######OpenITI# #META# URI: 1377CaliZarifAczami.DuwalFarisiyyaFiCiraq.Hindawi48242959 #META# Tags: history #META# ID: 48242959 #META# Title: تاريخ الدول الفارسية في العراق #META# AuthorID: 50318270 #META# Author: علي ظريف الأعظمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # الدولة العيلامية‏ # الدولة الكيانية‏ # انقراض الدولة الكيانية الفارسية‏ # الدولة البرتية‏ # الدولة الساسانية‏ # الدولة البويهية الفارسية في العراق‏ # الدولة الصفوية الأولى‏ # الدولة الصفوية الثانية‏ # الدولة الزندية‏ # المأخذ‏ # المقدمة‏ # الدولة العيلامية‏ # الدولة الكيانية‏ # انقراض الدولة الكيانية الفارسية‏ # الدولة البرتية‏ # الدولة الساسانية‏ # الدولة البويهية الفارسية في العراق‏ # الدولة الصفوية الأولى‏ # الدولة الصفوية الثانية‏ # الدولة الزندية‏ # المأخذ‏ # | تاريخ الدول الفارسية في العراق # | تاريخ الدول الفارسية في العراق # تأليف # علي ظريف الأعظمي # | المقدمة # لما كان المؤرخون - على اختلاف مللهم ونحلهم - لم يفردوا كتابا خاصا، يتضمن البحث ~~عن الدول الفارسية التي حكمت العراق قرونا عديدة في أزمان مختلفة - قبل الميلاد وبعده - ~~وكان تاريخ تلك الدول من أهم ما يحتاجه النشوء الجديد؛ بذلت قصارى جهدي للوصول إلى ~~مجريات تلكم الشئون والوقوف على الحقائق الراهنة، وبعد البحث والتنقيب وتصفح الكتب ~~التاريخية القديمة منها والحديثة، تيسر لي الاطلاع على ما كنت أبتغيه، فاقتطفت المهم ~~من شذرات تلك الدول في قطرنا، وجئت بخلاصة ما وقفت عليه من المصادر الوثيقة التي ~~عثرت عليها خدمة للتاريخ، راجيا من الأساتذة أن يرشدوني إلى الصواب إن وجدوا في هذا ~~المختصر خطأ أو سهوا. # | الدولة العيلامية # أو الدولة الفارسية الأولى # في العصور الواغلة في القدم كانت أمة من الفرس تعرف ب «الأمة العيلامية» أو ~~«العيلاميين» تسكن في الإقليم المعروف الآن ب «خوزستان» المسمى قديما ب «بلاد عيلام»، # 1 # وكان لها يوم ذاك منزلة رفيعة بين أمم الشرق، وقد سماهم العرب ب «بني غليم»، ~~وكانت مملكتهم محاطة ببلاد الكلدان وبلاد مادي «ميدية» وبلاد فارس، وتحتوي على عدة مدن ~~أشهرها مدينة «شوشن» أو شوشان القديمة # 2 # عاصمة تلك المملكة، إلا أنها كانت أحيانا تتوسع، وأخرى تتقلص، وآونة تخضع ~~لسيادة جارتها مملكة «أور» التي في جنوبي العراق. # ولمجاورتها لجنوب العراق كانت لها عدة روابط مع هذا القطر، ولكنها لم تكن لتطمع في ~~جارتها القوية، حتى إذا ما ضعفت مملكة «أور» الشهيرة في التاريخ، وآنس العيلاميون في ~~أنفسهم قوة، طمعوا بأرضها الخصبة الكثيرة الخيرات، فحملوا عليها في القرن ms01 الثالث ~~والعشرين قبل الميلاد، وبعد حروب جرت بين الأمتين استولى العيلاميون على مملكة «أور»، ~~ودخلوا عاصمتها «أور»، وأسروا ملكها أبي سين «إيبي سبين» بن جمبل سبين آخر ملوك السلالة الثالثة # 3 # لملوك «أور»، وساقوه أسيرا إلى عاصمتهم «شوشن»، واستولوا على جميع مدن تلك ~~المملكة وقرضوها بعد أن كانت مستقلة في جنوبي العراق أو صقع شمر «سومير»، ولها سطوة ~~كبيرة وسيادة مبسوطة، وكان لعاصمتها مدينة «أور» حينذاك منزلة رفيعة عند العراقيين؛ ~~لعظم مركزها الديني، بل إنها كانت معهدا للدين ومهدا للتجارة ومركزا للصنايع ~~والفنون، وفيها هيكل «أنون ماخ» المرصود للإله القمر ورفيقته، الذي خرب في هذه ~~الحادثة. # استولى العيلاميون على جنوبي العراق أو على مملكة «أور الكلدانيين» بعد حروب دامت بينهم ~~وبين الكلدانيين في الوقت الذي كان فيه العراق منقسما إلى قسمين: القسم الجنوبي ~~المسمى ب «مملكة أور» أو ب «بلاد الكلدان» أو «كلدو»، والقسم الشمالي المعروف ب «مملكة ~~بابل» أو ب «بلاد بابل»، وكان كل قسم مستقل بنفسه، غير أن الجنوبي كان قد فاق الشمالي ~~بالمدنية والعمران، واشتهر بالتجارة والزراعة والفنون. # وبعد أن تم أمر تلك الأمة الفارسية في الجنوب حاولت الاستيلاء على الشمال، ولكنها ~~عادت بالفشل بعد أن تمكنت بهجماتها من دخول مدينة أوروق «الوركاء»، التي هي من البلاد ~~الشمالية أو من مملكة «بابل» الراضخة لحكم السلالة السامية أو الدولة البابلية الأولى ~~التي أسسها ساموابي سنة 2416ق.م - ويروى سنة 2460 - ونهبت كنوزها وآثارها، من جملتها ~~تمثال الإلهة «نانا» شفيعة مدينة «أوروق»، وأرسلت الجميع إلى «شوشن»، وأودعت هذا التمثال ~~في هيكلها. # بقي جنوبي العراق في قبضة تلك الأمة الفارسية حتى قام سادس ملوك الدولة البابلية الأولى ~~أو الدولة السامية الملك الجليل حمورابي (2287-2232ق.م)، فحمل عليهم بجنوده وطردهم من ~~هذا القطر، ولم يكتف بذلك بل إنه طاردهم حتى دخل عاصمتهم «شوشن»، ولم يعد إلى مقره ~~إلا بعد أن أخضع تلك الأمة لسيادته، وأرجع تمثال الإلهة «نانا» إلى هيكل مدينة «أوروق». # 4 # هذا ما وقفنا عليه من بين الأبحاث التاريخية الحديثة المستندة ms02 إلى الآثار المستخرجة ~~من مواقع المدن العراقية القديمة، غير أن المؤرخين قد اختلفوا في السنة التي استولى ~~العيلاميون فيها على مملكة «أور»؛ فمن قائل إنهم قرضوا السلالة الثالثة التي نشأت حوالي ~~الألف الثالث قبل الميلاد التي أسسها الملك أورانكور، وأسروا آخر ملك من تلك السلالة ~~الملك أبي سين سنة 2150ق.م، ومن قائل إن هذه الحادثة وقعت سنة 2300ق.م، ويزعم بعضهم ~~أنهم قرضوا تلك المملكة سنة 2285ق.م، ويقول آخرون: كانت هذه الغارة سنة ~~2295ق.م. # كذلك اختلفوا في اسم الملك العيلامي الذي قاد تلك الحملة؛ فبعضهم يقول إنه الملك كوتارناحونتا، # 5 # ويزعم بعضهم أنه الملك ريمسين. # أما الذي يظهر من سير الحوادث التاريخية، فهو أرجحية قول القائل بأنهم قرضوا تلك ~~المملكة «مملكة أور» سنة 2295ق.م، وأن من جملة الملوك العيلاميين الذين حكموا ذلك ~~الصقع كوتارنا حونتا وريمسين ونبورياس. # ولم تحكم الدولة العيلامية جنوبي العراق غير مدة وجيزة، فطردهم الملك حمورابي عندما ~~قويت شوكته وملك العراق كله، ولم يقف عند ذلك الحد، بل إنه أخضعهم لسيادته - كما ~~تقدم - وليست هذه المرة الأولى التي خضع فيها العيلاميون لملوك العراق، بل إنهم خضعوا ~~مرارا لسيادة ملوك هذا القطر في أزمان مختلفة؛ من ذلك أن الملك سرجون الأكدي السامي ~~الذي ملك سنة 2872ق.م، كان قد أدخلهم تحت سيادته، وأن الملك أناتوم الذي ملك سنة 3900ق.م # 6 # حاربهم وأخضعهم لحكمه. # 7 ~~(1) بين العهدين # بعد أن اعتز العراق دهرا طويلا في عهد الدولة البابلية الأولى التي جمعت شمله ~~ووحدت كلمته وأعلت شأنه، انعكس الأمر عند سقوط تلك الدولة واضطربت شئون العراق ~~وأصبحت البلاد منقسمة على نفسها؛ أي صارت عدة ممالك أو دول صغيرة عديدة كل دولة ~~قائمة بنفسها، وكثيرا ما كانت البلاد تنتقل من سلالة إلى أخرى ومن بيت إلى آخر، ~~ثم اشتد الخلاف بين أهل البلاد وطمع بهم أعداؤهم، فعاد العيلاميون إلى طمعهم في ~~جارتهم وأعلنوا الحرب عدة مرات على أهل هذا القطر، وشنوا الغارة على المدن ~~العراقية في أزمان مختلفة، ونهبوا بعض المدن وفتكوا بأهلها، ومن ms03 تلك المدن «نبور» ~~و«أوروق»، ومن ملوكهم الذين أغاروا على العراق الملك شتروك ناخونتا، فإنه شن ~~الغارة على هذا القطر سنة 1190ق.م، وغنم غنائم نفيسة من البلاد، من جملتها شريعة ~~حمورابي؛ فإنه نقلها إلى عاصمته «شوشن»، وكثيرا ما كان العيلاميون يتفقون مع بعض ~~تلك الدول الصغيرة ويعضدون ملوكها، خصوصا الممالك التي في جنوب العراق القريبة ~~منهم، وكانوا في بعض الأحيان يتدخلون في الأمور المهمة المتعلقة بالملوك، ويجلسون ~~على عروش الممالك من يوافق على مصالحهم ومنافعهم، أو من يعقد معهم اتفاقية ~~يرضونها. # ولما استحكم الشقاق بين أهل البلاد واختلفت كلمتهم، حمل عليهم الآشوريون # 8 # وأخضعوهم لسيادتهم، وظلوا تحت سيطرتهم قرونا جرت في خلالها حوادث ~~خطيرة وانقلابات غريبة، حتى قامت الدولة البابلية الثانية التي أسسها نيو بلاصر ~~ودامت (611-538ق.م)، فلمت شعث البلاد، وعاد العز والإقبال إلى هذا القطر وعلا ~~شأنه في عهد الملك نبوكد نصر - بختنصر الثاني - غير أن شمس ذلك العز أفلت بظهور ~~كورش الفارسي الذي قرض تلك الدولة بعد أن عاشت 73 سنة تقريبا. # | الدولة الكيانية # أو الدولة الفارسية الثانية للعراق (538-331ق.م) # في أواسط القرن السادس قبل الميلاد (سنة 552 أو سنة 550)، ظهر أرمركورش الثاني الملقب ~~بكورش الأكبر ابن قنبوسيا، فنهض بقومه الفرس وأخضع الميديين # 1 # والعيلاميين بعد أن دانت له فارس، فتوج ملكا وأصبح إمبراطورا على هذه ~~الأقاليم الثلاثة: «فارس» و«ميدية» و«عيلام»، وأسس دولة الكيانين المشهورة، وعلى أثر ~~ذلك تحالفت مملكة «بابل» و«مصر» و«لديا» # 2 # على هذا الفاتح، فلم يغن تلك الممالك ذلك التحالف الثلاثي؛ لأن كورش حمل ~~بجيوشه الفارسية على الليديين أولا وقرض دولتهم سنة 546ق.م، وتوغل في آسيا الصغرى ~~وضم إلى مملكته بلاد مستعمرة الإغريق التي كانت على شواطئ آسيا الصغرى، ثم فتح «بخارى» ~~و«مرو» و«ديار الأفغان» و«بلوبحستاك»، ثم حول نظره إلى مملكة «بابل» فحمل عليها سنة ~~538ق.م بجيش جرار، فخرج للدفاع بلطشاصر ابن الملك البابلي بنو ناهيد، وبعد عدة معارك ~~انكسرت في جميعها الجنود البابلية. # وقع بلطشاصر قتيلا في المعركة الأخيرة، وانهزمت ~~جيوشه وتحصنت في عاصمة الملك ms04 مدينة بابل، فألقى الحصار عليها كورش بعد أن استولى في ~~طريقه على عدة مدن، وبعد حصار طويل دافع في خلاله البابليون دفاع الأبطال، استولى كورش ~~على «بابل» عنوة، وأسر الملك نبوناهيد وأهله وساقهم إلى «كرمان». # 3 # وعلى إثر سقوط مدينة «بابل» عاصمة «العراق»، سلمت جميع المدن العراقية لكورش في السنة ~~نفسها (سنة 538ق.م)، وانقرضت الدولة البابلية الثانية أو المملكة الكلدانية على يد هذا ~~الفاتح، بعد أن دامت 73 سنة كما تقدم. ~~(1) كورش والبابليون # دخل كورش مدينة «بابل» - كما يقول المؤرخون - دخول منقذ مصلح، فلاقاه أهلها ~~بالتهليل والتصفيق - شأنهم مع كل فاتح - واستقبلوه بالترحيب والسرور، وتلك عادتهم ~~مع كل قوي؛ فأظهر لهم الولاء والرقة والرأفة، وجاملهم وعطف عليهم ووالاهم ~~وسايرهم، وبالغ في احترام دياناتهم وعاداتهم وأميالهم، وأطلق لهم الحرية التامة ~~في العلم والعمل والدين، وأبقى قوانين البلاد وشرائعها على حالها، واقتدى بملوكهم ~~الأولين؛ فدخل هيكل الإله «بيل» ومسك بيده وقرب للآلهة القرابين، وقدم لهم التحف. # 4 # واتخذ لقب ملك بابل لنفسه، وعمل كل ما من شأنه أن يجذب إليه قلوب البابليين، ولم ~~يخرب شيئا من بلادهم؛ لذلك لم يسقط من مدن العراق شيء، وبقيت مدنه جميعها زاهرة ~~عامرة، من جملتها مدينة «أور» فإنها كانت في عهده عامرة زاهرة، ولكنها كانت حينذاك ~~من أصغر المدن العراقية، ومع ذلك فإن كورش سعى لتجديد بعض هياكلها، وقام بعمل في ~~سبيل خدمة هيكل الإله القمر - إله أور - وقد وجد النقابون أخيرا في أطلال هذه ~~المدينة سنة 1923م آجرة كتب عليها اسم هذا الفاتح، استدلوا منها على أنه عمر ~~وجدد هذا الهيكل، ويقول بعض المؤرخين إنه جدد عدة هياكل كانت في مدن العراق، ~~وأرجع كلا إلى موضعه من تماثيل الآلهة التي كان قد جمعها في مدينة «بابل» الملك ~~نبونا هيد من المدن العراقية أثناء الحرب لتنصره على كورش. # ولم يشتهر كورش بسياسته الرشيدة ومراعاته عواطف الشعوب واحترامه لدياناتهم ~~وعاداتهم وأميالهم فحسب، بل إنه اشتهر بتنشيط التجارة وتوسيع الزراعة، كما اشتهر ~~بالفتوحات والانتصارات؛ لذلك تمتع العراقيون في ms05 عهده بالحرية التامة، وكثرت ثروة ~~بلادهم، واتسع نطاق الزراعة في أرضهم، بما حفره هذا الملك من الترع والأنهار، وما ~~بثه من العدل والأمن في أنحاء البلاد؛ ومن أجل ذلك أحبوه كثيرا حتى إن أكثرهم ~~تجندوا وقاتلوا في الحروب تحت رايته، مع إن سكان البلاد كانوا حينذاك قد قل ~~عددهم على ما يقوله بعض المؤرخين. # وبعد أن تم أمر كورش في العراق أناب عنه نائبا فيها أحد قواده، وضرب عليها ~~خراجا معلوما - ضريبة سنوية - وسار بجيوشه قاصدا فتح سورية، فافتتحها ثم افتتح ~~فلسطين سنة 536ق.م، وعلى إثر فتحه فلسطين أصدر أمرا بإطلاق حرية اليهود ~~المأسورين في «بابل» من عهد الملك بختنصر، وأذن لهم بالرجوع إلى وطنهم «أورشليم» ~~وفي بناء الهيكل، بعد أن داموا بالأسر أعواما ذاقوا فيها أنواع المصائب وضروب ~~النوائب، وولى على فلسطين زربابل أحد أحفاد يهوياكيم، ولقبه بلقب «بها»؛ أي ~~الحاكم بالفارسية، فسار من العراق نحو الستين ألفا منهم إلى وطنهم، واختارت جماعة ~~كبيرة منهم السكنى في العراق. # ومات كورش # 5 # ذلك الفاتح العظيم والسياسي الكبير 529ق.م، بعد أن أسس الدولة ~~الكيانية الفارسية العظيمة، وأعلى شأن الفرس وترك لأعقابه مملكة تضم بلادا ~~كثيرة وإمارات جسيمة، وتمتد من شواطئ البسفور غربا إلى نهر السند شرقا، وكان سبب ~~موته أنه أراد تدويخ قلب آسيا، فجرح في معركة في محل قريب من أحد ضفتي ~~سرداريا - نهر سيحون الذي يسميه الأقدمون يكسرتس - ومات من أثر ذلك الجرح بعد أن ~~حكم 29 سنة. ~~(2) ثورة البابليين الأولى # تولى عرش الدولة الكيانية بعد كورش ابنه الأكبر قمبيز # 6 ~~(529-521ق.م)، وكان سلوكه كسلوك أبيه مع البابليين، ومن أجل ذلك أحبوه ~~كما أحبوا أباه قبله واحترموه، ولم يحدث في أيامه بالعراق ما يكدر جو السياسة، أو ~~ما يخل بنظام البلاد وإدارتها. # فلما مات قنبيز حين عودته من مصر قاصدا بلاد «مادي» التي أجلست على سريرها برديا، # 7 # اضطربت شئون الدولة الفارسية وطمع بها أمراؤها، وكثرت فيها الفتن ~~الداخلية، فاغتنم البابليون فرصة ذلك الانقلاب فثاروا على الفرس الذين في ms06 بلادهم ~~فقتلوهم وأعلنوا الاستقلال، وملكوا عليهم أحد أعقاب الملك نبونا هيد المدعو ندين ~~توبيل - ندين تابل - وأجلسوه على سرير «بابل»، فلقب هذا الملك نفسه «نيوكد نصر ~~الثالث»، وأعلن الاستقلال التام واستعد للدفاع عن بلاده، غير أن ذلك الاستقلال ~~التام لم يدم غير سنتين تقريبا (521-519ق.م)؛ لأن الفرس اجتمعت كلمتهم على دارا ~~الأول (521-485ق.م)، فقمع الفتن الداخلية وردع الأمراء الطامعين بالملك، واستتب ~~أمره في البلاد، ثم زحف على بلاد بابل بجيوشه الفارسية. # دارا الأول # حمل دارا على «بابل» فخرج لملاقاته ملكها ندين توبيل بجيوشه العراقية، والتقى ~~الملكان بالقرب من «دجلة» في أراضي «آشورية»، فانكسر الجيش العراقي واضطر إلى ~~الانسحاب، فعبر «دجلة» ونزل على ساحل «الفرات»، فلحقه دارا، وهناك حدثت حرب ~~شديدة انخذل في آخرها البابليون، وانهزموا إلى عاصمتهم مدينة «بابل» ~~وتحصنوا فيها، أما دارا فإنه جد بالمسير بعد ذلك النصر حتى ألقى الحصار ~~على مدينة «بابل»، فدافع ملكها ومن معه دفاع المستميت أياما حتى عجزوا عن ~~مقاومة الفرس؛ لكثرة عددهم وعددهم، فسقطت عاصمتهم سنة «519ق.م» ودخلها ~~دارا ظافرا، وقتل ملكها ندين توبيل الملقب نبوكد نصر الثالث، الذي لم يملك ~~غير سنتين تقريبا قضاهما في إعداد المعدات الحربية دفاعا عن حقه الصريح، ~~وحفظا لاستقلال بلاده. # سقطت «بابل» فسلمت جميع المدن العراقية لدارا، وخضع الحضر والبدو له، وبعد أن ~~نظم شئون البلاد ولى عليها حاكما عاما أحد قواده المسمى زوبيروس - ~~زبورا - وعاد إلى مقره، ورجعت الأمور كما كانت في عهد كورش، واشتغل العراقيون ~~بالتجارة والزراعة، وزادت ثروة بلادهم وعاشوا في بحبوحة الأمن والسعادة تحت ~~راية دارا الأول المشهور بالعدل وحب العمران، والولوع في كل ما يرقي التجارة ~~وينشط الزراعة ويجلب الخير والسعادة إلى رعاياه. ~~(3) ثورة البابليين الثانية # مات دارا الأول فتولى عرش الفرس ابنه سرخس الأول (485-465ق.م)، فخضع لسلطانه ~~البابليون بادئ بدء، ثم ثاروا عليه سنة 481ق.م، وقتلوا حاكمهم الفارسي زوبيرس ~~الذي ولاه دارا وأعلنوا الاستقلال - غير أننا لم يصلنا سبب ثورتهم هذه، ولا اسم ~~الملك الذي أجلسوه على عرش مملكتهم - فجهز لهم ms07 سرخس جيشا كثيفا بقيادة ~~مغابيروس - مكامبيز - بن زوربيروس المقتول، فحمل عليهم هذا القائد ، وبعد حروب انتصر ~~عليهم واستولى على عاصمتهم مدينة «بابل» وفتك بأهلها فتكا ذريعا، ونهب هيكل ~~الآلهة، وأمر بهدمه، وقتل رئيس كهنته، وحمل خزائنه وتماثيله إلى خزائن «سرخس»، وأسر ~~عددا كبيرا من ذوي الوجاهة والثروة والشرف، واستعمل منتهى الشدة والعنف، واضطهد ~~أهل البلاد فخضعوا للقوة وظلوا خاضعين بعد تلك النكبة للفرس، ولم تبد منهم أدنى ~~حركة أو ثورة في عهد هذا الملك، # 8 # وعهد خلفائه أردشير الأول (465-424)، # 9 # وسرخس الثاني # 10 ~~(424-423)، ودارا الثاني # 11 ~~(423-405)، وأردشير الثاني الملقب منه مون (405-358) الذي قاتله أخوه ~~كيخسرو على الملك بمساعدة اليونان ففشلوا وعادوا إلى بلادهم، وسميت رجعتهم رجعة ~~الاثني عشر ألفا، # 12 # وأردشير الثالث (358-338)، # 13 # ودارا الثالث (338-331ق.م) الذي سماه بعضهم «قودومان»، ولم تحركهم ~~الاضطرابات الداخلية ولا ضعف الدولة الفارسية، خصوصا في عهد الملك الأخير دارا ~~الثالث الذي تبوأ عرش المملكة في وقت كانت فيه الدولة الفارسية ضعيفة جدا؛ من ~~توالي الاضطرابات والفتن فيها. # | انقراض الدولة الكيانية الفارسية # وقيام الدولة اليونانية # لم يتخلص العراقيون من الاستعمار الفارسي حتى حمل الإسكندر المقدوني على مملكة الفرس في ~~عهد دارا الثالث، الذي جلس على سرير الملك في الوقت الذي كانت فيه الدولة الفارسية في ~~اضطراب مستمر، فزادها هذا الملك ضعفا واضطرابا لعدم كفاءته وقلة تجاربه، فانقرضت تلك ~~الدولة العظيمة على يد بطل اليونان الإسكندر بعد ثلاثة وقائع مشهورة: الأولى وقعة ~~الغرانيق التي حدثت سنة 334ق.م، والثانية وقعة أسوس # 1 # التي جرت سنة 333ق.م، والثالثة معركة أربيلا # 2 # التي وقعت 331ق.م، وهي التي قضت على تلك الدولة وقرضتها من العراق بعد أن ~~فتح الإسكندر من الفرس جميع ما كان لهم من البلاد والمستعمرات، عدا بلاد فارس التي ~~استولى عليها بعد فتح العراق، ومحى تلك الدولة من عالم الوجود. # بعد أن انقرضت الدولة الكيانية الفارسية العظيمة المجد المترامية الأطراف على يد ~~الإسكندر، وتم الأمر في العراق لليونان بعد وقعة أربيلا، ثم دانت ms08 لهم بلاد فارس بعد قتل ~~دارا الثالث؛ بقي العراق تحت حكم الإسكندر، ثم انتقل إلى خلفائه السلوقيين، وكانت مدة ~~حكم اليونان في العراق 205 سنوات 331-126ق.