######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.IbnSina.Hindawi49250841 #META# Tags: biographies :: philosophy #META# ID: 49250841 #META# Title: ابن سينا #META# AuthorID: 47475703 #META# Author: برنارد كارا دو فو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1372BernardCarraDeVaux.Avicenne (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المؤلف‏ # 1 - لاهوتية القرآن‏ # 2 - المعتزلة‏ # 3 - المترجمون‏ # 4 - الفلاسفة والموسوعيون‏ # 5 - ابن سينا: سيرته، كتبه‏ # 6 - منطق ابن سينا‏ # 7 - طبيعيات ابن سينا‏ # 8 - نفسيات ابن سينا‏ # 9 - إلهيات ابن سينا‏ # 10 - تصوف ابن سينا‏ # جدول المطابقات بين السنين الهجرية والميلادية‏ # مقدمة المؤلف‏ # 1 - لاهوتية القرآن‏ # 2 - المعتزلة‏ # 3 - المترجمون‏ # 4 - الفلاسفة والموسوعيون‏ # 5 - ابن سينا: سيرته، كتبه‏ # 6 - منطق ابن سينا‏ # 7 - طبيعيات ابن سينا‏ # 8 - نفسيات ابن سينا‏ # 9 - إلهيات ابن سينا‏ # 10 - تصوف ابن سينا‏ # جدول المطابقات بين السنين الهجرية والميلادية‏ # | ابن سينا # | ابن سينا # تأليف # برنارد كارا دو فو # ترجمة # عادل زعيتر # | مقدمة المؤلف # ليس هذا الكتاب وقفا على مذهب ابن سينا وحده، وإنما يتناول بيانا نسبيا للحركة ~~الفلسفية، التي ظهرت في الشرق بين الهجرة ووفاة ابن سينا، والتي بدا فيها مذهب هذا ~~الفيلسوف كأعلى ذروة، ويوجد بجانب الفرق والمذاهب التي جعلناها موضع بحث في هذا ~~الكتاب فرق ومذاهب أخرى ظلت خارج نطاقه؛ أي المذاهب الكلامية والفرق السياسية ~~والصوفية، ولم يعرض علم الكلام إلا في بداءته، وذلك مثل نقطة انطلاق، وقد قدم في سياق ~~عرضه تحت شكل ما بعد الطبيعة، وألم بالسياسة مع الإيجاز في فقره حيث رسم ~~النطاق التاريخي الذي تحرك فيه أبطالنا، وكذلك تناولنا بالبحث قليلا، وفي مواضع ~~كثيرة، أمر السياسة مثل علم منفصل معدود قسما من الفلسفة وفق السنة اليونانية. ~~وأما التصوف، فإن مؤلفينا سيسوقوننا في الغالب حتى عتبته، ولكن مع امتناعنا عن الخوض ~~فيه، وعلى ما نحن مضطرون إليه من قول بعض كلمات لإتمام ما بعد الطبيعة، فإننا لن ندرسه مثل ~~مذهب مستقل. # والعلوم التي نعنى بها عناية خاصة هي؛ أولا: علم المنطق، الذي كان يشغل مكانا ~~واسعا في فلسفة ذلك الزمن، وإن ترك في أيامنا، ثم الطبيعيات، وعلم النفس، وما بعد ~~الطبيعة؛ أي هذه العلوم الثلاثة المرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، وستمثل الفصول ~~الثلاثة، التي سنقفها على هذه العلوم الأخيرة - والتي ستسبقها مقدمة عن المنطق وتعقبها ~~تتمة عن التصوف ms001 - جوهر المذهب الناشئ عن حركة الفكر التي يتألف منها موضوع هذا ~~الكتاب. # وإنا لنطلب من القارئ أن يتفضل بتناول هذا الكتاب من غير تعصب، ومن الحسن أن ينقاد ~~لنا كانقيادنا لمؤلفينا، ولا ينبغي - في حقل علمي لا يزال معروفا قليلا لدى الجمهور، ~~كالفلسفة العربية - أن توضع تقسيمات الموضوع وما يقتضيه من مسائل بداهة؛ فالأجدر أن ~~ينتظر ظهورها من تلقاء نفسها كلما أوغل في الدرس. # ومع ذلك فإن هذه الملاحظة لا تعني أن الموضوع الذي نعالجه جديد على الإطلاق؛ فعلى ~~العكس لا ترى قسما من هذا الكتاب لا يستند إلى جهود سابقة متينة عميقة، وهذا ما تدل ~~عليه تعليقاتنا، بيد أن هذه الجهود لم تشع - في الغالب - خارج وسط الاختصاص، ولم ~~تتجمع نتائجها ضمن مجموع قط، ونعتقد أن ساعة القيام بهذا الجمع وتسليم المادة التي ~~أعدت في مختبرات الاستشراق إلى الجمهور قد حلت. ونرى أن هذا المشروع يعرض الآن من ~~الطمأنينة ما فيه الكفاية، وعلى ما كان من عدم امتناعنا عن الإشعار بعملنا الشخصي في هذا ~~الكتاب، فإننا نعتقد، مع ذلك، أنه أثر موضوعي قائم بذاته، حي بحياته الخاصة، مستقل عن ~~مؤلفه على الخصوص، وأن الجزئيات تتجمع فيه، وتتسلسل بطبيعتها أكثر مما بصنع ~~الكاتب. # ولا نتكلم باطمئنان مثل ذلك عن أقسام تاريخ الفلسفة الأخرى في الشرق الإسلامي، التي ~~ظلت خارج نطاقنا، ولم تتقدم دراسة المذاهب الكلامية - ولا سيما الصوفية - تقدم المدرسة ~~الفلسفية الخالصة، ولا نجرؤ على عرض نتائجها على المثقفين قبل أن نتناول من أيدي ~~المستشرقين - أيضا - بعض التصانيف التمهيدية الخاصة التي نستدعيها بأفئدتنا. # البارون دو فو # باريس، مايو 1900 # الفصل الأول # | لاهوتية القرآن # عيان الله لدى محمد - تجلي القدرة الإلهية - المعجزة القرآنية - ذات الله ~~وصفاته - مشكلة القدر وعلم الله - جبرية القرآن - نظرية الوحي والملائكة. ~~*** # ليس القرآن رسالة فلسفة، ولم يكن محمد فيلسوفا ضبطا، وإنما لمس محمد - مثل نبي ~~- مسائل من النظام الفلسفي، ومنحها حلولا عيانية، عبر عنها تعبيرا حماسيا، ~~وقد صارت هذه الحلول التي تألفت العقيدة الإسلامية منها نقاطا ثابتة ms002 في البحث النظري ~~الفلسفي لدى العرب؛ ولذا لم تقم أعم معضلة في الفلسفة العربية على البحث عن الحقيقة، ~~ما دامت هذه الحقيقة قد عرضت في كثير من نقاطها الجوهرية، بل قامت على تأييد هذه الحقيقة، ~~التي وضعت وضعا عيانيا ببيان تحليلي عقلي، وبإقامة تعبير موافق لطرز الفلسفة القديمة ~~مقام التعبير الحماسي، وهذا ما يمكن أن يسمى المعضلة السكلاسية. # 1 # أجل، وجد من استطاعوا بعد ذلك أن يغفلوا غاية هذه المعضلة، وأن يكونوا أكثر ~~مبالاة بالفلسفة مما بالعقيدة، التي كان يجب أن تظهر الفلسفة صورة لها فقط، وأن يستخدموا ~~الفلسفة حتى لتحريف العقيدة، بيد أن هذه الأمور لم تكن غير حركات ثانوية في تاريخ الفكر ~~العربي، وأن البحث السكلاسي هو الحركة الأولية؛ ولذا، فإن من المهم أن تذكر، في ~~البداءة، مسألة الاعتقاد، التي نمت هذه الحركة على أثرها، وهذا ما نصنعه بعرضنا ~~لاهوتية القرآن. # وأول ما قام عليه عيان الله لدى محمد هو عيان الإله الواحد القادر، وأول ما لازم ~~النبي منذ عزلته في غار حراء هو مبدأ الوحدانية الإلهية، خلافا لمعتقدات العرب ~~المشركين. وأما مبدأ القدرة الإلهية، فقد تقدم في نفسه بنسبة تجلي مقاومة العرب ~~الجاحدين، ثم تسليمهم. # وقد وكدت وحدانية الله بلا برهان في نص القرآن كما في صيغة الدين الإسلامي القائلة: ~~«لا إله إلا الله»، وهذا الإله الواحد هو «يهوه» اليهود وإله إبراهيم وظهور نار ~~العليقة: # وهل أتاك حديث موسى * إذ ~~رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا ~~، # فلما أتاها ~~نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك ~~إنك بالواد المقدس طوى ~~، # إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا ~~(20: 8-14). # 2 # ونزع محمد من الرب قوة الإنسال حاكما رفعه على المعتقدات النصرانية ~~الثالوثية وعلى كثير من المعتقدات الشعبية، كالتي كانت تجعل من العزير ابنا لله، أو ~~كالتي تحاول أن تجعل من الملائكة بنات لله. وهكذا، جعل من الله موجودا واحدا منفصلا ~~عن العالم انفصالا مطلقا. # والنصوص الخاصة بالقدرة الإلهية كثيرة إلى الغاية في القرآن، وهي أكثر تفصيلا ms003 مما هو ~~خاص بالوحدانية، وتكاد كلها تكون ذات معنى دفاعي. وإله المسلمين كإله اليهود، يثبت ~~بقدرته، وترى قدرته نفسها. # وتتجلى القدرة الإلهية على ثلاثة أوجه؛ أي في الطبيعة والتاريخ العام والمعجزة ~~الحاضرة، وأوجه التجلي الثلاثة هذه تورائية. # والإله الذي يراه محمد في الطبيعة هو خالق العالم ومدبره، فكفى أن يقول له في ~~سفر التكوين: «ليكن نور، فكان نور.» وهو الذي تفر أمامه البحار وتثب التلال، وهو ~~الذي تحمده السماوات والأرض والشمس والنجوم والرياح والصقيع، وتسبح له جميع ~~الموجودات، كما قال مؤلف المزامير. واسمع يا محمد: # ألم تر ~~أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات ~~كل قد علم صلاته وتسبيحه ~~(24: 41). واسمع أيضا: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما ~~أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ~~وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر ~~بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ~~(2: 159). # 3 # وليس لهذا التنبيه معنى غير البرهان أو الدليل على الباعث إلى الإيمان، وهذا ~~ظاهر من آية أخرى يعترف محمد فيها بالأصل التورائي لبرهانه: # وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~(6: 83). # والدليل على قدرة الله بالتاريخ العبري وافر في التوراة، حيث يرن - بلا انقطاع - ~~صدى صوت يهوه، وهو يصرخ قائلا: «أنا الذي أخرج آباءكم من أرض مصر، وفتح البحر ~~أمامهم، وأرشدهم بالسحاب ... إلخ.» وتناول محمد هذا الدليل، ولكنه وضع فيه قوة وبلاغة ~~أقل مما في السابق. ثم بما أن التاريخ العبري وحده لم يكن ليهز نفوس العرب هزا ~~كافيا، فإنه أضاف إليه وقائع أسطورية خاصة بتاريخ جزيرة العرب، كإهلاك بعض الأجيال القديمة ~~الفاسدة بالغضب الإلهي وببعض الوقائع الصحيحة القريبة من زمن الإسلام؛ كانهيار سد مأرب، # 4 # وهذا الحادث الأخير صغير إذا ما قيس بالخروج أو سبي بابل، وله فائدة الدلالة ~~على اتخاذ أساليب الدفاع التورائية في القرآن. وفضلا عن ذلك، فإن النبي قد اختار لإثبات ~~وجود الإله خير ما في الطبيعة وأشد ما في ms004 التاريخ هولا. # وأما الإثبات بالمعجزة، فقد ادعى محمد أنه يأتي به، ومع ذلك فقد طلب منه ذلك، بيد ~~أن من المعلوم أنه - وهو خال من موهبة الخوارق - حاول أن يجعل القرآن في نظر الناس معجزة. ~~ومن الطريف أن يلاحظ أنه كان يشعر بالأحوال التي لا بد منها لجعل الإثبات بالمعجزة ~~مؤثرا، وذلك بمطالبته من يشاهدونها باستعداد قلبي: # وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل ~~إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون * ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون ~~(6: 109-110). # وفي القرآن يظهر أن علم الله شرط لقدرته وأحد وجوهها تقريبا، ولا مراء في أن القرآن لا ~~يشتمل على نظرية للعلم لدى الإنسان ولا عند الله، وإنما وكد علم الله في القرآن، ~~ونص فيه على أنه مطلق كقدرته: # وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ~~ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين ~~(6: 59). ويساور أتقياء المسلمين - دائما ~~- رأي قائل بأنه لا ينبغي للإنسان أن يحاول الخوض كثيرا في أسرار الله، وهم - كمؤلف ~~«التقليد» - يكادون يعدون الفضول العلمي تدنيسا للقدسيات. # وليست ذات الله وحياته موضعا لبحث منظم أكثر من صفاته لدى محمد؛ فهو لم يقل ~~عنهما غير ما هو عياني، وإنما يؤكد بجلاء روحانية الله التي يبصرها في صلته ~~بوحدانيته وقدرته وعلمه وجلاله. وعنده أن الله لا يمكن أن يدرك، وهو يدرك كل شيء، ~~وأنه ليس ذا عاهة بدن، وأنه يعلو الإنسان وكل شيء بطبيعته، وأنه من العلو فوق العالم ~~ما يتعذر معه حتى النظر إليه، وليس هنالك غير مثال موسع لعاهل شرقي، غير صورة ~~معظمة لملكة سبأ، التي تستقبل من وراء حجاب مليك الجزر القاصية، الذي تنحني الرقاب ~~في طريقه، وتغلق النوافذ. # وترتبط في مبدأ جلال الله مسألة كانت موضع جدل في علم الكلام الإسلامي، كما اشتهر ~~أمرها في السكلاسية النصرانية، وهي ms005 رؤية الله في الحياة الآخرة. ومما يجدر ذكره ~~ما يظهر في القرآن من صعوبة كبيرة في نيل هذه الرؤية، وهي قد وقع تقديرها في السور التي ~~تشتمل على أقاصيص تورائية، ومن ذلك أن الله نادى آدم من غير أن يظهر نفسه، وأن نوحا - ~~الذي نجا من الطوفان وحده - لم ير الله، وأن إبراهيم - الذي يدعى خليل الله - لم يستقبل ~~غير ملائكته، وأن موسى طلب أن يرى الله، فلم يكد يلمحه حتى خر مغشيا عليه، فلما ~~أفاق تاب إليه، وأن خاتم الأنبياء محمدا لم ير غير روح القدس؛ الملك العظيم ~~جبرائيل. # وفي وصف القرآن للجنة أن الأخيار يتمتعون برؤية المنازل الجميلة والرياض ومختلف ~~النفوس من ذكور وإناث، ولكن من غير قول بأنهم يتمتعون برؤية الله. وفي يوم الفصل ~~يؤتى بالناس أمام الله، من غير أن يعلم من النص كيف يكون هذا المثول، وكيف ~~يدرك. # وفي القرآن آيات على شيء من الغرابة، قال محمد فيها إن الله «نور»، وإن نور الأخيار يمشي ~~عن يمينهم يوم الحساب: # الله نور السماوات والأرض مثل ~~نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة ~~كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ~~نار ~~(24: 35). ولا يرى المفسرون غير تشبيهات في هذه الصور الغريبة، # 5 # ونحن نتساءل عن كون هذه التعبيرات صادرة عن بعض العوامل الأدرية. # وقدم الله مما وكده القرآن، وذلك من غير إصرار خاص. وفضلا عن ذلك، فإن هذا ~~المبدأ لم يحلل، ولم يعن محمد بالبحث عما يمكن أن يكونه وجود الله خارج العالم ~~وخارج الزمان. # ولم يحدد مبدأ الخلق تماما. ونص القرآن - كنص التوراة - لم يناقض وجود خواء ~~يطبق الخلق عليه ويكون أصله غير محدود، ولم يرض محمد عن فكرة لا نهائية الزمان، ونكاد ~~نحار من إبهام كلامه حول أبدية الثواب والعقاب: # فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك ~~فعال لما يريد ms006 * وأما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ~~ربك عطاء غير مجذوذ ~~(11: 108-110). وقد عينت فكرة الأبدية ~~بعد زمن من قبل علماء الكلام بتأثير الفلسفة، وأنت ترى نقص معالجة محمد لها، ولما ~~تزل تربيته حول هذه النقطة غير تورائية. # وعدم تغير الله ملازم لعلمه وقدمه، بيد أن محمدا يتمثل الله غير متغير، مثل ~~مدبر للعالم على الخصوص: # سنة الله التي قد خلت من ~~قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ~~(48: 23). والمقصود هنا هو ~~عدم التغير التاريخي والأدبي. ولم يبال النبي بعدم التغير اللاهوتي، وهو لم يفكر ~~قط في كيفية إمكان الله أن يكون فعالا مع بقائه غير متغير. # وبما أن محمدا كان يتمثل الله على وجه أقل لاهوتية من تمثله إياه أدبيا، فإنه ~~كان يكترث لصلاته بالإنسان، وقد عبر بجلاء عن مبدأ العناية الإلهية، فوضع معضلة ~~القدر الهائلة غير خالية من الجفاء. # ويشمل علم الله وحكمته وقدرته المستقبل. وتهدف أعمال الله إلى غاية؛ فلمجموع الخلق ~~غرض عرض - فقط - بالكلمة القائلة: # وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون ~~(51: 56). وإلى هذا أضف أن كل جزئي في ~~الطبيعة قد صنع من أجل المجموع، وهو حسن نظرا إلى غايته. وهذه نظرية في التفاؤل مشتقة - ~~بلا جهد - من مبدأ كون الله قادرا عالما لطيفا: # والأرض ~~مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء ~~موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له ~~برازقين * وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم ~~(15: 19-21). # غير أن محمدا قد حفز بعبقريته الخاصة وبالكفاح إلى الاتكاء على مبدأ مجانب - من ~~بعض الوجوه - لمبدأ العناية الإلهية؛ أي على مبدأ القدر، وهو قد أصر عليه بعزم قوي ~~شديد. ومع ذلك، فإننا إذا ما أجلنا البصر بروح هادئ - ومن غير ابتسار - في آي ~~القرآن الخاصة بالقدر وجدنا أنها ليست جبرية محضا، كما يعتقد كثير من الناس؛ فهي - ~~مع كونها هائلة - ليست مخالفة لكل عدل مطلقا. # وإليك الفكرة التي تشتمل عليها كما أرى: إن الله يعلم ms007 كل شيء مقدما؛ ومن ثم يعلم ~~السيئات والعقاب عليها، كما يعلم الحسنات والثواب عليها، فكل شيء مسطور في كتاب ~~محفوظ في السماء، وهنا لا نبالي كثيرا في أن لهذا الكتاب وجودا خفيا، أو في أنه ليس ~~غير رمز لعلم الله بالغيب، فهو - على كل حال - يعدل من الناحية الفلسفية توكيدا لعلم ~~الغيب، ولكن توكيد علم الغيب ليس إنكارا للاختيار أيضا: # ما أصاب ~~من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل ~~أن نبرأها ~~(57: 22). # وهذا لا يعني أن هذه المصائب تحل ظلما # إنا نحن نحيي ~~الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين ~~(36: 11). وهذا لا يدل على أن أفعال الناس مقدرة، وهذه ~~إشارة إلى كتابين: كتاب علم الغيب، أو المثال، أو الرسم، لحياة الدنيا؛ أي ضرب من الموازنة، ~~وكتاب العلم الحاضر المسطورة فيه أعمال الناس على مقدار ما يأتونها، والذي سيفتح يوم ~~الفصل، وهذا كتاب حساب، ولا يزيل الاختيار أي من هذين الكتابين أيضا. # ولكن إليك ما هو أكثر تخويفا؛ قال الله: # ولو شئنا لآتينا ~~كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين ~~(32: 12). وقل مثل هذا عن الكلمة ~~الموكدة الآتية، التي كررت غير مرة: # فإن الله يضل من ~~يشاء ويهدي من يشاء ~~(35: 9). فإذا ما نظرنا إلى هذين القولين على ~~انفراد لاح لنا أنهما يدلان على أن الله يريد - أول وهلة - أن يهلك فريقا من ~~الناس، وأنه لا مناص من هذا الهلاك. بيد أن قراءة الآيات الأخرى تدل بوضوح على أن هذه ~~ليست فكرة محمد؛ فقد قال الله في سورة أخرى: # ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ~~(7: ~~178)، وقال أيضا: # يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين ~~(14: 27). # أجل، إن هاتين الآيتين موازيتان للسابقتين، غير أنهما تنطويان على تكملة، وهذا الفرق ~~الدقيق ms008 مهم؛ وذلك أن من خلقهم الله لجهنم ليسوا من أي أناس كانوا؛ أي ممن اختيروا اختيارا ~~مراديا، بل هم أولئك الذين يأبون أن يستمعوا إلى رسالة النبي، وأن من يضلهم ليسوا من ~~أي أناس كانوا، بل هم الأشرار، والأبرار هم الذين يهديهم الله على هذا النحو؛ ولذا، فإن ~~من الواضح من هذه الآيات وحدها أن الضلال وجهنم ليسا سوى عقاب ناشئ عن ذنب سابق اقترف ~~اختيارا لا ريب. # وآي القرآن الأخرى التي تناسب عين المسألة كثيرة، وهي تؤيد هذا الوجه من الرأي، ~~ونعتقد أن هذا أصلي، ويبدو لنا أن هذا التفسير - الذي أدرك إدراكا ناقصا حتى الآن - ~~شديد الصلاح لسد باب النزاع الطويل حول جبرية القرآن؛ فالقرآن ليس جبريا، ولم ~~يرد فيه أن الله يقدر الشر وهلاك أي إنسان بداهة، والواقع أن المذهب - الذي ~~أريد إدراكه كما تقدم - يقوم على أن الله، بعد أول خطيئة - ولا سيما بعد الخطيئة الأولى ~~حيال الإيمان - يضل المجرم ويعميه، ويقسيه مقدارا فمقدارا، فيسير نحو هلاكه مثل ~~مكره، وإنما يبقى الكفر الأول طليقا، وليس هذا المذهب - من جهة أخرى - غير تعبير عن ~~ملال النبي من المقاومة الطويلة التي لاقتها رسالته، وذلك أن الذين كانوا يسمعونه عدة ~~مرات، وكانوا شاهدين لجميع آياته، إذا لم يذعنوا في آخر الأمر، عدوا - بالحقيقة - ~~أناسا فقدوا عقلهم بقوة خارجية، أناسا غدوا أنعاما صما عميا، على حسب تعبير ~~محمد، هدفا للعقاب الإلهي، فكانت جهنم تستحوذ على روحهم في أثناء حياتهم، فإذا ما ~~طعنوا على هذا الوجه فلأنهم أبوا أن يؤمنوا في وقت كانوا فيه أحرارا في اختيارهم، ~~مالكين لعقلهم. # وأصرح الآيات في هذا المعنى هي: # صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون ~~(2: 17). وهذه الآية الأخرى التي كنا قد استشهدنا بها، وهي: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ~~. # ومن المفيد أن يضاف إلى هذا البيان عن لاهوتية محمد بضع كلمات خاصة بنظرية الوحي ونظرية ~~الملائكة: وذلك بما أن إله القرآن صعب الاقتراب من الإنسان إلى الغاية، ms009 فإن الوحي جعل ~~ضروريا لهذا السبب: # وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~(42: 50). وقد تلقت هذه الآية ~~الجافية - فيما بعد - كثيرا من مخالفة متصوفي الإسلام عمليا. # وقد تمثل محمد أمر الوحي نفسه على وجه مماثل للوجه الذي تمثل به إدارة العالم؛ ~~فالفكرة في ذلك تتصل بفكرة الإله القادر، والوحي هو رسالة من الله، ويوجد مثال للكتاب ~~الموحى به، يوجد نوع من القرآن السماوي المحفوظ لدى الله، ويقرأ الملك في هذا الكتاب، ~~ويأتي ليبلغ النبي ما قرأ، وهذا جهاز بسيط جدا؛ أي خارجي تماما، فهنا نبتعد عن ~~حماسة التنبؤ التورائي وهيامه اللذين ضيق مفهومهما وأنحل. # وذهب محمد إلى التدرج النبوي؛ فقد قال: # لكل أجل ~~كتاب ~~(13: 39). ولا تتناقض هذه الكتب، وإنما يوضح بعضها بعضا وتتكامل، ~~وتكون هذه الفكرة الجميلة بنفسها - والتي هي على شيء من الفتون - ضارة بالإسلام؛ فقد ~~تناولها كثير من الفرق إضافة إلى القرآن وحيا جديدا تحت ستار تفسيره، فكانت ~~تقوضه. # ويحفظ القرآن لعيسى لقب «كلمة الله»، بيد أن هذه الكلمة عادة لا يكون لها أي معنى معين ~~في فكرة الوحي القرآنية. # ويجب أن تذكر نظرية الملائكة ليذكر - فقط - أنها لا تسلم بشيء لنظريات الفيوضات ~~الأدرية، وكانت نفس محمد ثابتة جدا حول النقطة الأساسية للوحدانية الإلهية، وهي لا تترك ~~أي مجال تفاجأ به من هذه الناحية؛ فالملائكة الذين يقول بهم مع الجن مخلوقون منفصلون ~~عن الله كانفصال الناس عنه، ولهم وظائف عند الله، ومنها أنهم يدبرون حركات الطبيعة ~~الكبيرة، وأنهم رسل بين الله والإنسان. وعرف محمد مبدأ الفلك، ولكنه لم يكن لديه حس ~~عن مبدأ إدراك الأفلاك إلا بالمقدار الذي كان ضروريا لتحريم عبادة الكواكب، وقد قال ببعض ~~القوى السحرية التي حكم عليها من غير أن يبالي بإيضاحها. # ومجمل القول: أنه يمكن أن يقضى في أمر محمد - مثل فيلسوف - بأنه معتدل حكيم بصير عملي ~~خلقي أكثر من أن يكون لاهوتيا بدرجات، وبأنه أبدع لاهوتية عالية ثابتة محاكية ~~للاهوتية التوراة، وقد نزه بجمال شعوره عن كل ms010 تطرف ساق إليه متكلمون لاحقون، ولم ~~تسمح أميته النسبية له بأن يتوقع أيا من المصاعب التي سوف يثيرها البحث ~~الفلسفي بعده. # الفصل الثاني # | المعتزلة # النظريات الأساسية عند المعتزلة - صفات الله والقدر والاختيار - المعتزلة في كتاب ~~«الملل والنحل» للشهرستاني - ظهور مسألة الاختيار قبل المعتزلة - واصل بن عطاء ~~وعمرو بن عبيد - الاتصال بالفكر اليوناني - العلاف والنظام - معمر بن عباد ~~السلمي - مذهب التناسخ - الجاحظ - الجبائي وأبو هاشم - الكرامية ومحمد بن ~~كرام. ~~*** # أخذت لاهوتية القرآن تكون موضوعا للبحث الفلسفي منذ القرن الأول من الهجرة؛ ولذا فإن ~~حركة فلسفية تلقائية حدثت في الإسلام قبل إدخال كتب الفلسفة اليونانية إليه، ويمحص هذا ~~البحث النظري، ويصير أكثر تركيبا كلما أشعر المؤثر اليوناني بنفسه، ومن حب الاطلاع أن ~~ترقب تحولات هذه اللاهوتية حتى الزمن الذي ترجمت فيه كتب الأوائل وأدركت تماما، فبرزت ~~المسألة السكلاسية، وقد تألفت أهم سلالة للعلماء، الذين امتازوا في هذا الدور من ~~الفرقة التي تعرف بالمعتزلة. # والنظريات الأساسية التي تناولها المعتزلة بالدرس هي نظريات صفات الله ونظرية القدر ~~والاختيار. وقد تناولت مناقشاتهم مسألة من النظام السياسي كان لها شأن كبير في التاريخ ~~الإسلامي؛ أي ما العلامات التي يعرف بها الإمام الشرعي. والإمام - كما يذكر - هو رئيس ~~الجماعة الإسلامية؛ أي الخليفة أو السلطان. وقد قامت حول هذا الموضوع فرق كثيرة، ارتبط كل ~~منها في بعض المعتقدات اللاهوتية مع اعتقاد سياسي خاص. # 1 # وفي هذا الكتاب ندع - على الإطلاق - كل نقاش سياسي جانبا، وذلك؛ لكيلا ~~نشغل بالنا بغير سياق الأفكار الفلسفية. أجل، يؤلف المعتزلة فرقة واسعة يمكن تقسيمها ~~إلى فرق فرعية كثيرة، غير أن هذه الفرقة تمتاز في مجموعها بمناحيها العقلية الحرة، وفي هذه ~~الفرقة يتجمع نصيب كبير من حياة المسلمين الفلسفية قبل ظهور الفلاسفة الخلص ~~بجانبها. # وليست لدينا كتب علماء المعتزلة قبل زمن ابن سينا، ولكننا نملك عن هذا الدور بعض المصادر ~~الثانوية، التي تعد مجموعة الشهرستاني المشهورة عن «الملل والنحل» أهمها، # 2 # فقد خص هذا المؤرخ الممتاز للأفكار في الإسلام عددا كبيرا من المعتزلة ~~بمقالات ms011 تستحق الثقة بها، وذلك إذا ما قضي في أمرها بالعناية، التي حبا بها ~~بيانه عن ابن سينا، حيث يمكن الانتقاد، وكذلك توجد معارف أخرى في رسالة لعضد الدين ~~الإيجي (المتوفى سنة 756ه) في الفلسفة وعلم الكلام اسمها «المواقف»، ولم تدرس بما فيه ~~الكفاية أيضا، وقد طبع سرنسن قسمي هذا الكتاب الأخيرين مع شرحهما للجرجاني، # 3 # وينتفع شتاينر بهذين المصدرين المهمين، فينشر كتابا جيدا عن المعتزلة ~~بعد قليل. # 4 # ووضعت مسألة الاختيار قبل ظهور فرقة المعتزلة، وذلك من قبل معبد الجهني وعطاء ~~بن يسار، اللذين كانا ينتسبان إلى مدرسة الفقيه الشهير الحسن بن أبي الحسن البصري ~~(المتوفى سنة 110). فهذان العالمان صرحا بأنهما نصيران لمبدأ اختيار الإنسان، وكان ~~المذهب المعاكس - الذي نفينا وجوده في القرآن - قد انتصر في الإسلام في أثناء حروب بني ~~أمية، فكان قد ارتبط - ضمنا على الأقل - في الجبرية؛ أي إنه كان يعتقد أن ~~الإنسان صالح أو طالح معد لجهنم أو للجنة وفق أوامر الله الأزلية، وكانت آيات القرآن ~~المخالفة لهذا الرأي موضع تأويل، ويؤدي مذهب معبد الحر إلى اضطرابات، فيأمر الخليفة ~~عبد الملك بتعذيبه وصلبه في السنة الثمانين من الهجرة، ويصلب عالم آخر اسمه أبو مروان ~~الدمشقي على باب دمشق بأمر من الخليفة هشام بن عبد الملك لاتباعه هذه الآراء. # وكان أبو مروان هذا بالغ الجرأة، وأما عطاء بن يسار، فقد نجا من القتل ولم يمت ~~في غير السنة 103 من الهجرة، ابنا للرابعة والثمانين من سنيه، وكان قد أعتق من قبل ~~إحدى أزواج النبي: ميمونة. # وكان أتباع حرية الإرادة الأولون قد اتخذوا اسم «القدرية»، بيد أن هذه التسمية ~~كانت ترى مبهمة؛ وذلك لأن كلمة «القدر» يمكن أن تدل - بالتساوي - على قدرة ~~الله وأمره أو على قدرة الإنسان وحريته، كما أن كلمة «القدرية» يمكن أن تدل - في الوقت ~~نفسه - على أنصار حرية الإرادة أو على خصومهم، فلما قال المعتزلة بعقيدة حرية الإرادة ~~نبذوا اسم القدرية، وأطلقوا على حرية الإرادة كلمة «العدل». # ومؤسس فرقة المعتزلة الكبرى هو واصل بن ms012 عطاء. وقد ولد في المدينة سنة 80، وأعتقه بنو ~~مخزوم أو بنو ضبة، ومات سنة 131، وكان خطيبا، ولكن مع عجزه عن النطق بحرف الراء واستبدال ~~حرف الغين به، وإن شئت فقل: إنه كان يلثغ بالراء، بيد أنه كان من الاطلاع على العربية ~~وسهولة اللفظ بحيث يوفق في كلامه لاجتناب الألفاظ المشتملة على الراء، وهذا ما حمل ~~أحد الشعراء على القول: # أجعلت وصلي الراء لم تنطق به # وقطعتني حتى كأنك واصل # وكان واصل تلميذا للحسن البصري في البداءة، ثم انفصل عنه بسبب رأي جديد أبداه حول ~~حال المؤمنين الذين يقترفون إحدى الكبائر، فقال: «إن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر، ~~منزلة بين منزلتين.» وظل هذا الرأي في فرقته، حاملا اسم مذهب «المنزلة بين المنزلتين»، ~~وإلى هذا الظرف يرد أصل اسم المعتزلة. # وبدأ واصل بإنكار صفات الله أيضا، وكان يقصد بإبدائه هذا المذهب تخليص التوحيد ~~المحض، فكان لا يدرك وحدانية إله ذي صفات، وكان يقول: «من أثبت معنى وصفة ~~قديمة فقد أثبت إلهين.» ومع ذلك، يظهر أنه لم ينضج هذه النظرية بما نستطيع أن نحكم ~~فيه لفقدان كتبه. وقد كان كجميع المعتزلة، كثير الصراحة في الإيمان بحرية الإرادة فقال: ~~«لا يجوز أن يريد الباري من العباد خلاف ما يأمر.» وقد كان يوافق على الأمر الإلهي فيما ~~يتعلق بالحوادث الخارجية واليسر والعسر والمرض والصحة والحياة والموت، وإن شئت فقل: ~~إنه كان يوافق على الجبرية الفزياوية، ولكنه كان يرفض الجبرية الأدبية. # وكان عمرو بن عبيد - الذي هو رئيس مشهور آخر للمعتزلة - معاصرا لواصل بن عطاء، فانفصل ~~مثله عن مدرسة الحسن البصري، وكان وجيها ذا طبع ممتع، ويظهر أنه من أصل أفغاني؛ ~~أي إن جده من الذين وقعوا أسرى بيد المسلمين في كابل، وقد أعتقه بنو تميم، وقد حضره ~~الموت سنة 144 أو سنة 145. # ويبدي المسعودي إعجابا كبيرا بعمرو بن عبيد، قائلا عنه: «كان شيخ المعتزلة في وقته ~~والأول فيها، وكذلك لمن طرأ بعده، وله رسائل وخطب وكلام كثير في العدل والتوحيد، ~~وغير ذلك.» ms013 ولا نعرف هذه المؤلفات، ويستند هذا المؤرخ في هذا المديح إلى بعض الأحاديث التي ~~تدل على طبع هذا الوجيه الرفيع مع شيء من المجون. # 5 # والأبيات الآتية - التي روى المسعودي أن عمرا أنشدها بين يدي المنصور - تعطي عن عمرو ~~فكرة عالية: # يا أيهذا الذي قد غره الأمل # ودون ما يأمل التنغيص والأجل # ألا ترى إنما الدنيا وزينتها # كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا # حتوفها رصد وعيشها نكد # وصفوها كدر وملكها دول # تظل تقرع بالروعات ساكنها # فما يسوغ له لين ولا جذل # كأنه للمنايا والردى غرض # تظل فيه بنات الدهر تنتضل # والنفس هاربة والموت يرصدها # وكل عثرة رجل عندها زلل # والمرء يسعى لما يبقى لوارثه # والقبر وارث ما يسعى له الرجل # وعلى ما لعمرو بن عبيد من شهرة، فإننا لا نعرف غير القليل عن مذهبه، كما هو حاصل ~~القول. # وبعد هؤلاء الأولين من المعتزلة أدخلت إلى الإسلام معرفة الكتب اليونانية، وقد ~~درسها المعتزلة، فنبصر أي تقدم أسفرت عنه هذه الدراسة في مذهبهم، وأي غنى وصقل ~~اتفقا له، وذلك بلقائنا بعد جيل أو جيلين طائفة من علماء هذه الفرقة، يجدر أن نذكر ~~أبا الهذيل العلاف البصري على رأسهم، وقد ولد أبو الهذيل سنة 135، وكان بنو عبد القيس ~~قد أعتقوه، ودرس الفلسفة في بغداد تحت إدارة أحد تلاميذ واصل بن عطاء، وألف عدة كتب ~~لا نملكها مطلقا، واشترك في المجادلات الكلامية التي وقعت في عهد المأمون. وروى ~~الشهرستاني أنه مات سنة 235 ابنا للمائة، غير أن أبا المحاسن روى أنه مات سنة 226، ~~وهذه الرواية أرجح من تلك لا ريب. # لم يوافق أبو الهذيل موافقة مطلقة على رأي أسلافه في إنكار الصفات الإلهية، وإنما ~~قال بالصفات على أنها وجوه تتجلى بها الذات الإلهية، وقد شبه الشهرستاني هذا المبدأ ~~بمبدأ الأقانيم لدى النصارى. بيد أن هذا التشبيه ليس مقنعا؛ فقد روى هذا المؤرخ ~~بأوضح من ذلك أن الصفات الإلهية عنده هي عين ذات الله، وأنها ليس لها غير معنى سلبي ~~صرف، أو أنها تعبر - فقط - عما ms014 ينطوي عليه مفهوم الذات، ولم يقل أبو الهذيل إن ~~الله عالم بذاته لا بالعلم، وإنما قال: إن الله عالم بعلم هو ذاته، والصيغة الأولى التي ~~يمكن أن تكون صيغة المعتزلة السابقين تنفي الصفة، وتقول الصيغة الثانية بذات هي صفة ~~اتحادا أو بصفة هي ذات اتحادا. # وتوجد هذه الدقة التحليلية الممتازة في القواعد الأخرى من فلسفة أبي الهذيل، وتعد ~~نظريته في الإرادة الإلهية والبشرية ممتعة؛ فالإرادة في الله ليست سوى وجه للعلم، والله ~~يريد كل شيء يعلم أنه خير. ويوجد نوعان للإرادات أو الأعمال الإلهية؛ فبعضها لا ~~ضرورة لأن يكون في مكان، وإنما يحدث معلوله المباشر بنفسه، وذلك كالإرادات في ~~نظام الخلوة، وهي ما يعبر عنها بكلمة: «كن»، وبعضها الآخر يحتاج إلى الوقوع في مكان ~~لإحداث معلوله، وهذه هي الإرادات الأدبية التي يعبر عنها بأوامر الله ونواهيه ~~وبلاغاته. وفي الإنسان تكون الإرادات والفاعلية الباطنية حرة وجوبا، ويقول عالمنا، على ~~رواية الشهرستاني: إنه لا يمكن تصورها على شكل آخر، وهذا دليل على حرية الإرادة ~~عن شعور بها. وأما الفاعلية الخارجية، فليست حرة بنفسها، ولكنها تكون - عادة - نتيجة ~~لإرادات الباطن الحرة. # ونظرية أبي الهذيل عن حركة العالم على شيء من الغرابة، ويلوح أن هذا الفيلسوف حاول ~~قبول المذهب اليوناني في دوام العالم من غير أن يناقض القرآن صراحة، وبما أنه لم ~~يستطع الذهاب إلى حركة دائمة بلا بداية ولا نهاية، فإنه قال: إن الخلق هو في حركة ~~العالم، وإن نهاية العالم هي دخوله في السكون؛ ولذا، فإنه يكون هناك دوام، وإن مادة تبقى ~~ساكنة إلى الأبد. # ثم إن هذا السكون أدرك على وجه كثير اللاهوتية؛ وذلك أنه لا ينبغي اتخاذ هذه الكلمة ~~ضمن معناها العادي، فحال السكون الأبدي للعالم هي حال النظام المطلق كما هو الأحرى، ~~هي هذه الحال التي ينتهي إليها كل وفق سنن لازمة، وذلك طبق تبصر باق. ومجمل ~~القول أن هذه حال ينقطع فيها كل هوى وكل حرية، ولا ريب في أن أبا الهذيل قد ~~قصدها على هذا الوجه، وهو ms015 لم يدرك حرية الإنسان في غير هذا العالم كما روى ~~الشهرستاني؛ فالناس بعد هذا العالم يدخلون في ضرب من حال الإطلاق التي هي حال سعادة بالغة ~~لأناس، وحال عذاب هائل للآخرين. # ومن ثم ترى مبلغ البراعة في هذه المذاهب ، وكيف أن الاتصال بالذهن اليوناني قد أيقظ ~~العبقرية الفلسفية لدى المسلمين مع الإنذار بتحريف العقيدة القرآنية. # وأخيرا؛ يجب أن يلاحظ وجود فكرة جريئة لدى أبي الهذيل ليست أقل شأنا مما ~~تقدم؛ وهي فكرة السنة الطبيعية، وقد عبر عنها بوضوح كثير من قبل الشهرستاني؛ ~~وذلك أن الإنسان يمكنه - قبل كل وحي - أن يصل إلى معرفة الله والشعور بالخير ~~والشر، وأنه مسئول عن هذا أيضا. فعلى الإنسان أن يميز بعقله الخاص جمال الخير ~~وقبح الشر، وهو ملزم بالسعي في العمل وفق الحق والعدل، وباجتناب الكذب والظلم؛ ~~فإذا لم يقم بهذا الواجب استحق العقاب، وقد قبلت مدرسة المعتزلة هذه النظرية في ~~السنة الطبيعية. # وقد تألق - بجانب أبي الهذيل العلاف - نجم إبراهيم بن سيار النظام، الذي ~~هو عالم كبير آخر من علماء المعتزلة، وهو أهم رجال الجدل بمدرسة البصرة في عهد المأمون، # 6 # وكان يطيب لهذا الخليفة أن يسمع تحاور هذين الأستاذين، فكان يدعوهما إلى ~~بلاطه مع علماء من الفرق الأخرى، وبهذا كان ينشر بين الجمهور حب البحث النظري ~~وعادته. وأكثر النظام من مطالعة كتب فلاسفة اليونان على رواية الشهرستاني، الذي ~~بقي مصدرنا الأساسي لفقدان مؤلفات هذا الأستاذ. ومع ذلك، فإنه لم يصل إلى ~~فلسفة تختلف عن فلسفة أبي الهذيل كثيرا كما يبدو، وإنما يمكن أن يعتقد أنه كان ذا ~~عبقرية أقل دقة فيما بعد الطبيعة، وذا ذهن أكثر انصرافا إلى العلوم الطبيعية، وقد كان ~~موسوعيا. # وقد فصل النظام - مع الإمتاع - مذهب العدل الإلهي المرتبط في مذهب التفاؤل، ~~فنزع من الله قدرة فعل الشر، وكان الرأي الشائع عند المعتزلة هو أن الله قادر على ~~صنع الشر، ولكنه لا يفعله؛ لأن الشر قبيح. فذهب النظام إلى أن القبح إذا كان صفة ~~ذاتية للقبيح بالفعل فإن القبيح ms016 بالفعل لا يمكن تجويزه من الله بالقدرة، وإن شئت فقل: إن ~~الشر مما لا يقدر عليه من الله لا قوة ولا فعلا. ويسير النظام بفكرته إلى ما هو أبعد ~~من ذلك، فيذهب إلى أن الخير الأقل ليس مما يقدر عليه من الله، فالله لا يريد غير ~~الخير الأكبر؛ فمن التجديف على الله أن يفترض خير بالغ العظم ولا يذهب إلى أن ~~الله لا يختاره. # ويجيب النظام عن اعتراض القائلين إن جميع أعمال الخالق تكون محدودة إذ ذاك بقوله: «إن ~~الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدورا، فلا ~~فرق.» وإنما أخذ النظام هذه المقالة من قدماء الفلاسفة. # وقد تطرق الوهم إلى عالمنا بمحاولته أن يقتبس من الأغارقة المفهوم المشهور القائل: إن ~~النفس هي صورة البدن، فهو قد أساء فهم الفكرة، فذهب إلى أن البدن هو صورة النفس والروح ~~الخارجية، فالروح جسم لطيف مشابك للبدن، مداخل للقلب بأجزائه مداخلة المائية في الورد، ~~والدهنية في السمسم، والسمنية في اللبن. وهكذا كان النظام أكثر اتجاها إلى علماء ~~الطبيعة منه إلى علماء ما بعد الطبيعة كما لاحظه الشهرستاني. # ومن الطريف رأيه في الخلق وإن زعم الشهرستاني أنه أخذه عن اليونان؛ فعنده أن الله ~~خلق جميع الموجودات دفعة واحدة، ولكنه أخفاها ولم يظهرها إلا بالتدريج. وهذا الظهور هو ~~ما نسميه الولادة. والحقيقة أن آدم وجميع ذريته وجدوا معا منذ اليوم الأول، وأنه لم يحدث ~~غير خلق واحد يتعذر وقوع خلق آخر بعده، وتنمو جميع الأشياء وتبدو على هذا الأساس الطبيعي ~~مرة واحدة. # ويؤدي هذا المذهب عند النظام إلى جبرية طبيعية صريحة يعود شرفها إليه؛ فعنده أنه لا ~~يوجد في الطبيعة غير فاعلية حرة واحدة، وهي فاعلية الإنسان، فإذا عدوت هذا وجدت أن ~~جميع الأشياء تحدث وجوبا؛ «فالحجر إذا دفعته اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد ~~الحجر إلى مكانه طبعا.» # وكذلك تناول هذا العالم مسألة قابلية الأجسام للتجزؤ إلى ما لا نهاية له، فأبدى رأيه ~~النهائي منكرا الجزء ms017 الذي لا يتجزأ، وقد أصدر نظرية في الأعراض الطبيعية، ووحد ~~بينها وبين الأجسام، فقال: إن الطعوم والألوان والروائح أجسام؛ ولذا فإن النظام عالم ~~مفكر ذو آراء جريئة واسعة، ويدلنا عمله وعمل أبي الهذيل، مع إيجاز ما عرف عنهما، على ~~تأثير لاهوت الأغارقة وخطابتهم وعلمهم الطبيعي في العالم الإسلامي في ذلك الحين. # ويجب أن يضم إلى العالمين الكبيرين المشار إليهما علماء آخرون، تعزى إليهم آراء ~~ممتعة في مسائل مشهورة. وقد سارت هذه الطائفة من المفكرين، في وقت قصير، بمباحثها إلى ~~أكثر الاتجاهات تنوعا سيرا يعتقد معه - عند سماع ما يقال حولها - أنها تدل على ~~منازل لتطور فلسفي طويل، مع أنها وقعت في زمن واحد تقريبا، فحث الذهن الشرقي بالرسائل ~~اليونانية كان من القوة ما يقضي بالعجب إذن. # وضع بشر بن المعتمر مسألة «التوالد»، التي تقوم على درس انتقال فعل الفاعل من ~~خلال سلسلة من الأشياء، وفي «المواقف» مثال على عمل اليد الممسكة مفتاحا؛ فالفاعل ~~يحرك يده، فتنشأ عن هذا حركة المفتاح، التي لم تكن قد أريدت على ما يحتمل. # 7 # وتنال هذه المسألة أهمية في الأخلاق، وتثير كثيرا من النقاش لدى متأخري ~~المعتزلة كما يمكن أن يرى في «المواقف»، ويدور الأمر حول معرفة إمكان العلل ~~الخارجية أن تغير فاعلية الفاعل الحر وتقلل مسئوليته، وهذه نظرية عن العلل ~~المتداخلة. # وكذلك أثار بشر مسألتين مشهورتين في اللاهوت، تعدان من أصعب مسائل هذا العلم، ~~وهما: مسألة عدل الله نحو الأطفال، ومسألة عناية الله نحو الأمم التي لا علم لها بالدين؛ ~~فأما المسألة الأولى فينكر بها كون الله يمكن أن يدين الأطفال، لا لأن هذا ظلم ضبطا، بل ~~لأن هذا يفترض كون الطفل أهلا للوم، وحينئذ لا يكون طفلا، وهذا متناقض. # وأما المسألة الثانية، فبها يبتعد بشر عن التفاؤل السائد للمعتزلة، فهو يعتقد أن ~~الله يمكنه أن يوجد عالما آخر، يدعى به جميع الناس إلى الدين ويستحقون النجاة، ~~ولا حد للكمال الذي يمكن أن يحققه الله، ويمكن أن يفترض دائما وجود عالم ~~أصلح من كل ms018 عالم محدث؛ ولذا فإن الله لا يتعلق بالأصلح، وإن شئت فقل: إن أحكامنا ~~في الصالح والعدل لا تطبق عليه، وإنما يقوم الله بمنح الإنسان إرادة حرة، ووحيا في ~~بعض الأحيان، فإذا عدوت الوحي وجدت للإنسان هاديا أنوار العقل، التي تكشف له ~~سنة الطبيعة. # وإذا ما نظر إلى آراء بشر - وفق تلخيص الشهرستاني - رئي أنها أقل إحكاما ~~وسموا من آراء العلماء السابقين. # وبمعمر بن عباد السلمي يكتسب مذهب المعتزلة إقداما عجيبا، ويتقدم نحو ~~وحدة الوجود؛ فهذا العالم يرى أن الله لم يخلق غير الأجسام، لا الأعراض، والأجسام ~~هي التي تحدث الأعراض، وذلك إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق، وكالقمر الذي يحدث ~~التلوين، وإما اختيارا، كما هو أمر الحياة الحيوانية. وعند معمر أن الجسم والفناء ~~عرضان أيضا؛ ولذا فإنهما لا يكونان سوى معلولين مباشرين لأفعال الخالق، والخالق لا ~~يحدث سوى مادة عامة تصدر عنها صور جميع الموجودات بقوة ملازمة. # وبما أن معمرا قد أبعد الله من الطبيعة فإنه يقصيه خارج متناول علمنا؛ وذلك ~~استنادا إلى رأيه البالغ الإطلاق في نفي الصفات الإلهية. ولا يمكن العلم - مثلا - أن ~~يسند إلى الله؛ وذلك لأنه إما أن يكون موضع علمه، وهنالك يكون تفريق بين العالم ~~والمعلوم، ومن ثم ثنائية في ذات الله، وإما أن يكون موضع علمه خارجا عنه، وهنالك لا ~~يكون عالما إلا بهذا الموضع الخارجي، وبذلك يعود غير مطلق، ويؤدي هذا النقد إلى القول بأن ~~مداركنا لا تطبق على الوجود الإلهي، وأن هذا الوجود لا يمكن أن يعرف. # وتجد ميول معمر في وحدة الوجود حاصلها لدى ثمامة بن الأشرس، وقد اضطهد الرشيد هذا ~~العالم المعروف جيدا عند المؤرخين، فألقاه في السجن سنة 186. وعلى العكس تمتع ~~بحظوة كبيرة لدى المأمون. وقد مات سنة 213، وكان ذا موهبة في التنادر والتهكم، كما هو ~~ظاهر مما جاء في روايات المسعودي. # 8 # ومن الممتع قصة الطفيلي، الذي انساب بين جماعة من المانوية، معتقدا أنه أتى جمع ~~لهو، فهذا الرجل أدرك خطأه حينما رأى نفسه ورأى المانويين مقرنين في ms019 الأصفاد كما ~~أمر المأمون، فلما أتي بهؤلاء الزنادقة أمام الخليفة قتلوا. وأما الطفيلي، فقد ~~صرح بأنه مستعد للكفر بماني وتدنيس صورته، قائلا: إنه كان مخطئا؛ فسري عن الخليفة. ~~وإلى ثمامة ينسب الرأي القائل: إن العالم من عمل الله وفق الطبيعة؛ أي إن العالم ~~ليس نتيجة عمل حر من الخالق، وإنما يصدر عن الطبيعة الإلهية وجوبا، وهكذا يكون العالم ~~قديما كقدم الله ووجها من الألوهية. # ويظهر مبدأ التناسخ ثانية لدى عالمين من فرقة النظام، وهما أحمد بن حائط وفضل ~~الحدثي، وقد طبقاه - مع التحديد وشيء من الغلظة - على أناس ليسوا صالحين تماما ولا ~~أشرارا تماما، على أناس ليسوا أهلا للجنة ولا للنار؛ فأرواح هؤلاء الناس تدخل ثانية ~~في أرواح أناس أو حيوانات وتستأنف حيوات أخرى. ولهما - كذلك - تأويل مبتكر لرؤية الله ~~يوم البعث؛ وذلك أن الناس لن يروا الله نفسه، وإنما يرون العقل الأول؛ أي العقل الفعال، ~~الذي تسري منه الصور إلى الموجودات. وعندهما أن هذا هو الذي قصده النبي حين قال: ~~«إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر.» وهذا مثال مكاني في تطبيق فكرة يونانية ~~على نص إسلامي. # ونصل إلى مؤلف موسوعي كثير التأليف؛ نصل إلى عمرو بن بحر الجاحظ، الذي كان ~~رئيسا لمعتزلة مدرسة البصرة، وكان هذا العالم خادما للنظام؛ فلازم دروسه وانتفع ~~بعلمه. وتشتمل مكتباتنا على عدد كبير من المصنفات المعزوة إلى الجاحظ، وعلى ما يدور ~~حول هذه النسبة من شك غالبا، فإن من المؤسف ألا تكون هذه المخطوطات موضع عناية كافية، # 9 # فقد تناول الجاحظ أكثر الموضوعات تنوعا؛ أي تناول الآداب والخطابة والأقاصيص ~~وعلم الكلام والفلسفة والجغرافية والتاريخ الطبيعي، ويشتمل أثره على جميع الحياة الدينية ~~والاجتماعية والأدبية في زمنه، وفاز أثره بأعلى مديح. قال المسعودي: # 10 ~~«لا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه ... وكتب الجاحظ مع انحرافه ~~المشهور تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان؛ لأنه نظمها أحسن نظم، ووصفها ~~أحسن وصف، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ.» # ويلوح أن الجاحظ زاول ms020 ~~نفوذا عظيما؛ فأسهم في نشر روح فرقته الحر والانتقادي بين كثير من المؤلفين. ~~وأما فلسفته الخاصة التي تعرف دائما من خلاصة الشهرستاني، فيلوح أنها لا تخلو ~~من دقة وقوة. # فلا حرية في العلم، والعلم يصدر عن وجوب طبيعي، وليست الإرادة نفسها غير وجه من ~~العلم ونوع من العرض، والعمل الإرادي يعين العمل الذي يعرف بفاعله، ~~وليست الإرادة بالنسبة إلى العمل الخارجي غير ميل. # وللأجسام - أيضا - هذه الميول الطبيعية التي تصدر عن قوى باطنية، والجواهر ~~وحدها أبدية، والأعراض هي المتقلبة والمتحركة، وهي تعبر - بسبب القوة ~~الملازمة للجواهر - عن ظهور حياة الأجسام والروح، فإذا ما أحسن إدراك هذا ~~النظام جيدا وجد أنه يؤدي إلى ضرب من علم الذرات الحية. # وأظهر الجاحظ الرأي الغريب القائل: إن المحكوم عليهم بالعذاب لا يعذبون في ~~النار إلى الأبد، وإنما يتحولون إلى طبيعة النار. وأما من حيث نظرية الوحي، فإنه ~~يعزى إلى الجاحظ رأي غريب آخر قائل: إن القرآن جسد مخلوق يمكن أن يتحول ~~إلى إنسان أو إلى حيوان. # أجل، إننا نصل بالجاحظ - المتوفى سنة 255 - إلى عصر الكندي، الذي هو أول عظماء ~~الفلاسفة، ولكننا، لكيلا نعود إلى المعتزلة مؤخرا، نتتبع - مع الإيجاز - ~~تاريخ هذه الفرقة الممتعة حتى زمن العالم اللاهوتي: الأشعري. # يمتاز الخياط - في هذا الدور - في مدرسة المعتزلة ببغداد؛ فقد أقام نظرية ذات ~~مظهر نفساني على شيء من الابتكار، فهو يطلق اسم الشيء على ما هو معروف؛ أي ما ~~يمكن أن يحدث عنه، وللشيء عنده حقيقة مستقلة عن وجوده، وليس الموجود سوى ~~صفة تضاف إلى الشيء؛ فالسواد - مثلا - سواد حتى في العدم، وإن شئت فقل: إن ~~الشيء حقيقي - قبلا - في المعقول البسيط مع ماهيته وصفاته، وإن إيجاد الشيء ~~يحدد بإضافة صفة الموجود إلى هذه الماهية أو الصفات الحقيقية. # وفي مدرسة المعتزلة بالبصرة يتغلب اسمان، وهما: اسم الجبائي المتوفى سنة 303، ~~واسم ابنه أبي هاشم. وينطوي اختلاف هذين العالمين في موضوع الصفات الإلهية على دقة ~~متناهية. وقديما كان العالم الكبير أبو الهذيل قد أزال جميع الصفات حتى ms021 في معقول ~~الوجود الإلهي، فيجد أبو هاشم أن هذا المعقول المحض على شيء من الفراغ، ويحاول ~~أن يملأه، وأن يجعل منه صورة عن الله أكثر حيوية. # وعند أبي هاشم أن الصفات وجوه منفصلة عن الوجود، ولكن مع كونها غير موجودة ولا ~~معروفة بنفسها، فلا يمكن أن تكون موجودة معروفة إلا بالماهية الإلهية؛ فالعقل ~~يميز الشيء المعروف بذاته والشيء المعروف بإحدى صفاته. وهذه الأحكام التي يجمع ~~العقل بها الصفات أو يفصلها لا تأتي لتوكيد الموجود وحده ولا لتوكيد الأعراض ~~بجانب الموجود؛ ولذا، فإن الصفات أنواع وجوه ذات وجود نفساني لدى من يعرف ~~الوجود الإلهي، حتى إن نفسانية هذه النظرية مما أنكر الجبائي، وقد لاح للجبائي ~~أن هذه الوجوه ترد إلى أسماء لا تنطوي على معقول ولا على تصورات للنفس نسبية ~~محضا، عاجزة عن المباهاة مثل صفات، وهو يكاد يلزم مذهب أبي الهذيل. # وكان العالم اللاهوتي المشهور، الأشعري (260-324) - الذي يأتي في الذروة من تاريخ ~~اللاهوت الفلسفي لدى المسلمين - تلميذا للجبائي وابنه، ولكن بما أننا لا نريد ~~الكلام عنه في هذا الكتاب فإن من الملائم أن نقف. ~~••• # قلنا إن المعتزلة كانوا أكثر الفرق الإسلامية فلسفة، وإننا لا نتعرض لتاريخ الفرق ~~الكلامية والفقهية والصوفية والسياسية، وتكفي أسطر قليلة عن الفرق المعارضة للمعتزلة ~~للإشعار بأفضلية هؤلاء، ولتمثل الحركة الفكرية الواسعة التي تمت في الدور الذي ~~نتفرغ له، والذي ذكرنا أنه أكثر ما تلتفت إليه الفلسفة الصرفة. # وقد رئي - في مقابل النظرية الاعتزالية القائلة بنفي الصفات الإلهية - قيام نظرية ~~معاكسة توكد هذه الصفات إلى حد تقع به في مذهب المشبهة؛ فيطلق - على العموم - ~~اسم «الصفاتية» على المسلمين الذين يوكدون حقيقة الصفات الإلهية وفق السنة. ولما ظهر ~~النقد الاعتزالي لجأ بعض الصفاتية إلى نظرية حذرة عن الألوهية التي يتعذر إدراكها، ~~فقالوا: لا ريب في أن الله ليس شبيها بالإنسان، وأنه لا مثيل له ولا شريك، وأنه يجهل - ~~كما هو مجمل القول - المعنى الحقيقي لآي القرآن التي تشتمل على صور تشبيهية. ووجد صفاتية ~~آخرون وقعوا - بالعكس - في ms022 إفراط عجيب، ومن بينهم نذكر محمد بن كرام، الذي هو مؤسس ~~لفرقة مهمة في سورية على الخصوص، وأصل هذا الوجيه من سجستان، وتوفي سنة 256 بزغر ودفن ~~في القدس. # 11 # وهو يذهب إلى أن لله جسما ووجها