######OpenITI# #META# URI: 1377MuhammadCabdAllahDarraz.Din.Hindawi86148607 #META# Tags: philosophy #META# ID: 86148607 #META# Title: الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان #META# AuthorID: 97504926 #META# Author: محمد عبد الله دراز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عرض سريع لتاريخ علم الأديان‏ # المبحث الأول: في تحديد معنى الدين‏ # 1 - المعنى اللغوي‏ # 2 - المعنى العرفي‏ # 3 - تحليل الفكرة الدينية في نظر المتدين من الوجهتين الموضوعية والنفسية‏ # 4 - العناصر النفسية‏ # المبحث الثاني: في علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب‏ # 1 - الدين والأخلاق‏ # 2 - الدين والفلسفة‏ # 3 - الدين وسائر العلوم‏ # المبحث الثالث: في نزعة الدين، ومدى أصالتها في الفطرة‏ # 1 - مدى أقدمية الديانات‏ # 2 - مصير الديانات أمام التقدم العلمي‏ # 3 - ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية‏ # 4 - وظيفة الأديان في المجتمع‏ # المبحث الرابع: في نشأة العقيدة الإلهية‏ # 1 - العوامل الأولى لإيقاظها في النفوس ودعائمها في العقل الغريزي‏ # 2 - عواملها في الوعي المتيقظ والشعور المتوقد‏ # 3 - الوضع التاريخي للمسألة‏ # 4 - الوضع التعليلي للمسألة واختلاف المذاهب فيه‏ # 5 - نظرة جامعة‏ # المراجع‏ # عرض سريع لتاريخ علم الأديان‏ # المبحث الأول: في تحديد معنى الدين‏ # 1 - المعنى اللغوي‏ # 2 - المعنى العرفي‏ # 3 - تحليل الفكرة الدينية في نظر المتدين من الوجهتين الموضوعية والنفسية‏ # 4 - العناصر النفسية‏ # المبحث الثاني: في علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب‏ # 1 - الدين والأخلاق‏ # 2 - الدين والفلسفة‏ # 3 - الدين وسائر العلوم‏ # المبحث الثالث: في نزعة الدين، ومدى أصالتها في الفطرة‏ # 1 - مدى أقدمية الديانات‏ # 2 - مصير الديانات أمام التقدم العلمي‏ # 3 - ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية‏ # 4 - وظيفة الأديان في المجتمع‏ # المبحث الرابع: في نشأة العقيدة الإلهية‏ # 1 - العوامل الأولى لإيقاظها في النفوس ودعائمها في العقل الغريزي‏ # 2 - عواملها في الوعي المتيقظ والشعور المتوقد‏ # 3 - الوضع التاريخي للمسألة‏ # 4 - الوضع التعليلي للمسألة واختلاف المذاهب فيه‏ # 5 - نظرة جامعة‏ # المراجع‏ # | الدين # | الدين # | بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان # تأليف # محمد عبد الله دراز # | عرض سريع لتاريخ علم الأديان # (1) مقدمة # كلمة «تاريخ الأديان» كلمة معربة عن لغة الفرنجة. # والتسمية بهذا الاسم مستحدثة؛ لم تعرفها أوربا إلا عند فجر القرن التاسع ~~عشر. # على أن الحديث عن العقائد البشرية هو في جوهره شأن قديم؛ معاصر - لاختلاف الناس ~~في مللهم ونحلهم - تتسع مادته حينا وتضيق حينا؛ بمقدار تعارف أهل ms001 الأديان فيما ~~بينهم، ووقوف بعضهم على مذاهب بعض. كما يختلف طابعه ووجهته، مسايرة لتشعب نزعات ~~الباحثين وأهدافهم. # ولو أننا تتبعنا سلسلة الحديث عن الأديان من عهد الفراعنة، فاليونان، فالرومان، ~~فالمسيحية، فالإسلام، فالنهضة الحديثة؛ لاستطعنا، أن نتبين اختلاف صوره فيما بين ~~العصر والعصر، بل ربما بين الفترة والفترة، من فترات العصر الواحد. ~~(2) العصر الفرعوني # لم يصل إلى أيدينا سجل جامع دون فيه قدماء المصريين دياناتهم وديانات ~~جيرانهم، ولكن البحوث الأخيرة أثبتت إثباتا لا يخالطه وهم أن المصريين منذ ألوف ~~السنين قبل ميلاد المسيح - عليه السلام - بدءوا يسجلون عقائدهم وعوائدهم ووقائعهم، ~~وألوان حياتهم، أقوالا متفرقة، مسطورة في قراطيس البردي، أو منقوشة على جدران المقابر ~~والمعابد. وأنهم تركوا إلى جانب ذلك مجموعات عظيمة من التماثيل المنحوتة، والأجساد ~~المحنطة، لملوكهم ورؤسائهم ومقدساتهم من الطير والحيوان والأناسي، وغيرها، وكذلك ~~صنعوا في شأن الأقاليم التي افتتحوها (كبلاد النوبة وسوريا والعراق وغيرها). # وعلى قدر سعة فتوحهم اتسعت صدورهم لمختلف العقائد، فتركوا لكل إقليم حريته في ~~تقديس ما شاء، واتخاذ ما شاء من الرموز الموضعية. # وامتدت روح التسامح هذه إلى مدارسهم الفلسفية الدينية، فكان عمل هذه المدارس هو ~~محاولة التوفيق بين تلك المقدسات والمعبودات، بافتراض أنها أسرة واحدة يرتبط بعضها ~~ببعض، ارتباط الزوجية أو الولادة، بحيث يتألف منها مجموعات: «ثالوث» أو «تاسوع» أو عدد ~~أدنى من ذلك أو أكثر. # ولم يشذ عن هذا الطابع إلا عصور قليلة كانت تنزع إلى الانتصار لبعض العقائد، ~~والمقاومة لبعضها، ومن أمثلة ذلك ما صنعته مدرسة «عين شمس»، حين حاولت إبطال كل عبادة ~~إلا عبادة إله الشمس، وما صنعه الملك «أمنحوتب الرابع» الملقب بأخناتون، حين ثار على ~~كل المظاهر الوثنية، فمحا الصور وأزال التماثيل من المعابد، وأمر بعبادة إله واحد ذي ~~مظهرين: «الشمس» في السماء و«الملك» على وجه الأرض. # غير أن هذه الثورات لم تدم آثارها طويلا، وكانت السنة الغالبة لدى الملوك ~~والكهان، هي تأليف قلوب أتباعهم ورعاياهم، بتمكينهم من ملء المعابد بتلك الأسماء ~~والرموز المختلفة. # 1 ~~(3) العصر الإغريقي # لم يبق الآن مجال ms002 للشك في أن القدامى من علماء اليونان وفلاسفتهم تخرجوا في مدرسة ~~الحضارات الشرقية، # 2 # والحضارة المصرية بوجه أخص. # وليس معنى هذا أن الإغريق كانوا بمثابة أوعية مصمتة نقلت علوم الشرق ومعارفه نقلا ~~حرفيا ، فذلك ما لا يستسيغه عقل، ولم يقم عليه دليل من صحيح النقل، ولكن المعنى أنهم ~~لم ينشئوا هذه العلوم إنشاء على غير مثال سابق - كما ظنه بعضهم - بل وجدوا مادتها في ~~الشرق فاقتبسوا منها وأفادوا كثيرا. # وإن قدماء اليونان أنفسهم يذهبون إلى الاعتراف بهذه التلمذة إلى القول بأن ~~عظماءهم أمثال فيثاغورس وأفلاطون مدينون بأرقى نظرياتهم إلى المدرسة المصرية. ~~والناقدون المحدثون وإن استبعدوا حصول نقل حرفي لهذه النظريات لم يسعهم إلا التسليم ~~بتبعية هؤلاء الفلاسفة، في الدين والأخلاق، للنظريات المصرية. # 3 # أقدم الآثار الأدبية التي حفظها لنا التاريخ عن العصر الإغريقي ينتمي إلى ما حول ~~القرن العاشر قبل الميلاد المسيحي، وأشهر هذه الآثار الديوانان المنسوبان إلى ~~هوميروس # Homere ~~: # 4 # أعني الإلياذة Plliabe ~~، والأوديسا Podyssee ~~، # 5 # وهما سلسلتان من القصص الشعري عند قدماء اليونان، نرى فيهما صورة مغامراتهم ~~في الأسفار، وبلائهم في الحروب وتنافسهم في الغنائم والأسلاب، وما كان ينزل بهم من عجيب ~~النوازل العامة والخاصة. غير أنه لا يكاد يخلو شأن من هذه الشئون - دقيقها وجليلها - من ذكر أسماء آلهتهم وآلهة خصومهم، ووصف القربات والضحايا والتوسلات التي كان يتوجه بها ~~كل مظلوم أو مكروب إلى إلهه، وذكر ما يجري - في زعمهم - بين آلهة السماء حين تتشاور ~~فيما بينها، وحين تتنازع وتنقسم آراؤها في الانتصار لهذه الفريق أو ذاك ... إلى غير ~~ذلك. # وهكذا تتميز هذه المرحلة: ~~(1) # بضيق رقعة البلاد والأمم التي يتناولها الوصف. ~~(2) # وبأن شئون الأديان فيها إنما تساق عرضا في ثنايا الشئون الحيوية ~~الأخرى. ~~(3) # وبما تتسم به رواياتها من الطابع الأسطوري والتمثيلي الذي يستمده الكاتب ~~من خياله وأسلوب تفكيره في تعليل الحوادث والنوازل. # يلي هذه دور الرحلات للمؤرخين الوصافين أمثال هيرودت # Herodote ~~(المتوفى في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد)، وهذا الدور ~~وإن كان كسابقه لم يفرد فيه للأديان ms003 تأليف مستقل، حيث كان الحديث عنها يمزج ~~بالأوصاف الإقليمية وغيرها، إلا أن الاعتماد فيه كان على المشاهدات لا على ~~التخيلات، كما أن نطاق البحث فيه كان أوسع؛ فقد شمل ديانات آسيا الصغرى ومصر، وبابل، ~~وفارس وما يتاخمها، وامتاز أيضا بطابع المقارنة بين معبودات الإغريق، ومعبودات غيرهم ~~مقارنة تميل إلى تفضيل وجهة النظر المصرية، وإلى نقد الأخطاء التي كان يقع فيها ~~عامتهم بسبب الاشتراك اللفظي، حين يكون الاسم الواحد (مثل هيرقيل # Hercule ~~) علما على إله أزلي، وعلى بطل من أبطال البشر. # ولقد كانت فتوح الإسكندر المقدوني (المتوفى في الربع الأخير من القرن الرابع ق.م) ~~سببا في انفساح مجال المعرفة لأديان أخرى؛ حيث وصلت جيوش الإسكندر إلى الهند وكتب ~~عنها ميجاستين # Megasthenes ~~(القرن الثالث قبل ~~الميلاد). # إلى جانب هذه الدراسات الوصفية لمختلف الأديان المعروفة إذ ذاك، قامت دراسات نقدية ~~فلسفية تهدف إلى تمحيص حقيقة الدين بوجه عام في ثنايا البحث عن حقائق الأشياء، ~~وأحق الأسماء بالذكر في هذا الضرب من البحث اسم الفيلسوفين العظيمين: أفلاطون Platon ~~(آخر الخامس قبل الميلاد وأول الرابع قبل ~~الميلاد) وتلميذه أرسطو # Aristote # 6 ~~(الرابع قبل الميلاد)، وكان من مذهبهما أن السبب الأول الأزلي بإطلاق ~~المبدأ لكل حركة وتغيير ليس هو المادة، بل روح عاقل مدبر متصرف # 7 # في المواد، وأن العقائد والفلسفات كانت في بدايتها نقية نبيلة ثم تطورت ~~تطورا تنازليا، # 8 # وأن الفضيلة وسط بين طرفي الإفراط والتفريط. # 9 # وإلى هذين الفيلسوفين - ومن قبل ذلك إلى معلمها سقراط # Socrate ~~(أواخر الخامس قبل الميلاد) - يرجع الفضل في تأسيس الفلسفة ~~التحقيقية الإيجابية - التي تعترف بوجود حقيقة ثابتة للأشياء وبإمكان العلم بها - وفي ~~تفنيد مذاهب الجحود والعناد التي تنكر وجود أية حقيقة ثابتة، وتدعي استحالة العلم بها ~~أو تعليمها - على فرض وجودها - تلك المذاهب التي كان يروجها السوفسطائية، وهم قوم أوتوا ~~الجدل والمغالطة والتمويه، واتخذوا الفلسفة صناعة كلامية يؤيدون بها المتناقضين على ~~السواء، ويهدمون بها كل العلوم حتى بداهات العقول، ملتمسين بهذا السحر البياني وهذه ~~المهارة في قلب الأوضاع ms004 لنيل ما استطاعوا من جاه وثروة وسلطان. # ثم خلفت خلوف انتسبوا إلى أفلاطون ومدرسته # L’Academie ~~، التي امتد اسمها إلى القرن الأول قبل ~~الميلاد، ولكنهم لم يكونوا جديرين بهذه التسمية؛ إذ بعدوا عن مذهب إمامهم، وكانوا ~~إلى الشك أقرب # 10 # منهم إلى اليقين بوجود حقائق الأشياء. # وسرعان ما مهدوا بهذا الفتور لظهور مذهب التشكيك الصريح، المعروف باسم اللاأدرية # Sceptcisme ~~، وهو المذهب الذي أعلنه بيرون Pyrrhon # في عصر الإسكندر المقدوني، وكان بيرون في أول ~~أمره سوفسطائيا، ثم سئم الجدل والنقاش، وأخذته الحيرة في الاختيار بين الفلسفة ~~الإيجابية التي تقرر وجود حقيقة ثابتة قطعا، والفلسفة السلبية التي تنكر جزما هذه ~~الحقيقة، فلما تعارضت عليه الأدلة لم يجد منها مخرجا إلا بالتوقف # 11 # عن الحكم. # فإذا ما تركنا مذهبي الإنكار والتشكيك وعدنا لنتابع سير الفلسفة الإيجابية في ~~اليونان؛ وجدنا أن الصفحة الناصعة فيها طويت بانقضاء عهد أرسطو وانقسام ملك ~~الإسكندر، وأن الذي ظهر منها بعد ذلك كان في عامة الأمر مذاهب شاذة متطرفة في ~~الناحيتين النظرية والعملية. # أما في الناحية العملية «مبادئ الأخلاق» فكان مذهب أبيقور # Epicure ~~(من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن الثالث قبل الميلاد) ~~يمثل الطرف الأدنى؛ إذ كان يقرر أن شعور اللذة والألم - جثمانيا أو عقليا أو ~~روحيا - هو المعيار الوحيد للخير والشر، والمقياس الفذ للفضيلة والرذيلة. # وكان مذهب زينون # Zenon # 12 ~~(القرن الثالث قبل الميلاد) مؤسس المدرسة الرواقية # Le Portibue # المشهورة باسم مدرسة أهل ~~العزيمة والجلد # Les Stoiciens # يمثل الطرف الأقصى، وذلك بمكافحة العاطفة الإنسانية ~~والوجدان الطبيعي، والبلوغ بهما من الجمود والتحجر إلى حد الجسارة على الانتحار، وعدم ~~المبالاة بأكل لحم الآدمي. # وأما في الناحية النظرية «الإلهيات والطبيعيات» فإن هذه المدرسة الرواقية نفسها، ~~وإن انتقلت من الفلسفة المادية الملحدة الخاصة إلى النظرية المقابلة لها في الطرف ~~الآخر وهي الاعتراف بوجود روح يدبر العالم ويتعهده في أطواره، إلا أنها عادت تقرر ~~أن هذه الروح ما هو إلا جزء من العالم يسري في مادته سريان الماء في العود، أو النار ~~في ms005 الجمر، غير شاعر بنفسه، ولا مختار في تحريكه للمادة، بل هو بدوره خاضع لقانون طبيعي ~~كقانون النمو النباتي، ثم انتهت إلى القول بأن العنصرين المادي والروحي في الكون ليس ~~لأحدهما وجود مستقل في نفسه، بل يتألف منهما شيء واحد هو الوجود الحقيقي، يسمى ~~فاعلا، منفعلا، خالقا ومخلوقا، إلها وكونا ... # هذه النظرية المصادمة للبداهة، المتناقضة في نفسها، وفي نتائجها العملية # 13 # هي التي تسمى عند الرواقيين «وحدة الوجود»، ولكنها على الرغم من هذه ~~الوحدة الاسمية قد سايرت مذاهب الوثنية وتعدد الآلهة؛ إذ جعلت في كل عنصر من العناصر ~~ساريا هو إلهه الخاص به، فإله الحياة يسمى زوس # Zeus ~~، وإله الأثير آتينيه # Athene ~~، ~~وإله الهواء هيرا # Hera ~~... وهلم جرا. ~~(4) العصر الروماني # في القرن الثاني قبل الميلاد أخضع الرومان الدولة اليونانية سياسيا، فأصبحت ولاية ~~تابعة لهم، بعد أن كانوا هم تبعا لها. # وإن تعجب لشيء فاعجب كيف أن هذا الاختلاط بين الأمتين قرونا متوالية، من قبل ومن ~~بعد، لم يصنع منهما أمة واحدة في اللغة والدين والفن والتشريع وسائر مقومات الحياة ~~الجماعية، كما صنع الفتح الإسلامي في الأقطار التي دخلها؟ ... لا، بل ما لنا نطمع في هذه ~~الوحدة المثالية! ألم يكن من المتوقع - على الأقل - أن تفيد الأوساط العلمية والأدبية ~~في روما من هذا التراث العلمي والأدبي المكنوز في العاصمة الإغريقية؟ غير أن شيئا من ~~ذلك لم يكن، وكان كل ما حمله الأدباء الرومانيون من أثينا بعد هذا الفتح هو بعض الآراء ~~الرائجة إذ ذاك في جماهير الشعب، فاقتبسوها اقتباسا سطحيا من غير تعمق ولا تمحيص، ~~كما يحاكي الناس بعضهم بعضا فترة من الزمان في الأزياء الجديدة وألوان الطعام ~~والشراب ... # آية ذلك أن المذهب السائد في أثينا في القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد كان هو ~~المذهب الرواقي، الذي فرغنا من الحديث عنه توا، وأن هذا المذهب وحده هو الذي نقل ~~منها إلى روما، بل إنه لم ينقل بشطريه كليهما، وإنما كان الذي انتقل منهما هو ~~أخفهما حملا على أقلام الكاتبين، وأدناهما إرضاء لكبرياء ms006 الفاتحين، أعني: ذلك ~~القسم العملي الذي كان يتسم بطابع الزهو والغرور، في دعوته إلى تبديل الطبيعة البشرية، ~~ومحو معاني اللذة والألم من بين عناصرها، أما الشطر النظري فلا ترى له أثرا في مقالات ~~المؤلفين اللاتين أمثال سينيك # Seneque # وإبيكتيت # Epiclete ~~(القرن الأول بعد الميلاد)، ومهما يكن من ~~شيء، فإن هذا المذهب الرواقي لم يطل أجله، وكان آخر ممثليه في روما هو مارك أوريل # Marc Aulele ~~(القرن الثاني الميلادي ). # وكما كان الفتح الروماني لبلاد الإغريق سببا في اجتلاب بعض آرائهم الشائعة في ~~العصر، كان هذا الفتح للبلاد الآسيوية والإفريقية سببا في نقل بعض مذاهبهما الدينية ~~إلى روما، فاشتهرت فيها أسماء المعبودات: ميترا # Mithra ~~، وبعل # Baal ~~، وإيزيس # Isis # وغيرهن. # وكان وصف هذه الديانات الواغلة، مضافة إلى الديانات المحلية، مجالا لأقلام ~~الكاتبين من الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، فكتب سيسيرون # Ciceron # عن الآراء الفلسفية في طبيعة الألوهية، وكتب فارون # Varron # عن الشعائر والعبادات الرومانية، لا بأسلوب النقد ~~والموازنة والترجيح، بل بأسلوب التأويل والتوفيق - أو التلفيق - بين الآراء المختلفة. ~~أسلوب ينم عن التردد والحيرة وعدم العناية بالبحث الجدي أكثر مما يعبر عن روح التسامح ~~الديني الذي ينسب إلى ذلك العهد، فالتعبير بالتسامح هنا تعبير غير محرر، واستنباط ~~غير موفق من عادة اعتادها بعضهم إذ ذاك، وهي أنهم كانوا لا يلتزمون شعائر دين معين، ~~بل يشتركون في عبادات متنوعة من ديانات شتى، باعتبارها كلها رموزا لحقيقة واحدة، فهذا ~~المسلك لا يدل على احترام كل متدين لديانة غيره - وهو معنى التسامح والإغضاء - بل يدل ~~على الانحلال وعدم الركون إلى دين ما. ~~(5) العصر المسيحي # وفي منتصف القرن الأول بعد الميلاد، دخلت الدعوة المسيحية إلى أوربا في صورة دين ~~سماوي جديد يأبى أن ينتظم في سلك مع الأديان الوثنية السابقة، ويحاول أن يظهر عليها ~~ويحل محلها. # وكان ما كان من احتكاك وصراع، وتفاعل وامتزاج بينه وبين تلك الديانات المحلية، ثم ~~بينه وبين المذاهب المستحدثة في عهده مثل الديانة المانوية التي ظهرت في القرن الثالث ~~بعد الميلاد، والفلسفة ms007 الأفلاطونية الحديثة (القرن الثالث أيضا). # وكان ما كان من اضطهادات ومقاومات عميقة شنها أباطرة الرومان على دعاته وأتباعه؛ حتى ~~جاء الإمبراطور قسطنطين (أول القرن الرابع الميلادي) فدعا في أول الأمر إلى المهادنة ~~الدينية العامة، ثم أعلن المسيحية دينا رسميا للدولة، على الصورة التي وضعها المجمع ~~المنعقد بأمره في نيقية # Nicee # سنة 325م. # وقد كان ألمع اسم في قائمة المدافعين عن المسيحية، المعارضين للنحل الجديدة ~~المنافسة لها، هو اسم القديس أوغسطين # St. Augustin ~~(من ~~منتصف القرن الرابع إلى ثلث القرن الخامس الميلادي) وهو أسقف كان قد اعتنق المانوية ~~قبل أن يعتنق المسيحية، وله مؤلفات أشهرها كتاب «المدينة الإلهية» # Cite de Dieu # وكتاب الاعترافات # Les Confessions # وكتاب اللطف # de La Grace # وأهمها هو السفر الأول، الذي يعد فلسفة دينية ومدنية معا. # واستمر هذا الطابع الجدلي في العقائد هجوما ودفاعا، وهدما وبناء، لا بين المسيحية ~~وغيرها فحسب، بل بين المذاهب المسيحية أنفسها ... فلم يكن هم الكاتبين تصوير العقائد ~~المختلفة كما هي، بل كان هدف كل كاتب التماس موطن من مواطن الضعف في عقيدة خصمه ~~لإبطالها، وإبراز ناحية من نواحي القوة في عقيدته لنصرها ونشرها. ~~(6) العصر الإسلامي # ثم ظهر الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي، وما هي إلا أن تمكنت دعوته في سنة ~~622م من استنشاق نسيم الحرية خارج مكة، حتى انتشرت بسرعة البرق شمالا وجنوبا، وشرقا ~~وغربا، ولم يمض قرن واحد حتى سرت في أقطار أوروبا الغربية «إسبانيا وإيطاليا ~~وفرنسا» حاملة معها علوم الإسلام وآدابه وتشريعاته، مضافة إلى علوم اليونان وفلسفتهم، ~~ومضافا إليها ما اكتشفه العرب والمسلمون في رحلاتهم من علوم الشرق وآدابه، وما أفادوه ~~هم من تجارب جديدة. # ولم يكن بدعا من الأمر أن يكون الغرب عالة على العرب في علوم الشرق، وإنما البديع ~~والعجب العجاب أن يكون عالة عليهم في علوم أوروبا نفسها، وأن يبقى كذلك حقبة مديدة ~~من التاريخ ... فقد مضى الفتح الروماني - كما رأينا - دون أن يفيد من الأدب اليوناني إلا ~~ما كان رائجا في السوق يومئذ من آراء ms008 سطحية، ومذاهب زائفة؛ ومضى العصر المسيحي في ~~شغل بالجدل الديني الداخلي والخارجي، عن التنقيب في علوم اليونان وتاريخهم وطرائق ~~تفكيرهم المختلفة، وهكذا بقي غرب أوروبا طيلة هذه المدة في شبه عزلة أدبية عن شرقها ~~الذي له به أوثق الصلات المادية، فلم يفتح الغربيون أعينهم على تلك الكنوز العقلية ~~إلا وهي في أيدي العرب المسلمين الذين جاءوهم من وراء البحار في أوائل القرن الثامن، ~~فاتحين فتوح علم وسلم، وعدالة وسماحة، لا فتوح علو وعتو، وإشباع للغرائز الجامحة، ~~واستنزاف للدماء والثروات. # هناك هرع الناس إليهم من كل صوب ينهلون من معارفهم، وكان اليهود أول الناس ~~انتفاعا بهذه التلمذة، فأخذوا ينقلون هذه العلوم من العربية إلى العبرية، ثم إلى ~~اللاتينية ... ولو أن روما كانت قد ورثت أثينا وراثة علمية لاستنسخت علومها من أول يوم، ~~ولقرأها الناس يومئذ باللاتينية أو بالإغريقية مباشرة، بدل أن ينتظروا حتى يأخذوها ~~هكذا وهي في المرحلة الرابعة من الترجمة. # ولكن الأمانة التي عجزت عن أدائها الحضارتان اليونانية والرومانية في جميع عصورهما ~~نهضت بها حضارة الإسلام في لغته العربية، واستقلت بحملها قرونا متوالية، من القرن ~~الثامن إلى القرن الثالث عشر أو يزيد، فليس في علماء أوروبا الآن من ينكر أن فلسفة ~~أرسطو وعلومه لم يسمع بها الغرب إلا على لسان ابن ~~رشد # Avorroes # الفيلسوف الإسلامي (القرن الثاني عشر) ولسان أتباعه أمثال ~~موسى بن ميمون # Maimonide # الفيلسوف الإسرائيلي ~~(القرن الثاني عشر أيضا)، وليس هناك من ينكر ما كان لهذا التعليم من أثر في فلسفة ~~أوروبا عن طريق القديس توماس # St. Tomas d’Acquin ~~(القرن الثالث عشر الميلادي). # أما ما أفاده الغربيون من معارف العرب أنفسهم في الأدب والشعر والتشريع، والطب والفلك ~~والتاريخ والطبيعة والكيمياء والجبر والتقويم والترقيم، ومختلف الفنون والصناعات، فهو ~~أوسع من أن نلم ببعضه في هذا التمهيد، ولقد كتب فيه علماء أوروبا أسفارا جمة ما بين ~~وسيع ووجيز. # 14 # والذي يعنينا هنا إنما هو أثر العرب والمسلمين في علم الأديان، الذي نحن ~~بصدده. # وإنه لأثر جليل يمتاز بطابعين جديدين لم ms009 يسبق إليهما أحد فيما نعلم: # أما أحدهما فهو أن الحديث عن الأديان بعد أن كان في العصور السابقة إما مغمورا في ~~لجة الأحاديث عن شئون الحياة، وإما مدفوعا في تيار البحوث النفسية أو الجدلية، أو ~~على الأقل محدودا بحدود العقائد الموضوعية وما يشارفها، أصبح من كتب العرب دراسة ~~وصفية واقعية، منعزلة عن سائر العلوم والفنون، شاملة لكافة الأديان المعروفة في عهدهم، ~~فكان لهم بذلك فضل السبق في تدوينها علما مستقلا، قبل أن تعرفه أوروبا الحديثة بعشرة ~~قرون. # أما الآخر - وهو ليس أقل نفاسة من سابقه - فهو أنهم في وصفهم للأديان المختلفة لم ~~يعتمدوا على الأخيلة والظنون، ولا على الأخبار المحتملة للصدق والكذب، ولا على الفوائد ~~والخزعبلات الشائعة في الطبقات الجاهلة، والتي قد تنحرف قليلا أو كثيرا عن حقيقة ~~أديانها، ولكنهم كانوا يستمدون أوصافهم لكل ديانة من مصادرها الموثوق بها، ويستقونها من ~~منابعها الأولى، وهكذا بعد أن اختطوه علما مستقلا اتخذوا له منهجا علميا ~~سليما. # ونحن ذاكرون هنا بعض أسماء المؤلفات العربية المشهورة في هذه المادة على ترتيبها التاريخي: # كتاب «جمل المقالات» # 15 # لأبي الحسن الأشعري، المتوفى سنة 330ه (القرن العاشر ~~الميلادي). # كتاب «المقالات في أصول الديانات» للمسعودي، المتوفى في سنة 346ه ~~(العاشر أيضا). # كتاب «الفصل في الملل والنحل» لابن حزم الظاهري، المتوفى في سنة 346ه ~~(العاشر أيضا). # كتاب «الملل والنحل» للشهرستاني، المتوفى في سنة 548ه (الثاني ~~عشر). # كتاب «اعتقادات المسلمين والمشركين» للفخر الرازي، المتوفى في سنة 606ه ~~(الثالث عشر). # أفترى من الإنصاف بعد هذا أن يقال عن الإسلام: إنه لم يصنع شيئا في تاريخ ~~الأديان المقارن؟ # 16 ~~(7) نهضة أوروبا الحديثة # بدأت أوروبا الغربية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر تستيقظ رويدا رويدا، وتتلفت ~~بأنظارها إلى الشرق الذي كان مبعث نورها، فجعلت تبعث إليه البعوث من رجال الدين، ~~الفرنسيسكان والدومينيكان، حتى بلغوا في رحلاتهم بلاد الهند والصين واطلعوا على دياناتها. # وفي القرنين الخامس عشر والسادس عشر - وهما أول العصر المسمى بعصر «البعث» أو ~~«النهضة» - انبعثت همتها للاطلاع بنفسها على علوم اليونان ms010 وآدابهم وفنونهم القديمة ~~باللغة اليونانية، وكانت باكورة نشاطها في هذا الشأن تنقيبها عن الآثار الأسطورية ~~وتفسير ما ترمز إليه من عقائد أو حوادث تاريخية. # ولم تلبث أن ظهرت حركة الإصلاح المسيحي «البروتستانتية» في منتصف القرن السادس عشر، ~~فكانت مكملة لجانب من هذه النهضة العلمية في أوربا، بما مهدت له من دراسات في ~~اللغة العبرية # 17 # واللغات السامية الأخرى، بغية التفهم لنصوص التوراة والإنجيل التي كان ~~رجال الإصلاح يتمسكون بحرفيتها، ولكنها من جانب آخر أغرقت أوروبا في حمأة المنازعات ~~والحروب الدينية، التي عوقت حركة اكتشاف الأقاليم ونشر المسيحية فيها؛ ولذلك بقي ~~البروتستانت قرنين من الزمان لا يساهمون في هذه البعوث، وكان الكاثوليك - من إسبان ~~وبرتغال وفرنسيين - هم القائمين إذ ذاك وحدهم بأعبائها. # ثم تتابع الرحالون من الفريقين وازدادت عنايتهم بالأقطار الجديدة في آسيا، ~~والأوقيانوسية، وأمريكا، ومجاهل إفريقيا ... حتى كان آخر القرن الثامن عشر، وهو الوقت ~~الذي نشطت فيه حركة التأليف في وصف عقائد هؤلاء الأقوام وعوائدهم، فهناك اشرأبت العقول ~~إلى السؤال عما كانت عليه ديانة الإنسان الأول، وبذلت محاولات لتحديدها في ضوء ~~المقايسة على ديانات هؤلاء البدائيين، كما بذلت محاولات لاستنباط الطريق الذي سارت فيه ~~الديانات منذ نشأة الإنسان إلى اليوم، ومعرفة أسلوب تطورها، أو تولد بعضها عن ~~بعض. # ومنذ ذلك اليوم أصبح علم الأديان ذا شعبتين اثنتين: شعبة جديدة مبتكرة، وشعبة قديمة ~~نالها شيء من التجديد. # أما الشعبة القديمة المجددة، فهي تلك الدراسات الوصفية، التحليلية الخاصة بملة ملة، ~~وهي التي يمكن أن تعرفنا نشأة ديانة ما، وحياة مؤسسها، ومقومات عقائدها وعباداتها، ~~وأسباب انتشارها، وألوان تطورها، إلى غير ذلك من المعاني التي ما فتئت مجالا لحديث ~~الناس منذ اختلفت مذاهبهم، وهذه الشعبة هي المشهورة باسم «تاريخ الأديان» ولو أنصفت ~~التسمية لكانت «تواريخ الأديان». # والتجديد الذي لحقها في العصور الحديثة يتناول مادتها ووسائلها جميعا، فبعد أن كانت ~~مادة البحث لا تتجاوز في الغالب حوض البحرين الأبيض والأحمر، أعني: ملتقى القارات ~~الثلاث، اتسعت الآن رقعتها حتى انتظمت القارات الخمس؛ وبعد أن كانت محصورة ms011 أو تكاد في ~~نطاق الأمم المتمدينة، ذات التاريخ المدون، أو الآثار الخالدة؛ تناولت الشعوب الهمجية ~~والأمم البائدة، بل تطاولت إلى التنقيب عما وراء التاريخ المعروف. # نعم، إن إفساح الميدان هكذا أمام المؤلفين المحدثين قد بعد بهم عن المنهج السليم ~~الذي انتهجه مؤلفو العرب؛ ولكنه على كل حال قد فتح أمام الباحثين آفاقا جديدة لم يتشرف ~~إليها السابقون؛ ولا سيما في وسائل البحث وأدواته، التي تنوعت حتى شملت علم اللغات ~~المقارن، وعلم طبقات الأرض، وعلم التصوير والتمثيل الرمزيين، بل علم النفس، وعلم ~~الاجتماع، وعلم الأجناس البشرية، وسائر ما يمت بسبب إلى ظاهرة الدين. # وليس من شك في أن الأداة الرئيسية في دراسة هذه الشعبة يجب أن تكون هي استقراء ~~العقائد والعبادات وسائر التعاليم في كل نحلة، من واقع الأقوال والأفعال الدالة ~~عليها؛ وأن تكون مهمة العلوم الإضافية قاصرة على تقديم نوع من الضمان تحاط به عملية ~~الاستقراء للتحقق من صحة سيرها، وعدم مصادمتها لمقررات تلك العلوم، وهذا هو هدف النقد العلمي # 18 # الذي يقوم على مراجعة التاريخ مثلا للتثبت من صحة الوثائق والأسانيد، ~~ومراجعة فقه اللغة واصطلاحات الفنون لتحديد مدلولات النصوص، وهكذا ... # وأما الشعبة الجديدة المبتكرة، فهي ضرب من الدراسات النظرية، والاستنباطات الكلية، ~~التي تهدف إلى إشباع نهمة العقل في التطلع إلى أصول الأشياء ومبادئها العامة، حين ~~تتشعب عليه جزئياتها وتفصيلاتها. # بيان ذلك - في موضوعنا - أن الذي يستقرئ الملل على كثرتها، إذا درسها دراسة ~~مقارنة، وأخذ يعزل ما فيها من المفارقات ووجوه الاختلاف، سيجد فيها البتة وجوها من ~~المشابهة تتلاقى عندها كل الديانات، وسيجد في نفسه إذ ذاك باعثة تصعب مقاومتها، تدفعه ~~إلى استخلاص هذه المبادئ العامة، وجمعها في وحدة كلية يحدد بها طبيعة الدين من حيث هو، ~~كما أنه حين يرى ظاهرة التدين حظا مشاعا في الجماعات، مشتركا بين الأمم الحاضرة ~~والغابرة، البادية والمتحضرة، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه السؤال عن منشأ هذه الظاهرة ~~العالمية ومصدرها: هل لها منبع في طبيعة الفرد أو المجتمع؟ أم كانت وليدة المصادفة، أو ms012 ~~ثمرة الصنعة والابتكار؟ أم ماذا؟ وهل كان في اختلاف صورها ومظاهرها في غضون التاريخ ما ~~ينم على وجود ضرب من التسلسل والتولد بين بعضها وبعض، أو ما يدل على الأقل على ~~شيء من التدرج التصاعدي أو التنازلي بينها؟ أم أنها لم تسر على سنن واحدة، بل كانت ~~تصعد تارة، وتنحدر تارة، وتقف طورا، وترجع عودا على بدء كرة أخرى ...؟ # هذه الأسئلة وأشباهها يصطدم بها دارس الأديان المختلفة في خاتمة مطافه فيضعها في صيغة ~~نيرة محدودة؛ ولكنها تتجمجم غامضة مبهمة في صدر كل شغوف بالمعرفة ولو لم يكن ذا إطلاع ~~على غير دينه الخاص، وقد خاض فيها علماء أوروبا وأدباؤها في العصور الحديثة، وعرض ~~كل منهم وجهة نظره في حلها، ولكنهم تناولوها أشتاتا في مناسبات متفرقة، ومنهم من ~~أدخل مسألة أخرى في طي بحوثه الأدبية، أو نظرياته الفلسفية العامة، ومنهم من وضع ~~مسألة ثالثة في مقدمة دراسته لدين معين، ومنهم من ألم بهذه أو تلك في مدخل ~~تأليفه عن تاريخ الأديان العام، ومنهم من ساقها نكتة عابرة، ومنهم من أطنب في الشكل ~~والمظهر، وكان أقل عناية بالصميم والجوهر ... # وأنت، ألست ترى معنا قبل كل شيء أن هذه المسائل ألصق بالدراسات الدينية منها بشيء آخر ~~من الفنون والآداب؟ أولست ترى بعد ذلك أن ما فيها من تجانس الموضوع يجعلها جديرة ~~بأن تجمع في سفر، وأن يتألف منها شعبة مستقلة غايتها دراسة الظاهرة الدينية في ~~جملتها، دراسة تبسط وجوه النظر المختلفة في كل بحث، وتعرض وجه الفصل فيه بميزان العدل ~~الذي لا يحابي ولا يماري؟ ثم ألست ترى أن هذا النوع من الدرس لتاريخ الديانة بإطلاق ~~أحق بالصدارة والسبق على الدراسات المشهورة لتواريخ الأديان مفصلة، وأنه يستأهل ~~بطبيعته التعليمية أن يكون مقدمة لتلك الدراسات؟ إذ إن مهمته هي تقرير المبادئ ~~العامة، ووضع الأسس الكلية، التي لا بد من إرسائها قبل الشروع في تحديد ماهية كل دين ~~على حدة. # من أجل ذلك كله وجهنا أول عنايتنا لمعالجة هذه الجانب من البحوث، ورأينا حقا علينا ms013 ~~أن نسجل ها هنا خلاصة ما سبقت معالجته منها. # المبحث الأول # | في تحديد معنى الدين # الفصل الأول # | المعنى اللغوي # الوضع المنطقي السليم في ترتيب أعمالنا العقلية يقتضينا حين نطلب تفسير حقيقة معينة ~~أن نبدأ بمعرفة عناصرها العامة، ومقوماتها الكلية، قبل أن نأخذ في البحث عن مميزاتها ~~ومشخصاتها. # فمن أحب أن يتعرف كنه دين الإسلام، أو دين المسيحية، أو اليهودية، أو المجوسية، ~~أو البوذية، أو الوثنية، أو غيرها من الأديان التي ظهرت في الوجود؛ يجمل به أن يوفر ~~همته قبل كل شيء على تعرف المعنى الكلي الذي يجمعها، والقدر المشترك الذي تنطوي عليه ~~في جملتها؛ إذ إنه من الواضح أنه وإن تفاوتت الأديان في نفسها، أو في مصادرها، أو في ~~أهدافها، أو في قيمها، فإنها كلها يجمعها اسم «الدين»، فلا بد أن تكون هناك وحدة ~~معنوية تنتظمها، ويعبر عنها الاسم المشترك. # فما هي تلك الوحدة؟ # ما الدين؟ # هذا السؤال الأول الذي يجب أن نضعه نصب أعيننا ونحن على عتبة باب البحث في تاريخ ~~الأديان. ~~(1) معاجمنا العربية: قلة غنائها وسوء تأليفها # وللإجابة عن هذا السؤال لا غنى لنا عن الرجوع قبل كل شيء إلى معاجم اللغة ~~العربية، لنستأنس بما دونه اللغويون فيها من وجوه الاستعمال لهذه المادة. نقول: ~~لنستأنس بما في هذه المعاجم، ولا نقول: لنجد فيها ضالتنا المنشودة؛ فكلنا نعرف ~~مقدار الصعوبة التي يعانيها المزاولون لهذه المعاجم، ومبلغ إخفاقهم في استنباط ~~المعاني المحددة من ثنايا تعريفاتها، وفرط ألمهم لهذا الحرمان. # لكنه إذا كان اليأس - كما قيل - إحدى الراحتين، فالذي يريح بالنا من ناحية هذه ~~الكتب هو أن نبدأ بتحديد مطامحنا منها، فلا نطلب منها أكثر من طبيعتها ولا نكلفها ~~شيئا هو وراء أهدافها، ولعله ليس أطيب لقلب الباحث في هذه المعاجم من أن يوطن ~~نفسه بادئ ذي بدء على أنها إنما وضعت لضبط الألفاظ، لا لتحديد المعاني، وأن ~~مهمتها هي لتقويم اللسان، لا تثقيف الجنان، فإن شاء أن يتوسع في حدود هذه المهمة ~~شاع له أن يقول: إنها وضعت أيضا لسرد ms014 المترادفات والمتقابلات، وتقديمها لمن ~~يفرض فيه أنه يعرف معنى كل مفرد على حدة. # حاول مثلا أن تعرف نعت طير، أو حيلة حيوان، أو وصف نبات، أو موقع بلد، وافتح ~~المعجم في باب الاسم المطلوب، ثم انظر ماذا ترى: «طائر معروف»، «حيوان معروف»، ~~و«نبات معروف»، «بلد معروف» ذلك هو الجواب العتيد الذي تظفر به في غالب الأمر، ~~فهو تذكير للعارفين بالحقيقة التي يشير الاسم إليها، ومن لم يكن يعرف فلا سبيل له ~~بذلك إلى أن يعرف. # أما إذا سمحت هذه المعاجم بأن تقدم لقرائها شيئا من التعريف والتحديد، فإنها لا ~~تبالي - في كثير من الأحيان - أن تعرف الشيء بنفسه، أو بأنه غير ضده ... هكذا: ~~«البلاغ» ما يتبلغ به، و«الدواء» ما يتداوى به، و«الدين» ما يدان به، أو يقال ~~لك: إن الدين هو الملة فإذا رجعت إلى كلمة الملة في بابها قيل لك: إنها هي ~~الدين، وكذلك يقال لك في شرح لفظ «الحلال» إنه ضد الحرام، وفي تعريف «الحرام» إنه ~~ضد الحلال، وهكذا. # دع ما وراء ذلك من سوء الترتيب، وكثرة الخلط والإعادة، وعدم رد كل طائفة من ~~المعاني المتشابهة إلى أصل واحد يجمعها، على أن هذه الناحية الأخيرة ربما كانت ~~أهون وجوه النقص، وأقلها استعصاء على الإصلاح. # أقرب مثال لهذا الحشد والخلط والغثاء المتراكب تجده في المادة التي نحن بصددها، ~~فالذي يرجع فيها إلى القاموس المحيط، أو إلى لسان العرب أو غيرهما؛ يضل في بيداء، ~~ويخيل إليه أن هذه الكلمة الواحدة يصح أن تستعمل فيما شئت من المعاني المتباعدة، ~~بل المتناقضة: فالدين هو الملك، وهو الخدمة، هو العز، وهو الذل، هو الإكراه، وهو ~~الإحسان، وهو العادة، وهو العبادة، هو القهر والسلطان، وهو التذلل والخضوع، وهو ~~الطاعة، وهو المعصية، هو الإسلام والتوحيد، وهو اسم لكل ما يعتقد، أو لكل ما ~~يتعبد الله به ... إلخ. ~~(2) محاولة رد أشتات المعاني إلى معنى واحد # نحن إذن بحاجة إلى التشمير عن ساعد الجد؛ للوصول إلى لب الحقيقة من وراء ~~هذه القشرة، ولالتماس شيء من الوحدة في ms015 ثنايا هذه الكثرة. # والواقع أننا إذا نظرنا في اشتقاق هذه الكلمة ووجوه تصريفها نرى من وراء هذا ~~الاختلاف الظاهر تقاربا شديدا، بل صلة تامة في جوهر المعنى؛ إذ نجد أن هذه ~~المعاني الكثيرة تعود في نهاية الأمر إلى ثلاثة معان تكاد تكون متلازمة بل نجد ~~أن التفاوت اليسير بين هذه المعاني الثلاثة مرده في الحقيقة إلى أن الكلمة ~~التي يراد شرحها ليست كلمة واحدة، بل ثلاث كلمات، أو - بعبارة أدق - أنها ~~تتضمن ثلاثة أفعال بالتناوب. # بيانه أن كلمة «الدين» تؤخذ تارة من فعل متعد بنفسه: «دانه يدينه»، وتارة من فعل ~~متعد باللام: «دان له» وتارة من فعل متعد بالباء: «دان به» وباختلاف الاشتقاق تختلف ~~الصورة المعنوية التي تعطيها الصيغة. # الفصل الثاني # | المعنى العرفي # (1) نماذج من التعريفات ~~(1) # فإذا قلنا: «دانه دينا» عنينا بذلك أنه ملكه، وحكمه وساسه، ودبره، ~~وقهره، وحاسبه، وقضى في شأنه، وجازاه وكافأه، فالدين في هذا الاستعمال ~~يدور على معنى الملك والتصرف بما هو من شأن الملوك من السياسة ~~والتدبير، والحكم والقهر، والمحاسبة والمجازاة، ومن ذلك # مالك يوم الدين # 1 # أي: يوم المحاسبة والجزاء، وفي الحديث: «الكيس من دان نفسه» # 2 # أي: حكمها وضبطها، و«الديان» الحكم القاضي. ~~(2) # وإذا قلنا: «دان له» أردنا أنه أطاعه، وخضع له، فالدين هنا هو ~~الخضوع والطاعة، والعبادة والورع، وكلمة «الدين لله» يصح أن منها كلا ~~المعنيين: الحكم لله، أو الخضوع لله. # وواضح أن هذا المعنى الثاني ملازم للأول ومطاوع له «دانه فدان له»؛ ~~أي: قهره على الطاعة فخضع وأطاع. ~~(3) # وإذا قلنا: «دان بالشيء» كان معناه أنه اتخذه دينا ومذهبا؛ أي: ~~اعتقده أو اعتاده أو تخلق به، فالدين على هذا هو المذهب والطريقة ~~التي يسير عليها المرء نظريا أو عمليا، فالمذهب العملي لكل امرئ ~~هو عادته وسيرته، كما يقال: «هذا ديني وديدني» والمذهب النظري عنده هو ~~عقيدته ورأيه الذي يعتنقه، ومن ذلك قولهم: «دينت الرجل» أي: وكلته إلى ~~دينه ولم أعترض عليه فيما يراه سائغا في اعتقاده. # ولا يخفى أن هذا الاستعمال الثالث تابع أيضا ms016 للاستعمالين قبله؛ لأن العادة أو ~~العقيدة التي يدان بها لها من السلطان على صاحبها ما يجعله ينقاد لها، ويلتزم ~~باتباعها. # وجملة القول في هذه المعاني اللغوية: أن كلمة الدين عند العرب تشير إلى علاقة ~~بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول كانت ~~خضوعا وانقيادا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كانت أمرا وسلطانا، وحكما ~~وإلزاما. وإذا نظر بها إلى الرباط الجامع بين الطرفين كانت هي الدستور ~~المنظم لتلك العلاقة أو المظهر الذي يعبر عنها. # ونستطيع الآن أن نقول: إن المادة كلها تدور على معنى لزوم الانقياد، فإن ~~الاستعمال الأول الدين هو إلزام الانقياد، وفي الاستعمال الثاني هو التزام ~~الانقياد، وفي الاستعمال الثالث هو المبدأ الذي يلتزم الانقياد له. # ولا يخفى من جهة أخرى، أن معنى اللزوم هذا هو المحور الذي تدور عليه كلمة الدين ~~بفتح الدال، والفرق بين الدين بالفتح والدين بالكسر # 3 # هو أن أحدهما يتضمن - في الأصل - إلزاما ماليا، والآخر يقتضي ~~إلزاما أدبيا، ونحن نعرف من سنن اللغة العربية في تصاريفها أنها حين تريد ~~التفرقة بين الحسيات والمعنويات من جنس واحد قد تكتفي بتغيير يسير في شكل الكلمة ~~مع إبقاء مادتها كما هي مثل: «العوج، والعوج» و«الخلق، والخلق»، و«الرؤية، ~~والرؤيا» و«الكبر والكبر». # وهكذا يظهر لنا جليا أن هذه المادة بكل معانيها أصيلة في اللغة العربية، وأن ~~ما ظنه بعض المستشرقين # 4 # من أنها دخيلة، معربة عن العبرية أو الفارسية في كل استعمالاتها أو ~~في أكثرها بعيد كل البعد، ولعلها نزعة شعوبية تريد تجريد العرب من كل فضيلة، حتى ~~فضيلة البيان التي هي أعز مفاخرهم. # ونعود إلى موضوعنا فنقول: إن الذي يعنينا من كل هذه الاستعمالات هو الاستعمالان ~~الأخيران، وعلى الأخص الاستعمال الثالث، فكلمة الدين التي تستعمل في تاريخ الأديان ~~لها معنيان لا غير، أحدهما: هذه الحالة النفسية # etat ~~subjectif # التي نسميها التدين # religiosite ~~. والآخر: تلك ~~الحقيقة الخارجية التي يمكن الرجوع إليها في العادات الخارجية # fait ~~odjectif # أو الآثار الخالدة، أو الروايات المأثورة، ومعناها ~~جملة ms017 المبادئ التي تدين بها أمة من الأمم، اعتقادا أو # doctrine religiouse # عملا، وهذا المعنى أكثر ~~وأغلب. # بيد أن هذه التحليلات الاشتقاقية كلها إنما تكشف لنا عن جذر المعنى وأصله في ~~اللغة، ولا تصور لنا حقيقته واضحة وافية، كما هي في عرف الناس واصطلاحهم، بل ~~لا تزال المسافة منفرجة بين المعنى اللغوي والمعنى العرفي؛ ذلك أنه ليس كل خضوع ~~وانقياد يسمى في العرف تدينا، فخضوع المغلوب للغالب، وطاعة الولد لوالده، ~~وتعظيم المرءوس لرئيسه؛ كل أولئك قد يكون من معدن آخر غير معدن الدين، كما أنه ~~ليس كل رأي ومذهب، ولا كل سيرة وخلق يسمى دينا. # فما هي الخصائص والعناصر الجوهرية التي تميز الفكرة الدينية أو السلوك أو ~~الشعور الديني بوجه عام عن سواها؟ # لا ريب أن تحديد هذه الخصائص تحديدا حقيقيا لا يتم إلا في نهاية العلم، بعد ~~استعراض جميع النحل ومقارنتها، واستنباط القدر المشترك بينها، ولكنه إذا تعذر ~~علينا الآن، ونحن في فاتحة البحث، أن نعرض الديانات أنفسها لنستخرج منها الحد ~~الأدنى المشترك بينها، ففي وسعنا أن نعرض طائفة من التعريفات التي سبقنا بها ~~العلماء، سواء منها ما وضعه الإسلاميون لكلمة الدين، وما وضعه الغربيون للكلمة ~~التي تقابلها، وهي كلمة # Religion ~~، وأن نقفي على ~~هذا العرض بشيء من التحليل والنقد، لنعرف إلى أي حد تنطبق هذه التعريفات على ~~الديانات المعروفة. # أما الإسلاميون فقد اشتهر عندهم تعريف الدين بأنه «وضع إلهي سائق لذوي العقول ~~السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل»، ويمكن تلخيصه بأن ~~نقول: «وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك ~~والمعاملات.» # وأما الغربيون فلهم في ذلك تعبيرات شتى، # 5 # وهذه نماذج منها: # يقول سيسرون، في كتابه «عن القوانين»: «الدين هو الرباط الذي يصل الإنسان بالله.» # 6 # ويقول كانت، في كتابه «الدين في حدود العقل»: «الدين هو الشعور بواجباتنا من حيث ~~كونها قائمة على أوامر إلهية.» # 7 # ويقول شلاير ماخر، في «مقالات عن الديانة»: «قوام حقيقة الدين شعورنا بالحاجة ~~والتبعية المطلقة.» # 8 # ويقول الأب ms018 شاتل، في كتاب «قانون الإنسانية»: «الدين هو مجموعة واجبات المخلوق ~~نحو الخالق: واجبات الإنسان نحو الله، وواجباته نحو الجماعة، وواجباته نحو نفسه.» # 9 # ويقول روبرت سبنسر، في خاتمة كتاب «المبادئ الأولية»: «الإيمان بقوة لا يمكن ~~تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين.» # 10 # ويقول تايلور، في كتاب «المدنيات البدائية»: «الدين هو الإيمان بكائنات روحية.» # 11 # ويقول ماكس ميلر، في كتاب «نشأة الدين ونموه»: «الدين هو محاولة تصور ما لا ~~يمكن تصوره، والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، هو المتطلع إلى اللانهائي، هو حب الله.» # 12 # ويقول إميل برنوف، في «علم الديانات»: «الدين هو العبادة، والعبادة عمل مزدوج: ~~فهي عمل عقلي به يعترف الإنسان بقوة سامية، وعمل قلبي أو انعطاف محبة، يتوجه به ~~إلى رحمة تلك القوة.» # 13 # ويقول ريفيل، في «مقدمة تاريخ الأديان»: «الدين هو توجيه الإنسان سلوكه، وفقا ~~لشعوره بصلة بين روحه وبين روح خفية، يعترف لها بالسلطان عليه وعلى سائر العالم، ~~ويطيب له أن يشعر باتصاله بها.» # 14 # ويقول جويوه في كتاب «لا دينية المستقبل»: «الديانة هي تصور المجموعة العالمية ~~بصورة الجماعة الإنسانية، والشعور الديني هو الشعور بتبعيتنا لمشيئات أخرى يركزها ~~الإنسان البدائي في الكون.» # 15 # ويقول ميشيل مابير، في كتاب «تعاليم خلقية ودينية»: «الدين هو جملة العقائد ~~والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكنا مع الله، ومع الناس، وفي حق أنفسنا.» # 16 # ويقول سلفان بيريسيه، في كتاب «العلم والديانات»: «الدين هو الجانب المثالي في ~~الحياة الإنسانية.» # 17 # ويقول سالومون رينا، في «التاريخ العام للديانات»: «الدين هو مجموعة التورعات ~~التي تقف حاجزا أمام الحرية المطلقة لتصرفاتنا.» # 18 # ويقول إيميل دوركايم، في «الصورة الأولية للحياة الدينية»: «الدين مجموعة ~~متساندة من الاعتقادات والأعمال المتعلقة بالأشياء المقدسة - أي: المعزولة المحرمة ~~- اعتقادات وأعمال تضم أتباعها في وحدة معنوية تسمى الملة.» # 19 ~~(2) تصنيف التعاريف ونقدها # من هذا العرض يتبين أن حقيقة الدين لا تكفي في تحديدها فكرة الاعتقاد بإطلاق أو ~~فكرة الخضوع من حيث هي، وأنه لا بد من إضافة ms019 قيد أو قيود تحددها بإبراز عناصرها ~~الجوهرية، وتلك هي المحاولة التي بذلها الباحثون حين قدموا لنا مختلف التعريفات ~~التي أوردنا الآن جانبا منها. # غير أنه ليس من العسير على من يستعرض هذه التعاريف - الإسلامي منها وغير ~~الإسلامي - أن يلاحظ أن الجمهرة الغالبة منها قد جاوزت الحد في التحديد، حتى حصرت ~~مسمى الدين في نطاق الأديان الصحيحة، المستندة إلى الوحي السماوي، وهي التي تتخذ ~~معبودا واحدا، هو الخالق المهيمن على كل شيء، فالدولة الطبيعية المستندة إلى محض ~~العقل، والديانات الخرافية التي هي وليدة الخيالات والأوهام، وكل ديانة تقوم هي أو ~~جانب منها على عبادة التماثيل، أو عبادة الحيوان، أو النبات، أو الكواكب، أو الجن، ~~أو الملائكة ... إلخ؛ تخرج بمقتضى هذه التعاريف عن أن تكون دينا، مع أن القرآن قد ~~سماها كذلك حيث يقول: # لكم دينكم ولي دين ~~، # 20 # ويقول: # ومن يبتغ غير الإسلام ~~دينا ~~. # 21 # الفصل الثالث # | تحليل الفكرة الدينية في نظر المتدين من الوجهتين الموضوعية والنفسية # (1) مقدمة # ولقد رأينا كيف وصل الأمر ببعض الباحثين في تحديد موضوع الدين إلى تصويره بأرقى ~~صورة عرفتها الفلسفة، وأبعد صورة عن الخطور ببال العامة من المتدينين، أعني تلك ~~الفكرة التي عبر عنها روبرت سبنسر بقوله: «إن العنصر الأصيل في الدين هو الإيمان ~~بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية والمكانية.» فهذه اللانهائية - إن صح أنها ~~عقيدة كبار الفلاسفة والعلماء - لا تنطبق بحال على عقيدة المشبهين ولا المجسمين ولا ~~القائلين بأن ربهم في السماء، ونحن هنا لا نطلب تحديد الدين الصحيح فحسب، بل الدين ~~من حيث هو، في مختلف صوره ومظاهره. # ثم رأينا كيف أن «ماكس ميلر» كان أشد تضييقا لهذه الدائرة، حين قال: «إن الدين ~~هو محاولة تصور ما لا يمكن تصوره.» فهذه العبارة لا تنطبق في حرفيتها إلا على نوع ~~من الأديان يفصل بين العقيدة والعقل فصلا تاما، ويفرض على معتنقيه أن يؤمنوا بما ~~لا تقبله عقولهم، ولا تتصوره # 1 # أذهانهم. # هذا الغلو في طرف التضييق لدائرة المحدود، يقابله - كما رأينا - غلو في الطرف ms020 ~~الآخر، يمثله فريق من علماء الاجتماع وعلماء الآثار «أمثال إيميل دوركايم، وسالمون ريناك»، فهؤلاء لا يكتفون بحذف فكرة «الإله، الخالق، اللانهائي، الذي لا يحيط به ~~التصور» من التعريف الجامع للأديان، بل يذهبون إلى وجوب إبعاد أصل فكرة الألوهية ~~بكل معانيها من هذا التعريف؛ محتجين بأن في الشرق أديانا، مثل البوذية، والجاينية، ~~والكونفوشيوسية، تقوم على أساس أخلاقي بحت، خال من تأليه كائن ما، وأن الذين ~~يؤلهون «بوذا» و«جينا» إنما هم مبتدعون، خارجون عن أصول دينهم الحقيقي ~~القديم. # فلننظر في قيمة هذا النقل، ومغزى هذه الحجة! # هل يعني هؤلاء الباحثون أن الأديان الصينية المذكورة مجردة من كل فكرة نظرية ~~اعتقادية؟ # إن الحقيقة التي أجمع عليها مؤرخو الأديان هي أنه ليست هناك جماعة إنسانية، بل ~~أمة كبيرة، ظهرت وعاشت ثم مضت دون أن تفكر في مبدأ الإنسان ومصيره، وفي تعليل ~~ظواهر الكون وأحداثه، ودون أن تتخذ لها في هذا المسائل رأيا معينا، حقا أو ~~باطلا، يقينا أو ظنا، تصور به القوة التي تخضع لها هذه الظواهر في نشأتها، ~~والمآل الذي تصير إليه الكائنات بعد تحولها، وهذه الأديان الثلاثة المشار إليها ~~لم تشذ عن هذه القاعدة قط؛ فهي من جهة مصدر الحوادث، لا تنكر وجود الآلهة الهندية ~~المسماة «أندرا» و«أجنى» و«ثارونا» ... إلخ، ومن جهة مصير الإنسان، لم تنس تلك ~~النظرية الهندية القديمة في الحياة وآلامها، وفي أن التعلق بملاذها ومتعها هو السبب ~~في عودة الحياة إلى الجسم في صورة ما بعد الموت، فلا ينتقل الإنسان بذلك من ألم ~~إلى ألم، وأنه لا سبيل إلى الراحة التامة إلا بالزهد التام في الحياة، ليموت ~~الإنسان بلا رجعة، فلا يعود إلى آلام الحياة كرة أخرى. # نعم، قد يشكل علينا أن مؤرخي البوذية يقولون: إن الآلهة الهندية، التي سرى ~~الاعتقاد بها إلى البوذية القديمة، لم يكن لها في نظر البوذيين سلطان إلا على ~~العالم المادي، الذي يريد البوذي أن يتخلص منه، فهو لذلك لا يعبدها ولا يرجو خيرها، ~~بل يريد أن يهرب من سلطانها بالموت الأبدي، ثم هو ms021 لا يعتمد عليها في شئونه الأدبية، ~~بل يعتمد على مجهوده العقلي والخلقي فحسب، ووجه الإشكال أننا سواء أقلنا إن ~~البوذية القديمة لا تعرف آلهة البتة، أم قلنا إنها تعترف بآلهة لا تعبد، ~~فالنتيجة واحدة: وهي أن تكون هناك ديانات خالية من فكرة العبادة، وذلك إما لخلوها ~~من كل عنصر نظري اعتقادي في مصدر الكائنات، وإما لأنها مركبة تركيب ضم لا امتزاج ~~فيه، من عنصرين متدابرين لا يلوي بعضهما على بعض، بحيث يكون شطرها النظري مثبتا ~~لقوى عظيمة ذات سلطان على الوجود ولكنها لا شأن لها بأعمالنا، وشطرها العملي ~~مبينا لطريق السلوك الذي يخلص النفس من آلام الحياة، من غير توجه إلى تلك ~~القوى. # لكن المسألة إنما هي في صحة تسمية أمثال هذه المذاهب أديانا. # ونحن لا نرى مانعا من أن يصطلح مصطلح على هذه التسمية، ولكنه يكون اصطلاحا ~~نابيا عن معهود الناس، مجافيا لذوق اللغات، ولا سيما لغتنا العربية التي لا ~~تفهم من اسم الدين إلا اعتقادا بشيء يدين له المرء؛ أي يخضع له ويتوجه إليه ~~بالرغبة والرهبة والتقديس، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن كل مذهب يخلو من هذه ~~الدينونة هو أحق باسم «الفلسفة الجافة» منه باسم آخر، وأكبر الظن عندنا أن الديانات ~~المذكورة - البوذية والكونفوشيوسية ونحوهما - ما استحقت أن تدرج في جدول الأديان ~~إلا منذ دخلتها فكرة التأليه، أو على اعتبار أنها كانت كذلك أبدا. # وبالجملة: فنحن لا نوافق على حذف مبدأ الألوهية من تعريف الأديان، بل نذهب إلى ~~القول مع الفيلسوف الألماني «إرنست شلاير ماخر» بأن قوام حقيقة الدين هو ذلك ~~الشعور بالحاجة والتبعية المطلقة لقوة ماهرة، فلا ريب أن هذا الشعور ركن أصيل لا بد منه في تحقيق ماهية الدين من حيث هو. # ولكنه مع ذلك لا يحتوي كل العناصر التي يتألف منها هذا المفهوم؛ إذ لو كان كل ~~شعور بالخضوع الكلي والتبعية المطلقة لقوة قاهرة أيا كانت - وأيا كان لون ~~الخضوع لها - يسمى دينا، لكان أحق الضرورات بهذا الاسم حاجتنا إلى التنفس ~~والغذاء، واستسلامنا ms022 التام لقوانين النقل والجاذبية وسائر العوامل الكونية، ولا ~~قائل بذلك. # يجب إذن أن نتابع البحث، لمعرفة الفوارق والمميزات التي تجعلنا نسمي نوعا من ~~الخضوع دينا، ولا نسمي نوعا آخر منه بهذا الاسم. # وإن التحليل الدقيق لنفسية المتدين يكشف لنا نوعين من هذه الفوارق والمميزات: # أحدهما: # في صفات الشيء الذي يقدسه المتدين ويخضع له. # والثاني: # في طبيعة هذا الخضوع. # فهلم بنا ندرس هذين النوعين: ~~(2) أولا: العناصر الموضوعية # أول ما يواجهنا من الفروق بين الخضوع الديني والخضوع اللاديني يتمثل في مجموعة ~~الصفات التي يحدد بها المتدين موضوع خضوعه ومناط تقديسه الديني، ويميزه بها عن سائر ~~الأشياء التي يعظمها ويخضع لسلطانها. # كلنا نقدس معنى الشرف، والعرض، والحرية، والكرامة، وما إلى ذلك من المعاني ~~الإنسانية النبيلة؛ وكلنا نشعر بالخضوع والطاعة القهرية لقوانين الكون وسننه ~~الثابتة التي لا نستطيع أن ننقضها أو نبدلها لكن الشيء الذي يقدسه المتدين ليس من ~~جنس تلك المعاني العقلية المجردة، وليس من قبيل هذه التصورات الشائعة المبهمة؛ ذلك ~~أن المتدين يهدف بتقديسه إلى حقيقة خارجة عن نطاق الأذهان، وإن كانت تعبر عنها ~~الأذهان فإنها في هذا التعبير تشير إلى ذات مستقلة، قائمة بنفسها ليست مجرد عرض ~~من الأعراض أو لقب من الألقاب، هكذا ينفصل منذ البداية موضوع العقيدة الدينية عن ~~هذا الضرب من المعاني المقدسة، من حيث إن الصلة بين المقدس عند المتدينين هي قبل ~~كل شيء صلة بين ذات وذات، لا بين ذات وفكرة مجردة أو تجريدية كما في الأمثلة التي ~~أسلفناها. ~~(2-1) الإله ذات، لا فكرة تجريدية # ثم إن هذا التقديس الديني ليس تقديسا لذات أيا كانت، وإنما هو تقديس ~~لذات لها صفات خاصة؛ وأهم مميزاتها أنها ليست مما يقع عليه حس المتدين، ولا ~~مما يدخل في دائرة مشاهداته، وإنما هي شيء غيبي لا يدركه إلا بعقله ووجدانه، ~~فالفاصل الثاني الذي تتميز به العقيدة الدينية بمختلف أنواعها هو أن لها خاصة ~~الإيمان بالغيب؛ أي بما وراء الطبيعة. ~~(2-2) الإله ليس مادة وذو تصرف اختياري # ثم إن هذا الغيب ms023 الذي تؤمن الأديان بوجوده من وراء الطبيعة ليس من جنس هذه ~~الطبيعة المادية المنفعلة، بل هو شيء ذو قوة فعالة مؤثرة، وله أسلوب في ~~تصرفاته مباين للطرائق التي تؤثر بها المادة فيما حولها؛ إذ إن هذه المواد ~~يصدر عنها أثرها دون شعور منها ولا اختيار لها في صدوره، أما القوة التي يخضع ~~لها المتدين فإنه يفهمها على أنها قوة عاقلة تقصد ما تفعل، وتتصرف بمحض ~~إرادتها ومشيئتها. ~~(2-3) الإله يهيمن على شئون الناس # وأخيرا فإن هذه القوة العاقلة المدبرة في نظر المتدينين ليست قوة منطوية ~~على نفسها، منعزلة عنه وعن العالم، بل يرى أن لها اتصالا معنويا به ~~وبالناس. تسمع نجواهم، وتصغي لشكواهم، وتعنى بآلامهم وآمالهم، وتستطيع - إن ~~شاءت - أن تكشف عنهم ما يدعونها إليه. # من جملة هذه المعاني يتحدد على وجه الإجمال المعنى الذي يتعلق به الاعتقاد ~~والتقديس في جميع الديانات، ولتلخيص هذه الاعتبارات في لقب واحد نقول: إن ~~التقديس الديني «تأليه» وعبادة، وإن موضوعه «إله معبود». # ولعلك قد يشكل عليك من مقالتنا هذه أننا جعلنا مناط الاعتقاد والتأليه في ~~جميع الأديان ذاتا غيبية لا تراها العيون، كأن لم يكن من الأقوام من عبد ~~الأحجار والأشجار والأنهار، والطير والحيوان والإنسان. ~~(2-4) الوثنيات لا تعبد المادة في الحقيقة # فاعلم أن كلمات الباحثين في نفسيات المتدينين وعقلياتهم قد تطابقت على أنه ~~ليس هناك دين - أيا كانت منزلته من الضلال والخرافة - وقف عند ظاهر الحس، ~~واتخذ المادة المشاهدة معبودة لذاتها، وأنه ليس أحد من عباد الأصنام ~~والأوثان كان هدف عبادته في الحقيقة هياكلها الملموسة، ولا رأى في مادتها من ~~العظمة الذاتية ما يستوجب لها منه هذا التبجيل والتكريم. # وكل أمرهم هو أنهم كانوا يزعمون هذه الأشياء مهبطا لقوة غيبية، أو رمزا ~~لسر غامض، يستوجب منهم هذا التقديس البليغ، فهي في نظرهم أشبه شيء بالتمائم ~~والتعويذات التي يتفاءل أو يتبرك بها، أو يستدفع بها شيء من الحسد أو ~~السحر، لا على أن لها خاصية ثابتة كامنة فيها كمون النار في الرماد، أو أن ms024 لها ~~قوة طبيعية كقوة المغناطيس، بل على أن وراءها أو حولها روحا # 2 # عاقلا، مدبرا، مستقل الإرادة يستطيع أن يغير بمشيئته سير ~~الأمور ومجرى العادات، فيعطي ويمنع، ويضر وينفع، من حيث لا ينتظر الناس ذلك ~~في العادة، وأن تلك المواد المشاهدة ما هي في اعتقادهم إلا مظهر ومطلع يطل ~~منه هذا الروح الخفي، ويبارك من يتمسح بتلك الهياكل التي اتخذها له مظهرا ~~ومزارا. # يلزمنا إذن أن نضم عنصرا رباعيا إلى التعريف: فنقول إن القوة التي ~~يقدسها المتدين ليست فكرة مجردة، وصورة عقلية خالصة، بل هي حقيقة خارجية، ~~ونقول: إن هذه الحقيقة ليست مادة يقع عليها الحس، بل هي سر غيبي لا تدركه ~~الأبصار؛ ونقول: إن هذه القوة الغيبية قوة عاقلة تتصرف بالإرادة، لا ~~بالضرورة كالمغناطيس والكهرباء، ونقول أخيرا: إن لهذه القوة عناية مستمرة ~~بشئون العالم الذي تدبره، وإن لها تجاوبا نفسيا مع نفوسه. # وهكذا نقرر مع العلامة «تايلور» أن الدين يتضمن دائما «الإيمان بكائنات ~~روحية»، لكن على شريطة أن نأخذ كلمة الروح هنا بأوسع معانيها فلا نحدد طبيعتها، ~~ولا مدى سلطانها، ولا طريقة تصرفها، بل ندعها تتسع للتصورات المختلفة في ماهية ~~تلك القوة؛ ونكتفي بأن نقول على الجملة: إنها قوة خفية، شاعرة، مدبرة، وإن ~~أفعالها تصدر عنها بمحض إرادتها، وإنها تستمع لمن يدعوها ولها مطلق الحرية ~~في قبول مطالبه أو رفضها. ~~(2-5) تمييز النظرة الدينية عن النظرتين النفسية والطبيعية # هذا العنصر الرباعي: عنصر الذات، الغيبية، الروحية، المتصلة معنويا ~~بعابديها هو الحد الموضوعي الرئيس الذي يفصل بين وجهتي النظر الدينية ~~واللادينية. # فبينما النظرة المنطقية أو النفسية تنحصر في حظيرة العقل أو النفس، باحثة ~~عما فيهما من المعاني والأحوال، ولا يعنيها دراسة ما خلف هذه الحدود، والنظرة ~~الطبيعية تبرز إلى الوجود الخارجي، ولكنها لا تعالج إلا ما يقع عليه الحس ~~والمشاهدة بالفعل، أو ما هو من نوع # 3 # هذه المحسات المشاهدات، ولا تنفك عن هذه القيود، تنفذ النظرة ~~الدينية فترمي من وراء ذلك كله إلى حقيقة أخرى لا تلمس في داخل النفس ms025 ولا في ~~خارجها المادي، وإنما هي ذات غيبية وراء الطبيعة، بل فوق الطبيعة ... فشأن ~~المتدين أنه يطلب وراء كل حس معنى، ويلتمس تحت كل ظاهر باطنا، ويضع في مبدأ ~~كل فعل فاعلا، معتقدا أنه لا يقع في الكون شيء، من دقيق الحوادث وجليلها ~~إلا وللإله - أو لبعض الآلهة - فيه قضاء وتدبير. # نعم، إن الفلسفة الروحية تشارك النظرة الدينية في هذا الإيمان بما وراء ~~الطبيعة من قوة أو قوى فاعلة عاقلة، ولكنها تفارقها بأنها منقطعة الصلة ~~الأدبية بهذه القوة: فليس بين الفيلسوف وبينها ارتباط بحقوق أو واجبات، وليس ~~بينهما مناجاة تتبادل فيها المطالب والرغبات، أما المتدين فإنه يؤمن بهذه ~~الصلة إلى حد أنه يجعلها جزءا حيويا من كيانه النفسي؛ ولذلك نراه كلما ~~حزبته حاجاته، وتعسرت عليه رغباته تطلع إلى روح أشد قوة، يلتمس منها تلك ~~الحاجات والرغبات. ~~(2-6) الفرق بين التدين وبين السحر بأنواعه # على أنه ليس كل إيمان بقوة غيبية روحية، ولا كل توجه إلى تلك القوة، يدخل ~~صاحبه في جماعة المتدينين، فإن موقف العالم الروحاني في مناجاته للأرواح، ليس ~~أحق باسم التدين من موقف أخيه العالم الطبيعي لدى الأشباح، وإن كان قد يشتبه ~~الأمر بينه وبين موقف المتدين في عبادته، من حيث يتصل كل منهما بقوة خفية ~~يستلهمها ويلتمس عونها، إلا أنه على الرغم من الاشتراك في جنس هذه الصلة، ~~تختلف الحقيقتان اختلافا كبيرا، حتى إن طرفي النسبة في الأوضاع غير الدينية ~~قد يبدوان منعكسين تمام الانعكاس بالنسبة لهما في الأوضاع الدينية، وذلك أن ~~القوى السرية التي يدعوها الساحر # 4 # أو الكاهن أو مناجي الأرواح لا تقع صورتها في أخيلتهم على أنها ~~شيء يعلوهم فيتطاولون إليه، بل على أنها قرن ينازلونه، أو قرين يخادنونه، ~~وقد يرون لأنفسهم من العلو والسلطان على تلك القوى بوسائلهم الخاصة ما ~~يستطيعون به أن يقتنصوها ويخضعوها لأوامرهم، ويسخروها لرغباتهم، كما يسخر ~~الكيميائي عناصر الطبيعة المادية لمآربه، أما العابد فإنه يقف من معبوده موقف ~~الخاضع المتواضع الساعي في رضى سيده، المشفق من غضبه وسخطه. ~~(2-7) ms026 تصوير الأهداف الثلاثة # فالفاصل الأخير، الذي يتم به تصوير القوة التي يؤمن بها المتدين، أنها قوة ~~علوية سبحانية، قاهرة غير مقهورة، يخضع هو لها، ولا تخضع له. # إن شئنا أن نضرب مثالا حسيا لهذه الأهداف المختلفة، قلنا: إن قبلة ~~العالم المادي تحت أقدامه؛ لأن القوى التي هو منها بسبيل قوى عمياء صماء، يحس ~~بها ولا تحس به، وإذا دعاها لا تستجيب له، وقبلة العالم الروحي هي من وجه ما ~~في مستوى أفقه؛ لأنها وإن كانت أقدر منه على التصرف، إلا أنها قوى ~~حية عاقلة مثله، ولكنها من وجه آخر هي دونه؛ لأنها تحت يده، متصرفة بأمره، ~~منقادة إلى تعاويذه وطلاسمه. أما المؤمن فإنه يهدف إلى أعلى من ذلك كله؛ ~~لأنه يتجه إلى القوة العليا بإطلاق، فالكل ينكسون أبصارهم إلى الأرض، ~~والمؤمن يرفع رأسه إلى السماء. # الفصل الرابع # | العناصر النفسية # هذه العناصر الخمسة التي يتألف منها موضوع العقيدة الدينية، ينبغي أن يضم إليها ~~عنصر (ذاتي-نفسي) يتميز به نوع الخضوع الذي يتصف به المتدين بإزاء موضوع ~~عقيدته. # وإليك البيان: ~~(1) الفرق بين الخضوع الديني والخضوع الطبيعي # الناظر إلى العالم العلوي في جملته يراه مسخرا تحت سلطان القدر، في أوضاعه ~~وأحجامه، وحركاته، وطبائعه: كل شيء فيه له قدر لا يعدوه، وطور لا يتجاوزه ... ~~والناظر في عالمنا الأرضي كذلك يجده مقيدا بنسب معينة من البعد عن الشمس وعن ~~الكواكب، وبمقادير معينة من الضوء والحرارة والضغط الجوي وغيرها ... ~~(2) هل تمحى ظاهرة الموت # والناظر إلى هذه الكائنات الحية التي على ظهر الأرض يراها كلها خاضعة لقانون ~~الشيخوخة والهرم، وأخيرا لظاهرة الموت # 1 ~~... تلك كلها ضروب من الخضوع الطبيعي، منها ما هو آلي لا شعوري، ~~ومنها ما هو شعوري اضطراري، كمثل الذي يتردى من نافذة علوية، فهو حين يهوي في ~~الفضاء لا يسعه إلا الاستسلام لهذه الحركة القسرية راغما مكرها. أما المتدين ~~فخضوعه شعوري اختياري معا، وهو حين يخشع لمعبوده ويسجد لعظمته يفعل ذلك عن ~~طواعية لا عن كراهية؛ لأنه يقوم في ذلك بحركة نفسية من التمجيد والتقديس ms027 تأبى ~~طبيعتها أن تؤخذ قهرا، وإنما تعطى وتمنح لمن يستحقها متى اقتنعت النفس بهذا ~~الاستحقاق. نعم، إن هناك نوعا من الإكراه - وهو الإكراه غير المباشر، كالتهديد ~~بالعقاب - يمكن أن يفضي إلى مظهر من مظاهر التعظيم وصورة من صوره المادية، ولكنه ~~لا يمكن أن يتولد عنه حقيقة التعظيم ولا صورته القلبية. # فهذا وجه ينفصل به خضوع العبادة عن خضوع العبودية العامة # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها ~~. # 2 # ووجه آخر: وهو أن خضوع المتدين لمعبوده وإن كان خضوعا كليا لقوة قاهرة - ~~كما يقولون - ليس هو ذلك الخضوع الذي يخلق اليأس، ويكبت النفس، ويغل من الجهد، ويحد ~~مجال العمل، ويسد باب الأمل، بل هو شعور يرفه عن القلب بما يفتحه أمامه من ~~آفاق الإمكان، هو شعور يضع عن النفس الأثقال، ويحطم ما حولها من الأغلال، وتكاد ~~لا تعثر في لغته على كلمة «المحال»، فإذا اشتدت الأزمات، وضاقت الحلقات أمام ~~المتدين، تراءى له من خلالها أبواب ومخارج