######OpenITI# #META# URI: 1377CadilZucaytar.YahudFiTarikh.Hindawi63718039 #META# Tags: history #META# ID: 63718039 #META# Title: اليهود في تاريخ الحضارات الأولى #META# AuthorID: 41830681 #META# Author: غوستاف لوبون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 61683526 #META# Translator: عادل زعيتر #META# Related_books: 1349GustaveLeBon.Juifs (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # 1 - البيئة والعرق والتاريخ‏ # 2 - نظم العبريين وطبائعهم وعاداتهم‏ # 3 - دين بني إسرائيل‏ # 4 - الآداب العبرية‏ # مقدمة المترجم‏ # 1 - البيئة والعرق والتاريخ‏ # 2 - نظم العبريين وطبائعهم وعاداتهم‏ # 3 - دين بني إسرائيل‏ # 4 - الآداب العبرية‏ # | اليهود في تاريخ الحضارات الأولى # | اليهود في تاريخ الحضارات الأولى # تأليف # غوستاف لوبون # ترجمة # عادل زعيتر # | مقدمة المترجم # كان الفيلسوف العلامة غوستاف لوبون قد وضع كتابه الجليل «حضارة العرب» في سنة 1884، ~~ووضع كتابه الجليل الآخر «حضارات الهند» في سنة 1887، ونقلنا هذين السفرين فأصبحت ~~ترجمتهما لدى القراء. # ومما حدث في سنة 1889 أن أخرج العلامة لوبون كتابا ضخما ثالثا سماه «الحضارات ~~الأولى»، ولم يكن هذا السفر في درجة سابقيه أهمية، وكنا ننقله إلى العربية، مع ذلك، ~~لو لم يكن معظمه خاصا بقدماء المصريين والكلدانيين والآشوريين؛ فقد قلبت أعمال الحفر ~~في مصر والعراق معارفنا في حضارات تلك الأمم رأسا على عقب، فأصبح ما في كتاب «الحضارات ~~الأولى» من المعارف عنها محتاجا إلى إعادة نظر وتجديد تأليف؛ كي يتساوى هو وما انتهى إلينا ~~من حضارات تلك الأمم بعد وضعه. # بيد أن كتاب «الحضارات الأولى» ذلك يشتمل على جزء صغير بالغ الخطورة خاص باليهود، ~~ففي هذا الجزء تحرر العلامة لوبون من نير التقاليد الموروثة في الغرب، كما تحرر في ~~غيره من كتبه، فانتهى إلى نتائج مهمة إلى الغاية. # انتهى إلى أنه «لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة ولا أي شيء تقوم به حضارة، ~~واليهود لم يأتوا قط بأية مساعدة مهما صغرت في شيد المعارف البشرية، واليهود لم يجاوزوا ~~قط مرحلة الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ.» # انتهى إلى أن «قدماء اليهود لم يجاوزوا أطوار الحضارة السفلى التي لا تكاد تميز من طور ~~الوحشية، وعندما خرج هؤلاء البدويون الذين لا أثر للثقافة فيهم من باديتهم ليستقروا ~~بفلسطين، وجدوا أنفسهم أمام أمم قوية متمدنة منذ زمن طويل، فكان أمرهم كأمر جميع العروق ~~الدنيا التي تكون في أحوال مماثلة، فلم يقتبسوا من تلك الأمم العليا سوى أخس ما ms01 في حضارتها، ~~أي لم يقتبسوا غير عيوبها وعاداتها الضارية ودعارتها وخرافاتها.» # انتهى إلى أن «تاريخ اليهود الكئيب لم يكن غير قصة لضروب المنكرات، فمن حديث الأسارى ~~الذين كانوا يوشرون بالمنشار أحياء، أو الذين كانوا يشوون في الأفران، فإلى حديث ~~الملكات اللائي كن يطرحن لتأكلهن الكلاب، فإلى حديث سكان المدن الذين كانوا يذبحون ~~من غير تفريق بين الرجال والنساء والشيب والولدان.» # وانتهى إلى أن «تأثير اليهود في تاريخ الحضارة صفر، وأن اليهود لم يستحقوا بأي وجه أن ~~يعدوا من الأمم المتمدنة.» # انتهى إلى أن «اليهود قد ظلوا حتى في عهد ملوكهم بدويين أفاقين مفاجئين مغيرين ~~سفاكين مولعين بقطاعهم مندفعين في الخصام الوحشي، فإذا ما بلغ الجهد منهم ركنوا إلى ~~خيال رخيص، تائهة أبصارهم في الفضاء، كسالى خالين من الفكر كأنعامهم التي ~~يحرسونها.» # انتهى إلى أن «فلسطين أو أرض الميعاد، لم تكن غير بيئة مختلقة لليهود، فالبادية كانت ~~وطنهم الحقيقي.» # انتهى إلى أنك «لا تجد شعبا عطل من الذوق الفني كما عطل اليهود، فهيكلهم المشهور ~~«هيكل سليمان» أقيم على الطراز الآشوري من قبل بنائين من الأجانب، ولم تكن قصور هذا ~~الملك غير نسخ دنيئة عن القصور المصرية أو الآشورية.» # انتهى إلى أنه «لا أثر للرحمة في وحشية اليهود، فكان الذبح المنظم يعقب كل فتح مهما قل، ~~وكان الأهالي الأصليون يوقفون فيحكم عليهم بالقتل دفعة واحدة فيبادون باسم «يهوه» ~~من غير نظر إلى الجنس ولا إلى السن، وكان التحريق والسلب يلازمان سفك الدماء.» # ويلخص العلامة لوبون مزاج اليهود النفسي، فيقول: «إنه ظل قريبا جدا من حال أشد ~~الوحوش ابتدائية على الدوام؛ فقد كان اليهود عندا مندفعين غفلا سذجا جفاة كالوحوش ~~والأطفال، وكانوا عاطلين مع ذلك من الفتون الذي يتجلى فيه سحر صبا الناس والشعوب، ~~واليهود الهمج إذا وجدوا من فورهم مغمورين في سواء الحضارة الآسيوية المسنة الناعمة ~~المفسدة، أضحوا ذوي معايب مع بقائهم جاهلين، واليهود أضاعوا خلال البادية من غير أن ينالوا ~~شيئا من النمو الذهني الذي هو تراث القرون.» # ويعرب حزقيال عن ms02 ذلك الرأي في سفره حين يذكر ظهور الشعب اليهودي الحقير وأوائله ~~الهزيلة، وما عقب استقراره بفلسطين من الحميا، فيقول مخاطبا تلك الأمة العاقة ~~قائلا باسم يهوه: # وفي جميع أرجاسك وفواحشك لم تذكري أيام صباك، وإذ كنت لم تشبعي، زنيت مع ~~بني آشور ولم تشبعي، فلذلك أقضي عليك بما يقضى على الفاسقات وسافكات الدماء، ~~وأجعلك قتيل حنق وغيرة. # واليهود مع عطلهم من الفن والصناعة عطلا تاما، يجد لهم لوبون آدابا غنية، ولوبون ~~يقول مع ذلك: «وليست تلك الظاهرة خاصة ببني إسرائيل فقط؛ فهي تشاهد لدى جميع الأمم ~~السامية، ولا سيما العرب الذين كانوا قبل الإسلام ذوي شعر بعيد الصيت حقا، على أن ~~الشعر، مع الموسيقى، فن جميع الأمم الفطرية، والشعر مع بعده من التقدم موازيا لتقدم ~~الحضارة، تجده يضيق أهمية وتأثيرا كلما ارتقت الأمم؛ فقد اقتضت الحضارة قرونا طويلة ~~لاختراع الآلة البخارية واكتشاف سنن الجاذبية، مع إمكان ظهور قصائد كالأوذيسة والإلياذة، ~~وأغاني أوسيان في أدوار الجاهلية.» # وعند لوبون أن الشريعة اليهودية بأسرها ليست إلا وجها بسيطا للنظام الكلداني، وأن ~~معتقدات اليهود هي من أساطير البابليين المعقدة التي لم ينتحلها عالم الغرب المتمدن إلا ~~بعد أن تحولت بمرورها من خلال روح الساميين البسيطة، وقد تطورت هذه المعتقدات في الغرب ~~تطورا ابتعدت به عن أصولها، فأخذت شكلا لا يكاد يمت إلى السامية بصلة، وفي ذلك يقول ~~لوبون: «فما كان لمبادئ كهذه أن يتمثلها ذلك الشعب اليهودي الصغير المتعصب الأناني الصلف ~~المغرور المفترس.» وبسبب ذلك يقول لوبون: «ولما يحل الوقت الذي ترسم فيه يد الإنصاف تكوين ~~تلك المعتقدات الكبرى، ولا يكاد فجر ذلك الزمن يلوح، ولا يزال المؤمنون والملحدون يقيمون ~~بدوائر من التصديق أو الجحود على غير برهان، ولا يزال الرجل المعاصر يئن تحت عبء الوراثة ~~الثقيل، ولا تزال متماسكة المؤثرات الإرثية التي حصرت نفوس الغرب في قوالب منذ نحو ألفي ~~سنة، وإن أخذت هذه المؤثرات تنحل؛ فقد ترك الماضي في نفوسنا آثارا يجب أن تمر عليها ~~أمواج الزمان غير مرة حتى تمحوها.» ~~«نعم ms03 إن الشعب اليهودي لم يكن غير ذي نصيب ضئيل جدا في شيد ذلك البناء القديم، غير أن ~~القرون بلغت من تجسيم شأنه الظاهر ما لا تبصر معه سوى أناس قليلين، حتى بين أشد الناس ~~ارتيابا، تحرروا من سلطان الماضي فاستطاعوا أن يضعوا بني إسرائيل في مكانهم ~~الصحيح.» ~~«ومع إمكان جهل الرجل المثقف العصري لتاريخ الحضارات العظيمة التي أينعت فوق أرض الهند ~~جهلا تاما، تجده لا يجرؤ على الاعتراف بأنه يجهل أعمال شمشون أو مغامرات يونان الذي ~~التقمه الحوت.» # ويبحث لوبون في وقائع اليهود فيجدها هزيلة لحمتها المشاغبات، وسداها ضروب التوحش ~~والمنكرات، وفي ذلك يقول: «وحوادث تافهة كتلك لا يعنى بها التاريخ، وإذا ما عني بها ~~التاريخ فلأسباب مستقلة عن أهميتها؛ ومن ذلك أن حصار عصابة من البرابرة لمدينة تروادة ~~الصغيرة واستيلاءهم عليها قبل الميلاد باثني عشر قرنا، مما غدا حادثا ذا بال في تاريخ ~~العالم؛ لأن أوميروس تغنى به، لا من أجل نتائجه. # وما أتى به مؤرخو اليهود من تدوين لتلك الحوادث عقب وقوعها مع تجسيم عظيم هو دون ما ~~صنعته الكنيسة النصرانية بعد ذلك. # ومن يقرأ سفر صموئيل وسفر القضاة بشيء من روح النقد، يبصر دور العنت الذي جاوزه ~~بنو إسرائيل في استقرارهم بفلسطين، غير أن هذه الأقاصيص نفسها إذا ما نظر إليها من خلال ~~أبخرة الحماسة الدينية ألقت في النفوس وهما قائلا: إن ذلك الفتح ساطع معجز. # وظلت أوروبا النصرانية زمنا طويلا تقرأ كتب مؤرخي اليهود بالروح التي أرادها هؤلاء ~~المؤرخون، وما وده أولئك المؤرخون من تمويه على معاصريهم ارتضاه أمثال أوغوستن وبسكال ~~وبوسويه وشاتو بريان، أكثر من ارتضاء ذلك الشعب الجاهل المتعصب الذي حاولوا ~~إقناعه.» # ويستولي الرومان على فلسطين، «وتحير لهجة الشعب اليهودي الفارغة دولة روما العظمى ~~نفسها، وتقتصر على احتقاره مع أنها كانت تعلم قدرتها على سحق وكر المتعصبين المشاغبين ~~ذلك عند الضرورة، ولم تعتم فوضى ذلك الشعب الصغير المزعج وفساده وضوضاؤه أن استنفدت صبر ~~تلك الدولة العظمى، فعزمت على إبادته لكيلا تسمع حديثا عنه، ففي ms04 سنة 70 من الميلاد استولى ~~تيطس على أورشليم وجعلها طعمة للنيران، وبدئ بتشتيت شمل اليهود.» # وفي هذا الكتاب يذهب لوبون إلى أن بني إسرائيل كانوا من الساميين، أي من العرق الذي كان ~~ينتسب إليه الآشوريون والعرب، ولكن بني إسرائيل قد اكتسبوا بانفصالهم من ذلك العرق تلك ~~المساوئ التي وجدها لوبون فيهم، فظل العرب بريئين من مثلها، ومع ذلك يرى لوبون في كتابه ~~«حضارة العرب» أن تلك القرابة تقوم على تجانس اللغات وبعض الصفات الجثمانية، وأن من الممكن ~~أن يجادل في ذلك؛ فقد قال في ذلك السفر الجليل: «ومهما تكن وحدة تلك الصفات التي نجادل ~~في قيمتها، ومهما تكن أهمية تلك القرابة السامية التي لا نجزم بها، نراها ترجع - على فرض ~~وجودها - إلى ما قبل التاريخ، وقد كانت تلك الأمم السامية على اختلاف وتباين منذ أقدم عصور ~~التاريخ كما دلت عليه الروايات.» فيكون ذهاب لوبون إلى أن بني إسرائيل والعرب من أرومة ~~واحدة في كتاب «الحضارات الأولى» من قبيل التجوز إذن. # وفي كتاب «حضارة العرب» يقول لوبون: «ولا جرم أن الشبه قليل بين العربي أيام حضارته، ~~واليهودي الذي عرف منذ قرون بالنفاق والجبن والبخل والطمع، وأن من الإهانة للعربي أن ~~يقاس باليهودي، وأن العربي - مع إقراره لليهودي بالقرابة - أول من يحمر وجهه خجلا ~~منها.» # وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي «وتاريخ اليهود الكئيب لم يكن غير قصة ~~لضروب المنكرات، وأنه لا أثر للرحمة في وحشية اليهود»، مع أن «الأمم لم تعرف فاتحين راحمين ~~متسامحين مثل العرب، ولا دينا سمحا مثل دينهم» كما قال لوبون. # وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي ومبدأ اليهود كما في سفر يشوع: ~~«أهلكوا جميع ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد ~~السيف، وأحرقوا المدينة وجميع ما فيها بالنار.» ومبدأ العرب كما جاء في وصية أبي بكر ~~الصديق: «لا تخونوا ولا تغلوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا ~~كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ms05 ولا تحرقوه، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا ~~إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم ~~له.» # وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي «وقدماء اليهود لم يجاوزوا أطوار ~~الحضارة السفلي التي لا تكاد تميز من طور الوحشية، وتأثير اليهود في الحضارة صفر، وإن ~~اليهود لم يستحقوا بأي وجه أن يعدوا من الأمم المتمدنة.» مع أن «العرب مدنوا أوروبا ~~ثقافة وأخلاقا» كما قال لوبون، ولوبون قد تمنى أن يكون العرب قد استولوا على العالم، ~~ومنه أوروبا؛ لما كان فيهم من نبيل الطبائع وكريم السجايا، ولوبون هو القائل: «إنه كان ~~يصيب أوروبا النصرانية باستيلاء العرب عليها، مثل ما أصاب إسبانيا من التقدم والارتقاء ~~والحضارة الزاهرة الرفيعة تحت راية النبي العربي، وكان لا يحدث في أوروبا، التي تكون قد ~~هذبت، ما حدث فيها من الكبائر كالحروب الدينية وملحمة سان بارتلمي ومظالم محاكم ~~التفتيش، وكل ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع التي ضرجت أوروبا بالدماء عدة ~~قرون.» # وكيف لا يكون من الإهانة للعربي أن يقاس باليهودي «وأنت لا تجد شعبا عطل من الذوق ~~الفني كما عطل اليهود»، مع أن «الأمة العربية قد رغبت في تحقيق خيالاتها فأبدعت تلك ~~القصور الساحرة التي يخيل إلى الناظر أنها مؤلفة من تخاريم رخامية مرصعة بالذهب ~~والحجارة الكريمة، ولم يكن لأمة مثل تلك العجائب ولن يكون، فلا يطمعن أحد في قيام ~~مثلها في الدور الحاضر المادي الفاتر الذي دخل البشر فيه» كما يقول لوبون. # تلك هي حال الشعب اليهودي الذي كان له بعض السلطان في فلسطين حينا من الزمن، فأجلاه ~~الرومان عنها فتفرق في الأرض، فلم يقتبس من الأمم التي عاش شتيتا بينها غير أخس ~~عيوبها، شأن أجداده، كما يثبت ذلك سلوكه الوحشي الأخير في فلسطين، ولا نبحث هنا العوامل ~~التي حفزت إنكلترا إلى شد أزره وتوطيد دعائمه في بلد عربي لم يكن ملكا لليهود، ولا في ~~المظالم التي اقترفها الإنكليز وغيرهم من الأوروبيين والأمريكيين مدة ثلاثين سنة، ولا ms06 ~~يزالون يقترفونها؛ إمعانا في اضطهاد العرب وتثبيتا لأقدام اليهود في سورية الجنوبية ~~«فلسطين»، ممثلين في أهلها العرب مأساة أندلسية أخرى؛ لأن ذلك يخرجني من نطاق الكتاب، ~~ولعل القراء يجدون في هذا الكتاب ما يدحض به زعم اليهود الزائف القائل إن فلسطين ~~حق تاريخي لهم، والمشتمل على أعظم دجل بشري وأفظع تضليل سياسي. # وهنا نذكر أن في الكتاب أمورا لا تلائم بعض المعتقدات ولا نوافق لوبون عليها، ولكن هذه ~~الأمور ليست من صميم الموضوع، وهي على العموم من قبيل الاستطراد البعيد من هدف الكتاب ~~الأصلي القائم بوجه خاص على بيان عطل اليهود من نصيب في تاريخ الحضارة، وعلى ما في ~~اليهود من المساوئ العرقية التي قلما يوصم بمثلها قوم، وعلى أن اليهود شعب غير صالح ~~طرأ على فلسطين التي لم تكن له بلدا أساسيا قط. # عادل زعيتر # نابلس # الفصل الأول # | البيئة والعرق والتاريخ # (1) نصيب اليهود في تاريخ الحضارة # لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة ولا أي شيء تقوم به حضارة، واليهود لم ~~يأتوا قط بأية مساعدة مهما صغرت في شيد المعارف البشرية، واليهود لم يجاوزوا قط ~~مرحلة الأمم المتوحشة التي ليس لها تاريخ، وإذا ما صارت لليهود مدن في نهاية الأمر، ~~فلما أدت إليه أحوال العيش بين جيران بلغوا درجة رفيعة من التطور، بيد أن ~~اليهود كانوا غاية في العجز عن أن يقيموا بأنفسهم مدنهم ومعابدهم وقصورهم، فاضطروا في ~~إبان سلطانهم، أي في عهد سليمان، إلى الاستعانة بالخارج، فجلبوا منه لذلك الغرض ~~بنائين وعمالا ومتفننين لم يكن بين بني إسرائيل قرن لهم. # وعلى ما كان من هزال تلك القبيلة السامية الصغيرة الكئيبة في نشوئها العقلي، ~~مثلت بالديانات التي صدرت عن معتقداتها دورا بلغ من الأهمية في تاريخ العالم ما ~~يتعذر معه عدم الاكتراث لها في تاريخ للحضارات، ويتألف جزء أساسي في التربية من ~~دراسة فتنها الأهلية وترهات أنبيائها وسلاسل أنساب ملوكها الغامضة، ومع إمكان جهل ~~الرجل المثقف العصري لتاريخ الحضارات العظيمة التي أينعت فوق أرض الهند جهلا تاما، ~~تجده ms07 لا يجرؤ على الاعتراف بأنه يجهل أعمال شمشون أو مغامرات يونان (يونس) الذي ~~التقمه الحوت. # وسيبدو، لا ريب، ذلك الشأن الكبير الذي مثله الفكر اليهودي في تاريخ أوروبا ~~المتمدنة منذ نحو عشرين قرنا من المسائل الجالبة للنظر لدى كتاب المستقبل، فإذا ما ~~انقضت بضعة آلاف من السنين ولحقت حضارتنا بالحضارات السابقة في لجة الماضي، وغدت ~~فنوننا وآدابنا ومعتقداتنا من الذكريات، وصار يبحث في