######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.TatawwurUmam.Hindawi79729368 #META# Tags: history #META# ID: 79729368 #META# Title: السنن النفسية لتطور الأمم #META# AuthorID: 41830681 #META# Author: غوستاف لوبون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1349GustaveLeBon.EvolutionDesPeuples (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # مقدمة المؤلف في الطبعة الثانية عشرة‏ # المقدمة‏ # الباب الأول: صفات العروق النفسية‏ # 1 - روح العروق‏ # 2 - حدود تغير أخلاق العروق‏ # 3 - نظام مراتب العروق النفسي‏ # 4 - تفاوت الأفراد والعروق التدريجي‏ # 5 - تكوين العروق التاريخية‏ # الباب الثاني: كيف تتجلى الأخلاق النفسية للعروق في مختلف عناصر ~~الحضارات‏ # 1 - عناصر الحضارة مظهر خارجي لروح الأمة‏ # 2 - كيف تتحول النظم والديانات واللغات‏ # 3 - كيف تتحول الفنون‏ # الباب الثالث: اشتقاق تاريخ الأمم من أخلاقها‏ # 1 - كيف تشتق النظم من روح الأمة‏ # 2 - تطبيق المبادئ السابقة على البحث المقارن في تطور ~~الولايات المتحدة بأمريكة والجمهوريات الإسبانية ~~الأمريكية‏ # 3 - كيف يؤدي تغيير روح العروق إلى تغيير تطور ~~الأمم التاريخي‏ # الباب الرابع: كيف تتغير أخلاق العروق النفسية‏ # 1 - شأن الأفكار في حياة الأمم‏ # 2 - شأن المعتقدات الدينية في تطور الحضارات‏ # 3 - شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم‏ # الباب الخامس: انحلال أخلاق العروق وانحطاطها‏ # 1 - كيف تذوي الحضارات وتنطفئ‏ # 2 - خلاصات عامة‏ # مقدمة المترجم‏ # مقدمة المؤلف في الطبعة الثانية عشرة‏ # المقدمة‏ # الباب الأول: صفات العروق النفسية‏ # 1 - روح العروق‏ # 2 - حدود تغير أخلاق العروق‏ # 3 - نظام مراتب العروق النفسي‏ # 4 - تفاوت الأفراد والعروق التدريجي‏ # 5 - تكوين العروق التاريخية‏ # الباب الثاني: كيف تتجلى الأخلاق النفسية للعروق في مختلف عناصر ~~الحضارات‏ # 1 - عناصر الحضارة مظهر خارجي لروح الأمة‏ # 2 - كيف تتحول النظم والديانات واللغات‏ # 3 - كيف تتحول الفنون‏ # الباب الثالث: اشتقاق تاريخ الأمم من أخلاقها‏ # 1 - كيف تشتق النظم من روح الأمة‏ # 2 - تطبيق المبادئ السابقة على البحث المقارن في تطور ~~الولايات المتحدة بأمريكة والجمهوريات الإسبانية ~~الأمريكية‏ # 3 - كيف يؤدي تغيير روح العروق إلى تغيير تطور ~~الأمم التاريخي‏ # الباب الرابع: كيف تتغير أخلاق العروق النفسية‏ # 1 - شأن الأفكار في حياة الأمم‏ # 2 - شأن المعتقدات الدينية في تطور الحضارات‏ # 3 - شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم‏ # الباب الخامس: انحلال أخلاق العروق وانحطاطها‏ # 1 - كيف تذوي الحضارات وتنطفئ‏ # 2 - خلاصات عامة‏ # | السنن النفسية لتطور الأمم # | السنن النفسية لتطور الأمم # تأليف # غوستاف ms001 لوبون # ترجمة # عادل زعيتر # | مقدمة المترجم # يسيح الفيلسوف الاجتماعي غوستاف لوبون في الأرض كثيرا فيضع في سنة 1884 كتابه ~~الخالد «حضارة العرب»، ويضع في سنة 1887 كتابه الخالد «حضارات الهند»، وفي سنة 1889 ~~يعززهما بثالث ، يعززهما بكتاب «الحضارات الأولى»، ونترجم السفرين الأولين اللذين ~~هما أهم من السفر الثالث، ومن السفر الثالث هذا ننقل إلى العربية الجزء الخاص ~~باليهود، وهو أطرف أجزائه. # وفي تأليف تلك الكتب يعتمد لوبون على ما لاحظ في رحلاته وترصد، ومن تلك الكتب، على ~~الخصوص، يستنبط ما بدا له من سنن الاجتماع فيضع في سنة 1894 كتاب «السنن النفسية لتطور ~~الأمم»، ويضع في سنة 1895 كتاب «روح الجماعات»، وفي كلا الكتابين يتحرر لوبون من جميع ~~المذاهب الاجتماعية فينتهي إلى نتائج مخالفة لما ألفه العلماء من المبادئ والآراء، فيعد، ~~بحق، مجددا في علم النفس وعلم الاجتماع، إماما موجها فيهما. # وعالج لوبون جميع الموضوعات التي تناولها بالبحث في كتبه ببراعة ودقة فوصل إلى حقائق ~~رائعة، وامتاز لوبون في ذلك بمعرفته للإنسان وتعبيره عما يوحي به العقل والذوق السليم من ~~المناحي، وظهر لوبون في كل ما كتب عبقريا مبتكرا حر الفكر مستقلا لبقا إلى ~~الغاية؛ ولذلك كان من الصواب أن قيل: «لا جدال في أن لوبون أعظم عالم نفسي فرنسي في الزمن ~~الحاضر بما تذرع به من صبر، وما اتفق له من بصيرة نفذ بها روح العصر». # وفي كتاب «السنن النفسية لتطور الأمم» بحث لوبون في صفات العروق النفسية وتغير ~~أخلاقها ومراتبها، وفي تفاوت الأفراد والعروق، وفي تكوين العروق التاريخية، وفي كون عناصر ~~الحضارة مظهرا خارجيا لروح الأمة، وفي تحول النظم والمعتقدات والفنون، وفي تأثير المبادئ ~~في حياة الأمم، وفي تأثير الديانات في تطور الحضارات، وفي شأن العظماء في تاريخ الأمم، وفي ~~ذوي الحضارات وانطفائها. # ويغدو مبدأ تساوي الأفراد والعروق الذي بشر به فلاسفة القرن الثامن عشر من العقائد ~~الثابتة لدى أكثر شعوب أوربة على الخصوص، ويبلغ هذا المبدأ من النفوذ والتأثير في هذه ~~الشعوب ما قلب به العالم الغربي ms002 رأسا على عقب، وعلى هذا المبدأ تقوم نظريات الاشتراكية، ~~وعلى ما دل عليه العلم الحديث من وهن في ذلك المبدأ لم يجرؤ أحد على مناهضته سوى قليل من ~~العلماء، ولاح لوبون على رأس هؤلاء؛ فبين في كتابه «السنن النفسية لتطور الأمم» أن ~~الحضارات كلما تقدمت تفاوتت الشعوب والأفراد، وأن البشرية تسير إلى التفاوت لا إلى ~~المساواة، ومما وجده لوبون أن العروق تختلف فيما بينها بما تشتمل عليه من صفوة الرجال، ~~وأن الحضارات تؤدي إلى تفاوت الأفراد بالتدريج من الناحية الذهنية، وأن الأمم كلما تقدمت في ~~ميدان الحضارة تفاوت الجنسان فيها بنسبة هذا التقدم. # وكتاب «السنن النفسية لتطور الأمم» عظيم الشأن، وهو لهذا العظم اتفق له من الأثر ~~البالغ في أقطاب السياسة ما رأوا معه اتخاذه خير رفيق لهم، حتى إن رئيس جمهورية الولايات ~~المتحدة الأمريكية، ثيودور روزڨلت، كان يستصحبه في حله وترحاله؛ مستلهما إياه في سياسته؛ ~~كما صرح بذلك غير مرة. # وأروع كتب لوبون الاجتماعية هو ما وضعه قبل الحرب العالمية الأولى، وما وضعه لوبون بعد ~~تلك الحرب اعتمد فيه على مؤلفاته السابقة مكررا ما جاء فيها من المبادئ والنظريات على ~~العموم، وقد نقلنا إلى العربية معظم تلك المؤلفات، ولا سيما «حضارة العرب، وحضارات الهند، ~~واليهود في تاريخ الحضارات الأولى، وروح التربية، وحياة الحقائق ...»، فرأينا أن نتم عملنا ~~فنترجم كتاب «السنن النفسية لتطور الأمم» وكتاب «روح الجماعات» أيضا، وهذا ما قمنا به ~~فعلا؛ فبذلك نكون قد أدخلنا إلى المكتبة العربية أمهات كتب لوبون؛ التاريخية، والاجتماعية، ~~والنفسية. # وكان لوبون قد وضع كتاب «الإنسان والمجتمعات وتاريخهما وأصولهما» في مجلدين قبل سياحاته ~~العظيمة وقبل تأليفه كتاب «حضارة العرب» وغيره من تلك الكتب، فاستند في كتب الحضارات تلك ~~إلى بعض القواعد المقررة في ذلك الكتاب، وقد كنا راغبين في ترجمة ذلك الكتاب أيضا لو لم ~~نر أن لوبون غير كثيرا من آرائه وأفكاره فيه بعد رحلاته تلك، وعند تأليفه للكتب التي ~~نقلناها، وفي هذه الكتب المترجمة - ومنها كتاب «السنن النفسية لتطور الأمم» على الخصوص ms003 - ~~تجد عرضا وتلخيصا لما في كتاب «الإنسان والمجتمعات» ذلك من مبادئ معدلة، فلا اضطرار إلى ~~ترجمته إذن. # وفي سنة 1913 يترجم المرحوم أحمد فتحي زغلول باشا كتاب «السنن النفسية لتطور الأمم» هذا ~~بعنوان «سر تطور الأمم»، والموضوعات الاجتماعية كانت في ذلك الحين، كما هي الآن، غير مطروقة ~~كثيرا، ونقابل بين الأصل الفرنسي وتلك الترجمة فنجد أن زغلول باشا، وإن بذل جهدا مشكورا ~~في المحافظة على المعاني، لم تخل ترجمته تلك من التجوز والعجمة والغموض، فلذلك، ولنفاذ ما ~~طبعه زغلول باشا من نسخ ترجمته، ولما وجدت من ضرورة ترجمة كتاب «السنن النفسية لتطور ~~الأمم» ترجمة تتساوق هي وما ترجمته من كتب لوبون في السنين الأخيرة على الخصوص معتمدا على ~~النص الفرنسي الأخير الذي توفي لوبون معولا عليه - نقلت هذا الكتاب النفيس على الوجه الذي ~~أعرضه به على القراء، والله الموفق. # نابلس # | مقدمة المؤلف في الطبعة الثانية عشرة # تطبيق ما جاء في هذا الكتاب من المبادئ على بعض ~~حوادث الحرب الأوربية # نشر هذا الكتاب للمرة الأولى منذ عشرين سنة، ولم تنله يد التغيير قط في تلك ~~الأثناء، وكانت غايته تعيين بعض السنن النفسية لتطور الأمم. # وما كان ليفترض حينئذ أن انقلابا عالميا سيجيء مصدقا لما اشتمل عليه هذا الكتاب ~~من السنن التي استنبطها فيلسوف من عقدة التاريخ. # وتدل تلك السنن على أن عددا قليلا من العوامل النفسية الثابتة يسيطر على حياة الأمم ~~فضلا عن سيطرة بعض المؤثرات التي هي وليدة تقدم الحضارة، ويرى من خلال الزمان والمكان ~~تأثير تلك السنن في كل زمان ومكان، وكان لتلك السنن الأثر البالغ في قيام أعظم الدول، ~~وسقوط هذه الدول. # ولم تكن القوى النفسية التي لها ذلك التأثير الكبير صادرة عن العقل، وهذه القوى هي ~~التي تسيطر على جميع العقول، وفي الكتب وحدها تجد أن المعقول يقود التاريخ. # وإذ كانت علل ما يملأ حياة الأمم من اصطراع غريبة عن العقل فإنك ترى أن أي تقدم في ~~العلم لا يلطف ضراوته، وعلى ما تبصر من نمو العقل ms004 باتساع أفق المعرفة تجد المشاعر ~~والأوهام والشهوات التي سيرت الناس منذ دور الكهوف الأولى ظلت ثابتة كما هي، فالحق ~~أنه لا دور للحقد والحب والحرص والطمع والعجب. # والأمم - وهي لا كبير تأثير للعقل فيها - مسيرة بأخلاق عرقها؛ أي بمجموع المشاعر ~~والاحتياجات والعادات والرغبات التي هي دعائم روحها الأساسية، وتمن هذه الروح ~~القومية على الأمم بثبات دائم مع تقلبات الحوادث على الدوام. # وهنا نلمس سر التاريخ، وهنا نلمس القوى الخفية التي توجه مجراه. # والعرق بالحقيقة هو الذي يعين الوجه الذي تسير به الأمم بفعل الحوادث وتقلبات ~~البيئة. # وتهيمن روح العروق على مقادير الأمم حين تسيطر على النظم والقوانين وعلى عزائم ~~الطغاة. # وتعين معرفة روح العروق على حل ألغاز التاريخ، وتخبرنا معرفة روح العرق بأسباب العظمة ~~والانحطاط، وبالعلة في نماذج أمم وعجز أمم عن ذلك، والعرق هو حجر الزاوية الذي يقوم ~~عليه توازن الأمم، والعرق هو الذي يعين الحد النفسي لطموح الفاتحين ولما يبتدعونه من ~~أخيلة العظمة والتصدر. ~~••• # وشأن العرق يرسخ في حياة الأمم رسوخا عظيما على الدوام، فلا يجوز جهله، وعلى ما ~~تراه من بيان الكتب الدينية القديمة لقوة هذا الشأن تبصر الثوريين الغافلين عن الماضي ~~يجادلون في هذه القوة. # بيد أن على من يرغب في اكتناه مبدأ العرق أن يعرف ما أسفر عنه علم الحياة الحديث ~~من الاكتشافات. # ويكفي الاصطراع الأوربي لإثبات خطأ النظريين الذين يحاولون إنكار روح العروق، ومصدر ~~هذا الاصطراع الرئيس بالحقيقة هو ادعاء إحدى الأمم بالصدارة لما افترضته من خصال عرقها ~~فاعتقدت أنها مدعوة إلى السيطرة على العالم، ومن أسباب هذا الاصطراع أيضا ما كان من ~~الحقد الموروث المفرق بين أمم مختلفة الأصول؛ كالنمسويين والصرب والروس على ~~الخصوص. # وينشأ ذلك الاصطراع، بوجه خاص، عن الأوهام التي نبتت في روح مؤرخي الألمان ومؤلفيهم ~~بفعل تصورهم لمبدأ العرق تصورا خاطئا. # ووقع ذلك التصور في زمن كان نقص المعارف الأنتروپولوجية فيه يؤدي إلى الظن بأن بعض ~~العروق في أوربة ظل خالصا من شائبة الاختلاط مع تعاقب القرون. # ولو لم تظل ms005 الأفكار التي نشأت عن النظريات الوهمية قائمة بعد نقض هذه النظريات ما ~~وجدت خطأ كهذا باقيا في أيامنا، والحق أن ما أدت إليه الأنتروپولوجية الدقيقة من ~~ملاحظات يثبت عدم وجود عروق خالصة لدى الأمم المتمدنة. # أجل، لا يزال كثير من البقاع في إفريقية وآسية مشتملا على عروق خالصة، غير أن أوربة ~~لا تحتوي سوى ما سميته بالعروق التاريخية، وهذه العروق التاريخية هي وليدة انصهارات ~~مختلفة نشأت عن مصادفات الهجرة والفتوح، وإذا كانت صفات هذه العروق النفسية الموروثة قد ~~غدت كثيرة الثبات فلأن حواصل مثل تلك الانصهارات قد خضعت في قرون كثيرة لحياة جامعة ~~منطوية على نظم مشتركة، وعلى مصالح مشتركة بوجه خاص. # وإذ تكررت مؤثرات كتلك منذ الدور الذي تخلصت فيه الأمم من مغازي الفتح، فانتهت إلى ~~الوحدة السياسية، فإنها أوجبت حدوث أخلاق العروق الحاضرة، واليوم قد توطدت هذه الأخلاق ~~لدى معظم الأمم، وإن لم يرجع زمن ظهورها إلى أجيال ما قبل التاريخ. # وإذ إن صفات العروق النفسية متباينة أشد التباين فإنها تتأثر تأثرا مختلفا بفعل ~~المؤثرات الواحدة، وفي الغالب ينشأ عن ذلك عدم تفاهم مطلق، وبدا عدم التفاهم هذا منذ ~~أدت سهولة الصلات السريعة إلى تماس الأمم. # وكانت النتيجة الأولى لهذا التقارب هي إظهار الفروق النفسية التي تفصل بين الأمم وما ~~ينشأ عن ذلك من تباين في إدراك الأمور. # وأتت الحرب الأوربية بدليل آخر على درجة ما يمكن أن يكون من تباين نفسي بين أمم ذات ~~حضارة واحدة في الظاهر صاحبة أفكار متقابلة منذ طويل زمن حائزة لبعض المصالح ~~المتماثلة. # وتلك الأمم غير متعارفة بالحقيقة، وليست حكوماتها أحسن معرفة لها من ذلك مع ما ~~يزودها به من المعلومات سفراؤها وملحقوها العسكريون ووثائقها الكثيرة. # وكانت ألمانية تجهل روح إنكلترة، ولم يكن جهل فرنسة لروح ألمانية أقل من ذلك، وخفيت ~~نفسية سكان البلقان على معظم السياسيين الأوربيين، فاقترف هؤلاء السياسيون أفدح ~~الأغاليط لما كان من تفسيرهم لتلك النفسية بأفكارهم التي هي أفكار رجال متمدنين، فلروح ~~العروق من الحدود ما يتعذر اقتحامه. ms006 # وعدم الإدراك ذلك لأنه يسود ما بين مختلف الأمم من صلات، ونحن لأننا نود أن نحكم في ~~أمر تلك الأمم بمشاعرنا وأفكارنا الشخصية، كان من الصعب أن يبصر سير الأمم ~~الأجنبية وسادتها في حال ما، ولنا في الحرب الأوربية عدة أمثلة؛ ومنها أن ما لدى أولياء ~~الأمور بألمانية من غفلة نفسية أدى إلى تأليب بلاد كإنكلترة وإيطالية عليها ظانين أن ~~هذه البلاد مما يجب أن يعتمد على صداقته أو حياده. # وما كان لروح التوتون (الألمان) النفعية أن تبصر أن احترام إمضاء المعاهدات، ~~الذي هو أساس جميع الحياة التجارية بإنكلترة، مما يوجب قيام هذه الأمة المسالمة ضد ~~ألمانية، وأن اضطرار بلجيكة الضعيفة إلى الدفاع عن نفسها يحملها على الوقوف في وجه ~~قاهرها القوي. # وعدم إدراك مثل هذا تجلى فينا أيضا؛ فقد نسينا ما قد يكون لروح الأموات من السلطان ~~الهائل على الأحياء، فاعترانا الدهش من صولة تلك الجيوش الهمجية التي حرقت المدن ~~والآثار بدم بارد، وقتلت السكان العزل من السلاح بدم بارد، وما كان الألمان في ذلك إلا ~~مكررين أعمال أجدادهم في ذلك. نعم، لاح أن الحضارة ألانت طبائع الألمان، بيد أن ما ~~كان منسيا من القسوة في أيام السلم، لتعذر إبدائه، لم يزل، فظل التراث ~~سليما. ~~••• # ومن الطبيعي أن تظل المعضلة التي أثارها اختلاف العروق وما ينجم عنه من نفور ~~باقيين بعد الحرب، فيكون أشد المصاعب في المستقبل تعديل زمر الأمم المتحاربة في ~~جميع أوربة، ولا سيما بلاد البلقان. # وتبدو صعوبة تلك المعضلة عند النظر إلى وحدة الدين واللغة والمصالح بأشد مما قد ~~تبدو في قيام القومية على العرق وإن كان على وجه أبسط من ذلك في هذه الحال، ومما يؤسف ~~عليه في أمر دوام السلم الأوربية القادمة أن كان من النادر اجتماع هذه العناصر الأربعة ~~في أمة واحدة. # وسيظل تباين العروق، لطويل زمن، مصدر اصطراع بين الأمم الناقصة التمدن على الخصوص، ~~كأمم البلقان التي لم يسطع شيء أن يسكن أحقادها المتأصلة. # ولا يؤثر الزمان في تباين العروق إلا بأقصى ms007 البطوء، وإذا لاح أحيانا تغير أمة ~~فإن بعض الأحوال لا يلبث أن يكشف أن هذه التغيرات لم تكن في غير الظاهر، وأنها لم ~~تتناول غير ما في الشخصية من النواحي الثانوية. # ولا تكفي تقلبات البيئة ولا الفتوح لتغيير روح الشعب، ولا يمكن تحول الشعب إلا ~~بالتوالد المكرر، وما كانت الأرض ولا النظم ولا الديانة لتغير روح العرق. # على أن التوالد لا يكون مؤثرا إلا إذا وقع بين أمم ذات نفسية متقاربة، ولا يكون ~~التوالد إلا مضرا بين أمم ذات نفسية شديدة الاختلاف، ولا يكون لتزاوج البيض والسود ~~والهندوس والپوروج (أصحاب الجلود الحمر) نتيجة سوى انحلال ما في حصائل هذا التزاوج من ~~عناصر الثبات النفسي الموروث، وذلك من غير إحداث ما يقوم مقامها، وتظل قيادة الأمم ~~المولدة؛ كأمم المكسيك، وأمم الجمهوريات الإسپانية الأمريكية، أمرا متعذرا؛ لأنها ~~مولدة فقط، وقد أثبتت التجربة أن أي نظام أو تربية لم يقدر على إخراج هذه الأمم من ~~الفوضى. ~~••• # قلنا آنفا إن من أسباب الحرب الأوربية الرئيسة هو ما تسرب في أدمغة الألمان ~~بالتدريج من الفكر القائل إن الألمان قوم عالون أعدوا لفتح العالم. # وإني، حين درست في أحد فصول هذا الكتاب أمر انتشار الأفكار وتأثيرها في حياة الأمم، ~~بينت كيف أن الفكر لا يعتم أن يكون ذا سلطان على طبقات الأمة العميقة فيغدو ~~كالسيل المنهمر بعد أن يلازم المنطقة النظرية المتحولة للرأي الصرف، وهنالك لا يستطيع ~~الزعماء الذين أبدوه أن يسدوا مجراه، والزعماء هم الذين يأتون بناحية الفكر ~~المجردة، والجماعة هي التي تحول الفكر إلى أعمال. # وبذلك الجهاز قام اعتقاد ألمانية ~~الحديثة بأفضليتها كما قامت عبادتها للقوة، وما انفكت كتيبة من الأساتذة والفلاسفة ~~والكتاب والجمعيات الوطنية تنشر في ألمانية مثل الصدارة الأعلى والتعطش إلى الفتح ~~منذ خمسين سنة. # وببطء، ولكن مع قوة، نفذت تلك النظريات في روح الشعب الألماني فلم تنشب أن صارت ~~من العقائد ذات المسحة الدينية، وما فتئت ألمانية تبدو قانعة بأن الله دعاها إلى تجديد ~~العالم واستغلاله. # نما ذلك المعتقد، واتفق له ms008 من القدرة ما شهر الإمبرطور به الحرب في زمن لو نظر فيه ~~إلى أن أسطوله أدنى من أسطول إنكلترة لرأى عدم استعداده لها، ولوجد أن الانتظار خير من ~~الإقدام عليها لا ريب. ~~••• # وأظهرت الحوادث الحاضرة صواب كثير من المبادئ الأخرى المعروضة في هذا الكتاب؛ ومن ذلك ~~أنني حين درست ما تم في القرون القديمة من مختلف الفتوح، ولا سيما فتح الرومان لبلاد ~~اليونان، سألت عن استطاعة بعض الملكات المتوسطة، إذا ما تصرف فيه مثل عال قوي، أن ~~يمنح إحدى الأمم قدرة على تقويض حضارات رفيعة عندما يكون نمو هذه الحضارات الذهني قد ~~أبطل صفات الخلق. # والمستقبل سيخبرنا بقدرة ألمانية على تحقيق تلك السنة التاريخية التي وردها كثير من ~~البلدان القديمة كمصر وفارس واليونان وإيطالية، إلخ. # أجل، إنك لا تجد خلفاء للعظماء الذين شرفت بهم ألمانية فيما مضى، بيد أن ألمانية ~~علمت نظام المراتب، وأنها عرفت أن تنتفع بجميع قواها مهما صغرت، وأنها استطاعت بفضل ~~نظامها الحربي الشديد أن تجعل من نقع أبنائها المتوسطين كتلة هائلة مهددة لسلم ~~العالم. # وفي المستقبل ستكون معضلة الحياة لدى الأمم ذات الحضارات الرفيعة أن تنضد فوق ~~ثقافتها الذهنية تربية للخلق صارمة وتدريبا للإرادة على الخصوص، تينك القوتين ~~القادرتين على ضمان استقلال الأمم. # ومما قلته غير مرة في هذا الكتاب، وفي كتب لاحقة أخرى، أن قوة الأمم بأخلاقها لا ~~بذكائها، والذكاء يساعد على البحث في أسرار الطبيعة والانتفاع بقواها، والأخلاق تعلم ~~السير ومكافحة ضروب الاعتداء بنجاح. ~~••• # ومن ركام خفي موروث تتكون صفات الخلق التي يتألف من مجموعها ما للأمة من روح قومية، ~~ومن هذه الصفات تتركب مجموعة ثابتة من المشاعر والتقاليد والمعتقدات مشترعة في غضون ~~الأجيال لضرورات تخضع لها حياة كل أمة. # ويتطلب بناء الروح القومية عدة قرون على العموم، وإذا ما رسخت الروح القومية ظلت في ~~مأمن من كل مس طويل زمن، وقد حبط عمل الثورة الفرنسية الكبرى في تغيير روح فرنسة ~~على ما تذرعت به هذه الثورة من أقسى الوسائل، فلم تعتم مؤثرات الماضي ms009 أن بدت ~~ثانية فأدت إلى أكثر من رجعة بعد دور الانقلابات. # وحوادث مهمة كهذه تترك بعض الأثر في روح الأمة لا ريب، غير أن التحولات لا تكون عميقة ~~إلا بفعل تقلبات البيئة. # وقد ألمعت إلى سبب ذلك في هذا الكتاب بأن ذكرت وجود عناصر ثانوية بجانب جهاز روح ~~العرق الأساسي توجب ظهور شخصيات جديدة، ولنا في الثورة الفرنسية وفي الحرب الأوربية ~~أمثلة كثيرة على ذلك. # وفي هذه الحرب ظهر تحول الشخصيات ذلك واضحا إلى الغاية، وبدا ذلك التحول في فرنسة ~~بغتة؛ ففيها صرت تبصر أقسى الثوريين قد غدا من ذوي الحمية الوطنية، وفيها صرت تبصر ~~أشد الناس وجلا قد غدا من ذوي الإقدام، وفيها صرت تبصر الأحزاب المتناحرة قد جمع بينها ~~فكر عام. # وما كان التحول أقل عمقا من ذلك في إنكلترة، وإن كان أكثر تؤدة؛ فقد عدلت ~~إنكلترة التي هي أشد تمسكا بالتقاليد عن كل نفرة من الحياة العسكرية، ونسيت ~~منازعها إلى الحرية متخذة روحا جديدة ملائمة لمقتضيات الساعة، والحق أن ملاءمة أحوال ~~العيش المفاجئة لا تكون إلا وئيدة في أمة استقرت روحها بعوامل موروثة كررت زمنا ~~طويلا على معنى واحد. # أجل، يمنح ذلك الثبات في الروح القومية الأمة قوة عظيمة، ولكنه قد يصبح شؤما عليها ~~إذا ما استقر كثيرا فيها، فالأمم التي لا تقدر على ملاءمة مقتضيات العيش الجديدة ~~تنحط لعدم المرونة. # ومن الطبيعي أن تتضمن الملاءمة اكتساب أفكار جديدة ومشاعر جديدة، ومن ثم طبائع ~~جديدة، والتحولات التي تنشأ على هذا الوجه لا تدوم إلا إذا ثبتت ما دامت وليدة ~~تقلبات البيئة، وكل يعلم درجة انزواء الشخصيات التي صدرت عن تلك الرواية الثورية ~~الفاجعة، فلما هدأت تلك الزوبعة لم يلبث أولئك الذين نعتتهم الأسطورة بالجبابرة؛ لما ~~اقترفوا من أقسى أعمال القتل؛ نصرا لغرضهم، أن عادوا من أبناء الطبقة الوسطى ~~المسالمين، والتجار الهادئين، والموظفين الوادعين، وبدوا أول من دهش من التحول الذي ~~طرأ على روحهم. # ومما لا مراء فيه أن تحول الشخصيات الذي أدت إليه الحرب الأوربية سيكون ذا ms010 نتائج ~~أكثر دواما من ذلك لمس جميع المصالح في الحاضر وتهديدها في المستقبل، وسيكون ~~التهديد القادم هذا عاملا قويا في تحويل روح كثير من الأجيال. # وسيظل التهديد قائما زمنا طويلا لا ريب، وستكرر الحروب بين الأمم ذات الروح ~~والأماني والاحتياجات المتباينة حتما، وستعقب المنافسات الاقتصادية المنازعات ~~الحربية في المستقبل مناوبة. # وقد بدت ضرورات جديدة فتجب ملاءمتها؛ خشية الزوال. # وهل يدوم بعد السلم ما فرضته الحرب من الاتحاد؟ وهل يغلق إلى الأبد دور الانقسامات ~~السياسية والدينية المقدر؟ وهل نرى ظهور الأحقاد الفظيعة التي أوجبها المتفيهقون ~~المشؤومون المضحون بمصلحة الوطن في سبيل مآربهم الشخصية؟ إن إلغاء المنازعات الداخلية ~~هو شرط أساسي لحياتنا القومية، ونحن نكون عاجزين عن مقاتلة أعدائنا في الخارج إذا ما ~~وجب علينا أن نقاتل أعداءنا في الداخل. # وإذا ما وازنت خصائل عرقنا مساوئه قرر اتجاهه مصيره، ولا حياة لنا بغير محالفات ~~متينة في الخارج وسلم ثابتة في الداخل، وما ينبغي لمجتمع لا يتمتع بالسلم الداخلية أن ~~يعيش طويل زمن، وارجع البصر إلى أغارقة القرون القديمة فإلى بولونيي الزمن الحديث ~~تجد الأمم التي لم تعرف أن تكف عن انقساماتها قد غرقت في العبودية، وأضاعت حتى ~~حقها في أن تكون ذات تاريخ. # مايو 1916 # | المقدمة # مبادئ المساواة في الزمن الحاضر وعوامل التاريخ ~~النفسية # تقوم حضارة كل أمة على عدد قليل من المبادئ الأساسية، ومن هذه المبادئ تشتق ~~نظمها وآدابها وفنونها، وهذه المبادئ تتكون ببطء كبير كما أنها تزول ببطء كبير، وهي ~~إذا غدت من الأغاليط الواضحة لدى أصحاب النفوس المثقفة منذ زمن طويل ظلت عند الجماعات ~~من الحقائق التي لا جدال فيها، واستمرت على عملها في أعمق طبقات الأمم، والمبدأ الجديد، ~~وإن صعب فرضه، لا يقل فرضه هذا صعوبة عن القضاء على مبدأ قديم، فالبشر يتشبثون تشبثا ~~قاطعا بالمبادئ الميتة والآلهة الميتة على الدوام. # ولم يكد يمر قرن ونصف قرن على الزمن الذي قذف العالم فيه بمبدأ المساواة بين ~~الأفراد والشعوب فلاسفة جاهلون كل الجهل لتاريخ الإنسان الفطري واختلاف مزاجه النفسي ms011 ~~وسنن الوراثة. # وقد انجذبت الجماعات إلى ذلك المبدأ كثيرا فلم يلبث أن رسخ في نفوسها وآتى أكله؛ أي ~~إنه زعزع أسس المجتمعات القديمة وأدى إلى أشد الثورات هولا، ورمى العالم الغربي في ~~سلسلة من الاضطرابات العنيفة التي تستحيل معرفة ~~مداها . # ومما لا ريب فيه أن بعض الفروق التي تفصل بين الأفراد والعروق كانت من الوضوح بحيث لا ~~تحتمل الجدل الجدي، ولكنه اعتقد بسهولة أن هذه الفروق هي وليدة اختلاف في التربية، وأن ~~الناس يولدون متساوين صالحين، وأن النظم هي التي أفسدتهم، ولذلك بدا الدواء بسيطا، ~~وهو أن تجدد النظم ويمنح الناس تعليما واحدا، وهكذا لم تعتم النظم ~~والتعليم أن صارا ترياق الديموقراطيات الحديثة ووسيلة معالجة التفاوت المناقض ~~للمبادئ الخالدة التي هي آخر الآلهة في الزمن الحاضر. # وقد تقدم العلم بالحقيقة فأثبت فساد نظريات المساواة وأنه لا يمكن ملء الهوة ~~النفسية التي أوجدها الماضي بين الأفراد والعروق إلا بتراكم الوراثة البطيء إلى الغاية، ~~ومما دلنا عليه علم النفس الحديث بجانب دروس التجربة القاسية هو أن النظم والتربية ~~التي تلائم بعض الأفراد والأمم تكون بالغة الضرر لأفراد آخرين وأمم أخرى، وليس مما يقدر ~~عليه الفلاسفة أن يبطلوا مبادئ سرت في العالم إذا ما قالوا بفسادها، فالفكر يتبع ~~سيره المخرب، ولا شيء يعوق مجراه، وهو في ذلك كالنهر الزاخر الذي لا يحبسه ~~سد. # ومبدأ مساواة الناس الوهمي ذلك هو الذي قلب الدنيا، وأحدث في أوربة ثورة عظيمة، وأوقع ~~أمريكة في حرب الانفصال الدامية، وساق جميع المستعمرات الفرنسية إلى حال محزنة من ~~الانحطاط، ولا تجد عالما نفسيا ولا سائحا ولا رجلا سياسيا على شيء من الثقافة لا ~~يعلم خطأ ذلك المبدأ، وقليل من هؤلاء من يجرؤ على مكافحته مع ذلك. # ويداوم مبدأ المساواة على نموه، وهو لا يزال بعيدا من دخوله دور الأفول، وباسم هذا ~~المبدأ تزعم الاشتراكية - التي تعبد معظم أمم الغرب عما قليل كما يظهر - أنها تنشر ~~ألوية السعادة بين هذه الأمم، وباسم هذا المبدأ أيضا تطالب المرأة بمثل حقوق الرجل ~~وبمثل ms012 تعليمه، غافلة عن الفروق النفسية العميقة التي تفصلها عنه، والمرأة إذا ما كتب ~~لها النصر في ذلك جعلت من الأوربي بدويا؛ لا منزل له ولا أسرة. # ولا تبالي الأمم بما أسفرت عنه مبادئ المساواة من الانقلابات السياسية والاجتماعية ~~مطلقا، كما أنها لا تبالي بما تتمخض عنه هذه المبادئ من نتائج أشد خطرا من تلك، ~~واليوم غدت الحياة السياسية لرجل الدولة من القصر بحيث لا يبالي هذا الرجل بها أكثر ~~من مبالاة الأمم تلك، على أن الرأي العام صار صاحب السيادة، فأصبح من المتعذر عدم ~~اتباعه. # وليس لأهمية الفكر الاجتماعية مقياس حقيقي غير ما يكون له من السلطان على النفوس، ~~وليس لدرجة ما في الفكر من الصواب أو الخطأ نفع إلا من الناحية الفلسفية، والفكر ~~الصائب أو الخاطئ، إذا ما اكتسب في الجماعات طور المشاعر، وجب أن يخضع بالتتابع لجميع ~~النتائج التي تصدر عنه. # إذن، يسار إلى تحقيق خيال المساواة الحديث بطريق التعليم والنظم، ونحن، حين نزعم ~~تقويم ما في سنن الطبيعة من جور بفضل التعليم والنظم، نحاول أن نصب في قالب واحد ~~أدمغة زنوج المارتينيك والغوادلوپ والسنغال، وأدمغة عرب الجزائر، وأدمغة سكان آسية، ~~ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الخيال أمر متعذر، ولكن التجربة وحدها هي التي تكشف عما في ~~الأوهام من خطر، والعقل يبدو عاجزا عن تحويل عقائد الناس على الدوام. # وغاية هذا الكتاب هي وصف الأخلاق النفسية التي تتألف منها روح العروق، وبيان كيفية ~~اشتقاق تاريخ الأمة وحضارتها من هذه الأخلاق، ونحن؛ إذ ندع الجزئيات جانبا، أو لا نلجأ ~~إليها إلا عند الضرورة، تسويغا للمبادئ المعروضة، نبحث في تكوين العروق التاريخية ~~ومزاجها النفسي؛ أي في العروق المصنوعة التي تكونت منذ أزمنة ما قبل التاريخ بفعل ~~مصادفات الفتوح أو بفعل الهجرة أو بفعل التحولات السياسية، ونسعى في إثبات صدور تاريخها ~~عن ذلك المزاج النفسي، وسنحاول اكتشاف سير الأفراد والأمم نحو المساواة، أو ميل الأفراد ~~والأمم إلى التفاوت مقدارا فمقدارا، وسنرى بعد ذلك: هل تكون العناصر، التي تتألف منها ms013 ~~الحضارة؛ أي: الفنون والنظم والمعتقدات، مظاهر مباشرة لروح العروق، وأن هذه العناصر ~~لا تستطيع أن تنتقل من أمة إلى أخرى لهذا السبب؟ ثم نختم كتابنا بأن نسعى في تعيين ~~الضرورة التي تذوي بها الحضارات وتنطفئ، وقد أسهبت في إيضاح هذه المسائل في كتبي عن ~~حضارات الشرق؛ فلا أصنع في هذا الكتاب غير إجمالها. # وأوضح انطباع اتفق لي من سياحاتي البعيدة في مختلف البلدان هو أن لكل أمة مزاجا ~~نفسيا ثابتا ثبات صفاتها التشريحية، فتشتق منه مشاعرها وأفكارها ونظمها ~~ومعتقداتها وفنونها، ومما اعتقده توكڨيل وغيره من المفكرين المشهورين وجود سبب تطور ~~الأمم في نظمها، وتراني أرى العكس فأرجو أن أثبت أن للنظم في تطور الحضارات تأثيرا ~~ضعيفا إلى الغاية، فالنظم معلولات في الغالب، وهي قلما تكون عللا. # ولا مراء في أن هنالك عوامل مختلفة تعين تاريخ الأمم، وأن التاريخ مملوء بأحوال ~~خاصة وبعوارض كانت وكان من الممكن ألا تكون، بيد أنه يوجد بجانب هذه المصادفات وهذه ~~الأحوال العارضة سنن عظيمة ثابتة توجه سير كل حضارة، وأكثر هذه السنن شمولا وأشدها ~~قسرا هو ما يصدر عن مزاج العروق النفسي، وما حياة الأمة ونظمها ومعتقداتها وفنونها إلا ~~لحمة ظاهرة لروحها الخفية، وما على الأمة التي تود تحويل نظمها ومعتقداتها ~~وفنونها إلا أن تحول روحها في بدء الأمر، وما على الأمة التي ترغب في دخول حضارة إلا ~~أن تدخل إلى هذه الحضارة روحها أيضا، وليس هذا ما يعلمه التاريخ لا ريب، غير أننا ~~سنثبت بسهولة أن التاريخ يكون قد خدع بظواهر باطلة حينما يسجل مزاعم مخالفة ~~لهذا. # وقد حاول المصلحون الذين تعاقبوا منذ قرن أن يبدلوا كل شيء؛ أي أن يبدلوا الآلهة ~~والأرض والناس، وهم لم يستطيعوا صنع شيء فيما أثبته الزمان من الأخلاق المتأصلة في روح ~~العروق. # ويخالف مبدأ الفروق الثابتة التي تفصل بين الأشخاص مبادئ الاشتراكيين المعاصرين ~~مخالفة تامة، وليس مما تستطيعه معارف العلم أن تحمل رسل العقيدة الحديثة على ترك ~~الأوهام، وما جهود هؤلاء الرسل إلا وجه جديد لما تشنه البشرية ms014 من حرب صليبية لنيل ~~السعادة: لنيل كنز هسپريد الذي ما فتئت الأمم تبحث عنه منذ فجر التاريخ، وربما لم تكن ~~أوهام المساواه أقل قيمة من الأوهام القديمة التي سيرتنا فيما مضى لو لم تصطدم بصخرة ~~التفاوت الطبيعي المنيعة، والتفاوت مع الهرم والموت جزء من المظالم الظاهرة التي ترى ~~الطبيعة مملوءة بها فلا بد للإنسان من معاناتها. # الباب الأول # | صفات العروق النفسية # الفصل الأول # | روح العروق # يستند الطبعيون في تقسيمهم للأنواع إلى مشاهدتهم بعض الصفات التشريحية التي تظهر ~~منتظمة ثابتة بالوراثة، واليوم نعلم أن هذه الصفات تتحول بتبدلات غير محسوسة تتراكم ~~وراثة، ولكننا إذا نظرنا إلى الأزمنة التاريخية القصيرة وحدها أمكننا أن نقول إن ~~الأنواع لا تتغير. # وحين طبقت مناهج الطبيعيين في التقسيم على الإنسان أظهرت لنا أمثلة متمايزة، وهي ~~حين استندت إلى الصفات التشريحية الواضحة، كلون البشرة وشكل الجمجمة وحجمها، أمكنها أن ~~تقرر اشتمال الجنس البشري على أنواع مختلفة متغايرة إلى الغاية متباينة الأصول على ما ~~يحتمل، ويرى العلماء المحافظون على التقاليد الدينية أن هذه الأنواع هي العروق فقط، ~~ولكن الأمر هو - كما قيل بحق - «أن الزنجي والقفقاسي، إذا كانا من فصيلة الحلزون، ~~يقرر علماء الحيوان بالإجماع أنهما نوعان مختلفان لا يمكن أن يولدا من زوجين افترقا ~~عنهما بالتدريج». # ولا تحتمل تلك الصفات التشريحية، ولا سيما التي يمكن أن تنالها يد التحليل، غير ~~تقسيمات عامة موجزة، ولا يظهر اختلافها إلا في الأنواع البشرية البادية التباين؛ ~~كالبيض والزنوج والصفر مثلا، غير أن هنالك أمما كثيرة التشابه من الناحية ~~الجثمانية شديدة الاختلاف في شعورها وسيرها؛ ومن ثم في حضاراتها ومعتقداتها وفنونها، ~~أفيمكن أن ينظم الإسپاني والإنكليزي والعربي في زمرة واحدة؟ ألا تبدو الفروق ~~النفسية بينهم لكل ذي عينين؟ ألا تقرأ هذه الفروق في كل صفحة من تاريخهم؟ # وقد أريد - عند عدم الاختلاف في الصفات التشريحية - أن يستند في تقسيم بعض الشعوب ~~إلى عناصر مختلفة كاللغات والمعتقدات والزمر السياسية إلخ، بيد أن تقسيمات كهذه مما ~~لا يقف أمام سلطان البحث. # وما عجز التشريح ms015 واللغات والبيئة والزمر السياسية عن تقديمه من عناصر التقسيم ~~عرضه علينا علم النفس، وعلم النفس هذا يدل على أنه يوجد خلف نظم كل أمة وفنونها ~~ومعتقداتها وانقلاباتها السياسية ما يصدر عنه تطور هذه الأمة من صفات خلقية وذهنية، ~~ومن مجموع هذه الصفات يتألف ما يسمى روح العرق. # ولكل عرق مزاج نفسي ثابت ثبات بنيته التشريحية، ولا نرى ما يدعو إلى ~~الشك في وجود نسب بين المزاج النفسي وتركيب الدماغ، ولكن العلم لم يبلغ من التقدم ما ~~يكتنه به هذا التركيب؛ ولذلك يتعذر علينا اتخاذه أساسا للبحث، وهذا إلى أن معرفة ~~ذلك التركيب لا تغير شيئا من وصف المزاج النفسي الذي يشتق منه فتبديه لنا ~~المشاهدة. # والصفات الخلقية والذهنية التي يتألف من اقترانها روح الشعب هي عنوان لخلاصة ماضيه ~~وتراث أجداده وعوامل سيره، وفي بعض الأحيان تلوح تلك الصفات أول وهلة كثيرة التقلب ~~لدى أفراد العرق الواحد، غير أن البحث الدقيق يدل على اتصاف معظم أفراد هذا العرق في كل ~~وقت بصفات نفسية مشتركة ثابتة ثبات الصفات التشريحية التي تتخذ في تقسيم الأنواع، ~~والصفات النفسية كالصفات التشريحية تنتقل بالوراثة انتقالا منتظما مستمرا. # ويتألف من اجتماع تلك العناصر النفسية التي تشاهد لدى جميع أفراد العرق ما نرى من ~~الصواب تسميته بالخلق القومي، ومن مجموع تلك العناصر يتكون المثال المتوسط الذي نتمكن ~~به من تعريف الشعب، ونحن إذا ما أخذنا، اتفاقا، ألف فرنسي أو ألف إنكليزي أو ألف ~~صيني، فإننا نجد بينهم اختلافا كبيرا، ومع ذلك نراهم حائزين، بما ورثوه عن عرقهم، ~~صفات مشتركة يمكن أن يستعان بها لتكوين مثال فرنسي أو إنكليزي أو صيني مماثل ~~للمثال الخيالي الذي يعرضه العالم الطبيعي عندما يصف الكلب أو الفرس وصفا عاما، ~~وإذا ما طبق مثل هذا الوصف على أجناس الكلب أو الفرس فإنه لا يشتمل على غير الصفات ~~المشتركة بين هذه الأجناس، لا على الصفات التي يتميز بها كل جنس من هذه الأجناس. # والمثال المتوسط للعرق، الذي هو شيء من الكبر ومن التجانس لهذا السبب، ms016 يكون من ~~الوضوح بحيث يستقر بنفس الباحث من فوره. # ونحن إذا زرنا شعبا غريبا أبصرنا أن الصفات الوحيدة التي يمكن أن تقف نظرنا هي ~~الصفات المشتركة بين جميع سكان البلد المطاف فيه لتكرارها باستمرار، ونحن تفوتنا ~~الفروق الفردية فيه لتكرارها القليل ، ونحن، فضلا عن تمييزنا الإنكليزي أو الإيطالي ~~أو الإسپاني عند أول نظرة، لا نلبث أن نعزو إلى هؤلاء بعض الصفات الخلقية والذهنية ~~التي هي عين الصفات الأساسية المذكورة آنفا، ونحن نرى الإنكليزي أو الغسكوني أو ~~النورمندي أو الفلامندي من مثال حسن الاستقرار بذهننا فيمكننا وصفه بسهولة، وهذا ~~الوصف يكون ناقصا في الغالب غير صحيح في بعض الأحيان عند تطبيقه على الشخص المنفرد، ~~وهو يكون تاما عند تطبيقه على معظم أفراد عرق من تلك العروق، وما يكون في ذهننا من ~~جهد لاشعوري لتعيين المثال الجثماني والنفسي في أمة ما هو في جوهره عين المنهاج ~~الذي يقسم العالم الطبيعي به الأنواع. # ولذلك التماثل في المزاج النفسي عند معظم أفراد العرق الواحد أسباب فزيولوجية بسيطة ~~جدا، وبيان الأمر أن كل إنسان لا يمثل بالحقيقة ثمرة آبائه القريبين فقط، بل يمثل ~~ثمرة عرقه أيضا؛ أي جميع سلسلة أجداده. وقد أحصى العالم الاقتصادي مسيو شيسون مقدار ~~ما يجري في عروق كل فرنسي من الدماء فوجد أنه دم عشرين مليونا من معاصري سنة 1000؛ ~~ناظرا إلى اشتمال كل قرن على ثلاثة أجيال، ومن قوله: «إن سكان كل ناحية أو كل إقليم ~~يشتركون في أجدادهم بحكم الضرورة إذن، وإن أولئك السكان من طينة واحدة وذوو طابع واحد، ~~وإنهم صائرون، دائما، إلى المثال المتوسط بفعل تلك السلسلة الطويلة الثقيلة التي لم ~~يكونوا غير حلقاتها الأخيرة، فنحن أبناء آبائنا وعرقنا معا، وليس الشعور وحده هو ~~الذي يجعل لنا من الوطن أما ثانية، بل الخواص الجثمانية والوراثة تؤدي إلى ذلك ~~أيضا.» # والمؤثرات التي يخضع لها الفرد وتوجه سيره ثلاثة أنواع؛ فالنوع الأول، وهو أهمها لا ~~ريب، هو تأثير الأجداد، والنوع الثاني هو تأثير الآباء القريبين، والنوع الثالث، وهو ~~الذي يعتقد ms017 أنه أقوى العوامل مع أنه أضعفها على العموم، هو تأثير البيئات، وإذا ~~عدوت الانقلابات المفاجئة العميقة التي تحدث في المحيط وجدت البيئات، وما تنطوي ~~عليه من مختلف المؤثرات الفزياوية والأدبية التي يخضع الإنسان لها ما دام حيا ولا ~~سيما في إبان تربيته، لا تؤدي إلى غير تغيير ضئيل، والبيئات لا تؤثر بالحقيقة إلا ~~عندما تركمها الوراثة في صعيد واحد زمنا طويلا. # والإنسان، مهما كان صنعه، ممثل عرقه في كل وقت وقبل كل أمر إذن، ويتألف روح ~~العرق من اجتماع ما يأتي به أفراد البلد الواحد من الأفكار والمشاعر حين يولدون، وهذه ~~الروح، وإن كانت خفية في جوهرها، ظاهرة كثيرا في آثارها، وهي تسيطر على تطور الأمة ~~بالحقيقة. # ويمكن تشبيه العرق بمجموع الخليات التي يتألف منها ذو الحياة، ووجه الشبه هو أن ~~حياة مليارات الخليات هذه قصيرة جدا، وأن حياة الجسم الذي يتكون من اجتماعها طويلة ~~إلى الغاية إذا ما قيست بتلك الحياة، وأن لتلك الخليات حياة شخصية وحياة مشتركة في ~~الجسم الذي يتركب منها، وأن لكل فرد في العرق الواحد أيضا حياة قصيرة جدا وحياة ~~مشتركة طويلة إلى الغاية، فهذه الحياة الطويلة هي حياة العرق الذي ولد منه ذلك الفرد ~~فيساعد على دوامه، وهو تابع له على الدوام. # إذن، يجب عد العرق موجودا دائما محررا من الزمان، ولا يتركب هذا الموجود الدائم ~~من الأفراد الأحياء الذين يتألف منهم في زمن معين فقط، بل يتركب أيضا من سلسلة الأموات ~~الذين كانوا أجدادا له، ولا بد من الامتداد إلى العرق في الماضي وفي المستقبل معا ~~لإدراك معناه الحقيقي، وإذ كان الأموات أكثر من الأحياء بما لا يحصى فإنهم أقوى من ~~الأحياء بما لا يحصى، والأموات يسيطرون على دائرة اللاشعور الواسعة؛ تلك المنطقة ~~الخفية التي يصدر عنها جميع مظاهر الذكاء والأخلاق، والشعب مسير بأمواته أكثر مما ~~بأحيائه، وبالأموات وحدهم يقوم العرق، والأموات في القرن بعد القرن هم الذين أوجدوا ~~أفكارنا ومشاعرنا، ومن ثم جميع عوامل سيرنا، والأجيال الغابرة تفرض علينا أفكارها ~~فضلا عن ms018 مزاجها الجثماني، والأموات وحدهم هم سادة الأحياء بلا جدال، ونحن نحمل وزر ~~خطايا الأموات ونقتطف ثمرة فضائلهم. # ولا يتطلب تكوين مزاج الأمة النفسي ~~مثلما يتطلبه تكوين أنواع الحيوان من العصور الجيولوجية الطويلة التي لا يحصى لها ~~عد، ومع ذلك فهو يحتاج إلى زمن غير قليل؛ فقد اقتضى إحداث ما تتألف منه روح عرقنا من ~~المشاعر والأفكار انقضاء أكثر من عشرة قرون مع ضعف ما انتهى إليه عرقنا من ذلك حتى ~~الآن، # 1 # ومن المحتمل أن كان عمل ثورتنا الكبرى المهم هو تعجيل هذا التكوين ~~بالقضاء تقريبا على ما كانت فرنسة مجزأة بينه من القوميات الصغيرة؛ كالپيكار والفلامان ~~والبورغون والغسكون والبريتان والپروڨنسيين إلخ. وهيهات أن يكون هذا التوحيد قد تم؛ ~~وذلك لكثرة العروق التي تتألف منها، والتي تؤدي بحكم الطبيعة إلى أفكار ومشاعر مختلفة ~~أشد الاختلاف، فترانا نظل ضحية الانقسامات التي لا تعرفها الأمم الأكثر تجانسا منا؛ ~~كالإنكليز مثلا، ولدى الإنكليز تبصر السكسوني والنورمندي والبريطاني القديم قد ~~انتهوا بالتمازج إلى تأليف مثال كثير التجانس متماثل السير، ولم يلبث الإنكليز بفضل ~~هذا الامتزاج أن اكتسبوا الأسس الجوهرية الثلاثة لروح الأمة؛ وهي: وحدة المشاعر، ~~ووحدة المصالح، ووحدة العقائد، والأمة إذا ما بلغت ذلك اتفق جميع أبنائها بالغريزة ~~على جميع المسائل المهمة، وعاد لا يبدو فيها كبير شقاق. # ووحدة المشاعر والأفكار والمعتقدات والمصالح، التي هي وليدة رواسب بطيئة موروثة، ~~تمنح مزاج الأمة النفسي تجانسا وثباتا عظيمين، وهي تمن على هذه الأمة بقوة كبيرة، ~~وفيها سر عظمة رومة في القرون القديمة وعظمة إنكلترة في أيامنا، وإذا ما غابت الروح ~~القومية انحلت الأمة، وكانت خاتمة شأن رومة يوم أضاعت تلك الروح. # وتلك الشبكة من المشاعر والأفكار والتقاليد والمعتقدات الموروثة التي تتألف منها روح ~~الزمرة قد وجدت، دائما، لدى جميع الأمم على درجات متفاوتة لا ريب، غير أن نموها ~~التدريجي وقع بأقصى البطوء، ولم تشمل روح الزمرة جميع سكان البلد إلا مؤخرا بعد أن ~~كانت مقصورة على الأسرة في البداءة، فامتدت بالتدريج إلى القرية، فإلى المدينة، فإلى ms019 ~~الإقليم، وهنالك، فقط، ظهرت فكرة الوطن وفق ما ندركها به اليوم، وهي لم تغد ممكنة ~~إلا بعد أن تكونت الروح القومية، وما ارتقى الأغارقة قط إلى ما فوق فكرة المدينة، ~~وقد ظلت مدنهم متحاربة، على الدوام؛ لأن بعضها كان أجنبيا عن بعض في الحقيقة، ولم ~~تعرف الهند غير وحدة القرية منذ ألفي سنة، فتجد في هذا سر خضوعها باستمرار لسادة من ~~الأجانب الذين انهارت دولهم الموقتة بسهولة كالتي قامت بها. # وفكرة المدينة، وإن كانت بالغة الضعف من الناحية العسكرية كوطن محض، بالغة القدرة من ~~حيث تقدم الحضارة. وروح المدينة، وإن كانت أصغر من روح الوطن، أكثر إنتاجا منها في ~~بعض الأحيان، وقد أثبتت لنا أثينة في القرون القديمة وفلورنسة والبندقية في القرون ~~الوسطى درجة ما يمكن أن تصل إليه زمر الناس الصغرى في ميدان الحضارة. # وإذا حدث أن قضت المدن الصغيرة أو الأقاليم الصغيرة حياة مستقلة زمنا طويلا فإنها ~~لا تعتم أن تحوز روحا تبلغ من الثبات ما يتعذر معه تقريبا أن تمتزج بروح المدن ~~والأقاليم المجاورة فتؤلف روحا قومية، وإذا أمكن حدوث امتزاج مثل هذا؛ أي حينما لا ~~تكون العناصر المتقابلة كثيرة الاختلاف، فإن ذلك لا يكون من عمل يوم واحد، بل من عمل ~~القرون، ولا بد من ظهور رجال من طراز ريشليو وبسمارك لينجزوا مثل هذا العمل، وهم ~~لا يتمونه إلا بعد أن يكون قد نضج منذ زمن طويل، وقد يتفق لبلد، كإيطالية، أن ~~يصير دولة واحدة بغتة بفعل بعض العوامل الشاذة، ولكن من الخطأ أن يعتقد أن ذلك البلد ~~ينال بهذا روحا قومية، وأنت إذا أبصرت الپيمونتي والصقلي والبندقي والروماني ~~إلخ، في إيطالية، فإنك لا تبصر الإيطالي فيها. # ومهما يكن أمر العرق الذي يبحث فيه اليوم، وسواء أكان هذا العرق متجانسا أم غير ~~متجانس، فإنه يجب أن يعد عرقا مصنوعا على الدوام، لا عرقا طبيعيا ما دام قد ~~تمدن ودخل ميدان التاريخ منذ زمن طويل، واليوم لا تجد العروق الطبيعة إلا عند ~~الهمج، وعند الهمج وحدهم تستطيع ms020 أن تبصر أمما خالصة من كل اختلاط، وأما معظم العروق ~~المتمدنة فعروق تاريخية. # ولا نشغل أنفسنا الآن بأصول العروق، وليس من المهم أن تكون العروق قد كونتها ~~الطبيعة أو كونها التاريخ، وإنما الذي يهمنا هو أخلاق هذه العروق التي تمت في ماض ~~طويل ، وهذه الأخلاق إذ أمسكت في قرون بفعل أحوال عيش واحدة، وهذه الأخلاق إذ ~~تراكمت بالوراثة، اكتسبت مع الزمن ثباتا وعينت مثال كل أمة. # | هوامش # الفصل الثاني # | حدود تغير أخلاق العروق # دراسة تطور الحضارات بدقة هي التي نبصر بها وحدها ثبات مزاج العروق النفسي، والذي ~~يظهر أول وهلة هو أن القاعدة العامة في التغير لا في الثبات، والحق أن تاريخ الأمم ~~يحفز إلى افتراضنا أن روح هذه الأمم تخضع أحيانا لتحولات سريعة جدا عميقة إلى ~~الغاية، أفلا يلوح في ذلك التاريخ فرق عظيم بين أخلاق الإنكليزي أيام كرومويل ~~وأخلاقه في الوقت الحاضر مثلا؟ ألا يبدو الإيطالي المعاصر الحذر الفطن مختلفا ~~أشد الاختلاف عن الإيطالي المندفع المفترس الذي يدلنا عليه بنڨنوتوسليني في ~~مذكراته؟ وإذا لم نذهب بعيدا فاقتصرنا على فرنسة جاز لنا أن نقول: ما أكثر ما اعتور ~~الأخلاق فيها من تغيرات ظاهرة في قليل قرون، بل في سنين! وأي المؤرخين لم يسجل ما ~~في أخلاقها القومية من فروق بين القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر؟ أفلا يخيل ~~إلى الناظر وجود عالم بين أخلاق رجال العهد الغلاظ، وأخلاق عبيد ناپليون الودعاء؟ ~~هؤلاء هم أولئك، وقد بدا تغيرهم تغيرا تاما في بضع سنين. # ونحن، لكي نوضح أسباب هذه التغيرات، نذكر قبل كل شيء أن النوع النفسي هو كالنوع ~~التشريحي مؤلف من عدد قليل من الصفات الأساسية الثابتة التي تتجمع حولها صفات ~~ثانوية متغيرة متحولة، وذلك كالمربي الذي يحول بنية الحيوان الظاهرة، والبستاني ~~الذي يغير منظر النبات؛ فلا يتبين ذلك من ليس له إلمام بالأمر، مع أن المربي ~~والبستاني لم يؤثرا في غير الصفات الثانوية لذلك الحيوان وذلك النبات، والصفات الأساسية ~~تميل، دائما، إلى الظهور ثانية في كل جيل جديد على ms021 الرغم من كل حيلة. # وللمزاج النفسي كذلك صفات أساسية ثابتة كصفات الأنواع التشريحية، غير أن للمزاج ~~النفسي صفات ثانوية سهلة التغير أيضا، وهذه الصفات الثانوية هي التي يمكن البيئات ~~والأحوال والتربية وما إليها من مختلف العوامل أن تغيرها بسهولة. # وكذلك يجب أن يذكر الأمر الجوهري القائل إن المزاج النفسي لكل واحد منا يشتمل على ~~بعض الممكنات الخلقية التي لا تهيئ الأحوال لها فرصة الظهور في كل وقت، فإذا ما حدثت ~~هذه الأحوال ظهرت في الحال شخصية جديدة موقتة، وذلك ما تمكن ملاحظته في أدوار ~~الأزمات الدينية والسياسية الكبيرة من تحولات خلقية عرضية كالتي يخيل بها تحول ~~الطبائع والأفكار والسلوك وكل شيء، ويكون كل شيء قد تحول في الحقيقة كما يتحول بغتة ~~وجه البحيرة الهادئة الذي تثيره العاصفة، ومن النادر أن يدوم هذا الاضطراب زمنا ~~طويلا. # ولتلك الممكنات الخلقية التي تحققت بفعل بعض الحوادث الاستثنائية يبدو لنا صانعو ~~الأزمات الدينية والسياسية الكبري من جوهر أعلى من جوهرنا، وأنهم نوع من العمالقة ~~وأننا أبناؤهم المنحلون، ولم يكن أولئك إلا رجالا مثلنا مع ذلك، ولم يكن أولئك ~~إلا أناسا قد أثارت الأحوال ما فيهم من الممكنات الخلقية الخفية في كل واحد منا. ~~انظروا مثلا إلى «جبابرة العهد» الذين وقفوا أمام أوربة المدججة بالسلاح وكانوا يرسلون ~~خصومهم إلى المقصلة لأقل معارضة، انظروا إلى هؤلاء الجبابرة الذين كانوا في ~~الأساس من أبناء الطبقة الوسطى الصالحين المسالمين، من أولئك الذين يحتمل في الأوقات ~~العادية أن ينقطعوا إلى دراستهم أو ينزووا في غرفتهم أو يلزموا مكتبهم فيقضوا حياة ~~هدوء واعتزال، فهم لما وقع من الحوادث الخارقة للعادة التي هزت في دماغهم بعض ~~الخليات المعطلة في الأيام العادية برزوا بتلك الوجوه الهائلة التي لا يدرك ~~أمرها الخلف، ولو ظهر روبسپير بعد مئة سنة لكان قاضيا نزيها من قضاة الصلح محبا ~~لقسيسه، ولو ظهر فوكيه تنڨيل بعد مئة سنة لكان قاضيا للتحقيق متصفا بأكثر مما ~~في زملائه من الغلظة والغطرسة الملازمتين لأبناء مهنته، ولكن مع تقدير لغيرته في ~~تعقب ms022 المجرمين، ولو ظهر سان جوست بعد مئة سنة لبدا معلما ماهرا من معلمي المدارس، ~~ولصار محل احترام رؤسائه، ولغدا فخورا بأوسمة الأكاديمية التي كان لا بد له من نيلها ~~في نهاية الأمر، ومما يؤيد صحة هذه الافتراضات بما فيه الكفاية ما صنعه ناپليون من وحوش ~~الهول الذين لم يبق لهم من الوقت ما يضرب بعضهم فيه رقاب بعض؛ فقد أصبح معظم ~~هؤلاء من رؤساء الدواوين والجباة والقضاة والمديرين؛ وذلك لأن الأمواج التي أثارتها ~~العاصفة - وهي التي تكلمنا عنها آنفا - كانت قد هدأت، ولأن البحيرة المضطربة عاد إليها ~~وجهها الهادئ. # ويسهل عليك أن تجد صورا جديدة لأخلاق العرق الأساسية حتى في أشد الأدوار اضطرابا ~~وأغربها تغييرا للشخصيات، وهل كان النظام المركزي الاستبدادي المتحكم الذي جاء به ~~يعاقبتنا الأشداء يختلف بالحقيقة عن النظام المركزي الاستبدادي المتحكم الذي قالت ~~به الملكية في خمسة عشر قرنا، فأصلته في النفوس تأصيلا عميقا؟ وخلف جميع ثورات ~~الأمم اللاتينية يعود إلى الظهور، على الدوام، ذلك النظام العنيد، ذلك الاحتياج المتأصل ~~إلى الخضوع؛ وذلك لما فيه من إجمال لغرائز العرق اللاتيني، ولم يكن ما اتفق لبوناپارت ~~من مجد الفتوح وحده هو الذي جعله سيدا، وبوناپارت حينما حول الجمهورية إلى ~~دكتاتورية كانت غرائز العرق الموروثة تتجلى كل يوم بأشد مما هي عليه، ولو لم يظهر هذا ~~الضابط العبقري لكفى لذلك أي مغامر كان، وتمضي خمسون سنة فلم يكن على وارث اسمه ~~إلا أن يري نفسه لينال أصوات أمة تعبة من الحرية متعطشة إلى العبودية، وليس ~~برومير (الشهر الثاني من السنة الجمهورية) هو الذي صنع ناپليون، بل روح العرق الذي ~~أخذ يركع تحت قدمه الحديدية. # 1 # وإذا كان تأثير البيئات في الإنسان يظهر كبيرا؛ فلما للبيئات من فعل في العناصر ~~الثانوية المؤقتة أو في ممكنات الخلق التي تكلمنا عنها، وفي الحقيقة لا تكون ~~التغييرات عميقة، وبيان ذلك أن أكثر الناس دعة إذا ما عضه الجوع بلغ من القسوة ما ~~يدفعه إلى اقتراف جميع الجرائم، حتى إلى افتراس نظيره في بعض ms023 الأحيان، أفيقال، ~~والحالة هذه، إن خلقه الأصلي قد تغير؟ # وإذا حدث أن مقتضيات الحضارة حفزت أناسا إلى أقصى الغنى وما يوجبه الغنى من ~~المتاعب حتما، وأنها أوجدت في أناس آخرين احتياجات عظيمة من غير أن تجعل لهم وسائل ~~لقضائها، فإن الذي ينجم عن هذا هو استياء وقلق عام يؤثران في السير ويثيران ~~انقلابات من كل نوع، بيد أن أخلاق العرق الأساسية تتجلى في ذلك الاستياء وفي هذه ~~الانقلابات، ومن هذا القبيل ما كان من تمزق إنكليز الولايات المتحدة في حربهم الأهلية، ~~وإبدائهم في ذلك من العناد والنشاط العظيم مثل ما يبدونه اليوم في شيد المدن ~~والجامعات والمصانع، فخلق أولئك لم يتغير في ذلك، وإنما الذي تغير هو الموضوعات ~~التي طبق عليها ذلك الخلق. # ونحن، حين نبحث بالتتابع في مختلف العوامل التي تؤثر في مزاج الأمم النفسي، نرى أن ~~هذه العوامل تمس نواحي الخلق الثانوية الموقتة دائما، لا عناصره الأساسية، أو أنها لا ~~تمس هذه العناصر إلا بعد ركام وراثي بطيء. # ولا نستنتج مما تقدم أن صفات الأمم النفسية لا تتغير، بل نستنتج فقط أن هذه الصفات ~~ذات ثبات كالصفات التشريحية، ولهذا الثبات تتغير روح العروق في غضون القرون رويدا ~~رويدا. # | هوامش # الفصل الثالث # | نظام مراتب العروق النفسي # إذا ما درسنا في كتاب تاريخ طبيعي أسس تقسيم الأنواع وجدنا من فورنا أن الصفات ~~الثابتة الأساسية التي يعين بها كل نوع هي قليلة جدا، فتكفي بضعة أسطر ~~لعدها. # وعلة ذلك هو أن العالم الطبيعي لا يبالي بغير الصفات الثابتة، غير ناظر إلى الصفات ~~المؤقتة، مع أن الصفات الأساسية تجر سلسلة من الصفات الأخرى وراءها حتما. # وقل مثل ذلك عن الصفات النفسية للعروق، ونحن إذا سلكنا سبيل التفصيل وجدنا ما لا ~~يحصيه عد من الاختلافات الدقيقة بين أمة وأخرى وبين شخص وآخر، ولكننا إذا نظرنا إلى ~~الصفات الأساسية وحدها لم نر غير عدد قليل منها في كل أمة، والأمثلة فقط - والأمثلة ~~هي ما نأتي به عما قليل - هي التي تدلنا بوضوح على تأثير ms024 هذه الصفات الأساسية القليلة ~~في حياة الأمم. # ولا يمكن عرض تقسيم نفسي للعروق إلا بالبحث المفصل في روح مختلف الأمم، وهذا وحده ~~يتطلب عدة مجلدات، وتراني أقتصر لذلك على بيان خطوطها الكبيرة. # وإني، حين أنظر إلى ما في العروق البشرية من الصفات النفسية العامة فقط، أرى إمكان ~~تقسيم هذه العروق إلى أربعة أقسام؛ وهي: العروق الابتدائية، والعروق الدنيا، والعروق ~~الوسطى، والعروق العليا. # والعروق الابتدائية هي التي لا تجد فيها أي أثر للثقافة، وهي التي ظلت في الدور ~~القريب من الحيوانية والذي جاوزه أهل عصر الحجر المنحوت من أجدادنا، ومن العروق ~~الابتدائية في الوقت الحاضر نذكر الفيوجيين والأستراليين. # وترى فوق العروق الابتدائية العروق الدنيا التي يعد الزنوج عنوانا لها على ~~الخصوص، وفي هذه العروق تجد بصيص حضارة، وبصيص حضارة فقط، وهذه العروق لم تجاوز قط وجوه ~~الحضارة الغليظة، وإن ورثت حضارات راقية بفعل المصادفة، كما اتفق لأهل سان ~~دومنغ. # ونذكر من العروق الوسطى الصينيين واليابانيين والمغول والأمم السامية، فالعرب ~~والآشوريون والمغول والصينيون واليابانيون أبدعوا نماذج حضارات راقية لم يجاوزها غير ~~الأوربيين. # ويجب أن تذكر الأمم الهندية الأوربية بين العروق العليا على الخصوص، وهذه الأمم هي ~~التي أثبتت قدرتها على الاختراعات العظيمة في الفنون والعلوم والصناعة؛ سواء أفي عصر ~~اليونان والرومان القديم، أم في الأزمنة الحديثة، ولهذه العروق ترى الحضارة مدينة بما ~~انتهت إليه اليوم من المستوى العالي، ومن أيدي هذه العروق خرج البخار والكهرباء، وأقل ~~هذه العروق ارتقاء، كالهندوس على الخصوص، قد بلغ في الفنون والآداب والفلسفة درجة لم ~~يصل إليها المغول والصينيون والساميون قط. # وليس من الممكن خلط ما بين الأقسام الأربعة المذكورة؛ فالهوة النفسية التي ~~تفصل بعضها عن بعض تظل واضحة، والصعوبة كل الصعوبة في تقسيم تلك الأقسام إلى أقسام أخرى ~~ثانوية. أجل، إن الإنكليزي والإسپاني والروسي من الأمم العليا، وترى الفروق بين هؤلاء ~~عظيمة جدا مع ذلك. # ويجب لتعيين تلك الفروق أن يؤخذ كل شعب على حدة، وأن توصف أخلاقه، وهذا ما سنفعله بعد ~~قليل في أمر شعبين ms025 فنطبق عليهما منهاجنا مثبتين أهمية نتائجه. # والآن لا نستطيع أن نفعل غير الإشارة باختصار إلى طبيعة العناصر الرئيسة النفسية التي ~~نتمكن بها من التفريق بين العروق. # ولا احتياج إلى الذهاب إلى الهمج الخلص لنجد العروق الابتدائية والدنيا ما دامت ~~الطبقات الأوربية السفلى تعدل الفطريين، والذي يشاهد لدى تلك العروق على الدوام ~~هو عجزها عن التعقل؛ أي عجزها عن أن تضم في دماغها الأفكار التي أسفرت عنها الأحاسيس ~~الماضية - أو الألفاظ التي تدل على هذه الأفكار - إلى الأفكار التي هي وليدة الأحاسيس ~~الحاضرة؛ وذلك للمقابلة بين الأفكارين، ولتبين ما بينهما من تشابه واختلاف، وعن ~~هذا العجز عن التعقل تنشأ سرعة تصديق عظيمة وفقدان تام لروح النقد، وفي الإنسان الراقي ~~تجد العكس، وفي الإنسان الراقي تجد قدرة عظيمة على ضم بعض الأفكار إلى بعض، وعلى ~~استخراج النتائج منها، وفي الإنسان الراقي تجد ملكة النقد وروح الدقة ناميتين إلى ~~الغاية. # وكذلك تتصف العروق الابتدائية والدنيا بضعف الانتباه وضعف التأمل إلى أقصى حد، ~~وبنمو ملكة التقليد وبعادة استخراج النتائج العامة الفاسدة من الأحوال الخاصة، ~~وبالعجز عن ملاحظة ما يؤدي إليه الترصد من النتائج المفيدة، وبالعجز عن استنباط هذه ~~النتائج، وبتقلب كبير في الأخلاق، وبغفلة عظيمة، ووحي الساعة الحاضرة هو دليل هذه ~~العروق، وهي - كعيسو (العيص) الذي هو مثال الرجل الابتدائي - تبيع مختارة حقها في ~~البكرية القادمة في مقابل صحن حاضر من العدس، وإذا ما عارض الإنسان عاجله بآجله ~~وكان ذا هدف فسار وراءه بثبات، فإنه يكون قد بلغ شأوا بعيدا من الرقي. # ومن شأن العجز عن البصر بالنتائج البعيدة للأعمال، ومن شأن العطل من كل دليل إلا ~~دليل الساعة الحاضرة، أن يكون الفرد، والعرق أيضا، محكوما عليهما بالبقاء في طور ~~منخفض جدا، والأمم، كلما عرفت أن تضبط غرائزها؛ أي كلما اكتسبت عزما، أي كلما ~~استطاعت أن تسيطر على نفسها، تكون قد أدركت أهمية النظام وضرورة التضحية بالنفس في سبيل ~~مثل عال والارتقاء إلى الحضارة، ولو وجب تقدير مستوى الأمم الاجتماعي في التاريخ ~~بمقياس وحيد ms026 لكانت درجة قابلية تلك الأمم للسيطرة على اندفاعاتها اللاتنبهية هي ~~ذلك القياس كما أرى، والرومان في القرون القديمة، والإنكليز والأمريكيون في الزمن ~~الحديث، هم عنوان الأمم التي اتفقت لها تلك الصفة الى أبعد حد؛ وفي هذه الصفة تجد سر ~~عظمة هذه الأمم. # ومن اجتماع العناصر الروحية المختلفة المذكورة آنفا ونموها نموا متقابلا يتألف من ~~الأمزجة النفسية ما يستعان به في تقسيم الأفراد والعروق. # ومن تلك العناصر الروحية ما هو خاص بالخلق، ومنها ما هو خاص بالذكاء. # وتختلف العروق العليا عن العروق الدنيا بالخلق كما تختلف عنها بالذكاء، وبالخلق - ~~على الخصوص - تختلف بعض الأمم العليا عن بعض، ولهذا الأمر أهمية اجتماعية عظيمة، فيجب ~~بيانه بوضوح. # يتألف الخلق من امتزاج مختلف العناصر التي يطلق عليها علماء النفس المعاصرون اسم ~~المشاعر عادة؛ وذلك على نسب مختلفة، ومن بين تلك العناصر ذات الشأن المهم أذكر الثبات ~~والنشاط وقابلية ضبط النفس بوجه خاص؛ أي الصفات المشتقة من الإرادة. ومن عناصر الخلق ~~الأساسية نذكر الأدب أيضا، وإن كان الأدب خلاصة مشاعر مركبة، وأقصد بكلمة الأدب احترام ~~القواعد التي تقوم عليها حياة المجتمع، وتدل حيازة الأمم أدبا على حيازتها قواعد ثابتة ~~للسير وعدم ابتعادها عنها، وتختلف هذه القواعد باختلاف الأزمنة والبلدان، ويلوح الأدب ~~بهذا أنه كثير التغير، والأدب كثير التغير بالفعل، غير أنه يجب أن يكون أدب الأمة في ~~زمن معين غير متغير، وإذ كان الأدب وليد الخلق، لا الذكاء، لا يكون وطيدا إلا إذا صار ~~وراثيا، ومن ثم غير شعوري، وعظمة الأمم بوجه عام خاضعة لمستوى أدبها على ~~الخصوص. # وقد تتغير الصفات الذهنية بالتربية تغيرا قليلا، وتتفلت الصفات الخلقية من سلطان ~~التربية تفلتا تاما تقريبا، وعندما تؤثر التربية في الصفات الخلقية لا يكون هذا ~~التأثير إلا عند ذوي الطبائع المحايدة الذين يكادون يكونون عاطلين من الإرادة والذين ~~يسهل عليهم أن يميلوا إلى حيث يساقون، وترى هذه الطبائع المحايدة لدى الأفراد، وهي ~~قلما ترى في أمة بأسرها، وهي إذا وجدت في الأمة لا يكون وجودها ذلك إلا ms027 في أيام ~~انحطاطها. # ومن السهل أن تنتقل اكتشافات الذكاء من أمة إلى أخرى، وأما الصفات الخلقية فلا ~~تنتقل، وهذه هي العناصر الأساسية الثابتة التي يختلف بها مزاج الأمم العليا النفسي، ~~وتمثل الاكتشافات المدينة للذكاء تراث البشرية المشترك، ويتألف من صفات الخلق ~~ومساوئه في كل أمة تراث هذه الأمة الخاص، ويعد الخلق كالصخرة الثابتة التي تلطمها ~~الأمواج يوما بعد يوم في عدة قرون قبل أن تتمكن هذه الأمواج من ثلم أطرافها، ويعدل ~~الخلق عنصر النوع الراسخ، وزعنفة السمك، ومنقار الطير، وناب الضاري. # وخلق الأمة، لا ذكاؤها، هو الذي يعين تطورها في التاريخ وينظم مصيرها، وهو يوجد، ~~دائما، خلف الأهواء الظاهرة للمصادفة العاجزة، وللعناية السبحانية الوهمية، ~~وللقدر الحقيقي الذي يسير الرجال في أعمالهم وفق مختلف العقائد. # وللأخلاق نفوذ ذو سلطان قوي على حياة الأمم، على حين يبدو الذكاء ذا نفوذ ضعيف في ~~الغالب، أجل، كان للرومان في دور الانحطاط ذكاء أرفع من ذكاء أجدادهم الأشداء، بيد ~~أنهم كانوا في ذاك الدور قد أضاعوا صفاتهم الخلقية من ثبات ونشاط وعناد واستعداد ~~للتضحية في سبيل مثل عال، ومن احترام وثيق للقوانين؛ أي أضاعوا هذه الصفات التي ~~كانت سبب عظمة أجدادهم، وبفضل الخلق يضع ستون ألف إنكليزي تحت نيرهم 250 مليون ~~هندوسي، مع أن كثيرا من الهندوس يعدل الإنكليز ذكاء على الأقل، ومع أن كثيرا من ~~الهندوس يفوق الإنكليز إلى ما لا حد له من الذوق الفني وعمق المباحث الفلسفية. وبالخلق ~~غدا الإنكليز على رأس أعظم إمبراطورية استعمارية عرفها التاريخ، وعلى الخلق تقوم متانة ~~المجتمعات والنظم والإمبراطوريات، والخلق هو الذي يجعل الأمم تشعر وتسير، والأمم لم ~~تظفر قط بكبير طائل من إعمال عقلها وقدح زناد فكرها كثيرا. # 1 # ومن مزاج العروق النفسي يشتق تصورها للعلم وللحياة، ومن ثم سيرها، وسنأتي بأمثلة ~~على ذلك عما قليل، والفرد، إذ يتأثر بالأمور الخارجية من بعض الوجوه، يحس ويعمل على ~~وجه يختلف عما يشعر به الأفراد الذين لهم مزاج نفسي مختلف عن مزاجه، ويفكرون فيه ~~ويصنعونه، وهذا يؤدي إلى ms028 النتيجة القائلة: إن الأمزجة النفسية القائمة على مثل شديدة ~~الاختلاف لا يدرك بعضها كنه بعض، وما كان من تنازع العروق المتأصل مصدره ما بين ~~هذه