مماثلا لما في المخلوقات، وهو يوضح الصفات ~~الإلهية على الكيفية البشرية . وفي الشهرستاني تفصيلات مطولة عن هذه الفرقة. ويلاحظ ~~الشهرستاني وجود المسائل عنها في اليهودية، حيث يرى أنها حلت حلا تشبيهيا من قبل القرائين. # 12 # وعلى العموم، تطلق كلمة «الجبرية» - المشتقة من كلمة «الجبر» - على علماء الكلام ~~المعارضين لمذهب حرية الإرادة، ويجب أن يذكر من بينهم جهم بن صفوان، الذي كان ~~يدرس في ترمذ من بلاد ما وراء النهر، والذي قتل في أواخر العهد الأموي. ومن رأي جهم ~~أنه لا سلطان للإنسان على أفعاله، وأنه لا يمكن ألا يوصف بالخضوع لله؛ فالإنسان مكره ~~بالحقيقة، وأنه لا قدرة له ولا إرادة ولا حرية، والله يخلق جميع أفعاله كما يخلقها في ~~الموجودات الأخرى، كما يخلقها في الشجر الذي ينبت، والماء الذي يجري، والحجر الذي يسقط. ~~وأعمال الإنسان الصالحة أو السيئة موجبة، والثواب أو العقاب نتيجة لهذه الأعمال ~~الواجبة. # وترى كيف تبعدنا هذه النظريات الجافية من تحليل مفكري المعتزلة اللطيف ومن الفلسفة ~~الحقيقية. # الفصل الثالث # | المترجمون # بدء حركة النقل في عصر المنصور - سير العنعنات الفلسفية الحقيقي - انتشار المذهب ~~اليوناني عند الآراميين - دراسة الآداب اليونانية عند السريان - دور الطبيب سرجيس ~~الرأس عيني - مملكة الحيرة النصرانية - تجاوز العرب حدود صحرائهم قبل الهجرة - ~~حنين بن إسحاق وتلميذاه - جماعة من النقلة - دور الصابئة في حركة الترجمة - ظهور ~~أدب فلسفي قبل ابن سينا. ~~*** # لقد وضعنا في الفصلين الأولين قضية المعضلة السكلاسية؛ أي اللاهوتية المحمدية ~~وتحولاتها المباشرة، والآن نضع ما يقابل ذلك، وهو ما يقوم على إدخال الفلسفة اليونانية ~~إلى الإسلام، وهنا نضطر إلى توسيع نطاقنا كثيرا. ولا يجوز تمثل الفلسفة الإسلامية، ~~حصرا، سواء أمثل نتيجة لبعث مفاجئ ظهر بعد اكتشاف الكتب القديمة أم مثل مواصلة ~~مباشرة للفلسفة اليونانية، وذلك أن أصلها ms023 على شيء من التعقيد. # وقد بدأت حركة الترجمة إلى العربية في عهد المنصور (136-158)، وكانت موسوعية، فترجمت ~~المؤلفات العلمية والأدبية والفلسفية والدينية الخاصة بخمسة آداب، وهي: الأدب اليوناني، ~~والأدب العبري، والأدب السرياني، والأدب الفارسي، والأدب الهندي، ولم تدرك المؤلفات ~~الفلسفية أول وهلة، ولم تحز العربية ترجمات لأرسطو كاملة بما فيه الكفاية إلا في زمن ~~الفارابي، في أوائل القرن الرابع من الهجرة. # ولكنك إذا نظرت إلى الأمر من ناحية أخرى وجدت تقاليد التعليم الفلسفي اليوناني قد دامت ~~في العالم الشرقي حتى الوقت نفسه، وبينما كانت المؤلفات العظيمة للدور الكلاسي # 1 # الراقي منسية أو مفهومة فهما سيئا، كانت الكتب الثانوية للدور المنحط ~~المشتملة على مناهج ذات صبغة سكلاسية واسعة الانتشار. ويلوح لي أنه لم يحاول - قط - ~~بذل جهد كبير ليقام ثانية تاريخ التعليم الفلسفي منذ الزمن الذي عقب أرسطو حتى قيام ~~الفلسفة الكلامية الإسلامية، فلما ظهرت هذه السكلاسية الإسلامية عدت الفلسفة علما ~~وحيدا حيا، متصلا بالعنعنات على الخصوص، لا مجموعة نظم غير ملتحمة. وقد حدث البعث ~~الفلسفي عند العرب بدراسة الكتب القديمة مباشرة على ضوء تلك العنعنات وتحت تأثيرها. # ووجد مؤلفون من العرب كثير - ومنهم الفارابي، كما سنرى - قد أعربوا بصراحة عن الاعتقاد ~~القائل بوحدة الفلسفة المخلوطة - في نظرهم - بالعلم ودوامه. وأشار المسعودي إلى كتاب له قد ~~فقد، مع الأسف، وقال في موضع ما: «كنا ذكرنا كيف انتقل مجلس التعليم من أثينة إلى ~~الإسكندرية من بلاد مصر، وجعل أوغسطس الملك، لما قتل قلوبطرة الملكة، التعليم ~~بمكانين؛ الإسكندرية ورومية. ونقل تيدوسيوس الملك - الذي ظهر في أيامه أصحاب الكهف - ~~التعليم من رومية ورده إياه إلى الإسكندرية، ولأي سبب نقل التعليم في أيام عمر بن عبد ~~العزيز من الإسكندرية إلى أنطاكية، ثم انتقاله إلى حران في أيام المتوكل.» # 2 # فهذه الأسطر على شيء من الاختصار، ومن المحتمل ألا يكون قد عرض فيها بدقة ~~بالغة سير العنعنات الفلسفية الحقيقي، وإنما تشير - على الأقل - إلى شيء من الروح، الذي ~~يجب أن يكتب به هذا الفصل ويقرأ. ~~••• # لم ms024 يكن فرع الأرومة السامية الذي كان يهيمن على الشرق قبل الفتح الإسلامي عربيا، بل ~~آراميا يرد إليه الأدب السرياني، وكان المذهب اليوناني قد تسرب في الآراميين ~~باكرا، وكان لدى هؤلاء كل الوقت لمعاناة نفوذه، وذلك حينما أزاحهم جيرانهم العرب عن ~~سيطرتهم؛ ولذا يكون العرب قد وجدوا العنعنات الفلسفية قائمة - منذ زمن - عند قوم يمتون ~~إليهم بالقرابة، فاستقبلهم هؤلاء القوم بلا عناء، وعلينا أن نوضح هذا ~~الانتقال. # أخذ المذهب اليوناني - منذ أواسط القرن الثاني من التاريخ الميلادي - ينتشر في العالم ~~الآرامي، مجلوبا بالنصرانية واللاهوت. وتم - حوالي ذلك الزمن - نقل الأسفار من العبرية إلى ~~السريانية نقلا يشهد بمعرفة الترجمة السبعينية اليونانية، # 3 # وكان المرقونيون والفلنتيون، في الوقت نفسه، ذوي أتباع في الرها، # 4 # ويمر وقت قصير فيقيم بردزان الأدب السرياني في هذه المدينة، ويؤسس فرقة ~~لا يمكن ربطها إلا بالمذهب الأدري، على الرغم من الريب التي أثيرت حديثا، # 5 # ولما كانت أوائل القرن الثالث، أذعن أسقف في الرها لأسقف أنطاكية، فألحق ~~الكنيسة السريانية بالكنيسة اليونانية # 6 # بهذا العمل، فقامت منذ هذا الزمن رابطة رسمية بين الآرامية واليونانية. # وظلت مدينة الرها من أسروين (ديار مضر)، والواقعة في الاستدارة الغربية القصوى من ~~الفرات بغرب العراق، مركزا للثقافة الآرامية زمنا طويلا، وأقيمت فيها مدرسة اشتهر ~~أمرها، وكان القديس إفريم (المتوفى سنة 373م) من أعلامها، وكان يتزاحم على هذه المدرسة ~~طلاب من النصارى يقصدونها من مختلف جهات العراق وبلاد فارس المعرضة لمظالم المجوس، ~~وكان يكب على دراسات اليونان المعدودة فرعا من علم اللاهوت، ويؤخذ في القيام ~~بترجمات. # ثم يتغلب المذهب النسطوري على هذه المدرسة، ويغلقها الإمبراطور زنون سنة 489، وينفى ~~الأساتذة والتلاميذ الذين ظلوا متمسكين بإلحاد نسطور، ويتجمعون في جهات أخرى، ولا سيما ~~في نصيبين الواقعة في أرض فارسية، # 7 # ويقيم كسرى أنوشروان في جنديسابور، من ولاية خوزستان - وذلك حوالي سنة ~~530م - مجمعا للفلسفة والطب دام حتى زمن العباسيين، # 8 # وكان أسقف الرها، إيباس، قد درس في المدرسة، وساعد على نشر الإلحاد ~~النسطوري، وقد تم لعمل الترجمة ms025 أكبر تشجيع من هذا الوجيه، فلهذا الأسقف وتلاميذه يعد ~~السريان مدينين بالترجمات الأولى عن اليونانية لكتب ديودرس الطرسوسي وتيودور المبسوستي، # 9 # وكانت هذه فرصة لترجمة كتب أرسطو الكثيرة أيضا، وفسر إيباس نفسه بعضها، ~~وترجم المدعو بروبوس، وشرح «العبارات» وأقساما أخرى من «المنطقيات» لأرسطو على ما يحتمل، ~~وسنلقى مترجمين مشهورين من سريان النسطورية حتى العهد العربي. # ولم يقطع انهيار الرها، مثل عاصمة علمية، دراسة الآداب اليونانية عند السريان ~~التابعين للفرقة القائلة بطبيعة واحدة في المسيح، غير أن الأديار كانت مركزا لهذه الدراسة ~~منذ ذلك الحين. وكان بطريرك أنطاكية القائل بطبيعة واحدة في المسيح - فيلوكسانوس المنبجي ~~- أحد من حرضوا الإمبراطور على تخريب مدرسة الفرس، وقد كان فيلسوفا ولاهوتيا معا. ~~ويقال: إنه يجب أن يبحث في كتبه عن بواكير السكلاسية الأولى، # 10 # ووجد رجل آخر قائل بطبيعة واحدة للمسيح، وهو أسقف بيت أرشام سيميون، وقد ~~عاش في أوائل القرن السادس، ولقب بالسفسطي الفارسي. # ولكن أطرف شخصية في هذه الفرقة من حيث النقطة التي تهمنا هي شخصية العالم سرجيس الرأس ~~عيني، ويكاد جميع عمله يتألف من ترجمة كتب يونانية، ولا يتصف القس العلامة الأديب ~~الطبيب سرجيس الرأس عيني بطبع يناسب سمو نبوغه، فهو يلام على فساد أخلاقه، ويظهر سلوكه ~~السياسي مذبذبا مركبا من الدسائس، فمع أنه قائل بطبيعة واحدة في المسيح كان صديقا ~~للأسقف النسطوري تيودور المروي، وقام ببعثة دبلمية # 11 # لدى البابا أغابه، وذلك من قبل بطريرك أنطاكية الأرثوذكسي، وقد أتى بالبابا ~~إلى القسطنطينية، ومات معه في العام نفسه تقريبا؛ أي سنة 536، وقد تعلم اليونانية في ~~الإسكندرية. # وكان سرجيس الرأس عيني بليغا لغويا، وكان الأول في هيئة الأطباء، وقد ترجم من ~~اليونانية إلى السريانية كتبا في الفلسفة والطب، وترجم قسما من كتب جالينوس، وانتهت منه ~~ترجمة لمقولات أرسطو والإيساغوجي لفرفريوس، ورسالة العالم التي نسبت إلى أرسطو، ورسالة ~~في النفس، مختلفة كل الاختلاف عن رسالة لأرسطو تحمل عين العنوان. وأهدى سرجيس إلى صديقه ~~تيودور المروي، الذي كان عاكفا مثله على الفلسفة المشائية، رسالة أصلية ms026 في المنطق. ~~وألف حول «النفي والإثبات»، وحول «الجنس والنوع والفرد»، وحول «علل الكون وفق مبادئ أرسطو»، ~~وتبارى العرب والسريان في الثناء عليه مثل مترجم، وكانوا على حق في هذا، كما رأى أحد ~~العلماء المعاصرين: مسيو فكتور ريسل. فعند هذا العالم أنه يجب عد رسالة «العالم» من ~~قبل سرجيس من بدائع فن المترجم؛ فقد ظهر من مقابلة المتون اليونانية وهذا الأثر كون ~~سرجيس لم يعتمد على مخطوط واحد فقط، بل عول على عدة مخطوطات، عرف أن يدقق فيها ~~تدقيقا انتقاديا. # 12 # واشتهر بولس الفارسي في الفلسفة في أواخر القرن السادس، وروى ابن العبري أنه ألف ~~مقدمة عجيبة في المنطق قدمها إلى كسرى أنو شروان، # 13 # وراج سوق تعلم اليونانية في أوائل القرن السابع في قنسرين الواقعة على ~~ضفة الفرات اليسرى، وهناك حوالي سنة 640، شرح الأسقف ساويروس سيبوخت تحليلات أرسطو ~~الأولى وعباراته، ويواصل تلميذان لساويروس سيبوخت أثره، والتلميذان هما: أثناسيوس البلدي ~~(المتوفى سنة 687 أو سنة 688)، والموسوعي الكبير يعقوب الرهاوي (المتوفى سنة 708). وظهر ~~بعدهما أسقف العرب القائلين بطبيعة واحدة في المسيح في الكوفة جورجيوس، فترجم «المنطقيات» ~~لأرسطو، بيد أننا وصلنا إلى زمن الفتح العربي، فمال الأدب السرياني إلى الزوال. # وهكذا كان السريان على اتصال بالعلم اليوناني خمسة قرون فأساغوا عنعناته، وترجموا ~~متونه وفسروها، وأنتجوا آثارا مهمة في ميدان الفلسفة اللاهوتية. وقد ولدت أشكال ~~الفلسفة السكلاسية بين أيديهم، وازدهرت فنون المنطق في مدارسهم؛ ولذا كان الذهن ~~اليوناني وآثار الأغارقة وعنعناتهم - حين ظهور الإسلام - أمورا قد نقلت إلى عالم ~~يمت إلى العالم العربي بصلة القرابة، وسنرى - عما قليل - أن علماء المسلمين اطلعوا ~~على الثقافة اليونانية تحت إدارة السريان واليعاقبة والنساطرة. # ومن المناسب - قبل إيضاح الكيفية التي تلقى العرب بها العلم من أيدي النصارى على ~~الخصوص - أن نتناول المسألة ثانية من عل، وذلك لإزالة الانطباعات غير الصحيحة التي يمكن ~~أن تكون عالقة بذهن بعض القراء؛ وذلك أن العنصر العربي كان لا يؤلف بنفسه عالما ~~مغلقا على الإطلاق في أثناء الدور الطويل السابق للإسلام، والذي رأينا ms027 فيه أن الفرع ~~الآرامي من الأرومة السامية يسيغ النصرانية والثقافة اليونانية. # فمما لوحظ غالبا - وذلك بسبب تاريخ الأصول الإسلامية - أن جنوب جزيرة العرب الغربي - ~~أي اليمن - كان يشتمل في ذلك الدور على عناصر نصرانية، وأنه كان ذا صلات بالمملكة ~~الأفريقية النصرانية: الحبشة. وأهم من ذلك أمر وكد قليلا كما يلوح، وهو توسع ~~العرق العربي نحو الشمال قبل الإسلام، وإقامة دويلات عربية تابعة للإمبراطوريتين؛ ~~الفارسية والبزنطية، على طول حدودهما. # كان القياصرة والأكاسرة من البراعة بحيث استخدموا بعض القبائل العربية الحضرية؛ ليجعلوا ~~منها متراسا حيال غارات العرب البدويين أو الأعراب. ويروي المسعودي # 14 # أن عرب قبيلة تنوخ أول من جاء إلى سورية، وأنهم ذهبوا إلى الروم هنالك بعد ~~أن اعتنقوا النصرانية، وأن القيصر عهد إليهم بالسلطان على جميع العرب من الحضر المقيمين ~~بسورية، وتعقب قبيلة السليح قبيلة تنوخ، وتصير نصرانية أيضا، وتزاح بدورها من ~~قبل الدولة الغسانية، التي داومت على الحكم في العرب نيابة عن الروم، وكان ملوك غسان ~~يقيمون باليرموك وغيرها من الأماكن الواقعة بين غوطة دمشق والمحال المجاورة التابعة ~~لهذه المدينة، وقد زالت هذه المملكة حين الفتح الإسلامي، واعتنق الإسلام فريق كبير من ~~العرب. # وكانت مملكة الحيرة مملكة عربية مهمة، يتبع أمراؤها ملوك الفرس، وكانت الحيرة واقعة ~~جنوب بابل وغرب الفرات غير بعيدة من المكان الذي أنشأ المسلمون فيه الكوفة في السنين ~~الأولى من الهجرة، وكان قد جاء عرب باكرا للاستقرار بهذه البقاع، وكان للحيرة قبل الإسلام ~~تاريخ طويل، مثل العنصر النصراني فيه دورا مهما. # 15 # وكان لملك الحيرة المسمى عمرو بن المنذر، والذي دام عهده حتى سنة 568 أو سنة ~~569، أم نصرانية، قد تكون من سبايا الحرب، أقامت ديرا في الحيرة في زمن كسرى أنو ~~شروان، ويمكن أن يستدل بكتابة وضعت في هذه الكنيسة على أن هذا الأمير تنصر أيضا، # 16 # ويمضي على ذلك الزمن وقت قصير، فتكون هذه المدينة مشتملة على عدد قليل من الأسر ~~النصرانية الراقية، وكانت هذه الأسر على مذهب نسطور، ويطلق عليها اسم العبادية، تمييزا ms028 ~~لها من الوثنيين. # 17 # وقد برز في ذلك الحين - على الخصوص - مترجم يدعى عديا العبادي، # 18 # من قبيلة تميم العربية، فعدي هذا قام بمهنة المترجم من العربية إلى الفارسية ~~لدى كسرى برويز، وكان - فضلا عن ذلك - شاعرا وخطيبا ودبلميا وعنوانا كاملا ~~للثقافة مادة ومعنى لدى الفرس والعرب، ولا بد من أنه كان واقفا - أيضا - على ~~السريانية التي كانت لغة نصارى العرب في ذلك الحين، ويعهد إلى عدي في تربية النعمان بن ~~المنذر ، الذي جلس على عرش الحيرة بفضل ما يتمتع به من نفوذ لدى ملك الفرس، ومن المحتمل أن ~~يكون النعمان قد دخل في النصرانية بفعل هذا النفوذ نفسه، وليس أقل من هذا دوامه على ~~العيش بمبدأ تعدد الزوجات وفق طباع الوثنية، وقد أغوي بمكايد كثيرة قتل ~~مربيه عديا بسببها، وكان من عمل ابن عدي - الوارث لذكاء أبيه ومنزلته عند ملوك الفرس ~~- أن جعل برويز ينتقم من هذا القاتل، # 19 # فغلب النعمان، وقتل سنة 602 على ما يظهر. # وتمضي على تلك الأمور سنون قليلة، فتقع قبل الهجرة بنحو عشر سنين معركة ذي قار، حيث ~~يغلب الفرس الذين كانوا حلفاء عرب قبيلة تغلب النصرانية، وذلك من قبل عرب قبيلة بكر، # 20 # ويقضى على مملكة الحيرة. وبسقوط هذا المتراس تجد فارس نفسها بلا سور حيال ~~العرب المسلمين، وتخرب الحيرة عام قيام الكوفة (سنة 15 أو سنة 17 من الهجرة)، وتزول في ~~عهد المعتضد تماما. # قال المسعودي: «وقد كان في هذه المدينة ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من ~~البلاد لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت إلا الصدى والبوم.» # 21 # ومن ثم ترى أن العرب كانوا قد جاوزوا حدود صحرائهم قبل الهجرة بزمن طويل، ومن العادة ~~أن يشبه الفتح الإسلامي بعمل قوة كانت راقدة في بطن الصحاري زمنا طويلا، فانفجرت ~~بغتة، وقلبت ثلث ممالك الأرض أمامها رأسا على عقب. أجل، إن هذا التشبيه مفيد إذا ما أتي ~~به حصرا، لبيان فكرة ساطعة عن سرعة هذا الفتح، ولكنه إذا ما ms029 طبق على تاريخ الثقافة وجد ~~خاطئا، والعكس هو ما يجب أن يذهب إليه، فيقال إن العرب كانوا - حين ظهور الإسلام - على ~~اتصال بكثير من الإمبراطوريات، وإنهم كانوا قد طرقوا باب تلك الحضارة النصرانية، التي ~~سوف يتلقون منها أمانة العلم كيما يعيدونها إليها بعد أن يوجبوا نموها في قرون ~~كثيرة. # وكان محمد يكن احتراما لرجال الدين من مختلف المعتقدات، ويسير علي على غراره، ~~فينعم بامتيازات على كثير من أديار النصارى، وفضلا عن ذلك، فإن القرآن يعترف للنصارى ~~واليهود بمنزلة في ميدان الإيمان، وذلك لحيازتهم كتبا منزلة، ويطلق عليهم لقب «أهل ~~الكتاب»، ويحمل لهم من الازدراء ما هو أقل مما يحمل حيال المشركين. وكانت هذه الأحوال ~~ملائمة لحفظ العلم، فلما تم فتح القدس أنعم عمر على النصارى بمرسوم أو امتياز اتخذ ~~نموذجا لمعظم الخاصة بأهل الذمة من النصارى، وطبق في الإسلام بعد ذلك. وقد انتهى ~~إلينا نص هذا الامتياز مع اختلاف قليل في العبارة، وذلك من قبل كثير من المؤرخين، ولا ~~سيما الطبري. # 22 # أجل، سمح للنصارى بالمحافظة على كنائسهم، ولكن على أن تكون مفتوحة لرقباء من ~~المسلمين، ومع منع إقامة كنائس جديدة، وعاد لا يجوز دق النواقيس ولا إظهار إشارات دينية ~~جهرا، ووجب على النصارى أن يحتفظوا بزيهم، وألا يلبسوا خواتم ولا زنانير كعلامة فارقة، ~~وحظر عليهم حمل السلاح وركوب الخيل، وكان يمكن هذه التدابير العامة أن تفسر مع التسامح ~~أو أن تؤدي - على العكس - إلى ظلم أليم، وذلك وفق هوى السلطات. بيد أن هذه التدابير ~~كانت قليلة الأهمية في أحوال خاصة، حيث يحبو الأمير المسلم بعض الكفار بحظوة عن ود ~~مباشر، وبما أن العلم من عمل الأفراد خاصة، فإن هذه الأحوال الخاصة هي أكثر ما يهمنا ~~هنا. # وكانت توجد أربعة من المواهب تؤدي إلى نيل من ليسوا بمسلمين حظوة لدى الخلفاء، وهي: ~~المواهب الفنية والمواهب الطبية والمواهب الإدارية والمواهب العلمية. وكان يثنى على حذق ~~النصارى في الحرف، لما لا يوجد لدى المسلمين ما هو في درجته، وكان الخليفة عمر قد ms030 خالف ~~تصرفا للنبي بسماحه في جزيرة العرب بوجود أبي لؤلؤة، الذي كان نصرانيا # 23 # صانعا بالغ المهارة في كثير من الحرف، وقد تحول هذا المقرب إلى قاتل ~~له. # وكان الشعر والموسيقى من الفنون التي يتلذذ العرب بها كثيرا قبل زمن محمد، ولم يكن ~~وعظ القرآن كثير الملاءمة لهما، بيد أن خلفاء بني أمية، الذين كانوا ذوي ارتياب غالبا، ~~هاوين للملاذ، حبوهما بإحسانهم. وكان شاعر بني أمية المفضل نصرانيا اسمه الأخطل، ~~وكان الأخطل من فطاحل شعراء العرب، وكان معاصرا لعبد الملك بن مروان، وكان - من جهة أبيه - ~~ينتسب إلى قبيلة تغلب النصرانية، المستقرة بالكوفة وأذربيجان، وكان - من جهة أمه - ~~ينتسب إلى قبيلة إياد النصرانية، التي استقرت بالعراق باكرا، # 24 # وكان الأخطل يظهر في بلاط الخليفة مختالا، حاملا صليبا ذهبيا حول عنقه، ~~وفي ذلك الدور كان يتلهى في الكوفة بشرب الخمر على الرغم من تحريم النبي لها، كما ~~كان يستمع إلى الأغاني. # وكان أخو عبد الملك يجلب إليه في هذه المدينة، من مدينة الحيرة المجاورة، الموسيقي ~~النصراني حنينا، فيخلو إليه في أقاصي منازله، محاطا بعشرائه، متوج الجبين بالأزهار. # 25 # وكان الأطباء الذين يعتمد الخلفاء الأولون عليهم من السريان واليهود عادة؛ وذلك لأنه لم ~~يكن لدى المسلمين من الوقت ما يتعلمون الطب فيه. فعند مروان بن الحكم الأموي نجد طبيبا ~~يهوديا سرياني اللغة اسمه ماسرجويه، وقد ترجم هذا الطبيب رسالة الكاهن أهرن، وكان أهرن # 26 # هذا طبيبا إسكندرانيا في عهد هرقل، فاتفق لكتابه انتشار عظيم لدى ~~السريان. وكان يوجد بجانب الحجاج - الذي كان قائد عبد الملك الجبار - طبيبان روميا الاسم، ~~وهما تيادوق وثيودون، اللذان خلفا مدرسة. # 27 # ويمضي زمن فيأمر هارون الرشيد بأن ينبه طبيب هندي ابن عمه إبراهيم، الذي سقط في ~~سبات عميق، على حين كان يترجم له طبيب نصراني اسمه يوحنا بن ماسويه # 28 # كتب الطب القديمة من السريانية إلى العربية. وكان ابن ماسويه هذا يشرف هو ~~وبختيشوع على الخليفة المأمون وهو يحتضر. # 29 # وقام النصارى للمسلمين بخدم عظيمة في النظام ms031 الإداري، ولولا النصارى ما استطاعت دولة ~~الخلفاء أن تنتظم؛ وذلك أن فاتحي المسلمين، إذ لم يجدوا في عرقهم الخاص غير ذكريات ~~الحياة القبلية وأمثلتها، لم يكن عندهم أية معارف عملية إدارية، فاضطروا إلى تسليم كثير ~~من المناصب إلى النصارى. وترك معاوية - الذي كان داهية سياسيا أكثر من كونه متين الإيمان ~~- في معظم الولايات التي فتح، موظفي النصارى في مناصبهم، مكتفيا بتغيير الحاميات، وسار ~~خلفاؤه على سنته. ونرى المدعو أثناسيوس - الذي كان نصرانيا وجيها من الرها - ينال ~~منزلة كبيرة لدى عبد الملك بن مروان بسبب أهلياته كرجل أعمال. # 30 # ومنع الوليد بن عبد الملك كتبة الدواوين - الذين كان كثير منهم نصارى - من إمساك سجلاتهم ~~باليونانية، آمرا إياهم أن يمسكوها بالعربية، # 31 # وشغل سرجيوس منصور أو سرجيون الرومي، الذي أخبرنا المسعودي أنه قام بوظيفة ~~الكاتب عند أربعة خلفاء، # 32 # مناصب عالية عند المسلمين. وكان لسرجيوس هذا ابن فاق أباه شهرة، وصار أحد ~~آباء الروم ومن أوائل فلاسفة اللاهوت، وهو القديس يوحنا الدمشقي. # وأخيرا؛ غدا العلم والفلسفة لأربابهما سببا للمنزلة لدى أمراء المسلمين، وهم قد دخلوا ~~في الإسلام بفعل البلاطات نهائيا. وإلى الخليفة أبي جعفر المنصور يعود شرف فتح عصر ~~الدراسات العربية الكبير وتزيين الإمبراطورية الإسلامية بنور العلم؛ فقد أمر المنصور بأن ~~ينقل إلى العربية كثير من كتب الأدب الأجنبية ككتاب «كليلة ودمنة»، و«السند هند»، ورسائل ~~أرسطو الكثيرة في المنطق، و«المجسطي» لبطليموس، وكتاب «المقالات» لأقليدس، وكتب أخرى ~~يونانية وبزنطية وفهلوية وفارسية وسريانية. # 33 # وقد ترجم كتاب كليلة ودمنة من قبل ابن المقفع، الذي كان من أشهر فضلاء ذلك الزمن، ~~ويقال: إنه ترجم من الفهلوية والفارسية كتب ماني وبردزان ومرقون. # 34 # ويظهر أن العرب حولوا عيونهم - في ذلك الزمن - إلى فارس والهند على الخصوص، ~~كمركزين للعرفان. ومع ذلك، فإن ابن المقفع ترجم خلاصة «العبارات» لأرسطو، وكان هذا ~~العالم نفسه من أصل فارسي، وعاش في البصرة، وجلب إلى نفسه حقد الخليفة بسبب آرائه ~~المشايعة لعلي وذريته؛ فقتل سنة 140. # 35 # وفي سنة 156 من الهجرة، يدخل ms032 هندي إلى بلاط المنصور، ويأتي بكتاب في الحساب والفلك الهندي، # 36 # واسم هذا الكتاب السندهند، ويترجم إلى العربية من قبل الفلكي الفزاري، ~~ويكون نقطة انطلاق لدراسات العرب الفلكية والحسابية، ويستلهمه الفلكي الكبير محمد بن ~~موسى الخوارزمي بعد زمن؛ أي في عهد المأمون، وذلك في وضع أزياج فلكية ورسائل مزج فيها ~~الطرق الهندية والطرق اليونانية. # ومما روى المسعودي كذلك، أنه في زمنه - أي قبل ظهور ابن سينا - انتشر بين الجمهور كتاب ~~اسمه «ألف ليلة وليلة» ومصدره فارسي، وكان هذا مجموعة أقاصيص غير مطابقة للمجموعة التي ~~لدينا بهذا الاسم. # 37 # أجل، عرف العرب الفلسفة المزدكية ، بيد أنهم عرفوا - أو فهموا - قليلا جدا من ~~المناهج الهندية، وإذا عدوت التصوف لم تجد نفوذ هذه المناهج محسوسا فيهم. # والمأمون هو الخليفة الذي أتم ما بدأ به المنصور من عمل علمي، وقد كان هذا الأمير كثير ~~الذكاء، كريما، محبا للاطلاع، فحث الناس بقوة على الدراسات، وقد أنشأ - حوالي سنة ~~217 - مكتبا رسميا للترجمة في «دار الحكمة»، # 38 # وجعل على رأس هذا المكتب عالما مفضالا، اسمه حنين بن إسحاق، فشغل ~~حنين هذا المنصب في عهد خلفاء المأمون: المعتصم، والواثق، والمتوكل، وولد حنين بن إسحاق في ~~سنة 194 بالحيرة، # 39 # حيث كان أبوه يمارس مهنة الصيدلة، وكان ينتسب إلى إحدى الأسر العبادية أو ~~النسطورية في هذه المدينة. وقد قصد بغداد، وتلقى دروسه فيها من طبيب معروف. # ولما كان كثير السؤال فقد بلغ من إزعاج معلمه ما رفض معه هذا المعلم أن يجيبه، هنالك ~~انصرف حنين مسافرا إلى بلد بزنطي، حيث أقام عامين، وتعلم اليونانية تماما، وحصل على ~~مجموعة من كتب العلم، ثم عاد إلى بغداد، وساح في فارس، وذهب إلى البصرة لإتقان معرفة ~~العربية، ثم رجع إلى بغداد حيث استقر، واتسعت شهرة حنين، وانحنى أمامه علماء أجلاء، مع ~~أنه كان لم يزل شابا، ووكدوا أنه سيفوق سرجيس الرأس عيني صيتا، وكانت مواهبه ~~كطبيب تعدل أهلياته كمترجم، ويتمسك المتوكل به، ويريد امتحانه فيدفع إليه - ذات يوم - ~~خمسين ألف درهم، ms033 ثم يأمره، من فوره، أن يدله على سم شديد يستطيع أن يتخلص به من ~~بعض الأعداء، ويرفض حنين ذلك، ويلقى به في السجن. # ولما طال أمد الامتحان، سأله الخليفة أن يوضح له سبب سلوكه، فأجابه حنين بقوله: ~~«الدين والصناعة؛ فأما الدين فيأمرنا بفعل الخير والجميل مع أعدائنا، وأما الصناعة ~~فتمنعنا من الإضرار بأبناء الجنس؛ لأنها موضوعة لنفعهم، ومقصورة على مصالحهم.» فلما سمع ~~الخليفة هذا الجواب هدأ بالا، وأفاض على حنين جاها. # ولقي هذا العالم حتفه في نزاع وقع حول مسألة حادة في ذلك الحين، حول عبادة ~~الصور، وذلك أنه وجد ذات مساء، في منزل نصراني ببغداد بين أناس كانوا يحسدونه، وأنه ~~كان يوجد عند هذا النصراني صورة للمسيح، وأمامها مصباح موقد، فقال حنين لصاحب البيت: ~~«لم تسرف في الزيت؟ ليس المسيح هناك، بل صورته»، فقال أحد الحاضرين: «إذا كانت هذه ~~الصورة لا تستحق الإكرام فابصق عليها»، فبصق، وأذيع الخبر، وعد الأمر زلة عظيمة، ~~ويستشير الخليفة، ويسلم العالم إلى أبناء دينه ليقضوا فيه وفق شريعتهم، ويحرم حنين، ~~ويقطع زناره، الذي هو صفة النصارى الفارقة، بيد أنه وجد في الغد ميتا في غرفته، ~~ويعتقد أنه سم (260ه). # وكان لحنين تلميذان، تعاونا معه على عمل الترجمات العظيم، وهما: ابنه إسحاق، الذي نال ~~مثل شهرة أبيه، ومات سنة 298 أو سنة 299، وابن أخته حبيش. # وكان عمل هؤلاء العلماء عظيما جدا، # 40 # ومن الملائم أن يذكر في أول الأمر نقل التوراة إلى العربية من قبل حنين ~~نقلا عن الترجمة السبعينية. وليس حنين أول مؤلف في ذلك الدور ترجم التوراة إلى العربية؛ ~~فقد كان اليهود ينتفعون بترجمات أخرى، ولا سيما ترجمة رباني طبرية، أبي كثير يحيى بن ~~زكريا، المتوفى سنة 320، وترجمة سعديا الجاءون الفيومي، # 41 # الذي كان ربانيا مشهورا جدا وتلميذا للسابق، والذي أعيد طبع كتبه ~~حديثا بسبب مرور ألف سنة عليه. # وقد ترجم حنين إلى السريانية عبارات أرسطو، وقسما من التحليلات، وكتاب الكون ~~والفساد، وكتاب النفس، والجزء الثاني عشر مما بعد الطبيعة، وكثيرا من الشروح، ms034 وكتبا من ~~جالينوس وبقراط، وإيساغوجي فرفريوس، وخلاصة فلسفة أرسطو لنيقولاؤس، وترجم حنين إلى ~~العربية كثيرا من كتب الطب والعلم لبقراط وجالينوس وأرشميدس وأبلونيوس وغيرهم، كما ترجم ~~من كتب الفلسفة كتاب السياسة وكتاب طيماؤس لأفلاطون، وشرح ثامسطيوس للجزء الثاني عشر مما ~~بعد الطبيعة لأرسطو، والمقولات والطبيعيات والأخلاق لأرسطو، وقد ألف بعض رسائل أصيلة ~~استوحى هذه الكتب في تأليفها. # ونقل إسحاق بن حنين إلى العربية سفسطي أفلاطون، وما بعد الطبيعة لأرسطو، ورسالة ~~النفس، وكتاب العبارات، ورسالة الكون والفساد، وذلك مع شروح كثيرة للإسكندر الأفروديسي ~~وثامسطيوس وأمونيوس. # وكان قبل هؤلاء العظماء قد قدم مترجم قدير اسمه يحيى بن البطريق - وهو ممن أعتق ~~المأمون - ترجمة سريانية لكتاب الحيوان لأرسطو، وترجمة عربية لكتاب طيماؤس لأفلاطون، ~~وكان العرب يعرفون طيماؤسين لأفلاطون، ويقسمونهما إلى أجزاء كثيرة، فلا يعرف بوضوح أي ~~الكتابين يقصدون بذلك، وقد يكون الطيماؤس طيماؤس لقريق مع بعض شروح لجالينوس على فلسفة أفلاطون، # 42 # وترجم ابن ناعمة الحمصي النصراني إلى السريانية رسائل السوفسطائيين، كما نقل ~~إلى العربية شرح يحيى فيلوبنوس لأجزاء طبيعيات أرسطو الأربعة. # وقدم أبو بشر متى بن يونس خدما ثمينة كمترجم، وقد كان نسطوريا من دير ~~قنى، وتلميذا لرهبان من اليعاقبة، ومات ببغداد سنة 328، وإليه يعود فضل نشر رسائل ~~السوفسطائيين بالسريانية، وترجم من السريانية كتاب التحليلات الثانية، وصناعة الشعر، وشرح ~~الإسكندر الأفروديسي على كتاب الكون والفساد، وشرح ثامسطيوس للجزء الثاني عشر مما بعد ~~الطبيعة، وجعل من نفسه شارحا أيضا، ففسر بالعربية كتاب المقولات، وكتاب الحس والمحسوس، ~~والإيساغوجي لفرفريوس. # وكان قسطا بن لوقا - الذي ازدهر في عهد المعتصم - سريانيا نصرانيا من بعلبك، ~~وقد ذهب للدرس في بلاد اليونان، حيث حصل على كثير من الكتب، وقد نال شهرة عظيمة كعالم ~~ومترجم، ومما ترجم كتاب بلوتارك عن آراء الفلاسفة في الطبيعيات. # 43 # وتخرج يحيى بن عدي التكريتي، الذي هو نصراني يعقوبي، على المسلم العظيم: الفارابي، ~~واشتهر في الجدليات، وتألق نجمه في عهد المطيع، ومات سنة 364، وقد أكمل كثيرا من ~~الترجمات السابقة، وإليه يرجع الفضل في ترجمات ms035 لمقولات أرسطو مع شرح الإسكندر الأفروديسي، ~~والرسائل السوفسطائية، وصناعة الشعر، وما بعد الطبيعة، والنواميس، وطيماؤس أفلاطون، وكتاب ~~ثؤفرسطس في الأخلاق. # وبأبي علي عيسى بن زرعة - الذي هو نصراني يعقوبي آخر - نصل إلى زمن ابن سينا. وقد مات ~~عيسى بن زرعة سنة 398، وقد ترجم إلى العربية - وفق الترجمات السريانية السابقة - المقولات ~~والرسائل السوفسطائية، وكتاب الحيوان، وأقسام الحيوان مع شرح يحيى فيلوبنوس، وكان مؤلفا ~~لرسائل أصلية في فلسفة أرسطو على العموم وفي إيساغوجي فرفريوس. # أجل، كان معظم هؤلاء المترجمين، الذين تكلمنا عنهم من النصارى، بيد أن المسلمين لم ~~يلبثوا أن أساغوا علمهم، وأضافوا جهودهم إلى جهودهم، حتى إنه يلوح - عند الحكم في أمر ~~العرب - أن أبناء دينهم فاقوا النصارى من فورهم في معرفة الفلاسفة الأولين وتفسيرهم، وأن من ~~الواجب أن يوضع، فوق المترجمين الذين ذكرناهم، المسلمين المشهورين: الكندي والفارابي. ~~ومع ذلك، فبما أن هذين الرجلين العظيمين مدينان بمجدهما لعبقريتهما كفيلسوفين أكثر مما ~~لنبوغهما كمترجمين، فإننا سنتكلم عنهما بهذه الصفة في الفصل الآتي. ~~••• # وبقي علينا أن نشغل بالنا بصنف من العلماء لم ينتسبوا إلى النصرانية ولا إلى الإسلام، ولا ~~إلى ديانتي فارس والهند أيضا، بل إلى ملة خاصة، تألق نجمها بعد عهد المأمون، وأقصد ~~بذلك الصابئين. # ولا توجد في حقل العلم الشرقي معضلة أكثر بلبلة، وأشد إثارة للغيظ من معضلة أصل بعض ~~الملل أو الديانات الصغيرة، التي بقيت حية بجانب الإسلام، جارة معها جميع أنقاض كل ~~نوع من المذاهب والمعتقدات القديمة، كالمندائية والصابئية، وديانتي اليزيدية ~~والنصيرية، وتعد الصابئية جديرة بالذكر بين جميع هذه الملل، بعلو مزية الرجال ~~الذين ازدانت بهم، وبسبب ما أظهر هؤلاء الرجال من تمسك بها. # ويوجد في هذه الديانات الصغيرة عناصر كثيرة بعضها قديم إلى الغاية، وبقايا من الوثنية ~~الكلدانية، وأفكار من الأفلاطونية الجديدة ومن الأدرية، وأساطير يهودية وطقوس ترجع إلى ~~أصول النصرانية، ولكنه لم يوصل بعد إلى تقديم صيغ نهائية عن هذه المجموعات الغريبة، ~~ولا إلى رد دقيق مقبول لمختلف الأطوار التاريخية، التي مرت بها هذه الملل، وأجدني ~~محمولا ms036 - مع ذلك - على الاعتقاد بأن تأثير هذه الديانات الصغيرة - ولا سيما الصابئية - في ~~الإسلام أعظم مما يفترض أول وهلة، وأبعد غورا في كل حال لا يوافق مؤلفو الإسلام ~~على الاعتراف به. # ويفرق في الآداب العربية بين نوعين من الصابئة: الصابئين الذين ذكروا في القرآن، ~~وصنفهم محمد بين «أهل الكتاب»؛ أي بين الأمم الحائزة كتابا منزلا؛ أي بجانب اليهود ~~والنصارى، والصابئين الذين امتازوا في العلم بعد زمن المأمون، وكان محل إقامتهم الرئيس ~~في حران من العراق، وقد انتهى كلسن، في كتابه الضخم عن الصابئين والصابئية، # 44 # إلى تطابق صابئة القرآن والحسيحية، التي لم تكن ملة ومطابقة للمندائية كما ~~ذهب إليه، بل كانت كثيرة الشبه بهم . # وكانت الحسيحية قد أقيمت في أوائل القرن الثاني من تاريخنا بجنوب العراق في مكان ~~واسط والبصرة، وذلك من قبل رجل يدعى الحسيح، جاء من شمال فارس الغربي، مشبعا من آراء ~~زرادشت خاصة، وآمرا بشعائر فارسية، وكان العماد والتطهير بالماء شعاري الحسيحية ~~والمندائية الجوهريين، ويشتق اسم الصابئي من كلمة «صابا» الآرامية، التي تجيء بمعنى ~~الاغتسال، ويرى أن لهذا الاسم معنى العماد تقريبا، وكان يوجد للمندائية - الذين نعلمهم ~~أكثر مما نعلم الحسيحية - كتب مقدسة. # وترجم براند إلى الألمانية قسما من هذه النصوص، # 45 # التي يجب وضع تاريخ كتابتها بين سنتي 650 و900 من الميلاد كما يرى نلدكه؛ # 46 # أي في الدور الذي ننظر إليه ضبطا، وموضوع هذه النصوص العام أدري؛ أي جعل ~~تعارض بين عالم النور وعالم الظلام، فينزل من السماء رسول من ملك النور، ويغوص في الهوة ~~للقضاء على سلطان أمير الظلام. # ومجد ملك النور بهذه الكلمات: «هو الأول، والشامل لما بين الحدين، والخالق لجميع ~~الصور، ومصدر كل شيء جميل، هو المحفوظ بحكمته والخفي غير الظاهر ... هو الضياء الذي لا ~~يتغير، والنور الذي لا يزول ... هو الحياة فوق كل حياة، والسناء فوق كل سناء، ~~والبهاء فوق كل بهاء، بلا عيب ولا نقصان.» # 47 # ويخرج من أمير النور هذا خمسة أشعة ضخمة طويلة: «فالأول، هو الدين ينتشر على ms037 ~~الموجودات، والثاني هو النفس العطر الذي يهب عليها، والثالث هو الصوت العذب الذي ~~يجعلها تهتز طربا، والرابع هو كلمة فيه التي يهذبها بها ويربيها، والخامس هو جمال صورته ~~الذي تنمو به كما تنمو الثمرات بالشمس.» # 48 # وولد ماني في المندائية، فما بين عالم النور وعالم الظلام من عراك، وفق ~~المانوية، ذو شبه كبير بما يقرأ في كتب المندائية. # 49 # فعند ماني أن ملك جنة النور سلح الإنسان الأصلي بالعناصر الخمسة المنيرة، وهي: ~~النفحة العذبة، والريح، والضياء، والماء، والنار، وقد سلح الشيطان الأصلي ~~بالعناصر المظلمة، وهي الدخان، والفحمة، والعتمة، والإعصار، والغيم، وفي الأسفار ~~المندائية وصف نزول رسول النور إلى الجحيم وصفا حماسيا وبتنغيمات غريبة، ترى من ~~خلالها رموز آشورية قديمة أيضا. # وكانت الملة الأخرى التي اتخذت الصابئية اسما لها، والتي كان مركزها الرئيس ~~بحران، ملة مشركة تعبد النجوم. ويروى # 50 # أن الخليفة المأمون كان ذاهبا لغزو دولة الروم في سنة 215، فمر من حران، ~~فدهش إذ رأى بين أهلها الذين أتوا لتحيته أناسا ذوي زي غريب؛ أي لابسين ثيابا ضيقة ~~وطويلي الشعور، فسأل الخليفة هؤلاء الرجال عن أصلهم فأجابوه: نحن حرانيون، هل أنتم ~~نصارى؟ كلا. يهود؟ كلا. مجوس؟ # 51 # كلا. هل لكم كتاب مقدس أو نبي؟ فأتوه بجواب قائم على المراوغة، فقال الخليفة ~~صارخا: إذن، أنتم زنادقة. وبما أنهم طلبوا أن يدفعوا الجزية، فقد صرح لهم بأنه لن يطيق ~~وجودهم ما لم يسلموا أو يعتنقوا - على الأقل - أحد الأديان التي كان النبي قد بين أنه ~~يمكن المسامحة فيها، وإن لم يفعلوا ذلك فإنه يبيدهم عن بكرة أبيهم. # وقد منح الخليفة أهل حران - كيما يقطعون في الموضوع - جميع الوقت الذي ينقضي حتى رجوعه، ~~وقد مات في طريقه، غير أنه كان من الممكن إثارة المسألة في كل وقت، ولا بد لأهل حران من ~~البت، فاعتنق بعضهم الإسلام والنصرانية، وتردد طويلا عدد كبير منهم كان متمسكا بدينه، ~~فنجا من الورطة بفضل عالم مسلم كان يقيم بحران، فقد قال لهم هذا العالم: «إنه يوجد دين ~~معروف ms038 قليلا جدا، وإن النبي سمح به، وهذا الدين هو دين الصابئين، وهو دين لا يعرف ما هو ~~مطلقا، فانتحلوا اسمهم، فإذا فعلتم ذلك لم يعارضكم أحد، وعشتم مطمئنين.» وهكذا رئي في ~~زمن خلفاء المأمون ظهور جماعات صابئية في حران وفي أماكن أخرى كانت مجهولة سابقا، ولم ~~يكن بينها وبين المندائية أية صلة كانت. # وقديما كان أهل حران قد تعرضوا لأخطار عظيمة في عهد الرشيد؛ وذلك أنه وجد في ~~معبدهم - كما يزعم - رأس بشري مجفف، مزخرف بشفتين من ذهب، كان ينفعهم في كشف ~~الغيب، ففكر في استئصالهم، فأقاموا بهذه المناسبة مذخرا من البلايا. # وقد اطلعنا على مذهب صابئة حران بمصدرين رئيسين، مستقل كل منهما عن الآخر ~~وهما: الفهرست الذي هو مجموعة عربية مهمة عن تاريخ العلوم ألفها النديم، وكتاب ~~الشهرستاني الذي صار مألوفا لدى قرائنا، ويقوم أساس هذا المذهب الديني على عبادة أرواح ~~النجوم مع اتباع علم التنجيم والسحر له، وهذه مواصلة للوثنية البابلية، كما قال مسيو ~~دوغويه. # ومع ذلك، فإن هنالك ما يدعو إلى الاعتقاد - من قبل العلماء على الأقل - بأن هذه الوثنية ~~كانت قد قامت على أفكار مستنبطة من الأفلاطونية الجديدة أو الأدرية، ولم يتفق العلماء ~~على معرفة هل كان أهل حران موحدين، أو مشركين حقا. وأما مذهب الصابئة، الذي روى ~~مؤلفو العرب خبره، فمن الواضح أنه رتب نحو التوحيد، فآلهة السيارات تابعون لإله عال، ~~يكونون بالنسبة إليه كأرواح الأدريين تقريبا، ومن الدعاء إلى برج الدب الأكبر استنجاد ~~هذا البرج باسم القوة التي وضعها فيه خالق الجميع، ويتوسل إلى المشتري «بسيد البناء ~~الرفيع وصاحب اللطف والخيرات والأول بين الجميع والأبدي الوحيد»، وتدعى الشمس بعلة ~~العلل، وهذا لا يعني أنها الإله الأعلى. # وعند النديم أن أهل حران كانوا قد انتحلوا - حول الهيولي والعناصر والصورة والزمان ~~والمكان والحركة - كثيرا من الآراء المشائية، فيقولون: إن الأجسام التابعة مركبة من ~~العناصر الأربعة العادية على حين صنع الجسم السماوي من عنصر خامس، وعندهم أن الروح جوهر ~~خال من عوارض الجسم، وأن الله ضرب من ms039 اللامعلوم غير الحائز لصفة، فلا يمكن أن ينطبق ~~عليه أي حكم ولا برهان. # ويروي الشهرستاني أن النفس المشتركة بين الناس والملائكة لدى الحرانيين هي على خلاف النفس ~~الحيوانية، فهي جوهر لا جسمي، متم للجسم ويتحرك بحرية، # 52 # وهي تكون في حال الفعل عند الملائكة وفي حال القوة عند الإنسان، ويكون العقل ~~وظيفة أو شكلا لهذه النفس التي تدرك جواهر الأشياء المجردة للهيولي، ويكفي هذا - بين ~~كثير من مختلف الأنباء - لإثبات كون الصابئة قد اقتطفوا العنعنات الفلسفية الكبيرة. # وفي موضع آخر يوجد في نظامهم، كما في نظام المندائيين، # 53 # اختلاف بارز بين النور والظلام وفق العنعنات المانوية، فهم يقولون على رواية ~~الشهرستاني: «إن الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية كثيفة ... فعالم ~~الروحانيات العلو لغاية النور واللطافة ، وعالم الجسمانيات السفل لغاية الكثافة والظلام، ~~والعالمان متقابلان، والكمال للعلوي، لا للسفلي، والصفتان متقابلتان، والفضيلة للنور لا ~~للظلمة.» # ويعترف الصابئة بوجود نبيين من أصل مصري، وهما: عاذيمون، وهرمس. وكان الصابئة أسطوريين ~~متفوقين، وأعتقد أن هذه الصفة أصيلة في ملتهم، وأنهم لم يبسطوها لإرضاء المسلمين فقط، ~~مغالين في أقاصيصهم، وإنما أرى العكس، فأقول: إن القصص التي تبدو في القرآن آتية من ~~التوراة، أو من موضع آخر قد أحكمت وفق ذهن الصابئة، ولا ريب في أن هؤلاء ساعدوا على ~~انتشار مبدأ التدرج النبوي في الفرق الإسلامية، هذا المبدأ الذي أدى إلى ظهور كثير من ~~الإلحادات. ومع ذلك فإن دراسة هذه العوامل لا تزال محتاجة إلى جد أكثر مما في ~~السابق. # وأشهر صابئي حران، الذين يستحقون أن تحفظ أسماؤهم بسبب الخدم التي قاموا بها في ميدان ~~العلم هو ثابت بن قرة، المولود سنة 221 على الراجح، والمتوفى سنة 288ه، وكان ثابت بن ~~قرة ينتسب إلى أسرة كبيرة، وكان بدء حياته في حران، حيث زاول مهنة الصرافة، ثم عاش في ~~كفر توثا، فأتى الفلكي محمد بن موسى بن شاكر به إلى بغداد ليقدمه إلى الخليفة المعتضد ~~قبل جلوسه على العرش، ثم بقي ذا منزلة كبيرة لدى هذا الأمير، وقد ms040 انتفع بما نال من ~~اعتبار، فأقام جمعية صابئية ببغداد، وقد عد العرب ذا النفس الموسوعية، ثابت بن قرة، ~~فيلسوفا قبل كل شيء. # ومن دواعي الأسف أن عدنا غير حائزين لآثاره الفلسفية، وقد ضمنت مؤلفاته الهندسية - ~~التي نعرف بعضها - مكانا مهما له في تاريخ الرياضيات، وكان يعرف العربية والسريانية ~~واليونانية، وامتدح ابن العبري - الذي يمكن عده حكما منصفا - أسلوبه في ~~السريانية، ويثني الفلكي أبو معشر على أهلياته في الترجمة. ويروى أنه أصلح إصلاحا ~~عجيبا كثيرا من الترجمات السابقة، وقد بلغ الغاية خصبا، ويعزو ابن العبري إليه 150 ~~رسالة بالعربية وست عشرة رسالة بالسريانية، وكان قد كتب عن ديانته كتابا، يجب أن يرثى ~~لضياعه، ولكنه سار وفق ذهنية ملته، فعكف بعض العكوف على التنجيم ومخالطة ~~الأرواح. # وأحصي لثابت كثير من الكتب الرياضية. وأما ما يتعلق بالفلسفة - على الخصوص - فقد ترجم ~~قسما من تفسير برقلس على وصايا فيثاغورس الذهبية، كما ترجم كتاب الجوامع لجالينوس، وبحث ~~في المقولات والتحليلات الأولى والعبارات لأرسطو، وألف رسالة في الحجة المنسوبة إلى ~~سقراط، ورسالة أطرف من هذه في حل رموز كتاب السياسة لأفلاطون. # ولثابت كثير من التلاميذ، اتفق بعض الشهرة لاثنين مفضلين لديه منهم، وهما: ابن أبي ~~الطانا اليهودي، وعيسى بن أسيد النصراني، ومن ثم يرى أنه كان يوجد بين العلماء ~~ود حقيقي لا ينافي أي دين، فيقضي العجب من تمثل عالم صابئي يلقي دروسا على ~~تابع لموسى وتابع لعيسى تحت رعاية الخليفة المسلم. وما انفكت أسرة ثابت بن قرة تشغل ~~بعده مكانا عاليا عدة أجيال، وقد ألف سنان بن ثابت - بين كثير من الكتب - رسالة في ~~سيرة أبيه، وكان سنان هذا صديقا للمسعودي. # وظهر صابئي آخر، نال شهرة كبيرة أيضا، ولكن مثل عالم على الخصوص، وهو محمد بن ~~جابر البتاني، ومن المحتمل أن كان أصله من «بتنان سروج» بالعراق، وقد عاش في ~~الرقة، وقد كان رياضيا وفلكيا مفضالا، واتفق لأزياجه الفلكية صيت بعيد في جميع ~~القرون الوسطى، التي كانت تذكره باسم # Albategnus ~~، ويرى ~~أنه كان يعرف اليونانية، ms041 وشرح المقالات الأربع لبطليموس، وقوم المجسطي، وكتبا كثيرة ~~لأرشميدس، وقام البتاني بأرصاده بين سنة 264 وسنة 306، وكان ذا صلة بجعفر بن الخليفة ~~المكتفي. # وكان أبو جعفر الخازن، وأكثر ما يكنى بابن روح، رياضيا أيضا، وكان فلكيا وعلى ~~شيء من الفلسفة، ونقل من السريانية إلى العربية شرح الإسكندر الأفروديسي للجزء الأول من ~~طبيعيات أرسطو، وأعيد النظر في هذه الترجمة من قبل يحيى بن عدي، وكان ابن روح صديقا ~~للفيلسوف المسلم: أبي زيد البلخي، الذي سنلقاه في الفصل الآتي. # ولذا؛ فإنه يمكن أن يلاحظ في ملة الصابئين المذكورة الممتعة اتصال الفلسفة بدراسة ~~العلوم الهندسية والرياضية والفلكية اتصالا وثيقا. أجل، إن هذا الظرف كان يشتق في ~~الظاهر من عادة هؤلاء العلماء القديمة في عبادة النجوم ورصدها، بيد أنه كان كذلك على ~~اتفاق مع روح الأفلاطونية الجديدة. ~~••• # ويظهر من هذا الفصل - الذي تكمل نتائجه فيما بعد - أنه كان لدى الشرقيين - قبل زمن ابن ~~سينا - أدب فلسفي كثير الغنى قليل الامتزاج. # وكان أرسطو يسيطر عليه، وكان أرسطو يظهر فيه بكتبه الخاصة وبشراحه: الإسكندر ~~الأفروديسي وثامسطيوس وأمونيوس ويوحنا فلبونس، وكان هذا الأخير - المعروف جيدا لدى ~~العرب باسم يحيى النحوي - يسوق المدرسة اليونانية حتى عتبة الإسلام. والواقع أنه مات قبل ~~الهجرة بسنين قليلة، حتى إن القصة الإسلامية تمد في أيامه، وتأتي به أمام فاتح مصر الهائل، ~~عمرو بن العاص، كيما يتوسل إليه أن يبقي مكتبة الإسكندرية. # ويأتي بعد أرسطو أفلاطون، الذي يصعب فهم فلسفته أكثر من فلسفة أرسطو، والذي تعد ~~فلسفته أقل مادية وأقل حفظا بالعنعنات المدرسية، فكان العرب أقل اطلاعا عليها ~~مما على فلسفة خلفه لا ريب، ويأتي دون هذين الأستاذين موكب على شيء من عدم الالتحام ~~يماز فيه الأفلاطوني الجديد فرفريوس، والطبيب جالينوس، والفارسي ماني، والأدري مرقون، ~~وكثير غيرهم أيضا، وكان ينشأ عن هذا المجموع عنعنات فلسفية توفيقية كثيرة القرب من ~~الأفلاطونية الجديدة. # ويصرح المسعودي تصريحا كافيا بأن الفلسفة الأكثر اعتبارا في زمنه (وقد توفي سنة ~~345)، هي فلسفة فيثاغورس، # 54 # ويجب أن تكون الأفلاطونية الجديدة ms042 هي المقصودة، وما سنقول عن الفارابي سيأتي ~~مؤيدا لهذا البيان الموكد على ما أعتقد، وكان السريان يولعون بالأدب الحكمي، الذي ~~يلائم انتشار الأفلاطونية الجديدة التوفيقية، فتجد مجموعات الأمثال التي يظهر فيها فيثاغورس ~~وأفلاطون ومناندر وسكندوس إقبالا كبيرا. # 55 # ولا يتفق لهذا الطراز مثل ذاك الاعتبار كما يلوح. ومن دواعي الدهش - على ما ~~يحتمل - كون العنعنات الأفلاطونية الجديدة السائدة للعرب لم تحو- على رأس مؤلفي اليونان ~~الذين عرفوهم - اسم فلوطين المعدود من أهم أساتذة الأفلاطونية الجديدة، والواقع أنه كان ~~من النادر ذكر فلوطين من قبل العرب الذين كانوا يميزونه - مع ذلك - بلقب «الشيخ اليوناني»، # 56 # ومع ذلك فإن اسم فلوطين - إذا ما جرد من حروف العلة - على حسب عادة المؤلفات السامية، ~~شابه اسم أفلاطون مشابهة مؤلمة، فحدث غير مرة أن احتمل أفلاطون - الذي هو أشهر الاثنين - ~~مسئولية آراء شبه سميه، حتى إن هذا حدث لأرسطو، مع أن السبب أقل من ذلك كثيرا، وذلك ~~أن كتابا، لم يشتمل بالحقيقة على غير مقتطفات من الجزء الرابع والجزء السادس من كتاب ~~الإنياد لفلوطين، ترجم في ذلك الزمن، فانتشر تحت اسم أرسطو في القرون الوسطى، ولا مراء في ~~أن ذلك من أغرب القصص عن الاختلاق في الفلسفة، وهو يستحق أن نقف عنده دقيقة قبل إغلاق ~~هذا الفصل. # وعلم اللاهوت (الأثولوجيا) لأرسطو، # 57 # وهذا هو عنوان الكتاب، قد ترجم إلى العربية من قبل ابن ناعمة الحمصي ~~حوالي سنة 226. وقد أعاد الكندي الشهير النظر في هذه الترجمة من أجل أحمد بن الخليفة ~~المعتصم، واتفق لهذا الكتاب رواج كبير في الشرق، وتكلم عنه اليهودي موسى بن عزرا، ~~مطلقا عليه اسم بدلاخ، الذي يرجح أنه ليس شيئا غير كلمة أثولوجيا المحرفة بنقل ~~نقاط شكلية، وقد شرح باللاتينية في عصر النهضة هنا، وظهر برومة سنة 1519 تحت عنوان «علم ~~اللاهوت أو الفلسفة الصوفية للعلامة أرسطو على رواية المصريين، وقد وجدت مؤخرا، ونشرت ~~باللاتينية بعد التهذيب والتنقيح». وقد أعيد طبعه بباريس سنة 1572. # وإليك مع الاختصار، كيف تظهر هذه «الأثولوجيا»، وهي على سوء ms043 انتظامها تسيطر عليها معضلة ~~الواحد والتعدد، كما يلوح بسرعة. ~~«فالواحد الخالص هو علة جميع الأشياء، وهو ليس أحد الأشياء، وإنما هو مبدأ كل شيء، وهو ~~ليس الأشياء بنفسه، وإنما ينطوي على جميع الأشياء»، وكل يصدر عنه، فالعقل يصدر عنه في ~~البداءة بلا واسطة، ثم إن جميع الأشياء التي في العالم المعقول الأعلى تصدر عن هذا العقل، ~~ثم إن الأشياء التي في العالم الأسفل تخرج من أشياء العالم المعقول، وهي تخرج من الواحد ~~بوساطتها. # ويجب أن يدرك على الوجه الآتي هذا الصدور عن العقل الأول، وذلك أن الموجود الأول يقف ~~بعد خروجه من الواحد، ويلقي نظراته على الواحد ليراه، فهنالك يصير عقلا، وتصير أفعاله ~~مشابهة لأفعال الواحد المحض؛ وذلك لأنه بعد أن يلقي نظراته على الواحد، ويراه وفق ~~قدرته يفيض الواحد عليه قوى كثيرة كبيرة ، وهنالك تخرج صورة النفس من العقل من غير ~~أن يتحرك العقل، وكما خرج العقل من الواحد المحض من غير أن يتحرك الواحد؛ ولذا فإن النفس ~~معلول لمعلول، وهي تعود عاجزة عن إحداث الفعل من غير حركة، ويكون ما تحدث زائلا، وسنرى ~~فيما بعد أن فلاسفة العرب تمسكوا بهذه النظرية. # والنفس التي تخرج من العقل هي