أمورنا كما نبحث اليوم في أمور ~~المصريين والآشوريين، أي بما لا تدرك بغيره حوادث التاريخ من الهدوء الفلسفي ~~وتفسر، عد المؤرخ، لا شك، من الحوادث التي تستوقف النظر: خضوع أمدن الأمم في ~~قرون طويلة لديانة مشتقة من معتقدات قبيلة بدو مبهمة، وتذابح شعوب قوية في جميع ~~ميادين الغرب والشرق من أجل هذه المعتقدات، وقيام دول عظيمة وهدم دول عظيمة أخرى في ~~سبيل المعتقدات المذكورة، وهذا إلى قلة عدد حوادث التاريخ الغربية التي تعرض على ~~تأملات مفكري المستقبل كذلك الحادث. # ومن السهل أن نبصر أن مفكري المستقبل أولئك سيكونون على شيء من الارتياب، فبما ~~أنهم يكونون طليقين من الأحكام المقررة المهيمنة علينا، وبما أنهم يكونون أكثر ~~اطلاعا منا على الروابط التي تربط الماضي بالحاضر، وعلى السنن العامة لتطور الأمور، ~~فإنهم يحكمون في ما يساورنا بعيون تختلف عن عيوننا لا ريب، فتبدو لهم المسائل التي ~~نراها معقدة في الوقت الحاضر، بسيطة إلى الغاية؛ لما يعلمون من ردها إلى العناصر ~~التي تتألف منها، ومما لا مراء فيه أن الديانات لا تعد إذ ذاك من صنع رجل واحد، بل ~~تعد وليدة ألوف الرجال، بل تعد نسيج أفكار أحد الشعوب واحتياجاته، ومما لا ~~مراء فيه أنه مؤسسي الديانات لا يعدون إذ ذاك غير أناس من ذوي النفوس العالية، ~~تقمص فيهم المثل الأعلى لإحدى الأمم وأحد الأدوار تقمصا غير شعوري، فيرى في ~~النصرانية والإسلام ما يرتبطان به، من خلال الدين اليهودي في الأجيال البعيدة؛ حيث نشأت ~~الآلهة الآسيوية، ولا يجهل آنئذ أن الأديان تطورت في غضون القرون على الدوام مع ~~احتفاظها باسم واحد، ms08 وأن من الوهم الخالص أن يعزى في كل وقت إلى موجديها في الظاهر ما ~~اضطرت إليه من التحولات لتلائم جديد الاحتياجات، وأن الدين إذ كان، كالنظم والفنون، ~~عنوان مشاعر إحدى الأمم، فإنه لا ينتقل من شعب إلى آخر من غير أن يتغير، وأن ~~الهندوس والصينيين والترك مثلا، إذا أمكنهم أن يعتنقوا دينا ذا اسم واحد كالإسلام، ~~فإن هذا الدين بانتقاله من شعب إلى آخر يعاني من التحول العميق، مثل ما تعانيه الفنون ~~واللغة والنظم؛ وذلك ليناسب مشاعر الأمم التي انتحلته، وفي ذلك الحين ينظر بتلك ~~العين، لا ريب، إلى الزنديق المعاصر الذي يقتصر علمه على عمله السهل في بيان النواحي ~~الصبيانية من كل دين، وإلى المؤمن المعاصر ذي البصيرة النيرة في الموضوعات العلمية الذي ~~ينحني أمام الخرافات الصبيانية. أجل، إن الإنكار سهل كالتصديق، ولكن الذي يطالب به ~~كاتب المستقبل هو أن يفهم ويفسر على الخصوص، وستغيب إلى الأبد الأزمنة التي يرى ~~المؤرخ فيها اضطراره إلى المحاكمة وإلى الحنق، فهنالك لا يكون التاريخ من صنع ~~الأديب، بل من صنع العالم. # وسيختلف تاريخ اليهود والأديان التي صدرت عنهم عن التاريخ الذي لا يزال مدونا في ~~الكتب اختلافا كبيرا لا ريب، وبيان الأمر أن مؤسس النصرانية، كما صنعته القصة، كان ~~أقل الساميين سامية، فلم يكن من غير سبب أن كفر به وأن صلب، وأن هذا المتهوس ~~الكبير مثل في التاريخ دورا كان يتعذر عليه أن يبصره، فأوجبت أحوال مستقلة عنه ~~حاملة لاسمه ظهور آمال للعالم عندما لاح نجمه، وليس في الإحسان العظيم العام والتشاؤم ~~القاتم اللذين قام عليهما مذهبه في البداءة، كما قام عليهما مذهب بدهة «بوذا» ~~قبله بخمسمائة سنة، شيء من السامية، فما كان لمبادئ كهذه أن يتمثلها ذلك الشعب اليهودي ~~الصغير المتعصب الأناني الصلف المغرور المفترس، وإنما نبتت هذه المبادئ على مبدأ ~~التوحيد المحلي الذي مالت إليه، على الدوام، روح الساميين - من أنصاف البرابرة كاليهود والعرب # 1 ~~- الفطرية الخاثرة. # ولما يحل الوقت الذي ترسم فيه يد الإنصاف تكوين تلك المعتقدات الكبرى، ms09 ولا يكاد فجر ~~ذلك الزمن يلوح، ولا يزال المؤمنون والملحدون يقيمون بدوائر من التصديق أو الجحود على ~~غير برهان، ولا يزال الرجل المعاصر يئن تحت عبء الوراثة الثقيل، ولا تزال متماسكة ~~المؤثرات الإرثية التي حصرت نفوس الغرب في قوالب منذ ألفي سنة، وإن أخذت هذه ~~المؤثرات تنحل؛ فقد ترك الماضي في نفوسنا آثارا يجب أن تمر عليها أمواج الزمان غير ~~مرة حتى تمحوها. # وعلى ما تراه من نشوء المذهب العقلي الحديث الذي لا يكاد يتفتح فوق أرض أوروبا، لم ~~تزل أوروبا نصرانية إلى درجة لا يدركها الباحثون الواقفون عند حد الظواهر، وما يصدر عن ~~حرية الفكر من مفاجآت يثبت وحده، بما يوجبه من مقاومة، عمق الأسس النصرانية التي ~~لم تنفك مجتمعاتنا تقوم عليها. # نعم، إن الشعب اليهودي لم يكن غير ذي نصيب ضئيل جدا في شيد ذلك البناء القديم، ~~غير أن القرون بلغت من تجسيم شأنه الظاهر ما لا تبصر معه سوى أناس قليلين، حتى بين أشد ~~الناس ارتيابا، تحرروا من سلطان الماضي فاستطاعوا أن يضعوا بني إسرائيل في مكانهم ~~الصحيح. # وقد يشك في شدة وطأة الماضي علينا ما يرى أقل مفكرينا سذاجة، كمسيو رينان، ~~يكتبون مثل الأسطر الآتية في أمر اليهود، قال رينان: «لا يجد صاحب الروح الفلسفية، أي ~~الذي يبالي بالأصول، غير ثلاثة تواريخ ذات نفع من الطراز الأول في ماضي البشرية، وهي: ~~تاريخ اليونان، وتاريخ بني إسرائيل، وتاريخ الرومان، فمن هذه التواريخ الثلاثة يتألف ~~ما يمكن تسميته بتاريخ الحضارة، ما دامت الحضارة نتيجة تعاون متعاقب بين بلاد ~~اليونان واليهودية وروما.» # ولما تحن الساعة التي تعد فيها تلك الأسطر دليلا على التأثير القاطع لماضي ~~الإنسان وتربيته في حالته الروحية. أجل، يتخلص المؤلف المشار إليه من ذلك التأثير ~~في بعض الأحيان لا ريب، ولكن لا لطويل زمن، وهو يتخلص من ذلك عندما يبين أن النظام ~~اليهودي بأسره ليس إلا وجها بسيطا للنظام الكلداني، وأن أساطير البابليين المعقدة ~~لم ينتحلها عالم الغرب المتمدن إلا بعد أن تحولت بمرورها من خلال ms10 روح الساميين ~~البسيطة، وهو لا يتخلص من ذلك عندما يعزو إلى اليهود شأنا عظيما ويطوي كشحا عن أمم ~~المصريين والكلدانيين كانت ذات أثر عظيم في تاريخ تقدم الحضارة، على حين ترى أثر ~~اليهود فيه تافها إلى الغاية. # لم يجاوز قدماء اليهود أطوار الحضارة السفلى التي لا تكاد تميز من طور الوحشية، ~~وعندما خرج هؤلاء البدويون، الذين لا أثر للثقافة فيهم، من باديتهم ليستقروا بفلسطين، ~~وجدوا أنفسهم أمام أمم قوية متمدنة منذ زمن طويل، فكان أمرهم كأمر جميع العروق الدنيا ~~التي تكون في أحوال مماثلة، فلم يقتبسوا من تلك الأمم العليا سوى أخس ما في حضارتها، ~~أي لم يقتبسوا غير عيوبها وعاداتها الضارية ودعارتها وخرافاتها، فقربوا لجميع آلهة ~~آسيا، قربوا لعشتروت ولبعل ولمولك، من القرابين ما هو أكثر جدا مما قربوه لإله ~~قبيلتهم يهوه العبوس الحقود الذي لم يثقوا به إلا قليلا لطويل زمن، على الرغم من ~~كل إنذار جاء به أنبياؤهم، وكانوا يعبدون عجولا معدنية، وكانوا يضعون أبناءهم في ~~ذرعان محمرة من نار مولك، وكانوا يحملون نساءهم على البغاء المقدس في ~~المشارف. # وأثبت اليهود عجزهم التام عن الإتيان بأدنى تقدم في الحضارة التي اقتبسوا أحط ~~عناصرها، واليهود بعد أن جمعوا ثروات وفق غرائزهم التجارية القوية، لم يجدوا بينهم ~~بنائين ومتفننين قادرين على شيد مبان وقصور، فاضطروا إلى الاستعانة على ذلك ~~بجيرانهم الفنيقيين على الخصوص كما تدل عليه التوراة، واليهود قد اقتصرت معارفهم على ~~تربية السوائم وعلى فلح الأرض، وعلى التجارة بوجه خاص. # وما كان فلاح اليهود ليدوم غير هنيهة مع ذلك؛ فقد أسفرت غرائزهم في النهب والسلب، ~~وقد أسفر تعصبهم، عن عدم احتمال جميع جيرانهم لهم، فلم يشق على هؤلاء الجيران أن ~~يستعبدوهم، ثم إن اليهود عاشوا عيش الفوضى الهائلة على الدوام تقريبا، ولم يكن ~~تاريخهم الكئيب غير قصة لضروب المنكرات، فمن حديث الأسارى الذين كانوا يوشرون ~~بالمنشار أحياء، أو الذين كانوا يشوون في الأفران، فإلى حديث الملكات اللائي كن ~~يطرحن لتأكلهن الكلاب، فإلى حديث سكان المدن الذين كانوا يذبحون ms11 من غير تفريق ~~بين الرجال والنساء والشيب والولدان، فما كان الآشوريون ليبدوا ضراء أشد من ~~ذلك. # والبؤس الأسود الذي صب من فوره على بني إسرائيل هو الذي حال، لا ريب، دون انحلالهم ~~التام، وأدى إلى محافظتهم على وحدتهم العجيبة، وما أوحي به إليهم دوما من كره ~~عميق لمختلف الأمم التي اتصلوا بها، صانهم من الزوال بانصهارهم فيها، وما حدث من سحق ~~الدول المجاورة إياهم، ومن استعباد الدول الآسيوية العظمى لهم في كل حين، ومن استرسالهم ~~في الفتن الداخلية الدائمة، ووقوعهم في داء الفوضى العضال عند استردادهم ظلا من ~~الحرية، أوجب ظهور أحوال لا تعرف الروح البشرية معها سوى وساوس القنوط لما لا يكون ~~لديها من عوامل الأمل، فهناك كان يظهر أولئك المتهوسون وأولئك المتعصبون الراجفون ذوو ~~النفوذ العميق في نفوس الجموع على الدوام، فما كان لأمة من العرافين والملهمين ~~والمجاذيب مثل ما كان لبني إسرائيل، وبنو إسرائيل لم يظهر فيهم من النوابغ غير ~~الأنبياء والشعراء. # وكان الأنبياء والشعراء يغترفون إلهاماتهم من مصدر واحد، وهؤلاء وأولئك إذ كانوا ~~يعيشون في جو واحد من المحرضات الدماغية الدائمة، بدت سمات هذا الجو في جميع ~~آثارهم. # وإذا عدوت العهد القديم وجدت بني إسرائيل لم يؤلفوا كتابا، والعهد القديم هذا ~~لم يشتمل على شيء يستحق الذكر، سوى ما جاء فيه من بعض الشعر الغنائي، وأما ما احتواه من ~~أمور أخرى، فيتألف من رؤى أناس متهوسين، ومن أخبار باردة وأقاصيص داعرة ~~ضارية. # وإذا عدوت القرآن، على ما يحتمل، لم تجد كتابا نال من الحظوة في العالم كذلك الكتاب، ~~فالحق أن التوراة والقرآن هما الكتابان اللذان كان لهما في الدنيا من القراء ما لم ~~يتفق لكتاب آخر، والحق أن التوراة والقرآن كانا أكثر الكتب تأثيرا في النفوس، وقد ~~استلهمهما أعاظم الفاتحين، وبفعلهما انقض العرب على الشرق، وباسمهما قامت ~~إمبراطوريات عظيمة وهدمت إمبراطوريات عظيمة أخرى. # وما للتوراة من نفوذ عجيب فيعد من أبرز الأمثلة على شأن الأوهام الكبير في تاريخ ~~الأمم، والواقع أنه كان لهذا الكتاب حظ مدهش ms12 لتلاوته من قبل ملايين البشر الذين ~~رأى كل واحد منهم أن ما أراده فيه، لا ما وجد فيه بالحقيقة، ولن يحدث مثل هذا الحادث ~~الناشئ عن الخيال المشوه على ذلك القياس الواسع في تاريخ العالم لا ريب، وما الصفحات ~~التي عرفت أجيال الآدميين المتعاقبة أن تجد فيها أسمى مبادئ الأخلاق، إلا أخبار ما ~~يتألف منه تاريخ اليهود من العهارة والذبح، ومن حيل يعقوب وزناء بنات لوط وسفاح داود ~~والبغاء في المشارف وضروب التقتيل بلا رحمة، وما إلى ذلك من أنباء ذلك الشعب المتوحش ~~التافهة تعلم الشعوب النصرانية منذ ألفي سنة الطبيعة الحقيقية لإلهها القادر على كل ~~شيء، ونحن إذا ما رجعنا إلى ما هو أبعد من ذلك رأينا أن النظام الكلداني الكوني القائل ~~بالخلقة في سبعة أيام، وبآدم وحواء وبالجنة وبالطوفان وسفينة نوح، هو الذي يغذي ~~أذهان أجيال الغرب منذ قرون كثيرة، وكان لا بد من جهد خارق للعادة يأتي به خيال الشعوب ~~الآرية لتعرف هذه الشعوب إلهها الحليم العام، من خلال يهوه الجبار العبوس الذي هو ~~معبود بني إسرائيل الكئيب، هذا الطاغوت الذي ما انفك يطالب بالقرابين والمحرقات ~~واللحم المشوي والدم، وغدت الخرافات الصبيانية أو القبيحة التي وضعها كاتبو التوراة - ~~ليعلموا قوما من الجهال أن إلههم يحكم بينهم رأسا، فيكافئهم ويجازيهم طورا بعد ~~طور على وجه واضح، والتي لم يكن لها غير أثر يسير في كفران اليهود، فرفض أحدهم أيوب ~~مبدأها الأساسي رفض الآمر الناهي - قاعدة للأديان التي ارتضاها الغرب مدة عشرين ~~قرنا، فعدها أناس مثل سان أوغوستان وغليلو ونيوتن وبسكال حقيقة خالصة. # وإني حين ألاحظ مثل تلك الحوادث، أصل مستنتجا إلى أن الأوهام تمثل في تطور ~~الأمم دورا عظيما لا مبالغة في أهميته. # ولا أعالج في هذا الكتاب تاريخ الأديان التي سيطرت على الغرب منذ نحو ألفي سنة، ~~وتكوين هذه الأديان؛ لما يضيق به صدر كتاب كهذا الكتاب، ولا أبحث إذن في سلسلة الأحوال ~~التي استطاع بها الشعب اليهودي، الذي هو أكثر الناس تمردا على مبادئ عرقه البسيطة ms13 ~~الكبرى، أن ينشر هذه المبادئ في العالم، ولا أبين إذن أن النصرانية لم تكن حادثا ~~مفاجئا خلافا لما يعلم، وأنها ترتبط بسلسلة من التطورات التدريجية في الزون ~~الكلداني القديم، وفي أطوار الديانات الآرية الفطرية القديمة، وإنما أقتصر على بياني ~~نصيب اليهود في تاريخ الحضارة. # والآن يمكننا أن نلخص هذا الفصل بأن نقول: إن تأثير اليهود في تاريخ الحضارة ~~صفر، وإنه واسغ من الناحية الخلقية، وإذا كانت البشرية لا تزال سائرة وراء الأوهام ~~على الخصوص، وجب علينا أن نعترف بأنه خرج من صدر اليهود وهم من أشد ما ساد العالم ~~هولا؛ فقد خضع الغرب لسطانه نحو ألفي سنة، وسيظل خاضعا له عدة قرون لا ريب، ولا ~~يزال ممثل المبادئ التي جاء بها نجار في قرية صغيرة من بلاد الجليل أقوى ملوك ~~الأرض، ذلك الممثل الذي تعد مراسيمه خالية من شائبة الخطأ، والذي يذعن لسلطانه ~~ثلاثمائة مليون من الناس. # واليهود لما كان من نفوذهم المذكور غير المباشر في العالم، نخصص لهم صفحات قليلة في ~~تاريخ الحضارات الأولى، وإن لم يستحقوا أن يعدوا من الأمم المتمدنة بأي ~~وجه. ~~(2) البيئة والعرق # كان بنو إسرائيل من الساميين، أي من العرق الذي كان ينتسب إليه الآشوريون ~~والعرب. # ومن المقرر اليوم أن بلاد العرب الوسطى والشمالية كانت مهد الساميين، ولكن بينما ~~ظل معظم الساميين منتشرين في جنوب جزيرة العرب، هاجر فريق منهم إلى الشمال موغلا في ~~بلاد بابل، حيث كان السلطان لحضارة السومريين والأكاديين، فأقاموا بها من الزمان ما ~~أشبعوا فيه من تلك الحضارة، ثم كثر عددهم فهاجروا من جديد في أدوار مختلفة، ~~فتقدموا نحو الشمال أكثر من قبل وتقدموا نحو الغرب. # والساميون الذين بقوا في بلاد العرب هم أجداد الشعب العربي، والساميون الذين مروا من ~~موطن الحضارة في الفرات الأدنى وانتشروا في جميع آسيا السابقة، هم الآشوريون ~~والإسرائيليون. # ولم تثبت إقامة أجداد بني إسرائيل بما بين النهرين من أحاديثهم التي جاء فيها نبأ ~~خروج إبراهيم من مدينة أور في كلدة فقط، بل ثبتت أيضا بالآثار التي ms14 ظلت باقية في ~~معتقداتهم وطبائعهم من ديانة السومريين والأكاديين وعاداتهم. # وفيما كان ساميو الجنوب، أي الأهالي العرب، يحافظون على عبقرية عرقهم النقي من ~~كل تأثير أجنبي، فلا يزالون يبدون لنا مثال أولئك البدويين ذوي المبادئ البسيطة ~~والعبادة القليلة التعقيد والطبائع الفطرية الثابتة التي نتمثلها وفق ما جاء في ~~سفر التكوين من الأوصاف، كان ساميو الشمال يعقدون نظامهم الكوني فيثقلون عبادتهم ~~بالشعائر والجزئيات، فينتحلون طائفة من الآلهة المجهولة في البادية، ويشيدون المدن ~~ويضعون مختلف النظم ويحاولون تأسيس أمم منظمة قوية على غرار الأمم التي بهرتهم ~~فنونها وعلومها فقلبت خيالهم. # والعرب في إبان سلطانهم الكثير الاتساع وفي عهد حضارتهم العظيمة، ظلوا في مبادئهم ~~العامة وعبادتهم أبسط من الآشوريين والفنيقيين واليهود مع ذلك، والإسلام بعد كل شيء هو ~~الدين الوحيد الوثيق التوحيد الذي جاء به الساميون، وهو الدين الوحيد الخالي من أي أثر ~~لوثني، وهو الدين الذي يرفض الأنصاب رفضا تاما. # والله في سموه وجلاله وروحه هو خلاف يهوه الضاري الذي لم يكن بغيرته وغضبه وهزال ~~انتقامه غير أخس صغير لمولك وكاموش. # ومحمد، حين قال بالنظام الكوني اليهودي، لم يقل في الحقيقة بغير نظام قدماء ~~الكلدانيين الكوني، ووجدت مبادئ الساميين المبهمة جسدا في تلك المذاهب المادية المعينة ~~التي لم يكونوا مخترعين لها، والتي لولاها لتعذر عليهم أن يكونوا ذوي هيمنة على روح ~~الآريين الإيجابية التصويرية. # وهكذا يثبت ما يشاهد من الفرق بين ساميي الجنوب وساميي الشمال، أن ساميي ~~الشمال ابتعدوا عن مثال عرقهم الأصلي لاتصالهم الطويل بأمم أرقى منهم كثيرا، وتثبت ~~قصة التوراة، وتثبت بأحسن من ذلك آثار المعتقدات الكلدانية الواضحة، والنظام الكوني ~~المقتبس من بابل، أن تلك الأمم التي أقام ساميو الشمال بينها هي الأمم السومرية ~~والأكادية، أي الآدميون الذين استقروا منذ القديم بسهول الفرات الأدنى. # وبنو إسرائيل، بعد أن تركوا أولئك، أقاموا بوادي الأردن القليل الأهمية في ~~الظاهر، وذلك في أحوال بالغ مؤرخوهم في روايتها. # ولم يجل بنو إسرائيل في البحر كما كان يجول جيرانهم الفنيقيون؛ وذلك لأنهم لم ~~يكادوا يكونون ms15 سادة للساحل، وكان قد جاء من إقريطش، على ما يظن، شعب غير سامي ~~يعرف بالفلسطينيين فملك الساحل واستوطنه بنشاط، واليهود لم يملكوا من الساحل لطويل ~~زمن سوى القسم الممتد من يافا إلى رأس الكرمل، وهناك يقع سهل شارون العجيب الذي تمتد ~~مروجه وحصائده إلى البحر، غير أن الشاطئ نفسه رملي قليل الإصلاح لإنشاء مرفأ ~~فيه. # ولم تكن مجاورة البحر هي التي جعلت امتلاك فلسطين أمرا نافعا، ولا خصب فلسطين ~~وحده هو الذي كان عظيما عندما كانت ذات غاب لم تقطع تماما كما في أيامنا، وإنما ~~كانت فلسطين إحدى طرق العالم القديم الرئيسة كبابل، ولكن على درجة أقل من درجة بابل، ~~فكان يتألف من أوديتها الضيقة الطريق البرية الوحيدة بين مركزي حضارة العالم ~~الكبيرين، بين العراق ومصر، فيتصل أحد هذين المركزين بالآخر بتلك الطريق، فيتبادلان ~~بها محصولاتهما أيام السلم، ويسوقان بها جيوشهما أيام الحرب. # وكانت «مجدو» مفتاح تلك الأودية في الجنوب، وكانت «قادش» مفتاحها في الشمال، ~~وأعارت تانك المدينتان من اسميهما كثيرا من المعارك المشهورة الدامية. # ولم يكن ذلك الوضع المتوسط غير ذي تهلكة، فأمة إسرائيل الصغيرة إذ قامت بين نينوى ~~المرهوبة ومصر القوية، وكانت تستند إلى إحداهما لمقاومة الأخرى، كانت تشترك في الصراع ~~في الغالب فتسحق فيه نهائيا. # ولكن القوافل المثقلة بالنسائج والحلي والتبر والعاج المشذب كانت تجوب فلسطين ~~بلا انقطاع في فواصل الحروب، فلا يدع الإسرائيلي، الماهر في التجارة في كل زمن ~~والطامع في الربح، تلك الثروات تجاوز أرضه من غير أن يحتفظ بشيء منها لنفسه. # وحق المجاورة هو مصدر الرخاء الرئيس الذي كان ينمو في الغالب وبسرعة في اليهودية، ~~وكان منبع الزرابي الجميلة والنسج الثمينة والثياب الزاهية والحلي اللامعة ~~والمرصوفة الحجارة، التي كانت تستهوي أبناء يعقوب على الدوام، فيرفع الأنبياء عقيرتهم ~~ضدها، هو ذلك الوضع المتوسط وأولئك السماسرة اليهود الذين غدوا مدينين لموقع البلد الذي ~~سكنوه. # وروح اليهود التجارية التي هي آية قومهم الكبرى نشأت، أو اشتدت على الأقل، بالدور ~~الذي كان عليهم أن يمثلوه في القرون الخالية ms16 بين آسيا ووادي النيل، وبمشاهدتهم ~~القوافل الكثيرة تمر من طرقهم ناقلة من بقعة إلى أخرى نفائس الحضارتين اللتين كانتا ~~أرقى حضارات العالم وألطفها. # ثم إن فلسطين، كإقليم وكإنتاج، كانت من البقاع المفضلة في آسيا الغابرة، فهي إذ ~~كانت مستورة بفروع لبنان بدت جامعة لجميع الفصول ولمحاصيل البقاع الأخرى بفضل اختلاف ~~مرتفعاتها. # وفيما كنت ترى تحت ذرى الثلج اللامعة منحدرات مغطاة بالغاب والمراعي، كنت تشاهد ~~في السهول حقولا خصيبة منبتة للكتان والشعير والبر. # وخصب فلسطين في القرون القديمة كان مشهورا؛ فقد بهرت العبريين عندما خرجوا من جزيرة ~~سيناء الجديبة، وكان روادهم يأتونهم بما يثير الحماسة من وصف لتلك البقعة «التي تجري ~~فيها جداول من لبن وعسل»، فيرونهم نماذج من أثمارها اللذيذة، وقطوف عنبها العظيمة التي ~~لا يستطيع الرجل الواحد أن يحمل واحدا منها. # وكان يتألف من شجر العنب والتين والزيتون أهم مصادر ثروة البلاد، فأكثرت التوراة من ~~ذكرها. # وكانت جميع الأشجار المثمرة تنبت في المنحدرات الكثيرة المتموجة في كل ناحية من ~~نواحي البلاد الممتدة بين بلد الجليل الباسم وشواطئ البحر الميت. # واليوم أسفر قطع الغاب وإهمال الإدارة الإسلامية «العثمانية» وهول الأعراب ~~النهابين عن امتداد رمال الصحراء إلى الأراضي، ودخول رخاء الماضي في عداد الذكريات، ~~مع أن يد الإنسان في القرون القديمة كانت تغني عن بخل الطبيعة في تلك الأماكن، فكان ~~الري المصنوع يمن على الأرض بما تعطي به ما لا تعطيه لعدم الماء، فكانت جميع فلسطين ~~تقريبا تشابه بطرائها وخصبها، الواحات الساحرة التي لا تزال تنشأ على ضفاف السيول ~~المتوجهة متدحرجة نحو البحر الميت أو نحو البحر المتوسط. # وعرف بنو إسرائيل أن يستفيدوا من تلك البقعة السعيدة، وكان بنو إسرائيل زراعا ~~ماهرين، وبنو إسرائيل لم يحذقوا شيئا غير هذا، وهم إذ كانوا عاطلين من أي فن ومن أي ~~علم ومن أية صناعة، وهم إذ لم يزاولوا التجارة إلا كوسطاء، وجهوا عنايتهم إلى ~~حقولهم وإلى مواشيهم. # وتجد كتبهم المقدسة حافلة بالنعوت الرعائية وبالمقايسات والأمثلة المقتبسة من ~~حياة الفلاحين والرعاة، وكان لأولئك القوم ms17 شعور بالطبيعة إلى درجة بعيدة، وأراد ~~مؤلف سفر الملوك أن يوجه نظرنا إلى كثير من أمثال سليمان ونشائده، فقال: ~~«وتكلم في الشجر من الأرز الذي على لبنان إلى الزوفى التي تخرج في الحائط، ~~وتكلم في البهائم والطير والزحافات والسمك.» # ولم يمح السامي البدوي حتى بفعل القهر والعادة، وهو الذي لم يغادر صحاري جزيرة ~~العرب إلا قاصدا سهول العراق المحرقة، وهو الذي أبصر في مصر أراضي مستوية تقطعها ~~القنوات من أرض جاسان، وهو الذي بهرته أماكن فلسطين المختلفة وتلالها الضاحكة ومحاصيلها ~~المتنوعة. # وإليك كيف ينبئ النبي إرميا بخلاصهم من إسارة بابل: # هكذا قال الرب: إني أبنيك بعد، فتبنين يا عذراء إسرائيل! تغرسين ~~بعد كروما في جبال السامرة، فيغرس الغارسون ويبتكرون. # فيأتون ويرنمون في مرتفع صهيون، ويجرون إلى جود الرب إلى البر ~~والسلاف والزيت وأولاد الغنم والبقر. # وظل بنو إسرائيل قوما من الزراع والرعاة حتى بعد صلتهم الطويلة بالحضارة ~~الكلدانية الساطعة، حتى بعد إقامتهم بمصر، وما فتئت العادات القديمة التي اتفقت لهم في ~~المراعي الابتدائية الواسعة والطبائع السامية البسيطة تستحوذ عليهم، ولم تؤد المؤثرات ~~الأجنبية - التي أبصرناها في طبائعهم وديانتهم، فيختلفون بها عن إخوانهم عرب البادية - ~~إلى غير تغيير سطحي فيهم من حيث النتيجة. # وبقي بنو إسرائيل، حتى في عهد ملوكهم، بدويين أفاقين مفاجئين مغيرين سفاكين ~~مولعين بقطاعهم، مندفعين في الخصام الوحشي، فإذا ما بلغ الجهد منهم ركنوا إلى خيال ~~رخيص، تائهة أبصارهم في الفضاء، كسالى خالين من الفكر كأنعامهم التي يحرسونها. # وإذ كان بنو إسرائيل متمردين على الفنون تمردا مطلقا، ولم يكن لهم غير ميل ~~هزيل إلى حياة المدن، فإنهم لم يقيموا معابد وقصورا إلا عن غرور، والذي كان بنو ~~إسرائيل يفضلونه بعد الذبح والتقتيل هو «السكون تحت شجر العنب والتين» على حسب ~~تعبيرهم. # وعيد المظال هو أجمل أعيادهم، وفي هذا العيد الذي يدوم ثمانية أيام كانوا ~~يغادرون بيوتهم ليعيشوا في ملاجئ مرتجلة مذكرة بحياة البادية. # وإذا ما أريدت معرفة الإسرائيلي كما هو، وجب ألا يحكم فيه بآثاره المكتوبة التي ~~ليس ms18 معظمها سوى ذكريات من كلدة، بل يجب أن يزال عنه أثر الحضارة الخفيف الذي عانى ~~كثيرا من اقتباسه من الدول القوية التي عاش فيها، وأن ينظر إلى مكانه من خلال سفر ~~التكوين مثلا، حيث وصفت حياته المفضلة، حياة الرعاء، أو أن يبحث عنه في السكان ~~الحاليين بالبقاع التي استولى عليها، وفي القبائل البدوية الصغيرة بشمال جزيرة العرب ~~وبسورية، تلك القبائل التي لم تغير طبائعها وعاداتها منذ ستة آلاف سنة أو ثمانية ~~آلاف سنة. # ولم تكن فلسطين، أو أرض الميعاد، غير بيئة مختلفة لبني إسرائيل، فالبادية كانت الوطن ~~الحقيقي لبني إسرائيل، والبادية، لما عليه من نمطية وسكون منظر وحياة واحدة وصلاح ~~لأبسط الاحتياجات، وقد وسعت روح الساميين وبسطتها، فألقت فيها الشعاع الخالد ~~الهادئ لآفاق لا حد لها. # والبادية، بجعلها خيال الساميين عقيما عقم ترابها، لاشت فيهم بذور مختلف ~~الخرافات التي استحوذت على النفس البشرية في أماكن أخرى، لمشابهتها النبات الخطر ~~حتى بزخره، والساميون بما لديهم من مبادئ دينية عاطلة من أية صورة محسوسة، ابتدعوا ~~بفضل البادية الرب البعيد الجليل الأزلي الذي لاح فيما بعد ذا صفاء خالص روحي، ~~لتعذر تعريفه وتشخيصه، فبسط سلطانه على أمدن أمم العالم. # والإسرائيلي قد خسر، ذات مرة، ذلك الرب بازدحام خرافات مصر وآسيا فيه، بيد أن ~~أنبياءه آذنوه، فغدا أولاد يعقوب قادرين على هداية الناس إلى إيمانهم بردهم إلى ~~عنعناتهم السامية الخالصة. ~~(3) تاريخ اليهود # لا يبدأ تاريخ اليهود بالحقيقة إلا في عهد ملوكهم. # كان بنو إسرائيل أقل من أمة حتى زمن شاول، كانوا أخلاطا من عصابات جامحة، كانوا ~~مجموعة غير منسجمة من قبائل سامية صغيرة أفاقة بدوية، تقوم حياتها على الغزو ~~والفتح والجدب وانتهاب القرى الصغيرة، حيث تقضي عيشا رغيدا دفعة واحدة في بضعة ~~أيام، فإذا مضت هذه الأيام القليلة عادت إلى حياة التيه والبؤس. # وتكونت زمرة بني إسرائيل السامية كجميع العشائر، فكانت مؤلفة في بدء الأمر من ~~أسرة واحدة ذات جد واحد، وهذا الجد كان يدعى لدى بنى إسرائيل بيعقوب أو ~~إسرائيل، وإسرائيل هذا هو ms19 من ذرية إبراهيم - وإبراهيم هذا كان أول من هجر كلدة ~~من عرقة طلبا للرزق. # وهنالك عدد غير قليل من الأقوام الصغيرة، كالأدوميين والعمونيين والإسماعيليين، ~~يرجعون أصلهم إلى إبراهيم، ويزعم العبريون أنهم وحدهم ذرية إبراهيم الشرعيون مع ~~اعترافهم بقرابة الآخرين لهم. # ولم يقع انقسام في الأسرة الرئيسة بعد يعقوب الملقب بإسرائيل، فسمي أعضاء هذه ~~الأسرة ببني إسرائيل لذلك السبب. # ودفع القحط يعقوب وبنيه إلى دخول مصر في عهد الملوك الرعاة، فأقاموا بالدلتا وكثر ~~عددهم واستعبدهم المصريون، فسئم أبناؤهم من بؤسهم، فاغتنموا فرصة فتن اشتعلت ~~ففروا من بلاد العبودية بعد عهد سيزوستريس الكبير بزمن قليل. # ولحق ببني إسرائيل عدد من المصريين الساخطين، ومن الأسارى ومن العبيد المتمردين، ولما ~~جاوز بنو إسرائيل بحر القلزم بدوا عشيرة، أي جماعة مصرة على الظهور بأنها نسل ~~رجل واحد، وإن كانت فاتحة صفوفها بالحقيقة لجميع الفرار المستعدين لانتحال ~~اسمها وتقاليدها ومعبوداتها الأهلية. # وفي البداءة وجد بنو إسرائيل حياة البداوة التي أضاعوا عادتها قاسية، فثاروا على ~~الزعيم الذي اختاروه غير مرة. # وكان هذا الزعيم الذي تدعوه القصة بموسى - وهو الذي لا نعرف اسمه الحقيقي على ما ~~يحتمل - من المهارة ما حملهم به على الإيمان بأنه ذو صلة بالسماء، فيأتيهم بالأوامر ~~من إله خاص، من إله قبيلتهم، وذلك ردا لهم إلى النظام، واهتبل موسى فرصة هبوب ~~أعاصير هائلة فوق سيناء وعلى جوانبه، فألقى في روع عصابة العبيد تلك هولا شافيا، ~~ما دامت سماء مصر الصافية وآفاقها المبسوطة لا عهد لها بما تعرفه البلاد الجبلية من ~~العوارض الطبيعية. # وجزيرة سيناء، إذ كانت بالحقيقة فقيرة جديبة إلى الغاية، لم تصلح لإعاشة أهل البدو ~~أيضا، فتوجه بنو إسرائيل إلى الشمال وحاولوا دخول أراضي الشعوب الكنعانية الصغيرة، ~~وهم لما دنوا من هذه الأراضي بهرهم خصبها، فاشتعلت نيران الحسد في ~~قلوبهم. # وتلك هي حال غنى البلاد المجاورة للأردن في ذلك الحين، ولم تلبث الرعاة التائهة التي ~~خرجت من جزيرة العرب طلبا للمراعي أن استقرت بها، تاركة طبائعها الرعائية لتكون ~~زمرا زراعية. # وعانى العبريون مثل ms20 هذا التطور، فتحولوا من أناس بدويين إلى أناس حضريين عندما ~~رسخت أقدامهم في تلك الأراضي التي كانت محط أحلامهم، في أرض الميعاد، تلك التي طمعوا ~~فيها غلاظا مدة طويلة. # ولم يكن هنالك فتح بالمعنى الصحيح على الرغم من أقاصيص مؤرخيهم المملوءة انتفاخا، ~~ومن تعداد الانتصارات وتقتيل الأهالي وانهيار أسوار أريحا بالنقر في النواقير، ~~ووقف يوشع للشمس إمعانا في الذبح. # أجل، فتح بعض الضياع عنوة، ويفسر انقسام العشائر الكنعانية الكبير حقيقة ~~النجاح الذي ناله بنو إسرائيل القليلو الذوق والضعيفو الأهلية للحرب والسيئو السلاح، ~~غير أن استقرار العبريين بفلسطين تم بالتدريج على ما نرى، فالعبريون قضوا زمنا ~~طويلا ليكون لهم سلطان ضئيل في فلسطين لا أن يكونوا سادتها. # والعبريون إذ كانوا منقسمين كالكنعانيين إلى عدة عشائر تسمى أهمها بأبناء يعقوب ~~رمزا إلى الأسباط، فلم يتفقوا فيها بينهم حتى على إكمال الفتح. # ومضى جميع دور القضاة الذي عد دور بطولة العبريين التاريخي في القتال الجزئي ~~بجماعات صغيرة؛ وذلك بأن تدافع كل جماعة بمشقة عما استولت عليه من قطعة أرض. # وذلك النوع من القتال بين الزراع الرعاة وبين الحضريين والبدويين مما هو معروف ~~جيدا، وهو لا يزال يحدث اليوم في سورية والجزائر وفي كل مكان تتجلى فيه طبائع ~~الساميين التي لم يقدر الزمن على تغييرها. # وما يقع أحيانا أن يكتفي البدوي بغزو البلاد الزراعية، فإذا ما أنزل ضربته وحمل ~~خيله وجماله ما غنمه لاذ بالفرار وأوغل في الصحراء وتوارى فيها، ولكن الذي يقع في ~~الغالب هو أن يميل إلى حياة الزراع المطمئنة المنتظمة، فينساب بينهم ويقيم عندهم ~~قهرا، فإذا مضى دور الخصام رضي به جيرانه واختلط بهم. # ولم يكن غير ذلك غزو بني إسرائيل لفلسطين، وذلك مع الفارق القائل إن عدد بني إسرائيل ~~واحتياجاتهم وبؤسهم في مصر وحرمانهم الهائل في التيه مما جمع بينهم وأقنطهم، فصاروا ~~كقطيع من الذئاب الهزيلة التي دفعها الجوع إلى الاقتراب حتى من المدن. # ثم خروج بني إسرائيل قبل الميلاد بنحو خمسة عشر قرنا تقريبا، وهم لم يفكروا في ~~تأليف ms21 أمة واحدة منهم ونصب ملك عليهم، إلا في أوائل القرن الحادي عشر قبل ~~الميلاد. # والواقع أن فتح فلسطين في عهد شاول كان بعيدا من التمام، وفي فلسطين كان يعيش ~~اليبوسيون والعصمونيون وطائفة من الأمم الصغيرة بجانب بني إسرائيل، وكان ~~السلطان في فلسطين للفلسطينيين، والعرق الوحيد الذي هو آري على ما يحتمل، فاجتمعت ~~الأسباط تحت لواء زعيم واحد للمرة الأولى منذ دخول بلاد كنعان؛ وذلك لكيلا لا ~~تسحق. # والحق أنك لا تجد قاضيا استطاع أن يبسط سلطانه على جميع بني إسرائيل، فكل واحد من ~~هؤلاء الحكام أو الشيوخ كان يتسلم قيادة زمرة واحدة، عندما تهدد هذه الزمرة ~~تهديدا مباشرا، وهو إذا ما كتب له النصر لم يحتفظ حتى بتلك القيادة. # وقد استمر الأمر على هذه الصورة، أي من غير تبديل، مدة أربعة قرون. # وحوادث تافهة كتلك لا يعنى بها التاريخ، والتاريخ إذا عني بها كان ذلك لأسباب ~~مستقلة عن أهميتها، ومن ذلك أن حصار عصابة من البرابرة لمدينة تروادة الصغيرة ~~واستيلاءهم عليها قبل الميلاد باثني عشر قرنا، مما غدا حادثا ذا بال في تاريخ ~~العالم؛ لأن أوميرس تغنى به، لا من أجل نتائجه. # ثم أنعم سراب الخيال النصراني بعظمة أكبر من تلك على منازعات هزيلة كانت تقع منذ ~~أكثر من ثلاثة آلاف سنة، بين عشائر صغيرة من البدويين النهابين في سبيل واد يكون ~~خصيبا بأحد الجداول. # وما أتى به مؤرخو اليهود من تدوين لتلك الحوادث عقب وقوعها مع تجسيم عظيم، هو دون ما ~~صنعته الكنيسة النصرانية بعد ذلك. # ومن يقرأ سفر صموئيل وسفر القضاة بشيء من روح النقد، يبصر دور العنت الذي ~~جاوزه بنو إسرائيل في استقرارهم بفلسطين، غير أن هذه الأقاصيص نفسها إذا ما نظر إليها ~~من خلال أبخرة الحماسة الدينية، ألقت في النفوس وهما قائلا إن ذلك الفتح ساطع ~~معجز. # وبشاول بدأ بنو إسرائيل يؤلفون أمة، فاستحقوا أن تفتح لهم صفحة صغيرة عن ~~التاريخ الحقيقي الذي كان لهم في العالم. # أنقذهم ملكهم الأول ذلك من هول الفلسطينيين الدائم، بأن ms22 أنزل على هؤلاء الأجانب ~~ضربات هائلة. # وكان خليفته داود صورة تاريخية طريفة إلى الغاية، فأشبه - مختارا - ببابر ~~المغولي، مع أنه لا يساوي بابر هذا الذي كان في مقتبل عمره رئيسا لقرية، فافتتح شمال ~~الهندوستان مبديا إقداما لا يصدق، قاتلا معذبا الألوف من البشر، بابر ذلك ~~الذي كان شاعرا أديبا مع همجيته! # وأمثلة كتلك لا تجدها إلا في الشرق تحت تلك الشمس المحرقة التي تقتطع من الطبيعة ~~محاصيل عظيمة، وتنبت أضخم الأشجار وأجسم الحيوانات وأقوى الأبطال، وأما في غربنا فترى ~~المتغلبين والطامعين ذوي نفوس أكثر عنفا وأشد اتزانا، فلا يقايضون سيفهم الدامي ~~طائعين بالمزهر، ولا يخافتون بصوتهم الذي خلق للقيادة في سبيل وزن لين ~~للأشعار. # ويعوزنا أن يشابه داود الملك التقي المتعطش إلى العدل، المختنق بشهيق التوبة، ~~الأواب في مزامير الاستغفار التي حفظتها الرواية لنا. # ومما نعرفه أن داود كان مرتلا شاعرا، ولكنك إذا عدوت رثاءه لشاول ويوناتان ~~اللذين ماتا وهما يقاتلان الفلسطينيين فوق جبال جلبوع، وجدتنا نجهل ما وضعه من ~~النشائد، وفي المزامير قليل جدا من الذي صنعه منها كما نرى. # ومعرفتنا لداود المحارب أحسن من تلك، وآية مجده في منحه بني إسرائيل عاصمة، وفي ~~حسن اختياره لهذه العاصمة، فلولا أورشليم «القدس» لكان شأن اليهود ضئيلا إلى ~~الغاية. وأورشليم أضحت رأس بني إسرائيل وقلبهم، وأورشليم أوج، وأورشليم رمز، ~~وأورشليم لا تزال تلقي أشعتها على العالم من خلال ماضيها مع إكليل نسجته حماسة ملايين ~~البشر وإيمانهم وأوهامهم لا ريب، ولكن لا جدال في نور هذا الإكليل. # وأي اسم كرر مع التمجيد والولوع أكثر من اسم تلك المدينة الدينية؟ لا تزال مقاطع ~~ذلك الاسم السحرية تجري على شفاهنا القليلة التصديق بحلاوة تأخذ بمجامع قلوبنا، فتنقلنا ~~إلى خيال رائع بعيد المدى، ولن تنسى الإنسانية من فورها أن توجه أنظارها إلى تلك ~~المدينة الإلهية، حتى إن الإنسان اليقظ إذا صار لا يبحث عن نجاته فوق الجبل الذي هو ~~محل رمزه العظيم، فتنه هذا الجبل بسحر ذكرياته. # وداود، لكي ينعم على قومه بتلك العاصمة الواقعة ms23 في أصلح مكان وأسهل محل للدفاع عن ~~فلسطين، اضطر إلى طرد اليبوسيين، سادة جبل صهيون، ولم يكن اليبوسيون وحدهم هم ~~الأعداء الذين وجب على داود أن يقهرهم؛ فقد أظهر داود في عهده من النشاط الكبير ما أقام ~~به الوحدة اليهودية، جاعلا المملكة العبرية الصغيرة على رأس جميع الأمم التي كانت ~~تقتسم سورية. # قال مسيو رينان في صفحة ممتعة من كتابه «تاريخ بني إسرائيل»: «إن داود هو مؤسس ~~القدس، وهو أبو الأسرة التي أسهمت في عمل بني إسرائيل إسهاما وثيقا، وهذا ما دل ~~الأقاصيص القادمة عليه، وليس مما يمضي بلا عقاب أن تمس، ولو على وجه غير مباشر ~~عظائم الأمور التي تنضح في سر البشرية. # وسنشاهد تلك التحولات بين قرن وقرن، فنرى أن لص عدلام وصقلغ يكتسب بالتدريج ~~أوضاع القديس، فيكون واضع المزامير والممثل المقدس ومثال المنقذ المقبل، ويغدو «يسوع» ~~ابنا لداود، وتبلغ التراجم الإنجيلية من البهتان في طائفة من الأمور ما تجعل معه حياة ~~المسيح نسخة عن مقومات حياة داود! ألا إن الأتقياء حين يسيرون بالمشاعر المملوءة ~~تسليما وحسرة في أجمل الكتب الدينية يعتقدون اتصالهم بذلك اللص، ألا إن البشرية ~~تؤمن بالعدل النهائي في شهادة داود مما لم يصدر عن داود، في الرواية الإلهية ~~الهزلية!» # واقتطف سليمان بن داود أثمار ما أبداه أبوه من نشاط ضار، وفي عهد سليمان بلغ مصير ~~الشعب اليهودي ذروته، فلما مات سليمان دخل هذا الشعب دور الانقسامات والفوضى. # والملك سليمان، الذي عاش حاكما شرقيا حقيقيا بكثرة آلهته، وبدائرة حريمه ~~المشتملة على مئات النساء، وبثيابه الزاهية وبقصوره وبحرسه الأجنبي، اتفق له في خيال ~~الناس من التحول ما لا يقل عما اتفق لأبيه من غفران وتطهير. # والملك سليمان شاد الهيكل عن زهو لا عن زهد؛ وذلك تقليدا لأبهة ملوك مصر وآشور، ~~واستنساخا لطرزهما البنائية. # وانهمك سليمان فيما لا عهد لأسباط بني إسرائيل الجليفة به من ضروب الملاذ الآسيوية، ~~فلم يفكر في غير التمتع بعمل داود تمتع ذي أثرة، فأثقل كاهل الشعب بالضرائب؛ ~~ليقوم بنفقات شهواته معدا بذلك ms24 مقبل الفتن. # ومع ذلك جعل من سليمان ذلك الرجل المرتاب النبيه المتكلم في سفر الجامعة، وأغمضت ~~العيون عن عيوبه تفكيرا في شبابه؛ حيث تقول القصة: إن الرب خاطبه رأسا مبصرا ~~إياه نقي اليدين خليقا بأن يبني هيكله. # وكان سليمان ماهرا في ربط شعبه بروابط المحالفات، فصار ملك مصر صديقا له ~~مزوجا إياه بإحدى بناته، وارتبط فيه ملك صور حيرام بصلات الصداقة والتجارة، وفي ~~القصة أن ملكة سبأ أتت من أقاصي جزيرة العرب حاملة له بعض الهدايا، مختبرة علمه ~~وحكمته ببعض الأسئلة. # وامتدت مملكة إسرائيل، إذ ذاك، من دمشق إلى مصر، ومن البحر المتوسط إلى حد بعيد من ~~البادية الشرقية. # وإذا كان سليمان لم يشهر حربا، افتتح أراضي كثيرة متغلبا على الرمال، وذلك بأن ~~وسع رقعة الأراضي الصالحة للزراعة، وبأن شاد مدينة تدمر الرائعة في مكان يلوح لنا ~~اليوم أنه غير نافع للسكن، غير أن مصير تلك المدينة كان مؤقتا كما يظهر، فمركز ~~كبير للسكان كذلك المركز لا يمكن أن يدوم في سواء البادية بعيدا عن مجاري المياه ~~المهمة إلا بمعجزات الصناعة والعمل، فلما مات سليمان نهكت الفتن الأهلية بني ~~إسرائيل، فهجرت تلك المدينة الشرقية إلى أن استولى عليها الرومان وجددوا بناءها، ~~واليوم ترى أعمدة تلك المدينة قائمة في اعتزال، فيقضي السائح منها العجب ممتلئة نفسه ~~بغم غريب. # ولا يزال اسم سليمان وتدمر الكبيران يبهران الفكر؛ لما يبدو من سطوعهما في تاريخ ~~بني إسرائيل الكئيب، والمرء إذا ما صدف عنهما لم يبصر غير هوة مظلمة دامية تزلق ~~فيها هاوية بما يثير الحزن، تلك المملكة الصغيرة التي من عليها داود وابنه بعظمة مدة ~~سنوات قليلة. # ولبضعة قرون تحافظ أورشليم، حيث يملك آل داود، على شيء من التفوق الأدبي، فتكون ~~مركزا ثقافيا لفلسطين؛ وذلك بأن غدا الكهنة يؤلفون الأقاصيص، وبأن صار عظماء ~~الأنبياء يسمعون أصواتهم مجدين مع أولئك، على غير جدوى، في إعادة وحدة بني ~~إسرائيل بوحدة تقاليدهم ودينهم. # وأما مملكة الأسباط العشرة التي أقامها يربعام متخذا شكيم «نابلس»، ثم السامرة ~~«سبسطية» عاصمة ms25 لها، فقد كانت مسرحا لأفظع الفجائع، وما كان يقع فيها من اغتصاب ~~ومذابح واستعانة بالأجنبي فقد أثار ازدراء الأمم المجاورة دوما، فلم تنفك هذه الأمم ~~تطالب بإبادة بؤرة الفوضى والتمرد تلك. # وتحل سنة 721 قبل الميلاد، فيهدم ملك نينوى «سرجون» مملكة السامرة، ~~وتحافظ مملكة أورشليم، وهي أصغر من تلك بمراحل، على قليل من النظام والكرامة والنفوذ، ~~فتدوم نحو قرن ونصف قرن بعد تلك، على أن مملكة أورشليم تلك مدينة في بقائها المؤقت هذا ~~للثورات التي كانت تقلب كبريات دول آسيا، فكان من نتائج سقوط نينوى تأخير سقوط ~~أورشليم. # بيد أن ملوك اليهودية أثاروا غضب نبوخذ نصر بمخالفتهم لفرعون مصر، فاستولى ~~ملك بابل القوي على أورشليم في سنة 586ق.م، فجعل عاليها سافلها، وهدم هيكلها وجعل من ~~اليهود أسارى، فغدت أورشليم أثرا بعد عين. # ومن العبث أن أصدر كورش مرسوما أذن فيه للعبريين في العودة إلى فلسطين، وإعادة ~~بناء مدينتهم وهيكلهم، فهم لم يجددوا بناء أورشليم إلا مرتجفين مهددين من قبل ملوك ~~فارس الذين كانت تساورهم الريب حول كل حجر يضاف إلى الأسوار، آمرين قساة بوقف ~~العمل في غير مرة مستمعين في ذلك لتقارير كاذبة. # والواقع أن استقلال اليهود لم يكن غير اسمي بعد ذلك، وما فتئ الفرس والأغارقة ~~والرومان يبسطون سلطانهم المرهوب بالتتابع على تلك المملكة الهزيلة، فتتميز هذه ~~المملكة غيظا من هذا الاستعباد المتصل، فلا تجد ما تتعزى به عن عجزها سوى إلقاء فارغ ~~الخطب. # وما كانت الأحلام العظيمة التي صدرت عن أنبيائها - وهم الذين لم يستطيعوا أن يمنوا ~~عليها بالوطنية ولا بالنشاط ولا بالركون إلى مصيرها - لتؤدي إلى غير إسكارها في خزيها ~~وبؤسها، وإلى غير زيادة انتفاخها كأمة سحقت ودقت. # والشعب اليهودي إذ كان على جانب كبير من الجبن العميق، عاد لا ينتظر نهوضه بغير ~~معجزة، وذلك على الرغم من إبدائه شيئا من اندفاعات البطولة في دور القضاة وعهد داود ~~وحين مقاتلته اليائسة لبابل، وأوجب تفسير أسفار كتبته الوطنيين والدينيين امتلاءه ~~أوهاما عجيبة، وحيرت لهجته الفارغة دولة روما العظمى ms26 نفسها، فاقتصرت على احتقاره مع ~~أنها كانت تعلم قدرتها على سحق وكر المتعصبين المشاغبين ذلك عند الضرورة، ولم تعتم ~~فوضى ذلك الشعب الصغير المزعج وفساده وضوضاؤه أن استنفد صبر تلك الدولة العظمى، فعزمت ~~على إبادته لكيلا تسمع حديثا عنه. # ففي سنة 70 من الميلاد استولى تيطس على أورشليم وجعلها طعمة للنيران، وبدئ ~~بتشتيت شمل اليهود. # ولكن ذلك الشعب المتعصب فيما كان يخرج من صف الأمم، وفيما كانت تذهب ريحه، وفيما كان ~~يهد في طريق العالم حتى يداس بازدراء تحت أقدام الشعوب في قرون كثيرة، وفيما كان يقضي ~~تلك الدقيقة الحرجة من حياته فتلوح أنها آخر دقائقه؛ إذ ظهر منه ذلك المتهوس الشهير ~~الذي سيسود اسمه الغرب نحو ألفي سنة؛ إذ ظهر منه عامل جليلي غامض الأمر؛ ليكون ~~الإله المرهوب لدى أمدن شعوب الأرض. # الفصل الثاني # | نظم العبريين وطبائعهم وعاداتهم # ظل اليهود حتى آخر مرحلة من تاريخهم في أدنى درجة من الحضارة قريبين من دور التوحش ~~الخالص. # ولم يجاوز اليهود طبائع أمم الزراع والرعاة إلا قليلا جدا، وخضع اليهود لنظام رعائي ~~ولم يكادوا يدخلون دائرة التطور الاجتماعي. # وتوزيع الأعمال من العلائم التي تتجلى بها حال الحضارة لدى أحد الشعوب، والعبريون لم ~~يكادوا يفرقون بين الحرف في عهد الملوك، فنرى كل أسرة في دور تاريخهم الطويل تتدارك ~~احتياجاتها الخاصة، فتخبز خبزها، وتفتل غزلها وتحوك نسجها فتصنع منها ثيابها، وتزرع ~~حقولها، وتربي أنعمها فتذبحها وتعد جلودها. # والحداد هي أول صنعة بدت مستقلة، غير أن المعادن لم تكن كثيرة لدى بني إسرائيل، فكانت ~~الأدوات الحجرية والخشبية أكثر الأدوات انتشارا، وما كانت الأسلحة نفسها مصنوعة دوما من ~~الحديد ولا من النحاس، ومن الحق أن كانت الصوانة التي تؤخذ من السيل أمضى من الرمح في ~~يد هؤلاء الرعاة الجنود، فبالمقلاع قتل داود جليات الجبار. # وتلك العادات هي عادات الأعراب الذين لا يزالون يعيشون في أطراف البادية، وتلك العادات لم ~~يغيرها بنو إسرائيل حتى بعد أن أبصروا حضارات مصر وآشور الساطعة. # وبنو إسرائيل ظلوا قوما من الزراع ms27 والرعاة فقط، فانحصر علمهم في تربية المواشي وزراعة ~~القمح والتين والزيتون والعنب على الدوام. # وما كان عمل أبطال بني إسرائيل قبل قيادتهم إلى النصر غير جر المحراث وجز الشياه، فكان ~~جدعون يدرس البر ويذروها حينما بدا له الملك، فأمره بأن ينقذ قومهم من نير ~~المدينيين، وكان شاول يبحث عن أتن أبيه حينما أخبره صموئيل بأنه سيكون ملكا، واجترأ ~~داود على الحرب برده الضواري التي أتت لتهاجم ماشيته حينما كان راعيا. # وتوزيع الأعمال بحصره مهارة العامل في مادة واحدة يؤدي إلى تحسين الصناعة، ويسهل ~~ازدهار المهنة، وما كان العبريون ليسيروا بهذا التوزيع إلى الحد الذي ينالون به مثل هذه ~~النتائج. # ولم تكن في فلسطين أية صناعة مهما كان نوعها، وإذا حدث أن صنع اليهود شيئا فعلى ألا ~~يستحق الإصدار، وفي عهد سليمان حينما لاح الترف كان هذا الترف يغذى بالمنتجات التي يؤتى بها ~~من الخارج. # وكان يقوم إصدار العبريين على ثمرات الأرض من بر وخمر وزيت ودهن وما إلى ذلك، ~~فترسل هذه المحاصيل، على الخصوص، إلى فنيقية التي لم يكن لديها غير أراض ضيقة لا تكفي ~~لإعاشة مدنها الكبيرة، فتدخل فنيقية إلى بلاد اليهودية في مقابل ذلك ما تصنعه في مصانعها، ~~أو تأتي به من العالم، الذي كانت ذات علاقة به، من الحلي والرياش والسلاح والنسج ~~والخشب والعاج. # وكذلك كان بنو إسرائيل عاطلين، حتى في إبان أبهتهم، عطلا تاما من العمال ~~المهرة في الحرف الغليظة كالنجارة مثلا. # قال سليمان لملك صور حيرام: «والآن فمر بأن يقطع لي أرز من لبنان، وعبيدي يكونون ~~مع عبيدك، وأجرة عبيدك أؤديها إليك بحسب جميع ما ترسم؛ لأنك تعلم أن ليس فينا من ~~يعرف بقطع الخشب مثل الصيدونيين، والآن أرسل إلي رجلا حاذقا بعمل الذهب والفضة ~~والنحاس والحديد والأرجوان والقرمز والسمنجوني.» # وكان سليمان يعطي حيرام في كل عام عشرين ألف كر من الحنطة، وعشرين ألف كر من زيت ~~الرض، فيدل هذا بما فيه الكفاية على أي شيء كانت تقوم ثروة بني إسرائيل. # ومن فنيقية أيضا أتى ms28 عامل ماهرا جدا، فجاء في التوراة أنه: «صانع نحاس، وكان ~~ممتلئا حكما وفهما ومعرفة في كل صنعة من النحاس»، ورقب هذا العامل صهر ما زين ~~به الهيكل من الأعمدة والآنية النحاسية ووضعها. # وإذا لم تخرج الصناعة في بلاد اليهودية عن أدنى الأطوار البدائية، أمكننا أن نبصر من ذلك ~~حال الفنون في تلك البلاد، أو عدم وجود هذه الفنون فيها على الأصح؛ لما كان من عدم وجود أي ~~شيء يتجلى فيه ذلك هنالك. # ولا تجد شعبا عطل من الذوق الفني كما عطل اليهود. # والشريعة التي حرمت على اليهود منحوت الصور لم تحرم العالم آثارا نفيسة بذلك، ~~وما وقع من مخالفة اليهود للوصية الثانية غير مرة لم يؤد إلى غير العجول النحاسية أو ~~الذهبية، التي هي أصنام اليهود المفضلة المصبوبة صبا رديئا على أوتاد غليظة عدت ~~رموزا للرجولة، والمنصوبة تحت غياض عشتروت، تلك الأصنام القومية، أو الترافيم، التي ~~هي ضرب من اللعب المثيرة للسخرية، والتي أضجعت إحداها على فراش داود مستورة الرأس ~~بعناية زوجته لتعطى، بطريق العوض، جنود شاول المرسلين ليقتلوه. # إذن، لا ينبغي لنا أن نحدث عن وجود شيء من فن النحت أو التصوير لدى بني إسرائيل، وقل ~~مثل هذا عن فن البناء، فانظر إلى هيكلهم المشهور «هيكل سليمان» الذي نشر حوله كثير من ~~الأبحاث المملة، تجده بناء أقيم على الطراز الآشوري المصري من قبل بنائين من الأجانب ~~كما تدل عليه التوراة. # ولم تكن قصور ذلك الملك غير نسخ دنيئة عن القصور المصرية أو الآشورية، ولا تعتقد أن ذلك ~~الملك أقام في مدينة تدمر التي أسسها تلك الأعمدة الفخمة التي قاومت عمل القرون، فلا ~~تزال تثير العجب، فتلك الأعمدة قد وضعت بعد ذلك بزمن، وكان نبوخذ نصر قد دك جميع ~~تدمر سليمان، فلم يبق فيها حجر واحد. # ولم يمارس العبريون من الفنون الجميلة سوى الموسيقى التي هي فن جميع الشعوب الابتدائية، ~~وكانوا شديدي الحب لها، فيمزجون بها ملاذهم وتمريناتهم العسكرية وأعيادهم الدينية، ومما ~~لا مراء فيه أنها قليلة التعقيد شبيهة بألحان ms29 النواح لدى العرب المعاصرين، ونعد من ~~آلات الطرب المعروفة عندهم: المعزف والطنبور والصنج والمزمار والبوق ~~والطبل. # وعلى ما كان من ممارسة بني إسرائيل للحرب باستمرار لم تصبح الحرب فنا ولا علما عندهم، ~~فكانت تعوزهم التعبئة، وما كان ليكتب لهم فوز إلا بضرب من الصولة المشابهة لغارة ~~البدويين المعاصرين، وبنو إسرائيل إذ كانوا جبناء خوفا بطبيعتهم لم يبدوا مرهوبين إلا ~~بما كان يحاول إلقاءه زعماؤهم وأنبياؤهم فيهم من حماسة مؤقتة. # جاء في سفر الملوك: «فسمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطيني «جليات» هذا، فارتاعوا ~~وخافوا جدا.» # ولما سار جدعون إلى المدينيين خاطب جنوده بقوله: «من كان خائفا مرتعدا فليرجع ~~وينصرف.» فتركه من هؤلاء اثنان وعشرون ألفا من اثنين وثلاثين ألفا ليعودوا إلى ~~منازلهم! # ويعرف جميع قراء التوراة وحشية اليهود التي لا أثر للرحمة فيها، وما على القارئ ليقنع ~~بذلك، إلا أن يتصفح نصوص سفر الملوك التي تدلنا على أن داود كان يأمر بحرق جميع ~~المغلوبين، وسلخ جلودهم ووشرهم بالمنشار، وكان الذبح المنظم بالجملة يعقب كل فتح ~~مهما قل، وكان الأهالي الأصليون يوقفون فيحكم عليهم بالقتل