العروق من تناقض في الأخلاق، ومن المتعذر فهم شيء من التاريخ ما لم يقم في الذهن، ~~دائما، ذلك المبدأ القائل: إن العروق المختلفة لا تقدر على الشعور ولا على التفكير ولا ~~على السير على طراز واحد. فلا يدرك بعضها أمر بعض لهذا السبب، ومما لا شك فيه أن في ~~لغات مختلف الأمم ألفاظا مشاعة فتظن هذه الأمم أن هذه الألفاظ مترادفة، بيد أن هذه ~~الألفاظ المشاعة تثير من المشاعر والخيالات وطرز التفكير ما يباين التي تساور ~~سامعيها، ولا بد من العيش بين أمم ذات مزاج نفسي مخالف لمزاجنا مخالفة محسوسة ~~لتبين مدى الهوة التي تفصل بين أفكار مختلف الأمم، حتى لو وقع الاختيار في تلك ~~الأمم على أناس نالوا تربيتنا ويتكلمون بلغتنا، ويمكن الباحث، من غير أن يحتاج إلى بعيد ~~الأسفار، أن يستجلي ذلك عند تحقيقه الفرق النفسي الكبير بين الرجل المتمدن والمرأة؛ ~~ولو كانت هذه المرأة عظيمة التعليم، وقد يكون هذان ذوي مصالح متماثلة ومشاعر ~~متماثلة، ولكنهما لا يتشابهان في تسلسل أفكارهما أبدا، فهما قد فطرا على مثالين ~~بلغا من التباين ما يتعذر أن يتأثرا معه على وجه واحد بالأمور الخارجية، وما بين ~~منطقهما من اختلاف يكفي لإحداث هوة بينهما لا يمكن اقتحامها. # وما بين مزاج مختلف العروق النفسي من هوة يوضح لنا السبب في أن الأمم العليا لم ~~توفق قط لحمل الأمم المتأخرة على اعتناق حضارتها، وما كان من الرأي الشائع ~~القائل إن التعليم يمكنه أن يحقق مثل هذا الأمر هو من أشأم الأوهام التي صدرت عن ~~نظريي العقل الصرف، ولا مراء في أن التعليم يمنح الشخص الذي وضع في أدنى درجات ~~السلم البشري جميع ما لدى الأوربي من المعارف بفضل ما يكون عند أحط الأفراد من الذاكرة ~~التي لم تكن مقصورة على الإنسان، ومن السهل أن يجعل من الزنجي أو الياباني محاميا ms029 ~~أو حاملا لشهادة البكالوريا، بيد أن ذلك لا يعطيه سوى طلاء سطحي غير مؤثر في مزاجه ~~النفسي، وإنما الذي يعجز التعليم عن منحه إياه هو ما يتصف به الغربيون من وجوه تفكير ~~ومنطق، ومن أخلاق على الخصوص؛ لصدوره عن الوراثة وحدها، وقد يجمع ذلك الزنجي أو ~~الياباني جميع الشهادات الممكنة، ولكنه لا يرتقي إلى مستوى الأوربي العادي مطلقا، ومن ~~السهل أن يلقن الزنجي في عشر سنين مثل ما يلقنه الإنكليزي الحسن الثقافة، ~~ولكن قد لا تكفي عدة قرون لأن تجعل منه إنكليزيا حقيقيا؛ أي رجلا يسير كالإنكليزي ~~في مختلف أحوال الحياة التي يوضع فيها، وليس في سوى الظاهر تغيير أمة للغتها أو مزاجها ~~أو معتقداتها أو فنونها بغتة، وتغيرات كهذه لا تكون حقيقية في الأمة إلا إذا استطاعت ~~هذه الأمة أن تحول روحها. # | هوامش # الفصل الرابع # | تفاوت الأفراد والعروق التدريجي # لا تمتاز العروق العليا من العروق ~~الدنيا بصفاتها النفسية والتشريحية وحدها، بل تمتاز منها باختلاف العناصر التي تتألف ~~منها أيضا، وفي العروق الدنيا يكون جميع الأفراد من أي الجنسين على مستوى نفسي ~~متماثل تقريبا، وهؤلاء الأفراد؛ لما بينهم من تشابه، تجدهم عنوانا للمساواة التامة ~~التي يحلم بها الاشتراكيون في الوقت الحاضر، وبالعكس تجد السنة عند العروق العليا ~~في تفاوت أفراد هذه العروق وجنسيها تفاوتا عقليا. # وكذلك لا يقاس مدى الفروق بين الأمم بالمقابلة بين طبقاتها الوسطى، بل بالمقارنة بين ~~طبقاتها العليا، فالهندوس والصينيون والأوربيون لا يتفاوتون بطبقاتهم الوسطى إلا ~~قليلا، وهم بالعكس يتفاوتون بطبقاتهم العليا تفاوتا عظيما. # وكلما تقدمت الحضارة سارت العروق، وكذلك أفراد العروق العليا على الأقل، نحو التفاوت ~~شيئا فشيئا، وتؤدي الحضارة الحاضرة إلى تفاوت الناس بالتدريج، لا إلى تساويهم ~~ذهنيا؛ وذلك خلافا لنظرياتنا في المساواة. # والحق أن من أهم نتائج الحضارة من جهة هو تفاوت العروق بعمل ذهني تفرضه الحضارة على ~~الشعوب التي بلغت درجة رفيعة من الثقافة فيعظم كل يوم، وهو من جهة أخرى إحداث تفاوت ~~تدريجي في مختلف الطبقات التي يتألف منها كل شعب ~~متمدن. ms030 # وتقضي شروط التطور الصناعي الحديث على الطبقات الدنيا في الأمم المتمدنة بالعمل الضيق ~~الذي يحط ذكاءها بدلا من تنميته، ومنذ مئة سنة كان العامل صانعا حقيقيا قادرا ~~على صنع أية آلة كالساعة مثلا، واليوم غدا العامل صانعا بسيطا لا يصنع غير قطعة ~~واحدة فيقضي حياته في ثقب الثقوب المتماثلة، أو صقل الأداة ذاتها، أو سوق ~~الآلة نفسها، وهذا ما يوجب هزال ذكائه بسرعة، وعكس ذلك أمر المستصنع أو المهندس الذي ~~تضغطه الاكتشافات والمنافسة فتحفزه إلى جمع عدد من المعلومات وروح المبادرة ~~والاختراع يزيد عما كان يجمعه منذ قرن بدرجات، وإذ كان دماغه يعمل باستمرار على هذا ~~الوجه فإنه يخضع للسنة المسيطرة على جميع الأعضاء؛ أي إنه ينمو مقدارا ~~فمقدارا. # وكان توكڨيل قد أشار إلى ذلك التفاوت التدريجي بين الطبقات الاجتماعية في زمن كانت ~~الصناعة فيه بعيدة من درجة التقدم التي انتهت إليها اليوم فقال: «كلما أوغل في تطبيق ~~مبدأ توزيع الأعمال غدا العامل أشد ضعفا، وأضيق عقلا، وأقل استقلالا مما كان عليه، ~~وكلما تقدمت الصناعة تقهقر الصانع، فزاد ما بين العامل ورب العمل من فرق.» # واليوم يمكن عد الأمة العليا من الناحية الذهنية كهرم مدرج يتألف من أعرض ~~أقسامه طبقات الشعب الدنيا، ويتألف من درجاته العليا طبقات الشعب الذكية، # 1 # وتتألف ذروته من صفوة قليلة من العلماء والمخترعين والمتفننين ~~والكتاب، وهذه الزمرة الأخيرة، وإن كانت صغيرة، إذا ما قيست ببقية الشعب، هي ما يقوم ~~عليه وحده مستوى البلد في سلم الحضارة الذهني، وتكفي إزالتها لزوال كل ما فيه ~~مجد الأمة، ومن الصواب قول سان سيمون: «إذا ما أضاعت فرنسة بغتة الخمسين الأول من ~~كل من علمائها ومتفننيها ومستصنعيها وزراعها غدت جسما بلا روح، وجثة بلا رأس، وهي ~~إذا أضاعت جميع موظفيها لم يصبها من وراء ذلك غير ضرر يسير.» # وكلما تقدمت الحضارة زاد التفاوت بين أقصى طبقات الشعب، ويعظم هذا التفاوت على نسبة ~~هندسية في زمن ما، ولو سار الزمن طليقا ولم تعقه عوامل الوراثة لرئيت ~~المسافة بين الطبقات العليا ms031 والطبقات الدنيا من الناحية الذهنية قد عظمت فغدت كالمسافة ~~التي تفصل الأبيض عن الزنجي، أو التي تفصل الزنجي عن القرد. # بيد أن هنالك أسبابا كثيرة تحول دون تمام ذلك التفاوت الذهني بين الطبقات ~~الاجتماعية، مهما بلغ، بتلك السرعة التي يمكن القول بها نظريا، والواقع، وهو أول تلك ~~الأسباب، هو أن التفاوت لا يكون إلا في الذكاء، وهو لا يتناول الخلق أو يتناوله ~~قليلا، ونحن نعلم أن الخلق، لا الذكاء، هو الذي يمثل دورا مهما في حياة الشعوب. ~~والسبب الثاني هو أن الجموع تهدف بنظامها وقوامها إلى أن تصير صاحبة السلطان في الوقت ~~الحاضر، وإذ كانت الجموع بادية الحقد على الأفضليات الذهنية فإن كل أريستوقراطية ذهنية ~~مقضي عليها، على ما يحتمل، بأن تقوض بعنف في ثورات دورية كلما نظمت الجموع ~~الشعبية شؤونها، وذلك كما قضي على طبقة الأشراف القديمة منذ قرن، وإذا ما قيض ~~للاشتراكية أن تقهر بلدا كان بقاؤها بعض الزمن موقوفا على إزالة جميع الأفراد الذين ~~يحوزون أفضلية فيجاوزون المستوى المتوسط ولو قليلا. # وإذا عدوت ذينك السببين، المصنوعين لصدورهما عن مقتضيات الحضارة المتقلبة، وجدت ~~سببا ثالثا أعظم أهمية منهما؛ لأنه عنوان سنة طبيعية ثابتة، ويقوم هذا السبب على ~~منع خيار الأمة من الافتراق عن الطبقات الدنيا افتراقا ذهنيا كبيرا فضلا عن ~~افتراقهم عنها افتراقا تاما، والحق أنك تجد، بجانب مقتضيات الحضارة الحاضرة العاملة ~~على تفاوت أفراد العرق مقدارا فمقدارا، سنن الوراثة الشديدة الوطأة التي تهدف إلى ~~إزالة الأفراد الذين يجاوزون المستوى المتوسط مجاوزة جلية، أو إلى إعادتهم إلى هذا ~~المستوى المتوسط. # وهنالك مشاهدات قديمة نص عليها جميع العلماء الذين عالجوا مسألة الوراثة فتثبت ~~هذه المشاهدات بالحقيقة أن أبناء الأسر الرفيعة الذكاء تفسد عاجلا أو آجلا (عاجلا ~~على الأرجح)، فيؤدي فسادها إلى زوالها التام. # إذن، لا ينال الرجل سموا ذهنيا كبيرا إلا ليترك خلفه ذرية فاسدين، والواقع هو أن ~~ذروة الهرم الاجتماعي التي تكلمت عنها آنفا لا تدوم إلا بما تستعيره من العناصر التي ~~هي تحتها، ولو حدث أن جمع ms032 الخيار كلهم في جزيرة منفردة لأسفر توالدهم بسرعة عن ظهور ~~عرق مصاب بضروب الفساد، ومحكوم عليه بالأفول من فوره، ويمكن تشبيه الأفضليات الذهنية ~~العظيمة بالنبات الذي ضخمه البستاني بفنه فلا يلبث أن يموت أو يعود إلى مثال نوعه ~~المتوسط إذا ما ترك وشأنه؛ وذلك لما في نوعه المتوسط من السلطان القوي الذي يمثل سلسلة ~~الأصول الطويلة. # وتدل دراسة مختلف الأمم دراسة دقيقة على أن أفراد العرق الواحد، إذا تفاوتوا في ~~الذكاء كثيرا، لا يتفاوتون إلا قليلا في الخلق الذي هو صخرة ثابتة على الرغم من ~~الزمن كما بينت، ولذلك يجب علينا أن ننظر إلى العرق من ناحيتين مختلفتين عند البحث ~~فيه؛ فالعرق من الناحية الذهنية لا قيمة له إلا بصفوة قليلة من الناس يتم بفضلها ما ~~يتفق للحضارة من تقدم في العلوم والآداب والصناعات، والعرق من الناحية الخلقية جدير ~~بأن ينظر إلى طبقته المتوسطة وحدها، والأمم مدينة في قوتها لمستوى هذه الطبقة المتوسطة ~~على الدوام، والأمم يمكنها أن تستغني عن صفوتها الذهنية على التحقيق، لا عن درجة معينة ~~من المستوى الخلقي، وهذا ما نوضحه عما قليل. # وبينما يتفاوت أفراد العرق في غضون القرون تفاوتا ذهنيا تدريجيا على ذلك الوجه؛ ~~ترى هؤلاء الأفراد في كل وقت يترجحون من الناحية الخلقية حول مثال ذلك العرق المتوسط، ~~وإلى هذا المثال المتوسط الذي يرتقى إليه ببطء ينتسب معظم أفراد الأمة، وتجد هذا ~~الأصل الأساسي مكسوا لدى الأمم العليا على الأقل بطبقة رقيقة من ذوي النفوس العالية ~~ذات أهمية من ناحية الحضارة غير ذات أهمية من ناحية العرق، وتزول تلك الطبقة الرقيقة ~~فتتجدد، دائما، على حساب الطبقة المتوسطة التي لا تتغير إلا رويدا رويدا؛ وذلك لأن ~~التغيرات الدقيقة تتطلب تراكما نحو معنى واحد في قرون كثيرة لتغدو دائمة. # وقد استعنت بمباحث تشريحية صرفة منذ بضع سنين، فانتهيت إلى أفكار في تفاوت الأفراد ~~والعروق تفاوتا أستند في إثباته هنا إلى أسباب نفسية، وإذ يؤدي كلا البحثين إلى نتائج ~~واحدة فإنني أقتصر على ذكر بعض النتائج التي ms033 وصلت إليها في دراستي السابقة، وقد ~~وفقت لهذه النتائج من المقابلة بين ألوف من الجماجم القديمة والحديثة الخاصة بعروق ~~مختلفة، وإليك أهم ما تم لي: # إذا ما نظرت إلى سلاسل من الجماجم، غير ملتفت إلى الأحوال الفردية، وجدت صلة وثيقة ~~بين حجم الجمجمة والذكاء، وهنالك ترى أن الذي يميز العروق الدنيا من العروق العليا لا ~~يقوم على الفروق الضئيلة في الحجم المتوسط لجماجمها، بل يقوم على الأمر الجوهري القائل: ~~إن العرق الأعلى يشتمل على عدد من الأفراد ذوي الدماغ الكثير النمو، على حين تبصر ~~العرق الأدنى عاطلا من مثل هؤلاء الأفراد، ولذلك تتفاوت العروق بمن فيها من الأفراد ~~الذين يمتازون من جموعها، لا بمجموعها، وإذا عدوت العروق الدنيا البالغة أقصى ~~التأخر لم تجد فرق الجماجم المتوسط عظيم الاتساع بين أمة وأمة. # وإذا قابلت بين جماجم مختلف العروق البشرية في الحال والماضي أبصرت أن العروق التي ~~يتفاوت حجم جماجمها أكثر من تفاوت جماجم غيرها هي العروق التي تكون أعرق من سواها في ~~الحضارة، وأن العرق كلما تمدن تفاوت حجم جماجم الأفراد الذين يتألف منهم، ومن هنا ~~نستنتج أن الحضارة لا تقودنا إلى المساواة الذهنية، بل إلى تفاوت عميق على الدوام، ولا ~~تكون المساواة التشريحية والفزيولوجية إلا في أفراد العروق الدنيا، وإذ يتعاطى أفراد ~~القبيلة الوحشية أعمالا واحدة فإن الفرق بينهم يكون ضئيلا بحكم الضرورة، وبالعكس يكون ~~الفرق عظيما بين الفلاح الذي لا يجاوز ما عنده من اللغة ثلاثمئة كلمة، والعالم الذي ~~يكون لديه مئة ألف كلمة وما يقابلها من الأفكار. # وما يؤدي إليه تقدم الحضارة من تفاوت بين الأفراد يتجلى بين الجنسين أيضا، ولدى ~~الأمم الدنيا أو في الطبقات السفلى من الأمم العليا يتقارب الرجل والمرأة من الناحية ~~الذهنية، وبالعكس كلما تمدنت الأمم تفاوت الجنسان شيئا فشيئا. # وإذا قصرنا المقابلة على رجال ونساء متساوين سنا وطولا ووزنا، وذلك كما صنعت، ~~وجدنا تفاوت الجنسين تفاوتا مطردا بنسبة درجة الحضارة، وتبدو هذه الفروق ضعيفة في ~~العروق الدنيا، وتبدو عظيمة في العروق العليا، وفي ms034 الغالب لا تكاد جماجم النساء في ~~العروق العليا تكون أكثر نموا من جماجم نساء العروق الدنيا، وبينما تجد متوسط جماجم ~~الباريسيين من أضخم الجماجم تجد متوسط جماجم الباريسيات لا يزيد حجما على أصغر الجماجم ~~التي تشاهد، وهذه الجماجم النسوية هي في مستوى جماجم الصينيات تقريبا، وهي لا تفوق ~~جماجم كلدونية الجديدة إلا قليلا. # 2 # | هوامش # الفصل الخامس # | تكوين العروق التاريخية # بينا، فيما تقدم، أننا لا نستطيع أن نجد لدى الأمم المتمدنة عروقا حقيقية بالمعنى ~~العلمي، بل نجد عروقا تاريخية فقط؛ أي عروقا كونتها مصادفات الفتوح والهجرة ~~والسياسة وما إلى ذلك، ومن ثم تكونت بفعل تمازج أفراد مختلفي الأصول. # وكيف تنتهي هذه العروق المتباينة إلى التمازج وإلى تكوين عرق تاريخي ذي أخلاق نفسية ~~واحدة؟ هذا هو الذي نبحث فيه. # وأول ما نلاحظه هو أن العناصر المتواجهة اتفاقا لا تمتزج في كل وقت؛ ومن ذلك أن ~~الشعوب الألمانية والمجرية والسلافية وغيرها من التي تعيش في الدولة النمسوية تؤلف ~~عروقا شديدة الاختلاف فلم تبد ميلا إلى الامتزاج قط، وكذلك الإيرلنديون الذين ~~يسيطر عليهم الإنكليز لم يختلطوا بهؤلاء قط، وأما الأمم المنحطة تماما، كأصحاب الجلود ~~الحمر (الپوروج) والأوستراليين والتسمانيين، فإنها تزول بسرعة عند مصاقبتها للأمم ~~العليا فضلا عن أمر امتزاجها بها، وقد دلت التجربة على أن كل أمة من الأمم الدنيا ~~تزول حتما إذا ما واجهت أمة عالية. # وهناك ثلاثة شروط لا بد من اجتماعها لامتزاج العروق وتأليفها عرقا جديدا يكون على ~~شيء من التجانس: فالشرط الأول هو ألا يكون تفاوت العروق المتوالدة كبيرا في العدد، ~~والشرط الثاني هو ألا يكون اختلاف هذه العروق في الأخلاق عظيما، والشرط الثالث هو أن ~~تظل هذه العروق خاضعة لبيئات واحدة زمنا طويلا. # والشرط الأول من هذه الشروط على جانب عظيم من الأهمية؛ وذلك أن عددا صغيرا من ~~البيض إذا ما نقل إلى شعب كثير العدد من الزنوج زال بعد بضعة أجيال من غير أن يترك ~~أثرا في دم ذراريه، وعلى هذا الوجه غاب جميع الفاتحين الذين قهروا ms035 شعوبا كثيرة العدد، ~~ومن الممكن أن يكون هؤلاء الفاتحون قد تركوا خلفهم حضارتهم وفنونهم ولغتهم، كما اتفق ~~للاتين في بلاد الغول وللعرب في مصر، ولكنهم لم يتركوا دمهم. # وللشرط الثاني من تلك الشروط كبير أهمية أيضا؛ وذلك أن مما لا مراء فيه أن العروق ~~الشديدة الاختلاف، كالبيض والسود مثلا، تمتزج في نهاية الأمر، غير أن ما يسفر عنه ~~مثل هذا التوالد من المولدين هو ظهور شعب أحط من العروق التي اشتق منها بمراحل، ~~هو ظهور شعب كثير العجز عن ابتداع حضارة أو إدامتها، والسبب في ذلك هو أن تأثير ~~الوراثات المتباينة يفك الآداب والأخلاق، ومما حدث أن مولدين من البيض والزنوج، ~~كما في سان دومنغ، ورثوا اتفاقا حضارة رفيعة، فلم تعتم هذه الحضارة أن سقطت إلى ~~دركة الانحطاط، وقد يكون التوالد عامل تقدم إذا وقع بين عروق عالية متقاربة ~~كالإنكليز والألمان في أمريكة، والتوالد يكون عامل انحلال على الدوام إذا كانت تلك ~~العروق متباينة جدا، ولو كانت من العروق العالية. # 1 # وتوالد الشعبين يعني تغيير مزاجهما الجثماني ومزاجهما النفسي، والتوالد هو الوسيلة ~~الوحيدة لتحويل أخلاق الشعوب تحويلا أساسيا، والوراثة - إذ كان لا يفلها إلا ~~الوراثة - فإنها تؤدي مع الزمن إلى ظهور عرق جديد ذي صفات جثمانية ونفسية جديدة. # وتظل الأخلاق التي تظهر على ذلك الوجه مذبذبة ضعيفة إلى الغاية في بدء الأمر، ولا بد، ~~لثباتها، من ركام وراثي طويل على الدوام، وأول أثر للتوالد بين مختلف العروق هو ~~القضاء على روح هذه العروق؛ أي على مجموع الأفكار والمشاعر المشتركة التي تتألف منها ~~قوة الأمم والتي لا وجود لأمة ولا لوطن بغيرها، وذلك هو أحرج أدوار تاريخ الأمم، وذلك ~~هو دور البدء والتحسس الذي لا مناص من مجاوزة الجميع له؛ لما لا تجد أمة أوربية غير ~~قائمة على أنقاض الأمم الأخرى، وذلك هو الدور المملوء بالمنازعات الداخلية، وبتصاريف ~~الدهر؛ فلا ينقضي قبل استقرار الأخلاق النفسية الجديدة. # ومما تقدم ترى أنه يجب عد التوالد عاملا أساسيا في تكوين العروق الجديدة، ~~وعاملا قويا ms036 في انحلال العروق القديمة، ومن الصواب، إذن، أن اجتنبت الأمم التي بلغت ~~درجة رفيعة من الحضارة مخالطة الأجانب، ولولا نظام الطوائف العجيب لرأى لفيف الآريين ~~الذي استولى على الهند نفسه غارقا بسرعة في جماعة السود الكبيرة التي كانت تحيط به من ~~كل جانب، ولما ظهرت أية حضارة في تلك البلاد العظيمة، ولو لم يحافظ الإنكليز في ~~أيامنا على مثل ذلك النظام عمليا فتوالدوا هم وأبناء البلاد الأصليون لخسروا ~~إمبراطورية الهند العظمى منذ زمن طويل. أجل، قد تفقد الأمة أشياء كثيرة وتعاني مصائب ~~كثيرة ثم تنهض بعد ذلك، ولكنها تفقد كل شيء فلا تنهض أبدا إذا أضاعت روحها. # ويقوم التوالد بدوره المخرب ثم بدوره المبدع، اللذين تكلمت عنهما فيما تقدم، عندما ~~تغدو الحضارات التي تكون في دور الانحطاط فريسة الغزاة المسالمين أو المقاتلين، ويقوض ~~هذا التوالد دعائم الحضارة القديمة لتقويضه روح الأمة التي تمسكها، وهو يوجب ابتداع ~~حضارة جديدة ما دامت الأخلاق النفسية القديمة للشعوب المتقابلة قد زالت، وما دامت قد ~~بدت أخلاق جديدة في طور التكوين بفعل أحوال الحياة الجديدة. # وفي العروق التي تكون في دور التكوين بعد أن خسرت صفاتها الموروثة بوراثات معاكسة، ~~وفي هذه العروق فقط، يبدو تأثير آخر العوامل المذكورة في بدء هذا الفصل: يبدو تأثير ~~البيئات، وتأثير البيئات هذا، وهو ضعيف إلى الغاية في العروق القديمة، عظيم إلى الغاية ~~في العروق الجديدة. وبيان الأمر أن التوالد، حين يهدم الأخلاق النفسية الموروثة التي ~~دامت عدة قرون، يحدث لوحا ملسا فيقيم عمل البيئات عليه بناءه في قرون كثيرة ثم ~~يوطد الأخلاق النفسية الجديدة، وهنالك، وهنالك فقط، يكون قد تكون عرق تاريخي جديد، ~~وعلى هذا الوجه تكون عرقنا. # والبيئات، مادية كانت أو أدبية، ذات قوة أو ضعف بحسب الأحوال، وبهذا نفسر السبب في ~~تناقض ما دار حول تأثيرها من الآراء، وتأثير البيئات يكون عظيما في العروق التي هي في ~~دور التكوين كما رأينا، ولكننا إذا نظرنا إلى العروق التي ثبتت منذ زمن طويل بفعل ~~الوراثة أمكننا أن نقول إن ms037 تأثير البيئات فيها يكاد يكون صفرا. # ولنا في عدم تأثير حضارتنا الغربية في أمم الشرق، مع اتصالها بها منذ عدة أجيال، ~~دليل على عدم تأثير البيئات الأدبية في العروق، وذلك كما يشاهد لدى الصينيين المقيمين ~~بالولايات المتحدة، ولنا في مصاعب التوطن دليل على ضعف تأثير البيئات المادية. وأهون ~~على العرق القديم أن يفنى من أن يتحول إذا ما نقل إلى بيئة تختلف عن بيئته اختلافا ~~كبيرا سواء أكان هذا العرق بشريا أم حيوانيا أم نباتيا، ومن ذلك أن غدت مصر ~~قبرا لفاتحيها من مختلف الأمم على الدوام. ومصر هذه لم يسطع أحد أن يستوطنها، ومصر ~~هذه لم يترك فيها الأغارقة والرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم أثرا من دمائهم، ~~والمثال الوحيد الذي تبصره في مصر هو مثال الفلاح الثابت الذي تشابه ملامحه ملامح ~~أولئك الذين نحتهم متفننو مصر منذ سبعة آلاف سنة على قبور الفراعنة وقصورهم. # ولا يزال معظم العروق التاريخية الأوربية في دور التكوين، ومن المهم معرفة ذلك لإدراك ~~تاريخ تلك العروق، ويكاد الإنكليزي الحاضر وحده يمثل عرقا ثبت أمره تماما، ففي ~~الإنكليزي امحى البريتوني القديم والسكسوني والنورماندي لتأليف مثال جديد على شيء ~~من التجانس، والأمر في فرنسة على العكس، فترى فيها الپروڨنسي يختلف كثيرا عن ~~البريتوني، وترى فيها الأوڨرني يختلف كثيرا عن النورمندي، ومع ذلك نقول: إذا لم يوجد ~~حتى الآن مثال فرنسي متوسط فإنه يوجد على الأقل أمثلة متوسطة في بعض البقاع الفرنسية، ~~ومن دواعي الأسف أن كانت هذه الأمثلة مختلفة أشد الاختلاف في الأفكار والأخلاق، ومن ~~الصعب، إذن، أن تجد نظما تلائم هذه الأمثلة على السواء، والنظام المركزي العنيف وحده ~~هو الذي يستطيع أن يمن عليها ببعض الأفكار المشتركة، والمصدر الرئيس لما لدينا من ~~فروق عميقة في المشاعر والمعتقدات، وما أسفرت عنه هذه الفروق من الانقلابات السياسية، ~~هو فيما بين الأمزجة النفسية من فروق يستطيع المستقبل وحده أن يمحوها على ما ~~يحتمل. # ويبدو الأمر دائما على الوجه المذكور عند تماس مختلف العروق، وتظهر المنازعات ~~الداخلية والانشقاقات عنيفة ms038 بنسبة اختلاف العروق المتواجهة، ومن المتعذر أن تحمل ~~العروق الشديدة التباين على العيش بنظم واحدة وقوانين واحدة كما يشهد بذلك، في كل ~~وقت، تاريخ الإمبراطوريات العظمى التي تألفت من عروق مختلفة، والتي تزول بزوال مؤسسها ~~في الغالب، ومن الأمم الحديثة تجد الهولنديين والإنكليز وحدهم قد وفقوا لفرض ~~سلطانهم على شعوب آسيوية تختلف عنهم اختلافا كبيرا، ولكنهم لم يصلوا إلى ذلك إلا ~~لأنهم عرفوا كيف يحترمون طبائع هذه الشعوب وقوانينها تاركين لها إدارة نفسها بنفسها في ~~الحقيقة مقتصرين على جزء من الضرائب، وعلى ممارسة التجارة وحفظ الأمن. # وإذا عدوت هذه الاستثناءات النادرة وجدت أن جميع الإمبراطوريات الكبيرة المشتملة ~~على أمم متباينة لم تقم إلا بالقوة، وأنها تزول بالعنف. والأمة، لكي تنشأ فتدوم، لا ~~بد لها من أن تتكون على مهل بامتزاج عروق قليلة الاختلاف مقدارا فمقدرا، وبتوالد هذه ~~العروق فيما بينها توالدا مستمرا، وبعيشها على أرض واحدة، وبمعاناتها تأثير بيئات ~~واحدة، وبإذعانها لنظم واحدة ومعتقدات واحدة، وهكذا، تستطيع هذه العروق المختلفة أن ~~تؤلف أمة متجانسة بعد مرور بضعة قرون. # وكلما تقادم العالم استقرت العروق فيه شيئا فشيئا، وغدا تحولها بالامتزاج نادرا ~~مقدارا فمقدارا، وكلما تقدمت البشرية سنا شعرت بثقل الوراثة وصعوبة التحول، ولذا ~~يمكننا أن نقول إن دور تكوين العروق التاريخية في أوربة سينقضي بعد قليل. # | هوامش # الباب الثاني # | كيف تتجلى الأخلاق النفسية للعروق في مختلف عناصر ~~الحضارات # الفصل الأول # | عناصر الحضارة مظهر خارجي لروح الأمة # يجب أن يعد مختلف العناصر التي تتألف منها الحضارة، من لغات ونظم وأفكار ~~ومعتقدات وفنون وآداب، مظهرا خارجيا لروح الذين أبدعوها، بيد أن أهمية هذه ~~العناصر تبدو متفاوتة إلى الغاية بتفاوت الأزمان والعروق ما دامت عنوان روح ~~الأمة. # واليوم لا تجد كتابا باحثا في الآثار الفنية من غير أن يبدي هذه الآثار ترجمانا ~~صادقا لأفكار الأمم ومعبرا مهما عن حضارتها. # ولا ريب في أن الأمر على هذا الوجه في الغالب، ولكن الأمر بعيد من أن يكون قاعدة ~~مطلقة فيطابق رقي الفنون رقي الأمم الذهني في ms039 كل وقت، فإذا كانت الآثار الفنية ~~لدى بعض الأمم أهم مظهر لروحها فإن من الأمم من بلغت درجة رفيعة جدا في سلم ~~الحضارة مع بقاء شأن الفنون ثانويا عندها، ولو قضي علينا بأن نكتب تاريخا لحضارة كل ~~أمة غير ناظرين إلى غير عنصر واحد لوجدنا اختلاف هذا العنصر بين أمة وأمة؛ أي لوجدنا ~~الفنون أحسن وسيلة لمعرفة بعضها كما نجد النظم أو الجندية أو الصناعة أو التجارة أظهر ~~ما نتبين بها غيرها، وهذا أمر يجب تقريره قبل كل شيء لما نستطيع أن ندرك به، فيما بعد، ~~ما السبب في أن مختلف عناصر الحضارة كان عرضة لتحولات متفاوتة بانتقاله من عرق إلى ~~آخر. # ولنا في المصريين والرومان من أمم القرون القديمة عدة أمثلة بارزة على ذلك التفاوت في ~~نشوء مختلف عناصر الحضارة، حتى في مختلف الفروع التي يتألف منها كل واحد من هذه ~~العناصر. # وانظر إلى المصريين، قبل كل شيء، تر الآداب عندهم ضعيفة جدا في كل وقت، وتر فن ~~التصوير عندهم هزيلا جدا، وتر فن البناء وصنع التماثيل أسفر عندهم عن أنفس الآثار، ~~فلا تزال مبانيهم تثير إعجابنا، ويصلح ما تركوه لنا من التماثيل؛ كتماثيل الكاتب وشيخ ~~البلد وراحوتب ونفرت آرى وغير ذلك، أن يتخذ نماذج حتى في زماننا، وما استطاع ~~الأغارقة أن يجاوزوا مستوى تلك التماثيل إلا لوقت قصير. # وبجانب المصريين نذكر الرومان الذين مثلوا دورا كبيرا في التاريخ، والرومان لم ~~يكن ليعوزهم المربون ولا النماذج ما وجد المصريون والأغارقة خلفهم، والرومان لم ~~يستطيعوا أن يبتدعوا فنا خاصا بهم مع ذلك، ومن المحتمل أنك لا تبصر أمة أبدت من قلة ~~الإبداع ما أبداه الرومان في منتجاتهم الفنية، والرومان كانوا لا يبالون بالفنون إلا ~~قليلا، والرومان كانوا لا ينظرون إلى الفنون إلا من جهة النفع فلا يرونها إلا ضربا من ~~سلع الاستيراد المشابهة للمحاصيل الأخرى كالمعادن والعطور والأبازير التي كانوا ~~يلتمسونها من الأمم الأجنبية، والرومان على ما اتفق لهم من سيادة العالم لم يكن لهم فن ~~قومي، حتى إنهم في ms040 دور السلم العام لم يؤد ثراؤهم واحتياجهم إلى النفائس إلى غير نمو ~~قليل في مشاعرهم الفنية، فكانوا يطلبون النماذج والمتفننين من الأغارقة، وما كان تاريخ ~~فن البناء والنحت لدى الرومان غير فصل تال لتاريخ العمارة والحفر عند الأغارقة. # بيد أن أمة الرومان العظيمة، المتأخرة في الفنون كثيرا، أوجبت نهوض ثلاثة عناصر أخرى ~~من عناصر الحضارة؛ فقد كان عندها من النظم الحربية ما سيطرت به على العالم، وكان ~~لديها من النظم السياسية والقضائية ما لا نزال نسير على غراره حتى اليوم، وكان لها ~~من الآداب المبتكرة ما استوحيناه في قرون كثيرة. # إذن، نرى تفاوتا يقف النظر في نشوء عناصر الحضارة لدى أمتين لا جدال في سمو ~~ثقافتهما، ونستطيع أن نبصر الأغاليط التي نكون عرضة لها عندما نقتصر على اتخاذ عنصر ~~واحد مقياسا كالفنون مثلا، وها نحن أولاء قد وجدنا الفنون لدى المصريين مبتكرة ممتازة ~~إلى الغاية مع استثناء التصوير، ووجدنا الآداب لديهم هزيلة، وها نحن أولاء وجدنا الفنون ~~عند الرومان هزيلة عاطلة من أي إبداع كان، ووجدنا الآداب عندهم رائعة، ووجدنا النظم ~~السياسية والحربية عندهم من الطراز الأول. # والأغارقة أنفسهم، وهم من الأمم التي أبدت من التفوق في مختلف الفروع ما لم يبده ~~غيرها، يمكن الاستشهاد بهم لإثبات فقدان المطابقة بين نمو مختلف عناصر الحضارة، وبيان ~~الأمر أن آدابهم في العصر الأوميري كانت ساطعة إلى الغاية ما دام الناس لا يزالون ~~يعدون أغاني أوميرس نماذج قضي على الشبيبة الجامعية بأوربة بأن تشبع منها منذ ~~قرون، وأن الحفريات الأثرية الحديثة أثبتت كون فن العمارة وفن النحت لدى الأغارقة في ~~العصر الأوميري على جانب كبير من الغلظة ما تألفا من تقليد مشوه لمصر وآشور. # والهندوس، على الخصوص، هم الذين يتخذون دليلا على ما في نشوء مختلف عناصر الحضارة ~~من تفاوت، والهندوس لم تفقهم أمة في فن العمارة إلا قليلا، والهندوس، من الناحية ~~الفلسفية، بلغوا من عمق التأمل درجة لم يصل إليها الفكر الأوربي إلا في زمن حديث جدا، ~~والهندوس أنتجوا في الآداب قطعا ms041 تقضي بالعجب وإن لم يساووا الأغارقة واللاتين في ~~ذلك، والهندوس ظلوا متأخرين في صنع التماثيل وبقوا دون الأغارقة بمراحل، والهندوس ظهروا ~~صفرا من العلوم والمعارف التاريخية ومن الدقة ما لا تبصره عند أية أمة أخرى، والهندوس ~~لم تكن علومهم سوى تأملات طفلية، ولم تكن كتب تاريخهم غير أساطير صبيانية عاطلة من ~~أي توقيت، ومن أي حادث صحيح على ما يحتمل، وهنا أيضا ترى أن دراسة الفنون وحدها لا ~~تكفي لتبين مستوى الحضارة عند هؤلاء القوم. # ويمكن سرد كثير من الأمثلة دعما لهذه القضية، ومن ذلك أن هنالك عروقا لم تبلغ قط ~~أعلى درجة، فاستطاعت أن تبدع فنا خاصا غير ذي صلة ظاهرة بالفنون التي ظهرت قبله، ~~شأن العرب الذين استولوا على العالم اليوناني الروماني القديم فحولوا فن العمارة ~~البزنطي الذي انتحلوه في بدء الأمر حتى غدا من المستحيل أن يعرف المثال الذي استوحوه ~~لو لم تكن أمامنا سلسلة المباني التي تخللته. # ويمكن أمة أن تبتدع حضارة رفيعة وإن لم تكن ذات استعداد فني أو أدبي، وذلك كما اتفق ~~للفنيقيين الذين لم يكن لهم من التفوق غير حذقهم التجاري، وبالفنيقيين تمدن العالم ~~القديم لما كان من جعلهم بعض أقسامه يتصل ببعض، ولم ينتج هؤلاء الفنيقيون شيئا ~~تقريبا، ولم يكن تاريخهم غير تاريخ تجارتهم. # ثم إن هنالك أمما ظلت جميع عناصر الحضارة متأخرة عندها خلا الفنون، وذلك كما اتفق ~~للمغول الذين شادوا مباني في بلاد الهند لا تجد فيها أثرا من الطراز الهندي، وهذه ~~المباني هي من الروعة بحيث عد متفننون ماهرون بعضها من أجمل ما صنعته يد الإنسان، ~~ويصعب عد المغول من العروق العليا مع ذلك. # على أنه يلاحظ، حتى لدى أكثر الأمم حضارة، أن أعلى درجة في نشوئها الفني لم تكن في ~~زمن بلوغ حضارتها أعلى مراتبها، فارجع البصر إلى المصريين والهندوس تجد أن أكمل ~~مبانيهم هو أقدمها على العموم، وارجع البصر إلى أوربة تجد أن فنها القوطي الرائع، ~~الذي لم يعدله عجيب الآثار قط، ازدهر في القرون الوسطى التي ms042 ينظر إليها كدور شبه ~~متوحش. # ومن المتعذر، إذن، أن يحكم في مستوى الأمة برقي فنونها فقط، فالفنون ليست غير عنصر ~~واحد من عناصر حضارة الأمة كما قلت غير مرة، ولم يقم دليل على أن هذا العنصر والآداب ~~أعلى العناصر، وبالعكس تكون الآثار الفنية، في الغالب، أضعف الآثار لدى الأمم البالغة ~~ذروة الرقي المادي؛ كالرومان في القرون القديمة والأمريكيين في الوقت الحاضر، وفي ~~الغالب أيضا - وذلك كما قلناه منذ هنيهة - تبدع الأمم في أجيالها شبه المتوحشة ~~أنفس آثارها الأدبية وأنفس آثارها الفنية على الخصوص، والذى يلوح هو أن دور تجلي ~~شخصية الأمة في الفنون هو دور تفتح طفولتها أو فنونها لا دور نضجها، وإذا نظرنا ~~إلى مناحي العالم الجديد النفعية التي نبصر فجرها وجدنا شأن الفنون لا يكاد يكون ~~باديا فيها، وأمكننا أن نبصر اليوم الذي تصنف فيه هذه الفنون بين مظاهر الحضارة ~~الثانوية إن لم تعد من أدنى مظاهرها. # وهنالك عدة أسباب تحول دون سير الفنون في تطورها سيرا موازيا لتقدم عناصر الحضارة ~~الأخرى ومؤديا إلى الاطلاع على حال هذه الحضارة دائما، وسواء علينا أنظرنا إلى مصر ~~أم إلى الإغريق أم إلى مختلف أمم أوربة لم نر سوى سنة عامة واحدة؛ وهي: أن الحضارة ~~عندما تبلغ مستوى معينا؛ أي حينما تظهر بعض الآثار النفيسة، يبدو دور من الانحطاط في ~~الفنون مستقل عن سير عناصر الحضارة الأخرى، وطور الانحطاط في الفنون هذا يبقى إلى ~~الزمن الذي يدخل فيه انقلاب سياسي أو غزو أجنبي أو اعتناق معتقد جديد أو أي ~~عامل آخر عناصر جديدة إلى الفن، وذلك كما وقع في القرون الوسطى حين أسفرت الحروب ~~الصليبية عن جلب معارف وأفكار جديدة قفزت بالفنون إلى الأمام، فنشأ عن ذلك تحويل ~~الطراز الروماني إلى الطراز القوطي؛ وذلك كما وقع بعد بضعة قرون حين أوجبت النهضة ~~تحويل الفن القوطي؛ وذلك كما وقع في بلاد الهند حين أدت المغازي الإسلامية إلى تغيير ~~الفن الهندوسي تغييرا تاما. # وإذا كانت الفنون - كما نلاحظ أيضا - تعبر بوجه عام عن ms043 بعض ضرورات الحضارة، وكانت ~~تلائم بعض المشاعر، فإنها مقضي عليها بأن تعاني من التحولات ما يلائم هذه الضرورات، ~~كما أنها محكوم عليها بالزوال تماما عند تحول الضرورات أو المشاعر التي أوجبت حدوثها ~~أو زوال هذه الضرورات، ولا يدل هذا على أن الحضارة تكون في دور الانحطاط إذ ذاك، وهنا ~~أيضا نلمس فقدان الموازاة بين تطور الفنون وتطور عناصر الحضارة الأخرى، وما تقدمت ~~الحضارة في أي دور من أدوار التاريخ كتقدمها الآن، وما كانت الفنون أكثر ابتذالا وأقل ~~شخصية مما هي عليه اليوم على ما يحتمل، وبيان ذلك أن غياب المعتقدات الدينية والأفكار ~~والاحتياجات، التي تجعل من الفن عنصرا جوهريا من عناصر الحضارة في الدور الذي كانت ~~المعابد والقصور فيه محاريب لها، أسفر عن صير الفن أمرا ثانويا؛ أي موضوع تسلية ~~يتعذر تخصيص وقت كبير ومال كثير من أجله، وإذ صار الفن أمرا غير ضروري فإنه لا يكون ~~إلا مصنوعا أو أثر تقليد، واليوم لا ترى أمة ذات فن قومي، وكل أمة تركن اليوم إلى نسخ ~~ما كان في غابر الأدوار نسخا موفقا أو غير موفق سواء أكان ذلك في فن العمارة أم في ~~فن النحت. # نعم، إن فن العمارة وفن النحت وليدا احتياجات وأهواء لا ريب، ولكن من الواضح أنهما لا ~~يعبران عن أفكارنا الحديثة، ومما يثير عجبي ما كان يأتي به متفننونا في القرون الوسطى ~~من الآثار الساذجة حين كانوا يصورون القديسين ويسوع والجنات وجهنم، حين كانوا ~~يصورون أمورا أساسية في ذلك الزمن، أمورا كانت تعد أغراض الحياة الرئيسة آنئذ، ~~بيد أن المصورين الذين أصبحوا عاطلين من تلك المعتقدات، إذا ما ستروا جدرنا بالأساطير ~~الابتدائية أو بالرموز الصبيانية محاولين الرجوع إلى فن زمن آخر، لم يكونوا قد صنعوا ~~بذلك غير تقليد هزيل لصور لا فائدة منها للحاضر وتكون عرضة للازدراء في ~~المستقبل. # والفنون الحقيقية الوحيدة، والفنون الوحيدة التي تعبر عن دور ما، هي التي يعرض ~~بها المتفنن ما يشعر به وما يراه بدلا من اقتصاره على تقليد أشكال تلائم ms044 ما لا وجود له ~~في الساعة الحاضرة من الاحتياجات أو المعتقدات، وما في أيامنا من تصوير صادق وحيد يقوم ~~على نقل الأشياء التي تحيط بنا، وما في أيامنا من فن عمارة صادق أيضا هو شيد ~~بيت ذي طبقات خمس، وإنشاء قنطرة، وإقامة محطة لخط حديدي، ويلائم هذا الفن النفعي ~~احتياجات حضاراتنا وأفكارها، وهذا الفن هو من مميزات هذا الدور كما كان الفن الذي ~~شيدت به الكنيسة القوطية والقصر الإقطاعي من مميزات الماضي، وسيكون للفنادق العصرية ~~الكبرى وللكنائس القوطية القديمة فائدة متساوية عند عالم الآثار في المستقبل؛ لما ~~ستعدان به صفحات متعاقبة لتلك الكتب الحجرية التي يتركها كل عصر خلفه، على حين ~~يزدري هذا العالم ما يأتي به المتفننون المعاصرون تقليدا من الآثار الهزيلة؛ لأنه ليس ~~من الوثائق المفيدة. # وكل فن يلخص ما لأحد الأدوار وأحد العروق من المثل الأعلى، ولما بين الأدوار، وكذلك ~~العروق، من اختلاف وجب اختلاف المثل الأعلى باستمرار، وإذا ما نظرت إلى المثل ~~العليا من الناحية الفلسفية وجدتها متساوية، وسبب هذا التساوي هو في كونها ليست سوى ~~رموز مؤقتة. # إذن، تمثل الفنون المظهر الخارجي لروح الأمة التي ابتدعتها كما تمثلها جميع ~~عناصر الحضارة الأخرى، غير أن الفنون هي - كما قلت غير مرة - بعيدة من أن تكون أصدق ~~مظهر لروح الأمم. # وكان البرهان ضروريا؛ وذلك لأن أهمية أحد عناصر الحضارة هي مقياس لقدرة الأمة على ~~تحويل العنصر عندما تقتبسه من أمة أجنبية، وإذا ما تجلت شخصية الأمة، مثلا، في ~~الفنون على الخصوص، فإنها لا تنقل النماذج المستوردة من غير أن تطبعها بطابعها الخاص، ~~وهي، بالعكس، لا تحول العناصر التي لا تعبر عن عبقريتها غير تحويل قليل؛ ومن ذلك أن ~~الرومان حينما انتحلوا فن عمارة الأغارقة لم يحولوه تحويلا أساسيا؛ لعدم تجلي ~~روحهم في المباني. # ومع ذلك فإنه لا مناص للفن من معاناة تأثير البيئة في قليل قرون، ومن أن يكون على ~~الرغم منه تقريبا عنوان العرق الذي انتحله حتى عند مثل تلك الأمة العاطلة من فن عمارة ~~خاص، ms045 والمضطرة إلى البحث عن نماذجها ومتفننيها في الخارج، ولا ريب في أن المعابد ~~والقصور وأقواس النصر والنقوش البارزة في رومة القديمة هي من صنع الأغارقة أو من صنع ~~تلاميذ الأغارقة، غير أن سمة هذه المباني وغايتها وزخارفها، وسعتها أيضا، لا تثير ~~فينا ذكريات العبقرية الأثنية الشعرية اللطيفة، بل تثير فينا فكر القوة والتغلب ~~والروح الحربية الذي كان يقيم رومة ويقعدها، وهكذا ترى أن العرق، حتى في الميدان الذي ~~لا تبدو فيه شخصيته كثيرا، لا يخطو خطوة من غير أن يترك أثرا خاصا به فينم هذا ~~الأثر على شيء من مزاجه النفسي وفكره الباطني. # وبيان ذلك أن المتفنن الحقيقي، معماريا كان أو أديبا أو شاعرا، ذو ملكة سحرية ~~يعبر بها في تراكيبه عن روح أحد العروق أو أحد الأزمان، وإذ كان المتفننون كثيري ~~الانفعال، غزيري اللاشعور، مفكرين بالصور على الخصوص، قليلي التعقل؛ فإنهم يكونون في ~~بعض الأدوار مرايا صادقة للمجتمع الذي يعيشون فيه، فتكون آثارهم أصح الوثائق التي ~~يستند إليها في تصوير إحدى الحضارات، وهم يظلون من كثرة اللاشعور بحيث يبدون صادقين ~~شديدي التأثر بالبيئة التي تحيط بهم فيعبرون بإخلاص عن الأفكار والمشاعر والاحتياجات ~~والمناحي، وليس لدى المتفننين حرية، وفي هذا سر قوتهم، والمتفننون مسجونون في شبكة من ~~التقاليد والأفكار والمعتقدات التي يتألف من مجموعها روح أحد العروق وأحد الأزمنة؛ أي ~~مسجونون في تراث من المشاعر والآراء والإلهامات العظيمة التأثير فيهم؛ لسيطرتها على ~~مناطقهم اللاشعورية الغامضة حيث تنضج أعمالهم، ولو لم تكن هذه الآثار لدينا لاقتصرت ~~معارفنا بالقرون الغابرة على ما جاء في الأقاصيص السخيفة، وعلى ما ورد في كتب التاريخ ~~من تلفيق مصنوع، ولغدا ماضي كل أمة بذلك أمرا خافيا علينا تقريبا كأمر هذه الأطلنتيد ~~الحافلة بالأسرار والتي غمرتها الأمواج فتكلم عنها أفلاطون. # إذن، مزية الأثر الفني الصحيح هي في التعبير بإخلاص عن احتياجات الزمن الذي ~~ولد فيه وعن أفكاره، ولا تزال الآثار الفنية؛ ولا سيما المباني، أبلغ من جميع اللغات ~~التي تخبرنا بالماضي، وتلك الآثار هي أصدق من الكتب ms046 وأقل تصنعا من الديانات ~~واللغات، وهي تعبر عن المشاعر والاحتياجات معا، والبناء هو المنشئ لمنزل الإنسان ~~وبيت الآلهة، والواقع هو أن في سواء المعبد والدار تنضج الأسباب الأولى للحوادث التي ~~يتألف التاريخ منها. # ومن الملاحظات السابقة يمكننا أن نستنتج أن العناصر المختلفة التي تتألف منها الحضارة ~~إذ كانت عنوان روح الأمة التي ابتدعها يعبر بعض هذه العناصر الذي يتغير بحسب العروق، ~~ويتغير بحسب الأزمنة أيضا، عن روح العرق أحسن من سواه. # ولكن طبيعة هذه العناصر، إذ كانت تختلف بين أمة وأمة وبين دور ودور، لا نجد منها ~~عنصرا واحدا يصلح أن يكون مقياسا عاما لتقدير مستوى مختلف الحضارات. # ومن المستحيل، أيضا، أن نصنف هذه العناصر تصنيفا مرتبا؛ وذلك لأن أهمية هذه ~~العناصر إذ كانت تختلف باختلاف الأدوار فإن التصنيف يختلف بين قرن وقرن. # وإذا ما قدرت عناصر الحضارة المختلفة من حيث المنفعة الصرفة أمكننا أن نقول إن أهم ~~عناصر الحضارة هو الذي يؤدي إلى تعبيد أمة للأمم الأخرى؛ أي إن أهم عناصر الحضارة هو ~~النظام الحربي، ولكنه يجب إذ ذاك أن نضع مرتبة الأغارقة المتفننين والفلاسفة والأدباء ~~تحت كتائب رومة الشديدة الوطأة، وأن نضع مرتبة المصريين الحكماء والعلماء تحت شباه ~~البرابرة الفرس، وأن نضع مرتبة الهندوس تحت أنصاف البرابرة المغول. # ولا يكترث التاريخ لتلك التقسيمات أبدا، ولا يخر التاريخ راكعا إلا أمام ~~المزية الحربية وحدها، غير أن المزية الحربية لا تصاحب مزية مقابلة لها في عناصر ~~الحضارة الأخرى إلا نادرا، أو أنها لا تدع هذه المزية بجانبها لطويل زمن، ومن المؤسف ~~أن كانت المزية الحربية لا تضعف لدى أمة من غير أن يقضى على هذه الأمة بالزوال في أقرب ~~وقت، والأمم حينما تصل إلى ذروة حضارتها تترك مكانها، دائما، لمن هم دونها ذكاء من ~~البرابرة، ولكن مع حيازة هؤلاء البرابرة لما تؤدي الحضارات الرفيعة إلى تقويضه من بعض ~~الصفات الخلقية والقيمة الحربية. # إذن، لا بد من الانتهاء إلى النتيجة المحزنة القائلة إن ما في الحضارات من العناصر ~~الدنيا فلسفيا هو ms047 أهم العناصر اجتماعيا، وإذا كانت سنن الماضي سننا للمستقبل ~~أمكننا أن نقول إن أسوأ حال تصاب بها أمة هو أن تبلغ هذه الأمة درجة عالية من الذكاء ~~والثقافة، فالأمم تهلك عندما تأخذ الصفات الخلقية التي هي لحمة روحها في الفساد، وهذه ~~الصفات تفسد عندما تسمو حضارة هذه الأمة وذكاؤها. # الفصل الثاني # | كيف تتحول النظم والديانات واللغات # بينا في مكان آخر أنه يستحيل على العروق العليا أن تفرض حضارتها على العروق ~~المتأخرة أو تحمل هذه العروق على اعتناق تلك الحضارة، ونحن حينما تناولنا أقوى ما ~~لدى الأوربيين من وسائل التأثير، كالتربية والنظم والمعتقدات، أثبتنا عدم كفاية هذه ~~الوسائل لتغيير الحال الاجتماعية في الأمم المتأخرة، ومما حاولنا صنعه هو بياننا أن ~~جميع عناصر إحدى الحضارات تلائم مزاجا نفسيا معينا نشأ عن وراثة طويلة فغدا من ~~المتعذر تغيير هذه العناصر من غير أن يغير المزاج النفسي الذي تشتق منه، والقرون ~~وحدها، لا الفاتحون، هي التي تستطيع إنجاز مثل هذا العمل. ومما بيناه أيضا أن إحدى ~~الأمم تصعد في سلم الحضارة ببطء وعلى سلسلة من المراحل كالتي جاوزها هادمو الحضارة ~~اليونانية الرومانية من البرابرة، ومن يحاول بالتربية أن يجنب الأمة هذه المراحل ~~فإنما يربك مزاجها النفسي ويسوقها في نهاية الأمر إلى مستوى أدنى من المستوى الذي كانت ~~تصل إليه لو تركت وشأنها. # وهذه البرهنة التي تطبق على العروق الدنيا تطبق على العروق العليا أيضا، وإذا ~~كانت المبادئ المعروضة في هذا الكتاب صحيحة علمنا أن العروق العليا لا تستطيع كذلك أن ~~تحول حضارتها بغتة، بل لا بد من مرور زمن طويل ومجاوزة مراحل كثيرة لبلوغ ذلك، وإذا ~~ما ظهر اعتناق أمم عالية في بعض الأحيان لمعتقدات ونظم ولغات وفنون تختلف عما عند ~~أجدادها لم يكن ذلك بالحقيقة إلا بعد تحويل هذه العناصر تحويلا بطيئا عميقا ملائما ~~لمزاج تلك الأمم النفسي. # ويلوح أن التاريخ في كل صفحة من صفحاته يناقض ما عرضناه آنفا، وما أكثر ما ترى في ~~التاريخ من أمم تغير عناصر حضارتها وتعتنق أديانا ms048 جديدة وتنتحل لغات جديدة وتتخذ ~~نظما جديدة، وفي التاريخ أمم تترك معتقداتها المتأصلة لتعتنق النصرانية أو ~~البدهية (البوذية) أو الإسلام، وفي التاريخ أمم تغير نظمها وفنونها تغييرا ~~أساسيا، وفي التاريخ يبدو أن فاتحا أو رسولا أو هوسا يكفي لإتيان مثل تلك ~~التحويلات بسهولة. # غير أن التاريخ حينما يعرض علينا قصة تلك الثورة المفاجئة لا يصنع سوى إنجاز عمل من ~~أعماله المعتادة، وهو اختلاق الأغاليط ونشرها، ونحن حينما ندرس تلك التحولات عن كثب ~~لا نعتم أن نرى أن أسماء الأشياء هي التي تتغير، على حين نبصر أن الحقائق التي تستتر ~~خلف الألفاظ تداوم على الحياة ولا تتحول إلا بأقصى البطوء. # ونحن، لكي نثبت ذلك، ولكي نبين في الوقت نفسه كيف يتم تطور الأمم البطيء، نرى أن ~~ندرس عناصر كل حضارة لدى مختلف الأمم؛ أي أن نجدد تاريخ هذه الأمم، وقد حاولت هذا ~~العمل الشاق في عدة مجلدات، فلا أفكر في العودة إليه هنا، وإنني حينما أغضي عن العناصر ~~الكثيرة التي تتألف منها إحدى الحضارات أختار أحدها مثالا؛ أي أختار الفنون. # وقبل أن أبدأ في فصل خاص بدراسة التطور الذي يعتور الفنون عند انتقالها من أمة إلى ~~أخرى أقول بضع كلمات عن التحولات التي يعانيها مختلف عناصر الحضارة؛ وذلك لأثبت أن ~~السنن التي تطبق على عنصر من هذه العناصر تطبق على جميعها، وأن فنون الأمم إذا كانت ~~ذات نسب بمزاج هذه الأمم النفسي فإن اللغات والنظم والمعتقدات وما إليها ذات نسب ~~بهذا المزاج أيضا؛ أي إنها لا تتغير ولا تنتقل من أمة إلى أخرى من فورها. # 1 # وقد تظهر هذه النظرية غريبة في أمر المعتقدات الدينية على الخصوص، وفي تاريخ ~~المعتقدات تجد أحسن الأمثلة لإثباتنا أنه يتعذر على الأمة أن تغير عناصر حضارتها ~~فجأة كما يتعذر على الشخص أن يغير قامته أو لون عيونه. # أجل، لا رجل يجهل أن جميع الديانات العظيمة؛ كالبرهمية والبدهية والنصرانية ~~والإسلام، أسفرت عن دخول الناس أفواجا فيما يلوح أنه اعتنقها من عروق بأسرها، ولكن ~~المرء إذا ما ms049 أوغل قليلا في دراسة ذلك لم يلبث أن يبصر أن الذي غيرته الأمم ~~على الخصوص هو اسم دينها القديم نفسه، وفي الحقيقة أن المعتقدات المنتحلة عانت من ~~التحولات الضرورية ما تكون به ذات صلة بالمعتقدات القديمة التي حلت محلها والتي لم تكن ~~غير إدامة لها. # وما تخضع له المعتقدات من تحول عند انتقالها من أمة إلى أخرى هو من الشدة في الغالب ~~ما يكون به الدين المنتحل حديثا غير ذي نسب واضح بالمعتقد الذي احتفظ باسمه، ولنا ~~أحسن مثال بالبدهية التي صارت دينا مشوها بعد انتقالها إلى الصين فإلى اليابان، ~~والحق أن العلماء عدوا البدهية دينا مستقلا أول وهلة فلم يعترفوا، إلا بعد زمن ~~طويل، بأنها دين حوله العرق الذي اعتنقه، والحق أن البدهية الصينية ليست بدهية ~~الهند، وأن بدهية الهند نفسها تختلف عن بدهية نيپال، وأن بدهية نيپال تبتعد عن ~~بدهية سيلان، ولم تكن البدهية في الهند سوى دين منفصل عن البرهمية التي ~~ظهرت قبلها والتي لا تختلف عنها إلا قليلا، ولم تكن البدهية في الصين أيضا سوى دين ~~منفصل عن المعتقدات السابقة التي تتصل بها اتصالا وثيقا. # وذلك المبدأ الثابت في أمر البدهية ثابت في أمر البرهمية أيضا، وبيان ذلك: أن ~~عروق الهند إذا كانت شديدة الاختلاف فإن من السهل أن يفترض لها وجود معتقدات دينية ~~شديدة الاختلاف مسماة بأسماء واحدة، وأن جميع الأمم البرهمية تعد وشنو وشيوا ~~أهم آلهتها، كما تعد الويدا كتبها المقدسة، وأن هذين الإلهين الرئيسين لم يتركا في ~~الديانة سوى اسميهما، وأن تلك الكتب المقدسة لم تترك سوى نصوصها، وأنك تجد بجانب ذلك ما ~~لا يحصيه عد من العبادات التي تنم على أشد المعتقدات اختلافا؛ كالتوحيد والإشراك ~~والوثنية ووحدة الوجود وعبادة الأجداد والعفاريت والحيوانات إلخ، وأنك إذا لم تحكم في ~~أمر عبادات الهند بغير ما جاء في كتب الويدا لم يكن لديك أقل فكر عن الآلهة التي تسود ~~شبه جزيرة الهند الواسعة وعن معتقداتها. نعم، إن جميع البراهمة يقدسون عنوان الكتب ~~المقدسة، بيد أنه ms050 لم يبق على العموم شيء من الديانة التي تقول بها هذه الكتب. # وعلى ما في التوحيد الإسلامي من بساطة لم يشذ الإسلام عن هذه السنة، فترى فرقا ~~بعيدا بين الإسلام في بلاد الفرس، وبينه في جزيرة العرب، وبينه في الهند، وقد وجدت ~~بلاد الإشراك، الهند، وسيلة في جعلها أكثر المعتقدات توحيدا معتقد إشراك، فعاد ~~محمد وأولياء الإسلام يكونون آلهة جديدة مضافة إلى ألف إله آخرين؛ حتى إن الإسلام في ~~الهند لم يوفق للمساواة بين جميع الناس مع أن المساواة كانت من أسباب فوزه في أماكن ~~أخرى، فترى المسلمين في الهند يطبقون نظام الطبقات كما يصنع الهندوس، وقد بلغ الإسلام ~~بين الدراويد في الدكن من التشويه درجة لا يمكن تمييزه بها من البرهمية مطلقا، وهو ~~لا يميز منها بغير اسم محمد والمسجد الذي يعبد فيه هذا النبي بعد أن أله. # ولا ضرورة إلى الذهاب حتى بلاد الهند لاستجلاء التحولات العميقة التي عاناها الإسلام ~~بانتقاله من عرق إلى عرق، ولننظر فقط إلى الجزائر التي هي ممتلكتنا الكبيرة لنبصر ~~فيها عرقين شديدي الاختلاف، لنبصر فيها العرب والبربر الذين هم مسلمون أيضا؛ لنبصر ~~فيها أن الإسلام بين أولئك غيره بين هؤلاء؛ لنبصر فيها أن مبدأ تعدد الزوجات في القرآن ~~تحول إلى مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة لدى البربر، وليس الدين عند البربر غير مزيج ~~من الإسلام والوثنية القديمة التي زاولوها منذ العصور البعيدة حين كان السلطان ~~لقرطاجة. # ولم تتفلت ديانات أوربة نفسها من السنة العامة القائلة بتحول الأديان وفق روح ~~العروق التي تعتنقها، وكما في الهند ترى في أوربة أن حرفية العقائد التي أثبتتها النصوص ~~قد ظلت ثابتة، غير أن هذه النصوص صيغ لاغية يفسرها كل عرق على شاكلته. وفي أوربة ~~ترى اسم النصارى الواحد يشتمل على وثنيين حقيقيين؛ كابن بريتانية الدنيا الذي يعبد ~~الأصنام، وكالإسپاني الذي يعبد التمائم، وترى ذلك الاسم يشتمل على مشركين؛ كالإيطالي ~~الذي يقدس صور العذراء في كل قرية كما يقدس مختلف الآلهة. ونحن إذا ما أوغلنا في ~~البحث سهل ms051 علينا أن نثبت أن الانفصال العظيم الذي أسفرت عنه ثورة الإصلاح الديني كان ~~نتيجة لازمة لتفسير كتاب ديني واحد من قبل عروق مختلفة، فكانت شعوب الشمال تهدف إلى ~~المحاجة في عقائدها وتنظيم شؤون حياتها بنفسها، وكانت شعوب الجنوب تميل إلى البقاء ~~متأخرة من ناحية الحرية والروح الفلسفية، فلا مثال أدعى إلى الإقناع من ذلك. # ولكن شرح هذه الأمور يسير بنا إلى بعيد، ولذلك ترانا مضطرين إلى قول كلمة عابرة عن ~~عنصرين أساسيين من عناصر الحضارة؛ أي كلمة خاطفة عن النظم واللغات التي يجاوز ~~البحث في جزئياتهما الفنية حدود هذا الكتاب. # إن ما صح عن المعتقدات يصح عن النظم أيضا، والنظم لا تنتقل من أمة إلى ~~أخرى من غير أن تتحول، وإذ إنني راغب عن الإكثار من الأمثلة فإنني أرجو من القارئ أن ~~يبصر فقط درجة تغير النظم الواحدة التي تفرضها القوة أو الإقناع بحسب العروق مع ~~بقائها مسماة بأسماء واحدة، وسأبين ذلك في فصل آت عند الكلام عن مختلف البلدان ~~الأمريكية. # وفي الحقيقة أن النظم نتيجة ضرورات لا تؤثر فيها عزيمة جيل واحد من الناس، ~~ولكل عرق ولكل وجه من وجوه تطور هذا العرق أحوال عيش ومشاعر وأفكار وآراء ومؤثرات ~~موروثة تستلزم نظما خاصة دون سواها، ولا كبير أهمية لاسم الحكومة في ذلك، ولم ~~يقيض لأمة أن تختار من النظم ما يلوح أنه أصلحها، وإذا وقع من المصادفات النادرة ~~ما يؤدي إلى اختيار الأمة نظما صالحة فإن هذه الأمة لا تستطيع أن تحفظ هذه النظم، ~~وتتألف من الثورات الكثيرة، ومن تغيير الدساتير تغييرا متعاقبا منذ قرن، تجربة يجب ~~أن يستقر بها رأي أولياء الأمور عند ذلك الحد، ثم إنني أرى أن عقل الجماعات المعوج، ~~وفكر بعض المتعصبين الضيق هما اللذان لا يزالان يحتفظان بالرأي القائل إن التغييرات ~~الاجتماعية المهمة تتم بقوة المراسيم، والشأن المفيد الوحيد للنظم هو منحها تأييدا ~~قانونيا للتغييرات التي رضيت بها الطبائع وقبلها الرأي العام في نهاية الأمر، ~~والنظم تتبع تلك التغييرات ولكنها لا تتقدمها، وليس بالنظم ms052 ما تتغير الأخلاق ولا ~~أفكار الناس، وليس بالنظم ما تجعل الأمة متدينة أو ملحدة، وليست النظم هي التي ~~تعلم الأمة قيادة نفسها بنفسها بدلا من أن تطالب الدولة بأن تصنع لها قيودا على ~~الدوام. # ولا أسهب في الكلام عن اللغات بأكثر مما أسهبت في النظم، وإنما أقتصر على القول بأن ~~اللغة تتحول بحكم الضرورة عند انتقالها من أمة إلى أخرى، ولو أثبتت كتابة، وهذا ما ~~يجعل الفكر القائل بلغة عامة أمرا عقيما. أجل، إن الغوليين، مع كثرة عددهم، قد ~~انتحلوا اللغة اللاتينية في أقل من قرنين بعد الفتح الروماني، غير أن الغوليين لم ~~يلبثوا أن حولوا هذه اللغة على حسب احتياجاتهم، ووفق منطق روحهم الخاص، ومن هذه ~~التحولات خرجت لغتنا الفرنسية الحاضرة في آخر الأمر. # ولم يكن مختلف العروق ليتكلم بلغة واحدة طويل زمن، وقد تؤدي مصادفات الفتوح أو مصالح ~~الشعب التجارية إلى انتحال هذا الشعب لغة غير لغته الأصلية لا ريب، ولكن هذه اللغة ~~الجديدة تتحول في أجيال قليلة تحولا تاما، ويزيد هذا التحول عمقا كلما كان الذي ~~استعار تلك اللغة مختلفا عن العرق المعير لها. # ومن المحقق، على الدوام، أن نبصر لغات مختلفة في بلدان مشتملة على عروق مختلفة، ~~ولنا بالهند مثال رائع على ذلك، فشبه جزيرة الهند العظمى؛ إذ إنها معمورة بعروق كثيرة ~~مختلفة، ليس من العجيب أن يجد العلماء فيها 240 لغة، عدا احتوائها نحو ثلاثمئة لهجة، ~~وأكثر هذه اللغات انتشارا حديثة جدا ما دام زمن ظهورها لا يزيد على ثلاثمئة سنة، ~~وهذه اللغة، التي تعرف بالهندوستانية، مزيج من الفارسية والعربية اللتين كان يتكلم بها ~~الفاتحون المسلمون، ومن الهندية التي كانت أكثر اللغات انتشارا في البقاع التي استولى ~~عليها أولئك الفاتحون، ولم ينشب الغالبون والمغلوبون في الهند أن نسوا لغاتهم الأصلية ~~ليستعملوا هذه اللغة الحديثة الملائمة لاحتياجات العرق الجديد الذي هو نتيجة توالد أمم ~~مختلفة متواجهة. # ولا أزيد في الإسهاب، بل أكتفي بالدلالة على الأفكار الأساسية، ولو استطعت أن ألتزم ~~جانب التفصيل الضروري لذهبت بعيدا فقلت ms053 إن الأمم إذا ما اختلفت دلت الكلمات ~~المتقابلة عندها على طرز تفكير وشعور تبلغ من التباعد ما تبدو لغاتها معه عاطلة من ~~المترادفات فتستحيل الترجمة من إحداها إلى الأخرى. وظاهرة مثل هذه مما يدرك أمره ~~عند النظر إلى أن الكلمة الواحدة في البلد الواحد ولدى العرق الواحد تدل بعد بضعة قرون ~~على أفكار مختلفة أشد الاختلاف عما كان لها قبل ذلك. # والكلمات القديمة وحدها هي التي تدل على أفكار الناس فيما مضى، والكلمات القديمة، بعد ~~أن كانت في الأصل إشارات لأشياء حقيقية، لم يعتم معناها أن تشوه بفعل تبدل ~~الأفكار والطبائع والعادات. نعم، يداوم الناس على البرهنة بتلك الإشارات المستعملة التي ~~يصعب تغييرها، ولكنك لا تجد أية صلة بين مدلولها الماضي ومدلولها الحاضر، وأنت، إذا ما ~~رجعت البصر إلى أمم بعيدة منا كل البعد منتسبة إلى حضارات لا شبه بينها وبين ~~حضارتنا، وجدت الترجمة من لغاتها لا تسفر عن سوى ألفاظ مجردة من المعنى الحقيقي، وتثير ~~هذه الألفاظ في نفوسنا، إذن، أفكارا لا صلة بينها وبين الأفكار التي كانت تثيرها في ~~الماضي، وهذه الظاهرة تستوقف النظر، ولا سيما عند البحث في لغات الهند، وفي الهند؛ حيث ~~الأفكار مذبذبة، وحيث المنطق لا يشابه منطقنا مطلقا، لم يكن للألفاظ ذلك المعنى الدقيق ~~المقرر الذي اتفق له في أوربة بفعل القرون وبفعل مزاجنا النفسي في نهاية الأمر. وفي ~~الهند تجد كتبا كالويدا قد تعذرت ترجمتها وذهبت كل محاولة في هذا السبيل أدراج ~~الرياح، # 2 # ومن الصعب جدا أن ننفذ في فكر من نعيش معهم من الأفراد الذين نفترق ~~عنهم سنا وجنسا وتربية، ومن المتعذر على أي عالم أن ينفذ في أفكار العروق التي ~~اشتدت عليها وطأة أعفار العصور، ولا ينفع كل علم مكتسب لغير إثبات عقم مثل هذه ~~المحاولات. # وعلى ما في الأمثلة السابقة من اختصار وقلة شرح نراها تكفي لإثبات عمق ما تحدثه ~~الأمم من تحول فيما تقتبسه من عناصر الحضارة، وهذا الاقتباس يبدو عظيما في الغالب ~~لتغير الأسماء فجأة في بعض ms054 الأحيان، مع أن هذا الاقتباس ضئيل جدا على الدوام، ولا ~~يلبث العنصر المستعار أن يختلف في نهاية الأمر عن العنصر الذي قام مقامه، وذلك مع ~~القرون وبعمل الأجيال البطيء، وبما يعتوره من إضافات متعاقبة. والتاريخ، إذ يبالي ~~بالظواهر على الخصوص، لا يأبه لتلك التغيرات المتعاقبة أبدا، ونحن، حين يقول لنا ~~التاريخ، مثلا، إن أمة اعتنقت ديانة جديدة ، نتمثل من فورنا الديانة التي نعرفها ~~اليوم، لا المعتقدات التي كانت قد اعتنقت في الحقيقة، ولا بد من استبار غور تلك ~~المطابقات البطيئة لإدراك تكوينها ولمعرفة الفروق الفاصلة بين الألفاظ والحقائق. # وهكذا يتألف تاريخ الحضارات من مطابقات متعاقبة وتحولات صغيرة متراكمة، وإذا بدت ~~هذه التحولات لنا فجائية عظيمة فذلك لأننا، كما في علم الأرض، نغض البصر عن التقلبات ~~المتوسطة لنبصر التقلبات القصوى. # وفي الحقيقة أن الأمة مهما بلغت من الذكاء والمواهب فإن قدرتها على هضم عنصر جديد من ~~عناصر الحضارة تكون في كل وقت محدودة جدا. # وما كانت خليات الدماغ لتهضم في يوم واحد ما يجب لتمامه مرور عدة قرون، وما كانت ~~لتهضم في يوم واحد ما يلائم المشاعر وما يلائم احتياجات مختلف الأمزجة، وهضم كهذا لا ~~يكون إلا بمتراكمات وراثية دائمة بطيئة، ونحن، عندما نبحث في تطور الفنون لدى الأغارقة ~~الذين هم أذكى أمم القرون القديمة، نرى أن هذه الأمة تطلبت قرونا كثيرة لتخرج من نقل ~~نماذج آشور ومصر نقلا غليظا فتصل بالتدريج إلى صنع ما لا تزال البشرية تعجب به من ~~الآثار النفيسة. # وإذا عدوت بعض الأمم العريقة في القدم كالمصريين والكلدانيين وجدت جميع الأمم ~~التي تعاقبت في التاريخ لم تفعل غير هضم عناصر الحضارة التي يتألف منها تراث الماضي ~~محولة هذه العناصر وفق مزاجها النفسي، ولو لم تسطع الأمم أن تستفيد من تطور ~~الحضارات الذي تم سابقا لكان تقدم الحضارات أبطأ مما هو عليه بمراحل، ولوجب أن يبدأ ~~تاريخ مختلف الأمم بما بدئ به من قبل. وانظر إلى الحضارات التي أوجدتها مصر وكلدة منذ ~~سبعة آلاف سنة أو ثمانية آلاف ms055 سنة تجدها قد أسفرت عن ينبوع موضوعات استقت منه جميع ~~الأمم بالتتابع، وانظر إلى فنون اليونان تجدها قد نشأت عن الفنون التي ظهرت على ضفاف ~~دجلة والنيل، وانظر إلى الطراز اليوناني تجد الطراز الروماني قد صدر عنه، ثم اختلط ~~الطراز الروماني هذا بمؤثرات شرقية فاشتق منه الطراز البزنطي والطراز الرومني والطراز ~~القوطي؛ أي اشتقت منه طرز مختلفة باختلاف عبقرية الأمم التي نشأت فيها، وعلى حسب عمر ~~هذه الأمم، ولكن مع وجود أصل واحد لهذه الطرز. # وأقول مكررا: إن ما بيناه آنفا عن الفنون يطبق على جميع عناصر الحضارة من نظم ~~ولغات ومعتقدات؛ ومن ذلك أن اللغات الأوربية تشتق من لغة أصلية كان يتكلم بها في هضبة ~~آسية الوسطى، ومن ذلك أن فقهنا وليد الفقه الروماني، وأن الفقه الروماني وليد فقه ~~سابق له، ومن ذلك أن الديانة اليهودية صدرت رأسا عن المعتقدات الكلدانية، وأن الديانة ~~اليهودية اختلطت بعد ذلك بمعتقدات آرية فصارت هذه الديانة العظيمة التي تسيطر على أمم ~~الغرب منذ ألفي سنة، ولم تكن علومنا نفسها لتبلغ ما بلغته اليوم لولا عمل القرون ~~البطيء، وتبصر أعاظم مؤسسي علم الفلك الحديث، مثل كوپرنيك وكپلر ونيوتن، مرتبطين ~~في بطليموس الذي كان يرجع إلى كتبه حتى القرن الخامس عشر، وتبصر بطليموس هذا يرتبط ~~في المصريين والكلدانيين من طريق مدرسة الإسكندرية، وهكذا نبصر، على الرغم من الفراغ ~~الهائل الذي نراه في تاريخ الحضارة، تطورا بطيئا في معارفنا نرجع به من خلال ~~العصور والدول إلى فجر تلك الحضارات القديمة التي يحاول العلم الحديث في الوقت الحاضر ~~ربطها بالأزمنة الأولى حين لم يكن للبشرية تاريخ، بيد أن الينبوع إذا كان واحدا فإن ما ~~تحدثه كل أمة بحسب مزاجها النفسي من التحولات في العناصر المستعارة إقبالا وإدبارا ~~مختلف إلى الغاية، ومن هذه التحولات يتألف تاريخ الحضارات. # وفيما تقدم بينا أن العناصر الأساسية التي تتألف منها حضارة أمة ما خاصة بهذه ~~الأمة، وأن هذه العناصر نتيجة مزاجها النفسي وعنوان هذا المزاج، وأنها لا تنتقل من عرق ~~إلى آخر ms056 من غير أن تخضع لتحولات عميقة جدا، ومما رأيناه أيضا أن الذي يحجب مدى هذه ~~التحولات هو، من ناحية، الضرورة اللغوية التي تحملنا على تعيين أمور مختلفة بألفاظ ~~واحدة، وهو، من ناحية أخرى، الضرورة التاريخية التي لا تؤدي إلى غير البصر بأقصى وجوه ~~الحضارة، لا إلى وجوهها المتوسطة، ونحن حين ندرس في الفصل الآتي السنن العامة لتطور ~~الفنون يمكننا أن نثبت، بما هو أدق من ذلك، تعاقب التحولات التي تعتور عناصر الحضارة ~~الأساسية عند انتقال هذه العناصر من أمة إلى أخرى. # | هوامش # الفصل الثالث # | كيف تتحول الفنون # بحثت في الصلات التي تصل بين مزاج الأمة النفسي ونظمها ومعتقداتها ولغتها فاقتصرت ~~على بيانات موجزة في ذلك؛ وذلك لما يتطلبه إيضاح مثل هذه الموضوعات من مجلدات. # وأهون من ذلك أن نأتي بشرح بين للفنون، وأما النظام أو المعتقد فأمر مشكوك في ~~تعريفه، ذو غموض في تفسيره، ولا بد من أن يبحث في الحقائق المتغيرة في كل دور والمستترة ~~وراء التعابير الميتة، وأن يؤتى بعمل مضن من البرهنة والنقد، وصولا إلى نتائج ~~مختلف فيها من حيث النتيجة. # وبالعكس ترى الآثار الفنية، ولا سيما المباني، بينة الحد سهلة التفسير، والكتب ~~الحجرية هي أوضح الكتب، وهي التي لا تكذب مطلقا، وهي التي خصصت لها مكانا فائقا ~~في كتبي عن تاريخ حضارات الشرق لهذا السبب، ولقد كنت شديد الحذر من الوثائق الأدبية ~~لما تنطوي عليه من تضليل في الغالب ومن فائدة في النادر، والمباني لا تخدع أبدا، وهي ~~تعلم دائما، والمباني هي التي تحفظ أحسن من سواها فكر الأمم الغابرة، ومما يرثى له ~~عمى قلوب المتخصصين الذين لا يبحثون في المباني عن غير الكتابات. # والآن لندرس، إذن، كيف تعبر الفنون عن مزاج الأمة النفسي، وكيف تتحول بانتقالها من ~~حضارة إلى أخرى. # وسأقتصر في هذا البحث على الفنون الشرقية وحدها؛ وذلك لأن بيان تطور الفنون