م، وذلك منذ أن افتتحه الإسكندر إلى انقراض ~~الدولة السلوقية اليونانية على يد البرتيين الفرس. ~~(1) تتمة لما سبق # كانت بلاد العراق - مملكة بابل - في عهد الدولة الكيانية مربوطة بإتاوة تدفعها ~~للدولة الفارسية كغيرها من الولايات، وكان لها حاكم عام مطلق يدير دفة السياسة ~~والإدارة والحرب معا، ويولي العمال على المدن، وكان لكل مدينة مجلس قضائي يسير ~~على ما جاءت به شريعة البلاد؛ لأن هذه الدولة كانت قد أبقت قوانين البلاد وشرائعها ~~وعاداتها على حالها، وكانت في الغالب تولي على الإيالات رجالا من العائلة المالكة ~~وتخول لهم السلطة التامة، وكان الحاكم الذي يتولى إحدى الأقاليم يسمى ساتراب، ~~وفي رواية أنها كانت قد جعلت في كل ولاية ومدينة هيئة عدلية مؤلفة من جماعة ~~أكثرهم من كهنة الفرس. # أما الدين الرسمي للدولة الكيانية فهو دين زردشت أو زورواستر أو زرادشت الذي ظهر ~~في الفرس بين القرن العاشر والسابع قبل الميلاد، وادعى النبوة وأنه مرسل من ~~الله، وأنه جاء من عنده بكتاب سماوي. وقد جاء زردشت بقوانين دينية ونظامات سياسية ~~ومدنية، ووضع لقومه كتابا سمي «الزاندافستا» ضمنه جميع تعاليمه وإرشاداته ~~الدينية، وعلى توالي الأعوام أصبحت شريعته رسمية في بلاد فارس، وترك الفرس ديانتهم ~~القديمة التي كانوا عليها منذ العصور الواغلة في القدم؛ وهي عبادة القوى الطبيعية ~~المختلفة وخاصة الشمس. ولا يسعنا هنا ذكر ما جاءت به شريعة زردشت، وما يعتقده ~~أتباعها، وما حدث عليها أخيرا من التغيير والتحرير والتحريف، غير أن هذا الدين لم ~~ينتشر في العراق أيام الكيانيين؛ لأنهم لم يجبروا أحدا على اعتناقه؛ ولذا لم ~~يعتنقه أحد من أهل هذا القطر، وظل منحصرا في الجالية الفارسية التي استوطنت ~~البلاد، حتى جاءت الدولة اليونانية، ثم الدولة البرتية، ثم الساسانية، فكثر أتباع ~~هذا الدين من الفرس لتوالي الدول الفارسية على هذه البلاد، فلما جاء العرب المسلمون ~~قرضوه بالتدريج كما ms09 قرضوا البقية الباقية من ديانة البابليين «الوثنية» التي قرضتها ~~النصرانية تقريبا قبل الفتح الإسلامي. # | الدولة البرتية # أو الدولة الفارسية الثالثة في العراق 126ق.م-226 بعد الميلاد # عندما ضعفت الدولة السلوقية اليونانية التي قامت على أنقاض دولة الإسكندر الذي قرض ~~الدولة الكيانية، اغتنم البرتيون # 1 # فرصة ضعفها، فنهض فيهم زعيمهم أرشك - أيشك، أرشاق - فاجتاح بقومه بلاد ~~البرتيين سنة 250ق.م، وخرج على السلوقيين، ثم أعلن استقلاله سنة 248ق.م وأسس ~~الدولة البرتية. # 2 # ومات أرشك في السنة التي أعلن استقلاله فيها، # 3 # وظل أعقابه يوسعون مملكتهم بما كانوا يفتحونه من بلاد الدولة السلوقية حتى ~~أصبحت دولتهم واسعة الأطراف، ثم حملوا على العراق سنة 143ق.م، وبعد حروب استمرت أعواما ~~بين الأمتين «البرتيون واليونان»، وجلبت على أهل هذا القطر الذي صار ميدانا لتلك الحروب ~~حينذاك أنواع النوائب، ثم تم أمر البرتيين في العراق سنة 126ق.م في عهد ملكهم مهرداد ~~السادس (175-126ق.م)، # 4 # واتخذوا مدينة «سلوقية» التي بناها سلوقس الأول اليوناني على الضفة اليمنى ~~من «دجلة» عاصمة لهم، بعد أن فتكوا بأهلها لتحزبهم للسلوقيين، ثم ابتنوا مدينة تجاه ~~«سلوقية» على الضفة اليسرى من «دجلة» وسموها «قطيسفون»، وجعلوها عاصمة لهم بدلا من ~~سلوقية، فسمى العرب هذه المدينة «طيسفون»، وسماها اليونان «أكتسيفون». ~~(1) شكل حكومة البرتيين # كان نظام الدولة البرتية يختلف باختلاف الأقوام والأقاليم، وكانت تنقسم إلى ممالك ~~صغيرة أو مقاطعات مستقلة، ولكل واحدة منها ملك يحكم عليها ويخضع للملك البرتي ~~المقيم في «أكتسيفون»، فهي والحالة هذه أشبه بالولايات المتحدة، ومن تلك الممالك ~~الصغيرة التي كانت في «العراق» إمارة «ميشان» التي كانت في موقع البصرة، وإمارة ~~«حطارا» التي كانت قرب «تكريت»، وإمارة «حدياب» التي كانت في أرض الموصل وما ~~يجاورها، أي بين الزابين وتمتد إلى الشرقات وإلى نصيبين وقاعدتها أربيل، وإمارة ~~«الحيرة» المشهورة التي كانت في موقع أبي صخير، وهي حكومة عربية أسسها مالك بن ~~فهم التنوخي سنة 138م. ~~(2) العراق في عهد البرتيين # بعد أن تم أمر الدولة البرتية في بلاد «بابل»، أطلقوا لأهلها الحرية التامة في ~~كل شيء، وأبقوا ms10 قوانين البلاد وشرائعها على ما كانت عليه قبلا، ولم يتعرضوا ~~بديانات أهل البلاد ولا بعاداتهم وعوائدهم، ومنحوا لبعض المدن استقلالا إداريا، ~~ولبعضها استقلالا إداريا وسياسيا، فكان في عهدهم لكل مدينة استقلال بلدي وحق ~~في انتخاب القضاة والمجلس الإداري، كما كان في مدن الأقطار الأخرى التي تحت حكمهم، ~~إلا أنهم جعلوا على العراق حاكما عاما فارسيا يدير شئون تلك المدن المهمة تحت ~~إشراف الملك البرتي المقيم في «أكتسيفون»، وفرضوا على كل مدينة ضريبة سنوية ~~تؤديها للحكومة، وبذلك تمتع العراقيون في أكثر عهد هذه الدولة بالحرية التامة، ~~وعمرت بلادهم وكثرت ثروتهم، خصوصا وأن البلاد كانت هادئة لم يحدث فيها حرب دينية ~~أو فتن مذهبية، إلا ما كان يحدث أحيانا بين أهل البلاد وبين اليهود من الفتن بسبب ~~الاختلاف الديني، مما لا علاقة له برجال الدولة؛ لأن البرتيين لم يكن عندهم فرق بين ~~دين وآخر، ولا تعصب لدين من الأديان حتى دينهم الرزدشتي الذي كانوا عليه؛ وما ~~كان يحدث بين هؤلاء الملوك وملوك «سورية» في الحروب التي كاد يتطاير بعض شررها على ~~أبناء الرافدين. ~~(3) الحروب بين البرتيين وملوك سورية # لما تم أمر البرتيين في العراق وأسسوا دولة كبيرة تضم عدة أقاليم، حاولوا ~~التسلط على سورية - كما حاول السلوقيون ملوك سورية الذين طردوا من العراق ~~إرجاعه إليهم - فسببت تلك المطامع حروبا دامت أعواما طوالا خسرت فيها ~~الدولتان خسائر فادحة، وأصيب بسببها أبناء الرافدين ببعض النوائب. # فلما انقضى عهد السلوقيين من سورية سنة 64ق.م وقام فيها الرومانيون، طمعوا في ~~العراق كما طمع البرتيون في سورية، فامتدت من أجل ذلك بينهم الحروب وأكثرها كانت ~~تقع فيما بين النهرين، ولكنها كانت في أول الأمر سجالا بين الأمتين، ثم صار النصر ~~حليف الرومانيين # 5 # وحمل طريانوس الإمبراطور الروماني سنة 114م بجيش كبير على البرتيين ~~في أيام الملك خسرو الذي سماه بعضهم أرشاق الرابع والعشرين، فانتصروا عليهم، وتوغل ~~الإمبراطور في بلادهم حتى استولى على سواحل «دجلة» من جبال «أرمينيا» إلى «خليج ~~فارس» سنة 115م، واستولى على مدينة «سلوقية» و«أكتسيفون» ms11 وغيرها من مدن العراق، ~~وزعزع أركان الدولة البرتية وكاد يقضي عليها، إلا أن الملك البرتي خسرو تمكن ~~أخيرا من جمع جيوشه المتفرقة، وحمل على الرومانيين وأخرجهم من بلاده فعادوا بالفشل. # 6 # ولم تمض أعوام قليلة حتى عادت الحرب بين الدولتين سنة 164م، فانتصر ~~الروم أيضا وتوغلوا في «العراق» وحاصروا عاصمة الملك «أكتسيفون» سنة 165م، ولم ~~يرجعوا عنها حتى عقدوا صلحا يرضيهم، فلما دخلت سنة 195م عادت الحرب فاندحر ~~البرتيون وتقدم الرومانيون وتوغلوا في «العراق»، وتمكنوا من الاستيلاء حربا ~~على «أكتسيفون» فنهبوها. # وظل البرتيون تارة ينتصرون على الروم وأخرى يندحرون أمامهم، وآونة يعقدون الصلح ~~معهم، حتى انقضت أكثر مدتهم في نزاع وحروب، هذا عدا ما كان يحدث أحيانا من الفتن ~~الداخلية التي كانت تقوم تارة بين الأسرة المالكة لتنازعهم على الملك، وأخرى من ~~الشعب فيختل النظام وتضطرب أمور المملكة، ويؤدي ذلك إلى خلع الملك أو قتله، ~~وأحيانا كان الرومانيون يتدخلون في شئون الدولة بسبب تلك الفتن المتوالية حتى تحكم ~~الضعف فيها واختل نظامها، وأخذت تنحط عاما فعاما، وزالت هيبتها وطمع بها ~~أعداؤها، وكان آخر ملوكها أردوان الرابع (216-226م). # 7 ~~(4) انقراض الدولة البرتية # جلس أردوان الرابع على العرش في الوقت الذي كانت فيه الدولة البرتية قد أنهكتها ~~الحروب الخارجية - التي تقدم ذكرها - والفتن الداخلية التي بدأت منذ سنة ~~197م، تارة بين الأسرة وتارة يثيرها الشعب على ملوكها لضعف الدولة، حتى طمع بها ~~أعداؤها، فزادت في عهده الفتن والاضطرابات، وكثرت المشاغب في الأسرة المالكة، ~~فاغتنم الرومانيون فرصة تلك الاضطرابات المتوالية التي أنهكت الدولة، وحمل ~~الإمبراطور الروماني قراقلا على ما بين النهرين سنة 216، ثم عقد خلفه مرقيانوس في ~~سنة 217م صلحا مع أردوان هذا، ولكن الدولة البرتية لم تكد تستريح من الحروب ~~الخارجية حتى ثار الفرس سنة 224م بزعامة أردشير بن بابك من آل ساسان، # 8 # الذي عزم على تأسيس دولته، ونهض بقومه من الهضاب التي في غربي «إيران»، ~~فأخضع في مدة قصيرة جميع بلاد «فارس»، وتبعه خلق كثير من الفرس الميديين، ثم حالف ms12 ~~جماعة كبيرة من الملوك والأمراء الذين تحت سلطة البرتيين فانحازوا إليه، وعزم على ~~محو تلك الدولة التي حكمتهم مدة خمسة أجيال، فهم أردوان الرابع بإخماد تلك الثورة ~~بادئ بدء، فخابت مساعيه بعد عدة معارك دارت رحاها بينه وبين أردشير، فاندحرت جيوشه ~~وأعلن أردشير ملوكيته المستقلة في «باخترا» وسمى نفسه ملكا. # وبعد حروب دامت نحو ~~سنتين انتصر أردشير انتصارا باهرا، ومزق جيوش الدولة البرتية، وافتتح «العراق» ~~وغيره من الأقطار التي تحت حكمهم، ودخل عاصمة الملك «أكتسيفون» سنة 226م، واستولى ~~على جميع ما كان لتلك الدولة من المستملكات والبلاد والأموال، وانهزم الملك البرتي ~~أردوان الرابع إلى جبال «أرمينيا» - وقيل قتل في المعركة الأخيرة # 9 ~~- فانقرضت دولة البرتيين التي أسسها «أرشك» بعد أن دامت 474 سنة (248 ~~قبل الميلاد-226 بعد الميلاد)، وضمت مدن «إيران» الحديثة وأكثر بلاد الأفغان، ~~وقسما كبيرا من «تركية آسيا»، وأقاليم متسعة من أملاك «روسيا» الحالية و«العراق» ~~وبلاد «آشور» وبلاد «مادي» التي في ضمنها «كردستان»، وملكت في بعض الأحيان بلاد ما ~~بين النهرين - الجزيرة - لأنها كانت تارة تكون للروم وتارة لهم، ولكنها لم تحكم ~~«العراق» إلا نحو 352 سنة (126ق.م-226 بعد الميلاد)، وعدد ملوكهم الذين حكموا ~~العراق 20 ملكا، أولهم مهرداد السادس وآخرهم أردوان الرابع، # 10 # وقد وجد الباحثون من النقابين في مدينة لاكاش - لجش - قصرا من بناء ~~هؤلاء الملوك قد شيدوه فوق هيكل أنينو الذي كان مرصودا لإله المدينة. # 11 ~~(5) تتمة لما تقدم # لقد اختلفت أقوال المؤرخين في مدة هذه الدولة وعدد ملوكها منذ نشأت حتى انقراضها؛ ~~فمن قائل إن مدتها كانت 397 سنة، ومن قائل إنها عاشت 481 سنة، ومن قائل إنها ~~دامت 474 سنة، ويزعم بعضهم أن عدد ملوكها 31 ملكا، ويقول آخرون 30 ملكا، وإن ~~الذين حكموا العراق منهم عشرون ملكا أولهم مهرداد السادس، وآخرهم أردوان الرابع، ~~ويروي البعض أن عددهم 19 ملكا. وكذلك جاءت أسماء هؤلاء الملوك مختلفة جدا؛ فمنهم ~~من يسمى أردوان باسم أرطبان، ومنهم من يذكر أولغاش بدلا من أردوان، ومنهم من ~~لم ms13 يذكر اسم أحد من هؤلاء الملوك إلا في سياق ذكر حادثة حربية أو فتنة داخلية. ~~وبينما نرى تواريخ الرومانيين تذكر أربعة ملوك سموا باسم أردوان، نرى تواريخ ~~الفرس لا تذكر غير ملكين سميا بهذا الاسم، ونرى من جهة أخرى أن بعضهم يلقب كل ~~ملك بلقب أرشاق، ويقول إن أولهم أرشاق الأول وآخرهم أرشاق الواحد والثلاثون. # 12 # ورأى بعض المؤرخين أن الذي تولى بعد أرشك الأول أشكان الأول، ثم أشكان الثاني، ~~ثم شابور، ثم بهرام، ثم بلاش، ثم هرمز، ثم نرسي، ثم فيروز، ثم بلاش الثاني، ثم ~~خسرو، ثم بلاشان، ثم أردوان، ثم خسرو الثاني، ثم بلاش الثالث، ثم كودرز، ثم نرسي ~~الثاني، ثم كودرز الثاني، ثم أردوان الثاني، وبه انقرضت هذه الدولة. # ويقول آخر إن الذي تولى الأمر بعد أرشك أخوه تيرداد، ثم أردوان الأول، ثم ~~أفراسياب، ثم فرهاد، ثم مهرداد الأول الذي قاتل السلوقيين وأخذ منهم بلاد «مادي» ~~وبلاد «آشور» وبلاد «بابل»، وأسر الملك السلوقي ده مترئيوس في الحادثة التي وقعت ~~على ساحل «الفرات» بعد حروب هائلة. ويروي لنا غيره أن أولهم أرشاق أو أرشك ثم ~~تسيردات الأول، ثم أرشاق الثاني، ثم أبراهاباط، ثم أبراهاط الأول، ثم ميثريدات ~~الأول، ثم أبراهاط الثاني، ثم أرطبان الأول، ثم ميثريدات الثاني، ثم أرطبان الثاني، ~~ثم سيناطروق، ثم أبراهاط الثالث، ثم ميثريدات الثالث، ثم أورود، ثم أبراهاط الرابع، ~~ثم أبراهاطاس، ثم أورود الثاني، ثم أونون، ثم أرطبان الثالث، ثم تيردات الثاني، ثم ~~وردان، ثم كوتارز «أوكورتارسن»، ثم أوجودرز، ثم أولغاش الأول، ثم باقور، ثم خوسرو، ~~ثم برثاتسباط، ثم أولغاش الثاني، ثم أولغاش الثالث، ثم أولغاش الرابع، ثم أرطبان ~~الرابع. وذكر بعضهم أن الذي جلس على العرش بعد أرشك هو تيراد، ثم أردوان الأول، ثم ~~أفراسياب، ثم فرهاد الأول، ثم مهرداد الأول، ثم فرهاد الثاني، ثم هرمز، ثم فرهاد ~~الرابع - ولم يذكر الثالث - ثم فيروز، ثم خسرو، ثم بلاش الثالث - ولم يذكر بلاش ~~الأول ولا الثاني - ثم أردوان الخامس - ولم يذكر غير الأول قبل ms14 هذا - وبه انقرضت ~~هذه الدولة. # وخلاصة القول: إن المؤرخين لم يتمكنوا من ضبط أسماء ملوك هذه الدولة بصورة ~~صحيحة، ولم يتوفقوا إلى معرفة تاريخها بالضبط؛ ولذلك تناقضت أقوالهم واختلفت ~~أخبارهم، خصوصا وأن هذه الدولة لم تترك آثارا تاريخية حتى يتوصل الباحثون إلى ~~ما يحتاجه التاريخ، ومع ذلك فإننا قدمنا في أبحاثنا ما هو الأرجح، وذكرنا في هذا ~~البحث ما وصلنا عن المؤرخين، ولا بد من يوم نقف فيه على ضالتنا بواسطة ما يستخرجه ~~النقابون من أطلال المدن القديمة، ولا سيما إذا حفروا أطلال «أكتسيفون» التي كانت ~~عاصمة هذه الدولة. # 13 # | الدولة الساسانية # أو الدولة الفارسية الرابعة في العراق 236-637م # بعد أن استولى أردشير بن بابك على «العراق» وقرض الدولة البرتية، وأسس الدولة ~~الساسانية، أو دولة الأكاسرة الشهيرة في التاريخ؛ نظم إدارة البلاد العراقية وولى ~~عليها الولاة، ولم يتعرض بديانة العراقيين ولا بعاداتهم، وأقر قوانين البلاد على ~~حالها، ولكنه اضطهد اليهود من أجل مساعدتهم للبرتيين أثناء الحروب التي قامت بينه وبين ~~البرتيين في العراق، وأقر على الحيرة وما يليها ملكا على العرب جذيمة الوضاح، الذي ~~كان محالفا له قبل فتح العراق ثم خضع لسيادته، وبسبب خضوعه هذا هاجر كثير من العرب ~~ولا سيما تنوخ التابعين لحكومة الحيرة، ونزلوا بادية الشام لأنهم أبوا الرضوخ ~~للفرس. # وبقي العراق في هدوء حتى مات أردشير سنة 241م، بعد أن حكم خمس عشرة سنة (226-241)، ومن ~~مبانيه في «العراق» مدينة «بهرسير»، بناها على «دجلة» تجاه «أكتسيفون» في الجانب الغربي، ~~وعدة حصون وقلاع منها قلعة كبيرة بالقرب من موقع «البصرة» عدا ما حفره من الأنهار، وما ~~جدده من المدن منها مدينة «سلوقية»، فإنه جدد بناءها فسميت بعد حين ~~«أرداشير». # مات هذا الفاتح والدولة الساسانية التي أسسها في دورة التأسيس، ولم يفتح بعد العراق ~~- بعد محو البرتيين والتغلب على مملكتهم - غير بلاد ما بين النهرين التي أعلن الحرب من ~~أجلها على الروم في عهد القيصر ألكسندر سويروس، وأخذ منه جميع تلك البلاد، ثم وسع ~~خلفاؤه الملك بفتوحات جديدة، ms15 حتى صارت هذه الدولة من أعظم دول الأرض في تلك ~~الأزمنة. # وتولى بعد أردشير الأول ابنه شابور الأول (241-272م) الذي أدخل القسم الأعظم من جزيرة ~~العرب تحت حماية الفرس، وبنى في «العراق» مدينة «تكريت» التي صارت بعد حين مركزا ~~للبعاقبة النصارى، وظهر في أيامه ماني المشهور الذي ادعى النبوة في بلاد فارس، وشابور ~~هذا هو الذي أسر ملك الروم والريانوس قيصر وأرسله أسيرا إلى «بابل»، بعد حروب شديدة ~~استمرت أعواما بين الدولتين، ولكنه اندحر أخيرا أمام أذينة الثاني العربي ملك «تدمر» ~~الخاضع لسيادة الرومانيين، حتى استرد منه باسم الرومانيين جميع بلاد الجزيرة، وظل ~~يطارده حتى دخل «العراق» وحاصر مدينة «سلوقية» سنة 261م، ثم رجع بمن معه من جيوش ~~العرب والروم؛ لاختلال حدث في المملكة الرومانية. # وتولى بعده ابنه هرمزد - هرمز - الأول سنة 272م، ثم بهرام الأول سنة 273م، وهو الذي ~~قتل ماني وسعى في محو مذهبه من بلاد فارس، وأعلن الحرب على الروم، فانخذل أمامهم فطاردوه ~~إلى «العراق» واستولوا على مدينتي «سلوقية» و«أكتسيفون»، ثم رجعوا إلى ما بين النهرين. ~~وخلفه بهرام الثاني سنة 276م، ثم بهرام الثالث سنة 293م، فلم يملك غير أربعة أشهر، ~~فتولى في السنة نفسها نرسي بن بهرام الثاني، وهو الذي حفر في العراق بنواحي الكوفة ~~نهر النرس الذي يأخذ من الفرات، # 1 # وفي أيامه جعل نهر «الخابور» حدا فاصلا بين العراق والروم، أو بين ~~المملكة الفارسية والمملكة الرومانية، وتولى بعده هرمزد الثاني (سنة 302-309م)، وفي كل ~~هذه المدة لم يحدث في العراق اضطراب أو اختلال داخلي. ~~(1) شابور الثاني والعرب العراقيون # تولى شابور الثاني بعد هرمزد الثاني سنة 309م، ولصغر سنه نصب الفرس وصيا عليه ~~ليتولى شئون المملكة، فساءت الأحوال بادئ بدء وكثرت الاضطرابات في المملكة حتى طمع ~~العرب فيها، وجاء منهم - زيادة على من في العراق منهم - عدة قبائل من البحرين ~~وغيرها وعبروا خليج «فارس» وأخذوا يشنون الغارات على الأطراف، وأغارت قبيلة «إياد» ~~على سواد «العراق» ونهبت وغنمت، وظل العرب أعواما - وخصوصا إياد - معادين للفرس ~~والفرس ms16 لا يقاتلونهم. فلما بلغ شابور السادسة عشر وتسلم زمام المملكة بدأ بأعدائه ~~القريبين منه، وهم العرب الذين في العراق، فتعمد أذاهم وإخراجهم من بلاده، ~~وخصوصا قبيلة إياد التي قال فيه شاعرها: # على رغم سابور بن سابور أصبحت # قباب إياد حولها الخيل والنعم # فتمكن من الفتك بالعرب، فقتل من «إياد» ومن «تميم» عددا كبيرا، وشتتت جيوشه ~~شمل العرب، ففر بعضهم إلى «الروم» وبعضهم إلى «البحرين» وغيرها، فطارد سابور ~~من في «البحرين »، فقطع الخليج الفارسي وفتك في «البحرين» و«اليمامة» ببني تميم، ~~ثم سار إلى «الأحساء» و«القطيف» وفتك بالعرب الذين هناك، ثم عاد وحمل على ديار بكر ~~وربيعة فيما بين مملكة «الفرس» و«الروم»، وفتك بهم، وكان ينزع أكتاف رؤساء العرب ~~الذين يظفر بهم فسموه «ذا الأكتاف»، ولم يكتف سابور بما