دفعة واحدة، فيبادون باسم ~~«يهوه» من غير نظر إلى الجنس ولا إلى السن، وكان التحريق والسلب يلازمان سفك ~~الدماء. # جاء في سفر يشوع أنهم بعد الاستيلاء على أريحا «أهلكوا جميع ما في المدينة من رجل ~~وامرأة وطفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف، وأحرقوا المدينة وجميع ما فيها ~~بالنار إلا الذهب والفضة وآنية النحاس، فإنهم جعلوها في خزانة بيت الرب.» # وكان اليهود يمارسون الرق على مقياس واسع، ولم يكن حال الرقيق عندهم لا يطاق، شأنه ~~لدى جميع الشرقيين؛ فقد كان الرقيق من العرق الإسرائيلي يعامل كفرد من أبناء الأسرة، ~~وكان يحق له بعد انقضاء سبع سنين أن يخير بين العتق والبقاء رقيقا، فإذا ما استحوذ عليه ~~غم الغد أو الشعور بالعجز عن كفاية نفسه بنفسه، أو حب سيده الصالح، اختار النجد ~~الثاني فظل رقيقا مدى حياته، وإذا ما اختار النجد الأول وجب ألا يسرح بغير أسباب ms30 ~~للمعاش. # جاء في سفر التثنية: «إذا أطلقته حرا من عندك فلا تطلقه فارغا ، بل زوده من ~~غنمك وبيدرك ومعصرتك، واذكر أنك كنت عبدا في أرض مصر.» # وفي سفر اللاويين نرى الحكم القائل بمعاملة بني إسرائيل الذين يباعون من أجل الدين ~~كأجراء لا كأرقاء. # ويضيف المشترع إلى ذلك قوله: «من الأمم التي حواليكم تقتنون العبيد والإماء.» # وكان أفراد كل سبط يؤلفون لدى اليهود أسرة متحدة متبادلة العون على الدوام، كما ~~عند جميع الشعوب القائلة بالنظام الرعائي. # جاء في سفر التثنية: «إذا كان عندك فقير من إخوتك في إحدى مدنك في أرضك التي يعطيكها ~~الرب إلهك، فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عنه، بل ابسط له يدك وأقرضه مقدار ما يعوزه.» # وكان الربا محرما بشدة بين بني إسرائيل مع أنه عملهم المفضل تجاه الأجانب في كل زمن، ~~وكان مبدأ التضامن القومي الزاجر القوي الوحيد الذي يضع حدا لجشع اليهودي. # ولم تنطفئ بعد الفتح روح الأسرة، أي ذلك الشعور القديم الذي نشأ تحت الخيمة وغذي في ~~البادية، فقدس سلطان الأب على الدوام، فكان للمباركة واللعانية الأبويتين قدرة تكاد ~~تكون خارقة للعادة في كل حين. # ومع ذلك خسر رب الأسرة حق الحياة وحق الممات على أبنائه، كما خسر حق تغيير نظام ~~ولادتهم بأن يعترف بحق البكرية لمن يشاء منهم. # على أن حق البكرية لم يكن ليمنح صاحبه في فلسطين سوى زيادة تافهة في الميراث، ما دامت ~~التركة تقسم بين جميع الأولاد، ومنهم البنات. # وكانت كثرة الذرية تلوح أعظم ما يمن به يهوه على الرجل، وكان عقم المرأة يعد ~~عارا. # وكان الرجل إذا مات عقيما تزوج أخوه الأصغر بأرملته وصلا لسببه، كما جاء في ~~التوراة. # وإذا كان الميت غير ذي أخ تزوج بأرملته أقرب آله إليه، فكان من الفضائح رفض ذلك في ~~مثل تلك الحال. # وكان على المرأة التي يرفض سلفها أن يتزوجها أن تراجع باب المدينة حيث يجلس الشيوخ، ~~والباب كان له عند اليهود - كما في جميع الشرق - شأن الساحة أو المحكمة لدى الرومان، ms31 ومثل ~~هذه العادة مما لوحظ في أبواب آشور الكبيرة. # فأمام الشيوخ تقول الأرملة المرفوضة: «قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسما في إسرائيل، ~~ولم يرضني زوجة.» # وهنالك يستدعي الشيوخ المتمرد ويدعونه إلى القيام بما هو مفروض عليه، فإذا أصر على ~~رفضه خلعت كنته نعله من رجله وتفلت في وجهه أمام الشيوخ، وقالت: «هكذا يصنع ~~بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه.» ~~«فيدعى في آل إسرائيل بيت المخلوع النعل.» كما جاء في سفر التثنية. # ومبدأ تعدد الزوجات شائعا كثيرا لدى بني إسرائيل على الدوام، وما كان القانون المدني ~~أو الشرعي ليعارضه، ومما حدث في الدور الرعائي أنه كان لإبراهيم ويعقوب أزواج كثيرات، ~~ويعقوب قد تزوج بانتظام الأختين ليئة وراحيل، وسليمان كان له عدة مئات من النساء، ~~وكانت النساء تنال بالشراء كما هو عند العرب المعاصرين. # وكانت البكارة أمرا مقدرا كثيرا لدى اليهود، فإذا أثبت الزوج أن زوجته الفتاة لم ~~تكن عذراء، مع أن أبويها زوجوه بها على أنها بكر قتلت رجما، وإذا ثبت كذب الزوج ~~ألزم بدفع مائة من الفضة إلى أبويها، ومنع من تطليقها. # ومن يغتصب فتاة يحمل على تجهيزها والزواج بها. # ومن يغتصب فتاة مخطوبة يعد عمله مساويا لزنا الزوج فيقتل. # ومن الغرابة بمكان أن كانت الفتاة تعد مذنبة، فترجم إذا حدث الجرم في مكان ~~مسكون؛ لعدم استغاثتها فيه مع إمكان ذلك، وأن كانت الفتاة تبرأ إذا وقع الجرم في ~~البرية؛ لإمكان استغاثتها من غير أن يسمع صوتها. # وكان الوفاء الزوجي أمرا محترما لدى بني إسرائيل، وكان زنا الأزواج يعد جرما ~~فظيعا فيعاقب مقترفه بالقتل، وزنا المرأة، لا زنا الرجل، هو المقصود هنا؛ وذلك لاستطاعة ~~الرجل أن يتزوج بالعدد الذي يرغب فيه من الزوجات الشرعيات وغير الشرعيات ما سمحت وسائله ~~له بذلك، وما كان الرجل ليعد مجرما إلا إذا زنى بفتاة مخطوبة أو بامرأة متزوجة، فهنالك ~~يقتل. # وليس زنا الأزواج هو الجرم الوحيد الذي تحرمه الشريعة على مزاج بني إسرائيل الداعر، ~~ففي شريعتهم تعداد لدعارات عنيفة مع شدة عقوبة ms32 من يقترف إحداها، وتثبت هذه الشدة ~~كثرة المخالفات. # وسفاح ذوي القربى، أي الزنا بالأخت والزنا بالأم، واللواط والمساحقة ومواقعة البهائم ~~من أكثر الآثام التي كانت شائعة بين ذلك الشعب الذي نص تاسيت على شبق له لا يروى ~~غليله. # وأريد لدى بني إسرائيل - كما عند كل شعب ذي غلمة - خلط أفظع الملاذ بالطقوس ~~المقدسة، وموافقة الشريعة على هذه الملاذ، فعدت ضروب البغاء تكريما لعشتروت، وعد ~~الانهماك في السكر على بسط الأزهار وتحت ظلال شجر الزيتون في الليالي الرطيبة نوعا من ~~العبادة التي لم تفتأ تمارس آنئذ في فلسطين، على الرغم من غضب الأنبياء. # وما في الفصل الثامن عشر من سفر اللاويين من المحظورات، كسفاح ذوي القربى واللواط ~~ومواقعة الرجال والنساء للبهائم، وما إلى ذلك من الأمور التي يحرمها معظم الشرائع لعدم ~~فائدة النص على ذلك، فيدل على درجة غلمة الشعب اليهودي. # وفي المجتمع اليهودي، كما في جميع المجتمعات الابتدائية، كانت المرأة كثيرة التبع، ~~فتعد مملوكة تشترى من أبيها عند النكاح، فيكون زوجها سيدها المطلق. # ولم يكن لنذر أو قسم تبديه المرأة أية قيمة ما لم يؤيده زوجها. # ولم تكن المرأة محصورة كالمرأة الشرقية في أيامنا، فالمرأة إذا ما كانت ذات مواهب خاصة، ~~أمكنها أن تمثل دورا كمريم أخت موسى، وكدبورة التي كانت قاضية. # وللنساء حق الميراث عند اليهود، وللأم في الأسرة حق الاحترام كالأب؛ فقد جاء في سفر ~~الخروج: «أكرم أباك وأمك.» وكان الموت جزاء من يضرب أباه أو أمه. # وقانون العقوبات لدى بني إسرائيل كان كله يقوم على مبدأ القصاص الفطري الجاهلي، ويلخص ~~في الأسطر الآتية التي جاءت في سفر اللاويين: # ومن قتل إنسانا يقتل قتلا، ومن قتل بهيمة فليعوض مثلها رأسا بدل ~~رأس، وأي إنسان أحدث عيبا في قريبه فليصنع به كما صنع، الكسر بالكسر والعين ~~بالعين والسن بالسن، كالعيب الذي يحدثه في الإنسان يحدث فيه. # حتى إن هذا الحكم كان يطبق على الحيوانات أيضا. # فإذا ما نطح ثور رجلا أو امرأة فمات النطيح، رجم الثور من فوره. # وكان ms33 المجرمون يحاكمون ويجازون باسم المجتمع، ومع ذلك بقي من الطبائع الابتدائية في ~~المجتمع اليهودي ما كان يحق للمظوم أن يقتص به لنفسه، ومن هذا القبيل حق القريب في ~~الانتقام للقتيل، وكان لهذا القريب المعروف بولي الدم أن يقتل القاتل في غير المعبد وفي ~~بعض الملاجئ. # ولم يرتق اليهود إلى ما هو أعلى من درجة التطور الدنيا هذه التي لم تكن وحيدة في ~~عاداتهم، ولم تكن سنة الإبراء عند اليهود إلا وجها مخففا من الشيوعية ~~الابتدائية. # وفي كل تسع وأربعين سنة، أي ما يعدل أسبوع سنوات في سبع سنوات، كما كان يقول اليهود، ~~كانت تفتح سنة الإبراء، وهي السنة الخمسون، فتترك الأرض بائرة فيها، ويحرر العبيد ~~فيها، وفيها تسترد كل أسرة ميراث آبائها في الحصة التي أعطيت لأجدادها عند ~~القسمة. # وإذا عدوت سنة الإبراء وجدت لدى اليهود سنة البطالة، وفي هذه السنة تؤجل الديون، وفيها ~~يسترد الإسرائيليون الذين غدوا أرقاء بسبب فقرهم حريتهم؛ «لكيلا يكون بينكم فقراء» كما ~~جاء في الشريعة. # ومن خلال ذلك تبصر الشيوعية القديمة المانعة من كل تقدم، والتي تود الاشتراكية الحكومية ~~أن تسوقنا إليها، ومن المحتمل أن يجد الباحث في دوام تلك النظم الابتدائية أحد الأسباب التي ~~حالت دون تقدم اليهودي في الصناعة والفن والثقافة. # وكان الاعتداء على المال يعد ذنبا عظيما، فيجازى مجترحه برد ضعفي قيمة المال ~~المسروق أو ثلاثة أمثال قيمته، وقد يبلغ ذلك خمسة أمثال قيمته أو سبعة أمثال قيمته في بعض ~~الأحيان. # وكان الفصل من المجتمع الإسرائيلي من أقسى العقوبات التي تفرض في غير حال؛ لما يتضمنه ~~من الموت المدني، وكان الذي يحتمل هذا الجرم يخسر المنافع الثمينة التي يمن بها لقب ~~الإسرائيلي عليه، ويخسر فوائد التضامن الذي كان ينتفع به أدنى شخص من ذرية يعقوب. # وتذكرنا حكومة العبريين على الدوام بالنظام الرعائي الخاص الذي يشاهد لدى جميع ~~البدويين. # وحافظ الشيوخ، حتى في عهد الملوك، على كبير سلطان في كل مدينة. # وفي غضون القرون كان الشيوخ أو القضاة يتسلمون القيادة في زمن الحرب ms34 على غرار رؤساء ~~العصابات البدوية. # حتى إن الملوك أنفسهم كانت لهم تلك المزية الأبوية أو العسكرية التي يشتق منها كل ~~سلطان لدى بني إسرائيل، وما كان الملوك هؤلاء ليشابهوا عاهلي آسيا المتكبرين الذي هم ضرب ~~من أشباه الآلهة، فلا يقترب منهم إلا بارتجاف، إلا بتعريض النفس للموت، وكان شاول وداود ~~وسليمان نفسه، وجميع خلفائهم، يعيشون قريبين من الشعب بلا تكلف، ليني الجانب تجاه ~~الجميع، معنفين من الأنبياء، مهانين بلا عقاب في بعض الأحيان، شأن داود الذي رجمه ~~شمعي بالحجارة. # وكانت حياة بني إسرائيل الخاصة بسيطة، وكان ثرواتهم الكبيرة تتألف من المواشي والأثمار ~~والبر والثياب المعدة ليبدل منها بغيرها. # وكان لباسهم كلباس العرب المعاصرين، وكانوا يحتذون نعالا، وكانوا يتذوقون الحلي، ~~وغدا غناج نسائهم عظيما في أواخر عهد الملوك، وأثار حبهم للحلي غضب الأنبياء، وما ~~ذكرته بسبب النفائس في بابل عدد زخارف بنات الشرق الزاهيات أولئك، كما ورد على لسان ~~إشعيا الحاد. # وفي بلاط سليمان تجلت أكبر أبهة عرضت لدى بني إسرائيل، جاء في سفر أخبار الأيام ~~الثاني: «رأت ملكة سبأ البيت الذي بناه سليمان، وطعام موائده ومسكن عبيده وقيام خدامه ~~ولباسهم وسقاته ولباسهم ومحرقاته التي كان يصعدها في بيت الرب.» # ويمكننا أن نبصر، من خلال الاحترام الممزوج بالدهش في وصف المؤرخ لتروس الذهب التي ~~زين بها سليمان قصره، ولعرشه العاجي المرصع بالذهب وآنيته الذهبية، درجة ما كان يمكن أن ~~يؤثر به مثل هذه النفائس في روح العبريين الساذجة. # ومن الطريف أن يلاحظ منذ ذلك الدور سرور اليهود في عرض الأموال والنفائس عرضا غليظا، ~~وفي اتخاذ المصنوعات الفنية الثمينة بفعل التقليد. # ولم يجر على فم مؤلف سفر أخبار الأيام الثاني غير كلمة الذهب في وصف مظاهر الترف ~~لدى سليمان، وقد كررت هذه الكلمة اثنتي عشرة مرة في بضعة أسطر: # عمل الملك سليمان مائتي مجنب من ذهب مطروق، للمجنب الواحد ستمائة مثقال ~~ذهب مطروق، وثلاثمائة مجن من ذهب مطروق، للمجن الواحد ثلاثمائة مثقال ذهب، ~~وعمل الملك عرشا كبيرا من عاج وألبسه ذهبا خالصا، ms35 وكان للعرش ست درجات مع ~~موطئ من الذهب، وكانت جميع آنية شرب الملك سليمان ذهبا، لم يكن فيها فضة؛ إذ لم ~~تكن الفضة تحسب شيئا في أيام سليمان. # وما كان من عرض ذلك الذهب بجميع الأشكال في القصور والهيكل العاطل من كل جمال فني، فيدل ~~على الروح اليهودية الساذجة الغليظة. # والتجارة كانت مصدر تلك الثروات، ولا سيما في دور التجارة البحرية، تلك التي جربها ~~سليمان تجربة لم تدم طويلا، وما كان بنو إسرائيل ليفكروا في أمر البحر؛ فقد كان ما ~~يتخذه الملك من السفن والملاحين يؤخذ من فنيقية، كما كان يؤخذ خشب الأرز والبناءون ~~منها لشيد الهيكل. ~~«وأرسل له حيرام على أيدي عبيده سفنا وعبيدا عارفين بالبحر، فأتوا أوفير مع عبيد ~~سليمان، وأخذوا من هناك أربعمائة وخمسين قنطارا من الذهب. # وكان للملك في البحر سفن ترشيش مع سفن حيرام، فكانت سفن ترشيش تأتي مرة في كل ثلاث ~~سنين، حاملة ذهبا وفضة وعاجا وقردة وطواويس.» # ولم تختلف بيوت بني إسرائيل قط عما يشاهد اليوم في سورية، فكانت بيوت الموسرين من ~~الحجارة وبيوت المعسرين من الآجر. # وكانت تلك البيوت بسيطة في داخلها، وكان رياشها يتألف من سرر وموائد ومقاعد ~~وقوارير عطور عادية مادة وشكلا كما يظهر. # والنظافة هي الترف الأول الذي حاول المشترعون نشره بين بني إسرائيل، فلاقوا كبير أذى في ~~الوصول إلى ذلك، والنظافة كانت أمرا ضروريا لذلك الشعب الوخيم أكثر مما لأي شعب آخر؛ ~~وذلك لكيلا تقرضه القروح والجرب والقوباء والجذام، وآية تراث بني إسرائيل المستقلة عن ~~مواعيد يهوه المشكوك فيها، هي الدم الفاسد الذي من شأنه أن يستر بنو إسرائيل بالأمراض ~~الجلدية على الدوام. # ولاحظ مشترعو بني إسرائيل أن لحم الخنزير واللحوم الدامية والحيوانات الهلامية - ~~اللافقرية - والمحار مما يؤدي إلى زيادة الأمراض الجلدية، فحرموا عليهم هذه الأغذية ~~لهذا السبب لا ريب، وكان أكل الخنزير مما يمقته يهوه، وكان لا يجوز استعمال لحم المواشي ~~إلا بعد استنزاف كل دم منه. # وكان لا بد من الأوامر الشرعية الصارمة لمنع بني إسرائيل ms36 من أكل لحم الكلب والميتة وجميع ~~أنواع الأوساخ. # وكان التطهير والغسل مما أمروا به، وغدا الختان تدبيرا صحيا، ووجب على النساء أن ~~يقمن بالعناية الشديدة في كل حال تقضي الطبيعة عليهن به من الدنس المحتوم. # ويحمل كل واحد من هذه التدابير مؤيدا دينيا، فتعد مخالفته أمرا مرهوبا. وفي ~~سفر اللاويين فصول تامة خاصة بوصف الأمراض الجلدية وبوقايات العزل الضرورية؛ منعا ~~لسريانها بالعدوى، فإذا أصيب المرء ببثرة وجب عليه أن يمثل أمام الكهنة ليقرروا خطر ~~الإصابة أو عدمه، وكان لا معدل عن حرق ثياب المرضى والأدوات التي يمسونها. # ولولا مثل هذه الوقايات ما وفق بنو إسرائيل للبقاء. # واليهود، على خلاف معظم الشرقيين، كانوا يخشون الموت؛ لما لا يبصرون وراءه سوى راحة ~~كئيبة في مكان مظلم، فكانوا يحتفلون بعيد الحياة احتفال تمجيد، فيبكون من يفقدونهم ~~مبدين من الألم المفرط ما وجب منعه. # وكانوا يولولون وينتحبون ويضربون صدورهم ويشقون ثيابهم ويغمرون أنفسهم بالرماد إظهارا ~~لحدادهم، ولا مبالغة في الألم يوم المأتم كما يظهر، وكان الميت ينقل إلى قبر الأسرة ~~المنحوت في الصخر، فيستقبله آباؤه كما جاء في التوراة. # وكانت المظاهر الصاخبة تظهر في الفرح ظهورها في الترح، ومن ذلك أن داود أبدى من ~~السرور، حين جلب إلى أورشليم تابوت يهوه، ما خلع معه ثيابه وأتى من الوثوب بما أوتي من ~~قوة، صاخبا صخب الفرح، مسيئا لزوجته ميكال بنت شاول إساءة عدته مجنونا من ~~أجلها! # وإذا أريد تلخيص مزاج اليهود النفسي في بضع كلمات كما يستنبط من أسفارهم، وجد أنه ظل ~~على الدوام قريبا جدا من حال أشد الشعوب ابتدائية؛ فقد كان اليهود عندا مندفعين ~~غفلا سذاجا جفاة كالوحوش والأطفال، وكانوا مع ذلك عاطلين في كل وقت من الفتون ~~الذي يتجلى في سحر صبا الناس والشعوب، واليهود الهمج إذ وجدوا من فورهم مغمورين في ~~سواء الحضارة الآسيوية المسنة الناعمة المفسدة، أضحوا ذوي معايب مع بقائهم جاهلين، ~~واليهود أضاعوا خلال البادية من غير أن ينالوا شيئا من النمو الذهني الذي هو تراث ~~القرون. # وإذا أريد ms37 وصف المجتمع اليهودي من ناحية النظم، أمكن تلخيصه في كلمتين وهما: نظام ~~رعائي من طبائع المدن الآسيوية الهرمة وذوقها وعيوبها وخرافاتها. # ويعرب حزقيال عن ذلك الرأي في