~عنها، ويقاتل إخوته في سبيلها، وانتشرت في رومة والإسكندرية وأورشليم مذاهب متعارضة ~~متناقضة، فعاد الوحي الواضح لا ينير بصيرة الباحث الناصح، وقيل: إن أمثال الأجداد وشرائعهم ~~ذوت في جميع الممالك واللغات والصحف المقدسة، وتذبذب السلطان، واحتقرت التقاليد، وصارت ~~الصواعق لا تلقي الرعب في القلوب، وأضحت الشمس لا تغري الناس بالعبادة، ونصبت تماثيل ~~للآلهة صرفا للنفوس عن الآلهة الخفية، ولا سيما ذلك الإله الواحد الذي لا تدركه الأبصار، ~~ولا يناله خيال. # مثل الانقلابات الكبيرة، وأطوار النفس الكثيرة، وتموج المعتقدات القديمة ~~كمثل الشفق الذي يبدو فوق أورشليم، ويترجح نوره بين جبالها والبحر المتوسط ~~إلى أن يغيب، فإذا ما تلاشى المعتقد القديم كتلاشي آخر ضياء للشمس بعد غروبها كان ظلام، ~~فتتابع نجوم، فإنارة فلك، وتتقدم الفلسفة حيث تتأخر الآلهة، وتتناجز المذاهب وتتناقض ~~بدلا من أن تتحد، فهل في العالم مذهب نقي بعد؟ وأي الرجلين أشد عجبا وانتفاخا: ~~آلرواقي اللوذعي الذي يتصنع الزهد فيلبس لباس الزهاد، ويؤمن بالقضاء والقدر، ثم ~~يكافح وينافح، أم الأبيقوري الشهواني الخلي النكات في قاعات ذوي الثروات سعيا ~~وراء أطايب النعم؟ كلاهما يدعو إلى الإخاء، والعناية بالفقراء، وتحسين حال الأرقاء، ~~ولتعط الدولة ما تطلبه من المال والخدم لتكافئ كل واحد على حسب جدارته، وعكس ذلك ~~ملكوت السماوات المفتح الأبواب للجميع، ولا سيما البائسين والمذنبين التائبين من غير ~~نظر إلى الفروق والأهليات والقوات. # ويرى فيلو أن الشر في الصدر، وأن الإثم في الجسم، وأن البدن سجن للروح، وأن الناس ~~متساوون أمام الرب الأب، فيطمعون أن يجتمعوا عنده حيث وطنهم الأبدي. فما أقرب هذا من قول ~~الفريسي هلل، الذي جهر بمذهبه قبل فيلو بجيلين فجعل من نفسه المثل، فتصدق على ~~الفقراء بما يملك فعاش وفق قوله: «لا تفرح بسقوط عدوك خشية غضب الله وانتقامه، وكن مع ms025 ~~الضعفاء المظلومين لا مع الأقوياء الظالمين، واحذر نفسك بنفسك حتى يأتيك اليقين.» # 21 # ثم لخص ذلك في مثل واحد فجعل منه أساس اليهودية؛ وهو: «لا تعامل غيرك بما لا ~~تحب أن يعاملوك به.» ومثل ذلك قول أبيقور في بلد قاص: «عمل الخير أفضل من ~~نيله.» # وهنالك ما يباين ذلك، فلو نظرت إلى أكثر أتباع هلل تشددا لرأيت أفئدتهم تهفو # 22 # حبا لمتاع الحياة الدنيا، فهم يقولون: إن الله إذا كان ربا جبارا رءوفا ~~معا؛ فإن الدنيا طيبة، فالله لم يحرم الغنى ولا نعم العيش، وقد أمر أبناءه بأن ~~ينالوا حظا من الحياة، فيراعوا أحكام الشريعة من غير زهد، ويتزوجوا شبابا للإكثار من ~~الأولاد، ويحظوا بالنساء والخمر ضمن حدود التوراة، وفي التلمود: «الجنة لمن يسر ~~أصحابه.» # ووجد ما ينقض مذهب أولئك أيضا؛ فقد سأل بعض الأنبياء: لماذا يريد الإله الخفي المقدس ~~تقريب القرابين تسكينا لغضبه؟ وإذا كان الله قد جعل من اليهود شعبا مختارا؛ فلم ~~يسومهم خسفا # 23 # على الدوام، ويأذن في استعبادهم؟ أليجازيهم؟ ألا يدل ذلك على عدم ~~نصره لهم؟ أليس اليونان أكثر حرية وأعظم أدبا من اليهود الذين قيدتهم شريعتهم بما لا ~~يحصيه عد من القيود؟ # تبدد سحر العزلة بفعل اللغات الأجنبية في أثناء الإسارة البابلية، واليوم يخاطب الوالي ~~الروماني اليهود باللغة اليونانية، واليوم تتم المرافعات أمام القاضي الروماني باللغة ~~اليونانية، واليوم تكتب العقود التجارية باللغة اليونانية، واليوم يضطر الكهنة ~~والعلمانيون والعمال والفلاحون إلى التفاهم هم والجنود باللغة اليونانية، وأخذت ~~التوراة الأصلية المقدسة تفسح المجال لترجمتها الإغريقية، فأخذ اليهود الذين ذلك شأنهم ~~يفضلون هذه الترجمة على الأصل العبري، فبدت بذلك ثغرات في السد المنيع، فصارت مياه الغرب ~~تغمر غيرها. # تجاه ذلك الترهل، # 24 # رأى الفريسيون أن يمعنوا في المحافظة على صفاء الشريعة والشعائر، فأسفر ~~هذا الشعور عن وجد ووله فيهم، فغدوا يعدون كل عمل في أرض الميعاد أمرا مقدسا، ~~فالأرض إذا ما أعطيت زكاة ثمراتها تقدست، والحبوب إذا ما نظفت تقدست، ~~وأورشليم إذا ما قربت فيها القرابين كل يوم ms026 تقدست، فيتجلى الرب في قدس الأقداس. # 25 # وفي مراعاة الشعب لأوامر الدين استرداد لحريته، وعودة لسلطان الأرض ~~المقدسة السياسي، وطرد لرومة كما طردت مصر وبابل وآشور من قبل! # ولكن الوصول إلى ذلك يتطلب حياة مثالية، فيجب على اليهودي عند الفريسيين أن يقوم ~~بشعائر الأعياد والصيام، وأن يميز بين ما أحل وما حرم من الطعام، وبين الخبز ~~الخمير والخبز الفطير، وأن يراعي عيد المظال، # 26 # وأن يعمل بشريعة موسى، ويجب أن يدخل إلى قلوب الأولاد حبها، وأن يعلم ~~الأب أبناءه الطقوس منذ السنة الثالثة من أعمارهم، وأن يعلم المعلم تلاميذه معاني ~~التوراة، وأن يحترم هذا المعلم الذي لا يسأل طلابه على دروسه أجرا، فيطرد الوساوس، ~~ويزيل الشبهات بنصوص التوراة والزبور. # والفريسيون يقفون عند ظاهر الشريعة غير معتمدين في تفسيرها على الباطن، وذلك في زمن ~~تعقدت فيه الأفكار وتصادمت؛ فحل فيه الشك محل اليقين، وما درى الفريسيون أن الفناء ~~لا الشفاء في تشددهم. ~~••• # أرخى الليل سدوله فوق أورشليم مرة ثانية، واقترب عيد الفصح، فغصت أورشليم بألوف ~~الحجيج الذين وجفت # 27 # قلوبهم انتظارا، وفيم كان يفكر أولئك الأتقياء في صلواتهم مساء؟ وصحف أي نبي ~~كانوا يقرءون على نور الشموع قبل أن يخالط الكرى أجفانهم؟ أحلام دانيال! أربعة حيوانات ~~عظيمة شرسة تعاقبت، وهي الممالك العالمية: بابل والإسكندرية وآشور، التي اضطهدت شعب الله ~~فانهارت، و«الحيوان الرابع الذي كان مخالفا لكلها، وهائلا جدا، وأسنانه من حديد، ~~وأظفاره من نحاس، وقد أكل وسحق وداس الباقي برجليه.» هو رومة التي أخبر عنها النبي العظيم ~~دانيال؛ صاحب المنقذ يهوذا المكابي، والتي ستسقط كما سقطت أخواتها الثلاث، «والمملكة ~~والسلطان وعظمة المملكة تحت كل السماء تعطى لشعب قديسي العلي، ملكوته ملكوت ~~أبدي، وجميع السلاطين إياه يعبدون ويطيعون ... كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء ~~مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه أمامه، فأعطي سلطانا ومجدا ~~وملكوتا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، ~~وملكوته ما لا ينقرض.» # ابن إنسان! لم ينطق قدماء ms027 الأنبياء بهذه الكلمة، وإن دل كلامهم عليها؛ فقد عرفوا ذلك ~~جميعهم منذ سقوط مملكة داود التي كانت تمتد من لبنان إلى البحر الأحمر؛ فمن آل داود ~~سيخرج ملك إسرائيل القوي الجديد «فيغرس الرب غصنا من الأرز المكسور في صهيون»، وهل ~~يأتي المنقذ بالسلم أم بالحرب؟ أخبر بعض الأنبياء فرحين أن الرب سينصر في البداءة شعبه ~~في قتال يقع في صهيون فيقيم له المملكة التي وعد بها، «وسيكون في الأيام الأخيرة يقول ~~الله: إني أفيض من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبانكم رؤى، ~~ويحلم شيوخكم أحلاما ... ويكون في ذلك اليوم أن الجبال تقطر عصيرا، والتلال تفيض لبنا، ~~وجميع ينابيع يهوذا تفيض ماء، ومن بيت الرب يخرج ينبوع.» # بيد أن زكريا لم ينبئ بغير ظهور ملك للسلام، فجاء في سفره: «ابتهجي جدا يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم، هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور وديع، وراكب على ~~حمار وعلى جحش ابن أتان، وأقطع المركبة من أفرايم، والفرس من أورشليم، وتقطع قوس الحرب، ~~ويتكلم بالسلام للأمم، وسلطانه من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي ~~الأرض.» # ومثل ذلك نبوءة هركانوس الذي رأى في المنام، منذ قرن، ثورا أبيض ذا قرون ذهبية قد دخل ~~الهيكل أبا كبيرا، وجاء في نشيد وضع في زمن الملك هيرودس: «انظر يا رب، وأيقظ ~~ملكهم، ابن لداود وعبد لك، سيظهر ليحكم إسرائيل في الزمن الذي عينت.» # ومن يكون المخلص؟ وهل ولدته أمه؟ وهل يعيش في فلسطين؟ وهل يحمل بعض الطامعين لقب ~~ذلك المنقذ المنتظر كما فعلوا بعد موت هيرودس؟ هذا ما كان يسأله الفريسي المدقق عند ~~صلاة كل مساء، وبين الشعب أفاقون خادعون يحاولون إغواءه بكتبهم السحرية، وبشفائهم ~~المرضى، وفي بلاد الجليل مردة لا يتورعون عن ارتداء أي رداء وصولا إلى ~~السلطان، وعلى ضفاف الأردن يمارس الآزيون عماد الصباح، فيبكون في مياهه مبشرين ~~بدنو سيادة الروح، فويل لبني إسرائيل إذا ما انتحل أحد أولئك العصاة أو المتهوسين قول ~~النبي، فبدا رسولا لنسخ كلام الرب، ms028 وويل لمثل هذا الدجال! لم يولد ملك اليهود بعد ~~إذن! # وهكذا كان المؤمنون يترجحون بين الشك والرجاء، ولم يشذ عن ذلك الحجاج الآتون من رومة ~~والإسكندرية بعد أن قرءوا في قصائد شاعري أغسطس: فيرجيل وهوراس، خبر اقتراب العصر الذهبي ~~الذي يسود السلام فيه العالم ، وليس قليلا عدد الذين رأوا الحظ حليفا لسيدة العالم رومة مع ~~اعتقادهم صحة نبوءة دانيال وصدق وعده. وفي السحب رأى فيلو «الوجه الرباني يقود اليهود ~~إلى بقعة واحدة من الأرض، فيشفع لهم عند الأب فيعفو عنهم، فيعاد بناء المدن ~~الخربة، وتصبح البراري عامرة، والأراضي الجديبة خصيبة.» # يسوع والمرضى. # يطول الليل تحت أروقة الهيكل، ويتجاذب الكهنة يقظة وكرى، وينسون جنود رومة، ويغفلون ~~عن سوء ما هم فيه ما اقترب عيد الفصح، وتدور في رءوسهم أغنية المنقذ المنتظر. # وتحلم أورشليم النائمة بالمسيح. # الفصل الأول # | النداء # فتى مضطجع على العشب فوق الجبل، ناظر إلى السماء، فتلقي الشمس أشعتها المائلة عليه وقت ~~الصباح؛ فيظن أنه راع ما مرت قطاع الضأن قريبة منه. # يبدو كل شيء هادئا، وتنحدر الجبال برفق إلى الوادي، فلا تسمع للإنسان ركزا، فيستطيع ~~ذلك الفتي أن ينام، فإذا ما ذهب عنه الكرى وجد شياهه كاملة. # ليس ذلك الفتى بنائم، وليس للغنم بصاحب، وقد حبب إليه أن يتسلل في صباح كل سبت ما ~~كان السبت يوم راحة، وما هجر العامل فيه المصنع، فلا احتياج إلى ذلك الفتى في ذلك ~~اليوم إذن، ويكون طليقا ساعة بين صلاة الصبح وقصد المعبد، وله متعة في تأمل الزرقاء # 1 # وحيدا فوق الطور. # 2 # فعلى الطور وفيما وراء السحب يقيم أبوه الأعظم ... # أجل لا تدرك الأب أبصار فتى وإن رآه موسى ذات مرة، وتجلى لقدماء الأنبياء أحيانا، غير ~~أنه قريب مع بعده، والريح حين تهب من البحر فيسجد شجر الزيتون، فتئن سوقه، والماء ~~حين ينزل من السماء فيخر # 3 # في السواقي بين ثغاء الشاء، والغمام حين يتراكم على جبل حرمون فيحجب ذروته ~~يسمع صوت الرب المحب للجبال لا السهل. # ذلك الفتى بين الجبال، ms029 فيبصر من هنالك جميع الجبال، فيرى عن شماله جبل تابور ~~المدور، ويرى عن يمينه جبال السامرة، ويرى في آخر السلسلة جبل الكرمل الحاد المهدد ~~بغرقه في البحر. # ويصعد الفتى جبل تابور فلا يبصر شواطئ البحيرة المستترة خلفه، جاهلا أمر ذهابه يوما ~~إلى مينائها، ولا شيء يجذبه إلى ذلك، والناس يكثرون على مسمع منه من الحديث حول المدن ~~والسفن، وحول الأمم التي تملك هذا أو ذلك، أو التي انتزعت هذا أو ذلك، فلا تجد أقوالهم إلى ~~قلبه سبيلا واضحا كما يبدو. # هنا المكان حسن؛ فهو ذو أشنة # 4 # ناعمة، وهو ذو شجر تين ظليل، فلا يؤذي وهج الشمس عيني من يجلس تحته، وهو ذو ~~دغل يسهل اجتناب شوكه، وهو ذو قنابر تدنو من الإنسان من غير أن تنفر ما راعاها ~~الرعاة إذا ما كانوا فيه، وما رعت أنعامهم كلأه هادئة صامتة. ولا ريب في أن الرب الأب ~~ينظر إلى هذه الأنعام بحنو وإن عجزت عن الدعاء إليه، ولا ريب في أن الرب الأب الموجود ~~في كل مكان يرى شجرة التين، ويرى الفتى يتفيؤها. # ويذهب الفتى إلى الناصرة المدينة الصغيرة ذات البيوت البيض؛ حيث يتكلم القوم عن الرب ~~وبيت الرب، وعن استيلاء المشركين على بلد المؤمنين، وعن سلطان الكافرين على الشعب ~~المختار، ويخوض الأغنياء والكتبة في ذلك أكثر من الفقراء، فيدخلون دورهم ليروا هل يصلون كما ~~يجب، ويصل فريسي إلى النجار أبي الفتى، فينظر إليه هذا الأب من منجره ~~مغموما؛ فهو يعلم أن الفريسي هذا سيبحث مدققا في آنيته وجدره ليعرف مقدار نظافتها، ~~ودرجة قيام صاحبها بما يأمر به الشرع، فيضيع عليه ساعة من نهار فلا ينجز عمله. # يا لروعة التوراة! تلا أبو الفتى سفر دانيال ليلة أمس على حين كانت أخواته ~~نائمات، وكانت أمه جالسة في ركن من البيت صامتة منصتة، ويفكر الفتى في ~~إخوته وأخواته الأحدث منه سنا، وفي لغة أبويه الجافية، وفي عجزه عن النظر إلى الله بعين ~~بصيرته في حضرة هؤلاء جميعهم. # بلغ الفتى البيت فوجد آله متأهبين ms030 للذهاب إلى الكنيس نظيفي الثياب بعد أن غسلتها أمه ~~أمس، ويجمع الأب الأمتعة في بيته الحقير المؤلف من غرفة واحدة يأكل آله فيها وينامون، ~~فيذهب وتذهب معه الأم حاملة أصغر أولادها، وتبدو مائدة النجار أمام البيت خالية، ويظل ~~باب البيت مفتوحا، ومن يجرؤ على السرقة يوم السبت؟ ومن يأتي ليسرق هنا؟ # ويمر أولئك بجانب الحوض المقبب حيث تملأ أم الفتى جرتها في كل صباح، فتحملها ~~على كتفها، ثم يسيرون من حدائق كثيرة يملكها الأغنياء حول بيوتهم، فيدخلون في أفيائها، وما ~~أنضر ما في ذلك الوادي المرتفع ذي المياه الوافرة! يكثر فيه ارتفاع أشجار السرو ذوات ~~الرءوس المنحنية قليلا، ويكاد النخيل فيه يعدل تلك الأشجار علوا، وتورق الكروم، ~~وتخرج أشطاءها، # 5 # وتبرز أزهار الرمان الحمر بين أوراقه الخضر، وتحيط بتلك الحدائق أشجار ~~شائكة لمنع الناس من دخولها، وتسترها طبقة من الغبار، فيخفى أمرها على الصبيان ~~فتخمشهم وتبكيهم. # ويلاحظ الفتى نظر فريق من الناس إلى البيوت المزخرفة وأعمدتها شزرا ما فطر على ~~الدقة والنفوذ إلى ما يخالج الأفئدة، ولم يأكل قلبه الحسد من ذلك ما بعد من ذهنه أن يعيش ~~كأولئك الأغنياء، أفلم يكفه لبن المواعز وإقط # 6 # الضوائن والتين؟ أفيكون النجار أقل قيمة من المتعلم عند الله؟ أفلم ~~يسمع أن فريسيين كثيرين كانوا صناعا؟ هو حين يدخل الكنيس، يفضل أن يدفن تحت الأرض ~~على أن يجلس في الصف الأول حيث يكون الأغنياء. # ولم يسطع آل الفتى أن يذهبوا إلى أورشليم حجاجا منذ طويل زمن لفقرهم، فيثير ~~ذلك في نفوسهم أشد الآلام. ومدة السفر إلى أورشليم ثلاثة أيام، ونفقة السفر إلى أورشليم ~~تكلف غاليا. وفي العام الماضي، زار جار للفتى أورشليم فحدثه عن كل ما رآه، وعن ~~زخرف هيكل هيرودس، وعن كثرة القرابين في المذبح، وعن حلة رئيس الكهنة ~~الزاهية، وعن الضوضاء في الأسواق. # ولكن يسوع لم يتمن السفر إليها ولم يشتق إلى الهيكل فيها. ~~••• # درج تؤدي إلى الكنيس البارد الطويل، فيصعد فيها الأب وأولاده الكبار فيدخلونه، وتدخل ~~الأم المكان المفصول الخاص ms031 بالنساء، فتعلو أصوات الرجال ويحتدم جدلهم، فيدعوهم إلى السكوت ~~كاهن القداس الجالس على كرسي عال في صدر المحل، فيقفون لتلاوة دعاء، ثم يسأل عن أيهم ~~يرغب اليوم في قراءة ما تيسر من التوراة، فينهض من الصف الأول رجل بادن ذو لحية بيضاء، ~~لابس رداء من حرير، وشالا موشى بكريم الحجارة ، فيفسح الجميع له في المجال، فيرتقي ~~المنبر، ويرتل ما يقرأ. وهذا الرجل من أغنى أبناء بلده، وهو كثير العلم، وهو لا يبارى في ~~إيتاء الصدقات، وهو لا يعطيها إلا جهرا، وهو أول الداخلين لبيت الله، وآخر الخارجين منه، ~~فيقضي أوقاته فيه بالصلوات، وهو يتقن الصوم، ويحسن تربية أولاده الكثيرين خشية الله، وهو ~~يعطي المعبد والفقراء أكثر من عشر دخله، وهو أسوة حسنة للقوم، والقوم لا يحبونه مع ~~ذلك؛ لأنه لا يحب أحدا. # بدا فاترا مغموما ذلك الفتى البائس الواقف على أطراف أصابعه ليبصر من بين الجمع ~~الكرسي العالي الموضوع في صدر القاعة، ولم يرقه ما ينطق به ذلك السمين الأمين، ثم لام ~~نفسه على هذا ما نزه ذلك الرجل من إيذاء أي إنسان، وما امتدح أبوه كرمه الذي تجلى حينما ~~دفع إليه أكثر مما اتفق عليه ثمنا لباب صنعه له، وما الذي يباعد بين الفتى وبينه ~~إذن؟ وإن النقاش ليشتد بين أولئك غير موافقين على تفسير ما قرأ، وإن النقاش ليشتد ~~بين أولئك حول دلالة كلمة «المسيح» على معنى «ابن الله» أو «ابن داود»، فيستند كل واحد ~~منهم إلى آية من التوراة دعما لرأيه؛ إذ يترجح ذلك الفتى بين الاحمرار والاصفرار ضنينا ~~بما في نفسه من الكنوز الخفية، فيود لو يفر بها من الكنيس الضيق الخانق إلى ذلك الجبل؛ ~~حيث تدنو القنابر فيه، وحيث يألف جدول الماء، وحيث يظلل الغمام رأسه، وحيث يتيه نظره من ~~خلال السحب في ملكوت السماوات. # ويقصد الصبيان الكنيس البارد بعد الظهر فيتألف من جلوس بعضهم بجانب بعض حلقة، ويمسك كل ~~واحد منهم قرطاسا ذا كتابات فيرددون ما يتلوه المعلم الجالس في وسط الحلقة، مشيرين ~~بأصابعهم ms032 إلى ما في قراطيسهم مما يقرؤه حرفا حرفا، ولا تلبث الحروف أن تتحول إلى كلمات، ~~والكلمات إلى جمل فيرتلها الطلاب. # تلك هي مدرستهم الوحيدة، فإذا ما كدر أحدهم صفو الدرس ضربه المعلم، ومن الإنصاف أن ~~يقال: إن عمل المعلم شاق ما اختلفت اللغة التي يتكلمون بها عن اللغة التي يقرءون بها، ~~فلبلادهم الجبلية لهجة مختلطة يضحك من نبراتها الآرامية جميع إسرائيل، فإذا ما تم الدرس ~~انصرفوا إلى حيث أرادوا. # وفي الشارع أشياء كثيرة تستوقف النظر؛ فمن هذا الشارع الناصري، الذي هو شارع أمم ~~بالحقيقة، يمر من ينزلون إلى مرفأ بتولمايس، مع ما لديهم من السلع وغيرها، قاصدين الداخل ~~وطبرية والمناطق الشمالية ودمشق، ويشاهد الصبيان في هذا الشارع تتابع الجمال والخيل ~~والحمير والمركبات والجنود والتجار ونساء هؤلاء وعبيدهم، فيتعلمون بضع عبارات إغريقية، ~~وتبعد صفوري ثلاث ساعات من هنالك، ويزيد في صفوري عدد المشركين عن اليهود. # ويأتي من الشرق إلى ذلك الشارع تجار فنيقيون وعلماء عرب، ويأتي إليه أيضا أفاقون من ~~الأجانب ليعودوا إلى أوطانهم بحرا، وإذا ما اهتزت الأرض وعلا الضجيج كان مصدر ذلك جنود ~~حاملون سيوفا قصيرة، مدرعون، جمعهم قيصر رومة من جميع البلدان، فترى بينهم السمر، وترى ~~بينهم الشقر، وتبصر بينهم الممشوقين، وتبصر بينهم المتوحشين، ويولي جميع اليهود ~~الرايات الرومانية ذوات الصور الوثنية ظهورهم لكيلا يلزموا بتحيتها، ويشير صبيانهم إليها ~~بأصابعهم كمن يريد أن يتبين في صورها المحرمة مكان اللعنة والشر. # واليهود حين يرون تدفق أولئك المشركين من كل صوب وحدب يستحوذ عليهم ذعر مع ثبات إيمان، ~~فيثير ذلك بينهم من الأحاديث ما لا حد له، وذلك الفتى الصامت، حين يجلس مساء على عتبة ~~المنزل بالقرب من أبيه فيسمع تحسره مع جاره من بؤس الزمن، يرى في ذلك إيضاحا لما شاهده ~~في الشارع، فينقش في ذاكرته أن جميع المنطقة التي يراها من أعلى جبل تابور، وجميع الأراضي ~~التي تحيط بها إلى مسافة مئات الأميال كانت ملك اليهود، فنزعها الرومان منهم، فضلا عما ~~يطالبونهم به من الضرائب والمكوس. والرومان هؤلاء ms033 استولوا منذ بضع سنوات على الهيكل بالنار ~~والحديد، فولجوا قدس الأقداس كما قيل، فظهر سمعان الجميل عبد الملك هيرودس فحرق ~~قصر الملك بأريحا، وظهر عملاق قوي الشكيمة كموسى، فوضع التاج على رأسه وحارب ~~الرومان. # بيد أن هؤلاء جميعهم غلبوا. ~~••• # اشتعلت الفتنة بغتة في الناصرة وسائر بلاد الجليل التي ارتجفت أيام نشوب الثورة في مناطق ~~الحدود؛ ففي جمالا، البعيدة بضع ساعات من الناصرة، التف حول يهوذا الجليلي رجال أشداء ~~لتحرير الوطن، ولدى يهوذا هذا ما يحفزه إلى الثورة؛ فقد قتل صنيعة الرومان هيرودس ~~أباه، فأصبح لزاما عليه أن يثأر به، فبدا ساعد حزب المتطرفين الجديد الذي يرأسه صادوق، ~~فكان من برنامجه عدم الخضوع للرومان، ومن أقوال رجاله: نحن أحرار فلا نشعر بواجب نحو أحد ~~غير الله، أتريدون حمل الأهالي على دفع الضرائب؟ ألا تعلمون أن الأنبياء هددوا الملك داود ~~عندما ود إحصاء بني إسرائيل؟ أنتم راغبون في جمع إتاوة من أقل سنبلة ننبتها، وأصغر زجاجة ~~زيت نصدرها! أنتم تجاوزون حدود الطمع بهذا! أنتم تقصدون إذلال شعب الله المختار على مرأى من ~~المشركين! والفريسيون إذا صبروا على ذلك فلجهلهم سر ما جاء به قدماء الأنبياء، وأما ~~نحن فإننا - بما عليه من عدم الاحتمال، وشدة السخط، وزيادة الحركة - نوجب ظهور المسيح ~~المخلص. # رفع يهوذا الجليلي وصحبه راية العصيان فباغتوا مستودع الأسلحة بصفوري، فأخذوا ما فيه من ~~عدد الرومان ونقودهم، فدعا لهم الكهنة بالنصر والتوفيق، فانطلقوا إلى طرد الأجانب من ~~فلسطين، ولم يفتأ جيشهم يعظم حتى ضاق ما وراء جبال الجليل بهم ذرعا، وعلم القائد الروماني ~~فاروس ذلك فأسرع في الحضور من سورية، وحضر معه جنود يزيد عددهم على عدد أولئك العصاة خمس ~~مرات، وانضمت إليه كتائب الأمراء المجاورين، فألقى الرعب في أورشليم بعد إنقاذ، وقمع ~~الثورة وقتل ألفي ثائر على الصلبان، وفر يهوذا. # يقص آباء الفتيان وأساتذتهم عليهم أنباء انتصار شبان الجليل وانكسارهم، فيرتجفون، ~~فتتجاذبهم عوامل الحقد والأمل، فيتمثل لهم يهوذا بطلا مختبئا في كهوف لبنان مفكرا في وضع ~~خطة جديدة للثأر، ولكنهم ms034 لم يلبثوا أن علموا أن الرومان اعتقلوه وصلبوه، فطأطئوا رءوسهم. ~~ولسرعان ما رفع ذكر يهوذا فعد شهيد الأمة! فنظمت القصائد تكريما لذكراه، فقيل ~~فيها: إنه قتل في سبيل حرية بلاده، والثأر بأبيه وأجداده، وأضحى القوم ينظرون إلى الصليب ~~المصلت على أبواب أورشليم رمزا للمجد والشرف، وصاروا يتحرقون انتظارا لعمل شيء ~~جديد بعد غيظ، وغدوا يعتقدون أن ظهور المسيح المنتظر موقوف على رفع نير الرومان ~~عنهم. # ويظل ذلك الفتى المفكر وحده هادئا في الكنيس متعطشا إلى المعرفة، مستمعا إلى أحاديث ~~الكبار راجيا أن يكتشف ما يدور في أفئدتهم، وإذا ما مر يهودي إسكندري اتفاقا من ~~الناصرة، فتكلم عن مكتبة الإسكندرية العظيمة وحكمائها المعاصرين، أنصت له وعلق بذهنه ما في ~~كلامه من طريف المعاني. ومن المحتمل أن سمع يونانيا يحدث عن نبي وثني كان يعظ ~~القوم في الشارع أيام ازدهار أثينة وعظمتها، فيضع الصانع السوقي فوق المعبد والمدرسة ~~فيقول: «من يجد في معرفة نفسه يعمل الصالحات على الدوام فيصبح سعيدا.» فأمور مثل ~~هذه تقرع ذهن ذلك الفتى؛ فيستنبط منها أغرب النتائج. # بدا ذلك الفتى ثابتا رابط الجأش حينما قيل بمقت المشركين، وازدراء الرومان، ورأى ~~غليان شعور الغرور في بني قومه، فجالت في خاطره الأسئلة الآتية: أيعني حب الله لنا كرهه ~~للآخرين؟ أنحن مبرءون من العيوب حتى نضع أنفسنا فوق الآخرين؟ وما أهمية ملك الفنيقيين ~~لجبل الكرمل وملك فيليبس بن هيرودس لشمال بحيرة طبرية؟ وما احتياجنا إلى المدن ~~والجبال ما كنا شعب الله المختار؟ ألا يكفينا التصرف في الهيكل؟ وما ضرر فرض الرومان ~~علينا ضرائب ومكوسا؟ وما ضرر نقص ثروات الأغنياء ما وجد الناس ما يأكلونه في نهاية ~~الأمر؟ وما هي علاقة مملكة إسرائيل بملكوت الله؟ وما اضطرار صادوق ويهوذا إلى أسلحة ~~المشركين في مستودع صفوري ما ابتغيا ملكوت الرب؟ ~~••• # لم يخب أوار الفتنة عدة سنين، وستدوم عشرات السنوات، فالصواب في سلوها والتفكير في ~~غيرها. # وترعرع يسوع فغدا شابا، ويفرق شعره الأسود على الطراز الناصري، وسيكون ذا لحية ~~عما قليل، وهو ضليع جيد ms035 الصحة ما جال في الجبال، وليس الهواء في منجر أبيه حارا ~~كما في أسفل الوادي، ويسمع للرياح هزيزا بين التلال، ويرى اخضرار سفوح الجبال بفعل ~~المياه، ويروى أنه فقد أباه يوسف حين كان في السنة التاسعة عشرة من عمره، فكفل هو وأمه ~~إخوته الصغار. # ولم يفكر يسوع في الزواج مع أن الشريعة تحرض عليه مباركة للأب الكثير الأولاد، ~~ويكن يسوع محبة للنساء والصبيان فيحبونه. ومن المحتمل أن كان يبدو شاذا ما ظهر ~~هادئا كريما رءوفا رحيما بالناس، مجتنبا للخصام، أنيسا، مصغيا أكثر منه متكلما، ~~وكان جامعا لمقادير البشر في صدره، مدققا في عواطفهم وآلامهم، كاشفا لعوامل السير فيهم ~~كما لو كان قابضا على عصا سحرية، وأظهر ما يكشفه على الخصوص هو الضعف الخفي خلف الظواهر ~~الصاخبة التقليدية، ويسوع إذ عرف كل شأن كان يلتمس المعاذير لكل إنسان، ويسوع إذ ابتعد ~~عن الظهور حكما قاضيا كان موضع ثقة لكل إنسان. # ومن المحتمل أيضا أن كان القوم يعطفون على يسوع ما رأوا تجرده من الحرص، وابتسامه عند ~~غضب الآخرين، ويدعوه الأغنياء إلى بيوتهم لاطلاعه على التوراة وعدم اندفاعه إلى الأمام، ~~ويجلس حول موائدهم، ويشرب خمرا من التي تستخرج من عنب تلال البلاد، وما كان ليهرب من ~~الأعياد ولا من مجالس النساء، وما كان ليقصر في مداعبة المدعوين. # ويفضل يسوع مجالسة أقرانه الفقراء على حافة الطريق أو على درج الكنيس، فيصغي إلى ~~شكاواهم، ويصاحب يسوع المشردين مع تجنب الأتقياء العابدين إياهم، وما كان ليخشى البغايا، ~~وما كان ليبتعد عن الجلوس حول موائد العشارين مع ازدراء العالمين إياهم، وما كان اليهود ~~بالحقيقة ليعفوا عن أي واحد منهم يجمع الضرائب والمكوس التي يفرضها الأمير، فيدفعها الأمير ~~جزية إلى رومة، فما يبقى للعشارين من الثروات حري بالاحتقار لذلك، والمال العام مال ~~مسروق لذلك، وليس على اليهودي التقي أن يدفع شيئا إلى غير الهيكل لذلك. # وما الذي يدفع ذلك النجار الفتى إلى محادثة تلك الطغمة؟ يعلم كل واحد في ~~الناصرة أنه لا مغنم له من وراء ذلك، ms036 فعليه أن يعرف أن مصاحبة العشارين ~~والآثمين مما يشينه، والقوم لم ينشبوا، مع ذلك، أن أدركوا أن بحث هؤلاء الضلال ~~عنه هو لعدم شتمه لهم، ولاستماعه إليهم عندما يقصون عليه سبب سلوكهم سبيل المال ~~والغرام، وكيف أنهم لم يتركوا بابا إلا طرقوه قبل ذلك، ويظهر أن في الفتى استعدادا ~~عجيبا لاكتشاف بقية الشرف في أرذل الآثمين، من غير أن يدرك هؤلاء ذلك، فإذا ما حضر ~~فتح المردة أفئدتهم، ولانت قلوب الأشرار القاسية. # وأبناء الجليل أولئك متقلبو المزاج، فطورا تراهم من الشجعان المخلصين المتحمسين ~~لمثل عال، وطورا تراهم من المنحطين النادبين القانطين لغير سبب، وليس من صفاتهم الاعتماد ~~على النفس. ومما زادهم عدم ثبات اتصالهم بالمشركين من جيرانهم بصلة النسب، بعد أن انتحل ~~هؤلاء ديانة اليهود، ولا بلد كالجليل يشتمل على ذوي الحماقة والخبل، وليس يسوع ~~ممن يخاف الممسوسين؛ فهو يرى الشيطان الذي يتخبطهم فلم يحجم عن زيارتهم مع ~~ابتعاد الآخرين عنهم مذعورين. # وإذا وجد من يمقتهم يسوع، أحيانا، فهم الكهنة والفريسيون الذين يجهرون ~~بالزهد، ويبدون الطهر على ملأ من الناس، وكلما تبحر يسوع في التوراة وجد ~~خلافا بين النص والروح، والمثل الفريسي يقول: «إذا اجتمع اثنان من غير أن يتباحثا ~~في الشريعة؛ كان مجلسهما مجلس تجديف وإلحاد.» ومن أقوال الفريسيين: «ويل لمن ~~يسير مفكرا في الشريعة فيقف ليقول: ما أجمل هذه الشجرة! ما أحسن هذا الحقل الذي ~~أثير حديثا! فهو بهذا يعرض حياته للهلاك، وويل لمن يفسر الشريعة بما يخالف ما ~~نص عليه الكهنة! فهو بهذا يخسر نصيبه في الحياة الآخرة!» ماذا؟ بهذا يحظر ~~علينا الإعجاب بنخلة إذن؟ ماذا؟ بهذا يحرم علينا أن ننعم النظر في الأرض حينما ~~نفكر في الرب إذن؟ ماذا؟ بهذا يفرض علينا أن نستعين بالكتبة حينما نرغب في الاطلاع على ~~معنى الزبور إذن؟ # ويسوع لا يقل عن الكهنة علما بالعادات والوصايا وحقوق الكهنوت، وأحكام ~~النكاح والشريعة والصدقات وتاريخ إسرائيل والأنبياء، ويسوع في قرارة نفسه كاهن ~~أيضا مع زهده عن الاشتهار بذلك، ولم يمشي أولئك في الأسواق ms037 ويبثون الأرصاد ~~والعيون ليراقبوا نظافة الفقراء، وهم إذا ما سئلوا عن فك رقاب عبيدهم عند انقضاء سبع ~~سنوات قالوا: «سننتظر حلول السنة الخامسة!» والأغنياء يمتصون الفقراء غير تاركين لهم ~~ما يسد الرمق خلافا لما تأمر به الشريعة؟ وهم حين يطالبون الفقراء ببواكير الفواكه ~~السبع في سبيل الهيكل يأخذون منهم صوفا وحطبا وغنما ضريبة للهيكل أيضا، فيزيدونهم ~~فقرا، ولا يزيدونهم تقوى. # ويرى يسوع أن الأحرى بالفقير أن يجلس على طرف الطريق منتظرا من يستأجره ليومه، ~~فالرب لا يدعه يموت جوعا، فلم يفكر في غده إذن؟ ومن المناسب أن تذهب أمه وإخوته ~~معه إلى الجبل للاغتذاء باللبن والتين ما اشتغل أهل المدينة هنا بأنفسهم، وما أحبوا أن يرى ~~الناس ما يصنعون من خير، وما التمعت عيونهم؛ حينما يقرءون التوراة أكثر من التماعها ~~حينما ينظرون إلى نجوم السماء. # بمثل هذا يحدث يسوع صاحبين أو ثلاثة أصحاب له فينصتون له، فينقلون ما سمعوه ~~إلى أناس آخرين، ويأتي إليه بعض الناس في مساء الغد فيذكرونه بذلك الحديث، وهو إذ ~~يجلس على عتبة البيت الصغير؛ حيث تقوم أمه بشئون المنزل، يستمع إلى نداء ضميره، ويسهل عليه ~~اتخاذ التوراة نقطة ارتكاز بعد أن عرف ما في قديم الكتب وحديثها. ومن المحتمل أن ~~تكلم يسوع في ذلك المساء عن الحبر الفاضل هلل الذي مات أيام كان يسوع ~~صبيا، فذكر قوله: «لا تعامل غيرك بما لا تحب أن يعاملوك به.» وذكر أن هذا مما ورد في ~~كتاب طوبيا مع ذلك، واليوم ألقيت مقاليد مجمع السنهدريم القضائي بأورشليم إلى تلاميذ ~~شمعي العابسين الزاهدين القائلين: «أحرى بالإنسان ألا يكون قد ولد.» أفلا ترى الحنث # 7 # في هذا ما أنعم علينا بما نتأمل به الشمس والجبال والحملان ~~والأولاد والأزهار؟ # وفي الغد ينضم مستمعان إلى الآخرين، فيجلس هؤلاء جميعهم حوله فينصتون له، كما ~~كانوا ينصتون لرجل من الشعب، فيلتهب حماسة التهاب الأنبياء، فيختار من كلامهم ما ~~يلائم أفكاره، فيذكر قول إشعياء على لسان الرب: «لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ ... اتخمت ~~من محرقات كباش وشحم ms038 مسمنات ... البخور هو مكرهة لي ... أيديكم مملوءة دما ... ~~تعلموا فعل الخير، اطلبوا الحق!» ثم يردد يسوع قول الرب في سفر هوشع: «إني ~~أريد رحمة لا ذبيحة.» فيشعر بأن هذا شعاره. # وفي مساء اليوم الرابع، لم يجده مستمعوه؛ فقد قصد الجبل وحده؛ ليلقي السكينة إلى ~~قلبه ما تأجج ضد الكهنة، وما خشي أن يزيد سعيرا، ففي الجبل ما يهدأ به ~~فؤاده، وفي غاب الجبل يسمع عزيفا، وفي المساء ينشر الزنبق البري رائحة ذكية، وفي ~~البعد ترى مدينة شكيم «نابلس» حيث مقر الأنبياء فيما مضى. # هنالك ترى يسوع مستلقيا فوق الكلأ، وتراه ناظرا إلى النجوم، وترى قلبه مفعما بحب ~~الأب. ~~••• # علم ذلك النجار الشاب المشترع قيام مذهب بلا ضوضاء بين الأحزاب المتناجزة في ~~جميع البلاد، ولم يكن من مقاصد أتباع هذا المذهب المعروف بالطريقة الآزية السعي في ~~إصلاح البلد، أو الكنيس، أو إقناع إنسان، بل العيش الهانئ فيما بينهم فقراء أطهارا. ~~ويبلغ عدد هؤلاء الآزيين أربعة آلاف رجل وامرأة، وظاهرتهم أنهم من الشيوعيين الأتقياء ~~فلا يكافحون الغنى والفريسيين، ولا يغضبون إنسانا؛ وإنما يعملون بمبادئ محبة ~~الأقربين وشيوع الأموال التي بشر بها الأنبياء، وهم ليسوا من الكهنة مع ذلك؛ وإنما ~~هم من العمال والفلاحين والرعاة والنحالين، وما كانوا ليحرموا على أنفسهم غير ~~المهن الرجسة، فلا يكون أحدهم تاجرا أو ملاحا أو حدادا. # يسوع يشفي. # وعلى من يصبح آزيا أن يجعل ما عنده من عروض ونقود ملك زمرته، وعلى من ~~يكسب أكثر مما يحتاج إليه أن يسلم الزيادة إلى هذه الزمرة، فينال كل واحد من أفرادها ما ~~يعوزه مبادلة من حيث النتيجة. ولكل واحد من هؤلاء أن يتصرف فيما يملك كما يشاء في سبيل ~~الفقراء، لا في سبيل الأقرباء، ولتلك الزمرة وحدها أن تقرر كيفية استعمال المال ~~المشترك، والكلمة الأخيرة في مباحثاتها للسن والأكثرية، وهي التي تقوم على مبدأ «إن ما ~~أملك وما تملك هما لك». # قامت تلك الزمر في حدود الصحراء، ثم اقتربت خطوة خطوة من المراكز الزاخرة بالسكان، وهي ~~تعيش في الأرياف ms039 أو في المدن الصغيرة تبعا لما تقتضيه الأعمال اليومية المباحة، فإذا ~~ما ساح أناس منها في أية ناحية من بلاد إسرائيل وجدوا إخوانا من أبناء طريقتهم يقومون ~~بقضاء احتياجاتهم، ما ابتعدوا عن مسائل السياسة والدولة والهيكل التي تفرق بين بني ~~إسرائيل وما بدوا يهود. # أولئك من المؤمنين وإن كانوا يأتون غير أمر لا تقول به الشريعة، فهم يقيمون، بعد أن ~~يصبحوا، صلاة روحية مقدار ساعة، ثم يقدسون لمصدر النور الشمس عند طلوعها، وهم لا ~~يذكرون منبع الحكمة الرب في الظلام ما تجلى في النهار، وهم يغتسلون وقت الظهر ~~ويلبسون ثيابا بيضا، ثم يأكلون معا، فلا يؤذن لاثنين منهم في الكلام في وقت واحد، وهم ~~لا يتناولون لحما ولا خمرا، مغتذين بالخبز والبقول واللبن والعسل والفواكه، وهم يبالون ~~بالطهارة والوضوء أكثر من مبالاتهم بالمظاهر، وهم لا يقربون القرابين ولا يحلفون أيمانا، ~~وهم يصومون كثيرا ويراعون يوم السبت فلا يمسون فيه آنية منزلية، ولا يسدون فيه ~~خلة، وهم يدرسون أمور النبات والحجارة بحسب ما ورد في قديم النصوص، فيستعينون ~~بها على السحر وقراءة العزائم، وتفسير الأحلام، وكشف المستقبل، ويتمتع أولئك ~~بثقة الشعب، والشعب يستشيرهم في كثير من المسائل لتجنبهم جر المغانم، ~~وتجردهم من المطامع. # وليس النكاح حراما عليهم، والكثيرون منهم عزب مع ذلك، فيقومون بتهذيب أبناء الآخرين، ~~وتقسم زمرتهم إلى أربع طبقات، ولا يبوحون إلى إخوانهم وأخواتهم بأسرار الطريقة إلا ~~بالتدريج، محلفين إياهم بيمينهم الوحيدة المباحة على كتم أسرار مذهبهم، وكتم أسماء ~~إخوانهم، فمن يحنث منهم أو ينقض عهدا؛ يطرد من الزمرة ويشرد، فيهلك معذب ~~الضمير، وهو لا يسمح له بالعودة إلى إخوانه إلا في آخر عمره رحمة به، ويسمو أتباع تلك ~~الطريقة فوق المادة بابتعادهم عن الحرب والغضب والعنف والتملك، وتحليهم بحب أعدائهم، ~~وبتواضعهم، ورأفتهم، وقلة طقوسهم، والروح عندهم لا تموت، والروح عندهم تحلق في النور بعد ~~حياة مثالية، والروح عندهم تستقر تحت الأرض بعالم من العذاب والظلام بعد حياة شر ~~وأذى. # ظهرت تلك الطريقة في شواطئ البحر الميت، وانتشرت في ms040 بلاد الجليل بهدوء ومن غير مبشرين، ~~فاستوقف أمرها نظر يسوع لمشابهتها أفكاره في مجموعها. أجل، إن يسوع لم ينتسب إليها، ومن ~~الجميل حقا أن يصلي أتباعها للشمس وإن خالفوا أحكام الشريعة، وكان عملهم ذلك من الشرك، ~~ومن الجميل حقا أن زهدوا في المال والسلاح، ومن الجميل حقا أن قالوا بعدم تقديم ~~القرابين، ولكن لماذا يصومون أكثر مما تأمر به الشريعة؟ ولماذا يمتنعون من تناول الخمر ~~ويحرمون الولائم والغناء؟ ولماذا يعتزلون ويبتعدون أسرارا جديدة؟ ولماذا ~~يجتنبون الناس إذا كانوا يحبونهم؟ من أجل ذلك لن يكون يسوع آزيا وإن كانت آراؤه ~~الخاصة قريبة من آراء أولئك. # ولم يعتم الناس أن شاع بينهم خبر وجود رجل في جوار الصحراء وعلى ضفاف نهر ~~الأردن يأمر بالتوبة، ويستبدل بالختان العماد بالماء تطهيرا للروح والبدن كما يصنع ~~الآزيون، وذلك الرجل ذو شعر أشعث، ولحية طويلة، وثوب وبري، ونطاق جلدي، وقد نهكته ~~الصلاة، وألهبه الإيمان، فينذر القوم بصوت مرهوب، وقد قيل: إنه إيليا الذي سكن كهفا ~~في جبل الكرمل، فكان يخرج منه بين حين وحين لينصب ملوكا ويخلع آخرين، والذي لم يمت ~~فلا بد من ظهوره ذات يوم لينقذ إسرائيل، كما أنبأ به الأنبياء، فكان هذا الذي هو آية الهول ~~والانتقام. # اسم ذلك الرجل يوحنا، ويوحنا رباه أبواه تربية زهد ونسك منذ نعومة ~~أظفاره إيفاء بنذر أوجباه على نفسيهما، ويوحنا تعود عيش البرية التي ولد في ~~جوارها، وتبصر سلسلة الجبال الجرد في تلك البقعة متاخمة للأرياف ~~المروية الخضر، وتبصر النهر في تلك البقعة قريبا من البرية ساعة واحدة ~~في الغالب، وخطوة واحدة في بعض الأحيان، والبرية هنالك هي غرفة نائية من بيت كبير كما ~~وصفها بعضهم. وفي أورشليم حمل يوحنا على تعلم الشريعة ليكون كاهنا كأبيه، ثم ~~فر من المدرسة لما رآه من كثرة ما يجب عليه أن يتعلمه أو قلته، فهجر تلك المدينة ~~وكهانها وسكانها عائذا بالبرية معتزلا فيها. # ومن المحتمل أن كان يوحنا ذا صلة بالآزيين، وإن لم ينتسب إلى طريقتهم؛ فقد قضى سنوات ~~لا ms041 ريب في الصيام والفقر، ولكنه لم يشاطرهم عملا، ولم يتبع لهم نظاما، وقد انقضت سنوات ~~قبل أن يعرف يوحنا نفسه ويعلم رسالته، وما في المسائل التي تساور يوحنا من عنف، ~~أو ما فيه من شوق إلى الحياة الروحية كان يحفزه إلى الزهد، وما فيه من حرارة التوبة، وحب ~~دعوة الناس والتأثير فيهم كان يدفعه إلى الخروج من العزلة. وهنالك؛ حيث خسف قسم من ~~البرية في البحر الميت على حدود جزيرة العرب، وحيث تبحث الضواري عن الفرائس عبثا، وحيث ~~اضطر الشجاع الثائر يوحنا إلى طلب الملجأ بين الصخور وفي المغاور، كان طعام يوحنا ~~هذا من الجراد المحمس في النار على الطريقة الشرقية، ومن قليل عسل يجتنيه النحل ~~البري من نادر الأزهار وآخرها، وهنالك عاش يوحنا عاطلا من سلاح الصيد، راغبا عن ~~الصيد، مجردا من وسائل الدفاع، مفتقرا إلى الطعام، مفكرا في غضب الرب وعذابه، أفلم تزدهر ~~سدوم في تلك البقعة فخربها الرب، فصرت لا ترى فيها غير قليل نبات؟ أفلا يصيب أريحا، ~~البعيدة بضع ساعات من هنا، مثل ما أصاب سدوم؟ # لقد برح الصوم والتقشف بيوحنا فدعا ربه أن ينير له السبيل الذي يسلكه، فلم يسمع ~~نداء مثل نداء الرب: «قم أيها النبي ودع الشعب يرى وجهك!» ولكنه سمع صوتا في أعماق ~~نفسه يدعوه إلى تبليغ الآخرين دنو أمر جلل، محذرا إياهم من الحياة الدنيا التي ~~هي متاع الغرور، آلآخرون؟ ومن هم هؤلاء الآخرون؟ أجميع شعبه؟ ومن يعلم؟ ومن يدري ~~أن إيليا قد بعث في شخصه؟ تقهقر يوحنا مذعورا مما استحوذ عليه، ثم تجلد حينما تذكر ~~قول إشعياء: «صوت صارخ في البرية! أعدوا طريق الرب! قوموا في القفر ~~سبيلا لإلهنا!» # قضى يوحنا زمنا مضطرب النفس مذبذبا بين الشك واليقين، وبرز معلنا سبب هجره ~~لأورشليم واعتزاله الناس، وعاد إلى الأردن حيث تهيمن الجبال الجرد على البحر ~~الميت، وحيث النهر المنهوك يجمع قواه الأخيرة، فيجيش ويدور ويتلوى، وحيث اختفى داود من ~~شاول والتجأ الملك صدقيا فرارا من البابليين، وحيث السهول الرملية التي تنبت ms042 ما ~~يقيت قليلا من القطاع، ويتوجه يوحنا إلى أول ما يصادفه في طريقه من البيوت، وهل ~~يولي الرعاة فرارا من هذا المخلوق الوحشي أو يطرحونه ليقيدوه بالسلاسل؟ كلا، فأمور ~~مثل هذه لا تقع في بلاد اليهودية التي يظهر فيها كل سنة قديسون غريبو الأطوار، والتي لم ~~تفتأ ترى أناسا ينتحلون صفات الأنبياء بأزيائهم وأوضاعهم، والتي من طبيعتها التمرد على كل ~~نظام وقيد، والتي يبدو كل عجيب أمرا محتملا فيها. # وبضعة رعاة هم أول من وجه يوحنا دعوته إليهم، ثم أخذوه إلى أقرب واحة لينظر إليه ~~جميع من في القرية ويستمعوا له، ولسرعان ما التف حول هذا الغريب الشبه العاري أكثر من ~~مائة رجل ليسمعوا قوله: «توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت السماوات!» فيمتثلوا أمره ~~فيتعمدوا بماء الأردن. # لا تبعد أورشليم من هنالك أكثر من عشرة أميال، وأورشليم يقظة ساخطة منتظرة حدوث أمر ~~عظيم على الدوام، أفيكون ذلك الرجل الذي ذاع خبره فيها دجالا، وهنالك ما يحمل على الظن ~~بأنه إيليا؟ يقال: إنه يشابه إيليا بقده المتوعد، وصوته المحرض، وبحفائه وثوبه ~~المصنوع من وبر الجمل، وأخبر الكهنة والفريسيون منذ عدة سنوات بقرب الزمن الذي ~~يظهر فيه المنقذ المنتظر، أفيكون ذلك الرجل ككل آزي يرى محو الذنوب بماء المعمودية ~~والحالة ما ترى؟ ألا إن قلب أورشليم أخذ يخفق أملا عندما ذاع فيها نبأ وصول يوحنا إلى ~~الأردن ... # غادر أورشليم بضعة أناس ليروا النبي الجديد، ولم يلبث عدد قاصديه أن زاد فيتوجه إليه ~~الأغنياء من هؤلاء؛ حبا للاستطلاع، ويتوجه إليه الفقراء منهم بدافع الرجاء، ولم يلبث ذكر ~~ذلك الذي عرف بالمعمدان أن عم البلاد، فيتقاطر الناس إلى مصب الأردن عن ~~شك ويقين، وعن يأس وأمل ليروه. # وهكذا يظهر في بلاد إسرائيل نبي بعد فترة مائة سنة. ~~••• # يخالج قلب يسوع النجار عدة مسائل؛ فقد شاعت أنباء المعمدان في عقر الناصرة، ~~فعلم يسوع الكثير منها، وبيان الأمر: أن أصحابا له ذهبوا إلى عبر الأردن فعادوا ~~حاملين لأغرب الأخبار، فسألهم بشوق عن أوصاف المعمدان، وعن صوته وكلامه، ms043 وعن أثر ~~رسالته، فأخبروه أنهم سألوا المعمدان عما يفعلون، فكان جوابه: «من له ثوبان ~~فليعط من ليس له، ومن له طعام فليفعل هكذا.» وأن المعمدان لا يرد عشارا ~~يأتي ليتعمد، وأن العشارين سألوه عما يعملون فقال لهم: «لا تستوفوا أكثر مما ~~فرض لكم.» وأنه قال للجنود حينما سألوه عما يصنعون: «لا تظلموا أحدا، ولا تشوا بأحد، ~~واكتفوا بعلائفكم.» # وكلما استمع يسوع لهم خفق فؤاده فيقول: أآزي فواعظ؟ أمعتزل فرسول؟ أصامت ~~فمتكلم؟ أليست هذه هي المرة الأولى التي يسمع يسوع فيها خبر ظهور رجل يجهر بمثل ما في ~~قرارة نفسه، فلم يبح به إلا إلى أصحابه القليلين فقط؟ أليست هذه هي المرة الأولى التي ~~يهاجم بها رجل علنا رئاء الفريسيين، وتقديم القرابين والطقوس والغنى، داعيا ~~إلى تقسيم الأموال بين الجميع؟ أليست هذه هي آراء يسوع التي يتعهدها النبي الجديد ~~بالماء على ضفاف الأردن؟ يا له من رسول هجر البادية والعزلة ليعود إلى من يفكر في ~~سعادتهم من الناس! يا له من مصلح جاوز دور التأمل وعدل عن صوم الآزيين وحياتهم الضيقة ~~ليكون لسان الخلق الناطق! قلب يسوع الأمور فسأل في نفسه: «لم لا تنهض؟ لم لا ~~تجهر أمام الملأ بأفكارك في الإيمان الصحيح وفي الورع الكاذب؟» فإذا كان يوحنا قد ~~هجر البرية ليدعو القوم إلى الحق؛ فلماذا يلتزم يسوع جانب الصمت أكثر مما صنع إذن؟ # نبه مثال المعمدان من يسوع غافلا، وأيقظ فيه روح المسئولية. ومن المحتمل أن ~~يكون قد أثار حرصه فذهب مع قافلة الحجاج التالية إلى الأردن. # انتهى يسوع بعد سفر دام ثلاثة أيام إلى أخلاط من الرجال والنساء منتظرة التعميد في ~~الوادي الضيق بين جبال مهيمنة على الضفة ذات العوسج # 8 # والقصب والبردي، وتمتد حول ذلك الوادي أخاقيق # 9 # جرد، ومرتفعات ملس، وتأتي ريح الجنوب إلى ذلك المكان بهواء البحر الميت ~~المالح، فيبدو موحشا قاسيا، فإليه يهرع مئات الناس بخيولهم وحميرهم ومواعزهم ذوات ~~الألبان الصالحة لتغذية أطفالهم، وجميع أولئك من الفقراء تقريبا، وبعضهم من الهرمى، ~~والكثيرون منهم مرضى، ms044 ولا يقرأ على وجه أي واحد منهم معنى السعادة، ولا يرى فيهم ~~سوى الحنين، ومنهم القاعدون، ومنهم الواقفون، وكلهم مصلون، ويبصر يسوع يوحنا ~~المعمدان فوق شفير النهر. # برز رجل لابس ثوبا مزقه شوك العوسج، طويل، هزيل، أشعث، لحياني، ~~غضوب، مشابه لإشعياء إذا ما تكلم، فيختم كل موعظة بقوله: «توبوا؛ لأنه قد اقترب ملكوت ~~السماوات!» والجميع قريبون منه، ويحف به بعضهم فيلوح أنهم تلاميذه، وهو بعد أن يفرغ من كل ~~موعظة يجبذ واحدا من الحضور لبضع خطوات، فيدخل معه مكانا من النهر قريب القعر، فيصب ~~عليه بدلو قديم ماء أسمر أصفر من الأردن. # وإن الأمر لكذلك إذ يسمع للجمع ضوضاء، فتتوجه أبصار الجميع إلى الشرق لمشاهدة أناس ~~ينزلون إلى الوادي من طريق أورشليم، وكان يسوع أول من عرف أمر أعدائه الخفيين، هؤلاء ~~الذين لم يزد عددهم عن العشرة إلا قليلا، هؤلاء الذين هم من الكهنة واللاويين ~~والفريسيين، فجاءوا للبحث في شأن ذلك الرجل الذي يأتي بالمعجزات، ويبدو التناقض بينهم ~~وبين أولئك الفقراء؛ لثيابهم الحسنة وأوضاعهم مع تركهم أردية الأعياد في منازلهم بأورشليم، ~~ويبدون فاترين؛ لأنهم لم يأتوا إلا ليروا ماذا يحدث في ذلك المكان الذي يبعد من أورشليم ~~يوما واحدا، وفي أورشليم عقد مجلس، وعينت لجنة لترى وتسمع وتسأل ما قضت ~~المصلحة بألا تقع تلك التجمعات طليقة، ومما ورد في التقارير أن المعمدان يحرض على ~~نظام التملك، ومما وقع أن بيلاطس نفسه علم ذلك. # فسح الجمع للقادمين المجال احتراما أو اتباعا للعادة، فصار القادمون أمام يوحنا ~~المعمدان، فتقابلت عيونهم الفاترة وعيناه الملتهبتان، وكان في كلامه ما يستفزهم، ما ~~انطوى كل جواب منه على معنى التحدي، وما انقلب الوضع إلى ظهوره بمظهر المتهم، وظهورهم بمظهر ~~المتهمين، وظهور الحجيج بمظهر الحضور. # سألوه: «من أنت؟» # فأجاب معترفا: «لست أنا المسيح.» ~~- «إذن ماذا؟ إيليا أنت؟» ~~- «لست أنا.» ~~- «آلنبي أنت؟» ~~- «لا.» ~~- «من أنت لنعطي جوابا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك؟» # كان صمت وتوتر مع انتظار، وكان شعور من يسوع بأن المعمدان سينطق بكلام ~~كالصاعقة، وكان ms045 جواب المعمدان الشديد: «أنا صوت صارخ في البرية، قوموا طريق ~~الرب كما قال إشعياء النبي.» # فسألوه: «فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟» # فأجابهم: «أنا أعمدكم بماء، ولكن يأتي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن ~~أحل سيور حذائه، هو سيعمدكم بالنار.» # ارتعش الحاضرون وتنفسوا الصعداء؛ لأن يوحنا تفلت من الشرك الذي نصبه ~~الكهنة له بأسئلتهم، وساور القلق قلوب الحاضرين مع ذلك؛ لأنه تكلم عن المسيح وأعلن أنه ~~ليس بالمسيح، وتبادل الفريسيون النظرات مضطربين، ورأوا أنهم لا ينقضون دفاعه بمثل ~~ذلك، فسأله أحدهم عن السبب في عدم ذهابه إلى السامريين أو غيرهم من عبدة الأصنام ما احتاج ~~هؤلاء إلى التوبة، فقال لهم بغلظة: «يا أولاد الأفاعي! من أراكم أن تهربوا من الغضب ~~الآتي؟ فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة، ولا تبتدئوا بالقول في أنفسكم: لنا إبراهيم أبا؛ ~~لأني أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم. والآن قد ~~وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في ~~النار.» # قال بعض اللاويين والكهنة لبعض: لقد علمنا ما فيه الكفاية. ثم عادوا، ومن المحتمل أن ~~ساور الخوف غير واحد من هؤلاء فتدبر وهو في الطريق قول إشعياء: «من أجل ذلك ~~حمي غضب الرب على شعبه، ومد يده عليه وضربه حتى ارتعدت الجبال.» ويسود الصمت ~~ذلك الجمع عبر النهر، ولم يسطع الجمع أن يهتف كما يود ابتهاجا بيوحنا ~~المعمدان، الذي أنذر مهددا أولئك الأقوياء والأغنياء، وأحاط به من غير أن يبدر منه ~~صوت. # ويسوع وحده هو الذي ظل واقفا بعيدا من الجمع، ويسوع لم يسمع اللعنة الأخيرة التي ~~صبها المعمدان، فلم يزل قول المعمدان: «يأتي من هو أقوى مني» يرن في ~~أذنيه ويخالج فؤاده، فكان مثل يسوع وقتئذ كمثل النائم الذي يواثبه الفكر فيتلاشى ليعود ~~إليه وليتلاشى مرة أخرى، فكان كلام المعمدان يصعد في قلب يسوع ويهبط ليزول منه عند ~~صحوه من غفوه! # وفي الغد جاءت نوبة يسوع ليعمد، ومما لا ms046 ريب فيه أن ذكر يسوع ليوحنا ~~اسمه وبلده وحرفته وما إلى ذلك، ومما لا ريب فيه أنه لم يدر في خلد يسوع شيء ~~يعترف به حينما جاء دور الاعتراف؛ فهو وإن كان يستغفر ويدعو الرب كبقية الناس؛ حبا ~~للرب وشعورا بالذنب، لم يكن لديه إثم معين يذكره، وهو لو عد حقده على الكهنة ~~ذنبا فاعترف به ليوحنا؛ لتضمن ذلك عد يوحنا نفسه مذنبا أيضا. من أجل هذا آثر ~~يسوع السكوت على الكلام ما استطاع، مدققا عن كثب في يوحنا المتعصب الشديد الذي يبدو ~~عليه جلال النبوة من غير أن ينتحل لقب النبي، والذي يدعو إلى الثورة على المال والسلطان ~~من غير أن يغادر البرية، فهذا هو الوضع الذي كان عليه يسوع تجاه المعمدان. # ولم يكن تدقيق يوحنا القوي الفراسة في يسوع حينما طلب منه هذا باتزان أن ~~يعمده أقل من ذلك، فلاحظ يوحنا في يسوع مع فقره وهدوئه من أوضاع الملوك ما لم ~~يجد له تفسيرا، فرآه ذا نظر ثاقب، وصوت عذب، وطراز تحية بعيدة من الذل، ورأى فيه عظيم ~~قيمة مع محاولته إخفاءها؛ فمن أين اتفق لهذا النجار ذلك؟ أفيعرف هذا الناصري حقيقة ~~أمره؟ أخفى كل منهما عن صاحبه ما دار في خلده ودخلا النهر. # وقف كل من الصاحبين العاريين بجانب الآخر في الأردن، ويترجح عمر كل واحد منهما بين ~~الثلاثين والأربعين سنة، ويغمرهما الماء الفاتر الثقيل الأصفر إلى سرتيهما، ويبدو سيد ~~البرية يوحنا طويلا ذاويا، بادي العظام، أشعث الشعر واللحية، ناسكا متعصبا، ويبدو ~~صديق الحدائق يسوع أهيف متناسبا مزرفن # 10 # الشعر شاعرا خياليا، أفليس من طبيعة الأمور أن يحني ألطف الرجلين رأسه، ~~وأن يضع أخشنهما يده عليه ليصب الماء على بدنه؟ ويفكر يوحنا في عمله، ويفكر يسوع ~~في أبيه. # ويخرج يسوع من الماء مطهرا من ذنوب لم يقترفها منقبض الصدر أكثر من قبل؛ لما ~~يراه من عدم انطباق سبب العماد عليه، حائرا أكثر منه مغاثا، مرتبكا من تعاقب صور ~~الماء والمعمدان والجمهور في ذهنه، فيتنحى قليلا ليجمع حواسه، ms047 فيتكئ على العوسج ~~ويغمض عينيه، وفيما هو كذلك إذ يسطع نور أمامه فيرى رؤيا ويسمع صوتا: يرى أبواب ~~السماء فتحت، وحمامة منها نزلت، ويسمع من السماء صوتا قائلا: «أنت ابني الحبيب ~~الذي به سررت.» # هنالك ارتعد يسوع وألقى السمع فقال: هذا هو صوت أبي، ويسوع كان قد سمع هذا الصوت غير ~~مرة في خرير السواقي، ونور الكواكب، وكلام الأولاد، فلم يعد ذلك، آنئذ، حد الشعور والهمس ~~بغير نطق، وأما الآن فيسمعه برفق ووضوح مخاطبا إياه بلغته، وداعيا إياه بابنه. # ذعر يسوع ففر من الجمهور ومن المعمدان إلى البرية. ~~••• # يخرج يسوع من ذهوله بعد يوم من دخوله البرية، فيتذكر بالتدريج ما حدث مع دوام دهشه، ~~وتزيد نفس يسوع اضطرابا في تلك العزلة القاسية التي اختارها لنفسه، وهو الذي لم ير ~~البرية فيما مضى، فأخذ يضغن عليها الآن. والبرية عاطلة مما تعود أن يرى فيه، منذ ~~طفولته، وجه الرب، من المياه والأزهار والحيوان والإنسان وضروب الأعمال، والبرية ~~مشتملة على الحصى والرمال المتفتتة المتموجة تلالا، فلا يقدر على الصلاة فيها. # ناداه الرب، فهل كان ذلك بالأمس فقط؟ دوى في أعماق قلبه صوت غريب بعيد داعيا إياه ~~بالابن، وحدث هذا حينما غادر ماء العماد منقبض الصدر، وحدث هذا حينما رأى في المنام ~~حمامة تنزل من السماء فتطير إليه، والآن في البرية يسأل نفسه عن معنى ذلك، فلم يجد فيما ~~حوله حلا لذلك وبلدته وحرفته بعيدتان من هنالك، والآن يخرج من طور حياته الواضحة الهادئة ~~التي تعودها معتزلا ليناضل الروح التي نادته عازما، على ألا يغادر البرية قبل ظهور فجر ~~الحقيقة. # وهل كان ذلك نداء أبيه الرباني؟ أما كان ذلك النداء يبدو أوضح مما حدث لو صدر عن الرب مثل ~~ما اتفق للعظماء من قدماء الأنبياء؟ وإذا كان ذلك النداء قد أتى من السماء لشد عزيمته، فما ~~هو سر مطابقته لأفكاره الخفية؟ هو قد قابل في أثناء وجوده عبر الأردن بين نفسه وبين ~~الذي عمده وعمد الآخرين، فسأل: هل يرضي الرب منظر المعمدان وصوته؟ وهو ms048 قد وضع ~~نفسه في مكان يوحنا المعمدان، فسأل: كيف يقضي شعائر المعمودية بذاته على وجه آخر؟ ~~ألم يساوره شيء من الغيرة حينما رأى الجمهور ملتفا حول ذلك الغيور الهزيل الذي لا يفوقه ~~فقها بالإيمان، ألم يظهر هلوعا # 11 # حين خروجه من النهر فيسأل: لماذا سلم أمره طوعا إلى آخر لأول مرة في حياته؟ ~~ألم يسمعه الرب العالم بما يخفي صدره؟ فلماذا اختار الرب ذلك الوقت الذي بدا ~~فيه أضعف مما في أي زمن، ليثبت قدميه، مع أنه لم يسبق أن كلمه بغير واسطة؟ # كلا، لا بد من وجود معنى لذلك أسمى من ذلك، لا بد من أن ينطوي ذلك النداء على معنى ~~الرسالة، أفيعمل كما عمل المعمدان؟ أفيدعو الناس إلى التوبة ويسيح ويعلم؟ ~~أفيهجر حرفته وبلدته وهناءته وقرابته وقصيدته ليدخل دور العمل والحركة؟ أفيقتدي بيوحنا ~~المعمدان، وبيوحنا المعمدان وحده في كل شيء؟ أفلم يحل يوحنا ~~المعمدان طريقة جديدة محل طريقة قديمة؟ ولم الزهد والبرية والصيام وإماتة ~~النفس؟ ألا تقرب هذه الأمور من الضحايا التي ردها المعمدان؟ ولم الحديث عن ~~العذاب والبلايا بدلا من الحديث عن حلم الأب الرب؟ وما نفع الوعيد في تخويف الناس ~~وحملهم على الركوع؟ أمن شأن الوعيد أن يقوي اليقين؟ ألا يرضي الرب إنهاض ~~الخلق عبر النهر أكثر من خفضهم؟ أليس الأفضل أن يقصد الناس في ديارهم وأماكن ~~أعمالهم، وأن يجمعوا في روضة أو على سفح جبل بالقرب من قراهم فيخاطبوا بالقول ~~اللين عن مشاعر أبينا الرب ورغائبه؟ # ومع ذلك: ما أعظم يوحنا! ما أشبه عينيه بالبرق عند نظره إلى الكهنة! ما أروع ~~سخريته بهم حينما ذكر أولاد إبراهيم قاصدا أن مؤمنا بعد شرك قد يكون خيرا منهم! لم ~~يحرض يوحنا على قتال الرومان ولم يدع إلى الثورة، بل كان يوصي بالشيوع والفقر ~~والتواضع، وما كان يوحنا ليرضى بأن يدعى نبيا. # قال يوحنا: «يأتي من هو أقوى مني!» أهذا هو يسوع؟ أمن أجل ذلك سمع يسوع نداء ~~أبيه آنئذ؟ ماذا؟ أيكون يسوع خليفة يوحنا؟ أيحل محله؟ حاول ms049 يسوع أن يرد ~~بشدة هذا الوسواس الحافز إلى خيانة يوحنا الذي وضع يديه الكريمتين على رأسه منذ ~~هنيهة. # وإن يسوع لفي هذا الغم إذ رأى أن يصوم كما صنع يوحنا قبله في البرية، وبذلك يكون ~~يسوع قد أمات نفسه أكثر من يوم للمرة الأولى في حياته ما بعدت روحه من الاضطراب، وما ~~كان في غنى عن التجربة والابتلاء، وما عطل من الدافع إليهما فيما مضى، وكلما مضى يوم على ~~يسوع الناسك الجائع بعد ذلك راق قلبه، ودق عصبه، ورق فكره. # ويترجح يسوع بين الحماسة والهزال، وتتعاقب عليه صور الحياة التي لم يعرفها فيتأملها ~~قبل، ويضعف الجوع جسمه فتتجاذبه التجارب فتكاد تفتنه. # ورأي يسوع في أنه الصفي المختار كان يحثه على مطالبة نفسه بما لا عهد له به، فينمو ~~بذلك شعوره بقدر نفسه، فيسمع في باطنه صوتا يسأله عن السبب في عدم تحويله الحجارة إلى خبز ~~كما بشر به يوحنا، وينتبه يسوع فيحجم عن التجربة عند سماعه: «ليس بالخبز وحده ~~يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من الله.» ويصحو يسوع من غفوته، فيعلم أن ذلك ~~المجرب هو إبليس الهائج في المجانين؛ فيحصن يسوع نفسه من جديد. # ويرى يسوع في المنام أنه نقل إلى جناح الهيكل فوق جميع الشعب، فيسمع صوتا كالذي ~~أخذ بمجامع قلبه، حينما كان في حضرة المعمدان يقول له: «إن كنت ابن الله فاطرح ~~نفسك إلى أسفل؛ لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكيلا تصدم ~~بحجر رجلك.» ويلمع السطح الذهبي تحت قدميه، وتسطع أورشليم التي لم يرها بعد، فيتمنى ~~أن يكون نبيا فيها، ولو طرفة عين، ولكنه يرى المخرج بصوت قلبه القائل: «مكتوب أيضا: لا ~~تجرب الرب إلهك!» # تزاحمت على يسوع التجارب، فغدا في حالة يرثى لها، فأن فحن شوقا إلى وطنه، ~~فأين راحة البال التي كان يتمتع بها أيام عيشه في كنف أبيه؛ حيث لا جحود ولا طمع، وهل ~~يكافح؟ عاودته حمى الخيال، وهو الذي امتحن غير مرة في البرية؛ حيث اعتزل وجاع ~~وارتجف؛ فقد ms050 رأى في المنام في هذه المرة أنه نقل إلى ذروة جبل عال فرأى ممالك ~~العالم، فقال له إبليس: «أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي.» فرده بعنف صارخا: ~~«اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد!» # اتبع يسوع دوي صوته في أذنيه فهرب من منطقة الهول الصحراوية؛ حيث كدرت الرؤى صفوه ~~بأشد مما فر به إليها مغتما قانطا، فأراد أن يعود إلى بلده، إلى كوخه، إلى منجره، ~~إلى قريته الصغيرة الواقعة على سفح الجبل، إلى عالم السلام؛ حيث ينبت العشب. # دنا يسوع من النهر، فرأى أن يدور اجتنابا لمنطقة المعمدان، وفيما هو كذلك إذ وقفه ~~جمع كبير فار، فرأى في مكان بعيد جنودا متوجهين إلى الشرق، فاستوقف الأمر نظره، فاقترب ~~من الهاربين سائلا عن النبأ، فعلم أن أمير تلك الإيالة هيرودس أنتيباس قد أرسل جنوده ~~المرتزقة فقبضوا على يوحنا المعمدان، فساقوه مقرنا في الأصفاد إلى سجن لا ~~يقدر أحد على إطلاقه منه. # بهت يسوع؛ فقد وجد في ذلك تأويلا لما رأى، فما كذب فؤاده، فالرب هو الذي أمره، ~~فاطمأنت نفسه؛ فقد أذن له في العمل، فليعمل إذن! من أجل ذلك كان نداء الرب! من أجل ذلك ~~جربه الشيطان! كان ذلك لشد عزيمته فيخلف المعمدان القائل: «يأتي من هو أقوى مني.» ~~توترت ملامح يسوع بعد حلم فنظر إليه أولئك مذعورين، فلو كان بينهم من عرفه اتفاقا ~~لعاد غير راض؛ لما رئي من تشنجه الدال على الصلف والكبرياء. # ويسوع، بعد أن تخلص من دهشه، توجه إلى بلده مفكرا على طراز آخر، فأخذ يرسم الخطط ~~على خلاف عادته، ويسأل في نفسه: كيف يبدأ؟ وأين يبدأ؟ وهل يصدقه بعض أصدقائه؟ ويقابل ~~يسوع، في أثناء توجهه إلى الشمال وحيدا، بين ما صنعه المعمدان وما يصنعه فيقول: هل ~~أصاب يوحنا في مناهضته للفريسيين؟ أما كان ينتهي إلى ما هو أفضل مما تم لو تذرع ~~بالحلم والقول اللين، فلم يستفز السلطة الزمنية؟ ثم يسأل عن قدرة إخوته على القيام بشئون ~~الحرفة لو تركوا وحدهم، ms051 ومن يقوم منهم مقامه في إمساك المطرقة ودق المسامير؟ # وصل يسوع إلى الناصرة، فعلم أن أمه وإخوته ذهبوا إلى قانا البعيدة ساعتين لحضور عرس، ~~فهل يذهب إليها أيضا؟ تمثلت له الثياب الفاخرة والأصوات الجميلة، وله في عادات بلده الطيبة ~~فتنة، وفيه ميل إلى اللهو والراحة مع ما حدث. # ذهب إلى قانا، وفي قانا وجد الفرح بالغا غايته، فرأى الفلاحين يرقصون أمام البيت على صوت الصنوج # 12 # والمزامير كما لو كانوا جاهلين لأمر اليوم الآخر، فراقبهم عن كثب قصير وقت، ~~فأبصرهم سكارى من غير أن يراهم يشربون، فهل الخمر قليلة؟ وهل استنفد العرس في ثلاثة ~~أيام جميع ما يمكن أولئك الفقراء أن يأخذوه من قبوهم؟ وهل هؤلاء الراقصات غير أخواته ~~حقا؟ وهل ذلك الذي يخبط الورك ضاحكا غير شقيقه حقا؟ هنالك الصراع بين ما في ~~ذهنه من جديد الأفكار وقديم الخواطر ... # ولم يسد السكون إلا حينما دنا يسوع منهم فعرفوه؛ فقد شعروا بأنه أخذ يراقبهم غير ~~عاطف، فليست أوضاعه بالتي تلائم الأعراس، فكان لهم بها ما يكدر صفوهم، وسأله بعضهم ~~ضاحكا على ما يحتمل عن عودته من الأردن، وعن رأيه في العماد، ووكز آخر ثالثا ~~بكوعه مشيرا إلى ترصد يسوع الطارئ للمائدة، وقال له رابع: إن الخمر نفدت، فهل ~~لديه وسيلة للحصول عليها؟ بيد أن يسوع ظل واقفا صامتا مراقبا. # ثم التفتت إليه أمه الجالسة حول المائدة قاصدة إنقاذه من خياله، فقالت له برفق: «ليس لهم ~~خمر.» # ويسوع إذ سمع صوت أمه وفهم معناه امتعض، فلم ينشب أن شعر بانفصاله عن كل ما يحيط ~~به، وقد أقصته الرؤى والنداءات عن عوامل الفرح والسرور فتنكر، فألقى على أمه التي وضعته ~~نظرة فاترة وقال لها: «ما لي ولك يا امرأة؟» # ذعر الضيوف النشاوى وامتقعت أمه، فصحا الجميع فطفقوا يحدقون إلى النجار ~~الناصري يسوع الذي ما انفكوا يعدونه ابنا طيبا وصاحبا كريما مع غرابته، فما ~~دهاه؟ أجن؟ وإلا فما الذي ينظر إليه شاخص البصر؟ # بنت يايرس. # وأما يسوع فيظهر أن روحه تقوت، فكانت تلك ms052 هي المرة الأولى التي يشعر فيها بقدرة ~~على التأثير في الآخرين وتوجيههم وقيادتهم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يشعر فيها بأنه ~~نبي، والآيات منقادة ليسوع، وفقدان الخمر هو الآية الملحة، أفيعجز يسوع عن ~~تحويل الماء إلى خمر وقد اختير ليخلف يوحنا المعمدان؟ فإذا كان عاطلا من مثل ~~هذه القدرة، فكيف يستطيع أن يهدي الشعب؟ أحس يسوع حلول الوقت الذي يجرب فيه قدرته ~~التي لا يعلمها أحد، وقد أفزع الضيوف حينما كلم أمه منذ هنيهة! # أمر يسوع الخدم بأن يأتوه بالأجران الستة الموضوعة هنا، وبأن يملئوها ماء، وبأن يأخذوا ~~نموذجا منها إلى الطاهي الذي لا علم له بما حدث، ويصنع يسوع ذلك والحضور ينظرون إليه ~~وإلى الذي دخل من الباب حائرا قائلا للعريس: «كل إنسان يضع الخمر الجيدة أولا، ~~فمتى سكروا وضع الدون، وأما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن!» # هنالك حدقوا مرة ثانية إلى يسوع الذي اتفق له من القدرة ما استطاع به أن يلقن ~~الطاهي من خلال الجدار ما أراده له من الإيمان فقالوا: يا له من ساحر! # ثم كانت عربدة؛ فقد دارت الخمر في رءوس الحضور، ولم يسلم منها سوى واحد، فصار ~~ينظر إليهم مدققا متسامحا ما كان صفيا، فذلك أمر أولئك القوم الذين أرسل إليهم ~~هاديا، فهل يتبعونه ولم يأتهم بغير الفكر؟ استوعبت يسوع تأملاته فترك ~~العرس. # تلك هي الآية الأولى التي أتى بها ذلك النبي الناصري. # الفصل الثاني # | البشرى # آمنوا بالبشرى! # ذلك ما جهر به الغريب المجهول الأمر في البهو الكبير على حين كان يحدق ~~إليه من غص بهم الكنيس من النواتي والتجار والصناع والسياح، فنحن في ~~كفر ناحوم الواقعة في شمال بحر الجليل؛ حيث تمر القوافل التي تسير من الطريق الكبرى ~~الممتدة من البحر إلى دمشق، وفي القوافل العلماء والهواة والأغنياء والكهان ~~والحكماء. وفي السبوت يزور المسافرون الكنيس، ومنهم يعلم الأهالي أخبار العالم ~~الخارجي، ويقدم ناحومي إلى الغريب الكتاب المقدس ليتلو منه ما تيسر طالبا ~~إليه أن يفسره على أحدث طريقة في أورشليم. ms053 # والذي يحدث في هذا اليوم قد وصل إلى مدينة كفر ناحوم أمس، وليس البلد الذي سافر منه ~~بعيدا، كما قال الناس هنالك؛ فالذي يغادر الناصرة وقت الفجر يصل إلى كفر ناحوم في ~~نهار واحد، وهل يأتي من الناصرة ما هو صالح؟ قام ذلك الناصري وأخذ يصلي، فبهت ~~القوم من صوته الخافت، ولما علا المنبر أيقنوا أنه ليس معلما لعطل ردائه من ~~الأهداب الأربعة التي تأمر بها الشريعة، وهل هو من تلاميذ يوحنا الذي اعتقل؟ ومنذ ~~أي وقت يطوف هؤلاء المعمدون في البلاد بدلا من البقاء عبر الأردن؟ كلا، إن ~~أنسه ولطفه دليلان على أنه ليس منهم، وهو لا يلبس مسحا # 1 # كالنساك، وهو لا يلبس حلة نبي كما يحلم به من يود أن ~~يكون إيليا المنتظر، وتخلو نظراته وكلماته من الكآبة والوعيد. # قال يسوع: «قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالبشرى ~~«الإنجيل»!» # هذا غير ما يعظ به معمدو الأردن، فيسوع لا يهدد ولا يحرض ولا ~~يطالب باعتراف ولا عماد، وهو يفسر قديم النبوءات على ضوء الحياة الراهنة، وهو إذا لم ~~يلبس حلة الكاهن ذات الأهداب، وهو إذا لم يستعن في مواعظه بالكتاب مقتصرا على ~~توكيدها بلغة الإقناع المألوفة، ومبلغا أن الرجاء مع الإيمان، لم يلبث أن ملك قلوب ~~الصيادين والفلاحين الذين ملوا ما في مناظرات الفريسيين من الدقائق، وأولئك لم ~~يسمعوا أحدا يحدثهم عن «البشرى» مع بساطة هذه الكلمة، وقدرة الصبيان على فهمها، ~~وهو يشبه ملكوت السماوات بالشرك الذي يلقى في البحر فيجمع جيد السمك ~~ورديئه. # يتلاكز # 2 # الصيادون برفق متبسمين تبسم القبول لمطابقة هذا المثل ما يرون ~~في الغالب، ويستمر الرجل على الكلام، ويلقي الجميع أسماعهم إليه حين ذكره للزارع ~~الذي يبذر بعض حبوبه على الطريق، وبعضها بين الأدغال # 3 # الشائكة، وبعضها بين الحجارة، وبعضها في الأرض الصالحة. ويدور حديث الرجل ~~حول ملكوت السماوات، ويعي الحضور ما يقول في الدائنين والمدينين والمرابين، مشيرا إلى ~~أهمية الحساب مع الله في آخر العمر، وتصغي إليه النسوة الجالسات خلف سياجهن ms054 ~~مطرقات عند بحثه في قميص رث لا يمكن رقعه، وفي زجاجات قديمة قصفة غير نافعة ~~لحفظ الخمر الجديدة، وفي أرملة تشتكي إلى القاضي، وفي ربة منزل تسأل في كل مكان عن ~~دينار أضاعته. ولا غرو، فالرجل يعبر عن العالم الذي يعرفنه، وهن اللائي سئمن ~~أدعية الكهان النمطية، ومواعظهم الصاخبة، والرجل يروقهن بلحيته الأنيقة، ~~وشعره الممسوح بالزيت، وصوته العذب الرخيم وإن كان غريبا لم يولد على شاطئ البحيرة. # ولم يرق يسوع ثلاثة أو أربعة من الكتبة جالسين في الصف الأول؛ فقد ظهر لهم أنه لم ~~يلازم مدرسة للكهنة، وأنه وإن كان ملما بالتوراة يجهل التفاسير التي هي أمر مهم، ~~ويرون أنه لا خطر لأناس كيسوع تخرجوا على الطبيعة ما بقوا في قراهم؛ حيث يعرفهم ~~أهلها فلا يعبئون بهم، فإذا ما تغربوا ظن الفلاحون أنهم أعلم من شيوخهم، فيخسر ~~هؤلاء الشيوخ ما يتمتعون به من الثقة، ويرون أن يسوع ابتكر طريقة جديدة لحمل ~~الناس على الإنصات له، فالمستمعون إذا ما أصغوا إليه خيل إليهم أنهم يسمعون حديثا ~~زمنيا من أحاديث الأسواق، فبذلك يتقبلون يسوع بقبول حسن، فيرتع أسابيع على ~~حساب البسطاء. # وإن أولئك لجالسون هنالك في غم منتظرين ختام كلام يسوع، وإن يسوع ليتكلم ~~فيرسم بيديه ما يصفه بلسانه؛ إذ دوى صوت في الكنيس، فيقطع حديثه، وينهض ~~ويلتفت القوم إلى الركن الذي صدر منه ذلك الصوت؛ فقد حدث أن رجع الحضور إلى الوراء أمام ~~رجل سقط متشنجا وهو يقول: «آه، ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟! أتيت ~~لتهلكنا. أعرف أنك قدوس الله!» # بمثل تلك الكلمات يعبر شباه المجانين عن جميع الانطباعات الملائمة والمخالفة ~~الناشئة عن فعل كلام ذلك الغريب في الأفئدة، فكأن أعصاب ذلك الأرعن قد سجلت ارتباك ~~بعض الفريسيين الصامت، واستحسان الأميين الكثيرين الصامت، فكان ما رأيت من ~~اختلاط التدنيس بالتقديس في كلمته تلك. # وجل يسوع، ويسوع، الذي جهر للمرة الأولى أمام جمع بأمور كان يتأملها طويل زمن، قد ~~شعر بأن تلك القاعة الطويلة الشهباء تميد، وأن تلك الرءوس تتموج كالدخان ms055 فيعتريه غم ~~من ينتظر قيامه بالأعمال، ويسوع الذي أعلن أمام الجمهور ما أخفاه في نفسه كبير وقت، ~~قد أبعده من بلده إلى شواطئ تلك البحيرة، التي يعرف فيها كثيرا من المدن والقرى، ما ~~أصابه من الفتور عندما كلمته أمه في ذلك العرس بقانا، وما وطن نفسه عليه من تبليغ ~~الناس رسالته في عالم أوسع من منطقة الناصرة، وما عزم عليه من التأثير البالغ في الرجال. ~~ويسوع الذي انقبض صدره في أوائل تلك الخطبة حينما التقى نظره وأنظار أولئك الكتبة التي ~~تنم على معنى السؤال والاعتراض، لم يلبث أن وقع بصره على أبصار الحضور من الفلاحين ~~والصيادين والفتيان والنساء، فأدرك كيف يخاطب عقولهم، ويلمس قلوبهم، ولكن صراخ ذلك الممسوس، ~~ومنظر تلك القاعة التي استولى عليها الذعر والهيجان أعادت يسوع إلى مثل حالة التوتر التي ~~استحوذت عليه في ذلك العرس حينما نفدت الخمر وكلمته أمه. # تقدم يسوع إلى الممسوس بخطى واسعة، وفسح الحضور له في القاعة كما لو كان طبيبا، فجثا ~~بالقرب منه فأمسكه وجبذه قائلا: «اخرس يا شيطان، واخرج منه!» ويسقط المريض مرة أخرى ~~على الأرض، ويتقلب ويتقلص ويدير نظره، ثم يسلم أمره إلى ذلك الحليم ذي الناظرين ~~الثاقبين، فيرخي أعضاءه، ويغمض عينيه، ويهدأ تنفسه، ثم ينظر إلى ذلك الذي راضه، ~~فيشعر معه بأن الشيطان غادر المكان، وهو يشعر بذلك؛ لأن ذلك الغريب قد حمله على اعتقاده ~~ذلك، وهكذا هدأت الزوبعة، ونهض المريض مفرج الغم، تعبا قليلا، متعافيا كما ~~يظهر. # رأى مئات الشهود هذه المعجزة فقالوا: إن ذلك الغريب من أولئك السحرة الذين يقدرون ~~على طرد الشياطين كما كان يصنع قدماء الأنبياء، وغادر الغريب المكان محترما تعبا، ~~فزالت منه لذة الوعظ التي زادت فيه كلما تقدم في خطبته تلك، وزالت منه قوة العزم التي ~~تجلى فيها نشاطه عندما بدا طبيبا، ففر من الجمهور، وترك الشارع، وهجر المدينة، وهو ~~حين وصل إلى الريف على شاطئ البحيرة، جلس على الرمل بين القصب مستجما جامعا ~~لحواسه وأفكاره. ~~••• # يبدو بحر الجليل من منحدرات الجبال أخضر ms056 رائقا لامعا بعد الظهر، وتمتد كفر ~~ناحوم على فرضة واقعة بين الماء والجبل الواقي لها من الريح، وترى من مرتفعات ~~الشمال عدة مدن وقرى في تلك الفرضة، وتسمى القرية القائمة عن اليمين، فتبعد ~~ميلين، فتبدو بيضاء ساطعة ذات برج بطبرية التي بنيت حديثا؛ حيث يملك هيرودس ~~أنتيباس أمير الإيالة فيتملق القيصر الروماني ما ثبت ملكه تبعا لهوى هذا القيصر ، ويصب ~~نهر الأردن في شمال تلك البحيرة، ويستطيع يسوع أن يتمثل، عند عدم الرؤية، ~~المكان الذي يترك فيه هذا النهر تلك البحيرة ليجري إلى الجنوب حتى يصب في البحر ~~الميت. # ومن المحتمل أن ذكر يسوع في تلك الساعة مصب النهر الجنوبي، والرجل الذي عمده، وصوت ~~الأب العذب الذي أيقظه من سبات السنين، ولا يفكر يسوع في هيرودس ما ابتعد عنه ~~ابتعاده عن القيصر الروماني طيباريوس، المقيم بجزيرة في بحر غير قريب، وابتعاده عن جميع دول ~~العالم الزائلة، ويفكر يسوع في الطيور التي ترفرف حوله، ومنها القمر # 4 # التي يعرفها في بلده، فتعرفه أيضا؛ لخروجها من بين البردي ودنوها ~~منه وقفزها على الإناء، ويظل البجع # 5 # الطويل بعيدا منه؛ لحذره من الإنسان أكثر من حذر القمر، والمسافر ~~يسوع إذا ما أزاح الصدف وحك الأرض بطرف صدفة كبيرة وصل إلى صخر أسود نجم عن بركان ~~ثار هنالك منذ سنين قليلة دافنا تحته مئات الآدميين. # ونظر يسوع إلى تلك الأمور غير نظر الآخرين إليها؛ فهو يحس ما تنطوي عليه من المعاني كما ~~يحس الشاعر، وهو يجعل دائرة تأملات من الجبال والصخور والنهر والقصر والزلزلة ~~والبركان والسفوح الخصبة التي يستوي العنب والبطيخ فيها على السوق منذ شهر أبريل. ~~ويبدو وراء يسوع جبل حرمون ذو الصخور والقعور والتخاريم والثلوج نذيرا، وتمتد ~~البحيرة على سفح ذلك الجبل المتوعد رائعة روعة الحياة، فيعرف يسوع السر في ~~اختيار الرب لها من بين بحيرات إسرائيل السبع. # ثم يبدأ الليل بإرخاء سدوله، فيبصر يسوع السائح زوارق كثيرة تخرج من المراسي لرفع ~~الشباك، ما اقترب السمك من سطح الماء عند الشفق على ms057 الخصوص، ويعد بزوغ النجم الأول ~~من الشرق علامة انتهاء السبت وإباحة العودة إلى العمل، فيتنادى الصيادون من القوارب، ~~ويجذبون الشباك ويشولونها ويقلبونها، ويرمون الأسماك في المراكب وهي تنتفض، ثم ~~يجدف الصيادون بالمجاديف مسرعين إلى الشاطئ ما كان الليل يحل سريعا في ذلك ~~العرض. # أقبل صيادان على يسوع الغريب فعرفا فيه الساحر الواعظ في ذلك المعبد صباحا، وعرف ~~يسوع أحدهما أندراوس الذي وجده تلميذا ليوحنا المعمدان عبر ~~الأردن، فعرفه أندراوس هذا بأخيه سمعان، فتصافحوا جميعهم بحرارة، وما كان ~~هؤلاء ليشعروا بما سيسفر عنه هذا اللقاء، وما كان يسوع ليعلم أنه سيسمي سمعان ~~هذا ببطرس ذات يوم. # ثم أقبل صيادان آخران على صانع المعجزات يسوع راغبين في معرفته أكثر مما في الماضي، ~~وكان اسم هذين الصيادين الأخوين يعقوب ويوحنا، ثم جاء آخرون وبدوا كلهم واثقين بيسوع ~~الغريب مطمئنين إليه، ولم تنشأ ثقتهم به عن طرده الشيطان من رجل ممسوس فقط. ما كان بين ~~الفريسيين من يفعلون مثل ذلك، بل نشأت أيضا عن خروج ما وعظ به في المعبد من قلبه، ~~ونفوذه في قلوبهم، وساد الظلام فكان لا بد من أن يأوي أولئك إلى بيوتهم، فدعا سمعان ~~يسوع إلى بيته، وطلب إليه أن يتعشى من مائدته، وما عتم نصف أهل المدينة الصغيرة أن ~~تجمع أمام الباب، فالوقت وقت راحة، وود الجميع رؤية ذلك الغريب الذي استطاع أن ~~يشفي ذلك المريض. # وفي البيت كانت حماة سمعان مضطجعة محمومة، ويسوع إذ أقام دليلا قويا على ~~استعداده لشفاء المرضى جيء به إليها، فحدقت إليه العيون، فعلم ما ينتظر منه، أفيأتي ~~بالعجائب؟ هذا ما كان راغبا عنه، وقد دخل الناس البيت فازدحموا خلفه منتظرين ما يصنع؛ ~~أفلم يأت موسى وغيره من الأنبياء بالمعجزات لكي يؤمن الناس برسالاتهم؟ كانت تلك الحماة ~~العجوز قد آمنت بيسوع، وكانت قد سمعت عن شفاء ذلك الممسوس في المعبد على يد يسوع، فصارت ~~تنظر إلى هذا الغريب الذي هو مصدر الحلم والصلاح مطمئنة ضارعة إليه أن يشفيها، فلم ~~يخيب رجاءها؛ فمن إيمانيهما المزدوج ms058 انبثقت القوة التي تشفي، فأمسكها بيده ونظر ~~إليها، فحملها على تسليم أمرها إلى سلطانه، فقهر مرضها فنهضت. # نظر الحاضرون إلى يسوع نظر شكر واحترام، وأما يسوع فذعر واغتم خشية أن يرى ~~الناس في تلك الأعمال معنى السحر، وأخذ المرضى يتقاطرون إلى باب سمعان منذ الغد، ومن ~~المرضى من نقلوا إليه على فرشهم، ومنهم الكمه والبرص والمفاليج، فانتظر هؤلاء ~~جميعهم أن يبرئهم ، ولم يأل يسوع جهدا في ذلك، فشفى بعضهم لطويل زمن، وشفى بعضا آخر ~~لوقت قصير، ومسح بعضهم بالزيت، ومسح بعضا آخر بالطين؛ ولكنه لم يبرئ أي واحد من هؤلاء ~~بغير الإيمان، وحمله على الإيمان. ويسوع مع مقته لهذا العمل كان يرحم المصاب ~~فيطبه، فإذا ما شفي طلب منه ألا يبوح لأحد بما تم؛ ولكن خبر الشفاء ما كان ~~ليكتم، بل كان يذاع مع مبالغة، فهرب يسوع وقت الفجر إلى كفر ناحوم جمعا ~~لقواه. # ويتبعه العامة والصيادون والفلاحون ليستمعوا إلى مثل قوله في ذلك الكنيس، ويتبعه النساء ~~وعلى رأسهن أم يعقوب ويوحنا. ولسرعان ما تعود القوم أن يروه بينهم حينما ~~يجلسون على شاطئ البحيرة ليرقعوا شباكهم، أو ليزفتوا قواربهم، أو ليشذبوا ~~مقاذيفهم، فيشعر يسوع بغبطة وسرور عندما يحيط به هؤلاء الناس فيرفعون عيونهم من ~~أعمالهم؛ لينظروا إليه جالسا بين الصدف، أو تحت ظلال الأثل، # 6 # أو بين حفيف القصب وصوت الأمواج، أو بين الأميين والمؤمنين والطيبين، فتجري ~~أفكاره إذ ذاك في مجرى الرموز ما كان عليه أن يشير بإصبعه إلى السماء وقتما يتكلم في تلك ~~الأمكنة عن ملكوت الرب. # وما أصغر ذلك العالم الواسع! فعلى مسافة كل ميل تقوم قرية، ويكفي سير ساعة للوصول إلى ~~الشاطئ المقابل، ويحتاج يسوع مع ذلك إلى عدة أسابيع، وإلى قسم من الصيف قبل أن يزور جميع ~~مدن بحر الجليل وقراه، وما كان يسوع لينتظر مجيء الناس إليه؛ خلافا ليوحنا ~~المعمدان، بل كان يأتي إليهم بعد أن يكون تلاميذه المرافقون له قد مهدوا له السبيل ~~بين قرية وقرية، فيسبقه صيته إليها. # وليس بمستبعد أن يجد ms059 سيد سائح كيسوع في زمن الانتظار ذلك، تلاميذ بين شعب الرب ~~يتبعونه ويساعدونه، وما هو الخسر الذي يصيب أبناء أولئك الصيادين إذا ما غادروا بلدهم؟ ~~فأولئك إذ كانوا قوما أميين فلا يكادون يفرقون بين ملكوت السماء واستقلال بني إسرائيل في ~~الأرض، وهم إذ كانوا مفعمين بالأخيلة والآمال كان من السهل عليهم أن يتبعوا رجلا ~~قادرا على الإتيان بمثل تلك البشارات، وعلى إيقاظ مبادئ أروع من التي عرفوها فيما مضى. ~~وهذا إلى أن يسوع أنيس مولع بالجلوس حول المائدة غير محرم للخمر ولا لمعاشرة ~~النساء؛ فالفتوة وروح المخاطرة، وحسن البشائر، والشخصية المحبوبة، والتفاؤل، ورجاء ثواب ~~الآخرة أمور كلها كانت تحفز الشباب إلى اتباع يسوع النبي الجديد في رحلاته. # والقوم ينسلون # 7 # من كل صوب وحدب لمشاهدة ذلك الراقي # 8 # الشافي وسماع كلامه. ويجتمع أهل القرى التي ليس فيها كنيس على شاطئ البحيرة، ~~فيعتلي يسوع زورقا فيطلب من أصحابه أن يبتعدوا عن الشاطئ، فالماء ينقل إليهم صدى بشائره. ~~ويسوع إذا ما كان واقفا على سفينة بدا كصخرة سائدة لأولئك الجالسين القرفصاء على الشاطئ، ~~أو المستلقين عليه، فيحدثهم عن رسالته بالرموز والأمثال الطريفة المقتبسة من حياتهم اليومية ~~النقية، والأمثال ما كان يراها خير وسيلة لتثقيف الجموع، ولم يحجم عن تشخيص الرب بالصور ~~القولية تقريبا لأذهان الجمهور، مع أن تصوير الرب محرم على اليهود، فيجعل من الرب ~~ملكا جالسا على عرشه مالكا للكرم، قاريا للضيف، سيدا للعبيد. # هنالك يرى يسوع بعين بصيرته ما لكلامه من الأثر في قلوب البسطاء، ويسوع يجيب عن أسئلة ~~هؤلاء، ويشفي من يأتون من المرضى ما استطاع، ويداوم على سيره، والناس يجتمعون أمام بيت ~~مضيفه ليسمعوا كلامه، فيقف على مفرق الطرق فيخطب فيهم مهما كان عددهم قليلا، وإذا ما كان ~~المجتمعون من النساء والصبيان رق لسانه، ووضح كلامه أكثر من قبل، وأفضل شيء عنده هو أن ~~يجلس حول الموائد ومعه تلاميذه؛ فهو يميل إليهم إذ ذاك واثقا، كما كان أمره في غابر الأيام ~~تجاه أصدقائه القليلين الذين كانوا يقصدونه أمام ms060 بيت النجار بالناصرة لينصتوا ~~له. # وكبريات المدن وحدها هي ما كان يجتنبه يسوع؛ فهو لم يذهب إلى طبرية مع أن كل صبي ~~من أبناء تلك المنطقة كان يمتع ناظريه بها عن كثب، وظل يسوع بعيدا من طرشيحة وصفوري ~~ما شعر بأنه يسود تلك الأماكن حياة صاخبة، وروح القهر والحرص والتأثل # 9 # فلا يلقي ساكنوها سمعا إلى رسالته. # وفي الجنوب، حيث بلاد اليهودية تقوم المدينة الكبيرة التي يقيم بها الكهنة النافذون، ~~ومفسرو الكتاب المقدس، وقارئو العزائم، فما بدا ليسوع في كنيس كفر ناحوم من ~~عداء الكتبة الخفي أثبت له أن أناسا من هذا الطراز هم أعداؤه. # فظل يسوع بعيدا من أورشليم لذلك. ~~••• # يشعر جميع الذين يقتربون من يسوع بحبه لهم، ويسوع لم يظهر ليبغض الناس، بل ~~ليحبهم، وما كان ليسعى إلى مقاتلة أحد، وما كان يعلم أهل بحر الجليل الفقراء ~~الهادئين إياه، فمصدره قلبه، وما كان علماء البلد يقابلون ما يلقيه في الأفئدة بغير الشك ~~الذي هو وليد التعليم. # وينفذ كلام يسوع نفوس البسطاء، ويتألف من هؤلاء الصيادين الذين تعودوا الصبر ~~والانتظار جالسين على الشاطئ، أو في زوارقهم، بالقرب من شباكهم جمع من المستمعين الحلماء ~~الطيبين البعيدين من المطامع، وليس في خطب يسوع ما قد يزعجهم، فلا تجد فيها بحثا عن ~~سيادة العالم، ولا عن المجد، ولا عن الاستعباد الراهن، ولا عن ماضي الشعب العظيم، ولا عن ~~انتقام الله وعقابه وغضبه وقصاصه. # ويفيض فؤاد يسوع الذي هو معدن الحب رأفة وحنانا، ويقابل يسوع بالمحبة أباه ~~الرب الذي أنعم عليه بها، والجميع أبناء للرب، وأكثر الناس معرفة بالأب الرب هم ~~الخالصو النية، السليمو السريرة، الرحماء الأميون الذي يشابهون الأولاد في أفكارهم. ~~ومن يعتمد على كرم الرب ينل حمايته، ويعش تحت رعايته، والرب «يشرق شمسه ~~على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين»، فمن يعتقد هذا لا ينشب ~~أن يملك ملكوت السماوات على الأرض، فيجد كنزا في حقل هذا العالم. # ويدرك الفلاحون الخرافيون المحيطون بيسوع مغزى تلك الكلمات، فالهواء مملوء بقصص ~~العجائب، والأنبياء رأوا ms061 فتح أبواب السماء، وأولئك الفلاحون سمعوا قصة الكنز الذي اكتشف ~~بحرث الأرض، وهم لا يجهلون أن المطر يروي حقل جارهم البغيض كما يروي حقولهم، وهم يكادون ~~يعرفون أن النبي دانيال حدث بمثل ذلك عن نزول السماء إلى الأرض، وهم لا يكادون يعرفون ~~أن ذلك النبي الناصري ألقى في صباه السمع إلى الأرض، فشعر بحضور الرب المحب الذي يصفه ~~الآن، وليس على أولئك البسطاء إلا أن يثقوا بيسوع ما أتى بالبشرى، وابتعد عن الوعيد، وقرب ~~إليهم السعادة التي سماها بملكوت السماوات فلم يحرق الأرم # 10 # مثل المعمدان حين قال: «اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح ~~لكم.» فهل خاطب كاهن الفقراء بمثل هذا الكلام المسري الكاشف للغم؟ # أليس من الصواب دعوة يسوع لنا بالإخوة ما دام الرب أبا للجميع؟ وهل يجب أن يعمل بما ~~يقول به الصدوقيون في أورشليم من أن يأخذ الأخ حقه من أخيه، وأن تكون العين بالعين، ~~والسن بالسن؟ كلا، ولكن ما يأمر به يسوع ليس أخف وطئا من ذلك؛ فقد قال: «من ~~لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ~~ثوبك؛ فاترك له الرداء أيضا.» فبينما يتساءل أولئك الفلاحون والصيادون عن سبب ذلك، ~~وعن قدرتهم على العمل بذلك إذ سمعوا يسوع يقول: «اغفروا يغفر لكم.» فرضوا بذلك ~~ما علموا الآن أن كل واحد منهم سيثاب على إنكار ذاته. # وأمرهم يسوع بأكثر من ذلك أيضا، فيسوع إذا اقتصر على توصيتهم بأن يحبوا من يحبهم، ~~فإنه لا يكون قد حثهم على أكثر مما يقدر عليه المشركون، ولكن يسوع قال لهم: ~~«أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون ~~إليكم ويطردونكم.» بيد أن حب المرء لأعدائه هو أصعب شيء، فسأل بعضهم يسوع: «كم مرة ~~يخطئ إلي أخي وأنا أغفر له، هل إلى سبع مرات؟» فنظر إليه يسوع بحزم وأجابه من ~~فوره قائلا: «لا أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة سبع مرات.» # ظل أولئك جالسين حيارى متسائلين عن مبالغة يسوع في ms062 ذلك كله، ولكنهم لم يلبثوا أن أدركوا ~~مقصده حينما نصحهم بصوته الرخيم قائلا: «لا تدينوا فلا تدانوا، لا تقضوا على أحد ~~فلا يقضى عليكم ... وكما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا أنتم أيضا بهم هكذا؛ لأن هذا ~~هو الناموس والأنبياء.» # ويجهل أولئك أن الكاهن الأكبر هلل قال مثل ذلك منذ خمسين سنة، وما يجهلون أن هلل ~~كان من العمال كما هم الآن، ويرى أولئك بأعينهم أن يسوع ليس من رجال المجمع اليهودي ~~الكبير بأورشليم، فلا يعيش في بيوت الأقوياء، ولا على موائد الأغنياء، وما يرونه إلا زائرا ~~لهم في أكواخهم على شاطئ البحيرة بعيدا من المعبد والقصور، ويسوع إذا أحب الجلوس حول ~~موائد هؤلاء فلما يقتضيه ذلك من انحنائه ليمر من أبوابهم الواطئة، ودنوه من الأطفال ~~في مهودهم، وسؤاله عن مواشيهم، ولعبه مع أولادهم، وإسعافه نساءهم، وهنالك يؤمنون به ~~حينما يقول لهم في أثناء طعامه من مائدتهم المعتدلة: «طوبى لكم أيها المساكين؛ لأن لكم ~~ملكوت الله ... لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض؛ حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ~~ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء؛ حيث لا يفسد سوس ~~ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون؛ لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك ~~أيضا.» وهنالك ينظرون إليه خافضين رءوسهم استحسانا لما في الجليل من كثرة اللصوص، ~~ويسوع يعرف ما يقول، ويعتقد أولئك صحة ما يعدهم به من ملكوت السماوات. # ألا يعمل يسوع نفسه بما يأمر به؟ قال يسوع: «إذا صنعت غداء أو عشاء؛ فلا ~~تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء؛ لئلا يدعوك هم أيضا فتكون لك ~~مكافأة، بل إذا صنعت ضيافة؛ فادع المساكين الجدع العمي، فيكون لك الطوبى؛ إذ ~~ليس لهم حتى يكافوك؛ لأنك تكافى في قيامة الأبرار.» # قتل يوحنا المعمدان. # لم يرتح الأغنياء لسماعهم ذلك القول. أليس ذلك الذي يدعو القوم إلى تلك المبادئ ~~الخطرة ثائرا محرضا؟ بيد أن بين أولئك المستمعين من هم شباب وارثون، ~~فنفذت تلك الكلمات في قلوبهم. ومن هؤلاء الشباب ms063 الأغنياء من سأله: «أي صلاح ~~أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟» فأجابه: «إن أردت أن تدخل الحياة؛ فاحفظ الوصايا.» ~~فقال له الشاب: «هذه كلها حفظتها منذ حداثتي، فماذا يعوزني بعد؟» فراقت آماله ~~واتضاعه يسوع، فود يسوع أن يظفر به فقال له: «إن أردت أن تكون كاملا؛ فاذهب ~~وبع أملاكك وأعط الفقراء، فيكون لك كنز في السماء.» فكان لهذا القول وقع شديد على ~~ذلك الفتى الغني، فنظر إلى يسوع نظره إلى مفتون، فمضى مغتما حزينا، ~~فتبعه يسوع بعينيه، ثم قال لتلاميذه: «ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله؛ ~~لأن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله.» # لاحظ المستمعون معاملة يسوع لذلك الفتى الغني برفق مع عده الغنى إثما، ~~ولاحظوا تفضيله الآثمين على الصالحين، فيا له من تناقض! قرأ يسوع على وجوه أولئك هذا ~~المعنى؛ فلاح له مثل أوحت به روح تلك الساعة فقال: «أي إنسان منكم له مائة خروف ~~وأضاع واحدا منها، ألا يترك التسعة والتسعين في البرية ويذهب لأجل الضال حتى ~~يجده؟ وإذا وجده يضعه على منكبيه فرحا، ويأتي إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلا ~~لهم: افرحوا معي؛ لأني وجدت خروفي الضال، أقول لكم: هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ ~~واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون إلى توبة.» # ثم يقص يسوع نبأ ابن أنفق ما يملكه سفها فعاد إلى أبيه تائبا، فيقبله ~~أبوه ويلبسه ثيابا حسنة، ويذبح من أجله العجل المسمن، فيغضب الابن الثاني الذي ~~لم ينفك يعمل ما يرضي أباه من غير أن ينال جديا، فيصنع منه طعاما لأصدقائه، فيقول ~~له أبوه: «يا بني، أنت معي في كل حين، وكل مالي فهو لك، ولكن كان ينبغي أن نفرح ~~ونسر؛ لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد.» # ماذا؟ ألا يحق للولد المجد الطائع أن يألم من أبيه الذي ضن عليه بجدي ~~مقابل خدمه الكثيرة؟ أيجب أن يؤدي حب الناس إلى مثل ذلك الإجحاف؛ حينما تخرب الأسداد ~~فيفيض سيل الرحمة ms064 فيض رحمة الأب الرب؟ ألا يعني ذلك أن العبرة فيما يشعر به الإنسان وما ~~يفكر فيه، لا فيما يصنعه وما لا يصنعه؟ هنالك عين تنفذ ما وراء الظواهر فترى دقات قلب ~~الإنسان وضعفه، وما أبصره يسوع الصبي في صلاح بلده يبصر مثله الآن، فيبدو ~~أشد من الشريعة نفسها تجاه الذنوب الخفية. # ويعرف يسوع أن الناس يوكدون اليمين من أجل الأمور المشكوك فيها، ولم يحلف ~~الإنسان بالله ؟ «فلا تحلفوا ... لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء، بل ~~ليكن كلامكم نعم، نعم، لا، لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير.» ولم يتصدق ~~الإنسان على الفقراء فيذيع ذلك نافخا في الصور؟ # 11 ~~«فاحترزوا من أن تضعوا صدقتكم أمام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر ~~عند أبيكم الذي في السماوات، فمتى صنعت صدقة فلا تصوت أمامك بالبوق كما يفعل ~~المراءون في المجامع وفي الأزقة؛ لكي يمجدوا من الناس، الحق أقول لكم: إنهم قد ~~استوفوا أجرهم، وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك؛ لكي تكون ~~صدقتك في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية.» ولم يصلي ~~الإنسان جهرا حتى يراه الجميع؟ «فمتى صليت فادخل إلى مخدعك، وأغلق بابك، ~~وصل إلى أبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.» ولم يبدو ~~الإنسان شاحبا؟ «فمتى صمت فادهن رأسك، واغسل وجهك؛ لكيلا تظهر للناس ~~صائما، بل لأبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.» # ولا تظنوا أن قرابينكم تكفر عن كل شيء، «فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت ~~أن لأخيك شيئا عليك؛ فاترك قربانك أمام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك، وحينئذ تعال ~~وقدم قربانك.» ويسوع الذي لم يقرب النساء قد عرف خائنة الأعين؛ فقد قرأ ~~ذات يوم في عيني رجل ينظر إلى امرأة جالسة مع نسوة في المعبد معنى الشهوة، فتتظاهر ~~بأنها تجهله فلا يبدو من الحضور ما يدل على علمهم أمر خيانتهما، فأبصر يسوع ما يدور في ~~خلدهما، ms065 فقال مخاطبا سامعيه: «إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها ~~في قلبه.» # هنالك ارتبك من رأوا من السامعين انطباق ذلك القول عليهم فغضوا أبصارهم. ~~••• # ولا تجد في يسوع واعظ توبة مع ذلك، فيسوع الذي يأتي عوام القوم بالبشرى لم ~~يعد الفقر أو المرض فضيلة، بل كان يواسي ويشفي، ويسوع لم يشجع ~~الخطأة ولم يعدهم بتحمل خطاياهم، فكان يقول لمن ينقذ: «اذهب ولا ~~تخطئ أيضا .» وبهجة الحياة التي كانت تدني ذلك الولد الشاكر من الأب الرب أضحت ~~ضعفي ما كانت عليه، بعدما أصبح الفتى البالغ الذي يستطيع أن يصب الآن كنوز محبته في ~~قلوب كثيرة، وقد قال لمن يظهرون غلوا في التقوى: «لا تكونوا عابسين كالمرائين ...» ~~والمرض خطيئة، أو دليل عليها؛ فقد قال لرجل شفاه: «ها إنك قد عوفيت فلا تخطئ ~~بعد لئلا يصيبك أعظم.» ويسوع إذ هو في عافية يستطيع أن ينام في زورق فوق بحر ~~هائج، ويسوع إذ هو مغتبط بحسه أنه ابن الرب لا يبالي بالغد الذي تكلم بعضهم ~~عنه في حضرته لا ريب، ويسوع إذ يفكر في الحيوانات والنباتات التي رافقها منذ صباه ~~يقول: «لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون، أليست ~~الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ انظروا إلى طيور السماء، إنها لا ~~تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها، ألستم أنتم ~~بالحري أفضل منها؟ ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة؟ ~~ولماذا تهتمون باللباس؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، لا تتعب ولا تغزل، ~~ولكن أقول لكم: إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها، فإن كان عشب الحقل الذي ~~يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جدا ~~يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟ ... فلا تهتموا للغد، فإن الغد يهتم بما ~~لنفسه.» # ويسوع يرضى شاكرا بما يأتيه به النهار اتفاقا؛ سواء عليه اجتمع بالناس في مكان ~~عام، أم اجتمع بتلاميذه، أم قضى ساعة على شاطئ ms066 البحيرة وحيدا هادئا مفكرا، أم تناول ~~طعاما حول مائدة عيد مشتملة على خبز أبيض، وحمل وخمر حمراء مستخرجة من كروم البلاد. ~~ويسوع قد سئل ذات يوم: «لماذا يصوم تلاميذ يوحنا، وأما تلاميذك فلا يصومون؟» فأجاب ~~مسرورا: «هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس معهم؟ ولكن ستأتي أيام حين ~~يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون؟» # وما كان يسوع ليرضى بأن تشوب صيغة دينية نفوس تلاميذه حينما يجلسون معه ليتناولوا ~~طعاما حول مائدة، وما كان يسوع ليطالب بأن تغسل الأيدي والأطباق على حسب الطقوس، ولا ~~بأن ينطق بسلسلة من الأدعية، أفلا تكفي جملة قصيرة لذلك؟ فالحق أن يسوع لم يحظر ~~شيئا، ولم يفرض على أحد أن يقتدي به في صلواته ودعواته، وهو الذي لم يقرب قربانا، ولم ~~يعمد إنسانا، ولم يحدث أن انقلب الدعاء الذي يقوله يسوع إجابة لرغبة تلميذ له إلى ~~صيغة مقررة، فكان لا يعاد إليها ثانية، وبلغ يسوع من الجرأة واستقلال النفس ما كان ~~يصرح به أن البشرى تناجي القلوب بغير صيغة معينة؛ فيسوع كان يرى الإثم أو العفو أمرا ~~باطنيا، وإن شئت فقل: ثمرة لما لا يعبر عنه بالكلام من الأعمال ~~الذهنية. # من أجل ذلك كان يسوع يحب الصغار والفتيان والجهال والفقراء ومن إليهم من الذين ليس ~~عندهم من الأموال ما يحيدون به عن الصراط المستقيم، وقد انتهز تلاميذه نسوة أتين ~~بأولادهن لكي يلمسهم فقال: «دعوا الأولاد يأتوا إلي ولا تمنعوهم؛ لأن لمثل هؤلاء ~~ملكوت الله، الحق أقول لكم: من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد؛ فلن يدخله.» ~~فهنالك احتضن الأولاد ووضع يديه عليهم وباركهم، ولم يلبث يسوع أن رأى نفسه مضطرا إلى ~~معاملة تلاميذه بأشد من قبل. ويسوع كجميع الأنبياء الذين ظهروا قبله وكيوحنا ~~المعمدان نفسه قد احتاج إلى تلاميذ قليلين يتبعونه، فبهؤلاء يستطيع أن ينال بسرعة ما ~~لا بد له من الصيت الضروري ليكون نافذا مؤثرا، ويسوع قد اعتمد على انطباعاته الأولى ~~في اختيارهم، وهو الذي طلب منهم أن يتبعوه، فإذا حدث أن عرض أحدهم ms067 نفسه عليه أساء الظن به ~~فرده، مع أن الجميع خذلوه في نهاية الأمر. # وكان بعض أولئك تلاميذ للمعمدان، وكثيرون منهم من أهل الثراء، فأمرهم بأن تكون ~~أموالهم مشاعة كما بين الآزيين؛ ليعيش هو وتلاميذه منها، وكان أحبهم إليه سمعان بطرس ~~ذو النفس العملية، ويعقوب الحمس، ويوحنا الحليم، وعلى ما عليه هؤلاء الثلاثة من ~~التقوى وحرارة الإيمان والحب ليسوع كانوا من ذوي الأثرة والتردد، ومما وقع أن مر ~~يسوع ذات مرة من شاطئ البحيرة، فرأى عشارا جالسا عند مكان الجباية، فأراد أن يجعل ~~منه مثلا فقال له: «اتبعني!» فلبى هذا العشار المسمى لاوي دعوته هاجرا كل ~~شيء، فلاوي هذا الذي يدعى متى أيضا عمل فيما بعد أكثر من أي واحد إعلاء لشأن ~~معلمه، ومن الذين اختارهم يسوع إليه: سمعان الغيور الذي كان فيما مضى تلميذا ليهوذا ~~الجليلي الثائر. ويهوذا الجليلي هذا من كان لأعمال بطولته وخاتمته الفاجعة أبلغ الأثر ~~في يسوع أيام صباه. # وجميع أولئك من أبناء الجليل، عدا يهوذا الإسخريوطي الذي هو من أبناء الجنوب؛ أي من ~~اليهودية، ولم يسمع يسوع نداء يحذره من اصطفاء هذا الرجل الذي هو وليد بيئة ~~أورشليم. # وكان أكثر أولئك أصغر سنا منه، فيسهل عليه قيادتهم، فيدعوهم بأبنائه وعماله، فيأمرهم ~~بتجهيز السفينة والتجذيف وتهيئة الطعام، وكان يقول لهم بصوت عال عند عدم إدراكهم لكلامه: ~~«إذا كنتم لا تعرفون هذا المثل، فكيف تعرفون كل مثل؟» # ولم يؤلف يسوع جمعية، بل كان يحمل تلاميذه على تسميته بالمعلم والسيد عندما يقول ~~مفاخرا: إنهم ملح الأرض ونور العالم. # وما كان يسوع ليبدو فارغ الصبر تجاه النساء اللاتي تبعنه في ترحاله، فظلت ثلاث ~~أو أربع منهن بالقرب منه في أثناء ذلك، وجميع هؤلاء غريبات، فلم تكن واحدة منهن من بيته، ~~ولا من بلده، وكن أغنى من الرجال، وكانت إحداهن حنة زوجة وكيل خرج هيرودس، فآمنت به ~~كما آمنت سوسنة؛ لأنه شفاهما، وتبعت اثنتان من أولئك أبناءهما الذين هم من ~~تلاميذه. # ويسوع إذ قامت تعاليمه على المحبة كان النساء أكثر إدراكا ms068 له من الرجال، ~~فيضفون على اغترابه من الإعزاز ما يلائمه وما لا يلائمه، ويمجدنه بما لم يسع ~~إليه، وما لا غنية له عنه، وهن حين يمسحنه بالعطور والأطياب فيستمعن إليه سابحات في ~~عالم من الأخيلة، تنقلب المحبة التي يحملها في فؤاده إلى حقيقة، فيوزع بين عدة نسوة ~~من المحبة ما يوجهه الرجل العادي إلى امرأة واحدة. # ويسوع إذ كان صفي الله شاعرا بقدر نفسه وكفايتها؛ فإنه يندد بالزواج ~~الذي يعمل فيه كل من الزوجين على ما فيه رضا الآخر من دون الله، ولا يطالب يسوع ~~الناس، ومنهم أقرب تلاميذه، بالطهر والعزوبة في الحياة العملية ما وجد بين ~~تلاميذه المختارين فتيان متزوجان، وما رافقت بطرس زوجته، وما دافع عن الزواج بأن الله ~~جامع الزوجين، وما حظر الطلاق بأشد مما في شريعة موسى نفسها، ولا يرفض يسوع شيئا ~~تقدمه النساء إليه، فيسر ممن تبدو أحمس من غيرها في ذلك. ومن هذا القبيل أن ~~كان يسوع في بيت أختين بإحدى القرى، فأخذت إحداهما مرثا تعمل في أمور المنزل على حين ~~جلست الأخرى مريم عند قدميه، فسألته مرثا أن يأمر أختها مريم بأن تصنع مثلها، فتبسم ~~قائلا: «مرثا! مرثا! أنت تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة، ولكن الحاجة ~~إلى واحد، فاختارت مريم النصيب الصالح الذي لن ينزع منها.» # ويعد الجميع المعلم الجديد نبيا، ويبدو المعلم الجديد نبيا، ولم يفكر يسوع ~~في أنه أكثر من نبي، وليس بقليل أن يرى نفسه في بعض الأحيان دون النبي، ولم يحدث أن بدا ~~من يسوع ما يخيل به إلى السامع أن له خواطر وآمالا فوق خواطر البشر وآمالهم، وما كان ~~يسوع ليذهب إلى أبعد من ذلك فيدعي أنه المنقذ المنتظر، فإذا ما قال الناس: إنه أحد ~~قدماء الأنبياء راقه ذلك موجها أفكارهم إلى ملكوت السماوات، إلى أبينا جميعا، ~~وإذا ما قال: إنه ابن الرب كان ذلك محمولا على أنه ابن الرب كجميع الذين يشعرون بانطواء ~~أنفسهم على القوى المبدعة التي يشتق منها وجودنا. والآن يجد يسوع كلمة جديدة ~~صالحة ms069 للتعبير عن تواضعه بقوله عن نفسه: إنه ابن الإنسان، وقديما أراد الأنبياء أن ~~يلفتوا الأنظار إلى الهوة الواسعة التي تفصلهم عن الله، فكانوا يسمون أنفسهم ~~بأبناء الإنسان، ومن هؤلاء دانيال وحزقيال اللذان أظهرا الرب مخاطبا كل ~~واحد منهما بابن الإنسان؛ أي بآدمي ضعيف هالك ولد ليفنى بعد ألم، ولكن مع ~~استعداد لنيل عفو الرب. # اختار يسوع هذه التسمية من الكتاب المقدس؛ وذلك حينما بحث عن أوضع اسم تصوره الأنبياء، ~~فابن الإنسان ولد ليخدم لا ليخدم كما قال. وسار يسوع على غرار يوحنا ~~في الكلام عن مأتى الإنسان ومرده، فلما دعاه الفتى الغني ب «المعلم الصالح» رفض ~~هذا ولامه بقوله: «لماذا تدعوني صالحا، ليس أحد صالحا إلا واحد؛ وهو الله.» ~~••• # تلك هي حياة يسوع التي ظهر بها في معزل عن يومه وقومه، ويجتنب يسوع، كجميع اليهود، ~~أية صلة بالمشركين، محذرا تلاميذه منهم، ولم يخطر ببال يسوع أن يرشد المشركين أو يشفي ~~مرضاهم، وهو إذا حدث عنهم فباشمئزاز، وهو إذا وصف خطيئة قال: «أليس الوثنيون أيضا ~~يفعلون هكذا؟» فالمشركون يجدون في طلب الفلوس والأموال، فلا ينبغي لتلاميذه أن يحملوا ~~إليهم البشرى، كما أنه لا يجوز إعطاء ما هو مقدس للكلاب، وطرح اللآلئ أمام الخنازير، ويجب ~~على تلاميذه أن يبتعدوا عن السامرة الآهلة بأخلاط السكان، والحاجزة بين الجليل ~~واليهودية، ويسوع على ما يبدو من تحاشيه عن أورشليم لا يرى أن يحمل إلى السامريين رسالة ~~الرب الذي يعبده اليهود في الهيكل المقدس. # وما كان يسوع ليمس شعور أحد في أمور الدنيا؛ فهو لم يرفع عقيرته ضد هيرودس ~~مع سجنه ليوحنا المعمدان، وهو لم يفه بكلمة ضد رومة ولا ضد دولتها ~~العالمية، ولا ضد أي قوي، وما كان يسوع ليبالي بالخصومات الراهنة مهما صغرت أو ~~عظمت، فلما قال له أحد تلاميذه: «قل لأخي أن يقاسمني الميراث.» أجابه بعنف: «من أقامني ~~عليكما قاضيا أو مقسما؟» ويسوع لم يأل جهدا في ربط مذهبه الجديد بالمذهب القديم ~~بلباقة فقال: «لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما ms070 جئت لأنقض بل لأكمل، ~~فإني والحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة ~~من الناموس حتى يكون الكل.» حتى إن يسوع يأمر الجمهور باتباع الفريسيين في أمور ~~الشريعة، فقال: «إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت ~~السماوات.» # ويسوع عدو أولئك الكهنة وهم أعداؤه مع ذلك، فكانوا يتبعون خطواته بحذر في ~~البداءة، وكانوا يدعونه إلى الطعام معهم ، وفي كفر ناحوم باحثه مديرو المعبد ~~ودعوه ب «السيد»، وأنصتوا لتفاسيره اللبقة، بيد أن الغم ساورهم بعد قليل زمن ~~عندما ذاع صيته، فأخذوا يتحينون الفرص لفض الجمهور من حوله، فمما حدث أن رأوه ذات يوم ~~يأكل من مائدة العشارين والخطأة فرحا مسرورا، فسأل فريسي أحد تلاميذه: ~~«لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطأة؟» فسمع السؤال يسوع الجالس أمام ناحية ~~أخرى من المائدة، فعرف مغزاه، فاستشاط غيظا فقال له بحدة: «لا يحتاج الأصحاء إلى ~~طبيب، بل المرضى؛ فاذهبوا وتعلموا ... لم آت لأدعو أبرارا، بل خطأة إلى التوبة.» # هذه هي الضربة الأولى التي وجهها يسوع إلى أعدائه، فنالت من نفوسهم كثيرا، فغادروا ~~المكان من غير أن ينبسوا بكلمة، فكان هذا أول الخصام. # ولكن كيف يؤخذ يسوع؟ إذا راقه الجلوس اليوم حول مائدة الخطأة وحل المعبد في ~~الغد، سأله الجمهور أن يعظه، فلا يقدر أولئك على منع ذلك، أليس يسوع من المبدعين الخطرين ~~الذين يبدءون مواعظهم في أقاصي البلاد بين فقراء القرى؛ حيث لا تحاسبهم جمعية على ما ~~يقولون؟ ألم يهاجم الأغنياء كأن الغنى إثم؟ لم يكن ما بدأ به يوحنا ~~المعمدان غير ذلك، وكاد خطبه يتفاقم لو لم يزجه هيرودس بالسجن. أجل، ~~أجل، يجب أن يراقب يسوع بحذر على أن يترك حبله على غاربه لوقت معين؛ فهو ~~كلما سار طليقا فيما يقول، دنا من الساعة التي يخالف فيها الشريعة، فيقبض عليه. # ذهب يسوع وتلاميذه في يوم سبت من أيام مايو للنزهة؛ أي حين حل وقت حصاد القمح، ~~فجاعوا، فقلع شبانهم وهم سائرون سنابل ليأكلوا حبوبها، فلقيهم ms071 فريسيان من الرقباء ~~مصادفة فسألاهم عن سبب خرقهم لحرمة السبت - والسبت عند أولئك القوم هو الناموس ~~المقدس الأعظم القادر على تقييد الطبيعة، فيصفون الينابيع التي لا تجري منتظمة بالسبتية ~~- فقال لهم يسوع الذي يخاطب العوام بلغتهم، ويخاطب الكهنة بلسان الشريعة: «أما قرأتم ~~قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه؛ كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة ~~الذي لم يحل أكله له ولا للذين معه ، بل للكهنة ... السبت إنما جعل لأجل ~~الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت، إذن ابن الإنسان هو رب الشعب ~~أيضا.» # فتبادل الفريسيان النظرات مغاضبين عند سماعهم كلام هذا الذي انتهك حرمة ~~السبت. # وبعد قليل زمن أتي إلى يسوع بمفلوج يحمله أربعة رجال على سرير، فلم يستطيعوا ~~الوصول إليه لشدة الزحام؛ فنقلوه إلى بيته، ويسوع إذ كان يرى الخطيئة في المرض قال ~~للمريض: «يا بني، مغفورة لك خطاياك.» وكان هذا على مسمع من بعض الكتبة فسألوا في ~~قلوبهم: «لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف؟ من يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده؟» ~~فتنبأ يسوع بما لم ينطقوا به، ويسوع قد فطر على تبين أعدائه حتى بين ~~الجمهور، فأجاب عن ذلك بقوله الحازم: «لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم؟ أيما أيسر ~~أن يقال للمفلوج: مغفورة لك خطاياك، أم يقال: قم واحمل سريرك وامش؟» # هنالك أثرت جاذبية عيني يسوع في المريض، فنهض المريض وحمل السرير ~~وانصرف. # بهت الحاضرون، ولم يسطع أحد منهم أن يعرب للمعلم عن سروره بالهتاف، فقالوا: ~~«ما رأينا مثل هذا قط!» وأما الفريسيون فعادوا إلى بيوتهم، ورفعوا أيديهم إلى السماء ~~قائلين: إنه جدف # 12 # على الله! إنه غفر الذنوب! إنه يستحق القتل! # لم يجرؤ الفريسيون على الجهر بذلك؛ فالجمهور محب له، وهو في بلاد الجليل ~~المضطربة بعيد من العاصمة، فلا يسهل القبض على مثله فيها، ثم تمخضت أذهانهم عن زعمهم لزمن ~~محدود أن يسوع يغري النساء بالتحول عن واجباتهم المنزلية، فرأى يسوع أن يسير ~~على خلاف ما توحيه إليه طبيعته بأن يدافع عن نفسه مهاجما، فضرب مثلا ms072 رجلين: أحدهما ~~عشار، والآخر فريسي صعدا إلى الهيكل ليصليا. أما الفريسي فوقف يصلي ~~في نفسه هكذا: «اللهم أنا أشكرك، إني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة، ~~ولا مثل هذا العشار. أصوم مرتين في الأسبوع، وأعشر كل ما أقتنيه.» وأما ~~العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء، بل قرع على صدره ~~قائلا: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ.» فعند ذلك فرغ صبر السامعين ليروا خاتمة المثل ، وهل ~~يكون دفاعا عن المذنب؛ فاسمع قول يسوع: «أقول لكم: إن هذا نزل إلى بيته مبررا ~~دون ذلك؛ لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع.» # ولم يعتم يسوع الناصري أن عرف أنه عدو للكتبة، ولم يعتم يسوع ~~الناصري أن عرف أمره في أورشليم لدى المجمع الكبير المعروف بالسنهدريم، كما أخبره به ~~وكلاؤه المنبثون في بلاد الرب ليراقبوا أقوال المبدعين وأعمالهم، فقال هذا المجمع: ~~«تعقبوه! تصيدوه!» فدعاه أحد الفريسيين إلى تناول الغداء في بيته، ~~فلبى يسوع دعوته، وإن الآكلين لجالسون حول المائدة؛ إذ فتح الباب فدخلت البيت ~~فتاة حسناء بغي كانت قد سمعت عن محبة يسوع الرحيم للآثمين، وكيف تدنو منه؟ فهي إذا ~~ما اقتربت منه عند وجوده بين الجمهور سخر الناس منها فلم يدعوها تمر، فهي ترصدت ~~لذلك وجوده في بيت ريفي يقل فيه الناس لتدخل عليه، وقد فكرت في أي الأمور تفعل ~~لتروقه، فلم يخطر ببالها سوى العطور التي تدهن بها بدنها لإغواء الفاسقين. # والآن ترى يسوع حول المائدة، فقرأت في ناظريه من الرأفة ما لم تجده في عيون الآخرين ~~القاسية، فاضطربت ورمت نفسها على قدميه الحافيتين باكية، فبللتهما بدموعها، فنظر ~~إليها الجميع بصمت، فبدت باحثة عن نسيج، فلم ينهض أحد لمساعدتها على ذلك، فوجدت شعرها ~~الذي كانت تغوي الناس به، فطفقت تمسح به قدميه منتحبة مقبلة لهما بلهف، ~~ثم بدأت تدهن رجليه بيديها المرتجفتين مما في زجاجتها، خافضة البصر غير مجترئة على النظر ~~إلى وجهه. # قال صاحب البيت في نفسه ساخطا: «لو كان هذا نبيا لعلم من ms073 هذه المرأة التي ~~تلمسه وما هي. إنها خاطئة.» # فعلم يسوع ما دار في خلده فقال بصوت عال: «يا سمعان، عندي شيء أقوله ~~لك!» # سمعان ~~: ~~«قل يا معلم!» # يسوع ~~: ~~«كان لمداين مدينان، على الواحد خمسمائة دينار، وعلى الآخر خمسون، وإذ لم يكن ~~لهما ما يوفيان سامحهما جميعا، فقل أيهما يكون أكثر حبا له؟» # سمعان ~~: ~~«أظن الذي سامحه بالأكثر.» # يسوع ~~: ~~«بالصواب حكمت.» # ثم التفت يسوع إلى تلك التي هي عند رجليه، وقال لسمعان: «أتنظر هذه المرأة؟ إني ~~دخلت بيتك وماء لأجل رجلي لم تعط، وأما هي فقد غسلت رجلي بالدموع، ومسحتهما بشعر رأسها، ~~قبلة لم تقبلني، وأما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي، بزيت لم ~~تدهن رأسي، وأما هي فقد دهنت بالطيب رجلي؛ من أجل ذلك أقول لك: قد غفرت ~~خطاياها الكثيرة؛ لأنها أحبت كثيرا، والذي يغفر له قليل يحب ~~قليلا.» # دهش الجالسون حول المائدة حين سمعوا ذلك الكلام الإلحادي، فلم يستطيعوا قولا؛ ~~لما استحوذ عليهم من شديد نفور. وكان من الصمت الذي استولى على القاعة ما يخيل به ~~أنه لم يكن فيها سوى يسوع والبغي، فاتحدا حينا من الزمن باللمس واللثم والشعر ~~والدمع وكلام الحب، وهي المرأة التي كانت تبيع نفسها من كل طارق، وهو الرجل الذي لم يعرف ~~امرأة، وكان من القول أن دوى في بيت تاجر واقع على شاطئ بحيرة مجهولة بعيدة من ~~ضوضاء العالم، كلام جديد لا تزال القرون تردده ... # أعان يسوع تلك المرأة على النهوض، فقال لها برفق: «مغفورة لك خطاياك، إيمانك قد ~~خلصك، اذهبي بسلام.» # ذهبت لتعود فتتبعه، فجاءت من المجدل مفعمة بجديد الآمال، أفلم تبك أمام هذا الغريب؟ ~~ومن ذا الذي كلمها مثله بلطف من غير أن يرغب في التمتع بجمالها؟ هي قد زلت فأقال ~~عثرتها، وهي قد كانت مضطربة فألقى السكينة إلى قلبها، فكان لها الطبيب المداوي، وهي إذ ~~اتبعته فرافقته سنة قد اكتشفت من خلال لحمة نفسه زهده الذي لم يقدر على اكتناهه أحد، ~~وهي قد أدركت حقيقة أمره أكثر مما ms074 أدركه تلاميذه؛ لما كان من ظهورها فريسة الشهوات قبل أن ~~تعرفه. # من أجل ذلك ظلت المجدلية واقفة تحت الصليب حينما فر جميع تلاميذه، فكانت وحدها ~~سبب خلوده بتخيلها أمر بعثه. ~~••• # كان يوحنا في السجن، وكل ما يستطيع أن يراه من نافذة السجن ذات القضبان، فيأتيه من ~~خلالها الهواء والطعام، هو قسم من جدار القلعة الخارجي المصنوع من ضخم الحجارة البركانية ~~السود، وزاوية من الصخر الكلسي الذي تستند إليه تلك القلعة، ويمر بين حين وآخر من ~~المضيق إلى السجن بخار ودخان فيزيد رطوبة، وليس الجنود الموآبيون والأدوميون - الذين ~~يسيرون ذهابا وإيابا أمام حجرته فينظرون إليه فيتوجعون له تارة، ويضحكون منه تارة ~~أخرى - إلا غرباء عنه، فلا يفهم ما يقولون. # وفيم يفكر صامتا؟ تتوارد على ذهنه صور ما رآه أيام الأردن، ثم يوغل في ~~التفكير فتتمثل له أيام البادية، ثم أيام صباه في المدينة الكبرى، ثم يقرأ للمرة المائة ~~سفري النبيين دانيال وإشعياء اللذين أنارا له السبيل، فيجد في كفاحهما أسوة ~~تلقي السكينة إلى قلبه، ألا يزال يؤمن بحريته وبنصره؟ أم يكون له مثل نصيب موسى الذي ~~ألقي من مكان قريب في جبل نبو آخر نظرة إلى أرض الميعاد؟ ألم يغل فؤاد موسى ~~حقدا على قومه الجاحدين؟ أيعتقد يوحنا ثبات أولئك؟ مرت عليه أسابيع وأسابيع وهو يعد ~~الأيام منتظرا عودة أخلص تلاميذه الذين أرسلهم ليتنطسوا # 13 # له الأخبار، ما دام قد أذن له في مكالمتهم من خلال قضبان السجن، فتلاميذه ~~هؤلاء هم الحمائم المرسلة للبحث له عن فيضان الأردن الذي يأمل ارتفاعه على الدوام من ~~غير أن يهبط أبدا. # أنبأه أولئك في آخر مرة ظهور رجل ناصري يأتي بالآيات والمعجزات، فيملأ اسمه الأفواه ~~والآذان، ويظهر أنه عمده أيضا، وحاول عبثا أن يتنوره من بين المئات التي ~~عمدها، ومما قالوه له: إن صيته دوى في بلاد الجليل، ثم لا يستطيع يوحنا أن يتذكره. ~~ومما قالوه له أيضا: إن ذلك الرجل الذي يجيء بالعجائب يلازم موائد العشارين وبنات ~~الهوى، وإنه لا يصوم هو وتلاميذه، ms075 وإنه مرح ذو وجه طليق. أتلك هي البشرى؟ وما ~~فيها من البشرى؟ فلم لا يعمد؟ ولم لا يقول بالاعتراف؟ ومع هذا ترى ذهن ~~يوحنا مشغولا بذلك الذي يبشر بملكوت السماوات، وينذر الأغنياء وذوي البأس، ~~ويتقاطر الجمهور إليه بما لا يسعهم به معبد، أليس من الغريب أن يظهر يسوع هذا في زمن ~~يزج فيه يوحنا نفسه في السجن؟ أما كان الأجدر بالشعب أن ينظر إلى يسوع خليفة ~~له؟ ألم يمهد له السبيل بقوله: «الذي يأتي بعدي هو أقوى مني»؟ وما الأمر إذا كان ذلك ~~الناصري نبيا كاذبا مشعبذا يستغل ما صنعه يوحنا؟ # صلصلت سلاسل باب السجن فدخله جنديان وبلغوه بالإشارة أن يتبعهما، أكان هذا ~~ليقتل؟ غادر الديماس # 14 # بين الخوف والرجاء، بيد أنه لم يقتد إلى قاعة مظلمة، بل سيق إلى درج ~~مؤدية إلى قصر ولي الأمر فأصعدوه فيها. # كان هيردوس أنتيباس ضعيفا جبانا فاسقا، غير حقود ولا نشيط كأبيه هيرودس، وهو حين ~~كان نزيل أخيه برومة فيما مضى، وجدت زوجة أخيه هيروديا فيه الوسيلة التي تصل بها ~~إلى السلطان، بعد أن جرد زوجها من الإرث، فأضحى رماحا عند القيصر، وهيروديا ~~هذه هي سليلة هيرودس الكبير أيضا، فكانت تشابه جدها هذا، فحققت ما كانت تأمل، ~~فهي لم تنشب أن أغوت أخا زوجها، فحرضته على تطليق زوجته، ومصاحبته لها زوجة في ~~إيالته، فاضطرت زوجته الأولى التي هي ابنة ملك عربي - اسمه والي الحارث - إلى ~~الاعتصام بأبيها في قلعة مخيروس، فاشتعلت الحرب، فاستولى هيرودس على تلك القلعة، ثم أخذ ~~يقيم في الغالب بحدود بلاد العرب؛ إطفاء لنار الفساد بأسرع مما يقدر عليه لو كان في ~~طبرية من بلاد الجليل. # كان يوحنا العابس في مكانه المناسب حيث الضفة الشرقية من البحر الميت، ~~وما فيها من الأودية ذات الهوي، والينابيع الكبريتية، والصخور البركانية، وإلى هنالك ~~أتى به جنود الأمير في يوم ربيع؛ لما رئي من التفاف جمع كبير حوله عبر الأردن، ~~ولما بدا من خوف ذوي السلطان بأورشليم اتقاد فتنة جديدة. ومما لا ريب فيه ms076 أن ~~بيلاطس كلم المجمع الكبير «السنهدريم» فيما يجب اتخاذه لمنع ذلك. # وكان المكان الذي يجتمع فيه فريق الساخطين خارج المنطقة التابعة للحكم الروماني رأسا، ~~فأشار بيلاطس على الأمير التابع هيرودس بأن يحفظ النظام في إيالته، وما كان الاضطراب ~~الأزلي ليهدأ في تلك البقعة من الدنيا، ففي الوقت الذي وقف فيه المعمدان أرسل ~~بيلاطس فرسانه إلى جبال السامرة التابعة له؛ ليشتتوا فيها شمل أنصار مذهب جديد، ~~ويأسروا منهم، ويقتلوا من يرون خشية الفتنة. # سيق يوحنا من أروقة طويلة وحمامات مفروشة بحجارة ملونة، فإذا ما نظر من ~~النافذة العالية أبصر في أسفل القصر أعتدة للحرب، ودارا للصناعة، ومن ذلك المحل سير ~~بيوحنا مرتين فيما مضى. # السامري الصالح. # كان يوحنا قد زار تلك الردهة الكبيرة التي يدخلها الآن، ومن دأب ذوي ~~السلطان في هذه الدنيا أن يجلبوا الطراوة إلى الرداه المصنوعة من حجر باستعمال ~~الستائر السمر، وأن يأتي إليهم العبيد بالفواكه المثلجة عندما يؤمرون، وقد يزل ~~من ينقل في بضع دقائق من سجنه المظلم ذي الهواء الخانق إلى تلك الردهة الزاهية، ~~كما نقل يوحنا، ما لم يكن من ذوي العزم من الرسل، فهل ذلك ابتلاء جديد ليوحنا؟ ~~أجل، إن ملامح ذلك الرجل الذي وخطه الشيب، # 15 # وأخذ وجهه يتكرش بعد جمال، فتراه متكئا على وسائد لا تدل على الرغبة ~~في تعذيب الناس، غير أن تلك التي تسترق السمع من وراء حجاب، فتسمى ~~هيروديا، فيلمحها يوحنا تتوارى حينما جيء به إلى هنالك، لا تزال في عنفوان ~~شبابها، فتبدو ذات سلطان قوي، فتعرف كيف تحمل زوجها ذلك على الخضوع لإرادتها. # رفع ذلك الأمير عينيه من بين تلك الوسائد الحريرية ذات الألوان الكثيرة إلى ذلك النبي ~~الهزيل الرث الثياب الواقف أمامه، فيحاول الأمير أن يخفي خلف نظره التعب ~~وجله وإعجابه وحبه للاطلاع، فيكتشف النبي ذلك فيزول خوفه، ولا يعرف ماذا يرغب ~~هيرودس أن يسأل يوحنا عنه، وإن علم أن يوحنا يؤاخذه على زواجه الإجرامي، ~~فيطالبه بتطليق زوجته؛ لما في تزوج امرأة الأخ الحي من مخالفة للشريعة، ms077 ولما ~~ينطوي عليه هذا الزواج من الزنا، فضلا عن خيانة الأخ لأخيه المضيف له، وليست هذه هي ~~المرة الأولى التي تلام فيها تلك الأسرة على مثل ذلك؛ فقد سبق أن عاب كهنة أورشليم ~~هيرودس الكبير على كثرة ما عقد من نكاح وحل من زواج؛ ولكن الذي يتكلم ذلك هو الآن ~~مسكين سجين في قلعة منعزلة، فيمكن ضرب رقبته فيها على حسب هوى الأمير. # ويجرؤ يوحنا على القول، ويتردد هيرودس في القتل مع ذلك، ويتفرق أتباع ~~يوحنا أيدي سبأ، ويظهر نبي جديد، ويبدو حملة الشريعة مناهضين للاثنين، فما ~~الذي يمنع الأمير الجبان من الفتك إذن؟ ولم لا يأمر بإعدام ذلك الذي استفزه وأهان ~~زوجته؟ ها هو ذا واقف أمامه طويلا شبه عار مجلجل الصوت، شديد الوعيد، خشن ~~اللحية، أشعر البدن، محذرا إياه سوء العذاب الأبدي، وإنه ليبتعد إذ جاءت ~~هيروديا، وهي تنعت الأمير بالنذالة، وتنظر إليه شزرا، ويعاد النبي يوحنا ~~القوي إلى السجن بهدوء، ويستقبل فيه تلاميذه، ويبلغ الرسالات في البلاد لا ~~ريب. # لم يلبث التلاميذ أن رجعوا إلى السجن حاملين للمعمدان أنباء انتصارات الناصري، ~~ويجهر يسوع بعداوته للفريسيين، ويجهر الفريسيون بعداوتهم ليسوع، ويسوع لم ~~يفتأ يبرئ المرضى، والنزاع بين الفريقين يتفاقم، فلم يعتم يوحنا أن اعترف بأن ~~يسوع يسير على سنته، فيجاهد كما كان يجاهد، فصار يوحنا يدحض وساوسه حول يسوع ~~النبي المرح المحب للرحلات وللولائم، فطفق يسأل تلاميذه عن بعض الجزئيات في ~~مواعظ يسوع وسلوكه، وتقابل الاثنين؛ إذ كان متعذرا، وكان يوحنا يسأل في نفسه ~~كل يوم عن مدى رسالته، وعاقبة عمله، رأى أن يستوضح يسوع أمره. # ومع ذلك ترجح يوحنا بين الخوف والرجاء، فإذا قال يسوع: إنه المسيح المنتظر لم ~~تذهب آلام يوحنا سدى، وكان لعمله قيمة، ولحياته معنى، ومع ذلك لم ير يوحنا ~~الصواب في مناقضة يسوع لقدماء الأنبياء في أساليبه مناقضة جالبة للنظر، وإن كان أعظم ~~منه. # أمر يوحنا التعب المضطرب من خلال قضبان السجن تلاميذه بأن يسألوا يسوع: ~~«أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» ~~••• # لم ms078 يتكلم يسوع عن المعمدان قط، فكأنه يريد أن يتجنب ذكراه، ففي ~~المعمدان يرتبط أشد أدوار حياته عندما خرج معمدا بماء الأردن فرأى الحمامة ~~بعين بصيرته، فسمع بعد مسافة صوت أبيه الرب، أكان ذلك في الربيع الماضي؟ ألم ~~تمض بضعة أشهر فقط منذ كان مرتبكا فأخبره أوائل الحجاج بالقبض على يوحنا ~~واقتياده إلى السجن؟ # وكان يسوع يكثر من الحديث عن الأنبياء السابقين، مع تحاشيه عن ذكر يوحنا الذي هو ~~نبي في زمانه ، وما كان يسوع راغبا في غير المحافظة على القديم مع تجديد، ولا شيء ~~أبعد عنه من جهاد يهوذا الهدام الذي نغص صباه، وهو يذكر حسرات إشعياء ضد ~~الظالمين، وهو يكرر قول هوشع: «إني أريد رحمة لا ذبيحة.» وهو يقتدي بالأنبياء وخطباء ~~الشعب الذين وضعوا الأغنياء والزنادقة منذ قرون على مستوى واحد تعظيما للفقراء، وهو ~~يجد في كتاب النبي أخنوخ «إدريس» ابن الإنسان الذي ظهر لقذف الملوك من عروشهم ~~إلى جهنم، فقال: «ويل لكم أنتم الذين تشيدون قصوركم بعرق الآخرين، فكل حجر فيها ~~خطيئة.» # انقضى دور الانقلاب الصيفي، وبدأت أوراق الكرمة تهتز، وجمعت الغلال ~~وحب الزيتون، وأخذت حرارة الشمس تخف، وصار يفتر ما كان من الحماسة حينما لاقى ~~يسوع المعمدان. أجل، إن عدد من يلتفون حوله يزيد، وإنه جاب جميع المدن ~~والقرى القائمة على الشاطئ الغربي من بحر الجليل، وإنه قطع هذا البحر وأوغل في بعض ~~أودية شاطئه الشرقي وضفة الأردن اليسرى، بيد أن مجال رسالته ظل ضيقا بعيدا من ~~ولاية اليهودية التابعة لسلطان رومة، مقتصرا على إيالة هيرودس التي وجد فيها تسامحا من ~~موظفين لم يروا في جمعه القليل الحمس، المؤلف من الفلاحين والصيادين ~~والصناع، ما يزعج. # ويصبح شفاء المرضى أمرا مزعجا ليسوع، ويظهر أنه كان يخجل من قدرته على شفائهم ~~بالتلقين، فيخشى أن يطفو ذلك على رسالته. ومن الناس من زعموا أنه ممسوس. وهو القائل ~~بوجود صراع بين شيطانين عندما يطرد أحدهما من جسم الممسوس، فمما حدث أن أمسكت مريضة ~~رداءه من الخلف ليشفيها، فلاح له أن قوة ms079 خرجت منه، وما أكثر ما يعود المرض إلى المرضى ~~بعد أن يبتعد عنهم! وما أكثر ما سمع الممسوسين والعمي والمفلوجين يذكرون اسمه متحسرين ~~في أثناء نزهه بين سنابل القمح وعلى شاطئ البحيرة! ويعترض هؤلاء في طريقه، ويكدرون ~~مواعظه، وينغصون سروره، وإذا لم يسطع أن يبرئهم لعدم إيمانهم نظروا إليه ~~بغيظ؛ لظنهم أنه يقودهم إلى جهنم. ومن الغريب ألا يغادر من يشفيهم بسلام، بل يأمرهم ~~متوعدا بالصمت. # وبينما كان يسوع في سوق ازدحم القوم فيها فيبرئ ويعظ؛ إذ جاءه رسولا ~~يوحنا، فدهشا حين رأيا يسوع جالسا هادئا، والناس حوله، فيغتاظان على ما ~~يحتمل من أكثر النبيين هناء، ويفكران في أمر معلمهما المسجون في قبو رطيب محرق. ومن ~~الجائز أن يكون يسوع قد قرأ ما في قلبيهما؛ لما رآه من تناقض بين مقتضى الحال ووضعهما، ~~فحدق إليهما قائلا: «ماذا تودان أن تعلما؟» فسألاه باسم يوحنا: «أأنت هو ~~الآتي أم ننتظر آخر؟» # طار طائر يسوع كما لو هوى عليه شيء، فمن الذي يخامره هذا الرأي فيجرؤ على إبدائه؟ ~~تلك مسألة عظيمة، تلك مسألة ربانية، تلك مسألة لا ينبغي لأحد أن يسأل عنها، تلك مسألة ~~لا يجوز لغريب كيوحنا أن يطرحها، تلك أسرار بين الأب والابن، تلك أمور لا يعبر ~~عنها فتمر كالضباب الخفيف الذي يغشى احمرار الشمس وقت الغروب، أو كالهواجس الأثيرية التي ~~تساور الأفئدة في الليل البهيم، تلك معضلة تؤدي إلى أرق الاعترافات وأحلاها مع ما ~~تتضمنه من خوف البت ... يرن جميع ذلك في أذني يسوع، ويسوع يفاجئه غريب في مكان ~~عام بذلك السؤال، فيطلب منه أن يجيب ب «لا» أو «نعم»، وكيف استطاع ذلك النبي ~~العابس أن يسأل من غياهب # 16 # السجن يسوع الحليم عن ذلك؟ وما هو الجواب الذي يأمله؟ وما هو الجواب الذي ~~يسمح به؟ يواثب ذلك كله يسوع، وتتجاذبه الأجوبة، فيجيش فيه صوت فيسأل في نفسه: أتلك هي ~~آية جديدة يأتيني بها المعمدان؟ أفيوحي إليه أبوه السماوي بأن يكون أصلب عودا ~~مما كان عليه؟ أجل، قد تكون هذه ms080 آية جديدة كالتي تلقاها حينما عمده يوحنا قبيل ~~سجنه. # تضطرب تلك الأفكار في يسوع، ولا يعرف يسوع أيبقى صامتا على تلك الحال طويل وقت قبل ~~أن يعود إليه صحوه؟ يظهر أن شيئا من روح المعمدان تسرب فيه فيهزه، وإنه ~~لكذلك إذ أخذته العزة كالتي أخذته نحو أمه في قانا، فانتحل بها أوضاع الملوك، فأشار إلى ~~الجمع بذراعه، وقال لرسولي يوحنا: «اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان ~~وتنظران، العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون ، والصم ~~يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون، وطوبى لمن لا يعثر في.» # وهل وجد بين الجم الغفير من أدرك ماذا حدث؟ إن المعلم الذي ما فتئ يترك ~~أمكنة معجزاته وشفاءاته غير متخذ لها دليلا على عظم قدره، يفتخر بها اليوم أكثر من ~~افتخاره بغيرها، فيرسل خبرها إلى يوحنا الذي لم يشف مريضا قط، فيقوم نفوذه على ~~الكلام، ويظهر أن يسوع قال ذلك مهددا يوحنا؛ لما أبصره من معنى السخرية ~~والغيرة في سؤاله، فترى من ذلك أنه أرسل إليه في سجنه وعيدا بدلا من السلوان ~~والسلام! # ابتعد رسولا المعمدان، وظل يسوع مبلبلا بفعل ذلك السؤال وذلك الجواب وكل ~~ما ساوره، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها عن يوحنا وعن جميع الذين ~~ينبئون بدنو اليوم المنتظر، فينذر الجاحدين الذين عاملهم برفق حتى الآن، ~~وذعر الجمع فور سماعه يسوع، الذي لم يبد منه غير الرفق فيما مضى، ينطق ~~بالكلمات القاسية الآتية: «ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أقصبة تحركها الريح؟ ولكن ~~ماذا خرجتم لتنظروا، إنسانا لابسا ثيابا ناعمة، هو ذا، الذين يلبسون الثياب الناعمة هم ~~في بيوت الملوك؛ لكن ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيا؟ نعم، أقول لكم، وأفضل من نبي، فإن هذا ~~هو الذي كتب عنه. ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك أمامك. الحق ~~أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان؛ ولكن ~~الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه ... فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان ~~للسمع فليسمع.» # عجب الجميع من نبرات يسوع، ms081 بيد أن قليلا من المستمعين أدركوا ما يدور في ~~خلده، فلم تتحول أنظارهم عنه مذعورين، فإذا كان يسوع يذكر إيليا ويصف يوحنا ~~بالذي يمهد السبيل، فإنه يكون قد عنى بالمسيح نفسه وإن لم يقل ذلك، فاسمع قوله: ~~«وبمن أشبه هذا الجيل؟ يشبه أولادا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم ~~ويقولون: زمرنا لكم فلم ترقصوا، نحنا لكم فلم تلطموا؛ لأنه جاء يوحنا لا ~~يأكل ولا يشرب، فيقولون فيه شيطان، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فيقولون: هو ذا ~~إنسان أكول وشريب خمر، محب للعشارين والخطأة.» ~~••• # يا لتلك الطريق ذات المخاطر التي فتحت أمام يسوع بغتة! يا لذلك الابتلاء في سؤال ~~يوحنا الذي قد يكون إنذارا من الرب! ظل شعور يسوع بقدره راقدا فيه منذ صباه ~~لسيره مع الله لا مع الناس، فلم يتحرك فيه إلا لوقت قصير بعد العماد والقبض على ~~المعمدان، ثم تنبه فيه فجأة عند طرح ذلك السؤال عليه. ويسوع إذ رأى ~~المعمدان يربكه للمرة الثالثة أملى احترامه للأنبياء عليه شعورا بأن ~~المعمدان أرسل ليمهد له السبيل. ويسوع حين أبصر خصومه وفكر في المؤامرات ~~التي تحاك حوله، وشاهد زيادة عدد من يؤمنون به، ومن شفاهم، ومن يعبدونه سمع ~~النداء أعلى مما كان عليه؛ لقربه منه. # بدت حماسة قوية في يسوع النبي بعد ذلك القول، فلام المدن التي تم على يديه ~~كبير شفاء فيها؛ لعدم إيمانها، وحذرها من يوم الحساب، وأنذرها بعذاب أشد مما أصاب ~~سدوم، وأصبح جديدا غضبه ولهجته وكلامه، فيقابل بهز الرءوس، وتبع يسوع بعض ~~تلاميذه، وتوجهوا معه إلى شاطئ البحيرة الآخر، وأوغلوا بين الأودية والجبال. # وإن تلك العوامل لتؤثر في يسوع؛ إذ أخبره تلاميذه بأن أمه وإخوته خرجوا ليمسكوه ~~قائلين: «إنه مختل.» وليس قريبا الوقت الذي أضحى به هؤلاء غرباء عنه، ومما حدث في تلك ~~الأثناء أن كانت امرأة من الشعب في حالة وله ووجد فقالت: «طوبى للبطن الذي ~~حملك!» فلم يقابلها بالشكر، بل قال: «طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه!» # وإذا أضفت ما كان عليه يسوع من ms082 المحنة الروحية إلى عده ممسوسا من أولئك؛ وجدت نفسه ~~مكلومة مرتين. أليس هذا الجحود مما يحفز قلبا جريحا إلى السير قدما في سبيل ~~المجد؟ يجعل مثل هذا الجحود من أهله سبب ابتلاء له ما عدوه مفتونا؛ على حين تحترمه ~~بلاد الجليل وتقدس له، وليست الناصرة بعيدة من تلك الأودية، فإذا غادر هذه صباحا ~~انتهى إلى تلك مساء، فأمر تلاميذه بأن يظلوا حيث هم راغبا في الذهاب وحده، فسار ~~وشاطئ البحيرة الجنوبي، ومر بالقرب من المجدل، ومن المنطقة الغربية ذات العوارض تاركا ~~جبل تابور عن شماله، ماشيا على طريق يعرفها جيدا. # يا لمضي الزمن! يا لسرعة دقات قلبه! أحقا أنه وجد أهله منذ بضعة أشهر في عرس ~~بقانا الواقعة في تلك الأودية، فأحدث للضيوف خمرا، فعرف أمره؟ أجل، إنه جاب عالما في ~~بضعة أشهر! والآن تبدو له أنوار تلك المدينة الصغيرة البيضاء الجاثمة فوق الوادي الأعلى، ~~فيراها كما كانت عليه حينما تركها، ويسمع خرير الماء، ويدخل الكوخ، ويكون بين أهله، يا لشدة ~~ذعرهم حينما أبصروه! أخوه يعقوب تقي ويراعي أحكام الشريعة، ويتبع رضوان الفريسيين، ~~وتظهر على أمه وأخواته، على الخصوص، علائم الخوف؛ إذ ينظرن إليه بعد أن ترك حرفة ~~النجارة من غير سابق إنذار، فيعود الآن بهدوء مثله يوم ذهابه، كما لو لم يحدث شيء، ~~وغدا سيكون السبت، فماذا يقع؟ # وينهض يسوع غدا صباحا في المعبد؛ حيث قضى شبابه صامتا، ويخبر الكاهن بأنه يرغب في ~~الكلام فلا يمنع، فيحضر الخادم إليه سفر إشعياء، فيتوجه إليه الحضور بين ناظر ~~وحاذر، فماذا يكون وعظ ابن الناصرة هذا؟ أفيحرك أفئدة الجمع بعذب الكلام كما صنع في ~~غير مكان؟ نشر يسوع الرق قليلا فوجد الإصحاح الذي يرغب فيه، فقرأ من سفر ~~إشعياء: «روح الرب علي؛ لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي ~~المنكسري القلوب؛ لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز # 17 # بسنة الرب المقبولة.» # ثم يطوي يسوع الرق، ويعيده إلى الخادم، ويصعد في المنبر، ويتفرس في أبصار ~~الجمهور الذي عرفه منذ سنين، ms083 فيقول بعد قليل صمت: «اليوم قد تم هذا المكتوب في ~~مسامعكم.» # فدهش الحاضرون، فماذا يعني؟ ويداوم يسوع على القول مع أنه لم ينته إلينا جميع ما ~~قال، ويهز السامعون رءوسهم استحسانا وإن وجد بينهم من ارتابوا فسألوا: «من أين ~~لهذا هذه؟ أليس هذا هو النجار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ ~~أوليست أخواته ها هنا عندنا؟» فصاروا ينظرون إليه حذرين. # ويبصر يسوع، وهو الذي تعود مخاطبة الجمهور، علائم المقاومة الأولى، فيمتعض فينقلب ~~إلى محرض فيقول: «على كل حال تقولون لي: أيها الطبيب، اشف نفسك، كم سمعنا أنه ~~جرى في كفر ناحوم، فافعل ذلك هنا أيضا في وطنك.» # كلمهم يسوع بهذا الأسلوب؛ لأنه ظن أن آياته قد ذاع أمرها، فرأى أن صيتها مما ~~يساعده على التأثير فيهم، فداوم على تحريك ساكنهم بقوله: «الحق أقول لكم: إنه ليس نبي ~~مقبولا في وطنه، وبالحق أقول لكم: إن أرامل كثيرة كن في إسرائيل في أيام إيليا ~~حين أغلقت السماء مدة ثلاث سنين وستة أشهر لما كان جوع عظيم في الأرض كلها، ولم ~~يرسل إيليا إلى واحدة منها إلا إلى امرأة أرملة، إلى صرفة صيداء، وبرص ~~كثيرون كانوا في إسرائيل في زمان أليشع النبي، ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان ~~السرياني.» # وينهض الجمع مغاضبا قائلا: «إنه يسخر منا! إنه يتخذ أمثلته من المشركين ليعلمنا ~~الإيمان ويهدينا إلى سبيل النجاة! إنه مختل كما قالت أمه! سمعتم ما قال! أسفر تقديس ~~نسوة شاطئ البحيرة له عن انتفاخه عجبا فامتلأ إلحادا! ها هو ذا يعود إلى بلده ليجدف # 18 # على الله!» # ويشاهد يسوع ارتفاع الأيدي مهددة، ويلتفت فيرى عدوه الشائب الغني الذي ~~كان محل مقته يرفع صوته متوعدا أكثر من غيره، ويحدث كما كان يسوع قد أحس، ولا ~~بد من وقوع ما كتب، ويشعر يسوع الأعزل بأنه يحمل على الكفاح، ويبصر أن طريقه ~~حافلة بالمكاره والآلام، وإنه ليقلب هذه الأمور في ذهنه فلا يبدي حراكا؛ إذ يطرده ~~الجمهور الصاخب الغاضب إلى خارج المعبد، ويدفعه إلى اتجاه ذلك ms084 الجبل الذي تنور فيه ~~أباه الرب، فينقذ المعز من مهالكه. # ويعرف يسوع في بلده مخابئ الجبل، ولا غرو فقد كان في صغره يستلقي فيه مفكرا ~~ناظرا إلى القطاع. وهنا حيث المرج المقدس الذي عرف فيه أباه الرب قبل كل شيء، ~~يستحيل قتله، فبينما يبحث الجمع الهائج عن أصلح الأمكنة ليقضي عليه، فيسأل مجادلا عن إمكان ~~إعدامه بغير حكم قضائي؛ إذ يتفلت من القابضين عليه، ويتوارى بين ذلك الجمع، ثم يختفي في ~~مأوى يعلمه منذ صباه. # وينجو يسوع من الخطر فيتنفس الصعداء، ثم ينظر إلى ما حوله فيشعر بأن هذه المحنة ~~جاءت مؤكدة لثقته بنفسه، فيدور في خلده أنه كسب المعركة الأولى، أفلم يصرخوا في ~~وجهه هازئين؟ أفلم يريدوا قتله؟ والله ينجيه من الهلاك مع ذلك، ويحس قطع الصلات، ويزول ~~بقية ما في قلبه من الحب لأهله، وينكر يسوع هؤلاء الذي يستهزئون به، ويودون القضاء ~~عليه مع أن من الواجب أن يكونوا أول المؤمنين به، فيرى نفسه في حل من آله وبلده، فيذوي ~~بذلك حبه الوطني. ويسوع إذ أخرج من دياره طريدا فلم يفر من الموت إلا بأعجوبة أضحى ~~ذا حب بشري شامل. # ويرجع يسوع إلى تلاميذه، ويلوذ الجميع بالفرار ما صارت مغادرة الجليل ~~أمنيته، وليس عليهم إلا سير يوم ليبلغوا بلاد الشرك؛ حيث صور وصيدا اللتان لا يطالب ~~الناس فيهما بحياة يسوع، فيحس أنه صار بمأمن من الخطر، وفي بلاد الشرك تلك لم ~~يجهل وجه يسوع، فما كاد يصل إليها حتى عرفته امرأة فنيقية فودت أن يساعدها، ~~فتملقته بأن خاطبته بلقب يهودي قائلة له: «ارحمني يا سيد، يا ابن داود! ابنتي ~~مجنونة جدا.» # بيد أن من عادة يسوع أن يعين اليهود لا المشركين، فيبتعد من غير أن يجيبها بكلمة، ~~فيقول له تلاميذه: «اصرفها؛ لأنها تصيح وراءنا.» ويظل يسوع مخلصا لأحكام الشريعة ~~فيهز رأسه رافضا قائلا: «لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.» # وتصر المرأة، وتمنعه من السير، وتخر عند قدميه وهي تقول: «يا سيد أعني!» ~~فلا يغير ذلك من ms085 موقفه شيئا فيجيبها بعنف: «ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح ~~للكلاب.» # ولكنه يجري على لسان المرأة الجواب الملهم الآتي: «نعم، يا سيد، والكلاب أيضا ~~تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها.» # قطع بهذه الكلمات آخر خيط يربطه بما تعلمه من الوصايا في صباه؛ فهو يشعر ~~بأن تلك المرأة الكنعانية السائلة الراكعة بين الغبار ليست أقل جدارة بعنايته من أية ~~امرأة يهودية، مهما كان عدد الأصنام التي تعبدها، فيقف متأثرا بكلامها، فلم يلبث أن رأى ~~فيها ببصيرته النبوية صورة عالم جديد ينشد الخلاص، فيزيل من ذهنه الوهم القائل بأن ~~اليهود هم الشعب المختار، فيفتح قلبه لجميع البشر مجاوزا حدود العادات والتقاليد، فيقول ~~لتلك المرأة: «يا امرأة، عظيم إيمانك، ليكن لك كما تريدين!» # فكانت هذه هي المرة الأولى التي يشفي يسوع فيها امرأة وثنية. # الفصل الثالث # | السحب # والآن تبدأ الهجرة، فيسوع الحليم والسراج المنير الذي جال صيفا بأكمله في بلاده ~~مواسيا شافيا، فلم يدع أحدا إلى مقاتلة الأقوياء، ولم يهاجم شعب الرب وزعماءه ~~بأورشليم يضطر إلى الاختفاء في الغاب، وفي قعور الصخور، وإلى مجاوزة شاطئ ~~البحيرة والحدود؛ ليقضي الخريف والشتاء خارجها فرارا من مضطهديه. # انقضى دور التنقل بين المدن والقرى كما بين الأعراس، انقضى دور لذة تنفيذ ~~المقاصد وسعادة الهداية إلى الدين الجديد، فانقلب ينبوع المحبة الصافي، الذي كان ~~يفجره كلامه في قلوب الجمهور إلى نهر كبير ذي مياه صفر عكرة، انقضى دور النصر ~~الجميل بغير قتال، فيخشع الإنسان به أمام رحمة الرب وكرمه، انقضى دور العصمة ~~الأول البعيد من الغيرة، فعلى الرسول أن يواجه الآن خيانة وغدرا وافتراء وجحودا ~~وسخرية، فيثقل ذلك على نفسه، فيؤدي إلى إظهار ثقته بذاته من مخبئها الخفي، فتتحول هذه ~~الثقة إلى اعتزاز، فتقوم الأوضاع الملكية مقام الخشوع، وينتحل ابن الإنسان ~~مظهر ابن الله. # ويظهر أن يسوع ركب سفينة فهاجر في بدء الأمر إلى جولان، فإلى بيت صيدا الواقعة في ~~منطقة بحر الجليل الشمالية الشرقية الهادئة الخصيبة؛ حيث يصب نهر الأردن ~~فيؤلف طبقة غرينية، # 1 ms086 # وبالأمس كان السلطان في تلك المنطقة لفيليبس، الذي هو أحسن أبناء ~~هيرودس، واليوم آلت السلطة فيها إلى أمراء تابعين لرومة، فضمت إلى سورية، وتبعد هذه ~~المنطقة من العاصمة الجديدة دمشق، وأبعد من ذلك رومة التي تصدر منها الأوامر، فلا يستطيع ~~هيرودس أنتيباس أن يتدخل في شئون بلاد مجاورة مثلها عاطلة من سيد. ومن الملحوظ أن يجد ~~مهاجر كيسوع أمنا في بلد يرتبك في دور انتقال كذلك البلد، ولا نعرف عدد الأسابيع ~~التي قضاها يسوع مطمئنا هنالك؛ وإنما نعلم أنه وجد بعد زمن من تلك السنة في مدينة ~~جدرة الصغيرة السورية الواقعة في جنوب البحيرة الشرقي، فيقطن بها أناس من الإغريق، ففيها ~~يرى يسوع أنه في مأمن من أعدائه، فمن ذا الذي يظن وجود معلم يهودي في مثل ~~تلك القلعة الوثنية؟ # لم تلبث قدرة يسوع على الشفاء أن أخرجته من مهجره، وبيان الأمر أن قطيع خنازير كثيرة ~~كانت ترعى الكلأ في الوادي الملاصق لتلك المدينة، فيركض من بينها مجنون إلى يسوع؛ ~~لما سمعه عنه بعد أن كان يسكن القبور والمغاور، فكسر قيوده، فلم يسطع أحد أن ~~يزجره لرميه الحجارة على كل من يدنو منه، فينادي يسوع قائلا كما قال المجنون الأول ~~الذي شفاه في كفر ناحوم: «ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي، أستحلفك بالله ~~ألا تعذبني!» فيسأله يسوع: «ما اسمك؟» فيجيبه بصوت راعد: «اسمي لجئون؛ لأننا ~~كثيرون.» فيحدق إليه يسوع، فيهزه، فيقرأ عليه العزائم، فيهدأ جنونه ~~فيشفى، ويراقب الرعاة ما حدث، فيسقط في تلك الأثناء بعض الخنازير الضالة من فوق ~~الجرف إلى البحر. # ذعر أولئك الرعاة فاعتقدوا أن الشيطان ترك ذلك المجنون ودخل في الخنازير، ~~ففروا إلى المدينة، فقصوا ما حدث على ساكنيها مع مبالغة، فيهرع هؤلاء ~~فيجدون الممسوس مبرأ، ويجدون الخنازير غارقة، ويجدون الغرباء الذين هم سبب ذلك ~~هنالك، فيستحوذ عليهم فزع، فيطلبون من هؤلاء السحرة أن ينصرفوا عن تخومهم. # غشاء كثيف يغشى أعمال المحسن فيطرد، ولماذا؟ أمن أجل بضعة خنازير لم تلبث القصة أن ~~جعلت منها ألوفا ms087 كما اعتقد ذلك المجنون وجود جوقة من الشياطين فيه؟ يظهر أن يسوع ~~خسر بعض فتنه؛ لما أصابه من الاضطهاد، فأضحى يجتنب ويطرد، بعد أن كانت ~~تفتح له الأبواب؛ لما بدا عليه من علائم التشرد، وحب الاطلاع، وتنافر الصوت، ~~فلم يبق لديه سوى العودة إلى الجليل؛ حيث ينتظره أعداؤه، وحيث تحيق به الأخطار. # مرثا ومريم. # إليك الفريسيين في الجليل يجدون في طلب يسوع، فأين يلاقونه إذن؟ يعلم جميع ~~من في البلاد، منذ زمن، ماذا حدث في الناصرة، وفي هذا سبب عدم ظهوره حتى في المعبد، حتى ~~على رأس الجبل، حتى على شاطئ البحيرة، حتى في الميدان العام، فهل خاف فغاب عن الأنظار؟ فأما ~~وقد عاد أخيرا إلى البلاد، فإنه لا يستطيع الاختفاء يوما واحدا ما ذاع خبر رجوعه، وأخذ ~~يطوف في المدن والقرى الواقعة حول البحيرة منذ اليوم الثالث، والناس ليسوا من ~~الحمقى كأهل الناصرة؛ فهم لا يريدون مهاجمته بغير حذر، وهم في ذلك كالعدو الذي ~~يفاوض عدوه ليكتشف محل الضعف فيه قبل أن يهاجمه. # ويعرفهم يسوع بمشيهم في السوق، وتناسب خطاهم، واتزان حركاتهم، وحدة ~~نظراتهم، وانقباض شفاههم، وفتور سلامهم المؤدب، ويبصر يسوع من خلال هلعه دنو ~~العدو، فينضب حبه الفياض للناس في أعماق قلبه، ويسأله فريسيان واقفان على ~~حافة الطريق باهتمام: «متى يأتي ملكوت الله؟» فينتحل طوريهما، فيجيب عن سؤالهما كمن يريد ~~أن يعلم لا أن يلوم: «لا يأتي ملكوت الله بمراقبة، ولا يقولون هو ذا ها هنا، أو هو ~~ذا هنالك؛ لأن ها ملكوت الله داخلكم.» ثم ينصرف فيتعقبانه بعيونهما هازين أكتافهما غير ~~شاعرين بالنفحة النبوية التي صدرت عنه، وإن شئت فقل بالمبدأ الجديد الذي هو من القوة؛ ~~بحيث يكفي لرج العالم القديم. أجل، إن يسوع النجار قال لهما: «ها ملكوت الله ~~داخلكم.» وسار في طريقه؛ غير أن ذينك الفريسيين كانا من الغرور ما لم يسمعا معه ~~حفيف الأجنحة الخفية، فيشعرا بحضور الرب الذي يريان أنه «لا يدرك». # ويرى آخرون ذات يوم امتحان النبي الجديد فيسألونه أن يريهم آية ms088 من السماء، ~~فتعتريه سورة غضب، فيضبط نفسه بدلا من إبدائها، فيجيب عابسا: «إذا كان المساء قلتم ~~صحو؛ لأن السماء محمرة، وفي الصباح اليوم شتاء؛ لأن السماء محمرة ~~بعبوسة. يا مراءون! تعرفون أن تميزوا وجه السماء، وأما علامات الأزمنة فلا ~~تستطيعون! جيل شرير فاسق يلتمس آية، ولا تعطى له آية!» # والحق أن السماء مكفهرة، وفيها الآيات، وليس زمن نزول صاعقة منها ببعيد، ~~وتصل أنباء يسوع الناصري إلى أولياء الأمور بأورشليم تباعا، فيرسلون إلى ~~الجليل كتبة؛ ليروا من يتبعه، وليروا هل يجدف على الله، وليبحثوا عن ~~وسائل للقبض عليه، ولا يصعب العثور عليه ما التف الجمهور حوله من جديد، وجمع ~~الشهود ضده هو ما يرغب فيه أعداؤه. # لم يسمع الكتبة إلحادا؛ وإنما علموا أن تلاميذ يسوع لا يغسلون أيديهم قبل ~~الطعام، وغسل كهذا لم يكن واجبا إلا قبل الأكل من الموائد القربانية، ثم وسع ~~تفسير الشريعة فقيل بضرورة غسل الأيدي قبل الطعام من الموائد العادية، فأضحى ذلك عادة في ~~العاصمة، لا بين فلاحي المناطق القاصية المساكين الذين لم يسمعوا شيئا عن ذلك على ما ~~يحتمل، وليس في ذلك كبير أمر؛ وإنما يعد بداءة يستدرج منها يسوع الثائر، ~~ومن المحتمل أن يكون ذلك قد وقع مساء في مكان عام؛ حيث يجلس الناس على عتب بيوتهم، ~~أو يتكئون على عمدها، أو يسيرون ذهابا وإيابا طلبا للطراوة، ويقترب أولئك الكتبة ~~من يسوع ويسألونه جهرا: «لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ، فإنهم لا يغسلون ~~أيديهم حينما يأكلون خبزا؟» # ويعلم يسوع حضور الكتبة، وهو لو لم يرهم لشعر بقربهم منه، وهو يعترض عليه للمرة ~~الأولى في حياته بالنظام العام وبالشريعة وبأورشليم، ومثل هذا ما رآه حينما تصدى رسل ~~مجلس السنهدريم ليوحنا مؤنبين مجادلين، فكانوا رسل الناس أمام رسول الله، فلم ~~يختلفوا عن هؤلاء عبوسا ورفع أصابع، فيتمثل يسوع شخص المعمدان وصوته، ويتذكر ~~قوله: «يأتي من هو أقوى مني!» وسؤاله عما إذا كان هو الذي أقوى منه، فينتبه فيه ~~شعوره بقدر نفسه بغتة، بعد أن رقد فيه بفراره، فيبعث ms089 فيه حب مهاجمة العدو ~~علنا، وإلى هذا يضاف ما يساور يسوع من القلق التقليدي عند نظره إلى تلك الوجوه، كما ~~يضاف إليه توتر الوضع الحاضر. وليس في سؤال الكتبة المضحك ما يستحق أن يجيب عنه؛ ~~وإنما يلوح أن سلاحا خفيا أصبح في يديه المعصومتين، فتحدى أعداءه في الميدان العام ~~بصوت المعمدان الرخيم: «وأنتم أيضا لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم؟ ~~فإن الله أوصى قائلا: أكرم أباك وأمك، ومن يشتم أبا أو أما فليمت موتا، ~~وأما أنتم فتقولون: من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذي تنتفع به منى، فلا يكرم ~~أباه أو أمه؛ فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم. يا مراءون! حسنا تنبأ عنكم ~~إشعياء قائلا: يقترب إلي هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد ~~عني بعيدا، وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس.» # وهكذا يناهضهم يسوع بتقاليدهم، وهكذا يخاصمهم بكلام أنبيائهم، وهكذا يصفعهم بما ~~يألم به من أثرتهم الأثيمة. ويظهر أن سهمه مس القلب فلم يقولوا كلمة، بل انقلبوا ~~راجعين؛ وإنما أصاب سهمهم الذي صوبوه إليه مقتلا منه حينما حل وقت انتقامهم. # ويشعر يسوع بأن كلامه ناري، ولم يكلم يسوع الشعب منذ وقت غير قصير، ولم ~~يحدث أن خاطب يسوع الشعب بمثل تلك الشدة، ويحدث يسوع الجمهور بحماسة ~~يوحنا، وعلى ما تراه من وجود يسوع في بلد صغير كثير الغبار، فإنه يستأنف بذلك ~~القول حكم أورشليم لدى بلاد الجليل بأسرها، ويهزأ يسوع بحظر بعض أنواع الطعام على ~~أنه غير نظيف خلافا لأحبار أورشليم، فيقول على مسمع من أولئك الكتبة: «ليس ما يدخل ~~الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان.» # وذعر تلاميذ يسوع، فهم لم يروه هائجا مثل ذلك فيما مضى، وساورهم القلق من ~~حدوث صراع جديد، فدنوا منه قائلين له بصوت خافت: «أتعلم أن الفريسيين لما ~~سمعوا القول نفروا؟» ولكنه، وهو الذي كان حليما حذرا، لم يضبط نفسه في هذه المرة ~~بعد أن تعاقبت الصور في ذهنه، فتحفزه إلى الاستهزاء بالفريسيين، فيقول بصوته ms090 ~~الداوي: «كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع، اتركوهم، هم عميان قادة ~~عميان، وإن كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة.» # ألم يسمع وراءه صدى لضحك إلحادي؟ ويزيد تلاميذه غما، ويود بطرس ردعه ~~فيقول له: «فسر لنا هذا المثل!» فيألم يسوع من قطع كلامه، فيجيب مؤنبا: «هل أنتم ~~أيضا حتى الآن غير فاهمين! ألا تفهمون بعد أن كل ما يدخل الفم يمضي إلى الجوف ~~ويندفع إلى المخرج، وأما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر، وذاك ينجس ~~الإنسان؟» ويتطاير الشرر من عيني يسوع خلف الفريسيين الذاهبين فيقول: «من ~~القلب تخرج أفكار شريرة: قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف، هذه هي ~~التي تنجس الإنسان. وأما الأكل بأيد غير مغسولة؛ فلا ينجس الإنسان.» # وبهذا يكون يسوع قد أجاب عن سؤال الفريسيين المثير، وليعودوا إلى الكهنة ~~إذن! وليحدثوهم عن جرأة يسوع النجار المتعصب إذن! ولتعلم أورشليم ذلك ~~إذن! وهكذا يصرح يسوع لأعدائه أمام الناس بما يجول في خاطره نحوهم، فيفك قيوده ~~فيصبح طليقا. ~~••• # يزيد عدد مستمعي يسوع مرة أخرى فيتبعونه برا وبحرا في رحلاته، ويستقر يسوع ~~أقل من قبل، وتقل خططه الصريحة أكثر من قبل، ويلتفت يسوع إلى خلفه في الغالب باحثا ~~عن مكمن الخصم، ويضاعف إعلانه العداء عدد أتباعه لا ريب، ما انحاز إليه الفلاحون ~~بغرائزهم ضد الكهنة، فهل قاسمهم الكهنة همومهم؟ وهل طالبوهم بغير مراعاة ~~الشريعة؟ أفلا يمشي الكهنة في الأسواق مفتخرين بتقواهم مجتنبين غيرهم؟ وعكس هذا أمر ~~يسوع الذي لم يفاخر بشيء، فكان يعاشر الفلاحين وينفخ فيهم روح الشجاعة ما دام ~~واحدا منهم. # ولم يمنع ذلك من أن يكون إيليا أو غيره من الأنبياء الذين يظهرون قبل بدء العصر ~~السعيد، ولكن أولئك لم يفكروا في أنه هو ابن داود أو المسيح، فكانوا يدعونه بابن ~~الإنسان الذي سمى به نفسه مؤمنين بأنه صالح الأعمال في هذه الدنيا، أفلا يجيء إليه ~~الفريسيون أنفسهم طالبين منه العون عند اشتداد الحاجة؟ ليس قليلا أن يلجأ إليه كهنة ~~المعابد راكعين. ومن هذا أن ms091 جاءه رئيس المجمع فقال له متوسلا: «إن ابنتي الآن ماتت، ولكن ~~تعال وضع يدك عليها فتحيا.» فيوافق يسوع على ذلك فيتبعه الجمهور فيسمع صراخ ~~الخدم وهم يقولون: «ماتت البنت!» ويعرف يسوع تسرع الخدم في نعي المحتضر، ~~فيسرع ماشيا ومعه بعض تلاميذه، فيدنو من البنت المغمى عليها فيقول: «لماذا ~~تضجون وتبكون؟ لم تمت الصبية؛ لكنها نائمة!» فيضحكون عليه، فيخرج الجميع خلا ~~أبوي البنت فيقول لأبيها: «لا تخف، آمن!» ثم يمسك بيدها ويقول لها: «يا صبية، ~~قومي !» فيخضعها لإرادته على حسب عادته فتقوم. # ويستولي الدهش والخوف على الجميع، فإذا كان يسوع قادرا على إحياء الموتى؛ فإنه ~~يكون ساحرا من النوع الهائل لا ريب، وإن قدرة الشفاء التي كانت تمهد له السبيل في ~~البداءة فتبدو عاملة في انضواء الناس إليه؛ تقف حائلا بينه وبين الجمهور كما حدث ~~في أمر خنازير جدرة، ثم تفض الناس من حوله كما هو واقع اليوم. # خاب أمل يسوع في ذلك الشعب بعد أن أسرف في حبه والصبر عليه، وكيف لا يفكر في تلك ~~المرأة الوثنية التي هي على خلاف أهل ذلك البلد؛ حطمت قيود العناد بإيمانها ~~المتين؟ والآن يبدأ يسوع بتعزير الجمهور الذي أكثر من إلقاء السكينة إلى قلبه، فيقول ~~مغاضبا: «ويل لك يا كورزين، ويل لك يا بيت صيدا؛ لأنه لو صنعت في صور ~~وصيداء القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديما في المسوح والرماد؛ ولكن ~~أقول لكم: إن صور وصيداء تكون لهما حالة أكثر احتمالا يوم الدين مما لكما، وأنت ~~يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية؛ لأنه لو صنعت في سدوم ~~القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم.» # ويستمع اليهود إلى كلام يسوع منغضين # 2 # رءوسهم، ويقولون: كان يسوع يخاطبنا كراع، فأخذ الآن يخاطبنا كيوحنا، ~~فهل هو المعمدان نفسه؟ ولماذا يستشهد لنا بالوثنيين؟ ولماذا يفتخر بالآيات التي أتى ~~بها مع أنه لم ينكرها أحد؟ ألم يطالب من أبرأهم بكتمان السر؟ # وإن قنوط يسوع من ذلك الشعب الضال ومقته حملة الشريعة يبعدانه من هذين ~~الفريقين، فيزيد ميله ms092 إلى ترك بلاد الجليل والطواف في بلاد الإشراك، وسواء أتوجه يسوع ~~إلى السامرية في الجنوب، أم إلى صور في الغرب، فإنه يعين أهل الإلحاد فيهما، ويشفي ~~مرضاهما من غير أن يحاول بينهم وعظا، أو دعوة إلى إيمان، ومما لا ريب فيه أن جوابه عن ~~سؤال ناموسي: «من هو القريب الذي يجب أن أحبه أكثر من أي شخص آخر؟» أمر واقعي ~~عرفه في بلاد الإشراك، فهذا الجواب الذي هو: «إنسان كان نازلا من أورشليم إلى ~~أريحا، فوقع بين لصوص فعروه وجرحوه ومضوا وتركوه بين حي وميت، فعرض أن ~~كاهنا نزل في تلك الطريق فرآه وجاز مقابله، وكذلك لاوي أيضا؛ إذ صار عند المكان ~~جاء ونظر وجاز مقابله، ولكن سامريا مسافرا جاء إليه، ولما رآه تحنن فتقدم ~~وضمد جراحاته، وصب عليها زيتا وخمرا، وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق واعتنى به، ~~وفي الغد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: اعتن به، ومهما أنفقت ~~أكثر فعند رجوعي أوفيك، فأي هؤلاء الثلاثة ترى صار قريبا للذي وقع بين اللصوص؟ ... اذهب ~~أنت أيضا واصنع هكذا.» قد علمه ملايين البشر منذ قرون فخلد السامري المجهول ~~به اسم شعبه المشرك. # ويشعر يسوع بأنه مطارد ومشتبه فيه، فلا يخالط الشعب مقتصرا على تلاميذه، وليعلم ~~تلاميذه أفكاره، ولينشروا من الأقوال ما يجادل فيه، فلا يوثق به في كل مكان، وكلما ~~حمل يسوع على العزلة تصور مذهبه في باطنه، لا على صيغ مقررة، وعاد يسوع ~~لا يكلم بلهجة عاطفية كما يكلم الأب أبناءه، بل أخذ يبدو سيدا آمرا، ويلوح من ~~خلال تعاليمه لتلاميذه الذين يدعوهم بالحواريين أيضا، مقدار المرارة فيه بعد أن مد ~~ذراعيه لكسب القلوب فقوبل بالمقاومة تارة، وبعدم الاكتراث تارة أخرى. # قال يسوع: «ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب، فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء ~~كالحمام.» ولم تفارق السذاجة يسوع في أي وقت، ولم يبد حكيما كالحية في أي حين. ~~ويسوع إذ أصبح أبا لتلاميذه وجب على هؤلاء الأبناء أن يعتبروا بتجاربه، فيغدوا أشد ~~حكمة ms093 منه. # ويتجنب يسوع كل ما يشعر بأنه صاحب طريقة خاصة كالآزيين، ويحظر يسوع ~~كل شعار، ويطالب يسوع تلاميذه بأن يكونوا ذوي عوز لم يأمر بمثله سيد قبله، فلا ~~فلس ولا خبز ولا كيس، ولا عصا عند السفر، فهم يجدون بيوتا مقراة # 3 # كما يجد، فعلى من يأتي الفقراء والعزل بالبشرى أن يكون فقيرا أعزل، ~~«فأي بيت دخلتموه فهناك أقيموا، ومن هناك اخرجوا، وكل من لا يقبلكم فاخرجوا من تلك ~~المدينة وانفضوا الغبار أيضا عن أرجلكم شهادة عليهم .» فيا لقسوة المعلم بعد حلم! وإلى ~~أين ذهبت نبرات المحبة؟ لقد أضحى شبيها بنبي غضوب. # وقد بدا تلاميذه خرقا ذات مرة فعنفهم بقوله: «لماذا تدعونني بالمعلم ما دمتم ~~لا تعملون بما أقول؟ ... تقولون: إنا أكلنا وشربنا أمامك، وقد علمت في شوارعنا ... ~~أقول لكم: إني لا أعرفكم. من أين أنتم؟ أبعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم.» ويحس ~~بعده من جلسائه، ويؤنب متجبرا تلاميذ جددا أتوه بقوله: «ليس من تلاميذي من ~~يأتيني غير مزدر لأبيه وأمه وزوجته وأولاده وإخوته وأخواته وحياته أيضا.» # وراقه رجل يوما فقال له باختصار: «اتبعني!» فقال له هذا الغريب: «يا سيد، ائذن لي أن ~~أمضي أولا وأدفن أبي!» فقال له يسوع: «دع الموتى يدفنوا موتاهم، وأما أنت فاذهب ~~وناد بملكوت الله.» # وأراد أحدهم أن يودع أبويه قبل أن يتبعه فتركه حيث هو قائلا بازدراء: «ليس أحد ~~يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله.» وعاد يسوع لا يكون ذلك ~~الرجل الذي يلوم الفريسيين على منعهم الابن من العناية بأبيه وفق تعاليمهم. # ولم يتورع يسوع عن تهديد أمه في مكان عام؛ فقد أرادت أمه وإخوته ذات مرة ردعه عن ~~سلوكه سبيل الخطر، فأرسلت إليه أمه من يخبره بأنها راغبة في محادثته، فخاطب تلاميذه ~~قائلا لهم بحدة: «من هي أمي؟ ومن هم إخوتي؟» ثم مد يده إلى تلاميذه وقال: «ها ~~هي أمي وإخوتي؛ لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي.» # ويعود يسوع بين حين وحين إلى حكمة ماضيه المرح؛ ms094 فقد سمع تلاميذه في نزهة ~~يتحاجون في من هو أعظم في ملكوت السماوات، فيجلس على صخرة في حافة الطريق كاتما ما ~~تورثه تلك المجادلة الغليظة فيه من خيبة الأمل، فينادي ولدا كان يلعب على قارعة ~~الطريق فيحتضنه ويخاطب تلاميذه قائلا: «الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل ~~الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات، فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ~~ملكوت السماوات.» ~~••• # تدوي أصوات العيد في قلعة مخيروس؛ فقد دعا هيرودس قادة الجيش وأكابر الموظفين ~~والأعيان إلى الاحتفال بعيد ميلاده جاهلا ماذا يحاك في غيابه. # ما فتئ رؤساء الكهنة بالقدس يحرضون هيرودس على قتل يوحنا ~~المعمدان الذي هو سجين في ديماس # 4 # واطئ فيزيد شهرة منذ إساره؛ لما يرونه في ذلك من إرهاب تلميذه يسوع ~~الناصري الذي يسير على غراره بما هو أشد خطرا كما يظهر، ولكن هيرودس رفض ذلك حتى ~~الآن؛ فهو يعلم - كقطب سياسي - ما للشهيد من سلطان، وهو يتذوق كفيلسوف محادثة حكيم. ~~وهذا إلى خوفه مغبة قتل لا ينفع أحدا. # وتزيد هيروديا عن زوجها حقدا وجسارة وحرصا، فتنصت لنصائح مجلس اليهود الكبير ~~«السنهدريم»، وهيردويا هذه وإن لم تشعر بأن زواجها في خطر بفعل ذلك الأسير، ترى في ~~الصورة التي ينظر بها إلى زواجها ما يجرحها في الفؤاد، ويعرف الفريسيون ~~والصدوقيون هذا فيوجهون نزقها إلى تنفيذ مآربهم السياسية، وتجعل هيروديا ~~لابنتها سالومة إصبعا في حوك الدسيسة ما كانت فتاة بعد وفاة زوجها المسن فيلبس، وما ~~كانت تطفح حياة، وما وصلت شهرتها في الرقص إلى رومة. # هيأت الأم ابنتها، وترقص الابنة في قاعة الوليمة أمام الضباط والموظفين، وترقص على ~~الخصوص من أجل هيرودس الذي يخيل إليه حين يراها وهي ابنة زوجته رجوع صباه إليه، ~~ويحل منتصف الليل ويتكئ هيرودس إلى المائدة بفعل الخمر، ويسمع هتافات الإعجاب، ~~ويرى التماع عيون الندماء، وغض أبصار العبيد، ويرى ربيبته تلك ترقص عارية على ~~أنغام المزمار والصنج ذي الأوتار، فتتحرك فيه شهوة العطاء التي لا يخلو قلب شرقي ~~منها، ويتنبه فيه حب ms095 عرض قدرته وثروته على حاشيته تقديرا للجمال. ومن المحتمل أن ~~حثت هيروديا زوجها على إكرام ابنتها ملكة السهرة بسخاء مع امتعاضها عادة من عرض ~~فتنة ابنتها هذه على زوجها التعب، ومن المحتمل أن فكر زوجها في أستير ذات ~~الحظوة لدى الشعب، فرغب في نسج أسطورة لنفسه، فخاطب الراقصة سالومة بكلمات ~~أحشويروش: «مهما طلبت مني لأعطينك حتى نصف مملكتي.» # وينهض الحاضرون شاعرين بأن تلك الساعة من الأوقات النادرة الثمينة، راغبين في سماع جواب ~~الراقصة، أفتطلب أسورة من لؤلؤ لتزين بها معصميها وكعبيها؟ أم تطلب مدينة؟ أم ~~تطلب نصف ولاية؟ ولماذا تعرب عن رغبتها بصوت خافت لكيلا يسمعها أحد؟ أفي رغبتها هذه ما هو ~~شائن؟ وما هو سبب اصفرار وجه هيرودس ونهوضه بغتة واضعا يده على قلبه؟ وأي شيء ~~أقدمت عليه؟ لم يدرك ذلك أحد؛ وإنما رئي بروق عيني هيروديا، وتوارى الأمير. # ينزوي هيرودس في الردهة المجاورة فيسأل في نفسه مبهورا: أرأس يوحنا؟ أجعل ~~الرب ابتلاءه في نقاب الراقصة الحسناء؟ ألا يستطيع أن يمنحها شيئا آخر؟ فيستدعيها ~~ويستحلفها بأن تعدل فيتمثل لها أمر أمها، فلا تتنزل عن رغبتها، فلا ترضى بأية ~~مدينة أو ولاية بدلا من ضرب رقبة يوحنا، ووضع رأسه على طبق من ذهب، وعبثا حاول ~~هيرودس أن يحمل زوجته على دعوة سالومة إلى سبيل العقل والحكمة، بل ظلت هذه الزوجة ~~صامتة جامدة، ولم لا بعد كل هذا؟ ليس يوحنا غير مسكين مفتون مسجون في الديماس ~~هنالك، ليس يوحنا غير عدو للأغنياء والأقوياء، ليس يوحنا غير حاقد على ~~الناموسيين؛ فما فائدة مداراته؟ ألم يسع في عبر الأردن فسادا؟ ألم يهيئ ~~النفوس للعصيان؟ # ويشير هيرودس على عبيده ويأمر بقطع الغناء. # ولا أحد يدري ما حدث ولا ما يحدث، وينتظر الضيوف، ويصمت بعضهم، ويتكلم بعضهم همسا، ~~ولا يتناول أحد منهم خمرا، ويحاول هيرودس أن يتجلد تجاه ما يقع، وتسمع ~~خطوات ثقيلة على الدرج، ويصعد فيه رجال مسلحون باتزان، ويحمل آخرهم طبقا عليه رأس ~~يوحنا المعمدان، ويقدمه الجلاد إلى سالومة فترتد متكمشة ثم تتقوى، ms096 ~~فتأخذ الطبق وتسلمه إلى أمها. # ذاع الخبر في البلاد بسرعة البرق، والبلاد تهتز لحوادث وقعت قبل ذلك، فبلاد الجليل على ~~الخصوص كانت مضطربة، ففيها خلفت عصابة من ذوي الحمية يهوذا الجليلي فتقدمت إلى ~~أورشليم؛ حيث شتمت الرومان، وهاجمت حرس الهيكل، فتمكن بيلاطس من القبض عليهم، فكان ~~المسمى باراباس أحدهم، فعلم يسوع ذلك في أثناء عزلته، فرآه أمرا متصلا برسالته، ~~نذيرا لفتنة شاملة مصدقة لآياته، ويسقط في تلك الأثناء برج بالقرب من بركة سلوام، ~~فيهلك ثمانية عشر رجلا، فتزيد أعصاب يسوع توترا. # هنالك أخبر يسوع تلاميذه بإعدام يوحنا المعمدان فبهت، فيتمثل ~~حوادث الأردن وسجن يوحنا وذبحه، فيرتعد وتشل حركته، ثم يجد في يوحنا ~~المثل الذي يعين مكانه، فيلوح أن يوحنا يصرخ من قبره قائلا له: «يأتي بعدي من ~~هو أقوى مني.» # أفيأتي؟ أفتكون حياة المعمدان مثلا لمصيره؟ تثير زوبعة من المشاعر قلبه، فتبدو ~~الطريق التي كان يسره أن يرى غيره سائرا فيها خالية، فلم يبق ما يجعله مترددا، ~~فليطبق على العمل ما ساوره في الأسابيع الأخيرة من السوانح إذن. # وهكذا يحفزه يوحنا إلى سلوك طريق مجهولة للمرة الرابعة، فلما غسله ~~يوحنا بماء المعمودية أوجب خروجه من جباله ليختلط بالجمهور، ولما قبض على ~~يوحنا حمل عبء عمله، ولما سأله يوحنا أيقظ المسيح الراقد فيه، واليوم يحمله ~~قتل يوحنا على البت جهرا، ويوحنا حين يتوجه تتويجا خفيا يكون قد ~~عين له طريق الآلام. # يستحوذ الخوف على يسوع للمرة الثانية، فيسمع من جديد صوت أبيه البعيد كما سمع في ~~المرة الأولى، ولكن صوت اليوم هو صوت صاعقة، لا صوت حمامة كالذي جاء ليخبره عن أيام ~~البهجة والسرور. # ويحيق الخطر بيسوع من الخارج ما عزم هيرودس على ذبح كل ذي بدعة، ويلوح شبح ~~الاضطهاد ليسوع من الخارج ما شعر الفريسيون بأنهم في مأمن؛ غير أنك ترى يسوع ~~متعطشا في صميم فؤاده إلى تأدية دين رسالته الثقيل إلى الرب، وإلى بلده وشعبه ~~ونفسه. # يفر يسوع مذعورا هو وتلاميذه إلى شرق البحيرة، فيعبر الأردن فيتوجه إلى ~~الشمال ms097 حتى سفح جبل حرمون. ~~••• # يقع على ضفة الأردن اليمنى واد واسع خصيب، فيرتفع بالتدريج إلى سفوح الجبل، ~~ويندلق الأردن فيبدو نشيطا في هذا المكان الذي لا يزيد عرضه فيه عن عشرين خطوة، ~~فإذا ما رفع السائح عينيه إلى ذروة التلال وجد فوق رأسه قلعة قيصرية فيلبس الجبارة، ~~والمدينة الجديدة الجميلة المحيطة بها، وليس ببعيد زمن حكمها من قبل فيلبس بن هيرودس؛ زوج سالومة التي أجادت الرقص، فأسفر رقصها عن قطع رأس المعمدان، فلو كان ~~فيلبس حيا، وظلت زوجته سالومة بجانبه؛ لأنقذت حياة يوحنا مع أمور شتى، وما كان ~~يسوع ليجيء إلى هنا على ما يحتمل. # وما كان يسوع ليجهل أن ذلك المكان واقع على حدود إسرائيل في زمن الاستقلال ~~والسلطان، وما كان أي أمير يهودي، حتى داود، ليوسع رقعة دولته إلى ما هو ~~أبعد من ذلك في الشمال. واليوم يسكن الإغريق ومن إليهم من عبدة الأصنام تلك ~~البقعة، ومن هنا يسير النهر الغريب نحو الجنوب بسرعة، ويسوع حين يكون في ذلك المكان ~~فيرجع بصره إلى منبع الأردن يتعقبه بفكره إلى مصبه، فيتمثل ما اتفق له ~~هنالك. # ويسوع إذ أصبح في ذلك المكان في شهر فبراير كان الزمن الذي انقضى بين الأمرين سنة ~~كاملة، وهذه السنة غنية بحوادث أكثر مما حدث له في السنين الثلاثين التي عاش فيها من ~~قبل، وما هو عدد السنين التي ستنقضي بعدئذ؟ أفلا يكون الأردن مع منبعه ومصبه مرآة ~~لحياته؟ لقد ضرب عنق يوحنا. # ويجد يسوع وتلاميذه خلف تلك المدينة المكان الذي يعده أولئك المشركون منبعا ~~للأردن، ويدخل يسوع كهف إله الرعاة، فيرى فيه ما لا يعرفه من ألواح منذورة، ~~وتماثيل رخامية، وكتابات يونانية، فيمر رجل من قيصرية فيلبس فيبصر يسوع ~~وتلاميذه، فيوضح لهم كل ما في المغارة فيقول لهم: هذا تمثال الحورية التي تعيش في ~~الينبوع، وهذه تماثيل آلهة النهر، وذلك تمثال الصدى الذي ينقل الصوت من صخرة إلى ~~أخرى، ويقول لهم: إن جميع ذلك خاص بإله الرعاة الأكبر الذي يملك ما بين الهواء ~~والماء ms098 في كل مكان، فيباغته الرعاة نائما عاريا على صخرة وقت الظهر، فيغتاظ تلاميذ ~~يسوع عند سماع ذلك، فيديرون ظهورهم خشية الفتنة. # غير أن يسوع ينظر إلى كل شيء، وينصت مدققا لكل ما يقوله ذلك الوثني الغريب، ~~ثم يخرج ويلحق تلاميذه، فيستلقي الجميع فوق ظل الكهف، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ~~يسمع يسوع فيها حديثا عن التماثيل الإلهية، وإن لم يسمع قبلها شيئا عن إله الرعاة ~~الأكبر؛ صاحب ذلك الينبوع المقدس، ولم يصور إله الرعاة ذلك، فهل هو روح؟ ~~وإذا كان يملك جميع ما بين الهواء والماء؛ فهل من المحتمل أن يكون قد تاه في جبال ~~الناصرة؟ # وكيف يستطيع الرعاة أن يروه؟ يسوع راع، وقد سمع أصوات العوسج والهواء ~~والكلأ والشجر من غير أن تتمثل له روح، فأبوه وحده هو الذي يشرف على هذه ~~الأصوات لا إله الرعاة. # مضى وقت غير قصير على الزمن الذي كان فيه قليل الاختبار كتلاميذه، فيا لهم من أغبياء! ~~يا لضعف إدراكهم للأمور! هم لا يكادون يعرفون الذي يتبعون ويطيعون، ومن أين ~~يعرفونه إذا لم يكشف لهم عن حقيقته؟ وهل يمتحنهم؟ لن يعترف به تلاميذه إذا ما ظهر أن الحق ~~الذي أدخله إلى روعه قتل يوحنا هو من عمل الشيطان، ومن يدري أنهم ينكرونه ولو ظهر ~~أن الله مصدر هذا الحق؟ فالله وحده قادر على أن يشرح صدورهم لذلك؛ فهل يفعل ذلك؟ # وإن تلك الأمور لتدور في خلد يسوع؛ إذ سألهم: «من يقول الناس إني أنا؟» فلكل ~~جوابه، «فقالوا - قوم: يوحنا المعمدان، وآخرون: إيليا، وآخرون: إرميا، أو ~~واحد من الأنبياء.» # ثم يتباحثون في أي الأجوبة أصح من الآخر، وهل يجرؤ على وضع السؤال العظيم ~~الخطر؟ ألا يعني وضعه طلبا إلى الرب أن يظهر قدرته؟ يكاد هذا السؤال يخرج من بين ~~شفتيه ثم ينطق به على الرغم منه، فيقول: «وأنتم من تقولون إني أنا؟» # فيعتري تلاميذه صمت، ويعتري تلاميذه دهش، فيطأطئون رءوسهم، فيخشون الإفصاح ~~عما يجول في خواطرهم، خلا سمعان «بطرس» الذي هو أمتنهم خلقا، ms099 فينظر إليه ~~مجيبا: «أنت المسيح!» # تهلل وجه يسوع وأضاء العالم في نظره، وما يبغي؟ فقد نطق بالكلمة ~~المقدرة التي خالجت ضميره منذ سؤال يوحنا المعمدان، فلم يبح بها، فبهذه ~~الكلمة أشرق النهار عنده، وبها يكون قد عرف فيثق بنفسه، فينهض فيمد ذراعيه فيبارك ~~سمعان «بطرس» بما لم يسبق أن بارك به، فيقول: «طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن ~~لحما ودما لم يعلن لك؛ لكن أبي الذي في السماوات.» # بيد أن يسوع لم يعتم أن ندم على إظهاره سر قلبه، فأوصى تلاميذه ~~متوعدا بألا يقولوا لأحد: إنه المسيح. # وقع هذا المنع متأخرا، فأما وقد نطق بتلك الكلمة؛ فإن الزمن يدفعه، والعزة ~~والاضطهاد والجرأة تحفزه إلى السير قدما في طريق المختار، وماذا يصنع المسيح ~~في أقصى شمال المملكة بين الوثنيين إذن؟ فهل بقي في الجليل ما يأتيه من عمل؟ ~~فليذهب إلى حيث امتنع عنه حتى الآن! فليذهب إلى أورشليم ليفتحها! دنا عيد ~~الفصح فيهرع الشعب اليهودي إلى العاصمة من كل ناحية في العالم، وحان الوقت ~~المناسب، فيجب على المسيح أن يختار ذلك المكان ليعظ وليكافح كما أخبر به ~~الأنبياء. # ويدني المسيح تلاميذه منه، ويبلغهم بصوت خافت عزمه على السفر إلى ~~أورشليم، وينبئهم بانتظار الموت له فيها. # اقشعرت جلود تلاميذه، فذلك لم يخطر ببالهم قط، فلم يكن الذهاب إلى هنالك تنفيذا ~~لما جاء في العهد القديم إلا ضربا من الجنون، حتى إن بطرس نفسه أمسك ذراع معلمه ~~منتهرا: «حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا!» # ويشعر يسوع بأن أحدا لم يدرك أمره حتى ذلك الذي اعتقد منذ هنيهة أنه ملهم من ~~الرب، ماذا؟ أيجهل جميع تلاميذه الأوفياء السر العظيم الذي أطلعهم عليه ~~بحذر؛ حينما نطق بكلمة المسيح؟ ألا يدل ذلك على أن هؤلاء لا يفكرون في غير الأكل ~~والنوم والسبت؟ ويدفع يسوع بطرس بعنف ويقول: «اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي؛ ~~لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس.» ويثب تلاميذه من مكانهم وينظرون إليه ~~مترجحين بين هول واحترام، ويدعو تلميذه ms100 المفضل بالشيطان، ويقال حينما دفعه: إنه عظم بين ~~ثانية وثانية، ويشابه الآن قدماء الأنبياء، ويتفرس في كل واحد من أولئك، ويشعر بشدة ~~إقدامه أكثر من شعوره في أي وقت، ويبدو مستعدا للكفاح للمرة الأولى، فيعزم على ملاقاة ~~نصيبه فيقول: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني؛ لأن من ~~أراد أن يخلص نفسه يهلكها، ومن أهلك نفسه من أجلي يخلصها، فإنه ماذا ينفع ~~الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه، أم ماذا يعطي الإنسان فداء نفسه؛ لأن ~~ابن الإنسان مزمع أن يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازى كل أحد بحسب ~~أعماله. الحق أقول لكم: إن قوما من القائمين ها هنا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت ~~الله.» # ويعود يسوع وينصرف كملك على رأس تلاميذه. ~~••• ~~«من ليس معي فهو علي!» هذا هو الشعار الجديد للنبي يسوع الذي قصد بلده لوقت ~~قصير كي يتأهب للسفر إلى أورشليم، بعد أن وطن نفسه على الكفاح؛ فقد لاح له بعد طويل ~~تردد أن ما بدا من إحجامه وتسويفه وحلمه وطبه لم يرده الرب؛ فلتقع الحرب إذن. ~~ودعي الرب، الذي لم يقصر يسوع في إظهار خالص الحب له إلى الفصل بين الأشرار ~~والأبرار من أبنائه. # يسوع يصلي. # كلا، ليس ذلك بين جميع أبنائه، فلقد استحوذ على يسوع وجد وانجذاب منذ شعر بأنه ~~المسيح فبلغ رسالته، الملائمة للنبوءات القديمة، إلى تلاميذه، فيعتقد يسوع بعد ~~الآن أن عليه أن ينجز ما جاء في التوراة، وعاد «الابن» لا يكون واحدا من الأبناء ~~الكثيرين المتساوين في حب «الأب» لهم؛ فهو المختار الوحيد الوسيط الحكم بين إخوانه، ~~ويرى يسوع كما يرى العالم أن زمن الهناء والسلام قد انقضى، وأن ملكوت السماوات الذي أنبأ ~~به منذ زمن طويل سيأتي من الخارج مع الحساب والصواعق، على أن تتحقق جميع النبوءات، وأن يقبض ~~أعداؤه من بني قومه عليه بلؤم، وأن يحكموا عليه ويقتلوه قتلا مخجلا. # ويقوم بذلك حاجز كبير بين المعلم وتلاميذه، وبين الواعظ الجائل ومستمعيه، وبين يسوع ~~والعالم، ms101 ويغدو كلامه مع الرب أمرا خفيا، ويشق عجب شغف فؤاده الرقيق الذي بدا ~~منذ صباه فريدا في تواضعه وخشوعه، كما لو نسج ليمنع بروز نزواته للأعين، ويتمازج فيه ~~ضبطه لنفسه واتزانه وسموه وعظمته، وصفاؤه الضروري لمن يعتقد أنه ذو رسالة ~~عامة، وعزمه على استقبال موت فيه سر مجده، فتكمل بذلك رجولته، وتزيد أناته، ويضحي ~~من العبوس ما لا ينم عليه مزاجه ومذهبه وطيبته ونظراته وشفتاه وكلامه. # وإن يسوع وصحبه لفي طريقهم إلى بلدهم في يوم عاصف؛ إذ يشير يسوع إلى ثلاثة من ~~أفضل تلاميذه - وهم: بطرس ويعقوب ويوحنا - بأن يتبعوه، فيصعد هؤلاء في جبل تاركين ~~الآخرين خلفهم؛ ففي ذلك الجبل، حيث كان يقطن فيه بعض الأنبياء العظام، يستطيع يسوع ~~أن ينفذ في نفوس أولئك الثلاثة، فيلقي السمع إلى نصائحهم، ويغشى المكان سحاب كثيف، ~~فيستولي عليه ظلام فلا يكاد الإنسان يرى أقرب شجرة فيه، ويغير السحاب وجه ~~الإنسان فيبدو أعظم مما عليه عادة، ويخامر التلاميذ الثلاثة شك فيما يحدث، فيدنو ~~بعضهم من بعض، ويغيب المعلم عن أبصارهم فيتمثل لهم طيفا أبيض لامعا، فيكلون فيستلقون ~~فينامون. # ويملأ النبيان موسى وإيليا ذهن بطرس، فيرى في المنام أنهما يكلمان يسوع، ~~ويلتمس بطرس طريقا لخلاص يسوع من الأخطار عند ظهور المسيح له في شخص يسوع، فيقول ~~صارخا وهو نائم: «يا رب، جيد أن نكون ها هنا، فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال؛ لك ~~واحدة، ولموسى واحدة، ولإيليا واحدة.» ولكنه لم يلبث أن يصحو فيتسرب بالتدريج إلى ~~ذهنه المرتاب ما بلغه يسوع، فيسمع من بعيد صوتا مرددا لما سمعه يسوع بعد ~~العماد في الأردن: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت؛ فاسمعوا له.» # وينتصب بطرس بين اليقظة والمنام فجأة ويسجد فيقتدي به الآخران، ما جاز أن يظهر الرب ~~بين السحاب فوق الجبال، بيد أنهم لم يروا أمامهم غير يسوع عندما رفعوا رءوسهم، ولم ~~يسمعوا غير يسوع يقول لهم بصوته العذب: «قوموا ولا تخافوا!» ثم يوصيهم يسوع بصوته ~~العادي المملوء خشوعا بألا يفشوا للشعب سر ما رأوا. ms102 # ولسرعان ما عادوا إلى البحيرة، ولسرعان ما أصبح عرضة لاستطلاع الفلاحين، ~~وأنظار خصومه، وأبصار الحجيج في طريقهم إلى أورشليم، فيشتد عزمه على السير بما تقتضيه ~~رسالته المسيحية، فيكون كل قول يصدر عنه أمرا، ويكون كل أمر يصدر عنه وعيدا. # قال يسوع لتلاميذه: «من سمع منكم فقد سمع مني، ومن احتقركم فقد احتقرني، ~~ومن احتقرني فقد احتقر الذي أرسلني ... كل من اعترف بي أمام الناس يعترف به ابن ~~الإنسان أمام ملائكة الله، ومن أنكرني أمام الناس ينكر أمام ملائكة الله.» ~~ولما عجز تلاميذه عن شفاء صبي مجنون قال مؤنبا: «أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى ~~أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟» # وجاء عشارو هيرودس يطلبون من بطرس «سمعان» ضرائب عنه وعن الآخرين، فيسأل ~~يسوع عما يصنع، فيقع بينهما ما يأتي: # يسوع ~~: ~~«ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم من ~~الأجانب؟» # بطرس ~~: ~~«من الأجانب.» # يسوع ~~: ~~«فإذن البنون أحرار.» # وأضحى يسوع يعلم قدر نفسه كما لو كان ملكا، فتؤذيه معاملة الدولة له كواحد من ~~رعاياها، على أن ما بقي فيه من الحذر يدفعه إلى أن يرى من الصواب ألا يدع لأعدائه حجة ~~عليه، فله في مصير يهوذا الجليلي الذي نغص صباه نذير، فيجد ذريعة لدفع ما تطلبه ~~الدولة من الضريبة. # والحق أن يسوع راغب عن أي مجد دنيوي، وأنه لم يعمل لدنياه بفكره ولا بعمله؛ ~~ظانا أن الإيمان به وبرسالته يكفي لتجديد عالم الروح من غير خطة مرسومة، ووضع وسائل ~~لتنفيذها، ويسوع يعيش في صميم شعب الرب الذي ينتظر ظهور المسيح، أفلا يكفي شعوره ~~الرباني المنير الصافي لإقناع جميع من يبوح إليهم بسره؟ والآن يساق إلى زوبعة ~~مهلكة. يسوع الذي لم يرد انقلابا مدة طويلة ولم يدع إلى غير الألفة ~~والمحبة. # ويتدرج يسوع يوما بعد يوم إلى تعظيم ما قدر له، فيعلن أنه أكبر من إبراهيم ~~وسليمان فيقول: «كل شيء قد دفع إلي من أبي، وليس أحد يعرف من هو الابن إلا الأب، ~~ولا من هو الأب إلا الابن.» وينقلب شعوره ms103 الرقيق نحو الأب المحب إلى عجب كأن ~~أباه لم يحب غيره ولم يعرف سواه، وينتحل يسوع أفكار قدماء الأنبياء الانتقامية ~~المنافية لطبيعته الخاصة ما شعر بضرورة النضال، غير مقدر لوسائله التي ستقوده إلى ~~مصيره المحتوم، فيخيل إلى الناظر أنه يدع نفسه إلى شديد القول؛ ليخفي صوته ~~الملائم لحلمه الطبيعي، فاسمع قوله: «جئت لألقي نارا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ ... ~~أتظنون أني جئت لأعطي سلاما على الأرض؟ كلا، أقول لكم، بل انقساما؛ لأنه يكون من الآن ~~خمسة في بيت واحد منقسمين ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة، ينقسم الأب على الابن، ~~والابن على الأب، والأم على البنت، والبنت على الأم، والحماة على كنتها، ~~والكنة على حماتها.» # ويعلم يسوع مما أصاب يوحنا المعمدان، أن الله يدع أنبياء يألمون ويهلكون في ~~الحال كما في الماضي، وليس بخاف عليه ما ابتلي به إبراهيم وموسى وأيوب، وهو يحب ~~الحياة مع ذلك، وهو يجاهد لينصر مع ذلك، ولا يجد في حديث الأنبياء الذي يحفزه إلى ~~أن يكون المسيح ما يوجب عليه أن يألم، وهو يعلن أحيانا أنه يطلب الموت ليقيم ملكوت ~~السماوات، وهو يبحث، أحيانا، عن الألم والعذاب حيثما يكون؛ لما يرى فيهما من اللذة، ~~وهو يلوح له أحيانا تمام كل شيء مع عرقلة الأشرار لما هو تام؛ فمن أجل ذلك تبصر ~~ارتباط روحه في البعث والحساب، وشعوره بدنو أجله، فيقيم في الآخرة عالم نصره. # وعند يسوع أن يوم البعث الذي أنبأ به دانيال وأخنوخ «إدريس»، فلا يؤمن به اليهود، ~~آت لا ريب فيه، فتراه يبشر به الأبرار تارة، ويهدد به الأشرار تارة أخرى، وعند ~~يسوع أن يوم الحساب آت لا ريب فيه مع جهل الزمن الذي يحل فيه، أفيأتي بغتة كلص في ~~الليل أم كبرق في الأفق؟ يعلم ذلك الأب وحده، ويعد يسوع مع ذلك تلاميذه برؤية ملكوت ~~السماوات بعيونهم عندما يحثهم ويشد عزائمهم، وهكذا تجد تناقض يسوع في مسألة اقتبسها ~~من قدماء الأنبياء؛ ففرضت عليه مع ما فطر عليه من محبة الآخرين. # ولم ms104 يخامر يسوع شك في مكانه بالسماء، وأستاذ يسوع المفضل في هذا هو أيضا ~~دانيال الذي رأى «ابن الإنسان» يصعد إلى الرب مع سحب السماء، فيعلن يسوع ~~أنه سيجلس عن يمين أبيه، فيملك بعد الدينونة إلى الأبد، وأنه سيمنح السلطان الذي احتفظ ~~الأب به لنفسه حتى الآن، «فلا يدين الأب أحدا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن؛ لكي يكرم ~~الجميع الابن كما يكرمون الأب.» ويسوع الذي أعطي من القدرة ما لم ينله أحد قبله، ~~يستطيع أن يقضي منذ اليوم ، ويحكم ويختار، كما يريد، الأبرار، ويرفض الأشرار: «من يسمع ~~كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة ... أنا لا أقدر أن أفعل من ~~نفسي شيئا كما أسمع أدين ودينونتي عادلة؛ لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الذي ~~أرسلني.» # وهكذا يسفر ولهه المسيحي عن وعد ووعيد متعاقبين، وهكذا يحمل نجار فقير ~~الرب في قلبه، فيكافأ بحب فياض لأبيه وإخوانه، وللأبناء والحيوان والنبات، ~~فيحمل في سنة واحدة على سلوك طرق تضيق وتصعب مقدارا فمقدارا؛ وذلك لأنه أكره ~~على الإتيان بمعجزات يستثقلها، ولأن الجمهور يهتف له، ولأنه أضحى عرضة لريب الكبراء ~~وهجماتهم وتقديس أهله وازدرائهم، ولأنه صاحب وجه بشير، ومصير نذير، ثم يعتقد أنه المنقذ ~~الذي ينتظره شعب جريء معذب لينجيه فيسوسه، وبدا ميدان القتال صغيرا، ~~وأسباب القتال تافهة في البداءة، فمن قلع بضع سنابل قمح في السبت، فإلى عدم ~~غسل الأيدي قبل الطعام، فإلى محادثة العشارين والآثمين، وما كان النبي الجديد ~~ليحرض الشعب عن نبذ الوصايا، وتجاهل النصوص، وإهمال القرابين، وإن كان ~~ينفر من هذه الأمور، ولكن الذى يفصله عن أعدائه أمر نفسي أعمق من الشعائر والطقوس، ~~وأبعد من أن يعرب عنه ناطق بفم. # حقا إن ذلك الرجل يعلن الآن أنه المسيح، ويدعي أنه مثل الله، وحقا أنه يهز الآن ~~أقدم أعمدة هيكل موسى فيهتز ملكوت الرب، وحقا أنه يهدد حكومة الكهنوت من ~~أساسها، فأية حكومة تظل مكتوفة الأيدي تجاه أعمال رجل يلوح أنه دجال أو ممسوس؟ ~~فالآن يبدأ الكاهن ms105 الأكبر بزوي ما بين عينيه؛ فقد أنبئ بأن رجل الناصرة عاد إلى ~~معبد كفر ناحوم، حيث أعلن أمام جميع الناس: «أنا خبز الحياة، من يقبل ~~إلي فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدا ... لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل ~~مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني ... لأن هذه هي مشيئة الذي أرسلني. إن كل من يرى الابن ~~ويؤمن به تكون له حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير.» # وتذمر اليهود لأنه قال: «أنا الخبز الذي نزل من السماء .» فقالوا: «أليس هذا هو يسوع ~~بن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه؟ فكيف يقول هذا: إني نزلت من السماء؟» # ويكرر كلامه غير مرة مؤكدا، فيقول كثيرون من تلاميذه: «إن هذا الكلام صعب، من يقدر أن ~~يسمعه؟» فيعرف أنهم أصبحوا من المرتابين، فينظر إليهم نظر الظافر فيقول: «أهذا ~~يعثركم؟ فكيف إذا رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا؟ الروح هو الذي ~~يحيا، وأما الجسد فلا يفيد شيئا، والكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة؛ ولكن منكم ~~قوما لا يؤمنون.» # هنالك ينهض أولئك الذين استمعوا له منذ زمن طويل، ويطوون كشحا عنه ويهجرونه، ويقول ~~الشعب: «به شيطان!» # ويطلع المجمع الكبير بأورشليم على كل ما حدث منذ اليوم الثالث، فيأمر عيونه بأن ~~يكونوا آذانا، ويعرف هيرودس نفسه ذلك، فيرتعش حينما يعلم أن الناصري يعلن أنه ~~المسيح، وحينما يخبره الناس مذعورين بأنه إيليا، فيصرخ قائلا: «هذ هو يوحنا الذي ~~قطعت أنا رأسه. إنه قام من الأموات؛ ولذلك تعمل به القوات.» # ولم يكد الفريسيون يسمعون ذلك حتى أخذوا يلقون شباكهم بين مخيروس وأورشليم، ~~وبين كفر ناحوم وأورشليم، فيهمسون إلى يسوع بقولهم: «اخرج واذهب من ها هنا؛ لأن ~~هيرودس يريد أن يقتلك.» # هذا هو الوقت الذي يدفعه الملك المتجلي فيه إلى البت؛ فهو يسمع الكلام الغادر ~~الذي يهمس به إليه، وهو يرى أعداءه ينظرون إليه بأطراف أعينهم، وهو يشعر بأن تلاميذه ~~لم يدركوا حقيقته، وهو يعرف أن الشعب يعده مجنونا، وهو يعلم أن هيرودس ~~والرومان يترصدونه، وهو ms106 يختار لذلك ميدانا للقتال، تلك المدينة المقدسة وغير المقدسة ~~التي ظل بعيدا منها مع إمكان وصوله إليها في ثلاثة أيام، فإما هنالك وإما لا، وإما الآن ~~وإما لا! واليوم تدوي في البلاد إذاعة الفلكيين خبر حلول نيسان (أبريل)، فسيحل ~~عيد الفصح قريبا إذن، وسيصل إلى ذلك البلد ألوف الساخطين منتظرين من يقودهم إذن. # ولا يعلم يسوع ماذا يصنع، ولكنه يبدو مطمئنا؛ لما عرفه من استياء العاصمة وجميع ~~البلاد ومن روح الوقت وحال الجمهور، وينظر يسوع شزرا إلى أولئك المرائين الذين ~~يتظاهرون بأنهم يريدون نجاته ويقول لهم: «امضوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أخرج ~~شياطين، وأشفي اليوم وغدا، وفي اليوم الثالث أكمل، بل ينبغي أن أسير اليوم وغدا وما ~~يليه؛ لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا عن أورشليم.» # الفصل الرابع # | الكفاح # ترن أصوات التجار في الشوارع الضيقة بتلك المدينة الكبيرة، وتردد جدر بيوتها ~~الحجرية صداها، وتصل مواسي الحلاقين، ويخبط السكافون النعال بعضها ببعض، ويقرع باعة ~~العطور أطباقهم النحاسية، وتصرف # 1 # محاور # 2 # العجل، # 3 # وتشحج # 4 # البغال ألما من سياط العبدان، ويحلف السائقون في مفارق الطرق المزدحمة، ~~ويصب باعة الفواكه الشتائم عندما تمر كتيبة من جنود الرومان، فتشق لنفسها طريقا بغلظة ~~فتكب سلالهم، وتعوي الكلاب، ويزعق الصبيان بين الجمهور الحانق. وإن ذلك الصخب ليحدث في ~~الشوارع المائلة؛ إذ تنبعث روائح كريهة عند الظهر؛ ففي أبريل الشديد الحرارة يتميع ~~الشمام، وتتعفن نفاية كل شيء، وتتسع الأخاديد، ويسطع قتار # 5 # شحم الضأن ودهن الكعك من ألف مطبخ ومطبخ، وينتشر بخار المراحيض والأصابل ~~والأزقة فيختلط بدخان البخور والمر # 6 # الصاعد من مائدة هيكل الرب الذهبية، فيتكاثف هذا كله في سحابة غير شفافة، في ~~سحابة جارضة # 7 # معلقة في هواء ساكن فوق المدينة الحجرية. # ويجد جمع الحجاج من الغرباء هواء أنقى لا ضوضاء أقل؛ حينما يأتون ليشهدوا عيد الفصح ~~فيسيرون سيرا وئيدا إلى المرتفعات، فيصلون إلى الأحياء الخارجية. واليوم آخر جمعة قبل ~~عيد الفصح فتمر القوافل الأخيرة مسرعة لقضاء هذا الأسبوع الأخير في ضوضاء، ms107 ثم للقيام ~~بشعائر ذلك العيد في رحابة وسكون، والقوم يحتفلون بذكرى الخروج من مصر وبدخول دور الحصاد، ~~والقوم إذ إنهم مستعبدون في الوقت الحاضر يجدون في ذكرى غابر مجدهم تذكيرا بقيمتهم، وإلى ~~الشمال الغربي يتوجه محبو الاطلاع من الأهالي والأجانب؛ حيث تمر طريق أريحا من بين جبل ~~الزيتون وجبل المعصية ما جاء من هذه الطريق حجيج البلاد فانتظرهم أقرباؤهم كما في كل عام؛ ~~ليقتسموا الخروف الفصحي، والحجاج كلما دنوا من المدينة اقترب بعضهم من بعض، ويكاد الموكب لا ~~ينقطع بين هذا المكان وأورشليم البعيدة ساعة واحدة؛ على حين يكون المستقبلون على حافتي ~~الطريق. # وبينما يبتعد محبو الاطلاع والأصدقاء والغرباء والأهالي الراغبون في مشاهدة ذلك المنظر عن ~~المدينة المقدسة، متوجهين إلى الطريق الضيقة النافذة إلى البرية فلا يرى منها آخر البيوت؛ ~~إذ يقف هذا الجمع المرصوص دهشا فيسد هذه الطريق؛ فقد وجد بين العجل والخيل والبغال ~~والجمال، الحاملة رجالا ونساء مع حقائبهم وزنابيلهم، فريق تعب أغبر منفصل من الجماعة ~~سابق لها بسرعة. # ويؤلف هذا الفريق الفتي من اثني عشر رجلا وبضع نسوة، ويعرف أنه من ~~الجليل بشعوره المسدولة، ويتقدم على الطريق لامع العيون متسعها، وينشد ويهتف متزن ~~الخطى، ويهز بعض أفراده غصون التوت والتين، ويجمع بعض آخر سعوف النخل من طرف الطريق، ~~فيصلون جميعهم مكثرين من الحركات، ناشرين ورق الشجر، هازجين متكتفين ماشين بغير ترتيب، ~~طافحين شبابا، فرحين مشيرين بأصابعهم، ودالين بأصواتهم إلى ذلك الذي يحفون من ~~حوله. # ويركب ذلك أتانا ويبدو أسن من أصحابه، ويلبس مثلهم رداء رماديا أغبر عاديا، ويريد ~~أصحابه أن يزينوه قليلا، فيضعون تحته ثياب العيد لا سرجا، ويتبع الأتان فلوها فيضربها ~~برأسه بين حين وآخر من العطش، ويدنو هذا الفريق من الناس ويسمعون أنشودته: «أوصنا، ~~مبارك الآتي باسم الرب، مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب، أوصنا في ~~الأعالي.» # أليس هلل الكبير هو الذي ينشدون له في الكنيس سائرين حول المذبح محركين جديد ~~الأوراق؟ وما معنى إنشاد المزمار الخاص بابن داود؟ وينظر القوم بعضهم إلى بعض ms108 ويتبادلون ~~إشارات الاستفهام والتعجب حين يسمعون إنشادهم: «افرحي يا بنت صهيون، هو ذا ملكك يأتيك ~~وديعا على أتان وجحش ابن أتان!» # ويضحك الكثيرون منهم ويتدافعون بالمرافق ويسألون: «من هم هؤلاء؟ أهم من المجانين؟ ~~أيظنون أنهم آتون بالمسيح إلى أورشليم؟» # ويزيد الجمهور بين دقيقة ودقيقة، ويزدحم حول ذلك الفريق القليل، ويداوم ذلك الفريق على ~~الإنشاد وهز الغصون، ويذيع الخبر بسرعة في الطريق كلها فيقال: هذا نبي! هذا هو ~~الذي حدثنا عنه صديقنا بطبرية! هذا من الجليل! هذا نبي الناصرة! # أمن الناصرة؟ ألا يعلم هؤلاء الفلاحون الجاهلون أن المسيح سيجيء من بيت لحم، وأنه ~~سيكون من آل داود؟ وهل أتت الناصرة بصالح في أي زمن؟ فيا لهم من مفسدين! ويا لهم من ~~لصوص! ويا لهم من مجانين! لا تدل ملامح هذا على الخطر وهو يركب أتانا، ويدل مظهره على ~~بؤسه أكثر مما يدل على بأسه، ويظهر أن رفقاءه عاطلون من السلاح! اسمعوا ماذا ~~ينشدون! ~~«مبارك الملك الآتي باسم الرب، سلام في السماء ومجد في الأعالي!» # ويعظم ذلك الفريق الصغير فيبلغ مائة، ثم ألفا عند اقترابه من المدينة نصف ساعة مجاوزا ~~الطريق الغاصة بالناس، وينشد هؤلاء ويهتفون وإن كان أكثرهم لا يعرف حقيقة الأمر، وتلمع ~~عيون التلاميذ، وتنظر النسوة إلى الجمهور بعيون ملتهبة، ثم يرفعن عيونهن إلى ~~معلمهن كأنهن يردن الاطمئنان. سبحان الله «هللوليا»! # بيد أن المعلم يظل راكبا أتانه غامض الأمر ناظرا إلى أمامه، غير ملتفت إلى الجمهور ولا ~~راد تحية إليه، وإن لم يمنع أصحابه من الهتاف له وقول الأناشيد بالثناء عليه. # ويسوع بعد أن خرج هو وصحبه من أريحا المرحة ودخل منطقة التلال الصخرية الباردة المقفرة ~~العاطلة من الحياة والنبات، أخذ يغتم ويخشى، خلافا لما كان عليه في المراحل ~~السابقة من رحلته، فيشعر بأن هذه هي طريق سجن أكثر من أن تكون طريقا لمدينة مقدسة، وهو ~~يمعن في الصمت كلما زاد تلاميذه ثرثرة وحركة، وهو لم يرفض ركوب أتان عندما دنا هو ~~وتلاميذه من الشعب # 8 # بالقرب من قرية بيت ms109 فاجي، فعرضوا عليه ذلك وفقا للحال التي يكون عليها المسيح ~~عند دخوله أورشليم بحسب النصوص. # ويخالطه شك حينما وضع على ثيابهم فرآهم كالأولاد لا كالحكماء يحبرون، # 9 # وحينما أخذوا يربطون الغصون، وينشدون، ويغذون في السير؛ لتشاهد المدينة ~~الكبيرة من هو الذي يصحبون، وحينما سمع الزبور فمجد للمرة الأولى في حياته راكبا ~~على دابة بين مشاة، وحينما دوى في أذنيه مدحه تحت سماء أبيه على مسمع من الناس، ~~وحينما أبصر في أطراف تلك المدينة اجتذاب تلاميذه لجمهور لا يعرفه من الغرباء. # هللوليا «سبحان الله»! ويبدو أسير الموكب الغريب ، ويرى المدينة المزعجة التي سمع عنها ~~منذ صباه، ولا بد من أن يكون برج أنطونيا ذلك البناء الذي يسطع عظمة في الجنوب، فكان ~~يعلم أنه عن اليسار، ولا بد من أن يكون البناء القائم عن اليمين - فيظهر أزهى من ذلك ببياضه ~~وباحاته وأبوابه وقبابه وسقفه الرخامي، فيخيل إلى الناظر أنه صخر فاتر متوعد خارج ~~من صخر - هيكل هيرودس الحصن الملكي الذي يجب فتحه بالروح ما كان مقرا ~~لأعدائه. # ولم لا يرى شجرة؟ هنالك منحدر أخضر فيه عين جارية لا ريب، والمدينة العظيمة ~~البيضاء المنيعة عاطلة من الظل قاسية حاقدة جافية مع ذلك! ولم يهتفون قائلين: ~~المجد لله «أوصنا» إذن؟ ألا يرون أن هذه المدينة صماء لا تسمع دعوة إلى الرحمة إذن؟ ~~هي تستقبل الغرباء بين الدخان والعفن صاخبة صالة # 10 # نابحة، ويتخلل في الهواء عجاجها وذفرها، # 11 # فيتحولان إلى سحاب كثيف حاجب بين المدينة والسماء، وبين الله ~~والناس. # هللوليا «سبحان الله»! يكثر الجمهور، ويفرش الكثيرون منه ثيابهم في الطريق ليسير ~~عليها أتانه، وتزيد الأغصان التي تهز حوله كثافة، ويقترب الصبيان من دابته فيعمل على ~~منعها من دوس أحد. # أوصنا «المجد لله»! وي! ما أشد رغبته في ختام ذلك! ألا يرى أصحابه في ذلك ما يزعج؟ ~~ألا يعجبون من عدم سجود أحد في طريقه؟ لم يفعل الجمهور غير الصراخ والإنشاد وهز الأغصان ~~كما لو كان ذلك للسخرية والمجون؟! # لم يلبث أن نفض عنه غبار ms110 الفتور والوجل والوضع السلبي؛ فقد بدت وجوه معادية أمامه؛ أي ~~وقف سير الموكب. فريسيون أعداء له كانوا يعرفونه فاقتربوا منه بعجبهم وحقدهم، فقال له ~~بعضهم: «يا معلم، انتهر تلاميذك!» # هنالك ينتبه النبي ويستوي على الأتان وتتحرك فيه جميع المشاعر التي حفزته إلى المجيء ~~هنا، وينتحل وضع المقاتل ما علم قبل أن يتوجه إلى أورشليم أن على كل واحد أن يناضل فيها ~~بنفسه، وما وطن نفسه على السير إليها لفتحها! فيخلع عن ذلك السائل نقاب هدوئه المصنوع، ~~ويعرب منذ وصوله إلى أبواب المدينة عما يغلي في صدره، فيجيب عن ذلك بصوت جهير يسمعه ~~أقصى عدد ممكن: «أقول لكم: إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ!» # فيرتبك الفريسيون ويغضبون وينصرفون من غير أن ينطقوا بكلمة على حسب عادتهم، ويتجدد ~~هتاف الجمهور حول يسوع، ثم يسود نداء حاد ضوضاء المدينة، فهذا بوق التل! هذا صوت ~~الكهنة! # يحدق يسوع إلى التل وينكز الأتان ويسير من أقصر الطرق إلى الهيكل. ~~••• # أتلك سوق؟ أيهزأ بهم الدليل؟ أيبدأ بإراءتهم مركز الحياة الفاسقة قبل أن يسير بهم إلى ~~الهيكل؟ أهنا الهيكل؟ أمكان الشغب هذا هو بيت الله حقا؟ قد يسود هذه الرداه ~~الرخامية الصاخبة إله شديد، أو رئيس دولة، أو قاض منتقم، لا الأب اللطيف الذي سمع ~~يسوع صوته في الجليل، ولا يجد النبي حوله غير الضوضاء والهياج، ويؤخذ إلى الباب ~~الشرقي الأساسي المعروف بباب شوشن، فيكاد يخلع نعليه ويضعهما مع عصاه جانبا وفق ~~أحكام الشريعة، فيدهش من عدم وجود أحد من ألوف الذين يصعدون مسرعين في الدرج يصنع ~~ذلك، فيرى أنه في ساحة الوثنيين، وأن ذلك الجمع مؤلف من مشركين أتوا للاطلاع لا ~~للعبادة. ويؤيد وجهة نظره هذه ما يسمعه من غريب اللهجات، وما في الإعلان المكتوب بثلاث ~~لغات من الأمر بالوقوف هنالك، ومن إنذار من يجاوز الحد من غير المختونين بالموت. ويأتي ~~الصوت من الداخل حيث الرواق المسقوف. # يسوع والمرأة الزانية. # ويبلغ يسوع وسط الرواق، ويهاجم ببحر من الصراخ متموج صعودا وهبوطا بين بلاط ~~كثيرة الألوان وسقف ms111 من خشب الأرز، وتثغو الشياه قطيعا قطيعا حول باعتها الجالسين ~~على الأرض. ويقف يسوع مبهوتا حين يشاهد هؤلاء البائعين ينادون الحجاج ليحملوهم على ~~اشتراء أحسن الضأن وأسمنها، وحين يرى تجارا وزبنا يساومون محركين أيديهم على حين تبحث ~~العجول عن أماتها وهي تخور، وحين يبصر بالقرب من هذا الركن باعة الحمام يعرضون ~~طيورهم للبيع وهم يرفعونها مربوطة الأرجل زوجين زوجين، فتصفق بأجنحتها جافلة، وحين ~~يسمع الخمار صاحب القنينة الملفوفة بالموص # 12 # والزيات الجالس القرفصاء بجانبه يدعوان المشترين إلى ابتياع ما ~~عندهما، وحين ينظر آخرين يسعون إلى بيع أكياس القمح والملح إلخ ، فيظن يسوع ذلك كله ~~حلما في الكرى لا تقاس به أحلامه في الجليل. # ويدفع الجمهور يسوع فيفصله عن أصحابه، فيجد نفسه وحيدا بين أوباش، وترن على مائدة ~~صراف نقود وتتدحرج، ويؤدي الصيارفة إلى الغرباء ما يصح دفعه إلى الهيكل من النقود ~~بدل ما عندهم، ويهز الصيارفة أكياسهم معلنين أنهم يستبقون لأنفسهم السدس وفقا لنظام ~~الهيكل ما أذن لهم الكهنوت في ذلك واعترف بهم، ويساوم الغرباء رافضين أن يأخذ الصراف ~~السدس منهم، فيرضى صراف آخر بأخذ السبع فقط، فيعلن الصراف الأول عدم استقامة ~~هذا الآخر فيشي به، ويعد الجميع ويحسبون، ويروزون الذهب والفضة والنحاس، فتثير هذه ~~المناظر غضب يسوع، وما هز يسوع في اليوم الأخير من رحلته، وما أحسه من القلق والهوان ~~والغيظ والتردد والأمل واليأس منذ دخوله المدينة المقدسة، وما اتفق له من قصد ~~الهيكل، كلها أمور حرمته النوم وشهوة الطعام، والصولة التي ساورته بعد مغادرته شواطئ ~~البحيرة الهادئة، فكانت عوامل أعنف ثورة في حياته، كما أنها كانت الأولى والأخيرة ~~فيه. # يضرب يسوع بجمع كفه الأيمن أقرب مائدة إليه، مع أنه لم يسبق أن ضم يده لمثل ~~ذلك فيما مضى، فتتناثر النقود في الهواء، ويقبض يسوع بيده اليسرى على هذه المائدة فيلقيها ~~إلى الأرض، وينتقل النبي يسوع الهائج إلى المائدة التالية فيقلبها قبل أن يتدبر ~~الحاضرون أمر ما حدث، وقبل أن يفكر ذلك الصراف المبهوت في العدو وراء ماله، ويخبط ms112 ~~يسوع خبط رجل محتدم قوي مباغت جميع ما حوله ذات اليمين وذات الشمال ~~فيكبكبه، ويركض تحت الرواق بعنف، فيفر الناس ويتفرقون مذعورين. # وينتهي يسوع إلى الأنعام المعدة لتقرب قرابين فيختطف سوط راع فيضربها ~~ويضرب التجار من غير تمييز، ويختلط الحابل بالنابل، فيعدو الباعة والغرباء والملحدون ~~والمؤمنون والعجول والخراف إلى الدرج بغير انتظام فرارا من السوط كما لو زلزلت الأرض ~~زلزالها، على حين ينال بعض الحمام حريته فيطير، ويدوي خلف الفارين صوت يسوع الراعد: ~~«مكتوب أن بيتي بيت الصلاة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!» # ويدهش سدنة الهيكل فلا يبدون حراكا، ولم ينشب الشعب الذي ظن أول وهلة أن ~~يسوع ممسوس هائج يضرب كل ما حوله، أن زال وهمه، فأخذ يرى من خلال انتظاره ومذهبه ظهور ~~إله هنا، أو أن هذا هو متياس الثاني، أو الحمي يهوذا الجليلي في شخص ابن بلده، ~~أفلم ينطق بكلام إرميا؟ ولم يبالي الشعب بخسارة تجار كثيري الربح؟ يرى حرس ~~الهيكل ما حدث فلم يتحرك، ويشاهد ضابط الهيكل ذلك أيضا فيشعر بأن ذلك الرجل ينطوي على قدرة ~~علوية، فلم يأمر بالقبض عليه، ولا يتدخل أحد في الأمر. # ويبقى يسوع وحده في الرواق الواسع، وتبدو خلفه الأعمدة التي يمر من بينها إلى ~~قدس الأقداس، ويجلس على درجة، وتهدأ الزوبعة التي أثارها هذا الرجل السلمي، ورجل كهذا عاش ~~منزويا عن العالم، فلا حول له هنا؛ لا يستطيع أن يقدر مدى ما ناله من النصر بأورشليم ~~منذ الساعة الأولى، فيوسع نطاق فتحه، فتراه يمكث جالسا تعبا صامتا. # وإليك عصبة من الأولاد في الرواق محبة للشغب غير خائفة، فيسير هؤلاء الأولاد في ~~الرواق طليقين من غير أن يزعجوا، ويدنو أشجعهم من يسوع الوحيد هنالك فتعلو وجه ~~يسوع بشاشة كالتي يقابل بها الصبيان والنساء عادة، ويحتضن أحدهم وهو لا ريب من الذين ~~شاهدوا دخوله أورشليم فسمع الأناشيد فأنشد مع الآخرين، وهو لا ريب قد عرف في يسوع ~~الراكب على الأتان، فهنالك يرتل برفق وتردد قوله في الطريق: «أوصنا، ~~مبارك الآتي باسم الرب!» فيشاركه ms113 رفقاؤه في إنشاده عن كيد على ما يحتمل: «أوصنا ~~في الأعالي!» # والآن يستمع يسوع لنداء فؤاده مرة أخرى، فيبتعد عنه الحلم الهائل بغتة، ويهده ~~الهجوم الأول الذي قام به كمكابي يشتعل قلبه بنار ربانية، فلا يبقى لديه من القدرة ~~ما يستطيع به متابعة القتال، ويسر يسوع المعلم المرشد أن يجد في أولئك الأولاد حين ~~يكلمهم موضع لطفه، وأن يكون ملكهم ما دام ملكوت السماوات لهم. # وفيما هو كذلك إذ ينهض فجأة فيهرب كأولئك الذين هزمهم، ليجد بعض تلاميذه، فيغادر الهيكل ~~مسرعا نازلا من جبل الزيتون قاصدا أصحابا يعنون به في بيت عنيا. ~~••• # في صباح الغد يحفز أمر جديد يسوع إلى المدينة إلى الهيكل، فهل سأل أباه ليلا؟ وهل ~~اشتدت عزيمته برؤية تلاميذه وأصحابه وما سمعه عن أثر عمله بالأمس، فوجد ما يدعوه إلى ~~استئناف الجهاد؟ يجد يسوع في رسالته ما يثبت فؤاده فيدعه إلى مواصلة الكفاح ~~دعا، فيجب أن يمثل الدور المنصوص عليه في التوراة حتى النهاية إذن! أجل قد يكون ~~أعداؤه أمهر منه، ولكن ليثبتوا ذلك أمام الشعب بأسره إذن! # ويكلل بنجاح باهر هجوم ذلك الذي اجتذبه الفريسيون إلى أورشليم فانتظروه ~~فيها، وينال هذا الغريب صوت الشعب إذا لم يكن أخرق، فيقف في منتصف الطريق ما كان هذا ~~الشعب متقلبا عادم الثبات، كما دل عليه أمره بعد ثلاثين سنة مرة أخرى، ويوجه ~~الله خطوات هذا الغريب إلى خارج الهيكل لتكون الشريعة سالمة. وليس من الحكمة اتهام هذا ~~الغريب من أجل زلة، وإن أمكن إثبات حق الصيارفة والتجار في وجودهم هنالك مع مواشيهم ~~ونقودهم، ولكن رجلا من هذا الطراز يفترض خطره على الكهنوت، فيجب إيقاعه في شرك ~~إلحاده، وعده مجدفا على الناموس. # ويسوع حين يعود في هذه المرة إلى الهيكل مع بعض تلاميذه يتجنب التجار في الرواق ~~الغربي، فيبدو في هذه المرة معلما لا سلفيا، ويعرفه الكثيرون ولا يهاجمه أحد، ~~ويمتدحه غير واحد سرا، ويجيء إليه بعض الأحبار ويحيونه بأدب، ويجلسون بين ~~الآخرين، وتتألف حولهم حلقة من المستمعين ما علم ms114 أنهم سيناظرونه في التلمود، ~~ويتساءل القوم عن معرفة نبي الجليل شيئا آخر غير كفت الموائد بيد قوية، وهزم ~~الباعة والأنعام، ويسأله الأحبار عن شتى المواضيع، ثم يسأله بعضهم عن فعلته تلك بقوله: ~~«بأي سلطان تفعل هذا، ومن أعطاك هذا السلطان؟» # وهل كان يسوع منتظرا هذا السؤال؟ يعلم يسوع أن الرب في حكومة الكهنوت مصدر السلطة، ~~وأن انتحال سلطان الرب مما يصعب إثباته. ويسوع إذ كان يحذق الجدل في أمور الشريعة ~~يحول السؤال بسؤاله: «وأنا أيضا أسألكم كلمة واحدة، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا ~~أيضا بأي سلطان أفعل هذا : معمودية يوحنا من أين كانت؟ من السماء أم من ~~الناس؟» # ويسكت ويفكرون في أنفسهم قائلين: «إن قلنا من السماء يقول لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ ~~وإن قلنا من الناس نخاف من الشعب؛ لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي.» # فيرون من الحكمة إذن أن يصمتوا، وأن يكون جوابهم: «لا نعلم.» # فينظر يسوع إليهم ساخرا قائلا: «ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا.» # ويومئ المستمعون برءوسهم إيماء الاستحسان ما رغب الشعب أن يضع السائل سؤالا ~~فلا يستطيع المسئول جوابا، وسيعلم نصف أهل المدينة في المساء ما حدث لا ريب، ويداوم ~~يسوع، ويسوع قد أخطأ أمس؛ لأنه لم يلحق نصر القوة أمس حتى النهاية، ويخطئ الآن؛ ~~لأنه أراد أن يلحق اليوم نصر الروح إلى النهاية، أفيرى ضرب أعدائه علنا؟ أفيستنفد في ~~هذا الهيكل وفي أورشليم جميع قدرته على الكفاح؟ يقص الآن مثل الولد الصالح والولد ~~العاصي، فيقول: «كان لإنسان ابنان، فجاء إلى الأول وقال: يا ابني، اذهب اليوم اعمل في ~~كرمي، فأجاب قائلا: ما أريد؛ ولكنه ندم أخيرا ومضى، وجاء إلى الثاني وقال مثل ذلك، ~~فأجاب قائلا: أذهب يا سيدي، ولم يمض، فأي الاثنين عمل إرادة الأب؟» # قال الكتبة له: «الأول!» آملين أن يكون في جوابه قذف، فكان ما انتظروا؛ فقد التزم يسوع ~~خطة الهجوم فقال بصوت عال: «الحق أقول لكم: إن العشارين والزناة يسبقونكم إلى ~~ملكوت الله؛ لأن يوحنا جاءكم بطريق ms115 الحق فلم تؤمنوا به، والعشارون والزناة ~~آمنوا به، وأنتم رأيتم ذلك ولم تندموا أخيرا لتؤمنوا به.» # ويستمع الشعب إليه بخوف واحترام، أفلا يذكر الناس يوحنا حينما يسمعون كلامه، ~~بيد أن أولئك الذين يتربصون به الدوائر يتجاذبهم الغضب والطرب، فهم يرون أنه يقع في ~~الشرك الذي نصبوه له حينما يسبهم، وهو لا يحس غير أثره في الجمهور لا في ~~الفريسيين، وهو لجهله ما في أورشليم من النفاق، حينما طعن أولئك بتلك الضربة، هز ~~سلاحه الروحي مرة أخرى فأكثر من ضرب الأمثال، فاختلط بعضها ببعض، فأفسد أثرها، فأصبح ما ~~قاله في أمر الوالد والكرمة أمرا معقدا، فقال مهددا: «إن ملكوت الله ينزع ~~منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره.» # وتؤذي هذه الكلمات مستمعيه، فلا يريد أحد منهم سماعها، فينهض الكتبة ويختلطون بالجمهور ~~فيذيعون بينه أن يسوع مختل الشعور. # وتشبه الحظوة لدى الشعب نقابا مترجحا، فترتد هذه الحظوة عن يسوع ~~بعد أن مالت إليه، وبيان الأمر أنه سهل على الرؤساء وأولياء الأمور أن يؤثروا في ~~الرأي العام بأورشليم، فعاد التجار إلى موائدهم، وعادت التجارة بين البائعين والمشترين إلى ~~ما كانت عليه؛ لعجز الحجاج الغرباء عن تقريب القرابين الفصحية بغير هذا، فيستهزأ ~~عما قليل بجليلي ممسوس رغب بالأمس في تقويض ثابت التقاليد، فلا يحرك اليوم ~~ساكنا تجاه عودة الأمور إلى مجاريها، قانعا بالجلوس على الدرج ليكذب الكتبة ~~ويناقضهم. # ويشعر يسوع بما يقع، وينفذ إلى سرائرهم من أسارير وجوههم، ولا يرضيه ما ناله من نصر ~~ناقص، ويحس أن تلك المدينة قد تضني بنظمها أصلب الناس عودا، فيغادر الهيكل للمرة ~~الثانية راجعا إلى عزلته الهادئة، حاملا أفكارا بائسة مختالة في آن واحد. # ويعطش يسوع فقد تكلم نصف ما قبل الظهر من ذلك اليوم، ويكاد يحترق من حرارة ذلك الجو، ~~ويجتنب سوق التجار، وتكثر أشجار الفواكه في المنحدر الغربي من جبل الزيتون، ويباح للمار ~~أن يقتطف منها. ويسوع إذ يبتعد كثيرا عن جذور طبيعته منذ يومين يذهل عن الموسم فيبحث ~~قبل حلوله عن تينة في شجرة ليس عليها غير ms116 الورق، ويسوع إذ كان ملما بنمو النبات ~~لم يسبق أن طلب في بلده تينة قبل شهر يونيو، فتراه يريد تينة في اليهودية الصخرية منذ شهر ~~أبريل، والشجرة إذ لم تجبه إلى طلبه فيتضاعف عطشه، يرفع يديه إليها ويلعنها قائلا: «لا ~~يأكل أحد منك ثمرا بعد إلى الأبد.» # وعلى ما قام به يسوع من وعظ منذ سنة فيكثر من منح البركات، وعلى كثرة إنذار يسوع ~~ووعيده في المدة الأخيرة لم يسبق أن نطق باللعنة في تلك الأثناء، واليوم تراه في الهيكل ~~يلفظ بأفظع نبوءة ضد المرائين فيطردهم من ملكوت السماوات، والآن تراه في تلك الطريق ~~الصاعدة الجافة تعبا صاديا # 13 # مغاضبا متأثرا من الجدل الأخير، فيلعن نباتا بريئا يثمر وفق سنة ~~الله، فينسى بركاته الطيبات، فيستدعي قدرته التي اتفقت له ابنا لله؛ لإفناء إحدى مخلوقات ~~الرب الأب التي لا تؤذي أحدا! # وهكذا تبصر أن شمس أورشليم تحرق قلب نبي وتجففه بعد أن كان هذا النبي لا ~~يند عن طريقه في بلاد الجليل الندية. ~~••• # ينسى الفريسيون والصدوقيون تباغضهم فيتفقون ضد عدوهم المشترك، ~~فيتشاورون فيقررون ما يصنعون، ما بدا هذا العدو لهم أخطر مما يتصوره هو وتلاميذه، ~~ويعرف الكهنة طيش أورشليم وخفتها، ويعلمون - أحسن مما يعلم هؤلاء الجليليون - ~~تقلب الجمهور، وحبه للاطلاع، ومحاباته وفتوره، ويراقب الفريسيون الشعب ~~ويخبرهم رسلهم في نواحي البلاد بظهور مذاهب جديدة فيها، وبذيوع تفاسير حديثة للشريعة، ~~فيدركون أنه يمكن رجلا نشيطا ناري القول أن يثير الفتنة، وينشر راية العصيان في ~~أثناء العيد. # يقول الفريسيون: حقا لا تدل مظاهر ذلك النبي على أنه رجل عمل، وليست فيه شعلة ~~يوحنا، ولكنه يعرف كيف يوجه التوراة ضد الكهنة. ومما لا يطاق أن يعمل ذلك جهرا. ~~وحقا أن دخوله الغريب في المدينة من عمل تلاميذه الحمس. وها هو ذا ينسى ما فعله ضد ~~الباعة، غير أن إعلانه في فناء هيكل الرب أن العشارين والزناة والمشركين ~~سيدخلون ملكوت السماوات قبلنا ينطوي على أعظم الأخطار، فيجب إسكات هذا الرجل إذن! # ويقول الفريسيون: لو نعلم ماذا ms117 يرى الصدوقيون الهينون أن يصنع تجاه ~~ذلك، أفيكتفون في هذه المرة أيضا بالاستهزاء لا بالعمل؟ وماذا يعمل لتحريك ~~الهيروديين؟ يمكن وصل ما بين طرفي الهوة؛ فمن المعلوم أن أنصار دولة هيرودس ما ~~فتئوا يرجون إحياءها، فيمقتون الرومان مقتهم لأي قديس شعبي، وأن الصدوقيين - ~~وإن كانوا أصدقاء للرومان - أعداء للمسيح، فإذا ما تضافرت أيدي ذينك الفريقين قام بذلك ~~جسر، وقد يكفي لاصطياد ذلك النبي وضع سؤال سياسي له، فإذا كان قوله ضد رومة أقيمت عليه ~~قضية سياسية وقبض عليه الوالي، وإذا جاء قوله مؤيدا للمسيح خاصمه الهيروديون الذين ~~يشعرون اليوم بقوتهم، بعد أن جاء أميرهم هيرودس أمس لحضور عيد الفصح، وليكن السير على ~~مهل! # حل اليوم الثالث، وكان يسوع في الهيكل، فدنا منه شبان أعدهم الفريسيون ~~والهيروديون، فقال له أحدهم بأدب: «يا معلم، نعلم أنك صادق وتعلم طريق الله ~~بالحق ولا تبالي بأحد؛ لأنك لا تنظر إلي وجوه الناس، فقل لنا: ماذا تظن، أيجوز ~~أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟» # لم يسبق أن شغل يسوع باله في أمور الضرائب ولا في أمر القيصر، فإذا حدث أن أراد عدم ~~دفع الضريبة في كفر ناحوم فلكي يظهر بمظهر ابن ملك قبل أن يدفع، ويذكر يسوع الآن ~~ابن بلده يهوذا الجليلي الذي أوقد نار الفتنة، فكان زعيمها من أجل تأدية جزية إلى ~~الرومان؛ لما رآه من العار في ذلك، ويشعر بما بيت له فيجيب: «لماذا تجربونني ~~يا مراءون؟ أروني معاملة الجزية!» # يعرض عليه دينار روماني، ويظن أنه يزيد هياجا عندما ينظر إلى الصورة ~~المحرمة فيه، ولكنه يسأل: «لمن هذه الصورة والكتابة؟» # فيقولون له: «لقيصر!» ~~«أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر، وما لله لله!» # كان هذا جواب معلم فصمتوا مرتبكين شاعرين بأنهم أخزوا وهزموا، ويعلم ~~الصدوقيون ذلك فيشمتون بخصومهم الفريسيين ساخرين لا ريب، ويأتي دور ~~الصدوقيين فلا يرون خيرا في غير الهزوء به، أفلم يحدث عن البعث الذي يؤمن به ~~الفريسيون من دونهم؟ فلذلك يسأله الصدوقيون في الهيكل عن سبعة إخوة تزوجوا ~~بالتعاقب امرأة واحدة من ms118 غير أن تلد لهم ولدا، ثم تموت هذه المرأة فتلاقي في السماء ~~أزواجها السبعة، فزوجة أيهم تكون في الحياة الآخرة بعد أن كانت زوجة لهم جميعهم في هذه ~~الحياة الدنيا؟ وينتظر الصدوقيون الجواب، وينتظره معهم الجمهور المستمع، وكل جواب ~~عن هذا السؤال سيثير سخرية السامعين ما خص بها واحد من الأزواج السبعة، وظل الستة ~~الآخرون غير أزواج لها. # فاسمع جواب يسوع: «تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله؛ لأنهم في القيامة لا ~~يزوجون ولا يتزوجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء، وأما من جهة قيامة الأموات ~~أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل: أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، ليس ~~الله إله أموات، بل إله أحياء؛ لأن الجميع عنده أحياء.» # ويدهش رجال الشريعة، ويعجب بعضهم باطلاع هذا العلماني على التوراة من غير أن ~~ينطقوا بكلمة، ويسر الفريسيون في هذه المرة بما صفع به النبي خصومهم، وقد ~~قيل: إن كلا الفريقين يتبارى في إسقاطه، فالآن يرسل الفريسيون كاتبا ليسأله: «أية ~~وصية هي أول الوصايا؟» # فيجيبه يسوع: «إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد، ~~وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك، هذه هي ~~الوصية الأولى، وثانية مثلها هي: تحب قريبك كنفسك. ليس وصية أخرى أعظم من هاتين.» # كان لهذه الكلمة أبلغ الأثر؛ فقد شعر السائل شعورا مبهما بأن المعتقد القديم والتفسير ~~الجديد يتعارضان في جملتين، فيهز رأسه، وينسى رسالته، ويقول حائرا: «جيدا يا معلم ~~بالحق قلت.» ثم يكرر كلمات يسوع مضيفا إليها: «هذه هي أفضل من جميع المحرقات ~~والذبائح.» ويبدو يسوع متساهلا بعد أن سمع لهجة السائل السلمية، فيقول له: «لست ~~بعيدا عن ملكوت الله.» # وهكذا يقترب ذانك العالمان أحدهما من الآخر لوقت قصير. # ويستمع الفريسيون إلى ما قصه صاحبهم فيقولون: أيمكن القبض عليه إذن؟ ألا ~~يؤخذ بسبب عطفه على الخطأة المذنبين؟ # ويعن لأحدهم رأي؛ فقد قبض في هذه الليلة على امرأة وهي تزني، فيخوض ms119 أهل المدينة ~~في أمرها، فليؤت بها إلى النبي، فمن يدري أنه لا يبرئها؟ # طلبت المرأة السجينة، وبحث عنه فوجد في إحدى الباحات الدنيا جالسا مع أصحابه على ~~الأرض في أسفل الدرج الأربع عشرة المؤدية إلى داخل الهيكل، فيدهش إذ يرى الجمع الآتي ~~إليه، ويرى امرأة يؤتى بها من الشوارع، فيسأل في نفسه متفرسا: من هي هذه ~~المرأة؟ فيقول الذي يمسكها: «يا معلم، هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات ~~الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم، فماذا تقول أنت؟» # نظر يسوع إلى المرأة عن كثب وإلى المتهم لها، فوجده سيئ الحمية، ووجدها ~~حزينة خجلة، فهل يجيب بما يملي عليه قلبه؟ وهل بين الجمهور من يدرك أمره إذا ~~ما فعل ذلك؟ تحدق إليه العيون، ويغض البصر ناظرا إلى الأرض كاتبا عليها ~~بإصبعه، ويتبادل الحضور النظرات ويتساءلون عما يدل عليه ذلك وينتظرون، ثم يفرغ صبرهم ~~فيسألونه ثانية، فيرفع عينيه فيرى أنه لا يستطيع الدفاع عن تلك الأثيمة، وإن كان راغبا في ~~توبتها، مبغضا لعرض الفضائل والجهر بها، فيخاطب أفئدة المتهمين بقوله: «من كان ~~منكم بلا خطيئة فليرمها أولا بحجر!» # ثم يحني رأسه ثانية على استحياء ويكتب على الأرض. # ولم يحدث أن كان لقول له فعل وأثر أكثر مما كان لتلك الكلمة. # وما أكثر من تابوا في الجليل لما سمعوه منه؛ فقد عدل عشارون بفضله عن مهنتهم ~~الآثمة، وأتته البغي مريم المجدلية باكية، فاقتبست منه نوعا جديدا للحب. وفي هذا ~~الصباح، يجد كاتب الحق بجانبه فيعترف بغلبه، والآن ينفذ كلامه العذب في قلوب هؤلاء ~~القابضين على تلك الأثيمة الراغبين في قتلها، فيجد كل واحد منهم خطيئة لم يكفر عنها، ~~فلا يجرؤ على رفع حجر ليرجمها به فيتركونها، وينفضون بهدوء كما لو كان كل واحد ~~منهم يود أن يخفي نفسه عن الآخرين، ويظل النبي وحده والآثمة واقفة ~~أمامه. # هنالك ينتصب يسوع ويسأل ما رأى تفرق أولئك مع شعور كل واحد منهم بخطيئة ~~اقترفها: «أين هم أولئك المشتكون عليك؟ أما دانك أحد؟» # فقالت: ms120 «لا أحد يا سيد!» # ويذهل عن شأنه الجديد وينطفئ فيه شعوره بأنه المسيح طرفة عين، فيحس أنه ابن ~~إنسان كالآخرين، فيخاطبها بالكلمة ذات المعنى الخفي: «ولا أنا أدينك، اذهبي ولا ~~تخطئي أيضا!» ~~••• # أشك في نفسه، أم إن جو أورشليم الجاف استنزف معين خياله؟ مضت ثلاثة أيام من غير ~~أن يحدث شيء خلا مجادلات حول بعض الكلمات والعادات، فأين معجزاته؟ وأين ينبوع ~~المحبة الذي ود تفجيره بضربه تلك الصخور الجديبة كما فعل موسى في حوريب؟ يقول ~~تلاميذه: إن الشعب تحرك قليلا فكان فريق قائلا له وفريق ضده، وأسفر العيد وانصراف ~~أذهان الأجانب إلى ألف طرفة وطرفة عن نسيان سابق مكافحته للتجار، ولم يقع ما ~~يستفز الإيمان، أو يحرك في النفوس حب الاطلاع، فلاح بعد الهدف، وتبدد دور ~~الرجاء والخوف. # يتوجه إلى الهيكل للمرة الرابعة، ويرى أن يكون هو واضع السؤال في هذه المرة؛ ليعلم ~~وجود أناس من غير تلاميذه يؤمنون برسالته، وكان قد اغتم حين سأل تلاميذه أمام كهف إله ~~الرعاة بالقرب من قيصرية فيلبس عن رأيهم في حقيقة أمره، واليوم يغتم أكثر مما في ~~ذلك اليوم؛ لما يراه من مخاطبة الفريسيين، لا تلاميذه، حول المسيح، ويلبس ~~سؤاله شكلا ملائما للمناظرات الدينية فيقول: «ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من ~~هو؟» # فيقولون: «ابن داود!» # فيقول: «كيف يدعوه داود بالروح ربا قائلا: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع ~~أعداءك موطئا لقدميك، فإن كان داود يدعوه ربا؛ فكيف يكون ابنه؟» # لم يجب أحد عن السؤال، بيد أن الفريسيين الذين هم على شيء من الفطنة ~~والذكاء استنبطوا من السؤال أن يسوع يشعر في نفسه بأنه هو المسيح، وبأن ولادته في الجليل ~~وعدم اتصال نسبه بداود مما يقف حجر عثرة في طريقه، وأنه ينتظر اعتراضا ~~عليه، فيحاول أن يحرف معاني النصوص القديمة ما تأصل فيه إيمانه بأنه المسيح مع ~~قليل شك في أنه هو. # ولكن يسوع إذ لاحظ صموتا ولم يسمع جوابا، وكان قادرا على قراءة أفكار الناس من ~~وجوههم، فلم يجد عطفا عليه ms121 في عيون الجمع، وكان تعبا من الصد والرد بين جماعة ~~معادية، فيتلمس مخرجا على غير جدوى، رأى أن يكافح كفاح اليائس فيهاجم. # يجب أن يقع ذلك في ساعة يتقاطر الجمهور فيها إلى الهيكل، فيلتف حوله متعطشا إلى سماع ~~كلامه، كما كان يحدث على شاطئ البحيرة من بلاد الجليل، فيجمع يسوع قواه ليتهم ~~الفريسيين بما يجول في خاطره، فيفضحهم بصادق القول، ولا يهمه أن يؤخذ بكلامه بعد ~~ذلك. # قال يسوع من غير أن يحرض على الفتنة رأسا: «على كرسي موسى جلس الكتبة ~~والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا ~~تعملوا؛ لأنهم يقولون ولا يفعلون، فإنهم يحزمون أحمالا ثقيلة عسرة الحمل، ~~ويضعونها على أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم، وكل أعمالهم ~~يعملونها لكي تنظرهم الناس، فيعرضون عصائبهم، ويعظمون أهداب ثيابهم، ويحبون ~~المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيات في الأسواق، وأن ~~يدعوهم الناس: سيدي سيدي ... ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون؛ لأنكم ~~تغلقون ملكوت السماوات أمام الناس، فلا تدخلون أنتم، ولا تدعون الداخلين ~~يدخلون.» ~~«ويل لكم أيها القادة العميان القائلون: من حلف بالهيكل فليس بشيء، ولكن من حلف ~~بذهب الهيكل يلتزم. أيها الجهال والعميان، أيما أعظم: القربان أم المذبح؟ ... ويل ~~لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون؛ لأنكم تعشرون النعنع والشبث # 14 # والكمون، وتركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان، كان ينبغي ~~أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. أيها القادة العميان، يصفون عن البعوضة ويبلعون ~~الجمل. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون؛ لأنكم تنقون خارج الكأس ~~والصفحة وهما من داخل مملوءان اختطافا ودعارة. أيها الفريسي الأعمى، نق ~~أولا داخل الكأس والصفحة؛ لكي يكون خارجهما أيضا نقيا. ويل لكم أيها الكتبة ~~والفريسيون المراءون؛ لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة، وهي ~~من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة، هكذا أنتم أيضا من خارج تظهرون للناس ~~أبرارا، ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثما. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون ~~المراءون؛ لأنكم تبنون قبور الأنبياء، وتزينون مدافن الصديقين ms122 وتقولون: لو ~~كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء، وأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء ~~قتلة الأنبياء، فاملئوا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف تهربون من ~~دينونة جهنم؟» # ويذعر الحضور، فهل ظنوا أن يوحنا قد بعث؟ وهل ذكر يسوع ما كان من شدة ~~يوحنا فرأى أن سبيل الندم والتوبة أولى فعاد اليوم إلى مثل سنة يوحنا؟ كلا، ~~لم يذكر ذلك، ويرى يسوع أن يترك الهيكل الذي لم يجد فيه أثرا للتقوى فيهم بالخروج ~~من الجمع، وإنه لفي الفناء التالي هو وتلاميذه؛ إذ يرى القوم مجتمعين حول ثلاث عشرة ~~خزانة؛ كي يضع المؤمنون فيها ما عليهم، وتقف نظره عجوز تفك عقدة منديلها ~~بصعوبة؛ لتخرج منه فلسين باحثة عن ثقب خزانة لتدخلهما فيه، ويدفعها الأغنياء ~~اللابسون أزهى ثياب، والذين من عادتهم أن يضعوا في تلك الخزائن مبالغ كبيرة على مرأى من ~~الناس، فتتنحى العجوز المسكينة الرثة الثياب جانبا مرتجفة، ثم يخلو الجو فتضع ~~بأصابعها الشثنة الفلسين في خزانة، فيؤثر ذلك في يسوع؛ لما يجده في القدس ~~من خالص التقوى في آخر الأمر فيقول: «الحق أقول لكم: إن هذه الأرملة الفقيرة قد ألقت أكثر ~~من جميع الذين ألقوا في الخزانة؛ لأن الجميع من فضلتهم ألقوا، وأما هذه فمن ~~إعوازها ألقت كل ما عندها كل معيشتها.» ~~••• # لم يدرك تلاميذ يسوع أمره في هذه المرة أيضا، فلم يعرفوا المصيبة التي تساوره، ولا ~~الريب التي تخامره، ولا القنوط الذي يعتوره، ولم تمتد آمالهم ورغباتهم إلى ما هو أبعد ~~من اليوم التالي، وهم إذا ما خاطبوه في أحوال خاصة لم يدر ذلك حول الأمور الروحية. ~~ومن هذا أن جاءت سالومة أم يعقوب ويوحنا وولداها خلفها لتراه، فدل هذا على أنهما ~~هما اللذان أرسلاها إليه، فركعوا وقالت سالومة: «قل أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك، ~~والآخر عن اليسار في ملكوتك.» # ذلك، إذن، ما كان يشغل بال أفضل تلاميذه! هما رافقا المعلم أكثر من سنة فلم يريا في ~~مذهبه غير ذلك! فاسمع جوابه مغاضبا: ms123 «لستما تعلمان ما تطلبان، أتستطيعان أن تشربا الكأس ~~التي أشربها؟» # فيقولان له: «نستطيع!» # فيقول برفق: «ليس لي أن أعطي الجلوس عن يميني وعن يساري إلا للذين أعد لهم من ~~أبي!» # وفي الغد يحتدم النقاش بين تلاميذه فيخرجونه من صمته؛ فقد كثر اللغط بينهم حول من هو ~~أعظمهم، ناسين قول المعلم لهم: إنه لا ينبغي لأحد أن يرتفع فوق الآخر، وإنه لا يكون في ~~الملكوت الجديد قوة ولا سلطان ولا سلسلة مراتب، فاسمع قوله المر لهم: «أنتم تعلمون أن ~~رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يتسلطون عليهم؛ فلا يكون هذا فيكم، بل من أراد أن يكون ~~فيكم عظيما فليكن خادما، ومن أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا، كما أن ابن ~~الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم.» # وفيما هم يتجادلون على هذا المنوال، وفيما هم يتكلمون حول ما أجاد المعلم في صنعه، وما ~~وجب ألا يفعله في تلك الأيام بأورشليم، كان أحدهم يهوذا صامتا مستمعا مفكرا. # ويهوذا هذا وحده هو غير الجليلي بين أولئك الرجال والنساء، ويهوذا هذا قد ترك المنطقة ~~اليهودية منذ طويل زمن؛ ليتبع المعمدان في البداءة على ما يحتمل، ثم لحق بيسوع ~~الذي أعجبه كلامه ومذهبه أكثر من أن يعجبه شخصه على ما يظهر، ويلوح لنا أنه هجر أهله ~~وطلق صنعة ونقدا ومالا، وقد جعل قيما على المال المشترك لروحه العملية، وهو ~~الوحيد من بين رفقائه في الاطلاع على العالم قبل التحاقه بالنبي الناصري الذي لم يعرفه ~~سابقا، فكان يعرف أولياء الأمور ويعرف أورشليم، ويعرف ماذا ترك ولماذا ترك، وغير ذلك أمر ~~الذين وجدهم مقربين لدى المعلم فأصبحوا إخوانا له؛ فقد كانوا خياليين متحمسين من ~~الجنسين، وقد نشئوا في مدن صغيرة، وبيئات ضيقة، وفيهم ما في أهل الجليل من اتقاد ~~الذهن والحماسة، وهم لم يتركوا شباك صيدهم ومحاريثهم إلا تلبية لنداء ذلك الناصري ~~العذب الكلام في شواطئهم. # ويسأل يهوذا عما كان يعمل في هذه الحال أو تلك الحال لو كان في محل معلمه، وعما ~~فعل هذا المعلم من خير، ms124 وكلما دنا يهوذا من وطنه القديم تنبهت فيه دوافع صباه ~~السابق، وكلما حن إلى أسرته ومهنته وعاودته أفكاره التي أقصته عن أهله اغتم بما لا ~~يقل عن غم المعلم نفسه على ما يحتمل، وماذا حدث؟ وماذا صنع المعلم لينال ~~السلطان، ويحقق واسع الآمال؟ أيعتقد حقا أن الرب سيغمس يده من أعلى السماء ~~في هذا العالم المعقدة أموره، فيمهد السبل لابنه؟ أجل زاد التلميذ بين ~~يوم ويوم ألما من الانتظار، واستمع في الهيكل مع الآخرين إلى الأمثال والتهم ~~والأجوبة، ولكن من غير أن تتمخض حركة منذ طرد يسوع أعداءه من الهيكل في اليوم الأول، ~~وها هو ذا البطل يصفر وجهه غير متقدم إلى الأمام! # جثسيماني. # ويقول ليهوذا همسا أصدقاؤه القدماء وأقرباؤه فيزيدون ريبه: أهذا هو معلمه؟ أمن أجل ~~هذا ترك صنعته وماله وهجر كل شيء؟ أمن أجل اتباع مجنون لم يسطع أن يحمل الناس على ~~إطاعته؟ ويجد يهوذا بعد عودته ما يجذبه في السلطة، وفي الكهنة، وحللهم ~~واتزان خطاهم، وفي إعجاب الأجانب، وأما ذلك الذي ضحى من أجله بكل شيء فقد دخل ~~أورشليم بسيط المظهر عابسا راكبا أتانا! وهو الآن لا يبدي حراكا! # وتساور الشكوك يهوذا فيما يقوله معلمه، فيعزم على البت بإخلاص لا عن طفرة، ~~ويرى يهوذا معلمه مغتما فيألم؛ لما يبصره من إضاعته للساعات الأخيرة التي يمكن ~~العمل فيها، ولما يشعر به أكثر من إخوانه، من أن الشريعة تجمع قواها لتدوس ذلك الممسوس ~~المزعج، ويهوذا هو أول من قدر أن شعور يسوع بدنو أجله هو الذي أملى عليه خطبته ~~الأخيرة التي قالها في الهيكل، فأخاف بها تلاميذه أكثر مما أنار بها بصائرهم. # والآن يبدو يسوع جامعا لقواه مرة أخرى، فيظهر أمام تلاميذه أنه المسيح بما أوتي ~~من قوة، فيعرض نفسه على أنه المخلص بين الشدائد والزلازل والمجاعات، فاسمع ما ~~يقوله وهو جالس هو وتلاميذه في المساء الخامس حول المائدة في بيت عنيا: «وحينئذ تبصر ~~جميع قبائل الأرض ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير، فيرسل ~~ملائكته ببوق ms125 عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقاصي السماء إلى أقاصيها ~~... لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله، السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول ... ~~ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على ~~كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي ~~الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن اليسار، ثم يقول ~~الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعد لكم منذ ~~تأسيس العالم؛ لأني جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني ... بما أنكم فعلتموه بأحد ~~إخوتي هؤلاء الأصاغر ، فبي فعلتم.» # وهكذا يسعد يسوع أو يدين من يعمل الخير أو الشر، وهكذا يعلن نفسه قاضيا ~~ربانيا بأصرح مما في أي زمن، فلا يتردد في إنباء هؤلاء الذين يسمعون ~~كلامه بأنهم سيرونه نازلا من السماء في هذه الحياة الدنيا، وهكذا يبوح بذلك إلى ~~جمعه الصغير متمثلا ما فكر فيه بقيصرية فيلبس، بعد أن طوت أورشليم كشحا ~~عنه فعادت لا تصغي إليه، وينظر إليه أولئك الذين يحيطون به فيؤمنون به، ويهوذا وحده هو ~~الذي يصعب عليه أن يرضى بذلك فيسأل: لماذا يرتد يسوع في معترك الحياة فيذكر ~~متمدحا أمام خلصائه سلطانه ذلك، ومجده ذلك؟ فبهذا تشتد شكوك يهوذا! # وإن السكوت ليسود المائدة بعد ذلك؛ إذ يفاجأ الجالسون حولها بامرأة رأت يسوع حديثا، ~~فهذه المرأة الجميلة جمال مريم المجدلية فيما مضى لم تبد من الضراعة مثل ما أبدت، ~~فتتوجه إلى يسوع الذي أدخل الإيمان إلى قلبها كتمثال، تتوجه إليه وهي تحمل بيديها ~~قارورة من رخام أبيض، فتكسر عنقها، فتصب جميع ما فيها من الطيب الهندي الثمين ~~على شعره، فتدهن جسمه، فيدهش الحاضرون خلا يهوذا الذي تحول الشك فيه إلى ~~أزمة، فيجرؤ على لوم المعلم الذي لم يمنع مثل هذا التبذير فيقول: «لماذا كان تلف ~~الطيب هذا؟ كان يمكن أن يباع هذا بأكثر من ثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء!» # لم يسبق أن عامله تلميذ بمثل هذا، ويحدق إلى هذا الذي يرفع صوته ms126 فوقه، فهل ~~شعر ببذرة التمرد في بيته، أو يعد يهوذا عصبيا مقدرا أن دخول الهدايا ~~في خزانته خير من تبذيره على شعر المعلم؟ فاسمع تعنيف يسوع إياه ~~برفق. ~~«اتركوها! لماذا تزعجونها؟ قد عملت بي عملا حسنا؛ لأن الفقراء معكم في كل حين، ~~ومتى أردتم تقدرون أن تعملوا بهم خيرا، وأما أنا فلست معكم في كل حين، عملت ما ~~عندها، قد سبقت ودهنت بالطيب جسدي للتكفين.» # ويهزه كلامه ذلك فيصمت قليلا، ثم يود أن يطيب خاطرها بأكثر من ذلك فيقول ~~بلهجة قدماء الأنبياء: «الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم ~~يخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها.» ~~••• # غضب يهوذا، أفلم يبذل جهودا عظيمة لكسب أموال في سبيل الفقراء؟ أفلم ~~يضح بجميع ما يملك في سبيل حياته الأدبية؟ ولماذا؟ لقد شعر بفساد احترام امرأة ~~للمعلم بدهنه بما يساوي ثلاثمائة دينار، فأحس أنه خدع، فاشتعل قلبه ارتيابا، ~~فتذكر قول موسى: «إذا تكلم النبي باسم الرب فلم يتبع؛ كان ذلك افتراضا فلا ~~تخشه.» ويؤثر فيه ما رآه بأورشليم من إنذار أهله له، وسخريتهم به، فلا يدفع عن ~~نفسه مؤثرات الشباب وقوة قديم العادات، ويرى المعلم ساكنا لا يبدي حراكا ~~فيعزم على الحركة والعمل، ولم لا يطوي دور الانتظار الذي أضحى لا يطاق؟ # أيعرض عن معلمه؟ أيهجره؟ ليس هذا قليلا ولا كثيرا؛ وإنما أراد أن يحمل ~~يسوع وأعداء يسوع على اتخاذ خطوة حاسمة، فأخذ يبحث عن أسباب سائغة ليست بالحقيقة ~~سوى انتقام شخصي؛ لما اعتوره من قنوط، فوجد في ذهنه ما يطلبه، أفلم يقل المعلم ~~في الأيام الأخيرة مكررا بمختلف الصيغ: إن آلامه المنتظرة هي مرحلة إلى المجد ~~الأبدي؟ ألم يخبر بدنو أجله؟ فإذا كان هو المسيح حقا، وكان يتردد في إثبات ذلك ~~بالأعمال، لم يستطع أن يثبته للناس بغير آلامه، وتتضح عداوته للهيكل وللقائمين بأموره من ~~الوثائق والشتائم، ومن شكاوى كلا الحزبين، فإذا ما سلم لأعدائه بدا في العالم جوهره ~~وحقيقة إنجيله لكل ذي عينين. # والتلميذ الذي يقود المعلم إلى حيث ms127 يألم يكون وحده قد فتح له طريق المجد، ومن المحتمل ~~أن يكون يسوع العالي النسك منتظرا اليد التي تعينه على الوصول إلى النهاية، ومن ~~ثم إلى البداية، فإذا ما أتى الرب إذ ذاك بمعجزة فنصر ابنه؛ وجد التلميذ الملحد ما ~~يسوغ به فعلته من وجهين: فالمعلم يثبت آنئذ لنفسه ولتلميذه سلطانه الرباني، وتكون ~~جميع الشكوك والريب حول رسالته قد تبددت بذلك إلى الأبد. # حاول يهوذا أن يستر بتلك التأملات ضعفه وتأثره من إيمانه الماضي بيسوع وكفره الحاضر به، ~~فذهب إلى أحد بيوت الكهنوت التي يعرفها بأورشليم لا ريب. # أوصد الباب دونه بسرعة ثم استمع إليه؛ فقد كان أعضاء من المجمع الكبير مجتمعين لاتخاذ ~~قرار في الأمر ما ألحف الوقت عليهم بذلك، فلم يبق لعيد الفصح سوى يومين، فإذا ما برز ~~يسوع الناصري أمام الجموع المجتمعة، فكرر تهمه الشائنة ضد الجالسين على كرسي ~~موسى بدا الخطر، فيجب القبض عليه ليلا في مكان بعيد من الهيكل والمدينة، ومن أعين ~~الناس إذن، وليحاكم وليحكم عليه، ولينفذ الحكم فيه قبل يوم العيد بالاستناد إلى ~~شهادة شاهدين أو ثلاثة شهود إذن؛ ففي ضوضاء العيد ما يؤدي إلى نسيان أمره ~~عاجلا. # قدر أولئك الأعضاء ذلك وعلموا أيضا، أن من الخطر أن ترسل إلى بيت عنيا كتيبة ~~مسلحة لحصار بيت مطمئن، والقبض على نفر من الناس قد يقاومون فتسفر مقاومتهم عن ~~شغب، ثم رأوا المعين في تلميذ له أتى من تلقاء نفسه ليساعد على ذلك، فوجدوا إنجاز ~~الأمر منذ هذا المساء ممكنا، فأوعزوا إلى يهوذا بألا يغفل عن مراقبة ~~معلمه. # أراد يسوع أن يصنع كل يهودي تقي في خميس العيد، فأوصى على خروف فصحي من المدينة، ~~ما ظل وفيا لهذه العادة القديمة مع مقته تقريب القرابين، وما فكر، على ما يحتمل، في ~~الأكل من الخروف الفصحي للمرة الأولى والأخيرة بأورشليم، ويخص الأغراب بغرفة وفقا ~~للعادة، وتسلم إليهم أغطية ووسائد، ويأتي هؤلاء بلحم وخمر، وتهيأ كعكة ~~رقيقة قليلة الحلاوة مصنوعة من دقيق البر، وسليقة غليظة مصنوعة من الفواكه ms128 ومر ~~الكلأ تخليدا لذكرى محن مصر، ويأخذ التلاميذ الخروف إلى الهيكل، وينتظرون البركة مع ~~ألوف الناس، ثم ينتهون إلى الكهنة المقربي الذبائح، المرتلين لمزاميرهم رابطي ~~الجأش بين الدماء والأحشاء، وأصوات الأنعام والأبواق. # وينزل يسوع إلى المدينة مساء فيجد في الغرفة أربع وسائد كبيرة، وأغطية منظمة على ~~شكل نصف دائرة، فيستطيع أن يتكئ على كل وسادة ثلاثة أشخاص، ويخص يسوع بمكان الشرف ~~في الوسط على أن يستند أحد تلاميذه إلى ظهره، وآخر إلى صدره، ويختار بطرس ويوحنا لذلك، ~~ويبدو ربا لأسرة مراعيا للتقاليد، ويقوم بجميع الشعائر ويقرنها بكل ما يدل ~~على اقتراب أجله ، ويقول منذ جلس حول المائدة: «شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن ~~أتألم؛ لأني أقول لكم: إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله.» وتصب ~~له خمر حمراء فيخلطها بالماء وينطق بالبركة عند أول كأس: «حمدا لإلهنا رب العالمين ~~خالق ثمرة الكرمة.» ثم يدير الكأس فيقول: «خذوا هذه واقتسموها بينكم؛ لأني أقول لكم: ~~إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله.» # والمائدة وطيئة فيستطيع الآكل أن يتناول الطعام منها متكئا، ويبدأ بالأعشاب ~~المرة ثم بسليقة الفواكه مع حمد الرب على جميع ذلك، وترفع المائدة قبل أن ~~تخلط الكأس الثانية، وتدار الخمر مع الإنشاد، ثم تعاد المائدة وعليها رغيفان رقيقان ~~مدوران، ويقطع يسوع أحدهما، ويضع القطع على الرغيف الآخر ويقول: «حمدا لذلك ~~الذي يخرج الخبز من الأرض.» ثم يلف قطعة من الخبز بأعشاب ويغمسها في سليقة ~~الفواكه ويأكلها وينطق بدعاء آخر، وإنهم لكذلك إذ يؤتى بالخروف فيغمسون أصابعهم في ~~الصحفة معا على حسب عادة الشرق ويأكلون. # ومن ينظر إلى هنالك من بعيد يشاهد أصحابا مرحين اجتمعوا ليحمدوا الله على ما ~~أنعم به عليهم، ويشاهد يسوع آكلا معهم كما في كل وقت، مع أن نفس يسوع بعيدة منهم ~~أكثر مما في أي وقت، فيسوع يشعر بأنه خسر المعركة، خسرها بين أصحابه، فهل هم أصحابه ~~إذن؟ وعلى أيهم يعتمد؟ أفيدرك أحدهم أمره؟ أفيقاتلون من أجله ms129 وعددهم اثنا عشر وهم رجال ~~سلم لا حرب؟ أفينطقون بكلمة ويرفعون صوتا في سبيل إنقاذه؟ هم ضعاف على الدوام، ~~وقد فتر إيمانهم منذ وصولهم إلى تلك المدينة المعادية، فلا تجد بينهم من هو مستعد ~~لكفاح عدل عنه يسوع، فيا أورشليم! # أفيشك فيهم جميعا؟ أفيلاحظ جميع الأيدي التي تغمس في الصحفة؟ أينتقل نظره ~~الثاقب من يد يهوذا السافرة المرتعشة الأصابع إلى وجهه السافر؟ قد يكون ذلك؛ وإنما الذي لا ~~ريب فيه هو أن المعلم ترك الصحفة فقال بعد صمت: «الحق أقول لكم: إن واحدا منكم ~~يسلمني!» # ذعروا كلهم وتركت الأيدي الصحفة وتبادلوا النظرات ، ثم نظروا إلى يسوع، ثم تبادلوا ~~النظرات، فماذا حدث؟ أفلاح له عندما أحس دنو أجله أنه لن ينصره أحد من تلاميذه، وأن ~~تلاميذه الاثني عشر سيخونونه؟ أفيعلم أن ذلك الذي يتكئ على ظهره سينكره منذ هذه ~~الليلة؟ أفليست هذه هي الخيانة؟ أم إن بصره الحديد القادر على معرفة الرجال اكتشف العدو ~~الخفي في صمت يهوذا الذي ينتظر؟ # يعلم يهوذا وحده فيم يفكر المعلم فيصاب في فؤاده، وماذا يحدث لو أن يسوع نهض ~~حالا وأشار إلى يهوذا بإصبعه قائلا: أنت الذي عقدت نيتك على خيانتي؟! كان يجد في ~~يهوذا آثما تائبا فيسر به أكثر مما يسر بالأحد عشر الباقين الذين ~~سيخذلونه في نهاية الأمر! هذه هي الساعة التي ينتظر يهوذا المرتاب أن يظهر فيها ~~الملك الذي هو ابن الرب قدرته، فلو فعل ذلك لكان وقعه عليه كالصاعقة، ولخر على ~~قدميه من فوره ساجدا عابدا هذا الذي لم يدرك أمره، أفشاهد المعلم اصفرار وجه ذلك ~~الذي أصابه بكلامه؟ أوحده هو الذي رأى درجة ارتعاش يده محاولا إخفاء وجهه بعيدا من ~~نور المصباح؟ ~~«هل أنا؟ هل أنا؟» هذا ما سأله تلاميذ يسوع، ويبدي هؤلاء كالأولاد ثقتهم بمصدر ذلك ~~القول، ولكن يهوذا الذي يضع هذا السؤال كالآخرين ينتظر السهم الذي سيصيبه من عيني المعلم، ~~والمعلم يكتفي بقوله: «هو واحد من الاثني عشر الذي يغمس معي في الصحفة. إن ابن ~~الإنسان ماض كما ms130 هو مكتوب عنه؛ ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن ~~الإنسان، كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد!» # ويسأل يهوذا في نفسه: أهذا كل شيء؟ ويهدأ روعه فيقول في نفسه: أأجد في ذلك غير الرغبة ~~في الموت؟ ألم يكن قد عطل من النشاط فلا يشير إلي بإصبعه أمام جميع الشهود؟ أهذا هو ~~النبي الذي آمنا به؟ هو لا يعرف حتى الذي سيخونه، وهو لو عرفه ما أراد الكفاح. الموت ~~وحده هو الذي يحل هذه الألغاز. # إكليل من الشوك. # وتنتهي الوليمة بغم بين حديث ذاو، وما قاله يسوع عن الخيانة كان كختمه حكم ~~موته على ما يظهر؛ فقد أخبر في تلك الليلة غير مرة بقرب موته، وها هو ذا ينبئ في زهد ~~بأنه سيتلاشى ويتوارى من بين تلاميذه. # أصحيح أن هؤلاء الصيادين الفقراء والفلاحين البائسين ناقصو الحمية والإيمان، فلم ~~يتبعوه من شواطئ بحر الجليل إلى المدينة المقدسة إلا ليجتمعوا به في تلك الغرفة الضيقة؟ ~~تغص المدينة بالناس انتظارا للعيد، وتخفق ألوف القلوب عن تقوى بسبب العيد، ولا ~~يبحث أحد، مع ذلك، عن الاحتفاء بالنبي الذي أتى ليفتح أورشليم، من أجل هذا كان ذلك العشاء ~~الرباني مع أول تلاميذه وآخرهم، وهو حينما تناول في نهاية العشاء رغيفا ثانيا، ~~فقسمه شعر بأنه يقسم حياته بأصابعه، وهو حينما عرض على تلاميذه الخبز بيديه ~~التعبتين أكثر من تعبهما وقتما قسم الرغيف الأول قال برفق: «خذوا كلوا، هذا ~~هو جسدي!» # ثم أدار آخر كأس بحسب العادة، فلما رأى ضياء أحمر فيها قال: «هذا هو دمي الذي للعهد ~~الجديد، الذي يسفك من أجل كثيرين، الحق أقول لكم: إني لا أشرب بعد من نتاج ~~الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت الله.» # وينهض يسوع وينشد مسبحا وينصرف، ويتبعه تلاميذه إلى جبل الزيتون خلا ~~يهوذا. # ظل يهوذا في المدينة، وذهب ليخبر الخفراء. # الفصل الخامس # | الآلام # عاد يسوع وصحبه إلى جبل الزيتون في ساعة متأخرة من الليل، وكانت السماء صافية، ~~والهواء رطيبا، ويصل إليهم ضجيج ms131 المدينة المعيدة فلا يسمعونها ما تذكروا صامتين ~~كلام المعلم. # ويبدو أنه تحول، أفنشأ هذا عن طراوة الهواء؟ أم عما رآه من تواري يهوذا؟ أم عن شعوره ~~باقتراب الخطر؟ لا مراء في أن النشاط دب فيه منذ خروجه من المدينة، فأخذت تساوره عوامل ~~الكفاح والنضال، ومن المحتمل أن فكر في الفرار ما خاطب تلاميذه بقوله: «حين أرسلتكم بلا ~~كيس ولا مزود ولا أحذية، هل أعوزكم شيء؟» # فقالوا: «لا.» # فقال لهم: «من له كيس فليأخذه ومزود كذلك، ومن ليس له فليبع ثوبه ~~ويشتر سيفا.» # ويجفل التلاميذ عند سماع ذلك كما لو أخذوا متلبسين بجرم ، ولا سيما أن بعضهم كان ~~قد فكر في القتال وما يتطلبه القتال من السلاح، فتشجع اثنان منهم فجازفا بإظهار سلاحيهما ~~فقالا: «ها هو ذا هنا سيفان!» ويتكمش عند رؤيته هذه الأسلحة الضعيفة؛ وذلك على حسب عادته ~~عند مواجهة الحقائق، مقدرا بطلان المقاومة؛ لتمثله مناقضة الروح للقوة، ولمقابلته ~~بين الله والعالم، فيعدل عن رأيه في بضع ثوان، فيكتفي هادئا بقوله المبهم: ~~«يكفي!» # ويواثبه تفكيره بدنو أجله، ويحاول بين حين وحين أن يلطف وقعه في نفسه على ضوء ~~التوراة، ويقول لتلاميذه كمن يريد امتحانهم: «كلكم تشكون في هذه الليلة؛ لأنه ~~مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية.» # ويقاطعه بطرس بحماسة كما في قيصرية فيلبس فيقول: «إن شك فيك الجميع فأنا لا أشك ~~أبدا.» فينظر يسوع إلى بطرس مغتما ما عرف تقلبه وتقلب أصحابه فيقول: «إنك في ~~هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات.» # فيقول له بطرس: «لو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك.» فيردد التلاميذ الآخرون قوله. # ويدهش يسوع حين يسمع عهود الإخلاص والوفاء هذه، وتتجاذبه المتناقضات، أفيسلم ~~نفسه إلى العدو بغير مقاومة؟ أليس تلاميذه مسلحين؟ كلا، لا يذهب في هذه الليلة إلى بيت ~~عنيا؛ حيث يبحث عنه لا ريب، فإذا كان يهوذا الغائب شريكا في المؤامرة؛ فإن مجيء هذا ~~الخائن مع العدو إلى هنالك يكون غير مجد، ثم تشتعل فيه روح النضال مرة أخرى، فيترك ~~الطريق بغتة، ms132 ويأمر تلاميذه باتباعه، ويبحث عن مختبأ، وهكذا يود يسوع في آخر أيام ~~حياته أن يختفي على غير هدى، كما كان يفعل عندما يسير ضد العالم في كل مرة، ويدخل ~~يسوع في الليل البهيم في بستان زيتون يروية وادي قدرون، ويقع على المنحدر الغربي من ~~الجبل، ويحيط به سياج صبار، فيحميه من اللصوص كما تحمى بساتين الأهالي الأخرى. # وإليك يسوع وصحبه في ذلك البستان، ودخول بستان للاختفاء تجربة حديثة مزعجة ليسوع ~~الحليم الذي بلغ السنة الحادية والثلاثين من عمره، فلم يدخل قبل ذلك في غير أفئدة الناس، ~~وفي تلك الأيام يسمع يسوع طقطقة وهمسا، وتحاك حوله المؤامرات، ويكشر الموت ~~الذي أكثر من ذكره عن أنيابه له فجأة، ويزحف إليه بما لا عهد له بمثله، فتصول فيه من ~~جديد أرواح الحياة الحسية بذلك البستان، بعد أن ديست فيه شتاء بأجمعه، وبعد أن ~~خنقت فيه خلال الأسبوع الأخير بأورشليم، ويستهويه من جديد ما حوله من الهدوء، وتفتنه ~~رائحة شجر الزيتون، وطل الليل والكلأ الناعم تحت قدميه، والنجوم التي تلقي أشعتها من ~~بين الأغصان، وتبدو التوراة ووحي التوراة أمرا منسيا، أو معنى مبهما، وتثور في نفس ~~يسوع رغبة حارة في الابتهال إلى أبيه أن يدع له حياته. # وهل يبيح يسوع لنفسه أن يبوح لتلاميذه بما فيه من ارتباك أفكار واختلاط مشاعر؟ انتحى ~~يسوع بتلاميذه الثلاثة المفضلين: «بطرس ويعقوب ويوحنا» جانبا، تاركا الآخرين ~~تحت الشجر، وأخذ يسير هو وإياهم قليلا في الظلام، وصار يرتعش ويتردد ويخاف أن يترك ~~وحيدا، فقال لهم: «نفسي حزينة جدا حتى الموت، امكثوا هنا واسهروا معي!» # ثم تقدم بضع خطوات وسجد ومس جبينه وشعره الأرض الندية ودعا قائلا: «يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس؛ ولكن ليس كما أريد، بل كما تريد أنت.» # ويداوم يسوع على الدعاء من أجل حياته، ويفوض أمره إلى أبيه، ويعاوده الغم فينهض ~~مرة أخرى، ويخيل إليه أنه أحيط به، فيشعر شعور الفريسة عند اقتراب كلب الصيد منها، ~~ويعود ضعيفا بائسا حزينا إلى رفقائه، باحثا عن ms133 المعين فيهم، أفلا يبسطون ذرعانهم ~~لمعاضدته؟ أفلا يحلونه محل القلب في نفوسهم؟ # وجدهم نائمين، ووجد يعقوب ويوحنا وبطرس نائمين. # فقال لبطرس: «أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة؟» # ألا يتجلى قنوط الحياة في تلك الكلمة؟ أليس أولئك هم أخلص أتباعه الذين وهب لهم قلبه ~~منذ سنة وبعض سنة؟ هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها صاحبهم ومعلمهم العون منهم لا ~~من الرب الذي يدبر الأمر في عالم السر، وهذه هي المرة الأولى التي ثلمت الخمرة ~~والظلمة حدهم فيها فتراهم نياما! # وتساور النبي شكوك، أفلم يختر طريقا ضالة؟ أفلم ير بطرس هذا التعب روحا ~~وجسما ينشد الراحة غير مرة لدى زوجته كالولد الصغير على صدر أمه، فتحتضنه احتضان الوالدة ~~لولدها؟ ألم يكن انفراده خطأ؟ كان يمكنه أن يجد على الدوام ملجأ في قلب نسوي، وأيديا ~~ناعمة تداري شعره، وشفاها تقبل قدميه، وعطفا عليه في أعماله اليومية، وكان يمكنه أن ~~يشاهد ازدهار من يحبهم من الأولاد ونموهم، وكان يمكنه أن يقضي حياته بين أهل مدينة صغيرة ~~هادئة من الجليل، وأن يمتاز منهم بمخاطبته الأب فوق الجبل، وأن يحفظ سره في نفسه! # ولم جاء الناس بالبشرى معرضا حياته المطمئنة للخطر؟ فأين، إذن، القلوب التي ~~أيقظها وملأها سعادة بتعاليمه؟ فانظر إلى سمعان الذي عده صخرة يشاد عليها ~~الإيمان فسماه بطرس؛ تجده نائما في تلك الساعة الخطرة، وانظر إلى يوحنا الذي ~~كان يضمه إلى قلبه كالولد الصغير؛ تجده نائما أيضا، وانظر إلى يعقوب تجده نائما أيضا، ~~فإذا كان هؤلاء لم يسمعوا رجاء معلمهم للمرة الأولى، وإذا كانوا يكلونه وحده إلى ~~كربه وتردده، فيا خيبة الأمل! لقد نسي الغرباء - الذين سمعوه فشفاهم - رسالته منذ طويل ~~زمن، فهم لا يزالون في مراكبهم وسفن صيدهم فاتري الأفئدة، مع ظنه أنه ألهبها، فهل البشرى ~~التي أتى بها هي من هذه البشارات التي تستحق أن يضحي بحياته في سبيلها؟ «يا أبتاه! إن ~~لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها؛ فلتكن مشيئتك!» # هنالك ضوضاء وصليل سلاح؛ فقد ms134 كشف المخبأ، فدخل البستان جماعة تحمل مصابيح ومشاعل، ~~وكان قائدها رئيس حرس الهيكل، فهذا القائد تعذر عليه أن يقلل في هذا العيد عدد خفراء ~~الهيكل، فاستعان بخدمة رئيس الكهنة فسلحهم بسيوف وعصي، فذهب هؤلاء إلى بيت ~~عنيا للبحث عن يسوع، فلم يجدوه، فقادهم يهوذا إلى حيث المدينة، فأخذ يدقق في الطريق ~~إلى أن عثر له على أثر، وما كان ليثنيه شيء عما عزم عليه، وما كان ليبالي بغير ~~إنقاذ إخوانه الذين يرى أنهم خدعوا مثله. # وإن أولئك لجالسون على الأرض في الظلمة فلا يستطيع القائد ومن معه أن يعرفوا يسوع، ~~فيصعب إطلاق من يقبض عليه منهم؛ إذ عن ليهوذا رأي فقال للقائد: «الذي أقبله ~~هو هو، أمسكوه!» # الصلب. # ويقبل يهوذا على يسوع ويقبله وهو يقول: «السلام يا سيدي!» فيرفع أولئك الخدم ~~مصابيحهم ليتحققوا فريستهم، وينظر يسوع إلى تلميذه الخائن قائلا: «يا صاحب! لماذا ~~جئت؟» # ويبهت الخدم الحاملون عصيا، ويترددون بعد أن سمعوا كلمة «صاحب»؛ وذلك خشية أن ~~تكون قد نسجت خيانة هنا. # أفلا ترى يا يهوذا، تحطم حذقك كقدح كنسته نفثة النبي؟ هكذا يتكسر العقل ~~والحساب؛ حينما تنظر عينان بشريتان بريئتان إلى ذلك الذي يخادع نفسه راغبا في مخادعة ~~الآخرين. # ويقطع بطرس ما ساد من الصمت، ويستل سيفه من غير تفكير وروية كما هي عادته، فيقطع ~~أذن أقرب رجل منه، فكان هذا سببا في انتقال الخدم من السكون إلى الحركة، فيقبضون على ~~الذي حاول أن يمنع بطرس من فعلته، لا على بطرس الذي لاذ بالفرار. # يقبضون على المعلم، يقبضون على الرجل الطريد الحصور؛ حينما كانت المشاعل تنير ~~الوجوه الغليظة، وكان ضياؤها ينعكس على الخوذ والسيوف، وحينما كان العدو مسلحا، وكانت ~~الحكومة ضده، وينتحل الوضع الذي يلائمه تجاه القوة، ويجري في عروقه شعوره بأنه المختار، ~~ويسترد ما خسره في اليومين الأخيرين من العزة، وفي الظلام ببستان جثسيماني ~~هذا، وينتهي فيه عذاب الانتظار، فأما وقد حلت المحنة وأيقظته، نطق بهذا القول الجامع ~~الملائم لرسالته: «رد سيفك إلى مكانه؛ لأن كل الذين يأخذون ms135 السيف بالسيف ~~يهلكون.» # ثم ينظر إلى من حوله ويخاطب جنودا أكثر من أن يخاطب أصحابا، معربا بصوت عال عن ~~فكره السامي: «أتظنون أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم إلي أكثر من اثني ~~عشر جيشا من الملائكة؟ فكيف تكمل الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون؟ كأنه على لص خرجتم ~~بسيوف وعصي لتأخذوني. كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ولم ~~تمسكوني.» # لم يكن لكلامه هذا صدى، ولم يفهمه أحد، ويأمر القائد فيقبض عليه، ويستولي الذعر على ~~تلاميذه فلا يدافع أحد منهم عنه فيخذلونه. # ويسمع في بستان الزيتون حفيف شجر وتواري ظلال في الظلام؛ فقد فر جميع ~~الحواريين. ~~••• # سيق يسوع إلى قصر رئيس الكهنة في ساعة متأخرة، فسير به من مسالك ومراق عريضة ~~إلى غرفة واسعة خالية من الهواء ذات ستائر صفيقة، فرأى فيها على نور الشمع نحو عشرين ~~رجلا جالسين على وسائد في نصف دائرة صامتين منتظرين، ثم وقع نظره في وسط هؤلاء على شيخ ~~كنتي هزيل، متكرش الوجه، شاحب اللون، متلفف في أغطية، مستند إلى ~~مخاد مشابه لرق الناموس الذي رآه في الهيكل. ومن وجه هذا الشيخ كان يخرج ألفاظ ~~وشخير. # هذا هو حنان الذي كان رئيس الكهنة في عصر أغسطس الزاهر، ثم خلفه خمسة من ~~أبنائه في وظيفته مع بقائه قابضا على زمام الأمر مرهوبا ممقوتا، وقيافا الذي هو رئيس ~~الكهنة اليوم هو أصغر أولاده سنا، والرومان أصحاب السلطان هم الذين نصبوا قيافا ~~هذا، فظل مع شيبته مطيعا لأبيه حنان البالغ من العمر مائة سنة. # ويتعذر جمع المجمع الكبير كله في تلك الليلة القريبة من العيد، فاجتمع ثلث الأعضاء، ~~وهذا ما يكفي. ومن أحكام الشريعة أنه لا بد من انقضاء يومين للحكم بالإعدام وتنفيذه، فيمكن ~~للضرورة الملحة عد تلك الليلة اليوم الأول، وعد الصباح التالي اليوم ~~الثاني. # إعدامه أمر بت فيه؛ فالصدوقيون النافذون في المجمع الكبير لا يحبون الجدال ~~كالفريسيين، بل يرون قرن الأقوال بالأفعال، وضل من يقول غير هذا، ~~والسلطان والمال ينتقلان إلى الصدوقيين ms136 جيلا بعد جيل. ومن امتيازاتهم: بيع ~~أنعام القرابين، وإيجار الأماكن في الهيكل للباعة، وتوزيع الوظائف، وتحديد الأثمان، ~~والصدوقيون إذا ظلوا هادئين صابرين؛ على حين يثور الفريسيون ويهيجون، فليعملوا ~~في الوقت المناسب، وليقضوا على عوامل الخطر في ساعة واحدة؛ فقد دقت هذه الساعة، ~~فالشهود ينتظرون في خارج القاعة، والمتهم حاضر. # جيء بيسوع الجليلي أمام هؤلاء الذين نضجت أعمارهم، وحنكتهم التجارب، ~~فأنعموا النظر فيه منذ دخوله أكثر من أن ينعمه فيهم، فرأوا في منظره وسلوكه مثل أوضاع ~~ناقضي الناموس، ولم يكترث يسوع في محاكمته الجائرة لغير الشكل، ويعرف كلا الفريقين ما ~~تسفر عنه هذه المحاكمة، ويغتم المتهمون، مع ذلك، أكثر من المتهم الذي يعلم ~~هلاكه، أفلا يمكنه أن يصنع كما صنع زكريا في بدء حرب اليهود، فيمزق شبكة دسائسهم بصوت ~~راعد يوجهه إلى الشعب؟ فما الذي يؤاخذه عليه الشيخ حنان؟ أيؤاخذه على الطراز الذي ~~دخل به أورشليم؟ أم يؤاخذه على طرده الصيارفة من الهيكل؟ أم يؤاخذه على ما قذف به ~~الفريسيين؟ # لم يحدث شيء من هذا، ويقص الشهود ما عندهم، ويحاول الشيخ حنان أن يلبس ~~المحاكمة مظهرا نزيها مع أنه خصم وحكم في آن واحد، ولم يسمع صوت المتهم بعد، فغاظه ~~صمته تجاه ما وجه إليه من تهم وأسئلة، فطلب منه أن يوضح مذهبه. # النبي واقف هنالك بين أعدائه، فهل يكشف عن روحه الخفية أمام تلك الوجوه؟ لقد أجاب ~~بفتور: «أنا كلمت العالم علانية، أنا علمت كل حين في المجمع وفي الهيكل؛ ~~حيث يجتمع اليهود دائما، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء، لماذا تسألني أنا؟ اسأل الذين قد سمعوا ~~ما كلمتهم، هو ذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا.» # ما كان أحد ليجرؤ قبل الآن على النطق بمثل ذلك أمام السائل الهرم، فلطم أحد الخدم ~~المتهم بيده قائلا: «أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟» وذلك قبل أن يكون لدى الشيخ حنان من ~~الوقت ما يعنف به يسوع. # بيد أن يسوع أجاب بهدوء على طريقة الفريسيين: «إن كنت قد تكلمت رديا ~~فاشهد على الردي، وإن حسنا فلماذا ms137 تضربني؟» # ولم يرتح الكهنة لهذه الغلظة، فودوا احترام المظاهر والنظام. ويدرك الشيخ ~~حنان أن ما حدث حتى الآن لا يؤدي إلى نتيجة فاستدعى الشهود لإثبات أفظع التهم، ~~فأجمعوا على أنهم سمعوا يسوع يقول حديثا: «إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ~~ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأياد.» # ويظل المتهم صامتا أيضا في هذه المرة، فمما لا ريب فيه أن يكون قد نطق بمثل ذلك، ~~فلا تحتاج إقامة بيوت ملكوت الله التي هي مقر التقوى الخالصة إلى سنوات، وإلا لاقتضت ~~الأبدية. ويتقدم الشيخ حنان قليلا نحوه زاحفا بوسادته، ويرمي أحد أغطيته ويقول : ~~«أما تجيب بشيء؟» # لا صوت يرن في الغرفة ذات الستائر الصفيقة، وينظر بعض الحضور إلى بعض حائرين، فلم ~~لا يبدأ الشيخ حنان بجمع الأصوات منذ الآن؟ لقد جدف المتهم على الله ولم ينكر كلامه، ~~ولكن القاضي المحنك يرغب في برهان أمتن مما حدث؛ فهو يعرف روح الجدل في ~~الفريسيين، وأنهم سيعترضون في آخر الأمر، وهو يعرف تشدد الوالي الروماني الذي ~~يطلب دليلا ساطعا؛ فمن أجل ذلك يسعى في حمل النبي الزائف على الاعتراف، فيطرح أخطر ~~المسائل ليغري يسوع على الخروج من موقفه السلبي، فيزحف قليلا أيضا نحو المتهم، ~~فيكاد يمس رداءه العادي بذراعيه المدثرتين بنسيج من حرير، فيقول: «إن كنت أنت ~~المسيح فقل لنا!» # ويتجاذب يسوع إيمانه برسالته واحتقاره لأولئك الذين يسألونه، وتتصادم فيه عزته ~~واشمئزازه، ويتعارك فيه اعتزاز واعتزاز، فيكتفي بالجواب الجاف الآتي: «إن قلت لكم لا ~~تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني.» # ويتذمر القضاة من عناد يسوع ومن سعة صدر رئيسهم، ولا يرى هذا الرئيس أن ~~خطته أحبطت مع ذلك؛ فهو لا يزال يصر على اقتطاع اعتراف من يسوع، فيقوم بآخر ~~حملة، فيحاول النهوض مستندا بيديه المرتعشتين إلى وسادته، فيسرع إليه أولاده ليساعدوه ~~على ذلك؛ لما يعرفون من نهوضه ليدعو الرب، فيبرز هذا الفاني من بين الأغطية ~~والوسائد، فيرفع ذراعه العظمية فيسأل ناعقا كالغراب: «أستحلفك بالله الحي أن ~~تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟» ms138 # الآن يشعر يسوع بحلول الوقت الذي يعلن فيه بين الأعداء ما يأمر به الرب الذي ~~نفذ اسمه جو هذا المكان الخانق، ولا يرى يسوع، مع ذلك، أن يعتز؛ فهو يجيب بصوت ~~خاشع كصوته في بدء رسالته فيقول برفق: «أنت قلت.» # ولم ينشب يسوع أن رفع يده، فنظر إلى ما حوله، فقال بصوت ملك: «أقول لكم من الآن ~~تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوة، وآتيا على سحاب السماء.» # ويثب الجميع على أرجلهم، مذعورين بعد توتر ما توقعوا جوابا غير هذا؛ فقد تم ~~لهم ما أرادوه منذ ساعة بجواب يسوع الجريء، فأصابهم به في الصميم، فها هو ذا يسيء ~~استعمال قول دانيال بأن المسيح سيجلس عن يمين الرب، فليجر الشيخ حنان ~~حلته بيديه المرتجفتين وليمزقها، وليقل بصوته الجاف: «قد جدف. ما ~~حاجتنا بعد إلى شهود؟! ها قد سمعتم تجديفه. ماذا ترون؟» # فيقولون: «إنه مستوجب الموت.» # شفيت الصدور فإذا كانت القضية قد أقيمت على يسوع، وكان القبض عليه قد تم عن غرض ~~وفي الظلام، فإن جميع أولئك يشعرون بأن النبي دان نفسه بنفسه وفقا لأحكام الشرع؛ فهو ~~قد اقترف جرم الخيانة العظمى تجاه شعب الرب، فليكفر عن حبوط عمله إذن! حقا ~~لقد حكم على كثير من العظماء الخائنين وعلى كثير من الأنبياء بالإعدام، فقتلوا قبل ~~يسوع الناصري وبعده كما تأمر الشريعة، فأقيمت التماثيل، ووضعت الأناشيد بعد زمن ~~تعظيما لهم، وتخليدا لذكراهم. # ذهب ما يجب أن يكون للمحكمة من كريم المقام والشرف أدراج الرياح؛ فقد نسي أن الشريعة ~~تأمر بالصوم والندب قبل التنفيذ، وأما يسوع فقد تهافت الناس حوله مستهزئين ضاربين ~~كمن يود أن يمتحن ضعفه، ثم دفع بعنف واحتقار إلى خارج القاعة؛ لكي ينتظر ~~هنالك أخذه في الصباح إلى محكمة بيلاطس. # ومن بين التلاميذ ندم بطرس على عار الفرار؛ ففي وقت الفجر يرى اتباع معلمه ~~فينساب من بين الأرصفة، فيجد الخدم جالسين حول النار في ساحة دار رئيس الكهنة ذاكرين ~~حوادث الليلة، فيدنو منهم ليتسقط بعض الأخبار، فترد بغتة خادمة كانت تمازح ms139 ~~الخدم. وهذه الخادمة كانت قد نظرت النبي في الهيكل فتعرف الآن تلميذه، فتقول له: «وأنت ~~كنت مع يسوع الجليلي!» # فيقول بطرس: «لست أعرفه، ولست أدري ما تقولين!» # وينتبه الخدم لذلك، فيجر أحدهم الغريب قريبا من النار ليتبين وجهه فيقول: «ألم ~~أرك في هذه الليلة معه في البستان؟» # فيقول بطرس: «يا إنسان، لست أنا.» # ويعرف شخص ثالث لغة أهل الجليل فيقول اتفاقا: «حقا أنت منهم؛ لأنك جليلي، ولغتك ~~تشبه لغتهم.» # ويصر بطرس على الإنكار، ويلعن ويحلف ويكرر قوله: «إني لا أعرف هذا ~~الرجل.» # ويتفلت بطرس منهم خائفا يترقب، فيسير إلى الباب فيسمع من خم صياح ديك، ~~فيتذكر قول المعلم فينصرف باكيا. # ويساق يسوع المحكوم عليه في الصباح إلى مجمع اليهود الكبير «السنهدريم»، ويستمع هذا ~~المجمع إلى خلاصة أقوال الشهود وأقواله، فيوافق على حكم المجمع الصغير في الليل، فترفع ~~الجلسة ويستعد للذهاب إلى الوالي الروماني الذي لا بد من إجازته لأحكام الإعدام كي ~~ينفذها، ويتوجه موكب السبعين إلى برج أنطونيا ويتوسطه يسوع موثقا. ~~••• # لا يقيم بيلاطس ببرج أنطونيا الذي أصبح مقرا للشرطة إلا في الأعياد، ويحرس أبوابه ~~وجسوره كتائب من الرومان، وينظر بعض ألوف الغرباء إلى هذا البرج القيصري المسيطر على ~~المدينة بعين الخوف، وبعضهم بعين الاحترام، ويتجمهر جمع كبير خلف الكهنة المتوجهين ~~إليه لابسين حلل العيد. وليس دخوله مباحا لهم، فمما يدنسهم أن يدخلوا قلعة المشركين ~~في يوم عيد، فرئي للخروج من هذا المأزق أن يصنع أمام حائط القلعة محكمة من خشب؛ ليجلس ~~فيها الوالي الروماني أيام إقامته هنالك. # وبيلاطس يرى اقتراب الموكب فيمر من الباب محاطا بضباطه وحملة فئوسه، فيستقبل واقفا ~~رئيس الكهنة ورئيس المجمع الكبير قيافا، وينظر إلى المقيد بين الكهنة فيسأل ~~بغلظة: «أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان؟» والوالي الروماني إذا ما خلا إلى رئيس ~~الكهنة؛ ليفاوضه في غرفته، حاول الاثنان أن يتفاهما بأدب ما رغبت رومة في إرضاء ~~رعاياها، وما رغب قيافا في وال أنيس. واليوم يتكلم الوالي أمام الشعب بصوت جاف قاس ~~ما بدا ممثلا لرومة ms140 العظمى! # ومن أقصى أهداف الوالي ألا يبدو محابيا لحزب من أحزاب اليهود، فأمر حملة الفئوس بفصل ~~يسوع عن قضاته، وجلبه إلى قاعة الحكم بداخل القلعة. ومن المحتمل أن يكون قد فعل هذا ~~اتباعا لأحد التقاليد، ومن المحتمل أن يكون قد فعله لما ألقاه في روعه منظر مدين ~~عرف أوضاعه وأحواله منذ زمن طويل، ثم يعود إلى الكهنة فيسمعهم يقولون بلسان واحد: ~~«إننا وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تعطى جزية لقيصر.» ويكررون ذلك إلى أن يشير عليهم ~~قيافا بالسكوت فيقول لبيلاطس: «يقول إنه المسيح، ملك اليهود!» # والذي رسم لرئيس الكهنة قيافا خطته هذه هو الداهية حنان؛ فقد نصحه بأن يجعل من ~~القضية الدينية قضية سياسية ضد شخص خائن لرومة؛ لما للقضية الدينية وحدها من قليل ~~أثر في وال مشرك كبيلاطس، ويحار بيلاطس، ويدخل من الباب ليسأل يسوع ~~المتهم. # ويظل يسوع، في تلك الأثناء، هادئا ناظرا وهو واقف إلى ما يحيط به، فيرى داخل القاعة ~~مصنوعا من الحجارة الثمينة المزينة، ويرى خلف تلك القاعة حديقة جميلة يوصل إليها ~~بمسالك رائعة، ويرى الحمائم تطير حول حوض الماء، فيقول في نفسه صامتا غير حاقد: بمثل هذه ~~المنازل يقيم الأقوياء في هذا العالم! وهو الذي لم يدخل قصرا أو برجا قبل ذلك ~~قط. # دخل بيلاطس فدنا منه فأخذ يسأله باليونانية موجزا، فلا يكاد يفهم سؤاله، قال بيلاطس: ~~«أأنت ملك اليهود؟» # يشعر النبي بموجة عطف في عروقه كالتي كان يشعر بها في الغالب عند مصاقبته للمشركين، ~~فلا يجد فيهم ما يجده في اليهود من الغرور. وليس بمستبعد أن اعتقد وجود حنو في هذا ~~الجندي مع عطل أولئك الكهنة منه، كما يدل عليه جوابه عن أسئلة بيلاطس بأسئلة ~~أخرى؛ كقوله: «أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟» # تبسم بيلاطس فقال على الطريقة اليهودية: «ألعلي أنا يهودي؟» ثم سأله بأسلوب القضاء: ~~«أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلي، ماذا فعلت؟» # رأى يسوع أن يوضح لهذا المشرك ما عجز عن فهمه أعداؤه من بني قومه، فلعله يجد في ms141 ~~هذا الجندي رجلا يستطيع أن يدرك حقيقة أمره، فقال له بصوته الناصري الرخيم: «مملكتي ليست ~~من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلم إلى ~~اليهود.» # ويستمع بيلاطس له متعجبا فيجد فيه متهوسا متحمسا يمكن الانتفاع به ضد أولئك اليهود ~~المغرورين، فيسأله باهتمام: «أفأنت إذن ملك؟» # فيومئ يسوع بالإيجاب مضيفا إلى هذا قوله: «أنت تقول إني ملك؛ لهذا قد ولدت ~~أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي.» # لم يحدث أن فسر يسوع رسالته تفسيرا زمنيا بمثل هذا، ويقول بيلاطس في نفسه: ~~«يبدو فيلسوفا بعد كل شيء لا أجد فيه علة.» ثم يقول بيلاطس بأنفة: «ما هو ~~الحق؟» # وهكذا في سواء # 1 # القاعة بالقلعة بين الخوذ والسيوف يواجه أحدهما الآخر، فيبدو بيلاطس ~~مسلحا لابسا حلته الرومانية القصيرة، ويبدو يسوع يهوديا أعزل مقرنا في ~~الأصفاد لابسا رداء أسمر، ويتبادل الاثنان هنالك بعض الأفكار، لا كمتهم وقاضيه، ولا ~~كصعلوك أمام أمير كبير، ولا كرجل يدافع عن حياته، على حين يزن الآخر هذه الحياة ~~في يديه المسلحتين، بل كما لو كان الصعلوك ملكا والآخر سفير قيصر يسير أسير ~~وظيفته. ويظل يسوع وبيلاطس متقابلين متأملين متسائلين، منصتا أحدهما للآخر إلى أن ~~نطق بكلمة «الحق»، ففصل بها رجل الدنيا عن النبي. # ويخرج بيلاطس من القاعة فيقول للكهنة: «أنا لست أجد فيه علة واحدة.» # فيعترض الكهنة على ذلك بصوت عال قائلين: «إنه يهيج الشعب، وهو يعلم في ~~كل اليهودية مبتدئا من الجليل إلى هنا.» # آلجليل؟ وجد بيلاطس الروماني في هذه الكلمة ما يتمسك به في وسط ذلك اللغط، فطوى ~~صحيفة التفكير والمداراة، فرأى تسكين ما يضطرب له شعب الله الغريب الأطوار، فما كاد يسمع ~~أن يسوع جليلي حتى وجد في هذا ما يخرجه من المأزق؛ وبيان الأمر: أن بلاد الجليل تابعة ~~لهيرودس لا لرومة، وأن هيرودس هو الآن في أورشليم، فزار بيلاطس أمس. فيعود بيلاطس ~~إلى القاعة من غير أن يخبر أحدا أو يقول ms142 جوابا، فيسلم يسوع إلى قائد مائة ~~وإلى بضعة جنود، فيخرجه من باب خلفي ويرسله إلى هيرودس مع سؤاله: هل يرغب في ~~النظر إلى قضيته ما دامت بلاد الجليل منطقة حكمه؟ # اضطرب هيرودس في هذه الأيام؛ لما علمه من وجود يوحنا في أورشليم مبعوثا، واطلع ~~لا ريب على ما أسفرت عنه الخصومات، وانتهى إليه في هذا الصباح خبر القضية والحكم، ~~فعندما أنبئ بوصول النبي نظر إلى الباب برغبة ورهبة، فوجده ليس شبيها بيوحنا، ~~ولكنه طمع أن ينطق بحكمة فيسكن بكلمة ما كان لقتله المعمدان من الذكريات ~~الفظيعة التي تساوره، فأخذ يسأل يسوع عن عدة أمور لم ترو إلينا. # لم يجبه يسوع عن أسئلته؛ لما أوحى إليه منظره من السوانح الآتية: «هذا الذي ~~غيرت أحكامه مجرى حياتي، هذا الذي لولاه ما أضحت حياتي عامة على ما يحتمل، هذا ~~الذي لولاه ما وقفت هذا الموقف فصارت أوقات حياتي معدودة.» # فهل عليه أن يجيب عن أسئلته فيفسر له أمر النجوم والنبوءات والمستقبل؟ يسكت؛ ~~لأنه لا ينتظر الخلاص على أيدي الناس، يسكت؛ لأن هذا اليهودي وذلك المشرك ليسا في ~~نظره الذي يستطيع أن يخرق به حجب السماوات سوى مظهرين. # من أجل ذلك عده هيرودس مجنونا غاصبا لصيت يوحنا من غير أن يكون وارثا لحكمته ~~اللاذعة، فلا يصلح إلا ليكون مهزأة، فيلبسه هيرودس لباس المجانين اللامع ~~ويعيده إلى بيلاطس. # وفي ذلك الحين تلاحظ زوجة الوالي من النافذة ذلك الرجل الذي علمت عنه أمورا ~~محيرة للعقول في تلك الأيام، وهي قد تأملت في السنوات التي قضتها بين اليهود أشياء ~~كثيرة فسرها لها فلاسفة رومة والإسكندرية وأساتذة أورشليم، ويشوب معارفها ~~خرافات غير قليلة يضاف إليها ما تشعر به، لا ريب، من العطف على ذلك الناصري الذي يملأ ~~منظره أفئدة النساء، وترسل رسولا إلى زوجها؛ ليبلغ إليه قولها: «إياك وذلك البار؛ ~~لأني تألمت اليوم كثيرا في حلم من أجله.» # جاء إنذارها ذلك مؤيدا لرأي بيلاطس في هوس يسوع وحماسته، ويغضب بيلاطس من عناد ~~الكهنة ذوي الأثرة الذين يودون أن ms143 يضحوا من أجل مذاهبهم بمنافس قادر على ~~اختطاف ما لهم من الحظوة لدى الشعب، ويخرج إليهم للمرة الثالثة ويقول لهم: «لم ~~أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه، ولا هيرودس أيضا، فأنا ~~أؤدبه وأطلقه.» # وإن الأمر لكذلك؛ إذ يقبل جم غفير من المدينة ليتجمع في يوم عيد الفصح هذا تبعا ~~لعادة قديمة؛ فمن عادة الرومان أن يعفوا في عيد الفصح من كل سنة عن محكوم عليه؛ وذلك ~~ابتهاجا بالخروج من مصر، وتخفيفا لوطأة سلطانهم، وجعلها أقل إيلاما في نفوس ~~المغلوبين، ويصل الجمع إلى باب القلعة، ويبدأ بالصراخ كالأولاد مطالبا باتباع ~~العادة القديمة، وطامعا في إنقاذ حياة رجل، فيقول: «جاء الفصح، فأطلق ~~سجينا!» # قال بيلاطس في نفسه: أليست هذه آية؟ وخاطب بيلاطس الجمع بقوله: «أتريدون أن ~~أطلق لكم ملك اليهود؟» # ويخفى ما في قول بيلاطس هذا من التهكم الخفي على الجمهور وعلى الكهنة، الذين ~~كان يدور في رءوسهم من القلق ما يشغلهم، والكهنة يعرفون تقلب الشعب؛ فيكفي ~~تكرير كلمة أو هتاف لإطلاق ذلك النبي الخطر، الذي يلوح أن رومة تود حمايته، ~~فهنالك يذكر أحدهم سجينا آخر من أبطال الحرية الذين يمقتهم الكهنة مع حب الشعب ~~لهم، فهذا السجين الحمس هو الذي وصل مع عصابة من الجليليين إلى هنا في الخريف الماضي، ~~فسب الحرس الروماني فوقف، هو من أتباع يهوذا، هو باراباس! ~~«باراباس!» هذا ما صرخ به أعضاء المجمع الكبير عالمين ما فيه من معنى، «باراباس!» هذا ~~الذي هتف باسمه في الصفوف الأمامية. # دوى المكان كله باسم باراباس، وقال الجميع، حتى الذين لا يعرفون باراباس، بصوت عال: ~~«أطلق لنا باراباس!» # ويعمل بيلاطس مرة أخرى على إنقاذ يسوع المتهوس من الكهنة، ويعمل أيضا على إلقاء ~~المسئولية عن عاتقه في حكم صعب كذلك، وأن يغسل يديه منه أمام الشعب، فيجد في بهجة ~~العيد ما يجيز له أن يصدر عفوا آخر، فيجعل الكلمة الأخيرة للشعب فيسأله: «ماذا تريدون ~~أن أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود؟» # فيصرخ الشعب قائلا: «اصلبه!» هذا ما نعق به الكهنة ms144 بصوت واحد: «اصلبه!» ~~هذا ما ردده المكان والطرق «اصلبه!» هذا نعيق ألوف الناس بما لا يعرفون، ومثل ~~هذا نعيق الجمهور في كل زمن، وفي ألفي السنة القادمين! # ويجرب بيلاطس الجمهور للمرة الثالثة فيسأل: «وأي شر عمل؟» # فيجيبه أحد الأذكياء من الحضور بقوله: «إن أطلقت هذا فلست محبا لقيصر، كل من ~~يجعل نفسه ملكا يقاوم قيصر.» # ويتبسم بيلاطس في باطنه، فيود أن يؤكد حب هذا الشعب العجيب لقيصر، ~~فيبلغ خبره إلى رومة، فيسأل الجمهور: «أأصلب ملككم؟» # فيجيبه الجمهور بقوله: «ليس لنا ملك إلا قيصر.» # ويعدل بيلاطس عن الكفاح في سبيل متهوس لا يهمه أمره بالحقيقة، فيأمر ~~بإخراجه فينقل. # وبيلاطس فيما هو يفاوض في الخارج كان الجنود يتلهون بالسجين في البرج، فهم بعد أن ~~سمعوا قول قائدهم: إنه سيؤدب على كل حال نزعوا منه ثوب هيرودس اللامع وضربوه ~~بالعصي، وهو لإصراره على التسربل عن لهم أن ينكروه ملكا؛ لما قيل عن ~~تمثيله هذا الدور، ويخلع أحد الجنود على كتفيه دثارا حربيا مشدودا بشوكة، ويناوله ~~جندي آخر قصبة كصولجان، ويقطع جندي ثالث شوكا من سياج الحديقة فيصنع منه تاجا ~~ويضعه فوق شعره الطويل. # ويمر يسوع من الباب صامتا فيغرق الجمهور في الضحك، ويشعر رجل الدنيا ~~بيلاطس باحترام رجل الروح يسوع للمرة الأخيرة، حينما يقع نظره عليه خارجا، فيدل عليه ~~بإصبعه لضباطه المحيطين به، قائلا باللاتينية التي لا يفهمها غيرهم: «هو ذا ~~الإنسان!» ~~••• # يا لثقل هذا الصليب! يا لبعد الطريق! سيكون الموت سهلا، لن يكون موت، فسيمد ~~أبوه ذراعيه له، وسيفتح له باب المجد والجلال! # الجو حار، وخشب السدر ثقيل، وفي وسط هذا الخشب فرضة عميقة لتندمج به إحدى ~~القطعتين في الأخرى، وهو من القوة ما يكفي لحمل رجل. # الصليب غير ضروري لنقله إلى ملكوت السماوات من خلال السحاب، فيكفي لذلك عون أبيه، ~~فمتى يأتي؟ أيغطي الغيم وجهه أم يبقى ظاهرا؟ أيلف الصليب بالضباب ويرفع ~~يسوع حيا؟ ألا يرسل حمامته كما صنع عبر الأردن ما دام لا يبدو بذاته كما ~~أخبر الأنبياء؟ ألا يدوي ms145 صوته كصاعقة؟ ومن الزعم أن يقال: إنه لم يسمع ذلك الصوت بعدئذ ~~واضحا رخيما كما في الماضي! ومن الزعم أن يقال: إن كلمة «ابني الحبيب» لم تكرر له! ~~لقد سمع بطرس ذلك فوق الجبل بالقرب من قيصرية فيلبس، واليوم سيسمع من جديد! # ولم يدفعه هؤلاء الجنود إلى الأمام بقسوة؟ أهؤلاء الجنود من الأشرار إذن؟ هم ~~ينفذون ما أمروا به، وآمرهم قائد المائة لا يعمل بغير ما يريده الكهنة، وإذا ~~كان الكهنة لا يعرفون الله؛ فما هو ذنبهم؟ هم يجهلون بالحقيقة من يقتلون، ويجهلون ~~ماذا يصنعون، مع أن الله قد يكون قريبا منهم بأكثر مما يشعرون. أجل، تدل ملامحهم على ما ~~فيهم من غلظة؛ ولكن الجمهور هو الذي يحثهم، وبيلاطس نفسه هو أيضا عبد الجمهور في ~~نهاية الأمر. ألا إن «حديث ساعة مع الروماني تكفي لحمله على اتباعي، فإلى أين؟ لنرجع ~~إلى شاطئ بحر الجليل، فالفاكهة لا تنضج هنا، وأورشليم ليست إلا محل حجارة.» # الصليب ثقيل عليه؛ فلم تجف عصارة خشبه، وذلك الذي يمشي من هنالك شاب قوي، ~~فليحمله بدلا من المدين، فالمسافة التي بقيت قصيرة ... يدل وجهه على الخير، وهو يحمل ~~صليب غيره، وينال البشارة من حيث لا يدري، وبه ينضم إلى يسوع تلميذ، فأين الآخرون ~~إذن؟ # ويتقدم الصليب الموكب على كتفي ذلك الفتى المفتول الساعدين مترجحا، ويمتقع ~~يسوع ويبدو طاعنا في السن بغتة، ويدفعه الجنود بشدة. # ويسير قائد المائة راكبا حصانا صامتا عابسا على طرف الطريق، ويبدو هو وجنوده ~~متأففين؛ فهؤلاء يرون أن القيام بأعمال الجلادين لا يلائم كرامة الجندي، وقد ~~اضطروا في المرة الأخيرة إلى البقاء يومين تحت الصليب ريثما مات المصلوب. # وتسبق أولئك كتيبة أخرى إلى التل فتدق وتسمر، فهنالك يوجد أيضا يهوديان ~~آخران من القتلة واللصوص يجب صلبهما، وبعض الجنود يوسعون الحفر في الأرض، وبعضهم ~~يسمرون ذينك الرجلين على الصليبين الممدودين على الأرض، ويقاوم أحدهما فيزجر ~~بأيد قوية، ويتجاهلون صراخه، وتسمر كل واحدة من يديه بمسمارين عظيمين، وتوضع ~~إحدى رجليه فوق الأخرى، فتسمران بمسمار كبير واحد، ms146 ويكون التسمير متينا توفيرا ~~للحبل، ويسند الجسم إلى مقعد مائل، وتسند الرجلان إلى لوح؛ لكيلا تزلقا ~~فتجرا الجسم، ويجر الجنود ذينك الصليبين فيدنونهما من الحفرتين، فينادون ~~رفقاءهم ليساعدوهم على نصبهما وتركيزهما، وإملاء تينك الحفرتين بسرعة، وينصب ~~الصليبان مع الرجلين الصارخين ألما في جو حار خانق ... # ويرى يسوع ذلك كما لو كان في منام، فيجد أن ذينك الرجلين من القتلة واللصوص قد ضلا ~~فحوكما، فنفذ حكم الإعدام فيهما، كما يدل على ذلك اللوحان الصغيران المسمران في ~~أعلى الصليبين، والمكتوب عليهما في لغات ثلاث: الحكم ونوع الجرم، ولا بد من أن يوضع ~~على صليبه مثل ذينك اللوحين، فينظر فيجد الجندي الغليظ الذي كان يرفسه منذ هنيهة ~~يسمر في أعلى صليبه الخاص الممدود على الأرض لوحة مكتوبا عليها: «ملك اليهود»، ~~فهل حدث أن انتحل هذا؟ أليس ما يقع هنا غير وهم، أو أثر جنون أناس أصابهم الله ~~بالعمى؟ سيكشف الأب الغطاء عن الحق ويتجلى مجده حالا! # وإنه ليفكر ويأمل إذ يشعر بأيد هائلة ذات أظفار تمسك ذراعيه بغلظة، وتطرحه على الصليب، ~~فيبدو له مسمار عظيم، فيستولي عليه ذعر، فيغمى عليه من شدة الألم. # ويصحو، ويشعر بالتهاب جروحه، ويعلم أين هو من الصليبين القائمين عن يمينه وعن شماله؛ فهو ~~لم يصح في السماوات! ويرى في أسفله جنودا يقصفون # 2 # ويلعبون النرد، ويتبين رداءه على الأرض فيرى اللاعبين يقترعون عليه، ويألم ~~ويتنهد. وينظر أحد أولئك إليه، ويشير رجل آخر فترفع إلى شفتيه إسفنجة ~~مبللة كي يشرب منها؛ لما في هذا من تخفيف آلامه. # ويتم صحوه فيرفض ذلك بهز رأسه المحموم، فيهز رافع الإسفنجة إليه كتفيه ~~مستردا لها، فيسوع راغب عن الغشيان، فهل يدع تلك الساعة التي انتظرها كثيرا ~~تفوته مكتفيا بتسكين ألم يديه؟ ليت تلاميذه هنا فيروا تجلي نعمة الله عما ~~قليل! # الدفن. # بيد أن التلاميذ بعيدون والنظار قليلون؛ لأن الناس يحتفلون بعيد الفصح في تلك المدينة ~~القاسية الواقعة بين تلالها الصخرية، فيا أورشليم! وهنالك قباب لامعة تبدو من بعيد عن ~~الشمال، فذلك هو الهيكل؛ ms147 حيث أراد النصر، فماذا صنع فيه؟ أفلم يصب الكهنوت ~~بضربات قاتلة؟ لقد أحس الكهنة أنه يبشر بنظام جديد يقوض دعائم الهيكل ~~القديم، فيا له من كفاح! فمتى ينتهي؟ # ويمر من هنالك رجلان فينظران إليه من الطريق، فيسمع قول أحدهما مستخفا: «يا ~~ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام؛ خلص نفسك!» ويسمع قول الآخر: «لينزل الآن ~~المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنرى ونؤمن.» # فيرتعش؛ أفليسا على حق؟ فمتى تقع المعجزة؟ ويقول له القاتل المصلوب عن يمينه متهكما ~~مرددا لذلك: «إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا!» # فيجيبه اليائس المصلوب عن شماله: «أولا أنت تخاف الله؛ إذ أنت تحت هذا الحكم ~~بعينه؟ أما نحن فبعدل؛ لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في ~~محله. اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك!» # يجد يسوع في هذه الكلمات إلهاما. أجل، يضحك الرومان الذين هم في أسفل الصلبان حين ~~يسمعون محاورة اليهود الثلاثة المصلوبين، غير أن يسوع لا يسمع سوى صوت الإيمان؛ فهو ~~يشعر بأن لصا قاتلا شعر بقدرة ابن الإنسان فيوقظ أمله، فيجد أن الله أجرى على ~~لسان رجل من أحط إخوانه ما يحثه على الثبات على الإيمان، وتأتي كلمة الملكوت من ~~فوق، من السماء، فتدوي في أذنيه، ولا يهم في ذلك أن تصدر عن رأس صليب! ويفتح شفتيه ~~الداميتين المرتجفتين فيقول بما لا يكاد المصلوب الآخر يسمعه: «إنك اليوم تكون معي في ~~الفردوس.» # هذا اليوم! إذن هو يرجو أن ينقذه أبوه من فوره! لا يمكن أن يكون أبوه قد أراد إصابة جسمه ~~وأعضائه بهذه الآلام الشديدة! هو جاهد في سبيل الإيمان منذ أشارت عليه الحمامة، وأشار ~~عليه صوت الرب بأن يهجر مهنته ليبشر بملكوت أبيه، فإذا كانت عقيدته غرورا، وإذا كانت ~~رؤيته وهما، فلماذا يرهقه الناس ويسمرون يديه اللتين لم يرفعهما للطم إنسان أو ~~صفعه؟ وإذا كانت هذه الآلام عرضا، فما هي علة تبريحها وامتدادها؟ # وهكذا تتجاذبه الآلام والذكريات وتختلط فيه، فتربكه وتنيره في آن واحد، وتنقلب ~~أفكاره إلى سهام ms148 جارحة، وشهب زافرة كالأشعة التي تلقيها شمس الظهيرة على أعضائه ~~المنهوكة، وكالنبال الصارمة التي يرمي الفلك الظالم جبينه بها. # ويدير ناظريه بحثا عن تلاميذه وعن أصدقائه، فأين هم؟ # لقد فروا! # لا أحد هنالك يلقي آخر سلوان في قلب المعلم، لا أحد هنالك يخفف ألم ~~المعلم بمذهبه، لا أحد هنالك يدون أقوال المعلم الأخيرة فتحفظ ~~للذراري. # اليوم هم نيام كما في الأمس، واليوم حميتهم راقدة أيضا على ما يظهر. قطع ~~تأثير المعلم فيهم، وانهار إيمانهم، وضاعت الرسالة ضياع مياه الساقية في الرمال، ~~ونضب معين الحب الأخوي، فكأن ما حدث عبث يتوارى خلفه بضع نسوة مبرقعات ~~باكيات على ما روي، فهل يخفن أن يحيينه؟ تبعد عنه أمه وإخوته وأخواته! ~~فاللائي ينتظرن هنالك ناحبات غريبات، وتلك التي تحترق ألما من أجله هي مذنبة، هي ~~التي مسحت بشعرها رجل يسوع ذات يوم في مدينة صغيرة على شاطئ بحر الجليل، وآخر من ~~ينظر ثلاث نساء صيادين عرفن رسالة المحبة التي بشر بها، فأين الألوف؟ أفيبقى ~~أثر لما علمه في الصيف الأخير؟ وهل يدوم إنجيله إذا ما تفرق تلاميذه أيدي سبأ؟ ~~وإذا ما ذرت الرياح رسالته فماذا يبقى منه؟ لا يعد إذ ذاك أسمى من إخوته الذين ~~رأوه ممسوسا! # وتزيد آلام بدنه المنهوك بين دقيقة ودقيقة كما لو كانت نيران تشتعل فيه أو ضوار ~~تمزقه. # وينقضي بضع ساعات فقط فيشعر بانكسار قلبه الرقيق فيه، ويغشى عقله وخياله غيوم، ويستغلق ~~إيمانه وألمه، ويبدو نسيج آلام فيفتح شفتيه بعد طويل صمت، فزاد فيه ما ساوره من قنوط ~~في بستان جثسيماني، وتتحول الرغبة في الفرار من التضحية إلى اتهام، وتذوي أحلام ~~الحياة المثالية، ويتفرق جميع من شفاهم ومن علمهم كغبار في ريح، ويحول ~~أبوه الذي فوض أمره إليه وجهه عن أحب أبنائه إليه، فلا يعطف عليه مبرحا به ~~الألم، وتبدو روحه بعيدة من هنا، ويطوي كشحا عن الأرض، ويظل الابن وحيدا، ويعود الأب ~~غير أب، ويسوع إذ يرى أنه هجر وترك وحده، ويرى ذبول جسمه وانكسار فؤاده يصرخ ~~قائلا: ms149 «إلهي! إلهي! لماذا تركتني؟» # ويسمعه الجند فيكفون عن لعب النرد، ويرفع قائد المائة عينيه فيأمر أحدهم أن ~~يصب على الإسفنجة قليلا من الخل الموضوع في إناء، فتقدم إلى فمه، فينظر إليها ~~بعينيه المنطفئتين، فيرخي شفتيه فيرتشفها ما انقطع كل أمل فيه، ثم تعود آلام ~~أعضائه إلى أشد مما كانت عليه؛ فيصرخ بصوت عظيم. # وتختم بهذا الصوت حياة ما فتئت تعبر عن نفسها في ثلاثين سنة بصوت ~~المحبة العذب الذي يلقي السلوان إلى الآخرين، وبموسيقى القلب ~~الصامتة. ~~••• ~~«هل مات؟» هذا ما سأله بيلاطس عندما جاءه مشير من المجمع الكبير ليطلب تسليم ~~الجثمان إليه ما أعلن إيمانه به. ومن عادات الرومان أن جثة الجاني الذي ينفذ ~~فيه حكم الإعدام تسلم إلى أقربائه أو أصدقائه، وما كان هذا ليتم إلا بعد أن ~~استدعى بيلاطس قائد المائة، فبين أن يسوع مات على الصليب بعد انقضاء بضع ساعات، ~~فوافق الوالي بيلاطس على وضعه عن الصليب من غير أن تكسر ساقاه، كما كسرت سيقان ~~المصلوبين الآخرين تعجيلا لهلاكهما، ما كان الغد يوم سبت، وما وجب تمام كل ~~شيء قبل حلوله. # وينزل هذا الغريب والنسوة يسوع عن الصليب بسرعة؛ خوفا من تدخل أي ~~رجل آخر، ويلف جثمانه بكفن أبيض، وينقل إلى قبر جديد نحت في صخر ~~بستان يملكه المشير قريبا من أبواب المدينة ليوضع فيه مؤقتا؛ درءا لاحتمال تدخل ~~الكهنة في الأمر، وذلك من غير أن يمسح بحنوط وأطياب، فإذا ما انقضى السبت ~~دفنوه على حسب الطقوس، ويكتفى بدحرجة حجر كبير على باب القبر ما سطع نجم المساء ووجب ~~إنجاز الأمر بعد السبت. # وتجيء النساء في مساء اليوم التالي حاملات حنوطا وأطيابا، وترغب مريم المجدلية في ~~دهنه ميتا كما دهنته حيا، ومن يزحزح الحجر الكبير لهن؟ لسن قويات ولم ينظرن ~~هنالك أحدا، ويصلن إلى حيث دفن بالأمس فيجدن الحجر في غير محله، والقبر ~~خاليا من الجثمان! # تعلم أورشليم الخبر، وتذيع فيها مئات الشائعات المتناقضة، فقال بعض الناس: ~~إن بيلاطس ندم على إذنه في صلب يسوع فأخرج الجثمان ms150 من هنالك ودفنه في مكان آخر، ~~وقال بعض آخر: إن الكهنة سرقوا الجثة لكيلا يعبدها الجمهور، وقال آخرون: إن ~~البستاني هو الذي صنع ذلك منعا لما ينجم عن زيادة الآتين والذاهبين من إتلاف ~~بستانه، وقال أناس: إن ذلك من عمل أوغاد يعتدون على القبور في الغالب لانتهابها، وقال ~~فريق خامس: إن إنسانا لا يموت على الصليب في ثلاث ساعات؛ فقد أخرجه تلاميذه من موته ~~الظاهر وأخفوه في مكان أمين. ويذهب الكهنة إلى بيلاطس ويلومونه على تساهله، ~~ويعربون له عن الارتباك الكبير الذي يسفر عن سماحه لتلاميذه بأن يختطفوا جثته؛ ~~لأنهم سيزعمون أنه بعث بعد موته. # غير أن النسوة المحبات له اعتقدن عن شدة وجد أنهن رأينه بأعينهن قد ~~بعث حقا. ms151