صورة العقل، ولا يقوم عملها إلا على معرفة العقل ~~والحياة، التي تجعلها تفيض على الأشياء بدورها. والعقل العام كالنار، والنفس العامة ~~كالحرارة التي تشع من النار حولها، ويسمى عمل النفس صورة. ومتى أرادت النفس أن ~~تنتج نظرت إلى خيال الشيء الذي تريد أن تنتج، وهي بهذا النظر تمتلئ قوة ونورا، ثم ~~تتحرك إلى الأسفل وتكون الصورة التي تخرج منها محسوسة. وهكذا فإن النفس تكون متوسطة بين ~~عالم العقل والعالم المحسوس مرتبطة فيهما، وهي عندما تتحول عن تأمل العقل لتتجه ~~إلى الأشياء السفلى تنتج الأفراد وفق مراتبهم؛ أي تنتج أفراد عالم الكواكب وأفراد ~~العالم الأرضي. ولكل موجود في العالم السفلي مثاله في العالم العقلي. أجل، تكون النفس - ~~التي هي رابطة ما بين العالمين - جميلة بالنسبة إلى المحسوس لتعلقها بالعقلي، وتكون ~~بشعة بالنسبة ms044 إلى العقلي لتعلقها بالمحسوس، بيد أن صورة النفس جميلة دائما، ويصدر ~~جمال الطبيعة عن جمالها. # والحياة خاصة بالنفس، وهي غير خاصة بالأجسام التي هي زائلة، والنفس مكانها في العقل، وفي ~~العقل العام جميع العقول وجميع الحيوات. وكما أن جميع الموجودات التي هي دون العقل العام - ~~أي الكل خلا الواحد الساكن - هي ضمن العقل العام، تكون جميع الطبيعات الحية في الحي ~~العام الذي هو النفس، وتشتمل كل حياة على حيوات كثيرة، ولكن كلا منها أقل من ~~التي تقدمتها وأضعف، ولا تنفك الحياة تسيل، حتى تصل إلى أصغر ما يكون من طبيعة وأضعف، ~~وتهبط القوة العامة فيها، وهذا هو الفرد الحي، وهكذا فإن جميع الأشياء المتباعدة ~~مرتبة مجتمعة عن حب. ويجمع الحب الحقيقي - الذي هو العقل - جميع الموجودات المعقولة ~~الحية، ويجعلها واحدة، وهي لا تنفصل مطلقا لما لا يوجد شيء يعلو هذا الحب، فالعالم الأعلى ~~هو حب خالص. # هذه هي الأفكار التي كان عرب القرن الرابع من الهجرة يعزونها إلى أرسطو، والآن ~~يدرك كيف أن الفلسفة استطاعت أن تعلمهم كواحد كل مركب متباين على شكل موافق يدرك ~~إدراكا مزجيا. أجل، كانت الفلسفة واحدة، ولكن مع وجود ألف وجه لها، وقد كانت تمتد من ~~الاختبارية الأكثر وضعية إلى الصوفية الأكثر حمية. وكان الفيلسوف الكامل هو الذي ~~يدرك انسجام وحدة هذه الوجوه المختلفة أحسن من غيره. وكانت المعضلة الفلسفية توضع في ~~ذلك الزمن على هذا الوجه كما هو مجمل القول. ومهما يكن من إمكان محاولة عدها غير معقولة، ~~فإنه إذا ما أريد إعمال الخيال وتمثل الشرق، الذي هو بلد المزج والتركيب والتأليف ~~اعترف - بعد فحص الأمر من جميع وجوهه - بأنها لم تعوزها شاعرية ولا عظمة، تحت هذا ~~الشكل. # الفصل الرابع # | الفلاسفة والموسوعيون # معنى الفيلسوف وظهور بعض الفلاسفة قبل ابن سينا - الكندي والفارابي - أبو زيد بن ~~سهل البلخي - كتب الفارابي وأثره العلمي والفلسفي - ما بعد الطبيعة عند الفارابي - ~~المدينة الفاضلة - نظرية المعرفة - جماعة إخوان الصفا. ~~*** # ليس لاسم الفيلسوف في الأدب العربي ما له في لغتنا ms045 من معنى عام مبهم، ولم يكن أولئك ~~الذين سماهم العرب «فلاسفة» نسخا عن اليونانية جميع الباحثين عن الحقيقة، ولا جميع ~~مديري الفكر والعقلاء والنظريين، فقد دعوا هؤلاء بالحكماء. وأما الفلاسفة - بحصر المعنى ~~- فقد كانوا مواصلي العنعنات الفلسفية اليونانية المعدودة واحدة على الخصوص؛ فعند هؤلاء ~~كانت الفلسفة اليونانية صحيحة صحة الوحي، وكانوا يرون أنه يوجد - على البداهة - اتفاق بين ~~الفلسفة والعقيدة، كما بين العلم والدين في نظر المؤمنين في أيامنا. # بيد أن الفلسفة اليونانية كانت تشتمل بالحقيقة، على جملة من الأفكار المركبة المتباينة، ~~وأنه ليس من السهل - دائما - أن يرى، أول وهلة، كيف يمكن هذه النظريات أن تلائم علم ~~الكلام الإسلامي؛ ولذا يجب أن تكون إحدى النتائج المهمة لعملنا قائمة على الإشعار بالمدى ~~الذي حقق فيه هؤلاء العلماء ما بين الفلسفة اليونانية والأرتدكسية الإسلامية من ~~الانسجام، وما الحد الذي أخفقوا فيه. # ويقدم الشهرستاني # 1 # قائمة بأسماء عشرين رجلا استحقوا - في الأدب العربي - لقب «الفيلسوف» قبل ~~ظهور ابن سينا، وتعرف في هذه القائمة أسماء رأيناها في فصل المترجمين؛ أي أسماء حنين ~~بن إسحاق، وثابت بن قرة، ويحيى بن عدي. ولم يكن هؤلاء الحكماء مسلمين، وأشهر المسلمين الذين ~~ذكرهم الشهرستاني مع أولئك اثنان، وهما: يعقوب بن إسحاق الكندي، ومحمد أبو نصر الفارابي. ~~والكندي والفارابي هما العميدان الكبيران اللذان يهيمن اسماهما على الدور التدريجي ~~للفلسفة العربية الممتد مدى القرنين السابقين لابن سينا. # وعلى ما نال يعقوب بن إسحاق الكندي من شهرة واسعة في الشرق، وعلى ما وجدت هذه الشهرة ~~من صدى في الغرب، فإننا لا نعرف عنه غير أمور قليلة كما هو حاصل القول. ولذا فإننا نخشى ~~أن يتعذر علينا إعادة صورته إليه مع شيء من القوة. # وقد لقب الكندي بفيلسوف العرب، وهو مدين بهذا اللقب لكونه واضعا سلالة الفلاسفة ~~لدى المسلمين، ولصفاء أصله العربي، وكان سليل أسرة مشهورة، وكان ينتسب إلى قبيلة كندة ~~الكبيرة، التي هي من نسل قحطان. ويدلنا تاريخ آله، الذي عني به المستشرق فلوغل، # 2 # على جده السادس - من جهة ms046 الأب - آتيا على رأس سبعين فارسا في السنة السادسة ~~من الهجرة، كيما يدخل في الإسلام؛ فعد بهذا بين صحابة النبي، وكان آل كندة يسكنون ~~اليمن قبل ذلك الزمن، وهاجر أجداد مؤلفنا الأدنون إلى كلدة، وكان أبوه أميرا على ~~الكوفة في عهد الخليفتين: المهدي والرشيد، وكان جده أميرا على كثير من المدن، وكانت أملاكه ~~المهمة في البصرة، ويرى أن فيلسوفنا ولد فيها. وذهب الكندي في شبابه إلى بغداد ليدرس ~~فيها، ولا يعرف على أي الأساتذة تخرج، وإنما لا يوجد أي شك في تخرجه على يد معلمين ~~من النصارى. # ونعلم من الإشارات القصيرة، التي وردت عن سيرته من قبل القفطي وابن أبي أصيبعة أنه ~~صار بعد ذلك ذا صلة بالخلفاء، ودخل في خدمتهم مثل أديب، وكان أخص ما نال من منزلة عند ~~المعتصم وعند أحمد بن المعتصم، الذي أهدى إليه كثيرا من مؤلفاته. وقد صار في أواخر حياته ~~هدفا لحملات واضطهادات جلبها إليه الحسد والتعصب لا ريب. وقد مقته الفلكي أبو معشر، ثم ~~صالحه وصار تلميذا له، ومعجبا به، وكذلك كاد له أبناء موسى بن شاكر الرياضيون، ويعتقد ~~أن الوفاة حضرته في عهد المعتمد # 3 # حوالي سنة 260. # وكان الكندي مترجما مهما، وموسوعيا منتجا، يندر وجود من يعدله خصبا. # وقد جمع فلوغل قائمة بكتبه، فوجد أنها بلغت رقم ال 265 الضخم، المشتمل على قسم عظيم ~~من علوم زمنه، وقد ترجم الجزء الرابع عشر مما بعد الطبيعة لأرسطو، وشرح التحليلات ~~الأولى والثانية، وتلخيص الرسائل السوفسطائية، وكتاب الأبولوجيا المدسوس على أرسطو، ولخص ~~صناعة الشعر لأرسطو، وصناعة الشعر للإسكندر الأفروديسي، والعبارات، والإيساغوجي لفرفريوس، ~~وألف رسالة في المقولات. # وتشهد عناوين كتبه على عمله الجبار في شرح الكتب اليونانية وتطبيقها، ويمكن أن يذهب ~~إلى أنه لم يأل جهدا في استخلاص جوهرها وإيضاحه، وتبسيط مذاهبها، وتنسيق هذه المذاهب. ~~وكان موضوع إحدى رسائله «ترتيب كتب أرسطوطاليس»؛ أي الترتيب الذي يجب أن تدرس به على ما ~~يظهر. # وقد عني الكندي بالفلسفة السياسية؛ فألف نظرية في الأعداد التوافقية، التي ذكرها ~~أفلاطون في ms047 كتاب السياسة، وكان الكندي جدليا ماهرا، وبهذا تفسر كثرة أعدائه ~~أيضا. # ويعد عمله العلمي - على الخصوص - من الأهمية بمكان، ويخمن أنه ترجم كتاب جغرافية ~~بطليموس، الذي كانت توجد له ترجمة سريانية سابقا، # 4 # وأحصى مقالات أقليدس، وألف عن كتب هذا العالم الهندسي وعن المجسطي لبطليموس. ~~وكثر عدد مؤلفاته في الرياضيات والفلك، وعني بالآثار العلوية؛ وذلك بسبب ما أخذ على ~~نفسه من مناهضة الأفكار المانوية في تركيب السماء ونظرية النور والظلام. # وفضلا عن ذلك، فقد حمل على المانوية في مؤلف خاص، ولم يكن الطب غريبا عنه، وإن لم ~~يزاوله على ما يظهر، ثم إنه عرف الموسيقى، وعلم هذا الفن علما وعملا. ويتألف من ~~أهليات الكندي العلمية إحدى مميزات عبقريته، ويظهر أنه بذل مثل تلك العناية بالعلوم ~~الطبيعية والعلوم النظرية، عادا إياها أساسا ضروريا للفلسفة وقسما متمما لها، ويحمل ~~أحد كتبه عنوان «لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضة». ولا يرى أنه التفت إلى التصوف ~~كثيرا، خلافا لكبار الموسوعيين الآخرين. # وحديثا نشر الدكتور ألبينو ناجي ترجمات لاتينية لثلاث رسائل ألفها الكندي، # 5 # فاثنتان من هذه الرسائل تحملان عنوان الجواهر الخمسة والعقل، وتعالج النظريات ~~المألوفة في السكلاسية العربية. ومن الممتع إظهار الحال التي تبدو بها هذه النظريات في ~~القرن الثالث من الهجرة بقلم فيلسوفنا. فالجواهر الخمسة - التي يرى من الأصلح أن يعبر ~~عنها بكلمة أكثر لزوما؛ أي بالأشياء الخمسة - هي التي توجد في جميع الجواهر كما قيل، وهي ~~الهيولي، والصورة، والحركة، والزمان، والمكان. # وأسلوب الكندي في هذه الرسائل متين، كثير الإيجاز، غير خال من الجمال، وإليك كلمته - ~~على علاتها - عن الهيولي: «الهيولي، هي ما يقبل ولا يقبل، والهيولي هي ما يمسك ولا ~~يمسك، والهيولي إذا ارتفعت ارتفع ما هو غير لها، وأما إذا ارتفع ما هو غير لها فهي ~~نفسها لا ترتفع، ومن الهيولي كل شيء، وهي ما يقبل الأضداد دون فساد، والهيولي ليس لها حد ~~بتة.» # وللصورة صنفان؛ فأما أحدهما فيؤلف الجنس، ولا يكون قسما من المبادئ البسيطة التي ~~نتكلم عنها، وأما الآخر ms048 فيصلح لتمييز الشيء من جميع الأشياء الأخرى بالجوهر والكمية ~~والكيفية وبقية الأجناس العشرة، وهناك الصورة التي تؤلف كل شيء، «وتوجد في الهيولي ~~البسيطة قوة، بها تكون الأشياء من الهيولي، وتلك القوة هي الصورة، وفي هذا دليل على أن ~~الصورة موجودة بالقوة، فمثلا من الحرارة واليبوسة اللتين هما بسيطتان - إذا اجتمعتا - تكون ~~النار، وإذن فالهيولي في الحرارة واليبوسة البسيطتين. أما الصورة فهي النار، ولكن القوة ~~هي تلك التي - إذا اجتمعتا - تصير بالهيولي نارا ... فأقول - إذن - إن الصورة هي الفصل الذي ~~به ينفصل شيء عن الأشياء الأخرى بالبصر، والبصر هو علم ذلك.» ولا يدل هذا التحديد على ~~فهم تام لرأي أرسطو، ولا على حيازة كاملة للفكرة السكلاسية، وإنما يشعر هنالك ~~بنظرية في طريق التكوين. ومع ذلك، فإن من الصواب أن يذكر أن لاتينية هذه الترجمة ~~رديئة. # ويميز مؤلفنا ستة أنواع للحركة وفق العنعنات المشائية، وهي: حركة الكون والفساد في ~~الجوهر، وزيادة الكمية ونقصانها، وتغير الصفة، والحركة في المكان، مستقيمة كانت أو ~~دائرية. وكان تحديد المكان يزعجه كما كان يزعج أرسطو، فقد قال: «أما المكان، فقد اختلف ~~فيه الفلاسفة بسبب غموضه وخفائه، فقال بعضهم: إنه لا يوجد مكان بتة، وقال بعضهم إنه جسم ~~كما قال أفلاطون، وقال بعضهم إنه موجود، لكنه ليس جسما.» ورأى اتباع رأي أرسطو، ~~فرفض الرأي القائل إن المكان جسم، وقال: «إن المكان هو السطح الذي هو خارج الجسم.» ~~ويكون المكان هيولي ذات بعدين، ويلاحظ الكندي - كعالم طبيعي - أن المكان لا يزول برفع ~~الجسم، فالهواء يأتي إلى المكان الذي جعل فيه فراغ، والماء يأتي إلى المكان الذي ذهب منه ~~الهواء. # وكذلك مبدأ الزمان أدى إلى اختلافات بين الفلاسفة، فبعضهم قال إنه الحركة بنفسها، وقال ~~بعض آخر إنه ليس إياها. ويؤكد مؤلفنا أننا نرى الحركة مختلفة في أشياء مختلفة، وذلك ~~مع أن الزمان في الكل يكون على نوع واحد ونمط واحد؛ ولهذا، فإن الزمان ليس الحركة، وإنما ~~يجب لتحديد الزمان أن يقال: إن الوقت هو الذي يجمع الماضي والمستقبل، وإن كان ms049 الوقت لا يدوم ~~بذاته. «وليس الزمان في شيء سوى القبل والبعد، وهو ليس سوى العدد، وهو عدد عاد للحركة.» ~~وهذا العدد من الأعداد المتصلة. # ويدرك من الوجه الذي عرضت به هذه المبادئ - حتى بهذا الأسلوب - ما لما بعد الطبيعة ~~لأرسطو من تأثير مباشر، وعلى ما يمازج ذلك الفكر من ارتباك وضعف قليلين، فإنه يلاحظ في ~~ذلك المؤلف جهد كريم نحو النظام والوضوح. # وعلم النفس لدى الكندي، كما يسميه في رسالة «العقل» الموجزة، هو على ذات النقطة ~~فيما بعد الطبيعة عنده، فالمذهب كان قد أوضح وكثف بما فيه الكفاية، ولكن مع عرضه - ~~بعد - قليلا من عدم الشفوف وعدم الرشاقة في كثير من النقاط؛ وذلك أن المؤلف يزعم أنه ~~يروي رأي أرسطو وأفلاطون، مفترضا أنه واحد من حيث النتيجة، ويميز أربعة أنواع، أو درجات، ~~للعقل: ثلاثة منها داخل النفس وواحدا منها خارجها . وأول هذه الأنواع الثلاثة التي في ~~النفس، هو بالقوة، وثانيها بالفعل على وجه تمارس النفس به هذا الفعل متى تريد، وذلك ~~كالكاتب الذي يمارس فن الكتابة، وثالثها هو هذا العقل الذي هو في حال الاستعمال فعلا، وذلك ~~ككتابة الكاتب. # وأما النوع الذي يوجد خارج النفس، فهو العقل الفعال، وسنرى ما لنوع العقل هذا من الشأن ~~الكبير في فلسفة الفارابي وفلسفة ابن سينا، وقد تكلم عنه الكندي «إن كل ما كان بالقوة يخرج ~~إلى الفعل بآخر، هو ذلك الشيء بالفعل؛ فإذن النفس عاقلة بالقوة وخارجة بالعقل الأول «العقل ~~الفعال»، بشيء من القوة.» فقال: ومتى اتحدت النفس بالصورة المعقولة، نظرا إلى العقل ~~الفعال، فإن هذه الصورة والعقل يكونان الشيء عينه في النفس، بيد أن العقل الذي يكون ~~بالفعل دائما، خارج النفس؛ أي العقل الفعال، ليس المعقول عينه، ولا مكان لهذه المطابقة في ~~غير النفس. # وكان للكندي تلاميذ، ويظهر أن نفوذه الشخصي كان عظيما، واثنان من هؤلاء التلاميذ ~~يستحقان الذكر؛ فأما أحدهما فهو أحمد بن الطيب السرخسي، الذي يذكر المسعودي له رسائل ~~في الجغرافية وموجزا في المنطق، # 6 # ويعزو إليه حاجي خليفة شرحا ms050 على الرسالة الذهبية لفيثاغورس، وكان في البداءة ~~معلما للمعتضد، ثم صار نديما له، ولكنه أظهر من الغفلة ذات يوم ما أفشى مع سرا ائتمنه ~~هذا الأمير عليه؛ فأمر بقتله سنة 286، وقد كان أحمد السرخسي مفضالا ممتازا، وكاتبا ~~بارعا. # وأما تلميذ الكندي الآخر المعتبر، فهو أبو زيد بن سهل البلخي، ولا ريب في أن أبا زيد ~~البلخي كان دون أستاذه أهمية بدرجات، وإنما يعد أحسن ثروة بالنسبة إلينا؛ وذلك أن ~~أحد كتبه المهمة انتهى إلينا، فنشر وترجم إلى الفرنسية من قبل مسيو كليمان هوار، # 7 # فعلى ضوء هذا المتن عادت هيئة أبي زيد حية. # وقد ولد أبو زيد في قرية من ولاية بلخ، وقد ذهب هذا الفيلسوف في شبابه للدراسة في ~~العراق، حيث كان الشوق يسوقه إلى الانضمام إلى الإمامية، ولكنه تعرف في العراق بالكندي ~~الشهير، ولازمه ووقف نفسه على الفلسفة والعلم، ويغدو بالغ الفضل مع بقائه متواضعا ~~متحفظا، فيجلب إلى نفسه احترام الأقوياء، ويكون أمير بلخ حاميه الرئيس، ويحسن حظ ~~عالمنا بفضل صداقته، فينال في بلخ أملاكا مهمة، حافظت عليها ذريته عدة أجيال. ويرجع تاريخ ~~كتبه في الجغرافية والفلسفة - على الخصوص - إلى الربع الأول من القرن الرابع. # وساح أبو زيد في مصر وفارس، وكان أبو زيد صريحا طريفا، ولكن مع سذاجة، وقد اطلع على ~~كثير من المناهج، ونراه قد عاد إلى «بلد سابور؛ كيما يقوم باستقصاء في شأن رجل كانت تظهر ~~مذاهبه مخالفة لمذاهب الآخرين، وكان يزعم أنه الله ذاته.» # 8 # وقد عرف القرمطية والمانوية والمزدكية والهنود، وما كان عليه من بساطة قلب ~~صان أرتدكسيته حيال إغوائه بمذاهبهم. ويشتمل كتابه «البدء والتاريخ» على معارف ~~مؤثرة عن المشبهة، والاثنينية، والقائلين بوحدة الوجود، والحرانيين، والمعتزلة، ~~وغيرهم. # وليلاحظ - مثلا - هذا المذهب الذي لم يذكر أتباعه: «(ص77) ويزعمون أنه لا جسم له ولا ~~صفة، ولا يعرف ولا يعلم، ولا يجوز أن يذكر، ودونه العقل، ودون العقل النفس، ودون النفس ~~الهيولي، ودون الهيولي الأثير، ثم الطبائع، ويرون كل حركة أو قوة حساسة أو نامية منه.» ms051 ~~فهذا المذهب الذي هو من أصل أدري هو الذي انتحلته - تقريبا - فرقة الإسماعيلية المشهورة ~~التي ظهرت في الزمن الذي ألف فيه أبو زيد. # وقد أجاب فيلسوفنا عن النظريات القائلة بوحدة الوجود، والقريبة من هذه بما يأتي: «(ص75) ~~من الدلائل على أن البارئ - جل جلاله - ليس بالنفس ولا بالعقل ولا بالروح، كما ذهب إليه من ~~ذهب أن الأنفس متجزئة قد فرقت بينها الهياكل والأشخاص.» والواقع أنه لا يوجد شيء ينقسم ~~من غير أن يتصور إمكان التئامه، والالتئام من عوارض الجوهر، وبعض يحيا وبعض يموت، ~~ولا بد من أن تفنى النفس بموت حائزها، أو أن تعود إلى النفس العامة، أو أن ترتحل إلى ~~آخر. والواقع أن الفناء والرجوع من عوارض الجوهر أيضا، فهذا الطراز من التفلسف طريف لا ~~ريب. # ويعنى أبو زيد بنظرية الصفات الإلهية التي أثارها المعتزلة كثيرا، كما يعنى بنظرية ~~القضاء والقدر، ويظل اعتقاده حول هاتين النقطتين أرتدكسيا، وتكون نتيجته متواضعة: ~~فقد قال: «(ص100) وأعدل الأمور أوساطها، فقد قيل: الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس، ~~لا يزداد على طول النظر إلا حيرة ودهشا، ومن طاوعته نفسه بالإمساك عن الخوض فيه والاقتصار ~~على ما في الكتاب رجوت أن يكون من الفائزين.» # ولذا يجب أن يبدو أبو زيد لنا ذكيا جدا، أكثر من ظهوره فيلسوفا ضمن المعنى الذي ~~أوضحنا. وعندنا أنه يشابه المعتزلة بوضعه أكثر من أن يشابه الفلاسفة، وإن كان قد ناهض ~~المعتزلة وعدهم من الفلاسفة، وتذكرنا كثرة المناهج التي عني بها بتلك المجموعة ~~المبهمة من الأفكار، بذلك الاختلاط الفلسفي الذي ترد العنعنات السكلاسية الكبيرة ~~إليه، وقد كان من المفيد أن يذكر لتتراءى لنا هذه الرؤيا مرة أخرى، ولكنه لا يظهر ~~تقدما وفق النظام الذي نتبع. فعلينا - بعد أن وقفنا دقيقة بجانبه - أن ننساه في ظل ~~أستاذه الكندي. # وكان محمد بن محمد بن طرخان أبو نصر الفارابي، الذي هو أعظم فيلسوف مسلم قبل ظهور ~~ابن سينا، من أصل تركي، وتقع مدينة فاراب التي ولد فيها، وتدعى اليوم أطرار، على ~~نهر ms052 سيحون أو سيرداريا، وكان الفارابي تلميذا لطبيب نصراني اسمه يوحنا بن حيلان، الذي مات ~~ببغداد في عهد المقتدر، فاقتطف كثيرا من ثمرة معرفته. ويروى - أيضا - أنه كان رفيق درس ~~لأبي بشر متى، الذي صار مترجما كما تكلمنا سابقا، والذي تعود أن يجمع بجانبه رأيه ~~في الجمل الموجزة البعيدة الغور. وقد قصد بلاط سيف الدولة بن حمدان، ويظهر أنه عاش ~~عيشا هادئا تحت حمايته بزي الصوفية، ويغدو موضع تقدير هذا الأمير الذي أنعم عليه ~~بمقام كريم بين ذويه. ولما استولى سيف الدولة على دمشق ذهب الفارابي معه إلى هذه ~~المدينة، حيث توفي سنة 339ه. ويروي ابن أبي أصيبعة أن الفارابي قام برحلة إلى مصر ~~قبل موته بعام واحد. # وقد غمر الشرقيون الفارابي بالمدائح؛ فقد قال القفطي عنه: «برز على أقرانه، ~~وأربى عليهم في التحقيق، وشرح الكتب المنطقية، وأظهر غامضها، وكشف سرها، ~~وقرب متناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة، منبهة ~~على ما أغفله الكندي.» ويقول أبو الفرج معمما المديح: «جاءت كتب الفارابي المنطقية ~~والطبيعية والإلهية والسياسية الغاية الكافية والنهاية الفاضلة.» ولكن بما أننا حائزون على ~~كتب كثيرة مهمة للفارابي، فإننا نفضل أن نحكم في الأمر بأنفسنا. # وقائمة كتب هذا الفيلسوف التامة طويلة، وقام شناينشنايدر حول مؤلفاته بدراسة مضنية دقيقة ~~تنم على فضل. # 9 # ويعد الفارابي كالكندي مفسرا وشارحا لمؤلفي اليونان أكثر من عده ~~مترجما حقيقيا بمراحل. # وألف الفارابي كتاب المدخل إلى المنطق، وكتاب مختصر المنطق على طريقة المتكلمين، # 10 # وسلسلة من الشروح على إيساغوجي لفرفريوس، وعلى المقولات والعبارات ~~والتحليلات الأولى والثانية، والجدل والمغالطة والخطابة وصناعة الشعر، وتتألف من ~~الجميع منطقيات كاملة مقسومة إلى تسعة أقسام، وشرح الفارابي كتاب الأخلاق إلى ~~نيقوماخس. # وألف في السياسة كتبا مهمة كما نتكلم عنه؛ فأحدها حاصل نواميس أفلاطون، وآخر منها ~~عنوانه «نيل السعادات»، وتناول بالبحث مسائل كثيرة في ما بعد الطبيعة، وذلك في مؤلفات ~~مختلفة يوجد بعضها في مكتباتنا، وهي العقل والمعقول، والنفس وقوة النفس، والواحد والوحدة ~~والجوهر، والزمان والخلاء والحيز ms053 والمقدار، وشرح كتاب النفس للإسكندر الأفروديسي، ~~وعني بالتوفيق بين أفلاطون وأرسطو كما نرى ذلك، وألف حول أغراض أفلاطون وأرسطو وحول ~~اتفاقهما، ودافع عن أرسطو حيال مفسريه، ووضع كتابا في الرد على جالينوس والرد على يحيى ~~فيلوبنوس، وذلك من حيث سوء تفسيرهما لأرسطو، ووضع كتابا في «التوسط بين جالينوس ~~وأرسطوطاليس». # وليس أثر الفارابي العلمي عظيما جدا إذا ما قيس بأثره الفلسفي، ومع ذلك قام بشروح ~~على طبيعيات أرسطو، وعلى الآثار العلوية، وعلى رسائل السماء والعالم، وبشرح على المجسطي ~~لبطليموس، ووضع رسالة عن حركة الأجرام السماوية، كما وضع رسالة لإيضاح القضايا ~~الغامضة في كتاب الأصول لأقليدس، وعني بعلوم السحر والتنجيم، فألف في السيمياء وضرب ~~الرمل والجن والرؤيا. ولم يكن طبيبا، وترانا مدينين له في ميدان الفن برسائل مهمة في ~~الموسيقى، قام كوزغارتن بدراستها، # 11 # وكان الفارابي موسيقيا بارعا، وكان يثير ببراعته فيها إعجاب سيف الدولة، ~~فحفظت الآداب لنا ذكرى ذلك. # وفضل الفارابي طريقة الإيجاز في عباراته، ويروى أنه قليل العناية في جمع ما ~~بينها، واليوم ترى هذه الأحوال غير ملائمة لفهمها، ومن ذلك أن هذه الرسالة أو تلك التي ~~نشرها ديتريسي # 12 # ليست سوى مجموعة من الشرح الوجيز الخالي من الترتيب والارتباط، والذي يزيد ~~غموضه بما أدخله إليه من الاصطلاحات الصوفية. ومع ذلك فإننا سنحاول أن نستخرج من كتب ~~الفارابي المنشورة بعض العبارات البارزة، التي يمكن أن تعطي فكرة صريحة عن هذا الوجه ~~العالي القوي. # وكان الفارابي عالما كبيرا بالمنطق، # 13 # فلقب بالمعلم الثاني، والمعلم الأول هو أرسطو، وفي رسالة عنوانها «رسالة ~~للمعلم الثاني في الجواب عن مسائل سئل عنها»، فصل في بعض المشكلات التي كانت تشغل بال ~~علماء المنطق في ذلك الزمن، وإليك ما قرره حول المقولات: (19 من الرسالة) ليس كل الأجناس ~~العشرة بسيطة عند قياس بعضها ببعض، وإنما هي بسيطة عند قياسها إلى ما دونها، فأما البسيطة ~~المحضة من هذه العشرة فهي أربعة: الجوهر، والكم، والكيف، والوضع. فأما ما يفعل وينفعل ~~فهما مما يحدثان بين الجوهر والكيف، ومتى وأين ms054 يحدثان بين الجوهر والكم، وله يحدث بين ~~الجوهر والجوهر المطبق به بكله أو ببعضه، والمضاف يحدث بين كل مقولتين من العشرة. ~~(13) سئل عن العرض كيف يحمل على الأجناس العالية بالتقدم والتأخر، فقال: إن الكم ~~والكيف هما بذواتهما عرضان، لا يحتاجان في إثبات ماهيتهما إلا إلى الجوهر الحامل لهما ~~فقط. وأما المضاف - مثلا - فلأن إثبات أنيته إنما يكون بين جوهر وجوهر، أو بين جوهر وعرض، ~~أو بين عرض وعرض، فحاجته في إثبات ذاته إلى أشياء أكثر من جوهر أو شيء واحد. ~~(18) وسئل عن مقوله «يفعل وينفعل»، قال السائل: إذا لم يمكن أن يوجد أحدهما إلا مع الآخر ~~- مثلا - إنه لا يمكننا أن نتصور يفعل إلا مع ينفعل، وأيضا لا نتصور ينفعل إلا مع ~~يفعل، فهل هما من باب المضاف أو لا؟ فقال: لا؛ لأنه ليس كل شيء يوجد إلا مع شيء آخر، فهما ~~من باب المضاف؛ لأنا لا نجد التنفس إلا مع الرئة، ولا النهار إلا مع طلوع الشمس، ولا ~~العرض بالجملة إلا مع الجوهر، ولا الجوهر إلا مع العرض، ولا الكلام إلا مع اللسان، ~~وليس شيء من ذلك من باب المضاف، لكنه داخل في باب اللزوم، واللزوم منه ما يكون عرضيا ~~ومنه ما يكون ذاتيا؛ فالذاتي مثل وجود النهار مع طلوع الشمس، والعرضي مثل مجيء عمرو عند ~~ذهاب زيد، ومنه أيضا ما هو تام اللزوم، ومنه ما هو ناقص اللزوم، والتام هو أن يوجد الشيء ~~بوجود شيء آخر، وذلك الشيء الآخر يوجد أيضا بوجود الشيء الأول، والناقص هو عندما تكون هذه ~~التبعية وحيدة الجانب. وهذا تحليل دقيق لفكرة الصلة. ~~(24) وسئل عن المساوي وغير المساوي: هل هي خاصة الكم؟ والشبيه وغير الشبيه: هل هي ~~خاصة الكيفية؟ فقال: إنما تكون الخاصة شيئا واحدا، كالضحك والصهل والجلوس وغيرها، إلا أنا ~~إذا سمينا الرسم، وهو قول يعبر عن الشيء بما يقوم ذاته خاصة، فإن كل واحد من ~~المساوي وغير المساوي هو خاصة للكم، وكذلك كل واحد من الشبيه وغير الشبيه خاصة ~~للكيف. وجملة قولنا ms055 مساو وغير مساو هو رسم للكم، وجملة قولنا شبيه وغير شبيه هو رسم ~~للكيف. # وكذلك نظرية المتضادات أدت إلى ملاحظات نفاذة. (18)، (17) وسئل عن المتضادات، وهل ~~البياض عدم السواد أو لا؟ فقال: ليس البياض بعدم للسواد، وبالجملة ليس شيء من المتضادات هو ~~عدم للضد الآخر، لكن في كل واحد من المتضادات عدم الضد الآخر. ~~(37) سئل عن معنى قولهم: العلم بالأضداد واحد، هل تصح هذه القضية أو لا؟ فقال: هذه ~~مسألة جدلية، فمن نظر في هذه المسألة ينظر في ذوات الضدين، فليس العلم بها واحدا؛ ~~وذلك أن العلم بالسواد غير العلم بالبياض، والعلم بالعادل غير العلم بالجائر. وأما من نظر ~~في الضد من حيث هو ضد ضده، فإنه حينئذ يصير نظره في بعض المضافات؛ إذ الضد من حيث ~~هو ضد ضده هو من باب المضاف، والعلم بالمضافات واحد. ~~(38) والمتقابلان هما الشيئان اللذان لا يمكن أن يوجدا في موضوع واحد من جهة واحدة في ~~وقت واحد ، والمتقابلات أربع: المضافان مثل الأب والابن، والمتضادان مثل الزوج والفرد، ~~والعدم والملكة، والموجبة والسالبة. # والجواب الآتي جدير بالذكر لشكله الرياضي؛ وذلك أنه يسأل عن عدد الأشياء الضرورية لمعرفة ~~غير معلوم، فاثنان ضروريان - وهما كافيان - فإذا ما وجد أكثر من اثنين، فإنه يرى بالبحث ~~الدقيق أن ما زاد على الاثنين ليس ضروريا لمعرفة الشيء المطلوب، أو أن ما زاد يرد إلى ~~المعلومات التي كانت قد قدمت. # وإليك أيضا سؤالا طريفا، ما برح يكون معضلا، فعالجه الفارابي بكلمتين مع ذوق ~~سليم بين. سئل عن هذه القضية، وهي قولنا الإنسان موجود، هل هي ذات محمول أو لا؟ فقال: ~~هذه مسألة اختلف القدماء والمتأخرون فيها، فقال بعضهم: إنها غير ذات محمول، وبعضهم قالوا: ~~إنها ذات محمول، وعندي أن كلا القولين صحيحان بجهة وجهة؛ وذلك أن هذه القضية وأمثالها إذا ~~نظر فيها الناظر الطبيعي الذي هو نظره في الأمور، فإنها غير ذات محمول؛ لأن وجود ~~الشيء ليس هو غير الشيء، والمحمول ينبغي أن يكون معنى الحكم بوجوده أو نفعه عن الشيء، ~~فمن ms056 هذه الجهة ليست هي قضية ذات محمول، وأما إذا نظر إليها الناظر المنطقي، فإنها مركبة من ~~كلمتين، وإنها قابلة للصدق والكذب. # وتنقلنا مسألة الكليات من المنطق إلى ما بعد الطبيعة، وقد أدلى الفارابي - حول هذا ~~الموضوع - بعض الآراء العميقة بكلمات قليلة. ويسأل (14) كيف يجب فهم نظام الجواهر ~~المتساندة؟ فيجيب: إن الجواهر الأولى هي الأفراد، وهي لا تحتاج إلى غيرها حتى تكون. وأما ~~الجواهر الثانية، فهي الأنواع والأجناس التي تحتاج إلى الأفراد حتى تكون؛ ولهذا فإن الأفراد ~~سابقة في الجوهرية، وهي أحق باسم الجوهرية من الأجناس، غير أن مؤلفنا يقول، بذوقه في ~~الحلول المتضادة الذي يتسم به كما يلوح، وذلك من وجهة نظر أخرى: إن الكليات ثابتة ~~دائمة قائمة؛ ولهذا فهي أحق باسم الجوهر من الأفراد الزائلة. # وهنالك يسأل عن (10) كيفية وجود الكليات، فيقول: إن الكليات لا توجد بالفعل، وإنما توجد ~~بالأفراد فقط، وهنالك يكون وجودها عرضيا، وهذا لا يعني أن الكليات أعراض، وإنما يعني ~~أن وجودها بالفعل لا يمكن أن يكون إلا بالأعراض. (39 و40) ويوجد نوعان للكليات، يقابلهما ~~نوعان للأشخاص، ولا يكون الجوهر في موضوع معين؛ أي في مادة، ولا تعرف ذاته بموضوعات، ولا ~~يمكن أن تعرف أشخاص هذا النوع إلا بكلياتها، ولا توجد هذه الكليات في غير هذه الأشخاص، ~~ويعرف شخص العرض بموضوعات معينة، وذلك ككلية العرض التي تكون في موضوعات. # والآن، يمكن أن يحكم - بما فيه الكفاية - في أسلوب منطق الفارابي، الذي يدل به في ~~مجموعه على علم عميق بالمنطقيات وإيساغوجي، وإن كان حادا مقحاما في جزئياته. # وعندنا كتاب رئيس لدراسة علم النفس لدى مؤلفنا، أعني الرسالة التي نشرها ديتريسي حول ~~معنى كلمة العقل، وقد كان لهذه الرسالة - الناضجة الأسلوب نسبيا - أهمية عظيمة في القرون ~~الوسطى، وقد طبعت ترجمتها اللاتينية عدة مرات في عصر النهضة بعنوان العقل، أو العقل والمعقول، # 14 # وتجد لمنك # 15 # تحليلا لها. # وفي هذه الرسالة التي يتناول بها الفارابي ذات المسألة في رسالة العقل للكندي، ولكن مع ~~دقة ووضوح أكثر مما في هذه ms057 بدرجات، يعنى الفارابي بتحديد مختلف المعاني، التي استعملت ~~بها كلمة العقل من قبل العوام الفلاسفة. # فالإنسان العاقل عند العوام هو الفاضل الصحيح الرأي، الذي يعرف ما يجب أن يصنع من ~~الخير ويجتنب من الشر، ولا يقال عن الإنسان البارع في الشر إنه عاقل، بل يقال إنه خبيث ~~ماكر. # ويذهب علماء الكلام إلى معنى آخر، فيقولون عن العقل إنه هو الذي يقبل هذه القضية ~~ويرفض تلك، وهم يشيرون بذلك إلى الملكة التي تتقبل الحقائق الجلية جلاء عاما. ~~وذهب أرسطو إلى معنى مختلف عن ذلك بعض الاختلاف، فتكلم في التحليلات عن الملكة التي ~~يبلغ الإنسان بها - مباشرة - يقين المقدمات العامة اللازمة. ويقول الفارابي: إن هذا ~~هو قسم النفس الذي تحدث المعرفة الأولى فيه، والذي يدرك مبادئ العلوم النظرية، وكذلك ~~يوجد عقل للحقائق الخلقية، ذكره أرسطو في كتاب الأخلاق، وهذا هو قسم النفس الذي تحدث فيه ~~التجربة الخلقية، وهي التي يتعود بها، مع الزمن وبوساطة المبادئ الأولى، أن يماز في ~~الأمور الإرادية ما يجب أن يفعل وما يجب أن يجتنب، ثم يأتي العقل الذي بحث عنه في كتاب ~~النفس والذي هو العقل بحصر المعنى عندنا. # ويصنع الفارابي - كما صنع الكندي - ولكن مع وضوح أشد من ذلك، فيقسم العقل إلى أربع ~~درجات، وهي: العقل بالقوة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقل الفعال، ومع ذلك ~~فيوجد في النظرية، أو في قائمته على الأقل، تموج نجد من المفيد ملاحظته، قال مؤلفنا ~~على حد تعبيره: «إن العقل الذي هو بالقوة، هو نفس ما أو جزء نفس، أو قوة من قوى ~~النفس، أو شيء ما ذاته معدة، أو مستعدة لأن تنتزع ماهيات الموجودات كلها وصورها دون ~~موادها، فتجعلها كلها صورة لها.» وهذه الصور المستخرجة من الموضوعات تصير صورا للعقل ~~بالقوة الذي ينتقل - إذ ذاك - إلى حال العقل بالفعل. وهذه الصور هي المعقولات بالفعل التي ~~تطابق العقل بالفعل. أجل، كانت النظرية جلية لدى الكندي في هذه النقطة، غير أن من ~~المهم إيضاح الوجه الذي أدرك به الفارابي وجود المعقولات، ثم ms058 إيضاح شأن العقل ~~الفعال. # ومتى صارت هذه الصور، التي كانت في مواد خارج النفس، معقولات بالفعل، «فإن هذه ~~المعقولات بالفعل ليس وجودها - من حيث هي معقولات بالفعل - هو وجودها من حيث هي صور في ~~مواد.» ويرتبط وجودها بذاتها، وهو ما ندعوه بالوضعي، في مختلف مقولات الزمان والمكان والوضع ~~والكمية والكيفية، وهي بتحولها إلى معقولات بالفعل تفلت من كثير من هذه المقولات، ~~«فإذا حصلت المعقولات بالفعل صارت حينئذ أحد موجودات العالم، وعدت من حيث هي معقولات في ~~جملة الموجودات.» ~~«ومتى عقل العقل بالفعل لم يعقل موجودا خارجا عن ذاته، بل إنما يعقل ذاته.» ~~ويطلق اسم العقل المستفاد، وهو اسم حال العقل الثالثة، على العقل بالفعل في وقت عقله ~~المعقولات التي هي صوره، ولهذه المعقولات وجود بذاتها، «فإن الوجه الذي به نقول فيما هو ~~فينا بالفعل عقل إنه فينا، فعلى ذلك المثال ينبغي أن يقال في تلك الصور إنها في العالم.» ~~والعقل المستفاد هو كالقوام لهذه المعقولات، التي هي صوره الحاضرة، ولكنه بذاته كالصورة ~~بالنسبة إلى المعقول بالفعل، وذلك على حين يكون العقل بالفعل بالنسبة إليه كالقوام ~~والهيولي، والعقل بالفعل هو صورة بدوره، وذلك بالنسبة إلى العقل بالقوة، وهذا العقل ~~بالقوة هو كالهيولي من حيث الأساس، ويهبط - بعد هذا - إلى الصور الجسمية والمادية. # ولذا؛ توجد سلسلة تصعد فيها الصور بدءا من المادة الأولى التي في الأساس مفترقة من ~~المادة بالتدريج، وتكون أصفى صور المادة متفوقة، ويوجد تحت العقل بالقوة قوى النفس ~~الأخرى، التي هي دون هذه الدرجة من العقل، ثم توجد الطبيعة وصور العناصر التي هي أسفل الصور ~~في الوجود، ويوجد فوق العقل المستفاد عقول الأجسام المنفصلة، ويكون العقل الفعال في المرتبة ~~الأولى. # قال الفارابي: «وأما العقل الفعال الذي ذكره أرسطوطاليس في المقالة الثالثة من كتاب ~~النفس، فهو صورة مفارقة لم تكن من مادة، وهو الذي جعل تلك الذات - التي كانت عقلا بالقوة - ~~وجعل المعقولات - التي كانت معقولات بالقوة - معقولات بالفعل. ونسبة العقل الفعال إلى ~~العقل الذي بالقوة كنسبة الشمس إلى العين، ms059 التي هي بصر بالقوة ما دامت في الظلمة.» والتي ~~تصير ناظرا بالفعل بعد أن يظهر النور. # ومثل هذا ينصب من العقل الفعال ضرب من النور على العقل بالقوة، ويجعله يرى المعقولات ~~التي كانت موجودة بالقوة فتصير بعد ذلك معقولات بالفعل، «والعقل الفعال نوع من العقل ~~المستفاد، وصور الموجودات هي فيه لم تزل ولا تزال»، بيد أنها توجد هنالك وفق نظام آخر غير ~~الذي يكون لها في العقل بالفعل. والواقع أن عقلنا ينبثق من المعلوم إلى المجهول، وفي ~~الغالب يكون المعلوم هو الأسفل، ويكون الأكمل هو الأكثر ما نجهل، وينبثق العقل الفعال وفق ~~نظام معاكس؛ أي إن الأكمل هو أول ما يشتمل، وتكون الصور المقسومة في المادة متحدة في ~~العقل الفعال. # ومن الإنصاف أن يرد شرف هذه النظرية الرائعة إلى الفارابي، ولا ريب في أنه لم يظهر ~~عند العرب - قبل الفارابي - أحد عرضها مثله عمقا وبراعة. أجل، إن من السهل أن يرى - ~~من جهة أخرى - أنه ليس مشائيا كما ينبغي، وإن كان يرجعها إلى أرسطو، غير أنها تحمل ~~طابعا واضحا من الفكر الأفلاطوني الجديد. # وأحب الفارابي الفلسفة السياسية كما أحبها أفلاطون، وقد نشر له ديتريسي رسالة ~~مطولة عنوانها «المدينة الفاضلة»، # 16 # وتعد هذه موسوعة فلسفية قصيرة لا تشغل السياسة فيها غير مكان وضيع. ومن خيبة ~~الأمل أن يبحث في هذا الكتاب عن محاولة لتطبيق الأفكار القديمة على الدولة الإسلامية، ~~فلم يكن الفارابي أسبق من الفلاسفة الآخرين في منحنا مظهر هذه التجربة الجريئة، فاقتصر ~~على تقويمه إلينا، في صفحات قليلة عالية هادئة، وصفا لما يجب أن تكون عليه المدينة ~~الفاضلة، وذلك من غير أن يفتح بابا لمناقشات صعبة ضد أساتذته الوثنيين. # والفارابي في السياسة هو ما يمكن تسميته ملكيا إكليرسيا؛ فرأيه يقوم على وجوب ~~حيازة الناس لحكومة ملكية وعقيدة دينية، ويمكن نظامه الملكي - من ناحية أخرى - أن يتحول ~~إلى جمهورية أرستوقراطية بغتة. ويلاحظ فيلسوفنا أن أكمل دولة هي التي تشتمل على جميع ~~الأرض المعمورة، وذلك بعد أن وضع - كما صنع أفلاطون - مبدأ ms060 قائلا: إن الناس خلقوا ~~ليعيشوا في مجتمع. ويمكن هذا الرأي - القائل بحصر جميع الأرض ضمن نظام سياسي واحد - أن ~~يلقي الحيرة في نفوس بعض القراء، ولا غرو، فقد تعودنا الاعتقاد بأن مثل هذه الفكرة لم ~~تستطع أن تنبت في بعض النفوس إلا بعد أحدث تقدم، وأنها لا تعبر عن شيء غير الحد الممكن ~~البعيد من التطور السياسي في العالم. # وليس الأمر كذلك؛ وذلك أنني - من غير أن أذكر أن فكرة الشمول السياسي كانت سائدة للمبدأ ~~الإمبراطوري الروماني، ثم للمبدأ الكنسي الكاثوليكي - أكتفي بأن أصرح، وأنا سائر، بأنه ~~كان - أيضا - ضمن مبدأ الحكومة الدينية الإسلامية، وأنه كان منتشرا في القرون الوسطى ~~الشرقية أكثر مما يحاول تصوره بمراحل. ومع ذلك، فإن الفارابي لم يقف هناك، وإنما اقتصر ~~على وصف نظام كامل للمدينة، ولم يخل بيانه من سذاجة، وذلك أن المدينة التي يطلعنا عليها ~~هي مدينة قديسين يقوم بإدارتها حكماء؛ ومن ثم تظهر هذه المدينة نموذجا قليل الصلاح ~~للتطبيق العملي، ومن يرد أن يشعر بما هو جميل في نظريته فعليه أن يوصلها كما صنع ~~هو، بنظرية العالم العامة. # وكما أن العالم كل منسجم منظم تحت سلطان الله الأعلى، وكما أن النجوم والعالم الأرضي ~~آخذ أحدهما برقاب الآخر ويتبع أحدهما الآخر، وكما أن النفس البشرية مؤلفة من درجات ~~متوالية من العقل أوضحناها منذ قليل، وكما أن الجسم البشري كل منظم يسيطر عليه القلب، ~~فإنه يجب أن تكون المدينة كلا منظما تنظيما مشابها لهذه النماذج الكريمة. # وينصب في المدينة سلسلة من الحكام، يسودها رئيس عال. ويلوح أن الصفات التي ~~يطلب الفارابي وجودها في هذا السيد مفرطة بالحقيقة؛ فهذا الرئيس «الذي لا يرأسه إنسان ~~آخر»، هذا الإمام الذي هو سيد المدينة الكامل، والذي يجب أن يكون - كما يقول الفارابي غير ~~مرة - «رئيس المعمورة من الأرض كلها»؛ لا بد من اتصافه بالخصال الآتية؛ أي أن يكون: ~~جيد الفهم، جيد الحفظ، حسن العبارة، محبا للتعليم، غير شره، كبير ~~النفس، محبا للعدل، صعب القياد، قوي العزيمة على الشيء الذي ms061 يرى أنه ينبغي أن ~~يفعل. # ومع ذلك، فإن هذه هي عين الخصال التي يطلبها أفلاطون من حكامه، بيد أن الفارابي يشك ~~- بعد أفلاطون - في اجتماع هذه الفضائل الكثيرة في رجل واحد فيحل هذه المشكلة ببراعة ~~ساذجة، وذلك أنه يقول: إن هذه الخصال إذا لم توجد في رجل واحد، فاجتمع بعضها في رجل، ~~واجتمعت الأخرى في آخر نصب هذان الرجلان على رأس المدينة، وإن هذه الخصال إذا لم تجتمع في ~~غير ثلاثة رجال جعل هؤلاء الثلاثة على رأسها، وإنها إذا لم تجتمع إلا في أكثر من ثلاثة ~~جعل من اجتمعت فيهم على رأسها، وهكذا فإن نظامه يؤدي إلى الجمهورية ~~الأرستوقراطية. # ونمتنع عن تلخيص «ما بعد الطبيعة» لدى الفارابي؛ وذلك أن النظريات الأساسية التي تتألف ~~منها - أي النظريات عن واجب الوجود، وانبثاق الكثرة وسلسلة الموجودات - غير خاصة بهذا ~~الفيلسوف حصرا، وسوف نتفرغ لدراستها - فيما بعد - تحت إشراف ابن سينا، الذي عرضها ~~بإيضاح بديع، وأهم من هذا لدينا أن نعين نهج الفارابي بإظهارنا كيف أن لهذا ~~النهج في جميع أجزائه الجوهرية تقريبا مناحي ونتائج صوفية. # فللسياسة - التي تناولناها منذ هنيهة - غاية صوفية لدى فيلسوفنا، فهدف المدينة الكاملة في ~~الأرض هو إنالة نفوس المواطنين السعادة بعد الموت، ولا أستطيع أن أقاوم رغبة الاستشهاد ~~بالعبارة التي دلنا الفارابي فيها على هذه النفوس الصالحة، التي انتهت إلى نيل ~~غايتها. # قال الفارابي: «وإذا مضت طائفة فبطلت أبدانها، وخلصت أنفسها وسعدت، فخلفهم ~~أناس آخرون في مرتبتهم بعدهم قاموا مقامهم وفعلوا أفعالهم، فإذا مضت هذه أيضا وخلت، ~~صاروا أيضا في السعادة إلى مراتب أولئك الماضين، واتصل كل واحد بشبيهه في النوع ~~والكمية والكيفية، ولأنها كانت ليست بأجسام صار اجتماعها - ولو بلغ ما بلغ - غير ~~مضيق بعضها على بعض مكانها؛ إذ كانت ليست في أمكنة أصلا، فتلاقيها واتصال بعضها ~~ببعض ليس على النحو الذي توجد عليه الأجسام. وكلما كثرت الأنفس المتشابهة المفارقة ~~واتصل بعضها ببعض - وذلك على جهة اتصال معقول بمعقول - كان التذاذ كل واحدة منها ~~أزيد شديدا. وكلما لحق ms062 بهم من بعدهم زاد التذاذ من لحق الآن بمصادفة الماضين، وزادت ~~لذات الماضين باتصال اللاحقين بهم؛ لأن كل واحدة تعقل ذاتها، وتعقل مثل ذاتها مرارا ~~كثيرة فتزداد كيفية ما يعقل، ويكون تزايد ما تلاقي هناك شبيها بتزايد قوة صناعة الكتابة ~~بمداومة الكاتب على أفعال الكتابة. ويقوم تلاحق بعض ببعض في تزايد كل واحد مقام ترادف ~~أفعال الكاتب، التي بها تتزايد كتابته قوة وفضيلة، ولأن المتلاحقين إلى غير نهاية يكون ~~تزايد كل واحد واحد، ولذاته على غابر الزمان إلى غير نهاية، وتلك حال كل طائفة مضت.» ~~وهذه الزيادة لا حد لها. # ونظرية السببية لدى الفارابي غريبة جدا، ونحن نستخرجها من الرسالة التي عنوانها «فصوص ~~الحكم»، والتي نشرها ديتريسي: «(48) كل ما لم يكن فكان فله سبب، ولن يكون العدم سببا ~~لحصوله في الوجود، والسبب إذا لم يكن سببا ثم صار سببا فلسبب صار سببا، وينتهي إلى مبدأ ~~تترتب عنه أسباب الأشياء على ترتيب علمه بها.» # وكذلك ليس هذا - بشكله الموجز - سوى نظرية السبب الأول المشهورة، التي يعرفها جميع ~~فلاسفة العرب جيدا، غير أن رأي الفارابي لم يلبث أن أتى بوثبة، فقد قال: «لن تجد في ~~عالم الكون والفساد طبعا حادثا أو اختيارا حادثا إلا عن سبب، ويرتقي إلى مسبب ~~الأسباب، ولا يجوز أن يكون الإنسان مبتدئا فعلا من الأفعال من غير استناد إلى الأسباب ~~الخارجية التي ليست باختياره، وتستند تلك الأسباب إلى الترتيب، والترتيب يستند إلى التقدير، ~~والتقدير يستند إلى القضاء، والقضاء ينبعث عن الأمر، وكل شيء مقدر.» # وأين نحن؟ من الواضح أننا جاوزنا في ثلاثة أسطر ما بين الفلسفة اليونانية والفلسفة ~~الشرقية من فاصلة، ولكن هل انتهينا إلى مذهب جبري؟ إن من الصعب أن يعرف ذلك. ومع ذلك، ~~فإن المؤلف يقول موضحا: «(49) إن ظن ظان أنه يفعل ويختار ما يشاء، استكشف عن اختياره ~~هل هو حادث فيه بعدما لم يكن أو غير حادث، فإن كان غير حادث فيه لزم أن يصحبه ذلك الاختيار ~~منذ أول وجوده، ويلزم أن يكون مطبوعا على ms063 ذلك الاختيار لا ينفك عنه، ولزم القول بأن ~~اختياره مقتضى فيه من غيره، وإن كان حادثا، ولكل حادث سبب محدث، فيكون اختياره عن ~~سبب اقتضاه ومحدث أحدثه، فإما أن يكون بالاختيار هو أو غيره، فإن كان هو بنفسه فلا يخلو ~~إما أن يكون إيجاده للاختيار، وهذا يتسلسل إلى غير النهاية، أو يكون وجود الاختيار فيه، لا ~~بالاختيار، فيكون محمولا على ذلك الاختيار من غيره، وينتهي إلى الأسباب الخارجة عنه التي ~~ليست باختياره؛ فينتهي إلى الاختيار الأزلي، الذي أوجب ترتيب الكل في الخارج على ما هو ~~عليه؛ فإنه إن انتهى إلى اختيار حادث عاد الكلام إلى الرأس، فتبين من هذا أن كل كائن من ~~خير أو شر يستند إلى الأسباب المنبعثة عن الإرادة الأزلية.» # وهل أفضت هذه البرهنة القوية إلى الجبرية نهائيا؟ إنني لا أجرؤ على توكيد ذلك ~~بالحقيقة؛ وذلك أنني لا أجد في أي قسم آخر من أثر الفارابي أنه أنكر حرية الإنسان، وترى ~~له في كل موضع لهجة رجل يؤمن بالأخلاق والعمل الحر، ولو نظر إلى هذا المذهب المزعج، من ~~حيث الأساس، لوجد أنه جبري وغير جبري معا؛ فالإنسان عند الفيلسوف مختار، وهذا ما ~~أنا مطمئن إليه، ولكن الفيلسوف يرى وجود سبب للعمل الحر، وقد يكون من المناسب أن يطلق ~~معنى آخر على كلمة السبب هنا؛ أي معنى أقل إطلاقا من المعنى الذي لها في الحياة ~~الفزياوية. وكل سبب - ولو ضمن هذا المعنى الجديد - مسبب أيضا، والله هو سبب الأسباب؛ ~~ولذا يوجد هناك تناقض، أو تعارض خفي على الأقل، ومن الجلي أن الفارابي لا يقصد حل ~~ذلك إلا بالتصوف. # ويزدهر علم النفس لدى هذا المؤلف بالتصوف أيضا، «(27) فأنت مركب من جوهرين: أحدها ~~مشكل مصور، مكيف مقدر، متحرك ساكن، متحيز منقسم، والثاني مباين للأول في هذه ~~الصفات، غير مشارك له في حقيقة الذات، يناله العقل ويعرض عنه الوهم، فقد جمعت من ~~عالم الخلق ومن عالم الأمر؛ لأن روحك من أمر ربك، وبدنك من خلق ربك.» ومما هو جدير بالنظر ~~في ms064 هذه العبارة مقدار ما يفصل فيه من تقسيم الإنسان إلى روح وجسم تقسيما ثنائيا، وأغلب ~~ما عليه الفلاسفة هو التقسيم الثلاثي مع الإيضاح، والقائم على كون النفس من روح ~~وبدن. ~~«(39) فالروح الإنسانية كمرآة، والعقل النظري كصقالها، والمعقولات ترتسم فيها من الفيض ~~الإلهي كما ترتسم الأشباح في المرايا الصقيلة.» فإذا كان رونق نفسك صافيا ولا يداخله أي ~~عائق «لحظت الملكوت الأعلى واتصلت باللذة العليا»، «(41) والروح الإنسانية - وهي التي ~~تتلقى المعقولات بالقبول - جوهر غير جسماني، وليس بمتحيز ولا بمتمكن، بل غير داخل في ~~وهم، ولا مدرك بالحس؛ لأنه من حيز الأمر.» # وتعبر صيغ كثيرة أخرى عن هذه المعارضة بين الحس والعقل إليك أكثرها تكثيفا: «(44) ~~الحس تصرفه فيما هو من عالم الخلق، والعقل تصرفه فيما هو من عالم الأمر.» وقد ~~أتبعت هذه الصيغة بهذه النتيجة، التي هي أكثر تصوفا أيضا: «وما هو فوق الأمر والخلق ~~فهو محتجب عن الحس والعقل، وليس حجابه غير انكشافه.» # ويرى الفارابي أن يعرف الله: «(45) الذات الأحدية لا سبيل إلى إدراكها، بل تعرف ~~بصفاتها، وغاية السبيل إليها الاستبصار بأن لا سبيل إليها»، ونظرية الله عميقة جدا: «(8) ~~واجب الوجود بذاته لا جنس له، ولا فصل له، ولا نوع له، ولا ند له ... وهو مبدأ كل فيض»، ~~وهو داخل وخارج؛ أي ظاهر وباطن معا، «(53) فهو في ذاته ظاهر، ولشدة ظهوره باطن»؛ أي إن نور ~~ظهوره وهو من الشدة ما يعمي، وهو خفي بهذا، «وبه يظهر كل ظاهر»، وكل شيء ظاهر فيه كما في ~~نور الشمس، وله بعد ظهوره بذاته ظهور ثان بآياته، «وظاهريته الثانية تتصل بالكثرة، وتنبعث ~~من ظاهريته الأولى التي هي الوحدة.» # وإليك بعض الصيغ التي تتعلق بالمعرفة بالله: «لا يجوز أن يقال: إن الحق الأول يدرك ~~الأمور المبدعة عن قدرته من جهة تلك الأمور كما تدرك الأشياء المحسوسة من جهة حضورها ~~وتأثيرها فينا، فتكون هي الأسباب لعالمية الحق، بل يجب أن يعلم أن يدرك الأشياء من ~~ذاته تقدست؛ لأنه إذا لاحظ ذاته لاحظ القدرة المستعلية فلحظ من القدرة المقدور، ms065 فلحظ ~~الكل، فيكون علمه بذاته سبب علمه بغيره، إذ يجوز أن يكون بعض العلم سببا لبعضه، فإن ~~علم الحق الأول بطاعة العبد الذي قدر طاعته سبب لعلمه بأن ينال رحمته.» «(55) وفي علم الله ~~الكثرة الغير المتناهية بحسب كثرة المعلومات الغير المتناهية، وبحسب مقابلة القوة والقدرة ~~الغير المتناهية، فلا كثرة في الذات، بل بعد الذات، فإن الصفة بعد الذات لا بزمان، بل ~~بترتيب الوجود.» # ومن ذلك كله، يرى أن الفارابي يبتعد عن النظرية الفلسفية القائلة: إن الله لا يعرف ~~العالم، وأنه يوغل في الرأي الصوفي القائل إن الوجود الإلهي قادر على كل شيء، ويقدر ~~كل شيء، ويرى كل شيء، ويعلم كل شيء، ويجاوز الفارابي معضلة الفلسفة اللاهوتية من ~~بعض الوجوه، وهو في كل دقيقة يتخطى حدود الفلسفة إلى التصوف، وإليك العبارة الآتية ~~أيضا: «(13) لحظت الأحدية نفسها فكانت قدرة، فلحظت القدرة، فلزم العلم الثاني ~~المشتمل على الكثرة، وهناك أفق عالم الربوبية يليها عالم الأمر، يجري له القلم على اللوح، # 17 # فتتكثر الوحدة حيث يغشى السدرة ما يغشى، ويلقى الروح والكلمة، وهناك ~~أفق عالم الأمر، يليها العرش والكرسي والسماوات وما فيها كل يسبح بحمده، ثم يدور ~~على الأمر، وهناك عالم الخلق يلتفت منه إلى عالم الأمر، ويأتونه كل فردا.» # وقد خلط الفارابي اصطلاح القرآن بالاصطلاح الفلسفي، ولكنه ترك القرآن والفلسفة ~~بالحقيقة، وذلك ليدخل مناطق لا نستطيع أن نتبعه إليها الآن على الأقل، وسنحيد عن هذه ~~المذاهب، وسنتقبل منه هذا اللوم البسكالي تقريبا: «(11) انفذ إلى الأحدية ~~تدهش إلى الأبدية.» # بقي علينا أن نقول كلمات قليلة عن كتاب يظهر أنه كثير الإمتاع إذا ما حكم عليه ~~بعنوانه، وأنه كذلك بمقصده لا ريب، ولكن مع كون مطالعته تخيب الأمل بعض الشيء؛ أي إننا ~~نريد أن نتكلم عن رسالته في «اتفاق آراء أرسطو وأفلاطون». والواقع أن الفارابي لا يعتقد ~~وجود فلسفات كثيرة كما أشرنا إليه سابقا، بل يرى وجود فلسفة واحدة، وهو لا يسلم - ~~مبدئيا - بوجود اختلاف بين آراء معلمين يونانيين، ولا مراء في أن من عقائد ms066 ذلك الزمن ~~التقليدية أن فلسفاتهما تتفق، بيد أن كثيرا من العلماء المعاصرين لمؤلفنا اعتقدوا، إذ ~~درسوا آثارهما الصحيحة أو المختلفة، أنهم يلاحظون عدم وجود هذا الاتفاق في كثير من ~~المسائل، فإلى هؤلاء وجه الفارابي جوابه في هذه الرسالة. # وأول ما يحقق الفارابي، كون أفلاطون وأرسطو قد أدركا الفلسفة على وجه واحد، كعلم ~~الموجودات وأحوالها؛ فاتفق جميع الناس من مختلف اللغات على وضعهما على رأس الفلسفة؛ ومن ~~ثم يجب أن يتفقا، وهذا هو الرأي التقليدي كما هو واضح، ثم يشير الفارابي - من الناحية ~~المنطقية - إلى بعض أسباب ما يمكن من خطأ في تفسير آثارهما. وكان، بين الاختلافات التي ~~ينبه إلى وجودها بين أفلاطون وأرسطو ما يأتي، وهو: أن أفلاطون كان بمعزل عن الأمور ~~الدنيوية، على حين كان أرسطو يحبها، فيبحث عن الثراء والمراتب السنية، وأن أفلاطون كان ~~يتكلم بالرموز والأساطير، فيطالب بصفاء القلب لفهم كتبه، على حين كان أرسطو يصنف ~~الأفكار ويرتبها، فيوضحها لاستعمال الجميع، وأن أفلاطون جعل على رأس الجواهر أفضلها ~~وأقربها إلى الروح، وأبعدها من الحسيات، على حين ذهب أرسطو إلى أن الأفراد كانت أول ~~الجواهر، وهذا فرق بسيط في وجهة النظر على رأي الفارابي، وأن أفلاطون بدا - في بعض عبارات ~~من كتاب طيماؤس - غير قائل بضرورة وجود نتيجة للقياس المنطقي، الذي تقوم مقدمتاه على: ~~«الوجود أفضل من لا وجود، والأفضل تشتاقه الطبيعة أبدا»، على حين يرى أرسطو ضرورة ~~وجود نتيجة لمثل هذا القياس المنطقي، وذلك من غير قول عن وجود اختلافات أخرى حول فصول ~~الطبيعيات والمنطق والسياسة. # ويحل الفارابي المناقضات المذكورة ببراعة، وذلك من غير إبداء رأي أصلي، يستحق ~~أن نقف عنده، ولكنه من حيث نظرية المعرفة يفسر فرضية التذكر الأفلاطوني تفسيرا ~~اختباريا جديرا بالذكر، فقد قال: إن أرسطو بين في كتاب «التحليلات» أن المعارف لا تأتي ~~إلى النفس إلا بطريق الحواس. وهكذا فإن المعارف تأتي في البداءة من غير أن يبحث عنها، ~~ولا يكون العلم تذكرا، ولكنه متى شعر بالعلم كان هذا بعد تكون معارف في النفس ms067 على ~~وجه غير محسوس؛ ولهذا فإن النفس حينما تدرك هذه المعارف تعتقد أنها دائمة فيها، ويساورها ~~وهم في أنها تذكرها. ومع ذلك فإن الحقيقة هي «أن العقل ليس هو شيئا غير التجارب، وكلما ~~كانت هذه التجارب أكثر كانت النفس أتم عقلا ... وهذا ما قاله أفلاطون: إن التعلم تذكر، ~~وإن التفكر هو تكلف العلم، والتذكر تكلف الذكر، والطالب مشتاق متكلف، فمهما ~~وجد مهما قصد معرفته طلب دلائل وعلامات ومعاني ما كان في نفسه قديما، فكأنه يتذكر ~~عند ذلك.» ويجب أن يعترف بأن هذه محاولة في التوفيق تقضي جرأتها بالعجب. # وأما مسألة قدم العالم، فقد قال الفارابي عن معاصريه إنهم يرون أن أرسطو كان ~~يعتقد قدم العالم، وأن أفلاطون كان على عكس ذلك، ولا يسلم الفارابي بأن أرسطو كان على ~~هذا الرأي، وإنما يزعم أن هذا الاعتقاد عزي إليه بسبب مثال ورد في كتاب الجدل، ~~وبسبب قضية جاءت في كتاب السماء. فرأي أرسطو الحقيقي يقوم على أن الزمان هو تعداد حركة ~~الفلك، وأنه يحدث بهذه الحركة؛ ولذا فقد اضطر إلى القول بأن الخالق أظهر العالم ~~بلا زمان دفعة واحدة، وأن حركة العالم أحدثت الزمان. # وأما بقية الرسالة فلا قيمة لها عندنا تقريبا؛ وذلك لأن النظريات التي عزيت فيها إلى ~~أرسطو مستخلصة من الكتاب المختلق الذي عنوانه «إلهيات أرسطو». # والآن يرى - كما أرجو - ما غزارة أثر الفارابي وإبداعه، ما هذا الأثر الذي يشتمل ~~على قضايا لا نحمل نفسنا حلها، لما لا نرى في أنفسنا من الجرأة ما كان عليه فيلسوفنا ~~حيال نماذجه اليونانية. والواقع أن الفارابي - الذي كان اختباريا، صوفيا، سياسيا، ~~زاهدا، منطقيا، شاعرا - ذو طبع قوي غريب. وعندي أنه أكثر جاذبية من ابن سينا؛ لأنه ~~كان أكثر منه حرارة باطنية وقدرة على الصولة المفاجئة والضربات الأقل توقعا، ولفكره ~~من الوثبات ما للشاعر الغنائي، وهو حاد في جدله بارع متضاد، ويتصف أسلوبه بمزية ~~الإيجاز والعمق النادرين، ويسمو هذا الأسلوب بضرب من الرونق الشعري. # ونرى أن الفارابي قام بخدمة عظيمة في دراسة الفلسفة لا ms068 ريب، ولكن مع وثوبه فوق ~~المعضلة السكلاسية. # ويلوح أنه - بدلا من أن يبحث عن توفيق عقلي متين بين العنعنات اليونانية وعلم الكلام ~~الإسلامي - اقتصر على جمع غير ملتحم الآراء تماما، محتفظا لنفسه بكشف الرابطة الغامضة ~~في ربى التصوف. # ولا جرم أن لقب الموسوعي يلائم كلا من الفلاسفة الذين تكلمنا عنهم. والواقع أنهم ~~كانوا موسوعيين، سواء بطبيعة ذهنهم أم بطبيعة آثارهم. ومع ذلك فإننا - بوضعنا هذا العنوان ~~على رأس هذا الفصل - قصدنا على الخصوص جماعة من الفلاسفة الموطئين الناشرين، أخذت ~~على نفسها بكل صراحة أن تقوم بوضع موسوعة للعلوم صالحة لاستعمال الجمهور؛ أي إننا نقصد ~~الكلام عن «إخوان الصفا». وبما أن إخوان الصفا كانوا موطئين - ضبطا - فإننا لا نعلق ~~أهمية كبيرة عليهم، وسنلزم جانب الاختصار في شأنهم. وفضلا عن ذلك، فإن مما يشجعنا على ~~هذا الاختصار في هذه الحال كون أحد مستشرقي الألمان، وكنا قد ذكرنا اسمه، وهو فردريك ~~ديتريسي، قد خص هؤلاء الفلاسفة بسلسلة من الكتب المفصلة، تؤلف علما جامعا من الآداب. # 18 # وليس لدينا علم دقيق عن أصل هذه الجماعة، وإنما نعرف أن بعض الفلاسفة، في أواسط القرن ~~الرابع من الهجرة، حين أشرفت خلافة بغداد على الأفول، اجتمعوا بالبصرة في مكان بعيد من مركز ~~الدولة المفتوح لمؤثرات مختلفة، صالح ليكون مركزا للدراسة النظرية الحرة وللدعاية ~~الجريئة. ومما لوحظ أن هذا النظام لجمعية مغلقة لم يكن بدعا في الإسلام، فقد كان الشاعر ~~بشار بن برد ومؤسس فرقة المعتزلة، واصل بن عطاء، ينتسبان - قبل ذلك - إلى جماعة مماثلة، # 19 # وكان فلاسفة البصرة يدعون حلفاء الصفاء، وندماء الصفاء، وإخوان الصفاء ~~على العموم. # 20 # ولم تكن هذه الجماعة سياسية فقط، بل كانت شيئا أكثر من هذا. ومن الصعب أن يقال ماذا ~~كان ذلك تماما، ويحوم حولها بعض الغموض، فلا يدع هذا ما يماز به غرضها ولا شعائرها ~~ولا وسائل عملها ضبطا. # ولا مراء في أنه كان لدى إخوان الصفا أدوات للدعاية غير كتبهم، حتى إن هذه الكتب لم ~~تقل كل شيء، ولا ماذا ms069 كانوا، ولا ماذا أرادوا، وإنما كان لهم عمل سياسي، وكانوا ~~يؤلفون في المدن التي يقيمون بها أنواعا من المنازل لا يستطيع دخولها أحد غيرهم، # 21 # وفضلا عن ذلك، فإنهم كانوا لا يقتصرون على قبول الفلاسفة بينهم حصرا؛ فقد كان ~~يمكن جميع الناس أن يقبلوا في المنظمة مبدئيا، ولكل دوره وفق أهلياته؛ وذلك أن ~~بعض الناس يلقي دروسا، وآخرين يعطون نقودا، ومن لم يكن من ذوي القرائح أو الغنى كان ~~يقوم بأعمال وضيعة. والخلاصة أن هذه كانت جماعة عامة مؤلفة من عناصر متفاوتة، تربط ما ~~بينها إدارة لا نعرف نوابضها، وروح لا نعلم عنه غير قليل، وليس من العسير أن نجد في زماننا ~~مثل هذه الجماعة. # ومن ينظر إلى دعاية إخوان الصفا يعتقد - أول وهلة - أنهم علماء أخلاق، فما يعرضون ~~على مريديهم هو وسائل تطهير نفوسهم. وكانت هذه هي الحقيقة الدينية، وكان هذا هو العلم، ~~ضمن المعنى الخلقي - الصوفي تقريبا - للكلمة؛ أي الذي يبشر بالنجاة. وإذا كانت ~~قد وجدت جمعية تبيح لنفسها في الإسلام أن تعظ بإنجيل للنجاة، مستندة إلى نفوذها ~~الخاص، فاجتذبت النفوس إليها بوسائل سرية، دل هذا على كون مذهبها يبتعد عن الإسلام ~~لا ريب. وإذا ما نظر إلى هذا المذهب في مجموعه - كما نعرفه من رسائل الإخوان - وجد أنه ~~لا يختلف عن مذهب الفلاسفة إلا قليلا جدا على كل حال. أجل، يمكن أن يبدو إخوان الصفا ~~بجانب الفلاسفة مثل موطئين لأثر الفلاسفة، وناشرين له في الأوساط الشعبية، بيد أن ~~الفلسفة، بتوطئتها في هذه الأوساط، تعرض - بالنسبة إلى الوجه الذي تتجلى به عند ~~الفلاسفة المحترفين - فروقا في المنظر، نرى من المفيد أن نشير إليها. # يكون المذهب الفلسفي في الجماعة أقل رسوخا مما في ممثليها المستقلين، وكذلك يكون أكثر ~~توحيدا بين الآراء، ويكون أكثر انجذابا إلى الأساطير، ويكون أسهل دفقا في التصوف، ~~وتستدعى الأفكار الصوفية فيه كل لحظة، على حين لا تظهر هذه الأفكار إلا مثل تكملة ومثل ~~حد في الفلسفة العلمية، ويكون العلم ممزوجا بالعاطفة الدينية. وكان إخوان الصفا ms070 ~~يسلمون بكتب موسى وغيره من الأنبياء مع تسليمهم بكتب الفلاسفة. ويجب أن تفسر كلمة ~~«وغيره» هذه بأوسع معنى. ومجمل القول أن العامل الخلقي سائد لتعليمهم، ففي كل عشر سنين ~~كان كل من يثبت هذه المدة يوعد خيرا، فإذا ثبت خمسين عاما فاز بالعقل ~~الملائكي. # غير أن أطرف نقطة يشار إليها في موضوع هذا المذهب هو الوجه الذي وضع به إخوان الصفا ~~معضلة الفلسفة الكلامية. أجل، إنهم وضعوها على شكل قاطع جدا، ولكن مع تحديد وجيز خطير ~~حرفت به المسألة. ولا يوجد عند الفلاسفة - ولم يحدث قط - أن جهر الفلاسفة بأية حملة ~~مباشرة على الدين الإسلامي. وقد كان وضع المعضلة الفلسفية الكلامية يحتمل لديهم قبولا ~~تاما للعلم والشريعة. وقد كان إخوان الصفا أكثر جرأة من هذه الناحية بمراحل، ومن المحتمل ~~أن كانوا أكثر حرية فقط. # وقد رأوا - كما أخبرنا به الصوفي أبو حيان التوحيدي، # 22 # المتوفى سنة 380 أو سنة 400، والذي كان موسوعيا أيضا - أن الشريعة الدينية ~~لم تكن كاملة، وأنها كانت تشتمل على أغاليط تحتاج إلى تنقيتها منها، وأنها لا يمكن أن ~~تبلغ ذلك إلا بالفلسفة. وقد كانوا يعتقدون أنه يوصل إلى الكمال المذهبي الحقيقي بربط ~~الشريعة العربية بالفلسفة اليونانية ربطا وثيقا، فللحصول على هذه الغاية كتبوا ~~موسوعتهم. # وتشتمل تصانيف إخوان الصفا على إحدى وخمسين رسالة في مجموع علوم الإنسان، وقد جمعت ~~العلوم فيها على شكل يختلف بعض الاختلاف عما تعود الفلاسفة صنعه، وذلك على أربعة أصناف ~~تحتوي على علوم الرياضيات والفلسفة العامة، وعلوم الطبيعة والأجسام، والنفس والعقل، ~~والشريعة والله. ويرجح أن تكون هذه الرسائل قد كتبت من قبل كثير من أعضاء الجمعية، ~~يذكر من بينهم أبو سليمان المقدسي، وكان الرياضي الأندلسي المجريطي مسلمة - المتوفى ~~سنة 395 أو سنة 398 - قد ساح في المشرق، فجلب إلى وطنه مجموعة الرسائل، وقام بتجديد إنشائها ~~على ما يحتمل واضعا اسمه عليها؛ فلهذا عزيت هذه المجموعة إليه في بعض الأحيان. # وكانت الرسائل موجهة إلى الإخوان، وكانت تعد جامعة للعلم التركيبي التام، ~~فلا بد من ms071 أن تزود القارئ بزبدة ممزوجة من جميع الكتب الأخرى. وقد قيل فيها: # 23 ~~«وبالجملة، ينبغي لإخواننا أن لا يعادوا علما من العلوم أو يهجروا كتابا من ~~الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب؛ لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها، ~~ويجمع العلوم جميعها.» # ويكفي أن نضيف إلى البيان السابق ثلاثة شواهد أو أربعة لفهم طابع هذه الموسوعة التي هي ~~أقل إمتاعا بكونها مستودعا للعلم من إمتاعها بما تقدم من مناح فلسفية ~~واجتماعية. # ففي إحدى الرسائل يوجد مثل طويل، # 24 # مموه الإنشاء، يرى فيه أناس ينتسبون إلى أمم مختلفة من يونان، وهنود وفرس، ~~وتتر، وعرب، ويتجادلون هم والحيوان حول منافع الإنسان والحيوان النسبية، وذلك أمام تلك ~~الجن، فلما رأى الإنسان أن جميع المنافع التي كان يظن إمكان استخلاصها من دقة ملاذه ~~الحسية وكمال حرفه ومهنه قد ردت إلى العدم، اضطر إلى الاعتراف بأنه لا فضل ~~حقيقيا له على الحيوان إلا بخلقيته. وقد عبر عن هذه النتيجة بهذه العبارة: # 25 ~~«والآن ثق، يا أخي، بأن هذه الصفات التي انتصر بها الإنسان على أنواع ~~الحيوان أمام ملك الجن تقوم على التزام هذه العلوم والمعارف التي جمعناها في هذه الرسائل ~~الإحدى والخمسين مع الإيجاز والاستقامة ما أمكن.» وهذه إشارة إلى أسلوب في الدعاية على أساس ~~خلقي. # ومن التسلية أن تجد في هذه الرسائل بعض المناظر الدنيا لنظريات فلسفية راقية جدا ~~بنفسها، فاتفق لها بهذه الأشكال الغليظة رواج عظيم حتى أيامنا. ومن ذلك أن نظرية ~~فيثاغورس العميقة في الأعداد ظهرت فيها، كما تعرض على الفتيان في الوقت الحاضر أحيانا؛ ~~وذلك أن الخالق نظم الموجودات وفق سلسلة الأعداد، # 26 # وأن كل نوع من الوجود يناسب عددا معينا، فأشياء تتصل اثنين اثنين؛ أي ~~تتصل الهيولي والصورة، والعلة والمعلول، والليل والنهار، والذكر والأنثى، وأشياء تتصل ~~ثلاثة ثلاثة؛ أي تتصل أبعاد الحيز الثلاثة، وأقسام الزمن الثلاثة: الماضي والحاضر ~~والمستقبل، ووجوه الأمور الثلاثة: الممكن والمحال والواجب، وأشياء تتصل أربعة أربعة؛ أي ~~تتصل الطبيعات الأربع: الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، والعناصر الأربعة، وأمزجة ms072 ~~بدن الإنسان الأربعة، والفصول الأربعة، والجهات الأربع ... إلخ، وهذا من الفلسفة الشعبية ~~تماما. # وهنالك نظرية أخرى كانت واسعة الانتشار في القرون الوسطى، وهي من أصل بالغ السمو، وهي ~~نظرية العالم الأكبر والعالم الصغير. فالعالم إنسان كبير، ويكون الفلك الخارجي جسمه ~~وتؤلف أجزاء العالم أعضاءه، والعالم كالإنسان حي بالنفس العامة، وكما أن الإنسان يدير نفسه ~~بعقله يدار العالم بالعقل العام، وتعد قوى الطبيعة قواه المحركة. وعلى العكس يعد الإنسان ~~عالما صغيرا، ويعد بدنه طرفة الطبيعة، ويدرك خياله وعقله مجموع الموجودات، وتنطوي ~~فيهما خلاصة جميع الأشياء. # وتكون هذه المقارنات جميلة أول وهلة، ولكنها إذا ما أصر عليها لم تدع ~~للاعتبارات العلمية مجالا، وقد أصر إخوان الصفا عليها، وكان إصرارهم عليها ضمن معنى ~~أفلاطوني جديد بالغ، # 27 # وذلك أن الله تام الوجود والجلال، وهو عالم بجميع الأشياء قبل أن تكون، وهو ~~قادر على دعوتها إلى الوجود متى أراد، وهو ينشر الفيض والفضل بحكمته، كما تنشر الشمس ~~النور، ويدعى بدء هذا السكب الذي يصدر عنه بالسبب الخلاق، وهذا جوهر بسيط ونور خالص ~~متناهيا الكمال، وتوجد فيهما صور كل شيء كوجود صور الشيء المعلوم في النفس العالمة، ~~وتحدث النفس العامة درجة ثانية من السكب؛ أي تحدث الجوهر الروحاني البسيط، ويخرج ~~من النفس فيض آخر يدعى المادة العامة. # وأول صورة تتلقاها هذه المادة الأصلية هي صورة البعد، وتصير المادة الثانية التي تنشأ ~~عنها مادة الأجسام، فعند هذه النقطة يقف الفيض، ثم تتحد النفس بالأجسام، وتمنحها ~~الكمال والجمال. والصورة الأولى التي توجدها النفس في الجسم هي صورة الفلك السماوي، والأرض ~~هي أكثف الأجسام وأكثرها ظلاما؛ ولذا فإن الله يغضي عن هذا الخلق، ولكنه يريده، ~~ويعلمه بالفعل. # وأخيرا، إليك نداء من الإخوان إلى أتباعهم، # 28 # يؤلف أطرف مثال على توحيد ما بين الآراء، فهم يقولون: «فهل لك يا أخي، أن ~~تبادر وتركب معنا في سفينة النجاة، التي بناها أبونا نوح، فتسلم من أمواج بحر ~~الهيولي، ولا تكون من المغرقين؟ أو هل لك يا أخي أن تنظر معنا حتى ms073 ترى ملكوت السماوات ~~التي رآها أبونا إبراهيم لما جن عليه الليل حتى تكون من الموقنين؟ أو هل لك يا أخي أن ~~تتم الميعاد، وتجيء إلى الميقات عند الجانب الأيمن، حيث قيل: يا موسى، فيقضى إليك ~~الأمر فتكون من الشاهدين؟ أو هل لك يا أخي أن تصنع ما عمل فيه القوم كي ينفخ فيك ~~الروح، فيذهب عنك اللوم حتى ترى الأيسوع عن ميمنة عرش الرب قد قرب مثواه كما ~~يقرب ابن الأب، أو ترى من حوله من الناظرين؟ أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن، ~~حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة أفريحون؟ أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون، ~~حتى ترى الأفلاك التي يحوكها أفلاطون، وإنما هي أفلاك روحانية، لا ما يشير إليه ~~المنجمون؟» ~~••• # لقد انتهينا إلى حد القسم الأول من كتابنا، وقد سرنا أربعة قرون، متتبعين حركة الفكر ~~الفلسفي في العالم الإسلامي. وقد رأينا قيام عمل هذا الزمن على وضع المعضلة الكلامية ~~الفلسفية على الخصوص، وعلى استخلاص حلولها بالتدريج، والآن نقف. ونحن إذ نقيم على أرض ~~ثابتة ندقق - على مهل - في الحل الكبير الأول لهذه المعضلة على يد ابن سينا. # الفصل الخامس # | ابن سينا: سيرته، كتبه # ترجمة الفيلسوف لنفسه - حال الدولة في عصر ابن سينا - صلة ابن سينا بأمير بخارى - ~~بعض مصنفات الشيخ الرئيس في الفلسفة، والمنطق، والأخلاق، والتصوف، والطب. ~~*** # يجب على القارئ - الذي تفضل باتباعنا حتى هذا الموضع - أن يتخلص الآن من بعض ~~المبتسرات، التي يمكن أن تكون لديه عند تناول هذا الموضوع. والواقع أن مما يفترض بعض ~~الناس، بسماعهم إيانا نتكلم عن فلاسفة عظماء من العرب، كون هؤلاء الرجال لم يكونوا عظماء ~~إلا بالنسبة إلى زمنهم وأمتهم، فمن التهور أن يذهب إلى مقارنتهم بالفلاسفة والعلماء ~~المشهورين، الذين ظهروا في بيئات أخرى. # وأما نحن فنقول: إن من الجلي أن فضلاء كالذين ذكرنا - من أمثال سرجس الرأس ~~عيني، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، والكندي، والفارابي - يستحقون بقوتهم الطبيعية ~~وأصالة طبعهم - كما بعدد مؤلفاتهم وقيمة ms074 كتبهم - أن يصفوا بين أحسن أكفياء الذهن البشري ~~من غير نظر إلى البيئة والزمان. ومع ذلك فإنني أرى عند الكلام عن ابن سينا أن من غير ~~الممكن بقاء أي شك حول المقام الذي يجب أن يوضع فيه أمثال أولئك الرجال، وإنه - بعد ~~النظر إلى هذا الرأس المنقطع النظير، ونضج مواهبه، وسرعة ذكائه، وسمو عقله، وجلاء ~~ذهنه، وقوة فكره، وكثرة آثاره، واتساع مؤلفاته، التي وضعها في أثناء ما كان يساور حياته ~~من اضطراب متصل، وإلى صولة أهوائه وتنوع ميوله - يقنع بأن حاصل النشاط الذي بذل في مثل ~~حياته يفوق - بمراحل - نشاط ما تستطيعه المثل البشرية المتوسطة، حتى في زماننا ~~أيضا. # نعرف سيرة ابن سينا من مصدر رائع، قل وجود مثله في الأدب العربي، وهذه ترجمة كتبها ~~الفيلسوف بنفسه فاقتطفها وأتمها تلميذه الجوزجاني، وقد حفظ ابن أبي أصيبعة لنا هذه ~~الوثيقة الثمينة، # 1 # ولا نجد ما هو أصلح من اقتباس معظمها. ومع ذلك فإننا نرى - لمطالعة هذه القصة ~~بلا بلبلة - أن نرجع في البداءة إلى تاريخ المشرق الإسلامي العام في زمن ابن ~~سينا. # وتمتد سيرة فيلسوفنا إلى عهد كل من الخلفاء: الطائع والقادر والقائم، وإذا ما قيست ~~أسماء هؤلاء الخلفاء بأسماء أمثال المنصور والرشيد والمأمون وجدت مجردة من الرونق؛ ~~وذلك أننا وصلنا - بالحقيقة - إلى دور انحطاط الخلافة العباسية؛ وذلك أن سلطان خلفاء بغداد ~~المركزي قد ضعف، وأنه ظهر مغامرون في مختلف الجهات، فأقاموا دولا متنافسة. ومما ~~حدث في عهد المتقي سابقا أن أميري الموصل الحمدانيين؛ ناصر الدولة وسيف الدولة، ~~اللذين وجها سلاحهما المجيد إلى البزنطيين والروس خارج العالم الإسلامي، نازعا أمراء ~~الترك حرس الخليفة مع لقب أمير الأمراء. وقد رأينا أن الفارابي لزم سيف ~~الدولة. # ومما حدث في عهد المستكفي أن أولاد بويه - وهم أبناء فقير صائد للسمك على شواطئ بحر ~~قزوين، فكانوا يزعمون أنهم من سلالة الملك الفارسي الساساني سابور ذي الأكتاف - دخلوا ~~بغداد في سنة 334 على رأس كتائب من الديلم، فخلع المستكفي، وعمي واستبدل المطيع ~~به. ولما انتحل الزعيم ms075 البويهي معز الدولة لقب السلطان الجديد، أضاف اسمه في الخطبة ~~على المنابر إلى اسم الخليفة، وكان الأمراء البويهيون يميلون إلى معتقدات الرافضة، ~~فسنوا - حتى ببغداد في يوم عاشوراء من سنة 352 والسنين التالية - عيد الشيعة، تذكارا ~~للحسين بن علي، وأمروا بالاحتفال به. # ويستند السلاطين البويهيون إلى أمراء الديلم، فيمثلون - بجانب الخلفاء في سنين ~~قليلة - دور وزراء البلاط، ويحملون الضعيف المطيع، الذي صار مفلوجا، على التنزل عن ~~العرش، ويدوم عهد الطائع ثماني عشرة سنة مجهول الأمر تقريبا، ثم يخلع في نهاية الأمر ~~ويسجن، ويجلس القادر في مكانه، ويدوم عهده إحدى وأربعين سنة من غير أن يكون ذا شخصية ~~بارزة في التاريخ. وأخيرا زالت دولة آل بويه، التي نهكتها الفتن في عهد خلفه القائم، ~~ولكن هذا لم يقع إلا لتقوم مقامها دولة الأتراك السلجوقيين، التي هي أكثر شهرة، وكان ~~أفراد آل بويه قد تفرقوا في الإمبراطورية في إبان سلطانهم، ولما غدا ركن الدولة - أخو ~~معز الدولة - مسنا، قسم البلاد الخاضعة لسلطانه بين أولاده في سنة 365؛ فأعطى أحدهم ~~فارس وكرمان، وأعطى آخر الري وأصبهان، وأعطى ثالثا منهم همذان ودينور . # 2 # وسنرى أن ابن سينا كان ينتقل بين هذه المراكز. # وكان الملك في بخارى للسامانيين، الذين يرجع سلطانهم إلى أواخر القرن الثالث من ~~الهجرة، وقد مات منصور بن نوح الساماني، الملقب بأمير خراسان سنة 365، وخلفه نوح بن ~~منصور، فهذا كان أول حام لابن سينا. # وكانت فرقة القرامطة الغريبة قد ظهرت في جنوب إمبراطورية الخلفاء، وكان هذا منذ عهد ~~المكتفي المجيد أيضا، وقد تكلمنا عن هذه الفرقة في كتاب آخر، # 3 # وكانت صولة القرامطة قد وقفت في زمن ابن سينا، ولكن فرقة الإسماعيلية ~~الكبيرة المشهورة - التي كانت هذه الفرقة ترتبط بها - قد قبضت على زمام السلطة السياسية ~~بمصر، وأقامت الدولة الفاطمية على أنقاض الدول الغابرة. # ولذا؛ يمكن أن تعرض حال الإمبراطورية الإسلامية، في الزمن الذي تتناوله كحال إقطاعية ~~عاصفية غير منظمة حيث ترتفع طائفة من السلطات التابعة تناوبا، وذلك تحت ظل سلطة مركزية ~~خاملة مشوشة، ms076 فتسيطر تلك السلطات على قسم من الإمبراطورية، ثم تختفي، وتتصادم شعوب ~~ومعتقدات، وتتقدم أو تتأخر وفق طالع المغامرين السياسيين الذين تتقمصهم، ويميل روح ~~العرب إلى الزوال، ويكون للروح الفارسي القديم يقظات، ولكن من غير وصول إلى الخلاص من ~~الاضطراب تماما، ممنوعا من ذلك بنزوات التوحش الناشئ عن العنصر التركي على الخصوص، # 4 # ومع ذلك، فإن العلم يتبع مصايره متسكعا تحت حمايات زائلة، يحبوه بها ~~أمراء هنا وهناك، ففي مثل هذه البيئة - التي ينعكس كدرها وصولتها في حياة ابن سينا - ~~قدم هذا الفيلسوف للمرة الأولى تعبيرا واضحا منظما كاملا عن هذا المنهاج العظيم ~~الهادئ، الذي نطلق عليه اسم السكلاسية. # وإليك ما يقص أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا المدعو # Avicenne # 5 # عامة؛ وذلك أن أباه - الذي هو من بلخ أصلا - أتى إلى بلاد بخارى في زمن ~~نوح بن منصور، وقد كان يسكن قرية قريبة من بخارى اسمها خرميثن، حيث يزاول مهنة ~~الصرافة، وقد تزوج امرأة من أفشنة، فرزق منها ولدين، كان فيلسوفنا أكبرهما، وقد ~~ولد في شهر صفر من سنة 375، فبعد ولادة هذين الابنين انتقل أبوا ابن سينا إلى ~~بخارى . # ولما كان ابن سينا صبيا وكل إلى معلم؛ ليتعلم القرآن ومبادئ الأدب. ولما بلغ ~~العاشرة من سنيه اتفق له من التقدم ما كان يثير به العجب، فحوالي هذا الزمن جاء ~~بخارى دعاة من إسماعيلية مصر، كانوا يعلمون نظرية مذهبهم في النفس والعقل، فاعتنق ~~والد ابن سينا هذا المذهب. وأما فيلسوفنا فيقول لنا: «وكانوا ربما تذاكروا بينهم، وأنا ~~أسمعهم وأدرك ما يقولونه، ولا تقبله نفسي.» وكذلك كان هؤلاء الدعاة يعلمون ~~العلوم الدنيوية كالفلسفة اليونانية، والهندسة، وحساب الهند، وقد تعلم ابن سينا هذا النوع ~~من الحساب من تاجر بقل، كما تخرج في الفقه والتردد فيه بنجاح على زاهد اسمه ~~إسماعيل. # وبعد ذلك، أتى بخارى رجل اسمه الناتلي، وكان يدعى المتفلسف، وبلغ أبو ابن سينا من ~~الولع بالعلوم - كما يلوح - ومن الحرص على تقدم ابنه ما أنزل معه هذا الرجل داره، وذلك ms077 ~~رجاء أن يتعلم ابنه الفتى منه شيئا كثيرا. # أجل، تعلم ابن سينا مبادئ المنطق منه، غير أن هذا الرجل كان غير عالم بجزئيات هذا ~~العلم، فكانت كلما عرضت مسألة حلها التلميذ خيرا من أستاذه. هنالك أخذ ابن سينا ~~يدرس بنفسه، فقرأ رسائل المنطق، وأنعم النظر في الشروح، وقد فعل مثل هذا حيال هندسة ~~أقليدس، وتعلم من أولها خمسة أشكال أو ستة أشكال على الناتلي، ثم تولى بنفسه ~~حل بقية الكتاب، ثم انتقل إلى دراسة المجسطي، الذي أخبرنا أنه فهمه بسهولة عجيبة، ثم ~~فارقه الناتلي متوجها إلى كركانج، ثم اشتغل ابن سينا بتحصيل الكتب من الفصوص والشروح ~~من الطبيعي والإلهي، «وصارت أبواب العلم تنفتح علي» على حد تعبيره. # هنالك رغب في علم الطب، وبما أن «علم الطب ليس من العلوم الصعبة» - كما قال موكدا - ~~فقد برز فيه في أقل مدة، وبعد أن أخذ ابن سينا يقرأ الكتب المصنفة في الطب، صار ~~يتعهد المرضى، فانفتح عليه من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وبدأ ~~الأطباء يفدون للدراسة تحت إدارته، مع أن سنه كانت لا تزيد على ست عشرة سنة في ذلك ~~الحين. # ولما بلغ هذه المرحلة، توفر على القراءة سنة ونصفا، ولم يصنع في أثناء هذه ~~المدة غير مطالعة كتب المنطق والفلسفة تكرارا؛ قال ابن سينا: «وكلما كنت أتحير في ~~مسألة ولم أكن أظفر بالحد الأوسط في قياس ترددت إلى الجامع، وصليت وابتهلت إلى ~~مبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق ويسر المتعسر، وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع ~~السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف عدلت إلى ~~شرب قدح من الشراب، ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة. ومتى أخذني أدنى نوم ~~أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إن كثيرا من المسائل اتضح لي وجوهها في ~~المنام.» # وهكذا، تبحر الفيلسوف الشاب في سلسلة من العلوم المنطقية والطبيعية والرياضية إلى ~~الحد الذي يستطيع الرجل أن يبلغه. ويروي أنه عاد لا يأتي بتقدم بعد ذلك الحين، ثم ms078 ~~توجه إلى ما بعد الطبيعة، ولكن ما بعد الطبيعة لأرسطو ظل صعب المنال عليه زمنا ~~طويلا، على الرغم من تلك الأهلية المتناهية وتلك القدرة المدهشة على العمل، التي يباهي بها ~~مع التوكيد. # قال ابن سينا: «وقرأت كتاب ما بعد الطبيعة فما كنت أفهم ما فيه، والتبس علي غرض ~~واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة، وصار لي محفوظا، وأنا مع ذلك لا أفهمه ولا المقصود ~~به، وأيست من نفسي، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا أنا في يوم من الأيام ~~حضرت وقت العصر في الوراقين وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه علي، ~~فرددته رد متبرم، معتقدا أن لا فائدة في هذا العلم، فقال لي: اشتر مني هذا؛ فإنه ~~رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم وصاحبه محتاج إلى ثمنه، فاشتريته، فإذا هو كتاب لأبي نصر ~~الفارابي في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة، # 6 # فرجعت إلى بيتي، وأسرعت في قراءته فانفتح علي في الوقت أغراض ذلك الكتاب ~~بسبب أنه كان لي محفوظا على ظهر القلب، وفرحت بذلك، وتصدقت في ثاني يومه بشيء كثير على ~~الفقراء، شكرا لله تعالى.» # وما انفك نوح بن منصور يكون سلطان بخارى في ذلك الحين، ويمرض هذا الأمير، ويدعى ابن ~~سينا، ويشفيه، ويصير ابن سينا من المقربين إليه بعد ذلك. ويطلب ابن سينا من نوح أن ~~يسمح له بدخول مكتبته، ويروي ابن سينا أن هذه المكتبة كانت منقطعة النظير، فهي دار ذات ~~بيوت كثيرة، في كل بيت صناديق كتب منضد بعضها على بعض، في بيت منها كتب الفقه، وفي آخر ~~كتب الشعر، وهكذا. فاكتشف ابن سينا فيها من الكتب ما هو نادر، لم يره من قبل ولا من بعد، ~~وقد احترقت هذه المكتبة بعد حين، فزعم بعض الحساد أن الفيلسوف هو الذي أحرقها بنفسه؛ كيما ~~يكون وحده حائزا للمعارف التي اكتسبها فيها. # وكان ابن سينا في الثامنة عشرة من سنيه عندما فرغ من هذه العلوم كلها. قال ابن سينا ~~موكدا: «وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، ms079 وإلا فالعلم واحد لم يتجدد ~~لي بعده شيء.» فلما بلغ ابن سينا الحادي والعشرين من عمره صار يؤلف، وقد ألف عادة ~~تلبية لطلب مختلف الوجوه المعروفين قليلا في الغالب، ومن ذلك أن أحد جيرانه، أبا الحسين ~~العروضي سأله أن يصنف كتابا جامعا في العلم، ففعل ذلك، وسمى هذا الكتاب باسم ~~هذا الرجل، وهو «الحكم العروضية». وكان في جواره رجل آخر يقال له أبو بكر البرقي، فسأله ~~أن يضع شرحا فلسفيا؛ فصنف له كتاب «الحاصل والمحصول»، كما صنف له كتابا في ~~الأخلاق. # ولما كان فيلسوفنا في الثانية والعشرين من سنيه فقد أباه، وتغير وضعه؛ وذلك ~~أنه دخل باب الحياة السياسية، وقلده السلطان شيئا من أعماله. ثم يقول ابن سينا إن ~~الضرورة دعته إلى الارتحال عن بخارى والانتقال إلى كركانج، وهناك كان أبو الحسين ~~السهلي محبا للعلوم، ووزيرا للأمير علي بن مأمون، وأقام ابن سينا بهذا البلاط ~~الصغير على زي الفقهاء، ثم دعت الضرورة إلى انتقاله - كما قال - إلى نسا ومنها إلى ~~بادر، ومنها إلى طوس وإلى مدن أخرى، ومنها إلى جرجان، وكان قصده أن يضع نفسه تحت حماية ~~الأمير قابوس، ولكن بينا كان في صحبة هذا السري اعتقل هذا الأخير، ومات في ~~السجن. # ثم مضى ابن سينا إلى دهستان، ومرض بها مرضا صعبا، وعاد إلى جرجان، واتصل به ~~أبو عبيد الجوزجاني، وأنشأ في حاله قصيدة جاء فيها: # لما عظمت فليس مصر واسعي # لما غلا ثمني عدمت المشتري # وتمثل الحال التي وصفها ابن سينا على هذا الوجه ما كانت عليه حال العلم - أيضا - ~~في ذلك العصر. # وهنا تقف سيرة ابن سينا بقلمه، ومن المحتمل أن يكون قد كتبها عملا بطلب البوزجاني، ~~ولهذا الأخير - الذي هو شاهد عياني لسلوك الفيلسوف - ترانا مدينين ببقية القصة. # وفي جرجان كان يوجد رجل يقال له أبو محمد الشيرازي، وكان أبو محمد هذا محبا للعلوم، ~~وقد اشترى هذا الرجل دارا للشيخ؛ أي لابن سينا، في جواره، وكان الشيخ يعطيه - في كل يوم - ~~دروسا في الفلك والمنطق. وصنف ابن ms080 سينا له - وهو في هذا المنزل - قسما من ~~مؤلفاته. # ثم انتقل الفيلسوف إلى الري، واتصل بسيدة الري وابنها مجد الدولة، واشتغل بمداواة ~~هذا الأمير، الذي كان مصابا بالسوداء، وأقام بالري إلى ما بعد قتل هلال بن بدر وهزيمة ~~عسكر بغداد، فقضت الضرورة بأن ينتقل إلى قزوين ومنها إلى همذان، واتصاله بخدمة ~~كذبانويه، والنظر في أسبابها. # وحدث في تلك الأثناء أن استدعاه أمير همذان، شمس الدولة، الذي كان مريضا، فعالجه، ~~وشفاه بعد أن أقام عنده أربعين يوما بلياليها، وفاز من الأمير بخلع كثيرة، وصار من ~~ندمائه، ويمضي زمن فيشترك الفيلسوف في حملة وجهها شمس الدولة إلى قرميسين، ويعود إلى ~~همذان منهزما، ثم قلد الوزارة، ثم ثار العسكر عليه، وخافوا منه على أنفسهم، وحاصروا ~~داره، وقبضوا عليه وسجنوه، واستولوا على جميع أمواله، وحاولوا أن يحملوا الأمير على ~~قتله، فامتنع الأمير عن ذلك، ولكن الأمير أراد أن يرضيهم فوافق على إقصائه عن السلطة، ~~والتجأ ابن سينا إلى دار صديق له اسمه أبو سعد بن دخدوك، حيث توارى أربعين يوما، فلما ~~انقضت هذه المدة عاد المرض إلى الأمير، وبحث عن ابن سينا، وقلده الوزارة مرة ~~أخرى . # واختار الجوزجاني هذا الوقت ليسأل الشيخ أن يؤلف شرحا عاما على كتب أرسطو، فذكر أنه ~~لا فراغ له إلى ذلك في ذلك الوقت، ولكن الجوزجاني لم يكن ليرغب منه في غير تصنيف كتاب ~~جامع لآرائه بلا اشتغال بالرد على المخالفين، ففعل ابن سينا ذلك، وابتدأ بالطبيعيات من ~~كتاب الشفاء، وكان ابن سينا قد صنف الكتاب الأول من القانون في الطب، وكان يقدم ~~تأليف هذين السفرين العظيمين، وكان يجمع كل ليلة في داره لفيفا من أهل الفضل وطلبة ~~العلم، وكان الجوزجاني يقرأ من الشفاء نوبة، ويقرأ غيره من القانون نوبة. وهكذا كانت ~~تتناوب القراءة حتى يكون كل واحد قد قرأ في دوره، ثم يتناول الشراب، وكان التدريس ~~بالليل لعدم الفراغ بالنهار خدمة للأمير، وهكذا كان الشيخ يقضي حياته في همذان، بيد ~~أن حاميه ذهب لمحاربة أمير مجاور، فعاودته علة ms081 القولنج في الطريق، ومات. # وينادى بابن شمس الدولة خلفا له، ويطلب من ابن سينا أن يقوم بمنصب الوزارة ~~أيضا، ويرفض ابن سينا ذلك، وقد اختفى في دار أبي غالب الوطار، حيث داوم على تصنيف كتبه، ~~فألف هناك فصول الطبيعيات، ومما بعد الطبيعة من كتاب الشفاء، خلا كتابي الحيوان والنبات، ~~وقد كان يكتب خمسين ورقة في كل يوم، ثم شعر بأنه في غير مأمن بهمذان؛ فأرسل كتابا في ~~السر إلى أمير أصبهان، علاء الدولة، طالبا أن يسمح له بأن يكون في جواره، ويعلم تاج ~~الملك - الذي صار صاحب السلطة في همذان - أمر هذا الكتاب، ويغضب، وقد حث في طلب الشيخ، ~~فدل عليه بعض أعدائه، فأخذوه وأدوه إلى قلعة يقال لها فردجان، وأنشأ هناك قصيدة ~~منها: # دخولي باليقين كما تراه # وكل الشك في أمر الخروج # وبقي في هذه القلعة أربعة أشهر، وقام علاء الدولة بحملة على همذان في ذلك الحين. وينهزم ~~تاج الملك ومعه شمس الدولة، ويجيء للبحث عن ملجأ في هذه القلعة، التي كان ابن سينا معتقلا ~~فيها، ويعود علاء الدولة إلى أصبهان بعد قليل، فيغادر تاج الملك ملجأه، ويدخل همذان آتيا ~~بالشيخ معه، وكان هذا الشيخ قد ألف كثيرا من الكتب في سجنه. # وتزيد رغبة ابن سينا في مغادرة همذان عقب تلك الحوادث، ويخرج من هذه المدينة ~~متنكرا هو والجوزجاني وأخوه وغلامان معه في زي الصوفية، ويصلان إلى أصبهان بعد أن ~~قاسوا شدائد في الطريق، ويحسن علاء الدين قبول الفيلسوف، ويجد في مجلسه الإكرام والإعزاز ~~الذي يستحقه مثله، ويأخذ في العمل ليلا، وفي عقد المجالس الفلسفية وفق المنهاج الذي ~~اتبعه في همذان، ويرأس الأمير نفسه هذه المجالس في ليالي الجمعة. وقد ألف ابن سينا ~~كتبا كثيرة في صحبة علاء الدولة، فأتم الشفاء في السنة التي توجه فيها علاء الدولة إلى ~~سابور خواست، كما صنف في الطريق - أيضا - كتبا كثيرة، ولا سيما «النجاة». # وقد استمر الفيلسوف في البقاء بجوار علاء الدولة حتى وفاته، ومما حدث ذات يوم أن ~~ذكر للأمير أمر ms082 وقف الأرصاد الفلكية المعمول بها لدى الأقدمين في الدولة الإسلامية؛ ~~نتيجة للفتن والحروب، وأن من الصالح أن يرجع إليها؛ فلم يلبث الأمير أن أعانه بالمال ~~للقيام بهذا العمل، وقد عهد الشيخ إلى البوزجاني بالإشراف على نصب الآلات، غير أن ~~الأرصاد أهملت بسبب كثرة التكاليف والأسفار. # وفي هذا الزمن، ألف ابن سينا كتبا مختلفة، ولا سيما الكتاب الذي يحمل اسم حاميه، ~~وهو «الحكمة العلائية»، وهذا الكتاب بالفارسية عن الفلسفة، ومما لاحظ الجوزجاني مع الدهش ~~أنه في الخمس والعشرين سنة التي قام بخدمته فيها لم يره يقرأ كتابا جديدا قراءة ~~متتابعة، وإنما كان يقصد المواضع الصعبة منه، فيحكم بهذا في أمر الكتاب، فهذه الطريقة ~~عادت لا تثير عجبنا في الوقت الحاضر. # وقال كاتب سيرته، مصورا فيلسوفنا: «وكان الشيخ قوي القوى كلها، وكانت قوة ~~المجامعة من قواه الشهوانية أقوى وأغلب، وكان كثيرا ما يشتغل به، فأثر في مزاجه.» وكان ~~القولنج الذي أصابه سبب موته، وكان من شدة الميل إلى الشفاء منه ما جعله يأخذ منه ثماني ~~حقن في يوم واحد، فتقرح بعض أمعائه، وظهر به زحار، وتنحط قواه نتيجة ~~للقولنج، ويبلغ من الضعف حدا لا يقدر معه على النهوض، ومع ذلك فقد استمر على معالجة ~~نفسه، واستطاع أن يمشي مجددا، ولكنه لم يتحفظ، فأكثر من الانهماك في الشهوات والتخليط في ~~التداوي، فلم يبرأ من العلة كل البرء، فكان ينتكس، ويبرأ كل وقت. # ويزعم أنه أمر يوما بوضع دانقين من بزر الكرفس في جملة ما يحقن به، فوضع ~~الطبيب الذي يقوم بمعالجته خمسة دوانق، فازداد مرضه من حدة الكرفس، ودس خادمه ~~مقدارا كبيرا من الأفيون في أدويته، فأوجب هذا الخادم فيه بعض الضرر، وكان الخادم يخشى ~~عاقبة أفعال له إذا ما شفي الشيخ. # ثم قصد علاء الدولة همذان، وأتى بالشيخ معه فعاوده القولنج في الطريق، وشعر الشيخ ~~بأن قوته سقطت، وأنها لا تفي بدفع المرض، وصرف أطباءه، وأخذ يقول: «المدبر الذي كان ~~يدبر بدني قد عجز عن التدبير، والآن فلا تنفع المعالجة.» ثم توجه ms083 إلى ربه بأفكاره، ~~واغتسل وتاب، ووزع كثيرا من الصدقات، وأعتق مماليكه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ~~ختمة، ثم مات بعد أيام قليلة. # لقد توفي سنة 428، وعاش ثماني وخمسين سنة، وقال فيه بعض الناس: # رأيت ابن سينا يعادي الرجال # وبالحبس # 7 # مات أخس الممات # فلم يشف ما نابه بالشفا # ولم ينج من موته بالنجاة # وليس النصيب الذي اتفق لذكرى ابن سينا في الشرق والغرب، وما كان لفلسفته من نفوذ، من ~~نابض كتابنا الآن، ما دمنا نعد نهجه نقطة وصول، لا نقطة انطلاق. ولكننا لا نستطيع أن ~~نقاوم رغبتنا في الإشارة إلى أحد الوجوه التي تمت لسيماه في نظر الشرقيين. ما كان أصل ~~هذا الوجه الأسطوري في بعض سمات خلقه الحقيقي، ويوجد في آداب الشرق الشعبية، ولا سيما ~~الآداب التركية، ابن سينا وهمي؛ أي ساحر هزلي مفيد، جعل منه خيال العامة بطل مغامرات ~~غريبة ومرحيات مضحكة، وتوجد مجموعة من الأقاصيص التركية خص بها، وإليك إحدى هذه ~~الفكاهات، التي جاءت في مجموعة من الأقاصيص التركية، # 8 # ورئي انهماك هذا الفيلسوف المرح فيها: «كان يوجد ملك في حلب، وكانت هذه المدينة قد خربت بعدد عظيم من الفئران ، التي ~~ما انفك الأهلون يتضررون منها، ومما حدث يوما أن كان الملك يكلم ابن ~~سينا، وأن الحديث دار حول الفئران، فسأل الملك هذا الطبيب عن وجود وسيلة ~~لإبادتها، فأجاب الطبيب بقوله: «أستطيع أن أصنع ما لا يبقى معه أية فأرة في ~~المدينة في بضع ساعات، ولكن على أن تكون أنت عند أبواب المدينة، وألا تضحك مما ~~ترى».» # فرضي الملك بذلك مسرورا، وشد السرج على فرسه، وذهب إلى الباب وانتظر، وذهب ~~ابن سينا من ناحيته إلى الطريق المؤدية إلى الباب، وأخذ يقرأ إحدى الرقى، فجاءت ~~فأرة، فأمسكها ابن سينا وقتلها ووضعها في تابوت، ودعا أربعة فئران لحمله، ويداوم ~~على رقاه، وتأخذ الفئران في المشي وهي تخبط أرجلها، وتحضر فئران المدينة كلها ~~لحضور الجنازة، وتتقدم مصفوفة إلى الباب حيث كان الملك، ويسبق بعضها ~~الجنازة، ويسير بعضها الآخر خلفها، ms084 وينظر الملك، ولكنه لم يتمالك أن قهقه عندما ~~رأى الفئران الحاملة للتابوت، وتموت جميع الفئران التي جاوزت الباب حالا، وأما ~~التي لم تزل داخل المدينة فقد انفصل بعضها عن بعض وفرت. فقال ابن سينا: «أيها ~~الملك، لو أمسكت عن الضحك بضع دقائق أخرى ما بقي في المدينة واحدة منها، ولكشف ~~الهم عن جميع الناس.» فندم الملك، ولكن ما الحيلة؟ لا فائدة من ندم بعد ~~الأوان. # وهكذا، اتفق لابن سينا - بعد موته على الأقل - شعبية ضخمة وصغرى نواحي ~~المجد. ~~••• # وتعد الكتب التي ألفها ابن سينا، # 9 # وما لا يزال يوجد منها في مكتباتنا، كثيرة. وقد ذكر لنا الجوزجاني كتب هذا ~~الفيلسوف في غضون القصة التي تركها لنا عن حياته، فجاء ابن أبي أصيبعة وأعاد النظر فيها. ~~وليس من المهم أن ننقل عناوين الكتب التي ذكرها الجوزجاني، وأن نضع قائمة كتبه الموجودة في ~~جميع مكتبات أوربة، فهذا عمل سهل ممل، مع عدم وجود فائدة مباشرة منه لقرائنا، وإنما يجب ~~أن نشير إلى أهم هذه الكتب، وإلى أيها كان موضوع درس من قبل علماء الغرب، فيمكن أن ~~ينتفع بها اليوم لمعرفة فلسفة المؤلف، وسنضيف إلى هذه المعارف تفصيلات كافية ~~ليستطاع تكوين فكرة على شيء من الضبط عن نشاط هذا الرجل العظيم الأدبي. # توجد بين آثار ابن سينا رسائل عامة عن الفلسفة، وأهم كتبه التي هي من هذا النوع هو ~~سفره الضخم المسمى «الشفاء». وقد رأينا أن ابن سينا ألفه دفعة بعد دفعة في أماكن ~~مختلفة، فلما أتمه لخصه في كتاب سماه «النجاة». # ويشتمل «الشفاء» على أقسام العلم الأربعة، وهي: المنطق، والرياضيات، والطبيعيات، وما بعد ~~الطبيعة. وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية باكرا، أو نقل بعضه إلى هذه اللغة، وكان من غير ~~الصحيح في ذلك الحين ترجمة كلمة «الشفاء» بكلمة # Sufficientiae ~~، # 10 # ويلاحظ في طبعة لاتينية واسعة لابن سينا، نشرت في البندقية، أن قسما ~~مطولا مما بعد الطبيعة هو من الشفاء كما هو ظاهر، وهذه الرسالة - التي عنوانها «إلهيات ابن ~~سينا أو فلسفته الأولى» - مقسومة ms085 إلى عشرة أبواب مجزأة إلى فصول، ويظهر أن ترجمتها ~~التي قام بها الراهب الفرنسيسي فرنسوا دو ماسيراتا، وتالي الفلسفة في كلية بارو أنطوان ~~فيسنتينوس، غير خالية من البراعة، ومما يحمد فعله في أيامنا أن تدرس فلسفة ابن ~~سينا في «الشفاء» الذي لا تعد نسخه الخطية قليلة. # ولكن هذه الدراسة الطويلة الشاقة تطالب من يكبون عليها بتجرد كبير من الغرض، ~~وذلك في هذا الزمن الذي قلت فيه حظوة الفلسفة، ولا سيما السكلاسية. ومن الممكن أن ~~يطلع على أفكار ابن سينا بلا عناء، وفي وقت غير طويل، من خلاصة كتاب الشفاء التي صنعها ~~بنفسه؛ أي من كتاب «النجاة»، وكتاب النجاة هذا رائع واضح طافح قوة، وهو سهل المأخذ في ~~طبعته التي تمت برومة سنة 1593، وذلك عقب طبعة «القانون». وقد ترجم قسم المنطق من كتاب ~~«النجاة» إلى الفرنسية، وذلك من قبل بيار فاتيه، # 11 # وكان كتاب النجاة قد شرح من قبل فخر الدين الرازي، # 12 # المتوفى سنة 600ه. # ويجب أن يوضع كتاب «الإشارات والتنبيهات» بجانب ذينك الكتابين، وسنشير إلى هذا الكتاب ~~بكلمة «الإشارات»، وهذا هو آخر الكتب التي ألفها ابن سينا وأجودها على قول الجوزجاني، ~~وقد كان مؤلفه يعلق عليه أهمية كبيرة، ومع صدور هذا الحكم عن حجة، فإنني أبيح لنفسي ~~تفضيل «النجاة» على «الإشارات»؛ وذلك أن تخطيط الإشارات أقل كمالا من تخطيط النجاة، وأن ~~المنطق فيها يشغل مكانا كبيرا على حسب مزاجنا، وأن إنشاء النجاة أكثر إيجازا وأشد ~~قوة. ولا يعني هذا أن الإشارات أقل أهمية، وهو الكتاب الذي جعل في متناول ~~المتعربين بطبعة الراهب فورجه بليدن # 13 ~~(1892)، وتجد له شرحا بقلم نصير الدين الطوسي المتوفى سنة 672، # 14 # وللنجاة ذكر حسن في كتاب الشهرستاني. # ولابن سينا في الفلسفة رسائل عامة أخرى هي: الحكمة العروضية، وهي رسالته الأولى التي ~~ذكرناها، ويوجد هذا الكتاب في مكتبة أبسال، # 15 # والحكمة العلائية، وقد ألفها لعلاء الدولة، وهي موجودة في المتحف البريطاني، # 16 # والهداية في الحكمة، وقد صنفها في سجن فردجان، وقد اتفق لها شرح كثير، # 17 ms086 # والتعليقات في الحكمة الفلسفية، # 18 # وعيون الحكمة، وهي رسالة صغيرة لطيفة جدا، تجد نسخا منها في ليدن وفي ~~أماكن أخرى، وقد طبعت هذه الرسالة مع رسائل كثيرة أخرى في الشرق. # 19 # وفضلا عن ذلك، فإننا نطلع في جداول الجوزجاني على عنوان يصحبه شرح ذو غرابة، وهو كتاب ~~الإنصاف، فيقول كاتب السيرة: إن ابن سينا شرح في هذا الكتاب جميع كتب أرسطو، وأنصف فيه ~~المشرقيين والمغربيين، وقد ضاع هذا الكتاب في أثناء غارة السلطان مسعود، ولا ندري تلك ~~القسمة الجغرافية، التي أشار إليها الجوزجاني. # وكان المنطق الذي شغل بال ابن سينا كثيرا موضوعا لكتب مهمة، وتماز لابن سينا ثلاثة ~~كتب في المنطق، وهي: كتاب الموجز الكبير في المنطق، والكتاب الأوسط، وقد ألفه في جرجان ~~لأبي محمد الشيرازي، # 20 # والكتاب الأصغر، وهو منطق النجاة الذي ترجمه فاتيه. وفضلا عن ذلك فإن ابن ~~سينا صنف في المنطق قصيدة طريفة طبعها شمولدرز، وترجمت من قبله، # 21 # ويمكن أن تضاف إليها رسالة «في تقسيم الحكمة والعلوم»، نشرت في الآستانة. # 22 # وفي علم النفس، نجد في مكتباتنا رسائل كثيرة جدا عن النفس معزوة إلى فيلسوفنا، ~~ومن الصعب أن يعرف بعنوانها وحده هل هذه الرسائل خلاصات من كتب عامة في الفلسفة، ولا سيما ~~من النجاة، أو مؤلفات مستقلة. وقد نشر لندوير رسالة في علم النفس لابن سينا # 23 # وفق مخطوط بليدن ومخطوط بالأنبروازية الميلانية. # وتحمل ترجمة لاتينية قديمة لهذه الرسالة محفوظة في فلورنسة إهداء للسلطان نوح بن ~~منصور، وهذا يدل على كون هذه الرسالة من عمل ابن سينا في شبابه، وللفيلسوف رسالة في ~~النفس نقلها إلى اللاتينية أندره البلوني فتوجد كمخطوط في المكتبة البودلية بأكسفورد ~~(2، رقم 366)، وكانت قد طبعت مع رسائل أخرى لابن سينا في البندقية سنة 1546. وتوجد في معظم ~~قوائم مكتبات أوربة رسائل في النفس، كالتي بسان بطرسبرغ (رقم 2052)، وبليدن (رقم 1464 ~~و1467 ... إلخ)، وبالإسكوريال (رقم 656 و663)، وبالمتحف البريطاني (القسم الثاني من القائمة، ~~ص209)، وبأماكن أخرى. # ولابن سينا قصيدة صغيرة في النفس (القصيدة في النفس)، ms087 نقلها ابن أبي أصيبعة نقلا ~~ناقصا عقب سيرة الفيلسوف وبين قطع شعرية، واشتهرت هذه القصيدة في الشرق، وشرحت عدة مرات، # 24 # وقد نشرناها وترجمناها وحللناها في المجلة الآسيوية. # 25 # وفضلا عن ذلك فإن الجورجاني يذكر كتبا مختلفة في علم النفس لفيلسوفنا، ~~ككتاب «مناظرات في النفس» مع أبي علي النيسابوري، ورسالة «في القوى الإنسانية ~~وإدراكاتها»، التي طبعت بالآستانة في مجموعة «رسائل في الحكمة». # وتصانيف ابن سينا في الأخلاق قليلة على الخصوص، وتجد له في مكتبة بالآستانة رسالة ~~عنوانها «رسالة في الأخلاق»، # 26 # وقد أفاض في إيضاح ما بعد الطبيعة في رسائله العامة في الفلسفة. وأما كتبه التي ~~تناول فيها ما بعد الطبيعة فقط، فنادرة قليلة الأهمية كما هو ظاهر. وعلى العكس ترى ~~مؤلفاته الصوفية ذات فائدة كبيرة. # ودرس مسيو مهرن سلسلة من رسائل ابن سينا الصوفية، # 27 # ومنها رسالة «حي بن يقظان»، التي ألفت في قلعة فردجان، واشتهر أمرها كثيرا ~~في القرون الوسطى، وقد قلدها ابن عزرا، ورسالة الطير، وقد شرحها ساوه جي بالفارسية، ~~ورد المنجمين، ورسالة في العشق، ورسالة القدر التي ألفها الفيلسوف في أصبهان، حيث التجأ ~~بعد تركه همذان. ومن المناسب أن نذكر - في سياق هذه الأفكار - قصة سلامان وأبسال، التي ~~درسها نصير الدين الطوسي # 28 # تبعا لابن سينا، وكتاب المعاد الذي ألفه في الري لمجد الدولة، وفلسفة الموت ~~التي ألفها الفيلسوف لأخيه، والتي توجد بالفارسية في المتحف البريطاني (إضافة 16، ~~659). # وقد تكلم الجوزجاني وغيره من المؤلفين عن كتاب لابن سينا يجب أن يكون في التصوف خاصة ~~مع تعليق أهمية كبيرة عليه، وهذا هو الكتاب الذي يسمى «الحكمة المشرقية» عادة، والذي ~~يجدر تسميته «الحكمة المشرقية». ويروي الجوزجاني أن هذا الكتاب لا يوجد كاملا، ويقول عنه ~~ابن طفيل في كتابه «حي بن يقظان»، وهو لا يجوز خلطه بكتاب ابن سينا الذي يحمل هذا الاسم أيضا، # 29 # ما يأتي: «إنه ألف كتاب الشفاء على مذهب المشائين، وإن من أراد الحق ~~الذي لا جمجمة فيه