ليس دون انفراجها إلا أن يأذن معبوده؛ ~~ولذلك إذا رأيته في توجهه إلى هذا المعبود رأيته مقسم القلب أبدا بين الرغبة ~~والرهبة، موزع الأمل بين الشك واليقين؛ لأن القوة التي يتوجه إليها بالعبادة هي في ~~نظره أعز مثالا وأعظم استقلالا من أن تخضع لغير إرادتها نفسها، تلك الإرادة ~~التي لا يعرف هو قانونها، بل يقف حائرا أمام أسرارها. ~~(3) الإيمان جماع أمل وحذر # هذا الترقب والانتظار في مزيج من الأمل والحذر أمام دولاب الحوادث، هو إحدى ~~الظواهر العامة التي نلاحظها في نفسية المتدين، ولا نجدها إلا في نفسية المتدين، ~~أو المؤمن بإرادة مهيمنة على الطبيعة. ~~(4) الإلحاد أمن غافل أو يأس قاتل # ذلك أن الطبيعيين حين يرون ترابط الأشياء وتتابعها في نظام مطرد، يقف بهم ~~النظر في هذه النظم عند حد العادة الجارية، فيطمئنون الاطمئنان كله إلى استقرارها ~~ودوامها، وييأسون اليأس التام من تحولها وانفصامها، فهم أبدا في أحد طرفين ~~متباعدين: إما أمن غافل، وإما يأس قاتل، أما العقيدة الدينية - وكذلك الفلسفة ~~الروحية - فإنها لا تخضع ms028 لسياسة الأمر الواقع، بل تنفذ إلى بواطن الأمور ~~وأعماقها، فتقيس الوجود بمقاييس العقل، وتزنه بموازين الإمكان؛ وبذلك يتكشف ~~لها الكون عن حقيقته، فلا ترى في نظامه الواقعي ضرورة ذاتية، ولا في تبدل هذا ~~النظام استحالة ذاتية، بل ترى عليه طابع الصنعة الموضوعة، وأثر الترتيب المقصود، ~~وترى أمر بقائه أو تطوره رهينا بالإرادة التي وضعت هذا النظام وحفظته؛ لأن ~~من استطاع أن يربط السلسلة استطاع أن يفصمها، ومن أدار الدولاب ذات اليمين ~~قدر أن يديره ذات الشمال، ومن صرف الأمور بمحض اختياره على وجه كان في وسعه ~~أن يحدث في سيرها من العجائب والشواذ والمفاجآت ما يخرق كل حساب، فيبرئ المريض ~~الذي عجز الطب عن علاجه، ويخلص الأسير الذي أوصدت دونه الأبواب، وينزل الغيث ~~في القيظ، وينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة ... إلى غير ذلك. ~~(5) الأديان تمهد لتقدم العلوم # هكذا نرى الأديان في كل صورها ومظاهرها تقف إلى جانب الأمل والإمكان والحرية ~~والاختيار في مبدأ الأشياء، وهي بهذه النزعة - في الحقيقة - تخدم العلوم وتمهد ~~لتقدمها؛ إذ تفسح المجال أمامها في تغيير معالم الأشياء إلى مدى أبعد مما ~~تتصوره العلوم الواقعية، التي هي بطبيعتها جبرية إلى أقصى حدود الجبر، يئوسة إلى ~~أبعد حدود اليأس؛ لأنها كلما كشفت قانونا وقفت عنده دهرا؛ تبني على أساسه كل ~~فنونها وصناعاتها ... حتى إذا انتقلت إلى مرحلة أخرى، انتقلت بذلك من طوق حديدي ~~إلى طوق أوسع منه، ولكنه في نظرها طوق حديدي - على كل حال - فهي تعيش يوما ~~بيوم، لا تؤمن إلا بعينها، ولا ترى أكثر من طرف أنفها. ~~(6) لا جديد في الكون إلا بفعل إرادة عاقلة # إلا أنها في هذا السير الحثيث إلى الكشف والتجديد، خاضعة في الواقع من حيث لا ~~تشعر لدفعة خفية من الإيمان بإمكانيات لا نهاية لها في الكون، كما أنها تلمس في ~~أثناء تجاربها اليومية أن كل جديد تحصل عليه في تبديل أوضاع الأشياء إنما هو ثمرة ~~مجهودات إرادية عاقلة، وليس هناك مثال واحد - منذ عرف الإنسان الكون - يدل ~~على أن الطبيعة ms029 بدلت أوضاعها، وأحدثت في نفسها نظاما جديدا من غير تدخل ~~قوة شاعرة مستقلة عن تلك المادة، مهيمنة عليها. # أليس هذا وحده كافيا في لفت النظر إلى سائر الترتيبات السابقة، التي نراها في ~~طبائع الأشياء أو سير الحوادث، لم تبرز هكذا من تلقاء نفسها ولا بقوة لا شعورية ~~مثلها؟ هذا هو أساس الفكرة التي تسيطر على الدينيات والروحيات جميعا، وهي أن على ~~رأس كل سلسلة من الأسباب قوة اختيارية، هي قوة الإنشاء والابتكار التي لا بد أن ~~ينطوي عليها السبب الأول. ~~(7) العلوم الواقعية تفحص الآلة ولا تفكر في مخترع الآلة # نعم، إن العلوم الواقعية حين تنظر في هذه الآلة الكونية الدقيقة لفحص أجزاءها ~~وتعرف قانون سيرها، إنما يعنيها من وراء هذا البحث تنظيم الجهد الإنساني ~~وتنسيقه على وفق ذلك القانون الآلي. وهي من هذه الوجهة الخاصة لا لوم عليها في ~~إهمالها السؤال عن مخترع هذه الآلة وواضع ذلك النظام؛ لأن هذا السؤال خارج عن ~~طبيعة المهمة الأولى التي تخصصت لها. ~~(8) إغفال هذا التفكير هبوط إلى مستوى الحيوانية # ولكن اللوم كل اللوم على الإنسان، بما هو إنسان، حين يضع بيديه هذه القيود ~~الحديدية لعقله، وحين يبتر هذا العنصر الجوهري في كيان نفسه، بإبعاد هذا السؤال ~~بتاتا من بين بحوثه، قناعة باللحظة الحاضرة عن الماضي السحيق والمستقبل البعيد؛ ~~لأنه بذلك يهبط من عرش إنسانيته إلى صف الحيوانية، ويسكت ذلك الصوت السماوي الذي ~~يناديه من أعماق روحه، مستحثا له على استكمال فطرته، زاجرا له عن الاكتفاء بنظره ~~في حاضر الأشياء وحاضره، عن التطلع إلى مبدئها ونهايتها، وإلى مبدئه ~~ونهايته. ~~(9) ضم العناصر المستخرجة من هذا التحليل # والآن نستطيع أن نضم العناصر الرئيسية التي استخرجناها في ثنايا هذا التحليل، وأن ~~نؤلف منها الحد التام لماهية الدين، فنقول: # الدين هو «الاعتقاد بوجود ذات - أو ذوات - غيبية، علوية، لها شعور واختيار، ~~ولها تصرف وتدبير للشئون التي تعني الإنسان، اعتقادا من شأنه أن يبعث على ~~مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة، وفي خضوع وتمجيد»، وبعبارة موجزة هو ~~«الإيمان ms030 بذات إلهية جديرة بالطاعة والعبادة»، هذا إذا نظرنا إلى الدين من حيث ~~هو حالة نفسية # etat subjeclif ~~، بمعنى: التدين، ~~أما إذا نظرنا إليه من حيث هو حقيقة ~~خارجة # fait objectif # فنقول: «هو جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك ~~القوة الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها.» ~~(10) المآخذ على تعريف المدرسة الاجتماعية ~~«وبعد» فلن يشق على القارئ أن يعود الآن بنفسه إلى التعريفات المختلفة التي ~~نقلناها في صدر هذا البحث، وأن يتبين في ضوء هذا البيان مقدار ما في كل واحد منها ~~من وفاء أو زيادة أو نقص عن الحاجة، غير أننا نود أن نشير إلى مؤاخذتين مهمتين في ~~تعريف «دوركايم» و«ريناك» وأشياعهما. # أما «الأولى» فهي أن هؤلاء الباحثين لم يعتبروا من القدسية الدينية سوى جانبها ~~العملي «السلبي» وهو تحريمها لبعض الأشياء، والتحذير من مباشرتها والدنو منها: # Tabou ~~، وقد فاتهم أن المنع من لمس شيء ما ليس ~~دائما دليل قدسيته، بل قد يكون - على الضد - دليل ما فيه من خبث ورجس. كما ~~فاتهم أن الشعائر العملية في كل نحلة يجب أن تكون ترجمة كاملة لعقائدها، فإذا كان ~~التقديس هو من أحد جانبيه تنزيها عن العيوب والنقائص، فهو من الجانب الآخر وصف ~~بالجميل والكمال، هو تعظيم للقيم الكبرى والمثل العليا، فمظهره في الناحية ~~السلبية عدم انتهاك الحرمات، وفي الناحية الإيجابية الإقبال على الفضائل اغترافا ~~من معينها، وتذوقا لجمالها وتمثلا لجوهرها. فالتعريف إذن قاصر عن استيفاء ~~أجزاء المعرف. # وأما المؤاخذة «الثانية» - وهي أشد خطرا وأمس بالجوهر - فهي أنهم بتجريدهم ~~ماهية الدين من فكرتي: «الروحية» و«الإلهية» قد جردوها من أخص صفاتها، ونزعوا ~~منها المحور الذي تدور عليه كل عناصرها، والمعيار الوحيد الذي تقاس به مظاهرها ~~وتتميز به عما سواها. وفي الحق أن التعريف الذي يقدمونه لنا بعد حذف هاتين الخاصتين ~~يمكن تطبيقه بأكمله على كل مظهر من مظاهر النشاط الاجتماعي، متى كانت له صبغة ~~السنن الموروثة، التي يلتزم الجمهور مراعاتها في حياتهم الأدبية، أو الفنية، أو ~~الاقتصادية أو غيرها، فعادة رفع الأعلام ms031 في الأعياد، والقيام عند السلام الوطني، ~~ولبس السواد في الحداد، ووضع الخاتم في إصبع معينة للمتزوج أو غير المتزوج، وحفلات ~~التكريم وإشارات التعظيم، والأزياء القومية أو الطائفية، وسائر العوائد الملتزمة ~~التي تسمى ب «الإتيكيت» أو «البروتوكول» والتي يعد الخروج عنها نابيا في ذوق ~~العرف العام أو الخاص؛ كل أولئك يسوغ لنا - بمقتضى تعريفات المدرسة الاجتماعية ~~الفرنسية - أن نسميها أعمالا دينية وعبادات. ومثل هذا يقال في باب الآراء والمذاهب ~~السياسة وغيرها. # ولا يكفي لإزالة اللبس هنا أن نقول: إن الفكرة الدينية تقتضي «الإيمان بأن ~~الموجودات ليست كلها من نوع واحد، ولا في مرتبة واحدة، بل بعضها أسمى من سائر الأنواع»؛ # 3 # لأن اعتقاد هذا التفاوت كما يتحقق في الفكرة الدينية يتحقق في غيرها، ~~كاعتقاد أمة ما أنها أرقى عنصرا، وأنبل مولدا وأحق بالزعامة العالمية من سائر ~~الأمم ... وهكذا ينفرط العقد ويمتد اللبس بين الحقائق الدينية وغيرها إلى أقصى مداه، ~~وما وضعت الحدود إلا لإقامة الحدود بين المعاني المختلفة حتى لا يبغي بعضها ~~على بعض. # المبحث الثاني # | في علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب # الفصل الأول # | الدين والأخلاق # (1) علاقة الدين بالأخلاق من الوجهة النظرية # ها هنا نوعان من الدراسة للصلة بين الدين والأخلاق: دراسة «نظرية، تجريدية» تنظر ~~إلى الأشياء كما يمكن أو كما يجب أن تكون، ودراسة «واقعية، تاريخية» تنظر إليها ~~كما كانت بالفعل. ~~«فمن الناحية التجريدية» يمكننا بوجه من النظر أن نجعل من هذين المعنيين حقيقتين ~~متغايرتين، وبوجه آخر أن نجعل منهما مفهومين متداخلين. # ذلك أننا إذا نظرنا إلى «الدين» من حيث هو معرفة «الحق» الأعلى وتوقيره، وإلى ~~«الخلق» من حيث هو قوة النزوع إلى فعل «الخير» وضبط النفس عن الهوى، كان أمامنا ~~حقيقتان مستقلتان، يمكن تصور إحداهما بدون الأخرى، فتختص أولاهما بالفضيلة ~~النظرية، والأخرى بالفضيلة العملية. # غير أنه لما كانت الفضيلة العملية يمكن أن تتناول حياة الإنسان في نفسه، وفي ~~مختلف علائقه مع الخلق، ومع الرب، كان القانون الأخلاقي الكامل هو الذي يرسم ~~طريق المعاملة الإلهية، كما يرسم طريق المعاملة الإنسانية. ms032 وكذلك لما كانت ~~الفكرة الدينية الناضجة هي التي لا تجعل من الألوهية مبدأ تدبير فعال فحسب، ~~بل مصدر حكم وتشريع في الوقت نفسه؛ كان القانون الديني الكامل هو الذي لا يقف ~~عند وصف الحقائق العليا النظرية، وإغراء النفس بحبها وتقديسها، بل يمتد إلى وجوه ~~النشاط المختلفة في الحياة العملية، فيضع لها المنهاج السوي الذي يجب أن يسير عليه ~~الفرد والجماعة، وهكذا يصل القانون الديني - إذا استكمل عناصره - إلى بسط جناحيه ~~على علم الأخلاق كله، بل على سائر القوانين المنظمة لعلاقات الأفراد والشعوب، بحيث ~~يجعلها جزءا متمما لحقيقته ويصبغ كل قواعدها بصبغة القدسية، فيصبح اتباع الفضائل ~~الفردية والاجتماعية نوعا من الطاعة لأوامر الدين، وبابا من أبواب القربات ~~والعبادات الإلهية؛ فضلا عن كونه تحقيقا لمبدأ العدالة الإنسانية، وتلبية ~~لداعي الفطرة السليمة. # وخلاصة القول في هذه الناحية التجريدية أن الدين والأخلاق في أصلهما حقيقتان ~~منفصلتا النزعة والموضوع، ولكنهما يلتقيان في نهايتهما، فينظر كل منهما إلى موضوع ~~الآخر من وجهة نظره الخاصة، كمثل شجرتين متجاورتين تمتد فروعهما، وتتعانق أغصانهما، ~~حتى تظلل إحداهما الأخرى. ~~(2) علاقة الدين بالأخلاق من الوجهة التاريخية ~~«أما من الوجهة الواقعية» فإننا لا نرى الصلة بين الدين والأخلاق تبلغ دائما ~~هذا الحد من التساند والتعانق، لا في مبدأ نشأتهما في نفس الفرد، ولا في دور ~~تكونهما وتركزهما في قوانين وقواعد مقررة في المجتمع، أما في الحياة الفردية ~~فإن هذا الاتصال يبدو واضحا في عهد الطفولة والصبا؛ فالشعور الأخلاقي أقدم وأرسخ ~~في نفس الطفل من الشعور الديني؛ ولذلك نراه يبدأ في سن مبكرة جدا باستحسان بعض ~~الأفعال، واستنكار بعضها، والاستحياء من بعض آخر. ولا يشعر بالحاجة إلى تعليل ~~ظواهر الكون وتقديس سر الوجود إلا في دور ثان يكون فيه أنمى عقلا، وأهدأ بالا، ~~وأشد تيقظا، وأدق ملاحظة. # وأما في المجتمع فإن امتزاج القوانين الدينية والقوانين الأخلاقية نراه لا يجري ~~على سنن واحدة في العصور والبيئات المختلفة، فكثيرا ما ظهرت في التاريخ نظم ~~أخلاقية لا تعرض لواجب الآلهة قط، ولا تستقي تشريعها للفضائل الأخلاقية ms033 من وحي ~~الدين، بل من قوانين العقل، أو وحي الضمير، أو سلطان المجتمع، أو حسب المصالح ~~والمنافع، أو غير ذلك. كما ظهرت في التاريخ مذاهب دينية لا تعنى هذه العناية ~~بالناحية العملية الاجتماعية، بل كثيرا ما تجعل المتدين ينطوي على نفسه، متخذا ~~مثله الأعلى في العزلة والصمت والتأملات العميقة. # نعم، إن معرفة الحق وتعظيمه لا يخلوان في غالب الأمر عن مظهر يتمثلان ~~فيه؛ ولذلك تكاد لا تخلو حقيقة التدين عن عنصر عملي يكون حلقة الاتصال بين الدين ~~والأخلاق، ويتحقق ذلك - على الأقل - في الجانب الإلهي من الواجبات الذي نسميه ~~عبادة، لكن هذا المظهر نفسه قد تغمض معالمه، وتتضاءل صورته، حتى يصير كلمة تعبر ~~عن العجز والحيرة في التماس طريق التوجه إلى ذلك السر الهائل، وإن دين الحنفاء من ~~العرب في الجاهلية لهو أوضح مثال لهذه الحقيقة، فابن هشام يروي لنا عن أحد ~~هؤلاء الحنفاء - وهو زيد بن عمرو بن نفيل - أنه كان يقول وهو مسند ظهره إلى ~~الكعبة: «اللهم إني لو كنت أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه.» # 1 ~~(3) معنى الدين والخلق في المحادثات العصرية # بقي علينا أن نتساءل عن المعنى الذي يقصد إليه غالبا من كلمتي «الدين» ~~و«الخلق» في محاورتنا العصرية، وهنا أيضا نجد بين الكلمتين من المرونة في التدخل ~~تارة، والاستقلال تارة أخرى، ما يجعلهما دائما في شبه مد وجزر، ويجعل من العسير ~~تحديد المراد من كلتيهما بصفة حاسمة، إلا أنه يلوح لنا أن هاتين الكلمتين لا ~~تزالان تخضعان في استعمالنا للقاعدة المعروفة في الكلمات العربية التي من أسرة ~~واحدة، مثل «الرأفة والرحمة»، و«البر والتقوى»، و«الإيمان والإسلام» وغير ذلك، ~~وهي أن هذه الكلمات التوائم كلما اجتمعت في العبارة افترقت في المعنى، وكلما ~~افترقت في العبارة اجتمعت أو مالت إلى الاجتماع في المعنى بقدر الإمكان، فإذا ~~قلنا: «فلان ذو دين وخلق»، وجب - لكي تخلو العبارة من عيب التكرار واللغو - أن ~~تؤدي كل من الكلمتين معنى مستقلا، منعزلا عن الآخر انعزالا كليا، بحيث ~~يختص الدين بالجانب ms034 الإلهي، والخلق بالجانب الإنساني، فيكون معنى الدين: ~~الإيمان أو التقوى الخاصة - أعني: القيام بفرائض العبادة - ويكون معنى الخلق: ~~التحلي بالفضائل والآداب الاجتماعية. # أما إذا اكتفينا بقولنا: «فلان ذو دين»، وكان المفروض أن الدين الذي نشير إليه ~~من الأديان الخلقية المعروفة، فإن كلمة الدين هنا تتسع لمعنى أختها المطلوبة ~~أيضا، وحينئذ يراد منها التقوى الشاملة الكاملة، أعني: القيام بالفروض الإلهية ~~والإنسانية معا. # وكذلك إذا اكتفينا بقولنا: «فلان ذو خلق» وكان مفهوما أن الأخلاق المتواضع ~~عليها جامعة للحقوق الإلهية والإنسانية، ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أنه حتى ~~في هذه الحالة التي تأخذ فيها كلمة الخلق أوسع معانيها، لا تصبح تلك الكلمة ~~مرادفة تماما لكلمة الدين؛ لأن هذه لا تزال تمتاز بعنصر نظري جوهري، لا يمكن ~~سقوطه ولو ذهب غيره من الأجزاء، ذلك هو عنصر المعرفة بالإله والإيمان به، وهو ~~عنصر لا يدخل في طبيعة مفهوم الأخلاق ؛ لأنها دائما ذات طابع عملي، وما اعتمادها ~~- إن اعتمدت - على وازع الدين والإيمان إلا اعتماد على دعامة ووسيلة، لا على جزء ~~متمم لحقيقتها، وفي وسعها بعد أن تستغني عن هذه الدعامة بباعث الوجدان أو غيره - ~~كما أسلفنا - فلا يكون بينهما وبين الدين العملي إلا تشابه موضوعي، مع اختلاف ~~البواعث والأهداف. # الفصل الثاني # | الدين والفلسفة # (1) وحدة الموضوع فيهما # إذا نحن أحصينا ضروب المعرفة الإنسانية على كثرة اختلافها وفرط تنوعها؛ وجدنا ~~من بينها ضربا يجري مع الأديان في مجال، ويكاد يعد من عصبتها أو من ذوي رحمها ~~الأقربين، ولا نجد ضربا آخر يزاحمه أو يدانيه في هذا النسب. ذلك هو ما اصطلح ~~العلماء على تسميته باسم «العلم الأعلى» أو «الفلسفة العامة». # أليس موضوع الفلسفة هو نفسه موضوع الدين؟ أوليست المشكلة التي تعالجها الفلسفة ~~هي بعينها المشكلة التي انتدبت الأديان لحلها؟ فمطلب الفلسفة هو معرفة أصل ~~الوجود وغايته، ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل، هذان هما موضوعا ~~الفلسفة بقسميها العلمي والعملي، وهما كذلك موضوعا الدين بمعناه الشامل للأصول ~~والفروع. ~~(2) الأصول العامة التي تنفصل فيها الفلسفات المادية وبعض الفلسفات ms035 الروحية عن ~~الأديان # غير أن الاتحاد في موضوع البحث لا يعني دائما الاتفاق على نتائجه، فكما أمكن أن ~~تختلف الأديان # 1 # في تعيين الحلول لهذه المسائل الكبرى؛ اختلفت مذاهب الفلسفة فيما بينها ~~اختلافا كثيرا، بل قد يكون الاختلاف بين الفلسفة أشد تباعدا وأكثر تشعبا منه ~~بين أهل الأديان. # وليس يعنينا هنا أن نبحث عن وجوه الاختلاف الداخلي بين أهل المعسكر الواحد من هذا ~~الفريق أو ذاك، ولكن الذي يعنينا هو أن نعرف الوجوه التي فصلت بين هذين المعسكرين: ~~الديني والفلسفي، حتى جعلت كل طائفة منهما ذات لقب خاص، لا يسوغ نقله إلى ~~الطائفة المقابلة لها. # وإذ لا سبيل لنا إلى الفصل بين موضوعي الديانة والفلسفة، بعد أن تبينت وحدة هذا ~~الموضوع؛ بقي أمامنا أن نبحث عن وجه اختلافهما في النتائج التي وصل إليها كل ~~منهما. # غير أننا لا نستطيع أن نصدر ها هنا حكما عاما شاملا، يجمع بين الحقيقتين ~~كلية، أو يفصل بينهما كلية؛ إذ إننا نجد كثيرا من المذاهب الفلسفية قد توصلت ~~بمجهودها العقلي المستقل إلى تقرير المبادئ الأولية التي قررتها الأديان، بينما ~~نجد بعضا منها قد انفصل من أول الطريق أو من وسطه عن تلك المبادئ. # وأشد هذه المذاهب انفصالا، وأكثرها بعدا، هي المذاهب المادية، التي لا تعترف ~~بشيء في الوجود وراء الحس والمشاهدة، فتنكر بذلك مبدأ رئيسيا مشتركا، تقوم ~~عليه جميع الأديان، وتقره سائر الفلسفات. ~~(3) الفلسفات الروحية التي تتفق مع الأديان في الأصول العامة تختلف عنها وعن بعض ~~الوجوه # بل إن بعض الفلسفات الروحية، التي تتلاقى مع الديانات في الاعتراف بأن للعالم ~~صانعا قديرا، قد فهمت الصلة بين هذا الإله وبين العالم على وجه يجعلها تتخلف عن ~~ركب الأديان في مرحلة أو أكثر؛ إذ تفقد به عنصرا آخر من عناصر الديانات، وأهمها عنصران: # العنصر الأول: # عنصر «بدء الخلق»؛ أي إحداث المادة من العدم، وهو مبدأ تعترف ~~به جميع النحل الدينية، في حين أن بعض قدماء اليونان كان يرى أن ~~الروح المدبر للعالم لم ينشئ هذا العالم إنشاء، ms036 بل إنه وجد ~~أمامه المواد الكونية مبعثرة بغير نظام، فقام بتنسيقها على هذا ~~الوجه الهندسي المتقن، فالخالق في نظرهم ليس بارئا، بل هو صانع ~~ماهر # demiurge # 2 # ليس غير. # العنصر الثاني: # عنصر «الربوبية» أو «العناية المستمرة»، فإن الأديان كلها ~~قائمة على فكرة التمجيد لقوة لها صلة بالحوادث اليومية، ولها ~~عناية دائمة بالكائنات، لا تنفك عن إمدادها وتدبيرها، وذلك هو ~~أصل فكرة العبادة التي لا يتحقق اسم الديانة بدونها. # أما الفلسفات التي تؤمن بالألوهية فليست كلها تؤمن بهذه الربوبية؛ إذ إن بعضها ~~كان يرى أن صلة الإله بالعالم إنما هي صلة العلة الأولى والسبب البعيد الذي أدى ~~عمله، وانتهت مهمته، وأن مثله كمثل المهندس البناء حين يفرغ من رسم البيت وبنائه، ~~ويصبح لا شأن له بسياسته وتدبيره، أو - على الأقل - لا صلة له بتدبير عالمنا الأرضي. # 3 # والآن دع هذه الفصيلة من المذاهب الفلسفية - أعني: فصيلة المذاهب المتخلفة عن ~~قافلة الأديان - وخذ بنا في المقارنة بين الدين وبين الفلسفات التي تلتقي مع ~~الديانات، لا في موضوعها وحسب، بل في أصولها العامة التي أشرنا إليها، فهل ترى يصل ~~أمر التقارب بينهما إلى حد الاتفاق في كل شيء، حتى يصبحا اسمين لمسمى ~~واحد؟ # هيهات! فقد بقيت وستبقى بينهما فروق كثيرة، يراها بعض العلماء في الوسائل ~~والمناهج، وبعضهم في المصادر والمنابع، وبعضهم في الظروف والملابسات؛ ونراها نحن في ~~شيء أعمق من هذا كله، في العناصر المقومة لحقيقة كل منهما. # فلنبدأ بعرض مقالات السابقين ونقدها، ثم نختم بما نراه نحن في هذه القضية: ~~(3-1) رأي الفارابي في كنه هذا الاختلاف # يقول الفارابي نقلا عن قدماء اليونان: إن اسم الفلسفة خاص عندهم بالعلم ~~الذي تتعقل فيه حقائق الأشياء بذاتها، لا بمثالها، ويتوسل فيه إلى إثباتها ~~بالبراهين اليقينية، لا بمجرد الإقناع، أما الملل والأديان فطريقها في ~~التفهيم إقناعي، وتمثيلي. # نقول: إن صحت هذه التفرقة في بعض الأديان، فإنها لا تنطبق على جميعها، فهذا ~~دين الإسلام - مثلا - قد جمع في تعاليمه بين طريقتي اليقين والإقناع، وبين ~~منهجي التحقيق ms037 والتمثيل، والفيلسوف ابن رشد يقرر لنا هذه الحقيقة بطريقة ~~تطبيقية على كثير من المسائل والنصوص، في كتابه «فصل المقال فيما بين الشريعة ~~والحكمة من الاتصال»، فبعد أن بين أن طباع الناس متفاضلة في التصديق؛ فمنهم ~~من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان؛ إذ ~~ليس في طبيعته أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب ~~البرهان بالأقاويل البرهانية، قال ما نصه: «ولما كانت شريعتنا هذه ... قد دعت ~~الناس من هذه الطرق الثلاث، عم التصديق بها كل إنسان، إلا من يجحدها عنادا ~~بلسانه أو لإغفاله ذلك من نفسه، ولذلك خص - عليه الصلاة والسلام - بالبعث ~~إلى الأحمر والأسود، أعني: لتضمن شريعته طرق الدعاء إلى الله تعالى، ~~وذلك صريح في قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة ~~» # 4 # وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: «فإن الكتاب العزيز إذا ~~تؤمل وجدت فيه الطرق الثلاثة، أعني: الطريق الموجودة لجميع الناس، ~~والطريق المشتركة لتعليم أكثر الناس، والطريق الخاصة.» # 5 # ليس لنا إذن أن نقول: إن الأديان كلها تقوم على الإقناع الخطابي ~~والتمثيلي، لا على التحقيق واليقين. # ثم ليس من الصواب أن نقول من الجهة الأخرى: إن التعليمات الفلسفية تستمد ~~دائما من نور العقل، وتستند إلى البراهين القطعية؛ إذ لو كانت كلها كذلك ما ~~أمكن أن يحدث بينها هذا الاختلاف والتضارب، فإن الحق لا يعارض الحق ولا ~~يكذبه، بل يسنده ويؤيده. # فهذا التعارض دليل واضح على أنه ليس كل واحد منها يمثل الحقيقة المطلقة أو ~~يقول فيها الكلمة الأخيرة، بل من الجائز أن يكون كل منهما يمثل جانبا من ~~حقيقة مركبة تتألف من مجموعها، ومن الجائز أن يكون الحق واحدا منها وسائرها ~~باطلا، أو يكون الحق وراء ذلك كله، ولا بد لمعرفة أي ذلك هو الواقع، في موضوع ~~ما، من إعادة النظر فيه بالفحص والمقارنة بين مذهب ومذهب، ودليل ودليل. # ونحن نعرف بالاستقراء والتجربة أن أكثر هذه النظريات الفلسفية المتضاربة ~~فروض وتقديرات، تدور كلها في ذلك الإمكان والاحتمال، وتتفاوت ms038 فيما بينها بقدر ~~ما فيها من حسن العرض وتناسق الوضع، لا اعتمادا على العقل الخالص ومتانة ~~البرهان، بل على جودة الخيال وبراعة البيان، فهي لا تعدو أن تكون ضربا من ~~الشعر المنثور، يناجي العاطفة ويستهوي القلوب، من غير أن يكون في حجتها ما يشفي ~~طالب اليقين، ولا في حكمها ما يحسم مادة النزاع بما فيه فصل الخطاب. ~~(3-2) رأي ابن سينا ونقده # ننتقل إذن إلى فرق آخر: # يرى ابن سينا أن الدين والفلسفة، مع اشتراكهما في تعريف «الحق» و«الخير» ~~يختلفان في مبلغ عنايتهما بهذين الأصلين، ويقول: «إن الشريعة الإلهية يستفاد ~~منها مبادئ الحكمة العملية وحدودها على الكمال، أما الحكمة النظرية فإن ~~الشريعة تعنى بمبادئها فقط على سبيل التنبيه، تاركة للقوة العقلية أن تحصلها ~~بالكمال على وجه الحجة.» # 6 # نقول: هذا الفرق - على عكس الفرق الذي حكاه الفارابي - ينطبق بوضوح على ~~الشريعة الإسلامية؛ فإنها نبهت على مبادئ الحكمة النظرية تنبيها رقيقا، ~~وبينت الحكمة العملية بكمالها. ولكن هل ينطبق ذلك على سائر الشرائع الإلهية، ~~فضلا عن الديانات الأخرى؟ كل ما يمكن أن يقال هو أن عناية الأديان في جملتها ~~بالناحية العملية أشد منها بالناحية النظرية، ولكننا نعرف من مدارس الفلسفة ~~أيضا ما يغلب عليها - أو يكاد يستأثر بها - هذا العنصر العملي. فلا يصلح ذلك ~~فارقا كافيا لتمييز ماهية الدعوة الدينية عن التعاليم الفلسفية بصفة ~~مطردة. ~~(3-3) آراء علماء الغرب # أما علماء الغرب اليوم فيرون الفرق بين الدين والفلسفة من الوجوه ~~الآتية: ~~(1) # مشاكل الفلسفة يناط حلها بالأفذاذ من ذوي العقول الراجحة، بينما ~~مسائل الدين - في زعمهم - تحلها الشعوب والجماهير، قالوا: ولذلك ~~كانت نشأة الأديان، وحياة واضعيها، والظروف التي ألفت فيها ~~كتبها؛ غامضة مدفونة في ظلمات التاريخ، ولا كذلك الآثار ~~الفلسفية. ~~(2) # الدين يرثه الشعب عن أسلافه، والفلسفة يستمدها الفيلسوف من عقله ~~ومن ملاحظاته الشخصية، ولو خالفت العقائد الموروثة. ~~(3) # الفلسفة متجددة، والديانة تميل إلى الثبات وعدم التطور؛ لأن ~~الجماعات لا تقبل أن تغير عقيدتها كل يوم، أو أن تعيد النظر فيها ~~من جديد، ولا سيما ms039 إذا كان كتاب العقيدة مفروضا فيه أنه كلام ~~الرب المعبود. ~~(4) # الديانة لها في المجتمع مكان الصدارة؛ لأن لها الأسبقية وتقادم ~~العهد، الذي مكن لها من الرسوخ في القلوب؛ لأنها عقيدة الجمهور، ~~وفي متناول عقليته. ~~(5) # الدين لا يستغني عن مظهر اجتماعي، في حفلات يومية، أو سنوية، أو ~~موسمية، يوثق بها الأفراد أواصرهم الطائفية، كما أن الفكرة ~~الدينية بحاجة إلى التجسد في صور معينة، ورسوم محددة، يجدد بها ~~المتدين عهده بعقيدته، التي هي دائما عرضة للنسيان، من جراء ~~المشاغل الحيوية المادية، بينما الفلسفة لا حاجة بها إلى هذه ~~المحافل؛ لأن عقيدة الفيلسوف حاضرة في نفسه في غالب الأمر، كما ~~أنها لا يصح أن تتمثل في رسوم عبادة معينة؛ لأنه لا شيء من تلك ~~الصور المحددة يفرضه العقل فرضا، بحيث يكون الخروج عنه شذوذا في ~~التفكير، ولو التزم الفيلسوف شيئا من هذه الأوضاع الخاصة، وجعله ~~شعارا لفلسفته لخرج إلى ضرب من الهزل والمجون، حري أن يسخر ~~منه. ~~(6) # الديانة تعيش بسلطان ونفوذ كنفوذ الدولة، والفلسفة لا تعيش إلا ~~في جو الحرية. ~~(3-4) مناقشة هذه الآراء # الناظر في هذه الفروق يرى أنها - في جملتها - لا تصور الديانة والفلسفة في ~~كل الأدوار التي مرت بهما، بل تصفهما في حالتهما الحاضرة، وفي أوروبا المسيحية ~~على وجه أخص، فهي تصور لنا الأديان الموروثة عن السلف في حالة استقرارها ~~وثباتها، بعد أن أصبحت عقيدة للجمهور، وصارت جزءا من تاريخه، يحف بها جلال ~~الماضي، ويحوطها سلطان الكنيسة، وقد بعد عهدها بتاريخ نشأتها الغامض، ثم ~~تصور لنا الفلسفة بازغة في عقل الفيلسوف، مطبوعة بطابع عقله ونزعاته وأحاسيسه، ~~طليقة من كل قيد، تستطيع أن تلبس كل يوم ثوبا جديدا. # ولا ريب أننا حين نعقد المقارنة هكذا في ملابسات متباينة، نحصل على صورتين ~~متفاوتتين: فالديانات تبدو لنا في مظهرها الاجتماعي المستقر، والفلسفة في ~~طابعها الفردي الحر المتجدد، وهكذا يصدق القول بأن «الديانة هي فلسفة الشعوب ~~والجماهير»، وأن «الفلسفة هي ديانة الأفذاذ الممتازين». # أما إذا عدنا بالديانات إلى عصور نشأتها، أو عصور تجديدها وإصلاحها، ms040 ~~فإنها تبدو لنا هي أيضا وهي تحمل أعلاما شخصية: موسى، أو بوذا، أو عيسى، أو ~~ماني، أو محمدا، أو لوثر، أو عبد الوهاب، أو غيرهم، حتى الديانات الوثنية لم ~~تعدم زعماء وضعوا أساسها، أو وسعوا بنيانها، إما بالتفنن والاختراع، وإما ~~بجلب «تماثيل الآلهة» من رحلاتهم في مختلف الأقطار، كما يحدثنا التاريخ عن ~~بعضهم. # وليس جهل الشعب بحياة مؤسس ديانته دليلا على أن هذه الديانة في نشأتها كانت ~~من وضع الشعب في الجيل نفسه أو في جيل سابق، وكل ما في الأمر أنها ميراث ~~جهلوا مورثه، نعم إن هذه التركة قد يكون أصابها على مر العصور شيء قليل أو ~~كثير من التحول والتطور، حتى أصبحت في وضعها الأخير أثرا مشتركا، وثوبا ~~مرقعا، ينتسب إلى أكثر من فرد واحد، وتقبله الشعب هكذا على علاته، ولكننا متى ~~ارتقينا بهذا الميراث الشعبي من عصر إلى عصر، حتى نصل إلى عهد نشأته، لا بد ~~أن نصل إلى مبدأ لا يكون هو الشعب في جملته ولا جماعة من الشعب. وإلا ~~فليجيئونا بمثال تاريخي واحد، اجتمع فيه شعب من الشعوب أو طائفة من رؤسائه، ~~فتواضعوا فيما بينهم على ابتكار منظمة دينية جديدة، يخلقون عقائدها وعباداتها ~~جملة وتفصيلا، من غير أن يكون بين أيديهم أثر يأثرونه عن سلفهم، ولا كتاب ~~يدرسونه ويجتهدون في فهمه وتأويله، منسوب إلى فلان أو فلان. # على أن غموض تاريخ مؤسسي الديانات، وعدم تحديد العصور والملابسات التي ظهرت ~~فيها كتبهم ليس قاعدة عامة؛ فهذا تاريخ الإسلام ونبيه وكتابه غض طري، كأنه ~~ولد أمس، وعلماء أوروبا يعترفون بذلك ويعلنونه في إنصاف وصراحة. غير أنهم ~~يعدونه استثناء من قاعدة الأديان، لكن الحقيقة أن القدر الذي يصح عده ~~استثنائيا في الإسلام من هذه الناحية هو درجة الوضوح التاريخي ومتانة ~~الأسانيد المتصلة لكتابه في جملته وتفصيله، أما الوجود التاريخي لزعماء الأديان ~~ومجمل دعوتهم، فهذا قدر مشترك بينه وبين كثير من الملل، حتى لو سلمنا أنه ~~استثناء، فقد أصبح الفارق الذي يزعمونه بين نشأة الدين ونشأة الفلسفة غير صحيح ms041 ~~على عمومه. # وكما أن الديانات بعد تأسيسها تميل إلى الثبات والاستقرار بين الشعوب حتى ~~يقوم فيها مجددون أو مصلحون، فكذلك تعاليم الفلسفة ومقررات العلوم، حتى ~~الرياضيات والطبيعيات نفسها، مالت إلى الركود في كثير من القرون. والتجديد في ~~كلا الميدانين يلاقي مناهضة شديدة، وكم من الاختراعات والاكتشافات الحديثة ~~عدت جنونا من مدعيها حتى في الأوساط السياسية والعلمية. # أما حديث المظاهر الاجتماعية في شعائر العبادة، فإنه ينطبق حقيقة على ~~الأديان العامة التي استكملت عناصرها وفروعها؛ ولكنه لا ينطبق على الأديان ~~الفردية، التي لا تعدو أن تكون وجدانا غامضا أو عقيدة مبهمة تتجمجم في الصدر، ~~ولا يحسن صاحبها التعبير عنها بشعار خاص، وقد رأينا مثلا من ذلك في أديان ~~الحنفاء؛ ولا نزال نرى أمثالهم في كل أمة من ذوي الفطر السليمة، الذين لم تصل ~~إليهم تعاليم الأديان الصحيحة، ولم يعجبهم ما في بيئتهم من العقائد الزائغة، ~~والعوائد المنحرفة، ولكنهم في الوقت نفسه لم يصلوا إلى تحديد وضع معين ~~يتخذونه شعارا لعقيدتهم، فهؤلاء غرباء في قومهم، لا يجد الواحد منهم في نفسه ~~حافزا على الاجتماع بغيره - لأن كل واحد منهم أمة وحده - فضلا عن أن يتفقوا ~~بعد ذلك على نشيد واحد وحركات واحدة يجعلونها شعارا ظاهرا لعقيدتهم، بل ~~نقول: إن حديث الشعائر والمظاهر لا ينطبق على كل الأديان الشعبية. فهذه ~~البوذية الأولى يقولون: إنها لم تكن تعرف إلا العزلة التامة والتفكير العميق، ~~بعيدا عن كل الرسوم والأوضاع العملية. وعلى نقيض ذلك رأينا بعض الفلاسفة «مثل ~~أوجست كونت»، يجهزون مذاهبهم الفلسفية بكافة النظم والشعائر المعروفة في ~~الديانة المعاصرة لهم، وهكذا نرى التفرقة المذكورة لا تستقيم طردا ولا ~~عكسا. ~~(3-5) رأينا في حقيقة الفرق بين الدين والفلسفة # بقيت التفرقة بين الدين والفلسفة بأن الفلسفة لا تعيش إلا في جو الحرية، ~~وأن الدين لا يقوم إلا على السلطان والنفوذ، فهذا قول سديد في الجملة لا على ~~الإطلاق. وهو - إذا استفصل عن معناه - يفتح أمامنا الباب لتقرير الفروق ~~الصحيحة بين هاتين الحقيقتين: # ذلك أنه إن كان المقصود قيام ms042 الدين دائما على سلطان الدولة ونفوذها، فهي ~~دعوى باطلة؛ إذ إننا نعرف ديانات كثيرة عاشت ونمت في ظل الرفق والتسامح، ~~بعيدا عن كل حكم وسيطرة، والبوذية أوضح مثال على ذلك، بل المسيحية ~~والإسلام - في أول عهدهما على الأقل - قاما على احترام حرية الضمير، وعدم ~~الإكراه في الدين، كما أننا نعرف عهودا تطاولت فيها الفلسفة إلى مقام الحكم، ~~وتسلحت لمطاردة أعدائها وإخضاعهم. # وإن كان المقصود اعتماد الدين على السلطان الأدبي للمجتمع، بمعنى: أن الحياة ~~الاجتماعية من شأنها أن تطبع الأفراد بطابع واحد، وأن تجعل منهم وحدة ~~متجانسة التفكير، متشاكلة العوائد والعقائد، بحيث يعد الشاذ عنها مذموما ~~منبوذا، فهذا إن صح - إلى حد ما - في الجماعات «البدائية» المحصورة في نطاق ~~ضيق، لا يسري حكمه على سائر المجتمعات؛ فنحن نرى الأمم والشعوب في كل عصر تضم ~~تحت أجنحتها العقائد المختلفة، والنظم المتفاوتة، ولا يحول ذلك دون تعاون ~~الجميع في مرافق الحياة العامة، وتساندهم في الواجب الوطني المشترك. # أما إذا كان المقصود سلطان العقيدة على نفوس معتنقيها أنفسهم، فلا ريب أن ~~هذه ميزة تستأثر بها الديانات؛ وليس للفلسفة أن تطمح إلى نيلها، وإلا لجاوزت ~~طورها، وتناقضت في نفسها؛ لأن حقيقة الفلسفة هي «محبة الحكمة» أو «الرغبة في ~~المعرفة»، ووظيفتها البحث عن الحقيقة بقدر الطاقة البشرية، وعرض ما تظفر به من ~~جوانب تلك الحقيقة، والفيلسوف هو أول من يعرف قصور العقل البشري، وقصور كل ما ~~هو إنساني، عن درجة الكمال، ولذلك كان التسامح والتواضع العلمي من أظهر ~~خصائصه، وهذا سقراط يضرب لنا أروع الأمثال في ذلك، حين يقول: «الشيء الذي لا ~~أزال أعلمه جيدا هو أنني لست أعلم شيئا.» # أما الفكرة الدينية فإنها - في مختلف مظاهرها ودرجاتها - تفترض أن ما تقرره ~~في شأن من الشئون مستمد من سر الوجود، وأنه يمثل حقيقة الأشياء على ما هي ~~عليه في نفس الأمر، فهي بطبيعتها ملزمة، تتقاضى من صاحبها الخضوع والتسليم ولا ~~تقبل منه في حكمها جدالا ولا مناقضة، بل لا تبيح له في نفسها بحثا ولا ~~ترديدا، ms043 فإن فعل ذلك في مسألة ما، كان في هذه المسألة بعينها متفلسفا غير ~~متدين، حتى يستقر فيها على رأي معين ويدين به، فهنالك لا يقبل فيه مساومة ولا ~~يستطيع منه تحللا؛ إذ يصبح عقيدة يخلص لها إخلاصا خارقا للعادة، حتى لا ~~يبالي أن يضحي في سبيلها بحياته، ولا نكاد نجد هذا السلطان على النفس لفكرة ~~أخرى: علمية، أو سياسية، أو غيرها. # فإذا أردنا البحث عن السر في هذه الظاهرة العجيبة، فإننا نجده لو أمعنا ~~النظر في الفرق بين حقيقة المعرفة وحقيقة الإيمان، وفي الفرق بين القوة ~~النفسية التي تقوم بوظيفة المعرفة، والقوة النفسية التي تقوم بوظيفة الإيمان. ~~فالواحد من الناس قد يدرك معنى الجوع والعطش وهو غير محس بآلامها، وقد يفهم ~~معنى الحب والشوق وليس من أهلهما، وقد يرى الأثر الفني البارع فيفهم أسراره، ~~ويقف على دقائق صنعه، ولكنه لا يتذوقه، ولا يتملك قلبه الإعجاب به. وقد يعرف ~~لفلان فضل عقل أو حزم، أو أدب أو سياسة، أو أولئك جميعا، ولا يشعر نحوه ~~بعاطفة ولاء، ولا رابطة مودة، بل يكاد يغص فؤاده بهذه الفضائل حقدا وحسدا، ~~ويكاد ينكر قلبه ما تراه عيناه. # هذه كلها ضروب من العلم والمعرفة يهديها إلينا الحس، أو الفكر، أو ~~البديهة، أو الحدس، فتلاحظها النفس وكأنها غريبة عنها، أو تمر بها عابرة فتمسها ~~مسا جانبيا لا يبلغ إلى قراراتها، أو تختزنها وتدخرها، ولكنها لا تهضمها ~~ولا تتمثلها. كل حالة نفسية تقف بالأفكار والمبادئ عند هذه المراحل ليست من ~~الإيمان في قليل ولا كثير، الإيمان معرفة تتجاوب أصداؤها في أعماق الضمير، ~~وتختلط مادتها بشغاف القلوب فلا يجد الصدر منها شيئا من الضيق والحرج، بل تحس ~~النفس فيها ببرد وثلج. # إن الإيمان تذوق ووجدان يحمل الفكرة من سماء العقل إلى قرارة القلب، ~~فيجعلها للنفس ريا وغذاء يدخل في كيانها، ويصبح عنصرا من عناصر حياتها، ~~فإذا كان موضوع الإيمان الحقيقة الكبرى، والمثل الأعلى، فهنالك تتحول الفكرة ~~قوة دافعة، فعالة، خلاقة، ولا يقف في سبيلها شيء في الكون إلا ~~استهانت ms044 به حتى تبلغ هدفها. # ذلك هو فصل ما بين الفلسفة والدين، غاية الفلسفة المعرفة؛ وغاية الدين ~~الإيمان، مطلب الفلسفة فكرة جافة، ترتسم في صورة جامدة؛ ومطلب الدين روح ~~وثابة، وقوة محركة. # لا نقول - كما يقول كثير من الناس - إن الفلسفة تخاطب العقول، وإن ~~الدين يخاطب القلوب ويستهوي المشاعر، غير مبال بمبادئ المنطق وقواعد العلم، ~~أو كما قال القديس أوغسطين # St. Augustin ~~: ~~«أومن بهذا لأنه ~~محال # Credo quia absurdom ~~» فذلك وصف لا ينطبق على كل الأديان، ولكنا نقول: إن ~~الدين في كل أوضاعه لا يقنع بعمل العقل قليلا أو كثيرا حتى يضم إليه ركون ~~القلب. # الفلسفة تعمل إذن في جانب من جوانب النفس، والدين يستحوذ عليها في جملتها. ~~الفلسفة ملاحظة، وتحليل، وتركيب؛ فهي صناعة تقطع أوصال الحقيقة وتزهق روحها، ~~ثم تؤلف بينها لتعرضها من جديد في نسق صناعي على مرآة الفطنة، فتنطبع على سطح ~~النفس قشرة يابسة. أما الدين فهو حداء ونشيد يحمل الحقيقة جملة، فيعبر بها ~~هذه القشرة السطحية، لينفذ منها إلى أعماق القلوب وأغوارها، فتعطيها النفس ~~كليتها، وتملكها زمامها. # ومن هنا يستنبط فرق دقيق بين الفلسفة والدين: # ذلك أن غاية الفلسفة نظرية حتى في قسمها العلمي، وغاية الدين عملية حتى في ~~جانبه العملي، فأقصى مطالب الفلسفة أن تعرفنا الحق والخير ما هما؟ وأين هما؟ ~~ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي نعرفه، والخير الذي تحدده. أما الدين ~~فيعرفنا الحق لا لنعرفه فحسب، بل لنؤمن به ونحبه ونمجده، ويعرفنا الواجب ~~لنؤديه ونوفيه، ونكمل نفوسنا بتحقيقه. # وأول الآثار العملية للفكرة الدينية هو لفتها شعور المتدين إلى صلة بينه ~~وبين الحقيقة العليا التي يدين لها، وهي صلة تقوم في جوهرها على معنى الإلزام ~~والالتزام الأدبي بينهما، على حين أن الفلسفة من حيث هي فلسفة - أعني: من حيث ~~هي صناعة عقلية، مستقلة عن التصوف والمعاني الوجدانية - تستطيع أن تعيش من غير ~~اعتراف بهذه الصلة، ذلك أن غاية الفيلسوف من ربطه المسببات بأسبابها هو فهمه ~~الأشياء على وجه منطقي معقول، بحيث يأخذ كل ms045 حد منها موضعه اللائق به، فالقوة ~~العليا التي يضعها الفيلسوف على رأس الحوادث الكونية يكفي فيها أن يكون شأنها ~~في الكون شأن الصانع في تدبير صنعته، أو الربان في قيادة سفينته، وهي - كما ترى ~~- صلة آلية خارجية، لا يتبادل فيها الخطاب، ولا تتناجى فيها الأرواح، ولا يتجه ~~فيها العبد إلى الرب بالمحبة والتبجيل، والخشية والتأميل، وما إلى ذلك من ~~المعاني التي لا يتحقق مفهوم الدين من دونها؛ إذ الدين ليس إيمانا ومعرفة ~~فحسب، بل هو فوق ذلك التفات روحي متبادل، هو رباط من الطاعة والولاء، ومن ~~الحدب والرعاية، بين المتدين وبين الحقيقة العلوية التي يؤمن بها. # ومن هنا تعرف السر في اتفاق مؤرخي الأديان على أن المذهب الذي اشتهر في القرن ~~الثامن عشر باسم «الديانة الطبيعية» - والذي يتلخص في الاعتراف بثلاثة أركان: ~~«وجود إله خالق، وخلود الروح، وسلطان الواجب الأخلاقي» - ليس في الحقيقة ~~دينا، ولم يكن يوما ما دينا من الأديان، بل هو نوع من الفلسفة الجافة، ~~ينقصه قيام هذه الصلة الروحية بين الخلق والخالق، ليستحق اسم الدين. # والمظهر الثاني من المظاهر العملية للفكرة الدينية هو ميلها إلى التدفق ~~في الميدان الاجتماعي، ذلك أن طبيعة العقيدة كريمة فياضة، تنزع دائما إلى ~~الانتشار وطلب المشاركة، وتهز صاحبها إلى تحقيق أهدافها بالنشر والدعوة. بينما ~~الفكرة العلمية أو الفلسفة تميل - ككل ثروة إنسانية - إلى الاحتجاز والاحتكار ~~والاستئثار، أو على الأقل لا تسعى بطبعها لهذا التوسع، ولا يعنيها أن تصبح في ~~متناول الجمهور. # ولعلنا لا نسيء التعبير إذا قلنا: إن الاختلاف بين هاتين الطبيعتين ~~كالاختلاف بين الديموقراطية والأرستوقراطية، فإذا رأينا فيلسوفا يدعو إلى ~~مذهبه، ويحمل الناس على اعتناق رأيه؛ علمنا أن فكرته قد أصبحت إيمانا، ~~وأنه قد خلع ثوب الفيلسوف ليحمل أعباء الأنبياء والمرسلين، وإذا رأينا متدينا ~~ينطوي على نفسه، ولا يبالي بما يجري حوله من ضلال في الرأي، أو فساد في ~~العمل؛ كان لنا أن نحكم بأن نار إيمانه قد استحالت رمادا، أو أنها قد كمنت ~~تحت أكداس من الرماد. # هذه كلها وجوه ms046 من النظر يستبين بها حدود ما بين الفلسفة وبين الأديان بوجه ~~عام. # فإذا انتقلنا إلى المقارنة بين الفلسفة وبين الأديان السماوية بخصوصها، ~~فإننا نظفر - فوق ذلك كله - بعنصر جديد، به يتم الفصل بين هاتين ~~الحقيقتين. # ذلك أن الفلسفة في كل عصورها «عمل إنساني» يتحكم فيه كل ما في طبيعة ~~الإنسان من قيود وحدود، وتدرج بطيء في الوصول إلى المجهول، وقابلية للتغير ~~والتحول، وتقلب بين الهدى والضلال، واقتراب أو ابتعاد عن درجة الكمال. # أما الأديان السماوية فإنها «صنعة إلهية» لها كل ما للإلهيات من ثبات الحق ~~الذي لا تبديل لكلماته، وصرامة الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، ثم هي فوق ذلك «منحة كريمة» تصل إلى حامليها وسفرائها عفوا بلا كدح ~~ولا نصب، وتغمرهم بنورها في فترات خاطفة، كلمح البصر أو هو أقرب. # فإذا انفردت الفلسفة في حكم لم يؤمن عليها العثار، وإذا التقى العقل ~~والوحي على أمر فقد اتصلت مشاعل الليل بضوء النهار، # نور ~~على نور يهدي الله لنوره من يشاء ~~. # 7 # الفصل الثالث # | الدين وسائر العلوم # (1) مراتب العلوم من حيث غاياتها المباشرة # عرفنا الآن درجة النسب بين الدين والفلسفة والأخلاق، وأنها أسرة واحدة ترتبط ~~أعضاؤها بلحمة الأخوة، أو لحمة الأبوة والبنوة، وإذا كان المجهود الإنساني ~~يشرف بشرف موضوعه وغايته، فأي هدف يمكن أن يتعلق به مطمح الباحث، فوق «الحق» ~~الأبدي الذي تزول الدنيا ولا يزول، و«الخير» المطلق الذي توزن به الأشياء ولا ~~يوزن هو بشيء؟ # تلك هي القيم الكبرى، والمثل العليا، التي لا يتصور في العقل شيء يعلوها أو ~~يدانيها، لذلك كان البحث عنها أشرف المطالب وأعلاها، وكان سائر وجوه النشاط العقلي ~~والروحي والبدني سعيا وراء قيم نسبية، تتفاوت مراتبها تبعا لقربها أو بعدها من ~~ذلك الهدف الأسمى. فكما أن الذي يفني عمره في فحص علف الدواب وانتخاب أجود أنواعه، ~~يؤدي خدمة لها قيمتها في كيان المجتمع الإنساني ورفاهيته، من طريق غير مباشر؛ إذ ~~يحفظ بذلك قوام الحيوان، الذي به قوام بدن الإنسان، الذي به ms047 قوام روحه، الذي به ~~قوام دينه، الذي به كمال سعادته؛ كذلك تتفاضل موضوعات العلوم فيما بينها على نمط ~~هذه النسبة، فأدناها ما يكون خادما غير مخدوم، ويليها ما يكون خادما مخدوما معا ~~على مراتب ... حتى تنتهي إلى موضوع العلم الأعلى، الذي يكون مخدوما غير خادم. ~~(2) مراتب العلوم من حيث مقومات موضوعاتها # ولو أننا أخذنا في تصنيف موضوعات العلوم، لا باعتبار شرف غايتها المباشرة، بل ~~بحسب مقوماتها النوعية، وتكامل عناصرها بالازدياد التدريجي، لحصلنا منها على هذا ~~الترتيب التصاعدي نفسه؛ إذ نرى كل واحد منها يحتوي ما قبله ويزيد عليه عنصرا ~~جديدا. فالحياة النباتية تستلزم وجود الجسم بأجزائه، وجزئياته، وعناصره، وذراته، ~~وطاقاته، وتزيد عليه وظائف أخرى. والحياة الحيوانية تحتوي الحياة النباتية بجميع ~~وظائفها وتزيد عليها. والحياة الإنسانية فيها كل الحياة الحيوانية وتزيد وظائف ~~أعلى، وهذه الوظائف نفسها طبقات بعضها فوق بعض، وأعلاها الوظيفة الروحية التي ~~تتطلع إلى الحقيقة الكبرى. ~~(3) لا اشتراك بين الدين والعلوم في موضوع ما # هذا البيان يرينا على وجه يمكن أن نفهم الصلة بين العلم الإلهي وسائر العلوم: ~~«طبيعية، أو رياضية، أو فلكية، أو نفسية، أو اقتصادية، أو منطقية، أو اجتماعية، أو ~~تاريخية، أو لغوية، أو غيرها»، وأنها ليست صلة وحدة في الموضوع، ولا اشتراك في ~~الأهداف؛ إذ مهما تعالج هذه العلوم من مشاكل، فليس واحد منها يتصدى لعلاج المشكلة ~~الكبرى التي انتهض الدين لحلها، إنها كلها تبحث عن الكائنات، وليس شيء منها يبحث ~~عن مبدئها الأول وغايتها القصوى، غير أنها كلها تستطيع أن تزجي لهذا المطلب خدمة ~~ما من قريب أو بعيد، ولن يستغني الدين عن العلوم إلا لو استغنت المقاصد عن ~~وسائلها ومقدماتها، أو الدعاوى عن حججها وبيناتها، فكما أن المجهول لا يتوصل ~~إليه إلا عن طريق المعلوم، والغائب لا يدرك إلا على ضرب من القياس على ~~الشاهد؛ كذلك الحقائق العليا لا يسهل الصعود إليها إلا على سلم من حقائق ~~الدنيا. ~~(4) خدمة العلوم للأديان من وجهين # فإن بعدت صلة بعض العلوم بالدين، وعجزت عن أن تقدم له ms048 مددا إيجابيا ~~ملموسا، فإنها بما تبدد من ظلمات الأوهام، وبما تبعث من النور في جوانب النفس، ~~تقوم بوظيفة تطهير وتنقية، لا بد منها لتهيئة جو عقلي صالح لاعتناق العقائد ~~السليمة، حتى إذا ركن القلب إلى شيء كان ركونه إليه على بصيرة وبينة، لا ~~مدفوعا بحمية الجهل، ولا منقادا بسذاجة المحاكاة # هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~. # 1 ~~(5) لا يمكن عقلا أن يوجد تعارض بين الأديان والعلوم نفسها # ومهما يكن من أمر، فالمعقول أنه، إن لم يكن بين العلم والدين تعاون من قريب ~~ولا بعيد، كان بينهما - على الأقل - من التفاهم وحسن التجاوز ما بين فروع الصناعات ~~المختلفة؛ إذ ليس يعقل أن يكون هناك تعارض وتناقض بين أمرين لا اشتراك بينهما في ~~موضوع واحد. ~~(6) تفسير المصادمات التي وقعت بين حملة الأديان وحملة العلوم # وهنا يحق لنا السؤال عن تفسير تلك المصادمات العنيفة، التي ظهرت في التاريخ غير ~~مرة، بين العلوم والأديان، لا نعني ذلك الصراع الصوري الذي يستغل فيه اسم العلم ~~أو الدين أحيانا؛ ليكون ستارا للمقاصد الخفية، والمطامح المختلفة، من الثروة، ~~والنفوذ، والجاه، وسائر المصالح العاجلة، كما لا نعني: الصراع الحقيقي الدائم بين ~~النزعات الروحية السامية التي تدفع إلى التضحية وضبط النفس والاعتدال، وبين ~~النزعات المادية المضادة التي تهدف إلى الفوضى والإباحة والاستئثار، وإنما نطلب ~~تفسير تلك المعارضة الفكرية التي تقع بحسن نية بين المعسكرين العلمي والديني، فتقف ~~كل واحدة منهما موقف التكذيب والإنكار لما عند الآخر. # والجواب أن هذه المعارضة تحدث - فيما نعلم - على إحدى صورتين: # الصورة الأولى: # أن يقف أحد الطرفين موقف المعارضة لما عند الآخر جملة، لا بناء ~~على حجة تدحضه، أو شبهة تضعفه، بل عفوا واعتباطا، أو لمجرد جهله ~~به، ظنا منه أن كل ما لم يدخل في دائرة علمه في الحال فليست له ~~حقيقة، وهذا لعمري من قصر النظر، بل من الجهل والغرور؛ فإن ~~التكذيب لما لم يحط الإنسان بعلمه، ولم يأته تأويله خطأ لا ~~يرتكبه الراسخون في العلم والدين، وإنما يقع فيه المغرورون ms049 من ~~العامة أو «أنصاف المتعلمين»، وهؤلاء أشد خطرا من الجهلاء؛ لأن ~~علمهم في الحقيقة جهل مركب، وإنما الإنصاف أن يكون كل امرئ ~~عارفا بقدر نفسه، واقفا عند حده، بناء غير هدام، والسبيل ~~القاصد في ذلك أن يثبت كل فريق ما وصل إليه، ولا ينكر ما لم يصل ~~إليه. # وقد رأينا العلماء المتخصصين في فرع من العلوم الطبيعية أو ~~العقلية يعتمدون النتائج التي وصل إليها المتخصصون في فرع آخر ~~منها: كل في نطاق تخصصه، ولا ينتظرون أن يعيدوا كلهم ما جربه أو ~~برهنه بعضهم، وهذا هو الوضع السليم الذي تتقدم به المعارف ~~الإنسانية؛ إذ لو وجب أن يعيد كل عالم بحث كل مسألة بنفسه لما ~~تقدمت العلوم خطوة واحدة، فكذلك ينبغي أن يكون الشأن بين حملة ~~العلوم وحملة الأديان. # ألم يجمع العلماء الآن على إمكان تحطيم النواة الذرية، ~~واستخدام طاقتها الجبارة في صنع الأعاجيب، مع أنه لم يباشر هذه ~~التجربة منهم إلا نفر قليل؟ فماذا يمنعنا أن نؤمن بالتجارب ~~الروحية المتكررة التي شهدها الأنبياء وأرباب البصائر النيرة في ~~مختلف العصور، وإن لم يشهد الناس منها إلا نتائجها ~~الخارقة؟ # إنه إذا كان من واجب الأديان أن تهادن العلوم ولا تنابذها، ~~وكان من الخير لها أن تستثمر كافة المعارف البشرية وتتسلح ~~بنتائجها؛ فإن من الخير للعلوم كذلك أن تدع الأديان تكمل ما فيها ~~من نقص، وتملأ ما تتركه في النفوس من فراغ، بما يملؤه من الحقائق ~~الروحية، فإن لم تفعل فلا أقل من أن تلتزم شقة الحياد فلا تعادي ~~الأديان ولا تنكرها جملة، فإن إنكار الدين جملة إنكار ضمني ~~لأمور واقعية تحتويها الأديان كلها ولا يحتويها علم من العلوم، ~~ألا وهي عناصر الإيمان بالحقيقة العليا وتقديسها وعبادتها «معان ~~هي من مادة الحياة التي قد يفسرها العلم، ولكنه لا يخلقها، وقد ~~ينقب عن أطوارها ويتفهم نشأتها، ولكنه لا يستطيع أن يتجاهل ~~وجودها، أو يدعي لنفسه أنه يحل محلها.» # 2 # الصورة الثانية: # أن تكون هناك مسألة أو مسائل معينة تنطق فيها العلوم والأديان ~~بحكمين متناقضين، ms050 وإنما يحدث ذلك حينما تتناول الأديان إلى جانب ~~عنصرها الروحي شيئا من موضوعات العلوم وحقائق المشاهدات، وتذهب في ~~ذلك مذهبا معينا، تفرضه على المتدينين بها فرضا. فهذا الجانب، ~~وإن كان عرضيا في الأديان، وكان سبيله في الغالب سبيل الوسائل ~~لا المقاصد، إلا أنه يعد معيارا لمقدار ما في كل دين من صحة أو ~~فساد، على قدر اتفاقه مع مقررات العلم الصحيح وقضايا العقل السليم، ~~أو اختلافه معها؛ فإنه إذا كان الدين حقا والعلم حقا وجب أن ~~يتصادقا ويتناصرا، أما إذا تكاذبا وتخاذلا فإن أحدهما لا محالة ~~يكون باطلا وضلالا. # المبحث الثالث # | في نزعة الدين، ومدى أصالتها في الفطرة # الفصل الأول # | مدى أقدمية الديانات # أسئلة تتشوق النفس إلى معرفة الجواب عنها: # متى ظهرت فكرة التدين على وجه الأرض؟ # ما مصيرها أمام التطورات الفكرية في العلوم؟ # ما وظيفتها النفسية؟ # ما مهمتها الاجتماعية؟ ~~(1) نظرية أدباء القرن الثامن عشر والسوفسطائية # إلى أي حد تعد ظاهرة التدين ظاهرة عريقة في القدم؟ هل سبقت الحضارات المادية؟ ~~أم تأخرت عنها في الوجود؟ أم اقترنت بها؟ # ذهب بعض كتاب القرن الثامن عشر، الذين مهدوا للثورة الفرنسية، إلى أن ~~الديانات والقوانين ما هي إلا منظمات مستحدثة، وأعراض طارئة على البشرية حتى قال ~~«فولتير»: «إن الإنسانية لا بد أن تكون قد عاشت قرونا متطاولة في حياة مادية ~~خالصة، قوامها الحرث، والنحت، والبناء، والحدادة، والنجارة قبل أن تفكر في مسائل ~~الدينيات والروحانيات.» # 1 # بل قال: «إن فكرة التأليه إنما اخترعها دهاة ماكرون، من الكهنة ~~والقساوسة الذين لقوا من يصدقهم من الحمقى والسخفاء.» # 2 # وكذلك كان نظر «جان جاك روسو» إلى فكرة القانون، حيث ظن أنها ليس لها إلا قيمة ~~وضعية تحكمية، وفسر ذلك بقوله: «إن الأفراد الذين سبقوا إلى وضع أيديهم على بعض ~~مساحات من الأرض، حدا بهم جشعهم، وحرصهم على المحافظة على ملكيتهم، إلى أن يأتمروا ~~فيما بينهم على وضع تلك النظم والقوانين، ليخدعوا بها الجمهور، ويضللوا بها الفقراء.» # 3 # هذه النظرة الساخرة إلى الأديان والقوانين ليست مبتكرة، وإنما هي ms051 ترديد لصدى ~~مجون قديم، كان يتفكه به أهل السفسطة من اليونان، وكانوا يروجونه فيما روجوه من ~~المغالطات والتشكيكات، فقديما زعم هؤلاء السوفسطائية «أن الإنسان كان في أول ~~نشأته يعيش بغير رادع عن قانون ولا وازع من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى ~~القوة الباطشة ... ثم كان أن وضعت القوانين، فاختفت المظاهر العلنية من هذه الفوضى ~~البدائية، ولكن الجرائم السرية ما برحت سائدة منتشرة، فهنالك فكر بعض العباقرة في ~~إقناع الجماهير بأن في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء، وتسمع كل شيء، وتهيمن ~~بحكمتها على كل شيء ...» # 4 # وهكذا لم تكن القوانين والديانات في تصويرهم إلا ضروبا من السياسة ~~الماهرة التي تهدف إلى علاج أمراض المجتمع بكل حيلة ووسيلة. # ولقد أعان على بعث هذه الآراء وترويجها في أوروبا الحديثة سببان: أحدهما ~~الانحلال الخلقي عند نفر من رجال الكنيسة، والثاني ظلم القوانين الوضعية، وسوء ~~توزيع الثروة العامة، فكان من السهل أن يظن الناس أن الدين والقانون كانا كذلك في ~~كل زمان ومكان. ~~(1-1) انهيار هذه النظرية في العصر نفسه # على أنه لم ينقض القرن الثامن عشر نفسه حتى ظهر خطأ هذه المزاعم؛ حيث ~~كثرت الرحلات إلى خارج أوروبا، واكتشفت العوائد والعقائد والأساطير ~~المختلفة، وتبين من مقارنتها أن فكرة التدين فكرة مشاعة لم تخل عنها أمة من ~~الأمم في القديم والحديث، رغم تفاوتهم في مدارج الرقي ودركات الهمجية، وهكذا ~~ظهر أنها أقدم في المجتمعات من كل حضارة مادية، وأنها لم تقم على خداع الرؤساء ~~وتضليل الدهاة، ولم ترتكز على أسباب طارئة أو ظروف خاصة، بل كانت تعبر عن ~~نزعة أصيلة مشتركة بين الناس. # واعلم أن عموم الأديان لجميع الأمم لا يعني عمومها لكل أفرادها؛ فإنه لا ~~تخلو أمة من وجود «ذاهلين» قد غمرتهم تكاليف الحياة وأعباؤها، إلى حد أنهم لا ~~يجدون من هدوء البال وفراغ الوقت ما يمكنهم من رفع رءوسهم للنظر في تلك الحقائق ~~العليا؛ كما لا تخلو أمة من «منكرين ساخرين» يحسبون الحياة لهوا ولعبا، ~~ويتخذون الدين وهما وخرافة، ms052 لكن هؤلاء دائما هم الأقلون في كل أمة، وهم - في ~~الغالب - من المترفين الذين لم يصادفهم من عبر الحياة وأزماتها ما يشعر ~~نفوسهم معنى الخضوع والتواضع، وما ينبه عقولهم إلى التفكير في بدايتهم ~~ونهايتهم، وهذا الاستثناء من القاعدة لا ينفي كمون الغريزة الدينية بصفة عامة ~~في طبيعة النفس الإنسانية، كما أن غريزة بقاء النوع لا يمنع من عمومها أن بعض ~~الناس لا يتزوجون ولا ينسلون. ~~(1-2) لم توجد أمة بغير دين # ولسنا ننكر أن تكون هناك عقيدة معينة قد استحدثت في عصر ما، أو أن يكون ثمة ~~وضع خاص من أوضاع العبادات قد جاء مجاوبا مصنوعا، فذلك سائغ في العقل، بل ~~واقع بالفعل، أما فكرة التدين في جوهرها فليس هناك دليل واحد على أنها تأخرت ~~عن نشأة الإنسان. ~~(1-3) شهادة العلماء # يقول معجم «لاروس» للقرن العشرين: «إن الغريزة الدينية: مشتركة بين كل ~~الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية ... وإن ~~الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية.» # 5 # ويقول: إن هذه الغريزة الدينية «لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبل، ~~إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جدا من الأفراد.» # 6 # وكتب بارتيلمي سانت هيلير: «هذا اللغز العظيم الذي يستحث عقولنا: ما العالم؟ ~~ما الإنسان؟ من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدآ؟ كيف ~~ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا في أثناء ~~عبورنا في هذه الدنيا؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه ~~الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة، لا توجد أمة، ولا شعب، ~~ولا مجتمع، إلا وضع لها حلولا جيدة أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، ثابتة أو ~~متحركة ...» # 7 # ويقول شاشاوان: «مهما يكن تقدمنا العجيب في العصر الحاضر ... علميا، ~~وصناعيا، واقتصاديا، واجتماعيا، ومهما يكن اندفاعنا في هذه الحركة ~~العظيمة للحياة العملية، وللجهاد والتنافس في سبيل معيشتنا ومعيشة ذوينا، فإن ~~عقلنا في أوقات السكون والهدوء - عظاما ms053 كنا أو متواضعين، خيارا كنا أو ~~أشرارا - يعود إلى التأمل في هذه المسائل الأزلية: لم وكيف كان وجودنا ~~ووجود هذا العالم؟ وإلى التفكير في العلل الأولى أو الثانية، وفي حقوقنا وواجباتنا.» # 8 # ويقول هنري برجسون: «لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون ~~وفلسفات، ولكنه لم توجد قط جماعة بغير ديانة.» # 9 # الفصل الثاني # | مصير الديانات أمام التقدم العلمي # وجاء القرن التاسع عشر وقد تقرر هذا المعنى في النفوس، فلم يجرؤ أحد أن يشكك ~~الناس فيه، بل ظهرت نظرية جديدة في الطرف المقابل، مضمونها أن الأديان وإن كانت ~~عريقة في القدم، لكن تقدمها الزماني لا يكسبها صفة الثبات والخلود، بل هو بالعكس ~~يطبعها بطابع الشيخوخة والهرم، وينذر بأن مصيرها إلى الاضمحلال والفناء. ~~(1) أوجست كونت والأدوار الثلاثة # هذه هي نظرية «أوجست كونت»، فقد ذهب هذا الفيلسوف إلى أن العقلية الإنسانية قد ~~مرت بأدوار ثلاثة: # Loi des troisages # دور الفلسفة ~~الدينية، ثم دور الفلسفة التجريدية، ثم دور الفلسفة الواقعية، وهذا الدور الثالث في ~~نظره هو آخر الأطوار وأسماها، فبعد أن كان الناس يعللون الظواهر الكونية بقوة أو ~~بقوى إرادية خارجة عنها، انتقلوا إلى تفسيرها بمعان عامة، وخصائص طبيعية كامنة ~~فيها، كقوة النمو، والمرونة، والحيوية ... إلخ. # ثم انتهوا إلى رفض كل تفسير خارجي أو داخلي، واكتفوا بتسجيل الحوادث كما هي، ~~ومعرفة ما بينها من ترابط وجودي بقطع النظر عن أسبابها وغاياتها. وعلى هذا يكون دور ~~التفكير الديني يمثل الحال البدائية التي تلهت بها الإنسانية في مرحلة طفولتها؛ ~~فلما كبرت عن الطوق خلعتها لتستبدل بها ثوبا وسطا في دور مراهقتها؛ حتى إذا بلغت ~~أشدها، واكتمل رشدها، أخذت حلتها الأخيرة من العلوم التجريبية. # 1 ~~(1-1) مناقشة هذه النظرية # نقطة الخطأ البارزة في هذا المذهب التطوري هي أن أنصاره جعلوا منه قانونا ~~يستوعب التاريخ كله في شرط واحد، قطعت الإنسانية ثلثيه بالفعل، ونفضت - أو ~~كادت تنفض - يدها منهما إلى غير رجعة، فلن تعود إليهما إلا أن يعود الكهل ~~إلى طفولته وشبابه. # ولو أنهم جعلوا منه ms054 سلسلة دورية، كلما ختمت شوطا رجعت عودا على بدء، لكان ~~الخطأ في هذه النظرية أقل شناعة، ولكنها بعد ذلك تظل دعوى غير مسلمة، لا ~~لأنها مجردة عن البرهان فحسب، بل لأنها تحرف التاريخ وتصادم العيان، فنحن ما ~~زلنا نسمع ونرى في كل عصر تقديسا للروحانيات، وشغفا بالمعنويات والمعقولات ~~الكلية عند فريق من الناس، إلى جانب الكلف بالحوادث والحقائق الجزئية عند ~~فريق آخر، وليس الحد الذي يفصل بين المعسكرين هو جهل أحدهما بالتجارب الكونية ~~وخبرة الآخر بها؛ إذ كثيرا ما نجد من بين الجهلاء جاحدين متعصبين، كما نجد من ~~بين علماء المادة مؤمنين متحمسين، وها نحن أولاء، في القرن العشرين، وفي قلب ~~الحضارة الأوروبية، نرى إلى جانب البحوث المادية المتشعبة، دراسات روحية ~~واسعة، تقوم بها جماعات محترمة من كبار علماء # 2 # الطب والفلسفة والطبيعة، على منهاج علمي دقيق، وبأسلوب برهاني ~~يعتمد على التحليل والنقد الصارم، الذي ينحي عن الوقائع كل ما عساه أن يعلق ~~بها من تزوير وخداع، وكل ما يحوم حولها من وهم وتسرع في الحكم، ولا يقبل منها ~~إلا ما يؤيده اليقين، وما ينتهي إليه البحث الدقيق الرزين. # فالواقع أن الحالات الثلاث التي يصورها «كونت» لا تمثل أدوارا تاريخية ~~متعاقبة، بل تصور نزعات وتيارات متعاصرة في كل الشعوب، وليست كلها دائما على ~~درجة واحدة من الازدهار أو الخمول في شعب ما، ولكنها تتقلب بها الأقدار بين ~~بؤسى ونعمى، ونحوس وسعود. # بل نقول: إن هذه النزعات الثلاث متعاصرة متجاورة في نفس كل فرد، وإن لها ~~وظائف يكمل بعضها بعضا في إقامة الحياة الإنسانية على وجهها، ولكل وحدة منها ~~مجال يوائمها، ففي الوقت الذي نفسر فيه الحوادث العادية بأسبابها المباشرة، ~~خارجية أو داخلية، فنقول: هلك فلان بضربة سيف أو بالشيخوخة أو المرض، لا يزال ~~كل واحد منا يفسر الحوادث الشاذة الخارقة بالقضاء والقدر، أو بسبب غيبي ~~مجهول. # بل نذهب إلى أبعد من ذلك، فنقرر أن النظرة الوقوعية تقع في مبدأ الطريق لا ~~في نهايته، وأنها تمثل مرحلة الطفولة النفسية، لا مرحلة ms055 النضج والكمال، ذلك بأن ~~مبعثها الحاجة العاجلة وضرورة الحياة اليومية، وبأنها وظيفة الحس لا العقل، ~~وبأنها من معدن القابلية والانفعال، لا من معدن الفاعلية والإنشاء. # أما نظرة التعليل بالمعاني العامة فإنها تنبثق في النفس على أثر ذلك، متى ~~استيقظت ملكتا التجريد والتعميم في التصورات والأحكام، فلا يكتفي الذهن حينئذ ~~بجمع الحوادث المترابطة في سلسلة متعاقبة، كما تجمع الأعواد في الحزمة، بل ~~يحاول ربطها برباط معنوي تدور في فلكه، ويكون كالسلك الداخلي الذي ينتظم حبات ~~العقد. # ونؤكد أن المعارف الإنسانية لا تستحق اسم العلم حتى تأخذ بنصيب قليل أو كثير ~~من هذا التجريد والتعميم، الذي يضع كل مجموعة في نطاق يضبطها، تحت لقب مشترك ~~يسهل به استحضارها ويكون لها بمثابة قانون كلي تعلل به جزئياته، بل العلوم ~~الواقعية تسعى الآن جاهدة للاندماج برمتها في منظمة تنسقها وتخضع جميع ~~ظواهرها لناموس واحد، وهذا هو ما يسمى بمبدأ «وحدة الوجود» بمعناه العلمي # Monisme Scientifiqus ~~، وسواء أبلغت العلوم ~~هذا الهدف قريبا أو بعيدا أم لم تبلغه أبدا، فالذي لا شك فيه هو أن هذه ~~النزعة إلى استنباط المعاني الكلية لم تفتر بل تزداد قوة. # بقيت النظرة الروحية، أو الدينية، وواضح أنها لا تولد في النفس إلا حينما ~~يتسع أفقها، فتتجاوز الكون بظاهره وباطنه إلى ما وراءه، فهي أوسع النظرات ~~مجالا، وأبعدها مطلبا. # وهكذا ينقلب الترتيب الذي تخيله الفيلسوف رأسا على عقب، وتعود الحاجات ~~النفسية الثلاثة إلى أوضاعها الطبيعية