الفصل السادس عشر، حين يذكر ظهور الشعب اليهودي الحقير ~~وأوائله الهزيلة وما عقب استقراره بفسلطين من الحميا، فيقول مخاطبا تلك الأمة العاقة ~~قائلا باسم يهوه: # وفي جميع أرجاسك وفواحشك لم تذكري أيام صباك، وإذ كنت لم تشبعي زنيت مع ~~بني آشور ولم تشبعي، فلذلك أقضي عليك بما يقضى على الفاسقات وسافكات الدماء، ~~وأجعلك قتيل حنق وغيرة. # الفصل الثالث # | دين بني إسرائيل # لم تكن الديانة اليهودية في كل زمن مطابقة لما نسميه اليوم باليهودية. # وكان لا بد من انقضاء قرون طويلة قبل أن تصبح مناحي الساميين التوحيدية الموحدة في ~~كونية بابل، والمحررة بالتدريج من الإشراك الآسيوي؛ الدين الذي زاوله اليهود منذ يسوع ~~المسيح والذي يرد إلى زمن العودة من إسارة بابل تقريبا. # ولا شبه بين إله اليهود الراهن، الذي يوحد بأبي المخلص إله النصارى، وإله سيناء ~~يهوه الذي يراد اشتقاقه منه، وهو أكثر مشابهة من ذلك بإله الرعاة الغامض الكبير ~~إلوهيم، الذي لا تجد له شخصية يهوه الضيقة الشديدة. # وإلوهيم هو الاسم الذي نراه قد أطلق بالحقيقة على الألوهية في أقدم أسفار ~~اليهود. # ولا يمكن أن يقال إن إلوهيم هو إله واحد؛ لجمعية اسمه، ولأن جميع الكلمات التي ترجع ~~إليه قد وردت بصيغة الجمع. # فبنو إسرائيل كانوا يعبدون إذن إلوهيمات في أثناء حياتهم البدوية التي قضتها أجيالهم ~~الأولى. # ولذلك لا ينبغي أن يطلب من هذا الشعب البسيط تعريف وثيق لموضوع عبادته، ولمبادئ ~~الروح السامية ما لآفاق الصحراء من الوجه الفخم النمطي المبهم، والروح السامية لا تحدد ~~شيئا، والروح السامية لا تحتوي شيئا على أوجه واضحة مقررة كثيرة كالتي أسفر عنها الخيال ~~الآري بسهولة، واليوم لا تجد لدى البدوي الحاضر سوى دين مبهم يكترث له، وذلك على الرغم من ~~إسلامه الظاهر. # وما كان من فقدان الأوثان بين الساميين ومن احتياجهم إلى البساطة، فقد كان يعدهم ms38 إلى ~~التوحيد فانتهوا إليه بسرعة. # على أن من الإفراط في التوكيد أن يخلط توحيد حياتهم الابتدائية المبهم بما أعلنوه بعد ~~زمن من الإيمان بإله واحد. # والحق أن إلوهيم الأجيال القديمة السديمي العاطل من الجنس والاسم، والواحد والمتعدد ~~في آن واحد، يقرب من إله الأديان الكبرى الحديثة العام أكثر من قربه من يهوه الجائر ~~الذي يقطر من دم الشعوب المذبوحة، ومن لحم القرابين، والحامي الوثيق لشعب صغير هزيل، والأخ ~~لمولك وبعل. # ومن الصعب، مع ذلك، أن يسهب في بيان دين اليهود الابتدائي؛ وذلك لأننا لا نستطيع أن ~~نحكم في أمره إلا من خلال حال شعوب الجنوب السامية، أي شعوب ذلك العرق التي لم تعان ~~نفوذ الأجنبي. # ومهما نعد بعيدا إلى تاريخ ساميي الشمال - العمونيين والإسماعيليين واليهود - لم ~~نستطع أن نعرف من ديانتهم غير ما كان عقب إقامتهم بما بين النهرين، تلك الإقامة التي طبعت ~~بطابع الفكر الكلداني الثابت. # وعم الإشراك آسيا منذ أقدم أزمنة التاريخ اليهودي، حتى في آل إبراهيم، وثلاثة من ~~الموجودات الإلهية هي التي أوحت إلى هذا الأب الراعي بهدم سدوم، وراحيل أخذت معها ~~الأصنام لابان حين تركت بيت أبيها. # ومما يبصر من قصة إسحاق كذلك، وجود القرابين البشرية منذ ذلك الزمن، ودوام هذه ~~القرابين لدى بني إسرائيل زمنا طويلا. # وأسفرت إقامة العبريين بمصر عن قليل أثر في ديانتهم، ومن غير الحق أن أريدت رؤية ذكرى ~~أبيس في العجل الذهبي على ما يحتمل. # وكان ذلك العجل، الذي هو رمز الرجولة، منتشرا في جميع آسيا، وكان ذلك العجل من أصل ~~كلداني، وكان بنو إسرائيل يعبدون العجول المعدنية بعد خروجهم من مصر بطويل زمن؛ لارتوائهم ~~من مبادئ ما بين النهرين الدينية، وكان هذا هو الوجه المفضل الذي يرمزون به إلى ~~يهوه. # ومن مصر لم يقتبس بنو إسرائيل سوى جزئيات ظاهرية، أي صدرة الأحبار وتابوت العهد أو ~~الناووس السهل النقل المشتمل على يهوه في شكل حجرين. # ومما يذكر أن فرعون مصر، وهو المساوي للآلهة، هو الذي كان يحق له وحده أن يفتح ms39 الناووس ~~وأن يرى الشعار المرهوب الحافل بالأسرار. # وفي اليهودية كان يحق للحبر الأعظم وحده أن يدخل مرة واحدة في العام الواحد قدس ~~الأقداس، حيث تابوت العهد. # والويل كل الويل لمن يجرؤ على مس ذلك الصوان المقدس؛ فقد أصيب الفلسطينيون الذين ~~كانوا قد أخذوه معهم بين غنائمهم بشرور مرهوبة لم ينجوا منها إلا بعد أن أعادوه، واعتقد ~~أحد ضباط داود سقوط ذلك التابوت، فأراد دعمه فمات من فوره. # وكل ما استطاعه بنو إسرائيل هو أنهم اقتصروا على اقتباس تلك الخرافات من الحضارة المصرية ~~العظيمة، التي هي أسمى من مستواهم بمراحل، وبنو إسرائيل كانوا يتركون تلك الخرافات كلما ~~أشبعوا من المعتقدات الآسيوية، وآخر ذكر لتابوت العهد ورد في سفر إرميا، فبعد أن ~~تكلم هذا النبي عن انتصار إله روحاني واحد بين بني إسرائيل أضاف إلى ذلك قوله: # لا يعودون يقولون تابوت عهد الرب ولا يخطر لهم ببال، ولا يذكرونه ولا يفتقدونه ~~ولا يصنع من بعد. # وفي وادي الفرات نشأت ديانة بني إسرائيل، أو على الأصح مختلف العبادات التي مارسها بنو ~~إسرائيل، وذلك بين إقامتهم بفلسطين وعودتهم من إسارة بابل. # حتى إن أسماء آلهتهم تدل على أصلها الأكادي في الغالب. # فكلمة إلوهيم هي جمع لكلمة إيل التي تجيء في كلدة بمعنى الإله الأعلى، وكلمة بابل ~~فيما بين النهرين تجيء بمعنى باب إيل، كما أن بيت إيل تجيء في اليهودية بمعنى منزل ~~إيل. # والمكان الذي قاتل يعقوب الرب فيه سمي فنوئيل، وتسمى هذا الراعي فيما بعد باسم ~~إسرائيل - الذي هو أقرب من إيل. # وليست الإلهة الكبرى الشهوانية عشيرا أو عشتروت التي كان العبريون يعبدونها في ~~الأماكن العليا بين الغياض، والتي كانوا يأتون بالدعارات المقدسة تكريما لها، إلا زهراء ~~«فينوس» بابل عشتار. # وليس بعل الذي جعله بنو إسرائيل منافسا ليهوه، والذي اختلط به نهاية الأمر، بعل ~~كلدة، وإنما انحدر منه على وجه غير مباشر، أي بعد أن جاوز فنيقية؛ حيث استعاره ~~العبريون. # وإذا عدوت دائرة الأسماء التي هي أمر ظاهري إلى الغاية، وجدت أساس الدين ms40 يدل على ~~أية دائرة من الأساطير صدرت عنها معتقدات اليهود. # فمن ينظر إلى نظام الكون البابلي القديم، الذي وجد في الكتابات المسمارية، والذي هو ~~أقدم من تاريخ التوراة بعدة قرون، يبصر مشابهته للكونية التي وردت في سفر التكوين، ~~والتي ليست غير نسخة بسيطة عنه. # على أن الرأي البابلي القائل بخلق الدنيا في ستة أيام، أي في أدوار متعاقبة، مما كان ~~كثيرا على الدور الذي بدا فيه، فليس تبين ذلك بالذي يصدر عن شعب سامي ذي أفكار ~~مبهمة. # وما تراه أيضا في أقاصيص سفر التكوين من نوع المنطق، ومن براعة التأليف وقوة الخيال، ~~فما يجاوز قابليات بني إسرائيل بمراحل لا يحصيها عد. # وترى الكنيسة معجزة في تفتح تلك الكونية العظيمة في صميم عصابة من البدويين الجاهليين ~~الأجلاف، فتستنتج من ذلك صدورها عن وحي إلهي بحكم الطبيعة. # ويتضح سر المعجزة ويزول افتراض الوحي عندما ترى فاتحة التوراة في كتابات حكماء كلدة، ~~التي هي أقدم من سفر الخروج بزمن طويل. # ومن الإصابة قول مسيو رينان: «لم يخترع الراعي البدوي تلك الأقاصيص الرائعة، بل أوجب ~~نجاحها، ولم تكن الكونية الكلدانية لتعم العالم بشكلها الزائد الوارد في النصوص الآسيوية، ~~فكان لا بد من القريحة السامية لتبسيط تلك الكونية في الوقت الذي أرادت النفس البشرية فيه ~~مبادئ واضحة حول ما لا يعرف بوضوح، فغدت الغرائب التي كانت تظل مختنقة في حشويات الشرق من ~~الأمور البديهية، وتمت هذه المعجزة بفضل خيال بني إسرائيل الجلي القانع، وما كان غريبا في ~~تاريخ كلدة بدا في أقاصيص التوراة من الصحة والسهولة ما رأت فيه سذاجتنا الغربية تاريخا، ~~معتقدة أنها إذا ما انتحلت هذه الأقاصيص قطعت صلتها بالأساطير الأولى.» # ولا تبصر الأساطير الكلدانية في سفر التكوين وحده، بل تجد آثارا لها في أسفار أقل ~~قدما منها على وجه أقل وضوحا، ومن ذلك قصة شمشون التي وردت في سفر القضاة. # يمثل شمشون الهركول الإسرائيلي بقدرته الغريبة وأعماله التي كان ينجزها بوسائل ~~بسيطة جدا، والواقع أن هركول من أصل بابلي، ويتجلى مثاله في ms41 نينيب المعروف، ذلك ~~الإنسان الآشوري الأكادي العجيب الذي كان يقتل الأسد بيد واحدة ! ولم يكن اسمه شمشون مع ~~ذلك، بل كان شمشون الذي معناه: «الشمس» أي نصف الإله الذي كان يوجد كثيرا على ضفاف ~~الفرات. # وليس لدينا من الوقت ما نعرض فيه هنا ما أسفر عنه تفسير التوراة الحديث حول تلك المسائل، ~~وإنما نقتصر على ذكر أمر اقتبسه اليهود من عبادات كلدة. # إن من الأقاصيص التي انتحلها بنو إسرائيل طوعا هي قصة تموز الإلهي ابن عشتار، ~~الذي ذهبت الآلهة لتبحث عنه حتى سواء الجحيم. # وكان يمثل موت تموز الذي غدا أدونيس الإغريق نهاية الخريف، وكان ذلك الإله الجميل ~~يموت في كل سنة ليبعث بعد كل شتاء، فإذا دل حر الصيف على فقده بكي باحتفال، فكانت ~~النساء تقوم بالشعائر المأتمية نادبات طالعه. # ومما رواه حزقيال أنه كان في زمنه نساء تبكي تموز في معبد الرب. # ولنبحث الآن في صفات أهم آلهة بني إسرائيل وأخلاقها، وذلك من غير دخول في ~~التفاصيل. # كان للآلهة، يهوه وبعل وعشيرا، طبائع وصفات خاصة بالسيارات والجو والشمس، كما كان ~~لجميع آلهة كلدة. # وانتقل إلى جميع الساميين الذين سكنوا ما بين النهرين ما كان يساور قدماء سكانه من ~~التأثير العميق الثابت الصادر عن منظر السماء الساطع الصافي، وعن عوارض العواصف المفاجئة ~~المرهوبة. # وظلت عبادة الشمس والقمر والنجوم قائمة طويل زمن لدى جميع أمم سورية، ولدى بني إسرائيل ~~على الخصوص. # وفي زمن حزقيال، حوالي أواخر أيام مملكة يهوذا، كان يمكن أن يرى - حتى في هيكل ~~أورشليم - يهود كانوا يسجدون أمام الشمس مولين وجوههم شطر الشرق. # وكانت عبادة الشمس تختلط آنئذ بعبادة الحيوانات؛ وذلك لما كان من تصوير القوم على جدر ~~معبد يهوه صور الزحافات والبهائم والأشياء الكريهة، وجميع آلهة آل إسرائيل الفاضحة كما ~~روي النبي ذلك. # ومع ذلك أسفر الإصلاح اليهودي العظيم الذي قام به الملك يوشيا قبل ذلك بقليل سنوات عن ~~تطهير الهيكل من الأصنام التي كان حافا بها. # فقد أمر ذلك الملك الكهنة كما جاء في سفر ms42 الملوك: # أن يخرجوا من هيكل الرب جميع الأدوات المصنوعة للبعل والعشتاروت ولجميع جنود ~~السماء فأحرقها. # وأزال الخيل التي أقامها ملوك يهوذا للشمس من عند مدخل بيت الرب، وأحرق مراكب ~~الشمس. # ولكن شعب إسرائيل كان قد بلغ من الغرق في الإشراك ما كان يتعذر معه على عزيمة ملك أو ~~خطب نبي تخليصه منه. # وكان إله النار مولك الهائل الذي هو من الأصنام المفضلة، يمثل بتماثيل نحاسية، ~~فيوضع صغار الأولاد على ذرعانها المحماة. # وكان التقي يوشيا يحارب تلك الخرافات الظالمة: «فنجس توفت التي في وادي بني ~~هنوم؛ لكي لا يجيز أحد ابنه أو ابنته في النار لمولك.» # وكان مولك إله النار الضارة، وكان يمثل الصاعقة التي تحرق الحصاد وحرارة الشمس الضارية ~~التي تجعل السهول جديبة، وكان مولك إلها مرهوبا فيجب تسكينه. # وكان بعل على عكس مولك، يمثل الشمس النافعة، فينضج أثمار الأرض ويحمر القطف ~~العطري بين خضرة الغصون، وكان الفنيقيون على الخصوص يعبدون بعلا، فأدخلته إيزابل ~~الصيدونية على الخصوص إلى العبريين. # وظهر في عهد زوج الأميرة أحآب جفاف عظيم، فتصارع نبي يهوه إيليا والكهنة ليعرفوا ~~أي آلهته ينزل المطر ويمن على الحقول بالخضر، وظهر أن دعاء إيليا أعظم أثرا من دعاء ~~منافسيه، فأساء هذا الأمر الملكة إيزابل كثيرا. # وكان لعشيرا، وهي عشتارتا الفنيقيين وعشتار بابل، أو ميليتا بابل، عظيم حظوة لدى ~~شعب إسرائيل الشبق؛ وذلك لما كان لها من شعائر شهوانية. # وكانت هياكل ذلك الإله تقوم على تلال ذات هواء منعش رطيب فوق سهول محرقة ذات بعوض ~~مفسد لبقاع الدنيا، وكانت تحاط تلك الهياكل بغاب الزيتون حيث يسمع للحمائم العاشقات سجع ~~وهديل، وحيث كانت الفتيات اللائي يتألف من أجسامهن اللطيفة ضحايا حية معدة على الدوام ~~لتكتوي بنيران إلهة الحب، يقضين نهرهن في تطريز الخيام للغياض، ولياليهن في قضاء أوطار ~~المؤمنين الذين يتقاطرون إلى هنالك. # وكان وتد صغير مغروز في الأرض، رمزا غليظا لعضو التذكير، يكفي لتلقين مبدأ عشيرا ~~وتقديس الغابة. # وغدت تلك العهارات المقدسة تكتسب شكلا كريها عندما صار الخصيان، لا النساء، ms43 هم الذين ~~يبيعون أنفسهم من المؤمنين في ليل الغاب الكثيف الفاتن، وعلى ما كان من نعت الأنبياء لهؤلاء ~~الخصيان بالكلاب، وعلى ما كان من حظر نذر أجور هؤلاء الفاسقين لم ينفك بنو إسرائيل عن ~~مضاجعتهم، فمن أجل هذه المنكرات وصف الأنبياء إشعيا وإرميا، وحزقيال على الخصوص، أورشليم ~~بالمدينة العاهرة التي لا تشبع من الفجور. # قال يهوه لتلك المدينة الآثمة: «اتكلت على جمالك، وزنيت على اسمك، وسكبت فواحشك على كل ~~مجتاز كان له ما تبتغين، وأخذت من ثيابك فصنعت لك مشارف ملفقة الشقق، وزنيت فيها زنى لم يكن ~~ولن يكون.» # ويهوه، ذلك الذي بدا كثير الغيرة للمعبودات المنافسة، كان الإله الذي يتخذه الأنبياء ~~لدعوة بني إسرائيل إلى مبدأ التوحيد السامي. # والأنبياء كانوا يختارونه لأنه الإله القومي، ولأنه - وقد تشخص الشعب فيه - حكم بني ~~إسرائيل في السراء وفي الضراء، فكان له من النصيب في الارتضاء به وحده أكثر مما ~~بغيره. # وكان نشوء يهوه في سيناء بسبب الهول الذي أوجبه في بني إسرائيل منظر ما يجهله وادي ~~النيل من مناظر عواصف الجبل المرهوبة. # وكان يهوه في بدء الأمر إله الجو فقط، وكانت الصاعقة والرياح والسحب تعد جيادا ~~له، رسلا له، دلائل عليه. # وقد مثل يهوه في تابوت العهد بحجرين سقطا على الصحراء تحت نظر بني إسرائيل ~~المبهوتين. # ولا يزال يهوه يتجلى في عمود الدخان وعمود النار اللذين كانا دليلين لبني إسرائيل ~~في التيه، مع صدورهما عن الريح التي تعبث بالصحراء. # وفي جميع أسفار التوراة، حتى في أحدثها، ترى العوارض الجوية ملازمة لذلك الإله مخبرة ~~به على الدوام. # وقد أنزله إيليا على الهيكل في صورة حمامة، ولقيه على جبل الكرمل في نسيم خفيف، ~~وسمع أيوب صوته يخرج من عاصفة. # وفي المزمور الثامن عشر ذكر ظهور ذلك الإله كما يأتي: # سطع دخان من أنفه ومن فيه نار آكلة، جمر متقد، طأطأ السماوات ونزل والضباب تحت ~~قدميه، ركب على كروب وطار وخطف على أجنحة الرياح، جعل الظلمة حجابا له مظلة ~~حوله، ظلام المياه ودجن السحب، من ms44 بهاء حضرته مرت سحبه، برد وجمر نار، أرعد ~~الرب من السماء وأسمع العلى صوته، برد وجمر نار. # ولم ينشب ذلك الإله الذي هو وليد هول البادية، أن عد بين بني إسرائيل إلها خاصا ~~بهم، وإن شئت فقل ملكا قوميا لهم. # ومن العادات العامة بآسيا، حتى في مصر، حتى لدى جميع الأمم القديمة، أن كان لكل مدينة، ~~لكل قبيلة، إلهها الخاص الحافظ، مع اعترافها بطائفة من الآلهة، فكان لمؤاب الإله خموس، ~~ولصور الإله ملكارت، وللفلسطينيين الإله داجون، ولبني إسرائيل الإله يهوه. # ولم يعبد بنو إسرائيل - حتى دور الإسارة، حتى عند أكثر أنبيائهم توحيدا - إلها يمكن أن ~~يكون رب الأمم الأخرى، ولم يكن لإصلاحات الأنبياء غير صبغة محلية في كل حين، وكل ما كان ~~يطلبه هؤلاء الأنبياء هو أن تسود بني إسرائيل عبادة يهوه على حساب المعبودات الأجنبية، ~~ففي فلسطين لم يفكر أحد في إله إزلي شامل قبل إشعيا وإرميا، أي نبيي المنفى ~~الكبيرين اللذين لم يكادا يبصران تلك النتيجة المجيدة. # وعلى ما في أسفار اليهود من دفاع عن أفضلية يهوه، لم تمار هذه الأسفار قط في وجود ~~آلهة أجنبية. # جاء في سفر التثنية: «أي شعب كبير ذي آلهة قريبة منه قرب يهوه منا، حينما نبتهل ~~إليه في كل مرة.» # وسفر التثنية هذا يأمر بني إسرائيل بهدم جميع مدن الشعوب المغلوبة وبيوت عبادتها وتحطيم ~~أصنامها؛ لكيلا يضطروا إلى خدمة آلهة البلدان