أنزله بالعرب من الفتك ~~العظيم في أكثر الجهات، بل إنه أصدر بعد تلك الحادثة أمرا بعدم دخول العرب في ~~عاصمته بغير إذن منه، ومن دخلها بغير إذن يقتل، وبنى مدينة «الهفة» في طرف ~~السواد في أنحاء «البطيحة» في «العراق»، وأسكن فيها من أسره من إياد، ونهى الفرس ~~عن مخالطتهم، # 2 # فأراد العرب الذي فروا إلى «الروم» أن ينتقموا منه، فاتفقوا مع الروم ~~في عهد الملك قسطنطين الأكبر وزحفوا معهم على الجزيرة، فاتسع الخرق على الفرس وجرت ~~بين سابور وبين الروم عدة وقائع، انهزم في آخرها الفرس، فطاردهم الروم والعرب حتى ~~استولوا على «أكتسيفون» وغنموا ما فيها، فاضطر الملك الفارسي إلى تأليف جيش جديد ~~فتمكن من استرداد «أكتسيفون»، وظل يقاتل المهاجمين حتى أخرجهم من «العراق» ~~وطاردهم فحالفه النصر حتى اضطر الروم إلى مصالحته وإرجاع مدينة «نصيبين» له، ولما ~~تولى عرش الروم يوليانوس حمل على الفرس سنة 363م، وعبر نهر دجلة وتوغل في ~~البلاد حتى اقترب من «أكتسيفون» فلقيته جيوش شابور، وبعد معارك هائلة انكسرت الجيوش ~~الرومانية وقتل ملكها. # ولم يكن اضطهاد شابور قاصرا على عرب البادية، بل شمل سكان المدن منهم، وهم ~~النصارى الذين كانوا منتشرين في المدن العراقية، فإنه قتل كثيرا منهم، وأصدر ms17 أمرا ~~بمضاعفة الجزية السنوية التي عليهم، وذلك سنة 339م، وأردفه بأمر آخر بعد سنة قضى ~~بهدم الكنائس ثم قتل جماعة من الأساقفة، والذي حمله على ذلك انتشار الدين المسيحي ~~في عهده في «العراق» انتشارا هائلا بين الحضر والبدو من العرب، وتحزب النصارى ~~وتحسبهم لقياصرة الروم الذين من مذهبهم، لا سيما في عهد القيصر قسطنطين الكبير؛ ~~ولذلك بلغ الاضطهاد أشده في أيامه، وهو أول من اضطهد النصارى من الملوك ~~الساسانيين، وهو الذي بنى مدينة «آلوس» الواقعة في جزيرة صغيرة في وسط «الفرات» ~~شرقي «حديثة»، وجعلها مسلحة تحفظ ما قرب من البادية، وهو الذي حفر خندقا في ~~«برية الكوفة»، أي من «هيت» إلى «كاظمة» مما يلي موقع «البصرة» يشق طف البادية، # 3 # وينفذ إلى البحر، وجعل عليه القلاع والحصون ونظمه بالمسالح؛ ليكون ذلك ~~مانعا لأهل البادية من السواد، أي ليمنع هجمات العرب، # 4 # وهو جدد بناء مدينة «الأنبار» التي كانت على «الفرات» في غربي موقع ~~«بغداد» بينهما عشرة فراسخ، وهو الذي قرض دولة الضجاعمة العربية التضاعية، واستولى ~~على مدينتها الحضر التي يسميها اليونان «أترا»، ويسميها بعضهم «حطار» الواقعة في ~~الجزيرة في الجنوب الشرقي من «سنجار»، وهو الذي بنى القصر المشهور في مدينة ~~«أكتسيفون»، وجعله دار الملك، وأنفق على بنائه أموالا طائلة. # 5 # وتولى بعده أخوه أردشير الثاني سنة 379م، ثم خلع سنة 383م وأجلس ~~مكانه شابور الثالث، ثم بهرام الرابع سنة 388م، وفي أيامه أغار الهونيون على ~~«أرمينيا» سنة 396م، ثم على ما بين النهرين وسورية، واستولوا على بلاد كثيرة، ثم ~~حملوا على العراق حتى اقتربوا من «أكتسيفون»، فحمل عليهم بهرام هذا، وبعد عدة معارك ~~انخذل الهونيون وتمزق جمعهم واسترد منهم بهرام السبايا الذين سبوهم من بلاد ~~الروم، وكانوا نحو الثمانية عشر ألف نسمة، فأعاد بعضهم إلى بلادهم وأسكن بعضهم ~~«العراق»، وذلك سنة 399م. # ثم تولى يزد جرد الأول الملقب بالأثيم سنة 399م، وكان يحب العرب ويكرمهم، وكان ~~لملك «الحيرة» النعمان الأول عنده منزلة رفيعة، حتى إنه لما مرض ابنه بهرام أعطاه ms18 ~~وهو طفل للنعمان ليربيه في الحيرة لطيب هوائها وعذوبة مائها، فرباه النعمان أحسن ~~تربية وعلمه الكتابة والحكمة والرمي والفروسية وكل ما يلزم للملوك، وبنى له قصرا ~~فخما وبقي عنده حتى مات أبوه. وفي عهده اضطهد الفرس النصارى، فاتخذ الروم ذلك ~~الاضطهاد ذريعة للحرب، فتظاهروا بنصرة أبناء مذهبهم وأشهروا الحرب على الفرس، وبعد ~~عدة وقائع اتفق الفريقان على الصلح، وأرسل ملك الروم أركاديوس وفدا إلى «العراق»، ~~فنزل الوفد في البلاط الملوكي ب «أكتسيفون» فتم الصلح على شروط رضياها، من ~~جملتها : رفع الاضطهاد عن النصارى الذين في المملكة الفارسية، وعقد يزد جرد معاهدة ~~صلح لمائة سنة، وأزال الاضطهاد عن النصارى، وأذن لهم بتجديد الكنائس التي خربت في ~~الاضطهادات، وأطلق لهم الحرية التامة. # وخلفه ابنه بهرام الخامس أو بهرام جور سنة 420م، وهو الذي رباه النعمان الأول ~~ملك الحيرة وساعده على لبس التاج؛ لأن الفرس اختلفوا فيمن يملكون عليهم من ~~أولاد يزدجرد الأول الذين ثارت بينهم الفتن عند موت أبيهم، فاستنجد بهرام بالنعمان، ~~فجهز لنصرته جيشا كبيرا من العرب، وسار به إلى «أكتسيفون» وأجلس بهرام على ~~كرسي المملكة، ومن أجل ذلك أحب هذا الملك العرب حبا جما، ورفع منزلة ملك ~~الحيرة على سائر رجال دولته، فاعتلى شأن العرب في عهده. # وتولى بعده يزدجرد الثاني سنة 438م، ثم هرمزد الثالث سنة 457م، فنازعه أخوه ~~الأكبر بيروزا أو فيروز على الملك واستنصر بالهياطلة، # 6 # فأمده ملكها بثلاثين ألف مقاتل، فحارب أخاه حتى استولى على العرش ~~بعد أن قتل أخاه سنة 460م، فلما كانت سنة 484م قتل هذا الملك في حربه مع الروم، ~~فخلفه بلاش باني مدينة «ساباط» بالقرب من «أكتسيفون»، فنازعه أخوه قباذ على ~~الملك، ولكنه مات في أثناء ذلك، فصفى الجو لقباذ وجلس على العرش سنة 488م، وفي ~~أيامه ظهر مزدك الشيوعي ونشر الشيوعية في بلاد فارس، وتبعه الملك قباذ وساعده على ~~نشر مذهبه في المملكة الفارسية حتى كادت تسري الشيوعية إلى العراق، وأمر قباذ جميع ~~الولاة والحكام والموظفين في خدمة الحكومة باتباع هذا ms19 المذهب، فاتبعه فريق ~~منهم طوعا وآخرون كرها، وأبى اتباعه جماعة كبيرة منهم المنذر الثالث ملك ~~«الحيرة»، فعزله قباذ وولى على «الحيرة» كندة الحارث بن عمرو عدو المنذر، فلما ~~زاد تعصب قباذ للشيوعية اتفق عظماء الفرس على خلعه، فخلعوه وحبسوه سنة 499م، ~~وأجلسوا مكانه أخاه زماسب - جامسب. # وبعد قليل فر قباذ من الحبس بمساعدة أخته، وسار ملتجئا بالهياطلة والبرابرة، ~~وهناك استنجد بملكهم، فجهز له جيشا كبيرا وانضم إليه أتباع مزدك، فزحف قباذ ~~على أخيه، وبعد حروب قهره وعاد إلى العرش ثانية سنة 498م، فلما عاد قباذ ورأى ~~الفرس قد غضبوا عليه بسبب اتباعه لمذهب مزدك الشيوعي، تركه وتظاهر بالمجوسية، ~~وهو الذي جعل الخراج بالمساحة في «العراق»، بعد أن كان أسلافه يأخذون الخراج ~~بالمقاصمة، فضرب قباذ على الجريب الواحد من الأرض درهما وقفيزا، مهما يكن حاله من ~~الخصب أو الجدب؛ # 7 # فبلغت جباية «العراق» في أيامه مائة وخمسين مليون درهم في السنة، حيث ~~كانت بلاد «العراق» حينذاك زاهية بالبساتين والحدائق والمزارع العظيمة والأنهار، ~~خصوصا وأن هذا الملك كان قد نشط التجارة والزراعة، وحفر عدة أنهار في ~~«العراق». # وتولى بعد قباذ ابنه كسرى أنو شروان العادل سنة 531م، فأصلح أمور الدولة ونظم ~~جيوشها وعدل الشرائع التي وضعها أردشير الأول، # 8 # فزهت في أيامه المملكة الفارسية، وتقدم «العراق» نحو المدنية ~~والعمران حتى أصبح حافلا بالعلماء من أهل البلاد الأصليين والفرس وغيرهم، ونبغ فيه ~~جماعة من النصارى في الطب والفلسفة، وزادت ثروة أبناء الرافدين وسعدوا برقي بلادهم، ~~فبلغت جباية «العراق» في عهده مائتين وسبعة وثمانين مليون درهم؛ لأن هذا الملك بذل ~~جهده في إنماء ثروة البلاد، واجتهد كثيرا في تنشيط التجارة وتوسيع أمور الري ~~والمعارف، ونشر العدل وبث الأمن، ورغب الناس في العلوم فانتشرت في أيامه الفلسفة ~~اليونانية والعلوم المختلفة، وهو الذي حفر نهر «الفاطول» فوق «سامرا» المعروف ب ~~«القاطول النكسروي»، الذي كان يأخذ من «دجلة» في الجانب الشرقي ويصب في «النهروان»، ~~وحفر نهر «دن» بقرب «أكتسيفون»، وحفر غير هذا عدة أنهار وترع في «العراق»، ms20 وبنى ~~مدينة بالقرب من «أكتسيفون» وهي مدينة «نطيخوسرو» أي أنطاكية الجديدة لأنها كانت ~~على شكل أنطاكية الروم، فسمتها العرب «رومية المدائن»، وسماها الكلدان «ماحوزا ~~حدثا»، أي القلعة الجديدة، وزاد في القصر الملوكي الذي أسسه شابور ذو الأكتاف ب ~~«أكتسيفون» وأكثر من زخرفته، وأعاد المنذر الثالث ملك «الحيرة» إلى ملكه، وقتل ~~مزدك وكثيرا من أتباعه، واجتهد في محو الشيوعية حتى أزالها من مملكته، وعدل قانون ~~الجزية أي أنقصها عما كانت عليه أيام أسلافه ترفيها لرعاياه، واستثنى منها أهل ~~البادية وهم عرب «العراق»، أي إن هذه الجزية أو الضريبة السنوية على أهل المدن فقط. ~~ولما جاء الإسلام أراد عمر أن يجعلها على العرب أولا ثم عفى عنهم، فأصدر أمرا ~~عاما ألزم به الرعية الجزية ما عدا العظماء وأهل البيوتات والجند والهرابذة ~~والكتاب ومن بخدمة الملك، كل إنسان على قدره، فجعلها اثني عشر درهما، وثمانية ~~دراهم، وستة دراهم، وأربعة دراهم، وعفى عمن كان عمره دون العشرين أو فوق الخمسين، ~~وأمر أن يوضع عمن أصابت غلته جائحة - أضرار - بقدر حائجته، وبجمع الجباية في كل ~~أربعة أشهر مرة واحدة، وبهذا التعديل خفف عن رعاياه، وفي أيامه غزت قبيلة إياد ~~القوافل فحمل عليهم أنو شروان، وكانوا قرب مكان «الكوفة» ففتك بهم وطردهم من ~~«العراق»، فهاجروا إلى الجزيرة، وعلى إثر ذلك جدد سور مدينة «آلوس»، ووضع فيها ~~جنودا لصد هجمات القبائل العربية التي كانت تغير على ما قرب من السواد إلى ~~البادية. # وجلس على سرير المملكة بعده هرمزد الرابع سنة 579م، ثم خلع على إثر فتنة قامت ~~بينه وبين القائد العام بهرام، الذي انحازت إليه الجيوش كلها فأجلس الفرس على العرش ~~ابنه أبرويز سنة 590م - كسرى برويز أو كسرى الثاني - حسما للنزاع وتسكينا للفتن ~~والاضطرابات، فازداد القائد عتوا وطمع في العرش، فدارت رحى الحرب بينه وبين الملك ~~أبرويز، وبعد عدة وقائع جرت بالنهروان في العراق، انتصر بهرام واستولى على ~~«أكتسيفون» واغتصب العرش وأعلن نفسه ملكا، أما أبرويز فإنه فر بعد انكساره إلى ~~«القسطنطينية» مستنجدا بالإمبراطور موريس «موريقي»، ms21 فأكرم وفادته وزوجه بابنته، ~~ثم جهز له جيشا عرمرما وأمده بالأموال، فسار أبرويز بالجيش حتى اقترب من ~~العراق فلاقاه بهرام، وبعد معارك هائلة دامت مدة انتصر أبرويز انتصارا باهرا، ~~ومزق جيوش بهرام، وظل يطارده إلى «أذربيجان»، وهناك انتصر عليه انتصارا ~~نهائيا، ففر بهرام إلى بلاد الترك، وعاد أبرويز إلى عرش الملك ودخل «أكتسيفون» ~~باحتفال عظيم، بعد أن دامت الحروب بينه وبين بهرام أربع سنوات. # وعلى إثر هذا الفوز تنازل أبرويز للروم عن مدينتي «دارا» و«ميافارقين» اللتين ~~أخذهما أبوه هرمزد منهم، وأرسل إلى الإمبراطور موريس هدايا نفيسة، وأجزل العطاء ~~والصلات إلى قواد الروم الذين جاءوا لنصرته، وفرق الأموال في العساكر الرومية، ~~فعادوا إلى مقرهم، وعقد أبرويز معاهدة الصلح مع الروم، وأصبحت الدولتان في وفاق ~~ووداد، خصوصا وأن أبرويز أضحى صهر موريس، ولكنه ألغى تلك المعاهدة وأشهر الحرب على ~~الروم سنة 602م، عندما خلعوا الإمبراطور موريس وقتلوه وأجلسوا مكانه «فوقا» على أثر ~~فتنة أهلية حدثت في مملكتهم، فحمل عليهم أبرويز بجيوشه سنة 604م؛ أخذا بثار حميه ~~مورس، ودامت الحروب بين الأمتين أعواما. وبعد أن توغل الفرس في مملكة الروم ~~واستولوا على أكثر ممتلكاتها ومستعمراتها، وكادوا يفتحون «القسطنطينية» ويقضون على ~~تلك المملكة، انعكس الأمر عندما تولى هراقليوس عرش الروم، وأخذوا يستردون من ~~الفرس مدينة بعد أخرى، وظل الفرس يتقهقرون والروم يتقدمون حتى اقترب هراقليوس ~~بجيوشه من «نينوي»، وهناك دارت رحى حرب طاحنة دارت بها الدائرة على الفرس، واستولى ~~الروم على «نينوي» سنة 627م، ثم على «كركوك»، ثم تقدموا نحو «العراق» حتى وصلوا ~~«الزاب الأكبر»، وهناك حدثت حرب أخرى دموية، فانكسر الفرس فيها أيضا، وأخذ الروم ~~يتقدمون والفرس يفرون حتى وصل هراقليوس إلى الدسكرة، # 9 # ثم تقدم إلى «النهروان» فاختل أمر الفرس واضطربت أحوالهم، فاجتمع ~~كبراؤهم فخلعوا أبرويز وولوا مكانه ابنه شيرويه، وذلك سنة 628م. # ففاوض الملك الجديد الروم في الصلح فأجابوه، وتم عقد الصلح بينه وبين هراقليوس ~~على ما يرضي الروم، فعادوا إلى بلادهم، وعلى أثر ذلك قتل الملك شيرويه أباه ~~أبرويز. # وأبرويز ms22 هذا هو الذي قتل النعمان الثالث ملك الحيرة سنة 616م، وولى بدله على ~~الحيرة إياس بن قبيصة الطائي، وهو الذي أرسل إليه صاحب الشريعة الإسلامية # صلى الله عليه وسلم # كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عبد الله بن حذافة السهمي سنة 628م الموافقة لسنة ~~6ه، فلما حضر عبد الله أمام أبرويز سلمه الكتاب وهذا نصه: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، سلام على من اتبع الهدى ~~وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ~~ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن أبيت فإنما عليك إثم ~~المجوس.» # فقرأه أبرويز فلما انتهى منه مزقه وأساء إلى حامله، وكتب إلى عامله ب «اليمن» ~~يأمره أن يغزو المدينة ويأتيه برسول الله أسيرا، وعاد عبد الله إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # وأخبره بما فعل أبرويز، فقال: «اللهم مزق ملكه كما مزق كتابي.» فلما خلع ~~أبرويز كتب ابنه شيرويه إلى عامله ب «اليمن» ينهاه عن مقاتلة رسول الله. # وفي عهد أبرويز حدثت المعركة الشهيرة بوقعة «ذي قار» بين الفرس والعرب التي انتصر ~~فيها العرب انتصارا باهرا على الفرس. # ولم يملك شيرويه غير بضعة أشهر فقتل وخلفه أردشير الثالث سنة 629م، ملكه الفرس ~~وهو طفل فجعلوا له نائبا ليقوم بأمره، وهو رئيس أصحاب المدائن - رئيس الوزراء - ~~المدعو جسنس، فتسلم هذا زمام الأمور، ولكن الاضطرابات الداخلية كانت تزداد ~~يوما فيوما في الوقت الذي حمل المسلمون فيه على «العراق» بقيادة خالد بن الوليد، ~~فاختلت شئون المملكة واختلفت كلمة رجال الدولة حتى آل ذلك إلى حدوث فتنة بين ~~رئيس القواد وبين نائب الملك، كان النصر في آخرها لرئيس القواد، فحمل بجيوشه على ~~«أكتسيفون» وحاصرها ونصب عليها المجانيق، ثم احتلها عنوة وقتل أردشير الملك ~~ونائبه وجماعة من رجال الدولة، واغتصب العرش ونادى بنفسه ملكا سنة 630م، ولكنه لم ~~يلبث أكثر من أربعين ms23 يوما حتى وثبت عليه جماعة من الفرس وقتلوه، وعلى أثر ذلك اتفق ~~رجال الدولة على تمليك بوران بنت كسرى أبرويز في السنة نفسها، فلم تملك هذه غير ستة ~~عشر شهرا فاحتال عليها رئيس القواد بيروز وخنقها سنة 631م، فاشتد الشقاق ~~والخلاف بين رجال الحكومة وعظمت الاضطرابات في المملكة الفارسية، وانقسم الفرس إلى ~~ثلاثة أقسام، فبايع أهل «أكتسيفون» آزرميد وخت بنت كسرى أبرويز، وبايع أهل ~~«خراسان» صبيا من أولاد الملوك اسمه ميهر خوسرو، وبايع أهل «اصطخر» # 10 # يزدجرد بن شهريار، ثم قتلت آزرميد وخت، قتلها رستم حاكم خراسان بعد ~~أن حمل عليها بجيشه، ودخل «أكتسيفون» حربا عقب عدة معارك، ثم قتل ميهر خوسرو ~~أيضا فسادت الفوضى في البلاد واختل النظام، والذي زاد الدولة اضطرابا وزعزع ~~أركانها توغل العرب المسلمين في العراق، الذين جاءوا للفتح منذ أيام أردشير ~~الثالث، أي سنة 629م بقيادة خالد بن الوليد في عهد الخليفة الأول أبي بكر. # ثم اتفق أهل «أكتسيفون» على تمليك حشنشده ابن عم أبرويز سنة 632م، فقتل هذا بعد ~~شهر من تمليكه، وولوا مكانه فيروز بن مهران من نسل أنو شروان، فقتل بعد بضعة ~~أيام وملك بدله سابور بن شهريزان، وكان طفلا فقام بأمره أحد كبار رجال الدولة اسمه ~~فرخ زاد خسرو بن البنذوان، ولم يمض ثلاثة أشهر حتى قتل الملك ونائبه، وزاد أمر ~~الدولة اديارا بسبب تلك الفتن المستمرة وطمع بها أعداؤها، فلما أدرك الفرس خطورة ~~موقفهم اجتمعوا على تمليك يزدجرد الثالث ابن شهريار الذي أجلسه على العرش أهل ~~«اصطخر»، فاستقدموه منها إلى «أكتسيفون»، وأجمعوا كلمتهم عليه، فحضر «أكتسيفون» سنة ~~632م فدانت له الفرس. ~~(2) انقراض الدولة الساسانية # جلس يزدجرد الثالث على عرش المملكة الفارسية في الوقت الذي كانت فيه الدولة قد ~~ضعفت من توالي الفتن الداخلية، وزادها ضعفا توغل العرب المسلمين في العراق ~~وحروبهم الشديدة مع الفرس منذ أيام أردشير الثالث وأيام الخليفة الأول أبي بكر ~~الصديق، فكان هذا الملك يبذل جهده في إخماد الثورات الداخلية القائمة بين قومه من ~~جهة، ويصد هجمات ms24 العرب الذين جاءوا للفتح من جهة أخرى، حتى ارتبك عليه الأمر، ولكنه ~~كان مع كل ذلك جلدا لا يظهر الضعف ولا يتظاهر بالعجز أمام العرب، وظل يجهز ~~الجيوش لقتالهم، فانتصروا عليه في أكثر الوقائع وفي الأخير أصلوه حربا حامية في ~~وقعة «القادسية» الشهيرة سنة 636م، ثم أجبروه على الهزيمة من «العراق» إلى بلاد ~~«فارس» سنة 637م، بعد حروب عديدة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وقامت دولة ~~الإسلام في «العراق» وانقرضت منه دولة «الفرس» التي حكمته 410 سنوات ~~(226-637م). ~~(3) تتمة لما تقدم # كان معظم سكان «العراق» في عهد الدولة الساسانية من بقايا الأراميين الأصليين - ~~وهم الكلدان والسريان - والقبائل العربية التي منها إياد وربيعة وغيرهما، وعرب ~~المناذرة سكان «الحيرة» وما يتبعها ، ويتخلل تلك الجموع شتات من الفرس والأكراد ~~وغيرهم من أمم أخرى، وكان الجميع في عيش رغيد وحرية تامة، بسبب عدم تعرض هؤلاء ~~الملوك بشرائع أهل البلاد وآدابهم وعاداتهم، وإبقائهم القوانين على ما كانت عليه ~~قبلا، غير أنهم بدءوا باضطهاد النصارى العراقيين منذ تنصر القياصرة ملوك «رومية» ~~بعد أن كانوا وثنيين، أي منذ أيام القيصر قسطنطين الكبير، بسبب ميل النصارى إلى ~~القياصرة أبناء مذهبهم والتجسس لهم، خصوصا عندما كانت تقوم الحرب بين الفرس ~~والروم، فيتجسس النصارى لأبناء دينهم، حتى إن بعض الملوك قتلوا كثيرا من رؤساء ~~النصارى وهدموا أكثر كنائسهم، ولم يكن ذلك وحده سببا لاضطهادهم، بل إن انتشار ~~الدين المسيحي بين عرب «العراق» من بدو وحضر، وازدياد أتباعه عاما فعاما خوف ~~الفرس من القضاء على دينهم الزردشتي الذي اتخذوه دينا رسميا لدولتهم واجتهدوا ~~بتقويته، خصوصا وأن الدين المسيحي كان قد صار أخيرا دينا رسميا لدولة الروم ~~المجاورة لهم، وصار الروم ينتصرون للنصارى الذين تحت حكم الفرس، حتى إنهم كانوا ~~يتخذون اضطهادهم في بعض