######OpenITI# #META# URI: 1377CaliBalhawan.TunisThaira.Hindawi18051482 #META# Tags: history #META# ID: 18051482 #META# Title: تونس الثائرة #META# AuthorID: 31864717 #META# Author: علي البلهوان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الغرض من وضع هذا الكتاب‏ # المستعمرون وسلوكهم‏ # الحركة الوطنية‏ # النظم التونسية قبل الحماية وبعدها‏ # المفاوضات بين تونس وفرنسا‏ # العدوان الفرنسي المسلح‏ # الفظائع‏ # الدموع والدماء والخراب‏ # الاعتداء على الوزارة التونسية‏ # محاولة اغتيال الملك‏ # الإصلاحات المرفوضة‏ # اغتيال فرحات حشاد‏ # اغتيال الهادي شاكر‏ # الغرض من وضع هذا الكتاب‏ # المستعمرون وسلوكهم‏ # الحركة الوطنية‏ # النظم التونسية قبل الحماية وبعدها‏ # المفاوضات بين تونس وفرنسا‏ # العدوان الفرنسي المسلح‏ # الفظائع‏ # الدموع والدماء والخراب‏ # الاعتداء على الوزارة التونسية‏ # محاولة اغتيال الملك‏ # الإصلاحات المرفوضة‏ # اغتيال فرحات حشاد‏ # اغتيال الهادي شاكر‏ # | تونس الثائرة # | تونس الثائرة # تأليف # علي البلهوان # | الغرض من وضع هذا الكتاب # يسطر هذا الكتاب صفحة ناصعة من الكفاح الرائع، وصفحة سوداء من تاريخ الاستعمار. # فليس هذا الكتاب إذن بحثا جغرافيا عن تونس العربية الإسلامية التي يسكنها ثلاثة ~~ملايين ونصف مليون من العرب المسلمين، وقد أضيف إليهم بعد الاحتلال الفرنسي 140 ألفا من ~~الفرنسيين ومائة ألف من الإيطاليين. وهي على صغر رقعتها (125 ألف كيلومتر مربع) تحتوي على ~~أراض خصبة متسعة في الشمال، وعلى غابات شاسعة تمتد إلى الجزائر، وعلى بساتين تجعل من جهات ~~كاملة - كجهة الدخلة - تعبق بالرياحين في فصل الربيع، ونمت غابة زياتينها خاصة في الساحل ~~الشرقي إلى أن بلغت أكثر من عشرين مليون شجرة. وتونس غنية أيضا بمعادنها من فوسفات وحديد ~~ورصاص وزنك وزئبق وفحم وغيرها، وأخيرا عثر على البترول في غالب جهاتها. # أما موقعها الاستراتيجي، فهي تفصل البحر الأبيض المتوسط إلى حوض شرقي، وحوض غربي، وتتحكم ~~في المضيق الرابط بينهما بميناها الحربي بنزرت ومطاراتها. # ومن البديهي أن أسطورة الاستعمار الذي جاء بنوايا حسنة طيبة، ورسالة تمدينية افتضحت، حتى ~~أصبح لا يصدقها أحد وخاصة مروجوها. إنما الاستعمار في كنهه استثمار اقتصادي كامل يتبع ~~ضربا من القانون الحديدي الذي لا يرحم؛ ولذا رأينا المستعمرين الفرنسيين استحوذوا ~~استحواذا كليا على جميع الثروة المعدنية، وعلى أخصب الأراضي وعلى غالب منابع الثروة، ~~واستثمروا أيضا جهود التونسيين استثمارا فظيعا؛ إذ جعلوهم عمالا يتقاضون أجورا طفيفة ~~لا تسد رمقهم ولا تغني عائلتهم من ms001 الجوع، بل اتخذت منهم فرنسا أيضا جنودا يريقون دماءهم ~~للدفاع عنها وعن استعمارها. # والاستعمار مفسدة بشرية، لا يدوم إلا بانحطاط الأخلاق، فينزل بالمغلوب إلى حضيض الخنوع ~~والخسة والذل والحيوانية بما يصبه عليه من فقر وجهل ومرض، فيدنس إنسانيته المقدسة، ويفسد ~~الغالب أيضا، فيولد فيه التعصب الأعمى والتفوق العنصري والمطامع والشره والميل إلى الأرباح ~~والمصالح الشخصية، ويميت فيه الضمير وروح العدالة والأخوة البشرية، ويقضي على كل اعتلاء ~~فكري فيه. # ومما أكسب الوطنيين التونسيين قوة وألبس كفاحهم ضربا من القداسة، شعورهم بالدفاع عن ~~القيم البشرية العليا؛ عن الحرية وعن العدالة: عدالة القانون والمحاكم، وعدالة المجتمع، ~~وعدالة الاقتصاد والثروة، ودفاعهم فعلا عن كرامة الإنسان وقداسة حياته. # وقد اقتصر هذا الكتاب على تسجيل فترة (من 1949 إلى 1954) من الصراع بين ذلك الاستعمار ~~وبين شعب تونس الذي لا يريد أن يموت كشعب وأن يفنى، وأن يصبح أبناؤه كأوراق الخريف تذروهم ~~كل ريح وعاصفة، أو كحبات الرمل تبددهم كل موجة من أمواج البحر. # والقضية التونسية في وضوحها ونصوعها كالبلور، لا تحتاج إلى تزييف وتلفيق ولا إلى ~~المبالغة، بل الحقيقة نفسها تخدمها دائما؛ ولذا كان جميع ما قدمته في كتابي هذا مستندا ~~إلى وثائق رسمية أو إلى قول خصومنا أنفسهم، وأخذت قصة الحوادث عن الذين شاركوا فيها أحيانا ~~أو عن عدة شهود عيان، وحذفت الكثير مما سمعت، وأغفلت أيضا الكثير من الفظائع. واحتطت لكيلا ~~أذكر حادثا إلا بعد البحث والتمحيص، فجمعت كمية من الوثائق والأحداث تمكن كل إنسان من أن ~~يبدي حكمه، وقد يكون رأيه مخالفا لرأي فيجد ما يسند عليه فكرته. ففي هذا الكتاب يجد القارئ ~~الحوادث والوثائق مضبوطة بتواريخها وأسماء مكانها ومرجعها، وما لم أسجل مرجعه فقد أخذته عن ~~عشرات الشهود. # ولأمكن القارئ من فهم الحوادث وأسبابها البعيدة والقريبة، لخصت في فصول ثلاثة الوضع ~~الحالي، وأبنت عن سياسة فرنسا الاستعمارية وسلوك جاليتها، وعن قوة الحركة الوطنية ونظامها، ~~وعن النظم التي فرضها الاستعمار على الدولة التونسية، ثم تحدثت عن «التجربة التونسية» عندما ~~دخلت تونس في مفاوضات ms002 رسمية مع فرنسا لتحقيق استقلالها، وعن نكث حكومة فرنسا تعهداتها، وعن ~~العدوان المسلح ضد شعب تونس الأعزل. فكانت الثورة الدامية المستمرة، وتطور الكفاح التونسي ~~تطوره الطبيعي، وكانت الأدوار السياسية تماشي الثورة الدامية. # وليس لشعب تونس جيش مسلح يقف أمام الجيش الفرنسي، ولكن له إيمانا بحقه في الحياة وحقه ~~في أرضه ووطنه، فرفض في وحدة قوية شاملة كل تعاون مع السلطات الاستعمارية، إلى أن استحال ~~على الحكومة الفرنسية أن تجد من بين التونسيين من يقبل تشكيل الوزارة بعد أن استقالت ~~الوزارة التونسية (15 يونيو 1954) وبقيت تونس من غير حكومة أصلا. # ولقد وجدت تونس من يقودها في كفاحها المرير، أمثال صالح بن يوسف والمنجي سليم، وعلى رأسهم ~~الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الحر الدستوري التونسي الذي كان خارج تونس عندما شرع الاستعمار ~~الفرنسي في عدوانه، فلم يقبل نصائح الأصدقاء الذين حذروه من الخطر على حريته وحياته، فرجع ~~إلى وطنه إبان محنته ليقاسم الشعب آلامه وتضحياته. # وكانت رسائله تأتيني من منفاه بجزيرة جالطة، ثم من جزيرة «جروا» بفرنسا تحمل إيمانا ~~وآمالا، فقد كتب لي بتاريخ 1 / 10 / 1951 قال: # أخي العزيز ورفيقي الأمين وعضدي المتين الأستاذ علي البلهوان # أخذ الله بيده وأعانه على أمره وجعل التوفيق حليفه. # وبعد، فقد استلمت رسالتك اللطيفة المؤثرة التي ما أتيت على آخر سطر منها حتى ~~اغرورقت عيناي بالدموع؛ دموع السرور والفخر والامتنان؛ الامتنان إلى الله - عز وجل ~~- الذي أحاط هذه الحركة المباركة النزيهة المخلصة برجال يعترفون بالحق لذويه، ~~يعملون آناء الليل وأطراف النهار بكل ما أتوا من حكمة وخبرة وإخلاص لإعلاء دين الله ~~وإعزاز عباده وإنقاذ دار من ديار الإسلام من هوة الذل والاستعباد، صابرين على ~~المكروه صامدين في وجه العدوان، حتى يدركهم الله بنصره الذي وعد به عباده ~~الصالحين. # وقد اخترت من رسائله واحدة؛ لأنها تبين قيمة الزعيم المعنوية، وتبلور عواطف وأفكار شعب ~~كامل حول شخصه. فكتب لي من جزيرة «جالطة»: # الحمد لله وحده # جزيرة جالطة، يوم الجمعة 11 يوليو 1952 # عزيزي علي # لشد ما تأثرت ببرقية ms003 الطيب والرشيد، وكذلك ببرقية صالح ومحمد وعلال، وكنت أود ~~أن أجيب بنفس اللهجة، ولكن لم يكن ذلك في إمكاني، وحملت إلي برقية من مراد نفحة من ~~الآمال ... وأتتني برقيات جميلة من الطلبة التونسيين من باريس ودمشق تحمل معاني التكتل ~~الوطني وعزم الشبيبة الناشئة الثابت؛ أي ضمان الدوام والاستمرار الذي لا يبلغ ~~الإنسان من دونه غاية. وهل أحدثك عن مئات ومئات البرقيات والرسائل والبطاقات من ~~جميع السجون، ومن جميع المعسكرات، ومن أبعد جهات تونس؛ كلها تتدفق وطنية وتنبئ عن ~~حالة أدبية أشد ما تكون ارتفاعا وقوة وإيمانا لا يتزعزع بالنصر النهائي. فإن كان ~~جسمي مقيدا محكوما عليه بالعزلة، وكانت القوة القاسية فرقتني عن إخواني؛ فقد عجزت ~~عن منع قلوب شعب كامل وأفكار أبنائه أجمعين من مؤانستي في غربتي والاتجاه نحو منفاي ~~فوق صخرتي. وتلك أجمل تسلية وأعظم جائزة كنت أؤملها في محنتي، وهو انتصار جبار من ~~الناحية الأدبية لا يلبث أن يتجسم - وهو لا محالة سيتجسم طال الزمان أو قصر - في ~~الميدان السياسي. # وكانت رسالتك - بتاريخ 27 يونيو - أشد وقعا على نفسي وأعمق تأثيرا، فاهتززت لها ~~اهتزازا؛ لإيجازها وصراحتها وما حملته من عواطف. # فقرأتها عشر مرات، بل مائة مرة من غير ملل، وهي أمامي الآن وسأحملها معي دائما؛ ~~لأنها أصدق مثال لأجمل وأعظم وألطف وأشرف وأصفى وأنقى ما يشعر به قلب بشري. حقا ~~لم أعش من أجل نفسي وما تحمل كلمة نفس من أثرة، وقد كنت منذ بداية نشأتي أتبع كلمة ~~خالدة قرأتها وأنا صغير: «عش للغير، لا لنفسك.» وعندما عشت لفائدة الغير وجدت أني ~~اخترت أحسن طريقة لأحيا لنفسي، ولكنني لم أكن الوحيد الذي اختار ذلك الطريق في ~~الحياة، ولو كنت الوحيد لما أمكن لي أن أبني بناء صحيحا يدوم ويبقى، وكان من حسن ~~حظي - بل من حسن حظ الشعب التونسي - أني جمعت حولي جماعة من الشباب من ذوي الحزم ~~والعزم، استأثروا بنكران الذات والمقدرة، واعتقدوا اعتقادي بأن الحياة لا تستحق أن ~~يحياها الإنسان إن لم ينرها بنور التضحية الكاملة ms004 في سبيل مثال أعلى من الحرية ~~والعدالة والأخوة البشرية. # وإن في ذلك لآية لقوم يفقهون، وشاهدا لا يرد على أن شعب تونس شعب نبيل لم تفقده ~~عشرات السنين من العبودية والرق الشعور بالكرامة والشرف، وتلك هي الحقيقة الناصعة، ~~فيمكن لي الآن أن أموت مطمئنا وأنا أعلم أن الكفاح سيستمر سواء كنت موجودا أو ~~معدوما ... وأنه لن يتوقف إلا يوم تصبح تونس وليس فيها غالب ومغلوب وقاهر ومقهور، ~~يوم يفتك شعبها حقه الطبيعي في الحرية وفي الحد الأدنى من الكرامة، الذي من دونه ~~يسقط البشر إلى مصاف الحيوانات العجم. # وأن الكفاح سيستمر حتى بعد ذلك اليوم، ولكنه سيكون كفاحا ضد الجهل والفاقة لرفع ~~مستوى الشعب الأدبي والمادي، إلى أن يصبح عائلة كبرى حرة قوية سعيدة قادرة على ~~القيام بدورها في تقدم البشرية وصعودها إلى نحو مصيرها النير. وأن انتصارنا في ~~الميدان السياسي وإن كان غاية في نفسه من الناحية الأدبية، إلا أنه الوسيلة أيضا ~~التي تمكننا من معالجة المشكلة الاجتماعية معالجة حاسمة. # وليخرج المتطوعون آلافا من صميم ذلك الشعب الذي أقام الدليل للعالم على حيويته ~~وقيمته لتحقيق تلك الغاية العظيمة الشريفة. # | المستعمرون وسلوكهم # (1) المشكلة التونسية عند الاحتلال الفرنسي # نلاحظ أن المشكلة التونسية قد وضعت دائما في ميادين ثلاثة: الميدان الدولي، والميدان ~~الفرنسي، والميداني الداخلي التونسي. # تكونت المشكلة التونسية يوم احتلت فرنسا الجزائر في أواسط القرن التاسع عشر، فأخذت ~~فرنسا تتدخل في شئون تونس شيئا فشيئا تمهيدا للاستيلاء عليها، ولم يتيسر لها ~~احتلالها عام 1881 إلا بعد مناورات دولية دامت أكثر من ثلاثين سنة، وكانت تخشى مزاحمة ~~بريطانيا العظمى لها ومطامع إيطاليا المكشوفة، إلى أن تم الاتفاق مع الإنجليز بمساعدة ~~رجل ألمانيا المحنك «بسمارك» على أن تكون بريطانيا مطلقة اليد في مصر وتكون فرنسا حرة ~~التصرف بتونس، أما إيطاليا فوقع إبعادها بإعطاء بعض الترضيات لجاليتها بتونس. # وهكذا كانت نتيجة وضع المشكلة التونسية في الميدان الدولي، احتلال الجيوش الفرنسية ~~للبلاد وفرض الحماية عليها؛ لأن الدولة الاستعمارية قد اقتسمت العالم في ذلك الحين ~~وتصرفت ms005 في الأقطار كما شاءت لها مطامعها؛ إذ القوة بيدها والمال في قبضتها والسياسية ~~العالمية في حوزتها. # وبمجرد استيلاء فرنسا على تونس أصبحت المشكلة التونسية تحتل مكانا ممتازا في ~~السياسية الفرنسية البحتة التي لم تكن واضحة جلية في أول أمرها؛ لأن معاهدة «باردو» لم ~~تحتو على لفظة الحماية، بل أبقت السيادة التونسية كاملة غير منقوصة، وكان المستعمرون ~~ينادون بوجوب القضاء على الدولة التونسية وإلحاق البلاد التونسية بفرنسا مثل ما تم فيما ~~يتعلق بالجزائر. وكان الأحرار الفرنسيون مثل «كليمنصو» ينددون بالعدوان على شعب صديق، ~~ويطالبون بإجلاء الجيوش الفرنسية عن تونس، فاتخذ رئيس الحكومة الفرنسية إذ ذاك «جول ~~فيري» موقفا وسطا وقال: إن فرنسا لا تريد استعمار تونس ولا ترمي إلى إدماج ترابها في ~~التراب الفرنسي، وإن احتلالها لها إنما هو ضمان لبقائنا بالجزائر. فسياسة فرنسا نحو ~~تونس تتلخص حسب عباراته في كلمتين: «لا إلحاق ولا انسحاب.» # أما داخل البلاد التونسية، فقد كانت السياسة الفرنسية تناقض ما قررته الحكومة ~~الفرنسية، وكان أكبر عامل في تبديلها وقلبها هو المقيم العام «بول كامبون» الذي اشتهر ~~بمهارته الإدارية بفرنسا، ففرض على تونس اتفاقية جديدة (اتفاقية المرسى)، واستدرج ~~الحكومة الفرنسية إلى الموافقة عليها، ثم اتخذها أداة للاستيلاء على السيادة الداخلية ~~التونسية وإنشاء إدارة حديثة تكون آلة في قبضته؛ ليتمكن من حكم البلاد حكما فرنسيا ~~مباشرا، فيتصرف في الميزانية لتنفيذ أغراضه، ويشرع في سياسة تنمية الجالية الفرنسية ~~بتشجيع الهجرة ومنحهم الوظائف العامة والأراضي الخصبة، ويسرع إلى تقسيم الثروة المعدنية ~~على الشركات الفرنسية. # فإذا كان «جول فيري» بطل احتلال تونس، فإن «بول كامبون» هو مستعمرها الأول وواضع أساس ~~جميع المشاكل الكبرى التي صيرت القضية التونسية معقدة متشعبة استعصى حلها على الحكومات ~~الفرنسية المتوالية وحيرتها وأفسدت سمعة فرنسا ونزلت بها إلى الحضيض. ~~(2) المشكلة التونسية في الميدان العالمي # بقي التناقض والاضطراب بينا في السياسة الفرنسية نحو تونس، فطورا تسير إلى تطبيق ~~معاهدة الحماية والوقوف عندها، ومرة تنتهج السنة الاستعمارية التي سنها «بول كامبون»، ~~وهي في تناقضها واضطرابها لم تلتفت إلى العالم ms006 وإلى الواقع، كأنها ذاهلة بنفسها عن ~~غيرها، وإذا ما وعدت الحكومة الفرنسية وعدا، فسرعان ما تتراجع فيه تحت تأثير جاليتها ~~الاستعمارية بتونس، غافلة عما طرأ على العالم كله من تغيير عميق وعما أحدثته الحروب ~~العالمية فيه من تبديل. عواصف هبت على الدنيا، فزعزعت قوات أوروبا الاستعمارية ~~وأضعفتها حربيا واقتصاديا، حتى أصبح مركزها اليوم أقل أهمية من ذي قبل، وأضاعت ~~الدول الاستعمارية الكبرى هيبتها في القلوب، ورأى كل سياسي أن العصر الذي كانت دول ~~أوروبا تقتسم فيه العالم إلى مناطق نفوذ بينها تفرض فيها سيطرتها واستعمارها وحمايتها ~~وانتدابها قد انقضى وفات، فلم تبق في قبضتها دفة السياسة العالمية، بل أفلتت منها إلى ~~غيرها، وقام إثر الحرب العالمية الثانية عملاقان كبيران هما أمريكا ودولة السوفييت، ~~وأصبحت الدول الأوروبية بأسرها إما تحت النفوذ السوفياتي المباشر، وإما تحت رحمة أمريكا ~~التي تغدق عليهم من مالها الوافر ليعيشوا ويحافظوا على كيانهم ووجودهم. وكأن فرنسا لم ~~تعلم بعد أن كل دولة تأخذ من الدنيا على قدر قواها، وأن المحافظة على إمبراطورية كبرى ~~ممتدة في أطراف العالم تتطلب من الجيوش والأساطيل والطيران والقوات الاقتصادية والمالية ~~ما يكفي للوقوف أمام أكبر الدول المنافسة، وكأن فرنسا لم تعلم أيضا أنها لا تملك هذه ~~القوة اللازمة. # والأعجب أن فرنسا التي كانت طيلة قرون تسير في مقدمة البشرية في بث الآراء الحية ~~الجديدة والدفاع عن حرية الأفراد والمجتمعات، صارت اليوم كأنها في عزلة عن التيارات ~~الفكرية الكبرى التي تسير بالعالم نحو مصيره، فقد تجبرها الظروف أحيانا على مسايرة ~~غيرها، ولكن سرعان ما تتراجع إلى الوراء وتتشبث ببعض المبادئ البالية. # وقد انتصرت أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها مبادئ اعتنقتها غالب الشعوب والدول، ~~واهتز لها كل مظلوم وكل مغلوب على أمره. وكانت أمريكا حاملة لرايتها داعية لها ساعية في ~~تحقيقها، فظهرت في الميثاق الأطلنطي الذي جعله الحلفاء دستورا عالميا لجلب الأمم إلى ~~جانبهم، والذي امتاز بإعلان حق كل شعب في اختيار نظام الحكم الذي يريده، ثم سجلت مبادئه ~~في ميثاق سان فرانسيسكو الذي ms007 أسست بمقتضاه هيئة الأمم المتحدة، فالتفتت إليها جميع ~~الأنظار وعلقت عليها الآمال، مع أن الدول الاستعمارية احتاطت لنفسها في ميثاق تلك ~~الهيئة، فضيقت ميدانه وجعلته لا يطالبها إلا بتقديم بعض التقارير فيما يتعلق بالشعوب ~~الخاضعة لها. ولكن تلك الدول لم تتمكن من التملص من توقيع ذلك الميثاق الذي جعل مهمتها ~~في الأقطار التابعة لها تقتصر على إعدادها لحكم نفسها بنفسها، وكانت فرنسا في الواقع لم ~~تغير من سياستها الاستعمارية التقليدية شيئا، ثم إنها وقعت أيضا على ميثاق حقوق ~~الإنسان وخالفته حالا وخرقته بسرعة عجيبة واعتدت على الحريات الفردية والحريات العامة، ~~وقتلت ونكلت وسجنت وعذبت في أكثر مستعمراتها وخصوصا في تونس، فلم تقم وزنا لتلك ~~المواثيق كلها ولم تعترف بها عند التطبيق ولم تحترم توقيعها لها أصلا. # وأعظم ظاهرة للعصر الحديث مقت الاستعمار في العالم بأسره، واعتباره عبودية ورقا ~~والحكم عليه نهائيا بالإزالة، وقد عزز تلك الظاهرة إرادة الشعوب المغلوبة على أمرها ~~في التخلص منه، وإن أدى ذلك بها إلى تضحيات جسيمة، وإن أخل بالأمن العالمي، وإن اكتسح ~~الاضطراب والحرب قسما كبيرا من المعمورة؛ لأن المستضعفين في الأرض والمقهورين ~~والمظلومين والجائعين رأوا في الاستعمار والتسلط الأجنبي بأنواعه أقوى أركان النظام ~~السائد في بلادهم القائم على الفساد والارتشاء وخدمة مصالح بعض الأشخاص أو الجاليات ~~الأجنبية، فتحركت الجماهير الغفيرة التي تعد مئات الملايين بين آسيا وأفريقيا، واستيقظت ~~وتفطنت إلى أسباب دائها وعزمت عزما كليا على جثها من أصولها، وتقدمت لفك الأغلال من ~~رقبتها والتخلص من النير الأجنبي أولا، ومن ذلك النظام البالي ثانيا، ودوى صوت الحرية ~~الهائل في أرجاء الدنيا، وتجاوبت أصداؤه من جزر إندونيسيا وسهول الهند إلى جبال الأطلس ~~بالمغرب الأقصى، فتقطعت السلاسل وتحررت الشعوب وتكونت دول فتية وفتحت أمامها أبواب ~~المستقبل على مصراعيها، وكأن دولة أوروبا قد دالت فتقلص ظلها عن بلد بعد بلد، وكلما ولد ~~مولود جديد من تلك الشعوب التي كانت ترزح تحت الاستعمار، تعزز به جانب الحرية في ~~العالم، وازدادت الدول الاستعمارية ضعفا، وتقهقرت الروح الاستعمارية، وأحرزت هكذا ms008 غالب ~~أمم الأرض استقلالها: الهند وباكستان وبورما وسيلان وإندونيسيا وسوريا ولبنان وليبيا ~~والحبشة. وقد حصلت شعوب أخرى على حكمها الذاتي في سيرها نحو استقلالها. # وهل يمكن أن تقف موجة الحرية التي اكتسحت العالم عند حدود تونس؟ أم توهم الفرنسيون أن ~~هذا التيار البشري الجبار سيتعطل أمام ما وضعوه من سدود وضربوه من حصار شديد حول المغرب ~~العربي خاصة وبقية الإمبراطورية الفرنسية عامة؟ # أولم يعلموا أن النطاق الحديدي الذي أرادوا به عزل تونس عن بقية الدنيا لا يمكن أن ~~يوقف حركة شعب ونهضة أمة أرادت إرادة فعالة أن تحيا من جديد حياة العزة والكرامة، بل لم ~~يزدها ذلك النطاق المفروض إلا شوقا إلى الاتصال بالشعوب الشقيقة وإلى الخروج إلى ~~الهواء الطلق الحر، فخرق التونسيون الوطنيون السد الفرنسي المنيع من كل جهة، وخرجوا ~~بقضيتهم إلى الميدان العالمي، ووجدوا جميع تلك القوات الفتية المعادية للاستعمار ~~تناصرهم وتشد أزرهم، فقد أصبحت تلك الدول الجديدة تشارك مشاركة حقيقية في سياسة العالم. ~~وينبغي هنا ألا ننسى أن عددا وافرا من شعوب الدنيا قد ذاق في السابق مرارة الاستعمار، ~~وبقيت آثارها في فمه إلى يوم الناس هذا؛ ولذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ودول ~~أمريكا الجنوبية (الأرجنتين، والبرازيل، والشيلي، وبوليفيا وغيرها ...) تبغض الاستعمار ~~طبيعة وجبلة؛ ولذا كان من المتوقع أن تقف تلك الدول التي حصلت على استقلالها في القرن ~~الماضي أو في أوائل هذا القرن لجانب الدول الآسيوية الأفريقية التي رفعت لواء مكافحة ~~الاستعمار. فلا غرابة إذن في أن تجد تونس أعظم قوات العالم - الأدبية والمادية - تعطف ~~عليها وتميل إلى مساعدتها على التخلص من ذلك الاستعمار البغيض، فأصبحت المعركة في كنهها ~~بين الماضي والمستقبل، ففرنسا وقواها تسعى للمحافظة على النظام القديم البالي، وتسعى ~~تونس وأنصارها إلى تحقيق نظام أساسه العدل والحرية والمساواة بين الأمم الصغيرة ~~والكبيرة يضمن للبشرية سلامتها ورفاهيتها، ولا يكون الانتصار إلا للمستقبل. # وقد دهشت فرنسا لأنها تعيش في برجها العاجي فيما يتعلق بالاستعمار، عندما رأت الكتلة ~~الآسيوية الأفريقية تتكون للدفاع عن تونس، وزادت دهشتها لما ms009 سجلت القضية التونسية في ~~جدول أعمال هيئة الأمم، وأخيرا لم تحر جوابا، فانسحبت من الجلسة العامة التي أثيرت ~~فيها القضية، ولم تحتمل أن تجلس على كرسي الاتهام، ولفرط استغرابها وبعدها عن الواقع ~~العالمي المحسوس قررت حكومتها عدم الاعتراف بهيئة الأمم في هذه القضية وكأنها نسيت - أو ~~تناست - أنها وقعت ميثاق هيئة الأمم، وأن عملها هو تهديم لتلك المنظمة العالمية. وقد ~~أصرت على موقفها حتى رأينا رئيس وزرائها «بيني» يصرح في «كواليس» مجلس النواب الفرنسي ~~«أن فرنسا لن تقيم وزنا لأي قرار تتخذه الأمم المتحدة في القضية التونسية»، و«أن فرنسا ~~سترفض رفضا باتا السماح بالدخول إلى تونس لأي لجنة تعينها هيئة الأمم» (أكتوبر ~~1952). # ورأينا أيضا فرنسا تثور وتبرق وترعد ضد كل دولة وكل شعب نصحها بحل الأزمة التونسية ~~حلا عادلا، فكانت صحفها تشن الحملات المسمومة ضد شعوب آسيا وأفريقيا وتشكو باكية من ~~موقف الرأي العام الأمريكي من استعمارها؛ لأن القسم الأكبر من الصحف والمجلات الأمريكية ~~كانت واقفة بجانب تونس تدافع عن الحق والعدل، وقد طالبت بعضها الحكومة الأمريكية ألا ~~تخون الحرية وألا تعزز الاستعمار في العالم، فنشرت مثلا جريدة «وشنجطن بوست» المعروفة ~~بتأييدها للسياسة الخارجية الأمريكية مقالا افتتاحيا في 2 / 4 / 1952 قالت فيه: # إن قرار الحكومة الأمريكية الخاص بالامتناع عن التصويت عند نظر شكوى تونس ضد ~~فرنسا في مجلس الأمن قرار يدل على الجبن، وإن الدبلوماسية الأمريكية تلقت ~~الصفعة التي تستحقها من يد مندوب الباكستان، إن اشتراك الولايات المتحدة في ~~منظمة حلف شمال الأطلنطي يجب ألا يكبل حريتنا في ميدان الشئون الخارجية. # وإذا كانت الدبلوماسية الأمريكية مهتمة بحماية مصالح دول أوروبا الاستعمارية، ~~فما علينا إلا تغيير موقفنا كدولة عالمية وإعادة النظر فيما يتعلق بمصالحنا ~~والسير طبق سياسة خارجية مختلفة تمام الاختلاف عن السياسة التي نسير ~~عليها. # وإن أمريكا وإن لم تؤيد في أول أمرها تسجيل القضية التونسية في جدول أعمال الجلسة ~~العامة لهيئة الأمم المنعقدة بباريس عام 1951-1952 ولا مناقشتها في مجلس الأمن ~~بنيويورك، إلا أنها نصحت فرنسا المرة تلو ms010 المرة بوجوب تغيير سياستها بتونس والبر ~~بوعودها لها. ولما رأت تعنت فرنسا سلمت لحكومتها مذكرة رسمية تطالبها بذلك، فقامت قيامة ~~فرنسا إذ ذاك، واجتمع مجلس وزرائها بعد أن رفض «بيني» قبول تلك المذكرة أصلا، ونشر ~~بلاغا باسم الحكومة الفرنسية في 6 / 10 / 1952 جاء فيه: «تقرر أننا لن نقبل أي تدخل في ~~المسائل التي هي في جوهرها من اختصاص السيادة الفرنسية.» # وتوترت العلاقات بين الولايات المتحدة وفرنسا؛ إذ علم كل واحد أن الحكومة الفرنسية ~~تقصد بالتدخل الأجنبي تدخل أمريكا نفسها، ويعتبر الرأي العام الفرنسي كل مناقشة لقضية ~~تونس في هيئة الأمم إنما تقع بإرادة أمريكا أيضا. # فبدلا من أن تنظر فرنسا إلى الحقيقة وتعترف بالواقع وتغير سلوكها فتجلب لنفسها العطف ~~والتقدير، ألصقت التهم بغيرها ظنا منها أن تعنتها وتمسكها باستعمارها ووقوفها لأجله ~~ضد العدو والصديق والخصم والحليف، سيضمن لها بقاء إمبراطوريتها كما هي. فإذا بالرأي ~~العام العالمي ينقلب ضدها في هذه القضية ويعرفها بالحقائق المرة التي أرادت ~~تجاهلها. # وإننا نختار من بين مئات المقالات التي كتبت في هذا الصدد في أمريكا الجنوبية ~~وألمانيا والنمسا وسويسرا وإيطاليا وبلجيكا والدانيمرك والنرويج والسويد كلمة نشرها ~~الكاتب السويدي الحر جونار مولليرن # Gunnar mullern # في ~~جريدة أفطون بلادت الصادرة باستكهولم بتاريخ 1 / 4 / 52 قال: # مسكين مسيو بيني! الرئيس المؤقت للحكومة الفرنسية الممثل لفرنسا الضعيفة ~~الهرمة البعيدة عن كل بعث وازدهار، ولقد أصبحت فرنسا المثال الأول لما للترميم ~~من عيوب مضحكة وعجز. # وإن فرنسا - كبريطانيا العظمى - عرضة لأزمة التناقص، ولكننا بينما نرى ~~الإنجليز يتبعون سياسة رشيدة يكذبون بها «سالوست» المؤرخ الروماني الذي يقول إن ~~المحافظة على الإمبراطورية لا تكون إلا بالطرق التي كونتها، ويقيمون الدليل على ~~أنه يمكن أن تقام الإمبراطورية على أساس المحبة المتبادلة واحترام التقاليد ~~المتغايرة؛ نرى الفرنسيين يتبعون بتونس سياسة مبناها العنف كأن فرنسا ما زالت ~~دولة قوية عسكريا واقتصاديا وأدبيا. # وبما أن أساس أعمالها هو الظلم، فمن الصعب أن نظن أن الخاتمة ستكون لمصلحتها، ~~وأن الفرنسيين يكونون على جانب من الذكاء ms011 لو أنهم قلدوا الإنجليز المتيقظين، ~~لكي يجدوا حلا للنزاع القائم مع المكافحين لتحرير تونس. # ومن الغريب أن الفرنسيين الذين أظهروا تفانيهم في حب الحرية مدة الاحتلال ~~الألماني لبلادهم، هم نفس الفرنسيين الذين لا يحترمون ذلك الحب عند ~~غيرهم. # ولو أن فرنسا تصل إلى فرض شروطها باستخدام جنود «اللفيف الأجنبي»، ولو أنها ~~ترمي في المعركة بجميع القوات التي لديها فتقهر مؤقتا المقاومة الوطنية ~~التونسية؛ فإن ذلك الحل لا يكون إلا إلى حين، لأن ما يقع اليوم في تونس ليس ~~بالأمر الخاص بها فحسب، بل هو أمر يشبه نشوب الحريق في مزرعة حبوب، وأن اللهيب ~~سيلتهم لا محالة جميع ما اسمه إمبراطورية استعمارية أو نصف استعمارية. # عبثا تحاول فرنسا تعطيل سير البشرية، فالقوات الطبيعية لا ترد ونواميس الكون لا ~~تغلب، وتونس تسير مع البشرية في تطورها؛ ولذا رأينا قضيتها تتقدم في الميدان العالمي ~~بخطى ثابتة وتعزز في كل يوم بقوات جديدة. # ورأينا أخيرا هيئة الأمم تبحث المشكلة التونسية في جمعيتها العامة بنيويورك ~~(ديسمبر1952) وتتخذ في شأنها قرارا، فتجزم هكذا خلافا للرأي الفرنسي أن من اختصاصها ~~النظر في المشكلة التونسية ومن حقها إصدار القرارات في شأنها واتخاذ الوسائل اللازمة ~~لحلها. ~~(3) المشكلة التونسية في الميدان الفرنسي # إن المشكلة التونسية احتلت مكانا ممتازا في سياسة حكومات فرنسا المتوالية ولدى ~~الرأي العام الفرنسي وفي مناقشات البرلمان، وانكب عدد وافر من ساسة فرنسا ومفكريها ~~بالبحث والتحليل على السياسة الفرنسية بتونس، فرأوها غامضة مبهمة المعالم مضطربة في ~~سيرها متناقضة في أهدافها، حتى قال فيها «ميتران» ص86: # إن ضروريات الحرب في الشرق تفرض علينا متناقضات عجيبة. إننا نطالب بالمساعدة ~~الأمريكية في الهند الصينية، ولكننا نحتج على تدخل الولايات المتحدة في شمال ~~أفريقيا. إننا نخدم بكل حماسة القضية الوطنية الفيتنامية، ولكننا نبعث ب ~~«بورقيبة» إلى المنفى. إننا نتوجه إلى هيئة الأمم لو تحركت الصين، ولكننا نزعم ~~عدم اختصاص الهيئة في قضيتي مراكش وتونس. إن السياسة ليست هي المنطق، بيد أن ~~الوحدة الفرنسية لن تتحمل مثل هذه المتناقضات البالغة. # وكأن ساسة ms012 فرنسا لم يفطنوا بعد أن ذلك التناقض الذي سيفضي بالإمبراطورية الفرنسية ~~إلى التفكك والانهيار، ناتج عن الصدمات العنيفة والتيارات الجارفة التي تتلقاها من ~~الداخل والخارج، وهو ناتج عن تمسك فرنسا بسياسة استعمارية تقليدية لم ترد تبديلها، ~~قائمة على مبدأ أن: «الاحتلال العسكري لبلاد مستعمرة يجد مبررا له في أهمية الغنائم» ~~التي يجنيها منها. # وللاستعمار الفرنسي بتونس دعامتان: الاحتلال العسكري ومعاهدة «باردو» الناتجة عنه. ~~ولذا نرى جميع الساسة الفرنسيين من ذوي المسئولية وجميع الحكومات تتمسك دوما بذلك ~~الاحتلال وبتلك المعاهدة؛ أي تتمسك بكنه الاستعمار وجوهره حتى لا تفلت تونس من براثن ~~فرنسا. وعندما يتكلمون عن الاستقلال الداخلي، فسرعان ما يحترزون ويقولون: «ضمن معاهدة ~~باردو»، وهذا «ميتران» الداعي إلى وجوب إرضاء التونسيين يقول: # يبدو واضحا أن معاهدة باردو إذ تركت لفرنسا ميدانا خاصا مع احترام ~~الاستقلال الداخلي للبلاد التونسية، قد وضعت بذلك قواعد قوية لإقامة نظام ~~فيدرالي، يكون العقبة الوحيدة دون الانتشار العظيم الذي تلقاه الأماني ~~الاستقلالية. # ثم يضيف إلى ذلك: # كان يجب التمسك باحترام معاهدة باردو وما ترتب عليها من نتائج دبلوماسية ~~وعسكرية. # أما الاستعماريون المتطرفون وخصوصا ممثلو الجالية الفرنسية بالمغرب العربي ومن ~~يساعدهم من علماء القانون الذين اشتهرت فرنسا بهم، كالأستاذ لويس ميلو # Louis ~~Millot ~~؛ فينكرون إنكارا ~~باتا تاما وجود سيادة تونسية، كما صرح به الجنرال أومران # Aumeran # نائب المستعمرين الفرنسيين بالجزائر في البرلمان الفرنسي في ~~جلسة يوم 5 / 6 / 1952 قائلا: # ولم توجد أبدا سيادة تونسية لا في الواقع ولا شرعا ولا عقلا. # منطق عجيب لا يفهمه إلا المستعمرون، فكيف تعاقدت إذن تونس مع فرنسا ومع غير فرنسا قبل ~~الحماية وبعدها بمعاهدات متعددة متنوعة؟ نعم يجيب الساسة الفرنسيون على ذلك أن فرنسا لم ~~تتعاقد قط مع تونس، بل تعاقدت مع باي تونس فقط - وهو صاحب المملكة - وقد تنازل عن بعض ~~اختصاصاته للدولة الحامية، فيبدلون الواقع المحسوس ويخترعون الأباطيل، ويتلاعبون ~~بالألفاظ ليبقوا أحرارا في استثمار البلاد والتحكم في مصيرها، معتمدين في الحقيقة على ~~القوة المجردة وحدها. # ولما ارتفعت الأصوات في ms013 العالم بنقدهم والتشهير بهم، أجابوا الحكومات الأجنبية والرأي ~~العام العالمي بما أجابوا به من قبل التونسيين أنفسهم، وأرادوا أن يحتجوا بما كونوه ~~في البلاد التونسية لوجوب بقائهم بها، وأخذوا يعددون ما عبدوه من طرق ومدوه من سكك ~~حديدية، وما أنشئوه من أدوات عصرية، وما شيدوه من مدارس ومعاهد للعلم، وما أحدثوه من ~~مستشفيات ومستوصفات، وما استخرجوه من مناجم ومعادن، حتى انقلبت ضجتهم ضدهم وقال لهم ~~السيد ظفر الله خان وزير خارجية باكستان في هيئة الأمم: # إذا كانت الأرقام التي قدمتموها حقا، فإن تونس أكثر تقدما وأوسع نهضة من ~~باكستان نفسها، والباكستان مستقلة فينبغي أن تكون تونس مستقلة قبلها. # ومن البراهين المضحكة التي يلوكونها ويكررونها من غير ملل زيادة عدد السكان في البلاد ~~التونسية. ومن الملاحظ أن عدد السكان بتونس لا يزداد في الواقع إلا في الجهات المبرأة ~~من الاستعمار الفرنسي، أما في النواحي التي تمكن منها ذلك الاستعمار؛ فإن عدد السكان في ~~تناقص، أضف إلى ذلك أن نمو السكان في ازدياد أسرع في البلاد التي لم تعرف الفرنسيين ~~واستعمارهم، مثل الهند وباكستان ومصر، فهو أمر طبيعي خارج عن مؤثرات الدول الغربية ~~كلها. # وقد اتسع التذمر من الحكومة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية في الرأي العام ~~الفرنسي نفسه على تفريطها في الممتلكات الفرنسية وعدم صيانتها من الضياع، فمنهم من ~~يطالب بالمحافظة على الكل سيادة وثروة وناموسا، ومنهم من يريد تطورا في الألفاظ وفي ~~بعض المظاهر وإبقاء الجوهر، والكل متفقون على الاستعمار في كنهه. # ويوضح لنا «ميتران» تلك الفكرة في الكلمات الآتية: # إن المسئولين فينا بدلا من أن يبحثوا عن العناصر الثابتة للقوة في العهد ~~الحديث فيوفروها، وبدلا من أن يعملوا على كسبها والمحافظة عليها؛ اكتفوا ~~بالمظاهر الخيالية للهيبة. لقد كنا في سنة 1939 متخلفين بحرب واحدة، وفي سنة ~~1953 أصبحنا متخلفين بقارة واحدة. # إن امتلاك الثروة التي تحت الأرض ونشر التعليم وتحديد العملة ومراقبة الصرف ~~واحتلال المناطق الاستراتيجية، وتنظيم الجيش والدبلوماسية على أساس جماعي؛ تلك ~~هي المسائل الأصلية التي وقع إهمالها ms014 فأصبحت مهددة، ولكن يوجد في البلاد ~~التونسية عدد من المراقبين المدنيين أكبر من عددهم سنة 1938! كسل في التفكير ثم ~~جرأة لا تنظر للعواقب، ذلك ما يمتاز به هذا الضعف الذي يتجلى بمظاهر القوة ~~ببراعة كبيرة حتى يخيل لمعظم الفرنسيين أنها القوة بعينها. # وإننا شاهدنا ظاهرة جديدة بفرنسا إثر الحرب العالمية الثانية، فالرأي العام بها كان ~~يقف في الغالب إلى جانب المظلومين والمقهورين والمستضعفين إذا بلغته جنايات الفرنسيين ~~أنفسهم في المستعمرات، فقام المستعمرون من أبنائها سواء كانوا بباريس أو ببقية ~~الإمبراطورية وخصوصا بالجزائر، بعمل واسع النطاق بذلوا فيه أموالا طائلة للسيطرة على ~~قسم كبير من الصحف والمجلات واستمالة عدد وافر من الساسة الكبار وإيصال معتنقي فكرتهم ~~الاستعمارية إلى زمام الحكم، فأثروا هكذا تأثيرا واسعا عميقا بفضل دعاية مغرضة ~~مسمومة دائمة، وأصبح عدو التونسيين مارتيونو ~~ديبلا # Martinaud Déplat # وزيرا للعدل ودي ~~شوفينييه # De Chevigné # الوالي العام السابق بمدغشقر الذي قتل على يديه أكثر من مائة ~~ألف ملغاشي وزيرا للحرب، والجنرال «جوان» من قواد جيش الأطلنطي الذي انهالت عليه ~~الألقاب والتشريفات، فبات مارشالا وعضوا في المعهد العلمي # l’Académie française # وذا كلمة نافذة في السياسة الفرنسية. # وإذا بالرأي العام الفرنسي يظهر اهتماما بشئون الإمبراطورية ويتعصب في مجموعه ~~للاستعمار مع جهله لحقيقته وواقعه، ويرتمي ارتماء ضد الجزائريين والملغاشيين ~~والفيتناميين والتونسيين، مستنصرا - في ظنه - لفرنسا وناموسها، منساقا بغير تفكير ~~لعبارات جوفاء رنانة. وقد حلل أحد الساسة الفرنسيين تلك العقلية فقال: ~~... إن جانبا كبيرا من الرأي العام عندنا لا يزال يتصور التوسع الاستعماري ~~حسب أقدم مظاهره وأكثرها سخافة وإثارة للشعور، فالرأي العام يجهل من جهة ~~التغييرات التي حدثت منذ انتهاء الحرب في جميع الأقطار الواقعة تحت الوصاية ~~والتي لا تتمتع بالحكم الذاتي، وهو من جهة أخرى يتمسك ببعض النظريات السخيفة، ~~فمعلوماته تقتصر على بعض العبارات المثيرة التي تمنعه من التفكير، ولا يمكن أن ~~نتصور إلى أي حد عقمت أعمالنا وشلتها عبارات مثل «اجتنبوا الفضيحة» و«لا توجد ~~ترجمة آسيوية لكلمة الحقيقة» و«في أفريقيا لا يحترمون إلا السوط»، إن ms015 ما تتضمنه ~~هذه العبارات من ملاحظات بسيطة تتخذ مبررا للمواقف السياسية، وحتى لتشييد ~~نظريات تترتب عليها قرارات حكومية. # ولم تنفذ تلك الدعاية الاستعمارية إلى الجماهير الشعبية وحدها، بل تأثر بها أيضا عدد ~~وافر من المفكرين والساسة حتى أصبحوا يرون في كل من يطالب بحقوقه وحقوق بلاده عدوا ~~لفرنسا ينبغي الإسراع إلى القضاء عليه، ويتوهمون أن الحركات الاستقلالية في البلدان ~~التابعة لفرنسا إنما مصدرها من الخارج والمحرك لها الأجانب، وصور لهم خيالهم الشيوعية ~~في كل مكان ثم نسوها، ورأوا شبح أمريكا ودولاراتها والجامعة العربية ودعايتها والحركات ~~الآسيوية ومفعولها، ولم ينتبهوا إلى نهضة الشعوب المغلوبة على أمرها وتعطشها إلى ~~الحرية، فبقوا يحاربون خيالات وأوهاما، ولم يريدوا التنازل عن أي سلطة وأي نفوذ للشعوب ~~التي وضعها حظها المنكود تحت الحكم الفرنسي، فتعجب منهم أحد المتمسكين بمعاهدة «باردو»، ~~وهو «ميتران» الذي قال ينقدهم: # إنه لعجيب أن نسمع بعض الساسة المعتدلين يستنكرون مطالب الحزب الحر الدستوري ~~الجديد الخاصة باستقلال ذاتي حقيقي، ويختفون في طيات العلم الوطني كلما طلب ~~مثلا تعيين وزير تونسي لشئون التعمير أو أبدى أملا في إيجاد «دولة مشتركة» في ~~أفريقيا. إن وجود جيش وطني تونسي ودبلوماسية تونسية باتصال دائم مع القاهرة ~~وروما وموسكو وواشنطون، لا يثير تخوفاتهم بقدر ما يثيرها إنقاص عدد الموظفين ~~الفرنسيين في الإدارة المباشرة أو تيسير الشئون البلدية بهيئة منتخبة من قبل ~~هيئة انتخابية موحدة! # وفرنسا في سياستها نحو الإمبراطورية عامة وتونس خاصة عجزت عجزا ظاهرا عن متابعة ~~الظروف العالمية والداخلية، ولم تعرف كيف تتكيف لمجاراتها، ولم تتعظ بالدروس القاسية ~~التي تلقتها في مختلف أنحاء العالم، فانجلت عن سوريا ولبنان صاغرة مقهورة، وأضاعت قواها ~~العسكرية والمالية في حرب طاحنة لا هوادة فيها في الهند الصينية، ولم تعتبر بالعبر ~~والشدائد التي قاساها غيرها من الدول، كأنها لم تر هولاندا تغادر إندونيسيا إلى غير ~~رجعة، وأن تشاهد بريطانيا تعطي استقلال الهند طواعية، ولم تتفطن إلى انهيار ~~إمبراطوريتها نفسها وتقطع أوصالها وانفصال أجزائها، ولم تراع العوامل والقوات التي تؤثر ~~تأثيرا مباشرا على ms016 الوحدة الفرنسية كما قال أحد ساساتها: ~~... إن اجتماع الوطنية والشيوعية وما اتفق على تسميته بهذا الاسم الغامض: ~~الاستعمار، كان من المتحتم أن يؤدي إلى انفجار: اثنان ضد واحد، فهل تكون الكلمة ~~الأخيرة للقوة؟ وهكذا تتعرض الوحدة الفرنسية الناشئة من مؤتمر برازافيل، ومن ~~دستور 1946 إلى تطورات مختلفة، فلاقت حوادث قاسية في مدغشقر وساحل العاجل ~~وتعرضت لهزائم في تونس ومراكش، وتفككت في تونكان ولاوس وكمبوديا في الهند ~~الصينية. ~~(4) الجالية الفرنسية ودورها في المشكلة التونسية # لقد عجزت الحكومات الفرنسية أو تظاهرت بالعجز عن حل مشكلة تونس التي لا تزيدها الأيام ~~إلا تشعبا وتعقيدا، لما تتمتع به جاليتها من نفوذ كاد يكون مطلقا ومن امتيازات فاحشة ~~جعلتها المتصرفة الحقيقية في مصير البلاد وحظوظ العباد، وإذا ما ظهرت الحكومة الفرنسية ~~بمظهر الحكم بين تلك الجالية والشعب التونسي، فإنها تكون دائما حكما ظالما يعزز جانب ~~مواطنيه ويطلق يدهم ويسعى في منحهم حقوقا جديدة، فأصبحت تلك الجالية الفرنسية أكبر عبء ~~على تونس، وأرادت فرنسا أن تظهر أن المشكلة التونسية في جوهرها وكنهها نزاع بين جاليتها ~~وبين الشعب التونسي، وهي تعلم علم اليقين أن احتلالها العسكري للبلاد هو الذي مكن لتلك ~~الجالية التي باتت أكبر مانع لكل تفاهم، وهي في الحقيقة نتيجة لسياسة التعمير التي ~~تبعتها فرنسا منذ احتلت تونس رامية من وراء ذلك إلى فرنسة البلاد وإلحاقها بالتراب ~~الفرنسي. # وكان عدد الأوروبيين عند توقيع معاهدة «باردو» (1881) لا يفوق العشرات، فأصبح اليوم حسب ~~الإحصاءات الفرنسية نفسها 239,549 نسمة منهم 140 ألف فرنسي، وقد أرادت فرنسا أن تعطي ~~لتلك الأقلية من الفرنسيين حقوقا سياسية بتونس، فتشركهم مناصفة في الحكومة التونسية ~~والبرلمان التونسي وجميع مؤسسات الدولة، مع أنهم أجانب لا يمكن قانونا وشرعا أن يكون ~~لهم حق المواطن في بلاد أجنبية مرتبطة ببلادهم بمعاهدة دولية. # فما هي هذا الجالية الفرنسية؟ وما هو تركيبها؟ # كانت فرنسا خلال السبعين سنة الأخيرة قليلة الولادات ضعيفة النسل، فلم تتمكن من إرسال ~~عدد وافر من أبنائها إلى تونس؛ ولذا كان الفرنسيون الذين من أصل ms017 فرنسي أقلية ضئيلة في ~~تلك الجالية، ومعظم تلك الأقلية من جزيرة كورسيكا - لغتهم لهجة إيطالية وجنسيتهم فرنسية ~~- التي يمتاز أهلها بالجهل والفقر والتعصب الأعمى وروح الانتقام، فنزلوا على تونس كرجل ~~جراد وانهمكوا في استثمارها والاستيلاء على خيراتها، إلى أن أصبح رئيس الجالية الفرنسية ~~كلها كورسيكيا على الدوام كأسرة مالكة يتعاقب أصحابها على العرش من جالليني # Gallieni # إلى جودياني # Gaudiani # إلى كازابيانكا # Casabianca # وكولونا # Colonna ~~، وتلك أسماء إيطالية أعجمية ~~بالنسبة لفرنسا. # أما الأكثرية فإنها خليط من جميع الأجناس والفرق والبلدان، أتت بهم فرنسا من كل صوب ~~وحدب، فقبلت المشردين واللاجئين غير المرغوب فيهم في أوطانهم من روس بيض ويوغسلافيين ~~ويونانيين وألمان وإسبان ومالطيين وإيطاليين، فكانت فرنسا تمنحهم الجنسية الفرنسية ~~وتفتح لهم أبواب الرزق وتدخل أبناءهم المدارس الفرنسية لتنسيهم لغتهم، وإذا بهم يصبحون ~~أسيادا متحكمين مهيمنين ينظرون إلى التونسي من عليائهم ويحتقرونه ويرون أنفسهم أصحاب ~~البلاد، قد اكتسبوا من الحقوق ما ليس له. # وقد اتبعت فرنسا لتثبيت أقدامها سياسة توزيع أراضي التونسيين عليهم أو مساعدتهم على ~~الاستحواذ عليها بشتى الطرق. وبما أن تونس بلاد فلاحية قبل كل شيء، انتقلت ثروة البلاد ~~إلى أيدي هؤلاء الأجانب، وقد عقد الدكتور ثامر فصلا في كتابه «هذه تونس» أعطى فيه ~~الموضوع حقه من البحث، جاء فيه: # لأجل أن تسيطر فرنسا تمام السيطرة على الناحية الاقتصادية في البلاد، وجهت ~~همها إلى الاستيلاء على الأراضي الزراعية، فاتخذت كافة الوسائل الممكنة - وفي ~~مقدمتها إصدار التشريعات المختلفة - لانتزاع الأراضي من يد التونسيين وإقرار ~~الفرنسيين بها، فأصبح هؤلاء الفرنسيون هم المتحكمين في حياة البلاد ~~الاقتصادية. # ثم تساند المستعمرون الفرنسيون مع الفرنسيين أصحاب رءوس الأموال المسيطرين ~~على الحياة التجارية والصناعية، ومع رجال الإدارة الذين بيدهم توجيه السياسة ~~المالية في البلاد، وبذلك أصبح الشعب التونسي مهددا بالفقر أمام هذه القوى ~~التي تسندها السلطة التشريعية والتنفيذية في البلاد. # ولأجل أن نعلم مقدار الظلم الذي حاق بالتونسيين من الناحية الزراعية، يكفي أن نستعرض ~~الوسائل التي اتخذتها السلطة الفرنسية للاستيلاء على أراضي تونس الزراعية. # تبلغ مساحة ms018 الأراضي التونسية الصالحة للزراعة تسعة ملايين من الهكتارات، من مساحة ~~المملكة التونسية التي تقدر باثني عشر مليونا ونصف من الهكتارات. # وكانت كل هذه الأراضي بطبيعة الحال - قبل الحماية - تحت تصرف الأهالي، يعيشون من ~~محصولاتها ومن تربية المواشي في مراعيها، وكان بعضها ملكا للدولة أو للأفراد، أو ملكا ~~مشاعا بين القبائل، والبعض الآخر تابعا للأوقاف العامة أو الخاصة. # وما كاد الاستعمار يضع أقدامه في البلاد، حتى اتجه إلى كل قسم من هذه الأقسام، ورسم ~~الطريق للاستيلاء عليه، سالكا سياسة واحدة متتابعة الحلقات طول مدة الاحتلال. # ولما كانت فرنسا مهد القانون الحديث، فإن فقهاءها لم يعدموا الحيل القانونية لانتزاع ~~الأراضي من العرب، فاتخذ القانون مطية لتنفيذ أغراض الجشع الاستعماري، وخلعت فرنسا على ~~سياسة السلب والنهب التي انتهجتها في البلاد التونسية ثوبا من المشروعية، وكل من أمعن ~~النظر في سلسلة تلك النصوص التي أنشئت من العدم لهذا الغرض وتتبعها، يتضح له جليا ما ~~ارتكبته فرنسا من فظائع باسم القانون. # 1 ~~(5) أملاك الدولة الخاصة # تقدر أملاك الدولة التونسية الخاصة - قبل عهد الحماية - بمساحة لا تقل عن مليون من ~~الهكتارات، كان للأهالي حق استغلالها، وقد وضع المصلح الكبير الوزير خير الدين برنامجه ~~الواسع لتوزيعها بين الفلاحين، مانحا كلا منهم قطعة أرض مساحتها عشرون هكتارا، ونفذ ~~البرنامج بصفة خاصة بمنطقة زغوان. # وقد بادرت الحكومة الفرنسية بانتزاع ملكية هذه الأراضي من يد الفلاحين التونسيين، ~~وتركت لهم في الأول حق استغلالها، ثم ما لبثت أن طردتهم منها وأقرت فيها «المعمرين ~~الفرنسيين»، # 2 # وتلا هذا الإجراء صدور الأمر المؤرخ في 13 يناير 1896 الذي يقضي بإلحاق «الأراضي ~~البور» بأملاك الدولة، فأخذت سلطة الحماية على عاتقها تحديد الأراضي البور، وراحت تدخل ~~ما تشاء من الأراضي في هذا النوع، معتدية بذلك على حرية الملك الفردية، وتوالت ~~اعتداءاتها على أصحاب الأملاك تحت هذا الستار. ~~(6) أراضي الغابات # يوجد بتونس غابات وأحراش شاسعة بالمنطقة الشمالية تبلغ مساحتها مليونا وتسعة عشر ألف ~~هكتار، وقد عمدت فرنسا إلى الاستيلاء عليها منذ بدء الحماية، وأصدرت أمرا بتاريخ ms019 4 ~~أبريل سنة 1890 يقضي بإدخالها ضمن أملاك الدولة الخاصة. # ثم أصدرت أمرا بتاريخ 22 يوليو سنة 1903 يتضمن وضع حدود نهائية لهذه الغابات، وكان ~~الغرض الحقيقي لهذا الأمر إنما هو اغتصاب أراضي السكان المجاورة لهذه الغابات، وتضمن ~~هذا الأمر النص على أنه لا يمكن قبول أية دعوى تتعلق بحق الملكية بعد إتمام عملية ~~التحديد، وكانت عملية التحديد تتم في الخفاء، حتى إن أكثر الملاك - وأغلبهم من البدو - ~~ما كانوا يعرفون إجراءات هذا التحديد إلا بعد فوات أوانها، وقد عجز أكثرهم عن تقديم ~~رسوم ملكيتهم؛ إذ كانوا يتصرفون في أراضيهم منذ أجيال، ومن ذلك الحين تعددت المنازعات ~~بين السلطة الفرنسية والأهالي في هذا الشأن؛ إذ وقع إقصاء الكثيرين عن أراضيهم، وسلطت ~~الإدارة الفرنسية الغرامات الفادحة على من عاد إلى التصرف فيها، ثم صدر أمر في 6 يونيو ~~سنة 1928 بتأسيس لجنة للفصل في هذه المنازعات، وأعقبه أمر آخر في 26 ديسمبر سنة 1928 ~~ينص على ضم نائبين من التونسيين إلى اللجنة، ومهمة هذه اللجنة هي فحص صحة المستندات ~~التي تقدم إليها من حيث إثباتها للملكية. # ومن أغرب ما ورد من نصوص في سبيل اغتصاب ملكية الأراضي التونسية، ما جاء في الأمر ~~الصادر في 26 ديسمبر سنة 1938 من أنه لإثبات حق المدعي يشترط أن تكون الأرض بها حرث أو ~~نبات أو بناء، وأن لا ملكية ما لم يتوفر هذا الشرط، ولو كان بيد المالك عقود تثبت صحة ~~الملكية. وقد ثار الرأي العام لهذا الاستبداد والجور، فكان جواب السلطة الفرنسية أن ~~أصدرت أمرا بتاريخ 20 مايو 1930 بفصل العضوين التونسيين من لجنة المنازعات حتى لا يبقى ~~بها من يمثل حقوق أصحاب الأملاك المغتصبة. # وقد ارتكبت فرنسا لتحقيق أغراضها واعتداءاتها على الملكية الفردية للأراضي المجاورة ~~للغابات أشنع الفظائع، واستعملت في هذا السبيل شتى الوسائل والمناورات غير المشروعة، ~~ونذكر على سبيل المثال أن السلطة الفرنسية طلبت من الفلاحين في جهة فريانة سنة 1934 أن ~~يسلموا للإدارة مستنداتهم لملكية الأراضي بدعوى الاطلاع عليها مقابل ms020 إيصالات، ثم استردت ~~الإيصالات، وامتنعت عن تسليم المستندات لأصحابها، وأسرعت إلى تسجيل تلك الأراضي تحت ~~ملكيتها، ووضعت يدها على ما فيها من مبان وبساتين. # وفي سنة 1938 حملت سلطة الحماية الفلاحين على الاعتراف بملكيتها لتلك الأراضي مقابل ~~بقائهم لزراعتها، وألزمت كل فلاح بدفع إيجار سنوي، وهكذا أصبح المالك مستأجرا والغاصب ~~مالكا. ومن أمثلة هذا أن سلطة الحماية انتزعت من الفلاحين المجاورين للغابات بجهة عين ~~الدراهم مساحات تتراوح بين الهكتارين والعشرين هكتارا، ووقع هذا الاعتداء في ثماني ~~عشرة «شياخة» وبلغت ما اغتصب من شياخة واحدة منها وهي شياخة الفويدية ثلاثمائة هكتار بما ~~عليها من نبات ومبان، وقد أرغم ملاك هذه الأراضي على ترك ديارهم وأراضيهم أو يعترفون ~~بملكيتها للدولة، ويدفعون جعلا سنويا، وعندئذ تباح لهم فقط الإقامة فيها على سبيل ~~العمرة. # هذا بالإضافة إلى أن السلطة الفرنسية قد اتخذت مسألة حراسة الغابات وسيلة إلى ~~الاضطهاد، فأرسلت إلى الغابات جيشا من الحراس الفرنسيين يفرضون على الفلاحين التونسيين ~~الغرامات تلو الغرامات، وراح الحراس يهاجمون الأهالي في عقر دورهم ويعتدون على نسائهم ~~تحت ستار تنفيذ القانون والتفتيش عن أخشاب الغابة؛ كل هذا باسم القانون والمدنية ~~والإصلاح. # وقد وصل الأمر إلى حد اعتبار أوراق الشجر التي تعبث بها الرياح وتلقيها على الأرض ~~سيما في فرض الغرامات المتتالية، والحجز الإداري، وبيع مواشي الفلاحين لتسديدها. وهكذا ~~أصبح هؤلاء الفلاحون تحت رحمة حراس الغابات، توقع عليهم أنواع الظلم المختلفة ~~والاعتداءات المتوالية على أموالهم وبيوتهم ونسائهم، وغدوا في حالة من البؤس والفقر ~~أصبحت مضرب الأمثال. # وتتصل بمسألة أراضي الغابات مسألة المياه التونسية التي صارت بأمر مؤرخ في 24 سبتمبر ~~1885 من أملاك الدولة الخاصة، ومسألة المياه في منطقة الجنوب لها نفس أهمية الأراضي ~~الزراعية في مناطق أخرى؛ إذ تتوقف عليها حياة الواحات التي يعيش منها أهل الجنوب، وكانت ~~العيون قبل الحماية ملكا للأفراد ولها نظام خاص في توزيعها على السكان لم يتغير منذ ~~عهد قديم، وفي السنوات الأخيرة بدأ الاستعمار يتسرب إلى منطقة الجريد، وأقطعت السلطة ~~الفرنسية الأراضي إلى ms021 المعمرين الفرنسيين لزراعتها نخيلا وحولت إليها المياه معتدية ~~على حق السكان الذي توارثوه منذ أجيال. ~~(7) أراضي القبائل # يوجد بتونس أراض شاسعة تتصرف فيها القبائل منذ أجيال، وهي ملك مشاع بينها، وتسمى ~~«بالأراضي الكلية»، وقد عمدت سلطة الحماية إلى إلحاقها بأملاك الدولة، بدعوى أن القبائل ~~لا حق لها في هذه الأراضي؛ إذ لا تملك رسوم ملكيتها، وأصدرت في هذا الشأن أمرها المؤرخ ~~في 14 يناير 1951. # وقد أيدت المحكمة المختلطة هذه النظرية بتاريخ 22 فبراير سنة 1904 مقررة أن القبائل ~~بتونس ليس لها «نظام الجماعات» الذي يجعل لها شخصية قانونية، فالأرض الكلية غير معترف ~~بها قانونا؛ لأن القبيلة نفسها ليست لها شخصية قانونية، واعتمادا على هذا القرار صارت ~~السلطة الفرنسية تسجل كل المساحات التي أرادت إلحاقها بأملاك الدولة من أراضي القبائل، ~~واعتبرت أن القبائل ليس لها إلا حق استغلالها الوقتي، والغرض الأساسي من هذه التصرفات ~~هو انتزاع الأراضي من يد الفلاحين وإهداؤها للمستعمرين الفرنسيين، وقد أدى هذا الإجراء ~~مرارا إلى تصادم بين الملاكين والقوات المسلحة، وإلى سفك الدماء وقتل الأنفس. # وهكذا وضعت السلطة الفرنسية يدها على مساحات شاسعة من مديريات الأعراض، وقفصة، ~~والهمامة، والفراشيش، وماجر، والسواسي، ومناطق الجنوب، ثم قسمتها بين المستعمرين، بعد ~~أن طردت منها القبائل التي كانت تملكها منذ قرون، وأقصتها إلى أراض قاحلة وجبال وعرة، ~~أو أخذهم المستعمرون كعمال في نفس الأرض التي كانوا يملكونها. # ومتى علمنا أن أراضي القبائل بالقطر التونسي تبلغ مساحتها أربعة ملايين من الهكتارات، ~~أي ثلث مساحة القطر، تتجلى لنا في أشنع صورة خطورة هذه السياسة الفرنسية التي ترمي إلى ~~إفقار العنصر العربي. ~~(8) أراضي الأوقاف # لم تقتصر السلطة الفرنسية على اغتصاب أملاك الدولة وأراضي الغابات وأراضي القبائل، بل ~~ذهبت في اعتداءاتها المتوالية إلى أبعد حد، فتطاولت إلى أوقاف المسلمين، وتقدر مساحة ~~الأوقاف العامة والخاصة بما لا يقل عن أربعة ملايين من الهكتارات، وهو ثلث مساحة البلاد ~~التونسية، ولم يعدم فقهاؤها استنباط الحيل القانونية لتحقيق أغراض الاستعمار، فصدر أمر ~~بتاريخ 13 نوفمبر سنة 1898 يفرض على ms022 إدارة الأوقاف أن تضع كل عام تحت تصرف إدارة ~~الاستعمار جزءا من أراضي الأوقاف العامة لا تقل مساحتها عن ألفي هكتار، على أن يتم نقل ~~الملكية بين إدارة الأوقاف وإدارة الاستعمار مباشرة وبدون إشهار. # ولإدارة الاستعمار الحق في اختيار أراضي الأوقاف التي تقرر الاستيلاء عليها، وهي ترسل ~~خبيرا زراعيا يباشر وحده تقويم الأرض، ويكون رأيه فاصلا في تقدير القيمة، وفي جميع ~~شروط نقل الملكية، دون أي ضمان لمصلحة الوقف. # وهكذا لم تحترم فرنسا الشريعة الإسلامية الغراء التي قضت بأن الوقف ملك لا ينقطع، ~~وأنه لا يباع، ولا يرهن، ولا يوهب، ولا يعوض. # ولم تحترم فرنسا إرادة الوقف، فأعلنت أن المؤسسات الخيرية، كالمساجد والمستشفيات ودور ~~العلم، لا يجب أن توقف من أجلها الأراضي، والأجدر أن تعوض هذه بالمباني والفنادق أو حتى ~~بالمال، وقررت أن هذا التعويض مباح بل مرغوب فيه. # وهكذا استولت إدارة الاستعمار على أوقاف المسلمين واغتصبت أخصب الأراضي الموقوفة ~~لجهات البر والتعليم، كل هذا مقابل بعض الدور المهدمة والمباني البالية، الآيلة للسقوط، ~~التي لا يفي دخلها الضئيل بنفقات إصلاحها، أما إذا عوضت أراضي الأوقاف ببناية صالحة ~~للاستغلال؛ فإن هذه البناية تؤجر للإدارة مقابل إيجار صوري فرنك واحد في السنة. # وهكذا توالت اعتداءات فرنسا على الإسلام في بلاد المسلمين، وهدمت النظم القائمة على ~~أساس الشريعة الإسلامية الغراء، بغير مبالاة بما تحميه من مصالح عامة وما تصرف عليه من ~~بيوت الله ودور العلم، وعادت إدارة الأوقاف من الفقر بحيث أصبحت عاجزة عن القيام بشئون ~~المؤسسات العلمية والخيرية، فتهدمت المدارس والمساجد، وأصبح الكثير منها في حالة يرثى ~~لها. # وبعد أن تم لها الأمر واستولت على كل أراضي الأوقاف الصالحة للزراعة، أصدرت بتاريخ 20 ~~يناير سنة 1942 أمرا بإلغاء تشريع سنة 1798، وظنت أنها بذلك تخلصت من آثار الجريمة ~~التي ارتكبتها بالاعتداء على عقيدة البلاد وشريعتها، وسلب أموال المسلمين، والقضاء على ~~دور العلم والمساجد والمستشفيات. # والنتيجة لهذا العمل الذي وقفت عليه إدارة الحماية جهودها منذ أكثر من ستين سنة، هو ~~أن أصبحت جميع الأراضي ms023 التابعة لأملاك الدولة، وما ألحق بها من أراضي الغابات، والأراضي ~~الكلية، وأراضي الأوقاف، تحت تصرف «إدارة الفلاحة والاستعمار» التي أسست سنة 1898 ~~لتنظيم توزيع الأراضي على «المعمرين» الفرنسيين. # ويقع التوزيع بطريق البيع الصوري بثمن زهيد يدفع أقساطا لمدة عشر سنوات، ولتسهيل ~~اقتناء المعمرين للأراضي صدر أمر بتاريخ 1 ديسمبر سنة 1892 أعقبه أمر ثان بتاريخ 25 ~~سبتمبر سنة 1900، يتضمن تأسيس «صندوق الاستعمار»، وقد قدمت السلطة الفرنسية لهذا ~~الصندوق من ميزانية تونس مليون فرنك ونصفا عند تأسيسه، ثم قدمت له سنة 1904 ثمان مائة ~~ألف فرنك، وفي سنة 1905 سبعمائة ألف فرنك، وفي سنة 1907 خمسة ملايين اعتمدتها من قرض ~~عقدته الدولة التونسية من فرنسا، وهكذا دأبت السلطة الفرنسية كل سنة على تخصيص اعتماد ~~كبير لصندوق الاستعمار من الميزانية التونسية نفسها، وصارت تضيف إلى هذا الصندوق المال ~~المتحصل من بيع أملاك الدولة للمعمرين، وتستعمل كل هذه الأموال لشراء أراض أخرى توزع ~~على المعمرين وهكذا. # ولم تكتف السلطة الفرنسية بتأسيس هذا الصندوق لتسهيل اقتناء المعمرين للأراضي، بل ~~وضعت تحت تصرفهم أموالا طائلة لاستثمارها، وأسست لهم خاصة بنوكا عديدة للاقتراض منها ~~بدون «فوائد»، إلى غير ذلك من أنواع المساعدات التي تقدمها لهم تشجيعا على استقرارهم ~~بتونس، حتى يصبحوا هم الأغلبية الساحقة في يوم من الأيام. ~~(9) نتائج ومقارنات # وفي أول عهد الحماية ترك امتلاك الأراضي التونسية لمساعي الفرنسيين الفردية، ثم شرعت ~~الإدارة الفرنسية في تنظيم الخطط وتقرير البرامج الواسعة لإقرار الفرنسيين بالأراضي ~~التونسية، فكانت تضع تحت تصرف «إدارة الفلاحة والاستعمار» ما تنتزعه من الأراضي ~~الزراعية من أيدي العرب لتوزعها على الفرنسيين مقابل أثمان صورية مقسطة على آجال، فمن ~~سنة 1900 إلى 1914 سلمت هذه الإدارة من أراضي الشمال مساحات شاسعة بلغت 125 ألف هكتار، ~~بينما منحتهم في منطقتي الوسط والجنوب مساحات قدرها 132 ألف هكتار، وقد ورد في ~~الإحصاءات الرسمية أن مجموع الأراضي التي استولى عليها الفرنسيون حتى سنة 1914 يبلغ 757 ~~ألف هكتار، من أخصب الأراضي التونسية. # وبعد الحرب العالمية الأولى وسعت فرنسا ms024 نطاق ما تمنحه من امتيازات لإقرار ألف عائلة ~~فرنسية بالأراضي التونسية، فمن سنة 1919 إلى سنة 1938 وزعت 1191 قطعة أرض بمنطقة الشمال ~~بلغ مجموع مساحتها 143560 هكتار و75 قطعة بالمناطق الوسطى والجنوبية بلغت مساحتها 53605 ~~هكتار. # واستمرت هذه السياسة الرامية إلى إجلاء العنصر التونسي من الأراضي الخصبة وإقصائه إلى ~~الأراضي القاحلة حتى يومنا هذا. # ومما يجدر ذكره أن عدد السكان الذين يعيشون من الزراعة يقدر بمليون وثمانمائة ألف ~~نسمة، منهم 400 ألف يتصرفون في الأراضي المزروعة حبوبا و450 ألفا يتصرفون في الأراضي ~~المغروسة بالأشجار، والبقية - وهم مليون نسمة - يمثلون طبقة العمال والفلاحين. وتحتل ~~الأراضي الصالحة لزراعة الحبوب - وهي الأصل في الزراعة التونسية - مساحات قدرها 2934000 ~~هكتار؛ أي 22,6٪ من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة، وليس في أيدي التونسيين منها سوى ~~مليون هكتار، والبقية بأيدي المعمرين الفرنسيين والأوروبيين، وعددهم خمسة آلاف ~~نسمة. # وكان من نتائج هذه السياسة التي جعلت الفرنسيين يستولون على قسط كبير من الأراضي ~~الخصبة، وجزء وافر من الإنتاج الزراعي، أن عم الفقر بين طبقات الفلاحين، وكثرت فيهم ~~البطالة، وانخفض مستوى معيشتهم وأصبحت تغذيتهم ناقصة، وصاروا مهددين بالمجاعات التي ~~تنتشر بينهم انتشارا سريعا بمجرد ما تحل أزمة من الأزمات. # وكان أعظم نتيجة لاغتصابهم الأراضي الواسعة أن تكونت فيهم نفسية الإقطاعيين الكبار من ~~غير ميزات الأرستقراطية، فيعتبرون التونسي خادما لهم ورقا ينبغي ألا يرتقي إلى مستوى ~~البشرية، ويعبرون عن ذلك بسذاجتهم التي لم يفارقوها بعد في ألفاظ وقحة لا احتشام فيها ~~ولا حياء. وقد أظهر أحدهم ما في نفس الجميع وهو جول ~~بينيون # Jules Peignon # المستعمر الذي يملك أكثر من 7 آلاف هكتار في جهة «سوق ~~الأربعاء» الخصبة، وهو أيضا عضو بارز من أعضاء «المجلس الكبير»، عندما طلب منه رئيس ~~جمعية رفع الأمية أن لا يعارض في منح هذه الجمعية إعانة من ميزانية الدولة لبناء ~~المدارس الشعبية، قال: # لا يمكن بحال أن أوافق على هذه المساعدة؛ لأن التونسيين لو تعلموا لما رضوا ~~بأن يبقوا عمالا عندنا في أراضينا، فنفقد هكذا ms025 اليد العاملة اللازمة ~~لنا. # وقد حلل أحد الكتاب الفرنسيين الأحرار «دانيال جبران» تلك العقلية الإقطاعية في مقال ~~نشرته مجلة # Les Temps nouveaux # بعددها 87 الصادر في ~~يناير 1953، قال: # إن في قلوبنا لشفقة على شمال أفريقيا؛ لأنها تخضع لنير إقطاعية ترابية من أشد ~~وأقسى الإقطاعيات التي عرفها التاريخ، وإن المشكلة من هذه الناحية اجتماعية ~~أكثر منها وطنية، وهي وطنية بقدر ما تكون تلك الإقطاعية أجنبية عن المغرب وبقدر ~~ما تعتمد على حق الغزو والفتح، ولكن سلطانها الأساسي اقتصادي، وهي ككل ~~الإقطاعيات مركبة من أقلية ضئيلة، وإن المليون ونصف المليون من ~~الأوروبيين # 3 # بين مستعمرين صغار لا قيمة لهم وموظفين كالجراد عدا، ليسوا غير ~~قطيع سهل الانقياد تسيره تلك الإقطاعية كما تريد بتغذية الروح العنصرية فيه، ~~ولكن السادة الحقيقيين لا يفوق عددهم الثلاثين ألفا: عشرون ألف مزارع تقريبا ~~بالجزائر وخمسة أو ستة آلاف بتونس، وخمسة آلاف بمراكش، وقد نجحوا في الاستحواذ ~~سواء بالعنف أو بالحيلة على أخصب الأراضي وقطعوا لأنفسهم منها أملاكا أصغرها ~~مساحة لا يحتوي على أقل من مائتي هكتار، وأوسعها يتراوح بين عشرة آلاف هكتار ~~وخمسة عشر ألف هكتار. ~~... ولم يكتف هؤلاء المزارعون بإعفاء مفضوح شنيع من الضرائب، بل تغدق عليهم ~~الإدارة العامة المنح من غير حساب؛ أي إنها تتكرم عليهم بما تفرضه من جبايات ~~على الأهلين، وتكفي إشارة منهم لتسرع إدارة الأشغال العامة في تعبيد الطرق لهم ~~ومد السكك الحديدية، وبناء الجسور وإحداث ما يلزم لري الأرض. # ولم يستحوذوا على الأرض فقط، بل احتكروا المياه القليلة الثمينة بشمال ~~أفريقيا، ويتصرفون في اليد العاملة كما يشاءون، ولإبقائها راضخة طائعة فإن ~~المحاكم والعمال (المديرين) والسجون والقوة العامة تحت أوامرهم وتحت تصرفهم، ~~ويقيمون أحيانا سجونا خاصة في وسط مزارعهم لمن يظهر عدم الطاعة من ~~عمالهم. ~~... وتكونت روابط متينة بين المستعمرين الكبار والشركات الصناعية والمناجم ~~والبنوك، وتكتلت تلك المصالح الكبرى ضد «الأهلي»، ورفضت كل تنازل وكل إصلاح ... ~~وعوض أن تقبل حلا وسطا يكون فيه إرضاء جماهير الأهلين، فهم يتشددون في ~~موقفهم الرجعي، ولا ms026 يتكلمون إلا عن القمع والعقاب والنفي والخلع عن العرش والرمي ~~بالرصاص، ولو أفسحنا لهم المجال لما كانوا ليتأخروا عن إضرام المغرب نارا ~~ودماء مفضلين ذلك على التفريط في أقل جزء من سلطانهم، وذلك ما وقع بالفعل في ~~أقطار أخرى. # 4 # وإن صنيعة المستعمرين الفرنسيين بتونس «الكونت دي هوتكلوك» بصدد إشعال حريق ~~بشمال أفريقيا لا يقل عن الحريق الذي أشعله الأميرال «دراجانليو» وراءه بالهند ~~الصينية المنكوبة، وقد كتب أخيرا ملاحظ أمريكي: «من الضروري العاجل أن تسترجع ~~باريس رقابتها على السياسة الفرنسية بتونس، وإلا فإن هيكل فرنسا بشمال أفريقيا ~~سينهار.» # ومن أعجب ما يجده الباحث في البلاد التونسية أن البلاد وميزانيتها مسخرة لخدمة ~~الموظفين الإداريين، بخلاف ما يقع في الدنيا بأسرها من أن الموظفين مجعولون لخدمة ~~الدولة والبلاد، فعددهم في تونس يزيد على الثلاثين ألفا، معظمهم من الفرنسيين، يتقاضون ~~- كمرتبات ومنح - أكثر من ثلثي الميزانية. وقد أظهرت الإحصاءات الأخيرة أن 70 ألفا من ~~الفرنسيين (المكونين من الموظفين وعائلاتهم) يعيشون عالة على الخزينة التونسية. # وبعد أن استحوذوا على جميع مناصب النفوذ والسلطة يتصرفون فيها كل حسب أهوائه ~~ومطامعه؛ مالوا إلى الوظائف الصغيرة يعمرونها بأتباعهم وأفراد عائلاتهم نساء وأطفالا، ~~حتى أصبح مدير الإدارة من الفرنسيين ورؤساء المصالح منهم والكتبة والبوابون، بل أصبح ~~أيضا ساعي البريد والشرطي والسجان منهم أيضا، كأن تلك الوظائف البسيطة تستوجب معارف ~~معينة ومؤهلات لا توجد إلا عند الأخصائيين الفرنسيين، وأن عدد هؤلاء الموظفين في ازدياد ~~مطرد ألحق بهم من فر من الألمان أثناء الحرب ومن طرد من سوريا ولبنان ومن هرب من جحيم ~~الحرب في الهند الصينية ومن تجنس جديدا من الأوروبيين. # وقد استصدرت فرنسا مرسوما جعلت بمقتضاه جميع الكنوز المعدنية ملكا للدولة، ثم ~~وزعتها على شركات فرنسية تستثمرها لفائدتها، ولم تستثن إلا مناجم الفوسفات فسمحت ~~بتملكها لبعض الشركات الفرنسية أيضا. # وإذا أضفنا إلى ذلك شركات الضوء والكهرباء والنقل والبنوك، يمكن أن نتصور مدى السيطرة ~~الفرنسية على الاقتصاد التونسي وما تتمتع به الجالية الفرنسية من امتيازات جعلت في ~~قبضتها جميع ms027 إمكانيات البلاد، فلهم جميع الحقوق من حرية وكسب وإثراء ولسماع كلمتهم ~~وتنفيذ أغراضهم معتمدين على الإدارة التي في خدمتهم وطوع أمرهم، وعلى قوات البوليس التي ~~لا تكتفي بحمايتهم وحماية أرزاقهم ومصالحهم، بل تسرع إلى تنفيذ إرادتهم، بل تفاقم أمرهم ~~إلى أن أصبح البعض منهم يسجن من يريد من التونسيين في سجنه الخاص ويفرض الغرامات على ~~عماله كأنه دولة في الدولة. # ولقد اعتادوا مدة أحقاب متوالية على تسيير الشئون العامة كلها والسيطرة على أنظمة ~~الدولة واتخاذها آلة لخدمتهم ومنبع رزق لهم ولذريتهم، فسخروها تسخيرا كاملا لفائدتهم ~~حتى ساد الاعتقاد بينهم أن مصالحهم الخاصة الفردية هي التي يجب أن تراعى قبل كل شيء، ~~وظنوا أنها وحدها هي المصالح الفرنسية كلها، وذهب بهم الغرور إلى أن ثاروا على فرنسا ~~نفسها كلما عارضت مصالحها العليا مصالحهم الشخصية، ولذلك باتوا ينظرون إلى «المقيمين ~~العامين» - أي للممثلين الوحيدين للدولة الفرنسية بتونس - على أنهم خدام لهم ولمصالحهم، وكل ~~مقيم عام أراد الحد من شرههم والتخفيف من امتيازاتهم المجحفة ناصبوه العداء وشهروا ~~به، بل يريدون من كل مقيم عام أن يسير في ركابهم ويطأطئ الرأس أمامهم ويزيد في ~~امتيازاتهم، فلا تستغرب إذا رأينا بعض المستعمرين - والحالة مماثلة في أقطار المغرب ~~العربي كله - يتغنون بسلطانهم في تعيين المقيمين العامين وعزلهم، إلى أن تذمر الرأي ~~العام الفرنسي بباريس وكتبت جريدة ~~ليموند # Le Monde # بتاريخ 14 / 2 / 1951 تصف نفوذ أوكوتييرييه # Aucouturier # أحد المستعمرين الأغنياء في جهة مكناس بمراكش، قالت: # إن الإنسان ليدهش عندما يرى الدور الذي يلعبه بعض المعمرين، بلون بشرته ~~الزاهي وصوته الجهوري وانكبابه على الشغل وصحته الجيدة، ولكنه يمتاز بنفسية ~~الفلاح الصغير الذي أثرى بسرعة فائقة، وأصبح مليونيرا، ولو كان بفرنسا لما ~~ارتقى إلى أكثر من عضوية في مجلس محلي، ولكن الرجل يتباهى بأنه قادر على تسمية ~~أو عزل المقيمين العامين، ولسنا على يقين من أن دعاءه هو مجرد رياء! # وهم يخشون أي تبديل في الوضع الحالي ويرون فيه خطرا عليهم، حتى إنهم قاموا قومة ~~الرجل الواحد ضد ms028 لويس بريليه # Louis Perillier # المقيم ~~العام الفرنسي بتونس، لا لأنه أرضى التونسيين، ولكن لمجرد إظهاره الاستعداد للتفاهم ~~معهم، فأقاموا الدنيا وأقعدوها ضده وعيدا وتهديدا، وملئوا الصحف بيانات وتصريحات، ~~وخاطبوا رأسا رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة الفرنسية ووزير الخارجية، حتى قالوا في ~~برقية إلى «روبير شومان» مرسلة في 20 / 11 / 1951 من طرف جميع ممثلي المؤسسات ~~السياسية: # إن السكان الفرنسيين ينكرون على «المسيو بريليه» أن يكون له الحق في التكلم باسم ~~فرنسيي تونس الذين خان ثقتهم ... وإنهم سيدافعون عن منشآت فرنسا بجميع الطرق ... # وإن موقفهم هذا ليس فريدا من نوعه، بل هو موقف دائم لم يتغير، حتى إن الوزير الفرنسي ~~فينو # Vienot # أراد إيقافهم عند حدهم لما زار تونس ~~وألقى في محطة إذاعتها خطابه الشهير في 1 / 2 / 1937 وندد بهم وكان صريحا مقداما، فقال: # إن بعض مصالح الفرنسيين لا تندمج ضرورة وحتما ضمن مصالح فرنسا. # وينبغي تخليص السلطات العامة مما تنوء بثقله من عبء شرذمة من أوروبيين حديثي ~~النعمة يستخدمونها لمصالحهم الخاصة الفاحشة وحدها. # وينبغي تشجيع أصحاب تلك السلطات على عدم الرضوخ لذلك الإكراه الذي يتحمله بعض ~~الموظفين عن طيب نفس مستخفين بواجباتهم، فيصبحون شركاء في الإجرام طواعية أو عن ~~غير إرادة منهم. # وبما أن الجالية الفرنسية مؤلفة من أناس ابتدائيين لا يسمون إلى التفكير السياسي ~~الصحيح، بل يعملون مندفعين بغرائزهم؛ فإنها كانت حجر عثرة في سبيل كل رقي بشري حقيقي ~~وكل عدالة، فلم يفهموا إلا شيئا واحدا: وهو أن البلاد التونسية ملك لهم يتصرفون فيه ~~لفائدتهم، فأعجزوا كل مقيم عام، وقد فهم عقليتهم المقيم العام ألابيتيت # Alapetite # الذي وجد منهم معارضة شديدة ومقاومة لا ~~تهدأ، فلم يجد وسيلة لإجبارهم على دفع بعض الضرائب الطفيفة إلا بوضع المشكلة أمام ~~البرلمان الفرنسي وإلقاء خطاب فيه (1912) قال فيه: إن رأي الجالية الفرنسية في كيفية ~~الحكم بتونس بسيطة واضحة، كل الواجبات على التونسيين وجميع الحقوق للفرنسيين! كل ~~الضرائب على التونسيين وإعفاء الفرنسيين منها! # وقد حلل رئيس الوزارة الفرنسية المشهور بفكرته الاستعمارية جول فيري # Jules ms029 Ferry # عقلية المستعمرين في كتابه الحكم في الجزائر # Le gouvernement de l’Algérie # 1892، فقال: ~~... إننا شاهدناه عن قرب ودرسنا حركاته العامة والخاصة فوجدناه محدودا جدا، ~~وهذا الأمر بطبيعة الحال لا يؤهل المستعمر في قليل أو كثير ليكون حكما في مصير ~~الأهالي. # أما الفضائل فإنه يتحلى بالكثير منها، وخاصة تلك التي يمتاز بها العامل المجد ~~والوطني المخلص، ولكنه لا يملك ما يمكن أن يعبر عنه بفضيلة الغالب أو العدل ~~المنبثق عن العقل والقلب الرحيم، وذلك الشعور بحقوق المستضعفين، وهو لا يتعارض ~~مع هيبة الحكم، إنه يصعب إفهام المستعمر الأوروبي أنه توجد حقوق غير حقوقه في ~~البلاد العربية، وأن الأهالي ليسوا جنسا خلق للاستعباد والاستغلال ... إن ~~المستعمرين يعلنون جزافا أن هذا الجنس غير قابل بطبعه للتهذيب والإصلاح، وذلك ~~من غير أن يكونوا قد قاموا بأي محاولة منذ ثلاثين سنة لإنقاذه من انحطاطه ~~الخلقي والفكري، وإن صرخة الاستنكار التي تردد صداها في الجالية الاستعمارية من ~~أقصاها إلى أدناها بمناسبة مشروع المدارس الأهلية الذي أبدى البرلمان اهتمامه ~~البالغ بها؛ لدليل عجيب على هذه العقلية، هنا أيضا يحاول عبثا البحث عن الروح ~~الاجتماعية وعن الاعتبارات العامة أن المستعمرين ليس لديهم أي نظريات عامة حول ~~السلوك الواجب نحو الأهالي، إنهم لا يكادون يدركون أي سياسة نحو ثلاثة ملايين ~~من البشر سوى سياسة الضغط، ليس هناك أي تفكير بلا شك في إزالتهم من الوجود، بل ~~إنهم ينكرون حتى الرغبة في إقصائهم إلى الصحراء، ولكن لا توجد أية عناية بما ~~يشكون منه ولا بعددهم الذي يبدو أنه يزداد مع ازدياد فقرهم، إنه يوجد شعور بخطر ~~محتمل ولكن لم يقع اتخاذ أي إجراء لاجتنابه. # وإننا نتساءل: هل ماشى هؤلاء الفرنسيون الدنيا في تطورها؟ وهل بدلوا نظرتهم العاتية ~~الضيقة؟ وهل انتفعوا بعبر الحرب العالمية الأولى؟ وهل قدروا الانقلاب الذي أحدثته الحرب ~~العالمية الثانية؟ وهل فتحوا عيونهم ليشاهدوا نهضة الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها؟ أم ~~بقيت على عيونهم غشاوة لا يبصرون، وفي آذانهم وقر لا يسمعون، وتحجرت عقولهم فهم لا ~~يفهمون، وأعمت ms030 المصالح منهم البصائر قبل البصر، فلم يقدروا للحوادث عواقبها ولم يتفطنوا ~~إلى أن سيرتهم الأولى تجعلهم يعيشون على بركان سيذهب بمصالحهم ومصالح فرنسا نفسها إذا ~~ما انفجر. ولقد زارهم أحد القواد الفرنسيين (الجنرال كاثرو) الذي لا غبار على وطنيته ~~الفرنسية، واختلط بهم وسمع نجواهم وما يختمر بضمائرهم، وحكم عليهم بعقله الثاقب الذي ~~يزن الأحداث العالمية وأهميتها بميزان راجح واقعي، ويقدر لتطور الشعوب وللقوات الجديدة ~~البارزة في الدنيا قدرها؛ فقال في الجالية الفرنسية الموجودة بالمغرب العربي: # 5 # إن الفرنسيين المقيمين عبارة عن أناس يخضعون لما يمليه عليهم الهوى أكثر من ~~توجيهات العقل أو تأثير المثل العليا؛ فقد ظلوا بعد أن تجمدت عقليتهم على ما كان ~~عليه آباؤهم من قبل في أول عهد قدومهم إلى أفريقيا، غزاة ومغامرين ومنعزلين يواصلون ~~بقوة عجيبة وبعض الانتصارات الباهرة مشروعات ذات صفة ومصالح خاصة، فهم إذن يؤلفون ~~مجموعة من الشخصيات الفردية أكثر منهم مجتمعا منظما وقائما على أساس من المبادئ ~~والتقاليد. إنهم لا يجتمعون إلا للدفاع عن مصالحهم، ولكن هذه المصالح التي هي مصالح ~~طبقة معينة لا تتفق دائما مع مصالح فرنسا، إنه ينقص هؤلاء الرجال - وهم بلا شك من ~~ذوي النيات الطيبة، وقد حولوا بجهودهم المتواصلة أفريقيا الجرداء إلى أرض خصبة - ~~إدراك القيم الأدبية السامية، ونظرة أقل مادية وأنانية للعلاقات بين الإنسان عامة ~~ولمشكلة الأهالي بوجه خاص. إنه ينقصهم الدافع القوي الكريم المنبثق عن ثقافة مجردة ~~عن المصلحة المادية، وينقصهم حب المبادئ الذي يترك فراغا يزداد مع مر السنين وتضخم ~~الثروة. # ومن الملاحظ أن الجالية الفرنسية بتونس لا تتحمس لمبدأ، ولا تلتف حول فكرة، ولا ~~تحركها عاطفة بشرية أو وطنية، ولكنها إذا ما اجتمعت كلمتها وتوحدت، فإنما تجتمع وتتوحد ~~للدفاع عن مصالح أفرادها الشخصية فقط. وإن تلك المصالح تتجسم في نظرهم في استيلائهم ~~جماعات وأفرادا على البلاد وسلطاتها وخيراتها؛ ولذا رأينا الناطقين بلسانها من صحافة ~~ونواب يدعون بلا خجل أنهم هم أصحاب البلاد الحقيقيون، وهم أبناؤها البررة والمدافعون ~~عنها والمالكون لها والمستثمرون لكنوزها والمديرون لشئونها، ms031 حتى قال قائلهم في جريدة ~~«تونس فرانس»: «إن كان للعرب التونسيين مقابر تأوي أجداث أجدادهم منذ أحقاب وأحقاب، وإن ~~اختلطت رفات آبائهم بهاته الأرض الطيبة، فإن للفرنسيين أيضا مقابر بها تئوي آباءهم ~~الأقربين الذين كونوا تونس تكوينا جديدا!» فهم إذن حسب نظرهم أصحاب حق في البلاد، ~~وهكذا أعطى الغاصب لنفسه حق المواطن كمن دخل دارا عنوة على أهلها وسكن معهم وضايقهم ~~فيها وحصرهم في سقيفتها وأدخل عليها إصلاحات طفيفة، ثم سعى في إخراجهم منها بدعوى أن ~~الدار أصبحت ملكا له. # وكانوا يعارضون معارضة باتة في كل مفاوضة تقع بين تونس وفرنسا، فيقولون ليست فرنسا ~~نفسها هي صاحبة الحق في التفاهم مع التونسيين، بل يجب أن تجري تلك المفاهمة بين الجالية ~~الفرنسية والتونسيين، ويعنون بهؤلاء التونسيين الخونة الممالين لهم، وذلك ما صرح به ~~رئيس «التجمع الفرنسي» المتكلم باسمهم رسميا «أنطوان كولونا» في حديث لجريدة ~~ليموند # Le Monde # بتاريخ 19 / 4 / 1952، قال: # أما فيما يتعلق بنا، فإنا كنا نخير أن تكون مباحثات اللجنة الرسمية للإصلاحات ~~مسبوقة باتصال غير رسمي في لجان شبه رسمية تقع فيها مجابهة صريحة لوجهات النظر ~~بين الممثلين الحقيقيين لسكان تونس من تونسيين وفرنسيين. # وقد كان لتمسك تلك الجالية بمذكرة 15 ديسمبر 1951 الفرنسية التي طالبت بمشاركة ~~الفرنسيين في مؤسسات الدولة التونسية أسباب جوهرية، أعظمها أنها أرادت أن تصير ~~اغتصابهم للسلطات واستحواذهم على ثروة البلاد حقا مشروعا؛ ولذا قال «كولونا» في نفس ~~ذلك الحديث: # إن تلك المذكرة (مذكرة 15 ديسمبر 1951) قد وضعت مبدأ لا يمكن لحكومة جديرة ~~بهذا الاسم أن تتخلى عنه من غير أن تتلوث، وذلك المبدأ هو استحالة اعتبار المائة ~~والثمانية والسبعين ألف فرنسي المتوطنين أرض تونس كأجانب بها. # وإننا نعتقد اليوم كما اعتقدنا أمس أن ذلك المبدأ يتماشى تماما في تطبيقه ~~السماح للتونسيين تدريجيا بإدارة شئونهم بأنفسهم. # ولذا كانت مذكرة 15 ديسمبر 1951 هي ميثاقنا في العلاقات الفرنسية ~~التونسية. # ولا ننسى أن نذكر أن تلك المذكرة من تحريرهم وتحرير أعوانهم. # ولما ناقش البرلمان الفرنسي المشكلة التونسية ms032 في 5 / 6 / 1953 وقف أحد نواب الجالية ~~الفرنسية في المغرب العربي وهو الجنرال ~~أوميران # Aumeran # يتحدث باسمها، ويعبر عن رأيها ويجزم جزما كليا بوجوب ~~الافتخار بالاستعمار الفرنسي، ويندد بمن يريد إبدال كلمتي إمبراطورية واستعمار بغيرهما، ~~ويتحدى العالم الحر كله في صلف يدل على جمود تلك الجالية الفرنسية وعدم إمكان أي تطور ~~فيها، فقال: # لا شيء يعوض فرنسا وإمبراطوريتها، وأقول: إمبراطورية، ولا أقول: وحدة فرنسية ذات ~~روابط مهلهلة ... ~~... ولا ينبغي أن نتبرأ من أننا مستعمرون، وينبغي للذين استعمرناهم ألا يحمروا ~~خجلا، بل ينبغي لهم أن يكونوا فخورين بذلك معترفين لنا بالجميل، وأن هاتين ~~العاطفتين تمكننا من إحداث مشاركة مقامة على التقدير والاحترام ~~والصداقة. # فأية مشاركة ممكنة بين الغالب والمغلوب والقاهر والمقهور غير مشاركة الراكب لفرسه؟! ~~وأي تقدير غير تقدير السيد لعبده؟! وأي احترام غير احترام المزارع لبستانه وأرضه ~~وأشجاره؟! وأي صداقة غير صداقة الأسد لفريسته؟! # وترى تلك الجالية أن المقدمة الحتمية لتلك المشاركة العجيبة قتل الزعماء الوطنيين، ~~وفي طليعتهم بطبيعة الحال «الحبيب بورقيبة» كما قال الجنرال «أوميران» نفسه: «إن تونس ~~كانت تبقى هادئة مزدهرة لو كان بورقيبة فرنسيا؛ لأنه إذ ذاك يكون قد وقع رميه بالرصاص ~~في عام 1945 لمشاركته مع العدو.» # فإن القوم لا يردعهم رادع ولا يوقفهم ضمير ولا تلينهم عاطفة ولا تقودهم فكرة، بل يرون ~~في المحافظة على امتيازاتهم الظالمة مبررا لسفك الدماء وقتل الأبرياء واختلاق الأكاذيب ~~وقلب الحقائق، يثيرون بها الرأي العام الفرنسي الغافل عما يجري في المستعمرات، وإلا ~~فالجنرال أوميران وأضرابه يعلمون علم اليقين أن بورقيبة ورفاقه من الوطنيين التونسيين، ~~كلهم كانوا يعارضون الإيطاليين في الاستيلاء على تونس، ويقاومون المحور لأجل ذلك. ~~والحوادث شاهدة والمواقف بينة من خطب وتصريحات وقرارات للحزب الحر الدستوري في هذا ~~الموضوع. # ويعلم الجنرال «أوميران» أيضا أن الوطنيين بتونس لا يخدمون ركاب دولة أجنبية أيا ~~كانت، إنما يعملون لاستقلال وطنهم ليس غير، وتلك هي جريمتهم الحقيقية في نظر ~~الفرنسيين. # ولذلك طالب «كولونا» وكرر الطلب مرارا بالقضاء لا على «بورقيبة» ورفقائه وحدهم، ms033 بل ~~على جميع أعضاء الحزب الحر الدستوري الجديد من غير استثناء، فصرح لجريدة «ليموند» بما يلي: # أولم يوجد بتونس حقا حالة ينبغي تطهيرها؟ أوليس من الضروري إرجاع التوازن ~~الطبيعي بين الرجال وبين الأشياء قبل كل شيء؟ أوليس من اللازم التخلص نهائيا ~~من بعض المؤثرات وخصوصا من الثائرين؛ أي من الدستوريين الجدد؟ # فينبغي في نظره إذن أن يقتل صبرا مائة ألف من التونسيين، وهو عدد أعضاء الحزب. # ولما رأت الجالية الفرنسية استماتة التونسيين في الدفاع عن حقوقهم وثباتهم في الكفاح ~~مدة أعوام، نادت على لسان جريدتها «تونس فرانس» بوجوب تطهير البلاد التونسية من جميع ~~الوطنيين؛ أي من أغلبية الشعب التونسي الساحقة، فكتبت مقالا بتاريخ 18 / 1 / 1953 قالت ~~فيه بالحرف الواحد: # إن المشوشين نظموا صفوفهم ليزرعوا البغضاء ويهدروا الدماء، فلا تصدعوا آذاننا ~~في هذه الآونة بإصلاحات أو تنازل ... أو معامل الحلفاء أو مصالح. # ولا تستهزئوا بنا بدعوى الاعتبارات السياسية العليا وهيئة الأمم المتحدة، ~~وأمريكا وأوروبا والقمر والملائكة، وورق العملة وورق ... الحلفاء. # إن كان ذلك صحيحا فيما يتعلق بتونس، فهو صحيح أيضا بالنسبة لمراكش. # فقد تطلب محق المجرمين هناك ثلاثة أيام ... فهل يتطلب هنا ثلاثة أعوام؟! # فليس في الأمر حقيقتان، بل في فرنسا حكومة واحدة، وبشمال أفريقيا ~~محميتان. # فلأي سبب لم نصل إلى نفس النتائج في نفس الوقت؟ # وهكذا نرى الجالية الفرنسية تفقد أعصابها ويذهب عنها رشدها، عندما يصادم الواقع ~~أوهامها ويقضي على أطماعها ويهدد مصالحها، فيعتريها ضرب من الجنون الإجرامي ويسير شعب ~~تونس بين هؤلاء المجانين العطشى لدماء الأبرياء وبين فرنسا المتشبثة بأحلامها ~~الاستعمارية. # | الحركة الوطنية # تاريخها، مبادئها، نظامها ~~(1) الحركة القومية # لم تتكون الحركة التونسية من العدم، ولم تتولد بين عشية وضحاها، بل نشأت وترعرعت ~~وتطورت خلال قرن كامل تقريبا، حتى أصبحت كما نشاهدها اليوم تجمع شعبا بأسره في وحدة ~~متينة، وتسير به في كفاح دموي مرير دام عامين ضد قوات استعمارية مسلحة بأحدث أنواع ~~السلاح العصري. # وليس غرضنا كتابة تاريخ تلك الحركة بالتفصيل، ولكن بسطة موجزة تعين على فهم ما ms034 يجري ~~بتونس اليوم من جهاد. # بدأت نهضة تونس وسعيها في التخلص من كل نفوذ أجنبي في أواسط القرن التاسع عشر، فأصدر ~~ملكها إذ ذاك محمد باي (9 سبتمبر 1857) «عهد الأمان» الذي يعتبر إعلانا لحقوق الإنسان ~~وللمبادئ الديمقراطية من مساواة بين الأفراد وحرية شخصية، وحرية الأديان، وعدالة ~~الجبايات، والذي كان مقدمة للدستور التونسي الصادر في 1860، ولما اعتلى خير الدين باشا ~~المعروف بعبقريته السياسية كرسي الوزارة (1873) أسرع إلى إدخال النظم الحديثة على ~~الدولة التونسية، وشمل بإصلاحه الإدارة العامة والمحاكم الشرعية والمدنية والتعليم ~~والصحة والاقتصاد والزراعة، وكانت تلك المؤسسات - وخاصة المدارس العصرية الثانوية ~~والعليا - نواة صالحة وبذورا طيبة أنبتت شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكانت ~~أساسا للنهضة والتقدم السريع الثابت في خطاه رغم جميع العراقيل الاستعمارية، حتى رأينا ~~موجة من الأعماق تكتسح شعب تونس وكأن الحياة التي كان تيارها يجري ببطء، بل اختفى ~~أحيانا كما تختفي الأنهار تحت الرمال، تدفقت من جديد وظهرت مياهها أصفى وأغزر ، وإذا ~~بها تيار جارف لا يقدر الاستعمار الفرنسي البالي على إيقافه أو تعطيله. # لقد ابتدأت المقاومة التونسية للاستعمار الفرنسي يوم وضع أول جندي فرنسي رجله على ~~أرض الوطن، وكانت من ذلك اليوم تكتسي قالبين، فتارة تكون ثورة عامة أو محلية وطورا ~~تكون حركة سياسية صرفة، وفي بعض الأحيان تتخذ القالبين معا. # فبينما كانت قبائل خمير الشمالية ومدن صفاقس والقيروان تحارب الجيش الفرنسي المعتدي ~~عام 1881، كان الأستاذ محمد العربي زروق يقاوم النفوذ الفرنسي في البلاط التونسي ويطالب ~~الملك ووزارته بإعلان الحرب على فرنسا، وإصدار الأمر للقوات المسلحة التونسية برد ~~هجمات القوات الفرنسية، ويرسل أمامهم كلمته الخالدة: # أن نموت أحرارا دفاعا عن شرفنا وشرف وطننا أحسن من الحياة في العبودية ~~والذل. # ثم إنه قاوم توقيع معاهدة (باردو)، ولما وقع الملك على تلك المعاهدة اختفى العربي ~~زروق فرارا من انتقام الوزير الخائن مصطفى بن إسماعيل، وبعدها هاجر إلى الشرق. # وقام بعده الشيخ محمد السنوسي الذي كان لسان المعارضة التونسية للحماية الفرنسية، ~~واتخذ من منصبه في أمانة العاصمة مركزا يرد ms035 منه تدخل السلطات الفرنسية في شئون تونس ~~حتى حكم عليه بالنفي. # ورأى الأستاذ البشير صفر الذي حمل المشعل حقبة من الزمن أن يوجه عنايته إلى الشباب ~~ويوجهه نحو الثقافة والعلم واستكمال الوعي القومي، بما كان يلقيه من محاضرات في معهد ~~الخلدونية الذي أسسه لهذا الغرض، وكان لتعاليمه أعمق الأثر حتى عده الشعب أبا النهضة ~~الحديثة في تونس. # وكان علي باش جانبه أول زعيم قومي قاد الحركة الوطنية وأسس دعائمها، فكتل حوله الشباب ~~المثقف، وأصدر أول جريدة قومية (التونسي) سنة 1904، وأخذ يوالي فيها الحملات على ~~الاستعمار الفرنسي، ويفند اعتداءاته ويفضح مؤامراته وسلبه لخيرات البلاد واستيلائه على ~~السيادة التونسية وطغيانه وبطشه. وقد تأثر إلى حد بعيد بحركة الشباب العثماني، فكان ~~لحملاته الصحفية ولاجتماعاته الشعبية صدى عميق أيقظ الشعور القومي وبث روح المقاومة في ~~جميع الطبقات. وقد اقتصر عمله على أمور سلبية من ردع الظلم وإرجاع بعض الحقوق إلى أهلها ~~والمطالبة بإعطاء التونسيين حقوقهم المسلوبة. # وقد عم القلق العاصمة التونسية وتبرم الشعب من الاعتداءات الفرنسية، وتوترت العلاقات ~~مع الإيطاليين الذين أعلنوا عن نواياهم في الاعتداء على طرابلس، فبات الجو ينذر بالشر ~~والانفجار القريب. ولما أرادت السلطات الفرنسية أن تستولي على قطعة من مقبرة «الجلاز» ~~الإسلامية وحاولت تسجيلها (7 نوفمبر 1911) هب الشعب من كل صوب وسار في مظاهرات صاخبة ~~مدافعا عن قبور أجداده وأجداث آبائه، واندلعت الثورة دامية شديدة ودارت المعارك في ~~المقبرة وحولها، ثم شملت المدينة كلها، فانهزم الشعب الأعزل في آخر الأمر بعد مقاومة ~~دامت أياما أمام القوات العسكرية المنظمة المسلحة، فنصب الفرنسيون المشانق في ميدان ~~باب سويقة وشنقوا جماعة من الوطنيين من بينهم أحد أبطال الثورة «الجرجار» الذي بقيت ~~صورته حية راسخة في الأذهان، لما أظهره من شجاعة في المعركة، فقتل بنفسه عددا من رؤساء ~~مراكز البوليس الفرنسي وأتباعهم من الشرطة، ومن رباطة جأش وسخرية من الموت عند ~~المشنقة. # وبعد إخماد الثورة أسرعت السلطات الفرنسية إلى تعطيل جريدة «التونسي» وإلقاء مسئولية ~~الحوادث على «علي باش جانبه» وصحبه، وإلى إعلان الأحكام العرفية، ms036 وتسليط الحكم العسكري ~~على البلاد التونسية، وقد استمرت تلك الأحكام إلى عام 1922. # ولكن الإرهاب لم يفت في ساعد شعب متعطش إلى الحرية والعدالة، وكان إضراب عمال ~~الترام سنة 1912 فرصة سانحة لإظهار غضبه، فآزرهم ضد الشركة الأجنبية التي كانت تستثمرهم ~~استثمارا، وقاطع ركوب عربات الترام عندما عوض الجنود الفرنسيون العمال المضربين، بل ~~منع بالقوة كل من أراد ركوبها، وأخيرا سجل انتصارا عندما حصل العمال على مطالبهم، وهو ~~انتصار صغير في ميدان ضيق، ولكن مفعوله كان عميقا إذ أحيا الجذوة المشتعلة، وقوى الأمل ~~وأعطى درسا مفيدا للمستقبل بأن النصر وليد الاتحاد. # فأرادت السلطات الفرنسية إذ ذاك أن تقضي على الحركة الوطنية الفتية، حتى يخلو لها ~~الجو من كل معارضة عند تنفيذ خطتها الاستعمارية، فنفت أقطاب الحركة إلى الخارج وتوجهوا ~~إلى الآستانة واستقروا بها، ما عدا الأستاذ عبد العزيز الثعالبي الذي ذهب إلى باريس بعد ~~أن أمضى بعض أشهر في الجزائر. # وأكرمت الدولة العثمانية وفادة جميع التونسيين المنفيين وأعانتهم على متابعة كفاحهم ~~في الخارج، وأسندت إلى بعضهم مناصب عالية ليسهل عليهم العمل في سبيل استقلال وطنهم. ومن ~~أبرز تلك الشخصيات «علي باش جانبه»، والشيخ صالح الشريف، والشيخ إسماعيل الصفائحي. أما ~~الأستاذ محمد باش جانبه أخو علي باش جانبه، فإنه أسس بسويسرا لجنة «تونس جزائرية» وأصدر ~~باسمها مجلة «المغرب» التي تصدت للدفاع عن شعوب المغرب وحقوقها، وقد توفي ببرلين وحيدا ~~فريدا بعد كفاح طويل مرير، ولم يحضر دفنه غير الأمير شكيب أرسلان، رحم الله الجميع ~~رحمة واسعة. وكان أمير البيان يزور قبر صديقه في الجهاد كلما مر ببرلين، ويتأسف لرؤيته ~~مهملا مبعثر الأحجار. # أما في داخل تونس، فازداد الضغط واشتدت وطأة الأحكام العرفية، واتسعت الاعتقالات بين ~~الشباب القومي لأتفه الأسباب خوفا من دعايتهم في وسط الشعب وما تجره من ثورة. # ورغم تلك الاحتياطات كلها اندلعت نيران الثورة في الجنوب وشاركت فيها بداية عام 1915 ~~قبائل بني زيد المعروفة ببأسها وفروسيتها وفتوتها تحت قيادة بطلها الحاج سعيد بن عبد ~~اللطيف الذي أخذ يخوض المعارك ms037 الواحدة تلو الأخرى بعد وضع خططها. ففي عام 1916 قضى في ~~مرة واحدة على القسم الأكبر من القوات الفرنسية؛ إذ بيتهم وهاجمهم برجاله بالسلاح ~~الأبيض، كما وضع لهم كمينا في أحد المضايق وأفنى فيلقا كاملا في بداية الثورة، ودامت ~~الحرب عامين كاملين، ولم تتغلب فرنسا إلا بعد أن أتت بالنجدات يتلو بعضها بعضا، وبعد ~~أن جردت جيشا كاملا جاءت به من واجهة القتال الكبرى. ~~(1-1) الحزب الحر الدستوري التونسي # لقد كال الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى الوعود المعسولة للشعوب المستضعفة ~~كيلا؛ لكي يستعينوا بها على أعدائهم. وبعد انتهاء الحرب أحيا الرئيس ولسن آمالا ~~جساما فيها لما أعلن عن مبادئه، واتجهت وفود البلاد المغلوبة على أمرها إلى باريس، ~~حيث انعقد مؤتمر الصلح، ومن بينها الوفود العربية ليحققوا تحريرهم الموعود. وفي شهر ~~سبتمبر عام 1918 قدمت لجنة تحرير تونس والجزائر عريضة لمؤتمر الصلح للمطالبة بحقوق ~~شعوب المغرب، وقدم الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي كان يقيم بباريس على رأس وفد ~~تونس عريضة إلى الرئيس ولسن باسم الشعب التونسي مطالبا باستقلال بلاده، ثم نشر في ~~أوائل 1920 كتابه الشهير «تونس الشهيدة» الذي تخاطفته الأيدي التونسية والمغربية ~~عامة؛ إذ يفضح لأول مرة، بعاصمة فرنسا نفسها، طرق الاستعمار الفرنسي، ويبين ~~جناياته. # وفي أثناء إقامة الشيخ الثعالبي بباريس قام صحبة من الوطنيين بتشكيل الحزب الحر ~~الدستوري التونسي عام 1919، وقد كانت فاتحة أعماله رفع مذكرة إلى جلالة الملك محمد ~~الناصر، يطالبون فيها بإصدار دستور ينظم الدولة التونسية طبق المبادئ الديمقراطية، ~~وقد وجدوا من جلالته عطفا شاملا وتأييدا كاملا، ولم يعلن الحزب عن الاستقلال ~~كغاية يرمي إليها لأن الظروف لم تكن مساعدة، بل اقتصر على برنامج إصلاحي واسع ~~النطاق أهم ما فيه السعي لإرجاع ما اغتصبه الفرنسيون من سلطات إلى أيدي ~~التونسيين. # ولبى الشعب نداء الحزب والتف حوله وتكتل فيه الشباب العامل وانبث في المدن ~~والقرى، يؤسس له فروعا وينظم صفوف الوطنيين ويقيم الدعوة له في كل مكان. # وأخذ القصر الملكي يؤازر الحزب بفضل أعظم نصير له به: الأمير ms038 محمد المنصف، النجل ~~الأكبر لجلالة الملك الذي لم يقتصر على مجرد التأييد، بل انضم إلى الحزب وأدى يمين ~~الإخلاص للمبادئ الوطنية. # ولم تبق السلطات الفرنسية مكتوفة الأيدي أمام اتساع الحركة التونسية، فأسرعت إلى ~~إلقاء القبض على حامل لوائها الشيخ عبد العزيز الثعالبي بباريس ونقلته والأغلال في ~~يديه إلى السجن العسكري بتونس، وأقامت عليه دعوى خطيرة بتهمة التآمر ضد أمن الدولة. ~~ولما رأت هياج الشعب وحماسته واندفاعه في الدفاع عن زعيمه، اضطرت إلى إطلاق سبيله، ~~فخرج من السجن وقاد بنفسه الحركة الوطنية. # وإذ ذاك لجأت فرنسا إلى تغيير مقيمها العام في تونس ربحا للوقت وانتظارا للفرص ~~السانحة، وتلك طريقة اتبعتها فرنسا في مستعمراتها؛ إذ تكتفي بتبديل الأشخاص وتتمادى ~~في نفس السياسة الاستعمارية. # ووصل المقيم الجديد «لوسيان سان» إلى تونس في يونيو 1921، وهو أخطر مقيم عرفته، ~~فشرع حالا في رفع الأحكام العرفية؛ لكي لا يشاركه العسكريون في النفوذ، وعوض المجلس ~~الشوري بالمجلس الكبير، وأسس وزارة العدل، وفصل بين السلطة القضائية والسلطة ~~التنفيذية، وأطلق الحريات من عقالها، فازدهرت الحركة الوطنية وتعددت الصحف وكثرت ~~الاجتماعات العامة. # ولم يتساهل المقيم الجديد في ذلك الميدان إلا ليتمكن من تنفيذ خطته الاستعمارية ~~الرامية إلى جعل تونس جزءا من فرنسا، ولا يتم ذلك إلا إذا عوض الفرنسيون التونسيين ~~وشردوهم في الصحاري؛ ولذا فتح أبواب الهجرة للفرنسيين والمتفرنسين من أبناء أوروبا، ~~وفتح لهم أبواب الإدارات التونسية ليتخذوا منها مرتزقا يستولون بواسطتها على ~~النفوذ والسلطة، وأقطعهم الأراضي الشاسعة التي اغتصبها من العرب. # وتفطن الوطنيون إلى ذلك الخطر الجسيم، وساند الملك شعبه، وتوترت العلاقات بينه وبين ~~فرنسا، حتى إنه في آخر الأمر هدد بالتخلي عن العرش إذا لم تنفذ فرنسا مطالب الشعب، ~~فكان جواب المقيم العام محاصرة القصر الملكي بقوات كبيرة من الجيش الفرنسي يوم 5 ~~أبريل 1922، فهب الشعب وثارت ثائرته وعمت المظاهرات، وسارت الجماهير عشرات الألوف ~~على الأقدام من عاصمة تونس إلى شاطئ المرسى، حيث القصر الملكي، تأييدا لملكها ~~ومؤازرة له، فلجأ المقيم العام إذ ذاك إلى المراوغة، ووعد الملك ms039 وعدا صريحا ~~بإرضاء الرغبات الوطنية على أن يتأجل إنجازها إلى ما بعد زيارة رئيس الجمهورية ~~الفرنسية «ميلران» لتونس. # وبعد أن تمت تلك الزيارة نكث «لوسيان سان» عهده، وأصدر الأوامر الاستثنائية ~~لتعطيل الحريات العامة وصادر الصحف ومنع الاجتماعات العامة. # وفقدت الحركة الوطنية إثر ذلك أكبر عضد لها بموت جلالة الملك محمد الناصر، فكانت ~~مصيبة عامة أحدثت فراغا لا يسد، فلم تقدر الحركة الفتية على مقاومة موجة الاضطهاد، ~~فخمد نشاطها وقل عملها، فاختار الشيخ عبد العزيز الثعالبي إذ ذاك الهجرة إلى ~~الشرق. ~~(1-2) الحزب الحر الدستوري الجديد # مرت بتونس بعد سفر الثعالبي فترة ركود دامت أعواما قليلة؛ إذ رجع جماعة من ~~الشباب القومي النشيط من فرنسا، حيث أتموا دراستهم، ومن بينهم الأستاذ «الحبيب ~~بورقيبة» الذي امتاز بشخصية قوية وإرادة فعالة وفكر واضح جلي، واجتمع هؤلاء الشبان ~~حول جريدة «صوت التونسي» التي أصدرها الأستاذ «الشاذلي خير الله» عام 1929، ووجدوا ~~مجالا واسعا للعمل عندما صادف انعقاد المؤتمر الأفخارستي عام 1930، وقد اعتبره ~~الفرنسيون حملة صليبية جديدة ومقدمة لفرنسة التونسيين بطريق التنصير، وقررت سلطات ~~الحماية إقامة الحفلات في تلك السنة نفسها بمناسبة مرور خمسين سنة على احتلال ~~تونس. # فجرد الشباب أقلامهم وشنوها حملات قوية شديدة على الاستعمار ونواياه، والتف الشعب ~~حولهم مؤيدا ومؤازرا، وتحمس لهم لما قدمتهم الإقامة العامة للمحاكمة لأجل ~~مقالاتهم بجريدة «صوت التونسي»، فتحرك الشعب دفاعا عن خيرة شبابه ونظم المظاهرات ~~في أكبر مدن المملكة وخاصة أمام المحكمة الفرنسية، حيث رفع الحبيب بورقيبة على ~~الأكف، ولما رأى المقيم العام هذا التضامن القوي عدل عن المحاكمة، ولكنه أصدر أوامر ~~استثنائية جديدة لتشديد ما كان أصدره «لوسيان سان» من قبل. # وفي شهر نوفمبر 1932 أسس الأستاذ الحبيب بورقيبة جريدته الشهيرة «العمل التونسي»، ~~فالتفت حوله أقوى العناصر الوطنية وأخذ حالا يهاجم قانون التجنس الذي أصدرته ~~الحكومة الفرنسية تحت تأثير «بول بنكور». سعيا وراء فرنسة العباد والبلاد، وأبان بإيضاحه المعهود ما في هذا القانون من ~~خطر جسيم على كيان الشعب التونسي العربي المسلم، فلجأت فرنسا إذ ذاك إلى ms040 رجال الدين ~~ليؤازروها في القضاء على شعب كامل، فأصدروا بالفعل فتوى ادعوا فيها أن المتجنس لا ~~يعد كافرا ويجوز دفنه في مقابر المسلمين. # فصدع الحبيب بورقيبة بأن هؤلاء الرجال خونة يتاجرون بالدين ولا يمثلون الإسلام ~~والمسلمين، ووجه نداءاته للشعب ليدافع عن مقابره. فهب الشعب لندائه، ولما مات عدد ~~من المتجنسين في مختلف أنحاء القطر احتل الجماهير المقابر للذود عنها ومنعوا ~~القوات العسكرية الفرنسية من دفن هؤلاء المتجنسين بها، وكثرت هكذا المصادمات ~~الدامية وخاصة بمدينة المنستير؛ حيث استشهد عدد من الوطنيين وجرح منهم ~~عشرات. # ولما رأى أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري نشاط هؤلاء الشبان ومقدرتهم ~~والتفاف الشعب حولهم، عقدوا مؤتمر الحزب (12 و13 مايو 1933) وقرر المؤتمر ~~بالإجماع قبول هيئة جريدة «العمل التونسي» في اللجنة التنفيذية، كما قرر تحت تأثير ~~هؤلاء الشبان «أن سياسة التفاهم مع فرنسا قد فشلت فشلا ذريعا بعد تجربة دامت ~~سنوات طويلة»، وأن غاية الحزب التي يعمل لتحقيقها هي «تحرير البلاد ومنحها دستورا ~~يحفظ شخصيتها ويحقق لها سيادتها بين الأمم المتمدنة المتحكمة في مصيرها.» # وإذا بالحزب الحر الدستوري الذي كاد يضمحل فلم يبق منه غير الاسم مدة الفتور ~~والركود، يجدد تجديدا عميقا تحت تأثير عنصر النشاط والحياة، وشعر الشعب كله ببعث ~~وطني قوي ونشاط لا يني، وعمل جدي لا يفتر، واتجاه واضح في الصمود في وجه المستعمر، ~~ومقاومته مقاومة فعالة. والشيء الجديد هو شعور الشعب بأن الحبيب بورقيبة ورفاقه على ~~استعداد تام للتضحية وتحمل الأخطار والعذاب في سبيل بلادهم. # فازداد الشعب حماسة في مقاومة التجنيس ويقظة في المحافظة على مقابره خوفا من أن ~~يدفن فيها متجنس، إلى أن اضطرت الإقامة العامة الفرنسية إلى النزول عند إرادته، وإذا ~~بها تأخذ قرارين في آن واحد فتكون مقابر خاصة بالمتجنسين من جهة، ولكنها من جهة ~~أخرى تصدر أمرا بحل الهيئات السياسية التونسية؛ أي الحزب الحر الدستوري، وبتعطيل ~~الصحافة الوطنية. # ولم يدم الوئام داخل اللجنة التنفيذية للحزب بين عناصر الشباب الناشط الجدي وبين ~~الشيوخ المؤسسين للحزب، بل احتد الخلاف واستفحل لأتفه ms041 الأسباب ولم يمكن حسمه، ~~فاجتمع إذ ذاك مؤتمر عام نظامي للحزب بمدينة قصر هلال (مارس 1934) ليكون حكما ~~بينهم، وحضره رجالات الحزب ونواب عن كافة فروعه ومنظماته، وتيقن إذ ذاك شيوخ الحركة ~~أنه أسقط في أيديهم، وأن الأغلبية الساحقة مع الشبان العاملين، فامتنعوا عن الحضور، ~~وانتخب المؤتمر هيئة إدارية وتنفيذية جديدة سميت «بالديوان السياسي» واختار الأستاذ ~~الحبيب بورقيبة أمينا عاما للحزب. # وسمي الحزب الحر الدستوري التونسي منذ ذلك العهد بالدستور الجديد؛ أي المتجدد، كما ~~أطلق اسم الدستور القديم على جماعة الشيوخ الذين أبوا حضور مؤتمر قصر هلال. # وسار الحزب الجديد قدما في أعماله ونشاطه المتزايد باندفاع وحماسة، واتصل قادته ~~بالشعب اتصالا متينا وثيقا لإيقاظ الشعور الوطني فيه وإحياء الوعي القومي في ~~نفسه وتدريبه على الحياة السياسية العملية. # ووصل تونس إذ ذاك الطاغية «بيروطون» كمقيم عام، وأظهر استعدادا للتفاهم بإعطاء ~~ترضيات طفيفة، وسعى لإخماد نشاط الحزب ببعض الوعود، ولم يقيد عمل رجاله ظنا منه أن ~~الخلاف بين التونسيين سيشتد وأن الخصومة بينهم تريح فرنسا واستعمارها منهم جميعا ~~لاشتغالهم ببعضهم، وإذا بالحبيب بورقيبة وصحبه يغتنمونها فرصة لمضاعفة عملهم، ~~فأصدروا جريدة «العمل» وعقدوا الاجتماعات العامة في أكثر مدن المملكة وقراها، ~~وجرفوا وراءهم الشعب جرفا. # فلما رأى «بيروطون» خطر هذه الحركة الجبارة أراد محوها، فألقى القبض على قادتها ~~(2 سبتمبر 1934) ونفاهم إلى برج القصيرة بالصحراء، وكانت موجة من الاضطهاد لم يسبق ~~لها نظير. وكان رد الفعل من الشعب عنيفا شديدا، فعمت الاضطرابات في القطر التونسي ~~كله، وخرج الجماهير في مظاهرات كبرى، وأعلنوا الإضرابات العامة، وتعددت الصدمات ~~الدامية بين الشعب والقوات الفرنسية المسلحة، وكانت أقواها بالمكنين وقصر هلال ~~وطبرية والبرجين ونفطة ومنزل تميم. # واستمر التشويش عامين كاملين حتى أجبرت فرنسا على تغيير سياستها، فاختار رجال ~~الواجهة الشعبية بفرنسا الذين كانوا على وشك استلام الحكم بها «أرمان جيون» لتعويض ~~«بيروطون» الطاغية في الإقامة العامة. # ودخل تونس في أبريل 1936، فبادر بإطلاق سراح القادة المعتقلين وأطلق الحريات ~~العامة. # فاستأنف الحزب نشاطه باندفاعه المعهود، وجدد فروعه في أكثر المدن والقرى، ms042 وأصدر ~~صحفه وخاصة جريدة «العمل» وبث دعاته في كل جهة، وساعد على تجديد الحركة العمالية ~~وإحياء النقابات التونسية، وتعددت حوله جمعيات الكشافة والشباب. # وقام زعيم تونس «الحبيب بورقيبة» بسفرتين إلى باريس (1936 و1937) لنشر الدعوة ~~لفائدة بلاده وإقناع الدوائر الفرنسية الرسمية بإرضاء رغبات الشعب. وكان الطلب ~~الرئيسي في الرغبات المستعجلة منح تونس برلمانا وحكومة مسئولة أمامه. وكان لعمل ~~«الحبيب بورقيبة» نتيجة؛ إذ حصل على بعض الوعود التي لم تنجز، ولكنه أقنع الوزير ~~«فيانو» بنظريته، فرأى «فيانو» من المحتوم عليه أن يزور تونس، وألقى خطابا في ~~مذياعها اعترف فيه «بأن الشكوك تحوم حول الإدارة الفرنسية بهذه البلاد»، وأعلن عن ~~وجوب «إصلاح الإدارة التونسية وإشراك التونسيين في إدارة شئون بلادهم»، وإذا ~~بالحكومة الفرنسية تقصي الوزير «فيانو» عن منصبه تحت تأثير العناصر الاستعمارية ~~وحملة الجالية الفرنسية بتونس. # وغيرت فرنسا سياستها منذ ذلك الحين من غير مبرر، وأصدر المقيم العام أوامره ~~بتعطيل الحريات وخاصة حرية الاجتماعات، فعقد الحزب مؤتمره السنوي (نوفمبر 1937) ~~الذي قرر متابعة الكفاح وافتكاك الحريات؛ إذ الحرية لا توهب وإنما تؤخذ ، ورد ~~العدوان بالعدوان والعنف بالعنف، ووضع خطة للمقاومة. # وحلت بالمغرب كله موجة شديدة من الاضطهاد الاستعماري وبدأت بمراكش ثم الجزائر، ~~فأعلن الحزب تضامن تونس مع شقيقتها وقرر أن يقوم شعب تونس بإضراب عام (نوفمبر 1937)؛ ~~احتجاجا على سياسة فرنسا التعسفية. # ثم إنه تمادى في نشاطه العادي واجتماعاته الشعبية الكبرى رغم تحجيرها تنفيذا ~~لقرار المؤتمر؛ إذ الاتصال بالشعب ضروري حيوي بالنسبة للحركة الوطنية، وما منع ~~الاجتماعات إلا فصل قاطع بين القادة وبين الشعب، وإخماد للروح القومية، وقتل محتوم ~~للحزب. # ووقع أول اصطدام عنيف بين القوات الوطنية والقوات الفرنسية المسلحة بمدينة بنزرت ~~(يناير 1938) استشهد فيها عدد وافر وجرح عشرات. # فاجتمع المجلس الملي للحزب في شهر مارس 1938، وقرر بالإجماع عدم الرضوخ للقوانين ~~الظالمة والأوامر الاستعمارية الاستثنائية، وقد وصلت الوقاحة والصلف بالسلطات ~~الفرنسية إلى تحريم رفع العلم التونسي أو اتخاذه شارة. وتفرق قادة الحزب في مختلف ~~جهات المملكة ليقودوا الشعب في كفاحه، وليعلموه التمرد على القوانين ms043 الاستعمارية. ~~وكانت واقعة وادي مليز (4 أبريل 1938) عنيفة دامية، ورد الوطنيون هجوم القوات ~~الفرنسية، واشتبكوا معهم في معركة دامت أكثر من نصف يوم، وسقط الشهداء عشرات ~~والجرحى مئات، وانتشرت الاضطرابات والاصطدامات إلى جهة الكاف. # وكان يوم 8 أبريل يوما مشهودا، أضربت فيه المملكة التونسية عن العمل تنفيذا ~~لقرار الديوان السياسي، فتعطلت المصالح العامة، وتوقفت المواصلات، وأغلقت الأسواق ~~والدكاكين، وشلت حركة المواني، ونزل الشعب إلى الشوارع في مظاهرات منظمة رهيبة، ~~وبلغ عدد المتظاهرين والمتظاهرات في مدن القطر وقراه أكثر من مليون نسمة حسب ~~الإحصاءات الفرنسية نفسها، وهو عدد ضخم بالنسبة لبلاد لا يزيد سكانها على الثلاثة ~~ملايين ونصف، ورغم كثرة الناس لم يقع ولا حادث، بل كانت السكينة والنظام يسودان ~~الجماهير. # وإنه لنجاح باهر أحرزه الحزب الدستوري الجديد، فحقق هدفه الرئيسي الأول وهو إيقاظ ~~الضمير القومي، وبث الشعور الوطني في جميع الطبقات، وتوحيد صفوفها لمكافحة ~~الاستعمار، وقد تنبأ أحد أقطاب الاستعمار من دعاة النظرية الاستعمارية القائلة ~~بوجوب فرنسة المغرب وتونس خاصة، تنبأ باستفحال الحركة الوطنية، ودعا لاستئصالها قبل ~~أن تفوز، قال في مقدمة كتاب سماه «على أثر رد بالك» نشره سنة 1926: # إن الدستور بالنسبة للحماية الفرنسية كالمرض المزمن عند الرجل الكهل، ~~فإما أن يتخلص من مرضه وإما أن يقتله المرض. # ولم تقدر الحماية الفرنسية على التخلص من الحزب الحر الدستوري التونسي الذي أصبح ~~الشعب التونسي بأسره. # ولما شاهدت السلطات الفرنسية الخطر الداهم الذي يهدد استعمارها، بيتت أمرها بليل، ~~وتآمرت على شعب تونس الأعزل، وألقت القبض يوم 9 أبريل صباحا على الأستاذ علي ~~البلهوان، وبثت أعوانها بين الطلبة وفي الأسواق ليعلنوا ذلك الخبر، وتجمهر الشعب ~~أمام المحكمة الفرنسية ليخلصوا أحد قادتهم من السجن، وقد كمنت القوات الفرنسية ~~المسلحة في جوارها، واندفعت من مكمنها تحصد الشعب حصدا بأسلحتها النارية السريعة ~~الطلقات، وهاجمت الدبابات والمصفحات الجمهور الأعزل من ناحية أخرى، فكانت أدمى ~~مجزرة عرفتها تونس: مئات من القتلى ومئات أخرى من الجرحى. # وألقي القبض من الغد (10 أبريل) على الزعيم «الحبيب بورقيبة» وهو مريض ms044 في ~~فراشه. # وصدرت الأوامر من الإقامة العامة الفرنسية بتعطيل الحريات كلها، وحل الحزب ~~الدستوري التونسي، وأعلنت الأحكام العرفية في البلاد. # وانتشر الجيش الفرنسي يقتل، ويعذب، ويعتدي على الناس في الشوارع، ويهاجمهم في ~~بيوتهم، وينتهك الحرمات، ويفسد الأرزاق، ويعيث فسادا. # وغصت السجون والمعتقلات بعشرات الآلاف من الوطنيين، وأخذت المحاكم العسكرية تصدر ~~أحكامها بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والسجن على مئات من التونسيين. # وابتدأت المحنة الكبرى التي دامت خمس سنوات لم يعرف شعب تونس خلالها غير البطش ~~والطغيان. ~~(1-3) المقاومة # ولكن الشعب لم يستسلم، ولم يخنع، بل استمر عدة أشهر في مقاومة شديدة عنيفة دامية؛ ~~لأن عمل الحزب كان عميقا بقدر ما كان منتشرا، وقد بلغت كلمات الحبيب بورقيبة إلى ~~القلوب؛ إذ كانت وصيته التي كررها في كل اجتماع: «ليست الوطنية تصفيقا وهتافا ~~وأناشيد وحضور الاجتماعات في حالة السلم ووقت الراحة، إنما الوطنية عقيدة وإيمان ~~بحق كل فرد في الحياة والتمتع بالحرية والسيادة في بلاده. الوطنية سعي وعمل وصبر ~~وثبات وقت الشدة والكفاح.» # ووجدت المقاومة بعد حين دماغها المسير، وعقلها المدبر، وبطلها الجسور، عندما رجع ~~الدكتور الحبيب ثامر من فرنسا، فأخذ قيادتها، ونظم الحركة الوطنية خفية، وشكل شعبا ~~للحزب سرية، وجمع الشتات وكتل القوات، وأحدث المواصلات بين الجماعات المكافحة، ~~فكانت نشرات الحزب توزع في يوم واحد في جميع أنحاء القطر التونسي، وازدادت هكذا ~~الحركة انتشارا وشدة حتى اضطرت فرنسا إلى التخفيف من اضطهادها، وصدرت بعض الصحف ~~الوطنية إذ ذاك، نذكر من بينها «تونس الفتاة» وجريدة «تونس». # ولما أزمع رئيس الحكومة الفرنسية إيدوار دلادييه على زيارة تونس ردا على ~~إيطاليا التي أظهرت أطماعها فيها جهرة، اغتنمها الحزب فرصة ليلفت أنظار الرأي العام ~~العالمي لمطالبه في الحرية والاستقلال، وأصدر الدكتور الحبيب ثامر أوامره للشعب ~~الدستورية السرية جميعها، فاقتبل الرئيس الفرنسي بمظاهرات شعبية صاخبة تعلوها ~~اللافتات الكبرى تحمل رغبات الشعب في إطلاق سراح الزعماء والحرية والاستقلال، ~~وتتصاعد منها الهتافات بحياة تونس حرة مستقلة، وحيثما سار إلا وأصمت آذانه صيحات ~~الجماهير، وكانت أروع المظاهرات ببنزرت وباردو وتونس ms045 وصفاقس. # وكانت كل مظاهرة تتبعها موجة من الاعتقالات والمحاكمات. # وما شهرت الحرب حتى اشتد الاضطهاد، وعم القمع، فانقلبت حركة المقاومة إلى حركة ~~مقاومة عنيفة؛ فدمرت مصالح الفرنسيين وحرقت ضيعاتهم وقطعت سكة الحديد مرارا ~~وتكرارا، وكذلك أسلاك التليفون وأعمدته ووسائل المواصلات وخاصة التابعة منها للجيش ~~الفرنسي. # وأعلن الجنود التونسيون الذين أدمجتهم فرنسا في جيوشها حركة العصيان، وامتنعوا عن ~~الدفاع عن الأرض الفرنسية، وثار المرابطون منهم بالقطر التونسي، واستولوا على مدينة ~~القيروان، وشوشوا مدينة قابس؛ فحاربتهم فرنسا، ولم تلن في قمعهم، ثم جردتهم من كل ~~سلاح وسجنتهم في الثكنات لا يفارقونها خلال الحرب. ~~(1-4) التنكيل والتعذيب # لم تكتف السلطات الفرنسية بالاضطهاد العام، واعتقال الوطنيين بالجملة حتى غصت بهم ~~المعتقلات والسجون، واكتظت سجون الجزائر نفسها، ونقلت عددا منهم إلى سجون فرنسا، ~~بل عمدت إلى أنواع من التنكيل والتعذيب، كنا نظن أن التاريخ طواها مع القرون المظلمة ~~والعصور المتوحشة قبل أن نراها بأعيننا ونحمل سماتها في أجسامنا، ولو جمعت ما شاهدت ~~منها وجربت بنفسي لملأ كتابا، ولا يتسع المقام إلا لسرد بعضها من غير ~~تفصيل. # دخل معنا إلى السجن العسكري بتونس شاب لم يتجاوز الخمسة والعشرين من عمره اسمه ~~«عبد العزيز»، وكنا نسكن كل واحد منا زنزانة؛ أي غرفة صغيرة جدا، فمرض عبد ~~العزيز، واشتدت به الأوجاع، وعسر علينا الاتصال به أو التفريج عنه في ذلك السجن ~~الذي كان يخيم عليه جو من الإرهاب والاضطهاد، وكنا نبيت الليل كله ونحن نستمع إلى ~~أنين المريض، ولا تغمض لنا جفون، ولا مسعف، ولا طبيب، ولا دواء. # وفي الليلة الثالثة سمعنا منه صيحة أزعجتنا، وتوالت صيحاته في الظلام، أدخلت على ~~قلوبنا الوحشة، وحيرت الهواجس، وبقي يصرخ صرخات كأن أحشاءه تتقطع إلى السحر فهدأ ~~وسكن، ولما فتح الحارس في الصباح غرفته وجده ميتا، وعلمنا فيما بعد أن أمعاءه ~~ثقبت، وكانت عملية جراحية ربما تنجيه، أو تخفف على الأقل من آلامه، وكم من أمثال ~~«عبد العزيز» من الشباب التونسي ذهبوا ضحية الإهمال وقسوة القلب. # وقد أصبحت مراكز البوليس في ms046 تلك المدة أماكن تنكيل تقشعر منه الأبدان، فبعد أن ~~يلقوا القبض على الوطنيين يحملونهم إليها، ويشرعون في تعذيبهم بالطرق القديمة، ~~وبالطرق العصرية المحدثة أيضا؛ فأحيوا الخازوق (وهو عمود طويل يجلسون عليه المحكوم ~~عليه فيخرق أمعاءه)، ولكن عوضوه بزجاجات، وكانوا يضعون أنابيب الماء في فم التونسي، ~~ويملئون بطنه، ثم يدوسونها بأقدامهم، أو يرمونه في غرفة مظلمة بها الجص، ويبقونه ~~أياما متوالية حتى ينسل جلده، وقسم من لحمه تحت تأثير الجص، أو يسجنونه مع عدد ~~كبير من رفاقه في زنزانات فاقدة للهواء تقريبا، ويبللون أرضها بالماء الكثير ~~المخلوط بالبوتاس، بعد أن يخلعوا عنهم ثيابهم ما عدا قميص وسروال، وتمر عليهم ~~الأسابيع والأشهر أحيانا فلا يتمكنون من النوم في الليل، ولا من الراحة في النهار ~~فوق الماء والبوتاس، ولا يعطونهم من الأكل إلا قطعة صغيرة جدا من الخبز فقط، ~~وكوبا من الماء في الصباح وآخر بعد الظهر، فكانت أجسامهم ترتعش وترتجف من البرد ~~الشديد وهم جياع عطشى، وما زالت أصواتهم ترن في أذني، وهم يتلهفون لجرعة ماء ~~ويتوسلون للحارس بيتري: «يا عرف بيتري! أنا عطشان! عطشان الله يبقي لك أولادك، أغثني ~~بشربة ماء! إني أموت! أموت!» وكان الحارس يجيبهم (مو ... ت)! بالتطويل هكذا؛ ويحمل ~~أكثرهم من تلك الزنزانة إلى مستشفى السجن حيث يموتون. # أما الوطنيون الذين نقلتهم السلطات الفرنسية إلى سجون الجزائر، فلم يرجع إلى تونس ~~منهم إلا الثلث تقريبا، ومات الباقي أشنع موت. ولقد سمي بعضهم سجن «لامبيز» الشهير ~~بجهنم البيضاء، لكثرة الثلوج بجهته في فصل الشتاء، كان كل تونسي يسكن غرفة ضيقة ~~وحيدا فريدا، والكلام محرم تحريما باتا كليا، وكانوا يجبرون على صناعة ~~الحلفاء المبللة بالماء، في ذلك البرد القارس، فتنتفخ أيديهم وتدمى، وتتبلل أجسامهم ~~التي لم تبق فيها قوة للمقاومة لفرط ما هم فيه من جوع. وكان الرعب يملأ قلوبهم كلما ~~نزلوا إلى ساحة السجن وقت الطعام صفا، الواحد تلو الآخر، خيفة من السجانين الذين ~~لا يعرفون رحمة ولا شفقة، وقد اختار مدير السجن عددا من المجرمين الكبار والأشقياء ~~سفاكي ms047 الدماء وقاتلي الأرواح، واتخذهم أعوانا للسجانين، وهم أقوياء الأجسام ذوو ~~عضلات وشدة، وأكثرهم من حثالة الأوروبيين (ألمان وبولنديين وروس وفرنسيين وغيرهم) ~~يعيشون عيشة ممتازة ويأكلون أكلا فاخرا ليحتفظوا بقواهم، وعلى صدر كل واحد منهم ~~قطعة قماش حمراء كعلامة وشارة؛ ولذا سموا بكلاب الدم، وكانوا يترصدون المساجين عند ~~مرورهم بالساحة، ولأقل إشارة وأتفه عبارة تراهم ينقضون على التونسي انقضاضا، ~~وينهالون عليه ضربا ويدوسونه دوسا بأقدامهم، وإذا بأسنانه تتطاير ودمائه تكسو ~~الأرض وجسمه النحيف قد انهار، فسقط مغشيا عليه، ثم يأخذونه إلى زنزانة ضيقة مظلمة ~~لا يدخلها هواء ولا ضوء فيتعذب فيها جوعا وعطشا، ولا تسمع أناته طيلة إقامته بها ~~إلا ضئيلة خفيفة، وبعد أيام يخرجونه منها لا يقدر على حراك، فاني الجسم، ويزجون به ~~في بيت الموت، وهو مستشفاهم، فلا يلبث أن يموت، وقد قضى عشرات وعشرات من التونسيين ~~نحبهم هكذا. # كنا نقرأ في تاريخ فرنسا أن تحت قصورها وأبراجها وحصونها القديمة دهاليز وسراديب ~~محفورة في الأرض، يضعون فيها المغضوب عليهم، ويسمونها المنسيات، وكنا نعتقد أنه لم ~~يبق منها في القرن العشرين إلا آثار يزورها السواح ويتفرجون عليها، إلى أن نقلتنا ~~السلطات العسكرية الفرنسية في بارجة حربية من السجن العسكري بتبرسق إلى حصن «سان ~~نيقولا» بمدينة مارسيليا، الذي اختير كمعتقل لنا، فوصلناه برفقة زعيمنا الأستاذ ~~الحبيب بورقيبة، وأيدينا في الأغلال والسلاسل، وكانت فرنسا على وشك الانهيار، تحت ~~ضربات الجيش الألماني، وقد سقطت باريس في أيديهم (14 يونيو 1940) فأمرنا الحراس ~~والجندرمة بنزع ثيابنا تماما ثم انهالوا علينا ضربا، ثم ساقونا في دهاليز تقطر ~~ماء لفرط الرطوبة بها، وأغلقوا علينا الأبواب، وبقينا في ظلام دامس. ولما استيقظنا ~~لم نر إلا ضوءا ضئيلا يأتينا من فوهة في السقف، وإذا بها كالبئر علوا؛ أكثر من ~~عشرة أمتار عمقا، ووجدنا أنفسنا في منسية من تلك المنسيات العتيقة، وقد عشنا فيها ~~ستة أشهر كاملة حتى صار الواحد منا إذا ما خرج إلى ضوء الشمس، ورأى الحركة والحياة ~~حوله بقي مبهورا مبهوتا، وقل الأكل شيئا فشيئا وهزلت الأجسام ms048 حتى أصبحنا هياكل ~~من عظام. ولما وزن الأستاذ الحبيب بورقيبة نفسه، رأى أن وزنه لا يفوق الخمسة ~~والثلاثين كيلوجراما. # وما تلك إلا نماذج مما عاناه الوطنيون التونسيون، والأعجب أن العذاب لم يزدهم إلا ~~عزما في وجوب التخلص من الاستعمار الفرنسي الفظيع. ~~(1-5) المنصف باي # وأثناء ذلك الاضطهاد القاسي، اعتلى عرش تونس (4 أغسطس 1942) الملك الصالح ~~والوطني المتحمس محمد المنصف باي الذي أدى يمين الخدمة الوطنية واشترك في الحزب ~~الدستوري منذ حياة أبيه، عام 1922، واتصل بالشعب الذي أقام له الحفلات والاجتماعات، ~~والتف حوله وعلق عليه الآمال، فأهدى لشعبه ما يملك من مال ومتاع وسار سيرة العدل ~~والإنصاف حتى لقب بعمر الثاني، وبقدر ما كان رحيما بالشعب بقدر ما كان صلبا ~~شديدا مع أصحاب النفوذ من وزراء ومتصرفين ومديرين، حتى انقطع الظلم وزالت الرشوة ~~وساد الأمن والطمأنينة. # ونزلت جيوش المحور بتونس في شهر نوفمبر 1942، فأصبحت ميدانا للحرب، واكتسحها ~~الخراب والدمار، ولكن الشعب تآزر وتساند، ولم يكترث بالقنابل والموت؛ إذ حصل على ~~ضرب من الحرية لم يعهده منذ انتصاب الحماية الفرنسية. # وقام الوطنيون المسجونون بثورة داخل السجن تحت قيادة الدكتور ثامر ، وسقط منهم عدد ~~من الشهداء والجرحى، ولم يتمكنوا من الحرية، بل أطلق سراحهم بعد حين بتدخل صاحب ~~الجلالة الملك الصالح المنصف باي. # وسرعان ما كون الدكتور ثامر ورفاقه من جديد تشكيلات الحزب وعقد مئات الاجتماعات، ~~فالتف الشعب حوله وانتظمت فيه صفوفه، وكانت عناية الحزب موجهة خاصة إلى الشباب، ~~فأسس له المعسكرات في جميع أنحاء المملكة للتدريب ومدرسة لإخراج المسئولين والقادة، ~~ودروسا ليلية وتمارين أقبل عليها الشباب الوطني إقبالا عظيما. # وقدم الملك عريضة لحكومة فيشي الفرنسية مطالبا فيها بحقوق شعبه، ثم كون وزارة ~~انتقالية برئاسة دولة محمد شنيق استعدادا لاستقلال بلاده وإرجاع السيادة التونسية ~~إلى ما كانت عليه قبل الحماية الفرنسية. # وقد التزم جلالة الملك محمد المنصف ووزارته الحياد التام في الحرب، وكان موقف ~~زعماء الحركة الوطنية مماثلا له، فرغم الضغط الذي ضغطته على الأستاذ الحبيب ~~بورقيبة ورفاقه الحكومة الإيطالية الفاشية بروما بعد ms049 أن أخرجهم الجيش الألماني ~~بالقوة من سجون فرنسا، لم يقفوا بجانب المحور بل قاموا بدعاية قوية لحمل الشعب كله ~~على الحياد بمجرد رجوعهم إلى تونس. # ولكن الفرنسيين الذين رجعوا صحبة حلفائهم المنتصرين ودخلوا تونس يوم 8 مايو 1943 ~~سعوا في التعمية وقلب الحقائق، وأذاعوا أن المنصف باي والحكومة القومية كانوا ~~جميعا في جانب المحور، فنصبوا لهم العداء وشرعوا في الانتقام منهم انتقاما ~~قاسيا، فخلعوا الملك ونفوه إلى صحراء الجزائر، ثم منها إلى تنس على شاطئ البحر ~~الأبيض المتوسط، وأخيرا إلى مدينة بو بفرنسا حيث مات منفيا عن عرشه وبلاده، ضحية ~~الظلم السافر. # ونسي الفرنسيون محاربة أعدائهم الألمان والطليان، وأخذوا يقتلون التونسيين في كل ~~مكان، رميا بالرصاص وبدون محاكمة، وملئوا منهم المعتقلات والسجون ظنا منهم أن ~~ذلك يغسل عنهم عار الهزيمة ويرجع إليهم ناموسهم القديم، فمزقوا بأيديهم معاهدة ~~الحماية التي فرضوها عنوة والتي تنص على أن مهمتهم الأولى هي حماية الملك الجالس ~~على العرش وعائلته، وحماية البلاد وصيانتها من كل اعتداء، فسلموا البلاد إلى دول ~~المحور وخلعوا الملك بأيديهم، والحقيقة أنه لم يبق لفرنسا مبرر قانوني لاستمرار ~~وجودها بتونس، ولولا مساندة الجيوش الإنجليزية والأمريكية لها وما أغدقوه عليها من ~~سلاح، لما تمكنت من البقاء بتونس ولا بالمغرب العربي. # وخير القادة البقاء مع شعبهم ومقاسمته أخطاره، على الهجرة مع جيوش المحور واختفوا ~~مدة لينجوا من الفتك الفرنسي، إلى أن تدخل رئيس الولايات المتحدة روزفلت نفسه في ~~الأمر وضمن لهم حريتهم الشخصية، فظهروا إذ ذاك وشرعوا في الاتصال بالشعب وتنظيم ~~صفوفه سرا، وأصدروا جريدة «الهلال» السرية بمعاونة بعض الشباب الوطني، وكانت ~~القوات الفرنسية المسلحة تهاجمهم في أكثر الاجتماعات التي كانوا يعقدونها من غير ~~انقطاع، وتعلق بهم القضايا، وتزج بهم في السجون، ولكنهم تمادوا في نشاطهم رغم ~~العراقيل كلها. # ولما بلغ قادة الحركة الوطنية أن ميثاق الجامعة العربية قد وقعت عليه الدول ~~العربية، أعدوا العدة لسفر الزعيم «الحبيب بورقيبة» إلى الشرق ليسمع صوت تونس ~~المجاهدة، فغادر رئيس الحزب تونس خفية يوم 26 مارس 1945، وركب ms050 البحر في زورق صغير ~~من أراضي بلاده إلى طرابلس، ومنها قطع قسما كبيرا من الصحاري على رجليه إلى أن ~~وصل مصر بعد شهر ودخلها يوم 26 أبريل 1945. # وشرع الحبيب بورقيبة هكذا في كتابة صفحة جديدة من الكفاح؛ إذ أخرج القضية من ~~نطاقها الداخلي الضيق إلى النطاق العالمي الواسع. ~~(2) الحركة الوطنية، المبادئ # وجد قادة الحركة الوطنية مجالا من الوقت (مدة خمس سنوات متوالية سجنا) للتفكير، ~~وإعمال الروية ومراجعة أنفسهم في الأحداث التي مرت بهم والمعارك التي خاضوها، والنكبات ~~التي لحقت بتونس، وتناولوا بالبحث السياسة الاستعمارية الفرنسية وطرقها، وقارنوا بينها ~~وبين سياسية غيرها من الدول الاستعمارية، وخاصة بريطانيا، وتصفحوا تاريخ الأمم التي ~~كانت مغلوبة على أمرها وتحررت من العبودية والرق، فخرجوا من تلك الأبحاث المتكررة، ~~والمحادثات الطويلة، بأفكار تبلورت وتعمقت وقرأت للواقع حسابه، وآراء مقامة على معرفة ~~شعبهم ونفسية الخصم وطبيعته، ووضعوا خطة سياسية طويلة النفس صعبة التنفيذ، فيها ~~المغامرة والمخاطرة وفيها أيضا التعقل والحكمة، وعلموا أن الارتجال في قيادة الشعب يجر ~~الخذلان والمهالك، كما أن السير الثابت في طريق معينة مضبوطة وخطة واحدة قد توضحت ~~مبادئها العامة وتناسقت أجزاؤها وتكاملت، وارتبط بعضها ببعض ، ضمان النجاح والنصر إذا ~~كانت لها المرونة الكافية، وأمكنها مسايرة الظروف والتقلبات العالمية والداخلية. # ومن البديهي أن الحركة الوطنية كجميع ما يقوم به البشر، إذا كانت لا تبلغ الازدهار ~~ولا تأتي ثمرتها إلا بالعمل المتدارك والتضحية المتوالية، فهي للفكر أحوج وللروية ~~والعقل مضطرة اضطرارا؛ إذ السياسة ميدان تتبارى فيه المواهب والفطن، وتتمارى فيه ~~الأذهان والأفكار، فتكون الغلبة لمن هو أرجح عقلا وأنصع تمييزا وأحد ذكاء وأجسر ~~قلبا وأقل تهورا، وقد سلم الشعب التونسي لرجال الديوان السياسي قيادته، والتف حولهم، ~~ومنحهم ثقته، وحكمهم في الأموال والرقاب بعد أن سبر غورهم وجربهم المرة تلو الأخرى، ~~ورآهم صابرين ثابتين كالجبال الرواسي، لا تتغلب عليهم الأحداث، ولا تقهرهم المصائب، ولا ~~يخضعهم عذاب، ولا يفل في عضدهم نفي ولا سجن، ولا حر الصحاري المحرقة، ولا ثلوج معتقلات ~~فرنسا المبيدة؛ إيمان لا يتزعزع وعزم ms051 لا ينثني، وعمل لا ينقطع. وكان يقين القادة لا ~~تردد فيه في أن الشعب سيعينهم على تحقيق ما وضعوه من خطة، وقد سار فعلا في الطريق التي ~~عبدوها. # وكانت الحرب إذ ذاك تطحن القسم الأكبر من آسيا وأوروبا وأفريقيا، والقوات الألمانية في ~~مدها متقدمة قبل أن يأتيها الجزر، وكانت عواطف غالب العالم العربي إلى المحور أميل، وعن ~~الحلفاء منحرفة؛ لما ناله من بعضهم من ظلم وعدوان واستعمار. وقد رأى شعب تونس قوات ~~الجيوش النازية تحتل باريس وترغم أنف فرنسا وتتغلب عليها قهرا في أيام معدودات، فانساق ~~جزء كبير من التونسيين - مثقفين وعمالا وأغنياء - إلى حب الألمان والشماتة بخصمهم ~~المنهار، ولكن الحبيب بورقيبة رأى خطر الاندفاع العاطفي، فعدد الإنذارات إلى تونس ~~وسانده رفاقه المساجين معه لإبعاد التونسيين عن الارتماء في أحضان المحور؛ لأن السياسة ~~الرشيدة لا تقام على العواطف ولا تنقاد للأهواء، ولكنها تسير حسب مصالح الوطن العليا، ~~فماذا تنتظر تونس من المحور غير تقديمها هدية إلى موسوليني. ونحن نعلم ما فعله ~~الإيطاليون عامة والفاشيون خاصة في ليبيا، فليس من الرشد في شيء أن نخرج من استعمار ~~فظيع لنقع في استعمار أفظع، أضف إلى ذلك اقتناعنا بهزيمة المحور، وينبغي لتونس ألا تكون ~~في شق المغلوبين، وقد تحققت تنبؤات الحبيب بورقيبة كلها، فلما أخرجنا الألمان من سجون ~~فرنسا سلمونا إلى الطليان، وجرت محادثات مع المسئولين هناك، فلم نقبل كأساس للمفاوضة ~~إلا الاعتراف حالا باستقلال تونس وتسليم النفوذ بها إلى التونسيين، فأجاب نائب وزير ~~الخارجية الإيطالية: «هل تظنون أن إيطاليا خاضت الحرب لتهب لكم تونس، وهي إنما تريدها ~~لنفسها.» ففسدت العلاقات منذ ذلك اليوم بين القادة الوطنيين وبين الحكومة الإيطالية، ~~ولما رجعوا إلى تونس أسرعوا إلى بث فكرة الحياد، ثم الاتصال مع ممثل أمريكا لدى السلطات ~~التونسية القنصل «دوليتل» خلال واجهة القتال، فكان أكبر عون لهم فيما بعد. # وكان هكذا اختيار القادة لمعسكر الحلفاء - رغم وجود فرنسا بينهم - أكبر ضمان لحياة ~~الحركة الوطنية وبقائها، واستمرارها. # وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى تعالت ms052 أصوات الشعوب المغلوبة على أمرها، ~~وصرخ مئات الملايين من البشر مطالبين بحقهم في الحرية والاستقلال، واكتسحت موجة التحرير ~~القسم الأكبر من آسيا، وكأنها توقفت قليلا عند حدود أفريقيا، وكان ميثاق الأطلنطي ثم ~~ميثاق سان فرنسيسكو ثم تأسيس الأمم المتحدة، مبعث الآمال الجسام والدليل على أن ~~الموازنة العالمية قد تغيرت، وأن أوروبا الغربية المستعمرة لم تبق صاحبة الكلمة النافذة ~~والسيطرة المطلقة على البحار السبعة والقارات الخمس، بل أصبحت هي نفسها بين عملاقين ~~عظيمين: روسيا الشيوعية في الشرق، والولايات المتحدة الأمريكية في الغرب. # فما هو حظ تونس يا ترى من هذا الانقلاب العالمي، فقد ساعدت الظروف العالمية بعض ~~الشعوب على نيل استقلالها الأسمى، ولكن الاستقلال الحقيقي لا يوهب ولا يعطى، إنما يؤخذ ~~ويفتك، ولا يحصل عليه من الشعوب إلا من كان أهلا له، وقد قطع الشعب التونسي المرحلة ~~الأولى الأساسية في سيره نحو الاستقلال، فتغلغلت الفكرة الوطنية في نفسه، وبلغت الدعوة ~~جميع الطبقات، واكتسحت المدن والقرى والبوادي، ولم تبق مجرد عاطفة وحماسة واندفاع، بل ~~تبلورت العاطفة في فكرة واضحة جلية، وفهم الشعب في مجموعه أن الروح الوطنية ترمي إلى ~~عمل إيجابي وبناء وتشييد في جميع الميادين، وتكوين قوة فعالة لإنجاز تلك المشاريع، بقدر ~~ما ترمي إلى سد الأبواب في وجه الخصم الاستعماري اللدود ومكافحته دوما واستمرار ~~مكافحة لا تنقاد للبغض الأعمى والكراهية المتنطعة، بل فيها التمييز الواضح بين حاملي ~~الفكرة الاستعمارية وغيرهم من الفرنسيين أنفسهم، وأن لا عدو غيرهم، فيعمل على جلب بقية ~~الجاليات الأجنبية واستمالتها، ويسعى لإقناع الفرنسيين الأحرار ليكونوا أعوانا له ~~ودعاة لقضيته العادلة. # فأقام شعب تونس الدليل تلو الدليل على أنه بلغ رشده السياسي واكتمل وعيه القومي، ~~وتعمق في شعوره الوطني، وأصبح يتفهم أدق المواقف السياسية، ويوجه ضرباته إلى خصمه ~~الوحيد: الاستعمار وأنصاره، وبعد جهاد مرير مستمر خاضه وراء حزبه - الحزب الحر الدستوري ~~- طيلة عشرين سنة، صبر وصابر وثبت وغامر فيها، أصبح لا يخشى عليه من التفكك والابتلاع، ~~واقتنع أنه شعب عربي مسلم صاحب مجد تالد ومدنية خالدة وتاريخ ms053 عظيم، وأعرب عن إرادته ~~الراسخة في أن يحيا حياة العزة والكرامة، وأن يقيم على تراثه الباقي، مجتمعا جديدا ~~ونظاما حديثا ومدنية تماشي روح العصر الحاضر. ففي إمكان القوة الاستعمارية الغاشمة ~~العمياء أن تزهق الأرواح وتعذب الأشخاص وتفسد الأقوات والأموال وتخرب البيوت، وفي ~~إمكانها أن تسجن الأجسام وأن تضيق عليها، ولكن يستحيل عليها أن تقتل الفكرة الحرة ~~الطليقة التي تعددت بتعدد معتنقيها، ونمت وانتشرت، وسكنت النفوس التي لا تسجن، وتغلغلت ~~في القلوب التي لا تغل، وأصبحت عقيدة وإيمانا لا يقتلع. # ومنذ ذلك الحين شرعنا في المرحلة الثانية الأساسية، وهي معركة افتكاك النفوس السياسي ~~ونقله من يد الفرنسيين إلى أيد تونسية، وهو عمل إيجابي صعب محفوف بالأخطار؛ لأن ~~الاستعمار الفرنسي توغل في البلاد وتغلغل، ورمى عروقه في أرضها وانتشر على ~~سطحها. # فالمراكز الرئيسية في الإدارات التونسية كلها، ومعاقل النفوذ والسلطة بها في قبضة ~~الفرنسيين، حتى إنها أصبحت آلة مسخرة لخدمة مصالحهم والمحافظة على امتيازاتهم المجحفة، ~~والتشريع وسن القوانين في أيديهم أيضا، قد مكنهم من إعطاء اعتداءاتهم المتوالية صبغة ~~قانونية وطلاء شرعيا كاذبا، والمال الذي تخضع له الرقاب وتقوم عليه الأعمال في ~~تصرفهم؛ إذ إنهم يتحكمون في الميزانية التونسية - دخلا وخرجا - كما تمليه عليهم ~~أهواؤهم ومصالحهم. # ثم إن الاستعمار الفرنسي مال إلى نفوس قسم من التونسيين يدنسها ويفسدها، بل يختار ~~أسقط الناس وأحطهم خلقا وأطوعهم لإرادته وشهواته، وإن كانوا خلوا من كل ثقافة ~~أحيانا، فاقدين لكل ضمير، فيتخذهم أعوانا أذلاء خانعين ويسند إليهم المناصب العالية ~~والوضيعة، ويطلق يد أطماعهم في أرزاق الناس، ويفتح لهم أبواب الارتشاء على مصراعيها، ~~ويجعل من عباد الدرهم والدينار، الذين يسيرون في ركب كل قوي جبار، ويميلون مع النفوذ حيث ~~مال كالظل التابع لصاحبه، صنائع له ومريدين، فيكون زمرة من الخونة المارقين، قد تعودوا ~~الخيانة ومرنوا على الغدر والنفاق، حتى إنهم أسرعوا إلى خيانة أسيادهم الفرنسيين عندما ~~احتلت جيوش المحور تونس، وباتوا أكثر نازية من الألمان أنفسهم. وقد انتقم الفرنسيون من ~~بعضهم وحكموا عليهم بالإعدام كعلي بن ضياف الذي ms054 كان عاملا (متصرفا أو مديرا) في ~~الجنوب التونسي أثناء الحرب، ثم عفوا عنهم وأرجعوا أكثرهم لمناصبهم، وهؤلاء هم أصدقاء ~~فرنسا. # ثم إن الاستعمار الفرنسي بقي بتونس سبعين سنة، فوجد من الوقت ما يكفيه لمعرفة سهولها ~~وجبالها، وقراها ومدنها، والمراكز الاستراتيجية المهمة فيها، والطرق المتحكمة حربيا في ~~أجزائها، فاحتلها جميعا بقواته العسكرية، وبث البوليس الفرنسي في كل مكان، وجعل من ~~الجندرمة - أي الدرك الوطني الفرنسي - أسيادا يسيطرون على داخل المملكة كلها، بدعوى ~~المحافظة على الأمن، وبنى لهم من الميزانية ثكنات كالقصور في كل مكان، وأغدق عليهم من ~~مال التونسيين ما يمكنهم من شراء الضمائر وتكوين العيون في الأسواق، وأحياء القبائل ~~وغياض المزارعين والفلاحين، فتمكن هكذا من الاستيلاء على القطر التونسي استيلاء ~~عسكريا بوليسيا شديدا محكما. # وينبغي ألا ننسى أن الفرنسيين استحوذوا شيئا فشيئا على جميع الميادين، سياسية ~~وإدارة، وتعليما، واقتصادا، وزراعة، وتجارة، وكادوا يقفلونها في أوجه التونسيين، ~~ويحرمونهم من كل نشاط ما عدا الاشتغال كعمال عند الفرنسيين. ولكن التونسيين لم يستسلموا ~~في أي ميدان، وقاوم كل جماعة منهم لإثبات وجودهم وضمان حياتهم، حتى جاء الحزب فوحد ~~الجهود، ونظم الصفوف، واتخذت إذ ذاك المقاومة شكلا جديدا متناسقا لإيقاف ذلك التيار ~~الجارف والموت الداهم. # تلك هي بعض الصعوبات الرئيسية التي يجب التغلب عليها، وذلك هو الاستعمار الذي تعززه ~~فرنسا بأموالها وجيشها وقوات مستعمراتها، فكيف يمكن صدها عن دوس تونس الصغيرة ومحوها؟ ~~فلا بد إذن من التفكير الرصين لتوفير أسباب النجاح واجتناب ما أمكن من أسباب الخيبة. ~~وشروط النجاح ثلاثة؛ أولها: اعتماد الشعب على نفسه حتى يكون من ضعفه قوة، ومن تشتته ~~وحدة، ويغذي في أبنائه روح التضحية. وثانيها: تكوين عطف عالمي من الشعوب والحكومات ~~لتساند تونس في قضيتها. وثالثها: اختيار الظروف العالمية الملائمة. ~~(3) غايات الكفاح التونسي أو المبادئ التي جاهد من أجلها شعب تونس # ليس من باب الصدف أن صرح الصحفي الفرنسي الشهير «جان روس» فقال: «أغرب ما أحدثه الحزب ~~الدستوري بتونس أنه كون رجالا أحرارا مستقلين في تفكيرهم في بلاد لا تتمتع ms055 بالحرية ~~ولا بالاستقلال.» ولم يعرب عن رأيه هذا إلا بعد أن زار أغلب جهات المملكة التونسية، ~~بصحبة الحبيب بورقيبة، وجالس جميع الطبقات، وتحدث مع جميع الأوساط من مثقفين وتجار ~~وعمال وفلاحين وغيرهم، ولقد تعجب مما شاهده وسمعه، وأن ملاحظاته تنبئ عن أمر واقعي ~~محسوس كان نتيجة لعمل دام عشرين سنة، وجه الحزب أثناءها عنايته إلى تكوين الفرد التونسي ~~وتبديل نفسيته حتى أيقظه ودربه وصيره عضوا عاملا صالحا في المجتمع، عارفا بواجباته ~~وحقوقه، مميزا لأدق المواقف السياسية، متفطنا لألاعيب الاستعمار وأذنابه، معتمدا على ~~نفسه. وقد كانت الثورة الوطنية الكبرى في النفوس والعقول، فأذهبت عنها الجمود والركود، ~~وخلصتها من الخوف والأوهام وعبادة التقاليد البائدة، وأحيتها من جديد فكأنها بعثتها ~~بعثا وغيرت في نظرها سلم القيم، حتى آمنت بأن الموت أفضل من حياة الذل والهوان، وأن ~~حياة بلا كرامة شخصية ولا عزة وطنية، ولا ضمان للعيش ولا حرية فردية وجماعية؛ إنما هي ~~الموت نفسه، بل أشنع منه، لأنها تنزل بالإنسان إلى مستوى الحيوانات والبهائم، حقا إن ~~الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد غير التونسيون ما بأنفسهم، ثم انقلبت ~~تلك الثورة النفسية إلى ثورة دامية لا تعرف الكلل ولا الملل في شعب اشتهر بلينه وهدوئه ~~ولطفه ورقته، حتى قال فيه جورج ديهاميل الكاتب الفرنسي العالمي: «إن تونس أثينا العالم ~~الشرقي»، لما شاهد في أهلها من اتزان في الأفكار ومرونة في العقل وتناسق في الأجواء ~~وسهولة على هضم المدنية الأوروبية من غير أن ينصرفوا عن مدنيتهم العربية ~~الإسلامية. # إن شعب تونس لم يقدم على ما أقدم عليه من تضحيات جسيمة إلا وهو عارف لماذا يضحي ~~ولماذا يستميت، مقتنعا أن لا طريق آخر لتحقيق الأهداف التي وضعها أمام أعينه، فما هي ~~تلك الأهداف؟ # لقد قام التونسيون بتجارب عديدة متنوعة في شتى الميادين لينهضوا ببلادهم ويحققوا لها ~~الإصلاح المطلوب بمشاريع طويلة النفس تسعى إلى الإنشاء والبناء، وقالوا: إن استقلالا ~~لا يتم من غير اقتصاد سليم زاهر، فكونوا الشركات المختلفة للتصدير والاستيراد والتجارة ~~بأقسامها، ms056 وأسسوا معامل للنسج، وأحدثوا البنوك الوطنية، وإذا بالسلطات الاستعمارية توقف ~~عملهم التجاري بأن تمنع أحيانا بطرق منعوجة وبدعوى تنظيم التصدير والاستيراد، وأحيانا ~~تمنعهم جهرة من الاتجار مع الخارج، وتضيق عليهم وتعطي أوامرها للبنوك الفرنسية لتقطع ~~عنهم القروض، وإذا بجميع تلك الشركات تعلن إفلاسها بعد مدة وجيزة. وأما معامل الغزل ~~والنسج والشيكولاتة والمصبرات والزيوت، فإنها تقتلها بطرق أخرى، فعوض أن تحميها من ~~المنافسة الأجنبية وخاصة الفرنسية، تفتح أبواب الجمارك للبضائع المماثلة لإنتاجها، ثم ~~تجبرها على شراء المواد الأولية من السوق الفرنسية، رغم ارتفاعها عن الأسواق الأجنبية، ~~ثم تضيق عليها بالأنظمة والقوانين، حتى أرغمت كثرتها على توقيف عملها. أما البنوك ~~التونسية فإن سلطات الحماية تحاربها من غير قناع، فتفتك منها أموالها عنوة، وتغلق أبوابها ~~بأمر عسكري مدعية أن تلك البنوك مجعولة لتمويل الحركة الوطنية. # وقد رأينا تلك السلطات الاستعمارية تحارب المزارعين التونسيين حربا لا هوادة فيها، ~~فتثقل كواهلهم بالجبايات المجحفة، وتسلط عليهم أعوانها ليسلبوا منهم أموالهم بالارتشاء، ~~وتوقف أعمالهم لأقل قضية تلعق بهم، وتطلق في غالب الأحيان يد المرابين والبنوك العقارية ~~الفرنسية لبيع أملاكهم وما يكسبون، وتشكك في حقهم في ملكية أرضهم والتمتع باستثمارها ، ~~وتحرم على التونسيين شراء أرض تونس إذا ما كانت في ملك الفرنسيين والإيطاليين أو غيرهم ~~من الأوروبيين، فإن نهضت الفلاحة التونسية وبدلت طرقها العتيقة وعوضتها بالطرق العصرية ~~في كثير من الجهات، وازدهرت، فتلك معجزة أتى بها الفلاح التونسي رغم عرقلة الاستعمار له ~~في كل خطوة يخطوها. # ثم قال التونسيون: إنه لا نهضة تمكن، ولا تقدم يحصل، ولا استقلال يتم إلا بالتربية ~~والتعليم، ولكن الاستعمار بالمرصاد، يعد علينا أنفاسنا، ويسعى لإفساد مشاريعنا؛ ولذا ~~رأيناه يسعى لتعطيل الإصلاح بجامع الزيتونة حتى أصبح التيار جارفا، فلم يقدر على وقفه. ~~أما المدارس الحرة التي نسميها بتونس المدارس القرآنية، فإن إدارة العلوم والمعارف ~~الاستعمارية أخذت تضايقها بالقوانين والأنظمة، حتى منعت التونسيين أخيرا من إنشاء ~~مدارس جديدة أو زيادة فصول في المدارس القديمة إلا بعد موافقتها، ومعنى ذلك أن حركة ~~إنشاء المدارس أو توسيعها ms057 قد كاد يتوقف تماما. وقد شوهت برامج التعليم إلى درجة أنها ~~مسخت مسخا؛ لا هي عربية صريحة ولا هي فرنسية صرفة، بل هي مزيج بلا روح، وخلط يفسد عقول ~~الناشئة. # وبعد التجارب المرة والخيبات المتوالية، تبين شعب تونس أن القضية الوطنية وحدة لا ~~تتجزأ، وأن الإصلاح في أي ميدان من الميادين مستحيل ما دام نظام الحماية الاستعماري ~~قائم الذات، وأصبحت المشكلة السياسية هي أم المشاكل لا يمكن أن يحل غيرها إلا ~~بحلها. # وهكذا كان أول مبدأ أقيمت عليه الحركة الوطنية، هو مبدأ الاستقلال، ويتمثل الاستقلال ~~أولا وبالذات في إلغاء معاهدة الحماية التي مكنت الأجنبي من السيطرة على البلاد وبررت ~~احتلاله لها، واستثماره لخيراتها. وتوجهت الجهود كلها إلى إزالة الحكم الفرنسي المباشر، ~~وتوحدت الصفوف وتكتلت القوى لتلك الغاية المقدسة، فما دام الحكم الأجنبي مسلطا على ~~المملكة التونسية يستحيل عليها أن تخطو خطوة حقيقية نحو الرقي والمدنية والازدهار ~~المادي والأدبي، وإذا ما خطت خطوة إلى الأمام في ميدان فإنها تتقهقر خطوات إلى الوراء ~~في الميادين الأخرى، فالحكم الأجنبي هو السبب الرئيسي في بطء نهضتنا، وهو السد المنيع ~~بيننا وبين النهضة الشاملة التي تمكننا من الالتحاق بقافلة الأمم المتمدينة، كما قال ~~الكاتب الفرنسي المعروف «دانيال جيران»: «يمكن لتونس أن تصبح - كالأقطار الاسكندنافية - ~~جنة صغيرة على وجه الأرض لولا الاستعمار الفرنسي.» # ولما قامت حجة التونسيين حسب القانون والشرع، وحسب العدالة والحق، وحسب العواطف والرحمة ~~والإنسانية، التجأ أصحاب النظريات الاستعمارية إلى ضروب من السفسطاء لا تروج على العقول، ~~وأنواع من الادعاءات تخالف الواقع المحسوس، نأتي ببعضها كنماذج من تلاعب القوم ومهارتهم ~~في قلب الحقائق. يقولون إن فرنسا لا ترى مانعا من إعطاء تونس استقلالها، ولكن سرعان ما ~~تحتل دولة كبيرة أخرى مكانها، فتصبح تونس المسكينة مستعمرة لها؛ ولذا يجب المحافظة على ~~معاهدة الحماية واحتلال الجيوش الفرنسية لتونس. وهذا منطق غني عن أي تعليق معناه: يجب ~~أن آكل هذه الفريسة لكيلا يأكلها غيري، ومن أدراك أن غيرك يريد أكلها؟ ومن أنبأك بأنها ~~لن تحافظ على استقلالها ms058 كغيرها من الشعوب الصغيرة في العالم؟ # ثم يقولون إن فرنسا مستعدة للتنازل للتونسيين عن حق إدارة بلادهم بأنفسهم، ولكن بشرط ~~واحد: وهو أن يصبحوا قادرين على تسيير شئونها والتحكم في مصيرها، ثم إن الفرنسيين ~~أنفسهم يجتهدون في عدم تمكين التونسيين من الثقافة اللازمة لذلك، ويقصونهم إقصاء كليا ~~عن مراكز النفوذ ومناصب السلطة ووظائف التدريب والتمرين على الحكم، حتى يبقوهم دائما ~~أبدا عاجزين عن تسيير إدارة بلادهم بأنفسهم. ولو كان الفرنسيون مخلصين صادقين في ~~ادعائهم، لكانت مدة احتلالهم لتونس (سبعين سنة) كافية لذلك التكوين المطلوب. # وآخر سفسطة ابتكروها هي أن الدول الكبرى نفسها - كفرنسا مثلا - لم تبق حرة مستقلة ~~استقلالا مطلقا، بل نحن نعيش في عصر الكتل الكبرى التي تعد كل منها مئات الملايين من ~~البشر؛ ولذا ينبغي لتونس أن تحافظ على مكانها في الوحدة الفرنسية، وكأنهم نسوا أو ~~تناسوا أن الدول التي تكون تلك الكتل الكبرى متساوية في الحقوق والواجبات؛ قد تنازلت كل ~~واحدة منها بقسط مماثل من سيادتها لمصلحة المجموع، وأنها تعاقدت مع حلفائها معاقدة الند ~~للند، والحر مع الحر، عن رضى وطبق إرادتها. أما ارتباط تونس بفرنسا فهو ارتباط الغاصب ~~مع المغصوب، والغالب مع المغلوب، والسيد مع المسود، والمولى مع عبده، دخلت تونس تحت ~~الحماية الفرنسية رغم إرادتها وغصبا عنها، فهو اتحاد لا مساواة فيه ولا حرية ولا ~~عدالة، كاتحاد الشاة والذئب، والفريسة والأسد. إنما تتحد الدول المستقلة لتحمي كيانها، ~~وتضمن مصالحها. وتجبر فرنسا تونس على الاتحاد معها لتضيع جميع مصالحها، وليمحق كيانها، ~~وإنها لسفسطاء مضحكة لو لم تجر وراءها ما يبكي. # والاستقلال المنشود لا يتحقق إلا إذا حافظ الشعب التونسي على كيانه كشعب له مميزاته ~~وتقاليده وعاداته وأخلاقه، وتمسك بروحه التي استقاها من آبائه وأجداده والتي كونتها ~~قرون من تاريخ ماجد ومدنية عميقة، ولم يفرط في مقومات قوميته من إسلام وعروبة. وإن ~~الإسلام والعروبة هما عمادا الفكرة الوطنية وأساسها، وليس معنى الدين عندنا التعصب ~~الأعمى، بل هو الأخوة البشرية والتراحم، واحترام الغير في تفكيره وعقيدته وميوله ~~وآرائه، ms059 مع المحافظة التامة على إسلامنا إيمانا وعبادات ومعاملات، وليس معنى العروبة - ~~جنسا ولغة - العنصرية البغيضة ولا التفوق الكاذب على البشر، ولا معاداة اللغات ~~الأجنبية والثقافات الأعجمية، بل السهر على لغتنا يجعلنا نحترم لغة غيرنا ونستمد منها ~~ما نحتاجه من علوم وفنون، ومما يزيدنا تعلقا بالفصحى وتفانيا في خدمتها، وهو أنها لغة ~~القرآن الكريم والدين الحنيف، وأنها أيضا الرابطة الكبرى التي تربطنا بالشعوب العربية ~~الشقيقة، وهي اللحمة بإخوان لنا خارج حدود تونس الضيقة، يوحد بيننا التاريخ، وتجمعنا ~~بهم محنة الاستعمار، وتتكون منا ومنهم الأمة العربية؛ ولذا كانت فكرة الوحدة العربية ~~فكرة متأصلة بتونس، راسخة في أرضها متولدة عن طبيعتها. # وهكذا كان المبدأ الثاني للفكرة الوطنية بتونس هو وحدة المغرب العربي والانتماء ~~للجامعة العربية. # والاستقلال وإن لم يكن أمرا سلبيا بحتا إلا أنه لا يمكن أن يكون وحده غاية ~~الغايات في الحركة الوطنية. نعم هو الشرط الأساسي وبدونه لا تمكن الحياة لشعب، فهو إذن ~~الوسيلة الوحيدة لضمان تلك الحياة. وليس الاستقلال في نظر شعب تونس إنهاء الحكم الأجنبي ~~فقط، بل هو الطريق والمنفذ والباب نحو أهداف سامية ومبادئ واضحة اعتنقها الشعب، وعزم ~~على تحقيقها في ميدان السياسة والمجتمع والاقتصاد والتعليم؛ لأنها كلها مرتبطة بعضها ~~ببعض، متفاعلة، تكون ضربا من الوحدة عجيبا. والشعب التونسي لا يعيش في الماضي؛ فقد ~~نفض عنه غبار القرون، وماشى هذا العصر الحاضر في حاجياته الأدبية والمادية. # ليس الظلم والحيف والفساد والفوضى بتونس ناتجة عن عمل شخص معين، بل ولدها نظام الحكم ~~الحالي، وما زالت مرارة التجارب القاسية في فم كل تونسي، فالحكم الأجنبي المقنع أحيانا ~~والسافر الظاهر أحيانا أخرى. الحكم الأجنبي المباشر قد دام سبعين سنة شاقة طويلة داس ~~خلالها حقوق الشعب وكرامته، وعبث بمصالحه وأعرض عن رأيه، وعاكسه في إرادته، وسلم النفوذ ~~لإداريين فرنسيين مهمتهم فنية أو إدارية، فضاعت بينهم المسئوليات واختلطت في أيديهم ~~السلطات وأصبحوا ملوك طوائف وأخطر. فنظام الدولة التونسية في الظاهر هو الملكية المطلقة ~~من الوجهة الشرعية القانونية، وأما في الواقع فإن الموظفين العالين ms060 الفرنسيين قد ~~استحوذوا على النفوذ وصرفوه كما شاءت لهم أهواؤهم ونزعاتهم الاستعمارية؛ ولذا كان ~~المطلب الأول للحركة الوطنية هو إدخال النظام على تلك الفوضى ومنح الدولة التونسية ~~دستورا قارا يضمن للأفراد وللمجموع حقوقهم، ويحدد المسئوليات والسلطات. # عرف شعب تونس مساوئ الحكم الفردي والملكية المطلقة والحكم الأجنبي، ورأى أن الملكية ~~المطلقة لا تقل خطرا عن الاستعمار نفسه، وكثيرا ما تكون مطية له، وبابا يدخل منه ~~ودعامة له يعتمد عليها في استمراره وبقائه، فاتخذ المبدأ الديمقراطي الصحيح كأساس لبناء ~~دولة عصرية سليمة، حكم الشعب بالشعب للشعب، فإرادة الشعب في مجموعه فوق كل إرادة، وهو ~~صاحب الكلمة النهائية في تقرير مصيره واختيار ما يريده من حكم وما يرتضيه من حاكمين، ~~وهو القوة الواعية المحافظة على نظام الحكم، وهو أيضا مصدر السيادة كلها لا يشاركه ~~فيها مشارك، وهو منبع السلطات ومقرها وصاحبها الحقيقي. # والشعب أيضا هو الحاكم وهو المرجع، فيختار من بين أفراده من ينوب عنه في تنفيذ ~~إرادته والتصرف في سلطاته، مع أنهم لا يعملون إلا باسمه، ثم إليه مرجعهم فيحاسبهم ويجدد ~~ثقته فيهم أو يزيلهم عن مناصبهم حسب أنظمة معينة ومواقيت مضبوطة. # والحكم الديمقراطي لا يكون لصالح شخص واحد ولا طبقة واحدة، بل يكون لصالح عموم الشعب ~~وضمان مصالح مجموعه، والسهر على الوطن كله، والاحتفاظ به وبثروته للجيل الحاضر والأجيال ~~المقبلة. # لقد وجهت الانتقادات الكثيرة للحكم الديمقراطي، وأظهر كثير من المفكرين السياسيين ما ~~فيه من عيوب حقيقية من أعظمها صعوبة الاستقرار، ونشر الخطط والبرامج السياسية وفضحها ~~على الملأ وتسليم مقاليد الأمور لأناس ربما لا يحسنون التصرف فيها، وإنما برعوا في ~~الاستحواذ على ثقة الجماهير بذلاقة اللسان والتلاعب بالألفاظ والمهارة في الدعاية. ثم ~~بعد هذا كله كيف يمكن للتاجر والأستاذ والفلاح والطبيب، وغيرهم من أرباب الصناعات ~~والمهن، وإن كانوا بارعين في أشغالهم الخاصة، كيف يمكن لهم أن يكونوا الساسة الحقيقيين ~~والقادة المسيرين للحكم، مع جهلهم للسياسة وأصولها وبعدهم عنها وعن خفاياها وأغوارها ~~وغاياتها، وقلة مرونتهم فيها وتجربتهم لها. إن ألف جاهل لا يكونون ms061 عالما، وإنك لا تسلم ~~جسمك المريض إلا لطبيب عارف مجرب، فكيف تسلم قيادة دولة للخباز والبقال والمزارع ~~والمحامي وغيرهم من أبناء الشعب، يختارون النظام اللائق لها، ويسيرون دفتها، ويتحكمون ~~في مصيرها. فعيوب الديمقراطية لا تنكر ولكنها تتضاءل أمام عيوب نظم الحكم الأخرى، وخاصة ~~الحكم الدكتاتوري سواء أكان تحت اسم الملكية المطلقة أم غيره من الأسماء؛ لما فيها من ~~ظلم وتعسف وعدم مسئولية وفقدان للحرية ومغامرات ربما تجر الشعب إلى الهلاك، وضياع ~~المصالح الخاصة والمصلحة العامة نفسها أحيانا، ويمكن الإتيان بعشرات الأمثلة من ~~التاريخ القديم والحديث للدلالة على ذلك. وقد اعتمد الشعب التونسي في اختيار النظام ~~الديمقراطي على تعاليم دينه الحنيف: # وأمرهم شورى ~~بينهم ~~، # وشاورهم في الأمر ~~، ~~فتعاليم الإسلام تنافي الاستبداد بأنواعه وتحض على الديمقراطية. # إن شعب تونس أصبح لا يتحمل الملكية المطلقة ولا يرضى بها، ولن يسمح بوجودها، ولكن ~~الملكية الدستورية تجمع بين حسنات الملكية والديمقراطية، فالملك عنصر الدوام والاستقرار ~~في الدولة، والعمدة في المحافظة على مصالحها العليا، وضمان الاستمرار في حياتها ~~السياسية، وهو أيضا عنوان الدولة ورمزها الحي، ورئيسها الدائم وعلامة وحدتها، وممثل ~~سيادتها. والملكية لا تناقض تقاليدنا ولا تخالف روح تاريخنا، بل يتقبلها الشعب برضى من ~~تلقاء نفسه، ويجد العرش كنقطة ارتكاز في المحن والمصائب ومعقل الآمال مدة الكفاح ~~والجهاد، فيلتف حوله لتحقيق وحدته وصيانة كيانه. # وتكون هذه الملكية دستورية؛ أي إن الملك يصبح أكثر رسوخا، وتكون السلطة التنفيذية تحت ~~إشرافه في يد وزارة مسئولة أمام برلمان، فيختار الشعب أفراده كنواب عنه. # والحرية روح ذلك النظام الديمقراطي وأساسه، فإذا كانت الديمقراطية هي حكم الشعب ~~بالشعب وللشعب حقا، فمعنى ذلك أنه يختار ما يريده من نظام وسياسة، ومن قال اختيارا ~~قال أيضا حرية؛ إذ من البديهي أن الاختيار يفرض وجود الحرية، فلا يكون حرا من هو ~~مجبور على قبول نظام معين وسياسة محددة مضبوطة وضعها غيره، ولا يمكن اختيار إلا إذا ~~كانت أمام الشخص أنظمة مختلفة وسياسات متعددة وحلول متنوعة، فيختار إحداها دون غيرها، ~~عن اقتناع فردي ومن تلقاء ms062 نفسه من غير أن يكون تحت ضغط خارجي أو تهديد أجنبي عنه، بل ~~حسب إرادته الشخصية، وكما يمليه عليه عقله وإدراكه؛ لأن الاختيار في المجتمع السياسي ~~كاختيار الفرد لأعماله، ولو لم يكن الفرد حرا في اختيار أعماله، ولو فرضت عليه ~~الأعمال فرضا، لما بقي مبرر للجزاء ولا سبب للعقاب. وكذلك في الحياة السياسية لا معنى ~~للديمقراطية إذا لم يكن أفراد الشعب أحرارا في اختيار ما يرونه من حكم. والحرية في ~~حقيقتها وفي الواقع أيضا كل لا يتجزأ، فإما أن تكون وإما ألا تكون، فإذا وقع ~~الاعتداء على فرد أو جماعة من الشعب وسلبت منهم حريتهم من أجل آرائهم أو معتقداتهم، ~~يفتح الباب للاعتداء على حرية جميع الشعب وكبته. وحرية الفرد مرتبطة بحرية المجموع ~~أيضا، فإذا كانت حرية الشخص الواحد مقدسة، فكذلك حرية الجماعات، فللفرد أن يبدي ما ~~يراه من آراء، وله أن يحاول إقناع غيره بها، كتابة وقولا، وتلك هي حرية الفكر، وله أن ~~ينتقد آراء غيره وأن يفندها وأن يتبع بالتحليل والنقد أيضا آراء الحكومة ورجال السياسة ~~وأعمالهم، وله أن يكون مع غيره من المواطنين جماعات للدفاع عن أفكارهم والدعاية لها ، ~~وله أيضا الحرية الكاملة في معتقده من غير أن يكون عرضة للاعتداء من طرف الحكومة أو من ~~طرف جماعات أخرى من الشعب، وتلك هي حرية الأديان. وليس الحرية هي الفوضى بل فيها ضرب من ~~النظام عجيب؛ إذ تنتهي حرية كل فرد عند ابتداء حرية غيره، فمن لا يحترم حرية غيره ليس ~~أهلا للتمتع بحريته؛ ولذا كانت الحرية تتطلب ضربا من الرقي والتربية السياسية ~~والاجتماعية في الشعوب وأفرادها، يجعلها تتسامح ويحتمل بعضهم بعضا، فلا يلجئون للقوة ~~لفرض إرادتهم أو آرائهم أو معتقدهم على غيرهم، حتى يصبح ذلك التسامح جبلة وطبيعة ثانية ~~في كل مواطن، فتقديس حرية الغير إنما هي تقديس لحريتك الشخصية. # لقد شاهدنا كثيرا من المفكرين السياسيين - وخاصة بفرنسا - يظنون أن الحرية مرتبطة ~~بالمساواة، بل يميلون أحيانا إلى تدعيم المساواة والدفاع عنها أكثر من ميلهم للحرية ~~نفسها، مع ms063 أنهما مختلفان في جوهرهما وكنههما؛ إذ نرى في أكثر الديمقراطيات الحرية موفورة ~~إلى درجة، ولكننا لا نشاهد المساواة بين أفراد الشعب في الغالب، يقولون المساواة في ~~الحقوق والواجبات، نعم المساواة أمام القانون العام أمر حتمي لنظام المجتمع سواء في ~~الديمقراطية أو في غيرها؛ إذ يقام كل مجتمع على قداسة القانون سواء أكان موضوعا أم ~~دينيا منزلا، لأن العدل أساس العمران، ومن مصلحة الحاكم مهما يكن نوعه أن يحترم ~~القانون. # والمساواة في الديمقراطية هي أن تكون أصوات جميع المواطنين - أصحاب الحق السياسي - ~~متساوية عند التصويت أو في انتخابات النواب عنهم، نعم هذا الضرب من المساواة موجود في ~~الغالب في البلاد الديمقراطية، ولكن التفاوت بين المواطنين في الثروة والثقافة والمواهب ~~يجعل تلك المساواة نظرية أكثر منها واقعية. فنفوذ الغني وفرض آرائه على الفقير من ~~الأمور الجلية البديهية، وكذلك نفوذ المثقف وأصحاب الجاه. # أي معنى للحرية وأي مجال للمساواة إذا كانت الديمقراطية تقتصر على الميدان السياسي ~~وحده، ولا تشمل الميدان الاجتماعي والاقتصادي؟! فهل حرية الفقير إلا حريته في أن يعيش ~~ويموت في تعاسة؛ فحظه من الحياة الفاقة والمرض والجهل والجوع أحيانا، فهو عبد في ~~الواقع للقمة الخبز له ولعياله، وقد يجدها وقد لا يجدها إذا كان عاطلا والبطالة تهدده ~~يوميا، وأين المساواة في أقطار يسير فيها بعض الأفراد الرأي العام بما لهم من صحافة ~~قوية ومجلات وكتب ومذياعات؛ أي إنهم يفرضون آراءهم فرضا، ثم يسيطرون بأموالهم على ~~مؤسسات الدولة نفسها. # فالحرية السياسية وحدها لا تكفي، بل لا بد من تعزيزها وتدعيمها بتحرير المواطنين من ~~الفقر والفاقة ومن البطالة وما تجره وراءها من ويلات، فينبغي أن يكون لكل مواطن حق في ~~العمل حتى يحافظ على حياته وحياة أسرته، وعلى كرامته البشرية؛ إذ الكرامة والفقر لا ~~يجتمعان. # وإن العدالة الاجتماعية لا تقف عند هذا الحد؛ لأن حياة الفرد والعائلة تهم الشعب كله ~~وتتطلب ضمانات اقتصادية تماشي الضمانات السياسية وتكملها، فالضمانات الاجتماعية ضرورية ~~للديمقراطية الحقيقية؛ فلا تجوع الأسرة إذا مرض ممولها، وتعالج أفرادها للمحافظة على ~~صحة ms064 المجموع، فحق العلاج الطبي وحق السكن الصحي، وحق التعليم والتربية، من الحقوق ~~البديهية التي لا نجدها في الغالب عند الديمقراطيات! ولا معنى للديمقراطية ~~بدونها. # ودعامة تلك الحقوق كلها، حق العمال في التكتل وتكوين نقابات تدافع عن مصالحهم، وحق ~~الإضراب كسلاح لحفظ حقوقهم أو للحصول عليها. # أتى الحبيب بورقيبة بفكرة كانت أساسا للعمل، وهي أن الشعب إذا استيقظ ونظم صفوفه هو ~~الذي يخلص نفسه بنفسه من الاستعمار، وهو الذي يدخل على الدولة والمجتمع نظاما يضمن له ~~السيادة والحرية والرفاهية، فينبغي إذن أن يسير الحزب الحر الدستوري على مبدأ اتصال ~~القادة بالشعب اتصالا دائما عميقا قويا، مهما تكن التكاليف، وأن يتحمل في سبيله كل ~~التضحيات، فكان الحزب في العهد الأول من كفاحه (من 1933 إلى 1944) يناضل في جبهتين: ~~يناضل ضد الفرنسيين الذين يقاومونه، تارة بالقوانين الاستثنائية والمحاكم الزجرية، ~~وطورا بالحديد والنار، ويقاوم مقاومة أصعب وأشق الركود والخنوع والعقلية البالية ~~والتفرقة والأوهام المستولية على قسم كبير من الشعب، حتى أيقظ القلوب وأنار العقول وقضى ~~على الخرافات، وحطم التقاليد البالية والعصبية القبلية، والتعصب البغيض، وأحدث ثورة في ~~النفوس عميقة، وإذا بشعب اليوم غير شعب الأمس. # وإن اتصال القادة بالشعب اتصالا مباشرا يتخذ طرقا شتى وأساليب متنوعة، ويعتمد على ~~دعاية عصرية منظمة نظاما محكما توجه الرأي العام توجيها وطنيا قوميا، وتوضح له ~~الغايات الأساسية التي ينبغي أن تكون دوما حاضرة في أذهان التونسيين، وتشرح له الأهداف ~~الجزئية التي تهيئ تحقيق تلك الغايات البعيدة، وتبين له أيضا مقاصد المناورات السياسية ~~الدقيقة وتعوده على فهمها بالإشارة والتلويح، ولم يتم ذلك إلا لمعرفة قادة الحزب بنفسية ~~شعبهم وميوله وطبيعته والامتزاج به، فيرتفعون به إلى مستواهم في التفكير السياسي، ~~ويقودونه حسب المصالح الوطنية العليا لا حسب العواطف والانفعالات والحماسة. # وكانت أعظم وسيلة في دعاية الحزب الاجتماعات العامة التي اتخذت قوالب متنوعة وانقسمت ~~إلى أصناف متعددة؛ فتبتدئ عادة باتصال بعض الدعاة اتصالا فرديا بالقرية أو المدينة ~~أو الجهة لفحصها واختيار بعض الوطنيين بها يكونون كالنواة للعمل المقبل ويجمعون حولهم ~~كتلا ms065 صغيرة؛ يجتمع بهم ذلك الداعية، وبعد أن يتم ذلك العمل الذي يتطلب أسابيع وشهورا ~~أحيانا يشرع الحزب في اجتماعات أوسع، يرسل لها بعض خطبائه المفوهين مصحوبا بأخصائيين ~~في التنظيم، يشتغلون بعد الاجتماع بتوثيق الروابط وإدخال الترتيبات الحزبية واختيار ~~المسئولين على قيادة الحركة في تلك الجهة اختيارا مؤقتا. وعندما يتم التمهيد وتتكون ~~المؤسسات الحزبية ويتهيأ الجو، إذ ذاك يقصد أحد القادة تلك الجهة، فيبلغ أنصار الحزب ~~ودعاته ذلك الخبر إلى القاصي والداني ويبثونه في الأسواق والبوادي، وتزين المدن والقرى ~~بالأعلام، ويهيأ في الغالب طقم الموسيقى، وفي الميعاد المضروب تخرج عشرات السيارات ~~لتستقبل الزعيم في الطريق على بعد 10 أو 20 كيلومترا من مقر الاجتماع، ويجتمع السكان ~~خارج المدينة، ويصطف قسم من الشباب «الدستوري» على حافتي الطريق، ويذهب قسم آخر منه على ~~الدراجات النارية ليلتفوا بسيارة الزعيم، وما أن يظهر وسط الطريق حتى تتعالى الهتافات ~~باستقلال تونس وبالجهاد في سبيلها، وتعزف الموسيقى الألحان القومية وتصدح الشبيبة ~~الدستورية بالأناشيد الوطنية وتتبعها الجماهير، ويدخل الزعيم إلى المدينة تحت الأعلام ~~الخفاقة وسط الجماهير المتحمسة والنساء المزغردات. وما أن يأخذ مكانه فوق منصة الخطابة ~~وحوله من الرجال المسئولون على الحركة حتى تهدأ الأصوات، فيصبح ذلك الجم الغفير من ~~الشعب الذي جمع الغني والفقير والمرأة والرجل والشاب والشيخ والعالم والجاهل في صعيد ~~واحد كأن على رءوسهم الطير، ويبدأ الاجتماع بتلاوة آي الذكر الحكيم، ثم يتعاقب الخطباء ~~أمام الميكرفون وبعد كل خطيب منهم أنشودة وطنية قوية. # وأخيرا يقف الزعيم وسط عاصفة من التصفيق، فيشعر الإنسان بلحمة عجيبة ووحدة امتزجت ~~فيها روح الزعيم بروح الجماهير التي اشرأبت منها الأعناق واتجهت العيون، وتعلقت النفوس ~~بالكلمات النورانية، بل بجرس الصوت ونغمته ونبراته، فتنفعل بانفعاله وتغضب لغضبه وتفكر ~~إذا ما أجبرها على التفكير. وكانت خطب الزعماء لا ترمي إلى إنماء الحماس الذي ينطفئ ~~بسرعة، بل كانت دروسا سياسية تزيح اللثام عن الاستعمار ونواياه وطرقه المنعرجة ~~الملتوية وأهدافه البعيدة والقريبة، كما تكشف القناع عن الحقائق التونسية المرة وعن ~~أمراضنا المزمنة وعيوبنا التي ينبغي ms066 أن نتخلص منها، ثم تهدي إلى طريق معالجة أنفسنا ~~وسبل النجاة مما نحن فيه وما يتطلبه تحرير الفرد والوطن من نكران الذات ومن تضحيات وصبر ~~وثبات. وأخيرا يشرح لهم الموقف السياسي بتدقيق تام، ويختم الاجتماع بنشيد الحزب الرسمي ~~والناس وقوف، ويختلط بعد ذلك الزعماء بالشعب كأفراد منه؛ لأن التقديس انتزع في تونس من ~~الأشخاص، ولا تقديس إلا للفكرة القومية. # ولما شاهدنا بالتجربة المتكررة أن ذلك الاتصال المباشر بالشعب أفيد للقضية وأعظم ~~مفعولا من كل الطرق الأخرى، عددنا الاجتماعات العامة والخاصة وكررناها ونوعناها. ~~وللحزب أكثر من أربعمائة شعبة في المملكة التونسية، يجتمع المنخرطون في كل واحدة منها مرة ~~في كل أسبوع أو نصف شهر على الأقل؛ ليكونوا مطلعين على تطورات الحالة. ويعقد دعاة الحزب ~~المتجولون عشرات الاجتماعات في كل أسبوع، أما الزعماء فإنهم في تنقل دائم ودعاية شفاهية ~~مستمرة. ولندرك مقدار هاته الناحية من جهودهم، يكفي أن نعلم أن في تونس الصغيرة الرقعة ~~250 كيلومترا عرضا و550 كيلومترا طولا يقطع بعضهم بين المائة ألف كيلومتر والثمانين ~~ألف كيلومتر في العام الواحد في جولات متتابعة. # لم توهب حرية الاجتماع والكلام إلى الحزب الحر الدستوري، بل أفتكها افتكاكا وأخذها ~~عنوة وضحى بمئات ومئات من أتباعه، وضحى قادته أيضا بحريتهم وحوكموا أحكاما قاسية ~~المرة تلو المرة لأجل تلك الاجتماعات؛ لأن الحريات كلها مفقودة بتونس منذ شهر أبريل ~~1938، والحزب نفسه محجر قانونا، فمن يتلفظ بكلمة «دستور» ومن يجتمع بأكثر من ستة أشخاص ~~معرض لثلاثة أعوام سجنا وغرامات مالية فادحة. وبما أن تحقيق الأهداف القومية تتطلب ~~إيقاظ الشعب وتكتله، وبما أن تلك النهضة مستحيلة وذلك التكتل لا يتم إلا بتلك ~~الاجتماعات العامة؛ قرر الحزب أن يقوم بها ويكلفه ذلك ما يكلفه، فبدأ على إثر الحرب ~~العالمية الثانية بالاجتماعات الصغيرة إلى أن نمت وترعرعت وأصبحت تعد عشرات الآلاف، ~~فوجدت فرنسا نفسها أمام الأمر المقضي، فإما أن تقدم على إيقاد ثورة عامة، وإما أن تغض ~~الطرف شيئا ما. وحاولت إيقاف تيارات الاجتماعات تارة بإصدار أحكام قاسية على المسئولين ms067 ~~عن عقدها والمتكلمين فيها، وتارة تنزل إلى أماكنها جنودها ودباباتها لتمنعها فتتم في ~~أماكن أخرى، فقد ابتدأ التونسيون في الحقيقة معركة التحرير في ذلك المجال. # ثم كان الحزب يصدر منشورات أسبوعية يوزعها على شعبه فقط للتوجيه وتحديد مواضيع ~~الداعية، وبيان الأعمال المتنوعة التي يتطلبها الموقف وما أحدث في الأنظمة الداخلية، ~~فيبث ما فيها إلى أعضاء الحزب ثم إلى الجماهير، وذلك اتصال آخر كاد يكون ~~مباشرا. # وللحزب صحيفتان رسميتان تنطقان باسمه؛ الأولى باللغة العربية تتوجه إلى الشعب التونسي، ~~والثانية بالفرنسية تتوجه إلى الأجانب، وله صحف متعددة شبه رسمية؛ اثنتان منها يوميتان: ~~الواحدة صباحية والأخرى مسائية، وبجانبها عشرات من الجرائد الأسبوعية منها السياسية ~~ومنها الأدبية ومنها الدينية ومنها الفكاهية والهزلية، حتى إن جميع الصحافة التونسية ~~أصبحت موالية للحزب تدافع عنه وتنشر آراءه، ما عدا بعض الصحف الهزيلة التي تمولها ~~السفارة الفرنسية. # وأخذ الحزب أيضا ينشر الرسائل الصغيرة وبعض الكتب. ~~(4) النظام الحزبي # يتكون مجموع الحزب من أعضاء عاملين وأعضاء مساعدين، وكل عضو منه لا بد أن ينتمي إلى ~~شعبة من شعبه، وتنقسم تلك الشعب إلى نوعين: النوع الأول وهو الأكثرية الساحقة هي «الشعب ~~الترابية»، لكل واحدة منطقة محدودة وعددها يفوق 400 شعبة، و«الشعب غير الترابية» وهي ~~موجودة خاصة في العاصمة تجمع عادة المهاجرين إليها من بلدة معينة أو جهة معينة. وقد ~~تبعنا في الغالب التقسيم الطبيعي سواء أكان بشريا أم جغرافيا. # ولا تتكون الشعبة الرسمية إلا إذا انخرط فيها 50 عضوا عاملا على الأقل، فإذا تم ذلك ~~النصاب تعقد جلستها العامة وتنتخب هيئة إدارتها التي من بينها رئيس الشعبة وأمينها ~~العام وأمين صندوقها والمسئول عن الشبيبة والمسئول عن الدعاية، وتجتمع تلك الهيئة مرة ~~في الأسبوع على الأقل لبحث الوسائل الناجعة لإنمائها واتساعها وتطبيق أوامر الحزب في ~~منطقتها، وعليها أيضا أن تعقد اجتماعا عاما لجميع المنخرطين فيها مرة في كل نصف شهر ~~على الأقل، وتكون من الشبان التابعين لها «شبيبة دستورية» تسهر الشعبة على تربيتها ~~الوطنية وتدريبها على العمل وتنفيذ الأوامر والامتثال للنظام. وفي ms068 غالب الأحايين تنشئ ~~لها شبه مدرسة لتثقيفها تثقيفا سياسيا وطنيا ممزوجا بثقافة عامة، وتكون الشعبة ~~أيضا هيئة من الدعاة يعملون باستمرار تحت إشرافها في جميع منطقتها لبث الدعاية الفردية ~~والاتصال بجميع الطبقات لجلبهم للحزب وتوجيههم التوجيه الصحيح، فينبثون في الأماكن ~~العامة والخاصة مجادلين ومناقشين مدافعين ومبينين، ويكون عددهم حسب أهمية ~~الشعبة. # وتختلف مناطق الشعب اختلافا كبيرا في مساحاتها الترابية، ففي البوادي تنتقل الشعبة ~~بطبيعة الحال مع القبيلة، وهي في الجهات الزراعية يتفرق أعضاء الشعبة على مجموعات ~~المساكن المتفرقة التي تسمى عندنا ب «المشتى» أو «الدوار»، ويكونون في كل واحدة منها ~~مركزا تابعا للشعبة، وفي كل قرية وكل مدينة شعبة. وإذا كانت المدينة كبيرة آهلة ~~بالسكان، فتتكون في كل حي منها شعبة، ولكل شعبة ناديها الخاص تجتمع فيه فيصبح شعارا ~~للروح القومية ومركزا يتجه نحوه كل «دستوري»، ومرجعا ومأوى وينبوعا للأفكار الحية ~~ومنارا ينير السبيل في وجه الشعب وعنوانا على استمرار الكفاح. ~~(4-1) الجامعات الدستورية # وقد انتظمت تلك الشعب في «جامعات دستورية» لكل واحدة منها منطقتها، فقسم الحزب ~~هكذا المملكة التونسية 14 جامعة، تسهر كل واحدة منها على سير الحركة بجهتها، وتكون ~~الرابطة بين الهيئة العليا للحزب والشعب، ولها هيئة مديرة تنتخب من بين أعضاء هيئات ~~الشعب، وتشرف على أعمال الدعاية الحزبية وتكوين الشعب الجديدة وتنظيم الشعب ~~القديمة ومحاسبتها المالية. ~~(4-2) المؤتمر # ويقتضي نظام الحزب مبدئيا أن ينعقد مؤتمره مرة في كل سنة، ولكن النضال الوطني ~~الدائم جعله لا يعقد جلساته العامة إلا مرة بعد سنوات، وهو أعظم هيئة في الحزب، ~~وصاحب السلطات كلها فيه؛ لأنه يمثل جميع أعضائه تمثيلا ديمقراطيا صحيحا، ويتكون ~~من نواب ينتخبهم الأعضاء العاملون مباشرة في مقر شعبهم، وتقدم الهيئة العليا ~~استقالتها لديه لمجرد اجتماعه، وهو الذي يسطر نظام الحزب أو يدخل عليه تحويرات، وهو ~~الذي يقرر سياسة الحزب واتجاهه، وهو أيضا الذي يعين بالتصويت الهيئة المديرة ~~للحزب، وينتخب أيضا قسما من «المجلس الملي». ~~(4-3) الديوان السياسي # تسمى الهيئة العليا للحزب والمنفذة لقراراته «الديوان السياسي»، ولها في ms069 الفترة ~~بين المؤتمرات جميع النفوذ الذي للمؤتمر نفسه بشرط أن تقدم جميع أعمالها لأول مؤتمر ~~ينعقد بعد تلك الأعمال ليصادق عليها أو ينكرها، وهو يتحمل مسئولية جميع أعمال الحزب ~~ومسئولية تسيير الحركة القومية كلها، كما يتحمل مسئولية النضال وتهيئة أسبابه. ولقد ~~أصبح الديوان السياسي أكبر سلطة في البلاد التونسية، وأصبحت كلمته نافذة في الشعب ~~بأسره بمثابة الدماغ المسير وما يصدر عنه من قرارات وتصريحات لا يصطبغ بصبغة شخصية، ~~بل يصدر عنه كمجموع، وهو يتركب من عشرة أعضاء، من بينهم رئيس الحزب الحبيب بورقيبة، ~~والأمين العام صالح بن يوسف، وأمينان عامان مساعدان: الهادي نويرة وعلي البلهوان، ~~ومدير المنجي سليم، ونائب المدير الهادي شاكر، والأعضاء: جلولي فارس ويوسف الرويسي ~~(بدمشق)، وقد مات الدكتور ثامر شهيدا بكراتشي، وقد فصل الدكتور ابن سليمان من ~~الحزب، ويجتمع مرتين في الأسبوع على الأقل، ولكن اجتماعاته في الحقيقة كادت تكون ~~يومية، ويمتاز عمله بالاستمرار في خطة واحدة وبرنامج عام طيلة أعوام متوالية، كما ~~يمتاز بالتكتم التام في نواياه، ولا تظهر مقرراته إلا عند التنفيذ، فينفذها إذ ذاك ~~بسرعة خاطفة تضع المستعمر أمام الأمر المقضي، وتأخذه على حين غرة، وبفضل تكتل ~~القوات الشعبية حوله وفهمها لمناوراته، كان دائما يملك زمام المبادرة في الأعمال، ~~فيفسد مناورات السلطات الاستعمارية ولا يدخل الشعب في معارك جزئية أو كلية، عندما ~~يسعى لها المستعمر، بل عندما يرى أن الظروف تساعد تونس. ~~(4-4) المجلس الملي # ولجانب الديوان السياسي توجد هيئة يستشيرها في الأزمات ويعتمد عليها في تنفيذ ~~المقررات السريعة، وهي تقوم مقام المؤتمر بعد انفضاضه، وتلك الهيئة هي المجلس الملي ~~المكون من رؤساء الجامعات ومن أعضاء ينتخبهم المؤتمر، ومن حق الديوان السياسي حضور ~~جلساته. ~~(4-5) مدارس الحزب # كون الحزب شبه مدارس تابعة للشعب والجامعات، وانتدب لها من بين الدستوريين من ~~يلقي المحاضرات في النظم السياسية وتاريخ الحركات القومية في مختلف الأقطار وفي ~~مبادئ الحزب وطرق دعايته وكفاحه ليكون فيها دعاة مقتدرون، وأسس بتونس مدرسة عليا ~~للدعاة الممتازين يتلقون فيها الدروس بانتظام ويمتحنون في موادها، ms070 ولكن أعظم مدرسة ~~لتكوين الرجال القادرين على خوض معركة الحياة الذين تم إعدادهم لتنظيم جميع ~~الميادين من سياسة وثقافة واقتصاد واجتماع؛ فلم يقتصروا على معرفة النظريات بل ~~يرونها كلاما أجوف ما لم تكن مقرونة بالتطبيق، هي العمل الحزبي المستمر الذي يفرض ~~على الدستوريين فرضا للقيام بمنشآت الشعب المتنوعة والذي يكونهم تكوينا في ~~الكفاح والنضال. ~~(4-6) مكاتب الحزب في الخارج # ولم يقتصر عمل الحزب على داخل المملكة التونسية، بل رأى أنه لا بد من تعزيز ~~الكفاح الداخلي بعمل خارجي يتسع نطاقه شيئا فشيئا، حتى يمتد وينتشر في غالب ~~القارات لتكوين أنصار لتونس وجلب عطف الحكومات والشعوب والتعريف بالقضية الوطنية ~~وبالأساليب الاستعمارية الفرنسية، فكون لهذا الغرض مكاتب متعددة وجعل من مكتب ~~القاهرة مركزا لها ونقطة اتصال دائم، وأحدث مكتبا بنيويورك يقوم بالدعاية في ~~الأوساط الأمريكية المختلفة، ويسهر على سير القضية أمام هيئة الأمم المتحدة ولدى ~~وفود الحكومات. وله أيضا مكاتب بباريس ونيودلهي وكراتشي وستوكهلم، وهو ~~يوسع عمله هذا يوما فيوما. ~~(5) المنظمات القومية # تشعبت الحركة الوطنية بتونس بقدر انتشارها وتعمقها، وتعددت حاجياتها بتعدد الميادين ~~التي تكافح فيها لرد الهجمات الاستعمارية والسيطرة الأجنبية وتوغل الفرنسيين في منظمات ~~الدولة والاقتصاد من زراعة وتجارة ومناجم وبنوك وفي التعليم والثقافة، لتفكيك جميع ~~الروابط القومية والقضاء على معنويات الشعب وثروته. فرأى الحزب وجوب تقسيم الأعمال في ~~الكفاح ليختص كل جماعة من الوطنيين بالنضال في ميدانهم، مع السير طبق توجيه الحركة ~~الوطنية، فكان الميدان السياسي مختصا بالحزب نفسه لتحقيق الأهداف الوطنية ~~العليا. # وأعان الحزب على تكوين منظمات قومية كبرى تعمل تحت إشرافه العام في الحقل السياسي ~~وتشتغل كل منها بناحية من نواحي الحياة. ~~(5-1) الاتحاد العام التونسي للشغل # إن الاتحاد العام التونسي للشغل أعظم منظمة قومية تونسية؛ لأن العمال يكونون ~~الطليعة في كل شعب والقوة الفعالة في النضال، وهم أصحاب السواعد المفتولة والشعور ~~البشري الصحيح والثبات على المبدأ وأعرف الناس بالظلم والظالمين، وهم رجال الإنتاج، ~~يسهل تنظيمهم لاجتماعهم مئات وآلافا في محل عملهم، وإن ما يرونه يوميا من بذخ ms071 ~~المستعمرين وشرههم واحتكارهم للأرباح الطائلة يجعلهم لا يطيقون صبرا على البقاء ~~فيما هم فيه من فاقة وعراء ومسغبة. # وقد شرع العمال التونسيون في تنظيم صفوفهم في نقابات تونسية للذود عن حقهم ~~المغصوب والسعي في رفع مستواهم الحيوي في عام 1922، تحت قيادة شاب نشيط ممتاز تخرج ~~من مدارس الهندسة، وهو محمد علي القابسي الذي أحدث حركة نقابية قوية بما بثه من ~~روحه الثائرة في قلوب أتباعه. وقد تولدت حركة هذا الزعيم النقابي وسط الكفاح؛ لأنه ~~بمجرد ما كون (الجامعة العامة للعمل التونسي) سنة 1924، وقفت القوات الاستعمارية في ~~وجهه وصمت الآذان عن مطالب العمال المشروعة، فما كان منه إلا أن أعلن إضرابا ~~عاما، وكانت نقطة ارتكازه ميناء «بنزرت». وجاءت القوات الفرنسية تعزز أصحاب رءوس ~~الأموال الاستعماريين، فقتلوا وشردوا وألقوا القبض على عشرات من بينهم محمد علي، ~~وأحالوهم إلى المحاكم الفرنسية التي حكمت عليه بالنفي المؤبد سنة 1925، فهاجر وطنه ~~مجبرا ومات بالحجاز فريدا وحيدا. # وكانت الأسباب التي انهزم أمامها محمد علي متنوعة، أعظمها تألب جامعة النقابة ~~الفرنسية العامة والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الفرنسي والأحزاب ~~الاستعمارية اليمينية التي حملت في صحفها حملة شعواء على النقابات التونسية لانسلاخها عن النقابات الفرنسية من جهة، ولما فيها من خطر يهدد المصالح ~~الاستعمارية من جهة أخرى، فلم تجد الحركة النقابية الأولى مدافعا ولا نصيرا، ولكن ~~الفكرة التي شرع محمد علي في تنفيذها لم تمت معه، وتأسست سنة 1937 من جديد (الجامعة ~~العامة للعمال) ونشرت فروعها في المملكة التونسية كلها بسرعة عجيبة، وكان الحزب ~~يؤازرها بكل قواه، وهذا من أكبر أسباب نجاحها، ولكنها لم ترق الاستعماريين، خاصة ~~وأن العمال بعد أن تكتلوا وطالبوا بحقوقهم من غير جدوى أخذوا يقومون بالإضرابات ~~المتوالية، فتذمرت الشركات الفرنسية الكبرى من هذه الحركة، واستنجدت مناجم الفوسفات ~~بقوات البوليس والجيش التي وضعتها السلطات الفرنسية تحت تصرفها، فاحتلت المناجم ~~وأخذت تقاوم العمال مقاومة شديدة عنيفة، وهاجمتهم هجمات متوالية دامية أسفرت عن ~~عشرات من القتلى ومئات من الجرحى في مناجم المتلوي والعرائس والمضيلة والجبل الأبيض ~~والمتلين، ms072 فقام الشعب التونسي بأسره بإضراب عام غضبا لعماله وآزرهم في مصابهم، ~~وأرسل إليهم من كل أنحاء المملكة الإعانات والإسعاف. ولما هبت العاصفة على الحركة ~~الوطنية التونسية جرفت في أعاصيرها الجامعة العامة للعمال سنة 1938، فذاق القائمون ~~بها ألوانا من العذاب والسجون، ولحق الاضطهاد الاستعماري حركة العمال كما لحق ~~الحركة الوطنية نفسها. # وبعثها الزعيم النقابي العالمي الشهيد فرحات حشاد عام 1944 بعثا جديدا وكساها ~~صبغتها الحالية، ووجهها توجيها نقابيا صحيحا، وافتك الحرية النقابية من السلطات ~~الاستعمارية افتكاكا عندما وضعها أمام الأمر المقضي عام 1944 بتكوين نقابات حرة ~~بمدينة صفاقس، ثم عم نشاطه المملكة كلها، وحصل على الاعتراف القانوني بنقاباته ~~الحرة، وساند الحزب الحر الدستوري الحركة العمالية الفتية مساندة قوية كلية؛ لأن ~~الحركة العمالية أصبحت من الأسس الثابتة في تكييف مستقبل تونس، ولأنها قوة من أعظم ~~قوى البلاد اندفاعا واستماتة. وسرعان ما انتظم العمال - من تونسيين وغير تونسيين - ~~في صفوف هذه الحركة الجبارة، فأصبح عددهم يفوق المائة ألف، وخاضت المعارك الواحدة ~~تلو الأخرى للدفاع عن حقوق أعضائها، وتوالت الإضرابات، فأرادت السلطات الفرنسية أن ~~تنزل بها الضربة القاضية قبل أن يستفحل أمرها، واغتنمت فرصة الإضراب العام الذي ~~أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل، في يناير 1948 والذي نجح نجاحا باهرا في ~~المملكة كلها، فعطل جميع المصالح وأوقف المواصلات والإدارة، وتآمرت تلك السلطات مع ~~الجيش الفرنسي. وبينما كان العمال المضربون في محطة قطار صفاقس يحافظون على تنفيذ ~~الإضراب، هاجمتهم القوات المسلحة في الصباح المبكر بدون سابق إنذار، وأطلقت عليهم ~~وابلا من الرصاص، وهرع العمال من كل صوب لمكان المعركة وخاضوها وهم عزل من كل سلاح، ~~واقتحموا الدبابات وافتكوا منها المدافع الرشاشة، ولم يتقهقروا إلا بعد أن تكاثر ~~عليهم الجنود من كل صوب، ومات منهم ثلاثون شهيدا وجرح مائة وخمسون، واعتقلت السلطات ~~الفرنسية عقب ذلك مئات من العمال وأودعتهم السجن. وقد تظاهر الشعب التونسي بأسره ~~احتجاجا على هذا الاعتداء الدامي، وقدم أعضاء بلدية صفاقس استقالتهم، وحملوا ~~السلطات الفرنسية مسئولية هذه الحوادث، ولكن السلطات الفرنسية مع ذلك قدمت ms073 زعماء ~~الحركة النقابية إلى المحكمة الفرنسية، فأصدرت عليهم في 20 يناير سنة 1948 أحكاما ~~قاسية. # ورغم ذلك الاضطهاد لم تتمكن السلطات الفرنسية من القضاء على الاتحاد العام ~~التونسي للشغل الذي زادته دماء الشهداء رسوخا واعتدادا بالنفس وثبتت أقدامه ومتنت ~~بنيانه، فخرجت الحركة النقابية من تلك المعركة أقوى وأكثر اندفاعا وأشد مراسا، ~~فبعد أن نظمت العمال في المدن مالت إلى إخوانهم المتفرقين في المزارع، إلى العمال ~~الفلاحين تشد من أزرهم وتتمسك بحقوقهم وتناضل عنهم حتى كسبت لهم حق الانخراط في ~~نقابات لهم، ثم دربتهم على النظام والنضال ورفعت أجورهم، ولكن المستعمرين الفرنسيين ~~رأوا في ذلك تحديا لهم وخطرا مباشرا يهدد مصالحهم، فناصبوا النقابات العداء ~~وخرقوا قوانينها العامة، ولما أضرب عمال الشركة الفلاحية الفرنسية (شركة النفيضة) ~~في وقت الزراعة استنجدت بالقوات العسكرية الفرنسية التي أخذت تطارد العمال وتخرجهم ~~من بيوتهم وتتبعهم رميا بالرصاص، حتى قتلت منهم عددا وافرا من بينهم امرأة حامل، ~~فقام القطر التونسي قومة الرجل الواحد احتجاجا على ذلك العسف، والتف الشعب التونسي ~~حول عماله المضطهدين، وكان يوم تشييع جنازة الشهداء يوما مشهودا حضره نجل الملك ~~نائبا عن أبيه والوزراء التونسيون وقادة الحزب الحر الدستوري التونسي وممثلون عن ~~جميع المؤسسات التونسية. وإذا بدماء الشهداء توحد مرة أخرى صفوف تونس وتقرب بين ~~القلوب وتطهر النفوس وتزرع فيها روح التآخي. وألقى معالي الأستاذ محمد بدرة على ~~لسان الوزارة التونسية خطابا عبر فيه عما يختلج في ضمير التونسيين جميعا، قال: # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وسلم # باسم جلالة الملك المعظم، سيدي محمد الأمين الأول، صاحب المملكة التونسية، ~~دام له العز والبقاء، وبالنيابة عن وزارته المخلصة المتفانية في خدمة شعبه ~~النبيل، وأصالة عن نفسي بصفتي وزيرا للشئون الاجتماعية؛ أقف والقلب متصدع ~~أسى أمام جثث هؤلاء الشهداء الأبرار الذين سقطوا كما سقط كثيرون من ~~قبلهم. # أقف بينكم جميعا لكي أعرب عن الحزن العميق الذي يخالج في هذا اليوم ~~الرهيب صدر الأمة التونسية قاطبة، وفي مقدمتها ملكها المفدى ووزارته ~~الوفية، التي بذلت ms074 منذ أسابيع قصارى الجهد للتفادي من المأساة التي نحياها ~~اليوم، والتي تشتد وطأتها أيما اشتداد على أفئدتنا عندما نعلم أنه كان من ~~الممكن بل من السهل اجتنابها؛ فقد كنا على قاب قوسين أو أدنى من الحل الذي ~~من شأنه إرضاء المضربين وإعادة السلم والراحة لنصابها، فإني بعد ما طمنت ~~خاطر العملة المضربين وطلبت منهم ملازمة الهدوء والسكينة بواسطة نوابهم ~~الشرعيين طلبت أيضا بإلحاح من مدير الشركة أجلا إلى أن يصدر بلاغ مجلس ~~الوزراء الذي انعقد كما تعلمون يوم الثلاثاء في الساعة الرابعة مساء، وقد ~~انفجرت المأساة بكل أسف في نفس ذلك اليوم حوالي الساعة الثانية بعد الزوال ~~أيضا، لكن أبت الأقدار إلا أن تجد ما جد، ونحن - المؤمنين بوجود الله تعالى، ~~العامرة قلوبنا بتقواه، الصابرين والمصابرين على الضيم والعدوان، الجادين في ~~مقاومته بالحجة والإقناع - لا نرى في هذا المصاب العظيم الذي حل بأمتنا في ~~أبنائها الضعفاء المساكين إلا محنة تكون عاقبتها بحول الله الفرج؛ لأن في ~~اتحادنا الهادئ الوديع وفي صمودنا خاشعين صابرين في هذا اليوم أمام موتانا ~~الذين ذهبوا ضحية اعتداء فظيع لا مبرر له؛ لأن المضربين لم يطالبوا إلا بحق ~~مشروع وبأساليب مشروعة، قلت: لأن في اتحادنا عبرة لمن لم يعتبر لحد الآن، ~~ولمن لا زال يفضل استعمال القوة على حسن التفاهم ومعالجة الأمور بالتي هي ~~أحسن؛ لأن لكل قوة قوة أكبر، وقوة الله التي نحن متمسكون بها فوق كل ~~شيء. # ونحن نؤمل أن تقتص العدالة من كل معتد أثيم، وألا تذهب هذه الأرواح سدى، ~~بل يكون في تضحيتها درس يتعظ به الحائدون عن سواء السبيل، سبيل التفاهم ~~النزيه وحسن المعاشرة بين جميع المتساكنين. # وفي الختام ننحني بخشوع وترحم على أرواح هؤلاء الشهداء الأبرياء، داعين ~~لهم بالرحمة الواسعة ومقدمين إلى أوليائهم وإلى كافة الطبقة الشغيلة خاصة، ~~وإلى الأمة التونسية عامة أحر تعازينا وأشمل عطفنا. # وتجددت المعارك الدامية بين العمال والقوات الفرنسية بشركة بوتنفيل الزراعية ~~وبجهات سوق الخميس وسوق الأربعاء وباجة وبرج السدرية، وقد حملت إحدى النسوة ~~العاملات أثر ms075 هاته الواقعة الأخيرة جثة وحيدها على يديها وكان شابا لم يتجاوز ~~العشرين من عمره، وسارت به والعمال وراءها إلى أن وضعته أمام قصر الملك بحمام الأنف ~~الذي كان قريبا جدا من محل المعركة، وأخذت تنادي بأخذ حقها من الظالمين، فأطل ~~عليها الملك من شرفته واستفسر الأمر، فلما علم بحقيقة الحادث أدخلها إلى قصره ~~وقبلها في رأسها وأجلسها حذوه ومسح دمعتها وقال لها: إن مات لك ابن فالتونسيون ~~كلهم أبناؤك؛ خصوصا وأنه مات شهيدا في سبيل وطنه ودينه، وما أنا إلا أب لك، فخرجت ~~إلى الملأ وهي تزغرد. ~~(أ) أهداف الاتحاد # أسس الاتحاد على مبادئ نقابية حقيقية يرمي إلى إنجازها، وقد انتصر في تحقيق ~~بعضها، ولكنه يرى أنه يستحيل على العامل التونسي أن يحصل على حقوقه ما دامت ~~بلاده تحت تصرف الأجنبي غير مستقلة؛ فاستقلاله مرتبط ارتباطا كليا باستقلال ~~وطنه. وقد شرح الأستاذ محمود المسعدي في تقرير قدمه لمؤتمر الاتحاد المنعقد ~~بتونس في تلك الفكرة بوضوح تام، قال: # المؤتمر الوطني الرابع # المشكلة القومية والتمثيل الشعبي # أيها الإخوان ... # إن الطبقة العمالية التونسية، وكذلك منظمتها القومية (الاتحاد العام ~~التونسي للشغل) مؤمنة إيمانا راسخا بأن العدل الاجتماعي الذي نريد ~~تحقيقه في أكمل صورة لا يمكن أن يتحقق في نطاق الوضع السياسي الجائر ~~إلا صوريا وجزئيا؛ وذلك لأن الوضع السياسي في حياة جميع الأمم ما ~~هو إلا صورة من الوضع الاجتماعي والاقتصادي السائد فيها، ولأن السياسة ~~هي نظام الحكم العام المسيطر على الشئون الاجتماعية والشئون الاقتصادية، ~~المدبر لأحوال طبقات الأمة المختلفة، والمؤثر على توزيع الثروة القومية ~~بين تلك الطبقات تأثيرا مباشرا، وأي سياسة حكومية لا تشمل الاقتصاد ~~ومشاكل الإنتاج والمعاش والأسعار والأجور؟ وأي مشكلة من المشاكل ~~الاجتماعية كمقدرة الشراء ونظام الشغل وحقوق العمال ونظام الإضراب ... ~~إلخ، خارجة عن مشمولات نظر الحكومات؟! # ثم إن الطبقة العاملة التونسية تعلم من ناحية ثانية أن الأمة كل لا ~~يتجزأ، وأن الذين يعملون على تفريق الصفوف وتمييز طبقة على طبقة وتفضيل ~~فريق على فريق، إنما هم أعداء الأمة من أولئك ms076 الرأسماليين ~~والاستعماريين الذين يريدون أن يوجهوا قوة الكفاح في الشعب إلى التطاحن ~~الداخلي والتقاتل بين أقسام الأمة الواحدة لتتخاذل في حملتها ويضعف ~~بعضها بعضا. ولكن الطبقة العاملة التونسية قد أقامت الدليل المرات ~~العديدة على أنها تعلم بالضبط أين مصلحتها ومن هم أعداؤها الحقيقيون ~~ونحو من يجب أن توجه كفاحها المستميت، وعلى أنها متحدة اتحادا كليا ~~مع عامة الشعب التونسي بكافة طبقاته في جهاده نحو العدل والحرية ~~والرقي. والشعب التونسي بدوره قد أدرك ذلك وأكبره في الطبقة العاملة، ~~فقابلها من التأييد لها والاتحاد معها بمثل ما لقيه منها. # وبهذا يتبين لماذا كان كفاحنا الاجتماعي في نفس الوقت كفاحا ~~سياسيا؛ لأن السياسة مسيطرة على الاجتماعيات، فلا تصلح هذه إلا بصلاح ~~تلك، كما يتبين لماذا كان كفاحنا الاجتماعي كفاحا قوميا في نفس ~~الوقت؛ لأن مصلحة العمال جزء من المصلحة القومية العامة، فلا تتحقق ~~الأولى إلا بتحقق الثانية. # مقومات النظام السياسي عندنا وما تنطوي عليه من مبادئ ~~الجور # ولو أمعنا النظر لحظة في نظام الحكم في بلادنا، ولو باعتبار المشاكل ~~الاجتماعية خاصة، لرأينا أن جميع الأسباب السياسية فيما لا نزال نقاومه ~~من أنواع الظلم الاجتماعي راجعة إلى فساد الأصول العامة القائم عليها ~~النظام السياسي في البلاد. # والأصل الأول الذي يقوم عليه هذا النظام السياسي هو كما تعلمون ~~المبدأ الاستعماري، والاستعمار معناه تسخير القوى السياسية وهياكل ~~الحكم في جميع أنواعه ومظاهره لخدمة رأس المال الأجنبي، ومصالح طبقة ~~أجنبية من المحظوظين الذين جاءوا البلاد لاستثمارها من جميع النواحي. ~~لذلك كان أول ما يبدأ به الاستعمار محاولة قتل السلطة الأهلية وإزالة ~~الذات والشخصية والسيادة القومية، كذلك رأيناه يصنع بشقيقتنا الجزائر ~~مثلا؛ فيمحو الذاتية القومية الجزائرية، ويجعل من التراب الجزائري ~~العربي ترابا فرنسيا، ويحشر الجزائريين في الجنسية الفرنسية حشرا. ~~أما في بلادنا، فالاستعمار حاول قتل الذاتية التونسية وإفناء السيادة ~~التونسية بواسطة الإدارة المباشرة التي لم تبق لنا من السلطة إلا ~~الألقاب الظاهرة والتصرف الصوري، وافتكت السلطة الحقيقية والنفوذ ~~الواقعي، وهذا ما توصل به الاستعمار إلى أن شحن إدارتنا ms077 بالآلاف ~~المؤلفة من الموظفين الأجانب، وإلى أن صير التونسي في إدارة بلاده ~~أجنبيا عن الحكم والنفوذ الحقيقي وعن تدبير الشئون الجوهرية في حياة ~~بلاده. # على أن الاستعمار لم يكتف بسلوك سبيل الإدارة المباشرة للاستبداد ~~بالحكم والتصرف به وحده، بل زاد على ذلك أنه عزز هذا الحكم المباشر ~~بإسناده إلى قوات احتلال عسكرية وجندرمة وشرطة يتصرف فيها وحده دون ~~تدخل السيادة التونسية؛ لأنه لا يرمي إلى تدبير شئون الحياة والمصلحة ~~القومية العامة، بل إلى فرض نظام سياسي يهدف إلى مصلحة خاصة، هي مصلحة ~~الجالية الأجنبية التي يقال إنها حماية. # وبعد أن استبد الاستعمار بالحكم بواسطة الإدارة المباشرة، وبعد أن ~~جعل ذلك الاستبداد استبدادا بالقوة واحتلالا عسكريا؛ زاد على ذلك ~~كله أن جعله استبدادا ديكتاتوريا لا رائحة للديمقراطية أو لشبه ~~الديمقراطية فيه، فالشعب في جميع شئونه خاضع لسياسة حكومة غير مسئولة ~~يتصرف فيها مديرو الإدارات والوزراء كما يشاءون بدون أن يستطيع الشعب ~~الدفاع عن مصالحه بواسطة أي منظمة نيابية تعبر عن آرائه ورغائبه، وقد ~~استعمل الاستعمار هذه الوسيلة بصفة مستمرة في الماضي وهو يود أن يستمر ~~على استعمالها في المستقبل. فأما مديرو الإدارات فهو لا يزال إلى الآن ~~متشبثا بأن يكونوا من الأجانب، معاكسا في ذلك كل منطق وكل معقول ~~وأبسط مبادئ الحق. # وهل من المنطق أو المعقول أو من الحق في شيء أن يكلف بالنظر في ~~المصلحة القومية وتدبير الشئون الوطنية من هم أجانب عنا وعن وطننا؟! ~~وأما الوزراء فإن الاستعمار كان يختارهم من بين ذوي الذمم التي تباع ~~وتشترى بأبخس الأثمان، ينصبهم على كراسي الحكم ويغدق عليهم الأموال ~~والنياشين والتشريفات، ويصرفهم بكل سهولة في خدمة مصالحه ضد المصلحة ~~العامة بدون مراعاة استنكار الشعب ولفظه لهؤلاء العبيد ~~والأذناب. # على أن الاستعمار لم يرد أن يكون حكمه الاستبدادي مكشوفا مفضوحا، ~~فحاول أن يغطي على ذلك بالمغالطة والتمويه، فأحدث مجالس ادعاها نيابية ~~وما هي بالنيابية، ولكنها مهازل فظيعة ومنكرات أشنع من الظلم المكشوف. ~~أوجد الاستعمار المجلس الكبير ولكنه جعل نظامه النيابي على ما ms078 تعلمون ~~من التشويه الممقوت ومن التمثيل الجائر، فأعطى لممثلي الأقلية الأجنبية ~~نصف المجلس ولممثلي الأمة التونسية بأجمعها النصف الآخر، ثم زاد على ~~ذلك أن جعل التمثيل فيه للمصالح الاقتصادية؛ أي للطبقات التي تتنافى ~~مصلحتها الخاصة مع المصلحة العامة، أو التي تجد مصلحتها الخاصة في ~~ممالأة مصلحة الأجانب والخروج عن المصلحة القومية، فإذا المتصرفون في ~~ميزانية الدولة المقررون لوجوه صرف الأموال المأخوذة من جيوب الشعب، هم ~~كبشة من ممثلي المستعمرين الذين اغتصبوا الأراضي والشركات الكبرى التي ~~افتكت موارد الثروة القومية وأذناب الاستعمار ممن كسبوا ثروتهم بخدمة ~~ركاب الأجانب وامتصاص دماء المواطنين. # وليكون هذا الحكم السياسي الدكتاتوري كاملا محكما، أضاف إليه نظام ~~حالة الحصار الذي عاشت فيه تونس فوق الثلاثين سنة من أول الحماية، ولا ~~تزال عائشة فيه منذ ثلاث عشر سنة باسترسال؛ أي من سنة 1938، أما ~~الأوامر الزجرية الاستثنائية والتحجير للحركة السياسية الكفاحية ~~الوطنية الحقة، فذلك ما لا يحتاج إلى تذكير. # النظام السياسي وعلاقته بالمسائل الاجتماعية ~~والاقتصادية # إن هذا النظام السياسي الذي لخصنا لكم خصائصه ومقوماته، أيها ~~الإخوان، لم يأت على هذه الصورة إلا لأنه خاضع في عناصره إلى غايات ~~معلومة، ولا تختلف أشكال النظام السياسي إلا باختلاف أغراضها وغاياتها، ~~فما هي الغايات التي شكلت الحكم السياسي عندنا بشكله هذا؟ # إن الشيء الذي يجب أن نؤمن به إيمانا راسخا هو أن الأجنبي لا تقوم ~~سياسته إلا على مبدأ المنفعة المادية، والتفوق الجنسي والمعنوي، ~~فالاستعمار عندنا وليد النظام الاقتصادي العصري السائد في غربي أوروبا، ~~وهذا النظام الرأسمالي قائم على أن المنفعة المالية هي الغرض من كل ~~شيء، وأن المال هو أول ما يرسم في سلم القيم، وأن الرغبة في المال ~~والنهم العادي لا يقفان عند حد، وأنه إذا حصلت ثروة كبرى وجب الطموح ~~إلى ثروة أخرى أكبر منها، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية له. # ذلك هو - أيها الإخوان - المبدأ الذي تقوم عليه نفسية الاستعمار ~~ومذهب الاستعماريين في نشاطهم أينما كانوا. بل انظروا إلى الميدان ~~الاقتصادي في البلاد، تجدوا أن معظم الثروة ms079 القومية الوطنية قد اغتصبها ~~الاستعمار، فثروة المناجم بأنواعها في أيدي الشركات الرأسمالية الكبرى، ~~والعمال بمثابة الأدوات أو الآلات المستعملة في استثمار تلك الثروة لا ~~يعتبر فيهم إلا رخص النفقة ومقدار الإنتاج، كما أن الآلة تكون أحسن ما ~~تكون إذا كانت رخيصة الثمن غزيرة الإنتاج. وجميع الأراضي الخصبة في ~~أيدي الشركات الفلاحية الأجنبية وكبار المعمرين الذين حصلوا عليها ~~بالقوة الغاشمة أو بالخدعة والحيلة. # ومعظم الثروة القومية مما ينتج عن استثمار لا يزال موجها إلى خارج ~~الوطن؛ لأنه نتيجة عمل رءوس أموال أجنبية. وهكذا تعم الفاقة والفقر ~~العباد والبلاد، فالفلاح يضيع أرضه أو تتغلب عليه قوة الفلاحة الكبرى، ~~والعامل تمتص جهوده، والوطن تتناقص ثروته الاقتصادية بما يخرج منها إلى ~~الخارج. # هذا في الميدان الاقتصادي، أما في الميدان الاجتماعي فأجلى ما يظهر ~~للعيان هو البؤس المادي والأدبي الذي هو نتيجة التفقير الاقتصادي ~~والضغط السياسي، والطبقة الشغيلة التونسية أعلم بذلك، فلا الأجور تقدم ~~حسب الحاجيات الطبيعية ومستوى الأسعار، ولا الحقوق الاجتماعية كاملة ~~ولا محترمة، فلئن حصل عمال المصانع والمناجم على بعض حقوقهم؛ فإن ~~إخواننا عمال الفلاحة لا يزالون يرزحون تحت أعباء نظام قانوني جائر لا ~~يضمن لهم عشر ما هو مضمون لغيرهم من العمال. ولولا كفاحهم العجيب وما ~~أظهروه من بسالة وشجاعة أدهشت الخصم نفسه، وكانت آية لنا جميعا، لما ~~حصلوا على شيء. زد على ذلك أن هذه الحقوق الاجتماعية الموجودة قانونا ~~لا يحترمها الاستعمار، بل لا يزال يدوسها بقدميه، ولا يزال يحاول ~~إبطالها بشتى الوسائل، ولا يزال يقاوم الحركة النقابية الكفاحية بالقتل ~~وبالتعذيب بالتتبعات العدلية وبالسجن والنفي ... إلى غير ذلك. كل ذلك ~~والطبقات الشعبية في بؤسها المادي، مشردة الأطفال، مهددة في صحتها، لا من ~~يسهر عليها ولا من يفكر في إيجاد نظام ضمان اجتماعي يتكفل القضاء على ~~الأمراض والعاهات والنكبات والبطالة، ولا من يفكر في إيجاد وسائل ~~الاستخدام الكامل لإزالة التشرد والتسول والبطالة والتدهور، ولا من ~~يفكر في شأن الطفولة وما يهددها من الجهالة والسقوط الأخلاقي والأمراض ~~والإجرام، وآخر ما يريده الاستعمار بعد ms080 أن استبد عليها سياسيا ~~وأفقرها اقتصاديا وظلمها وأهملها اجتماعيا: هو قتلها معنويا؛ فهو ~~يقاوم حركة التعليم ويقتر عليها المدارس تقتيرا، وهو يحاول أن يقتل ~~لغتها القومية وأن يجنسها لغويا ويدمجها عقليا حتى لا تبقى لها ~~شخصية تشعر بها ولا ذاتية تدافع عنها، بل تبقى جاهلة لا تعرف حقوقها ~~ولا تشعر بها ولا تقدر على الدفاع عنها، أو تتعلم تعلما أجنبيا فتنسى ~~قوميتها وذاتيتها وتنسلخ عن طبيعتها وتفنى فناء معنويا. # ما يستنتج من الكلام السابق: خدمة القضية القومية واجبنا ~~الأول # وهذا كله أيها الإخوان، هل تظنون أنه يمكن لولا أن نظام الحكم ~~السياسي مسخر له موجه إلى أغراضه؟ فالغرض الاقتصادي والاجتماعي من ~~الاستعمار الرامي إلى جلب المنفعة المادية إلى المستعمرين دون غيرهم، ~~هو الذي اقتضى أن يكون النظام السياسي على ما هو عليه. فالغاية أن ~~يستثمر الأجانب جميع موارد البلاد، فوجب أن يكون حكم البلاد في غير ~~أيدي أبنائها وأن تغتصب سيادتها، وأن يحتكر الأجانب الإدارة والنفوذ. ~~والغاية التصرف في ثروة البلاد بأجمعها، فوجب أن لا يشارك الشعب في ~~تسيير شئون البلاد وأن لا يكون هناك نظام نيابي ديمقراطي صحيح. والغاية ~~امتصاص دماء البلاد والعباد، فوجب أن تكون القوة المسلحة مسلطة على كل ~~مكافح وأن لا تكون هناك حريات عامة حتى لا يستعملها الشعب للمقاومة ~~والكفاح. والغاية افتكاك كل ما يملك هذا الشعب من أراض وموارد طبيعية، ~~فوجب أن يثقل هذا الشعب اقتصاديا وأن يحرم من الحقوق الاجتماعية وأن ~~يبقى جاهلا فقيرا، حتى لا تكون له قوة مادية ولا معنوية يزاحم بها ~~الأجنبي أو يدافع بها عن ملكه وحقه. # وهكذا نرى الاستعمار يتلخص في أنه نظام سياسي أغراضه الاقتصادية ~~والاجتماعية ووسائله العملية القانونية والإدارية والعسكرية ~~والاقتصادية والسياسية، أغراض ووسائل منافية للمصلحة القومية التونسية ~~منافاة جوهرية، ولا سبيل إلى الطمع في تحسين الحالة الاجتماعية وقلب ~~الوضع الاجتماعي إلا بقلب الوضع الاقتصادي والوضع السياسي المتولد عنه، ~~أي لا سبيل إلى الوصول إلى هدف واحد من أهدافنا النقابية، إلا إذا ~~بدلنا النظام السياسي الاستعماري ms081 المنافي للمصلحة القومية بنظام ~~اقتصادي وسياسي قومي بحت. # لقد كانت الطبقة العاملة التونسية ولا تزال، ولن تزال إلى يوم النصر ~~والاستقلال وبعده، في مقدمة الكفاح القومي العام مؤازرة بدون تستر أو ~~خفاء للحركة القومية التحريرية التونسية عاملة على نصرتها والانتصار ~~بها ومعها. # ذلك أن الطبقة العاملة التونسية مؤمنة بأن حركتها ثورية انقلابية، ~~لكنها ثورية لا على معنى العنف وانقلابية لا على معنى الفوضى. # بل هي حركة ثورية وانقلابية بمعنى أنها تريد أن يسود الحياة العاملة ~~للمجتمع التونسي مبادئ سامية، وسلم من القيم العالية غير ما جاءنا به ~~وفرضه علينا الاستعمار. # فنحن نريد أن نقلب أصول الحكم العامة التي يقوم عليها النظام الحالي ~~... نريد أن يكون الهيكل السياسي خاضعا مسخرا، لا لخدمة رأس المال ~~الأجنبي ولا مصالح طبقة أجنبية محفوظة، بل لخدمة مصلحة المجتمع بأسره ~~والأمة بأجمعها. # لذلك نطالب: بأن يرجع للسيادة التونسية كامل وجودها وكامل حقوقها ~~وسلطتها ونفوذها قانونيا وعمليا، لا لفظا فقط؛ لأن ذلك من حقوقنا ~~الطبيعية، ولأن أول ضمان للمصلحة القومية العامة لا يكون إلا في سيادة ~~قومية، ويستحيل أن يكون في سيادة أجنبية أو شبيهة بالأجنبية. # ونطالب بأن يرجع إلى أعوان السلطة التونسية نفوذهم، وإلى الموظفين ~~التونسيين كامل حق إدارة بلادهم؛ لأن عون السلطة والموظف وكيل عن الأمة ~~خادم لها، ولأن أول ضمان لأمانة الوكيل وصدق الخدمة لا يكون إلا في ~~لحمة الجنس ووحدة المصلحة الوطنية، وليس من الحق ولا من المعقول أن ~~توكل على مصالحك الأجنبي الطامع فيك القادم لاستثمار بلادك واغتصاب ~~مالك. # ونطالب بأن ينشأ نظام نيابي ديمقراطي يشتمل على النظام البلدي وعلى ~~النظام البرلماني؛ لأننا لم نعد نرضى بمهازل المجلس الكبير ومن فيه من ~~قرود الاستعمار ممن لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يعملون إلا لمصلحتهم ~~الشخصية أو لمصلحة الأقلية المحظوظة التي ينتمون إليها، ولأننا لا ~~نعترف للإدارة ولا لمشعوذي المجلس الكبير ولا للأجانب بحق سن القوانين ~~العامة المنظمة لحياة الأمة، ولا بحق تقرير الميزانية العامة ومواردها ~~ومصارفها، وهي حق من حقوق الشعب المقدسة التي ms082 لا يتصرف فيها شرعا إلا ~~وكلاؤه الذين ينيبهم عنه ويرضاهم ويختارهم ويمنحهم حق التشريع ~~والتسيير، وميزانية الدولة خزينة عامة يجب أن يضطلع كل فرد بحظه من ~~أعبائها على قدر طاقته المالية دون تمييز لطبقة على طبقة، ويجب أن تصرف ~~في المصالح العامة دون تفريق لفريق من الناس على فريق، يجب ألا يقررها ~~إلا من يختارهم الشعب اختيارا ديمقراطيا حرا لذلك. # ونطالب بأن يكون هذا النظام النيابي الديمقراطي قائما على مبدأ ~~تحقيق الديمقراطية السياسية والاجتماعية معا، ضامنا لتمثيل الطبقات ~~الشعبية والطبقات الشغيلة التمثيل المناسب لأهميتها وأهمية كدها وعملها ~~ونشاطها، الذي هو أساس ازدهار الثروة القومية. ونطالب بذلك لأننا نريد ~~أن يقوم نظام المجتمع التونسي المجدد على أسس إنسانية سامية هي التي ~~تعمل الطبقة الشغيلة على تحقيقها، فليست غايتنا افتكاك ما في يد الطبقة ~~المحفوظة الآن حتى نحل محلها ونصبح نحن المحظوظين، وليست غايتنا تسليط ~~دكتاتورية العملة على الأمة، بل غايتنا تسليط العدل بيننا وبين سائر ~~طبقات الأمة. وليست الخصومة بيننا وبين فريق من الناس لهم فوق ما ~~لدينا، فنحن نرمي إلى امتلاكه منهم، بل الخصومة بيننا وبين مبادئ ~~النظام الرأسمالي الجائر، نريد أن نعوضه بنظام قائم على العدل ~~والمساواة في الحقوق بين الإنسان والإنسان، وعلى تقدير الكفاءة ~~والاستحقاق بمقدار العمل الصالح النافع المنتج ، وعلى أن قيمة كل إنسان ~~ما عمل وما أفاد بعمله المجتمع. # فالناس يستوون مع الدواب في الحاجيات المادية من طعام وشراب ومرافق ~~معاش، ومن الطبيعي أن يريد أي إنسان هذه الرفاهية المادية؛ لأنها أقل ~~ما يستحقه الإنسان في الوجود، ولكننا لا نكتفي بها ونريد أن يكون معنى ~~الحق عندنا فوق معنى المنفعة، ومعنى السمو والرفعة الإنسانية فوق معنى ~~الرفاهية المادية والتحسين لأحوال معاشنا، نريد أن نغير سلم القيم ~~الانتفاعية البحتة الخاضع لها مجتمعنا الرأسمالي ونظامنا السياسي ~~الاستعماري. # وسوف لا نزال نكافح ونعمل مهما كانت الظروف، حتى نحقق لبلادنا هذا ~~الرقي الإنساني، وحتى يعترف لنا بحق تدبير شئوننا بأنفسنا تدبيرا ~~حرا ديمقراطيا في ظل حرية الأفراد واستقلال الأمة، وسواء ms083 أكان ~~المقتعدون لكراسي الحكم وزارة شعبية مجاهدة أو وزارة صورية خانعة وجيش ~~استعمار متجبر، فإننا لن نعمل إلا في جانب العاملين على ضوء مبادئ ~~الديمقراطية الكاملة التي نؤمن بها، ولن نألوا جهدا في مقاومة كل حائد ~~عن سبيلها. # ولهذا يرى المكتب التنفيذي من واجبه أن يطلب من الطبقة العاملة أن ~~تتحد في هاته الظروف الدقيقة التي تغمر بلادنا؛ لأنه بالاتحاد المعزز ~~بالثقة واليقظة وبالعمل الفعال، نتمكن من فك كل القيود والوصول السريع ~~إلى مرامينا. # عن الهيئة الإدارية # محمود المسعدي # وإن الاتحاد يناضل ليتمتع العمال في تونس بحرية تكوين النقابات؛ إذ يستحيل ~~على العامل المنفرد أن يطالب بحقه وأن يرفع عن نفسه الضيم إذا لم يتكتل مع ~~إخوانه، فيكونون قوة تقف أمام قوات الرأسمال الاستعماري. # ويسعى للمحافظة على أكبر حق للعمال وأمضى سلاح عندهم، وهو حق الإضراب الذي ~~يلجأ إليه العمال عند خيبة المفاهمات مع أصحاب العمل، الذين يستمرون عادة في ~~استثمار عرق جبين غيرهم لو لم يتمكن عمالهم من إجبارهم على إعطائهم طلباتهم، ~~وذلك بتعطيل الإنتاج أصلا ووقف العمل. # وإن النقابات هي الضمان الوحيد للعمال لرفع مستوى معيشتهم وزيادة أجورهم على ~~نسبة غلاء المعيشية. # ولا يكون العامل مطمئنا على حياته وحياة أسرته، ما لم تتحقق الضمانات ~~الاجتماعية التي تمكنه من الحصول على التأمين ضد حوادث العمل، حتى إذا ما وقع ~~له حادث أثناء العمل لا تموت عائلته جوعا، وعلى حفظ صحته وصحة أبنائه بأن تكون ~~مداواته على نفقة صندوق الضمانات الاجتماعية، وعلى المنح العائلية التي تمنح له ~~للترفيه شيئا ما على عائلته، أو إمدادهم بالضروريات. # وبما أن المخالفات التي تتعلق بالعمل ليست من خواص المحاكم القضائية؛ فيتحتم ~~إذن للسهر على تنفيذ القوانين النقابية تأسيس نوع خاص من المحاكم تطبق هذه ~~القوانين وتكون كالحكم بين أصحاب العمل والعمال، ويكون من بين أعضائها من ينوب ~~عن الاثنين، وتلك هي المحاكم العمالية التي حصل عليها الاتحاد العام التونسي ~~للعمل بعد صراع دام سنوات، ولكنها لم تكن مطابقة لجميع رغباته؛ لأن الاستعمار ~~يفسد كل ms084 شيء، ولا يكون العامل مطمئنا على بقائه في عمله والمحافظة على مورد ~~حياته، إلا إذا التزم صاحب العمل بالتزامات نحوه، وبما أن تلك الالتزامات ليست ~~خاصة بعامل دون آخر، بل تشمل جميع العمال المشتغلين في مكان واحد، أصبحت العقود ~~المشتركة أمرا ضروريا لتحقيق الاستقرار للعمال. ~~(ب) نظام الاتحاد # يكتل الاتحاد جميع العمال بالقطر التونسي؛ أي كل من يرتزق بعمله ويعيش بكد ~~يمينه أو بعمل فكره، ما عدا أصحاب المهن الحرة من أطباء ومحامين وصيادلة الذين ~~حجر عليهم قانون النقابات الانضمام إليها؛ ولذا نجد في الاتحاد العام التونسي ~~للعمل، عامل الميناء وعامل المصنع وعامل سكة الحديد مثلا، وإلى جانبهم الموظف ~~الصغير والموظف الكبير وفراش المدرسة وأستاذ الكلية أيضا، وكلهم منخرطون في ~~صفوفه طبق نظام محكم دقيق. # فجميع العمال في صناعة واحدة أو عمل واحد يكونون في كل مدينة نقابة توحد ~~صفوفهم وتقوم بالدفاع عن حقوقهم، وتتكلم باسمهم مع أصحاب العمل أو ممثلي ~~الحكومة، وتديرها هيئة ينتخبها الأعضاء انتخابا ديمقراطيا، وقد تكونت هكذا ~~في مدن القطر التونسي مئات النقابات: كنقابة عمال ميناء تونس، ونقابة عمال شركة ~~الترام، ونقابة عمال المقاهي والمطاعم، ونقابة المدرسين في المدارس الثانوية ... ~~إلخ. # وفوق النقابات نوعان من جامعات تجمعها، أما النوع الأول فهو الاتحادات ~~الجهوية وعددها 13 اتحادا، يسهر كل واحد منها على تسيير الحياة النقابية ~~بجهتها ويكون كمرجع ومقر أساسي لها، وهي اتحادات تونس وبنزرت والكاف وباجة وسوق ~~الأربعاء وزغوان ونابل والقيروان وسوسة وصفاقس وقفصة وقابس ومدنين. # وأما النوع الثاني فهي جامعات حسب المهن والصناعات، فجميع من يشتغل بالتعليم ~~ينضوي تحت لواء جامعة التعليم، وجميع الموظفين متكتلون في جامعة الموظفين وكذلك ~~عمال السكة الحديدية والمناجم والفلاحة وغيرهم. # وتشرف على الكل هيئة إدارية عليا يختار من أعضائها الهيئة التنفيذية للاتحاد ~~العام التونسي للعمل التي يسيرها الأمين العام للاتحاد. # والمؤتمر هو الهيئة المهيمنة على الاتحاد المقررة لاتجاهاته العامة الواضعة ~~لنظامه الداخلي، وهو يتكون من أعضاء ينوبون عن العمال مباشرة بعد أن يتم ~~انتخابهم في نطاق النقابات، والمؤتمر هو الذي ms085 ينتخب الهيئة الإدارية. ~~(ج) نشاطه في الميدان العالمي # كان كفاح الاتحاد في الخارج لا يقل أهمية عن كفاحه في الداخل، وقد وجد صعوبات ~~جمة للاتصال بالحركة العمالية العالمية؛ لأن فرنسا لا تريد أن تسمح لمنظمة ~~قومية تونسية بالاتصال رأسا ومباشرة بالعالم الخارجي، فوضعت العراقيل المختلفة ~~من احتجاجات وغيرها، ووكلت نوابها الرسميين وشبه الرسميين كلويس جوهو زعيم ~~الحركة النقابية الفرنسية، وممثل فرنسا في المكتب الدائم للعمل بجنيف، والممثل ~~السابق للنقابات الفرنسية رفقة لويس صيان في الجامعة العالمية للنقابات، ~~ليعارضوا في انضمام الاتحاد للحركة العالمية، وكان الشيوعيون الذين انفلت من ~~يدهم زمام القيادة النقابية بتونس قد كونوا أيضا سدا منيعا أمام الاتحاد في ~~تلك الجامعة العالمية. # فلم يجد الاتحاد التونسي في أول أمره صدى لنداءاته ولم يتلق جوابا عن ~~مطالبه، ولما أخذت بوادر الانقسام تظهر في الحركة العمالية وانحاز كل شق إلى ~~معسكره، ذهب الشيوعيون مع روسيا والباقون مع أمريكا، إذ ذاك أرادت الجامعة ~~العالمية للنقابات أن تعزز قواها، فدعت وفدا من الاتحاد التونسي للحضور إلى ~~مؤتمرها، ثم قررت قبول الاتحاد في صفوفها، ولكن سرعان ما تم ما كان متوقعا من ~~انقسام، وخرجت النقابات الحرة عن المنظمة العالمية، وكونت اتحادا خاصا بها ~~الجامعة العالمية للنقابات الحرة. # فإذا بها تراسل الاتحاد التونسي وترجو منه الانفصال عن المنظمة الشيوعية ~~والانضمام إليها، ولم تقتصر على ذلك بل أرسلت نوابا عنها إلى تونس للاتصال ~~بعمالها وإقناعهم بما تسعى له لعلمها بأن الاتحاد العام التونسي للشغل أقوى ~~وأنظم منظمة نقابية في أفريقيا كلها، فطرح الاتحاد تلك المسألة على بساط البحث ~~في مؤتمره المنعقد في مارس 1951 والذي حضره كمستمعين نواب عن النقابات العالمية ~~الحرة ونقابات الجزائر ومراكش وساحل الذهب ويوجوسلافيا ومدغشقر وبريطانيا ~~والهند وفرنسا، وتوالت المناقشات الحادة، ولم يفز اقتراح الانضمام إلى النقابات ~~العالمية الحرة إلا بثلثي الأصوات فقط؛ لأن قسما كبيرا من العمال التونسيين ~~وإن لم يكونوا شيوعيين إلا أنهم يرون في أمريكا الدولة التي تعزز الاستعمار ~~الفرنسي بتونس، وتمدها بالسلاح الذي يفتك بالعمال التونسيين أنفسهم. ms086 وانضم هكذا ~~الاتحاد إلى الجامعة العالمية للنقابات الحرة، وأصبح زعيمه الشهيد فرحات حشاد ~~عضوا ممتازا في الهيئة الإدارية العالمية، ثم عوضه بعد موته نوري بودالي الذي ~~انتخبه مؤتمر النقابات العالمية المنعقد في ستوكهولم (يوليو 1953) خلفا ~~له. # وقد كان لانضمام الاتحاد إلى النقابات العالمية الحرة مفعوله الكبير في جلب ~~أنصار يعدون بعشرات الملايين للقضية التونسية، وأصبح العمال في مؤتمراتهم ~~العالمية أو في مؤتمراتهم الوطنية سواء بأمريكا أو بأوروبا أو بآسيا، يطالبون ~~باستقلال تونس وبث الدعاية لها في بلدانهم ويساندون الاتحاد العام التونسي ~~للشغل في عمله من أجل تحرير وطنه. ~~(5-2) الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة # وهو يجمع كل من يشتغل بالتجارة والصناعة من تونسيين، وقد كتل أغلبيتهم الساحقة في ~~نقابات، لكل مهنة واحدة منها، تشرف عليها اتحادات في الجهات المختلفة، مهمتها الأولى ~~الدفاع عن مصالح أعضائها، ومهمتها الثانية - وهي لا تقل أهمية عن الأولى - توجيه ~~الاقتصاد التونسي وإحياؤه، وتكوين المشاريع الإنشائية لتكون نواة لاقتصاد الغد. وقد ~~شرع في تبديل الصناعات القديمة وإدخال التطور العصري عليها وتوجيه إنتاجها توجيها ~~يماشي رغبات المجتمع. وقد تغير بالفعل في مدى شهور قليلة منظر بعض الأسواق التونسية ~~التي عوضت البلغة (الحذاء المغربي القديم) بالأحذية العصرية، وكون شركات لمزاحمة ~~الشركات الأجنبية مثالها شركة الثلج. وأحسن تنظيماته هي الشركات التعاونية كشركة ~~إنتاج السجاد القيرواني وغيرها. # ويقوم أيضا بتنظيم معارض كبرى للبضائع والإنتاج الصناعي التونسي. # وكان عمله مثمرا جدا؛ إذ كتل الأغلبية الساحقة من التجار وأرباب الصنائع، حتى ~~أصبح عدد أعضائه يفوق خمسة وخمسين ألفا، اجتمعوا في نقابات، وانتظمت النقابات ~~بدورها في اتحادات جهوية. ويسير الاتحاد كله هيئة إدارية ينتخبها المؤتمر العام ~~الذي يجمع ممثلين عن النقابات، ينتخبهم الأعضاء العاملون مباشرة. # فأصبح الاتحاد التونسي للتجارة والصناعة بعد ثلاث سنوات، إحدى القوات الوطنية ~~الكبرى يساند الحركة القومية مساندة فعالة، وقد تيقن ألا نهضة اقتصادية ممكنة في ~~بلاد مستعمرة؛ ولذا كان مبدؤه هو التحرر الوطني والعمل لاستقلال تونس. # 1 ~~(5-3) الاتحاد العام للفلاحة التونسية # وهو أقوى المنظمات القومية عددا، وأعضاؤه في ازدياد ms087 مطرد، وقد بلغوا في ديسمبر ~~سنة 1952 أكثر من مائتين وخمسين ألفا. # وهو أيضا أحدث المنظمات القومية تأسيسا، ولكن ينبغي ألا ننسى أن تونس بلاد ~~فلاحية قبل كل شيء، وأن الاستعمار الفرنسي يهدد المزارعين قبل غيرهم بانتزاع ~~أراضيهم منهم بشتى الوسائل والتضييق عليهم أدبيا وماديا حتى يملوا ويغادروا ~~أراضيهم بيعا وهجرة، فيستحوذ عليها المعمرون الفرنسيون. # ولذا استجابوا لنداء اتحادهم بسرعة، فانتظموا في نقاباته التي غطت البلاد بشبكة ~~محكمة، وتصدى الاتحاد لتلقينهم الروح التعاونية وذوبان مصلحة الفرد في مصلحة ~~المجموع، ومصلحة الأفراد لا تتم إلا بمصلحة المجموع، وكون فيهم روح النظام والنقد ~~الإنشائي والامتثال بعد الاقتناع. # وإن الإنشاء والبناء يسيران دائما جنبا إلى جنب مع النضال والكفاح في جميع ~~المنظمات القومية التونسية؛ ولذا نرى الاتحاد بعد أن اشتد ساعده وأرست أسسه، قام ~~بتكوين الشركات التعاونية بين أعضائه. فلنذكر على سبيل المثال الشركة التعاونية ~~التي تكونت في الوطن القبلي بين منتجي البرتقال، والشركة التعاونية لمنتجي التمور ~~بجهة الجريد المسماة بشركة «النور»، وهو بصدد تكوين أكبر عدد ممكن من تلك الشركات ~~سواء لبيع الإنتاج أو لشراء ما يحتاجه المزارعون، ولتعميم الأساليب العصرية في ~~الفلاحة باستخدام الآلات الميكانيكية. # وتيقن الاتحاد العام للفلاحة التونسية أنه لا يبلغ هدفه ما دام الاستعمار الفرنسي ~~مسيطرا على البلاد التونسية؛ ولذا قرر في مؤتمراته السنوية أن هدفه الرئيسي هو ~~استقلال تونس. # 2 ~~(5-4) الاتحادات الجهوية التابعة للاتحاد العام للفلاحة التونسية والنقابات التابعة ~~لها ~~(أ) الاتحاد الجهوي بصفاقس، رئيسه: أحمد بن عياد # ويشمل نقابات: صفاقس، الصخيرة، سيدي عقارب، جبنيانة، المحرس. ~~(ب) الاتحاد الجهوي بسوسة، رئيسه: عمار شوشان # ويشمل نقابات: الوردانين، المنستير، معتمر، النفيضة، سيدي أبو علي، ~~الساحلين، أكودة، القلعة الكبرى، حمام سوسة، قصر هلال، صيادة، بو حجر، ~~خنيس، لمطة، جمال، طوزة، زرمدين، المصدور، مبزل كامل، بني حسان. ~~(ج) الاتحاد المحلي بالمكنين # ويشمل نقابات: طبلبة، شراحيل، سيدي نعيجة، المكنين. ~~(د) الاتحاد المحلي بالمهدية # ويشمل نقابات: المهدية، قصور الساف، سيدي علوان، البقالطة. ~~(ه) الاتحاد المحلي بمساكن # ويشمل نقابات: بني ربيع، البرجين، الكنايس، ms088 بني كلثوم. ~~(و) الاتحاد الجهوي بباجة # ويشمل نقابات: باجة، الفرنانة، سوق الأربعاء، غارة الدماء. ~~(ز) الاتحاد المحلي بالجبل الأبيض # ويشمل نقابات: الجبل الأبيض، بوشتاتة، رأس الرجل، الطبابة وفطناسة، ~~طبرقة. ~~(ح) الاتحاد الجهوي بتونس، رئيسه: محمد الهادي بن الحاج # ويشمل نقابات: مرناقة، الموسى، رادس، وادي الزرقاء، قلعة الأندلس، تستور، ~~مجاز الباب، طبرية. ~~(ط) الاتحاد المحلي بطبرسق # ويشمل نقابات: قعقور، عين جمالة، طبرسق، دقة، الكريب، سيدي ~~إسماعيل. ~~(ي) الاتحاد الجهوي بالقيروان، رئيسه: علي الحمامي # ويشمل نقابات: القيروان، سيدي عمر بو حجلة، البيخة، سيدي علي بن نصر الله، ~~مشيخة القفي، الخنية، السفاية، سبيطلة، فريانة. ~~(ك) الاتحاد الجهوي بالوطن القبلي، رئيسه: الهادي المرايط # ويشمل نقابات: منزل بوزلفى، الحمامات، نابل، بني خيار، منزل تميم، ~~تازركة، الصمعة، نيانو، قربة، المعمورة، بني خلاد. ~~(ل) الاتحاد الجهوي بالكاف، رئيسه: صالح بربوش # ويشمل نقابات: الكاف، تاجروين، السرس، أبو كسور. ~~(م) الاتحاد الملطي بقفصة # ويشمل نقابات: قفصة، بئر الحفي، سيدي بوزيد. ~~(ن) الاتحاد الجهوي ببنزرت، رئيسه: الحاج عبد الواحد الصفاقسي # ويشمل نقابات: بنزرت، غار الملح، رأس الجبل، فيريفيل، منزل جميل، ~~رفراف. ~~(س) الاتحاد المحلي بمكثر # ويشمل نقابات: مكثر، الروحية، تالة، سليانة، كسرى، ريع أولاد يحيى، ريع ~~سليانة. # ويضاف إلى تلك الاتحادات بعض النقابات المتفرقة. # ولنذكر بجانب تلك المنظمات القومية الكبرى «الاتحاد النسائي التونسي» الذي ~~يجمع عددا وافرا من النسوة العاملات ، وجامعة قدماء المحاربين التونسيين التي ~~تكتل في صفوفها ما يقارب ستين ألفا من قدماء المحاربين، والاتحاد العام للطلبة ~~التونسيين، والاتحاد الكشفي التونسي، وقد ساند الحزب وأعان أدبيا وماديا ~~على تأسيس وازدهار مئات من الجمعيات الأدبية والثقافية والرياضية؛ لأنها أحسن ~~مدرسة لتكوين المواطن الصالح القادر على القيام بواجباته، ولأنها أيضا تقوم ~~بعمل إنشائي واسع عميق في جميع الميادين. ~~(6) خاتمة # وهكذا أصبح الشعب التونسي شعبا واعيا مرتبط الأجزاء متكتلا في مؤسسات ~~قومية عتيدة، منظم القوى في جميع الميادين. # فإما أن تجيب فرنسا رغباته، وإما أن يرمي بتلك القوات في الميدان؛ لأنه اعتمد ~~في كفاحه على الله وعلى نفسه أولا وبالذات. # | النظم التونسية ms089 قبل الحماية وبعدها # (1) وضع الحماية الفرنسية على تونس # لما تم لفرنسا احتلال مدينة الجزائر عام 1830، واتسع نفوذها في حرب لا هوادة فيها ولا ~~رحمة، حتى شمل القطر الشقيق كله، اتجهت أنظارها إلى تونس لترسخ قدمها بالمغرب العربي؛ ~~إذ من الواضح أن شمال أفريقيا وحدة جغرافية واقتصادية زادها التاريخ والجنس والدين ~~واللغة والعادات المماثلة متانة. وقد فطن ساسة فرنسا إلى ارتباط أقطار المغرب في مصيرها ~~ارتباطا وثيقا، فخشوا أن تصبح تونس خطرا يهدد وجودهم في الجزائر، إن احتفظت ~~باستقلالها أو احتلتها إحدى الدول الأوروبية المناهضة لفرنسا. # وكانت تونس خلال القرن التاسع عشر ميدانا للتنافس بين الدول الاستعمارية، وخاصة ~~بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا، وكاد يكون التدخل الأجنبي في شئون البلاد سافرا، ~~وتوطدت العلاقات بين القناصل والقصر بالتداول والتناوب؛ إذ كل واحد منهم يسعى في أن ~~يرتقي كرسي الوزارة من يثق به ويناصره ويسايره في توسيع نفوذه واتصاله بالقصر، وكان ~~الوزير مصطفى خازندار - رغم عيوبه - حجر عثرة في سبيل فرنسا وعدوا يقاوم تدخلها، ~~معتمدا في ذلك على بريطانيا وممثلها. ولكن تلك الدول جميعها اتفقت على عرقلة كل نهضة، ~~وإفساد كل إصلاح، وإدخال الفوضى على أداة الحكم، وتكوين الاضطراب في البلاد؛ لتبقى تونس ~~كالثمرة اليانعة تقتطفها إحداها متى سنحت لها الفرصة. # وازدادت الجاليات الأجنبية في هذه المدة وتكاثر عدد أفرادها من التجار والفنيين خاصة ، ~~فطالب قناصل الدول الأجنبية بإدخال إصلاحات على نظام الحكم بدعوى حماية هذه الجاليات، ~~ثم بذلوا مجهودات كبيرة لعرقلة تلك الإصلاحات وأرادوا أن تطبق جملة، مع علمهم أن الحالة ~~المالية وإن كانت حسنة إلا أنها لا يمكن بحال أن تتحمل المصروفات الباهظة التي تتطلبها ~~الإصلاحات، فأجبروا الحكومة التونسية على القيام بما أرادوه حتى أعجزوها ماليا، وإذ ~~ذاك فرضوا عليها دواء أخطر من الداء نفسه، وحملوها على أخذ قروض متوالية لا يصل منها ~~إلى صندوق الدولة إلا النزر اليسير، ثم خطوا خطوة أجرأ، فاتخذوا دعوى حماية تلك الأموال ~~المقترضة سببا للتدخل المباشر في شئون تونس، وأجبروا الحكومة على تسليم مصلحة الجمارك ~~للأجانب ms090 مقابل القروض، فلم تف بالحاجة لاتساع الاضطرابات التي تكونها وتغذيها هذه ~~الدول الاستعمارية وخاصة فرنسا، وكانت ثورة علي بن غذاهم عام 1864 أعظمها وأكثرها ~~اتساعا، فازدادت هكذا الفوضى وعمت ونقص بسببها إيراد الدولة نقصا فادحا، وضغط إذ ذاك ~~ممثلو الدول على ملك البلاد ضغطا كانت نتيجته تكوين لجنة مالية دولية (1870) تحت ~~رئاسة المصلح التونسي العظيم خير الدين باشا، فوجدت الديون قد بلغت 125 مليون فرنك، ~~ولكنها سمحت للأجانب أن يسيطروا مباشرة على حظوظ تونس المالية، خاصة وأنهم اتخذوا من ~~تلك اللجنة نفسها ميدانا للتنافس، وتسابقوا إلى الحصول على الامتيازات ~~المتنوعة. # وهكذا حصلت فرنسا على امتياز بإنشاء سكة حديد بين تونس والجزائر سنة 1874، وحاول ~~القنصل الإيطالي أخذ امتياز إنشاء مصلحة تلغراف فلم يفلح، ولكنه حصل على شراء السكة ~~الحديدية الممتدة بين تونس وحلق الوادي من شركة بريطانية بفضل ما بذله من أموال طائلة، ~~وأخذ القنصل الفرنسي «روسطان» امتيازا بإنشاء سكة حديد أخرى بين تونس وبنزرت، وتونس ~~وسوسة، وإنشاء ميناء بتونس. # 1 # وإن إيطاليا عندما أظهرت أطماعها، وشاركت في إدخال الفوضى على حكومة تونس، وبذلت ~~مجهودات كبيرة للحصول على الامتيازات، وضحت بالمال الغزير؛ إنما عبدت الطريق لغيرها ~~وهيأت له الأسباب، لأن حداثة عهدها في المعارك الاستعمارية وقرب بروزها لعالم الوجود ~~كدولة موحدة لم تمكنها من لعب دور حاسم في هذا المضمار، بل كان التزاحم الحقيقي بين ~~ممثل فرنسا وممثل بريطانيا العظمى القنصل وود # Wood # الذي كان يؤيد بقاء مصطفى خازندار، ويشجعه على توثيق العلاقات بين تونس المستقلة في ~~الواقع والدولة العثمانية التي ما زالت تعتبرها ولاية من ولاياتها، حتى لا تجد فرنسا ~~منفذا للاستيلاء عليها. # وقد دامت الخصومة لأجل تونس بين الدولتين الكبيرتين أكثر من عشرين سنة، ولم تنته إلا ~~في مؤتمر برلين عام 1878 بعد هزيمة تركيا في حربها مع روسيا عام 1877، ولا سيما بعد ~~هزيمة فرنسا في حربها مع ألمانيا عام 1870. # فبعد أن ألحقت ألمانيا مقاطعتي الألزاس واللورين بإمبراطوريتها، صرفت عنايتها ~~للاحتفاظ بهما وإبعاد فرنسا عن فكرة الأخذ بالثأر ومحاولة ms091 استرجاع هاتين المقاطعتين، ~~ورأت أن تفسح لها المجال في بسط نفوذها خارج أوروبا. وكان «بسمارك» يسعى بصفة عامة ~~للاحتفاظ بالوضع الذي نتج في أوروبا عن حرب سنة 1870، ويعمل على توجيه الدول نحو الشرق، ~~فكان لا يمانع في امتداد نفوذ فرنسا في تونس وبريطانيا في مصر. # وكانت إنجلترا لا تعارض في تقطيع أوصال الدولة العثمانية في أوروبا وفي غيرها. # أما فرنسا، فإنها كانت تحاول الابتعاد عن الميدان الدولي خشية التورط في مشاكل خارجية ~~لا تستطيع أن توجهها، وقد خرجت من الحرب مهيضة الجناح عام 1870. # وظهرت هذه الاتجاهات أثناء مؤتمر برلين عام 1878، فأوعزت ألمانيا لفرنسا بوضع يدها ~~على تونس حتى لا تضع العراقيل في وجهها في المؤتمر، كما نصحتها إنجلترا ببسط نفوذها على ~~تونس لتتمكن هي بدورها من الاستيلاء على مصر. # وهكذا قامت ألمانيا وإنجلترا بتشجيع فرنسا على احتلال تونس وفصلها عن ممتلكات تركيا، ~~وإن كانت تونس في الحقيقة لا تربطها مع الدولة العثمانية في ذلك العهد إلا الروابط ~~الروحية. # 2 ~~(1-1) الحماية # لما وجدت الحكومة الفرنسية الجو العالمي مساعدا لها أرادت أن تنهي المسابقة ~~حالا، فأسرعت إلى احتلال تونس حتى لا تضيع عليها تلك الفرصة، وكان رئيس وزرائها إذ ~~ذاك «جول فري» قد عقد العزم على تنفيذ خطة دبرها من قبل وصمم عليها، رغم المعارضة ~~الشديدة التي وجدها في الرأي العام الفرنسي نفسه، خاصة من طرف الحزب الراديكالي ~~وزعيمه جورج كليمنصو، فاتخذ من مناوشات بسيطة عادية وقعت بين قبائل خمير التونسية ~~وبعض القبائل الجزائرية ذريعة لمهاجمة تونس برا وبحرا، ولم يلتفت إلى ما عرضه ~~عليه جلالة باي تونس من تعويضات طبق الاتفاقات السابقة بين تونس وفرنسا، بل أمر ~~الجيوش الفرنسية باقتحام الحدود البرية، وأنزل قوات أخرى من البحر في ميناء بنزرت ~~ومرسى طبرقة، وزحفت هذه الجيوش من غير سابق إنذار ولا إعلان حرب نحو مقر الملك، ~~فوصلت منطقة منوبة على مقربة من القصر الملكي بباردو، وحاصرت القصر يوم 12 مايو ~~1881، ولم يمهل قائد الجيوش الفرنسية الجنرال برايوت جلالة الصادق باي إلا ms092 ساعات ~~ليوقع على معاهدة سنة 1881، وقام قسم كبير من رجال الدولة والموظفين العالين، وفي ~~مقدمتهم أول مكافح تونسي العربي زروق، يعارضون توقيع هذه المعاهدة المفروضة بالقوة ~~ويطالبون بإعلان الحرب على فرنسا والتمادي فيها إلى النهاية، حتى قال زعيم ~~المعارضين: «إما أن نموت بشرف أو نخلص بلادنا من العدو»، ووقع الملك المعاهدة تحت ~~تأثير وزيره الخائن مصطفى بن إسماعيل. # ولكن الشعب التونسي لم يلق السلاح، بل تمادى في المقاومة رغم ضعفه، وسقطت مدن ~~المملكة الواحدة تلو الأخرى في قبضة العدو، بعد دفاع مستميت، وما زال الشيوخ ~~التونسيون يتذكرون بطولة صفاقس التي اجتمعت بها رجال القبائل من الهمامة وبني زيد ~~والمثاليث، خاصة ولم تستسلم أبدا، بل ناضلت بعد أن سقط سورها في كل شارع وكل بيت، ~~وكان عدد الشهداء بها عظيما جدا لقلة ما لديهم من السلاح، وتكررت المأساة في ~~بقية مدن المملكة التونسية إلى أن تم احتلال البلاد كلها. # ولم تجد تونس في ذلك العصر نصيرا ولا مجيرا، وإن كان قد فرض الحماية الفرنسية ~~عليها اعتداء سافرا لا مبرر له إلا جشع الاستعمار الأوروبي وإرادة التوسع وكسب ~~الأسواق الجديدة. # ولقد كانت معاهدة باردو فاسدة من أصلها؛ لأن فرنسا فرضتها بالقوة ووقعها ملك تونس ~~تحت تهديد الجيوش المحاصرة له، ولو كان في العالم عدالة لما أمكن لفرنسا أن تبقى ~~بتونس؛ لأن بقائها مناف لجميع المواثيق الدولية الحديثة، كالميثاق الأطلنطي وميثاق ~~هيئة الأمم المتحدة وميثاق حقوق الإنسان، ولأن استمرار احتلالها لتلك البلاد ~~الأجنبية عنها إنما هو تشجيع للقوي في الاستيلاء على الضعيف، ومحافظة على عهد تريد ~~الشعوب طيه؛ لما فيه من ظلم وتهديد دائم للسلام العالمي لتزاحم الأقوياء على أسلاب ~~الضعفاء من الأمم. ~~(1-2) استقلال تونس قبل الحماية # وكانت تونس قبل الحماية الفرنسية دولة تتمتع باستقلالها، لها ذاتيتها وميزانيتها، ~~سواء داخليا أو خارجيا؛ فكانت أرضها محدودة مضبوطة، وكان سكانها متوحدين تجمعهم ~~إرادة واحدة وضمير قومي واحد تحت حكومة تدير البلاد كلها. ~~(أ) الاستقلال الداخلي # وقد استقلت تونس استقلالا حقيقيا منذ اعتلى عرشها مؤسس ms093 الدولة الحسينية ~~جلالة الباي حسين بن علي عام 1705، فأصبح الملك وراثيا في أبنائه، دون أن ~~تتدخل أية دولة أجنبية. وكانت الروابط بين ملك تونس والسلطنة العثمانية روحانية ~~فقط؛ أي روابط أمير مسلم مع خليفة المسلمين وأمير المؤمنين. وكانت السلطات كلها ~~مجموعة في قبضة الباي في العهد الأول، إلى أن أخذت البلاد التونسية تتطور في ~~العصر الحديث وتدخل التنظيمات اللازمة في حياتها السياسية والاقتصادية ~~والثقافية. # وكانت تونس أول بلد شرقي سن لنفسه دستورا، فأصدر ملك تونس محمد باشا باي ~~(20 محرم 1274 / 10 سبتمبر 1857) مقدمة ذلك الدستور مطلقا عليها اسم عهد ~~الأمان، وكان القسم الأول منه في الحقيقة إعلانا واضحا لحقوق الإنسان، فضمن ~~البند الأول أمن جميع سكان المملكة من غير امتياز في الدين والجنس ولا الجنسية، ~~وأعلنت بقية البنود مساواة جميع السكان أمام الضرائب والأداءات وأمام القانون ~~أيضا، وجعلت التسامح الديني أساسا لمعاملة جميع من يسكن تونس، كما حررت ~~التجارة والملكية. # وأعطى محمد الصادق باي نظاما جديدا للدولة التونسية عندما أصدر دستورها (26 ~~أبريل1861) الذي لم ينسخ إلى هذه الساعة، وقد شمل ذلك الدستور النظام السياسي ~~والمالي والإداري والقضائي. ~~(ب) النظام السياسي # يعتمد النظام السياسي على ثلاثة أركان: (1) الباي. (2) الوزراء. (3) المجلس ~~الأهلي. # وقد أقيم على بعض المبادئ من مشاركة المجلس في السلطة التشريعية وبقاء السلطة ~~التنفيذية كاملة في قبضة الباي ووزرائه، واستقلال السلطة القضائية ومساواة بين ~~المسلمين وغير المسلمين. # وأول أركان الدولة هو الملك نفسه الذي بقي رئيسا أعلى للدولة وللأسرة ~~الحسينية المالكة، وقد سن الدستور مبدأ مسئولية رئيس الدولة في جميع أعماله ~~المنافية للدستور أو الخارجة عن القانون، كما وضع تحديد هذه المسئولية وما ينشأ ~~عنها من حساب. # أما الوزراء فلم ينص الدستور على عددهم، وقد كان دائما من بينهم: وزير أول ~~ووزير القلم والاستشارة ووزير المالية ووزراء الدولة، وقد حددت أيضا ~~مسئولياتهم. # وكان الركن الثالث للدولة هو المجلس الأعلى الذي يقع اختيار أعضائه من بين ~~الأعيان والموظفين العالين، ويتولى الباي ووزراؤه ذلك الاختيار، وله حق ~~المشاركة في ممارسة ms094 السلطة التشريعية، وتتخذ قراراته بأغلبية أربعين صوتا من ~~ستين، ويكلف اثنا عشر من أعضائه بتسيير الشئون في الفترات بين جلساته، كما أن ~~من مهام المجلس المحافظة على الدستور وإدخال التغييرات اللازمة عليه. # ومن أعظم الإصلاحات التي أدخلها الدستور على الدولة التونسية تفريق السلطات ~~وتحديدها. # السلطة التشريعية # إن حق سن القوانين من مشمولات الأمير والمجلس الأعلى، ولكنها لا تكون صالحة ~~نافذة إلا بعد اتفاق الباي والمجلس الأعلى عليها. أما القوانين العادية، فينبغي ~~أن يقررها المجلس بالتصويت عليها، ثم يعطيها الباي صبغتها القانونية بخلاف ~~قوانين الضرائب والأداءات؛ فإن المجلس يقررها ويوافق عليها الباي، أما قوانين ~~موازنة الدولة فإن الباي يسنها بإعانة المجلس الأعلى. # السلطة التنفيذية # لقد أقر الدستور بقاء السلطة التنفيذية كاملة في قبضة الباي، فإنه يمثل ~~البلاد في علاقاتها مع الدول الأجنبية، كما أن القيادة العليا للجيش منوطة ~~بعهدته، وهو أيضا القاضي الأعلى. # ومهمة الوزراء مساعدة الباي في ممارسة سلطته التنفيذية. # السلطة القضائية # لا دخل للأمير ولا للمجلس الأعلى في السلطة القضائية التي تحتوي على ثلاث: ~~(1) القضاء الابتدائي. (2) محاكم الاستئناف. (3) محاكم التعقيب. وينبغي أن تذكر ~~في الحكم حيثياته، والقضاة يشغلون مناصبهم لمدة الحياة، ولا تتدخل السلطة ~~التنفيذية إلا لتنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم. # وطبق ذلك الدستور ودام معمولا به عدة أعوام، ثم أهمل، ولكنه لم يلغ ولم ينسخ ~~أبدا، وقد أصدر أستاذان للحقوق - فايس وبرتلمي - فتوى جزما فيها بأن الدستور ~~ما زال موجودا قانونيا اعتمادا على أن الملك المطلق إذا ما تنازل لشعبه عن ~~بعض السلطات لا يمكن له التراجع فيها وافتكاكها من جديد، وعلى أن الدستور ~~السياسي يحتفظ بوجوده القانوني ما لم يلغ بنص صريح، فلم ينسخه القرار السفيري ~~الصادر عن المقيم العام الفرنسي بتونس في 25 ديسمبر 1884، الذي فسخ كل الأوامر ~~العلية (أي المراسيم الملكية) السابقة لعام 1881. # كانت تونس هكذا دولة مستقلة تسير في تطورها نحو نظام ديمقراطي يشارك فيه ~~الشعب شيئا فشيئا، ويضمن لجميع أفراده الحرية والمساواة، خاصة وأن الإصلاح لم ~~يقتصر على الميدان السياسي، بل شمل الميادين ms095 كلها من اقتصاد وتعليم وحياة ~~اجتماعية. # ففي عهد الصادق باي سعى المصلح التونسي الكبير خير الدين باشا في تجديد ~~البلاد، وسن ما يناسبها من الأنظمة العصرية النافعة بعد أن سافر إلى أوروبا ~~واطلع على سر تقدمها، وسجل آراءه وأفكاره في أول كتاب ظهر في الإصلاح في العالم ~~العربي سماه: «أحسن المسالك في سياسة المالك.» وأن آراءه الصافية الجلية صالحة ~~لأن تكون أساس نهضتنا في عصرنا الحاضر، فنظم الإدارة المركزية والإدارات ~~المحلية تنظيما عصريا، كما نظم البلديات والمحاكم الشرعية وشئون الأوقاف، ~~وسن قانونا جديدا يضمن للفلاحين حقوقهم، كما وضع برنامجا خاصا لتوزيع ~~الأراضي الزراعية الأميرية على سكان البادية، وأنشأ مجلسا للعناية بالشئون ~~الصحية وإدارة الأوقاف، ونظم مناهج التعليم بجامع الزيتونة، وأسس المدرسة ~~الصادقية لدراسة العلوم الحديثة واللغات الأجنبية، كما أرسل البعثات العلمية ~~إلى إيطاليا وفرنسا. # وهكذا كانت تونس تسير بخطى واسعة في سبيل الرقي والتقدم، إلى أن منيت ~~بالاحتلال الفرنسي، فأقامت فرنسا العراقيل في سبيل هذه النهضة وعطلت سيرها، ~~وأعادت البعثات العلمية من أوروبا، وحولت مناهج التعليم بالمدرسة الصادقية إلى ~~أن جعلتها مناهج لإخراج الموظفين الصغار والمترجمين فحسب. «هذه تونس - للدكتور ~~ثامر- ص23.» ~~(ج) الاستقلال الخارجي # كانت الدول معترفة دائما بالدولة التونسية، وقد عقدت الدول الأجنبية مع ~~أميرها جلالة الباي عدة معاهدات منذ فجر القرن الثامن عشر، نذكر هنا ~~بعضها: ~~(1) # 30 أغسطس 1716: معاهدة سلام وتجارة مع بريطانيا العظمى. ~~(2) # 23 ديسمبر 1748: معاهدة سلام وتجارة وملاحة مع النمسا. ~~(3) # 22 يونيو 1763: معاهدة بين ملك بريطانيا جورج الثالث وعلي باي ~~ملك تونس بصفته «الأمير الأعلى لهذه الدولة». ~~(4) # 21 مايو 1765: معاهدة بين تونس وفرنسا تعترف فيها فرنسا للباي ~~بحقه الدولي وامتداد سلطانه على «مساحة المملكة» كلها. ~~(5) # أغسطس 1797: معاهدة سلام وتجارة بين باي تونس والولايات المتحدة ~~الأمريكية. # ولنلاحظ أن أمير تونس قد أبرم هذه المعاهدات وغيرها باسمه الخاص، كممثل لدولة ~~قائمة الذات هي الدولة التونسية، وأن الدول الكبرى كانت دائما معترفة بحق أمير ~~تونس الشخصي المباشر في إبرام الاتفاقات الدولية ذات الصبغة السياسية؛ لأن ~~استقلال تونس كان تاما ms096 كاملا داخليا وخارجيا. # الحماية الفرنسية والدولة التونسية # إن معاهدة باردو 12 مايو 1881 وإن لم تذكر في نصها لفظة «حماية»، بل نصت على ~~أنها «معاهدة وداد وصداقة» إلا أنها اعتدت على السيادة التونسية داخليا ~~وخارجيا. # فقد خولت فرنسا لنفسها الحق في احتلال ما تراه من المراكز في البلاد التونسية ~~حسب البند الثاني من المعاهدة. ~~«لأجل تسهيل القيام بالإجراءات التي يتحتم على دولة الجمهورية الفرنسية ~~اتخاذها للوصول للغرض الذي يقصده الجانبان المتعاقدان، فقد رضي سمو باي تونس ~~بأن تحتل القوات الفرنسية العسكرية المراكز التي تراها صالحة لاستتباب النظام ~~والأمن بالحدود والسواحل»، وذلك الاحتلال الأجنبي نفسه حد من سيادة تونس ~~الداخلية. # أما السيادة الخارجية وإن بقيت كاملة قانونا، إلا أن باي تونس تنازل عن ~~ممارساتها لفائدة فرنسا طبق البند السادس: «يكلف الممثلون الدبلوماسيون وقناصل ~~فرنسا في البلاد الأجنبية بحماية رعايا المملكة التونسية ومصالحها، وفي مقابل ~~ذلك يلتزم سمو الباي بألا يعقد أي عقد ذي صبغة دولية من دون إعلام الدولة ~~الفرنسية بذلك، والحصول على موافقتها.» # وأصبح ممثل فرنسا في تونس هو الواسطة الوحيدة بين البلدين حسب البند الخامس ~~من المعاهدة: «يمثل الدولة الفرنسية لدى سمو الباي وزير مقيم عام، تكون وظيفته ~~السهر على تنفيذ أحكام هذه المعاهدة، ويكون هو الواسطة بين الدولة الفرنسية ~~وبين السلطات التونسية في جميع القضايا التي تهم الجانبين.» والحقيقة أن فرنسا ~~عزلت تونس عن بقية العالم، وأصبحت سدا منيعا بينها وبين بقية الدول، وحرمتها ~~من كل اتصال مباشر بالشعوب القريبة والبعيدة. ثم إن فرنسا استصدرت من باي تونس ~~أمرا عليا (مرسوما ملكيا) بتاريخ 9 يونيو سنة 1881 أناط بمقتضاه الشئون ~~الخارجية بالمقيم العام الفرنسي الذي أصبح هكذا وزير خارجية تونس. وهذا نص ذلك ~~الأمر العلي: # حيث إن الفصول الرابع والخامس والسادس من المعاهدة المبرمة بين ~~حكومتنا وحكومة الجمهورية الفرنسية (12 مايو 1881) تستلزم تدخل وزير ~~الجمهورية في علاقاتنا بممثلي الدول الصديقة، فتسهيلا وإسراعا لحل ~~المشاكل نكلف الوزير المقيم العام لفرنسا بتونس بدور الواسطة الرسمية ~~والوحيدة في العلاقات التي يقوم ms097 بها في المستقبل ممثلو الدول الصديقة ~~المعتمدون لدينا. # وجرت العادة بعد ذلك أن يصدر الباي مرسوما ملكيا، يعين به كل مقيم عام ~~جديد وزيرا للخارجية. # وأعطت فرنسا لنفسها الحق في التدخل بصفة مستمرة في شئون تونس المالية بدعوى ~~الدفاع عن أصحاب القروض، كما جاء في البند السابع من المعاهدة والذي تعتبره ~~فرنسا في المكان الأول من الأهمية: «تحتفظ دولة الجمهورية الفرنسية ودولة سمو ~~الباي لنفسها بحق الاتفاق على وضع نظام مالي بالمملكة التونسية، من شأنه الوفاء ~~بواجبات الدين العام وضمان حقوق دائني المملكة.» # وأكبر دليل على أن ما أدخل من فوضى على مالية تونس كان مصطنعا قبل الحماية ~~وكان لفرنسا الدور الرئيسي فيه، هو أن موازنة تونس كانت معتدلة، بل كانت فيها ~~فواضل كبيرة عامين بعد الحماية. # ولم تغير فرنسا سياستها المالية هادفة دوما إلى إغراق تونس بديون لا طاقة ~~لها بها؛ لكي تكبلها نهائيا بقيود يعسر التخلص منها، فتبقى دائما مستعمرة ~~ماليا وإن تحررت يوما من الأيام سياسيا. # إن معاهدة 1881 لم تفقد تونس جوهر سيادتها التامة، بل حرمتها من مباشرة بعض ~~مظاهر تلك السيادة فقط، وبقيت الدولة التونسية كاملة الذاتية كما كانت قبل ~~المعاهدة التي أبرمت بين دولتين كاملتي السيادة مستقلتين، فأكد هكذا وجود دولة ~~تونسية. وقد نصت المعاهدة مرارا على وجود حكومة تونسية وبينت اعتراف فرنسا ~~نفسها بتونس كدولة لها نظامها الدولي الشرعي، وإن نص المعاهدة يقضي بأنها مؤقتة ~~غير أبدية كما ادعت فرنسا ذلك فيما بعد؛ إذ تنص الفقرة الثانية من بنده الثاني ~~على انتهاء الحماية: # ويزول هذا الاحتلال عندما تتفق السلطات الحربية - الفرنسية والتونسية ~~- وتقرر معا أن الإدارة المحلية قد أصبحت قادرة على المحافظة على ~~استتباب الأمن العام. # ومن ناحية أخرى فإنا نجد تلك المعاهدة أبقت السيادة الخارجية وحق ممارستها ~~لملك تونس؛ إذ ينص بندها السادس على «أن سمو الباي يلتزم بألا يعقد أي عقد ذي ~~صبغة دولية بدون إعلام فرنسا ...» وهذا ما يؤيد محافظة الأمير على حقه في إبرام ~~المعاهدات مع الدول الأجنبية. # وينبغي ms098 أن نلاحظ هنا أن حماية فرنسا لتونس ذات صبغة دولية واضحة وليست حماية ~~استعمارية؛ ولذا كانت العلاقات بين المحمية والحامية عن طريق وزارة الشئون ~~الخارجية الفرنسية. وقد بين رجال القانون الفرنسيون ذلك، كما اعترفت به المحاكم ~~الفرنسية نفسها. # فقد قرر ديبانييه # Despagnet # في دروسه ~~للقانون الدولي العام أن الحرب المسلحة بين المحمي والحامي تصطبغ بصبغة دولية ~~بحتة، مستندا فيما أبداه من رأي على مبدأ لا شك فيه ولا خلاف، وهو أن الحماية ~~علاقة بين دولة ودولة أخرى، تضيق على المحمي ممارسة بعض حقوقه، ولكنها لا تحرمه ~~من شخصيته السياسية. # وكذلك قال انجلهارت # Engelhardt ~~(مجلة الحقوق ~~العامة والعلم السياسي 1900): «إن المحمي بصفته دولة قائمة بذاتها لا يمكن أن ~~تكون حربه مع الحامي إلا حربا دولية، فهي بلاد قد قطعت صلة قديمة وحليف انقلب ~~على من كان مرتبطا به إلى تلك الساعة.» # أما السيادة الخارجية التونسية فقد بقيت كاملة؛ إذ جرى في عرف الدول أن يمثل ~~بعضها بعضا من غير أن ينقص ذلك شيئا من سيادتها، فقد صرح أنجلو بيارسيريني # Angelo-pierre Sereni # في دروس في ~~التمثيل في الحقوق الدولية (أكاديمية الحقوق الدولية 1948) قائلا فيما يتعلق ~~بتونس: «بمقتضى اتفاقيات أبرمت مع تونس، أصبح لفرنسا الحق في أن تبرم باسم تلك ~~الدولة وعلى حسابها جميع علاقاتها الخارجية تقريبا، وأن ذلك التمثيل لا يقضي ~~على الشخصية الدولية.» # وكتب لويس ريفيار # Louis Rivière # مستشار ~~محكمة الاستئناف بمدينة كان تعليقا (سيري # Sirey ~~(1927) مجلد 1، ص85): # أما فيما يتعلق بمدغشقر وأنام، فإن الدولة الحامية قد ابتلعت السلطة ~~الخارجية كلها، فأصبحت وحدها صاحبة العلاقات مع الدول الأجنبية الأخرى، ~~بينما بتونس لم تزد معاهدة باردو عن أن علقت على موافقة الحكومة ~~الفرنسية حق الأمير المحفوظ له في إبرام معاهدات مع تلك الدول. # ولذا تمادت الحكومة التونسية في إبرام عدة معاهدات مع الدول الأخرى بعد عقد ~~معاهدة 1881، وقد أبرمتها مباشرة أحيانا بموظفيها التونسيين، وأحيانا أخرى ~~بواسطة الحكومة الفرنسية بالنيابة عن حكومة تونس طبقا لمبادئ التمثيل. ولكن ~~الدولة التونسية كانت دائما منصوصا عنها ms099 كدولة غير الدولة ~~الفرنسية: ~~(1) # أعلنت تونس الحرب على ألمانيا عام 1914 كدولة. ~~(2) # اتفاقية مجريطة 14 / 4 / 1891 وقع تحويرها بلندن ~~2 / 6 / 1934 وشاركت فيها تونس 4 / 10 / 1942. ~~(3) # اتفاقية لاهاي 6 / 11 / 1925 مشاركة تونس فيها ~~4 / 10 / 1942. ~~(4) # اتفاقية لتكوين ديوان دولي للخمور بباريس 29 / 11 / 1944. ~~(5) # اتفاقية بخصوص مصل ~~الدفتريا # Serum antidiphtérique # وقعت بباريس في 1 / 8 / 1930. ~~(6) # اتفاقية 24 / 4 / 1926 بخصوص تجول