الأجنبية، ومعنى هذا أن لولا هذا التخريب ~~لاقتضى انتحال الآلهة التي تشتمل عليها تلك المحال بطبيعة الحال. # إذن، أضحى يهوه إله بني إسرائيل القومي، بيد أنه كان لا معدل لهذا الإله - مع ~~غيرته - عن العيش متفاهما هو وطائفة من الآلهة والإلهات، والحيوانات المقدسة كالعجل ~~والثعبان، حتى الزمن الذي أدى فيه تطور بني إسرائيل الديني إلى عودة هذا الشعب إلى ~~ميوله الأولى التي أفسدتها الإقامة بما بين النهرين، أي إلى التوحيد السامي. # وكان يهوه ذلك ضاريا على الخصوص، فالدماء إذا لم ترق، والشحم إذا لم يقتر على ~~المذبح؛ لم يرتض. # وكان تقدم ms45 إليه قرابين عظيمة، وبلغ ما ذبحه سليمان دفعة واحدة من الثيران ~~والخرفان الكثيرة ما ظهر معه المذبح النحاسي - الذي يذبح عليه عادة - صغيرا جدا، فجلس ~~هذا الملك في فناء الهيكل وهو يذبح أو يأمر بالذبح بلا انقطاع مدة أسبوع كامل، فبلغ ما ~~ذبحه، بحسب رواية أخباره، اثنين وعشرين ألف ثور، ومائة وعشرين ألف خروف؛ إرضاء لميول إلهه ~~الدامية! # ولم يكن يهوه ليرتضي بالقرابين الحيوانية وحدها، بل كان لا بد من تقديم القرابين ~~البشرية إليه، ودامت هذه العادة لدى بني إسرائيل طويل زمن، فضحى يفتاح بابنته، وكاد ~~إبراهيم يضحي بابنه، وضحى صموئيل بملك العمالقة أجاج فقدمه قطعا إلى يهوه في ~~الجلجال. # وتتجلى سجية يهوه الدامية في معظم أوامره إلى شعبه، وقد قال إلى الشعب المختار: # إذا ما دخلت مدينة لم يفتك أن تقتل سكانها بحد السيف، وأن تستأصلهم أطلة ~~الدم، وأن تبيد كل ما يكون في تلك المدينة وأن تذبح حتى بهائمها. # فهذا هو المعبود الهائل الذي كان يسوع الحليم يسميه «أبي»، وأمام هذا المعبود تضم ~~النساء النصرانيات الناعمات أيادي أطفالهن منذ عدة قرون. # ومع ذلك رأت النصرانية بالغريزة ألا تستعمل كلمة يهوه منتحلة كلمة الرب على العموم، ~~وهذا الاسم رائع مبهم كاسم إلوهيم الرعاة. # ومن العمل المطول الذي لا نصنعه هنا أن نتعقب خطوة خطوة التطور الطويل الذي تحول به سنة ~~بعد سنة وقرنا بعد قرن، الإله الطاغية الممثل بحجرين، يهوه سيناء، والذي بدا به في ~~بدء الأمر معبودا ضاريا مشبعا من ضحايا داود وسليمان، والذي ظهر به بعدئذ أزلى إشعيا ~~المدعى بحكم العالم، والذي تجلى به في نهاية الأمر أبا ليسوع، فمزج بطبيعته هذا المصلح ~~الحليم، كما أننا لا نبين هنا كيفية ظهور بعض العقائد النصرانية، ونشوء هذه العقائد كالبعث ~~والحياة الآخرة التي سكتت عنها التوراة تقريبا، وليس الموت لدى بني إسرائيل غير نوم عميق ~~بلا يقظة، وفي هذه الحياة الدنيا، لا في الحياة الآخرة، ما يجب أن يتحقق وعد يهوه ووعيده ~~حول مراعاة الشريعة الشديدة. # ودام، حتى زمن ms46 الإسارة، دين اليهود القائل بتعدد الآلهة كما وصفناه، وذلك بعبادته ~~الكثيرة وطقوسه المتنوعة وأساطيره المتكاثفة. # ثم كانت خطوة نحو التوحيد، وكانت هذه الخطوة من المفاجأة ما يظن معه أنها وليدة طفرة ~~حقيقية، لا تطور منتظم. # وثغرة كتلك مما كان لا يتجلى في تاريخ بني إسرائيل ولا في فكرهم، بل في أسفارهم ~~المقدسة. # إن التوراة كتاب ألف في أدوار مختلفة أشد الاختلاف، وإن التوراة مملوءة بالارتباطات ~~والاختلاطات والروايات المرتبة المصنوعة بعد قصير وقت، ويعقب شعر إشعيا الروحاني السامي في ~~تاريخه ومكانه في العهد القديم إشراك الأجيال القديمة وأقاصيصها الجاهلية، ومما لا ريب فيه ~~وجود ثغرة عدة قرون في ذلك لا تسدها وثائق التوراة. # وليس علينا أن نبحث هنا كيف يمكن ذلك؛ فقد سرنا واليهود حتى الزمن الذي عادوا لا يؤلفون ~~فيه أمة، فلا نرسم التحولات التي عاناها فكرهم بتعاقب الأجيال بعد ذلك، وقد بينا بما ~~فيه الكفاية، التطور الذي أضحت به المذاهب الكلدانية دين اليهودية، بعد أن انتحلها هذا ~~الشعب الجديد، فمن مجاوزة حدود هذا الكتاب أن نبين كيف صار دين اليهود المشتق من ~~المعتقدات الكلدانية، الدين الكبير الذي هيمن على أمم أوروبا المتمدنة نحو ألفي سنة، ~~وذلك باقترانه بالأساطير الآرية. # الفصل الرابع # | الآداب العبرية # إذا كان اليهود قد عطلوا من الفن والصناعة عطلا تاما، وإذا كان اليهود قد ظلوا بمعزل ~~عن كل جمال يفوق المال، فإنك تجد لهم آدابا غنية منوعة يجدر ذكر بعض أجزائها. # وليست تلك الظاهرة خاصة ببني إسرائيل فقط؛ فهي تشاهد لدى جميع الأمم السامية، ولا سيما ~~العرب الذين كانوا قبل الإسلام ذوي شعر بعيد الصيت حقا، على أن الشعر مع الموسيقى فن ~~جميع الأمم الفطرية، والشعر مع بعده من التقدم موازيا لتقدم الحضارة تجده يضيق أهمية ~~وتأثيرا كلما ارتقت الأمم؛ فقد اقتضت الحضارة قرونا طويلة لاختراع الآلة البخارية ~~واكتشاف سنن الجاذبية، مع إمكان ظهور قصائد كالأوذيسة والإلياذة، وأغاني أوسيان في أدوار ~~الجاهلية. # وحالت حياة البداوة، على الدوام، بين أهل البدو دون ظهور فنون شاخصة، وأدت إلى ms47 عدم ~~اكتراثهم لتركيب الخطوط المنسجمة، وهي لم تحفز ملكاتهم إلى غير سبيل الشعر ، ولا سيما الشعر ~~الغنائي. # وأقدم أغاني العرب هي الأجمل، ولما أقام العربي بالمدن بعدئذ حافظ على عادة الذهاب إلى ~~تحت الخيام ليقوي وحيه، والعربي في قصده إخوانه الأعراب، يكون كما لو ذهب المدرسة ليتعلم ~~اللغة الفصحى والوزن الرنان وأخيلة البطولة. # وعند العبريين سار الشعراء أو الأنبياء على سنة الشعوب السامية، حتى في زمن الرخاء، ~~حتى في زمن الجاه، حتى في أيام العهد الملكي الأولى، كان أولئك الذين يسمعون أقوى الكلام ~~يتمثلون هذا الكلام في العزلة، فيبدون من ذوي الهوس والجرأة والخيال. # وللساميين في البادية فتنة لا تقاوم، فكان يحن إلى آفاقها الواسعة حتى في قصور الأرز ~~والذهب التي شادها سليمان، والبادية كانت توحي إلى كبار مرتلي بني إسرائيل، كانت توحي إلى ~~أيوب وإشعيا وإرميا وحزقيال، وأقدم المزامير أسنى من غيره بدرجات، والمزامير ~~وضعت لا ريب تحت الخيمة قبل الاستقرار النهائي بفلسطين. # وعند بني إسرائيل أسفر الشعر الغنائي، الممتاز جدا لدى جميع الأمم السامية، عن آثار لا ~~مثيل لها، وعلى ما تراه من تنوع فروع الأدب الأخرى عند بني إسرائيل لا تعدل هذه الفروع ذلك ~~الشعر الغنائي أبدا، وإذا كانت فروع الأدب تلك عزيزة علينا، فلما لم تترك الأمم المنتسبة ~~إلى الحضارات من المدونات بمقدار ما كتبه اليهود. # وتشتمل أسفار الكتاب المقدس، وهي لا تمثل سوى قسم من آثار بني إسرائيل الأدبية، على ~~نماذج لمعظم الأنواع التي مارستها الروح البشرية. # وفي التوراة تبصر التاريخ والأساطير والأقاصيص الخيالية، والقصائد الرعائية، والقطع ~~الروائية، والنبذ التعليمية، والأناشيد الدينية، والأغاني الحربية، والقصائد الغزلية، ~~والمجموع الحكمية والنسبية والشرعية ... إلخ. فنظر إلى ذلك نظرة خاطفة. # وأهم الأسفار التاريخية هي أسفار القضاة والملوك والأخبار وأستير ونحميا ~~والمكابيين. # وأما أسفار موسى الخمسة التي كانت تصنف بين تلك الأسفار فيما مضى، فتتألف من أساطير ~~كلدانية ومن عدة قوانين دقيقة يرجع نشوءها وتطبيقها إلى زمن أحدث من الزمن الذي وصف في ~~سفر التكوين وسفر الخروج، وكتبت تلك الأسفار ms48 الخمسة في عهد الملوك، ويمتاز سفر ~~التثنية، الذي هو أحد تلك الأسفار والذي هو أحدثها، من بقية تلك الأسفار بروحه ~~المثالية. # وليس من الممكن عد موسى مؤلفا لتلك الأسفار الخمسة فقط، بل إن موسى شخص أسطوري أكثر ~~من كونه شخصا تاريخيا، أي إن ذاتيته رتبت كما رتبت ذاتية بدهة «بوذا» بعد ~~حين. # ومما يلاحظ في جميع الأسفار الإسرائيلية، التي تعد كتبا تاريخية، ميل ظاهر إلى ~~استخراج نظرية من انتظام الحوادث، وهذه الأسفار لم تكتب لحفظ ذكرى الوقائع الممتعة فقط، ~~بل كانت غايتها إثبات شيء، وهذه الأسفار جميعها إذ وضعت بصيغة الجزم بدا حسن النية فيها ~~هزيلا. # وما تركه العبريون لنا من تاريخهم فقد دونه أحبار ملكيون كانوا يهدفون إلى نصر مبدأ ~~الحكومة الملكية الإلهية. # وكان هؤلاء لا يألون جهدا في إظهار بني إسرائيل مسوسين من إلههم القومي يهوه الذي ~~يعد القضاة أو الملوك مترجمين مفاوضين له بكثرة دالة، وكل عصيان ليهوه كان يؤدي إلى ~~جزاء فوري، وكل تقوى نحوه كانت توجب أعظم رخاء. # وكان يصعب على المؤلف إذا ما تناول الحوادث الحديثة المعروفة جدا أن يشوهها تشويها ~~كليا، فيكتفي بجعل تفسيره التي يمليها الهوى ملائمة لها. # ويمكن أن يعتمد تقريبا على كتاب اليهود في معظم تاريخ بني إسرائيل بعد شاول، وتتجلى ~~مزيتهم الكبيرة، ولكن مع غير شعور، في حفظهم لنا حفظا صحيحا وصف المجتمع الذي تمت فيه ~~الحوادث، لا هذه الحوادث على الدوام. # وتجد جميع معتقدات اليهود في أسفارهم حيث أودعت منذ عدة قرون، ولكن حيث كان عمى الوساوس ~~الدينية يحول دون رؤيتها. # وظلت أوروبا النصرانية زمنا طويلا تقرأ كتب مؤرخي اليهود بالروح التي أرادها هؤلاء ~~المؤرخون، وما وده أولئك المؤرخون من تمويه على معاصريهم ارتضاه أمثال أغوستن وبسكال ~~وبوسويه وشاتوبريان، أكثر من ارتضاء ذلك الشعب الجاهلي المتعصب الذي حاولوا ~~إقناعه. # وكتاب اليهود إذا لم يكونوا مؤرخين صادقين كانوا وصافين أوفياء، ومن الوثائق التي لا ~~يعدل قيمتها شيء ما أتوا به من الأوصاف الساخطة حول وثنية بني إسرائيل المتأصلة، ~~والأوصاف ms49 الساذجة للطبائع الرعائية، وسلاسل الأنساب التي لا حد لها، وسمات الأخلاق ~~الهائجة. # ومن الناحية الأدبية عرضوا علينا صفحات جميلة إلى الغاية، وتعد فصول سفر التكوين ~~الأولى أثرا ممتازا للعظمة والبساطة، وعلى هذا الوجه وبمثل هذا العرض وهذه اللغة، يمكن ~~المرء أن يتمثل بدء الرواية البشرية الكبرى. # وإذا كان الأساس كلدانيا فإن الشكل عبري، وكان لا بد من قناعة السامي لوصف تلك المبادئ ~~الهائلة في بضع كلمات، ومنحها حتى بالوسائل الساذجة مظهرا غريبا من ظاهر الحق ~~والحياة. # وبجانب أسفار العبريين التاريخية والخرافية تجد القصة الصرفة التي لا يزعم صدقها، ~~والتي لا يبالى فيها بالغلط التاريخي، والتي لا غاية لها سوى افتتان القارئ وثقافته ~~الخلقية في بعض الأحيان. # وحذق كتاب اليهود ذلك النوع، فأشربوه حياة وطبيعة وفتنة في الجزئيات على وجه ~~خاص. # وإذا عدوت ما قد تشعر به من اللذة في قراءة تلك الأقاصيص المؤثرة أو الفاجعة، كقصة ~~يهوديت وراعوت وطوبيا وأستير ... إلخ، وجدتها تشتمل على تفصيلات مهمة عن ~~الطبائع، وذلك كالوسواس الذي يساور يهوديت مع استعداد لاقتراف جرم القتل، حول أكل لحوم ~~الحيوانات التي لم تذبح وفق الطقوس، وذلك كالوجه الذي دعت به راعوت بوعز، أقرب ~~إنسان إلى زوجها، فوجب من حيث النتيجة أن يتزوجها بوعز ذلك وفق شريعة إسرائيل، على ~~الرغم من الفرق العظيم في مقاميهما الذي يجعل تلك الفتاة كثيرة الخجل. # وقصة راعوت هذه من أطرف الأقاصيص الرعائية التي كتبت. # وإن خلق تلك الباسلة الناعم الخلي المحتشم، وإن خلق بوعز النبيل المستقيم الصادق، ~~وإن غم نعمي الممزوج بالتسليم، مما صور بسلامة ذوق ورقة صنعة، فيلوح أنه آخر كلمة ~~للفن، وإن السهول المثقلة بالسنابل الذهبية مع نشاط الحاصدين الجافي وراحتهم بعدئذ تحت ~~السماء ذات الكواكب، وفي جلال ليالي الشرق مما عرض كدائرة للقصة. # ومن الطرافة أن ينتج اليهود آدابا خفيفة عاطفية ذات عفاف على الرغم من تحللهم، وما ~~عندهم من أخبار الدعارة تجده في تاريخهم الخاص، لا في كتبهم التي هي وليدة الخيال ~~الخالص. # وتجد سفر نشيد الأناشيد، الذي هو ms50 أكثر أسفارهم شهوانية، يصف أشد الغرام بعبارات شعرية ~~أكثر منها شبقية، وليست لذة الحواس وحدها هي موضع هذا الشعر الفتان، وهذا الشعر يأخذ بمجامع ~~القلوب على حسب التعبير المألوف، وفي هذا الشعر ترى سلامية عاشقة رقيقة متوقدة معا، ~~وترى التعبير عن نار الرغبة فيها مقيدا بصور تنقذ بها وعورة بعض الميول. # ولم يجد الحب المنغص من النبرات المثيرة في أي كتاب مثل ما في سفر نشيد الأناشيد، ولم ~~يستر الولوع العنيف بأرق الصور في أي كتاب مثل ما في سفر نشيد الأناشيد. # وسفر نشيد الأناشيد هو أجمل ما انتهى إلينا من الشعر الغرامي السامي. أجل، إن الآثار ~~التي هي من هذا الطراز غير قليلة لدى العرب الذين لم يتغنوا بغير المرأة والجياد ~~والملاحم، غير أن الحواس هي التي كانت تستحوذ على هؤلاء، فلا تكاد ترى في شعرهم الخيار ~~والتفضيل، أي المشاعر، بل كانوا يصنعون ما يثير اللذات، فتبدو لهم كل امرأة حسناء إذا ~~كانت فتاة حسنة الخلقة. # وفي سفر نشيد الأناشيد تبصر، بالعكس، أن سلامية وراعيها كانا يتحابان حبا ~~فيألمان كلما تباعدا، ومن المحتمل أن يكون هذا المبدأ، الذي هو أقرب إلى الشعور الروائي ~~في أيامنا منه إلى النعيم الحسي الشرقي الأعمى، أبرز ما في ذلك الشعر الغرامي. # وأرادت الكنيسة النصرانية أن ترى في ذلك النشيد الغرامي الولهان أثرا في الأخلاق ~~الزاهدة، مصورا ضروب النعيم عند الاتصال الوثيق بالله. # ولا نرى مثالا أبرز من ذلك على روحية الأحكام البشرية، وقد خلقت نساء طاهرات زاهدات ~~في قرون ليفكرن في صوغ جمل متأججة كالجمل الآتية: # في الليالي على مضجعي التمست من تحبه نفسي، التمسته فما وجدته. # هلم يا حبيبي، لنخرج إلى الصحراء، ولنبت في الضياع، فنبكر إلى الكروم وننظر هل ~~أفرخ الكرم، وهل تفتحت زهوره، وهل نور الرمان، وهنالك أبذل لك حبي. # لا يعوز الآداب اليهودية آثار خلقية خالصة مستقلة عن التصانيف الدينية الكبيرة، ~~فيعد بعض الأسفار، كسفر الأمثال وسفر الجامعة وسفر الحكمة، مجموعات أمثال عملية ~~معدة لتوجيه سير الحياة، ولكن من ms51 غير كبير صلة بالآلهة مهما كان نوعها. # والروح العامة في تلك الأمثال هي أبيقورية ارتيابية، وما فيها من قول مؤكد بأن أوضح ~~واجب علينا هو أن نتمتع بالحياة العتيدة لعدم وجود شيء وراءها، وبأن من الجنون أن نضحي ~~بالساعة الراهنة في سبيل أوهام باطلة، لم يسبقه ما أتى به أناكريون وهوارس في العالم ~~الوثني القديم. # وفي تلك الأسفار ترى درجة عطل اليهود من كل أمل فيما وراء القبر. # جاء في سفر الجامعة القول الجافي الآتي: «إن الكلب الحي خير من الأسد الميت.» # ولا تجد في سفر الأمثال، كما أنك لا تجد في سفر الجامعة، قولا عن نظرية الكتاب ~~الملكيين في عدل يهوه بعد هذه الدنيا، فيكافئ الأبرار ويجازي الأشرار. # جاء في سفر الجامعة: «يوجد صديقون يصيبهم مثل عمل الأشرار، ويوجد أشرار يصيبهم مثل ~~عمل الصديقين.» # وفي كل زمن كان لمجموعات الأمثال أهمية عظيمة في آداب كل أمة، وذلك لما تؤدي إليه من ~~النفوذ في فكرها الصميمي. # ولم تشذ أمثال بني إسرائيل عن ذلك. # ولسنا هنالك أمام عمل مقرر قائل بنشر ما يصعب قبوله من الحقائق، ولسنا هنالك أمام رؤى ~~الأنبياء العظيمة الشخصية. # ومن خلال تلك الأمثال، التي لم تكن من وضع رجل واحد، والتي كانت تتداولها الأفواه ~~فتتكاثف فيها تجربة طويل القرون، تبصر فكر بني إسرائيل الحقيقي. # وكان ذلك الفكر نفعيا عمليا، وهو الفكر الذي سيطر على شعب إسرائيل منذ دور الفتح، منذ ~~الزمن الذي علم فيه هذا الشعب الشهواني قيمة جميع خيرات الأرض، فجعلته متحرزا ماهرا ~~طامعا جشعا في الربح، ضيقا في آفاقه، غير مستعد للتضحية بفائدة الساعة الحاضرة في سبيل ~~منافع حياة قادمة غير محققة، وفي سبيل أنعم إله مثيب. # الحكيم يخاف فيجتنب الشر، والسفيه من يسير على غير ذلك. # الغني يكثر الأخلاء، والفقير يفارقه خليله، وجميع إخوة المعوز ~~يبغضونه. # في كل تعب منفعة، وكلام الشفتين إنما هو إلى الفقر. # اذهب إلى النملة أيها الكسلان، تأمل طرقها وكن حكيما. # العامل بيد رخوة يفتقر، أما يد المجتهدين فتغني. # من ms52 يجمع في الصيف فهو ابن عاقل، ومن ينم في الحصاد فهو ابن مخز . # توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت. # وتمتدح الأمثال نوعا من الحكمة ليس سوى الحذر الدنيوي، ولكن مع سموه أحيانا كما يبدو، ~~ومن ذلك: # قليل مع عدل خير من كثير مع جور. # بيد أن سفر الجامعة أكثر ارتيابا؛ فقد جاء فيه: # قلت في قلبي: إن الذي يحدث أهل يحدث لي أنا أيضا إذن، فلم حكمتي هذه الوافرة؟ ~~فقلت في قلبي: هذا أيضا باطل. # وقد خلط سفر الجامعة بالملك سليمان عن غلط يتعذر إدراكه، فلا شيء يبتعد عن ذلك ~~السفر العسير العميق أكثر مما نعرفه من حياة هذا الملك وأخلاقه، وإذا كان واضع ذلك ~~السفر قد أجرى أقواله على لسان ذلك الملك القوي، فلافتراض جار في الآداب، ولرغبة ذلك ~~المؤلف في مضاعفة الوزن والرجل لكي يدعي بأنه أزال وهمه عن كل شيء في هذا العالم يجب عليه ~~أن يعرف كل شيء، كالغنى والسلطان وجلال العرش وأبهة القصور وملق الرجال. # جاء في سفر الجامعة: «كنت ملكا، فزدت عظمة ونموا على جميع الذين كانوا قبلي، ~~وجمعت لي فضة وذهبا من أموال الملوك والأقاليم، وكل ما ابتغته عيناي لم أدعه يفوتها، ولا ~~منعت قلبي من الفرح شيئا، فإذا الجميع باطل.» # ولم يشتمل سفر الجامعة على جميع ما يرنو إليه أقصى الطموح من المحاسن فقط، بل يشتمل ~~أيضا على بصيرة واسعة؛ فقد نفذ إلى أساس الحكمة البشرية. # فمما جاء في سفر الجامعة: «رأى قلبي كثيرا من الحكمة والعلم، ووجهت قلبي لمعرفة الحكمة ~~والجنون والحماقة.» # وبطل ذلك السفر - وهو مؤلفه - كامل، فلا يعوزه شيء، وهو يملك كل ما يجوز دعوته ~~بالسعادة، سواء أمن الناحية الذهنية أو الناحية الجثمانية. # وإليك كيف يرجع إلى نفسه فيسألها وهو أوج السلطان وذروة العلم الإنساني وهو في سواء ألذ ~~الشهوات: # هل بلغ الغاية التي وجد من أجلها في العالم؟ أفيعرف هذا الهدف وحده؟ ما هو أساس ~~جميع الأشياء؟ آلشرور؟ أصاحب سفر الجامعة سعيد؟ # جاء في سفر الجامعة: ms53 «قلت في قلبي من جهة أمور البشر: إن الله يمتحنهم ليريهم أنهم ~~كالبهائم ؛ لأن ما يحدث لبني البشر هو يحدث للبهيم، وللفريقين حادثة واحدة، كما تموت هي يموت ~~هو، ولكليهما روح واحدة، فليس للإنسان فضل على البهيمة؛ لأن كليهما باطل، كلاهما يذهب ~~إلى مكان واحد، كان كلاهما من التراب، وكلاهما يعود إلى التراب.» # ولكن الأمر ليس كذلك تماما، فلا يشابه الإنسان الحيوان مشابهة تامة؛ لأن الحيوان يأكل ~~ويتمتع بجميع حواسه ويموت هادئا غير شاعر، وإنما يحمل الإنسان في نفسه بذرة الألم الخفي ~~الخالد. # وصاحب سفر الجامعة إذ عرف أكثر من كل إنسان ذلك الغم الغريب والأمل القاهر والهم من ~~العدم، رفع صوته متحسرا قائلا: # في كثرة الحكمة كثرة الغمة، ومن ازداد علما فقد ازداد غما. # وتنحصر أخلاق صاحب سفر الجامعة والنصيحة التي يسوقها إلينا في تقريبنا، إذا أمكن، من ~~دائرة اللاشعور الموحشة الهادئة، وفي طردنا من نفوسنا كل هم حول ما هو عادل أبدي غير ~~محدود، وفي إغماض عيوننا وجعل أصابعنا في آذاننا، وخنق الصوت المقطوع الرجاء في قلوبنا، ~~والتمتع بالأمور المحسوسة الملموسة التي نستطيع بها قضاء أوطارنا الجثمانية ومدارة ~~كبريائنا. # جاء في سفر الجامعة: # ليس للإنسان خير من أن يأكل ويشرب ويرى نفسه خيرا من تعبه، رأيت هذا أيضا أنه ~~من يد الله. # والأحياء يعلمون أنهم سيموتون، أما الأموات فلا يعلمون شيئا، وليس لهم من جزاء ~~بعد إذ قد نسي ذكرهم. # حبهم وغيرتهم قد هلكت جميعا، وليس لهم حظ بعد إلى الأبد، في شيء مما يجري ~~تحت الشمس. # فاذهب كل خبزك بفرح واشرب خمرك بقلب مسرور، ولتكن ثيابك بيضا في كل حين، ~~ولا يعوز رأسك الدهن. # تمتع جميع حياتك الفانية بالعيش مع المرأة التي أحببتها وأوتيتها تحت الشمس لتقضي ~~أيامك الفانية، فإن ذلك حظك من الحياة، فليس من عمل ولا اختراع ولا معرفة ولا ~~حكمة في الهاوية التي أنت ذاهب إليها. # تلك هي النصائح التي يأتي بها صاحب سفر الجامعة، ويستشف من اللهجة التي ذكرها بها أنه ~~يحسد بحرارة ms54 من يقدر على العمل بها. # وذلك لأنه يشعر أكثر من أي شخص آخر أنه مقيد بالغموم والرغائب التي يكافحها ويسحقها ~~ويسخر منها فاترا حاقدا، ولأنه يمقت ذلك العدم الذي يبصره حذرا مذعورا، ولأنه لم ~~يتذوق بسلام المسرات المادية التي يمدحها، وهي مسممة عنده بالسؤال «لماذا؟» الخالد ~~الذي يؤذي أنبل النفوس منذ قرون كثيرة. # جاء في سفر الجامعة: # قلت للضحك: فيك الجنون. وللفرح: ماذا تنفع؟ # وقلت في قلبي: إن الذي يحدث للجاهل يحدث لي أيضا، إذن فلم حكمتي هذه الوافرة؟ ~~فقلت في قلبي: هذا أيضا باطل. # فإنه ليس من ذكر للحكيم وللجاهل كليهما إلى الأبد؛ إذ في الأيام الآتية كل ~~شيء ينسى، وا أسفا، يموت الحكيم كالجاهل! # فكرهت الحياة إذ ساءني العمل الذي يعمل تحت الشمس؛ لأنه كله باطل وكآبة ~~الروح. # ومذاهب التطور التي أولع بها فلاسفة زماننا مما كان صاحب سفر الجامعة قد أبصره، فلم ~~تجد سوداؤه فيه سلوانا. # وذكر صاحب سفر الجامعة أنه إذا لم يقتطف في هذه الحياة الدنيا ثمرة آثاره، فإنه يتركها ~~ميراثا للأجيال القادمة، وأنه إذا لم يهلك تماما فلما يراه من بقاء فكره بعده، وأن الفرد ~~إذا ما باد فإن البشرية حية متقدمة، وأنه لا يضيع أي عمل عظيم ولا أي جهد، وأنه لا عامل ~~كثير الخضوع. # ولم يكف ذلك الفكر عنده أن يعوض الإنسان من كرب الحياة العظيم ومن مداجاتها؛ فقد قال: # وكرهت جميع ما عانيت تحت الشمس من تعبي؛ لأنني سأتركه لإنسان يخلفني. # ومن يدري هل يكون حكيما أو أحمق، مع أنه سيستولي على كل عملي الذي أفرغت فيه ~~تعبي وحكمتي تحت الشمس، هذا أيضا باطل. # غبطت الأموات الذين درجوا من قبل، على الأحياء الذين هم باقون حتى الآن، وخير ~~من كليهما من لم يوجد حتى الآن؛ لأنه لم ير العمل الشرير الذي يفعله تحت ~~الشمس. # تلك هي آخر كلمة لصاحب سفر الجامعة، ولا تظن أنه خرج من فيه الكلام النهائي الآتي ~~الذي تسرب في سفره بتحشية صادرة عن تقوى، فجاء مكذبا له ms55 بأسره: # اتق الله واحفظ وصاياه، فإن هذا هو الإنسان كله. # وليس ما فرغنا من تحليله أثر تسليم تقي، وليس ذلك صوت تمرد إلحادي ما دام التمرد ~~غرورا، وليس ذلك تجديفا، بل هو أسوأ من ذلك كله؛ وذلك لأنك تجد الشهوة والحياة في الألم ~~الساخط وفي التجديف، فيكون هذا كأمل خفي يرى من مخاطبة من يسمع كلام الغضب. # وسفر الجامعة من أمر الإنكارات التي نطق بها كل ذي شفتين؛ فهو أنشودة قنوط المحكوم ~~عليهم بالهلاك الأبدي، وهو ينفع كتابة قبر للجنس البشري حينما تسجى الأرض الخالية من ~~سكانها الأخيرين تحت كفن من الجليد! # والذي ستر حتى يومنا هذا ما في ذلك السفر الباقي من الواقعية الباردة والطيرة القاتمة، ~~هو ذلك الشعور الديني الذي ما انفك يشوه التوراة منذ ألفي سنة، فإذا ما تخلص المرء ~~من الأباطيل المتأصلة، استمع إلى سفر الجامعة منقبض الصدر بما يفوق الوصف، وأية فلسفة أو ~~أي أمل يقاوم هذا التحليل الهائل؟ # والذي يمسك البشرية فوق العدم هو حب الاطلاع، لا سرور الحياة على رأي ذلك الكاتب الكئيب. # جميع الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن، لا تشبع العين من النظر ولا ~~تمتلئ الأذن من السماع. # وإذ ليس من الممكن أن يكون هذا الشعور أجوف فارغا غير مثمر، أضاف صاحب سفر الجامعة ~~إلى ذلك قوله: # ما كان فهو الذي سيكون، وما صنع فهو الذي سيصنع، فليس تحت الشمس شيء ~~جديد. # رب أمر يقال عنه: انظر! هذا جديد، فهو قد كان في الدهور التي سلفت ~~قبلنا. # ويعد سفر أيوب عذبا معزيا بجانب سفر الجامعة. # بيد أن ما في القسم الأول من سفر أيوب من الضيق الخلقي الكريه لا يداوي إلا بثقة ~~عمياء بالله، وعند مؤلف هذا السفر أن ما يمكننا أن نناله من السكينة هو في العدول عن ~~البحث، وفي العدول عن الفهم، وفي الإذعان للسنن التي تسير مصايرنا من غير حب شديد ~~للاطلاع ومن غير تذمر. # وبأي دم بارد، وبأي إصرار، وبأي حذق، وبأي بصر حديد استبر متشائمو ms56 اليهود أولئك ~~جروحنا الأبدية؟ # لما يجد العلم ما هو مقرر في الجواب عنهم مع انقضاء ما يزيد على ألفي سنة! # إن الوهم التقي في سفر أيوب، وإن الوهم الشهواني في سفر الجامعة، قد اقتسما الناس ~~لتعليلهم بالباطل، إن لم يكن لشفائهم، ولما يكتشف شيء أحسن من ذلك لسوق البشرية إلى ~~مستقبل لم يصنع من أجلها على ما يحتمل. # ولا يزال العالم منقسما بين التمتعيين والمثاليين، أي بين أتباع سفر الجامعة وأتباع ~~سفر أيوب. # وترى في هذا العصر بعض المفكرين الذين أعياهم ذانك النجدان، فأخذوا يصنعون من المسائل ~~ما كان صاحبا ذينك السفرين العبريين قد جادلا فيهما بجرأة. # ولكن أين سوداؤنا من سودائهم؟ وما هي طيرتنا الحديثة التي أقدمت على توكيد العدم في ~~أيلولة البشرية كما وكدوا بلا التواء وكلام فارغ؟ وأين ذلك الذي أغلق أبواب الأمل أمام ~~الإنسان بحزم مثلهم؟ # ولا تصلح قراءة مثل تلك الأسفار، ولولا تلطيف الشعور الديني لها، ولولا اشتمال الشعر ~~الرائع عليها، فوجب حصرها في سرداب عميق وتكديس مداميك بعض الأهرام العظيمة فوقها؛ منعا ~~لسماع صوتها المؤلم، ودرءا لتعطيلها قلب الإنسانية المسنة العاجز. # على أن ذلك السفر العجيب الموجع، سفر أيوب، يعد من أنفس الآثار التي نشأت عن ~~النفس البشرية. # ولذلك السفر صورة رواية إشيل الفاجعة، بيد أن هذا الشاعر اليوناني لم يحلق طويل ~~زمن في سماء عالية، ولا تجد أثرا، مهما سما، قد أبدى وحدة أتم مما في ذلك ~~السفر. # وفي تلك الرواية المحزنة تجد خمسة أبطال: أيوب، وأصحابه الثلاثة، والرب. # ولا نتكلم عن أليهو الذي لم تعد جميع أقواله حد التحشيات التي دست بعد زمن كما هو ~~ظاهر؛ وذلك تلطيفا لصبغة السفر الفاجعة التي يتكلف معها أليهو تكلفا مطلقا. # وأيوب هو الرجل الذي يألم ويسأل: لماذا؟ والأصحاب الثلاثة هم ممثلو المذهب الإسرائيلي ~~المعروف الذي يزعم أن يهوه يكافئ الأبرار ويجازي الأشرار، وأن كل ألم يفترض ذنبا ~~سابقا. # ولم يجد أيوب عسرا في إبطال ذلك المذهب، حتى إنه ذهب إلى أقصى العكس في سورة غضب، ms57 ~~فقال موكدا: إن الأشرار وحدهم هم الذي ينعمون في هذه الحياة الدنيا. # فقد قال صارخا: «لماذا يحيا الأشرار ويشيخون؟ ولماذا يعظم اقتدارهم؟ نسلهم قائم ~~وأعقابهم لدى أعينهم، بيوتهم آمنة من الفزع، وقضيب الله لا يعلوهم.» # ولما طال الحوار بين أيوب وأصحابه بما فيه الكفاية، بدا الرب وصرح بلهجة شعرية ممتازة ~~أن الإنسان هو من شدة الجهل والضعف ما لا يستطيع معه أن يسأله، فلا ينبغي له أن ينفذ سر ~~سبله. # ولم تكن نتيجة ذلك واحدة لا ريب، غير أنها النتيجة الوحيدة التي يمكن النفس الدينية أن ~~تصل إليها، ألا إن علم الحياة والموت الأعلى أمر خفي علينا، ونستطيع أن نتكلم عنه على ~~الدوام مع أيوب القائل: # أين توجد الحكمة وأين مقر الفطنة؟ # العمر قال: ليست في. والبحر قال: ليست عندي. # إنها محجوبة عن عيني كل وحي، ومتوارية عن طير السماء. # الهلاك والموت قالا: قد بلغ مسامعنا خبرها. # ولا شيء يعدل سفر أيوب جلالا وجمال شكل، وتناسب لغته، وسمو موضوعه. # ومن العسير اقتطاع فقر من هذا السفر الذي يجب إيراده بأسره. # والحق أن الأزلي إذا ما تكلم ووصف عجائب الطبيعة التي خلقها، ظن المرء سماعه صدى ~~صوت إلهي. # فقد وصفت سعة الكون وروعة السماء ذات الكواكب وعظمة البحر المحيط، وتنوع النبات ~~والحيوانات تنوعا لا حد له، وجمال الخيل وبأسها، وقوة النسر وخيلاؤه؛ وصفا دقيقا ~~جزيلا. # وتجد عظمة ذات أثر مؤثر في هذا السؤال الذي كرره الرب للإنسان الضعيف الذي يسأله: # أكنت تصنع هذه الأشياء؟ أفتعلم كيف صنعت؟ # أترسل البروق فتنطلق وتقول لك: نحن لديك؟ # من وضع الحكمة في الأعصار أم من آتى النوء الفهم؟ ومن يحصي الغيوم بحكمته؟ ~~ومن يصب زقاق السماوات؟ # أأنت الذي يؤتي الفرس قوة؟ أبحكمتك يستقل البازي في الجو ويبسط جناحيه نحو ~~الجنوب؟ # وبلغ شعر العبريين، الذي تركته لنا المزامير وأسفار صغار الأنبياء وكبارهم، والقطع ~~المنثورة في جميع أجزاء العهد القديم، من الغنى في التآليف ما لا نقدر معه على غير تقديره ~~بسوى أوصافه العامة. # وذلك الشعر غزير ms58 عال، رفيع في الغالب، خصيب في الصور، ذو بلاغة مؤثرة. # ولم تكن الموضوعات الدينية مصدر الإلهام الوحيد فيه، ففيه تنويه بالخمر والنساء والحرب، ~~غير أن أناشيد التقوى هي التي جمعت وبقيت لنا. # ونعد من أقدم الشعر العبري أغنية حرب دبوره التي توجد في سفر القضاة. # وترجع المزامير إلى أدوار مختلفة. أجل، إن داود الذي عزيت المزامير إليه طويل زمن كان ~~شاعرا ممتازا لا ريب، بيد أنه يستحيل أن نعرف بين الأغاني العبرية أي المزامير من ~~صنعه، والمزمور الوحيد الخاص به هو النشيد المحزن الذي وضعه بعد موت شاول ويوناتان على ~~التحقيق. # والشعر الإسرائيلي الغنائي ذو روعة كبيرة، وهو في تعبيره وفي وحيه العام أفضل من القصائد ~~الحربية أو الدلالية لدى الساميين الآخرين، حتى لدى العرب. # والشعر الإسرائيلي لم يؤلف من أبيات بالمعنى الصحيح، بل يشتمل على إيقاع خاص ناشئ ~~عما يسمى بموازنة الأجزاء. # ويقسم كل دور في الشعر العبري إلى جزأي جملة مشتملين على الفكر الواحد المعبر عنه ~~بكلمات متماثلة تقريبا، وذلك على وجه يسمع به صدى الجزء الأول في الجزء الثاني، وهذا ~~الصدى ذو أثر مؤثر في الأذن وفي الفكر معا. # وإليك مثالا، إليك قطعة من المزمور المائة والثاني العجيب: # الرب رءوف رحيم طويل الأناة وكثير الرحمة # ليس على الدوام يسخط ولا إلى الأبد يحقد # لا على حسب خطايانا عاملنا، ولا على حسب آثامنا كافأنا # بل بمقدار ارتفاع السماء عن الأرض عظمت رحمته على الذين يتقونه. # ولا تجد عند العرب، ولا عند الساميين الآخرين، موازنة الأجزاء تلك الخاصة بالشعراء ~~العبريين والتي هي من مميزاتهم، وتجدها بالعكس، في بعض الآثار الأكادية القديمة إلى الغاية، ~~وفي هذا دليل جديد على إقامة ساميي الشمال بما بين النهرين، وعلى اقتباس اليهود لموازنة ~~تلك الأجزاء من كلدة. # إذن، لم يكن تفتح الآداب العبرية الرائع ذلك أمرا غريزيا، بل يرتبط بشكله ومبادئه ~~الدينية في بيئة ثقافية شرقية قديمة جدا. # والعبقرية السامية إذا ما تركت وحدها لم تبلغ مثل ذلك السمو، وروح السامي تشابه جسمه ~~الجاف ms59 العصبي؛ فهي جليلة رشيقة لبقة مع قلة عمق وفقر خيال. # وما أبصر من أمور فيما مضى، وما سمع من أقوال في غضون القرون القديمة على ضفاف ~~الفرات؛ فقد مازجا بني إسرائيل في جميع تاريخهم. # وفي كلدة اتفق لبني إسرائيل ذلك التعطش إلى معرفة بداءة كل شيء ونهايته، أي حب ~~الاطلاع الضاري الذي كان يؤلم قدماء المجوس. # والإسرائيلي لو بقي تحت خيمته في سهوب جزيرة العرب النمطية، ما وجد من النبرات ما يزعزع ~~به العالم ويقنعه ويولعه. # ولم يكن أنبياء اليهود منصفين نحو بابل. # وينبئ إشعيا بخراب بابل فيصرخ قائلا: # ستأتي عليك كلتا المصيبتين: الشكل والترمل، فيتمان عليك من أنواع سحرك وقوة ~~رقاك الكثيرة. # وقد وثقت بخبثك وقلت لا يراني أحد، إن حكمتك وعلمك هما أفتناك في قلبك أنا وليس ~~غيري. # امكثي علي رقاك وأنواع سحرك الذي عنيت به منذ صباك. # فليقف راصدو السماء الناظرون في النجوم المعروفون عند رءوس الشهور، وليخلصوك ~~مما هو آت عليك. # وتلوح تلك السخرية قاسية في فم أحد أولئك الشعراء اليهود الكبار المدينين كثيرا ~~لكلدة. # ويشابه أسمى تفتحات العبقرية البشرية أزهار الشجر التي تستمد جمالها ونضارتها ونورها من ~~جذورها السود البعيدة المطمورة في التراب المظلم، ويتطلب نشوء الشجرة سنوات طويلة، وتتفتح ~~الزهرة في يوم واحد، وليس من الحق أن تزهو الزهرة فتستخف بالفنن الخشن الذي يحملها والذي ~~لا تكون بغيره. # ونحن أولاء الذين يكونون أمام أروع المعلومات، فيسعون في الرجوع إلى العلل الوضيعة، نبصر ~~أمرين وراء روعة القصائد العبرية. # نبصر الخيمة في البادية صغيرة تجاه الآفاق النمطية التي لا حد لها، ثم نبصر على ذروة ~~معابد كلدة، المجوسي المفكر وهو يحاول استخراج سر مصايرنا من السماء ~~الصامتة. # فذكرى الخيمة الوضيعة، وذكرى المعبد المتكبر قد عظمتا مقدار الأحلام التي سحرت ~~الإنسانية حين أوحتا إلى الشاعر اليهودي. ms60