الأحيان ذريعة للحرب مع الفرس، ومع ذلك كله فقد كان أهل ~~العراق في عهد هذه الدولة سعداء بالنسبة إلى الأمم الأخرى الراضخة لحكم الأجنبي في ~~ذلك العهد. # أما حالة «العراق» من الوجهة الاقتصادية فكانت حسنة جدا؛ ms25 لاعتناء هؤلاء الملوك ~~بالري واهتمامهم بتوسيع نطاق الزراعة وتنشيط التجارة ورقيها، ومن أجل ذلك كان ~~«العراق» في عهدهم غنيا جدا، وقد بلغت ثروته حينذاك مبلغا عظيما بفضل الزراعة ~~والتجارة والصناعة، واشتغل أبناء الرافدين في أيامهم بالتجارة برا وبحرا، ~~وتبادلوا بها مع أهل الأقطار البعيدة ك «مصر» و«سورية» و«الهند» و«فارس» وغيرها، بل ~~إن زراعة العراق كانت في عهدهم أرقى زراعة في العالم؛ بفضل ما حفروه من الترع والأنهار، # 11 # وأصبحت جباية هذا القطر عظيمة خصوصا في عهد أردشير الأول ودارا الأول ~~وقباذ وأنو شروان، # 12 # ولم يكن اهتمام هؤلاء الملوك قاصرا على رقي التجارة وإنماء الزراعة ~~فحسب، بل إن أكثرهم اهتموا بنشر العلوم أيضا، فأنشئوا في العراق المدارس والمراصد ~~والبيمارستانات، وخدموا المدنية القديمة بأنظمتهم ومؤسساتهم. # أما جباية خراج «العراق» فكانت في عهدهم بالتعديل؛ أي إنهم كانوا يأخذون خراج ~~الأراضي بالمقاسمة، فلما تولى قباذ بن فيروز جعل الخراج بالمساحة، فضرب على ~~الجريب الواحد درهما وقفيزا مهما يكن حاله من الخصب أو الجدب، أما الجزية فعلى ما ~~يروى أنها لم تكن عندهم قبل أنو شروان بن قباذ، وأنه هو الذي وضعها حينما عدل ~~قوانين دولته، وكان قد أصدر قانونا بإلزام الناس الجزية ما خلا العظماء وأهل ~~البيوتات والجند والمرازبة والكتاب ومن في خدمة الملك، كل إنسان على قدره، ~~فجعلها اثني عشر درهما، وثمانية دراهم، وستة دراهم، وأربعة دراهم. # وكانوا قد جعلوا في كل مدينة ديوانا خاصا بالخراج تدون فيه أعماله ودخله ~~وخرجه، وله كتاب وجباة وعمال من أهل البلاد، وعلى كل مدينة حاكم يسوسها ويدير ~~دفة إدارتها ويرأس جندها، وقد أطلقوا على الولاة الكبار اسم «الموهباط» من الفارسية ~~«مه آباد»، وعلى الذي يتولى الحدود «مرزبانا» - أي حافظ الحدود - وعلى العمال ~~الذين هم أحط منزلة اسم «الرد»، وكانوا لا يولون الولاية إلا لقائد محنك ~~يعهدون إليه الحرب والإدارة؛ أي القيادة والولاية. # وكان هؤلاء الملوك يقيمون أيام الشتاء في مدينة «أكتسيفون المدائن» التي صارت في ~~آخر أيامهم أعظم مدينة، ويقضون المواسم الثلاثة الباقية في مدينة ms26 ~~«اصطخر» ب «فارس»، ثم صاروا أخيرا يقضون أكثر أيامهم في «أكتسيفون»، وقد سموا ب ~~«الأكاسرة» منذ أيام كسرى أنو شروان بن قباذ، ومعنى «كسرى»: واسع الملك، وجمعه ~~«أكاسرة»، وعاشت هذه الدولة 425 سنة (226-651م)، وقام فيها 28 ملكا أولهم أردشير ~~بن بابك، وآخرهم يزدجرد الثالث الذي قتل سنة 651م الموافقة لسنة 31ه في عهد ~~الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وبقتله انقرضت هذه الدولة ومحيت من عالم الوجود ~~على يد العرب المسلمين، بعد أن كانت من أكبر دول العالم، وتشتمل على بلاد «إيران» ~~و«الديلم» و«جورجان»، وبلاد «بابل» - العراق - وبلاد «آشور» التي في ضمنها ~~«كردستان»، وبلاد الجزيرة - بين النهرين، وجزائر خليج «فارس»، وقسم من بلاد العرب ~~منها بلاد «اليمن». # ولم يكن سبب انقراض هذه الدولة العظيمة المجد المترامية الأطراف غير الانقسامات ~~التي حدثت فيها، والثورات الأهلية المتوالية، والفتن المستمرة بين الأسرة المالكة ~~تارة وبين رجال الدولة أخرى، والحروب التي كانت تقوم بينهم وبين الروم في أزمان ~~مختلفة، أهمها الحروب التي استعرت نارها في عهد أبرويز حتى تمكن الضعف منها ~~فتمكن العرب المسلمون من محوها، واستولوا على جميع بلادها بالتدريج، فإنهم قرضوا ~~دولتهم من «العراق» سنة 637م، الموافقة لسنة 16ه، ثم قرضوها من بلاد فارس سنة 651م ~~الموافقة لسنة 31ه، وأصبحت هذه الدولة منذ ذاك في خبر كان. # ولم تقم بعد الدولة الساسانية دولة للفرس في «العراق» أعواما طوالا، بل انتقل ~~الحكم في هذا القطر بعد انقراضهم إلى الخلفاء الراشدين، ثم إلى بني أمية، ثم إلى ~~بني العباس، حتى إذا ما ضعف شأن الخلافة العباسية في بغداد في الوقت الذي قامت فيه ~~دولة فارسية في بلاد «فارس» على يد بني بويه، طمع هؤلاء فحملوا على «بغداد» ~~وأسسوا فيها دولة فارسية في سنة 334ه الموافقة لسنة 945م، ثم تلتها الدولة ~~الصفوية بعد حين من الدهر، ثم الدولة الزندية في العهد العثماني، وسنذكر ذلك في ~~محله. # | الدولة البويهية الفارسية في العراق # أو الدولة الفارسية الخامسة في العراق 334-447ه/945-1055م ~~(1) بدء دولة بني بويه # تمهيد: ابتدأت هذه ms27 الدولة بقيام ثلاثة إخوة: أبو الحسن علي، وأبو علي الحسن، وأبو الحسن ~~أحمد، أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو، الذي يتصل نسبه على ما قيل إلى ملوك الفرس القدماء، # 1 # وكان أبوهم أبو شجاج قد سكن بلاد «الديلم»، # 2 # ونشأ أولاده فيها ثم خرجوا مع من خرج من بلاد «الديلم» من أهل ~~العصابات والثورة من دعاة العلويين ليفسدوا على العباسيين، فدخل الإخوة الثلاثة في ~~جيش «ماكان بن كالي»، فلما أدبر أمر «ماكان» التحقوا بمرداويج مؤسس الدولة ~~الزيارية في «طبرستان» و«جرجان» و«الري» و«قزبين» و«همدان» و«أصبهان» وغيرها، ~~فتقلد كل واحد منهم ناحية من الجبل سنة 321ه الموافقة لسنة 933م، وكان أكبرهم ~~وهو أبو الحسن علي على بلاد «الكرج» التي كانت في «العراق» العجمي بين «أصفهان» ~~و«همذان»، وكان عالي الهمة فكثر أتباعه وأتباع أخويه، ثم حصلت بينه وبين مرداويج ~~وحشة، فانتقض عليه وسار إلى «أصفهان» وملكها، ثم استولى على أرجان - جرجان. # وعلى ~~أثر ذلك كاتبه أهل «شيراز» يستدعونه، فسار إليهم سنة 322ه/934م، فقاتله ياقوت ~~عامل الخليفة، ولكنه فشل وانهزم ودخل علي «شيراز»، فدانت له بلاد «فارس» كلها ~~واشتهر، ولما قتل مرداويج انضمت عساكره إلى علي هذا، وكان الخليفة يومئذ الراضي ~~بالله، فكتب إليه علي وإلى وزيره علي بن مقلة يطلب تقرير البلاد عليه بألف ألف درهم ~~- مليون - في السنة، فأجيب إلى ذلك وبعثوا إليه بالخلع واللواء، ولما قوي أمر ~~علي أقطع أخاه الحسن «أصفهان»، وأخاه أحمد «كرمان»، وأقام هو ب «فارس» ملكا عاما ~~إلى أن مات سنة 338ه، بعد أن أسس أكبر دولة فارسية شيعية في الشرق. # وأول غارة شنها البويهيون على «العراق» كانت في سنة 326ه الموافقة لسنة 937م، ~~وذلك أن أبا عبد الله البريدي كان قد انهزم من «ابن رائق» و«بجكم التركي» - يحكم ~~- المتغلبين على الخلافة ب «بغداد»، وسار إلى «اصطخر» مستنجدا بعلي بن بويه، فأرسل ~~أخاه أحمد لأخذ «العراق»، فسار هذا بجيوشه حتى وصل «أرجان»، فلاقاه هناك «بجكم» ~~والي مدينة «واسط»، وكان قد سار لصده، وبعد عدة معارك انهزم «بجكم» ms28 إلى «الأهواز»، ~~فتقدم أحمد إلى عسكر مكرم وقاتل حاميتها الذين تركهم فيها «بجكم»، فهزمهم ~~ففروا إلى «تستر»، ثم سار أحمد إلى «الأهواز» وملكها عنوة وفر «بجكم» إلى ~~«واسط»، وعلى أثر ذلك حدث خلاف بين أحمد وبين ابن البريدي فهرب الثاني، فعلم ~~باختلافهم «بجكم» فأرسل جيشا واسترد «الأهواز» وأكثر البلاد التي استولى عليها ~~أحمد، فلما فشل أحمد استنجد بأخيه علي فأمده بالجيوش، فعاد واستولى على «الأهواز»، ~~أما «بجكم» فإنه سار من «واسط» إلى «بغداد» واستولى عليها، وقلده الخليفة الراضي ~~بالله إمارة الأمراء؛ خوفا من شره، وذلك سنة 329ه، وكان ابن البريدي بعد أن فر ~~من أحمد قد أقام ب «البصرة»، وصار يراسل «بجكم» ويحرضه على المسير إلى «الجبل» ~~ليرجعها من الحسن بن بويه، ثم يسير إلى «الأهواز» فيستردها من أحمد بن بويه، واتفق ~~معه فأمده «بجكم» بخمسمائة فارس وسار هو إلى «حلوان» في انتظاره، وبقي ابن ~~البريدي يتربص ببجكم وينتظر أن يبعد عن «بغداد» فيهجم هو عليها، فأدرك ذلك «بجكم» ~~فرجع إلى «بغداد»، ولما عظمت الفتن في «بغداد» وتوالت الاضطرابات في «العراق»، ~~وتولى إمارة الأمراء توزون التركي - تورون أو طوسون - كان أحمد مقيما ب ~~«الأهواز» يراقب كل ما يجري في «بغداد» من الأعمال، ويأخذ الأخبار عن الحوادث ~~التي تقع فيها، فاغتنم فرصة نكبة الخليفة المتقي بالله فحمل بجيشه إلى «واسط» سنة ~~333ه، فلاقاه توزون والخليفة المستكفي بالله بالعساكر، فرجع أحمد إلى «الأهواز» ~~وظل يترقب الفرص، ولما اشتدت الفتن في «بغداد» وضاقت بها الجبايات على العمال، ~~وخلا بيت المال وامتدت الأيدي إلى أموال الناس، وزاد ظلم الأتراك في «العراق»، ~~وتقاعد الناس عن الأعمال فغلت الأسعار وقطعت الطرق، وأصبحت البلاد العراقية ~~فوضى، واضطرب حبل الأمن، وتولى إمارة الأمراء زيرك بن شيرزاد التركي، وأخذ أهل ~~بغداد بالجلاء عنها، خصوصا التجار خوفا من المصادرات، وضاق الأمر بالناس وسئموا ~~تجبر الأتراك وظلمهم وغدرهم بالخلفاء؛ استغاثوا بأحمد بن بويه سرا، وكتب إليه ~~أحد القواد الأتراك المدعو «ينال كوشه» يطمعه في «العراق» - كتب إليه لبغضه لزيرك ~~بسبب ما ms29 كان بينهما من العداوة - فنهض أحمد مغتنما فرصة تلك الفتن المحزنة، وسار ~~بجيوشه الديلم من «الأهواز» مسرعا، فخرج إليه زيرك بمن معه من جيوش الأتراك ~~وقبائل الأكراد الذين جمعهم، فالتقى الفريقان، وبعد معارك هائلة انهزم زيرك بمن ~~معه، وسار قاصدا «الموصل» بعد أن تولى الإمارة ثلاثة أشهر، واختفى الخليفة في ~~داره ب «بغداد» وخاف خوفا شديدا واضطرب الناس. # أما أحمد بن بويه، فإنه قدم كاتبه حسن المهلبي، فلما دخل هذا «بغداد» ظهر ~~الخليفة المستكفي ودعا المهلبي إلى داره وأظهر له السرور والفرح بانتصار أحمد ~~وقدومه. # ثم دخل أحمد «بغداد» في شهر جمادى الأولى سنة 334ه باستقبال عظيم، وذهب إلى دار ~~الخليفة واجتمع به، فولاه الإمارة وحلف له وخلع عليه وألبسه طوقا من الذهب ~~وسوره بسوارين من الذهب، وفوض إليه تدبير المملكة، وعقد له لواء وأمر أن ~~يخطب له على المنابر، ولقبه «معز الدولة»، ولقب أخاه عليا «عماد الدولة»، ~~وأخاه الحسن «ركن الدولة»، وأمر بضرب ألقابهم على الدراهم والدنانير. ~~(2) معز الدولة أحمد بن بويه 334-356ه # لما استتب أمر معز الدولة في «العراق» ورتب شئون البلاد، أقام ببغداد فاستأمن ~~إليه أبو القاسم البريدي من «البصرة»، وكان حاكما عليها وضمن له «واسط» وأعمالها، ~~فعقد له عليها في السنة نفسها (334ه)، وعلى إثر ذلك حجر معز الدولة على الخليفة، ~~وقدر له برسم النفقة كل يوم خمسة آلاف درهم - وهو أول من فعل ذلك من البويهيين، ~~وأول من ملك «بغداد» منهم - وبعد قليل حدثت بينه وبينه الخليفة وحشة، ورآه يسعى في ~~إعادة حقوق الخلافة المغصوبة، فعزم على خلعه، فاجتمع به في قصر الخلافة في محفل ~~حافل، وبينما هم جلوس دخل اثنان من كبار الديلم وتناولا يد الخليفة، فظنهما ~~يريدان تقبيلها، فمدها فجذباه عن سريره ووضعا عمامته في عنقه، وأخذا بخناقه ~~وساقوه ماشيا إلى دار معز الدولة في أسوأ حال، وهناك خلعوه واعتقلوه، وسملوا ~~عينيه، وظل في دار السلطنة معتقلا حتى توفي في سنة 338ه. # أما معز الدولة فإنه لما ساق أصحابه الخليفة، نهض من دار ms30 الخلافة وسار إلى داره، ~~فضربت البوقات والطبول، ونهب الديلم ما في قصر الخلافة من الأموال الثمينة، فاستاء ~~الأهلون ونقموا على معز الدولة فاضطربت بغداد، فلم يبال معز الدولة بشيء، بل إنه ~~جمع رجاله وأحضر أبا القاسم الفضل بن المقتدر فبايعه بالخلافة، وأخذ له البيعة ~~العامة فلقبوه «المطيع لله» (334-363ه/945-973م)، ومنذ ذاك اغتصب معز الدولة ما ~~بقي من حقوق الخلافة، ولم يبق للخليفة غير كاتب يدبر أملاكه وإقطاعه التي ~~تركها له ليسد بها حاجاته، وأصبحت سلطة الخلافة مسلوبة تماما، ولم يبق للخليفة ~~غير الاسم والتوقيع على المناشير، وصارت الوزارة من جهة البويهيين بعدما كانت من ~~جهة الخلفاء. # وظل السعد يخدم معز الدولة حتى بلغ ما لم يبلغه أحد قبله في الإسلام إلا ~~الخلفاء. # الحرب في بغداد # على أثر خلع الخليفة المستكفي ومبايعة المطيع، جهز ناصر الدولة بن حمدان - ~~صاحب الموصل - جيشا كبيرا لقتال معز الدولة وطرده من «بغداد»؛ لأنه ساءه ~~استيلاء معز الدولة على «بغداد» وخلعه المستكفي وسلبه حقوق الخلافة، فبلغ ذلك ~~معز الدولة فجهز جيشا وأرسله لملاقاته بقيادة موسى بن فيادة وينال كوشه ~~التركي، فالتقى الجيشان في «عكبرا»، فانتصر ناصر الدولة وتقدم قليلا، ~~فاضطر معز الدولة إلى تجهيز جيش جديد قاده بنفسه وأخذ معه الخليفة، فحدثت بين ~~الفريقين حروب شديدة، فأرسل معز الدولة في أثناء ذلك القائد زيرك بن شيرزاد ~~التركي - الذي التحق به - بفرقة من عساكره إلى «بغداد» لخلوها من الجيوش، ~~فاستولى عليها زيرك بغتة باسم «ناصر الدولة»، وعلى أثر ذلك توجه ناصر ~~الدولة من «سامر» إلى «بغداد»، فانحاز إليه ينال كوشه ومن معه. # فبلغ ذلك معز الدولة، فسار ومعه الخليفة والجيوش إلى «بغداد»، فوجدوا ناصر ~~الدولة قد دخلها، فافتتحوها فدخلوا الجانب الغربي منها، وانقسمت المدينة إلى ~~شطرين؛ الجانب الشرقي في قبضة ناصر الدولة بن حمدان، والجانب الغربي بيد معز ~~الدولة البويهي، فحدثت بين الفريقين عدة معارك هائلة داخل المدينة دامت ~~أياما، نهب في أثنائها الديلم كثيرا من أموال الناس حتى قال بعضهم إنهم ~~نهبوا ما يقدر بعشرة ملايين ms31 من الدنانير، وضاق الحال بمعز الدولة حتى إنه ~~عزم على الانسحاب إلى «الأهواز»، فحملت جنوده حملة عنيفة نهائية فانتصرت، ~~واضطر ناصر الدولة إلى الانسحاب، فخرج من «بغداد» وعاد إلى مقره، وذلك في محرم ~~سنة 335ه الموافقة لسنة 946م، # 3 # ثم جرت بينهما مراسلات، فتم الصلح بينهما على أن يحمل ناصر ~~الدولة إلى معز الدولة مبلغا من المال في كل سنة عن «الموصل» و«ديار بكر» ~~و«ديار مضر» و«الجزيرة». # الاضطرابات في العراق # وفي السنة نفسها (335ه) انتفض أبو القاسم بن البريدي ب «البصرة»، فأرسل معز ~~الدولة جيشا لقتاله، فبلغ ذلك ابن البريدي فسير جيوشه للقتال، فالتقى ~~الجمعان في «واسط»، فدارت الدائرة على جيش ابن البريدي وبلغه خبر الهزيمة، ~~فجهز جيشا ثانيا، فخرج معز الدولة من «بغداد» بجيش كبير ومعه الخليفة ~~المطيع لله قاصدا طرد ابن البريدي من «البصرة»، فلما وصل إلى «الدرهمية» ~~استأمن إليه جيش «البصرة»، فاضطر ابن البريدي إلى الهرب وفر إلى القرامطة، ~~فدخل معز الدولة ومن معه «البصرة»، وذلك في 336ه، وبعد أن نظم شئونها ولى ~~عليها وزيره حسن المهلبي ورجع إلى «بغداد». # ولما كانت سنة 337ه امتنع ناصر الدولة بن حمدان عن إرسال المال المقرر ~~إرساله إلى «بغداد»، فحمل عليه معز الدولة بجيوشه الديلم، فلما اقترب من ~~«الموصل» فر ناصر الدولة إلى «نصيبين»، فدخل معز الدولة «الموصل» بدون قتال، ~~وبينما هو عازم على مطاردة ناصر الدولة بلغه قدوم الجيوش الخراسانية على ~~«جرجان» و«الري» لقتال أخيه، فاضطر إلى مصالحة ناصر الدولة، فتم الصلح ~~بينهما على أن يؤدي ابن حمدان عن بلاده مليونا من الدراهم في كل سنة، وأن ~~يخطب لبني بويه في جميع بلاده: «الموصل» و«الجزيرة» و«سنجار» و«نصيبين» ~~و«الرحبة» و«رأس العين» و«الخابور». # فرجع معز الدولة إلى «بغداد»، فانقطعت الاضطرابات أكثر من ثلاث سنوات في ~~«العراق»، فحمل في سنة 341ه يوسف بن وجيه صاحب «عمان» على «البصرة» وحاصرها ~~أياما، فقاتله أميرها حسن المهلبي حتى اضطره إلى الرجوع بالفشل. # فهدأت الأحوال إلى سنة 347ه، فامتنع ابن حمدان عن تأدية ما عليه من ms32 المال، ~~فزحف عليه معز الدولة لأخذ بلاده، فانهزم ابن حمدان إلى حلب، وبعد مراسلات ~~تصالحا وعاد كل منهما إلى مقره على أن يدفع ابن حمدان في كل سنة مليونين ~~من الدراهم عن بلاده إلى معز الدولة. # ولم تمض سنة على ذلك الصلح حتى فسدت نية معز الدولة على ناصر الدولة، فحمل ~~عليه بجيوشه ومعه وزيره المهلبي، وحجته في ذلك تأخير إرسال ~~المال المقرر - والظاهر أنه كان يريد إضعافه أو محو حكومته؛ لئلا تكون بجانبه إمارة عربية ~~قوية - ولما اقترب ابن بويه من «الموصل» فر ابن حمدان إلى «نصيبين»، ثم بدأت ~~غارات بعضهم على بعض حتى ضعف أمر ابن حمدان، فاضطر إلى الهرب إلى «حلب» عند ~~أخيه سيف الدولة، وكتب إلى معز الدولة يسأله الصلح، فأبى وحجته في ذلك أنه ~~خالف مرة بعد مرة، فاضطر سيف الدولة إلى أن يكون ضمان البلاد التي لأخيه ~~ناصر الدولة باسمه، وتعهد بدفع مليونين وتسعمائة ألف درهم سنويا، وأن يكون ~~الحكم فيها لأخيه، فتم الصلح وعاد كل منهما إلى مقره، وذلك في سنة 348ه، ~~وبعد مضي خمس سنوات امتنع ناصر الدولة عن دفع الضمان السنوي - أي المال - ~~فعادت الحرب بين الفريقين، وحمل معز الدولة على «الموصل»، فانهزم منها ناصر ~~الدولة إلى «نصيبين» فلحقه معز الدولة، فلما اقترب منه فر منها إلى «جزيرة ~~ابن عمر»، وبينما معز الدولة يتتبع آثار ناصر الدولة في جزيرة «ابن عمر»، إذ ~~حمل ناصر الدولة على «الموصل» بغتة ومعه أولاده وجيوشه، فدخلها وفتك ~~بالديلم وأسر كبراءهم وغنم جميع ما فيها من الأموال والذخائر التي لمعز ~~الدولة، فاضطر الأخير إلى عقد الصلح، فتم بينهما وعاد معز الدولة إلى ~~«بغداد». # ولم تمض مدة قصيرة على هذه الحادثة حتى شغب الجند في «بغداد» على معز الدولة ~~بسبب تأخير مرتباتهم، ولما كان المال الموجود غير كاف للجند، اضطر معز الدولة ~~إلى أخذ أموال الناس بالباطل، فصادر بعض المثرين من أهل الوجاهة، فلم ~~يغنه ذلك شيئا، فمد يده إلى ضياع الخلافة وضياع الملاكين وسلمها إلى ~~قواده ms33 ليزرعوها ويأخذوا مرتباتهم من غلتها، ولم يكتف بهذه الأعمال ~~المخالفة للعدل، بل إنه لما بنى سنة 350ه قصره المعروف ب «الدار المعزية» في ~~محلة الشماسية - السليخ اليوم - وصرف عليه نحو مليون دينار واحتاج إلى المال، ~~صادر جماعة من رجال الحكومة، ثم احتاج إلى المال لأمور أخرى فأعطى القضاء ~~بالضمان - بالالتزام - فضمنه عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب بمائتي ألف ~~درهم سنويا يدفعها إلى بيت المال ب «بغداد»، وسمي «قاضي قضاة بغداد» - ~~وهو أول من ضمن القضاء في الإسلام. # 4 # وفي أيام معز الدولة أسست الإمارة الشاهينية ب «البطيحة» في «العراق» في ~~سنة 338ه؛ أسسها عمران بن شاهين من أهل الجامدة، # 5 # بعد أن حدثت بينه وبين معز