فعليه بكتابه في الفلسفة المشرقية.» # وقد ذكره ابن ms088 رشد في كتابه «تهافت التهافت»، وذلك في النقاش حول ماهية واجب الوجود، فقال: # 30 # إن تلاميذ ابن سينا يرون «أنه المعنى الذي أودعه في فلسفته المشرقية، وإنما ~~سماها فلسفة مشرقية؛ لأنها مذهب أهل المشرق، فإنهم يرون أن الآلهة عندهم هي الأجرام ~~السماوية ... إلخ.» # ومن ثم ترى أن الخطأ - الذي أوجب ترجمة النعت المشتمل عليه هذا العنوان - قديم ما دام ~~يرجع إلى تلاميذ ابن سينا، الذين أرادوا الانحراف عن مذهبه ضمن معنى الوثنية ~~الكلدية والتصوف الهندي. ومن المحتمل جدا أن كان هؤلاء التلاميذ مفسرين غير ~~صادقين لأستاذهم، ولا شيء يبيح لنا أن نذهب إلى أن مؤلفات ابن سينا الفلسفية الكبرى لا ~~تعبر عن رأيه الحقيقي، وأن حكمته المشرقية تنطوي على مذهب غير ما جاء في الرسائل ~~الصوفية التي نعرفها له. # وفي عبارة لمترجم الأحوال، حاجي خليفة، إيضاح كاشف كامل الاحتمال حول ما يجب أن يفهم ~~من «حكمة الإشراق»؛ وذلك أنه قال إنه يوجد طريقان للوصول إلى معرفة بارئ الأشياء؛ فالأول هو ~~طريق التأمل والبرهان، ويدعى من يتبعون هذا الطريق بالمتكلمين، إذا ما آمنوا ~~بالوحي واستمسكوا به، ويدعون فلاسفة إذا لم يؤمنوا بذلك، أو إذا ما قاموا بتجريد لذلك. ~~والطريق الآخر هو طريق الرياضات الزهدية. ويطلق اسم الصوفي على من يتبعونها إذا ما ~~كانوا مسلمين مخلصين، فإذا لم يكونوا من هؤلاء سموا «الحكماء الإشراقيين». وتحتل ~~الحكمة الإشراقية في العلوم الفلسفية وفق معناها اليوناني، عين مرتبة التصوف في العلوم ~~الإسلامية، وإن شئت فقل: إن الحكمة الإشراقية هي التصوف اليوناني؛ ولم يكن فلوغل مخطئا - ~~لا ريب - عندما ترجم عبارة حاجي خليفة، # 31 # التي ذكرناها آنفا، مضيفا إلى كلمة «حكمة الإشراق» تحشية «أو الأفلاطونية الجديدة». # 32 # وسنضيف بعض الإشارات القصيرة عن كتب ابن سينا الطبية ومختلف مؤلفاته. وكان كتابه ~~الجليل المشهور، القانون في الطب - الذي يوجد مخطوطا في باريس (رقم 2885-2891) وفي ~~أماكن أخرى - قد طبع بالعربية في رومة سنة 1593، كما تجد له عدة طبعات ~~لاتينية، وأحصى مؤلفنا مقالات من بقراط في الطب موجودة في ms089 مكتبة أيا صوفية (رقم 3706)، ~~ويوجد له كتاب في «الأدوية القلبية» (رقم 3799، تكملة)، وفي نور عثمانية (رقم 3456)، وفي ~~ليدن (رقم 1330). # ونظم ابن سينا عددا من القصائد في الطب، وأكثر هذه القصائد من وزن الرجز؛ فسميت ~~«أراجيز» لهذا السبب. ومنها أرجوزة طويلة في الطب موجودة في المكتبة البودلية (رقم ~~945) وفي ليدن، وأرجوزة في الحميات والخراجات (المكتبة البودلية أيضا، الرقم نفسه)، ~~وأرجوزة في المحاجم (في باريس، رقم 2562)، والأرجوزة المنظومة، التي توجد في سان بطرسبرغ ~~(رقم 3458)، وفي باريس (رقم 1176 و2992 و3038). # وصنف مؤلفنا في الكيمياء أيضا «رسالة في الكيمياء» على رواية الجوزجاني، # 33 # وله رسالة في الموسيقى محفوظة في المكتبة البودلية (رقم 1026)، وله في الفلك ~~رسالة اسمها «قيام الأرض في وسط السماء»، وهي موجودة في المكتبة البودلية (رقم 980)، وقد ~~ذكر الجوزجاني أنه ألفها لأحمد بن محمد السهلي. وقد ألف الفيلسوف مقالة في آلات الرصد ~~بمناسبة ما أمره به علاء الدولة من القيام بأرصاد فلكية، ولخص ابن سينا أقليدس ~~والمجسطي. # وأخيرا، ترانا مدينين لابن سينا بمقالات في الجدل أو الرسائل، قد تكون أجوبته إلى ~~العلامة الرحالة المشهور البيروني # 34 # أكثرها إمتاعا. # وقد درس ابن سينا، مثل شاعر # 35 # فارسي من قبل المستشرق: إته. # 36 ~~••• # فإزاء الأثر البالغ ذلك الاتساع، والذي لا نستطيع أن نعرف عنه غير قسم قليل من الناحية ~~العملية، وذلك في وقت نحاول أن نتكلم عنه مفصلا، نشعر باستيلاء دوار وذعر علينا، لو ~~لم نعلم أن ذوي العقول الكبيرة في القرون الوسطى والقرون القديمة كانوا - في الغالب - أقل ~~اكتراثا للابتكار مما للجمع، وأنهم كانوا أكثر كلفا بالعلم مما بالإبداع عن إخلاص. ~~ونعتقد أن من الواجب أن نحيي هنا - بسبب ابن سينا - أولئك العظماء السابقين، الذين كانت ~~آثارهم وسيرهم موسوعية بالتساوي، فهذه الآثار والسير - وإن لم تكن مثلا كاملا من ~~الناحية الخلقية - كانت خلاصة ورمزا للنشاط الإنساني بأسره، وقد عادت أزمنتنا لا تعرض ~~وجوها مماثلة، وترانا راضين عن اعتقادنا عدم وجود أناس من ذلك الطراز؛ وذلك لأن العلم بلغ ~~اليوم من الاتساع ما ms090 لا يستطيع معه دماغ رجل واحد أن يستوعبه. # أجل، قد يكون هذا، ولكن من الإنصاف أن يعترف بأن العلم اليوم ذو وحدة وانسجام ~~أقل مما في الماضي، وأنه أقل بساطة مما كان عليه تحت ظل النظام المشائي العظيم، ~~وفضلا عن ذلك، فإن وضعنا حيال العلم أقل تواضعا وإخلاصا؛ وذلك أننا أكثر حرصا على إذاعة ~~صيتنا من إنعام نظرنا في قياس واسع من العلم، وأننا أكثر سعيا وراء المراتب من ولعنا ~~بالدرس، وأننا نطلب الألقاب أكثر من طلبنا للمعارف، ونحن إذ نود أن نكون أكثر كمالا من ~~أجدادنا في الاختصاص نوافق أن نكون ذوي أذهان أضيق أفقا، وطباع أقل قوة، ونفوس ~~أقل حرية. # الفصل السادس # | منطق ابن سينا # أهمية المنطق في المناهج القديمة - كيف أوضح ابن سينا غرض المنطق في «النجاة» - ~~فائدة صناعة المنطق - أيساغوجي لفرفريوس الصوري. ~~*** # عاد المنطق لا يكون مكينا في ذوق زماننا، ويا للخسارة في ذلك على ما نرى! كان المنطق - ~~فيما مضى - علما مليحا ومن أتم ما شاد ذهن الإنسان، ثم سقطت مكانته بسبب ما أدخل من ~~سوء استعمال في القياسات، ولكن ليعلم أنه كان من السهل إصلاح هذا السوء وتنقية الأسلوب ~~من القياس، وأن القياس لم يكن جميع المنطق، وأنه لم يكن غير قسم منه فقط، لا أمتع ما فيه، # 1 # فالمنطق في مجموعه كان يؤلف منذ الزمن القديم علما واسعا حيا، قائما في ~~أساس جميع أقسام الفلسفة الأخرى؛ من علم نفس، وطبيعيات، وإلهيات، وأخلاق، ومن سياسة ~~أيضا. # والحق أن المنطق كان آلة العلوم وجهازها، والمنهاج الذي يعد تقدمها، والقانون الذي ~~يصونها من الخطأ. وكان المنطق نفسه يتصل ببعض هذه العلوم إلى حد ما، ويرتبط فيها، ولا ~~سيما علم النفس وما بعد الطبيعة. وكان هذا الاتصال المتبادل لا يؤلف حلقة مفرغة ~~بالحقيقة، بل يؤلف توفيقا مع الإيضاح بين الأداة وموضوعها، وملاءمة تتحقق الوحدة ~~الفلسفية بها ما دامت مبادئ المنطق تعد نتائج العلوم، وما دامت العلوم ترقب ~~المنطق. # وإذا كانت هذه أهمية هذا العلم في المناهج القديمة، ms091 فإن من الواجب أن نشغل بالنا به. ~~فعلى القارئ - عند رغبته في اتباعنا - أن يحتمل سماع قول عنه مهما كان الرأي الذي ~~يحمل حوله في الوقت الحاضر. ومع ذلك فإننا لا نتورط في وحل من التمحكات، ~~والتمحكات مما لم يأت به ابن سينا أيضا، فمنطقه واضح صريح عظيم الأسلوب، ولا غرو، فهذا ~~المنطق نسيج عصر صالح، وهو خال من الأشكال المعقدة الجافية التي أظهرها هذا العلم في ~~القرون الوسطى السفلى؛ ولهذا فلا احتياج إلى تجريد فكر ابن سينا من كل زخرف حشوي، ~~ينم على فساد ذوق ما دام هذا الحشو غير موجود في أثر فيلسوفنا. # وإنا سنقتصر - بعد هذا التنبيه - على إيضاحنا في هذا الفصل ماذا كان غرض المنطق في ذهن ~~ابن سينا، وماذا كانت أقسام هذا العلم المهمة في مدرسته، وماذا كانت الفكرة التي كونها ~~لنفسه عن العلم على العموم. # وإليك كيف يوضح ابن سينا غرض المنطق في «النجاة»: # 2 ~~«كل معرفة وعلم فإما تصور وإما تصديق، والتصور هو العلم الأول، ويكتسب بالحد ~~وما يجري مجراه، مثل تصورنا ماهية الإنسان، والتصديق إنما يكتسب بالقياس أو ما ~~يجري مجراه، مثل تصديقنا بأن للكل مبدأ، فالحد والقياس آلتان بهما تكتسب ~~المعلومات، التي تكون مجهولة، فتصير معلومة بالروية، وكل واحد منهما منه ما ~~هو حقيقي، ومنه ما هو دون الحقيقي، ولكنه نافع منفعة بحسبه، ومنه ما هو باطل مشبه ~~بالحقيقي، والفطرة الإنسانية في الأكثر غير كافية في التمييز بين هذه الأصناف، ~~ولولا ذلك لما وقع بين العقلاء اختلاف، ولا وقع لواحد منهم في رأيه تناقض. # وكل واحد من القياس والحد، فإنه معمول ومؤلف من معان معقولة بتأليف محدود، ~~فيكون لكل واحد منهما مادة منها ألف، وصورة بها يتم التأليف. وكما أنه ليس ~~عن أي مادة اتفقت يصلح أن يتخذ بيت أو كرسي، ولا بأي صورة اتفقت يمكن ~~أن يتم من مادة البيت بيت، ومن مادة الكرسي كرسي، بل لكل شيء مادة تخصه وصورة ~~بعينها تخصه، كذلك لكل معلوم يعلم بالروية مادة تخصه، ms092 وصورة تخصه منهما يصار إلى ~~تحققه. # وكما أن الفساد في اتخاذ البيت قد يقع من جهة المادة وإن كانت الصورة صحيحة، ~~وقد يقع من جهة الصورة وإن كانت المادة صالحة، وقد يقع من جهتيهما جميعا، كذلك ~~الفساد في الروية قد يقع من جهة المادة وإن كانت الصورة صحيحة، وقد يقع من جهة ~~الصورة وإن كانت المادة صالحة، وقد يقع من جهتيهما جميعا. # فالمنطق هو الصناعة النظرية التي تعرف أنه من أي الصور والمواد يكون ~~الحد الصحيح، الذي يسمى بالحقيقة حدا، والقياس الصحيح، الذي يسمى ~~بالحقيقة برهانا، وتعرف أنه عن أي الصور والمواد يكون الحد الإقناعي، الذي ~~يسمى رسما، وعن أي الصور والمواد يكون القياس الإقناعي، الذي يسمى ما قوي ~~منه وأوقع تصديقا شبيها باليقين جدليا، وما ضعف منه وأوقع ظنا غالبا ~~خطابيا، وتعرف أنه عن أي صورة ومادة يكون الحد الفاسد، وعن أي صورة ومادة ~~يكون القياس الفاسد، الذي يسمى مغالطيا وسوفسطائيا، وهو الذي يتراءى أنه ~~برهاني أو جدلي، ولا يكون كذلك، وأنه عن أي صورة ومادة يكون القياس الذي لا ~~يوقع تصديقا البتة، ولكن تخييلا يرغب النفس في شيء، أو ينفرها ~~ويقززها، أو يبسطها، أو يقبضها، وهو القياس الشعري. # فهذه فائدة صناعة المنطق، ونسبتها إلى الروية نسبة النحو إلى الكلام، والعروض ~~إلى الشعر، لكن الفطرة السليمة والذوق السليم ربما أغنيا عن تعلم النحو ~~والعروض، وليس شيء من الفطر الإنسانية بمستغن في استعمال الروية عن التقدم بإعداد ~~هذه الآلة، إلا أن يكون إنسانا مؤيدا من عند الله تعالى.» # وليلاحظ من هذه الديباجة مقدار الأهمية، التي يعلقها ابن سينا على الحد، وكيف قابل ~~به القياس، عادا إياهما معا وسيلتين أساسيتين لفن المنطق، وتدل هذه الحال على اتساع ~~الفكرة التي كونها عن هذا الفن، وهي ملاحظة تقوى - كذلك - باكتراثه لإدخال دراسة ~~مختلف درجات اليقين، ودراسة جميع طرق الإقناع من البرهان الصارم حتى الإيحاء الشعري، إلى ~~موضوع المنطق. # ومع أن ابن سينا فرض في «الإشارات» عين الغرض لهذا العلم، فإنه عرفه على وجه ms093 أجف ~~وأوجز، حيث ترى الحدود التي أراد حصره فيها أحسن مما هناك، فقد قال في الإشارات: # 3 ~~«المراد من المنطق أن تكون عند الإنسان آلة قانونية، تعصمه مراعاتها عن أن ~~يضل في فكره.» # ويظهر من هذا البيان أن قيمة المنطق عند ابن سينا أقل إيجابية منها سلبية؛ فلا تقوم ~~وظيفة المنطق على كشف الحقيقة، فهذا من شأن خصائص الحواس والذهن الفعالة. وأما شأن ~~المنطق، فيتجلى في وضع قوانين لممارسة هذه الخصائص وعصمتها من الضلال. وليست القوة ~~الفاعلة التي تحصل على الحقيقة في القانون مطلقا، بل في الذهن الذي يرقبها، وهي ليست في ~~الآلة، بل في العقل الذي ينتفع بها. وإذا أردنا أن نضيف وصفا إلى وصف مؤلفنا، قلنا: ليست ~~الفروسة هي التي تحمل الفارس من مكان إلى آخر، بل الفرس، وإنما الفروسة تنفع الفارس في ~~قيادة الفرس، وكذلك ينفع المنطق الإنسان في قيادة عقله ويعصمه من الزلات، ومع ذلك، فإن ~~هذا الوصف في الانتقال يوجد عند ابن سينا نفسه، فقد ختم تعريفه في «الإشارات» بقوله: ~~«فالمنطق، علم يتعلم منه ضروب الانتقالات من أمور حاصلة في ذهن الإنسان إلى أمور مستحصلة.» # 4 # وقد يكون من الممتع - من ناحية تاريخ التعليم الفلسفي - أن يصر على تقسيمات المنطق ~~الذي لنا بالبيان السابق فكرة عنه، فمع أن أنواع المنطق لابن سينا قد كتبت بوضوح كبير، ~~فإنها قسمت إلى فصول كثيرة، لا يبدو ترتيبها جليا أول وهلة، وكان فاتيه قد شعر ~~بهذا النقص، فعرض في ترجمته تقسيما كثير الإحكام؛ # 5 # وذلك أنه لاحظ أهمية ما أقام المؤلف من مقابلة بين الحد والقياس، فقسم ~~الكتاب إلى ثلاث رسائل: إحداها في القياس، والثانية في الحد، والثالثة في السوفسطائية. ~~ثم استند إلى التفريق بين المادة والصورة، فأتى بتقسيم فرعي لهذه الرسائل وفق ما للقياس ~~والحد والسوفسطائية من مادة وصورة، فهذا الترتيب مما يرتضيه الذهن بعض الرضا، ولكن بما أنه ~~غير جلي لدى ابن سينا، الذي ما كان ليرتبك في وسمه بسمة الوضوح لو أرادها، فإننا لا ~~نرى وجوب ms094 الارتباط في ذلك. # والأمر التاريخي الذي نرغب في الإشارة إليه هو وجود تقسيمات سكلاسية كبيرة بادية من ~~إنشاء أنواع المنطق في ذلك العصر إنشاء حرا، ولدينا رسالة صغيرة في تقسيم العلوم ~~معزوة إلى ابن سينا، # 6 # تعين هذا التقسيم بكل ما يبتغى من وضوح. # لقد قسم المنطق - خلا العلوم الأخرى في هذه الرسالة - إلى تسعة أقسام مطابقة لكتب ~~أرسطو الثمانية المسبقة بإيساغوجي فرفريوس، وقد عبر عن موضوع هذه الأقسام التسعة ~~والكتب التي تطابقها على الوجه الآتي، وهو: إن موضوع القسم الأول هو الألفاظ والمعاني، ~~ويشتمل عليه كتاب «إيساغوجي». وإن موضوع القسم الثاني هو عدد المعاني الذاتية والشاملة ~~بالعموم لجميع الموجودات، ويشتمل عليه كتاب قاطيغورياس «المقولات». وإن موضوع القسم ~~الثالث هو تركيب المعاني المفردة حتى تصير قضية، ويشتمل عليه كتاب أرمينياس «العبارة». وإن ~~موضوع القسم الرابع هو تركيب القضايا لتكوين دليل يعرف به المجهول، ويشتمل عليه كتاب ~~أنولوطيقا الأول «التحليل بالقياس». # وإن موضوع القسم الخامس هو الشروط التي يجب أن تقوم بها مقدمتا القياس، ويشتمل عليه كتاب ~~أنولوطيقا الثاني «البرهان». وإن موضوع القسم السادس هو القياسات المحتملة النافعة عند عدم ~~وجود البرهان التام، ويتضمنه كتاب طوبيقا «الجدل». وإن موضوع القسم السابع هو المغالطات، ~~ويتضمنه كتاب سوفسطيقا «نقض شبه المغالطين». وإن موضوع القسم الثامن هو تعريف المقاييس ~~الخطابية البلاغية النافعة في مخاطبات الجمهور، ويتضمنه كتاب ريطوريقا «الخطابة». وإن ~~موضوع القسم التاسع هو الكلام الشعري، ويشتمل عليه كتاب أبوطيقا «الشعر». # وأقام فرفريوس - الذي اتفق لكتبه في المنطق نفوذ عظيم في القرون الوسطى - نوعا من ~~فلسفة اللسان ما بقي معه أداة لاصقة بمنطقيات أرسطو وما راق معه العرب، على الخصوص، ~~بما فيه الكفاية، وذلك بمقدمته للمنطق أو بإيساغوجي. والعرب قد بدوا نحويين بارعين ~~جدا، والعرب قد قاموا بتقديس لغتهم باكرا جدا، فحللوها بحس فلسفي عميق، وكان ~~لسانهم نفسه يفتح سبيلا لهذا العمل؛ أي كانت العبارة العربية، البسيطة المرنة المؤلفة من ~~جمل قصيرة عناصرها ذات أدوار محددة بلا التباس، ويربط بينها على مائة شكل مختلف ms095 ~~ألهوة من الحروف، حسنة الإعداد للقياس السكلاسي، وكان من طبيعة طريقة اشتقاق الكلمات ~~التي تتناول الفكرة في أصلها أول الأمر، فتدل بعدئذ على جميع الوجوه وجميع المظاهر بوساطة ~~عدد قليل من الحروف الطارئة أو التحولات اللفظية، أن تشحذ الذهن الفلسفي ~~وتساعده. # وقد قامت مدرستا نحويي العرب العظيمتان - أي مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة - باكرا، وذلك ~~منذ القرن الأول بعد الهجرة، فدرستا الأشعار القومية القديمة وآي القرآن، وجعل الوحي ~~القرآني المنزل بلغة العرب من غير أن تجوز ترجمته هذا اللسان مبجلا مقدسا حتى عند ~~الأجانب، فبادر هؤلاء إلى خدمة مجده. # أجل، ترى نتيجة أعمال هؤلاء النحويين الأولين قد كثفت في كتب ظهرت بعد زمن، ولكن مع ~~القدم البالغ، ككتاب النحو المشهور لسيبويه الفارسي، ما دام هذا العلامة قد توفي سنة 177 أو ~~سنة 180 من الهجرة، ومن ثم ترى أن اللسان العربي درس فلسفيا قبل بدء الحركة الفلسفية ~~العظيمة، وأن النحويين وضعوا - كما وضع فرفريوس - ضربا من إيساغوجي أو مقدمة للتوسعات ~~التي تقع فيما بعد. # وقد يكون من المفيد أن يذكر كيف يظهر هذا القسم الأول من المنطق في هذه المناهج ~~السكلاسية القديمة. ويدور الأمر - كما هو معلوم - حول القيمة التي تكون للكلمات بالنسبة إلى ~~المعاني التي تنطوي عليها، فيرى هناك ما يكون اللفظ المفرد واللفظ المركب، واللفظ الذاتي ~~واللفظ العرضي، والمعين والمطلق، والكلي والجزئي. ويعرف هناك ما تكون الألفاظ الخمسة ~~التي هي: جنس، ونوع، وفصل، وخاصة، وعرض عام، وكيف يجب أن يجاب عن السؤالين: ما هو؟ ما ~~هذا الشيء؟ فهذان السؤالان يؤديان إلى مذهب المقولات ومذهب العلل، بيد أن هذين ~~المذهبين لم يلمسا غير لمس سطحي جدا في هذا البدء، ولأن ينتظر للكلام عنهما ~~خير من أن نلقاهما في مكان آخر. # وكذلك ترتبط دراسة القضايا المعدة لتأليف عناصر القياسات في التحليل النحوي، وقد قام ~~ابن سينا بهذه الدراسة بكل عناية وتفصيل، ولا سيما في «الإشارات». # 7 # وهناك ما تجد إيضاحا لما كان يدور في ذهن مؤلفنا، عندما تكلم في مادة ~~الأحكام ms096 ووجوهها، فأما مادة الحكم، فهي ما هو صحيح في الحقيقة حول نسبة المحمول إلى الحامل. ~~وأما الوجه فهو ما يفكر فيه حول هذه النسبة، وتكون المادة والوجه ضروريين أو غير ممكنين ~~أو ممكنين، وهكذا فإن لفظة الحيوان المعطاة مثل محمول للإنسان تؤلف حكما مادته ~~ضرورية؛ وذلك لأن الإنسان حيوان على الإطلاق وفي كل وقت، ولكنني إذا ما عبرت عن الحكم ~~بالشكل القائل: قد يكون الإنسان حيوانا، فإن وجه الحكم يكون ممكنا مع كون مادته لا ~~تنفك تكون ضرورية، ويميل هذا المثال إلى إثباته كون مقدمة مفاهيم الطبيعيات وما بعد ~~الطبيعة حول المادة والصورة في المنطق هي على شيء من الزيادة. # وقد أشار ابن سينا في أثناء دراسته للأحكام إلى خاصية طريفة، أو خاصيتين في اللغة ~~العربية؛ وذلك أنه عندما يتكلم مثلا عن بعض القضايا السيئة التعيين فلا يعرف هل الحامل - ~~كالرجل - قد أخذ بمعنى كلي أو جزئي، فلاحظ أن هذا لا يمكن أن يكون في العربية، والواقع ~~أنه يعرف في هذه اللغة، بما لا شك فيه، وذلك بحرف التعريف أمام كلمة «الرجل»، كون المقصود ~~هو الرجل كليا، فإذا نون الاسم فقيل: «رجل» قصد رجل جزئيا. # وإليك مثالا ممتعا آخر اقتطفناه من قسم المنطق هذا؛ فهو يصلح لإثبات الدقة التي تسود ~~هذا السرد كله، فلا نود أن نوكده على شكل آخر: # 8 ~~«أنت تعلم - على اعتبار ما سلف لك - أن الواجب في الكلية السالبة المطلقة ~~الإطلاق العام الذي يقتضيه هذا الضرب من الإطلاق، أن يكون السلب يتناول كل واحد ~~واحد من الموصوفات بالموضوع الوصف المذكور تناولا غير مبين الحال والوقت، حتى يكون ~~كأنك تقول: كل واحد واحد مما هو «ج» ينفي عنه «ب» من غير بيان وقت النفي وحاله، لكن اللغات ~~التي نعرفها قد خلت عن استعمال النفي الكلي على هذه الصورة في عاداتها، واستعملت للحصر ~~السالب الكلي لفظا يدل على زيادة معنى على ما يقتضيه هذا الضرب من الإطلاق. # فيقولون بالعربية: لا شيء من «ج» «ب»، ويكون مقتضى ذلك عندهم ms097 أنه لا شيء مما هو «ج» ~~يوصف البتة بأنه «ب» ما دام موصوفا بأنه «ج»، وهو سلب عن كل واحد واحد من الموصوفات ب ~~«ج» ما دامت موضوعة له إلا أن لا توضع له، وكذلك ما يقال في فصيح لغة الفرس، هيج «ج» «ب» ~~نيس، وهذا الاستعمال يشمل الضروري وضربا واحدا من ضروب الإطلاق الذي شرطه في الموضوع، ~~وهذا قد غلط كثيرا من الناس أيضا في جانب الكلي الموجب، لكن السالب الكلي المطلق ~~بالإطلاق العام أولى الألفاظ به هو ما يساوي قولنا: كل «ج» يكون ليس ب «ب»، أو يسلب عنه ~~«ب» من غير بيان وقت وحال، وليكن السالب الوجودي وهو المطلق الخاص ما يساوي قولنا: كل «ج» ~~ينفي عنه «ب» نفيا غير ضروري ولا دائم، وأما في الضرورة، فلا بعد بين الجهتين، والفرق ~~بينهما أن قولنا: كل «ج» فبالضرورة ليس ب «ب» يجعل الضرورة لحال السلب عند واحد ~~واحد. # وقولنا: بالضرورة لا شيء من «ج» «ب» يجعل الضرورة لكون السلب عاما ولحصره، ولا يتعرض ~~واحد لواحد إلا بالقوة، فيكون مع اختلاف المعنى ليس بينهما افتراق في اللزوم، بل حيث صح ~~أحدها صح الآخر، وعلى هذا القياس فاقض في الإمكان.» # وقد قلنا آنفا: إن القياس المنطقي عند ابن سينا معتدل جدا، وليس لدينا أي قصد في ~~الوقوف عنده، فمن السهل على القارئ أن يتمثل ما يكون القياس البسيط الحسن الترتيب ~~المكتوب بلا ارتباك ولا إسهاب فعجل فيه، كما في المثال السابق، استعمال ملائم للحروف ~~عرضا لحدود القياس، وأوضح ببعض الأمثلة القليلة، وقد أضيفت إلى دراسة القياس المنطقي ~~دراسة التراكيب القياسية التي يسميها المؤلف بالقياسات المركبة. # وإنا نستخلص من هذا الفصل الأخير صفحة أخذناها اتفاقا للدلالة على أسلوبه، # 9 # وذلك أن: «تركيب القياس قد يكون موصولا، وهو أن لا تطوى فيه النتائج، بل ~~تذكر مرة بالفعل، ومرة مقدمة كقولك: كل «ج» «ب»، وكل «ب» «ه»، فكل «ج» «ه»، وكل «ج» ~~«ه»، وكل «ه» «د»، فكل «ج» «د»، (وقد يكون تركيب القياس ms098 مفصولا، وهو أن تطوى فيه النتائج، ~~كقولك كل «ج» «ب»، وكل «ب» «ه»، وكل «ه» «د»، فكل «ج» «د»). والقياس الذي زاده المحدثون في ~~الشرطيات الاستثنائية هو قياس مركب، وأخذوه على أنه مفرد، كقولك: كانت الشمس طالعة، ~~فالنهار موجود، وإن كان النهار موجودا فالأعشى يبصر والشمس طالعة؛ فإذن الأعشى ~~يبصر.» # وجميع ما استشهدنا به وما قلناه يكفيان للإشعار بسمة منطق ابن سينا الواضحة الوجيزة ~~الدقيقة الثابتة، حيث يتبع المؤلف أرسطو وشارحيه بكل استقلال، وذلك من غير أن يبدو ~~عبدا لرسمهم ولا لتعليمهم، وإنما كان يكملهم ويكافحهم ويقومهم في بعض الأحيان. ومع ذلك ~~فإننا نخشى أن يفرغ صبر القارئ، وأن تفوته أهمية هذا التقدم التفصيلي الذي حققه ابن ~~سينا في المنطق اليوناني. فترانا نبادر إلى إيصاله إلى قسم هذا المنطق، الذي ظل حيا، ~~والذي موضوعه فن التصديق على العموم ونظرية العلم. # وقد رأينا في تعريف المنطق أن العلم تصور وتصديق. وقد بين ابن سينا - الذي لم يكن ~~عالما نفسيا نفاذا أقل منه عالما منطقيا دقيقا، وذلك في منطقه - أن هذين ~~العنصرين متحدان اتحادا وثيقا، وأنهما يتعاونان تعاونا شديدا في جميع درجات العمل ~~الذهني. ~~«وكل تصديق وتصور فإما مكتسب ببحث ما، وإما واقع ابتداء.» # 10 # ويكتسب التصديق بالقياس، ويكتسب التصور بالحد، ولا يمكن وقوع القياس بلا ~~تصور، «وللقياس أجزاء مصدق بها ومتصورة»، ويقوم الحد على تصورات أيضا، غير أن هذه ~~التصديقات والتصورات التي يستخدمها الذهن في وقت ما من أوقات دراسة العلم تقوم نفسها على ~~تصديقات وتصورات سابقة، ولا يمكن ذهاب سلسلة ذلك إلى غير نهاية، كما لا تذهب سلسلة ~~المعلولات والعلل؛ ولذا فلا بد من أن تنتهي الأمور إلى «مصدقات ومتصورات بلا واسطة، ~~ولنعد المصدق بها بلا واسطة»، وهذا الحد الذي ينطلق المنطق منه يلقى - كما هو واضح - ~~في تجارب الحواس الأولى وفي مبادئ الذهن الأولى. # وفي المنطق يتناول ابن سينا بالتدريج شأن الإحساس كمبدأ للمعرفة، فيتاح له الكلام عنه ~~فيما بعد، ومع ذلك فإن الكلمات القليلة التي تكلم بها عنه ms099 هنا ذات فائدة، وذلك كما أنه ~~لاحظ عدم وجود قياس بلا تصور وكد عدم وجود محسوس بلا قياس. «فالمحسوسات هي أمور ~~أوقع التصديق بها الحس بشركة من القياس»؛ ومن ثم يرى أنه يريد بالمحسوسات مجربات ~~الحواس، وهو يوضح الدور الذي تمثله الذاكرة في هذه التجربة، فيقول: «إذا تكرر في ~~إحساسنا وجود شيء لشيء، مثل الإسهال للسقمونيا، والحركات المرصودة للسماويات، تكرر ذلك ~~منا في الذكر، وإذا تكرر منا ذلك في الذكر حدثت لنا منه تجربة بسبب قياس اقترن ~~بالذكر، وهو أنه لو كان هذا الأمر كالإسهال مثلا عن السقمونيا اتفاقيا عرضيا، لا ~~عن مقتضى طبيعته، لكان لا يكون في أكثر الأمر من غير اختلاف، حتى إنه إذا لم يوجد ذلك ~~استندرت النفس الواقعة، فطلبت سببا لما عرض من أنه لم يوجد. وإذا اجتمع هذا الإحساس ~~وهذا الذكر مع هذا القياس أذعنت النفس بسبب ذلك التصديق بأن السقمونيا من شأنها إذا شربت، ~~أن تسهل صاحبها.» # وفضلا عن الذاكرة، فإن الوهم يمثل عند ابن سينا دورا مهما في مبادئ قياساتنا، ~~«فالعقل يبتدئ من مقدمات، يساعده عليها الوهم»، وتنطوي هذه المقدمات على حقائق متفاوتة، ~~فبعضها ما هو من الإيمان، «والمقبولات آراء أوقع التصديق بها قول من يوثق بصدقه فيما يقول ~~إما لأمر سماوي يختص به، أو لرأي وفكر قوي تميز به، مثل اعتقادنا أمورا قبلناها عن أئمة ~~الشرائع»، وأخرى مقدمات حس كلي. ~~«فالذائعات مقدمات وآراء مشهورة محمودة، أوجب التصديق بها، إما شهادة الكل - مثل أن ~~العدل جميل - وإما شهادة الأكثر، وإما شهادة العلماء أو شهادة أكثرهم أو الأفاضل منهم فيما ~~لا يخالف فيه الجمهور». ومثل هذا النوع من المقدمات - أيضا - المبادئ التي تقوم على ~~العادات المكتسبة منذ الصبا، أو القائمة على أهواء يكون الإنسان عرضة لها، أو على ~~«الاستقراء الكثير»، فليست حقيقة مثل هذه المقدمات مطلقة، ثم توجد مبادئ العقل ~~(الأوليات)؛ «فالأوليات، هي قضايا ومقدمات تحدث في الإنسان من جهة قوته العقلية من ~~غير سبب يوجب التصديق بها إلا ذواتها ... فوجب أن يصدق بها ms100 الذهن ابتداء ومن غير أن ~~يشعر»، ومن هذه الأوليات - مثلا - كون الكل أعظم من الجزء. # أجل، إن للحس نصيبه - أيضا - في تكوين هذا النوع من المقدمات، ولكن ليس النصيب الرئيس. ~~«نعم، قد يمكن أن يفيده الحس تصورا للكل وللأعظم وللجزء. وأما التصديق بهذه القضية ~~فهو من جبلته (أي العقل).» # وللعلوم موضوعات ومسائل ومقدمات، # 11 # وقد تكلمنا عن المقدمات الكلية، وتوجد مقدمات لكل علم. وهذه هي متعارفات ~~هذا العلم، وذلك خلا بعض الافتراضات أو بعض المبادئ المسلم بها من غير برهان فيوجبها ~~الأستاذ؛ وذلك إما لأن هذه الافتراضات أثبتت في علم قريب، وإما لأنها ستثبت في عين ~~العلم الذي يعلم، وإما لأن للتلميذ الذي يتعلم العلم لا يجد فيها ما يعاند. ومن ~~هذه المبادئ المسلم بها من غير برهان في الهندسة مثلا: أن الخطين إذا وقع عليهما خط ~~مستقيم فكانت الزاويتان اللتان من جهة واحدة أقل من قائمتين، فإن الخطين يلتقيان من تلك ~~الجهة. # وموضوعات العلوم هي الأمور التي توضع في العلوم، وتطلب أعراضها الذاتية مثل المقدار ~~للهندسة، ومثل العدد للحساب، ومثل الجسم من جهة ما يتحرك ويسكن للعلم الطبيعي، ومثل الموجود ~~والواحد للعلم الإلهي، ولكل منها أعراض ذاتية تخصه مثل المنطق والأصم للمقادير، ومثل ~~الشكل لها، ومثل الزوج والفرد للعدد، ومثل الاستحالة والنمو والذبول وغير ذلك للجسم ~~الطبيعي، ومثل القوة والفعل والتمام والنقصان للموجود، وبالحد تعين موضوعات العلم، ~~فلنقل بضع كلمات عنها. # يفرق فلاسفة العرب بين الحد والرسم، # 12 # وإليك إيضاح ابن سينا لذلك في الإشارات: # 13 ~~«الحد قول دال على ماهية الشيء، ولا شك في أنه يكون مشتملا على مقوماته ~~أجمع، ويكون لا محالة مركبا من جنسه وفصله؛ لأن مقوماته المشتركة هي جنسه، والمقوم الخاص ~~فصله، وما لم يجتمع للمركب ما هو مشترك وما هو خاص لم تتم للشيء حقيقته المركبة، وما لم ~~يكن للشيء تركيب في حقيقته لم يمكن أن يدل عليها بقول، فكل محدود مركب في المعنى.» ~~ومثل هذا قول ابن سينا في النجاة: # 14 ~~«إن البرهان ms101 والحد متشاركان في الأجزاء، فما لا برهان عليه فلا حد له، ~~وكيف يكون له حد، وإنما يتميز بالعوارض الغير المقومة، فأما المقومات فمشتركة ~~لها؟» # والوجه - الذي يكون به الرسم - أقل تعيينا من الوجه الذي ينال به الحد، قال فيلسوفنا: # 15 ~~«وأما إذا عرف الشيء بقول مؤلف من أعراضه وخواصه، التي تخصه ~~بالاجتماع، فقد عرف ذلك الشيء برسمه، وأجود الرسم ما يوضع فيه الجنس أولا، ليفيد ~~ذات الشيء، مثاله ما يقال للإنسان: إنه حيوان مشاء على قدميه، عريض الأظفار، ضحاك ~~بالطبع، ويقال للمثلث: إنه الشكل الذي له ثلاث زوايا، ويجب أن يكون الرسم بخواص وأعراض ~~بينة للشيء، فإن من عرف المثلث بأنه الشكل الذي زواياه مثل قائمتين لم يكن رسمه إلا ~~للمهندسين.» # والمسائل التي توضع في العلوم هي - عدا مسائل معرفة ما الشيء، وهل هو موجود - ما يؤخذ ~~في الجواب عنه بالحد والرسم، ومسائل معرفة أين يكون هذا الشيء ومتى يكون، وكيف يكون، ولماذا ~~يكون، وتسوقنا هذه المسائل المختلفة، التي تستدعي نظرية المقولات ونظرية العلل، إلى ~~حدود المنطق وإلى النقطة التي يلمس عندها هذا العلم ما بعد الطبيعة. # وكانت مسألة العلل قد ارتبطت في مسألة الحد، قال ابن سينا: # 16 ~~«إن الجواب عن لم؟ والجواب عن ما هو؟ متفقان؛ وذلك لأن الجوابين يكونان بما هو ~~داخل في ماهية الشيء، مثاله: لم انكسف القمر؟ فنقول: لأنه توسط بينه وبين الشمس ~~الأرض؛ فانمحى نوره، ثم نقول: ما كسوف القمر؟ فنقول: هو انمحاء نور القمر لتوسط ~~الأرض.» # والجواب العادي للسؤال: لم؟ في البراهين هو العلة القريبة الحاضرة، وتدخل العلل الجوهرية ~~الاتساع المتساوي أو الأعلى للشيء في حده، ولكن علل الاتساع الأقل لا تدخل فيه، وهي لا يمكن ~~أن تستدعى إلا في البراهين التي تقدم بسببه، ومما يحدث أحيانا أن تدخل علل ~~السكلاسية الأربع، وهي: المادية، والصورية، والفاعلية، والغائية في حد الشيء معا، مثاله: ~~أن يقال عند تحديد القدوم: «إنه آلة صناعية من حديد شكلها كذا، ليقطع به الخشب نحتا.» # 17 # فالآلة جنس، والصناعية تدل ms102 على المبدأ الفاعل، والشكل على الصورة، والنحت على ~~الغاية، والحديد على المادة، وإذا ما نظر إلى الأمر نظرة عامة وجد وجوب كون العلة أو ~~مجموع العلل المستدعاة من ذات الاتساع كالمعلول؛ وذلك إنتاجا في البراهين المنطقية. # ويرتبط بعض مختلف العلوم في بعض بموضوعاتها، ويصنف بعضها تحت بعض وفق سلسلة ~~مراتب هذه الموضوعات، وبما أن معضلة تصنيف العلوم كانت شائعة في القرون الوسطى، فإننا ~~نقدم قائمة مختصرة عن العلوم كما جاءت في مدرسة ابن سينا، وذلك وفق الرسالة التي ~~كنا قد استخرجنا منها تقسيم المنطق، # 18 # وبذلك نختم هذا الفصل. # تقسم الفلسفة، التي هي اسم يطلق على مجموع علوم الحكمة، إلى قسمين: الفلسفة النظرية، ~~والفلسفة العملية؛ فغرض الأولى هو الحقيقة، وغرض الثانية هو الخير. # وتقسم الفلسفة النظرية إلى ثلاثة أقسام، وهي: العلم الأسفل ويسمى الطبيعيات، والعلم ~~الأوسط ويسمى الرياضيات، والعلم الأعلى ويسمى الإلهيات، وكذلك الفلسفة العملية تقسم ~~إلى ثلاثة أقسام، وهي: علم ما يجب أن يكون عليه الإنسان مثل فرد، وهو الأخلاق، وعلم ما ~~يجب أن يسلكه حيال بيته وزوجه وأولاده وأمواله، وهو الاقتصاد (تدبير المنزل)، وعلم ~~الحكومات ونظام المدن الكاملة والناقصة، وهو السياسة. # ويقسم كل من العلوم التي تتألف الفلسفة النظرية منها إلى طائفة من العلوم ~~الصرفة أو الأولى، وإلى طائفة من العلوم التطبيقية أو الثانية. # والعلوم التي تصف في الطبيعيات الصرفة هي: علم الموجودات على العموم، والهيولي، ~~والصورة، والحركة، والمحرك الأول، وعلم الأجسام الأولى التي يتكون منها العالم ~~والسماوات والعناصر وحركاتها، وعلم الكون والفساد، وعلم الآثار العلوية، وعلم المعادن، ~~وعلم النباتات، وعلم الحيوان، وعلم النفس وخواصها، سواء أفي الحيوان أم في الإنسان، ~~ويربط المؤلف بهذا القسم الأخير من العلم الطبيعي الصرف مسألة خلود النفس. # وتشتمل الطبيعيات التطبيقية على الطب، والتنجيم، والفراسة، وتفسير الأحلام، وعلم ~~الطلاسم، وعلم السحر، وعلم السيمياء. # ووضعت أربعة علوم في الرياضيات الأولى، وهي: العدد، والهندسة، والفلك، ~~والموسيقى. # وتطابق هذه العلوم في الرياضيات الثانية علوم تطبيقية مختلفة؛ فيرتبط في علم العدد ~~الحساب الهندي الستوني، والجبر، ويرتبط في ms103 علم الهندسة المساحة، والميكانيكا، وجر ~~الأثقال، وصنع الأوزان والموازين، وعلم الآلات الجزئية، وعلم المناظر والمرايا ~~والمائيات (نقل المياه)، ويرتبط في علم الفلك فن وضع الأزياج والتقاويم، ويرتبط في ~~الموسيقى إنشاء الآلات الغريبة مثل الأرغل، وما أشبهه. # وللإلهيات الأولى خمسة أقسام، وهي: (1) علم المعاني العامة التي تشتمل على جميع ~~الموجودات؛ أي: الهوية والواحد والكثرة والوفاق والخلاف والتضاد والقوة والفعل والعلة ~~والمعلول. (2) معرفة المبادئ الأولى للعلوم. (3) النظر في إثبات الحق الأول وتوحيده، ~~والدلالة على تفرده وربوبيته، وغير ذلك من الصفات. (4) علم الجواهر الأولى الروحانية التي ~~هي أقرب المخلوقات إلى الحق الأول كالكروبيين، وعلم الجواهر الروحانية الثانية التي تكون ~~دون الأولى، كالملائكة الموكل إليهم أمر السماوات والحملة لعرش الإله أو المدبرين ~~للطبيعة. (5) علم الوجه الذي تخضع به الجواهر الجسمانية السماوية والأرضية لتلك ~~الجواهر الروحانية. # وأخيرا؛ تشتمل الإلهيات الثانية على علم الوحي وعلم المعاد؛ أي الثواب والعقاب في الحياة ~~الأخرى. # الفصل السابع # | طبيعيات ابن سينا # الطبيعيات عند القدماء - دخول قسم من علم النفس عند الشيخ الرئيس تحت عنوان ~~الطبيعيات - مبدأ الكمالات ومبدأ القوة عند ابن سينا - القياس الزماني والسرعة - ~~المكان وتعريفه عند ابن سينا - الخلاء والحركة - قابلية الأجسام للتجزؤ. ~~*** # جرت العادة في القرون القديمة والقرون الوسطى على عد الطبيعيات قسما من الفلسفة؛ ~~وذلك لأن الفلسفة كانت علم الموجودات وأحوالها وفق تعريفها القديم على الخصوص، وأدق ~~من ذلك أن يقال: إن الطبيعيات كانت تدخل ضمن نطاق الفلسفة لاحتياجها إلى ما بعد الطبيعة، ~~ولاحتياج ما بعد الطبيعة إليها، وكانت الطبيعيات في نظر قدماء الفلاسفة توجد في حقل ~~الملاحظة وحقل العقل، وما كانت الملاحظة المحسوسة لتستغني عن القياس ولا العقل عن ~~الحواس، فما كنت تجد هوة بين الدائرتين على الإطلاق. # ومن عدم الإنصاف نحو المناهج السكلاسية؛ أن اتهمت بتكوينها حول الموجودات آراء ~~سابقة من غير اكتراث للتجربة، فلو أحسن إدراك روح هذه المذاهب المسنة لرئي أنه ~~لا شيء أكثر خطأ من ذلك؛ وذلك أن القياس والملاحظة متداخلان في ذلك، وأن البحث النظري ~~قائم على العلم الوضعي في ms104 ذلك، وأن العلم منتظم في ذلك بواسطة البحث النظري، فيوجد في ~~ذلك انسجام بين الفكر والموضوع وبين المجرد والعين، وبين العقل والأشياء. والمبدأ السابق ~~الوحيد الذي تجده هنالك هو المبدأ الذي يوكد وجود هذا التوافق، والذي يطالب ~~الفيلسوف بيقين سابق بإمكان تطبيق العقل على الأشياء. # وليعن بدراسة تكوين فلسفة القرون الوسطى، ولينظر إلى أنها مدينة بأغاليطها - ضبطا - ~~لوضعها نفسها ضمن تابعية وثيقة لعلم كان لا يزال ناقصا، لا لأنها استخفت بالعلم ~~الوضعي. # وسنبدأ بإلقاء نور على هذا الأمر في الفصل الحاضر، وما نقوله، بعد ذلك، عن علم النفس وما ~~بعد الطبيعة يتم إقامته. # ويستند علم النفس إلى الطبيعيات بلا انقطاع، وفي سكلاسية ابن سينا يدخل قسم من علم ~~النفس، وهو الذي يدور موضوعه حول علم الأنفس، تحت عنوان الطبيعيات. وفضلا عن ذلك، ~~فإن الطبيعيات ترتبط بما بعد الطبيعة؛ وذلك لأن سلسلة الموجودات متصلة من الهيولي إلى ~~العقل، ثم إن من المفيد أن يذكر وجود صلات متبادلة تجمع بين الطبيعيات والمنطق. ولا غرو، ~~فالمنطق يستعير من العالم الطبيعي كثيرا من المبادئ التي يحتاج إليها، ولا سيما مبادئ ~~المقولات والعلل، كما أن المنطق، من ناحية أخرى، يعير الطبيعيات آلة مناهجه ونابض ~~قياساته، ما دمنا نسلم بأن قوانين العقل تطبق على الطبيعة. # ولا نقصد القيام هنا بعرض تام لطبيعيات ابن سينا، فتاريخ الفلسفة، لا تاريخ العلوم ~~هو ما نرى شغل بالنا به، ولكن بما أننا أشرنا - بالضبط - إلى أن الطبيعيات ~~السكلاسية تشتمل على فلسفة، فإنه يجب أن نستخرج منها ما يتصل بموضوعنا، وهذا ما ~~سنصنعه بسهولة ، وذلك بدرسنا بعض مبادئ هذا العلم الرئيسة أو قضاياه. ~~••• # من الواضح أنه يوجد أساس طبيعي لمبدأي ما بعد الطبيعة الكبيرين: المادة، والصورة. وهما ~~يبدوان في بدء الطبيعيات من النجاة # 1 # حيث جاء: «نقول إن الأجسام الطبيعية مركبة من مادة هي محل، وصورة هي حالة ~~فيه، ونسبة المادة إلى الصورة نسبة النحاس إلى التمثال.» وكذلك المقولات مبادئ استوحتها ~~الطبيعيات، «وفي مادة الجسم الطبيعي صور أخرى غير الصورة الجسمية، ms105 فلها صور مناسبة لباب ~~الكيف ولباب الأين، ولغير ذلك. وإذا كان الأمر على هذا فللأجسام الطبيعية إذا أخذت على ~~الإطلاق من المبادئ المقارنة مبدآن فقط: أحدهما المادة، والآخر الصورة. ولواحق الأجسام ~~الطبيعية هي الأعراض العارضة من المقولات التسع، وفرق بين الصور وبين الأعراض؛ فإن الصور ~~تحل مادة غير متقومة الذات على طبيعة نوعها، والأعراض تحل الجسم الطبيعي الذي ~~تقوم بالمادة والصورة، وحصل نوعه.» # وللأجسام كمالات أولى وكمالات ثانية حددت هكذا: «وذلك إما كمالات أولى، وهي التي إذا ~~ارتفعت بطل ما هي له كمالات، وإما كمالات ثانية لا يؤدي ارتفاعها إلى بطلان الشيء الذي ~~هي له كمالات، بل يؤدي إلى ارتفاع صلاح حاله.» # وينتقل ابن سينا من مبدأ الكمالات هذا إلى مبدأ القوة، الذي نرى من المفيد تحليله. ~~ويقول في بدء الأمر: «ليس شيء من الأجسام الموجودة يتحرك أو يسكن بنفسه.» وهذا بيان صريح عن ~~مبدأ الجمود، ولم تلبث الفكرة أن صارت أكثر عمقا؛ وذلك أنه «ليس جسم يتحرك عن جسم آخر أو ~~قوة فائضة عن جسم، فليس يصدر عنه شيء إلا وفيه قوة» مناسبة، ويمكن تفسير هذه الفكرة ~~بعدها مفهوما حركيا، قائلا بأن القوة تكون دائما كامنة في الشيء الذي يتحرك، وذلك ~~خلافا للمفاهيم السكونية الدارجة، القائلة بأن القوة تتحرك عن أشياء خارجية كما ~~يلوح. # بيد أن ابن سينا يوضح رأيه: إن هذه القوى الملازمة للجسم ليست غير الكمالات الأولى ~~التي تصدر عنها الكمالات الثانية، وعن الكمالات الثانية تصدر أفعال الأجسام، وللقوى ~~ثلاثة أقسام: فالقوى الأولى هي التي تحفظ في الأجسام كمالاتها الخاصة بأشكالها ومواضعها ~~الطبيعية، فإذا زالت عن مواضعها الطبيعية وأشكالها أعادتها إليها وثبتتها عليها، وهذه ~~القوى تسمى طبيعية، وهي مبدأ لحركاتها بالذات وسكوناتها بالذات، ولسائر كمالاتها التي ~~لها بذاتها، وليس شيء من الأجسام الطبيعية بخال من هذه القوة، والنوع الثاني قوى تفعل في ~~الأجسام أفعالها من تحريك أو تسكين وغيرها من الكمالات بتوسط آلات ووجوه مختلفة؛ فبعضها ~~يفعل ذلك دائما من غير اختيار ولا معرفة، فيكون نفسا نباتية، ms106 ولبعضها القدرة على الفعل ~~وتركه، وإدراك الملائم والمنافي، فيكون نفسا حيوانية. # وتدخل ضمن هذا النوع كمالات النفس الإنسانية، التي تستطيع الإحاطة بحقائق الموجودات على ~~سبيل الفكرة، وبهذا نصل إلى علم النفس، «والنفس بالجملة كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي ~~حياة بالقوة»، والنوع الثالث قوى تفعل مثل هذا الفعل لا بآلات، بل بإرادة متجهة إلى سنة ~~واحدة لا تتعداها، وتسمى نفسا فلكية، وبهذا النوع نصل إلى ما بعد الطبيعة. # ومما تقدم ترى - إذن - تحليلا للمبدأ الطبيعي الذي جاوزنا به جميع الفلسفة في بضع ~~كلمات، وفضلا عن ذلك فإن هذا التحليل جميل، وإن من طبيعة هذا المفهوم الحركي عن القوة أن ~~يروق بعض الأذهان في الزمن الحاضر أيضا، وفي فصل آخر، # 2 # يدنو ابن سينا من السكونية الحديثة، وهو يوكد فيه الملاحظة التي لها ~~فائدتها فيما بعد الطبيعة، والقائلة بعدم وجود قوة غير متناهية، ما دامت أحوالها قابلة ~~للزيادة والنقصان، ثم إنه يعرض أحوال القوة بجر الأثقال ورفع الأوزان، وهو يذكر المبدأ ~~الميكاني القائل: إن ما يكسب بالشدة يخسر بالمسافة، ونحن نقول: إن ما يكسب ~~بالقوة يخسر بالسرعة. # ولذا؛ فإن ابن سينا كان ذا إدراك جلي للمبادئ الميكانية، وكان لإدخال روح ما بعد ~~الطبيعة في هذه الطائفة من المسائل نتيجة حمله على إهماله بعض الإهمال للقوة ~~السكونية؛ كيما يطيل الكلام عن المبدأ الحركي، الذي هو أرفع شأنا لا ريب. # ومبدأ الزمان ومبدأ الحركة متلازمان، وإذا ما خطوت أكثر من ذلك في روح مدرسة ابن ~~سينا وجدت أن مبدأ الزمان تابع لمبدأ الحركة، قال ابن سينا: «لا يتصور الزمان إلا مع ~~الحركة، ومتى لم يحس بحركة لم يحس بزمان.» # 3 # ويشد فيلسوفنا على المظهر النفسي لهذه الفكرة بإثارته المقارنة ~~القائلة: «مثل ما قيل في قصة أهل الكهف»، وتقوم هذه القصة على خبر النيام السبعة؛ وذلك أن ~~سبعة شباب كانوا قد التجئوا إلى كهف، فرارا من ظلم دقيانوس، فناموا فيه نوما عجيبا، ثم ~~أفاقوا بعد 240 سنة، ظانين أنهم لم يناموا غير ليلة واحدة. ms107 وقد عبر عن ذات الفكرة على ~~وجه إلهي في عبارة جاءت في رسالة «عيون الحكمة» لابن سينا. # 4 # قال ابن سينا: «فأما السكون، فالزمان لا يتعلق به، ولا يقدره إلا بالعرض؛ إذ لو ~~كان متحركا ما هو ساكن لكان يطابق هذا الجزء من الزمان، والحركات الأخرى يقدرها الزمان، ~~لا بأنه مقدارها الأول، بل بأنه معها كالمقدار الذي في الذراع يقدر خشبة الذراع ~~بذاته ويقدر سائر الأشياء بتوسطه؛ ولهذا يجوز أن يكون زمان واحد مقدار الحركات فوق ~~واحدة.» والواقع أن الأجسام الطبيعية - وفق هذا المنهاج - لا تكون في الزمان مباشرة، وإنما ~~تكون أولا في الحركة التي تكون في الزمان. وقد عبر عن هذه الفكرة البالغة الدقة في ~~العبارة التي جاءت بعد الكلمة المذكورة: «والجسم الطبيعي في الزمان لا لذاته، بل لأنه في ~~الحركة والزمان.» # ويحكم - بمطلع هذا التحليل - في السهولة التي وقعت بها معالجة هذه المبادئ، وقد كان ~~سكلاسيو الشرق كثيري الاستقلال في أفكارهم حول الزمن، وهم لم يقاسوا عسرا في ~~عده محدثا، في عده مخلوقا. وما أكثر ما اعتبر تفكيرهم نفسه محررا من ~~الشرط الزماني، الذي يبدو لنا أكثر جبروتا في الوقت الحاضر. # وانظروا إلى مقدار البساطة التي يتكلم بها ابن سينا # 5 # عن ذلك. قال ابن سينا: «ليس الزمان محدثا حدوثا زمانيا، بل حدوث إبداع لا ~~يتقدمه محدثه بالزمان والمدة، بل بالذات، ولو كان له مبدأ زماني لكان حدوثه بعدما لم يكن؛ ~~أي بعد زمان متقدم»، وهذا ينافي الفرضية القائلة بوجود أصل له، «فالزمان مبدع؛ أي ~~يتقدمه باريه فقط»، وقد يحاول بعض الناس عد هذه التأملات رفيعة الشأن ، ولكن القارئ ~~الذي يتفضل بالاطمئنان إلى سياق مؤلفنا بلا غرض يحكم بسذاجتها من ناحيتها العقلية ~~أكثر من أن يرى ذلك؛ ولذا فلنواصل التحليل. ~~«ومعنى المحدث الزماني أنه لم يكن، ثم كان. ومعنى لم يكن أنه كان حال هو فيه معدوما، ~~وذلك الحال أمر قد وجد». وأما الزمان فإنه لم يحدث في الزمان، ومثل هذا أمر الحركة، لا ~~كل حركة، بل حركة ms108 السماوات المستديرة، والواقع أنه يجب أن نتعود الفكرة القائلة - في ~~هذا المنهاج - إن حركة الأفلاك السماوية، أو الفلك الخارجي على الأقل، قد وضعت مثل ~~مبدأ لجميع فعالية العالم على الوجه الذي سنوضحه؛ وذلك أن الزمان ليس سوى خضوع لازم ~~لهذه الحركة، «فالزمان مقدار للحركة المستديرة». وهذه هي النظرية التي كنا قد لقيناها عند ~~الكندي، وبما أن هذه الحركة متصلة فالزمان متصل. # ويقول ابن سينا مواصلا: إن جميع الموجودات ليست في الزمان حادثة في الحال، «بل الشيء ~~الموجود في الزمان. أما أولا فأقسامه، وهو الماضي والمستقبل، وأطرافه وهي الآنات. وأما ~~ثانيا فالحركات، وأما ثالثا فالمتحركات، فإن المتحركات في الحركة، والحركة في الزمان، ~~فتكون المتحركات بوجه ما في الزمان»، وتكون الآنات كالوحدات في العدد، وتكون المتحركات ~~ككون المعدودات في العدد، وكل متصل من المقادير الموجودة قد يفصل فيقع عليه العدد، فلا ~~عجب لو فصل الزمان، ولا يكون ما لا يدخل في الأصناف الثلاثة المذكورة، في الزمان، بل ~~إذا قوبل مع الزمان واعتبر به، فكان له ثبات مطابق لثبات الزمان وما فيه، وسميت تلك ~~الإضافة وذلك الاعتبار دهرا له، فيكون الدهر هو المحيط بالزمان، ويطبق القياس الزماني ~~على الأشياء التي ليست ضمن الزمان بواسطة هذا الدهر الثابت. ولا بد من الاعتراف بأن هذا ~~تحليل نفاذ يمكن الانتفاع بكثير منه في هذه الأيام. # وقد يكون من الممتع أن يستمع إلى قول ابن سينا عن السرعة؛ وذلك لكلامه عنها بروح ~~سكلاسية، فبعد أن لاحظ ابن سينا # 6 ~~«أن كل حركة تفرض في مسافة على مقدار من السرعة»، وضع لنفسه سؤالا قائلا: ~~علام يطبق هذا المقدار ، فاسمع جوابه: «وهذا المقدار وجوده في مادة؛ لأنه يوجد منه جزء ~~بعد جزء، وكلما كان كذلك فكل جزء يفرض منه حادث، وكل حادث ففي مادة، أو عن مادة، وليس ~~هذا عن مادة؛ لأن مجموع المادة والصورة لا يحدثان حدوثا أوليا، بل الهيئة والصورة. فهو ~~- إذن - مقدار في مادة، وكل مقدار يوجد في مادة وموضوع. فإما أن يكون مقدار للمادة أو ms109 ~~الهيئة فيها، ولكن ليس هذا المقدار للمادة؛ لأنه لو كان مقدارا للمادة بذاتها لكان ~~بزيادتها زيادة المادة، ولو كان كذلك لكان كل ما أسرع أكبر وأعظم، والتالي باطل، ~~فالمقدم باطل، فإذن هو مقدار للهيئة.» # وقد ترجمنا هذه العبارة التي هي على شيء من الطرافة بأسلوبها، ولكن النتيجة فيها ممتازة ~~أيضا. وحاصل القول: إن ابن سينا يضع مبدأ الحركة في هيئة لمادة المتحركات، فالحركة تكون ~~بالقوة في هذه الهيئة، ثم تنتقل إلى الفعل مقدارا فمقدارا، قال ابن سينا في موضع آخر: # 7 ~~«الحركة تقال على تبدل حال قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل اتجاه ~~نحو شيء، والوصول بها إليه هو بالقوة، لا بالفعل على وجه متصل، لا دفعة واحدة.» ويسوقنا ~~هذا التعريف إلى مفهوم مماثل لمبدأ القوة الحية الحديث، ولكن مع كونه أكثر لاهوتية وأقل ~~رياضية في الوقت نفسه، وهو يأتي بنا إلى وجهة نظر حركية، حيث رأينا وضع ابن سينا في تحليل ~~مبدأ القوة عن تفضيل. # وقد عرف ابن سينا المكان كما عرفه الكندي. قال مؤلفنا: # 8 ~~«يقال مكان لشيء يكون فيه الجسم، فيكون محيطا به.» وقال في مكان آخر: # 9 ~~«المكان هو نهاية الحاوي المماسة لنهاية المحوي، وهذا هو المكان الحقيقي. ~~وأما المكان غير الحقيقي، فهو الجسم المحيط.» # ويستخلص فيلسوفنا نتائج مفيدة من مبدأ المكان الطبيعي، الذي يجب أن يماز من ~~السابق، فيقول: «لكل جسم مكان طبيعي واحد.» وهذا هو المكان الذي يميل إليه في حركته ~~الطبيعية، وإن شئت فقل: إن كل جسم يترك لنفسه يميل إلى مكان يكون واحدا دائما، وكذلك ~~يكون للجسم شكل وموضع طبيعيان، «فالجسم، إذا خلي وطباعه # 10 # لم يكن له بد من موضع معين وشكل معين»، ويجب أن يكون الشكل الذي يقتضيه البسيط ~~مستديرا. # ومما تجب ملاحظته في هذه النظرية مبدأ الميل، الذي لم ينتفع به في الطبيعيات الحديثة ~~مع كونه فلسفيا بسيطا، فالجسم الذي يزاح عن مكانه أو يقصى عن شكله يميل إلى العودة ~~إليه بواسطة الحركة. قال ابن سينا: «الجسم له ms110 في حال تحركه ميل يتحرك به، ويحس به ~~الممانع.» وكلما كان ميل الجسم نحو مكانه الطبيعي قويا ضعف الميل الآخر، الذي يمكن أن ~~يعطاه قسرا، ويعم مبدأ الميل هذا في هذه الفلسفة كما يعم مبدأ الحركة، ويطبقه ابن ~~سينا بصراحة على الحركة الحيوية، التي تذهب بالموجودات جاعلة إياها تنتقل من صورة إلى أخرى ~~بين كونها وفسادها: # 11 ~~«فكل كائن فاسد فيه ميل إلى الحركة المستقيمة»، تنقله في كل آن من صورته ~~الحاضرة إلى الصورة التالية، وقد شعر بجميع هذا شعورا عميقا، وأوضح إيضاحا ~~موفقا، وهذه النظرية دائمة الملاءمة لمبدأ القوة الحركي، الذي أثنينا عليه فيما ~~تقدم. # غير أن فكرة المكان الطبيعي، في حال خاصة، خانت ابن سينا، وحملته على طرح رأي ~~طبيعي، عرض في زمانه واعترف - بعد حين - بأنه صحيح، والأمر هو مذهب الضغط الجوي ~~والمائي، الذي أبصره فلاسفة في زمن ابن سينا، فقال لنا ابن سينا نفسه: # 12 ~~«ومن فساد الظنون ظن من رأى أن النار تتحرك إلى فوق بالقسر، والأرض تتحرك إلى ~~أسفل بالقسر، وكيف والأعظم يتحرك أسرع، خصوصا ظن من يظن من هؤلاء أن هذا القسر ضغط، وأن ~~النار تعلو الهواء، والهواء يعلو الماء، والماء يعلو الأرض بسبب ضغط الكثيف للطيف من ~~فوق، وكيف والاندفاع من الضغط يكون خلاف جهة الضاغط لا نحوه، ويكون انضغاط الأعظم أبطأ؟ ~~فبين من هذا غلط من ظن أن الأجسام كلها تهوي إلى أسفل، ولكن الأكثف يضغط ~~الألطف.» # ومن المتعذر أن تعرض بأوضح مما صنع علماء القرن الحادي عشر هؤلاء نظرية الضغط الجوي ~~والضغط المائي، التي قام على اكتشافها مجد علماء القرن السابع عشر، وإنا لنأسف - حرصا على ~~مجد ابن سينا - أن نحقق أنه أنكر صحة هذا الرأي متبعا تعليم أرسطو القائل: إن ~~الخفيف يذهب إلى فوق وإن الثقيل يذهب إلى أسفل على أنهما مكاناهما الطبيعيان. # ثم إن فكرة المكان الطبيعي في فلسفة ابن سينا أدت إلى النتيجة الغريبة بعض الغرابة ~~القائلة: «إن العالم واحد، وإنه لا يمكن التعدد.» # 13 # وسبب ذلك ms111 «أنه لا يمكن أن يكون لجسم واحد مكانان طبيعيان؛ فإذن الأجسام ~~المتشابهة الصور والقوى حيزها الطبيعي واحد ووجهتها الطبيعية واحدة، فبين من هذا أنه لا ~~يكون أرضان في وسطين من عالمين، وناران في أفقين محيطين من عالمين.» # وهناك مسألة مشهورة في القرون الوسطى، حتى علم القرن السابع عشر، وهي مسألة الخلاء، وقد ~~تناولها ابن سينا بتفصيل، يزودنا بمثال ممتع عن حال المنهاج السكلاسي في ذلك العصر؛ وذلك ~~أن ابن سينا يزعم أنه يثبت استحالة وجود الخلاء، وإليك مجملا لبرهانه: بدأ فيلسوفنا قوله: # 14 ~~«وأقول: أولا، إنه إن فرض خلاء خال، فليس هو لا شيئا محضا، بل هو ذات وكم ~~وجوهر؛ لأن كل خلاء خال يفرض، فقد يوجد خلاء آخر أقل منه وأكثر، ويوجد متجزئا في ذاته، ~~والمعدوم واللاشيء ليس يوجد هكذا، فليس الخلاء لا شيئا، وأيضا كل ما كان كذلك فهو كم؛ ~~فالخلاء كم، وكل كم فإما منفصل وإما متصل، والخلاء ليس بمنفصل؛ لأن كل منفصل فإما أن يكون ~~الانفصال عرضا له أو يكون لذاته منفصلا، وكل ما عرض له الانفصال فهو متصل بالطبع، وإن ~~كان منفصلا لذاته فهو عديم الحد المشترك بين أجزائه، وكل ما كان كذلك فكل واحد من أجزائه ~~لا ينقسم، وكلما كان كذلك فليس يمكن أن يقبل في ذاته متصل الأجزاء؛ فإذن الخلاء ليس ~~بمنفصل الذات، فهو إذن متصل الذات. كيف لا وقد يفرض مطابقا للملاء في مقداره؟! وكلما ~~كان كذلك فهو مطابق للمتصل، وكل ما طابق المتصل فهو متصل؛ فالخلاء إذن متصل، وأيضا الخلاء ~~ثابت الذات متصل الأجزاء منحازها في جهات، وكل ما كان كذلك فهو كم ذو وضع.» # ويتابع ابن سينا هذا البرهان مثبتا أن الخلاء إذا كان موجودا فإنه يكون ذا مسافة، ~~حائزا للأبعاد الثلاثة، قابلا للقياس بالذات، ثم يوضح كون «الخلاء ليس له مادة»؛ وذلك ~~لأن «كل قابل للانفصال فله مادة؛ فإذن الخلاء لا ينفصل»، ثم يشرع في نقاش طويل حول ~~امتناع التداخل لا يخلو من إمتاع. # وذلك أن الجسمين - كالمكعبين المتساويين ms112 - يمتنع تداخلهما؛ أي يستحيل استغراق كل واحد ~~منهما الآخر، ويبحث ابن سينا عن كون هذا الامتناع واقعا بين المادتين من الجسمين، أو بين ~~البعدين، أو بين البعد والمادة، أو بين كل واحد منهما مع كل واحد منهما، فينتهي إلى تمانع ~~البعدين عن التداخل. # وهذا البرهان الذي هو على شيء من الجدوبة قد عرض على شكل أكثر سهولة في رسالة «عيون الحكمة» # 15 # الصغيرة، والأمر يدور حول البحث في كيف يمكن دخول أبعاد الجسم في أبعاد الخلاء. ~~جاء في «عيون الحكمة»: «إما أن تكون أبعاد الجسم تداخل أبعاد الخلاء، وإما أن لا يكون ~~ذلك، فإن لم يداخلها كان ممانعا فكان ملاء، وهذا خلف؛ فإن داخلها دخل أبعاد في أبعاد، ~~فحصل من اجتماع بعدين متساويين بعد مثل أحدهما، وهذا خلف، والأجسام المحسوسة يمتنع ~~عليها التداخل من حيث يصح أن يتوهم عليها التداخل، وهي الأبعاد، فإنها لأجل أنها ~~أبعاد تتمانع عن التداخل، لا لأنها بيض أو حارة، أو غير ذلك، فالأبعاد لذاتها لا تتداخل، ~~بل يجب أن يكون بعدان أعظم من الواحد، لمجموع وحدتين أكثر من وحدة، وعددين أكثر من عدد، ~~ونقطتين أكثر من نقطة، ليس أكبر من نقطة؛ لأن النقطة لا حصة لها في الكبر والبعد، ولها حصة ~~في الكثرة.» # وهكذا لا بد لوضع الجسم في الخلاء من افتراضنا في الوقت نفسه إمحاء الخلاء، وذلك كما ~~جاء في استنتاج «النجاة»: # 16 ~~«إما المتمكن موجود لا في أبعاد الخلاء، وإما الخلاء موجود ولا متمكن ~~فيه.» # وإلى ذلك أضاف ابن سينا قوله: «فبين من هذه الأصول أن الخلاء لا حركة فيه؛ لأنه إذا ~~تحرك فيه شيء فإما أن يداخل بعده بعده، وقد قيل: إن ذلك محال، وإما أن يتحرك بأن ~~يغلبه إذا مانعه بالنفوذ فيه، وقد قيل: إن ذلك محال أيضا، فإذن لا حركة في الخلاء، ~~وكذلك لا سكون فيه.» # ونتيجة جميع البرهان هي: «الخلاء غير موجود أصلا، وهو كاسمه، كما قال المعلم ~~الأول.» # وإنا - بعد أن عنينا بمنهاج هذا النقاش الوجيز العنيف - نرغب ms113 في تقدير الأفكار التي ~~يشتمل عليها، فنلاحظ - بلا عناء - أن النقطة المعينة التي تصدم أفكارنا الحاضرة من ~~هذه النظرية هي النقطة التي وكد فيها أن أبعاد الخلاء لا يمكن نفوذها، ففي هذا التوكيد ~~ضرب من مادية مبدأ الاتساع الذي يلقي الحيرة فينا، وعندنا - نحن الذين عادوا لا ~~يتكلمون عن المكان ولا عن الخلاء، بل عن الفضاء والاتساع بلا انقطاع - أن لأبعاد الفضاء ~~تلك الخاصية التي يمكن أن تنضد فيها أبعاد الأجسام المادية. # وعندنا أن من الممكن نفوذ الفضاء جوهريا، وأن الاتساع المادي المرتبط في الأجسام ~~غير ذلك، ولم طرحت السكلاسية هذا المبدأ البالغ الملاءمة عن الفضاء الخالي القابل ~~للنفوذ؟ لا ينبغي أن يكون هذا مقصورا على البراهين العقلية المذكورة آنفا؛ وذلك لأن ~~السكلاسية - كما أعتقد - كانت منهاجا تجريبيا تماما، خلافا لبعض المبتسرات، فلا ~~وجود للفضاء الخالي كما تقضي به المشاهدة التجربية. # ويجد معظم النظريات السابقة تكملته في الطريقة التي تناول بها ابن سينا معضلة اللانهاية ~~المخيفة الأزلية، وكان لهذه المعضلة في هذه الفلسفة عدة وجوه، نعد أهمها ما يأتي: ~~هل يوجد خلاء لا نهاية له؟ وهل يوجد ماض لا نهاية له؟ وهل يمكن تجزئة الأجسام إلا ما لا ~~نهاية له؟ وهل يوجد عدد لا نهاية له؟ إن الحل العام الذي قدم حيال هذه الأسئلة هو: أن ~~اللانهاية غير موجودة بالفعل، وإنما هي موجودة بالقوة. # لقد عرف الفارابي أن يصوغ - بإيجاز مؤثر - الجواب الآتي حول مسألة لانهاية العالم، # 17 # وهو: «الأفلاك كلها متناهية، وليس بورائها جوهر، ولا شيء، ولا خلاء ولا ~~ملاء، والدليل على ذلك أنها موجودة بالفعل، وكل ما هو موجود بالفعل فهو متناه.» ومن ~~المتعذر أن تفصل معضلة بالغة الصعوبة كهذه بأحزم من هذا. ومع ذلك، فإن الفارابي لم ~~يزعم أنه مصدر هذا الحل، كما أن ابن سينا لم يأت بمثل هذا الزعم، ولا يكتفي الفارابي ~~بعزوه إلى أرسطو، بل يرجعه إلى سقراط، وقد أضاف إلى ذلك قوله: «وحكي عن أفلاطون عن سقراط ~~أنه كان يمتحن عقول تلاميذه، فيقول: ms114 لو كان الموجود غير متناه وجب أن يكون بالقوة، لا ~~بالفعل.» # وإليك البرهان النموذجي، الذي يقدمه ابن سينا؛ ليثبت استحالة وجود لانهاية حاضرة، ~~وتجد هذا البرهان غير مرة في آثاره على أشكال مختلفة بعض الاختلاف، وأول ما نصنع، هو أننا ~~نقدمه على شكل هندسي، كما صاغه ابن سينا في المطلب الذي أنكر فيه إمكان وجود خلاء لا ~~نهاية له، فنرجو القارئ - والحالة هذه - أن يتتبعه بانتباه، وذلك لكي يلاحظ نقصه، وهذه ~~وثيقة مهمة عن تاريخ الذهن البشري، فقد ألقى هذا البرهان السهل الناقص عائقا ثقيلا ~~مستمرا حيال تقدم الفلسفة والعلوم. # قال ابن سينا: # 18 ~~«لتكن حركة مستديرة في خلاء غير متناه، إن أمكن، أن يكون خلاء غير متناه، ~~وليكن الجسم المتحرك مثل كرة «أ ب ج د»، المتحركة على مركزها، ولنتوهم في الخلاء ~~الغير المتناهي خط «ط ح»، وليكن «ه ج» من المركز إلى جهة من المحيط، لا يلاقي خط «ط ح» ~~من جهة «ح»، وإن أخرج بغير نهاية، لكن الكرة إذا دارت صار هذا الخط بحيث يقاطعه، ويجري ~~عليه، وينفصل عنه، فيكون الالتقاء والانفصال بمسامتة نقطتين لا محالة، وليكونا «ك» ~~و«ل»، لكن نقطة «م» تسامتها قبل نقطة «ك»، ونقطة «ك» أول نقطة تسامت هذا خلف، ~~لكن الحركة المستديرة موجودة، فالخلاء ليس بلا نهاية، والخلاء إن وجد كان مقدارا ~~متناهيا، وكل مقدار متناه فهو مشكل، فإذن الخلاء مشكل.» # والفرضية فاسدة، ونرى ذلك بلا عناء؛ وذلك أن الفرضية فاسدة لإمكان ملاحظتنا على الخط ~~الثابت نقطة «ك»، التي هي أول نقطة يلتقي بها الخط الدائر، غير أن ابن سينا اعتقد أن ~~الفرضية الفاسدة هي التي جعلها على رأس برهانه، وهي الخلاء اللانهائي، ولو كان هذا ~~البرهان صحيحا لكانت نتيجته استحالة الخلاء اللانهائي، الذي لا يهمنا أمره كثيرا، فضلا ~~عن استحالة المسافة الهندسية، التي لا نهاية لها، واستحالة العلم الهندسي الذي لا نهاية له، ~~ولم يكن هذا قد قام في زمن ابن سينا، وقد عانته الفلسفة، ومع ذلك، فإن من الإنصاف أن ~~يلاحظ ms115 أن تحليل هذه المسألة كان يتعلق - على الأقل - بالذهن الفلسفي بمقدار تعلقها بالذهن ~~الرياضي، فيمكن أن يلام العلم على تضليله الفلسفة، والفلسفة على عدم تقويمها ~~العلم. # وإليك شكلا آخر للبرهان عينه: «أقول إنه لا يتأتى أن يكون كم متصل موجود الذات ذو ~~وضع غير متناه، ولا أيضا عدد مرتب الذات موجود معا غير متناه، وأعني بمرتب الذات أن ~~يكون بعضه أقدم من بعض في ذاته، ولنبرهن أنه لا يتأتى أن يوجد مقدار ذو وضع غير متناه؛ ~~لأنه إما أن يكون غير متناه من الأطراف كلها أو غير متناه من طرف. فإن كان غير متناه ~~من طرف أمكن أن يفصل منه من الطرف المتناهي جزء بالتوهم، فيؤخذ ذلك المقدار مع ذلك ~~الجزء شيئا على حدة، وبانفراده شيئا على حدة، ثم نطبق بين الطرفين المتناهيين في ~~التوهم فلا يخلو إما أن يكونا بحيث يمتدان معا، متطابقين في الامتداد، فيكون الزائد ~~والناقص متساويين، وهذا محال، وإما أن لا يمتد بل يقصر عنه فيكون متناهيا، والفضل أيضا ~~كان متناهيا، فيكون المجموع متناهيا، فالكل متناه، مع أنه غير متناه، فوجب أن يلزم ~~ذلك محال.» # ومن الواضح اليوم أن جميع هذه الأنواع من البراهين سفسطية، وقد قلنا هذا، ولا ~~يجدي التوكيد نفعا، ويسرنا أن نغتم هذه الفرصة، فنذكر إمكان كون معظم القضايا ~~المشهورة وأضدادها، وهي ما تدعى في الفلسفة «الكنتية» بمبادئ العقل الخالص المتناقضة، ~~لم يتفق لها إثبات بالبراهين أكثر قيمة مما تقدم، ومن المحتمل في زماننا - الذي عمت فيه ~~معرفة المبدأ اللانهائي في الرياضيات، وهذا لم يكن في زمن «كنت» - أنه إذا ما بحث في ~~هذه المبادئ المتناقضة لم تر أكثر صوابا من التي كان يزود بها مخالف المدارس في زمن ~~ابن سينا، وليس مما يلقي الحيرة في نفسي، مطلقا أن يوصل - بسرعة - إلى النتيجة ~~القائلة، في هذه الموضوعات، إن القضية وضدها لا يمكن إثباتهما، وإنه لا يوجد مبادئ ~~متناقضة، بل براهين فاسدة، ومع ذلك فإننا كيما نحصر أنفسنا ضمن نطاق المؤرخ، نقتصر هنا على ms116 ~~ختم قولنا - وفق ما كنا قد لاحظناه - بأن فلسفة ابن سينا إذا كانت قد ضلت فذلك لأنها ~~عانت ضعف العلم. # وأما من حيث لانهائية الماضي، فتعليم ابن سينا إيجابي، ففيلسوفنا يسلم بإمكان سلسلات ~~من اللانهايات، عادا هذه السلسلات الماضية أنها عادت لا تكون موجودة إلا بالقوة. وليس هذا ~~الرأي جليا أول وهلة، فاضطر ابن سينا إلى بذل بعض الجهود ليسوغه، ولكن بما أننا ~~قد أثرنا ذكرى «كنت» منذ هنيهة، فإننا نبيح لنفسنا ملاحظة مقدار التعمل في نقد ~~هذا الفيلسوف للمبادئ المتناقضة. وتبدو نظرية «كنت»، التي صاغها حول التناقض الأول، وذلك ~~«أن للعالم بدءا في الزمان، وهو محدود في الفضاء»، من قلة المتانة والمطابقة بما لا ~~يسلم معه جميع المدرسة السكلاسية الشرقية الكبرى بعد القرون القديمة بغير نصفه، ~~وذلك بقولها: «إن العالم محدود في الفضاء» ومع إضافتها نصف التضاد القائل «ليس للعالم ~~بدء في الزمان.» # ويدعم ابن سينا هذه القضية الأخيرة بقوله # 19 # تقريبا: إن المناهج التي تتخذ لإنكار إمكان اللانهاية في الماضي تقوم إما ~~على برهان فاسد، وإما على مقدمات سوفسطائية، «فالعدد لا يتناهى، والحركات لا تتناهى، بل لها ~~ضرب من الوجود، وهو الوجود بالقوة، لا القوة التي تخرج إلى الفعل، بل القوة بمعنى أن ~~الأعداد تتأتى أن تتزايد فلا تقف عند نهاية أخيرة ليس وراءها مزاد.» # ومن قوله أيضا: # 20 ~~«إذا كانت الأجزاء لا تتناهى، وليست معا، وكانت في الماضي والمستقبل، فغير ~~ممتنع وجودها واحدا قبل آخر أو بعده، لا معا، أو كانت ذات عدد غير مترتب في ~~الوضع أو الطبع، فلا مانع من وجودها معا.» وقال أيضا: # 21 ~~«وأما وجود الأشياء، فبأنه لم يكن في الماضي لها بدء، وأنها كانت واحدة بعد ~~واحدة منذ كانت، فلو أخذت تحسبها من الآن لم يقف الحساب عند حد.» # ولم يحدد ابن سينا ما كان يوجه من اعتراضات على إمكان سلسلة غير المتناهي في ~~الماضي، ويمكننا أن نذكر للغزالي اعتراضا بالغ البراعة على ذلك. فلنفترض سلسلة غير ~~متناهية لموجودات خالدة - كسلسلة الأرواح ms117 مثلا - قد ولدت بالتتابع في الماضي، فجميع هذه ~~الموجودات قائمة في الوقت الحاضر، ومن ثم يكون العدد الغير المتناهي موجودا بالفعل، ~~وهذا ما تصرح مدرسة ابن سينا بأنه محال. # وعند ابن سينا أن الأجسام قابلة للتجزؤ بالقوة إلى ما لا نهاية له، ففيلسوفنا يرفض ~~الذرية على أنها فاسدة عقلا. # ومع ذلك فإنه كان للذرية أنصار في ذلك الزمن كما يلوح، وقد رأى ابن سينا أن من المفيد ~~ذكر بعض اعتراضات لهم، قال ابن سينا: # 22 ~~«وجد من اعترض بأن إمكان التجزؤ إلى غير نهاية يجعل الحركة ~~مستحيلة»، فلنفترض أن متحركا يجاوز خطا محدودا، قابلا للتجزؤ إلى غير نهاية، فهذا ~~الخط قابل للتجزؤ مناصفة، وكذلك النصف، ونصف هذا النصف، وهكذا. فننتهي إلى النتيجة ~~القائلة: إن المتحرك يجاوز في زمن محدود أنصافا لا حد لها، وهذا محال. وإليك اعتراضا ~~آخر، وهو: أنه لا كثرة بلا وحدة فيها، فإذا كانت الكثرة موجودة بالفعل فإن الوحدة توجد ~~فيها بالفعل، ولكن الوحدة بالفعل غير قابلة للتجزؤ؛ ولهذا فإن للجسم ذي الكثرة أجزاءه ~~الأولى غير القابلة للتجزؤ. # ومن الواضح أنه لا قيمة لهذه الاعتراضات، وليست أكثر من هذا قيمة الاعتراضات التي ~~يوجهها ابن سينا - من ناحيته - إلى الذرية، وإليك جوابه عن الاعتراض الثاني ~~المذكور: لنفترض أن من الممكن تركيب جسم من عدد معين من الأجزاء، وسيكون الجسم البسيط ~~جسما لا يكون مركبا من أجزاء كثيرة، ولكن الجسم البسيط قابل للتجزؤ؛ إذن يوجد تناقض ~~والفرضية فاسدة. # وبرهان ابن سينا المفضل حول قابلية التجزؤ إلى غير نهاية هو ما يستنبطه من مبدأ التماس، # 23 # قال ابن سينا: «من الناس من يظن أن كل جسم ذو مفاصل تنضم عندها أجزاء غير ~~أجسام تتألف منها الأجسام ، وزعموا أن تلك الأجزاء لا تقبل الانقسام، لا كسرا، ولا ~~قطعا، ولا وهما، ولا فرضا، وأن الواقع منها في وسط الترتيب يحجب الطرفين عن ~~التماس.» # ويقوم جواب ابن سينا - كما هو حاصل القول - على أن هذا الجزء الأوسط إما أن يكون قد مس ~~على ms118 وجه واحد من قبل الجزأين اللذين هما في الطرفين؛ أي يكون قد دخل فيه من قبلهما، ~~فيقع تداخل جميع الأجزاء، ولا يتكون حجم مطلقا، وإما ألا يكون ذلك الجزء الأوسط قد ~~مس من قبل الجزء الذي يكون في طرف على الوجه الذي يمس به من قبل الطرف الآخر، ~~فيكون قابلا للتجزؤ، وإن شئت فقل: إنه إما أن يوجد تماس كامل، وهنالك تداخل، أو أن يوجد ~~تماس جزئي، وهنالك تجزؤ. # وأخيرا يعتقد ابن سينا - إذ يوكد أن الحركة قابلة للتجزؤ بالقوة إلى غير نهاية لمكانها ~~على طول الخطوط القابلة للتجزؤ بالقوة إلى غير نهاية - أنه يفند القضية المعاكسة، ~~القائلة: إن الحركة مركبة من أجزاء لا تتجزأ، منفصلة بسكنات، # 24 # فهو يقول: «نعلم أن السهم في نفوذه، والطائر في طيرانه إن كانت حركاته مركبة ~~من حركات لا تتجزأ، وهي في أنفسها لا أسرع منها، لم يخل: إما أن تكون مركبة منها بلا ~~تخلل سكنات، أو تكون بتخلل سكنات قليلة جدا بالقياس إلى الحركات، فإن كان لا بتخلل ~~السكنات فيجب أن تكون حركة السهم والطائر مساوية لحركة الشمس المشرقية، أو أسرع منها، ~~وهذا محال، وإن كان بتخلل السكنات، وهي أقل من الحركات، فيجب أن يكون فضل حركة الشمس ~~عليها أقل من الضعف، لكن ليس بينهما نسبة يعتد بها.» # ولذا؛ لا يدافع عن هذه الفرضية. أجل، نقول هنا، أيضا: إن من الجلي أنه لا يدافع عن ~~هذه الفرضية كما عرضها ابن سينا، بيد أنها تعود غير ذلك، إذا ما أجرينا عليها تعديلا ~~يسهل تصوره. # لقد أصررنا على جميع هذه البراهين بلا وجل من إتعاب القارئ؛ وذلك لاعتقادنا أنها مهمة - ~~لا لذاتها - لا ريب، ما دامت غير صحيحة، بل لدلالتها على مرحلة وقف الذهن البشري عندها ~~زمنا طويلا، وقد مرت قرون كثيرة على الفلاسفة وهم يأتون بحلول متناقضة لهذه المسائل، ~~التي كان يدخل فيها مبدأ اللانهاية الرياضي، وقد زعم «كنت» أنه يضع حدا للجدال ~~بطرحه هذه المتناقضات على حساب العقل، فعندنا أن من السهولة بمكان، ms119 ومن الصواب البالغ أن ~~يعترف - على ضوء علم أكثر تقدما - ببطل جميع هذه البراهين المتناقضة، فيذهب إلى ~~أن القضية وضدها في هذا النوع من المسائل مقبولتان على السواء، وأن كلا منهما غير خاضع ~~لأية ضرورة عقلية. # الفصل الثامن # | نفسيات ابن سينا # دراسة النفس والعقل عند ابن سينا - نظرية الإدراك الحسي عند الشيخ الرئيس - قوى ~~المصورة، والمفكرة، والوهم، والحافظة - العقل الفعال والموجودات والمعقولات - ~~خلود النفس ونتيجة ذلك لروحانيتها. ~~*** # يتألف من علم النفس لدى ابن سينا بناء رائع جدا متين جدا، فيبدو جديدا وفق ~~الترتيب الذي نتبع، وأقصد بذلك أنه لا يلقى تاما بجميع مميزاته الجوهرية عند أي ~~من المؤلفين قبل ابن سينا ما دامت آثار الفارابي غير معلومة لدينا بما فيه الكفاية، ~~وترانا نود القيام بعرض عن هذا المجموع كامل تقريبا، حتى نكون معبرين تعبيرا ~~صادقا عن فيلسوفنا. # يشتمل علم النفس عند ابن سينا على دراسة النفس ودراسة العقل، على دراسة هذين العنصرين ~~اللذين لا نحسن التفريق بينهما، ولكن مع أنهما كانا في هذا الدور من التعليم ~~السكلاسي يقدمان فرقا واضحا وضوح الفرق بين الجنس والنوع. والنفس - إجمالا - ~~أول ما تكون مجموعة من الخصائص أو القوى المضافة إلى الجسم المادي، الذي يكمل بها ويصير ~~فعالا، قال ابن سينا: «النفس كمال أول لجسم طبيعي.» # وقبل ذلك قال ابن سينا: «إن جميع الأفعال النباتية والحيوانية والإنسانية تكون من قوى ~~زائدة على الجسمية وعلى طبيعة المزاج.» # 1 # وإن شئت فقل: إن جميع أفعال الأجسام الحية تصدر عن خصائص، ومما يدرك مقدار ~~ما تجعل به هذه القضية من اتصال وثيق بين مبدأ القوة اللاهوتي ومبدأ الخاصية ~~النفساني، ويخرج الفعل من القوة اللاهوتية على العموم، وذلك كما تخرج أفعال الأجسام من ~~قوى النفس، فيوجد انسجام تام، يكاد يكون ذاتيا، بين المبدأين. وفضلا عن ذلك فإنه لا يوجد ~~في العربية غير كلمة واحدة للتعبير عن المبدأين، وهي كلمة «القوة». # وللنفس النباتية قوى ثلاث عند ابن سينا: # 2 # القوة الغاذية، والقوة المنمية، والقوة المولدة، قال ابن سينا: «القوة ms120 ~~الغاذية، وهي القوة التي تحيل جسما آخر إلى مشاكلة الجسم الذي هي فيه، فتلصقه به ~~بدل ما يتحلل عنه. والقوة المنمية، وهي قوة تزيد في الجسم الذي هي فيه بالجسم ~~المتشبه في أقطاره طولا وعرضا وعمقا، متناسبة للقدر الواجب؛ لتبلغ به كماله في ~~النشوء. والقوة المولدة، وهي القوة التي تأخذ من الجسم الذي هي فيه جزءا هو شبيه له ~~بالقوة، فتفعل فيه باستمداد أجسام أخرى، تتشبه به من التخلق والتمزيج ما يصير شبيها به ~~بالفعل.» # وكان إخوان الصفا قد عدوا سبع قوى للنفس الحيوانية، فكان منهاج هؤلاء الموطئين ~~أقل بساطة في هذه النقطة من منهاج العالم، وقد يكون لنا هذا سببا للاعتراف هنا بوجود ~~قوة للتكثيف في ابن سينا، يظهر أنها إحدى المزايا المهمة في أهم فلاسفة العرب، وإليك قوى ~~النفس النباتية في مذهب إخوان الصفا: # 3 ~~«قوى النفس النباتية سبع، وكل قوة من هذه تفعل شيئا خلاف ما تفعل القوة ~~الأخرى، وهذه القوى هي: القوة الجاذبة، ويقوم فعلها على جذب عصارات الأركان الأربعة، ~~ومصها لطينها وما فيها من الأجزاء المشاكلة لنوع نوع من أصول النبات، والقوة الماسكة، ~~وتمسك لها ذلك، والقوة الهاضمة، وتنضج لها ذلك، والقوة الدافعة، وتدفع ذلك إلى ~~الأطراف، والقوة الغاذية، وتغذي النبات، والقوة النامية، وتقوم بإنماء النبات وزيادته، ~~والقوة المصورة، وتصور النبات بأنواع الأشكال والأصباغ.» # وتقوم خصائص النفس الحيوانية على كونها تدرك الجزئيات وتتحرك بالإرادة، وهي في ~~الحيوانات تتصل بالنفس النباتية، وتتصف النفس العاقلة، المتصلة في الإنسان بالنفس ~~النباتية والنفس الحيوانية، بإدراكها الأمور الكلية، وبأنها تفعل بالاختيار، وتتصف ~~النفوس الحيوانية والعاقلة بخصائص الإدراك وخصائص الفعل، وتتألف من دراسة الثانية نظرية ~~التأثرات التي لم يفصلها ابن سينا كثيرا، وتتألف من الأولى - في النفس الحيوانية - ~~نظرية الإدراك، وفي النفس العاقلة، نظرية العلم، وهذا ما سنعنى به. # ولا يغب عن البال، لحسن فهم نظرية إدراك الحس والعلم العقلي في هذا المذهب، أمر ~~الترتيب العام لرسم جميع هذه الفلسفة، الذي هو رسم على درجات، فمواليد النبات والحيوان ~~والإنسان منضدة فيه ms121 على درجات الموجودات، مستندة في الأسفل إلى مولد المعدن وإلى ~~المادة متصلة في الأعلى بالمولد الملائكي وعالم الروح، ويتألف من الخواص الجوهرية ~~لأنواع النفس الثلاثة تدرج يمتد من حياة النباتات غير الشاعرة حتى فعالية الإنسان ~~الحرة العقلية، وقد نظم علم النفس، بحصر المعنى، وفق مبدأ التدرج هذا، وإذا ما وقع ~~تناول النفس الحيوانية والإنسانية معا، وجد أنهما تعرضان سلسلة من القوى، سائرة ~~من التي تعطي الإحساس الجافي حتى التي تقوم غايتها على الإشراق الصوفي. # ولذا تكون في أسفل النفس الحيوانية قوى الحواس الأولية، وتكون فوق هذه القوى من القوى ~~ما يمسك المعطيات المحسوسة، ويجمعها، ويفسرها على وجه مباشر. قال ابن سينا محدثا عن ~~الروح الحيوانية: # 4 ~~«إن القوة المدركة تنقسم قسمين، فإن منها قوة تدرك من خارج، ومنها قوة تدرك ~~من داخل»، فأما المدركة من خارج فتشتمل على الحواس، والمدركة من داخل فتشتمل على الذاكرة ~~والخيال وعلى درجة أولية من التأمل. # وتوجد حواس خمس، وهي التي يعرفها العوام، وذلك ما لم يفضل عد ثماني حواس، ~~وذلك بتقسيم حاسة اللمس إلى أربع على الوجه الآتي، قال فيلسوفنا: # 5 ~~«يشبه أن تكون هذه القوة لا نوعا واحدا، بل جنسا لأربع قوى منبثة معا ~~في الجلد كله، فالواحدة حاكمة في التضاد الذي بين الحار والبارد، والثانية حاكمة في ~~التضاد الذي بين اليابس والرطب، والثالثة حاكمة في التضاد الذي بين الصلب واللين، ~~والرابعة حاكمة في التضاد بين الخشن والأملس.» # وقد درس ابن سينا طريقة قيام الحواس بوظائفها، غير أن هذا التحليل، الذي يتعلق ~~بالتاريخ الطبيعي أكثر مما بالفلسفة، ليس ذا فائدة كبيرة على ما أرى، فيكفي - والحالة هذه - ~~أن نلخص - على سبيل المثال - ما قاله عن حاسة البصر: # 6 ~~«ظن قوم أن البصر يخرج من شيء يسمى شعاعا، فيلاقي المبصر، ويأخذ صورته من ~~خارج»، ويقول آخرون: إن البصر إذا كان بينه وبين المبصر شفاف بالفعل - وهو جسم لا لون ~~له متوسط بينه وبين البصر - تأدى شبح ذلك الجسم ذي اللون الواقع عليه الضوء إلى ms122 ~~الحدقة، فأدركه البصر، فهذه النظرية الثانية تبدو لنا في هذه الأيام معقولة جدا على ما ~~فيها من غموض. # وقد فند ابن سينا أولى النظريتين بدقة، فقد قال، بين أمور أخرى: إن الشعاع الذي يخرج من ~~البصر إذا لم يكن جسما، فإنه لا يمكن أن يطبق عليه مبدأ الحركة الطولانية، وإنه إذا كان ~~جسما فإنه يكون - حين يلاقي كرة الثوابت - جسما عظيما جدا خارجا من البصر، الذي هو ~~جسم صغير. ويسلم فيلسوفنا بأنه يوجد في الرؤية شبح للشيء، يرد بالنور إلى الباصرة، ~~بيد أنه لا يعين هذه النظرية أكثر مما فعلنا آنفا، وهو، في رسالة النفس التي نشرها لندور، # 7 # يعزو الرأي الذي يرضاه إلى أرسطو، ويعزو الرأي الأول الذي يرفض إلى ~~أفلاطون. # وإذا نظر إلى الأمر بوجه عام وجد أن موضوع نظرية الإدراك الحسي كما يأتي: # 8 ~~«إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك.» فصورة الشيء المدرك ~~هي في المدرك، ومع ذلك، فإن هذا المذهب هو عين مذهب الإدراك العقلي تماما. # وإليك مسألة تنشأ عن ذلك بحكم الطبيعة، وهي: كيف تحفظ هذه الصور المرسلة إلى الأعضاء؟ ~~فالجواب العام هو - من حيث المحسوسات - كون الصور تأتي إلى الحس المشترك، فهناك تكون ~~الصور في متناول مختلف القوى التي تعاني بها سلسلة من الأعمال، ولا تقف نظرية ابن سينا ~~طويلا عند الحس المشترك أكثر مما تقف الإدراكات المحسوسة، وليس لهذا الحس نفسه دور ~~معين تماما، وهو لا يكاد يكون قوة، وهو ليس له غير وظيفة إدارية؛ أي مثل مكتب مركزي ~~تمر منه الإدراكات، التي تأتي من الخارج قبل أن تنضج بقوى الباطن. وأما من حيث ~~الموضع التشريحي، فإن آلة الحس المشترك هو الروح المنتشر في الجهاز العصبي، ولا سيما في ~~قسم الدماغ المقدم، # 9 # وقد صفت مواضع القوى كهذه القوى نفسها. # وليس رسم قوى النفس الحيوانية التي تؤثر - داخلا - في معطيات الحواس ثابتا عند ~~فلاسفة العرب، ولا سيما كتب ابن سينا، على الإطلاق. وقد درس لنداور قسما من هذه الفروق، # 10 ms123 # ولنا بهذا ما لا نعسر به على أنفسنا، فلا نقدم هنا غير الرسم الذي نحكم ~~بأنه أكثر ما يكون وضوحا. وفضلا عن ذلك، فإن شأن هذه القوى المتبادل هو من الدقة بحيث لا ~~يحدد، وهي تقوم معا بإحداث عمل تجريدي ناقص في معطيات الحواس، وذلك من غير تجريدها من ~~المادة تماما، وهذا ما هو خاص بالعقل، وهي تقوم أيضا بجمعها للحواس بنوع من التركيب ~~الخيالي من غير أن يكون شأن الخيال قد جلي تماما، ومن غير أن يكون للخيال في ذلك وجود ~~بين لا التباس فيه، وذلك خلا كونها تحفظ نتائج هذا التجريد وهذا التركيب كما تصنع ~~الذاكرة. # ويمكن أن يبين أن هذه القوى الباطنية أربع، وهي: المصورة، والمفكرة، والوهم، ~~والحافظة أو الذاكرة. # فالمصورة هي خزانة ما تدركه الحواس، وهي تحفظ الصورة المحسوسة، التي تتخلص جزئيا من ~~أحوال الأين، والوضع، والكم، والكيف، وذلك بعد أن ينقطع الشيء المحسوس عن التأثير في ~~الحواس. فالقطرة التي تسقط، والنقطة المشتعلة التي تدور بسرعة تجعلنا نشاهد خطا مستقيما ~~سائلا أو دائرة نار، # 11 # ولذا فنحن نداوم على رؤية الشيء في مكان عاد لا يكون فيه، وبذلك يوجد حادث ~~حفظ الخيال في الدرجة الأولى من الذاكرة، ومع ذلك فإن شأن المصورة الذاكري أوسع مدى - ~~لا ريب - مما يرى وفق هذا المثال، ففي مكان آخر قال ابن سينا: # 12 # إن للماء قوة تقبل الخيال، لا حفظه، وتتلقاه الحاسة على هذا الوجه، ~~ولكن لا بد من وجود قوة أخرى لحفظه، وهذه القوة هي المصورة، وإذا ما استعمل من ~~التعابير ما هو أقرب إلى ما بعد الطبيعة # 13 # يرى أن الصورة المحسوسة عند انتزاعها من المادة التي تحتملها في الحقيقة، لا ~~تزول دفعة، وهذا ما يجعل كل علم مستحيلا إلى الأبد، وإنما تحفظ مجردة من المادة، إن لم ~~يكن هذا من جميع لواحق المادة، وذلك في قوة هي المصورة، وقد سميت هذه القوة في هذا ~~الموضع باسم يدنيها من الخيال (فنطاسيا)، # 14 # وقال ابن سينا في عبارة أخرى: ms124 # 15 ~~«الشيء قد يكون محسوسا عندما يشاهد، ثم يكون متخيلا.» ولهذا يمكننا أن ~~نعرض المصورة، كما هو مجمل القول، مثل درجة جنينية للذاكرة والخيال، وقد جعل مكان ~~هذه القوة في التجويف المقدم من الدماغ. # وأتبعت المصورة بقوة تشابه جنينا للعقل، وإن كان يجب ألا ينسى أنها ليست سوى قوة ~~حيوانية كجميع هذا الجمع من القوى، وتسمى هذه القوة «مفكرة»، كما تسمى ~~«المتخيلة»، و«المقلدة» أيضا، ويقوم شأن المفكرة السيئ التحديد على إحداث أول عمل كثير ~~التعقيد أيضا، في التجريد والجمع والضم والتعميم حول معطيات الحواس التي حفظت ~~بالمصورة، فالمفكرة تعد المفهومات التي تأتي لخدمة القوة التالية - أي الوهم - ~~لتكوين ضروب حكمه، ومع ذلك فليعلم أن مفهومات المفكرة ليست أفكارا بالحقيقة، كما ~~أن أحكام الوهم ليست أحكاما عقلية؛ وذلك لأن الأشياء التي تؤثر فيها هذه القوى ليست ~~كليات، بل جزئيات مستخلصة استخلاصا ناقصا جدا عن أحوال المادة، ومركز المفكرة هو في ~~القسم المقدم من تجويف الدماغ الأوسط قريبا من الوهم. # وللوهم - ومكانه في القسم المؤخر من تجويف الدماغ الأوسط - قوة جمعه، في ضروب من ~~الأحكام ذات العمومية، مفاهيم مجردة تجريدا غليظا بمفكرة معطيات الحواس، ولهذه ~~القوة، التي هي قوة مسيطرة على النفس الحيوانية كما هو واضح، شأن كبير وأهمية عظيمة؛ فهي ~~تطابق - تقريبا - كما هو مجمل القول، ما نسميه بالغريزة في الحيوان، وهي تشتمل في ~~الإنسان على مجموعة الآراء والمشاعر والمبتسرات، التي تولد فينا بفعل التجارب ~~الابتدائية، أو الاندفاعات اللاشعورية، وكنا نود أن نسميها تسمية مجردة لو لم نخش ~~صدم الاصطلاح السكلاسي القائل ب «العقل الحيواني»، وإذا ما استخلصنا مثالا من كتب ~~ابن سينا، وجدنا للشاة إدراكا لذئب خاص، وهذا الإدراك هو عند هذا الفيلسوف - كما أفترض ~~- نوع من الصورة المحسوسة ارتسمت ارتساما غليظا في نفس الشاة بالقوة المفكرة، # 16 # وأما الوهم، فيولد - في صدد هذا المفهوم - مشاعر أقل مشابهة للأحكام ~~العقلية مما للاندفاعات الطبيعية تحذر بها الشاة، فيما تحذر به، عندما ترى الذئب ~~كيما تفر، ومثل ذلك حال الرجل الذي يشعر ms125 بضرورة معاملة الصبي برفق حينما يراه، وذلك قبل ~~كل تعقل. # 17 # وقد أكمل مجموع هذه القوى بقوة رابعة، وهي: «الحافظة أو الذاكرة»، التي تحفظ ما ينضج ~~بالوهم من أحكام، ومركز الذاكرة هو في القسم المؤخر من الدماغ. # وإليك سطورا اقتطفناها من «النجاة»، يمكن أن ينتفع بها مثل قطعة لتسويغ النظرية التي ~~عرضناها، وذلك مع تقديمها إجمالا، حول هذه النقطة الغامضة بعض الغموض، عن وجود ضروب من ~~الأفكار العامة في النفس الحيوانية، قال ابن سينا: # 18 ~~«الحس (الخارج) يأخذ الصورة عن المادة مع لواحقها (الأين، والوضع، والكم، ~~والكيف) ... وأما الخيال، فإنه يبرئ الصورة عن المادة تبرئة أشد، وذلك بأخذها عن ~~المادة، بحيث لا يحتاج في وجودها فيها إلى وجود مادة، (كما كان ذلك ضروريا للإدراك ~~بالحس الخارج)؛ لأن المادة، وإن غابت أو بطلت، فإن الصورة تكون ثابتة الوجود في ~~الخيال، إلا أنها لا تكون مجردة عن اللواحق المادية، فالحس لم يجردها عن المادة ~~تجريدا تاما، ولا جردها عن لواحق المادة. وأما الخيال، فإنه قد جردها عن المادة ~~تجريدا تاما، ولكنه لم يجردها البتة عن لواحق المادة؛ لأن الصورة في الخيال هي على ~~حسب الصور المحسوسة ... وأما الوهم، فإنه قد تعدى قليلا عن هذه المرتبة في التجريد؛ لأنه ~~ينال المعاني التي ليست هي في ذواتها بمادية، وإن عرض لها أن تكون في مادة ... # وأما الخير والشر، والموافق والمخالف، وما أشبه ذلك فهي أمور في أنفسها غير مادية؛ (لأنها ~~من المعقولات)، وقد يعرض لها أن تكون في مادة ... والوهم إنما ينال ويدرك أمثال هذه ~~الأمور ... فهذا النزع أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين، إلا أنه - ~~مع ذلك - لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة.» والعقل وحده هو الذي يدرك الصورة ~~المجردة عن المادة وعن جميع لواحقها. ~~••• # وقد قدمنا نظرية العقل عند الكلام عن الفارابي، فإذا عدنا إليه هنا بإيجاز؛ فلكيلا ~~نقطع وحدة عرضنا، وذلك فضلا عن ملاحظتنا أن هذا المذهب هو من أهم جميع ما في هذه ~~الفلسفة، وأبرز ما تنطوي ms126 عليه وأجمل، وأن الوجه الذي يعرضه به ابن سينا يختلف به بعض ~~الاختلاف عن سلفه. # قال ابن سينا نقلا عن الفارابي، ولكن من غير أن يذكره: «الحس هو عالم الخلق، والعقل هو ~~عالم البدء، وأما الذي هو فرق الاثنين فلا يدركه الحس ولا العقل.» ويقسم العقل أو ~~النفس الناطقة (العاقلة) إلى عقل عملي، وعقل نظري، كما كنا قد أشرنا إليه؛ فأما الأول فهو ~~القوة المحركة التي تسيطر على الفعل، وهو على اتصال بما هو تحته؛ أي بالعالم الحيواني الذي ~~يجب أن يهيمن عليه. وأما الثاني فهو القوة المدركة، التي نطلق عليها اسم العقل حصرا، ~~وهو على اتصال بما هو فوقه؛ أي بالمبادئ العليا التي يجب أن يخضع لها. وليعلم - دائما - ~~ما وجهنا إليه نظر قرائنا من ترتيب مدرج. # ويقسم العقل النظري بدوره إلى سلسلة مرتبة من العقول الخاصة، نظمت ~~وظائفها وفق مفهوم ما بعد الطبيعة في القوة والفعل، وذلك وفق ما كان الفارابي قد ~~علمنا إياه سابقا، فموضوع المذهب يقوم على تناول العقل في حال القوة، وجعله ينتقل ~~إلى الفعل. وكان الفارابي قد اتخذ في هذا السبيل ثلاث مراق موضوعة في نفس الإنسان، ~~أقام فوقها العقل الفعال خارج النفس. وأما ابن سينا فقد قال بأربع مراق، لحم بها من ~~عل عقلا خفيا كان سلفه قد تركه خارج هذه النظرية قليلا، وهو لم يغفل عن ~~إضافة العقل الفعال إلى هذه العقول الخمسة. # وإليك كيف ينبثق فيلسوفنا: # 19 # توجد للقوة ثلاثة أنواع؛ فالأول هو قوة للاستعداد المطلق الذي لا يخرج منه ~~شيء إلى الفعل، وهذه كقوة الصبي على الكتابة، وهذه هي القوة المادية، ثم تكون القوة ~~استعدادا قريبا من الفعل، ولكن من غير أن يتحقق هذا الفعل لعدم وجود الواسطة أو ~~المعرفة، وذلك كقوة الصبي على الكتابة، إذا كان لا يعرف شيئا، أو كان القلم غير موجود ، ~~وتسمى هذه القوة قوة «ممكنة»، ويسميها آخرون «ملكة»، ثم يكون الاستعداد تاما، ولا ~~يعوزه غير الإرادة، وذلك كالقدرة على الكتابة لدى الكاتب عندما تكون عنده ms127 وسائطه، ~~ويسمي ابن سينا هذه القوة «ملكة»، ويسميها آخرون «كمال قوة». # والواقع أنه كما يوجد ثلاث أحوال للقوة يوجد للعقل ثلاث أحوال، والعقل ما قلنا إنه خاصية ~~أو قوة في الأساس؛ فالأولى هي العقل الهيولاني الذي ليس سوى إمكان مطلق للعلم، ويصرح ~~الفيلسوف بأنها سميت هيولانية تشبيها بالهيولي الأولى، التي ليست سوى إمكان مطلق لتقبل ~~الصور، وهي من علم النفس على أساس ما بعد الطبيعة، والحال الثانية هي العقل الممكن أو ~~«العقل بالملكة» الذي يكون بالفعل بالنسبة إلى السابق؛ وذلك لأنه يحصل على أشياء كالحقائق ~~الأولية الضرورية، مثل كون الكل أعظم من الجزء، وكون الأشياء المساوية لشيء واحد ~~متساوية، ولا تجد هاتين الدرجتين في الفارابي، والدرجة الثالثة هي درجة العقل الذي يكون ~~في حال الاستعداد التام، والذي يمكن أن تحصل فيه في كل وقت صور المعقولات المكتسبة بعد ~~الحقائق الأولية، وتسمى هذه الدرجة «العقل بالفعل»، وإن كان لا يزال بالحقيقة درجة ~~«العقل بالقوة» العليا. # وبما أن العقل يكون مستعدا على هذا الوجه، فإن قوة إدراك الصور تتحقق فيه، ~~ويتحول هذا العقل إلى ما يجب أن يسمى «العقل بالفعل» ضبطا، ولكن الاصطلاح الناقص ~~يطلق عليه اسم «العقل المستفاد». # ويضع ابن سينا فوق هذه الدرجة من العقل حالا ثالثة، مشتركة بين عدد قليل من الناس، وهي ~~ما يسميها «العقل القدسي»، فهذا العقل يعرف الأشياء مباشرة، وبه يدخل في ~~التصوف. # وقد يسر القارئ بالاطلاع على المقارنة الآتية، المقتطفة من «الإشارات»، والتي تفسر ~~فيها أدوار هذه العقول المتتابعة؛ قال ابن سينا: # 20 ~~«ومن قوى النفس ما لها، بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها، عقل بالفعل؛ فأولها ~~قوة استعدادية لها نحو المعقولات، وقد يسميها قوم «عقلا هيولانيا»، وهي المشكاة، ~~وتتلوها قوة أخرى تحصل لها عند حصول المعقولات الأول لها، فتتهيأ بها لاكتساب الثواني إما ~~بالفكرة، وهي الشجرة الزيتونة إن كانت أضعف، أو بالحدس، فهي زيت، أيضا، إن كانت أقوى من ~~ذلك، فتسمى «عقلا بالملكة»، وهي الزجاجة، والشريفة البالغة منها قوة قدسية يكاد زيتها يضيء ~~ولو لم ms128 تمسسه نار، ثم يحصل لها بعد ذلك قوة وكمال. أما الكمال فأن تحصل لها المعقولات ~~بالفعل مشاهدة متمثلة في الذهن، وهو نور على نور. وأما القوة فأن يكون لها أن ~~تحصل المعقول المكتسب المفروغ منه كالمشاهد متى شاءت من غير افتقار إلى اكتساب، وهو ~~المصباح. وهذا الكمال يسمى «عقلا مستفادا»، وهذه القوة تسمى «عقلا بالفعل»، والذي ~~يخرج من الملكة إلى الفعل التام، ومن الهيولاني أيضا إلى الملكة، فهو «العقل الفعال»، ~~وهو النار.» # وللعقل الفعال في مذهب ابن سينا عين الدور الذي له في مذهب الفارابي، قال مؤلفنا: ~~«من الواضح أن العقل بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بسبب وجود عقل بالفعل دائما»، وكل ~~نوع من الإدراك أو العلم يقوم على ارتسام صورة الشيء في الفاعل. والواقع أن هذه الصور ~~المحسوسة أو المعقولة لا تكون أمام الفاعل دائما، فيجب حفظها في موضع ما، وتحفظ الصور ~~المحسوسة في الذاكرة، ولكن الصور المعقولة التي لا يمكنها الاستقرار إلا في جوهر لا جسمي، ~~ما دام مفترضا خروجها من عقلنا، لا يمكن أن تلقى في غير جوهر خارج عنا، وهذا الجوهر هو ~~عقل بالفعل، ومتى اتصلت النفس الناطقة به أدركت الصور المعقولة فيه، أو هذه أو تلك ~~الصور من هذه الصور وفق استعداده، «ولا تدرك النفس العاقلة شيئا إلا باتصالها بالعقل الفعال.» # 21 # وناهض ابن سينا الفلاسفة الذين يزعمون أن النفس - باتصالها بالعقل الفعال - تصير هذا ~~العقل نفسه، فقد لاحظ أن هذا يجعل العقل الفعال قابلا للتجزؤ، ما دامت النفس ~~متحدة بأحد أقسامه، أو أن هذا يفترض النفس الكاملة حائزة لجميع المعقولات. ولقد فند ~~من قبل هذا الرأي على الوجه الآتي، وهو: أن النفس إذ تشتمل على صورة تصير إياها. وقد سأل: ~~ما يفكر في أمر النفس إذا ما اشتملت على «ب» بعد اشتمالها على «أ»؟ أتصير نفسا أخرى، ~~أم إنه يستحيل عليها أن تشتمل على «ب» عقب اتصالها ب «أ»؟ # وفي نظرية ابن سينا أن وظيفة العقل الخاصة هي إدراك الكليات، وأن وظيفة الحواس ms129 هي إدراك ~~الجزئي، غير أن دراسة الكليات عند هذا الفيلسوف لا تؤدي إلى نظرية مستقلة، وإنما تظهر ~~هذه النظرية مثل تابعة في مواضع كثيرة من فلسفته، وقد لقيناها في المنطق، وسنلقاها فيما ~~بعد الطبيعة حيث ألحقت بنظرية العلل. وأما هنا - في علم النفس - فنستطيع استنباطها من ~~جميع ما قلناه عن الحواس والعقل. # والمعقولات موجودة، وقد وكد هذا تكرارا في كلام ابن سينا والفارابي، وهذه المعقولات ~~تختلط بالكليات كما هو حاصل القول، ويقول ابن سينا في مكان ما: # 22 # إن العامي يتصور أن الموجود هو المحسوس، وأنه لا وجود لغير المحسوس، ~~فيكفي - والحالة هذه - أن ينعم النظر قليلا ليرى بطلان هذا الاعتقاد، فخذ مثلا حدا ~~مجردا بذاته، كحد الإنسان مثلا، تجده يطبق على شيئين محسوسين: زيد وعمرو، وهذا ~~الحد إما أن يدرك بالحواس أو لا يدرك، فإذا ما أدرك بها فيجب أن يكون له - ككل ~~محسوس - مكان، ووضع، وكم، وكيفية وجود معينة، ولكنه يرى أنه ليس له من هذا شيء، ~~فليس لمفهوم الإنسان كمية ولا وضع ولا مكان ولا كيفية خاصة؛ ولذا فإن هذا المفهوم ليس ~~محسوسا، وإنما هو معقول صرف، وقل مثل هذا عن جميع الكليات. # والحواس تأتي النفس بالجزئيات التي هي محسوسة، فتستخرج النفس منها الكليات التي هي ~~معقولات، ولكنها لا تدركها بالفعل إلا باتصالها بالعقل الفعال حيث المعقولات قائمة. وأما ~~الجزئيات فإنها - فضلا عن إدراكها بالحواس - قابلة لإدراك العقل إياها، لا على أنها ~~جزئيات، بل على أنها معلولات لعللها. وهنا تتعلق هذه النظرية بما بعد الطبيعة، ويتألف من ~~هذا الإدراك علم الجزئي الذي هو عمل عقلي لا ينبغي أن يخلط بإدراك الجزئي بالحواس، ~~وهكذا يكون الأمر وفق مثال في فصل المنطق، يكرره ابن سينا نفسه، وهو أنه يشعر ~~بالكسوف الخاص في عين الوقت الذي يدرك فيه أنه معلول لحركات النجوم. ثم إن الكليات - ~~مع إدراك العقل لها - تدرك في الوقت نفسه في علاقاتها بمعلولاتها وعللها، فالكسوف - على ~~العموم - يدرك مثل معلول لتوسط القمر بين الشمس والأرض. # والخلاصة أن ms130 الإدراك الحسي هو على أساس جميع أعمال النفس، ولكن النفس العاقلة، بعد ~~انتفاعها بالمحسوس كيما تستعد لتقبل المعقولات في ذاتها، تنفصل عن الحواس ~~بالتدريج وتقترب - وفق طبيعتها - من الحقائق الكلية. وقد أجاد ابن سينا حيث قال: # 23 ~~«إن النفس - بعد أن تستعين بالحواس - ترجع إلى ذاتها شيئا فشيئا.» أي إنها ~~تتخلص من المادة مقدارا فمقدارا؛ كيما ترتقي إلى أحكام معقولة صرفة. # ولا مراء في جمال هذه النظرية. ومع ذلك فإنني أرى أن من طبيعتها تحريض من يقولون ~~بإعادة الأذهان أو المناهج إلى نطق مرسومة سلفا، وهي توفق ببراعة بين آراء جرت ~~العادة على عدها متباينة، وإلى مثالية أفلاطونية خالصة، تمتد هذه النظرية التي هي ~~تجربية في أولها بما تعطيه الحواس من شأن أساسي، فتكون أرسطوطاليسية بهذا، وذلك لما يوشك ~~العقل الفعال أن يتصل بعالم الأفكار. ومن الصعب أن يعين بالضبط من يرجع إليه فضل هذا ~~التوفيق، ولا أظن أننا نستطيع أن نشك الآن في قيام جهد شخصي في حقل التوفيق والتنسيق من ~~قبل فلاسفة العرب على أساس العنعنات الفلسفية، ويرجع النصيب الوافر من هذا الجهد ~~إلى ابن سينا نفسه مع كل احتمال، وذلك عقب سلفه العظيم: الفارابي. وأما السنة ~~التي سار عليها هؤلاء المفكرون، فمن الجلي أنها طريقة الأفلاطونية الجديدة في ~~الانتخاب. ~~••• # ويجد برهان روحانية النفس العاقلة لاحقه في برهان خلودها، وهذا ما قدمه ابن سينا مع ~~الإفاضة، وسنحاول عرض جوهر ما قاله في هذا الموضوع. # لقد استخلص أول وجه للدليل من شعور النفس المباشر بذاتها، أو بقواها على الأخص، ~~ويشابه هذا البرهان ذلك الدليل الذي يثبت الاختيار بالشعور به، ومهما يكن من أمر فإن ~~النفس تدرك ذاتها الخاصة، وهي تدركها بلا واسطة، وهي لا تخلط هذا الإدراك بالإدراكات ~~الحسية، ويسأل المؤلف في «الإشارات»: # 24 # أتوجد حال يشك الإنسان فيها في وجود ذاته الخاصة، ولا يكون موقنا بأمره؟ ~~وليكن الإنسان غارقا في التأمل أو نائما أو سكران، فإنه يدرك نفسه، وافترض أن ~~ذاتك منفصلة عن الكل، وأن أقسامها غير مرئية، ms131 وأن أعضاءها غير ملموسة، وأنها ~~كالمعلقة في الخلاء، تجد أنها تعود لا تشغل بالها بأي شيء خلا توكيدها أمر ~~حقيقتها، وكل يدرك ذاته من غير احتياج إلى أية قوة أخرى، ولا إلى أية واسطة، وكل ما ~~تدرك كأنه أنت، ليس ما ترى ولا ما تلمس، ولا عضوا من بدنك، ولا قلبك ولا دماغك، ~~فالذي تدرك كأنه أنت ليس المحسوس ولا أي شيء يشابهه. # وقد يخيل إليك - كما يوكد ابن سينا - أنك تدرك ذاتك بواسطة فعلك، ولكنك إذا كنت ~~توكد الفعل فإنك توكد الفاعل، وإذا كنت موقنا بفعاليتك فإنك تكون موقنا بنفسك مثل ~~فاعل، لا بطريق الاستنتاج، بل من فورك، وإن مبدأ القوى التي تدرك مجموع عناصر الجسم البشري ~~وتحفظه وتحركه هو ما تسميه النفس، وهو جوهر ينبسط في جسمك كالساق التي تنشر أغصانها، ~~وهذا الجوهر هو أنت لا ريب. # وفي «النجاة» بيان قوي عن البرهان القائل: إن القوة العاقلة تدرك بلا آلة، ولهذا البيان ~~قيمة برهان ثان، فقد عاد الأمر لا يدور - فقط - حول إثبات كون النفس العاقلة شاعرة ~~بنفسها مباشرة، بل حول كون القوة العقلية «تتعقل بذاتها، لا بآلة جسدية»، «فنقول: # 25 # إن القوة العقلية لو كانت تعقل بالآلة الجسدانية، حتى يكون فعلها الخاص ~~إنما يتم باستعمال تلك الآلة الجسدانية، لكان يجب أن لا تعقل ذاتها، وأن لا تعقل الآلة، ~~ولا أن تعقل أنها عقلت، فإنه ليس بينها وبين ذاتها آلة، وليس بينها وبين آلتها، ولا بينها ~~وبين أنها عقلت آلة.» # وعلى العموم تدرك القوى - التي تعقل بآلة - شيئا خارجا عن ذاتها وعن هذه الآلة ~~نفسها. أجل، إن إدراك الحواس الخاص وإدراك قوى النفس الحيوانية الأخرى يتم بآلة، غير ~~أن الحواس وهذه القوى تدرك أمورا خارجية فقط، وهي لا تدرك آلاتها ولا ماهياتها ~~الخاصة، والقوة العقلية وحدها هي التي تدرك ماهيتها الخاصة؛ ولذا فهي تدرك بلا ~~آلة. # ويقول ابن سينا مواصلا: «وأيضا، مما يشهد لنا بهذا ويقنع فيه أن القوى ~~الدراكة بانطباع الصور في الآلات يعرض لها من إدامة ms132 العمل أن تكل لأجل أن ~~الآلات تكلها إدامة الحركة، وتفسد مزاجها الذي هو جوهرها وطبيعتها ... والأمر في ~~القوة العقلية بالعكس، فإن إدامتها للتعقل وتصورها للأمور الأقوى يكسبها قوة وسهولة ~~قبول لما بعدها.» # 26 # ولو كانت القوة العقلية خاصية جسمانية مشابهة للأخرى، لوجب أن تضعف بعد ~~سن الأربعين. أجل إنه يعترض بأن النفس في دور الهرم وفي بعض الأمراض تنسى ما ~~أدركت، غير أنه لا قيمة لهذا الاعتراض؛ وذلك لأننا بعد إثبات كون النفس تعمل بذاتها، إذا ما ~~سلمنا - زيادة على ذلك - بأنها تنقطع عن العمل عندما يعوزها البدن، لا يمكننا أن ~~نجد في ذلك تناقضا ولا إشكالا. # وهناك وجه آخر للإثبات يقوم على بيان أن مكان المعقولات جوهر غير عقلي، ويطبق هذا ~~الدليل على النفس العاقلة كما يمكن أن يطبق على العقل الفعال، فابن سينا يقدمه في ~~«النجاة» على شكل رياضي، نرى من حب الاطلاع نقله، قال المؤلف: # 27 ~~«إن الجوهر الذي هو محل المعقولات ليس بجسم، ولا قائم بجسم على أنه قوة فيه أو ~~صورة له بوجه، فإنه إن كان محل المعقولات جسما أو مقدارا من المقادير، فإما أن ~~يكون محل الصور فيه طرفا منه لا ينقسم، أو يكون إنما يحل منه شيئا منقسما، ~~ولنمتحن أولا أنه هل يمكن أن يكون طرفا غير منقسم، فأقول إن هذا محال؛ وذلك أن ~~النقطة هي نهاية ما لا تميز لها في الوضع عن الخط والمقدار الذي هو منته إليها ~~حتى ينتقش فيها شيء من غير أن يكون في شيء من ذلك الخط، بل كما أن النقطة لا تنفرد ~~بذاتها، وإنما هي طرف ذاتي لما هو بالذات مقدار كذلك، إنما يجوز أن يقال بوجه ~~ما: إنه يحل فيها شيء إذا كان ذلك الشيء حالا في المقدار الذي هي طرفه، ~~فيتقدر به بالعرض، فكما أنه يتقدر به بالعرض كذلك يتناهى بالعرض مع ~~النقطة. # ولو كانت النقطة منفردة تقبل شيئا من الأشياء لكان يتميز لها ذات، فكانت ~~النقطة حينئذ ذات جهتين؛ جهة منها تلي الخط ms133 الذي تميزت عنه، وجهة منها مخالفة ~~لها مقابلة، فتكون حينئذ منفصلة عن الخط، وللخط نهاية غيرها يلاقيها، فتكون تلك ~~النقطة نهاية الخط، لا هذه، والكلام فيها وفي هذه النقطة واحد، ويؤدي هذا إلى أن ~~تكون النقط متشافعة في الخط، إما متناهية وإما غير متناهية، وهذا أمر قد بان ~~لنا في مواضع أخرى استحالته، فقد بان أن النقط لا تتركب بتشافعها، وبان أيضا أن ~~النقطة لا يتم لها وضع خاص، ونشير إلى طرف منها، فنقول: إن النقطتين حينئذ اللتين ~~يطيفان بنقطة واحدة من جنبتيها، إما أن تكون النقطة المتوسطة تحجز بينهما ~~فلا يتماسان، فيلزم حينئذ في البديهة العقلية الأولية أن يكون كل واحد منهما ~~يختص بشيء من الوسطى تماسه، فتنقسم حينئذ الواسطة، وهذا محال، وإما أن تكون ~~الوسطى لا تحجز المكتنفتين عن التماس، فحينئذ تكون الصورة المعقولة حالة ~~في جميع النقطة، وجميع النقط كنقطة واحدة، وقد وضعنا هذه النقطة الواحدة منفصلة ~~عن الخط، فللخط من جهة ما ينفصل عنها طرف غيرها به ينفصل عنها، فتلك النقطة تكون ~~مباينة لهذه في الوضع، وقد وضعت النقط كلها مشتركة في الوضع. # هذا خلف، فقد بطل أن يكون محل المعقولات من الجسم شيئا غير منقسم، فبقي أن ~~يكون حلها من الجسم، إن كان محلها جسما، شيئا منقسما، فلنفرض صورة معقولة في ~~شيء منقسم، فإذا فرضناها في الشيء المنقسم انقساما عرض للصورة أن تنقسم، فحينئذ ~~لا يخلو إما أن يكون الجزءان متشابهين أو غير متشابهين، فإن كانا متشابهين فكيف ~~يجتمع منهما ما ليس إياهما، اللهم إلا أن يكون ذلك الشيء شيئا يحصل فيهما من جهة ~~الزيادة في المقدار أو الزيادة في العدد لا من جهة الصورة، فيكون حينئذ للصورة ~~المعقولة شكل ما أو عدد ما، وليس صورة معقولة بمشكلة، وتصير حينئذ الصورة ~~خيالية، لا عقلية ... وإن كانا غير متشابهين فلننظر كيف يمكن أن يكون للصورة ~~المعقولة أجزاء غير متشابهة ، فإنه ليس يمكن أن تكون الأجزاء الغير المتشابهة إلا ~~أجزاء الحد التي هي الأجناس والفصول، ويلزم من ms134 هذا محالات منها أن كل جزء من ~~الجسم يقبل القسمة أيضا في القوة قبولا غير متناه، فيجب أن تكون الأجناس ~~والفصول بالقوة غير متناهية. # وقد صح أن الأجناس والفصول الذاتية للشيء الواحد ليست في القوة غير متناهية، ~~ولأنه ليس يمكن أن يكون توهم القسمة يفيد الجنس والفصل تمييزا بينهما، بل ما لا ~~يشك فيه أنه إذا كان هناك جنس وفصل يستحقان تمييزا في المحل أن ذلك التمييز ~~لا يتوقف على توهم القسمة، فيجب أن تكون الأجناس والفصول بالفعل أيضا غير ~~متناهية. وقد صح أن الأجناس والفصول وأجزاء الحد للشيء الواحد متناهية من كل وجه، ~~ولو كانت غير متناهية بالفعل لما كان يجوز أن يجتمع في الجسم اجتماعا على هذه ~~الصورة، فإن ذلك يوجب أن يكون الجسم الواحد انفصل بأجزاء غير متناهية، وأيضا ~~لتكن القسمة وقعت من جهة، فأفرزت من جانب جنسا ومن جانب فصلا، فلو غيرنا ~~القسمة لكان يقع منها في جانب نصف جنس ونصف فصل، أو كان ينقلب الجنس إلى مكان ~~الفصل والفصل إلى مكان الجنس، فكان فرضنا الوهمي يدور مقام الجنس والفصل فيه، ~~وكان يغير كل واحد منهما إلى جهة ما بحسب إرادة من بدن خارج، على أن ذلك أيضا ~~لا يفنى، فإنه يمكننا أن نرقع قسما في قسم، وأيضا ليس كل معقول يمكن أن ~~يقسم إلى معقولات أبسط منه؛ فإن ها هنا معقولات هي أبسط المعقولات ومبادئ ~~للتركيب في سائر المعقولات، وليس لها أجناس ولا فصول، ولا هي منقسمة في الكم، ولا ~~هي منقسمة في المعنى، فإذن ليس يمكن أن تكون الأجزاء المتوهمة فيه غير متشابهة، كل ~~واحد منها هو في المعنى الكل، وإنما يحصل الكل بالاجتماع، فإذن كان ليس يمكن أن ~~تنقسم الصورة المعقولة، ولا أن تحل طرفا من المقادير غير منقسم، ولا بد لها ~~من قابل فينا، فبين أن محل المعقولات جوهر ليس بجسم، ولا أيضا قوة في جسم، ~~فيلحقه ما يلحق الجسم من الانقسام، ثم يتبعه سائر المحالات. # ولا أدري ما يفكر فيه حول ms135 هذا البرهان، وقد يجب وجود روح هندسية ~~لتذوقه، وأعترف بأنني نقلته مسرورا لما وجدت من طعم كثير على ما فيه من تطويل، ~~ثم إن مما لا ريب فيه أنه كان يعلق أهمية كبيرة على ابن سينا، فقد دعاه ~~الشهرستاني، الذي كرره مع تلخيص القسم الأول منه ب «البرهان القاطع»؛ ولذا فإن ~~لنا عذرا في إيراده.» # وقد أتبع ابن سينا هذا الدليل الطويل بآخر أقصر منه كثيرا على أنه وجه آخر ~~له، واليوم عادت النفوس غير متعودة جفاء البرهنة السكلاسية، فقد يبدو الشكل ~~الآتي للبرهان أحسن من ذاك. قال ابن سينا: «ولنا أن نبرهن على هذا ببرهان آخر، ~~فنقول: إن القوة العقلية هي التي تجرد المعقولات عن الكم المحدود، والأين، ~~والوضع، وسائر ما قيل، فيجب أن ننظر في ذات هذه الصورة المجردة عن الوضع كيف ~~هي مجردة عنه، هل ذلك التجرد بالقياس إلى الشيء المأخوذ منه، أو بالقياس إلى ~~الشيء الآخذ؟ أعني أن هذه الذات المعقولة تتجرد عن الوضع في الوجود الخارجي ~~أو في الوجود المتصور في الجوهر العاقل، ومحال أن يكون كذلك في الوجود ~~الخارجي، فبقي أن تكون إنما هي مفارقة للوضع والأين عند وجودها في العقل، فإذن ~~إذا وجدت في العقل لم تكن ذات وضع، وبحيث تقع إليها إشارة تجري أو انقسام أو ~~شيء مما أشبه هذا المعنى، فلا يمكن أن تكون في جسم.» # وقد أضاف المؤلف إلى ما تقدم قوله: «وأيضا فإنه قد يصح لنا أن المعقولات ~~المفروضة التي من شأن القوة الناطقة أن تعقل بالفعل واحدا واحدا منها غير ~~متناهية بالقوة، ليس واحد أولى من الآخر. وقد صح لنا أن الشيء الذي يقوى على ~~أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن يكون محله جسما ولا قوة في جسم.» # وخلود النفس نتيجة مباشرة لروحانيتها، وبما أن النفس العاقلة غير مرتسمة في البدن، وبما ~~أنها جوهر روحاني مستقل ليس البدن سوى آلة له، فإن زوال هذه الآلة لا يصيب هذا الجوهر. ~~وبما أن النفس - عند اتصالها بالعقل الفعال - تدرك ms136 بذاتها من غير احتياج إلى أعضاء، فإن ~~زوال هذه الأعضاء لا يمكن أن يضرها، وهذه النتائج واضحة، # 28 # ثم إن ابن سينا هو الآن أقل إقبالا على إثبات خلود النفس العاقلة مما على ~~البحث عن وجه تعلقها بالبدن. # وقد قال ابن سينا # 29 # بثلاثة أنواع للتعلق، وهي: تعلق المكافئ في الوجود، وتعلق المتأخر، وتعلق ~~المتقدم، فإن كان تعلق النفس بالبدن تعلق المكافئ، وكان هذا التعلق ذاتيا، فإن كلا ~~منهما يضاف إلى صاحبه إضافة ذات، ولا يكون في الحقيقة جوهران، بل جوهر واحد، وهذا باطل، ~~وإن كان هذا التعلق عرضيا فقط، فإن أحد الاثنين لا يزول بموت الآخر، بل يكون هناك ~~جوهران: البدن والنفس، يمكن أن يوجدا انفرادا، # 30 # وإن كان التعلق تعلق المتأخر في الوجود، فإن البدن يكون علة للنفس في ~~الوجود حينئذ، والعلل أربع كما هو معلوم، فمن المحال أن يكون البدن علة فاعلية للنفس، ~~معطية لها الوجود؛ وذلك لأن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا، وإنما يفعل بقواه، ومن ~~المحال أن يكون البدن علة مادية، فقد قلنا: إن النفس جوهر مطبوع في البدن كصورة الصنم ~~المطبوعة في النحاس، ومحال أن يكون البدن مطبوعا في النفس بتركيب تدخل النفس فيه، فيكون ~~البدن علة صورية للنفس، ومحال أن يكون البدن علة كمالية للنفس، والأولى أن يكون الأمر ~~بالعكس؛ ولذا ليس تعلق النفس بالبدن تعلق معلول بعلة ذاتية، وإنما يمكن أن يكون ~~البدن علة بالعرض، ومتى حدث البدن والمزاج صلحا أن يكونا آلة النفس وملكا لها. # وأما القسم الثالث من التعلق، فهو تعلق المتقدم، فيكون التقدم للنفس على البدن، وتكون ~~النفس علة البدن في الوجود، فإن كان هذا التقدم في الزمان، فإن من المحال أن تتعلق ~~النفس بوجود البدن وقد تقدمته في الزمان، وإن كان هذا التقدم في الذات، فإن هذا ~~يعني أن الذات المتقدمة تصدر عن الذات المتأخرة لزوما، ولكن عدم المتأخر يوجب ~~افتراض عدم المتقدم حينئذ، مع أن المتأخر لا يمكن أن يكون معدوما إلا إذا عرض للمتقدم ms137 ~~ما أعدمه، وإذا كان كذلك وجب أن يكون السبب المعدم قد عرض في جوهر النفس، فيفسد معه ~~البدن، وألا يكون البدن قد فسد بسبب يخصه، لكن فساد البدن يكون بسبب يخصه من تغير ~~المزاج أو التركيب، فباطل أن تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات؛ ومن ثم ~~يستنتج عدم وجود تعلق ذاتي في النفس بالبدن، وإنما يوجد تعلق عرضي يأتي من مبادئ ~~عالية، وبما أنه لا يوجد غير تعلق عرضي، فإن النفس لا تفسد بموت البدن. # ثم بما أن النفس جوهر بسيط، فإنها لا تستطيع أن تجمع في نفسها فعل الوجود وقوة ~~الفساد؛ وذلك لما يرى ابن سينا من تضاد هذين الشرطين، وعدم إمكان التوفيق بينهما ببساطة ~~الجوهر، ولا يمكن وجود قوة الفساد في غير الأشياء المركبة أو الأشياء البسيطة التي تبقى في ~~المركبة. # وجميع هذه البراهين في خلود النفس خاصة بما بعد الطبيعة قطعا، ولا يلوح أن ابن سينا ~~عني كثيرا بالأدلة الخلقية أو الصوفية، ولا يعني هذا أنها كانت مجهولة في ذلك ~~الحين، ولا ريب في وجودها لدى علماء الكلام، وقد قدم إخوان الصفا، الذين تجد ~~لمنهاجهم مسحة خلقية أكثر مما تجد في منهاج الفلاسفة، برهانا شعبيا ظريفا نفعا للخلود، # 31 # فقالوا: إنه يرى أن جميع الناس يبكون موتاهم، وليست الأبدان هي التي يبكون ما ~~دامت الأبدان تحت أعينهم، وما داموا يدفنونها عادة بدلا من تحنيطها، وإنما نشأ بكاؤهم عن ~~أمر آخر، فر بعيدا من الجثث. # وفي مذهب ابن سينا أن النفس الإنسانية لا توجد قبل البدن، فكل نفس تخلق عند حدوث البدن، # 32 # وهي تكتسب تكييفا خاصا بالنسبة إلى البدن، ومن المستحيل أن توجد الأنفس ~~قبل أبدانها؛ وذلك لأنها لا يمكن أن تكون في ذلك متكثرة ولا واحدة، وهي لا يمكن ~~أن تكون متكثرة؛ لأنه لا يمكن أن تتغاير، وعلى العموم لا يمكن أن تصير الأشياء ~~المجردة الصرفة متكثرة إلا بأشياء أخرى عينية تحتملها، وأما في حد ذاتها فإنها لا ~~تتغاير ولا يمكن أن تعين، ثم إن ms138 النفوس ليست آحادا متحدة قبل دخولها في الأبدان؛ وذلك ~~لأن النفوس التي هي في الأبدان إما أن تكون أجزاء لهذه النفس الوحيدة، ولكن مع كونها شيئا ~~واحدا بلا عظم ولا حجم، غير قابلة للانقسام بالقوة، وإما أن تكون هذه النفوس آحادا في ~~الأبدان أيضا، وهذا باطل بيقين شعوري. # وتحدث النفوس وتكثر - إذن - عند ولادة الأبدان، وهي تعاني إعدادا يناسب به كل واحدة ~~منها الجسم الذي يجب أن تسيطر عليه، ويظهر أن الوجه الذي يتم به هذا الإعداد قد بقي ~~خفيا بعض الخفاء على عين ابن سينا. # ومتى تركت الأنفس الأبدان فإن هذا الاختلاف الأصلي، المضاف إلى اختلاف أزمنة ~~حدوثها وانطلاقها خارج الأبدان، يحول دون اختلاطها، فتبقى ذوات منفصلة. # والحاصل، # 33 # أن كل حي يدرك بشعوره أنه لا يوجد فيه غير نفس واحدة، تحس وتعمل ~~ببدنها، وتسيطر على البدن اختياريا، وما كان لنفس أخرى أن تحس بهذا البدن، ولا أن ~~تعمل به، ولا أن تتجلى فيه على الإطلاق، فلا تعلق بينها وبين هذا البدن، وينتهي ~~ابن سينا بوحدة النفس الفردية هذه إلى استحالة التناسخ. # 34 # ومن الواضح أن ابن سينا بذل وسعه بهذه البراهين الأخيرة، وذلك كما أعتقد مخلصا، في ~~مكافحة مناحي وحدة الوجود، التي كان يمكن أن يجر إليه مذهبه، وهذا الجهد هو من الإمتاع ~~البالغ؛ وذلك لأننا ندرك به الحد الذي يتغلب به - في ذهن الفيلسوف - نفوذ العقيدة على ~~نفوذ الفلسفة، فعلى الفلسفة أن تنحني أمام علم الكلام فيما وراء هذا الحد، وعلى كل منهاج ~~- في هذه الناحية - أن ينظم، عند امتداده إلى هذه النقطة، على وجه لا يصدم به العقيدة، ~~ويجاوز ابن سينا هذا المجاز بلا عائق، فيثبت أنه وفق لإقامة اتصال بين العلم ~~والاعتقاد، اللذين لحم أحدهما بالآخر، وإن شئت فقل: إنه قام بعمل السكلاسي. # الفصل التاسع # | إلهيات ابن سينا # العالم العلوي - نظرية انبثاق الأفلاك - اختراع المسبب الأول - الموجود الأول ~~والمسبب الأول - مبدأ العلة وتحليله عند ابن سينا - التوحيد بين العقل والعلة - ~~نظرية الكليات المتفرعة عن نظرية ms139 العلل - واجب الوجود. ~~*** # اعلم أن ما بعد الطبيعة، الذي يطلق عليه فلاسفة العرب اسم «الحكمة الأولى»، والذي ~~يدعوه كتاب النجاة ب «الإلهيات» على الخصوص هو علم عالم الموجودات العلوية والله، وهو ~~يؤلف في منهاج ابن سينا رسما كريما، تلقي سطوره الرئيسة شعاعا حول مذهبين كبيرين، ~~وهما: انبثاق الموجودات، والسببية. # وفي العالم العلوي تتم سلسلة الموجودات التي رأينا أن درجاتها تجاوز العالم الطبيعي ~~والعالم النفسي، وإليك كيف يبسط ترتيب الموجودات بين عالمنا والله، كما جاء في الرسالة النيروزية # 1 # الطريفة التي ذكرها ابن أبي أصيبعة، ونشرت في مجموعة «رسائل في الحكمة»: ~~«واجب الوجود هو مبدع المبدعات ومنشئ الكل، وهو ذات لا يمكن أن يكون ~~متكثرا، أو متحيزا، أو متقوما بسبب في ذاته، أو مباينا في ذاته، ولا يمكن ~~أن يكون وجود في مرتبة وجوده فضلا عن أن يكون فوقه ... هو الوجود المحض، والحق ~~المحض، والخير المحض، والعلم المحض، والقدرة المحضة، والحياة المحضة من غير أن ~~يدل بكل واحد من هذه الألفاظ على معنى منفرد على حدة، بل المفهوم منها عند ~~الحكماء معنى وذات واحد ... وأول ما يبدع عنه عالم العقل، وهو جملة تشتمل على عدة ~~من الموجودات قائمة بلا مواد خالية عن القوة والاستعداد، عقول ظاهرة وصور باهرة، ~~ليس في طباعها أن تتغير، أو تتكثر، أو تتحيز، كلها تشتاق إلى الأول، والاقتداء ~~به، والإظهار لأمره، والالتذاذ بالقرب العقلي منه سرمد الدهر على نسبة ~~واحدة. # ثم العالم النفسي هو يشتمل على جملة كثيرة من ذوات معقولة، ليست مفارقة للمواد ~~كل المفارقة، بل هي ملابستها نوعا من الملابسة، وموادها مواد ثابتة سماوية، ~~فلذلك هي أفضل الصور المادية، وهي مدبرات الأجرام الفلكية وبواسطتها للعنصرية، ~~ولها في طباعها نوع من التغير ونوع من التكثر لا على الإطلاق، وكلها عشاق للعالم ~~العقلي، لكل عدة مرتبطة في جملة منها ارتباطا بواحد من العقول، فهو عامل على ~~المثال الكلي المرتسم في ذات مبدئه المفارق مستفاد عن ذات الأول، ثم عالم ~~الطبيعة، ويشتمل على قوى سارية في الأجسام، ملابسة ms140 للمادة على التمام، تفعل فيها ~~الحركات والسكونات الذاتية، وترقى عليها الكمالات الجوهرية على سبيل التسخير، فهذه ~~القوى كلها فعال، وبعدها العالم الجسماني، وهو ينقسم إلى أثيري وعنصري، وخاصية ~~الأثيري استدارة الشكل والحركة ... وخاصية العنصري التهيؤ للأشكال المختلفة والأحوال ~~المتغايرة.» # ومع ذلك، فإن الشكل الاعتيادي الذي تشتمل عليه نظرية انبثاق الأفلاك لدى ابن سينا، وفي ~~جميع المدرسة الفلسفية العربية كما هو ظاهر، ليس الشكل المعروض بهذه الرسالة الجميلة، ~~وتكون هذه النظرية أكثر جفاء بمظهرها المعتاد، ومع أن عالم العقل موجود فيها أيضا لم ~~يذكر فيها باسمه، ولا يستخلص منها بصراحة، وإليك هذا الشكل المشترك: وفوق الكل يكون الله ~~الذي لا يدعوه الفلاسفة باسمه، بل يدلون عليه بتعابير ما بعد الطبيعة، وهي: الواحد، ~~والأول، وواجب الوجود، والسبب الأول، والحق الأول، وعن الله يصدر موجود واحد ثان، وهو الذي ~~يسمى العقل المحض المسبب الأول، وعن المسبب الأول تصدر نفس فلك العالم المحدود ~~وجسمه معا كما يصدر عقل، وعن هذا العقل تصدر نفس زحل، الذي هو أبعد السيارات، كما يصدر ~~عقل ثالث، وعن هذا العقل الثالث تصدر نفس المشتري، الذي هو سيارة تالية، كما يصدر عقل رابع ~~يكون عقل الفلك، الذي يتبع المشتري في نظام السيارات، ويدوم الانبثاق وفق هذا النظام، ~~وعن عقل القمر الذي هو آخر سيارة يصدر آخر عقل محض، وهو العقل الفعال، وعن العقل الفعال ~~يصدر العالم الأرضي. # فمن هذا البيان يرى أنه يتألف من العقل الفعال وعقول الكواكب الصرفة مجموع عالم ~~العقول، الذي كان أكثر وضوحا في المنهاج الأول. # ولكننا نشعر بأنه سيكون لدى القراء أثر سيئ ضد ابن سينا عند سماع هذه النظرية، فيستعدون، ~~كما يلوح لنا - لإغلاق الكتاب - لائمين إيانا على إنفاق كثير من العلم والتدقيق لنيل ~~إعجابهم، ثم لجعلهم ينقضون نهائيا، على منهاج همجي أو منهاج صبي، فنرى - والحالة هذه ~~- أن من الواجب أن ندافع عن بطلنا حيال هذه المشاعر الجائرة، كما نرى من الواجب أن نساعد ~~القارئ ، الذي يمكن أن تؤدي دقيقة غيظ أو خور إلى ms141 خسرانه جميع ثمرة صبره السابق. # والحق أننا لا نزعم أن فكرة تثبيت النجوم على أفلاك من بلور مشتملة على هذه وتلك، ومنح ~~هذه الأفلاك أرواحا وعقولا، تنطوي على فائدة في زماننا، وإنما نريد الإشارة إلى أن هذه ~~الفكرة إذا ما وضعت في مكانها في تاريخ معتقدات الإنسان، وجد أنها - بالأمد الطويل الذي ~~شغلت فيه ذهن الإنسان - تعود مهمة ممتعة جميلة، فتستحق ضربا من الاحترام بسبب عمق ~~الجذور التي تغرس في الماضي. والحق أن اعتقاد حياة النجوم ليس شيئا غير حال خاصة عجيبة ~~لاعتقاد حياة الطبيعة، التي تسمى في تاريخ الأديان بالطبيعية، # 2 # وأن الأرواح عند الرجل الفطري كانت تسيطر على النجوم كما كانت تسيطر على ~~الرياح والسحب ومجاري المياه ونمو النباتات، وإنما امتازت أرواح النجوم - في نظر راصدي ~~كلدة باكرا - من القوى الروحية في الطبيعة الأرضية، وارتقت فوقها بالجلال والصفاء ~~والتناسق في مظاهرها، وقد حقق أكثر العلوم ابتدائية تباين ما بين طبيعة الموجودات ~~الدنيا، الخاضعة للتولد والفساد، والذاهبة في تقصي مركب الظاهرات الجامحة المتقلبة، ~~وطبيعة الموجودات الفلكية التي تبدو ناجية من الولادة والممات، فتقوم بحركاتها الموزونة في ~~الفضاء الثابت قياما بهيا، ولو كان الهدوء والخلود يناسبان الآلهة الأعلين لكان النجوم ~~هؤلاء الآلهة، وبما أن الآلهة خالدون - كما يلوح - فإن أجسامهم الإلهية صنعت من مادة غير ~~مادة أجسامنا القابلة للانحلال. # إذن ليس هذا مريبا، فنظرية روح الأفلاك في الفلسفة اليونانية وفلسفة القرون الوسطى ~~مواصلة لعبادة النجوم الابتدائية وعبادة النجوم لدى الكلديين تماما؛ ويرفع شأن هذا ~~الاعتقاد باعتبارات عن انسجام الأعداد، فتسيطر على فلسفة فيثاغورس، ويكون لها موقع في فلسفة ~~أفلاطون، ويزعم شارحو العرب أنها موجودة في كتب أرسطو، وإن كنا نرى أنها ظاهرة فيها ~~قليلا، ثم عادت إلى الظهور في الأفلاطونية الجديدة، وغدت غير مادية في سنوحات ~~الأدريين، ثم لما بدت في السكلاسية الشرقية وجد أنها أعيدت إلى مكانها الأصلي؛ أي إلى ~~كلدة ذات الفلك الصافي، حيث كان الناس قد علقوا أبصارهم في النجوم مع التأمل. وقد ~~قلنا: إن عبادة النجوم ms142 كانت لا تزال موجودة في ذاك الحين؛ فقد كان علماء حران عبدة ~~نجوم؛ ولذا فإن النظرية عندما رجعت إلى هذه البقاع بشكلها الفلسفي وجدت أذهانا لم تزل ~~خاضعة لنفوذ شكلها الديني، فلم تلق صعوبة في دخول دماغ المفكرين بفضل هذه الحال. # ولما حدث - في أوائل القرون الحديثة - ذلك الانقلاب الذي حول علم الفلك قضي بالعجب ~~من جرأة العالم الذي قلب نظام الأفلاك بإزاحة الأرض من مكانها القديم، مقيما الشمس ~~مقامها، ولكن من الحق أن يقال: إن الفكرة الجديدة لم تكن فكرة إزاحة الأرض من مركز العالم؛ ~~وذلك لأن هذه الفكرة كانت قد تمثلت لذهن الباحثين، منذ زمن طويل، على شكل فرضية، وذلك أن ~~مجرد كون كثير من الفلاسفة - ومنهم ابن سينا - قد كتبوا ليثبتوا أن الأرض واقعة في وسط العالم، # 3 # يدل على إمكان قبول النظرية المعاكسة، ولو بالعقل على الأقل، وإنما اكتشاف ~~القرون الحديثة الحقيقي هو الاكتشاف الذي قطع به ذهن الإنسان صلته نهائيا بعادات ما قبل ~~التاريخ في الطبيعية، فعاد لا يعتقد بسمو الأجرام السماوية، واعترف بأن النجوم مركبة من ~~عناصر كيماوية، كالتي تتركب منها عناصر عالمنا، وبأنها خاضعة لمثل قوانينه الطبيعية ~~والميكانية، وبما أن ابن سينا متقدم على عصر هذا الاكتشاف، فإنه لا يلام على جعل منهاجه ~~ملائما لعلم زمانه، وهنا نكرر قولنا: إن عيب فلسفته ليس في غير استنساخ عيب العلم في ~~عصره. # ولنرجع الآن إلى مجرى عرضنا: إن المعضلة الكبرى التي كانت أول ما توضع في النظرية ~~العامة لانبثاق الموجودات هي معضلة انبثاق التكثر، والأمر يدور حول معرفة الكيفية التي ~~يصدر بها عالم كثير عن الموجود الواحد، والمبدأ القائم هو في أنه «لا يمكن أن يخرج من ~~الواحد غير الواحد»، ولو بوجه غير مباشر على الأقل. فلا بد - إذن - من اكتشاف طريقة تسمح ~~باستخراج المتكثر من الواحد على وجه مباشر، ففي سبيل هذا الغرض تصور المسبب ~~الأول. # كان لاختراع المسبب الأول فائدة رياضية يسهل تبينها، وذلك بما أنه لا يوجد أي ~~تكثر في الواحد إذا ms143 ما نظر إليه على انفراد، فإن من المتعذر استخراج تكثر الأشياء ~~من الواحد فقط، ولكن بما أن المسبب الأول - الذي هو واحد - قد خرج من الواحد الأول، ذات ~~مرة، فقد ظهر اثنان، ووقع تكثر علاقات، وما هنالك من مفاهيم نفسية عن الشعور والمعرفة ~~ممزوجة بمفاهيم ما بعد الطبيعة عن الممكن والواجب كان يعين طبيعة هذه العلاقات، وكان ~~المسبب الأول يعرف نفسه ويعرف الموجود الأول، فكان هذا يكون اثنينية، ثم إن المسبب الأول ~~كان ممكنا بذاته، واجبا بالموجود الأول، وبما أنه كان يعرف نفسه فإنه كان يعرف نفسه بهذين ~~الوجهين، وهكذا كانت تحدث ثلاثية. # وكان هذا يكفي ليؤدي إلى التكثر المطلوب؛ ولذا كانت النظرية تتخذ شكلا جدليا، وإليكه: # 4 ~~«ليس في الموجود الأول تكثر، ويكون في المسبب الأول ثلاثية لا تأتيه من الموجود ~~الأول، وإنما يأتي وجوب المسبب الأول من الموجود الأول، فيكون إمكانه في ذاته وما ~~ينطوي عليه من ثلاثية يقوم - كما قلنا - على كونه يعرف الموجود الأول، وأنه يعرف ~~ذاته مثل ممكن بذاته وواجب بالموجود الأول، ويصدر عن معرفة المسبب الأول للموجود ~~الأول عقل يعد أول واقع تحته، وهو فلك زحل، وتصدر عن معرفة المسبب الأول لذاته، ~~مثل واجب بالموجود الأول، وجود نفس هي نفس الفلك المحدود، ويصدر عن معرفته نفسه، ~~مثل ممكن، وجود جرم هذا الفلك المحدود، ثم يتكرر وجه الانبثاق هذا نازلا من ~~المرقاة الفلكية، ويصدر عن عقل زحل، من حيث يعرف الله، عقل فلك المشتري، ويصدر عن ~~عين العقل، من حيث يعرف ذاته نفس فلك زحل، وهكذا، فإن الصدور يستمر حتى يوصل إلى ~~العقل الفعال فيقف عنده، ويلاحظ ابن سينا أنه لا يوجد أية ضرورة لاستمرار الصدور ~~إلى غير نهاية. # وفي هذا المنهاج يرى كيف أن تدخل المسبب الأول لإحداث بدء التكثر أمر ~~بارع، ولكنه لا يرى في أول الأمر كيف أن وجوه معرفة المسبب الأول والعقول ~~التالية تؤدي إلى حدوث أجرام الموجودات الفلكية ونفوسها، فهنا أعترف بصعوبة تقديم ~~إيضاح عقلي حول هذه النقطة، ولنا أن ms144 نعتقد أن هذا الارتباك لا يأتينا عن عدم ~~اختصاصنا أو عن نقص استيعابنا لمنهاج ابن سينا؛ فقد أراد الغزالي - الذي هو فيلسوف ~~عربي آخر - أن ينتقد هذه النظرية، فلم ير من الضروري أن يستعين بأي دليل أو ~~برهان لدحضها، وإنما اكتفى بتصريحه أنها لا تفهم، ومع ذلك فإنه لا بد من وجود ~~دواع حملت ذهنا قويا مثل ذهن ابن سينا والفارابي على التزام هذا ~~المنهاج. # وقد ذهب ابن سينا في موضع # 5 # إلى أن كل عقل يحدث جواهر روحانية بقسم معرفته التي تشابه الصورة ~~كثيرا وجوهرا جسمانيا بقسم هذه المعرفة التي تشابه الهيولي، بيد أن هذا ~~القياس الدقيق ليس برهانا أيضا. # وأرى أن العوامل الحقيقية التي حملت فيلسوفنا على قبول هذا المذهب ترد إلى ~~أمرين، وهما: أولا: إمكان عد هذا المذهب ردا لنظريات الانبثاق إلى حدود ~~العقيدة الإسلامية؛ وذلك أن الانبثاق وجد أمرا نافعا بدلالته عظماء فلاسفة ~~الشرق - حتى أكثرهم حكمة - إلى ما يحلون به الوجود الإلهي جمعا له بالعالم، ~~وذلك عن رد فعل حيال بساطة المفهوم القرآني نحو الله، وعن ميل باد إلى المذاهب ~~المعارضة لهذه البساطة. ثانيا: إنه كان يساور هؤلاء الفلاسفة في كل وقت مفهوم ~~عميق، قائل: إن الجواهر الحقيقية كانت فعالة، وإن فعالية الموجود كانت تحدث ~~ظاهرات وموجودات، وإنه لم يكن - من حيث النتيجة - شيء غير طبيعي في كون أعلى العقول ~~تحدث موجودات علوية أيضا. وسنعود إلى هذه الفكرة القوية.» # وتواصل نظرية انبثاق الأفلاك بنظرية تحريك الأفلاك التي يرى بها تبدد جفاء ~~الأولى بضرب من الفيض الشعري. # كنا قد ذكرنا في الطبيعيات وجود ثلاثة أنواع للحركة، وهي: الحركة الطبيعية، التي ترد ~~الجسم إلى مكانه الطبيعي عندما تبتعد عنه، والحركة القسرية، التي تحدث ابتعاد الجسم هذا ~~عن مكانه الطبيعي، أو التي تمنع من رجوعه إليه، والحركة الإرادية الخاصة بالموجودات الحية، ~~والتي يقوم مبدؤها في القوى المحركة للنفس، فحركة الأفلاك من هذا النوع الثالث. # والحركة الطبيعية مستقيمة، وذلك كما أوضحنا، وذلك ما دامت ترد الأجسام إلى أماكنها ~~بطريق ms145 مباشرة؛ ولذا لا تكون الحركة المستديرة - كحركة الأفلاك - غير قسرية أو اختيارية، ~~وبما أنه لا يوجد ما يدل على كونها قسرية، فإننا نستنتج من هذا أن الأفلاك تتحرك بحركة اختيارية، # 6 # قال ابن سينا: # 7 ~~«ليس محرك الأفلاك القريب قوة طبيعية ولا عقلا، بل نفس، وأما محركها ~~البعيد فعقل.» ونفس الفلك هي السبب القريب لكل قسم من الحركة، والعقل هو السبب البعيد ~~العام، «والفلك متحرك بالنفس، والنفس مبدأ حركته القريبة، وتلك النفس متجددة التصور ~~والإرادة، وهي متوهمة؛ أي لها إدراك المتغيرات الجزئية وإرادة لأمور جزئية بأعيانها، وهي ~~كمال جسم الفلك وصورته ... # وبالجملة تكون أوهامها أو ما يشابه الأوهام صادقة، وتخيلاتها أو ما يشابه التخيلات ~~حقيقية.» ومع ذلك فإن مشابهة النفس الفلكية بنفسنا الحيوانية غير كاملة، فابن سينا ~~يدنيها في مواضع أخرى بعقلنا العملي؛ أي بالقسم الخلقي من نفسنا الناطقة، وهذه النفس ~~تحرك الفلك لداع خلقي، كما أن عقلنا العملي يحرك بدننا نظرا إلى الخير؛ قال مؤلفنا: # 8 ~~«وجب أن يكون مبدأ هذه الحركة اختيارا وإرادة لخير حقيقي.» # وماذا يمكن أن يكون هذا الخير الذي تبحث النفس الفلكية عنه؟ إنه يستخرج من كون الحركة ~~الفلكية أزلية ظاهرا: «فبقي أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته، ليس من ~~شأنه أن ينال، وكل خير هذا شأنه فإنما يطلب العقل التشبه به بمقدار الإمكان»، ~~ووجب أن يكون الفلك في حال ثبات ما بلغ قسم من هذا الخير، ووجب أن يتحرك الفلك دائما؛ ~~كيما يبلغ القسم البعيد المنال. # وهكذا يوضح انتظام حركة الكواكب ودوام هذه الحركة، وقد أضاف المؤلف إلى ذلك قوله: ~~«وتحقيق هذا هو أن الجوهر السماوي قد بان أن محركه محرك عن قوة غير متناهية، والقوة التي ~~لنفسه الجسمانية متناهية، لكنها بما تعقل الأول، فيسيح عليها من قوته ونوره دائما، تصير ~~كأن لها قوة غير متناهية ... إذن مبدأ حركة الفلك هو الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في ~~البقاء على الكمال الأكمل بحسب الممكن، ومبدأ هذا الشوق هو ما يعقل منه ، وأنت إذا ms146 تأملت ~~حال الأجسام الطبيعية في شوقها الطبيعي إلى أن تكون بالفعل أينا لم يتعجب أن يكون جسم ~~يشتاق شوقا إلى أن يكون على وضع من أوضاعه التي يمكن أن تكون له، وإلى أن يكون على أكمل ~~ما له من كونه متحركا.» # 9 # وتدل المشاهدة على أن حركات الأفلاك تختلف فيما بينها سرعة وميلا، فيستنبط من هذا ~~أن الغرض الذي يميل شوق الأفلاك إليه ليس واحدا لها كلها، وإلا لكانت حركاتها متساوية، ~~وغرض كل واحد منها في شوقه هو عقل خالص خاص. وتختلف الحركات باختلاف هذه العقول، # 10 # غير أن السبب الأول لحركة جميع الأفلاك وميلها البعيد واحد، وهو الله، وينشأ عن ~~الاشتراك في هذا الميل الأخير صفتان شاملتان لحركاتها، وهما الدوران والنظام؛ قال ابن سينا: # 11 ~~«إن جوهر هذا المحرك الأول واحد، ولا يمكن أن يكون هذا المحرك الأول الذي لجملة ~~السماء فوق واحد، وإن كان لكل كرة من كرات السماء محرك قريب يخصه، ومتشوق معشوق يخصه، على ~~ما يراه المعلم الأول ومن بعده من محصلي الحكمة.» # وإذا ما صعدنا في سلسلة الحركات التي تنتقل في الموجودات وجدنا تعذر ذهابها إلى غير ~~نهاية، فلا بد من انتهائها إلى محرك لا يتحرك، ولو كان الأمر غير هذا لوجدت سلسلة ~~بلا نهاية من الأجسام المتحركة التي يكون لها - معا - حجم لا نهاية له، والتي تستلزم قدرة ~~لا نهاية لها لتتحرك؛ أي تكون حائزة لجميع الأمور التي أثبت استحالتها؛ ولذا فإن المحرك ~~الأول الذي لا نهاية لقدرته يكون خارج الأجسام، وهو ذات روحاني غير متحرك ما دام فاعلا ~~للحركة بنفسه، وغير ساكن ما دام غير قابل للحركة، وما دام السكون لا يفهم أمره إلا من ~~أجسام قادرة على تقبل الحركة، فالمحرك الأول هو فوق الأجسام والحركة والزمان، # 12 # فمما تقدم يرى أن المحرك الأول الفعال هو نفس الفلك المحدود، وأن المحرك ~~الأول البعيد هو عقل هذا الفلك عينه؛ أي المسبب الأول الذي يحرك هذا الفلك عن شوق. # ويعزو ابن سينا مجموع هذه النظرية ms147 إلى أرسطو في عبارتين، # 13 # فيلوم تلاميذه على تحريفهم إياها، ولا يمكن قبول هذا الزعم مطلقا، ولكنه يمكن ~~أن يذكر - على ما أعتقد - وذلك ضمن معنى زعم ابن سينا - وخلافا لتفسير منتشر - أن المحرك ~~الأول عند أرسطو ليس الله، بل العقل الذي يتلو الله. # ويسيطر العقل الفعال - الذي يأتي آخر العقول - على عالمنا، # 14 # فعن هذا العقل تصدر الصور التي يجب أن تتقبلها المادة الأرضية، فمما يحدث - ~~بفعل الطبيعة وتقلبات الكواكب - صلاح كل قسم من هذه المادة لصور معينة، فيتقبل القسم ~~المادي - المستعد على هذا الوجه - صورته من العقل الفعال، ومن الواضح - بالحقيقة - أنه ~~يوجد في المادة استعدادات نوعية تعدها لصور معينة. # ويقول ابن سينا على سبيل المثال إن مادة الماء إذا ما سخنت تصير بالتناقص مستعدة ~~لتقبل صورة الماء، كما تصير بالتزايد مستعدة لتقبل صورة النار، بيد أن الوجه الذي تحدث به ~~هذه النوعية يبقى غامضا في نظرنا، كما نعتقد أن الأمر كان هكذا في نظر ابن سينا. ومع ~~ذلك فإن هذه المسألة تسوقنا إلى دراسة العالم الطبيعي، التي لا تدخل ضمن موضوع هذا الفصل، ~~وتجرنا إلى مدخل علم الفلك، الذي لا نرى الخوض فيه في هذا الكتاب؛ ولذا فلنقف نظرية انبثاق ~~الموجودات عند هذا الحد، ولنعن الآن بمذهب العلل العظيم. ~~••• # وإليك كيف يعرف ابن سينا مبدأ العلة ويحلله: # 15 ~~«المبدأ (العلة) يقال لكل ما يكون قد استتم له وجود في نفسه - إما عن ذاته ~~وإما عن غيره - ثم يحصل عنه وجود شيء آخر ويتقوم به.» والمبدأ لا يخلو أن يكون كالجزء لما ~~هو معلول له أو لا يكون كالجزء؛ فإن كان كالجزء فإما أن يكون جزءا ليس يجب عن حصوله بالفعل ~~أن يكون ما هو معلول له موجودا بالفعل، فإنك تتوهم العنصر موجودا ولا يلزم من وجوده ~~بالفعل وحده أن يحصل الشيء بالفعل كالخشب للسرير، وإما أن يجب عن وجوده بالفعل وجود المعلول ~~له بالفعل، وهذا هو الصورة، كالشكل والتأليف للسرير. # وإن لم يكن المبدأ كالجزء، فإما أن ms148 يكون مباينا أو ملاقيا لذات المعلول، فإن كان ~~ملاقيا لذات المعلول، فإما أن ينعت المعلول به، وهذا كالصورة للهيولي، وإما أن ينعت ~~بالمعلول، وهذا هو كالموضوع للعرض، وإن كان مباينا لذات المعلول، فإما أن يكون الذي منه ~~الوجود، وهذا هو الفاعل، وإما أن يكون الذي لأجله الوجود، وهذا هو الغاية. # وحاصل القول أنه يوجد للعلل ستة أنواع، وهي: الهيولي للمركب، وصورة للمركب، وموضوع للعرض، ~~وصورة للهيولي، وفاعل، وغاية، وتشترك الهيولي للمركب والموضوع للعرض بأنها للشيء الذي فيه ~~قوة وجود الشيء، وتشترك الصورة للمركب والصورة للهيولي بأنه ما به يكون المعلول موجودا ~~بالفعل. # وهكذا؛ فإنه يوصل إلى مذهب العلل الأربع المشهور، الذي كان قد ألم به في المنطق، ~~وهذه العلل الأربعة هي: الهيولانية، والصورية، والفاعلية، والغائية. # وأكثر أجزاء هذا المذهب اصطباغا بما بعد الطبيعة هو الجزء الذي يبحث المؤلف فيه عن ~~المكان النسبي في وجود العلة الفاعلة والعلة الغائية، فالغاية تتأخر في حصول الوجود عن ~~المعلول، وتتقدم سائر العلل في الشيئية، ومن البين أن الشيئية غير الوجود في ~~الأعيان، فإن المعنى له وجود في الأعيان، ووجود في النفس وأمر مشترك، وذلك المشترك هو ~~الشيئية، والغاية بما هي شيء فإنها تتقدم سائر العلل، وبما هي موجودة في الأعيان قد ~~تتأخر، والعلل لا تصير عللا بالفعل إلا بالغاية؛ ولذا فإن الفاعل الأول والمحرك الأول في ~~جميع الأشياء غايته؛ ولهذا المذهب - البسيط الجميل معا - تطبيقه المباشر في النظرية التي ~~عرضناها آنفا حول تحريك الأفلاك، حيث رأينا أن المسبب الأول هو المحرك الأول وغاية حركة ~~الأفلاك معا. # وبجانب العلل يوجد شيء آخر؛ أي توجد العوامل الثلاثة التي كنا قد ألمعنا إليها آنفا، ~~وهي: الطبيعة، والإرادة، والقسر، ويلاحظ ابن سينا - في معرض الكلام عن الحركة الطبيعية - أن ~~الطبيعة ليست سبب هذه الحركة القريب ما دام الجسم يبتعد عن طبيعته عند تحركه، ~~فهو يتحرك ليعود إليها؛ ولذا فإن الأحرى أن يقال: إن هذا هو عدم التوافق بين كل من ~~أحواله المتعاقبة وحاله الطبيعية التي هي علة حركة ms149 الجسم القريبة الفاعلة، على حين لا ~~تبدو الطبيعة في ذلك غير علة بعيدة نهائية. # وعدم التوافق هذا يسير متناقصا بالتدريج في أثناء الحركة، وهذا يعين معناه، وكذلك، ~~في الحركة الإرادية، ليست الإرادة الكلية التي تسيطر عليها غير عامل عام، ثابت، قائم على ~~اعتبار العلة الغائية، بيد أن كل جزء من الحركة يحدث بشيئية تتغير وتتجدد بتقدم ~~المتحرك، ويقوم هذا الشيء على ما يلازم النفس في كل ثانية من الحركة من تخيلات غائية خاصة ~~ومن إرادات مختلفة. والحق أن النفس هي المبدأ الذي يتم فيه هذا التجدد في الإرادات ~~القريبة مع كون العقل المحض ليس سوى محرك بعيد؛ ولذا فإن ابن سينا يقول: «قال أرسطو: إن ~~لذلك - أي العقل النظري - الحكم الكلي، وأما لهذا فالأفعال الجزئية والتعقلات الجزئية، ~~أي العقل العملي.» ولا يمكن سوى الابتهاج بمثل هذه النظريات الدقيقة. # وقد حرص ابن سينا أن يجعل من مذهب السببية تطبيقات معينة على مذهب انبثاق الأفلاك ~~فيقيم هذا المذهب على أساس متين، وذلك من المحاولات، التي لا نرى من المفيد أن يصر ~~عليها، وهي تلخص في قضايا كالآتية: # 16 # إن كلا من مادة الجسم وصورته ليس علة للأخرى، لا يمكن أن تكون الأجرام ~~السماوية عللا للنفوس السماوية، ولا النفوس السماوية عللا للأجرام السماوية؛ لا يمكن أن ~~تكون هذه الأجرام وهذه النفوس غير معلولات روحانية، كل عقل محض علة، والخلاصة أن ابن سينا ~~كان - كما يظهر من هذه القضايا - يعد الموجود العاقل علة بطبيعته ذاتها، وهذا ما يوافق ~~المناحي الحركية التي صادفناها في كثير من أقسام منهاجه. # وكل عقل محض علة، والموجود الأول هو علة الكل، وبما أن العقول والموجود الأول ذوو شعور ~~بأنفسهم، فإنهم يتعارفون مثل علة حالا، وهنا تتشعب نظرية السببية في نظرية العرفان ~~بالموجود الأعلى المهمة، وإليك كيف يتكلم عنها ابن سينا: # 17 ~~«لا يجوز أن يكون كون الكل صادرا عن واجب الوجود على سبيل قصد منه كقصدنا، وذلك ~~لما يكون في واجب الوجود من شيئية يرى بها وجود الكل عنه، ms150 فيؤدي هذا إلى تكثر ~~ذاته، وهذا محال ، وذلك فضلا عن أنه يكون فيه شيء بسببه يقصد، وهو علمه بوجوب ~~القصد أو استحبابه أو خيرية فيه توجب ذلك، وهذا محال، وليس كون الكل عنه على سبيل ~~الطبع بأن يكون وجود الكل عنه لا بمعرفة ولا رضا منه، وكيف يصح هذا وهو عقل ~~محض يعقل ذاته، فيجب أن يعقل أنه يلزمه وجود الكل عنه؛ لأنه لا يعقل ذاته إلا ~~عقلا محضا ومبدأ أولا. # وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه مبدؤه، وكل ذات تعلم ما يصدر عنه ولا تخالطه ~~معاوقة ما، والأول راض بفيضان الكل عنه، ثم إن الأول يعقل ذاته التي هي لذاتها ~~مبدأ لنظام الخير في الوجود، فهو عاقل لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون، لا ~~عقلا خارجا عن القوة إلى الفعل، ولا عقلا متنقلا من معقول إلى معقول، فإن ~~ذاته بريئة عما بالقوة من كل وجه، بل عقلا، واحدا، معا، ويلزم ما يعقله من ~~نظام الخير في الوجود إذ يعقل كيف يمكن، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل ~~على مقتضى معقوله؛ فإن الحقيقة المعقولة عنده هي بعينها - على ما علمت - علم ~~وقدرة وإرادة، وأما نحن فنحتاج في تنفيذ ما نتصوره إلى قصد وإلى حركة وإرادة حتى ~~توجد، وهو لا يحسن فيه ذلك، ولا يصح لبراءته عن الاثنينية، وهو فاعل ~~الكل، بمعنى أنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضا تاما مباينا ~~لذاته.» # وأخص ما صنع ابن سينا في هذا البيان هو أنه وحد بين العقل والعلة، كما أنه وحد ~~في مكان آخر بين الوجود والعقل. # قال ابن سينا: # 18 ~~«إن واجب الوجود بذاته عقل، وعاقل، ومعقول.» فأنت تعرف أن طبيعة الوجود غير ~~ممتنع عليها أن تعقل، وإنما يعرض لها ألا تعقل إذا كانت في المادة أو مكنوفة بعوارض ~~المادة، فإنها من حيث هي كذلك محسوسة أو متخيلة، وإنما الموجود معقول عادة، «والأول ~~الواجب الوجود مجرد عن المادة وعوارض المادة، فهو - بما هو هوية مجردة ms151 - عقل، وبما ~~يعتبر له أن هويته المجردة لذاته فهو معقول لذاته، وبما يعتبر له أن ذاته لها هوية مجردة هو ~~عاقل ذاته»، فالموجود الأول ماهية وهوية. # ويعقل واجب الوجود من ذاته ما هو مبدأ له، وهو مبدأ للموجودات التامة # 19 # بأعيانها والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا، وبتوسط ذلك بأشخاصها، ولا ~~يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها، وذلك من حيث يكون تارة يعقل منها ~~أنها موجودة غير معدومة، وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة، ولكل واحد من الأمرين ~~صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير ~~الذات، ثم إن الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة لم تعقل بما هي فاسدة، وإن أدركت ~~بما هي مقارنة لمادة وعوارض مادة لم تكن معقولة، بل محسوسة ومتخيلة، ونحن قد بينا ~~أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما ندركها من حيث هي محسوسة، ونتخيلها بآلة ~~متجزئة. # ولذا فإن هذا النوع من الإدراك لا يمكن أن يوافق الموجود الأول، «وكما أن إثبات كثير من ~~الأفاعيل للواجب الوجود نقص له، كذلك إثبات كثير من التعقلات، بل واجب الوجود إنما يعقل ~~كل شيء على نحو كلي، ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض، وهذا من العجائب التي يحوج تصورها إلى لطف قريحة.» # ويظهر من الكلمات الأخيرة هذه أن ابن سينا كان شاعرا بالبراعة التي أظهرها في هذا المذهب ~~الممتع، فقد انتهى - من حيث النتيجة - إلى التوفيق، على شكل ما، وذلك باستعمال دقيق لمفهوم ~~السببية، بين الإله الفلسفي، الذي يجهل العالم تقريبا، والإله العقدي الذي يعلم آخر ذرة في ~~العالم، ولا ريب في أن ذلك لم يكن أقل مجاز وعر في المسألة السكلاسية، ويمكن أن نقول - ~~ونحن نختم هذا الفصل - إن حل ابن سينا لهذه النقطة ليس مرضيا تماما، ومهما يكن من ~~أمر فإن هذا الحل ماهر يلائم عبقريته الفلسفية، ويمكن تلخيص هذا الحل - من حيث الأساس - ~~بأن يقال: ms152 إن معرفة الله بالعالم ليست سوى إطالة لشعوره بذاته ، ومن هذا البيان يبدو ما ~~تنم عليه هذه النظرية من صبغة خفيفة في وحدة الوجود، والله يعرف العالم مثل معلول له ~~من حيث العموم، وذلك وفق نظام سلسلة العلل والمعلولات، التي هو أول حلقة فيها، وهو يعرف كل ~~شيء؛ لأنه يوجب كل شيء، «ويعلم الأول # 20 # مبدأ الأشياء، وما ينتج عنها على الترتيب الذي يلزم ذلك، فتكون هذه الأشياء ~~مفاتح الغيب.» ~~••• # وتوجد نظرية الكليات التي تفرعت عن نظرية العلل، وسنرى كيف يعرض ابن سينا قضاياها ~~الجوهرية في إلهياته، ثم نوضح صلتها بمذهب العلل. # قال مؤلفنا: # 21 ~~«المعنى الكلي بما هو طبيعة ومعنى كالإنسان بما هو إنسان شيء، وبما هو عام أو ~~خاص أو واحد أو كثير، وذلك له بالقوة أو بالفعل، شيء آخر؛ فإنه بما هو إنسان فقط بلا شرط ~~آخر البتة شيء، ثم العموم شرط زائد على أنه إنسان، والخصوص كذلك، وإنه واحد كذلك، وإنه كثير ~~كذلك، وليس إذا فرضت هذه الأحوال بالفعل فقط، بل وإذا فرضت هذه الأحوال أيضا ~~بالقوة.» # والكلي بلا شرط يوجد بالفعل في الأشياء، وهو محمول على كل منها، لا لأنه واحد بالذات، ولا ~~لأنه كثير؛ وذلك لأن هذا غير خاص به ما دام كليا، والكلي ليس في الوجود شيئا واحدا ~~بعينه محمولا على كل واحد وقتا ما، والإنسان الذي اكتنفته الأعراض المخصصة بشخص لم تكتنفه ~~أعراض شخص آخر حتى يكون ذلك بعينه في شخص زيد وشخص عمرو، «فلا كلي عامي في الوجود، بل وجود ~~الكلي عام بالفعل إنما هو في العقل، وهي الصورة التي في العقل التي نسبتها بالفعل أو ~~بالقوة إلى كل واحد واحدة.» # والخلاصة، هي - كما هو معلوم - أن مفهوم الكلي يحملنا على التمييز بين نوعي وجود، ~~وهما: الوجود في الذهن، والوجود في الحقيقة الخارجية، وكذلك كان مفهوم القوة قد حملنا ~~على تمييز نوعي وجود، وهما: الوجود بالقوة والوجود بالفعل، ولو نظر إلى هذه المذاهب ~~الخاصة بالقرون القديمة والقرون الوسطى - من حيث الأساس ms153 - لرئي أن مفهوم الوجود ليس ~~مطلقا، فالوجود ليس أمرا معينا تعيينا دقيقا، كما نشعر به وفق عاداتنا الوضعية ~~والدكارتية، فيوجد وجوه كثيرة للوجود ووجوه كثيرة لعدم الوجود، وعاد الوجود والعدم لا ~~يكونان حدين متناوبين حتما، فكأنه يمتد ظل خفيف بين الوجود وعدم الوجود. # 22 # ولذا فإنه منذ أخذ في البحث عن علل الأشياء وصل إلى التفريق بين درجات الوجود ~~المختلفة هذه، وإذا ما توخينا زيادة دقة في التعبير وجدنا أن مذهب ابن سينا انتهى إلى ~~التفريق بين ماهية الشيء ووجوده؛ فالماهية؛ أي الشيء بعينه هو - في مفهومه وتعريفه - غير ~~التحقيق العيني الخارجي لهذا الشيء في الوجود؛ ومن ثم يكون للشيء علة لماهيته وعلة أخرى ~~لوجوده. # قال المؤلف: # 23 ~~«الشيء قد يكون معلولا بحسب اعتبار ماهيته وحقيقته، وقد يكون معلولا في ~~وجوده، وإليك أن تعتبر ذلك بالمثلث مثلا، فإن حقيقته متعلقة بالسطح والخط الذي هو ~~ضلعه، ويقومانه من حيث هو مثلث، وله حقيقة المثلثية كأنهما علتاه المادية والصورية. ~~وأما من حيث وجوده فقد يتعلق بعلة أخرى أيضا غير هذه ليست هي علة تقوم مثلثيه، وتكون ~~جزءا من حدها، وتلك هي العلة الفاعلية أو الغائية، التي هي علة فاعلية لعلية العلة ~~الفاعلية.» # وأثبت المؤلف في مكان آخر أن الماهية نفسها لا يمكن أن تكون علة الوجود، فقد قال: # 24 ~~«قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سببا لصفة من صفاته، وأن تكون صفة له سببا ~~لصفة أخرى، مثل الفصل للخاصة، ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء إنما هي ~~بسبب ماهيته التي ليست من الوجود، أو بسبب صفة أخرى؛ لأن السبب متقدم في الوجود، ولا متقدم ~~بالوجود قبل الوجود.» # وكما أنه لا بد من علتين مختلفتين للماهية وللوجود لا بد من علتين للكلي والجزئي، ~~ولكل نوع علته، ولكل واحد من النوع علته، ولا بد من أن تكون تحت العلل العامة التي ~~تعين النوع علل خاصة تعين الفرد، قال ابن سينا: «اعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد ~~فإنما تختلف ms154 بعلل أخرى، وأنه إذا لم تكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل - وهي ~~المادة - لم يتعين إلا أن يكون من حق نوعها أن يوجد شخصا واحدا. وأما إذا كان يمكن في ~~طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين، فتعين كل واحد بعلة.» # وواجب الوجود واحد بحسب تعين ذاته، وواجب الوجود لا يشترك في ماهية أي شيء آخر، وليس ~~لذاته حد، وليس لها جنس ولا فصل، قال ابن سينا: # 25 ~~«ربما ظن أن معنى الوجود لا في موضوع يعم الأول وغيره عموم الجنس، فيقال تحت ~~جنس الجوهر، وهذا خطأ»؛ وذلك أن مفهوم الجنس لا يناسب واجب الوجود، فليس لواجب الوجود ماهية ~~يلزمها هذا المفهوم، «بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره». # والآن - وقد بينا كيف تلتحم نظريات الوجود والعلة والكليات - لا نقف عندها أكثر مما ~~صنعنا، وإنما نتم تركيب جميع هذه المذاهب الكبيرة وما بعد الطبيعة بعرضنا نظرية العلة ~~الأولى المشهورة وفق ابن سينا. ~~••• # قال المؤلف، # 26 # الذي أخذ يتعمق في موضوع الوجوب نفسه: «إن الواجب الوجود هو الموجود، الذي ~~متى فرض غير موجود عرض منه محال، وإن الممكن الوجود هو الذي متى فرض غير موجود أو ~~موجودا لم يعرض منه محال.» # وقد يكون واجب الوجود واجبا بذاته، وقد لا يكون واجبا بذاته؛ فأما الذي هو واجب الوجود ~~بذاته فهو الذي لذاته لا لشيء آخر؛ أي شيء كان لزم محال من فرض عدمه، وأما واجب الوجود لا ~~بذاته فهو الذي لو وضع شيء مما ليس هو صار واجب الوجود؛ مثلا إن الأربعة واجبة الوجود ~~لا بذاتها، ولكن عند فرض اثنين واثنين، والاحتراق واجب الوجود لا بذاته، ولكن عند فرض ~~التقاء القوة الفاعلة بالطبع والقوة المنفعلة بالطبع؛ أعني المحرقة ~~والمحترقة. # ولا يجوز أن يكون شيء واحد واجب الوجود بذاته وبغيره معا، وكل واجب الوجود بغيره ممكن ~~الوجود بذاته، وهذا ينعكس، فيكون كل ما هو ممكن الوجود بذاته - إن حصل وجوده - واجب الوجود ~~بغيره. # ولا يجوز أن يحدث من اثنين واجب وجود واحد، حتى ms155 يكون «أ» واجب الوجود ب «ب»، و«ب» واجب ~~الوجود ب «أ» معا. والواقع أن كلا من الاثنين إذ كان واجبا بالآخر يكون ممكنا بذاته، ~~وأن لكل ممكن الوجود بذاته علة في وجوده أقدم منه، ولكن ليس ذات أحدهما أقدم من ذات ~~الآخر؛ فلهما - إذن - علل خارجة عنهما وأقدم منهما، فلا وجوب - إذن - لوجود كل واحد منهما ~~من الآخر. # ولا يجوز أن يكون لذات واجب الوجود مبادئ تجتمع، فيقوم منها واجب الوجود حتى تمكن ~~قسمته مادة وصورة أو على وجه آخر، وذلك من حيث الكمية أو الحد؛ وذلك لأن كل ما كانت هذه ~~صفته فذات كل جزء منه ليس هو ذات الآخر ولا ذات المجتمع؛ فإما أن يصح لكل واحد من جزأيه ~~مثلا وجود منفرد، لكنه لا يصح للمجتمع وجود دونها، فلا يكون المجتمع واجب الوجود، أو ~~يصح ذلك لبعضها، ولكنه لا يصح للمجتمع وجود دونه، فما لم يصح له من المجتمع والأجزاء ~~الأخرى وجود منفرد فليس واجب الوجود. وأعم من هذا أن يقال: «إن الأجزاء بالذات أقدم من ~~الكل»، فتكون العلة الموجبة للوجد أول ما توجب الأجزاء ثم الكل، ومن ثم ترى أن كل ~~موجود قابل للقسمة لا يمكن أن