لدى مختلف ~~العروق يتطلب دخولا في جزئيات لا يحتملها صدر هذا الكتاب، وإن كان تكوين الفنون ~~الأوربية وتحولها خاضعين لسنن واحدة. # ولنبدأ ms057 بفنون مصر لنبصر الحال التي كانت عليها بانتقالها انتقالا متتابعا إلى عروق ~~ثلاثة مختلفة؛ وهي: زنوج إثيوبية، والأغارقة، والفرس. # لا ترى بين الحضارات التي ازدهرت على وجه الأرض حضارة كالحضارة المصرية عبر عنها ~~بفنونها، وقد بلغ تعبير فنون تلك الحضارة عنها من القوة والوضوح ما لم تستطع معه ~~المثل الفنية التي ظهرت على ضفاف النيل غير ملاءمة تلك الحضارة وما لم تنتحلها ~~الأمم الأخرى معه إلا بعد خضوعها لتحولات عظيمة. # خرجت الفنون المصرية، ولا سيما فن البناء المصري، من مثل عال خاص ظل شغل الأمة ~~الدائم خمسين قرنا، وكانت مصر تحلم بأن تبتدع للإنسان مسكنا خالدا تجاه حياته ~~الفانية، واحتقر العرق المصري الحياة وتملق الموت، وكان أول ما يبالي به هذا العرق ~~هو تلك الموميا الصامتة التي تتأمل تأملا أبديا بعينيها المينائيتين ~~المرصعتين في وجهها الذهبي، وذلك من أعماق منزلها الأسود، تلك الخطوط ~~الهيروغليفية الحافلة بالأسرار، وهذه الموميا، وهي في حمى من كل تدنيس في منزلها ~~المأتمي الواسع كالقصر، كانت تجد كل ما يفتنها في حياتها الدنيوية القصيرة مصورا ~~ومنقوشا على جدر الدهاليز التي لا نهاية لها. # وفن البناء المصري هو، على الخصوص، فن بناء مأتمي وديني غايته الموميا ~~والآلهة، وفي سبيل الموميا والآلهة كانت تنحت السراديب وترفع المسلات والأساطين ~~والأهرام، وفي سبيل الموميا كانت تقام التماثيل الكبيرة المفكرة على عروشها الحجرية ~~فتعلوها سيما الحلم والجلال. # وكل شيء في ذلك الفن المعماري ثابت متين ما دام الخلود غايته، ولو كان المصريون ~~الأمة الوحيدة التي عرفناها من أمم القرون القديمة لأمكننا أن نقول إن الفن هو بالحقيقة ~~أصدق دليل على روح العرق الذي أوجده. # ثم ظهرت أمم مختلفة أشد الاختلاف، ومنها أمم متأخرة؛ كالإثيوبيين، وأمم عالية؛ ~~كالأغارقة والفرس، قد اقتبست فنونها من مصر وحدها أو من مصر وآشور، ولننظر إلى ما آلت ~~إليه هذه الفنون بين أيدي تلك الأمم. # ولنرجع البصر، أولا، إلى أحط الأمم المذكورة؛ أي الإثيوبيين. # نعلم في دور متقدم من التاريخ المصري؛ أي في عهد الأسرة الرابعة والعشرين، ms058 أن أمم ~~السودان اغتنمت فرصة فوضى مصر وانحطاطها فاستولت على بعض ولاياتها فأقامت مملكة كانت ~~عاصمتها نباتة، ثم مروا محافظة على استقلالها عدة قرون. # وقد بهرت حضارة المغلوبين هذه المملكة، فحاولت هذه المملكة نسخ مباني تلك الحضارة ~~وفنونها، ولكن هذا النقل الذي نحوز نماذج له ليس إلا نقلا غليظا في الغالب، وعلة ذلك ~~أن أولئك الزنوج كانوا من البرابرة المحكوم عليهم بألا يخرجوا من البربرية لانحطاطهم ~~الدماغي، وهم لم يخرجوا من البربرية قط على ما كان من عمل المصريين على تمدينهم في عدة ~~قرون، ولا تجد في التاريخ القديم أو الحديث مثالا على ارتقاء أمة زنجية إلى مستوى ~~الحضارة، وفي كل مرة تقع فيها حضارة راقية بين أيدي العرق الزنجي اتفاقا لا تعتم ~~هذه الحضارة أن تعود إلى أطوار منحطة؛ وذلك كما حدث بإثيوبية في القرون القديمة وبهايتي ~~في أيامنا. # وهنالك عرق آخر كان من البرابرة أيضا، هنالك عرق الأغارقة المقيم بعرض آخر، ولكن من ~~البيض، فاقتبس من مصر وآشور نماذج فنونه الأولى، وفي البداءة اقتصر على نقل ممسوخ ~~أيضا، وهو قد انتهت إليه نتائج فنون تينك الحضارتين العظيمتين بواسطة الفنيقيين ~~الذين كانوا سادة الطرق البحرية بين شواطئ البحر المتوسط وبواسطة أمم آسية الصغرى التي ~~كانت سادة الطرق البرية المؤدية إلى نينوى وبابل. # وكل يعلم درجة تفوق الأغارقة على أساتذتهم، غير أن الاكتشافات الأثرية الحديثة ~~أثبتت أيضا غلظة آثارهم الأولى، ودلت على ضرورة انقضاء زمن حتى إنتاجهم نفيس الآثار ~~التي كتب بها الخلود لهم، وقد مضى الأغارقة نحو سبعة قرون في ذلك الجهد الثقيل كي ~~يبتدعوا فنا خاصا راقيا مستعينين بفن أجنبي، ولكن ما حققوه من المبتكرات في القرن ~~الأخير هو أعظم مما وصلوا إليه في جميع العصور السابقة، والحق أن أطول جهد تبذله الأمة ~~لا يكون في مجاوزة أعلى مراحل الحضارة، بل في مجاوزة مراحلها الدنيا، وتدل أقدم منتجات ~~الفن الإغريقي؛ أي نتائج كنز ميسين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، على عمل ~~ابتدائي وتقليد مشوه لأنصاب الشرق، ثم ms059 مضت ستة قرون وما فتئ الفن الإغريقي يكون ~~شرقيا، فتجد بين أپولون في تينيه وأپولون في أورخومين وبين التماثيل ~~المصرية شبها يقضي بالعجب، بيد أن التقدم يسير قدما، فلم ينقض قرن حتى انتهينا إلى ~~فيدياس وتماثيل الپارتنون العجيبة؛ أي إلى فن تخلص من أصوله الشرقية وفاق النماذج ~~التي استوحاها زمنا طويلا. # وقل مثل هذا عن فن البناء ، وإن كان تعيين مراحل تطوره أصعب من ذلك، ونحن نجهل ما يمكن ~~أن تكون قصور أبطال أوميرس حوالي القرن التاسع قبل الميلاد، ولكن ما يحدثنا عنه هذا ~~الشاعر من الجدر النحاسية والمشارف اللامعة الألوان والحيوانات الذهبية والفضية ~~الحافظة للأبواب يذكرنا في الحال بقصور الآشوريين المكسوة بصفائح برونز وبآجر ~~مطلي بالميناء والتي يحرسها ثيران منحوتة، ومهما يكن من أمر فإن مثال أقدم الأعمدة ~~الدورية الإغريقية التي يبدو أنها ترجع إلى القرن السابع مما نجده في الكرنك وبني ~~حسن، وإن في العمود اليوني عدة أجزاء مقتبسة من آشور، بيد أننا نعلم أيضا أن هذه ~~العناصر الأجنبية المنضدة قليلا في البداءة والممزوجة بعد ذلك، والمتحولة في ~~نهاية الأمر، مما نشأ عن أعمدة جديدة مختلفة عن نماذجها الأولى اختلافا كثيرا. # وتعرض علينا فارس في طرف آخر من العالم القديم انتحالا مماثلا وتطورا مشابها ~~لذلك، غير أن هذا التطور لم يبلغ غايته لما كان من وقف الفتح الأجنبي له بغتة، ولم ~~تقيض لفارس سبعة قرون كما قيض للإغريق، بل تسنى لفارس قرنان فقط لإبداع فن. ~~والعرب وحدهم هم الأمة الوحيدة التي وفقت، حتى الآن، لإبراز فن خاص في مثل ذلك ~~الزمن القصير. # ولم يبدأ تاريخ فارس قط إلا بكورش وخلفائه الذين استطاعوا أن يستولوا على بابل ومصر ~~قبل الميلاد بخمسة قرون؛ أي على مركزي الحضارة اللذين كان مجدهما ينير العالم ~~الشرقي في ذلك الحين، ولم يكن أمر الأغارقة الذين خبئ لهم أن يسيطروا على العالم ذات ~~يوم ليخطر على البال آنئذ، فغدت الإمبراطورية الفارسية مركزا للحضارة إلى الزمن الذي ~~قضي عليها فيه قبل الميلاد بثلاثة قرون من قبل ms060 الإسكندر الذي حول بذلك مركز ~~الحضارة ذلك دفعة واحدة. # وإذا لما يكن للفرس، بعد استيلائهم على مصر وبابل، فن خاص فإنهم استعاروا من هذين ~~البلدين نماذج ومتفننين، وإذا لم يدم سلطان الفرس غير قرنين لم يكن عندهم من الوقت ما ~~يحولون به هذه الفنون تحويلا أساسيا، ولكن الفرس حين انهاروا كانوا قد بدأوا ~~بتحويل تلك الفنون، ولنا في أطلال برسپوليس (إصطخر) التي لا تزال ماثلة خبر عن ~~تكوين تلك التحولات. أجل، إننا نجد خلطا هنالك لا ريب، وإن شئت فقل نجد تنضد فنون ~~مصر وآشور الممزوجة ببعض العناصر الإغريقية، غير أن عناصر جديدة تبدو هنالك، يبدو ~~هنالك، على الخصوص، العمود الإصطخري العالي الذي له تيجان ذات رأسين والذي نبصر من ~~تيجانه هذه أن الزمان لو أمهل الفرس لأبدع هذه العرق الرفيع فنا خاصا، ولو لم يبلغ ~~ما بلغه فن الأغارقة من السمو. # ولدينا دليل على ذلك فيما نلاقيه من مباني الفرس التي شيدت بعد عشرة قرون، وبيان ~~الأمر أن الأسرة الكينية التي أسقطها الإسكندر قد خلفتها الأسرة السلوقية فالأسرة ~~الأشكانية فالأسرة الساسانية التي قضى عليها العرب، وبالعرب اكتسب الفرس فن بناء ~~جديد، وما يشيده الفرس من مبان على أثر ذلك فذو طابع إبداع ثابت ناشئ عن مزج الفن ~~العربي بفن بناء الكينيين القديم المعدل بخلط مع فن الأشكانيين ذي المسحة اليونانية ~~كالأبواب الشاهقة التي تبلغ ذروة وجهة البناء، وكالآجر المطلي بالميناء، ~~وكالأقواس ذات الزاوية في أعلاها إلخ، وهذا الفن الجديد هو الفن الذي نقله المغول إلى ~~الهند محولا بعد ذلك. # وتدلنا الأمثلة السابقة على ما قد تحدثه الأمة من التحولات في فنون أمة أخرى، وذلك ~~بحسب العرق وبحسب الزمن الذي يدوم فيه نفوذها. # ويرجع الفن المستعار - كما رأينا - إلى طور منحط لدى عرق متأخر كالإثيوبيين يحمل ~~وراءه قرونا مع اتصاف بقدرة دماغية ناقصة، وقد رأينا لدى الأغارقة؛ أي لدى العرق ~~الرفيع وذي المجهود في عدة قرون، تحول الفن القديم إلى فن جديد أعلى منه تحولا تاما، ~~ولم نجد لدى عرق ms061 آخر؛ أي لدى الفرس الذين هم دون الأغارقة سموا، والذين لم يمهلهم ~~الزمن، غير حذق كبير في التركيب وبدء بالتحويل. # ولكننا إذا عدونا تلك الأمثلة التي يرجع معظمها إلى زمن بعيد وجدنا من الأمثلة ما ~~هو أحدث من تلك كثيرا، وجدنا من نماذج هذه الأمثلة ما لا يزال قائما وما يدل على ~~عظم التحولات التي يضطر العرق إلى إحداثها فيما يقتبسه من الفنون، وتلك الأمثلة تزيد ~~بروزا عند النظر إلى أمم تدين بديانة واحدة مع اختلاف أصولها، وأقصد بذلك ~~المسلمين. # فلما استولى العرب في القرن السابع على معظم العالم اليوناني الروماني القديم وأقاموا ~~إمبراطوريتهم العظمى التي لم تلبث أن امتدت من إسپانية إلى أواسط آسية مارة بجميع ~~شمال إفريقية وجدوا أنفسهم أمام فن بناء واضح المعالم، وجدوا أنفسهم أمام فن البناء ~~البزنطي، فانتحلوه على علاته في بدء الأمر، سواء أفي إسپانية أم في مصر أم في سورية، ~~وذلك في شيد مساجدهم، ولدينا برهان على ذلك الانتحال في مسجد عمر بالقدس، ومسجد عمرو ~~بالقاهرة، وفي غيرهما من المباني التي لا تزال قائمة، ولكن ذلك الانتحال لم يدم ~~طويلا؛ فقد رئي أن المباني تتحول بين قطر وقطر وبين قرن وقرن بسرعة، وفي كتابنا ~~«حضارة العرب» درسنا أمر هذه التحولات، فوجدناها بلغت من الاتساع ما لا تبصر معه أدنى ~~شبه بين بناء أقيم في بدء الفتح كمسجد عمرو بالقاهرة (724) وبناء أقيم في آخر العهد ~~العربي كمسجد قايتباي (1468)، ومما أظهرناه بشروحنا وصورنا في ذلك السفر أن ~~المباني القائمة في مختلف البلدان التي دانت لشريعة الإسلام بلغت من الاختلاف ما يتعذر ~~معه جمعها تحت اسم واحد؛ وذلك خلافا لما يمكن فعله، مثلا، في أمر المباني القوطية ~~البادية التشابه مع تنوعها. # ولا يمكن عزو تلك الفروق الأساسية في فن بناء البلدان الإسلامية إلى اختلاف المعتقدات ~~ما دام الدين واحدا، بل يعزى إلى اختلاف العروق الذي يؤثر في تطور الفنون ومصاير ~~الدول تأثيرا عميقا. # وإذا صح ذلك القول وجب علينا أن ننتظر اطلاعنا في البلد الواحد الذي ms062 تسكنه عروق ~~مختلفة على مبان متباينة أشد التباين، على الرغم من وحدة المعتقدات ووحدة السلطان ~~السياسي، وهذا ما يشاهد في الهند بالضبط. وفي الهند يسهل أن تجد من الأمثلة ما يؤيد ~~المبادئ العامة المعروضة في هذا الكتاب، فتراني أعود إليها على الدوام، ولنا في شبه ~~جزيرة الهند الكبرى أكثر كتب التاريخ إغراء وحكمة، واليوم تمثل الهند، في الحقيقة، ~~القطر الوحيد الذي يمكن بانتقال بسيط بين البقاع أن يطاف به كما يراد في غضون الزمان، ~~وأن ترى فيه ماثلة سلسلة المراحل المتعاقبة التي اضطرت البشرية إلى مجاوزتها ~~للوصول إلى مستوى الحضارة العالي، وفي الهند تشاهد جميع وجوه التطور، تشاهد فيه العصر ~~الحجري كما تشاهد فيه عصر الكهرباء والبخار، ولا تجد في مكان ما تجده في الهند من ~~العوامل العظيمة التي تهيمن على تكوين الحضارات وتطورها. # وقد حاولت، مطبقا المبادئ المشروحة في هذا الكتاب، أن أحل مسألة بحث عنها ~~منذ زمن طويل، حاولت اكتناه أصل فنون الهند، وهذا الموضوع إذ كان معروفا قليلا إلى ~~الغاية، وإذ كان ينطوي على تحقيق طريف لأفكارنا في روح العروق، نرى تلخيص أهم خطوطه ~~هنا. # 1 # لم تظهر الهند من ناحية الفنون إلا في زمن متأخر جدا من التاريخ، ولا يكاد أقدم ~~آثارها؛ كأعمدة أشوكا ومعابد كارلي وبهارت وسانچي إلخ، يعود إلى ما هو أقدم من التاريخ ~~الميلادي بقرنين، وعندما أقيمت تلك الآثار كان معظم حضارات العالم القديم المسنة؛ ~~كحضارات مصر وفارس وآشور، قد أتمت دورها فأوغلت في ليل الانحطاط، وكانت حضارة رومة ~~وحدها تحل محل الحضارات الأخرى، وكان العالم لا يعرف غير رومة سيدا. # واستطاعت الهند التي برزت من ظل التاريخ في زمن متأخر أن تقتبس، إذن، بعض العناصر من ~~الحضارات السابقة، غير أن العزلة العميقة التي قيل إن الهند كانت تعيش فيها على الدوام، ~~وأن ما في آثارها من إبداع عجيب لا قرابة ظاهرة بينه وبين جميع الآثار التي ظهرت ~~قبلها، مما أبعد، لطويل زمن، كل افتراض لأي اقتباس أجنبي فيها. # وبجانب ما في آثار ms063 الهند الأولى من إبداع لا جدال فيه نرى هذه الآثار تنم أيضا ~~على تفوق في الصنع لم يجاوز في القرون التالية. نعم، لا بد من أن تكون الآثار ~~المذكورة البالغة تلك الدرجة من الكمال قد سبقها تحسس طويل في الظلام، بيد أنك لا ~~تجد أي رسم أو أي أثر منحط ينم على ذلك التحسس. # وما حدث في بعض البقاع النائية الواقعة في شمال شبه جزيرة الهند الغربي من اكتشاف ~~جديد لبقايا من التماثيل والمباني التي تنم على المؤثرات اليونانية الظاهرة حمل ~~العلماء المشتغلين بأمور الهند على القول بأن الهند استعارت فنونها من الأغارقة. # وما كان من تطبيق للمبادئ المعروضة آنفا، ومن البحث العميق في معظم المباني التي لا ~~تزال قائمة في الهند، يسير بنا إلى حل معاكس لذلك معاكسة تامة، فعلى ما كان للهند من ~~صلة عابرة بالحضارة اليونانية نرى أن الهند لم تقتبس أي فن من فنونها، وأن الهند لم ~~تكن قادرة على استعارة ذلك، فالعرقان المتواجهان إذ كانا متباينين كثيرا، وكانت ~~أفكارهما مختلفة اختلافا كبيرا، وكانت عبقريتهما الفنية متنافية تنافيا شديدا، لم ~~يكن أحدهما ليؤثر في الآخر. # ثم إن دراسة الآثار المنثورة في الهند تدل من فورها على عدم وجود أي نسب بين فنونها ~~وبين فنون الأغارقة، وبينما ترى جميع آثارنا الأوربية مشبعة من العناصر المقتبسة ~~من الفن الإغريقي لا تجد في عناصر فنون الهند أي عنصر من ذلك الفن، ويثبت أبسط ~~المباحث أننا تجاه عروق مختلفة إلى الغاية، وأنه لم يوجد من العبقريات ما هو متباين، ~~ولا متنافر، كتباين العبقرية الإغريقية والعبقرية الهندوسية وتنافرهما. # وكلما أوغلنا في دراسة مباني الهند وروح الأمم التي أوجدتها زادت تلك المعرفة جلاء، ~~ونحن لا نعتم أن نرى أن العبقرية الهندوسية ذاتية كثيرا، فلا تتأثر بمؤثر أجنبي ~~بعيد من فكرها. أجل، يمكن هذا المؤثر الأجنبي أن يفرض فرضا، بيد أنه يظل سطحيا ~~موقتا مهما طال أمده، والذي يظهر هو أن بين مزاج مختلف عروق الهند النفسي ومزاج الأمم ~~الأخرى حواجز عالية علو ms064 الحواجز الهائلة التي جعلتها الطبيعة بين شبه جزيرة الهند ~~الكبرى وبقاع العالم الأخرى، وقد بلغت العبقرية الهندوسية من الاستقلال ما تحول به ~~في الحال كل أمر تقضي الضرورة عليها بتقليده فتجعله هندوسيا. حتى في فن البناء - حيث ~~يصعب إخفاء ما هو مستعار - تجد ذاتية العبقرية الهندوسية الغريبة وملكتها في التغيير ~~سافرتين، ومن الممكن أن يقلد المهندس المعماري عمودا إغريقيا، ولكن ذلك لا يحول ~~دون تحويله إياه بسرعة إلى عمود يبدو عند أبسط الأبحاث أنه هندوسي، ومن الواقع أن مثل ~~هذه التحويلات يشاهد اليوم في الهند حيث بلغ النفوذ الأوربي الغاية في الزمن الحاضر، ~~وأعطوا أحد متفنني الهندوس أي نموذج أوربي لينقله تجدوه منتحلا لشكله العام، ولكن مع ~~مبالغة في صنع بعض أجزائه، ومع زيادة وتبديل في دقائق زخارفه، وهذا النموذج إذا ما نقل ~~مرة ثانية أو مرة ثالثة جرد من كل مسحة غريبة ليغدو هندوسيا خالصا. # وظاهرة فن البناء الهندوسي الأساسية، وهي ظاهرة تبدو في الآداب القريبة من فن البناء ~~لهذا السبب، هي الإفراط في المبالغة والغلو في الجزئيات والتعقيد الذي يعاكس على خط ~~مستقيم بساطة الفن الإغريقي البادية الباردة، ونطلع بدراسة فنون الهند، على الخصوص، ~~على درجة ما بين آثار العرق الماثلة ومزاجه النفسي من صلة، وعلى تكون أوضح اللغات ~~منها لمن يعرف أن يفسرها، ولو كان الهندوس قد غابوا عن التاريخ غيابا تاما كما غاب ~~الآشوريون لكان في نقوش معابدهم البارزة وفي تماثيلهم ومبانيهم ما فيه الكفاية لاكتشاف ~~ماضيهم، وكانت هذه الآثار تخبرنا على الخصوص أن روح الأغارقة الجلية المنظمة لم ~~تسطع أن تؤثر تأثيرا دائما في خيال الهندوس الفياض العاطل من الترتيب، وكانت ~~هذه الآثار توضح لنا السبب في أن تأثير الأغارقة في الهند لم يبد غير عابر مقتصر ~~على البقعة التي بسط عليها سلطانه بسطا موقتا. # حتى إن الدراسة الأثرية لمباني الهند تجعلنا نوكد، بوثائق دقيقة، ما تنم عليه ~~معارف الهند العامة وروح الهندوس في الحال، وقد أدت تلك الدراسة إلى تحقيقنا الأمر ~~الطريف القائل إن ms065 ملوك الهندوس ذوي الصلات بملوك فارس الأشكانية، وقد كانت حضارة فارس ~~متأثرة بالطابع اليوناني، أرادوا إدخال الفن الإغريقي إلى الهند في مرات كثيرة، ولا ~~سيما في القرنين الأولين من الميلاد، فلم يوفقوا لإبقائه في الهند. # ولم يلبث ذلك الفن المستعار الرسمي وغير الملائم لفكر الشعب الذي أدخل إليه أن زال ~~بزوال المؤثرات السياسية التي أوجبت ظهوره، ثم إن العبقرية الهندوسية كانت تكره ذلك ~~الفن المستعار، فلم يكن ذا أثر في فن الهند القومي حتى في الزمن الذي فرض فيه، والحق ~~أنك لا تجد أثرا إغريقيا في المباني الهندوسية المعاصرة لذلك الحين أو التي شيدت ~~بعده كالمعابد المنحوتة تحت الأرض مثلا، وهذا إلى أن من السهل تمييز الأثر الإغريقي ~~فلا يمكن إنكاره، فإذا عدوت المجموع البادي الإبداع على الدوام وجدت في الحال أن ~~بعض الجزئيات الفنية، كعمل النسج، قد صنع بيد متفنن إغريقي. # وكان زوال الفن الإغريقي عن الهند مفاجئا كظهوره فيها، وتثبت هذه المفاجأة أمر ~~فن صار استيراده وفرضه رسميا من غير أن تكون بينه وبين الأمة التي حملت على ~~انتحاله أية قرابة، والفنون لا تمحي على ذلك الوجه أبدا، بل تتحول فيستعير ~~الفن الجديد من الفن الذي ورثه شيئا على الدوام. والفن الإغريقي؛ إذ جيء به إلى الهند ~~بغتة على أثر المغازي، زال من الهند بغتة، وهو لم يتفق له غير تأثير ضعيف ضعف تأثير ~~المباني الأوربية التي يشيدها الإنكليز في الهند منذ قرنين. # وما كان من عدم تأثير الفنون الأوربية العتيد في الهند، مع مرور أكثر من مئة عام على ~~ذلك السلطان المطلق، يمكن تشبيهه بقلة تأثير الفنون الإغريقية منذ ثمانية عشر قرنا، ~~ولا إنكار لما هنالك من تنافر بين مشاعر الفريقين الفنية، والدليل على ذلك ما حدث من ~~تقليد الفنون الإسلامية في جميع أنحاء شبه جزيرة الهند، مع أنها غريبة عن الهند غرب ~~الفنون الأوربية عنها، ومن النادر ألا تجد شيئا من الزخرف العربي حتى في أي معبد من ~~معابد أجزاء الهند التي لم يكن للمسلمين أي ms066 سلطان فيها. نعم، إننا نرى اليوم في ~~الهند راجوات مثل راجه غواليار أغوتهم سيطرة الأجانب، كما في عهد الملك كنيشكا ~~البعيد، فأنشأوا قصورا أوربية على الطراز اليوناني اللاتيني، غير أن هذا الفن الرسمي ~~المنضد على الفن الأهلي، كما في زمن كنيشكا، هو غير ذي تأثير في هذا الفن ~~الأهلي. # ومما تقدم ترى أن الفن الإغريقي وجد بجانب الفن الهندوسي في الماضي كما ترى الفن ~~الأوربي بجانب الفن الهندوسي في الوقت الحاضر، وذلك من غير أن يؤثر أحدهما في الآخر، ~~ولا تجد بين مباني الهند الحقيقية واحدا يمكنك أن تقول إنه يشتمل في مجموعه أو في ~~جزئياته على أي شبه قريب أو بعيد بأي واحد من مباني الأغارقة. # وعجز الفن الإغريقي عن الرسوخ في الهند أمر يستوقف النظر، ويجب عزوه إلى ذلك ~~التنافر الذي ذكرنا وجوده بين روحي ذينك العرقين، لا إلى عجز الهند الفطري عن هضم ~~الفنون الأجنبية ما دامت الهند قد عرفت كيف تهضم الفنون الملائمة لمزاجها النفسي وكيف ~~تحولها. # وما استطعنا جمعه من الوثائق الأثرية يثبت في الحقيقة كيف أن فارس حبت الهند بمصدر ~~فنونها، وليست فارس هذه هي فارس التي تأثرت بشيء من الفن اليوناني في عهد الأشكانيين، ~~بل فارس التي ورثت حضارتي آشور ومصر القديمتين، ومما نعلم أن الإسكندر عندما أسقط أسرة ~~الملوك الكينية قبل الميلاد بثلاثمئة سنة كان الفرس حائزين لحضارة ساطعة منذ قرنين، ~~والفرس هؤلاء لم يكونوا قد انتهوا إلى طراز جديد في الفنون لا ريب، غير أن مزجهم للفنون ~~المصرية والآشورية التي ورثوها أدى إلى إنتاجهم آثارا ممتازة، وذلك كما يعلم من ~~أطلال برسپوليس (إصطخر) التي لا تزال شاخصة، فهنالك ترى أن الأبواب المصرية الشاهقة ~~وثيران آشور المجنحة وبعض العناصر اليونانية دالة على تقابل جميع فنون الحضارات ~~السابقة الكبرى في تلك البقعة الآسيوية الصغيرة. # وفارس هي التي استوحتها الهند، ولكن الهند لم تستق في الحقيقة سوى فنون كلدة ~~ومصر التي كانت فارس قد اقتصرت على تقليدها. # وتنم دراسة مباني الهند على ما استعارته ms067 الهند في الأصل، بيد أن تحقيق هذه ~~الاستعارات يتطلب بحثا في أقدم تلك المباني، ومن صفات الروح الهندوسية أن تخضع ~~الاقتباسات عندها لتحولات تغدو بها غير معروفة الأصل؛ وذلك لتلائم مدارك تلك ~~الروح. # وما السبب في أن الهند التي بدت عاجزة عن اقتباس شيء من اليونان استعارت من فارس ~~بسهولة ما عن لها؟ يرجع سبب ذلك إلى أن فنون فارس ملائمة لمزاجها النفسي لا ريب، ~~على حين ترى فنون الأغارقة لا تلائم تلك الروح مطلقا، ويرجع سبب ذلك إلى أن ما في ~~المباني الإغريقية من أشكال بسيطة ووجهات قليلة الزخرف لا يناسب الروح الهندوسية، على ~~حين ترى الأشكال المركبة وفرط الزينة وغنى الزخرف في مباني فارس تغوي تلك ~~الروح. # على أن تأثير فارس بفنونها في الهند، وذلك حين تمثيل فارس لمصر وآشور، لم يقتصر ~~على ذلك الدور البعيد الذي هو أقدم من التاريخ الميلادي، فلما ظهر المسلمون بعد ذلك ~~بقرون كثيرة في شبه جزيرة الهند أشبعت حضارتهم في أثناء قطعها لفارس من العناصر ~~الفارسية، فكان ما جاءت به تلك الحضارة إلى الهند فارسيا مشربا بأثر التقاليد ~~الآشورية القديمة التي أدامها الملوك الكينيون فعدت أبواب المساجد الهائلة وما يستر ~~هذه الأبواب من الآجر المطلي بالميناء من بقايا الحضارة الكلدانية الآشورية، وقد ~~عرفت الهند أن تهضم هذه الفنون أيضا لملاءمتها عبقرية عرقها، مع أن الفن الإغريقي في ~~الماضي والفن الأوربي في الحاضر منافيان لشعورها وتفكيرها، فظلا غير مؤثرين فيها ~~على الدوام. # إذن، ترتبط الهند في مصر وآشور من طريق فارس كما نرى، لا في الإغريق كما يذهب إليه ~~بعض علماء الآثار، ولم تأخذ الهند من الإغريق شيئا، ولكن الهند والإغريق قد استقتا من ~~ينابيع واحدة، من كنز واحد هو أساس جميع الحضارات التي أنضجتها شعوب مصر وكلدة في ~~قرون كثيرة، وقد اقتبست الإغريق ذلك الكنز بواسطة الفنيقيين وأمم آسية الصغرى، وقد ~~اقتبسته الهند بواسطة فارس، وهكذا ترى أن حضارتي الإغريق والهند تردان إلى ينبوع ~~واحد، مع العلم بأن المجريين اللذين تفرعا من ms068 هذا الينبوع لم يلبثا أن اختلفا في ~~كلا البلدين اختلافا كليا وفق عبقرية كل من عرقيهما. # بيد أن الفن إذا كان ذا علاقة وثيقة بمزاج العرق النفسي كما قلنا، وإذا كان الفن الذي ~~تقتبسه عروق مختلفة يكتسب وجوها متباينة لذلك السبب، فإنه يجب علينا أن ننتظر حيازة ~~الهند التي تسكنها عروق مختلفة أشد الاختلاف فنونا متباينة وطرز بناء غير متشابهة على ~~الرغم من وحدة العقائد. # ويؤيد البحث في مباني مختلف بقاع الهند ذلك المبدأ، وما بين مباني الهند من فروق بلغ ~~من بعد الغور ما نقسمها معه بحسب البقاع؛ أي بحسب العرق، لا بحسب دين الشعوب ~~التي شادتها، وإنا لا نجد أي شبه بين مباني شمال الهند ومباني جنوبها التي أقيمت في دور ~~واحد من قبل أمم تدين بدين متماثل على الخصوص، حتى في أيام سلطان الإسلام، في ذلك ~~الدور الذي بلغت الوحدة السياسية فيه حدها، والذي وصلت السلطة المركزية فيه إلى غايتها، ~~تبصر اختلاف المباني الإسلامية الصرفة بين بقعة وبقعة اختلافا كبيرا، فلا ترى بين ~~مساجد أحمد آباد ولاهور وأغره وبيجاپور سوى نسب ضعيف، سوى نسب أقل مما بين عمارة ~~أقيمت في عصر النهضة ومباني العصر القوطي مع أن تلك المساجد خاصة بدين واحد. # وليس فن البناء وحده هو الذي يختلف في الهند بين عرق وعرق، بل تجد صنع التماثيل ~~يختلف في مختلف بقاعها أيضا؛ لا من حيث الأمثلة التي تعرض وحدها؛ بل من حيث الوجه ~~الذي تعمل به أيضا، فقابلوا تماثيل سانچي أو نقوشها البارزة بما في بهارت تجدوا ~~الفرق واضحا، مع أن ما فيهما صنع في زمن واحد تقريبا، ويشتد هذا الفرق عند المقابلة ~~بين تماثيل ولاية أوريسة ونقوشها وبين ما في بنديل كهند، أو عند المقابلة بين ~~تماثيل ميسور وما في المعابد الكبرى بجنوب الهند، وهنالك يبدو تأثير العرق في كل ~~مكان، ثم هو يبدو في أقل الأدوات الفنية، ولا أحد يجهل درجة اختلاف هذه الأدوات بين ~~ناحية وناحية من أنحاء الهند، ولا احتياج إلى كبير ms069 خبرة للتفريق بين صندوق صغير مصنوع ~~من الخشب المحفور في ميسور وصندوق صغير مصنوع من الخشب المحفور في الكجرات، كما أنه ~~لا احتياج إلى كبير خبرة للتفريق بين حلية صنعت في ساحل أوريسة وحلية صنعت في ساحل ~~بمبي. # أجل، إن فن بناء الهند فن ديني على الخصوص كفن بناء جميع الشرقيين، ولكن مهما كان ~~المؤثر الديني كبيرا في الشرق خاصة تجد التأثير العرقي أعظم منه بدرجات. # وروح العرق التي تسير مصير الأمم توجه معتقداتها ونظمها وفنونها إذن، ومهما يكن ~~عنصر الحضارة الذي نبحث عنه نجد فيه تلك الروح على الدوام، وتلك الروح هي القدرة ~~الوحيدة التي لا تغلبها قدرة، وهي تمثل وطأة الأجيال وخلاصة أفكارها. # | هوامش # الباب الثالث # | اشتقاق تاريخ الأمم من أخلاقها # الفصل الأول # | كيف تشتق النظم من روح الأمة # يمكن عد التاريخ عرضا بسيطا للنتائج الصادرة عن مزاج العروق النفسي، ويشتق ~~التاريخ من ذلك المزاج كما تشتق أعضاء التنفس في الأسماك من حياتها المائية، ويغدو ~~تطور التاريخ، بغير سابق معرفة لمزاج الأمة النفسي، خلطا من الحوادث التي لا سيد ~~لها سوى المصادفة، وعندما نعلم روح الأمة تبدو حياتها بالعكس نتيجة منتظمة مقدرة ~~لصفاتها النفسية، ونجد في جميع مظاهر العيش لدى الأمة دائما روح العرق الثابتة الناسجة ~~لمصيره الخاص دائما. # ويبدو سلطان روح العرق القاهر واضحا في النظم السياسية على الخصوص، ومن السهل إثبات ~~ذلك ببعض الأمثلة. # ولننظر إلى فرنسة قبل كل شيء، لننظر إلى هذا البلد الذي خضع لأعمق الانقلابات، هذا ~~البلد الذي يلوح أن النظم السياسية تغيرت فيه تغيرا أساسيا في سنين قليلة، هذا ~~البلد الذي تبدو الأحزاب السياسية فيه مختلفة أشد الاختلاف، ولو نظرنا من الناحية ~~النفسية إلى تلك الآراء البادية التناقض، وإلى تلك الأحزاب المتناحرة، لعلمنا أنها في ~~الحقيقة أساس مشترك فيه متماثل ممثل لهدف عرقنا الأعلى تمثيلا كاملا، ولا غرو، ~~فالمتشددون والجذريون والملكيون والاشتراكيون عندنا، وإن شئت فقل: جميع ~~المناضلين عن أشد المذاهب تباينا عندنا، يتعقبون غاية واحدة بعناوين متباينة، وتلك ~~الغاية هي ابتلاع ms070 الدولة للفرد، وكل ما يرغب فيه الجميع بحرارة واحدة هو النظام المركزي ~~القيصري القديم؛ أي الدولة الموجهة لكل شيء، والمنسقة لكل شيء، والمستغرقة لكل ~~شيء، والمنظمة لحياة أبناء الوطن في أدق جزئياتها معفية إياهم عن إبداء أي بصيص من ~~التأمل والمبادرة، وسواء أدعي السلطان الذي يكون على رأس الدولة ملكا أم قيصرا أم ~~رئيسا أم غير ذلك، وذلك السلطان مهما كان أمره، يمثل مثلا واحدا بحكم الضرورة، ~~يمثل ذلك المثل الذي يعبر عن مشاعر روح العرق، والعرق لا يطيق مثلا سواه. # وإذا كانت شدة انفعالنا، وملامتنا المتصلة ضد الحقائق الحاضرة، وفكرتنا في أن تغيير ~~الحكومة يجعلنا أوفر حظا، أمورا تحفزنا إلى تبديل نظمنا على الدوام، فإن إرادة ~~الأموات التي تقودنا تقضي علينا بألا نغير غير الألفاظ والظواهر، وقد بلغ ما في روح ~~العرق من قدرة لا شاعرة مبلغا لا نبصر به حتى الوهم الذي نذهب ضحيته. # ولا جرم أننا إذا لم ننظر إلى غير الظواهر لم نجد ما هو أكثر اختلافا بين النظام ~~القديم والنظام الذي أسفرت عنه ثورتنا الكبرى، وهذه الثورة لم تصنع مع ذلك غير إدامة ~~التقاليد الملكية من غير قصد متمة لنظام المركزية الذي بدئ به في العهد الملكي منذ ~~بضعة قرون، ولو بعث لويس الثالث عشر ولويس الرابع عشر من قبريهما ليحكما فيما ~~صنعته الثورة الفرنسية لأنحيا باللائمة - لا ريب - على القسوة التي اتخذت في سبيل ~~تحقيقه، ولكن مع عدهما إياه ملائما لتقاليدهما وبرنامجهما ومع اعترافهما بأنهما لو ~~فوضا إلى وزير تنفيذ هذا البرنامج ما كتب له نجاح أحسن مما وقع، وقد كانا يبينان ~~كيف أن أقل الحكومات التي عرفتها فرنسة ثورة هي حكومة الثورة الفرنسية، وقد كانا ~~يحققان، فضلا عن ذلك، أنه لا نظام من النظم التي تداولت فرنسة منذ قرن حاول مس ذلك ~~العمل ما دام ثمرة تطور منظم وإدامة للمثل الملكي الأعلى وعنوانا لعبقرية العرق، ~~ومما لا مراء فيه أن ذينك الطيفين الشهيرين يبديان؛ إذ ذاك، شيئا من النقد بسبب ~~تجربتهما العظيمة، فيلاحظان، ms071 على ما يحتمل، أن إقامة الطائفة الإدارية مقام الطائفة ~~الأريستوقراطية الحكومية يعني إحداثا في الدولة لسلطة لا شخصية مرهوبة أكثر من طبقة ~~الأشراف القديمة لحيازتها، وهي تتفلت من التغييرات السياسية، تقاليد وروحا طائفية ~~وعدم تبعة وديمومة؛ أي سلسلة من الأحوال التي تؤدي إلى جعلها السيد الوحيد، وأعتقد ~~أنهما لا يصران على هذا الاعتراض مع ذلك عادين الأمم اللاتينية - وهي قليلة المبالاة ~~بالحرية، كثيرة الطمع في المساواة - أنها تحتمل بسهولة ضروب الاستبداد على أن يكون ~~الاستبداد بأنواعه غير شخصي، وقد يجدان أيضا شيئا من الإفراط والطغيان في الأنظمة ~~التي لا يحصيها عد، وفي ألوف القيود التي تحيط اليوم بأدق شؤون الحياة، ومما قد ~~يذكرانه أن الدولة إذا ما ابتلعت كل شيء، ونظمت كل شيء، وجردت أبناء الوطن من كل ~~مبادرة، أصبحنا في سواء الاشتراكية من تلقاء أنفسنا ومن غير احتياج إلى ثورة جديدة، ~~ولكنهما يبصران بالنور الإلهي الذي يضيء الملوك، أو يبصران عند عدم هذا النور بالنور ~~الرياضي القائل: إن المعلولات تزيد على نسبة هندسية عند وجود العلل ذاتها، أن ~~الاشتراكية ليست سوى آخر تعبير للفكرة الملكية التي لم تكن الثورة الفرنسية غير طور ~~معجل لها. # وهكذا نجد في نظم الأمة الأحوال العرضية - التي ذكرناها في أول هذا الكتاب - ~~والسنن الدائمة التي حاولنا تحديدها، والأحوال العرضية تولد الظواهر على الخصوص، ~~والسنن الأساسية المشتقة من أخلاق الشعوب تولد مصير الأمم. # ويمكننا أن نضيف إلى المثال السابق مثال عرق آخر، مثال العرق الإنكليزي الذي يختلف ~~بمزاجه النفسي أشد الاختلاف عن عرقنا، وبهذا الأمر وحده تبتعد نظمه ابتعادا أساسيا ~~عن نظمنا. # وسواء أكان على رأس الإنكليز ملك كما في إنكلترة، أم رئيس كما في الولايات المتحدة، ~~تتصف حكومتهم، دائما، بالمميزات الأساسية الآتية؛ وهي: تقليل عمل الدولة إلى أقصى ~~حد، وزيادة عمل الأفراد إلى أبعد غاية؛ أي عكس المثل اللاتيني الأعلى، فتنشأ ~~المرافئ والقنوات والخطوط الحديدية ودور التعليم إلخ، وتدار بمبادرة الأفراد، لا ~~بمبادرة الدولة، # 1 # وما كانت الثورات أو الدساتير أو الطغاة لتمنح الأمة ms072 ما لا تملكه، أو تنزع ~~منها ما تملكه، من الصفات الخلقية التي تشتق نظمها منها، ومما كرر غير مرة أن ~~الأمم تعطى الحكومات التي تستحقها، وهل لنا أن نتصور للأمم حكومات أخرى؟ # وسنبين بمختلف الأمثلة أن الأمة لا تتفلت من نتائج مزاجها النفسي، وأنها إذا ما ~~تفلتت منها كان ذلك لوقت قصير، وذلك كالرمل الذي تثيره الزوبعة فيبدو فراره من سنن ~~الجاذبية ذات حين، ومن الوهم الخطر أن يعتقد أن الحكومات والدساتير ذات تأثير في ~~مصير الأمة، ومصير الأمة في يدها، لا في الأحوال الخارجة عنها بالحقيقة، وكل ما يمكن ~~الحكومة أن تسأل عنه هو أن تعبر عن مشاعر الأمة التي تدعى إلى الهيمنة عليها ~~وعن أفكار هذه الأمة. والحكومة هي صورة الأمة على العموم، ولا يقال عن أية حكومة، ولا ~~عن أي نظام: إنهما طيبان أو فاسدان مطلقا، ومن المحتمل أن كانت حكومة ملك الداهومي ~~صالحة للأمة التي كانت تسوسها، وقد يكون أحكم الدساتير الأوربية سيئا لهذه الأمة، ومن ~~المؤسف أن يجهل رجال الدولة ذلك فيرون أن الحكومة سلعة للتصدير، وأن من الممكن ~~حكم المستعمرات بنظم أم الوطن، وهذا يعدل محاولة إقناع السمك بالعيش في الهواء بحجة ~~أن التنفس الهوائي هو تنفس جميع الحيوانات العليا. # والأمم المختلفة لاختلاف مزاجها النفسي وحده لا تبقى تحت نظام واحد لطويل زمن، وما ~~كان الإيرلندي والإنكليزي، أو السلافي والمجري، أو العربي والفرنسي، ليخضعا لقوانين ~~واحدة إلا بأقصى الصعوبات ومتصل الثورات، ولم تكن الإمبراطوريات الكبري المشتملة على ~~أمم مختلفة لتعيش إلا عيشا موقتا على الدوام، وإذا ما كتب لتلك الإمبراطوريات الكبرى ~~بقاء طويل، كما كتب لإمبراطورية المغول ثم لإمبراطورية الإنكليز في الهند؛ فذلك لأن ~~العروق المتقابلة هي من الكثرة والتباين والتنافس بحيث لا تفكر في الاتحاد ضد الأجنبي؛ ~~وذلك لأن سادتها الأجانب لهم من الغرائز السياسية الصادقة ما يحترمون به عادات الأمم ~~المغلوبة ويدعونها تعيش به خاضعة لشرائعها الخاصة. # ولو أريد بيان جميع النتائج الصادرة عن مزاج الأمم النفسي لكتبت عدة مجلدات ولجدد ~~التاريخ ms073 بأسره، ويجب أن يكون البحث العميق في ذلك المزاج النفسي أساس السياسة والتربية، ~~ولو كانت الأمم تستطيع أن تتفلت من مقادير عرقها، ولو كان صوت الأموات المتجبر غير ~~خانق لصوت العقل، لصان الأمم ذلك البحث من أغاليط كثيرة وانقلابات غير قليلة. # | هوامش # الفصل الثاني # | تطبيق المبادئ السابقة على البحث المقارن في تطور ~~الولايات المتحدة بأمريكة والجمهوريات الإسبانية ~~الأمريكية # تثبت الملاحظات المختصرة السابقة أن نظم الأمة تعبر عن روحها، وأن الأمة إذا سهل ~~عليها أن تغير شكل هذه النظم لا تقدر على تغيير أساسها، والآن نبين بأمثلة واضحة ~~درجة سيطرة روح الأمة على مصيرها، كما نبين الشأن الضئيل الذي تمثله النظم في ذلك ~~المصير. # 1 # وإنني آخذ هذه الأمثلة من بلد تعيش فيه جنبا لجنب؛ وذلك في بيئة ذات أحوال قليلة ~~الاختلاف، عروق أوربية متماثلة في الحضارة والذكاء، غير مختلفة في سوى الأخلاق؛ أي ~~آخذها من أمريكة. وتؤلف أمريكة من قارتين يجمعهما برزخ، وتتساوى تانك القارتان مساحة ~~تقريبا، وتتشابهان ترابا تشابها كبيرا، والعرق الإنكليزي كان قد استولى على ~~إحداهما، والعرق الإسپاني كان قد استولى على الأخرى، وكلا العرقين ذو دساتير متشابهة ~~ما دامت جمهوريات أمريكة الجنوبية قد نقلت دساتيرها من دستور الولايات المتحدة، وهنالك ~~لا ترى، إذن، غير اختلاف عروق متقابل نستعين به على إيضاح مختلف مصاير تلك الأمم، وإليك ~~نتائج هذا الاختلاف: # لنبدأ بتلخيص أخلاق العرق الأنغلوسكسوني الذي عمر الولايات المتحدة، وذلك في بضع ~~كلمات، وفي العالم لا تجد عرقا أكثر تجانسا منه مع اختلاف أصله، وفي العالم قد لا تجد ~~عرقا ذا مزاج نفسي أسهل تعريفا من مزاجه في خطوطه الكبرى. # ومن الناحية الخلقية يمتاز ذاك المزاج النفسي بإرادة قلما اتفقت لأمة خلا الرومان، ~~وبهمة لا تقهر، وبقوة مبادرة نامية إلى الغاية، وبضبط نفس وباستقلال يخرج عن حد ~~الأنس، وبنشاط قوي وبشعور ديني شديد، وبأدب ثابت وبمعرفة جلية للواجب. # ومن الناحية الذهينة لا نجد ما يسهل بيانه من الصفات الخاصة؛ أي من العناصر الخاصة ~~التي لا يشاهد مثلها لدى ms074 الأمم المتمدنة الأخرى، ولا نرى غير ذكر ذلك التمييز الصادق ~~الذي تدرك به ناحية الأمور العملية الإيجابية، ولا يضل به في المباحث الوهمية، وغير ~~ذكر ذلك الذوق الممتاز للوقائع وذلك التذوق الهزيل للمبادئ العامة، وغير ذكر ذلك البصر ~~الضيق الذي يحول دون تبين ما في المعتقدات الدينية من نواح ضعيفة، والذي يجعل هذه ~~المعتقدات في حمى من الجدل. # وإلى تلك الصفات العامة تضاف صفة التفاؤل التام التي تبدو بها طريق الرجل في الحياة ~~ممهدة فلا يفترض أنه يقدر على اختيار ما هو أحسن منها، وهو يعلم، دائما، ما يطلب منه ~~وطنه وأسرته وآلهته. ويبلغ هذا التفاؤل من الشدة درجة يعد بها كل عنصر أجنبي محتقرا، ~~والحق أن احتقار الأجنبي وعاداته يجاوز في إنكلترة الحد الذي كان الرومان في إبان ~~عظمتهم يحتقرون البرابرة به، ولهذا الاحتقار تبصر زوال كل مقياس أدبي تجاه الأجنبي، ~~واحتقار الأجنبي هذا ينم على شعور متأخر من الناحية الفلسفية لا ريب، غير أنه بالغ ~~الفائدة في تقدم الأمم، ومن الإصابة قول القائد الإنكليزي ولسلي: إن ذلك الاحتقار ~~من عوامل قوة إنكلترة، ومن الإصابة أن قيل: إن الإنكليز يعنون كالصينيين بمنع تسرب ~~أي نفوذ أجنبي فيهم؛ وذلك بسبب رفضهم الصائب إنشاء نفق تحت المانش تسهل العلائق ~~بينهم وبين القارة به. # وتجد الأخلاق المذكورة فيما تقدم في مختلف الطبقات الاجتماعية، ولا تبصر عنصرا من ~~عناصر الحضارة الإنكليزية إلا وعليه طابع قوي من تلك الأخلاق، وتلك الأخلاق تقف نظر ~~الأجنبي الذي يزور إنكلترة ولو لبضعة أيام. ومما يراه هذا الأجنبي ذلك الاحتياج إلى ~~الحياة المستقلة في كوخ أدنى مستخدم، وهذا الكوخ منزل ضيق لا ريب، ولكنه في حمى من كل ~~ضغط، وفي منتأى من كل جوار، ويرى الأجنبي ذلك الاحتياج إلى الاستقلال في المحطات ~~المطروقة حيث يطوف الجمهور في كل ساعة من غير أن يزرب كقطيع من الغنم الطيع ~~خلف حاجز يحرسه موظف كما لو وجب عليه حفظ سلامة الناس الذين لا يجدون في أنفسهم من ~~الانتباه الضروري ما يصونون ms075 به أنفسهم من الدوس، ويطلع ذلك الأجنبي على نشاط ذلك ~~العرق في عمل العامل القاسي كما يطلع عليه في عمل الطالب الذي وضع حبله على ~~غاربه منذ صباه فيتعلم السير وحده عالما أنه لا أحد غيره يعنى بمصيره، ويطلع ذلك ~~الأجنبي على نشاط ذلك العرق لدى الأساتذة الذين يكتفون بقليل تعليم ويبالون بكثير ~~أخلاق، عادين الخلق من أقوى العوامل المحركة في العالم، # 2 # وإذا ما رجع ذلك الأجنبي بصره إلى حياة المواطن العامة أبصر أنه يعتمد، ~~دائما، على قوة المبادرة الفردية لا على الدولة، لا فرق في ذلك بين إصلاح ينبوع قرية ~~وإنشاء مرفأ بحري، ومد خط حديدي، وحين يتابع ذلك الأجنبي بحثه لا يلبث أن يعترف بأن تلك ~~الأمة هي الأمة الحرة الوحيدة حقا على الرغم من معايبها التي تجعلها في نظر الأجنبي ~~أكثر الأمم جفاء؛ وذلك لأنها وحدها هي التي استطاعت أن تعرف كيف تسير طليقة فلا تترك ~~لحكومتها غير أدنى حد من العمل، وإذا ما تصفح الباحث تاريخ تلك الأمة وجد أنها أول من ~~عرف أن يتخلص من كل سيطرة للكنيسة أو للملوك، وكان الفقيه فورتسكو يعارض في القرن ~~الخامس عشر «القانون الروماني - الذي هو تراث الأمم اللاتينية - بالقانون الإنكليزي؛ ~~فيقول: إن الأول هو من صنع الأمراء المطلقين فيعمل على التضحية بالفرد، وإن الثاني هو ~~من عمل الجميع فيعمل على حماية الفرد». # وإذا ما هاجرت أمة تلك هي حالها إلى أية بقعة من بقاع الدنيا لم تعتم أن تصير ~~ذات شوكة وأن تؤسس دولا قوية، وإذا كان العرق الذي تغزوه على جانب كبير من الضعف فلا ~~ينتفع به، كأصحاب الجلود الحمر (الپوروج) بأمريكة مثلا، أبادته بانتظام، وإذا كان ~~العرق المقهور كثير العدد وكان يمكن استغلاله، كأهل الهند، أكره على العمل في سبيل ~~سادته، واستثمر بمهارة مع تركه حرا في عاداته ونظمه. # ويجب، في بلد جديد كأمريكة، تتبع التقدم العجيب المدين لمزاج العرق الإنكليزي ~~النفسي، ولا أحد يجهل ماذا أصبح هذا العرق، وهو المعتمد على نفسه، فيما نقل ms076 إليه من ~~تلك البقاع العاطلة من الفلاحة والتي لم يكد يسكنها بعض المتوحشين؛ فقد كفاه قرن واحد ~~لينال إحدى المراتب الأولى بين دول العالم العظمى حتى قل من يقدر على مكافحته في ~~الوقت الحاضر، وتراني أوصي بقراءة كتب مسيو روزيه عن الولايات المتحدة أولئك الذين ~~يرغبون في الوقوف على مقدار المبادرة العظيمة والنشاط الفردي اللذين يبذلهما أبناء تلك ~~الجمهورية القوية، فهنالك يبصرون استعداد الناس إلى أقصى حد لإدارة أنفسهم بأنفسهم ~~وللاشتراك في إنشاء المشاريع الكبيرة وبناء المدن وشيد المدارس والمرافئ والخطوط ~~الحديدية إلخ، وهنالك يبصرون عمل الدولة إلى أدنى حد حتى يمكن القول بعدم وجود سلطات ~~عامة تقريبا، وما يكون نفع تلك السلطات فيما خلا الشرطة والجيش والتمثيل ~~الدبلمي. # ثم إنه لا يكتب في الولايات المتحدة فلاح إلا لمن هو حائز للصفات الخلقية ~~المذكورة سابقا، ولذلك ترى المهاجرات الأجنبية لا تغير روح العرق العامة أبدا، ~~ومن شروط الحياة هنالك أن الذي يكون عاطلا من تلك الصفات يغدو محكوما عليه بالزوال ~~السريع، والأنغلوسكسوني وحده هو الذي يقدر على العيش في ذلك الوسط المشبع من ~~الاستقلال والإقدام، وأما الإيطالي فيموت فيه جوعا، وأما الإيرلندي والزنجي فيعيشان في ~~الخدم الدنيا. # وتمثل تلك الجمهورية الكبرى أرض الحرية لا ريب، وهي ليست أرض المساواة والإخاء، ~~ذينك الوهمين اللاتينيين اللذين لا تعرفهما سنة التقدم، ولا تجد في العالم مثل ذلك ~~القطر قطرا أنشب الانتخاب الطبيعي فيه أظفاره. نعم، يبدو ذلك الانتخاب الطبيعي فاقد ~~الرحمة هنالك، وهو، لعطله من الرحمة، حافظ العرق الذي أوجب تكوينه على قوته ~~وإقدامه، ولا مكان في الولايات المتحدة للضعفاء ومتوسطي الحال والقاصرين. ولعامل ~~الانحطاط وحده تجد الأشخاص المنحطين معرضين للهلاك هنالك، شعوبا ومنفردين، وأصحاب ~~الجلود الحمر أبيدوا برصاص البنادق أو بالموت جوعا لعدم نفعهم، وسيكون للعمال ~~الصينيين الذين تشتد وطأة مزاحمتهم مثل ذلك النصيب في نهاية الأمر، ولم ينفذ القانون ~~الذي سن لطردهم جملة بسبب ما يقتضيه من النفقات العظيمة. # 3 # ومن المحتمل أن يستبدل به استئصال منظم كالذي بدئ به في ms077 كثير من ~~المديريات ذات المناجم. ومما سن حديثا قوانين لحظر دخول البلاد الأمريكية على ~~المهاجرين الفقراء، وأما الزنوج الذين اتخذوا حجة لحرب الانفصال (وهي الحرب ~~التي اشتعلت بين الأمريكيين الذين يملكون عبيدا، والأمريكيين الذين أرادو منع أولئك من ~~اقتناء العبيد لعجزهم عن أن يملكوا مثلهم) فلم ينظر إليهم بعين التسامح تقريبا إلا ~~لاقتصارهم على خدم منحطة يعرض عنها أي أمريكي كان، وللزنوج هؤلاء جميع الحقوق ~~نظريا، والزنوج هؤلاء يعاملون عمليا كحيوانات ذات نفع فيتخلص منهم إذا ما ~~أضحوا خطرين، وقد وجدت الكفاية في الأساليب الحاسمة التي تقول بها طريقة لنش ~~على العموم، فيعدم بها الزنوج رميا بالرصاص، أو شنقا عند أول جرم مزعج ~~يقترفونه. # وتلك هي النواحي السود في الصورة لا ريب، وما في هذه الصورة من بهاء يحمل على ~~احتمالها، وإذا ما وجب تعريف الفرق بين أوربة البرية والولايات المتحدة بكلمة واحدة ~~أمكننا أن نقول إن أوربة البرية تمثل الحد الأقصى لما يمكن أن يؤدي إليه التنظيم الرسمي ~~الذي يقوم مقام المبادرة الفردية، وإن الولايات المتحدة تمثل الحد الأقصى لما يمكن أن ~~تؤدي إليه المبادرة الفردية المستقلة عن كل تنظيم رسمي، وفروق أساسية كهذه هي من نتائج ~~الخلق وحده، ولا حظ للاشتراكية الأوربية في التأصل في أرض تلك الجمهورية الصلد، ~~والاشتراكية الأوربية؛ إذ كانت آخر عنوان لطغيان الدولة، لا تزدهر إلا عند العروق ~~المسنة الخاضعة منذ قرون لنظام نزع منها كل استعداد لحكم نفسها بنفسها. # 4 # وفيما تقدم رأينا ماذا أحدثه في قسم من أمريكة شعب حائز لمزاج نفسي تغلب عليه ~~الثبات والإقدام والعزم، فبقي علينا أن نبين ماذا آل إليه بلد مماثل لذلك تقريبا على ~~أيدي عرق آخر ذكي على الخصوص، ولكن مع عطل من الصفات الخلقية التي قررت ~~نتائجها. # حقا إن أمريكة الجنوبية هي من أغنى بقاع الدنيا في حاصلاتها الطبيعية، وأمريكة ~~الجنوبية هذه هي أكبر من أوربة مرتين، وأقل منها سكانا عشر مرات، وهي لا تعوزها ~~الأرض، وهي لمن يثيرها إذن. وأهلوها السائدون هم من أصل ms078 إسپاني، ويقسمون إلى عدة ~~جمهوريات، ومن هذه الجمهوريات: الأرجنتين والبرازيل والشيلي والپيرو إلخ، وجميعها قد ~~انتحل دستور الولايات المتحدة السياسي، وله قوانين تماثل قوانينها لهذا السبب، والآن، ~~وقد ظهر عرق تلك الجمهوريات مختلفا عن العرق الذي يعمر الولايات المتحدة عاطلا من ~~صفاته، فإن هذه الجمهوريات كلها تبدو طعمة للفوضى الدامية على الدوام، وهي، مع كنوز ~~أرضها العجيبة، تراها غارقة في ضروب التبذير، غارقة في الإفلاس والطغيان. # وتجد أسباب ذلك الانحطاط كلها في المزاج النفسي لعرق من المولدين عاطل من الإقدام ~~والعزم والأدب، وفقدان الأدب على الخصوص يجاوز جميع ما نعرفه من قبائح في أوربة، وقد ~~أوردت. شيلد مدينة بوينوس إيريس، التي هي إحدى المدن المهمة، مثالا، فصرح بأنها لا ~~تصلح لسكنى من هو على شيء من رقة الشعور ومن الأدب، وقصد ذلك الكاتب جمهورية ~~الأرجنتين التي هي من أقل تلك الجمهوريات انحطاطا بقوله: «ليدرس الباحث تلك الجمهورية ~~من الناحية التجارية؛ حتى يظل مبهوتا من عدم الذمة البادي في كل مكان منها.» # ولا ترى مثالا أحسن من ذلك دلالة على كون النظم وليدة العرق وعلى استحالة نقل هذه ~~النظم من أمة إلى أخرى، ومن الطريف أن يعلم ما تصير إليه نظم الولايات المتحدة الحرة ~~بانتقالها إلى عرق متأخر، قال مسيو شيلد محدثا إيانا عن الجمهوريات الإسپانية ~~الأمريكية: «يقبض على زمام تلك البلاد رؤساء لا يقلون استبدادا عن قيصر روسية، ~~بل هم أشد إطلاقا منه؛ لبعدهم من مزعجات الرقابة الأوربية ونفوذها، وما الموظفون ~~الإداريون إلا من صنائعهم ... ويصوت المواطنون كما يرون، ولكن من غير أن يلتفت إلى ~~أصواتهم، وليست الأرجنتين جمهورية إلا بالاسم، والحقيقة أنها حكومة أناس يجعلون من ~~السياسة تجارة.» # والبرازيل هي البلد الوحيد الذي كان قد نجا من ذلك الانحطاط العميق؛ وذلك بفضل نظام ~~ملكي كان يضع السلطة في مأمن من المنافسات، وإذ كان هذا النظام من الحرية كثيرا على ~~عروق فاقدة الإقدام والإرادة فإنه لم يلبث أن انهار، فغدا ذلك البلد فريسة الفوضى ~~التامة، ولم يمض غير قليل سنوات ms079 حتى بلغ أولياء الأمور من تبديد أموال بيت المال ما ~~قضت الضرورة معه بزيادة الضرائب على نسب عظيمة. # ومن الطبيعي ألا يتجلى انحطاط العرق اللاتيني الذي يعمر جنوب أمريكة في السياسة ~~وحدها، بل يتجلى في جميع عناصر الحضارة، وتلك الجمهوريات التعيسة إذا ما تركت هي ~~وشأنها عادت إلى الهمجية الصرفة؛ ولذلك أصبحت الصناعة والتجارة فيها قبضة ~~الأجانب من إنكليز وأمريكيين وألمان، فصارت ڨالپاريزو مدينة إنكليزية، ولولا الأجانب ما ~~بقي شيء للشيلي، وبفضل الأجانب وحدهم تحافظ تلك البقاع على طلاء خارجي للحضارة لا ~~يزال يخدع أوربة. # وإذا ما قيس هذا الانحطاط الهائل الذي يبدو في أولئك السكان، المولدين من العرق ~~الإسپاني وأهل البلاد الأصليين، برقي العرق الإنكليزي المقيم ببلد مجاور ظهر من أكثر ~~التجارب سوادا وإثارة للحسرة، وكان من أمتع التجارب التي يستشهد بها لتأييد ~~السنن التي عرضتها. # | هوامش # الفصل الثالث # | كيف يؤدي تغيير روح العروق إلى تغيير تطور ~~الأمم التاريخي # تدل الأمثلة التي ذكرناها على أن تاريخ الأمة يرجع إلى خلقها؛ أي إلى عرقها، لا ~~إلى نظمها، ونحن حين بحثنا في تكوين العروق التاريخية رأينا أن انحلال هذه العروق يتم ~~بالتوالد، وأن الأمم التي حافظت على وحدتها وقوتها؛ كالآريين في الهند قديما ~~وكالإنكليز في مختلف مستعمراتهم، هي التي ابتعدت بعناية عن كل اختلاط بالأجانب، ووجود ~~الأجانب، وإن قلوا، يكفي لتغيير روح الأمة، ووجود الأجانب يفقد الأمة أهليتها للدفاع ~~عن أخلاق عرقها وعن آثار تاريخها وعن أعمال أجدادها. # وتلك النتيجة صادرة عما تقدم، وإذا ما وجب عد عناصر الحضارة مظهرا خارجيا لروح ~~الأمة كان من البديهي أن تتغير حضارة الأمة بتغير روحها. # ولنا في تاريخ الماضي أدلة لا جدال فيها، وسيكون لنا في تاريخ المستقبل أدلة أخرى ~~أيضا. # تحول الحضارة الرومانية التدريجي هو من أبرز الأمثلة التي يمكن الاستناد إليها، ~~وعلى العموم يظهر المؤرخون لنا هذا الحادث نتيجة لما قام به البرابرة من غارات ~~مخربة، غير أن البحث الدقيق في الوقائع يثبت من جهة أن الغارات التي أوجبت سقوط ~~الإمبراطورية الرومانية ms080 كانت سلمية لا حربية، وهو يثبت من جهة أخرى أن البرابرة ~~كانوا يحترمون هذه الإمبراطورية احترام إعجاب على الدوام، وأنهم لم يألوا جهدا في ~~انتحالها وإدامتها، والبرابرة هؤلاء قد حاولوا اعتناق لغة تلك الإمبراطورية ونظمها ~~وفنونها، والبرابرة هؤلاء قد عملوا حتى أواخر عهد الميروڤنجيين على إدامة الحضارة ~~القوية التي ورثوها، وترى جميع أعمال الإمبراطور العظيم، شارلمان، مشبعة من هذه ~~الفكرة. # ولكننا نعلم أن عملا كهذا مما يتعذر تحقيقه على الدوام؛ فقد تطلب تكوين البرابرة ~~لعرق متجانس بعض التجانس مرور قرون قضوها في التوالد المكرر وفي أحوال عيش ~~متماثلة، وذلك العرق عندما تكون حاز بسبب تكونه وحده فنونا جديدة ولغة جديدة ~~ونظما جديدة وحضارة جديدة من حيث النتيجة، وما انفكت ذكرى رومة تشتد على هذه ~~الحضارة، وما بذل من جهود كثيرة في سبيل إحيائها ذهب أدراج الرياح، ومن العبث أن حاولت ~~(النهضة) بعث فنون رومة وأن جدت الثورة الفرنسية في إعادة نظمها. # إذن، لم يفكر البرابرة الذين أغاروا بالتدريج على الإمبراطورية منذ القرن الأول من ~~الميلاد، والذين ابتلعوها مؤخرا، في هدم حضارة هذه الإمبراطورية، بل كانوا يفكرون في ~~إدامتها فقط، حتى إن مجرى التاريخ ما كان ليتغير لو لم يحارب البرابرة رومة ويقتصروا ~~على الاختلاط بالرومان شيئا فشيئا ويقل عدد الرومان بذلك يوما فيوما؛ أي إن اختلاط ~~الفريقين كان كافيا لتقويض الروح الرومانية وإن لم يخرب البرابرة رومة، ولذلك يمكن ~~القول بأن الحضارة الرومانية لم تدمر قط، بل أديمت بتحويلها في غضون القرون؛ وذلك ~~لوقوعها في أيدي عروق مختلفة. # وإن أقل نظرة إلى التاريخ غارات البرابرة يؤيد ذلك تأييدا كبيرا. # وقد دلت مباحث علماء العصر الحاضر، ولا سيما مباحث فوستل دوكلانج، على أن غارات ~~البرابرة السلمية هي التي أدت إلى اضمحلال الدولة الرومانية بالتدريج، لا الغزوات ~~العدوانية التي ردها مرتزقة الإمبراطورية في أكثر الأحايين، وكان من العادات التي ~~اتخذت منذ عهد الأباطرة الأولين هو استخدام البرابرة في الجيوش، وكانت هذه العادة ~~تستفحل كلما زاد الرومان ثراء وزهدا في الخدمة العسكرية، فلما ms081 انقضت بضعة قرون عاد لا ~~يكون في الجيش سوى أناس من الغرباء كما في الإدارة، «وكان القوط والبورغون والفرنج ~~جنودا مؤتلفين في خدمة القيصر الروماني.» # وعندما أصبحت رومة لا تملك جنودا من غير البرابرة، وعندما صارت الولايات الرومانية ~~لا تدار بسوى رؤساء من البرابرة، غدا من البديهي أن يميل هؤلاء الرؤساء إلى الاستقلال، ~~والواقع هو أنهم وفقوا لذلك، بيد أن رومة كانت تتمتع بنفوذ بالغ لم يفكر معه أحد من ~~هؤلاء في هدم الإمبراطورية الرومانية، وذلك مع وقوع رومة في سلطانه، وحينما استولى ملك ~~الهيرول، أدواكر، التابع للقيصر على رومة في سنة 476 لم يلبث أن التمس من القيصر ~~المقيم بالقسطنطينية آنئذ أن يسمح له بأن يتولى أمر إيطالية حاملا لقب بطريق، # 1 # ولم يسر أحد من أولئك الرؤساء على غير هذه السنة، وأولئك الرؤساء كانوا ~~يديرون شؤون الولايات باسم رومة على الدوام، وهم لم يفكروا قط في التصرف في الأرض أو في ~~مس النظم، وكان كلوڨيس يعد نفسه موظفا رومانيا، وكان فخورا بنيله من القيصر لقب ~~قنصل، ومضت ثلاثون سنة بعد موته ولم ينفك خلفاؤه في أثنائها يمتثلون ما يمليه القياصرة ~~من الأحكام ملزمين أنفسهم بمراعاتها، ولم يجرؤ رؤساء برابرة الغول على ضرب النقود ~~الحاملة لصورهم إلا في أوائل القرن السابع، وهذه النقود لم تحمل غير صور الأباطرة حتى ~~ذلك الحين، وبعد هذا التاريخ فقط صار الغوليون لا يعدون القيصر رئيسا لهم، ولذلك ترى ~~المؤرخين يبدءون بتاريخ فرنسة قبل الواقع بمئتي سنة، ويضيفون بضعة عشر ملكا إلى سلسلة ~~ملوكنا. # ولا شيء أقل شبها بالفتح من غزوات البرابرة ما دام الأهلون قد حافظوا على أراضيهم ~~ولغتهم وقوانينهم، وما دام هذا لا يقع في الفتوحات الحقيقية كفتح النورمان ~~لإنكلترة. # ومن المحتمل أن زالت الدولة الرومانية بالتدريج من غير أن يشعر المعاصرون بذلك، ~~وبيان ذلك أن الولايات كانت قد تعودت منذ قرون وجود رؤساء يديرون شؤونها باسم الأباطرة، ~~ثم تدرج أولئك الرؤساء إلى السير على حساب أنفسهم فلم يغير شيء لهذا السبب، ms082 وقد ~~عمل بهذا النظام تحت سادة جدد طيلة العهد الميروفنجي. # 2 # وإنما التغيير الحقيقي الوحيد، وهو الذي أضحى عميقا مع الزمن، هو ظهور عرق جديد ~~وظهور حضارة جديدة كنتيجة لازمة له؛ وذلك وفق السنن التي عرضناها. # وبتكرار الأمور الأبدي، الذي يبدو أنه أقوى سنن التاريخ، ترانا اليوم مدعوين على ~~الأرجح إلى مثل تلك الغزوات السلمية التي أدت إلى تحويل الحضارة الرومانية، وقد يدعو ~~انتشار الحضارة الحديثة العام إلى الاعتقاد بأنه لا برابرة اليوم، أو أن البرابرة ~~التائهين في سواء آسية وإفريقية هم من البعد منا بحيث لا نخشى غزواتهم، وليس لدينا ما ~~نخاف به مغازيهم لا ريب، وأنهم لن يصبحوا خطرين علينا إلا بمزاحمتهم الاقتصادية التي ~~سيوجهونها إلى أوربة ذات يوم كما بينت في كتاب آخر، وليس أولئك هم الذين نقصدهم هنا ~~إذن. والبرابرة قريبون في الحقيقة وإن بدوا بعيدين، وهم أقرب جدا مما كانوا أيام ~~أباطرة الرومان؛ وذلك لوجودهم في صميم الأمم المتمدنة بالواقع، وترى كل أمة تشتمل على ~~عدد كبير من العناصر الدنيا العاجزة عن ملاءمة حضارة تفوق مستواها كثيرا لما تكلمت ~~عنه من تعقد حضارتنا الحديثة ومن تفاوت الأفراد بالتدريج، وهكذا يتكون سقط كبير ~~لا ينفك يزيد فيكون عمله هائلا في الأمم التي تبتلى به. # واليوم يتجه أولئك البرابرة الجدد نحو الولايات المتحدة بأمريكة كما لو كانوا مجمعين ~~على ذلك، واليوم ترى أولئك البرابرة يهددون حضارة تلك الأمة العظيمة تهديدا جديا، ~~ويكون الهضم سهلا نافعا ما دامت هجرة الأجانب إلى ذلك البلد نادرة، وما دامت مؤلفة من ~~عناصر إنكليزية على الخصوص، وهجرة كهذه أوجبت عظمة أمريكة، واليوم تخضع الولايات ~~المتحدة لغزو هائل من عناصر منحطة لا ترغب في هضمها ولا تقدر على امتصاصها، وقد دخل ~~الولايات المتحدة نحو ستة ملايين مهاجر من أدنياء العمال المنتسبين إلى جميع الأصول بين ~~سنة 1880 وسنة 1890، ولا تجد اليوم بين أهالي شيكاغو البالغ عددهم 1100000 شخص غير ~~الربع من الأمريكيين، وتشتمل هذه المدينة على 400000 ألماني و220000 إيرلندي و50000 ~~بولوني و5500 ms083 شيكي إلخ، ولا تبصر أي امتزاج بين هؤلاء المهاجرين والأمريكيين، ولا يبالي ~~أولئك المهاجرون بتعلم لغة وطنهم الجديد، وفي وطنهم الجديد هذا ينشئون مستعمرات ~~بسيطة ذات أعمال زهيدة الأرباح، وأولئك هم من الساخطين إذن، وأولئك هم من الأعداء إذن، ~~وكاد أولئك يحرقون مدينة شيكاغو حين إضراب عمال الخطوط الحديدية الكبير، فقضت الضرورة ~~بضربهم بالمدافع الرشاشة بلا رحمة، ومن أولئك وحدهم يجمع أشياع الاشتراكية المسوية ~~الثقيلة التي قد تحقق في أوربة المنهوكة، والتي هي منافية لخلق الأمريكيين الحقيقيين ~~منافاة تامة، وما قد تسفر عنه هذه الاشتراكية من المنازعات فوق أرض تلك الجمهورية ~~العظمى سيكون، بالحقيقة، منازعات عروق بلغت من التطور درجات مختلفة. # ومما يلوح واضحا أن النصر لا يكتب للبرابرة في الحرب الأهلية التي تعد بين أمريكة ~~الأمريكيين وأمريكة الأجانب، ولا ريب في أن هذه الحرب الضروس ستنتهي بملحمة تقع ~~بمقياس واسع على غرار ملحمة ماريوس حين استأصل شأفة السنبر استئصالا كاملا، ~~وإذا ما تأخر النزاع قليلا، وإذا ما استمر الغزو، لم يكن الحل إبادة تامة، بل يصيب ~~الولايات المتحدة مثل ما أصاب الإمبراطورية الرومانية على الأرجح، بل ينفصل بعض ولايات ~~الجمهورية الحاضرة عن بعض فتقوم دول مستقلة منقسمة متحاربة بلا انقطاع كما يقع في أوربة ~~وفي أمريكة الإسپانية. # وليست أمريكة وحدها هي المهددة بمثل تلك الغارات، فقل مثل ذلك عن فرنسة أيضا، ~~وفرنسة بلد غني لا يزيد عدد سكانه، وفرنسة محاطة ببلدان فقيرة يزيد عدد سكانها ~~باستمرار، وهجرة هؤلاء الجيران إلينا أمر محتوم، وهو يزيد حتما كلما أوجبت مطاليب ~~عمالنا المتصاعدة تلك الهجرة قضاء لاحتياجات زراعتنا وصناعتنا، وما يجده هؤلاء ~~المهاجرون فوق أرضنا من الفوائد أمر واضح، وتتجلى هذه الفوائد في عدم خضوعهم لنظامنا ~~العسكري وفي دفعهم قليل ضرائب أو في عدم دفعهم ضرائب؛ لأنهم من الغرباء المتنقلين، ~~وفي قيامهم بأعمال أسهل مما يقومون به في بلادهم وأجزل أجرا مما ينالونه في ديارهم، ~~ولا يقصد أولئك المهاجرون بلادنا لغناها العظيم وحده، بل يقصدونها أيضا لأن معظم ~~البلدان الأخرى يضع كل ms084 يوم من التدابير ما يؤدي إلى دحرهم. # والذي يزيد في خطر غارة الأجانب هو أنها تقوم بحكم الطبيعة على عناصر منحطة؛ أي على ~~أناس تعذر عليهم أن يعيشوا في وطنهم الذي يهجرونه، وإن من مقتضيات مبادئنا الإنسانية ~~أن يقضى علينا بمعاناة غزو من الأجانب زائد، وإن عدد هؤلاء كان 400000 شخص منذ أربعين ~~عاما فغدا اليوم 1200000 شخص، ونرى صفوفهم تتراصف كل يوم أكثر من قبل، ولو لم ننظر إلى ~~غير الطلاينة الذين تشتمل عليهم مرسيلية لوجدنا هذه المدينة مستعمرة إيطالية، وإذا لم ~~تقف تلك الغارات فإنه لا يمضي غير وقت قصير حتى يكون ثلث سكان فرنسة من الألمان، وثلث ~~آخر من الطليان. وما تكون وحدة أمة، وما تكون حياة أمة هذه هي أحوالها؟ ألا إن أسوأ ~~المصائب في ميادين القتال أخف هولا من مثل تلك الغارات، ألا إن من الغرائز الصادقة ~~أن كانت الأمم الغابرة تخشى الأجانب، ألا إن هذه الأمم كانت تعرف جيدا أن قيمة البلد ~~لا تقاس بعدد سكانه، بل بالأصليين من أبنائه. # وفيما تقدم نرى مسألة العروق المحتومة أساسا لجميع المعضلات التاريخية والاجتماعية ~~على الدوام، وتلك المسألة هي التي تهيمن على سواها. # | هوامش # الباب الرابع # | كيف تتغير أخلاق العروق النفسية # الفصل الأول # | شأن الأفكار في حياة الأمم # بعد أن بينا أن الأخلاق النفسية للعروق ذات ثبات عظيم، وأن تاريخ الأمم يشتق من ~~هذه الأخلاق، وأوضحنا كيف يمكن العناصر النفسية أن تتحول مع الزمن بتراكمات وراثية ~~بطيئة كما تتحول العناصر التشريحية للأنواع، وعلى مثل هذه التحولات يتوقف تطور ~~الحضارات إلى أبعد حد. # والعوامل التي تؤدي إلى إحداث تغيرات نفسية متنوعة، فترى للاحتياجات وللمنافسة ~~الحيوية ولبعض البيئات ولتقدم العلوم والفنون وللتربية وللمعتقدات وغيرها عملها، وقد ~~خصصنا مجلدا واحدا # 1 # لدراسة شأن كل واحد من هذه العوامل فلا نرى تفصيلها هنا، وإذا ما عدنا ~~إليها في هذا الفصل وفي الفصول الآتية فلكي نثبت وجه عملها باختيارنا بعض العوامل ~~الجوهرية. # وتثبت دراسة مختلف الحضارات التي تعاقبت منذ بدء العالم أن ms085 هذه الحضارات مسيرة في ~~نشوئها بعدد قليل من المبادئ الأساسية، ولو رد تاريخ الأمم إلى مبادئ هذه الأمم ما ~~بدا طويلا أبدا، وإذا ما وفقت الحضارة في قرن واحد لإحداث مبدأين أو ثلاثة مبادئ ~~أساسية موجهة في ميدان الفنون أو العلوم أو الآداب أو الفلسفة أمكن عدها ذات نضارة ~~استثنائية. # ولا تكون المبادئ ذات عمل حقيقي في روح الأمم إلا إذا هبطت بنضج بطيء جدا من مناطق ~~الفكر المتحولة إلى المنطقة الثابتة اللاتنبهية للمشاعر حيث تنضج عوامل سيرنا ، ~~وهنالك تغدو تلك المبادئ عناصر أخلاق فتقدر على التأثير في السير، والأخلاق تتكون من ~~بعض الوجوه من تنضد المبادئ اللاشاعرة. # وإذا ما نضجت المبادئ نضجا بطيئا عظم سلطانها لما لا يبقى للعقل من سيطرة عليها، ~~ولا يؤثر في المؤمن، الذي يستحوذ عليه مبدأ ديني أو غير ديني، أي معقول مهما كان ~~الذكاء الذي يفترض له، وكل ما يمكن أن يحاوله هذا المؤمن، وهو لا يحاوله في الغالب، هو ~~أن يدخل بحيل فكرية وبتشويهات كبيرة في الغالب المبدأ الذي يعارض به إلى منطقة ~~المبادئ المسيطرة عليه. # وإذا ثبت أن المبادئ لا تكون مؤثرة إلا بعد هبوطها من دوائر الشعور إلى دوائر ~~اللاشعور أدركنا السبب في أنها لا تتحول إلا ببطء كبير، وفي أن المبادئ الموجهة ~~للحضارة قليلة العدد إلى الغاية، وفي أنها تتطور في زمن طويل، ولنا أن نهنئ أنفسنا ~~بأن الأمر كذلك، وإلا لم تسطع الحضارات أن تكون ذات ثبات، ومن حسن الحظ أيضا أن ~~المبادئ الجديدة تنتحل مع الوقت، ولو كانت المبادئ القديمة ثابتة ثباتا مطلقا لم ~~تحقق الحضارات أي تقدم كان، ولما عليه تحولاتنا النفسية من بطوء وجب انقضاء عدة ~~أجيال ليتم الفوز للمبادئ الجديدة، ووجب انقضاء عدة أجيال أيضا حتى تزول هذه المبادئ. ~~وأشد الأمم تمدنا هي الأمم التي تجلت فيها الأفكار الناظمة على مقياس واحد من ~~التحول والثبات، والتاريخ حافل ببقايا الأمم التي لم تقدر على حفظ هذا التوازن. # وليست كثرة المبادئ وجدتها هما اللتان تقفان النظر عند ms086 البحث في تطور الأمم، بل ~~الذي يقف النظر هو قلة تلك المبادئ المتناهية وبطء تحولاتها والسلطان الذي تزاوله، ~~وتنشأ الحضارات عن بعض المبادئ الأساسية، وإذا ما أقبلت هذه المبادئ على التغير غدت ~~الحضارات مقضيا عليها بالتحول، وقد قامت القرون الوسطى على مبدأين رئيسين: المبدأ ~~الديني والمبدأ الإقطاعي، وعن هذين المبدأين صدرت فنون تلك القرون وآدابها وطراز نظرها ~~إلى الحياة كلها، ثم حل عصر النهضة فطرأ على ذينك المبدأين بعض التغيير؛ فقد فرض ~~المثل الأعلى للعالم الإغريقي اللاتيني سلطانه على أوربة، فلم تعتم أن صرت تبصر ~~تحولا في وجه النظر إلى الحياة، وتحولا في الفنون والفلسفة والآداب، ثم تزعزع سلطان ~~التقاليد فقامت الحقائق العلمية مقام الحقيقة المنزلة بالتدريج، فأخذت الحضارة تتحول ~~مجددا. واليوم يظهر أن المبادئ الدينية القديمة فقدت شيئا من سلطانها فصارت تلوح ~~بوادر انهيار النظم الاجتماعية التي تستند إليها. # ولا يمكن أن يتجلى تاريخ تكوين المبادئ وسلطانها واضمحلالها وتحولاتها وزوالها إلا ~~إذا استند إلى عدة أمثلة، وإذا ما دخلنا دائرة الجزئيات ثبت لنا أن كل عنصر من عناصر ~~الحضارة - من فلسفة ومعتقدات وفنون وآداب إلخ - خاضع لعدد قليل من المبادئ الناظمة التي ~~تتحول ببطء شديد على العموم، ولا تشذ العلوم نفسها عن هذه القاعدة، واليوم يشتق جميع ~~علم الفيزياء من مبدأ عدم فناء الطاقة، ويشتق جميع علم الحياة من مبدأ تحول الأنواع، ~~ويشتق علم الطب من مبدأ أصغر ما يكون، ويثبت تاريخ هذه المبادئ أنها لم تستقر إلا ~~مقدارا فمقدارا وبصعوبة مع أنها لم توجه إلى غير ذوي البصائر، ولا يتطلب استقرار ~~مبدأ علمي أساسي أقل من خمس وعشرين سنة في هذا العصر الذي يسير فيه كل شيء بسرعة، وذلك ~~في نطاق من المباحث التي لا تؤثر فيها الشهوات والمآرب، ولم يقتض زمنا أصغر من هذا ~~استقرار أوضح المبادئ العلمية وأسهلها إثباتا وأقلها احتياجا إلى الجدل كمبدأ ~~الدورة الدموية. # ويتم انتشار جميع المبادئ على نمط واحد في كل وقت سواء أكان المبدأ علميا أم ~~فنيا أم فلسفيا أم دينيا ms087 أم أي مبدأ آخر، ويجب اعتناق المبدأ في بدء الأمر من ~~قبل عدد قليل من الرسل الذين ينالون نفوذا كبيرا بشدة إيمانهم أو منزلتهم. ويؤثر ~~الرسل؛ إذ ذاك، بالتلقين أكثر مما بالبرهان، ولا يجب أن يبحث في قيمة البرهان عن ~~عناصر الإقناع الجوهرية، والمتكلم يفرض أفكاره بنفوذه الشخصي أو بمخاطبته الأهواء، ~~والمتكلم لا يمارس أي نفوذ بمخاطبته العقل وحده، والجماعات لا تقنع بالأدلة أبدا، بل ~~بضروب التوكيد، ويتوقف سلطان هذا التوكيد على نفوذ الشخص الذي يصدر عنه. # وإذا ما وفق الرسل لإقناع عدد قليل من الأشياع فكثر عددهم بذلك أخذ المبدأ يدخل ~~منطقة الجدل، فيثير المبدأ في بدء الأمر اعتراضا عاما لما يصدمه من أمور ~~كثيرة قديمة مقررة بحكم الضرورة، ومن الطبيعي أن يثير هذا الاعتراض من يدافع عن ~~المبدأ من الرسل فلا يسفر عن غير اقتناع هؤلاء الرسل بأفضليتهم على بقية الناس، ~~فيناضلون عن المبدأ الجديد بحماسة؛ لا لأن هذا المبدأ صواب، وهم في الغالب لا يعرفون ~~عنه شيئا، بل لأنهم اعتنقوه فقط، وهنالك يغدو المبدأ الجديد موضع مناظرة مشتدة؛ أي إنه ~~ينتحل بالحقيقة جملة واحدة من قبل فريق، ويرفض جملة واحدة من قبل فريق آخر، وكلا ~~الفريقين يتبادل النفي والتوكيد، وهما قلما يتبادلان البراهين؛ وذلك لأن أسباب قبول ~~المبدأ الواحد أو رفضه ترجع لدى معظم الناس إلى المشاعر، والمشاعر لا يؤثر فيها ~~بالمعقول أبدا. # وينمو المبدأ رويدا رويدا بفعل تلك المجادلات المحتدمة على الدوام، وتميل الناشئة ~~الجديدة التي تجده مناقشا فيه إلى اعتناقه؛ لأنه نوقش فيه، والناشئة، وهي ولوع ~~بالاستقلال في كل وقت، تتصف اتصافا كليا بمعارضتها دفعة واحدة للمبادئ التي سار ~~الناس عليها. # والمبدأ يداوم، إذن، على النمو، والمبدأ لا يعتم أن يستغني عن أية دعامة كانت، ~~والمبدأ ينتشر إذ ذاك بفعل التقليد من طريق العدوى، والتقليد هو الملكة التي يتصف بها ~~الناس إلى أبعد درجة على العموم كما تتصف بها القردة الكبيرة التي يذهب العلم الحديث ~~إلى أنها أجداد الناس. # وإذا ما تناول المبدأ عامل العدوى ms088 فأخذ ينتشر دخل الدور المؤدي إلى النجاح بحكم ~~الضرورة، ولسرعان ما يقبله الرأي العام، وهنالك يكتسب قوة نفاذة دقيقة ينتشر ~~بها في جميع الأدمغة بالتدريج محدثا جوا خاصا، وإن شئت فقل نمطا عاما للتفكير، ~~وهو ينساب في جميع مدارك العصر وجميع إنتاجاته كالغبار الدقيق الذي ينفذ من الطرق في كل ~~مكان، وهنالك يكون المبدأ ونتائجه جزءا من الموروثات الكثيفة العادية التي تفرضها ~~التربية علينا، وبذلك يتم النصر للمبدأ ويدخل في منطقة المشاعر فيكون في مأمن من كل ~~اعتداء زمنا طويلا. # وترى من مختلف المبادئ التي تسير إحدى الحضارات ما هو خاص بالفنون والفلسفة مثلا ~~فيظل ملازما لطبقات الشعب العليا، ومن تلك المبادئ ما هو خاص بالأفكار الدينية ~~والسياسية على الخصوص فيهبط إلى أعماق الجماعات، وهو يصل إلى هنالك مشوها إلى الغاية، ~~غير أن ما يمارسه إذ ذاك من سلطان على النفوس الساذجة العاجزة عن المناظرة عظيم، ويمثل ~~المبدأ أمورا لا تقاوم، وتنتشر نتائجه بقوة السيل الذي لا سبيل إلى رده بسد، ومن السهل ~~أن تجد في الأمة، دائما، مئة ألف رجل مستعدين للتضحية بأنفسهم دفاعا عن مبدأ إذا ما ~~تمكن هذا المبدأ منهم، وتظهر عندئذ تلك الحوادث العظيمة التي تقلب التاريخ والتي لا ~~يقدر على إنجازها غير الجماعات، ولم تقم بالمثقفين والمتفننين والفلاسفة تلك الديانات ~~التي سادت العالم، ولا تلك الإمبراطوريات الواسعة التي امتدت من أقصى الدنيا إلى ~~أقصاها، ولا تلك الثورات الدينية والسياسية التي قلبت أوربة رأسا على عقب، بل قامت ~~بأميين استحوذ عليهم أحد المبادئ فاستعدوا للتضحية بأنفسهم في سبيل نشره، وبتلك ~~البضاعة المزجاة نظريا والقوية عمليا استطاع بدويو صحاري جزيرة العرب أن يفتحوا ~~قسما من العالم اليوناني الروماني القديم، وأن يشيدوا إمبراطورية من أعظم ~~الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ. وبمثل تلك البضاعة الأدبية، وهي هيمنة أحد المبادئ، ~~استطاع جنود العهد الشجعان أن يقفوا في وجه أوربة المدججة بالسلاح. # وتبلغ العقيدة القوية من المنعة ما لا تستطيع أن تكافحها معه كفاح المنتصر غير ~~عقيدة مماثلة، وليس للإيمان عدو يخشاه ms089 سوى الإيمان، ولا بد من انتصار الإيمان عندما ~~تكون القوة المادية التي تصوب إليه مؤيدة لمشاعر ضعيفة ومعتقدات ~~متداعية، بيد أن ذلك الإيمان إذا ما قابله إيمان قوي مثله اشتد الصراع وصار الفوز ~~رهين أحوال ثانوية، أدبية في الغالب، كروح النظام والتفوق في التنظيم، ونحن إذا ما ~~درسنا تاريخ العرب عن كثب، وقد ألمعنا إليه آنفا، وجدنا العرب في فتوحهم الأولى - ~~والفتوح الأولى هي أصعب الفتوح وأهمها على الدوام - قد لاقوا أعداء ضعفاء إلى الغاية من ~~الناحية الأدبية مع ما كان عليه هؤلاء الأعداء من تنظيم عسكري محكم، ولم يجد العرب ~~في سورية، التي كانت أول بلد حملوا إليه سلاحهم، غير جيوش بزنطية مؤلفة من مرتزقة قليلي ~~الاستعداد للتضحية بأنفسهم في سبيل قضية ما، فشتتوا - لما كان يغلي في صدورهم من ~~إيمان تزيد به قوتهم عشرة أمثالها - شمل تلك الكتائب العاطلة من مثل عال، وذلك ~~بسهولة كالتي شتت بها فيما مضى لفيف من الأغارقة الذين كان يمسكهم حب المدينة ~~جنود سرخس الكثيرين إلى الغاية، وكان الصراع ينتهي بغير ذلك لو اصطدم العرب بكتائب ~~رومة قبل ذلك ببضعة قرون. # وإذا كانت القوى الأدبية المتقابلة متماثلة في الشدة كان الفوز لأحسنها تنظيما، ~~فمما لا ريب فيه أنه كان لأهل ڨانده إيمان حار واعتقاد متين، غير أنه كان لدى جنود ~~العهد أيضا اعتقاد قوي إلى الغاية، وجنود العهد هؤلاء إذ كانوا أحسن انتظاما كتب ~~النصر لهم. # وفي الدين، كما في السياسة، يكون النصر، دائما، للمؤمنين لا للملحدين، واليوم إذا ~~بدا المستقبل للاشتراكيين مع ما في مبادئهم من فساد فلأنك لا ترى في الميدان مؤمنين ~~حقيقيين سواهم، واليوم خسرت الطبقات القابضة على زمام الأمور إيمانها بأي شيء كان، ~~وهي عادت لا تعتقد أمرا، وهي لا تعتقد إمكان الدفاع تجاه طوفان البرابرة المتوعد ~~الذي يحيط بها من كل جانب. # وإذا ما اكتسب المبدأ شكلا نهائيا بعد دور طويل من التحسس والتعديل والتشويه ~~والمناقشة والدعاية فدخل روح الجماعات، غدا عقيدة؛ أي إحدى تلك الحقائق المطلقة التي ms090 ~~لا تحتمل الجدل، ويكون المبدأ إذ ذاك قسما من تلك المعتقدات العامة التي يقوم عليها ~~كيان الأمم، وما يكتسبه المبدأ من صفة الشمول يوجب تمثيله دورا مهما، ولم تكن أدوار ~~التاريخ الكبرى، كعصر أغسطس وعصر لويس الرابع عشر، إلا تلك الأدوار التي تستقر فيها ~~المبادئ وتهيمن فيها على أفكار الناس بعد خروجها من أدوار التحسس والجدل، وهنالك تتألف ~~من تلك المبادئ مناور ساطعة، فيصطبغ كل شيء تنيره بصبغة متماثلة. # وإذا ما تم النصر للمبدأ الجديد طبع أدق عناصر الحضارة بطابعه، ولا بد للمبدأ ~~الجديد، لكي يعطي جميع نتائجه، من أن ينفذ روح الجماعات، ويهبط المبدأ من ~~الذرى الذهينة التي نبت فيها إلى الطبقة التي تليها فإلى التي ما بعدها، مشوها ~~معدلا بلا انقطاع، إلى أن يكتسب شكلا يلائم الروح الشعبية التي ستنصره، وهنالك ~~يبدو المبدأ متجمعا في كلمات قليلة، وفي كلمة واحدة أحيانا، مثيرا صورا قوية ~~مغرية أو هائلة، ومن ثم مؤثرة على الدوام، ومن تلك الكلمات: الجنة والنار في ~~القرون الوسطى، ذانك المقطعان القصيران المحتويان قدرة سحرية على الإجابة عن كل شيء، ~~وعلى تفسير كل شيء عند ذوي النفوس الساذجة. ومن تلك الكلمات: كلمة الاشتراكية، التي ~~تمثل عند العامل المعاصر إحدى تلك الصيغ الساحرة الجامعة القادرة على قهر النفوس، ~~وكلمة الاشتراكية هذه تثير بحسب الجماعات التي تنفذ فيها صورا متنوعة قوية على ما ~~تنطوي عليه من تذبذب وعدم استقرار. # وتثير كلمة الاشتراكية في الفرنسي النظري صورة جنة يصبح الناس متساوين فيها، ~~فينعمون بسعادة مثالية تحت إشراف الدولة المتصل؛ وتثير كلمة الاشتراكية في العامل ~~الألماني صورة حانة دخنة تقدم فيها الحكومة لكل قادم أهراما عظيمة من الأمعاء ~~المحشوة لحما، ومن الكرنب المخمر، ومما لا يحصيه عد من دنان الجعة مجانا. ومن ~~المعلوم أن حالم الكرنب هذا أو حالم المساواة ذلك لم يشغل ذهنه بمعرفة المقدار الحقيقي ~~للأشياء التي تتقسم ولا بعدد المقتسمين، فمن خواص المبدأ أن يفرض على النفوس بقوة ~~مطلقة لا يؤثر فيها أي اعتراض كان. # وإذا ما تحول ms091 المبدأ إلى مشاعر وغدا عقيدة دام فوزه زمنا طويلا، وذهب كل عمل يأتيه ~~العقل في سبيل زعزعته أدراج الرياح. ومما لا مراء فيه أن المبدأ الجديد يعاني أيضا ما ~~عاناه المبدأ الذي حل محله، فيهرم ويميل إلى الزوال، غير أنه لا بد من أن يعاني قبل ~~اندثاره التام أدوارا من المسخ والتحريف في عدة أجيال، ولكبير وقت يظل المبدأ ~~قبل أن يموت بأسره جزءا من المبادئ الموروثة المسنة التي نصفها بالأوهام، ولكن ~~مع الاحترام، وعلى ما لا يعود به المبدأ القديم غير كلمة أو صوت أو سراب تراه حائزا ~~لقدرة سحرية يستمر بها على إخضاعنا لحكمه. # وهكذا يبقى تراث ما نرضاه بتقوى من مبادئ قديمة وآراء وعهود، ولا يقف أمام أي برهان ~~إذا ما أردنا الجدال فيه مدة ثانية. ولكن ما عدد الرجال القادرين على الجدال في آرائهم ~~الخاصة؟ ما أقل تلك الآراء التي تظل قائمة بعد بحث سطحي! # والخير في عدم الإقدام على ذلك البحث المخيف، ومن حسن الحظ أن كنا غير معرضين له، ~~وإذا كانت روح النقد ملكة عالية نادرة إلى الغاية، وكانت روح التقليد ملكة منتشرة جدا ~~يقبل معظم الأدمغة غير مجادل جميع ما يسفر عنه الرأي وما تنقله التربية من المبادئ ~~المقررة. # وهكذا ترى للناس في كل جيل وعرق طائفة من الأفكار المتوسطة التي يتشابهون بها تشابها ~~عجيبا بفعل الوراثة والتربية والبيئة والعدوى والرأي، تشابها تعرف به الدور الذي ~~عاشوا فيه بإنتاجهم الفني والفلسفي والأدبي بعد أن تثقل وطأة القرون عليهم. أجل، لا ~~يمكننا أن نقول إن بعضهم كان ينقل من بعض نقلا مطلقا، ولكن الذي كان مشتركا بينهم هو ~~تماثلهم في طرز الإحساس والتفكير تماثلا يؤدي إلى إنتاجات متقاربة إلى الغاية بحكم ~~الضرورة. # ولنا أن نفرح بذلك؛ وذلك لأن روح الأمة تتألف من شبكة التقاليد والمبادئ والمشاعر ~~والمعتقدات وطرز التفكير، وقد أبصرنا أن متانة هذه الروح تكون بنسبة قوة تلك الشبكة، ~~وتلك الشبكة وحدها بالحقيقة، ووحدها فقط، هي التي تمسك الأمم، وتلك الشبكة لا تنفك ms092 من ~~غير أن يؤدي ذلك إلى انحلال هذه الأمم في الحال، وتلك الشبكة هي قوة الأمة الحقيقية وهي ~~مولاها الحقيقي، ومما يعرض في بعض الأحيان كون الملوك الآسيويين طغاة أدلاؤهم ~~أهواؤهم، وهذه الأهواء في الشرق هي بالعكس محصورة ضمن حدود ضيقة ضيقا عجيبا؛ ففي ~~الشرق ترى شبكة التقاليد أقوى مما في أي بلد آخر، وفي الشرق تبصر أن المعتقدات الدينية ~~المزعزعة كثيرا عندنا محافظة على سلطانها، وفي الشرق تجد أشد المستبدين جبروتا لا ~~يصدم التقاليد والرأي لما يعرفة فيهما من قوة أشد من قوته. # ويجد الرجل المتمدن العصري الحديث نفسه في دور من أدوار التاريخ النادرة الخطرة التي ~~يخسر فيها سلطانه ما هو أصل حضارته من المبادئ القديمة، وذلك من غير أن تتكون فيه ~~مبادئ جديدة، فيباح الجدل فيه لهذا السبب، ولا بد من رجوع الباحث إلى أدوار الحضارات ~~القديمة، أو الرجوع إلى الوراء قرنين أو ثلاثة قرون ليتبين ماذا كان نير العادة ~~والرأي، وليعرف الثمن الذي كان على المبدع الجريء أن يؤديه إذا ما هاجم هاتين ~~القوتين. وكان الأغارقة، الذين يعدهم بعض الجهلاء المتفيهقين من الأحرار، خاضعين ~~لنير الرأي والعادة خضوعا وثيقا، وكان كل إغريقي محاطا بسور من المعتقدات التي لا ~~تمس أبدا، وكان كل إغريقي لا يفكر في الجدل حول الأفكار المقررة معانيا إياها ~~غير ثائر، ولم يعرف العالم الإغريقي الحرية الدينية ولا حرية الحياة الخاصة، ولا أي ~~نوع من أنواع الحرية، حتى إن القانون الأثني لم يكن ليسمح للمواطن بأن يعيش بعيدا ~~من المجالس، أو بألا يحتفل بأي عيد قومي احتفالا دينيا، وما كانت حرية العالم القديم ~~المزعومة إلا وجها تاما غير شعوري لانقياد المواطن لمبادئ المدينة، وما كان لمجتمع ~~يتمتع أفراده بحرية الفكر والسير أن يدوم يوما واحدا في حال نزاع عامة كالتي كانت ~~تعيش فيها تلك الأمم، وتبصر في كل زمن أن ابتداء عصر انحطاط الآلهة والنظم والعقائد ~~هو اليوم الذي تحتمل الجدال فيه. # وفي الحضارات الحديثة، حيث تجد المبادئ القديمة التي كانت أساسا للعادة ms093 والرأي قد ~~تهدمت تقريبا، تبصر سلطانها على النفوس قد أصبح ضعيفا إلى الغاية، وهذه المبادئ ~~انتهت إلى دور من البلى ما تغدو به من الأوهام، وتظل الفوضى سائدة للنفوس ما لم يحل ~~مبدأ جديد محل تلك المبادئ، ولهذه الفوضى وحدها يسمح بالجدل، وما على الكتاب ~~والمفكرين والفلاسفة إلا أن يشكروا للدور الحاضر، وأن يسرعوا إلى الاستفادة منه؛ لأنهم ~~لن يروا عودته ثانية. نعم، إنه دور انحطاط على ما يحتمل، ولكنه من أزمنة التاريخ ~~النادرة التي يكون التعبير عن الأفكار حرا فيها، ولا يدوم هذا الدور طويلا؛ فأحوال ~~الحضارة الحديثة تسوق الأمم الأوربية إلى حال اجتماعية لا تحتمل الجدل ولا الحرية، ~~والحق أن العقائد الجديدة التي يلوح ظهورها لا تستقر إلا بعدم قبولها أي نوع من أنواع ~~الجدل، وببلوغها من عدم التسامح ما بلغته العقائد التي سبقتها. # ولا يزال الرجل المعاصر يبحث عن المبادئ التي تصلح أساسا للحالة الاجتماعية ~~القادمة، وهنالك الخطر الذي يحيق بها، وبيان الأمر أن تحولات المبادئ الأساسية هي ~~العناصر المهمة في تاريخ الأمم والقادرة على تغيير مصيرها، لا الثورات والحروب التي ~~يمحي ما تؤدي إليه من تخريب بسرعة، وتلك التحولات لا تتم من غير أن يؤدي ذلك إلى ~~تحول جميع عناصر الحضارة دفعة واحدة، فالثورات الحقيقية، وهي أخطر الثورات على حياة ~~الأمة، هي التي تحدث في أفكارها. # وليس انتحال أمة لمبدأ حديث خطرا بذاته، بل الخطر فيما تقوم به الأمة من تجربة ~~لمبادئ متعاقبة قبل أن تجد منها ما تستطيع أن تقيم عليه بناء اجتماعيا جديدا يقوم ~~مقام البناء الاجتماعي القديم، وليس خطأ المبدأ هو الذي يجعله خطرا، وقد رأينا أن ~~المبادئ الدينية التي عشنا عليها حتى الآن خاطئة إلى الغاية، بل لأنه لا بد من القيام ~~بتجارب تكرر لطويل زمن حتى تعرف ملاءمة المبادئ الحديثة لاحتياجات المجتمعات التي ~~تعتنقها، ولا يقدر مدى نفع هذه المبادئ للجماعات إلا بالتجربة. نعم، لا احتياج إلى ~~أن يكون الباحث عالما نفسيا كبيرا أو عالما اقتصاديا عظيما حتى يخبرنا بأن ~~تطبيق ms094 المبادئ الاشتراكية الحاضرة يسوق الأمم التي تقول بها إلى انحطاط حقير واستبداد ~~مرير، ولكن كيف تمنع الجماعات التي تستهويها تلك المبادئ من اعتناق الإنجيل الجديد ~~الذي بشرت به؟ # ويدلنا التاريخ كثيرا على ما تكلفه من ثمن تجربة المبادئ غير الملائمة لدور ~~ما، ولكن الإنسان لا يستنبط دروسه من التاريخ، ومن العبث أن حاول شارلمان تجديد ~~الإمبراطورية الرومانية؛ فقد كان تحقيق مبدأ الوحدة متعذرا في ذلك الحين، فمات عمله ~~بموته كما مات عمل ناپليون، ومن العبث أن استنفد فليپ الثاني عبقريته وسلطان إسپانية ~~ذات الصولة إذ ذاك في مكافحة روح البحث الحر التي كانت تنتشر في أوربة باسم ~~الپروتستانية، ولم تسفر مساعيه كلها في مناهضة المبدأ الجديد عن سوى إلقاء إسپانية ~~في حال من الخراب والانحطاط لم تنهض منها قط، وفي فرنسة أدت مبادئ متهوس متوج ~~مشبع من شعور أمته الدولي المصنوع الفاسد المستعصي إلى تسهيل الوحدة الألمانية ~~والوحدة الإيطالية، فكلفنا ذلك ولايتين كما كلفنا السلم إلى أمد طويل، وفي أوربة ~~أوجب المبدأ القائل: إن القوة في العدد، سترها بجنود مدججين بالسلاح وسوقها إلى ~~إفلاس محتوم، وستأتي مبادئ الاشتراكيين في العمل ورأس المال وجعل الملك الخاص ~~ملكا للدولة إلخ، على الأمم التي كانت تحفظها الجيوش الضرورية الدائمة. # ويمكن ذكر مبدأ القوميات أيضا بين المبادئ الموجهة التي يجب الخضوع لنفوذها ~~الخطر، وسوف يسوق تحقيقه أوربة إلى أشد الحروب ضررا، وسوف يجر بالتتابع كثيرا من ~~الدول الحديثة إلى الخراب والفوضى. # ولكن لم يعط الرجال قدرة على وقف سير المبادئ إذا ما نفذت في النفوس، وهنالك يجب ~~أن يتم تطورها، ويبدو المدافعون عنها في الغالب أولئك الذين يكونون ضحاياها الأولى، ~~وليست الغنم وحدها هي التي تتبع دليلها طائعة إلى المسلخ، فلنركع أمام سلطان ~~المبدأ، والمبدأ إذا ما بلغ دورا من تطوره لم يوجد برهان ولا بيان يتغلب عليه، والأمم ~~لكي تتخلص من ربقة أحد المبادئ تستلزم قرونا كثيرة أو ثورات عنيفة، أو كليهما في بعض ~~الأحيان، ولا شيء أكثر من الأوهام التي ابتدعتها البشرية ms095 فذهبت ضحيتها ~~بالتتابع. # | هوامش # الفصل الثاني # | شأن المعتقدات الدينية في تطور الحضارات # مثلت المبادئ الدينية دورا أساسيا عظيما بين مختلف المبادئ التي تسير الأمم، ~~والتي هي مناور للتاريخ وقطوب للحضارة، فترانا نفرد لها فصلا خاصا. # وتكون من المعتقدات الدينية في كل وقت أهم عنصر في حياة الأمم، ومن ثم في ~~تاريخها، وكان ظهور الآلهة وموتها أعظم الحوادث التاريخية، وتولد مع كل مبدأ ديني جديد ~~حضارة جديدة، وما انفكت المسائل الدينية تكون من المسائل الأساسية في قديم الأجيال ~~وحديثها، ولو حدث أن أضاعت البشرية آلهتها لكان مثل هذا الحادث في نتائجه أهم الحوادث ~~التي تمت على وجه الأرض منذ فجر الحضارات الأولى. # ولا يغب عن البال أن جميع النظم السياسية والاجتماعية منذ بدء الأزمنة التاريخية ~~قامت على معتقدات دينية، وأن الآلهة مثلت الدور الأول على مسرح العالم في كل ~~زمن، وإذا عدوت الحب، الذي هو دين قوي أيضا ولكنه شخصي موقت، وجدت المعتقدات ~~الدينية وحدها تؤثر في الأخلاق تأثيرا سريعا، ولك أن تتبين حال أمة نومتها ~~أوهامها من خلال فتوح العرب والحروب الصليبية وإسپانية في زمن محاكم التفتيش وإنكلترة ~~في الدور الپيوريتاني وفرنسة في ملحمة سان بارتلمي وحروب الثورة الفرنسية. وللأوهام ~~تأثير دائم يبلغ من الشدة ما يتحول به كل مزاج نفسي تحولا عميقا، ولا مراء في أن ~~الإنسان هو الذي يخلق آلهته، ولكنه إذا ما خلقها استعبدته من فوره، وليست الآلهة ~~وليدة الخوف كما زعم لوكريس، بل هي وليدة الأمل، ولذلك تبقى ذات نفوذ أبدي. # والذي أنعمت الآلهة به على الإنسان حتى الآن - والآلهة وحدها هي التي استطاعت أن ~~تنعم به - هو الحال النفسية التي تنطوي على السعادة، ولا تجد فلسفة استطاعت أن تحقق ~~مثل هذا العمل. # والنتيجة - إن لم تكن الغاية - لكل حضارة ولكل فلسفة ولكل ديانة هي إحداث بعض الأحوال ~~النفسية، ومن هذه الأحوال ما يتضمن السعادة ومنها ما لا يتضمنها، وتتوقف سعادتنا على ~~أحوال خارجية لا ريب، ولكنها ترجع إلى حالتنا الروحية على الخصوص، فمن المحتمل أن ms096 كان ~~الشهداء يعتقدون وهم على المواقد أنهم أكثر سعادة من جلاديهم، ومن المحتمل أن كان ~~مرمم الطرق وهو يقضم كسرة الخبز المفروكة بالثوم أشد قناعة بمراحل من صاحب ~~الملايين الذي تساوره الهموم. # ومن دواعي الأسف أن كان تطور الحضارات يحدث في الإنسان الحاضر طائفة من ~~الاحتياجات من غير أن يمن عليه بوسائل قضائها فيوجب بذلك سخطا عاما في النفوس. ~~أجل، إن التطور أصل التقدم، ولكنه أصل الاشتراكية والفوضى أيضا؛ أي أصل ذينك التعبيرين ~~المرهوبين اللذين ينمان على قنوط جماعات لا تستند إلى معتقد. قابلوا بين الأوربي ~~القلق الهائج الساخط على حظه والشرقي الراضي بمصيره، تروا أنهما يختلفان في حالهما ~~الروحية، والأمة تتحول إذا ما تحول طراز تصورها ومن ثم تفكيرها وسيرها. # وأول ما يجب أن يبحث عنه المجتمع هو إيجاد حال نفسية تجعل الإنسان سعيدا، وإن لم ~~يفعل المجتمع ذلك لم يكتب له طويل بقاء، وقد استندت جميع المجتمعات التي قامت حتى الآن ~~إلى مثل عال قادر على إخضاع النفوس، وهذه المجتمعات قد اضمحلت بعد أن عاد ذلك ~~المثل الأعلى لا يخضعها. # ومن أكبر أغاليط العصر الحاضر أن يعتقد وجود السعادة في الأمور الخارجية وحدها، ~~فالسعادة تقيم بنا، وهي مما نوجده، وهي لا تكون خارجة عنا تقريبا؛ ونحن بعد أن حطمنا ~~مثل الأجيال القديمة العليا نبصر اليوم صعوبة العيش بدونها، ويجب أن نجد سر ~~استبدال غيرها بها خشية الزوال. # والمحسنون الحقيقيون لبني الإنسان، وهم الذين يستحقون أن تقيم لهم الأمم الشاكرة ~~تماثيل فخمة من الذهب، هم أولئك السحرة الأقوياء المبدعون للمثل العليا الذين ~~تنجب بهم البشرية أحيانا ولكن نادرا، هم أولئك الذين يحدثون فوق سيل الظواهر ~~الباطلة، وهي كل ما نقدر على معرفته من الحقائق، وفوق دولاب الدنيا المسنن الصلب ~~الجامد - أوهاما قوية مهدئة مخفية عن الإنسان ما في مصيره من نواح قاتمة، هم أولئك ~~الذين يقيمون للإنسان منازل عامرة بالآمال والأحلام. # ونحن إذا ما نظرنا إلى الأمر من الناحية السياسية وحدها وجدنا تأثير المعتقدات ~~الدينية عظيما أيضا، وتقوم قوة ms097 المعتقدات التي لا تقاوم على أنها العامل الوحيد الذي ~~يستطيع أن ينعم على الأمة بوحدة مطلقة من المنافع والمشاعر والأفكار حينا من الزمن، ~~وهكذا تقوم الروح الدينية دفعة واحدة مقام تلك المتراكمات البطيئة الموروثة الضرورية ~~لتكوين روح الأمة. أجل، إن الأمة التي يهيمن عليها المعتقد لا تغير مزاجها النفسي، ~~غير أن جميع ملكاتها تتوجه بذلك إلى غرض واحد، تتوجه إلى نصر معتقدها، فتصبح قوتها ~~هائلة لهذا السبب. وفي أدوار الإيمان التي تتحول ذات حين تقوم الأمم بتلك الجهود ~~العجيبة ، تقوم بشيد الدول التي تدهش التاريخ، ومن ذلك أن بعض القبائل العربية التي ~~اتحدت بفعل فكرة محمد قهرت في سنين قليلة أمما كانت لا تعرف منها حتى الأسماء، ~~فأقامت إمبراطورية واسعة. # ودرجة سيطرة المعتقدات على النفوس، لا صفتها، هي التي يجب أن يلتفت إليها، ولا فرق ~~في ذلك بين دعوتك مولك أو أي إله آخر أشد قسوة، ويقوم نفوذ الإله على عدم تسامحه ~~وعلى غلظته في بعض الأحيان، ولا تمن الآلهة الكثيرة التسامح والحلم على عبادها ~~بالقوة، وقديما ساد أتباع محمد الصارم قسما كبيرا من العالم لطويل زمن، ولا يزال ~~هؤلاء الأتباع مرهوبين، وأما أتباع بدهة (بوذا) الهادئ فلم يؤسسوا ما هو باق، ~~فنسيهم التاريخ. # إذن، مثلت الروح الدينية دورا سياسيا مهما في حياة الأمم؛ وذلك لأنها كانت ~~العامل الوحيد القادر، دائما، على التأثير في أخلاقها بسرعة، ومما لا شك فيه أن الآلهة ~~ليست خالدة، غير أن الروح الدينية باقية. والروح الدينية، وإن كانت تغفو لحين، تصحو عند ~~ابتداع ألوهية جديدة، والروح الدينية هي التي استطاعت أن تقف بها فرنسة منذ قرن ظافرة ~~أمام أوربة المدججة بالسلاح، وبذلك قد رأى العالم مرة أخرى ما تقدر عليه الروح ~~الدينية؛ وذلك لأن دينا جديدا كان يقوم آنئذ نافخا من روحه في أمة بأسرها. نعم، إن ~~الآلهة التي برزت كانت من سرعة العطب بحيث لا تدوم، ولكنها كانت ذات سلطان مطلق مدة ~~وجودها. # على أن ما في الأديان من قدرة على تحويل النفوس مؤقت، ms098 ومن النادر أن تدوم المعتقدات ~~زمنا كافيا فتبلغ درجة من الاشتداد ما تتحول به الأخلاق تحولا تاما؛ فالحلم لا ~~يلبث أن يذوي، والمنوم لا يلبث أن يصحو قليلا، فيبدو أساس الأخلاق القديم مرة ~~أخرى. # ومع ما تكون عليه المعتقدات من قدرة عظيمة تلوح الأخلاق القومية، دائما، من خلال ~~النمط الذي تنتحل به هذه المعتقدات ومن خلال المظاهر التي تؤدي إليها، وانظروا إلى ~~المعتقد الواحد في إنكلترة وإسپانية وفرنسة تجدوا الفروق عظيمة جدا! وهل كان الإصلاح ~~الديني ممكنا في إسپانية ؟ وهل كانت إنكلترة تخضع لنير محاكم التفتيش الهائل؟ أفلا ~~ترى بسهولة لدى الأمم التي انتحلت الإصلاح الديني أخلاق العروق الأساسية التي حافظت، ~~بالرغم من تنويم المعتقدات، على صفات مزاجها النفسي الخاصة كالاستقلال والإقدام وعادة ~~التعقل وعدم الخنوع لسيد؟ # ولا مراء في أن تاريخ الأمم السياسي والفني والأدبي وليد معتقداتها، بيد أن المعتقدات ~~مع تأثيرها في الأخلاق تتأثر بالأخلاق تأثرا عظيما، وإذا سألت عن أخلاق الأمة ~~ومعتقداتها وجدتهما مفاتيح مصيرها. والأخلاق، لما كان من عدم تغيرها في عناصرها ~~الأساسية، ومن عدم تغيرها وحده، تجد التاريخ محافظا على شيء من الوحدة على الدوام. ~~والمعتقدات، لما كان من تغيرها، ومن تغيرها وحده، تجد التاريخ حافلا ~~بالانقلابات. # وأقل تغير في معتقدات الأمة يؤدي إلى سلسلة من التطورات في حياتها بحكم الضرورة، ~~ومما رأيناه في غضون فصل سابق أن رجال القرن الثامن عشر بفرنسة كانوا يبدون مختلفين ~~عن رجال القرن السابع عشر. وما مصدر هذا الاختلاف؟ # تجد مصدره في انتقال النفس من اللاهوت إلى العلم بين قرن وقرن، وفي معارضة التقاليد ~~بالعقل، ومعارضة الحقيقة المنزلة بالحقيقة المشاهدة، وفي تحول منظر العصر في النظر ~~إلى الأمور بسبب هذا التغير، ونحن إذا ما درسنا نتائج هذا التغير أبصرنا أن ثورتنا ~~الفرنسية الكبرى وما أسفرت عنه، وما لا تزال تسفر عنه، من الحوادث هما نتيجة تطور ~~للمبادئ الدينية. # واليوم إذا كان المجتمع المسن يرتج فوق أسسه، وكانت جميع نظمه ترتجف ارتجافا ~~عميقا، فلأنه يخسر بالتدريج ما قام عليه حتى ms099 الآن من المعتقدات القديمة، وهو إذا ما ~~تم فقده لهذه المعتقدات حلت محله حضارة جديدة قائمة على إيمان جديد بحكم الضرورة، ~~ومما يدل عليه التاريخ أن الأمم لا تعيش طويلا بعد تواري آلهتها، وأن الحضارات التي ~~قامت بفعل هذه الآلهة تموت معها، فلا شيء أشد تخريبا من عفر الآلهة الميتة. # الفصل الثالث # | شأن عظماء الرجال في تاريخ الأمم # عندما بحثنا في مراتب العروق وتفاوتها رأينا أن أعظم فارق بين الأوربيين والشرقيين هو ~~ما لدى الأوربيين من صفوة رجال عالية ، ولنحاول أن نبين في بعض السطور حدود شأن هذه ~~الصفوة. # يتألف من كتيبة أفاضل الرجال الصغيرة التي تشتمل عليها الأمة المتمدنة، والتي تكفي ~~إزالتها في كل جيل لخفض مستوى هذه الأمة خفضا عظيما - تجسد قوى العرق، وإلى ~~هذه الكتيبة يرجع الفضل فيما يتم من التقدم للعلوم والفنون والصناعة؛ أي لجميع فروع ~~الحضارة. # ويثبت التاريخ أن كل تقدم مدين لتلك الصفوة القليلة العدد، والجماعة مع استفادتها ~~من ذلك التقدم لا تحب أن يجاوز مستواها أبدا، والجماعة هي التي كان ضحاياها من ~~عظماء المفكرين والمخترعين في الغالب، ومع ذلك ترى أن ازدهار جميع الأجيال وجميع ماضي ~~العرق وقع بفعل تلك العبقريات الرائعة التي هي أزهار عجيبة لهما. ومن أصحاب العبقرية ~~يتكون مجد الأمة الحقيقي، ولكل فرد، مهما كان وضيعا، أن يباهي بهم، ولا يظهر ذوو ~~العبقرية اتفاقا ولا بمعجزة، بل يمثلون تاج ماض طويل، وهم خلاصة عظمة عصرهم ~~وعرقهم، وكل مساعدة على تفتحهم وارتقائهم تعني مساعدة على التقدم الذي ينتفع به جميع ~~البشر، وإذا ما تركنا أحلام المساواة العامة تعمي بصائرنا كنا أول ضحايا هذه المساواة. ~~والمساواة لا تكون إلا في الانحطاط، والمساواة حلم ذوي المدارك الهزيلة الغامض الثقيل، ~~والمساواة لم تتحقق في غير عصور الهمجية. ويجب، لكي تسود المساواة العالم، أن يخفض ~~بالتدريج كل ما فيه قيمة العرق إلى أدنى مستوى في هذا العرق. # ولكن شأن ذوي النفوس العالية من الرجال إذا كان عاملا عظيما في تقدم الحضارة فإنه ~~ليس كما يقال ms100 عنه على العموم مع ذلك، فتأثيرهم يقوم - كما ذكرت - على كونهم خلاصة ~~مجهودات العرق، وترى اكتشافاتهم على الدوام نتيجة سلسلة طويلة من الاكتشافات السابقة، ~~وتراهم يشيدون بناء من حجارة نحتها غيرهم رويدا رويدا. وقد اعتقد المؤرخون - ~~والمؤرخون مبسطون إلى الغاية إجمالا - أنهم قادرون على قرن كل اختراع باسم رجل، ~~مع أن كل واحد من الاختراعات العظيمة التي حولت الدنيا، كالطباعة والبارود والبخار ~~والكهرباء، ليس وليد دماغ واحد، ونحن حين ندرس تكوين مثل هذه الاكتشافات نبصر أنها ~~نشأت، دائما، عن سلسلة طويلة من الجهود التحضيرية، والحق أن الاختراع النهائي ليس إلا ~~تتويجا لما تقدمه؛ ومن ذلك أن ملاحظة غليلو لتساوي المدة في تموجات المصباح ~~المعلق مهد السبيل لاختراع مقياس الزمان الدقيق (كرونومتر) الذي أسفر لدى الملاح ~~عن إمكان اهتدائه إلى طريقه في البحر المحيط، ومن ذلك أن نشأ بارود المدفع عن تحول ~~النار اليونانية بالتدريج، ومن ذلك أن الآلة البخارية تمثل مجموعة اكتشافات ~~تطلب كل واحد منها أعمالا عظيمة، وما كان ليوناني متصف بعبقرية تفوق عبقرية ~~أرشميدس مئة مرة أن يكتشف القاطرة لما لا يكون لديه ما يساعده على تمثلها، وهو لكي ~~ينتهي إلى صنعها لا بد له من أن ينتظر تحقيق الميكانيكا لمبتكرات تقتضي جهود ألفي ~~سنة. # وليس شأن أعاظم رجال الدولة السياسي أقل كثيرا من شأن أكابر المخترعين في استقلاله ~~الظاهر عن الماضي، وقد أعشى ما لمحركي الجماعات الأقوياء، الذين يحولون كيان الأمم ~~السياسي، من سناء صارخ، أبصار بعض الكتاب ككوسان وكارليل وغيرهم، فأراد هؤلاء أن ~~يجعلوا من أولئك أنصاف آلهة تغير بعبقريتها مصير الأمم، ومما لا ريب فيه أنه يمكن ~~أولئك أن يكدروا صفو تطور أحد المجتمعات، غير أنهم لم يعطوا قدرة على تغيير مجراه، ~~وما كان كرومويل أو ناپليون ليستطيع بعبقريته أن يقوم بمثل هذا العمل، وما كان نفوذ ~~أعاظم رجال السياسة ليدوم إلا عندما يعرفون كقيصر وريشليو أن يوجهوا جهودهم إلى ~~ما يلائم مقتضيات الوقت، وما كان سبب فوزهم الحقيقي إلا سابقا لهم على العموم، ولو ms101 ظهر ~~قيصر قبل زمانه بقرنين أو ثلاثة قرون ما استطاع أن يخضع الجمهورية الرومانية لحكم ~~سيد واحد، ولو ظهر ريشليو قبل زمانه بقرنين أو ثلاثة قرون لعجز عن تحقيق الوحدة ~~الفرنسية، وفي ميدان السياسة يبصر رجال السياسة الحقيقيون ما سيولد من احتياجات وما ~~أعده الماضي من الحوادث فيهدون إلى الطريق التي يجب أن تسلك، ومن المحتمل أن كان ~~الناس لا يرون تلك الطريق، بيد أن مقادير التطور قضت بحفز الأمم إلى مصايرها التي ~~تولى أولئك العباقرة أمرها حينا من الزمن، وأولئك العباقرة هم، كأكابر المخترعين، ~~جماع نتائج عمل سابق طويل. # ومع ذلك يجب ألا يذهب إلى ما هو أبعد مما تقدم في تلك المقايسات بين صنوف عظماء ~~الرجال؛ فالمخترعون، وإن كانوا يمثلون دورا مهما في تطور الحضارة المقبل، لا ~~يملثون أي دور مباشر في تاريخ الأمم السياسي، ولم يكن لدى أكابر الرجال الذين تم ~~بفضلهم أهم الاكتشافات المهمة، المترجحة بين المحراث والبرق والمؤلف منها تراث ~~البشرية العام، من الصفات الخلقية ما يقيمون به ديانة أو يدوخون به دولة؛ أي ما ~~يغيرون به وجه التاريخ تغييرا واضحا، والمفكر يبصر كثيرا ما في المعضلات من ~~تعقيد فلا يكون ذا اعتقاد عميق، والمفكر لا يبدو له غير القليل من الأهداف السياسية ~~التي تستحق شيئا من جهوده فلا يتتبع أي واحد منها، والمخترعون يستطيعون أن يغيروا ~~الحضارة مع الزمن، والمتعصبون وحدهم، وهم من ذوي الذكاء المحدود، ولكن مع أخلاق ~~فعالة وشهوات قوية، هم الذين يقدرون على تأسيس الأديان وإقامة الدول وقلب العالم، ~~وقد لبت ملايين البشر نداء بطرس الناسك فانقضت على الشرق، وأسفرت كلمات متهوس ~~كمحمد عن خلق قوة كفت للانتصار على العالم اليوناني الروماني القديم، وألقى راهب ~~غامض الأمر كلوثر أوربة في النار والدم، ولا يكون لصوت كصوت غليلو أو نيوتن سوى صدى ~~ضعيف بين الجماعات، فالحق أن عباقرة المخترعين يعجلون سير الحضارة، وأن المتعصبين ~~والمتهوسين هم الذين يخلقون التاريخ. # ومن أي شيء يتألف التاريخ كما هو مسطور في الكتب إن لم يكن ms102 قصة طويلة لمنازعات قام ~~بها الإنسان لابتداع مثل عال وعبادته ثم هدمه؟ وهل تجد أمام العلم الصرف لمثل هذه ~~المثل العليا قيمة أعظم من السراب الباطل الذي يحدثه الضياء فوق الرمال المتنقلة في ~~الصحراء؟ # ومع ذلك ترى أن المتهوسين من موجدي مثل هذا السراب أو ناشريه هم الذين حولوا العالم ~~تحويلا عميقا، وهم لا يزالون يحنون من أعماق قبورهم روح العروق تحت نير أفكارهم ~~ويؤثرون في أخلاق الأمم ومصيرها، ولا نجهل أهمية شأنهم، ولكن لا يذهب عن بالنا أنهم ~~لم يوفقوا في إنجاز عملهم إلا لأنهم تقمصوا مثل عرقهم وزمنهم الأعلى وعبروا ~~عنه من حيث لا يشعرون، والأمة لا تقاد إلا بتقمص أحلامها، ومن ذلك أن موسى تمثل رغبة ~~اليهود في الخلاص التي كانت تنطوي عليها جباههم المستعبدة أيام كانت تمزقها سياط ~~المصريين، ومن ذلك أن بدهة (بوذا) وعيسى عرفا أن يستمعا لما في زمانهم من بؤس لا حد ~~له وأن يعبرا بالدين عن ضرورة الإحسان والرحمة التي أخذت تلوح في العالم أيام الألم ~~العام، ومن ذلك أن حقق محمد وحدة أمته السياسية بما بشر به من الوحدة الدينية بعد ~~أن كانت أمته تلك منقسمة إلى ألوف من القبائل المتناجزة، ومن ذلك أن ناپليون تقمص المثل ~~الأعلى في المجد الحربي والزهو والدعاية الثورية؛ أي تقمص مميزات ذلك الشعب الذي طاف به ~~في أوربة مدة خمس عشرة سنة؛ سعيا وراء أشد المغامرات حماقة. # إذن، ترى أن الذي يقود العالم هو المبادئ، ومن ثم أولئك الذين يتقمصونها وينشرونها، ~~والنصر يكتب لتلك المبادئ عندما تجد من المتهوسين والمؤمنين من يصغون إليها، ولا ~~كبير أهمية في أن تكون تلك المبادئ صحيحة أو فاسدة، فالتاريخ قد أثبت لنا أن أشد ~~المبادئ وهما هي التي فتنت الناس أحسن من سواها، على الدوام، فمثلت أهم الأدوار، ~~وباسم أكثر الأوهام خدعا قلب العالم وانهارت حتى الآن حضارات كان يلوح خلودها ~~وقامت حضارات أخرى، وليس ملكوت السماوات كما قال به الإنجيل هو الذي أعد لضعفاء ~~العقل، بل ملكوت الأرض ms103 هو الذي أعد لهم على أن يكون عندهم من الإيمان الأعمى ما يقدرون ~~به على رفع الجبال، وعلى الفلاسفة الذين خصصوا قرونا لهدم ما شاده المؤمنون في يوم ~~واحد أن يركعوا أحيانا أمام هؤلاء المؤمنين، ومن المؤمنين يتألف قسم من القوى الخفية ~~التي تهيمن على العالم، والمؤمنون هم الذين أوجبوا ظهور أهم الحوادث التي يسجل ~~التاريخ مجراها. # أجل، إن المؤمنين لم ينشروا غير الأوهام لا ريب، بيد أن البشرية عاشت حتى الآن، ~~وستعيش على الراجح، بتلك الأوهام المرهوبة المغرية الباطلة، وليست تلك الأوهام سوى ~~ظلال، ويجب احترامها مع ذلك، فبفضلها عرف آباؤنا الأمل، وهم، بما كان من عدوهم ~~الجريء الأهوج خلف تلك الظلال، قد أخرجونا من الهمجية الأولى وقادونا إلى ما نحن فيه ~~اليوم، ومن المحتمل أن كانت الأوهام أقوى جميع العوامل في نشوء الحضارات، فالوهم هو ~~الذي أوجب شيد الأهرام، وهو الذي أدى إلى ستر مصر بتماثيل حجرية ضخمة مدة خمسين ~~قرنا، وبفعل الوهم شيدت كنائسنا الكبرى في القرون الوسطي، وبفعل الوهم انقض الغرب على ~~الشرق للاستيلاء على أحد القبور، وأسفر اتباع طائفة من الأوهام عن تأسيس أديان أخضعت ~~نصف البشر لشرائعها وعن إقامة أعظم الإمبراطوريات وهدمها. وفي سبيل الغواية، لا ~~الحقيقة، بذلت البشرية معظم جهودها، وما كان للبشرية أن تبلغ الأهداف الوهمية التي تسعى ~~إليها، ولكنها وهي تجد في أثرها حققت كل رقي لم تكن لتطلبه. # الباب الخامس # | انحلال أخلاق العروق وانحطاطها # الفصل الأول # | كيف تذوي الحضارات وتنطفئ # الأنواع النفسية في عدم الخلود كالأنواع التشريحية، ولا تظل أحوال البيئات التي يقوم ~~عليها ثبات أخلاق الأنواع النفسية باقية على الدوام، وتلك البيئات إذا ما تغيرت لم ~~يعتم ما تمسكه من عناصر المزاج النفسي أن يخضع لتحولات راجعة مؤدية إلى زواله، ولو ~~نظرنا إلى السنن الفزيولوجية التي يجري حكمها على خليات الدماغ كما يجري على خليات ~~الجسم الأخرى والتي تلاحظ لدى كل كائن لوجدنا أن زوال الأعضاء يتطلب من الزمن ما هو ~~أقل جدا من الزمن الذي يقتضيه تكوينها، وكل ms104 عضو لا يقوم بوظيفته لا يلبث أن يعجز عن ~~القيام بهذه الوظيفة من فوره، ومن ذلك أن عيون الأسماك التي تعيش في أهوار الكهوف ~~تهزل مع الزمن فيصبح هذا الهزال وراثيا في نهاية الأمر، حتى إننا لو نظرنا إلى قصر ~~حياة الفرد لوجدنا أن العضو الذي تطلب تكوينه ألوف القرون على ما يحتمل، وذلك بملاءمات ~~بطيئة ومتراكمات وراثية، يهزل بسرعة عظيمة عندما ينقطع عن عمله. # وما كان مزاج الناس النفسي ليشذ عن هذه السنن الفزيولوجية، فالخلية الدماغية التي لا ~~تمارس تقف، هي أيضا، عن القيام بوظيفتها، وقد تزول بسرعة قابليات النفس التي اقتضى ~~تكوينها عدة قرون، ولا تنشب الشجاعة وقوة المبادرة والإقدام وروح المخاطرة وغيرها من ~~الصفات الخلقية أن تمحي إذا لم يتح لها أن تمارس، وبذلك تفسر العلة في وجوب ~~انقضاء زمن طويل على الأمة حتى ترتقي إلى درجة رفيعة من الثقافة وفي اقتضاء زمن قصير ~~إلى الغاية حتى تسقط في هوة الانحطاط. # ونحن إذا ما بحثنا في الأسباب التي أدت بالتتابع إلى انهيار الأمم، وهي التي حفظ ~~التاريخ لنا خبرها كالفرس والرومان وغيرهم، وجدنا أن العامل الأساسي في سقوطها هو ~~تغير مزاجها النفسي تغيرا نشأ عن انحطاط أخلاقها، ولست أرى أمة واحدة زالت بفعل ~~انحطاط ذكائها. # ووجه الانحلال واحد في جميع الحضارات الغابرة، وهو من التشابه ما يسأل به مع أحد ~~الشعراء عن كون التاريخ صفحة واحدة وإن اشتمل على عدة مجلدات، والأمة، بعد أن تبلغ تلك ~~الدرجة من الحضارة والقوة حيث تطمئن إلى أنها لا تكون عرضة لهجوم جيرانها، تبدأ بالتمتع ~~بنعم السلم والترف التي يمن الثراء بها عليها، فتذبل المزايا الحربية وتوجب زيادة ~~الحضارة حدوث احتياجات جديدة وتنمو الأثرة. وأبناء الوطن إذ لا يبقى لهم بذلك من مثل ~~عال غير التمتع السريع بالأموال التي تحصل على عجل يتركون للدولة أمر إدارة الشؤون ~~العامة فلا يلبثون أن يفقدوا جميع الصفات التي كانت سبب عظمتها، وهنالك يغير على ~~الأمة الكثيرة التمدن جيران من البرابرة أو من شباه البرابرة ms105 ذوو احتياجات ضعيفة إلى ~~الغاية مع مثل عال قوي جدا، ثم يقيم هؤلاء حضارة جديدة بأنقاض الحضارة التي قلبوها ~~رأسا على عقب، وعلى هذه الصورة هدم البرابرة إمبراطورية الرومان، وهدم العرب ~~إمبراطورية الفرس؛ مع ما كان لدى تينك الإمبراطوريتين من تنظيم هائل. وليست صفات الذكاء ~~هي التي كانت تعوز الأمم المقهورة لا ريب، وما كان بين الغالبين والمغلوبين من فرق ~~في ذلك لا يحتمل القياس، وفي زمن كانت رومة تحمل فيه بذور الانحطاط القريب كانت رومة ~~تشتمل على أروع الألباء والمتفننين والأدباء والعلماء، وإلى ذاك الدور من تاريخ رومة ~~يرجع تقريبا جميع الآثار التي أوجبت عظمتها، ولكن رومة كانت قد خسرت العنصر الأساسي ~~الذي لا يقوم مقامه أي نمو في الذكاء، كانت قد خسرت الأخلاق. # 1 # وكان لدى الرومان الأولين احتياجات ضعيفة جدا، وكان لديهم مثل عال قوي ~~جدا، وكان هذا المثل الأعلى الذي هو عظمة رومة يستولي على النفوس فيستعد كل روماني ~~للتضحية بأسرته وثروته وحياته في سبيله، ولما أضحت رومة قطب العالم وأغنى مدن الدنيا ~~قصدها الغرباء من كل صوب وحدب، فنالوا حقوق الروماني منها في نهاية الأمر، ولم تمل ~~نفوس هؤلاء الغرباء إلى غير التمتع بترف رومة فلم يبالوا بمجدها إلا قليلا، وهنالك غدت ~~رومة فندقا واسعا، وهنالك عادت رومة لا تكون رومة، وهي، وإن لاحت ذات حياة إذ ذاك، ~~لم تكن إلا ميتة منذ زمن طويل. # وعلل انحطاط كتلك تهدد حضاراتنا الرفيعة، وإلى تلك العلل تضاف علل أخرى صادرة عن ~~تطور النفوس بفعل الاكتشافات العلمية الحديثة، والعلم قد جدد مبادئنا ونزع كل سلطان من ~~مبادئنا الدينية والاجتماعية، والعلم قد أثبت للإنسان مكانه الضعيف في العالم وعدم ~~اكتراث الطبيعة المطلق له. والإنسان قد رأى أن الذي يسميه حرية ليس إلا جهلا بالعلل ~~التي تستعبده، وأن من مقتضى طبيعته أن يستعبد في شبكة من الضرورات، والإنسان قد أبصر ~~أن الطبيعة تجهل ما نسميه بالرحمة، وأن كل تقدم نشأ عن الطبيعة تم بانتخاب شديد ~~مؤد بلا انقطاع إلى سحق ms106 الضعفاء في سبيل الأقوياء. # وأوجبت جميع تلك المبادئ الجامدة الشديدة، المناقضة لما تقوله المعتقدات القديمة التي ~~فتنت آباءنا، حدوث مصادمات مزعجة في النفوس، وأحدثت في بعض الأدمغة العادية من فوضى ~~المبادئ ما يظهر أنه آية الإنسان في هذا الزمان، وأدت تلك المصادمات في الشبيبة ~~المتفننة والمثقفة إلى ضرب من عدم المبالاة القاتمة الهادمة لكل عزيمة، وإلى عجز تام ~~عن الولوع بأية قضية، وإلى عبادة مباشرة شخصية للمآرب دون سواها. # وفسر أحد وزراء المعارف العامة ملاحظة أحد الكتاب المعاصرين الصائبة القائلة : «إن ~~الحس النسبي يهيمن على الفكر في هذا العصر»، فصرح مسرورا في خطبة له جاء فيها: «إن ~~استبدال المبادئ النسبية بالمبادئ المجردة في مختلف المعارف البشرية هو أعظم فوز تم ~~للعلم.» ونحن نقول: إن هذا الفتح الذي أعلنت جدته هو قديم في الحقيقة؛ فقد ~~أتمته فلسفة الهند منذ قرون طويلة، ولا نرى ما يقتضي التهنئة على ذيوعه في الوقت ~~الحاضر، فالخطر الحقيقي على المجتمعات الحديثة ينجم عن فقد الناس لكل ثقة بقيمة المبادئ ~~التي تقوم عليها، ولا أعلم منذ بدء العالم أن أي تمدن أو أي نظام أو أي معتقد وفق ~~للبقاء مستندا إلى مبادئ ليس لها غير قيمة نسبية، وإذا لاح أن المستقبل لتلك المبادئ ~~الاشتراكية التي يرفضها العقل؛ فذلك لأن هذه المبادئ وحدها هي التي يتكلم الرسل عنها ~~باسم الحقائق المطلقة، وتقبل الجماعات، دائما، على أولئك الذين يحدثونها عن ~~الحقائق المطلقة، وتحتقر الجماعات ما سواها في كل وقت. # وعلى من يود أن يكون من رجال الدولة أن يعلم كيف ينفذ روح الجماعة ويدرك أحلامها ~~ويترك المجردات الفلسفية، والأمور لا تتغير أبدا، وما يصنع من المبادئ عنها هو الذي ~~قد يتغير كثيرا، وفي هذه المبادئ يجب أن يعرف كيف يؤثر. # ولا ريب في أننا لا نعلم من العالم الحقيقي سوى الظواهر، سوى أحوال وجدانية ذات قيمة ~~نسبية كما هو واضح، بيد أننا إذا نظرنا إلى الأمر من الوجهة الاجتماعية أبصرنا للجيل ~~المعين أو للمجتمع المعين من أحوال العيش ومن ms107 سنن الأخلاق ومن النظم ما هو ذو ~~قيمة مطلقة ما دام ذلك المجتمع لا يقدر على البقاء بغيره، وإذا ما غدت قيمة هذه ~~المقومات موضع جدل، وإذا ما ساور الشك النفوس، قضي على المجتمع بالهلاك. # هذه حقائق يمكن أن تعلم بإقدام، ولا تجد علما يقدر على إنكارها، ولا تؤدي ~~مخالفتها إلا إلى نتائج مضرة، وما يبثه اليوم بعض ذوي الرأي من العدمية الفلسفية في ~~أناس من ضعاف النفوس يجعل هؤلاء يستنبطون من فورهم كون نظامنا الاجتماعي ذا جور ~~مطلق، وكون جميع المراتب مخالفة للصواب، ويوحي إليهم بحقد على الأمور الحاضرة، ويقودهم ~~إلى الاشتراكية والفوضى توا. # ورجال الدولة المعاصرون شديدو الاعتقاد بتأثير النظم، ضعيفو الإيمان بتأثير ~~المبادئ، والعلم يدلهم، مع ذلك، على أن النظم وليدة المبادئ، وأنها لا تستطيع البقاء ~~من غير استناد إليها، فالمبادئ هي المحركات الباطنية للأمور، والمبادئ إذا ما زالت ~~تقوضت أركان النظم والحضارات الخفية، ومن أحرج الساعات في حياة الأمة الساعة ~~المرهوبة التي تهبط فيها مبادئها المسنة إلى ظلام المدفن حيث ترقد الآلهة ~~الميتة. # وإذا ما طرحنا العلل جانبا وأوضحنا المعلولات وجدنا انحطاطا بينا يهدد تهديدا ~~جديا حياة معظم الأمم الأوربية الكبرى، ولا سيما الأمم التي تعرف بالأمم ~~اللاتينية، والتي هي لاتينية في الحقيقة بالتقاليد والتربية إن لم تكن بالدم، فهذه ~~الأمم تخسر كل يوم قوة المبادرة والإقدام والإرادة والقدرة على السير، ويكاد قضاء ~~احتياجاتها المادية الزائدة يصبح مثلها الأعلى الوحيد، وفيها تبصر انحلال الأسرة ~~وتداعي المقومات الاجتماعية، وفيها ترى انتشار السخط والارتباك بين جميع الطبقات من ~~غنيها إلى فقيرها، ويشبه الرجل المعاصر السفينة التي أضاعت بوصلتها فهامت على وجهها ~~كما تشاء الرياح، فتراه تائها كما تهوى المصادفة في الفضاء الذي كان عامرا بالآلهة ~~فجعله العلم غامرا، وتراه قد خسر الإيمان ففقد الأمل دفعة واحدة. ويلوح أن الجماعات، ~~بعد أن أصبحت سريعة الانفعال شديدة التقلب، وبعد أن عاد لا يزجرها زاجر، مقضي ~~عليها بأن تكون مذبذبة، بلا انقطاع، بين أشد ضروب الفوضى وأثقل ضروب الاستبداد. أجل، ~~تثار ms108 الجماعات بالألفاظ، ولكن آلهتها في يوم لا تلبث أن تغدو ضحايا لها، والجماعات ~~تبغي الحرية بحرارة في الظاهر، والجماعات ترفض الحرية على الدوام في الحقيقة، فتطلب من ~~الدولة بثبات أن تصنع لها قيودا، والجماعات تطيع بعمى أكثر الطغاة غموضا وأضيق ~~المستبدين نظرا، وأما المتفيهقون الذين يعتقدون قيادتهم للجماعات مع أنهم يسيرون ~~وراءها على العموم فإنهم يخلطون ما يحفزها، دائما، إلى تبديل سيدها من النزق وعدم ~~الصبر بروح الاستقلال الحقيقية التي تحول دون الخنوع لأي سيد كان. # ومهما يكن نظام الدولة السياسي الاسمي فإن الدولة تمثل الألوهية التي تتوجه إليها ~~جميع الأحزاب، فمن الدولة يطلب ما تثقل وطأته كل يوم من التنظيم والحماية وما ~~يتناول أدق شؤون الحياة من الشكليات البزنطية الجائرة. وتعدل الشبيبة بالتدريج عن ~~الأعمال التي تتطلب تمييزا ومبادرة ونشاطا وجهودا شخصية وإرادة، وتفزع الشبيبة من ~~أصغر التبعات، وتكتفي الشبيبة بأحقر مناصب الدولة ذات الرواتب، ويجهل التجار طرق ~~المستعمرات ولا يعمر المستعمرات غير الموظفين. # 2 # وتبصر لدى رجال الدولة قيام المناقشات الشخصية الفارغة إلى الغاية مقام ~~النشاط والعمل، وتبصر لدى الجموع قيام الحماسات أو الغضبات مقام النشاط والعمل، وتبصر ~~لدى المثقفين قيام ضرب من الحنو الدامع العاجز الغامض وقيام المناقشات الكامدة حول ~~بؤس الحياة مقام النشاط والعمل، وتبصر في كل مكان نمو أثرة لا حد لها، وعاد الفرد لا ~~يبالي بغير نفسه، وتلقي الوجدانات سلاحها، وتهبط الآداب العامة وتنطفئ مقدارا ~~فمقدارا، ويفقد الرجل كل سلطان على نفسه، وغدا الرجل جاهلا كيف يضبط نفسه، ومن لم ~~يعرف أن يضبط نفسه لم يلبث أن يضبطه الآخرون. # ومن العسير تغيير تلك الحال العامة، ويجب للوصول إلى ذلك أن تحول تربيتنا اللاتينية ~~المحزنة قبل كل شيء، فهذه التربية تجرد من كل مبادرة وكل نشاط أولئك الذين قد يتصفون ~~بشيء منهما وراثة، وهي تطفئ كل بصيص من الاستقلال الذهني ما دامت لا تهب للشبيبة من ~~المطامح غير الفوز في المسابقات الكريهة، وتلك المسابقات، وهي لا تتطلب غير جهود ~~الذاكرة، تؤدي من حيث النتيجة إلى ms109 وضعها على رأس كل عمل أصحاب الأدمغة الذين أوجب ~~استعدادهم المنحط للتقليد عجزهم عن الاستقلال الذاتي والجهد الشخصي. ومن قول أحد ~~المربين الإنكليز لغيزو حين زيارة هذا الأخير لمدارس بريطانية العظمى: «إني أحاول أن ~~أصب الحديد في روح الأولاد»، فأين ما يحقق به مثل ذلك الحلم لدى الأمم اللاتينية من ~~المربين والبرامج؟ ومن المحتمل أن يؤدي النظام العسكري إلى تحقيق ذلك، والنظام العسكري ~~وحده هو الذي يستطيع أن يكون مؤثرا في ذلك على كل حال، ومن أسباب النهوض الرئيسة عند ~~الأمم التي يعتريها الوهن هو تنظيم الخدمة العسكرية العامة الشديدة فيها وكونها مهددة ~~بحروب طاحنة دائما. # وبذلك الانحطاط الخلقي العام، وبعجز أبناء الوطن عن ضبط أنفسهم بأنفسهم، وبعدم ~~اكتراثهم الذي ينم على الأثرة، تبدو الصعوبة لدى معظم الأمم اللاتينية في العيش تحت ~~قوانين حرة بعيدة من الاستبداد والفوضى، ومن السهل أن ندرك كون تلك القوانين محببة ~~بعض الشيء للجماعات ما دامت القيصرية تعد الجماعات بالمساواة في العبودية على الأقل ~~إن لم تعدها بالحرية التي لا تبالي بها أبدا، وإنما الذي يعسر فهمه هو أن تبصر ~~الطبقات المنورة ترضى النظم الجمهورية بأقصي الصعوبة، وذلك ما لم تنظر إلى ثقل ~~المؤثرات الموروثة، أفلا تتاح بمثل هذه النظم لذوي الأفضلية، وذوي الذكاء على الخصوص، ~~فرصة الظهور؟ إن عيب هذه النظم الحقيقي الوحيد لدى طلاب المساواة بأي ثمن هو أنها ~~تؤدي إلى تكوين أريستوقراطيات ذهنية قوية، وبالعكس ترى أن أشد النظم ضيما من ناحية ~~الخلق وناحية الذكاء هو النظام القيصري بأنواعه، والنظام القيصري ليس له من المزية إلا ~~أنه يؤدي بسهولة إلى المساواة في النذالة والضراعة في المذلة، والنظام القيصري شديد ~~الملاءمة لخسيس الاحتياجات في الأمم التي هي في دور الانحطاط والتي تميل إلى العودة ~~إليه على الدوام. وتنجذب هذه الأمم إلى ريش خوذة أي قائد كان، فإذا كانت الأمة في ذلك ~~الوضع جاءت ساعتها وانقضى زمنها. # ويعاني نظام الأجيال القديمة، الذي أبصر التاريخ ظهوره في الحضارات عند أقصى فجرها ~~وأقصى انحطاطها، تطورا واضحا ms110 في الوقت الحاضر؛ فتراه اليوم يبعث باسم الاشتراكية، ~~وسيكون هذا التعبير الجديد لاستبداد الدولة أقسى أطوار النظام القيصري لا ريب؛ وذلك ~~لأنه - وهو غير شخصي - يتفلت من جميع دواعي الوجل التي تردع أقبح ~~الطغاة. # وتبدو الاشتراكية في الوقت الحاضر أشد الأخطار التي تهدد الأمم الأوربية، فبها سيتم ~~- لا ريب - ذلك الانحطاط الذي يعده كثير من العلل، وهي نذير خاتمة بعض حضارات الغرب ~~على ما يحتمل. # ويجب ألا ينظر إلى التعاليم التي تنشرها الاشتراكية لتبين أخطار قوتها، بل إلى ما ~~توحي به من الإخلاص، فالاشتراكية معتقد جديد لتلك الجماعة العظيمة من المحرومين طيب ~~العيش، والذين توجب أحوال التمدن الحاضر الاقتصادية فيهم حياة قاسية إلى الغاية، ~~وستكون الاشتراكية ذلك الدين الجديد الذي سيعمر السماوات الخاوية، وستقوم الاشتراكية ~~عند جميع أولئك الذين لا يحتملون البؤس بلا وهم مقام الجنات الساطعة التي كانوا ~~يبصرونها من زجاج نوافذ كنائسهم، ويرى ذلك الكيان الديني المقبل زيادة عدد المؤمنين به ~~يوما فيوما، وهو سيكون له شهداء عما قليل، وهنالك يصبح من المعتقدات الدينية التي ~~تثير الأمم والتي هي ذات سلطان مطلق على النفوس. # ومن الواضح أن تؤدي عقائد الاشتراكية إلى نظام منحط من العبودية قاتل لكل قوة ~~مبادرة وكل استقلال في النفوس الخاضعة لسلطانه لا ريب، ولكن هذا الوضوح يبدو، فقط، ~~لعلماء النفس المطلعين على أحوال عيش الناس، وبصائر مثل هذه مما يمتنع على الجماعات، ~~وإقناع الجماعات يستلزم براهين أخرى، وهذه البراهين لم تقتبس من دائرة العقل ~~قط. # ولا مراء في مخالفة العقائد التي تبصر ظهورها للذوق السليم، ولكن ألم تكن ~~العقائد الدينية التي سيرتنا في قرون كثيرة مخالفة للذوق السيلم أيضا؟ وهل منعها ~~ذلك من إخضاع أشد العباقرة بصيرة لأحكامها؟ ألا إن الإنسان في موضوع المعتقدات لا ~~يصغي إلا إلى صوت مشاعره اللاتنبهية. ألا إن هذه المشاعر ميدان مبهم لا محل ~~للعقل فيه مطلقا. # إذن، هنالك عدة أمم أوربية ستحمل على الخضوع لطور الاشتراكية المرهوب بفعل المزاج ~~النفسي الذي أورثها إياه ماض طويل، وستكون الاشتراكية إحدى ms111 مراحل الانحطاط الأخيرة، ~~والاشتراكية حين ترد حضارات كثيرة إلى وجوه منحطة من التطور تجعل الغارات المخربة ~~التي تهددنا أمرا سهلا. # وإذا عدوت إنكلترة لم تجد في أوربة عرقا يحوز من الإقدام الكبير والمعتقدات ~~الثابتة ومن الاستقلال الخلقي ما يكفي للخلاص من ذلك الدين الجديد الذي نبصر ظهوره، ~~وإذا ما نظر إلى نجاح المذاهب الاشتراكية في سواء ألمانية رئي أن ألمانية ستذهب ضحية ~~الاشتراكية، ومما لا شك فيه أن الاشتراكية التي ستفضي بها إلى الخراب ستضفو عليها صيغ ~~علمية صارمة تصلح لمجتمع خيالي لا ينتجه البشر أبدا. # ومع ذلك ستكون الاشتراكية نظاما جائرا لا يكتب له دوام، وهي ستجعل الناس يأسفون ~~على عهد طيبريوس وكاليغولا، وستعيد إليهم ذلك العهد، ومما يسأل في بعض الأحيان: ~~كيف كان الرومان في زمن الأباطرة يطيقون بسهولة نزوات أمثال ذينك الجبارين ~~القاسية؟ والجواب عن هذا هو أن الرومان أيضا عرفوا النفي والطرد بفعل المنازعات ~~الاجتماعية والحروب الأهلية فخسروا أخلاقهم، فعدوا أولئك الطغاة آخر وسيلة للنجاة، ~~وكان الرومان يصبرون على أولئك لعدم معرفتهم كيف يستبدلون غيرهم بهم، وهم لم يستبدلوا ~~غيرهم بهم في الحقيقة؛ فقد جاء بعدهم دور الدوس الأخير تحت أقدام البرابرة، جاءت ~~نهاية العالم، فعلى هذا المدار يدور التاريخ في كل زمان. # | هوامش # الفصل الثاني # | خلاصات عامة # ذكرنا في مقدمة هذا الكتاب أنه ليس سوى خلاصة قصيرة، سوى إجمال تركيبي للمجلدات ~~التي خصصناها لتاريخ الحضارات، فمن الصعب، إذن، تكثيف الأفكار التي اشتمل عليها تكثيفا ~~آخر، وتراني أحاول، مع ذلك، أن أعرض المبادئ الأساسية التي تنم على فلسفة هذا الكتاب ~~في قضايا موجزة إلى الغاية: # لكل عرق صفات نفسية ثابتة ثبات الصفات الجثمانية تقريبا، والنوع النفسي ~~كالنوع التشريحي، لا يتحول إلا ببطء عظيم. # يضاف إلى الصفات النفسية الثابتة الموروثة التي يتألف من اجتماعها مزاج ~~العرق النفسي عناصر ثانوية ناشئة عن مختلف تغيرات البيئات، وذلك كما ~~يحدث لدى جميع الأنواع التشريحية، وتتجدد تلك العناصر الثانوية بلا انقطاع؛ ~~فيكون للعرق بذلك تغير ظاهر على شيء من الاتساع. # لا ms112 يمثل المزاج النفسي للعرق خلاصة أفراده الأحياء وحدهم، بل يمثل، ~~على الخصوص، المزاج النفسي للأجداد الكثيرين الذين أعانوا على تكوينه. ~~والأموات، لا الأحياء، هم الذين يمثلون أهم دور في كيان الأمة، والأموات ~~هم موجدو أدب الأمة وعوامل سيرها اللاشعورية. # تلازم الفروق التشريحية العظيمة التي تفصل بين مختلف العروق البشرية ~~الفروق النفسية التي لا تقل عنها أهمية، والعروق، إذا ما قابلنا بين ذوي ~~المستوى المتوسط من أبنائها، بدت الفروق النفسية بينها ضعيفة في الغالب، ~~وتبدو هذه الفروق عظيمة عند المقابلة بين أعلى العناصر في تلك العروق، ~~فهنالك يرى أن الذي يميز العروق العليا من العروق الدنيا على الخصوص هو ~~اشتمال العروق العليا على ما لا تحتويه العروق الدنيا من ذوي الأدمغة ~~النامية إلى الغاية. # تسود الأفراد الذين تتألف منهم العروق الدنيا مساواة واضحة، والعروق، ~~كلما ارتقت في سلم الحضارة، اختلف أفرادها شيئا فشيئا، ويتجلى أثر ~~الحضارة المحتوم في تفاوت الأفراد والعروق، فإلى التفاوت الزائد، لا إلى ~~المساواة، تسير الأمم إذن. # حياة الأمة وجميع مظاهر حضارتها صدى لروحها، وهما دلائل منظورة لأمر ~~حقيقي غير منظور، وما الحوادث الخارجية إلا صورة ظاهرة للحمة الخفية ~~التي تعينها. # أخلاق الأمة على الخصوص، لا المصادفة ولا الأحوال الخارجية ولا النظم ~~السياسية، هي التي تمثل الدور الأساسي في تاريخها. # بما أن عناصر حضارة الأمة دلائل خارجية على مزاجها النفسي وعنوان طرز ~~لإحساسها وتفكيرها فإنها لا تنتقل، من غير تغيير، إلى أمم أخرى ذات أمزجة ~~مختلفة عن مزاجها، والعناصر الوحيدة التي يمكن أن تنتقل هي الأشكال ~~الخارجية السطحية التي لا أهمية لها. # تؤدي الفروق العميقة التي تفصل بين الأمزجة النفسية لمختلف الأمم إلى ~~تبين هذه الأمم للعالم الخارجي على وجوه شديدة التباين، وينشأ عن هذا ~~شدة اختلافها في طرز الشعور والتمييز والسير، ومن ثم اختلافها في جميع ~~المسائل عند المصاقبة، وما معظم الحروب التي تملأ التاريخ إلا ناشئا عن ~~تلك الاختلافات، وما حروب الفتوح والحروب الدينية وحروب الأسر المالكة في ~~الحقيقة إلا حروب عروق على الدوام. # لا ينتهي ms113 جمع من الناس مؤلف من أصول مختلفة إلى تكوين عرق؛ أي إلى حيازة ~~روح عامة، إلا إذا اكتسب، بتوالد مكرر في عدة قرون وبحياة متشابهة في بيئات ~~متماثلة، مشاعر واحدة، ومصالح واحدة، ومعتقدات واحدة. # لا تجد لدى الأمم المتمدنة عروقا طبيعية، بل تجد عندها عروقا مصنوعة ~~نشأت عن أحوال تاريخية. # لا يؤثر تغير البيئات تأثيرا عميقا في غير العروق الجديدة؛ أي عند ~~اختلاط العروق القديمة التي أسفر توالدها عن انحلال أخلاقها الموروثة، ~~فالوارثة وحدها هي التي تقدر على مكافحة الوراثة، ولا يؤدي تغير البيئة ~~إلى غير التخريب في العروق التي لم يقض التوالد على ثبات أخلاقها، وأهون ~~على العرق القديم أن يهلك من أن يخضع لتحولات تستلزمها ملاءمة بيئات ~~جديدة. # تكون حيازة الأمة لروح جامعة متينة التركيب آية بلوغ هذه الأمة أوج ~~عظمتها، ويكون انحلال هذه الروح نذير انحطاطها، ويكون دخول عناصر أجنبية في ~~الأمة من أصح الوسائل لبلوغ مثل هذا الانحلال. # تخضع الأنواع النفسية لعوامل الزمن كما تخضع الأنواع التشريحية؛ فهي تهرم ~~وتموت مثلها، وقد تزول تلك الأنواع بسرعة مع أنها تتكون ببطء كبير على ~~الدوام، فيكفي أن يقع اضطراب عميق في قيام أعضائها حتى تعاني تحولات ~~راجعة مؤدية إلى هلاك سريع في الغالب، فالأمم، وإن اقتضى اكتسابها لمزاج ~~نفسي قرونا طويلة، تفقد هذا المزاج في وقت قصير أحيانا. # يجب أن توضع المبادئ بجانب الأخلاق كعامل رئيس في تطور الحضارة، ولا ~~تؤثر هذه المبادئ إلا بعد أن تتحول بتطور بطيء إلى مشاعر فتصبح جزءا من ~~الأخلاق، فهنالك تتفلت من تأثير الجدل، ولا تزول إلا بعد زمن طويل، ~~وتشتق كل حضارة من عدد قليل من المبادئ الأساسية التي يجمع ~~عليها. # تجد المبادئ الدينية بين أهم المبادئ التي توجه الحضارة، وعن ~~مختلف المعتقدات الدينية نشأ، على وجه مباشر، معظم الحوادث التاريخية، وقد ~~اقترن تاريخ البشرية بتاريخ آلهتها، وكان ظهور آلهة جديدة دليلا على ~~فجر حضارة جديدة في كل وقت، والآلهة - وهي أبناء أحلامنا - تبلغ من ~~السلطان ما يؤدي معه تغيير اسمها ms114 وحده إلى قلب العالم من فوره ~~رأسا على عقب. ms115