الدولة حروب عديدة، وعجز معز الدولة عن ~~قهره حتى اضطر إلى مصالحته وتقليده إمارة البطائح، # 6 # ثم خرج على معز الدولة في سنة 354ه، وظلت الديلم تقاتله تحت قيادة ~~أبي الفضل العباس بن الحسن مدة طويلة، فمات معز الدولة في سنة 356ه، فاضطر ~~جيشه لمصالحته. # وفي أيام معز الدولة جرى في «بغداد» مأتم رسمي في يوم عاشورا على الحسين ~~ابن الإمام علي، بأمر أصدره في سنة 352ه، قضى بإغلاق جميع الأسواق، وبمنع ~~الطباخين من الطبخ، وبإخراج نساء يلطمن في الشوارع ويقمن العزاء للحسين، ~~وهذا أول يوم جرى فيه مأتم رسمي على الإمام ابن الإمام، ومعز الدولة هذا أول ~~من فعل ذلك؛ إرضاء لأبناء مذهبه الشيعة. # ومات معز الدولة ب «بغداد» في 13 ربيع الآخر سنة 356ه، وكان ولي عهده ابنه ~~«بختيار» الملقب ب «عز الدولة»، ووزيره الحسن المهلبي، وحاجبه سبكتكين، ~~وكاتباه أبا الفضل العباس بن الحسين وأبا الفرج محمد بن العباس. ~~(3) عز الدولة بختيار 356-367ه # لما مات معز الدولة ب «بغداد» في 13 ربيع الآخر سنة 356ه، وكان ابنه بختيار ~~الملقب ب «عز الدولة» ولي عهده تولى الأمر بعده، فأصدر الخليفة المطيع لله ~~منشوره في ذلك وخلع عليه ولقبه «عز الدولة»، وأول شيء فعله عقد الصلح مع عمران ~~بن شاهين أمير البطائح. ms34 # ولم يكن عز الدولة كأبيه في السياسة والتدبير، بل كان ضعيف الرأي، سيئ التدبير، ~~مشغولا بالملاهي، مسيئا إلى رجال حكومته، حتى إنه طرد كبار الديلم طمعا في ~~إقطاعاتهم، وسبب ذلك شغب الجند عليه ب «بغداد» وكانوا يومئذ طائفتين؛ الديلم ~~والأتراك، فتوالت الفتن بسبب سوء تدبيره وقلت الأموال وكثرت حروبه مع أمراء ~~البلاد المجاورة له ك «الموصل» و«البصرة» وغيرها، حتى زالت هيبته وطمع به أعداؤه، ~~وانقطع عنه سبكتكين التركي لسوء سيرته، وعصى ب «البصرة» أميرها أخوه حبشي بن معز ~~الدولة، وثار عليه في سنة 357ه، فأرسل عز الدولة وزيره أبا الفضل العباس بن الحسين ~~فانتصر الوزير على حبشي وقبض عليه وصادر أمواله التي ب «البصرة»، وأرسله مخفورا ~~إلى أخيه عز الدولة ب «بغداد» فحبسه. # ثم ثار في سنة 359ه أمير البطيحة عمران بن شاهين، فسار لقتاله عز الدولة حتى نزل ب ~~«واسط»، ثم أمر وزيره أبا الفضل أن ينحدر إلى «الجامدة»، فانحدر إليها بالجيش ~~وحاصر «البطيحة»، فطال أمد الحصار - وعز الدولة ب «واسط» ينتظر الظفر - فضجر ~~الجيش وثار على أبي الفضل، فاضطر إلى عقد الصلح مع عمران وصالحه على مال يرسله في ~~كل سنة إلى عز الدولة، فعاد الجميع إلى «بغداد» وذلك في سنة 361ه. # وفي هذه السنة (361ه) جاء إلى «بغداد» فريق كبير من المسلمين مستصرخين بما فعل ~~الروم في «الجزيرة» و«نصيبين»، فثارت عامة «بغداد» تريد حرب الروم، فطلب عز الدولة ~~من الخليفة مالا لتجهيز الجنود، فقال له الخليفة: «تلزمني النفقة على الحرب إذا ~~كانت البلاد في يدي وتجبى إلي الأموال، أما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء، ~~وإنما يلزم من في يده البلاد، وليس لي إلا الخطبة، فإذا شئتم أن أعتزل فعلت.» فلم ~~ينفع الخليفة احتجاجه، وهدده عز الدولة فخاف على نفسه من القتل ولم يكن عنده ~~مال، فاضطر إلى بيع أنقاض داره وأثاثها وثيابه، فجمعت أربعمائة ألف درهم، فسلمها ~~إلى عز الدولة، فشاع أن الأمير صادر الخليفة، ولما قبض عز الدولة المال صرفه على ~~مصالحه وتقاعد عن ms35 الحرب، فانقطع حديث الناس عن الحرب. # الفتنة بين الديلم والأتراك # دخلت سنة 363ه، فسار عز الدولة إلى «الأهواز»، فحدثت هناك فتنة بين الديلم ~~والأتراك أدت إلى حرب دموية بين الطرفين، فانتصر عز الدولة للديلم واعتقل ~~رؤساء الأتراك، ففتك الديلم بالأتراك، وبلغ ذلك من في «البصرة» من الديلم، ~~فنودي بالبصرة بإباحة دماء الأتراك، فقتل منهم عدد كبير، واستولى عز الدولة ~~على إقطاع سبكتكين التركي - حاجب أبيه معز الدولة. # وبلغ ذلك سبكتكين - وهو يومئذ ببغداد - فثار بمن معه من الأتراك، ونهب دار ~~عز الدولة، واستولى على حكومة «بغداد»، وطلب من الخليفة المطيع لله أن يخلع ~~نفسه ويسلم الخلافة إلى ابنه عبد الكريم، وكان المطيع قد أصيب في هذه السنة ~~(363) بالفالج، وثقل لسانه وتعذرت الحركة عليه، فخلع نفسه وبايع لابنه عبد ~~الكريم ولقبه «الطايع لله»، فتمت له البيعة (363-381ه). # أما عز الدولة فإنه كان قد سار من «الأهواز» إلى «البصرة»، ثم سار إلى ~~«واسط»، فبلغه ما حدث ببغداد فتوجه إليها، فلما وصلها ورأى الأتراك قد ~~استولوا على الدولة، أخذ يدبر المكيدة على سبكتكين، فأغرى رجاله الديلم ~~بإذاعة خبر موته ليأتي سبكتكين إلى داره للعزاء فيقبض عليه، ففعلوا ذلك، غير ~~أن سبكتكين لم تفته هذه الحيلة، فحاصر دار عز الدولة ثم وضع النار فيها، ~~فخرج أهلها وطلب عز الدولة الذهاب إلى «واسط» بمن معه، فأذن لهم سبكتكين، ~~فانحدروا في «دجلة» ومعهم الخليفة الطائع - وفي الحقيقة أنه طائع - فبلغ ~~سبكتكين خروج الخليفة معهم، فأرسل جماعة من رجال لإرجاعه فردوه إلى «بغداد»، ~~وقوي أمر الأتراك ببغداد، وعلى أثر ذلك استولى سبكتكين على جميع ما كان لعز ~~الدولة من الأموال المنقولة والثابتة، فتحمس الديلم الذين في «بغداد» ~~وثاروا، فنهبوا أموال الأتراك، فحدثت من جراء ذلك فتنة عظيمة وانقسم ~~البغداديون إلى حزبين: السنة وهم أنصار الأتراك، والشيعة وهم أنصار الديلم. ~~وبعد قتال دام بضعة أيام في شوارع المدينة وأسواقها، انتصر السنة وأحرقوا ~~دور الشيعة، ثم هدأت الأحوال من نفسها. # أما عز الدولة فإنه عندما وصل مدينة «واسط» استنجد ms36 بابن عمه عضد الدولة ~~المستقل ببلاد فارس، فلما علم الثاني بضعف أمر الأول وما فعله الأتراك معه، ~~عزم على المسير لنصرته، فسار في عساكر «فارس» سنة 364ه قاصدا «واسط»، ولما ~~وصلها واجتمع بعز الدولة اتفقا على أن يسير عضد الدولة إلى الجانب الشرقي من ~~«بغداد»، ويسير عز الدولة إلى الجانب الغربي منها، فيحاصراها من جميع ~~الجهات، ثم سارا بالجيوش على تلك الخطة حتى أحاطوا بالمدينة، وكان سبكتكين قد ~~مات قبل أن يحاصرا «بغداد»، فخرج إليهما عضد الدولة والتقوا بالقرب من ~~«تكريت»، وبعد عدة معارك، وولى الأتراك مكانه أفتكين التركي، فتجهز هذا لصد ~~جيوش الديلم، فلما أحاطوا ببغداد اتخذ خطة الدفاع ودافع هو ورجاله دفاعا ~~شديدا، وفي أثناء ذلك غلت الأسعار وقلت الأقوات حتى احتاج أفتكين إلى ~~الطعام، واضطر إلى كبس بيوت البغداديين، فكبسها وأخذ منها كل ما وجده من ~~الطعام، فاضطرب حبل الأمن وكثر النهب والسلب في المدينة وسادت الفوضى فيها، ~~وأخيرا اضطر أفتكين إلى منازلة عدوه خارج المدينة، فخرج إليه وقاتلت جنوده ~~قتالا شديدا، وبعد معارك هائلة انهزم بمن معه إلى «تكريت»، واستولى عضد ~~الدولة وعز الدولة على «بغداد». # ولما كان عضد الدولة طامعا في «العراق» وعالما بضعف عز الدولة وقلة المال ~~عنده، أغرى الجنود على أن يثوروا عليه ويطالبوه بنفقاتهم، فشغبوا عليه ~~وبالغوا فيه، فاحتار عز الدولة؛ لأنه كان لا يملك شيئا من المال، فأشار عليه ~~عضد الدولة بعدم الاكتراث بهم والتظاهر بالتنازل عن الملك، فظنه عز الدولة - ~~لضعف رأيه - أنه ناصح له ومدبر، ففعل ما أشار عليه وأغلق باب داره وصرف ~~حجابه وكتابه، فشاع في المدينة أن عز الدولة قد تخلى عن الملك، فاجتمع ~~رجال الحكومة والجنود حول عضد الدولة، ففرق على الجيوش الأموال، وجلب إليه ~~قلوبهم فنودي له بالملك. # ولما نجح عضد الدولة في حيلته، اعتقل عز الدولة وإخوته وصفا له الجو ~~ببغداد. # وعلى أثر ذلك ثار في سنة 364ه المزربان بن عز الدولة، وكان متوليا على ~~«البصرة» من قبل أبيه، وكاتب أمراء البلاد يطلب منهم ms37 نصر أبيه، فكتب إلى ~~ركن الدولة يخبره بما فعل ابنه عضد الدولة بأبيه، فغضب ركن الدولة لهذا الأمر ~~وكتب إلى ابنه يأمره بأن يعيد الملك إلى عز الدولة، فأجابه يعلمه بضعف رأي ~~عز الدولة، وأنه لا يقدر على ضبط الملك وتدبيره، وأنه إذا ترك «العراق» له ~~ربما ضاع من بني بويه كافة، فأساء أبوه الرد عليه وحبس وزيره ابن العميد أبا ~~القاسم، فاحتال الوزير على ركن الدولة حتى أقنعه على شرط أنه إذا أطلقه من ~~السجن يعيد الملك إلى عز الدولة، فأطلقه على هذا الشرط، فسار إلى «بغداد» ~~وخوف عضد الدولة من أبيه وحذره عاقبة التعنت، وصادف ذلك انتقاض بعض ~~العمال على عضد الدولة، واتفاق الأمراء الذين راسلهم ابن عز الدولة على ~~قتاله واجتماع كلمتهم على نصر أبيه، فخشي عضد الدولة عاقبة الأمر، فأخرج عز ~~الدولة من السجن وأعاده إلى منصبه، وسار عن «بغداد» راجعا إلى مقره، واستلم ~~عز الدولة زمام الأمور. # ولما مات ركن الدولة سنة 366ه وتولى ملكه ابنه عضد الدولة، كان عز الدولة ~~يسعى في اجتذاب الأمراء إليه ليقوى بهم على عضد الدولة، حتى إنه أغرى بعضهم في ~~الانتقاض عليه، فعلم ذلك عضد الدولة فعزم على أخذ «العراق» منه، وسار بجنوده ~~نحوه، فخرج عز الدولة إلى «واسط» لصده، وبعد معارك شديدة اندحر عز الدولة ~~وتحصن في «واسط» وطلب الصلح، فترددت الرسل بينهما أياما بدون فائدة، ~~وأخيرا سار عضد الدولة إلى «بغداد» ودخلها بسلام، وكتب إلى عز الدولة يدعوه ~~إلى الطاعة ويأمره بالخروج من «العراق» إلى أي قطر شاء إلا «الموصل»، فخرج ~~عز الدولة من «واسط» قاصدا «سورية»، وذلك سنة 367ه الموافقة لسنة ~~977م. ~~(4) عضد الدولة بن ركن الدولة (367-373) # عندما دخل عضد الدولة «بغداد» خلع عليه الخليفة الطائع، وتوجه بتاج مجوهر ~~وطوقه وسوره بسوارين - على جري العادة - وقلده سيفا من الذهب، وعقد له ~~لواءين، أحدهما مذهب والآخر مفضض، وكتب له عهدا قرئ بحضرته، وأمر أن يخطب ~~له على المنابر بالملك، وأن يضرب اسمه ولقبه على الدراهم والدنانير، ms38 ولما خرج عضد ~~الدولة من قصر الخلافة أرسل إلى الخليفة هدية فاخرة نقلها خمسون حمالا، من ~~جملتها خمسون ألف دينار وألف ألف درهم - مليون - وخمسمائة ثوب من الحرير وثلاثين ~~صينية مذهبة فيها المسك والعنبر والكافور والند وغير ذلك من الثياب والفرش ~~والخيل. # أما عز الدولة فإنه لما خرج من «واسط» قاصدا «سورية» ووصل «حديثة الفرات»، وافاه ~~أبو تغلب بن حمدان في عشرين ألف مقاتل وكان من أنصاره، فاتفق معه على قتال عضد ~~الدولة وإخراجه من «العراق» فزحفا على «بغداد»، ودارت الدائرة على جيش ابن حمدان ~~وانتصر عضد الدولة وأسر عز الدولة وقتله وقتل وزيره أبا طاهر محمد بن بقية بن علي ~~الملقب «نصير الدولة»، وكانت بينه وبين عضد الدولة عداوة لأسباب طويلة أهمها أنه ~~أغرى عز الدولة على قتال عضد الدولة، وقد طلبه عضد الدولة بعد أن ملك بغداد وقتل عز ~~الدولة، فقبض عليه وألقاه تحت أرجل الفيلة فقتل، فأمر بصلب جثته فصلبت عند داره ~~بباب الطاق ببغداد، وذلك سنة 367ه، فرثاه أبو الحسن محمد بن عمران الأنباري أحد ~~العدول ببغداد، بقصيدته المشهورة التي مطلعها: # علو في الحياة وفي الممات # لحق تلك إحدى المعجزات # ويروى أن عز الدولة لما قصد «سورية» كان معه حمدان بن ناصر الدولة الحمداني، ~~فأغراه حمدان على أخذ «الموصل» من أخيه أبي تغلب بن ناصر الدولة - وكان مغاضبا ~~لأخيه - فلما وصل «تكريت» أوفد إليه أبو تغلب رسولا يسأله القبض على حمدان وإرساله ~~إليه، وأنه إذا فعل ذلك سار إليه بنفسه ليقاتل عضد الدولة ويعيده إلى ملكه، فقبض ~~بختيار على حمدان وسلمه إلى رسل أبي تغلب، فحملوه إليه فحبسه، ثم سار بختيار ~~بعشرين ألف مقاتل واجتمع بأبي تغلب عند «حديثة»، ومن هناك زحفا على عضد الدولة ~~وانتشبت الحرب بينهما، فانتصر عضد الدولة وأسر بختيار ثم قتله، وفر أبو تغلب ~~بأصحابه راجعا إلى «الموصل»، فنقم عضد الدولة على أبي تغلب لخيانة العهد والولاء، ~~وسار إلى «الموصل» فرحل عنها أبو تغلب إلى «نصيبين»، فأرسل عضد الدولة جيوشه في ~~طلبه، ms39 فخرج أبو تغلب من «نصيبين» فتبعته جنود عضد الدولة حتى اضطر إلى الهرب إلى ~~«أرضروم» ومنها إلى غيرها، وسار إلى «سورية» وأخيرا قتل هناك، وانقرضت دولة ~~الحمدانيين من «الموصل» بعد أن دامت نحو أربع وسبعين سنة، أي منذ ولاية أبي الهيجاء ~~عبد الله بن حمدان في خلافة المكتفي سنة 293ه، إلى أن استولى عضد الدولة عليها سنة ~~367ه، وطرد أبا تغلب بن ناصر الدولة وضبط بلاده، ولما تم الأمر لعضد الدولة فيها ~~جعل عليها أبا الوفاء طاهر بن محمد، وعاد هو إلى «بغداد». # ولما تم أمر عضد الدولة الدولة في «العراق» طمع في الاستيلاء على «البطيحة»، ~~وأرسل جيشا بقيادة وزيره المطهر بن عبد الله، فهزمه الحسين بن عمران، ولما لم يكن ~~المطهر هزم قبلا خاف سقوط منزلته عند عضد الدولة، فقتل نفسه، وعلى أثر ذلك صالح ~~عضد الدولة أمير «البطيحة» الحسين على مال يأخذه منه كل عام. # وفي هذه السنة (367ه) اعتقل عضد الدولة أبا إسحق إبراهيم الصابي الكاتب المشهور ~~ببغداد، وعزم على إلقائه تحت أيدي الفيلة، فشفعوا فيه ثم أطلقه سنة 371ه، وسبب ذلك ~~هو أن إبراهيم كان كاتبا في ديوان الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختار ~~بن معز الدولة، ثم تقلد ديوان الرسائل سنة 349ه، وكانت تصدر عنه رسائل إلى عضد ~~الدولة بما يؤلمه فحقد عليه، ولما مات الصابي سنة 380ه رثاه الشريف الرضي بقصيدة ~~بديعة أولها: # أرأيت من حملوا على الأعواد # أرأيت كيف خبا ضياء النادي # وبعد أن هدأت الأهوال شرع عضد الدولة في عمارة «بغداد»، فعمر جوامعها ومدارسها ~~وأسواقها وجدد ما اندثر من الأنهار التي حولها، وذلك سنة 369ه، وكانت قد خربت ~~المدينة من توالي الفتن والاضطرابات، ومن الغرق الذي أصابها مرارا أثناء اشتغال ~~حكوماتها وأهلها في الحروب والثورات التي أشغلتهم عن تحكيم السداد وعن تعمير كل ما ~~خرب. # وفتح عضد الدولة صدره للعماء وناظرهم في المسائل وأكرمهم وشجعهم على نشر ~~العلوم والفنون، ورغب الناس في الاشتغال بذلك ونشطهم على توسيع نطاق الزراعة ~~والتجارة، ms40 فزهت «بغداد» في أيامه وتوفرت فيها الأموال وامتلأ بيت المال، وقصدها ~~جماعات من رجال العلم صنفوا له كتبا عديدة في علوم مختلفة، فاشتهر ببغداد في ~~أيامه جماعة من العلماء والحكماء والأدباء والأطباء وغيرهم، وبنى في سنة 371ه ~~مارستانا كبيرا على طرف الجسر في الجانب الغربي من «بغداد»، نقل إليه كل ما يلزم ~~له من الأدوية والآلات، ورتب له 24 طبيبا، وفيهم الجراحون والكحالون ~~والمجبرون، وممن كان يدرس صناعة الطب فيه الطبيب إبراهيم بن بكس، وكان رئيس هذا ~~المارستان الشيخ أبو منصور صاعد بن بشر الطبيب، وهو أول من عالج الأمراض التي ~~كانت تعالج بالأدوية الحارة وبالأدوية الباردة، ولما نجح في عمله عين رئيسا ~~لهذا المارستان، وكان يسمى «المارستان العضدي»، وهو مدرسة للطب ومستشفى ~~معا. # وفي هذه السنة 371ه أرسل عضد الدولة من «بغداد» القاضي أبا محمد بن الطيب الأشعري ~~المعروف ب «ابن الباقلاني» سفيرا إلى قيصر الروم قسطنطين التاسع، فسافر ابن ~~الباقلاني إلى «القسطنطينية» يحمل جواب رسالة وردت على عضد الدولة من القيصر في ~~مسألة أدبية، وكان ابن الباقلاني هذا من أكبر رجال العلم والأدب في ~~«العراق». # وأراد عضد الدولة أن تكون الخلافة في ولد لهم فيه نسب، فحمل الطائع على أن يتزوج ~~بابنته، فتزوجها على صداق مائة ألف دينار، فجمع الخليفة بهذا الزواج بين بنت عضد ~~الدولة وبنت عز الدولة التي تزوجها قبلا على مثل ذلك الصداق. # وتوفي عضد الدولة ب «بغداد» سنة 373ه بعد أن اتسع ملكه، فحمل نعشه إلى مشهد الإمام ~~علي، وكان عاقلا فاضلا حسن السيرة والسياسة والتدبير محبا للعلوم والفنون ~~والعمران، سعدت في أيامه بلاد «العراق»، وعاش العراقيون تحت راية عدله بهناء وسلام، ~~وهو أول من ضرب الطبل على بابه، وأول من عقد له الخليفة لواءين، وأول من تسمى ~~ب «ملك» في الإسلام. # وقد اشتهر عضد الدولة شهرة فائقة وملك بلادا كثيرة عدا «العراق»؛ لأن عمه ~~أبا الحسن علي الملقب «عماد الدولة»، الذي هو زعيم هذا البيت ومؤسس دولتهم، كان قد ~~تبناه لعدم وجود ولد ms41 له، وأحضره عنده وأكرمه وأجلسه على سرير المملكة وأمر الجنود ~~بطاعته، وعهد إليه بالملك على «فارس» بعده، فلما توفي سنة 338ه استولى عضد الدولة ~~على بلاد «فارس»، ثم استولى بعد قليل على «كرمان» سنة 357ه، وأقطعها لولده أبي ~~الفوارس، ولما مات أبوه ركن الدولة 366ه استولى على ممالكه أيضا، ثم حدثت بينه ~~وبين ابن عمه عز الدولة بختيار وحشة كما تقدم، فاستولى على «العراق» 367ه ثم حمل ~~في السنة نفسها على «الموصل» وما يتبعها من البلاد التي كانت لبني حمدان، فاستولى ~~عليها أيضا، ثم وقعت بينه وبين إخوته وحشة فاستولى على أكثر ما بأيديهم من البلاد ~~حتى عظم أمره. ومن وزرائه الصاحب بن عباد الأديب الشهير، وكان مؤدب عضد الدولة ~~العلامة أبو الفضل محمد بن العميد الملقب بالأستاذ، المتوفى سنة ~~360ه. ~~(5) صمصام الدولة 373-377ه # وتولى بعد عضد الدولة ابنه صمصام الدولة أبو كاليجار، فخلع عليه الخليفة على جري ~~العادة وخطب له على المنابر، ولكنه لم يكن كأبيه؛ فأساء السيرة مع العراقيين، وطرح ~~عليهم كثيرا من الرسوم، حتى إن أهل «بغداد» كادوا يثورون عليه؛ فمن ذلك أنه لما ~~احتاج إلى المال سنة 375ه ضرب ضريبة على ثياب الحرير والقطن التي تنسج في «بغداد» ~~ونواحيها، وأمر بإحصاء ما سيجبى من تلك الضريبة، فبلغت مليون درهم في السنة، وعلى ~~أثر صدور هذا الأمر ثار أهل «بغداد» واجتمعوا في جامع الخلفاء وعزموا على الامتناع ~~من صلاة الجمعة، فاضطربت الأحوال واضطر صمصام الدولة إلى إلغاء هذه ~~الضريبة. # ولما كانت سنة 373ه حدثت وحشة بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة أبي الفوارس، ~~وكان الثاني عالما بعدم رضاء أهل «بغداد» وجنودها على صمصام الدولة وكرههم له ~~وشغبهم عليه لسوء تدبيره، فاغتنم فرصة ذلك الاضطراب وزحف من «الأهواز» على «العراق» ~~بخمسة عشر ألف مقاتل من الديلم، فاستولى على «البصرة» وولى عليها أخاه أبا ~~الحسين، ثم ولى عليها أبا طاهر بن عضد الدولة. # فبلغ ذلك صمصام الدولة، فأرسل لقتاله جيشا بقيادة الأمير أبي الحسن بن دبعش، ~~فجهز شرف ms42 الدولة له جيشا بقيادة الأمير دبيس بن عفيف الأسدي، فانهزم جيش صمصام ~~الدولة وأسر قائده، ثم ولى في سنة 374 حماية الكوفة أبا طريف عليان بن ثمال ~~الخفاجي، وعلى