يكون واجبا. ~~«فقد اتضح من هذا أن واجب الوجود ليس بجسم، ولا مادة جسم، ولا صورة جسم، ولا مادة ~~معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمة لا في الكم، ولا في ~~المبادئ، ولا في القول؛ فهو واحد من هذه الجهات.» # وواجب الوجود بذاته واجب الوجود بجميع جهاته، فلو وجدت جهة لا يكون بها واجبا لاحتاج ~~إلى علة من هذه الجهة، ولكان غير واجب على الإطلاق، بل مع هذه العلة، فبين من هذا أن ~~الواجب الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود منتظر، بل كل ما هو ممكن له واجب له، فليس له إرادة ~~منتظرة، ولا طبيعة منتظرة، ولا علم منتظر، ولا صفة من الصفات التي تكون لذاته ~~منتظرة. # وبعد هذا يسمو فكر ابن سينا نحو النواحي ms156 الخلقية، وذلك أنه إذ أثبت أن واجب الوجود واحد ~~على الإطلاق، بين - وفق المذهب الأفلاطوني - أنه خير محض وحق محض؛ فنرجو من القارئ أن ~~يلاحظ صيغ التفاؤل التي يلقاها في هذا المعرض، قال ابن سينا: «وكل واجب الوجود بذاته فإنه ~~خير محض وكمال محض، والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده، والشر لا ذات ~~له، بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال الجوهر، فالوجود خيرية، وكمال الوجود خيرية الوجود، ~~والوجود الذي لا يقارنه عدم ولا عدم جوهر ولا عدم شيء للجوهر، بل هو دائم بالفعل، فهو خير ~~محض، والممكن الوجود بذاته ليس خيرا محضا؛ لأن ذاته بذاته لا يجب له الوجود، فذاته بذاته ~~تحتمل العدم، وما احتمل العدم بوجه ما فليس من جميع جهاته بريئا من الشر والنقص؛ فإذن ~~ليس الخير المحض إلا الواجب الوجود بذاته، وقد يقال أيضا خير لما كان نافعا ومفيدا ~~لكمالات الأشياء، وسنبين أن الواجب الوجود يجب أن يكون لذاته مفيدا لكل وجود، ولكل كمال ~~وجود، فهو من هذه الجهة خير أيضا، لا يدخله نقص ولا شر.» # وقال ابن سينا أيضا: «وكل واجب الوجود بذاته فهو حق محض؛ لأن حقيقة كل شيء خصوصية ~~وجوده الذي يثبت له، فلا حق - إذن - أحق من الواجب الوجود، وقد يقال - أيضا - حق لما ~~يكون الاعتقاد بوجوده صادقا، فلا حق أحق بهذه الحقيقة مما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا ~~ومع صدقه دائما، ومع ذلك دوامه لذاته، لا لغيره.» # ثم عين تحليل مفهوم واجب الوجود، وأكمل بالقضايا القائلة: إن نوع واجب الوجود لا ~~يقال على كثيرين، وإن واجب الوجود وحيد في نوعه، وإنه كامل في وجوده لهذا السبب، ثم ينتهي ~~المؤلف إلى إثبات وجود واجب الوجود إثباتا مباشرا، وهنا تبدو نظرية العلية ~~جلية. # قال ابن سينا: «لا شك أن هنا وجودا، وكل وجود فإما واجب وإما ممكن، فإن كان واجبا ~~فقد صح وجود الواجب، وهو المطلوب، وإن كان ممكنا فإنا نوضح أن الممكن ينتهي وجوده ~~إلى واجب الوجود.» ms157 # ويتم الإثبات بثلاث مقدمات: # المقدمة الأولى: # لا يمكن أن يكون لكل ممكن في زمان واحد علل ممكنة بلا نهاية. والواقع ~~أنه إذا كان لا يوجد واجب وجود في جملة الممكنات فإن هذه الجملة تكون - ما ~~دامت جملة - إما واجبة أو ممكنة، فإن كانت واجبة فيما أن كل واحد من ~~حدودها ممكن، فإن الواجب يكون بالممكنات، وهذا محال، وإن كانت ممكنة ~~فجملتها تكون محتاجة في الوجود إلى مفيد الوجود، وهذا الشيء إما أن يكون ~~خارجا من الجملة أو داخلا فيها، فإن كان داخلا واجبا فإن أحد حدود ~~الجملة يكون واجبا، وقد فرض أنها ممكنة، وإن كان داخلا ممكنا فإن هذا ~~الشيء يكون علة الجملة؛ ولذا فإنه يكون علة أقسامها وعلة وجوده؛ ولذا فهو ~~واجب، وقد فرض أنها ممكنة، وإن كان الشيء خارجا فإنه لا يكون علة ممكنة؛ ~~وذلك لأن جميع الممكنات في الجملة؛ ولذا فهو واجب الوجود، وحينئذ تؤدي ~~جميع الممكنات إلى هذه العلة الواجبة. # المقدمة الثانية: # إنه لا يجوز أن يكون للعلل عدد متناه، وأن يكون كل واحد من هذا العدد ~~ممكن الوجود في نفسه، لكنه واجب بالآخر إلى أن ينتهي إليه دورا، وكنا ~~فيما تقدم قد بينا أمر العلتين، ويمكن تعميم هذا البيان بنمط مماثل ~~في أمر المقدمة الأولى، وذلك مع القول بأن هذا يؤدي إلى النتيجة القائلة: ~~إن كل حد يكون علة ومعلولا بوجوده الخاص، وهذا محال. # المقدمة الثالثة: # لكل حادث علة في حدوثه، فلا يخلو أن يكون حادثا باطلا مع الحدوث لا ~~يبقى زمانا، أو أن يبطل بعد الحدوث بلا فصل زمان، أو أن يكون بعد ~~الحدوث باقيا. والقسم الأول محال ظاهر، والقسم الثاني أيضا محال؛ وذلك ~~لأن الآنات تتعاقب بلا انقطاع، وقد بطل هذا؛ ولذا فإن لكل موجود علة ~~من وجوده وعلة من جوهره، ويمكن اتحاد هاتين العلتين مثل القالب في تشكيل ~~الماء، ويمكن أن تكونا منفصلتين مثل الصورة الصنمية التي يحدثها الصانع، ~~والتي تثبتها يبوسة العنصر المتخذة منه، ولا يثبت الحادث لأنه أحدث، ~~وإنما يثبت ms158 بتحقيقه شرط علته الذي يجعله يثبت، فإذا ما حقق هذا ~~الشرط ثبت الحادث ما بقي الشرط، ويصير الممكن واجبا بشرط، فهو يكون ~~حينئذ واجبا بشيء آخر غير ذاته، والممكن الحقيقي معدوم، وكل ما يكون ~~موجودا عند وجود هذا الممكن يكون واجبا. وبالعكس يكون معدوما وجوبا كل ~~ما يكون معدوما عند كون ذلك معدوما. # وتعد هذه المقدمة الأخيرة تكملة لنظرية العلية وتطبيقا لها، ونحن نصوغها هكذا: «لكل ~~حادث علة، وكلة علة مسببة.» # ويتم اتحاد هذه المقدمات الثلاث نظرية الموجود الأول في ثانية، وذلك أن الممكنات ~~الموجودة تحتاج إلى علل (المقدمة الثالثة)، وأن هذه العلل لا تتسلسل إلى غير نهاية (المقدمة ~~الأولى)، وأنها لا ترتد على نفسها (المقدمة الثانية)؛ ولذا فهي تؤدي إلى واجب ~~الوجود. # ونود لو نصمت هنا بعد هذا البرهان، فندع القارئ يتذوق بنفسه إبداعه وانسجامه ~~وقوته، ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نمحي تماما أمام مؤلفنا، وأن نتخلى عن قيادة ~~هذا الكتاب في وقت يفرض علينا تعيين نتائجه. والواقع أن ما بقي علينا أن نقوله من شيء ~~قليل عن التصوف ليس له غير قيمة تكميلية، فما ينطوي عليه سفرنا من أمر جوهري قد ~~تم منذ الآن. # ويلوح لي - كما هو الواقع - أن النتائج التي نرى الوقوف عندها هي ما رأينا إشراقه وتعززه ~~صفحة صفحة في أثناء هذا التحليل. وأول ما نقول: هو أن المبدأ السائد لمدرسة الفلسفة ~~العربية قام على كون الفلسفة واحدة، وأصح من هذا أن يقال: إنها قامت على اعتبار كونها ~~علما، فكان لها عين الخصائص التي نعترف بها للعلم؛ أي الشمول والتعيين، وما كان ليمكن ~~أن يوجد فيها غير فلسفة واحدة لجميع الناس، كما لا يوجد غير علم واحد، فلما وجدت هذه ~~الفلسفة وأوضحت عاد لا يجوز لها أن تكون عرضة لأي تغيير أو تطور بتعاقب الأزمان؛ ولذا ~~فإننا نرى الفلسفة - تحت قلم ابن سينا الذي لم يكن نبوغه الرياضي بالغ القوة - قد نالت ~~مظهرا علميا، كلا، بل مظهرا علميا محكما. # 27 # ثم يلوح لي أن ms159 الخط العام للحركة الفلسفية - كما أشرنا إليه - صائب؛ وذلك أن المعضلة ~~التي تبدت للمدرسة العربية قامت على التأليف بين الحقيقتين: الحقيقة الفلسفية والحقيقة ~~الدينية، وكانت المدرسة العربية قد سبقت بعض الشيء في بحث مماثل من قبل المدرسة ~~السريانية. ولا بد لمعرفة نصيب فلاسفة العرب من الابتكار في حل هذه المعضلة ضبطا، من ~~أن يعرف تاريخ التعليم الفلسفي حتى القرن التاسع من الميلاد معرفة تامة، ويمكن أن يوكد ~~- عند عدم هذه المعرفة الدقيقة - كون عمل التنسيق والبرهنة حول القضايا في المدرسة العربية، ~~ولا سيما عند ابن سينا، كان أمرا مهما جدا. # وإذا ما نظر إلى حال الروح العام الذي كان عليه هؤلاء المفكرون وجب أن يذكر ~~- كما قلنا غير مرة - أن أمر التوفيق ظل عادة ذهنية منتشرة في الشرق عدة قرون، ~~وتوضح هذه العادة كون مؤلفي الإسلام استطاعوا أن يضعوا المعضلة السكلاسية من غير أن ~~يساورهم أي شك في إمكان حلها، هذه المعضلة التي أخافت الباحثين في بلاد أخرى أو أخمدت ~~إقدامهم. ولم يكن المنهاج السكلاسي الذي تألف منه أحد حدود هذه المعضلة - ويمكن التسليم ~~بهذا مثل نتيجة أيضا - منهاجا فرديا، أو أفلاطونية، أو مشائية، أو غير ذلك، وإنما ~~كان مجموع توفيق قام بطريق العنعنات واقعا تحت تأثير الأفلاطونية الجديدة مع بعض رواسب ~~أدرية بصريح القول. وفضلا عن ذلك فإن هناك تذكرات عقدية دينية قديمة مرتبطة في ~~الاثنينة والأدرية، وعودات عاطفية بادية نحو المذاهب القائلة بوحدة الوجود، كانت تظهر في ~~الحين بعد الحين لدى سكلاسيي العرب، حتى عند أكثرهم حكمة. ومع ذلك فإنه لا يشار إلى هذه ~~الملاحظة الأخيرة إلا بإيجاز؛ وذلك لأنها أكثر تعلقا بدراسة الفلسفة الصوفية. # وكذلك يمكننا أن نتساءل عما إذا كان جهد فلاسفة العرب الذهني - وقد يقال العبقري - قد ~~وصل نهائيا إلى حل مقبول - تقريبا - للمعضلة السكلاسية، فنخشى أن يكون الجواب بالنفي، ~~وهذا لعوامل ذاتية وغير ذاتية، وقد أحسسنا العوامل الذاتية، وإذا كنا نذكر ماذا كان الإله ~~التورائي والقرآني من جهة، وماذا كان إله الفلاسفة الآخر، ساورنا ms160 انطباع قائل: إن ~~مسافة كبيرة لا تزال تفصل بين هذين المفهومين، اللذين لا يعد توفيق ما بينهما حول ~~هذه النقطة قد تم حتما. # ولا مراء في أن التصوف هناك هو لإصلاح ما يكون من زهو، وإيصاد، وجفاف، وتجريد في ~~المفهوم الفلسفي الإلهي، ولكن التصوف نفسه يعرض أخطارا هائلة على الأرتدكسية، ~~فإذا كان ما بعد الطبيعة ينطوي على آثار من وحدة الوجود، فليس التصوف هو الذي يطهره منها. ~~والواقع أنه إذا رجع البصر إلى ما هو عالق بالخيال من ناحية العقيدة الإسلامية وجد أن ~~إله الفلاسفة مذهل غير مقبول؛ وذلك أنه يشتمل على إنجاز وعدم إحساس في الوجود، فلا يعرف ~~فيه ما يعرف في إله التوراة من فعالية حية متقلبة، وفضيلة مبدعة، ودعة ربانية، ~~ومقاصد واسعة، ورأفة رحيمة، وانتقامات هائلة، ولإله الفلسفة، ذي القوة الوجودية بالفعل، ما ~~يلوح أنه عادم الحركة، فعدنا لا نستطيع أن نعرفه، وعدنا غير محمولين على محبته، مهما وقع ~~من إثبات لنا أنه الحق الأعلى، ونحن لا نشعر بأنه صالح، وإن كان يثبت لنا أنه هكذا ~~عقليا. # وأخص ما نخافه هو أن نرى صفاته الذاتية - من إرادة وعلم وقدرة - تتحد وتسبك في ~~نوع من القوة لا قبل لنا بتصورها، فيصدر عنها العالم، وذلك من غير أن ندرك النقطة ~~التي يبقى هذا الإله عندها فاعلا حرا للعالم، أو حرا شاعرا كما أقول، ولم نشدد في ~~تحليلنا حول مسألة اختيار الله في إحداث العالم هذه؛ لما لا نرى غنما في محاولة الغوص ~~فيها، ويكون الله خفيا خفاء مطلقا في هذا الموضع، فيمكن أن يقال: إن رأي ابن سينا ~~يتوارى هنا على غرار رأيه في الموجود الأول. # وقد أثار مذهب ابن سينا - كما هو الواقع، وهنا العامل غير الذاتي، الذي أشرنا إليه آنفا ~~- مقت ذوي النفوس الدينية، ومن ذلك أن الغزالي - الذي يمثل في الإسلام ذورة السكلاسية ~~اللاهوتية، كما يمثل ابن سينا السكلاسية الفلسفية - حمل حملة عنيفة على منهاج ابن ~~سينا، وقضى على نصيبه في المشرق، ويمضي قرن بعد الغزالي، ms161 فتبعث هذه المذاهب في المغرب، ~~وتجاوز حدود الإسلام فتلقي ذعرا في العالم النصراني تحت اسم الرشدية ، وذلك على نمط ~~ضلالة هائلة. # الفصل العاشر # | تصوف ابن سينا # العناية الربانية - الله خير محض، فكيف يتصور مصدر صدور الشر؟ - ليس الشر شرا ~~إلا بالعرض - رسالة ابن سينا عن القدر - التفاؤل عند الشيخ الرئيس - كيف تتم ~~السعادة؟ - بلوغ الأنفس كمالها بذاتها - قصة سلامان وأبسال - تفسير الطوسي لهذه ~~القصة. ~~*** # ذكرنا في أوائل هذا الكتاب أننا لا نتناول التصوف، عادين إياه منهاجا مستقلا بنفسه، ~~وما نقوله في هذا الفصل الأخير لا يعدو كونه متما لما بعد الطبيعة. ومن المفيد أن يرى ~~كيف أن مفهوم ما بعد الطبيعة عن الله يتم في التصوف من بعض الوجوه، وكيف أن ابن سينا ~~يتمثل صلة الله بالإنسان في كبريات المسائل عن العناية الربانية والقدر. وسوف نسمع ~~في هذا الموضوع أن فيلسوفنا يعرض نظرية عامة عن التفاؤل عالية جدا، وسنرى أيضا ما ~~مكان الأخلاق في منهاجه، ما هذا المكان الذي تناولناه قليلا في الفصول السابقة فيكاد ~~يفلت من قرائنا، والذي تركت جميع التفصيلات السابقة فراغا فيه يجب ~~ملؤه. # وإليك كيف يعرف ابن سينا العناية الربانية في الإشارات: # 1 ~~«العناية هي إحاطة علم الأول بالكل، وبالواجب أن يكون عليه الكل حتى يكون ~~على أحسن النظام، وبأن ذلك واجب عنه وعن إحاطته به، فيكون الموجود وفق المعلوم، على أحسن ~~النظام، من غير انبعاث قصد وطلب من الأول الحق، فعلم الأول بكيفية الصواب في ترتيب وجود ~~الكل منبع لفيضان الخير في الكل.» # ولن نلاحظ في هذا التعريف العميق ملاحظة خاصة نوع ما أقيم من توحيد بين علم الله ~~وإرادته وقدرته ولطفه، ما دمنا قد وقفنا عند حد وجهة النظر هذه في فصل الإلهيات، ~~وإنما الآن - ونحن نعد هذه الأسطر معبرة عن نظرية التفاؤل، نتخذ هذا ذريعة ~~لسؤال ابن سينا قائلين: بما أن نظام الأمور يظهر له أحسن ما يكون فكيف يدرك دور الشر، ~~وما الرأي الذي يجعل لنفسه عن القدر؟ # فبما أن الله خير ms162 محض، والكل يصدر عن الله، فإن من المصاعب الكبيرة أن يتصور مصدر ~~صدور الشر الذي يظهر في الجميع. وتدور نظرية مؤلفنا العامة على كون الشر ليس في القضاء ~~الإلهي بالذات، وأنه لا يدخل فيه إلا عرضا، ويوجد للشر ثلاثة أنواع: النقص أو العدم ~~والألم والإثم، والشر بالذات هو الشر بالعدم؛ ولذا فهو سلبي، وإليك ما يقوله عنه ابن سينا: # 2 ~~«الشر بالذات هو العدم، ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات ~~الثابتة لنوعه وطبيعته، والشر بالعرض هو العدم أو الحابس للكمال عن مستحقه، ~~والشر يفترض القوة، ومن ثم كانت النظرية الآتية، التي هي أرسطوطاليسية جوهرا، وهي: ~~«كل شيء وجوده على كماله الأقصى، وليس فيه ما بالقوة فلا يلحقه شر، وإنما يلحق ~~الشر ما في طباعه ما بالقوة، وذلك لأجل المادة.» أو إن الشر يحدث في المادة ~~استعدادا مضادا لأحد الكمالات التي يجب وجودها في الشيء كوقوع سحب كثيرة ~~وتراكمها، وأظلال جبال شاهقة تمنع الثمار من النضج، أو إن الشر يبعد الكمال من ~~الشيء أو يقضي عليه، كحبس البرد للنبات حتى يفسد.» ~~«وجميع سبب الشر إنما يوجد فيما تحت فلك القمر»، ولا سلطان للشر على المعقولات، ~~«والشر إنما يصيب أشخاصا، وفي أوقات، والأنواع محفوظة.» # وقال ابن سينا: «فإن قال قائل: وقد كان جائزا أن يوجد المدبر الأول خيرا محضا، ~~مبرءا عن الشر، فيقال: «هذا لم يكن جائزا في مثل هذا النمط من الوجود، وإن كان جائزا في ~~الوجود المطلق.» وعند فيلسوفنا أن الخير المطلق غير ممكن في عالم يطبق عليه ما بعد ~~الطبيعة المشائية؛ أي عالم القوة والفعل، وحيث توجد قوة يوجد إمكان عدم - أي شر - غير أن ~~الخالق ما كان ليترك الخير الكلي الذي هو خير بالذات، ولو لم يوجد إلا بالقوة، وذلك بسبب ~~الشرور العرضية الممكنة التي توجد مختلطة هناك، ويعود العالم الذي لا ينطوي على إمكان ~~الشر غير شبيه بعالمنا، وإنما يكون شيئا آخر، ولا يعرف ما يعزب عن خيالنا. # ويضحي تفاؤل ابن سينا - مع ms163 كل سهولة - بضحايا الشرور الخاصة في سبيل الخير الكلي؛ أي ~~ضحايا العوارض المؤقتة، حتى بضحايا الجحيم، ولا يكون الشر الذي لا يقوم على العدم إلا ~~نسبيا، وذلك على حسبه، وهو يكون خيرا دائما في بعض المواضع، ولو توخيت الدقة لوجد ~~الشر في كل وقت خيرا بمبدئه، فهو ليس شرا إلا بالعرض، «ولا نجد شيئا مما يقال له شر ~~بالأفعال إلا وهو كمال بنسبة الفاعل إليه، وإنما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له، أو ~~بالقياس إلى فاعل آخر يمنع عن فعله في تلك المادة، التي أولى بها من هذا الفعل»، وهكذا ~~فإن الظلم شر للمظلوم لا ريب، أو هو شر للنفس النطقية التي يقوم كمالها على كسر ~~هذه القوة والاستيلاء عليها، وإنما يكون في البداءة خيرا من الناحية الفعالة؛ أي من حيث ~~القوة الغضبية، التي تطلب الغلبة بطبيعتها، وكذلك النار خير بذاتها، فلها منافع ~~كثيرة وفوائد وافرة في العالم الطبيعي، ومن العرض أن تحدث الإحراق الذي هو شر لمن ~~يعانيه. # ومن الواضح أنه ليس من الحسن أن يزيل صانع الكل قوة الغضب أو يبيد النار بسبب ~~العرض الجزئي الذي ينشأ عن هذه أو تلك، قال ابن سينا: «ليس من الحكمة الإلهية أن تترك ~~الخيرات الثابتة الدائمة والأكثرية لأجل شرور في أمور شخصية غير دائمة.» # وليست أفضلية الخير على الشر في العالم، وفق هذا المذهب، مقصورة على أفضلية من ~~أفضليات ما بعد الطبيعة كما أوضحنا، بل هي أفضلية عددية وكمية، قال مؤلفنا موكدا: «إن ~~من غير الموجود الأمور التي تكون شرا على الإطلاق، والأمور التي يكون معظمها شرا، ~~والأمور التي يتساوى فيها الخير والشر.» وكل أمر يكون الخير غالبا فيه، ومن الخطأ أن يقال: ~~إن الشر أكثر وقوعا من الخير. أجل، إن الشر كثير، ولكنه ليس أكثرية، وذلك كالأمراض ~~فإنها كثيرة، ومع ذلك فإنها أقل من الصحة، وإذا تأملت الشر الذي حددناه وجدته أقل من ~~الخير الذي يقابله. نعم، إن الشرور التي هي نقصانات الكمالات الثانية أكثرية، وهي مثل جهل ~~الإنسان ms164 بالهندسة مما لا يضر في الكمالات الأولى، وهي ليست شرورا بالحقيقة، ولكنها إعدام ~~خيرات من باب الفضل والزيادة في المادة. # وكذلك توجد أفكار تفاؤلية أوضحها ابن سينا في رسالته عن «القدر»، # 3 # مضيفا بها رأيا قائلا: إن الخيرات والشرور ليست عند الله كما هي في نظرنا، ~~فنحن لا يحق لنا أن نطالب الله - الذي يفيض عمله من خلال القرون - بثواب على كل شر ينشأ عن ~~رسم العالم، وذلك قياسا على الأضرار التي تصيبنا من أناس آخرين في أثناء حياتنا المحدودة، ~~قال ابن سينا: «تأمل واعلم أنه لو كان أمر الله تعالى كأمرك، وصوابه كصوابك، وجميله كجميلك، ~~وقبيحه كقبيحك، لما خلق أبا الأشبال أعصل # 4 # الأنياب، أحجن البرائن، لا يغذوه العشب، ولا يعيشه الحب، إنما يقيمه الأبيض، # 5 # والنحض # 6 # الغريض، # 7 # الذي لم تطفأ غريزته، ولم تبرد حرارته، ثم لا يطعم إياه إلا بالفرس، # 8 # والوقص، # 9 # والبقر، والنقع، # 10 # والنهز، # 11 # والنهس، # 12 # وقد أداه # 13 # من الشدق الهريت # 14 # والناب الصليب، والكف اللطوم، والأرص # 15 # الأبوز، # 16 # والعصب المدمج، والعظام الصم، والرقبة الغلباء، # 17 # والكاهل المشرف، # 18 # واللبان # 19 # الرحب، والخبب # 20 # المجفر، # 21 # والإطل # 22 # اللاحق، والمتن الأزل، والزند الألف، أدوات أشدد بها معاون على لحاق ~~الشارد وجدل المجاهد وفرس القنص. # ولما خلق العقاب العنقاء ذات مخالب عقف، ومنسر # 23 # أشغى، # 24 # وجناح أفتخ # 25 # ومنكب شبح، # 26 # وقوادم جثلة، # 27 # وخوافي مطارقة # 28 # ومناكب لبدة وكلي، وأباهر كثة وشكير # 29 # أثيث # 30 # إلى هامة فطحاء، ومقلة غائرة وحدقة سحراء، وحوصلة مسجورة # 31 # وعنق أتلع # 32 # وفخذ أعصل # 33 # محطوط، # 34 # وساق مجتدل مفتول ما خلقها لاقطة لحب ولا قاصلة لعشب، ولا لاسة # 35 # ولا حاسة، # 36 # إنما خلقها خارقة مازقة فاتكة هاتكة قادة، # 37 # فارية # 38 # قاطة بارية، ما كان بالعزيز القدير جلت قدرته عن ذلك رقة كرقتك أو رقبة # 39 # كرقبتك، لا يراعي ما تراعيه في مثله ما سميته عقلا إذا صدقت عنه ~~رواية، ولم ms165 تأثر منه على وفاق، هواك الآن شهادة من كف الأذى وإطفاء نار الهرج، بل ~~جوز وأمضى بحكم أدق سراطا وأشد تواريا من أن تلحظه عين ما سميت عقلا وجعلته ~~إماما. # وإليك عن الاعتذار بالأعواض المذكورة عن آلام البطون الممزوقة والفرائص المفصولة، ~~والأعناق المفروسة بعد زمان ينسي المضيض # 40 # ويزهق الترة، # 41 # ويفثأ # 42 # الغيظ ويسيل السخيمة # 43 # وينزع الضب ، # 44 # ويكون فيه ما كان كأن لم يكن، وما فجع كأن لم يفجع، وما أوجع كأن لم ~~يوجع، لا يفرق فيه بين التعويض والحباء # 45 # وبين الابتداء والجزاء، فإن المهل إذا طالت، والأدوار إذا دارت، والخطوب إذا ~~تحللت أنست البدو وبدأة الشيء.» # وتحمل هذه التفصيلات البليغة على القول - كما هو حاصل الكلام - بأن مبادئ المقاصد الإلهية ~~تحتجب في سر لا يقدر عقل الإنسان أن ينفذ فيه، ويكشف التصوف لنا شيئا من ذلك ~~أحيانا، وهكذا يتخذ التصوف له مكانا ملحقا بما بعد الطبيعة. # وتتسع نظرية التفاؤل بمذهب أكثر تصوفا أيضا؛ أي بالمذهب القائل بمعاد النفس، وإن ~~شئت فقل برجوعها إلى مصايرها بعد الموت من آلام، ومسرات قسمت لها في الحياة الأخرى، ~~وينطوي هذا الموضوع على نظرية في اللذة والألم تناولها ابن سينا في «النجاة» بجمال ~~وبفتون بلغ من الشدة ما لا نرى معه أحسن من نقل ما جاء فيها عن ذلك مع شيء من الاختصار: # 46 ~~«إن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها، وأذى وشرا يخصها، مثاله أن لذة الشهوة ~~وخيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة من الخمسة، وأن لذة الغضب الظفر، # 47 # وأن لذة الوهم الرجاء، وأن لذة الحفظ تذكر الأمور، وأن أذى كل واحد ~~من هذه القوى ما يضاده، وتقوم لذة هذه القوى - عموما - على ما يجعلها كاملة ~~بالفعل.» # وجميع هذه القوى - وإن اشتركت في هذه المعاني - تختلف في مراتبها، فمنها ما كماله أتم ~~وأفضل، ومنها ما كماله أكثر، ومنها ما كماله أدوم، ومن هذا يستنتج اختلاف في درجات ~~اللذات التي تنال، قال ابن سينا: «يجب أن لا يتوهم ms166 العاقل أن كل لذة فهي كما للحمار ~~في بطنه وفرجه، وأن المبادئ الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة للذة والغبطة، وأن رب ~~العالمين - عز وجل - ليس له في سلطانه، وخاصية البهاء الذي له، وقوته الغير المتناهية، ~~أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب نجله عن أن يسمى لذة، ثم للحمار وللبهائم حالة ~~طيبة ولذيذة. كلا، بل أي نسبة تكون لما للمبادئ العالية إلى هذه الخسيسة.» ولكنا نتخيل ~~هذا ونشاهده، ولم نعرف ذلك بالاستشعار، بل بالقياس، فحالنا عنده كحال الأصم، الذي لم يسمع ~~قط في عمره، ولا تخيل اللذة اللحنية، وهو متيقن لطيبها. # ومما يحدث أحيانا أن يكون الكمال الخاص بقوة، والأمر الملائم الذي يمكن أن ييسره ~~لها، في متناول هذه القوة نفسها، فتمنع هذه القوة من تلقيهما بعائق أو شاغل، وذلك ~~ككراهية بعض المرضى للطعم الحلو، وشهوتهم للطعوم التي تكرهها نفوس الأصحاء، وربما لا ~~يكره المريض حلو الطعوم، وإنما يكون غير قادر على الاستلذاذ بها، ولا يطيق الرديء منها على ~~الأقل، وربما لم يحس المريض بمرارة فمه إلى أن يصلح مزاجه وتشفى أعضاؤه، فحينئذ ~~ينفر عن الحال العارضة له. # وقال مؤلفنا: «إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا، مرتسما فيها ~~صورة الكل والنظام المعقول في الكل، والخير الفائض في الكل مبتدئا من مبدأ الكل، ~~سالكا إلى الجواهر الشريفة فالروحانية المطلقة، ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما من التعلق ~~بالأبدان، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها، ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة ~~الوجود كله، فتنقلب عالما معقولا، موازيا للعالم الموجود كله، مشاهدا لما هو الحسن ~~المطلق والخير المطلق والجمال الحق، ومتحدا به، ومنتقشا بمثاله وهيئته، ومنخرطا في سلكه، ~~وصائرا من جوهره.» # وإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأخرى، وجد في المرتبة التي يقبح معها ~~أن يقال إنه أتم وأفضل منها، وكيف يقاس الدوام الأبدي بالدوام المتغير الفاسد؟ وكيف ~~يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله، حتى يكون كأنه ~~هو هو بلا ms167 انفصال، ما دام العقل والمعقول والعاقل شيئا واحدا أو قريبا من الواحد؟ ولا ~~يخفى أن إدراكات النفس النطقية أوثق من إدراك الحواس وأشد تقصيا وقوة؛ ولذا، فكيف تقاس ~~لذات هذه النفس - عند إدراكها المعقولات - باللذات الحسية والبهيمية؟ # والغايات العقلية أكرم على الأنفس من محقرات الأشياء، فكيف في الأمور النبيهة العالية؟ ~~ومع ذلك فإن النفوس الخسيسة تعود عاجزة عن الإحساس بالخير والشر في الأمور العالية، ~~كما يعود المرضى عاجزين عن الإحساس بطعم الطعوم كما قلنا. # ومتى انفصلت النفس عن البدن ذهبت نحو غايتها وبلغتها واستلذت بها، ما لم يكن ذوقها ~~قد فسد كفساد ذوق المرضى، غير باحثة عن غايتها مطلقا، فهنالك لا تبلغ هذه الغاية ~~وتألم. # ومتى انتهت القوة العقلية، التي هي النفس الخالدة إلى درجة من الكمال في أثناء الحياة ~~حازت هذا الكمال بالفعل حين مفارقتها للبدن، ونالت اللذة مع الكمال؛ أي اللذة التي هي من ~~نوع ما تنطوي عليه الجواهر المحضة؛ فيعد أكرم من لذة الحواس وأعلى، وهذا يسمى ~~السعادة. # ومن الصعب أن يقال بالضبط ما تعرف النفس عندما تقترب من الحد الذي تتحقق به هذه ~~السعادة، ولكن مما يظن أن نفس الإنسان في ذلك الوقت تكون حائزة لصورة دقيقة عن المبادئ ~~العقلية أو العقول المحضة، وأنها تعرف أسرار الحركات الكلية، لا جميع الجزئية التي لا نهاية ~~لها، وأن صورة الكل تتجلى فيها، وذلك مع الصلة المتبادلة بين أقسامها وبين النظام ~~الذي تلتحم به في سلسلة الموجودات. # والسعادة لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس، وعلى هذا تقوم الأخلاق، قال ~~ابن سينا: «إن الخلق هو ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم ~~روية.» وأغلب ما يكون أن خلق الإنسان في أثناء حياته لا يكون إلا متوسط الصلاح، ولا ~~يكون إذعان العقل العملي للعقل النظري كاملا، ولا يكون للنفس شوق محض إلى الأمور ~~الروحانية، وهي تحتفظ بميل إلى الأشياء البدنية يمنعها من الوصول إلى كمال تام بعد ~~الممات، وتشعر النفس المفارقة للبدن بتناقض هذه الميول ms168 الفاسدة، التي كانت عادة لها، ~~وخيرها الحق، فيكون هذا التناقض سبب ألم شديد لها، ومع ذلك فبما أنها كانت صالحة مبدأ ~~فإن هذا الألم لا يكون أمرا ضروريا جوهريا لها، وهو لا يكون سوى حال غريبة ~~عنها. # وبما أن ما يكون عرضيا أجنبيا لا يدوم عندما يأتي الموت لقطع الأعمال التي يغذي ~~تكرارها في النفس هذه العادات السيئة، فإن هذه العادات تمحي وتزول ، وينقص ألم ~~النفس الناشئ عنها كلما زكت، فبعد ذهاب هذا الألم العابر تبلغ النفس سعادتها، وتصير ~~النفوس الروحانية الخالصة عند الموت إلى سعة من رحمة الله. وأما النفوس الرديئة تماما، ~~والتي لا تميل إلى غير البدن، فإنها تتعذب عذابا شديدا بفقد البدن؛ «لأن آلة ذلك ~~قد بطلت، وخلق التعلق بالبدن قد بقي.» # وكذلك يمكن قبول ما يقوله بعض العلماء من أن النفس المفارقة للبدن يمكن أن تؤثر في ~~المواد السماوية، وتواصل تخيل صور بهذه المواد مثل موضوعات، ويتخيل صالح النفوس حالات ~~السعادة التي تاقوا إليها في أثناء الحياة، ويتخيل سيئ النفوس أنواع العقوبات والآلام، ~~وليست الصور الخيالية أضعف من الحسية، بل تزداد عليها، كما يشاهد ذلك في المنام حيث يرى ~~- أحيانا - ما هو أشد مما يرى في اليقظة، فالارتسامات التي تتكون في باطن النفس تصدر عن ~~علة ذاتية، والارتسامات التي تتكون من الخارج تصدر عن علة عرضية. # وتبلغ الأنفس المقدسة كمالها بذاتها وتنغمس في اللذة الحقيقية، وتتبرأ عن النظر إلى ~~ما خلفها، وتطهر من آثار العوالق الحسية التي كانت لاصقة بها، متخلفة لأجل عن درجة ~~عليين. ~~••• # وبقصة سنختم هذا الكتاب على الطريقة الأفلاطونية. # توجد قصص كثيرة بين آثار ابن سينا كقصة الطير وقصة حي، اللتين تصلحان لموضوع رسالتين ~~في التصوف، وليست قصة سلامان وأبسال، التي سنوردها معروفة عن ابن سينا مباشرة، وإنما ~~ذكرت في موضعين من كتب هذا المؤلف، ولنا نقلات بشرح نصير الدين الطوسي على «الإشارات»، ~~ولهذه القصة أشكال مختلفة جدا، وكثيرا ما وقع تناولها وإصلاحها، ثم وسعت على شكل ~~ملحمة بقلم الشاعر الفارسي جامي. وأما ms169 الشكل الذي ننقلها به الآن فقد قدم إلينا على ~~أنه مترجم من اليونانية من قبل حنين بن إسحاق، والواقع أنه يوجد لدينا ما يحمل على ~~الاعتقاد بأنها من أصل إسكندراني. # 48 # كان في الزمن القديم - وقبل طوفان النار - ملك اسمه هرمانوس بن هرقل، وكان لهذا الملك ~~مملكة الروم إلى ساحل البحر مع بلاد يونان وأرض مصر، وكان ذا علم غزير، وكان شديد الاطلاع ~~على تأثيرات الصور الفلكية. # وكان يوجد بين معاصري هذا الأمير حكيم اسمه إقليقولاس الحائز على جميع العلوم الخفية، ~~وكان هذا الحكيم يعيش معتزلا منذ دور في مغارة يقال لها ساريقون، وكان يفطر في كل ~~أربعين يوما بشيء من نبات الأرض، وقد بلغ من العمر ثلاثة أدوار، وكان الملك هرمانوس ~~يستشيره كثيرا. # ومما حدث ذات يوم أن شكا الملك إلى الحكيم عدم الولد، وكان هذا الأمير لا يلتفت إلى ~~النساء، وكان يكره معاشرتهن ويأنف الاجتماع بهن، فنصحه الحكيم بأن يتخذ امرأة ذات حسن ~~وجمال على طالع فلكي، فيكون له ولد ذكر، ما دام «الملك» قد عاش ثلاثة قرون، فأبى الملك ~~ذلك، هنالك قال له الحكيم: إنه لم يبق سبيل إلى إنالته وارثا غير رصد طالع موافق وغير ~~اختيار يبروح # 49 # صنمي في الوقت الذي تقرره النجوم، فيراق قليل من سائله اللقاحي (أي الملك) في ~~هذا اليبروح، ويلازم الحكيم أمر العناية بهذا اليبروح وتحويله إلى ولد حي. # وهذا ما صنع، ويولد الولد، ويسمى سلامان، وتطلب له امرأة لتغذوه بلبنها، وتوجد له امرأة ~~جميلة بنت للثامنة عشرة من سنيها، يقال لها أبسال، وتتولى هذه المرأة أمر تربيته، ويفرح ~~الملك. # ويروى أن هرمانوس وعد الحكيم بأن يقيم - كدليل على شكره - بناءين عظيمين قادرين على ~~مقاومة طوفانات الماء والنار، حيث تحفظ أسرار العلوم، وهذان البناءان هما الهرمان. # ولما تم للصبي مدة الرضاع أراد الملك أن يفرق بينه وبين المرأة؛ فجزع الصبي من ~~ذلك لشدة شغفه بها، فلما رأى الملك ذلك تركهما إلى حين بلوغ الصبي، فلما بلغ اشتدت محبته ~~للمرأة وقوي عشقه ms170 لها، حتى كان في أكثر أوقاته يفارق خدمة الملك لإصلاح أمرها. # ويأمر الملك بإحضار ابنه، ويوجه إليه نصائح قائلا: «أنت ولدي، وليس لي في الدنيا غيرك، ~~ولكن اعلم - يا بني - أن النسوان هن مكايد الشر ومصايده، وما أفلح من خالطهن إلا لاعتبار ~~بهن، أو ليحصل لنفسه خيرا منهن، ولا خير فيهن، فلا تجعل لامرأة في قلبك مقاما حتى ~~يصير سلطان عقلك مقهورا ونور بصرك وحياتك مغمورا، فلا أحسب هذا إلا من شأن البله ~~المغفلين. # واعلم - يا بني - أن الطريق طريقان: طريق هو العروج من الأسفل إلى الأعلى، والثاني ~~الانحدار من الأعلى إلى الأسفل، ولنمثل لك ذلك في عالم الحس حتى يتبين لك الصواب. ~~اعلم أن كل واحد من جملة من هو على بابنا إذا لم يأخذ بطريق العدل والعقل هل يصير قريب ~~المنزلة منا؟ كلا، بل إذا أخذ بطريق العدل والعقل يصير كل يوم قريب المنزلة منا، فكذا ~~الإنسان إذا سلك طريق العقل وتصرف في قواه البدنية التي هي أعوانه على أن يقرب من ~~عالم النور العالي، الذي يبهر كل نور فبعد مدة يصير قريبا منه منزلة، ومن علامة ذلك أن ~~يصير نافذ الأمر في السفليات، وهذه أخس هذه المنازل، بل الوسطى منها هو أن يصير ~~مشاهدا للأنوار القاهرة، التي تتصل على سبيل الدوام بالعالم السفلي، والعليا منها أن ~~يصير عالما بحقائق الموجودات، منصرفا فيها على وفق العدل والحق. # أقول لك: إنك إن أردت أن تكون لك امرأة تقبل منك ما تريد، وتفعل لك ما تشتهيه فهلم ~~سعيا، فقد نفد الزاد وبعد المزار، وإن كنت مالكا سبيل الإيمان، طارقا طريقة الإيقان ~~فخذ نفسك عن هذه الفاجرة أبسال؛ إذ لا حاجة لك فيها، ولا مصلحة لك في مخالطتها؛ فاجعل ~~نفسك رجلا متحليا بحلية التجرد، حتى أخطب لك جارية من العالم العلوي تزف إليك ~~أبد الأبدين، ويرضى عنك رب العالمين.» # وكان سلامان - لشدة شغفه بأبسال - لا يصغي لكلام الملك، فرجع إلى بيته، وحكى كل ما ~~جرى له مع الملك لأبسال على طريق ms171 المشورة، فقالت المرأة: «لا يقرعن سمعك قول الرجل؛ فإنه ~~يريد أن يفوت عليك اللذة بمواعيد أكثرها أباطيل وأجلها مخاييل. والتقدم بالأمر عزمة، ~~وإني امرأة مأمورة لك بكل ما تطيب به نفسك وتشتهي، فإن كنت ذا عقل وحزم فاكشف للملك عن ~~سرك بأن لست تاركي ولست بتاركة لك.» # وذهب الصبي لينقل كلام أبسال، لا للملك، بل لوزيره الذي رواه للملك بدوره، فلما بلغ الملك ~~هذا الأمر تأسف على ولده، ودعاه إليه ليوجه إليه نصائح جديدة، ولكن الملك أبصر أنه لم ~~يسطع أن ينفذ روحه، فعن له أن يقوم بتسوية، فقال له: «فإن كان ولا بد، فاجعل حظك ~~قسمين، أحد القسمين تشتغل بالاستفادة من الحكماء، والثاني تأخذ لنفسك منها ما تظنه ~~لذة.» # فقبل سلامان ذلك، ولكنه - وهو يشتغل في نصف من الوقت - كان ذهنه مشغولا بالنصف الآخر، ~~ويعلم الملك ذلك، ويعزم على استشارة الحكماء حتى يهلك أبسال، وكانت هذه هي الوسيلة ~~الوحيدة التي بقيت له كيما يتخلص منها، فوجه الحكماء لومهم إلى هذه الخطة، وقام جواب ~~الوزير إلى الملك على كون هذا القتل يضعضع عرشه من غير أن يفتح له بابا في زمرة ~~الكروبيين. # ويصل صدى هذا الكلام إلى سلامان، الذي أهرع إلى أبسال ليبلغها إياه، ويبحثان معا عن ~~السبيل لإحباط خطط الملك، وليكونا في مأمن من غضبه، فتقرر عزمهما على الفرار إلى وراء ~~بحر المغرب، ويسكنان هناك. # والواقع أنه كان عند الملك - بفضل علمه السحر - قصبتان من ذهب، وعليهما سبعة مواضع من ~~الصفارات، يصفر فيها لكل إقليم فيطلع على ما يريده من ذلك الإقليم، وهكذا اطلع ~~على المكان الذي انزوى فيه سلامان وأبسال، فوجدهما على أسوأ حال من الغربة وضيق الحال، ~~فرق لهما في بدء الأمر، وأمر بإرسال ما يكفي كل واحد منهما، ثم غضب بعد مدة على ~~روحانيات شهوتهما، فأمر بتعذيبهما، في سواء هيامهما، بأرواح أخذت تجري عليهما رغبات ~~يتعذر عليهما قضاؤها. # وأدرك سلامان أن هذه المكاره تأتيه من أبيه، فقام وجاء إلى باب الملك معتذرا مستغفرا ~~ومعه أبسال، فطلب ms172 الملك منه أن يصرف أبسال، مكررا له أنه لا يستطيع أن يجلس على العرش ما ~~دام محتفظا بها؛ وذلك لأن هذه المرأة والملك يطالبان به كاملا، وأن أبسال تكون متعلقة ~~برجله هو، على حين يكون هو متعلقا به بيده، فيحول هذا دون بلوغه عرش الأفلاك أيضا، قال ~~الملك هذا، وأمر أن يتعلقا يوما تاما على الوضع المذكور في هذا المثال، فلما كان الليل ~~فكا فأخذ كل منهما بيد صاحبه، وألقيا بأنفسهما في البحر. # وكان هرمانوس يرقبهما في تلك الأثناء، فأمر روحانية الماء بأن تحفظ سلامان حتى يرسل ~~جماعة للبحث عنه، وأما أبسال فقد تركها تغرق. # فلما تحقق سلامان أن أبسال قد غرقت كاد يشرف على الموت ألما وصار كالمجنون، فاستشار ~~الملك إقليقولاس الحكيم، معربا عن رجائه أن يرى الصبي ثانية، ويحضر الصبي، ويسأله الحكيم ~~عن رغبته في وصال أبسال، فقال الصبي: «وكيف لا أريد ذلك؟» فقال الحكيم: «تعال معي إلى ~~مغارة ساريقون حتى أدعو وتدعو أربعين يوما، فإن أبسال تعود إليك بهذا العمل»، ومضيا إلى ~~المغارة معا، ووضع الحكيم، لقيامه بوعده، ثلاثة شروط، وهي: ألا يكتم الصبي عنه شيئا، أن ~~يقتدي الصبي به في أفعاله خلا تخفيف في أمر الصوم، وألا يحب الصبي امرأة غير أبسال ما دام ~~حيا. # هنالك أخذا يدعوان الزهرة، وكان سلامان يرى كل يوم صورة أبسال تتردد إليه، وتجالسه ~~وتكلمه، فيحكي للحكيم كل ما رأى وسمع. # فلما كان يوم الأربعين ظهرت صورة عجيبة وشكل غريب، فائق لكل حسن وجمال، وهذه صورة الزهرة، ~~فشغف سلامان بهذه الصورة شغفا شديدا أنساه حب أبسال، فقال للحكيم: «لست أريد أبسال، ولا ~~أريد إلا هذه الصورة»، فقال له الحكيم: «ألست قد شرطت عليك أن لا تعشق أحدا غير أبسال، وقد ~~تعبنا هذه المدة حتى قارب أن يستجاب لنا في عود أبسال إليك؟» فقال سلامان: «أغثني، فإني لا ~~أريد إلا هذه الصورة». # فسخر له الحكيم روحانية هذه الصورة حتى كانت تأتيه في كل وقت، ولم يزل كذلك حتى تعب منها ~~أيضا، وصفت ms173 نفسه من كدورة المحبة. # وشكر الملك للحكيم ما صنع، ولما جلس سلامان على العرش لم يفكر في غير الحكمة، فنال مجدا ~~عظيما، وظهرت في مدة ملكه عجائب. # وتكتب هذه القصة على سبعة ألواح من ذهب، وتكتب أدعية الكواكب السبعة في سبعة ألواح ~~أخرى أيضا، ويوضع الجميع في الهرمين بالقرب من قبور أجداد سلامان، ويقع الطوفانان، الناري ~~والمائي، ويظهر الحكيم الإلهي، أفلاطون، ويريد البحث عن ذخائر العلوم في الهرمين، ويسافر ~~إليهما، ولكن ملوك زمانه لم يساعدوه على فتحهما، فأوصى، عند وفاته، تلميذه، أرسطو، أن يواصل ~~سعيه في هذا السبيل، وقد اغتنم أرسطو فرصة فتوح الإسكندر، ففتح باب الهرمين بطريقة كان ~~أفلاطون قد أوصاه بها، وقد دخلهما الإسكندر، فأخرج منهما ألواح الذهب، التي كتبت عليها هذه ~~القصة. # ومن الصعب أن يقال - حصرا - هل كانت هذه القصة تنطوي في ذهن واضعها على منهاج فلسفي ~~معين، أو كانت رمزا واسعا يمكن كل واحد أن يدخل إليه شيئا من فكره، ومع ذلك، فإن ما ~~نستطيع ملاحظته هو أن هذه القصة طبقت على الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، وأنها طبقت بأصرح ~~من ذلك على منهاج ابن سينا، وإليك تفسير نصير الدين الطوسي لها: ~~«إن الملك هرمانوس هو العقل الفعال، وإن الحكيم هو الفيض، الذي يفيض عليه مما ~~فوقه، وإن سلامان هو النفس الناطقة الصادرة عن العقل الفعال من غير تعلق ~~بالجسمانيات، وإن أبسال هي القوة البدنية الحيوانية، وإن عشق سلامان لأبسال هو ميل ~~النفس إلى اللذات البدنية، وإن هربهما إلى ما وراء بحر المغرب هو انغماسهما في ~~الأمور الفانية، وإن تعذيبهما بالشوق مع الحرمان وهما متلاقيان، هو بقاء ميل النفس ~~مع فتور القوى عن أفعالها بعد سن الانحطاط، وإن رجوع سلامان إلى أبيه هو التفطن ~~للكمال والندامة، وإن إلقاء نفسيهما في البحر هو تورطهما في الهلاك، وإن خلاص ~~سلامان هو بقاء النفس بعد البدن، وإن اطلاعه على صورة الزهرة هو التذاذ النفس ~~بالكمالات العقلية، وإن جلوس سلامان على سرير الملك هو وصول النفس إلى كمالها ~~الحقيقي، وإن الهرمين ms174 الباقيين على مرور الدهر هما الصورة والمادة ~~الجسمانيتان.» # وإذا ما أقدمنا على إزلاق فكر شخصي تحت القصة بعد أن سمعنا هذا التفسير الدقيق، رأينا ~~رمز الفلسفة في الهرمين اللذين أقيما في مصر منذ زمن قديم جدا، ففتحا من قبل أفلاطون ~~وأرسطو، وبقيا على مرور الدهر. ~~••• # لقد عرضنا نتائج هذا الكتاب في آخر الفصل السابق، وإنا إذ نختم به هذا الفصل وهذا الكتاب، ~~وذلك على حين نودع قراءنا، ونودع أولئك الموتى الكرام السابقين، الذين كان فكرهم موضوع هذه ~~الدراسة، لم أرد غير إضافة كلمة للجهر بلذة، تمتعت بها في الشهور الكثيرة، التي قضيتها في ~~صحبة رجال آمنوا بالعقل، وبحثوا وفق قوانين المنطق، وعدوا جميع الفرضيات في كل صفحة، ~~وميزوا جميع المعاني، واعتقدوا الحقيقة العامة، وأيقنوا بخلودها، وعدوا الفلسفة علما، ~~وذهبوا إلى أن السياسة قسم من العلم، وقضوا بوجوب الحكم في الدول من قبل الحكماء، لا من قبل ~~الغوغاء، واتصفوا بقلب كبير لم يروا معه نقص قيمة العقل باعترافهم أنه محدود، وبقولهم: إنه ~~يوجد فوقه إمكان للمعرفة بالمعاينة، فحبا نفوسهم بوسيلة الانطلاق في بقاع حافلة بالأسرار، ~~وقد بلغ هؤلاء الرجال من اتساع الذهن ما يستحق معه تنوع آرائهم أن يثير حسد هواة عصرنا، ~~وذلك ما داموا قد جدوا بعقلهم أن يدركوا جميع المناهج، فيوفقوا بينها جميعا، ولم يعرفوا أي ~~حاجز في حقل البحث العقلي، الذي ساروا به أحرارا من خلال جميع العلوم، وما داموا قد ~~أرادوا أن تكون جميع ميادين النشاط مفتحة لهم، فارتقوا جميع درجات مرقاة الموجودات، ونزلوا ~~منها بسهولة متساوية، هذه الدرجات، التي تبيح لها طبيعة ذهن الإنسان أن تتحرك من أعماق ~~الأرض حتى الأفلاك العليا، ومن ظلمات الهيولى التي لا تدرك حتى أنوار العقل المحض. # | جدول المطابقات بين السنين الهجرية والميلادية # بدءا من العام الهجري الأول حتى سنة 480 هجرية، أي بعد وفاة الشيخ الرئيس بنصف ~~قرن # هجرية # ميلادية # 1 # 622 # 2 # 623 # 3 # 624 # 4 # 625 # 5 # 626 # 6 # 627 # 7 # 628 # 8 # 629 # 9 # 630 # 10 # 631 ms175 # 11 # 632 # 12 # 633 # 13 # 634 # 14 # 635 # 15 # 636 # 16 # 637 # 17 # 638 # 18 # 639 # 19 # 640 # 20 # 640 # 21 # 641 # 22 # 642 # 23 # 643 # 24 # 644 # 25 # 645 # 26 # 646 # 27 # 647 # 28 # 648 # 29 # 649 # 30 # 650 # 31 # 651 # 32 # 652 # 33 # 653 # 34 # 654 # 35 # 655 # 36 # 656 # 37 # 657 # 38 # 658 # 39 # 659 # 40 # 660 # 41 # 661 # 42 # 662 # 43 # 663 # 44 # 664 # 45 # 665 # 46 # 666 # 47 # 667 # 48 # 668 # 49 # 669 # 50 # 670 # 51 # 671 # 52 # 672 # 53 # 672 # 54 # 673 # 55 # 674 # 56 # 675 # 57 # 676 # 58 # 677 # 59 # 678 # 60 # 679 # 61 # 680 # 62 # 681 # 63 # 682 # 64 # 683 # 65 # 684 # 66 # 685 # 67 # 686 # 68 # 687 # 69 # 688 # 70 # 689 # 71 # 690 # 72 # 691 # 73 # 692 # 74 # 693 # 75 # 694 # 76 # 695 # 77 # 696 # 78 # 697 # 79 # 698 # 80 # 699 # 81 # 700 # 82 # 701 # 83 # 702 # 84 # 703 # 85 # 704 # 86 # 705 # 87 # 705 # 88 # 706 # 89 # 707 # 90 # 708 # 91 # 709 # 92 # 710 # 93 # 711 # 94 # 712 # 95 # 713 # 96 # 714 # 97 # 715 # 98 # 716 # 99 # 717 # 100 # 718 # 101 # 719 # 102 # 720 # 103 # 721 # 104 # 722 # 105 # 723 # 106 # 724 # 107 # 725 # 108 # 726 # 109 # 727 # 110 # 728 # 111 # 729 # 112 # 730 # 113 # 731 # 114 # 732 # 115 # 733 # 116 # 734 # 117 # 735 # 118 # 736 # 119 # 737 # 120 # 737 # 121 # 738 # 122 # 739 # 123 # 740 # 124 # 741 # 125 # 742 # 126 # 743 # 127 # 744 # 128 # 745 # 129 # 746 # 130 # 747 # 131 # 748 # 132 # 749 # 133 # 750 # 134 # 751 # 135 # 752 # 136 # 753 # 137 # 754 # 138 # 755 # 139 # 756 # 140 # 757 # 141 # 758 # 142 # 759 # 143 # 760 # 144 # 761 # 145 # 762 # 146 # 763 # 147 # 764 # 148 # 765 # 149 # 766 # 150 # 767 # 151 # 768 # 152 # 769 # 153 # 770 # 154 # 770 # 155 # 771 # 156 # 772 # 157 # 773 # 158 # 774 # 159 # 775 # 160 # 776 ms176 # 161 # 777 # 162 # 778 # 163 # 779 # 164 # 780 # 165 # 781 # 166 # 782 # 167 # 783 # 168 # 784 # 169 # 785 # 170 # 786 # 171 # 787 # 172 # 788 # 173 # 789 # 174 # 790 # 175 # 791 # 176 # 792 # 177 # 793 # 178 # 794 # 179 # 795 # 180 # 796 # 181 # 797 # 182 # 798 # 183 # 799 # 184 # 800 # 185 # 801 # 186 # 802 # 187 # 802 # 188 # 803 # 189 # 804 # 190 # 805 # 191 # 806 # 192 # 807 # 193 # 808 # 194 # 809 # 195 # 810 # 196 # 811 # 197 # 812 # 198 # 813 # 199 # 814 # 200 # 815 # 201 # 816 # 202 # 817 # 203 # 818 # 204 # 819 # 205 # 820 # 206 # 821 # 207 # 822 # 208 # 823 # 209 # 824 # 210 # 825 # 211 # 826 # 212 # 827 # 213 # 828 # 214 # 829 # 215 # 830 # 216 # 831 # 217 # 832 # 218 # 833 # 219 # 834 # 220 # 835 # 221 # 835 # 222 # 836 # 223 # 837 # 224 # 838 # 225 # 839 # 226 # 840 # 227 # 841 # 228 # 842 # 229 # 843 # 230 # 844 # 231 # 845 # 232 # 846 # 233 # 847 # 234 # 848 # 235 # 849 # 236 # 850 # 237 # 851 # 238 # 852 # 239 # 853 # 240 # 854 # 241 # 855 # 242 # 856 # 243 # 857 # 244 # 858 # 245 # 859 # 246 # 860 # 247 # 861 # 248 # 862 # 249 # 863 # 250 # 864 # 251 # 865 # 252 # 866 # 253 # 867 # 254 # 868 # 255 # 868 # 256 # 869 # 257 # 870 # 258 # 871 # 259 # 872 # 260 # 873 # 261 # 874 # 262 # 875 # 263 # 876 # 264 # 877 # 265 # 878 # 266 # 879 # 267 # 880 # 268 # 881 # 269 # 882 # 270 # 883 # 271 # 884 # 272 # 885 # 273 # 886 # 274 # 887 # 275 # 888 # 276 # 889 # 277 # 890 # 278 # 891 # 279 # 892 # 280 # 893 # 281 # 894 # 282 # 895 # 283 # 896 # 284 # 897 # 285 # 898 # 286 # 899 # 287 # 900 # 288 # 900 # 289 # 901 # 290 # 902 # 291 # 903 # 292 # 904 # 293 # 905 # 294 # 906 # 295 # 907 # 296 # 908 # 297 # 909 # 298 # 910 # 299 # 911 # 300 # 912 # 301 # 913 # 302 # 914 # 303 # 915 # 304 # 916 # 305 # 917 # 306 # 918 # 307 # 919 # 308 # 920 # 309 # 921 # 310 # 922 ms177 # 311 # 923 # 312 # 924 # 313 # 925 # 314 # 926 # 315 # 927 # 316 # 928 # 317 # 929 # 318 # 930 # 319 # 931 # 320 # 932 # 321 # 933 # 322 # 933 # 323 # 934 # 324 # 935 # 325 # 936 # 326 # 937 # 327 # 938 # 328 # 939 # 329 # 940 # 330 # 941 # 331 # 942 # 332 # 943 # 333 # 944 # 334 # 945 # 335 # 946 # 336 # 947 # 337 # 948 # 338 # 949 # 339 # 950 # 340 # 951 # 341 # 952 # 342 # 953 # 343 # 954 # 344 # 955 # 345 # 956 # 346 # 957 # 347 # 958 # 348 # 959 # 349 # 960 # 350 # 961 # 351 # 962 # 352 # 963 # 353 # 964 # 354 # 965 # 355 # 965 # 356 # 966 # 357 # 967 # 358 # 968 # 359 # 969 # 360 # 970 # 361 # 971 # 362 # 972 # 363 # 973 # 364 # 974 # 365 # 975 # 366 # 976 # 367 # 977 # 368 # 978 # 369 # 979 # 370 # 980 # 371 # 981 # 372 # 982 # 373 # 983 # 374 # 984 # 375 # 985 # 376 # 986 # 377 # 987 # 378 # 988 # 379 # 989 # 380 # 990 # 381 # 991 # 382 # 992 # 383 # 993 # 384 # 994 # 385 # 995 # 386 # 996 # 387 # 997 # 388 # 998 # 389 # 998 # 390 # 999 # 391 # 1000 # 392 # 1001 # 393 # 1002 # 394 # 1003 # 395 # 1004 # 396 # 1005 # 397 # 1006 # 398 # 1007 # 399 # 1008 # 400 # 1009 # 401 # 1010 # 402 # 1011 # 403 # 1012 # 404 # 1013 # 405 # 1014 # 406 # 1015 # 407 # 1016 # 408 # 1017 # 409 # 1018 # 410 # 1019 # 411 # 1020 # 412 # 1021 # 413 # 1022 # 414 # 1023 # 415 # 1024 # 416 # 1025 # 417 # 1026 # 418 # 1027 # 419 # 1028 # 420 # 1029 # 421 # 1030 # 422 # 1030 # 423 # 1031 # 424 # 1032 # 425 # 1033 # 426 # 1034 # 427 # 1035 # 428 # 1036 # 429 # 1037 # 430 # 1038 # 431 # 1039 # 432 # 1040 # 433 # 1041 # 434 # 1042 # 435 # 1043 # 436 # 1044 # 437 # 1045 # 438 # 1046 # 439 # 1047 # 440 # 1048 # 441 # 1049 # 442 # 1050 # 443 # 1051 # 444 # 1052 # 445 # 1053 # 446 # 1054 # 447 # 1055 # 448 # 1056 # 449 # 1057 # 450 # 1058 # 451 # 1059 # 452 # 1060 # 453 # 1061 # 454 # 1062 # 455 # 1063 # 456 # 1063 # 457 # 1064 # 458 # 1065 # 459 # 1066 # 460 # 1067 ms178 # 461 # 1068 # 462 # 1069 # 463 # 1070 # 464 # 1071 # 465 # 1072 # 466 # 1073 # 467 # 1074 # 468 # 1075 # 469 # 1076 # 470 # 1077 # 471 # 1078 # 472 # 1079 # 473 # 1080 # 474 # 1081 # 475 # 1082 # 476 # 1083 # 477 # 1084 # 478 # 1085 # 479 # 1086 # 480 # 1087 ms179