السيارات. ~~(7) # الاتفاقية الصحية الدولية 21 / 6 / 1926. ~~(8) # اتفاقية البريد العامة 10 / 7 / 1947. # إلخ ... إلخ ... # وهكذا لم تمح شخصية الدولة التونسية من الميدان الدولي. ~~(1-3) الاستقلال الداخلي # إن معاهدة 1881 سمحت لفرنسا باحتلال تونس عسكريا حسب البند الثاني، ولكنها لم ~~تمنحها حق التدخل في شئون الحكومة ولا في تشريعها ولا في سلطتها التنفيذية، فلما ~~وجدت فرنسا نفسها عاجزة عن السيطرة شعرت أن مقاليد الحكم في البلاد بقيت كلها في يد ~~الباي وحكومته، أجبرت الأمير الجديد علي باي على عقد اتفاقية ثانية معروفة باتفاقية ~~المرسى (8 يونيو 1883) عامين فقط بعد معاهدة باردو. # فذكرت فيها لفظ «الحماية» للمرة الأولى، وإنها وإن لم تغير جوهر ما جاء في ~~المعاهدة الأولى وأبقت السيادة التونسية غير منقوصة قانونا، إلا أنها فتحت أبوابا ~~واسعة للاعتداء المتوالي منذ ذلك الحين على السيادة الداخلية التونسية، إلى أن بلغت ~~في آخر الأمر إلى الحكم الفرنسي المباشر في تونس. وقد كانت فرنسا تعتمد دائما على ~~البند الأول من اتفاقية المرسى لتقضي على الذاتية التونسية شيئا فشيئا، وهذا نصه: # لما كان غرض سمو الباي المعظم أن يسهل للحكومة الفرنسية إتمام حمايتها، ~~تكفل بإدخال الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة المشار ~~إليها فائدة في إدخالها. # فكان كل ما تفرضه فرنسا من تحويرات تدعي أنها ~~إصلاحات، وإنما هو في جوهره قضاء على السيادة التونسية ، وسعي في أن تحل ~~محلها السيادة الفرنسية، سواء في الميدان الحكومي أو الإداري أو الاقتصادي ~~أو الثقافي. # ولكن اتفاقية المرسى نفسها رغم ما تحمله من أخطار لم تنتزع شيئا من السيادة ~~التونسية؛ لأن جلالة الباي لم يتنازل ms100 عن شيء من سلطانه لفائدة فرنسا، وإن التزامه ~~بإدخال ما تراه فرنسا من إصلاحات لم يسلبه سلطته التشريعية؛ إذ بقي هو المشرع ~~الوحيد الذي بيده سن المراسيم الإصلاحية. وقد اقتصرت اتفاقية المرسى على ذكر ~~الميادين الإدارية والعدلية والمالية، فاعترفت ضمنيا بأن الإصلاحات السياسية ~~والدستورية خاصة خارجة عن نطاقها، وأن من حق جلالة الباي أن يقوم بما يراه منها، ما ~~لم يعارض المعاهدات التي تتعرض لها، بل لم تشر إليها أصلا في الواقع، فليس إذن ~~لفرنسا حق معارضة أمير تونس فيما يريد منحه لشعبه من أنظمة دستورية ~~ديمقراطية. # فمن الواضح أن تونس احتفظت بسيادتها الداخلية، وأن تراب تونس غير التراب الفرنسي ~~قانونا، مستقل عنه، وأن أرض تونس أرض أجنبية بالنسبة لفرنسا، لا تطبق فيها القوانين ~~الفرنسية إلا إذا اصطبغت بصبغة تونسية؛ أي بعد أن يصدرها جلالة الباي كمراسيم ملكية ~~تحمل توقيعهم، فالتشريع التونسي قانونا وواقعيا مستقل عن التشريع ~~الفرنسي. # أما في الميدان الدولي، فإن المعاهدات التي تبرمها فرنسا باسمها الخاص لا تشمل ~~تونس أبدا، إلا إذا ما قبلتها وكانت طرفا فيها ووقعها ممثل عنها. ولنلاحظ أخيرا ~~أن ميزة معاهدة 1881 الأساسية هي أنها وقتية. # فقد ثبت إذن أن تونس احتفظت بكيانها الدولي من الوجهة الداخلية ومن الوجهة ~~الخارجية أيضا. ~~(2) نظام الدولة التونسية بعد الحماية # إن البحث في أنظمة الدولة التونسية بعد فرض الحماية بسبعين عاما كاف وحده لإبراز ~~الاعتداءات الفرنسية على تونس، ولكشف الستار عن النوايا الفرنسية الحقيقية. ~~(2-1) الباي # إن رئيس الدولة التونسية هو دائما جلالة الباي الذي جمع في قبضته قانونا ~~السلطات كلها بعد أن ألغى العمل بدستور عام 1861، وما زالت سياسة فرنسا ترمي إلى ~~المحافظة على الملكية المطلقة، حتى لا يكون للشعب حق في البلاد التونسية، وحتى لا ~~يتغير الوضع القانوني الذي سمح لها أن تجعل من بلاد أجنبية عنها مستعمرة فرنسية في ~~الواقع، فهي تدعي دوما أن جميع المعاهدات لم تبرم بين تونس وفرنسا، بل بين جلالة ~~الباي صاحب المملكة التونسية وبين فرنسا، وكانت تستلب منه نفوذه ms101 تارة بالترهيب ~~والوعيد وطورا بالوعود الخلابة ودعوى الإصلاح، ولم تزل تعارضه بالتهديد السافر ~~والقوة المسلحة إذا ما رأت منه إرادة صادقة في منح تونس نظاما دستوريا ~~ديمقراطيا يضمن للشعب حقوقه ويجعله صاحب السلطان في البلاد. # وبقيت هكذا السلطات التشريعية بيد الباي، ولكن الأوامر العلية (المراسيم الملكية) ~~لا تعلن ولا تصطبغ بالصبغة التنفيذية إلا إذا صادق عليها المقيم العام للجمهورية ~~الفرنسية بتونس، وفي ذلك من الاعتداء ما هو غني عن كل بيان؛ إذ تعسفت فرنسا بنص ~~اتفاقية المرسى تعسفا شاذا لتستخرج منها نفوذا جديدا عاما لممثلها يتحكم ~~بمقتضاه في جميع ما يسن من قوانين وأنظمة، ولا يوجد نص رسمي تونسي يبرر ما اغتصبه ~~المقيم العام من نفوذ، ولكنه اعتمد على قرار صادر عن رئيس الجمهورية الفرنسية ~~بتاريخ 8 نوفمبر 1884 فوض للمقيم العام للجمهورية الفرنسية أمر المصادقة باسم ~~الحكومة الفرنسية على إصدار وتنفيذ جميع ما يتخذه سمو الباي من أوامر في القطر ~~التونسي. ~~(2-2) الوزراء # جرت العادة بأن تسند وزارة الخارجية إلى المقيم العام. أما وزارة الحربية ووزارة ~~البحرية، فتلغيان في الغالب أو تسندان إلى كل من القائد الأعلى لجيوش الاحتلال ~~والأميرال قائد الأسطول الفرنسي ببنزرت. أما بقية المناصب الوزارية فقد كان يحتلها ~~دائما تونسيون، وقد أخذ عددها يزداد لاتساع الإدارة التونسية. ~~(أ) الوزير الأول # يشرف الوزير الأول على سير الإدارة العامة للمملكة التونسية، وقد أثبت الواقع ~~أنه ليس له السلطة المباشرة عليها، ويعرض الأوامر والمشروعات على الطابع الملكي ~~ويرأس مجلس الوزراء ويسهر على تنسيق الأعمال بالوزارات والإدارات الفنية، بصفته ~~رئيسا للسلطة التنفيذية، ولوظيفته مشمولات أخرى فيما يتعلق بالتشريفات ومراقبة ~~العمال (المتصرفين أو الولاة) والمحافظة على أوراق الدولة، ويعينه للقيام بمهام ~~وظيفته كاتب عام للحكومة التونسية سنفصل الحديث عنه فيما بعد. ~~(ب) وزير العدلية # إن نظر وزير العدلية لا يشمل إلا المحاكم التونسية؛ لأن المحاكم الفرنسية ~~تابعة رأسا لوزارة العدل الفرنسية. # وقد عمدت فرنسا إلى المحاكم التونسية، فوضعتها تحت رقابة موظفين فرنسيين، ~~فجعلت على رأس إدارة العدل مديرا فرنسيا، وأناطت مهمة ms102 النيابة العامة ~~بموظفين فرنسيين، وأسندت رئاسة دائرة النقض والإبرام لقاض فرنسي. ~~(ج) وزير الدولة # يقتصر عمله على النظر في شئون إدارة الأعمال (المديريات والمقاطعات) ~~والبلديات والأحباس (الأوقاف). ~~(د) وزير الشئون الاجتماعية # وهو لا ينظر إلا في الشغل ومشاكل العمال. # وزير التجارة والصناعة - وزير الصحة العامة - وزير الزراعة. ~~(2-3) مجلس الوزراء # إن مهمة مجلس الوزراء إدارية بحتة؛ لأن تركيبه المزدوج من وزراء تونسيين ومن ~~مديرين فنيين فرنسيين يجعله لا يلعب أي دور في السياسة، ويقتصر عمله طبق الأمر ~~العلي المؤرخ في 8 فبراير 1951 على توجيه وقيادة عمل الحكومة العامة، ولا يكون له ~~مفعول إلا إذا صادق جلالة الباي على ما يقرره، فيتبين جليا من ذلك أن جلالة الباي ~~لم يرد إسناد مشمولات السلطة التنفيذية بالمعنى السياسي إلى ذلك المجلس المكلف ~~بالتنسيق الإداري فقط. أضف إلى ذلك أن مجلس الوزراء الذي يسمي الباي أعضاءه ليس ~~بمسئول أمام برلمان. ~~(2-4) المديرون الفنيون الفرنسيون # يشارك في مجلس الوزراء عدد من المديرين الفنيين الفرنسيين، الذين احتلوا في ~~الواقع المناصب الرئيسية وانتزعوا النفوذ من التونسيين شيئا فشيئا، حتى أصبحوا ~~يتحكمون في كل الشئون. ~~(أ) الكاتب العام للحكومة التونسية # أحدث منصب الكاتب العام للحكومة التونسية بأمر علي بتاريخ 4 فبراير 1883؛ بقصد ~~فض الأمور الإدارية بوحدة أشمل وسرعة أكبر من ذي قبل، وليمد صاحب ذلك المنصب ~~الوزير الأول بالمساعدة، ولكنه سرعان ما أصبح المراقب الفرنسي الأول على ~~الإدارة التونسية، وصارت جميع أعمال وقرارات الوزير الأول ورؤساء المصالح ~~العامة الأخرى غير نافذة، ما لم تحمل تأشيرته. ولنلاحظ أن النص التأسيسي لذلك ~~المنصب لم يخصصه بموظف سام فرنسي الجنسية؛ لأن الوظيف نفسه تونس، ولكن جميع ~~الذين احتلوه في الواقع موظفون فرنسيون كان المقيم العام يعرضهم وكان الباي ~~يسميهم. # نعم حذفت تأشيرة الكاتب العام بمقتضى الأمر العلي المؤرخ في 8 فبراير 1951، ~~ولكنها عوضت حالا بموافقة المقيم العام التي قامت مقامها. # وما زال الكاتب العام موظفا واسع النفوذ قويه، فهو يجمع الشئون المدنية ~~والإدارية تحت نفوذه، ويراقب المصالح العامة مراقبة إدارية، ms103 كما أنه يراقب ~~أولا: الموظفين؛ أي إنه المتحكم الحقيقي فيهم يوظف ويرقي ويعزل. ثانيا: ~~المصاريف؛ أي إنه يتحكم في الواقع في ميزانية الدولة صرفا، ويمكن له هكذا أن ~~يعطل مصالح التونسيين كما يريد؛ بأن يمنع عنها ما يلزمها من مال لأتفه الأسباب، ~~كما أنه يراقب وضع التصميم الاقتصادي للبلاد وتطبيقه، وهو مكلف أيضا بنشر ~~الأوامر العلية (المراسيم الملكية) والقرارات الوزيرية على الرائد الرسمي ~~التونسي (الصحيفة الرسمية). ~~(ب) الكاتب العام المساعد # وهو موظف فرنسي سام يساعد الكاتب العام ويقوم بأعماله أثناء غيابه. ~~(ج) مدير المال # كان في الأصل وزيرا تونسيا يسهر على المالية العامة، ولكن كثرة القروض ~~والصعاب المالية التي لقيتها تونس في أواخر القرن الماضي وضغط الدول الكبرى، ~~أجبرت الباي على إسناد ذلك المنصب إلى وزيره الأول الذي كان يعمل بمعاونة لجنة ~~دولية لتصفية الديون التونسية. ولم تنشأ وزارة للمالية بعد الحماية، بل أسند ~~منصب «مدير المالية» إلى أحد الموظفين الفرنسيين، ومنذ ذلك الحين أصبح ~~الفرنسيون يتعاقبون عليه طبق أوامر علية يصدرها لهم الباي. # فبعد أن تسرب الفرنسيون إلى إدارة المالية العامة، واستحوذوا عليها ودعموا ~~أقدامهم فيها، حرموا على التونسيين مشاركتهم في مسئولياتها واتخذوها حصنا ~~حصينا للسيطرة على البلاد وثروتها والتحكم في مصيرها المالي والاقتصادي، حتى ~~بلغت بهم الفكرة الاستعمارية منتهاها، فادعى وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» ~~في تصريح أدلى به أمام المجلس الوطني الفرنسي يوم 19 يونيو 1952، أن المالية ~~التونسية من اختصاصات فرنسا، لا يمكن لها أن تتنازل عنها، فخرق هكذا المعاهدة ~~التي احتج بها. وهذا البند السابع من معاهدة «باردو» يقول: «تحتفظ دولة ~~الجمهورية الفرنسية ودولة سمو الباي لنفسها بحق الاتفاق على وضع نظام مالي ~~بالمملكة التونسية، من شأنه الوفاء بواجبات الدين العام وضمان حقوق دائني ~~المملكة.» # لا يمكن أن يصبح ذلك التنظيم المالي الذي نص عنه أبديا، بل لا بد أن يكون ~~محدودا بزمن؛ خصوصا وإنه فيما يتعلق بتونس قد تم منذ عهد طويل؛ إذ عرف بالضبط ~~مقدار الديون وأبان دفع أقساطها. أما اتفاقية المرسى فقد اقتصرت ms104 على «أن يتعهد ~~سمو الباي المعظم بألا يعقد قرضا في المستقبل لحساب المملكة التونسية دون إذن ~~سابق من الحكومة الفرنسية»، فهذا شرط تحفظي فقط لا يعطي فرنسا حق التصرف مباشرة ~~في مالية تونس إلى الأبد. إن ديون المملكة التونسية تقدر اليوم بثمانين مليارا ~~من الفرنكات تمكن دفعها في مدة عشرين سنة بالتقسيط؛ إذ ما دامت تونس تابعة ~~لفرنسا ماليا، وما دامت وزارة المالية العامة خارجة عن يد التونسيين فإنه ~~يستحيل أن تتقدم البلاد نحو استقلالها الحقيقي، ولو حصلت على كثير من رغباتها ~~السياسية الصرفة؛ إذ يكون التونسيون لجهلهم بما يحاك لهم في ذلك الميدان يوضعون ~~أمام الأمر الواقع، ويجدون أنفسهم دوما أمام حالة مالية مزعجة خطرة تجعل ~~حريتهم وهما واستقلالهم خيالا. ~~(د) مدير الأشغال العامة # وهو دائما موظف تونسي يسميه الباي، وهو يتصرف في قسم كبير جدا من ~~الميزانية التونسية، من غير أن يعقب أي تونسي أعماله. ~~(ه) مدير التعليم العمومي # وهو أيضا موظف فرنسي يسمى بأمر علي، ويشمل نظره جميع مؤسسات التعليم الدولي ~~الخاص، وقد اتخذت فرنسا إدارة التعليم أداة لبث لغتها وتجنيس العقول ومحاربة ~~اللغة العربية والتضييق في نطاق التعليم حتى يبقى الجهل عاما. ~~(و) مدير البريد # وهو موظف فرنسي. ~~(ز) مدير البناء والسكن # وهو موظف فرنسي. ~~(3) المقيم العام للجمهورية الفرنسية بتونس # وقد أخرناه لكثرة الكلام عنه: # إن الوزير المقيم العام يمثل الجمهورية الفرنسية لدى الباي قبل كل شيء، وهو مكلف ~~بالسهر على تنفيذ معاهدة 12 مايو 1881، وبأن يكون الواسطة في العلاقات بين الحكومة ~~الفرنسية والسلطات التونسية في جميع الأمور المشتركة بين البلدين، وقد جعله الباي أيضا ~~(الأمر العلي، 9 يونيو 1881) الواسطة بينه وبين الدول الصديقة. # لقد أحدثت فرنسا بتونس عددا وافرا من المصالح والمؤسسات الفرنسية البحتة، وجعلتها ~~تابعة للوزارات الفرنسية رأسا، ثم أسندت للمقيم العام طبق قرار فرنسي مؤرخ في 22 أبريل ~~1883 التمثيل المباشر لهذه الوزارات والمصالح العامة الفرنسية، ومكنته من حق المكاتبة ~~رأسا إلى الجهات المختصة والوزراء الفرنسيين الذين يرسلون له تعليماتهم. # وأرادت فرنسا أن ms105 توسع نفوذ المقيم العام، وأن تجعله الرئيس الأعلى بتونس، فوضعت ~~بقبضته - طبق قرار أصدره رئيس الجمهورية الفرنسية لتاريخ 23 يونيو 1885 - «سلطات ~~الجمهورية بتونس؛ تحت إمرة قواد الجيوش البرية والبحرية وجميع المصالح الإدارية ~~المتعلقة بالأوروبيين والأهالي.» # واتبعت فرنسا طريقتها التعسفية، فطبقت تلك القرارات بحذافيرها تطبيقا كليا، وإن لم ~~يصادق عليها أي نص صادر عن ملك البلاد الشرعي. # وأرادت فرنسا أن تستولي استيلاء حقيقيا تاما على السلطة التشريعية، فأصدرت ~~مرسوما من رئيس الجمهورية الفرنسية مؤرخا في 10 نوفمبر 1884 جاء فيه: «يفوض رئيس ~~الجمهورية الفرنسية المقيم العام للموافقة باسم الحكومة الفرنسية على الأوامر العلية ~~(المراسيم) التي يصدرها سمو الباي، ولإعطاء هذه المراسيم القوة التنفيذية داخل القطر ~~التونسي»، فأصبحت بذلك جميع المراسيم التي يصدرها سمو الباي لا مفعول لها إلا بعد توقيع ~~المقيم العام الفرنسي عليها. ثم اختصرت الإجراءات بأن صارت الإقامة العامة، هي التي تعد ~~جميع المراسيم الملكية، ثم تعرضها على سمو الباي لوضع ختمه عليها بدون أن يكون له سابق ~~اطلاع عليها، بل أصبح الموظفون الفرنسيون يحتجون الاحتجاجات الصاخبة إذا ما أراد الأمير ~~تغيير لفظة أو فقرة لا تمس جوهر الموضوع أحيانا، ويصرحون بأن لا حق له في إدخال أي ~~تحوير عليها. أما امتناعه عن توقيع مرسوم مهما كان، فيثير عاصفة في الأوساط الفرنسية ~~إلى أن تم لفرنسا احتكار السلطة التشريعية وتسخيرها لفرض حكمها المباشر وتنفيذ برامجها ~~الاستعمارية بمراسيم صادرة في الظاهر عن الدولة التونسية. # ثم زادت الإصلاحات المزعومة الصادرة بتاريخ فبراير 1951 نفوذ المقيم اتساعا عندما ~~أعطته الحق في إبداء «موافقته» أو «توصياته» على جميع المشاريع والقرارات (المراسيم) ~~النظامية أو الشخصية التي يتخذها أعضاء مجلس الوزراء. وقد حرر البندان العاشر والحادي ~~عشر من الأمر العلي المؤرخ في 8 فبراير 1951، حسب رغبة الحكومة الفرنسية، بكيفية تمنح ~~في الواقع للمقيم العام حق تعطيل (فيتو) جميع أعمال الوزراء التونسيين. # وإن البوليس المدني وقواته موضوعة تحت سلطة المقيم العام وتحت تصرفه، وقد كانت مصالح ~~البوليس منذ نظمها الأمر العلي المؤرخ في 17 أبريل ms106 1897 تابعة للكتابة العامة للحكومة ~~التونسية، ولم تنفصل عن الحكومة التونسية إلا في سنة 1943 لتصبح ملحقة بالإقامة العامة؛ ~~فإن الأمر العلي المؤرخ في 20 أبريل 1944 وضعها تحت سلطة مدير فرنسي تابع رأسا للمقيم ~~العام، ولم يخجل وزير خارجية فرنسا «روبير شومان» عندما استشهد بالمعاهدات التي خرقها ~~بقوله في تصريحه أمام المجلس القومي الفرنسي يوم 19 يونيو 52، عندما ادعى أن الأمن ~~الداخلي بالقطر التونسي من اختصاصات فرنسا، مع أن البند الثاني من معاهدة باردو لم ينص ~~إلا على احتلال القوات العسكرية الفرنسية للمراكز التي تراها صالحة لاستتباب النظام ~~والأمن بالحدود والسواحل، ومن قال الحدود والسواحل إنما يقصد الدفاع عن الأمن الخارجي ~~قبل كل شيء. أما الأمن الداخلي فهو من مشمولات الحكومة التونسية؛ إذ لا يعقل ولا يتصور ~~أن تحكم أية حكومة في بلاد من غير بوليس. # وقد أحدث المقيم العام أثر إصلاحات 8 فبراير 1951 - من غير مصادقة الباي ولا اطلاع ~~الحكومة التونسية - إدارة الأمور السياسية والإدارية التي أصبحت تشرف في الواقع على جميع ~~الهيكل الإداري التونسي. # ومن أعجب المهازل الاستعمارية أن المقيم العام هو الذي يتوج الملك مباشرة، ويجلسه على ~~عرش آبائه وأجداده؛ ليوهمه أن فرنسا هي صاحبة الحق في أن تبوئ من تشاء على عرش تونس. ~~وقد احتج على هذا الإجراء المغفور له الهادي باي عندما فاجأه المقيم العام لأول مرة ~~بهذا الاعتداء. # وفصلت فرنسا مناطق الجنوب التي تقدر بثلث القطر التونسي عن بقية الوطن ووضعتها تحت ~~الحكم العسكري المباشر، وبتصرف ضباط فرنسيين تابعين لقائد الاحتلال، وأناطت إدارتها ~~بالمقيم العام. # وينوب عن المقيم العام في المناطق الجهوية المختلفة والمقاطعات الترابية التونسية ~~المراقبون المدنيون، وقد كانت مهمة هؤلاء الموظفين الفرنسيين في أول الأمر تقتصر على ~~رقابة العمال التونسيين (المتصرفين) والتأشير على مكاتباتهم، وبصفتهم رجال الرقابة ~~الفرنسية يخضعون في أنظمتهم إلى نصوص قانونية فرنسية، ويتلقون تعليماتهم من المقيم ~~العام، وأصبحوا طبق مشمولات وظيفتهم أصحاب الإدارة الحقيقية في النطاق المحلي. وبعد أن ~~كانوا مراقبين للعمال فقط صاروا مستشارين لديهم، ثم ms107 عوضوهم شيئا فشيئا في القيام ~~بمسئولياتهم، وبات النفوذ كله بأيديهم؛ كلمتهم لا ترد وسلطتهم في الواقع لا تحد وكأنهم ~~ملوك الطوائف في سيطرتهم، وتحكمهم لا يطاق؛ خصوصا وأن البوليس لهم والجيش تحت ~~تصرفهم. # وإن الأمر العلي (المرسوم الملكي) المؤرخ في أبريل 1938 قد مكن المقيم العام من سلطان ~~قوي واسع له بمقتضاه أن يقرر وضع حالة الحصار في أية جهة من القطر وفي أي زمان شاء، وله ~~أن يطبق قراره فيمكن له إذ ذاك أن يتخذ ما يراه صالحا من طرق الاضطهاد من استخدام ~~القوة المسلحة ومن إلقاء القبض على من يريد، وسجن من يريد، ومن تفتيش المحال العامة ~~والخاصة سواء في النهار أو في الليل، ومن إحالة التونسيين إلى المحاكم العسكرية ~~الفرنسية حيث يحاكمون طبق المجلة الجنائية الفرنسية. بينما النظام العدلي المادي المطبق ~~على التونسيين مستمد من مجلة جنائية تونسية أصدرها ملك البلاد. ~~(4) الهيئات النيابية # ليس لتونس هيئات نيابية سياسية، وإن تونس تعيش منذ 15 مايو 1951 من غير مجالس نيابية ~~أصلا، وكانت المجالس النيابية لغاية ذلك التاريخ (المجلس الشوري من 1907 إلى 1922، ~~والمجلس الكبير من 1922 إلى 1951) هيئات استشارية ذات اختصاص محدود لا يتعدى النظر في ~~الميزانية. # وقد تكونت أيضا غرف استشارية ذات اختصاص فني فقط تمثل المصالح الاقتصادية (كالغرف ~~التجارية والغرف الفلاحية وغرفة المناجم وغيرها). # وقد تأسست أخيرا بلديات منتخبة في مدن القطر التونسي، ولم يعترف شعب تونس بها؛ لأن ~~الفرنسيين ممثلون بها مع أنهم أجانب. # ولكن هذه المؤسسات كلها فاسدة من أصلها؛ لأن اختيار أعضائها مقام على قاعدة منافية ~~للديموقراطية، ولأن اختصاصها ضيق هزيل، فتونس محرومة من هيئة نيابية مؤسسة على دستور ~~يسمح لها أن تأخذ مسئوليتها البرلمانية التي أصبحت ضرورة حتمية في كل دولة ~~عصرية. ~~(5) المجلس الكبير # وهو مجلس استشاري مركب من قسمين: # القسم التونسي: # يتكون من 53 عضوا يمثلون ثلاثة ملايين ونصف مليون من التونسيين، ينتخبون ~~من الدرجة الثانية من طرف نواب لا يشارك في اختيارهم إلا عدد ضئيل من ~~السكان. وإن الإدارة الفرنسية ms108 تحتاط في اصطفاء الناخبين والمنتخبين لكي ~~تبعد كل مرشح لا يروقها. # أما القسم الفرنسي: # فهو يتركب من 53 عضوا يمثلون 150 ألف فرنسي، وانتخابهم عام سنوي. # ويستشار المجلس الكبير في النصوص الرسمية المتعلقة بالأمور المالية والاقتصادية ~~والاجتماعية، ولكن آراءه واقتراحاته لا تفيد الحكومة في شيء، ويمكن له أن يقدم ببعض ~~التوصيات لتبديل المراسيم المعمول بها، ولكن كل مناقشة حول المواضيع السياسية ~~والدستورية محجرة عليه تحجيرا باتا (البند 40 من مرسوم 15 ديسمبر 1945)، وكذلك يخرج ~~عن اختصاصه النظر في مصروفات الإقامة العامة والمحاكم الفرنسية والأمن العام. # وأما في الميدان المالي فلا تكون توصيات في المجلس الكبير محل اعتبار إلا إذا اتفقا ~~عليها جميعا، وأن توافق عليها الحكومة الفرنسية (البند 35 من نفس المرسوم)، وزيادة على ~~ذلك فإن مصادقة وزير الخارجية الفرنسية على الميزانية التونسية ضرورية قبل أن يصدرها ~~الملك بمرسوم. # وإذا اختلف القسمان، فالمرجع هو اللجنة العليا للميزانية التي تنظر في نقط الخلاف تحت ~~رئاسة المقيم العام، الذي يكون صوته راجعا. (مرسوم 8 فبراير 1951). # ولم يقع تجديد المجلس الكبير عندما انتهت مدته بتاريخ 9 ديسمبر 1951. # ولقد أعلمت الحكومة الفرنسية حكومة تونس أثناء المفاوضات بباريس، برغبتها في المحافظة ~~مؤقتا على النظام الحالي للمجلس الكبير ريثما يتكون برلمان فرنسي تونسي. # فأجابت الحكومة التونسية بأن مشاركة الفرنسيين المقيمين بتونس في برلمان تونسي يعتبر ~~اعتداء جديدا على السيادة التونسية، فاحتفظت بالموقف الذي اتخذته في مذكرة 31 أكتوبر، ~~أي بوجوب تكوين برلمان تونسي بحت حسب رغبة الشعب التونسي بأسره وإرادة الملك الواضحة ~~التي عبر عنها في خطاب 15 مايو 1951. ~~(6) خاتمة # إن تلك النظم التي فرضتها الحماية الفرنسية على الدولة التونسية وإدارتها، هي الهيكل ~~الاستعماري الأكبر وعنوان الحكم الفرنسي المباشر. # فرأت الحكومة الوطنية من الضروري التخلص من تلك النظم، وتعويضها بأخرى تمكن الشعب من ~~استقلاله وممارسة حقوقه. # وأجمعت إرادة الملك والشعب على أن يكون ذلك التغيير بالطرق السلمية وباتفاق مع ~~الحكومة الفرنسية، وتحقيقا لتلك الغاية تكونت وزارة دولة محمد شنيق للتفاوض مع فرنسا ~~لإدخال التحويرات اللازمة على ms109 النظم التونسية للسير بتونس نحو استقلالها. # | المفاوضات بين تونس وفرنسا # (1) المفاوضات # لو جمعنا الخطب الرسمية وشبه الرسمية التي ألقاها الساسة الفرنسيون في شأن تونس ~~لملأنا مجلدات، فمن رئيس للجمهورية الفرنسية ووزراء وممثلين ومقيمين عامين وموظفين ~~سامين! كلهم يتحدثون عن حقوق الإنسان ورسالة فرنسا التمدينية وصداقتها للعرب ~~والمسلمين، فيكثرون الكلام. ولو حققوا جزءا صغيرا ونزرا يسيرا مما قالوه، لأصبحت ~~تونس جنة النعيم، يتآخى فيها الذئب والخروف، ويتعانق القط والفأر. وقد زالت الفوارق بين ~~البشر، وانمحى التفوق العنصري، واضمحلت الامتيازات بأنواعها، ونسخت القوانين الزجرية ~~الاستثنائية، وقهر الظلم والفقر والجوع والجهل والأمية والمرض. # كانوا وما زالوا يكيلون للتونسيين الكلام العذب المعسول كيلا وافرا من غير حساب، ~~والشعب التونسي ينظر إليهم نظر المتعجب من غرورهم وهذيانهم بعد أن افتضح أمرهم وظهرت ~~حقيقتهم، واطلع الرأي العام العالمي على فظاعة استعمارهم ومنتهى جبروتهم وطرق تعسفهم ~~واضطهادهم. # ولم يرسلوا الكلام على عواهنه والخطب المسهبة الطويلة طوع الخاطر وانقيادا لخيال ~~الساعة، بل التزم الكثير من أصحاب المسئولية في السياسة الفرنسية بوعود رسمية قطعوها ~~لتونس باسم حكومتهم، وأسرفوا في الوعود كما أسرفوا في الخطب من قبل ومن بعد، وكرروها ~~المرة تلو المرة، وجددوها في كل مناسبة ومن غير مناسبة، وأكدوها الواحد تلو ~~الآخر. # لقد اختار الجنرال ماسط الوزير المقيم العام لفرنسا بتونس مسجد القيروان الذي أسسه ~~الصحابي الشهيد عقبة بن نافع فاتح المغرب، ليقيم به مهرجانا عظيما قصد إكساء خطابه ~~الرسمي ضربا من القدسية؛ لما فيه من وعود وثيقة للتونسيين، وهو أول مقيم عام جاء تونس ~~بعد الحرب العالمية، فأقام ذلك الاحتفال في نوفمبر سنة 1942، وقال باختصار إنه ينبغي ~~ألا تقتصر فرنسا على الإصلاحات التي أنجزت، ثم بين ما ستنجزه في العبارات الآتية: # إن فرنسا ستحدد في الأشهر المقبلة الدستور التأسيسي لهذا المجموع العظيم من ~~الشعوب والأراضي التي ستكون الوحدة الفرنسية، وسوف لا تتأخر عن إرضاء رغائب ~~التونسيين المشروعة المعقولة. # وكرر الجنرال ماسط نفس الوعود في مدينة القيروان بعد ثلاث سنوات، واتصل بالحركة ~~القومية التونسية اتصالا غير مباشر، ثم ms110 تقابل مع الأمين العام للحزب الحر الدستوري ~~التونسي مقابلة دامت سبع ساعات في بيت المعمر الفرنسي دورتولي # Dortoli # عرض فيها ما تراه الحكومة الفرنسية من إصلاح، وأوضح اتجاهها ~~العميق لسياستها بتونس، ويظهر من كلامه أن فرنسا مستعدة لتضحية قسم كبير من جاليتها ~~وخاصة الموظفين وإبدالهم بتونسيين بعد مدة وجيزة، وهي مستعدة أيضا لتعترف بالاستقلال ~~التام لتونس وتتبنى إدخالها كعضو في هيئة الأمم المتحدة، كما أنها لا ترى مانعا من ~~انضمامها لجامعة الدول العربية، ولكنها لا تريد أن تضحي بالمصالح المالية الكبرى التي ~~لها بتونس؛ ولذا تشترط شروطا لضمان هذه المصالح لا يمكن بحال أن تتنازل عنها؛ أولا ~~وقبل كل شيء: أن ينص دستور الدولة التونسية على أن وزير المالية التونسية لا يكون إلا ~~فرنسيا يتمتع بسلطات معينة ليتمكن من حفظ هذه المصالح المالية، وكذلك يحتفظ الفرنسيون ~~لأنفسهم ببعض المناصب الحيوية، فيكون لهم الحق في توجيه السياسة التونسية والاقتصاد ~~التونسي والمالية التونسية، وطلب الجنرال ماسط من ممثل الحزب أن يعرض اقتراحاته على ~~الوطنيين، فأسرع الحزب إلى جمع نواب عن جميع الهيئات والمؤسسات والمنظمات القومية، ~~وانعقد المؤتمر التاريخي مساء 26 رمضان/23 أغسطس 1946، فتجلت فيه وحدة الشعب التونسي ~~وإجماعه على فكرة واحدة، هي العمل لتحقيق الاستقلال التام. # وهاجمت قوات البوليس والجيش الفرنسي المؤتمر في مقر اجتماعه، وألقت القبض على أبرز ~~أعضائه وزجت بهم في السجن العسكري. ولما افتضح الجنرال ماسط وخاب خيبته المرة - إذ ~~اجتمع ذلك المؤتمر لينظر إلى اقتراحاته - وظهر التناقض في أقواله وأعماله، عزلته ~~الحكومة الفرنسية وعينت مقيما عاما جديدا بدلا منه. # ولم تطأ قدم «مونص» أرض تونس حتى جدد في خطبه وتصريحاته الوعود فقال: «إنه لمن الخطأ ~~أن نعتقد أن في عالمنا الحاضر الذي يقاس بمقياس القارات يمكن لتونس أن تسير وحدها وأن ~~تستغني عن مساعدة فرنسا، ولكن من الجنون أن نفكر ونعتقد أن فرنسا الكريمة الوفية ~~المخلصة لرسالتها ينبغي لها أن تؤجل لمدة طويلة التطورات التي وصفتها بأنها ضرورية.» ~~ولكن «التطورات الضرورية» لم تخرج إلى عالم الوجود! وكانت كالجبل ms111 الذي ولد فأرة. واقتصر ~~عمل «مونص» على تكوين وزارة تونسية جديدة اختار أعضاءها من بين أصحاب المهن الحرة، ~~وأسند رئاستها إلى مصطفى الكعاك، وفرضها على جلالة الملك فرضا. فأضحت الوزارة الكعاكية ~~تمثل في نظر التونسيين الخضوع والخنوع والاستسلام للاستعمار الفرنسي، وقد أحرزت بسرعة ~~فائقة على لعنة الشعب وغضب الملك واحتقار الفرنسيين أنفسهم، وتسربل أعضاؤها عارا لا ~~يمحى وخسة لا تنسى، وفضيحة ستصحبهم ما عاشوا. وقد أعرض عنهم الملك إعراضا تاما، ~~واتصل بقادة الشعب وأبلغهم إرادته السامية وأعلمهم رسميا «أن تونس لن تنضم إلى الوحدة ~~الفرنسية وأنا جالس على عرشها.» واهتز الشعب فرحا وحماسا عندما اطلع على هذا التصريح ~~الرسمي في الصحف الوطنية، وهو يعلم حق العلم أن الدخول في الوحدة الفرنسية هو اضمحلال ~~للقطر التونسي ومحو لعروبته وتنكر لتاريخه؛ لأن الوحدة الفرنسية هي الإمبراطورية ~~الاستعمارية الفرنسية، غيرت اسمها لتغر العالم وحافظت على جوهرها وكنهها، فيها رق الشعوب ~~واستعباد الأفراد ومسخ البشر، ظاهرها رحمة وباطنها شر وعذاب. انضمت إليها الجزائر قهرا ~~وقسرا، فعرفت الديمقراطية المزيفة وتزوير الانتخابات، وفقد أهلها كل ضمان لحياتهم ~~وأرزاقهم وحريتهم، وقتل منهم في مايو 1945 أكثر من أربعين ألفا في مجزرة سطيف الشهيرة ~~عندما أرادوا أن يشاركوا الفرنسيين في عيد النصر على النازية، في عيد تحرير البشرية من ~~الظلم والخوف والاضطهاد والتفوق العنصري، فلم يرحم الفرنسيون شيخا ولا امرأة حاملا ~~ولا طفلا ولا رضيعا. # ودخلت جزيرة مدغشقر في الوحدة الفرنسية فقتل من أبنائها مائة ألف أو يزيد؛ ليعلموا علم ~~اليقين أن طعم الحرية محرم على غير الفرنسيين في الوحدة الفرنسية. # وشاركت فيها أيضا بلاد فيتنام (الهند الصينية)، وإذا بفرنسا تنكث ما تعهدت به إليهم ~~وتشنها عليهم حربا ضروسا لا تبقي ولا تذر، تريد إخضاعهم من جديد لسيطرتها الاستعمارية، ~~فصبروا وثبتوا، وما زالوا يقاسون منذ سبعة أعوام تلك الحرب الطاحنة. # فمن البديهي إذن أن ترفض تونس رفضا باتا نهائيا الانضمام إلى تلك الوحدة، وإذا ~~بالمقيم العام الفرنسي يبرق ويرعد، وينسى وعوده الخلابة، ويناقض كلامه المعسول، ويصدر ~~أوامره بمحاصرة ms112 قصر الملك المعظم محمد الأمين الأول، ويسير إليه مخفورا بالجنود ~~المدججين بالسلاح متوعدا مهددا طالبا منه باسم الحكومة الفرنسية أن يكذب ما نشر من ~~تصريحات على صفحات الجرائد الوطنية فيما يتعلق برفض جلالته للوحدة الفرنسية، فأجابه ~~جلالة الملك بهدوئه المعهود وحكمته وبيانه الواضح: «كيف أكذب قادة الشعب وقد كانوا ~~أمناء فيما نقلوه عني؛ لم يغيروا الكلم عن مواضعه ولا زادوا حرفا واحدا إلى ما قلته ~~لهم، بل كانوا واسطة خير وصدق، وهذا هو موقفي لن أغيره أبدا.» # وكانت فرنسا تقوم بدعاية واسعة النطاق في صحفها وإذاعتها، وفي محادثات ساستها مع ~~التونسيين وخطب المسئولين من رجالها؛ لتهيئ الجو السانح لإدماج تونس في الوحدة ~~الفرنسية. وكان بعض وزرائها يصرحون من حين إلى حين بأن تونس قد أدمجت فعلا، ويستخدم ~~آخرون طرقا منعرجة ملتوية لإقناع جلالة الملك بوجوب قطع تلك الخطوة الضرورية على ~~دعواهم. ولكن رد الفعل من طرف الشعب التونسي ومليكه كان يشتد ويقوى، إلى أن يئست فرنسا ~~تقريبا من تطبيق تلك الفكرة. # وكانت دعايتهم تعتمد على الإغراء وإحياء الآمال الجسام، فيذيعون بأن تونس تحصل على ~~جميع رغباتها الوطنية لو انضمت إلى تلك الوحدة، من دستور ديمقراطي وحرية واستقلال، ~~وأنها تحرم نفسها من تلك النعم كلها برفضها البات. # والأغرب أن قسما من الرأي العام الفرنسي اعتقد ذلك؛ لأن الحرب العالمية الثانية ~~أحدثت في فرنسا تيارات سياسية جديدة وقوت بعض التيارات القديمة، كما أدخلت اضطرابات على ~~التقاليد القديمة وقوضت الكثير منها، فشهد ساسة فرنسا أن الاستعمار أصبح مبغوضا ~~ممقوتا في العالم بأسره، وأنه عار وشين ووصمة في جبين الأمم الراقية والدول الكبرى، ~~فلم يسعوا إلى غسل هذا العار، ولا إلى محو هذه الوصمة، بل اقتصروا على إسدال ستار شفاف ~~عليها، واقتنعوا بتغيير بعض الأسماء واحتفظوا بالمسميات، فعوضوا لفظة الإمبراطورية ~~الفرنسية بلفظة الاتحاد الفرنسي، وبدلوا كلمة حماية ومستعمرة بكلمة دول مشاركة، ووضعوا ~~في دستور فرنسا نفسه بنودا تعطي حقوقا واسعة للأقطار التابعة لها، ولكنهم حرفوا تلك ~~البنود وشوهوها عند التطبيق واستمروا في سياستهم التقليدية، ms113 وكانت الحالة العامة بفرنسا ~~وميل بعض الأحزاب الفرنسية إلى تفهم الوضع بتونس، مما شجع قادة الحزب على الاتصال رأسا ~~بالشعب الفرنسي والقيام بدعاية واسعة عميقة بفرنسا؛ لكسب عواطف قسم من الفرنسيين على ~~الأقل، ولإقناع المسئولين بوجوب توجيه جديد لسياستهم بتونس. # وكلف بتلك المهمة الشاقة زعيم تونس ورئيس الحزب الحر الدستوري ومؤسسه الأستاذ الحبيب ~~بورقيبة، فبعد رحلة إلى الشرق والغرب استغرقت أعواما، وبعد أن اتصل بالشعب التونسي في ~~اجتماعات عامة عقدها في جميع أنحاء القطر، سافر إلى باريس في أوائل عام 1950، وكان يعمل ~~ليلا ونهارا متصلا بالصحافة والأحزاب والهيئات الرسمية والمنظمات والشخصيات ورجال ~~الحكومة، وكان لتصريحاته المتوالية صدى عميق وانتشار واسع في جميع الصحافة الفرنسية ~~التي أخذت تدرس المشكلة التونسية درسا مستفيضا؛ تستقي من آرائه تارة وتنقدها تارة ~~أخرى، وتعلق التعليقات المفيدة الدقيقة على تلك الأفكار الجديدة الناضجة، فما هو منطق ~~الحبيب بورقيبة؟ وما سر سحره وسبب نجاحه في إبلاغ رسالته؟ تتلخص أقواله للفرنسيين في ~~بعض المسائل الجوهرية. # نحن لا نريد قطع العلاقات مع فرنسا، بل نسعى لتبديلها تبديلا يتمشى مع تطور تونس ~~والعالم لنضمن لها البقاء. إن الروابط بيننا وبينكم كانت وما زالت روابط الغالب مع ~~المغلوب والسيد مع المسود والمولى مع عبده، وقد بلغ شعب تونس من الرقي والوعي القومي ~~درجة جعلته أهلا ليتصرف في شئونه قادرا على تسيير أموره والتحكم في مصيره، وأصبح لا ~~يتحمل الحكم الفرنسي المباشر ولا الاستعمار مهما يكن نوعه، وهو يعلم علم اليقين أنه ~~سيحقق استقلاله وسيتحرر كما تحررت الشعوب الشرقية كلها تقريبا، ولكنه يخير أن يبلغ ~~غايته باتفاق وتعاون مع فرنسا، فتعوض الروابط البغيضة الحالية بروابط بين شعبين ~~مستقلين، وندين متساويين، ودولتين صديقتين، خاصة ونحن نعتقد أن مصالح فرنسا العليا ~~ومصالح تونس لا تتعارضان ولا تتناقضان، بل يمكن التنسيق بينهما والمحافظة عليهما ~~جميعا، والشعب التونسي مستعد ليقدم من الضمانات الكافية ما يكفل المصالح المشروعة ~~لفرنسا والفرنسيين ما لم تتصادم مع حرية تونس. # إن تونس تحتاج إلى رءوس أموال لاستثمار ثروتها وبناء هيكلها الاقتصادي، ms114 وإلى فنيين ~~وأخصائيين، فلماذا لا نستعين في ذلك كله بفرنسا والفرنسيين ، إذا ما وصلنا إلى التفاهم ~~والاتفاق؟! فيحل الود محل التنافر، والصداقة محل الخصومة والبغضاء، وتصفو القلوب، ونكون ~~هكذا جوا صالحا للعمل المثمر والرقي والازدهار. # ولا ننكر أن هذه التجربة العظيمة تتطلب الجرأة من المسئولين الفرنسيين، والتجديد في ~~التفكير السياسي؛ لما فيها من اتجاه لم يسبق له نظير في علاقات فرنسا بالشعوب التابعة ~~لها، وأن نجاحها يعبد الطريق ويفتح أبوابا للمستقبل؛ لأنه يدل على أن فرنسا وجدت الحل ~~الواقعي لأكثر المشاكل التي تجابهها في البلدان الخاضعة لسلطانها. # ثم عرض الحبيب بورقيبة على الرأي العام الفرنسي حلا عمليا للمشكلة التونسية طبق ~~برنامج يحتوي على بنود سبعة، ترمي إلى إنهاء الحكم الفرنسي المباشر وتسليم النفوذ ~~والسلطات إلى أيدي التونسيين: ~~(1) # إرجاع السيادة التونسية. ~~(2) # تشكيل حكومة تونسية من التونسيين فقط يسيرها وزير أول تونسي يعينه ~~الباي. ~~(3) # إلغاء منصب الكاتب العام للحكومة التونسية. ~~(4) # إلغاء مناصب المراقبين المدنيين الفرنسيين. ~~(5) # إلغاء الدرك الوطني الفرنسي. ~~(6) # تشكيل هيئات بلدية تكون المصالح الفرنسية ممثلة فيها. ~~(7) # تشكيل مجلس وطني منتخب انتخابا عاما مكلف بإعداد دستور يحدد العلاقات ~~التي ينبغي أن تكون في المستقبل بين تونس وفرنسا، والتي يجب أن تقام على ~~احترام متبادل للمصالح المشروعة للبلدين. # وكان لأقوال الحبيب بورقيبة تأثير عميق في جميع الأوساط الفرنسية؛ لأنه أجبرهم على ~~التفكير الجدي في حل مشكلة تونس وبقية المشاكل الاستعمارية، وعلى السعي في الخروج من ~~سياسة فرنسا التقليدية، واقتنع بعض المسئولين في الحكومة الفرنسية نفسها بوجوب هذه ~~التجربة، فوجدت فرنسا نفسها أمام قوتين متناقضتين: قوة الشعب التونسي المنظم الصفوف ~~المتوحد الكلمة العازم على نيل حقوقه، وقوة الجالية الفرنسية المتشعبة بالروح ~~الاستعمارية المتمسكة بامتيازاتها الفاحشة التي بقبضتها حياة البلاد كلها، ومقاليد ~~الأمور بأجمعها، لا تريد التنازل لأصحاب البلاد عن أي نفوذ، ولا أي جزء منه، والتي تخشى ~~كل تبديل وتمقت كل تغيير وتخاف كل تطور، بل غايتها الوحيدة هي المحافظة على الوضع ~~الراهن؛ لأنه يمكنها من الاستيلاء والإثراء ولا يكلفها عناء ولا تضحية، فهل ms115 تتمكن ~~الحكومة الفرنسية من التوفيق بين هاتين القوتين؟ وهل تقدر على إقناع جاليتها المحفوظة ~~بأن عصر التفوق العنصري والاستعمار والاستعباد واستثمار جهود الغير وبلادهم قد انقضى ~~وفات؟ وهل يمكن للجمهورية الفرنسية أن تكون حكما عادلا في تلك القضية؟ وهل في ~~استطاعتها أن تبدل نفسية الفرنسيين وما جبلوا عليه من المحافظة على جميع ما لديهم من ~~مال وامتيازات كاملة، ولو جرهم ذلك إلى الهاوية فيفقدون كل شيء؛ لأنهم لا يريدون ~~التنازل عن بعض الشيء. # ولقد فهم بعض الساسة الفرنسيين أن الحزب الحر الدستوري مكن فرنسا من فرصة يعز ~~وجودها؛ لأنه أعلن بصراحة وجرأة أنه يخير استخدام قوات الشعب التونسي ومنظماته العتيدة ~~للتشييد والبناء لا للتخريب والتهديم، ويريد تحقيق رغائب تونس بطريق المفاهمة والمفاوضة ~~والإقناع، وهو مقتنع بأن الاستقلال آت لا ريب فيه؛ ولذا يريد الاحتفاظ بقوات الشعب ~~الفعالة لإقامة دولة عصرية كاملة وإحياء البلاد واستثمارها لفائدة جميع أبنائها والعمل ~~على رقيها المادي والأدبي وتدعيم الحرية والعدالة الاجتماعية ومساواة المواطنين جميعا ~~في الحقوق السياسية وأمام القانون. # وأصبح أمام فرنسا طريقان لا ثالث لهما: إما إرضاء الرغبات الوطنية، وإما السعي في ~~القضاء على الحركة القومية. ولكنها لم تقدر على اختيار خطة واضحة، وبقيت مترددة مستسلمة ~~للظروف، لا تقدم رجلا ولا تؤخر أخرى، فكانت سياستها تشبه سني المشط تعلو وتسقط، فزادت ~~الحالة ارتباكا والمشكلة تعقيدا، واستفحلت الأزمة بتونس وتململ الشعب وحنق. وكان ~~جلالة الملك محمد الأمين يطالب ممثلي فرنسا بإنجاز ما وعدوا به، وتحقيق ما تعهدوا به، ~~فلما رأى تقاعسهم واضطراب كلامهم كاتب رأسا رئيس الجمهورية الفرنسية ليضع فرنسا أمام ~~مسئوليتها ويطلعها على الخطر الداهم ووجوب تداركه قبل فوات الأوان، وتعد هذه الرسالة ~~المؤرخة في 11 أبريل 1950 مرحلة تاريخية في العلاقات بين تونس وفرنسا، يقول فيها: # صديقي العزيز # اعتبرنا قوانين التطور البشري الذي لا يمكن أن يتجاهلها الإنسان من غير أن ~~يثير أزمات، ينبغي تجنبها بأي ثمن كان والاحتياط لها قبل وقوعها، فرأينا من ~~واجبنا المقدس نحو رعايانا المخلصين أن نكلف ممثل فرنسا ms116 لدينا أثناء حفلات ~~رسمية وفي مرتين اثنتين، بأن يحيطكم علما برغبتنا الملحة في تحقيق إصلاحات ~~جوهرية لإيجاد حل مرض لجميع المشاكل المتولدة من النظام الحالي الذي يسود ~~تونسنا العزيزة الآن في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية ~~والثقافية. # وإن شعبنا الذي يخضع لتيار التطور والتقدم المشترك بين الشعوب، قد برهن أيضا ~~بصفة محسوسة عن نيته في أن يكون لجانب شعب فرنسا النبيل أثناء الحربين ~~الكبيرتين لكي يساهم في انتصار الحق وتمكين مبادئ السلم والوفاق والكرامة ~~والرفاهية للجميع. # وتلك هي الغايات السامية التي يصبو إليها شعبنا الشاعر شعورا كاملا بحقوقه ~~وواجباته. # وحيث لم يأت رد إلى هذه الساعة على ما قدمناه مرتين، وخشية أن ينقلب الضجر ~~الذي ظهرت بوادره في شعبنا يأسا يكون سببا في إحداث ما نريد تجنبه، أسرعنا ~~إلى مخاطبة معاليكم رأسا. # وإن يقيننا لوطيد في أنكم ستتفضلون بإعارة كامل اهتمامكم لهذه المشكلة ~~الخطيرة، لإيجاد حل لها تفرضه الحالة العالمية وتمليه ما بين بلادينا من صداقة ~~صادقة وثقة متبادلة. # وكان لتلك الرسالة مفعولها الحاسم في اتجاه السياسة الفرنسية؛ إذ كلفت الحكومة ~~الفرنسية ممثلها بتونس جان مونص بدرس مشروع إصلاحات جوهرية وبتهيئة الجو اللازم لها، ~~ولكن الجالية الفرنسية شنت حملات شديدة بمجرد ما شعرت باتجاهه الجديد، وضيقت عليها ~~الخناق، وهاجمته مهاجمة لا رحمة فيها ولا هوادة، وحاكت له بباريس مؤامرة ذهب ضحيتها، ~~فعوضته الحكومة الفرنسية إذ ذاك بمقيم عام آخر «بريليه» مهمته تطبيق ما وضعه «مونص» من ~~مشروعات. وذهب وزير الخارجية «روبرت شومان» بنفسه للاحتفاء به في منصبه القديم كمتصرف ~~أعلى لمقاطعات شرق فرنسا، وألقى خطابا بمدينة «تيون فيل» صرح فيه بأن الهدف النهائي ~~للسياسة الفرنسية في تونس هو تحقيق استقلالها، فقال حسب ما نشرته الصحف الفرنسية بتونس، ~~وخاصة «لابريس» و«البتي متان»، بتاريخ 11 يونيو 1950: # في هذا المساء الذي يقوم فيه مسيو بريليه بآخر عمل بصفته متصرفا أعلى عندما ~~استقبل أعضاء البرلمان، يمكننا أن نقول له إن اعترافنا بالجميل لعظيم، وأريد ~~أيضا أن أعبر عن كبير تقديرنا لمن يسعى في إدراك مقاصدنا ms117 فيفهمها فهما ~~صحيحا؛ إذ ذلك الفهم سر الاتحاد الفرنسي، وستكون للمسيو بريليه Perillier # في وظائفه الجديدة رسالة فهم تونس ~~وقيادتها نحو ازدهار تام لثروتها وإيصالها إلى استقلالها الذي هو الهدف النهائي ~~لجميع الأقطار المشمولة في الاتحاد الفرنسي، ولكن ضرورة فترات من الزمن وآجال ~~تتعاقب أمر حتمي، فإن نجح هذا العمل فإن فرنسا تكون قد قامت من جديد برسالتها ~~التمدينية خلال تاريخها الطويل. # فأحدث هذا الخطاب رجة عميقة في الأوساط الاستعمارية والأوساط الوطنية التونسية أيضا، ~~لقد صرحت فرنسا للمرة الأولى على لسان المسئول عن سياستها بتونس أي وزير خارجيتها بأن ~~هدفها هو استقلال تونس، وكان زعيم الحركة القومية الأستاذ الحبيب بورقيبة مقيما إذ ذاك ~~بباريس فعلق على خطاب شومان بقوله: الآن اتفقنا تماما مع فرنسا على الأسس والمبادئ ولم ~~يبق إلا الشروع في المفاوضة لإنجازها وتطبيقها، ولكن المستعمرين وأصحاب الامتيازات ~~والمصالح من الفرنسيين أسرعوا إلى مهاجمة وزير الخارجية بعنف وشدة ليحبطوا أعماله ~~وينسخوا أقواله ويجبروه على نقض ما أبرمه وإخلاف ما وعد به. # وأخذ تراجعه يظهر عند مجيء المقيم العام الجديد إلى تونس، فألقى بعد وصوله بزمن قصير ~~بتاريخ 13 يونيو 1950 خطابا طويلا مسهبا شرح فيه ما أجمله وزير الخارجية في تصريحه ~~بتيونفيل فبسط القول فيما تريد فرنسا إنجازه من إصلاحات وتحقيقه من تحويرات لنظام الحكم ~~بتونس، ولمح للغايات البعيدة تلميحا لا يخلو من غموض فقال في مفتتح كلامه مبينا مهمته: # سأتحدث إليكم في هذه الليلة عن هذا التعاون وأبين لكم الإجراءات التي قررت ~~حكومة الجمهورية تحقيقها باتفاق مع الحضرة العلية، وهذه الإجراءات هي المراحل ~~الأولى لتطور ضروري لا بد منه. # ثم وجه القول إلى الجالية الفرنسية المتعنتة في تمسكها بالحالة الراهنة وفي معارضتها ~~لكل إصلاح حقيقي: «وفي اعتقادي أن الجمود خطأ؛ لأن كل شيء يتطور حولنا وما دام التطور ~~ناموسا طبيعيا فلست أرى كيف يمكن أن يخيف كائنا من كان.» # وأخيرا صرح بأن الهدف النهائي هو الاستقلال الداخلي: «ولكن من الإنصاف أن تسلك البلاد ~~التونسية سبيلها بعد إدخال تغييرات ms118 تدريجية على منشآتها لبلوغ مرتبة الحكم الذاتي ~~الداخلي.» # وهكذا تراجعت فرنسا في وعدها بالاستقلال قبل أن ييبس الحبر ويجف القلم الذي سطر به، ~~وإن عادتها أن تتضاءل الوعود الكبيرة وتضيق محتوياتها كلما ازدادت من الإنجاز قربا ومن ~~التطبيق دنوا. # وليست نية فرنسا أن تعطي تونس استقلالها الداخلي الناجز، بل ستسير فيه حسب مراحل ~~متعددة ربما يطول أمدها وتتمطط آجالها، وستكون أولى المراحل تحوير السلطة التنفيذية ~~وإصلاحها الجوهري إذ: «قررت الحكومة الفرنسية أن كيان حكومة تونس طبقا للنظام الذي وضع ~~لها في عام 1947 ينبغي إدخال تعديلات عليه من شأنها تعزيز ذاتيتها وتوفير وسائل عملها ~~وجعلها أداة رقي للمنشآت التونسية فضلا عن كونها صالحة لسير الأمور في البلاد ~~التونسية. # والحكومة الفرنسية عازمة على أن تبرهن على صادق عزمها على جني ثمار التطور التدريجي ~~الذي يبلغه الشعب التونسي حتى تنمو روح الوعي السياسي وتزداد كفاءة الأهلين في إدارة ~~شئون البلاد.» # فهل ستكون السلطة التنفيذية في أيدي التونسيين؟ أم سيبقى بعضها في قبضة الفرنسيين؟ ~~وهل ستتكون حكومة تونسية بالمعني الكامل وتصبح الوزارة لا تشمل بين أعضائها غير ~~التونسيين؟ أم يحتفظ مجلس الوزراء بتركيبه مناصفة بين التونسيين والفرنسيين؟ لم يجب ~~المقيم العام عن سؤال واحد من هذه الأسئلة ولم يوضح طريق حل تلك المشاكل. # وقد كان البند الثاني من مشروع الإصلاحات لا يقل غموضا عن البند الأول، وهو يقرر ~~«إشراك النخبة التونسية في إدارة شئون بلادهم؛ فإن الحكومة الفرنسية عازمة كل العزم على ~~أن توسع في المستقبل القريب الطريق للتونسيين القادرين على القيام بأعباء المسئوليات ~~الفنية المطلوبة عن جدارة.» # هل معنى هذا أنه سيصبح للتونسيين الحق في القيام بأعباء الوظائف العامة في بلادهم، ~~وتحت سماء وطنهم، والواقع أن النظم الإدارية التونسية لم تبعد التونسيين عن المناصب ~~الإدارية، ولكن الفرنسيين اغتصبوها اغتصابا وأبعدوا عنها أبناء البلاد واحتكروها ~~لأنفسهم، وليس إرجاع الحق لأصحابه مما يتطلب قانونا جديدا خاصة وأنهم لم يحرموا منه ~~بقانون سابق، فهل يكون الإصلاح إذن إصدار مرسوم ملكي يحدد جنسية الوظيفة العامة بتونس؛ ms119 ~~إذ لا يمكن أن تكون غير تونسية، ويحدث لها نظاما كاملا يكون تونسيا أيضا، ذلك ما ~~لم يتعرض له المقيم العام في خطابه. # ثم إنه تحدث عن البلديات ومنافعها عندما تصبح منتخبة فكان كلامه مجملا أيضا يكتنفه ~~الغموض من كل جانب. ~~«إن الحكومة الفرنسية عازمة على البحث عاجلا عن إمكانية تحقيق التطور للنظم البلدية ~~التي تمكن السكان الذين يهمهم الأمر من المشاركة مباشرة في تسيير شئون المجتمعات ~~المحلية لتنمية الروح القومية والحصول على تجارب في ممارسة النيابات العامة في مثل هذا ~~الميدان تتكون الرجال. # فهم يتدربون أولا على المسئوليات في هذا النطاق الخاص، ثم يدعون بعد ذلك لاستخدام ~~مواهبهم في نطاق أسمى، ألا وهو نطاق الشئون العامة.» # فاحترز التونسيون؛ لأنهم لم يجدوا في هذا الخطاب ما يوافق رغائبهم، ولكنهم أمسكوا ~~أعصابهم انتظارا لتطور الحالة. أبدت الأوساط الفرنسية بتونس استياءها منه على ما فيه ~~من ميوعة وغموض مقصود واستنجد ممثلوهم بباريس بأصحاب الفكرة الاستعمارية المتطرفة - ~~وكثير ما هم - وقاموا جميعا بحملة عنيفة على وزير الخارجية وخاصة في مجلس الجمهورية، ~~فاضطر «روبير شومان» للدفاع عن فكرته متقهقرا إلى الوراء، ناسيا ما صرح به في تيونفيل، ~~ولكنه رغم تراجعه المبين أكد وجوب الإصلاحات الجوهرية وإنهاء الحكم الفرنسي المباشر ~~بتونس، فخطب في ذلك المجلس يوم 19 يوليو 1950 قائلا: # وإنكم محقون أيضا في قولكم بأنه لا يمكن لنا أن نحتفظ إلى ما لا نهاية له ~~بما يقوم به الفرنسيون بتونس من حكم مباشر، بل ذلك هو موضوع إصلاحاتها. ~~... ولكن لا يمكن أن نحرم تونس من كل إصلاح مدعين أنه ينبغي انتظار الهدوء في ~~الأفكار؛ إذ رفض الإصلاحات نفسه سبب جديد لإحداث الحنق والاضطراب. # وينبغي لنا أيضا أن نوفق بين ما نريده من محافظة على المصالح الفرنسية وبين ~~الرغائب الشرعية للسكان التونسيين، وستتجدد نفس المشكلة في جميع البلدان ~~الراجعة مسئولية الحكم فيها إلينا، الآخذة في التطور وإن كان بطيئا، وقد رفعنا ~~مستواها تدريجيا في الميادين السياسية والاجتماعية والثقافية. # وذلك هو العمل الصعب الدقيق الذي يواجه ms120 البرلمان والحكومة الفرنسية. # وأريد في الختام أن أجدد تعهدي بأنه ليس في نيتنا إهمال أية مصلحة من تلك ~~المصالح سواء أكانت فرنسية أم تونسية، بل نرى أنه في الإمكان - وإذن من الواجب ~~- التوفيق بينها، ولكن لا يمكن - كما قلتم - أن تبقى في الجمود الحالي، وما رفض ~~الإصلاحات في الساعة الراهنة - بأي عذر كان - إلا الجمود بعينه في أسوأ ~~الحالات. # فجدد هكذا وزير خارجية فرنسا وعوده - وإن كان فيها شيء من التراجع - وتعهد بصفة رسمية ~~بإنهاء الحكم الفرنسي المباشر في تونس والقضاء على الركود والجمود بمسايرة التطور وضمان ~~مصالح التونسيين. # وكان الرأي السائد في مجموع الشعب التونسي ألا تترك الفرصة تمر من غير أن ينتهزها لكي ~~توضع فرنسا أمام مسئولياتها؛ فإن وفت بوعودها فإن تونس تكون قد حققت رغائبها من غير ~~كبير عناء وإراقة دماء وإضاعة وقت، وإذا نكثت تعهداتها تكون محجوجة أمام الرأي العام ~~العالمي وأمام الرأي العام التونسي خاصة، ولم يبق إذ ذاك في إمكان أي تونسي أن ينتقد ~~الحزب الحر الدستوري عندما يخوض معركة التحرير، بل يصبح الشعب بأسره - المعتدل منه ~~والمتطرف - مقتنعا اقتناعا كاملا بألا مفاهمة ممكنة مع فرنسا وأن كل مفاوضة سلمية ~~معها آيلة إلى الفشل. # واتصل جلالة الملك محمد الأمين الأول بالقادة الوطنيين وأصحاب الخبرة السياسية من ~~أبناء الشعب ليطلع على رأيهم في الموضوع ودعاهم إلى تحمل مسئولية الحكم ومنحهم ثقته ~~وألح عليهم في أن يكونوا أعضاده ومساعديه؛ لأن مصلحة الوطن العليا تتطلب منهم ضربا ~~جديدا من التضحية سعيا إلى إنقاذ البلاد، فينبغي ألا يبقى جلالته وحده فريدا فيما ~~سيجري من مفاوضات مع الحكومة الفرنسية، بل من الضروري أن يتقدموا إلى الصف الأمامي، ومن ~~الواجب الحتمي عليهم أن يكونوا لسان الشعب الناطق، والمدافعين الرسميين عن حقوقه، ~~والمعبرين الصادقين عن رغائبه، وجلالة الملك من ورائهم يعين ويؤيد التأييد الكامل ~~المطلق، فيكون هكذا قد نزع الأمانة من عنقه ليضعها في عنقهم. # ولما وجد منهم أذنا صاغية واقتناعا بما رسم لهم من خطة كلف دولة السيد محمد شنيق ms121 - ~~باتفاق مع ممثل فرنسا لويس بريليه - بتشكيل الوزارة الجديدة، ثم وقع اختيار بقية ~~أعضائها باتفاق أيضا مع المقيم العام ، فبعد مشاورات جديدة تألفت الوزارة في 17 أغسطس ~~سنة 1950. # وكانت مهمتها كما جاء في البلاغ الرسمي الصادر في نفس ذلك اليوم: «التفاوض باسم جلالة ~~الملك في التعديلات الأساسية التي من شأنها أن تقود البلاد في مراحل متتابعة نحو ~~استقلالها الداخلي.» وقد أصدر المقيم العام الفرنسي نفسه ذلك البلاغ بعد مناقشة استغرقت ~~ساعات بينه وبين أعضاء الوزارة التونسية اتفقوا أثناءها بدقة تامة على معاني كل لفظة ~~وكل عبارة جاءت فيه. # ثم ألقى الوزير الأول في ذلك اليوم خطبة تقليده المسئولية أمام جلالة الملك في الحفلة ~~الرسمية بين فيها بإيضاح أهداف الوزارة والمبادئ التي ستكون أساسا لعملها، فكان ذلك ~~الخطاب دستورا لها وعهدا في عنقها، وهو يعبر في آن واحد عن الجو السياسي السائد في ~~البلاد، ولما له من قيمة ننشره كاملا: # يا صاحب الجلالة # تتقدم الوزارة التي قلدتموها شرف مسئولية الحكم الثقيلة إلى سدتكم السامية ~~بكامل الإجلال والتعظيم وعميق الولاء والإخلاص. # لقد شعرت جلالتكم بالمأزق السياسي الذي أصبحت فيه الإصلاحات التي أدخلت على ~~البلاد سنة 1947، فبرهنتم بصورة واضحة جلية عن عزمكم على الخروج منه بإجراء ~~إصلاحات جوهرية تتمشى مع التطورات العالمية وتطور شعبكم الوفي الذي لن ينسى ~~مواقف مليكه المفدى، فأصبح من المحتم تطور العلاقات الفرنسية التونسية بإصلاح ~~عميق لمنظمات الدولة التونسية. # يا صاحب الجلالة: # إن الوزارة التفاوضية الماثلة بين يديكم ستأخذ على عاتقها - حسب توجيه ~~جلالتكم الثمين ومع تسييرها للشئون الإدارية - مهمة قيادة البلاد التونسية نحو ~~استقلال داخلي يتسع نطاقه شيئا فشيئا، إجابة لرغائب أمتكم المخلصة الوفية في ~~استرجاع السيادة التونسية بكامل حقوقها ومميزاتها والتي صرح بشرعيتها جناب وزير ~~خارجية الحكومة الفرنسية وممثل الجمهورية الفرنسية الفخيمة. # وإن هذه المأمورية التي عهدت بها جلالتكم لوزارتكم هذه ينبغي تحقيقها على ~~مراحل وفي أمد معقول حتى يتجلى التعاون المثمر والمبني على الثقة المتبادلة بين ~~حكومتكم وجناب ممثل الجمهورية الفرنسية. # وستعمل هاته الوزارة معتمدة على ms122 ثقة جلالتكم الغالية وتأييد أمتكم الوفية ~~إليها على تهيئة مشاركة شعبكم المخلص في تسيير دفة الحكم. # وسيسجل التاريخ عبرة تكليف جلالتكم لنا بقدر ما يوفقنا الله إلى إنجاز هذه ~~الإصلاحات بما يحقق هاته الآمال. # أبقى الله جلالتكم وأيدكم بروح منه وجعلكم مفخرة العرش الحسيني الرفيع ~~العماد. # لم تحد وزارة محمد شفيق عن الطريق التي سطرتها لنفسها، وتابعت الجهود لتحقيق مهمتها ~~الرئيسية في قيادة البلاد التونسية نحو استقلال داخلي يتسع نطاقه شيئا فشيئا أي السعي ~~إلى استقلال تونس بطريق التفاوض مع الحكومة الفرنسية، مظهرة إرادة فعالة في إخراج ~~الوعود الفرنسية الرسمية من حيز الكلام والخطب إلى حيز الواقع والوجود. # واهتز الشعب اهتزازا؛ شعورا منه بأن التجربة الجديدة ستكون حاسمة، وأملا في أن ~~فرنسا ربما تكون قد فهمت أن إرضاء رغائبه بطريق التفاهم أسلم لها ولتونس، وظهرت علامات ~~الارتياح والفرح في جميع مدن المملكة وقراها؛ لأن شعب تونس كان عازما العزم كله على ~~نيل استقلاله، مهما تكن الصعوبات ومهما تبلغ التضحيات، وكان السبب الأساسي لذلك الفرح ~~الكبير ما شاهده من وحدة قوية بين تونس الشرعية الممثلة في جلالة الملك ووزارته وتونس ~~الشعبية الممثلة في الحزب القومي، الحزب الحر الدستوري التونسي والمنظمات القومية كلها: ~~(الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد العام للفلاحة التونسية. والاتحاد العام ~~للصناعة والتجارة، وجامعة المحاربين القدماء التونسيين وغيرها). # وهكذا تحقق الشعب من أن طريق المستقبل قد تفتح أمامه بفضل تلك الوحدة الحقيقية ~~المتينة، وأن تونس ستتقدم نحو استقلالها إما بالتفاهم مع الدولة الحامية - إن حققت ~~وعودها - وإما بالدفاع عن كيانها والذود عن حقوقها وخوض معركة التحرير. ~~(2) نوايا المتفاوضين # لم يندفع التونسيون إلى المفاوضة إلا بعد أن استوثقوا من التعهدات الفرنسية المرة تلو ~~الأخرى، وبعد أن تيقنوا أن التجربة التي رضوا أن يقوموا بها ضرورية لرفع الستار عن ~~نوايا فرنسا الحقيقية نحو تونس، ومن الملاحظ أن أعضاء الحكومة الفرنسية وممثلي فرنسا ~~بتونس لم يعطوا كعربون على حسن نواياهم غير الوعود والكلام والألفاظ، وأن فرنسا ليست ~~وليدة أمس، بل لها تقاليد قديمة ms123 ومبادئ سياسية أصولية توارثتها الأجيال في وزارة ~~الخارجية قليلا ما تحيد عنها ولا تخالفها إلا مضطرة، وقد كان أكبر سياسي أخرجته فرنسا ~~«الكردينال ريشيليو» قد طبق تلك المبادئ وسن بعضها سنا، وكان يقول: # 1 # من كانت له القوة كان في غالب الأحيان محقا في الشئون الدولية، ويصعب على ~~من كان ضعيفا ألا يظهر في مظهر المخطئ في نظر أغلبية العالم، واشتهر بأنه واقعي لا ~~تقوده عاطفة ولا تلين قلبه رحمة ولا يردعه رادع ولا يوقظه ضمير، إنما تملي عليه أعماله ~~كلها مصلحة الدولة؛ ومصلحة الدولة لا غير، فهو لا يكون قاسيا لأجل القسوة ولا يكون ~~رحيما ميلا للرحمة، ولا يكون كريما حبا في الكرم، بل أعماله كلها رامية إلى غرض ~~واحد هو تقوية الدولة وتغلبها على أعدائها بجميع الطرق والأساليب، فيرى ضرورة إخضاع ~~القوانين لا للعدل والإنسانية، بل لحاجيات السياسة، فلم يسع في إكساب العدل قوة ~~ونفوذا بل سعى في تبرير القوة واستخدامها وإعطائها قوالب العدل، وكان ريشيليو يقول ~~أيضا: «من يفاوض يجد دائما الساعة المناسبة للوصول إلى غايته.» # إن كل من يطالع كتاب «الأمير» للمؤلف الإيطالي الشهير «مكيافيللي» يرى أن ريشيليو ~~اتخذه قدوة يقتدي بها ويستنير بضوئها. # وقد كانت التجربة التونسية دليلا قاطعا على أن تعاليم ريشيليو وأستاذه مكيافيللي ~~متحكمة في السياسة الفرنسية إلى يوم الناس هذا، وإن لم تجد في تنفيذها عباقرة يماثلون ~~ريشيليو. # إن الساسة الفرنسيين الذين تصدوا لمفاوضة التونسيين لم يتنازلوا عن حق من حقوق تونس ~~المغصوبة أصلا، واكتفوا بالمناقشات في الجزئيات ربحا للوقت وتعجيزا لمفاوضيهم، وكأن ~~الكاتب الفرنسي «لابرويار» عناهم في وصفه للسياسي إذ قال: «جميع نظريات السياسي وجميع ~~مبادئه وجميع دقائق سياسته ترمي إلى غاية واحدة، وهي ألا يقع وأن يوقع غيره.» والغير هنا ~~هي الحكمة الوطنية التونسية، وقد ظن المستعمرون أن أنجع طريقة للقضاء عليها هي الزج بها ~~في وزارة تفاوضية لإظهارها في مظهر المستكين الراضي والمشارك المستسلم، وهي طريقة طريفة ~~في السياسة الفرنسية الاستعمارية؛ إذ رأى الاستعمار أن أساليب القمع والشدة وسياسة ms124 ~~الحديد والنار لم تفلح في تونس، بل زادت الحركة الوطنية التي أقيمت على دماء الشهداء ~~انتشارا وعمقا حتى استعصى استئصالها وصعب مراسها. # إذا وضعنا الأقوال الفرنسية المعسولة والوعود والتعهدات الرسمية جانبا ونظرنا إلى ~~الواقع كما هو نرى إذ ذاك النوايا الحقيقة وأولها القضاء على الحزب الحر الدستوري ~~بوسائل متعددة، لم تبتدئ المفاوضات حتى رأينا قوات البوليس والجيش الفرنسي يطاردون رجال ~~الحزب في كل مكان، ويهاجمون اجتماعاته ويحتلون أماكنها، ويضيقون عليه الخناق، ويجرون مئات ~~من أعضائه وقادته أمام المحاكم العسكرية والمدنية الفرنسية التي أخذت تصدر عليهم ~~الأحكام القاسية، فامتلأت سجون تونس بالدستوريين، والدستور يتفاوض مع فرنسا، وقد تمسك ~~المقيم العام الفرنسي بإبقاء الحزب الحر الدستوري منحلا قانونيا مدعيا أن ليس له ~~السلطة الكافية للاعتراف به، وأن الحكومة الفرنسية لم تسمح له بذلك بعد، والحقيقة أن ~~المقيم العام كان متفقا مع المستعمرين الكبار في تسديد أشد الضربات للحزب القومي، وقد ~~تمسك أيضا بجميع القوانين الاستثنائية الغاشمة التي سنها المقيمون السابقون وحرموا ~~تونس بمقتضاها من جميع الحريات، فلا حرية للقول، ولا حرية للنشر، ولا حرية للاجتماع، ولا ~~حرية للتنقل، بل سلاسل وأغلال وكم للأفواه، وسيف مسلول على رقاب التونسيين جميعا، وقد ~~كان التضييق أشد من ذلك كله؛ إذ تمسك المقيم العام بإبقاء حالة الحصار مضروبة على جميع ~~القطر التونسي، وهي أمضى سلاح في يده، فمنذ نصبت يوم 9 أبريل 1938 لم تلغ، فكان التونسيون ~~كلهم تحت رحمتها مهددين في أرزاقهم وبيوتهم وأشخاصهم، والوزراء أنفسهم ليسوا في منجاة ~~عنها، فهم يتفاوضون والخطر يهددهم. # فإذا كانت نية المستعمرين الأولى هي القضاء على الحركة الوطنية فإن غايتهم البعيدة من ~~المفاوضات هي إعطاء ما اغتصبته الجالية الفرنسية من سلطات الصبغة القانونية؛ لتمكينهم من ~~كسب حقوق في تونس لا يتمتع بها إلا المواطن التونسي، فإذا ما أصبح الفرنسيون مشاركين في ~~مؤسسات الدولة التونسية شرعا وقانونا فإن الاستعمار الفرنسي يكون قد خطا الخطوة ~~الحاسمة في ابتلاع تونس وإدخالها في الاتحاد الفرنسي، ثم جعلها جزءا لا يتجزأ من التراب ~~الفرنسي. ms125 # وكان الديوان السياسي دارسا للسياسة الفرنسية عارفا بمنعرجاتها حذرا منها متيقظا ~~لتلاعبها وقد نبه الشعب كله في اجتماعات نظمها في جميع أنحاء القطر ، فكان يقول: «نحن ~~أعرف بالاستعمار الفرنسي وغاياته من غيرنا ولم نكتف بدرسه في الكتب والمجلات والصحف بل ~~درسناه نحن الدستوريين في أرواحنا وأجسامنا، وما زالت بقايا التنكيل والتعذيب والسجون ~~والمنافي ظاهرة بينة فينا، فإن برت فرنسا بوعودها وأخلصت في نواياها فإنها تكون قد ضمنت ~~مصالحها العليا وكسبت ود شعب وصداقته، ونكون حققنا غاياتنا الوطنية واقتصدنا في قوانا ~~وادخرناها للبناء والتشييد لا للتهديم والتخريب، وإن كانت الأخرى فينبغي أن نتهيأ لخوض ~~معركة التحرير وأن نعد الأسباب للنصر النهائي؛ إذ لم نشارك في الوزارة للاستكانة ~~والراحة، بل لتزيد قوتنا متانة وصفوفنا نظاما وعملنا جدا وكفاحنا شدة، فينبغي أن ~~يكون رائدنا الحذر وقائدنا اليقظة وسبيلنا العمل.» # وكان يستحيل على الاستعمار الفرنسي أن يأخذنا على غرة، فعندما تكونت الوزارة الوطنية ~~برئاسة دولة محمد شنيق وقع في أيدي الجالية الفرنسية وداخلها الخوف وتململ الموظفون ~~الفرنسيون، فأخذوا يعدون العدة لمقاومة حكومتهم نفسها، فأسرع المقيم العام إلى تهدئة ~~خواطرهم وإقامة الدليل لهم على أن الحكومة الفرنسية تماشيهم في الواقع وتريد إرضاءهم، ~~فبعث برسالة دورية إلى جميع المراقبين المدنيين يعلمهم رسميا أنه لم يتغير شيء في ~~تونس وأن النفوذ كله باق في قبضة الفرنسيين؛ فينبغي لهم ألا يسلموا شيئا من السلطة إلى ~~التونسيين. # ووقعت إثر ذلك مشادة حامية بين وزير الدولة الدكتور محمود الماطري وبين السلطات ~~الفرنسية نتيجة لرسالة المقيم العام الدورية، وأن العمال (المديرين) والعمد تابعون ~~لوزير الدولة إداريا، فغاب عامل (مدير) ماطر في إجازة وعين العمدة علي بن عمارة ~~ليعوضه أثناء غيابه، وكان هذا العمدة معروفا مشهورا بتعسفه للرعية وقسوته وظلمه الفاحش؛ ~~معتمدا في ذلك على موالاته للفرنسيين وخيانته المفضوحة لبلاده، وغدره ببني وطنه، فلم ~~يوافق الوزير على ذلك التعويض، وعين الكاهية (نائب المدير) المهبولي ليقوم بذلك المنصب ~~أثناء غياب صاحبه، فقامت قيامة السلطات الفرنسية كلها، وتمسكت بإبقاء الخائن ابن عمارة ~~في ذلك ms126 المركز، واستعدت لمنع الوزير التونسي بقوة البوليس والجيش من تنفيذ قراره، وأراد ~~المقيم العام أن يظهر للملأ أنه هو الحاكم بأمره في تونس ، وأن السيطرة الفرنسية كاملة لا ~~غبار عليها، فتحدى الوزارة التونسية، وأقام حفلة رسمية كبرى بماطر نفسها تكريما لعلي بن ~~عمارة، وألبسه نيشان جوقة الشرف الفرنسية في ذلك اليوم؛ ففضح نواياه الحقيقية قبل الشروع ~~في المفاوضات. # وبعد مناقشات طويلة مملة دامت أشهرا حول المستشارين الفرنسيين في الوزارات التونسية ~~لم يرض المقيم العام بإلغاء مناصبهم، بل أبقاهم فيها واكتفى بنقلهم من عمارات الوزارات ~~إلى الكتابة العامة ليعينوا الكاتب العام في مراقبة أعمال الوزراء التونسيين، فما راعنا ~~إلا والمقيم العام يلقي الخطب المسهبة الطويلة ويكرر التصريحات سواء في تونس أو في ~~باريس بأنه أعطى ترضية كبرى للتونسيين وقام بتحوير كبير في منظمات الدولة التونسية، وخطا ~~خطوة كبرى نحو الغاية المنشودة، وحقق لتونس المرحلة الأولى في استقلالها الداخلي، وذلك ~~كله لمجرد نقل بعض الموظفين الفرنسيين من عمارة إلى أخرى وقال أخيرا: «الآن وقد تم هذا ~~الإصلاح الجوهري الكبير ينبغي أن تستريح السياسة حتى يتم هضم هذا الإصلاح» فكأن ~~المفاوضات ابتدأت بالاستراحة من السياسة، وكان دور المقيم الفرنسي قد تم معظمه وأن واجب ~~الشعب التونسي يقضي عليه بأن يهضم الفراغ والعدم وأن يبقى على جوعه وعطشه. # فتلبد الجو بسرعة فائقة، وتوترت العلاقات، وكادت تقطع المفاوضات، فلم ير المقيم بدا ~~من استئنافها، وبقيت تتعثر إلى أن تم الاتفاق على بعض الإصلاحات التي صدرت بتاريخ ~~8 / 2 / 1951 فلم يتقبلها الرأي العام بارتياح. تمخض الجبل فولد فأرا؛ فهي لم تغير ~~الوضع ولم تنقل شيئا من النفوذ إلى أيدي التونسيين، لقد أصبح الوزير الأول التونسي ~~رئيسا لمجلس الوزراء بعد أن كان يرأسه المقيم العام الفرنسي بنفسه، أما مراقبة قرارات ~~الوزراء التونسيين فإنها انتقلت من الكاتب العام الفرنسي إلى المقيم العام الفرنسي، وقد ~~اعتبرت الوزارة التونسية نفسها تلك الإصلاحات مجرد اتجاه جديد في السياسة الفرنسية. أما ~~مجلس الوزراء نفسه فإنه بقي مركبا من فرنسيين وتونسيين، وقد ms127 علق عليها الوزير الأول ~~دولة محمد شنيق في بيان أصدره للصحافة يوم 8 / 2 / 1951 جاء فيه: «أما بقاء عدد من ~~الأعضاء الفرنسيين مساو لعدد الأعضاء التونسيين في مجلس الوزراء بصورة مؤقتة فإنه لا ~~يعني أبدا الرضا بالسيادة المزدوجة التي لا تجيزها المعاهدات ولا يبيحها الدستور ~~الفرنسي نفسه. # ولا تقتصر فوائد الإصلاحات الجديدة على ما ذكرناه؛ فإن الاتجاه الجديد التي وجهت فيه ~~العلاقات بين تونس وفرنسا والمبادئ التي أثبتتها هي التي تجعل الإصلاحات الجديدة - وليس ~~محتواها الهزيل - تمهد الطريق لمراحل أخرى ستوصلنا حتما وبصورة تدريجية إلى الاستقلال ~~الداخلي في نطاق السيادة التونسية. # لذلك فإنه يجب عند تطبيق الإصلاحات احترام الروح التي أملتها، وذلك بالتزام الدقة ~~والإخلاص في تنفيذ النصوص الجديدة التي روعي في تحريرها الوضوح التام الذي لا يترك أي ~~مجال للتأويلات الخاطئة.» # ولكن المقيم العام أسرع إلى خرق ذلك الاتفاق الجديد، ولم يراع الروح الجديدة وخالف ~~تلك النصوص الواضحة الجلية، فكون بالإقامة العامة نفسها إدارة استعمارية كاملة تشرف ~~على جميع الوزارات والإدارات التونسية وتسيطر عليها؛ بدعوى أن النصوص الجديدة أعطت الحق ~~للمقيم في الإدلاء بتوصياته على كل قرار وزاري. وإذا بتونس تخطو خطوة إلى الوراء؛ لأن ~~مراقبة الوزراء كانت من طرف إدارة تونسية وهي الكتابة العامة، فأصبحت الوزارات ~~والإدارات التونسية تحت إشراف ممثل فرنسا مباشرة، وقد قام المقيم العام بعمله من غير أن ~~يستشير الوزارة التونسية، بل من غير إعلامها أصلا، ووضعها أمام الأمر الواقع، وتمادى في ~~تطبيق برنامجه رغم احتجاجها. # فأتت إصلاحات 8 / 2 / 1951 بنتيجة معكوسة، وتوقفت أثرها المفاوضات، وكانت حركة العمال ~~تمتد وتنتظم في تلك الأثناء، وأصبح الاتحاد العام التونسي للشغل من أكبر العوامل في ~~السياسة التونسية، ودخل إلى البوادي بعد تنظيم صفوفه في المدن، وازدادت عداوة المستعمرين ~~له، وسعوا في وقف تياره المرة تلو المرة من غير جدوى. # وقام العمال والفلاحون التابعون لشركة زراعية فرنسية (شركة النفيضة) بإضراب، فاتخذتها ~~السلطات الفرنسية فرصة لإفساد العلاقات بين تونس وفرنسا لكي لا تستأنف المفاوضات، ولكي ~~تضرب الاتحاد ضربة ms128 شديدة تعطل سيره، فاستنجد المراقب المدني بالقوات الفرنسية وأرسلها ~~حالا لتلك المزرعة، مناقضا بعمله وعود المقيم الصريحة لوزير الشئون الاجتماعية بأنه ~~سيعطيه الوقت الكافي لحل تلك المشكلة بطريقة سلمية، وأنه لا يسمح باستخدام القوة إلا ~~بعد الاتفاق معه، ففوجئت الوزارة التونسية بأخبار مأساة جديدة؛ إذ اقتحمت القوة ~~المسلحة النفيضة وصادمت العمال وأطلقت عليهم النيران من غير سابق إنذار، وتتبعتهم إلى ~~وسط مدينة النفيضة نفسها قتلا وتشريدا، وكان من بين الشهداء امرأة حامل. # فاهتزت البلاد التونسية كلها لذلك الحادث المريع، وأعلنت إضرابا عاما يوم دفن ~~الشهداء، وسار وراء نعشهم نجل الملك والوزراء وقادة الحركة الوطنية والهيئات والمنظمات ~~القومية الكبرى ووفود جميع مناطق القطر التونسي. # واستخلصت الوزارة التونسية درسا مفيدا من واقعة النفيضة؛ إذ ظهر لها جليا وجوب ~~استسلام قيادة قوات الأمن من يد الفرنسيين، فلا يمكن للحكومة التونسية أن تحكم ما دامت ~~تلك القوات خارجة عن نطاق نفوذها، فيتخذها المستعمرون أداة شغب يعينون بها كل من يناوئ ~~تونس. # وأحيت تلك المأساة حزازات في النفوس بثت الريب والشكوك، وإذا بأخبار مراكش تزيد ~~النفوس حماسا؛ فقد حاصرت القوات الفرنسية السلطان سيدي محمد بن يوسف بقصره في مدينة ~~الرباط، وهدده الجنرال جوان المقيم العام بالخلع إن لم يوقع حالا على بروتوكول يوافق ~~فيه فرنسا على مبدأ مشاركة الفرنسيين في مؤسسات الدولة المراكشية، ولم يخف على ~~التونسيين أن انتصار الاستعمار بمراكش يعبد له الطريق للقضاء على الوطنيين بتونس، فأصدر ~~الديوان السياسي قرارا بالإضراب العام بإمضاء الأستاذ صالح بن يوسف الأمين العام للحزب ~~الحر الدستوري ووزير العدل في حكومة دولة محمد شنيق - وكان الإضراب عاما شاملا في ~~جميعه القطر التونسي يوم 10 مارس 1951، فاغتاظ الفرنسيون وأرادوا رد الفعل حالا، وقابل ~~المقيم العام جلالة الملك محمد الأمين يوم 12 مارس طالبا منه بإلحاح باسم الحكومة ~~الفرنسية أن يقيل الأستاذ صالح بن يوسف من الوزارة، وجرت بينهما محاورة نقتطف منها ما ~~يلي: # الباي ~~: # لماذا يا ترى تطلب مني إقالة ابن يوسف بهذا الإلحاح مع أنه يتمتع بثقتي ~~التامة؟ ms129 # المقيم ~~: # لأنه قام بعمل عدائي نحو فرنسا، فأصدر أمرا بالإضراب العام مقاومة للجنرال ~~جوان ممثل فرنسا بمراكش. # الباي ~~: # عدو فرنسا هو من يحدث لها القلاقل ويبعد عنها القلوب، أما صالح بن يوسف فإنه ~~نبهها لغلط ربما تقع فيه، وحذرها بعمله من خطأ كبير؛ لأن تهديد السلطان في ~~مراكش أو خلعه يجعل من أصدقاء فرنسا أعداء لها، زد على ذلك أن الشعب المراكشي ~~شعب شقيق يربطنا به الجنس والدين واللغة والوطن، وأنا شخصيا أعد سلطان مراكش ~~أخا لي في الإسلام، وكل ما يؤذيه يؤذيني أيضا، فأنا موافق لصالح بن يوسف وأعد ~~نفسي أبا للدستوريين جميعا، فلا أقيله من الوزارة، فقد عبر عن عواطف الشعب ~~التونسي بأسره، وأنا فرد منه نحو الشعب المراكشي. # وتعددت الخلافات وتشعبت بين السلطات الفرنسية والسلطات التونسية، وقد كان الفرنسيون ~~يفرضون أتباعهم وصنائعهم، فيملئون بهم مناصب الدولة ويعينونهم عمالا (مديرين) فيها ~~وحكاما وإن لم تكن لهم المؤهلات، وينيطون دائما مناصب النفوذ بموظفين فرنسيين، فوجدوا ~~أمامهم لأول مرة وزارة تونسية لها إرادتها ولها رأيها، ولم تتنازل السلطات الفرنسية عن ~~شيء من رغباتها، وخيرت تعطيل حركات الموظفين وتعيينهم وشل الإدارة التونسية كلها على ~~إرضاء مطالب التونسيين في ذلك الميدان. # ووقفت موقفا غريبا في قضية السكك الحديدية التونسية التي كانت ملكا للدولة ~~التونسية، وقد انتهت مدة الاتفاق في شأنها بين تونس والشركة الفرنسية التي كانت ~~تستثمرها، وكانت هذه الشركة توزع في كل عام على المساهمين فيها أرباحا طائلة وتطالب ~~الحكومة التونسية بأن تسد عجز ميزانيتها، فتمسكت الوزارة التونسية بوجوب تأميم استثمار ~~السكك الحديدية التونسية، وخاصة أن عجز ميزانيتها يدفع دوما من صندوق تونس، وأن الدولة ~~التونسية تقدم في جميع الحالات ضمانها لتسديد ما يتطلبه تجديد ما يلزمها من آلات، ~~وعارضت السلطات الفرنسية التأميم معارضة كلية، وأرادت أن تمنح استثمار السكك الحديدية ~~للشركة الوطنية الفرنسية، والغرض من هذه العملية إلحاق سككها بالسكك الفرنسية، وهي شركة ~~تابعة للدولة الفرنسية؛ إذ إن تأميم وسائل النقل تم بفرنسا منذ أعوام، واتسع نطاق ~~الخلاف واعتبرت فرنسا ms130 أن العرض التونسي في حل هذه المشكلة يرمي إلى إنقاص النفوذ ~~الفرنسي في الميدان الاقتصادي، وبداية تقلص ظله واتجاه جديد لتحرير تونس، ولم يتفق ~~الطرفان على حل من الحلول، وبقيت المسألة معلقة عدة أعوام . # وبلغ التوتر أشده في المفاوضات حول المجلس الكبير والبلديات، فقد تمسكت السلطات ~~الفرنسية بوجوب استمرار المجلس الكبير في عمله والنظر في الميزانية التونسية، وقررت ~~الوزارة التونسية عدم تجديد انتخابه بعد انتهاء مدته؛ لأنه مجلس استشاري بحت لا نفوذ له، ~~وخاصة لأنه مؤلف مناصفة من تونسيين وفرنسيين، ولا حق للفرنسيين أن يكونوا ممثلين في ~~المجالس السياسية التونسية؛ لأنهم أجانب. # وسعت الوزارة التونسية في تأسيس مجالس بلدية منتخبة؛ لكي يمارس السكان حقوقهم ~~الطبيعية فيها ويسهرون على صرف ما يدفعون من ضرائب بلدية ويتمرنون أيضا على ممارسة ~~الأمور العامة، ولكن الفرنسيين تمسكوا هنا أيضا بوجوب تمثيل الفرنسيين فيها. # وكان جلالة الملك يراقب عن كثب سير المفاوضات وتعثرها ويفكر في الوصول إلى نتيجة ~~عملية فرأى من الضروري دفع كل التباس يستفيد منه الاستعمار؛ بالتعبير عن إرادته الواضحة ~~في منح شعبه نظما ديمقراطية ليمكنه من حكم نفسه بنفسه، فأعد تصريحا بمناسبة الذكرى ~~الثامنة لجلوسه على العرش 15 / 5 / 1951 وعهد لوزير الشئون الاجتماعية معالي محمد بدرة ~~بإلقائه في الحفل الرسمي؛ ولما لذلك الخطاب من أهمية نورد نصه الكامل: # بسم الله الرحمن الرحيم # والصلاة والسلام على نبيه الكريم # نحمد الله على ما من به علينا من مشاهدة هذا العيد الأغر المحيي للذكرى ~~الثامنة لجلوسنا على عرش آبائنا الميامين، ونشكر له نعمته لما أفاضه علينا من ~~ولاء شعبنا الوفي وتعلق أبنائنا المخلصين، ونتجه إليه تعالى بالإجلال والإكبار ~~على جمع كلمة الأمة التونسية واعتصامها بعزتها القومية وبعث روح التماسك ~~والتعاون بين أفرادها، مما يبشر بإشعاع نور اليقظة وبلوغ الأماني. # أبناءنا الأعزاء: # إننا نتتبع بمزيد العناية تقلب الأحوال العامة، خيرها وشرها، ونسعى جهدنا ~~للنهوض بأمتنا إلى المرتبة التي تتطلع إليها بحكم ماضيها، وتستحقها بموجب رقيها ~~الحاضر، ولقد أثلج فؤادنا عملها المتواصل الحلقات في شتى الميادين ms131 وما تبذله في ~~سبيل إصلاح المجتمع وإنعاش الاقتصاد وتثقيف النشء وتنظيم الجماعات، فإنا واثقون ~~بأنها تبرهن على نضج شعبنا واستكمال وعيه القومي ومدى تطوره، وعن استعداده ~~للقيام بجميع المسئوليات التي لغيره من الشعوب الحرة، ومما يترتب عن هاته ~~المسئوليات من واجبات وحقوق. # وإن الظروف العصبية التي يجتازها العالم، والنزعات التي يتخبط فيها، ~~والاتجاهات المتعاكسة التي تكتسح قواه قد جعلتنا نشعر بشدة وطأتها عندما تنعكس ~~على مملكتنا العزيزة، ولقد أثبت الماضي القريب أن الدول المولى عليها هي - ~~كسواها من الدولة الحرة - لا تستطيع البقاء على عزلتها كما كان فيما مضى حتى ولو ~~شاءت ذلك، ومما يجدر الإشارة إليه أن هذا الشعب الذي ساهم بكل ما في طاقته ~~للقضاء على عوامل الطغيان وأبلى بلاء حسنا في الدفاع عن الحرية البشرية ~~ومناصرة العدل، صار من حقه أن يستنشق نسيم الحرية، وأن يرتوي من مناهل العدل، ~~وأن يتمتع بحقوقه الفردية والجماعية، وأن يعيش في اطمئنان، موفور الكرامة، في ~~كنف السيادة القومية الكاملة، ليصبح كل فرد منه مؤمنا في قرارة نفسه بأن له ما ~~لغيره من مواطني الأمم الديمقراطية التي شاركت في إنقاذ البشرية من الاستعباد، ~~وعليه ما عليهم. # ولقد عملنا لإقرار هذه الحقائق، فجاء تصريحنا بوجوب إدخال الإصلاحات الجوهرية ~~المتأكدة على نظام الحكم القائم في هاته البلاد، وسلكنا سبل التفاوض في معالجة ~~المشاكل الناجمة من التعاقد المبرم بين دولتنا والجمهورية الفرنسية، فألفنا ~~لهذا الغرض الوزارة الحالية التي منحناها ثقتنا، فكان أول أعمالها التحويرات ~~التي أصدرنا في شأنها أوامرنا العلية بتاريخ الثاني من جمادى الأولى من هذا ~~العام، وهي مرحلة أولية عزمنا على اجتيازها إلى مرحلة أخرى تتناول في آن واحد ~~تعديل أداة التنفيذ وكيفية تركيزها على قاعدة تمثيل شعبنا في تشكيلات منتخبة ~~وتحديد اختصاصات هاته التشكيلات. # ولقد ألهمنا الله عز وجل إلى هذا الإصلاح الجوهري، ووطد عزمنا على تحقيقه ما ~~مارسناه في شعبنا من رغبة في الرقي السياسي، وما علمناه فيه من بلوغ الرشد ~~والكفاءة، وهدانا إليه ديننا الحنيف بتعاليمه القيمة وإجماع الفقهاء على ms132 إقامة ~~الشورى، ومراعاة ما تقتضيه سياسية الرعية من الرضاء والقبول للأحكام الماضية ~~عليها، وحملنا عليها الاقتفاء بما سنه أسلافنا ملوك هذا البيت الحسيني المنيع ~~من مبادئ ونظم كفيلة الحقوق، الخاصة منها والعامة، وإننا عهدنا إلى وزارتنا ~~إنجاز ما يقتضيه هذا المشروع العظيم الأثر، البعيد الغاية، وإجراء الاتصالات ~~اللازمة لذلك، واتخاذ أصلح التدابير لإعداد النصوص التي تقر نيابة منتخبة تمثل ~~كافة طبقات شعبنا، ونأمل أن هذا الإصلاح الذي تتماشى روحه وتطور علاقات التحالف ~~التي بيننا وبين الجمهورية الفرنسية ويوافق نية الطرفين في تنمية الرقي السياسي ~~سيتحقق بروزه إلى حيز التطبيق. # والله أرجو أن ييسر ما عقدنا العزم على بلوغه بعونه تعالى، وأن يسدل علينا ~~بمنه شآبيب العطف والتوفيق في حسن النوايا والعمل حتى يتبدل عسرنا يسرا وتعم ~~الرفاهية مملكتنا المحروسة فتهنأ الخواطر وتطمئن القلوب، إنه السميع ~~المجيب. # وازداد التوتر بين المقيم العام والحكومة التونسية، واتسعت شقة الخلاف إلى أن أصبح من ~~العسير استئناف المفاوضات بينهما، وقد قطعت في الواقع منذ أشهر، بل كادت تقطع العلاقات ~~كلها. # وقد ساند الموظفون الفرنسيون الكبار المستعمرين، بل كانوا لسانهم الناطق والمنفذين ~~لإرادتهم والساهرين على امتيازاتهم، فحرصوا على أن يبقى النفوذ في قبضة الفرنسيين، ولم ~~يتنازلوا حتى عن بعض المظاهر، ولم يقبلوا أن يكونوا تحت إشراف الوزير الأول ولو صوريا، ~~وكانوا يقفون حجر عثرة في سبيل كل عمل تسعى إليه الوزارة التونسية، فتعطلت المصالح ~~العامة وأصاب الإدارة العامة ضرب من الشلل، وقد لاحظ كل من بحث الحالة التونسية في هذه ~~المدة وكل من زار تونس من الصحفيين الأجانب ما اعترى مؤسسات الدولة من عجز عن القيام ~~بعملها العادي، وقال أحدهم: # 2 # بعد تحويرات 8 مارس 1951 لم تتقدم تونس نحو الحكم الذاتي ولا الاستقلال ~~الداخلي، بل نحو الشلل الذي اعترى الحكومة؛ لأن مديري الإدارات من الفرنسيين يعرقلون كل ~~عمل ويفسدون العلاقات بين تونس وفرنسا خاصة وأنهم هم المباشرون لتلك العلاقات. # ودلت التجربة التونسية على فساد النظام القائم بتونس لما فيه من خلط قانوني ومن ~~اغتصاب السلطات ms133 الفرنسية لنفوذ السلطات التونسية اغتصابا سافرا، حتى أصبحت الدولة ~~التونسية ذات رأسين: رأس فرنسي تعود على هضم الحقوق وسلب النفوذ، ورأس تونسي يسعى ليحكم ~~ولم يتمكن من تنفيذ إرادته، ولا يمكن أن يعيش جسد يقوده رأسان متناقضان في ميولهما، ~~وظهر جليا أنه يعسر أن تسير تونس نحو حكمها الذاتي ويستحيل أن تتقدم منظمات دولتها ~~إلا إذا عوضت مديري إدارتها الفرنسيين بتونسيين. # أما الجالية الفرنسية والساسة المساندون لها في الحكومة الفرنسية والبرلمان، فقد ~~بذلوا جهودا لتعطيل كل مفاهمة جدية وشنوا الحملات المسمومة على الحكومة التونسية ~~والحركة الوطنية، وأجبروا المقيم العام على إرضاء رغباتهم والسير في ركابهم؛ لأن كل ~~تبديل في الحالة الراهنة يهدد امتيازاتهم المجحفة وينقص من سلطانهم، ولم يكتف المقيم ~~العام - لويس بريليه - بمناصرتهم في أعماله وأقواله، بل أصبح يخاطب الحكومة الفرنسية ~~سرا لكي تستمع لصوتهم وتحقق أمانيهم ولا تحيد عن رغائبهم، فكتب إلى الحكومة الفرنسية ~~بتاريخ 28 يوليو 1951 رسالة سرية لكي تعينه على فرض شروطه على الحكومة التونسية وجبرها ~~على إرجاء كل مفاوضة في شأن السير بتونس نحو استقلالها الداخلي بإدخال إصلاحات جوهرية ~~على نظمها إلى مدة عام على الأقل، فقال: # 3 # من الضروري أن نعلم الحكومة التونسية بحزم ودقة خلال الأيام المقبلة بعد العيد ~~الكبير - أي في الأسابيع الأخيرة من شهر سبتمبر - بالشروط التي نراها ضرورية لمناسبة ~~سياسة المشاركة أعني (أ) وضعا سريعا لنظام بلدي جديد عماده الانتخابات محتويا ~~على تمثيل الفرنسيين في المجالس البلدية. (ب) تجديد المجلس الكبير واجتماعه حسب ~~الشروط القانونية. # وينبغي أن يكون جواب الحكومة التونسية لا التباس فيه، فإن تم الاتفاق على هذه ~~الشروط فيجب متابعة تحقيقها، بتنظيم البلديات على أسس جديدة وتمكين المجلس الكبير ~~المجدد من القيام بعمله في الميزانية في الربيع القادم. # وإذ ذاك فقط، أعني بعد عام على الأقل، يمكن النظر في تحويرات جوهرية في النظم ~~العليا إن رأت الحكومة فائدة في ذلك. # وينبغي أن يحدد موقف الحكومة الفرنسية في ذلك الحين أولا: حسب سلوك المفاوضين ~~التونسيين. وثانيا: حسب سياسة ms134 بعيدة المدى فيما يتعلق بالمشاكل العامة لأفريقيا ~~الشمالية. # وكان المقيم العام بين عوامل متعددة، تتجاذبه اتجاهات متناقضة وأهواء مختلفة، وسعى ~~جهده ألا يغضب الفرنسيين وأن يجلب التونسيين في آن واحد، وإذا بأقواله تتضارب وتصريحاته ~~يناقض بعضها بعضا، إلى أن تكون جو من الشكوك والريب والانفعالات والغضب، وفشل فشلا ~~ذريعا في جميع ما أراد، وقد حللت جريدة «ليموند» الفرنسية بتاريخ 29 / 1 / 1952 سياسة ~~بريليه قالت: «اتبع بريليه تحت تأثير الجالية الفرنسية سياسة كسني المشط إقداما ~~وإحجاما، ارتفاعا ونزولا، فيتقدم خطوة ويتأخر خطوات، حتى أفسد الجو الملائم وسمم ~~العلاقات.» # فقررت الوزارة التونسية أن تسافر إلى باريس للمفاهمة رأسا مع الحكومة الفرنسية لسبر ~~غورها ومعرفة نواياها الحقيقية ووضعها أمام مسئولياتها وجبرها على إنجاز ما تعهدت به ~~لتونس أو الافتضاح أمام الرأي العام. # وتكررت اجتماعات غير رسمية بين الوزراء التونسيين وبعض الساسة المسئولين الفرنسيين، ~~وقد تلكأت الحكومة الفرنسية وتهربت من استئناف المفاوضات وأخذت تسوف وتماطل، بل رفضت أي ~~تفاهم مع الوزارة التونسية بصفة رسمية. # فسلمت إذ ذاك الحكومة التونسية للحكومة الفرنسية مذكرة بتاريخ 31 أكتوبر 1951 لكي ~~توضح رغائب تونس بجلاء لا يبقي مجالا للتردد أو الغموض والتساؤل معتمدة على تجاربها في ~~الحكم وفي النظم التي فرضتها فرنسا من قبل، فذكرت ببعض المبادئ المسلم بها واتخاذها ~~أساسا ضروريا لكل مفاوضة مقبلة وكل إصلاح. إن معاهدة 1881 التي اتخذت شكل اتفاقية ~~بين دولتين قد أبقت لجلالة الملك سيادته الداخلية، ثم جاءت اتفاقية 1883 التي أشير فيها ~~لأول مرة إلى «الحماية» وتضمنت أنه «لتسهيل الحماية على الحكومة الفرنسية فإن جلالة ~~الباي يلتزم بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة الفرنسية ~~إنجازها.» # فليس في هذا إذن قبول من جلالة الملك لنقل سلطاته إلى الحكومة الفرنسية، إنما ذلك مجرد ~~تعهد من الملك بإجراء كل إصلاح تعتبره الحكومة الفرنسية مفيدا. # وبالأحرى فليس في هذا أي تخل من جلالته عن سيادته الملكية؛ إذ إن جلالته احتفظ بحق ~~وضع التشريعات وسن القوانين ما دامت لا تخالف الالتزامات التي تضمنتها ms135 وثيقة ~~12 / 5 / 1881. # على أن اتفاقية 1883 بغض النظر عن عيوبها الجوهرية تقتضي في مفهومها التعاون بين ~~حكومتين لا حكما مباشرا تقوم به الحكومة الفرنسية بتونس، فضلا عن إضافة سيادة أخرى ~~للسيادة التونسية التي هي السيادة القانونية والشرعية الوحيدة، وهذا الأمر من البداهة ~~بحيث إن السلطة التشريعية ظلت كاملة بيد جلالة الملك. # وبينت الحكومة التونسية أن ذلك الحكم المباشر الفرنسي خلط وخروج عن المعاهدات ~~المبرمة: «... حدث أن صدر - استنادا إلى تفسير اتفاقية 1883 - قرار من جانب واحد (قرار ~~رئيس الجمهورية الفرنسية بتاريخ 10 / 11 / 1884) عهد للمقيم العام المصادقة بالنيابة عن ~~الحكومة الفرنسية على إصدار وتنفيذ جميع المراسيم الصادرة عن جلالة الباي»، وهكذا أصبح ~~هذا الموظف الفرنسي السامي هو رئيس الدولة الحقيقي؛ فقد أصبح له وحده حق إعطاء القوانين ~~القوة التنفيذية. # وبعد هذه الخطوة نحو الاشتراك في مباشرة السيادة الداخلية شاهدنا ظهور النظرية ~~الواهية القائلة بأن: «الحماية وضع مستمر التطور»، مما أدى إلى خلط في السيادة وإلى ~~الحكم المباشر. # فكيف يتم الإصلاح المنشود؟ وبأية طريقة تحقق تونس لنفسها ذلك الاستقلال الداخلي الذي ~~تعهدت فرنسا بإنجازه؟ ومن البديهي أن العمل الأول الرئيسي هو إبراز السيادة التونسية ~~وتخليصها مما اعتراها من غموض وعلق بها من خلط وأنابها من اعتداء، حتى تصفو صفاءها ~~القديم وترجع إلى جوهرها الفرد بإدخال نظام دستوري على الدولة التونسية لا يشارك في ~~مؤسساته غير التونسيين، وذلك ما وضحته الوزارة التونسية عندما قالت في مذكرة 31 أكتوبر ~~آنفة الذكر: «إن الاستقلال الداخلي الذي تنوي فرنسا تحقيقه يتناقض مع النظام الحالي في ~~ميادين التشريع والحكم والإدارة.» # إن الاستقلال الداخلي معناه أن تتمتع تونس بالسيادة الداخلية والحكم الذاتي وبحقها في ~~السير بنظمها الداخلية وفقا لأمانيها الخاصة. # وهذا الاستقلال الداخلي الذي هو عربون الصداقة بين تونس وفرنسا يجب أن يتم إنجازه في ~~أجل أدنى، ويجب المبادرة بتحقيقه في ثلاثة ميادين: الحكومة والتشريع والإدارة. # ففي الميدان الوزاري ثبت أنه من الضروري جعل الحكومة تونسية خالصة على أن يستعين ~~الوزراء ورؤساء المصالح الكبرى - عند الاقتضاء ms136 - بأخصائيين فرنسيين للقيام بمهامهم أحسن ~~قيام، وتكوين موظفين إداريين متصفين بالخبرة والمقدرة وفق المنهاج الإداري الفرنسي، ~~وبذلك نتجنب ازدواجا فعليا في داخل الحكومة التونسية من شأنه أن يعرقل تطور الشئون ~~العامة وسيرها، ويسيء إلى الصداقة بين تونس وفرنسا. # وفي الميدان التشريعي فإن إنشاء مجلس نيابي تونسي يضع القوانين ويراقب تصرفات الحكومة ~~وسياستها العامة سيكون خطوة هامة في طريق الديمقراطية، على أن يكون - مدة الفترة ~~الانتقالية - حق إعداد مشاريع القوانين مقصورا على السلطة التنفيذية مع تمتع أعضاء هذا ~~المجلس بحق إدخال تعديلات عليها. # أما في الميدان الإداري فإنه - مع ضمان الحالة التي اكتسبها الموظفون الفرنسيون الذين ~~هم في خدمة الدولة التونسية - يتحتم وضع نظام للوظيفة التونسية يتلاءم مع الوضع الجديد، ~~على أن تتعهد الحكومة التونسية من جهة أخرى، بألا تتعاقد إلا مع الفرنسيين فيما يتعلق ~~بالأخصائيين اللازمين للبلاد التونسية وبواسطة الحكومة الفرنسية. # ولم تقتصر الوزارة التونسية على إعطاء تلك الامتيازات للموظفين الفرنسيين، بل أعربت ~~عن نواياها الحسنة نحو الجالية الفرنسية كلها التي كانت دوما تعرقل المفاوضات حتى ~~أصبحت أعظم مشكلة في نظر فرنسا في سبيل حل القضية التونسية حلا عادلا يماشي القانون ~~والتعهدات الفرنسية والمعاهدات نفسها ... فإرضاء لها وحسما لما يمكن أن تكونه من شغب ~~أرادت الوزارة التونسية أن تعطيها الضمانات الكافية الكافلة لها ولحقوقها، بل سارت خطوة ~~أوسع إذ عرضت على فرنسا عقد معاهدة صداقة جديدة فقالت: «وبعد أن تسترجع تونس سيادتها ~~الداخلية، فإنه لا يكون لديها أي مانع من أن تعقد مع فرنسا اتفاقات للمحافظة على أمتن ~~العلاقات بين البلدين في الميادين الثقافية والاقتصادية والاستراتيجية، كما تضمن ~~للفرنسيين المقيمين بتونس التمتع بكامل حقوقهم المدنية وسلامة أملاكهم ~~وأشخاصهم.» # ومرت الأيام والأسابيع والأشهر والوزارة التونسية مقيمة بباريس تنتظر رد الحكومة ~~الفرنسية على مذكرتها، والمفاوضات معطلة، والاتصال قليل، وحامت الريب وقلق شعب تونس، ~~وفرنسا معرضة عن كل جواب كأنها لم تتعهد بشيء لتونس، ولم تقم وزنا للأزمة التونسية، ~~وأصبح سكوتها رفضا واضحا لمطالب تونس وتغافلا عن إرجاع حقوقها لها، وربحا للوقت ~~ونذيرا ms137 بما يبيت الاستعمار من مؤامرات جديدة. ولما تيقن دولة محمد شنيق من أن وراء ~~المماطلة سوء النية وخلف الصمت المفتعل نكثا للوعود الفرنسية الرسمية، أراد أن يطلع ~~الرأي العام العالمي على موقف كل من فرنسا وتونس وأن يضع المسئولية في أعناق أصحابها ~~فألقى بيانا في ندوة صحفية جمعها بتاريخ 12 ديسمبر 1951، واستعرض في بيانه الأطوار ~~التي مرت بها المفاوضات كلها ثم قال: «الحكومة التونسية لزمت لحد الآن الصمت التام لكي ~~لا تعرقل سير المحادثات. # أما الآن فإنا نرى أن الوقت قد حان لإثارة الرأي العام العالمي عن المفاوضات التي ~~تقوم بها في باريس، وعن المسئوليات التي قد تترتب عن المأزق الذي نخشى أن تنتهي إليه ~~العلاقات التونسية الفرنسية ... # وإذا اعتبرنا أنه في ظرف السنوات الخمس الأخيرة حصلت دول جديدة تقدر بأكثر من نصف ~~مليار نسمة على استقلالها ومن بينها الهند والباكستان وإندونيسيا علاوة على سوريا ~~ولبنان وجارتنا ليبيا، وجب الاعتراف بأن المطالب التونسية معتدلة غاية الاعتدال. # كما أنه من البديهي أنه مهما تكن الحجج التي يتذرع بها أنصار بقاء الحالة الراهنة، ~~فإن أية صورة من صور الحكم لا يمكن إقرارها رغم إرادة الشعوب، وليس من المغالاة في شيء ~~بعد سبعين سنة من محاولة جس النبض أن نطالب فرنسا مهد الحريات بسياسة حرة صريحة تجاه ~~شعب بلغ من التطور درجة لا تقل عما بلغته شعوب أخرى تتمتع اليوم بكامل سيادتها. # ومهما تكن الظروف فإن تونس لن تتخلى عن المطالبة بحقوقها، وعن الاعتصام بالضمانات ~~التي يخولها لها الضمير العالمي والحقوق البشرية.» # وكانت في تلك الأثناء قضية مراكش تعرض على الجلسة العامة للأمم المتحدة المجتمعة إذ ~~ذاك بباريس، وكانت فرنسا تنتظر قرارها بفارغ صبر وعلى أحر من الجمر، فلما رفضت هيئة ~~الأمم أن تنظر أصلا في القضية المراكشية فضلا عن أن تنصف الشعب الشقيق، اطمأنت إذ ذاك ~~الحكومة الفرنسية وتشجعت على إظهار ما أخفت من نوايا، ومالت مع المستعمرين المتطرفين كل ~~الميل، وجارتهم في جمودهم وأطماعهم وشرهم، وأرادت أن تحتفظ لهم بامتيازاتهم المجحفة، ms138 ~~وأن تعطي لاعتداءاتهم على السيادة التونسية صبغة قانونية، وقام أنصار الاستعمار ~~المتطرفون من أعضاء الحكومة الفرنسية - أمثال موريس شومان - بتحرير الرد الفرنسي على ~~مذكرة الحكومة التونسية وسلموه إليها بتاريخ 15 / 12 / 1951. # وتناسوا عند كتابته ما غنمته فرنسا من تونس سواء في الميدان الاقتصادي والمالي أو في ~~الميدان الحربي والدفاع عن فرنسا نفسها، وأعادوا حجج المستعمرين التي يستندون إليها لسلب ~~حرية الشعوب واغتصاب سيادتها واستثمار خيراتها إذ قالوا: # ومع البحث في الإمكانيات لتوجيه تطور الحماية في الاتجاه الذي يرجوه جلالة الباي، ~~فإن الحكومة قد تعجبت لأول وهلة من إهمال الإشارة إلى ما أنجزته فرنسا في الحاضر ~~والماضي من أعمال في تونس، وتعتقد فرنسا أنه يحق لها أن تفخر بالتقدم المحدث خلال ~~سبعين سنة بفضل المساعدة الحكيمة التي قدمها رؤساء الأسرة الحسينية في بلد أنشأت ~~فيه فرنسا الإدارة ونظمت العدالة والتعليم وحققت التقدم الاقتصادي والاجتماعي. وهذا ~~التطور وحده هو الذي أمكن بفضله مواجهة زيادة عدد السكان الذي تضاعف ثلاث مرات منذ ~~انتصاب الحماية. # إن هذا العمل قد تواصل في السنين الأخيرة بسرعة متزايدة، وكما تعلم الحكومة فإنه ~~بفضل مساعدة مباشرة من فرنسا أمكن تمويل كامل الميزانية الإضافية التونسية تقريبا ~~أي ثلث مصروفات الميزانية. # وهكذا فإن فرنسا تقوم بإنجاز برنامج واسع لتجهيز البلاد، والذي لا يمكن لتونس ~~بدونه أن تساير أحوال تطور الاقتصاد العالمي الذي بلغ عنفوانه، والإنجازات التي تمت ~~مثل سدود نهر «مجردة» والتي سيكون لها تأثيرها في التقدم بمشروعات الري، وكذلك ~~أهمية المخصصات المقررة للتقدم الزراعي ونشر التعليم وحماية الصحة العامة تشهد ~~بعظمة الجهود التي تبذلها الدولة الحامية. # ولم تذكر الحكومة الفرنسية ما تدعيه من فضل على تونس لمجرد التبجح والمن، بل قصدت أن ~~تتخذ ما قامت به من أعمال كمبرر لها في إبقاء استعمارها، فأوضحت في الحقيقة نواياها ~~الخفية في أن تبقى تونس تحت سيطرتها المباشرة، «إن الحكومة الفرنسية إذ تشعر بأنها تقوم ~~برسالة مطابقة لمعاهدة الحماية في أسمى أهدافها، لا تنوي التخلي في المستقبل عن عملها ~~الذي ترجع فائدته ms139 لمجموع سكان المملكة التونسية»، وتعني بالضبط لفائدة جاليتها الفرنسية ~~فقط، وقد طالبت بمنح تلك الجالية الأجنبية حقوقا لا يمكن بحال أن يتمتع بمثلها الأجانب ~~في أي بلاد كانت ولا يخولها القانون إلا للمواطنين وحدهم، لا يشاركهم فيها مشارك، وما ~~ذلك إلا خطوة حاسمة في تنفيذ الفكرة الاستعمارية الرامية إلى إلحاق تونس بفرنسا ~~وإدماجها فيها، فقالت الحكومة الفرنسية في مذكرة 15 / 12 / 1951: «وقد قام الفرنسيون ~~المقيمون بتونس في هذا العمل التعديني بدور رئيسي لا يمكن أن يخطر على بال أحد نكرانه، ~~وإن اشتراكهم بعملهم ونشاطهم في الحياة الاقتصادية بهذه البلاد، وأهمية مساهمتهم في ~~تمويل ميزانية الدولة التونسية لا تسمح بإقصائهم عن المشاركة في تسيير شئون البلاد ~~السياسية. # إن الحكومة الفرنسية متمسكة شديد التمسك بهذا المبدأ؛ لأنه في نظرها هو وحده الكفيل ~~بأن يضمن - بفضل مشاركة منتجة بين الفرنسيين والتونسيين - نمو المؤسسات ~~السياسية # 4 # نموا منسجما.» # فكيف اكتسبت الجالية الفرنسية حقوقا سياسية بتونس؟ يجيب الاستعمار الفرنسي بمنطقه ~~العجيب أن استحواذهم على خيرات البلاد وكنوزها واغتصاب السلطات من يد التونسيين جعلهم ~~أصحاب الحق في البلاد، وقد ذهبت فرنسا إلى أبعد من هذا فأوضحت نواياها وضوحا لا يبقي ~~مجالا للشك والتساؤل عندما جزمت جزما بأن تونس مرتبطة بفرنسا ارتباطا أبديا لا ~~نهاية له ولا حد لمدته، كأن تونس قطعة من فرنسا نفسها وهذه هي عبارات الحكومة الفرنسية: ~~«ويجدر أن تبقى هذه الاعتبارات ماثلة في الأذهان عند دراسة العلاقات المقبلة بين ~~بلادينا؛ لأنها لا يمكن أن تكون قائمة إلا على التسليم بأن الرابطة بينهما رابطة ~~نهائية.» # ثم إن الحكومة الفرنسية اشترطت شروطا وطالبت بإنجازها حالا وخاصة فيما يتعلق بتحقيق ~~مشروع البلديات بمشاركة الجالية الفرنسية فيها والبقاء على المجلس الكبير؛ لأنه يحتوي ~~على تمثيل الجالية الفرنسية فيه، وبعد ذلك كله قد تقرر فرنسا استئناف المفاوضات، وقد ~~تقرر وقفها، حسبما تراه صالحا، بل قررت الحكومة الفرنسية وحدها من غير أن تلتفت لرأي ~~الوزارة التونسية ولا رأي الشعب التونسي تكوين لجنة مختلطة للنظر في الإصلاحات التي ~~ينبغي إدخالها ms140 على المؤسسات السياسية التونسية: # على ضوء هذه التحفظات ومع مراعاة الاعتبارات العامة المبينة أعلاه أتشرف بأن ~~أحيط جنابكم علما أن الحكومة الفرنسية أعطت التعليمات لممثلها بتونس ليؤلف ~~ابتداء من شهر يناير المقبل لجنة مختلطة فرنسية تونسية لدراسة الترتيبات ~~الخاصة بالجهاز النيابي الذي قد ينشأ لتعويض المجلس الكبير للمملكة التونسية، ~~على أن تقدم نتيجة أعمالها في أجل محدود. # ورفضت هكذا الحكومة الفرنسية كل مفاهمة مع الحكومة التونسية وأعلنت أنها أناطت مهمة ~~التفاوض إلى لجنة مختلطة يعينها ممثلها بتونس تعيينا، وقطعت المفاوضة بين تونس وفرنسا ~~بعد أن رفضت تحقيق ما تعهدت به من استقلال داخلي، وقد استحال فيما بعد على الحكومة ~~الفرنسية وعلى ممثليها بتونس تكوين تلك اللجنة؛ لأن التونسيين جميعا أبوا أن يخونوا ~~وطنهم وأن يشاركوا فيها؛ لأن مبدأها نفسه ينقض ما وعدت به فرنسا. # وتولت الحكومة التونسية الرد على المذكرة الفرنسية (15 / 12 / 1951) التي تعتبر ~~مثالا للاعتداء الاستعماري ومخالفة للمعاهدات ونكث العهود، وفندت ما جاء فيها بندا ~~بندا بحجج ثابتة واضحة. # رد الحكومة التونسية على رسالة وزير خارجية فرنسا بتاريخ ~~15 / 12 / 1953 # إنني بمجرد عودتي إلى تونس لم أتوان عن إطلاع مولاي المعظم صاحب الجلالة سيدنا ~~محمد الأمين باشا باي عن نتيجة المهمة التي تشرفت بأدائها لدى الحكومة الفرنسية ~~بمشاركة زملائي أصحاب المعالي صالح بن يوسف ومحمد بدرة ومحمد سعد الله. # وأن مضمون مكتوبكم المؤرخ في 15 ديسمبر الماضي والموضح لموقف الحكومة الفرنسية عن ~~القضية التونسية قد استرعى اهتمام صاحب الجلالة السامي بصورة خاصة. # وها أنا أوافيكم بجواب حكومة ملك تونس على لسان جلالته وباتفاق تام مع كافة ~~زملائي الوزراء. # إن وجهة نظركم المبينة في رسالتكم بكامل الوضوح ترتكز خاصة على الحقوق التي تتمسك ~~بها فرنسا لنفسها ولرعاياها المقيمين بالمملكة التونسية نظير أعمالها مدة سبعين سنة ~~منذ قيام الحماية. # ومما يثير الدهشة أن تستغل تلك الأعمال التي لم يدر بخلد أحد نكرانها لترجيح كفة ~~النقاش الذي تغلب عليه الصبغة القانونية أكثر من السياسة، على أن أعمال فرنسا التي ~~لا ms141 يسمح المجال بالخوض في أغراضها ومراميها لا تبرر بأي حال من الأحوال بقاء شعب ~~كامل تحت القيد، فضلا عن عرقلة أمانيه المشروعة. # إن لفرنسا مصالح بتونس والحكومة التونسية المعبرة عن رأي صاحب الجلالة ورعاياه لم ~~تتردد في تقدير تلك المصالح، بل عرضت صورا لضمانها ما أكدته مذكرة 31 أكتوبر سنة ~~1951، كما أعربت الحكومة التونسية عن استعدادها لضمان مصالح الفرنسيين المقيمين ~~بتونس وإن كانت لا تتفق حتما مع مصالح فرنسا، كما عبر عن ذلك في وضوح أحد كبار ~~وزراء الجمهورية الثالثة، ومهما تكن المصالح المذكورة مرعية لا يمكن لها أن تأخذ ~~صبغة حقوق سياسية، تبيح للفرنسيين المشاركة في الحكم والتمثيل النيابي. # ولسنا في حاجة للإشارة إلى ما في ذلك من غموض وخطأ يؤديان إلى العبث بالمعاهدات ~~والاتفاقات المبرمة بين البلدين وإلى نكران المبادئ المعترف بها في القانون الدولي ~~في ميدان المساعدة بين الدول. # فإن مشاركة الفرنسيين في المنظمات السياسية لبلادنا ينطوي على إقرار لمبدأ ~~السيادة المشتركة المنافي للقانون، وعلى إقرار للأخطاء الناشئة عن الحكم المباشر ~~الذي يتعارض مع الدستور الفرنسي نفسه، ومع تصريحاتكم في مجلس الجمهورية الفرنسية ~~وفي هيئة الأمم المتحدة بصدد قضية مراكش، وأن مبدأ المشاركة في السيادة لو اعترف به ~~لأجاز لرعايا كل دولة تتعاون مع دولة أخرى في الشئون المالية والفنية والثقافية أن ~~يشاركوا في الحكم والتمثيل النيابي بها. # أما فيما يتعلق بالمساعدة المالية الفرنسية بوجه خاص، فمن الإنصاف أن نذكر أنها ~~قروض تلتزم البلاد التونسية بسدادها مع فوائدها، وهي مسجلة بميزانية الدولة في صورة ~~دفعات سنوية بعنوان: «الدين التونسي». # ولئن كانت فوائد هذه القروض لا تنكر وتستفيد منها البلاد وسكانها بصفة عامة، إلا ~~أن الفائدة الكبرى تعود على الشركات المحتكرة لغالب ثروة البلاد الطبيعية ولوسائل ~~النقل والمرافق العامة التي يكاد العنصر التونسي يكون مفقودا منها. # وإنه لمن المؤلم حقا أن نسمع ترديد نغم فرنسا بينما نرى في الوقت نفسه الصمت عن ~~مساهمة الشعب التونسي في المحن التاريخية التي أصابت فرنسا، فهل نسيت بعد التضحيات ~~في الأنفس خلال ms142 حربين عالميتين وأثناء جميع العمليات الحربية الفرنسية في أفريقيا ~~وآسيا، وتلك المساعدات التي قدمتها البلاد التونسية لفرنسا من تموين وأيد عاملة، ~~وتلك الكوارث والآلام والأحزان التي حلت بالبلاد التونسية من جراء الحرب التي ~~استمرت مدة ستة شهور على أرضها، أفهل تبقى بلادنا بالرغم من كل ذلك مدينة لفرنسا ~~إلى الأبد؟ # وإني أستبعد أن يكون لكم ولرجالات الدولة الفرنسية مثل هذا الرأي؛ إذ إن القضية ~~التونسية لجديرة بأن تبحث بحثا يرتفع بها عن حضيض المناقشات في الأرقام ~~والموازنات. # ومن جهة أخرى فإن الحكومة التونسية تعرب عن تحفظاتها بالنسبة للقواعد التي وضعها ~~كتابكم المؤرخ في 15 ديسمبر 1951، فقد كان يرمي إلى اعتبار التعديلات التي أدخلتها ~~الأوامر العالية بتاريخ 8 فبراير 1951 على نظام السلطة التنفيذية والوظائف العامة ~~تعديلات نهائية، ويثير موضوع تحقيق مشروع إصلاح نظام البلديات وفي الواقع أن ~~التعديلات المشار إليها تعديلات شكلية أكثر منها أساسية، ووصفها بأنها نهائية ليس ~~له أدنى مبرر؛ بدليل أن ممثل الحكومة الفرنسية لم يتردد في الاعتراف في كتاب رسمي ~~بتاريخ 19 مايو 1951 بأن «هذه الإصلاحات لم تكن لها أي صبغة نهائية، بل هي مرحلة ~~نحو إقامة الحكم الذاتي بالمملكة التونسية.» # يستنتج من رسالتكم أن سياسة المراحل - تلك السياسة التي تعتمد حسب تعبير المقيم ~~العام في خطابه بتاريخ 13 يونيو 1950 على مبدأ تعزيز شخصية الحكومة التونسية وتنمية ~~وسائل أعمالها لتصبح أداة صالحة لرقي المؤسسات التونسية - قد وقع العدول عنها ~~لفائدة البحث عن إصلاح نظام البلديات، بينما يعتبر صاحب الجلالة وحكومته أن النظام ~~البلدي غير ثانوي، بل هو جزء لا يتجزأ من جوهر النظام النيابي بالمملكة ~~التونسية. # فعندما تقدم الحكومة الفرنسية هذا الإصلاح كوسيلة أولية ضرورية لتنمية ~~الديمقراطية التونسية، تصرح الحكومة الفرنسية بغاية الارتياح أن القاعدة الأساسية ~~لكل ديمقراطية هي أولا وبالذات «السيادة الموحدة» فبدون وحدة السيادة التي يجب ~~الاعتراف بها قبل فتح أية مباحثة تصبح الديمقراطية التونسية صورة مشوهة للديمقراطية ~~الحقة. ويصبح الوضع الذي تتمثل فيه هذه الديمقراطية وهما وغرورا. # وعندما تؤكد الحكومة التونسية ms143 مبدأ وحدة السيادة، فإنما تعبر بكل صدق عن إرادة ~~مولاي المعظم التي أعرب عنها بوضوح في خطاب 15 مايو 1951 والتي تقضي بالسير بالنظام ~~الملكي التونسي نحو نظام ملكي دستوري يتمشى والطموح القومي من جهة، ومع المعاهدات ~~في «أسمى وضع معانيها» من جهة أخرى. # بيد أن خطابكم بتاريخ 15 ديسمبر 1951 أهمل هذه الناحية الأساسية للمسألة التونسية ~~فأدى إلى نكث ما تعهدت به فرنسا من يوم 12 مايو 1881 إلى 17 أغسطس سنة 1950، وذلك ~~لتمسككم الصريح بمبدأ مشاركة الفرنسيين في تسيير أنظمة الحكم في المملكة ~~التونسية. # إن حكومة صاحب الجلالة تشعر بأنها أظهرت غاية المجاملة والتسامح أثناء قيامها ~~بمهمتها الشاقة في المفاوضات، ولا يسعها إلا أن تأسف للإحجام الذي منيت به الحلول ~~الرشيدة المقدمة من الجانب التونسي منذ عام ونصف تقريبا. # ومما لا ريب فيه أن موقف حكومة الجمهورية الفرنسية وإن لقي كامل الرضى والاستحسان ~~من قبل الجالية الفرنسية في تونس التي تعارض أشد المعارضة التطورات الضرورية، قد ~~أدخل على جميع التونسيين مع الأسف شديد الحيرة والأسى. # وإني وزملائي لما لنا من الشعور السامي بمسئوليتنا نحتفظ لأنفسنا تجاه هذه الحالة ~~بحق استخلاص جميع العبر والنتائج لانتهاج الطرق التي تقتضيها المصالح العليا التي ~~هي في عهدتنا. # إمضاء # محمد شنيق # رئيس الوزارة التونسية # ولما بلغ الرد الفرنسي إلى الشعب التونسي عم الغضب والاستياء واهتز الرأي العام ~~اهتزازا لما فيه من مخالفة للوعود الرسمية، ونكث للعهود وخرق للمعاهدات، وتحد لعواطف ~~شعب كامل واعتداء مفضوح على سيادته وكيانه. # واجتمعت المنظمات القومية كلها وأرسلت برقية احتجاج إلى كل من رئيس الجمهورية ~~الفرنسية «فنسان أوريول» ورئيس الوزارة «بليفن» ووزير الخارجية «روبير شومان» قالت ~~فيها: لقد اختارت الحكومة الفرنسية مساعدة أقلية من أصحاب الامتيازات المتشبثين بفكرة ~~الاستعمار البائدة على احترام ما تمليه المعاهدات من واجبات في إرضاء رغائب الشعب ~~الشرعية. # وإن المنظمات القومية # 5 # لتجزم من جديد عزم الشعب التونسي على رفض كل سياسة ترمي إلى تدخل جالية ~~أجنبية - بأية صورة من الصور - في الشئون التونسية. # وتتعهد ms144 بالالتجاء إلى كل سبيل يمكنها منه القانون الدولي والمحافل الأممية حتى تتخلص ~~في أقرب وقت ممكن من نظام ينافي حق الشعوب في التحكم في مصيرها واختيار نظام الحكم الذي ~~ترتضيه لنفسها. # ولم تكتف تلك المنظمات بالاحتجاج، بل رأت ضرورة القيام بعمل واسع النطاق لعل الحكومة ~~الفرنسية ترجع إلى رشدها، وتبر بوعودها فقررت الإضراب العام لمدة ثلاثة أيام (21 و22 ~~و23 ديسمبر 1951) كإنذار أول للاستعمار الفرنسي، وبينت دواعي ذلك القرار في الصحافة. ~~«إن جواب الحكومة الفرنسية يعتبر رفضا صريحا لجميع المطالب التونسية، وإن في موقفها ~~نقضا للمعاهدات المحددة للعلاقات بين تونس وفرنسا؛ لأنها جزمت لأول مرة بصفة رسمية ~~مبدأ السيادة المزدوجة وأعلنت مبدأ تفوق مصالح جالية أجنبية على المصالح الوطنية لشعب ~~بأسره.» # وكان الإضراب عاما شاملا كاملا في الأيام الثلاثة في جميع القطر التونسي. # وإن الحكومة الفرنسية تحمل وحدها مسئولية قطع المفاوضات بتلك الطريقة المخجلة؛ إذ ~~إنها أعلنت مناصرتها لآراء جاليتها وأكدت بوجوب المحافظة على امتيازاتها الفاحشة، وقد ~~علق «ميتران» وزير الدولة الفرنسي في جريدة «لوكورييى دي لانيافر» قائلا: «يحسب بعض ~~الفرنسيين حسابا خطيرا عندما يحاولون احتكار جميع ما قامت به فرنسا لمصلحتهم وحدهم، ~~فيظهرون القلق أمام كل ما يمكن أن يبدد سيطرتهم؛ لأنهم يملكون أكثر وسائل ~~الإنتاج.» # وقد كان جواب الحكومة الفرنسية فاتحة عهد كله اضطرابات واعتداءات متوالية وتخريب ~~وتنكيل ودمار وعذاب ودموع ودماء، وقد أوعزت جريدة «ليموند» الفرنسية تلك الحوادث ~~المؤلمة إلى عدم تروي الحكومة الفرنسية، وأرجعتها لسببها الأول وهو رد 15 / 12 / 1952: ~~«كان في الإمكان تجنب الحوادث لو ضبطنا - من غير سوء نية - جميع المراحل الواجب قطعها ~~عندما قررنا سياسة تحرير تونس. # وكان في الإمكان التكهن بأن المعاهدات لا تسمح لنا بالاحتفاظ بالإدارة المباشرة في ~~تلك البلاد، وأن التونسيين لن يقنعوا بالكلم الطيب وحده، وأن قوتنا الحقيقية في أن نبر ~~بوعودنا ونحقق الصداقة الفرنسية التونسية. # إن إبعاد بورقيبة والاتجاه إلى الأمم المتحدة - والأمران مرتبطان - نتيجة مباشرة ~~لرسالة 15 ديسمبر الحمقاء، ومن الواضح الجلي أن محور تلك الوثيقة أراد ms145 مجاملة أنصار ~~التجمع الفرنسي للجالية الفرنسية بتونس، وضرب الوزراء التونسيين، وكان ذلك خاتمة حملة ~~طويلة قام بها نواب الموظفين الفرنسيين الصغار والمعمرين لإفساد ما قررته الحكومة ~~الفرنسية من سياسة التحرير على مراحل.» # وقد لخص زعيم تونس الحبيب بورقيبة في منفاه للصحفيين الحالة، ونشرت جريدة الفيجارو ~~الفرنسية تصريحه بتاريخ 22 / 1 / 1952 قال: «يجب على الحكومة الفرنسية أن تعترف بأن ~~التونسيين قد بلغوا رشدهم وأنه من حقهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم.» # وإن رفض فرنسا لجميع مطالبنا لم يبق مجالا إلا لأحد الحلين؛ إما مقابلة القوة ~~بالقوة، وإما رفع الخلاف إلى الأمم المتحدة. # ولم تلجأ تونس إلى استخدام القوة؛ إذ ليس لها جيش وليس لها سلاح وليس لها قوة غير قوة ~~الشعب المتكتل وقوة الحق والعدالة، فرفعت قضيتها إلى هيئة الأمم المتحدة لتكون حكما ~~بينها وبين فرنسا، بعدما انقلبت الحماية عدوانا والرعاية اغتصابا، وظهر جليا أن ~~الحكومة الفرنسية بجوابها 15 / 12 / 1951 لا تضمر إلا الشر المبيت لتونس، وقد صمت آذانها ~~عن كل مفاهمة ومدت يدها إلى السيادة التونسية، تريد القضاء عليها، وقالت كلمتها ~~النهائية التي تتحدى فيها الرأي العام العالمي والمواثيق الدولية متمسكة بمبادئ الماضي ~~المظلم من أن من حق القوي المسلح الفتك بالضعيف الأعزل وإخضاعه وسلبه حقوقه، فلم يبق ~~أمام الحكومة التونسية إلا أن قررت رفع الخلاف بين الدولة الفرنسية والدولة التونسية ~~إلى هيئة الأمم المتحدة، فسافرت من تونس بعثة وزارية مؤلفة من الأستاذين صالح بن يوسف ~~وزير العدل، ومحمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية، وقدما بتاريخ 14 / 1 / 1952 عريضة إلى ~~الأمانة العامة لهيئة الأمم، وهذا نصها، وهي غنية عن كل تعليق: # نص الشكوى التي قدمتها تونس لمجلس الأمن 14 / 1 / 1952 # حضرة رئيس مجلس الأمن # أتشرف بأن أرغب إليكم أن تتفضلوا برفع شكوى الحكومة التونسية بشأن الخلاف ~~القائم بينها وبين الحكومة الفرنسية. # فقد وقع كل من الدولة الفرنسية والدولة التونسية (بتاريخ 12 مايو 1881) على ~~معاهدة صداقة وحسن جوار: «سمحت الدولة التونسية حسب بنودها للحكومة الفرنسية ~~بأن تحتل مؤقتا بعض ms146 المراكز من التراب التونسي. # وقد أبقت تلك المعاهدة لسمو الباي التمتع التام والممارسة الكاملة للسيادة ~~الداخلية. # وتوصلت السلطات الفرنسية بتونس إلى إقامة نفسها مقام السلطات التونسية في ~~ممارسة تلك السيادة، وأحدثت هكذا نظام الحكم الفرنسي المباشر. # فكانت النتيجة حالة قلق دائمة وأزمة تزداد اشتدادا يوما فيوما في العلاقات ~~الفرنسية التونسية. # وتفاديا لتلك الحالة وإرجاع العلاقات بين البلدين إلى مجراها الطبيعي، تعهدت ~~الحكومة الفرنسية تعهدا باتا على التنازل على الحكم الفرنسي المباشر بتونس، ~~وعلى تمكين تونس من إدخال التطورات اللازمة على مؤسساتها السياسية إلى أن تحقق ~~استقلالها الداخلي. # واعتمادا على هذه التعهدات أسند إلى سمو الباي (في شهر أغسطس 1950) مهمة ~~«تشكيل وزارة تفاوضية غايتها السير بتونس نحو استقلالها الداخلي.» # وأعلن سمو الباي في 15 مايو 1951 عن إرادته في تمثيل شعبنا في تشكيلات منتخبة ~~وتحديد اختصاصات هاته التشكيلات، وعهد إلى الوزراء لاتخاذ أصلح التدابير لإعداد ~~النصوص اللازمة لذلك.» # وإن الصعوبات الناتجة عن عدم تنفيذ التعهدات التي بذلت قد حالت بين الوزارة ~~التونسية وبين القيام بالمهمة التي أنيطت بعهدتها، فانتقلت الوزارة التونسية ~~إلى باريس لمحادثة الحكومة الفرنسية في ضرورة تحقيق تعهداتها. # وعرضت الحكومة التونسية في مذكرة بتاريخ 31 أكتوبر 1951 شروط تحقيق الاستقلال ~~الداخلي الذي وعدت به فرنسا، وهي تتلخص في إحداث حكومة تونسية بحتة وهيئة ~~تمثيلية تونسية منتخبة انتخابا حرا مهمتها سن القوانين، وذلك كله حسب إرادة ~~سمو الباي الصريحة في خطابه. # وقد أجابت الحكومة الفرنسية بالرفض في مذكرة بتاريخ 15 ديسمبر 1951 عن ~~المذكرة التي قدمت لها في 31 أكتوبر بعد مفاوضات طويلة مملة. # وأكدت الحكومة الفرنسية في جوابها ضرورة «مشاركة فرنسيي تونس - وهي جالية ~~أجنبية - في تسيير المؤسسات السياسية بتونس»، وأن ذلك الموقف المخالف للقانون ~~يناقض مناقضة جلية ما جاء في معاهدة 12 مايو 1881 المذكورة أعلاه. # ومن ناحية أخرى اعتدت الحكومة الفرنسية على مبدأ وحدة السيادة بتونس ~~بمعارضتها تأسيس مجلس سياسي تونسي بحت. # وبالإضافة إلى ذلك فإن الحكومة الفرنسية عندما اعتبرت الروابط بين فرنسا ~~وتونس أبدية خرقت بنود ms147 معاهدة 12 مايو 1881 التي أكدت تأكيدا رسميا على ~~صفتها الوقتية (البند الثاني). # اعتمادا على تلك العبارات وعلى ما أظهرته فرنسا من إرادة في عرقلة إحداث ~~ديمقراطية حقيقية في المملكة التونسية، ترى الحكومة التونسية تلك الحالة تكون ~~خلافا بين الدولة الفرنسية والدولة التونسية وقد استحال حسم ذلك الخلاف ~~بالاتصالات المباشرة والمفاوضة. # إن موقف الحكومة الفرنسية يجعل أسس العلاقات الفرنسية التونسية محل نظر، وأن ~~تماديها في التمسك بسياسة الحكم المباشر في دولة لم تتنازل أبدا عن سيادتها ~~ومعارضتها لإصلاحات جوهرية ديمقراطية من شأنها إفساد إنماء ما بين الأمم من ~~علاقات ودية مقامة على احترام مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقهم في ~~الحكم في مصيرهم (البند1، ب2 من ميثاق هيئة الأمم). # فمن حق الحكومة التونسية - استنادا إلى الفقرة الثانية من الفصل 35 من ميثاق ~~هيئة الأمم المتحدة وعلى استعدادها لتحمل ما ينتج عنه من التزامات - أن تنهي ~~لمجلس الأمن الخلاف الناشئ بين الدولة التونسية والدولة الفرنسية لكي يجد لذلك ~~الخلاف حلا عادلا ولكي يسهر على حسمه بأنجع الطرق التي تضمن العلاقات الحسنة ~~بين الأمم. # وترغب منكم الحكومة التونسية، اعتمادا على الفصل 32 أن تتفضلوا بالسماح لها ~~بالمشاركة في المناقشة الخاصة بذلك الخلاف. # وتفضلوا حضرة الرئيس بقبول احتراماتي. # رئيس مجلس وزراء الحكومة التونسية # 14 / 1 / 1952 # وقد أفادت الحكومة الفرنسية قضية تونس من حيث أرادت الإساءة إليها؛ إذ أصبحت قضية ~~عالمية لها أنصارها في جميع أنحاء المعمورة وفي هيئة الأمم على الخصوص، وعبدت الطريق ~~لاستقلال تونس؛ إذ خرجت مشكلتها من النطاق الفرنسي البحت إلى النطاق الدولي، فأصبحت ~~تتطلب حلا دوليا حاسما لا بد أن تنتهي إليه ولو بعد حين، وأن الحكومة الفرنسية ~~بعملها المشين في نكث العهود جرت فرنسا إلى الفضيحة أمام العالم، وأفسدت شهرتها، وشوهت ~~سمعتها، ووضعتها على كرسي الاتهام؛ لما ارتكبته من عدوان على تونس، وما اقترفه جنودها من ~~فظائع في قطر كان يجب أن تحميه. # | العدوان الفرنسي المسلح # كانت الحالة بتونس في الأشهر الأخيرة من سنة 1951 متأزمة جدا ms148 والجو ملبد والغضب ~~سائد، ولكنه غضب مكظوم، وكل من زار البلاد من الأجانب في تلك الفترة شعر بعدم ~~الاستقرار، وكتب أحد الصحفيين الإيطاليين # 1 # يقول: «الانقسام ظاهر كلي بين الفرنسيين والتونسيين الذين يسعون لإخضاعهم ~~ولإشعارهم أن البلاد تونسية، إن العرب قد تطوروا بتونس وفهموا أن المستقبل لهم لا ~~محالة، فأصبحت الإصلاحات والوعود وبعض الترضيات الشخصية لا تقنعهم.» وكتب ~~آخر # 2 # يقول بعده بأيام: «بعد تحويرات 8 مارس 1951 لم تتقدم تونس نحو الحكم ~~الذاتي، ولا نحو الاستقلال الداخلي، بل نحو الشلل الذي اعترى الحكومة؛ لأن مديري ~~الإدارات من الفرنسيين يعرقلون كل شيء. # يمكن التعريف بتونس هكذا: قطر غني وسكان فقراء؛ لأن الخيرات والثروات كلها بأيدي ~~الجالية الفرنسية.» # لم تتفطن حكومة فرنسا ولم ترد أن تتفطن إلى تقدم تونس، وإلى عزمها على نيل حقوقها، ~~واستعدادها للتضحية في سبيل أهدافها الوطنية، فلم تسع لمعرفة الحالة بالضبط، بل تهاونت ~~وتبعت أسهل الحلول وهي حلول القوة؛ لأن الجالية الفرنسية كانت سدا منيعا بينها ~~وبين الحقيقة، ولكن الأجانب الذين عرفوا تونس معرفة دقيقة تنبئوا بالحوادث قبل وقوعها ~~وبحثوا أسبابها، وقال الكاتب # Santa Maria ~~: # 3 ~~«فإن كانت تلك التحويرات لا تحتمل بالنسبة للمستعمرين الفرنسيين الذين ~~يريدون المحافظة على السلطان المطلق الكامل والامتيازات، فإنها لا تذكر بالنسبة ~~للوطنيين التونسيين الذين يرون بأعينهم خيرات بلادهم تجر جرا إلى الفرنسيين وتملأ ~~جيوبهم، وكنوز تونس تستثمر كلها لفائدة جالية أجنبية، وهم بأنفسهم يستخدمون كآلات مسخرة ~~لها، حتى أصبحوا يعتقدون أن تحسين حالهم والوصول إلى حياة البشر الحقيقية معلق على نيل ~~الاستقلال التام. # وإن الثورة المنتظرة لم تمل بفرنسا إلى اتباع سياسة تسير بالبلاد والعباد نحو تحسين ~~حالة المعيشة والتطور نحو التقدم والرقي، ولكنها مالت كعادتها إلى أعمال الغالب المحتل ~~لبلاد غيره المسيطر عليه بقوة الحديد والنار الذي لا يعرف إلا الاضطهاد والقمع.» # وقد ظهر خطر تلك السياسة الفرنسية على دول البحر الأبيض المتوسط كلها؛ لأنها لا تنتج ~~إلا الاضطراب وعدم الاستقرار في مواقع استراتيجية حيوية بالنسبة لتلك الدول حتى قال ms149 ~~كاتبهم: # 4 ~~«إن السياسة الاستعمارية تعزل عن الدنيا جميع الشواطئ الجنوبية للبحر ~~الأبيض المتوسط وأن تلك السيطرة القاهرة للشعوب لا تثمر إلا الريبة والشكوك، ثم الثورات ~~المتتالية، وتكون عدم الاستقرار، وكأن القوات الأطلسية تعيش على بركان لا تدري متى ~~ينفجر.» # كانت الأعصاب متوترة في تونس، والشعب مصمما على عدم الاستسلام للقوة وعدم الرضوخ لما ~~تريد فرنسا له من محو ذاتيته وإدماج ترابه، وكان جو الانتظار خانقا رهيبا، والسكون ~~السابق للعاصفة يخيم على البلاد، وإذا بفرنسا تتبع أحد مبادئها القديمة البالية التي ~~كانت نجحت في القرون الماضية لاستنامة الشعوب المغلوبة على أمرها؛ لأن فرنسا كانت من ~~أقوى دول العالم المتحكمة في مصيره، فأظهرت قوات عتيدة ونشرتها في البلاد بمناسبة قدوم ~~المقيم العام «دي هوتكلوك» فدخل تونس يوم 13 / 1 / 1952 كالغازي المتهجم والغالب ~~القاهر والعدو المنتصر معلنا هكذا عن نواياه ونوايا بلاده وإرادتها القمع والاعتداء ~~المسلح، فوصل إلى ميناء تونس صباح ذلك اليوم على ظهر بارجة حربية مارسو # Marceau # وكان يصحبه منذ حل بالمياه التونسية بواخر حربية ~~أخرى من بينها الطرادة إيلان # Elan ~~، وكانت الفرقة ~~الخامسة الجوية المكونة من الطائرات الصاروخية من نوع فمبير # Vampires # تحلق فوقه وفوق مدينة تونس، وكان الجنود مصطفين على ~~الرصيف وعلى طول الطريق المؤدية إلى قصر الملك بمدينة حمام الأنف، وبمجرد ما رست ~~الباخرة بميناء تونس تعالت صفافير البواخر الراسية كلها، وبعد أن استعرض الجنود ~~المصطفين ذهب لزيارة جلالة الملك بقصر حمام الأنف محفوفا بقوات الفرسان. # وحدثت يوم 14 / 1 / 1952 أكبر مفاجأة للمقيم الجديد والحكومة الفرنسية نفسها التي ظنت ~~أن أعمالها بتونس لن تفضح وأن اعتداءها عليها سيبقى في الدائرة الفرنسية لا يتعداها، ~~وإذا بالوزارة التونسية ترسل وزيرين من أعضائها هما الأستاذ صالح بن يوسف وزير العدل ~~والأستاذ محمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية، فيتقدمان في ذلك اليوم إلى هيئة الأمم ~~المتحدة لتكون حكما في الخلاف بين تونس وفرنسا، ففقد الفرنسيون أعصابهم، وظهرت طبيعة ~~«دي هوتكلوك» الهوجاء، فعبر لجلالة الملك «أثناء زيارته له يوم الثلاثاء 15 ms150 / 1 / 1952 ~~عن عزمه على استخدام الشدة ضد حركة الدستور الجديد، وضغط عليه لإقالة وزارة محمد شنيق ~~وإرجاع الوزراء من باريس وسحب الشكوى من هيئة الأمم، وقد استعمل في أثناء حديثه عبارات ~~جافة لا تليق بالمقام.» # 5 # وسعت الحكومة الفرنسية وممثلها بتونس في أن تسقط الدعوى لدى هيئة الأمم المتحدة بجميع ~~الوسائل، وقد ثارت ثائرة الحكومة الفرنسية والجالية الفرنسية بتونس، وعدوا ذلك العمل ~~ماسا بناموس فرنسا وكرامتها؛ فكيف يتجاسر العبد المقهور والبلاد التي تعد ملكا لغيرها ~~على رفع رأسها؟! وكيف يجرؤ الخادم على سيده؟! وتوالت التصريحات الرسمية وشبه الرسمية تحمل ~~في طياتها التناقض والحيرة وتلجأ إلى الحجج السفسطائية فتقول تارة: «إن الدستور التونسي ~~قد أبقى السلطات كلها بصفة قطعية في يد الباي، وما الحكومة التونسية إلا مجرد مؤسسة ~~إدارية ... وإن سلمنا جدلا أن في إمكان تلك الحكومة أن تتخذ مثل ذلك القرار، فينبغي أن ~~نلاحظ أنها لم تجتمع ولم تبحث تلك العريضة التي قدمت للأمم المتحدة، فكان ينبغي أن تحمل ~~توقيع رئيس الدولة ثم تسلم إلى وزير خارجيته أي المقيم العام الذي له وحده الصفة التي ~~تخوله التقدم بها إلى الأمم المتحدة.» # وعادت الحكومة الفرنسية إلى عادتها في التلاعب بالألفاظ لعلمها أن الوزارة التونسية ~~غير مجلس الوزراء، وأنها مكونة من وزراء تونسيين فقط، وأنها هيئة سياسية قبل كل شيء، ~~فلها الحق في أن تقوم بالأعمال السياسية، ولها الحق في أن تتكلم باسم تونس في الداخل ~~والخارج، ومن ناحية أخرى كيف يعقل أن يقدم ممثل فرنسا شكوى ضد فرنسا، ولا يخطر إلا ببال ~~الفرنسيين أن تقدم فرنسا دعوى على نفسها، ومعنى كلامهم الحقيقي هو أن ترجع تونس في جميع ~~أمورها إلى الحكومة الفرنسية المعتدية عليها. # ونرى السلطات الفرنسية بتونس تدعي أنها تريد حماية شخص الباي من كل تهديد؛ ولكنها في ~~الواقع هي وحدها التي تهدده؛ فتطوق قصره بقوات حربية هائلة لتجبره على الاستسلام وعلى ~~طرد الوزارة التونسية التي ارتكبت ذنبا لا يغتفر في نظر فرنسا، ثم إن المقيم العام ~~أوعز للصحف ms151 الفرنسية بتهديد جلالة الملك تهديدا مباشرا بالتلويح والتلميح أول الأمر ~~ثم صراحة، ونقلت جريدة فرانس سوار # France soir # ذلك ~~التهديد بتاريخ 18 / 1 / 1952 قالت: «ما زالت الأوساط الفرنسية الرسمية تؤمل في أن يجيب ~~الباي طلب المقيم العام بروح تسودها الحكمة والاعتدال ... وأن العاصفة التي هبت الآن على ~~العلاقات الفرنسية التونسية يمكن أن تجرف في أعاصيرها حتى أعلى الشخصيات منصبا.» # وأصبح ذلك التهديد بعد أيام أمرا واقعيا صريحا إذ اتصل المقيم العام مباشرة بولي ~~العهد عز الدين باي ليهيئ خلع جلالة الملك محمد الأمين، لما رأى أن تهديده لم يأت ~~بنتيجة، ولا يخفى ما في ذلك من خرق للمعاهدات؛ إذ تعهدت فرنسا بحماية شخص الباي. # ولم تكتف فرنسا بذلك العمل السياسي، بل شرعت يوم 14 يناير نفسه في القمع وابتدأت حالا ~~في العنف؛ لترغم التونسيين على الخنوع والرضى بحالتهم الراهنة. # وكانت المحكمة الفرنسية قد قررت النظر يوم 14 يناير 1952 في القضية التي علقت بالسيد ~~«عبد العزيز المسطوري» الأمين العام لجامعة المحاربين التونسيين القدماء، وفي الساعة ~~التاسعة صباحا جلب الأخ المذكور من سجنه ليمثل أمام المحكمة حتى تحاسبه على نشاطه في ~~ميدان تكتيل المجحودة حقوقهم ولم شتاتهم في منظمة تونسية تنتصف لهم وتسهر على مصالحهم؛ ~~ما دام الإهمال قد خيم عليهم ولم يجدوا في المنظمة المختلطة اهتماما بشأنهم. # ولهذه المناسبة تجمهر أمام مدخل المحكمة عدد كبير من المحاربين القدماء جاءوا للإعراب ~~عن تعلقهم بقائد حركتهم وإظهار عطفهم عليه. # وعرضت القضية على أنظار المحكمة، وتقدم للدفاع عن المتهم الأستاذ بالاغة، فقام بمرافعة ~~قيمة كان لها رنينها، وقررت المحكمة تأجيل التصريح بالحكم إلى يوم 18 يناير سنة ~~1952. # وقد أبلغ هذه النتيجة إلى الجموع المحتشدة أحد رفقائهم ودعاهم للتفرق في هدوء وسكينة، ~~في انتظار التاريخ المذكور، وبينما كان المحتشدون يتهيئون للتفرق إذا بعصى أعوان ~~البوليس تعمل في ظهورهم وجنوبهم عملها ويهاجمون بدون سابق إنذار، فحصل تماوج في الصفوف ~~واضطراب لم يلبث البوليس بعده أن أخذ في إطلاق الرصاص على أولئك العزل المسالمين، ~~وتتابع ms152 ذلك الطلق ... وتتابع سقوط الجرحى حتى بلغ 9 تتفاوت جروحهم خطورة ... وبقي ثلاثة ~~منهم بالمستشفى لإخراج الرصاصات التي سكنت أجسامهم في أماكن حساسة. # وقد علقت جريدة الصباح على هذا الحادث بتاريخ 25 / 1 / 1952 بهذه الكلمات: # وقد أثارت هذه الحادثة الدامية الفظيعة غضبا في أوساط الشعب التونسي عامة ~~ورأت فيها بادرة استقبال طالع بها الجانب الاستعماري السفير الجديد ... وخير ~~برهان يقدمه هذا الجانب من جهة أخرى لهيئة الأمم المتحدة التي اتصلت بالشكوى ~~التونسية في نفس اليوم، على صدق هذه الشكوى وتدعيمها بصورة مما يعيش عليه ~~التونسيون. # لقد قام الجانب الفرنسي بهذه المناورة الدامية رغم تحذيرنا له من ذلك المرار ~~العديدة ... وتساءلنا؟ هل تكون الاضطرابات في هذا الظرف من صالحه؟ ولكنه ~~فعل! # إن الشعب التونسي ليحتج على هذه الاضطهادات والإرهاق، ويستصرخ العالم ويشهده ~~على سياسة الحديد والنار التي يساق بها إلى الفناء. # وقد بلغ حنق الشعب وحماسه أقصاه، ولكنه تحكم في أعصابه وأطاع أوامر حزبه في ~~المحافظة على الهدوء والسكينة، وإذا بالسلطات الفرنسية تستفزه وتثير عواطفه، ~~فقد قصدت جماعة من الدستوريات مدينة باجة يوم 15 يناير لتأسيس شعبة نسائية بها، ~~وإذا بقوات البوليس تهاجم مقر الاجتماع، وتلقي القبض على الزائرات كلهن، وعددهن ~~29 سيدة، وعلى عدد من قادة الحركة الوطنية بتلك المدينة، واحترام المرأة عند ~~المسلمين والعرب أمر مقدس، فلم يتحمل التونسيون ذلك العدوان ورأوا فيه إهانة ~~وتحديا لعواطفهم الوطنية والدينية، فعم الهيجان والاضطراب مدينة باجة، ومن ~~الغد (16 يناير 1952) على الساعة الثانية والنصف بعد الظهر سارت مظاهرة شعبية ~~هائلة تطالب بإطلاق سراح المساجين الذين اعتقلوا بالأمس، وكانت تتقدم بهدوء ~~وسكينة، ثم تفرقت تلبية لأوامر الحزب لكي لا تتصادم مع القوات الفرنسية، ولكن ~~تلك القوات تتبعت أفرادها وأخذت تصيدهم صيدا وتعتدي عليهم، وإذا بالجماهير تنظم ~~مظاهرة ثانية أكثر عددا وأضبط نظاما لتقدم عريضة احتجاج إلى العامل (مدير ~~الجهة)، ولكن القوات المسلحة الفرنسية هاجمتها من غير سابق إنذار وصادمتها صدمة ~~عنيفة وأرادت تشتيتها بالعنف، فرمتها أولا بالقنابل المسيلة للدموع، ثم أمطرتها ~~وابلا ms153 من الرصاص، فكان الوطنيون الذين لم يعدوا العدة لخوض معركة دامية ~~يتساقطون عشرات، وقد مات منهم عدد وجرح أكثر من ثلاثين شخصا، وفي نفس اليوم ~~جرت النسوة الدستوريات في مدينة بنزرت أمام المحكمة الفرنسية التي لم تجد ~~مستندا للحكم عليهن، فأطلقت سراحهن لما رأت من غضب الشعب وفورانه؛ إذ تجمع ~~الجماهير بمجرد أن بلغها خبر وصول النسوة إلى بنزرت، وجاء الناس أفواجا من ~~القرى المجاورة للمدينة، وسعوا في عبور الخليج الذي يفصل المدينة عن المنطقة ~~الشرقية على المركب المعد لذلك، ولكن القوات الفرنسية المسلحة احتلت المركب ~~ومنعت الجماهير من ركوبه وهاجمتها حالا، وشرعت من غير سابق إنذار في رميها ~~بنار حامية من بنادقها سريعة الطلقات، ودامت المعركة الصباح كله إلى الظهر، وبقي ~~الاضطراب سائدا في الجهة والمناوشات مستمرة، ولم تهدأ الحالة إلا في الليل، ~~واستشهد في الواقعة عدد من الوطنيين وجرح خمسة عشر جروحا بليغة وخمسة وأربعون ~~جروحا خفيفة. # ولما انتشرت أخبار تلك الوقائع الدامية أعلنت مدن المملكة وخاصة تونس وبنزرت ~~وفريفيل وباجة وصفاس الإضراب العام، ويوم 17 يناير اجتمع الشعب آلافا في مدينة ~~فريفيل القريبة من بنزرت، وفي الساعة الثامنة صباحا سارت مظاهرة كبرى من نادي ~~الشعبة الدستورية إلى مقر السلطات التونسية، لتقدم لها عريضة احتجاج، وكان ~~نظامها دقيقا يسودها ضرب من الخشوع لذكرى الشهداء ظاهر في هدوئها وسكينتها، ~~وإذا بقوات البوليس تهاجمها بغتة وتسعى في تشتيتها بالقوة وتطلق عليها الرصاص، ~~ويسقط المتظاهرون قتلى وجرحى يفوق عددهم الأربعين. # وخرجت مظاهرة عظيمة من منزل جميل التي تقع جنوبي بنزرت وسعت في الدخول إلى ~~هذه المدينة التي كانت مطوقة بالقوات الفرنسية، ودارت بين الوطنيين العزل ~~والجنود الفرنسيين المسلحين المعارك، فسقط قتيل تونسي وجرح عشرات من بينهم خمسة ~~عشر في حالة خطيرة. # وتجددت المظاهرات في الجيهة كلها، وكان أروعها مظاهرة ماطر. ~~(1) اعتقال الزعماء ومؤتمر الحزب # قررت السلطات الفرنسية أن تضرب ضربتها الكبرى يوم 18 يناير، وأن تسابق الحزب الذي ~~حدد ذلك اليوم موعدا لعقد مؤتمر غير عادي لاتخاذ ما تستوجبه الحالة من ms154 قرارات، ~~فابتدأت بأن حرمته من القاعات العامة الكبرى ووضعت أمامها حرسا مسلحا، وقد أسرعت ~~إلى إلقاء القبض على رئيس الحزب وزعيم الشعب الحبيب بورقيبة وعلى الأستاذ المنجي ~~سليم مدير الحزب وعلى عشرين شخصية من رجالات الحزب، فهاجمت قوات البوليس الفرنسي في ~~الساعة الرابعة صباحا بيت الحبيب بورقيبة وأخذته من فراشه وألقت عليه القبض حالا، ~~وكذلك فعلت مع الأستاذ المنجي سليم ونقلتهما إلى مطار «العوينة» قرب تونس ومنه إلى ~~مكان مجهول. ووصلت الأخبار في المساء أنهما أخذا إلى طبرقة للإقامة الجبرية فيها، ~~وهي تقع على شاطئ البحر قرب الحدود الجزائرية، أما بقية المعتقلين، فوقع إبعادهم ~~إلى صحراء الجنوب، وأصدرت الإقامة العامة بلاغها في اليوم نفسه وجاء فيه: «إن ~~المقيم العام عندما اتخذ هذه الإجراءات قد أوضح عزمه الراسخ على المحافظة على ~~النظام الذي يحمل مسئوليته، وهو يريد بذلك وضع حد للأعمال الخارجة عن القانون التي ~~تقوم بها عناصر غير مسئولة لا يمكن أن تتسامح معها في ضغطها على سلطات ~~البلاد.» # ويظهر جليا من هذا الكلام أن «دي هونكلوك» يظن - تحت تأثير الجالية الفرنسية - ~~أن إبعاد بورقيبة وصحبه سيخلي له الجو ويمكنه من الاستحواذ على الوزارة التونسية ~~وجلالة الملك نفسه، ولكن الحقيقة ظهرت حالا؛ إذ كل تونسي يحمل في نفسه المبادئ ~~الوطنية المقدسة لا يحتاج إلى تأثير خارجي ليقوم بما يفرضه عليه الواجب، ويعلم ~~المقيم العام ومستشاروه أن اعتقال الزعماء إنما القصد منه إثارة الشعب في ذلك الجو ~~المكفهر الملبد؛ ليتمكن من اضطهاده اضطهادا عاما شاملا، وخاصة أن يهيئ الأسباب ~~للقيام باعتداء مسلح ضد شعب تونس رجاء القضاء على الحركة الوطنية. # إن السلطات الفرنسية منعت بالفعل عقد مؤتمر الحزب عند عدم السماح له بالاجتماع في ~~إحدى القاعات الكبرى، ولم يكن في إمكانها منعه قانونيا؛ لأنها ألغت الحزب بقرار ~~رسمي يوم 11 أبريل 1938، ولم تعترف به منذ ذلك التاريخ، ولكن الحزب الذي له السيطرة ~~الواقعية على البلاد، عقد مؤتمره سرا صباح ذلك اليوم الصاخب، وقد رأسه أحد أعضاء ~~الديوان السياسي الأستاذ الهادي شاكر، ms155 وبعد مناقشة دامت ساعتين أصدر اللائحة ~~التالية التي وقعت الموافقة عليها بالإجماع: # لائحة المؤتمر # إن المؤتمر الوطني غير العادي للحزب الحر الدستوري التونسي المنعقد بتونس في ~~18 / 1 / 1952 برئاسة الهادي شاكر، بعد الاستماع إلى تقرير عن نشاط ~~الحزب. # ونظرا لأن الحزب بعد موافقة «المجلس الملي المتسع» قد دخل في تجربة تعاون ~~صريح مع فرنسا على أساس إلغاء الإدارة المباشرة والوصول بتونس إلى الحكم ~~الذاتي. # ونظرا لأن الحزب تأكيدا لرغبته في حل الأزمة السياسية المستحكمة حلا ~~سلميا، وتسوية العلاقات بين فرنسا وتونس في نطاق احترام السيادة التونسية، ~~والرد على استعداد فرنسا باستعداد أكبر، قد أوفد أمينه العام ليمثله في وزارة ~~تفاوضية. # ونظرا لأن الحزب بعمله هذا نجح في مواصلة نشاطه سواء في داخل البلاد أو ~~خارجها، وحتى داخل الحكومة. # ونظرا لأن روح التفاهم التي أظهرها «الديوان السياسي» جلبت لبلادنا الرأي ~~العام الديمقراطي العالمي، والرأي العام الفرنسي بوجه خاص. # ونظرا لأن مهمة التفاوض التي كلفت بها الحكومة التونسية لم تصل إلى أي نتيجة؛ ~~لاعتناق الحكومة الفرنسية وجهة نظر شرذمة المتفوقين التي لم تتعظ ~~بالأحداث. # ونظرا لأن الرد على مذكرة 31 أكتوبر 1951 يبين المعارضة التامة بين موقف ~~التونسيين وموقف الفرنسيين. # ونظرا لأن هذا النزاع الواضح الجلي دفع الحكومة التونسية إلى عرضه على مجلس ~~الأمن رغبة في تسويته. # ونظرا لأن سياسة الاضطهاد التي شرعت سلطات الحماية في اتباعها لا تعالج ~~الموضوع، وسوف تفشل حتما مثل حملات الاضطهاد التي سبقتها. # ونظرا لأنه تبين بهذه الصورة أن إعادة السيادة التونسية لا يمكن أن يتحقق عن ~~طريق الترقيع والإصلاحات الجزئية للنظام الحالي، الناتج عن المعاهدات وما لحقها ~~من نقض عند التنفيذ. # ونظرا لأنه تبين أنه في هذه الحالة يجب أن يقوم حل القضية التونسية على أساس ~~إلغاء النظام الحالي والمعاهدات التي تسببت في وجوده. # ونظرا لأنه من حق الحزب أن يعيد النظر في الأسس التي تقوم عليها العلاقات ~~الفرنسية التونسية، وأن يدفع الديوان السياسي - بناء على التطور العالمي - إلى ~~القيام بالأعمال التي من شأنها أن ms156 تحمل المسئولين على إعادة النظر في العلاقات ~~بين تونس وفرنسا. # فإن مؤتمر الحزب: # يؤكد أن إلغاء الحماية، وتحول تونس إلى دولة مستقلة ذات سيادة وعقد معاهدة ~~بين تونس وفرنسا تنسق على أساس المساواة، علاقة الدولتين في الميدان ~~الاستراتيجي والميدان الاقتصادي والميدان الثقافي، وتضمن المصالح الشرعية لجميع ~~الجاليات الأجنبية - هي الأسس الوحيدة التي يقوم عليها أي تعاون ودي ومثمر ~~ودائم بين البلدين. # ويعلن شديد احتجاجه على الإجراءات التي اتخذت ضد الرئيس «الحبيب بورقيبة» ~~ومدير الحزب «المنجي سليم» وكثير من أعضاء الحزب. # ويتبرأ من مسئولية النتائج الوخيمة التي قد تنتج عن هذه الإجراءات. # ويؤكد عزم الشعب التونسي على السعي بكل ما أوتي من قوة لتحقيق مبادئ وأهداف ~~ميثاق هيئة الأمم المتحدة سواء في ميدان الديمقراطية والحقوق الفردية ~~والجماعية، أو في الميادين الاقتصادية والاجتماعية. # ويجدد لجلالة الباي شواهد إخلاصه. # ويبدي لقادة الحزب وأعضائه الذين استهدفتهم تلك الإجراءات الاستبدادية تضامنه ~~الكامل معهم. # ويمنح ثقته للديوان السياسي، لمواصلة عمله التحريري الذي بدأ منذ تأسيس ~~الحزب. # تونس # الجمعة 18 / 1 / 1952 # وأصبحت تلك اللائحة دستور التونسيين في كفاحهم المرير، وبعد انتهاء المؤتمر، تشكل ~~وفد من أعضائه، وقصد قصر حمام الأنف ليقدم تلك اللائحة إلى جلالة الملك مع شواهد ~~الإخلاص، ولكن البوليس الفرنسي ألقى القبض على أعضاء الوفد كلهم قبل أن يتمكنوا من ~~الوصول إلى حمام الأنف. # وقد طوقت القوات الفرنسية المدججة بالسلاح قصر حمام الأنف، وعزلته عن العالم، ~~وقطعت قوات البوليس جميع الطرق المتصلة بتونس، وحاصرت المدينة نفسها، وملأت شوارعها ~~وميادينها بالجنود في زي الميدان والدبابات والسيارات المصفحة وسيارات القيادة ~~وحاملات اللاسلكي، فأقامت الدليل على أن الاعتداء مبيت وأنها مؤامرة دبرت بليل ضد ~~شعب أعزل. # وانتبه بعض المفكرين الفرنسيين إلى العاقبة الوخيمة التي ستنفجر لفرنسا في الميدان ~~الدولي عن استخدامها للعنف في تونس، فقال: # 6 ~~«من الملاحظ أن حوادث هذه الأيام تشابه حوادث سنة 1938 سواء في أسبابها ~~الطارئة أو أسبابها العميقة؛ فهي تابعة لخيبة المحادثات بين فرنسا وتونس. # ولكن اليوم اتخذت الإجراءات ضد زعماء الدستور ms157 الجديد في حين يلتجئ فيه الأمين ~~العام للحزب إلى الرأي العام العالمي، وأن رد الفعل - الذي كان عاجلا بتونس - ~~سيظهر لا محالة في النطاق الدولي.» ~~(2) استعداد فرنسا للاعتداء المسلح # رأت الحكومة الفرنسية أن قواتها المسلحة الموجودة بتونس لا تفي بالحاجة المنشودة ~~لقمع شعب كامل، والسيطرة على بلاد أصبح أبناؤها يؤمنون بالمبادئ الوطنية. والقطر ~~التونسي آمن، أعزل من كل سلاح، وقد لاحظ ذلك كثير من الأجانب، فقالت جريدة ~~«المساجيرو» الإيطالية بتاريخ 20 / 1 / 1952 إن التونسيين تظاهروا في القطر كله من ~~غير أن يكونوا مسلحين يسودهم النظام والهدوء والسكينة، شعب كامل يريد التعبير عن ~~إرادته. # وأساس الأزمة بتونس هو: هل للجالية الفرنسية الحق في أن تكون ممثلة في مؤسسات ~~الدولة التونسية مناصفة، في البرلمان التونسي والحكومة التونسية؟ ينكر الوطنيون ذلك ~~ويقولون لا! وتقول الجالية الفرنسية نعم! # وإن الفرنسيين قد اعتمدوا على السيادة الداخلية التي ضمنتها المعاهدات ~~والقانون. # وأخذت الحكومة الفرنسية تصدر البلاغات تلو البلاغات لتعلن تعزيزها لقواها بتونس ~~تطمينا للجالية الفرنسية، وعربونا لها على أن أغراضها ستنفذ لا محالة، وقد انهال ~~على تونس سيل من النجدات والجيوش، لم ينشر عنها إلا النزر اليسير، ولم تعترف الحكومة ~~الفرنسية إلا بالقليل منها، وهذه بلاغاتها تدل دلالة واضحة على ذلك الاعتداء المسلح ~~الشنيع. # البلاغ الأول نشرته جريدة «ليموند» الباريسية بتاريخ 25 / 1 / 1952 وجاء فيه: # قرر مجلس الوزراء الفرنسي في اجتماعه يوم 24 يناير تعزيز مراكز الأمن ~~وإرسال نجدات من الجيش والبوليس. # وحدات من الأسطول الحربي تشترك في المحافظة على النظام. # باخرتان خفيفتان من الأسطول الفرنسي أرسلتا إلى تونس: ليلان إلى ميناء ~~سوسة، ومملوك إلى ميناء صفاقس. # وقد شارك عدد كبير من الكومندوس البحري في المحافظة على الأمن بجبهة سوسة ~~وطبلبة، أما الكومندوس «تريبل» فقد وصل سوسة صباح الخميس 24 يناير على طريق ~~الجو، وبقي بعض الكوماندوس مرابطين على مقربة من طبلبة. # أنزلت الباخرة الحربية # Georges Leigues # في صباح يوم الجمعة في الساعة السابعة والنصف ببنزرت وحدات من الحرس ~~المتنقل. # ووصلت إلى مدينة صفاقس ms158 وحدات أخرى من الحرس آتية من الجزائر. # ووقع تجنيد عدد كبير من الرديف الفرنسي بتونس. # وجه الجيش عددا وافرا من الجنود نحو تونس، فسار فيلق من الصبايحية ~~مزودا بالمصفحات من مدينة باتنة (عمالة قسنطينة). # وجاء عن طريق البحر فرقة من الصبايحية من مدينة سانليس، وثلاث فرق من ~~جنود المظلات وفرقة الاصطدام والهجوم من مدينة منتيليه # Montpellier ~~، وقد ركب الجنود بالبواخر ~~الحربية، وشحن قسم من الأسلحة والآلات الحربية مع خيل بعض فرق الصبايحية في ~~بواخر تجارية أعدت لذلك. # والمظنون أن سلاح الجو لا يحتاج إلى تعزيز يأتيه من فرنسا نفسها؛ إذ لديه ~~فرق من الطائرات الصاروخية بمدينة وهران ومدينة تونس، حيث توجد مدرسة لسلاح ~~الطيران، وقد أظهر هجوم الطائرات على ارتفاع قليل مفعولا كبيرا أدبيا في ~~مدينة قليبية. # ونقل الجنود على الطريق الجوي بشمال أفريقيا بوسيلة فرقة الطيران المكونة ~~من (16 جانكر (52) محطها بالجزائر). # أما البحرية فبقطع النظر عما نقلته فإنها أرسلت عددا من الكوماندوس إلى ~~جهة الساحل. # ولقد عبرت جريدة فيغارو عن ارتياح الجالية الفرنسية لوصول تلك النجدات، فقالت ~~بتاريخ 26 / 1 / 1952: لقد اطمأن الفرنسيون عندما شاهدوا وصول البارجة الحربية جورج ~~ليج، والطرادة مارسو إلى ميناء بنزرت حاملتين الجنود والعدة من المرسى الحربي ~~طولون # Toulon ~~. # وتقول جريدة الفيغارو الباريسية بنفس التاريخ: «وصلت يوم 24 يناير إلى صفاقس ~~نجدات متركبة من الحرس المتنقل»، وأضافت بعض البيانات عن تلك النجدات قالت: # إن باخرة من نوع لبيرتي - شيب اسمها أودت # Oddet # أنزلت كميات هائلة من الآلات الحربية من بينها ~~سيارات المخابرات اللاسلكية ولوريات والأسلحة الخفيفة. # وتوجه من مدينة منتوبان نحو تونس فصيلتان من فرقة الاصطدام والهجوم ~~الأولى وأبحرت من ميناء مرسيليا. # أما بعض الضباط فقد سافروا على طريق الجو. # وتوالى إرسال النجدات من غير انقطاع، فقالت «الفيجارو» نفسها في 28 يناير 1952: # أبحرت الباخرة التجارية شارل ~~بلومية # Charles Plumier # من مرسيليا قاصدة تونس، وإن حمولتها مركبة من عدة ~~للجنود الذين أرسلوا إلى القطر التونسي. # وأبحرت باخرة الركاب ~~كامبانا # Campana # من مرسيليا قاصدة فيلييفيل حاملة ms159 (1200) ألفا ~~ومائتي جندي سيتوجهون لتونس، وأكثرهم من الفرقة 14 من جنود المظلات ومعهم 150 من الحرس المتنقل وقسم من فرقة الاصطدام والهجوم. # وقد ركب قسم كبير من الجنود على متن الباخرة مريجوت # Marigot # متوجهين نحو عنابة. # وفارقت باخرة الركاب «جبل دوميرة» مرسيليا حاملة الفرقة الرابعة من # Rig # من طولون. # ومن ناحية أخرى حملت الباخرة «سيدي فروج» الفرقة السابعة من صبايحية ~~سانليس، وتوجهت الباخرة «سيدي عقبة» نحو بنزرت حاملة قسما من العساكر ~~الاستعمارية من مدينتي كاركسون وبربينيان. # نقلت الباخرة «قيروان» صباح يوم 29 يناير من مرسيليا ثلاثمائة جندي من ~~فرقة المصفحات عدد 2507 في طريقها إلى الجزائر. # ونقلت الباخرة شارل ~~لوهرن # Charles Le Horgne # حمولة كلها آلات حربية من مرسيليا إلى ~~الجزائر. # وقصد كل ذلك تونس. # وأخيرا ختم كل ذلك باعتراف وزارة الحربية الفرنسية التي أصدرت البلاغ التالي في ~~31 يناير 1952: # إن وزارة الحربية تعلن أن إرسال الجنود إلى القطر التونسي لم ينقطع كما ~~يتبادر إلى الذهن من نبأ نشرته بعض الصحف. # وقد أبحرت جميع النجدات المقررة، وأعدت أخرى لكي تلحق بها إذا مست الحاجة ~~إليها. ~~(3) مدينة تونس الدامية # وما كاد خبر إلقاء القبض على الزعماء ينتشر في المملكة التونسية حتى عم الاستياء ~~وادلهم الجو، فكان ذلك الخبر كشرارة من نار في الهشيم، وأن تطور الحالة بتونس في ~~تلك اللحظات يجعل من المحتوم على فرنسا إما ترك حكمها المباشر على البلاد، وإما ~~استخدام تلك القوات المسلحة عبثا؛ لأن الحوادث ستقيم لها الدليل على أن الروح ~~الوطنية لا تستسلم للقوة. # وكانت تونس وكبريات مدن القطر الأخرى مطوقة بالجنود، محتلة احتلالا شديدا ~~رهيبا، ولم يمنع ذلك الشعب من رد الفعل، فعندما بلغه اعتقال الزعماء قرر الاتحاد ~~العام التونسي للشغل، وبقية المنظمات القومية، كالاتحاد العام للتجارة والصناعة، ~~والاتحاد العام للفلاحة، إضرابا عاما غير محدود، فتوقف البيع والشراء، وأغلقت ~~الأسواق، وشلت حركة المواصلات، وتعطلت المعامل والمصانع ودواوين الحكومة والموانئ؛ ~~وأقفلت المقاهي والمحال العامة، وعمت الاضطرابات، وقوي التشويش، واشتد الشغب، ونزل ~~الناس إلى الشوارع، وتكونت المظاهرات ms160 في نظام عجيب، رغم الحماس المتدفق، وظهر عزم ~~الشعب على الدفاع عن حقوقه ورد الفعل. # وكانت مدينة تونس مسرحا لغضب الشعب وللحوادث الدامية؛ إذ تجمهر الشعب رغم تلك ~~القوات المسلحة الهائلة وانتظم في مظاهرات عظيمة صاخبة، وتعالت الهتافات، وملأت ~~أجواء المدينة: يعيش الملك، أطلقوا سراح بورقيبة وبقية الزعماء، الاستقلال، ~~الاستقلال. فهاجمت قوات الجيش المتظاهرين بشارع باب المنارة؛ وأخرتهم إلى أن ~~أوصلتهم أمام المحكمة العسكرية؛ وهناك صادمتهم فرقة «الحرس المتجول الخاص» ~~بالرشاشات الصغيرة والمدافع الرشاشة، وأطلقت نيرانها الحامية على حشد يجمع الرجال ~~والشيوخ والأطفال والنساء، فسقط عشرات من الأموات والجرحى، وذلك في الساعة العاشرة ~~صباحا، وتجددت المعارك في الساعة الحادية عشرة، بشارع الباب الجديد؛ وازداد عدد ~~الشهداء فيها. # ووقعت مصادمة عنيفة جدا بين القوات الفرنسية والوطنيين الذين دخلت جموعهم من ~~الشارع الرئيسي إلى «سوق الشكاير»؛ وعجل البوليس هناك باستخدام أسلحته النارية؛ ~~فقتل أحد الوطنيين وجرح ستة منهم، وتجددت المظاهرات بعد الظهر؛ إذ وصلت الجماهير ~~المحتشدة إلى مقر المقيم العام؛ وجددت هناك هتافاتها ومطالبها، وأسرعت نحوها فرق ~~الجيش الفرنسي المرابطة هناك، والبوليس؛ وانهالوا ضربا على المتظاهرين الذين لم ~~يتشتتوا إلا بعد أن لحقهم الضر. # وذهب وفد من النسوة الدستوريات، قاصدا القنصلية البريطانية لإبلاغها احتجاجا ~~على الإيقافات والاعتداءات الدامية، ولكن قوات الحرس المتجول الخاص قد أحاط ~~بالقنصلية لمنع كل اتصال بها، فهاجمت النسوة وضربتهن ضربا مبرحا وألقت القبض ~~عليهن. # وكان الجنود والبوليس يفتشون كل تونسي يمر بالشوارع؛ ويلحقون به الإهانات ~~المتنوعة، من صفع، وضرب بمؤخرات البنادق، ودوس بالأقدام، من غير رحمة ولا شفقة، ولا ~~مراعاة لاحترام السن، ولا الوظيفة والمنصب، لإنزال الرعب في القلوب وتعميم الإرهاب، ~~ولأقل إشارة وأتفه كلمة يلقون عليه القبض، بل أخذوا يعتقلون الناس بالجملة ~~ويحملونهم في سيارات كبيرة قد أعدت لذلك. # ومن الغد تلبدت السحب في سماء تونس، واشتد البرد، وتهاطلت الأمطار؛ وظن الفرنسيون ~~أن الهدوء سيسود، وأن ذلك الجو لا يشجع التونسيين على التجمهر وسيطفئ الحماس ~~والحرارة، ولكن الإضراب كان عاما شاملا؛ وقد استثني منه المصالح العامة ~~والإدارات، ms161 وشارك اليهود التونسيون في ذلك الإضراب، وتعسر التموين على الفرنسيين ~~المدنيين، فلم يجدوا الخضر والفواكه واللحوم والأسماك وضروريات الحياة ~~الأخرى. # وتكونت مظاهرة خصوصا من العمال والطلبة، التقت بالقوات الفرنسية المسلحة؛ ~~واشتبكت معها عندما سعى البوليس في تفريقها ففشل؛ وإذ ذاك استخدمت نيران الأسلحة ~~سريعة الطلقات وكثر الجرحى من بين المتظاهرين. # وسارت مظاهرة أخرى مؤلفة خصوصا من النسوة، يعززهن مئات من شباب الحزب؛ وكانت ~~مؤثرة جدا لما أظهرت الوطنيات من شجاعة ونكران الذات، فاقتحمن القوات الفرنسية، ~~ووصلن أمام الإقامة العامة نفسها، ففرقهن البوليس الفرنسي بقسوة ووحشية، واغتظن لما ~~رأين الفرنسيين بالمدينة الأوروبية ينعمون بحياة هادئة، فاتحين محالهم ودور ~~سينماتهم، ومقاهيهم؛ فهاجمن إذ ذاك تلك المحال وكسرن واجهاتها، وأنزلن الرعب في تلك ~~الأماكن، ثم كررن راجعات إلى الإقامة العامة، وقد عزز صفوفهن كثير من الدستوريين، ~~فأحاطت القوات بالنسوة خاصة إذ ذاك، واعتقلت أكثر من خمسين وطنيا أكثرهم من ~~النسوة. # وكان يوم الأحد 20 يناير كأنه يوم مأتم، وصفه أحد الصحفيين الفرنسيين ~~فقال: # 7 # جو إرهابي، جو حالة الحصار، سيارات عسكرية لاسلكية، جنود بلباس الميدان، ~~دبابات وعساكرها، عساكر كتائب الكوماندوس من ذوي القبعات الزرقاء وقوات البوليس ~~المحتلة للشوارع. # ولم تمنع الأمطار، ولا البرد اللاذع الجماهير من عقد اجتماعات كبيرة، والقيام ~~بمظاهرات صاخبة، وكان الحي العربي مطوقا تطويقا قويا بالمصفحات والجند، بخلاف ~~الحي الأوروبي، فإنه كان في بحبوحة من العيش ، وكان التونسيون الذين يسكنون به في ~~جحيم لما يلحقهم من إهانات من غير انقطاع، وما يقع عليهم من اعتداء مستمر وتفتيشات ~~مرهقة، وكان الإضراب عاما والدكاكين - حتى الفرنسية - مغلقة، فيسير الإنسان في ~~شوارع تونس، وكأنها مدينة ميتة لا حراك بها، ما عدا القوات الفرنسية المتنقلة، ~~وانقطع التموين عن المدينة منذ أيام. # واجتمع في الصباح آلاف من الطلبة، ومن مختلف طبقات الشعب في جامع الزيتونة، ~~وتوالى الخطباء على المنبر، معلنين كلمة الحق، وتمسك الشعب برغباته في الحرية ~~والاستقلال، والتحريض على الصبر والثبات، وتقديم ما يتطلبه الوطن من تضحيات، وعند ~~الظهر انتظمت صفوف المجتمعين، وخرجوا في ms162 مظاهرة يسودها الهدوء والعزم، واخترقت ~~الشوارع المؤدية إلى الحي الأوروبي، وعند وصولها إلى ميدان باب البحر، صادمتها قوات ~~مسلحة عظيمة، وسعت في تشتيتها بالعنف، وانهال العساكر على المتظاهرين ضربا بمؤخرات ~~البنادق، ولكن الوطنيين حافظوا على نظام صفوفهم، وتقدموا غير مبالين بتلك القوات، ~~وإذا بالرصاص يمطرهم من كل جانب، فيموت من يموت، ويجرح من يجرح، ويتفرق التونسيون ~~في الحي الأوروبي ويشرعون حالا في تكسير الدكاكين والشركات الفرنسية، فيطاردهم ~~البوليس، وتصبح الشوارع ميدان معارك، وينتشر الذعر بين الفرنسيين، فتراهم بين هارب ~~يجري، وملتجئ إلى العمارات القريبة وداخل الكنائس. # وفي ذلك الوقت عقد التونسيون اجتماعا شعبيا عظيما في ميدان الحلفاوين الذي ~~كان غاصا بما احتواه من بشر، كأنه الزرع في تموجاته، وقام الخطباء فيهم يحرضونهم ~~على متابعة الجهاد، والسير في أعمالهم طبق النظام وأوامر القادة، والمحافظة على ~~اتزان أعصابهم، وخرجت تلك الجماهير من «الحلفاوين» في ثلاث مظاهرات، تبعت كل واحدة ~~منها إحدى الشوارع المؤدية إلى ميدان «باب سويقة» (شارع الحلفاوين وشارع الكبدة ~~وشارع الزاوية البكرية)، وكان الوطنيون يسيرون في صفوف منظمة، رباعي وخماسي، آخذ ~~بعضهم بذراع بعض، وتقدموا في هدوء رهيب، ولما اقتربوا من الميدان، تعالت الأصوات ~~كأنها الرعد بالهتافات ثم بالأناشيد. # وكان ميدان «باب سويقة» قد احتلته قوات من البوليس والحرس المتنقل الذين أسندوا ~~ظهورهم إلى بعض الدكاكين المغلقة، ووجهوا أسلحتهم نحو الشوارع المؤدية إلى ~~الحلفاوين، ولما وصلت المظاهرة إلى الميدان وتدفقت جموعها به من كل جانب، هاجمها ~~الجنود، وأخذوا يفرقون الصفوف، وسرعان ما استخدموا رشاشاتهم وبنادقهم؛ وسقطت الصفوف ~~الأولى بين جريح وقتيل؛ وعاجلت الصفوف الجنود الفرنسية فاختلطت بهم، وفي ذلك الحين ~~خرجت المظاهرتان الأخريان من الشوارع القريبة، واستحال على الفرنسيين استخدام ~~أسلحتهم النارية؛ وأصبحت المعركة بالسلاح الأبيض؛ واستعان المتظاهرون بما وجدوا ~~لحماية أنفسهم؛ فاقتلع الناس الحجر من الحيطان، وأخشاب الأبواب والنوافذ، وانهالوا ~~على الجند، وطاردوهم وافتكوا منهم بنادقهم ورشاشاتهم، ولما رأى العساكر ما حاق بهم ~~من هزيمة تسللوا بين جريح ومعطوب نحو سيارات «الجيب» التي أتوا فيها وفروا من ~~الميدان. # وبعد ms163 دقائق أتت النجدات الفرنسية في «لوريات» كبرى تحمل مئات منهم مدججين ~~بالسلاح، ووراءهم المصفحات، فلما رأى الوطنيون ألا قبل لهم بتلك القوات، تفرقوا، ~~وغادروا ميدان «باب سويقة». # واجتمع الوطنيون في صباح ذلك اليوم في نادي الحزب الحر الدستوري في ناحية ~~«أريانة» الواقعة على بعد 6 كيلومترات من مدينة تونس وخرجت منه مظاهرة انضم إليها ~~سكان أريانة كلهم، وبعد أن خرقت الشوارع الرئيسية هاتفة «بحياة بورقيبة» يحيا ~~الدستور يحيا الاستقلال، التفت حول عربات الترام، فأشعلت فيها النار، وفي الليل ~~جاءت قوات من الدرك الفرنسي، وطوقت مساكن قادة الحركة في تلك الضاحية، وألقت القبض ~~على عشرة منهم، وكانوا يجرون رئيس الشعبة الدستورية صلاح الدين آغا جرا، ~~ويتقاذفونه ويضربونه تارة لكما، وتارة بالأرجل، وطورا بمؤخرات البنادق، إلى أن ~~وصل إلى مركز البوليس وقد سالت دماؤه وساءت حالته. # وفي المساء تجددت الحوادث بمدينة تونس نفسها؛ إذ سارت مظاهرة أخرى إلى الحي ~~الأوروبي، ولما وصلت إلى شارع «ليون» أضرمت النار في عربات الترام المارة من هناك، ~~وأسرعت نحوهم قوات البوليس والجيش، ودارت معركة سريعة جرح فيها عدد من الفرنسيين ~~وخمسة من الوطنيين. # وكان يوم 22 يناير يوما مشهودا أيضا، كله اضطرابات وهياج؛ وجدد فيه الوطنيون ~~اجتماعاتهم في المساجد، وكان الأمر يصدر لهم عند مفارقتها بأن يسيروا إلى مقر ~~الإقامة العامة الفرنسية فرادى، فتفرق إثر تلك الاجتماعات التونسيون في الشوارع ~~المختلفة المؤدية إلى الحي الأوروبي، وتكونت المظاهرة الأولى بميدان باب البحر، ~~وإذا بالأعلام التونسية ترفع فجأة، وتملأ الهتافات الجو، ويفر الفرنسيون من كل ~~جانب، وتخرق المظاهرة الشارع الرئيسي، وقد انضم إليها عدد وافر من الشبان الذين ~~كانوا في انتظارها، ولما وصل المتظاهرون أمام الإقامة العامة، أسرعت نحوهم سيارة ~~جيب بها مأمور مركز البوليس الفرنسي وأعوانه، وصادمت الناس من خلف، فاجتمعوا كأنهم ~~سد منيع، وتلاحقت إذ ذاك «لوريات» تحمل الحرس المتنقل الفرنسي، فوسع الناس للبوليس، ~~ولما وصلت سيارة الجيب أمامهم تقدمت إحدى النسوة، ورمتها بقنبلة يدوية فنسفتها ~~نسفا، وقتلت المأمور، وجرحت من معه؛ وهاجم إذ ذاك الحرس ms164 المتنقل النساء خاصة، ~~وانهالوا عليهن ضربا بمؤخرات البنادق وطوقوهن، وأما الشباب الوطني فقد أخذوا ~~أمكنتهم للقتال، فتسلق بعضهم الأشجار، وطلع البعض الآخر على سطح الكنيسة القريبة، ~~ورموا القوات الفرنسية بالقنابل اليدوية؛ إذ ليس لديهم سلاح غيرها، فجن جنون الجنود ~~الفرنسيين إذ ذاك، وأمسك أحدهم بشعر فتاة وطنية، وأخذ يضرب رأسها بقوة على شجرة، ~~وكان في ذلك الوقت وفد من لجنة «حقوق الإنسان والمواطن» خارجا من الإقامة العامة، ~~فشاهد رئيسه الأستاذ سيرج معطي العضو بالحزب الاشتراكي الفرنسي قسوة البوليس ~~وعنفهم، فتدخل ملاحظا لأحدهم أنه لا يجدر معاملة البشر بهذه الصورة. ولم ترق هذه ~~الملاحظة في عيون البوليس، فاعتقل الأستاذ «معطي» في الحين وساقه كالمجرم إلى مركز ~~المحافظة ... وهكذا تراعي فرنسا حقوق الإنسان في تونس المحمية! # وحوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، خرجت مظاهرة شعبية بحي «الباساج»، واشتبكت ~~القوات الفرنسية مع المتظاهرين في معركة دامية دامت ساعات أسفرت عن عدد وافر من ~~الجرحى. # وفي الساعة الخامسة اجتمع التونسيون في مظاهرة فجائية بشارع «جول فيري» وهو شارع ~~الحي الأوروبي الرئيسي، واصطدمت هي أيضا بالقوات الفرنسية وجرح فيها عدد من ~~التونسيين. # واتسع نطاق استفزازات رجال البوليس الفرنسي للشعب؛ فلا يكتفون بتفتيش كل تونسي ~~يمر بالشوارع، ثم يقذعون لهم شتما وشبا، وينهالون عليهم لطما وضربا، ويقومون ~~بعمليات الاعتقال بالجملة في هذا اليوم. فيأخذون جماعات كاملة، ويسوقونهم سوقا إما ~~في «لوريات» وإما على الأقدام نحو مراكز التحقيق والسجون، وقد بلغ عدد المعتقلين ~~آلافا ولم يقف أحد عليه بالضبط. # وفي ذلك اليوم نفسه اعتقل الأستاذ الهادي شاكر العضو في الديوان السياسي الذي رأس ~~المؤتمر (مؤتمر الحزب) يوم 18 يناير 1952. # وتوالت الحوادث بمدينة تونس من غير انقطاع مدة أسابيع، والقسوة الفرنسية تشتد ~~يوما فيوما، والوطنيون يثبتون في رد الفعل، وقد حكت جريدة «الصباح» التونسية ~~بتاريخ 23 يناير 1952 ما يقاسيه التونسيون فقالت: # كانت العاصمة حسب العادة التي أصبحت مألوفة منذ ستة أيام مضربة إضرابا ~~تاما، شاملا لجميع حركات الحياة؛ ولا ترى في كل مكان وفي كل شارع وحارة ~~إلا ms165 رجال البوليس المسلحين بالبنادق أو الرشاشات اليدوية يوقفون المارة - من ~~التونسيين فقط طبعا - ويأمرونهم برفع أيديهم، ثم يفتشونهم، وبعد إتمام ~~عملية التفتيش تنالهم أصناف من الإهانات والاستفزازات، كاللطم، والضرب ~~بالأرجل، والتفوه بالعبارات الجارحة للعواطف الشخصية، والقومية، وويل لمن ~~يتلفظ بعبارة واحدة، فإن العون يسوقه توا إلى سيارة كبرى تنقله فيما بعد ~~إلى مركز المحافظة. # ويوجد من تفنن في الاستفزاز إلى درجة تجعله يمزق بطاقة إثبات الشخصية لكل ~~من يسوقه القدر في طريقه، ليتمكن من اعتقاله كمشبوه في أمره، وقد بلغت ~~الإيقافات عددا لم يبق في استطاعتنا إحصاؤه، بعد أن شاهدنا الأعوان ~~يصطادون المارين من كل مكان ويرمون بهم في سيارات تسير بهم - حسب أقوال لم ~~نتوصل إلى إثباتها - إلى القصبة. # وقد ازدادت عملية الاعتقالات شدة عندما شاع الخبر أن اجتماعا سيعقد ~~بجامع الزيتونة المعمور الذي نصب الحصار حوله من طرف الأعوان السريين ~~والمرتدين لأزيائهم الرسمية. # أما المدينة الأوروبية فكأنها أصبحت محرمة على التونسيين؛ إذ كان الأعوان ~~يتعرضون لكل من يرتدي الزي العربي أو من على رأسه طربوش وشاشية. # لما رأى الوطنيون كثرة القتلى والجرحى في صفوفهم، وتيقنوا من أن صدور العزل، ~~وإراقة دماء الشهداء الذين لا سلاح لهم، لا تكفي لرد العدوان الفرنسي، والوقوف أمام ~~جيش مدجج بأحدث الأسلحة، غيروا طريقة كفاحهم، ونظموا وحدات قليلة العدد، تشاغب ~~العساكر الفرنسية في كل مكان. # هاجم التونسيون عربات الترام الذي تقررت مقاطعته، وانقض بعض الشباب الوطني من ~~الشوارع المجاورة على الترام الرابط بين تونس وضاحية «باردو» ورموه بالحجارة وبعض ~~المفرقعات، فكسروا زجاجه، وجرحوا أربعة من الفرنسيين من ركابه، وبعد ذلك بقليل ~~هاجموا عربة أخرى في نفس الموضع، وجرحوا اثنين من الفرنسيين، وتوالت الهجمات على ~~الترام إلى أن تحاشي الفرنسيون الساكنون بضواحي تونس ركوبه، وأصبحت كل عربة في حاجة ~~إلى حرس يحميها من غير جدوى في الحقيقة. # وأصبحت الليالي مكدرة، لا تسمع فيها إلا طلقات النار المستمرة من الجانبين ~~التونسي والفرنسي، ويوم 23 / 1 / 1952 أفاق سكان «مدينة الشعراء» بحي «حفرة كريط» ~~- وأكثرهم من ms166 الفرنسيين - مذعورين في الساعة الخامسة والنصف بعد منتصف الليل، ورأوا ~~ألسنة النار تتصاعد حول عماراتهم والحريق يلتهمها، وكان يسكن بتلك العمارات ضباط ~~الجيش الفرنسي وعائلاتهم، وقد أتى الوطنيون في تلك الليلة بكميات كبيرة من البنزين، ~~وصبوها في مساكن الضباط، وأشعلوا النار فيها، فأحرق اللهيب الأبواب الخارجية، ~~واقتحم البيوت، وأتى على معظمها، وخرج الضباط وعائلاتهم هاربين منزعجين، وقد داخل ~~الارتباك والرعب نفوسهم. # وأتت بعد حين قوات عظيمة من الجيش، ومعها رجال المطافئ الذين تغلبوا على الحريق ~~بعد جهد جهيد، ولكن آثاره بقيت مسطرة بالسواد على الحيطان الخارجية نفسها والأبواب، ~~وبقي الجيش في حراستها. # وأخذ الوطنيون يوالون هجماتهم على دوريات البوليس والجيش الفرنسي، ليلا نهارا، ~~ويرمون «اللوريات» الحاملة للحرس المتنقل بالرصاص أو القنابل اليدوية، وكأن ~~التونسيين أحجموا عن إنزال ضربتهم القاضية على الفرنسيين في العاصمة نفسها، لكثرة ~~الجنود فيها، ولاحتلالها بقوات مصفحة هائلة، ولصعوبة الأعمال بها، وقد قال صحفي ~~أجنبي: «لا ينبغي أن يغتر الإنسان بالمظاهرة الكاذبة، فإذا كان سطح الماء هادئا ~~فإن أعماقه تفور، والحياة هنا كأنها على بركان.» # وقد قالت الجريدة الإيطالية الميساجيرو # Messaggero # بتاريخ 23 / 1 / 1952 تصف جو المدينة: # وإنه وإن لم تحدث حوادث كبيرة بتونس، غير أن الدرك والبوليس والعساكر ~~والقوات المصفحة قد ازداد تعزيزها، وهي ترابط في كل مكان تقريبا؛ إذ أصبحت ~~تحرس حراسة شديدة المباني العامة وخاصة مساكن ضباط الجيش الفرنسي. # وكان رجال المطافئ على استعداد تام لمجابهة الطوارئ، والخوف من تجديد ~~حرائق أمس قد طغى. # جو مدينة في حالة حرب، وكله انتظار، جو ثورة مستمرة عززه ما يسيل من دماء ~~الشهداء في المملكة كلها. # وقد سجل صحفي فرنسي كان يعيش في تونس في تلك المدة ارتساماته التي نشرتها جريدة ~~«ليموند» الباريسية بتاريخ 26 / 2 / 1953: # إن الحوادث الخطرة تملأ أيامنا بتونس منذ إبعاد بورقيبة، والجو ثقيل قد ~~زادته مظاهر القوة ثقلا (سيارات حاملة للرشاشات، أعوان البوليس مرتدين ~~خوذاتهم، جنود متنقلة)، ثقيل أيضا لما يجري على المارين - التونسيين فقط - من ~~مراقبة من غير تمييز؛ يفتش التاجر ms167 الهادئ والحاكم الوقور كأنهما قطاع طريق، ~~ولأقل احتجاج يصدر منهم يهانون بالدفع واللكم، ويرسلون إلى المعتقلات تحت ~~مطر كأنه الثلج بردا، جو يسوده القلق في انتظار أخبار داخل القطر. # وزيادة في القمع والنكاية، أخذت المحكمة العسكرية الفرنسية تصدر بسرعة عجيبة ~~أحكامها القاسية على المعتقلين التونسيين، فحكمت يوم 25 على شبان غالبهم من الطلبة ~~الزيتونيين، وكان قد ألقي القبض عليهم أثناء المظاهرة التي دارت أمام السفارة العامة، ~~وكان الحكم في الغالب بخمس سنوات سجنا. # 8 # لم تزد الحالة العامة إلا ارتباكا منذ اعتقال الحبيب بورقيبة يوم الجمعة 18 ~~يناير، واهتزت بلاد تونس كلها اهتزازا، وهبت عليها عاصفة من العنف والمظاهرات ~~الدامية التي سقط أثناءها عشرات وعشرات من الشهداء ومئات من الجرحى، وستتوالى ~~الأيام الحالكة من غير انقطاع؛ إذ نحن في بداية معركة ستدوم أعواما، وإنما هي ~~بوادر انتشار الحريق واندلاع ثورة لا يطفئها الحديد والنار، وقد عمت جهات بأسرها، ~~وما أن بلغ خبر اعتقال الزعماء إلى الأنحاء المختلفة حتى أعلن الإضراب العام، وسار ~~الشعب في مظاهرات كبرى في جميع المدن والقرى، ورد العدوان الفرنسي بما لديه من ~~وسائل. ~~(3-1) في جهة بنزرت # إن تلك الجهة من الأماكن الحساسة بالبلاد التونسية، فابتدأ بها الاضطهاد ~~الفرنسي، وسال فيها دم الشهداء الزكي، وسال فيها الدم من جديد يوم 22 يناير في ~~مدينة «غار الملح»، ولكنه دم فرنسي في هذه المرة، فقد هاجم الوطنيون - وهم ~~مسلحون - داورية من الدرك العسكري الفرنسي، فقتلوا واحدا منها، ولما رأى ~~الآخرون سقوط رفيقهم التجئوا إلى الفرار طلبا للنجاة، وجاءت بعد حين نجدات ~~الجيش الفرنسي مسرعة فلم تجد إلا جثة الجندي. # وقرر الوطنيون بمدينة ماطر القيام بمظاهرة نظامية يوم الأحد 20 يناير لتقصد ~~مكتب العامل (المدير) وتسلمه عريضة في مطالب الشعب، وذلك في الساعة الحادية ~~عشرة صباحا، ولكن المراقب المدني الفرنسي «موران» - حسب اعترافه لمراسل جريدة ~~الفيجارو الفرنسية في 13 / 1 / 1952 - أراد إفسادها قبل وقوعها، فأصدر أمره ~~للدرك الفرنسي بإلقاء القبض على ثلاثة من القادة، في نادي الحزب الحر ms168 الدستوري، ~~في الساعة التاسعة والنصف صباحا، فقام هكذا بمؤامرة مدبرة؛ إذ يعلم أن عمله ~~هذا هو في الحقيقة إثارة للعواطف، واستفزاز للجماهير التي تبعت «اللوري» ~~العسكري الحامل للمعتقلين، وأخذت تهتف هتافات عالية تطالب فيها بإطلاق سبيلهم، ~~ولما رأى الجندرمة قوة المتظاهرين، وحماسهم، وعزمهم البين في عيونهم على ~~استخلاص إخوانهم، أطلقوا سبيل القادة، وكلفوهم بإلقاء الخطب لتهدئة الجو، ولكن ~~البوليس كان سيء النية؛ إذ استنجد حالا بقوات عسكرية كبرى، فأتت سريعا من ~~«بنزرت» تصحبها الدبابات والسيارات المصفحة، ودخلت مدينة ماطر دخول الفاتحين، ~~فازداد حماس الشعب واشتعل غضبه ولم تتفرق صفوفه. # ولما داهمته الدبابات، التف حولها، غير هياب، وإذا بالعساكر الفرنسية تطلق ~~نيران مدافعها ورشاشاتها وبنادقها على المتظاهرين الذين ثارت ثائرتهم إذ ذاك، ~~فاقتلعوا أحجار الرصيف وأخشاب الأبواب، وتسلحوا بما وقعت عليه أيديهم من الآلات ~~الفلاحية، وأتوا بالبنزين وصبوه على بعض الدبابات والسيارات المصفحة، فاحترقت، ~~وجرحوا عددا وافرا من الجنود، وأتت إذ ذاك «اللوريات» بنجدات جديدة من الجيش ~~الفرنسي، ودخلوا المعركة التي دامت إلى ساعات بعد الظهر، وسقط الشهداء الأبطال ~~عشرات - من بينهم صبي لم يتجاوز العامين داسته العساكر الفرنسية دوسا بالأقدام ~~- والجرحى لم يحص عددهم، ومن الغد بعد أن صلت الجماهير على الشهداء في المسجد ~~الكبير شيعت جنازتهم، وكان يسير خلف نعوشهم عشرات الآلاف من الوطنيين، ومعهم ~~مراسلو الصحف التونسية والأجنبية، وكان الجو رهيبا تعلوه العظمة والخشوع، وما ~~زالت آثار المعركة بينة في شوارع المدينة، وما زالت أرضها ملطخة بالدماء. ~~(3-2) في جهة الدخلة # حاصر الجيش مدينة نابل يوم الأحد 20 يناير ، وأخذ الجند يتجولون في الشوارع، ~~ويجرون تفتيشات مرهقة لجميع السكان، ويلحقون بهم أنواعا من الإهانات، وقد ~~انتظمت في ذلك اليوم مظاهرة شعبية كبرى، وسارت في هدوء ونظام، فتدخلت القوات ~~وصدمتها وشتتتها من غير أن يرد الوطنيون الفعل، وفي صباح 21 يناير واصل الجنود ~~تفتيشاتهم، وضايقوا الناس مضايقة لا توصف، واستفزوهم استفزازا، فاجتمعوا في ~~المسجد الكبير نساء ورجالا، وخطب في هذا الاجتماع كل من السيدات آسيا غلاب ~~وحرم الوطني حسونة ms169 القروي والآنستان آمنة قرط باشالي من أعضاء الشعبة النسائية ~~الدستورية، ومن المسجد خرجت مظاهرة شعبية كبرى معلنة التأييد لجلالة الملك ~~ووزارته في رفع القضية أمام مجلس الأمن، ومعلنة أيضا الاحتجاج على العدوان ~~الفرنسي المسلح سارت المظاهرة مخترقة شوارع المدينة، متجهة إلى إدارة العامل ~~لتبليغ احتجاجها، وكان يسودها النظام والهدوء، ولكن عند عودة المظاهرة اعترضها ~~الجند، وصادمها ساعيا في تفريقها، ولما شاهد عزمها على متابعة السير من غير أن ~~ترد الفعل، قذف عليها عددا وافرا من القنابل المسيلة للدموع، فتحملها ~~الوطنيون بصبر وجلد، وإذا بالقوات المسلحة تطلق رصاصها على المتظاهرين، فتسلق ~~بعض التونسيين السطوح المجاورة لإدارة العامل، ورموا القنابل اليدوية على القوات ~~الفرنسية، ودارت معركة حامية استشهد فيها ثلاثة ومات على أثرها خمسة آخرون من ~~جراحهم، وسقط أكثر من ثلاثين جريحا بين نساء ورجال، وفي المساء ألقي القبض على ~~الوطنيين بالجملة، أما الإضراب العام فهو مستمر بغير انقطاع بنابل منذ يوم 18 ~~يناير. # وكانت مدينة «الحمامات» القريبة من نابل مسرحا لحوادث أخرى؛ ففي صباح يوم ~~21 يناير اجتمع جم غفير من الوطنيين بالنادي المركزي للحزب الحر الدستوري، ~~وتقرر تنظيم مظاهرة سلمية لتبليغ لائحة احتجاج إلى الدوائر المسئولة، وبينما ~~الاجتماع قائم إذا برئيس مركز البوليس الفرنسي يحاصر النادي بقوات الجند ~~والدبابات التي أسرعت إلى إطلاق الرصاص باستمرار، ورمت القنابل المسيلة للدموع ~~في وسط النادي، فتفرقت الجماهير إثر ذلك، وبعد الظهر - وقد فارقت القوات ~~الفرنسية المدينة في الصباح - أقام الوطنيون سدا في الطريق الرئيسي، وجاء ~~الدرك الفرنسي في عدد وافر تعززه فرق الجيش، وأراد مهاجمتهم، ولكن نيران ~~الوطنيين أوقفته ثم أخرته، ودامت المعركة ساعات كاملة إلى أن أتت نجدات كبيرة ~~من الجيش الفرنسي، فاقتحمت السد وافتكته، واستمرت المعركة داخل المدينة، ودامت ~~نحو عشر ساعات، وأسفرت هذه الاشتباكات عن تسعة من التونسيين الجرحى واستشهاد ~~اثنين منهم هما المرحومان الطيب العزابي من الحمامات ومفتاح بن الهادي التريكي ~~من «الوطن القبلي»، وقد منع البوليس الفرنسي السكان من حمل جرحاهم إلى المستشفى، ~~وسد دونهم الطريق بالقوة، فاضطروا ms170 إلى وضع الموتى والجرحى في المسجد ب «ربض ~~الحوانيت العليا» إلى الغد، وفي الساعة الرابعة صباحا تسلق الجنود الفرنسيون ~~سطوح البيوت، وبقوا هناك كامل اليوم، واقتحم رئيس البوليس النادي، وكسر قفله، ~~ومزق ما فيه من أعلام وصور، وحطم الكراسي والأثاث، وفجر فيه المفرقعات، ثم ~~استنجد برجال الجندرمة وبعض المعمرين الفرنسيين المعروفين هناك، وفتش جميع ~~المنازل، وألحق بأهلها أنواعا من العذاب والإهانات، وسيق إلى سجن «القصبة» نحو ~~ثمانين وطنيا، أما عدد القتلى والجرحى من العساكر الفرنسيين في تلك الواقعة ~~فهو مرتفع جدا وقد أخفته الدوائر الرسمية الفرنسية. # وقامت مدينة «قليبية» بمظاهرات سلمية متعددة منذ يوم 18 يناير، وكان يوم 24 ~~منه يوما مشهودا؛ إذ تدفق عليها الوطنيون من القرى المجاورة، فاجتمع أمام نادي ~~الحزب عشرات الآلاف من السكان، وسارت المظاهرة بنظامها وهدوئها العادي؛ وإذا ~~بالبوليس الفرنسي يهاجمها سعيا في تشتيتها، ثم يطلق عليها النار، وإذا ~~بالمتظاهرين يردون الفعل ويهاجمون البوليس الذي فر واختبأ في مركزه، وتدفقت ~~الجماهير وراءهم آلاف عدة، وأخذ إذ ذاك البوليس يصوب نحوهم نيران الرشاشات ~~والبنادق من النوافذ ومن السطح، وتقدم الوطنيون صفوفا متراصة هازئين بالموت، ~~وكان هجومهم قويا وجبارا؛ ومنهم من يعرف استخدام مفرقعات الديناميت في ~~الصيد، فاستعملوا الديناميت لنسف مركز البوليس؛ فخربوه تخريبا، ودمروه كله حتى ~~أصبح أنقاضا، وإذ ذاك تحول المتظاهرون نحو ثكنة الدرك الفرنسي، وشرعوا في ~~إحراقها ورميها بالديناميت، ودارت بينهم وبين الجندرمة الفرنسيين معركة دامت ~~ساعات، وإذا بقوات الجيش الفرنسي تهاجمهم من خلف على الساعة الرابعة بعد الظهر، ~~وقد أتت تتقدمها المصفحات والدبابات التي وجهت نيران مدافعها إلى المتظاهرين ، ~~وإلى القرية بأسرها، فأنزلت الدمار في كل مكان؛ وحلقت الطائرات الصاروخية ~~وغيرها على مقربة من الأرض، ونشرت الخراب والموت بقنابلها ومدافعها الرشاشة، ~~وبقيت آثار ذلك التدمير خاصة في مئذنة مسجد «حمام الغزاز» إلى يوم الناس هذا، ~~وغيرها من الأماكن العامة والخاصة. # أما في «منزل بوزلفه» فقد اشتد غضب الشعب، وعم الغليان، وأخذ بعض المستعمرين ~~المسلحين يتحدونه، ويثيرون عواطفه، ويسعون في الاعتداء عليه إخفاء لما ms171 نزل في ~~قلوبهم من رعب وخوف، وإن كان التونسيون عازمين عزما كليا على اجتناب أي ~~اعتداء على المدنيين الفرنسيين. وفعلا لم يمس فرنسي بسوء، واغتاظ المستعمرون ~~مما رأوه في الشعب من حيوية وتمسك بمبادئ الاستقلال مع المحافظة على النظام؛ ~~واستنجدوا بقوات الدرك والجيش ليدخلوا الاضطراب، وجاءت سيارة جيب تحمل الملازم ~~فاشي # Vacher # واثنين من أعوانه ومعهم فصيلة ~~من الجيش؛ ولما وجدوا ألا شيء يهدد النظام، اكتفوا بالتهديد والوعيد، ثم قفلوا ~~راجعين؛ واتجهوا إلى قرية «بني خلاد» فدخلوها وجددوا بها أعمال التهور والإهانة ~~للتونسيين الذين كانوا متجمهرين بميدان السوق؛ وشهروا سلاحهم في وجوههم، ~~وهاجمتهم فرقة العساكر الفرنسية المسلحة، وأخذت في ضربهم بمؤخرات بنادقها، فرد ~~الوطنيون الفعل حالا وتقدم أحدهم وعاجل «الملازم فاشي» عندما وثب من السيارة ~~ليهاجم الوطنيين، مهددا إياهم بمسدسه، وأطلق عليه الرصاص فأصابه؛ فحمله أصحابه ~~وفروا به إلى مدينة «قرنبالية» حيث قضى نحبه بمجرد الوصول إليها، ووقعت إثرها ~~اشتباكات عدة في الجهة كلها بين الوطنيين والمستعمرين المسلحين، واكتفى ~~التونسيون أثناءها بقلب سيارات الفرنسيين وحرقها. ~~(3-3) في جهة القيروان # توالت المظاهرات الشعبية الصاخبة بمدينة القيروان منذ اعتقال الزعماء، فاجتمع ~~يوم 20 يناير الشعب أمام نادي الحزب، وسار في مظاهرة منتظمة قوية مسالمة نحو ~~إدارة العامل لإبلاغه مطالب الشعب، ولما وصل المتظاهرون إلى الحي الأوروبي، ~~هاجمتهم قوات البوليس والدرك الفرنسي، وانهالت عليهم ضربا، وشتتهم، فتفرقوا في ~~الشوارع الكبرى المجاورة، وقد بلغ منهم الغضب كل مبلغ؛ فهاجموا الشركات ~~والدكاكين الفرنسية، وكسروا واجهاتها، وحطموا ما بها ورجعوا سالمين، وعقد ~~الوطنيون يوم 24 يناير اجتماعا كبيرا جدا حضرته المدينة كلها، وجماعات ~~كثيرة من القرى المجاورة؛ وخرجت مظاهرة عظيمة في الساعة الخامسة بعد الظهر ~~قاصدة إدارة العامل لتسلم إليه لائحة احتجاج، فتدخلت قوات البوليس والجيش ~~الفرنسي، وقسمتهم قسمين، وسعت في إرهابهم بالضرب والإهانة، وأخذت في تشتيتهم؛ ~~ولكنهم واصلوا سيرهم المنتظم إلى أن بلغوا بابين من أبواب المدينة يفتحان على ~~الحي الأوروبي، فإذا بالجنود والبوليس يهاجمونهم هجوما عنيفا بالباب الأول، ~~واشتبكت المعركة وافتك الوطنيون بعض الأسلحة ms172 من الجيش، ودوى الرصاص في كل مكان، ~~وأمطرت الحجارة على القوات المعادية. وفي الوقت نفسه دارت معركة أخرى أمام ~~الباب الثاني، فتسلق التونسيون المسلحون سور المدينة وتمادوا في المعركة التي ~~لم تنته إلا بعد ساعتين، ولم يعترف الفرنسيون إلا بجرح ضابط صغير، واستشهد خمسة ~~من التونسيين، وفي الليل ألقي القبض على عشرات من الوطنيين من بينهم عدد وافر ~~من الطلبة، ومن الغد (25 يناير) شيعت القيروان في موكب رائع يسوده الخشوع ~~ضحاياها إلى مقرهم الأخير، وقد سار في الموكب عشرات الألوف من التونسيين يخيم ~~عليهم السكون والصمت، وكان بدوي يسير في الطريق ليلحق بجنازة الشهداء فأطلق ~~عليه أحد الجنود الفرنسيين الرصاص فأرداه قتيلا. ~~(3-4) في جهة الساحل # وتحرك الساحل، وهو المعروف بقوته وثباته ونظامه، وهو معقل من أعظم معاقل ~~الوطنية، وقامت السلطات الفرنسية على الفور بمناورة تقصد من ورائها التهويل ~~والتهويش لإنزال الرعب في قلوب المدنيين الفرنسيين؛ لكي تتمكن من إنزال أشد ~~القمع على التونسيين، فقد أمرت جميع العائلات بالجلاء عن «الساحل»، وقالت جريدة ~~«ليموند» في 25 / 1 / 1952: «لقد وقع إجلاء جميع العائلات والأفراد الفرنسيين ~~عن القرى والمدن بالساحل ونقلوا كلهم إلى مدينة سوسة.» ~~(3-5) سوسة # عم القلق وساد الاضطراب، وكان الجو ملبدا، والحزم ظاهرا على وجوه ~~التونسيين، وتجددت الاجتماعات والهمسات يوم إلقاء القبض على الزعماء ~~(18 / 1 / 1952). # ورجع نواب المؤتمر يحملون قراره في المطالبة بالاستقلال. # وفي يوم 21 / 1 / 1952 أتي عدد وافر من الوطنيين من القرى المجاورة، وكانت ~~قوات البوليس توقفهم في الطريق، وتفتشهم، وتهينهم إهانات، وتجبرهم على المرور ~~السريع، وتمنعهم من السير في بعض الشوارع، وأصبح رئيس مركز البوليس وهو رئيس ~~المحافظة بتلك الجهة كلها يتحدى الشبان برفقة أعوانه فيجدد مأساة ماطر؛ ولما ~~رأى خيبته فقد أعصابه والتجأ إلى إلقاء القبض على شابين من المارة، ظنا منه ~~أنها الشرارة المطلوبة، فأرسل الأستاذ جلول بن شريفة رئيس الجامعة الدستورية ~~ثلاثة من الشبان المثقفين الممتازين المعروفين بحزمهم وتعقلهم، فتقابلوا مع ~~رئيس مركز البوليس الفرنسي، وطلبوا منه إطلاق سراح المساجين ms173 الذين لم يرتكبوا ~~أية مخالفة، إلا إذا اعتبر مرورهم في الشوارع مخالفة، وإذا بالبوليس يلقي عليهم ~~القبض بدورهم ويسجنهم بسجن البوليس. # وتجمهر الوطنيون أمام نادي الحزب يترقبون سراح إخوانهم، فلما تحققوا ما وقع، ~~تحركت مظاهرة تعد آلافا في نظام دقيق وهدوء كامل يتقدمها الأستاذ جلول بن ~~شريفة الذي أوصى الوطنيين بالمحافظة على صفوفهم وتماسك أعصابهم، ولما وصلوا إلى ~~الحي الأوروبي وجدوا سدا من قوات البوليس والجيش يمنعهم من المرور، فتقدم ~~الأستاذ جلول وحده وطالب بسراح المسجونين قائلا: إن مسئولية ما عسى أن يقع ~~تحمل كلها على رؤساء البوليس الذين اعتدوا على حرية الناس من غير حق، وإني أضمن ~~السلم والهدوء إذا أطلق سراح المعتقلين ... # فأطلقوا؛ ورجعت الجماهير في نظامها، ولم يقع أي اضطراب، وهدأت النفوس. # قررت الجامعة الدستورية القيام بمظاهرة كبرى يوم 22 / 1 / 1952 لتسلم إلى ~~العامل عريضة هذا نصها: # العريضة # إن أهالي سوسة المبلغين احتجاجهم اليوم، ليستنكرون موقف السلطات ~~الفرنسية؛ من أجل الاضطهادات المسلطة على الشعب بغاية التعسف والإرهاق ~~ببنزرت وفريفيل وماطر وباجة وغيرها، ويستنكرون المناورات التي تقوم بها ~~السلطات الفرنسية ضد عاهل البلاد من وسائل الضغط في سبيل التحصيل منه ~~على نكران قيام الحكومة التونسية برفع القضية إلى الاحتكام الدولي وطلب ~~إقالة الوزارة محقا لآمال الأمة. # كما يستنكرون ضد السلطات الفرنسية بدون مبرر لإبعاد قادة وزعمائها ~~الممثلين لكافة الشعب، وإنها أعمال تتنافى ومبادئ حقوق الإنسان. # فإن الماثلين أمامكم بصفتكم ممثل صاحب الجلالة، يحتجون بغاية الشدة ~~والصرامة على هذه الاعتداءات الجارحة التي جعلت الشعب غير آمن على ~~حياته، وإن أهالي سوسة يؤكدون تأييدهم لمسالك الوزارة التونسية ~~الشعبية، كما أنهم يؤيدون بدون احتراز جلالة الملك المعظم. # ويعلنون عزمهم الراسخ على مواصلة الدفاع على حقوقهم الشرعية وكرامتهم ~~المداسة حتى النصر النهائي مهما تكن التكاليف، وإن هذه المناورات ~~والاستفزازات لا تزيد الشعب إلا إيمانا بحقه والذود عنه حتى يتخلص من ~~قيد العبودية. # والسلطات الفرنسية هي التي تتحمل وحدها مسئولية الحوادث ونتائج ~~المناورات التي تستعملها ضد شعب أعزل لا بد أن ينتصر ms174 طال الزمان أو ~~قصر. # وقد سلمها الوطنيون إلى العامل رغم الحوادث، وجاءت وفود المدن والقرى القريبة ~~أفواجا، فاجتمعت الجماهير من طلبة فرع جامع الزيتونة والمدرسة الثانوية وعمال ~~وجميع الطبقات، وكان عدد النسوة كبيرا. # وتحركت المظاهرة وقررت المرور بالحي الأوروبي، وبمجرد ما وصلت إلى ميدان ~~بيشون، وهو الميدان الأكبر، اصطدمت بقوات فرنسية اعترضت طريقها، وسعت في ~~تشتيتها بالعنف، فبلغ الحماس بالجماهير مبلغا، وأخذت تدافع عن نفسها بالتي هي ~~أحسن أمام بنك الجزائر، واستأنفت سيرها إلى الأمام، فرماها الجيش الفرنسي ~~بالقنابل المسيلة للدموع، ثم هاجمها هجوما أعنف، ولكن المتظاهرين صبروا ولم ~~يتأخروا، وحافظوا على نظام صفوفهم تحت قيادة رئيس الجامعة الدستورية الأستاذ ~~جلول بن شريفة المعروف برصانته، وهدوئه، والتحكم في أعصابه، وإذا بالعساكر ~~يطلقون نار بنادقهم ورشاشاتهم من غير سابق إنذار، فسقط الأستاذ ابن شريفة يتخبط ~~في دمائه، وقد جرح في فخذه، وكثر حوله القتلى والجرحى. # ففارق قسم من الجماهير المعركة، وسار في طريق المعمل الكهربائي لإبلاغ ~~العريضة إلى السلطات التونسية، فأسرع القائد الأعلى لحامية سوسة الكولونيل ~~دوران إلى اعتراضها، وقاد نحوها فرقتين مدججتين بالسلاح، وتقدم حالا عندما رأى ~~المتظاهرين ووجه نحوهم مسدسه وأطلق رصاصه، فصاح أحد الوطنيين، وارتمى تونسي على ~~الضابط الفرنسي وأصابه بضربة قاضية من عصى زيتون كانت بيده، فسقط على الأرض ~~مغشيا عليه، ودارت حوله معركة دامية بين الوطنيين والعساكر الفرنسية جرح عدد ~~وافر من الجانبين وقتل عدد آخر. # وأخيرا خلص الجنود جسد الكولونيل الذي مات عند وصوله المستشفى، وقد فاق عدد ~~القتلى العشرة، وكان الجرحى يفوق الثلاثين، هذا من الجانب التونسي، أم الفرنسيون ~~فقد أخفوا خسائرهم. # وشيعت مدينة سوسة شهداءها من الغد في جو يعلوه الخشوع، وتملؤه العظمة، وتسوده ~~الإرادة في متابعة الكفاح والإيمان الذي يعمر القلوب، وسارت خلف الجنازة عشرات ~~الآلاف من الخلائق في سكون رهيب وصمت كامل. ~~(3-6) المكنين وقصر هلال # عقد السكان يوم 23 / 1 / 1952 اجتماعا كبيرا، ثم ساروا في مظاهرة منظمة ~~نظاما دقيقا تحت قيادة المسئولين من أفراد الجامعة الدستورية بتلك الجهة، ~~ولما ms175 وصلت إلى مقر الكاهية - نائب المدير - دخل وفد منها وسلم له عريضة احتجاج، ~~وكانت الهتافات بالخارج تملأ الفضاء بحياة الحبيب بورقيبة والملك والاستقلال، ~~وألقى البوليس القبض على بعض القادة إثر افتراق المظاهرة قبل الظهر بقليل، ~~فتناقلت الألسن الخبر بسرعة فائقة، واجتمعت الجماهير من جديد أكثر عددا وأشد ~~حماسة وأقوى عزيمة، وساروا نحو مركز البوليس وطالبوا بإطلاق سراح المعتقلين، ~~فسخر منهم البوليس الفرنسي، وشتم وأهان، وسعى في تفريق الناس وتشتيتهم بالقوة، ~~ولما رأى صمودهم أخذ يمطرهم رصاصا، علما منه أنهم عزل من كل سلاح، فلما رأى ~~الوطنيون إخوانهم يسقطون من حولهم قتلى وجرحى، لم يتأخروا ولم يفروا ولم يهنوا، ~~بل تقدموا مستميتين حتى تأخر البوليس والتجأ إلى مركزه وأوصد الأبواب، وشرع يصيد ~~التونسيين صيدا من بعض النوافذ، وأخيرا عبأ الوطنيون تعبئة كاملة واقتحموا ~~مركز البوليس وحطموا الأبواب والنوافذ، وقتلوا أعوان البوليس الفرنسيين، وقد ~~اعترى أحدهم جنون لفرط الرعب الذي نزل بقلبه، وهاجم إذ ذاك الدرك الفرنسي ~~الوطنيين من خلف، ولكنهم رجعوا خائبين، وتتبعهم الوطنيون إلى «البرج القديم» ~~الذي اتخذوه ثكنة لهم، فاحتمى فيها الدرك الفرنسي، ووجه للتونسيين نارا حامية ~~من الرشاشات والبنادق خلال الأبواب والنوافذ، وتساقط الشهداء والجرحى، ولكن روح ~~الجهاد كانت قوية جبارة، وواصل الوطنيون هجماتهم رغم الخسائر الجسيمة، وأصلوا ~~الجنود الفرنسيين نارا حامية من الأسلحة التي أخذوها من البوليس، ودامت ~~المعركة ساعات طويلة من غير انقطاع إلى أن توالت نجدات من الجيش الفرنسي، وخاصة ~~من الكوماندوس البحري الذي وصل عند المساء متأخرا؛ لأن الوطنيين بمدينة «قصر ~~هلال» المجاورة للمكنين قد اعترضوا هؤلاء الجنود الفرنسيين، وهاجموهم بالقنابل ~~اليدوية، وعطلوهم في الطريق، ولم يفسحوا لهم إلا بعد أن تكاثر الجنود عليهم. ~~ولما وصلت تلك القوات إلى المكنين لم تجد بمركز البوليس إلا بعض الجثث: ~~جان كاردي # Jean cardi ~~، جاك مادلين # Jacque Madeleine ~~، ريمون كليمت # Raymond Ciément # ومجنونا ~~يصيح ويرتعد من الخوف. # ولما رأى الوطنيون أنهم سيكونون بين نارين تفرقوا، وأخذوا معهم عند تقهقرهم ~~أمام الأسلحة سريعة الطلقات والكثرة من العدد عونين ms176 من البوليس، ثم بعد ساعة ~~أطلقوا سراحهما وكان أحدهما قد أصيب بجراح بليغة. # وتظاهر الوطنيون في مدينة «جمال» المرة تلو المرة، وكثرت من البوليس الفرنسي ~~الاستفزازات والاعتداءات، إلى أن كان يوم 23 يناير فتقدمت مظاهرة كبرى، واخترقت ~~شوارع المدينة في سيرها نحو مقر السلطات التونسية، وإذا بالبوليس الفرنسي يعيد ~~استفزازه، فصبر له الوطنيون وردوا الفعل، فتسلل أعوان البوليس نحو مركزهم، ~~وهاجمهم التونسيون واقتحموا المركز اقتحاما واستولوا عليه، ولكن الأعوان ~~الفرنسيين فروا من باب خلفي، فأحرق ذلك المركز كله. # وقد ضربت مدينة طبلبة المثال الأعلى في الشجاعة والبطولة وروح التضحية ~~والاستماتة في سبيل الأهداف الوطنية، وقامت المدينة كلها يوم 23 يناير بمظاهرة ~~كبرى اشترك فيها جميع السكان ليسلموا عريضة للسلطات التونسية تعرب عن عزمهم ~~الراسخ على متابعة الكفاح إلى أن يتحقق لتونس استقلالها. وكانت الصفوف تسير ~~بنظام محكم وهدوء كامل، والشبيبة الدستورية بلباسهم الرسمي يحفون بالجماهير ~~ويحافظون على الأمن. # فلم يرق ذلك المنظر الرهيب «المعمرين» الساكنين قرب البلدة - بياس وصهره ~~دريفوكس - ومن الملاحظ أنهما لم يمسا أبدا بسوء، ولم يتعرض لهما أحد من ~~الوطنيين ولا لعيالهما ولا لرزقهما، بل كان الدستوريون أنفسهم يقومون بحمايتهما ~~والمحافظة عليهما ومعاشرتهما عشرة طيبة جعلهما يصرحان دوما أنهما على الحياد. ~~وبعد ظهر ذلك اليوم اقتحم المدينة نحو عشرة من الجندرمة والعساكر، وكان الناس ~~مجتمعين في السوق والشوارع الرئيسية؛ فوسعوا لتلك القوات التي أخذت في دفع ~~التونسيين ولكمهم وصفعهم وتهديدهم تارة باللسان، وتارة بإشهار الأسلحة عليهم. ~~ولكن الوطنيين حافظوا على اتزان أعصابهم ولم يردوا الفعل، ومن الغد علم ~~الوطنيون أن قوات كبيرة من الفرنسيين تتجه نحو مدينتهم، فأعدوا العدة ~~لاستقبالها استقبالا يليق بها، ووضعوا كمينا بمدخل القرية، ثم تسلق قسم منهم ~~السطوح، وأحضروا معهم ما عندهم من أسلحة وقنابل يدوية ومفرقعات. # وكانت أول فرقة من الفرنسيين هاجمت طبلبة، فرقة الكوماندوس البحري التي نزلت ~~من الباخرة إيلان # Elan # في ميناء سوسة، آتية ~~ليلا من بنزرت، فبعد أن خرقت القافلة العسكرية الفرنسية المؤلفة من ذلك ~~الكوماندوس ومن قوات كبرى ms177 من الجندرمة، مصحوبة بالدبابات والسيارات المصفحة ~~مدينة المكنين في الساعة الرابعة بعد الظهر؛ توجهت نحو طبلبة وشرعت تدخلها، وفي ~~مقدمتها بعض الدبابات والسيارات المصفحة وكذلك في مؤخرتها. وكان أهل طبلبة ~~صامتين هادئين على استعداد تام للهجوم، وقد أفرغوا الشوارع كلها، وبعد أن تورطت ~~القافلة وسط المدينة، هاجمها الكمين خارج القرية، فكسروا بعض «اللوريات» التي ~~سدت الطريق، وأخذوا التونسيون حالا يرمون قنابلهم ومفرقعاتهم ويطلقون نيران ~~أسلحتهم من السطوح، ونزلت قنبلة كبيرة على دبابة، فكسرتها وقتلت من فيها ووقعت ~~أخرى على «لوري»، ففرقعته وقتلت جميع من فيه من عساكر. وكثر الموتى والجرحى من ~~الفرنسيين، وتحمس الوطنيون، واعتلى منهم التشهد والتكبير، وتقدمت بطلة طبلبة ~~الشهيدة أم التيجاني بن سالم نحو ابنها حاملة بندقية، وقالت له: «إما أن تخرج ~~للجهاد، وإما أن أخرج بنفسي.» ولم تمهله ليجيب، بل أسرعت نحو محل المعركة، ~~وأخذت مكانها من القتال، وجاهدت إلى أن استشهدت. وكان بقية نسوة القرية يشجعن ~~الوطنيين، ويعنهم، ويمددنهن بالذخيرة وهن يولولن ويزغردن. وسقطت شهيدة أخرى ~~«محبوبة بنت صندل» وهي تعين المجاهدين، وقد التقط أحد الجنود الفرنسيين قنبلة ~~يدوية سقطت على اللوري الذي كان به وأرجعها إلى سطح البيت القريب منه، فجرح بعض ~~المجاهدين، وأخيرا تغلب أشبال طبلبة وسجلوا انتصارا باهرا على المهاجمين ~~الذين فر منهم بأرواحهم من بقي حيا حاملين معهم قتلاهم وجرحاهم، وهكذا تحررت ~~المدينة من الأجنبي. وعند انهزامهم صادفوا شيخا مسنا تجاوز الثمانين من عمره ~~«عمار بن عبد السلام بيوض» فأردوه قتيلا. # وقد أجرى الوطنيون بحثا دقيقا بمستشفى سوسة؛ حيث نقلت الجثث والجرحى ~~الفرنسيين، فوجدوا أن القتلى يفوقون الثلاثين، وجرح جميع رجال القافلة ما عدا ~~اثني عشر فقط خرجوا منها سالمين. أما شهداؤنا الأبطال فهم: أحمد التركي، ~~عثمان صندل، شبيل بن محمد نويرة، محمد بن عبد القادر المستيري . # ومن الغد (25 يناير) شيعت المدينة كلها شهداءها في موكب رهيب، وبينما كانوا ~~مجتمعين في المقبرة لدفنهم، وإذا بقوات فرنسية هائلة تتقدم نحو القرية في ~~الساعة الثالثة بعد الظهر، فلما وجدوها خاوية، مالوا نحو ms178 المقبرة فطوقوها، ~~وجاءت تلك القوات في أكثر من ستين «لوري» محملة بالعساكر، وهي مؤلفة من ~~الكوماندوس المهزوم، وكوماندوس بحري آخر أتى من مدينة صفاقس، وفرقتين كاملتين ~~من الجنود مصحوبتين بكوكبة من الحرس المتنقل، مع عدد من الدبابات والسيارات ~~المصفحة والمدافع من عيار 75. وكانت الباخرة الحربية «إيلان» تحرس المياه ~~البحرية أمام طبلبة، وكان الوطنيون عزلا من السلاح، ولما طلب منهم ضابط فرنسي ~~أن يدلوه على قادة الحركة الوطنية بالمدينة، أجمع التونسيون على أن هؤلاء ~~القادة قد غادروا المدينة كلهم وسهلوا عليهم الفرار بالفعل. # وقد عم الغضب الشعب التونسي بأسره، ولم يقتصر على جهات معينة، وساد الاضطراب ~~والهياج القطر التونسي كله، وكانت المظاهرات الشعبية الصاخبة التي تعد كل واحدة ~~منها عشرات الآلاف تسير في شوارع صفاقس وقفصة والكاف وباجة ونفطة وتوزر وقابس ~~ومدنين وجرجيس، كما سارت في شوارع تونس وبنزرت وسوسة والقيروان، وكان الإضراب ~~العام يشمل جميع مدن القطر وقراها، كما كان الاعتداء المسلح الفرنسي عاما ~~شاملا في البلاد، وكانت الحرب التي لم تتجاسر فرنسا على تسميتها باسمها ~~الحقيقي تجتاح تونس كلها. ~~(4) قطع المواصلات # لما رأى الوطنيون التونسيون تدفق القوات الفرنسية من الجزائر ومن فرنسا نفسها ~~وسرعة تنقلها داخل البلاد، قرروا القيام بقطع المواصلات بأنواعها لتعطيل تلك ~~القوات، فقطعوا أسلاك التليفون في الدخلة وجهة الكاف وجهة القيروان وجهة الساحل ~~وصفاقس وجهة قابس والجنوب، بل قطعوها بين كل قرية وقرية وبين كل مدينة ومدينة، حتى ~~صعب على السلطات الفرنسية الاتصال السريع وغمضت الحوادث، وأصبحت البلاغات الرسمية ~~التي تصدرها الإقامة العامة تناقض ما تقوله إذاعات فرنسا، ووكالة (فرانس بريس) وقطع ~~الوطنيون خط التليفون المدفون تحت الأرض الرابط بين تونس وفرنسا. # ثم وجهوا ضرباتهم إلى السكك الحديدية والجسور والطرقات، ففي ليلة 22 يناير قلع ~~الوطنيون - قرب مدينة مساكن - قسما كبيرا من السكة الحديدية ، فخرج قطار للبضائع ~~عن القضبان وانقلبت عرباته وتعطلت المواصلات بين سوسة والجنوب. # وفي ليلة الخميس 24 يناير على الساعة الثانية والأربعين دقيقة، خرج قطار عن السكة ~~الحديدية الممتدة بين تونس والجزائر في ms179 جهة «ديبيان»؛ لأن الوطنيين حطموا قضبان ~~السكة وأقلعوها على طول خمسة عشر مترا، فانقلبت القاطرة والعربات التي كانت تجرها ~~وعددها اثنتا عشرة عربة مشحونة بمختلف البضائع، ومات عامل فرنسي من جراء الحادث، ~~وتقدر الخسائر بأكثر من مائة مليون فرنك. # وفي نفس الساعة خرج قطار آخر عن السكك الحديدية بالقرب من «المنوبية» في ضواحي ~~تونس، فانقلبت القاطرة وعرباتها الخمس عشرة بسبب قطع الوطنيين للسكة الحديدية، ~~وكانت الأضرار المادية فادحة. # وقد انقلبت أيضا القاطرة التي تفتح الطريق إلى «الديزل» بعد خروجها من ~~صفاقس. # وفي فبراير قطعت سكة الحديد بين صفاقس وقابس قرب المحرص، وانقلبت القاطرة وثلاثون ~~عربة، وكان حادثا مريعا، واختلطت فيه البضائع بالحديد والخشب، وتدمرت السكة على ~~طول كيلومتر واحد. # وفي شهر فبراير أيضا نسف الوطنيون محطة صفاقس الكبرى وفجروا فيها القنابل، ~~فتقطعت السكة الحديدية، وتحطم مركز تحوير القطارات وتهدمت خزانة الماء. # ونسفت أيضا محطة قابس الكبرى عند دخول القطار إليها، وكان حادثا مهولا دمر ~~المحطة بما فيها والقطار نفسه، ومات فيه عدد من الناس. # وشرع الوطنيون أيضا في نسف الجسور في جميع أنحاء المملكة، فمنها ما خرب تماما، ~~ومنها ما أصبح غير صالح للمرور، ومنها ما لحق به أضرار. ~~(5) الاعتداء المسلح وأثره في العلاقات التونسية الفرنسية # إن أول ما يتبادر إلى الذهن السؤال عن المسئول الحقيقي في تلك الحوادث كلها، وهل ~~هناك مسئول أم مسئولون؟ فمن أصدر الأمر إلى المقيم العام في استخدام العنف وجميع ~~أساليب القمع والقتل وإراقة الدماء؟ من أراد الاعتداء المسلح على الشعب التونسي ~~الأعزل؟ خاصة وأن الوزارة الفرنسية كانت مستقيلة في ذلك الحين. وقد تبين فيما بعد ~~أن موريس شومان # Maurice Schumann # نائب وزير ~~الخارجية الفرنسية قد عجل بإرسال برقية مفصلة إلى «دي هوتكلوك» المقيم العام ~~الفرنسي بتونس ليلة الثلاثاء 15 يناير، ولم يستشر فيها الوزير المسئول حتى لا تفسد ~~عليه مؤامرته التي دبرها باتفاق مع رؤساء الجالية الفرنسية بتونس، وينبغي ألا ننسى ~~أنه ناصب العداء للتونسيين وكان العامل الفعال الذي أملى على الحكومة الفرنسية ~~نفسها ms180 مذكرة 15 ديسمبر التي قطعت أثرها المفاوضات بين تونس وفرنسا. ومن الملاحظ ~~أيضا أن أمره للمقيم العام قد سبق جميع الحوادث وكان السبب الرئيسي لها، وأن جريدة ~~«ليموند» تحمله تلك المسئولية؛ إذ قالت في عددها الصادر في 20 / 1 / 1952 ما يلي: # ومن الناحية الفرنسية فقد صدرت تعليمات فيها شيء من الدقة إلى المقيم ~~العام، من غير شك في غضون ليلة الثلاثاء، وباتفاق عام بين الوزراء الأصليين ~~الذين وصلت إلى علمهم تليفونيا، وقد عرضت البرقية التي حررت بوزارة ~~الخارجية على المسيو بليفن وكوي ولانيال وبيدو وإدجار فور الذي لم يتسلم ~~بعد مقاليد الأمور، فأرجع المسألة إلى كوي، وقد وقع أعلام رئيس الجمهورية ~~وأدخلت عليها تحقيقات طفيفة خاصة بطلب من رئيس الدولة، وأخذ موريس شومان ~~على عاتقه قبولها. # ووزير الخارجية هو المسئول عن سياسة فرنسا بتونس، وهو معروف بميله إلى الوفاق، ~~ولكنه كثير العمل، وتعدل إداراته أقواله وأوامره بنوع من الدقة. # واهتز الرأي العام الفرنسي، واشتغل بحوادث تونس واهتم بها اهتماما كبيرا، وثارت ~~بعض الصحف على موريس شومان وأعماله التي لا توصف، فكتبت جريدة فران تيرور # Franc Tireur # الفرنسية بتاريخ 19 / 1 / 1952: # إن الاعتداء الظاهر بتونس يؤيد تأييدا جليا قويا شكوى الحكومة ~~التونسية. # حكومة مستقيلة وحكومة لم تشكل! قرارات هامة توجه سياسة فرنسا بتونس! من ~~المسئول عنها؟ ليس «دي هوتكول»، وهو شخصية ثانوية وضعته الصدف في تنقلات ~~السفراء على رأس الإقامة العامة؟! # وقع التأكيد أن المسئول هو موريس شومان المستقيل؛ لأنه يبغض الحبيب ~~بورقيبة على دعواه. # وهو الذي سعى في الخلط والخلبطة فأمر باعتقال الشيوعيين! # مناورة صبيانية ومهزلة لم تنطل على أحد ... الاضطهادات وسفك الدماء، إيقافات ~~من غير حق ... فهي طريقة غريبة تذكرنا بفيشي والألمان لتعليم «المحمية» دروس ~~الديمقراطية! # أما المقيم العام بتونس فإنه أصبح كالريشة في مهب الرياح وسط تلك العاصفة القوية، ~~فأخذ في أول الأمر يقوم بمناورات صبيانية، فأصدر أمره للبوليس الفرنسي بأن يلقي ~~القبض على قادة الحزب الحر الدستوري وعلى القادة الشيوعيين في آن واحد، فاعتقل لذلك ~~السبب ms181 يوم 18 / 1 / 1952 موريس نيزار ومحمد جراد أميني الحزب الشيوعي، وخميس الكعبي ~~عضو هيئته العليا، وبلعيش الأمين العام للنقابات الشيوعية، وقد قصد بذلك بث الريب، ~~وإرادة الخلط والتشويه؛ حتى يظن الرأي العام العالمي أن الحركة الوطنية والحركة ~~الشيوعية شيء واحد، وقد نسي في غفلته أن زعيم الحزب الحر الدستوري الحبيب بورقيبة ~~كان منذ مدة وجيزة فوق أرض الولايات المتحدة الأمريكية ليبث الدعاية لوطنه، وأن ~~أمريكا لا تسمح بالدخول إلى بلادها إلا لمن لا تشوبه شائبة من الشيوعية ~~أصلا. # فكانت تلك الحيلة المفضوحة أضحوكة أثارت استهزاء جميع الأوساط. # وكانت الحالة بباريس يسودها نوع من الاضطراب؛ إذ كانت فرنسا من غير حكومة، وكان ~~«إدجار فور» بصدد تشكيل وزارة جديدة في جو متأثر تأثرا عميقا بأحداث تونس. # وقد اجتمع نواب الحزب الاشتراكي الفرنسي ب «إدجار فور» وبينوا له قلقهم، وشرحوا ~~وجهة نظرهم وقالوا له: «إن الإجراءات التي اتخذت بتونس تناقض مقدمة الدستور الفرنسي ~~وتقيم الدليل على جهل مطبق بالحقائق والواقع التونسي، فينبغي أن يقوم الجانبان ~~الفرنسي والتونسي بجميع ما يلزم لتهدئة الجو حالا؛ ليتمكنا من فتح محادثات بروح ~~ملؤها التفاهم.» # وقد تحدث رئيس الحكومة الجديد «إدجار فور» عن تونس في تصريحه الرسمي أمام ~~البرلمان الفرنسي، فقال: # ولكن فيما يتعلق بتونس فأقول: إن رغبات ذلك الشعب لا تناقض رغائبنا، ~~وإنني سأبقى وفيا لفكرة الإصلاح الذي شرعنا فيه بعد، فلن ترجعني عن طريقي ~~المناورات ولا المغالاة. # ومن الملاحظ أن الغموض التام يشمل تلك العبارات التي لا تدل في غموضها على نوع ~~الإصلاحات ولا جوهرها ولا مداها، أما رغائب تونس في تلك الآونة فهي معروفة واضحة: ~~إرجاع السلطان إلى أيدي التونسيين. فما قيمة هذا التصريح إذن؟ أهي مراوغة جديدة من ~~الحكومة الفرنسية أم هو ذر الرماد في العيون، أم يكون إدجار فور صادقا في وعوده؟ ~~ومن الجلي الواضح أنه عاجز عن تطبيق رأيه؛ لأن الأحزاب التي أيدت حكومته مختلفة في ~~القضية التونسية، وآراؤها متناقضة أصلا فيها، فالأزمة ستبقى إذن كما كانت، ولم ~~يمنع ذلك المقيم ms182 العام من طلب المثول أمام الملك، وجرت المقابلة بينهما يوم 24 ~~يناير، وألح المقيم أثناءها على وجوب استئناف المفاوضات اعتمادا على تصريح رئيس ~~وزراء فرنسا، بشرط سحب الشكوى التونسية من هيئة الأمم، وإرجاع الوفد الوزاري ~~التونسي إلى تونس، فرفض الملك ذلك رفضا باتا، وأصر على موقفه قائلا: إن الحكومة ~~الفرنسية لم تسأله رأيه عندما قامت بأعمال القمع، وإن فرنسا لو كانت لها نية إصلاح ~~حقيقية لمنحت تونس رغائبها، فتسقط الشكوى بطبيعتها، وحاول المقيم إذ ذاك شرح ~~تصريحات شفهية لرئيس الوزارة الفرنسية أمام البرلمان جازما أن فرنسا تريد منح ~~الاستقلال الداخلي لتونس، وقال المقيم: إني أريد أن أبين مدى هذا التصريح لما فيه من ~~معان بين الأسطر، فأجاب الملك حرفيا: «نحن لم نسلم مما هو فوق الأسطر، فما بالك ~~بما تحتها!» # وتوجه إلى وزيره قائلا: «لا تكفينا التصريحات والكلام والألفاظ، إنا نريد ~~الأعمال، فقدموا لنا برنامجا حقيقيا.» # فلما تعذر على المقيم العام الجديد تطبيق خطته العدوانية - رغم خروجه عن اللياقة ~~واستخدامه القوة - استعان بالحكومة الفرنسية التي خاطبت جلالة الملك رأسا برسالة لم ~~تتراجع فيها عن مذكرة 15 ديسمبر 1952 مظهرة إصرارها على متابعة سياستها الاستعمارية: # مذكرة الحكومة الفرنسية إلى جلالة الباي بتاريخ 26 يناير 1952 # ترى الحكومة الفرنسية بعد زيارة المقيم العام الفرنسي لجلالة باي تونس ~~واستجابة للرغبة التي أعرب عنها جلالته، أن توضح من جديد الاتجاه العام ~~لسياستها إزاء تونس والنتائج التي تعتقد أنه يجب أن تستنتجها من هذه السياسة ~~في الوقت الحاضر. # إن الحكومة الفرنسية تتحمل بمقتضى المعاهدات المعقودة مع تونس المسئولية ~~الكاملة عن المحافظة على الأمن العام في هذه البلاد، ولم تغفل هذه الحكومة ~~إظهار تقديرها بحق لما قام به جلالة الباي من الإعراب عن موافقته التامة ~~على البيان الذي أذاعه المقيم العام مناشدا الشعب التونسي الإخلاد إلى ~~الهدوء والسكينة، وستقوم حكومة الجمهورية الفرنسية فيما يتعلق بها ولصيانة ~~المصالح المشتركة لجميع سكان تونس بواجبها دون تهاون ولا إهمال. # وإن جلالة الباي ليعلم فضلا عن ذلك أن الحكومة الفرنسية ms183 تهتم دائما بأن ~~تكفل بالاتفاق التام مع جلالته حركة التطور الديمقراطي في تونس، ولقد أدلى ~~رئيس الوزارة الفرنسية ببيان أثناء المناقشة التي دارت في مجلس النواب في ~~22 يناير الماضي، أوضح فيه رأي الحكومة الفرنسية مؤكدا السيادة التي يتمتع ~~بها جلالة الباي، وعني رئيس الوزراء بإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن تفسير ~~المذكرة المؤرخة 15 ديسمبر، وتلا التصريح الذي أفضى به وزير الخارجية في 20 ~~ديسمبر أمام مجلس الجمهورية حيث قال: لقد أخذ علينا أننا أشرنا للمرة ~~الأولى في النص الرسمي إلى مسألة السيادة المشتركة، ولكننا في الحقيقة لم ~~نذكر هذه الكلمة، بل لم نشر إليها أية إشارة. # أما فيما يتعلق بالإصلاحات الخاصة بالمجالس البلدية والتشريعية ~~والإدارية، فسوف تقوم بدراستها لجنة مختلطة بمجرد استئناف المحادثات بين ~~البلدين، ولكي تتمكن هذه اللجنة من الشروع في عملها دون تأخير وأداء مهمتها ~~على أحسن وجه وفي أقرب وقت مستطاع، يجب أن تتألف من شخصيات غير مشغولة ~~بالأعمال الإدارية والحكومية. # ومن الواضح أن مثل هذه المباحثات لا يمكن إجراؤها ما لم تسحب تونس الشكوى ~~التي قدمت إلى الأمم المتحدة ضد فرنسا، وذلك بالرغم من أنه ليس ثمة ما يبرر ~~تقديمها وقبولها، وإن الحكومة الفرنسية لترى أن من واجبها في هذه الحالة أن ~~تذكر جلالة الباي بما سبق أن تقدم به في هذا الشأن المقيم العام. # ورغبة في العمل فورا على إزالة العقبات التي تحول دون استئناف المحادثات ~~التي توقفت بالرغم من إرادة فرنسا، ترى الحكومة الفرنسية أنه عليها أن تطلب ~~في إلحاح الرد على هذه المذكرة في أقرب وقت، وأن الحكومة الفرنسية ستجد ~~نفسها مضطرة - إذا لم تتلق الرد سريعا - إلى إطلاع الرأي العام على أنها ~~ليست مسئولة عما يترتب على عدم استئناف المحادثات من نتائج خطيرة. # فأجاب جلالة الملك بمذكرة فند فيها أقوال الحكومة الفرنسية بإيضاح، وصرح ~~بتضامنه الكامل مع شعبه الجريح: # رد جلالة الباي بتاريخ 5 فبراير 1952 # اطلع جلالة الباي على المذكرة الفرنسية التي بعث بها إلى جلالته المقيم ~~العام الفرنسي ms184 في تونس يوم 30 يناير، وقد سجل جلالته الرغبة التي أعرب عنها ~~رئيس الحكومة الفرنسية لإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن المذكرة الفرنسية ~~المؤرخة في 15 ديسمبر من العام الماضي، والتي أدت إلى قطع المفاوضات بين ~~تونس وفرنسا، وإن جلالته إذ يسجل ذلك يلاحظ أنه قد اقتصر على الإشارة إلى ~~التصريح الذي أفضى به المسيو روبير شومان وزير الخارجية أمام مجلس ~~الجمهورية في 20 ديسمبر سنة 1951، دون أن يذكر ما يبدد كل شك فيما يتعلق ~~بعدم التوافق بين اشتراك الفرنسيين في تونس في الشئون السياسية للبلاد وبين ~~المبدأ الخاص بوحدة السيادة التي يهمنا توكيدها. # ولا حاجة إلى القول بأنه ستتخذ - صونا لهذه السيادة على أكمل وجه - ~~التدابير الكفيلة بحفظ المصالح العليا لفرنسا ومصالح الرعايا الفرنسيين في ~~تونس. # أما فيما يتعلق بالنقط الأخرى التي أشارت إليها المذكرة سالفة الذكر، ~~والتي لم تخرج عن أنها كررت المطالب التي جاءت في مذكرة سابقة؛ فقد جاء ~~الرد عليها في خطاب أرسل بتاريخ 17 يناير ويحسن الرجوع إليه. # ولقد تأثر جلالة الباي تأثرا عميقا لأعمال القمع الصارمة التي تجري ~~الآن، والتي ألحقت أضرارا خطيرة بسلامة أفراد الشعب وممتلكاتهم، كما أدت ~~إلى المساس بسيادة الدولة، وقد أحاطت الحكومة التونسية المقيم العام ~~الفرنسي علما ببعض هذه المخالفات. # وإن جلالة الباي الذي يهتم قدر اهتمام الحكومة الفرنسية بالمحافظة على ~~الأمن والنظام، لا يسعه إلا أن يسجل أن الحالة لا تتطلب الإسراف في استخدام ~~هذه القوات الكبيرة. # ويخلص مما تقدم أنه لكي تستأنف المفاوضات في حرية وعلى وجه مثمر كما يرجو ~~جلالة الباي والحكومة الفرنسية، على الحكومة الفرنسية أن تحدد موقفها بوضوح ~~إزاء المبادئ التي يجب أن تتخذ قاعدة لتنظيم الإدارة التنفيذية والهيئة ~~التشريعية في تونس، على صورة تحقق الحكم الذاتي السليم وتهيئ جوا مشبعا ~~بالثقة التي لا يمكن توفيرها إلا بإنهاء حالة الطوارئ والنظام الشاذ الذي ~~فرض على تونس منذ بضعة أسابيع. # وكان موقف المقيم في ذلك الحين عجيبا غريبا مدعاة للضحك؛ إذ أصبح جلالة الملك ~~يرفض كل ms185 اتصال مباشر معه ويحيله على وزيره الأول، والمقيم من جهته يرفض مقابلة ~~الوزير الأول التونسي بدعوى أنه غير مخلص لفرنسا، وقد طلب من الملك مرارا إقالته، ~~وكل مرة يجدد الملك ثقته فيه. وإذا بالمقيم يلجأ إلى خرق المعاهدات ويثير اهتماما ~~كبيرا في الأوساط التونسية والفرنسية، فيتصل مباشرة بولي العهد عز الدين باي ليهيئ ~~خلع محمد الأمين بعد أن هدده تهديدات متوالية، ويتآمر مع الصحافة الاستعمارية لنشر ~~تلك التهديدات الصريحة. # ولما بلغت تلك الحوادث كلها إلى رئيس البعثة الوزارية لدى هيئة الأمم، أفضى ~~بالتصريح التالي للصحافة في 19 / 1 / 1952: # بلغني في هذا الصباح أن السلطات الفرنسية اعتقلت الأستاذ الحبيب بورقيبة، ~~والأستاذ المنجي سليم، وعددا من النواب الدستوريين الذين أتوا مدينة تونس ~~للمشاركة في مؤتمر الحزب. # وقد ازدحمت بتونس اليوم قوات فرنسية مسلحة خارقة للعادة، واحتلت المدينة ~~عسكريا، وضبطت حركة المرور ضبطا شديدا، وقطعت مدينة حمام الأنف حيث ~~يوجد قصر جلالة الباي عن بقية المملكة، وطوقت القصر نفسه ... # أما تأثير هذه الإجراءات على حزبنا، فلا يمكن أن تشغل بالنا؛ إذ تكررت ~~التجربة مرات في محاولة للقضاء على حركتنا القومية بطرق الاضطهاد والعنف، ~~وخرج منها كفاحنا الوطني أقوى وأشد في سبيل تحرير بلادنا، وقد أصبح ذلك ~~الهدف إيمانا عم الشعب التونسي بأسره. # وإنا لواثقون الوثوق التام في مصير وطننا وفي الطريق الذي اخترناه لتحقيق ~~رغائبه القومية، فإن التجاءنا إلى هيئة الأمم المتحدة وسيلة يؤيدها العالم ~~بأسره. # وإن كان أنصار سياسة السوء بتونس المتمثلون في قادة قسم من الجالية ~~الفرنسية يؤملون من وراء سياسة يملونها إملاء، ويفرضونها على حكومتهم في ~~القضاء على تيار الشعب التونسي الجارف واندفاعه نحو أعلى مصير؛ فإنهم سيرون ~~رأي العين - بعد فوات الأوان - أن عملهم سيضر بمصالح فرنسا وبمصالحهم أيضا ~~بتونس. # وشرع كثير من الدول والشعوب تؤيد تونس وتشهر بالعدوان الفرنسي، فقد نشرت جريدة ~~«مساجيرو دي روما» الإيطالية - وهي جريدة «دي جاسبيري» رئيس الحكومة ولسانه - مقالا ~~بتاريخ 14 يناير 1952 جاء فيه: # لو أجلى الفرنسيون اليوم قواتهم عن تونس كلها ms186 أو جزئيا فلا شك في أن ~~بنزرت لن تخلى، ولكنها تجذب أنظار الإنجليز والأمريكان الذين يفتشون بلهفة ~~عن قواعد حربية في البحر الأبيض المتوسط، بحيث يشهد بالبراعة للوطنيين ~~التونسيين؛ إذ تمكنوا من جلب الاهتمام الأنجلو أمريكي المزدوج بقضيتهم ~~القومية، بأن وعدوهم باستخدام الاستحكامات القوية الموجودة ببنزرت ... # وإن التقاليد الحرة الإيطالية والعلاقات الطيبة في حسن الجوار بين ~~الإيطاليين والأهالي، يوعز لنا أن ننظر بعطف إلى رغائب التونسيين مع إبداء ~~النصح لهم بالحذر والاعتدال والثقة في تعقل حكومة باريس، وفي التطور للساعة ~~التاريخية الراهنة. # وثارت ثائرة الفرنسيين الأحرار أنفسهم، فعقدوا الاجتماعات وقاموا بحملات صحفية ~~مستمرة لفائدة شعب تونس، نقتطف مما نشر في ذلك الصدد مقالا افتتاحيا نشرته مجلة ~~«العصور الحديثة» # Les temps Nouveaux # عالجت ~~فيه القضية التونسية في عددها الصادر في شهر مارس 1952، جاء فيه: # ليست هذه المرة الأولى التي تقطع فيها الوعود للتونسيين، وليست هي المرة ~~الأولى التي ينفد فيها صبر التونسيين، فيتحول استياؤهم إلى مظاهرات شعبية، ~~وقد قوبلت هذه المظاهرات بالقمع وبوعود أخرى. # وليست هي المرة الأولى التي يتهم فيها الزعيم بورقيبة بأنه يعمل لحساب ~~الأجانب، فبالأمس اتهم بأنه يعمل لحساب الإيطاليين، غير أنه لم توجد وثيقة ~~تثبت الاتهام، ثم ألصقت تهمة أخرى بالوطنيين التونسيين، فقيل إنهم يعملون ~~لمصلحة الدعاية الشيوعية، ثم قيل إنهم يأتمرون بأوامر الجامعة العربية، وقد ~~خفت وطأة الاتهامات بعد ذلك؛ لأنه لم يوجد ما يثبتها ويؤكدها. # ونرى من جهة أخرى أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة كانت ترى مسئوليتها ~~حيال القضية التونسية تتمثل في عدم وقوع حوادث وعدم قيام مشاكل، بيد أن ~~الزعم بضرورة الحضور الفرنسي قد اتخذ لتبرير الحيف، وتفسير المعاهدات ~~تفسيرا أنانيا. ومعنى ذلك عدم البحث عن علاج للحالة، وهكذا تمت اللعبة ~~وهي لعبة المعمرين والذين يؤيدونهم في فرنسا، وهم يجدون في ذلك التأييد ~~فائدتهم ولا شك، ولكنهم بعملهم هذا يقترفون جرما؛ لأن الرأي العام في ~~فرنسا يصبح مسئولا وضحية لهذا الختل. # ولطالما استمعنا إلى كلمة تقول: «إننا لن نستمر وإنما نبني صرح الاتحاد ~~الفرنسي»، وهي ms187 كلمة ضخمة ولكنها تخفي عكس ما تظهر. # ونحن نكذب عندما نقول إن التونسيين رفضوا التجربة الحاسمة، وإنما الرفض ~~كان صادرا عن الفرنسيين عندما قرروا الانتقال من الوعود إلى الإصلاحات، ~~ولكنها كانت التجربة لأن الإصلاحات لم تتم حسب الوعود. # وقد لخص زعيم الحركة الوطنية بتونس الحبيب بورقيبة الحالة، وما تنطوي عليه من ~~أخطار في مقالة نشرته مجلة «العصور الحديثة» الفرنسية بعث إليها به من منفاه هذا نصه: # إذا كانت التجربة التونسية قد انتهت بعد عشرين شهرا انقضت كلها في ~~الجهود المتحمسة إلى نهاية أليمة تجف بها الدماء؛ فذلك لأن فرنسا لم ترد أن ~~تفهم مطالب البلاد التونسية، ولا ما يمكن أن تحققه هذه البلاد في نطاق ~~السلم والصداقة. # إن ما يطالب به الشعب التونسي ليس هو هذه الإصلاحات الجزئية في نطاق ~~البلديات والوظيفة العمومية، مع الاحتفاظ بسياسة إبقاء ما كان على ما كان، ~~ولكن ما يطالب به الشعب إنما هو استرجاع سيادته السليبة؛ أي المقاطعة التامة ~~مع النظام الحالي. # إن هذه السيادة قد بترت وذهبت أشلاء بفعل معاهدة عتيقة ترجع إلى سبعين ~~سنة خلت، وكانت قد فرضت على البلاد فرضا بواسطة القوة المسلحة، وتبعها ~~فيما بعد غزو هائل احتل البلاد من أطرافها بثلاثة جيوش جرارة يصحبها جميعا ~~تهديد وإنذار لم يترك لجلالة الباي المحاصر في قصره إلا ساعات معدودات ~~ليقرر موقفه من الأمر المقضي. # إلا أن هذا البتر الذي حدث للسيادة التونسية بالقوة في غضون القرن الماضي ~~لم يكن هو كل شيء، بل إنه استتبع فيما بعد أيضا بالقضاء النهائي الذي ~~أنزله المقيم العام على ما تبقى من هذه السيادة؛ ولذلك بالرغم من أن ~~اختصاصات هذا المقيم لا تجيز له - وفقا للمعاهدة نفسها - أن يتعدى كونه ~~واسطة للعلاقات القائمة بين الحكومة الفرنسية والسلطات التونسية فيما يتعلق ~~بالشئون التي تهم البلدين (المادة 5). # أما اليوم فإن المقيم - بصورة عملية - هو السيد المطلق في أمره ونهيه ~~بالبلاد التونسية، فالقوانين لا تتخذ صبغتها الشرعية إلا إذا حظيت ~~بموافقته، وهو الذي يراقب جميع الأجهزة الإدارية بالبلاد ms188 التونسية، والشرطة ~~والجندرمة تابعة له، وكذلك القوات المسلحة بالبلاد. أما الوزراء التونسيون ~~فليس لهم أي نفوذ، ولا حق لهم في اتخاذ أية قرارات كانت، وهذه الوضعية ~~الثقيلة على التونسيين في عقر دارهم، والتي لا يستطيعون تحملها، هي التي نهض ~~الشعب بقيادة الحزب الدستوري لمحاربتها منذ ثلاثين سنة، وهدفه هو تحطيم هذا ~~النظام الإرهابي. # وقد كانت الوعود التي قطعها روبير شومان سنة 1950، وأكدها بيرييه المقيم ~~العام في 13 يونيو من نفس السنة، قد ظهرت لنا بأنها تعبر عن إرادة الحكومة ~~الفرنسية في إرجاع السيادة المنهوبة إلى ذويها التونسيين، والتي كانت ~~معاهدة باردو نفسها قد نصت بصراحة على أنها من مميزات رئيس البلاد الأعلى، ~~وأنها - هذه الوعود - ستكون الخطوة الأولى في طريق استبدال معاهدة 1881 ~~الاستعمارية التي فقدت قيمتها، ولم تعد تتماشى مع الزمن الحاضر، بمعاهدة ~~أخرى قائمة على الصداقة والعلاقات الطيبة التي تحفظ لفرنسا جميع الحقوق ~~المشروعة، وتجعل من الممكن وجود تعاون حر بين شعبينا في جميع الميادين ~~الضرورية التي لا بد فيها من تعاون متبادل بالنسبة لفرنسا وتونس ~~معا. # ولكن المؤسف أنه ما كادت المفاوضات تخطو خطوتها الأولى، حتى أخذت تحف بها ~~تهديدات أغلبية الممثلين الفرنسيين، وما لبثت أن انتهت إلى مذكرة 15 ديسمبر ~~التي أوصدت في وجه التونسيين جميع أبواب التفاهم مع الفرنسيين من أجل ~~التحرير الوطني؛ وذلك لما جاء فيها من إقرار يحمل طابع «النهائية» للعلاقات ~~التي تربط تونس بفرنسا، وجعلت الجالية الفرنسية المستوطنة بالبلاد التونسية ~~هي صاحبة الطول والحول في البلاد على حساب الشعب، مما يخالف جميع مبادئ ~~القوانين الدولية. # ولكن الاعتدال الذي ظهر به الحزب الحر الدستوري فيما أبداه من ثقة بالوعود ~~المقطوعة له باسم فرنسا، قد مكن من إماطة النقاب عما يخفيه الاستعماريون في الحكومة ~~الفرنسية من نوايا ومقاصد جعلت الغضب يبلغ عند الشعب أقصى حدوده؛ لأنه لم يعد يطيق ~~التصور بأنه سيظل عبدا رقيقا إلى الأبد في حين أن غيره من الشعوب، ومن بينها شعوب ~~تجاوره في حدوده قد أصبحت تتمتع بسيادتها واستقلالها. # وهكذا ms189 حدثت القطيعة العنيفة، وتبعتها ردود فعل أعنف وأشد سالت فيها الدماء وسقطت ~~فيها الضحايا، وهو ما كنا منذ سنتين نحاول جهدنا أن نحذر منه الحكومة الفرنسية. ~~ولكن عبثا. ومما يؤسف له حقا أن بعض المسئولين الفرنسيين الذين يظنون أنفسهم ~~متشبعين اطلاعا على الأمور في البلاد التونسية أصبحوا يعتقدون، بل ويصرحون علنا ~~أن التونسيين سيضطربون ويتحركون ويحاولون المشاغبة، ولكنهم لم يلبثوا أن يهدئوا من ~~أعصابهم ويستكينوا من جديد. لقد كان هذا الظن قابلا لأن يكون معقولا لو جاء في ~~القرن الماضي، ولكنه عندما يجيء في سنة 1952 فهو مضحك. # إن الشعب التونسي قد أصبح مستعدا لتقبل جميع التضحيات؛ لكي يبرهن للعالم على ~~أنه نضج النضج اللازم الذي يؤهله للحرية التي يطالب بها. إن الشعب قد صمم على دفع ~~الثمن لهذه الحرية، وهو مستعد للكفاح من أجلها طوال ما تتطلبه من وقت. # وهذا ما جعل الحكومة التونسية التي استنفدت جميع جهودها في التفاهم المباشر قد ~~تحولت - لكي تتجنب ما هو أنكى وأضر - إلى أكبر مؤسسة دولية تطلب منها التوسط الودي ~~في النزاع القائم بينها وبين الحكومة الفرنسية، ولا تزال الفرصة سانحة أمام الحكومة ~~الفرنسية لتعود إلى المفاوضات، ولكن على نفس القواعد والأسس وهي الاستقلال ~~الداخلي. # على أن بلاغ الحكومة الفرنسية المؤرخ في 30 ديسمبر قد جاء يحمل شرطا تعتبره لا ~~بد منه قبل الشروع في أي تفاهم، وهذا الشرط ينص على ما يلي: «إن الحكومة الفرنسية ~~مخول لها بحكم المعاهدات المعقودة مع البلاد التونسية مسئولية حفظ الأمن العام.» ~~وهذا تفسير مسرف وبعيد عما يقصده البند الثاني من معاهدة باردو، والذي يقول صراحة ~~ما يلي: «من أجل تقديم التسهيلات اللازمة لحكومة الجمهورية الفرنسية في مهمة القيام ~~بالإجراءات التي تمكنها من أداء مهمتها المتفق عليها من الدوائر العليا للطرفين ~~والقاضية بمنع تجديد الاضطرابات والفوضى التي حدثت أخيرا في الحدود الفاصلة بين ~~الدولتين؛ فإن جلالة الباي يصادق على أن تحتل القوات العسكرية الفرنسية النقط التي ~~تعتبرها ضرورية الاحتلال؛ من أجل إعادة الأمن إلى نصابه في ms190 الحدود والسواحل، وهذا ~~الاحتلال ينتهي عندما تتفق السلطات العسكرية الفرنسية والتونسية على الاعتراف بأن ~~الإدارة المحلية قد أصبحت آمنة ومضمونة.» # إن هذا النص إذن يتعلق باحتلال مؤقت لبعض النقط الاستراتيجية في البلاد؛ لكي ~~تتمكن السلطات العسكرية من إعادة الأمن إلى نصابه في الحدود والسواحل، وبين هذا ~~الذي ورد في المعاهدة وبين كل ما جري بعد ذلك من القضاء على كل سلطة عسكرية وتسريح ~~جنودها وإسناد كل السلطات التي تتمتع بها الحكومة التونسية إلى المقيم العام ~~والمراقبين المدنيين في حفظ الأمن بالبلاد، توجد هوة سحيقة حفرتها فرنسا، وهو خزي ~~لا يمكن أن يقبل. # ولهذا يجب أن يكون الاستقلال الداخلي للبلاد التونسية لا في حكومة منسجمة فقط - ~~وهو الأمر الذي يحفظ مبدأ عدم وجود أية سيادة أخرى غير السيادة التونسية - ولكن ~~أيضا في إرجاع الامتيازات المخصصة لكل دولة تتمتع بالسيادة إلى هذه الحكومة، وأول ~~هذه الامتيازات مسئولية حفظ النظام والأمن في البلاد. فإن كانت فرنسا عازمة حقا ~~على الاعتراف بهذا الحق والقيام بنقل السيادة التي يتضمنها هذه الاعتراف، لم يبق ~~لها تعيين تاريخ معقول لا يمكن أن يتجاوز 31 ديسمبر من السنة الجارية لتحقيق هذا ~~النقل بصورة كاملة وفعلية. # وهذا يمكن للحوار أن يستأنف بهذا الشرط إذا أريد له النجاح، كذلك يمكن للصداقة ~~الفرنسية أن تتجدد قوتها، وتحظى بموافقة طبقات الشعب التونسي، وتسمح بذلك لظهور ~~تعاون حر بين الشعبين. # لقد طلب منا «إدجار فور» أن نفصح له عن نواياتها، وهذا ما تم الآن. # وقد استطرد المسيو فور قائلا: «إنه إذا كانت نوايانا صادقة لا يوجد ثمة داع ~~لكيلا نبرز هذه الإرادة المشتركة إلى الواقع، فإن إخلاصنا لا تشوبه شائبة، ولكن ~~إخلاص فرنسا هو الذي ظل غامضا دائما. # هذا في حين أن المماطلة والغموض والتحايل المفضوح عمرها قصير جدا، ولا نتيجة ~~لها غير إثارة الشكوك والحذر وتوتر الأزمة التي لا تزال في بدايتها. # إن الوقت قد حان إذن بالنسبة لفرنسا لكي تراجع كل سياستها تجاه تونس، ولكي تختار ~~بين سياسة المناهضة التي لا ms191 يمكن أن تجر إلا الويل والكوارث، وبين سياسة التفاهم ~~والرشد القائمة على الاحتفاظ بوجودها، لا في ميدان الوظيف والحكم المباشر والجندرمة ~~واللفيف الأجنبي ولكن بالإخلاص والنزاهة مع حكومة صديقة يساندها شعب صديق. # إن المستعمرين القاصري النظر يصرحون بأن استقلالا داخليا من هذا النوع لا بد ~~أن يؤدي إلى الاستقلال؛ وهذا صحيح، ومن الملائم أن تعالج قضية الاستقلال هذه منذ ~~الآن: أن تهيأ لها الحلول الأساسية الجوهرية وتسطر لها الخطوات المحددة؛ لأن ~~المسألة ليست في الاختيار بين الاستقلال للبلاد التونسية وحكمها حكما مباشرا، بل ~~في الاختيار بين أن يكون هذا الاستقلال بقيادة فرنسا وتسييرها، حتى يمكن التعاون ~~الحر بين الطرفين والمحافظة على المصالح الأساسية لفرنسا وللعالم الحر، وهو ما لا ~~يزال ممكنا، بل وتتمناه جماهيرنا الساحقة - وبين استقلال يفتك افتكاكا في حماة ~~الدماء والأحقاد وبمساعدة خارجية، قد ترمي بالبلاد التونسية في أحضان كتلة أخرى ~~ليست من صالح فرنسا في شيء. # إن الاستقلال بالنسبة للبلاد التونسية كما هو بالنسبة لجميع الشعوب المضطهدة ~~الفاقدة لحريتها، قد أصبح أمرا حتما لا مناص منه، ومن المستحيل على الشعب ~~التونسي - وقد بلغ التنظيم والوعي إلى الحد الذي هو فيه، والذي ينمو معه ويطرد يوما ~~بعد يوم - أن يستكين للعبودية والرق، ولكن إذا كانت الحكومة الفرنسية المعززة بجبروت ~~جناحها الأيمن، تظن أنها تستطيع مناهضة الشعب التونسي بالقوة، فإنه لا نتيجة لهذا ~~الوهم إلا ما هو أنكى وأضر؛ لأن استقلال تونس لا بد أن يتحقق بالرغم من فرنسا، ~~وبالرغم من إرادتها.» # | الفظائع # (1) تدبير الفظائع # ملأ الفرنسيون الدنيا صراخا وطبقوها دعاية ضد الألمان النازيين خلال الحرب العالمية ~~الثانية، وفضحوا الأعمال الإجرامية التي ارتكبت مدة الاحتلال الألماني لفرنسا، وأبرزوا ~~للملأ ما وقع في مدنهم وقراهم - وخاصة في قرية «أورادور» - من تقتيل الأبرياء وتعذيبهم ~~والتنكيل بهم. # ولكنهم بتونس عاملوا عشرات القرى معاملة «أورادور» بل معاملة أشنع وأفظع، وظنوا أن ~~أنين المظلومين لن يسمع في العالم، وعويل الأرامل سيكبت، وصراخ اليتامى سيغط، واعتقدوا ~~أن الضعيف المقهور المغلوب لا يؤبه له، ولا يلتفت ms192 إليه، ولا يصغى لشكواه، وعلموا أن ~~تونس في زمرة البلدان المغلوبة على أمرها المحتلة احتلالا قويا جبارا، المعدودة في ~~عرف الدول الكبرى ملكا لفرنسا، فيقول عنها الإنجليز كما يقول الأمريكان تونس ~~الفرنسية. # وقد جربت فرنسا ذلك الأسلوب بالجزائر في عام 1945 عندما قتلت أكثر من أربعين ألف ~~جزائري - رجالا ونساء وشيوخا وأطفالا - وقام الجنرال جارباي نفسه بقمع الحركة ~~الوطنية بجزيرة مدغشقر، وقتل في تلك الأثناء أكثر من مائة ألف لم تشعر بهم الدنيا، ولم ~~يعرهم الرأي العام العالمي التفاته، وأرسلته الحكومة الفرنسية إلى تونس بنفس النوايا ~~وليقوم بنفس العمل، فلم تكن عملية «التطهير» في جهة الدخلة من باب الصدفة، بل كانت ~~منظمة تنظيما محكما قد أعدت خطتها من قبل، وسطر برنامجها في غير غفلة ولا سهو، بضمير ~~لا يرحم، وقلب لا يخفق وفقدان غريب لكل شعور إنساني، حتى أصبح كل تونسي يتساءل أين ~~المدنية الفرنسية، بل أين المدنية البشرية؟ وأين الرحمة؟ وأين الإنسانية؟ # وقد تأثر كثير من الفرنسيين الأحرار الذين يعيشون بتونس عند مشاهدة الحوادث، فلم ~~يستطيعوا تحمل جو كله رعب، وارتجفت أعضاؤهم من شدة ما رأوا وهول ما شهدوا. وهذا واحد ~~منهم معلم فرنسي صاحب ضمير كتب رسالته إلى مجلة لوديكاتور # L’Educateur # الفرنسية وهو تحت تأثير ما عاين، والاضطراب بين في كلامه، ~~فنشرتها تلك المجلة تحت عنوان: «تونس تحت النير والاضطهاد» في عددها الصادر في شهر مارس ~~1952 جاء فيها: # تعرف الحقيقة كيف تفتح لنفسها سبيلا لتسمع صوتها رغم حالة الحصار، ونحن نقدم ~~إليكم صوت واحد من أعز مشتركينا، مرب مسالم، لا هم له إلا إنارة عقول أطفال ~~أفريقيا الشمالية وتثقيفهم: # أبعث إليك بهذه الأسطر في هذا الصباح المحزن، وفي جو ملؤه الغضب المستعر، ~~وبين مصائب متدفقة في ساعة لم أسمع فيها إلا دويا مرتبكا من الأصوات، ومن ~~الأنين والشهيق المتدفق والبكاء بصوت مرتفع ممزوجا بدوي المصفحات والطائرات ~~المحلقة في سماء القرية. # إني أعتذر إليك إذا لم أجد الألفاظ اللازمة لأعبر عن الهول المحيط بنا، ~~ومعذرة أيضا إذا لم ms193 أتعقل في كلامي. # كنت قد حضرت بنفسي مأساتين مرجفتين متتاليتين، وشاهدت خلالها نساء بريئات ~~وأطفالا ورجالا بؤساء يتساقطون ويتخبطون في دمائهم، وهم جميعا عزل! # يقاوم في هذا البلد هدوء الرجال واطمئنان الأطفال المسرورين والمترنمين حين ~~خروجهم من مدرستهم، وضعف النساء القلقات اللاتي ينتظرن أولادهن وينادين رجالهن، ~~قلت تقاوم تلك الجماهير من الناس بجلب الرشاشات والدبابات والمفرقعات اليدوية ~~وحتى بالمدافع. # انظروا إلى أولئك الشبان المرتدين الثياب البالية، وإلى أولئك الفلاحين ~~المسنين المساكين، الراجعين من حقولهم حاملين معهم معاولهم أو قائدين إبلهم أو ~~حميرهم، الماكثين هناك مطروحين على الأرض في غدران دمائهم، وانظروا إلى هذه ~~المرأة التي بقر بطنها، وهذه الأخرى التي شج منها الرأس، ثم يتكلم المتكلمون عن ~~السلام! # لشد ما تمنيت أن أقص عليك تفاصيل هاتين المأساتين المتقدمتين - من بين كثير ~~من المآسي - غير أني لم أملك أعصابي من شدة التأثر، قد خرجت الآن أمي؛ إذ إنه لم ~~يعثر على أخيها، كما فقدت جارة لنا - في آن واحد - أختها وبعلها، هذه قصة مصير ~~المضطهدين الطالبين بغاية الهدوء إرجاع حقوقهم، هذا ما يتحمله الشعب من هذا ~~المجتمع الاستعماري. # لا أدري هل تصل إليك هذه الرسالة! إن مرور البريد يكاد يكون منعدما بجهتنا، ~~إنه ليس من واجبي أن أتناسى ذكر الزميلين التونسيين المنخرطين في منظمتنا، ~~واللذين كنت أنتظر منهما إعانة فعلية لترويج أساليبنا وطرقنا الفنية. لقد ~~اعتقلا وأخذا من فصليهما أول أمس، وقد اعتقل آخرون كثيرون مثلهم، وأعتقد أن ~~موعد اعتقالي قد لا يتأخر أيضا؛ رغم أننا جميعا لم نرتكب أية مخالفة. # نعم، إن وجوهنا لتحمر خجلا وغيظا نحن الذين شاهدنا حربين وعرفنا السجون ~~والمحتشدات، يجب أن نفضح، وأنتم معنا، هذه الحملة الحربية التي تقع باسم ~~الفرنسيين. إذن باسمنا جميعا وبدم أبنائنا وبالأموال التي يحصل عليها الشعب ~~بعرق جبينه. # ولما ادلهمت الدنيا على الجنرال جارباي، وافتضحت أعماله، واستاء الرأي العام العالمي ~~منها، وثار ضدها الضمير البشري، أصدر تكذيبا فنده الفرنسيون أنفسهم فيما بعد، وجاء في ~~جريدة «ليموند» الباريسية بتاريخ 22 فبراير 1952 ms194 ما يلي: # لقد احتج الجنرال جارباي: «القائد الأعلى للجيوش بتونس» في تصريح لمراسل ~~فرانس بريس الخاص، على الحملة الرامية إلى المس بسمعة الجيش وخلق جو ملؤه ~~الشكوك والريب يريده الدستور الجديد لتنبيه الرأي الدولي لتونس الشهيدة، قال: ~~«بعد البحث الذي قامت به السلطة العسكرية المختصة، فإني أكذب بصفة قاطعة أن ~~الجنود قاموا بقتل الأطفال في أي قرية من الدخلة أو أي جهة أخرى من القطر ~~التونسي، عن قصد أو عن غير قصد. # ولم تسجل أي شكوى للمحاكم في هذا الموضوع من عائلات الأطفال أو من السلطات ~~التونسية، وإنه من اختصاص القضاء الفرنسي بتونس وحده - الذي يبحث شكوى السلطة ~~العسكرية على حملة الأكاذيب التي كان الجيش ضحيتها - أن يقوم بفحص جثث الأطفال ~~الذين ماتوا بتازركة، إذا ما رأى مصلحة في ذلك.» # وأضاف الجنرال جارباي قائلا: «صحيح أن تونسيين قتلوا وجرحوا أثناء الثورات والمظاهرات ~~والعمليات البوليسية، ومات ثلاثون منهم لحينهم، وجرح ما يربو على مائة وأربعين، مات ~~ثلاثون منهم بعد حين، فليس هناك قتل ولا جريمة قتل. وقد حدث موت هؤلاء التونسيين إما ~~أثناء اشتراكهم في المظاهرات التي انقلب بعضها إلى ثورات حقيقية، وإما عند فرارهم أثناء ~~عمليات التطهير التي جاءت من بعد. # وإن عدد التونسيين الذين قتلوا في هذه العمليات أربعة.» # وقد أيدت الجنرال جارباي في ادعائه الإقامة العامة الفرنسية بتونس، فأصدرت البلاغات ~~تلو البلاغات زاعمة أن ما جرى في جهة الدخلة إنما هو مجرد عمليات تفتيش عن الأسلحة، وأن ~~الجنود اكتفوا بالقيام بواجبهم البسيط. وقد علق الاتحاد العام التونسي للشغل على ادعاء ~~الإقامة العامة في تقريره عن حوادث الدخلة قال: «ندرك اليوم بعد أن أصبح من الممكن ~~مراجعة صحة الحوادث المذكورة مقدار الإجرام الذي اقترفته الإقامة العامة الفرنسية، ~~عندما كانت تصدر بلاغاتها المقتضبة عن تلك الحوادث، وتذيع نداء تدعو فيه السكان إلى ~~الهدوء، وتخبر جلالة الباي بأن الحكومة الفرنسية مستعدة لاستئناف المفاوضات مع ~~التونسيين، تلك الحكومة التي أرسل وزير حربيتها جيوش الرعب والوحشية يفتكون بالسكان ~~الآمنين، كما افتضح الكذب والبهتان ms195 الذي تضمنه البلاغ الذي ذكر أن ثلاث بيوت فقط نسفت، ~~والواقع أن أكثر من 40 بيتا قد نسفت بالديناميت وعشرات من البيوت نهبت. # وهل كان لا بد من نسف البيوت لتفتيشها؟!» # زعم أن المقصود من العمليات المذكورة هو تجريد السكان من الأسلحة، ونشرت بعض الصحف أن ~~ترسانة كاملة عثر عليها، ويستفاد من بلاغ أصدرته الإقامة العامة أنه عثر على الأسلحة ~~الآتية: # 35 بندقية حربية، 23 بندقية صيد، 13 بندقية من نوع قرايين ومدفع هاون واحد رقم 81، ~~2 مدافع رشاشة، 9 مسدسات رشاشة، 12 مسدسا، 20 لغما. # ولكن كيف يمكن تصديق هذه الإحصائية بعد أن زعم البلاغ الذي تضمنتها كذبا أن ثلاث ~~بيوت فقط نسفت، ولم يذكر أن أسلحة الصيد كانت بيد أصحابها وفق تراخيص قانونية، ولم يذكر ~~أن معظم الأسلحة الحربية التي تركتها جيوش المحور لم تعد صالحة للاستعمال. # والأعجب أن كلا من الجنرال جارباي والمقيم العام لم يكتفيا بالتكذيب، بل جرا أمام ~~المحاكم الفرنسية بعض الصحف التونسية التي نشرت شيئا من الحقيقة عن حوادث الدخلة، ~~ورفعا قضايا على كل من يتحدث عنها لكم الأفواه. # ولكن فضيحتها لم تأت هذه المرة من تونس، ولكن من باريس على لسان أحد الساسة الفرنسيين ~~النزهاء المعتدلين وهو جاك فونلب اسبرابير # Fonlupt-Esperaber # المنتمي إلى حزب # MRP # الكاثوليكي الذي أقام الدليل القاطع على أن ~~جرائم الدخلة مدبرة من قبل، وذلك في البرلمان الفرنسي، الجلسة الثالثة ليوم الثلاثاء ~~أول أبريل سنة 1952 # 1 # على إثر زيارة قام بها إلى تونس في أواخر مارس 1952. ونلاحظ أنه أتى في ~~تضاعيف كلامه بنص الأمر المكتوب الذي سلمه الجنرال جارباي إلى ضباطه قبل عملية التطهير، ~~والذي يثبت الإدانة الفرنسية إثباتا قطعيا، قال: # سمعت إذن نداء المقيم العام وما احتوى عليه من تلخيص للتاريخ القريب، فقد ~~تحدث عن حركة القمع بجهة الدخلة قائلا إنها: لم تفق في شدتها الدرجة التي كان ~~ينتظرها الإنسان من حركة مثلها. # وقد ذهبت إلى جهة الدخلة معتمدا على تجربة أكسبتني إياها أربعون سنة في ~~المحاماة وفي ms196 وظائف عامة مختلفة، ويؤسفني أن أقرر أن التقرير الذي أعطوه لنا عن ~~حوادث الدخلة لا يوافق الحقيقة، ولكن الإجراءات التي اتخذت كانت موافقة للأوامر ~~الكتابية التي بيدي الآن والتي أصدرها الرجل المسئول، وإن تلك الأوامر في أقصى ~~درجات العنف، وأنا أقرأ منها جملتين: # تكون معالجة كل قرية على حدة، واحدة واحدة، بكيفية تطمن السكان: اعتقال ~~المشبوهين إما افتكاك أو استلام الأسلحة والذخيرة، وفي حالة المقاومة المسلحة ~~يكون العمل بعنف إلى فناء أو استسلام تام من جانب الثائرين. # لا يمكن استعمال الأسلحة الثقيلة في أي حال من الأحوال، ولكن الرشاشات مرخص ~~بها. # وقد تمكنت من بحث الحالة بالتدقيق، ولم يكن في جهة الدخلة غير التخريب المقرر ~~المنظم من قبل، والذي أريد أن أقوله هو أن التخريب كان متناسقا بطريقة مضبوطة ~~بعد انتهاء الاضطرابات، لقد خربوا بالديناميت عددا كبيرا من البيوت الواحد ~~تلو الآخر. # وزاد بيانا لشهادته في جلسة البرلمان الفرنسي المنعقدة في يوم 5 / 6 / 1952 قال: # في القرى الثلاث التي زرتها خربت أكثر من عشرة بيوت، إنه لا محالة لا يعد ~~خروجا عن القانون أن تخرب عمارة أثناء عملية حربية؛ إذ ذلك من الضروريات ~~الحربية. # وليس خروجا عن القانون أن يعاقب شخص ارتكب جريمة أو جنحة عقابا مناسبا ~~لجريمته أو لجنحته. # ولكن مما ليس في القانون في شيء، ومما يسمى في القانون الدولي بحملات تأديبية ~~تأباها الأخلاق ويحرمها القانون، هو بعض العمليات التي جرت بتونس. # إن تلك الحملات التأديبية لا يمكن أن تستساغ في زمن الحرب، أما في حالة ~~السلم، فهي لا تقبل أصلا من باب أولى وأحرى كما تعلمون، وخاصة أثناء عملية ~~ليست بعملية حرب ولكنها عملية تخريب منسق. # هذا التقرير (يعني تقرير جارباي) يدل على أن العملية كانت مدبرة حقيقة إرادية ~~منسقة، قد صرح الجنرال جارباي أنه أمر بها، وزاد قائلا: إن حدود أوامره لم تتعد ~~في أي وقت من الأوقات. # وقد اعتمدنا في بحثنا لحوادث الدخلة على تقارير من شهد الحوادث من التونسيين، ~~وعلى التقرير الرسمي لرئيس ms197 الحكومة التونسية والبعثة الطبية التونسية ومندوب ~~المنظمة العمالية «الاتحاد العام التونسي للشغل»، وقد لاحظوا جميعا أن ~~العمليات نفذت في كل مكان وفق خطة مرسومة واحدة، كما اعتمدنا على أقوال ~~الصحفيين الأجانب الذين زاروا الجهة نفسها وشاهدوا آثار الحوادث وبحثوا المشكلة ~~بحثا دقيقا. # 2 # فقد ساد الرعب جهة الدخلة مدة ستة أيام من 28 / 1 / 1952 إلى 2 / 2 / 1952، ففي تلك ~~الفترة قامت الجيوش الفرنسية (ومن بينها جنود المظلات المرسلون من فرنسا وجنود الفرقة ~~الأجنبية، ورجال الدرك، ومعهم عدد وافر من المستعمرين الذين جندوا لهذه المناسبة) بضرب ~~حصار شديد على الجهة، ومنع الدخول إليها والخروج منها بعد تطويقها بالدبابات والمصفحات ~~والقوات المسلحة، وشرع الجند في عمليات حربية حقيقية داخل المنطقة في ظل الحصار المضروب ~~عليها وتحت ستار من الحديد والنار، وقد علق الاتحاد العام التونسي للشغل في تقريره على ~~ما شهده ممثلوه بالكلمات الآتية: # إن تلك القرى أصبحت اليوم على حال تكفي مشاهدتها للحكم على السياسة الفرنسية ~~بتونس حكما لا يقبل مراجعة أو نقدا، فقد كانت تلك القرى ضحية للبطش الوحشي الذي ~~لم يراع أحدا، بل أصاب السلطات المحلية التونسية ذاتها، وكانت الجرائم مدبرة، وكانت ~~في شكل حملات تأديبية محكمة التنظيم نفذت بوحشية لا مثيل لها. # وقد أفضى الكولونيل الفرنسي شموكيل # Schmukel # الذي ~~تزعم حركة التطهير بحديث لمراسل جريدة «الفيجارو» الذي ذهب معه في رحلة استطلاعية، وقد ~~نشر هذا الحديث في تلك الجريدة بعددها الصادر يوم 31 / 1 / 1952 قال: # وضعت قائمة المسيرين والمشبوهين في كل قرية، ومساندة الجيش ضرورية لإلقاء ~~القبض عليهم في هذه الجهة. # وزاد الكولونيل قائلا: وأسلوبنا هو أن نطوق كل قرية وندخلها ونعطي قائمة المشبوهين ~~إلى رئيس القرية، ونقوم بعملية «التطهير» حول القرية لنلقي القبض على من يحاول الفرار، ~~ونرسل المعتقلين إلى محتشد «ريفيار» وتقع عملية «التطهير» في شبه جزيرة الدخلة من ~~الجنوب نحو الشمال. وسنصل على طريق الشاطئ إلى قرى في أثناء عملية «التطهير» طوقت «دار ~~شعبان» في ضواحي نابل، ووقفت دبابة في الطريق المؤدية إلى ms198 داخل القرية، وفي الساحة ~~الرئيسية جماعة من الأهالي أمام جندرم يراجع - وهو متردد - قائمة أسماء، وحولهم بعض ~~جنود يحملون رشاشات صغيرة. وفي آخر الساحة بين عمارتين جماعات أخرى لابسين الجبة ~~يشاهدون المنظر. # ثم عرجنا نحو الشرق على طريق سليمان الذي يشق شبه الجزيرة، وكان محروسا كله بالجنود ~~للقبض على الهاربين. ~~(1-1) عمليات القمع وفظاعتها # تارزكة، وهي قرية صغيرة في معزل عن الطرق الرئيسية، مشهورة بنشاط أهلها وحبهم ~~للعمل، واشتغالها الرئيسي بالزراعة، وعدد رجالها لا يتجاوز السبعمائة، وقد تشكلت بها ~~شعبة دستورية ككل القرى التونسية يرأسها شاب عرف بالحزم والصلابة، هو وحيد المسعدي، ~~وقد اشتهرت تارزكة بوطنيتها، وشاركت مشاركة فعالة في تاريخ الحركة القومية، واصطدمت ~~بالقوات الفرنسية عام 1938، وحكم على عدد من شبانها الذين مات كثير منهم في السجون ~~الفرنسية وخاصة بسجون الجزائر، فهي تشاطر الشعب كله آماله وآلامه؛ تعيش عيشة هادئة ~~ساكنة كأنها مكونة من عائلة واحدة، وليس فيها درك ولا بوليس فرنسي. ومن الملاحظ أنه ~~لم تر فائدة في القيام بمظاهرات، ولم يلق القبض على أحد من أبنائها خلال المظاهرات ~~التي حدثت في المدن المجاورة لها، ولم يمنعها ذلك من أن كانت أول مسرح للبطش ~~الفرنسي بجهة الدخلة. # وحوالي الساعة السادسة والنصف من صباح يوم 29 / 1 / 1952 سمعت زوجة الشيخ ~~(العمدة) طرقا على الباب، فأيقظت زوجها، ولما فتح الباب وجد نفسه أمام جماعة من ~~الجنود الذين طلبوا منه أن يدعو مناديا لجمع السكان في الميدان العام. # وكانت تازركة في ذلك الوقت مطوقة بالجنود (الفرقة الثالثة من عساكر المظلات ~~التابعة للفيف الأجنبي التي أتت من فرنسا أخيرا، وكان الدرك الفرنسي المحلي يقوم ~~مقام الدليل لإرشادهم)، وأخذ بعض الجنود يتسلقون السطوح بينما أسرع السكان يجتمعون، ~~ومنذ اللحظات الأولى أطلقت النار على مصطفى بن محمد المسعدي عند دخوله أحد الشوارع ~~المؤدية لميدان الاجتماع، فخر صريعا، كما جرح أحد الضباط برصاصة كانت موجهة إلى ~~الشهيد، ثم عرض جثمان مصطفى بأمر عسكري أمام الجموع في الميدان العام، وترك هناك ~~مدة ساعتين. # وبعد حشد ms199 الرجال ذهب بعض الجنود إلى البيوت يبحثون عن المتخلفين الذين بلغ عددهم ~~55 شخصا أكثرهم من الشيوخ والعجز، وطلب إذ ذاك ضابط الجند بواسطة الشيخ (العمدة) ~~أن تسلم له جميع الأسلحة، ورافق الجنود أصحاب الأسلحة إلى بيوتهم لجلبها. ونفذ ~~الأمر وسلمت، وهي مكونة من بنادق «الشرطية» (وهم أعوان العمدة في المحافظة على ~~الأمن)، ومن بنادق صيد لأصحابها رخصة في حملها. # وإذ ذاك قدمت للشيخ قائمة بها 15 اسما طلب من أصحابهم الحضور، فتقدم أربعة من ~~المذكورين بالقائمة، وأمروا بالالتحاق بمن سلموا بنادقهم وأوقفوا جميعا، وتقدم ~~الضابط، وأعلن أنه في حالة عدم حضور التسعة أشخاص الآخرين قبل الساعة التاسعة ~~والنصف؛ فإن الجنود ستهدم بيوت تازركة وتبتدئ ببيت وحيد المسعدي أحد المتغيبين، ~~وأضاف أن وحدات أخرى من الجيش ينتظر وصولها، ولم يسمح لأحد بالذهاب للبحث عن ~~المتغيبين. # وفي انتظار نهاية الأجل المضروب طلب إلى الشيخ أن يأمر بتموين الجنود وتحضير طعام ~~الكسكسي لهم. # ووصلت وحدات أخرى من الجيش مكونة من جنود المظلات خلال فترة الانتظار، وأخذوا ~~ينتشرون في البيوت حيث بدأت عمليات النهب والتهديم. وحوالي الساعة العاشرة والنصف ~~سمع أول انفجار كبير، وقد كان هذا الانفجار في بيت الحاج عبد الرحمن المسعدي والد ~~وحيد، فنسف البيت، ثم أتى دور بيت على المسعدي واستمر النسف إلى الظهر. # وبقي الرجال مجموعين في الميدان العام تحت حراسة جيش كامل إلى ما بعد الظهر من ~~غير أكل ولا شرب. وقد برقت عيونهم أملا عند قدوم «الكاهية» (نائب المدير) والمراقب ~~المدني الفرنسي بنابل في وقت الغروب، ولكنهما انصرفا بعد نصف ساعة وصرحا بأن ~~العمليات الجارية تنفذ بأمر السلطات العسكرية، وأنهما لا يستطيعان التدخل بوصفهما ~~موظفين مدنيين. # وقد عاث الجنود في البيوت فسادا نسفا ونهبا لغرض ظاهر للعيان، وهو إلحاق الضرر ~~بالأهالي بتهديم بيوتهم وتحطيم ما فيها من أثاث ومدخرات ومؤن. # أما بيت الحاج إبراهيم المسعدي، فقد نسفت به ثلاث غرف ولم يبق منها إلا أكداس من ~~الحجارة والغرف الأخرى بها بقايا الأثاث المحطم والملابس الممزقة المبعثرة على ms200 ~~الأرض، وكانت آثار الزيت المراق وكمية كبيرة من الحبوب الملوثة بالتراب ترى بمخزن ~~المؤن وفي صحن المنزل. # وانهار نصف بيت علي المسعدي شقيق السابق تماما، كما تداعت للسقوط البيوت المجاورة ~~في دائرة نحو 100 (مائة) متر، ويخيل للإنسان أنه أمام قذف جوي، وقد حطم الأثاث وكسرت ~~مرايات الدواليب بمؤخرات البنادق ومزقت الملابس وبعثرت على الأرض. # ونهب بيت مصطفى بن عثمان وكيل الأوقاف، وأتلف جميع ما فيه، ولم يبق به إلا القليل ~~من الأمتعة الصالحة للاستعمال. # وهدم بيت محمد قاسم الزكار نسفا «بالديناميت». # ونسفت بالديناميت أيضا بيوت صالح وعلي ومحمد برينيس، وحطم جميع ما فيها من أثاث، ~~كما تداعت للسقوط جدران أحد المنازل المجاورة لها. # أما بيت الصادق بن الحاج فلم ينسف، ولكن حطم جميع ما فيه، وأتلف مخزن التموين، ~~وأهرق الزيت وسائر المواد الدسمة على الأرض وخلطت بالتراب، لتكون غير صالحة ~~للاستعمال، وكسر به دولاب بلوري لمصوغات الأم وابنتها، وسرقت منه المصوغات ومبالغ ~~من المال، ووقع تفتيش النسوة اللاتي كن بالبيت وعوملن معاملة وحشية أجهضت إحداهن ~~إثرها، وهي حنيفة بنت الصادق بن الحاج التي كانت حاملا في شهر الثالث، وقد بقيت ~~علامات الصدمة الشديدة التي تلقتها ظاهرة عليها بعد أيام، وجردت بية بنت الصادق بن ~~الحاج من حليها وعوملت معاملة وحشية أيضا. # ونسفت إحدى الغرف من بيت العروسي بن محمد درويش بالديناميت فانهارت جدرانها، ~~ويشاهد في الغرف الأخرى نفس المنظر المشاهد في غير هذا البيت: أثاث محطم، وأدراج ~~مكسرة، وآثار ضرب على المرايا، ومؤن متلفة، وقد اجتمع به عشرة من النسوة ممن هدمت ~~بيوتهن وتركن بدون مأوى. # ونهب بيت الحاج الطاهر بن الحاج (أمين التموين) وأتلف ما به. # ونهب أيضا بيت المولدي برينيس (تاجر وصهر عمدة البلدة) وأتلف ما به وجردت ~~الزوجة، وهي بنت العمدة من حليها، تحت التهديد بالحراب. # وفتح الجنود صندوقا كان ببيت البشير صفر، ونهبوا منه أمتعة شقيقي صاحب ~~البيت. # وأتلف الجنود جميع ما في بيت خدوجة ناجية، وهي أرملة تعيش مع بناتها الأربع، فدخل ~~الجنود عليها ms201 وسرقوا «جهاز» البنات. # ونهب بيت محمد بن حسين التازركي سكرتير كاهية (نائب حاكم) نابل، وكان صاحبه ~~غائبا يقوم بواجبات وظيفته بنابل. # وقد سلم بيت الشيخ (العمدة) الحاج عامر بن محمد ناشي من النهب بسبب تدخل المسيو ~~دوباس، الطبيب الفرنسي ببلدة قربة المجاورة، وكان يومئذ في تازركة. # أما مكتب العمدة، فقد اقتحمه جندي رغم تدخل أحد أعوان الدرك، وبعثرت الأوراق ~~الإدارية. ويلاحظ أن الشيخ بادر في اليوم التالي خشية من أعمال نهب جديدة بتسليم ~~جميع موارد الضرائب التي حصلها اعتقادا منه بأن تلك المبالغ الكبيرة لم تعد في ~~مأمن في صندوق المشيخة. # وما عدا البيوت الخاصة أصيبت محال أخرى منها خمس دكاكين بقالة؛ نهب جميع ما فيها ~~من المواد، كما نهب دكان الحلاق صالح جويعة. # وكذلك نهبت مكاتب المأذونين ومزقت الدفاتر والعقود وغير ذلك من الوثائق الرسمية، ~~وبعثرت على الأرض. وحاول الجنود إحراق تلك الأوراق، وشاهدت البعثة الوزارية ~~التونسية فعلا أوراقا محترقة تثبت ذلك فيما يبدو. # ولم يكتف الجنود بتلك الأعمال الوحشية، بل أرادوا المس بدين التونسيين وإهانته، ~~فدخلوا مسجد القرية من بابه الرئيسي ومن الباب الخلفي، ومزقوا مصاحف القرآن وبعض ~~كتب الحديث الشريف والفقه الإسلامي، وكانت آثار هذا الانتهاك للمقدسات واضحة بينة ~~لما زارت البعثة الوزارية التونسية قرية تازركة. # بينما كان الجنود الفرنسيون يقومون بتلك العمليات الوحشية، كان رجال القرية ~~محشورين في الميدان العام مهددين طوال اليوم، وعند المساء سيقوا إلى بيت محمد بن ~~سعيد حيث اعتقلوا الليلة كلها تحت الحراسة المسلحة، وكانوا يسمعون إلى الصباح - دون ~~أن يستطيعوا حراكا - صراخ نسائهم اللواتي يتصارعن مع الجنود، كما كانوا يسمعون ~~الأبواب تتفتح ودوي الطلقات النارية. # وقد أظهرت بعض النسوة من الشجاعة ورباطة الجأش ما جعلهن مثالا للرجال الوطنيين ~~أنفسهم، فاشتهرت من بينهن الآنسة صلوحة بنت محمد درويش التي أصبحت بطلة تازركة ~~ومثالا للوطنيات التونسيات؛ فقد دافعت عن بيت أبيها لما اقتحمها العساكر وأخرجتهم ~~منه، فرجعوا في عدد أوفر وتجددت المعركة وهي كاللبؤة دفاعا واستماتة، فانهال عليها ~~الجنود ضربا وهي ترجع الضربة ms202 بأختها، ولم يتغلبوا عليها إلا بعد أن استخدموا ~~الحراب، فطعنوها عدة طعنات بقيت جروحها بينة في جسدها، وظنوها ماتت، فغادروا ~~المنزل. # وكانت في الوقت نفسه تجري معركة محتدة في بيت الصادق بن سعيد، فقد ناضلت فاطمة ~~بنت محمد نضالا مريرا لانتشال ابنتها من يدي أحد الجنود الذي كان يريد اغتصابها، ~~وحمت ابنتها بصدرها فانهال عليها الجندي ضربا بكعب حذائه، وبقيت آثار هذا الضرب ~~على جسمها، ولكنها رغم ما لحقها من الضر لم تستسلم، فجن جنون الجندي، فاعتدى على ~~الجدة التي كانت تستغيث وضربها ونهب منها بعض متاعها. # وكان التنكيل بالتونسيين يرمي إلى إذايتهم إذاية عميقة والمس بتقاليدهم ~~وروحانياتهم؛ ولذا أطلقت يد الجنود في تلك الليلة على النساء عند غياب رجالهن، علما ~~من المستعمر أن كل امرأة مسلمة تنتهك حرمتها تصاب بعار لا يمحوه الدهر، وتصبح ~~كأنها منبوذة من المجتمع. ويحدث دائما أن زوجها ينفصل عنها وعن أهلها ويضمر لها ~~البغض والكراهية، فلم تكتف العساكر الفرنسية بالتخريب والنهب، بل اعتدت على شرف ~~التونسيات وكرامتهن، وكان التحقيق في هذا الأمر دقيقا صعبا، وقد استعملت الدكتورة ~~الآنسة غيلب والقابلة السيدة بدرة الورتاني كثيرا من اللباقة للحصول على بعض ~~المعلومات. # وهذه بعض الفقرات من تقريرهما: # ج. ب بنت: سنها 21 سنة، اغتصبت وعاينا آثار رض على فخذيها من ~~الداخل، وقد تناوب عليها ثلاثة جنود. # ب. بنت س: سنها 25 سنة، كانت حاملا في شهرها الثالث، تتبعها الجنود ~~وضربوها وأجهضوها. # ه. بنت س. ب: سنها 25 سنة، نزعت ملابسها واغتصبت بينما كان السلاح ~~مصوبا نحو عنقها. # م. بنت ك. ج. ا: سنها 16 سنة، انتشلت من فراشها، وعندما هددها الجند ~~بالاغتصاب فرت هاربة وألقت بنفسها في بئر انتشلت منه فيما بعد. # ه. بنت س: سنها 17 سنة، حاول الجند اغتصابها. # م. بنت م. د: سنها 12 سنة، حاول الجند اغتصابها. # ر. بنت س. ب. س. ج: سنها 15 سنة، محاولة اغتصاب، ارتمت أمها عليها ~~لحمايتها فضربها الجند ضربا مبرحا. # ك. بنت ا. ن: سنها عشرون ms203 سنة، هربت عند قدوم الجيش وحاولت الانتحار، ولكن ~~أحد الجنود أمسك بها ومنعها من الصراخ بأن وضع ثوبا على فمها واغتصبها، ثم ~~سلب منها حليها الذهبية، وهي تتألف من سوار وخلخالين. # ن. بنت ب. س: وسنها 18 سنة، تملكها الرعب، فاختفت وراء أمها التي تبلغ ~~50 سنة، وحاول جندي سحبها إليه، فحاولت أن تحميها بجسمها، فضربها الجندي ~~على وجهها. وقد شاهدنا آثار الضرب عند مستوى العين اليسرى، واغتصبت ~~البنت. # ن. بنت ب. س: شقيقة (ن) وسنها 16 سنة، اغتصبت أيضا. # يظهر أن حوادث الاغتصاب كانت أفظع الحوادث التي دارت في تلك الليلة المزعجة، وذكر ~~لنا أن كثيرا من الأمهات كن يخرجن بناتهن من الغرف ويدفعن بهن إلى البئر للارتماء ~~فيها، وتوسلت الكثيرات من النسوة بأطفالهن الرضع للجنود طلبا للشفقة والرحمة، وكان ~~المعتدون يثورون من هذا المنظر، فيقتلون الأطفال دوسا بالأقدام بعد إلقائهم على ~~الأرض. # وهناك بنت تبلغ من العمر 16 سنة وشقيقها الصغير كانت تحمله على ذراعيها، لم تسلم ~~هذه الفتاة إلا بفضل فكرة طرأت لوالدتها، وهي لفها مع الطفل في سجادة ووضعها في ~~مخبأ أرضي. # وكانت النسوة بعد أيام من تلك الحوادث يتحدثن إلى الصحفيين أو إلى البعثات ~~الحكومية الرسمية ويجهشن بالبكاء، ومن بينهن الكثيرات ما زلن في حالة غيبوبة وذهول، ~~ومنهن من اضطربت أعصابهن. # ومن أفظع ما ارتكبته العساكر الفرنسية في قرية تازركة قتل الرضع دوسا بالأقدام ~~ورميا على الأرض، وقد اتفقت جميع التقارير ومراسلو الصحف الأجنبية على هاته ~~القائمة: ~~(1) # فاطمة بنت محمد بن صالح ناشي وسنها 20 يوما، عثر عليها وعلى وجهها ~~آثار الاختناق بعد مرور الجنود ببيت أهلها، وماتت في اليوم ~~التالي. ~~(2) # صالح بن محمد بن حسين ناشي وسنه 45 يوما، داسه أحد الجنود بالأقدام ~~عندما أبت أمه الاستسلام إليه وهو يريد اغتصابها. ~~(3) # زهرة بنت بشير غلاب سنها 5 أشهر، انتشلت من بين يدي والدتها وألقيت ~~بعنف على الأرض، وقد هربت أمها وتركتها ميتة عندما حاول جندي الاعتداء ~~عليها واغتصابها. ~~(4) # فضيلة بنت محمد بن محمد قاسم ms204 وسنها سنة وستة أشهر، ألقاها جندي على ~~الأرض، وقد فرت أمها إلى السطوح فلحق بها واغتصبها، وعندما عادت إلى ~~بيتها وجدت فضيلة ميتة. وقد جرحت الأم جراحات من أثر طعنات السونكي ~~وخاصة بذراعها الأيسر ويدها اليمنى. # وقد كتبت جريدة «النهضة» التونسية بتاريخ 6 / 2 / 1952 تتحدث عن نهب تازركة، قالت: # ونهب الجنود من بيت الحاج محمد الخاي جميع ما فيه من ملابس، وكمية من ~~المال قدرها خمسون ألف فرنك، وأربع أسورة من ذهب وثمانية أقراط من ذهب ~~أيضا وكمية كبيرة من مؤنه، ودمر جميع ما بقي وكسر الأثاث كله. # وقد سلب أحد الجنود من السيدة شاذلية بنت الشيخ (العمدة) عمر الناشئ ~~أساورتها وأخراصها، وحاول أبوها أن يسترجعها بواسطة جندي آخر فلم يفلح، ~~فسأل ذلك من الملازم قائد الفرقة فأرجعت له إذ ذاك الأساور فقط، واحتفظ ~~الجندي بأخراص السيدة شاذلية المسكينة. # وبعد أن فارق الجيش الفرنسي تازركة يوم 29 / 1 / 1952 رجعت إليها من الغد وحدات ~~عسكرية جديدة في الساعة السابعة صباحا، وإذا بمناد يدعو السكان للتجمع، ثم ينادي ~~عن التسعة أشخاص الذين كانوا غائبين بالأمس، وذهب عشرون من سكان القرية للبحث عنهم ~~وعادوا بواحد منهم فقط؛ لأن الغائبين لم يكونوا في تازركة، وبعد الظهر أطلق سراح ~~الرجال، ولم يغادر الجنود تازركة إلا في الساعة الخامسة صباحا من اليوم التالي، ~~ولكن على الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر من ذلك اليوم انزعجت القرية من جديد عند ~~سماع طلقات المدافع الرشاشة، ثم قدم الجنود وطوقوا القرية وأخذوا يتسلقون السطوح، ~~وجيء بالسيد الشافعي بن الطيب المسعدي جريحا، وقد أطلق عليه النار خارج القرية على ~~الرغم من أنه رفع يديه وسلم نفسه للجندي الذي كان يريد اعتقاله، وعرض في الميدان ~~العام وهو مصاب برصاصة في بطنه، وبعد ذلك جاء الشيخ وحمله في سيارته، وقد توفي في ~~مستشفى التحرير في 3 فبراير، ولما شاهد الشيخ أن الأمر يتطور إلى الخطورة خاطب ~~كاهية نابل (نائب حاكمها) بالتليفون وطلب منه النجدة، فقدم الكاهية مع أعوان الدرك، ~~ومضت الليلة ms205 بدون حوادث تذكر. # وكان يوم أول فبراير هادئا نسبيا؛ إذ اقتصر الجنود على صيد الدجاج وجميع ~~الدواجن التي أبيدت عن آخرها، وغادر العساكر القرية نهائيا يوم السبت 2 فبراير، ~~وطلب ضابطهم من الشيخ (العمدة) أن يبحث عن أربعة جنود إيطاليين تابعين للفيف ~~الأجنبي، انتهزوا فرصة الحوادث للفرار من الجندية. # وأخيرا يلاحظ أنه بالإضافة إلى كل ما حدث للسكان، فقد حكم عليهم بغرامة حربية ~~قدرها 80000 فرنك بأمر من المراقب المدني الفرنسي لسبب قطع عمود تليفوني، وقد ضرب ~~المراقب المدني لدفع تلك الغرامة أجلا ينتهي في 30 / 1 / 1952 الساعة السادسة ~~مساء، وإذا تأخر الدفع تتخذ تدابير قمع ضد السكان، ولكن التدابير نفذت قبل حلول ~~الأجل المضروب. # وبقيت تازركة محجرة على التونسيين وغيرهم، مقطوعة في الحقيقة عن العالم مدة أشهر ~~متوالية، حتى إن جريدة «الصباح» التونسية كتبت في عددها الصادر بتاريخ 21 / 5 / 1952 ~~ما يلي: # إن السلطات المحلية بتازركة تفتح تحقيقا مع كل قادم إلى تازركة في زيارة ~~لأهله أو أصدقائه، وتمنعه من الإقامة بها أكثر من بضع ساعات، كما تفتح ~~بحثا مع المضيف أو القريب الذي ينزل عنده الزائر، وهكذا حيل بين كثيرين من ~~أفراد العائلات التازركية المقيمين بتونس وبين زيارتهم لذويهم، فهل طبق ~~نظام السجون بتازركة؟! ~~(أ) قرية بني خيار # طوق الجيش الفرنسي هذه القرية واحتلها من يوم الثلاثاء 28 يناير إلى يوم ~~الجمعة أول فبراير، وهدم في اليومين الأولين ثمانية بيوت، هذه أسماء أصحابها: ~~محمد بن علي الضاوي، حمدة بن محمد الشتيوي، محمود بن المولدي السيد، الصادق بن ~~محمد يحيي، المولدي بن حسين بن ناجي، محمد زرياط، ورثة الشيخ حامد زمتر، ورثة ~~محمود سلامة. # وكانت الدبابات وهي تنتقل بناحية مقبرة القرية أصابت بعض البيوت فألحقت بها ~~ضررا، وقد جمع الجنود في بيتين اثنين جميع الأثاث وأضرموا فيه النار، وأحرقوا ~~مكتبة قيمة للسيد المشارفي، وكانت بها مؤلفات ثمينة وكمية من المال، ونهبوا ~~بيوتا كثيرة منها بيت محمود بن محمد عزوز والعورسي بن محمد بوسنينة، كما نهبوا ~~دكان ساعاتي ms206 وأرغموا محمد بن الحبيب هويسة على إحضار كمية كبيرة من الطعام ~~وتقديمها للجنود، فقال أحدهم لمضيفهم بينما كانوا يتناولون الطعام: «هذا بيت ~~جميل لا ينقصه إلا شحنة من الديناميت»، وكانت نكتة لها وزنها واعتبارها. # وقد اضطروا تحت التهديد أحد قدماء المحاربين إلى تسليم شقيقه عبد القادر الذي ~~كان الجنود يبحثون عنه؛ لأنه من أتباع الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد، ~~وبعد ذلك نسفوا بيت المحارب القديم. # وجمعوا معظم رجال القرية في مقهى وحكموا عليهم بالوقوف طوال ليلة كاملة ، وإذا ~~حاول أحدهم الجلوس بعد أن ناله التعب والجهد انهال عليه الجنود ضربا مبرحا، ~~وهجموا على بقية الناس وطعنوهم بالسونكي في ظهورهم. # وقد حاول الجند اغتصاب منوبية بنت صالح وسنها 25 سنة، فاندفع أربعة رجال ~~للدفاع عنها فأصيب واحد منهم بطلقات من مدفع رشاش فسقط جريحا. # ولا يتصور التونسيون أن العساكر الفرنسية يمرون بمكان من غير أن ينشروا ~~التخريب والاغتيال والتعذيب والتنكيل، وقد عذب محمد بن محمد عزوز أحد قدماء ~~المحاربين في بيته، وأرغمه الجنود على حفر قبره بنفسه ووضعوه فيه حيا وهالوا ~~عليه التراب، وكانت له يد مبتورة بقيت خارج القبر، وأخذ يستغيث وكان منظره ~~مزعجا رهيبا. ولما علم الجنود أنه من قدماء المحاربين الذين كانوا معهم في ~~أثناء الحرب أخرجوه من القبر، ولكنهم تمادوا في تعذيبه والتنكيل به طوال الليل، ~~وأخيرا أحرقوا متاعه أمام عينيه وأتلفوا مكاسبه، ثم تركوه هو وأبناءه العشرة - ~~وغالبهم صغار - في حالة من التعاسة والبؤس والفاقة يرثى لها، وقبل أن يغادروا ~~البيت طعنوه بالسونكي من خلف قائلين له: لا بد أن يبقى في جسمك أثر كذكرى لهذه ~~الليلة. # وجرحوا عددا من السكان من بينهم حمادي بن خميس مرابط ومحمود بن خميس مرابط ~~ومحمود بن محمد عزوز، وقتلوا محمد بن أحمد الجمالي بينما كان يتبول. # وقد فرضت على «بني خيار» غرامة حربية قدرها مائة ألف فرنك. ~~(ب) مدينة قربة # وهي المدينة الوحيدة في جهة الدخلة التي نجت من التهديم والتحريق والتقتيل، ~~مع أنه كان من المقرر أن ينالها ms207 ما نال غيرها من مدن وقرى الدخلة، وقد احتلتها ~~القوات الفرنسية المسلحة وطلبت أن يسلم إليها أعضاء الهيئة المحلية للحزب الحر ~~الدستوري الجديد، فتقدم أربعة وعشرون رجلا وسلموا أنفسهم فداء للمدينة، فضربوا ~~ضربا مبرحا أليما، ثم سيقوا إلى «لوري» سار بهم إلى معتقل في صحراء الجنوب، ~~ولم تنج (قربة) رغم ذلك لولا تدخل الطبيب الفرنسي المحلي وهو من الرديف؛ فقد ~~ارتدي بدلته العسكرية لوقف هجوم مواطنيه المتعطشين لسفك الدماء، ولكن القرى ~~الأخرى لم تجد مثل ذلك الطبيب لحمايتها وإنقاذها من العدوان. ~~(ج) قرية المعمورة # إن القوات الفرنسية التي احتلت المعمورة من 29 يناير إلى 2 فبراير سنة 1952 ~~مؤلفة من الوحدات التالية: # 4 D. B. P. ~~. # I/I. R. C. P. ~~. # C. A. L. ~~. # وكانت بقيادة الكابتن كليفر # Glever ~~، ووقع ~~جمع السكان في ميدان القرية حيث بقوا اليوم كله بغير أكل ولا شرب. وقد أدخل ~~العساكر في هذه القرية نوعا جديدا من التنكيل، فكانوا يطلقون الكلاب ~~البوليسية على أولئك السكان، فهجم كلب على الشاب محمد بن الحاج عمر مخلوف الذي ~~يبلغ سنه 19 عاما، فأخرجه الجنود من بين زملائه وتولت كوكبة من ثلاثة جنود ~~إعدامه حالا، وذلك بعد ظهر يوم الأربعاء 30 يناير أمام السكان ~~المجتمعين. # وقام الجند في هذه القرية بنهب جميع المنازل نهبا منظما، وخاصة بيوت محمد ~~بن أحمد الزهاني القاضي بمحكمة الكاف، وأحمد بن علي بيه، وداود بن علي رحيم، ~~والصادق بن رمضان بن حميدة، وخميس بن الحاج محمد الزمني، وأحمد بن أحمد بن ~~عثمان علية. وقد حملوا معهم جميع ما فيها من أثاث ومؤن ومصاغ ومال، ويقدر وزن ~~الحلي والمصوغ الذي أخذه الجنود بثلاثة كيلوجرام. # وقد اعتدوا أيضا على شرف بعض النسوة، وضربوا منهن امرأة حاملا في شهرها ~~الثامن بعد أن تتبعوها حتى أجهضوها وسقط الوليد ميتا، ومن بين تلك النسوة زوجة ~~محمد بن محمد بن علي، وزوجة عبد السلام بن عمر بن سالم. # وقصد الجنود إلى ضريح الولي الصالح سيدي محمد بن عيسي، حيث تقام الصلاة ms208 ويعلم ~~القرآن، وذلك لغرض واضح؛ وهو انتهاك حرماته المقدسة، فألقوا القبض على المعلم ~~وطردوا التلاميذ وحطموا الألواح التي تحمل الآيات القرآنية ونسفوا الضريح ~~بالديناميت. # قرية الصمعة # مر بها الجنود في 28 يناير و30 منه، وكفاهم ربع ساعة لاعتقال الأشخاص الذين ~~كانوا يبحثون عنهم، وبرغم عدم وجود أية مقاومة دخل الجنود 15 بيتا وجمعوا جميع ~~ما فيها من أثاث وأضرموا فيها النار حتى احترقت كلها، ونهبوا الأشياء النفيسة ~~ومبالغ كبيرة من المال، ونسفوا بيت حسن الحاج علي ودكاكين. ~~(د) مدينة فليبية # لقد استشهد كثير من التونسيين أثناء المظاهرات التي قامت فيها يوم 24 يناير ~~أمام مركز البريد ونقطة البوليس، بينما لم يمس أحد من رجال الأمن الفرنسيين ~~بسوء، ولم يقع أي اعتداء على أي فرد من الفرنسيين المدنيين. وتمادى قتل ~~التونسيين في الأيام التالية، وقد تم إعدام هؤلاء الشهداء على الطريقة ~~الآتية: # اعتقل عونان من البوليس عزيز بن علي خوجة في بيته يوم 31 يناير وسنه 38 سنة، ~~وهو والد سبعة أطفال، وقالا له: تعال معنا «للكاهية» الذي يدعوك، ثم بينما كانا ~~سائرين به في الطريق قال له أحدهما: «لقد قدمت ضدي شكوى منذ مدة، وفي هذه المرة ~~سنسوي حسابك.» وسيق إلى مركز البوليس، وشوهد وهو خارج منه مع حمادي بن حسين ~~الغربي البالغ من العمر 26 سنة، وتوجه الاثنان إلى مركز الدرك تحت حراسة ضابط ~~البوليس «بامبينا»، وهنالك عذب الاثنان تعذيبا فظيعا وخرجا بعد ساعة في حالة ~~ذهول، ووجهاهما مشوهان، وحملا في سيارة كان يحرسهما فيها عون من أعوان الدرك، ~~وتوجهت السيارة بقيادة الضابط «بامبينا» إلى بستان يقع بالقرب من «دويرة ~~الإمام» وهناك أعدما، وحملت الجثتان إلى نقطة البوليس في سيارة كبيرة يقودها ~~عون البوليس «فارينا». # ودعا الضابط الشيخ (العمدة) وقال له: «لك جثتان، احملهما إلى بيتيهما وليدفنا ~~بدون احتفال.» # وأخذ حمادي بن علي بن عفيف البالغ 22 سنة من بيته وعذب ثم قتل، ومات بكسر في ~~الجمجمة. # وأعدم يوم 25 يناير صالح بن جديه، معتوه القرية. # وكان عزيز بن ms209 أحمد فرج الله عائدا مع قطيعه الذي كان يرعاه فقتل رميا ~~بالرصاص، وقتل يوم المظاهرة محمد المسلماني وحمده بن الحاج بن سعد وحمدة بن ~~الحاج علية. # ونهب الجنود أكثر البيوت والدكاكين والمقاهي، ونظموا ذلك النهب في حي كامل لم ~~يبقوا فيه شيئا، وأتلفوا الأثاث وكسروا جرار الزيوت والمواد الدسمة والمؤن، ~~وقطعوا الفرش والمساند، وأحرقوا عددا من السيارات منها سيارة السيد بوبكر ~~الصافي العضو بالمجلس الكبير وسيارة السيد عامر بن محمد الغربي، وكذلك سيارة ~~نقل لهذا الأخير. # وسرقوا جميع الحلي والقطع الذهبية والفضية والمال والمؤن. # وبينما كان الجنود يقومون بهذه الأعمال الوحشية كلها، فقد أجبروا السكان على ~~إعداد الأكل اللازم لجميع هؤلاء العساكر وإمدادهم بكل ما يحتاجون إليه. # ولما غادروا القرية حملوا معهم المعتقلين الذين لم يعرف مصيرهم. ~~(ه) قرية وادي الخاطف # قتل العساكر أثناء مرورهم بهذه القرية اثنين من سكانها هما محمد بن علي ~~الحجري (وهو أبكم وأصم)؛ بسبب عدم امتثاله لأوامر الجنود التي لم يسمعها، ~~والثاني خادم السيد «زهوزه». ~~(و) قرية حمام الغزاز # بدأت محنة هذه القرية القريبة من قليبية يوم 25 يناير، وقد رمتها في ذلك ~~اليوم بين الساعة الثانية والخامسة بعد الظهر الطائرات الصاروخية بالقنابل، ~~وأطلقت عليها مدافعها الرشاشة، فأصيبت مئذنة المسجد وعدد من البيوت. # وقد ارتكب البوليس الفرنسي جرائم متعددة في ذلك اليوم نفسه؛ فقد اعتقل ضابط ~~البوليس الفرنسي عبد الله بن حسين بن حسن البالغ عمره 27 سنة في بيت صهره، ~~وأرسله إلى المكان الذي كان يجمع فيه رجال القرية، ثم أخرجه من بينهم وحمله إلى ~~بستان «دويرة بني غازي» حيث قتله وتركه هناك. # وزار ضابط البوليس محيي الدين بن محمد رهوان، وهو مزارع متزوج يبلغ من العمر ~~41 سنة في بيته، وكان يبحث عن شقيقه عبد الكريم فلم يجده، فأخرج محيي الدين ~~رافع اليدين، وفي الطريق أمره بأن يهتف: تحيا فرنسا، فأبى قائلا: أنا لا أعرف إلا ~~الله ورسوله. فقتله رميا بالرصاص وتركه في مكانه. # وبعد أربعة أيام من تلك الحوادث حاصرت قوات الجيش ms210 الفرنسي القرية، وارتكبت ~~فيها ما ارتكبته في بقية القرى. # وقد نسف الجنود عدة بيوت منها بيوت السيد عبد الرحمن بن حسين، والسيدة حرم ~~البشير بن حسين، والسيد محيي الدين بن بشير، وذلك بعد أن تجولوا بين البيوت ~~المهدمة من قبل بالقنابل أو المنهوبة وبأيديهم كاشفة ألغام للبحث عن ~~الأسلحة. # وجمعوا الرجال في ميدان القرية ونهبوا البيوت والدكاكين، واغتصبوا عدة نسوة ~~تحت تهديد المسدسات، بعد أن ضربوهن ضربا مبرحا، وجردوهن من مصوغاتهن من بينهن ~~امرأة عمرها 16 عاما حامل في شهرها الثالث، وقد أجهضت في اليوم التالي، ~~واغتصبت امرأة أخرى بحضور أطفالها الثلاثة، وقد اعتدوا على المسجد، وكانت ~~دباباتهم تجوب مقبرة القرية لتهدم القبور كلها. ~~••• # وإننا لم نسجل هنا إلا الحوادث التي تأكدنا من صحتها من التقارير الرسمية ~~للحكومة التونسية ووكالات الأنباء الأجنبية ومراسلي الصحافة الفرنسية، أما في ~~الواقع فإن الاعتداء على المكاسب كان أكثر مما أوردنا والعدوان على الأشخاص حدث ~~على أوسع نطاق مما ذكرنا. # وقد أخذت البلاغات الرسمية الفرنسية والصحافة الاستعمارية تقلل من شأن هذا ~~الاعتداء، ولا تتأخر عن الكذب الصراح الذي أثبتنا بعضه في مقدمة هذا الباب، ~~وإثر العمليات العسكرية التي جرت بجهة الدخلة نشرت الإقامة العامة الفرنسية ~~بلاغا قالت فيه: # اعتقل سبعمائة شخص وبقي منهم خمسمائة موقوفين، ومن بينهم مائة وخمسون ألقي ~~عليهم القبض أثناء التباسهم بالجريمة، أو لتملكهم بعض الأسلحة، وسيحالون ~~على المحاكم العسكرية، وتتراوح الأحكام عليهم بين عام وخمسة أعوام سجنا حسب ~~القانون، وأبعد ثلاثمائة وخمسون فردا إلى جنوب تونس. # والحقيقة أن اعتقالات بالجملة أجريت في مدن وقرى الدخلة، وقد بلغ عددهم على ~~أقل تقدير ألفي نسمة (تقرير الاتحاد العام التونسي للعمل)، وقد وصف بعض ~~الصحفيين جهة الدخلة بعد أن مرت بها العاصفة فقال مراسل «النهضة» التونسية في ~~عددها الصادر 2 / 2 / 1952: # اليوم القرية جائعة، لم يبق شيء من المؤن في بيت من البيوت، ولم يبق ~~ملبوس، وتعددت النسوة المسنات والأرامل - كفاطمة حجي مثلا التي في ~~كلفتها عائلة مكونة من أربع بنات وصبي لم يتجاوز ms211 الحادية عشرة من عمره ~~- اللاتي لم يبق شيء في بيوتهن واللاتي أضعن حتى جهاز بناتهن بعد أن ~~أمضين أعواما في إعداده. # أما البقالات الخمس الموجودة في القرية، فقد نهبها الجنود نهبا ~~كليا ولم يبقوا فيها شيئا، وفي اثنتين منها مثلا كانت الرفوف ~~خاوية، وكان على أرضها السكر والحمص مبددا مبللا بالنفط. # وقال الصحفي العالمي سول ~~تاس # Sol Tas ~~: # 3 # لقد تجولت بجهة الدخلة مقتفيا آثار اللفيف الأجنبي ... ومررنا بالقرية، ~~وقد اختلطت التوابل والزيوت بالتراب وكونت فوق الأرض طبقة سميكة متسخة، ~~وذلك كل ما بقي من بقالة كانت مزدهرة منذ يومين، وجميع الدكاكين خاوية ~~فارغة مدمرة، وفي زاوية لطخها الوحل قطعة قماش تلمع وتبرق، وهي من القماش ~~المطرز بالذهب للباس النسوة، وقد سرق جميعه ما عدا تلك القطعة، ونسفت ~~المفرقعات خمسة بيوت، وكان أحدهما جديدا، وفي زاوية تحت بقايا حائط مهدم ~~ثلاثة أطفال صغار فوق حصير، وهو جميع ما بقي من الأثاث كله، وصاحب الملك ~~واقف بجانب تلك الخرابات ووجهه مغطي بردائه، تتردد زفراته مع أنفاسه فترجه ~~رجا رغم محاولته التغلب عليها، ووقفت زوجته وشرعت تمشي بين الأنقاض وتضرب ~~على صدرها، وسألت عن معني صيحاتها المتكررة، فترجموها إلى: «إخواني، إخواني، ~~لقد ضاع مني كل شيء.» وبقي صوتها يتبعنا إلى أن غادرنا الشارع. # لقد نهب جميع الطعام والمؤن وجميع المال وجميع المصوغ، وهو ثمرة عمل ~~هؤلاء القرويين حياتهم كلها. # وقد تركت عملية «التطهير» منطقة الدخلة في حالة دمار لن تستطيع النهوض إلا ~~بعد وقت طويل، وسينشأ الأطفال هناك وأمام أعينهم أشباح من الخرائب والفظائع، ~~وسيشب الكثير منهم في اليتم والتعاسة، أما الفتيات المغتصبات فسيحملن في نفوسهن ~~مرارة تلك الشناعة طول الحياة، وستشهد البيوت وأضرحة الأولياء والمساجد على ~~مرور السفاحين النهابين الهدامين الذين أوفدتهم وزارة الدفاع الفرنسية إلى تلك ~~البقاع. # ولقد طالب شعب تونس باحترام كرامته وسيادته بحق تونس في أن تكون لها حكومة ~~وطنية تونسية ونظام تمثيلي نيابي ديمقراطي، فأجابه ممثلو فرنسا بالقمع وعمليات ~~«التطهير». # إن ضمير كل إنسان حر مهما يكن ms212 جنسه أو دينه ليحكم حكمه البات على ذلك ~~الصنيع. # وقد قامت وزارة دولة السيد محمد شنيق الوطنية بواجبها نحو المنكوبين؛ إذ لم ~~تكتف بمجرد الاحتجاج، بل كونت في الحال لجنة تحقيق مؤلفة من اثنين من أعضائها: ~~هما وزير الدولة محمود الماطري ووزير الصحة محمد بن سالم، وطلبت رسميا من ~~الإقامة العامة أن ترسل نائبا عنها ينضم إلى لجنة التحقيق، فسكتت الإقامة ~~العامة عن ذلك، وبعد أن زارت اللجنة جميع مدن الدخلة وقراها وقامت يبحث دقيق ~~على العين سجلت ما شاهدته من حقائق وفظائع في تقرير رسمي، حتى لا يبقى للسلطات ~~الفرنسية مجال للتلاعب بالألفاظ وإنكار الواقع المحسوس، فابلغ السيد محمد شنيق ~~نسخة من ذلك التقرير إلى الإقامة العامة الفرنسية وأردفها بهذه الرسالة: # تونس في 1 فبراير 1952 # من الوزير الأول للمملكة ~~التونسية إلى السفير المقيم العام لفرنسا بتونس # الموضوع: حوادث الدخلة - تقرير التحقيق وضعه معالي وزير ~~الدولة ومعالي وزير الصحة العامة # صحبة هذا نسخة من ذلك التقرير # تبعا لرسالتي عدد 45 ب م/س ا ب بتاريخ 6 فبراير 1951 أتشرف بإبلاغكم ~~صحبة هذا نسخة من التقرير الذي وضعه معالي الدكتور الماطري والدكتور ~~ابن سالم، وقد كلفا بإجراء بحث رسمي على العين فيما يتعلق بحوادث ~~الدخلة. # ويؤسفني أنكم لم تروا ما أوعزت لكم به من إرسال من يمثلكم ليشارك في ~~ذلك البحث؛ إذ إنه كان يأتي بارتسامات مباشرة عن المنظر المؤلم الذي ~~ظهر للباحثين، ولا يمكن إلا أن يتراءى بصفة غير تامة خلال ما في تقرير ~~كتابي من جفاف. # الإمضاء: محمد شنيق # وتأثر جلالة الملك محمد الأمين الأول تأثيرا عميقا لما بلغه ما جرى في جهة ~~الدخلة، وسعى حالا في إيقاف موجة الإرهاب الفرنسية بما لديه من وسائل، فأرسل ~~عن طريق وزيره الأول برقية إلى الحكومة الفرنسية هذا نصها: # إن جلالة الملك المعظم قد تأثر كل التأثر من صرامة تدابير القمع ~~الجارية الآن التي تسببت في عدة اعتداءات خطيرة على سلامة الأشخاص ~~والمكاسب وعلى مباشرة السيادة التونسية، وقد تولت الحكومة التونسية ms213 ~~إنهاء بعض الاعتداء إلى جناب السفير المقيم العام. # ونشرت تلك البرقية مع تصريحات الحكومة التونسية على الصحافة، فكانت رد فعل ~~واضح على اعتداءات الفرنسيين. # لقد ظنت السلطات الفرنسية أن ما استعملته من عنف وما نشرته من تخريب ونهب ~~وتنكيل وتقتيل، سيبعث الرعب والخوف في قلوب التونسيين، ويوقف تيار الوطنية ~~فيهم، ويصدهم عن متابعة كفاحهم في سبيل حريتهم واستقلالهم؛ فيخفتون صوتهم ~~ويختبئون في بيوتهم ويستسلمون استسلاما كليا للقوة الجبارة. وإذا بالآية ~~تنعكس ويكذب شعب تونس آمال المستعمرين ويسفه أحلامهم ويحبط مؤامراتهم الدنيئة ~~ويثبت أن قوة الحديد والنار لا توقف تيار الشعوب إذا أرادت الحياة. # ولم تضيع مدن الدخلة الجريحة ولا قراها المكلومة وقتها في النحيب والعويل، بل ~~لم تفارقها القوات المعتدية حتى هب السكان جميعهم وقاموا بمظاهرات صاخبة ~~محتجين ومعلنين لعزمهم على متابعة الكفاح. # وهب الشعب التونسي بأسره لمؤازرة المنكوبين والمضطهدين، وبمجرد ما وصلت إلى ~~العاصمة أخبار الفظائع تكونت بها «لجنة إغاثة قومية» فأصدرت نداء للتونسيين ~~ليؤازروا منكوبيهم، فتدفقت الإعانات من مال ولباس وطعام، وسارت القافلة الأولى ~~نحو الدخلة بعد يوم وليلة، وتوالت إثرها القوافل، وازدادت حركة التآزر اتساعا ~~يوما بعد يوم، ولم ينس منها الوطنيون المحرومون من حرياتهم سواء أكانوا بالسجون ~~أم بالمعتقلات، وشملت جميع المنكوبين في القطر كله، وهبت كل مدينة تمون ما ~~اقترب منها من معتقلات، ولنأخذ بعض الأمثلة من مئات: فقد كون الفرنسيون ~~محتشدا ب «زعرور» قرب «ماطر» التي أخذت في تموينهم مرة بعد مرة، من جملتها يوم ~~10 مارس 52 وأصدرت لجنتهم الفرعية البلاغ الآتي: «لم ينس الماطريون إخوانهم ~~المعتقلين بمحتشد «زعرور» رغم الظروف التي يجتازونها، فأرسلوا إليهم في سبيل ~~الإغاثة 100 كيلو سكر، 100 كيلو صابون، 100 علبة سردينة، 400 علبة سجائر ~~وكبريت، 500 كيلو برتقال، 50 خروفا، 200 كيلو خبز، 30 علبة فلفل، 10 آلات ~~حلاقة، 200 شفرة للحلاقة، 200 ورقة وظرف للرسائل، 20 علبة شمع، 25 كيلو ~~مربى، 5 كيلو قهوة، 3 أرطال نشوق، 2 كيلو فلفل مسحوق.» # وفي يوم 11 من الشهر ms214 نفسه أخذت مدينة جرجيس في الجنوب تستعد لإغاثة معتقل ~~«جلال»، وقالت لجنتها الفرعية للإغاثة بتاريخ 12 مارس (عن جريدة الصباح ~~التونسية): «تتأهب جرجيس لأخذ قسط وافر لإغاثة المنكوبين والمبعدين بالخصوص ~~بجلال قرب (بنقردان)، فقد شرع الأهالي في جمع إعانة ذات بال شارك فيها التجار ~~والموظفون والفلاحون من سوق جرجيس، وقد نجحت بفضل أصحاب الضمائر الأبية.» # وهذا أحد بلاغات لجنة الإغاثة الفرعية بمدينة سوسة (الصباح في 14 / 4 / 1952) ~~تأسس هذا الفرع إثر حوادث شهر يناير، وأخذ يمد عائلات ضحايا سوسة والساحل بصورة ~~عامة، واليوم توجه نخبة من أفرادها إلى طبلبة والمكنين والوردانين، حيث وزعت ~~كميات كبيرة من المواد الغذائية تبرع بها أهل الفضل والإحسان من سوسة، وكذلك ~~فقد حصلت نحو مائة عائلة منكوبة على مقدار من المال والملابس والأثاث ~~المنزلية. # وقد قوبلت اللجنة المتجولة في كل من هذه القرى من طرف الأعيان والأحرار ~~الوطنيين بكامل الحفاوة والتبجيل. # أما اللجنة المركزية بتونس التي اتخذت من النادي المركزي للحزب مقرا ~~رئيسيا لها، فقد اتسعت أعمالها إلى أن شملت القطر التونسي كله، وتوالت جهودها ~~من غير انقطاع، وهذا مثال من بلاغاتها (عن جريدة الصباح في 16 / 3 / 1952) ~~تتواصل الإمدادات كل يوم على طريق لجنة الإغاثة إلى منكوبي الحوادث ~~الجارية. # وما زال الشعب التونسي الكريم يمد بكل سخاء يده إلى المنكوبين والمتضررين، ~~ولجنة الإغاثة ما فتئت تعمل على إيصال كل ما يلزم المعتقلين، سواء الذين بالسجن ~~المدني أو العسكري من تموين وملابس وأغطية. # ففي كل يوم يصل إلى السجن المدني ما يربو عن ستمائة كيلو من المواد الغذائية، ~~أما السجن العسكري فإن التضييقات التي يلقاها المساجين لم توفر عليهم إمدادات ~~لجنة الإغاثة. # وتتقدم اللجنة بالشكر إلى شعب تونس، وخاصة إلى سكان حي «باب السعدون» الذين ~~ما برحوا يتبرعون بكل عزيز وغال. # ولنلاحظ أن كل هذه الإعانات والتبرعات التي اتصلت بها عائلات المنكوبين من ~~جراء أعمال القمع والتطهير لا تكفي لسد حاجاتهم، وإنما هي في الحقيقة تخفف ما ~~نزل بهم وتعطي فكرة عن روح التضامن والتآزر ms215 والتآخي بين أفراد شعب تونس، فتشجعه ~~على متابعة كفاحه. # | الدموع والدماء والخراب # لم تكتف جيوش الجلادين بما ارتكبته في جهة الدخلة من فظائع، ولكنها نظمت الإرهاب والقمع ~~في القطر التونسي بأسره، ونشرت الفزع والرعب في كل نواحيه وجهاته، الجهة تلو الجهة حسب خطة ~~مدبرة وأعمال منسقة وإجرام مبيت. ~~(1) جهة الساحل # وجاء دور جهة الساحل التي تعتبر بحق من أعظم معاقل الوطنية، فأعلنت السلطات العسكرية ~~حالة الطوارئ، وشددت الحصار، وأخذ الجنود يهاجمون المدن والقرى واحدة إثر أخرى. # وكانت بلدة «قصر هلال» محتلة احتلالا شديدا لصلابة أهلها وتمسكهم بالمبادئ القومية ~~وإجماعهم على النضال، وفتشت مرات ونهبت بيوتها وذاق أهلها ألوانا من الإهانات ~~والتنكيل، وقد اعتقل جميع أعضاء هيئتها الدستورية وعدد وافر من أبنائها، وأذاقهم الجنود ~~ألوانا من العذاب، وتفننوا في النكاية برئيس جامعتها السيد محمد القنوني ضربا ودفعا ~~ولكما ودوسا، إلى أن أدموا جسمه وكسروا عظام ذراعه. ولم يسمح للأطباء ولا للمحامين ~~الاتصال بالمعتقلين، فنشر أهالي «قصر هلال» بيانا جاء فيه: # إن أهالي «قصر هلال» الذين لا يفت في عضدهم شيء من القسوة والجبروت، عازمون ~~على مواصلة العمل والكفاح المثمر، إلى أن يحققوا لوطنهم العزيز أمانيه ~~الغالية. # ثم أعلنت البلدة الإضراب وقامت به في 14 و15 فبراير، رغم التهديد ~~والوعيد وخطة الإرهاب. ~~(2) بنبلة # تم «تطهيرها» في 20 / 2 / 52 من السادسة صباحا إلى الخامسة مساء. احتلها الجند ~~والجندرمة وحاصروها، وأحضر الضابط الفرنسي شيخ البلدة وأعيانها بالمدرسة الابتدائية، ~~وتلا عليهم أسماء 14 شخصا طلب اعتقالهم حالا، وأرسلوا إلى محتشد «زعرور»، وكلف الضابط ~~رجلا ينادي بتأمين الأهالي إذا هم سلموا الأسلحة التي لديهم، فلما تقدم البعض بأسلحتهم ~~اعتقلهم (16 شخصا)، ثم بدأ التفتيش والتحطيم والتبديد، ومن بين المعتقلين شيخان يتجاوز ~~عمرهما 70 سنة، واعتدي بالضرب المبرح على كثير من السكان، وخاصة السيد عامر قاسم الذي ~~أغمي عليه من شدة العذاب، ووقعت أعمال نهب كثيرة، وعلى إثر هذه الأعمال الوحشية مباشرة ~~أذاع أهالي بنبلة بيانا أعلنوا فيه تمسكهم بالمطالب الوطنية وعزمهم على مواصلة ~~الكفاح. # وكانت ms216 بلدة «الوردانين» التي لا تلين لها قناة في الوطنية، مسرحا لفظائع تكررت خلال ~~شهر كامل من تبديد للأرزاق والمؤن ونهب واعتداءات وتقتيل، فحوصرت للمرة الأولى في 26 ~~يناير، وحوصرت للمرة الثانية في 9 فبراير، وفي كل مرة يهاجم الجنود البيوت بعد أن ~~يجمعوا الرجال تحت الحراسة المسلحة وتتعالى أصوات النسوة وصراخهن، وقد أجهضت عشرة منهن ~~ونقل بعضهن إلى مستشفى مدينة سوسة. وأخذت قوات الجيش تتردد على البلدة إلى يوم 23 / 2، ~~ففي تلك الليلة استمرت القوات في أعذب الملاهي لديها وهي صيد السكان بالبنادق، فأطلقوا ~~الرصاص على محمد الوسلاتي ويوسف جعفر وهما في طريق العودة إلى منزلهما، فأصيب الأول ~~ونقل إلى المستشفى واعتقل الثاني وسلم إلى الدرك الفرنسي بسوسة. # ولم تنج قرية البرجين من القمع، وطوقتها قوات الشر يوم 22 فبراير، وكان التفتيش وكان ~~الحصار وكان العذاب. # وكان احتلال الجند لبلدة الساحلين يوم 11 / 2، وكان مع الضابط قائمة بثمانية عشر ~~اسما من بينهم اسم سكرتير الشعبة حسين عمامو الذي فتشوا بيته وبعد الانتهاء من التفتيش ~~كسروا ما فيه من زجاج ومرايا وأوان ودواليب بمؤخرة بنادقهم، ثم أخذ الضابط يسأله أمام ~~الأهالي: هل أنت دستوري؟ فأجاب: نعم أنا دستوري. وكان بالقرب من الضابط صبيان عمرهما ~~12 سنة و14 سنة، فتقدم أحدهما وقال: ليس هو وحده دستوريا، إن كل الأهالي هنا ~~دستوريون. فسأله الضابط: وأنت؟ قال: نعم أنا دستوري، وسأل الطفل الثاني، فأجاب بنعم، ~~فألقى عليهما القبض وأخذهما مع المعتقلين، وإن لم يكن اسمهما موجودا بالقائمة. وأخرج ~~الضابط واحدا من هؤلاء وأمره أن يهتف بسقوط بورقيبة وبحياة فرنسا، فصاح السجين: «يحيا ~~زعيمنا الأكبر بورقيبة»، فأرسل عليه كلبا من كلاب الجيش عضه في رجله اليمنى ومزق ~~عضلاتها، ونقل إلى المستشفى وقد أصيبت رجله بالتعفن. # وصلت القوات الفرنسية إلى بلدة طبلبة يوم 4 فبراير مساء وأحاطت بها حالا، وفي صباح ~~5 فبراير طلب من جميع السكان البالغ عمرهم من 15 إلى 80 سنة الخروج إلى ميدان البلدة، ~~فأخرج الضابط الفرنسي تجريدة بها أسماء أعضاء الهيئة ms217 الدستورية، وطلب من الحاضرين أن ~~يسلموا ما عندهم من السلاح، ثم أصدر أمره بأن يتقدم له كل من ينادى باسمه، ومن كان ~~غائبا اعتقل أبوه وأمه وزوجته وأبناؤه وبقية أفراد عائلته، وسيق الجميع إلى ثكنة ~~سوسة. # وكان الجيش أثناء ذلك يفتش البيوت، ويفعل فيها ما اعتاده من أفاعيل. # وأصبح الفرنسيون يستعملون الكلاب البوليسية على نطاق واسع، وقد أطلق الجنود في ذلك ~~اليوم كلابهم على التونسيين، فنهشتهم نهشا وقطعت لحومهم، وما زال عدد كبير من أبناء ~~طبلبة يحملون في أجسامهم آثار عض الكلاب، وقد أصيب اثنان من الدستوريين بجراح خطيرة من ~~جراء ذلك. وتفننوا في التعذيب والتنكيل، فبعد أن حطموا نادي الشعبة الدستورية وأتلفوا ~~ما فيه ومزقوا الأعلام التونسية، أخذوا علما منها وناولوه إلى أحد الكشافة واصطفوا ~~صفين وأجبروه على الجري بينهم من غير إمهال ولا راحة، وكلما تعب أو توقف انهالوا عليه ~~ضربا، وتقاذفوه بينهم وهم يتضاحكون، إلى أن مزقت ثيابه وسالت دماؤه وكست جسمه وسقط ~~مغشيا عليه. ولما أفاق أصبح كالتائه الفاقد لرشده من كثرة التعذيب، وخرج ولم يعلم إلى ~~حيث اتجه. # وقد طلب الجند من بعض الشبان أن يرتدوا أزياء الشبيبة الدستورية، وعندما لبسوها طلب ~~منهم أن ينادوا: «يسقط بورقيبة»، فلم يمتثل أحد منهم، فكان نصيبهم الضرب بمؤخرة البنادق ~~والتعذيب بالتيار الكهربائي أو بالمياه الباردة. ورغم هذا كله كان جواب جميع التونسيين: ~~«يحيا بورقيبة». # وبقيت طبلبة الجريحة مدة أشهر تعيش حياة مرهقة تحت الإرهاب والاضطهاد، وقد فقدت كل ~~وسائل المعيشة بعد أن شرد قادتها وأبناؤها ووزعوا بين معتقل «زعرور» وثكنة الجيش بسوسة ~~وسجن المهدية والسجن العسكري بتونس، والبريد أيضا مقطوع عن البلدة تلك المدة ~~كلها. # ولم نذكر من أعمال القمع بجهة الساحل إلا النزر اليسير والوقائع القليلة، كمثال لما ~~وقع في بقية مدنها وقراها بدون استثناء. ~~(3) جهة بنزرت # ولحق أيضا جهة بنزرت قسط وافر من الاعتداءات، فقد ابتدأت عملية «التطهير» ببلدة ~~عوسجة يوم 27 / 2 / 52، وطوقت بحصار شديد، ثم فتش الجنود جميع بيوتها ودكاكينها ~~بطريقتهم المألوفة، فأتلفوا المؤن ms218 والأرزاق، وحطموا الأثاث، ونهبوا وأفسدوا كل ما ~~وجدوه، وعاملوا السكان بقسوة ووحشية، حتى لحقت الأضرار والجروح أكثر من خمسين منهم، ~~واعتقل من بينهم ثمانية ساءت حالتهم جدا وأشرفوا على الهلاك من فرط ما لحقهم من ~~تعذيب، ودامت عمليات القمع يومين وليلة. ~~(4) الكاف # وبقيت مدينة الكاف عرضة للأعمال الوحشية مدة أسابيع، فبعد أن اعتقلت السلطات الفرنسية ~~القادة الوطنيين في أوائل شهر فبراير وأبعدتهم إلى الصحراء برمادة، ألقت القبض يوم ~~22 / 2 / 52 على 14 شخصا آخرين، وقام يومها الجنود بنسف عدد من المنازل المجاورة ~~للثكنة العسكرية. # وقتل ذلك اليوم جندي فرنسي، فاشتد الحصار على المدينة من الغد (23 / 2 ) واعتقل عدد ~~كبير من الوطنيين، وأخذ الجيش يمطر الحي العربي بالقنابل اليدوية والمفرقعات المتنوعة، ~~وهاجموا المسجد وألقوا فيه القذائف، فحطموا ما في داخله. # وتوجه أثر تلك الاعتداءات وفد يمثل سكان الكاف إلى العامل (المدير) وبلغوه احتجاجهم ~~على تلك الأعمال الوحشية، وعقد المستشارون في هيئة بلدية الكاف اجتماعا يوم 25 فبراير ~~وقرروا أثناءه تقديم استقالتهم - إذ أصبحت حياة كل من في المدينة في خطر - وهم السادة: عبد ~~الجليل الباجي، وعبد الحفيظ قدور ، وعمار بن بلقاسم، وإبراهيم بن الشاذلي، ورمضان بن ~~فبري، ودانا البير. وغني عن الملاحظة أنهم من سراة المدينة ومثقفيها وأعيانها، فأعلنوا ~~هكذا عن انضمامهم إلى الكفاح الوطني. # وقد أعلن أهالي مدينة السرس الإضراب في 23 و24 فبراير تضامنا مع سكان مدينة ~~الكاف. ~~(5) باجة # وقاست مدينة باجة من الاحتلال الطويل والحصار الدائم ألوانا من الإرهاق، وكانت ~~الطائرات الحربية تحلق فوقها من حين إلى حين لإنزال الرعب في القلوب، وفتش الكثير من ~~بيوتها ونهب، وذاق أهلها مرارة التنكيل وعذب ثلاثة منهم عذابا أليما وهم: علي بن ~~العبيدي، وعبد المجيد بن عثمان، ودياب بن خضيري، واعتقل عدد وافر من سكانها، وانتشر ~~الجند في ضواحيها و«طهروا» هنشير الحلوفة وهنشير بو سعادة، وألحقوا بأصحابها العذاب ~~وأتلفوا الأرزاق. ~~(6) سوق الأربعاء # وقطعت أعمدة التليفون بجهة سوق الأربعاء ليلة 25 فبراير، فقدمت إليها القوات الفرنسية ~~المسلحة وقامت بأعمال الترويع ms219 والتفتيش وإتلاف المؤن والأثاث في تلك المنطقة كلها، ~~واستعملت الكلاب في تعذيب التونسيين، ومن بين المصابين امرأتان نهشتهما الكلاب ثم اعتدى ~~عليهما الجنود بالضرب والدوس بالأقدام، وألقي القبض على عدد من الوطنيين. وعلى إثر تلك ~~الحوادث ألف السكان وفدا من الأعيان قابل العامل واحتج لديه على هذه التصرفات المشينة، ~~وأعلمه أن الشعب بأسره متضامن وسيتابع كفاحه لتحقيق أهدافه السامية. ~~(7) كسرى # وفجعت بلدة كسرى في أبنائها وأرزاقها ونهبت بيوتها، وكانت مأساتها من أفظع ما يتخيل ~~الإنسان، وقد حوصرت مدة أسابيع حصارا عزلها عن العالم وقطعها من المواصلات حتى جاع ~~أهلها وكادوا يتلفون جميعا. # أما مدينة مكثر القريبة منها، فإن الجنود لم يقتصروا فيها على ما اعتادوه من تدمير ~~ونهب وإفساد وترويع، بل أرادوا أن يلحقوا بأهلها العار باعتدائهم الشنيع على شرف ~~نسائها. لقد قام الجند يوم 27 فبراير بتفتيش محل السيد فرج بن علي السياد، ثم حملوا ~~معهم زوجته وابنته وزوجة ابنه بالقوة، ولما اعترض الرجل طريق المعتدين ضربوه ضربا ~~مبرحا بمؤخرة البنادق، وسيق النسوة إلى مكان مجهول، وبعد يومين في صبيحة 1 / 3 / 52 عثر ~~عليهن في حالة إغماء مطروحات في أحد الحقول وحالتهن يرثى لها، فنقلن إلى المستشفى، كما ~~نقل إليها أيضا السيد فرج الذي أصيب في إحدى عينيه بجروح خطيرة. # أما في جنوب القيروان، فقد هاجمت قوات فرنسية كبيرة الأراضي الخاصة بقبائل جلاص، ~~وأنزلوا أقصى ضرباتهم على قبيلة الذويبات، فنشروا الدمار والخراب، وأتلفوا جميع ~~الممتلكات، وفتشوا جميع المنازل تفتيش إبادة وتدمير. وفي بيت خليفة بن أحمد أطلقوا ~~النار على ابنته خيرة فأصابوها في فخذها الأيسر، وأطالوا التفتيش والحصار في بيت عبد ~~النبي بن الحاج ضوء وأخيه علي المكي مدة 24 ساعة كاملة، وقتلوا الكلاب وحطموا الأدوات ~~المنزلية والآلات الزراعية، وكان ضرب من الجنون الإجرامي قد استولى على الجنود في آخر ~~الأمر، فأخذوا يحرقون البيوت بجميع ما فيها من أثاث ومؤن في موقع جهينة حيث يسكن قسم ~~من الذويبات، ولم ينج السكان من النار إلا بمعجزات، فمن بين البيوت ms220 التي أصبحت رمادا: ~~(1) بيت الأرملة ربح بنت بوقطف. (2) بيت حسين بن محمد بن عباس، ولما خرج منه صاحبه ~~فرارا بنفسه من النار اصطاده الجند صيدا ورموه بالرصاص فأبقوه جثة هامدة. (3) بيت علي ~~بن بوقطف. (4) بيت عمر بن بوقطف. (5) بيت محمد الهادي بوقطف. (6) بيت يوسف بن قريدة. ~~(7) بيت محمد بن يوسف بن قريدة. # ودخل الجيش الفرنسي إلى بلدة جبنيانة دخول الفاتحين المنتصرين يوم 21 فبراير، وزرع ~~الرعب والخوف، فطوق البلدة، وفتش بيوتها ودكاكينها، وألقى القبض على رئيس الشعبة محمد ~~عاشور الزناتي. ~~(8) الجم # حاضرت القوات الفرنسية بلدة الجم، ثم احتلوها، وروعوا السكان، وأعلنوا حالة الطوارئ، ~~ثم قبل أن يغادروها فرضوا عليها ضريبة حربية بدعوى حراسة أعمدة التليفون. ~~(9) الصخيرة # انتشر الجنود في جهة الصخيرة، ونشروا بها الذعر بدعوى التفتيش عن السلاح، وحطموا حتى ~~خيام الرعاة، وأجهضت سيدات، وجرح عدد وافر من الرجال. ~~(10) قابس # جاء دورها يوم 14 فبراير، فاحتلها العساكر، وقاموا بحملة إرهابية واسعة النطاق، ~~وطوقوا بيت الحاج عبد الله بن رحومة عضو مجلس البلدية بقابس، وأتلفوا ما فيه، ثم فتشوا ~~بيت ابنه فلم يجدوا شيئا، فألقوا القبض على أبنائه الثلاثة ومن بينهم السيد النجار ~~قائد إقليم قابس للكشافة، ونقلوهم إلى الثكنة العسكرية. ثم أعلنت حالة منع التجول. ~~فأضربت المدينة احتجاجا على هذه الإجراءات، وخاصة لأن منع التجول يحرم الأهالي من أداء ~~صلاة العشاء وصلاة الفجر في المساجد ويمنعهم من إقامة الأذان. # ورجع الجنود في 21 و22 فبراير، وحاصروا المدينة من جديد، وأعادوا فيها عملية ~~«التطهير»، وفتشوا عدة منازل منها بيت صالح ضوء أحد القادة الكشفيين، والطاهر واجد أمين ~~مال الشعبة الدستورية، واعتقلوا عددا وافرا من الوطنيين، وبالليل كان الجنود يقومون ~~بترويع الناس، فيتسلقون السطوح ويسعون في تكسير أبواب المنازل للنهب وانتهاك ~~الأعراض. ~~(11) الرديف # عادت قوة من اللفيف الأجنبي وجنود المظلات إلى بلدة الرديف يوم 18 فبراير بعد أن ~~قاموا بعمليات «التطهير» فيها مرارا من قبل، وحاصروها وقاموا بأعمالهم المعتادة من ~~تنكيل وترويع وضرب ولكم وإهانات وتفتيش الرجال وحتى النساء في البيوت، ونهبوا ms221 وبددوا ~~وحطموا، واعتقلوا أعضاء الشعبة الدستورية وسكرتير نقابة التجار واعتدوا عليه ~~بالضرب. ~~(12) جهة الجنوب # اصطبغت حملة الإرهاب العسكري في الجنوب بالقسوة والشدة، فأعلنت حالة الطوارئ بمدنين ~~ابتداء من 17 فبراير، ومنع التجول من السادسة والنصف مساء إلى السابعة صباحا، وذلك إثر ~~الهجوم الذي وقع على الثكنة العسكرية في الأسبوع السابق لذلك، وأطلق عليها الرصاص للمرة ~~الثانية فقتل ثلاثة جنود، كما وقع إطلاق النار في يوم 20 يناير على لوري محمل بالجنود، ~~فانقلب ومات 11 جنديا. # وبدأ القمع يوم 14 فبراير، فتألف ركب من عامل الجهة (المدير) والقائد العسكري الفرنسي ~~وأعوان الجندرمة وعدد كبير من الجند، وقامت القوات «بتطهير» أعبنتن، واعتقلوا رئيس شعبة ~~أولاد عبد الله ورئيس شعبة أولاد محمد وكامل الهيئة الدستورية ومحمد بن فرج والهادي ~~الصانعي الذي اعتقلوا معه ابنا له لم يتجاوز الخامسة، ثم انتقلت القوات إلى «أم التمر» ~~حيث اعتقلت عددا من الوطنيين. # وجاء دور «وادي اللبة» ففتشوا منطقته ثلاث مرات في يوم واحد، وخاصة منزل السيد ضوء ~~الهتشير وألقوا عليه القبض؛ لأنهم وجدوا عنده بندقية غير صالحة للاستعمال، وبقيت عائلته ~~لا تعلم شيئا عن مصيره. وقد عذب المساجين ونكل بهم تنكيلا فظيعا إلى أن فقد بعضهم ~~رشده. # وكان التونسيون رغم ما يعانونه من اضطهاد مريع يحرصون على إظهار حمق الفرنسيين ~~وخوفهم، فكان الأطفال بمدينة تونس يربطون حققا فارغة في ذيل القطط ويطلقونها في ~~الشوارع الرئيسية، فيهرع البوليس والقوات الفرنسية المسلحة ويركضون من كل جانب شاهرين ~~أسلحتهم وعلى وجوههم علامات الفزع. # وكانت قوائم الأسماء التي يحضرها الفرنسيون لاعتقال الناس قديمة، وحدث في أكودة أن ~~ضابطا فرنسيا أمر بإحضار راجح إبراهيم الذي أدرج اسمه في القائمة ولم يحضر، فتقدم ~~أحد السكان وقال: سأدلكم عليه. وذهب مع الضابط والجنود إلى أن بلغ بهم المقبرة المحلية، ~~ووقف بهم على قبر، وقال: هنا يسكن راجح إبراهيم، إنه قد مات منذ سنوات. ويدل ذلك على ~~فوضى قسم الاستعلامات الفرنسي، وعدم تعاون التونسيين معه. # وحاصر خمسمائة جندي قرية «المعتمر» (أي أكثر من عدد ms222 سكان القرية)، وخرج أحد رجالها ~~يريد الذهاب إلى مدينة سوسة، وفي الطريق ساقوه إلى الضابط الفرنسي، فسأله: ما اسم هذه ~~القرية؟ فقال: قرية المعتمر. فنظر الضابط في خريطة أمامه ثم قال: كأنه يخاطب نفسه، لا ~~هذا غير ممكن، غير صحيح. وبعد ساعات غادر الجند القرية وتبين أنهم كانوا قد ضلوا الطريق ~~ولم يقع تفتيش القرية. ~~(13) التضامن القومي # ومن أجمل الأمثلة الرائعة على قوة الشعور الوطني وروح التضامن القومي، ما حدث في ~~مدينة مساكن، حيث احتلها بداية من 8 فبراير جنود اللفيف الأجنبي الذين كانوا يعيثون ~~فسادا في جهة الدخلة، فأخذ الجنود يبيعون ما نهبوه من ذهب وفضة وما سرقوه من حلي في ~~الدخلة، وأسرع الأهالي لشرائه منهم، وبيع الخلخال بثمانية آلاف فرنك وقيمته 150 ألف، ~~وباع الجند بعض القطع الذهبية بزجاجة من الخمر، وبلغ مجموع ما باع الجنود من الحلي 60 ~~ألف فرنك، بينما يقدر ثمنه الحقيقي بستمائة ألف فرنك، ثم جمع الأهالي كل ذلك الحلي ~~وسلموه إلى الخليفة (الوالي) الذي سلمه بدوره إلى الملك ليرفعه لأصحابه، ورفض أهالي ~~مساكن استرداد المبالغ التي اشتروا بها الحلي لما عرض الخليفة ذلك عليهم، فضربوا هكذا ~~مثالا عاليا لهجت به البلاد التونسية بأسرها. # ولقد استمرت حملة القمع الدامي من غير انقطاع في القطر كله. ~~(14) شراحيل (من ضواحي مدينة المنستير) # في شهر فبراير حوصرت القرية من طرف الجنود حصارا شديدا، وأخذوا يطلقون الرصاص في ~~الفضاء لينزلوا الرعب في قلوب الناس، وجمعوا الرجال كبارا وصغارا وكهولا في مكان ~~معين، ثم فتشوا البيوت والمنازل وروعوا من فيها من النساء والأطفال، وأتلفوا كل ما ~~وجدوه من مؤن وزيت، كما أتلفوا البيض والدجاج وجميع الطيور الداجنة، وسلبوا المصوغ ~~والحلي وانتهكوا حرمة المسجد، وبعد التفتيش أشبعوا الرجال ضربا وأطلقوا على بعضهم ~~الرصاص، فجرحوا أحدهم وأتوا بكلاب أطلقوها على الناس تعضهم وتنهش لحومهم حتى جرحت عددا ~~وافرا. # وذهب إلى المستشفى من يملك مالا للمداواة، وبقي البعض بدون معالجة يئن من ~~جراحه. # وألقي القبض على اثنين وعشرين رجلا من سكان القرية، ms223 وفرضت على أهالي البلدة غرامة ~~حربية قدرها تسعة أغنام. # وكتب أحد أهالي أولاد عسكر (جهة سبيطلة) عما قاسوه من إرهاق، فقال: # في صبيحة يوم الأربعاء 28 فبراير استيقظنا من نومنا، فوجدنا أنفسنا مطوقين ~~بقوات من الجندرمة، وسرعان ما اقتحموا المنازل وعاثوا في أثاثها فسادا، ~~وانهالوا علينا ضربا وشتما ولكما، وأطلقوا علينا كلابهم فشتتت صغارنا وروعت ~~نساءنا. وأخيرا أسفرت النتيجة عن فقد كمية كبيرة من الحلي ذهبا وفضة، ~~واعتقلوا جمعا من الرجال والنسوة ساقوهم أمامهم وزجوا بهم داخل السجن. ولم ~~يكفهم ما فعلوا من ترويع، بل رجعوا يوم الخميس 6 مارس فلم يستيقظ الأهالي إلا ~~على نباح كلابهم وأصوات شتائمهم، يروعون الأهالي ويضربونهم بمؤخرات ~~البنادق. # وقد بلغت الحماقة والاستفزاز غايته في كل مكان، وأصبح الفرنسيون ينغصون حياة ~~التونسيين بجميع الأساليب ويضيقون عليهم أنفاسهم، وإن ما وقع ببلدة بنزرت مثال من آلاف ~~الأمثلة. # عندما كان الشاب عثمان بن محمد مؤمن من سكان منزل جميل - وعمره 17 عاما - مارا ~~بشوارع مدينة بنزرت في قضاء بعض شئونه، وذلك يوم 9 مارس؛ إذ وقف أمام السينما «ماجستيك» ~~متأملا في الصور المعلقة، وإذا بشرطي فرنسي يصيح به: در! ارفع يديك! ماذا تفعل هنا؟ ~~وأثناء تفتيشه وجد عنده مبراة صغيرة، فقال له: لماذا تحمل هذا السلاح غير المرخص به ، ~~فأجابه الشاب: هذه مبراة صغيرة أبري بها قلمي وهي لا تتجاوز الثلاثة أصابع، وإذا كانت ~~هذه المبراة تعتبر سلاحا غير مرخص به، فلماذا تباع في كل مكان؟ # فما كان من البوليس إلا أن قاده إلى المركز وزج به في السجن، وعندما حضر رئيس مركز ~~البوليس أتي به واستجوبه طويلا فيما لا ينتمي إلى قصة المبراة. وفي الساعة العاشرة ~~ليلا أطلق سراحه. # فخرج محتارا مفكرا، إلى أين يذهب؟ وعند من يأوي؟ حتى عثر عليه رجل فقال له: أراك ~~حيران يا بني، فما الذي دهاك؟ فحكى له ما جرى، وقال: إن عائلتي بمنزل جميل وليس لي أحد ~~بمدينة بنزرت، وبيننا وبين بلدتي البحر، وقد فاتني وقت الرجوع وانقطعت المواصلات في ms224 هذه ~~الساعة المتأخرة، وتوقفت «القنطرة المتنقلة» عن عبور البحر، فأخذه الرجل معه إلى بيته ~~فنام مع أبنائه، ولا تسل عما حدث لعائلته من أجل غيابه وخاصة لوالدته الأرملة. # وأصبح الجنود الفرنسيون قطاع طريق. ~~(15) السرس # في مساء يوم الأحد الثاني من مارس كان عامر بن محمد دباش، وأخوه سالم والعياشي خلف ~~الله، يقضون السهرة بالفندق القديم على بعد ثمانية كيلومترات من السرس بطريق مكثر، ~~وكان برفقتهم محمد الأشهب معلم بالمكان، والعادل بن العبيدي والهادي بن السخري وعلي بن ~~عزوز والطاهر القداش ... وغيرهم؛ إذ دخل عليهم فجأة - حوالي الساعة التاسعة والنصف - ~~أربعة من الجنود شاهرين بنادقهم وخناجرهم، وأدخلوهم تحت تهديد السلاح لمستودع بضاعة ~~داخل المحل، وشيعوهم بعبارات السب والشتم. وبعد دقائق خرج الجنود وامتطوا سيارتهم، ~~ولاذوا بالفرار وأخذوا معهم ما وجدوا من دراهم في الصندوق؛ أي 95000 فرنك وكمية من ~~لفائف التبغ. # وفي صباح يوم الاثنين 3 مارس أصبحت قرية السرس مضربة عن العمل، احتجاجا عما تسترسل ~~عليه القوات العسكرية من السرقة، التي أصبحت مباحة في وسط شعب أعزل. # وإن الفرنسيين لا يرحمون مريضا ولا امرأة حاملا ولا جريحا، وتحجرت قلوبهم حتى ~~أصبحت أكثر قسوة من الصخر؛ فقد وقع إيقاف السيد عمر بن سليمان التجاني من مشيخة «لاله» ~~بعمل قفصة يوم 15 فبراير 1952، وكان جريحا، وقد جيء به يوم السبت 8 مارس إلى المستشفى ~~العسكري في حالة احتضار، وقد أسلم الروح صباح يوم الأحد في التاسعة متأثرا بجراحه التي ~~لم تعالج في الإبان. # وقد شنت القوات العسكرية الفرنسية والدرك والبوليس الفرنسي حملات متوالية على القطر ~~كله لاعتقال عدد كبير جدا من السكان، لا لذنب اقترفوه ولكن لمجرد الترويع، فيخلفون ~~وراءهم حيث ساروا العويل والبكاء، ويقضون على عائلات كاملة بالجوع والمسغبة عندما يلقون ~~القبض على مموليهم. فلنذكر على سبيل المثال: # منزل جميل: السيد محمد البسطي أمين مال نقابة الفلاحين المنتجين. # بنزرت: ألقي القبض على أربع شخصيات يوم 10 مارس؛ هم السادة أحمد بن حمادي ~~الكعاكي الكاتب العام لنقابة الفلاحين المنتجين باللواتة، حمادي بن ms225 كندارة، ~~عمر العبيد، التيجاني العبيد. # نابل: ألقي القبض من جديد على السيد محمد بن الطيب. # صفاقس: اعتقل 22 شخصا يوم 10 مارس. # قابس: ألقي القبض يوم 9 مارس على 15 تونسيا ويوم 10 مارس اعتقل شخصان ~~بمنزل قابس. # العالية: يوم 11 مارس بسجن فرد واحد. # المنستير: يوم 11 مارس ألقي القبض على عشرة أشخاص. # ويتكرر ذلك يوميا في جميع المدن والقرى، ولم يكتف الفرنسيون بالكهول والرجال حتى ~~أخذوا يسجنون الأطفال الصغار ويسلطون عليهم أقسى الأحكام. ~~(16) سجن الأطفال # ففي مدينة قفصة ألقي القبض مساء الخميس 6 مارس في الساعة الثامنة مساء على طائفة من ~~الأولاد الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والثانية عشرة، لا لذنب سوى كونهم ~~تجمعوا كعادة الصبيان يجوبون الطرقات رافعين أصواتهم ببعض الأناشيد، فاعترض طريقهم ~~أعوان الجندرمة شاهرين في وجوههم السلاح مصوبين نحوهم الرشاشات، وساقوهم إلى السجن حيث ~~قضوا ليلتهم. # وفي صباح الجمعة 7 مارس ألقي القبض على أولاد صغار آخرين، وقد علق على ذلك محرر ~~«الصباح»، قال: وإلى حد كتابة هذه الكلمات (12 مارس 1952) لم نعلم عنهم شيئا جديدا، ~~فما هي حالة الآباء والأمهات. # وقد شارك الأساتذة والمعلمون الفرنسيون السلطات في قمع التونسيين، وكانت بلدة الحامة ~~مسرحا لذلك العدوان، كما كانت بقية المملكة، على إثر المظاهرة التي قام بها أبناء ~~المدرسة الابتدائية، احتجاجا على طرد إخوانهم تلاميذ المدرسة الثانوية بتونس وصفاقس، ~~فصل مدير المدرسة الفرنسي عددا من التلاميذ إلى أجل محدود، وعدد آخر طردوا ~~نهائيا. # وكان كل ذلك لم يشف غليل الفرنسيين، فأخذوا يعتقلون الناس بالجملة ويختطفونهم ~~اختطافا من الشوارع، وخاصة في مدينة تونس؛ فقد شنت قوات الأمن في عشية يوم السبت 18 ~~مارس حملة اعتقالات واسعة النطاق بالأحياء العربية، فكانت تلقي القبض على المارة ~~والجالسين في المقاهي بأحياء باب الخضراء والمرجانية والحلفاوين، وقد بلغت الإيقافات ~~نحو المائة بدون موجب رغم استظهار المقبوض عليهم ببطاقات التعريف بشخصياتهم، ولكن عربات ~~البوليس قد عادت غانمة مثقلة بما اقتنصته. # واستمر اختطاف الناس من الطريق العام، وهي وسائل منافية لحرية الأفراد ms226 في السير ~~بالطريق آمنين والسعي لقضاء حوائجهم. # وحوالي الساعة الرابعة من عشية يوم الأحد 23 مارس سدت الطرقات والأنهج المؤدية إلى ~~أحياء باب الخضراء، ونهج العسل وباب سيدي عبد السلام وباب سيدي عبد الله وباب سيدي ~~قاسم؛ بحيث طوقت العاصمة التونسية بالقوات المسلحة وحوصر سكانها، وكل من بارح منزله أو ~~دكان شغله التقط وزج به في العربة السوداء وسيق إلى حيث ينزل ضيفا في أحد المحتشدات ~~أو في مقر الشرطة. # وفي نفس الساعة طوق حي الحلفاوين والتقط منه المارة وجلاس المقاهي من جانب البوليس ~~السري والعلني، ودامت هذه العملية ساعة تقريبا. # وفي صباح يوم الأحد 23 شنت حملة بوليسية على سوق الخضر بحي سيدي البحري، ورفعت خضر ~~الباعة كلهم وغلالهم إلى مستودع المحجوزات البلدي، وسيق أربابها إلى عربة البوليس. وقد ~~اتسع نطاق هذه الحملة إلى المقاهي هناك برفع جلاسها، كما شنت حملة مماثلة في نفس الوقت ~~على سوق الحي الإسرائيلي، ودامت إلى الزوال. ~~(17) نداء من أعماق السجن # وكان المساجين يقاسون ألوانا من العذاب لا يطيقها بشر، ورغم ما هو فيه تابعوا كفاحهم ~~الوطني وارتفعت أصواتهم من أعماق السجن محتجين على معاملتهم بتلك الطرق الوحشية، ~~وأرسلوا نداء إلى الصحافة جاء فيه: # إن المعتقلين السياسيين المحشودين بشق «السيلونات» بالسجن المدني بجوار ~~المحكوم عليهم بالإعدام والمجرمين، يعانون كل أنواع الظلم والاضطهاد من إدارة ~~السجون سواء من الناحية المادية أو الأدبية. # وبعد أن طالبوا بالسجن السياسي ختموا لائحتهم بهذه الكلمات الخالدة: «هذا ~~وإننا لنعلن من جديد تعلقنا الكامل بالعرش المفدى، معبرين عن صحة عزمنا لمواصلة ~~الكفاح حتى النصر النهائي، متيقنين من أن نهاية هذا العسف والظلم والقمع موقوفة ~~على تقديم نفوسنا ضحايا وقربانا على مصلحة الوطن العليا.» # عن المعتقلين # محمد بالطيب مدير جريدة «لواء الحرية» ~~(18) المحاكم العسكرية # اعتادت السلطات الاستعمارية على اتخاذ المحاكم الفرنسية أداة قمع وإرهاب وتسخير ~~العدالة والقضاء لتعزيز استعمارها والفتك بالتونسيين، ولم تكف محكمة عسكرية واحدة، ~~فأضيف لها محكمة عسكرية ثانية بتونس وأحدثت أخرى بصفاقس، وقد أصدرت المحاكم الفرنسية ~~الزجرية أحكامها ms227 القاسية على أكثر من عشرة آلاف من التونسيين، وهي تجلس يوميا من غير ~~انقطاع مدة عامين كاملين، ولنأت ببعض الأمثلة من قسوتها وجبروتها. # فقد أصدرت المحكمة العسكرية أحكامها على 14 تونسيا يوم 11 مارس. # 1 # وحكمت المحكمة الزجرية في نفس اليوم على السيد عبد الرزاق بن والي بتهمة مظاهرة ~~بمدينة زغوان، والسيد المكني بتهمة تعطيل الترام. # وأصدرت المحكمة العسكرية يوم السبت 18 مارس أحكامها على 14 من التونسيين. # 2 # وفي صباح يوم الاثنين 10 مارس طوقت المحكمة الفرنسية في مدينة صفاقس بقوات الجيش ~~والبوليس؛ خوفا من غضب الشعب، وأدخل البوليس تسعة من المعتقلين على بعضهم آثار الدماء ~~وآخرون جروحهم بينة، كما أدخل النساء إحداهن حامل واثنتان تحملان أطفالهما. # ومن الشهود اثنان مدنيان فرنسيان ديسكويون ودوبير - الأستاذان بالمعهد الفني بصفاقس - ~~اللذان دنسا مهنة التدريس بأن أصبحا مخبرين للبوليس، وكذلك فعل الأغلبية الساحقة من ~~المدرسين والمعلمين الفرنسيين بالبلاد التونسية، وأصدرت المحكمة أحكامها القاسية بالسجن ~~والخطايا على السيدات: مجيدة كريشان، حليمة الشعبوني، فاطمة نميلة، مبروكة شعور، ~~نفيسة السراط، خديجة شعور، عائشة القفال، حميدة الميلادي، وسيلة الشعبوني. # وحكم بالسجن والخطايا أيضا على عدد من الشبان. # 3 # وعرضت أمام المحكمة العسكرية بتونس يوم 3 يوليو 1952 قضية تخريب جسر وادي منصور ~~المتهم فيها عدد من التونسيين، وأصدرت ضدهم أحكامها. # 4 # وطوقت المحكمة الفرنسية بصفاقس صباح يوم 5 يوليو 1952 بقوة من أعوان الحرس المتجول ~~والجندرمة والبوليس، وقد أصدرت أحكاما قاسية على عدد وافر من الشبان ~~التونسيين. # 5 # وقد نظرت المحكمة العسكرية في قضية شبان قابس يوم 5 / 7 / 1952، المتهمين بعقد ~~اجتماعات تذاكروا أثناءها في إعداد أعمال التخريب والاغتيال. # 6 # وحين استجوابهم أنكروا ما نسب إليهم، وصرحوا بأن اعترافاتهم لدى البوليس كانت تحت ~~مفعول الضغط والإرهاب والتعذيب. وبعد الاستماع لمرافعة الادعاء العام ولسان الدفاع، حكم ~~على اثنين منهم بخمس سنوات أشغالا شاقة وبالتغريب مدة عشر سنوات، وعلى اثنين آخرين ~~بثلاث سنوات سجنا وعلى واحد بعامين، وحكم على ستة منهم بثلاث سنوات سجنا وعشر سنوات ~~تغريبا، وحكم ms228 على اثنين بعشر سنوات سجنا مع الأشغال الشاقة والتغريب عشرين ~~سنة. ~~(19) حياة التونسيين في جو الإرهاب # أصبح كل تونسي غير آمن على حياته ولا على حريته ولا على رزقه، وهو يتوقع الاعتداء ~~عليه في كل خطوة يخطوها في الشارع أو أن يهاجم في عقر بيته أو يؤخذ إلى السجن أو ~~المعتقل في كل ساعة من النهار أو الليل، لا لذنب اقترفه ولكن لأنه تونسي، فتعود على جو ~~الإرهاب وعدم الأمن والاستقرار، وأصبحت الجنازات نفسها لا تسلم من الاعتداء. # فقد احتفل بعد ظهر يوم الجمعة 21 مارس بتشييع جثمان الفتى الشهيد المرحوم عبد الرزاق ~~الشرايبي الذي سقط يوم الخميس صريعا برصاصة من أحد أعوان البوليس اخترقت جبهته. # وقد خرج موكب الجنازة من نهج القنطرة حيث يقع بيت الفقيد، وشيعه عدد عظيم من الشعب ~~نساء ورجالا وشبانا، واخترق الموكب حي الحلفاوين فحي باب سويقة، فحي باب سعدون في ~~طريقهم إلى مقبرة الفدان، وكانت جميع الأنهج محاصرة بقوات الجندرمة والبوليس. # وعند وصول موكب الجنازة إلى المقبرة ودخول الناس وراء النعش لحضور مواراة الشهيد ~~التراب، طوقت المقبرة من جميع أبوابها ومساربها بالقوات المسلحة، وشرع في تفتيش النسوة ~~اللاتي صاحبن موكب الجنازة، وكان هذا التفتيش الذي لا مبرر له يجري بأسلوب ماس ~~بالتقاليد الإسلامية؛ حيث كان الأعوان يخلعون عباءة النسوة المسلمات ويكشفونهن ~~ويفتشونهن من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ومن كانت ترتدي منهن الزي الإفرنجي خلعوا عنها ~~معطفها وأجروا عليها نفس الأسلوب في التفتيش. # وبعد الانتهاء من تفتيش النسوة، انتقلوا لتفتيش الشبان؛ حيث أمروهم بالمرور صفا ~~متتابعا في خندق قذر كان محفورا بالطريق مملوء بالعفونة، وهناك أخذوا يفتشونهم ~~ويلحقون بهم الإهانات، وكثيرا ما ضربوهم بمؤخرات بنادقهم. # ولم تتمكن الجماهير المشيعة للجنازة من تقديم تعازيهم لعائلة الفقيد، بل بلغنا أن أخا ~~الفقيد قد وقعت إهانته وضربه، فزادوه ألما على ألمه برزيته في شقيقه. # وكانت القوات تلتقط الناس وتزج بهم في عرباتها، وبلغ عدد الموقوفين رقما ~~عظيما. # وقد وصف بعض التونسيين ما يعيشون فيه من قمع وترويع ms229 امتزج مع حياتهم اليومية، فقال ~~أحد سكان بلدة رأس الجبل في جهة بنزرت في رسالة نشرتها جريدة «الصباح» التونسية بتاريخ 19 / 3 / 1952: # تعيش رأس الجبل في هذا الظرف الدقيق والساعة الرهيبة منذ أن جدت الحوادث وحلت ~~النكبة بأمتنا الهادئة الوديعة، وشعبنا المسلم المسالم في جو من الترويع ~~والتعذيب ومحيط من التشفي والانتقام لا يعلم مداهما إلا الله. # ولا تظن أن سبب هذا هو العثور على مستودع للذخيرة والبارود، وإنما لتصلب ~~أبناء هذا البلد في وطنيتهم والتمسك بكامل عقيدتهم المتمثلة في التحرير النهائي ~~من القيود العنصرية البغيضة، والفروق الاستبدادية الكريهة. هذا هو مجمل ما ~~عندنا في البلاد، وقد أخذت جماعة من براذع الاستعمار وأذنابه في تزوير الحقائق ~~وتبديل الأشياء حتى ادلهمت العاقبة واختلطت السبل ولم يعد هناك مجال لفهم أعمال ~~المتنطعين، فقد أخذوا بالظنة وعاقبوا على الشبهة وروعوا النساء وهددوا العجائز ~~المسنات، وقبضوا على عدد من المواطنين البرآء الذين لا هم لهم في الحياة إلا ~~التحصيل على الرغيف لقوته وقوت عائلته، وهم كثرة لا يحصى لها عد. وهناك آخرون ~~من المشبوه فيهم قد زجوا بهم في غياهب السجون (المعروف بكراكة غار الملح) ~~وجردوا عليهم سوط العذاب. # وها إننا نرى في كل يوم ضابط الحرس المتجول والجندرمة يغدون ويروحون، وفي كل ~~مرة يخرجون من جيوبهم قائمة فيها أسماء لبعض الأشخاص، وقد يكون من بين هؤلاء ~~الأشخاص من هم خارج البلد يسعى للعمل، وفيهم من هو مريض في العاصمة بقصد ~~التداوي، وفيهم من لا يعلم أحد مصيره إلى الآن، ولعله أودع السجن مع أن كل من ~~لا يعثرون عليه دلهم خائن القرية (القواد حسب عبارة الضابط) على محله، وأخذ أمه ~~أو أخته أو فردا من أفراد عائلته كرهينة من الرهائن إلى أن يسلم نفسه، وقد وقع ~~أخذ الأم وابنها في ليلة من الليالي. # وها هي الأنباء تأتي أنهم نقلوا الأخ محمد الكداش رئيس الشعبة الدستورية من ~~محل إبعاده والإتيان به إلى غار الملح لحشره مع بقية زملائه الذين هم الآن في ~~حالة لا ms230 يقدر على خطها القلم، والأخطر من هذا هو معاملتهم معاملة مجرمين ~~حقيقيين. ~~(20) رد الفعل التونسي # هل استسلم شعب تونس لقوات الشر الفاتكة؟ وهل تنازل عن مبادئه تحت تأثير الضربات ~~القاسية؟ وهل تراجع عن كفاحه لما لحقه من اضطهاد وتعذيب وتنكيل وقمع دام؟ وهل ركن إلى ~~السكينة والهدوء وخاصة أنه ليس لتونس قوات مسلحة تقف أمام الحديد والنار وترد بها غائلة ~~المعتدين؟ # ولقد علم شعب تونس علم اليقين منذ آماد، أنه لا يتغلب بالقوة المادية الصرفة على ~~الجيش الفرنسي في الحرب الحقيقية التي شنتها فرنسا عليه، وعلم أيضا أن طرق المقاومة ~~متنوعة متعددة، فاختار منها أنجعها وأقربها من طبعه، فقرر سياسة عدم التعاون مع السلطات ~~الاستعمارية، وأظهر إرادته القارة الراسخة على نبذ الحكم الأجنبي ومقاطعته وعدم ~~الانصياع لأوامره والتمرد عليه في جميع الميادين. وكانت كلمة الشعب موحدة وصفوفه متراصة ~~منظمة، فقال التونسيون جميعا للاستعمار البغيض: لا! لن نتقبله ولن نرضى به، ولن نخلد ~~لحكمه ولن نعيش عيشة العبودية والرق، ولن نبقي أجانب في وطننا. وللتونسيين أرواح مؤمنة ~~بالحق مؤمنة بحقهم وحق وطنهم، وليس لهم غير صدورهم يستقبلون بها رصاص الاستعمار الجائر، ~~وليس لهم غير دمائهم، فقدموها هدية للحق، لعل العالم الذي يسمي نفسه حرا يعترف لهم ~~بحقهم في الحرية. # فلم تهدأ للتونسيين حركة ولم يمكنوا السلطات الاستعمارية من رقابهم ومن بلادهم، بل ~~صبروا وصابروا وثبتوا وصمدوا، وكانوا يردون الفعل بما لديهم من وسائل، فلم تقم قوات ~~الشر بجريمة إلا وأعقبتها اضطرابات جديدة. # وكانت الاضطرابات العامة تتوالى من غير انقطاع، إضراب طويل بعد اعتقال الزعماء يوم 18 ~~يناير، ثم استئناف الإضراب إثر فظائع الدخلة، وإضراب عقب الاعتداء على الوزارة التونسية ~~ومرات أخرى. # وأضربت مدينة صفاقس يوم 7 مارس عندما اعتقل البوليس عددا كبيرا من النساء والشبان ~~والطلبة وأحالتهم إلى المحاكم الزجرية، واستمر الإضراب أياما متوالية. كما تجددت ~~المظاهرات الشعبية من غير انقطاع، ففي حدود الساعة الواحدة والنصف من يوم 10 مارس ~~اجتمعت جماهير غفيرة من الشبان بربض صفاقس، وساروا بالهتافات والأناشيد، واتجهوا ms231 إلى ~~إدارة العمل للاحتجاج على تلك المحاكمة، فلاحقتهم قوات البوليس، ولكنها لم تتمكن من ~~إلقاء القبض إلا على شاب واحد. # وفي الساعة الرابعة والدقيقة العشرين بعد الظهر إثر التصريح بالأحكام القاسية، تجمهر ~~الشعب في سوق الزيتون، ثم ساروا في مظاهرة رهيبة بشوارع بيكفيل هاتفين بحياة الرئيس ~~الحبيب بورقيبة منادين بالاستقلال، وصدحوا بالأناشيد، فاعترضتهم قوات البوليس وهاجمتهم ~~هجوما عنيفا وضربتهم ضربا مبرحا وأثخنتهم جراحا، واعتقلت عددا وافرا من ~~الشبان. # وقامت القوات الفرنسية المسلحة إثر تلك المظاهرات بتفتيش واسع النطاق في الأحياء ~~العربية من مدينة صفاقس، وألقت القبض على 22 شخصا. # ولكن الحالة لم تهدأ، وقد انتشرت الأخبار بأن زعماء العمال الذين اعتقلوا يذوقون ~~العذاب ألوانا بالسجن، ويعتدى عليهم يوميا بالضرب والإهانة والتنكيل، فخرج العمال في ~~مظاهرة كبرى، والتفت حولهم الجماهير وساروا إلى مسكن عامل (مدير) صفاقس ليبلغوه ~~احتجاجهم، فطاردتهم قوات البوليس والجند وشتتتهم. # وتظاهر طلبة الفرع الزيتوني بمدينة قابس وسلموا للعامل لائحة احتجاج على تعسف السلطات ~~الفرنسية، ثم اتجهوا نحو المراقبة المدنية الفرنسية، فاعترضت قوات البوليس وشتتتهم ~~وألقت القبض على خمسة منهم. # وقام أهالي بلدة مدنين في الجنوب التونسي بمظاهرة كبرى يوم 13 مارس، وسارت في نظام ~~كامل إلى إدارة العمل (المديرية)، وسلموا إلى العامل (المدير) لائحة احتجاج شديدة، ~~والتحقت بهم قوات الجيش والبوليس وشتتتهم بعنف واعتقلت سبعة منهم. # وانتظمت بمدينة قفصة مظاهرة شعبية قوية يوم 17 مارس، وسارت في الساعة العاشرة والنصف ~~صباحا من الجامع الكبير إلى المراقبة المدنية، فأوقفتها القوات المسلحة في الطريق، ~~وصادمتها بشدة وانهالت على المتظاهرين ضربا ولكما ودفعا، حتى شتتتهم وألقت القبض على ~~جماعة منهم. # وكانت عاصمة تونس مسرحا للإضرابات والحوادث الآخذة بعضها برقاب بعض، ولم تكتف ~~المدينة بإعلان الإضراب العام عندما بلغت فظائع الجيش الفرنسي بجهة الدخلة وغيرها من ~~جهات القطر، بل تحرك الشعب، وانتظمت صفوفه في مظاهرات صاخبة قوية، فكانت الأيام الدامية ~~تتوالى وتتجدد. وقد سارت الجماهير في مظاهرة كبرى يوم 4 فبراير، ولما وصلت إلى شارع ~~مدريد التقت بالقوات الفرنسية المسلحة التي لم ms232 تمهلها، بل عاجلتها بإطلاق النيران، فسقط ~~شهيدان يتخبطان في الدماء، وجرح عدد وافر. وفي نفس الوقت كانت مظاهرة شعبية أخرى تسير ~~بشارع باب الخضراء متجهة نحو الحي الأوروبي، فاشتبكت مع الجيش الفرنسي واستشهد منها عدد ~~وجرح عدد آخر. # وكان يوم 5 فبراير يوم حداد على الشهداء الذين سقطوا أمس ضحية العدوان الفرنسي ~~المسلح، فخرج الشعب في مظاهرة كبرى، وسار المتظاهرون رباعي منتظمي الصفوف إلى سراي ~~المملكة بالقصبة، وقابل وفد منهم الوزير الأول، واحتج على أعمال القوات ~~الفرنسية. # وكانت المظاهرة التي قامت بها النسوة التونسيات يوم 15 فبراير من أروع مظاهر الوطنية، ~~وفي الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر أحاط المتظاهرون - ومعظمهم من النسوة - بالإقامة ~~العامة، وقد خرج كل فريق منهم من الشوارع المحيطة بها: شارع فرنسا، وشارع الجزائر، ~~وشارع هولاندا، وكانت المتظاهرات يقمن بحركاتهن بسرعة خاطفة، وعند وصولهن كان المفوض ~~بالإقامة العامة نازلا من سيارته ليدخل إلى عمارة الإقامة، وفي تلك اللحظة بالذات رمت ~~امرأة قنبلة يدوية، وفي الحين - نظرا لقرب مراكز البوليس والجيش - أتى أعوان البوليس في ~~سيارة، فرميت عليهم قنبلة ثانية، فانفجرت السيارة وجرح عونان جروحا خطيرة، واثنان آخران ~~جروحا خفيفة، ورميت قنبلة ثانية على الإقامة من شارع هولندا، فحطمت شبابيك مكتب رئيس ~~الديوان العسكري للمقيم العام. # ولا تسل عن الخوف الذي استولى على جميع الفرنسيين الذين كانوا في الحي الأوروبي، فكنت ~~تراهم بين هارب يجري وصارخ يصيح، وأوصدت السينمات أبوابها وأغلقت الدكاكين ونزل الرعب ~~في قلوب الفرنسيين، حتى إن جماعة منهم كانوا وراء جنازة داخلين إلى الكنيسة الكبرى أمام ~~الإقامة العامة، ففروا تاركين جنازتهم. # واستشهدت إحدى الوطنيات ، وجرحت أخرى جروحا خطيرة، وكانت لا تخفي ابتهاجها بنجاح ~~المظاهرة. وقد استخدم الجند أسلحة سريعة الطلقات، فجرحوا عددا وافرا من التونسيين، ~~وأكثرها جروح خفيفة. # وبقيت مدينة تونس هائجة مائجة مضطربة مدة أشهر، وإذا اعتراها سكوت فهو سكون البراكين ~~التي تنذر بالانفجار في كل وقت؛ فقد اجتمعت جماهير غفيرة من الشعب بعد ظهر يوم السبت 18 ~~مارس بمسجد السبحة، وتناول الكلمة كثير ms233 من الشبان شارحين أعمال القمع والاعتقالات التي ~~تفاقم أمرها بكامل البلاد التونسية، واحتجوا على ما قام به الفرنسيون من محاولة نسف بيت ~~صاحب الدولة محمد شنيق رئيس الحكومة التونسية، وخرجت الجموع من المسجد في مظاهرة رهيبة، ~~وسارت إلى أن بلغت ميدان شارع الجزيرة، وهناك التقت بقوات البوليس والجيش التي عمدت إلى ~~تشتيتها وإلقاء القبض على بعض المتظاهرين. # وتعددت يوم 19 مارس المظاهرات، وخاصة بحي الحلفاوين والشوارع المجاورة له، فخرجت ~~مظاهرة بعد أن نظمت صفوفها من ذلك الميدان، واخترقت شارع سوقي بالخير حتى بلغت باب ~~الخضراء، وفي مفترق الطرق هاجمتهم القوات المسلحة، وكان عدد النساء كبيرا في تلك ~~المظاهرة. # وتحركت مظاهرة أخرى في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر من الميدان نفسه، وجابت شارع ~~الحلفاوين، وحين إشرافها على ميدان باب سويقة اعترضتها قوات البوليس. # وانتظمت مظاهرة ثالثة بالسوق الجديد من حي الحلفاوين، وسارت حتى بلغت شارع مدريد ثم ~~افترقت. # وخرجت مظاهرة رابعة في الساعة الخامسة والنصف، وكانت أكثر عددا وأقوى نظاما، تسير ~~في مقدمتها النساء والوطنيات. # وقررت الوطنيات التونسيات الاعتكاف بجامع الزيتونة ابتهالا إلى الله واحتجاجا على ~~عمليات القمع وتقوية لروح الجهاد، وشرعن في الاجتماع بالمسجد يوم 21 فبراير حتى غص بهن ~~على اتساعه، واكتظت رحاب الجامع الأعظم بجمع التونسيات، وبدأن في الصوم وعلى رأسهن بعض ~~الأميرات. وحاصرت الجيوش الفرنسية الجامع، وفي اليوم الثاني من الصوم والاعتكاف قامت ~~بعض النسوة خطيبات على المنبر معلنات عن إرادتهن في أخذ قسط وافر من الجهاد لجانب ~~الرجال. وكان لكلام الأميرة فاطمة أعظم الوقع، وهي حفيدة الملك الشهيد محمد المنصف، ~~وجاء بعض مشايخ الزيتونة وخاصة الشيخ المختار بن محمود الذي حرض المؤمنات على الصبر ~~والثبات. # وقد اجتمعت الهيئة التدريسية الزيتونية صباح يوم الأحد التاسع من شهر مارس إثر ~~الاعتداءات المتكررة على الأمة التي تناولت هيئاتها جميعا، ومن بينها شيوخ التدريس ~~وموظفو إدارة المدارس والتلاميذ، وإنه لا يمر يوم إلا وفوج من الزيتونة يساق إلى ~~المحتشدات أو السجون؛ حيث يلاقون الشدائد من رجال البوليس، مما لم يبق ms234 معه منزع إلى ~~الصبر، فاجتمعت الهيئة التدريسية للاحتجاج ضد هذه الاعتداءات المقصود منها التنكيل، ~~والفت في عضد الأمة التي آلت على نفسها أن تكافح إلى النهاية في سبيل الوصول إلى ~~مطامعها الحيوية. # وقد رأى شعب تونس أن المقاطعة الاقتصادية من أنجع طرق الكفاح، فقررت الهيئات الوطنية ~~منذ بداية الحوادث مقاطعة المغازات والمقاهي وقاعات السينما الفرنسية، ووزعت المنشورات ~~تعلم الشعب بذلك وخاصة يوم 23 فبراير، ونجحت المقاطعة نجاحا كبيرا؛ إذ صار التونسيون ~~لا يقصدون تلك المحال التي أصبح أصحابها يقاسون أشد الأزمات، وعجز الكثير منهم على خلاص ~~مصاريفه آخر الشهر، وإذا بالمقاهي التي كانت تغص بالتونسيين قد باتت خاوية منهم، وكذلك ~~قاعات السينما؛ فهي لا عمل حقيقي فيها إلا يوم السبت والأحد، أما بقية الأسبوع فتكاد ~~تكون فارغة ولا تحتوي إلا على أقلية من المتفرجين لا تذكر. # وقد كان هذا السلاح الجديد قوي المفعول، فأحس أصحاب المحال بالخطر، وحاولوا جلب ~~المشترين والزبون بكل الوسائل، وخفضوا أسعارهم تخفيضا كبيرا من غير جدوى، وامتنعت ~~المعامل والمصانع بفرنسا من إرسال البضائع إلا إذا دفعت أثمانها سلفا، ورفضت الشركات ~~الاحتياطية القروض ولم تعترف بضياع السلع أثناء الحوادث السياسية. # واضطرب المستعمرون الفرنسيون وارتبكت حالتهم، فباع بعضهم ضياعهم ومزارعهم وخيم على ~~أكثرهم كابوس من الخوف على أرزاقهم ومحصول حقولهم. وكان الخوف كل الخوف من اليد العاملة ~~التونسية، ومن أعمال التخريب والإتلاف، فكلهم يشعر أن شرارة كافية لحرق مزرعة ~~كاملة. # ولما قوي ذلك الشعور في الجالية الفرنسية حرر البعض منهم اللوائح والمذكرات، واحتجوا ~~فيها على الحكومة الفرنسية، وطالبوا بحل المشكلة التونسية لترجع حياتهم إلى معتادها. ~~وقد علق أحد التونسيين على ذلك فقال: «ولكن الحكومة الفرنسية لم تستفد من تلك النداءات؛ ~~لأنها بلغت من الفوضى والاضمحلال درجة لا تمكنها من الشجاعة الكافية للخروج من المأزق ~~وإيجاد حل للمشكلة، وإن ذلك يجبرنا - نحن التونسيين - على طلب حل مرض لمشكلتنا ~~بوسائلنا الخاصة الداخلية والخارجية.» # وكان أحد الخونة قد أنزل المصائب على قسم من الوطنيين، ودل السلطات الفرنسية على عورة ~~المكافحين، وهو ms235 سليمان بن حمودة، خليفة بلدة القطار في ضواحي مدينة قفصة، فقتل ببلدة ~~القطار نفسها يوم 14 فبراير 1952، وهو أول خائن يعدم، فعند خروجه من مكتبه وبينما كان ~~بصدد الركوب في سيارته، اقترب منه تونسيان وأخرج أحدهما مسدسا من تحت جبته وأطلق عليه ~~النار فأرداه قتيلا، ولاذا بالفرار وهما يطلقان العيارات النارية؛ لكي يبتعد الناس ~~ويختبئوا بالمقاهي، فيوسعون لهما الطريق. # ومما يدل على سمو الشعور الوطني عند الفدائيين، ما وقع بجهة قفصة يوم 12 فبراير؛ فقد ~~خرج اثنان من الجندرمة الفرنسيين ومعهما زوجة أحدهما وطفل في سيارة «جيب» من مدينة قفصة ~~قاصدين بلدة «أم العرايس»، وفي مضيق (السطح) كمن لهم الفدائيون وقتلوا الجندرمين، ولم ~~يعتدوا على المرأة، بل لم يمسوا المرأة ولا الولد بأي سوء، وسمحوا لها وللولد بالعودة ~~إلى قفصة سالمين، فضربوا مثلا عاليا في الشرف والإنسانية، بينما اعتدى الجنود ~~الفرنسيون على الأعراض وهتكوا الحرمات ونهبوا الناس في قرى الدخلة والساحل. وقد اعترفت ~~الصحف الفرنسية بذلك، فكتبت جريدة «الفيجارو» الفرنسية بتاريخ 14 فبراير قالت: «قتل ~~اثنان من الجندرمة بطريق «أم العرايس» في مضيق بين الجبال وهما يستقلان سيارة خفيفة ~~ويخفران فيها زوجة جندرمي وابنها، ولم تمس المرأة بسوء، وهما «كوني» # Cauny # من ضباط الصف، والجندرمي كودر # Cauderch ~~، وقد تعطلت السيارة على بعد 60 كيلومترا من قفصة، وكان على ~~حافة الطريق التين الشائك، فأطلق مختبئون منه الرصاص فسقط الجنديان. # وقد توسعت حركة النسف في مراكز الجيش والبوليس الفرنسي، فذكر بعضها على سبيل ~~المثال: # حوالي الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين من مساء يوم الاثنين 10 مارس، سمع ~~سكان حي باب سويقة والأحياء المجاورة دويا، ثم شاهدوا سيارة الصليب الأحمر لنقل ~~الجرحى تقف أمام مركز البوليس الثالث بتونس، فيخرج الجنود خمسة من زملائهم من ~~المركز. # وقد وضعت كمية من المفرقعات في عداد المياه بحائط المركز، فلما انفجرت أحدثت به ~~أضرارا جسيمة؛ فقد تهدم حائط المركز من ناحية شارع الكشباطي بأكمله، وتهدمت أيضا ~~أجزاء كبيرة من بقية الحيطان، وأصيب سبعة من الجنود كانوا داخل ms236 المركز بجروح خطيرة قضت ~~على حياة أحدهم أثناء نقله إلى المستشفى. # ويظهر من الحجارة المبعثرة بمركز البوليس ومن الجدران المتهدمة، أن الانفجار كان ~~شديدا جدا، وتلك هي المرة الثالثة التي ينسف فيها ذلك المركز. ولما تبين للسلطات ~~الفرنسية أن وسائل القمع لم تفلح، التجأ القائد العام للقوات الفرنسية إلى زيادة ~~التضييق على التونسيين جميعا، فأعلن قراره بمنع التجول بالأحياء العربية انتقاما من ~~الوطنيين؛ قال في بلاغه: ارتكبت في ليلة 11 مارس الحالي مؤامرة جنائية ضد مركز القسم ~~الثالث للبوليس، تسببت في قتل جندي وجرح ستة آخرين من بينهم ~~تونسي.» # إن هذه المؤامرة التي حدثت على إثر سلسلة طويلة من الأحداث الإرهابية، من شأنها ~~تعكير صفو النظام والأمن العموميين؛ ولذا تقرر منع التجول ليلا بالمدينة العربية من ~~الساعة التاسعة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا ابتداء من مساء اليوم (11 مارس 1952) ~~إلى أن يصدر ما يخالف ذلك. # ولكن الوطنيين لم يلتفتوا لذلك القرار ولم يعيروه أهمية وتمادوا في نسف الثكنات، فيوم ~~الخميس 13 مارس في الساعة الثامنة إلا ربعا سمع بمدينة المنستير دوي هائل ارتجفت له ~~جدران المدينة بأكملها، وتحطم زجاج النوافذ في دائرة متسعة جدا، وقد انفجرت كمية من ~~المفرقعات بإحدى نوافذ مركز البوليس فنسفت أكثره، وكانت الأضرار المادية فادحة، ولم يصب ~~أعوان البوليس؛ لأنهم كانوا في ذلك الوقت يقومون بجولة تفقدية بشوارع المدينة. # وانفجر لغم في بناية مولد الكهرباء بمدينة المنستير، فخربه مساء 16 مارس، وفي نفس ~~المساء رميت قارورتان من البنزين المضطرم على جراج بمدينة القيروان، فاشتعلت فيه ~~النيران. # ونسف بمدينة صفاقس معمل الكهرباء يوم 4 فبراير، وبقي الظلام مخيما على أحياء كاملة ~~من المدينة، وبعد أشهر من ذلك والانفجارات مستمرة من غير انقطاع ، فقد رميت قذيفة في ~~إحدى العمارات الكائنة بشارع قو في صفاقس في الساعة الثانية من زوال يوم 7 / 7 / 52 ~~أحدث انفجارها خسائر مادية كبرى، وجرح نفر من سكان العمارة. # واهتم الوطنيون كثيرا بجميع وسائل المواصلات لما لها من قيمة رئيسية بالنسبة لجيش ~~العدوان الفرنسي، ms237 فقاموا بقطع السكك الحديدية ونسف محطات القطار والجسور وقطع أسلاك ~~التليفون. # فنسف جسر على مقربة من مدينة قابس يوم 7 فبراير، ويوم 13 فبراير نسف جسر سكة الحديد ~~بطبرسق. # وفي الساعة التاسعة بعد ظهر يوم الأحد 9 مارس، ألقيت قذائف من المفرقعات على محطة ~~الرتل بمدينة سوسة، وكانت الأضرار كبيرة. # وفي مساء 11 مارس قطعت أسلاك سكة الحديد بمحطة الرتل في بلدة ساقية الزيت بضواحي ~~صفاقس، وفي الليلة نفسها في الساعة التاسعة انفجرت كمية كبيرة من المفرقعات عند وصول ~~الرتل القادم من بلدة «المتلوي»، وقال الأخصائيون الفرنسويون إنها قنبلة من عيار 75. ~~وكان الانفجار على بعد كيلومتر و400 متر من محطة صفاقس، وقد تسبب في أضرار جسيمة، ~~وكانت الأضرار تكون أكثر لو وقع الانفجار عند مرور القطار من تلك النقطة. # وفي ليلة الأحد 9 مارس كانت أحياء من مدينة بنزرت في الشمال تضطرم نارا، وقد نشب ~~الحريق بالمستودع البلدي للحيوانات فأحدث أضرارا مادية جسيمة. # وكان نسف محطة القطار بمدينة قابس من أشد الأعمال وأروعها، ففي الساعة الخامسة وعشر ~~دقائق بعد ظهر يوم الأربعاء 12 مارس حدث انفجار هائل بمحطة القطار بقابس بعد وصول ~~«أتوراي» «قطار الديزل» بربع ساعة، وقد مات من جرائه أربعة أشخاص وأصيب 11 شخصا بجروح ~~خطيرة جدا، ومن بين المصابين رئيس المحطة الفرنسي. وقد دمرت بناية المحطة، وكانت ~~الأضرار المادية جسيمة، وقد كانت المفرقعات التي أحدثت الانفجار وضعت في قاعة الانتظار ~~التابعة للمحطة. # وعلقت جريدة «الصباح» التونسية على ذلك الحادث ووضحته بقولها: «الحقيقة هي أن العامل ~~المكلف بتنظيف عربات القطار عثر على حقيبة من النوع العادي، فظن أن أحد المسافرين نسيها ~~بالعربة، فحملها إلى رئيس المحطة وأبقاها هذا الأخير إلى جانبه، وبعد ثلاث دقائق انفجرت ~~الحقيبة وأحدثت تلك الأضرار. # ويبدو من هذه الرواية أن صاحب الحقيبة كان بالقطار وتركها بقصد تحطيم الرتل، ولكن ~~الأقدار شاءت أن تنقل إلى المحطة وأن تتسبب في قتل 7 أشخاص وجرح 15.» # وفي يوم 15 مارس حدث انفجار هائل في السكة الحديدية بين سوسة ms238 وبلدة فريانة قرب محطة ~~سيدي سعد، فاقتلع قضبان السكة على مئات الأمتار. # وكان نسف الجسور لتعطيل حركات الجيش الفرنسي لا يقل أهمية عن نسف السكك الحديدية ~~ومحطاتها، فبعد تهديم جسر «ديبيان» الذي تمر به السكة الحديد الرابطة بين تونس ~~والجزائر، وبعد نسف جسر تبرسق وغيرهما؛ تمادى الوطنيون في تخريب الجسور، فعلى الساعة ~~الواحدة بعد ظهر يوم الأحد 9 مارس سمع سكان منزل قابس دويا هائلا كان ناتجا عن نسف ~~جسر كبير يسمى «قنطرة شبة» بالطريق الرابطة بين قابس وصفاقس من جهة وقابس وبلدة قبلي في ~~الجنوب من جهة أخرى. # وقد تحطم الجانب الأجري من كامل الجسر، وتقدر الخسائر بعدة ملايين من الفرنكات، وقطعت ~~المواصلات بين قابس وقبلي، وأصبح من المستحيل على سيارات النقل الثقيلة وخاصة السيارات ~~العسكرية والمصفحات الوصول إلى الجنوب التونسي. # وقد ألقت السلطات الفرنسية القبض على عدد من التونسيين، فأضربت مدينة قابس وضواحيها ~~احتجاجا على هذه الاعتقالات. # وتهدم جسر أول بالقرب من بلدة «فريفيل» مساء الخميس 13 مارس، وقد وضعت مفرقعات تحته ~~فنسف بانفجارها، وعلى مسافة من ذلك الحادث نسف جسر ثان لما انفجر ما وضع تحته من ~~مفرقعات. # وأخذ الوطنيون يقطعون أسلاك التليفون والأعواد الحاملة لها في جميع جهات القطر، ~~واستمر ذلك واتسع نطاقه إلى أن أصبح من المتعذر على القوات الفرنسية الاتصال بالقيادة ~~العليا بمدينة تونس، وانقطعت السلطات الفرنسية بعضها عن بعض إلا بطريق اللاسلكي، حتى جن ~~جنون الفرنسيين وأخذ الجنرال جارباي - القائد الأعلى للجيوش الفرنسية - يصدر الأوامر ~~تلو الأوامر بالتشديد على التونسيين جميعا، وأخيرا قرر تحميل المدن والقرى مسئولية ~~قطع أسلاك التليفون وفرض عليها غرامات حربية. ولما رأى أن تلك الإجراءات لم تأت ~~بالنتيجة المطلوبة، فرض على السكان أداء خاصا لحراسة التليفون، وعين عددا من ~~التونسيين المدنيين في كل مكان ليقوموا بتلك الحراسة وحملهم كل مسئولية، لما عسى أن ~~يعتريها من إتلاف. فكان جواب الوطنيين على تلك الأوامر الظالمة المجحفة، أن انتشر قطع ~~أعواد التليفون على نطاق لم يسبق له نظير. ولنذكر بعض ما وقع ms239 من ذلك في ثلاثة أيام ~~متوالية؛ ففي ليلة الخميس 8 مارس قطعت أعمدة التليفون بطريق «فريفيل»، وقطعت ثمانية ~~أعمدة قرب منزل جميل. وليلة 9 مارس قطع عدد من أعواد التليفون بالقرب من مدينة قفصة، ~~وتسعة أخرى على السكة الحديدية المؤدية إلى سوسة. وليلة 10 مارس من الشهر نفسه فكت ~~أسلاك التليفون بلدة الكنائس ومدينة المنستير، وقطعت سبعة أعمدة تليفونية بين المنستير ~~وقصر هلال، فتعطلت المخابرات بين البلدتين. وفي مساء 11 مارس سبعة أعمدة تليفونية ~~بالقرب من ساقية الزيت في ضواحي صفاقس، وقطعت الأسلاك الكهربائية بطريقة «قرمدة» و8 ~~أعمدة بالقرب من المنستير. # ولما قررت الهيئات الوطنية مقاطعة الترام تجددت الحوادث لتعطيله أصلا ولمنع ~~الفرنسيين من ركوبه، ولنذكر بعض تلك الحوادث في أيام قليلة متتابعة؛ فقد قذفت عربة ~~«تروللي باس» تابعة لخط مونفلوري بالحجارة وبقارورة من النفط مشتعلة، وذلك في شارع ~~قرطاج يوم السبت 8 مارس، ويوم 9 منه ألقيت قارورة بنزين مشتعلة على عربة «تروللي باس» ~~بشارع الباب الجديد في الساعة السابعة والنصف مساء، ورميت في نفس الوقت عربة «تروللي ~~باس» أخرى بالحجارة بشارع باب سعدون، وألقيت قارورة بنزين مشتعلة على عربة «تروللي باس» ~~أمام المحكمة الفرنسية بشارع باب البنات، وفي الساعة الثامنة والدقيقة العشرين تهاطلت ~~الحجارة على عربات الترام بجهة باب سويقة، فتحطم زجاجها وأصيب الضابط الفرنسي «ريبرو» ~~وعونان من الحراس المتجول بجروح. وفي صباح يوم الاثنين 10 مارس في الساعة السادسة ~~والنصف، ألقيت قذيفة على عربة الترام بشارع ~~لندرة، وقذف الترام الرابط بين شارع فرنسا وضاحية فرانس فيل بقارورة ملتهبة من النفط، ~~فانتشرت النار بعربتها والتهمتها التهاما. ~~(21) الحالة العامة في شهر مارس # وكانت الأزمة التونسية تزداد شدة يوما بعد يوم، وتستفحل المشكلة وتستعصي على كل حل، ~~واتخذت قالب مسابقة بين القوات الوطنية التي تجمع في الحقيقة الشعب بأسره وبين القوات ~~الفرنسية المعتدية، وأقام شعب تونس الدليل لفرنسا على استحالة حكم تونس بالقوة وحدها. ~~وقد لخص الكاتب الفرنسي الحر الذي يعيش بتونس منذ عشرات السنين - الأستاذ دوران ~~إنقليفيال - الحالة في ms240 ذلك الإبان، فقال: # سألت أحد حراس الأمن - وكان قد ابتل بالمطر حتى أثقل - عما إذا كان سيأوي إلى ~~بيته في هذا اليوم مبكرا، فأجابني بقوله: «ومن يستطيع أن يعرف ذلك؟ ليست الرغبة ~~في العودة إلى منزلي هي التي تنقصني، ولكن ...» ثم أضاف: «إن الصمت يطغى على كل ~~شيء. وأشهد أن هذا هو نفس شعوري بالضبط، إننا محاطون بالصمت، بل إنه يثقلنا ~~حتى ليكاد يزهق منا الأنفاس، وإذا قدر لنا أن نسمع شيئا فهي أصوات الانفجارات ~~في الشمال وفي الجنوب، ثم يعود الصمت من جديد، صمت الدوائر الحكومية التي أصبح ~~فراغها مريعا، ولعلنا نستطيع القول: إن هذا الصمت هو سبب الانفجار. # فبين فرنسا وتونس يظهر أنه يوجد نوعان من المحادثات، وإن كنا لسنا على يقين من ذلك؛ ~~أحدهما سري يقوم به أناس سريون أيضا، وهدفه هو إيجاد الإصلاح والبحث عن اتفاق، ولكن ~~الصمت حول هذا النوع من المحادثات ما يزال مخيما أيضا، وهذا ما يبعث القلق والدهشة في ~~كل مكان. وفي مقابل ذلك نعرف النوع الآخر من المحادثات، النوع المعروف المشهور والذي ~~يتحدث به كل أحد في الطريق، وهو عبارة عن طلقات من النار والقنابل والرشاشات والقنابل ~~اليدوية والهجوم والدفاع والتراجع والانتقام، وهو التسلسل الذي لا حد له ولا ~~نهاية. # فمن الطبيعي أن يكون الأبرياء الذين كثيرا ما يكون الدفع على حسابهم، فيوجد في هذه ~~البلاد التونسية جنود فرنسيون لا يعرفون لم تركوا مدنهم وقراهم بفرنسا، ويوجد تونسيون ~~وطنيون يمرون من هنا وهناك وإذا السجون ملأى بالمعتقلين. # إن هناك تسابقا طويل المدى بين حركة المقاومة الوطنية الشعبية وبين حركة القمع ~~البوليسي، وكل حركة متعلقة بالأخرى دون أن تعرف أي منها كيف يوضع حد لحركة ~~الفناء. # ولست هنا في معرض النقد لإجراءات الأمن المتخذة، ولكن من المفيد أن نعترف أن كل ما ~~بذل حتى الآن في سبيل المحافظة على هذا الأمن قد كان عبثا ونفخة في واد، بل الغريب أن ~~حركة المقاومة تتضاعف وتنتشر بقدر ما تشتد قوات الأمن وتعنف، وشيوخ الاستعمار ms241 في هذه ~~البلاد أخذوا يتفطنون لهذه الظاهرة الجديدة، وهي أن تونس لم تعد تحكم بالقوة. # فما العمل إذن؟ هل نستمر على تقتيل بعضنا بعضا؟ وعلى العيش تحت التهديد اليومي ~~والخطر الداهم الذي يرقبنا في كل طريق وفي كل منعرج؟ # هل تبقى الثروات التونسية والسكان في هذا الخطر المحدق الذي لا تغمض له عين، إلى أن ~~يقضى على كل وسيلة من وسائل التنقل والسفر، وعلى كل عمل في المصانع وعلى كل زرع في ~~الحقول.» # | الاعتداء على الوزارة التونسية # (1) تدبير العدوان # ظنت الحكومة الفرنسية في أول الأمر أن القضية التونسية قد دحضت، وأن هيئة الأمم ~~المتحدة لن تشتغل بها، ولن تعيرها أهمية، ولن تسجلها في جدول أعمالها، وأن الخلاف ~~التونسي الفرنسي سيبقى محصورا في الدائرة الفرنسية البحتة، فهلل المستعمرون وكبروا، ~~وحبروا المقالات وأطالوا، واستعانوا برجال القانون الفرنسيين؛ ليثبتوا أن ذلك الخلاف ~~ليس من اختصاص هيئة الأمم. ولكن سرورهم لم يطل وفرحهم لم يدم، وسرعان ما دخلت عليهم ~~الحيرة، والاضطراب، وشكوا في انتصار باطلهم، وأوجسوا خيفة من الكتلة العربية الآسيوية ~~عندما تكونت لاحتضان قضية تونس وتقديمها لهيئة الأمم، والدفاع عنها، وقد قررت الكتلة ~~رفع القضية إلى مجلس الأمن، وكانت رئاسته قد أسندت لممثل الباكستان السيد البخاري لشهر ~~أبريل 1952، فأسقط إذ ذاك في يد الحكومة الفرنسية التي لم تنظر إلى المستقبل البعيد، ~~ولم تتلاف أغلاطها الفادحة، فأصبحت بين أمرين كلاهما يجر وراءه العار والخيبة، فإما ~~استنكار سياستها الغاشمة وتكذيب نفسها بنفسها بمنح التونسيين حقوقهم والرجوع إلى سواء ~~السبيل وفاء بالوعود التي قطعتها، وإما إضافة عدوان جديد إلى العدوان القديم، وزيادة في ~~التنكيل والقمع والإجرام، والتمادي في الفتك لفرض تحويرات على الدولة التونسية تجعل ~~لفرنسا والفرنسيين حق المساهمة في سيادتها والاشتراك في منظماتها، فرأت الحكومة من ~~المهارة السياسية أن تضع مجلس الأمن أمام الأمر المقضي بأن تزيل الوزارة الشرعية ~~التونسية التي رفعت قضية تونس إلى هيئة الأمم، والتي لم ترد سحبها رغم جميع الجهود ~~الفرنسية والضغط الاستعماري المستمر، فتعوضها بوزارة أخرى سهلة الانقياد ممتثلة لأوامر ms242 ~~فرنسا، وكانت تظن أنها ستنهي المشكل التونسي بهذا العدوان المدبر، فلا يبقى لدى مجلس ~~الأمن ما يبرر تدخله في الخلاف التونسي الفرنسي؛ إذ تكون الوزارة التي رفعت الدعوى قد ~~أبعدت عن الحكم. # وكانت تلك الفكرة تخامر أذهان المسئولين الفرنسيين منذ أمد بعيد، وكانوا يستعدون لعزل ~~الوزارة الشرعية ولو باستخدام القوة، فقد كتب المقيم العام الفرنسي «لويس بيريلي» رسالة ~~سرية إلى وزارة الخارجية الفرنسية بتاريخ 28 / 7 / 1951. # 1 # يعرض عليها إعداد التدابير اللازمة للعدوان على الوزارة التونسية وعلى ~~جلالة الملك نفسه إذا اقتضى الأمر ذلك، قال: ~~... لكن إن رفضت الحكومة التونسية البرنامج المعروض عليها - وذلك ما اعتبره ~~محتملا - فلا يمكن إبقاؤها في الحكم بعد ذلك، ويجب إذ ذاك أن يلتمس منها تقديم ~~استقالتها. # ومن المتوقع أن السيد شنيق سيرفض التخلي عن الحكم، وإذ ذاك نرجع إلى سمو ~~الباي ليعزله، ويمكن أن نؤمل من الأمير الخضوع إن كان الطلب حازما وباسم ~~معاليكم؛ إذ نؤمل أنه رغم تواطئه الذي يزداد متانة وعمقا يوما بعد يوم مع ~~«الدستور»، سيكون أحكم من أن يتصادم مع الحكومة الفرنسية وجها لوجه. # وإن كانت الأخرى ولم يكن لصاحب السمو سيدي الأمين باشا باي من الشجاعة ما ~~يكفي ليتخلص من تأثير حاشيته، فينبغي أن ننبهه بإخلاص بأنه لا يمكن للدولة ~~الحامية أن تحتمل رفضا يمس مبدأ رسالتها نفسه، ويكون حينئذ مركز الباي الشخصي ~~في الميزان. # وقد كانت العلاقات بين تونس وفرنسا تزداد توترا يوما بعد يوم، حتى انقطع كل اتصال ~~مباشر بين الحكومة التونسية والمقيم العام الجديد. # وأصبحت المخابرات بين جلالة ملك تونس والحكومة الفرنسية رأسا، فأرسلت إلى جلالة ~~الملك مذكرة بتاريخ 26 / 1 / 1952 تعلمه فيها بأن فرنسا ستتمادى في سياسة القمع ~~والاضطهاد بدعوى المحافظة على الأمن، قالت: # إن الحكومة الفرنسية تتحمل بمقتضى المعاهدات المعقودة مع تونس المسئولية الكاملة ~~على المحافظة على الأمن العام في هذه البلاد ... وستقوم حكومة الجمهورية الفرنسية ~~فيما يتعلق بها ولصيانة المصالح المشتركة لجميع سكان تونس بواجبها دون تهاون ولا ~~إهمال. # ثم تحدثت عن ms243 إمكان بعض الإصلاحات، ووصلت أخيرا إلى بيت القصيد، فأوضحت الغرض الأصلي ~~من تلك الرسالة، وهو الضغط على جلالة ملك تونس لكي يسحب الشكوى المرفوعة إلى هيئة ~~الأمم، فقالت: # ومن الواضح أن مثل هذه المباحثات لا يمكن إجراؤها ما لم تسحب تونس الشكوى ~~التي قدمت إلى الأمم المتحدة ضد فرنسا، وذلك بالرغم من أنه ليس ثمة ما يبرر ~~تقديمها، وإن الحكومة الفرنسية ترى أن من واجبها في هذه الحالة أن تذكر جلالة ~~الباي بما سبق أن تقدم به في هذا الشأن المقيم العام. # وختمت الحكومة الفرنسية مذكرتها بالتهديد والوعيد قائلة: # ورغبة في العمل فورا على إزالة العقبات التي تحول دون استئناف المحادثات ~~التي توقفت، بالرغم من إرادة فرنسا أنه لزاما عليها أن تطلب في إلحاح الرد على ~~هذه المذكرة في أقرب وقت، وأن الحكومة الفرنسية ستجد نفسها مضطرة - إذا لم تتلق ~~الرد سريعا - إلى إطلاع الرأي العام على أنها ليست مسئولة عما يترتب على عدم ~~استئناف المحادثات من نتائج خطيرة. # وكان جواب جلالة ملك تونس إلى الحكومة الفرنسية بتاريخ 5 فبراير 1952 يحملها فيه ~~مسئولية الحوادث الجارية، قال: «وقد سجل جلالته الرغبة التي أعرب عنها رئيس الحكومة ~~الفرنسية لإزالة سوء التفاهم الذي نجم عن المذكرة الفرنسية المؤرخة في 15 ديسمبر من ~~العام الماضي، والتي أدت إلى قطع المفاوضات بين تونس وفرنسا.» ثم عبر عن استيائه ~~واحتجاجه على ما تقوم به القوات الفرنسية المسلحة من عدوان على شعب تونس وعلى السيادة ~~التونسية، قال: «ولقد تأثر جلالة الباي تأثرا عميقا لأعمال القمع الصارمة التي تجري ~~الآن، والتي ألحقت أضرارا خطيرة بسلامة أفراد الشعب وممتلكاتهم كما أدت إلى المساس ~~بسيادة الدولة. # وإن جلالة الباي الذي يهتم قدر اهتمام الحكومة الفرنسية بالمحافظة على الأمن ~~والنظام، لا يسعه إلا أن يسجل أن الحالة لا تتطلب الإسراف في استخدام هذه القوات ~~الكبيرة.» وأخيرا اشترط لاستئناف المفاوضات مع فرنسا وقف عدوانها وتعهدها بتحقيق الحكم ~~الذاتي السليم. «ويخلص مما تقدم أنه لكي تستأنف المفاوضات في حرية وعلى وجه مثمر ms244 كما ~~يرجو جلالة الباي والحكومة التونسية، على الحكومة الفرنسية أن تحدد موقفها بوضوح إزاء ~~المبادئ التي يجب أن تتخذ قاعدة لتنظيم الإدارة التنفيذية والهيئة التشريعية في تونس، ~~على صورة تحقق الحكم الذاتي السليم وتهيئ جوا مشبعا بالثقة التي لا يمكن توفيرها إلا ~~بإنهاء حالة الطوارئ والنظام الشاذ الذي فرض على تونس منذ بضعة أسابيع.» # فأسرعت السلطات الفرنسية إلى حبك مؤامرتها ضد حكومة تونس الشرعية، وتوالت اجتماعات ~~المقيم مع عدد وافر من الموظفين العالين الفرنسيين، وأخيرا تلقى من حكومته التعليمات ~~اللازمة يوم 22 مارس 1952، فأسرع إلى عقد اجتماع جديد شارك فيه الكاتب العام للحكومة ~~التونسية، بونص، والجنرال جارباي. # ولما أتم المقيم إعداد الرواية، شرع في تمثيلها حالا فأضاف مأساة جديدة إلى المآسي ~~التي تعددت منذ حل بالتراب التونسي، فافتضحت حقيقة ذلك الرجل وظهرت خلالها فظاعة ~~السياسية الفرنسية، وجرائمها المدبرة. لقد قام بدوره أحسن قيام كأكبر الممثلين؛ إذ أبرز ~~طبيعته الخفية، فاشمأز التونسيون مما شهدوا، وبقيت صورة دي هوتكلوك في أذهان التونسيين ~~تمثل الاستعمار الفرنسي تمثيلا كاملا. # واستقبل المقيم العام يوم 24 مارس سمو الأمير الشاذلي باي نجل الملك الأكبر ورئيس ~~ديوانه، وأعلمه برغبته في أن يستقبله جلالة الملك رأسا ومن غير حضور الوزراء ~~التونسيين، وبعث في اليوم نفسه برسالة إلى دولة رئيس الحكومة السيد محمد شنيق الذي كان ~~ابنه في حالة مرض شديد، يهدده فيها تهديدا صريحا، ويتوعده بأن ما سيلحقه من ضرر من ~~جراء تصلبه في موقفه ربما يقضي على حياة ابنه المريض، فتجلت هكذا نفسية دي هوتكلوك الذي ~~أصبح يتلاعب بأقدس العواطف البشرية وأشرفها وأعمقها، وهي عاطفة الأبوة بعد أن أزهق ~~الأرواح ودمر وعذب. ولكن دولة محمد شنيق كان أصلب في الحق والواجب مما ظن دي هوتكلوك، ~~فأجابه بالرفض وتمسك بالبقاء في الوزارة معتمدا على ثقة الملك وثقة الشعب، منكرا على ~~فرنسا أن يكون لها الحق في تعيين الوزارة التونسية أو في إقالتها. فلم يستح المقيم من ~~كتابة الكلمات الآتية في رسالته تلك: «ولا أخفي عنكم أنني أتأثر عميق ms245 التأثر عندما تسنح ~~لي الفكرة بأنه لو لم تحل المشكلة الفرنسية التونسية في الأيام القريبة بالمراضاة، ~~لثارت عاصفة شديدة من أجلك وحذوك وحولك، وربما تتعكر حالة ابنكم من جرائها.» # وأراد جلالة الملك أن يعرب للمقيم العام عن أن وزارته ما زالت تتمتع بثقته التامة، ~~وعن تمسكه ببقائها في الحكم، فلم يجب طلبه في استقباله منفردا، بل أحضر وزارته حوله، ~~فلما دخل عليه دي هوتكلوك يوم 24 مارس في الساعة الحادية عشرة والنصف وجده محفوفا ~~بصاحب الدولة السيد محمد شنيق، وأصحاب المعالي السادة: محمود الماطري، ومحمد بن سالم، ~~ومحمد سعد الله، ومحمد الصالح مزالي. فأعلم المقيم جلالة الملك بأنه اتصل من الحكومة ~~الفرنسية ببرنامج إصلاحات، ولكنه لم يعد في الإمكان التفاوض بشأنه مع الوزارة الحالية؛ ~~ولذا يطالب بإقالتها. # فأجاب الملك: بلغ باريس رغبتنا في عدم الاستجابة لذلك الطلب. # فتحدى إذ ذاك دي هوتكلوك الملك، وخاطبه بألفاظ بذيئة لا تليق بالمقام، ثم ختم كلامه ~~بقوله: «إن الحكومة الفرنسية قد فوضت لي الأمر، وكلفتني بحل المشكلة بالطرق التي أراها ~~صالحة. وإني أنتظر الجواب في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر. ثم غادر القصر الملكي ~~بتهوره المعهود.» # ولم يقبل منه الملك ذلك الصلف، وأرسل حالا برقية إلى رئيس الجمهورية الفرنسية قال ~~فيها: «إن لهجة التهديد التي استعملها السفير «م. دي هوتكلوك» أثناء استقبالي له اليوم ~~تخالف تماما تقاليد فرنسا، ويجعلنا نشك في أن سلوكه هذا هو سلوك فرنسا نفسها.» # ثم أوعز المقيم للصحافة الاستعمارية بألا تكتفي بتهديد الوزارة التونسية، بل بأن تهدد ~~الملك نفسه، فكتبت جريدة «لابريس» في يوم 25 مارس تعليقا على ذلك الحادث جاء فيه: «في ~~وسعنا أن نخبر بأن المقيم سوف لا يترك هذا الجواب (أي جواب جلالة الملك) بدون رد فعل ~~سريع؛ إذ تسمح الإرشادات التي استقيناها من مصدر وثيق بأن نجزم أن «م. دي هوتكلوك» قد أكد ~~بدوره بأنه شاعر الشعور التام بمسئوليته. # وبدون أن نسعى في التعليق على هذا الموقف الراسخ، فإنه من السهل أن نستنتج منه بأنه ~~في ms246 الوقت الذي نضع فيه جريدتنا تحت الطبع تدور محادثات هامة بالسفارة العامة، وبدون شك ~~بالقصر الملكي أيضا. # وإنه من الممكن أن يقع اتخاذ قرارات خطيرة جدا عندما يحين منتصف الليل.» # ودارت عجلة الحوادث بسرعة عجيبة، فانقطعت ليلة 25 مارس المخابرات الهاتفية بين تونس ~~وباريس وبين العاصمة وبقية القطر، ولم يسمح حتى للصحافة بأن تتصل بمراسليها خارج تونس، ~~وانتشرت القوات العسكرية انتشارا كبيرا في عدد هائل في القطر كله، واحتلت المراكز ~~الاستراتيجية من الطرقات والأماكن العامة، وحاصرت مدينة تونس من جميع الجهات وقطعتها عن ~~العالم، وتكاثرت الدبابات والمصفحات بأنواعها في الشوارع الرئيسية، وازدحمت الجنود في ~~الميادين وحول الإدارات العامة والوزارات. وفي تلك الليلة نفسها في حدود الساعة الثالثة ~~بعد منتصف الليل، هاجمت القوات الفرنسية بيوت الوزراء التونسيين، فأخرجت دولة السيد ~~محمد شنيق من فراشه، ودخلت إلى غرفة نومه، وأزعجت عائلته وابنه المريض، وفتشت منزله، ثم ~~ألقت عليه القبض وحملته معها. وفي الوقت نفسه وقع اعتقال بقية الوزراء الموجودين بتونس ~~السادة محمود الماطري وزير الدولة والدكتور محمد بن سالم وزير الصحة ومحمد الصالح مزالي ~~وزير التجارة والصناعة، وأبعدوا جميعا إلى المنفى في جهة قبلي بأقصى الجنوب التونسي، ~~ووضعت الأختام بالشمع الأحمر على جميع مكاتب أصحاب الدولة والمعالي الوزراء ومكاتب ~~رؤساء ومديري دواوينهم بقصد تفتيشها. # أما معالي وزير الزراعة السيد محمد سعد الله، فكان ملازما للفراش، وقد اشتد به المرض ~~حتى أصبحت كل نقلة تجعل حياته في خطر، فلما هاجمت القوات الفرنسية بيته اكتفت بإبلاغه ~~قرار المقيم العام بأن يلازم بيته؛ لأنه معتقل فيه، وأن يكف عن كل نشاط سياسي أو ~~إداري. # وفي اليوم نفسه (25 مارس) حملت السلطات الفرنسية رئيس الحزب الحر الدستوري الأستاذ ~~الحبيب بورقيبة والزعيمين: المنجي سليم والهادي شاكر من منفاهم ببلدة طبرقة، ونقلتهم ~~إلى رمادة في الصحراء بأقصى الجنوب، لتنكل بهم وتحط من معنوياتهم. # وألقى المقيم العام خطابا مسهبا في الإذاعة يعترف فيه بعدوانه على الوزارة التونسية ~~الشرعية من غير حياء، ويتبجح باستخدام القوة الغاشمة ويهدد الشعب، قال: # ولكن ms247 يتعين ضروريا في سبيل تنفيذ تلك الإصلاحات تنفيذا مخلصا شاملا، أن ~~يتبدد جو النوايا السيئة والتقاعس، الذي أبت الوزارة التونسية الحالية إلا أن ~~تجعله مخيما باستمرار، ولذلك قررت أن أجعل من المستحيل على تلك الوزارة مواصلة ~~نشاطها السياسي الوبيل؛ بأن أبعد مؤقتا من عاصمة تونس بعض أعضائها، والتمست من ~~جلالة الملك المعظم أن يتفضل بتعيين وزير أكبر آخر يتمتع بثقته الكاملة، ~~ويستطيع أن يعيد ربط علاقات التعاون المخلص مع السفارة العامة باعتبار تلك ~~العلاقات ضرورية على السواء لإدارة البلاد إدارة سليمة، ولازدهار المؤسسات ~~الجديدة التي قررت حكومة الجمهورية منحها للقطر التونسي. # ظن دي هوتكلوك لقصر نظره أنه تخلص من الوزارة التونسية، وأرسل تعليماته إلى باريس ~~لإلقاء القبض على صاحبي المعالي: السيد صالح بن يوسف وزير العدل، والسيد محمد بدرة وزير ~~الشئون الاجتماعية، اللذان رفعا قضية تونس إلى الأمم المتحدة. وقد كانت الحراسة شديدة ~~عليها من طرف البوليس الفرنسي، فلا يخرجان إلا في صحبة بعض أعوان البوليس، ولكنهما ~~توصلا في صباح 26 مارس إلى معرفة أخبار تونس رغم قطع جميع المخابرات التليفونية ~~والبرقية بين تونس وباريس، وعلما بإلقاء القبض على زملائهم، فأعدا سفرهما خفية وغادرا ~~فندق «الجران أوتيل» الذي يمتاز بموقعه في قلب العاصمة الفرنسية في الصباح حوالي الساعة ~~الثامنة والربع، وأبقيا جميع حقائبهما وملابسهما في غرف الفندق، ولم يعلم بسفرهما أحد. ~~ولما افتقدهما البوليس الفرنسي وتفطن إلى غيابهما، قامت قيامة الحكومة الفرنسية، ~~وشددت الحراسة على جميع حدودها والرقابة على بعض السفارات، ظنا منها أن الوزيرين قد ~~التجئا إلى سفارة إحدى الدول العربية أو الشرقية، وإذا بها تفاجأ بوصولهما إلى مدينة ~~بروكسل عاصمة البلجيك قبل أن تنفذ أوامرها بساعات، وانتقلا منها إلى جنيف ثم إلى ~~القاهرة، فأشعل نجاحهما في الخلاص من براثن الاستعمار حماس الشعب التونسي. واستأنفا ~~نشاطهما المجدي لفائدة تونس في نطاق أوسع من ذي قبل بمرات، فكان خروجهما من أشد الضربات ~~للاستعمار وأمر الخيبات لممثله بتونس الكونت دي هوتكلوك. # وظن المقيم العام أن في مقدرته أن يقضي على كل ms248 مقاومة، ويفتك بكل من يحاول أي عمل ~~وطني، فألقى القبض على مئات ومئات من التونسيين في جميع جهات القطر، واعتقل كل من يشتم ~~منه رائحة الوطنية. # 2 # وليشل حركة النشر والصحافة ألقى القبض أيضا على مدير جريدة «الصباح»، ~~الأستاذ الحبيب شيخ روحه ورئيس تحريرها الأستاذ الحبيب الشطي. # وأراد أن يلبس الحق بالباطل، وأن ينقص من عطف الأحرار في العالم على القضية التونسية، ~~وأن يبرر طغيانه واعتداءاته؛ فادعى في غير خجل أن بتونس تعاونا وثيقا بين الحركة ~~الوطنية وبين الشيوعيين - وذلك كذب صراح لم ينطل على أحد - فنقل سلطات الأمن من أيدي ~~المدنيين إلى العسكريين، وسلمها إلى السفاك الشهير الجنرال غرباي، فقال في خطابه (27 ~~مارس): «وفي سبيل الحيلولة دون كل محاولة جديدة للركون إلى العنف من طرف عناصر هدامة، إن ~~هي ادعت استنكار المبادئ الشيوعية، فهي تقبل التعاون معها وتعتمد وسائلها الإرهابية؛ ~~قررت أيضا إحالة التصرف في سلطات الأمن إلى الجنرال القائد الأعلى للجيوش، وذلك في ~~كافة القطر.» # فزاد الجنرال غرباي الضغط شدة والاضطهاد تعسفا وعنفا، واتخذ حالا عدة إجراءات ~~لتضييق الخناق على التونسيين جميعا، وأصدر أمرا بتوسيع منع التجول: «إن منع التجول ~~ليلا الذي كان نافذا بالنسبة للمدينة العربية، أصبح شاملا لكافة مدينة تونس ... ويطبق ~~هذا القرار بداية من اليوم الأربعاء 26 مارس 1952 من الساعة التاسعة مساء إلى الساعة ~~الخامسة والنصف صباحا.» # ثم أصدر أمرا ثانيا جند فيه جميع التونسيين وكون منهم فرقا، مهمتها حراسة ~~السكك الحديدية وأعواد التليفون والمباني العامة، وحملهم مسئولية كل حادث يقع في جهتهم. ~~ولا يخفى ما في ذلك القرار من ظلم وإرهاق، ولكن مقاصده أشنع وأبشع؛ لما احتوت عليه من ~~فكرة شيطانية جهنمية؛ إذ يريد أن يجعل التونسيين يتقاتلون ويتحاربون، فتشتد الخصومة بين ~~الحراس وبين الفدائيين. ولكن فطنة الشعب التونسي ووحدة صفوفه خيبت ظنه وسفهت أحلامه، ~~وإنا ننشر هذا القرار الذي سيبقى وصمة عار في جبين الاستعمار الفرنسي: # قرار من الجنرال القائد الأعلى للجيوش التونسية وزير الدفاع عن التراب ~~بتاريخ 26 مارس 1952 ms249 يتعلق بأحداث «فرقة أمن» # إن الجنرال غارباي وزير الدفاع عن التراب التونسي. # بعد الاطلاع على ما خولت له من النفوذ حالة الحصار المعلنة بالأمر العلي ~~الصادر في غرة سبتمبر 1939. # وعلى الأمر العلي المؤرخ في 9 يونيو 1940 في ردع مخالفات النصوص التي اتخذت ~~لتنفيذ الأمر المؤرخ في غرة سبتمبر 1939. # وعلى الأمر العلي المؤرخ في 25 أكتوبر 1951 الصادر في تسمية وزير الدفاع عن ~~التراب التونسي، قرر ما يأتي: # الفصل 1: # أن التونسيين من الذكور الذين يزيد سنهم عن الثماني عشرة ~~سنة، يكون منهم بكل مشيخة بمقتضى هذا القرار «فرقة أمن» حفظا ~~للسكك الحديدية والخطوط التليفونية والكهربائية والاستحكامات ~~والبناءات العمومية في مجموع البلاد التونسية، وفي منطقة ~~الإحكام لحالة الحصار. # الفصل 2: # كلف مجلس بإدارة «فرقة الأمن»، وهذا المجلس يترأسه الشيخ، ~~ويتركب من عشرة أعضاء من أعيان المشيخة. # وهؤلاء الأعيان يقع تعيينهم من طرف المراقب المدني بعد ~~استشارة العامل. # وتعويضهم عند الاقتضاء يكون بنفس الصورة المذكورة. # الفصل 3: # لمجلس الإدارة حق التفاوض والتقرير تحت إرشاد ونفوذ المراقب ~~المدني في تنظيم وسائل التوقي المراد اتخاذها للقيام ~~بالمأمورية المومأ إليها بالفصل الأول، مع مراعاة الأحكام ~~الخاصة المتعلقة بحالة الحصار. # وهو ينظر على الأخص في خدمة الحراسة التي يجب القيام بها في ~~هذا الصدد، وكذلك في توزيع السخرات بالمال أو العمل على أفراد ~~«فرقة الأمن»، وتكون مفاوضاته وتقاريره نافذة بإذن المراقب ~~المدني. # الفصل 4: # يعفى من المشاركة في العمل: السواقط، والشيوخ الذين يزيد ~~عمرهم على الستين عاما، والموظفون، وأعوان السلطة، وأهل ~~الشعائر الدينية، والأعوان المستخدمون بصفة قارة بالمصالح ~~العسكرية أو لفائدتها مباشرة. # الفصل 5: ~~«فرقة الأمن» مسئولة عن الأضرار والخسائر الواقعة بالتراب ~~الذي تحت حراستها، وذلك لا يعارض بالمرة المسئوليات التي تنال ~~شخصيا كل فرد من أفرادها بعنوان المخالفة. # ويمكن أن تحتمل مسئولية الأضرار والخسائر عواقب مالية في ~~صورة الإخلال المشاهد في تنفيذ المأمورية المسندة لهذه الجموع، ~~ويكون أعضاء مجلس الإدارة متضامنين مع بعضهم بعضا فيما عسى أن ~~يترتب من غرم الأضرار والخسائر. # الفصل 6: # تصدر تعليمات خاصة في استخلاص مبلغ ms250 الأضرار والخسائر. # الفصل 7: # تتسلط على مخالفة تراتيب هذا القرار أحكام الأمر العلي ~~المؤرخ في 9 يونيو 1940 الصادر في ردع مخالفات النصوص الصادرة، ~~عملا بالأمر العلي المؤرخ في غرة سبتمبر 1939 المتعلق بحالة ~~الحصار. # الفصل 8: # المراقبون المدنيون مكلفون بإجراء العمل بما تضمنه هذا ~~القرار. # تونس 26 مارس 1952 # الإمضاء: غارباي ~~(2) رد الفعل التونسي # كان رد الفعل التونسي سريعا شديدا واسعا متنوعا على ذلك العدوان الفرنسي الجديد ~~وتلك الإجراءات التعسفية الجائرة؛ فقد قررت المنظمات القومية إضرابا عاما غير محدود ~~في القطر كله، وتوقفت المواصلات، وانقطع العمل في المناجم والمعامل والمواني، وتعطلت ~~الأسواق كلها، وأغلقت الدكاكين أبوابها، وانقطع التعليم في جميع المدارس، وكتب شاهد ~~عيان عن عاصمة تونس يوم 26 مارس قال: «أضربت مدينة تونس وتعطلت فيها جميع الحركات ~~التجارية والمواصلات، فأوصدت المقاهي والدكاكين أبوابها، وخيم جو من الجلال الحزين، ~~وكانت تبدو على الوجوه سحابة من الأسى والقلق، وكانت الدوريات العسكرية منذ الصباح ~~تتجول بأحياء العاصمة وشوارعها، وتجري تفتيشات على راكبي عربات الترام والسيارات ~~والمارة، وكان الإضراب شاملا وإجماعيا عاما.» # وكانت القوات الفرنسية تهاجم التونسيين في كل مكان، وتطاردهم في كل شارع، وتهين وتشتم ~~وتتحدى وتعذب وتنكل. واتسع نطاق تهديدهم واعتداءاتهم، فكانوا يخرجون أصحاب محلات ~~التجارة من بيوتهم ليرغموهم على فتح دكاكينهم، ولما رأوا فشلهم الذريع أخذوا يحطمون ~~أبواب المتاجر ويعيثون فيها فسادا. # وأخذوا يلقون القبض على التونسيين بالجملة في القطر كله. # 3 # فزاد ذلك العمل الطين بلة، وخرج الشعب إلى الشوارع في مظاهرات قوية عديدة، ~~وانتظمت الجماهير في الميادين العامة في كل مدينة وقرية: «قابس وصفاقس وقفصة وتوزر ~~والقيروان وسوسة وقصر هلال والمهدية ونابل والحمامات وباجة وماطر والكاف وبنزرت وتونس.» ~~وقد ضمت تلك المظاهرات الرهيبة الشبان والكهول والنساء والأطفال، وكانت تجتمع بسرعة ~~وعلى حين غفلة من القوات الفرنسية التي ملأت المدن كلها، فتهاجمها تلك القوات قصد ~~تشتيتها، فتعددت الاشتباكات بين قوات الأمن من البوليس والجيش وبين المتظاهرين، وجرح ~~عدد وافر من الجانبين. ~~(3) قرار الشعب التونسي # اجتمع بعد زوال يوم الأربعاء 26 ms251 مارس بمقر الغرفة التجارية تحت رئاسة الرئيس السيد ~~الطاهر بن عمار، ممثلو الهيئات السياسية والنيابية والاقتصادية والثقافية، الغرفة ~~الفلاحية التونسية للشمال، وهيئة المستشارين البلديين التونسيين، والحزب الدستوري ~~الجديد، واللجنة التنفيذية للدستور القديم، والجمعية الخلدونية والاتحاد العام ~~التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، والاتحاد العام للفلاحة، والغرفة ~~التجارية التونسية، وهيئة الأطباء التونسيين، وهيئة الصيادلة، ونقابة المدرسين ~~بالجامعة الزيتونية، وهيئة المحامين التونسيين، وجمعية الشبان المسلمين وغيرها. ~~وقرروا عدم الاعتراف بالوضع الجديد، والعمل في جميع الميادين بجميع الوسائل لإرجاع ~~الوزارة الشرعية. # وأثارت أعمال «دي هوتكلوك» القسم الحر من الرأي العام الفرنسي الذي رأى فيها المعول ~~الأكبر للقضاء على مستقبل فرنسا بشمال أفريقيا. وأخذ الصحفيون الفرنسيون في تحليل ~~السياسة الفرنسية بتونس، يفضحون عيوبها، ويوجهون أشد الانتقادات إلى الحكومة الفرنسية ~~على عجزها وتسويفها وجمودها المجرم. ولنقتطف بعضها كمثال للباقي: # قال دوران إنقليفيال في مقال افتتاحي نشره بجريدة «البتي متان»: «لقد لاقى الشعب ~~التونسي أتعابا وآلاما، حتى توصل إلى إلفات الرأي العام والحكومة في فرنسا إلى ~~قضيته. # ولقد نضجت المطالب التونسية نضجا واضحا منذ زمن طويل ... والمطالب عندما تكون مشروعة ~~يجب أن تطالب بالترضية بدون أي شروط أو تأجيلات. # ولكن ما معنى كلمة المشروعية هذه؟ إنني أخشى هنا ألا تكون نظرة مسيو بيني # 4 # قوية واضحة بالقدر الذي عليه تصريحاته مثلا. # نعم إن مؤرخي الجمهورية الرابعة سوف لا يلاقون أي صعوبة أو مشقة في وجود الأكاذيب ~~اللازمة لمغالطة الشعوب في المستقبل، وتبرير هذه الأكاذيب بما يتطلبه لها التاريخ، ولكن ~~اليوم وفي الوقت الحاضر توجد مواقف مدققة تفرض نفسها على فرنسا ولا تستطيع أن تتملص ~~منها، بل واجبها أن تقدم إلى الأجيال الحاضرة برهانا عن طيب نيتها وعن إخلاصها. # أريد أن أقول إنه لا يكفي الحديث وحده عن مطالب مشروعة، بل يجب أن نبرهن على أننا ~~نعترف بمشروعيتها. # وإذا كانت الحكومة الفرنسية ومجالسها الوزارية الموسعة أو المضيقة لم تستطع أن تقدم ~~إقداما صريحا في هذا الشأن فمن ذا الذي يا ترى سيفعل ذلك في مكانها؟ # ثم ما ms252 هي المسألة كلها منذ ستة أشهر؟ إنها منحصرة في أن تعترف الحكومة الفرنسية لتونس ~~بحقها في الاستقلال الداخلي. # وهذا المطلب المشروع يتتبع عدة مطالب أخرى مشروعة أيضا، كالاعتراف بالسيادة الملكية ~~وللشعب التونسي بحقه في حكم نفسه بنفسه باتفاق مع جلالة الباي.» # وقد حملت جريدة «كومبا» الباريسية مسئولية الحوادث الحكومة الفرنسية، فقالت: «إن وزارة ~~شنيق كانت قد قدمت هذه المطالب عندما أجرت المفاوضات الفاشلة بباريس طيلة ثلاثة أشهر، ~~ولما تم فشلها نشأت الاضطرابات في المملكة التونسية، وظلت تتفاقم يوما فيوما، وقد ~~وقفت المذكرات، ولا أمل في أن تسفر الشروط التي فرضتها الحكومة الفرنسية لاستئناف ~~المفاوضات عن رجوع الهدوء إلى نصابه. ويبدو أن الحكومة الفرنسية لم تؤمن بصورة قطعية ~~ودون تلعثم أن معاهدتي الحماية لسنة 1881 في تونس و1912 في مراكش أصبحتا معاهدتين ~~باليتين؛ فقد أحدث الزمن تغييرات جوهرية عميقة في الميادين السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية بالقطرين، وقد تمت هذه التغييرات ولا شك بفضل المجهود الجبار الذي بذلته ~~فرنسا. # فهل تنوي الحكومة الفرنسية أن تستخلص من ذلك في المستقبل الفوائد المادية والأدبية، ~~أم هل ستقضي على هذا العمل بما تتمسك به من نظرية خاطئة للجاه والنفوذ والناموس، وبما ~~لا تزال آخذة به من جهل بالظروف الجديدة التي كونتها، وتقتضي السياسة الفرنسية الرشيدة ~~التي تريد المحافظة على الأمور الجوهرية بإقبالها على ما لا مناص منه، أن تدخل في ~~اتصالات مع العناصر الممثلة للتونسيين والمغاربة، وتشرع معهم في محادثات مخلصة ~~نزيهة. ~~... إن الجمود هو القانون الوحيد الذي تسير عليه الحكومات الفرنسية منذ سبع سنوات، سواء ~~في الداخل أو في الخارج، وقد كبدتنا هذه السياسة أثمانا أفدح من أن يمكن ~~نسيانها.» # وكان النائب بالبرلمان الفرنسي «جاك فونلبت إسبرابير» حاضرا بتونس أثناء اعتقال ~~الوزراء التونسيين وأعمال القمع الوحشية، فثارت ثائرته على المقيم العام وفضح فظائعه في ~~أول جلسة للبرلمان الفرنسي (أول أبريل 52) قال: «لقد عشت أخيرا هناك (في تونس) بعض ~~الأيام المؤلمة، وأريد أن أقول من غير أن أرفع صوتي وأقوي لهجتي أن تلك الأيام كانت ~~أيام ms253 مهانة وخزي بالنسبة لي. # ولكن أريد أن ألاحظ أني عشت تلك الأيام وشاهدت - يوم الثلاثاء - تونس توضع من جديد ~~تحت حالة الحصار ومنع التجول من التاسعة مساء إلى الخامسة والنصف صباحا، والرقابة ~~وقطع المخابرات التليفونية، وكنت حاضرا عند اعتقال الوزراء. # وعبثا حاولت أن أجد مبررا لذلك بين القوانين، وقد شخت في البحث القانوني. # وإن الصحافة نفسها التي تصدر تحت نظام الرقابة قد نشرت (27 / 3 / 1952) احتجاج السيد ~~شنيق الذي يدل على معاملته معاملة لا تليق؛ أعني لا تليق بنا نحن. # وإني أقول: إن الذين قاموا بإخراج الوزراء من بيوتهم عندما ارتكبوا فعلتهم، لم يكن ~~سلوكهم لائقا بماضينا ولا بسمعتنا وبشرفنا.» ~~(4) ولادة وزارة البكوش # بقيت المملكة التونسية من غير وزارة بعد أن ألقت السلطات الفرنسية القبض على أعضاء ~~وزارة السيد محمد شنيق، وانقطعت العلاقات تقريبا بين تونس وفرنسا؛ إذ رفض جلالة الملك ~~أن يستقبل المقيم العام رغم إلحاحه المرة تلو المرة، فاحتار «دي هوتكلوك» واضطربت أمور ~~البلاد أكثر من كل وقت مضى، ولم يأت العدوان بالنتيجة المأمولة، فلجأت الإقامة العامة ~~إلى أخس الوسائل وأرذل الطرق تستخدمها لإخضاع القصر لإرادة الاستعمار الفرنسي، فأكثروا ~~الرسل إلى القصر من أصدقاء فرنسيين وتونسيين؛ ليبثوا فيه الأخبار الزائفة بقصد إنزال ~~الخوف والرعب في القلوب، وجاء أحدهم (وهو دي ماتيبي، العضو البارز في حزب كولونا عدو ~~التونسيين جميعا) مظهرا الإزعاج والارتباك، وقابل حالا أنجال جلالة الملك وبناته، ~~وقال لهم: إن الحكومة الفرنسية قررت خلع الملك وتعويضه بغيره، وستأخذه على حين غفلة هو ~~وعائلته، «ولن تمهلكم حتى تجمعوا ما تحتاجون إليه في حقائبكم، فأسرعوا في جمعها من ~~الآن»، وتيقن أهل الملك أن الأمر قد تم، فرتبوا أمورهم وجمع كل واحد منهم ما أمكن من ~~ثياب في حقائبه، وبقوا ينتظرون الأمر المحتوم والقدر المنكود، وساد السكون والهدوء في ~~القصر كله، وبقوا على تلك الحالة أياما بلياليها والإقامة العامة ترسل مخبريها في كل ~~ساعة، تارة بالوعيد والخلع وطورا بالرضى والوعود. # واتخذ الضغط على جلالة الملك أساليب شتى كثيرة؛ لأن المقيم ms254 كان يرمي إلى كسب الوقت، ~~فاستخدم الصحافة الاستعمارية التي كانت تسير حسب إشارته، وكتبت جريدة «لابريس» بتاريخ ~~27 مارس مقالا يقطر سما حول موقف جلالة الباي، ختمته بالعبارات الآتية: «الآن وقد ~~زالت الوزارة، هل يتحرر الأمير في أعماله، وهل يرضى بعزل وزرائه وتعويضهم بآخرين، ولو ~~باحتراز ولو يلجأ إلى الاحتجاج رسميا على الإجراءات التي اتخذت أمس، كما فعل سلطان ~~مراكش؟ أم هل سيتمسك بموقفه حتى النهاية ويبقى سجين السلوك الذي اتبعه إلى الآن ولو ~~أداه ذلك إلى الخلع؟» # ووصل إلى تونس مبعوثان خاصان من رئيس الجمهورية الفرنسية يوم الجمعة 28 مارس (فورجو ~~الأمين الأول لرئيس الجمهورية - وزميله كوسيوسكو رئيس ديوانه)، وقد جاءا في الطائرة ~~التي أقلتهما من باريس إلى تونس بالأمير سليمان باي ابن ولي العهد عز الدين باي؛ ليزيدا ~~التهديد بالخلع وضوحا، ونشرت الصحف الاستعمارية - ومنها «لابريس» و«الدبيش تونسيان» - ~~صورة ذلك الأمير. # وأتى المبعوثان برسالة خاصة من رئيس الجمهورية، وهي أعظم برهان على أن «دي هوتكلوك» ~~السفاك ليس هو المسئول الوحيد على البطش والمجازر، بل الحكومة الفرنسية كلها بما فيها ~~رئيس الجمهورية، هي المسئولة الحقيقية على العدوان - وقد سلماها لجلالة الملك في ~~المقابلة التي تمت يوم الجمعة 28 مارس على الساعة الحادية وخمس وثلاثين دقيقة، نص ~~الرسالة التي كانت جوابا عن برقية 25 مارس: # باريس، 27 مارس 1953 # صديقي العزيز # لقد كان عجبي شديدا من لهجة وشكل الرسالة التي وجهها إلى سموكم. # ولكي أصرح أنها كانت جارحة لي، فلن أكتفي بالتذكر بعلاقاتنا الشخصية فقط، التي ~~تكونت في وقت كان فيه المشوشون الذين يحدثون اليوم الاضطرابات في تونس يهددون ~~عرشكم، وكنتم أنتم أنفسكم تعبرون فيه عن ثقتكم في صداقتنا. ولكن أريد أن أذكر ~~أن لا شيء يمكن أن يقطع روابط الود التي تربط بين تونس وفرنسا حسب التقاليد، ~~ولا يمكن بحال أن نقطع أعمال المدنية البشرية الجليلة التي قامت بها فرنسا في ~~مملكتكم بمعية أسرتكم من غير أن نلحق أضرارا بشعبينا، تلك الأعمال التي انتفع ~~بها في جميع الميادين أولئك ms255 الذين يقفون اليوم من غير ترو ضد المشاركة ~~معنا. # بل في قطع ذلك المجهود خسارة للقضية نفسها التي يدعون الدفاع عنها، وأن ~~الاضطرابات الدامية التي تدمى لها قلوبنا؛ لتدل على الفوضى التي سرعان ما تنهار ~~فيها مملكتكم، لو أسلمت للاضطراب. # وإن فرنسا لا تنكر التطورات؛ إذ كانت هي الداعية لها، ولم تكتف حكومة ~~الجمهورية في الأيام الأخيرة نفسها بتأكيد عزمها فقط على مجاراة ذلك التطور، بل ~~على إعانته، فوضعت تصميم إصلاحات ربما يأسف بعضهم لجرأتها، ولكنها عند تطبيقها ~~في مراحل سيكون نجاحها وسرعة تنفيذها مبررا كافيا لها. # ولكن لا يمكن أن يتم هذا العمل إلا إذا كان مقاما على روح الحكمة والثقة ~~والمشاركة الدائمة، تلك الروح التي مكنت تونس من الوصول إلى الدرجة التي بلغتها ~~من الازدهار والمدنية. # غير أنه في نفس الوقت الذي كانت فيه حكومة الجمهورية تؤكد ذلك العزم باتفاق ~~مع مجالسنا النيابية، كان بعض من الرجال الذين وقع اختيار سموكم عليهم للمساعدة ~~في العمل الحكومي - وسموكم المتصرف الوحيد في السيادة التونسية من غير نزاع ولا ~~جدال - كان هؤلاء الرجال قد رفعوا شكوى فرنسا أمام منظمة الأمم المتحدة التي ~~كانت تعقد جلساتها في عاصمتنا، من غير أن يعلموا سموكم ولا حكومة الجمهورية، ~~فجعل صنيعهم هذا الدال على الريبة والعداوة من المستحيل كل عمل مثمر معهم، وقد ~~استغربت - وخاصة أنكم لم توقعوا تلك الشكوى - من أنكم لم تستنكروا حالا هؤلاء ~~الوزراء - والوزير الأول صاحب المسئولية قبل غيره - الذين عبثوا بثقتكم؛ حيث ~~إنهم قاموا بعملهم من غير توقيعكم ومخالفة لحقوقكم الملكية. # ومنذ ذلك اليوم والدم يجري في مملكتكم، وأظلمت الأعمال الإرهابية ضد الأشخاص ~~والأرزاق الحاضر وأخلت بالمستقبل، وأن فرنسا المكلفة بالأمن والنظام تقوم ~~بواجبها، ولكن سموكم بصفتكم صاحب المملكة التونسية تتحملون أثقل المسئوليات ~~الأدبية في إرجاع الهدوء والوحدة. # ولقد أملت طويلا في أنكم ستسمعون صوتكم لشعبكم، وإني ما زلت أؤمل وأتجه ~~لحكمتكم السامية لتصدروا أمركم للجميع بأن يلتزموا السكينة ويتبعوا ~~العقل. # وحيث توجهتم إلي؛ فإني أطلب منكم أن تشكلوا باتفاق ms256 مع ممثل فرنسا حكومة وحدة ~~وتهدئة؛ لكي يتم تكوين اللجنة الفرنسية التونسية المكلفة بإتمام الإصلاحات التي ~~تراها حكومة الجمهورية في أقرب وقت ، فتأخذ هكذا تونس في السير - مع المحافظة ~~على سيادتها وعلى أسرتكم وعلى مصالح فرنسا والفرنسيين المقيمين بتونس - نحو ~~استقلالها الداخلي الذي يناط تحقيقه على حكمة القادة. # وأؤمل أن سموكم سيكون عند حسن الثقة التي ما زلت أضعها في استبصاركم السامي، ~~وفي الصداقة التي امتازت بالوفاء والثقة كما تفضلتم بتذكيره، والتي أجدد في ~~الختام التعبير عنها. # الإمضاء: فانسانت أوريول # وكان المقيم العام ارتكب فعلته وأعد العدة لارتكاب أخرى أشنع منها، وحصل على موافقة ~~الحكومة الفرنسية، فكانت قوافل الدبابات والمصفحات في الصباح المبكر يوم 28 مارس تخرج ~~من شوارع تونس متجهة نحو بلدة حمام الأنف، حيث حاصرت قصر الملك مع قوات أخرى عظيمة، ~~وأخذت الطائرات النفاثة تملأ جو العاصمة وتحلق فوق القصر. ولما دخل المقيم لمقابلة ~~الملك قبل الظهر بقليل، صحبة مبعوثي رئيس الجمهورية، كانت تلك الطائرات تصدع الآذان ~~وتقترب من سطح القصر، حتى كادت تلمسه لإنزال الرعب في قلوب ساكنيه، فأجبر هكذا «دي ~~هوتكلوك» - تحت تهديد السلاح - الملك على اتخاذ إجراءات ثلاثة؛ أولا: تسميه صلاح الدين ~~البكوش كوزير أول وتكليفه بتشكيل الوزارة التونسية، ثانيا: تسمية المقيم العام وزيرا ~~للخارجية، وثالثا: حل الديوان الملكي. # وقد اعترف «دي هوتكلوك» بعد دقائق، في المؤتمر الصحفي الذي عقده يومها إثر مغادرة ~~القصر - على الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة - بتجبره وضغطه وعدوانه، قال: «لما رأيت ~~أن لا شيء يجدي مع وزارة السيد شنيق التي لم تكتف بالتعنت، بل ازدادت عنادا يوما بعد ~~يوم في موقف يعد بحق موقف كفاح وتحد، فكرت منذ زمن طويل، وكتبت فكرتي إلى وزارة ~~الخارجية، أن حل المشكلة لا يكون إلا باستعمال القوة. ولكن أردت قبل ذلك أن أجرب جميع ~~الطرق الأخرى فلم أفلح، ولم أرد أن تكون الشدة غاية، بل كنت أريد أن تكون وسيلة للسير ~~بتونس نحو إصلاحات وعدت بها الحكومة الفرنسية، وكان من واجبي أن أبرزها لعالم ms257 الوجود ~~بأقصى ما يمكن من التحرر.» # واعترف المقيم العام أيضا بأنه هو الذي كتب بنفسه الخطاب الذي أذاعه فيما بعد باسم ~~جلالة الملك الرامي إلى تهدئة الخواطر، فقال: «لقد قرر الباي أن يوجه نداء للهدوء، ولقد ~~سلمت له مشروع نص لينظر فيه حسب رأيه، وإني أؤمل كثيرا أن يكون لذلك النداء تأثير على ~~الشعب.» # وظن «دي هوتكلوك» أنه انتصر النصر النهائي، وظهر باطنه وافتضح طبعه فأقام الحفلات ~~والمآدب بقصر الإقامة العامة ببلدة المرسى، وأخذ ينشر في الصحف قوائم الطعام الذي قدمه ~~لضيوفه وصنوف الجبن التي يميل إليها وأنواع الخمور التي سكر بها، # 5 # وكأنه انتشى بدماء الأطفال الرضع المقتولين دوسا بأقدام الجنود بجهة ~~الدخلة، واستعذب صراخ الأيتام والأيامى بعد قتل الآباء والأزواج، وطرب لنسف المساكن ~~والمساجد، وحرق البيوت على أهلها، وأخذته العزة بالإثم فأخذ يتذوق مع الطعام اللذيذ ~~اللطيف ولحوم الضأن الطرية والحلوى الشهية عذاب عائلات وآلام شعب وأنات الأمهات ورعب ~~العذارى وخوف الأولاد الصغار، فكان أصدق ممثل للاستعمار الفرنسي الذي لا تتم له لذة ولا ~~يتطعم أكلا إلا إذا كان ملطخا بدماء الشهداء. # لقد ضل «دي هوتكلوك» وأضل حكومته وسعى في تضليل الرأي العام، مدعيا أن الأزمة ~~التونسية انتهت، وأن المشكلة حلت - ولو بالقوة - وأن الهدوء ساد البلاد. والحقيقة أن ~~الشعب ازداد اندفاعا في الكفاح واستماتة في الدفاع عن حقه، واستمر الإضراب من غير ~~انقطاع في جميع أنحاء القطر، رغم استخدام القوات المسلحة لجبر التجار على فتح محالهم ~~وإرغام العمال على العمل، ونزل الجند الفرنسي إلى الشوارع يطارد التونسيين، ويلقي القبض ~~على المارة بالجملة. وخرج الشعب في مظاهرات متعددة متكررة مستمرة غير مبال بالسجن ~~والموت، فقد كانت المظاهرات الصاخبة تملأ ميادين تونس وشوارعها منذ الصباح الباكر يوم ~~28 مارس، وكانت مظاهرة قد انتظمت أمام قصر جلالة الملك بحمام الأنف وتعالت منها ~~الهتافات بحياة تونس حرة مستقلة، وحياة الحبيب بورقيبة، فهاجمتها قوات الجند والبوليس ~~وألقت القبض على بعض أفرادها، وتجددت بعد الزوال المظاهرات بنفس الموضع احتجاجا على ~~تكليف البكوش بتشكيل ms258 الوزارة، وكثر فيها النسوة اللائي أخذن يندبن ويصحن وهن لابسات ~~الحداد. # واتسع نطاق الاضطرابات، وكثر النسف وانتشر بجميع المدن الكبرى؛ فقد نسفت في ذلك اليوم ~~نفسه المراقبة المدنية بمدينة «سوسة» وحدث بها انفجاران عظيمان زلزلا المدينة كلها، ~~وأحدثا أضرارا جسيمة في الجانب الشمالي من البناية، ثم التحمت القوات الوطنية مع قوات ~~الأمن في معركة دامية على شاطئ البحر جرح فيها البطل «إبراهيم بن صميدة». # وأدلى دولة السيد محمد شنيق في منفاه ببلدة قبلي بقلب الصحاري بتصريح إلى مراسل ~~الجريدة الأمريكية «نيويورك هيرالد تريبون» قال فيه: «إنني ما زلت الوزير الأول، ~~ووزارتي هي وزارة تونس الشرعية.» وأضاف قائلا: «إن عزله بالقوة والعنف يخالف القانون، ~~وفيه خرق بين لمعاهدة الحماية، فينبغي أن ترسل الأمم المتحدة لجنة للبحث عن الحوادث ~~التي جرت بتونس، ويطلب الوزير الأول من الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل بصفة ~~فعالة.» ~~(5) مجلس الأمن والأزمة التونسية # كان الشعب التونسي في تلك الأثناء ينتظر إثارة قضيته في مجلس الأمن عندما تنتقل ~~رئاسته إلى الباكستان في شهر أبريل، وكان المقيم العام يحاول أن يتم تشكيل الوزارة ~~التونسية قبل ذلك التاريخ، وأن يشرع في مفاوضات جديدة كاذبة لكي لا يبقى مبرر للهيئة ~~الدولية في التدخل، وظن أنه نجح ولم يعلم أنه وقع، فأعلن إثر مقابلة الملك يوم 28 مارس ~~في بلاغ رسمي أن الاتفاق قد تم مع جلالة الملك على الإصلاحات التي قدمها له، وأنه سيذيع ~~فحواها على الرأي العام بعد أيام، وأن اللجنة المختلطة التونسية الفرنسية التي ستنظر في ~~تلك الإصلاحات وتنتهي من أعمالها في أقرب وقت ممكن، قد تقررت. # ومن الغد ظهر «بونص» الكاتب العام للحكومة التونسية على مسرح السياسة التونسية ليلعب ~~دوره في المهزلة الاستعمارية، وقد امتاز بعداوته وبغضه وحقده للتونسيين، كما امتاز بقصر ~~النظر والتلاعب المكشوف واستخدام أرذل الوسائل في محاربة الحركة الوطنية، حتى قال فيه ~~الكاتب الفرنسي «جيران»: «إن له ما له في تكوين عصابة اليد الحمراء الإجرامية وقتل ~~الزعيم فرحات حشاد.» فصرح يوم 29 مارس أن الوزارة الجديدة ms259 ستشكل بسهولة تامة وأن ~~التونسيين يتزاحمون على مناصبها، ولما عرض البكوش على عدد وافر من التونسيين تلك ~~المناصب رفضوا جميعا، وبقي وحده يحاول ويفشل، وهو مطارد من الوطنيين حتى صار لا يدخل ~~إلى قصر الملك أو إلى الإقامة العامة إلا من الأبواب الخلفية كالسارق الخائف والمجرم ~~الجبان، فحاول إذ ذاك أن يحتمي بالحزب الحر الدستوري بإدخال الزعيم الهادي نويرة - وهو ~~العضو الوحيد من الديوان السياسي الذي بقي خارج السجن - في تشكيلته. وتكرر العرض ثلاث ~~مرات، وأخيرا دعا البكوش الزعيم نويرة يوم الأحد 30 مارس على الساعة الرابعة بعد ~~الظهر، فاستطاع الزعيم نويرة أن يحمل البكوش على الاستقالة، وقد تمت المقابلة واتفق ~~فيها على نشر البلاغ الآتي: # نظرا للصعوبات التي وجدتها في تشكيل الوزارة أرى من واجبي أن أقدم لجلالة ~~الملك استقالتي من المنصب الذي كلفت به. # لم ينشر ذلك البلاغ - بطبيعة الحال - ولكن ألقي القبض على الهادي نويرة يوم الاثنين ~~31 مارس، لقد خيروه بين الوزارة والسجن فاختار السجن. # ولم تجد السلطات الفرنسية من بين التونسيين من يرضى أن يخون وطنه، فلجأت إلى اختيار ~~بعض صنائعها الذين ملأت بهم الإدارات التونسية، وميزتهم الجهل والأمية وطاعة الفرنسيين ~~طاعة عمياء، ولكن شيئا من ذلك لم ينفع؛ لأن الملك كان يؤخر يوما بعد يوم تنصيب ~~الوزارة الجديدة انتظارا لقرار مجلس الأمن في قضية تونس. # وتعددت المظاهرات الشعبية ضد الوزراء الخونة وتكررت وتنوعت، فتارة تهاجم بيوتهم، ~~وطورا تهاجمهم في مقر وزاراتهم رغم قوات البوليس الكبيرة التي كانت تحرسها من كل جهة ~~حتى من السطوح، وأصبح المقيم العام يتخبط ولم يجد مخرجا، خاصة وأن الاتحاد العام ~~التونسي للشغل والمنظمات القومية كلها قررت القيام بإضراب عام يوم غرة أبريل. وقد كان ~~الإضراب تاما شاملا، وشارك فيه الموظفون رغم تهديدات السلطات الفرنسية ووعيد الجنرال ~~غارباي، فاختار المقيم العام ذلك اليوم نفسه لنشر ما سماه بمشروع إصلاحات، فرفضها الشعب ~~لما فيها من اعتداءات جديدة على السيادة التونسية، وهي في حقيقتها خطوة في إلحاق تونس ~~بفرنسا بإعطاء الجالية الفرنسية ms260 حقوقا قارة في مؤسسات الدولة التونسية. # ومرت الأيام والوزارة لم تشكل؛ لأن بكوش أطاع كعادته أسياده الفرنسيين، فسعى في تشكيل ~~الوزارة وتكوين اللجنة المختلطة في آن واحد، وجمع يوم 7 أبريل عددا وافرا من الشخصيات ~~التونسية وعرض عليهم عضوية تلك اللجنة، فخابت آماله وآمال أسياده؛ لأن التونسيين رفضوا ~~بالإجماع المشاركة فيها، وفضحت الإقامة العامة مناوراتها بنفسها؛ إذ صرحت الجريدة شبه ~~الرسمية «لابريس» يوم 8 أبريل «يعتمد بكوش على اللجنة المختلطة ليقوي وزارته.» ولما رأى ~~البكوش فشله الذريع سعى في إتمام تشكيل وزارته، ولكن لم يتم ذلك له إلا بعد بحث مجلس ~~الأمن لمشكلة تونس 15 / 4 / 1952. # وأعاد البكوش يوم 12 أبريل ما كان قد قاله من قبل من أن دور وزارته الأصلي هو القيام ~~بأعمال الإدارة لا غير، ومعنى ذلك زيادة وطأة الحكم الفرنسي المباشر، وازدادت الحالة ~~تعكرا؛ لأن بونص الكاتب العام الفرنسي للحكومة التونسية، أخذ يتحكم في نشاط الوزراء ~~التونسيين تحكما لا يطاق، فأملى عليهم نظام دواوينهم (منشور 24 أبريل المتعلق بنظام ~~تلك الدواوين) وحرم عليهم الاتصال بالصحافة ونشر التصريحات من تلقاء أنفسهم وإصدار ~~البلاغات (منشور 30 أبريل). # وذهبت وعود «دي هوتكلوك» بعدم معاقبة الموظفين التونسيين الذين قادوا الإضراب، ~~وبتهدئة الخواطر أدراج الرياح، وبقي الجو قاتما والعلاقات متوترة بين تونس وفرنسا، ~~واستمر الإضراب العام بشدته وشموله، ولم تنقص حدة المظاهرات ضد البكوش، كما استمرت ~~السلطات العسكرية في اعتقال التونسيين بالجملة بتونس، واتخذت الرقابة على الصحف شكلا ~~هزليا؛ إذ تمنع من نشر أخبار يسمعها التونسيون من الإذاعة، وازداد تحرج موقف المقيم ~~العام لما أعلن البكوش استحالة تشكيل اللجنة المختلطة في تلك الآونة ووجوب تأخير ~~اجتماعها إلى ما بعد 24 أبريل الذي وعد به «دي هوتكلوك»، فدعته الحكومة الفرنسية إلى ~~باريس لمحاسبته. # وأراد الفرنسيون أن يسهلوا على الوزارة الخائنة مأموريتها في تكوين تلك اللجنة التي ~~أصبحت حيوية بالنسبة لفرنسا؛ إذ تدل بوجودها على استئناف المفاوضات بين تونس وفرنسا، ~~فخفف الجنرال غارباي من منع التجول، فجعله يبدأ من الساعة التاسعة مساء فقط، ms261 وأطلق سراح ~~بعض المعتقلين (119) ومنح حرية السير في الطرقات العامة التي كانت محددة وممنوعة ~~أحيانا، ورفع مراقبة البرقيات. ولم يمنع ذلك من قيام مظاهرات قوية ضد الوزارة يوم 14 ~~أبريل جرح أثناءها عدد من التونسيين، وكسرت عربة الوزير الخائن دنقزلي، وقررت الوزارة ~~الفرنسية في تلك الأثناء تعيين أعضاء اللجنة الفرنسيين (23 أبريل)، ولكن الاضطرابات ~~استمرت وشارك فيها طلبة المدارس على نطاق واسع للغاية، فأضربوا وتظاهروا وعم التشويش ~~البلاد كلها، ووقعت محاولة اغتيال الوزير ابن رايس، فتشددت الرقابة على الصحف واعتقل ~~عدد من الشخصيات التونسية من بينهم الصيدلاني المعروف محمد بن حمودة والمحامي الكبير ~~الدكتور البحري قيقة. # وأراد المقيم بعد رجوعه من باريس أن يكون جوا ملائما لأغراضه، وأن يرغب التونسيين ~~في المشاركة في لجنته المختلطة قائلا لهم: «إن بحث مشروع الإصلاحات سيكون (في وسط ~~اللجنة) بحثا نزيها يمكن لجميع الآراء - سواء أكانت فرنسية أم تونسية - أن تظهر بحرية، ~~فإن كان إطار الإصلاحات ومراحلها في الزمان قد حدد، فليس معنى ذلك أن اقتراحات أعضاء ~~اللجنة لا تقبل إذا لم تمس بذلك الإطار وبتلك المراحل.» # ولكن محاولة «دي هوتكلوك» بدلا من أن تقضي على المعارضة التي وجدها البكوش قوتها ~~وزادتها صلابة في موقفها، وإذا بالسلطات العسكرية تمنع احتفالات ومظاهرات العمال في غرة ~~مايو، فاشتد غضب الشعب وحنقه. # وكان النداء الذي وجهه دولة محمد شنيق من منفاه في الصحراء (30 مارس 1952) إلى ~~حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد وجد بعض الصدى؛ إذ زار هنري بايرود سكرتير الدولة ~~المساعد لشئون الشرق الأدنى تونس في طريقه إلى مصر، وحل بها 4 مايو، ثم قدم إلى وزارة ~~الخارجية الأمريكية تقريرا ذكر فيه أنه يتوقع نشوب اضطرابات كثيرة في شمال أفريقيا، ~~وأنه يود كثيرا مؤازرة الفرنسيين هناك على شرط أن يعطوه شيئا يستند إليه بأن يتقدم ~~الفرنسيون بمشروع ثماني أو عشر سنوات لتونس ومراكش، يبينون فيه تماما للعرب كيف يكون ~~اطراد تقدمهم نحو الاستقلال، وحينذاك يؤيدهم بايرود تأييدا كاملا، فيعزز بذلك مركز ~~فرنسا في أوروبا حيث دأبت الولايات ms262 المتحدة الأمريكية على إنعاش القوى الفرنسية. على أن ~~بايرود يخشى أن يحول ضعف فرنسا دون انتهاجها سياسة الكرم والمرونة التي تعوزها لصيانة ~~مركزها في شمال أفريقيا، ويضرب مثلا عن ضعفها ما حدث للفرنسيين قبل توقيعهم الميثاق ~~الألماني؛ إذ أثاروا ضجة كبرى حولهم حتى أصبحوا في مركز مشين، وبعد ذلك أمضوا الميثاق ~~بدون قيد ولا شرط. وهذه الغريزة التي تدفع الفرنسيين إلى عمل الأشياء غير المحببة ~~واتخاذ المظاهر العدائية، قد تؤدي بهم في أفريقيا كما أودت بهم في أوروبا، ويقوم بايرود ~~بمساعيه لدى باريس وهو متمسك بفكرته بكل قواه. # وكان أعضاء الوزارة الشرعية قد نقلوا من صحرائهم إلى جزيرة جربة، وإثر زيادة بايرود ~~إلى تونس اتخذت السلطات الفرنسية بعض الإجراءات للإفراج عن الوزراء والزعماء، وتم رجوع ~~الوزراء المبعدين يوم 6 مايو 52، لقد قصد الكولونيل فريبوس مدير الديوان العسكري للمقيم ~~العام في صباح الثلاثاء 6 مايو جزيرة جربة، حاملا رسالة من المقيم العام إلى أصحاب ~~الدولة والمعالي الوزراء التونسيين المبعدين، يعلمهم فيها برفع الإجراءات المتخذة ضدهم ~~والقاضية بإبعادهم عن تونس، مع اشتراط عدم قيامهم بأي نشاط سياسي، وألا يقطنوا بعاصمة ~~تونس، وألا يقربوا من بلدة قرطاج - حيث القصر الملكي - في الوقت الحاضر، فامتطوا متن ~~طائرة خاصة نقلتهم من جزيرة جربة إلى تونس، فوصلوها في الساعة السادسة مساء، وكانت في ~~صحبتهم صاحبة السمو الملكي الأميرة زكية والهدايا التي قدمها لهم سكان جربة. # وركب القومندان باراس نائب رئيس الديوان العسكري للمقيم العام طائرة على الساعة ~~السابعة من صباح الأربعاء 7 مايو قاصدا رمادة في الصحراء، وعند وصوله ذهب إلى الحصن ~~الذي كان يقيم فيه الزعماء، واجتمع بالرئيس الجليل الأستاذ الحبيب بورقيبة والزعماء ~~المنجي سليم والهادي شاكر والهادي نويرة، وأعلمهم أنه مبعوث لإعلامهم بأن الجنرال ~~جارباي القائد الأعلى لجيوش الاحتلال بتونس قرر نقلهم من منفاهم برمادة إلى جزيرة جربة، ~~وركب الزعماء الأربعة الطائرة فحلقت متجهة صوب جربة، ولما وصلتها لم يسمح بالنزول إلا ~~لثلاثة منهم؛ الأساتذة: نويرة وسليم وشاكر، الذين نقلوا إلى مركز المنار البحري ms263 المعروف ~~ببرج الجليد والواقع في جنوب الجزيرة، وأعدت لهم هناك ثلاث غرف، وحجر عليهم مبارحة قطعة ~~الأرض المحيطة بالمنار، ولا يسمح لأحد بزيارتهم. # وأبقي الرئيس الجليل بالطائرة التي أقلته من بعد إلى مطار سيدي أحمد قرب بنزرت؛ حيث ~~نزلت في الساعة الثانية بعد الظهر ، ثم حمل في سيارة من سيارات البحرية الفرنسية - ~~دائما بصحبة القومندان باراس - حتى بلغا الطائرة المائية (إيلون الثاني) التي ~~نقلتهما بطريق البحر إلى جزيرة جالطة الصغيرة التي لا يرتادها إلا الصيادون والتي تبعد ~~أربعين ميلا عن شواطئ تونس، وهناك أنزل الرئيس الجليل، وابتدأت حياة الوحدة ~~والانفراد. # ولكن ذلك لم ينقص من حدة التوتر ولم يقشع السحب المخيمة على الجو السياسي، ولم يتمكن ~~المقيم العام من إرجاع السلم إلى البلاد ولا من تهدئة الخواطر، بل اشتدت المظاهرات ضد ~~بكوش، واستمر الملك على منع الوزراء الخونة من حضور حفلة الطابع، وكان يوم 12 مايو - ذكرى ~~فرض الحماية الفرنسية - يوما مشهودا؛ إذ أعلنت البلاد الحداد وأضربت كلها عن العمل، ~~ولم يجد البكوش شخصيات تونسية يكون منهم لجنته المختلطة، وقررت الصحف الاحتجاب ثلاثة ~~أيام احتجاجا على سخافة الرقابة الفرنسية، وأعاد الجنرال جارباي منع التجول. # ودفنت هكذا اللجنة المختلطة قبل أن تبرز للوجود؛ لأن المشكلة التونسية ليست تعيين بعض ~~الأعضاء في لجنة لا قيمة لها، ولكنها مشكلة العلاقات بين تونس وفرنسا. # وقد لخصت مجلة إسبري # Esprit # حادث العدوان الفرنسي ~~على الوزارة التونسية وشرحت أسبابه، وفضحت أعمال الحكومة الفرنسية في مقال نشرته بعددها ~~الصادر في شهر مايو 1952 وخيرنا نقله لما فيه من حقائق. ~~(5-1) المساجلة بين القوات في تونس # قبل أن يلتحق دي هوتكلوك بتونس تحادث طويلا في غمرة الليل مع الجنرال دي جول في ~~كلومبي لي دو إجليز # Colombey-Les-Deux-Eglises ~~، ~~وإن ذلك الخبر الذي نشرته «باري ماتش» بعددها الصادر في 5 أبريل يمكننا من إيضاح نواح ~~عدة من الأزمة التونسية الجديدة. # فتجد هكذا سياسة القوة مصدرها حيث تولدت، خاصة وأن تجمع الشعب الفرنسي لم يقتصر على ~~تأييد الأغلبية البرلمانية الجديدة في ms264 سياستها بتونس، بل شمل ذلك التأييد السياسة ~~الاقتصادية والداخلية التي تسير عليها حكومة بيني؛ فأحزاب اليمن تنشر اليوم بنود النصر ~~قائلة أنتم ترون أن في استخدام القوة النجاح، ولكنهم تغافلوا عن أن يقولوا أيضا إن تلك ~~القوة استعملت في 1934 و1938 و1943 و1946، ولم تفلح إلا في اشتداد معارضة التونسيين ~~للوصاية الفرنسية، وهي وحدها التي مكنت الدستور الجديد من أن يصبح العنصر الممثل ~~لأكثرية سكان تونس. # فقد أعيدت غلطات الماضي بواسطة أشد الألفاظ السيارة فسادا، ولم تقم أي وزن للواقع، ~~ولا لإمكانيات التسوية التي ظهرت سنتي 50 و51. وقد قدم حزب «الحركة الجمهورية الشعبية» ~~مساعدة فعالة - كانت حاسمة - للحلول التي كان يسعى إليها «ذلك التجمع الفرنسي» في تونس ~~وأعوانه في فرنسا من حزب تجمع الشعب الفرنسي، وحزب تجمع اليسار الجمهوري ~~والمستقلين. # ولعبت الحكومة دور «بونس بيلات» فنقضت يديها من المشكل، فكان جواب مجلس الوزراء ~~المنقسم على نفسه ل «م. دي هوتكلوك» الذي كان يطلب تعليمات دقيقة مضبوطة ليحصل على إبعاد ~~السيد شنيق أن «افعل ما تراعه لكي تبرز الإصلاحات»، فاستخدم المقيم تلك التعليمات ~~كأنها تفويض مطلق. ورغم دهشة عدد من وزرائنا إثر العدوان على شنيق، فإنهم يتحملون ~~مسئولية جراح قد يطول برؤها ويتعذر اندمالها، وهي تنقص من تأثير الإصلاحات المنتظرة ولو ~~كانت جريئة، وذلك ما نشك فيه حسب ما لدينا من معلومات عنها. # وكان لوفل # Louvel # ودي شيفيني # De Chevigné ~~(الذي تخرج في مدرسة مدغشقر) يؤيدان في مجلس الوزراء سياسة ~~القوة والاضطهاد باسم حزب الحركة الديمقراطية الشعبية، وتكلف بيدو بالاستحواذ على كتلة ~~النواب من ذلك الحزب، فتكلم فيهم بصوت حاد قضى على كل معارضة في مهدها، ودافع عن ~~الجنرال جارباي معلنا تضامنه معه. # وأيد موريس شومان المعروف بتأثره السريع وانقياده السهل وجهة نظر موظفي الكي دورسي ~~والتجمع الفرنسي، وأنقذ فونلبت ~~إسبيرابير # Fonlupt Espéraber # وأندري دونيس # André Denis # شرف كتلتهما بتصريحات جريئة ألقياها في الجمعية الوطنية يوم أول أبريل، وقد فضح دونيس ~~الضغط الذي تقوم به الجالية الفرنسية بتونس في مجلس ms265 الوزراء نفسه. # يجب أن نعلم أن مجرد لفظة «إصلاحات» يتلفظ بها أي مقيم إلا ويصبح محل ريبة عند ~~الفرنسيين المقيمين بتونس، كما يجب أن نعلم أن هؤلاء الفرنسيين قد نجحوا في نقلة «م. ~~مونص» سنة 1950؛ لأن كرسيه كان أقل ارتفاعا من كرسي جلالة الباي، وفي ذلك مس لا يحتمل ~~بسمعة فرنسا! ويجب أن نعلم أن المقيمين الذين لا يحوزون ثقة هؤلاء الفرنسيين يصبحون ~~عرضة للتجسس المنظم، وكثيرا ما يرسل حزب التجمع الفرنسي وفودا إلى باريس مهمتها ~~مقاومة كل دراسة للإصلاحات، ويجب أن نعلم أن الأبواب الرسمية تفتح في وجوهها بنفس ~~السهولة التي تفتح في وجه المقيم نفسه، وقد وجد ممثلو فرنسا مرات عديدة في قاعة انتظار ~~الوزراء «فريق الهجوم» لفرنسيي تونس ينتظر دوره للمقابلة؛ لكي يدحضوا كل حجة ترمي إلى ~~تطور العلاقات الفرنسية التونسية. # ويجب أن نعلم أن الذين يبثون الفكرة القائلة بأن الدستور الجديد حزب استبدادي ذو ~~نظرية قومية إقطاعية يمثلون هم أنفسهم أشد إقطاعية وأكبرها في تونس، وهم ألد الخصوم ~~لتطور البلاد نحو الديمقراطية؛ لأنها تحرمهم من الانفراد بالامتيازات التي يستفيدون ~~منها ويعملون على أساسها. # وأخيرا يجب أن نعلم أنهم يستطيعون الحصول بسرعة فائقة على التقارير السرية التي ~~يرسلها المقيمون إلى وزارة الخارجية مع الحيطة والتحفظ، ثم يطبعونها كاملة ويوزعونها ~~ليتمكنوا من مقاومة ممثلي فرنسا في باريس نفسها. ويجب أن نلاحظ في نهاية الأمر أن ~~الفرنسيين المقيمين بتونس هم وحدهم الذين يستمع إليهم بانتباه، وهم الذين تنتصر دوما ~~وسائل تهديدهم. # وإذا أراد المرء زيادة في الاقتناع بأثر نشاطهم، فيكفيه أن يرجع إلى المفاوضات التي ~~بدأت يوم 31 أكتوبر بين الحكومة الفرنسية وحكومة محمد شنيق، وقد اشتملت هذه المفاوضات ~~على طورين. # وكانت المباحثات جارية قبل أن تصل وفود التجمع الفرنسي، وكان التفاهم يسود الطرفين، ~~وبدا من الممكن الوصول إلى تسوية مرضية. # وادلهم الجو بعد وصول تلك الوفود، وأصبحت كل مقابلة يقوم بها السيد شنيق إلا وتوازيها ~~مقابلة تقوم بها جماعة «كزابيانكا وكلونا»، فتهاجم الوزير الأول التونسي ولا تتحاشى عن ms266 ~~الثلب لتفنيد أقواله، وأقنعوا كل وزير بمهارة فائقة، وكانت مذكرة 15 ديسمبر انتصارا ~~كبيرا سجله حزب التجمع الفرنسي. # ولا نكون مبالغين مهما ازداد اهتمامنا بتلك المذكرة ومهما أكثرنا من الرجوع إليها، ~~فقد كانت نقطة التحول السياسي إزاء تونس، وهي تحمل في تضاعيفها مسئولية الحوادث التي ~~تبعتها والتي تنبأ بها بعض الموظفين بعيدي النظر بدون أن يلتفت إليهم ولا يسمع لهم ~~قول. # فإن فقد التونسيون رصانتهم غضبا وبالغوا في بعض الأعمال المؤسفة ولم يسيروا بسفينتهم ~~طبق المراد ولم يقودوها وفقا للمرغوب، فمن الواجب الاعتراف بسوء نية فرنسا وتحميلها ~~مسئولية الإفراط في الاضطهاد. # وقد أكثر «م. بيني» ومسيو دي هونكلوك من التشدق ومن الثرثرة والكلام على وزارة شنيق ~~رامين إياها بالتطرف، مدعين أن ليس لنهمها حد، معيدين أنها عاجزة عن إدارة البلاد. وهذا ~~كله ثلب، فلنرجع إلى بعض الحقائق، فلا شك في أنه للمرة الأولى في تاريخ الحماية تصل ~~تشكيلة وزارية تمثل الرأي العام إلى الحكم طبق اتفاق 17 / 8 / 1950 الذي تم بين المقيم ~~لويس بريليه وجلالة الباي، ورضي بها الجميع بكامل الحرية ومن بينهم حزب الدستور الجديد، ~~ولم يعد المقيم الفرنسي يفرض الوزارة كما كان يفعل من قبل، وقبلت الحكومة الجديدة إزاء ~~ذلك ألا تخرج عن نطاق الحماية فيما ستسنه من إصلاحات وما ستدخله من تطور يرمي إلى الحكم ~~الذاتي، وكانت الحالة واضحة والهدوء سائدا في البلاد والتفاهم مستمرا، وتم تطبيق ~~الإصلاحات المنتظرة، ولم تبق في طور الإعداد إلا الإصلاحات المتعلقة بنظام البلديات. ~~وقد أنجزت اللجنة المختلطة جميع النواحي الفنية، ولم تبق إلا مشكلة مبدئية تتعلق بميدان ~~الانتخابات وتمثيل الفرنسيين في المجالس البلدية، وكادت الحكومة التونسية أن تقبل ذلك ~~لو لم يرفض سلطان مراكش التوقيع على «ظهير» (مرسوم) مماثل، فرأى جلالة الباي ووزراؤه - ~~للتضامن مع سلطان مراكش - أنهم لا يستطيعون قبول ذلك التمثيل بدون الحصول على ضمانات ~~تشمل دراسة مبادئ ومجموع السلطات النيابية والتشريعية، وكانت من نتائج مشكلة الفرنسيين ~~خطاب العرش في مايو 1951، وإعداد مفاوضات جديدة مع الحكومة الفرنسية نفسها ms267 بباريس، وكان ~~موضوعها الحقيقي الحصول على تحديد دقيق للاستقلال الداخلي، وعلى تعريف المبادئ التي يجب ~~أن يستند إليها تحقيق الإنجازات المقبلة، ولم يتطرق الحديث إلى آجال تلك الإنجازات إلا ~~بصفة سطحية في مذكرة 31 أكتوبر، المتينة في تحريرها، الموزونة في لهجتها، والتي كان ~~يمكن أن تتخذ أساسا لمفاوضات تقوم على الكياسة والمنطق، ولا يمكن بحال أن نغفل الصلة ~~الوثيقة بين (التصريح المشترك) في 17 / 8 / 50 ومذكرة الوزارة التونسية (في ~~31 / 10 / 51)، وقد طلب لويس بريليه الذي سهر على تنظيم محادثات أكتوبر 1951 من وزارة ~~شنيق أن تفض جميع المسائل الإدارية الهامة قبل القدوم إلى باريس؛ إذ ينبغي ألا تعرقل ~~تلك المسائل الإدارية سير المفاوضات، وتتلخص تلك المسائل في توزيع الأراضي الإيطالية ~~على قدماء المحاربين التونسيين والفرنسيين، وفي زيادة الأجور، ومنح الموظفين الفوائد ~~التي يعطيهم إياها تطبيق قانون الوظيفة الفرنسي، وإحداث إيرادات لتسديد تلك المصاريف ~~الجديدة، وتمت الأمور كلها وأحرزت على رضى الجميع، وخاصة مسيو روبير شومان الذي تبني ~~طلبات لويس بريليه. # وقد رأينا من الضروري بيان تلك التفاصيل الفنية؛ لأن المشاكل كانت دقيقة فعلا، وإن ~~ذلك الواقع المحسوس ليكذب وحده ادعاءات بيني ودي هوتكلوك. أما حججهما فلا قيمة لها؛ ~~لأنهما استنتجاها من فترة ما بين 21 أكتوبر و4 مارس التي جعلها موقف فرنسا نفسها فترة ~~استثنائية، ومن أراد قتل كلبه فمن السهل أن يدعي أنه مصاب بداء الكلب. # والعنصر الثاني الدال على سوء نية الحكومة الفرنسية ردها على المذكرة التونسية؛ إذ ~~رأينا أن الوزراء التونسيين كانوا يطالبون بجواب يوضح المبادئ ويحدد الحكم الذاتي ~~تحديدا كاملا، وكانوا يظنون أن هاتين العبارتين مسلم بهما متفق عليهما، فماذا حصلوا ~~بعد مفاوضات دامت شهرين كاملين؟ حصلوا على جزم بات في نص مكتوب، بأن تونس مرتبطة بفرنسا ~~ارتباطا أبديا؛ أي بمبدأ السيادة المشتركة التي عوضت هكذا الحكم الذاتي، فقد أخلفت ~~فرنسا وعدها هذه المرة أيضا، وأبرزت فرنسا فكرة سيادة الباي، عندما حاولت في يناير ~~1952 التراجع عما تعهدت به. وتلك عبارة عابرة تظهر معارضة ms268 فرنسا لفكرة السيادة التونسية ~~مهما تكن معارضتها، ولكل حل يرمي إلى السير بالشعب التونسي نحو استلام مسئوليات الحكم ~~في بلاده، وفي ذلك الوقت نفسه صارت ليبيا مستقلة. # والعنصر الثالث الدال على سوء النية من جانب الحكومة الفرنسية، ادعاؤها المستمر بأن ~~الدستور الجديد والحزب الشيوعي شيء واحد وإن اختلفت الأسماء، ولا فائدة في الكلام عن ~~ذلك الادعاء المخالف للحقيقة. # وقائمة المخازي لم تنته بتلك القائمة مع الأسف، فبقي الاستناد إلى قانون الأحكام ~~العرفية لاعتقال وزارة كاملة، وبقي الاضطهاد، وبقيت مساومة الباي وتهديده بالخلع (راجع: ~~سيادة جلالة الباي)، وبقي اعتقال نويرة الزعيم الدستوري المعتدل؛ لأنه رفض أن يكون ~~وزيرا في تشكيله بكوش التي طال بها المخاض وصعبت ولادتها. # وبقيت أيضا مسألة تتطلب شيئا من الإيضاح، وهي نشر الحكومة الفرنسية، في أوائل شهر ~~أبريل الرسائل التي كتبها الحبيب بورقيبة، وقد عثر عليها البوليس أثناء إجراء تفتيشاته، ~~فقدمتها غذاء للرأي العام الفرنسي الذي زعزع فكرته الإفراط في الاضطهاد والإغراق ~~فيه. # وكأن تلك الحجة بينة في ظاهرها، فالرسائل تعتبر من غير شك إمكانية استخدام القوة بما ~~فيها من نواح مادية كالسلاح والأموال والحركة الدبلوماسية، وتواطأت الصحافة - عن قصد أو ~~عن غير قصد - مع الحكومة الفرنسية على الأمر، فلم تقدم أي بيان عن تلك المراسلة ولم تقم ~~بنقد نصوصها، ولو دققنا النظر في تاريخها لرأينا أنها كتبت 12 / 5 / 1950 وفي ~~5 / 7 / 1950 أي قبل أن تبدأ تجربة «شنيق-بريللي»، وقبل أن يقبل حزب الدستور الجديد ~~المشاركة في الوزارة التي تألفت في 17 / 8 / 1950. # ولنتحدث عن الأشخاص؛ لمن يكتب بورقيبة؟ بل كان في الحقيقة يجيب، ولكن يجيب من؟ لم ~~تعط لنا أي معلومات عن شخصية مراسلي الزعيم الوطني، ويبدو بوضوح من النص الذي قرأناه ~~(لوموند في 6 و7 أبريل سنة 1952) أن الحبيب بورقيبة كان يكتب لشخص أكثر تطرفا منه، وهو ~~يحاول إقناعه بأن سياسة الحزب الدستوري الجديدة (وهي معتدلة) تمكن تونس أيضا من الوصول ~~إلى استقلالها، وهو بذلك يريد إزالة قلق ويرد على نصيحة بالتشدد، ولكي ms269 يقنع مراسله ~~(وهذا أمر طبيعي) ركز تفكيره في المواضيع التي طرحها من وجه إليه السؤال. إن الحبيب ~~بورقيبة يدافع عن سياسته، فتطرقه هكذا إلى الحديث عن «الكفاح المسلح» (الذي أوعز به ~~مراسله) ولكنه وضعه بعد استحالة الوصول إلى تسوية بالطرق السلمية، فقال: «إذا أصرت ~~فرنسا (وهذا هو المحتمل مع الأسف) على رفض كل تسوية حقيقية وشريفة.» وقال: «إذا حصل صدع ~~لا يلتئم وجرح لا يداوى ولا يندمل. وأمر لا يمكن تلافيه وإصلاحه - وهذا ما لا بد من ~~وقوعه إذا أصرت فرنسا على عماها ...» ولا يمكن أن يؤاخذ على شكه في نوايا الحكومات ~~الفرنسية. # وسوف لا نحلل ما أتى به زعيم الدستور الجديد في تلك الوثائق من أحكام سياسية حصيفة ~~نيرة، ولنذكر منها تنبؤه بموقف الباي إذا أصبح النزاع خطيرا، وحوادث مارس الماضي أيدت ~~رأيه، وتحليله الدقيق المتين لموقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في السياسة ~~العالمية، وإيضاحه لضغط الجالية الفرنسية بتونس على الحكومة وكفاحهم ضد المقيم ~~بريليه. # والمسألة الوحيدة التي يمكن المؤاخذة عليها حسب نظر موضوعي في تلك المراسلة، هي جزم ~~نزيه بفكرة قومية متحمسة ومتطرفة أحيانا، ولسنا في حاجة إلى تلك الرسالة لتعلمنا بما ~~كنا نعلمه من قبل، ولكن حكامنا في حاجة إليها ليعدوا العدة تمهيدا لمحاكمة الحبيب ~~بورقيبة. # وقد انتهت الحرب الباردة التي شنها دي هوتكلوك على شنيق بانتصار المقيم الفرنسي ~~انتصارا مؤقتا، ولكنه لم يحرز على الدخول من جديد إلى قصر الباي إلا عندما اندس خلف ~~مبعوثي رئيس الجمهورية، وما كان أحد يعتقد عندما أذيع إنذار يوم 26 مارس أن فرنسا ستذهب ~~إلى هذا الحد مع أن رد 15 / 12 / 1951، وعوامل السياسة الداخلية التي ذكرناها تؤدي ~~حتما إلى مثل تلك الحلول، وقالوا: إن شرف فرنسا تدنس بموقفها هذا. ولم يكونوا مخطئين، ~~إذن لم نستفد من درس الهند الصينية، وبلاغ الانتصار الذي نشره دي هوتكلوك يشبه إلى حد ~~بعيد تصريح تييري دارجنليو # Thierry d’Argenlieu # في سنة ~~1946 فهل هو إنذار؟ # إن الإصلاحات التي رفضتها أغلبية اليمين قبل 15 ديسمبر ms270 صارت اليوم تعتبر ضرورية، وإذا ~~جرى الحديث اليوم حول الحكم الذاتي أو السيادة التونسية، فإنما يحصل ذلك نتيجة للحوادث ~~المروعة التي وقعت في شهري يناير وفبراير وبعد استعمال وسائل البطش. # وهكذا يقضى مقدما على ما في العروض من فوائد إيجابية، أنه من المؤكد لو كانت ~~التدابير التي عرضها روبير شومان على لجنة الشئون الخارجية يوم 28 مارس، فحوى الرد على ~~مذكرة 3 / 10 / 1951 لاكتفى التونسيون بذلك، ولكن لا يمكن أن ينطبق هذا القول على ~~التهرب الجديد المتمثل في التدقيقات التي أدلى بها دي هوتكلوك عن طريق صلاح الدين ~~البكوش في أول أبريل. # فالأمر الأول هو إخضاع الباي ، ثم تطمين الفرنسيين المقيمين بتونس، وغرضنا اليوم ليس ~~تحليل الأسس السليمة التي تقوم عليها عروضنا الجديدة، ولكننا نقول: هل هناك حاجة إلى ~~المرور بمحنة الدم لكي نفرض اليوم ما كنا مطالبين أمس بإعطائه؟ وهل ستبقى فرنسا دائما ~~في علاقتها مع أقطار ما وراء البحار بلاد الفرص الضائعة؟ # | محاولة اغتيال الملك # (1) شعب تونس لا يستسلم! # على أثر الاعتداء على الوزارة الشرعية اشتد احتلال القوات الفرنسية المسلحة للقطر ~~التونسي جهة جهة، وقرية قرية، ومدينة مدينة، وبلغ عددها عشرات وعشرات الآلاف، وعززتها ~~النجدات المتوالية سواء من فرنسا نفسها أو من الجزائر، واستمر إمدادها بالذخيرة ~~والأسلحة أشهرا متوالية من غير انقطاع، واشتركت معها في العدوان على شعب تونس قوات ~~مصفحة كبيرة جدا، وسلاح الطيران بأنواعه والأسطول الحربي الفرنسي، وتوالت الضربات ~~وأصبح الضغط فظائع والفظائع إجراما، وكممت الأفواه وتعطلت الحريات، وقيدت الصحافة، ~~وأصبح الملك مسجونا في قصره، واعتقلت الوزارة الشرعية، وأبعد الزعماء، وامتلأت ~~المعسكرات والثكنات بالوطنيين، وفرض منع التجول، وويل لمن تكلم أو تحرك أو تنفس! وإذا ~~أبت الجماهير أن تستسلم وتظاهرت في الشوارع، فالرصاص يأكل لحومهم والحراب السفاكة تسيل ~~دماءهم، ويكثر التقتيل فيهم، وتصير المعارك مجازر. # وتراكمت القيود على القيود، واشتدت السلاسل والأغلال وتوثق رباطها، وظن المقيم العام ~~إذ ذاك أنه كبل شعبا وأحكم تكبيله، فأخذ يتحداه بعد أن صير حياته جحيما، وصرح أن ~~الهدوء قد ms271 ساد بتونس والسكينة قد نزلت على أرضها والصمت قد خيم عليها، والشعب أعزل؛ لا ~~ذخيرة ولا سلاح ولا مال ولا إعانة. ولكن ذلك الشعب الأعزل من كل سلاح صير تونس بركانا ~~يفور وجهنم على المحتلين والغاصبين، ونشر في نفوسهم الحيرة وأنزل في قلوبهم الرعب، فإذا ~~كان السلاح مفقودا فليصنعه بيديه إذن؛ لأن إرادة الشعب من إرادة الله، وإرادة الله لا ~~تغلب. وأخذ شعب تونس يصنع القنابل التي كانت في أول الأمر بسيطة، دويها أكثر من ~~مفعولها، ثم تطورت وأتقنت. وكانت البلاد التونسية في النهار الوضاء تحت حكم الفرنسيين ~~وجنودهم، حتى إذا جن الليل وساد الظلام يتحكم فيها التونسيون ، فما هي حياة تونس خلال ~~الأشهر التي تلت العدوان الفرنسي على الوزارة الشرعية في أواخر مارس 1952؟ فإنها تظهر ~~من بعض الحوادث كما هي، قوات أجنبية تهاجم وشعب يرد العدوان بما لديه من وسائل. # ولقد اعتقلت السلطات الفرنسية المدنية والعسكرية عشرات الآلاف من التونسيين؛ فمنهم من ~~نفته، ومنهم من وضعته في المعسكرات والثكنات، ومنهم من سجنته وحاكمته، ومنهم من أطلقت ~~سبيله بعد أن عذبته. ثم أرادت التضليل والمكابرة، فنشرت السلطات العسكرية بلاغا في ~~أواخر شهر أبريل قالت فيه: «إنه في يوم 25 أبريل كان مجموع المبعدين التونسيين 1315، ~~موزعين على الصورة الآتية: 35 في رمادة، و500 في زعرور، و500 في بنقردان، 280 في ~~تبرسق. # ومن جهة أخرى فإن ألف تونسي قدموا للمحاكم العسكرية، ولا يزالون في حالة ~~إيقاف.» # هذا اعتراف الفرنسيين أنفسهم، ولو أضفنا لذلك مثله؛ إذ إنه لم يتحدث عن المحاكم ~~الفرنسية المدنية ولا عمن اعتقلتهم السلطات المدنية خاصة، وأن الاعتقالات قد استمرت بعد ~~ذلك مدة عامين تقريبا! # وأطل شهر مايو، شهر العمل والنشاط، وكانت تونس كلها - بواديها وقراها ومدنها - تحتفل ~~بغرة مايو، بالعيد العالمي للعمل في كل سنة، وكان الشعب بأجمعه يشارك الاتحاد العام ~~التونسي للشغل في مهرجاناته واستعراضاته وحفلاته، ولكن القائد الأعلى الفرنسي لجيوش ~~الاحتلال أصدر بلاغا منع فيه تنظيم الاستعراضات والتظاهر والتجمع في الميادين العمومية ~~بمناسبة عيد العمل، وانتشرت سيارات ms272 الجند والبوليس في أهم المراكز والنقط والميادين ~~تأهبا لقمع كل حركة، وعلقت جريدة «الصباح» التونسية على ذلك المنع، قالت (2 / 5 / 1952): # ولم تحتفل تونس هذه السنة بعيد الشغل كسابق عهدها، ولم تجر المهرجانات ~~العمالية البهيجة التي كان ينظمها الاتحاد العام التونسي للشغل. # وكان ذلك اليوم يوم غضب واضطراب ودماء، وقد انتظمت مظاهرات شعبية قبل الظهر، وتعددت ~~في أحياء المدينة، وسارت الأولى في حي الباب الجديد، وخرقت الثانية شارع باب المنارة ~~ومرت أمام ثكنة العساكر الفرنسية، وخرجت الثالثة من شارع باب الجزيرة، وسارت الرابعة ~~إلى بيت الوزير الخائن بكوش، وأسرعت قوات الجندرمة والبوليس نحوها بقصد تشتيتها، وأطلقت ~~عليها نيرانها، فأكثرت من الجرحى، وقام البوليس كامل نهار أول مايو بحملة عنيدة في ~~الأحياء العربية، وملأ عرباته بالعدد العديد من التونسيين الذين سيقوا إلى مراكزه ~~المتنوعة للتعذيب والتنكيل. وقد بلغت الاعتقالات أرقاما لم يسبق لها نظير، وأخذ نطاق ~~الاعتقالات يتسع حتى شمل القطر كله. # 1 # وكانت معاملة التونسيين في المحتشدات قاسية وحياتهم فيها صعبة أليمة، فقد أقامت ~~السلطات العسكرية الفرنسية معسكرا بجهة باردو قرب القصر الملكي، ولم تتحدث عنه أصلا ~~في بلاغاتها الرسمية وخاصة بلاغ 25 أبريل، فإنها نصبت هناك خياما لإيواء السادة الذين ~~ألقي عليهم القبض بمنوبة، وأضافت إليهم معتقلي الكاف وسوق الخميس وسوق الأربعاء ~~والجديدة وطبرية، وتعددت الخيام حتى غدا المعسكر كسوق من أسواق البادية لكثرة ما فيه من ~~أناس. # وظهرت قسوة الفرنسيين خاصة في معاملة المرضى، وكان ألقي القبض على السيد علي بن سالم ~~مدير مدرسة الضواحي بمنوبة - يوم 26 مارس - واعتقل بمعسكر زعرور، واشتد به المرض ولكن ~~السلطات لم تسمح له بالمعالجة. # وإن الوطنيين التونسيين الذين لا يعرفون في المقاومة هوادة أو استسلاما، قد تمادوا ~~في كفاحهم داخل السجون والمعسكرات، وكان كفاحهم شديدا جبارا وإن اتخذ قالبا سلبيا. ~~لقد دعا القبطان المكلف بمعسكر جلال في جهة بنقردان، رئيس لجنة المبعدين الأستاذ الحبيب ~~المولهي يوم 24 أبريل، وأعلمه بأن المقيم العام قرر مبدئيا إطلاق سراح المبعدين ~~السياسيين. ومن المفروغ منه ms273 أن ذلك الإجراء يشمل أولا وبالذات المبعدين الذين قدموا ~~مطلبا كتابيا يعربون فيه عن إخلاصهم - لفرنسا بطبيعة الحال - ويتبرءون من الإرهابيين ~~والحركات السياسية، ولا يقبل ذلك المطلب إلا بضمان شخصين، فجمع الأستاذ المولهي أعضاء ~~لجنة المبعدين وأعلمهم بذلك، فرفضوا ما عرض عليهم بالإجماع، ولما علم القبطان الفرنسي ~~بقرارهم ازداد شدة وقسوة، وأصدر تعليماته بتحديد التجول وإطفاء الأنوار بالمعسكر على ~~الساعة التاسعة والنصف مساء، مع التحجير على المبعدين مغادرة زنزاناتهم مهما تكن ~~الدواعي، وأمر الحراس بإطلاق النار من غير سابق إنذار على كل من يخالف تلك الأوامر، فلم ~~يبق للسجناء إلا أن حرروا برقية احتجاج وسلموها للقبطان، فأخذها ومزقها ورمى ~~بها. # وكان الأستاذ المولهي قد قدم من قبل للقطبان وللسلطان بعض المطالب الضرورية، فوعدت ~~مرات بإرضائها ولكنها لم تف بها، بل حرمت المبعدين من بعض الحقوق التي كانوا يتمتعون ~~بها. # ولما رأى الوطنيون تعكير حالتهم وخطورة الموقف، قرروا الإضراب عن الطعام لأجل غير ~~محدود، إلى أن تجيب السلطات مطالبهم التي قدموها من جديد، وشرعوا في هذا الإضراب يوم ~~الأحد 27 أبريل 1952 في الساعة الثامنة مساء، وتمادى يوم 28 كله، فلما رأت السلطات ~~العسكرية أن الحركة جدية إجماعية صادرة من الأربعمائة مبعد كلهم، أعلم القبطان الأستاذ ~~المولهي صباح الثلاثاء 29 أبريل أن ساعة منع التجول قدمت إلى الساعة الثامنة مساء، ~~وبعد الظهر احتل الجنود بسلاحهم الكامل المعسكر وهجموا على المولهي واختطفوه واختطفوا ~~معه أعضاء لجنة المبعدين وحملوهم معهم وهم 12 فردا، وانهال الجنود على المعتقلين لكما ~~وضربا ودفعا بعد أن أضعف الجوع أبدانهم وقضى على قواهم، ولم يراعوا شيخا ولا مريضا. ~~وكان الصراخ وصيحات الألم تتعالى من الضحايا وهم يتساقطون على الأرض، فجرح أكثر من عشرة ~~منهم، وكان جرح أحدهم خطيرا إلى درجة استلزمت عملية عاجلة. # واستمر المبعدون على الإضراب عن الطعام، فأجبروا على البقاء في ميدان المعسكر تحت ~~حراسة الجنود خارج الغرف، وفي اليوم الرابع من الإضراب - الأربعاء 30 أبريل - أعلمهم ~~القبطان بأن قائد جيوش الاحتلال قرر تمديد اعتقالهم لمدة ms274 شهر وأمرهم بالرجوع إلى ~~غرفهم. # ثم إنه دعا المساجين واحدا بعد الآخر، بعد أن التف حوله عدد من العساكر وسألهم ~~السؤال التالي: «هل تفطرون اليوم؟» فكان جواب 390 من أربعمائة: «لا.» فأنزل العقاب ~~باثنين وثلاثين من الوطنيين ونقلهم إلى زنزانات ليس فيها أبواب ولا شبابيك، وقام بدور ~~هزلي لم ينطل على أحد؛ إذ حمل بعض الجنود أطباق الأكل إليهم؛ لكي يظن بقية المبعدين أن ~~الوحدة قد انفصمت، وفي ذلك المساء أيقنت السلطات أن عزم المبعدين لا ينثني فطلبت الهدنة ~~معهم وأجابت رغباتهم، ورجع الذين عوقبوا وفي مقدمتهم الأستاذ المولهي، وإذ ذاك فقط حل ~~الإضراب. # وكان عذاب السجن أشد وأقسى؛ إذ يمرض فيه السليم، ويموت المريض من غير علاج، وقد توفي ~~السيد محمد الكعبي بالسجن المدني بتونس في 20 مايو، وأقام المعتقلون السياسيون هناك ~~صلاة الجنازة على جثمان الشهيد. # وتعددت المآسي وتنوعت؛ فأصيب الشاب عبد السلام الطرابلسي من سكان الحمامات (في شهر ~~فبراير 1952) برصاصات رشاشة، ونقل إلى مستشفى التحرير بتونس بدون علم أهله، وبقي ~~المسكين في المستشفى، وكان أهله يفتشون عنه من غير جدوى، وقد قاسوا الأمرين مدة مديدة ~~ولم يجدوا من يرشدهم عن مصيره، وضاع أملهم في العثور عليه، وإذ ذاك فقط علموا ~~بحالته. # وكانت تشكلت بتونس لجنة الدفاع والإسعاف الإنساني - من بين أعضائها الدكتورة توحيدة ~~بنت الشيخ ودوران إنقليفيال - وطلبت مقابلة من المقيم، وقدمت له - يوم 14 فبراير - ~~احتجاجا عما أثبتته من أعمال التنكيل والتعذيب التي تجري على الوطنيين، قالت في ~~تقريرها: «يسلط التيار الكهربائي على من ادعى عليهم أنهم يخفون السلاح لحملهم على ~~الإقرار، ثم يطلق سراحهم من بعد أن تظهر براءتهم (تحقيق أجري بالوردانين). # اعتقال عشرات من الأشخاص في قاعات مراكز البوليس في ظروف صحية لا توصف مع الحرمان من ~~الأغذية والفراش والغطاء، وتسليط العذاب عليهم بمهارة وانتظام.» # ويعتري أحيانا ضرب من الجنون البوليس، فيستنبط أنواعا من التنكيل جديدة؛ فقد علقت ~~مناشير على جدران السوق بمدينة توزر - أول مايو - تدعو إلى الكفاح، فقامت السلطات ~~الفرنسية إثر ذلك ms275 باعتقال حوالي سبعة أشخاص من بينهم إمام المسجد الكبير السيد بدر ~~الدين بن الطاهر، ثم أجرت استنطاقات لجم غفير من أبناء توزر وعذبوهم عذابا لا يوصف في ~~مراكز الجندرمة والبوليس. # وكانت المحاكم العسكرية الفرنسية طيلة تلك الأشهر تصدر يوميا أحكامها القاسية على ~~الوطنيين. # 2 ~~(2) شهر رمضان شهر جهاد وكفاح # تعظم تونس شهر رمضان منذ العصور القديمة، فيكثر فيه التعبد وتمتلئ المساجد، خاصة في ~~الليل، وتقوى العاطفة الدينية ويعم الصيام، وكان شهر رمضان دائما شهر الاحتفالات ~~والسمر والسهرات المطربة، شهر الحلوى والمأكولات اللذيذة، وكادت تكون أيامه كلها ~~أعيادا، تزين فيه المدينة زينة كاملة، ويضاء ليله، وتكتظ المقاهي بالناس وتبيت ~~الميادين العامة والشوارع الرئيسية مزدحمة بهم. # وقد قرر شعب تونس في هذه السنة أن يجعل من شهر رمضان شهر حداد على الشهداء وحداد على ~~حرية فقدت واستقلال ضاع وكرامة ديست وشعب يئن تحت سوط العذاب، ففقدت تونس بهجتها ومرحها ~~وأضواءها وخيم الظلام على لياليها، فلا زينة ولا أعلام، ولا جماهير ضاحكة في الشوارع، ~~ولا غناء ولا طرب ولا موسيقى، بل السكون والصمت يتخلله دوي القنابل المنفجرة، وصيحات ~~المعذبين في الأرض، ووقع أقدام الجنود والحرس الفرنسي في الميادين والشوارع المقفرة، ~~وقرر شعب تونس أن يكون شهر رمضان للكفاح والجهاد. # وعرف الفرنسيون أن العاطفة الدينية تشتد في رمضان وتقوى، وربما تنقلب إلى ثورة جامحة، ~~فأكثروا من الاحتياطيات، وعمت حركات جيوشهم وتنقلات جنودهم، وازداد نشاط البوليس وخاصة ~~أمام المحافظة ليلة رمضان، من لوريات ثقال ودراجات نارية وسيارات «جيب»، وحركات أعوان ~~البوليس وقد حملوا بنادقهم ورشاشاتهم، وضيقت الحراسة على المدينة كلها، ولكن الفرنسيين ~~ما زالوا سادرين في طغيانهم؛ فقد انتخب المجلس الوطني الفرنسي «كلونا» «وبيو» كنائبين ~~عن فرنسيي تونس في مجلس الجمهورية فحصل الأول على 197 صوتا والثاني على 187. وهما لسان ~~العداوة الناطقة والاستعمار الإجرامي والدعوة إلى إلحاق تونس بالتراب الفرنسي، فأحدث ~~ذلك الانتخاب رجة جديدة في الأوساط التونسية وضاعف الغضب، وأضرم روح المقاومة. # وألقى الفرنسيون القبض على عدد وافر من الوطنيين احتياطا لأنفسهم وطلبا لفرض ms276 ~~الهدوء، ولكنهم كانوا كالعطشان في الصحراء يجري وراء سراب يحسبه ماء وما هو ~~بماء. # فألقت السلطات الفرنسية القبض على الأستاذ محمد جراد البطل الجسور والشاب الوطني ~~الجريء الذي صفع مصطفى الكعاك عندما كان وزيرا أولا، واعتقلت السلطات الفرنسية معه ~~عددا كبيرا من الشباب الدستوري الجديد، وأحيلوا ليلة رمضان على المحاكم العسكرية بتهم ~~متعددة: عصابة، مفسدين، وقتل متعمد، ومؤامرة ضد أمن الدولة الخارجي بدعوى أنهم هم الذين ~~كانوا يصدرون منشورات بإمضاء «اللجنة السرية للمقاومة»، وكانوا يصنعون قنابلهم ~~بأيديهم. # وألقي القبض أيضا على الأستاذ الناصر بو الأعراس رئيس شعبة باب سويقة الدستورية ~~بدعوى أنه تلقى أوامره من الرئيس «الحبيب بورقيبة» عندما كان مبعدا بطبرقة، فقاد ~~مظاهرات أمام بيت البكوش والإقامة العامة، وشملت الاعتقالات القطر كله، وكان جميع ~~المعتقلين - كالعادة - من أتباع الحزب الحر الدستوري التونسي الجديد. # 3 ~~(3) عيد الفطر أو عيد القنابل # أقبل عيد الفطر وانسجم مع الجو العام الذي كان يسود تونس منذ أواخر سنة 1951، فكانت ~~أيامه ولياليه صامتة خرساء، وأغلقت الدكاكين والمتاجر أبوابها، وأقفرت الأسواق والشوارع، ~~وغارت معالم الزينة المألوفة فلم تظهر بأي شكل ولا في أي محفل، ولم يتبادل التونسيون ~~التهاني، ولم يرتدوا ثيابا جديدة، ولم يصنعوا ما تعودوه من الحلويات الشهية. # وكان الحزن عاما، والحداد مخيما على القطر التونسي كله. # ولم تجر المواكب الملكية التقليدية؛ لأن جلالة الملك يشارك شعبه السراء والضراء، ولم ~~تقع الاستقبالات بالقصر الملكي واقتصرت على أفراد العائلة المالكة، وبعض الشخصيات ذات ~~الصلة الوثيقة بالبلاط. # 4 # وكان السجن المدني في تونس يعج بآلاف المعتقلين من النساء والرجال والأطفال، فقامت ~~إحدى السجينات في قسم النسوة وقالت لزميلاتها: هذا عيدنا فلنحتفل به، ولنبرهن على ~~عواطفنا ولنعبر عن شعورنا، ولنشارك شعبنا، فتعالت الهتافات: يحيا الاستقلال، يحيا الحبيب ~~بورقيبة، وثارت في صدور السيدات والأوانس السجينات العواطف والأحاسيس، فانطلقت حناجرهن ~~بالأناشيد الوطنية، وتدخل الحراس في الأمر وهاجموا السيدات، فأثار هذا التدخل عواطف ~~السجناء الرجال، فانضموا إلى النساء منشدين هاتفين. # فعاقبتهم إدارة السجن جميعا، وحكمت عليهم بالحرمان من كل مئونة تأتي ms277 من الخارج، ومن ~~زيارة أقاربهم وأفراد عائلاتهم. # وأعلن المسجونون كلهم إضراب الجوع ابتداء من مساء يوم الثلاثاء ثاني عيد (24 يونيو). # وخشيت السلطات الفرنسية ثورة داخل السجن، فعززت الحراس بثمانين من أعوان ~~البوليس. # ولم تنقطع المظاهرات الشعبية أسابيع بعد العيد، ففي الساعة الخامسة من ظهر الجمعة 27 ~~يونيو تظاهر عدد كبير من النسوة والرجال والشبان والأطفال أمام بيت الهادي بن رايس وزير ~~التجارة في الوزارة الخائنة بشارع السيدة عجولة، ودوت الهتافات المعادية بسقوط ~~الاستعمار وبسقوط الوزارة الموالية له. # وسعى البوليس الفرنسي الذي يحرس بيت الوزير الخائن في تفريق المتظاهرين بالقوة ~~ولكنهم عجزوا، فاستنجدوا بقوات جديدة أتت مسرعة، وانسحب الوطنيون ليجتمعوا من جديد بعد ~~دقائق أمام بيت خائن آخر وهو الوزير دنقزلي، فحمل عليهم البوليس هناك وألقى القبض على ~~أربع نساء. # وتتابعت الهجمات على القوات المسلحة والبوليس، فقد شرع الوطنيون - في بلدة الحامة - ~~في الساعة الحادية عشرة ليلا في محاصرة مركز البوليس، وأطلقوا النيران عليها، ولم تعلن ~~السلطات الفرنسية عن عدد المصابين من أعوان البوليس. # وكانت مدينة سوسة ميدانا لنشاط الوطنيين في ليلة الأربعاء 25 يونيو، فقد هاجموا ~~مستودعا للذخيرة (ميرادور) وأطلقوا النار على الحارس، ولكنهم انسحبوا بعد حين. # وأطلقوا النار أيضا على أحد مدافع خفر السواحل، وطالت المعركة بين الوطنيين وبين ~~الجند، واختفى المهاجمون في الظلام ولم يصب واحد منهم بأذى. # وإن عيد الفطر من تلك السنة قد سمي عيد الجهاد، ولكنه كان في الحقيقة عيد ~~الانفجارات. # محاولة اغتيال الملك # طلع صباح 17 رمضان (12 / 6 / 1952) وكان السكون يشمل مدينة تونس والصمت يخيم عليها ~~وما زال دوي الانفجارات الليلية يرن في الآذان، وازدحمت الشوارع بعد ساعات بالتونسيين، ~~وجوه عابسة وعيون يبرق منها الغضب ممزوجا بحزن ونظرات مغلقة، يمرون وسط العساكر ~~المدججة بالسلاح والبوليس المستعد للهجوم غير عابئين بتهديدهم ولا ملتفتين إليهم، وكانت ~~تلك الوجوه مغلقة مقفلة كالأبواب والنوافذ يقرأ فيها العزم وتتراءى منها البغضاء، ~~وانتشرت إذ ذاك شائعة تسربت مع الحيطان وسارت في الشوارع وانتقلت من دكان إلى دكان، ومن ms278 ~~بيت إلى بيت، ثم أصبحت الشائعة خبرا يقينا لا يداخله شك، فكانت همسا وأصبحت صوتا ~~واضحا وأضحى الصوت صراخا وصياحا والصراخ اضطرابا وهيجانا؛ نزل خبر محاولة ~~الاستعمار تسميم جلالة الملك كالصاعقة. # ولم يستغرب شعب تونس فظاعة الحادث؛ لأن من يرتكب جريمة قتل الأطفال الرضع دوسا ~~بالأقدام لا يتحاشى عن ارتكاب أي شنيعة أخرى، خاصة وأن جلالة الملك رفض أخيرا ~~الإصلاحات الكاذبة المزعومة التي عرضتها فرنسا عليه، ولما وجده الاستعمار صعب المراس رغم ~~تطاعنه في السن، مستعصي الانقياد رغم نحافة جسمه ولطف مزاجه، فليس من المستحيل أن سعى في ~~التخلص منه بهذه الطريقة الملتوية التي تنافي الشرف وتلحق بأصحابها عارا لا ~~يمحى. # وقد ظهر فيما بعد أنها مؤامرة دبرت بليل ويقال إنه شارك فيها كبار الموظفين العالين ~~الفرنسيين وأفراد من الأسرة المالكة. # وكان الصادق باي أخو ولي العهد إذ ذاك عز الدين باي وهو خليفته يتقرب من الفرنسيين ~~بجميع الوسائل، ويتصل أوثق اتصال بحاملي الفكرة الاستعمارية، ويساند الاستعمار الفرنسي ~~بجميع قواه، يريد من وراء ذلك إرضاء طموحه في الجلوس على العرش، فكان في حركة دائمة ~~وعمل لا يني ولا يهدأ إرضاء لنفسه المستعرة نارا المتشبثة بالحكم والسلطان، ولو كان ~~صوريا لا حقيقة وراءه، فكان يسعى مع الحكومة الفرنسية سعيا حثيثا متواصلا للحط من ~~جلالة الملك، صارخا بعدوانه للحركة القومية التونسية وللحزب الذي يقودها (الحزب الحر ~~الدستوري التونسي الجديد)، معلنا عدم ارتياحه لأي حق يناله شعب تونس، مناديا بوجوب ~~بقاء الحماية الفرنسية على بلاده، فكتب رسالتين إلى رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس ~~الوزارة الفرنسية، الأولى مؤرخة في 7 / 11 / 1951 قال فيها: # سيدي رئيس الجمهورية # إني أتوجه إليكم بهذه الرسالة بكل احترام بصفتي رئيس الأسرة الحسينية، وبوجه ~~خاص باسم شقيقي عز الدين باي ولي العهد، وباسم ابني عمي حسين ومحمد وهما ~~خليفتانا المنتظران حسب ما تقتضيه المبادئ التقليدية التي حددها القانون ~~العثماني والتي أقرتها المعاهدات التي تربط فرنسا بتونس؛ لكي نشرح لكم الأخطار ~~البالغة التي تهددنا في الحاضر وفي المستقبل نتيجة للسياسة النظرية ms279 والعملية ~~الحاضرة التي يبدو أنها أصبحت أساس العلاقات الدبلوماسية بين حكومة الجمهورية ~~الفرنسية والأسرة الحسينية التي يمثلها جلالة الباي صاحب المملكة ~~التونسية. # وفعلا فإن التقاليد والعادات وكذلك القوانين المقررة المكتوبة تقضي بأن يكون ~~تمثيل تونس عن طريق جلالة الباي أو ولي عهده، ولا يمكن بمقتضى معاهدات المساعدة ~~والحماية المبرمة بين تونس وفرنسا أن يقوم طرف ثالث بهذه المهمة، فإذا ما أقرت ~~فرنسا غير ذلك فإنها قد تقضي على روح تلك المعاهدات. # وإنه ليؤسفنا جدا أن نلمس ما نريد إنهاءه إليكم من أن ضعف ملكنا المحترم ~~وتطرف حزب سياسي تونسي تطرفا مفرطا يوشك أن يجر - بدعوى حاجة تونس إلى ~~إصلاحات - أسرتنا وبلادنا وشعبنا إلى كوارث داخلية وعالمية. # ولذلك يبدو لنا ضروريا أن نشير إلى مدى خطورة الأعمال التي قد تنتج في ~~المستقبل من اتفاقات محتملة الوقوع بين حكومتكم وحكومة مملكة تونس. # أما نحن فإننا نرى أن الإصلاحات التي يريد الوزراء الذين يعملون تحت ضغط ~~الحزب الدستوري الجديد إدخالها في البلاد عملا بفكرة التطور الديمقراطي منافية ~~لحقيقة مصالح تونس والأمة الحامية؛ لأنها لا ترمي إلا إلى تحقيق أغراض شخصية ~~محضة وإلى إرضاء رغبات أنانية صرفة. # ونطلب منكم على عكس ذلك أن تزدادوا يقظة في القيام بحمايتكم لنا، وعسى أن ~~تحمي قوتكم وحكومتكم شعبنا من استبداد المغامرين، وأن تمكنه من مواصلة تطوره ~~المستمر ماديا، وفكريا، وأدبيا، والسلام الداخلي يسود القلوب ~~والعقول. # لقد جنت بلادنا ثمرات وجود فرنسا والعمل المشترك المثمر، وهي في حاجة بوجه خاص ~~إلى تحسينات في الميدان الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا يمكن بحث هذه ~~التحسينات بدون المساعدة الثمينة التي لم تبخل بها علينا فرنسا إلى ~~الآن. # الصادق باي # 7 / 11 / 1951 # وكانت الرسالة الثانية في 14 / 12 / 1951 وقال فيها: # بدأ الصادق باي يذكر تعهدات فرنسا التي لم تسمح لغير جلالة الباي أو ولي ~~العهد بالاتصال بها باسم تونس، ثم أشار إلى أن احتمال تخلي الأمة الحامية عن ~~هذه التعهدات سيجعل المعاهدات القائمة لاغية وأن بعضهم سوف لا يتردد في استغلال ms280 ~~هذا الموقف. # ثم أضاف قائلا: إننا نقدر مسئوليتنا في الحاضر والمستقبل؛ ولذا نرى أنه من واجبنا أن ~~ننهي إليكم بكل نزاهة ما يهدد شعبنا وبلادنا من أخطار إذا استمعت حكومتكم إلى المطالب ~~التي قد يقدمها لها أشخاص لا يمثلون إلا جزءا ضئيلا من الشعب التونسي. # كما إنه من واجبنا أن نشير إلى صفة هؤلاء الأشخاص الانفصالية، أولئك الذين يدعون في ~~باريس أنهم يتحدثون عن مؤسسات بلادنا ويذكرون لكي تنجح قضيتهم التطور الديمقراطي، مع أن ~~غرضهم الحقيقي هو السعي وراء السلطة المطلقة لا غير، حتى يتمتعوا بالامتيازات التي تنجم ~~عن الإثراء على حساب شقاء شعبنا. # إن أولئك الأشخاص الذين لا يعرفون شيئا عن حقيقة المبادئ الديمقراطية يديرون حزبا ~~أو يسيرهم حزب نسخت أنظمته من أنظمة الحزب الشيوعي الفرنسي، ويستعملون أساليب إرهابية مع ~~من لا يخضعون لأوامرهم أو من لا يريدون الخضوع لها، وهكذا حدث مثلا أن كان 200 طالب ~~بجامع الزيتونة ضحية لتسميم في المواد الغذائية ناتج عن سوء نية أعضاء ذلك الحزب وقد ~~أحيطوا بستار من السكوت والكتمان. # وفوق ذلك فإن أولئك الأشخاص أنفسهم ينظمون إضرابات سياسية ويحملون العمال على تعطيل ~~عملهم بتخويفهم بنشر أسماء غير المضربين لكي يصبحوا هدفا لانتقام أعوانهم ~~وبطشهم. # ولذلك فإننا نطلب من الحكومة الفرنسية أن تواصل مساعدتها وحمايتها مع كل ما في ذلك من ~~مظاهر القوة والقيمة المعنوية حتى تبقى مثلا لبلادنا. # كما نؤكد لها أن الوقت غير مناسب لإنشاء برلمان في تونس سيكون أعضاؤه هدفا لضغط ~~وإكراه يتنافى مع تطبيق الديمقراطية الحرة. # إن شعبنا العامل النشيط يحتاج بوجه خاص إلى العمل والأمن الأدبي والفكري والمادي، ذلك ~~الأمن الذي ضمنته فرنسا إلى الآن، والتي تستطيع وحدها أن تضمنه في المستقبل. # ولذا فإن أسرتنا تعتمد على حمايتكم ومساعدتكم لكي يبقى الأمن محترما في تونس. # الصادق باي # 14 / 12 / 1951 # ويظهر أن ذلك الأمير الطموح اطلع في بيته إحدى الأميرات - وهي الأميرة رقية - بأنه ~~تفاهم مفاهمات جدية واتفق اتفاقا كليا مع جريلي # Grellet # مدير ديوان المقيم العام ms281 وبونص الكاتب العام للحكومة التونسية ~~وجاكبسون رئيس مركز الاستعلامات الفرنسية (المكتب الثاني) والدكتور ماريرلي. فنجد هكذا ~~يد الاستعمار في كل جريمة ترتكب ضد التونسيين ونجد منذ مدة اسما يتكرر في كل فظيعة وكل ~~مأساة، وهو اسم بونص الذي ذكر مرارا واستمرارا عند الحديث عن «اليد الحمراء»، وخاصة عند ~~مقتل الزعيم الشهيد فرحات حشاد. # فما هو دور الصادق باي؟ وما هي مراميه؟ وما هي مسئوليته؟ سنتبين كل ذلك من سرد ~~الحوادث نفسها. # لقد اطلعت الأميرة رقية على المؤامرة وعرفت أسماء المشاركين فيها الذين ظنوا أنها ~~تبغض جلالة الملك وتحمل له في نفسها العداوة والنقمة، ولم يعلموا أن الأميرة رقية مدينة ~~بالجميل للملك، وتم الاتفاق معها على أن يأتي شخص معين إلى بيتها يوم الخميس 12 يونيو ~~ليسلم لها المادة السامة التي يراد وضعها في طعام الملك، وقد أوهمت المتآمرين بأنها ~~ستسلمها لطاهية بالقصر (أخت طاهية الأميرة) فأسرعت إلى إعلام طبيبها الدكتور عبد ~~الرحمن مامي الذي روى بنفسه للصحف القصة # 5 # فقال: # وقع تعييني كطبيب أول لجلالة الملك منذ مدة وجيزة جدا، وكان يكون من سوء ~~الطالع أن أجد نفسي في الأيام الأولى للقيام بمهمتي أمام تسميم الملك تسميما ~~قاتلا. # ولكن المصادفة ساعدتني، وإني لأبتهل إلى الله شكرا وحمدا على ما دلني في ~~الوقت المناسب وقبل فوات الأوان. # وكان ذلك يوم الجمعة 6 يونيو، لقد دعتني الأميرة ر ... إحدى كبيرات البلاط ~~لمعالجة ابنتها المريضة، وبعد إتمام فحصها أخذتني الأميرة على حدة وقصت علي ~~حكاية لم أصدقها في أول الأمر. # فقصت علي ما يأتي: # إن أحد الأصدقاء الأقربين قال لي أمس: اعلمي أننا سنسم الباي الجالس على العرش، ~~ولقد توصلنا إلى استمالة أحد خدام الباي الذي سيمزج سما زعافا مدقوقا إما ~~في طعام أو في شراب يقدم له ... فقالت الأميرة لذلك الصديق: أنا أعرف طاهية ~~بالقصر، والأضمن أن أكون أنا الواسطة، فاقتنع بعد هنيئة السيد ع ... وقبل خدماتها ~~وأكد لها قائلا: بمجرد ما أستلم ذلك السم آتي به إليك، ثم أضاف قائلا إن ms282 الربح ~~سيكون خمسة ملايين فرنك. # واسترسل الدكتور عبد الرحمن مامي في حديثه: # فشكرت الأميرة على مكاشفتي بسرها وأسرعت إلى الأمير سيدي الشاذلي (نجل الملك ~~الأكبر) وأعلمته بالقصة. # ولما رأت الأميرة أن ذلك الصديق لم يرجع، أرسلت إليه ابنها يوم الاثنين 9 ~~يونيو إلى دكانه بسوق النساء، فقال له: لم يصلني السم بعد، وذكر أثناء الحديث ~~أسماء المتآمرين الذين أعادهم على الأمير الجليل سيدي محمد (نجل الملك الثاني) ~~بعد أيام. # ورجع إليه ابن الأميرة يوم الأربعاء 12 يونيو فقال له: إن السم معي، خذه إلى ~~أمك، فامتنع الابن وقال له الأحسن أن تسلمه لها أنت بنفسك. # ويوم الخميس 12 يونيو سلم ع ... السم للأميرة التي أوعزت لي بالحضور، وبعد نصف ~~ساعة كنت في بيتها صحبة الأمير سيدي محمد. # لقد ضبط هكذا أحد المجرمين واعترف بالجريمة، ولنأخذ القصة ممن عاشها، فإن سيدي محمد ~~باي أدلى لجريدة «الصباح»، 17 / 6 / 1951 بالحديث التالي: # كانوا يحدثوننا منذ أسبوعين عن تسميم قريب لجلالة الملك، وقد كاشف أحد أعوان ~~الاستعلامات إحدى الأميرات القاطنات بالمرسى بهذا الأمر، وعن ثمن الجريمة خمسة ~~ملايين من الفرنكات والعون هو محمد ع ... التاجر في الأقمشة ... # وفي يوم الخميس منذ الساعة الرابعة و15 دقيقة بعد الظهر خابرني هاتفيا ~~الحكيم عبد الرحمن مامي رئيس أطباء جلالة الملك، فدعاني للحضور على جناح السرعة ~~بالمرسى، وكان ع ... هناك وكنت حاسر الرأس فظنني رئيس مركز البوليس، واعترف بكل ~~شيء، فهو من المشاركين في المؤامرة، وفاز بعد ذلك بمبلغ مالي قدره 775 ألف ~~فرنك. # وقد وجد سيدي محمد باي في محفظة نقود السيد ع ... السم الذي أعد لتسميم جلالة ~~الملك بواسطة طاهية البلاط، وانتقل الجميع بعد ذلك إلى قصر قرطاجنة، حيث سجلت ~~تصريحات محمد ع ... بواسطة شريط ووعد ع ... بالحضور في اليوم التالي في الساعة ~~الثالثة بعد الظهر لتقديم معلومات إضافية والكشف عن أسماء مدبري المؤامرة، إلا ~~أنه لم يعد بطبيعة الحال، واختفى منذ تلك الساعة. # فمن هو السيد محمد ع ...؟ وما هي اتصالاته بمحمد الصادق باي؟ ms283 وما هي علاقاته مع ~~الفرنسيين وخاصة إدارة الاستعلامات؟ فهو جزائري اسمه أحمد واشتهر محمد عاشوري، كان ~~يشتغل في السوق السوداء مدة الحرب، وأصبح فيما بعد تاجر أقمشة وفتح دكانا بسوق النساء، ~~ومنظره وسخ قذر؛ لا يحلق شعره، ولا يعتني بثيابه البالية، وهو من أتباع الصادق باي ~~وأعوانه وحاشيته، وهو منجمه الأكبر وكاشف الغيب له ومطلعه على المستقبل! وذلك ثابت لا ~~يحتمل الشك أصلا، فزمن كان التونسيون جميعا يقاسون من منع التجول الأمرين حصل الصادق ~~باي لمنجمه وخادمه محمد عاشوري على رخصة من الجنرال جارباي القائد الأعلى لجيوش ~~الاحتلال (بتاريخ 20 / 2 / 1952) تسمح حسب عباراتها ل «م. عاشوري، متوظف صاحب السمو ~~الصادق باي أن يتجول بحرية بالقطر التونسي»، وعاشوري معروف في الأوساط الوطنية بانتمائه ~~إلى قسم الجوسسة الفرنسية وأنه أحد المخبرين عندها. # ودعا عبد الرحمن مامي بالدكتور عبد السلام خالد الأخصائي في التقطير والتحليل ~~الكيماوي، ولما حلل تلك المادة الحمراء وجد أنها من نوع «الأكونيتين» الفتاكة، وزيادة في ~~التحري أرسلت كمية منها إلى باريس لتحليلها واحتفظ بالكمية الباقية في القصر ~~الملكي. # ولما تحققت المؤامرة قدم جلالة الملك قضية عدلية بالمؤتمرين على حياته بعد أن استشار ~~رجال القانون من حاشيته، وكلف بالاشتغال بها الأستاذ فتحي زهير وأحد المحامين ~~الباريسيين الكبار الأستاذ جورج إيزار. # فما كان موقف السلطات الفرنسية لما افتضح الأمر واكتشفت المؤامرة وتداخلت العدالة؟ ~~فهل حرصت على إظهار الحقيقة؟ وهل سعت في إنارة الرأي العام؟ أم خشيت من الفضيحة والعار ~~وخافت من المسئولية وركنت إلى المغالطة والتزييف؟ وما فعل البوليس - وكله في قبضة ~~الفرنسيين؟ فهل ألقي القبض على عونه عاشوري؟ ولكن عاشوري غاب واختفى ولم يعثر له على ~~أثر في أول الأمر، وأصبحت الجرائد الاستعمارية نفسها تتساءل # 6 # هل انتحر عاشوري؟ أم اغتيل؟ أم قتلوه؟ أم أعانوه على الفرار؟ وهو الشاهد ~~الوحيد ورأس سلسلة المتآمرين، ربما يكون أبعد أو سجن أو اختفى وقد علقت جريدة «الصباح» ~~على «تهريب» عاشوري 22 / 6 / 1952 قالت: # شغلت مؤامرة التسميم النذلة المدبرة ضد القصر الملكي ms284 العامر النوادي والمجالس ~~والرأي العام في الداخل والخارج، وقد تواصل الاستنطاق والمكافحة بين المتهمين ~~والشهود عليهم، وأخذ البحث يكشف الستار عن بعض الأسماء المورطة في المؤامرة، ~~وتتضح قائمة هذه الأسماء يوما عن يوم بصورة تثير الاندهاش وتدل على اتساع نطاق ~~هذه المؤامرة اللعينة. # أما العاشوري وهو رأس هذه المجموعة فلم يعثر عليه حتى الآن، والمظنون أنه لن ~~يقع العثور عليه البتة حتى يوم القيامة، كما أن سلسلة الانتحار أو كتم الأنفاس ~~تتسع حلقاتها في هذه الأيام بمناسبة اشتداد الحرارة، وستتسع حركات السفر إلى ~~الخارج طلبا للراحة والاستجمام والهروب من العواصف العاتية التي تجتاح تونس ~~هذه الأيام. # ونستطيع أن نفسر عدم التمكن من العثور على العاشوري، رغم التعليمات المشددة ~~الصادرة إلى البوليس في هذا الشأن، بأن هذه الشخصية العريقة في صناعتها قد قيل ~~إنها من المنجمين ومستطلعي الغيب وأصحاب العرافة وزجر الطير، ولها بناء من ~~وسائل التبخر والاختفاء، وما يضمن لها الاحتجاب عن العيون مهما تكن نافذة ~~وبصيرة، فقد يكون العاشوري قد لبس طاقية الإخفاء التي تتحدث عنها قصص ألف ليلة، ~~فاختفى عن الأنظار! # وقالت الجريدة الاستعمارية «لابريس» (22 / 6 / 1952): «وتؤكد بعض الأوساط أن عاشوري ~~ليس بالمعتقل ولا بالمسجون، وليس بالجزائر، ولكنه قتل ودفنت جثته قرب المرسى؛ لأنه شاهد ~~مهذار.» # وأخذت الصحف الاستعمارية على مختلف مشاربها ولهجاتها تتأول وتهزل وتبحث وتحلل بإيعاز ~~من الإقامة العامة لتضلل الرأي وتخفي الحقيقة؛ فقد جاء في عدد يوم الأحد 15 يونيو من ~~صحيفة «تونس سوار» قولها: # إن بعض المعلقين في باريس يرون في هذا الحادث أنه عبارة عن مناهضة شق من ~~العائلة المالكة لشق آخر منها، يحاول بها أحدهما القضاء على الآخر، ولسنا في ~~حاجة لأن نقول أيهما يتجه ضد الآخر، وهذه الصورة في تعليل حادث التسميم محتملة ~~جدا وقريبة من الحقيقة ولكن لا يظهر أن لها صلة بالحقيقة. ~~... وهناك تأويل آخر في باريس لهذا الحادث، وهو تأويل من لا يصدقون بوقوعه ~~أصلا، وهم يعتمدون في تأويلهم هذا على أن الأيام الأخيرة كانت مثقلة باستياء ms285 ~~عميق اجتاح قسما كبيرا من السكان في تونس، وهم الذين يتألمون في مصالحهم من ~~جراء الاضطرابات الحاصلة في البلاد. # ومن هنا تولدت هذه المؤامرة وحبكت حبالها للوصول إلى أقصى غاية منها، والعادة ~~المعروفة في الشرق أن الناس لا يترددون في الذهاب إلى أبعد حد في آرائهم، على أن ~~الأنباء الأخيرة الواردة على باريس لا تترك أي مجال للشك في وجود ~~مؤامرة. # أما صحيفة «لابريس» فقد نشرت في يوم 17 يونيو1952 تقول عن هذا الحادث: # يبدو حادث التسميم كأنه أمر بعيد عن الواقع في عين الجالية الفرنسية بتونس، ~~وهم يضعون هذه القصة الخرافية في موضعها الذي تستحقه والذي يتلاءم مع طبيعة ~~بلاد تسيطر عليها طبيعة الذكريات الشرقية وعاداتها المستحكمة. # والأجدر بالحقيقة أن ننظر إلى هذه القضية من الوجهة الهزلية إذا أردنا أن ~~ننتهي منها إلى الواقع والحقيقة، لأنها قصة مثيرة للضحك إذا لم تتسبب في ~~تعقيدات في المحيط العالمي. # إن هذه الخرافة المصطبغة بصبغة القرون الوسطى تعبر أيضا عن حالة النفسية ~~المسيطرة على القصر الملكي، حيث تتولد المؤامرات عن المطامع الفاشلة، ونحن نعلم ~~من قبل هذا الحادث الدور الذي لعبه في هذا القصر البنون والبنات وسلالاتهم إلى ~~أن اختفى من المسرح الولد البكر الذي كان فيما سبق كثير العمل. # أما في الميدان المادي لهذا الحادث، فنلاحظ في تعجب ودهشة - بالرغم من خطورة ~~الاتهام - أنه لم تقع الاحتياطات الأولية للتأكد من التطابق المطلق في الأدلة ~~والبراهين التي لم تتنسق إلا في تصريح جانب واحد. # على أن الارتباك والحيرة الحاصلين في القضية يبرران فقدان هذا الانسجام، ~~ولكنه يضر على الأقل بالحقيقة ويحرمها من أن تكون مبرأة من الشوائب. # وأخيرا فإن الذي لا شك فيه في هذه المسألة هو أنها تصلح ذريعة وجيهة جدا ~~لرفض مشروع الإصلاحات الجديد، فهل نفهم أن هذا هو الأصل الحقيقي للقصة ~~كلها. # وقد أرجعت جريدة «الصباح» الحقيقة إلى نصابها وفندت أقاويل الصحافة الاستعمارية ~~وأزاحت الستار عن نوايا القوم وخبثهم فقالت: «إن الرأي العام التونسي الذي يطالع بمنتهى ~~الاهتمام كل ms286 ما يقال عن الحادث الهام لينظر إلى هذه التأويلات بعين مريبة جدا، ~~ويتساءل عن أسبابها الحقيقية التي جعلت أصحابها يندفعون فيها دون تحرج، بل ويتفقون في ~~جوهرها الذي جعلوه مجرد «عادة» من عادات الشرقيين استولت على الأسرة المالكة في هذه ~~الظروف. # لقد قيل إن العدالة قد أخذت على عاتقها مهمة البحث والتحقيق في الحادث، وبالرغم من ~~أن الرأي التونسي ينظر بعينه الخاصة إلى سبب هذا الحادث، ويفهمه فهما يعتبره هو ~~الحقيقة بعينها، إلا أنه احتفظ برزانته وتثبته، ولم يندفع اندفاعا طائشا في التعاليق ~~التي قد تضر التحقيق الذي استلمته العدالة، ولكنه في الوقت نفسه يفهم أيضا التأويلات ~~التي راحت هذه الصحف تنشرها وتتوسع فيها، وهو فهم يؤيد له فهمه المتعلق بسبب الحادث ~~نفسه. # ولسنا في حاجة لأن نغرق في التفصيل والتدليل على أنه يتساءل لماذا يا ترى تحاول هذه ~~الصحف أن تعزو سبب الحادث إلى القصر نفسه، وفي العائلة المالكة وحدها دون غيرها، فهل ~~تفعل ذلك لكي تبعد الشبهة عن عناصر أخرى خارجة عن القصر، قد كان لها ضلع أو لعلها كانت ~~هي السبب الأول والأخير في هذه المحاولة الفاشلة المفضوحة؟ # بل ولماذا نحاول إلى جانب ذلك أن ننكر وجودها إنكارا تاما ونكتب عنها بأسلوب يوهم ~~أن الحادثة مختلقة من أساسها ولا أساس لها من الواقع؟ # إن هذا التعجل والحرص الغريبين اللذين تبديهما بعض الصحف التي اشتهرت في المدة ~~الأخيرة بمناوأتها للتونسيين واستفزاز عواطفهم واستغلال كل شيء للمس بهم فقد جعلت الرأي ~~العام التونسي يتأكد من تأويلاته هو لهذا الحادث الشنيع.» # لم يستغرب شعب تونس من خسة الاستعمار الفرنسي وانحطاط أنصاره وسفالة طبعهم وسفه ~~أخلاقهم وصلفهم وكذبهم وتزييفهم، فلا عجب ممن اغتالوا الشهيد فرحات حشاد غدرا ومثلوا ~~بجثته، وقتلوا الشهيد الهادي شاكر شر قتلة وشوهوا جثمانه الكريم، أن يسعوا في ارتكاب ~~جريمة أخرى ويسعون في تسميم جلالة الملك، وخاصة أن المجرمين معروفون لدى السلطات ~~الفرنسية وأسماؤهم فوق مكتب المقيم الجديد «فوازار» الذي تنصب فيما بعد مكان السفاك دي ~~هوتكلوك ولم ms287 يعتقل ولم يحاكم أي واحد منهم إلى هذا اليوم. # وقد صرح المحامي الفرنسي جورج إيزار - وهو رجل جدي - إلى الجريدة الاستعمارية ~~«لابريس» (27 / 6 / 1952) بعد أن جاء إلى تونس لدراسة القضية قال: «لقد اطلعت أمس على ~~كامل الملف، وإن القضية تظهر لي جدية جدا، ولو لم تكن كذلك لما قبلت التكليف بها»، ~~وأضاف: «لا يمكن أن تكون قضية التسميم قضية خيالية أو ظاهرة من ظواهر الشعوذة الجماعية، ~~إذ لو كانت من هذا النوع فلم اختفى العاشوري عن الأنظار؟» # ولما نقلت الألسن خبر تلك المؤامرة الدنيئة، انتشر السخط والحنق، واهتز الشعب ~~اهتزازا عنيفا، وكانت الأعصاب متوترة من قبل، وزاد الصيام في حماس الجو، وما كادت ~~تبرز الصحف - صباح 14 / 6 / 1952 و21 رمضان - ناقلة نبأ التسميم حتى أضربت العاصمة ~~التونسية وضواحيها احتجاجا واستنكارا لهذا العمل الإجرامي الفظيع المدبر، وقد توقفت ~~حركات النشاط توقفا كاملا وساد العاصمة جو رهيب غاضب، وامتد الإضراب العام من مدينة ~~تونس إلى جهات القطر شيئا فشيئا حتى شملها كلها في آخر اليوم، وتهافتت الاحتجاجات من ~~مدن المملكة وكثرت وتعددت، وكانت الصحف التونسية صدى موجة عميقة جامعة من الاحتجاجات، ~~فقد كتب أهالي مدينة صفاقس قائلين (15 / 6 / 1952): «ما كاد خبر الاعتداء على القصر ~~الملكي بالتسميم ينتشر في عاصمة الجنوب حتى عمها الحنق والاستنكار الشديد، وأضربت ~~المدينة إضرابات شاملة احتجاجا على هذا الاعتداء، وأن أهالي صفاقس يحمدون الله على ~~نجاة مليكهم من هذه المؤامرة ويتقدمون لجلالته بخالص تهانيهم على سلامته.» # وبطلت كل سهرة وانطفأت جميع الأنوار في تلك الليلة من رمضان، وكان مظهر الإضراب في ~~الليل مروعا رهيبا؛ إذ ساد العاصمة التونسية وضواحيها الظلام، وساعدت السحب الدكناء ~~التي خيمت والبروق والرعود، فكست المدينة حلة من الإجلال الحزين. # واستمر الإضراب العام شاملا البلاد كلها، فكانت جميع الأسواق مقفرة خاوية على ~~عروشها، وكذلك فندق الغلة، وكل دكاكين المدينة، وقد شارك مجموع السكان في هذا الإضراب ~~العام الذي ساده جو من السكون والهدوء، واعترفت الصحف الاستعمارية المعادية بنجاحه ~~الباهر (تونس، سوار، 14 ms288 / 6 / 1952). # ثم انتظمت المظاهرات الشعبية المتوالية، فقد انتظمت في صباح 14 يونيو مظاهرة كبرى ضمت ~~عددا وافرا من أبناء الشعب، واخترقت الأحياء القديمة حتى أشرفت على باب الجزيرة، ~~فاعترضتها قوات الأمن الفرنسية واصطدمت معها وسعت في تشتيتها وألقت القبض على عدد من ~~الشبان. # واشتد الخلاف بين تونس وفرنسا، وتعمقت الهوة واستفحلت الخصومة، وقد لخص صحفي فرنسي في ~~جريدة «فران تيرور» (30 / 6 / 1952) الحالة الناتجة عن مؤامرة التسميم، قال: # الأمير الشاذلي أكبر أنجال جلالة الباي قال لي # ليست محاولة تسميم الباي خرافة شرقية، إنما هي مؤامرة شارك فيها على الأقل ~~خمسون شخصا. # إن التونسيين عندما تحدثهم عن محاولة التسميم التي استهدف لها جلالة الباي ~~يوم 11 يونيو الماضي يجيبونكم في حذر. # إنك أنت أيضا تعتقد أنها خرافة شرقية. # ومن الصعب أن تقنعهم بأنك إنما تسألهم للاستطلاع، إن صحافة تونس «الفرنسية» ~~قد أظهرت الحادث في مظهر الدعابة والخرافة أو في مظهر قصة عائلية، فالرقابة لا ~~تسمح بأن تنشر الصحف إلا سطورا ليست ذات أهمية، فإذا فكرنا في القدر الذي كانت ~~تشغله في الصحافة الفرنسية أقل تفاصيل لمحاولة مماثلة يستهدف لها رئيس ~~الجمهورية لا يمكن إلا يعتبر الإنسان السكوت في هذه الحالة ذا دلالة. # ففي الحالة الحاضرة التي يسودها التوتر إلى أقصى حد لا يوجد تونسي لا تدل في ~~نظره محاولة اغتيال الأمين باي على حدث سياسي خطير جدا. وهذا القول صحيح إلى ~~حد أن الإضراب الذي أعلن يوم 14 يونيو عندما انتشر الخبر نجح نجاحا لم يسبق له ~~مثيل، فقد كان إضرابا إجماعيا، وقام الأستاذان «إيزار» و«زهير» (والأخير هو ~~محامي جلالة الباي الخاص) باسم جلالة الباي بإقامة الدعوى، وإن في تولي ~~الأستاذ «إيزار» الدفاع في هذه القضية دليلا في نظر التونسيين على حقيقتها ~~وخطرها، فالأمين الأول في نظرهم ليس صاحب السيادة القانونية فقط؛ بل هو ~~بالإضافة إلى ذلك أحد أركان مقاومتهم؛ ولذا فإن محاولة القضاء عليه أثارتهم أكثر ~~مما قيل. # فاضطررنا سعيا وراء بعض المعلومات إلى الالتجاء إلى من استهدفهم هذا الحادث، ms289 ~~فلا يمكن سؤال من ينكر وجود أمر مادي ملموس حول ذلك الأمر؛ ولذا ذهبنا نبحث عن ~~المعلومات لدى الأمير الشاذلي النجل الأكبر لجلالة الباي. # فاستقبلنا في منزله بضاحية «المرسى»، وهو رجل أشقر طويل القامة ذو عينين ~~براقتين، ما زال مظهره رياضيا رغم الأربعين، وأيد ذلك أسلوبه في إدارة الحديث ~~في حماس وصراحة، ثم في تراجع وتحفظ يبررهما مركزه وموقفه. # قال لنا: هل رأيتم كيف يقطع عني التليفون، أنا ابن جلالة الباي؟! ~~(ورفع سماعة تليفونه الصامت وقدمها لنا). ~~- إننا نقيم هنا منذ شهر أبريل، وقد طلبت مرارا من الإدارة أن تعيد للتليفون ~~الحرارة فوعدتني، ولكنها لم ترسل أي شخص، ففهمت ... (ورفع يده بإشارة عجز). ~~- هل تتفضلون بمحادثتنا عن واقعة التسميم؟ # فقال بشدة: أولا: إنه حادث حقيقي؛ فهو ليس خرافة شرقية، إنه أمر واقعي، إنها ~~مؤامرة شارك فيها في نظري خمسون شخصا. ~~- كيف وصلتم إلى اكتشافها؟ ~~- قبل بضعة أيام أخبرني الدكتور «مامي» رئيس أطباء صاحب الجلالة، بمؤامرة ~~يجري حبكها ضد جلالة الباي بضاحية «المرسى»، وقال لي: إن بعضهم يعد حادث تسميم، ~~فلم أهتم بالأمر، بيد أن أميرة تقيم في «المرسى» أخبرتني كذلك ~~بالمؤامرة. # هي الأميرة رقية، إنها قريبة للملك الحاضر ، ليس لها علاقات مستمرة بالقصر، ولم ~~تكن علاقتها بالباي بصفة رسمية طيبة؛ إذ لم يبق في خدمته ابنها ياور الملك ~~السابق المرحوم المنصف باي، ولكنها مرضت فأرسل لها جلالته طبيبه الخاص ومبلغا ~~من المال، فهل كان الاعتراف بالجميل هو الذي دفعها إلى كشف المؤامرة؟ إن الأمير ~~الشاذلي لم يقل شيئا حول كل هذا. # واكتفى بقوله: كان البائع «العاشوري» متصلا بالأميرة، واتفق معها بأن يسلمها ~~السم يوم الخميس حوالي الساعة الخامسة، فأعلمت الدكتور مامي عن طريق طفلة ~~صغيرة، فخاطب الدكتور أخي محمد بالتليفون، وذهبا سويا إلى الأميرة، وكان ~~«العاشوري» هناك فسأله أخي: «أين السم»، فأشار «العاشوري» إلى صدره، فخلعت ~~ملابسه وعثرت على قرص صغير لونه وردي، وكذلك جواز مرور بإمضاء الجنرال «جارباي» ~~يصرح «للسيد العاشوري الموظف لدى سمو الصادق باي أن ينتقل بكل ms290 حرية في البلاد ~~التونسية»، وتاريخ تلك الوثيقة هو 20 فبراير (1952). ~~- هل حققتم معه؟ ~~- لم أره إلا مدة خمس دقائق، ولكنه ذكر كل ما يعرف لأخي، ويبدو من كلامه أن ~~أشخاصا آخرين من القصر يشاركونه في المؤامرة؛ ولذلك أطلقنا سبيله. ~~- لماذا لم تسلموه للبوليس؟ ~~- كان قد وعدنا بالعودة في الغد في الساعة الثانية بعد الظهر ومعه جميع ~~المعلومات الخاصة بالمؤامرة، ولكنه لم يعد، والبوليس يبحث عنه ولم يعثر عليه ~~بعد، فإذا اعتقل اعتقد أنه سيفصح عن كثير من الأمور. ~~- هل ذكر لكم من سلمه السم؟ ~~- لا أستطيع أن أذكر لك أي اسم، لقد سلمنا هذه القضية للعدالة، ونحن نحتفظ ~~بالسر حتى يمكن اعتقال كل المتآمرين. ~~- هل ذكر أسماء أشخاص فرنسيين؟ ~~- نعم! نعم! ~~- أسماء خطيرة؟ ~~- إنها ... أسماء فرنسيين، لا أريد أن أكاشفكم بشيء، ولكني أؤكد لكم أنها مسألة ~~خطيرة. ~~- ما الذي دعا العاشوري إلى إعلامكم بكل شيء؟ ~~- لقد دفعه الخوف، ولكني لا أستطيع أن أخبرك بأكثر من هذا، فالبوليس بأيدينا ~~... قد ينكشف ذلك يوما ما ويعلم الناس الحقيقة، فهناك على الأقل خمسون شخصا ~~شاركوا في المؤامرة، فلماذا أبوح بالأسماء الآن، لقد قلت كل شيء لقاضي التحقيق، ~~كما ذكر له أخي والأميرة «رقية» كل ما يعرفان. ~~- لماذا أطلقتم سراحه؟ ~~- لقد ذكرت لكم السبب؛ أن البوليس ليس بأيدينا. ~~- وضرب الأمير الشاذلي مكتبه بالمسطرة التي كانت بيده في حركة جافة. ~~- هل قال لكم أن أحدا دفع له مالا؟ ~~- لم يقل لنا شيئا، ولكنه أشار إلى بعض الشهود أنه سيستلم خمسة أو عشرة ~~ملايين. ~~- ماذا كان يحدث لو سلمتوه للبوليس؟ ~~- إنه الآن هارب. ولكني لا أبحث عنه هو، إني لا أهتم إلا بأمر واحد، وهو أننا ~~أنقذنا حياة صاحب الجلالة واتخذنا بعض الإجراءات بالقصر، ولكني أعلم الآن أساس ~~المؤامرة، وليس من شأني أن أصرح بذلك، وإنما هو شأن العدالة الفرنسية. ~~- أصحيح أن الكيماوي الذي أتيتم به وعرضتم عليه السم فقد وعيه بعد أن ~~ذاقه؟ ~~- صحيح لقد وضع منه جزءا بسيطا صغيرا على شفتيه وإذا به يسقط ms291 فاقد ~~الوعي. ~~- لقد وقع تكذيب هذا الأمر. ~~- إنني أقول لك إنه صحيح، غير أن الصحف لا تستطيع أن تقول شيئا هنا بسبب ~~الرقابة؛ ولذا وقع التكذيب، لقد سقيناه قهوة لكي يعود إلى رشده. ~~- كيف تفسرون الوقائع؟ ~~- فابتسم الأمير الشاذلي وبدا له السؤال سخيفا إلى أقصى حد؛ إذ لم يكن ~~يستطيع ولا يريد أن يجيب عليه، ونزلت المسطرة على زجاج المكتب ثم قال: إننا ~~ننتظر، فالأمر بيد العدالة. # ولما سألناه عن انتحار الياور السابق لجلالة الباي الذي أصبح ياور الوزير ~~الأول قال: كان أخوه صديقا للعاشوري، وكان هو يردد ليلة موته: «كل الناس تحدثني ~~دائما عن حادث التسميم، إني ليس لي أي شأن بالموضوع، إنه أخي.» ومهما يكن من أمر ~~لقد دفن الآن ... لقد قيل إنه انتحر بطلقتي مسدس، أليس ذلك صعبا؟ وعلى كل لقد ~~قيل إنه «انتحر». # ويبدو من الوقائع الملموسة أن التسميم كان سيتم على النحو التالي: # العاشوري يسلم السم إلى الأميرة «رقية» التي تسلمه إلى مساعد الطباخ، ~~ومساعد الطباخ يتولى مع الشاويش مختار خادم جلالة الباي على المائدة وضعه ~~في طبق جلالته، وقد أطرد الشاويش مختار وكذلك مساعد الطباخ. # أما القرص الوردي - ويقال إنه من مادة الأكونيتين - فقد أرسل نصفه إلى ~~باريس للتحليل، وبقي النصف الثاني بأيدي العائلة الملكية. # وختم الأمير الشاذلي حديثه بقوله: «إننا نثق بالعدالة الفرنسية، فلننتظر، ولكن ~~يجب ألا يقال إنها خرافة شرقية.» # ونزلت المسطرة مرة أخيرة على المكتب تصحب نزولها ابتسامة انتهى على أثرها ~~الحديث. # وتروج الآن إشاعات متعددة في تونس لا يمكن التأكد من صحتها، فإذا قبلناها أصبح كلام ~~الأمير الشاذلي واضحا غاية الوضوح، والرأي السائد أنه اعتداء ذو صبغة سياسية، فقد قيل ~~إن العاشوري الذي هرب في نظر بعض الناس واغتيل أو سجن في بعض البيوت في نظر غيرهم، كان ~~الوسيط بين مدبري المؤامرة، ويهمس الناس بأن مدبري المؤامرة هم موظفون عالون في الإقامة ~~العامة، وبعض أفراد العائلة الملكية الذين تهمهم وراثة العرش. # ويقال إنها مؤامرة سياسية؛ لأن الأمير عز الدين والأمير ms292 الصادق وهما خليفتا الأمين باي ~~حسب قاعدة الوراثة المعمول بها لا يمكن أن يقاوما السياسة الفرنسية في تونس. # والعاشوري كانت له صلة بالأمير الصادق الذي تربطه به، وكذلك بالأميرة «رقية» ميلهم ~~للشعوذة وعلوم السحر، غير أن العاشوري الذي استند إلى علاقاته ليعلم الأميرة «رقية» ~~بالمؤامرة كان يجهل إنها تعترف منذ عهد حديث بجميل الأمين باي عليها، فقد أبدت له ~~استعدادها للمشاركة في المؤامرة؛ لكي تستطيع كشفها بسهولة. # وعلى كل فإنه باعتقال العاشوري وهو أمر مستبعد - حسب الرأي السائد هنا - ينكشف كل شيء ~~حول هذه القضية الغامضة ويتبين أساسها. # ي، # | الإصلاحات المرفوضة # (1) رفض الإصلاحات الفرنسية المزعومة # لم تسجل قضية تونس في جدول أعمال الأمم في اجتماعها بباريس 51 / 1952 ولم يقبل مجلس ~~الأمن المناقشة فيها عندما اجتمع بنيويورك في أبريل 1952، ولكن الحكومة الفرنسية كانت ~~تخشى الجلسة العامة لهيئة الأمم التي ستعقد جلستها بأمريكا في شهر ديسمبر 1952، فسعت في ~~أن تسابق الزمن بحل المشكلة التونسية حلا ترضاه وتصبو إليه، فتضع الرأي العام العالمي ~~أمام الأمر المقضي؛ إذ تقيم الدليل له على أن المفاوضات بين تونس وفرنسا قد استؤنفت، بل ~~أثمرت ثمرتها وأنتجت خير نتيجة وتم الاتفاق وساد الوئام وصدرت الإصلاحات كما تريدها ~~فرنسا ، ونفذت وقضى الأمر ولم يبق لتدخل الأمم المتحدة مبرر أصلا. # وبعد أن استعصى تشكيل اللجنة المختلطة فماتت قبل أن تولد ودفنت وقبرت، لم يبق إلا أن ~~تفرض الحكومة الفرنسية ما تريده على جلالة الملك بالقوة، وما كونت جو اضطهاد وإرهاب إلا ~~لذلك الغرض، ولكن الشعب بالمرصاد، متماسك القوى، متراص الصفوف، كله يقظة وحذر، مستعد ~~لرد هجمات الاستعمار في كل ميدان، حتى لا يزيد استفحالا واستعصاء عن كل معالجة، ولكي ~~لا يتمكن من إعطاء اعتداءاته صبغة قانونية تجعل اغتصابه حقا مشروعا، ولكي يبقى الحق ~~حقا والظلم ظلما، واليقظة واجبة والحذر ضروري؛ لأن ساعة غفلة تقضي على مستقبل ~~البلاد. # وإن نظرة خاطفة للتحويرات التي أرادت فرنسا فرضها، كافية لكشف الغايات الفرنسية وجوهر ~~الاستعمار الفرنسي نفسه. # وقد عددت الدعاية الفرنسية أبواقها وبثت ms293 أخبارها ونشرت في العالم دويها وجلبتها، ~~وأكثرت من التصريحات وملأت الدنيا بالبلاغات والبيانات تكرر وتعيد أن فرنسا ستعطي لتونس ~~الترضيات اللازمة وستحقق لها رغباتها وستحل مشكلتها بمنحها إصلاحات جوهرية تضع حدا ~~نهائيا للخلاف، وأخيرا ختم وزير خارجية فرنسا نفسه تلك الحملة بخطاب # 1 # ألقاه في المجلس الوطني الفرنسي شرح فيه تلك الإصلاحات وما ترمي إليه، ونبه ~~على أنها لا تمس بالسلطان الفرنسي والمصالح الفرنسية، وأراد الدفاع عن نفسه أمام الرأي ~~العام الفرنسي، فافتضح أمره وأقر أنه سيحافظ على الاستعمار وما فيه، قال: «ونرى لزاما ~~أن نذكر من مبدأ الأمر أن البرنامج المرتقب لن يؤثر بأي حال في الحقوق التي تكفلها ~~المعاهدات لفرنسا والتي تحرص على الاحتفاظ بها ضمانا لمصالحها العليا، وفي الوقت ذاته ~~لمواجهة تبعاتها الدولية، ففي هذا النطاق المحدود تدخل بنوع خاص مسائل الدفاع الوطني ~~والأمن الداخلي الذي تقع مهمة المحافظة عليه على كاهلنا بمقتضى الاتفاقات الجارية، ~~والتي تقضي الضرورات أن تكون من اختصاصنا المعترف به في نطاق الشئون الخارجية، وكذلك ~~الاحتفاظ بالقضاء الفرنسي الذي لا يتمتع بحمايته الفرنسيون فحسب، بل جميع من كان يطبق ~~عليهم نظام الامتيازات، وأيضا الشئون المالية التي تتضمن المعاهدات شروطا خاصة ~~بها.» # ثم إن الوزير عرض على المجلس الوطني الفرنسي فحوى ما سماه إصلاحات. # 2 # أن مشروعه هذا كما هو معروض يعتبر اعتداء خطيرا على السيادة التونسية بفرض مشاركة ~~أفراد الجالية الفرنسية بتونس، وهي جالية أجنبية في ممارسة هذه السيادة، ثم إن هذا ~~المشروع يناقض مبدأ الحكم الذاتي الذي يعلنه سواء ذلك في شئون الحكم أو التشريع أو ~~الإدارة العمومية. ~~(2) الحكم # يقتضي المشروع بأن تبقى الحكومة التونسية مختلطة، فتتألف من سبعة وزراء تونسيين ~~يتولون الوزارات التقليدية وسبعة فرنسيين يشغلون المراكز الرئيسية في الإدارة التونسية، ~~وهي الكتابة العامة والمالية والأشغال العمومية والمعارف العمومية وإدارة البريد ~~والتليفون والتلغراف، وإدارة التعمير، ومنصب مساعد الكاتب العام. أما مصالح الأمن العام ~~فهي موضوعة مباشرة تحت سلطة ممثل فرنسا المقيم العام الفرنسي في تونس، وهو المتصرف ~~المطلق في شئون الأمن ms294 العام الذي لا يدخل في اختصاصات الحكومة التونسية إطلاقا. # ويقضى المشروع من جهة أخرى بتعيين مساعدين تونسيين للمديرين الفرنسيين، مع العلم بأن ~~مناصب المساعدين موجودة حاليا بالنسبة لبعض الإدارات مثل إدارة المعارف العمومية، على ~~أن أولئك المساعدين مجردون من السلطات الحقيقية، ولا يكون لهم من الصلاحيات إلا بقدر ما ~~يعترف لهم به رؤساؤهم الفرنسيون. ~~(3) التشريع # أعلن جلالة الباي في خطاب العرش في ذكرى جلوسه يوم 15 مايو 1951 عزمه على منح الشعب ~~مجلسا تشريعيا يتألف من التونسيين فقط وينتخب أعضاؤه انتخابا ديمقراطيا، وله سلطة ~~تفاوضية، وتكون الحكومة التونسية المؤلفة من تونسيين وحدهم مسئولة لديه. # وترمي فرنسا بمشروع الإصلاحات الذي تعتزم فرضه على جلالة الباي إلى الحيلولة دون ~~تنفيذ إرادة الملك في إقامة أنظمة ديمقراطية في البلاد تتلاءم مع تطور الشعب التونسي؛ ~~ذلك أن المشروع الفرنسي يهدف إلى إنشاء مجلسين تتعارض صبغتهما تعارضا واضحا مع أبسط ~~مبادئ الديمقراطية وتقر نظام السيادة المزدوجة المنافي للقانون. # أما المجلسان فهما: ~~(أ) # مجلس تشريعي يتألف من ثلاثين عضوا تونسيا يعينهم جلالة الباي ولجلالته ~~أن يستشيرهم في بعض لوائح القوانين. ~~(ب) # مجلس مختلط نصفه من التونسيين ونصفه من الفرنسيين، وينظر في جميع شئون ~~الميزانية والشئون الاقتصادية والاجتماعية، وتقوم مشاركة الفرنسيين في هذا ~~المجلس دليلا على نظام السيادة المزدوجة. # وإذا كان جلالة الباي يحتفظ (في المشروع الفرنسي) بالسلطة التشريعية نظرا لأن ~~القوانين في تونس تصدر في شكل مراسيم ملكية، فالحقيقة هي أن تلك السلطة إنما هي سلطة ~~صورية، لأن ممثل فرنسا محتفظ بامتياز فظيع يخول له حق إعطاء تلك المراسيم الصفة ~~التنفيذية؛ إذ لا تكون نافذة إلا مشفعة بإمضائه. # وبهذا يتضح جليا أن الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس التشريعي وهم من التونسيين فقط ~~إنما تعينهم فرنسا في الواقع؛ إذ إن أمر تعيينهم يخضع لموافقة ممثل فرنسا المقيم العام ~~بتونس ليكون نافذا. # وخلاصة القول: إن المظاهر الأساسية للسيادة التونسية التي يحتفظ بها جلالة الباي مقضي ~~عليها بالتلاشي؛ بسبب ما للمقيم الفرنسي من سيطرة على حياة البلاد التشريعية. ~~(4) الإدارة ms295 العمومية ~~(أ) # تبقى الإدارات التي يسيرها الوزراء التونسيون خاضعة لسلطة المقيم العام ~~خلافا للمزاعم التي تضمنها المشروع الفرنسي؛ ذلك أن المقيم العام يملك حق ~~التعقيب على جميع القرارات الوزارية بإحالتها إلى محكمة أطلق عليها ~~«المحكمة الإدارية»، وقد أسندت رئاستها لفرنسي، وبها أربعة أعضاء من ~~الفرنسيين وأربعة من التونسيين، وبهذا الحق الذي يملكه المقيم الفرنسي، ~~مضافا إلى الأغلبية الفرنسية في المحكمة المذكورة يتعذر تنفيذ أي عمل ~~يعتزمه الوزراء التونسيون؛ لأن أعمالهم تكون تحت رحمة السلطات الفرنسية، ~~وعلاوة على ذلك فإن الأحكام التي تصدرها تلك المحكمة يمكن استئنافها لدى ~~محكمة استئنافية مقرها في فرنسا وتتألف هي أيضا من أغلبية من الفرنسيين، ~~وهكذا تظهر سياسة الازدواج التي تسلكها فرنسا في إلحاق محكمة تونسية بمؤسسة ~~فرنسية مقرها فرنسا. ~~(ب) # يقضي نظام أية دولة عصرية بأن يشغل الأهالي وظائف بلادهم، كما يقضي بأن ~~تكون لغتهم هي اللغة المتداولة في الإدارة، غير أن المشروع الفرنسي ينكر ~~هذه المبادئ الأولية، ويفرض على التونسيين المرشحين للوظائف العليا والوظائف ~~الرئيسية بالإدارة اللغة الفرنسية كمادة أصلية في الامتحانات التي تجرى ~~لانتخاب الموظفين، وذلك في بلاد لغتها العربية، وهذا الشرط يضاف إلى ~~القائمة الطويلة من الوظائف المخصصة للفرنسيين والتي تحرم التونسيين من ~~جميع المراكز ذات الأهمية في إدارة بلادهم. # يتضح من البحث السابق أن مشروع الإصلاحات الفرنسية يعزز - لا أكثر ولا أقل - السياسة ~~الاستعمارية الفرنسية التي تهدف إلى اعتداء مطرد على السيادة التونسية، وتتجاهل تجاهلا ~~تاما الرغائب المشروعة للشعب التونسي في السيادة الكاملة والاستقلال. # إن الشعب التونسي قد رفض جميع الإصلاحات الفرنسية المضللة، وهو يتحمل منذ أكثر من تسعة ~~أشهر ما تسلطه عليه السلطات الفرنسية من ضروب العسف والإرهاق التي يقابلها بمقاومته ~~الباسلة وهو ثابت في عزمه على استرجاع استقلاله. # وإن فرنسا التي توالي خرق ميثاق هيئة الأمم المتحدة تتقدم بمشروع إصلاحات من شأنه - ~~لو قبل - أن يدعم على أسس قانونية الحكم المباشر وسياسة إبادة السيادة التونسية، وهي ~~تهدف بذلك المشروع إلى تضليل الرأي العام العالمي عن حقيقة نواياها التي تتسم ms296 بأشد ~~النزعات الاستعمارية تأخرا ووحشية. # ورأى الرأي العام التونسي ما يهدده من خطر بمجرد ما اطلع على مشروع الحكومة الفرنسية، ~~وعقد نواب جميع المنظمات القومية اجتماعا لبحثه فرفضوه بالإجماع، وبينوا في لائحة ~~نشروها أسباب الرفض، وهذا نصها: # لائحة # الحزب الحر الدستوري الجديد. # الدستور القديم. # الاتحاد العام التونسي للشغل. # الاتحاد العام التونسي للفلاحة. # الاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة. # الغرف الاقتصادية (الزراعية) (التجارية). # اتحاد المحامين. # اتحاد الأطباء. # اتحاد الصيادلة. # اتحاد المهندسين. # جميع المنظمات الرياضية والثقافية. # إن الموقعين أدناه ممثلي المنظمات القومية التونسية السياسية والنقابية ~~والمهنية والصناعية والغرف الاقتصادية والمهن الحرة. # بعد أن اطلعوا على البيانات التي أفضى بها أمام الجمعية العمومية (مجلس ~~النواب) وزير الخارجية الفرنسية حول مشروع الإصلاحات الذي تنوي فرنسا تطبيقه في ~~تونس. # يرون أن هذا المشروع لا يعدو أن يكون مماثلا من جميع النواحي للمشروع الذي ~~صدر بصدده بلاغ الإقامة العامة بتاريخ 2 أبريل الماضي، والذي قد سبق أن اعتبر ~~غير مقبول من قبل عموم الرأي العام التونسي. # وأنه: ~~(1) # يقر أسلوب السيادة المزدوجة؛ إذ إنه يقضي بإشراك الفرنسيين بصورة ~~إجبارية في جميع المؤسسات السياسية في البلاد، ويشركهم في ممارسة ~~السياسة ممارسة فعلية. ~~(2) # يعلن من جهة مبدأ الاستقلال الداخلي ويخالفه من جهة أخرى في ~~الميادين الثلاثة التالية: السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، ~~والإدارة العمومية، وذلك: ~~(أ) # بالإبقاء على المناصفة في داخل الحكومة التونسية؛ حيث ~~لا يزال الفرنسيون يحتلون ستة مناصب من بينها المناصب ~~الرئيسية التالية: السكرتارية العامة، والمالية، ~~والأشغال العامة، والمعارف، ويضاف إلى ذلك الأمن العام ~~التابع إلى الإقامة العامة مباشرة. ~~(ب) # بالإبقاء على تأشيرة المقيم العام على المراسيم ~~الملكية، وحق طلب وقف التنفيذ الممنوح للمقيم العام ضد ~~أعمال الوزراء والإصلاح الوهمي للمجالس النيابية التي ~~تبقى معينة تعيينا وذات اختصاصات استشارية ~~بحتة. ~~(ج) # بالإبقاء على جميع الاستثناءات والتضييقات لمبدأ ~~وظيفة عمومية تونسية (قائمة المناصب المخصصة للفرنسيين، ~~هيئات التحكيم المشتركة الخاصة، ~~المناظرات، جعل الامتحانات باللغة الفرنسية في ~~الوظائف العليا والرئيسية، استمرار تعيين موظفين ~~فرنسيين بطريقة الإحالة ... إلخ). ~~(د) # بإحداث محكمة إدارية مختلطة ms297 ذات رئيس فرنسي تكون آلة ~~في يد المقيم العام ليشدد استحواذه على إدارة ~~البلاد. ~~(3) # لا يحقق أي تقدم بالنسبة للوضع الحاضر في ميدان التطور ~~الديمقراطي للمؤسسات التونسية؛ إذ إنه فيما يتعلق بالمجلسين المقترح ~~إحداثهما أن - أحدهما لا يعدو أن يكون صورة أخرى للمجلس الكبير - ~~لا مبدأ الانتخاب ولا سلطة التقرير. ~~(4) # يقدم كإنشاءات جديدة بعض المؤسسات الموجودة بالفعل في الوقت ~~الحاضر ... مناصب مساعدين تونسيين لمديري الإدارات الفرنسيين (مثل ~~إدارة المعارف، والاقتصاد، والصحة. وقد وجدت منذ سنة 1946)، ومجالس ~~الأعمال (المقاطعات) المنتخبة المؤسسة سنة 1921 والتي وقع العدول ~~عنها فيما بعد. ~~(5) # يقدم من جديد المشروع الموضوع تحت الدراسة منذ سنة 1944 والخاص ~~بالمجالس البلدية المنتخبة مع مبدأ التمثيل الثنائي في المدن ~~الكبرى. # هذا وبما أن مثل هذا المشروع يعتبر دون الحد الأدنى الذي يطالب به التونسيون ~~لتسيير شئونهم بكثير. # وبما أن حسن الاستعداد والاعتدال الذي أبداه التونسيون طيلة مدة المفاوضات ~~التي بدأت في شهر أغسطس سنة 1950 لم تقع مقابلتها بالمثل. # وبما أن الحكومة الفرنسية بعكس ذلك قابلت ذلك الموقف بمذكرة 15 ديسمبر ~~وبسياسة البطش التي بدأت في شهر يناير 1952. # فإنهم يعتبرون مشروع الإصلاحات الوهمية المعروضة من قبل الحكومة الفرنسية، ~~إذا وقع تنفيذه في الظروف الحالية سيعتبر بناء على هذه الملابسات من الناحيتين ~~القانونية والواقعية مفروضا فرضا على الملك وعلى الشعب التونسي، ولن يأتي بأي ~~حل صحيح لأزمة العلاقات الفرنسية التونسية. # ويضعون ثقتهم في جلالة الملك لتحقيق أماني الشعب التي تتفق مع الرغبة السامية ~~المعلنة في مناسبات عديدة وخاصة في خطاب العرش في 15 مايو 1951 ومع مصالح ~~البلاد وسيادتها ضد كل التهديدات التي تتعرض لها. # ويناشدون الضمير العالمي لإيجاد حل للنزاع الفرنسي التونسي على أساس العدالة ~~والقانون الدولي المتمثلين في ميثاق الأمم المتحدة. # لما رأت الحكومة الفرنسية أن مكانة «دي هوتكلوك» في البلاد غير مكينة، وأنه لا يتمتع ~~بثقة الملك، بل التوتر بينهما يقوي ويشتد، أرادت أن تتلافى الأمر بأسلوب زاد الطين بلة، ~~والهوة اتساعا؛ إذ أضافت ضغطها إلى ضغط المقيم، وسعت ms298 في إجبار الملك على قبول ~~الإصلاحات المزعومة، وذلك برسالة بعث بها رئيس الحكومة الفرنسية إلى الملك قال فيها: # سري # باريس في 4 يوليو 1952 # رئاسة مجلس الوزراء # الرئيس # مولاي # بمناسبة عودة «السيد دي هوتكلوك» إلى تونس ممتعا بالثقة التامة للحكومة، ~~أرغب بأن أكلفه برسالة شخصية إلى سموكم. # إن مشروع الإصلاحات الذي سيعرضه المقيم العام على خاتمكم السامي قد نال تصديق ~~مجلس الوزراء وعرض على البرلمان فدلت الآراء التي أبديت في اتجاهات مختلفة ~~أثناء المناقشات أن الإصلاحات تعد شوطا بعيدا جدا في طريق التحرر. # وبناء عليه فإن جلالتكم بفضل سامي حكمتكم سترى بدون شك أنها لا يمكنها تأجيل ~~قبولها لهذه الإصلاحات التي تتفق اتفاقا تاما مع روح معاهدة ~~«المرسى». # لذلك فإن الحكومة الفرنسية تضع ثقتها في جلالتكم، وهي واثقة أن ختم هذه ~~الإصلاحات المختلفة سوف تدل على استمرار علاقات الود والصداقة بين فرنسا ~~والأسرة الحسينية وتكون بداية عهد جديد يسوده الهدوء والرفاهية. # وأرجو يا صاحب الجلالة أن تتفضلوا بقبول عبارات خالص شعوري وفائق ~~تقديري. # رئاسة مجلس الوزراء # أ. بينيه # إلى جلالة سيدي الأمين باشا باي # صاحب المملكة التونسية # المناورات الفرنسية المفضوحة # لقد أصبحت الإقامة العامة هي المصدر الوحيد الذي تستقي منه الصحافة المحلية ~~والعالمية أخبارها، بعد أن فرضت الرقابة الشديدة على جميع الصحف، وكمت الأفواه ، ~~وقضت على حرية القول والفكر، فأبعدت عن طريقها كل مساجل، وأزالت كل منافس، فخلا لها ~~الميدان، وأخذت إذ ذاك تنشر ما بدا لها مما يماشي رغباتها، ويسهل عليها بلوغ ~~غاياتها، رامية إلى وضع الملك في مأزق حرج، وإلزامه بالأمر الواقع، فنسبت إليه ~~أقوالا لم يفه بها وتعهدات لم يقبلها. # ودأبت المقامات الفرنسية منذ الانقلاب المسلح الذي قام به المقيم العام في 26 ~~مارس 1952 فأقصى وزارة السيد محمد شنيق عن الحكم، تنشر أنباء مضللة تزعم فيها أن ~~جلالة محمد الأمين الأول متفق مع الحكومة الفرنسية في جميع الخطوات التي أقدمت ~~عليها بواسطة ممثلها بتونس، ومنها إقصاء الحكومة التونسية الشرعية، وتنصيب وزارة ~~البكوش، وإدخال إصلاحات على نظام ms299 الحكم في البلاد طبقا لمبدأ السيادة المشتركة ~~الذي تضمنته مذكرة الخارجية الفرنسية في 15 / 12 / 1951، تلك المذكرة التي انقطعت ~~بسببها المفاوضات بين تونس وفرنسا. # وكانت فرية من ذلك القبيل ما زعمه ممثل فرنسا في مجلس الأمن أثناء إثارة القضية ~~التونسية في أبريل 1952، كما كانت من ذلك القبيل أيضا المزاعم التي رددتها ~~المقامات الفرنسية بمناسبة طلب الكتلة العربية الآسيوية عقد دورة خاصة للجمعية ~~العامة للأمم المتحدة، وما أشاعته في الدوائر الدبلوماسية من أن المفاوضات بين تونس ~~وفرنسا مستمرة، وإن جلالة ملك تونس قبل الإصلاحات التي عرضتها عليه الحكومة ~~الفرنسية. # وقد نبهت صحف فرنسا «دي هوتكلوك» إلى وجوب الاقتصاد في الكلام وعدم الإفراط في التبجح ~~بالشدة والضغط، فكتبت جريدة «لي بويلير» في 25 / 7 / 1952: # ومن صالح الإقامة العامة أن تبدو أكثر تحفظا فيما يتعلق بالتلميح إلى الضغط الذي ~~قد يستهدف له الباي، وأن ميل الأمير الشاذلي نجل الباي الأكبر للحزب الدستوري ~~الجديد معروف، وممكن أن يكون له أحيانا أثره على سياسة القصر، ولكن الباي لم يقص ~~وزارة شنيق مثلا تحت تأثير ابنه الأكبر أو تحت تأثير الرأي العام. # ولكن المقيم العام لم يعمل بتلك النصيحة، بل ادعى أن جلالة الملك كلف وزارة البكوش ~~ببحث الإصلاحات التي قبلها مبدئيا، واجتمع مجلس الوزراء التونسي بالفعل وأخذ في بحثها ~~وإدخال بعض التحويرات التافهة الجزئية عليها ، ولم يكتف المقيم بادعائه ذلك، بل نشر ~~مزاعمه على الصحف التي تناقلتها، فكتبت جريدة «الفيجارو» في 27 / 7 / 1952: # إن الباي نسي أنه علنا وفي عدة مناسبات أيد مشروع الإصلاحات، وأنه منح وزيره ~~الأول السيد بكوش حق مناقشة وسائل التنفيذ، فهو اليوم يخضع لتأثير ~~حاشيته. # ثم سافر الكاتب العام الفرنسي «بونص» إلى باريس لعرضها في قالبها الجديد على الحكومة ~~الفرنسية، وأخذ موافقتها عليها، وذلك ما قالته الصحافة، فكتبت جريدة «كومبا» في 26 / 7 / 1952: # قيل لنا إن مسيو «بونص» سيلحق بمقر عمله يوم الأحد حاملا النصوص التي أعدها ~~المختصون بوزارة الخارجية والوزراء الذين يهمهم الأمر، ويقال إن بعض التعديلات ~~التي قدمتها وزارة ms300 بكوش قد أقرت، وأن هذا من شأنه أن يسهل الاتفاق على الأقل مع ~~الوزارة الحالية في تونس. # كل تلك الحركة والأسفار والتصريحات والأخبار والجلبة والضوضاء لم يطلع عليها ~~الذي يهمه أمرها قبل غيره، وهو جلالة الملك، فلم يتصل بنصها، فرأى من اللائق أن ~~يعلم بذلك رئيس الجمهورية الفرنسية وأن يرجع الحقيقة إلى نصابها، فأرسل إليه ~~البرقية التالية. # تونس في 22 يوليو 1952 # برقية عاجلة # حضرة رئيس الجمهورية الفرنسية # باريس # لقد سلم لي حضرة السفير المقيم العام خطابا بتاريخ 4 يوليو 1952 من رئيس مجلس ~~الوزراء الفرنسي يعلمنا فيه أن لوائح مراسيم الإصلاحات ستسلم لنا قريبا، ومن ذلك ~~التاريخ نشرت بلاغات صحفية تفيد أننا صادقنا على تلك الإصلاحات، وأننا منحنا الوزير ~~الأول سلطات واسعة لدراستها، ثم عقد مجلس الوزراء كثيرا من الاجتماعات درست في ~~أثنائها المشاريع المذكورة، وأخيرا سافر المسيو بونص السكرتير العام للحكومة ~~التونسية يحمل تعديلات لتلك الإصلاحات لعرضها على الحكومة الفرنسية. # وإننا نعجب من مثل هذا السلوك نحونا؛ إذ لم تصلنا إلى اليوم لوائح الإصلاحات ولم ~~نمنح أي تفويض للوزير الأول بشأنها ولا لمجلس الوزراء الذي له مهمة إدارية بحتة، ~~أما سفر السكرتير العام، فقد تم بغير علمنا. # ونوجه أنظاركم السامية إلى هذه الحالة. # محمد الأمين الأول # أظهرت تلك البرقية أن الأزمة التونسية ما زالت على أشدها ووضعت حدا لمفتريات ~~السلطات الفرنسية، وبينت جريدة «فران تيرور» ما نتج عن ادعاءات الإقامة العامة والسياسة ~~العنيفة التي تتبعها، قالت في 26 / 7 / 1952: # إن رفض الباي التصديق على الإصلاحات قد يضع فرنسا في موقف حرج أمام الأمم ~~المتحدة. # وتجتاز الأزمة التونسية من جديد فترة صعبة. # لقد حاول دي هوتكلوك أن يبقى الخبر سرا، وأن رسالة سيدي الأمين إلى مسيو ~~فنسان أوريول التي يصرح له فيها أنه لم يجد متسعا من الوقت للاطلاع على مشروع ~~الإصلاحات قد أبقيت عدة أيام بدار السفارة الفرنسية في تونس. # وأن احتجاج الباي يسدد فعلا ضربة شديدة للسياسة التي اتبعها مسيو دي هوتكلوك ~~منذ وصوله إلى تونس، ألم ms301 يقل المقيم العام ويصرح بعد أن سجن أعضاء وزارة شنيق ~~أنه أجاب رغبات الباي الخفية؟ أولم يقل فيما بعد أن وزارة بكوش تتمتع بتأييد ~~سيدي الأمين المطلق؟ وقد لازم سوء الحظ مسيو دي هوتكلوك، ولازم الحكومة أيضا، ~~ويتحمل مسيو روبير شومان نفس المسئوليات التي يتحملها المقيم، وليس لمسيو بيني ~~أي عذر في تركه الأمور تجري بدون أن يتدخل. # فلم يبق للحكومة الفرنسية ولمسيو دي هوتكلوك إذا أرادوا أن يواصلوا سياستهم ~~التي اتبعوها إلا أن يقصوا الباي كما أقصوا السيد شنيق، ألم يعرض مسيو دي ~~هوتكلوك هذا الاقتراح على مسيو إدقارفور. # وقد كلف جلالة الملك نجله الأكبر بالإدلاء بتصريحات لوكالة الأسوشيتيد بريس يوضح فيها ~~حقيقة الموقف من وزارة بكوش ومشروعات الإصلاحات الفرنسية وهذا نصها: # تفضل الأمير الشاذلي باي النجل الأكبر لجلالة ملك تونس والذي كان يشغل منصب ~~رئيس الديوان الملكي، وقد كثر الحديث عنه في الأشهر الأخيرة، فأدلى إلينا ~~بالتصريحات التالية: # أعلنت الحكومة الفرنسية عن مشروعات الإصلاحات التي تعتزم منحها لتونس، وجاء ~~هذا الإعلان بعد عدة أشهر استغرقتها المناقشات حولها في مجلس الوزراء ~~والمؤتمرات الدولية ودوائر شمال أفريقيا، وبعد مشاورات بين الجزائر والرباط، ~~بيد أن جلالة الباي لم يستلم تلك المشروعات حتى يستطيع الرد على الحكومة ~~الفرنسية برفضها أو قبولها. # وقد أعلن جلالته في أثناء الحديث الأخير الذي جرى بينه وبين المقيم العام أنه ~~خادم الشعب التونسي وأنه يقبل تلك الإصلاحات إذا قبلها الشعب ويرفضها إذا ~~رفضها. # وجلالته لم يكلف البكوش بالبحث في الإصلاحات المذكورة، وهذا الوزير لا يتمتع ~~بثقته ووزارته كلها فرضت بقوة الجيش، وقد رفض جلالة الباي مثلا استقبال الوزير ~~الأول في يومي 14 يوليو و15 يوليو سنة 1952، وعلاوة على ذلك فإن دي هوتكلوك كان ~~يقول عند تأليف الوزارة الحالية إنها وزارة إدارية وليست وزارة مفاوضات. # ومهما يكن من الأمر فإن الإصلاحات المذكورة تعتبر خطوة إلى الوراء ولا تحقق ~~أي تقدم نحو الاستقلال الداخلي وتقر السيادة المشتركة، فهي تبقي الازدواج في ~~الحكومة وتترك مراكز أساسية للفرنسيين مثل المالية والتعليم ms302 العمومي وغيرهما ... ~~ثم إن مصلحتين مهمتين وهما مصلحة مراقبة الموظفين ومصلحة مراقبة الحسابات قد ~~أقصي عنها التونسيون، ويحتفظ مدير المال في هذه الإصلاحات بحق مراقبة المصروفات، ~~وهو يعين في كل إدارة أو وزارة مراقبين تابعين له يتصرفون بمطلق الحرية، وهؤلاء ~~المراقبون يرفضون بوصفهم فرنسيين الامتثال لأوامر الوزراء التونسيين، وإذا حدث ~~أنهم امتثلوا لأمر وزير فيهم يخبرون مدير المال بعدم موافقتهم على ما اقترح ~~صرفه، فيقوم مدير المال بالمساعي اللازمة لإلغاء مقترحات الوزير. وكذلك تقضي ~~المشروعات المذكورة ببقاء «الأمن» خارجا عن سلطة الحكومة التونسية، والحال أن ~~حكومة بدون «بوليس» تكون تحت رحمة مختلف أنواع المناورات، وحكومة هذا شأنها لا ~~تستطيع القيام بمهام الحكم. # وفي معاهدة «باردو» عهد لفرنسا بالسهر على الأمن في الحدود والسواحل لا غير، وقد كانت ~~مصلحة الأمن قبل سنة 1939 تابعة للسكرتارية العامة للحكومة التونسية تحت سلطة الوزير ~~الأول. ~~(5) المحكمة الإدارية # جعلت الحكومة الفرنسية من هذه الهيئة محكمة فرنسية تراقب أعمال الإدارة التونسية ~~وتعتبر المحكمة الاستئنافية التابعة لها والتي مقرها باريس تابعة لفرنسا أيضا، وقد سبق ~~لجلالة الباي أن رفض مثل هذا «الإلحاق» في مذكرة سلمها للمقيم العام (الأسبق) مونص ~~ووجود المحكمة المذكورة تمكن المقيم العام من إلغاء جميع قرارات الوزراء التي لا يرتاح ~~لها المقيم العام، ومعنى ذلك بقاء العمل بتأشيرة المقيم. # ولا ينبغي أن نغفل أن إسناد رئاسة المحكمة لفرنسي يجعل الأغلبية فيه فرنسية. ~~(6) المجلس الاقتصادي # وفي هذه الهيئة تعتبر القرارات لاغية لقيامها على مبدأ السيادة المشتركة. # والمسألة لا تعدو أن تكون شطر المجلس الكبير السابق إلى شطرين. # والشطر الآخر هوج. ~~(7) المجلس التشريعي # الذي لا يؤلف بالانتخاب العام خلافا للمجلس الكبير السابق، وتحتم أن تحمل قراراته ~~تأشيرة المقيم العام فلا اختصاصات له إطلاقا. ~~(8) الوظائف العمومية # لا تنطوي المشروعات في هذا السبيل على أية خطوة تقدمية؛ إذ تبقى أبواب الوظائف العليا ~~والرئيسية مثل المالية والأمن موصدة في وجه التونسيين، وبالإضافة إلى ذلك فإن مواد ~~الامتحانات مماثلة لمواد الامتحانات في فرنسا، ويتولى التحكيم فيها لجان مختلطة، ومن ~~جميع ms303 ما تقدم يتضح أن الإصلاحات لن تحدث صدمة «بسيكولوجية». # ويستمر الفرنسيون المقيمون بتونس وفقا لما جاء في رسالة 15 ديسمبر المشهورة في ~~المشاركة في المنظمات السياسية والإدارية للملكة التونسية، والحال أن النزاع بين تونس ~~وفرنسا نشأ عن تلك الرسالة. # ثم تحدث الأمير الشاذلي باي عن احتفالات 14 يوليو وما قيل من انتداب ولي العهد الأمير ~~«عز الدين» ممثلا لجلالة الباي فقال: # إني أكذب تكذيبا قاطعا مثل هذا الانتداب؛ فقد جرت العادة أن يمثل الباي أحد ~~أبنائه في الاحتفالات الرسمية التي لا يحضرها بنفسه، وقد قيل إن المقيم العام بعث ~~برسالة شكر للباي بمناسبة 14 يوليو، وهو أمر لا أساس له من الصحة، ولا وجود لمثل هذه ~~الرسالة. # ثم استطرد الأمير الشاذلي باي يتحدث عن مساعي وزارة البكوش الحالية بشأن الإصلاحات، ~~فأكدنا تأكيدا جازما بأنه ليس هناك وزير واحد يتمتع بثقة جلالة الباي، وحتى «بلخيرية» ~~وزير الدولة الذي قيل عنه إنه دافع بقوة في أثناء المباحثات الأخيرة عن بعض وجهات نظر ~~الوزارة السابقة. # وهنا سألنا الأمير الشاذلي كيف يمكن الخروج من المأزق الحالي الذي بلغت إليه العلاقات ~~التونسية الفرنسية، فابتسم ولم يجب واكتفى بقوله: # لما يعرض المقيم العام مشروعات الإصلاحات على جلالة الباي فإن جلالته سيدرسها ~~ويبلغ ملحوظاته عليها إلى رئيس الجمهورية الفرنسية. # ثم سألناه عن المساعي التي تبذل في هيئة الأمم المتحدة فأجاب بقوله: # أما نتيجة هذه المساعي التي ستظهر في 20 يوليو فيظهر لي أننا سنتجاوزها ... ~~ولكن أكتوبر قريب! # وأوفد المقيم العام إثر ذلك المسيو ساماران مستشار الحكومة التونسية لمقابلة جلالة ~~الملك للاستفسار عن حقيقة البرقية وتبديد كل التباس بشأنها، إنه أرسل فعلا تلك البرقية ~~قطعا لدابر الإشاعات والأنباء الكاذبة التي تنشرها الصحف، كما أعلمه بأنه موافق تمام ~~الموافقة على التصريحات التي أدلى بها نجله الأمير الشاذلي لوكالة الأسوشيتيد بريس وأنه ~~هو الذي كلفه بالإدلاء بتلك التصريحات نيابة عنه، بل هو الذي حدد موضوعاتها ~~وعباراتها. # وفي 27 يوليو قام مسيو ماتييه مدير الخاصة الملكية - وهو فرنسي - بنشر إشاعة في ms304 القصر ~~تفيد أن مصروفات القصر تجاوزت الاعتمادات المقررة، وأن السلطات قلقة من هذا الأمر، وقد ~~يكون الغرض من نشرها هو أن الإقامة العامة كانت تريد معرفة رد فعل جلالة الملك لاستثمار ~~المساومة للضغط عليه. # وتمت المقابلة بين جلالة الملك والمقيم العام الفرنسي في اليوم التالي، ودامت ثمانين ~~دقيقة بحضور بكوش الوزير الأول وسامران مستشار الحكومة التونسية وبيك المستشار بالإقامة ~~العامة. # وبدأ المقيم العام حديثه بطلب إيضاحات عن البرقية وعن تصريحات الأمير الشاذلي باي، ~~فأعاد جلالته ما أجاب به سامران بالأمس. # ثم قدم المقيم لجلالة الملك بعض أوراق محررة باللغة الفرنسية لا تتضمن نص الإصلاحات، ~~بل عرضا ملخصا لمشروعات مراسيم الإصلاحات مرفقا بمسودة ترجمتها باللغة ~~العربية. # وطلب المقيم من الملك بيان الأسباب التي دعت لإرسال برقيته إلى رئيس الجمهورية، فرد ~~عليه جلالته بقوله: # لقد اتجهت إلى رئيسكم لإحاطته علما بموقفكم تجاهنا، ولأحتج على الأعمال التي ~~نسبتها إلي صحافتكم، وبناء عليه أرجوكم أن تبلغوني في المستقبل رغباتكم ~~كتابيا، وسأجيب عليها كتابيا، وذلك منعا لانتشار الشائعات والأقوال ~~الكاذبة التي تنسب في أثر كل مباحثة تجرى بيننا، أما فيما يتعلق بمشروعات ~~الإصلاحات فيجب أن تعلموا أنها لا تخصني شخصيا ولكنها تهم شعبا كاملا، وأنا ~~لست إلا خادم هذا الشعب الذي يبلغ تعداده الثلاثة ملايين ونصف من الأشخاص، لا ~~بد من الاتصال بهم وتلقى آرائهم بهذا الشأن، فإذا قبلوا الإصلاحات فيا حبذا، ~~وإذا رفضوها فإني أكون قد قمت بواجبي، ولذلك فلا بد لي من شهر أو شهرين للتفكير ~~مليا في الأمر وجمع مختلف الآراء. # فقال المقيم: ولكن أطلب إليكم ألا تقتصروا على استشارة المتطرفين وأن تتصل استشاراتكم ~~العناصر المعتدلة. # فأجاب جلالة الملك: حسنا، سأستشير جميع الشخصيات المسئولة والتي لها مركز اجتماعي مثل ~~السيد القسطلي وغيره. # وبعد ذلك ذكر المقيم العام لجلالة الباي أن مصاريف القصر تجاوزت كل حد، فرد عليه ~~جلالته قائلا: «اعلموا أولا أن مصروفات القصر يتحملها الشعب التونسي على أن سلفكم ~~وعدني بزيادة مخصصات القصر، ولكنه لم يفعل شيئا، وكان ينبغي أن أطلب ms305 إليه تسجيل وعوده ~~كتابة، وعلى كل حال إذا كانت الدولة لا تريد أن تستمر في صرف مخصصات القصر فإن الشعب ~~مستعد لتحملها مباشرة.» # وهنا أشار المقيم العام إلى حوادث مصر وما كان من مصير الملك فاروق فقال: إنكم ~~تتحدثون دائما عن الشعوب، هلا رأيتم موقف الشعب المصري تجاه فاروق. # فأجاب الملك: أجل! ولكن الشعب المصري كان في خصام مع ملكه، والحالة في تونس مغايرة، ~~فإن الشعب والملك متفقان ويعملان لنفس الغاية، ولو بقينا وحدنا لكنا متفقين في جميع ~~الشئون. # وقال دي هوتكلوك: أخيرا من المصلحة أن نتقابل مرة أخرى قبل انتهاء الأسبوع. # فأجاب الملك: الوزير الأول بكوش هو صندوقي للبريد فإذا كان لديك شيء تريد أن تقوله لي ~~فإنه يقوم بمأموريته بسرعته الاعتيادية. # ثم طلب المقيم العام في ختام المقابلة نشر بلاغ عنها في الصحف، فرفض جلالته الموافقة ~~على ذلك قائلا: إنه قد تنسب له اقوال لم يفه بها بتاتا. # وعند ذلك غادر المقيم العام القصر وصرح للصحفيين بأنه ليست لديه أقوال يدلي ~~بها. # وقد نشرت بعض الصحف الباريسية المحادثات التي دارت بين جلالة الملك والمقيم العام ~~خلال هذه الفترة الدقيقة، وبينت الظروف التي أحاطت بها بيانا شافيا، واستقت جريدة ~~«فران تيرور» خاصة أخبارها من أوثق المصادر قالت بتاريخ 6 / 8 / 1952: # لو لم تشتمل المشكلة الفرنسية التونسية على مأساة، لكان ما ننشره اليوم عنها ~~يذكرنا مشهدا مسرحيا، وأما فيما يتعلق بممثل فرنسا فإنه مشهد مضحك يبقي في ~~نفوسنا مرارة، وسيرى القارئ فيما يأتي هل لمقيمنا العام الحذق اللازم لكسب ثقة ~~الذين يملي علينا العقل السليم أن نجعل منهم أصدقاء وشركاء مع المحافظة على ~~كرامتهم واستقلالهم، هذا المقيم الذي سلمت له جميع سلطات القمع والمفاوضة، ~~وسيرى القارئ أيضا خلال هذه الرواية أي الشقين امتاز بالكياسة ~~والكرامة. # عندما يأكل «م. دي هوتكلوك» من لحم الأسد # رجع المقيم العام إلى تونس يوم 5 يوليو 1952 بعد غياب دام خمسة أسابيع، حاملا معه ~~مشروع إصلاحات ورسالة من رئيس الوزارة الفرنسية إلى جلالة الملك يطلب ms306 منه فيها أن يوقع ~~على المشروع الذي سيعرضه عليه «م. دي هوتكلوك»، وصرح «م. دي هوتكلوك» إلى أصدقائه إثر نزوله ~~من الطائرة جادا: «إني رجعت من باريس قويا إلى أقصى درجة! أقول لكم: قويا ~~جدا!» # وإننا سنرى ما سنرى ... ونتفرج على الأدوار والألعاب ... وجمع المقيم يوم 7 يوليو ~~المديرين الفرنسيين والوزراء التونسيين في مقره بمدينة المرسى (من ضواحي تونس) وقرأ ~~عليهم نصوص الإصلاحات قبل أن يعرضها على الملك، ويوم 8 يوليو تحدث مع الباي وسلم له ~~رسالة الرئيس بينيه. # وكان الملك يتجنب ما أمكن الاتصال المباشر مع المقيم العام لأنه يراه سيئ ~~الأدب. ~~(8-1) المحادثة الأولى # المقيم العام ~~: # سأسلم لسموكم في القريب نص الإصلاحات بمجرد ما تنتهي إدارتي من ترجمتها ~~للعربية، وأصرح لكم أن 1400 من المعتقلين سيطلق سراحهم ما عدا الذين قاموا ~~بمخالفة، وباستثناء بورقيبة. # الباي ~~: # يوجد حينئذ معتقلون من بين التونسيين لم يعملوا شيئا؟ أما بورقيبة فإننا ~~لا نفهم أن تتعنت الحكومة الفرنسية ضد هذا الرجل الذي قام بجميع ما يمكن ~~ليحقق الصداقة الفرنسية التونسية، فأصبح اليوم مرمي على كدس من الحجارة ~~وحوله بعض الصيادين، فلا يمكن له أن يقتني حتى حبوب «إسبرين»، وأنتم ترفضون ~~إطلاق سراحه أو نقله إلى مكان آخر. # فلم يجب المقيم العام بشيء، بل رأى من البراعة أن يطلب من الباي أن يحضر في العرض ~~العسكري يوم 14 يوليو، «فرفض الباي» وألح دي هوتكلوك قائلا: «إن الحكومة الفرنسية ~~تلح كثيرا لتكونوا ممثلين، ويمكن لكم أن تنيبوا نجلكم الأمير الشاذلي ~~مثلا.» # الباي ~~: # ولكنكم كنتم قلتم لي أنتم بأنفسكم إن ابني الشاذلي، وابنتي زكية كانا ~~يقومان بأعمال التخريب، وإنا نرى غير لائق وجود مخربين يجلسون بجانب ممثل ~~فرنسا، ومهما يكن من أمر فإن لم نحضر بأنفسنا فلن نرسل أحدا ~~ليمثلنا. # هكذا ختمت تلك الحادثة. ~~(8-2) المقيم يتظاهر باللطف # ثم مضت مدة طويلة كانت كلها مخاتلات، وكان الكلام دائما يدور حول الإصلاحات التي ~~لم يطلع عليها الباي أبدا، وفي كل مرة يطلب الباي نص هذه الإصلاحات إلا ms307 ويجاب ~~أنها: «بصدد التعريب»، وقد سعى المقيم العام في الاتصال بالبلاط الملكي يوم 28 ~~يوليو، بمناسبة زفاف الأميرة ليليه ابنة الباي، وأظهر الرغبة في تقديم تهانيه، ~~فأجاب الباي لمن توسط في ذلك: «فما على المقيم العام إلا أن يقدم تهانيه مباشرة ~~للزوجين نفسيهما، وأن حفلة الزفاف كانت عائلية بحتة»، ولم يجد «م. دي هوتكلوك» أحسن من ~~نشر بلاغ يعلن للرأي العام أن الإقامة العامة إظهارا لروح التفهم والصداقة قد ~~أبلغت إلى البلاط هدية ذات قيمة لا تقاس، وتلك الهدية التي لا تقاس طبق! # وكان ينبغي حسب طلب المقيم أن تكون المحادثات خاصة بين الباي والمقيم لا يحضرها ~~غيرهما، وكان الباي وحده، ولكن المقيم أتى مصحوبا بأربعة أشخاص: سامران مترجم ~~الإقامة، والكولونيل لوفاسور دي بياك، المستشار القانوني بالإقامة ... وبكوش. # وأخذ دي هوتكلوك يتعاظم، ثم أخرج ورقة من جيبه وشرع يلقي على الملك عدة أسئلة كما ~~يحقق رئيس مركز البوليس مع أي متهم عادي، وصمد الباي في موقفه، واحتج على رقابة ~~الأخبار معلنا أنه لن يتأخر عن دعوة ممثلي شركات الأنباء الأجنبية لإرجاع الحقيقة ~~إلى نصابها فيما يتعلق بالأخبار التي لا نصيب لها من الصحة والتي تذاع عن ~~سلوكه. # فقال دي هوتكلوك في صلف وحدة: «ولكنك رفضت أن توقع على بعض الأوامر (المراسيم) ~~التي لا تتحمل التأخير نظرا لخطرها.» فقال الباي: «لسنا آلة لتوقيع جميع المشروعات ~~التي تعرضونها علينا، وإننا نرى من اللازم بحثها بحثا دقيقا، وإننا لا نوقع عليها ~~إذا رأيناها تضر بمصالح التونسيين الذين أقسمنا على أن نبقى أوفياء لهم وخداما ~~لمصالحهم.» # فاستخدم دي هوتكلوك اللمز والدس قائلا: «يظهر أن مصاريف البلاط فاقت الميزانية ~~المعينة للدائرة السنية.» # فأجاب الباي بشدة: «إنا نأخذ ما نتقاضاه من الصندوق الوطني الذي يغذيه الشعب ~~التونسي بماله، فإن رفضتم فإن الشعب التونسي يتكفل بتوفير ما أحتاجه.» # فقال دي هوتكلوك - بلطفه العادي: «ما زلتم تتكلمون على الشعب، فلتفكروا قليلا ~~فيما صنعه مع الملك فاروق.» # فقال الباي والاحتقار والازدراء بائن عليه: «لم ينل فاروق إلا ما استحقه، ms308 ولقد ~~كنا نتوقع ما ناله من مصير منذ مدة مديدة، ولكن يا حضرة المقيم العام هل جئتم ~~لتحدثوني عن الميزانية أم عن الملك فاروق؟ فأتموا قائمة أسئلتكم، وسلموا لي نص ~~الإصلاحات، إن كان تعريبها قد تم، في حالة من الأحوال؛ لأننا بقينا وحدنا من دون ~~الناس لم نطلع عليها.» ~~(8-3) كيف يتم فصل الأمور الهامة؟ # وهكذا يصبح المشهد الروائي مضحكا فيه من الفضيحة ما فيه، يتظاهر المقيم بأنه ~~يفتش في جيوبه، فيخرج منديله، ثم علبة سجاير، ثم يصيح بالكولونيل لوفاسور: ~~«كولونيل، اذهب وفتش عن ذلك النص، فإنه بقي في سيارتي أمام البلاط.» # وخيم سكوت ثقيل. # وخرج الكولونيل، ثم دخل وناول المقيم ورقة صغيرة - من الورق العادي - على إحدى ~~صفحتيها نص فرنسي، وعلى الصفحة الأخرى نص عربي، وسلم المقيم بدوره تلك الورقة للباي. ~~ويظهر أن التعريب حديث جدا، وكان كله استدراكات. # فأخذ الباي الورقة وقلبها، وعير وزنها مظهرا استغرابه وتهكمه. وإن تلك ~~الإصلاحات العظيمة التي كثر التحدث عنها ونوه بشأنها وخطرها وتعمقه في بحثها، قد ~~احتوتها هذه الوريقة الصغيرة التي تشبه ورق بقال والتي قدمت له هكذا من غير ~~اكتراث. # واتخذ دي هوتكلوك لهجة رسمية فخمة ليقول: «إنا نرغب من سموكم أن توقعوا على هذا ~~النص في أقرب وقت ممكن، في حفلة الطابع المقبل، يوم الخميس.» # فأجاب الباي بهدوء: «لقد قلنا لكم إننا لسنا آلة توقيع، إن إعداد فرنسا لذلك النص ~~استغرق سبعة أشهر لتعرضه علي، وقد طلب من البرلمان الفرنسي وجميع المصالح المختصة، ~~ومن الجزائر نفسها ومراكش أيضا أن يبدوا رأيهم في تلك الإصلاحات، فإنكم تعطوننا لا ~~محالة شهرين أو ثلاثة لنتمكن نحن أيضا من بحثها بدقة، ونستشير في موضوعها الممثلين ~~الحقيقيين للشعب التونسي.» # فظهر القلق على دي هوتكلوك، وقال: «ترى الحكومة الفرنسية ألا يقع بحث تلك النصوص ~~ومناقشتها إلا من طرف الممثلين الشرعيين للشعب التونسي، وألا يطلع عليها ~~المتطرفون.» # فأجاب الباي بحزم: «إننا ننوي استشارة جميع الناس، متطرفين ومعتدلين، ويبلغك ~~القرار بطريقة بكوش الذي نعتبره «ساعي بريدنا».» # وختمت هكذا ms309 المحادثة، ورفض دي هوتكلوك الإدلاء بأي تصريح إثر خروجه من البلاط، ~~ولكنه أسر إلى صديق له من الصحفيين: «إني عدت بالخيبة والمرارة والانهيار.» # أهكذا يكون الكلام؟ # هكذا كان الأمر! # هل نحن في حاجة لنبين أن الكلام الذي يتفوه به حضرة المقيم العام للجمهورية ~~الفرنسية، يجعلنا نشك في حسن ذوقه وعقله واتزانه السياسي وخصاله الدبلوماسية؟ ومهما ~~تكن الأغلاط وسوء التفاهم في العلاقات الفرنسية التونسية، فإنا نحتاج قبل كل شيء في ~~حالة التوتر الراهنة إلى أشخاص ممتازين بذكاء يكون فوق المتوسط على الأقل، فليس ~~أمام فرنسا هناك أناس متوحشون، بل يقابلها بتونس مفاوضون أو خصوم بلغوا الذروة في ~~المدنية. # وكنا نود أن يكون الطرفان متعادلين في ميدان المحادثة والمفاهمة، عندما تحمل ~~المحادثات في طياتها أخطر النتائج، فتكون كفة من يمثلنا تعدل على الأقل كفة من ~~يخاطبنا. # أوليس من الحقيقة أن تلك الوثيقة تسمح لنا أن نزداد فهما في الميدان السيكلوجي ~~على الأقل للسبب الذي جعل أمورنا وأمور الحرية نفسها لا تسير حسب المرغوب. # وكان المقيم العام أراد أن يحتاط لنفسه، وأن يضع المسئولية كلها على الجانب ~~التونسي، وأن يزيد في الضغط على الملك، فأرسل له في يوم المقابلة نفسه مذكرة طالبا ~~منه أن يوقع حالا مراسيم الإصلاحات، قال فيها: # بناء على اهتمام حكومة الجمهورية الفرنسية بالبر بالوعود التي قطعها ممثلوها ~~الرسميون، ونظرا لرغبتها في احترام تعهداتها التي التزمت بها للمملكة ~~التونسية؛ فقد وضعت نصوصا تدخل إصلاحات جوهرية على المنظمات التونسية وفقا ~~للفصل الأول من اتفاقية 8 يونيو 1883، فباسم حكومتي أعرض هذا المشروع على ~~موافقة حضرتكم العلية، راجيا منها أن تضع ختمها على لوائح المراسيم التي ستقدم ~~لها. # وإن حضرتكم العلية ستجعل «للبيليك» - أي حكومة الباي - بإصلاح الهيئة ~~التنفيذية والمجالس النيابية والسلطات المدنية، منظمات صالحة لمساعدة تطور ~~البلاد التونسية، وتمكن السكان من المشاركة بصورة أوسع من الماضي في تسيير ~~الشئون العامة. # وسينسى هكذا التونسيون والفرنسيون والأجانب بفضل حكمة حضرتكم العلية وبمشيئة ~~الله الصعاب التي نشأت أخيرا، وسيتحدون في العمل ويستأنفون بشجاعة أكبر وفائدة ms310 ~~أوفر المجهود الذي يبذلونه بلا انقطاع لازدهار البلاد وسد حاجة الجميع. # وأخذ المقيم العام يمطر الملك برسائله المتوالية، حتى أجحف إلحاحا وأفرط في ~~الضغط، ولكنه اعترف أنه لم يطلع القصر على نص الإصلاحات، وأن المسودة التي تليت يوم ~~28 يوليو هي مجرد تلخيص لفحواها. وقد اكتفى دي هوتكلوك بإرسال ذلك التلخيص نفسه ~~مصحوبا بمذكرة هذا نصها: # سري # البلاد التونسية # 29 يوليو 1952 # المقيم العام # مولاي # أتشرف بأن أرسل إليكم رفقة هذا النص العربي للمذكرة التي تمت تلاوتها على ~~جلالتكم أثناء المقابلة التي تفضلت بتحديدها لي يوم 28 يوليو. # وأغتنم هذه الفرصة لأذكر جلالتكم أنني سلمت إليه أثناء تلك المقابلة ~~ذاتها مذكرة مرفق بها مذكرة تفسيرية لمشروعات المراسيم المختلفة الخاصة ~~بالإصلاحات، وطلبت منها أن تعلم يوم الخميس القادم الوزير الأكبر برأيها في ~~هذا الموضوع، ورأيت أن هذا الأجل كان كافيا لدراسة وثائق موجزة، وهي على ~~كل حال واضحة وضوحا كبيرا. # وإني أستسمح في الإلحاح كثيرا لدى جلالتكم لتتفضل بإعلام الوزير الأكبر، ~~إما يوم الخميس المقبل أو حتى قبل هذا الميعاد بما تراه في هذا الصدد، ~~وخاصة بتحديد مقابلة لي لنبحث سويا جزئيات مشروعات الإصلاحات ~~المختلفة. # وأرى من واجبي لفت اهتمام جلالتكم إلى ضرورة البت بالسرعة الممكنة في هذه ~~المسألة الحيوية بالنسبة لمستقبل البلاد التونسية والعلاقات الفرنسية ~~التونسية. # وأرجو يا صاحب الجلالة أن تتفضلوا بقبول عبارات تقديري الفائق. # دي هوتكلوك # ثم بعد يومين أردفها برسالة أخرى بعث معها حسب قوله النص الكامل للمشروع الفرنسي، ~~وأعلم فيها الملك أن تلك الإصلاحات هي الحد الأقصى لما تراه الحكومة الفرنسية ، ~~فأوضح هكذا إصراره وإصرار حكومته على التمسك بالسيادة المزدوجة، وعلى رفض كل مناقشة ~~جدية، وأن المفاوضات في حقيقة الأمر هي فرض إرادة المستعمرين. ولقد زادت تلك ~~الرسالة التوتر شدة والقطيعة استفحالا، وهذا نصها: # سفارة فرنسا بتونس # المقيم العام بتونس # تونس في أول أغسطس سنة 1952 # مولاي # تبعا للتقرير الذي تشرفت بتسليمه لحضرتكم العلية في ط 28 يوليو الماضي، ~~وبناء على الرغبة التي أبديتموها لي كلفت ms311 دولة الوزير الأول بأن يسلم ~~لحضرتكم العلية النصوص المرفقة بهذا، وهي باللغتين الفرنسية والعربية، وهي ~~نصوص لوائح سبعة مراسيم يتألف منها برنامج الإصلاحات التي دعتني حكومة ~~الجمهورية الفرنسية لعرضها على موافقتكم. # وكما لا يخفى على حضرتكم العلية، فإن التدابير التي تضمنتها المشاريع ~~المذكورة تعتبر الحد الأقصى للإصلاحات التي ترى الحكومة الفرنسية في ~~استطاعتها التفكير فيها حاليا مراعاة لمصلحة حسن سير المنظمات التونسية. ~~ومن جهة أخرى فإن حكومة الجمهورية الفرنسية تعلق أهمية على المصادقة على ~~المراسيم المذكورة في أقرب وقت ممكن. # ولا شك في أن حضرتكم العلية تقيم أكبر وزن بما لها من حكمة عالية ~~للاعتبارات المشار إليها. # لذلك فإني أعرب لها عن أملي في أن تعطي هذه المسألة حلا سريعا، من ~~شأنه أن يمكن البلاد التونسية من مواصلة تطورها في سبيل الرقي تحت الرعاية ~~الأبوية لملكها، وفي نطاق صداقتها التقليدية مع فرنسا. # وأرجو من حضرتكم العلية قبول عظيم تقديري. # الإمضاء # ج. دي هوتكلوك ~~(9) مجلس الأربعين أو البرلمان التونسي الأول # لقد أعلم جلالة الملك المقيم العام في مقابلة 28 يوليو أنه سيستشير الشعب في مشروع ~~الإصلاحات، وفي صباح الجمعة أول أغسطس دعا إلى قصره بقرطاجنة أربعين شخصية تمثل مختلف ~~عناصر الشعب التونسي، وكان من بينها السادة: # الدكتور الصادق المقدم (عن الحزب الدستوري «الجديد»). # صالح فرحات والمنصف المستيري (عن الدستور «القديم»). # فرحات حشاد (عن الاتحاد العام التونسي للشغل). # محمود الخياري (عن الجامعة العامة للموظفين التونسيين). # محمد بن الحاج (عن الاتحاد العام للفلاحة التونسية). # عبد السلام عاشور (عن الاتحاد العام للصناعة والتجارة). # الشيخ عبد العزيز جعيط ومحمد عباس (عن هيئة العلماء ومجلس الشرع والجامعة ~~الزيتونية). # محمد الصالح النيفر (عن جميعة الشبان المسلمين). # شارل حداد (عن الجالية الإسرائيلية). # البربسيس ومحمد بن رمضان وعلي بالحاج والشاذلي رحيم (عن المجلس ~~الكبير). # الشاذلي القسطلي (عن المجلس البلدي لمدينة تونس). # الطاهر بن عمار والبرقاوي (عن الغرفة الزراعية التونسية). # عبد العزيز الشابي، وعبد النبي، والطيب العنابي، وفتحي زهير، والشاذلي ~~الخلادي، وعز الدين الشريف، والطاهر الأخضر، والطيب الميلادي (عن ~~المحامين). ms312 # إبراهيم الرايس، وصالح عزيز، وصالح عويج، والصادق بوصفارة (عن ~~الأطباء). # الصادق بن يحمد، وعبد الرحمن الجزيري، وعبد السلام خالد (عن ~~الصيادلة). # رأس جلالة الباي الجلسة، وافتتحها بإبلاغ المجتمعين بأن موضوع الاجتماع بحث شروح جميع ~~مراسيم الإصلاحات المعروضة من قبل الحكومة الفرنسية (ولم تكن النصوص الكاملة للوائح ~~الإصلاحات سلمت لجلالة الباي). ثم أعلن بأنه يريد أن يشرك في مسئولية قبول تلك ~~الإصلاحات أو رفضها الممثلين الحقيقيين للشعب التونسي، وفقا لما تضمنته تصريحاته ~~السابقة الواردة في خطاب العرش الذي ألقاه بمناسبة ذكرى توليه الملك في 10 مايو 1951. ~~ثم أضاف جلالته أنه عضو واحد من أمة تقدر نفوسها بثلاثة ملايين ونصف، وأن الإصلاحات ~~المشار إليها تهم الشعب بأسره؛ لذلك ينبغي لكل ممثل أن يستشير جماعته ثم يقدم لجلالته ~~تقريرا عن تلك الإصلاحات وبيان أسباب موقفهم منها، وذلك في ظرف لا يتجاوز الخامس عشر ~~من شهر أغسطس. وكانت تصريحات جلالة الباي مستندة إلى: ~~(1) # شروح المراسيم التي قدمتها الإقامة العامة لجلالة الباي. ~~(2) # تصريحات المسيو روبير شومان وزير الخارجية الفرنسية أمام الجمعية الوطنية ~~الفرنسية. ~~(3) # مناقشات الجمعية الوطنية الفرنسية عن تونس. # وبعد تلك التصريحات تناوب عدة ممثلين الكلمة مبينين الإجراءات التي يجب اتباعها في ~~الموضوع، وقد شرح جلالة الباي أن لجنة عليا ينبغي أن تجتمع في 16 أغسطس؛ لفحص التقارير ~~ووضع تقرير عام عنها يتضمن الموقف النهائي الذي يجب اتخاذه من الإصلاحات المعروضة من ~~قبل الحكومة الفرنسية. # وتألفت اللجنة بانتخاب أشرف عليه جلالة الباي، وصادق على نتيجته من حضرات: # الدكتور المقدم، فرحات حشاد، المنصف المنستيري، الطاهر بن عمار، ألبرت بسيس، الشاذلي ~~رحيم، محمد بن رمضان، محمود الخياري ، محمود الزرزي، شارل حداد حداد، الطيب الميلادي، ~~الطاهر الأخضر، وفتحي زهير (وانتخب مقرر اللجنة). # لم تخف أهمية ذلك الاجتماع التاريخي عن الشعب التونسي، فاعتبره أول برلمان تونسي منذ ~~انتصاب الحماية، كما رأى فيه عنوان الوحدة الوطنية تحت رعاية الملك. ومن الملاحظ أن ~~صنائع الفرنسيين والخونة المارقين لم يمثلهم غير القسطلي، أما أعضاء وزارة البكوش فقد ~~أبعدهم الملك؛ إذ لا يعتبرهم ms313 شرعيين لأنهم فرضوا عليه فرضا بالقوة. # وقد كان وقع «البرلمان التونسي الأول» عظيما في الأوساط الفرنسية، فأحدث فيها استياء ~~وخوفا، وأكثرت صحفها من التعليقات، وأرسلت الصحف الباريسية مكاتبيها باحثين ومستقصين، ~~فصوروا الاجتماع وبينوا نتائجه وشرحوا الغايات منه. # قال مبعوث جريدة «لوموند» بتاريخ 3-4 / 8 / 1952 «جان لاكونور»: # إن خطر المسألة يجعلنا نحاول تصوير الاجتماع الذي يصفه الوطنيون بأنه ~~تاريخي. # فقد كان السر محفوظا حتى إنني أمضيت سهرة الخميس مع شخصيتين ممن لعبوا دورا ~~هاما في اجتماع الغد، ولم أشعر في أي وقت من الأوقات بما يحاك في ~~الخفاء. # فقد دعي بعضهم منذ أيام وبعضهم منذ ساعات، وأخذوا يتلاحقون كلهم منذ الساعة ~~العاشرة، فكانوا يدخلون إلى قاعة طويلة ذات واجهة زجاجية تطل على خليج تونس، ~~وقد اصطف على جانبي العرش ستة وثلاثون مقعدا، وإنه لمجلس عجيب جمع بين أكبر ~~الشخصيات الإسلامية: الشيخ عباس، شيخ الإسلام الحنفي، والشيخ جعيط، شيخ الإسلام ~~المالكي، وبين زعيم عمالي: فرحات حشاد، ورجل اشتراكي: الشاذلي رحيم. وكانت كثير ~~من النزعات ممثلة فيه، فكان محمد بن رمضان يمثل البرجوازية البعيدة عن السياسة، ~~والطاهر بن عمار الوطنية المعتدلة، والعزيز الجلولي الوطنية غير الدستورية، ~~والطاهر الأخضر النزعات المماشية للدستور، والدكتور المقدم الدستور الجديد ~~نفسه، وصالح فرحات الدستور القديم، وبسيس وشارل حداد اليهود. # وكتبت جريدة «فرانس سوار» بحثا استقت عناصره من مصادر وثيقة، كشفت فيه عن أعمال ~~الإقامة العامة، وأوضحت كثيرا من الحقائق للرأي العام الفرنسي. وننشر هذا المقال كله ~~لأنه يغنينا عن غيره، قالت الجريدة: # تونس في 2 أغسطس 1952 # عقد أمس جلالة الباي بدون الرجوع إلى وزيره الأول بكوش اجتماعا في قصره ~~الأبيض بقرطاجنة ، حضره أعيان تونس، وكانوا 36 حسب قول بعضهم، و42 حسب آخرين، ~~ولكن أقل من 50 على كل حال. # وإذا استثنينا بعضهم فإن جميعهم قد وقع اختيارهم بدقة، وهم يمثلون بدون شك ~~الجناح العامل النشيط في النخبة التونسية التي تقاوم مثلما يقاوم الباي بنفسه ~~مبدأ المقيم العام، وهو وجود الفرنسيين في المؤسسات السياسية التونسية. # فهم من ms314 نقابات العمال والأعراف ومن منظمات الأطباء والصيادلة والمزارعين ~~والتجار ... إلخ، وبعضهم مثل الشيخ عباس والشيخ جعيط من كبار رجال الدين، والبعض ~~الآخر نواب سابقون متطرفون أو معتدلون في المجلس الكبير، ورئيس وزراء منتظر وهو ~~العزيز الجلولي. ولم يكن السيد شنيق من بينهم، ولكن جميعهم أعضاء في حزب ~~الدستور القديم أو حزب الدستور الجديد، ولاحظت كذلك وجود اشتراكي من بينهم وهو ~~الشاذلي رحيم، وقد اختارهم الباي من جميع النزعات ليظهر أنهم يمثلون الرأي ~~العام التونسي بأكمله، وبالجملة يمكن القول بأن الباي قد أجاب عروض الاتفاق ~~التي قدمتها الحكومة الفرنسية باستدعاء ممثلي جميع طبقات الأمة ليسددوا ضربة ~~قاضية للإصلاحات، ويطالبوا علنا بحقوق التونسيين في تونس (تلك الحقوق التي لا ~~رجوع فيها) وبانتهاء الرقابة الفرنسية. ~~(9-1) استشارة الرأي العام # وقد حدث كل هذا كما لو أن الباي لا يريد اتخاذ أي قرار قبل استشارة شعبه. # فقد افتتح الاجتماع بقوله: # ها هي مقدمة سبعة مشاريع مراسيم إصلاحات قدمتها لنا فرنسا، وها هو خطاب «م روبير ~~شومان» بالمجلس النيابي الفرنسي، فادرسوها وأتوني بالرد؛ لأن النصوص التي ستقدم ~~لي تبلغ حدا من الخطورة لا أستطيع عنده تجاهل الرأي العام التونسي. # ورغم أن الحوادث جعلت الوقت في منتهى الضيق، فإن الباي لم يطلب من لجنة ~~الاثني عشر عضوا المتفرعة من مجلس الأعيان هذا الأجل القديم. # هذا وقد أجاب بعضهم بقبوله ما دامت فرنسا لم تعترف في تصريح رسمي بوجود ~~السيادة التونسية موحدة وغير قابلة للتقسيم، فإننا نرفض الإصلاحات ~~الفرنسية. # وقد صرح الدكتور المقدم (الزعيم الحالي للدستور الجديد بعد إبعاد الحبيب بورقيبة)، ~~بدقة قائلا: إن أغلبية المجلس قد ردت بعد ردا أدبيا على مشروعات الإصلاح التي لا ~~تتمشى مع رغبات الشعب التونسي ورغبة جلالة الباي، وختم تصريحه بقوله بشدة: إن هذه ~~النصوص فيها رجوع إلى الوراء بالنسبة للوضع الحالي في تونس. ~~(9-2) دهشة في الإقامة العامة ~~«وقد دهش المقيم العام والبكوش من هذه المناورة الفجائية ولم يبتهجا بها، وذلك لأن ~~البكوش كان يعتزم دراسة النصوص مع جلالة الباي ms315 بمفرده بدلا من المقيم العام الذي أقسم ~~الباي على أنه سوف لا يقابله في المستقبل. وقد وضعته هذه المناورة في موقف مضحك، ويبدو ~~من الطبيعي أن يفكر في تقديم استقالته إلى الباي. # أما «م. دي هوتكلوك»، فقد وضعه هذا الملك الذي تحميه فرنسا في موقف محرج للغاية، فقد ~~أعاد فتح ملف الإصلاحات التي قبلها وزيره الأول ومجلس وزرائه، واختار لدراستها وطنيين ~~يرفضونها. # ومع ذلك يجب علينا أن نتفاوض، ولكن مع من سنتفاوض في المستقبل وقد جمع ترددنا حول ~~الباي جميع القوى الشديدة التي تمثل عالما عربيا، يريد أن يحكم نفسه بدون تدخل ~~الأجنبي في المستقبل. # ومع ذلك فقد وقعت محاولات في دوائر الإقامة العامة طيلة الأسبوع للضغط على الباي، ~~واستعملت جميع الوسائل حتى المالية منها والتي كانت تستهوي الملوك الأخيرين، فلم تضف إلى ~~مخصصاته 180 مليونا رغم طلباته الملحة تلك المخصصات التي تمثل 6 أضعاف مخصصات رئيس ~~الجمهورية الفرنسية. # وأوقفنا دفع الأموال التي يحتاج لها والتي بلغت في الأشهر الثلاثة الأولى سنة 1952 ~~فقط 180 مليونا، وسخرنا أصحاب القروض وقدمنا له حسابات ما كان يدفعها من قبل حتى هددنا ~~بالالتجاء إلى أصحاب البنوك. # ولكن رغم تشديد الخناق على أمواله، فإن الباي لم يبلغ منتهى الفناء؛ إذ إنه يقبض ~~علاوة على مخصصاته العادية 400 مليون في السنة لشئون عائلته وكبار رجال البلاط، ورجال ~~الدائرة الملكية، ولكن يبدو أن ذلك لا يكفيه. # ولذا أفهمناه في الأسابيع الأخيرة أن قائمة مخصصاته ستضاعف، وأنه سوف يقبض مبالغ ~~جديدة وضخمة لا تؤخذ إلا من إرثه. ولكن وسائل الضغط هذه لم تأت بالنتائج المنتظرة؛ فإن ~~حاجة الحاشية لا تفسر تفسيرا كافيا موقف الباي الصلب. إن الشيخ العنيد يستند إلى ~~رغبات الأمريكيين وتصريحاتهم، وإن كان يختبئ وراء عزم يبعثه على الاستقلال، فإنه يريد ~~بذلك الانتقام للنفوذ الملكي الذي حطمه وجود الحماية الفرنسية. # ويلاحظ في دار الإقامة العامة أن الباي أراد باستدعاء مجلس نواب تونسي أن يبرر موقفه ~~أمام شعبه قبل قبول الإصلاحات، ويضاف إلى ذلك أن من ms316 بين الشخصيات التي حضرت المجلس ~~وتألفت منها لجنة الاثني عشر المتفرعة عنه، بعض الشخصيات ذات الميول الفرنسية. # ونعتقد في الوقت نفسه أن أي تصلب من الجانب الفرنسي سيؤدي حتما إلى موقف أشد صلابة ~~من الجانب التونسي. # والمظنون أن «م. دي هوتكلوك» كان عشية أمس دائم الاتصال بوزارة الخارجية الفرنسية، وأنه ~~حاول أن يتحادث مع السيد البكوش الذي لا يريد أن يزعجه أحد في يوم الجمعة المقدس يوم ~~الصلاة، كما حاول أن يتحادث مع بعض الشخصيات التونسية. # ومهما يكن من أمر فإن «م. دي هوتكلوك» سوف يسلم للباي عن طريق البكوش النصوص التي وعده ~~بتسليمها، وسوف يكتفي بأن يطلب منه النظر فيها خلال ثمانية أيام، وإن لم يأته جواب بعد ~~مرور الأجل اعتبر ذلك رفضا للمشروع.» ~~(9-3) نجل الباي # ولكن ماذا يمكن أن تنتظر من قصر يعتبر فيه الاعتدال خيانة؟ أليس هناك أمر مقصود ~~بعقد اجتماع ثان على إثر انفضاض اجتماع قرطاجنة عند الزوال تحت رئاسة نجل الباي ~~الذي أقلناه والذي يكرهنا، وهو الأمير الشاذلي بصحبة أخيه الأمير محمد؟ # ومن المصادفات العجيبة أن تكون جماعات المتظاهرين تقترب في ذلك الحين من قصر ~~الوزير الأول، وأن يرمي بعض المندفعين ثلاث قذائف على رجال البوليس، وقد وقع هجوم ~~من نفس النوع بعد مضي ربع ساعة على الهجوم الأول على الساعة الثانية والأربعين ~~دقيقة، وجرح أثناءه طفل يبلغ 14 سنة وامرأة. # قد حصلت بعض الحوادث العادية ولكن هذا ليس خطرا، ومن المجازفة ألا نتوقع وقوع ~~حوادث أخطر في الميدان السياسي في الأيام المقبلة. # هنري فور ~~(9-4) مقابلة بين جلالة الباي والمسيو بينوش # على إثر استشارة يوم أول أغسطس التي نزلت كالقنبلة في الأوساط الفرنسية، بادرت ~~الحكومة الفرنسية بإيفاد المسيو بينوش إلى تونس في مهمة اتصال واستعلام، فقابل المسيو ~~بينوش جلالة الباي في يوم الخميس 7 أغسطس، فأكد له جلالته أنه لن يفعل شيئا ضد إرادة ~~الشعب، وأجهد المبعوث نفسه في بيان أن فرنسا لا تعترف إلا بجلالته طرفا ثانيا في ~~المباحثات، ولكن جلالة الباي ms317 صرح له بأن الكلمة للشعب الذي يهمه الأمر قبل غيره، فإذا ~~قبل الشعب الإصلاحات فإني أقبلها وإذا رفضها رفضتها. وذكر بينوش أن المقيم العام يتمتع ~~بثقة الحكومة الفرنسية، وأنه دبلوماسي من عائلة نبيلة، فعدد له جلالة الباي ما اقترفه ~~المقيم العام نحوه من تهديدات واعتداءات، ومن ذلك اعتقال الوزراء دون علمه واستعمال ~~القوة والضغط بأنواعه، ومن ذلك التهديد باعتقال الأمراء والأميرة زكية وغير ذلك من ضروب ~~التعدي. ثم أضاف جلالة الباي: «ومهما يكن من الأمر، فإني لم أعد مستعدا لاستقباله، ~~وليس عليه إلا أن يبلغني ما يريد إبلاغه إلي كتابة بواسطة البكوش الذي يقوم بعمل ساعي ~~البريد.» ثم ذكر بينوش بأن المقيم تألم من سفر الوزيرين التونسيين إلى باريس (صالح بن ~~يوسف وزير العدل ومحمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية)، فرد عليه جلالة الباي بأن المقيم ~~هو الذي بدأ بإساءة التصرف عندما قام بحركة لإسكات الوزير صالح بن يوسف، لما أراد أن ~~يصلح خطأ في الترجمة لمدير التشريفات، وكانت تلك الحركة بمثابة صفعة. # ثم قال بينوش إن رد الباي ينبغي أن يسلم قبل 15 أغسطس، وإن فرنسا لا تخشى هيئة الأمم ~~المتحدة. فرد عليه الباي: لماذا العجلة إذن؟ فأجاب بينوش: ذلك لأن البرلمان يستأنف ~~جلساته في أكتوبر، ونتمنى أن تصدر الإصلاحات قبل ذلك التاريخ؛ لذلك يتحتم الإسراع. فرد ~~الباي بأنه عندما يتحصل على الأجوبة فإنه يبادر بالرد. # فقال المسيو بينوش: يهمني أن أعلمكم أن الحكومة الفرنسية عازمة على الاحتفاظ بشمال ~~أفريقيا، وبتونس خاصة، ولو اقتضى ذلك انسحابها من هيئة الأمم المتحدة وقطع صلاتها ~~بالولايات المتحدة الأمريكية. فرد عليه الباي أن هذه المسألة تهمكم، فقد كنا تقدمنا لكم ~~بمطالب، ولو منحنا كل مقيم عين هنا منذ ذلك التاريخ بعض الشيء، لما وصلنا إلى الحالة ~~التي نحن عليها الآن. إن المسألة هي ترضية رغائب شعب كامل. # واستمر بينوش قائلا: إنه إذا لم تصدر الإصلاحات في أقرب وقت، فإن الحكومة الفرنسية ~~تكون مضطرة لاتخاذ إجراءات خطيرة. # فأجابه الباي: إني أبلغ 73 سنة، ومنذ أشهر ms318 تنشر إشاعات إبعاد وسجن واستعمال القوة، ~~أما فيما يخصني فإني مستعد لكل شيء. # وفي أثناء المحادثة لمح بينوش إلى أن تكوين برلمان في تونس من شأنه التقليل من سلطة ~~الباي، فقال له الباي؛ أولا: لم تبق لي أية سلطة. وثانيا: إن هذه المسألة مسألة خاصة ~~بي والشعب. # واستأذن بينوش من جلالته قائلا: «إن الحكومة الفرنسية تعتمد على حكمته السامية ~~للخروج من الحالة الراهنة وإعادة الهدوء والنظام إلى البلاد.» # وقد دامت المقابلة ساعة وعشرين دقيقة. # ثم سافر بينوش فجأة إلى باريس ليلة الجمعة بعد أن قابل بعض الشخصيات، وقد علمنا أن ~~العلاقات بينه وبين المقيم كانت متوترة! # ولقد أدخل عمل جلالة الملك الحيرة والقلق على المقيم العام والحكومة الفرنسية، عندما ~~أقام الدليل على أنها عدوة الديمقراطية، وعلى أنه هو الديمقراطي الحقيقي؛ إذ لا يريد ~~إلا ما يريده الشعب نفسه. وقد عبرت جريدة «لوموند» عن ذلك الاضطراب في مقالات متعددة، ~~بينت فيها قيمة ذلك الاجتماع التاريخي والمناورة السياسية التي احتوى عليها. # قالت بتاريخ 3-4 / 8 / 1952: # في الواقع لا يمكن أن نتغافل عن الأهمية الكبرى التي لتلك النواة البرلمانية، ~~سواء في ميدان الحوادث الجارية الآن وغضون المحادثات التي شرع فيها المقيم ~~العام، أو في ميدان أوسع وهو ميدان الملكية الحسينية ونظام الدولة ~~التونسية. # ولكن نظرا للتوتر الحالي للنتائج الممكنة لكل حركة يقوم بها أحد الطرفين؛ ~~فإن ما يسترعي الانتباه ويلفت النظر في ذلك العمل، ليست ميزته الثورية الحاملة ~~في طياتها تطورات المستقبل، لما فيها من خروج عن الملكية المطلقة، ولكن في ~~القيام بمناورة تكتيكية بالنسبة للسياسة الفرنسية، فلا يمكن أن يجد الملك عملا ~~أكثر إقلاقا للمقيم العام ووزارة البكوش مما قام به، وهو يوضح أيضا بجرأة لا ~~مزيد عليها اتفاق البلاط مع الحركات الوطنية، ولم يتظاهر الباي أبدا حتى في ~~مدة وزارة شنيق - الذي لاحظنا غيابه عن ذلك الاجتماع - بذلك الوفاق المتين بينه ~~وبين الدستور وأنصاره. ويجب الاعتراف بأن السياسة التي كانت ترمي خلال أشهر ~~طوال إلى التفريق بين الملك والحركة الوطنية، قد ms319 منيت أمس بخيبة مرة. # واتصل حالا «م. دي هوتكلوك» بباريس؛ إذ حسب من المعقول أنه لا بد أن تتطلب ~~الحالة الجديدة تعليمات جديدة، وأن المقيم على استعداد ليضرب أجلا مدته سبعة ~~أيام، إما للقبول وإما للرفض، وقد أصبحت الجالية الفرنسية تعلق على عمل الباي ~~في حديثها وهي غاضبة، وتشير إلى أنها ستعرف قيمة المقيم العام من رد فعله على ~~«استفزاز» البلاط الملكي. # وإن التعليقات التي سمعتها من جميع الجهات تزداد حماسا وحرارة بقدر ما تزداد ~~الاضطرابات والمظاهرات حول مقر الحكومة التونسية، ففي الصباح نفسه بينما كان ~~ذلك الاجتماع الشهير يتجادل بقرطاجنة، كانت جماعات من المتظاهرين متجهين نحو ~~القصر الذي يسكنه البكوش، وانفجرت ثلاث مرات متواليات المفرقعات. # وأردفت قولها ذاك بمقال ثان في نفس العدد، أبرزت فيه ما سينتج عن اجتماع الأربعين من ~~أخطار، قالت: # سيستمر الحديث طويلا على ما قام به باي تونس يوم الجمعة (غرة أغسطس 1952) من ~~عمل ثوري تقريبا، ولقد ظهر كأن سيدي الأمين وضع حدا لتلك الملكية المطلقة - ~~نظريا على الأقل - التي كانت أقيمت بتونس وجعلت من الملك وحده المتحكم في ~~اختيار مستشاريه ووزرائه وقراراته. # ومما يدل على نواياه أيضا إشارته لخطاب العرش الشهير (15 مايو سنة 1951) ~~فإن سيدي الأمين أعلن في ذلك اليوم عن نيته في إدخال تعديلات، على أداة الحكم، ~~وكيفية تركيزها على قاعدة تمثيل شعبنا في تشكيلات منتخبة، وتحديد اختصاصات هاته ~~التشكيلات. # ثم بعد ذلك تحدث عن إعداد النصوص التي تقر نيابة منتخبة تمثل كافة طبقات ~~شعبنا، وكذلك عن مراعاة ما تقتضيه سياسة الرعية من الرضاء والقبول للأحكام ~~الماضية عليها. # ربما لم نعر ذلك الكلام - في وقته - ما يستحق من الاهتمام، مع أنه ينبئنا عن ~~أحداث ملكية دستورية، بل وقع التصريح فيما بعد عن شكوكنا الكبيرة في نية الباي ~~الحقيقية في وضع حد لسلطانه كملك مطلق، وتحت ضغط الحوادث رأى سيدي الأمين من ~~مصلحته أن يسابق إلى تكوين مجلس استشاري قد شمله مشروع الإصلاحات. # وإن مناورة الملك في المرحلة الراهنة للمفاوضات الفرنسية من أبرع ms320 المناورات، ~~وإنه وإن لم يكن عازما على رفض مشروع الإصلاحات، إلا أنه يريد تأخير قبولها ~~أكثر ما يمكن، وإن استشارة ما يقرب من ثلاثين شخصية طلب منهم أن يعبروا عن ~~رأيهم فيها كتابيا يسمح له بربح الوقت. # وقد تضع تلك المناورة المقيم العام في موقف حرج، ومهما يكن قرار الملك فقد ~~أصبح في إمكانه أن يدعي أنه لا يتكلم باسمه الخاص، ولكنه يتكلم بتأييد ومساندة ~~ممثلي شعبه الحقيقيين. # وبما أن ما قام به من عمل كان سريا إلى ساعة الاجتماع نفسها، فإنه أحدث بعض ~~الدهشة بتونس، ولم يكن من نتائجه تهدئة الخواطر، بل ارتفعت درجة الحرارة من ~~جديد بعد. # واجتمعت اللجنة مرة ثانية وقدمت لجلالة الملك تقريرها، فوافق عليه، ونظرا لأهمية هذه ~~الوثيقة التاريخية فإننا ننشرها بنصها: # تقرير هام # تفضل جلالة محمد الأمين الأول في غرة أغسطس 1952 بدعوة أربعين شخصية تمثل ~~مختلف نزعات الرأي العام التونسي للاجتماع في قصره بقرطاجنة، بقصد النظر في ~~مشروعات الإصلاحات التي عرضتها الحكومة الفرنسية على مصادقة جلالته. # وجدير بنا أن ننوه بالمغزى التاريخي لهذه الخطوة التي قام بها جلالة الباي، ~~وما تنطوي عليه من نزعة ديمقراطية تجسمت فيها المبادئ الديمقراطية التي تضمنها ~~خطاب العرش في 15 / 5 / 1951، فقد رغب جلالة الباي المعظم في تشريك الشعب في ~~مسئوليات اتخاذ قرار يتعلق بمصير البلاد، وطلب من جميع الشخصيات التي قام ~~باستشارتها بأن تدرس نصوص الإصلاحات دراسة عميقة، ثم تدلي بآرائها فيها وتبين ~~هل هي موافقة للمبادئ التي تضمنها خطاب العرش، وهل ترضي الرغائب ~~الوطنية؟ # استشارت الشخصيات المذكورة هيئاتها، وحررت تقارير تضمنتها تعاليقها على ~~المشروعات، وسلمت تلك التقارير للجنة المتكونة من ثلاثة عشر عضوا انتخبوا في ~~اجتماع أول أغسطس؛ لكي تتولى هذه اللجنة تحرير تقرير عام ترفعه إلى جلالة الباي ~~مع جميع الوثائق المجتمعة لديها. # رأت اللجنة بعد فحص التقارير فحصا دقيقا أن تتخذ طريقة في العمل ترمي إلى ~~جمع الآراء الرئيسية الواردة في شتى التقارير تحت عناوين جامعة، ثم تجمع تحت ~~عناوين أخرى الآراء المتفرقة في ms321 سائر التقارير والتي عرضها أصحابها ~~باختصار. # وحرصت اللجنة في تحرير تقريرها على احترام النزعة العامة للآراء التي أدلى ~~بها المستشارون، مع ملاحظة أنها فضلت عند تحرير التقرير توزيع عناصره حسب ~~الآراء لا حسب المواد. # ظروف وضع مشروع الإصلاحات # يهمنا أن نذكر الظروف التي أدت إلى وضع مشروع الإصلاحات الحالي قبل الشروع في ~~دراسة هذه الإصلاحات. # ألفت وزارة السيد محمد شنيق في ط 17 أغسطس 1950، وعهد إليها بمهمة «التفاوض ~~باسم جلالة الباي في التعديلات الجوهرية التي ينبغي أن تقود البلاد التونسية ~~إلى الاستقلال الداخلي على مراحل متتابعة.» # ثم صدرت إصلاحات 8 فبراير 1951 بعد مفاوضات طويلة وشاقة. # وكان القصد من تلك الإصلاحات في نظر الذين عملوا على إصدارها، أن تظهر شخصية ~~الحكومة التونسية، وتقلل من العراقيل التي كانت تحول دون تمتعها بحرية العمل. ~~ولكن شتى ضروب المعاملات والمقاومات والمشاغبات وسوء النية التي بلغت في بعض ~~الأحيان بأصحابها إلى التخريب، حالت عند التنفيذ دون تطبيق ما تضمنته الإصلاحات ~~من وعد بإظهار شخصية الحكومة التونسية. # وبما أن المفاوضات في العاصمة التونسية لم تثمر النتائج المرجوة بسبب تأثيرات ~~الجالية الفرنسية، تم الاتفاق على مواصلة تلك المفاوضات مع الحكومة الفرنسية في ~~باريس. # واضطر الوفد الوزاري التونسي بعد إقامة بضعة أسابيع في باريس، عومل في ~~أثنائها معاملة عدم اكتراث تتنافى مع التقاليد الدبلوماسية، وبعد أن وجد أن ~~المتفاوض معه يتهرب من كل تعهد تحت تأثير أعوان ومبعوثي الجالية الفرنسية ~~بتونس، وكانت مهمة الوفد الوزاري أن يذكر الحكومة الفرنسية بوعدها المتعلق ~~بالاستقلال الداخلي، ويطالبها بضرورة النظر في طرق تنفيذه؛ فأكد الوفد الوزاري ~~في مذكرته بتاريخ 31 أكتوبر أن اجتياز المرحلة الأولى من الاستقلال الداخلي ~~يتطلب قيام حكومة تونسية متجانسة، وإنشاء مجلس منتخب للتشريع والمراقبة، ووضع ~~نظام تونسي للوظائف العمومية. # ويلاحظ أن المطالب المذكورة تمثل الحد الأدنى للرغائب الوطنية . # وقضت الحكومة الفرنسية ستة أسابيع تفكر في تلك المطالب وتتباحث فيها، ثم ردت ~~على مذكرة الحكومة التونسية برسالة 15 ديسمبر 1951 التي سببت قطع المفاوضات ~~بشدة؛ إذ تضمنت نقض ms322 الحكومة الفرنسية لجميع تعهداتها السابقة التي كانت تعتبر ~~نهائية، واستبدلت الحكم الذاتي الموعود برابطة نهائية بين البلدين، منتهكة بذلك ~~بصورة واضحة نصوص الحماية والقانون الدولي. # وقد أدلى المسيو روبير شومان لمجلس الجمهورية الفرنسية في 20 / 12 / 1951 ~~بتصريحات، حاول فيها أن يخفف من تأثير رسالة 15 ديسمبر، بأن أكد أن عبارة ~~«السيادة المشتركة» لم ينص عليها في تلك الوثيقة الرسمية، ولكن برغم تصريحاته ~~تلك بقيت فكرة السيادة المشتركة هي الفكرة التي تركزت فيها إرادة الحكومة ~~الفرنسية في المحافظة على مشاركة الفرنسيين في المنظمات السياسية بالبلاد ~~التونسية. # ثم اتخذت رسالة 15 ديسمبر 1951 التي كانت السبب الرئيسي في الأزمة التونسية ~~الفرنسية الحالية، قاعدة لوضع مشروع الإصلاحات الذي يقصد به في نظر أصحابه ~~إيجاد حل لتلك الأزمة. # نقد مشروع الإصلاحات # لم تتناول الشخصيات المستشارة في تقاريرها بحث مشروع الإصلاحات من الناحية ~~المبدئية الصرفة، ولكنها بحثتها على ضوء المصلحة الوطنية البحتة. # وهم لا يؤخذون على هذه الطريقة في الوقت الذي يعلق فيه السياسيون الفرنسيون - ~~على اختلاف نزعاتهم - تسوية المشكلة التونسية على صيانة مصالح فرنسا قبل كل ~~شيء، وبصورة لا تقبل الجدل. # وبناء عليه اتخذنا في هذا التقرير العام معيارا واحدا اتفقت عليه جميع ~~اتجاهات الرأي العام التونسي، واهتدينا إلى هذا المعيار بفضل ما اقترحت بعض ~~الشخصيات التونسية خلال اجتماع أول أغسطس سنة 1952 من ضرورة دراسة مشروع ~~الإصلاحات على ضوء صلاحيته لبعث السيادة التونسية، فنال موافقة جميع ~~الحاضرين. # فجاء خطاب العرش في 15 مايو 1951 نتيجة لذلك يعلن فيه جلالة الباي بصورة ~~خاصة «أن التدابير التي اتخذت تكون مرحلة أولى، وقد قررنا القيام بخطوة جديدة ~~تشمل إعادة تنظيم الحكومة وقيامها على أساس التمثيل الشعبي في مجالس ~~منتخبة.» # اعتداء على السيادة التونسية # ليست الحماية هي التي أنشأت السيادة التونسية، فقد كانت تونس موحدة وذات ~~إدارة منظمة قبل تكوين الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية بكثير، خلافا لما ~~أشارت إليه رسالة 15 ديسمبر 1951. # كان لبلادنا ملكها وميثاق حقوقها (عهد الأمان المعلن في سنة 1857) ودستورها ~~(1861) وحكومتها وإدارتها، وكانت ms323 نزعتها إلى التطور متمشية مع تيارات التاريخ ~~السياسية. # وإذا لم تبلغ المنظمات المذكورة كامل ازدهارها في ذلك العهد، فمرجع ذلك إلى ~~أن ظروفا غير مواتية وناتجة عن قوانين التناسق الطبيعية وعن المناورات ~~الأجنبية التقليدية في بلاد الشرق. # وكان على نظام الحماية الذي تولته جمهورية ديمقراطية وحرة، أن يساعد وفقا ~~لنصوص المعاهدات وحرصها على تطور المنظمات التونسية التي كانت قبل قيام ذلك ~~النظام في نمو مطرد، وقد ضمنت فرنسا بقاء تلك المنظمات رسميا، حتى إن ممثلها ~~في ذلك الوقت أكد بأنه «لا يرى داعيا لزوال الأنظمة الإدارية التونسية التي ~~كانت ثمرة تجارب عدة قرون، ولها ما يشابهها عند الشعوب ذات الحضارة المماثلة ~~لحضارة تونس الحديثة، ولتعويضها بمنظمات نشأت عن حضارة أخرى تلبية لحاجات ~~أخرى.» # وهل يوجد أبلغ من هذا القول في الدفاع عن السيادة التونسية، وضد فرنسة ~~المنظمات التي تتمثل فيها؟ # ولكن السيادة التونسية لم تحترم فيما بعد تحت عاملي مزاولة شئون الحكم ومرور ~~الزمن. # وقد أقر مشروع الإصلاحات جميع الاعتداءات المتتالية التي وقعت على السيادة ~~التونسية. # التشريع # يلاحظ في الميدان التشريعي أن تأشيرة المقيم العام المحدثة بقرار صادر من ~~جانب واحد، وهو رئيس الجمهورية الفرنسية، تجعل المشرع التونسي تحت إرادة ممثل ~~فرنسا، وتجرده من كل حق في التصرف، وتجعل صلاحياته صورية لا غير. (وقد احتفظ ~~بالتأشيرة المذكورة في مشروع الإصلاحات). # التنفيذ # وفي الميدان التنفيذي لا يعيد المشروع الانسجام للحكومة التونسية ويتركها ~~محرومة من السلطات الحقيقية، بل يقضي بالتنقيص من بعض السلطات التي كانت ~~لها. # ولا يسند مصالح جديدة للوزراء التونسيين، وعلاوة على ذلك يلاحظ أن فكرة إحداث ~~مناصب مساعدين للمديرين الفرنسيين قد استبعدت، وهي فكرة كان المسيو روبير شومان ~~وافق عليها. وبالإضافة إلى ذلك يمنع عن التونسيين تولي منصب نائب مدير المالية، ~~ويخصص هذا المنصب بصورة نهائية للفرنسيين. # ثم إن المشروع يبقي الوزير الأول بلا سلطة حقيقية ومباشرة على مجموع ~~الإدارات. # ومن جهة أخرى كان السكرتير العام يقوم بمهام وظيفة إلى جانب الوزير الأول ~~الذي كان محتفظا بسلطة اسمية على ms324 مصالح السكرتارية العامة، فأصبح في المشروع ~~الجديد مستقلا وله الخيار في إطلاع الوزير الأول على أعماله. # وكانت قرارات الوزراء غير نافذة ما لم تحمل تأشيرة (السكرتير العام)، ثم ~~استبدلت التأشيرة بمصادقة المقيم العام قبل إصدارها، وفي النظام المقترح أصبحت ~~تلك القرارات رهن التعقيب الذي له حق القيام به لدى المحكمة الإدارية، وعهد ~~لإدارة المالية بمراقبة المصروفات التي كان يتولاها الوزير الأول، وهكذا أصبحت ~~تلك الإدارة وزارة فوق الوزارات، وصارت سلطة الوزراء القانونية وهمية في حالة ~~ما إذا كانت قراراتهم لها علاقة بالمالية. # ثم إن مصلحة الأمن التي ألحقت بالإقامة العامة منذ سنة 1939 لا تدخل في ~~اختصاصات السلطة التونسية، وهل يمكن أن تتصور حكومة تتمتع بالاستقلال الداخلي ~~ولا سلطة لها على البوليس؟ # الوظائف العمومية # أما فيما يتعلق بالوظائف العمومية، فقد حرم على التونسيين تحريما باتا ~~ونهائيا أن يتولوا مناصب النفوذ والمسئولية؛ فقد خصصت هذه الوظائف للفرنسيين ~~بعنوان «الوظائف المستثناة»، وهذا التحريم يجعل تحقيق الحكم الذاتي أمرا ~~مستحيلا. وتقوم «الوظائف المستثناة» حائلا دون تنفيذ القرارات الوزارية؛ ~~نظرا لكثرتها ونوعها وطريقة توزيعها، وقد شهدنا في عهد وزارة السيد شنيق كيف ~~نظم الموظفون الفرنسيون عرقلة أعمال الوزراء التونسيين. # أما تخصيص الوظائف التي أطلق عليها «الوظائف التقليدية» للتونسيين، وأقصاه ~~هؤلاء عن وظائف المالية والميزانية والأعمال الفنية، يجعل من المستحيل إقامة ~~دولة تونسية عصرية. # المحكمة الإدارية # تعتبر المحكمة الإدارية مؤسسة ضرورية للدولة الديمقراطية، ولكن المحكمة ~~المقترحة لتونس تعد اعتداء على البلاد التونسية لهذه الأسباب: # الأغلبية فيها فرنسية. # عينت باريس لهيئتها الاستثنائية. # خولت الحكومة الفرنسية حق تعيين أعضائها غير التونسيين. # وهي شروط تجعل من تونس ولاية فرنسية. # ويلاحظ بعد ذلك أن إسناد رئاسة المحكمة الإدارية لفرنسي مبعثه مركب السيطرة ~~الفرنسية، الذي يقضي بأن يتولى الفرنسيون حسم المشاكل التي تحدث بينهم وبين ~~التونسيين. # التمثيل النيابي # وفي ميدان التمثيل النيابي تعتبر مشاركة الفرنسيين في المجلس المالي والمجالس ~~البلدية اعتداء على السيادة التونسية ، وهي مسألة خطرة جدا، لا سيما وقد سبق ~~للنواب الفرنسيين في تلك المجالس أن استندوا لصفتهم ms325 التمثيلية للممارسة نيابة ~~تتعلق بالسيادة الفرنسية الصرفة. # ذكر في تبرير المشاركة المذكورة أن الفرنسيين يساهمون في ميزانية الدولة، بيد ~~أن الحقائق الجبائية تكذب هذا الزعم؛ فإن 85٪ من موارد الميزانية تأتي من ~~الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المستهلكون وغالبيتهم من التونسيين، و15٪ ~~فقط من الضرائب المباشرة يدفعها أصحاب الثروات وغالبيتهم من الفرنسيين. # وإذا كان استغلال ثروة البلاد والمشاركة في الميزانية سببا للمشاركة في ~~المنظمات السياسية؛ فإنه لا يعقل أن يحرم غير الفرنسيين من الأجانب في تلك ~~المشاركة ووضعيتهم كوضعية الفرنسيين. # ومن جهة أخرى، فإن طريقة تأليف المجالس المذكورة بتعيين فريق من أعضائها ~~وانتخاب الفريق الآخر بالاقتراع العام، تمنع السيادة التونسية من الظهور في ~~ميدانها الحقيقي، ويلاحظ أن المجلس المالي ليس إلا تمديدا للمجلس الكبير الذي ~~لم يعد في نظر روبير شومان ذاته يتماشى مع تطور الشعب التونسي في الوقت ~~الحاضر. # أما المجلس التشريعي فلا سلطة تفاوضية له، ولا يملك حق وضع مشاريع للقوانين، وليس له ~~إلا إبداء الرأي في بعض الشئون المعينة، ورأيه لا يلزم الحكومة في شيء، ولا ~~صلاحية له إطلاقا بالنسبة للمراسيم المتعلقة بالمالية والميزانية، وكذلك ~~بالنسبة للنصوص التأسيسية المتعلقة بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ~~وصلات هذه السلطات بعضها ببعض، كما يمنع عنه الخوض في الشئون السياسية أو ~~الدستورية، وهكذا يقصر دور المجلس المذكور وهو منظمة تتمثل فيها السيادة ~~التونسية، على مجرد إبداء بعض الآراء الفقهية في مسائل محددة. # ولم يدخل المشروع أي تعديل في الميدان التشريعي على صلاحيات الحماية المجحفة، ~~بل أقرها وعززها في كثير من الحالات. # الاحتفاظ بالحكم المباشر وتعزيزه # يستمر المقيم العام كما - كان الحال في الماضي - في مباشرة سلطات إدارية مهمة ~~(الأمن العام، الحريات العامة، تعيين لجان التحكيم، تنظيم الامتحانات ~~لاختيار الموظفين ... إلخ). ويبقى المراقبون المدنيون يتمتعون بسلطات عديدة يتسع ~~نطاقها شيئا فشيئا، وفي احتفاظهم بهذه السلطات صورة من صور الحكم المباشر في ~~النطاق المحلي للدوائر. وهؤلاء المراقبون المدنيون الذين يزداد عددهم يشرفون ~~فعلا على المصالح الإدارية في دوائرهم، فهم يسيطرون على البوليس وعلى الحريات ~~العامة، ms326 وهم يتبعون الإقامة العامة، وكل واحد منهم «قيصر» ناحية تتمثل فيه ~~السيطرة الفرنسية على إدارة البلاد. # ثم إن المصالح الوزارية التي يشرف عليها المديرون الفرنسيون في الوقت الحاضر ~~والوظائف الرئيسية المخصصة للفرنسيين و«الوظائف المستثناة»، لتقوم دليلا على ~~الحكم المباشر. وقد عزز هذا الحكم في مشروع الإصلاحات بجعل قسم كبير من الإدارة ~~التونسية تحت سيطرة فرنسا مباشرة، وهو يشمل مصالح الأمن العام والمالية ~~والعدلية والشئون الخارجية والدفاع الوطني. # السكرتارية العامة # كانت السكرتارية العامة تابعة للوزير الأول، فجعل المشروع منها إدارة حقيقية ~~مستقلة بذاتها، وعهد إلى السكرتير العام بمباشرة اختصاصات معينة واسعة النطاق، ~~كانت تابعة لسلطات الوزير الأول، التي تشمل أقسام الإدارة المركزية، ومن بين ~~تلك الاختصاصات مراقبة المصالح الإدارية والوظائف العمومية وإعداد البرنامج ~~الاقتصادي والاجتماعي، وبإلغاء الصلة بين السكرتير العام والوزير الأول أصبح ~~السكرتير العام هو الرئيس الحقيقي للدولة يباشر سلطات معينة واسعة، بينما حصر ~~الوزير الأول في النطاق التقليدي والتشريفاتي، ومما يزيد في خطورة هذه الوضعية ~~تكليف السكرتير العام بإعداد البرنامج الاجتماعي الذي يخوله سلطة جديدة تمتد ~~إلى المؤسسات العامة والصحة والشئون الاجتماعية. # ثم إن تخصيص الوظائف الرئيسية (المالية والأشغال العمومية والمعارف العمومية ~~والبريد والتلغراف والتليفون)، وكذلك وظائف السلطة التنفيذية (وهي الوظائف ~~المستثناة) للفرنسيين وحدهم، تجعل الاتجاه إلى فرنسة الإدارة التونسية حقيقة ~~تقرها النصوص التأسيسية، على أنه يلاحظ أن ممارسة الحكم المباشر وفرنسة الإدارة ~~مبعثها سياسة التعمير بواسطة الموظف الفرنسي، أكثر من العناية بتحسين سير ~~الإدارة التونسية. وقد حاولت الجالية الفرنسية، نتيجة للتوسع في السياسة ~~المذكورة أن تركزها على قاعدة شرعية، فابتدعت فكرة السيادة المشتركة. # وهذه الفكرة العجيبة لا يمكن تصورها عقلا أو قانونا، والواقع أن فكرة ~~السيادة المشتركة التي ابتدعت لخدمة غرض خاص، انعكست في رسالة الحكومة الفرنسية ~~بتاريخ 15 ديسمبر، وهي الرسالة التي وضعت على أساسها مشروعات الإصلاحات خرقا ~~لما وقع تأكيده من أعلى منصة البرلمان الفرنسي، من أن فرنسا ليست في تونس صاحبة ~~سيادة أو مشاركة في السيادة. # الخلط بين السلطات # نجد في مشروع الإصلاحات نفس الخلط ms327 في السلطات الذي كانت تمتاز به منظمات ~~الحماية من قبل. # فالمقيم العام يتولى منصب وزير خارجية جلالة الباي، وله سلطة على التشريع ~~بواسطة التأشيرة (التي لا تكون المراسيم نافذة بدونها)، وإن كان هذا الإجراء ~~غير مسلم به، كما أن له سلطة على الأداة التنفيذية بما له من حق التعقيب لدى ~~المحكمة الإدارية. وعلاوة على ذلك يمارس سلطات تشريعية بواسطة القرارات وسلطات ~~تنفيذية بإشرافه على مصالح الأمن العام والوظائف العمومية، ويتدخل في شئون ~~التمثيل النيابي فيما يتعلق بتأليف المجالس وسيرها ونظامها؛ إذ إن جميع ~~المراسيم المتعلقة بهذه الشئون لا تكون نافذة إلا إذا وقعها بإمضائه. # وقد كان من الطبيعي أن يترك الوزير الأول، وهو الرئيس الأعلى للإدارة العامة ~~بالمملكة التونسية، حق الإشراف على مصلحة رقابة المصروفات، غير أن مشروع ~~الإصلاحات أخرج هذه المصلحة المهمة من نطاق اختصاصات السلطة التونسية، وكلف بها ~~مدير المال الذي يشترط فيه المشروع أن يكون فرنسيا. # ويترتب على ذلك أن إدارة واحدة تقوم بالمصروفات، وتجري الرقابة عليها في نفس ~~الوقت، ويا له من خلط فظيع في السلطات. # نظام اللامسئولية # إن تونس من البلدان القليلة التي رفعت فيها اللامسئولية إلى درجة نظام؛ ~~فالحكومة ليست مسئولة أمام أي مجلس لا عن سياستها ولا عن تصرفاتها، وقد حدد دور ~~المجالس بجعلها استشارية فقط، فأصبحت بذلك مؤسسات إضافية تابعة لسلطة مطلقة ~~بدلا من أن تكون أنظمة ذات سيادة تتمتع بحق مراقبة تصرفات الحكومة، وينشأ عن ~~ذلك فقدان المسئولية العامة والإخلال والإسراف وإتلاف أموال الدولة، كما حدث في ~~أثناء الحرب عند قيام نظام الاقتصاد العسير، وفيما بعد الحرب بالنسبة لشئون ~~الإنشاء والتعمير والأعمال الكبرى وغيرها ... # مشروع الإصلاحات والديمقراطية # يتضح من البيانات السابقة أن مشروع الإصلاحات لا يعطي للمنظمات التونسية - ~~وخصوصا المجالس - أية صبغة ديمقراطية، فهو لا يرضي رغبة الشعب في الحياة ~~الديمقراطية. # وهذا الأمر يؤسف له حقا، ولا سيما أن رغبة الشعب في الحياة الديمقراطية ~~تتفق مع إرادة ملكه في بعث نظام الملكية الدستورية، الذي كان معمولا به في عهد ~~أجداده. # ثم ms328 إن المشروع يقضي على إمكانية الوصول بواسطة الإصلاحات الجوهرية في ~~الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، إلى إحداث تغيير حقيقي في حياة الجماهير ~~بالمدن والقرى الذين تزاد نسبة المواليد بينهم، وتعتبر من المشاكل الإنسانية ~~الكبرى. # وبكلمة وجيزة ليست الديمقراطية الاجتماعية لغد. # بعض النتائج العملية للمشروع # لنا أن نتساءل: هل سيدخل التونسيون حقا الوظائف العمومية؟ ولنا أن نجيب دون ~~خشية الخطأ: أن شيئا من ذلك لن يكون؛ لأنه لم تتخذ أية تدابير من شأنها إخلاء ~~المناصب الإدارية التي يشغلها جمهرة من الأعيان الفرنسيين الذين قبلوا في تلك ~~الوظائف خلافا للمبادئ والوعود، بقصد زيادة عدد السكان الفرنسيين وحرمان ~~التونسيين من إمكانية المشاركة في الوظائف العمومية، فالإصلاحات في هذا الموضوع ~~ليست إلا مجرد «إعلان حقوق ذي صبغة أفلاطونية». # وبالإضافة إلى ذلك، فإن أبواب الوظائف المخصصة للفرنسيين موصدة في وجوه ~~التونسيين، وهو أمر يعرقل تكوين موظفين تونسيين سامين ونخبة فنية ~~تونسية. # ولا شك في أن اللوم يوجه بعد ذلك للتونسيين، فيتهمون بالعجز عن القيام ~~بمسئوليات الحكم، ويوصفون بعدم الكفاءة الفنية. وخلاصة القول: يشغل الفرنسيون ~~مراكز السلطة والنفوذ والمناصب الفنية، ويشغل التونسيون المناصب الثانوية ~~والتقليدية. # وهو أمر يضطرنا إلى التفكير في أن المسألة لا تعدو أن تكون إقامة «نظام ~~عنصري» للوظائف العامة. # ظروف عرض الإصلاحات # تحدثنا عن ظروف وضع مشروع الإصلاحات، وأوردنا نقدنا للمشروع. بقي علينا أن ~~نذكر الظروف التي عرض فيها المشروع على جلالة الباي وأبلغ للشعب. # بدأ الحديث عن إصلاحات في جو إرهابي اعتقل فيه الزعماء، ونبذت وزارة شنيق ~~واقترفت أعمال البطش «والتطهير»، وشددت الأحكام العرفية، وأعيد نظام ~~الرقابة. # ثم اعتقل الوزراء وأبعدوا، وتوالت شتى ضروب الضغط على جلالة الباي، ونشرت ~~الأنباء المضللة والحملات المفزعة. # وكانت تلك مراحل السياسة التي نشأت عن رسالة 15 ديسمبر، وأدت إلى تأليف وزارة ~~طيعة لتصريف الشئون الإدارية، على أن تتألف إلى جانبها لجنة مشتركة للبحث في ~~الإصلاحات، وتبين فيما بعد أن تأليف هذه اللجنة يتطلب جهودا ، فرئي من المصلحة ~~تسهيلا لتأليفها إذاعة خلاصة الإصلاحات، فأدت تفاهتها وأهدافها المحدودة ~~بالإضافة إلى ms329 رد الفعل الشعبي إلى إعراض المرشحين عن المشاركة فيها، وحينذاك ~~عهد للوزراء الإداريين الذين تحولوا إلى مفاوضين بمهمة المصادقة على مشروع ~~الإصلاحات بعد بحثها بحثا صوريا. # ويلاحظ أن مشروع الإصلاحات يتماشى نقطة بنقطة مع ما ورد في الخلاصة التي نشرت ~~في 2 أبريل سنة 1952، كما اعترف بذلك المسيو روبير شومان في الجمعية الوطنية ~~الفرنسية. # أما عن مدى الإصلاحات واستعدادات المصلح، فقد أنذرنا المسيو بيناي بأن ~~الحكومة الفرنسية لن تفعل أكثر من تلك الإصلاحات. # بيد أن هذه الإصلاحات لم تجد قبولا عند أي كان بسبب تفاهة مضمونها، الأمر ~~الذي اعترف به على منصة الجمعية الوطنية الفرنسية، وبسبب الظروف السيئة التي ~~أعدت فيها. # وأخيرا رأى أنصار المشروع سرعة للتنفيذ وحسما للإشكال أن يسلكوا طريق إرغام ~~جلالة الباي للمصادقة على ذلك المشروع دون إجراء أية استشارة بشأنها - تطبيقا ~~للمعاهدات - والمقصود هنا بالمعاهدات اتفاقية المرسى (8 يونيو 1883) التي تضمنت ~~في فصلها الأول: «إن جلالة الباي يتعهد بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية ~~والمالية التي تراها الحكومة الفرنسية صالحة.» # إن مدلول هذه الكلمات واضح؛ فالمقصود بها هي الإصلاحات الإدارية والعدلية ~~والمالية، ولا يمكن أن يفهم منها إطلاقا بطريقة التأويل أن يقصد بها الإصلاحات ~~السياسية والدستورية. فهذا النوع من الإصلاحات لا يدخل في نطاق اتفاقية المرسى، ~~وهذه الحقيقة وردت مرارا في أثناء مناقشات الأزمة التونسية الفرنسية بالجمعية ~~الوطنية الفرنسية. # وقد صرح أحد كبار أفراد الجالية الفرنسية بتونس في محاضرة ألقاها في يوم 26 ~~مارس 1952 بالمركز الجمهوري بباريس، أنه يرى أن القيام «بإصلاحات لم تنص عليها ~~اتفاقية المرسى» يثير مشكلة خطيرة لها علاقة بالقانون الدولي، ويجوز تحديد هذه ~~المشكلة في العبارات التالية: # تقترح فرنسا إصلاحات سياسية ودستورية تراها صالحة، فيرفض جلالة الباي ~~الذي يرى رأيا مخالفا المصادقة عليها، فهل تستطيع فرنسا فرضها استنادا ~~إلى المعاهدات. # وإزاء هذا النزاع الذي له صلة بالقانون الدولي يسوغ أنصار مشروع الإصلاحات، ~~سواء في تونس أو باريس، باقتراح حل يستند إلى القوة. # ولكن القانون يعرض حلولا أصلح، ففي أفضل الفروض ملاءمة لأنصار المشروع؛ ms330 أي ~~في تلك الفروض التي يكون فيها الباي قد فوض لفرنسا التصرف الكامل في سيادته ~~الداخلية بواسطة اتفاقية المرسى، ويكون فيها الحكم على صلاحية الإصلاحات ~~المقترحة متروكا لفرنسا، فإن القانون الدولي وفقه المحكمة الدائمة بلاهاي ~~يمنعان في أحكام قاطعة الالتجاء إلى الضغط لفرض الإصلاحات. # وهذه هي بعض القرارات: ~~(1) # في صورة ما إذا حامت شبهة حول نية المتعاقدين، فلا بد من الأخذ ~~بالتأويل الذي يحد الحرية أقل من غيره (قرار 10 سبتمبر 1939، ~~المسألة القضائية الترابية للجنة الدولية بالاودر). ~~(2) # في صورة ومجرد شك يؤول تحديد السيادة في أضيق الحدود (قرار 17 أغسطس 1923 قضية ونبلدون، قرار 7 يونيو، مسألة المناطق الحرة ~~بالسافوا العليا وبلاد جكس). ~~(3) # إذا كان معنى إحدى الفقرات معقدا، فلا بد من اختيار التأويل ~~الأخف ضررا بالفريق الذي يتحمل التعهد، الذي تنص عليه الفقرة ~~(استشارة 21 نوفمبر 1935). # إن حكمة هذه القرارات أفضل مبرر لالتجاء الحكومة التونسية لهيئة الأمم ~~المتحدة، لطلب تحكيمها في نزاع بين دولتين تربط بينهما معاهدات حماية مستمدة من ~~القانون الدولي، بعد أن أصر أحد المتعاقدين على حسمه بالالتجاء إلى ~~العنف. # الخلاصة: # تستطيع اللجنة في خاتمة هذا التقرير العام، أن تؤكد أن مشروع الإصلاحات لا ~~يمكن الأخذ به، بسبب المآخذ المفصلة في تقارير جميع الشخصيات التونسية. # وترى من واجبها ردا على السؤال المدقق الذي ألقاه جلالة الباي على الشخصيات ~~التونسية، ورغبة منها في البقاء في حدود مهمتها، أن تقترح مجرد رفض مشروع ~~الإصلاحات رفضا باتا. # وبهذه المناسبة تنوه اللجنة بالعناية الكريمة التي يرعى بها جلالة الباي ~~شعبه، وتؤكد له تعلقه المتين وإخلاصه العميق وولاءه المطلق. # المرسى في 23 أغسطس 1952 # وتسلم جلالة الملك ذلك التقرير، واتخذه أساسا للمفاوضة مع فرنسا، فلم يجمع مجلس ~~الأربعين عابثا، ولم يستشر ممثلي الشعب لاعبا. بل كانت أعماله تؤيد أقواله؛ فقد اعتبر ~~نفسه واحدا من الشعب وفردا من أفراده، لا يتميز عن غيره إلا بالأمانة التي وضعها الله ~~في عنقه، والمسئولية التي يشعر بها والتي يريد أن يساهمه الشعب في حملها، فكان ~~ديمقراطيا ms331 مثاليا وملكا دستوريا، وإن لم يقيده دستور مكتوب ولا تقاليد موروثة، ~~فأظهر لفرنسا بل للعالم كله أن تونس - ملكا وشعبا - تريد نظاما ديمقراطيا للحكم ~~وتنبذ الفكرة الاستبدادية والملكية المطلقة التي تريد الحكومة الفرنسية المحافظة عليها ~~لغايات لا تخفى على متبصر. لقد قرر شعب تونس رفض الإصلاحات المزعومة، فرفضها الملك ~~أيضا، وكتب قراره ذاك في رسالة بعث بها إلى رئيس الجمهورية الفرنسية. # وهذا نص تلك الوثيقة التاريخية: # قرطاجنة في 9 / 9 / 1952 # حضرة السيد فنسان أوريول # رئيس الجمهورية الفرنسية - باريس # حضرة السيد الرئيس # يدفعنا حرصنا المستمر في المحافظة على العلاقات الطيبة بين بلادينا، إلى ~~مخاطبتكم من جديد بوصفكم - وأنتم رئيس الجمهورية الفرنسية - الحارس لما لفرنسا ~~من تقاليد تحريرية وديمقراطية. # وغير خفي عنكم أننا لم نترك فرصة سنحت لنا منذ ارتقائنا عرش العائلة ~~الحسينية، غداة هزيمة جيوش المحور في ميدان القتال بالبلاد التونسية، دون أن ~~نوجه أنظار ممثلي فرنسا لدينا إلى ضرورة إصلاح الأنظمة في مملكتنا إصلاحا ~~جوهريا، يتطلبه ما بلغه شعبنا من تطور لا جدال فيه، وما تكبده من تضحيات في ~~سبيل تحرير أوروبا إلى جانب حماة الحق والديمقراطية. وقد أعلن الجنرال ماست ~~وعودا لم تتبعها سوى محاولات فاترة، أفسدت جوانبها الطيبة أعمال الضغط وبقاء ~~الأحكام العرفية. # وجاء المسيو جان مونس بدوره يؤكد في عدة خطابات وجوب «التطورات الضرورية»، ~~ولكن عمله الإيجابي اقتصر على تغيير التشكيلة الوزارية. # فكانت الخيبات المتكررة التي واجهت رعايانا تحدث شكوكا في نفوسهم، وتعكر ~~الثقة التي وضعوها في وعود فرنسا بإرضاء رغبتهم المشروعة؛ وإذ ذاك لبينا داعي ~~الواجب الناجم عن المهمة الملقاة على عاتقنا، وحرصنا على تجنب تحول مظاهر القلق ~~الذي ساور رعايانا إلى اليأس، فوجهنا إليكم في 11 أبريل 1950 خطابا أشرنا فيه ~~بإخلاص إلى المخاوف التي تخامرنا بشأن الحالة، وإلى الضرورة الملحة في معالجة ~~القلق المتزايد، وقد أثبت تطور الحوادث فيما بعد وجهة نظرنا. # وكنا نعتقد عند تعيين المسيو بريليه خلفا للمسيو مونس، أن الحكومة الفرنسية ~~أدركت حقيقة المشكلة؛ إذ حددت لأول مرة في عبارات ms332 واضحة الخطوط الرئيسية ~~لسياستها في تونس، وعهدت إليه بمهمة تحقيق الحكم الذاتي، ولهذه الغاية ألفت في ~~17 أغسطس 1950 (وزارة المفاوضات)، كلفت بمهمة تحديد مراحل الحكم الذاتي مع ممثل ~~فرنسا. # وكانت الثقة التي تتمتع بها الوزارة الجديدة لدى شعبنا كفيلة بمساعدتها على ~~نجاحها في مهمتها. # غير أن الصعوبات التي لقيها المفاوضون محليا، والعراقيل التي أقيمت في سبيل ~~تنفيذ المجموعة الأولى من الإصلاحات الصادرة في 8 فبراير بإخلاص؛ جعلتنا نقرر ~~باتفاق مع ممثل فرنسا إرسال وفد وزاري إلى باريس لمتابعة المفاوضات مباشرة مع ~~حكومة الجمهورية. # ثم جاء الرد الفرنسي في 15 ديسمبر 1951 يحمل إعادة النظر في مبدأ السيادة ~~التونسية، واستبدال المسيو بريليه بمقيم عام جديد: هو المسيو دي هوتكلوك، فكان ~~هذان الحادثان دليلا على تحول واضح من جانب فرنسا؛ الأمر الذي ترك في الرأي ~~العام التونسي أثرا أسوأ من أثر المماطلات التي سبقت إعلان السياسة التحريرية ~~في سنة 1950 التي سرعان ما أهملت. # ولطالما أسفنا في أثناء المحن المؤلمة التي تجتازها مملكتنا منذ أوائل سنة ~~1952؛ لأن الحكومة الفرنسية لم تر من واجبها الاستماع إلى مقترحاتنا وهي ثمرة ~~تجاربنا الطويلة. كما أسفنا لأن نداءاتنا التي وجهناها إليها للمبادرة بإعادة ~~جو من الثقة، لم تلق منها أذنا صاغية؛ فقد آثرت الحكومة الفرنسية أن تأخذ ~~بمقترحات أخرى لجأت إلى تدابير العنف التي لم تنج منها أية طبقة من طبقات الشعب ~~بما فيها أعلى طبقة؛ فقد اعتقل الوزراء المباشرون لمهامهم وأبعدوا، وهم الذين ~~لم نسحب ثقتنا منهم ولم نقلهم. # وقد وضعت هذه السياسة، التي لم يسبق لها مثيل في تونس، المشكلة في مأزق ~~حقيقي. # وفي الوقت ذاته أعلن المسيو دي هوتكلوك، أنه سيتم وضع الإصلاحات ~~المرتقبة. # وفي أثناء قيام الإقامة العامة بتحضير مشروعات الإصلاحات، نسبت إلينا بعض ~~الصحف التي لا نود الخوض في مصدر إلهامها، مواقف معينة تجاه تلك الإصلاحات، ~~وكانت تلك المواقف وهمية، ولا سيما أن مشروعات الإصلاحات لم تبلغ إلينا إلا في ~~يوم 2 أغسطس الماضي. # وقد أبرقنا إليكم في 22 يوليو ms333 حرصا منا على تجنب كل سوء تفاهم جديد مع ~~الحكومة الفرنسية، وعندما استلمنا لوائح المراسيم لاحظنا قبل كل شيء أنها تضمنت ~~عدة تدابير مخالفة للغرض المقصود بالإصلاحات، وأن تلك المراسيم هي أبعد ما تكون ~~مطابقة للتأكيدات التي تضمنتها شروحها التي سلمت لنا قبل ذلك بأيام، حيث طلب ~~إلينا المصادقة مقدما بمجرد الاطلاع على تلك الشروح على نصوص لم نطلع ~~عليها. # ولاحظنا من جهة أخرى أن رسالة المقيم العام المرفقة للوائح المراسيم المعروضة ~~على ختمنا، أوردت رأيا كان أدلى به حضرة رئيس مجلس الوزراء على منصة الجمعية ~~الوطنية الفرنسية، وضمنه رسالته إلينا بتاريخ 4 يوليو 1952: وهو أن التدابير ~~المقترحة هي «الحد الأقصى» لما تستطيع فرنسا منحه لترضية المطالب التونسية. ~~ومعنى هذا أنه لم تترك لنا إمكانية اتخاذ تدابير أخرى غير التي تضمنتها ~~المراسيم المذكورة، ووجدنا أنفسنا أمام أحد أمرين: إما قبول النصوص كما هي، أو ~~رفضها. # فرجعنا قبل اتخاذ أي موقف، على أن نستشير وفقا للمبادئ الديمقراطية التي ~~أكدناها في الخطاب الذي ألقيناه بمناسبة ذكرى ارتقائنا العرش في 15 مايو 1951، ~~الممثلين الحقيقيين لجميع نزعات الرأي العام التونسي، لنشرك رعايانا المخلصين ~~في مسئولية اتخاذ قرار يتعلق بمستقبل مملكتنا. # وقد قامت الشخصيات التونسية - سواء المسلمون أو اليهود - الذين اجتمعوا لهذا ~~الغرض بدعوة منا، بدراسة مشروعات الإصلاحات مع هيئاتهم، وقدموا لنا في خاتمة ~~أعمالهم تقريرا واضحا نرى من المناسب أن نرسل إليكم رفقة هذا نسخة ~~منه. # وتوضح هذه الوثيقة أن الإصلاحات المقترحة: # تكون اعتداء على السيادة التونسية. # تقر الإدارة الفرنسية المباشرة. # تعزز الخلط بين السلطات واللامسئولية في الحكم. # لا تأتي بأي تقدم في سبيل إقرار الديمقراطية في المنظمات ~~التونسية. # وهكذا يتضح أن الإصلاحات المذكورة لا ترضي رغائب الشعب التونسي، ولا ترضي ~~«الحد الأدنى» لمطالبنا التي حددناها بنفسنا في خطاب 15 مايو 1951، وفي مذكرة ~~31 أكتوبر من السنة ذاتها، وعلاوة على ذلك فإنها لا تعتبر خطوة في سبيل الحكم ~~الذاتي الذي وعدت به فرنسا رسميا. # فمن الصعب علينا - والحالة هذه - أن نضع عليها ختمنا. # ويجدر ms334 بنا أن نلاحظ في هذا الصدد أن اتفاقية المرسى التي ورد ذكرها عدة مرات ~~في الرسائل التي وجهها أو أحالها إلينا المقيم العام، لم تكن لتجعل حقنا في ~~الموافقة على القوانين التي تصدر في مملكتنا مجرد مسألة شكلية، وخاصة بالنسبة ~~للمراسيم ذات الصبغة السياسية أو التأسيسية التي تعتبر خارجة عن نطاق تلك ~~الاتفاقية. # ولم يبق لنا من جهتنا إلا أن نأسف مرة أخرى للصعوبات التي انتهت إليها ~~العلاقات التونسية الفرنسية، بسبب سوء التفاهم الذي جعل فرنسا تخسر فرصا كثيرة ~~للوصول إلى حل مرض للمشكلة. # وأرجوكم، حضرة الرئيس، أن تثقوا في عواطف الصداقة التي نكنها لكم. # وتفضلوا بقبول عميق تقديرنا السامي. # الأمين الأول # | اغتيال فرحات حشاد # كانت الأخطاء في السياسة الفرنسية كالحلقة المفرغة، بعضها آخذ برقاب بعض. وكل خطأ على ما ~~فيه من مهازل ومضاحك تجر وراءها المآسي جرا. ولم تجد الحكومة الفرنسية حلا للمشكلة ~~التونسية؛ لأنها رفضت جميع الحلول الممكنة، وعدلت عن طريق الحق، وأغمضت عينيها عن الواقع، ~~والواقع هو أن ثلاثة ملايين ونصفا من التونسيين أبوا أن يندمجوا في فرنسا، وأن يفنوا في ~~الشعب الفرنسي، وتمسكوا بوجودهم كشعب له سيادته وله كيانه وله مميزاته، وله أيضا أرض ووطن. ~~ولما رأت الحكومة الفرنسية أن إرادة التونسيين لم تنثن، ألقت لدى هوتكلوك الطاغية الهزلي ~~وللجنرال جارباي سفاك مدغشقر الحبل على الغارب، فكان الطغيان بألوانه، وكان الفتك والتنكيل، ~~وكان التقتيل والتشريد، وكان التخريب و«التطهير». # ولما رأت السلطات الفرنسية ارتياع الضمير البشري، وموجة الغضب والحنق تهز الرأي العام ~~العالمي هزا لهول ما ارتكبته من فظائع؛ نزعت منزعا جديدا، وعوضت اضطهادها الظاهر ~~المفضوح باضطهاد أشنع وأقبح، ألبسته ستارا شفافا ترى خلفه أيديها المخضبة بدماء ~~التونسيين، فقد كانت ترتكب في النهار السافر، فباتت المؤامرات تحاك بليل لاغتيال الأبرياء ~~وتخريب بيوت الوطنيين وبث الرعب والخوف في النفوس. ~~(1) اليد الحمراء # شكل الفرنسيون عصابة إجرامية على مرأى ومسمع من السلطات الفرنسية، أطلقوا عليها اسم ~~«اليد الحمراء». ومن الملاحظ أن الكتاب الأحرار من الفرنسيين أنفسهم لا يذكرونها، إلا ~~وقرنوا ms335 معها اسم أكبر موظف فرنسي بعد المقيم العام، وهو «بونص» الكاتب العام للحكومة ~~التونسية. وقد تجرأ الكاتب المقدام فنيدوري # Finidor # على فضحهم عندما كشف الحقيقة، فقال: # 1 ~~«وليس المجرمون مستعمرين فرنسيين فقط (وعناوين «باري - برايس» تقول: «اليد ~~السوداء» أو «اليد الحمراء» أو «اليد الكورسيكية»)، ولكن الإدارة العليا تعرفهم فردا ~~فردا. # ويعرفهم هوتكلوك وكولونا. # وإن قادة كوماندوس (من الفرنسيين) بالقطر التونسي معروفون، وإن أسماءهم في كل فم ~~وفوق كل لسان. # وإنه لفي الإمكان الإدلاء بأسماء رؤساء كومندوس مدينة تونس. # ومن الأدلة القاطعة على أن الإدارة الفرنسية كلها تحمي مجرمي عصابة «اليد الحمراء»، ~~وربما تكون مشاركة لهم وساهرة على أعمالهم؛ استحالة إلقاء القبض على أي فرد من أفرادها، ~~حتى قال لنزك لوزون # Louzon ~~: بينما لم يفلت من الاعتقال ~~ولا واحد ممن ارتكبوا أو ظن أنهم ارتكبوا عملية إرهاب ضد أي أوروبي أو ما يملكه أوروبي، ~~ولم ينج من الأحكام القاسية وحتى من الإعدام ولا واحد منهم، ترى أنه لم يلق القبض ولا ~~على واحد من المجرمين الذين ارتكبوا عشرات الجرائم ضد التونسيين، ولن يلقى القبض على ~~واحد منهم # 2 # لأجل اغتيال فرحات حشاد، ولا لأجل النسف المتكرر الذي سبقه. # ونرى كذلك كل عملية إرهاب يقوم بها التونسيون مهما تضاءلت، إلا وكانت فرصة لاختطاف ~~عشرات الدستوريين في جميع أنحاء القطر، ولإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال بدعوى مشاركتهم ~~الأدبية في الإرهاب، بينما لم يقع ولن يقع إزعاج ولا واحد فقط من المستعمرين المسئولين ~~عن الجرائم التي ارتكبوها ضد التونسيين.» # نلاحظ أن «اليد الحمراء» تشرع في عملها الإجرامي كلما وجدت السلطات الفرنسية صعوبة في ~~طريقها، تجعل من المستحيل عليها تنفيذ خطة من خططها؛ فقد لجأ المقيم العام دي هوتكلوك ~~بجميع وسائل الضغط ليجبر رئيس الوزراء دولة محمد شنيق على تقديم استقالته ولم يفلح، إذ ~~ذاك رأينا عصابة «اليد الحمراء» تتحرك فبعثت له برسالة كلها تهديد ووعيد في الأيام ~~الأولى من شهر مارس 1952، وكانت محررة باللسان الفرنسي في أسلوب بليغ. وفي ليلة الأحد ~~16 مارس وضعت تلك ms336 العصابة قنبلة في مدخل بيت دولة الوزير، وكان انفجارها قويا شديدا ~~نسف الباب الخارجي، فأضربت تونس احتجاجا على ذلك الاعتداء، وعقدت عدة اجتماعات شعبية، ~~وعرض الشعب على الوزير أن يقوم بحراسته وحراسة جلالة الملك، وعم الإضراب القطر كله في ~~الأيام التالية. # وكان جو تونس داكنا عبوسا ينضح منه السخط والغضب على مرتكبي مؤامرة ~~الاعتداء. # ولكن الإرهاب لم يأت بالنتيجة المطلوبة، فقام إذ ذاك دي هوتكلوك بالعدوان السافر على ~~الوزارة التونسية، وألقي القبض على الوزراء يوم 26 مارس 1952 ونفاهم إلى ~~الصحراء. # ولقد أدخل جلالة الملك الحيرة على السلطات الفرنسية، لما جمع «البرلمان التونسي ~~الاستشاري» الذي رفض التحويرات الاستعمارية التي عرضتها الحكومة الفرنسية على جلالته، ~~فاغتاظت الإقامة العامة على أعضاء ذلك «البرلمان» الذي سمي «بمجلس الأربعين»، ولم يعرف ~~طريقة قانونية يتخلص بها منهم، فإذا «باليد الحمراء» تسعى بعد حين في إرهابهم والقضاء ~~عليهم وإبادتهم وتوجه ضرباتها إليهم الواحد تلو الآخر، وهذا جدول جرائمها في هذا المضمار: # فرحات حشاد: # الأمين العام للاتحاد العام الفرنسي للشغل، اغتيل. # فتحي زهير: # محام، أبعد ونسف بيته. # المنصف المنستيري: # صحفي، نسف بيته بالقنابل. # الطيب الميلادي: # محام، أبعد ونسف بيته. # الطاهر الأخضر: # محام، قنابل انفجرت ببيته فهدمته. # محمود الزرزري: # رئيس الغرفة التجارية، إبعاده ونسف ممتلكاته وإتلافها. # الدكتور صالح عزيز: # طبيب جراح، تهدم بيته بالقنابل. # الصادق بن يحمد: # صيدلي، نسف صيدليته وبيته بالقنابل. # الجنرال الطيب الحداد: # أمين سر جلالة الملك، نسف ممتلكاته مرتين بالقنابل. # محمد بن حمودة: # صيدلي وصديق جلالة الملك، نسف بيته. # الدكتور الصادق بوصفارة: # طبيب جلالة الملك الخاص، نسف بيته. # ولم تقتصر «اليد الحمراء» الاستعمارية على ذلك الميدان، بل عممت إجرامها في القطر ~~كله، ونشرت الدمار والقتل والخراب، وعوضت هكذا الجيش الفرنسي الذي كان يقوم وحده ~~بالأعمال الإرهابية، فكانت أكبر عون للسلطات الفرنسية وهي تعمل لإنزال الخوف والرعب في ~~القلوب وبث الاضطراب في الأفكار وغايتها القضاء على معنويات الشعب وتحطيم أدبياته، وقد ~~جمعت قائمة طويلة في بعض ما اقترفته من جرائم نذكر شيئا منها: # 14 مايو، انفجار ms337 قنبلة أمام صيدلية الأستاذ زهير بتونس. # 17 مايو، تخريب مغازة بوزويتة بسوسة. # 18 مايو، قنبلة أمام صيدلية بوحاجب بتونس. # 22 مايو، انفجار في معمل زيوت ابن الشيخ، بنزرت. # 23 مايو، نسف لوري يملكه تونسي على بعد 20 كيلومترا من مدينة ~~سوسة. # 22 يونيو، رمي قنابل يدوية على المقهى التونسي «الأهرام» بمدينة تونس وهو ~~مزدحم بالناس. # 23 يونيو، انفجار قوي جدا في مكتب الاتحاد العام التونسي للشغل بمدينة ~~بنزرت. # 25 يونيو، انفجار في أملاك الأستاذ بشر بمدينة سوسة. # وانفجار ببيت الأستاذ الهادي خفشة بمدينة سوسة أيضا. # 8 يوليو، نسف بيت الدكتور الصادق بوصفارة ببلدة حمام الأنف. # 9 يوليو، قنبلة بجراج الهادي بن علي بتونس. # 12 يوليو، نسف بيت الدكتور العرابي بمدينة سليمان. # 15 يوليو، انفجار قنبلة في بيت السيد علي الساحلي ببلدة منزل ~~جميل. # 16 يوليو، محاولة تخريب قام بها فرنسيون مدججون بالسلاح في بيت الدكتور ~~العنابي بتونس. # 24 يوليو، رمي قنبلة على مقهى تونسي بمدينة تونس. # 29 يونيو، انفجار قنبلة قوية في محل شركة السياحة التونسية بتونس. # أول أغسطس، رمي قنبلتين من سيارة على مقهى تونسي بتونس. # انفجار قنبلة في بيت صيدلي تونسي ببلدة «باردو». # 15 أغسطس، أطلق مجرمون مقنعون جاءوا في سيارة رصاص رشاشاتهم على مقهى ~~تونسي ببلدة القلعة الصغرى - وكان ثلاثة من الجرحى في حالة خطيرة. # 18 أغسطس، رمي قنبلة على سطح بيت الأستاذ الطبري بوادي العين. # 9 سبتمبر، رمي قنبلة في بيت السيد سليمان الحداد أثناء حفلة زفاف، أربعة ~~جرحى في حالة خطيرة. # 23 سبتمبر، انفجار قنبلة قوية في بيت الشيخ النيفر ببلدة باردو. # أول أكتوبر، انفجار قنبلة في بيت السيد الغرياني ببلدة المتلوي - أربعة ~~قتلى من بينهم طفل صغير وامرأة. # 4 أكتوبر، انفجار قنبلة في بيت الدكتور نصرة بتونس. # 7 أكتوبر، قنبلة أمام دكان السيد المحجوب قرب سوسة. # 9 أكتوبر، انفجار قنبلة في بيت الدكتور دنقزلي بمدينة سوسة. # 13 أكتوبر، نسف بقالة تونسية بحمام الأنف. # انفجار قنبلة قوية في مكتب الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة ~~ببنزرت. # 14 ms338 أكتوبر، انفجار قنبلة شديدة جدا في صيدلية الأستاذ ابن يحمد على بعد ~~أمتار من المركز الرئيسي للبوليس بمدينة تونس. # 14 أكتوبر، نسف بيت الأستاذ كعنيش ببلدة الكرم. # 26 أكتوبر، نسف بيت الدكتور صالح عزيز بقمرت، ونسف بيت أخيه الدكتور ~~المختار عزيز بحمام الأنف. # في شهر نوفمبر # تدمير بقالة السيد الأحول بالقنابل المحرقة في بلدة بئر بورقيبة. # تخريب دكان الأستاذ الزرزوري بالقنابل في بلدة بوعرادة. # اكتشاف قنبلة في بيت الأستاذ ابن عباء ببلدة المرسى. # نسف كامل لصيدلية الأستاذ ابن زينة بمدينة قابس. # انفجار قنبلة في بيت الأستاذ الطاهر الأخضر. # تخريب بيت الأستاذ الميلادي بتونس. # نسف دكان السيد الحمروني بقابس. # وأخيرا اغتيال فرحات حشاد يوم 5 ديسمبر. # هل تفطن الفرنسيون إلى ما لحقهم من ضر؟ وهل أقلعوا عن غيهم وكفوا عن إرهابهم؟ وهل ~~أدركت السلطات الفرنسية جسامة مسئوليتها بعد أن افتضح أمر «اليد الحمراء» في العالم، ~~وظهرت حقيقتها للعيان؟ وكأن حنق القوم على الشعب التونسي وخوفهم على مناصبهم ومصالحهم ~~أعمى منهم البصائر قبل الأبصار، فجرهم تيار الجريمة إلى متابعة الإجرام، واستمرت «اليد ~~الحمراء» على إرهابها الشنيع تحت حماية الإدارة والبوليس والجيش الفرنسي، فنسفت بيت ~~بنات أخت الرئيس الحبيب بورقيبة، ووضعت قنبلة انفجرت في بيت الزعيم نفسه، وكان مبعدا ~~إلى جزيرة جالطة منذ أكثر من عام، ونسف في ذلك اليوم أيضا بيت كريمة دولة محمد شنيق. ~~وفي أول مارس 1953 انفجرت قنبلة قوية جدا في بيت الأميرة زكية كريمة جلالة الملك ~~وزوجة الدكتور ابن سالم وزير الصحة في وزارة دولة محمد شنيق، ونسف بيت والده الدكتور ~~محمد بن سالم، وكذلك بيت الأستاذ جلولي فارس العضو في الديوان السياسي للحزب الحر ~~الدستوري، ووضعت قنبلة في مصنع الحلوى التونسي التابع للحاج عياد ربانة، وقتلت حسين ~~بوزير من المواطنين في قصر هلال، وهاجمت عصابة منها مقهى عربيا بباب الخضراء في مدينة ~~تونس، وقتلت أربعة من التونسيين وجرحت سبعة منهم. ~~(2) شخصية فرحات حشاد # لماذا كان لاغتيال فرحات حشاد أعمق الأثر في اتجاه القضية التونسية؟ ولماذا أبقى حرقة ms339 ~~لا تنطفئ في قلب كل تونسي؟ كتب هذا الباب إجابة عن هذين السؤالين. # كان يوم 5 ديسمبر 1952 من أيام كفاح تونس الطويل، وطلع صبحه وكأنه مغرب، قد كست ~~الغيوم سماءه واشتد برد شتائه وغزرت أمطاره، وفي ذلك الصباح نفسه ارتكبت عصابة «اليد ~~الحمراء» جريمتها وتناقلت شركات الأخبار نبأها، ونشرته الصحف بلهجة عادية لا ارتجاف ~~فيها ولا تأثير ولا روح قالت (تونس، 5 ديسمبر): «كان ركاب سيارة متجهين في الصباح ~~المبكر من تونس إلى مدينة زغوان التي تبعد خمسين كيلومترا عن العاصمة، فعثروا في ~~الطريق على جثة الزعيم النقابي فرحات حشاد. # وكانت الجثة ملقاة على حافة الطريق بجانب الحفير، وكان الرأس مشدخا تشدخا كليا، ~~ولم تعرف شخصية الميت إلا من الأوراق التي كانت في جيوبه. # وبعد ساعة علم أن سيارة فرحات حشاد - وهي من نوع سيتروين - قد وقع العثور عليها ~~ببلدة رادس، على مقربة من تونس، وهي تحمل آثار طلقات الرصاص. # ولوحظ أن الجثة وضعت في مكان ظاهر مكشوف، وكذلك السيارة التي تركت في ملتقى الطرق ~~برادس.» # وأضافت الصحافة قائلة: «ويظهر جليا أن القتلة بيتوا الجريمة وأعدوا لوازمها إعدادا ~~دقيقا، وهيئوا تمثيلها كما تهيأ رواية مسرحية، وقد ارتكبوها في موضع بعيد جدا عن ~~المكان الذي اكتشف فيه الجثة، ثم حمل الجثمان إلى جهة زغوان، وكذلك نقلت ~~السيارة.» # حنق أعداء تونس وأعداء شعبها من المستعمرين، وامتلأت منهم النفوس غيظا وحقدا، ~~واستعرت القلوب بغضا وكراهية، فلفظت الصدور حفائظها، وأبرزت طبائعها وأظهرت ما تحتويه ~~من قسوة وخسة وانحطاط، فلم يشف غليلهم تقتيل الأبرياء رميا بالرصاص في النهار السافر، ~~ولا دوس الأطفال بالأقدام أمام أمهاتهم، ولا التنكيل والتعذيب ولا التخريب والإتلاف، ~~والقوة في قبضتهم والجيش في تصرفهم والبوليس تحت أمرهم حتى مالوا إلى الإجرام المبيت ~~والفظائع النكراء، وكانوا جماعة مدججين بالسلاح، وكان فرحات حشاد وحيدا أعزل، فبعد أن ~~عذبوه قتلوه برصاصة في رأسه، وبعد أن قتلوه شوهوا جثته وشدخوا رأسه، وهم يشعرون أنهم ~~ينتقمون من شعب كامل لا من شخص واحد؛ لعلمهم أن فرحات ms340 رمز الكفاح وعنوان الإخلاص قد ~~اجتمعت عليه القلوب وأحبه القريب والبعيد، واحترمه الخصوم والأصدقاء. ولو شوهت جثة ~~فرنسي واحد لأقاموا الدنيا وأقعدوها، ولنسبوا التونسيين جميعا إلى التوحش والبعد عن ~~المدنية، ولرموهم بكل نقيصة، ونسبوا إليهم كل عاهة ولمزوهم بالتدهور والانحطاط. ولكن ~~زيادة جريمة تضاف إلى مئات سابقاتها لا تخدش في شرف الأسياد المستعمرين، ولا تفسد ~~سمعتهم، ولا تحط من قدرهم ولا من نفوذ كلمتهم في العالم. وهم يكررون ويعيدون أنهم جاءوا ~~لتونس ولغير تونس، لينشروا المدنية وليبثوا العلم في الصدور، وليخرجوا البشرية من ~~الظلمات إلى النور «يحملون معهم حيث حلوا العدالة، يلقنون مبادئها لمن تاه عنها من ~~الشعوب، ويعبدون طرق الديمقراطية، وينشرون الحرية والأخوة والمساواة في الدنيا!» # وكتب أحد التونسيين عن فرحات حشاد قال: # 3 # ثم إنه اليوم غني عن التمجيد العقيم وعن المغالاة في المدح، غير محتاج إلى ~~أن نشهد له أو نتكثر في شأنه للتاريخ، فلعل أبرز ما امتاز به فرحات هو غناه عن الزوائد ~~وخصبه كأرض كريمة ذات ثراء من باطنها، وبها يزكو نبتها وينشرق فيكتهل فيكون فيه للناس ~~رزق وغنى يفيض على الإخوان جودا وبذلا وسخاء، ولا يستجدي ولا يتكئ على سند. ~~«وتشهد بذلك حياته بما لها من مراحل متماسكة مطردة، ويشهد به تكوينه وخلقه، وتشهد به ~~تضحيته الكبرى في صباح يوم ذي مطر وبرد وغيوم ... وقد لاقى أعداءه الكثيرين أعزل وحيدا ~~فردا.» # وامتاز فرحات حشاد بحيوية متدفقة متشعبة كما يكون الإنسان عندما يستوي بشرا كاملا، ~~ذكاء يتفهم النظريات العقلية تفهما دقيقا مع نظر للواقع يجعله يؤثر فيه ورجلاه على ~~الأرض راسختان، وذهن لطيف مرن، وعاطفة رقيقة تسهل عليه مشاركة النفوس دواخلها وما بطن ~~من أمرها، ويقاسمها آلامها وشجوها وفرحها وغبطتها. وذلك سر تأثيره في عشرات الآلاف من ~~العمال وغير العمال، أفرادا وجماعات، فينقادون إليه بغير احتراز، ويتبعونه في غير ~~تردد؛ إذ يشعرون شعورا غامضا أحيانا وواضحا مرات أنه أصبح عقلهم المفكر وعواطفهم ~~الثائرة، وأنه مع ذلك بشر ضعيف كضعفهم، يعرف الألم كما يعرف العواطف البشرية ms341 الطبيعية ~~العادية، وقد عاش فقيرا وذاق المسغبة ومسكنة الفقراء، فبات قريبا منهم، وهو صديق صدوق ~~لأحبابه وخلانه، وهو أب مرح يلاعب أطفاله كأنه واحد منهم، وهو زوج مثالي، وهو أحسن مثال ~~للتونسيين جميعا؛ إذ يشعر بالأخوة البشرية بطبيعته وجبلته، وحيثما حل سواء بميلانو في ~~إيطاليا أو بنيويورك أو بسان فرانسيسكو بأمريكا أو بستكهولم أو بباريس، إلا وتتكون صلات ~~فطرية بينه وبين من يجتمع بهم من البشر، وكأن الفوارق قد زالت وأصبحت النفوس متلاحمة ~~متصلة، يجهل التعصب الأعمى، ويمقت الظلم، ويتألم للقسوة، والرحمة عنده هي العدل وإرجاع ~~الحق لذويه. # كان مربوع القامة، أبيض مشربا بحمرة، أزرق العينين، مستوي الأنف، صغيره، أصفر الشعر، ~~من عرفه ينسى صورته بسهولة. ولكن لا يمكن أن ينسى نظرة عينيه التي تتلون بعواطفه، فتبرق ~~عند الغضب وتضيق عند الحزم والعزم، وتصبح ضاربة للشهلة عند الألم والشفقة. وهو دوما ~~هادئ الحركات، بل ميزته الكبرى رصانته وركونه واقتصاده في الإشارات، وحبسه للسانه. يحسن ~~الاستماع، ويطيل الصمت، حتى إذا ما تكلم نفذ رأسا إلى عمود الكلام وصلب الموضوع، ~~فعالجه معالجة عملية وضاءة واضحة مع عمق ودراية. # لم تسمح له ظروفه العائلية بإتمام تعليمه؛ لأنه احتاج إلى لقمة الخبز يعمل لاقتنائها، ~~فاقتصر على التعليم الابتدائي، ولم يمنعه ذلك من أن يبز الموظفين الفرنسيين العالين عند ~~التفاوض معهم في شئون العمال، فكان يتحدث إليهم بلغة أسلس وأفصح من كلامهم؛ لأنه انكب ~~رغم كثرة أشغاله على دراسة اللغة الفرنسية حتى أجادها كما أجاد لغته العربية، إلى أن ~~أصبح كاتبا فيها وخطيبا مفوها بها. # كان مولده بجزيرة قرقنة في قرية العباسية يوم 2 فبراير سنة 1914، وكان أبوه صيادا ~~فضحى في سبيله وأرسله إلى مدرسة الكلابين التي تبعد عن قريته ميلين تقريبا، فأحبه ~~مدرسه الفرنسي مسيو أرمان سيبيل، وشغف به لذكائه ولطفه، وقد كتب إلى جريدة «فران تيرور» ~~مقالا إثر اغتياله قال فيه: «عاش فرحات في بيتي وعائلتي سبع سنوات. # وكان وهو صغير السن يزاول تعليمه بالمدرسة العربية - الفرنسية ببلدة «الكلابين» على ~~بعد ثلاثة كيلومترات ms342 من مسقط رأسه ببلدة العباسية، وسرعان ما أبرزته خصاله، فهو ليس ~~كبقية التلاميذ، فأظهر رغبة في أن يعيش وسط عائلتنا لتلهفه للعلم، فتبنيناه. وهو مكافح ~~صادق ثابت، ولكنه خصم نزيه. وإن عاطفته الإنسانية الطيبة تجعل من المستحيل أن يكون ~~متعصبا أو إرهابيا، وكان يتفهم شقاء إخوانه لأنه ولد في عائلة فقيرة معدمة، وقد ~~اختار أن يكافح في سبيلهم. # وخدم مثلا أعلى، ومات لأجله. # فيحق لكثير من التونسيين ومن أعظمهم شأنا أن ينحنوا أمام تضحيته.» # وانتقل فرحات حشاد إلى مدينة صفاقس ابتغاء العيش، فعمل في أول أمره كأجير بسيط، وبعد ~~سنوات استأجرته الشركة التونسية للنقل بالسيارات في الساحل # Sttas # كقابض على سيارات نقلها في جهة صفاقس، ثم ~~استعملته كاتبا محاسبا في مكتبها بمدينة سوسة. وكان في عمله ذلك المتواضع يسهر على ~~مصلحة غيره من إخوانه، فتدرج هكذا بصفة طبيعية إلى الكفاح النقابي وانضم إليه، وسرعان ~~ما احتل بين القائمين عليه إذ ذاك مكانة تليق بأمثاله. وكان عمله متصلا اتصالا وثيقا ~~بالساهرين الأولين على فرع تونس لمنظمة الجامعة العامة للعمل (س ج ت) الفرنسية، وكانت ~~غايته تحقيق المساواة بين جميع العمال. # ثم شارك في مناظرة اختيار بعض الموظفين ونجح فيها، فأصبح كاتبا في الحسابات بفرع ~~إدارة الأشغال العامة بصفاقس، واستمر ناشطا في الكفاح النقابي. وكان في آن واحد ~~وطنيا عاملا، ففطن إلى أن النقابات الفرنسية تستخدم قوة العمال التونسيين لأهداف ~~بعيدة عن مصلحة التونسيين جميعا، فرأى من الضروري الانسحاب من المنظمة الفرنسية وتشكيل ~~نقابات مستقلة عنها، وكان يعتمد في تلك الفترة على نقابي مقتدر ووطني قوي وهو صديقه ~~الحبيب عاشور، وكانا يسيران في حلبة العمل النقابي كفرسي رهان، فتشكلت على أيديهما ~~النقابات المستقلة بمدينة صفاقس، واشتد ساعدها وقويت حتى أصبحت مسيطرة على ميدان الشغل ~~في الجهة كلها، وإذ ذاك اتفقا مع الحزب الحر الدستوري على تكوين نقابات مستقلة في القطر ~~كله، على أن يبقى الحبيب عاشور ساهرا على القوة الأصلية المتينة بمدينة صفاقس، وينتقل ~~فرحات حشاد إلى تونس. وبعد نشاط في جميع ms343 جهات تونس، وتكوين عشرات وعشرات من النقابات، ~~دعا فرحات حشاد نواب العمال إلى عقد مؤتمر لجمع كلمتهم وتنظيم صفوفهم، فاجتمع في ~~5 / 8 / 1945 وخرج الاتحاد العام التونسي للشغل للوجود. # ومنذ ذلك اليوم اندمجت حياة فرحات حشاد في حياة المنظمة النقابية التونسية، وأراد ~~فرحات أن يسمع صوت العمال التونسيين في الأوساط العالمية. ولما تقدم الاتحاد بطلب ~~الانضمام إلى المنظمة العالمية للنقابات (ف. س. م) وقف الفرنسيون معارضين معارضة باتة؛ ~~لأن الفكرة الاستعمارية غالبة حتى عند النقابيين منهم، ولم يدخل الاتحاد في تلك المنظمة ~~بصفة رسمية إلا عام 1949؛ أي ليلة انقسامها وخروج غير الشيوعيين منها، ولم يعط فيها حقه ~~الكامل، وبقي مبخوس الحظ مستهدفا لدي الفرنسيين، ورأى أن وجوده ضمنها لم يأت بالنتيجة ~~المطلوبة، فقرر الاتحاد في اجتماع عقده في 23 / 7 / 1950 الانفصال عن ال (ف. س. م) ~~ووافق المؤتمر الرابع القومي للاتحاد (مارس 1951) على ذلك القرار. # وشرع الاتحاد في التفاوض مع النقابات الحرة العالمية (س. ي. س. ل) في شهر سبتمبر ~~1950، ولبى فرحات الدعوة التي وجهتها له تلك المنظمة، فسافر إلى بروكسل في ~~15 / 2 / 1951 لحضور اجتماع اللجنة التنفيذية للنقابات الحرة، وكانت نتيجة تلك ~~المفاوضات مرضية؛ لأن منظمة النقابات الحرة تحترم الفكرة الوطنية الحقيقية كاحترامها ~~للكفاح في سبيل التقدم الاجتماعي، وهي تهتم بمصير الشعوب المغلوبة على أمرها وتعترف بأن ~~الاتحاد هو المنظمة النقابية القومية التونسية الوحيدة وتؤيدها وتتضامن معها، وهي ~~مستعدة أيضا لإعانتها على تكوين نقابات وطنية في الجزائر ومراكش، وتوافق على توحيد ~~العمل النقابي في المغرب العربي كله، ووعدت بإعطاء اللغة العربية حظها في نشراتها ~~ومجلاتها. # فقرر إذ ذاك المؤتمر الرابع للاتحاد الانضمام للنقابات الحرة العالمية على تلك ~~الأسس. # وقد فهم فرحات أن تحرير طبقة العمال مرتبط ارتباطا لا ينفصم بتحرير الشعب التونسي ~~بأسره، فكان يقول: «ولذا سيجد الرجال الذين يقودون الكفاح في الميدان القومي طبقة ~~العمال في جانبهم ما داموا يسعون لتحقيق أهدافنا السامية، وسيجد النظام الاستعماري ~~الظالم طبقة العمال واقفة في وجهه على مر الأزمان، ms344 ما دام يتحكم في مصيرنا أو في جزء ~~منه.» # وقد بين تلك الفكرة التي كانت أساسا لعمله في حياته وسببا لموته، في تقرير عن ~~المشكلة القومية والتمثيل الشعبي قدمه للمؤتمر الرابع. «إن النظام الاستعماري يتنافى ~~منافاة باتة أصلية مع المصالح القومية، سواء في اتجاهاته الاقتصادية والاجتماعية أو في ~~طرق عمله القانونية والإدارية والحربية والاقتصادية والسياسية، فمن العبث محاولة تحسين ~~الحالة الاجتماعية أو قلب نظام المجتمع قبل التخلص من النظام السياسي والاقتصادي ~~الحالي، وبعبارة أخرى فلسنا ببالغين هدفا من أهدافنا إن لم نعوض النظام السياسي ~~الاستعماري الموجود بنظام سياسي واقتصادي قومي بحت.» # وقد شرح فرحات حشاد آراءه في خطبه وتقاريره ومقالاته، نقتبس هنا شيئا منها كنماذج من ~~كتابته وتفكيره: # خطبة فرحات حشاد في المؤتمر العمالي الوطني ~~الرابع # إن الرسالة التي نؤديها لا تهدف إلا إلى تحقيق مصلحة طبقة العمال وسعادة ~~شعبنا ورفاهيته وتحرير بلادنا، ولن نحيد عن طريقنا هذا أبدا. # من أين يستمد الاتحاد العام التونسي للعمال قوته؟ # لقد أصبح الاتحاد العام التونسي للعمال من حيث نظامه، وتعدد أجهزته ~~الإقليمية، وقوة النقابات الأساسية، وكفاحه المستمر، وجهوده الصادقة من أجل ~~صالح العمال، المنظمة المثالية التي تتمتع في نفس الوقت بثقة طبقة العمال ~~وبتأييد الشعب التونسي بأسره. # وقد زادت هذه الثقة بازدياد الكفاح الاجتماعي الذي أثبت فيه الاتحاد العام ~~أنه أحسن وسيلة لتحرير العمال. # إن الرأسمالية الاستعمارية التي استقرت في بلادنا قد ضاعفت هجماتها على ~~حركتنا ورجالها؛ لأن تلك الرأسمالية أدركت أن كفاح الاتحاد العام يهدد ~~امتيازاتها تهديدا مباشرا، وقد ازدادت قوة حركتنا إزاء هذه التهجمات بحيث إن ~~العمال يبدون نحو مؤسستهم العظيمة تعلقا لا حد له بالإضافة إلى ما يظهرونه ~~نحوها من ثقة عظيمة خصوصا في الأوقات الحرجة. # التنظيم الداخلي تمهيدا للكفاح النقابي # إن اتساع كفاح العمال ضد من يستغلونهم يكون في الواقع على نسبة تنظيم حركتهم ~~ومدى تعزيز جهازهم وصفوفهم، وقد روعي هذا العمل المنظم باستمرار حتى يبلغ ~~جهادنا أقصى مداه. # وقد بدأ عمل تنظيمي واسع المدى في كافة البلاد التونسية، ms345 فشمل جميع المراكز ~~العمالية حتى في أبعد الجهات، وتسرب إلى الأوساط العمالية الريفية كلها. # دور التثقيف في الحركة النقابية # إننا لم نفرق أبدا بين الكفاح النقابي وبين تكوين دعاة في مدرسة الواقع ~~الاجتماعي الذي نعيش فيه ونكافح في سبيل تحسينه. # وسيرا في هذا الاتجاه، تولى الاتحاد العام بالرغم من ضعف الوسائل المادية ~~التي يملكها من تنظيم سلسلة من الدروس والمحاضرات، تمهيدا لتكوين قادة نقابيين ~~قادرين على القيام بالمهمة التي تنتظرهم، فإن العناية بتعليم الطبقات العمالية ~~واجب من أنبل وأوكد الواجبات الملقاة على عاتقنا. # هذا العمل هو الذي مكننا من أن نغرس في نفس العامل التونسي عقيدة بأن الكفاح ~~الاجتماعي مرتبط بالكفاح العام لتحرير الوطن ارتباطا لا ينفصم، فالعامل يشعر ~~أنه متضامن مع أمته، ولا يستطيع أن يتصور أي سعادة خاصة ما دام مواطنا في بلاد ~~لا تزال مستعبدة سياسيا واقتصاديا. # الكفاح النقابي وحركة المطالبة بالحرية النقابية وحق ~~الإضراب # إن المشكلة الأساسية هي مشكلة التمتع الكامل بالحرية النقابية وحق ~~الإضراب. # وهذه الحرية النقابية تكون لها أهمية خاصة في مثل بلادنا وفي جميع البلاد ~~المستعمرة؛ لأنها تحمل العمال - سواء للحصول عليها أو بفضل وجودها - على ~~التنظيم والمناقشة والنقد والمطالبة والكفاح والاهتمام بشئون وطنهم وإعداد ~~البرامج لخلاصه، وذلك بمقاومة قوى الرأسمالية التي تستعبد العمال وتضطهد الأمة ~~بأسرها. # أما حق الإضراب فهو في ظل حكومة تبدو وكأنها اتخذت سوء النية والغدر مبدأ ~~سياسيا يصبح أعز سلاح وأكثر الأسلحة مفعولية وتأثيرا بيد طبقة العمال للدفاع ~~عن مصالحها الحيوية المادية والأدبية. # وهذا حق لن يتنازل عنه العمال أبدا حتى في حالة إقدام السلطات على محاربته. ~~إننا لم ننتظر صدور تشريع أو أمر رسمي بإعلان حق الإضراب لاستعمال هذا الحق، ~~كما أن محمد علي وزملاءه البواسل لم ينتظروا من قبل الاعتراف بالحرية النقابية ~~لتأسيس النقابات التونسية الأولى منذ 27 سنة مضت. # الخلاصة # إننا انتصرنا على الجمود الذي كان يهددنا بالتقهقر القاتل في الميدانين ~~الاجتماعي والوطني. # إننا دافعنا بكل شدة عن حرياتنا النقابية وحقنا في الإضراب، وقد أظهرت ms346 طبقة ~~العمال التونسيين بفضل ما أبدته من تضحيات أنها أهل لمواصلة كفاح التحرير، وقد ~~فرضت الحركة النقابية احترامها على الأعداء مهما تكن قوتهم. حقا إن الكفاح لم ~~يبلغ نهايته، ولكننا تغلبنا على العراقيل التي وضعها أعداؤنا، دون أهدافنا ~~ليصرعونا، ونجاحنا في الماضي خير عربون على نجاح حركتنا التي تواصل سيرها. إن ~~حركتنا النقابية، وهي مثال الوحدة والانسجام، ستبقى رمزا حيا نشيطا لعزم ~~شعبنا على قهر الصعوبات واجتناب الفخاخ والأشباك وإحباط المناورات والدسائس، ~~وفشل سياسة الاضطهاد ومواصلة السير نحو الهدف المنشود. انتهى. # ولما اعتدت فرنسا على تونس اعتداءها المسلح في يناير 1952 وسجنت القادة وأبعدت ~~الزعماء، حمل فرحات حشاد لواء الكفاح القومي، وأصبح رمز الجهاد وكعبة القصاد، يأتمر ~~الشعب بأوامره وينتهي بنواهيه، فمثل في تلك اللحظة الضمير القومي التونسي أنصع تمثيل، ~~ولا يمكن أن ننسى أنه من أبرز رجال الحزب الحر الدستوري التونسي وعضو ممتاز في مجلسه ~~الملي، فليس من الحق أن نقول إنه متصل بالحركة الوطنية؛ إذ هو عنصر أصلي من عناصرها ~~ومسير من مسيريها، وكان من المستشارين المقربين في القصر الملكي، فلا غرابة إذا رأيناه ~~يلعب دورا رئيسيا في مجلس الأربعين الذي دعاه جلالة الملك للاجتماع. # وأصبح فرحات حشاد عنوان الوحدة بين جميع طبقات الشعب، ومثالا حيا لإرادة تونس على ~~تحقيق أهدافها وعزمها على متابعة الجهاد. # ولقد عبر زعيم تونس الحبيب بورقيبة عما يختلج في نفوس التونسيين جميعا، عندما تحدث ~~عن فرحات حشاد فقال: # بورقيبة يتحدث عن فرحات حشاد # لقد بكى فرحات حشاد جميع الرجال والنساء في تونس، وقد استولى الفقيد على جميع ~~القلوب بشجاعته وبنزاهته وبإخلاصه، ليس في تونس فقط بل في جميع الدوائر ~~النقابية في العالم الحر. # وإن موته على ذلك النحو الفظيع بدلا من أن يدخل الذعر على صفوف رفاقه، لم ~~يزد الأعصاب إلا تشنجا، والقلوب إلا تصلبا، والتونسيين إلا إقداما على ~~استعمال الوسائل العنيفة. ولم تتخذ المقاومة الشعبية شكلا عنيفا إلا منذ ~~اغتياله، فأصبح الكفاح حربا لا هوادة فيها، حربا لا يملك كل إنسان عاقل ms347 إلا ~~أن يأسف لها؛ لأنه ليس من شأنها إلا تأخير ساعة الوفاق والوئام التي لا مفر من ~~أن تحل إن عاجلا أو آجلا. # وقد كان من نتيجة اغتياله أن انتفعت القضية التونسية أكثر من انتفاعها بعشر ~~سنين من الدعاية أو المناقشات أو الخطب، سواء في الميدان الفرنسي أو الميدان ~~العالمي. وإن عدم معاقبة قتلته قد جعل التونسيين وجميع الديمقراطيين في العالم ~~يلمسون بأيديهم ضعف النظام الفرنسي وعجزه، ذلك النظام الذي يسير في اتجاه واحد، ~~والذي يجعل شدته وقفا على الوطنيين بينما يحمي المجرمين بدون حياء. وخلاصة ~~القول هي أنه ما دامت الدولة التونسية لم تحصل على أول مخصصات السيادة وهي ~~مسئولية الأمن العام، فإن حياة التونسيين وأملاكهم باقية مهددة بالخطر في ~~بلادهم ذاتها. # إن اغتيال فرحات حشاد مع عدم معاقبة قتلته، سوف يبقى في جنب النظام الحالي ~~كالدمل الذي يزداد مع الأيام تعفنا، ويسرع بساعة خلاص التونسيين. # وهكذا يكون فرحات حشاد قد خدم وطنه حيا وميتا. # وفي الختام أريد أن أذكر بعض الذكريات الشخصية. # إني لم أعرف فرحات حشاد كثيرا مهما يبدو ذلك مناقضا للمعقول ... لم ألتق به ~~لأول مرة إلا سنة 1949 عندما رجعت من مصر، وقد تلاقينا من حين لآخر في ~~الاجتماعات العامة أو الجولات الدعائية، وعندما أدعى أحيانا إلى نادي الاتحاد ~~العام التونسي للشغل في بعض المناسبات. لقد كان لكل واحد منا مسئولياته ~~الثقيلة، وكان كل منا يعمل في ميدانه الخاص، ولكن على أساس ثابت دائم؛ وهو أن ~~المنظمتين: الاتحاد العام التونسي للشغل وحزب الدستور الجديد متضامنتان تضامنا ~~وثيقا، ويجب أن تسيرا متساندتين. # ولم أختلط به عن كثب إلا خلال إقامتي بأمريكا في سبتمبر 1951، ففي «سان ~~فرانسيسكو» خلال المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الأمريكية (ا-ف-ل) وفي «واشنطون»، ~~عشنا وعملنا معا ودرسنا وحللنا مشاكل خطرة تتعلق بالخطط السياسية ~~والدبلوماسية. ولكن خلال هذه المدة الوجيزة استطعت أن أعرفه جيدا، فعرفت سر ~~صيته، واستولى علي تماما بشخصيته اللطيفة، وعينيه الزرقاوين الكبيرتين، وضحكته ~~الصريحة، وذكائه المتقد، وخلقه الجذاب. # لقد كان مقتنعا أشد ms348 الاقتناع بأنه لا يمكن الفصل بين قضية الطبقة العاملة ~~التونسية والقضية الوطنية، ولذلك كان كلما عاب عليه بعض محدثيه من الفرنسيين ~~اشتغاله بالسياسة يجيبهم «ولكن السياسة في كل ميدان، فإذا سمحنا لأنفسنا ~~بتجاهلها، فإنها لا تتجاهلنا، وإن العامل التونسي في كفاحه من أجل التحرر من ~~الاستغلال، وفي سبيل التقدم الاجتماعي يصطدم بعقبات سياسية يجب عليه أن ~~يجتازها، ولا يستطيع أن يجتازها إلا إذا اهتم بالميدان السياسي.» # وكان مقتنعا بأن الطبقة العاملة في البلاد المستعمرة؛ أي البلاد الخاضعة ~~«لسيطرة سياسية ترمي إلى الاستغلال الاقتصادي» تعاني نوعين من الاستغلال متصلين ~~ببعضهما: الاستغلال الرأسمالي الذي يقاسي منه جميع العمال في البلاد الحرة ~~والمرتبطة بطرق الملكية ووسائل الإنتاج، وفوق هذا الاستغلال استغلال ذو أسلوب ~~استعماري يجثم تحته جميع السكان الأصليين في البلاد المستعمرة ومن بينهم الطبقة ~~العاملة. وكان مقتنعا لذلك أن هذا النوع من الاستغلال عاجل وملموس وبين أكثر ~~من النوع الأول، وهو يعاضد ويساعد الاستغلال الرأسمالي ويجعله أشد خطورة. كما ~~كان مقتنعا أنه في هذه الحالة يجب على كل مشروع تحريري إذا قصد به الجد ~~والنجاح، أن يحارب النوعين من الاستغلال في وقت واحد؛ لكي يقضي على الامتيازات ~~التي يتميز بها كل من النوعين. # وإني أعترف أنه بقي في نفسي من شهر سبتمبر ذلك الذي قضيته مع حشاد في أمريكا ~~أثر لا ينسى؛ فذلك الرجل العظيم جمع بين حمية الرائد وحماس المكافح ورصانة ~~السياسي وواقعيته وشعور القائد بمسئوليته ومرونة الدبلوماسي. # وهنا اطمأنت نفسي أن قضية العمال التونسيين أمسكت بها أيد صالحة، فقد وجدوا ~~في ابن الشعب ذاك الرجل المختار الذي يملك الإرادة والوسائل الكفيلة بقيادتهم ~~إلى النصر، ثم افترقنا ليتابع كل واحد منا سيره في طريقه، وعدت فرأيته في شهر ~~يناير 1952 بطبرقة حيث كنت «مبعدا» وكان بصحبته الهادي نويرة، وقد جاء يقود ~~بنفسه سيارته البسيطة؛ تلك السيارة نفسها التي أصابته فيها عن كثب أول طلقات ~~الرشاشة في صباح ذلك اليوم المحزن الخامس من ديسمبر في نفس السنة. # وعندما ورد علي أكد لي ms349 ثقته في النصر، وقال: «سوف ننتصر في الجولة الأخيرة، ~~فلا تتضايق؛ إن هذه المحنة الشديدة التي يجتازها الشعب سوف تكون نافعة إذ أقنعت ~~المشرفين على الاستعمار في فرنسا بأنه لا يمكن القيام بأي شيء في تونس عن طريق ~~القوة، وسوف لا يتخلى عنا الديمقراطيون في فرنسا والعالم الحر، وسيرجحون إن ~~عاجلا أو آجلا كفة الميزان في جانب العدالة والحرية. سنقاوم ونصر على ~~المقاومة مدة عشر سنين إذا لزم ذلك؛ لكي نصمد في ربع الساعة الأخيرة، وستصبح ~~طريق التحرير القومي معبدة نهائيا، ففكر خصوصا في صحتك، فستحتاج إليها ~~البلاد احتياجا كبيرا.» # ولكن مع الأسف الشديد سنفتقده هو يوم الانتصار، وقد تأثرت جدا وصاحبته إلى ~~الجسر الذي يقطع الوادي الكبير عند الخروج من طبرقة، وكأني أشاهده الآن وهو ~~يقود سيارته ويلتفت ليشير إلي بيده الإشارة التي كانت وداعه الأخير؛ إذ لم أره ~~بعد ذلك. # ولكني تلقيت فيما بعد ذلك بمدة طويلة تعبيرا عن عواطفه، فإن كل من عرف السجن ~~ومعسكرات الاعتقال يعلم أنه لا يوجد حائل لا يمكن أن ينفذ منه شيء يمكن المعتقل ~~من الاتصال بالخارج. # ففي صباح أحد أيام شهر سبتمبر 1952 وفي جزيرة جالطة هذه التي رمتني فيها نزوة ~~مسيو دي هوتكلوك، أتاني القدر بحزمة صغيرة مربوطة بعناية، ففتحتها ولشد ما ~~كان عجبي عندما وجدت فيها مجموعة من الوثائق الحديثة نسبيا تقرير لجنة ~~الأربعين ورسالة جلالة الباي ورد رئيس الجمهورية وتقرير ميتران وقرار من ~~الجامعة العالمية للنقابات الحرة ... وفي آخر الوثائق ورقة صغيرة كتبها «فرحات» ~~بيده بالفرنسية يقول فيها: «لقد جعلنا شعارنا اليقظة دائما وأبدا والصلابة.» ~~وكتب على الهامش بالعربية: «إلى الأمام دائما فالمستقبل لنا» وأمضاها ~~«ف.