أثر ذلك في سنة 375ه عصى بالبصرة أبو طاهر بن عضد الدولة واستقل ~~بها، فأرسل شرف الدولة جيشا فانتصر عليه وقبض على أبي طاهر، ولما رأى صمصام ~~الدولة قوة شرف الدولة أرسل يطلب الصلح، فاستقر بينهما على أن يخطب لشرف الدولة ~~بالعراق قبل صمصام الدولة، ويكون صمصام الدولة نائبا عنه، فلما كانت سنة 376ه عادت ~~الفتن بينهما، فسار شرف الدولة بجيوشه حتى وصل «واسطا» واستولى عليها. # فشغب الجند ببغداد على صمصام الدولة وأجمعوا على تسليم الملك إلى أخيه شرف ~~الدولة، وكتبوا إليه يستقدمونه، فخاف صمصام الدولة اتساع الخرق، فسار بجماعة من ~~رجاله إلى «واسط» ليصالح أخاه، فلما التقى به طيب قلبه وأكرمه، ولما أراد ~~الرجوع إلى «بغداد» وخرج من منزل شرف الدولة، قبض عليه واعتقله وسار نحو «بغداد» ~~ومعه أخوه المعتقل، فدخلها بدون حرب وذلك في رمضان سنة 377ه. # وفي أيامه قويت شوكة «باذ الكرذي الحميدي»، وكان قد استولى على «ديار بكر» ~~و«ميافارقين» و «نصيبين»، فأرسل صمصام الدولة جيشا لقتاله، فانتصر «باذ» بعد عدة ~~معارك ثم استولى على «الموصل» في سنة 373ه، وأقام فيها وقوي أمره حتى طمع في ~~«بغداد»، فخافه صمصام الدولة، فأرسل جيشا كثيفا بقيادة زياد بن شهراكويه الديلمي، ~~فدارت بينها رحى الحرب في سنة 374ه، فانكسر «باذ» وانهزم بأصحابه وعادت «الموصل» ~~إلى البويهيين. ~~(6) شرف الدولة 377-379ه # دخل شرف الدولة «بغداد» فركب إليه الخليفة الطائع وهنأه وعهد إليه بالسلطنة، ~~وتوجه وألبسه سوارين وخلع عليه، وأمر فقرئ عهده وخطب له على المنابر، وصار ~~له لقب «السلطان» بدلا من لقب «أمير الأمراء»، فأحسن شرف الدولة السيرة ووجه ~~نظره إلى أحوال المملكة، وشرع يصلح ما أفسدته الفتن المتوالية؛ فرد الأملاك ~~المغصوبة إلى أهلها، منها أموال النقيب أبي أحمد والد الراضي، وأموال الشريف محمد ~~بن عمر الكوفي، وأقر على الناس مراتبهم، ثم وجه ms43 نظره إلى تشجيع العلوم ~~والفنون، وبنى مرصدا في طرف بستان دار المملكة ببغداد، وجمع فيه الفلكيين ~~وأمرهم برصد الكواكب، فرصدوها له، منهم أبو سهل ويجن الكوهي وذلك سنة 379ه، وأكرم ~~هذا السلطان العلماء وقربهم، ولم يحدث في أيامه بالعراق ما يخل بالنظام غير ~~حادثتين وقعتا في «بغداد»: الأولى أن عساكره الذين كانوا نحو الخمسة عشر ألفا من ~~الديلم، استطالوا على جنود الأتراك الذين كانوا في المدينة، وحدثت بينهم منازعة عن ~~دار وإصطبل، وآلت المنازعة إلى القتال داخل «بغداد»، فانتصر الديلم لكثرتهم ~~وانخذل الأتراك لأنهم كانوا يوم ذاك ثلاثة آلاف رجل، فنادى الديلم بإعادة صمصام ~~الدولة إلى الملك فارتاب منهم شرف الدولة، ووكل بصمصام الدولة من يقتله إن ~~هموا بذلك. # ولما انخذل الأتراك لقلتهم ورأوا أنفسهم غير قادرين على الانتقام من الديلم ~~لكثرتهم، التجئوا بالأهلين من السنة، فاتفقوا معهم فانتصروا على الديلم بمساعدتهم ~~وفتكوا بهم وشتتوهم، فاعتصموا بشرف الدولة، فأصلح بينهم وحلف بعضهم لبعض، وعلى أثر ~~هذه الحادثة أرسل شرف الدولة أخاه صمصام الدولة مسجونا إلى بلاد «فارس»، فاعتقل ~~هناك. # أما الثانية، فهي أن قائد الجيوش «قراتكين» الذي كان قد أفرط في الدولة حتى صار ~~حملا ثقيلا على شرف الدولة، حدثت بينه وبين منصور بن صالحان وزير شرف الدولة ~~وحشة، فأغرى الجنود بالشغب على الوزير، فثاروا عليه وأسمعوه ما يكره، فانبسط لهم ~~الوزير ولاطفهم فسكنوا، فأصلح شرف الدولة بين الوزير والقائد وشرع سرا في تدبير ~~الخلاص من القائد حتى تمكن بعد أيام قليلة من القبض عليه وعلى جماعة من أنصاره ~~وصادر أموالهم، فشغب الجند فقتل شرف الدولة القائد وولى مكانه «طغان الحاجب»، ~~فسكن الجيش وأخلد إلى السكون، وتوفي شرف الدولة ببغداد سنة 379ه. # وفي هذه السنة (سنة 379ه) استولى على «الموصل» أبو طاهر إبراهيم، وأبو عبد الله ~~الحسين ابنا ناصر الدولة بن حمدان. ~~(7) بهاء الدولة 379-403ه # وتولى الأمر بعد شرف الدولة أخوه أبو نصر بهاء الدولة بن عضد الدولة، فركب ~~الخليفة الطائع إليه ودخل عليه يعزيه بأخيه، فقبل أبو نصر الأرض ms44 بين يدي الخليفة ~~وأظهر له احتراما عظيما، ثم عاد الخليفة إلى قصره، فحضر عنده الوجوه والأمراء ~~والعلماء وأبو نصر، فخلع عليه الخليفة سبع خلع وطوق عنقه بطوق كبير من ذهب، ~~وألبسه سوارين من الذهب، ومشى الحجاب بالسيوف بين يديه، فقبل الأرض بين يدي ~~الخليفة وجلس على كرسي أعد له، فقرئ عهده ولقبه الخليفة «بهاء ~~الدولة». # ولما تم الأمر لبهاء الدولة استخلف على «بغداد» أبا ناصر خواشاذه، وسار هو منها ~~إلى «جرجان» سنة 380ه وملكها، وجرت بينه وبين صمصام الدولة الذي فر من السجن بعد ~~وفاة شرف الدولة حروب عديدة، ثم اصطلحا وعاد بهاء الدولة إلى «بغداد». # وفي أثناء غياب بهاء الدولة حدثت ببغداد فتن عديدة، تارة بين الديلم والأتراك، ~~وأخرى بين السنة والشيعة، فلما عاد أصلح ما أفسدته تلك الفتن، وبينما هو يصلح ~~ما فسد إذ شغب الجند عليه لتأخير مرتباتهم، فاحتاج إلى المال فأغراه أبو الحسن بن ~~المعلم - وكان مقربا عنده - بالقبض على الخليفة الطائع وأطمعه في أمواله، ~~وصادف أن الخليفة كان قد حبس رجلا من خواص بهاء الدولة، فاغتاظ منه وأضمر له ~~السوء وأرسل إليه في الحضور عنده، فجلس الخليفة حسب العادة على سريره متقلدا ~~سيفه، فجاء بهاء الدولة ومعه جماعة من حاشيته، فقبل الأرض بين يدي الخليفة وجلس ~~على كرسيه، وكان قد أوصى بعض رجاله بالقبض على الخليفة، وبينما هم جلوس تقدم ~~رجاله إلى الخليفة وجذبوه من سريره ولفوه في كساء وصعدوا به إلى دار السلطنة وهو ~~يستغيث ويقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون.» فحبسوه وأخذ بهاء الدولة كل ما كان في ~~قصره وأنفقه على الجند، فاضطربت «بغداد» لهذه الحادثة، وكان الشريف الرضي ببغداد، ~~فقال في ذلك أبياتا منها: # من بعد ما كان رب الملك مبتسما # إلي أدنوه في النجوى ويدنيني # أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه # لقد تقارب بين العز والهون # ومنظر كان بالسراء يضحكني # يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني # هيهات أغتر بالسلطان ثانية # قد ضل ولاج أبواب السلاطين # ونهب الناس بعضهم ونقموا على بهاء ms45 الدولة، ولكنه لم يبال بهم وأجبر الطائع على ~~خلع نفسه وأشهد عليه بالخلع، وأنفذ جماعة من الوجوه إلى «البطيحة» لإحضار ~~أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله، فأحضروه إلى «بغداد» وخرج لاستقباله ~~بهاء الدولة والأمراء والعلماء والوجوه وأدخلوه قصر الخلافة وبايعوه ولقبوه ~~«القادر بالله» (381-422ه)، ولما تمت البيعة حمل الطائع المخلوع إلى قصر القادر ~~بالله، فبقي مكرما إلى أن مات. # وكان القادر هذا عالما فاضلا أديبا شاعرا؛ فتمكن بحسن سيرته وتدبيره من ~~إرجاع بعض مجد الخلافة. # وفي عهد بهاء الدولة سنة 381ه بنى وزيره سابور بن أردشير مكتبة كبيرة على مثال ~~بيت الحكمة الذي أنشأه هارون الرشيد، وزاد فيه عبد الله المأمون، بناها في محلة بين ~~السورين في الجانب الغربي من «بغداد» وسماها «دار العلوم»، وجعل فيها من الكتب ~~الخطية النفيسة أكثر من عشرة آلاف كلها بخطوط الأئمة ورجال العلم، فكانت أشهر مكتبة ~~في «بغداد»، بل كانت مجمعا للعلماء والأدباء والفلاسفة من عراقيين وغيرهم - وقد ~~أحرقت هذه المكتبة فيما احترق من محلات الكرخ يوم مجيء طغرل بك أول ملوك ~~السلوجوقية إلى «بغداد» سنة 447ه. # وفي هذه السنة (سنة 381ه) استولى على «الموصل» أبو الذؤاد محمد بن المسيب أمير بني ~~عقيل، وهو رأس دولة بني عقيل أول دولة بني المقلد أو آل المسيب في «الموصل»، ولما ~~تم أمره فيها كتب إلى بهاء الدولة يخبره بذلك ويسأله أن ينفذ إليه من يقيم ~~عنده من أصحابه يتولى الأمور - كنائب - فأرسل إليه قائدا من قواده، ثم استبد ~~أبو الذؤاد بالأمور كلها، فأرسل بهاء الدولة أبا جعفر الحجاج بن هرمز بعسكر كثير ~~لقتاله، فوصل «الموصل» وطرد أبا ذؤاد وملكها، ثم دارت بين أبي ذؤاد وبين عساكر بهاء ~~الدولة عدة معارك انجلت بفوز البويهيين. # ولما توفي أبو الذؤاد سنة 387ه سار أخوه المقلد إلى «الموصل»، واستمال بعض الجنود ~~الديلمية وكتب إلى بهاء الدولة يضمن منه «الموصل» وأعمالها بمليونين من الدراهم، ~~وفي أثناء ذلك حمل على «الموصل»، فانهزم منها سرا أبو جعفر عامل بهاء الدولة ms46 ~~وسار إلى «بغداد»، فدخلها المقلد وتم أمره فيها. # وفي الوقت نفسه كان المقلد يتولى حماية غربي الفرات من أرض «العراق»، وله عليها ~~نائب، ولما كان بهاء الدولة مشغولا في محاربة أعوان أخيه صمصام الدولة، جرت بين ~~نائب المقلد وبين أصحاب بهاء الدولة مشاجرة، فسار المقلد منتصرا لنائبه، فدارت رحى ~~الحرب بين المقلد وبين جنود بهاء الدولة، فلما سمع بهاء الدولة بذلك أرسل أبا جعفر ~~الحجاج إلى «بغداد» وأمر بمصالحة المقلد خوفا من إثارة الحرب، فراسل أبو جعفر ~~المقلد واستقر الصلح بينهما على أن يحمل المقلد عشرة آلاف دينار إلى بهاء الدولة ~~سنويا، وأن يخطب له في البلاد، ثم خلعت على المقلد الخلع السلطانية ولقب ~~ب «حسام الدولة»، وأقطع «الموصل» و«الكوفة» و«القصر - قصر شيرين» و«الجامعين - ~~الحلة»، غير أن المقلد لم يحمل من المال إلا قليلا، ثم قطعه وعظم شأنه وخافه ~~البويهيون وغيرهم. # وفي أيامه في سنة 386ه حمل على البصرة أحد قواد صمصام الدولة البويهي اسمه ~~«لشكرستان»، فقاتله نواب بهاء الدولة فانتصر عليهم بمعاضدة جماعة من البصريين ~~منهم أبو الحسن بن أبي جعفر العلوي، ودخل البصرة ظافرا في هذه السنة، ولما دانت ~~البصرة لهذا القائد شره في أموال الناس، فابتز أموال المثرين وفتك بجماعة كبيرة ~~من البصريين، فهاجر منها عدد كبير ومكث «لشكرستان» بالبصرة أكثر من شهر، فزحف ~~عليه أمير «البطيحة» مهذب الدولة أبو الحسن علي بن نصر، وكان تحت سيادة بهاء ~~الدولة، فلما اقترب من البصرة فر منها «لشكرستان». # فدخلت سنة 390ه وكانت أحوال العراق هادئة، فارتأى بهاء الدولة أن يقيم في ~~«الأهواز - خوزستان» فاستخلف على العراق ببغداد أبا علي بن جعفر المعروف ب «أستاذ ~~هرمز» ولقبه «عميد العراق»، وسار هو من بغداد، # 7 # فلما كانت سنة 391ه جمع «لشكرستان» جيشا كبيرا فأعاد الكرة على ~~«البصرة»، فدخلها عنوة وأعاد الظلم والسلب وصادر أملاك أكثر الوجهاء وقتل بعضهم، ~~ففر كثيرون من أهلها إلى بلاد أخرى. # ولما كانت سنة 394 جهز مهذب الدولة جيشا قويا، وأرسله بقيادة أحد قواده ~~أبي العباس بن ms47 واصل لقتال «لشكرستان» وطرده من البصرة، وبعد معارك دامت أكثر من ~~شهرين انهزم «لشكرستان» بمن معه، فاستولى أبو العباس على البصرة وذلك في سنة 395ه، ~~وقتل في هذه الفتنة نحو الخمسة آلاف من الفريقين، فلما استتب أمر أبي العباس ~~بالبصرة خلع طاعة مهذب الدولة واستبد بالأمور، فأرسل مهذب الدولة لطرده منها ~~جيشا ففشل، ثم جهز له جيشا ثانيا بقيادة أبي سعيد بن ما كولا ففشل أيضا، ~~وقوي أمر أبي العباس فقصد «البطيحة»، وبعد قتال استولى على أكثرها، وفي أثناء ذلك ~~اضطربت عليه البلاد فخاف على نفسه فترك «البطيحة» وعاد إلى البصرة. # كل ذلك جرى في البصرة وأطرافها وبهاء الدولة مقيم في «الأهواز»، فلما بلغته قوة ~~أبي العباس واستبداده بالبصرة خاف عاقبة أمره، فأحضر عنده عميد الجيوش من «بغداد»، ~~وجهز له جيشا كبيرا وسيره لقتال أبي العباس، فهزمهم أبو العباس، واستمرت ~~الحرب بينه وبين جيوش بهاء الدولة مدة، ثم حمل عليه بهاء الدولة بخمسة عشر ألف ~~مقاتل، فاندحر جيشه وعاد بالفشل، فطمع أبو العباس ب «الأهواز»، فحمل بجيشه عليه ~~فدحرته جيوش بهاء الدولة وعاد بالخسران، وعلى أثر هذه الهزيمة زحف بهاء الدولة ~~بجيوش كثيرة على «البصرة» فانتصر على أبي العباس، ثم حاصر المدينة أربعة أيام، ~~فاستولى عليها عنوة وقبض على أبي العباس فقتله، وذلك في سنة 397ه. # ثم ولى على «البصرة» الوزير أبو غالب، وعاد هو إلى «الأهواز». # وبقي عميد العراق - ويروى عميد الجيوش - أبو علي بن جعفر ب «بغداد» نائبا عن ~~بهاء الدولة حتى مات سنة 401ه، فولى مكانه بهاء الدولة أبا غالب ولقبه فخر ~~الملك، فظل هذا ب «بغداد» نائبا على «العراق» حتى مات بهاء الدولة سنة 403ه ب ~~«أرجان»، وحمل نعشه إلى «بغداد» ومنها نقل إلى مشهد الإمام علي ودفن هناك، ~~وممن تولى ديوانه ب «بغداد» علي بن محمد الكاتب، وهو الذي صنف له المنشور ~~البهائي، وهو نثر كتاب الحماسة. ~~(8) سلطان الدولة ابن بهاء الدولة 403-411ه # وتولى بعد بهاء الدولة ابنه أبو شجاع سلطان الدولة، فأبقى فخر الملك ms48 ب «بغداد» ~~نائبا على «العراق»، وولى «البصرة» جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء الدولة، ثم غضب ~~سلطان الدولة على فخر الملك لأنه خالفه في بعض الأمور، فأمر بالقبض عليه في سنة ~~406ه، فأرسل مخفورا من «بغداد» إلى «شيراز»، فقتله هناك وولى على «العراق» أبا ~~محمد الحسن بن سهلان ولقبه «عميد الجيوش»، فبقي هذا مقيما في «بغداد» يدير أمور ~~«العراق» إلى سنة 411ه. # وفي أيام سلطان الدولة توفي ب «بغداد» الشريف الرضي الحسن بن محمد في سنة ~~404ه، وكان عالما فاضلا، وشاعرا مفلقا، وكاتبا بليغا، تولى نقابة نقباء ~~الطالبين في سنة 359ه، ثم ضمت إليه الأعمال التي كان يليها أبوه، وهي النظر في ~~المظالم والحج بالناس، وكان له من سمو المقام ما دعاه أن يكتب إلى الخليفة القادر ~~بالله من قصيدة طويلة: # عطفا أمير المؤمنين فإننا # في دوحة العلياء لا نتفرق # ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا كلانا في المعالي معرق # إلا الخلافة ميزتك فإنني # أنا عاطل منها وأنت مطوق # وجاء سلطان الدولة إلى «بغداد» في سنة 407ه وأقام بها أياما، ثم سار منها لقتال ~~أخيه أبي الفوارس مشرف الدولة، ولم يرجع إلى «بغداد» إلا في سنة 411ه، بعد أن تم ~~الصلح بينه وبين أخيه المذكور، وما كادت قدماه تستقر ب «بغداد» إلا وثارت عليه ~~الجنود فيها، ونادوا بولاية أخيه مشرف الدولة، فأسكتهم بالمال وعزم على الذهاب إلى ~~«واسط»، فطلبوا منه أن يستخلف مشرف الدولة على «بغداد»، فاستخلفه كرها وسار إلى ~~«واسط»، ثم عزم على المسير إلى «خوزستان»، فاستخلفه على «العراق» كله بعد أن ~~تحالفا أن لا يستخلف أحد منهما أبا سهلان، فلما وصل سلطان الدولة إلى ششتر ~~استوزر بن سهلان، وسيره بالعساكر لحرب مشرف الدولة وإخراجه من «العراق»، فاغتاظ ~~مشرف الدولة واتحد مع الأتراك وجهز جيشا جرارا مؤلفا من الأتراك ~~والديلم، والتقى بالوزير قرب «واسط»، وبعد معارك انهزم الوزير وتحصن ب «واسط» ~~فحاصره مشرف الدولة حتى اضطره إلى الفرار بمن معه، فدخلها مشرف الدولة وأعلن ~~استقلاله في «العراق». # وفي أيام ms49 سلطان الدولة هذا أسست في «العراق» الدولة المزيدية في أرض الحلة في ~~سنة 403ه، أسسها أبو الحسن علي بن مزيد من بني أسد، وتولى بعده ابنه دبيس سنة ~~408ه بعهد منه، ثم حدثت بينه وبين أخيه الأكبر المقلد فتنة في سنة 416ه، فانتصر ~~بنو عقيل للمقلد وأمده جلال الدولة أيضا فانهزم، وأخيرا وقع الصلح بينه وبين ~~جلال الدولة، وتعهد دبيس بدفع المال المقرر في ولايته واستقام أمره، ثم حدثت ~~في سنة 424ه بينه وبين أخيه الآخر ثابت فتنة، فأمد البساسيري ثابتا، فتمكن ~~ثابت من التغلب على ملك دبيس، ثم انتصر دبيس على ثابت بمساعدة خفاجة وعاد إلى ~~ملكه - ولم تكن الحلة حينئذ بنيت - ثم تصالحا على أن يكون لثابت بعض الأعمال، ~~ودامت هذه الدولة 142 سنة تقريبا، أي من 403-545ه. # وأول ملوكها أبو الحسن علي بن مزيد، وآخرهم علي بن دبيس بن صدقة - انقرضت في عهد ~~السلطان مسعود السلجوقي. ~~(9) مشرف الدولة بن بهاء الدولة 411-416ه # تقدم ما جرى بين سلطان الدولة وبين أخيه مشرف الدولة، وكيف استولى الثاني على ~~«العراق» وأعلن استقلاله، ولكنه بعد انتصاره على جيوش أخيه سلطان الدولة دخل ~~«بغداد» بجيش كبير من الديلم، فخرج الأهلون لاستقباله وهابه الناس كثيرا، فعظم ~~أمره وعلا شأنه وخوطب بشاهنشاه - ملك الملوك - وخطب له بالملك على المنابر، ~~واستمر ملكه على «العراق» إلى أن توفي ببغداد سنة 416ه. # وفي أول عهده ازداد استبداد قرواش في البلاد، فعزم مشرف الدولة على محو إمارته ~~وأخذ البلاد منه - الموصل والكوفة والأنبار وغيرها - فحرك عليه بني أسد وأمدهم ~~بالجند والمال، فساروا إلى قرواش وقاتلوه، وبعد معارك انهزم قرواش برجاله وتبعه ~~بنو أسد حتى أدركوه وأسروه وسلموه إلى مشرف الدولة، فضبط مشرف والدلة بلاد قرواش ~~وأسره، وبعد أيام قليلة انهزم من الأسر، ثم كتب إلى مشرف الدولة يسأله الصفح، ~~فأبى ذلك. # ولم يحدث في أيام مشرف الدولة في «العراق» شيء يذكر غير ما تقدم. ~~(10) جلال الدولة ابن بهاء الدولة 416-435ه # وتولى بعد شرف الدولة أخوه أبو طاهر جلال ms50 الدولة، وكان ضعيف الرأي سيئ التدبير؛ ~~من ذلك أنه لما بويع بالملك وهو يومئذ في «البصرة» - وكان عليها منذ أيام ~~سلطان الدولة - طلب الجيش قدومه إلى «بغداد» فامتنع، فخرجوا عن طاعته وقطعوا خطبته ~~وخطبوا لابن أخيه «أبي كاليجار بن سلطان الدولة» الذي ملك فارس بعد أبيه، فلما علم ~~جلال الدولة بذلك ولى على «البصرة» أبا الفتح محمد بن أردشير، وسار نحو «بغداد» ~~فخرج إليه جيشها ليرده، فقاتله وانتصر عليهم ودخل «بغداد»، فخرج الخليفة لاستقباله ~~وقلده السلطنة على ما جرت به العادة. ومنها أن الجيش ثار عليه ب «بغداد» سنة ~~419ه بسبب قطع مرتباتهم، وحصروه في داره ومنعوا عنه الماء، فاضطر إلى بيع حلي ~~نسائه وثيابه وفرق ثمنها على الجيش، ثم ثاروا عليه ثانية سنة 422ه، وشغبوا عليه، ~~فدخل قصره وأغلق أبوابه، فجاءت الأتراك ونهبوا قصره وسلبوا كتابه وأرباب ~~دواوينه، فاضطر إلى الخروج من «بغداد»، فسار منها إلى «عكبرا»، # 8 # فخطب الأتراك للملك «أبي كاليجار بن سلطان الدولة»، وأرسلوا إليه ~~يطلبونه وهو يومئذ ب «الأهواز» فلم يجبهم، فأعادوا خطبة جلال الدولة، وسار ~~زعماؤهم إليه وسألوه الرجوع إلى «بغداد» واعتذروا عما فعلوه، فعاد إلى «بغداد» ~~بعد 43 يوما. # وفي أول عهده تزلف له قرواش - ابن أبي جعفر المقلد الملقب ب «حسام الدولة» - ~~وأخلص له فأعاده إلى ملكه، وبعد مدة استبد قرواش بالبلاد واستأثر بجبايتها ~~ثانية، وامتنع عن مراجعة جلال الدولة في الأمور، فأثار عليه جلال الدولة بني أسد ~~وخفاجة، وأمدهم بالجند والمال، فالتقوا بقرواش قرب «الكوفة»، وبعد عدة معارك هرب ~~قرواش إلى «الأنبار»، فطاردوه حتى بلغ «الموصل» وتحصن فيها سنة 417ه، وفي تلك ~~الأثناء ثارت الفتن والاضطرابات في داخلية بلاد الدولة البويهية، واشتغل البويهيون ~~في إخمادها، فاغتنم قرواش تلك الفرصة وعاد إلى بلاده. # ولسوء تدبيره وضعف رأيه كثرت الفتن في «بغداد»، وتوالى فيها شغب الأتراك وعظم ~~أمرهم فيها، وكثر المفسدون واللصوص، وانتشر الأعراب في البلاد فنهبوا النواحي ~~والقرى، وقطعوا الطرق وبلغوا أطراف «بغداد» حتى وصلوا إلى جامع المنصور، وسلبوا ~~ثياب النساء في ms51 المقابر، بل إن الفوضى عمت في أيامه جميع البلاد العراقية، وكثر ~~السلب والنهب والقتل وضعف أمر الدولة البويهية في العراق وخصوصا بغداد، حتى حاول ~~البغداديون ترك وطنهم لعدم الأمن وشيوع الفوضى في المدينة وما يليها، ولكنهم لم ~~يجدوا إلى ذلك سبيلا لانقطاع الطرق وانتشار اللصوص في كل الجهات، حتى إن جماعة من ~~الأكراد نهبوا دواب بعض الجنود ونهبوا ثمرة قراح - مزرعة - الخليفة القائم، فلم ~~يتمكن جلال الدولة من القبض عليهم لعجزه، فعظم ذلك على الخليفة واضطر أن ~~يهدده، فأمر القضاة والفقهاء بالإضراب عن العمل بترك القضاء والفتوى ففعلوا، فلما ~~لم يحصل الخليفة على شيء أمر بترك الإضراب. # وحدثت في أيامه في سنة 419ه فتن عظيمة بين الديلم والأتراك في البصرة، وأخيرا ~~انتصر الأتراك وقوي أمرهم فيها وأخرجوا الديلم منها، فلما كانت سنة 320ه أرسل ~~«أبو كاليجار بن سلطان الدولة» جيشا بقيادة بختيار وأمره أن يأخذ «البصرة»، فاستولى ~~عليها وطرد منها حاكمها الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة، ونهب الديلم أسواق ~~المدينة، ودام النهب سبعة أيام وصودرت أموال التجار وتلفت نفوس كثيرة، فأرسل ~~جلالة الدولة وزيره أبا علي بن ماكولا بجيش كبير في سنة 421ه، فسار إليها أبو علي ~~في 400 سفينة ومعه عبد الله الشرابي، وبعد قتال مع بختيار اندحر أبو علي ووقع ~~أسيرا، فلما علم «جلال الدولة» بمصير جيشه جهز جيشا ثانيا، فانتصر جيشه ~~واستولى على «البصرة»، وعلى أثر ذلك حدث نزاع بين عساكر «جلال الدولة» فتفرقوا، ~~فعاد القائد بختيار إلى «البصرة» واسترجعها لأبي كاليجار، فجهز «جلال الدولة» ~~جيشا آخر في سنة 424ه، وأرسله بقيادة ابنه الملك العزيز، وكان في تلك الأثناء على ~~«البصرة» أبو القاسم من قبل «أبي كاليجار»، وكان قد استبد بها وعصى عليه، فلما ~~اقتربت منه جيوش جلال الدولة سلم «البصرة» بدون حرب، ولكنه بقي كمساعد للملك ~~العزيز في تدبير شئون «البصرة»، وبعد قليل حدث بينهما خلاف أدى إلى وقوع معارك ~~بينهما داخل المدينة، وكانت النتيجة طرد الملك العزيز من «البصرة»، ثم أعطيت ~~هذه المدينة ms52 بالضمان لأبي القاسم على أن يدفع في كل سنة سبعين ألف دينار إلى «أبي ~~كاليجار». # فلما كانت سنة 430 امتنع أبو القاسم من تسليم المال إلى أبي كاليجار، وصار تارة ~~ينحاز إلى جلال الدولة وأخرى إلى أبي كاليجار، فحمل عليه أبو كاليجار بجيش كبير في ~~سنة 431ه، وبعد قتال حاصر «البصرة» حصارا شديدا، فاستولى عليها عنوة وأعطاها ~~بالضمان إلى ابنه عز الملوك، على أن يدفع له سنويا مائة ألف دينار، وجعل معه ~~مساعدا أبا الفرج بن فسانجس، وظلت «البصرة» في قبضته مدة، ثم خرجت من يد البويهيين ~~حينما زال ملكهم من «العراق». # ومع عجز جلال الدولة وضعفه لقب في سنة 259ه ب «ملك الملوك». # وفي أيامه توفي الخليفة القادر بالله، فبويع لابنه أبي جعفر عبد الله ولقبوه ~~«القائم بأمر الله» (422-467)، فضيق جلال الدولة على القائم بأمر الله حتى إنه ~~أخذ منه في سنة 434ه أموالا كانت مقررة للخلفاء من ذي قبل، فحدثت بينهما وحشة ~~دامت إلى أن مات جلال الدولة ب «بغداد» في 6 شعبان سنة 435ه، بعد أن ملك ست عشرة ~~سنة وأحد عشر شهرا، أو كانت أيامه مشحونة بالفتن والحروب مع أبناء أعمامه منازعيه ~~في الملك تارة ومع الأمراء أخرى. ~~(11) أبو المنصور، وأبو كاليجار 435-440ه # لما مات جلال الدولة كان ابنه الأكبر الملك العزيز أبو المنصور في مدينة «واسط»، ~~فبويع له ب «بغداد»، وكتبت إليه الجيوش بالبيعة والطاعة، وطلبوا منه القدوم إلى ~~«بغداد»، وشرطوا عليه تعجيل حق البيعة - إكرامية أو بخشيش - وبلغ خبر مبايعته الملك ~~أبا كاليجار البويهي المستولي على «فارس»، فأخذ يراسل القواد والجند ويعدهم ~~بالأموال الكثيرة وكثرة العطاء حتى استمالهم إليه، وكان أبو المنصور قد أخر حق ~~البيعة الذي اشترطه الجند عليه، فعدلوا عنه ومالوا إلى أبي كاليجار، وكتبوا إليه ~~يسألونه القدوم إليهم، وقطعوا خطبة أبي المنصور وأعلنوا بيعة أبي كاليجار وخطبوا له ~~على المنابر، فلما علم أبو المنصور بذلك خاف الغدر، فسار في سنة 345ه مستجيرا ~~بقرواش وبنصر الدولة بن مروان، وبقي مقيما عند ms53 نصر الدولة حتى مات في ~~«ميافارقين». # أما الملك أبو كاليجار، فإنه بعد أن استوثق من الجند واستقرت القواعد بينه ~~وبينهم، وتيقن من البيعة له، أرسل أموالا طائلة إلى الجند وأهدى إلى الخليفة ~~عشرة آلاف دينار مع تحف كثيرة نفيسة، ثم سار في سنة 436ه إلى «بغداد»، فدخلها بمائة ~~فارس من أصحابه وخلع على القواد، وأجرى له الخليفة المراسم المعتادة ولقبه ~~«محيي الدين»، وتم الأمر لأبي كاليجار في «العراق» و«فارس»، وخطب له على ~~المنابر بالملك. # وفي أيام أبي كاليجار حدثت حرب بين قرواش وبين أخيه بدران، فصالح قرواش أخاه ~~بدرا وأعطاه «نصيبين»، وعلى أثر ذلك حمل الأمير منيع الخفاجي على إقطاع قرواش التي ~~على سقي «الفرات»، فضبطها منه وخطب فيها للملك أبي كاليجار، وذلك في سنة 435ه، وفي ~~أيامه قوي أمر السلجوقيين الأتراك، وانتزعوا البلاد من بني بويه وعظم شأن زعيمهم ~~أبي طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب «ركن الدين طغرل بك»، فخافه أبو ~~كاليجار وكتب إليه يسأله الصلح في سنة 439ه، فأجابه إليه وكتب طغرل بك إلى أخيه ~~الملك داود بعدم التعرض بمملكة أبي كاليجار، ثم استقر الحال بينهما على أن ~~يتزوج طغرل بك بنت أبي كاليجار، ويتزوج المنصور بن أبي كاليجار بنت الملك داود ~~أخي طغرل بك، وجرى ذلك الزفاف في السنة نفسها (439)، ولما كانت سنة 440ه، سار أبو ~~كاليجار إلى كرمان فمات في الطريق بعد أن ملك العراق أربع سنوات وشهرين وبضعة ~~أيام. ~~(12) الملك الرحيم 440-447ه # هو أبو نصر بن أبي كاليجار، كان ب «بغداد» يوم مات أبوه في طريق «كرمان»، فاجتمع ~~رجال الدولة في دار الإمارة، فبايعوه بالملك وحلف له الجيش بالطاعة، فأرسل أبو ~~نصر إلى الخليفة القائم يطلب منه الخطبة وتلقيبه ب «الملك الرحيم»، فأجابه الخليفة ~~إلى ما طلب إلا اللقب؛ فإنه امتنع من إجابته عليه قائلا: «لا يجوز أن يلقب ~~بأخص صفات الله.» فترددت الرسل والرسائل بينهما من أجل ذلك، وأصر الخليفة على ~~رفض اللقب، فلقبه أصحابه به رغم إرادة الخليفة، وظل هذا اللقب ms54 عليه ودانت له ~~بلاد العراق وخوزستان «الأهواز». # وهو الذي أقطع الأمير دبيس بن علي بن مزيد حماية نهر الصلة ونهر الفضل في سنة ~~441ه، وكانت من إقطاع جند «واسط»، فغضبوا وزحفوا على دبيس، فانتصر عليهم وفتك بهم ~~وغنم أموالهم، فانهزموا راجعين إلى «واسط». # 9 # وفي أيامه عصى أبو علي بن أبي كاليجار أمير «البصرة»، فحمل عليه «الملك الرحيم» في ~~سنة 445ه وحاربه فانتصر عليه، وتحصن أبو علي في «البصرة»، وكان البصريون قد ~~كرهوه لسوء سيرته وتجبره وظلمه، فانحازوا إلى «الملك الرحيم» وثاروا على الأمير، ~~فطردوه وسلموا المدينة إلى «الملك الرحيم» في سنة 446ه، وبعد أن دبر شئونها ~~ولى عليها البساسيري. # وفي أيامه حدثت ببغداد فتن كثيرة بين السنة والشيعة، قتل فيها خلق كثير من ~~الطرفين، ولم تتمكن الحكومة من قمع تلك الفتن، بل إنها لم تتمكن من قمع الفتن ~~التي كانت تقوم تارة من أجل المناصب، وأخرى بسبب الاختلاف المذهبي الذي هو من أكبر ~~أسباب انقراض هذه الدولة، ولم تنته الفتن بين السنة والشيعة حتى قامت بينهما ~~فتنة كبيرة في سنة 443ه، قتل فيها من الطرفين عدد كثير فيهم مدرس الحنفية أبو ~~سعيد الرحبي، واحترقت في هذه الفتنة المحزنة دور الفقهاء، وضريح الإمام موسى بن ~~جعفر الصادق، وقبر زبيدة زوجة هارون الرشيد، وقبور الخلفاء، وقبور ملوك بني ~~بويه. # وأخذت دولة بني بويه في عهد هذا الملك تزداد ضعفا على ضعف، وانحلت أمور الدولة ب ~~«بغداد» وغيرها، وبينما كانت هذه الدولة تنحط يوما فيوما، كانت دولة السلجوقيين ~~تتوسع وتقوى يوما فيوما، وكان رجالها قد استولوا على بلاد كثيرة محادة شرقي ~~«العراق» في الوقت الذي كان العراقيون قد سئموا حكم البويهيين وملوا سياستهم ~~وتمنوا زوال ملكهم. # وعلى أثر ذلك الانحلال والضعف طمع طغرل بك السلجوقي في الاستيلاء على «العراق»، ~~فتقدم نحو «بغداد» بعد أن فتح بلادا كثيرة في الوقت الذي كانت الفوضى فيه ~~ضاربة أطنابها في «العراق»، والحكومة عاجزة عن كل شيء، وقد انحل أمرها وليس لديها ~~من الجند ما تستطيع به ms55 الدفاع عن بلادها، ولا عندها مال تجهز به الجيوش. # وكانت النتيجة أن حمل طغرل بك السلجوقي على «العراق» بجيش كبير من الأتراك، ~~فاستولى على «بغداد» مقر الدولة البويهية والخلافة العباسية، وحدثت يوم دخوله ~~«بغداد» فتنة عظيمة احترقت فيها بعض المحلات وكثر النهب والقتل، وذلك في سنة ~~447ه، وانقرضت هذه الدولة من «العراق» بعد أن ملكته مائة وثلاث عشرة سنة من تاريخ ~~استيلاء معز الدولة أحمد على «بغداد»، إلى آخر أيام «الملك الرحيم» الذي أسره طغرل ~~بك، وعدد هؤلاء الملوك الذين ملكوا «العراق» أحد عشر ملكا. # وانتقل الحكم في «العراق» بعدهم إلى السلاجقة، ثم إلى الخلفاء العباسيين الذين ~~أعادوا حقهم ونفوذهم، ثم حمل هولاكو المغولي بجيوشه وقرض الخلافة العباسية، فظل ~~«العراق» ينتقل من دولة إلى أخرى، حتى حمل الشاه إسماعيل الصفوي على السلطان مراد ~~بن يعقوب آخر ملوك دولة الخروف الأبيض التركمانية، وطرده من «العراق»، وسيأتي ذكر ~~ذلك. # | الدولة الصفوية الأولى # الدولة الفارسية السادسة في «العراق» 914-941ه # تمهيد # أسس الدولة الصفوية في «إيران» إسماعيل بن حيدر بن جنيد بن الشيخ صفي الدين ~~الأردبيلي الصوفي، وسميت بهذا الاسم؛ نسبة إلى صفي الدين المذكور، وليس لهذا البيت ~~قرابة مع إحدى العائلات المالكة في إيران ولا في غيرها، ولا كانت تعرف هذه السلالة ~~بغير رئاسة التصوف بادئ بدء، ثم قوي أمرها على عهد جنيد وكثر أتباعها واشتهرت، وظل ~~أبناؤها يتدرجون في الزعامة على أتباعهم شيئا فشيئا حتى عظم شأن حيدر بن جنيد، ولما ~~مات نهض ابنه إسماعيل وجمع الجموع - وكان حازما عالي الهمة - فحمل على «أذربيجان» 905ه ~~واستولى عليها، ثم على «شيروان» 906ه، ثم على «ما وراء النهر»، فبلاد «فارس»، ف ~~«خراسان»، ف «العراق العجمي»، ف «كردستان»، ف «ديار بكر». وأسس مملكة واسعة الأطراف، ~~وهو أول ملوك الدولة الصفوية، وأول ملوك «فارس» الذين تلقبوا بالشاهات - أي ~~السلاطين. ~~(1) استيلاء الشاه إسماعيل على «العراق» # دخلت سنة 914ه، فطمع الشاه إسماعيل في «العراق» وصاحبه يومئذ السلطان مراد - أو ~~مراد بك - ابن يعقوب آخر ملوك دولة الخروف الأبيض ms56 «آق قويونلي» التركمانية، # 1 # وكان قد أناب عنه على «العراق» أحد رجاله الأمير مبارك - بارك - فحمل ~~الشاه على «العراق» قاصدا «بغداد»، وأرسل في مقدمته أحد قواده المدعو «لا لاحسن»، ~~فحاصر «بغداد» وعجز أميرها عن الدفاع، وانتصر القائد الفارسي على حامية المدينة ~~واحتلها عنوة في السنة نفسها، وعلى أثر ذلك توجه الشاه إسماعيل إلى «بغداد»، ~~فلما دخلها فتك بأهلها من السنة والنصارى، ثم سار عنها واستناب عنه نائبا ~~فيها، وترك قسما من جنوده لحماية المدينة وعاد إلى مقره بعد أن زار العتبات ~~المقدسة، وخضعت له أكثر المدن العراقية. # أما السلطان مراد فإنه فر مستجيرا بالملوك والأمراء، فأمدوه بالجيوش ~~والأموال، فألف جيشا كبيرا وسار به لاسترداد «بغداد»، فتمكن في سنة 916ه من ~~طرد جيوش الشاه منها، فعادت إليه هي وما يتبعها، بعد أن ملكها الفرس نحوا من سنتين ~~- أي سنة وبضعة أشهر - وكان الشاه إذ ذاك مشغولا في حروب «خراسان»، فلما انتهى ~~منها تهيأ لأخذ «بغداد» ثانية وحمل عليها بجيش عرمرم وقاتل السلطان مراد حتى ~~قهره وطرده، واستولى على «بغداد» عنوة سنة 920ه - وهي المرة الثانية - فانقرضت ~~دولة الخروف الأبيض التركمانية من «العراق» بعد أن ملكته 44 سنة تقريبا، منها نحو ~~الأربعين (سنة 874-914ه) قبل إغارة الشاه الأولى، ونحو الأربع سنوات قبل الغارة ~~الثانية، وأول ملوك تلك الدولة حسن بك المعروف ب «حسن الطويل»، وآخرهم السلطان ~~مراد أو مراد بك هذا، وهي التي قامت في «العراق» على أنقاض دولة الخروف الأسود «قره ~~قوبونلي» التركمانية. # 2 # ولما دخل الشاه إسماعيل «بغداد» ثانية، أعاد القتل وأعمل السيف بالسنة والنصارى ~~وفتك بهم، ولم يمس اليهود بسوء لأنهم تجسسوا له قبل دخوله «بغداد » وبعده، وغالى ~~في الانتصار لمذهب الشيعة وأتباعه، وأعلن المذهب الشيعي رسميا في مملكته، وبالغ ~~في اضطهاد من بقي من السنة، حتى إنه أجبر كثيرين منهم على التشيع. # وبعد أن استتب أمر الشاه في «العراق» - بغداد والبصرة والموصل وما يتبع ذلك - ~~ولى على «العراق» ب «بغداد» أحد رجاله «إبراهيم خان» وعاد إلى مقره، ثم ms57 أمر ~~فأعيد بناء حرم الكاظمين والقبة التي على الضريحين سنة 926ه، # 3 # وأمر بكري النهر الذي كان قد احتفره علاء الدين عطاء الملك حاكم ~~«العراق» من قبل هوكو، وجره من «الفرات» إلى مدينة «النجف»؛ لأن الرمال كانت قد ~~تراكمت فيه وسدت مجراه فسمي ب «النهر الشاهي». # 4 ~~(2) الشاه طهماسب الأول وذو الفقار الكردي # ولما مات الشاه إسماعيل (905-930) وجلس مكانه ابنه طهماسب الأول، طمع في «العراق» ~~الأمير ذو الفقار بن نخود سلطان رئيس قبيلة موصلو من عشيرة كلهور الكردية، الذي كان ~~مستوليا على أطراف «لورستان»، # 5 # فحمل بالكلهوريين على «بغداد» وحاصرها أربعين يوما، فاستولى عليها ~~في سنة 930، # 6 # وأسس بها دولة كردية، وأحسن السيرة والتدبير حتى ملك «العراق» كله ~~تقريبا، وخاف من طهماسب الأول، فاحتمى بالسلطان سليمان القانوني العثماني، وخطب له ~~على المنابر وضرب باسمه السكة، وأرسل له وفدا لعرض خضوعه والدخول تحت سيادته، ~~ولكنه لم يكد يستريح حتى حمل عليه الشاه طهماسب الأول سنة 936ه الموافقة لسنة ~~1530م، فاستعد له ذو الفقار وتحصن في «بغداد»، فحاصرها الشاه أياما حتى عجز ~~عن استردادها لحصانة أسوارها، فاضطر لاستعمال الحيل والخداع حتى تمكن من إغراء ~~أخوي ذي الفقار وأطمعهما بالمناصب والأموال، فاغتالا أخاهما وقتلاه - وقيل مات ~~مسموما - وفتحا أبواب المدينة، فدخلها الشاه في السنة نفسها (936ه)، وانقرضت ~~الدولة الكردية التي لم تدم إلا نحو ست سنوات. # دخل الشاه طهماسب «بغداد»، فسلمت له المدن العراقية كلها تقريبا، فأعاد أعمال ~~أبيه في دار السلام من اضطهاد السنة والفتك بهم، ثم ولى على «بغداد» «بكلو ~~محمد خان» وفوض إليه شئون البلاد العراقية، وسار هو عائدا إلى مقره، وظل رجاله ~~في «العراق» يضطهدون أبناء السنة ويحكمون بما تشتهيه نفوسهم؛ مما حمل السلطان ~~سليمان القانوني على الانتقام من الفرس؛ انتصارا لأبناء مذهبه السنة، فصمم ~~على فتح «العراق» وأخذه منهم. ~~(3) خروج «العراق» من يد الفرس # دخلت سنة 940ه الموافقة لسنة 1535م، فعزم السلطان سليمان القانوني على أخذ ~~«العراق» من الفرس، فأرسل إبراهيم باشا الصدر الأعظم والقائد العام بجيش ms58 كبير ~~لقتال الشاه طهماسب الأول، وسار هو في إثره بجيش آخر، فدخل إبراهيم باشا «تبريز» ~~أولا بالأمان، ثم سار منها قاصدا «بغداد»، فلما اقترب منها هرب حاكمها الفارسي ~~«بكلو محمد خان» بجيوشه؛ خوفا من الأسر، فسلمت المدينة وفتحت أبوابها للقائد ~~العثماني، فدخلها باستقبال عظيم في شهر جمادى الآخرة سنة 941ه، وبعد أيام قليلة وصل ~~السلطان إلى «بغداد»، ودخلها بين التهليل والترحيب والتقديس على حسب عادة العراقيين ~~مع كل فاتح. ثم فتحت الجيوش العثمانية مدينة «الموصل» في السنة نفسها، ودانت المدن ~~العراقية كلها للعثمانيين، وزالت دولة الصفويين بعد أن حكموا «العراق» 25 سنة ~~تقريبا، منها نحو سنتين بعد الغارة الأولى التي كانت في سنة 914ه، وما بقي فهو بعد ~~الغارة الثانية التي حدثت في سنة 920ه. # أما «البصرة» فإنها كانت يوم مجيء السلطان سليمان تابعة للفرس، وكان عليها حاكم ~~فارسي اسمه راشد خان، وكان قد بلغه سقوط «بغداد» وغيرها، فخاف على نفسه ومنصبه، ~~فسار إلى «بغداد» للمثول بين يدي السلطان وعرض الطاعة والخضوع، فرق له السلطان ~~فأقره على «البصرة»، على شرط أن تكون الخطبة والنقود باسم السلطان، وأن يكون ~~ممتثلا لأوامر ولاة «بغداد» الأتراك في المسائل الهامة، فعاد راشد خان إلى منصبه، ~~ولكنه بعد قليل استبد بالأمور كأن لم تكن له رابطة بالعثمانيين، فاضطروا إلى ~~إرسال جيش تحت قيادة الوزير إياس باشا لطرد راشد من «البصرة»، فلما قرب الجيش انهزم ~~منها راشد ودخلها الجيش العثماني، وذلك في سنة 953ه. «وظلت هذه المدينة في قبضة ~~الأتراك إلى سنة 1005ه، فاستقل بها أمراؤها ثم أعادها الأتراك إليهم في سنة ~~1078ه، ثم تغلب عليها أمير «الحويزة» فرج الله خان في سنة 1109ه، فطرده الأتراك ~~في سنة 1111ه، وبقيت في قبضتهم إلى أن تغلب عليها كريم خان الزندي في سنة 1190ه، ~~ثم عادت للأتراك في سنة 1193ه، وبقيت تحت حكمهم حتى قامت الحرب العامة، فاستولى ~~البريطانيون عليها في سنة 1333ه.» # وبقي «العراق» في قبضة العثمانيين 91 سنة تقريبا (948-1032ه)، ثم عاد للصفويين، ~~ثم للأتراك. # | الدولة ms59 الصفوية الثانية # أو الدولة الفارسية السابعة في «العراق» 1032-1048ه # كانت الدولة العثمانية قد وجهت إيالة «العراق» إلى الوزير يوسف باشا في سنة 1025ه، ~~وكان هذا الوزير ضعيف الرأي، فحدثت بينه وبين رئيس شرطة «بغداد» بكر أغا فتنة في سنة ~~1028ه في عهد السلطان عثمان الثاني، وكان بكر أغا قد جلب الأهلين إليه