######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.UsulTafawut.Hindawi61496319 #META# Tags: philosophy :: social.sciences #META# ID: 61496319 #META# Title: أصل التفاوت بين الناس #META# AuthorID: 48639273 #META# Author: جان جاك روسو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1191JeanJacquesRousseau.FondmentsDeInegalite (TRANSL) #META#Header#End# # رسالة‏ # إلى جمهورية جنيف‏ # المقدمة‏ # كلمة حول أصل التفاوت وأساسه بين الناس‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # تعليقات‏ # رسالة‏ # إلى جمهورية جنيف‏ # المقدمة‏ # كلمة حول أصل التفاوت وأساسه بين الناس‏ # القسم الأول‏ # القسم الثاني‏ # تعليقات‏ # | أصل التفاوت بين الناس # | أصل التفاوت بين الناس # تأليف # جان جاك روسو # ترجمة # عادل زعيتر # | مقدمة # بقلم عادل زعيتر # كان جان جاك روسو في رسالته عن تأثير الفنون والعلوم في الأخلاق قد أقام الدليل على أنهما ~~أفسدا الأخلاق وأوجبا شقاء الإنسان، مدعيا أن الترف والحضارة من نتائجهما، قائلا ~~بالرجوع إلى حال الطبيعة، ومما ذهب إليه في هذه الرسالة كون الثقافة أقرب إلى الشر منها ~~إلى الخير، وكون التفكير مناقضا لطبيعة الإنسان، وكون الفضيلة والأمانة والصدق لا أثر ~~لها في غير الحال الطبيعية حيث لا علوم ولا فنون. # وكتب روسو رسالته تلك بقلم حار وعاطفة جارفة، فجاءت مبتكرة في مجتمع بلغ الغاية ~~من المدنية مخالفا لما عليه الجمهور، ويعد روسو في رسالته تلك كالمحامي الذي يلتزم ~~طرفا واحدا في المرافعات، فيصعب تصديق جديته في تمثيل دوره؛ ولذلك لا تتجلى أهمية رسالته ~~تلك في اشتمالها على مذهب إيجابي، بل في كونها مفتاحا لنشوء روسو الذهني، وفي كونها مرحلة ~~مؤدية إلى «أصل التفاوت»، فإلى «العقد الاجتماعي». # و«أصل التفاوت» هو ما نقدم ترجمته الآن بعد أن قدمنا ترجمة «العقد الاجتماعي». # نشر روسو كتاب «أصل التفاوت» في سنة 1755 مقدما إلى جمهورية جنيف، وتدل كلمة ~~«الطبيعة» هنا على تطور كبير، فلا يعارض روسو بها شرور المجتمع معارضة فارغة، بل تنطوي ~~على أمور إيجابية، فنرى نصف «أصل التفاوت» يشتمل على وصف خيالي لحال الطبيعة التي يكون ~~الإنسان فيها محصورا ضمن أضيق مجال مع قليل احتياج إلى أمثاله، وقليل اكتراث لما وراء ~~احتياجات الساعة الحاضرة. # وفي هذا الكتاب صرح روسو بأنه لا يفترض وجود الحال الطبيعية فعلا، وإنما يستحسن ~~حالا من الهمجية متوسطة بين الحال الطبيعية والحال الاجتماعية، يحافظ الناس بها على ~~البساطة ومنافع الطبيعة. ويظهر من تعليقات روسو على متن الكتاب أنه ms01 لا يريد رجوع المجتمع ~~الفاسد الحاضر إلى حال الطبيعة، وإنما يعد المجتمع أمرا لا مفر منه مع فساده، وهو ~~يعلل هذا الفساد بالتفاوت بين أفراد المجتمع في المعاملات والحقوق، فيتغنى بالإنسان ~~الطبيعي الطاهر، ويقول بتلك الحال المتوسطة حيث تسود المساواة. # وقد وجد من يؤاخذ روسو على سلوكه منهاج التاريخ في «أصل التفاوت»، مع أنه لم يحرص على ~~إلباس هذا الكتاب ثوبا تاريخيا، وانتحال المناحي التاريخية الزائفة من خصائص القرن ~~السابع عشر والقرن الثامن عشر، وروسو لم يبال بهذه المناحي. # ويعد كتاب «أصل التفاوت» هذا مدخلا لكتاب «العقد الاجتماعي»، الذي ظهر سنة 1762، ~~لا بد منه للوقوف على ما اشتمل عليه «العقد الاجتماعي» من أصول ومبادئ. وقد نقلنا إلى ~~العربية كتاب «العقد الاجتماعي» العظيم الشأن وتم نشره مستقلا، وفي «العقد الاجتماعي» ~~حمل روسو على الرق وعدم المساواة، وناضل عن حقوق الإنسان وأقامها على طبيعة الأمور، ~~وقال إن هدف كل نظام اجتماعي وسياسي هو حفظ حقوق كل فرد، وإن الشعب وحده هو صاحب السيادة. ~~وكان روسو يهدف في «العقد الاجتماعي» إلى النظام الجمهوري، فتحقق هذا النظام بالثورة ~~الفرنسية بعد ثلاثين سنة، حين اتخذ «العقد الاجتماعي» إنجيل هذه الثورة. # ولم يقل روسو بحكومات زمنه لمنافاتها للطبيعة، ويقوم مذهبه على كون الإنسان صالحا ~~بطبيعته محبا للعدل والنظام، فأفسده المجتمع وجعله بائسا، والمجتمع سيئ لأنه لا يساوي ~~بين الناس والمنافع، والتملك جائز لأنه مقتطع من الملك الشائع الذي يجب أن يكون خاصا ~~بالإنسانية وحدها، فيجب أن يقضي على المجتمع إذن، وأن يرجع إلى الطبيعة، وهنالك يتفق الناس ~~بعقد اجتماعي على إقامة مجتمع يرضى به الجميع، فيقيمون بذلك هيئة تمنح الجميع ذات ~~الحقوق، وتقوم سيادة الشعب مقام سيادة الملك، ويتساوى فيها الناس، وتنظم فيها الثروة ~~والتربية والديانة. # ويعد روسو من أعظم من أنجبت بهم فرنسا من الكتاب، غير أن آراءه تقبل أو ~~ترفض على حسب الأمزجة، وهو يحب أن يكره ككاتب أوحى بالثورة الفرنسية قبل كل ~~شيء. # ويوجد لكتب روسو معنيان، فيها ينفذ إلى الذهنية التي كانت ms02 سائدة للقرن الثامن عشر، وهي ~~ذات أثر بالغ في حوادث أوروبا التي وقعت فيما بعد، وبهذه الكتب يمثل روسو في عالم الفكر ~~السياسي مرحلة الانتقال من النظرية التقليدية للدولة في القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة ~~حول الدولة. # ولم يعالج روسو نظم الدول الموجودة، خلافا لما صنع مونتسكيو وفولتير، فبينما كان ~~مونتسكيو وفولتير، اللذان هما من أبناء الطبقة العليا، يقتصران على المطالبة بالإصلاح ~~السياسي والديني وثلم شوكة الاستبداد، كان ابن الشعب روسو، الذي قضى شبابا قاسيا، ينتهي ~~بآلامه إلى ضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديدا كليا، ومن قول روسو: «لم يهدف مونتسكيو ~~إلى معالجة مبادئ الحق السياسي، وإنما كان يكتفي بمعالجة الحق الوضعي (القانون) للحكومة ~~القائمة، فلا يمكن أن يبدو اختلاف بين دراستين أكثر من هذا!» ومن ثم يكون روسو قد تمثل ~~موضوعه مختلفا عن موضوع «روح الشرائع» كل الاختلاف. # ولا نرى أن ندرس حياة روسو في هذه المقدمة، فقد فعلنا ذلك في مقدمتنا لترجمة «العقد ~~الاجتماعي» التي اقتطفنا ما تقدم منها، والتي تعد مقدمة لهذا الكتاب أيضا، فعلى هذا ~~القصد نمسك القلم عن بيان سيرة روسو هنا، مكتفين بما تقدم، محيلين القارئ على تلك ~~المقدمة. # نابلس # | رسالة # في هذا السؤال الذي اقترحته أكاديمية ديجون: ما أصل التفاوت بين الناس، وهل أجازه ~~القانون الطبيعي؟ # يجب علينا أن نعد طبيعيا ما نظم وفق الطبيعة من أمور، لا ما فسد ~~منها. # أرسطو، السياسة، باب 1، فصل 2 # | إلى جمهورية جنيف # أيها السادة المبجلون الأجلاء الكرام! # بما أنني اعتقدت أنه لا يستطيع غير المواطن الصالح أن يقدم إلى وطنه من التكريم ما ~~يمكنه قبوله، فإنني عملت ثلاثين سنة لأكون أهلا لأن أقدم إليكم تحية عامة، فتقوم هذه ~~الفرصة السعيدة من بعض الوجوه مقام ما قد تنطوي عليه جهودي من نقص، وحسبت أنه يباح لي ~~التأمل في الغيرة التي تغريني أكثر مما في الحق الذي يجب أن يمهد لي السبيل، وبما أنه ~~كان لي شرف الولادة بينكم، فكيف يمكنني أن أنعم النظر في المساواة التي وضعتها الطبيعة ms03 ~~بين الناس وفي التفاوت الذي أقاموه، من غير أن أفكر في الحكمة البالغة التي مزجت بها ~~تلك وهذا مزجا موفقا في هذه الدولة، فيسعيان من أقرب الطرق إلى القانون الطبيعي، ومن ~~أكثرها ملاءمة إلى المجتمع، حفظا للنظام العام وسعادة الأفراد؟ وإني حين بحثت عن أصلح ~~القواعد التي يمكن العقل الرشيد أن يمليها حول نظام حكومة، بلغت من بهر النظر ~~باكتشافي وجودها كلها جارية في حكومتكم ما كنت أرى معه عدم استطاعتي إعفاء نفسي من تقديم ~~هذه الصورة عن المجتمع البشري إلى هذا الشعب، الذي يلوح أنه أكثر الشعوب أخذا بمحاسنها ~~واجتنابا لمساوئها، ولو لم أكن قد ولدت داخل أسواركم. # ولو كان لي اختيار محل ولادتي لاخترت مجتمعا بالغا من الاتساع ما يحد معه بمدى ~~الخصائص البشرية، أي بإمكان حسن الحكومة، حيث كل واحد مساو لعمله، فلا يلزم أحد ~~بأن يفوض إلى آخرين بوظائف كان قد عهد إليه فيها. وإن دولة يتعارف جميع الناس فيها لا ~~يمكن مكايد الرذيلة الخفية، ولا اتضاع الفضيلة، أن يغيبا عن أنظار الجمهور وحكمه ~~فيها، فتجعل هذه العادة اللطيفة في الالتقاء والتعارف حب الوطن حبا للمواطنين أكثر من ~~جعله حبا للأرض. # وكنت أود أن أولد في بلد لا يمكن أن يكون للسيد والشعب فيه غير مصلحة واحدة بذاتها، ~~وذلك لكي تميل جميع حركات الآلة إلى السعادة العامة، وبما أن هذا لا يمكن أن يكون ما لم يكن ~~الشعب والسيد شخصا واحدا، فإنني أود لو ولدت في كنف حكومة ديموقراطية معتدلة ~~بحكمة. # وكنت أود أن أحيا وأموت حرا، أي أن أبلغ من الخضوع للقوانين ما لا أستطيع معه، ولا ~~يستطيع أحد معه، إلقاء النير المكرم عن الكاهل، هذا النير الشافي الهين الذي تحمله أكثر ~~الرءوس تكبرا بدعة، كما لو كانت قد خلقت لكيلا تحمل غيره. # وكنت أود - إذن - ألا يكون في الدولة من يقدر أن يقول إنه فوق القوانين، وألا يكون ~~في الخارج من يقدر أن يملي ما تحمل به الدولة على الاعتراف بسلطانه؛ وذلك لأنه ~~إذا ms04 ما وجد في الحكومة، مهما أمكن أن يكون نظامها، رجل غير خاضع للقوانين، كان ~~الباقون تابعين لهواه # 1 # وذلك لأنه، إذا ما وجد رئيس قومي وآخر أجنبي فإنه، مهما كان اقتسام ~~السلطة الذي يمكنهما أن يأتياه، يتعذر أن يطاع كل منهما كما يجب، وأن تحسن إدارة ~~الدولة. # وما كنت لأختار العيش في جمهورية ذات نظام جديد، مهما أمكن أن تكون قوانينها صالحة، ~~وذلك خشية أن تكون الحكومة قد كونت على غير مقتضيات الوقت، فتختلف هي والمواطنون الجدد، ~~أو يختلف المواطنون والحكومة الجديدة، وتكون الدولة عرضة للارتجاج والانهيار منذ ~~ولادتها تقريبا؛ وذلك لأن الحرية هي كتلك الأغذية الجامدة والعصارية، أو تلك الخمور ~~السخية الصالحة لتغذية وتقوية البنيات القوية المتعودة إياها، ولكن مع إرهاقها وتقويضها ~~وإسكارها الضعفاء والنحاف الذين لم يخلقوا لها قط، وإذا ما تعودت الشعوب سادة ذات ~~مرة عادت لا تستغني عنهم، وإذا ما حاولت الشعوب إلقاء النير، ابتعدت عن الحرية بالمقدار ~~الذي تحولها به إلى تحلل جامح معاكس لها، وتسلمها ثوراتها دائما تقريبا إلى غواة ~~لا يفعلون غير إثقال قيودها، ولم يكن الشعب الروماني نفسه قط - هذا الشعب الذي هو مثال ~~لجميع الشعوب الحرة - قادرا على الحكم في نفسه عندما تفلت من ظلم آل تاركين، فهو إذ ~~أذل بالعبودية والأعمال الشائنة التي فرضوها عليه لم يعد في البداءة غير كونه رعاعا ~~أغبياء تجب مداراتهم والحكم فيهم بأعظم حكمة؛ وذلك لكي تنال بالتدريج هذه النفوس الواهنة، ~~وإن شئت فقل المتوحشة في عهد الطغيان، بتعودها استنشاق هواء الحرية الصحي مقدارا ~~فمقدارا، تلك المتانة الخلقية وتلك العزة الباسلة اللتين جعلتاها أكثر الشعوب أهلا ~~للاحترام، وكان علي أن أبحث لوطني إذن عن جمهورية سعيدة هادئة ضاع قدمها في ليل الزمن من ~~بعض الوجوه، فلم تختبر بتغير صدمات صالحة لإظهارها وتمكينها خلق الشجاعة وحب الوطن، ~~وحيث يكون المواطنون المتعودون استقلالا حكيما زمنا طويلا جديرين بأن يكونوا أحرارا، ~~لا أحرارا فقط. # وكنت أود أن أختار لنفسي وطنا مصروفا عنه لعجز مجدود (ذو الحظ)، وعن حب ms05 ضار ~~للفتوح ، مضمونا بموقع أكثر حظا أيضا، وذلك عن خوف غدوه فتحا لدولة أخرى، وذلك ~~كمدينة حرة واقعة بين شعوب كثيرة ليس لأي واحد منها مصلحة في الاستيلاء عليها، ويكون لكل ~~واحد منها مصلحة في منع الآخر من الاستيلاء عليها، أي أن أختار جمهورية لا تثير طموح ~~جاراتها مطلقا، ويمكن أن تعتمد على مساعدة هذه الجارات اعتمادا مناسبا عند الضرورة، ومن ~~ثم لا يمكن الدولة الجمهورية ذات الحظ في موقعها بهذا المقدار أن تخشى غير نفسها، فإذا ~~كان مواطنوها يمارسون استعمال الأسلحة، فذلك ليبقوا في بلدهم تلك الحمية الحربية وتلك ~~العزة الباسلة الملائمتين للأحرار، واللتين تغذيان ذوقهم أكثر من ضرورة توليهم أمر دفاعهم ~~الخاص. # وكان علي أن أبحث عن بلد يكون حق الاشتراع فيه مشتركا بين جميع المواطنين، فمن ذا ~~الذي يستطيع أن يعلم أحسن من هؤلاء شروط العيش معا في المجتمع عينه؟ ولكنني ما كنت ~~لأستحسن استفتاءات مماثلة لما قام به الرومان، حيث كان رؤساء الدولة ومن هم أحرص الناس ~~على بقائها ممنوعين من المباحثات التي تتوقف عليها سلامتها في الغالب، وحيث كان الحكام ~~محرومين، عن تناقض محال، ما يتمتع به أحقر المواطنين من حقوق. # وكنت - على العكس - أرغب لوقف المشاريع المغرضة السيئة المفهوم والبدع الخطرة التي قضت ~~على الاثنين في نهاية الأمر، ألا يكون لكل واحد سلطة اقتراح قوانين جديدة وفق هواه، أن يكون ~~هذا الحق خاصا بالحكام وحدهم، وأن يقوم هؤلاء بذلك مع حذر كثير، وأن يكون الشعب من ~~الاحتفاظ بحقه في الموافقة على هذه القوانين، وأن يكون نشرها من التعذر بغير احتفال كبير ما ~~يكون معه قبل قلب النظام من الوقت الكافي ما يقنع فيه بكون قدم القوانين البالغ على ~~الخصوص هو الذي يجعلها مقدسة محترمة، وأن يزدري الشعب من فوزه ما يرى تبديله كل يوم من ~~القوانين، وأن يعلم أنه بتعود إهمال العادات القديمة بحجة الإصلاح تتخذ في الغالب ~~شرور كبيرة إصلاحا لما هو دونها. # وكنت أجتنب على الخصوص، كسيئة الإدارة بحكم الضرورة، جمهورية يعتقد ms06 الشعب فيها إمكان ~~استغنائه عن حكامه أو عدم تركه لهم غير سلطة وقتية، فيحتفظ عن عدم ترو بإدارة الأمور ~~المدنية وتنفيذ قوانينه الخاصة، فهذا ما وجب أن كان عليه نظام الحكومات الأولى الغليظ فور ~~خروجها من الحال الطبيعية، وهذا ما كانت عليه إحدى النقائص التي قضت على جمهورية ~~أثينة. # ولكنني كنت أختار مجتمعا يكتفي الأفراد فيه بتأييد القوانين، وبتقريرهم أهم الشئون ~~العامة ضمن هيئة وبناء على طلب الرؤساء فينشئون محاكم محترمة، ويميزون بين مختلف الدوائر ~~بعناية، وينتخبون بين عام وعام أقدر مواطنيهم وأنزههم لإدارة العدل والحكم في الدولة. كنت ~~أختار مجتمعا تكون فضيلة الحكام فيه شاهدة على حكمة الشعب، فيوجب كل من الفريقين شرف ~~الآخر مقابلة، فإذا ما ظهر في مثل هذه الحال من سوء التفاهم المشئوم ما يكدر الوفاق ~~العام، فإن أدوار العماية والضلال نفسها توسم بدلائل الاعتدال والتقدير المتبادل ~~وباحترام شامل القوانين، أي بعلامات وضامنات لوفاق صادق دائم. # فتلك هي، أيها السادة المبجلون الأجلاء الكرام، ما كنت أبحث عنه من المنافع في الموطن ~~الذي كنت أختاره نفسي، ولو أن العناية الإلهية أضافت إلى ذلك موقعا رائعا، وإقليما ~~معتدلا، وبلدا خصيبا، وأرغد ما يكون تحت السماء؛ ما كنت أرغب لكمال سعادتي في غير التمتع ~~بجميع هذه الأطايب في صميم هذا البلد السعيد، عائشا هادئا في مجتمع ناعم مع مواطني ~~مباشرا الإنسانية والمحبة وجميع الفضائل نحوهم وعلى مثالهم، تاركا ورائي ما لرجل الخير ~~والوطني الشريف من الذكرى المكرمة. # ولو كنت أقل سعادة وأكثر حكمة، فوجدتني ملزما بأن أختم حياة عاجزة ذاوية في ~~أقاليم أخرى، آسفا بلا طائل على الراحة والسكينة اللتين كانت تحرمني إياهما شبوبية غافلة، ~~لغذيت نفسي بتلك المشاعر التي لم أكن لأقدر على اتخاذها في بلدي، ولو كنت مفعما بمودة ~~رقيقة نزيهة تجاه مواطني البعداء لوجهت إليهم الكلمة الآتية تقريبا: # مواطني الأعزاء، بل إخواني، بما أن روابط الدم والقوانين توحد بيننا جميعا ~~تقريبا، فإنه يحلو لي ألا أستطيع التفكير فيكم من غير أن أفكر في الوقت نفسه في ms07 ~~جميع الأطايب التي تتمتعون بها، والتي لا يوجد بينكم على ما يحتمل من يشعر بقيمتها ~~أحسن مني، أنا الذي أضاعها، وكلما أنعمت النظر في وضعكم السياسي والمدني قل ~~إمكان تصوري استطاعة أمور البشر أن تحتمل ما هو أطيب منها، وعندما يبحث في جميع ~~الحكومات الأخرى عن ضمان أعظم خير للدولة يقتصر كل شيء على خطط في الأفكار ~~دائما، وعلى الممكنات البسيطة جهد الاستطاعة، وأما أنتم فإن سعادتكم قد ~~كملت، وليس عليكم غير التمتع بها، وليس عليكم لتكونوا سعداء تماما غير معرفتكم ~~كيف تقنعون بأن تكونوا هكذا، وأخيرا غدت سيادتكم المكتسبة أو المستردة بحد السيف، ~~والتي حفظت مدة قرنين عن قيمة وحكمة، معترفا بها اعترافا تاما عاما، ~~وتعين حدودكم وتؤيد حقوقكم وتوطد راحتكم معاهدات مكرمة، ونظامكم رائع، فقد أملاه ~~عقل عال، وضمنته دول صديقة ومحترمة، ودولتكم مطمئنة، فليس عليكم أن تخشوا ~~حروبا ولا فاتحين، وليس عندكم سادة غير ما وضعتموه من القوانين الحكيمة، ويعمل ~~بهذه القوانين حكام صالحون من اختياركم، ولستم من الغنى ما تتخنثون معه عن نعيم ~~وما تخسرون معه ذوق السعادة الحقيقية والفضائل المتينة في الأطايب الفارغة، ولستم ~~من الفقر ما تحتاجون معه إلى المساعدات الأجنبية التي لا تنعم صناعتكم بها ~~عليكم، ولا يكلفكم شيئا تقريبا حفظ هذه الحرية الثمينة التي لا تصان لدى الأمم ~~الغليظة بغير الضرائب المفرطة. # وهل تستطيع أن تدوم إلى الأبد، وفي سبيل مواطنيها، ولتكون مثالا للشعوب، جمهورية ~~تدار بحكمة بالغة وتوفيق كبير! هذا هو الأمل الوحيد الذي يبقى لكم أن تصنعوه، ~~والحذر الوحيد الذي يبقى لكم أن تتخذوه، وعليكم وحدكم يتوقف في المستقبل أن تجعلوا ~~تلك السعادة دائمة بحكمة حسن استعمالها، لا أن تصنعوا سعادتكم، فقد كفاكم ~~أجدادكم مئونة ذلك، ويتوقف بقاؤكم على اتحادكم الدائم، وعلى إطاعتكم القوانين، وعلى ~~احترامكم من يقومون بها، وإذا ما بقي بينكم أقل أثر مرارة أو تريب، فسارعوا ~~إلى تبديده كخميرة شؤم ينشأ عنها شقاؤكم وخراب الدولة عاجلا أو آجلا. أستحلفكم ~~جميعا أن تعودوا إلى فؤادكم، وأن تستمعوا إلى ms08 صوت ضميركم الخفي، وهل يوجد بينكم ~~من يعرف في العالم كيانا أكثر صلاحا ونورا واحتراما من حاكميتكم؟ ألا ~~يعطيكم جميع أعضائها مثال الاعتدال وبساطة الطباع واحترام القوانين وأصدق وفاق؟ ~~ضعوا بلا تحفظ - إذن - في رؤساء بالغي الحكمة تلك الثقة النافعة التي يكون العقل ~~مدينا بها للفضيلة، وفكروا في كونهم ممن اخترتم، وفي كونهم يزكون هذا الاختيار، ~~وفي كون ضروب الشرف التي تحف من رفعتموهم تعود إليكم بحكم الضرورة، ولا يرى ~~بينكم أحد من قلة المعرفة ما يجهل معه كون ضياع قوة القوانين وسلطان حماتها يؤدي ~~إلى عدم استطاعة أحد أن يتمتع بالسلامة والحرية، ولم تترددون، إذن، أن تصعنوا عن ~~طيبة قلب وطمأنينة نفس ما أنتم ملزمون بصنعه عن مصلحة حقيقية وعن واجب ~~وعقل؟ # ولا تدعوا أثيما ولا خليا مشئوما، قائما على حفظ النظام، يغريكم عند الضرورة ~~بإهمال ما لأكثركم نورا وغيرة من آراء حكيمة، ولكن ليدم الإنصاف والاعتدال ~~والرزانة البالغة الحرمة أمورا ناظمة لجميع خطواتكم، دالة جميع العالم فيكم على ~~مثال شعب فخور متواضع محب لمجده حبه لحريته، واحذروا خاصة، وهذه آخر نصيحة ~~مني، أن تصغوا إلى التفاسير الضارة والأحاديث السامة التي تكون عواملها الخفية أشد ~~خطرا من الأفعال التي هي موضوعها. أجل، إن المنزل بأسره يستيقظ وينتبه إلى أول ~~صراخ من كلب الحراسة الصالح المخلص الذي لا يعوي إلا عند اقتراب اللصوص، غير أننا ~~نمقت إزعاج تلك الكلاب الصخابة التي تقلق الراحة العامة بلا انقطاع، فلا تؤدي ~~تحذيراتها المستمرة التي هي في غير محلها إلى الإصغاء وقتما تكون ضرورية. # وأنتم أيها السادة المبجلون الأجلاء، وأنتم أيها الحكام الأفاضل المحترمون، ~~اسمحوا لي بأن أقدم إليكم تحياتي وواجباتي على الخصوص، فإذا وجد في العالم ~~مقام صالح لتكريم من يشغلونه فذلك المقام هو الذي تنعم به المواهب والفضيلة، ~~فذلك هو المقام الذي جعلتم به أنفسكم أكفياء، فذلك هو المقام الذي رفعكم إليه ~~مواطنوكم، وتضيف مزيتهم الخاصة إلى مزيتكم بهاء جديدا، وبما أنه وقع اختياركم من ~~قبل أناس قادرين على الحكم في أناس ms09 آخرين، وذلك للحكم فيهم، فإنني أجدكم أعلى من ~~جميع الحكام الآخرين، وذلك بالمقدار الذي يكون به شعب حر، ولا سيما الشعب الذي ~~لكم شرف قيادته، فوق عامة الدول الأخرى ببصائره وعقله. # وليسمح لي بأن أذكر مثالا يجب أن يبقى منه أحسن الآثار، وأن يظل ماثلا لقلبي ~~على الدوام، ولا أذكر من غير أحلى حنان ذكري ذلك المواطن الفاضل الذي أراني ~~مدينا له بوجودي، والذي علمني في صباي غالبا أن أقوم بالاحترام الواجب نحوكم، ~~ولا أزال أراه يعيش من عمل يديه ويغذي روحه بأعلى الحقائق، وأبصر بجانبه ابنا ~~عزيزا يتناول مع قليل ثمرة أرق ما يصدر عن أصلح الآباء من تعاليم، ولكن إذا ~~كانت عمايات شباب طائش جعلتني أنسى دروسا بالغة تلك الحكمة ذات حين، فإن لي في ~~نهاية الأمر سعادة الإحساس بأنه ليس من السهل على تربية مازجت القلب أن تضيع إلى ~~الأبد، مهما كنا من ميل إلى المنكر. # أولئك، أيها السادة المبجلون الأجلاء، من ولدوا في الدولة التي تحكمون ~~فيها من المواطنين، ومن عامة السكان أيضا، وأولئك هم الرجال الأذكياء المعلمون ~~الذين تدور حولهم لدى الأمم الأخرى، وذلك باسم العمال والشعب، أفكار بالغة الخسة ~~والإفك، ولم يكن والدي ممتازا بين مواطنيه مطلقا، وهذا ما أعترف به مسرورا، وهو ~~لم يكن على غير ما كان عليه الآخرون، وهو مع ما كان عليه، لا تجد بلدا لم يبحث ~~فيه عن مجتمعه، ولم يتعهد فيه مجتمعه - حتى بمنفعة - من قبل أكثر الناس صلاحا، ~~وليس من شأني والحمد لله، وليس من الضروري، أن أحدثكم عن الإكرام الذي يمكن أن ~~ينتظره منكم أناس من هذه الجبلة، أناس يساوونكم بالتربية وبحقوق الطبيعة ~~والولادة، أناس يعدون دونكم بإراداتهم وبما هم مدينون به لفضلكم من أرجحية ~~يمنحونه إياها، فتكونون من أجلها مدينين لهم بضرب من الشكران بدوركم، وأعلم مع ~~السرور الحار مقدار اللطف والعطف اللذين تعدلون بهما مع اتزان حفظة القانون، ~~ومقدار ما تردونه من الاعتبار والعناية إلى من هم ملزمون بالإجلال والطاعة ~~نحوكم، وهذا السلوك زاخر ms10 بالعدل والحكمة ؛ وهو يصلح لأن يبعد بالتدريج ذكرى ما ~~يجب نسيانه من الحوادث السيئة لكيلا يرى ثانية، وهذا السلوك هو من الحصافة ما يجد ~~معه هذا الشعب المنصف الكريم لذة في القيام بواجبه، وما يجب معه أن يمجدكم عن ~~طبيعة، وما يكون معه أشد الناس حماسة لتأييد حقوقهم أكثرهم استعدادا لاحترام ~~حقوقكم. # ولا ينبغي أن يحار من حب رؤساء المجتمع المدني لمجده وسعادته، ولكن من الشاق ~~على قرار الناس أن يبدي من يعدون أنفسهم حكاما، وإن شئت فقل سادة، لوطن ~~أكثر قدسية وسموا، حبا لوطن دنيوي يغذيهم، ويا لما أجد من حلاوة في ~~إمكان قيامي باستثناء بالغ الندرة نفعا لنا، فأضع في صف أصلح مواطنينا حفظة ~~العقائد المقدسة الغير المجاز لهم بالقوانين، رعاة النفوس الأجلاء الذين تحمل ~~فصاحتهم الحية العذبة إلى الأفئدة ما يأخذون في ممارسته بأنفسهم دائما من مبادئ ~~الإنجيل! يعلم جميع العالم مقدار ما يزاول من نجاح فن الوعظ في جنيف، ~~غير أن من الناس من بلغوا من عادة سماعهم القول حول أمر وملاحظتهم العمل بأمر ~~آخر ما تجد معه أناسا قليلين يعلمون مقدار استيلاء روح النصرانية، وقدسية الطباع ~~والقسوة على النفس والرأفة بالآخرين، على هيئة واعظينا، ومن المحتمل أن كانت جنيف ~~وحدها هي التي تقدم مثالا ممتعا عن اتحاد كامل بين مجتمع من علماء اللاهوت ~~ورجال الأدب، فتراني أقيم أملي في اطمئنانها الأبدي على حكمتهم واعتدالهم المعروف ~~أمرها، وعلى غيرتهم حول سعادة الدولة، لمدى واسع، وألاحظ في الوقت نفسه، ومع غبطة ~~ممزوجة بعجب واحترام، مقدار ما يساورهم من مقت لما يحمل من مبادئ كريهة هؤلاء ~~الناس المقدسون البرابرة الذين يقدم تاريخهم غير مثال، فتراهم أقل ضنا بالدم ~~البشري لتأييد حقوق الرب المزعومة، أي لتأييد حقوقهم الخاصة، وذلك بنسبة ما يعللون ~~به أنفسهم من احترام دمهم على الدوام. # وهل أستطيع أن أنسى ذلك النصف من الجمهورية الغالي الذي يوجب سعادة النصف ~~الآخر، فما ينطوي عليه من حلم وحكمة يؤدي إلى حفظ السلام وحسن الطباع فيه. فيا ~~أيتها المواطنات ms11 المحبوبات الفاضلات «بنات جنيف»، إن من نصيب جنسكن أن يحكم في ~~جنسنا دائما، ويا للسعادة عندما يشعر سلطانكن الطاهر، المزاول في القران الزواجي ~~وحده، بنفسه في سبيل مجد الدولة والنعيم العام فقط! هكذا كان النساء يقدن في ~~إسبارطة، وهكذا يستأهلن القيادة في جنيف، وأي رجل من البرابرة يقدر أن يقاوم صوت ~~الشرف والعقل من فم زوجة حنون؟ ومن ذا الذي لا يزدري ترفا باطلا عندما يرى ~~حليتكن البسيطة المتواضعة التي تلوح، بما تقتبسه من بهائكن، أنها أكثر ما يلائم ~~الجمال؟ وعليكن أن تصن بسلطانكن البريء المحبب وروحكن الفتانة حب القوانين ~~في الدولة والوفاق بين المواطنين، وأن تجمعن بين الأسر المفرقة بزواجات موفقة، ~~وأن تصلحن، على الخصوص، بدروسكن ذات الوداعة المقنعة، وبحديثكن ذي الألطاف ~~المعتدلة، ما يكتسبه شبابنا من سوء سلوك البلدان الأخرى التى لا يجلبون منها، مع ~~لهجة صبيانية وأوضاع مضحكة مقتبسة من نساء فاجرات، وبدلا من أمور مفيدة كثيرة ~~يمكنهم أن يستفيدوها منها، غير إعجاب بما لا أدري ما يكون من عظمة مزعومة وتعويضات ~~حقيرة عن عبودية لا تساوي الحرية المبجلة، فكن دائما - إذن - أنتن حارسات ~~الأخلاق وروابط السلام العذبات، وداومن على استغلال حقوق القلب والطبيعة نفعا ~~للواجب والفضيلة. # وأتملق نفسي إذ لم يكذبني الحادث بإقامتي على مثل هذه الأسس أمل السعادة العامة ~~للمواطنين والمجد للجمهورية. وأعترف مع جميع هذه المنافع، بأنها لا تسطع بذلك ~~الضياء الذي يعشي معظم العيون، والذي يعد ذوقه الصبياني المشئوم عدو السعادة ~~والحرية والأزرق. # وليذهب شباب منحل لبحث في مكان آخر عن ملاذ سهلة وتوبات طويلة، وليعجب ذوو ~~الذوق المزعوم، في أماكن أخرى، بعظمة القصور وجمال الأجهزة، وبالأمتعة الرائعة ~~والمناظر البهية، وبجميع دقائق الترف والتخنث، فلا يوجد في جنيف غير رجال، غير أن ~~لمثل هذا المحضر ثمنه على ذلك، ومن يبحثون عنه يساوون المعجبين بالباقي. # فتفضلوا، أيها السادة المبجلون الأجلاء الكرام، أن تقبلوا جميعا بذات الحلم ~~هذا الدليل البالغ الاحترام على اهتمامي بإقبالكم الشامل، فإذا كنت من الشقاء ما ~~أعد معه مذنبا بهيجان مذياع ms12 في قلبي الناري المفتوح، فإنني ألتمس العفو عنه ~~لما ينطوي عليه من ود وطني صادق وللغيرة الحارة الشرعية في رجل لا يرى لنفسه ~~سعادة غير رؤيته إياكم سعداء جميعا. # ويا أيها السادة المبجلون الأجلاء الكرام، أجدني مع الاحترام البالغ خادمكم ~~ومواطنكم الكثير الخضوع والطاعة. # جان جاك روسو # شانبري، في 12 من يونيو سنة 1754 # | المقدمة # يبدو لي أن معرفة الإنسان # 1 # هي أنفع جميع المعارف البشرية وأقلها تقدما، وأجرؤ على القول بأن الكتابة ~~الوحيدة على معبد دلف كانت تشتمل على حكم أهم وأصعب من جميع كتب علماء الأخلاق الضخمة، ~~وكذلك فإنني أعد موضوع هذه الرسالة من أكثر المسائل التي تستطيع الفلسفة أن تعرضها ~~إمتاعا، ومن أكثر المسائل التي يستطيع الفلاسفة أن يحلوها، صعوبة - ويا للأسف - وذلك لأنه ~~كيف يعرف مصدر التفاوت بين الناس إذا لم يبدأ بمعرفتهم؟ وكيف يأمل الإنسان أن يرى نفسه ~~كما صنعته الطبيعة من خلال جميع التغيرات التي وجب أن يكون تعاقب الأزمان والأشياء قد ~~أحدثها في نظامه الأصلي؟ وكيف يمكنه أن يميز ما هو أساسي في طبيعته من التغيرات أو ~~الإضافات التي اتفقت لحاله الابتدائية ناشئة عن الأحوال والترقيات؟ وتشابه النفس البشرية ~~تمثال غلوكوس الذي بلغ من التشويه بفعل الزمن والبحار والعواصف ما صار معه يماثل حيوانا ~~ضاريا أكثر من أن يماثل إلها؛ فغيرت تلك النفس في المجتمع بألف علة متجددة بلا انقطاع، ~~وباكتساب طائفة من المعارف والأضاليل، وبتحولات طرأت على نظام الأبدان وبتصادم الأهواء على ~~الدوام، غيرت في المظهر ما نكرت معه تقريبا، فعاد لا يرى فيها غير تناقض مشوه ~~للهوى الذي يرى أنه يتعقل، وللإدراك الذي يغدو هذيانا، وذلك بدلا من كائن يسير دائما ~~وفق مبادئ ثابتة لا تتحول، وبدلا من تلك البساطة العلوية الجليلة التي طبعها بها ~~خالقها. # ومن أشد الأمور قسوة أيضا هو أن جميع ترقيات النوع البشري كلما أبعدته من حاله ~~الابتدائية بلا انقطاع، جمعنا معارف جديدة ونزعنا من أنفسنا وسائل اكتساب ما هو أهم من ~~جميعها، وتلك من بعض الوجوه ms13 قوة دراسة الإنسان الذي جعلنا معرفته خارج طاقتنا. # ومن السهل أن يدرك وجوب البحث، في التحولات المتعاقبة التي اعتورت النظام البشري، عن ~~الأصل الأول للفروق التي تميز بين الناس المتساوين فيما بينهم بحكم الطبيعة، كما كانت ~~حيوانات كل نوع قبل أن تدخل علل فزيوية كثيرة إلى بعضها من الاختلافات ما نلاحظه ~~فيها. # والواقع أن مما لا يتصور أن يكون جميع هذه التحولات الأولى، مهما كانت الوسيلة التي ~~وقعت بها قد غيرت - دفعة واحدة وعلى نمط واحد - جميع أفراد النوع، ولكن بما أن بعضهم قد ~~كمل أو فسد، وبما أن بعضهم قد اكتسب صفات مختلفة حسنة أو سيئة، لم تكن ملازمة لطبيعتهم ~~قط، فإن الآخرين قد ظلوا على حالهم الأصلية زمنا أكثر طولا، وقد كان هذا مصدر التفاوت ~~الأول بين الناس، هذا التفاوت الذي يسهل إثباته على العموم هكذا أكثر من تعيين علله ~~الحقيقية بالضبط. # ولا يتصور قرائي - إذن - أنني أزعم رؤيتي ما تظهر لي رؤيته صعبة جدا، فقد بدأت ~~ببعض البرهنات، وقد أتيت مخاطرا ببعض الفرضيات، فكنت أقل أملا في حل المعضلة من قصدي ~~أن ألقي نورا عليها وأردها إلى حالها الحقيقية، ويستطيع آخرون أن يسيروا إلى ما هو أبعد من ~~هذا في ذات الطريق، وذلك من غير أن يسهل على أحد وصوله إلى الحد؛ وذلك لأنه ليس من الجهود ~~الخفيفة أن يفرق في طبيعة الإنسان الحاضرة بين ما هو أصلي وما هو مصنوع، وأن تعرف جيدا ~~حال عادت غير موجودة، حال لم توجد قط على ما يحتمل، حال لن تكون مطلقا على الراجح، مع ~~أن من الضروري أن تكون عنها معارف سديدة وصولا لحسن الحكم في حالنا الحاضرة، حتى ~~إنه لا بد من فلسفة أكثر مما يلوح لذلك الذي يحاول أن يعين بالضبط ما يجب اتخاذه من ~~احترازات للقيام بملاحظات متينة حول هذا الموضوع، ولا يظهر لي حل المعضلة الآتية ~~حلا حسنا غير جدير بما في عصرنا من أرسطو وبليني، والمعضلة هي: ما التجارب الضرورية ~~للوصول إلى معرفة الرجل ms14 الطبيعي، وما وسائل القيام بهذه التجارب في صميم المجتمع؟ # وإني مع بعدي من محاولة حل هذه المعضلة أراني قد بلغت من التفكير في الموضوع ما أجرؤ ~~معه على الجواب مقدما بأن أعظم الفلاسفة لا يكونون كثيري الصلاح لتوجيه هذه التجارب، ولا ~~يكون أقوى الملوك كثيري الصلاح للقيام بها، أي أن يأتوا بمسابقة ليس من الصواب توقعها، ~~لما تقتضيه من الثبات على الخصوص، وإن شئت فقل من تعاقب الذكاء والوئام الذي لا بد من ~~توفره في كلا الفريقين لبلوغ النجاح. # وهذه المباحث التي يصعب القيام بها كثيرا، والتي فكر فيها قليلا جدا حتى الآن هي ~~وحدها مع ذلك، كل ما بقي لنا من الوسائل لإزالة طائفة من المصاعب التي تحجب عنا معرفة ~~الأسس الحقيقية للمجتمع البشري، وهذا الجهل لطبيعة الإنسان هو الذي يلقي كثير ارتياب ~~وغموض على تعريف الحقوق الطبيعية الصحيح؛ وذلك لأن فكرة الحقوق، وأكثر منها فكرة الحقوق ~~الطبيعية هما كما قال مسيو بورلاماكي فكرتان خاصتان بطبيعة الإنسان كما هو ظاهر، فمن طبيعة ~~الإنسان ونظامه وحاله يجب - إذن - استنباط مبادئ هذا العلم كما قال ذلك مداوما. # وليس من غير حيرة ونفور أن نلاحظ ما بين المؤلفين الذين عالجوا هذا الموضوع المهم من ~~اتفاق قليل، ولا تكاد تجد بين أكثر الكتاب اتزانا اثنين يكونان على رأي واحد حول ~~هذه النقطة، وإني من غير قول عن قدماء الفلاسفة الذين لم يألوا جهدا في مناقضة بعضهم ~~بعضا عن عمد في أكثر المبادئ جوهرا كما يلوح، أحد فقهاء الرومان قد أخضعوا الإنسان ~~والحيوانات الأخرى، بلا تمييز، لذات القانون الطبيعي؛ وذلك لأنهم يرون تحت هذا الاسم ما ~~تفرضه الطبيعة على نفسها من قانون أكثر من رؤيتهم القانون الذي تفرضه على الآخرين، أو على ~~الأصح للاصطلاح الخاص الذي يدرك به هؤلاء الفقهاء كلمة «القانون»، هذه الكلمة التي يلوح ~~أنهم لم يتخذوها في هذه الفرصة إلا للتعبير عن الصلات العامة التي أقامتها الطبيعة بين جميع ~~ذوات الحياة من أجل بقائها، وبما أن المعاصرين لا يعرفون تحت اسم ms15 القانون غير قاعدة مفروضة ~~على موجود أدبي، أي موجود عاقل حر من حيث صلاته بالموجودات الأخرى، فإنهم يقصرون اختصاص ~~القانون الطبيعي من حيث النتيجة على الحيوان الوحيد المزين بالعقل، أي الإنسان، ومع أن كل ~~واحد منهم يعرف هذا القانون على شاكلته، فإنهم يقيمونه على مبادئ بالغة من اللاهوتية ما ~~تجد معه بيننا أناسا قليلين قادرين على فهم هذه المبادئ بعيدين من إمكان اكتشافها ~~بأنفسهم، وذلك من حيث كون جميع تعاريف هؤلاء العلماء المتناقضين فيما بينهم تناقضا أزليا ~~- تتفق - فقط، على كونه يتعذر على المرء فهم قانون الطبيعة، ومن ثم إطاعته من غير أن ~~يكون محجابا كبيرا ولاهوتيا عميقا، ومعنى هذا أن الناس قد اضطروا لإقامة المجتمع إلى ~~بصائر لا تنشأ إلا بمشقة عظيمة ولأناس قليلين في صميم المجتمع نفسه. # وإذا ما عرفت الطبيعة قليلا، وإذا ما كان الاتفاق حول معنى كلمة «القانون» سيئا، فإن ~~من الصعب أن يجمع على تعريف حسن للقانون الطبيعي، وإذا عدوت ما تنطوي عليه جميع ~~التعاريف التي توجد في الكتب من نقص في الانسجام، وجدتها تشتمل على خطأ آخر ناشئ عن ~~اشتقاقها من أنواع للمعرفة مختلفة ليست لدى الناس بحكم الضرورة، ومن فوائد لا يمكنهم ~~تمثل فكرتها إلا بعد خروجهم من حال الطبيعة، وقد بدئ بالبحث عن أي القواعد يلائم اتفاق ~~الناس عليها في سبيل المصلحة المشتركة، فأطلق اسم القانون الطبيعي على مجموعة من تلك ~~القواعد من دون دليل آخر غير النفع الذي ينشأ عن تطبيقها العام، وهذه هي طريقة ملائمة ~~جدا لوضع التعاريف وإيضاح طبيعة الأمور بمطابقات مرادية. # بيد أننا ما دمنا لا نعرف الإنسان الطبيعي كان من العبث أن نحاول تعيين القانون الذي ~~فرض عليه، أو القانون الذي هو أحسن ملاءمة لنظامه، وكل ما نستطيع أن نبصره بوضوح بالغ ~~حول موضوع هذا القانون هو ضرورة حديثه بصوت الطبيعة من فوره ليكون طبيعيا، وضرورة خضوع ~~من يلزمه له مع علمه بهذا ليكون قانونا أيضا. # ولندع - إذن - جميع الكتب العلمية التي لا تعلمنا غير رؤية الناس ms16 كما صنعوا أنفسهم، ~~ولننعم النظر في أول أعمال الروح البشرية وأكثرها بساطة، فأرى أنه يمكنني أن أبصر فيها ~~مبدأين سابقين للعقل، فيخص أحدهما بحرارة رفاهيتنا وبقاءنا، ويوحي الآخر إلينا بنفور ~~طبيعي من مشاهدة هلاك، أو توجع، كل كائن حساس ولا سيما أمثالنا، فمن الاتفاق والتركيب ~~اللذين تصنعهما نفسنا من هذين المبدأين، ومن غير أن تكون هنالك ضرورة لإدخال مبدأ الأنس، ~~يلوح لي اشتقاق جميع قواعد الحقوق الطبيعية، هذه القواعد التي يضطر العقل بعدئذ إلى ~~إقامتها ثانية على أسس أخرى عندما ينتهي إلى كبت الطبيعة بنشوئه المتعاقب. # وهكذا فإننا لسنا ملزمين بأن نجعل من الإنسان فيلسوفا قبل أن نجعل منه إنسانا، ولم ~~ترسم واجباته نحو الآخرين بدروس متأخرة من الحكمة فقط، وهو ما دام لا يقاوم دافع الرأفة ~~الباطني مطلقا لا يؤذي إنسانا آخر، ولا أي كائن ذي إحساس أبدا، وذلك خلا الحال الشرعية ~~التي يكون بقاؤه موضع عناية فيها، فيكون مضطرا إلى تفصيل نفسه، وبهذه الوسيلة تختم ~~المجادلات القديمة أيضا، حول اشتراك الحيوانات في القانون الطبيعي؛ وذلك لأن من الواضح ~~أنها لا تستطيع معرفة هذا القانون لخلوها من الذكاء والحرية، ولكن بما أنها تمت إلى ~~طبيعتنا بصلة الإحساس المتصفة به من بعض الوجوه، فإنه يحكم بضرورة اشتراكها في الحقوق ~~الطبيعية أيضا، فيكون الإنسان خاضعا بنوع من الواجبات نحوها، ويلوح أن الواقع يقضي بأنني ~~إذا كنت ملزما بألا أصنع أي سوء لمثيلي؛ فذلك لأنه كائن ذو إحساس أكثر من أن يكون ذا ~~عقل، وبما أن صفة الإحساس مشتركة بين الحيوان والإنسان، فإن من الواجب أن تمنح أحدهما، ~~على الأقل، حق عدم معاملته سوءا من قبل الآخر على غير جدوى. # ودراسة الإنسان الأصلي هذه مع احتياجاته الحقيقية ومبادئ واجباته الأساسية، هي الوسيلة ~~الصالحة أيضا التي يمكن استعمالها لإزالة تلك المشاكل التي تبدو حول أصل التفاوت الأدبي، ~~وحول الأسس الحقيقية للهيئة السياسية، وحول حقوق أعضائها المتبادلة، وحول ألف مسألة مماثلة ~~أخرى غامضة بمقدار أهميتها. # وإذا نظر إلى المجتمع البشري بعين هادئة خالية من ms17 الغرض، ظهر أنه لا يدل في البداءة ~~على غير عنف الأقوياء من الناس واضطهاد الضعفاء، وتثور النفس على قسوة فريق أو تحتمل على ~~الرثاء لعمي الآخر، وبما أنه لا يوجد بين الناس ما هو أقل ثباتا من هذه الصلات الخارجية ~~التي تؤدي إليها المصادفة أكثر مما تؤدي إليها الحكمة في الغالب، والتي تسمى ضعفا أو قوة ~~وغنى أو فقرا، فإن النظم البشرية تلوح أول وهلة قائمة على كثبان من الرمل المتحرك، وليس ~~بغير البحث فيها عن كثب، وليس بغير إبعاد الغبار والرمل المحيطين بالبناء، ما ترى القاعدة ~~الثابتة القائم عليها وما يعلم احترام أسسه، الواقع أنه إذا لم يبحث في الإنسان وفي ~~خصائصه الطبيعية ونشوئها المتعاقب بحثا جديا لم يمكن إتيان هذه التفصيلات، أو أن يماز في ~~نظام الأمور الحاضر ما صدر عن الإرادة الإلهية مما زعم الفن الإنساني صنعه، فالمباحث ~~السياسية والخلقية التي توجبها المسألة المهمة التي أبحث فيها هي مفيدة من جميع الوجوه ~~إذن، ويكون تاريخ الحكومات الافتراضي درسا ممتعا للإنسان من جميع النواحي. # وإذا نظرنا إلى ما نصير إليه، عندما نترك لأنفسنا، وجب علينا أن نعلم حمد ذلك الذي ~~أصلح بيده الكريمة نظمنا ومن عليها بقاعدة ثابتة، فتدارك ما كان ينشأ عنها من فوضى وأدى ~~إلى سعادتنا بوسائل كانت تغمز بؤسنا كما يلوح. # تعلم ما أمرك الله أن تكون، وتعلم الناحية الإنسانية التي أنت فيها. # برسيوس، الأهاجي 3، 5، 71 # | كلمة حول أصل التفاوت وأساسه بين الناس # أتكلم عن الإنسان، وأعلم من المسألة التي أبحث فيها أنني أكلم الناس؛ وذلك لأن ~~المسائل التي هي من هذا النوع لم يسأل عنها من قبل من يخافون تكريم الحقيقة؛ ولذا ~~فإنني أدافع مطمئنا عن قضية الإنسانية أمام حكماء يدعونني لأصنع هذا، ولا أكون غير راض ~~عن نفسي إذا ما جعلت نفسي أهلا لموضوعي خليقا بقضاتي. # وأتصور وجود نوعين للتفاوت في الجنس البشري، فالنوع الأول وهو ما أدعوه الطبيعي أو ~~الفزيوي لأنه من وضع الطبيعة، ويقوم على اختلاف الأعمار والصحة وقوى البدن وصفات ms18 النفس أو ~~الروح، والنوع الثاني هو ما يمكن أن أدعوه التفاوت الأدبي أو السياسي لتوقفهن على ضرب من ~~العهد ولقيامه - أو للإذن فيه على الأقل - بتراضي الناس، ويتألف هذا النوع من مختلف ~~الامتيازات التي يتمتع بها بعضهم إجحافا بالآخرين، كأن يكون أكثر من هؤلاء ثراء أو ~~إكراما أو قوة، أو أن يكون في وضع ينتزع فيه الطاعة. # ومن العبث أن يسأل عن مصدر التفاوت الطبيعي لوجود الجواب في تعريف الكلمة البسيط، وأقل ~~من ذلك إمكان البحث عن وجود ارتباط جوهري بين التفاوتين؛ وذلك لأن هذا يعني - فقط - أن ~~يسأل بكلمات أخرى عن كون القابضين على زمام القيادة أفضل ممن يطيعون بحكم الضرورة، وعن ~~وجود قوة البدن أو الروح، وعن وجود الحكمة أو الفضيلة، في الأفراد أنفسهم دائما، وعلى نسبة ~~قوتهم أو ثرائهم. وقد يكون من الخير إثارة هذا السؤال بين العبيد على مسمع من سادتهم، ولكن ~~مع عدم ملاءمته لأناس من العقلاء والأحرار الذين يبحثون عن الحقيقة. # وما يكون موضوع هذه الرسالة بالضبط إذن؟ يقوم موضوعها على ملاحظتنا في نشوء الأشياء ذلك ~~الوقت الذي يعقب الحق فيه العنف وتخضع الطبيعة فيه للقانون، وعلى إيضاحنا سياق الخوارق الذي ~~أزمع به القوي أن يخدم الضعيف، وأن يشتري الشعب راحة خيالية بسعادة حقيقية. # وقد شعر الفلاسفة الذين بحثوا في أسس المجتمع بضرورة العود إلى حال الطبيعة، ولكن أحدا ~~منهم لم ينته إليها، ولم يتردد بعضهم في عزوهم إلى الإنسان في هذه الحال فكرة العادل وغير ~~العادل من غير أن يكترثوا لإثبات كونه قد أخذ بهذه الفكرة، وكونها نافعة له أيضا، وقد ~~تكلم آخرون عن الحقوق الطبيعية فيما لكل واحد أن يحفظ ما يخصه من غير أن يوضحوا ما ~~يقصدون بكلمة «يخصه»، وأعطى آخرون في البداءة سلطانا للأكثر قوة على الأكثر ضعفا، ~~فأوجبوا ولادة الحكومة حالا من غير أن يفكروا في الوقت الذي وجب انقضاؤه قبل إمكان وجود ~~معنى كلمتي السلطان والحكومة بين الناس. وأخيرا تكلم الجميع بلا انقطاع عن الاحتياج ~~والطمع والضغط والرغبة ms19 والزهو، فنقلوا إلى حال الطبيعة أفكارا اكتسبوها في المجتمع، فحدثوا ~~عن الإنسان الوحشي ووصفوا الإنسان المدني، حتى إنه لم يرد خاطر معظم كتابنا أن يظنوا وجود ~~حال الطبيعة لما يظهر من مطالعة الكتب المقدسة كون الإنسان الأول أخذ عن الله معارف وتعاليم ~~من فوره، فلم يكن في هذه الحال قط، وأنه إذا ما اعتمد على أسفار موسى التي يعد كل ~~فليسوف نصراني مدينا لها، وجب إنكار وجود الناس في الحال الطبيعية المحض، حتى قبل الطوفان، ~~ما لم يكونوا قد وقعوا فيها ثانية بفعل بعض الحوادث العجيبة، فهذا الرأي الغريب مما يورث ~~الدفاع عنه ارتباكا ويتعذر إثباته تماما. # ولنبدأ بطرح جميع الوقائع جانبا لعدم تناولها المسألة مطلقا، ولا ينبغي عد المباحث ~~التي تتخذ في معالجة هذا الموضوع من الحقائق التاريخية، بل من البراهين الافتراضية الشرطية ~~الصالحة لإلقاء نور على طبيعة الأمور أكثر من صلاحها لإثبات أصلها الحقيقي والمشابهة ~~للبراهين التي يأتيها كل يوم طبيعيونا حول تكوين العالم، ويأمرنا الدين بأن نعتقد أن الله ~~ذاته إذ أخرج الناس من حال الطبيعة فور الخلقة فإنهم يكونون متفاوتين؛ لأنه أراد أن ~~يكونوا هكذا، غير أن الدين لا يمنعنا من وضع افتراضات مستنبطة من طبيعة الإنسان والموجودات ~~المحيطة به فقط، وذلك حول ما كان يمكن أن يكونه الجنس البشري لو بقي متروكا لنفسه، وهذه هي ~~المسألة المعروضة علي، وهذا ما أرى درسه في هذه الرسالة. وبما أن موضوعي يهم الإنسان على ~~العموم، فإنني سأحاول انتحال لهجة تلائم جميع الأمم، وإن شئت فقل بما أنني أنسى الأزمنة ~~والأمكنة لكيلا أفكر في غير الناس الذين أخاطبهم، فإنني أفترض نفسي في مدرسة أثنية ~~مكررا دروس أساتذتي، متخذا أمثال أفلاطون وإكزينوقراط قضاة، والنوع البشري ~~مستمعا. # فيا أيها الإنسان كن من أي بلد شئت، ولتكن آراؤك كما أردت، واستمع، فهذا هو تاريخك كما ~~أرى قراءته، لا في كتب أمثالك الذين هم كاذبون، بل في الطبيعة التي لا تكذب مطلقا، وكل ما ~~يأتي من الطبيعة يكون صادقا، ولن تجد ما هو ms20 كاذب غير ما أضعه من عندي بلا قصد، والأزمنة ~~التي أتكلم عنها بعيدة إلى الغاية، وما أكثر ما غيرت ما كنت عليه! ولذلك فإن حياة نوعك هي ~~التي أصفها لك وفق الصفات التي نلتها والتي استطاعت تربيتك وعاداتك إفسادها، ولكن من غير أن ~~تقدر على محوها، ويوجد - كما أحس - جيل يرغب الفرد أن يقف عنده، وأنت تبحث عن الجيل ~~الذي تود وقوف نوعك عنده، وبما أنك ساخط على حالك الحاضرة لأسباب تنذر عقبك التعس بأعظم ~~كدر، فإنك تريد القدرة على العود إلى الوراء على ما يحتمل، فيجب أن يكون هذا الشعور ثناء ~~على أجدادك الأولين وانتقادا لمعاصريك وهؤلاء لمن يكتب لهم شقاء الحياة بعدك. # | القسم الأول # لا أتتبع نظام حال الإنسان الطبيعية من خلال نشوئها المتعاقب مهما كان من المهم أن ينظر ~~إليها منذ أصلها، أي في الجنين الأول للنوع، وذلك للحكم جيدا في تلك الحال، ولا أقف عند ~~حد البحث في النظام الحيواني عما يمكن أن يكونه هذا النظام في البداءة ليصبح ما هو عليه في ~~آخر الأمر، فلا أسأل - كما يرى أرسطو - هل كانت أظافره الطويلة مخالب عقفا في أول الأمر، ~~وهل كان أشعر كالدب - أو كان - وهو يمشي على أربع أرجل، # 1 # لا يلاحظ بأنظاره المتهجة نحو الأرض، والمقصورة على أفق بضع خطوات، طبيعة ~~أفكاره وحدودها معا، ولا أستطيع أن أكون حول هذا الموضوع غير افتراضات مبهمة، خيالية ~~تقريبا، ولم يتفق لعلم التشريح المقارن غير تقدم قليل، ولا تزال ملاحظات الطبيعيين غير ~~ثابتة، فلا يمكن أن تقام على مثل هذه الأسسس قاعدة استدلال متين، وهكذا، ومن غير رجوع إلى ~~المعارف الخارقة للطبيعة التي هي لدينا حول هذه النقطة، ومن غير نظر إلى التحولات التي لا ~~بد من حدوثها في تكوين الإنسان داخلا وخارجا ما طبق أعضاءه على منافع جديدة، وتغذى ~~بأطعمة جديدة، أفترض هذا التكوين في كل زمن كما هو عليه اليوم، وذلك أنه سار في كل وقت على ~~رجلين واستعمل يديه كما نصنع بأرجلنا وأيدينا، وأنه ms21 وجه أنظاره إلى جميع الطبيعة وقاس ~~السماء الواسعة بعينيه. # وإذا ما جرد هذا الكائن الذي كون هكذا من جميع المواهب الخارقة للعادة التي استطاع ~~نيلها، ومن جميع الخصائص المصنوعة التي لم يقدر على اكتسابها إلا بنشوء طويل. والخلاصة أنه ~~إذا ما نظر إليه كما وجب أن يكون حين خروجه من أيدي الطيعة، رأيت حيوانا أقل قوة من ~~بعضهم وأقل نشاطا من الآخرين، ولكن مع كونه أحسن من الجميع نظاما إذا ما نظر إليه من ~~كل وجه، فأراه يشبع تحت بلوطة، ويرتوي من أول جدول، ويجد فراشه تحت ذات الشجرة التي أمدته ~~بطعامه، وهكذا تكون حاجاته قد قضيت. # وفي كل خطوة تقدم الأرض المتروكة لخصبها الطبيعي، # 2 # والمستورة بغايات واسعة لم تقطعها القدوم قط، مستودعات وملاجئ للحيوانات ~~من كل نوع، ويلاحظ الناس المفرقون بينها صنعها ويقتبسونه، ويبلغون حتى غريزة الحيوانات، ~~وذلك مع النفع القائل بأنه إذا لم يكن لكل نوع غير غريزته الخاصة، وبأنه إذا لم يكن للإنسان ~~غريزة خاصة على ما يحتمل، فإن الإنسان يختص بالغرائز كلها، فيغتذى على السواء بمعظم ~~الأغذية # 3 # التي تقتسمها الحيوانات الأخرى، ويجد قوته بأسهل ما يستطيعه أي واحد ~~منها. # وإذا تعود الناس منذ صباهم عدم اعتدال الفصول وشدتها، وإذا تمرنوا على التعب واضطروا ~~إلى الدفاع عن حياتهم وصيدهم عراة عزلا، وذلك ضد الضواري والكواسر أو فرارا من غارتها، ~~فإنهم يكتسبون جبلة قوية، ثابتة تقريبا، فيجلب الأولاد إلى العالم بنية آبائهم ~~الرائعة ويقوونها بذات التمرينات التي أدت إليها، وهكذا ينالون كل ما يستطيعه النوع البشري ~~من متانة، وهكذا تعاملهم الطبيعة كما كان قانون إسبارطة يعامل أولاد المواطنين، فتجعل من ~~هم حسنو البنية أقوياء أشداء، وتهلك جميع الآخرين، وهي في ذلك على خلاف مجتمعاتنا التي تجعل ~~الدولة فيها الأولاد عبئا على الآباء، فتقتلهم قبل ولادتهم بلا تمييز. # وبما أن بدن الإنسان الوحشي هو الآلة الوحيدة التي يعرفها، فإنه يستعمله لأغراض مختلفة ~~تعجز عنها أغراضنا لعدم الممارسة، وصناعتنا هي التي تحرمنا البأس والنشاط اللذين تكره ~~الضرورة الإنسان ms22 على اكتسابهما، ولو كانت لديه فأس، فهل كان زنده قطع غصونا قوية جدا؟ ~~ولو كان لديه مقلاع، فهل كان يرمي بيده حجرا بشدة بالغة؟ ولو كانت عنده سلم، فهل كان ~~ينمل (صعد) في شجرة بمثل تلك الخفة؟ ولو كان عنده حصان، فهل كان يركض بمثل تلك السرعة؟ ~~دعوا للإنسان المتمدن من الوقت ما يجمع فيه جميع هذه الآلات حوله، فإنه يقهر الرجل الوحشي ~~بسهولة لا ريب، ولكنكم إذا ما أردتم أن تروا برازا، أكثر تفاوتا فاجعلوهما يتقابلان ~~عاريين أعزلين، فهنالك لا تلبثون أن تعرفوا فائدة تصرف الإنسان في جميع قواه بلا انقطاع، ~~وفائدة استعداده لكل حادث على الدوام، أي كافيا نفسه نحو واحد في كل حين. # 4 # ويزعم هوبز أن الإنسان جسور بحكم الطبيعة، وهو لا يحاول غير الهجوم والقتال، والعكس ما ~~يراه فيلسوف مشهور آخر، وكذلك يؤكد كونبر لاند وبوفندروف كونه لا شيء أخوف من الإنسان في ~~الحال الطبيعية، فهو يرتجف ويستعد للفرار دائما عند أقل صوت يقرعه وأقل حركة يشعر بها، ~~وقد يكون هذا تجاه الأشياء التي لا يعرفها، ولا أشك مطلقا في خوفه من جميع المناظر الجديدة ~~التي تعرض له في كل مرة لا يستطيع أن يفرق فيها بين الخير والشر الطبيعيين اللذين يجب أن ~~ينتظرهما منها، ولا أن يقابل بين قواه والأخطار التي تلاقيه، وهذه الأحوال نادرة في الحال ~~الطبيعية، حيث يسير كل شيء بالغ النمطية، وحيث لا يكون وجه الأرض خاضعا مطلقا لتلك ~~التحولات المفاجئة الدائمة التي توجبها هنالك أهواء الشعوب المتحدة وتقلبها، ولكن بما أن ~~الإنسان الوحشي يعيش متفرقا بين الحيوانات ويجد نفسه باكرا في حال يقيس نفسه بها، فإنه ~~لا يعتم أن يقوم بهذه المقايسة، وهو إذ يحس أنه يفوقها حيلة أكثر من فواقها إياه قوة، ~~فإنه يتعلم ألا يخشاها بعد، وضعوا دبا أو ذئبا أمام وحشي قوي نشيط جسور - كما ~~عليه الجميع - مسلح بحجارة وهراوة جيدة، تروا كون الخطر متقابلا على الأقل، وكون ~~الحيوانات المفترسة، التي لا تحب مهاجمة بعضها بعضا مطلقا، ms23 قليلة الرغبة في مهاجمة ~~الإنسان الذي تجده مفترسا مثلها. وأما من حيث الحيوانات التي لها من القوة في الحقيقة ما ~~هو أكثر من حيلة الإنسان، فإن الإنسان يكون تجاهها في ذات الوضع الذي تكون عليه الأنواع ~~الأخرى الأضعف منها والقادرة على البقاء مع ذلك، وذلك مع قدرة الإنسان على اتخاذ ملجأ ~~وتركه عند المقابلة، ومع خياره في الفرار أو القتال عند المقابلة في كل مكان، فضلا عن ~~استعداده للركض مثلها وعثوره على ملجأ أمين في الشجرة تقريبا، وإلى هذا أضف كونه لا يوجد ~~- كما يظهر - حيوان يشهر الحرب على الإنسان عن طبيعة، خلا الحال التي يكون فيها مدافعا عن ~~نفسه، أو التي يكون فيها جائعا إلى الغاية، وكونه لا يبدي له تلك الكراهية التي تنذر - كما ~~يلوح - بأن أحد الأنواع معد ليكون - عن طبيعة - طعاما لنوع آخر. # وهذه - لا ريب - هي الأسباب في كون الزنوج والهمج لا يخافون الحيوانات المفترسة التي يمكن ~~أن يلاقوها في الغاب، ويعيش كرايب فنيزويلا بين أخرى من هذه الناحية في أمان مطلق ومن غير ~~أدنى محذور، وهم وإن كانوا عراة جميعا تقريبا، على رواية فرنسوا كوريال، يعرضون أنفسهم ~~في الغاب من غير احتراز مسلحين بقوس وسهم، بيد أنه لم يسمع قط افتراس الضواري لأحد ~~منهم. # وهنالك أعداء آخرون أشد هولا، فليس لدى الإنسان ذات الوسائل للدفاع تجاههم، وهؤلاء ~~الأعداء هم: الأسقام الطبيعية للطفولة والهرم والأمراض من كل نوع، أي هذه العلامات الكئيبة ~~لضعفنا، والتي تعد الأوليان منها مشتركتين بين جميع الحيوانات، والتي تعد الأخيرة ~~منها خاصة بالإنسان الذي يعيش في المجتمع، حتى إنني ألاحظ في موضوع الطفولة أن الأم إذ ~~تحمل ولدها معها حيثما كانت، من سهولة تغذيته ما ليس لإناث كثير من الحيوانات التي تضطر ~~إلى الذهاب والإياب بلا انقطاع، مع كثير من التعب بحثا عن غذائها من ناحية، وإرضاعا أو ~~إطعاما لصغارها من ناحية أخرى. # أجل، إن من الحقيقة أن المرأة إذا هلكت حاق بالولد خطر الهلاك معها كثيرا، غير أن هذا ~~الخطر ms24 مشترك بين مئة من الأنواع الأخرى التي لا يكون صغارها من الحال ما تبحث معه عن غذائها ~~بنفسها، وإذا كان دور الطفولة أكثر طولا بيننا، كانت الحياة أكثر طولا أيضا، وتساوى كل ~~شيء من هذه الناحية تقريبا # 5 # وإن وجدت حول مدة الدور الأول وحول عدد الصغار # 6 # قواعد أخرى ليست من موضوعي، ويكون الناس في المشيب أقل حركة وعرقا، فتقل ~~الحاجة إلى الطعام مع القدرة على تداركه، وكما أن الحياة الوحشية تبعد النقرس والرثية ~~منهم، وكما أن المشيب هو من جميع الأمراض ذلك الذي يكون أقل ما يمكن العون الإنساني أن ~~يخففه، تراهم يزولون في آخر الأمر من غير أن يشعر الآخرون بذلك، ومن غير أن يشعروا هم ~~أنفسهم بذلك. # وأما من حيث الأمراض، فإنني لا أكرر مطلقا ما يقوم به معظم الأصحاء من تصريحات فارغة ~~باطلة ضد الطب، ولكنني أسأل: هل توجد مشاهدات متينة يمكن أن يستنبط منها كون الحياة ~~المتوسطة في البلدان التي يكون فيها فن الطب أكثر الأمور إهمالا أقصر مما في أكثر ~~البلدان عناية به؟ وكيف يمكن هذا أن يكون إذا كنا نجلب لأنفسنا من الأمراض ما لا يستطيع ~~الطب أن يجهزنا بأدويته؟ # إن التفاوت المتناهي في طراز الحياة، وفرط البطالة في أناس، وفرط العمل في الآخرين، ~~وسهولة تهييج شهواتنا وملاذنا، والأطعمة المبتغاة كثيرا من قبل الأغنياء فتغذيهم ~~بالعصارات المسببة للحرارة وترهقهم بسوء الهضم، وأغذية الفقراء السيئة التي تعوزهم في ~~الغالب أيضا، والتي يحملهم عدمها إلى إثقال معدتهم بشره عندما تلوح الفرصة، والسهرات، ~~وأنواع الدعارات، وعدم الاعتدال في تبادل ضروب الأهواء، ومتاعب النفس وضناها، وما لا يحصى ~~له عد من الكروب والرزايا التي يشعر بها في جميع الأحوال، والتي تضعف بها النفوس ضعفا ~~مستمرا، دلائل مشئومة على كون معظم أمراضنا من صنعنا الخاص، فكان يمكننا اجتناب جميعها ~~تقريبا بمحافظتنا على طراز العيش البسيط النمطي الانفرادي الذي كانت الطبيعة قد فرضته ~~علينا، وإذا كانت الطبيعة قد أعدتنا لنكون أصحاء، فإنني أجرؤ على القول بأن حال التفكير ms25 ~~مناقضة للطبيعة، وأن الإنسان الذي يفكر حيوان فاسد، وإذا ما نظر في نظام الهمج الصالح، ~~نظام هؤلاء الذين لم نضيعهم بمشروباتنا الروحية، وإذا ما علم أنهم لا يعرفون من الأمراض ~~غير الجروح والمشيب تقريبا، حمل على الاعتقاد بأن من السهل وضع تاريخ للأمراض البشرية ~~بتتبع تاريخ المجتمعات المدنية، وهذا هو - على الأقل - رأي أفلاطون الذي استنتج من أدوية ~~استعملت أو استحسنت من قبل بوداليريوس ومكاؤن في أثناء حصار تروادة كون كثير من ~~الأمراض التي أثارتها هذه الأدوية لم تكن معروفة بين الناس، ويروي سلسوس كون الحمية ~~الضرورية جدا في الوقت الحاضر قد اخترعت من قبل بقراط. # وبما أن الإنسان خاضع لقليل من علل الأمراض في حال الطبيعة، فإنه لا يكون محتاجا إلى ~~علاجات إذن، وأقل من ذلك احتياجه إلى أطباء، ولا يكون النوع البشري أسوأ من جميع الحيوانات ~~الأخرى في هذه الناحية، ومن السهل أن يعرف من الصائدين عن مصادفتهم حيوانات عليلة كثيرة ~~في أثناء صيدهم أولا، وكثير من الصائدين من يجدون بين طرائدهم حيوانات أصيبت بجروح ~~بليغة فاندملت جيدا، وحيوانات كسرت فيها عظام، أو قطعت فيها أعضاء، فعادت إلى حالها من ~~غير أن يكون لها جراحي سوى الزمن، ومن غير أن تتخذ من النظام سوى حياتها العادية، فشفيت ~~تماما من دون أن تؤلم ببضع، أو أن تسم بعقاقير، أو أن تنحل بصيام، ثم مهما يمكن أن ~~يكون للطب الحسن العلاج بيننا من فائدة، فإن من الثابت دائما أنه ليس لدى الهمجي المريض ~~المتروك لنفسه ما يأمله من غير الطبيعة، وأنه ليس لديه ما يخشاه مقابلة من غير مرضه، وهذا ~~يجعله في وضع أفضل من وضعنا غالبا. # ولنحترز - إذن - من خلط الإنسان الوحشي بمن نراهم تحت عيوننا من الناس، فالطبيعة تعامل ~~جميع الحيوانات المتروكة لعنايتها باستحباب يدل - كما يلوح - على درجة اغتباطها بهذا الحق، ~~فللفرس والهر والثور، وللحمار أيضا - في الغالب - قوام أكثر علوا، وبنية أشد قوة ~~ومتانة وجلدا وبأسا في الغابات مما في بيوتنا، وذلك أنها تفقد نصف هذه ms26 المزايا عندما ~~تصبح أهلية، فيمكن أن يقال: إن كل اعتناء في حسن معاملة هذه الحيوانات وتغذيتها لا يؤدي ~~إلى غير إفسادها، وقل مثل هذا عن الإنسان، وذلك أنه عندما يصبح أنيسا وعبدا يصير ضعيفا ~~جبانا ذليلا، ومن شأن طراز عيشه الرغيد المخنث أن يوهن قوته وشجاعته، ولنضف إلى هذا ~~وجود فرق بين الرجل الوحشي والرجل المتمدن أكبر مما بين الحيوان الوحشي والحيوان الأهلي، ~~وذلك بما أن الطبيعة تعامل الإنسان والحيوان على السواء، فإن ما يمنحه الإنسان نفسه من رغد ~~أكثر مما يمنحه الحيوانات التي يؤنسها يعد أسبابا خاصة في انحطاطه أكثر من ~~انحطاطها. # إذن، ليس من شقاء هؤلاء الناس الأولين البالغ، وليس من العوائق العظيمة في بقائهم على ~~الخصوص، أن يكونوا عراة عاطلين من المأوى محرومين جميع تلك الزوائد التي نعتقد أنها ~~ضرورية جدا، وإذا لم يكونوا ذوي جلود شعر، فلعدم احتياجهم إليها في البلاد الحارة، ~~وهم لا يلبثون أن يعرفوا في البلاد الباردة اتخاذ جلود الحيوانات التي غلبوها، وإذا لم يكن ~~لهم غير رجلين للركض فإن لهم ذراعين للدفاع عن أنفسهم وتدارك احتياجاتهم، ومن المحتمل أن ~~يتأخر مشي أولادهم وأن يتعلموا المشي بمشقة، غير أن أمهاتهم يحملنهم بسهولة، أي يقمن بهذه ~~المزية التي تعوز الأنواع الأخرى، حيث تضطر الأم عندما تتبع أن تترك صغارها أو أن تسير ~~على خطواتها، ثم إن من الواضح في كل حال أن الأول الذي صنع لنفسه ثيابا أو أقام مسكنا، ~~يكون قد اتخذ لنفسه أشياء ضرورية قليلا، ما دام قد استغنى عنها حتى ذلك الحين، ولم يبصر ~~السبب الذي لم يستطع به كإنسان كامل أن يحتمل حياة صبر عليها منذ طفولته، وذلك ما لم ~~يتحمل تسابق الأحوال الغريب العرضي الذي سأتكلم عنه فيما بعد، والذي يمكن أنه لم يحدث ~~قط. # وعلى الإنسان الوحشي المنفرد البطال والقريب من الخطر دائما أن يحب النوم، وأن يكون نومه ~~خفيفا، كالحيوانات القيلة التفكير فتنام كل الوقت الذي لا تفكر فيه مطلقا، وبما أن بقاءه ~~الخاص هو مدار عنايته ms27 الوحيدة، فإنه يجب أن يكون أكثر خصائصه عملا ما كان الدفاع والهجوم ~~غرضه الرئيس، وذلك قهرا لقنيصته أو ضمانا لعدم كونه قنيصة حيوان آخر، وعلى العكس يجب أن ~~تبقى الأعضاء التي لا تتكامل إلا بالنعومة والحسية في حال من الغلظة ما يبعد كل نوع من ~~الدقة فيه، وبما أن حواسه تكون مقسمة من هذه الناحية، فإن اللمس والذوق يكونان غاية في ~~الغلظة، ويكون نظره وسمعه وشمه غاية في الدقة، وهذ هي حال الحيوان على العموم، وهذه هي - ~~أيضا - حال الشعوب الوحشية كما يروي السياح، وهكذا لا ينبغي أن يعجب من كون هوتنتو رأس ~~الرجاء الصالح يكتشفون بالنظر لمجرد سفنا في البحر من بعد لا يراها الهولنديون فيه إلا ~~بنظارات، ولا من وحوش أمريكا الذين يشمون الإسبان من أثر القدم كما يستطيع صنعه أحسن ~~الكلاب، ولا من احتمال أمم البرابرة عريهم من غير مشقة، ومن شحذ ذوقهم بقوة الفلفل الأحمر، ~~ومن شربهم المسكرات الأوروبية كالماء. # ولم أنظر إلى غير الإنسان الطبيعي حتى الآن، فلنحاول أن ننظر إليه الآن من ناحية ما بعد ~~الطبيعة ومن الناحية الأدبية. # ولا أبصر في كل حيوان غير آلة محكمة منحتها الطبيعة حواس لتدور بنفسها ولتضمن نفسها، ~~إلى درجة ما، تجاه كل ما يمكن أن يقوضها أو يخل بها، وأبصر بالضبط ذات الأشياء في ~~الآلة البشرية مع الفرق القائل: إن الطبيعة وحدها هي التي تصنع كل شيء في أفعال الحيوان ~~بدلا من قيام الإنسان بأفعاله عاملا حرا، وتختار إحدى الآلتين أو تطرح عن غريزة، ~~وتختار الآلة الأخرى أو تطرح عن عمل حر، ومن ثم لا يستطيع الحيوان أن ينحرف عن القاعدة ~~المفروضة عليه، وإن كان له نفع في هذا الانحراف، والإنسان ينحرف عن مثل هذه القواعد في غير ~~مصلحته، وهكذا فإن حمامة تموت جوعا بجانب طبق مملوء بأطيب اللحوم، ويموت هر على كدس من ~~الفواكه أو الحبوب، وإن اسطاع كل منهما أن يتغذى جيدا من الطعام الذي يزدريه إذا ما خطر ~~بباله أن يحاول ذلك، وهكذا فإن ms28 الناس الفاسقين ينهمكون في الملاذ التي توقعهم في الحمى ~~والموت؛ وذلك لأن النفس تفسد الحواس، ولأن الإرادة تتكلم حينما تسكت الطبيعة. # ولكل حيوان أفكار ما دام يوجد له حواس، حتى إنه يخلط بين أفكاره إلى حد ما، ولا ~~يختلف الإنسان عن الحيوان من هذه الناحية إلا إلى حد ما، حتى إن بعض الفلاسفة ذهبوا إلى ~~وجود فرق بين هذا الإنسان وذاك الإنسان أعظم مما بين هذا الإنسان وذاك الحيوان؛ ولذلك ليس ~~الإدراك هو الذي يجعل الفرق النوعي بين الإنسان والحيوان بمقدار العامل الحر في الإنسان، ~~والطبعية تقود كل حيوان، والحيوان يطيعها، والإنسان يبتلى بذات العامل، ولكن مع علمه بأنه ~~حر في الإذعان أو المقاومة، وفي شعوره بهذه الحرية تبدو روحية نفسه، وذلك أن الحكمة ~~الطبيعية توضح من بعض الوجوه نظام الحواس وتكوين الأفكار، ولكنه لا يوجد في قوة الإرادة، ~~وإن شئت فقل في قدرة الاختيار، ولا يوجد في الشعور بهذه القدرة، غير أفعال روحية خالصة ~~لا يمكن أن يفسر منها شيء بقوانين الميكانيك. # ولكن إذا كانت المصاعب التي تحيط بجميع هذه المسائل تترك مجالا للجدل حول هذا الفرق بين ~~الإنسان والحيوان، فإنه يوجد صفة أخرى بالغة النوعية تفرق بينهما، ولا يمكن أن يكون جدال ~~حولها، وهذه هي خاصية التكامل، هذه الخاصية التي تنمي جميع الخصائص الأخرى تتابعا بفعل ~~الأحوال، وتكمن في النوع كما تكمن في الفرد بيننا، وذلك بدلا من حال الحيوان الذي يبقى مدى ~~حياته ما كان عليه في نهاية بضعة أشهر من سنه، ومن حال جنسه في نهاية ألف سنة ما كان ~~عليه في السنة الأولى منها، ولم يكون الإنسان وحده هدفا للسخافة؟ أليس ذلك لأن الإنسان ~~يعود إلى حالته الأولى على هذا الوجه، ولأن الإنسان الذي يخسر عن مشيب أو حوادث أخرى كل ما ~~ناله باستعداده للكمال يسقط إلى ما هو أحط من الحيوان نفسه، مع أن الحيوان الذي لم يكتسب ~~شيئا ولم يخسر شيئا يبقى محافظا على قوة غريزته؟ إن من عوامل الغم فينا أن نضطر ms29 إلى ~~الاعتراف بأن هذه الخاصية الفارقة وغير المحدودة تقريبا هي مصدر جميع رزايا الإنسان، وأنها ~~هي التي تخرجه بفعل الزمن من تلك الحال الأصلية التي يقضي فيها أياما هادئة بريئة، وأنها ~~هي التي تبرز مع القرون معارفه وأضاليله وعيوبه وفضائله، فتجعله مع الزمن طاغية نفسه وطاغية ~~الطبيعة، # 7 # ومن الفظاعة أن يضطر المرء أن يمدح كمحسن ذلك الذي كان أول من أوحى إلى أهل ~~ضفاف الأورنوك باستخدام الألواح على أصداغ أولادهم، فتضمن لهم قسما من سخافتهم وسعادتهم ~~الأصلية على الأقل. # وبالوظائف الحيوانية الصرفة # 8 ~~- إذن - يبدأ الإنسان الهمجي الذي تكله الطبيعة إلى الغريزة وحدها، أو تعوضه - ~~على الصحيح - مما يعوزه على ما يحتمل، بخصائص صالحة لتقوم مقامها في البداءة، ولترفعه ~~فوقها كثيرا فيما بعد، وتقوم على المشاهدة والشعور حاله الأولى التي تكون مشتركة بينه ~~وبين جميع الحيوانات، وتكون الإرادة وعدم الإرادة والرغبة والرهبة أولى أعمال نفسه، وتكون ~~هذه الأعمال وحدها تقريبا، وذلك حتى تؤدي أحوال أخرى إلى نشوء جديد في خصائصه. # ومهما يقل علماء الأخلاق يعد الإدراك البشري مدينا كثيرا للأهواء التي هي مدينة ~~كثيرا لهذا الإدراك أيضا، ما يسلم به على العموم، وذلك أن عقلنا يتكامل بفاعلية ~~الأهواء، وذلك أننا لا نبحث عن المعرفة إلا لأننا نرغب في الاستمتاع، فيتعذر علينا أن نتمثل ~~السبب في كون الذي لا رغائب ولا مخاوف عنده يتكبد مشقة التعقل، والأهواء بدورها تجد أصلها ~~في احتياجاتنا، وتجد نشوءها في معارفنا؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يرغب في الأشياء أو أن تخشى ~~الأشياء إلا للأفكار التي يمكن أن تدور حولها، أو لاندفاع الطبيعة، وإذ إن الإنسان الوحشي ~~محروم كل نوع من الذكاء، فإنه لا يبتلى غير أهواء هذا النوع الأخير، ولا تعدو رغائبه أحد ~~احتياجاته الطبيعية، # 9 # وكل ما يعرفه في الكون هو الغذاء والأنثى والنوم، وكل ما يخافه من الشرور هو ~~الألم والجوع، وأقول الألم لا الموت؛ لأن الحيوان لا يعرف ما الموت مطلقا، فمعرفة الموت ~~وأهواله هي من أول ما اكتسبه الإنسان بابتعاده ms30 عن الحال الحيوانية. # ويسهل علي - عند الاقتضاء - أن أؤيد هذا الشعور بالوقائع، فأثبت أن تقدم النفس لدى جميع ~~أمم العالم يتناسب وما أخذته الشعوب عن الطبيعة من الاحتياجات، أو التي جعلتها الأحوال ~~خاضعة لها، ومن ثم يتناسب والأهواء التي حملتها على قضاء هذه الاحتياجات، وإني إذ أبين ~~أن الفنون تولد وتنتشر في مصر مع فيضان النيل، أتتبع تقدمها عند الأغارقة حيث رئي نبتها ~~ونموها ونهوضها حتى السماوات بين رمال الأتيك وصخره من غير أن تستطيع التأصل على ضفاف ~~الأوروتاس الخصيبة، فألاحظ أن شعوب الشمال أكثر جدا من شعوب الجنوب على العموم؛ وذلك ~~لأنها أقل استغناء من أن تكون هكذا، وذلك كما لو كانت الطبيعة تود أن تساوي بين الأشياء ~~بأن تمنح النفوس من الخصب ما تأباه على الأرض. # ولكن من ذا الذي لا يرى، من غير رجوع إلى أدلة التاريخ المتقلبة، إن كل شيء يبعد من ~~الإنسان الوحشي كلا من الإغراء ووسائل تبديل حاله كما يلوح؟ لا يصوره خياله شيئا له، ~~ولا يسأله قلبه شيئا، وتكون احتياجاته الضئيلة من سهولة وجودها قبضة يده، ويكون من ابتعاده ~~عن درجة المعارف التي لا بد منها ليرغب في اكتساب ما هو أعظم منها، ما لا يمكن أن يكون له ~~معه حذر ولا حب اطلاع، ويغدو غير مكترث لمنظر الطبيعة لما يصير مألوفا لديه، وهو يبصر ~~فيه ذات النظام وذات التقلبات دائما، وليس عنده روح الدهش من أعظم العجائب، وليس عنده ما ~~يجب أن يبحث به عن الفلسفة التي يحتاج الإنسان إليها ليعرف أن يلاحظ مرة ما رآه في جميع ~~الأيام، وتسلم روحه التي لا يهزها شيء نفسها إلى إحساس وجوده الحاضر من غير أي فكر عن ~~المستقبل مهما كان قريبا، ولا تكاد أغراضه المحدودة كأبصاره تمتد إلى نهاية نهاره، ولا ~~تزال هذه درجة إدراك الكرايبي الذي يبيع فراشه القطني صباحا ويبكي مساء لاشترائه، وذلك من ~~عدم بصره بأنه سيحتاج إليه في الليلة القادمة. # وكلما فكر في هذا الموضوع عظمت في نظرنا المسافة بين ms31 الإحساسات الخالصة وأبسط المعارف، ~~ومن المحال أن يتمثل إمكان استطاعة الإنسان بقواه وحدها، ومن غير استعانة بطريق ومن غير ~~دافع ضرورة، أن يجاوز مثل تلك الفاصلة، وما أكثر القرون التي مرت على ما يحتمل قبل أن ~~يشاهد الإنسان نارا غير التي في السماء! وما أكثر منا وجب وقوعه من مصادفات لتعلم أكثر ~~استعمال لهذا العنصر شيوعا! وما أكثر ما ترك يطفأ قبل اكتساب صنعة إنتاجه ثانية! ~~وما أكثر ما زال - على ما يحتمل - كل واحد من هذه الأسرار بزوال الذي اكتشفها! وما نقول عن ~~الزراعة، عن هذا الفن الذي يتطلب عملا كثيرا وحذرا كبيرا، عن هذا الفن الذي يرتبط في ~~فنون كثيرة أخرى، والذي لا تمكن مزاولته في غير مجتمع مبدوء على الأقل كما هو واضح جدا، ~~والذي لا ينفع كثيرا في إخراج أقوات من الأرض تمد بها من غيرها إلا بحملها على إنتاج ما هو ~~أكثر ملاءمة لذوقنا؟ ولكن لنفترض أن الناس بلغوا من الكثرة ما عادت الإنتاجات الطبيعية معه ~~غير كافية لتغذيتهم، هذا الافتراض الذي يدل، عند القول العابر، على حياة بالغة النفع ~~للنوع البشري، ولنفترض أن آلات الفلاحة نزلت من السماء وصارت قبضة الهمج من غير كير (زق ~~ينفخ فيه الحداد) ولا معمل، وأن هؤلاء الناس قضوا على الحقد القاتل الذي يحملونه نحو عمل ~~دائم كذلك، وأنهم تعلموا البصر في احتياجاتهم من أمد بعيد، وأنهم حزروا كيف يجب أن تحرث ~~الأرض وتبذر الحبوب وتغرس الأشجار، وأنهم وجدوا فن طحن البر وتخمير العنب، أي اتفقت لهم ~~جميع هذه الأمور التي وجب أن تكون الآلهة قد علمتهم إياها ما دام لم يتمثل كيف تعلموها ~~بأنفسهم، فمن يكون ذلك الإنسان الذي يبلغ من السخافة ما يزعج معه نفسه بزراعة حقل تنزع ~~غلاته من قبل أول آت، إنسانا كان أو حيوانا، غير مبال بمن يلائمه هذا الحصاد؟ وكيف ~~يمكن كل واحد أن يعزم على قضاء حياته في عمل شاق يثق بأنه لا ينال مقابله مع اضطراره ~~إليه؟ # والخلاصة: كيف يحمل الناس ms32 بهذا الوضع على زراعة الأرض ما دامت غير مقسمة بينهم، أي ما ~~دامت حال الطبيعة غير ملغاة مطلقا؟ # ومتى افترضنا وجود إنسان وحشي بارع في فن التفكير كما يجعله لنا فلاسفتنا، ومتى جعلنا ~~فيه فيلسوفا على مثالهم قادرا على اكتشافه وحده أعلى الحقائق، واضعا بسلاسل من البراهين ~~المجردة جدا مبادئ عدل وعقل مستنبطة من حب النظام على العموم، أو مقتبسة من إرادة ~~خالقه المعروفة. # والخلاصة: أننا إذا افترضنا له في النفس من الذكاء والثقافة ما يجب أن يكون له، فيوجد فيه ~~ثقل وسخف فعلا، فأي فائدة يستخرج النوع من هذه اللاهوتيات التي لا يمكن أن تنقل من ~~واحد إلى آخر والتي تزول مع الذي ابتدعها؟ وأي تقدم يمكن أن يتفق للنوع البشري المفرق في ~~الغايات بين الحيوانات؟ وما المدى الذي يمكن الناس أن يتكاملوا فيه ويتثقفوا مقابلة، هؤلاء ~~الناس كانوا عاطلين من المأوى الثابت، غير محتاج بعضهم إلى بعض، فلا يكادون يتلاقون مرتين ~~في حياتهم على ما يحتمل، وذلك مع عدم تعارف وتحادث؟ # ولينعم النظر في مقدار الأفكار التي تعد مدينين بها لاستعمال الكلام، وفي مقدار ما ~~تدرب بالنحو أعمال النفس وتسهل به؛ وليفكر في المشاق التي لا تتصور وفيما لا حد له من ~~الزمن ثمنا لاختراع اللغات الأولى؛ ولتضف هذه التأملات إلى السابقة، وليحكم في مقدار ما ~~وجب من ألوف القرون؛ لينمي في النفس البشرية بالتعاقب ما كانت قادرة عليه من ~~الأفعال. # وليسمح لي بالنظر هنيهة في عوائق أصل اللغات، ويمكنني أن أذكر، أو أكرر، هنا مباحث ~~الشماس دوكوندياك التي قام بها حول هذا الموضوع فتؤيد منهاجي تماما، ويحتمل أن كانت ~~أول ما أوحي إلي بالفكرة الأولى، ولكنه يتضح من الوجه الذي يحل به هذا الفيلسوف ما يثيره ~~من المشاكل حول أصل الحركات الموضوعة أنه افترض ما أسأل عنه، أي ضربا من المجتمع القائم ~~بين مبتدعي اللغة، فأرى - حين أرد إلى تأملاته، أن أضيف تأملاتي لأعرض عين المشاكل على ~~نور ما يناسب موضوعي، وأول مشكلة تظهر هو أن يتصور ms33 كيف أمكن أن تصير اللغات ضرورية، وذلك ~~بما أنه لم يكن بين الناس أي اتصال ولا أي احتياج إلى هذا الاتصال، فإنه لا يتصور لزوم هذا ~~الاختراع ولا إمكانه لو كان غير ضروري، وأقول كآخرين كثيرين: إن اللغات ولدت من اختلاط ~~الآباء والأمهات والأولاد اختلاطا أهليا، غير أن هذه الوسيلة لا تحل المشاكل مطلقا، وهي ~~- فضلا عن ذلك - تنطوي على خطأ من يبرهنون حول حال الطبيعة، فيدخلون إلى براهينهم ~~أفكارا اقتبست من المجتمع، فلا ينفكون يرون الأسرة تعيش تحت سقف واحد، وأن أفرادها ~~يحتفظون فيما بينهم باتحاد وثيق دائم كما بيننا، حيث تجمع بينهم مصالح كثيرة مشتركة، مع ~~أنه لم يكن للناس في تلك الحالة الابتدائية منزل ولا كوخ ولا ملك من أي نوع كان، فيعيش ~~كل واحد أينما وجد اتفاقا، ولليلة واحدة في الغالب، وكان الذكور والإناث يختلطون عرضا ~~وفق ما يقع من التقاء وفرصة وميل، من غير أن يكون الكلام ترجمانا ضروريا كثيرا ~~للأمور التي كان عليهم أن يعبروا عنها، وكانوا يفترقون بسهولة # 10 # كالتي يجتمعون بها، وكانت الأم ترضع أولادها في البداءة عن احتياج خاص لها، ~~ثم جعلتهم العادة غالين فصارت تغذيهم عن احتياج فيهم، وكانوا إذا ما أصبحوا من القوة ما ~~يبحثون معه عن قوتهم لم يعتموا أن يتركوا الأم نفسها، وبما أنه لم يكن من وسائل الالتقاء ~~تقريبا غير عدم الغياب عن العين، فإنهم كانوا لا يتعارفون إذا ما تلاقوا ثانية؛ ولنلاحظ ~~- أيضا - اضطرار الولد إلى إيضاح جميع احتياجاته، ومن ثم وجود أمور كثيرة يقولها الولد ~~لأمه أكثر من أن تقولها أمه له، فكان عليه أن يقوم بأعظم جهود للإبداع، فوجب أن تكون اللغة ~~التي يستعملها من صنعه الخاص إلى حد بعيد، وهذا ما يجعل اللغات من الكثرة بعدد الأفراد ~~الذين يتكلمون بها، وهذا مع وجوب زيادة تنوعها بما يأتونه من حياة التسكع والتيهان التي لا ~~تترك لأية لغة من الوقت ما تكتسب معه ثباتا؛ وذلك لأن القول بأن الأم تملي على الولد من ~~الكلمات ms34 ما يجب عليه أن يستعمله ليسألها عن هذا الشيء أو ذاك، يدل جيدا على الوجه الذي ~~تعلم به اللغات التي تم تكوينها، غير أن هذا لا يوضح كيف تكونت. # ولنفترض أن هذه الكلمة الأولى مشكلة ذللت، ولنجاوز للحظة ما وجب وجوده من مسافة واسعة ~~بين الحال الطبيعية الخالصة والحاجة إلى اللغات، ولنبحث بافتراضها ضرورية # 11 # عن الوجه الذي استطاعت أن تبدأ به وتستقر، وهذه مشكلة جديدة أسوأ من السابقة ~~أيضا؛ وذلك لأن الناس إذا كانوا محتاجين على الكلام ليتعلموا التفكير، فإنهم أكثر احتياجا ~~إلى معرفة التفكير لإيجاد فن الكلام، وإذا ما أدرك الوجه الذي اتخذت به نبرات الصوت ~~لتكون تراجمة اتفاقية لأفكارنا، فإنه يبقى علينا - دائما - أن نعرف ما استطاع أن يكون ~~تراجمة هذا الاتفاق عن الأفكار التي ليس موضوعها محسوسا فتستطيع أن تدل على نفسها بالحركة ~~أو بالصوت، وذلك أننا لا نكاد نستطيع أن نضع فرضيات محتملة حول ظهور هذا الفن في نقل ~~الإنسان أفكاره وإقامة صلة بين النفوس، هذا الفن العالي البعيد جدا من أصله، ولكن مع كون ~~الفيلسوف لا يزال يراه على مسافة لا يعرف مداها بعدا من الكمال، ولكن مع عدم وجود ~~إنسان بالغ من الجرأة ما يؤكد عدم الوصول إليه مطلقا، ولو وقفت نفعا له ما يوجبه الزمن ~~من الانقلابات، ولو أقصيت المبتسرات ~~“Préjugés” # عن المجامع ~~الأدبية أو صمتت أمامها، ولو استطاعت هذه المجامع أن تعنى بهذا الموضوع الشائك في قرون ~~كاملة بلا انقطاع. # وصوت الطبيعة هو اللغة الأولى للإنسان، وهو أكثر اللغات انتشارا ونشاطا، وهو الوحيد ~~الذي احتاج إليه قبل وجوب إقناعه أناسا مجتمعين، وبما أن هذا الصوت لم ينتزع إلا بنوع ~~من الغريزة في الأحوال الملحة التماسا للعون في الأخطار العظيمة، أو للتخفيف في الأمراض ~~العنيفة، فإنه لم يكن كبير الاستعمال في أثناء الحياة العادية، حيث يسود أكثر المشاعر ~~اعتدالا. ولما أخذت أفكار الناس تنتشر وتزيد وقامت بنيهم صلة أشد إحكاما، بحثوا عن ~~حركات أكثر عددا، وعن لغة أعظم اتساعا، فزادوا إمالات الصوت، ms35 وأضافوا إليه من الحركات ما ~~هو أكثر تعبيرا، وما يكون معناه أقل توافقا على تحديد سابق، وبالحركات يعبر - إذن - عن ~~الأشياء المنظورة والمتحركة، وبالأصوات المماثلة يعبر عن الأشياء التي تقرع السمع، ولكن ~~بما أن الحركة لا تدل على غير الأشياء الحاضرة أو التي يسهل وصفها وعلى الأعمال المنظورة، ~~وبما أنها ليست شاملة الاستعمال ما دام ظلام الجسم أو تداخله يجعلها غير ذات عمل، وبما أنها ~~تقتضي انتباها أكثر من إثارته، فإنه رئي في نهاية الأمر أن تستبدل بها مفاصل الصوت التي ~~هي - من غير أن تكون عين الصلة ببعض الأفكار - أصلح لتمثيلها جميعها كإشارات مصطلح عليها. ~~واستبدال كهذا لا يمكن أن يتم إلا باتفاق عام، وعلى وجه يصعب تطبيقه على أناس لم ~~تتعود أعضاؤهم الغليظة ممارسته بعد، وأصعب من ذلك أيضا إدراكه في ذاته ما وجب أن يكون ذلك ~~الاتفاق الإجماعي مبرهنا، وما ظهر أن الكلام ضروري إلى الغاية توطيدا لعادة ~~الكلام. # ويجب أن يرى أن الكلمات الأولى التي استعملها الناس قد انطوت في روحها على معنى أكثر ~~اتساعا بما لم يكن للكلمات التي تستعمل في اللغات القائمة، وهي إذ تجهل تقسيم الكلام إلى ~~أجزائه المتتابعة، فإنها منحت في البداءة كل كلمة معنى جملة بأجمعها، وهي إذ أخذت تميز ~~الفاعل من المفعول والفعل من الاسم، وهذا ما لا يصدر عن جهد وضيع من العبقرية، فإن ~~الأسماء لم تكن في البداءة غير أسماء خاصة، وإن الحاضر هو الزمن الوحيد للأفعال، وأما ~~النعوت فوجب أن تكون قد تقدمت بصعوبة عظيمة؛ وذلك لأن كل نعت هو كلمة مجردة؛ ولأن ~~المجردات أعمال شاقة غير طبيعية إلا قليلا. # وقد نال كل شيء اسما خاصا في البداءة، وذلك من غير نظر على الأجناس والأنواع التي لم ~~يكن الواضعون الأولون ليفرقوا بينها، وقد تمثل جميع الأفراد لنفوسهم على انفراد كما في ~~رسم الطبيعة، وإذا كانت إحدى البلوطات تدعى (أ) وكانت الأخرى تدعى (ب)، فإن الفكرة الأولى ~~التي تستنبط من الأمرين هي أنهما ليسا عين الشيء، فوجب في ms36 الغالب مرور زمن كبير لملاحظة ~~ما هو مشترك بينهما، وذلك أنه كلما كانت المعارف محدودة اتسع مدى المعجم ، ولم يكن من السهل ~~أن يزال عسر استعمال هذا المعجم؛ وذلك لأن صف الموجودات تحت تسميات عامة وجنسية كان ~~يتطلب معرفة الخصائص والفروق، كان يتطلب من الملاحظات والتعريفات، أي من التاريخ الطبيعي ~~ومما بعد الطبيعة، ما هو أكثر مما يمكن آدمي ذلك الزمن أن يحوزه بمراحل. # ثم إن الأفكار العامة لا يمكن أن تدخل في النفس من غير مساعدة الكلمات، ولا يمكن أن ~~ينالها الإدراك من غير جمل، وهذا هو أحد الأسباب في عجز الحيوانات عن تكوين مثل هذه الأفكار ~~واكتساب ما يتوقف عليها من كمال، وإذا ما انتقل قرد من جوزة على أخرى بلا تردد، فهل يرى ~~أنه كان لديه فكرة عامة عن هذا النوع من الثمر، وأنه يقابل مثاله بتينك الجوزتين؟ كلا، لا ~~ريب، غير أن منظر إحدى الجوزتين يرد إلى ذاكرته من المشاعر ما أخذه عن الأخرى، وتخبره ~~عيناه، اللتان عدلتا على وجه ما، ذوقه بالتعديل الذي يوشك أن يصيبه، وكل فكرة عامة ~~ذهنية، ولا تلبث الفكرة أن تكون خاصة إذا مازجها شيء من الخيال، وإذا حاولتم أن ترسموا في ~~ذهنكم صورة شجرة على العموم لم تبلغوا غايتكم قط، فيجب أن ترى، على الرغم منكم، صغيرة ~~أو كبيرة، عارية أو كثيفة، زاهرة أو قائمة، وإذا كنتم من الحال ما لا ترون معه فيها ~~غير ما هو مشترك بين جميع الشجر، عادت هذه الصورة لا تشابه شجرة مطلقا، وتبصر الموجودات ~~المجردة على ذات الوجه، أو هي لا تدرك بغير الكلام، ومن ذلك أن تعريف المثلث يعطيكم عنه ~~فكرة حقيقية، فمتى جعلتم له صورة في ذهنكم كان مثلثا خاصا، لا مثلثا آخر، ولم يمكنكم ~~أن تجتنبوا منحه خطوطا محسوسة أو رسما ملونا؛ ولذا يجب استعمال جمل؛ ولذا يجب الكلام، ~~لنيل أفكار عامة، وذلك لأن الخيال إذا ما وقف عاد الإدراك لا يسير بغير مساعدة الكلام؛ ولذا ~~إذا كان المبدعون الأولون لم ms37 يستطيعوا إطلاق أسماء على غير ما كان عندهم من أفكار، فإن ~~الأسماء الأولى لم تستطع أن تكون غير أسماء خاصة. # ولكن عندما أخذ نحويونا الجدد ينشرون أفكارهم ويعممون كلماتهم بوسائل لا أتصورها، وجب ~~أن يؤدي جهل المبدعين إلى حصر هذا النهج ضمن حدود ضيقة جدا، وبما أنهم كثروا أسماء ~~الأفراد في البداءة إلى الغاية، عن عدم معرفة الأنواع والأجناس، فإنهم جعلوا أنواعا ~~وأجناسا قليلة إلى الغاية فيما بعد، وذلك عن عدم نظر إلى الموجودات من حيث جميع فروقها، ~~وكان لا بد لهم من تجارب ومعارف أكثر مما كانوا يستطيعون حيازته، وكان لا بد لهم من مباحث ~~وجهود أكثر مما كانوا يريدون اتخاذه، حتى يوسعوا نطاق التقسيمات إلى مدى بعيد بدرجة ~~الكفاية، والواقع أنه إذا ما اكتشفت في كل يوم، وفي يومنا أيضا، أنواع جديدة لم تلاحظ ~~سابقا، فإن من الرأي أن ينعم النظر في مقدار ما كان قد غاب منها عمن لا يحكمون في ~~الأمور إلا عن أول نظرة، ومن غير الضروري أن يضاف إلى هذا كون الأصناف الابتدائية وأكثر ~~التصورات عموما قد غابت عن ملاحظتهم أيضا، وكيف كانوا - مثلا - يتصورون أو يسمعون كلمات: ~~المادة والنفس والجوهر والنمط والشكل والحركة، ما دام فلاسفتنا الذين يستعملونها منذ زمن ~~طويل جدا يجدون مشقة في سماعها بأنفسهم، وما دامت الأفكار التي تربط بهذه الكلمات خاصة ~~بما بعد الطبيعة تماما فلا يجدون لها نظيرا في الطبيعة؟ # وأقف عند هذه الخطوات الأولى، وألتمس من قضاتي أن يمسكوا عن قراءتهم لينظروا في اختراع ~~الأسماء المادية، أي في قسم اللغة الذي هو أسهل ما يوجد، وذلك أنه لا يزال يوجد طريق ~~كبيرة تسلك قبل أن يعبر عن جميع أفكار الناس، وقبل أن تتخذ هذه الأفكار شكلا ثابتا ~~يعرب به عن مقاصد الجمهور ويؤثر في المجتمع، وألتمس من قضاتي أن يتأملوا فيما يجب من الوقت ~~والمعارف لإيجاد الأعداد # 12 # والأسماء المجردة، والمضارع وجميع أزمنة الأفعال، والحروف والتراكيب، وربط ~~الجمل ووجوه القياس، وتأليف منطق الكلام، وأما أنا، وتخيفني المصاعب ms38 التي تتكاثر وأقنع بما ~~هو ثابت تقريبا من استحالة ظهور اللغات واستقرارها بوسائل بشرية صرفة، فأدع لمن يريد ~~القيام بذلك أن يناقش في هذه المسألة الصعبة التي كانت أكثر الأمور لزوما للمجتمع المرتبط ~~في نظام اللغات، أو للغات المخترعة المرتبطة في نظام المجتمع. # ومهما يكن من أمر هذه الأصول (اللغات والمجتمع) فإنه يرى على الأقل، من قلة عناية الطبيعة ~~بتقريب بعض الناس من بعض باحتياجات متقابلة وتسهيلها استعمال الكلام، مقدار قلة إعدادها ~~لأنسيهم، ومقدار قلة ما وضعته من ذاتها في جميع ما صنعوه إيجادا لمثل روابط الاتحاد هذه، ~~والواقع أنه يستحيل تصور السببب في كون الإنسان في هذه الحال الابتدائية يحتاج إلى إنسان ~~آخر أكثر من احتياج القرد أو الذئب إلى آخر من نوعه، ولا تصور السبب في حمل الآخر على ~~قضاء هذا الاحتياج عند افتراضه، ولا تصور وجه إمكان اتفاقهما على الشروط في هذه الحال ~~الأخيرة، وأعلم أنه يقال لنا مكررا، وبلا انقطاع: إنه لم يكن مثل الإنسان بائس في هذه ~~الحال. فإذا صح ما أعتقد إثباتي له من أنه لم يساوره ميل أو فرصة للخروج منها إلا بعد ~~قرون كثيرة، كان هذا قضية ترفع على الطبيعة، لا على الذي جبلته هكذا، وأما كلمة «بائس» ~~فلا أجد لها معنى أو إنها لا تعني غير حرمان أليم أو ألم في الجسم والروح، ومما أود أن ~~يوضح لي في الواقع ما يمكن أن يكون نوع البؤس في شخص حر يتمتع فؤاده بالسكون وبدنه ~~بالصحة، ومما أسأل: أي الأمرين، الحياة المدنية أو الطبيعية، يكون أكثر عدم احتمال - كما ~~يغدو - لدى من يتمتعون بهما، ولا نكاد نرى حولنا غير أناس يتوجعون من حياتهم، حتى إننا نرى ~~أناسا كثيرين ينتزعونها ما استطاعوا، ولا تكاد القوانين البشرية والإلهية مجتمعة تقف هذا ~~الاختلال، ومما أسأل: هل سمع قط أن همجيا طليقا دار في خلده أن يشتكي من الحياة ~~فقتل نفسه. ولينظر - إذن - مع قليل زهو، في الناحية التي يأتي البؤس الحقيقي منها، وعلى ~~العكس لا شيء ms39 أشد بؤسا من الإنسان الوحشي الذي بهرته المعارف وأوجعته الأهواء باحثا حول ~~حياة مختلفة عن حياته، ويظهر أن العناية الربانية البالغة الحكمة قضت بألا تنمو الخصائص ~~الحائز لها إلا في فرص ممارستها؛ وذلك لكيلا تكون زائدة ثقيلة قبل الأوان، أو تكون ~~متأخرة لاغية عند الاقتضاء، وقد كان يكمن في الغريزة وحدها كل ما يحتاج إليه للعيش في حال ~~الطبيعة، وليس له في عقل مثقف غير ما يحتاج إليه المجتمع. # ويظهر أول وهلة أنه لم يكن بين الناس في هذه الحال أي نوع من الصلات الأدبية، ولا واجبات ~~معينة، فيستطيعوا أن يكونوا صالحين أو طالحين، ولم تكن لديهم معايب ولا فضائل، ما لم تؤخذ ~~هذه الكلمات ضمن معنى مادي فتدعى معايب في الفرد الصفات التي يمكن أن تضر بقاءه الخاص، ~~وتدعى فضائل الصفات التي يمكن أن تساعد على بقائه، فيجب في هذه الحال أن يدعى الأكثر ~~فضيلة الأقل مقاومة لاندفاعات الطبيعة، ولكننا - من غير أن نبتعد عن المعنى المادي - نجد ~~أن من المناسب أن نقف الحكم الذي نستطيع سوقه حول مثل هذا الوضع، وأن نحذر مبتسراتنا حتى ~~يبحث، والميزان في اليد، عن وجود الفضائل أكثر من المعايب بين المتمدنين، أو عن كون ~~فضائلهم أنفع من عدم شؤم معايبهم، أو عن كون تقدم معارفهم تعويضا كافيا من الشرور التي ~~يأتونها مقابلة بنسبة الخير الذي يجب أن يصنعوه، أو عن كونهم - إجمالا - في وضع لا يبدون ~~فيه أعظم سعادة في عدم وجود شر يخشونه، ولا خير يرجونه من أحد، من خضوعهم لطاعة عامة ومن ~~إلزامهم بنيل كل شيء من أولئك الذين لا يلزمون أنفسهم بإعطائهم شيئا. # ودعنا لا نستنتج مع هوبز - على الخصوص - كون الإنسان طالحا بحكم الطبيعة لكيلا تتمثل ~~فكرة الصلاح؛ وكونه فاسدا لأنه لا يعرف الفضيلة، وكونه يأبى على أمثاله دائما خدما لا ~~يعتقد حقهم في طلبها، ولا كونه يطلب - عن حق - كل شيء يحتاج إليه فيتصور - عن حماقة - ~~أنه مالك جميع العالم، وقد أصاب هوبز في ملاحظته نقص جميع التعريفات ms40 الحديثة للحقوق ~~الطبيعية، غير أن النتائج التي استخرجها من تعريفه تدل على اتخاذه هذا التعريف ضمن معنى ~~ليس أقل خطأ، وكان على هذا المؤلف، حين يبرهن حول المبادئ التي وضعها، أن يقول: بما أن حال ~~الطبيعة هي الحال التي تكون فيها العناية ببقائنا أقل ضرا ببقاء الآخرين، فإن هذه الحال ~~كانت أنسب للسلم وأصلح للجنس البشري، والعكس هو ما قاله تماما نتيجة قبوله قبولا غير ~~مناسب، وكجزء من عناية الإنسان الوحشي ببقائه، قضاء طائفة من الأهواء التي هي من عمل ~~المجتمع والتي جعلت القوانين أمرا ضروريا، ومن قوله: إن الإنسان الطالح هو ولد قوي، ~~وبقي أن يعرف هل الإنسان الوحشي ولد قوي، وإذا ما أعطي هذا فما عليه أن يستنبط؟ وإذا ~~كان هذا الإنسان القوي تابعا لآخرين اتباعه لهم عند ضعفه لم يوجد تطرف لا يكون مذنبا ~~به، وليضرب أمه إذا ما تأخرت عن إعطائه ثديها، وليخنق أحد إخوته الصغار إذا ما أزعجه، وليعض ~~ساق أخ آخر له إذا ما أقلقه، فلا تنطوي هذه الأمور على غير افتراضين متناقضتين في حال ~~الطبيعة التي يكون فيها ذلك الإنسان قويا وتابعا، ويكون الإنسان ضعيفا عندما يكون ~~تابعا، وهو يكون طليقا قبل أن يكون قويا، ولم ير هوبز أن ذات العلة التي تمنع الهمج ~~من استعمال عقلهم ما يزعم فقهاؤنا تمنعهم في الوقت نفسه من سوء استعمال خصائصهم كما يزعم ~~هوبز نفسه، فبذلك يمكن أن يقال إن الهمج ليسوا طالحين؛ لأنهم لا يعلمون معنى كونهم صالحين؛ ~~ولك لأن سكون الأهواء وجهل العيب هما اللذان يحولان دون صنعهم الشر، «فجهل العيب أكثر ~~فائدة للواحد من معرفة فضيلة الآخر» (جوستان، التاريخ، باب 2، فصل 2)، ثم يوجد مبدأ آخر ~~لم يبصره هوبز قط، وذلك: بما أن الإنسان قد أعطي ما يلطف به في بعض الأحوال قسوة ~~أنانيته أو رغبته في البقاء قبل أن تولد هذه الرغبة، # 13 # فإنه يعدل ما فيه من حميا البحث عن هناءته بنفوره الفطري من مشاهدة نظيره ~~بألم، ولا أجد ما أخشاه من ms41 تناقض بذهابي إلى أن الإنسان حائز للفضيلة الطبيعية الوحيدة ~~التي لا يمكن أن ينكرها أكثر الناس طعنا في الفضائل البشرية ، وأتكلم عن الرحمة، عن هذا ~~الأمر الملائم للأشخاص البالغين من الضعف والمعروضين لكثير من الشرور كما نحن عليه؛ عن هذه ~~الفضيلة البالغة من الشمول العظيم والنفع العميم للإنسان ما تسبق فيه كل تأمل، عن هذه ~~الفضيلة البالغة من ملاءمة الطبيعة ما تصدر معه حتى عن الحيوان أحيانا دلائل محسوسة عليها، ~~وإني - من غير قول عن حنان الأمهات على صغارها، وعن الأخطار التي تقتحمها لتصونها منها - ~~أقول: إنه يرى في كل يوم نفور الخيل من دوس الأجسام الحية تحت سنابكها، ويرى - مع طيب ~~الخاطر - أن مؤلف قصة النحل الملزم بأن يعرف الإنسان موجودا رحيما حساسا، يخرج في ~~المثال الذي أورده عن ذلك من أسلوبه الفاتر الدقيق ليقدم إلينا صورة مؤثرة عن إنسان سجين ~~يبصر في الخارج حيوانا ضاريا ينزع من حضن أمه طفلا، فيسحق بأنيابه الفتاكة أعضاءه ~~الضعيفة ويمزق بمخالبه أحشاءه المختلجة، فيا لهول ما يشعر به شاهد مثل هذا الحادث الذي لا ~~يهمه شخصيا! ويا للجزع الذي يستحوذ عليه عند هذا المنظر حيث لا يستطيع أن يقوم بأي عون ~~للأم المغشي عليها، وللطفل المسلم روحه! # وهذا هو انفعال الطبيعة الخالص السابق لكل تأمل، وهذه هي قوة الحنان الطبيعي الذي لم ~~يكد أفسد الأخلاق يقضي عليه، وذلك لما يرى كل يوم في دور تمثيلنا من أناس راحمين ~~باكين تعس شقي يزيد آلام أعدائه لو كان في مكان الطاغية، وذلك كسيلا السفاح الكثير الشفقة ~~تجاه ما لم يوجبه من البؤس، أو إسكندر الفيروسي الذي لم يجرؤ على مشاهدة تمثيل أية مأساة ~~خشية أن يرى وهو يئن مع أندروماك وبريام، على حين كان يسمع غير راحم صراخ مواطنين كثيرين ~~يذبحون كل يوم وفق أوامره، «فالطبيعة تصرح بأنها أنعمت على النوع البشري بأرق القلوب عند ~~من يسكب لهم عبرات.» (جوفينال، أهاجي، 15، 131). # أجل، شعر ماندفيل جيدا بأن الناس مع جميع أخلاقهم لم يكونوا قط غير ms42 غيلان لو لم ~~تمن الطبيعة عليهم بالرحمة دعما للعقل، بيد أنه لم ير صدور جميع الفضائل ~~الاجتماعية، التي ينكر وجودها في الناس، عن هذه الصفة الوحيدة، والواقع ما المروءة والرحمة ~~والإنسانية إن لم تكن الرحمة مطبقة على الضعفاء أو المذنبين أو النوع البشري على ~~العموم؟ حتى إن العطف واللطف - عند حسن الحكم - نتيجة رأفة ثابتة، مستقرة على موضوع خاص، ~~وذلك: هل تعد الرغبة في عدم تألم الشخص شيئا آخر غير الرغبة في كونه سعيدا؟ ومتى صح ~~أن تكون الرأفة غير شعور يضعنا في مكان الذي يألم، غير شعور غامض حاد عند الإنسان ~~الوحشي، نام مع ضعف في الإنسان المتمدن، فما تجلبه هذه الفكرة إلى حقيقة ما أقول إن لم يكن ~~تأييدا له؟ والواقع أن الرأفة تشتد بنسبة مطابقة الحيوان الناظر للحيوان المتألم مطابقة ~~وثيقة، ومن الواضح حقا وجوب كون هذه المطابقة أكثر إحكاما، بما لا حد له، في حال الطبيعة ~~مما في حال التعقل، فالعقل هو الذي يوجد الأنانية، والتأمل هو الذي يقويها، والعقل هو ~~الذي يلوي الإنسان على نفسه، ويفصله عن كل ما يمكن أن يزعجه أو يحزنه، والفلسفة هي التي ~~تفرزه، وبالفلسفة يقول سرا عند رؤيته إنسانا متألما: «إن شئت فاهلك، فأنا في أمان»، ولا ~~يوجد غير أخطار المجتمع بأسره ما يقلق الفيلسوف في نومه، أو ينتزعه من فراشه، ويمكن أن ~~يذبح إنسان تحت نافذته إنسانا آخر بلا عقاب، وليس عليه إلا أن يضع يديه على أذنيه، وأن ~~يساجل نفسه قليلا ليمنع الطبيعة التي تحركت فيه من أن تتمثل في الشخص الذي يذبح، ولا ~~تجد عند الإنسان الوحشي هذا النبوغ العجيب، وتجد الإنسان الوحشي يسلم نفسه في كل وقت، ~~وبلا روية، إلى أول شعور إنساني، وترى الرعاع يتجمعون في الفتن والمشاجرات والشوارع، وترى ~~الإنسان الفطين يبتعد عنها، والأوباش ونساء الأسواق هم الذين يفصلون بين المتنازعين ويحولون ~~دون تذابح ذوي الصلاح. # ومن الثابت - إذن - كون الرأفة شعورا طبيعيا يعدل في كل فرد نشاط حب الذات، فيساعد ~~على بقاء كل ms43 نوع بقاء متقابلا، والرأفة هي التي تحملنا، من غير تأمل، على مساعدة من ~~نراهم يألمون، والرأفة هي التي تقوم في الحال الطبيعية مقام القوانين والعادات والفضيلة، ~~وذلك مع مزيتها في عدم وجود أحد يحاول عصيان صوتها العذب، والرأفة هي التي تصرف كل همجي ~~قوي عن اختطافه من ولد ضعيف أو من شائب عاجز قوته الذي ناله بمشقة إذا ما تأمل نيله في ~~مكان آخر، والرأفة توحي إلى جميع الناس بمبدأ الصلاح الطبيعي القائل: «اصنع خيرا نحو نفسك ~~بأقل شر ممكن نحو الآخرين»، وذلك بدلا من المبدأ العالي للعدل العقلي القائل: «عامل ~~الآخرين بما تريد أن يعاملوك به»، والذي هو أقل من الأول فائدة على ما يحتمل، وإن كان أكثر ~~منه كمالا. # والخلاصة: أنه يجب أن يبحث في هذا الشعور الطبيعي، أكثر مما في البراهين الدقيقة، عن ذلك ~~النفور الذي يحسه كل إنسان عند صنعه الشر، ولو مستقلا عن مبادئ التربية، ومع أنه يعود على ~~سقراط ومن هم على شاكلته أمر اكتساب الفضيلة بالعقل، فإن الجنس البشري كان يزول منذ زمن ~~طويل لو توقف بقاؤه على تعقلات من يتألف منهم. # ولم يكن الناس، الذين هم همج أكثر من أن يكونوا أشرارا وأكثر به، عرضة لمنازعات بالغة ~~الخطر مع أهواء قليلة النشاط وزاجر كثير النفع، وبما أنه لم يكن بينهم أي تعامل فإنهم لم ~~يعرفوا زهوا ولا اعتبارا ولا احتراما ولا ازدراء، ولم يكن عندهم أدنى فكرة عن «مالي» ~~و«مالك»، ولا أي رأي حقيقي عن العدل، وإنهم كانوا يعدون العنف الذي يمكن أن يعانوه شرا ~~يسهل تلافيه، لا إهانة يجب العقاب عليها، وإنهم كانوا لا يفكرون حتى في الانتقام ما لم يكن ~~آليا وحالا، وذلك كالكلب الذي يعض الحجر الذي يرمى إليه؛ ولذا كان من النادر حدوث ~~نتائج دامية لمنازعاتهم، ما لم تصدر عن أمر القوت، غير أنني أبصر ما هو أشد خطرا، فبقي ~~لي أن أتكلم عنه. # يوجد بين الأهواء التي تحرك قلب الإنسان هوى ملتهب صائل يجعل كل واحد من ms44 الجنسين ~~ضروريا للآخر، هوى هائل يقتحم جميع الأخطار، ويقلب جميع العوائق رأسا على عقب، ويلوح ~~صالحا في صولاته لتقويض الجنس البشري المعد لحفظه، وما يحدث للناس الذين تسلطت عليهم هذه ~~الحميا الجامحة الجافية للعذار والعاطلة من الاعتدال، والتي تنازع كل يوم معاشقهم على ~~حساب دمهم؟ # وأول ما يجب أن يعترف به هو أن الأهواء كلما كانت عنيفة أصبحت القوانين ضرورية لزجرها، ~~ولكنك إذا عدوت ما توجبه هذه الأهواء بيننا كل يوم من ارتباك وجرائم، وجدتها تدل على عدم ~~كفاية القوانين من هذه الناحية، ومن الحسن أيضا أن يبحث في هل نشأت هذه الارتباكات مع ~~القوانين نفسها؛ وذلك لأن القوانين إذا ما استطاعت أن تحول دون هذه الارتباكات حينئذ فإن ~~أقل ما ينتظر منها منع وقوع شر ما كان ليوجد بغيرها. # ولنبدأ بأن نميز بين الأمور الأدبية والبدنية في إحساس الحب، فالبدني هو تلك الرغبة ~~التي تحمل جنسا على الاقتران بجنس آخر، والأدبي هو الذي يعين هذه الرغبة ويقرها على أمر ~~واحد حصرا، أو هو الذي يمنح هذا الأمر المفضل، على الأقل، درجة بالغة من النشاط، والواقع ~~أن من السهل أن يرى كون أدب الحب شعورا مصنوعا نشأ عن عادة المجتمع، وكونه روج من ~~قبل النساء مع كثير من البراعة والعناية تأييدا لسلطانهن، وجعلا للجنس الملزم بالطاعة ~~مسيطرا، وبما أن الشعور قائم على بعض مبادئ للجمال والمزية لا يكون الهمجي معه في وضع ~~يستطيع أن ينالها فيه، وعلى مقايسات لا يكون معها في وضع يستطيع أن يصنعها فيه، فإنه يجب ~~أن يكون في حكم العدم تقريبا بالنسبة إليه، وذلك بما أن نفسه لم تستطع أن تكون أفكارا ~~مجردة في الوفاق والنسبة، فإن فؤاده لا يتأثر كذلك بمشاعر الإعجاب والحب التي تولد من ~~تطبيق هذه الأفكار حتى من غير أن يشعر بها، وهو يسمع فقط ما ألقته الطبيعة فيه من مزاج، ~~لا الذوق الذي لم يستطع اكتسابه، فتكون كل امرأة صالحة له. # والناس، إذ يقتصرون على الحب البدني، ويكونون من السعادة ما ms45 يجهلون معه هذه المفضلات ~~التي تهيج الإحساس وتزيد المصاعب فيهم، يجب أن يكون شعورهم بحرارة المزاج أقل حدوثا ~~ونشاطا ، ومن ثم يجب أن تكون المنازعات بينهم أكثر ندرة وأقل قسوة، وما كان الخيال الذي ~~يفت فينا كثيرا ليخاطب القلوب الوحشية مطلقا، فكل ينتظر اندفاع الطبيعة بهدوء، وهو ~~يفرغ لها من غير خيار ومع لذة أعظم من الصولة، فإذا قضي الوطر خمدت الرغبة. # ومما لا ريب فيه - إذن - كون الحب نفسه، كجميع الأهواء، لم ينل في غير المجتمع تلك ~~الحرارة الصائلة التي تجعله شؤما على الناس غالبا، ومن موجبات السخرية كثيرا أيضا أن ~~يعرض الهمج متذابحين بلا انقطاع إرواء لغلة بهيميتهم لمخالفة هذا الرأي للتجربة مباشرة؛ ~~ولأن الكرايب، وهم أقل الشعوب الموجودة ابتعادا عن الحال الطبيعية حتى الآن، هم أكثر ~~الشعوب هدوءا في حبهم وأقلهم غيرة، وإن كانوا يعيشون في إقليم محرق يظهر أنه يمنح هذه ~~الأهواء نشاطا بالغا على الدوام. # وأما من حيث الاستقراءات التي يمكن الوصول إليها في كثير من أنواع الحيوان عن الوقائع ~~التي تدمي أحواش دجاجنا في كل وقت، أو التي تدوي بأصواتها غاباتنا أيام الربيعة حينما ~~تتنازع الإناث، فيجب أن يبدأ باستثناء جميع الأنواع التي جعلت الطبيعة بينها، في قوة ~~الأجناس النسبية، علاقات تختلف عن التي بيننا كما هو واضح، وهكذا لا يصلح ما بين الديوك من ~~عراك أن يكون استقراء للنوع البشري، ففي الأنواع التي تحسن مراعاة النسبة فيها لا يكون ~~لهذه الوقائع أسباب غير ندرة الإناث بالقياس إلى الذكور، أو الفواصل المانعة التي تأبى ~~الأنثى فيها اقتراب الذكر باستمرار، وهذا ما يرد إلى السبب الأول؛ وذلك لأن كل أنثى إذا ~~كانت لا تقبل الذكر في غير شهرين من السنة، فإن هذا يعدل نقص عدد الإناث خمسة أسداس، ~~والواقع أن كلا من الحالين لا يطبق على النوع البشري؛ حيث يزيد عدد الإناث على عدد ~~الذكور عادة، وحيث لم يلاحظ قط، حتى بين الهمج، وجود أوقات معينة للأهواء وعدم المبالاة ~~كما بين الحيوانات الأخرى، ثم إنه ms46 يأتي بين كثير من هذه الحيوانات، وحين دخول جميع النوع في ~~دور من الهيجان، وقت هائل للولع الشامل وللضوضاء والفوضى والاعتراك، وقت لا عهد به ~~للنوع البشري الذي لا يكون الحب عنده دوريا على الإطلاق؛ ولذلك لا ينبغي لنا أن نستدل من ~~وقائع مثل هذه الحيوانات لحيازة نساء اتفاق ذات الأمر للإنسان في حال الطبيعة، حتى إنه إذا ~~أمكن استنباط هذه النتيجة أبصر أن هذه المنازعات لا تقضي على الأنواع الأخرى مطلقا، فلا ~~يكون لدينا سبب يحفزنا إلى التفكير في كونها أكثر شؤما على نوعنا، ومن الواضح جدا كونها ~~تؤدي إلى تخريب في ذلك أيضا أقل ما تؤدي إليه في المجتمع، ولا سيما البلدان التي تعد ~~الطبائع فيها شيئا مذكورا، فتسفر غيرة العشاق وانتقام الأزواج في كل يوم عن مبارزات ~~ومقاتل وشر من ذلك، والتي لا ينفع فيها واجب الوفاء الأزلي لغير الزنا، والتي تنشر قوانين ~~العفاف والشرف نفسها ضروب الدعارة بحكم الضرورة وتزيد الإجهاضات. # ولنستنتج كون الإنسان الوحشي، وهو يطوف في الغاب عاطلا من الصناعة والكلام والمسكن ~~والحرب والرابطة، ومن أي احتياج إلى أمثاله، ومن أية رغبة في الإضرار بهم، ومن تمييز أي ~~واحد منهم فرديا على ما يحتمل، كون هذا الإنسان الذي هو عرضة لقليل من الأهواء والذي ~~يكفي نفسه بنفسه، لم يكن عنده غير المشاعر والمعارف الخاصة بهذه الحال، ولنستنتج أنه لم يكن ~~ليشعر بغير احتياجاته الحقيقية، وأنه لم يكن لينظر إلى غير ما يعتقد وجود مصلحة له في ~~رؤيته، وأن ذكاءه كان لا يتقدم أكثر من زهوه، فإذا ما قام باكتشاف مصادفة كان أقل من يمكنه ~~نقله إلى الآخرين ما دام لم يعرف حتى أولاده، وكان كل فن يزول مع المخترع، وكان لا يوجد ~~تربية ولا تقدم، وكانت الأجيال تتعاقب على غير جدوى، وكان كل جيل يسير من ذات النقطة ~~دائما، وكانت القرون تمر ضمن بربرية الأجيال الأولى، وقد أصبح النوع مسنا والإنسان ~~ولدا. # وإذا كنت قد أسهبت كثيرا في افتراض هذه الحال الابتدائية، فلوجود أضاليل ms47 قديمة كثيرة ~~ومبتسرات متأصلة يجب اقتلاعها، ولاعتقادي وجوب بحثي حتى الجذور، وإثباتي في صورة صادقة ~~لحال الطبيعة مقدار بعد التفاوت - حتى الطبيعي - من أن ينطوي في هذه الحال على حقائق ~~ونفوذ يفترضهما كتابنا. # والحق أن من السهل أن يرى بين الفروق التي تميز الناس كثير يعد طبيعيا مع أنه من ~~صنع العادة وصنع أنواع الحياة التي ينتحلها الناس في المجتمع، وهكذا فإن المزاج المتين أو ~~القصف، وإن القوة أو الضعف اللذين يشقان منه، يصدران في الغالب عن الطراز الشديد أو المخنث ~~الذي نشئ عليه أكثر مما عن نظام الأبدان الابتدائي، وقل مثل هذا عن قوى النفس، فليست ~~التربية وحدها هي التي تضع الفرق بين النفوس المثقفة وغير المثقفة، وإنما تزيد الفرق الذي ~~يوجد بين الأولى بنسبة الثقافة؛ وذلك لأن العملاق والقزم يسيران على ذات الطريق؛ ولأن كل ~~خطوة يقوم بها كل منهما تنعم على العملاق بفائدة جديدة، والواقع أنه إذا ما قيس تنوع ~~التربية العجيب، وأنواع الحياة التي تسود مختلف نظم الحال المدنية ببساطة الحياة الحيوانية ~~والوحشية ونمطيتها حيث يغتذي الجميع من ذات الأطعمة، ويعيش على ذات الوجه ويصنع عين الأشياء ~~تماما، أدرك مقدار ما يجب أن يكون عليه الاختلاف بين الإنسان والإنسان في حال الطبيعة ~~أقل مما في حال المجتمع، ومقدار التفاوت الطبيعي الذي يجب أن يزيد في النوع البشري بتفاوت ~~النظام. # بيد أن الطبيعة إذا ما بدأت في توزيع هباتها من المحاباة ما يعزى إليها، فأي فائدة ~~ينال من ذلك أكثر الناس حظوة لديها إجحافا بالآخرين في حال من الأمور لا يكاد يقول بأي ~~نوع من الصلات بينهم؟ وما نفع الجمال حيث لا يوجد حب مطلقا؟ وما نفع الذكاء لأناس لا ~~يتكلمون مطلقا؟ وما نفع الحيلة لأناس ليس لديهم أعمال مطلقا؟ ومما أسمع تكراره دائما ~~كون الأقوياء يضطهدون الضعفاء، ولكن ليشرح لي ما يعنى بكلمة الاضطهاد، ويسيطر بعضهم ~~بعنف، ويئن الآخرون المعبدون لأهوائهم، وذاك ما ألاحظ بيننا تماما، ولكنني لا أرى كيف ~~يمكن هذا أن يقال عن أناس ms48 من الهمج لم يسهل جعلهم يتصورون ما نعني بالسيطرة ~~والعبودية. # أجل، يمكن إنسانا أن يستولي على فواكه اقتطفها إنسان آخر، وعلى قنيصة ذبحها، وعلى ~~كهف اتخذه ملجأ، ولكن كيف يمكنه أن يكون قادرا على حمله على الطاعة؟ وأي قيود للتابعية ~~يمكن أن تكون بين أناس لا يملكون شيئا؟ وإذا ما طردت من شجرة مثلا أمكنني أن أذهب إلى ~~أخرى، وإذا ما أوذيت في مكان فمن ذا الذي يمنعني من الذهاب إلى مكان آخر؟ وإذا ما وجد ~~إنسان أقوى مني، إنسان على شيء من الفساد والكسل والقسوة ما يحملني معه على تدارك قوته في ~~أثناء بطالته، وجب أن يعزم على عدم غفوله عني طرفة عين، وعلى إمساكي مقيدا بعناية فائقة في ~~أثناء نومه، وذلك خشية أن أفر أو أن أقتله، أي أن يلزم بعرض نفسه مختارا لمشقة أعظم من ~~التي يريد اجتنابها ومن التي يريد توجيهها إلي، وإذا ما فتر حذره ثانية بعد جميع هذا ~~وحول رأسه لصوت مفاجئ، أوغلت في الغابة عشرين خطوة، وتكسر قيودي، ولن يراني مدى ~~حياته. # وإني، من غير إسهاب في هذه الجزئيات على غير جدوى، أرى وجوب بصر كل واحد في كون روابط ~~العبودية لم تؤلف من غير اتباع بعض الناس لبعض اتباعا متقابلا، ومن الاحتياجات المتبادلة ~~التي تصل ما بينها فيتعذر استبعاد إنسان من غير سابق وضع له في حال من لا يستغني عن ~~آخر، أي وضع لا يوجد في حال الطبيعة حيث يكون كل واحد سيد نفسه، ولا يكون لقانون الأقوى ~~أي عمل. # وإني، بعد أن أثبت أن التفاوت لا يكاد يشعر به في حال الطبيعة، وأن نفوذه فيها يكون ~~صفرا تقريبا، بقي علي أن أبين أصله وتقدمه في نشوء الروح البشرية نشوءا ~~متعاقبا. # وإني، بعد أن بينت أن الكمال والفضائل الاجتماعية وغيرها من المزايا التي تكون كامنة في ~~الإنسان الفطري، لا تستطيع أن تنمو من تلقاء نفسها، وأنها كانت تحتاج لوقوع هذا إلى تضافر ~~عوامل كثيرة غريبة تضافرا عرضيا، فكان يمكن ألا تظهر، ms49 وكان الإنسان يظل بدونها في حاله ~~الابتدائية إلى الأبد، بقي علي أن أنعم النظر فأقرب بين مختلف المصادفات التي استطاعت أن ~~تكمل العقل البشري بإفساد النوع، وأن تحول الإنسان إلى شرير يجعله اجتماعيا، وأن تجلب ~~الإنسان والعالم في نهاية الأمر، ومنذ زمن بعيد، إلى النقطة التي نراهما فيها. # وبما أن من الممكن أن تكون الحوادث التي أصفها قد وقعت على وجوه مختلفة، فإنني أعترف ~~بأنه ليس لدي غير الفرضيات ما أعين به خياري، بيد أن فرضيات كهذه تصبح أسبابا عندما ~~تكون أرجح ما يمكن استنباطه من طبيعة الأمور، والوسائل الوحيدة لاكتشاف الحقيقة، ومع ذلك ~~فإن النتائج التي أريد استخراجها ليست فرضية، ما تعذر وضع أية نظرية أخرى، بناء على ~~المبادئ التي أقررها، لا تمدني بذات النتائج ولا أستطيع أن أستنبطها منها. # وهذا يغنيني عن جعل تأملاتي شاملة للأسلوب الذي يعوض به مرور الزمن من قلة احتمال وقوع ~~الحوادث، وللقدرة العجيبة في العلل التافهة عند تأثيرها بلا مهل، ولتعذر نقض بعض الافتراضات ~~من ناحية، وإن كنا لا نستطيع أن نعطيها - من ناحية أخرى - درجة ثبوت الوقائع، ولكونه يدخل ~~ضمن نطاق التاريخ، لدى وجوده، وعندما يظهر من الوقائع أمران على أنهما حقيقيان فيربط بينهما ~~بسلسلة من الوقائع المتوسطة المجهولة أو المفترض أنها كذلك، أن يمنح الوقائع التي تربط ~~بينهما، ولكونه يدخل ضمن نطاق الفلسفة، عند سكوت التاريخ، أن تعين الوقائع المماثلة التي ~~يمكن أن تربط بينهما، ثم لكون المشابهة في موضوع الحوادث، ترد الوقائع إلى عدد غير قليل ~~جدا من الأصناف المختلفة أكثر مما يتصور، ويكفيني أن أدع هذه الأمور لتقدير قضاتي، وأن ~~أتخذ من الترتيب ما لا يحتاج معه القارئ العامي إلى تدبرها. # | القسم الثاني # «كان هؤلاء الأولاد المساكين يقولون: هذا الكلب لي، وهنالك مكاني تحت الشمس، وذلك ~~هو بدء اغتصاب جميع الأرض وصورته.» # بسكال، الأفكار، القسم الأول، مادة 9-53 # كان مؤسس المجتمع المدني الحقيقي هو الإنسان الأول الذي سور أرضا، فرأى أن ~~يقول: «هي لي»، وقد وجد من البسطاء من ms50 يصدقونه، فكان مؤسس المجتمع المدني الحقيقي، وما ~~أكثر ما صان النوع البشري من جرائم وحروب وقتل وبؤس وهول ذلك الذي خلع الأوتاد وملأ الخندق ~~وهو يقول: «احذروا سماع هذا الدجال، فالهلاك يكتب لكم