ح». # وليس هناك شك في أن ذلك الشعار بقي شعار الشعب التونسي، ولا سيما شعار رفاق ~~فرحات حشاد الذين لهم اليوم شرف مواصلة عمله - وأي شرف عظيم! - وسيوصلونه إلى ~~نهايته المرجوة. # جزيرة جالطة، يوليو 1953 # الحبيب بورقيبة ~~(3) الجريمة # كان فرحات حشاد يعيش في جو رهيب، يرى الأخطار المحدقة به رأي العين، ويشعر أن ms350 الدائرة ~~تضيق، والخناق يشتد، وقد بسم بسمة الضحايا النازعة إلى مصيرها الدامي، بقلب عارف واع، ~~وفكر متجمع سام، ونفس مطمئنة لا ترتجف إلا لبؤس الأشقياء ذوي الحق الناصع المغصوب، ولا ~~تلين إلا للأحباء والبنين والأهل. لم يقطع الروابط البشرية، بل غذاها وواصلها وأدامها، ~~وتابع خطاه في طريق اختاره وعرا في صعوده، محفوفا بأعداء نصبوا فيه شركهم للصيد، ~~واختاروا زعيم المستضعفين في الأرض فريسة لقنصهم، وجعلوه هدفا لمراميهم ، وظنوا - وخسئ ~~ظنهم وخاب - أن دم الضحية سيذهب هدرا، وأن موت فرحات سيبقي للمستضعفين ضعفهم وينزل بهم ~~عن آمالهم في عدل يسود وحق يعود، وظلم يزول وطغيان يتهدم ويحول. # وكان حشاد - على علمه بالموت الذي حوله يطوف - يسير سيرته الأولى ويشتغل بشغله العادي ~~هادئ البال، منتظم الأعمال، وقد كتب إلى زميله الأخ النوري بودالي رسالة ينبهه فيها إلى ~~كيد المستعمرين واستعدادهم لارتكاب جريمتهم الشنيعة، وهذه رسالة فرحات الأخيرة بنصها: # تونس في 29 نوفمبر # عزيز نوري # إذا وصلتك هذه الرسالة وأنت لا تزال في باريس، فإن رأيي أن تبقى هناك أسبوعا ~~آخر؛ إذ يبدو أن سياسة الاضطهاد تشتد وتستفحل، والإشاعات المتكررة تنذر بأحداث ~~خطيرة في المستقبل القريب، وسوف توجه الضربات خاصة للاتحاد العام التونسي ~~للشغل، وقد شرعوا يتحدثون عن قرب اعتقالي في المؤتمرات الصحفية التي تعقدها ~~الإقامة العامة. هذا وقد نظمت حملة لإعداد الرأي العام لأعمال اضطهادية جديدة، ~~كتنفيذ الإعدام في المحكوم عليهم بالموت، وإنشاء محاكم خاصة، والقيام باعتقالات ~~بالجملة وخاصة من بين المتصلين بالقصر الملكي، ولا تزال الاعتداءات مستمرة ~~وخاصة ضد أعضاء مجلس الأربعين. # أما رجال «الجستابو» الاستعماري، فإنهم يعملون في الظلام، وقد تمت عدة ~~اعتقالات هامة جدا في الأيام الأخيرة. ويقال إن المعتقلين يوجدون في «رمادة»، ~~بالإضافة إلى المعتقلين السابقين في «جربة» الذين وقع نقلهم إلى «برج البوف»، ~~ولا أحد يعلم عدد المعتقلين في رمادة ولا أسماءهم. # هذا وقد علم أن عددا كبيرا من الوطنيين وقع نقلهم بصورة سرية إلى ~~«قرنبالية»؛ حيث ظلوا طيلة أسبوعين يقاسون أنواعا من التعذيب تقشعر منها ~~الأبدان، ms351 ولم يستطع المحامون معرفة المكان الذي نقل إليه موكلوهم. # أما الشعب، فقد جرد من كل وسائل الدفاع، وسلم مكتوف الأيدي والأرجل إلى جماعة ~~إجرامية إرهابية. وتدعي السلطات البحث عن الإرهابيين، فتنشر الرعب والإرهاب في ~~جهات كاملة مثل جهة «قابس» حيث تطبق مبدأ المسئولية الجماعية، وتقوم بأعمال ~~وحشية انتقاما وأخذا بالثأر. # وينقل المعتقلون إلى جهات مجهولة، وقد توجه إليهم تهم معينة، فيحرمون من جميع ~~وسائل الدفاع عن أنفسهم، وقد يتقرر إبعادهم وهم يجهلون كل شيء عن مصيرهم، وتبقى ~~عائلاتهم لا تعرف شيئا عن مكان إقامتهم، ويسجن المعتقلون ويذوقون من العذاب ~~ألوانا ومن الآلام أنواعا، ثم يتقرر عقابهم بما يرضي أصحاب حزب التجمع ~~الاستعماري، وينفذ فيهم فورا. # وفي الوقت نفسه تركت الجريمة كاملة للإرهابيين «الرسميين» لارتكاب ما يرضي ~~نفوسهم من جرائم بدون أي رد فعل من البوليس. # ويجري الحديث الآن حول إبادة كل ما زال حيا في الشعب، والرجعيون الذين ~~أعمتهم العداوة سوف ينزلون ضربتهم «بالاتحاد العام التونسي للشغل» قبل كل شيء ~~آخر. # وبما أن بحث القضية في هيئة الأمم أصبح على الأبواب، فيجب أن يقع عرض هذه ~~الحالة، فقد أصبح من المستعجل أن يجد الشعب ومليكه الحماية الحازمة ضد أعمال ~~الاضطهاد الآخذة في الازدياد. # وإلى اللقاء القريب # وأخذ نشاط المجرمين من عصابة «اليد الحمراء» ينتشر ويزداد في تلك الأثناء، وأعمالهم ~~تتسع وتتعدد، وقد رفعوا عن وجوههم القناع وظهروا في النهار السافر بعد أن كان يخفيهم ~~الليل البهيم، بل نظموا إلى إجرامهم الدعوة وطرحوا الحياء، وجاهروا بخفايا النوايا وسوء ~~الخيانة وتبييت الغدر، والبوليس الفرنسي ينظر ويعلم، والسلطات الفرنسية تشاهد وتحمي، ~~وملأت «اليد الحمراء» تونس بنداءاتها، وها نحن ننشر إحداها كمثال وأنموذج وهذا نصه: # انضموا إلى اليد الحمراء. # ضد استعباد تونس من قبل التجار الأمريكيين الاستعماريين، أولئك الذين أبادوا ~~الجنس الأحمر وقتلوا سكان بورتوريكو وحافظوا على استعباد السود وشنقوا سكان ~~الفيليبين. # انضموا إلى اليد الحمراء. # ضد فرحات حشاد الأمريكي. # انضموا إلى اليد الحمراء. # ضد تواطؤ البلاط الملكي الفاسد. # انضموا إلى اليد الحمراء. # التي ms352 ستجعل من هذه البلاد أرضا فرنسية تقوم على الحرية التقليدية الموروثة ~~عن مبادئ سنة 1789. # الحرية والمساواة والإخاء. # أيها الرجال الأحرار، أيها الإخوان التونسيون من المسلمين والمسيحيين ~~واليهود، في سبيل استقلالنا المهدد والمحافظة على مدنيتنا القديمة التي نشأت ~~على ضفاف البحر المتوسط، تلك المدنية العربية واللاتينية. # انضموا إلى اليد الحمراء. # وتعالت أصوات من الصحافة الاستعمارية تدعو إلى نفس المجازر والجرائم، وتحض الفرنسيين ~~على أن يلغوا في دماء التونسيين وتحرضهم على قتل فرحات حشاد خاصة، فأخذت التهديدات التي ~~كانت تنشرها جريدة «تونيزي فرانس» تتضح صبغتها، وتنكشف نداءاتها للعمل المباشر، وأشارت ~~جريدة «لابريس» بتاريخ 29 / 10 / 1952 إلى عصابة دفاعية مهمتها قتل أعداء السياسة ~~الاستعمارية الفرنسية، وأخيرا خصصت الجريدة الاستعمارية «باريس» الصادرة في «الدار ~~البيضاء» فصلا طويلا في عدد 29 نوفمبر 1952 عن فرحات حشاد ختمته بهذه العبارة: # إذا كان هناك رجل يهددك بالقتل، فاضربه على رأسه - كما يقول المثل السوري - ~~واليوم يجب أن تضرب ذلك الرأس، وما لم تقم بهذا العمل الذي هو عنوان الرجولة، ~~هذا العمل الذي فيه الخلاص، فإنك لن تكون قد قمت بواجبك. # في الساعة الثامنة وعشر دقائق من يوم الجمعة 5 ديسمبر 1952 غادر فرحات حشاد مسكنه ~~ببلدة رادس متجها في سيارته نحو مكتبه بتونس، وكان وحده لا يرافقه أحد، وكانت زوجته ~~مشفقة عليه من الخطر لما أطلعها على رسائل التهديد التي وجهتها له «اليد الحمراء»، وقد ~~ألحت عليه المرة تلو الأخرى في أن يلزم بيته ويستأنس بأبنائه، وألا يخرج وحيدا فريدا، ~~بل ليأخذ معه بعض الزملاء والأقران، فكان يجيبها بهدوء وحزم: «إن الأعمال كثيرة ~~والمسئولية ثقيلة، أما زملائي فلا أريد أن أعرض بهم للخطر الذي يهددني - فإذا مت ~~فالأحسن أن أموت وحدي، ولا فائدة في أن أجر جماعة إلى الموت.» # ولما وصل إلى منحدر في الطريق بعد قطع كيلومترين فقط، على مقربة من مقبرة، دوت طلقات ~~نارية في أذنيه، وكانت سيارة تجري خلفه، قد أطلقت عليه الرصاص من مدفع رشاش، ثم لحقته ~~وتمادت في إطلاق النار من ms353 ناحية الجانب الأيسر، فمالت سيارة حشاد ودخلت مزرعة بالقرب من ~~سور المقبرة، وتوقفت إذ ذاك السيارة المهاجمة قليلا، وسمع إطلاق عيارات نارية من مسدس، ~~ثم عاودت السيارة السير، وعرجت على اليمين. # وشاهد الحادث أحد الفلاحين، وكان على بعد خمسين مترا منه، وأحد الرعاة وراكب دراجة ~~وأخيرا ركاب لوري وهم ثلاثة أوروبيون. # وتخلص فرحات حشاد من سيارته بتعب شديد، وخرج منها منحنيا لما أصابه من جراح، وطلب من ~~سائق اللوري أن ينقله إلى المستشفى بتونس، وفي تلك الأثناء توقفت سيارة إلى جانبهم، ~~ونزل منها أحد الركاب، وبدعوى أن تلك السيارة السريعة متجهة إلى تونس حمل أصاحبها فرحات ~~معهم وانطلقوا به في الحال، وكان بها ثلاثة أشخاص، وكانت الساعة 8,25. # وعثر على جثة فرحات حشاد وقد مزقها الرصاص وشدخ منها الرأس وشوه الوجه ومثل بها، ~~وكانت ملقاه إلى جانب طريق «نعسان» على بعد خمسة كيلومترات من مكان الحادث. # ووصل رجال البوليس الفرنسي بعد دقائق إلى المكان الذي به الجثة وأسرعوا في نقلها منه، ~~فكيف تمكن البوليس من معرفة مصرع حشاد ولما تمض عليه دقائق؟ # وجاء البوليس إلى مكان سيارة فرحات حشاد في الساعة 9,15، وأزال جميع آثار العجلات ~~وغيرها وجمع بعض الطلقات الفارغة، ونقل السيارة إلى الفناء التابع للمحكمة العسكرية ~~الفرنسية، بينما نقلت الجثة إلى المستشفى العسكري الفرنسي. # ولم يتصل القضاء بالحادثة إلا في الساعة 12,45. # وعندما بلغ أحد التونسيين مقر «الاتحاد العام التونسي للشغل» في الساعة 9,30 بأن ~~سيارة فرحات حشاد كانت على الطريق قرب رادس وبها آثار الرصاص، أوفد الاتحاد اثنين من ~~أعضائه في الحال إلى مكان الحادث، فاعترضتهم في الطريق سيارة فرحات يقودها أحد المدنيين ~~على بعد خمسة كيلومترات من مكان الجريمة وكان متجها بها نحو تونس. # وتابعا السير، وعند وصولهما قرب المقبرة لم يجدا أي أثر سوى بعض الزجاج المكسور قد ~~جمع كوما، والتقطا بعض الرصاصات الفارغة التي نسي رجال البوليس جمعها، واستمعا إلى ~~أقوال المزارع الذي قال لهما إن فرحات حشاد نزل من سيارته وهو جريح وإنه ms354 ركب سيارة ~~أخرى. # فذهبا إلى مركز البوليس في «مقرين» حيث قال لهما الضباط الفرنسي إنه لا علم له بشيء ~~(بينما كان هو الذي أمر بنقل سيارة فرحات حشاد)، وذهبا إلى «حمام الأنف» فقيل لهما إنهم ~~يجهلون كل شيء عن الموضوع (بينما كان مركز بوليس حمام الأنف ممثلا وقت رفع الجثة في ~~الساعة 9,50)، فذهبا إلى مركز البوليس برادس، وشاهدا على مكتب الضابط الفرنسي بعض أوراق ~~فرحات حشاد وعدة طلقات فارغة، ولكن الضابط دس الأوراق بسرعة في جيبه وقال إنه لا علم له ~~بشيء. # ولم يعلم بمقتل فرحات حشاد إلا عندما صدر بلاغ من الإقامة العامة أذاعته محطة الإذاعة ~~في الساعة الواحدة بعد الظهر. # وتدخل القضاء الوطني التونسي في هذه القضية باعتبارها من اختصاصه؛ لأن القتيل تونسي، ~~وشرع في التحقيق، ولكن القضية سحبت منه فورا وبدون تقديم أي مبرر لذلك، بينما تقضي ~~الإجراءات العادية أنه ما لم يظهر في القضية أي طرف فرنسي، فإن القضية المتعلقة بتونسي ~~يجب أن تظل بين يدي القضاء الوطني الذي لا يتخلى عن قضية إلا بقرار منه لفائدة المحاكم ~~الفرنسية، ولكن فيما يتعلق بهذه القضية فقد وقع خرق كل هذه القواعد. # وأشركت المحكمة الفرنسية القاضي «بوشو» في التحقيق، وكان يتمتع بسمعة طيبة في كثير من ~~الأوساط التونسية، ثم عادت المحكمة فسحبت منه الملف، مما حمل التونسيين على الاعتقاد ~~بأن السبب في إقصاء هذا الرجل عن التحقيق هو حرصه على كشف المجرمين. # وأخذت الإقامة العامة تنشر الأخبار المتناقضة والروايات المختلفة والافتراضات ~~الغريبة، بعد أن كممت الأفواه وشلت الصحف التونسية ووضعت الرقابة على كل ما يقال وينقل، ~~ونقلت الصحف والمذياعات كل ذلك، وإن المصدر الوحيد لجميع تلك الترهات هو الإقامة ~~نفسها. # فقد بعث مكاتب جريدة «الفيجارو» الباريسية بأنموذج من تلك الأقوال في 8 / 12 / 1952: # حوالي الساعة الثامنة من صباح الجمعة، غادرت سيارة فرحات حشاد رادس حيث محل ~~سكناه قاصدا تونس، وفي ملتقى الطرق على بعد كيلومتر واحد من رادس، جاوزته ~~سيارة يقال إنها سوداء من نوع «سيتروين» وأطلقت ms355 نيران رشاشة على سيارة الزعيم، ~~ووصل الشاهد وهو يقود لوري في اللحظة التي وفق فيها فرحات إلى التخلص من سيارته ~~المنقلبة على حافة الطريق، فعرض السائق عليه أن يأخذه معه فقبل حشاد وهو يظهر ~~كأنه جريح، وفي تلك اللحظة أتت سيارة ثانية فشكر الزعيم النقابي سائق اللوري ~~وقال له: «هؤلاء أصدقائي فإنهم سينقلونني في وقت أسرع مما يمكنك.» وأخذ ركابها ~~الزعيم معهم، وعثر فيما بعد على جثته في جهة «نعسان» على بعد 8 كيلومترات من ~~تونس في طريق مدينة «زغوان»، وأظهر فحص الجثة أن رصاصة مسدس قد أطلقت في رأس ~~القتيل. # فقد دست السلطات الفرنسية - وهي المصدر الوحيد للخبر - الكذب الصراح في تلك الرواية، ~~فادعت أن فرحات قال: «هؤلاء أصدقائي ...» واتخذت السلطات ذلك الكذب أساسا لما نشرته فيما ~~بعد من افتراضات، وخاصة أن قتلة فرحات يمكن أن يكونوا دستوريين! وقد فضحت الصحف ~~الفرنسية النزيهة نفسها تلك الأكاذيب، فأرسلت جريدة «لوموند» مكاتبا لبحث القضية، ~~فاستجوب المكاتب «م. سرا» (الشاهد الأصلي في جريمة اغتيال فرحات حشاد) وهو سائق اللوري ~~الذي انتقل إليه فرحات قبل أن يركب في سيارة القتلة بلحظات، وقد حرفت المصادر الرسمية ~~والبوليسية شهادته، قالت «لوموند» في 9 / 12 / 52: # كان «م. شارل سرا» ينقل بعض العمال في جهة رادس على بعد كيلومترات من تونس، ~~وكان يسوق لوري من نوع ستروين قديم يحمل بعض الأدوات أيضا، وكان قريبا من ~~بلدة رادس عندما شاهد سيارة من نوع «سيمكا» آتية من الاتجاه المقابل تميل ~~يمينا وشمالا، ثم تنقلب في الحفير حذو الطريق، ونزل منها رجل وأشار إليه، ثم ~~أوقف «م. سرا» سيارته ظانا أنه أمام حادث عادي، فاقترب الرجل وقال إنه جريح ~~وطلب نقله إلى المستشفى الصادقي بتونس، فلم يفكر «م. سرا» في الرفض، ولكنه لاحظ ~~أن في الإمكان إيجاد طبيب في مكان قريب، فألح الرجل في النقل إلى المستشفى ~~الصادقي، فلم ير «م. سرا» مانعا من ذلك، وانتقل «م. برنيس» # Bernes # الذي كان جالسا حذوه إلى خلف، وأبقى مكانه للرجل ~~الجريح الذي ms356 كان يحمل آثار دم، وليس فيه جرح ظاهر والذي جلس على الكرسي الأمامي ~~وحده. # وحين استعد «م. سرا» لاستئناف السير في لوريه، وصلت سيارة ركاب وقفت حذوه، وكان ~~بها عدد من الرجال لا يحملون قبعة ولا طربوشا فوق رءوسهم، ويرتدون لباسا ~~أوروبيا، ولا يمكن ل «م. سرا» أن يعرف هل هم أوروبيون أم تونسيون، فصاح الجريح ~~الذي لم يعرف أحد من رفاق «م. سرا» فيه فرحات حشاد: «قفوا! قفوا!» ونزل، وتبادل ~~بعض الكلمات مع ركاب السيارة، وركب معهم وسارت السيارة. # إن الرواية التي سمعناها من لسان «م. سرا» نفسه تختلف في نقطة أصلية أساسية عما نشرته ~~بعض الصحف بتونس التي روت أن فرحات حشاد قال: «هؤلاء أصدقائي، وإن نقلي يكون أسرع معهم»، ~~وأكد «م. سرا مرات» ثلاثا أنه لم يسمع من حشاد تلك العبارات، ولكن كلمة واحدة وهي: «قفوا ~~قفوا»، ولما رأى الشاهد إلحاحنا فإنه استهل كلامه من جديد بقوله: «يمكن لي أن أجزم ~~جزما باتا ...» # إن تلك الأعمال كلها وتلك الأقاويل لا تدع شكا لشاك في أن السلطات الفرنسية تريد ~~تزييف الحقيقة ليذهب دم حشاد هدرا، وقد أرادت أيضا أن تبخس حقه ميتا بعد أن أضاعت ~~حقه حيا، فقصد وفد من الاتحاد العام التونسي للشغل الإقامة العامة الفرنسية صباح ~~السبت 6 ديسمبر طالبا تسليم جثمان الشهيد، معلنا أنهم سيعدون النظام اللازم لتشييع ~~جنازة الزعيم. # فأعلمتهم الإقامة بأن الجنازة ستقع بجزيرة قرقنة بمحضر العائلة وعشرين من قادة ~~الاتحاد إذا ما أرادوا الحضور، فرفض الوفد النقابي. # ونقل الجثمان بالفعل على ظهر الباخرة الحربية الصغيرة «لولا نسييه»، وكانت زوجته ~~وأولاده في صحبته. # ودفن فرحات حشاد في جزيرة قرقنة مسقط رأسه يوم الأحد 7 ديسمبر، وحضر مواراة الجثمان ~~التراب زوجته وأبناؤه الأربعة وأخواه وبعض الأقارب؛ كل ذلك تحت حراسة المراقب المدني ~~الفرنسي لمدينة صفاقس والسلطات المحلية. # وكان الجو رهيبا، كله خشوع. # ويوم 13 ديسمبر رجعت زوجة حشاد إلى بيتها الصغير «برادس» وأتت إلى ذلك المنزل الذي ~~كله مآس ومآتم بأبنائها الصغار، وعمر أكبرهم ms357 ثمانية أعوام، وما زال أصغرهم رضيعا، وهي ~~شابة في مقتبل العمر أصلها من جزيرة قرقنة كفرحات نفسه، وكانت قواها قد خارت لطول السفر ~~وتعبه وشدة المصاب. # ودخلت بيتها مع أبنائها وأمها لا تعلم كيف تعيش ولا من أين يتعيشون، بعد أن تسلمت ~~مفتاحها من البوليس الذي احتفظ به إثر تفتيش بيت الزعيم، وأغلقت على نفسها باب منزلها ~~الصغير. # وتفرق من كان أمامه. # لم يوار جثمان الشهيد التراب بعد حتى تدفقت المصادر الفرنسية - وينبغي ألا ننسى أنها ~~كلها فرنسية - تغمر الدنيا بالأراجيف المختلفة، والأكاذيب الملفقة، فحملتها عنها ~~الإذاعات الفرنسية ونشرتها الصحف الاستعمارية بالمغرب العربي وفرنسا. # فقالت جريدة «الفيجارو» 6-7 / 12 / 1952: # وكان فرحات حشاد يخشى لا محالة اعتداء من هذا النوع، فكان يحرسه ليلا ونهارا ~~شبان دستوريون مسلحون. # فاغتاظ أحد الفرنسيين الأحرار وفضح تلك الأكذوبة وذلك التدليس، قال # 4 # تحت هذا العنوان: # من الأكاذيب القذرة للصحافة ~~المقذرة # لقد تجاسرت الصحف بعد اغتيال فرحات حشاد على القول بأن فرحات حشاد كان عادة ~~مخفورا بحرس مسلح! # حرس شخصي مسلح! تونسيون مسلحون! والحالة أن أقل سكين لو وجد عند تونسي أو في ~~بيته لكان كافيا لإرساله حالا للسجن أو لأحد المعسكرات! # وقد كان يستحيل على فرحات حشاد نفسه أن يحمل سلاحا واحدا رغم التهديدات ~~التي تكتنفه من كل جانب؛ إذ كان يكون ذلك سببا في اعتقاله. # إن الجلادين يبدءون بنزع السلاح من ضحاياهم. # ثم جعلت السلطات الفرنسية تكثر من التأويلات وتعدد الافتراضات رامية إلى التضليل ~~والتعمية، فنقلت جريدة «لوموند» (7 / 12 / 1952) عما أملتها تلك السلطات على وكالة ~~الأنباء الفرنسية قالت نشرت «فرنس بوس» خبرا من تونس لتقديم ثلاث افتراضات ممكنة ~~للاغتيال، فإما أن يكون مقترفو الجريمة من شق دستوري معاد لفرحات أو من الشيوعيين أو ~~جماعات من الفرنسيين تكونوا للدفاع عن أنفسهم، ولكن محرر النص أبعد الرواية الأخيرة ~~بمجرد ذكرها، وأضاف قائلا: «وإن عدد الذين ينفون هذا الافتراض رفضا باتا لعديد، إذ ~~إن اغتيال فرحات حشاد يجر للفرنسيين الضر والخسران.» # لماذا تنفي وكالة الأنباء ذلك ms358 الافتراض وتغري الناس بالافتراضات البعيدة؟ كاد المريب ~~أن يقول خذوني، وتعزيزا للافتراضات المغرضة وزيادة في المغالطة ازدحمت الصحف ~~الاستعمارية بالأباطيل تبثها والأراجيف تنشرها والروايات تزيفها والأكاذيب ~~تروجها. # فكتبت جريدة «الفيجارو» (7 / 12 / 1952): و«كانت المعارضة شديدة حسب ما استقيناه من ~~الأخبار الوثيقة بين خواص فرحات حشاد وأصدقاء بورقيبة الذين أصبحوا يرون أن الزعيم ~~النقابي قد أحرز على قيمة سياسية أكبر من اللازم منذ إبعاد رئيس الدستور الجديد إلى ~~جزيرة جالطة، «ومصدر تلك الأخبار الوثيقة» هي السلطات الفرنسية نفسها التي تعلم علم ~~اليقين أن فرحات حشاد ليس زعيما نقابيا فقط، بل هو أيضا من أساطين الحزب الحر ~~الدستوري، وأحد قادته الأفذاذ وأكبر ساهر عليه، بعد نفي بقية الزعماء وسجنهم، وأن أتباع ~~بورقيبة هم بطبيعة الحال أتباع فرحات حشاد.» # وقد اختلقت تلك الصحف القذرة رواية باطلة لتوهم الرأي العام أن القصر الملكي هو الذي ~~أراد التخلص من فرحات، فقالت جريدة «الفيجارو» (9 / 12 / 1952) تحت عنوان: «مناقشة ~~عنيفة تحدث خلافا بين الباي وفرحات حشاد.» # من كاتبنا الخاص: إيف لوجون # تونس في 8 ديسمبر، من الشائعات المتناقلة بتونس أنه ألقي القبض على أحد ركاب ~~السيارة التي نقلت فرحات حشاد في أواخر أمره. # ويؤخذ من تصريحات ذلك الشخص إن ركاب السيارة كانوا من أجراء شخصية عالية قريبة ~~جدا من القصر الملكي. # وقد قورنت تلك الإشاعة بما حدث يوم الأربعاء إذ يقال إن مشادة عنيفة جرت في مساء ~~ذلك اليوم بين الزعيم النقابي والباي، وقد يكون السيد فرحات حشاد قد لام الملك ~~لوما شديدا على عدم إعطاء نيابة رسمية عنه لصالح بن يوسف الموجود الآن بنيويورك ~~ليتمكن من المشاركة في المناقشة لدى الأمم المتحدة، وقد يكون أيضا أنبه على عدم ~~الرضى بالمشاركة مشاركة رسمية في مناقشة تلك المنظمة الدولية. # ويقال إن الزعيم النقابي عندما رأى رفض الباي طالبه وألح عليه في الطلب، بأن يطرد ~~وزارة «م. بكوش» ويعوضها بوزارة شنيق من جديد، وكان الزعيم يريد أن يتم ذلك من الغد ~~(الخميس) في حفلة الطابع الأسبوعية، وإنا نعلم ms359 أن الباي لم يتخذ ذلك القرار. # وجمع السيد فرحات حشاد يوم الخميس الفارط بعد الظهر قادة من الدستور الجديد ~~والاتحاد العام التونسي للشغل في جلسة استغرقت المساء كله، وانتقد أثناءها موقف ~~الباي انتقادا شديدا. # وكان القصر الملكي قد اتخذ احتياطات في ذلك الوقت نفسه، وكان الملك قد أخبر عن ~~طريق حاشيته أنه مريض ملازم الفراش. # فقد سعت السلطات الفرنسية في توجيه الشكوك إلى الشيوعيين، ثم إلى الدستوريين، ولما ~~رأت عبث محاولتها وفشلها وجهت الاتهام إلى القصر الملكي، ولكن الجريمة ألصق بصاحبها من ~~جلده، وبقيت المسئولية كلها ملقاة على عاتق تلك السلطات. # وبلغت مسئوليتها درجة أصبحت معها العدالة الفرنسية عاطلة، وذلك ما لاحظه الفرنسيون ~~أنفسهم، فقال «م. روبير» جوتيه في مقال كتبه لجريدة «لوموند»: # ينبغي للعدالة قبل كل شيء أن تكون عادلة، وليست بالعدالة العادلة تلك التي ~~تعاقب بعض المجرمين وتتغاضى عن البعض، وليست بالعدالة العادلة تلك التي تخص ~~بضرباتها القاسية الأشخاص من ذوي السمرة في الجلد والقعقعة في الصوت والهجنة في ~~اللسان. # وإن المواطنين إذا ما فقدوا الثقة في العدالة، فإنهم يقتصون لأنفسهم. # وندخل هكذا في الدور والتسلسل الجهنمي، فالقنابل تجيب القنابل، والاغتيال ~~يقابل الاغتيال، ويجر الانتقام الأخذ بالثأر، ويصبح الإرهاب نفسه على ما فيه من ~~حمق وبشاعة، حسنة من الحسنات في نظر مرتكبيه. # وجد المقيم صعوبات مع السيد شنيق فلجأ إلى إبعاد بعض أعضاء الدستور الجديد، ~~واغتيل فرحات حشاد فوقع إبعاد دستوريين من جديد، وتعددت أعمال الإرهاب التي ~~كانت تصيب الأوروبيين تارة، وطورا التونسيين الموالين للإقامة، وطورا آخر ~~الوطنيين، أما الاضطهاد، فاتجاهه واحد دوما واستمرارا. # وبفضل بوليس متيقظ، كانت بعض الساعات كافية لإلقاء القبض على قتلة الطيب غشام ~~والشاذلي القسطلي، وبفضل قضاء ناشط كانت بعض الأسابيع كافية لإذاقتهم سلطة ~~القانون العادلة، ولكن قتلة فرحات حشاد ما زالوا أحرارا خمسة أشهر بعد ارتكاب ~~الجريمة. # فمن يتحمل ذلك منا يكن مشاركا في الإجرام، كل في مرتبته. ~~(4) تبييت الجريمة وسبب الاغتيال # وقد تساءل كل من اهتم بقضية فرحات حشاد عن مدى مسئولية ms360 الحكومة الفرنسية فيها، وظهر ~~جليا أن الاغتيال مبيت أعدت له العدة من قبل؛ فقد قدم حشاد في أوائل سبتمبر إلى ~~السلطات الفرنسية طلبا بمنحه جواز سفر إلى أمريكا للمشاركة في اللجنة التنفيذية ~~للنقابات العمالية الحرة التي ستجتمع في نيويورك، فرفضت الإقامة العامة مطلبه رفضا ~~باتا حتى لا يفلت من قبضتها ولكي يبقى بتونس في تصرفها كالمسجون. # ومما يبعث على الارتياب في نوايا السلطات الفرنسية ويوضح سلوكها هو أن الباخرة ~~الصغيرة «لولا نسييه» التي نقلت جثمان الشهيد من العاصمة إلى جزيرة قرقنة حيث وقع دفنه ~~كانت قدمت من ميناء بنزرت إلى ميناء تونس في الليلة التي سبقت يوم الاغتيال ، وكانت في ~~انتظار تعليمات خاصة، وفي صبيحة الحادث كانت جميع الطرقات المؤدية إلى الجنوب تحت ~~مراقبة شديدة. # أويكون من باب المصادفات أن سافر المقيم العام إلى باريس ليلة الاغتيال؟ أولم يكن ~~سفره إبعادا للشبهة؟ أولم يكن على علم من تبييت الجريمة؟ وقد أجابت الصحف الفرنسية ~~المطلعة على تلك الأسئلة، فقالت جريدة «فران تيرور» (7-8 / 12 / 1952) «أولم ترتكب ~~الجريمة يوم الخميس؟ أولم يعلم بها «م. دي هوتكلوك» عندما جاء إلى باريس بغتة؟» ثم ~~أضافت: «إن تلك الجريمة السياسية أتت إثر سلسلة من تنفيذ الإعدام تمت يوم الخميس بمدينة ~~قفصة، بينما لم يقع العثور على أي فرد ممن ارتكبوا جرائم إرهابية ضد التونسيين، وأخيرا ~~حدث اغتيال فرحات حشاد إثر عام كامل من الاضطهاد للحركة التونسية.» # أما جريدة «لوموند» فكانت أوضح وأجلى إذ قالت (7-8 / 12 / 1952): «يظهر أن اغتيال ~~فرحات حشاد أدخل الذعر على خواص الباي وعلى القادة الدستوريين، ويظهر أيضا إن الإقامة ~~العامة لم تستغرب الأمر، بل اغتنمت الفرصة لتتخذ بعض الإجراءات لاستتباب النظام التي ~~كان الداعي لتأجيلها عدم عرقلة أعمال هيئة الأمم (أي إن خشية هيئة الأمم هي التي جعلتها ~~تتأخر عن اتخاذها) ...» ثم إنها رغم احتياطاتها اللفظية صرحت بالحقيقة فقالت: «ولنلاحظ ~~بهذا الصدد حسب بعض الإشاعات أن المقيم العام قد وقع إعلامه قبل سفره إلى باريس بأنه من ~~المحتمل وقوع تلك الجريمة.» ms361 # هل أطلع دي هوتكلوك الوزراء الفرنسيين على خفايا الأمور الجارية بتونس؟ وهل أعلمهم ~~بما ترتكبه السلطات الفرنسية؟ وهل وافقوه على إجراءاته الظاهرة والخفية؟ ومهما يكن من ~~أمر، فقد نشرت الصحف الفرنسية بتاريخ 6 / 12 / 1952 بلاغا عن اجتماع الوزراء الفرنسيين ~~بالمقيم العام جاء فيه: «انعقدت جلسة عاجلة بين الوزراء في قصر ماتينيون حضرها «م. هنري ~~كوي» و«م. روبير شومان» و«م. ريني بليفن» و«م. دي هوتكلوك» الذي وصل صباح ذلك اليوم إلى ~~باريس. # وقد بحث المجلس وقرر بالتدقيق الإجراءات اللازمة لاستتباب النظام والأمن.» # إن كل بحث في الاستعمار الفرنسي بتونس يثبت أن المسئول الحقيقي عن جميع ما يجري من ~~عدوان ومؤامرات واضطهاد وفظائع هي الحكومة الفرنسية بما تسنه من سياسة وبما تريد فرضه ~~من حلول وبما تعطيه من أوامر لممثليها؛ ولذا نرى كل أجنبي انحنى على القضية التونسية ~~بالبحث والتفاهم إلا وأعلن ذلك، وقد قاله «م. فالتر روير» رئيس «س-ي-و» مؤتمر المنظمات ~~والصناعات الأمريكي في تصريح له أدلى به إثر اغتيال حشاد، فقال: إن خبر اغتيال فرحات ~~حشاد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل وزعيم قوات الحرية التي تتجمع في الشرق ~~الأدنى قد أدخل على «مؤتمر المنظمات الصناعية» الشجى والارتياع. ~~«وكان حشاد رئيسا لجميع مواطنيه الذين يكافحون في سبيل استقلالهم والعدالة ~~الاجتماعية والاقتصادية وفي سبيل الاعتراف للإنسان بكرامته البشرية. # وليس المسئولون مباشرة على الاغتيال بمعروفين الآن، ولكننا عند التحقق نرى أن ~~الحكومة الفرنسية تحمل قسطا وافرا من المسئولية في ذلك الاغتيال. # إذ إن الفرنسيين برفضهم فهم الحكم الشعبية والاجتماعية التي تضطرب اليوم بالشرق ~~الأدنى وبمعارضتهم كل مفاوضة نزيهة مع المنظمات الوطنية المعتدلة بتونس التي تؤيد جهرة ~~قضية الديمقراطية والعالم الحر وبإجراءاتهم التعسفية المدبرة والمعطلة لنشاط الاتحاد ~~العام التونسي للشغل جعلوا من المستحيل على المعتدلين أمثال فرحات حشاد أن يصلوا إلى ~~نتيجة إيجابية في أعمالهم. # ويمكن للمجرمين أن يقتلوا رجالا أمثال حشاد، ولكن لا يمكنهم أن يقضوا على المثل ~~العليا التي كانت تغذي نشاطهم ولا على الحركات التي كانوا يقودونها. # وستستمر القوات ms362 التي شيدها حشاد في سيرها إلى أن تبلغ الغاية المنشودة وهي الحرية ~~للجميع. # وإن «س-ي-و» لتعبر عن أخلص وأعمق عطفها على عائلة ورفقاء فرحات حشاد وعلى جميع من ~~يكافحون في سبيل حرية تونس.» # وخطا عدد وافر من الكتاب الفرنسيين خطوة جريئة وأعلنوا بصراحة أن اغتيال الزعيم ~~التونسي جريمة دولية. # فقال الكاتب الحر «جان روس» بعد عام كامل من الحادث: «مات فرحات حشاد، لقد اغتالوا ~~فرحات حشاد»، ما كاد خبر تلك الفاجعة ينتشر حتى تيقن الرأي العام الشعبي رغم مداهنة ~~التعازي الرسمية إننا أمام إحدى تلك الجرائم التي ترتكب لغايات دولية، فقيل إنهم لم ~~يتجاسروا على اعتقاله بصفة رسمية ، فليقتله إذن بوليس إضافي، وقامت الحجة بعد عام على أن ~~الحدس الشعبي لم يكن مخطئا إذ إن الحكومات الفرنسية المتوالية حرمت على قاضي تحقيق ~~نزيه إمكانية الوصول إلى نتيجة بحثه، وبينما لم ينج من السجن ولو مكافح تونسي واحد، ~~فإننا ما زلنا ننتظر اعتقال المسئولين عن اغتيال فرحات حشاد والمسئولين عن مئات أعمال ~~الإرهاب التي ارتكبت ضد التونسيين. # وخاصة ضد واحد من خيارهم وهو الهادي شاكر عضو الديوان السياسي للدستور الجديد الذي ~~كان تحت «حماية» البوليس الرسمي. # وقد فضح الكاتب الجريء «دانيال جيران» مؤامرة السلطات الفرنسية فقال: «لا أظن أن ~~أسماء الفرنسيين الأشقياء الذين دنسوا بالعار عرض فرنسا في صباح 5 ديسمبر 1952 مجهولة ~~في «الإليزية» (مقر رئاسة الجمهورية الفرنسية) ولا في «الكي دورسييه» (مقر وزارة ~~الخارجية) ولا عند المطلعين على خفايا السياسة، وحتى في مكتب قاضي التحقيق، ولكن كل ~~واحد منهم التزم الصمت والكتمان، فإن الجريمة كانت من الشناعة وكان الموزعون بها من علو ~~في المناصب ما جعل الناس يخشون رفع الستار عن أسرارها.» # وخشية أن تفتح الأفواه المكممة وأن تذاع الحقيقة كان السيناتور «كولونا» يتوعد في ~~المدة الأخيرة بصواعق القانون كل من تحدثه نفسه بإفشاء أسماء المجرمين أو حتى ~~جنسيتهم. ~~«وإن الصحافة الكبرى التي ترتمي عادة على الجرائم والفظائع ارتماء لم تنشر عن قضية ~~فرحات حشاد إثر اغتياله، إلا مقالات ms363 مقتضبة كتبت وصدرت عن مكاتب الذين اغتالوه أنفسهم، ~~ثم لم تعد تهتم بعد مدة وجيزة بمقتل الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل، وهي تعتبر لا ~~محالة تلك القضية قد انتهت.» # وشمل الغضب والحنق قسما كبيرا جدا من الفرنسيين أنفسهم الذين رأوا في تلك الجريمة ~~وصمة عار لا تمحى في جبين فرنسا، فتضامن عدد وافر من الشخصيات الكبرى مع شعب تونس ووجه ~~جماعة منهم البرقية التالية للمكتب الإداري للاتحاد العام التونسي للشغل «نأسى لاغتيال ~~فرحات حشاد ونعبر عن تضامننا مع العمال المكافحين والشعب التونسي، نعد بنشاط لا هوادة ~~فيه لإنزال العقاب بالمسئولين عن سياسة الشدة المرتكبين مباشرة أو بواسطة للاضطهاد ~~والجرائم.» # وقد أمضى تلك البرقية خاصة أراجوان، وبوردي، ودمناشرة، ودي شيزل، وأميل كهن - ~~ومادول، ولاكروا، ومارتيني، وروس، وستيفان. # وظهرت الحقيقة ناصعة جلية، وصرح بها الكاتب الفرنسي الحر فيسنيدوري فقال: «إن تغاضي ~~السلطات الفرنسية الكامل عن مرتكبي الجرائم ضد التونسيين وعن الذين نظموا تلك الجرائم ~~وسهروا على تنفيذها والذين أغروا بها وحرضوا عليها لهو الدليل القاطع على مشاركة الدولة ~~وغيرها»، وأضاف: «إذا علمنا أن المستعمرين قد قالوا منذ عام وبينما كان شنيق يتفاوض ~~بباريس أنهم لن يقبلوا اتفاقا لا يرضيهم وإذا علمنا أنهم قد أعدوا الكوماندوس للهجوم ~~منذ ذلك الوقت، وقد عقدوا العزم على شدخ رأس فرحات حشاد «كما يشدخ رأس الحية» وإذا ~~قرأنا النداءات للاغتيال التي يوجهها ذلك السافل «كاميل إيمار».» ~~(وقد استقبلته الإقامة العامة بتونس في الصيف الماضي)، وإذا علمنا ضغط «السيناتور ~~كولونا» على رجال «الكي دورسي» (مقر وزارة الخارجية الفرنسية) الذين لا إرادة لهم ولا ~~عزم، فلا يبقى شك في أن المجرمين القتلة من المستعمرين الفرنسيين. ~~«وهؤلاء مجرمون قتلة يتمتعون بحماية رجال ذوي نفوذ وسلطة؛ إذ لم يقع العثور عليهم إلى ~~الآن والظروف نفسها التي ارتكبت فيها الجريمة - بين مركزين من مراكز البوليس يبعد ~~الواحد عن الآخر خمسة كيلومترات، وفي الساعة الثامنة صباحا، وفي طريق كثير المارة - لا ~~تبقى شكا في أنه لم يقع العثور عليهم، لأنه لا يراد طلبهم ms364 ولا التفتيش عنهم، ولم يقع ~~التفتيش عنهم لأنهم معروفين. # ولا يمكن لغير الجيش والبوليس أن يتجول باطمئنان وهو مسلح بالرشاشات والمسدسات في ~~بلاد تعيش تحت حالة الحصار في جو حرب منذ أشهر. # ولكن رغم ذلك كان للمجرمين سيارتان، جرحت الأولى فرحات حشاد برصاص مدفع رشاش، وأتمت ~~الثانية قتله برصاص مسدسات. ~~... ولو كانت تصريحات شهود الجريمة تسمح باتهام الستالينيين (الشيوعيين) والدستوريين، ~~فهل تظنون أنهم لا ينشرونها، ولا يشهرون بها؟» ~~(5) أسباب الجريمة # إن أسباب الجريمة وإن تعددت تتلخص كلها في أن السلطات الفرنسية اعتبرت فرحات حشاد ~~سدا في وجهها وعرقلة في طريقها ولم تجد وسيلة للتخلص منه غير الاغتيال، فهو من زعماء ~~العمال الكبار في العالم تحميه منظمات العمال العالمية وخاصة النقابات الأمريكية، وهو ~~زعيم وطني قد التف شعب تونس كله حوله، وهو مستشار الملك مسموع الكلمة مهاب الجانب، فلم ~~تتجاسر الإقامة العامة على نفيه وإبعاده خوفا من إثارة عاصفة في العالم وخاصة في ~~أمريكا، ولم يقدر البوليس على اعتقاله خوفا من ثورة عامة، ولم تتمكن المحاكم الفرنسية ~~من توجيه أية تهمة ضده، وإذا بالصحافة الاستعمارية نفسها تتكفل بفضح سلطات الحماية ~~وتظهر بالإشارة والتلويح والتلميح للأسباب الحقيقية التي أدت إلى اغتيال فرحات حشاد، إذ ~~تعتبر تلك السلطات حشاد حجر عثرة في طريقها سواء في الشعب وداخل البلاد أو في الخارج، ~~فلا بد من إزالتها، وظنت أنها عندما استراحت منه قد فتحت لنفسها الأبواب وحررت ~~طريقها. # السبب الأول للاغتيال هو القضاء على أكبر مستشار للباي، وأعظم سند له، وإدخال الرعب ~~في القصر الملكي كما اعترفت به جريدة «الفيجارو» الاستعمارية التي تستقي أخبارها من ~~الإقامة العامة بتونس، قالت (8 / 12 / 52): «إن أهمية رسالة «م شومان» للباي تضاءلت بموت ~~فرحات حشاد، وقد اطلع عليها ابن الملك والزعيم النقابي المستولي على القصر استيلاء، ~~ولا ينتظر أن يكون الجواب عن تلك الرسالة عاجلا وإن كانت صريحة مكتوبة بصيغة الأمر لا ~~تقبل تأويلا، وأن رد الباي الذي تم تحريره في هذا الأسبوع والذي ختم برفض مذكرة 26 ~~نوفمبر ms365 فقد فقد بموت فرحات حشاد محرره الأصلي، وفقد القصر أعز مستشاريه، ويقال إن ~~الشاذلي باي تأثر جدا بذلك الاغتيال.» # والسبب الثاني للاغتيال هو السعي في أن يصبح الباي في عزلة تامة لإضعاف معنوياته ~~وإرضاخه لإرادة دي هوتكلوك، وأن الخطة لعزلة الباي باغتيال فرحات حشاد وإبعاد بقية ~~مستشاريه كلهم كانت من الوضوح مما جعل تونس كلها تتفطن إليها، وإنا نجد الدليل على وجود ~~تلك الخطة فيما أبرقه مكاتب «باري بريس» بتاريخ 10 ديسمبر، فقد لخص في سذاجة ووقاحة ~~جميع خطة الإقامة العامة والمستعمرين وخاصة فيما يتعلق بتهديد الأمير سيدي الشاذلي نجل ~~جلالة الملك بالإبعاد، وكان عنوان مقاله (مائة وأربع رءوس) وهذا نصها: # لماذا - يا ترى - أصبحت السلطات الفرنسية تعير بغتة وجود الأمير الشاذلي بجنب ~~الباي من الأهمية ما جعلها تعتبر أن بقاء ذلك الأمير سيحتم إما التنازل أو ~~الخلع؟ وعللوا ذلك بما يلي: أن بورقيبة المسجون وسط مائتي صياد بجزيرته الشبيهة ~~«بسانت هيلينة» الفاصل بينه وبين شواطئ تونس البحر، قد نسيته الجماهير وإن لم ~~ينسه المخلصون له، ويأتي بعد بورقيبة، فرحات حشاد الذي كون نقابات ديكتاتورية، ~~وقام بحملة إرهابية، فأزيل فرحات حشاد من الطريق، وما كان لأي منهما قيمة لو لم ~~يتحدا مع الباي بواسطة ابنه، فبورقيبة مبعد، ومنافسه صالح بن يوسف هارب في ~~الولايات المتحدة، وفرحات حشاد مقتول، فلم يبق للثورة السرية إلا مائة وأربع ~~رءوس، منهم مائة وثلاثة مبعدون اليوم في الجنوب برمادة وبرج القصيرة (ويقال بصفة ~~رسمية أن السجن الإداري سيقف عند هذا الحد) ولكن رقم مائة وأربعة لا يمكن أن ~~يمس. # فلا يمكن لكاتب استعماري أن يكون أكثر رقاعه ووقاحة. # ومن أسباب الاغتيال، شل الحركة الوطنية وإدخال الاضطراب والفوضى فيها والقضاء على ~~معنوياتها بالقضاء على قادتها إبعادا وسجنا وتقتيلا حتى تبقى جسدا بلا رأس وجثة بلا ~~روح؛ ولذا كان قتل فرحات حشاد غير كاف وحده لبلوغ تلك الغاية، فاغتنمته الإقامة العامة ~~فرصة لإتمام خطتها، وأبعدت بعد الحادث بيوم واحد إلى «رمادة» في صحراء الجنوب التونسي ~~تسعة من ms366 قادة الاتحاد العام التونسي للشغل والحزب الدستوري الجديد وهم: الأستاذ محمود ~~المسعدي الأمين العام للاتحاد والسادة عمر الرياحي عضو اللجنة الإدارية للاتحاد، ومحمود ~~الخياري والصادق الشايبي من جامعة الموظفين التونسيين، ومحمد الري قائد نقابة عمال ~~الرصيف، والدكتور الصادق المقدم المسير للحزب الدستوري الجديد، والمعروف بصداقته لفرحات ~~حشاد، وعمر بوزيد من دستوري صفاقس، والأستاذ فتحي زهير أمين «لجنة الأربعين» التي ~~استشارها الباي في مشروع الإصلاحات الفرنسية. # وقد أقدمت الإقامة العامة على «إجراءات الإبعاد» بدعوى أن القادة الوطنيين قد اتفقوا ~~في اجتماع مشترك بين الدستور والاتحاد على القيام بثورة عامة، ثم لما رأت أن تلك الدعوى ~~لم تصدق، عللت الإبعاد بحماية هؤلاء القادة من «اليد الحمراء .» فعلقت الجريدة الباريسية ~~«فران تيرور» بكلام لاذع على الأدوار الهزلية المشينة التي يقوم بها دي هوتكلوك في مقال ~~عنوانه: «الحامي المستهتر» قالت: # لقد تمت - بعد - ست إيقافات هامة إثر اغتيال فرحات حشاد. وكلهم من أصدقاء ~~الضحية. # لا تظن أنك نائم غارق في الأحلام، وكان أول رد فعل ل «م. دي هوتكلوك» بعد رجوعه ~~إلى تونس هو إلقاء القبض على محمود المسعدي الذي عوض المسكين حشاد في قيادة ~~المنظمة النقابية التونسية وإرساله صحبة خمسة قادة نقابيين ودستوريين آخرين إلى ~~رمادة على حدود الصحراء. # ويدعي أنهم «أبعدوا» محافظة على سلامتهم. # إن هذا النظام السياسي لعجيب؛ إذ ليس أمام المعارضة فيه إلا الإبعاد أو ~~الموت، وأن علم الجمهورية يحمي هنالك بضاعة غريبة! # يقولون لنا إننا نعيش في نظام ديمقراطي وكأن المظاهر تؤيد ذلك القول في هذه ~~الجهة من شواطئ البحر المتوسط؛ إذ لما كان الأستاذ محمود المسعدي المبرز في ~~الفلسفة والدكتور في الآداب بباريس يدرس في «السربون» كان يرجع إلى بيته في ~~المساء ولا ينذعر من كل دقة على بابه في الصباح، والأستاذ المسعدي نفسه يختطف ~~اختطافا بعد رجوعه لوطنه وبلاده بإذن جبار يتصرف في الحظوظ كما تمليه عليه ~~شهواته، ولكن ذلك الجبار ليس إلا موظفا فرنسيا. # ومهما أعادوا لنا وكرروا بأن تلك الأمور طبيعية، فإننا لا يمكن بحال ms367 أن ~~نقبلها ونتعود بها، وإن عبرنا عن دهشتنا واستبشاعنا يعتبروننا فرنسيين غير ~~صالحين ممن يساندون خصوم بلادهم وهي في موقف المتهم أمام الأمم المتحدة. # فمن هو أكثر أذى لفرنسا؟ هل الذين بقوا أوفياء لأسمى تقاليدها أم الذين ~~أعطوها وجها غير وجهها وأظهروها في غير مظهرها. # وقد كثر التحدث في الأيام الأخيرة عما قام به الفرنسيون بتونس، وهي أعمال ~~عظيمة حقا، ولكن ينبغي أن نعترف أن السكك الحديدية والطرقات والمواني ~~والمستشفيات والمدارس نفسها غير كافية لاكتساب اعتراف شعب وصداقته إن لم نأت له ~~أيضا بالحرية والمساواة، وأن السيد المسعدي يقدر لفرنسا أن سمحت له بأن يحرز ~~على التبريز في الفلسفة والدكتوراه في الآداب، ولكن من الصعب عليه أن يتغنى ~~بمدح نظام يجرده من كل حق سياسي ويرسل به للسجن من غير مبرر. # ويجيب «م. دي هوتكلوك» أننا في وقت اضطرابات وأنه من المحتوم المحافظة على ~~الأمن، كأن النظام هو الظلم وكأن الاضطرابات لم تكن نتيجة رفض منح الحريات لشعب ~~كامل ... # ولاحظت جريدة لوموند: «أن الإجراءات التي اتخذت ضد عدد من القادة الدستوريين ~~والنقابيين أدخلت الدهشة والاستغراب.» وذكرت ادعاءات الإقامة العامة بلهجة لا تخلو من ~~الشك والتهكم الخفي. # لما قامت «اليد الحمراء» بدورها في المأساة الاستعمارية ونفذت الخطة التي وضعت لها، ~~دخلت القوات الفرنسية المسلحة في الميدان لتزيد الخناق شدا والشعب تكبيلا وربطا، ~~فأعلنت القيادة العليا حالة منع التجول لأجل غير مسمى، وكان قرارها الذي يظهر أنها ~~أعدته من قبل ماضيا منفذا مساء يوم الجمعة من الساعة الثامنة - أي يوم اغتيال فرحات ~~حشاد. وبقيت الجنود على تعبئتهم وسلاحهم في الثكنات استعدادا للقمع والتنكيل، وأخذت ~~دوريات الحرس المتنقل تجوب تحت المطر شوارع مدينة تونس المقفرة الليل كله، وفي الصباح ~~خرجت قوات مسلحة ضخمة تطوف في المدينة. # وأرادت السلطات العسكرية أن تحطم معنويات الشعب وأن تبث الرعب في قلوب المجاهدين وأن ~~تنشر الإرهاب الرسمي حذو الإرهاب الشبيه بالرسمي، فنفذت الحكم بالإعداد على عدد من ~~الوطنيين وأصدر القائد الأعلى لجيوش الاحتلال البلاغ التالي في صباح ms368 يوم الاثنين 8 / 12 / 1952: # قرر حضرة رئيس الجمهورية بتاريخ 3 ديسمبر في مجلس العدالة الأعلى وبعد النظر ~~في مطالب العفو، أنه ينبغي للعدالة أن تتبع مجراها فيما يتعلق بالمسمين حمادي ~~بيانكو (المعروف بزيدان) ومحمد بن الناصر والبشير بن خصيبة الذين أصدرت عليهم ~~المحكمة العسكرية القارة بتونس في 11 يونيو 1952 حكما بالإعدام بتهمة القتل ~~ومحاولة القتل، ووقع إعدام الثلاثة رميا بالرصاص في مدينة تونس في فجر 8 ~~ديسمبر 1952. وعلقت الصحف على ذلك قائلة: ولأول مرة في تونس ينفذ حكم بالإعدام ~~أصدرته المحكمة العسكرية. # ولا أظن تاريخ 3 ديسمبر قد اختير مصادفة، يومين فقط قبل اغتيال حشاد، ولا تاريخ ~~اغتيال هؤلاء الشهداء (8 ديسمبر) ثلاثة أيام بعد الاغتيال، ويظهر الارتباط جليا بين ~~إرهاب السلطات العسكرية وإرهاب «اليد الحمراء.» ~~(6) تأثير الإرهاب ورد الفعل # لقد استبشرت الجالية الفرنسية وفرحت وأظهرت ارتياحها لذلك القمع العنيف الشديد وقد ~~امتلأت قلوبها بغضا للتونسيين وحنقا عليهم وميلا للانتقام منهم، وكانت شماتتها بقدر ~~خوفها على ضياع امتيازاتها ومصالحها غير المشروعة، وما فتئت تنادي بوجوب استخدام القوة ~~واستعمال الضغط، ونشر الإرهاب وإبادة الوطنيين والقضاء على الشعب التونسي كشعب عربي ~~مسلم، وقد عبرت جريدة «لوموند» عن عواطفهم بألفاظ تظهر الحقيقة خلال اعتدالها قالت: ~~«وارتاحت الجالية الفرنسية للإجراءات التي اتخذتها الإقامة العامة والقيادة العليا، وما ~~زال الأكثرية من الفرنسيين يعتقدون أن إظهار القوة في الحالة الراهنة قمين بإرجاع ~~الهدوء لتونس.» # واعترى التونسيين الذهول وغلب عليهم الأسى وتملكتهم الهموم، وعدها الكثير منهم نكبة ~~خاصة وفاجعة شخصية، وقد هجمت المصيبة على القلوب، فغمتها حتى رأيت الناس كالسكارى ~~المبهوتين، ناسين كل شيء ما عدا وجه حشاد المشدخ وجسمه الدامي، وعم الحزن الشوارع ~~والبيوت ولم تنقشع الدهشة إلا بعد مدة. # واجتمع الجم الغفير في المساجد، فاكتظ جامع الزيتونة بآلاف من التونسيين يوم الأحد 7 ~~ديسمبر منذ الصباح المبكر، وخرجت منه بعد الظهر مظاهرة شعبية رائعة قاصدين الإقامة ~~العامة التي كان يحرسها قسم كبير من الجيش وتحميها السيارات المصفحة والدبابات ~~والبوليس، وما أن وصل المتظاهرون إلى ms369 شارع الكنيسة حتى اصطدموا بالحرس المتنقل الذي ~~منعهم من المرور وهاجمهم بعنف وأمطرهم بوابل من الرصاص، وبعد أن عززته قوات النجدات ~~المتوالية، ارجع المتظاهرين إلى الجامع، وقد ادعت المصادر الرسمية كعادتها أن طلقات ~~نارية صدرت عن الجماهير نحو قوات البوليس التي لم يصب ولا واحد منها، واعتقل عدد وافر ~~من التونسيين، ولم يحص عدد الأموات. # وكانت الحالة متوترة جدا، والدوريات المدججة بالسلاح تجوب أحياء المدينة، ولا يسمح ~~لأي تونسي بأن يخرج من الحي العربي إلا بعد أن يستظهر بأوراق تعريفه، وأن يفتش تفتيشا ~~دقيقا ويهان وينكل به. # واستمرت الحوادث مدة طويلة، فكانت تونس مسرحا للاصطدامات أسبوعا بعد اغتيال فرحات ~~حشاد، وكانت المساجد يوم الجمعة ملآى غاصة بالخلائق في جميع القطر، وأقيمت فيها كلها ~~صلاة الغائب على روح الشهيد إثر صلاة الجمعة، وتعالى الدعاء من آلاف الأفواه، وساد ~~الخشوع والجلال فبكي الناس تأثرا. # وخرج المصلون في مظاهرات هادئة منظمة في جميع أحياء تونس، وخاصة في حي باب سويقة وحي ~~باب الخضراء. # وتظاهرت الوطنيات التونسيات في جهة باب الخضراء واصطدمن اصطدامات عنيفة بقوات البوليس ~~ونظم إثرها الشبان مظاهرة أخرى في نفس المكان، فألقي القبض على أربعة منهم في معركة ~~حامية. # وفي شارع الملاحة هاجم التونسيون محلات التجارة الفرنسية فكسروا ودمروا وأتلفوا، وفر ~~الفرنسيون وقد ملأ الرعب قلوبهم، واستنجدوا بقوات البوليس والجيش التي لا تعرف ~~رحمة. # وقرر الاتحاد العام التونسي للعمل القيام بإضراب عام لمدة ثلاثة أيام، فامتثل الشعب ~~التونسي وأغلقت أسواق مدينة تونس منذ يوم الجمعة بعد الظهر، وكاد التموين ينقطع تماما ~~ما عدا ما تأتي به بعض لوريات فرنسية، وأضرب عمال الرصيف فعطلوا حركة الميناء، وانقطع ~~أيضا سير الترام إلا بعض العربات القليلة التي يسوقها فرنسيون. # وكان الإضراب في القطر التونسي كله أسواقه ومدنه وقراه عاما شاملا، في المواصلات ~~والمعامل والدكاكين والمواني، والمناجم، وقد شارك فيه الموظفون التونسيون بالإجماع، ~~وطلبة المدارس وجامعة الزيتونة والمدرسة الصادقية. # وكانت ليالي تونس تشبه نهارها كآبة وحزنا، وكان الإنسان يشعر بالوحشة والانفراد بعد ~~ساعة منع التجول ms370 من الثامنة مساء إلى السادسة صباحا شوارع مقفرة خاوية على عروشها تحت ~~مطر منهمر هطال لا مار فيها غير الدوريات العسكرية العديدة التي توقف المارة المتأخرين ~~وتراقب سراح الجولان. # وقد قطعت المخابرات التليفونية، وتعطلت حياة المدينة تعطيلا كاملا إلى ~~الصباح. # وأصدر الديوان السياسي البلاغ الآتي: «لم يكد يواري جثمان رفيقنا المحبوب فرحات حشاد ~~التراب حتى أخذت قوات الاضطهاد الاستعمارية تعتقل قادة الحزب والاتحاد العام التونسي ~~للعمل.» # وقد تمت تلك الإجراءات إثر الاغتيال الذي يعد جريمة جمعت بين الخسة والجبن، دبرتها ~~ونظمتها عصابة مجرمين استأجرها المتفوقون، وهي تكتسي معنى واضحا لا يتطلب تعليقا، ~~ويشبه ذلك العدوان سابقة يوم 26 مارس ويرمي مثله إلى تهديد جلالة الملك المعظم وإلى ~~القضاء على المقاومة الوطنية. # ولكن الملك والشعب متضامنان متكاتفان في السراء والضراء، يردان بما لهما من قوة أدبية ~~ومن مثل عليا في الحرية وروح التقدم على القوات الغاشمة التي يستخدمها نظام ~~يحتضر. # وتضامنت الجزائر مع تونس في تلك الفاجعة وعقدت لتأبين فرحات حشاد الاجتماعات العامة ~~في غالب المدن، وتظاهر شعب الجزائر في جهات عديدة. # وأما في مراكش فقد قررت نقابات العمال القيام بإضراب عام في القطر كله احتجاجا على ~~اغتيال الزعيم النقابي، وتم ذلك الإضراب يوم الاثنين 8 ديسمبر ونجح نجاحا باهرا ~~كاملا في القطر الشقيق بأسره، ولكن السلطات الاستعمارية اغتنمتها فرصة لتجعل منه ~~كارثة، فقد قامت القوات المسلحة الفرنسية بقمع عنيف شديد ومجازر مهولة قتلت أثناءها ~~آلافا من المراكشيين الأبرياء، وتبعتها باضطهاد شنيع وفظائع تقشعر منها الأبدان، وشملت ~~الحركة الوطنية وأتباعها بالعدوان. # وشاركت مصر الشقيقة تونس في مصابها وكذلك العراق وبقية الشعوب العربية والإسلامية ~~والشرقية، وكانت الصحافة من إندونيسيا وبورما والهند والباكستان وإيران إلى ليبيا تندد ~~بإجرام الفرنسيين واعتداءاتهم الأثيمة، وكانت الشعوب تقيم السرادقات لتأبين الشهيد ~~العزيز. # ولم تتردد المنظمات الحرة والأحرار في العالم عن إعلان استنكارهم واستفظاعهم لهذه ~~الجرائم الاستعمارية، فقالت السيدة فيجايا لاكشمي بانديت شقيقة البانديت نهرو، ورئيسة ~~الأمم المتحدة: «إنه يمكن القول على ضوء هذه الظروف المحزنة مثل اغتيال ms371 السيد فرحات ~~حشاد بجبن ونذاله أن تونس أصبحت اليوم مركز اضطرابات يمكن أن تنشر وراء حدود البلاد وأن ~~تهدد حقا سلام العالم.» # وقال «فيليب جاسوب» مندوب أمريكا بالأمم المتحدة: «لقد خسرت قضية السلم رجلا عظيما ~~بموت فرحات حشاد.» # ونشرت اللجنة التنفيذية لجامعة النقابات العالمية الحرة المجتمعة بنيويورك في 5 ديسمبر 1952 البيان التالي: # إن اللجنة التنفيذية تعرب عن الصدمة التي شعرت بها من جراء ضربة القدر ~~المؤلمة وغير المنتظرة التي لحقت بالعالم الحر باغتيال فرحات حشاد الأمين العام ~~للاتحاد التونسي للشغل وعضو هذه اللجنة. # وأن موت صديقنا وزميلنا فرحات حشاد خسارة لا تعوض بالنسبة للحركة النقابية ~~الحرة في بلاده وبالنسبة للشعب التونسي كله، وفوق كل ذلك بالنسبة لقضية الحرية ~~نفسها في العالم، وإنه لمن المصادفات المحزنة أن يقضي فرحات حشاد في حين أن ~~مكانه يجب أن يكون باجتماع هذه اللجنة الآن ذلك المكان الذي رفضت الحكومة ~~الفرنسية أن تسمح له باتخاذه. # إن جامعة النقابات العالمية الحرة ما فتئت توجه الإنذارات حول خطورة الحالة ~~في تونس التي هي النتيجة الطبيعية لرفض الحكومة الفرنسية إجراء مفاوضات جديدة ~~مع ممثلي الشعب التونسي حول مسألة استقلال تلك البلاد الذاتي. # وفي هذه الساعة المؤلمة نرى من واجبنا أن نصرح أنه يستحيل علينا أن نتجاهل ~~مسئولية من لم يعرفوا كيف يفهمون رغبات العمال التونسيون والشعب التونسي جميعه، ~~تلك الرغبات العادلة الديموقراطية وكذلك أن نلح في المطالبة مرة أخرى بإعادة ~~الحقوق النقابية والمدنية والسياسية في الحال، والشروع في مفاوضات تهدف إلى ~~إنشاء نظام سياسي ديموقراطي. # وعقدت الكتلة الأفريقية الآسيوية اجتماعا عاجلا في مقر الأمم المتحدة درست فيه ~~التطورات الناتجة عن اغتيال فرحات حشاد في تونس وفي العالم. # واجتمع كبار قادة العرب غير الرسميين في القاهرة وتباحثوا في خطورة الحالة في تونس ~~وألفوا لجنة قومية للدفاع عن المغرب العربي تحت رئاسة الدكتور محمد صلاح الدين وزير ~~خارجية مصر سابقا. # وسعت السلطات الفرنسية في استثمار الجريمة واستغلال الإرهاب الرسمي والشبيه بالرسمي، ~~فطلب دي هوتكلوك بمجرد رجوعه من باريس يوم ms372 الجمعة مساء مقابلة من الملك الذي كان طريح ~~الفراش، فلم يقبله، ولم يمكنه هكذا من فرض إرادة المستعمرين وتنفيذ خطتهم وإكساب ما ~~اغتصبه الفرنسيون من نفوذ الصبغة الشرعية، وادعى المقيم بعد أيام وإثر مقابلة مع الملك ~~أنه حصل على كلمة الشرف منه بأنه سيوقع المراسيم المعروضة عليه، ولكن سرعان ما ظهرت ~~الحقيقة ناصعة جلية وافتضح المقيم لأن الملك كذب رسميا ذلك الادعاء وصرح بأنه لم يعد ~~بشيء، وتورط دي هوتكلوك من جديد وأراد أن يوقع غيره في الشرك فوقع فيه، ولم يوقع سيدي ~~الأمين الأول على المراسيم المعروضة، ورفض كل مقابلة مع المقيم لخروجه عن اللياقة، ~~وأبان مكاتب «لوموند» عن حالة دي هوتكلوك واضطرابه وحيرته في مقال استقى مادته من ~~الإقامة العامة نفسها ونشره بتاريخ 13 / 12 / 1952 قال فيه : # كان الاهتمام كبيرا في تونس بسفر الكولونيل «جريبيوس» إلى باريس وقد علم أن ~~المقيم العام طلب من رئيس ديوانه العسكري أن يرفع للحكومة الفرنسية مذكرة في ~~وصف الحالة تؤيد خاصة أن بعض أفراد العائلة المالكة مصرون على المعارضة في ~~استئناف المحادثات الفرنسية التونسية، وأن موقف سيدي الأمين إزاءنا قد يتأثر ~~بتلك المعارضة. ~~... ويمكن أن نلاحظ - رغم عدم صدور أي تعليق رسمي أو شبه رسمي - أن المقيم ~~العام منذ أن التحق بمنصبه مقتنع بأن الباي كان يمكن أن يكون أكثر استعدادا ~~لقبول المطالب الفرنسية لو لم يكن محاطا بمستشارين يثبطون عزمه على الرضى ~~بمقترحاتنا أو حتى على مناقشتها. # وقد سعى «م. دي هوتكلوك» منذ شهر مارس الماضي في إزالة تلك السدود ووقع هكذا ~~«إبعاد» المسيو شنيق ووزرائه بصفة وقتية. # وظهر السيد بكوش بمظهر من وضع الباي ثقته فيه مدة من الزمن، ولكن سيدي الأمين ~~أوضح جليا منذ أسابيع بل منذ أشهر ... وكتب ذلك أحيانا، أنه يعتبر التشكيلة ~~الوزارية الحالية مفروضة عليه فرضا، وكان في ذلك الوقت يستشير إما مباشرة أو ~~بطريق ابنه الأمير الشاذلي تارة وزراءه القدماء، وطورا ممثلي الاتحاد العام ~~التونسي للعمل، وطورا آخر نواب الدستور الجديد. # وقد اغتيل فرحات ms373 حشاد في الأسبوع الماضي، و«أبعد» بعد أيام من ذلك عدد من ~~القادة النقابيين والسياسيين، وفي الوقت نفسه عبر عن الرغبة في أن يقلل وزراء ~~قدماء من زيارة سيدي الأمين. # فلم يبعد من المستشارين في الدائرة القريبة من الباي إلا أبناه الأميران ~~الشاذلي ومحمد وابنته الأميرة زكية وصهره الدكتور ابن سالم الذين يسكنون على ~~مقربة من قصر قرطاجة. # فمن الواضح الجلي أنه ينبغي للمقيم إن أراد إتمام ما شرع فيه منذ أشهر، أن ~~يصل إلى أن يصبح الباي ولا يستشير غير وزرائه. # وبعد أيام قليلة استفحلت الأزمة واشتد التوتر بين القصر والإقامة العامة، فقد هجم دي ~~هوتكلوك على الملك هجوما، وقابله يوم 15 / 12 / 1952 مقابلة جبرية، وأعلن إثرها في ~~الصحف ما نشرته جريدة «لوموند» في 16 / 12 / 1952 تحت عنوان «مقابلة حاسمة بين سيدي ~~الأمين ودي هوتكلوك. # استقبل الباي «م. دي هوتكلوك» في آخر الصباح في قصره بقرطاج، فإن كان المتخاطبان لم ~~يخرجا في مقابلتهما السابقة من الحديث التشريفاتي نظرا للحالة الصحية التي كان عليها ~~الملك، فإن مقابلة اليوم التي دامت ساعة تقريبا قد أظهرت تراجعا في موقف سيدي ~~الأمين. # وإن أخبارا من تونس تفيد «من مصدر وثيق» حسب مكاتب (رويتر) - اتخاذ إجراءات هامة ~~تتعلق بالأمن العام، وأن الباي وقع على عدة مراسيم كانت معطلة إلى اليوم، وسيمكن ~~إصدارها من استئناف حياة البلاد الإدارية، وقد وعد الباي أيضا «م. دي هوتكلوك» بأنه ~~سيوقع بعد الظهر على مرسومين من مجموع الإصلاحات التي عرضت عليه من قبل. # وقد أضافت برقية من وكالة الأنباء الفرنسية أن ذينك المرسومين متعلقان بنظام العمال ~~(المديرين) والبلديات ... وهما الأولان من المراسيم السبعة التي يتكون منها مشروع ~~الإصلاحات التي أعدتها الدولة الحامية لإدخال النظام الديمقراطي على مؤسسات الدولية ~~التونسية.» # ولسنا في حاجة إلى الملاحظة بأن المقيم العام كم جميع الأفواه وحرم الكلام على غيره، ~~ومنع الصحف التي كانت كلها تحت الرقابة الشديدة من نشر أي خبر لا يرضاه، وأخذ يصرح كما ~~يريد ويقول ما يشتهي، فجزم يوم 16 ms374 / 12 / 1952 جزما بأن الباي أعطاه مرات عديدة كلمة ~~الشرف «واعتبرت من واجبي إعلام الحكومة بخطورة الحالة.» ولكن البلاط وجد طريقة لإعلام ~~الرأي العام لتكذيبه البات للخبر الذي ادعى أن الباي تعهد بأن يوقع مشروعات المراسيم في ~~أجل معين، وإذ ذاك انهالت التهديدات على الملك أولا بإبعاد أنجاله وثانيا بنوع من ~~الخلع وذلك بتكوين مجلس وصاية ينوب عنه ويصبح النفوذ بيده. # أراد هكذا دي هوتكلوك أن يستثمر اغتيال فرحات حشاد واعتقال أصحابه وقد عاجلته مناقشات ~~الأمم المتحدة للقضية التونسية، فسعى بجد لوقفها، وشن حرب أعصاب شديدة عنيفة على الملك ~~الذي عرف بحكمته وحزمه كيف يربح الوقت، فلم تتمكن الحكومة الفرنسية من أن تعلن استئناف ~~المفاوضات قبل أن تتخذ الأمم المتحدة قرارها النهائي، فمن هذه الوجهة خسرت الصفقة ~~الاستعمارية، ولكن فرحات حشاد قد مات. # وقد اعترفت جميع الأوساط الفرنسية بأن سياسة الاضطهاد خابت بتونس، وأن فرنسا أصبحت في ~~مأزق يصعب الخروج منه، وأنها هي وحدها التي تتحمل مسئولية ما يمكن أن ينشأ من أخطار ~~جسام على نفس وجودها بالمغرب العربي، وشرحت جريدة «لوموند» في مقال افتتاحي تلك المخاوف ~~الفرنسية قالت: # يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية قد غيرت موقفها تغييرا واضحا فيما ~~يتعلق بالمحميتين في شمال أفريقيا، فكلف الرئيس ترومان «م. جسوب» بتلك المهمة، ~~كما كلفه إثر انتخابات 1948 بقلب السياسة الأمريكية نحو إسرائيل، وذلك بسحب ~~التأييد للدول العربية. # فهل في ذلك انتصار لسياستنا؟ فإن واشنطون تؤيد سياستنا في نقطة معينة، في أن ~~معاهدتي «باردو» و«المرسى» هما المتحكمتان وجوبا في العلاقات الفرنسية ~~التونسية، وقد ذهب «م. جسوب» إلى أبعد من ذلك عندما أكد أن حكومته تضع ثقتها في ~~فرنسا. # ولكن ينبغي ألا نغتر بمدى ذلك «الانتصار» فهو لا ينافي تأييد الولايات ~~المتحدة للمشروع البرازيلي الذي وإن طالب استئناف المفاوضات الثنائية - إلا أنه ~~عين لها كمرمى «تشكيل حكومة تونسية مستقلة» فهو يعترف ضمنيا، رغم نكير فرنسا ~~واستنكارها بحق نظر الأمم المتحدة في القضية. # ومهما يكن قتلة فرحات حشاد فإن من حقنا أن نعتقد ms375 أن أشد المشوشين تعصبا ~~كانوا يترددون في ارتكاب أي عمل إجرامي لو لم يعتقدوا أن في إمكانهم الاعتماد ~~على بعض التأييد في الشرق الأدنى وفي وسط الأمم المتحدة نفسها، وكان من المتوقع ~~الحتمي تقريبا أن جو العنف سيجرف الأوساط الفرنسية بتونس. # ولكن فرنسا لا تستفيد أبدا من تحميل غيرها المسئولية الناجمة عن نقائصها ~~وأغلاطها، فيكون من السهل على الولايات المتحدة أن تجيب بأن عدم تحمل المسئولية ~~من طرف البرلمان الفرنسي أجبرها على التدخل، وخاصة أن ذلك البرلمان ظهر بمظهر ~~المتخاذل المتنازل عن كل نفوذ خلال استجواب بقي من غير خاتمة. # إن الولايات المتحدة تؤيد اليوم تأييدا فاترا نقطة من النظرية الفرنسية، ~~فهل تكفي تضحية ذلك العدد العديد من الأرواح البشرية، وتلك المرارة في العلاقات ~~بين فرنسا وشمال أفريقيا؛ لكي نتخلص من تلك السياسة العمياء التي قادتنا إلى ~~الحالة الراهنة لما فيها من وعود ثم رفض، ومن تردد ثم اضطهاد شديد. # أحد عشر قطرا أمريكيا لاتينيا ومعهم الولايات المتحدة يلحون علينا اليوم ~~لاستئناف المحادثات الثنائية المباشرة التي لا تريد الحكومة حلا إلا ~~بواسطتها، فعلى وزرائنا إذن أن يوضحوا مع من تكون تلك المحادثات وعلى أي أساس، ~~وهل تسمح السياسات الخمس أو الست التي فرقت البرلمان والوزارة فرقا بالأمل في ~~تحديد خطة حازمة للسير بتونس نحو الهدف المعين؟ # وأن أول مشكلة تتطلب الحل هي اختيار المتفاوضين، ولقد اختطف المنون - في ~~مأساة مؤلمة - أحدهم، وكان الباي الذي ظهر جادا في عدم التساهل، يقيم ~~اعتبارا لنصائحه، ولا يرى السيد البكوش عمله إلا مقتصرا على القيام بالأمور ~~العادية، فمن بقي يا ترى؟ # فإذا ألغينا استخدام القوة الصرفة الذي نريد تجنبه، فإن كل محادثة تتطلب ~~مخاطبين مستعدين لبحث شروط اتفاق، ولكن على أي أساس؟ فإن البرامج الضيقة لم ~~تمكنا من الخروج من المأزق، وأن اضطرابات الدار البيضاء (44 قتيلا مراكشيا ~~وثمانية أموات فرنسيين) تبين بوضوح أنه لو لم نصل بسرعة إلى الاتفاق على برنامج ~~عمل تظهر نتائجه تدريجيا مع الزمن فإن التطور السلمي لأفريقيا الشمالية كلها ms376 ~~يصبح مقضيا عليه، وربما يقضى عليه بصفة نهائية. # ولنختم هذا الفصل بنداء وجهه فرحات حشاد إلى الشعب التونسي تتجلى فيه روحه الطيبة ~~وإيمانه القوي: # إخواني ... # يستمر الصراع داميا منذ ثلاثة أشهر. # يستمر الصراع بين الشعب التونسي المستميت الأعزل وبين قوة الظلم والعسف ~~الاستعماري. # وهذا الصراع إنما هو صورة متجددة لكفاحكم المتواصل منذ أن اغتصب الاستعمار ~~اللدود بلادنا. # واليوم تتخبط قوى العسف محاولة إلقاء الشعب التونسي في حالة الاستسلام ~~والانحطاط الذي لا نهوض بعده، تحاول قوى العسف بلوغ هذا الهدف بما تسلطه علينا ~~من ألوان الإرهاق والاضطهاد وخنق جميع الحريات والإمكانيات، بينما يتقدم العالم ~~ويسمو إلى إقرار الحق والعدالة بين البشر والشعوب، وإن ما بلغه الشعب التونسي ~~اليوم من نضج اجتماعي وسياسي لا يسمح ولن يسمح بأن تجره هاته القوى إلى التخلي ~~عن افتكاك حقوقه المغتصبة. ~~••• # إن صمودكم جميعا رجالا ونساء كهولا وشبابا أمام الضربات المتوالية ~~وإقدامكم على تحمل التضحيات بألوانها، قد حمل العالم الديمقراطي على الإعجاب ~~بوحدتكم المتينة وتقدير حكمتكم وإكبار جهادكم وتأييدكم في كفاحكم. ~~••• # لقد أزهقت الأرواح وامتلأت السجون والمستشفيات وتعددت المحتشدات بالمجاهدين ~~المخلصين ولكن لم يفت ذلك في سواعدكم ولم يفل من عزيمتكم ولم يزحزح من إيمانكم، ~~بل لم يزدكم كل ذلك إلا ثباتا وثقة في مستقبل بلادكم وازدهارها، ولم يزدكم إلا ~~تبصرا بما تنصبه قوى الاحتلال الفرنسي من شراك مثل الإصلاحات الرجعية المزيفة، ~~التي قدمتها لتعود ببلادنا عشرات السنين إلى الوراء. # لكن ها هي قد أصبحت اليوم قضية الشعب التونسي تفرض اهتمام العالم منادية ~~بإنصافها وهي سائرة في طريق النجاح لا محالة، ما دام من ورائها شعب باسل، ورجال ~~ذو عزم ثابت وأنصار في جميع أنحاء المعمورة. # فكلمتي لكم أن ثابروا على الكفاح وحافظوا على وحدتكم القومية المتينة ~~الغالية. # فإننا لا محالة وبحول الله منتصرون. # فرحات حشاد # أبريل 1952 # | اغتيال الهادي شاكر # (1) كيف أخفقت فرنسا في فرض الإصلاحات الاستعمارية بالقوة # أبت فرنسا الإذعان لتوصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القضية التونسية بتاريخ ~~17 / 12 / 1952، تلك التوصيات التي ms377 تدعو إلى استئناف المفاوضات فورا لتمكين التونسيين ~~من حكم أنفسهم بأنفسهم، وتدعو أيضا للامتناع عن أي عمل أو إجراء من شأنه زيادة حالة ~~التوتر. ~~(1-1) محاولة القضاء بالقوة على الحركة الاستقلالية # وعمدت فرنسا إلى تجاهل هذه التوصيات وخرقها والقيام بسلسلة من الأعمال المنافية ~~لها، وذلك برفض التفاوض ومحاولة القضاء بالقوة والعنف على كل معارضة لسياستها من ~~قبل الشعب التونسي آملة أن تكره الشعب بوسائل الإرهاب والاضطهاد على التخلي عن ~~مطالبته بحقوقه التي أقرتها الأمم المتحدة. ~~(1-2) موقف الكتلة الأفريقية الآسيوية # وأخذت الحالة تتطور من سيئ إلى أسوأ في تونس إلى أن اضطرت كتلة الدولة الأفريقية ~~الآسيوية، في شهر مارس 1953 إلى تقديم رسالة إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ~~في 16 / 3 / 1953، شرحت فيها خطورة الموقف في تونس وطلبت إلى الرئيس أن يتدخل لدى ~~الحكومة الفرنسية لوضع حد للاعتداءات الفرنسية المنافية لتوصيات الأمم ~~المتحدة. ~~(1-3) اهتمام الجامعة العربية # واهتمت الجامعة العربية في دورة (مارس - أبريل) 1952 بالحالة في تونس، واستمعت ~~اللجنة السياسية إلى بيان من الأستاذ صالح بن يوسف وزير العدل ورئيس بعثة الحكومة ~~التونسية الشرعية، وقررت إثارة القضية التونسية في مجلس الأمن. ~~(1-4) تنفيذ الإصلاحات بالقوة # لم تعبأ فرنسا بما أحدثه سلوكها في تونس من أثر سيئ في العالم ولكنها أصرت على ~~مواصلة سياسة العنف والاضطهاد، ولما رأت أن هذه السياسة لم تكف وحدها للقضاء على ~~مقاومة الشعب التونسي قررت فرض برنامج الإصلاحات بالقوة. ~~(1-5) مضمون الإصلاحات # هذا البرنامج أعدته فرنسا منذ شهر يونيو 1952، ويتضمن رفض مبدأ الحكم الذاتي سواء ~~في شئون الحكم أو التشريع، أو الإدارة العامة، ويشتمل على عدة تحويرات تهدف إلى فرض ~~مشاركة أفراد الجالية الفرنسية - وهي جالية أجنبية - في ممارسة السيادة في البلاد، ~~الأمر الذي يقوض السيادة التونسية من أساسها. # ويتضمن المشروع الفرنسي سبع لوائح بمراسيم تتناول: ~~(1) # تنظيم الحكومة بصورة تلزم التونسيين بأن يتركوا للفرنسيين وزارات ~~المالية والحربية والخارجية والأشغال العمومية ووزارة البريد والتلغراف ~~والتليفون ووزارة الإنشاء والتعمير ووزارة التعليم. ~~(2) # إنشاء مجلس شورى يتألف من ms378 30 عضوا معينين تقتصر مهمتهم على إبداء ~~رأي استشاري في المراسيم التي يعرضها عليهم الباي - ولا يبحث المراسيم ~~ذات الصبغة المالية أو المتصلة بالميزانية - مع احتفاظ المقيم الفرنسي ~~بحق توقيع القوانين بالاشتراك مع الباي لتصبح نافذة. ~~(3) # إنشاء مجلس مالي وهو مجلس مختلط يتألف من عدد متساو من التونسيين ~~والفرنسيين ويبحث الميزانية والشئون المالية. ~~(4) # تنظيم الوظائف العامة بصورة تخصص معظم الوظائف العليا للفرنسيين ~~ويفرض اللغة الفرنسية كلغة أساسية في هذه الوظائف. ~~(5) # إنشاء محكمة إدارية برئاسة قاض فرنسي يشرف على عدد متساو من القضاة ~~التونسيين والفرنسيين للنظر في شئون الإدارة التونسية. ~~(6) # تنظيم مجالس المقاطعات على أساس يقصر حق الانتخاب والترشيح على طبقات ~~معينة من سكان المقاطعات دون سواهم وليس بالاقتراع العام الحر. ~~(7) # تنظيم مجالس البلديات بمنح حق جديد للجالية الفرنسية يقضي بتمثيل ~~الفرنسيين بعدد متساو مع التونسيين في المجالس البلدية ~~وبالانتخاب. ~~(1-6) رفض الإصلاحات # وقد رفض الشعب هذا المشروع في المذكرة التي رفعها مجلس الأربعين بتاريخ 23 أغسطس ~~1952 إلى جلالة الملك باسم كافة الأحزاب والهيئات التونسية. # ورفضها جلالة الملك في رسالته إلى رئيس الجمهورية الفرنسية في ~~9 / 9 / 1952. # وأرادت الحكومة الفرنسية فرض هذه الإصلاحات المزعومة بالقوة للقضاء على السيادة ~~التونسية وتدعيم الاستعمار والحكم الفرنسي وتوسيع اشتراك الفرنسيين المقيمين بتونس ~~حتى يشمل المؤسسات التونسية جميعها. ~~(1-7) إصلاحات مجالس المقاطعات والبلديات # وبما أن فرنسا واثقة من أنها لن تستطيع أن تجد العدد الكافي من التونسيين ~~ليتعاونوا معها في إنشاء جميع المجالس المقترحة، فقد أرادت أن تقوم بتجربة ولكنها ~~حاسمة، لأنها تقر مبدأ جديدا، فقررت الاقتصار على تنفيذ النقطتين السادسة والسابعة ~~من مشروع الإصلاحات وهما الخاصتان بالمجلس الإقليمي والمجالس البلدية. ~~(1-8) الظروف التي أحاطت بتوقيع المرسومين # أبلغ وزير الخارجية الفرنسية إلى جلالة الباي في 29 / 12 / 1952 مذكرة شديدة ~~اللهجة تضمنت ألوانا من الاتهامات بعرقلة سير الحماية والإخلال بالالتزامات نحو ~~فرنسا وعدم الوفاء بالوعد وشفعت هذه الاتهامات بتهديد سافر بالخلع، وكلف «دي ~~بواسيزون» الوزير المفوض بالسفارة الفرنسية بتونس بتقديم إنذار نهائي إلى الباي ~~بتوقيع ms379 المرسومين الخاصين بالمجالس الإقليمية والبلدية، وإلا فإنه يتم الخلع في ~~خلال بضع ساعات، وقد اقتحم المبعوث الفرنسي وبصحبته الخائن البكوش على جلالة الملك ~~غرفته الخاصة وكان جلالته، مريضا فقدم إليه المراسيم لتوقيعها فورا وهو في فراش ~~المرض، بينما كانت القوات المسلحة الفرنسية تطوق القصر الملكي، وكانت إحدى الطائرات ~~العسكرية الفرنسية تنتظر في المطار لنقل من يتقرر إبعاده من أفراد العائلة ~~المالكة. # وعلى إثر هذا التوقيع أصدر الحزب الحر الدستوري التونسي الذي يحمل لواء الكفاح ~~بيانا أعلن فيه بطلان ذلك التوقيع الذي اغتصب تحت تأثير الضغط والإكراه، وقد أثبت ~~جلالة الملك الإكراه الذي عمد إليه الفرنسيون حين أشار في الرسالة الملكية بتاريخ ~~17 / 4 / 1953 إلى «الظروف» التي تم فيها توقيع المرسومين المذكورين. ~~(1-9) تنظيم الانتخابات # تلك هي الظروف التي تم فيها توقيع المرسومين الخاصين بالمجالس البلدية ~~والإقليمية، وبما أن الفرنسيين مصممون على المضي إلى آخر الشوط فقد حددوا مواعيد ~~إجراء الانتخابات لهذه المجالس كما يلي: # مجالس المقاطعات: # من 13 إلى 23 أبريل 1953. # مجالس البلديات: # من 3 مايو 1953. # وفي 10 مايو 1953. # ومما يدل على العقلية الممعنة في العدوان التي يمتاز بها المستعمرون الفرنسيون أن ~~السلطات الفرنسية التي حرصت كل الحرص على فرض المرسومين على التونسيين جعلت تبذل كل ~~ما في استطاعتها من بعد ذلك، لتحول دون نفوذ المرسومين بصورة سليمة، وأخذت تعمل على ~~«طبخ» الانتخابات بكل وسائل الإكراه والتزييف والضغط والتزوير، وافتضحت المناورات ~~الاستعمارية قبل بداية الاقتراع إذ أخذت السلطات تعتقل الناس في مختلف أنحاء البلاد ~~وتصدر أوامر الإبعاد ضد الأعيان والشخصيات المعروفة، فتخرجه من المناطق التي يقيمون ~~فيها، وأعدت قوائم الناخبين بصورة أثارت عاصفة من الاحتجاجات في جميع المناطق حتى ~~بلغ الأمر بالفرنسيين أن سجلوا في تلك القوائم عددا كبيرا من الأموات بينما ظل ~~عشرات الألوف من الناخبين غير مسجلين، وعمد الفرنسيون أيضا إلى إكراه أشخاص معينين ~~على ترشيح أنفسهم، هذا علاوة على الوسائل الأخرى الدنيئة، كالرشوة وتوزيع المواد ~~الغذائية على قدماء المحاربين وغيرهم. ~~(1-10) مقاومة الإصلاحات # أما التونسيون فقد ms380 وقفوا موقفا صريحا من هذه المناورة الاستعمارية وتجلى في هذه ~~المرة أيضا اتحاد الكلمة والتضامن القومي. # فقد أعلن الحزب الحر الدستوري أنه لن يسمح للمستعمرين بأن يفرضوا على البلاد ~~إرادتهم وأنه يدعو الشعب لمقاطعة الانتخابات لأن الإقبال عليها معناه الرضى بالعدوان ~~والإكراه، والاشتراك في مناورة تهدف إلى القضاء على السيادة القومية بإشراك ~~الفرنسيين في مؤسسات الدولة التونسية. # واجتمعت كافة الهيئات التونسية ورفعت مذكرة موحدة إلى جلالة الملك أعلنت فيها ~~احتجاجها على هذه الإصلاحات والانتخابات. # وأخيرا وجه جلالة الملك رسالة احتجاج إلى «البكوش» بتاريخ 17 / 4 / 1953 سجل ~~فيها أعمال الإكراه والضغط التي تقوم بها السلطات لمناسبة الانتخابات. # ولكن الفرنسيين أصروا على إجراء الانتخابات في موعدها، فكان ذلك إيذانا ببدء ~~صراع دام بين الشعب والفرنسيين. ~~(1-11) الصراع الدامي # استجاب الشعب لنداء قادته الوطنيين وقاطع الانتخابات، وظلت معظم الدوائر بدون ~~مرشحين وامتنع الناخبون عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع، فما كان من السلطات الفرنسية ~~إلا أن عمدت إلى القوة لترغم الناس على الاقتراع، فتصدى الشعب يدافع عن أبنائه ضد ~~أعمال الإكراه الفرنسي. # فنتج عن ذلك اصطدامات لا تحصى بين جماهير الشعب وبين القوات الفرنسية، فقامت ~~السلطات الفرنسية باعتقال المئات من التونسيين في مختلف أنحاء البلاد وخاصة في مدن ~~«سوسة» و«صفاقس» و«قابس» و«القيروان» وغيرها. ~~(1-12) عقاب الخونة # ووقف الشعب بالمرصاد للخونة القلائل الذين أجرهم الاستعمار ليؤازروه في هذه ~~المناورة ولم ينج منهم أحد سواء كانوا في العاصمة أو في الأقاليم، وقد امتدت يد ~~الشعب إليهم ومضت عليهم حتى ولو كانوا في أطراف المملكة، وفيما يلي أهم الحوادث وهي ~~تبين انتشار عملية الانتقام الشعبي من الخونة في كافة أنحاء البلاد: # في مدينة المكنين: # قتل الطيب بن غشام لأنه جاء يدعو للانتخابات، وهو شقيق وزير ~~الصحة في الحكومة الخائنة. # في مدينة قصر هلال: # قتل أحمد بن صالح الممي لاشتراكه في الانتخابات. # في مدينة الحامة: # قتل محمد بن الحاج خليفة في داره وهو الخائن الوحيد الذي استطاع ~~الفرنسيون ترشيحه في الانتخابات. # في العاصمة: # قتلى الشاذلي القسطلي لأنه ms381 تحدى الشعب ورشح نفسه ~~للانتخابات. # وكان مقتل القسطلي الحادثة الكبرى، فقد تم في قلب العاصمة وفي رابعة النهار ~~والمدينة ترزح تحت الأحكام العرفية ودوريات الجند تحرس الشوارع، وكان اغتيال ~~القسطلي ضربة قاضية للمستعمرين ولأذنابهم، فقد كان القتيل نائب رئيس البلدية وصاحب ~~جريدة يومية وعونا من أكبر أعوان الفرنسيين مكرا ودهاء مشهورا بخيانته وتحديه ~~للشعب، ودل سقوطه على أن الشعب التونسي هو سيد الموقف في بلاده وأن أذناب الاستعمار ~~لم يعودوا يجدون الحماية الكافية لدى فرنسا، لذلك لم يكد الخائن الأكبر «البكوش» ~~يسمع بنبأ مصرع القسطلي حتى هرع إلى الإقامة العامة الفرنسية مطالبا بحماية حياته ~~وحياة زملائه وتعزيز الحرس على أشخاصهم، وعرض استقالة جماعية للوزارة، ولكن المقيم ~~العام رفض الاستقالة ووعده بالحماية الكافية. ~~(1-13) رد الفعل الفرنسي # ولما رأى الفرنسيون أن الزمام أفلت من أيديهم وأن الانتخابات أخفقت إخفاقا ~~شنيعا في بحر من الدماء والاضطرابات، أخذوا يكيلون الضربات جزافا، فاعتقلوا أكثر ~~من خمسة آلاف شخص من جميع الطبقات ونظموا الحملات البوليسية والعسكرية ضد بعض ضواحي ~~العاصمة وضد مدينة «المكنين» و«الحامة» وغيرهما، واشتد احتلال المدن وخاصة العاصمة ~~من قبل الجيش الفرنسي والقوات المسلحة الأخرى، وعطلت جريدة الصباح وهي أكبر جريدة ~~يومية في تونس. ~~(1-14) الأزمة بين الحكومة الفرنسية والباي # واشتدت الأزمة بين الحكومة الفرنسية وجلالة الباي، وبمجرد أن أذيع نبأ مصرع ~~القسطلي أبلغ وزير الخارجية الفرنسية بواسطة المقيم العام رسالة إلى جلالة الباي ~~يطلب فيها ثلاث مسائل: ~~(1) # دعوة التونسيين إلى التزام الهدوء. ~~(2) # استنكار الاغتيالات التي ذهب ضحيتها القسطلي وغيره من أذناب ~~الفرنسيين. ~~(3) # دعوة الشعب للإقبال على الانتخابات والاشتراك في التصويت. # قدم هذه المطالب إلى جلالة الباي المقيم «دي هوتكلوك» بعد ظهر يوم 2 / 5 / 1953، ~~ولكن الباي رفضها جميعا وعاد المقيم العام بدون نتيجة وفي الليلة نفسها طلبت ~~السفارة الفرنسية من القصر الملكي في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تحديد موعد ~~عاجل للسكرتير العام الفرنسي للحكومة التونسية، ولكن الملك رفض رفضا باتا قبول ~~السكرتير العام في تلك الليلة، وفي الغد مثل السكرتير العام ms382 أمام جلالة الملك، وبعد ~~أخذ ورد دام نحو ساعة كاملة أصر جلالته على رفض الطلب الخاص بدعوة التونسيين ~~للتصويت واكتفى بصدور بيان مقتضب باسم جلالة الملك يدعو جميع السكان وليس التونسيين ~~فقط - إلى التزام الهدوء والامتناع عن أعمال العنف، وهو يشير بذلك إلى مقتل المرحوم ~~«فرحات حشاد» بأيدي الفرنسيين، ولا شك أن صدور البلاغ بهذا الشكل، وبعد الأخذ والرد ~~لا يمكن أن يخدم الغرض الذي كان يقصده الفرنسيون من ورائه. ~~(1-15) صدى الأزمة في الخارج # وقد كان لهذه الأزمة صدى كبير في الأمم المتحدة وفي الجامعة العربية وفي فرنسا ~~نفسها، ففي فرنسا اهتمت الصحافة اهتماما كبيرا بتطورات الحالة في تونس، وأعربت ~~كثير من الهيئات والصحف عن استنكارها لهذه السياسة التي تضر بمصالح فرنسا وبسمعتها، ~~واجتمعت الحكومة الفرنسية عدة مرات لبحث الموقف في تونس، وبدأ التفكير في تغيير ~~المقيم العام «دي هوتكلوك» الذي يتزعم هذه السياسة الخرقاء. # وفي هيئة الأمم المتحدة نشطت الكتلة الأفريقية الآسيوية وضاعفت الجهود لعرض ~~القضية على مجلس الأمن. # وفي الجامعة العربية دعا مؤتمر وزراء الخارجية العربية المجتمع بالقاهرة في شهر ~~مايو 1953 الأستاذ صالح بن يوسف لشرح الموقف على المؤتمر مجتمعا بكامل هيئته، ~~وكانت القضية التونسية محل بحث المؤتمر واللجنة السياسية ومجلس الجامعة، وتقرر ~~توحيد القضايا العربية العامة، ومن بينها القضية التونسية واعتبار حلها جميعا ~~شرطا أساسيا لتتفاهم مع العرب، كما صدر بيان عن الجامعة العربية بتجديد التأييد ~~لقضية تونس وبقية قضايا المغرب العربي. ~~(1-16) الخلاصة # وهكذا أخفقت فرنسا في فرض وجهة نظرها بالقوة على التونسيين وانكشفت المؤامرة ~~للرأي العام العالمي الذي أرادت تضليله، وأضيفت صفحة أخرى سوداء إلى ملف فرنسا في ~~هيئة الأمم المتحدة. ~~(2) الإرهاب الرسمي # ما من أسلوب في القمع إلا واتبعته السلطات الفرنسية في تونس، وما من سبيل في البطش ~~والتنكيل والانتقام إلا وسلكته، وما من طريق لإدخال الوهن على التونسيين إلا وسارت فيه، ~~من وعد ووعيد وعهد وتهديد ولين وإنذار، فاتصلت منها المكاره، وغمر ضرها البلاد، وشمل ~~شرها العباد، حتى ثقلت وطأتها في ms383 كل جهة وناحية ولم تسلم من بأسها وسطوتها عائلة، وكانت ~~غاية دي هوتكلوك وأنصاره وأتباعه أن يجتثوا الحركة القومية من فوق الأرض، وأن يستأصلوا ~~الفكرة الوطنية ويبيدوا الوطنيين، بتخضيد شوكة الشعب، وتحطيم معنوياته، وطمس روحه، ولكن ~~شجرة الوطنية بتونس متمكنة أصولها، باسقة فروعها. # وإن بعض الأرقام لكافية لنتصور اتساع الاضطهاد وشدة البطش، ولنترك ميدان الاقتصاد وما ~~حاق بالتونسيين فيه، وميدان التعليم وما ارتكبه «باي» الجبار فيه من طرد التلاميذ ~~والتنكيل بالطلبة، وميدان الإدارة التونسية وما قاساه الموظفون من ظلم وإرهاق، ولنقتصر ~~على المحاكم العسكرية الفرنسية وما أصدرته من أحكام قاسية، وأن إحصائياتنا لا تشمل إلا ~~ما ضبطناه يقينا، ففي خلال خمسة عشر شهرا (من يناير 1952 إلى مارس 1953) أصدرت تلك ~~المحاكم أحكامها على 2641 تونسيا، تفصيلها كما يأتي: # 1091 # عاما سجنا فما دون. # 1139 # خمس سنوات فما دون (سجنا أو أشغالا شاقة أو سجنا مضيقا). # 171 # عشر سنوات فما دون (أشغالا شاقة أو سجنا مضيقا). # 98 # خمس عشرة سنة فما دون (أشغالا شاقة أو سجنا مضيقا). # 81 # عشرين سنة (أشغالا شاقة). # 36 # أشغالا شاقة مؤبدة. # 25 # إعداما. # 2641 # المجموع # وإذا فاقت الأحكام خمس سنوات، فإنها تكون مصحوبة بالإبعاد لمدة تساوي مدة الحكم، ~~وكانت تلك المحاكم تسلط على هؤلاء الوطنيين الضرائب الفادحة، التي تفوق عادة ما يملكون ~~بقصد إفلاسهم. # وكانت الأحكام بالإعدام تثير غضب الشعب وحنقه وتزيد مقاومته شدة وصلابة خاصة وأن ~~السلطات العسكرية قد أخذت تنفذ تلك الأحكام وتعدم الوطنيين كما فعلت إثر اغتيال فرحات ~~حشاد، وقد حصلنا على بعض أسماء المحكوم عليهم بالإعدام: # عثمان الحاج أحمد. # عبد الله حسن. # علي عبد الرزاق سندور. # حبيب حمدة عمار. # أحمد علي غريبي. # علي عمر بن قاسم. # الشافعي أحمد علي. # عبد القادر حيقه. # الفرجاني عبد الرحمن. # الطاهر علي. # أحمد أبو بكر. # نور الدين عبد القادر. # الهادي التليلي. # وكانت أكثر الأحكام صورية في الواقع لا تستند إلا على أدلة واهية أو على ما يفرضه ~~البوليس على المتهمين من اعتراف تحت سوط من العذاب والتنكيل، ms384 وقد قامت قوات الجيش ~~الفرنسي بإعدام عدد وافر من التونسيين بدون أية محاكمة وخروجا عن مبادئ العدالة التي ~~تقرها جميع القوانين وجميع الشرائع ولنذكر بعض هؤلاء الشهداء: # من المنطقة الشمالية # الهادي محمد شرادو. # الهادي الجريدي. # أحمد قاسم زروق. # من المنطقة الجنوبية (تطاوين) # حمادي صادق. # عبد الله التنكتي. # علي التنكتي. # تهامي قرقسي. # المنجي الشايب. # عبد الرحمن علي خليفة. # مدنيين # البشير. # زهير. # منصور. # ضوء. # واثنان من المساجين اسمهما صالح من مدينة سوسة. # قفصة # محمد صالح عبد القادر. # عبد الحميد عمار. # ابن خدوم. # ابن نولي. # وكان الكثير منهم في بيوتهم مع عائلاتهم فألقى عليهم القبض وأعدموا لإنزال الرعب وبث ~~الخوف بين التونسيين. # وكانت السلطات الفرنسية بعد أن تقوم بالإرهاب والتقتيل تخبر عنها في الصحف ~~الاستعمارية تصغر من شأنها وتلطف من حدتها، فتخرجها كحوادث بسيطة عادية لتضلل الرأي ~~العام، وإن بعض الأمثلة من تلك الأخبار تغنينا عن نشر أكثرها، فقد قالت جريدة «لابريس» ~~بتاريخ 20 / 9 / 1953: # إلقاء القبض على مشبوهين - اعتقل رئيس مركز البوليس بدبوسفيل علي بن حمودة ~~وعمر بن يحيي وهما من المشبوهين وكتبت بتاريخ 22 / 9 / 1953. «عملية بوليس ~~بتالة.» # قامت الجندرمة يوم الأحد بعملية بوليس واسعة النطاق في «تالة» ففتشت عددا ~~وافرا من البيوت وأجرت البحث مع ستين مشبوها، واحتفظت بثلاثة منهم تحت ~~المراقبة. # وأجريت عملية بوليس أيضا يوم السبت «بالحمامات» ووقع تحقيق في ماهية عشرين ~~شخصا. # وكتبت جريدة «لوموند» بتاريخ 23 / 9 / 1953: «أطلقت النار في الليلة الماضية على دورية ~~من الحرس الجمهوري على مقربة من سوسة» فأجاب الحرس النار بالنار. # وتفيد الأنباء أيضا أن عملية بوليس أجريت «بالحلوف» خمسة كيلومترات شمال «الجم» ~~وفتشت بيوت ستة من المشبوهين وألقى القبض على ثلاثة أشخاص، لوجود أسلحة في ~~بيوتهم.» # ولم تكن تلك الأعمال الإرهابية صادرة عن بعض الجنود المتنطعين، بل كانت تجري حسب خطة ~~مرسومة ومؤامرة مدبرة، فقد دعت الإقامة العامة يوم 10 أغسطس جميع المراقبين المدنيين ~~لاجتماع فوق العادة بتونس واتجه اهتمام ذلك المجلس الحربي الصغير إلى البحث عن أنجع ~~الطرق للتخلص من ms385 المقاومة الوطنية و«وضع حد لتفاقم الإرهاب في تونس. # وسافر الجنرال جارباي في 10 أغسطس بطريق الجو إلى باريس، ويظهر أن القوات الفرنسية ~~أخذت منذ ذلك التاريخ تنفذ أوامر تلقتها بنشر الإرهاب وتسليط القمع بأشد قسوة في مناطق ~~«الساحل» و«الدخلة» و«الجنوب التونسي» أي في المناطق التي استفحلت فيها المقاومة ~~الوطنية و«كانت - حسب التعبير الرسمي الفرنسي - مسرحا لبعض الحوادث.» # وأخذ النساء والشيوخ والأطفال يهاجرون المدن والقرى فارين بأنفسهم إلى الجبال ~~والبوادي من «الرصاص الضائع» الذي تمطره القوات الفرنسية وهي لا يردها رادع. # وقد عززت حالة الحصار بفرض منع التجول على تلك المناطق التي تمتاز بكثرة السكان ~~ونشاطهم فبات التجول ممنوعا منعا باتا من الساعة السادسة مساء إلى الساعة السادسة ~~صباحا، فأصيب العمل الفلاحي في الموسم الزراعي بضرب من الشلل بواحة «قابس» وأراضي ~~«الساحل» وبساتين «الدخلة» وكانت الحالة الاقتصادية والاجتماعية حرجة جدا من قبل، ~~فأصبحت تنذر بالشر المتطاير والخطر الداهم، بل أصبحت مأساة يعيشها شعب كامل. # وسحبت السلطات الفرنسية من سائقي سيارات الأجرة رخصهم، وحكمت عليهم بالنفي، أو زجت ~~بهم في السجن بدعوى أنهم ينقلون «الثوار» ويمدونهم بالأسلحة والذخيرة، فكانت حيرة هؤلاء ~~السائقين كبيرة، لأن تلك الرخص قد كلفت كل واحد منهم خمسمائة ألف فرنك، علاوة على ~~«الهدايا» التي قدموها لذوي النفوذ للحصول عليها. # ولم تجد السلطات الفرنسية - العسكرية والمدنية - مبررا لأعمالها العدوانية فاختلقت ~~الأعذار اختلاقا، وعجزت عن توجيه أية تهمة، فلجأت إلى التلفيق والكذب الصراح، واحتدت ~~غيظا لأنها لم تعثر على أي شيء يخالف القانون عند تفتيش بيوت الوطنيين، فعمدت إلى ~~إخفاء بعض «الأسلحة التي تحمل طابع صانعها» في تلك المنازل لتتمكن من اعتقال «المجرمين ~~الخطرين» بتهمة إخفاء السلاح. # وازداد هكذا القمع شدة واستحكاما وذلك: ~~(أ) # بالقيام بعملية تفتيش «المشبوهين» قبل الشروع في الاعتقالات ~~والتطهير. ~~(ب) # بتمزيق أجساد الوطنيين بالسياط والتنكيل بهم في الساحات العامة. ~~(ج) # بإعدام القادة الوطنيين المحليين بدون محاكمة. # وبدعوى أنهم استخدموا الأسلحة ضد قوات الأمن. # وسعت السلطات الفرنسية التي تتولى القمع في الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية على ms386 ~~طريقة أخذ الرهائن وتنفيذها علانية، فلم تفلح ولكنها ضربت برأي باريس عرض الحائط ونفذت ~~تلك الطريقة تنفيذا قاسيا. # واعتقل طبقا لنظام الرهائن، السيد البشير بن المبروك الجزيري الأمين العام المساعد ~~لنقابة المزارعين المنتجين بمنزل قابس، عندما كان يباشر عمله، واتهموه بمساعدة «الثوار» ~~وساقوه تحت حراسة الجنود المسلحين إلى بيته، حيث تظاهروا بالقيام بعملية التفتيش، ثم ~~قتلوه رميا بالرصاص في غرفة نومه أمام زوجته وأولاده، وشوهوا جثته وشدخوا رأسه، ثم لفه ~~الجند في لحاف، وأخذوه معهم، وألقوا به في إحدى الحفر، ومنعوا عائلته من الاقتراب من ~~تلك الحفرة ومن غسله وتكفينه والصلاة عليه، وأقاموا هناك حراسة مع الأمر بإطلاق الرصاص ~~على كل من يأتي لزيارة قبر الشهيد. # وفي يوم 12 أغسطس اقتحم الجنود الفرنسيون بيت عمة الدكتور محمد ابن صالح ببلدة ~~«المكنين» في منطقة «الساحل» وحطموا أبواب البيوت ودخلوها عنوة، فارتاعت النساء، ~~وارتفعت أصواتهن بالصراخ، فهب الناس يستفسرون عن الأمر فتلقاهم الجنود بإطلاق الرصاص، ~~فسقط الشهيد محمد ناصولي قتيلا، وجرح عدد كبير من الحاضرين. # وفي يوم 14 أغسطس ألقي القبض ببلدة «القلعة» الكبرى بوجه خاص ومنطقة سوسة بوجه عام ~~على نحو ثلاثين وطنيا ونقابيا من المنتمين إلى الاتحاد العام التونسي للشغل ~~والاتحاد العام التونسي للزراعة، والاتحاد العام للصناعة والتجارة، بتهمة حمل السلاح ~~وبإخفاء الذخيرة وهي في الحقيقة ذخيرة دستها السلطات الفرنسية في بيوتهم عند ~~تفتيشها. # وفي يوم 16 أغسطس نشبت معركة بجبل «ميدودي» بين الثوار وقوات الأمن أسفرت حسب البلاغ ~~الرسمي عن قتل ثلاثة جنود وخمسة من التونسيين وفي يوم 18 أغسطس قام جنود الجنرال ~~«جارباي» بحركات في المنطقة كلها، تصحبهم السيارات المصفحة والكلاب البوليسية، وألقوا ~~القبض على أربعة من السكان الآمنين وقتلوهم رميا بالرصاص بمحضر من مواطنيهم وتحت ~~أنظارهم، وهم: # علي بن بلقاسم الحمروني. # طاهر بن مصباح بوهيفة. # النفطي بن حسين. # بلقاسم بن محمد بن عمر. # وفي اليوم نفسه (18 أغسطس) اعتدت القوات المسلحة على بلدة «منزل تميم» في منطقة ~~الوطن القبلي اعتداء شديدا عنيفا ليلة عيد الأضحى، ودمرت بيوت ms387 أعضاء شعبة الحزب الحر ~~الدستوري الجديد ونهبتها، واعتقلت السيد محمد بن الحاج البشير بن فضل رئيس شعبة الحزب ~~الدستوري والأمين العام لنقابة المزارعين المنتجين، وطافوا به في شوارع القرية تحت ~~الحراسة المسلحة، وساموه ألوانا من التعذيب والتنكيل، ثم رموه بالرصاص أمام أهله ~~وذويه، ولم يكتف الجنود بتلك الجريمة، بل رفضوا تسليم جثة الشهيد لزوجته الشابة وأبيه ~~الشيخ الذي فقد عائله الوحيد بفقد ابنه. # وقام الجيش في نفس ذلك اليوم بحركات في بلدة «صيادة» حيث اغتيل أحد مرشدي البوليس ~~واسمه «حريق» فشرع جنود الجندرمة والحرس الجمهوري الفرنسي المرابط «بالمكنين» و«قصر ~~هلال» في عملية «تطهير» المنطقة، وذلك في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وأعدموا ~~اثنين من التونسيين وهما: # إبراهيم بن الطاهر بن محمد بن العبد. # محمد بن فرج بن عثمان بن الحاج مهنى. # وفي نفس اليوم كانت مدينة «مدنين» بالجنوب التونسي مسرحا لأعمال وحشية أطلقت عليها ~~السلطات الفرنسية في بلاغها عبارة «عمليات البوليس والأمن» فقد أطلق أثناءها جنود ~~الفرقة الخفيفة من المشاة الفرنسيين الرصاص على ثمانية تونسيين وقتلوهم صبرا بالدعوى ~~الباطلة الخاصة بإخفاء السلاح. # واعتقل يوم 19 بمدينة «الكاف» أربعة عشر من الشخصيات الوطنية # 1 # كما ألقي القبض على القادة المحليين للمنظمات القومية الكبرى. # 2 # وفي يوم 20 أغسطس ألقي القبض على اثني عشر من الوطنيين بمدينة «المنستير» على أثر ~~الإضراب العام الذي شمل البلاد التونسية بأسرها تضامنا مع الشعب المراكشي واحتجاجا ~~على خلع السلطات سيدي محمد ابن يوسف، ومن بين المعتقلين سالم بشير ومحمد زراقي، وكانت ~~السلطات العسكرية قد دست في بيتيهما بعض الأسلحة والذخيرة لتبرير اعتقالهما بتهمة إخفاء ~~السلاح التقليدية. # وجاء دور مدينة «باجة» في منطقة الشمال التونسي يوم 20 أغسطس لتكون مسرحا لمأساة ~~تتكرر بنفس الصورة في كل مكان، فقد دخلت القوات المدنية والعسكرية إلى بيوت ثلاثة من ~~قادة جامعة الحزب، ودسوا فيها الأسلحة والذخيرة ثم ألقوا القبض على عدد كبير من ~~التونسيين. # 3 # وكانت أيام 26 و27 و28 أغسطس ظلاما وظلما في منطقة «الساحل الجنوبي» حيث قامت ~~القوات ms388 الفرنسية المسلحة بعملية «تطهير» واسعة النطاق، وخاصة في «قصر هلال» و«المكنين» ~~و«طبلبة» و«بقالطة» و«صيادة»، وفي ليلة 28 أغسطس ألقى الجنود القنابل اليدوية على ~~البيوت ببلدة «قصر هلال» وخاصة على بيت سالم المجرى، فجرحوا زوجته جروحا خطيرة. # وقتل في يوم 30 أغسطس جندي من الحرس المتنقل وجرح رفيق له كان معه في تلك الجهة، ~~فهاجمت القوات شوارع مدينة المنستير، واقتحمتها مدججة بالسلاح الحديث من بنادق سريعة ~~الطلقات ورشاشات بدون انقطاع وقاموا «بتطهير» واسع عظيم، ونهبوا ليلة 31 أغسطس عددا ~~كبيرا من البيوت وألقوا القبض على الناس بالجملة، وعذبوهم، ونكلوا ببعضهم في الساحة ~~العامة، واختاروا أربعة من الشخصيات البارزة ومثلوا بهم شر تمثيل تكسيرا للأيدي، ~~وبقرا للبطون، وشدخا للرءوس، ثم قتلوهم رميا بالرصاص وهم الشهداء: # مصطفى بن حسين جنات، صاحب مصنع ورئيس الشبيبة الدستورية. # الحاج سعيد المرشاوي، تاجر وأمين صندوق مساعد للشعبة الدستورية. # أحمد الغندري، مزارع وعضو بالحزب الدستوري. # عبد السلام ترميش، خباز ومكلف في الشعبة الدستورية بالدعاية ~~الوطنية. # وذاق المعتقلون الآخرون - ويزيد عددهم على الخمسين - ألوانا من التعذيب الذي تقشعر ~~منه الأبدان، وذلك في ثكنات «سوسة» «والمنستير» حيث نقلهم الجنود. # وقد عثر في الصباح على جثتين تحت أسوار المدينة ممزقتين بالرصاص، وهما الشهيدان عمر ~~زقينة ومحمد سلامة وهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره. # هذا وقد بلغ عدد الجرحى من ذوي الإصابات الخطيرة الذين نقلوا إلى المستشفى واحدا ~~وأربعين، أما عدد الذين جرحوا جروحا خفيفة فلم يقف عليه أحد. # وفي صباح 31 أغسطس طلب «الحرس المتنقل» من آباء الضحايا أن يأخذوا جثث أبنائهم فرفض ~~الآباء، وأصروا على إجراء عملية فحص وتشريح كلي لتلك الجثث، وأن يسجل ذلك الفحص في ~~تقرير رسمي، فحمل إذ ذاك الجنود الجثث بأنفسهم إلى بيوت عائلاتهم، وأبلغوا الآباء بأن ~~الأوامر تقضي بأن يكون الدفن تحت حراسة القوات المسلحة وبمحضر عشرة فقط من أقرباء ~~القتيل. # وترتب على فظائع ليلة 31 أغسطس إضراب عام شامل بمنطقة «الساحل» كلها، وتوقفت الحركة ~~التجارية والعمالية توقفا تاما، فما كان من جيوش ms389 «جار باي» إلا أن تدفقت بخبثها ~~ووحشيتها وأخذت تحطم أبواب الدكاكين وتنهب ما فيها، وتدمر كل ما تجده في طريقها، وتحاول ~~إرغام السكان على إنهاء الإضراب. # وفي أول سبتمبر ليلا وقبل بداية موعد منع التجول في منطقة «الساحل» هاجم بعض جنود ~~الحرس الجمهوري شاطئ «صيادة» وأطلقوا النار بدون سبب على بعض الشبان التونسيين الذين ~~كانوا يتنزهون على شاطئ البحر، فأصيب شاب عمره عشرون سنة، فمات على الفور وهو البحري بن ~~سعيد بن الحاج الصيد، وجرح عدد آخر. # وقضى هكذا «الساحل» فترة من الإرهاب المريع وقد أصبح واضحا أن السلطات الفرنسية تهدف ~~إلى إبادة جميع العناصر والشخصيات البارزة في هذه المنطقة. # هذا وقد تم تعيين «مراقب مدني مساعد» فرنسي جديد «بالمنستير» وعهد إليه بمحاربة ~~الوطنيين وجميع أعضاء الهيئات الاقتصادية والمنظمات القومية التونسية في ميدان ~~الاقتصاد، وقد وقع بالفعل إلغاء رخص النقل العمومي والسيارات التي يملكها التونسيون في ~~تلك المنطقة، وهو مشغول الآن بمقاومة المزارعين والتجار وأصحاب الصناعات الصغيرة بقصد ~~إفلاسهم. # منطقة زغوان # وفي أول سبتمبر جردت حملة «تأديبية» عسكرية تتألف من قوات الحرس الجمهوري على منطقة ~~«زغوان» وذلك ليلة 2 سبتمبر، واحتلت مدينة «جبيبينة» وهاجمت البيوت وحطمت الأثاث، ~~وأتلفت المؤن، وارتكبت أعمال النهب، واعتقلت عددا كبيرا من الوطنيين، من بينهم عدد ~~كبير من رجال النقابات المحلية. # 4 # منطقة قفصة # على أثر مصرع أحد جنود الحرس الجمهوري تم اعتقال ستة من الرهائن التونسيين من بينهم ~~مدير مدرسة ابتدائية حرة، وقتلوا فورا في الميدان العام في «القصر» قرب «قفصة.» # وفي الثاني من شهر سبتمبر شنت حملة بوليسية على مدينة «مضيلة» وقتل أثناء العمليات ~~أحد التونسيين أمام بيته برصاص الجندرمة وجرح تونسي آخر، كما تمت اعتقالات كثيرة ~~بالتهمة التقليدية الخاصة بإخفاء السلاح. # منطقة قابس # وقع نهب عام وإتلاف الأرزاق. # 5 # وهكذا أصبح شعب كامل - بعد أن ضيقت عليه الرقابة الخناق، ومنعت أخباره من التسرب إلى ~~الخارج، وعزلته عن العالم بسدود منيعة، أصبح ذلك الشعب عرضة لهجمات قوات الأمن المسلحة ~~يوميا، وقد كبل وقيد، وسلم ms390 فريسة للوحشية الجنونية التي امتاز بها جنود الجنرال ~~«جارباي» وبات الموت يحوم في الشوارع، وباتت كل قرية تونسية تنتظر بقلب ثابت وصبر وجلد، ~~دورها في «التطهير» وبات كل تونسي على استعداد لتحمل قسطه من العذاب، وليس بين ~~التونسيين من يستكين أو يرضى بالذل. # وقد كثرت الضحايا بوجه خاص بين النساء الحبالى، وقد أجهض عدد كبير منهن في منطقة ~~الساحل و«الجنوب التونسي.» # وأصبحت أرزاق التونسيين كلها، ومؤنهم تحت رحمة الحملات العسكرية الإرهابية، فقد نهبت ~~قطعان كاملة من الغنم في منطقة «قابس» وتم الاستحواذ في المناطق التي منيت «بالتطويق» ~~على أنواع مختلفة من الممتلكات، وبيعت المواشي بعد أن سرقت من أصحابها، وانتشرت إعلانات ~~الإفلاس بين التجار والمزارعين. # وكانت المواصلات بين العاصمة «تونس» والمناطق المنكوبة تقطع عن عمد، وأخذت قوات مسلحة ~~متنقلة تنشر الرعب في البلاد كلها بعد أن قسمتها إلى مناطق معزولة تماما بعضها عن بعض، ~~تسهيلا لعمليات القمع. # أما الصحافة الفرنسية فقد كانت توقد نار البغضاء والحقد، وتناشد بزيادة العنف وسفك ~~الدماء، ولا تشير إلى حوادث القمع إلا بنشر بلاغات السلطات الفرنسية، وكلها تلفيق وكذب، ~~فكانت تلك الصحافة تنشر يوميا أخبارا عن موت بعض التونسيين، وتدعي أنه ناتج عن ~~«تناول بعض القنابل اليدوية والمفرقعات الحربية»، وذلك تدليس للحقيقة، والواقع أنها ~~قنابل يدوية ألقاها الجنود الفرنسيون الذي يجوبون الطرقات في كل الاتجاهات على ~~التونسيين، وهكذا لقي عدد كبير من الرعاة والفلاحين والبدو حتفهم. # ولم يسلم من ذلك الاضطهاد حتى المعتقلون المبعدون في محتشدات الصحراء، فقد اتخذت ضدهم ~~إجراءات شديدة، فمنع عنهم الراديو والصحف، وألغيت الراحة اليومية، وضيق عليهم في القوت ~~والطعام وفي البريد والرسائل وفي الاغتسال والنظافة، وصاروا عرضة للإهانة ~~والتعذيب. # إن القوات الفرنسية المعتدية خرجت عن كل الاعتبارات الإنسانية، وارتمت في الأعمال ~~الوحشية في أواخر أغسطس وأوائل شهر سبتمبر 1953، وقد ركبهم الغيظ والحنق واستولى عليهم ~~البغض والحقد، لما رأوا وحدة التونسيين العتيدة وخيبة الإصلاحات المزعومة التي أدخلت ~~على نظام الأقاليم والبلديات وارتاعوا لفرار 45 وطنيا من السجن الفرنسي، وجن جنونهم ~~لأن ms391 الشعب التونسي لم يستسلم ولم يطأطئ الرأس ولم يتخاذل ولم يستكن، وأخذتهم نشوة ~~الإجرام «بنجاح العملية المراكشية» وشجعتهم في أعمالهم مؤامرة الصمت والسكوت عنهم، ~~فالبرلمان الفرنسي في إجازة فلا يخشون استجوابات النواب التي تطالب بوقف السواعد ~~الفتاكة السفاكة للدماء، وكانت عملية «التطهير» المتكررة قد أحدثت في الرأي العام ~~الفرنسي والعالمي ضربا من التعود والسآمة، فحدت من تأثره وعواطفه، وقلت الأصوات التي ~~ترتفع في الخارج للتنديد بتلك الجرائم المتجددة. # لم يحتمل الفرنسيون ما رأوه من تضامن وثيق بين الشعب التونسي والشعب المراكشي عند خلع ~~جلالة السلطان سيدي محمد الخامس، فاشتدت قسوتهم، وازداد بطشهم وتفاقم قمعهم. # لقد دبر المستعمرون الفرنسيون مؤامراتهم بليل، وقاموا بتمثيل روايتهم القذرة، فصلا ~~بعد فصل، واستخدموا فيها صنائعهم وعبيدهم من الخونة المارقين من باشاوات وقياد (مديرين) ~~وشيوخ القبائل البربرية ومن يدعون علماء الإسلام والإسلام منهم براء أمثال عبد الحي ~~الكتاني، فاجتمع هؤلاء المارقون من الدين والوطنية تحت رئاسة القلاوي بمدينة مراكش ~~وأعلنوا خلع سلطانهم الشرعي، وثاروا على النظام والقانون تحت حماية السلطات الفرنسية ~~التي كانت تلقنهم دورهم وتتصل بهم الاتصال الوثيق، فقد زارهم في جحرهم الموظفون الكبار ~~من الفرنسيين والمقيم العام الفرنسي الجنرال جيوم ليراقبوا سير المؤامرة التي حاكوها هم ~~بأنفسهم، وأخيرا في يوم 20 أغسطس تمت المأساة واعلم الجنرال جيوم سيدي محمد الخامس في ~~الساعة الثانية بعد الظهر أن فرنسا قررت خلعه، وأخذ الملك عنوة من قصره وجر جرا وهو ~~في لباس النوم، صحبة أبنائه إلى المطار ونقل فورا إلى جزيرة كورسيكا الفرنسية، فنكثت ~~فرنسا تعهدها بحماية شخص السلطان وهي وصمة لن تنسى، وعار لن يمحى، وقد اختارت السلطات ~~الفرنسية يوم عيد الأضحى لترتكب فعلتها الشنيعة فشعر كل تونسي بل كل عربي، وكل مسلم ~~أنها إهانة مقصودة، وحط من كرامته وضربة موجهة له شخصيا، فكان جرح لا يندمل، وبلغ ~~الحنق والغيط أقصاه في تونس وهاجت عواطف الشعب، وتوالت الإضرابات والمظاهرات، فاغتنمتها ~~السلطات الفرنسية فرصة لتنزل على تونس تلك الضربات التي قصصنا بعضها. # وأرادت الحكومة الفرنسية أن تتبع ms392 في سياساتها بالمغرب مبدأ «فرق تسد» فعزلت ممثلها ~~بتونس دي هونكلوك وعوضته بمقيم عام آخر وهو بيير فوازار لتفرق بين الشعب التونسي والشعب ~~المراكشي، وقد أذاع المقيم العام السابق قبل مغادرته البلاد التونسية بلاغا جاء فيه: ~~«وسوف يسلك خلفه بيير فوازار سياسة أشد قسوة ضد التونسيين»، وما الجرائم التي ارتكبها ~~الاستعمار بعد تعيينه إلا دليل قطعي على ذلك. ~~(3) اغتيال الهادي شاكر # وكانت أشد تلك الجرائم وقعا على التونسيين اغتيال الزعيم الشعبي المحبوب الشهيد ~~الهادي شاكر، وهو من أبرز قادة الحركة الوطنية، وعضو في الديوان السياسي، وقد كانت ~~حياته مثالا في الإيمان والعمل والتضحية. # ولد في مدينة صفاقس عام 1908، وترعرع بها وتعلم في مدارسها، وانضم إلى صفوف المكافحين ~~الوطنيين منذ الصغر، وكان عضوا نشيطا في الحزب الحر الدستوري بعد أن أسسه الشيخ عبد ~~العزيز الثعالبي بقليل، وسرعان ما أهلته مواهبه وأعماله لتحمل المسئوليات. # وكانت فترة الركود السياسي والانحلال الحزبي التي أعقبت نفي الشيخ الثعالبي إلى ~~المشرق تحز في نفسه المتوثبة، وكان تقاعس القادة القدماء عن العمل يؤلمه، ولما رجع ~~النشاط الوطني بفضل الحبيب بورقيبة ورفاقه من الوطنيين، اندفع الهادي شاكر معهم ودخل ~~مدخلهم حتى أصبح عضدهم الأيمن في جهة الجنوب، وكان من أكبر الدعاة في مؤتمر قصر هلال ~~1934، إلى تجديد الحزب الدستوري وإعطاء قيادته لشباب عامل مخلص نشيط، وكان موقفه من ~~أكبر عوامل النجاح في تكوين الديوان السياسي، وعرف الطاغية «بيروطون» فيه العنصر الفعال ~~والجد في عمله الوطني فنفاه إلى الصحراء صحبة قادة الحركة الوطنية (1934) فتحمل الحر ~~والعذاب والحرمان بقلب مطمئن، وصبر وثبات، وأصبح بعد رجوعه من المنفى القائد الأكبر ~~للحركة الوطنية في عاصمة الجنوب، واستأنف نشاطه بقوة وحماسة هادئة، واشترك في جميع ~~الأعمال الكبرى وتأسيس المنظمات القومية، وأخذ قسطا وافرا في قيادة الشعب في ثورة ~~1938، فسجنته السلطات الفرنسية وعلقت به تهمة التآمر ضد أمن الدولة الخارجي والداخلي. ~~وطالب الكولونيل «دي جيران» قاضي التحقيق العسكري بالحكم عليه بالإعدام، وقد نقلته ~~السلطات الفرنسية من السجن المدني إلى السجن العسكري، ثم إلى سجن ms393 «تبرسق» وأخذته مع ~~رفاقه قادة الحركة إلى سجن «سان نيقولا» بمارسيليا في جنوب فرنسا. ثم وضعته في قرية ~~«تراتز» قرب مدين «إيكس» في إقامة جبرية، وفي عام 1942 أرجعته قوات المحور إلى تونس، ~~فشمر عن ساعد الجد وأخذ في تنظيم الحركة الوطنية مع بقية إخوانه، وصار من قادة الحزب ~~الحر الدستوري الكبار، وعضوا بارزا في الديوان السياسي، ولقبته الجماهير الشعبية ~~بزعيم الجنوب لما له من نشاط في تلك الجهة، وقد بقيت بها بعض القبائل الكبرى يسيطر ~~عليها مشايخ خونة من صنائع الاستعمار، يحرمون منطقتها على الوطنيين ويهددونهم بالقتل ~~إذا ما حدثتهم أنفسهم بدخولها، فاقتحم الشهيد الهادي شاكر تلك المناطق، وبث فيها الدعوة ~~الوطنية وعقد بها الاجتماعات المتكررة وكان في عمله عرضة للسجن والقتل، ولكن عزمه أقوى ~~من أن توقفه الصعوبات، وإيمانه أرسخ من أن يؤثر فيه الوعيد، فهو رجل الواجب لا يعطله ~~شيء عن أداء واجبه. # وكأن واجباته كلها اجتمعت وتبلورت في الواجب الوطني فهو وإن كان أبا رءوفا وأخا ~~حنونا وتاجرا ماهرا، فقد ضحى بعواطفه وماله ووقته، وبحياته في سبيل وطنه المنكوب، ~~استمد قوته من نفسه، فعاش عيشة الأقوياء ومات ميتة الشهداء، يلتجئ إليه الرجال إذا ما ~~اعتراهم ضعف وخور، ويزيلون شكوكهم بيقينه، وهو الركن الركين والحصن الحصين، وصعب مراسه ~~فلا يقتنع حتى يقنع نفسه بنفسه، ولا يسير حتى يتثبت، ولا يعمل حتى يتروى، لقد غلب عقله ~~هواه، وتحكم في أعماله، ميزته الرصانة والهدوء، فكان مقتصدا في حركاته، قليل الكلام ~~كثير الفكر، ثاقب الرأي يدرس الخطط ويدققها قبل الشروع فيها، ينال بالتؤدة والحكمة ما ~~لا يناله غيره بالقوة والشدة، ويسدد خطاه فينجح النجاح الباهر عندما يظن الظان أن ~~الخيبة حاقت به، وهو في إيمانه ووطنيته كالبركان الساكن، قد يغتر الإنسان بمظاهره عندما ~~يراه وادعا، حتى إذا ما رآه يخطب في الجماهير يعرف حقيقته ودفائن نفسه، فيلهب الحماس ~~في القلوب ويقود الرجال قيادة القوى الجسور، وتزداد جرأته وثباته وصبره وأناته بقدر ~~ازدياد الشدائد والمحن والأخطار. # وكان مربوع القامة، خفيف السمرة، ms394 أسود الشعر، تتوقد عيناه حياة وفطنة تحت ~~نظاراته. # وقد لعب الهادي شاكر دورا هاما في ثورة تونس، فهو الذي قاد الحركة الوطنية في أصعب ~~أيامها في يناير 1952 بعد اعتقال زعيم الشعب الحبيب بورقيبة ومدير الحزب المنجي سليم، ~~وعندما كان يخشى أن تدخل الفوضى على أعمالها، فكان قدوة ومنارا بهدوئه وتصلبه؛ إذ نفذ ~~الخطة المرسومة وعقد مؤتمر الحزب في 18 يناير 1952، وترأسه وبث فيه من روحه إلى أن أتم ~~أعماله وأصدر قراره الذي بقي دستورا قارا واضحا في فترة الكفاح كلها، ولكن السلطات ~~الفرنسية تعرف قيمة الهادي شاكر في قيادة الشعب؛ ولذا أسرعت إلى إلقاء القبض عليه يوم ~~23 يناير أربعة أيام بعد عقد مؤتمر الحزب، ثم أرسلته إلى منفى طبرقة، حيث اجتمع مع ~~الحبيب بورقيبة والمنجى سليم، وقد صحبهما أيضا يوم 26 مارس 1952 عندما نقلتهما الإقامة ~~العامة الفرنسية إلى معتقلهما الجديد في صحراء الجنوب برمادة، فاستأنف هكذا حياة ~~الاعتقال في الصحراء بعد ثماني عشرة سنة، وكان نفي إليها مع قادة الشعب عام 1934، ولم ~~يطل مكثه فيها هذه المرة، فنقلته السلطات الفرنسية يوم 7 مايو صحبة زملائه إلى جزيرة ~~جربة، وفي شهر يونيو 1953 فرضت عليه الإقامة الجبرية في مدينة نايل مقر إبعاده الجديد ~~فأصبح هكذا تحت حراسة البوليس الدائمة. # وفي ليلة الأحد 13 سبتمبر حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل سمعت طرقات شديدة على ~~باب البيت الذي كان يسكنه الهادي شاكر، ثم وقعت محاولة خلعه، فاستيقظ الزعيم من نومه، ~~وتلفن حالا إلى مقر الجندرمة الذي لا يبعد عن بيته إلا بعض مئات الأمتار، وأعلمهم أن ~~مجهولين يحاولون الهجوم على بيته، فأجابته الجندرمة أن مقر البوليس أقرب إليه فليتصل ~~به، فاتصل به فعلا من غير جدوى، ولكن المجرمين الفرنسيين وضعوا في الأثناء مفرقعات في ~~الباب ونسفوه نسفا، وصعدوا الدرج المؤدي إلى غرفة الزعيم، ثم جروه معهم جرا تحت ~~تهديد أسلحتهم وأركبوه جبرا في سيارتهم التي اندفعت تعدو بسرعة فائقة. # وقد اكتشفت جثة الهادي شاكر في الصباح المبكر على الطريق ms395 الرابطة نابل بقرنبالية في ~~جهة الوادي السعيد، وقد مزقه رصاص الرشاشات. # وقررت السلطات الفرنسية أن النظر في تلك الجريمة سيكون من متعلقات المحكمة العسكرية ~~الفرنسية، وربما يتساءل الإنسان لماذا اتخذ هذا القرار؟ ولكنه عندما يعلم أن البحث ~~العدلي لم يأت بنتيجة وأن المجرمين ما زالوا يتمتعون بحريتهم الكاملة لم يمس أحدهم ~~بسوء، وأن دم الهادي شاكر قد ذهب هدرا كما ذهب دم فرحات حشاد من قبله، يفهم سر ذلك ~~القرار، وربما يذهب إلى أبعد من ذلك في استنتاجه إذ يرى أن العدالة الفرنسية تحمي ~~المجرمين من الفرنسيين. # وحمل جثمان الشهيد إلى مدينة صفاقس مسقط رأسه حيث شيع عشرات الآلاف جنازته وبكاه ~~أبناء وطنه كلهم، وأثار اغتياله موجة عميقة من الاستياء في الشعب التونسي بأسره وازدادت ~~الهوة بين تونس وفرنسا عمقا، وقد علقت جريدة «لوموند» الفرنسية (15 سبتمبر 1953) على ~~تلك الجريمة الفظيعة وما تجره من نتائج وخيمة، قالت: # إن الاغتيال الذي وقع بنابل ليلة الأحد يذكرنا باغتيال فرحات حشاد، وقد ذهب أحد ~~القادة الوطنيين ضحيته (وكان الضحية في ديسمبر الماضي الأمين العام للاتحاد العام ~~للعمال التونسيين، أما اليوم فأمين المال للديوان السياسي للحزب الحر الدستوري ~~الجديد). وتنبئ تلك الجريمة على عمل منسق منظم اشترك فيه عدة أشخاص، ويظهر في مظهر ~~عمل انتقامي كنا نددنا يوم السبت بما فيه من خطر، فقد بقيت تونس هكذا في الدور ~~والتسلسل الجهنمي الذي دخلت فيه منذ عامين. # إن الإرهاب بغيض كما كررناه وما زلنا نكرره، ولكن هل يمكن أن تكون الإجابة عن ~~إراقة الدماء بإراقة الدماء، وعن الاغتيال بالاغتيال طريقة، وأن تكون طريقة فرنسية ~~وطريقة حامين إزاء محميين؟ أولم نتنبأ بأننا دخلنا شمال أفريقيا لإرجاع النظام إلى ~~نصابه، أولم نكافح من 1940 إلى 1944 لنضع حدا لطرق كنا نتألم منها في أجسامنا ~~ولكي نعوض الأحكام الاستعجالية العمياء بالعدالة؟ # وقد قصت كريمة الشهيد الهادي شاكر على أحد الصحفيين اختطاف أبيها من بيته، وهي شاهدة ~~عيان، ونقتصر على نقل ما قالته: # لابريس - بتاريخ 16 / 9 / 1953 # في ms396 الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل شعر أنجال الهادي شاكر أن بعض ~~الأشخاص يحاولون اقتحام باب العمارة، وقالت كريمته الكبرى التي كانت شهادتها ~~أدق شهادة كانت سيارتان من نوع سيتروين (تراكسيون آفان) واقفتين أمام ~~الباب. # وعندما أيقظه أبناؤه أمسك الهادي شاكر بالتليفون وطلب أولا مركز الجندرمة، ~~ولما خاطبه ضابط الجندرمة في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والثلاثين طلب ~~منه الهادي شاكر الحضور حالا لنجدته، فصرح له الضابط بأنه سيأتي حالا بيد أنه ~~يستحسن أن يطلب أيضا مركز البوليس وهو أقرب إلى منزله من مركز الجندرمة، وذلك ~~لأن مركز الجندرمة يقع خارج المدينة في طريق تونس في حين أن مركز البوليس يوجد ~~في قلب المدينة على مسافة خمسمائة متر من المنزل الذي كان يقيم فيه الهادي ~~شاكر. # فنفذ الهادي شاكر نصيحة ضابط الجندرمة وطلب فورا مركز البوليس، فكان الرد أن ~~النجدة آتية في الحال. # وتضيف الفتاة أنه ما أن وضع السماعة حتى دوي انفجار عنيف، وكانت الساعة ~~الثانية والدقيقة الأربعين فقد نسف المهاجمون الباب ذا المصراعين بمادة شديدة ~~الانفجار عندما عجزوا عن اقتحامه. # وفي نفس اللحظة انقطع التيار الكهربائي في المنزل ولم يحدث ذلك عمدا ولكنه ~~كان نتيجة للانفجار لأن العداد الكهربائي يوجد في مدخل المنزل بجانب الباب، ~~فانتزع من الحائط وانقطع التيار. # وتستطرد كريمة الهادي شاكر قائلة: وبعد ذلك توالت الوقائع بسرعة فقد صعد ~~المهاجمون الدرج عدوا وأطلقوا رصاصة على قفل باب «الشقة» في الطابق الأول، ثم ~~فتحوا الباب بعد أن دفعوه بأكتافهم ودخلوا إلى الشقة وفي أيديهم مصباح كهربائي، ~~ثم سألوه: «هل أنت الهادي شاكر؟» فقال: «نعم.» فقالوا: «إذن تعال معنا.» # ونزلوا وهم يجرونه بينما كان لا يرتدي إلا ملابس النوم. # وقالت الفتاة أنهم كانوا ثلاثة اثنان منهم بشرتهما بيضاء وملابسهما مدنية ~~إفرنجية ويحمل كل واحد منهما رشاشة، والثالث زنجي يلبس طاقية سوداء وقميصا ~~وسروالا (كاكيا) ويحمل فوق كتفه بندقية وفي يده مسدسا. # وانطلقت السيارتان متجهتين إلى طريق تونس وأنوارهما مشعلة واجتازتا قلب ~~المدينة. # ولم تنقض إلا سبع دقائق منذ ms397 أن دوي الانفجار في الساعة الثانية والدقيقة ~~الأربعين، ووصل رجال البوليس والجندرمة الذين استيقظوا وارتدوا ملابسهم بسرعة ~~في الساعة الثانية والدقيقة الخمسين أي بعد ثلاث دقائق وجاءوا بعضهم بالسيارات ~~والبعض الآخر مشيا على الأقدام. # واستمر البحث والتفتيش إلى الفجر، وحوالي الساعة السادسة صباحا عاد راكبو، ~~إحدى السيارات الذاهبة من نابل إلى تونس وأخبروا مركز الجندرمة أن هناك جثة ~~ملقاة على حافة الطريق على مسافة خمسة كيلومترات من «نابل». # وكانت الجثة هي جثة الهادي شاكر ملقاة ووجهه على الأرض على جانب الطريق في ~~النقطة (60كم-300م) أمام صخرة مئات الأمتار. # وكانت الجثة قد اخترقتها عدة عيارات، ووجدت بقايا رصاصات رشاشة عيار 9 ~~ملليمتر ومسدس عيار 7,75. # ومعلوم أنه وجد إنذار فوق الجثة، وقد نشر أمس نصه التقريبي، وهذا هو النص الصحيح: # إنذار إلى الأهالي! # إن كل حادث اغتيال أو تخريب يرتكبه الحزب الدستوري في مكان ما، ~~سيتبعه ابتداء من الآن إعدام ثلاثة من الأعضاء البارزين في فرع الحزب ~~في ذلك المكان. # ولن يحول أي شيء أو أي شخص دون تنفيذ هذه الأعمال الانتقامية. # فليكن ذلك معلوما. ~~(4) خاتمة # لا بد للكتاب من خاتمة، وإن كان كفاح تونس مستمرا والعدوان الفرنسي متتابعا عليها، ~~وإن كانت الخاتمة الحتمية لذلك الكفاح لم تتحقق بعد، إلا أنه أخذ يتطور تطورا سريعا ~~في المدة الأخيرة حتى أصبحت الحالة خطيرة جدا على الفرنسيين والتونسيين أيضا، فقد ~~ظهرت في الميدان فرق من الفدائيين الوطنيين تقول عنها الصحف الفرنسية أنها منظمة نظاما ~~دقيقا، ترتدي لباس الميدان مسلحة بالأسلحة الثقيلة، وقد اكتسحت الجهات الجبلية كلها من ~~أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال غربا، وتقول تلك الصحف أيضا إن بداية هذه الحركة المسلحة ~~تشبه بداية الحرب في الهند الصينية. # وإن تلك التطورات الجوهرية في النضال التونسي يستلزم وضع كتاب مفصل نؤمل كتابته ~~إتماما للفائدة. وقد لخصت في المذكرة التي قدمتها صحبة الأستاذ محمد بدرة إلى دول ~~الكتلة العربية الآسيوية بتاريخ 23 يونيو 1954 وهذا نصها: # لم تغير فرنسا سياستها في تونس، بل غيرت طريقة ms398 تنفيذها، فاستبدلت في شهر ~~سبتمبر 1953 المقيم السابق «دي هوتكلوك» بالمسيو «بيير فوازار.» وأراد ~~الوطنيون إظهار حسن نيتهم، فطلبوا من الشعب الذي لبى نداءهم أن يلتزم الهدوء ~~لإعطاء فرصة للمقيم الجديد لاستئناف المفاوضات مع الممثلين الحقيقيين للشعب ~~التونسي بغية الوصول إلى حل مرض للقضية التونسية، ولكن مسيو «فوازار» أصر على ~~التقرب من جلالة الباي ومجاملة البلاط وإلغاء قرار منع التجول ليلا واستعادة ~~الهيئات من أيدي العسكريين إلى أيدي المدنيين الفرنسيين والإفراج عن بعض ~~المعتقلين الذين قضوا حوالي العامين في السجون الفرنسية دون مبرر، وإلغاء ~~الرقابة على الصحف. # وكانت تلك الإجراءات تقتر تقتيرا خلال فترات طالت مدتها في حين أن المحاكم العسكرية ~~كانت توالي في تلك المدة كلها إصدار أقصى أحكامها على مئات الوطنيين التونسيين، وكانت ~~أحكام الإعدام تنفذ فيهم فعلا (وقد نفذت في أحد عشر وطنيا منذ حلول المقيم الجديد ~~بتونس)، وفي الأيام الأولى من تعيين مسيو فوازار اغتالت عصابة فرنسية في 13 / 9 / 1953 ~~المرحوم «الهادي شاكر» أحد زعماء الحركة الوطنية بينما كان محدد الإقامة بمدينة «نابل» ~~وتحت حراسة البوليس الفرنسي، وقد بقي المجرمون الذين اغتالوا الزعيم النقابي «فرحات ~~حشاد»، أحرارا لم يمسهم سوء، ولم يكترث مسيو «فوازار» بهذا الأمر ووجه عنايته إلى ~~الاتصال ببعض الشخصيات سعيا في جلبها وفاجأ الرأي العام التونسي بتأليف وزارة جديدة في ~~3 مارس 1954 برئاسة السيد محمد صالح مزالي «لتخلف وزارة البكوش التي أجمع الشعب على ~~مقاطعتها» وجميع أعضائها من الإداريين أو من الموالين للإدارة الفرنسية الذين لا يمثلون ~~أي جزء من الرأي العام التونسي، وتم تأليفها بعد مباحثات محدودة بين المقيم الفرنسي ~~وهؤلاء الإداريين، ولم تقع استشارة الشعب ولا الالتفات إلى رأي ممثليه ومنظماته، فأعلن ~~معارضته لهذه الوزارة التي فرضت عليه فرضا بالرغم من موافقة جلالة الباي عليها. # وفوجئ الرأي العام مرة ثانية بعد يومين فقط (أي في 4 مارس 1954) بنشر مراسيم ~~إصلاحات وقعها جلالة الباي في ذلك اليوم، وهي سواء فيما يتعلق بالسلطة التنفيذية أو ~~المجالس النيابية - تدعم وتؤكد بصفة رسمية ms399 مبدأ السيادة المزدوجة الذي جاءت به مذكرة ~~الحكومة الفرنسية - 15 ديسمبر 1951 «مصدر الأزمة الحالية» والذي رفضه الشعب التونسي ~~رفضا قاطعا في أي شكل من الأشكال، هذا بالإضافة إلى ما في هذه الإصلاحات من اعتداءات ~~على السيادة التونسية، حيث إنها حافظت على بقاء مناصب الدولة الأساسية من مالية وأشغال ~~وتعليم وبريد وأمن عام وبوليس في أيدي الفرنسيين، كما حافظت على حق الفرنسيين في نصف ~~مقاعد المجالس النيابية، وجعلت سلطة تلك المجالس استشارية محدودة، كما منحت هذه ~~الإصلاحات للفرنسيين المستوطنين بتونس الحق في رئاسة البلديات بالتناوب مع التونسيين ~~والرئاسة الدائمة لبلدية مدينة تونس. # ولم تكن إصلاحات 4 مارس نتيجة لمباحثات جرت من قبل مع الممثلين الحقيقيين لشعب تونس، ~~بل تم إعدادها في مكاتب وزارة الخارجية الفرنسية والإقامة العامة في تونس، ولم يؤخذ في ~~شأنها رأي أي «جزء» من الرأي العام التونسي، أما توقيع جلالة الباي عليها فإنه يظهر إلى ~~أي حد عرفت فرنسا كيف تستغل حادث خلع سلطان مراكش. # ولم يقبل الشعب التونسي الرضوخ للأمر الواقع، بل رفضت المنظمات السياسية والاقتصادية ~~والعمالية التونسية تلك الإصلاحات ووقفت موقف المعارضة من الوزارة التي تحملت مسئولية ~~قبولها، واتخذت الجبهة الوطنية التونسية التي تجمع تلك المنظمات (الحزب الحر الدستوري ~~التونسي والاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والاتحاد العام للفلاحة ~~التونسية والغرفة التجارية والغرفة الزراعية) قرارا برفضها في 15 أبريل 1954. # وبينما كانت هذه التطورات السياسية تجري كانت السلطات الفرنسية تعمل على إبادة قسم ~~كبير من الشعب التونسي، باغتيال قادة الحركة الوطنية وتجريد حملات إرهابية ضد سكان ~~مدينة المنستير ومنطقة الساحل (نوفمبر 1953) وإعدام التونسيين من غير محاكمة، واعتداءات ~~جماعية على قبائل مناطق قابس وسيدي بوزيد ومطماطة التي نقلت بأسرها من مواطنها إلى ~~مناطق أخرى وضعت فيها تحت الحراسة المسلحة فهجر كثير من التونسيين مساكنهم في المدن ~~والقرى هروبا من الاعتقال والإبعاد والتعذيب والقتل، ولجئوا إلى المناطق الجبلية حيث ~~انضموا إلى الوطنيين الذين فروا من قبل إلى الجبال على أثر عمليات «الاكتساح» التي ~~أجراها الجيش الفرنسي في ms400 جميع أنحاء تونس طوال سنتي 1952 و1953 وشرع المقيم العام ~~«فوازار» في تنفيذ خطة إبادة الوطنيين التونسيين في شهر مايو 1954 إثر عدة حوادث دامية، ~~فانقاد للمستعمرين المتطرفين خوفا على منصبه ولتغطية فشل سياسته التي عارضها الشعب ~~التونسي بالإجماع فاتخذ الإجراءات التالية: ~~(1) # استقدام فرق عسكرية من الجزائر وفرق «الطابور» من مراكش و5 فرق من الحرس ~~الجمهوري من فرنسا وفرقتين من جنود المظلات من السنغال. ~~(2) # إنشاء 48 «فرقة أمن متنقلة» تؤلف كل فرقة منها من حوالي أربعين فردا بين ~~رجال الجندرمة والجيش والمتطوعين وتعطي لهم أسلحة أوتوماتيكية. ~~(3) # إنشاء 3 فرق عسكرية متنقلة وفرقة احتياطية. ~~(4) # وضع أورطة احتياطية تحت تصرف كل حامية. ~~(5) # استدعاء رجال الجندرمة الاحتياطين وبعض رجال الرديف من اختصاصيين وسواقين ~~وعمال ردايو ... إلخ ... ~~(6) # إنشاء «وحدات ترابية» للدفاع عن المزارع الفرنسية ومراكز الاستعمار، ~~وتؤلف من المتطوعين بين فرنسيين وأجانب سواء كانوا خاضعين للواجبات ~~العسكرية أم لا وتمنح لهم الامتيازات المادية التالية: تصرف لهم المرتبات ~~المخصصة لهم حسب رتبهم العسكرية مع علاوات إضافية. ~~(7) # توزيع الأسلحة والقذائف اليدوية على المزارعين الفرنسيين. ~~(8) # إعلان حظر التجول بناء على طلب المراقبين المدنيين الفرنسيين في مناطقهم ~~المختلفة. # وقد تحدث المقيم العام في بيانه عن الفرنسيين، فقال: «إن فرنسا اعتبرتهم دائما من ~~أعز أبنائها وأنهم سيبقون في أراضيهم»، ثم أضاف قائلا: «إن فرنسا باقية وأن الفرنسيين ~~باقون في مراكز عملهم وإذا دعت الحاجة في مراكز القتال.» # وخطب مسيو «فوازار» كذلك في جنازة أحد الفرنسيين فقال: «إني أعلن أمام هذا القبر ~~المفتوح أن ممثل فرنسا يرى من واجبه أن يحذر الذين يعتمدون على حلمنا أنهم مخطئون خطأ ~~فاحشا، فقد سبق لي أن قلت وكررت القول، وها أنا ذا أعيد مرة أخرى أن فرنسا سوف لا تتخلى ~~أبدا عما قامت به في تونس، كما أنها لن تتخلى عن رعاياها وأصدقائها وستدفع في سبيل ذلك ~~الثمن المطلوب، ومعروف إنها تملك إمكانيات مختلفة، فإذا كان صحيحا أنها اليوم تجتاز ~~موقفا حرجا فإنه من الجنون أن يعتقد أحد أنها ستستسلم للضعف وهل اتخذت ms401 عندنا القرارات ~~الحاسمة إلا في وسط المحن؟ إن الفرنسيين رجال صراع يعرفون كيف يتقبلون الضربات وهم ~~يعرفون كيف ينجحون في مشاريعهم بصمت وكيف يعدون ضرباتهم بأعصاب هادئة، إني أصرح دون أن ~~تدفعني روح الانتقام الأعمى ودون أن يعتريني شعور بالندم أو الخوف إني أصرح بأن موتانا ~~سينتقم لهم.» # وهذه أول مرة يتحدث فيها ممثل فرنسا علانية عن «الانتقام» لا عن العدالة أو الاقتصاص ~~من المذنبين، كما أنه لم يشر أية إشارة إلى الضحايا العديدة من التونسيين، بل إن هناك ~~على عكس ذلك إشارة واضحة إلى ما تقوم به عصابة «اليد الحمراء» الفرنسية من اغتيال ~~التونسيين «انتقاما للفرنسيين.» # وشرعت كل تلك القوات التي وصلت إلى تونس في مطاردة التونسيين وتقتيلهم والتنكيل بهم، ~~فأصبح هكذا الخطر يهدد شعبا كاملا بالإبادة. # وحيث إن فرنسا لم تعمل بتوصيات الأمم التي اتخذتها في قرارها 611 (7) بتاريخ 17 ~~ديسمبر 1952، وحيث إنها تمادت في سياسة العدوان على السيادة التونسية بالإصلاحات ~~المفروضة في 4 مارس 1954، وحيث إنها عمدت إلى إبادة شعب كامل، فإننا باسم الشعب التونسي ~~نتقدم لحكومتكم الفخيمة راجين عرض القضية التونسية على الأمم المتحدة في دورتها القادمة ~~وإصدار تعليماتكم إلى وفدكم بالأمم المتحدة في هذا المعنى. ms402