وكثرت أتباعه ~~واستولى على جميع شئون الحكومة العراقية، من إدارية وعسكرية، حتى لم يبق للوزير غير ~~الاسم، وآلت تلك الفتنة إلى الحروب في نفس «بغداد»، فقتل يوسف باشا واستولى بكر أغا ~~على الولاية، وكتب إلى السلطان يطلب تثبيته فيها، فوجهت الإيالة إلى غيره، فانتقض على ~~الدولة وأعلن استقلاله في «العراق»، فما كان من السلطان إلا أن أرسل الجيوش إلى قتاله، ~~فلما حوصرت «بغداد» وضاق الحال ببكر أغا، استنجد بالشاه عباس الأول الذي تولى عرش ~~إيران سنة 995ه الموافقة لسنة 1586م، ووعده بالدخول تحت سيادته على أن يكون الحكم له ~~والخطبة والسكة باسم الشاه، فوافق على ذلك الشاه وأنجده. # وفي أثناء ذلك اصطلح بكر أغا ~~مع القائد العثماني حافظ أحمد باشا، ووجهت إليه الإيالة ورفع الحصار عن «بغداد»، ~~ورجعت عساكر السلطان، غير أن الجيش الفارسي الذي جاء لنجدة بكر أغا كان قد اقترب من ~~بغداد بعد أن أبرم بكر أغا معاهدة الصلح مع القائد العثماني، فكتب بكر أغا إلى قواد ~~الفرس يطلب منهم الرجوع ويخبرهم بما تم من أمر الصلح، فأبوا عليه ذلك وأصروا على ~~دخول بغداد حسب أمر الشاه، وبعد مخابرات حاولت الجيوش الفارسية دخول «بغداد» فمنعها بكر ~~أغا، فحدثت بين الطرفين عدة معارك انتصر في آخرها بكر أغا، وظل يطارد الفرس حتى ~~أخرجهم من ديار «العراق». # فلما علم الشاه بذلك استشاط غضبا وزحف بنفسه على «بغداد» في سنة 1032ه، وهو يقود جيشا ~~كبيرا حتى اقترب منها، وكتب إلى بكر أغا يطلب منه تسليم المدينة، فأبى بكر أغا عملا ~~بمعاهدة الصلح التي من شروطها ألا يدع الفرس يدخلون «بغداد». # وعندها حمل الشاه على المدينة وحاصرها حصارا شديدا، وضيق ms60 عليها من كل الجهات، ~~ودام الحصار ثلاثة أشهر، كان فيها بكر أغا مدافعا دفاع الأبطال حتى ضاق به الحال وخارت ~~قوى عساكره، واشتد القحط في المدينة. # أما الشاه فإنه لما عجز عن فتح «بغداد» حربا، عمد إلى الحيلة والخداع وراسل سرا ~~محمد أغا بن بكر أغا - وكان محافظا على قلعة «بغداد» - فوعده بالمناصب والأموال حتى ~~خدعه ففتح له أبواب المدينة ليلا، فدخلتها جيوش الشاه على حين غفلة من بكر أغا ~~والأهلين، فانهزم المدافعون واختفى الناس في بيوتهم واشتغل كل في نفسه، فما أصبح ~~الصباح إلا والشاه قد دخل «بغداد» بمن معه، وذلك في 9 شوال سنة 1032ه الموافقة سنة ~~1623م. # دخل الشاه عباس الأول بغداد، فقتل أكثر رجال الحكومة التركية من عسكريين وإداريين حتى ~~رجال الدين، منهم القاضي نوري أفندي، وخطيب الجامع الكبير محمد أفندي وغيرهما، وفتك ~~بالسنة فتكا ذريعا، وصادر أموال المثرين منهم، وارتكبت جنوده أنواع المنكرات من ~~قتل وسلب ونهب وتخريب، أما بكر أغا فإن الشاه قتله أشنع قتلة، ثم قتل أخاه عمر أغا ~~أيضا، وفعل هذا الشاه أفعالا لا تأتلف مع ما كان عليه من الحكمة وحسن السيرة وحب ~~التقدم والعمران. # وبعد أن هدأت «بغداد» أرسل الشاه وزيره قاسم خان بجيش كبير لفتح «الموصل»، فافتتح هذا ~~القائد في طريقه «كركوك»، ثم توجه إلى «الموصل»، وعليها إذ ذاك وال تركي اسمه حسين ~~باشا، فدافع عنها أياما ثم عجز واضطر إلى تسليمها، فدخلها الفرس واضطهدوا أهلها وفتكوا ~~بهم كما فتكوا بأهل «بغداد»، وكان الشاه يومئذ مقيما في «بغداد»، وقد تم أمره في ~~«العراق» - إلا البصرة - في مدة شهرين بعد فتح «بغداد»، ثم ذهب إلى «كربلاء» ثم «النجف»، ~~ومنها عاد إلى «بغداد»، وجعل لحمايتها خمسة آلاف جندي فارسي بقيادة صفي قلى خان، وولى ~~الحكم فيها لرجل من خاصته اسمه «صاري خان»، وكتب إلى رؤساء القبائل العربية بلزوم ~~السكينة والطاعة، ثم عاد إلى مقره. # فلما كانت سنة 1036ه أمر الشاه قائده صفي قلي خان بالزحف على البصرة، فحمل عليها من ~~«بغداد»، ms61 فحاصرها حصارا شديدا، وكانت حينذاك في قبضة أمرائها المستقلين بها، # 1 # وبينما صفى قلي خان يهاجم «البصرة» إذ فاجأه نعي الشاه - عباس الأول ~~الصفوي - فترك الحصار وعاد إلى مقره. # وبقيت المدن العراقية في قبضة الصفويين - عدا البصرة - ست عشرة سنة تقريبا ~~(1032-1048ه)، ثم أخرجهم منها السلطان مراد خان الرابع العثماني في سنة 1048ه الموافقة ~~لسنة 1638م، بعد حروب استمرت أعواما خسر فيها الفريقان - الأتراك والفرس - خسائر عظيمة، ~~وعادت للعثمانيين في عهد الشاه صفي الدين خان الثاني المدعو «سام ميرزا» حفيد الشاه عباس ~~الأول. ~~(1) حملات الفرس على العراق # لما تولى عرش «إيران» الشاه طهماسب الثاني وآنس في نفسه قوة، طلب من الدولة ~~العثمانية أن تعيد إلى مملكته جميع البلاد التي أخذتها من أسلافه، وأنفذ عنه ~~مندوبا إلى «الأستانة» للمفاوضة مع رجال الحكومة في هذا الطلب، وذلك سنة 1142ه، ~~فلما لم تجبه الدولة بشيء، حمل بجيوشه الفارسية على «تبريز» فاستولى عليها، ثم ~~على «همدان» ثم «كرمنشاه»، فحدثت من أجل ذلك فتنة عظيمة في عاصمة آل عثمان، ثار ~~الجيش فيها على رجال الدولة، ناسبا هذا الحادث إلى خيانتهم، فقتل عددا منهم، ثم ~~امتدت الفتنة إلى السلطان أحمد الثالث فخلع سنة 1143ه، وبويع السلطان محمود ~~الأول ابن السلطان مصطفى الثاني، فجهز هذا الجيوش لقتال الفرس، وكان الشاه قد ~~توجه نحو «العراق» واجتاز بجيوشه الحدود ونهب القرى، ثم قصد «بغداد» سنة 1143ه ~~وحدثت بينه وبين أحمد باشا أمير «العراق» عدة حروب كانت سجالا، وفي أثناء ذلك ~~استرد الأتراك «تبريز»، فلما علم الشاه بذلك أوقف الحرب وانسحب من «العراق» وطلب ~~الصلح، وكادت تقرر شروطه لولا نادر خان القائد الأكبر للجيوش الفارسية الذي عارض ~~في تلك المعاهدة، وحمل بجيوشه على «العراق»، فعادت الحرب بين الدولتين فانتصر الفرس ~~وتقدموا حتى حاصروا «بغداد»، فاستنجد أحمد باشا بالسلطان، وظل مدافعا حتى جاءته ~~النجدات بقيادة الصدر الأعظم عثمان باشا الأعرج سنة 1144ه، والتقت بالفرس، وبعد ~~معارك دموية انتصر الأتراك قرب «بغداد » وانسحب الفرس، وعلى أثر ذلك سار عثمان باشا ~~بجيوشه قاصدا ms62 «الموصل»، فلحقه الفرس بعد أن لموا شعثهم فالتقوا به وعادت الحرب، ~~فقتل عثمان باشا وانهزمت جيوشه، فتقدم الفرس حتى مدينة «الزور»، وعندها طلب ~~الشاه الصلح فتقررت شروطه على أن تعاد «همدان» و«تبريز» للفرس، وتبقى «روان - ~~أريوان» و«شروان» و«العراق» للأتراك، وتم الصلح في منتصف جمادى الأولى 1149ه. # 2 ~~(2) حملة نادر خان الأولى على العراق # ولما مات الشاه طهماسب الثاني سنة 1151ه، وخلفه ابنه الشاه عباس الثالث، تولى ~~الوكالة عنه القائد نادر خان، فطمع ب «العراق» وحمل عليه حتى اقترب من «بغداد» ~~وحاصرها في عهد الوزير أحمد باشا الذي تولى إيالة «العراق» سنة 1149ه، # 3 # فأرسلت الدولة العثمانية جيشا كبيرا لقتال الفرس، وبعد عدة وقائع ~~اندحر الجيش الفارسي وجرح نادر خان، ولكنه بعد قليل لم شعثه وأعاد الكرة على ~~«العراق» وانتصر على الأتراك، فوجهت الدولة العثمانية جيشا آخر سنة 1152ه، ~~فانتصر عليه نادر خان، وعلى أثر ذلك تقررت المعاهدة الصلحية بين الدولتين على ~~اعتبار الحدود التي كانت على عهد السلطان مراد خان الرابع فاتح «بغداد»، وعادت جميع ~~البلاد التي كان الأتراك قد افتتحوها من الفرس إلى أهلها - الفرس - عدا ~~«العراق». ~~(3) حملة نادر شاه الثانية على العراق # عندما خلع الفرس الشاه عباس الثالث وتوصل نادر خان إلى الجلوس على عرش «إيران»، ~~وقرض الدولة الصفوية وأعلن نفسه ملكا وسمي «نادر شاه»، ولقب ب «طهماسب ~~الثالث»، طمعت نفسه ب «العراق» فطلب سنة 1156ه من الدولة العثمانية أن تعترف ~~بالمذهب الشيعي وتعتبره مذهبا خامسا، وتخصص له ركنا في الحرم الشريف «الكعبة» ~~- وهو يعلم أن سياسة الأتراك تخالف هذا الطلب، وأنهم بالطبع يرفضونه - فرفضت ~~الدولة العثمانية طلبه، فاتخذ ذلك الرفض ذريعة للحرب، فحمل على «العراق» وأغار على ~~«البصرة» و«القرنة» وذلك سنة 1156ه، وتوغل في البلاد الفراتية حتى وصل «الحلة»، ~~ثم حاصر «بغداد» وظل يتهددها برمي القنابل أياما دافع في أثنائها الوزير ~~أحمد باشا دفاع الأبطال، حتى عجز نادر شاه عن فتحها وسار عنها إلى «كركوك» ~~فافتتحها، ثم توجه نحو «الموصل» فاستولى على جميع القرى المجاورة لها، ثم ms63 حاصر ~~«الموصل» أياما، فساقت الدولة العثمانية جيشا كبيرا لقتاله، وبعد حروب كانت ~~سجالا بين الفريقين انسحب الفرس عن «الموصل» وساروا إلى جزيرة ابن عمر، فاسترد ~~الأتراك «كركوك»، وفي أثناء ذلك أعاد الكرة نادر شاه على «الموصل»، فرده أهلها ~~بالخسران؛ لمناعة أسوارها التي كانت عونا لهم على الدفاع، فلما بلغ الأتراك ذلك ~~حملوا على نادر شاه ثم ضيقوا عليه قرب «روان»، ولكنهم دحروا، وبعد ذلك وتوجه ~~نادر شاه إلى جهة «أرضروم»، وكتب إلى السلطان محمود الأول يطلب تسليم إيالات «وان» ~~و«الموصل» و«بغداد»، فلم يجبه السلطان بغير إرسال الجنود لقتاله، فخاف نادر شاه ~~عاقبة التوغل في البلاد العثمانية فعدل عن طلبه، وبعد مفاوضات طويلة تم الصلح معه ~~على اعتبار الحدود القديمة، وذلك سنة 1159ه. # | الدولة الزندية # أو الدولة الفارسية الثامنة في «العراق» 1190-1193ه # كانت «البصرة» في قبضة العثمانيين منذ أرسل السلطان محمد الرابع وزيره قره مصطفى باشا ~~بجيش كبير في سنة 1078ه، ثم تغلب عليها أمير «الجويزة» فرج الله خان ابن مطلب في سنة ~~1109ه، فطرده الأتراك في سنة 1111ه، وظلت في قبضتهم إلى سنة 1190ه. # وكانت الدولة العثمانية قد أهملت شئون «البصرة»، فقامت فيها الفتن بين ذوي المطالع، في ~~الوقت الذي كان فيه كريم خان الزندي قد تغلب على مملكة «إيران»، فاغتنم فرصة الاضطراب ~~فأعلن الحرب على العثمانيين وأرسل أخاه صادق خان بجيش كبير في أواخر سنة 1188ه، فحاصر ~~«البصرة» في سنة 1189ه ومعه عشيرة بني كعب العربية، ودام الحصار ثلاثة عشر شهرا حتى ~~اضطرها إلى التسليم في سنة 1190ه في عهد السلطان عبد الحميد الأول، وأسر الفرس متسلم ~~«البصرة» سليمان بك وجماعة من الأشراف والوجوه والتجار، وأرسلهم صادق خان مخفورين إلى ~~«شيراز» عاصمة كريم خان. # ولما استتب أمر صادق خان ب «البصرة» حدثته نفسه بالاستيلاء على بلاد «المنتفك»، فأرسل ~~في سنة 1192ه أخاه محمد علي خان بجيش كبير لغزو «المنتفك»، فاستعد المنتفكيون لقتالهم ~~واجتمعوا ب «الفصيلة» قرب «الفرات»، فالتقى الفرس بهم هناك واشتبكوا معهم بالقتال ~~فاستمرت الحرب يوما وليلة، فانجلت ms64 عن هزيمة الفرس وقتل عدد كبير منهم، فلحقهم فرسان ~~العرب فغرق من الفرس في «الفرات» عدد كثير، وغنم العرب أموالهم وخيولهم وعادوا إلى ~~مواطنهم ظافرين، فلما كانت سنة 1193ه جهز صادق خان مرة أخرى جيشا فارسيا للاستيلاء ~~على «المنتفك» بقيادة أخيه محمد علي خان أيضا وأرسل معه عشيرة بني كعب العربية، واستنجد ~~بأخيه عبد الكريم خان فأمده بالجنود الكثيرة، فسارت الحملة والتقت بالمنتفكين في «أبي ~~حلانة» وعليهم يومئذ الأميران ثامر بن سعدون وبويني بن عبد الله، فلما رأى العرب كثرة ~~الفرس واستعدادهم خافوا الفشل، فطلبوا الصلح، فشرط عليهم القائد محمد علي خان شروطا ~~أبتها نفوسهم، فاختاروا الموت على الحياة بالذل، ورفضوا تلك الشروط واستعدوا للحرب، ~~فحدثت بين الفريقين حرب دموية هائلة استمات فيها العرب، فهجموا هجمات شديدة لم يسمع ~~بمثلها، فانتهت المعركة بتمزيق الفرس، وقتل القائد محمد علي خان وأخيه مهدي خان، فانهزم ~~من بقي من الفرس فلحقهم المنتفكيون وقتلوا منهم عددا كبيرا وغنموا أموالا وسلاحا ~~وخيلا، وظلوا يطاردونهم إلى «البصرة»، وهناك حاصروهم فيها وضيقوا عليهم الخناق، وصادف ~~في أثناء ذلك موت عبد الكريم خان، فخاف صادق خان على نفسه من أن يمد والي العراق ~~المنتفكين الذين حاصروه فيقع في الأسر، وقد أصبح بعد موت أخيه وحيدا لا ناصر له، فانهزم ~~ليلا بمن معه من «البصرة» في السنة نفسها (سنة 1193ه)، فدخلها المنتفكيون وكتبوا بذلك ~~إلى حكومة «بغداد»، فأرسلت متسلما إلى «البصرة» نعمان بك، وأفل الحكم الفارسي من ~~«البصرة» بعد أن دام في هذه المرة نحوا من ثلاث سنوات، وعلى أثر وصول المتسلم إلى ~~المدينة أطلق الفرس الأسراء ومن جملتهم المتسلم سليمان بك، فأرجعته الدولة العثمانية إلى ~~منصبه بعد أيام قليلة، ثم وجهت إليه بعد أشهر ولاية «العراق»، وهو الذي عرف أخيرا ~~ب «الوزير سليمان باشا الكبير». # وبقيت المدن العراقية كلها بعد هذه الحادثة خاضعة للعثمانيين إلى أن قامت الحرب العامة ~~المشئومة، فانسلخت منها البلاد العراقية الواحدة تلو الأخرى، بعد حروب طال أمدها وجلبت ~~على أهل البلاد أنواع المصائب وضروب ms65 النوائب، وكان سقوط «البصرة » أو «مفتاح العراق» في ~~سنة 1333ه، وسقوط «بغداد» عاصمة «العراق» في سنة 1335ه، وقامت بعد الحكم العثماني حكومة ~~الاحتلال البريطاني، ثم قامت الحكومة العراقية العربية بعد حوادث يطول ذكرها. ~~(1) تتمة لما مر # لا يخفى على القارئ الكريم أن الأمة الفارسية من أقدم أمم العالم وأشدها شوكة، ~~وهم من الشعوب الآرية؛ أعني إخوان الأوربيين من الرومان أو اليونان وغيرهم، وقد ~~نزلوا بلاد إيران منذ أقدم الأزمنة، وكان لهم استعداد فطري لأسباب التمدن وذكاء ~~وتعقل، فأنشئوا الدول ووضعوا الأحكام وساسوا الأمم، ونبغ منهم ملوك عظام مثل كورش ~~ودارا الأكبر وكسرى أنو شروان، وظهر من بينهم طوائف عديدة في أزمان مختلفة من ~~العلماء والفلاسفة والأدباء والخطباء والكتاب والأطباء، واعتنوا بالطب وعلم الفلك ~~والطبيعيات والرياضيات، وترجموا العلوم والفلسفة، وبنوا المدن الكبيرة والمراصد ~~والمدارس والمستشفيات، واعتنوا بالري اعتناء كثيرا، واشتهرت فيهم بيوتات شريفة ~~وقواد محنكون. # وهم أقدم من خالط العرب من الأمم الغريبة، بل من أقدم من ساد على العرب، ومن ~~أجل ذلك كانت بين الأمتين منافسة، خصوصا في أيام الدولة الساسانية التي كان ~~ملوكها يخرجون العرب في أكثر الأحيان من بلادهم بالسيف، فيقابلهم العرب بالغارات ~~على مدن الفرس وينتقمون منهم، على أنهم كانوا يستخدمون العرب في دواوينهم للكتابة ~~والترجمة، وكان أكثر ملوكهم يتقنون العربية، وبعضهم كان ينظم الشعر العربي، ومنهم ~~من قرب العرب وأعلا شأنهم واتخذهم عضدا ونصيرا. # ولم يشتركوا مع العرب في دين واحد إلا عند ظهور الإسلام؛ إذ كانوا في العصور ~~الواغلة في القدم ممن يعبدون القوى الطبيعية المختلفة وخاصة الشمس، ثم دخلوا في ~~دين زردشت الذي ظهر بين القرن العاشر والسابع قبل الميلاد، وعلى توالي الأعوام ~~حرفوا تلك الشريعة وأدخلوا فيها عبادة النار - أي صاروا مجوسا - وظلوا على ~~المجوسية حتى جاء الإسلام فاعتنقوه بعد فتح بلادهم بالتدريج، ثم صاروا بعد حين من ~~الدهر فرقا إسلامية ينتسبون إلى المذهب الجعفري؛ نسبة إلى الإمام جعفر الصادق، ~~مثل ما عليه كثير من القبائل العراقية اليوم. # مدة حكم الفرس في العراق. ms66 # مدة الحكم # اسم الدولة # 8 # الدولة العيلامية ، في جنوبي العراق (2295-2287ق.م) # 207 # الدولة الكيانية، في العراق كله (538-331ق.م) # 352 # الدولة البرتية، في العراق كله (126ق.م-226 بعد الميلاد) # 411 # الدولة الساسانية، في العراق كله (226-637 بعد الميلاد) # 110 # الدولة البويهية، في العراق كله (945-1055 بعد الميلاد) # 33 # الدولة الصفوية الأولى، في العراق كله (1502-1535 بعد ~~الميلاد) # 17 # الدولة الصفوية الثانية، في العراق كله (1620-1638 بعد ~~الميلاد) # 03 # الدولة الزندية في البصرة، في العراق كله (1768-1771 بعد ~~الميلاد) # 1141 # المجموع # أما الذين ملكوا في العراق من غير الفرس كالمغول والأكراد واليونان والأتراك، ~~فمدتهم على الوجه الآتي: # مدة الحكم # اسم الدولة # 4584 # السومريون، المغول، مع أهل البلاد (7000-2416ق.م) # 564 # الدولةالكوشية، الكردية، مع أهل البلاد (1714-1150ق.م) # 118 # سيادة الآشوريين، الساميين أو العرب (729-611ق.م) # 205 # الدولة اليونانية، الإسكندر والسلوقيون (331-126ق.م) # 224 # المغول التتر، والتركمان (1258-1502 بعد الميلاد) # 85 # الدولة العثمانية الأولى (1535-1620 بعد الميلاد) # 280 # الدولة العثمانية الثانية (1638-1917 بعد الميلاد) # 6060 # المجموع # أما حكم العرب من أهل البلاد وغيرهم فمدتهم على الوجه الآتي: # مدة الحكم # اسم الدولة # 442 # الدولة البابلية الأولى «السامية أو العربية» (2460-2018ق.م) # 368 # أهل البلاد «الكلدان أو البابليون» (2018-1714ق.م) # 421 # أهل البلاد «الكلدان أو البابليون» (1150-729ق.م) # 73 # الدولة البابلية الثانية «عراقية سامية» (611-538ق.م) # 114 # العرب المسلمون «الخلفاء الراشدون وابن الزبير والأمويون» (637-750 بعد الميلاد) # 195 # الخلفاء العباسيون «الدورة الأولى» (750-945 بعد الميلاد) # 103 # الخلفاء العباسيون «الدورة الثانية» (1155-1258 بعد الميلاد) # 1716 # المجموع # وعلى هذا تكون مدة الدول التي حكمت العراق منذ سنة 7000ق.م إلى سنة 1911 ~~على الوجه الآتي: # 1141 # مجموع مدة الفرس # 1716 # العرب قبل الإسلام وبعده # 6060 # المغول والأكراد والتركمان واليونان والأتراك # 8917 # المجموع # | المأخذ # الكامل لابن الأثير. # معجم البلدان لياقوت الحموي. # الطبري. # أبو الفدا. # كتاب الدعاة لوجيه فارس. # عنوان المجد لإبراهيم فصيح الحيدري. # الأخبار الطوال. # وفيات الأعيان لابن خلكان. # التمدن الإسلامي لجرجي زيدان. # العرب قبل الإسلام. # طبقات الأمم. # نزهة المشتاق ليوسف غنيمة. # خلاصة تاريخ العراق للأب انستاس. # الفوز ms67 بالمراد. # تاريخ الأمير أحمد حيدر. # تاريخ الإسلام لرزق الله. # دائرة المعارف لفريد وجدي. # مطالع السعود للشيخ أمين المدني الحلواني. # طبقات الأمم للقاضي صاعد بن أحمد الأندلسي. # تلخيص التاريخ العثماني تعريب شاكر أفندي. # قرة العين لرشد السعدي. # تاريخ البصرة للنبهاني. # التاريخ العام لجميل نخلة المدور. # تاريخ بابل وآشور لرئيس أساقفة سعردادي شير. # تاريخ مصر لعمر الإسكندري. # تاريخ مراد التركي. # تاريخ علي رشاد. # تاريخ أحمد رفيق. # تاريخ نعيما. # عدا المقالات التاريخية التي نشرت في دار السلام للأب انستاس، وفي المقتطف ~~ليوسف أفندي غنيمة، وفي جريدة العراق ومرآة العراق البصرية وغيرها بقلم جماعة ~~من الكتاب، والمحاضرات التي ألقاها المستر ثميث عن الحفريات. ms68