إذا نسيتم أن الثمرات للجميع، وأن ~~الأرض ليست ملكا لأحد»! ولكن يوجد ما يدل كثيرا على كون الأشياء قد بلغت إذ ذاك درجة ~~عادت لا تستطيع البقاء معها كما كانت؛ وذلك لأن فكرة التملك، إذ كانت تابعة لكثيرة من ~~الفكر السابقة التي لم تستطع أن تنشأ إلا بالتتابع، لم تكون دفعة واحدة في نفس الإنسان، ~~فوجب أن يقع تقدم كثير وأن يتم كثير من الصناعة والمعارف، وأن ينقل هذا ويزاد بين جيل ~~وجيل قبل بلوغ هذا الحد الأخير من حال الطبيعة؛ ولنتناول الأمور من عل إذن، ولنحاول أن ~~نجمع تحت وجهة نظر تعاقب الحوادث والمعارف ذلك في نظامها الأكثر طبيعية. # وكان أول إحساس في الإنسان شعوره بوجوده، وكان أول اعتناء في الإنسان اهتمامه ببقائه، ~~وكانت إنتاجات الأرض تقدم إليه جميع ما يحتاج إليه، وكانت الغريزة تحمله على استعمال ~~هذا، وكان الجوع وغيره من الشهوات يشعره بمختلف أساليب البقاء مناوبة، فكان يوجد في هذا ما ~~يدعوه إلى إدامة نوعه، وبما أن هذا الميل الأعمى عار من كل شعور قلبي، فإنه كان لا يسفر ~~عن غير عمل حيواني خالص، فإذا ما قضي الوطر عاد الجنسان لا يتعارفان، وعاد الولد لا يكون ~~للأم شيئا مذكورا عندما يستطيع الاستغناء عنها. # هذا ما كان عليه حال الإنسان الناشئ، وهذا هو عيش الإنسان المقصور في أول الأمر على ~~الإحساسات الخالصة، والذي لا يكاد يستفيد من هبات تعرضها الطبيعة عليه، والذي يبعد من ~~التفكير في انتزاع شيء منها، ولكن المصاعب لا تلبث أن تظهر، فيجب التغلب عليها، فارتفاع ~~الأشجار الذي كان يمنعه من الوصول إلى ثمراتها، وتسابق الحيوانات التي كانت تحاول الأكل ~~منها، وضراء الحيوانات التي كانت ترغب فيها حفظا لحياتها، أمور كانت تحمله على تعود ~~التمرينات الرياضية، فوجب أن يكون نشيطا سريع العدو ms51 قويا في القتال، ولم تعتم الأسلحة ~~الطبيعية، التي هي من غصون الشجر ومن الحجارة، أن أصبحت قبضته، وقد تعلم اقتحام عوائق ~~الطبيعة، ومكافحة الحيوانات الأخرى عند الضرورة، ومنازعة الناس الآخرين قوته، أو تعويض نفسه ~~مما كان قد أجبر على تركه للأقوى. # وقد زادت مشاق الناس بنسبة تكاثر النوع البشري، ولا بد من أن يكون اختلاف الأرضين ~~والأقاليم والفصول قد جعل فروقا في طراز حياتهم، وقد تطلبت سنون عقيمة وفصول شتاء طويلة ~~قاسية وفصول صيف محرقة تأتي على كل شيء صناعة جديدة منهم، وقد اخترعوا الشباك ~~والصنانير على شواطئ البحر وضفاف الأنهار وأصبحوا عركا (جمع عركي، وهو صياد السمك.) ~~وأكلة سمك، وقد صنعوا أقواسا وسهاما في الغابات وصاروا صيادين ومحاربين، وقد ألبسوا ~~أنفسهم في البلدان الباردة جلود الحيوانات التي كانوا يذبحونها، وما كان من صاعقة أو بركان ~~أو مصادفة مباركة دلهم على النار التي هي وسيلة جديدة ضد شدة الشتاء، فتعلموا حفظ هذا ~~العنصر، ثم إيجاده ثانية، ثم إعدادهم به ما كانوا يلتهمونه نيئا من اللحوم. # وما كان من تطبيق مختلف الموجودات المكرر لنفسه، ومن بعضها لبعض، أوجد في نفس الإنسان، ~~بحكم الطبيعة، إدراكا لبعض الصلات، وقد أوجبت هذه الصلات، التي نعبر عنها بكلمات الكبير ~~والصغير، والقوي والضعيف، والسريع والبطيء، والجبان والجسور، وما إليها من الأفكار المماثلة ~~المقابل بينها عند الحاجة، ومن غير أن يفكر فيها تقريبا. في الإنسان نوعا من التأمل، وإن ~~شئت فقل: حذرا آليا يدله على أكثر الاحتياطات ضرورة لسلامته. # وقد زادت المعارف الجديدة التي صدرت عن هذا النشوء أفضليته على الحيوانات الأخرى بجعله ~~شاعرا بها، فتمرن على نصب أشراك لها، وخادعها بألف طريقة، وغدا مالك بعضها ونقمة على ~~بعضها الآخر مع الزمن، وإن كان كثير منها يفوقه سرعة عدو أو قوة عراك بين ما يقدر أن ~~يخدمه أو يضره، وهكذا فإن أول نظرة ألقاها على نفسه أدت إلى أول حركة زهو فيه، وهكذا فإنه ~~لم يكد يعرف أن يميز بين المراتب وأن يتأمل في الأولى الخاصة بنوعه، ms52 حتى أعد السبل من ~~بعيد لادعاء الأفضلية كفرد. # ومع أن أمثاله لم يكونوا تجاهه مثلهم تجاهنا، ولم يخالطهم أكثر من مخالطته الحيوانات ~~الأخرى قط، فإنهم لم يغيبوا عن نطاق ملاحظاته، وما كان من مطابقات استطاع الزمان أن يحمله ~~على الانتباه إليها بينهم، وبين نفسه وأنثاه، جعله يحكم في أمر الآخرين الذين لم يرهم، وهو ~~إذ أبصر سلوكهم جميعا كما كان يصنع في مثل هذه الأحوال، انتهى إلى النتيجة القائلة إن طراز ~~تفكيرهم وشعورهم يطابق ما عنده، وقد حفزته هذه الحقيقة المهمة الراسخة في ذهنه إلى اتباعه، ~~عن حدس أصدق وأسرع من أي علم منطق، أحسن قواعد السلوك التي راعاها نحوهم في سبيل سلامته ~~وفائدته. # وقد علم من التجربة أن حب الرفاهية هو الدافع الوحيد لأعمال البشر، فوجد نفسه في حال ~~يميز فيها الفرص النادرة التي تجعله المصلحة المشتركة يعتمد فيها - كما يجب - على مساعدة ~~أمثاله، والفرص التي هي أكثر ندرة أيضا في حمل المزاحمة إياه على الحذر منهم كما يجب، ففي ~~الحال الأولى كان يتحد معهم ضمن قطيع، أو ضمن شركة طليقة - نوعا ما - لا تلزم أحدا، ولا ~~تدوم أكثر من دوام الاحتياج الذي أدى إلى تأليفها، وفي الحال الثانية كان كل واحد يبحث عن ~~منافعه الخاصة، وذلك عن قسر إذا ما أبصر نفسه قويا بدرجة الكفاية، أو عن حيلة وحذق إذا ~~ما شعر بأنه الأضعف. # ومن ثم ترى كيف استطاع الناس أن ينالوا، من غير أن يدروا، فكرة غليظة من الالتزامات ~~المتقابلة وفوائد القيام بها، ولكن بمقدار ما يمكن أن تقتضيه المصلحة الحاضرة الظاهرة؛ وذلك ~~لأنهم لا عهد لهم بالبصر في العواقب، فكانوا بعيدين من الاكتراث لمستقبل بعيد، ولم يكونوا ~~ليفكروا حتى في الغد، فإذا ما وجب نيل وعل شعر كل واحد بوجوب التزامه مكانه مخلصا، ولكن ~~إذا مر أرنب ضمن متناول أحدهم لم يشك في كونه يتعقبه من غير تردد، فإذا فاز بقنيصته لم ~~يبال كثيرا في كون رفقائه يخطئون طريدتهم. # ومن السهل إدراك كون مثل هذه المخالطة ms53 لم يتطلب لغة أدق من لغة الغربان والقردة التي ~~تتجمع على ذلك النمط تقريبا، فما كان من أصوات عديمة المفاصل ومن حركات كثيرة وصرخات ~~تقليدية وجب أن يكون قد تألف منه لسان عام زمنا طويلا، وإلى ذلك يضاف في كل بلد ~~بعض أصوات اتفاقية ذات مفاصل ليس من السهل كثيرا إيضاح نظامها كما قلت آنفا فحدثت لغات ~~خاصة، ولكن غليظة ناقصة، كالتي توجد بين بعض الأمم الوحشية في الوقت الحاضر. # وأجوب كسهم عددا كبيرا من القرون، مأخوذا بالزمن الذي يمر وبكثرة الأمور التي علي ~~أن أتكلم عنها، وبتقدم الأمور غير المحسوس تقريبا في أوائلها؛ وذلك لأن الحوادث كلما كانت ~~بطيئة في تعاقبها وصفت بسرعة. # وذلك التقدم في أوائل الأمور مكن الإنسان من القيام بتقدم آخر بأسرع من ذلك، وكلما ~~تنورت النفوس تكاملت الصناعة، ولسرعان ما انقطع الإنسان عن النوم تحت أول شجرة، أو الانزواء ~~في كهوف، فقد اخترعت أنواع من الفئوس الحجرية القاسية الحادة، واستخدمت في قطع الحطب، ~~وحفر الأرض، وصنع أكواخ من غصون رئي طليها بالطين والوحل، وهنالك كان دور أول انقلاب أسفر ~~عن تأليف الأسر والتفريق بينها، وعن اتخاذ ضرب من الملك نشأ عنه كثير من الخضام والعراك، ~~وبما أن الأكثر قوة، مع ذلك، هم أول من أنشئوا لأنفسهم - كما يلوح - مساكن كانوا يشعرون ~~بقدرتهم على الدفاع عنها، فإن هذا يحمل على الاعتقاد بأن الضعفاء وجدوا أنه أقصر وأضمن لهم ~~أن يقلدوا الأقوياء من أن يحاولوا طردهم من منازلهم، وأما أولئك الذين كانت لديهم أكواخ، ~~فإنه لم يكن لينبغي لأحد أن يحاول وضع يده على كوخ جاره، وذلك عن كونه غير خاص به أقل من ~~كونه غير نافع له، وعن كونه لا يستطيع الاستيلاء عليه من غير أن يعرض نفسه لمقاتلة ~~الأسرة التي تشغله قتالا شديدا. # وكان أول نشوء في الفؤاد نتيجة وضع جديد جامع في منزل مشترك بين الأزواج والنساء ~~والآباء والأولاد، وقد أدت عادة العيش معا عن ظهور أرق ما يعرف عن الناس من المشاعر، أي ms54 ~~الحب الزوجي والحب الأبوي، وقد أصبحت كل أسرة مجتمعا صغيرا بالغ الاتحاد لكون الحرية ~~والوداد المتبادل كانا الرابطتين الوحيدتين، وهنالك قام أول اختلاف في طراز حياة الجنسين ~~اللذين لم يكن لهما غير طراز واحد حتى ذلك الحين، فصار النساء أكثر قعودا وتعودن ~~المحافظة على الكوخ والأولاد، على حين كان الرجل يذهب للبحث عن الطعام المشترك، وبدأ ~~الجنسان يفقدان شيئا من توحشهما وشدتهما عن حياة أكثر لينا، ولكن كل واحد إذا صار أقل ~~صلاحا لمكافحة الحيوانات الوحشية على انفراد غدا أسهل على الإنسان، بالمقابلة، أن يتجمع ~~لمقاومتها مشتركا. # والناس في هذه الحال الجديدة، إذ تمتعوا بفراغ عظيم جدا، مع حياة بسيطة منفردة ~~واحتياجات محدودة جدا، وأدوات كانوا قد اخترعوها لقضاء هذه الحاجات، اتخذوا هذه الحياة ~~نيلا لأنواع كثيرة من الرفاهية لا عهد لآبائهم بها، فكان هذا أول نير فرضوه على أنفسهم من ~~غير أن يفكروا فيه، وأول منبع للشرور أعدوه لذراريهم؛ وذلك لأنك إذا عدوت استمرارهم على ~~التخنث بدنا وروحا هكذا، وكون هذه الرفاهة فقدت جميع لذاتها عن عادة، وأنها تحولت منحطة ~~إلى احتياجات حقيقية، وجدت فقدها أشد قسوة مما في حيازتها من حلاوة، فيكون الإنسان شقيا ~~بضياعها من غير أن يكون سعيدا بحيازتها. # وهنا يمكن أن يبصر أحسن من ذلك كيف أن عادة الكلام قامت أو كملت في صميم كل أسرة على ~~وجه غير محسوس، ويمكن أن يفترض - أيضا - كيف استطاع مختلف العلل الخاصة توسيع اللغة ~~وتعجيل نشوئها بجعلها أكثر لزوما، ومن الطوفانات والزلازل ما أدى إلى إحاطة بقاع مسكونة ~~بالمياه أو بالهوات، ومن الانقلابات في الكرة الأرضية ما أدى إلى اقتطاع أجزاء من القارة ~~وفصلها عنها محولة إلى جزائر، ومما يرى بين الناس الذين تدانوا على هذا الوجه واضطروا إلى ~~العيش معا وجوب تكون لهجة مشتركة أكثر مما بين من كانوا يتيهون في غابات القارة، وهكذا ~~فإن من المحتمل جدا أن يكون الجزريون قد حملوا إلينا عادة الكلام بعد أول محاولتهم ~~للملاحة، وإن من المحتمل جدا - على الأقل - أن ms55 يكون المجتمع واللغات قد ولدا في الجزر ~~وكملا فيها قبل أن يعرفا في القارة. # ويبدأ كل شيء بتغيير منظره، وبما أن الناس تاهوا في الغاب حتى الآن، وبما أنهم اتخذوا ~~قاعدة أكثر ثباتا، تدانوا ببطء وتجمعوا زمرا ثم ألفوا في كل بقعة أمة خاصة متحدة طبائع ~~وأخلاقا، لا بأنظمة وقوانين، بل بطراز واحد من الحياة الغذائية وبتأثير الإقليم العام. ~~وأخيرا، لم يفت الجوار الدائم أن يوجد ارتباطا بين مختلف الأسر، ويسكن شباب من ~~الجنسين أكواخا مجاورة، وأسفر الخلاط العابر الذي تقتضيه الطبيعة من فوره عن خلاط آخر ~~ليس أقل حلاوة، وهو أكثر دواما بمعاشرة متبادلة، ويتعود النظر في مختلف الموضوعات وعمل ~~مقايسات، وتكتسب على وجه غير محسوس أفكار عن المزية والجمال تنتج مشاعر عن الأفضلية، ~~وعاد لا يمكن الاستغناء عن الاجتماع باستمرار وصولا إلى الاجتماع، وينساب في النفس شعور ~~رقيق ناعم، ويتحول إلى هياج صائل عند أقل اعتراض، وتستيقظ الغيرة مع الحب، ويفوز الخلاف، ~~ويضحى بالدم البشري في سبيل ألطف الأهواء. # وكلما تعاقبت الأفكار والمشاعر، وتحرك الفؤاد والذكاء داوم الجنس البشري على التأنس واتسع ~~مدى الروابط ووثقت الصلات، ويتعود الاجتماع أمام الأكواخ أو حول دوحة (الشجرة العظيمة ~~المتسعة)، ويصبح الغناء والرقص وأولاد الغرام والفراغ الحقيقيون مدار تسلية، وإن شئت فقل ~~مدار اعتناء رجال ونساء من ذوي البطالة والاحتشاد، وقد بدأ كل ينظر إلى الآخرين ويريد ~~أن ينظر إليه بدوره، وهكذا كان للتقدير العام قيمة، فأصبح من يغني أو يرقص أحسن من ~~غيره، ومن هو أعظم جمالا، أو قوة، أو مهارة، أو فصاحة، من سواه أكثر اعتبارا، وكان هذا ~~أول خطوة نحو التفاوت ونحو العيب في وقت واحد، وقد نشأ الزهو والازدراء عن هذه الأفضليات ~~الأولى من ناحية، ونشأ الحياء والحسد عنها من ناحية أخرى، وما أوجبته هذه الخمائر الجديدة ~~من اختمار أسفر في نهاية الأمر عن مركبات شؤم على السعادة وصفاء القلب. # ولم يكد الناس يبدءون بتقدير بعضهم بعضا مبادلة، ولم تكد فكرة الاعتبار تتكون في ~~نفوسهم، حتى زعم كل ms56 وجود حق له في ذلك، وصار يتعذر إنكار ذلك على أحد من غير عقاب، ~~ومن هناك أنشئ أول واجبات الأدب حتى بين الهمج، ومن هناك صار كل خطأ إهانة؛ وذلك لأن ~~المهان كان يرى في الشر الذي ينشأ عن الإهانة ازدراء لشخصه أشد إيلاما من الشر نفسه ~~غالبا، وهكذا إذ كان كل واحد يجازي على الازدراء الموجه إليه بنسبة ما يقدر فإن الانتقامات ~~أصبحت هائلة، وصار الناس قساة سفاحين، وهذه هي الدرجة التي انتهى إليها بالضبط معظم ~~الشعوب الوحشية التي نعلم أمرها، وإنه لما وقع من عدم التمييز بين الأفكار بدرجة الكفاية، ~~ومن عدم ملاحظة مقدار ما كان من ابتعاد هذه الشعوب عن الحال الطبيعية الأولى، أسرع كثير في ~~استنتاجه كون الإنسان قاسيا بحكم الطبيعة فيحتاج إلى ضابطة لإلانته، وبينا لا تجد ما هو ~~ألطف منه في حاله الفطرية، عندما تضعه الطبيعة على أبعاد متساوية من غباوة الوحوش وبصائر ~~الإنسان المتمدن المشئومة، ويكون مقصورا بالغريزة والعقل على ضمان نفسه من السوء الذي ~~يهدده، تراه مزدجرا بالرأفة الطبيعية عن إساءة أحد من تلقاء نفسه، وذلك من غير أن يحمل ~~عليه بشيء، حتى بعد أن يكون قد تلقاه، والأمر هو كما جاء في مبدأ الحكيم لوك القائل: «لا ~~يمكن أن توجد إهانة حيث لا يوجد تملك.» # بيد أنه يجب أن يلاحظ أن المجتمع المبدوء والصلات التي أقيمت بين الناس كانا يتطلبان ~~فيهم صفات تختلف عن الصفات التي حازوها من نظامهم الابتدائي، وأن أدب السلوك إذ أخذ يتسرب ~~في الأعمال البشرية، وأن كل واحد قبل القوانين إذ كان القاضي الوحيد والمنتقم عن الإهانات ~~التي يكون قد تلقاها، فإن الصلاح الملائم للحالة الطبيعية الخالصة عاد لا يلائم المجتمع ~~الناشئ، وأنه وجب أن تصبح العقوبات أكثر شدة كلما صارت فرص الإهانة أكثر شيوعا، وصار الخوف ~~من الانتقام يقوم مقام الرادع القانوني، وهكذا فإن الناس وإن صاروا أقل صبرا ونقصت رأفتهم ~~الطبيعية بعض الشيء، وجب أن يكون هذا الدور، الذي هو دور نشوء المواهب البشرية، أسعد ms57 ~~الأدوار وأكثرها دواما لما يبدو وسطا بين بلادة الحالة الابتدائية ونشاط أنانيتنا النزق، ~~وكلما أنعم النظر في ذلك وجدت هذه الحال أقل عرضة للانقلابات، وأصلح للإنسان، # 1 # فكان لا ينبغي له أن يخرج منها إلا عن مصادفة مشئومة كان يجب ألا تقع لاقتضاء ~~المصلحة العامة ذلك، ويلوح أن مثال الوحوش، الذين وجد معظمهم في هذه الحال، يؤدي كون ~~الجنس الشري قد خلق ليبقى فيها على الدوام، وكون كل تقدم حدث بعد ذلك خطوة نحو الكمال في ~~الظاهر، ونحو هرم النوع في الحقيقة. # والناس ما رضوا عن أكواخهم الخلوية، وما اقتصروا على خرز ثيابهم الجلدية بشوك أو حسك، ~~وما ازينوا بريش وصدف، وما نقشوا بدنهم بمختلف الألوان، وما أصلحوا سهامهم وأقواسهم أو ~~زخرفوها، وما شذبوا بحجارة حادة زوارق صيد، أو بعض الآلات الموسيقية الغليظة. # والخلاصة: أن الناس ما تعاطوا أعمالا يستطيع الفرد أن يصنعها، وما اتخذوا فنونا لا ~~تحتاج إلى تضافر أيد كثيرة، عاشوا أحرارا أصحاء صالحين سعداء ما استطاعوا أن يكونوا كذلك ~~بطبيعتهم، وما استمروا على التمتع فيما بينهم بألطاف معاشرة مستقلة، ولكن الإنسان منذ ~~احتياجه إلى معونة إنسان آخر، منذ رئي أن المفيد لواحد أن يكون ذا مؤن لاثنين، زالت ~~المساواة عنده وانتحل التملك وصار العمل ضروريا، وتحولت الغابات الواسعة إلى حقول باسمة ~~وجب أن تروى بعرق الناس، فلم تلبث أن رئي فيها نشوء العبودية والبؤس ونموها مع ~~الغلات. # وكان التعدين والزراعة ذينك الفنين اللذين أدى اكتشافهما إلى هذا الانقلاب الكبير، ~~وعند الشاعر أن الذهب والفضة، وعند الفليسوف أن الحديد والقمح، هما اللذان مدنا الناس ~~وأهلكا النوع البشري، وقد كان كل منهما مجهولا لدى وحوش أمريكا، فبقوا كما هم عليه لهذا ~~السبب، حتى إن الشعوب الأخرى ظلت من البرابرة - كما يلوح - ما زاولت أحد ذينك الفنين دون ~~الآخر، ومن أوجه الأسباب على ما يحتمل في أن أوروبا كانت - إن لم يكن قبلا - أثبت وأرقى ~~حضارة من بقية العالم، هو كونها أكثر فيضا بالحديد وخصبا بالبر. # ومن الصعب أن يفترض ms58 كيف انتهى الناس إلى معرفة الحديد واستعماله؛ وذلك لأن مما يتعذر ~~اعتقاده كونهم تصوروا من تلقاء أنفسهم استخراج هذه المادة من المنجم، وأن يقوموا في سبيله ~~بإعدادات لا بد منها صهرا لها قبل أن يعرفوا ما ينشأ عن ذلك، وأقل من هذا أن يعزى هذا ~~الاكتشاف من ناحية أخرى إلى حريق عرضي، ما دامت المناجم لا تكون في غير الأماكن الجديبة ~~الخالية من الشجر والنبات، فكأن الطبيعة - كما يظهر - قد اتخذت من الاحتياطات ما تخفي معه ~~هذا السر المقدس عنا، ولم يبق - إذن - غير حال عجيب لبركان يقذف مواد يجب أن تفترض ~~لهم جرأة وبصيرة للقيام بهذا العمل الشاق، وأن يلاحظ من بعيد ما يمكن أن ينالوه من ~~الفرائد، وهذا ما لا يلائم غير نفوس كانت أكثر ممارسة من التي لم يتفق لها مراس. # وأما الزراعة فإن مبدأها عرف قبل أن تمارس بزمن طويل، وليس من الممكن ألا يكون الناس، ~~المنهمكون بلا انقطاع في تناول طعامهم من الشجر والنبات، قد عنت لهم بسرعة فكرة الطرق ~~التي تتخذها الطبيعة لتكثير النباتات، بيد أن من الراجح أن تكون صناعتهم قد تحولت ~~أخيرا جدا من هذه الناحية، وذلك إما عن كون الشجر مع صيد البر والبحر قد جهزهم ~~بغذائهم، فلم يكن ليحتاج إلى عنايتهم، وإما عن جهلهم استعمال القمح، وإما عن عدم وجود آلات ~~لفلاحته، وإما عن عدم بصر في الاحتياج القادم، وإما عن عدم وجود وسائل لمنع الآخرين من ~~اغتصاب ثمرة عملهم، وهم لما أصبحوا أكثر جدا أمكن الاعتقاد بأنهم بدءوا يزرعون بحجارة ~~حادة وعصى مذربة بعض البقول والجذور حول أكواخهم، وذلك قبل أن يعرفوا إعداد القمح، وأن يكون ~~عندهم من الآلات ما يزرعونه به على مقادير عظيمة - وذلك من غير أن يحسب - لتعاطي هذا العمل ~~وبذر الأرضين، وجوب توطين النفس على خسران بعض الشيء في البداءة كسبا للكثير فيما بعد، ~~أي القيام بأمر بعيد كل البعد عن ذهنية الإنسان الوحشي الذي يجد مشقة عظيمة في تفكيره ~~صباحا في احتياجاته المسائية كما ms59 قلت. # إذن، كان اختراع الفنون الأخرى أمرا ضروريا لحمل النوع البشري على تعاطي فن الزراعة، ~~وعندما وجب وجود أناس لصهر الحديد وتطريقه وجب وجود أناس آخرين لإطعامهم، وكلما زاد عدد ~~العمال قلت الأيدي التي تستعمل لتقديم الغذاء العام، وذلك مع عدم قلة الأفواه التي ~~تستهلكه، وبما أنه وجب وجود غلات لبعضهم بدلا من حديدهم، وجد الآخرون في نهاية الأمر سر ~~استعمال الحديد في تكثير الغلات، ومن ثم نشأت الحراثة والزراعة من ناحية، وفن عمل ~~المعادن وتكثير استعمالها من ناحية أخرى. # وأدت زراعة الأرض إلى تقسيمها، وأدى الاعتراف بالتملك إلى أولى قواعد العدل؛ وذلك لأنه ~~يجب لإعادة مال كل واحد إليه أن يكون هذا الشخص مالكا شيئا ما، وزد على ذلك كون الناس ~~إذ صاروا ينظرون على المستقبل وكان لدى الجميع ما يخسره، أصبح لكل واحد من الأسباب ما يخشى ~~معه الثأر عن خطأ يمكن أن يقترفه تجاه الآخرين، ويكون هذا الأصل أقرب إلى الطبيعة نسبة ما ~~يتعذر تمثل صدور مبدأ التملك عن أمر خلا عمل اليد، وهل يمكن الإنسان أن يضيف غير عمله إلى ~~أشياء لم يوجدها في الأصل فيجعلها ملكه؟ وعمل الفلاح وحده، إذ يمنحه حقا قي غلة الأرض ~~التي حرثها، يمنحه حقا في الأرض ذاتها حتى الحصاد على الأقل، وهكذا تحول التصرف المستمر ~~بين عام وعام إلى ملك، ومن قول غروسيوس أن القدماء عندما أطلقوا لقبي المشترعة على ~~سيرس، وعندما أطلقوا اسم القانون الحامل على عيد يحتفل فيه لتكريمها، قصدوا بذلك كون ~~تقسيم الأرضين قد أسفر عن نوع جديد من الحق، أي حق التملك الذي يختلف عن الحق الناشئ عن ~~القانون الطبيعي. # أجل، كان يمكن الأمور في هذه الحال أن تبقى متساوية لو كانت المناقب متساوية، فيكون ~~استعمال الحديد واستهلاك الغلات متوازنين دائما، غير أن النسبة التي كان لا يمسكها شيء لم ~~تلبث أن زالت، فكان الأقوى أكثر عملا، وحول الأكثر براعة عمله إلى أحسن حساب، ووجد ~~الأكثر لباقة وسائل لاختصار العمل، وكثر احتياج الفلاح إلى الحديد، وزاد ms60 احتياج الحداد إلى ~~القمح، وبينما كان الاثنان يعملان على السواء كان أحدهما يكسب كثيرا، ولم يكد الآخر يحوز ~~ما يعيش به ، وهكذا فإن التفاوت الطبيعي ينتشر مع تفاوت الاختلاط على وجه غير محسوس، وإن ~~الفروق بين الناس التي تنمو باختلاف الأحوال أصبحت أكثر بروزا ودواما في نتائجها، وبدأت ~~تؤثر ذات النسبة في نصيب الأفراد. # وبما أن الأمور قد انتهت على هذه المرحلة فإنه يسهل تمثل البقية، ولا أقف عند وصف اختراع ~~الفنون الأخرى المتعاقب، ولا عند تقدم اللغات واختبار المواهب واستخدامها، ولا عند تفاوت ~~الحظوظ والتمتع بالثروات وسوء استعمالها، ولا عند ما يتبعها من الجزئيات التي يمكن كل واحد ~~أن يتدارك نقصها، وإنما أقتصر على إلقاء نظرة في النوع البشري الذي وضع في نظام الأمور ~~الجديد هذا. # وإليك - إذن - جميع خصائصنا النامية والذاكرة والمخيلة فاعلة، والأنانية المغرضة، والعقل ~~العامل، والذهن في أقصى كماله تقريبا، وإليك جميع الصفات الطبيعية عاملة، ومكان كل إنسان ~~ونصيبه القائمين على الذكاء أو الجمال أو القوة أو البراعة أو المزية، أو المواهب، لا على ~~مقدار الأموال والقدرة على النفع والضر. وبما أن هذه الصفات هي التي كانت تستطيع أن تجتذب ~~اعتبارا وحدها، فقد وجب نيلها أو تكلفها من فورها، وقد أصبح من مصلحة الإنسان أن يتظاهر ~~بغير ما هو عليه، فما هو عليه والتظاهر بما هو عليه صار أمرين يختلف أحدهما عن الآخر ~~اختلافا تاما، وعن هذا الاختلاف نشأ الجاه المهيب والمكر الخادع وجميع المعايب التي هي ~~موكب ذلك، والإنسان بعد أن كان - من ناحية أخرى - حرا مستقلا، أضحى الآن خاضعا، عن ~~طائفة من الاحتياجات الجديدة، لكل طبيعة، ولا سيما أمثاله الذين غدا عبدا لهم من جهة، وإن ~~بدا سيدا لهم، فإذا كان غنيا احتاج إلى خدمهم، وإذا كان فقيرا احتاج إلى مساعدتهم، وما ~~كان توسط الحال ليجعله يستغني عنهم مطلقا؛ ولذا يجب أن يحاول بلا انقطاع جعلهم ~~يكترثون لنصيبه، وحملهم على أن يجدوا في الحقيقة أو في الظاهر فائدتهم في العمل لفائدته، ~~وهذا ما يجعله ms61 شاطرا محتالا نحو أناس، متجبرا قاسيا نحو آخرين، وهذا ما يضعه في حال ~~من الضرورة يخادع معه كل من يحتاج إليهم حينما لا يستطيع إخافتهم ولا يجد من مصلحته أن ~~يخدمهم نافعا، ثم إن الطموح القاضم في الناس وحميا زيادة مالهم النسبي ليعلو بعضهم بعضا ~~يوحيان إليهم جميعا بميل أسود إلى الضر مقابلة، يوحيان بحسد خفي يكون أشد خطرا بما ~~يلبسه من قناع الرفق غالبا جعلا لضربتن أكثر سدادا. # والخلاصة: أن التنافس والتزاحم من ناحية، وتضارب المصالح والرغبة الخفية في الانتفاع على ~~حساب الآخرين من ناحية أخرى، أي أن هذه الشرور كلها أول نتيجة للتملك وموكب لازم ~~للتفاوت الناشئ. # ولم تكن الثروات، قبل اختراع الرموز الممثلة لها لتقوم على غير الأرضين والمواشي، هذه ~~الأموال الحقيقية الوحيدة التي يمكن الناس أن يحوزوها، والواقع أن المواريث إذا ما زادت ~~عددا واتساعا زيادة تغطي جميع الأرض، وتماست كلها، عاد بعض الناس لا يستطيع أن يتوسع إلا ~~على حساب الآخرين، ولم يغير شيئا قط أولئك الزائدون على العدد، والذين كان ضعفهم أو ~~تثاقلهم قد حال دون اكتسابهم من ذلك بدورهم، فغدوا فقراء من غير أن يخسروا شيئا؛ وذلك ~~لأنهم وحدهم لم يغيروا شيئا قط مع أن كل شيء تغير حولهم، فاضطروا أن ينالوا أو أن ~~يغتصبوا غذاءهم من أيدي الأغنياء، ومن هنا بدأت تظهر السيطرة والعبودية والشدة والاغتصابات، ~~ولم يكد الأغنياء يعرفون لذة السيطرة من ناحيتهم، حتى استخفوا بالآخرين من فورهم، وقد ~~سخروا عبيدهم القدماء لإخضاع عبيد جدد، وهم لم يفكروا في غير قهر جيرانهم واستعبادهم، ~~وهم في ذلك كالذئاب الجائعة التي ذاقت لحم الإنسان مرة فصارت ترفض كل طعام آخر، ولا ترغب ~~في غير افتراس الناس. # وهكذا فإن الأكثر بأسا والأكثر بؤسا إذ جعلوا من قواتهم أو احتياجاتهم ضربا من الحقوق ~~حول مال الآخرين، مساويا حق التملك على رأيهم عقب المساواة المتحطمة أفظع ارتباك، وهكذا ~~فإن اغتصابات الأغنياء ولصوصيات الفقراء وأهواء الجميع الجامحة، إذ خنقت الرأفة الطبيعية ~~وصوت العدل الضعيف جعلت الناس بخلاء ms62 طامحين خبثاء، وكان يقع بين حقوق الأقوى وحق واضع اليد ~~الأول صدام دائم لا ينتهي إلا بمعارك وسفك دماء، # 2 # وأدى المجتمع الناشئ إلى أشنع الحروب، وبما أن النوع البشري المهين الحزين لم ~~يستطع بعد أن يرجع القهقري، ولا أن يعدل عما اتفق له من كسب مشئوم، وبما أنه لم يعمل لغير ~~ما فيه فضوحه بإساءة استعماله الخصائص التي تشرفه، فإنه وضع نفسه على حافة الهلاك، «فعلى ~~الغني والفقير أن يفرا من الثراء، وأن يخسرا ما نشداه بما وجد حديثا من شرورهما.» (أوفيد، ~~التناسخ، 11-127). # وليس من الممكن إلا أن يكون الناس قد قاموا في نهاية الأمر بتأملات حول وضع بالغ هذا ~~البؤس، وحول البلايا التي أصيبوا بها، ويجب أن يكون الأغنياء - على الخصوص - قد شعروا من ~~فورهم بمقدار ما كانت في غير مصلحتهم حرب دائمة يقومون بجميع نفقاتها وحدهم، ويكون الخطر ~~الذي يحيق بالحياة فيها عاما، ويكون الخطر الذي يحيق بأموالهم خاصا، ثم مهما يكن اللون ~~الذي استطاعوا أن يصبغوا به اغتصاباتهم، فإنهم كانوا يشعرون شعورا كافيا بأن حالهم لم ~~يقم على غير حق قلق فاضح نالوه بالقوة، فيمكن القوة أن تنزعه منهم من غير أن يكون من ~~الأسباب ما يتظلمون معه، حتى إن الذين اغتنوا بالصناعة وحدها لم يكونوا ليقدروا أن يقيموا ~~تملكهم على حجج أحسن من تلك. ومن العبث أن يقال مكررا: «إنني أنا الذي بنى هذا الجدار، ~~وقد نلت هذا الموضع بعملي، وقد يمكن أن يكون الجواب: من الذي أعطاك هذا الموقف، وإلى أي ~~شيء تستند في ادعائك أن ندفع إليك عن عمل لم نطلب منك صنعه؟ ألا تعلم أن فريقا كبيرا من ~~إخوانك يهلك أو يألم من احتياجه إلى ما تملك كثيرا، وأنه يجب أن تكون لديك موافقة صريحة ~~إجماعية من النوع البشري حتى تملك من القوت العام أكثر مما تحتاج إليه لتقويم أودك؟» والغني ~~المجرد من الأسباب المقبولة لتزكية نفسه، ومن القوى الكافية للدفاع عن نفسه، والغني الساحق ~~للفرد بسهولة، والمسحوق من قبل زمر ms63 من اللصوص، والغني الذي هو وحده ضد الجميع والذي لا ~~يستطيع أن يتحد - عن حسد متقابل - هو وأمثاله ضد أعداء متحدين عن أمل مشترك في السلب، ~~هذا الغنى الذي ضغطته الضرورة يفكر أخيرا في أرزن مشروع خطر على بال إنسان، وذلك أن يستخدم ~~نفعا له قوى من كانوا يهاجمونه، وأن يجعل حماته من خصومه، فيوحي إليهم بمبادئ أخرى ~~ويمنحهم نظما أخرى تكون ملائمة له كعدم ملاءمة الحق الطبيعي له. # وهو عند هذا النظر، وبعد أن عرض على جيرانه فظاعة وضع كان يسلحهم جميعا ضد بعضهم بعضا، ~~وكان يجعل أملاكهم مرهقة إرهاق احتياجاتهم، وحيث كان لا يوجد أحد يرى سلامته في الفقر ولا ~~في الغنى، اخترع بسهولة من الأسباب المقبولة ما يجلبهم به إلى غرضه، فقال لهم: «دعونا نتحد ~~لوقاية الضعفاء من الاضطهاد وردع ذوي الطموح وصيانة ملك كل واحد، فتوضع أنظمة للعدل والأمن ~~يلزم الجميع بالخضوع لها من غير استثناء أحد، وتقوم بها أهواء النصيب من بعض الوجوه ~~بجعل القوي والضعيف خاضعين لواجبات متبادلة على السواء. # والخلاصة: هي أن نجمع قوانا في سلطة عالية تحكم فينا وفق قوانين رشيدة، وتحامي وتدافع ~~عن جميع أعضاء الجماعة، وتدفع الأعداء المشتركين، وتمسكنا ضمن وفاق أبدي.» # وكان أقل كلام حول هذا المقصد يكفي لمخادعة أناس غلاظ سهل إغواؤهم، وذلك لما كان عليهم ~~أن يأتوه من منازعات كثيرة لا يستغنون فيها عن التحكيم، ولما كانوا عليه من طموح وبخل ~~كثيرين لا يستغنون فيهما عن سادة لزمن طويل، وكل يسعى إلى قيوده بسرعة معتقدا أنه ~~يضمن حريته؛ وذلك لأنه إذا كان لديه من العقل ما يكفي للشعور بفوائد أحد النظم السياسية، ~~فإنه ليس لديه من التجربة ما يبصر معه أخطار هذا النظام. وكان أكثر الناس قدرة على البصر ~~في سوء الاستعمال هم الذين يرون الانتفاع به، حتى إن الحكماء رأوا من الضروري أن يضحوا بقسم ~~من حريتهم حفظا للقسم الآخر، شأن الجريح الذي تبتر ذراعه إنقاذا لبقية الجسم. # ذلك ما كان، أو ما وجب أن كان، ms64 أصل المجتمع والقانون اللذين ربطا الضعيف بقيود جديدة، ~~ومنحا الغني # 3 # قوى جديدة، فقضيا على الحرية الطبيعية من غير رجوع، وثبتا قانون التملك ~~والتفاوت إلى الأبد، وحولا اغتصابا لبقا إلى حق لا ينقض، وسخرا الجنس البشري للعمل ~~والعبودية والبؤس؛ نفعا لبعض ذوي الطموح. ومن السهل أن يرى كيف أن قيام مجتمع واحد جعل ~~قيام جميع المجتمعات الأخرى أمرا ضروريا، وكيف أنه وجب على بقية الجنس البشري أن تتحد من ~~ناحيتها لمقاومة القوى المتحدة، وقد تكاثرت المجتمعات واتسعت فلم تلبث أن ملأت جميع وجه ~~الأرض، وصار يتعذر أن تجد زاوية واحدة في العالم يمكن الإنسان أن يتحرر فيها من النير، ~~ويتخلص من السيف الذي يراه مصلتا عليه دائما. وبما أن الحقوق المدنية أصبحت قاعدة ~~المواطنين العامة على هذا الوجه، عاد قانون الطبيعة لا يكون له مكان إلا بين مختلف ~~المجتمعات، حيث عدل - باسم الحقوق الدولية - ببضعة عهود ضمنية جعلا للتجارة أمرا ~~ممكنا، وتعويضا من الرأفة الطبيعية التي خسرت بين مجتمع وآخر - تقريبا - كل قوة كانت ~~لها بين إنسان وآخر، والتي عادت لا تكون في غير بعض أكابر الوطنيين العالميين الذين ~~يجاوزون الحواجز الخيالية الفاصلة بين الشعوب، والذين يسيرون على غرار المولى الخالق ~~فيشملون جميع النوع البشري برعايتهم. # وبما أن الهيئات السياسية قد بقيت بينهم في الحال الطبيعية على هذا الوجه، فإنها لم تعتم ~~أن شعرت بالمحاذير التي كانت قد حملت الأفراد على الخروج منها، وقد أصبحت هذه الحال أيضا ~~أكثر شؤما بين هذه الهيئات الكبيرة مما كانت عليه سابقا بين الأفراد الذين تألفت منهم، ~~فمن ثم ظهرت الحروب القومية والمعارك والمقاتل والآثار التي أرعشت الطبيعة وصدمت العقل، ~~وجميع هذه المبتسرات الفظيعة التي تضع شرك سفك الدماء الإنسانية في مرتبة الفضائل، وقد ~~تعلم أكثر الناس صلاحا أن يعدوا بين وظائفهم واجب ذبح أمثالهم، وأخيرا رئي أن الناس ~~يتذابحون بالألوف من غير أن يعرفوا السبب، وكان يقترف من القتل في يوم معركة، وكان يقترف ~~من الفظائع عند الاستيلاء على مدينة واحدة، ما هو ms65 أكثر مما كان يقترف في حال الطبيعة - في ~~قرون بأسرها - على جميع وجه الأرض، وهذه هي النتائج الأولى التي تبصر من تقسيم النوع ~~البشري إلى مجتمعات شتى، فلنعد إلى نظمها. # وأعلم أن كثيرين قد جعلوا للمجتمعات السياسية مصادر أخرى، كفتوح القوى أو اتحاد الضعفاء، ~~ولا أهمية للخيار بين هذه العلل فيما أريد إثباته، ومع ذلك فإن ما عرضته أقرب إلى الطبيعة - ~~كما يلوح لي - وذلك للأسباب الآتية: # أولا: # بما أن حق الفتح في الحال الأولى ليس حقا في ذاته، فإنه لا يمكن أن ~~يصلح أساسا يبنى عليه حق آخر، فيبقى كل من الفاتح والشعب المغلوب ~~تجاه الآخر في حال حرب، ما لم ترد إلى الشعب المغلوب حريته كاملة، ~~فيقع اختياره طوعا على قاهره ليكون رئيسا له، وريثما يقع هذا تكن كل ~~مصالحة قائمة على العنف، ومن ثم تكون باطلة عن ذات الأمر، فلا يكون ~~بهذا الافتراض أي مجتمع حقيقي، أو أية هيئة سياسية، أو أي قانون غير ما ~~للأقوى. # ثانيا: # بما أن كلمة القوي وكلمة الضعيف مبهمتان في الحال الثانية، فإن معنى ~~هاتين الكلمتين في الفاصلة بين قيام حق التملك، أو وضع اليد الأول وحق ~~الحكومات السياسية أحسن إيفاء بكلمتي الفقير والغني؛ وذلك لأنه لم يكن ~~للإنسان قبل القوانين في الحقيقة وسيلة أخرى لإخضاع أمثاله غير مهاجمة ~~مالهم، أو جعل نصيب لهم في مالهم. # ثالثا: # بما أنه لم يكن لدى الفقراء ما يخسرونه غير حريتهم، فإن من حماقتهم ~~الكبيرة أن يتخلوا باختيارهم عن المال الوحيد الذي بقي لهم، فلا يكسبوا ~~شيئا مقابلة، وبما أن الأغنياء هم - على العكس - مرهفو الحس في جميع ~~أقسام أموالهم، فإنه كان من السهل جدا أن يؤذوا؛ ولذا كان عليهم أن ~~يتخذوا من الاحتياطات الكثيرة ما يضمنون به أنفسهم من ذلك، ثم إن من الصواب ~~أن يعتقد كون الشيء قد اخترع من قبل من ينفعهم أكثر من كونه قد ~~اخترع من قبل من يضرهم. # ولم يكن للحكومة الناشئة شكل ثابت ومنتظم قط، وكان نقص الفلسفة والتجربة ms66 يحول دون ~~البصر في المحاذير الحاضرة، وكان لا يفكر في الاستعداد تجاه الآخرين إلا بالمقدار الذي ~~يبدون به، وقد ظلت الحال السياسية ناقصة دائما ؛ لأنها كانت من عمل المصادفة تقريبا؛ ولأن ~~الزمن بعد بدء السوء لم يستطع أن يصلح نقائص النظام قط عند اكتشاف العيوب والإيحاء ~~بالدواء، أي إنه كان يرقع بلا انقطاع بدلا من أن يبدأ بتطهير الجو وإقصاء الأدوات ~~القديمة، كما صنع ليكورغ في إسبارطة ليقيم بناء صالحا فيما بعد، ولم يقم المجتمع في ~~البداءة إلا على بعض العهود العامة التي ألزم جميع الأفراد أنفسهم بمراعاتها، والتي غدت ~~ضامنة لكل واحد منهم، وقد وجب أن تدل التجربة على مقدار ما كان من ضعف مثل هذا النظام، ~~وعلى مقدار ما كان من سهولة اجتناب مخالفيه ثبوت الجرم أو العقاب على الذنوب التي كان يجب ~~على الجمهور أن يكون شاهدا عليها قاضيا فيها، وقد وجب أن ينحى القانون على ألف وجه، وأن ~~تكثر المحاذير والارتباكات باستمرار حتى يفكر أخيرا في تسليم بعض الأفراد وديعة السلطان ~~العام الخطرة، وفي ترك العناية في إطاعة مشورات الشعب إلى بعض الحكام؛ وذلك لأن القول ~~باختيار الرؤساء قبل قيام الدولة الاتحادية وبنصب حفظة القوانين قبل القوانين نفسها افتراض ~~لا يجوز الجدال عنه بحد. # ومن غير الصواب أن يعتقد أن الشعوب ألقت نفسها في البداءة بين ذراعي سيد مطلق بلا شرط ~~ولا رجوع، وأن الوسيلة الأولى للقيام بالأمن العام الذي تصوره أناس مختالون جامحون كانت ~~تدهورا في العبودية، ولماذا نصب الناس في الحقيقة رؤساء، إن لم يكن للدفاع عنهم ضد الاضهاد ~~ولحفظ أموالهم وحرياتهم وحيواناتهم التي هي عناصر وجودهم المكونة؟ والواقع أن السوء الذي ~~يمكن أن يحدث لأحد الناس في صلات بعض الناس ببعض، إذ كان رؤيته نفسه تحت رحمة آخر، أفلم ~~يكن مناقضا للرشاد أن يبدأ بتجريد نفسه بين يدي رئيس من الأشياء الوحيدة التي كانوا ~~يحتاجون لحفظها إلى مساعدته؟ وأي شيء معادل استطاع تقديمه إليهم من أجل حق عظيم كهذا؟ ~~وإذا ما جرؤ على ms67 المطالبة به متعللا بحجة الدفاع عنهم، أفلا يتلقى الجواب الآتي الذي جاء ~~في القصة: «وأي شيء أكثر من هذا يستطيع العدو أن يصنعه بنا ؟» إن مما لا جدال فيه كون المبدأ ~~الأساسي لجميع الحقوق السياسية قائما على أن الشعوب أعطيت رؤساء للدفاع عن حريتها، لا ~~لاستعبادها، وقد قال بليني لتراجان: «إذا كان لنا أمير، فلكي يحفظنا من وجود ~~سيد.» # ويأتي السياسيون حول حب الحرية بذات السفسطة التي يأتي بها الفلاسفة حول حال الطبيعة، ~~وذلك أنهم يحكمون بما يرون في أمور تختلف جدا عن التي لا يرون، وهم يعزون إلى الناس ~~ميلا طبيعيا نحو العبودية مستندين إلى الصبر الذي يطيق به عبوديتهم من يقعون تحت ~~عيونهم، وذلك من غير تفكير في أن أمر الحرية كأمر العصمة والفضيلة الذي لا يشعر بقيمته ~~إلا بدوام التمتع به، والذي يضيع ذوقه عند ضياعه. ومن قول برازيداس لأحد المرازبة الذي ~~كان يقابل حياة إسبارطة بحياة برسبوليس (إصطخر): «أعرف ملاذ بلدك، غير أنك لا تستطيع ~~أن تعرف ملاذ بلدي.» # وكما أن الجواد الجامح ينصب عرقه، ويضرب الأرض بسنابكه، ويهيج عند دنو اللجام، على حين ~~يعاني الحصان المروض السوط والمهماز صابرا، ترى الإنسان في البرابرة لا يطأطئ رأسه للنير ~~الذي يحمله الإنسان المتمدن غير متذمر، وهو يفضل الحرية العاصفة على الخضوع الساكن؛ ولذا لا ~~يجوز أن يحكم بذل الشعوب المعبدة في تصرفات الإنسان الطبيعية مدحا للعبودية أو قدحا ~~فيها، بل بالعجائب التي قامت بها جميع الشعوب الحرة ضمانا لنفسها من الاضطهاد. وأعرف أن ~~الأولى لم تصنع بلا انقطاع غير امتداح السلم والسكون اللذين تتمتع بقيودهما، وأنها ~~«تسمى أتعس عبودية أمنا» (تاسيت، التاريخ، باب 4، فصل 17)، ولكنني حينما أرى الآخرين ~~يضحون بالملاذ والسكون والثراء والقوة والحياة نفسها حفظا لهذا المال الوحيد الذي يزدريه ~~من أضاعوه، ولكنني حينما أرى الحيوانات التي تولد حرة وتمقت الأسر، تكسر رأسها على ~~قضبان سجنها، ولكنني حينما أرى زمرا من الوحوش الكاملي العرى يزدرون الملاذ الأوروبية، ~~ويحتقرون الجوع والنار والحديد والموت حفظا لاستقلالهم فقط، أشعر ms68 بأن البرهنة حول الحرية ~~ليست من شأن العبيد. # وأما السلطة الأبوية، التي اشتق منها الحكومة المطلقة وجميع المجتمع كثير من الكتاب، ~~وذلك من غير رجوع إلى أدلة لوك وسيدني المعاكسة، فيكفي أن يلاحظ أنه لا شيء في الدنيا ~~أكثر ابتعادا عن روح الاستبداد الضاري من حلم هذه السلطة التي تنظر إلى نفع من يطيع ~~أكثر من نظرها إلى فائدة من يأمر، وأن الأب، على حسب قانون الطبيعة، ليس سيد الولد إلا ~~للزمن الذي تكون معونته ضرورية له، فإذا مر هذا الزمن صارا متساويين، وهنالك إذ يصبح الولد ~~مستقلا عن الأب تماما، فإنه لا يكون مدينا له بغير الاحترام - لا الطاعة - وذلك لأن ~~معرفة الجميل واجب يجب تأديته، لا حق يمكن أن يطالب به، وكان يجب أن يقال إن السلطة ~~الأبوية تنال قوتها الرئيسة من المجتمع المدني، بدلا من أن يقال إن المجتمع المدني يشتق من ~~السلطة الأبوية، ولم يعترف بأن الفرد أب للكثيرين إلا عندما يبقون مجتمعين حوله، وما لدى ~~الأب من أموال يملكها حقا هو الصلات التي تبقي أولاده تابعين له، ويستطيع الأب ألا يجعل ~~لهم نصيبا في ميراثه إلا بنسبة ما يستحقون ذلك منه بامتثال دائم لمشيئته، والواقع أن من ~~البعيد أن يكون للرعايا نفع مماثل ينتظرونه من طاغيتهم ما داموا هم وجميع ما يملكون مالا ~~له، أو ما دام يزعم هكذا، فهم ملزمون بأن يعدوا فضلا ما يتركه لهم من مالهم الخاص، وهو ~~يعدل إذا ما جردهم، وهو يتساهل إذا ما تركهم يعيشون. # وإذا داومنا على البحث في الوقائع حقوقيا على هذا الوجه، لم نجد ما هو أقل من الحقيقة ~~في قيام الطغيان عن رضا، ويكون من الصعب إثبات صحة عقد لا يلزم غير أحد الفريقين، وأن ~~يقع الغرم على فريق واحد دون الآخر، فلا يعانيه سوى من يلزم به نفسه، ويبعد أن ~~يكون هذا النظام الممقوت - حتى في أيامنا - نظام ذوي الرشاد والصلاح من الملوك، ولا سيما ~~ملوك فرنسا، كما يمكن أن يرى ذلك في غير ms69 مكان من مراسيمهم، ولا سيما العبارة الآتية التي ~~جاءت في مرسوم مشهور نشر في سنة 1667 باسم لويس الرابع عشر، وعن أمر منه، وهي: «دعنا ~~لا نقول، إذن، كون ولي الأمر غير خاضع لقوانين دولته؛ وذلك لأن العكس من حقائق حقوق ~~الأمم التي هوجمت عن ملق أحيانا، ولكن مع دفاع الأمراء الصالحين عنها دائما، وذلك ~~كألوهية حافظة لدولهم، وما أكثر ما يطابق الصواب أن يقال مع أفلاطون الحكيم: إن سعادة ~~المملكة الكاملة هي في إطاعة الرعايا لأميرهم، وإطاعة الأمير للقانون، وفي كون القانون ~~قويما قاصدا خير الناس!» («رسالة في حقوق الملكة البالغة النصرانية في مختلف دول مملكة ~~إسبانية»، 667، المطبعة الملكية.) # ولا أقف مطلقا عند البحث في أن الحرية إذا كانت أشرف خصائص الإنسان، فإنه ألا يكون من ~~حط طبيعتنا وتنزيلنا إلى مستوى الحيوانات التي هي عبدة الغريزة، ومن التجديف على صانع ~~وجودنا، أن نعدل بلا قيد عن أثمن نعمه، وأن ننقاد لضرورة اقتراف جميع الجرائم التي نهى ~~عنها، مجاراة لسيد ضار أو مجنون، فنغضب هذا الصانع الرفيع غضبا يجب أن يشتد من تخريب ~~أجمل ما صنع، كاشتداده من فضح هذا الصنع، وأتغافل - إذا ما سمح لي - عن اختصاص باربيراك ~~الذي تابع لوك فصرح بوضوح أنه لا أحد يستطيع بيع حريته حتى الخضوع لسلطان مرادي ~~يعامله على حسب هواه؛ «وذلك لأن هذا ينطوي على بيع حياته التي ليس سيدها»، وإنما أسأل - فقط ~~- عن حق أولئك الذين لم يخشوا حط أنفسهم حتى هذه النقطة، فاستطاعوا أن يجعلوا حفدتهم خاضعين ~~لذات العار، وأن يتنزلوا في سبيلهم عن أطايب لم ينالوها من كرمهم، فتكون الحياة بغيرها ~~ثقيلة على جميع من يستحقونها. # ويقول بوفندورف: إن الإنسان يستطيع أن يجرد نفسه من حريته نفعا لآخرين كما ينقل ~~ماله إلى آخرين بعهود وعقود، ويلوح لي أن هذه برهنة سيئة، وذلك - أولا - أن المال الذي ~~أبيعه يصبح عندي أمرا غريبا تماما، ويغدو سوء استعماله أمرا لا يؤبه له، ولكن مما ~~يهمني ألا يساء استعمال حريتي، ولا أستطيع أن ms70 أعرض نفسي لتكون أداة جريمة من غير أن ~~أكون مذنبا بالسوء الذي أحمل على صنعه، ثم بما أن حق التملك ليس سوى عهد ونظام ~~بشري ، فإن كل واحد يقدر على التصرف فيما يملك، ولكن غير هذا هبات الطبيعة الجوهرية كالحياة ~~والحرية اللتين يباح لكل واحد أن يتمتع بهما، واللتين يشك في أنه يحق للإنسان أن يجرد ~~نفسه منهما؛ وذلك لأن الإنسان إذا ما أقصي عن نفسه إحداهما يكون قد أذل نفسه، وإذا ما أقصى ~~نفسه عن الأخرى يكون قد لاشاها فيه ما دامت فيه، ولكن بما أنك لا تجد خيرا دنيويا يستطيع ~~أن يعوض من أحد الأمرين، فإنه يكون من إهانة الطبيعة والعقل معا أن يعدل عنهما بأي ثمن ~~كان، ولكن الإنسان إذا ما استطاع أن يبيع حريته كأمواله، كان الفرق عظيما من ناحية أولاده ~~الذين لا يتمتعون بأموال أبيهم إلا بنقل حقوقه، وذلك بدلا من كون الحرية، التي هي موهبة ~~ينالونها من الطبيعة كأناس، لا يحق لآبائهم أن يجردوهم منها مطلقا، وذلك كما أنه وجب أن ~~يعنف بالطبيعة إقامة للرق وجب تغييرها إدامة لهذا الحق، فالفقهاء - الذين ذهبوا ~~باتزان إلى أن ابن العبد يولد عبدا - يكونون قد قرروا بعبارات أخرى كون الإنسان لا ~~يولد إنسانا. # ولذا يلوح لي أن من الثابت كون الحكومات لم تبدأ قط بالسلطة المرادية فقط، كونها لم ~~تبدأ بهذه السلطة التي ليست غير إفساد لها، غير أقصى حد لها، والتي تردها في نهاية الأمر ~~إلى قانون الأقوى الذي كانت علاجا له في بدء الأمر، ولكن الحكومات - حتى عند افتراض بدء ~~أمرها على هذا الوجه - لم تكن تلك السلطة فيها لتستطيع بطبيعتها غير الشرعية أن تصلح أساسا ~~لقانون المجتمع، ولا لتفاوت النظام نتيجة. # وإني من غير أن أدخل اليوم في المباحث التي لا يزال من الواجب صنعها حول طبيعة الميثاق ~~الأساسي لكل حكومة، أقتصر - باتباعي الرأي السائد - على عدي نظام الهيئة السياسية عقدا ~~حقيقيا بين الشعب والرؤساء الذين يختارهم، عقدا يلزم كل من الفريقين نفسه بمراعاة ms71 ~~القوانين التي اشترطت فيه فتؤلف روابط لاتحادهما. وبما أن الشعب في موضوع الصلات الاجتماعية ~~يجمع جميع إرادته ضمن إرادة واحدة، فإن المواد التي توضح بها هذه الإرادة تصبح قوانين ~~أساسية تلزم جميع أعضاء الدولة من غير استثناء، فينظم أحدهما أمر الخيار وسلطة الحكام ~~الموكل إليهم أن يسهروا على تنفيذ الأخرى، وتعم هذه السلطة كل ما يمكن أن يحفظ النظام من ~~غير ذهاب إلى الحد الذي يغير به، وإلى هذا تضاف أنواع من الشرف تجعل القوانين وحفظتها ~~محترمة، وتجعل لهؤلاء شخصيا من الامتيازات ما يعوضهم من الأعمال الشاقة التي تكلفهم ~~الإدارة الصالحة بها، والحاكم من ناحيته يلزم نفسه بألا يستعمل السلطة التي عهد إليه ~~أن يقوم بها إلا وفق مقصد موكليه، وبأن يجعل كل واحد يتمتع بما هو خاص به تمتعا ~~هادئا، وبأن يفضل المصلحة العامة على المصلحة الشخصية في كل فرصة. # ووجب - قبل أن تدل التجربة، أو معرفة القلب البشري - على ما يعتور مثل هذا النظام من سوء ~~استعمال لا مناص منه، أن يظهر أن الذين كان قد عهد إليهم أن يسهروا على حفظه هم أكثر ~~الناس غرضا فيه، وذلك بما أن الحاكمية وحقوقها لم تقوما على غير القوانين الأساسية، فإن ~~هذه القوانين إذا ما قوضت عاد الحكام لا يكونون شرعيين من فورهم، وعاد الشعب غير ملزم ~~بإطاعتهم، وبما أن القانون - لا الحاكم - هو الذي يقيم جوهر الدولة، فإن كل واحد يعود إلى ~~حريته الطبيعية عن حق. # وإذا أمعنا النظر قليلا في هذا الموضوع وجدناه يؤيد بأسباب جديدة، ورئي أنه يتعذر نقضه؛ ~~وذلك لأنه إذا كانت لم توجد سلطة عالية قادرة أن تكون ضامنة لإخلاص المتعاقدين أو أن ~~تحملهما على القيام بالتزاماتهما المتبادلة ظل الفريقان قاضيين وحيدين في قضيتهما الخاصة، ~~وكان لكل واحد منهما حق العدول عن العقد فور ما يجد نقض الفريق الآخر للشروط، أو حينما تعود ~~غير ملائمة له، ويظهر أن حق التنزل يمكن أن يكون قائما على هذا المبدأ، والواقع أننا إذا ~~لم ننظر - كما نصنع - إلى ms72 غير النظام البشري، وذلك عندما يكون الحاكم القابض على جميع ~~السلطة، والمنتحل لجميع فوائد العقد، ذا حق في العدول عن السلطة على الخصوص، فإن من ~~الأولى أن يكون الشعب الذي يدفع ثمن جميع أغاليط الرؤساء ذا حق في العدول عن خضوعه، غير ~~أن الانقسامات الكريهة والارتباكات غير المحدودة التي تؤدي إلى هذه السلطة الخطرة بحكم ~~الضرورة تدل، بأكثر مما على أي شيء آخر، على مقدار ما كانت الحكومات البشرية محتاجة إليه ~~من قاعدة أشد متانة من العقل وحده، وعلى مقدار ما كان ضروريا للراحة العامة التي تتدخل ~~فيها المشيئة الإلهية منحا للسلطة ذات السيادة صبغة مقدسة لا تنقض، فتنزع من الرعايا ما ~~في التصرف فيها من حق مشئوم، وإذا كان الدين لم يصنع للناس غير هذا الخير، كان لهم في هذا ~~ما يفرض عليهم واجب اعتناقه وتعهده، حتى مع سوء استعماله، ما دام يحقن من الدماء ما هو أكثر ~~مما سفكه التعصب، ولكن لنتعقب خيط افتراضنا. # وتكون أشكال الحكومة المختلفة مدينة بأصلها لدرجة ما يكون بين الأفراد من الفروق حين ~~قيامها، وإذا كان أحد هؤلاء متفوقا في القوة أو الفضل أو الغنى أو الوجاهة، انتخب حاكما ~~وصارت الدولة ملكية، وإذا كان الكثيرون متساوين فيما بينهم تقريبا، وكانوا يفوقون الآخرين ~~انتخبوا معا وتكونت أرستوقراطية، ومن كان الثراء والمواهب عندهم أقل تفاوتا، وكانوا أقل ~~بعدا من حال الطبيعة، حافظوا بالاشتراك على الإدارة العليا وألفوا ديموقراطية، وقد أثبت ~~الزمان أي الشكلين كان أنفع للناس، وقد ظل بعض الناس خاضعين للقوانين فقط، ولم يلبث الآخرون ~~أن أطاعوا سادة، وأراد المواطنون أن يحتفظوا بحريتهم، ولم يفكر الرعايا في غير نزعها من ~~جيرانهم، غير صابرين على تمتع آخرين بخير كانوا قد أضاعوه. # والخلاصة: أن الثروات والفتوح كانت من ناحية، وأن السعادة والفضيلة كانتا من ناحية ~~أخرى. # وكانت الحاكميات كلها في هذه الحكومات المختلفة انتخابية، وعندما كان الفوز لغير الثراء ~~كانت الأفضلية للمزية التي تنعم بنفوذ طبيعي، وللسن التي تنعم بالتجربة في الأمور ~~وبالاعتدال في المذاكرات، ويدل ms73 شيوخ العبريين وشيوخ الإسبارطيين وسنات رومة، واشتقاق كلمة ~~«سنيور» عندنا، على مقدار ما كان للمشيب من احترام فيما مضى، وكلما كانت الانتخابات تقع ~~على أناس طاعنين في السن صارت متواترة وشعر بمصاعبها، فقد نسجت مكايد وألفت عصابات ~~واحتدت أحزاب، واشتعلت حروب أهلية، وضحي بدم المواطنين في سبيل سعادة للدولة مزعومة، ~~وأوشك الناس أن يسقطوا في فوضى الأزمنة السابقة، وقد استفاد الزعماء ذوو الطموح من هذه ~~الأحوال إدامة لخدمهم في أسرهم، وقد رضي الشعب، الذي تعود الخضوع والراحة ورغد العيش، ~~والذي عجز عن كسر قيوده، أن يترك عبوديته تزيد توطيدا لراحته، وهكذا تعود الزعماء - ~~الذين أصبحوا وراثيين - أن يعدوا حاكميتهم مال أسرة، وأن يعدوا أنفسهم مالكي الدولة التي ~~لم يكونوا غير موظفيها في البداءة، فيدعون مواطنيهم عبيدهم ويحسبونهم كالأنعام بين الأشياء ~~التي يملكونها، ويدعون أنفسهم مساوين للآلهة أو ملوك الملوك. # وإذا ما تتبعنا تقدم التفاوت في هذه الثورات المختلفة وجدنا أن وضع القانون وحق التملك ~~كانا حده الأول، وأن قيام الحاكمية كان حده الثاني، وأن تحول السلطة الشرعية إلى سلطة ~~مرادية كان حده الثالث والأخير، فأجيز حال الغني والفقير في الدور الأول، وأجيز حال ~~القوي والضعيف في الدور الثاني، وأجيز حال السيد والعبد في الدور الثالث الذي هو آخر درجة ~~للتفاوت والحد الذي ينتهي إليه جميع الأخرى في نهاية الأمر، وذلك إلى أن تقضي ثورات جديدة ~~على الحكومة تماما، أو أن تدنيها من النظام الشرعي. # ويجب - لإدراك ضرورة هذا التقدم - أن ينظر إلى عوامل قيام الهيئة السياسية أقل مما إلى ~~الشكل الذي تتخذه في تنفيذه، والمحاذير التي يجرها وراءه؛ وذلك لأن العيوب التي تجعل النظم ~~الاجتماعية أمرا ضروريا هي عين العيوب التي تجعل سوء استعماله أمرا لا مفر منه، وإذا ~~استثنيت إسبارطة، حيث كان القانون يسهر على تربية الأولاد خاصة، وحيث أقام ليكورغ من ~~العادات ما كان يغنيه عن إضافته قوانين، وجدت القوانين، التي هي أقل قوة من الأهواء على ~~العموم، تردع الناس من غير أن تغيرهم، ومن السهل إثبات كون ms74 كل حكومة تسير، من غير فساد ~~ولا عيب، دائما وتماما، وفق غاية نظامها، فتقوم بلا ضرورة، وكونه لا احتياج إلى حكام ~~ولا إلى قوانين في بلد لا تجتنب القوانين ولا يساء استعمال الحاكمية فيه. # وتؤدي الفروق السياسية إلى فروق مدنية بحكم الضرورة، ولا يلبث التفاوت الذي يزيد بين ~~الشعب ورؤسائه أن يشعر به بين الأفراد، فيتحول على ألف وجه وفق الأهواء والمواهب ~~والمصادفات، وما كان الحاكم ليغتصب سلطة غير شرعية من غير أن يتخذ من العمال من يضطر إلى ~~منحهم قسما منها، ثم إن المواطنين لا يسمحون بأن يضغطوا إلا عن سير وراء طموح أعمى، وهم ~~إذ ينظرون إلى ما تحتهم أكثر مما إلى فوقهم، فإن السيطرة تصبح أعز من الاستقلال عندهم، ~~ويوافقون على تكبيلهم بقيود يقدرون على منحها بدورهم، ومن الصعوبة بمكان أن يحمل على ~~الطاعة من لا يحاول أن يسوس مطلقا، وما كان أمهر السياسيين ليستعبد أناسا لا يريدون إلا ~~أن يكونوا أحرارا. بيد أن التفاوت ينتشر من غير شفقة بين ذوي الطموح والجبن من النفوس ~~المستعدة للسعي وراء مخاطر النصيب في كل وقت، والتي لا تبالي بالسيطرة أو الخدمة على حسب ما ~~تكون ملائمة أو معاكسة لها، وهكذا فإنه لا بد من أن يكون قد أتى زمن بلغت عيون الشعب فيه ~~من السحر ما لم يبق لقادته أن يخاطبوا أصغر الناس معه بغير قولهم: «كن كبيرا أنت وجميع ~~ذريتك»، وهنالك بدا كبيرا لجميع الناس كما بدا في عيني نفسه، وأخذ عقبه يرتفع كلما بعدت ~~المسافات منه، وكلما كانت العلة غامضة حائرة زاد المعلول، وكلما كثر الكسالى في أسرة ~~زادت مجدا. # ولو كان هناك مكان صالح للدخول في التفصيل لسهل علي أن أوضح كيف يصبح التفاوت في ~~الوجاهة والسلطان أمرا لا مفر منه بين الأفراد، # 4 # حتى عند عدم تدخل الحكومة؛ وذلك لأن الأفراد إذا ما اجتمعوا في مجتمع واحد لم ~~يلبثوا أن يضطروا إلى المقابلة فيما بينهم، وإلى ملاحظة الفروق التي يجدونها في معاشرة ~~بعضهم لبعض، ولهذه ms75 الفروع أنواع كثيرة، ولكن بما أن الثراء، والشرف أو المقام، والسلطان ~~والمزية الشخصية فروق رئيسة يقاس بها في المجتمع، فإنني أثبت أن توافق هذه القوى ~~المختلفة أو تصادمها أصدق دليل على دولة حسنة التكوين أو سيئته، وإنني أثبت أن الصفات ~~الشخصية بين أنواع التفاوت الأربعة هذه إذ كانت أصل جميع الأخرى، فإن الغني هو آخر ما ترد ~~إليه في نهاية الأمر، وذلك بما أنه يكون أكثر ما ينفع رغد العيش مباشرة وأكثر ما يسهل نقله، ~~فإنه يستخدم بسهولة لاشتراء جميع البقية، فبهذه الملاحظة يمكن أن يحكم بشيء من الدقة في ~~المقياس الذي ابتعد به كل شعب عن نظامه الابتدائي، وعن الطريق التي رسمها نحو أقصى حد ~~للفساد، وألاحظ مقدار ما تعمل في المواهب والقوى وتقابل بينها هذه الرغبة العامة في الصيت ~~والشرف والأفضليات التي تأكلنا جميعا، ومقدار ما تهز الأهواء وتزيدها، ومقدار ما تجعل جميع ~~الناس متنافسين متزاحمين، وإن شئت فقل أعداء، فتؤدي كل يوم إلى نوائب ونجاح ومصائب من كل ~~نوع، وذلك بحملها ذوي المزاعم على خوض عين المعارك، وأثبت أننا مدينون لهذه الحميا في ~~التحدث عن النفس، ولهذه الصولة في التمايز التي تخرج المرء عن الصواب تقريبا بأحسن ما ~~يوجد بين الناس وأردئه، أي بفضائلنا ومعايبنا وبمعارفنا وأغاليطنا، وبقاهرينا فلاسفتنا، ~~أي بطائفة من الأمور الطالحة حول قليل من الأمور الصالحة. # وأخيرا أثبت أنه يرى قبضة من الأقوياء والأغنياء على ذروة العظمة والثراء، على حين ~~يتخبط الجمهور في البؤس والظلام، وذلك عن كون أولئك لا يقدرون الأمور التي لا يتمتعون ~~بها إلا بمقدار ما يكون الآخرون محرومين إياها، وعن كونهم يعودون غير سعداء إذا ما عاد ~~الشعب لا يكون بائسا. # بيد أن تلك الجزئيات وحدها تكون مادة سفر جليل توزن فيه محاسن كل حكومة ومساوئها من ~~حيث حقوق حال الطبيعة، وحيث يكشف جميع مختلف الوجوه التي يبدو التفاوت تحتها حتى هذا ~~اليوم، ويمكن أن يبدو في القرون القادمة، وذلك وفق طبيعة هذه الحكومات والثورات التي يجرها ~~الزمن إليها بحكم ms76 الضرورة، وهنالك يرى الجمهور المضطهد في الداخل نتيجة احتياطات اتخذها ~~ضد من هدده في الخارج، وهنالك ترى زيادة الاضطهاد باطراد من غير أن يستطيع المضهدون ~~معرفة حد له، ولا الوسيلة المشروعة التي تبقى لهم لوقفه، وهنالك يرى انطفاء حقوق ~~المواطنين والحريات القومية مقدارا فمقدارا، وعد احتياج الضعفاء تذمرات تمرد، وهنالك ~~يرى قصر السياسة شرف الدفاع عن القضية العامة على فريق مرتزق من الشعب، وهنالك يرى ~~ظهور ضرورة الضرائب، فيترك الزارع اليائس حقله حتى في أثناء السلم ويهجر محراثه ليتقلد ~~السيف، وهنالك يرى بروز مبادئ الشرف المشئومة الغريبة، وهنالك يرى تحول حماة الوطن إلى ~~أعداء، عاجلا كان ذلك أو آجلا، حاملين بلا انقطاع خنجرا مرفوعا فوق مواطنيهم، فيأتي زمن ~~يسمع فيه قولهم لطاغية بلدهم: # إذا أمرتني أن أضرب بالسيف صدر أخي أو رقبة والدي، وأن أضرب بالسيف أحشاء ~~زوجتي، فعلت ذلك كله بيدي اليمنى مضطرا. # لوكانوس، إ، 376 # وعن أقصى تفاوت الأحوال والثروات واختلاف الأهواء والمواهب، وعن الفنون غير المفيدة ~~والفنون الضارة والعلوم التافهة نشأت طوائف من المبتسرات المخالفة للعقل والسعادة والفضيلة ~~على السواء، ويرى إيقاد الزعماء لكل ما يمكن أن يضعف الناس المجتمعين بتفريق ما بينهم، ~~ولكل ما يمكن أن يمنح المجتمع مسحة من الوفاق الظاهر ويبذر فيه جراثيم الشقاق الحقيقي، ولكل ~~ما يمكن أن يوحي إلى مختلف المنظمات بتحد وحقد متبادلين عن معارضة بعض حقوقها ومصالحها ~~ببعض، وعن تقوية السلطات الجامعة لها جميعا من حيث النتيجة. # ومن بين هذه الارتباكات والثورات رفع الاستبداد رأسه الفظيع بالتدريج، وافترس كل ما وجده ~~صالحا صحيحا في جميع أقسام الدولة، فانتهى أخيرا إلى دوس القوانين والشعب، وإلى القيام ~~على أنقاض الجمهورية، وكانت الأزمنة التي سبقت هذا التحول الأخير أزمنة اضطرابات وكوارث، ~~غير أن الجميع قد ابتلع من قبل الغول في نهاية الأمر، وعاد لا يكون للشعوب زعماء ولا ~~قوانين، بل طغاة فقط، وصار لا يبحث منذ هذه الدقيقة في الطبائع والفضيلة؛ وذلك لأن ~~الاستبداد في كل مكان يسوده لا يحتمل أي سيد آخر، ms77 وإذا ما تكلم الاستبداد لم يبق صلاح ولا ~~واجب ليستشار، ولم يبق للعبيد فضيلة غير الطاعة العمياء. # وهنا آخر حد للتفاوت وأقصى نقطة تغلق الدائرة وتمس النقطة التي ذهبنا منها، وهنا يعود ~~الأفراد إلى مساواتهم الأولى؛ وذلك لأنهم ليسوا شيئا يذكر، ولأن الرعايا إذ عاد لا يكون ~~لديهم من القوانين غير مشيئة السيد، وعاد لا يكون للسيد من القواعد غير أهوائه، فإن مبادئ ~~الخير والعدل تزول مرة أخرى، وهنا يرد كل شيء إلى قانون الأقوى فقط، ومن ثم إلى حال ~~جديدة للطبيعة مختلفة عن الحال التي بدأنا منها؛ وذلك لأن إحدى الحالين كانت حال الطبيعة ~~في صفائها، ولأن الحال الأخرى هي نتيجة إفراط في الفساد، ثم إنه يوجد بين هاتين الحالين من ~~قلة الاختلاف، ويكون عقد الحكومة من الانحلال بالاستبداد، ما يبقي المستبد معه سيدا ما ظل ~~الأقوى، فإذا ما أمكن طرده لم يكن عنده ما يشكو منه ضد العنف، وتعد الفتنة الشعبية التي ~~تنتهي بخنق أحد السلاطين أو خلعه عقلا قانونيا، كالأعمال التي كان يتصرف بها قبل يوم في ~~حياة رعاياه وأموالهم، والقوة الوحيدة التي كانت تؤيده هي التي تسقطه وحدها، وهكذا فإن جميع ~~الأمور تسير على حسب النظام الطبيعي، ومهما يكن من أمر هذه الثورات القصيرة والكثيرة ~~الوقوع، فإنه لا يستطيع أحد أن يتوجع من جور الآخر، بل من سوء حظه أو عدم تبصره. # وهكذا إذا ما اكتشف القارئ النبيه، وتتبع الطرق المنسية والضائعة التي لا بد من أن تكون ~~قد أتت بالإنسان من الحال الطبيعية إلى الحال المدنية، وإذا ما أعاد القارئ النبيه، بمواقع ~~متوسطة بينتها، تلك التي حملني الوقت على حذفها أو التي لم يوح الخيال بها إلي قط، ~~لم يمكنه إلا أن يحار من المسافة الواسعة التي تفصل بين هاتين الحالين، ففي تعاقب الأمور ~~البطيء هذا يبصر حل ما لا يحصى من المسائل الخلقية والسياسية التي لم يستطع الفلاسفة أن ~~يحلوها، وهو إذ يشعر بأن النوع البشري في جيل ليس النوع البشري في جيل آخر، ms78 يعلم السبب ~~في كون ذيوجانس لم يجد إنسانا قط؛ وذلك لبحثه بين معاصريه عن إنسان زمن غير موجود، وهو ~~يقول: إن كاتون مات مع روما والحرية لعدم ملاءمته عصرا عاش فيه، وإن أعظم الناس هذا لم ~~يصلح إلا لإلقاء الحيرة في عالم كان يملكه - يقينا - لو ظهر قبل خمسمائة سنة. # والخلاصة: أنه يوضح كيف أن الروح والأهواء البشرية تفسدان على وجه غير محسوس، ومن ثم ~~تغيران طبيعتهما، ولماذا تغير احتياجاتنا وملاذنا غرضها مع الزمن، ولماذا يزول الإنسان ~~الأصلي بالتدريج فيعود المجتمع لا يبدي لعيني الحكيم غير جمع من الآدميين المفتعلين، وأهواء ~~مصنوعة نتيجة لجميع هذه الصلات الجديدة، ومن غير أن يكون لها أساس حقيقي في الطبيعة، ~~وما يعلمنا التأمل إياه فوق ذلك تؤيده الملاحظة تماما، وذلك أن الإنسان الوحشي والإنسان ~~المتمدن يبلغان من الاختلاف قلبا وميولا ما يكون باعث السعادة العليا لأحدهم معه عامل ~~قنوط الآخر، فالأول لا يستنشق غير الراحة والحرية، وهو لا يريد إلا أن يعيش ويبقى خاليا ~~من العمل، حتى إن سكون الرواقي لا يقاس بعدم مبالاته العميقة تجاه أي موضوع آخر، وعلى ~~العكس تجد الإنسان المتمدن نشيطا دائما فيعرق ويهتز ويضطرب بلا انقطاع بحثا عن أشاغيل ~~أشد عسرا، وهو يعمل حتى الموت، وهو يسعى إلى الموت ليعيش أو يعدل عن الحياة نيلا للخلود، ~~وهو يتودد إلى العظماء الذين يمقتهم وإلى الأغنياء الذين يحتقرهم، وهو لا يدخر وسعا لينال ~~شرف خدمتهم، وهو يباهي منتفخا بنذالته وحمايتهم، وهو يفاخر بعبوديته، وهو يحدث مع ~~الاستخفاف عن الذين لم يتفق لهم شرف مقاسمته إياها، ويا لمنظر أعمال الوزير الأوروبي الشاقة ~~المبتغاة في نظر الكرايبي! وما أكثر المنايا القاسية التي لا يفضلها هذا الوحشي البليد ~~على هول مثل تلك الحياة التي لم تلطف حتى بلذة فعل الخير! ولكنه يجب لرؤية الغاية من هذه ~~الجهود الكثيرة أن يكون لكلمتي «السلطة والجمهورية» معنى في ذهنه، وأن يعلم وجود نوع من ~~الناس الذين يرون قيمة لآراء بقية العالم، والذين يعرفون أن يكونوا سعداء راضين ms79 عن أنفسهم ~~بشهادة الآخرين أكثر مما بشهادتهم، والواقع أن هذا هو السبب الحقيقي لجميع هذه الفروق، ~~فالهمجي يعيش في نفسه، والإنسان المتمدن يعيش خارج نفسه دائما، فلا يعرف إلا أن يعيش في ~~نفوس الآخرين، وهو لهذا السبب يقتبس شعور حياته الخاصة من حكمهم وحده، وليس من موضوعي أن ~~أثبت كيف أنه ينشأ عن مثل هذا التصرف كثير من عدم المبالاة نحو الخير والشر، مع وجود كثير ~~من الرسائل الرائعة في الأخلاق، وكيف أن كل شيء - إذ يرد إلى المظاهر - يصبح مفتعلا ~~مخادعا، حتى في الشرف والصداقة والفضيلة، حتى في المعايب غالبا، فنجد في ذلك سر الافتخار ~~في آخر الأمر. # والخلاصة: كيف أننا إذ نسأل الآخرين عن أنفسنا دائما، ومن غير أن نجرؤ على سؤال أنفسنا، ~~وذلك بين كثير من الفلسفة والإنسانية والأدب والمبادئ العليا، ولا نجد لدينا غير مظهر خادع ~~طائش لشرف بلا فضيلة، وعقل بلا حكمة، ولذة بلا سعادة، ويكفي أنني أثبت أن هذا ليس حال ~~الإنسان الأصلية مطلقا، وأن روح المجتمع والتفاوت الذي ينشأ عن المجتمع هي التي تغير ~~جميع الميول الطبيعية وتفسدها على هذا الوجه. # وقد حاولت أن أعرض أصل التفاوت وتقدمه، وقيام المجتمعات السياسية وسوء استعمالها، وذلك ~~بالمقدار الذي يمكن هذه الأمور أن تستنبط من طبيعة الإنسان على نور العقل فقط مستقلة عن ~~العقائد المقدسة التي تمنح السلطة ذات السيادة تأييد الحقوق الإلهية، ويعلم من هذا البيان ~~أن التفاوت، إذ كان غير موجود في حال الطبيعة تقريبا، ينال قوته ونموه من تقدم ملكاتنا ~~وترقي الروح البشرية، ثم يصبح ثابتا شرعيا بقيام ملك القوانين، ويعلم من هذا البيان ~~أيضا أن التفاوت الأدبي الذي أجازته الحقوق الوضعية فقط مخالف للحقوق الطبيعية في كل مرة ~~لا يتناسب هو والتفاوت البدني، ويعين هذا التمييز بما فيه الكفاية ما يجب أن يفكر فيه من ~~هذه الناحية حول نوع التفاوت الذي يسود جميع الشعوب المتمدنة ما دام يباين قانون الطبيعة، ~~مهما كان الوجه الذي يعرف به، أن يقود ولد شائبا، وأن يسوق ms80 غبي رجلا حكيما، وأن تطفح ~~شرذمة من الأتباع بالزوائد على حين يحتاج الجمهور الجائع إلى الضروري. # | تعليقات # تنبيه حول التعليقات # أضفت بعض تعليقات إلى هذا الكتاب وفق عادتي المتوانية في العمل متواترا، وتبتعد ~~هذه التعليقات عن الموضوع أحيانا بما فيه الكفاية، فلا يصلح أن تقرأ ضمن المتن؛ ولذا ~~فقد دحرتها إلى آخر الرسالة التي حاولت أن أتبع فيها أقوم سبيل جهد الطاقة، ويمكن من ~~هم على شيء من الإقدام في العود ثانية أن يتلهوا مرة أخرى بالقيام ببعض المباحث ومحاولة ~~تصفح التعليقات، ولا كبير ضرر في عدم مطالعة الآخرين إياها مطلقا. # إلى جمهورية جنيف # المقدمة # القسم الأول # القسم الثاني ms81