المعقولة: حاجة الحس، فحاجة العقل، ~~فحاجة الروح، وإن شئت قلت: حاجة الحس، فحاجة العقل القانع، فحاجة العقل ~~المتسامي. ~~(1-2) التدين نزعة خالدة # على أن الذي يعنينا هنا ليس هو الوضع التقويمي لكل واحدة من هذه النزعات، ~~وإنما هو دخولها جميعا في كيان النفس الإنسانية، فكما أننا لا نجد أمارة ~~واحدة تدل على قرب زوال النزعة الاستقرائية، أو النزعة التعليلية، كذلك لا نرى ~~أمارة واحدة تشير إلى أن فكرة التدين ستزول عن الأرض قبل أن يزول ~~الإنسان. ~~(2) شهادة العلماء # يقول سالمون ريناك: «ليس أمام الديانات مستقبل غير ms056 محدود فحسب؛ بل لنا أن نكون ~~على يقين من أنه سيبقى شيء منها أبدا؛ ذلك لأنه سيبقى في الكون دائما أسرار ~~ومجاهيل، ولأن العلم لن يحقق أبدا مهمته على وجه الكمال.» # 3 # ويقول الدكتور «ماكس نوردوه» عن الشعور الديني: «هذا الإحساس أصيل يجده ~~الإنسان غير المتمدين، كما يجده أعلى الناس تفكيرا، وأعظمهم حدسا، وستبقى ~~الديانات ما بقيت الإنسانية، وستتطور بتطورها، وستتجاوب دائما مع درجة الثقافة ~~العقلية التي تبلغها الجماعة.» # 4 # ويقول أرنست رينان # Renan # في تاريخ الأديان: «إن ~~من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ~~ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي ~~يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية.» # ولقد أحسن الأستاذ محمد فريد وجدي حين يقول في دائرة معارفه تعليقا على هذه ~~الكلمة، في مادة «دين»: «نعم، يستحيل أن تتلاشى فكرة التدين؛ لأنها أرقى ميول النفس ~~وأكرم عواطفها، ناهيك بميل يرفع رأس الإنسان، بل إن هذا الميل سيزداد ... ففطرة ~~التدين ستلاحق الإنسان ما دام ذا عقل يعقل به الجمال والقبح، وستزداد فيه هذه ~~الفطرة على نسبة علو مداركه ونمو معارفه.» ~~(3) التحليل العلمي ينتهي إلى الإيمان بالغيب في العالمين الأكبر والأصغر # ولنقف قليلا عند هذه الكلمة؛ لأنه قد يبدو من المفارقات العجيبة أن يكون ازدياد ~~العلم ونمو المعرفة سببا في نمو غريزة التدين، المبنية على طلب الغيب المجهول، ~~ولكننا لو تأملنا لتحققنا صحة هذه المفارقة، ولعرفنا أن تقدمنا الحثيث في العلوم ~~يقربنا حقيقة من الاعتراف بجهالتنا، والإقرار بأن مثل ما نعلمه من الكون في جانب ~~ما نجهله منه كمثل قطرة واحدة من محيط خضم عميق؛ ذلك أن كل باب جديد يفتحه العلم من ~~دلائل عظمة الكون وامتداده ينفتح معه أفق أوسع للسؤال عما يتصل بهذا الميدان ~~الجديد من المشاكل الكثيرة الغامضة. # ولنأخذ مثلا مجموعتنا الشمسية، وما فيها من الكواكب السيارة، التي لا يرى منها ~~بالعين المجردة إلا عدد يسير، فقد اكتشف فيها من ms057 الأقمار والتوابع على عهد ~~لابلاس # La place # ما تبلغ به اثنين وأربعين ~~كوكبا، ثم أثبتت الأرصاد الأخيرة من أجزاء هذه المجموعة ما يجاوز الألف، ثم قامت ~~الدلائل القوية على أن كل مجموعتنا هذه ما هي إلا واحدة من ملايين المجموعات التي ~~لها أجزاؤها، وتوابعها، والتي تختلف أعمارها، ويتفاوت جوها، ونظام حركاتها، وتكوين ~~سطحها وطبقاتها، وأسلوب الحياة فيها، وكل ذلك لا نعرف عنه شيئا على وجه الوضوح ~~واليقين، ولا أمل في الوصول إليه الآن إلا على ضرب من القياس والتخمين، فضلا عما ~~وراء ذلك من فضاء أو ملاء، حتى إننا لو عرفنا كيف تتكاثف بعض الغازات السطحية ~~السحابية العليا فتتولد منها الشموس، لبقي علينا أن نعرف من أين تتولد تلك ~~السحابيات نفسها. # وهكذا كان اتساع نطاق المعلومات هو بنفسه اتساعا لنطاق المجهولات؛ لأن محيط كل ~~دائرة جديدة يماس الحدين بباطنه وظاهره، فلا يسع العقل إلا التسليم بأن وراء كل ~~مرحلة يقطعها من عالم الشهادة مراحل أخرى من عالم الغيب، في آماد وآباد، لا يدرك ~~الإنسان نهايتها إلا إذا انقلب المحاط محيطا، والحادث الفاني أزليا باقيا، ~~وصدق القرآن حين يقول: # وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا ~~. # 5 ~~(4) العبرة العلمية في التعبير القرآني عن بدء الخلق # فإذا رجعنا من العالم الأكبر إلى العالم الأصغر، واعتبرنا الأشواط التي قطعها ~~العلم في تحليل المادة إلى أجزائها وأجزاء أجزائها؛ فإننا نحصل على نتيجة مشابهة ~~تمام المشابهة؛ ذلك أنه بعد أن وقف التحليل دهرا طويلا عن الذرة # atome # على أنها هي الحد الأدنى الذي لا يقبل ~~الانقسام ولا الفناء، والذي يحتفظ بكتلته وخصائصه تحت تأثير كل القوى الطبيعية، ~~وفي أثناء جميع التفاعلات الكيميائية أصبحت اليوم هذه الذرة نفسها عالما ~~معقدا، مركبا من نواة جامدة وغلاف يدور حولها كما تدور السيارات حول الشمس، ~~وتبين أن هذا الغلاف الذي هو جزء من تركيبها ما هو إلا شحنة كهربائية سالبة # electron # مجردة عن كل حامل مادي، ~~وأنه يمكن فصله عنها بقوة إشعاعية أو بتسخين هائل. # بل تلك النواة نفسها، التي ms058 كانت تعد إلى عهد قريب متماثلة الأجزاء - أعني: ذات ~~قوة إيجابية فحسب # proton ~~- قد ظهرت الآن مركبة ~~بدورها من نوعين من الكهرباء: موجب وسالب، وثبت أنه من الممكن تحطيمها وفصل أجزائها، # 6 # وأن القوة الإشعاعية الهائلة التي تستنبط من هذا التحطيم يمكن ~~استخدامها في إصلاح الكون وتعميره، أو في إفساده وتدميره. # هكذا تخلع الطبيعة ثوبها المستعار، وتتكشف المادة عن أصلها الأصيل، فإذا هي ~~«طاقة» أي: قوة مجردة، يلزم البحث عن مصدرها خارج ذلك الهيكل المادي المحطم، وذلك ~~الصنم الساقط المهدم. وهكذا يقترب عالم المادة رويدا رويدا من عالم المجردات، ~~ويكاد يتصل عالم الشهادة بعالم الغيب من جهة حده الأدنى، كما يتصل به من جهة حده ~~الأعلى، وهو غيب يؤمن به العلم وإن لم يره؛ لأنه يحس أثره، ويكاد يلمس ~~خطره. # أجل، لقد أصبح العلم يؤمن اليوم بأن في الوجود قوى لا ينالها الحس المجرد، ولا ~~الحس المجهز بأقوى المجاهر، المزود بأدق المقاييس والموازين، وبالجملة أصبح يؤمن ~~بأن التجربة الحسية بالمباشرة ليست هي المعيار الوحيد للوجود، وهكذا وضع بيده ~~اللبنة الأولى في القاعدة التي تقوم عليها الأديان. # على أن هذا الضرب من التجارب العلمية التي سرحنا فيها النظر مصعدين طورا ~~ومنحدرين طورا، والتي حولت المادة في كلا طرفيها إلى هباء أو سراب، ورجعت بالعلم ~~في كلتا مرحلتيه من الغرور والكبرياء إلى التواضع والاستسلام، هذا الضرب من ~~التجارب لا يمثل من العلم الواقعي إلا جانبه التطبيقي، الذي هو إلى الصناعات ~~والفنون أقرب منه إلى حقيقة العلوم؛ إذ العلم في جوهره ليس تحليلا وتركيبا ~~عمليين، وإنما هو نظرة عقلية تربط النتائج بمقدماتها، وتستنبط القوانين من ~~جزئياتها، وتفسر الموجودات تفسيرا تستسيغه النفس ويطمئن إليه العقل ... ترى هل في ~~طبيعة العلوم التجريبية وطبيعة مناهجها وأدواتها ما يؤهلها للقيام بهذه المهمة على ~~كمالها، بحيث لا تتطلع النفس من ورائها إلى تفسير آخر؟ هيهات، هيهات! ~~(5) التعليل العلمي ينتصر لقضية الغيب في طرفي الأسباب والغايات # لا نكتفي بأن نقول: إن هذه العلوم - حتى في وضعها الحالي الذي سحر ms059 الأبصار - لم ~~تكشف من قوانين الوجود إلا جانبا يسيرا، يمتد من خلفه عالم فسيح من الشواذ ~~والأحوال الفردية، التي لا تضبطها قاعدة ولا قانون. # ولا نقنع بأن نقول: إننا، في تلك الحدود الضيقة نفسها، متى جاوزنا عالم المواد ~~الأولية الساذجة إلى حيث تشتبك العناصر والعوامل، وتتعقد العلائق والمشاكل خرجت ~~قوانين العلم عن صرامتها ودقتها، وأصبحت ضربا من التقريب المبني على حساب ~~الاحتمالات الغالبة، والذي إن صدق في متوسطه الحسابي فإنه يدع الأطراف تتراجع في ~~تقلب وتذبذب، بين مد وجزر، هذا إجمال له تفصيل يعرفه كل من زاول علوم الحياة ~~والنفس والاجتماع وأشباهها. # بل نقول بلسان علوم الطبيعة نفسها: إنه لم يوجد ولن يوجد فيها قانون عام واحد ~~يعتمد على منهج تجريبي يقيني شامل؛ ذلك أنه مهما تتكرر التجربة، وتتنوع الأمثلة، ~~فإنها كلها أحداث معينة تقع في أزمنة معدودة، وأمكنة محدودة، ويظل بين جملتها وبين ~~منطوق القانون الكلي، الذي لا يحده زمان ولا مكان، برزخ عريض يفصل ما بين ~~«النهائي» و«اللانهائي»، وإنه لكي يسد العلم هذه الفجوة يلجأ دائما إلى «وسيلتين» ~~من الرفو والترقيع، ينسج خيوطهما من مقايسة ذهنية تعتمد على محض الظن والتمني: أما ~~في «أولاهما» فإنه يمد بين كل معلمة ومعلمة من معالم التجربة الفعلية جسورا ~~وهمية قصيرة # Interpolation # يفترض فيها أن الحلقات ~~المفقودة التي لم تسجلها المشاهدة تنتظم في سلك مع الحلقات التي سجلتها، وأن ~~السلسلة المؤلفة منهما تمتد في خط متصل مستقيم، أو هو على الأقل أقرب إلى ~~الاستقامة وأبعد عن التعرج والالتواء، وأما في «أخراهما» فإنه من وراء تلك ~~السلسلة كلها يثب في عالم الغيب الزماني والمكاني وثبة هائلة # extrapolation # يفترض فيها أن المناطق التي لم ~~ير منها شيئا شبيهة بالمنطقة التي رأى بعضها، وأن ما سيكون شبيه في الجملة بما ~~كان، لا جرم أن قانونا هذا مبلغه من الارتكاز على الواقع المشاهد - وكل قوانين ~~العلم الطبيعي كذلك - هو عالة في قانونيته نفسها على نوع من الإيمان العقلي بتلك ~~المقدمات المفروضة التي لا تزال تضيف إلى ms060 شهادة الحس وقعا أغلظ منها غريبة عنها، ~~حتى تبرزها في ثوب العموم والشمول. # ثم نقول بلسان العلم الأعلى - أعني: علم قوانين المعرفة والفكر - إن كل تفسير ~~للآثار بأسبابها الطبيعية يحمل في نفسه جرثومة نقصه وعجزه، ولا يمكن أن يصل إلى حد ~~الإقناع الشافي إلا إذا اقتلع قانون التفكير من جذوره؛ ذلك أنه لو كان صدور ~~الأثر انبثاقا طبيعيا من سببه لوجب أن يكون وجوده مجرد امتداد لهذا السبب، ~~ولوجب إذن أن يشبهه في كل شيء، حتى إن أدنى اختلاف بينهما في الطبيعة، أو الكم، ~~أو الكيف، يصبح مجالا لسؤال جديد لا يحير التفسير الطبيعي له جوابا. # بل إن مجرد اختلافهما في الزمان أو المكان يجعلنا نتساءل: لم كان هذا قبل، ~~وذاك بعد؟ أو لم كان أحدهما عن اليمين، والآخر عن الشمال؟ ... فإذا جرينا إلى ~~نهاية الشوط، وجب أن يئول الكون أمامنا إلى وحدة لا تعدد فيها، أو إلى نقطة لا ~~امتداد لها، وأن تمحى من أذهاننا فكرة الغيرية، ولا يبقى فيها إلا مبدأ العينية ... ~~لكن الفكر نفسه لا حياة له إلا في التعدد والاختلاف؛ إذ هو حركة بين حدين أو ~~جملة حدود، يصل بينها أو يفصل ... هكذا توقعنا التفسيرات الطبيعية بين نارين: فهي ~~إما أن تقف بنا معترفة بعجزها وإفلاسها وتتركنا ظمأى لا تنقع لنا غلة؛ وإما أن ~~تسعى إلى الوفاء والكمال حتى تفضي بنا إلى الإحالة والخلف، ألا وإنه لا مخرج ~~للعقل من هذا الخلف والتناقض، ولا سبيل في الوقت نفسه إلى شفاء النفس من هذا العي ~~إلا بتجاوز تلك التفسيرات الآلية الخالصة، والتماس سبب إرادي مفحم، تكون له ~~الحرية في اختيار هذا التفاوت بين الأسباب ومسبباتها. # وهكذا تلتقي العلوم العقلية والطبيعية - العملية منها والنظرية - على الاعتراف ~~بأنها في استقصاء البحث عن أصول الأشياء ومبادئها تنتهي دائما بالانتصار لقضية ~~الغيب، وتفسح بيدها المجال لبقاء الأديان وخلودها. # على أن العلوم في هذا الاتجاه الذي وصفناه إنما تعمد إلى أحد طرفي المحور ~~مستدبرة طرفه الآخر؛ وإنما تحاول إرضاء نصف حاجة العقل، ms061 مهملة نصفها الثاني؛ ذلك ~~أن النفس الإنسانية ليس يشفيها في تفهمها للأشياء أن تصعد إلى أسبابها ومقدماتها، ~~بل لا بد لها بعد ذلك من أن تنحدر معها إلى غايتها ونهاياتها، وتستفسر عن مقاصدها ~~وأهدافها. # فليس يكفيك لكي تحيط بالشيء خبرا أن تعرف نشأته دون أن تعرف مصيره، ولا أن تعرف ~~كيف كان؟ دون أن تعرف لم كان؟ أليست هذه المطالبة النفسية الحثيثة دليلا على ما ~~هو مركوز في الجبلة من الاقتناع بأن الحوادث الكونية تسير على خطة مرسومة، وأن ~~القوة المدبرة للأشياء تهدف منها إلى غاية معينة، أو أنها لا تسير بمحض المصادفة ~~العمياء والاتفاق التحكمي؟ # فانظر الآن موقف العلوم الحديثة من هذه الضرورة العقلية التي تلح علينا في ~~السؤال عن غايات الأشياء ومقاصدها: # لقد أتى على هذه العلوم زمن أعلنت فيه أنها نفضت يدها من هذا البحث، وأنها أوصدت ~~دونه بابها، مدعية أنه إنما يعنيها اكتشاف علاقة السببية بين الظواهر، ومعرفة ~~اطرادها على نسق معين؛ وليس يعنيها، بل ليس يدخل تحت قدرتها، أن تتبين: أهذا ~~الارتباط مقصود لغاية؟ ولا ما هي تلك الغاية؟ # وهكذا شهدت هذه العلوم على نفسها بادئ ذي بدء بأنها لن تفي بحاجات العقول، ولن ~~تؤدي رسالة المعرفة كاملة؛ إذ أزمعت أن تقف منها في منتصف الطريق، على أنها لم تكن ~~لتدوم طويلا على هذا الموقف المحايد؛ فإن العالم الطبيعي لا يستطيع بما هو إنسان ~~أن يهمل هذا الجانب من مطالبه العقلية، ولذلك نراه كلما وصل به العلم إلى مجموعة ~~من الظواهر المتساندة التي يخدم بعضها بعضا والتي يقع كل منها في موضعه الذي كان ~~لا بد منه للحصول على فائدة معينة؛ يعود قهرا عنه إلى البحث في العلل الغائبة من ~~غير أن يسميها باسمها، فيسأل عن كل خلية في العضو، وعمل كل عضو في الجهاز، وعمل كل ~~جهاز في الجسم ... إلخ. ويسمي هذه الأعمال بالوظائف، بدلا من اسم الغايات ~~والمقاصد، وهو - كما ترى - برقع شفاف لا يكاد يستر ما وراءه، والمهم عندنا ليس هو ~~الأسماء، ms062 وإنما هو تلك الحقائق التي يعترف بها اعترافا عمليا صامتا، والأهم ~~من ذلك هو أن هذا العلم كلما جد في سيره لا يلبث أن يجاوز بضع خطوات حتى يقف عجزا ~~واعترافا بأن أمامه ستارا كثيفا يحول دون منظر الغايات القصوى، والنهايات ~~الأخيرة، التي لا يزال يتشوف إليها ولا يدركها. ~~(6) الاعترافات العلمية # وبعد، فأي شيء أكبر شهادة على أن نهاية العلم البشري ليست هي إطفاء غريزة ~~التدين، بل زيادة إشعالها، من أن مؤسس الفلسفة الواقعية وكبار أنصارها قد ~~انتهوا إلى الاعتراف صراحة أو ضمنا بهذه الحقيقة، بناء على تجربتهم في ~~أنفسهم، فهذا كونت # A’Comte # الذي كان يتنبأ بأن ~~فناء الديانات سيكون هو النهاية الحتمية لتقدم العلوم، قد عاد في آخر أمره ~~متصوفا عجيبا، وكلل حياته بوضع ديانة جديدة، طبعها على غرار النظام الكنسي ~~للديانة الكاثوليكية: في عقائدها، وطقوسها، وأعيادها، وطبقات قساوستها ... رواية ~~كاملة أعاد فصولها، ولم يغير إلا أشخاصها. # وهذا سبنسر # R. Spencer # ينتهي بأن يقول عن ~~«المجهول»: إنه «تلك القوة التي لا تخضع لشيء في العقول؛ بل هي مبدأ كل معقول، ~~هي المنبع الذي يفيض عنه كل شيء في الوجود.» أليس هذا «المجهول» هو بعينه موضوع ~~الديانات، يجيئنا الآن باسم آخر على لسان العلم؟ # وما أجمل الصفحة التي كتبها ليتريه # Littre # يصف نفسه حين كانت خاتمة مطافه في العلوم الواقعية أن رأى نفسه محوطا من كل ~~جانب ببحر لجي من الأسرار الغامضة، وهو لا يملك سفينة يخوض بها لجته، ~~وليس معه إبرة يتعرف بها وجهة سفره ... ترى كيف كان موقفه بإزاء هذا المحيط ~~الرهيب؟ # أتراه وقف أمامه وقفة الشاعر الهائم، أو وقفة العاشق المتدله؟ كلا، ولكن ~~وقفة الناسك، الخاشع، المتأله. # 7 # الفصل الثالث # | ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية # (1) نزعة التدين امتداد لقوى النفس الثلاث # ما هذه إذن تلك القوة الغلابة، التي لا تزيدها المقاومة إلا عنفا واشتعالا، ~~والتي تقهر في النهاية أنصارها وأعداءها على السواء؟ أليست هي قوة الفطرة التي إن ~~تورق وتثمر كلما عاودها الربيع فبلل ثراها وسقى ms063 أصولها؟ بلى! وإن هذا الربيع قد ~~تكفي منه قطرة، وربما تبلور في نظرة، فما هي إلا طرفة من تأمل الفكر، أو لحظة من ~~يقظة الوجدان، أو أزمة من صدمات العزم ... فإذا أنت تسبح بخيالك في عالم الغيب الذي ~~منه خرجت، أو في عالم الغيب الذي إليه تصير. ~~(1-1) قوة الفكر في التطلع إلى الأسباب الأولى # لو كانت نزعة الإيمان بالغيب والتطلع إليه من ناحية طرفيه: الماضي ~~والآتي، عنصرا من عناصر الفكرة الدينية وحدها، لكان الإنكار لما وراء الحس ~~إلحادا فحسب. ولو كانت هي النتيجة الختامية لتقدم العلوم واتساع أفقها - كما ~~رأينا - لكان هذا الإنكار نقصا في العلم وقصرا في النظر وكفى. أما وتلك ~~النزعة بنت الغريزة والجبلة، فإن الأمر أعظم من ذلك وأخطر؛ إنه نكسة في فطرة ~~الإنسان ترده إلى مستوى الحيوان الأعجم، ولا نقول: إلى مستوى الطفولة ~~الغافلة؛ فإن كثيرا من الأطفال ذوي الفطر السليمة لا يقنعون بالأمر الواقع ~~المشاهد، ولا يقفون في تعليله عند حلقة من حلقات أسبابه وغاياته القريبة، بل ~~يصعدون دائما إلى أسبابه الأولى، ويسترسلون في تعرف نتائجه الأخيرة، فهذه ~~صورة مصغرة من تلك النزعة الفكرية الإنسانية التي هي أبدا في حركة وتقدم ~~يأبيان الوقوف والجمود. # إن غريزة التطلع هذه هي مبدأ العلم والإيمان معا، وإن الذي يقف بها عند ~~حدود الواقع الحاضر في الحس ليصد الإنسانية عن سبيل الكمال، ويحرم العالم من ~~خير كثير؛ فضلا عن أنه بذلك يقاوم طبيعة الأشياء، ويحاول تبديل الفطرة التي ~~فطر الله الناس عليها. # غير أن العقول حين تنفذ بنورها من نطاق هذا العالم الحسي، سعيا إلى الاطلاع ~~على مبدئه ومصدره، وعلى مصيره وغايته؛ ليست على درجة واحدة في هذا السعي، ~~«فأما» العقل القانع المتعجل فإنه يقف عند أدنى مبادئ الغيب وأقرب غاياته، ~~مكتفيا في كل فصيلة من الظواهر الكونية المتشابهة بأن يلمح من ورائها مبدأ ~~يدفعها وينظمها، ومن أمامها قبلة معينة تتجه نحوها؛ وقلما يعود إلى السؤال عن ~~منشأ كل واحد من المبادئ ومآله، أو إلى السؤال عن مبدأ ms064 الكائنات جملة أو عن ~~وجهتها الكلية من حيث هي كتلة واحدة، ذات وظائف متساندة، وهكذا تتعدد في نظره ~~القوى المدبرة، أو الآلهة المقدرة: فللريح إله، وللخصب إله، وللحياة إله، ~~وللموت إله، وللشعر إله ... ~~«وأما» العقول الواعية، الطليقة، المتسامية، التي تسعى إلى هدفها على بصيرة ~~فيما تطلب، وفيما تأخذ أو تدع، غير متعرجة في السير، ولا متناقضة في الحكم، ~~فإنها من جهة ترى أن مطلبها أسمى من أن تحده حدود المكان، أو تقيده قيود ~~الزمان ... حتى إنه لو أحصى لها العادون ما جمعته البشرية وما ستجمعه من علوم ~~وفنون، ومتع بدنية وعقلية؛ لبقي أمامها في طرفي الوجود شيء لا تفسره العلوم، ~~ولا تحققه الفنون، ولظل فيها فراغ عميق لا يملؤه الماضي ولا الحاضر، ولا ~~المستقبل القريب ولا البعيد ... ولن يتوقف منها هذا التطلع والتسامي، ولن يستقر ~~فيها هذا القلق والاضطراب، ولن ينحسم عنها هذا اللجاج في الطلب ... إلا بحقيقة ~~هي اللبنة الأولى واللبنة الأخيرة لكل الحقائق، حقيقة تأبى طبيعتها الأفول في ~~أفق الحدوث والإمكان، ولا تدع مجالا للسؤال عن قبل أو بعد في الزمان أو ~~المكان. # ومن جهة أخرى فإن هذه العقول الفسيحة الأفق تطلب دائما تحت كل اختلاف ~~ائتلافا، ومن وراء كل كثرة وحدة؛ ولذلك تأبى الوقوف عند المقاييس النسبية ، ~~والتفسيرات الجزئية، ولا ترضى بآحاد القوانين حتى تسمو إلى قانون القوانين. بل ~~إنها لتستشرف إلى اليد التي جمعت تلك القوانين ونسقتها، وجعلتها تتعاون ~~على أداء الوظيفة المشتركة لهذا البنيان الكوني، يا سبحان الله! أليست وحدة ~~النظام بين هذه الكتائب المختلفة الطبيعة، المتنوعة العمل، من الكائنات ~~السماوية والأرضية، آية على وحدة القيادة العامة التي تشرف عليها، وعلى وحدة ~~الخطة المرسومة التي يسير على هداها كل جهاز من أجهزة هذه الآلة ~~الكبرى؟ # وجملة القول: إن العقول السامية تشرئب دائما من وراء الحقائق الجزئية ~~الحائلة الزائلة، إلى حقيقة كلية أزلية أبدية، حقيقة لا يحويها شيء من العلوم ~~والمعارف، ولكنها تتشوف إليها كل العلوم والمعارف وتلك هي الحقيقة التي تفردها ~~الأديان العليا بالتقديس، ولا ms065 تنكرها سائر الأديان وإن أشركت معها في هذا ~~التقديس بعض الحقائق الجزئية الفانية. # إن هذا الشوق الغريزي إلى الأزلي الأبدي، وهذا الطلب الحثيث للكلي ~~اللانهائي، له دلالتان عميقتان: إحداهما دلالته على مطلوبه، لا كدلالة الحركة ~~القسرية على مصدر جاذبيتها كما يقول أرسطو، بل كدلالة الأثر على صانعه، أو ~~الخاتم على طابعه - حسب تعبير ديكارت - وثانيهما دلالته على أن في الإنسان ~~عنصرا نبيلا سماويا خلق للبقاء والخلود، وإن تناساه الإنسان وتلهى عنه ~~حينا، قانعا بالدون من الحياة الجثمانية المتحطمة. # التدين إذن - ولا سيما في أديان التوحيد والخلود - عنصر ضروري لتكميل ~~القوة النظرية في الإنسان؛ فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته، ومن دونه لا ~~يحقق مطامحه العليا. ~~(1-2) قوة الوجدان في إشباع العواطف النبيلة # ثم هو فوق ذلك عنصر ضروري لتكميل قوة الوجدان؛ فالعواطف النبيلة من الحب، ~~والشوق، والشكر، والتواضع، والحياء، والأمل، وغيرها، إذا لم تجد ضالتها ~~المنشودة في الأشياء ولا في الناس، وإذا جفت ينابيعها في هذا العالم المتبدل ~~المتبدد، وجدت في موضوع الدين مجالا لا تدرك غايته، ومنهلا لا ينفد ~~معينه. ~~(1-3) قوة الإرادة لتكوين البواعث والدوافع # وأخيرا هو عنصر ضروري لتكميل قوة الإرادة، يمدها بأعظم البواعث والدوافع، ~~ويدرعها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط. # وهكذا نرى الفكرة الدينية تعبر عن حاجات النفس الإنسانية في مختلف ملكاتها ~~ومظاهرها، حتى إنه كما صح أن يعرف الإنسان بأنه «حيوان مفكر»، أو بأنه ~~«حيوان مدني بطبعه»، يسوغ لنا كذلك أن نعرفه بأنه «حيوان متدين ~~بفطرته». # الفصل الرابع # | وظيفة الأديان في المجتمع # (1) التدين أقوى كفالة لاحترام القانون # عرفنا أن الفكرة الدينية هي الغذاء الوافي لقوى النفس المختلفة، والمداد الخالد ~~لحيويتها، ونزيد الآن بأن للأديان وراء هذه الوظائف النفسية الفردية وظائف أخرى ~~اجتماعية، ليست بأقل من أختها خطرا. # لا حاجة بنا إلى التنبيه على أن الحياة في الجماعة لا قيام لها إلا «بالتعاون» ~~بين أعضائها؛ وأن هذا التعاون إنما يتم «بقانون» ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه ~~وواجباته، وأن هذا القانون لا غنى له عن «سلطان» ms066 نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس ~~ويمنع انتهاك حرماته. # تلك كلها مبادئ مقررة، والحديث فيها معاد مملول. # وإنما الشأن - كل الشأن - في هذا السلطان النازع الوازع، ما هو؟ # فالذي نريد أن نثبته في هذه الحلقة من البحث هو أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ ~~قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام القانون، وضمان تماسك المجتمع واستقرار ~~نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه. ~~(2) الإنسان أسير فكرة وعقيدة لا كما يزعم كارل ماركس # السر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته ~~الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا ~~عنقه، ولا يجري في دمه، ولا يسري في عضلاته وأعصابه، وإنما هو معنى إنساني ~~روحاني، اسمه الفكرة والعقيدة، ولقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع وحسبوا أن الفكر ~~والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية، بل يتأثران بها، هذا الرأي ~~الماركسي هو - قبل كل شيء - نزول بالإنسان عن عرش كرامته، ورجوع به القهقرى إلى ~~مستوى البهيمية، ثم هو تصوير مقلوب للحقائق الثابتة المشاهدة في سلوك الأفراد ~~والجماعات في كل عصر، لكي يختار الناس أن يحيوا حياة مادية لا نصيب فيها للقلب ~~ولا للروح، لا بد أن يقنعوا أنفسهم - بادئ ذي بدء - بأن سعادتهم هي في هذا النوع من ~~الحياة، فالإنسان مقود أبدا بفكرة صحيحة أو فاسدة، فإذا صلحت عقيدته صلح فيه ~~كل شيء؛ وإن فسدت فسد كل شيء. # أجل، إن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست قوانين الجماعات ولا سلطان ~~الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات ~~على وجهها الكامل؛ فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة ~~المالية، لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون. ~~(3) ليس في العلوم والثقافات وحدها ضمان للسلام «العلم سلاح ذو حدين» # ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضمانا للسلام ~~والرخاء، وعوضا عن التربية والتهذيب الديني والخلقي، ms067 ذلك أن العلم سلاح ذو ~~حدين: يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولا بد في حسن استخدامه ~~من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض، لا إلى نشر الشر ~~والفساد. # ذلكم الرقيب هو العقيدة والإيمان. # غير أن الإيمان على ضربين: «إيمان» بقيمة الفضيلة، وكرامة الإنسانية، وما إلى ~~ذلك من المعاني المجردة، التي تستحي النفوس العالية من مخالفة دواعيها، ولو أعفيت ~~من التبعات الخارجية والأجزية المادية، و«إيمان» بذات علوية، رقيبة على السرائر، ~~يستمد القانون سلطانه الأدبي من أمرها ونهيها، وتلتهب المشاعر بالحياء منها، أو ~~بمحبتها، أو بخشيتها، ولا ريب أن هذا الضرب هو أقوى الضربين سلطانا على النفس ~~الإنسانية، وهو أشدهما مقاومة لأعاصير الهوى وتقلبات العواطف، وأسرعهما نفاذا في ~~قلوب الخاصة والعامة. ~~(3-1) حاجة المجتمع إلى الدين والأخلاق # ومن أجل ذلك كان التدين خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد ~~العدالة والنصفة؛ وكان لذلك ضرورة اجتماعية، كما هو فطرة إنسانية. # وأنت، فهل عسيت أن يخالجك شيء من الشك في مدى حاجة الجماعة في مختلف الأمم ~~والشعوب إلى ازدهار هذا الروح الديني فيها؟ وهل غرك أن دولا كبيرة أسست ~~نهضتها في عصرنا هذا على غير الدين، وقد استتب النظام فيها ومكن لها في الأرض؟ ~~(3-2) شهادة العلماء والساسة والقواد # إننا لا نريد أن نسبق الحوادث، وأن نتنبأ بمصير هذا البنيان الذي أسس على ~~غير تقوى من الله ورضوان، ولكننا نحب أن نقدم لك نموذجا، لا من أقوال رجال ~~الدين، بل من أقوال أقطاب العلم، وزعماء السياسة، وقواد الحرب، وفي تلك ~~الدول نفسها، فاستمع إلى قول روبرت ~~ميلليكان # Robert Millqkan # العالم الطبيعي الأميريكي: «إن أهم أمر في الحياة ~~هو الإيمان بحقيقة المعنويات وقيمة الأخلاق، ولقد كان زوال هذا الإيمان سببا ~~للحرب العامة، وإذا لم نجتهد الآن لاكتسابه أو لتقويته فلن يبقى للعلم قيمة، ~~بل يصير العلم نكبة على البشرية.» # 1 # وقول الدكتور ويلسون # Le President ~~Wilson # الرئيس الأسبق للولايات المتحدة بأمريكا: «وخلاصة ~~المسألة أن حضارتنا إن لم تنفذ بالمعنويات فلن تستطيع ms068 المثابرة على البقاء ~~بماديتها؛ وأنها لا يمكن أن تنجو إلا إذا سرى الروح الديني في جميع مسامها ... ~~ذلك هو الأمر الذي يجب أن تتنافس فيه معابدنا، ومنظماتنا السياسية، وأصحاب ~~رءوس أموالنا، وكل فرد خائف من الله محب لبلده.» # 2 # وقول الماريشال ~~بيتان # Le Marechal Philppe Petain # عاهل الدولة الفرنسية في خاتمة خطابه الذي أذاعه على ~~أمته في يوم 25 يونيو 1940 عقب توقيع الهدنة التي التمسها من زعيم ألمانيا ~~المنتصرة: «إنني أدعوكم أول كل شيء إلى نهوض أخلاقي.» وقول المارشال ~~مونتجومري # Montgomery # في خطبته أمام الجيش ~~الثامن يوم 4 مارس 1951: «إن أهم عوامل الانتصار في الحرب هو العامل الأخلاقي؛ ~~ولا يمكن لقائد أن يدفع جنوده إلى بذل أقصى جهودهم في العمل إلا إذا كانت ~~ضمائرهم مرتاحة إلى ما يعملونه، ويقيني أن الجيش إذا سار على غير مرضاة الله ~~سار على غير هدى، إن خطر الانحطاط الخلقي في أفراد الجيش أعظم من خطر العدو؛ ~~ولذلك لا نستطيع أن ننتصر في معركة إلا إذا انتصرنا على أنفسنا قبل كل ~~شيء.» ~~(4) الرباط الروحي وتماسك المجتمع # إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة لا تقف عند هذا الحد، فليست كل ~~مهمتها أنها المبعث القوي لتهذيب السلوك، وتصحيح المعاملة، وتطبيق قواعد العدل، ~~ومقاومة الفوضى والفساد؛ بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثرا في كيان الجماعة؛ ~~ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتراحم، لا يعدله رباط آخر ~~من الجنس، أو اللغة، أو الجوار، أو المصالحة المشتركة. # بل إن هذه العلائق مجتمعة، مهما يكن أثرها الظاهري من كف الأذى وبذل المعروف ~~المتبادل، تظل روابط سطحية تضم الأفراد كما تضم الأعواد في ضغث، ولا تزال تتخللها ~~الفجوات والثغرات والحواجز النفسية ... حتى تشدها رابطة الأخوة في العقيدة، والمشاركة ~~في المثل العليا، فهنالك تعود الكثرة وحدة، وتصبح النفوس كالمرايا المتقابلة تنعكس ~~صور بعضها في بعض. # بل كثيرا ما تستغني هذه الوحدة الروحية عن سائر الوحدات الأخرى، فتنعقد بها أقوى ~~الوشائج وأدومها بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتباينت لهجاتهم، ms069 وتباعدت ديارهم، ~~وتفاوتت مصالحهم. وكثيرا ما نرى الدول التي تقوم على قاعدة المصالح المشتركة في ~~الوطن بين ملل مختلفة تضطر إلى الاستنجاد بما في هذه الأديان كلها من مبدأ ~~التعاون على الخير، والتناصر على دفع عدوان المغيرين؛ ولذلك قيل بحق: إن الوطنية ~~التي لا تعتمد على باعثة من الخلق والدين إنما هي حصن متداع يوشك أن ~~ينهار. # وجملة القول: أن الأديان تحل من الجماعات محل القلب من الجسد، وأن الذي يؤرخ ~~الديانات كأنما يؤرخ حياة الشعوب، وأطوار المدنيات. # المبحث الرابع # | في نشأة العقيدة الإلهية # الفصل الأول # | العوامل الأولى لإيقاظها في النفوس ودعائمها في العقل الغريزي # (1) قانونا السببية والغائية # أشرنا في البحث السابق إلى أن ظاهرة التدين تستند في أصلها إلى مبدأين مرتكزين ~~في بداهة العقول، وهما قانونا «السببية والغائية»، ونبادر الآن فنكرر أن هذين ~~القانونين متى فهما على كمالهما انتهيا إلى أسمى العقائد الدينية: عقيدتي ~~التوحيد والخلود؛ وأن عقائد الشرك والوثنية والفناء إنما هي وليدة ضرب من الغفلة ~~أو الكسل العقلي يقف بها في بعض الطريق. # أما قانون السببية فيقرر أن شيئا من «الممكنات» # 1 ~~«لا يحدث بنفسه من غير شيء»؛ لأنه لا يحمل في طبيعته السبب الكافي ~~لوجوده، «ولا يستقل بإحداث شيء»؛ لأنه لا يستطيع أن يمنح غيره شيئا لا يملكه هو، ~~كما أن الصفر لا يمكن أن يتولد عنه عدد إيجابي، فلا بد له في وجوده وفي تأثيره من ~~سبب خارجي، وهذا السبب الخارجي إن لم يكن موجودا بنفسه احتاج إلى غيره، فلا مفر ~~من الانتهاء إلى سبب ضروري الوجود يكون هو سبب الأسباب. # وأما قانون الغائية فمن موجبه أن كل نظام مركب متناسق مستقر لا يمكن أن يحدث عن ~~غير قصد، وأن كل قصد لا بد أن يهدف إلى غاية، وأن هذه الغاية إذا لم تحقق إلا ~~مطلبا جزئيا إضافيا منقطعا، تشوفت النفس من ورائها إلى غاية أخرى ... حتى ~~تنتهي إلى غاية كلية ثابتة هي غاية الغايات. # نعم، إن طاقة البشر، وطبيعة المخلوق، أعجز من أن تحصي ms070 مراحل الأسباب والغايات ~~مرحلة مرحلة، وتتابع سلسلتها حلقة حلقة، حتى تشهد بداية العالم ونهايته؛ ولذلك يئست ~~العلوم التجريبية من معرفة أصول الأشياء وغاياتها الأخيرة، وأعلنت عدولها عن هذه ~~المحاولة، وكان قصاراها أن تخطو خطوات معدودة إلى الأمام أو إلى الوراء، تاركة ~~ما بعد ذلك إلى ساحة الغيب التي يستوي في الوقوف دونها العلماء والجهلاء. # ولكن هذا اليأس الإنساني من معرفة أطوار الكائنات تفصيلا في ماضيها ومستقبلها، ~~يقابله يقين إجمالي ينطوي كل عقل على الاعتراف به طوعا أو كرها، وهو أنه مهما ~~طالت سلسلة الأسباب الممكنة والغايات الجزئية، وسواء أفرضت متناهية أو غير ~~متناهية؛ فإنه لا بد لتفسيرها وفهمها ومعقولية وجودها من إثبات شيء آخر يحمل في ~~نفسه سبب وجوده وبقائه، بحيث يكون هو الأول الحقيقي الذي ليس قبله شيء، والغاية ~~الحقيقية التي ليس بعدها شيء، وإلا لبقيت كل هذه الممكنات في طي الكتمان ~~والعدم، - إن لم يكن لها مبدأ ذو وجود مستقل - أو لبقيت لغزا وعبثا غير معقول - ~~إن لم تكن لها غاية تامة تنقطع بها لجاجة النفس ويستقر مضطربها. # نقول: إن وجود هذه الحقيقة الأولى والأخيرة ضرورة عقلية لا مناص من التسليم ~~بها، ولا مجال لأحد أن يكابر فيها متى فكر قليلا في الوضع الذي يئول إليه ~~إنكارها، اللهم إلا إذا فرضناه كائنا أخرق، لا يذعن لقواعد المنطق والحساب، ~~ولا يبالي أن يبطل كل شيء في الأذهان. # الفصل الثاني # | عواملها في الوعي المتيقظ والشعور المتوقد # (1) ما الأسباب المباشرة التي أيقظتها في النفوس؟ # فإذا سألنا هنا عن نشأة العقيدة الإلهية، فليس سؤالنا منشأ هذه الضرورة الكامنة ~~في العقل الباطن، والتي هي من الأوليات التي لا يسأل عن مصدرها، وإنما السؤال عن ~~العوامل والملابسات التي تكون قد رفعت هذه الحقيقة إلى مستوى الوعي المتيقظ، ثم لم ~~تكتف بإبرازها أمام العقل قضية نظرية، بل حولتها إلى فكرة حية ملهبة للمشاعر، ~~وطبعت موضوعها بطابع خاص يجعله ذاتا علوية تتوجه إليها القلوب بالرغبة والرهبة، ~~والدعاء والخضوع. # جمهور الباحثين في هذه المسألة لا يطلبون من ms071 بحثهم الوقوف على الأسباب العامة ~~التي تتيسر دراستها ويمكن التحقق من وجودها في كل عصر، والتي يعقل أنها هي التي ~~أيقظت ولا تزال توقظ الحاسة الدينية في الإنسان، بل يفهمون من كلمة «نشأة الدين.» ~~الصورة التي ظهرت فيها الأديان أول ما ظهرت في الوجود، فالأولية التي يريدون ~~تقريرها ليس أولية في الترتيب المنطقي فحسب - كتقدم المقدمات على النتائج - وليست ~~أولية تاريخية نسبية - أعني: بالإضافة إلى العصور المعروفة - بل هي أولية زمانية ~~مطلقة، تقترن بظهور الإنسان على هذا الكوكب. # والمنهج الذي يسلكونه للوصول إلى هذا المطلب هو التنقيب عن أديان الأمم ~~القديمة، أو أديان الأمم المعاصرة غير المتحضرة، حتى إذا ما انتهى بهم السير في ~~تلك العصور المظلمة، أو تلك الأقطار المنعزلة، إلى أقدم مظهر معروف من مظاهر ~~التفكير الديني، اعتبروه صورة مطابقة لما كان عليه الإنسان الأول. # ولما كانت المرحلة النهائية في نظر باحث معين لا تنطبق دائما على المرحلة ~~الأخيرة التي يصل إليها باحث آخر؛ انقسم الباحثون في الموضوع إلى شعبتين ~~عظيمتين، تسيران في خطين متعاكسين: ~~«ففريق منهم» يذهب إلى أن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، وأن الإنسان ~~أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما ~~تدرج نحو الكمال في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم أن عقيدة «الإله الأحد» ~~عقيدة جد حديثة، وأنها وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي. # هذه النظرية نادى بها أنصار مذهب «التطور التقدمي»، أو التصاعدي # Evolu-tionnism progressisie ou ascendent ~~، ~~الذي ساد في أوروبا في القرن التاسع عشر، في أكثر من فرع من فروع العلوم، وحاول ~~تطبيقه على تاريخ الأديان عدد من العلماء منهم سبنسر # Spencer ~~، وتيلور # Tylor ~~، ~~وفريزر # Frazer ~~، ودوركايم # Durkheim ~~، وغيرهم. وإن اختلفت وجهات نظرهم في تحديد صورة ~~العبادة الأولى وموضوعها. ~~«وفريق آخر» يقرر بالطرق العلمية بطلان هذا المذهب، ويثبت بالعكس أن عقيدة ~~الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، مستدلا بأنها لم تنفك عنها أمة من ~~الأمم في القديم والحديث. فتكون الوثنيات إن هي إلا أعراض ms072 طارئة، أو أمراض ~~متطفلة، بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة. # وهذه هي نظرية «فطرية التوحيد وأصالته»، التي انتصر لها جمهور من علماء الأجناس، ~~وعلماء الإنسان، وعلماء النفس، ومن أشهر مشاهيرهم لانج # Lang # الذي أثبت وجود عقيدة «الإله الأعلى» عند القبائل الهمجية ~~في أوستراليا، وإفريقيا، وأمريكا. ومنهم شريدر # Sheroeder # الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة؛ وبروكلمان # Brockelman # الذي وجدها عند الساميين قبل ~~الإسلام، ولرواه # La Roy # وكاترفاج # Quatrefages # عند أقزام أواسط إفريقيا، ~~وشميدت # Schmidt # عند الأقزام وعند سكان ~~أوستراليا الجنوبية الشرقية. وقد انتهى بحث شميدت هذا إلى فكرة «الإله الأعظم» ~~توجد عند جميع الشعوب الذي يعدون من أقدم الأجناس الإنسانية. # 1 # غير أنه مهما تتفاوت النتائج في نظر المذهبين: «التطوري والفطري» فإنهما متفقان ~~على موضوع البحث، وهو تحديد صورة العقيدة «البدائية» الحقيقية، وعلى منهاجه، وهو ~~دراسة الشعوب المتأخرة والأمم الغابرة. # الفصل الثالث # | الوضع التاريخي للمسألة # (1) خطأ هذا الوضع في وسائله وفي غايته # ونحن نرى أن وضع المسألة على هذا الوجه، ومحاولة حلها من هذا الطريق، ينطوي على ~~خطأ مزدوج: خطأ في الغاية، وخطأ في الوسيلة. # أما من حيث الغاية التي يهدف إليها البحث، وهي تحديد الأصل الأصيل للعقيدة، ~~والمظهر الذي ظهرت به في أول الأزمنة بإطلاق، فلأن هذه المنطقة «البدائية المحضة» ~~قد اعتبرها العلم شقة حراما حظرها على نفسه، وأعلن - في صراحة كاملة - خروجها عن ~~حدود عمله. فاقتحامها الآن باسم العلم تعامل بصك مزيف، وتستر بثوب مستعار، ~~وكل حكم يصدر تحت هذا الاسم يكون صادرا عن قاض معزول، فاقدا للركن الأول من ~~سلطته الشرعية، ومؤرخو الديانات - على الخصوص - معترفون بأن الآثار الخاصة بديانة ~~العصر الحجري وما قبله لا تزال مجهولة لنا جهلا تاما، فلا سبيل للخوض فيها إلا ~~بضرب من التكهن والرجم بالغيب. # وأما من حيث المنهج وهو الاستدلال على ديانة الإنسانية الأولى بديانة الأمم ~~المنعزلة المتخلفة عن ركب المدنية، فلأنه مبني على افتراض أن هذه الأمم كانت منذ ~~بدايتها على الحالة التي وصل إليها بحثنا، وأنها لم تمر بها أدوار متقلبة، ms073 وهو ~~افتراض لم يقم عليه دليل، بل الذي أثبته التاريخ واتفق عليه المنقبون عن آثار ~~القرون الماضية، هو أن فترات الركود والتقهقر التي سبقت مدنياتها الحاضرة كانت ~~مسبوقة بمدنيات مزدهرة، وأن هذه المدنيات قامت بدورها على أنقاض مدنيات بائدة، ~~قريبة أو بعيدة، في أدوار تتعاقب على البشرية، كما تتعاقب الفصول السنوية على ~~الطبيعة بحيث يصبح من العسير أن نحكم بصفة قاطعة بأيهما بدأت دورة الزمان، وليس ~~تعيين أحد الأمرين للابتداء الحقيقي بأثبت تاريخيا من مقابله، فكذلك نقول في شأن ~~العقائد الدينية، إنه من الممكن أن تكون الخرافات القديمة بداية ديانات، كما يمكن ~~أن تكون نتيجة تحلل وتحريف لديانة صحيحة سابقة مزقت أهلها الحروب، أو أفسدتهم ~~الآفات الاجتماعية، فقلت عنايتهم بأصول دينهم، وتلقوا بالتسليم والقبول كل ما ~~سمعوه من أفواه الأدعياء والدجالين، وشاعت بينهم هذه الروايات وتوارثوها حتى أصبحت ~~سننا مقدسة، ولقد أنصف العلامة هوفدنج # Hoffding # حين قال: «إنه يبعد كل البعد أن ينجح تاريخ الأديان في حل مشكلة بزوغ الدين في ~~النوع الإنساني ... فإن التاريخ لا يصور لنا هذه البداية الأولى في موضع ما، وكل ما ~~نجده إنما هو سلسلة من صور مختلفة الديانات متقدمة قليلا أو كثيرا ...» «حتى إن ~~أحط القبائل الهمجية التي نعرفها قد مرت بأدوار شتى، وتطورت تطورا بعيدا.» # 1 # فقد بان لك مبلغ ثبات الفرض الذي بنيت عليه البحوث الحديثة كلها، وأنها أسست ~~على جرف هار لا تطمئن عليه الأقدام. ~~(2) نقد المذهب التطوري بشكل خاص # ويمتاز المذهب التطوري بأنه مبني على افتراض آخر لم يقم عليه دليل كذلك، ~~وهو قياس الملكات والأحاسيس الروحية، على القوى البدنية والمكتسبات العقلية ~~والتجريبية. فكما أن الإنسان ينتقل في نموه البدني من الضعف إلى القوة، وفي نموه ~~العقلي من الجهالة إلى المعرفة، قد يلوح أيضا أنه بدأ حياته بالسخف والخرافة، ولم ~~يصل إلى العقيدة السليمة إلا بعد جهد وعناء. # ونحن نسأل - قبل كل شيء - عن الأصل الذي بني عليه هذا القياس. # هل صحيح أن قوى النفس المختلفة تسير في نموها على ms074 قدم المساواة، وأن حياة الناس ~~الروحية تمشي في كل أدوارها جنبا إلى جنب مع حياتهم المادية؟ أولسنا نرى ~~هاتين الظاهرتين تسيران أمامنا في طريقين متعارضين؟ فإذا صح ما يقال من أن ~~الإنسان كان في بدايته قانعا بكهف يئويه، وجلد حيوان يستر به بشرته، وشيء من ~~الأعشاب يدفع مخمصته، ألا تكون قلة مشاغله ومطامحه المادية قد تركت في نفسه فراغا ~~عميقا للتأملات التي ترهف حاسته الدينية، وتنمي مشاعره الروحية العليا؟ كما أن ~~اشتغال الناس في عصور المدنيات بترف الحياة الجثمانية يؤدي إلى عكس هذه النتيجة؛ ~~ذلك أن الغرائز المتقابلة تضعف وتتقلص بقدر ما تنمو وتقوى أضدادها، ككفتي الميزان، ~~لا ترتفع إحداهما إلا انخفضت الأخرى. # على أن قليلا من التأمل يهدينا إلى أن قياس الأديان على الفنون والصناعات إنما ~~هو محاولة للجمع بين أمرين لا تؤلف بينهما حقيقة نوعية مشتركة، بل تتباين طبائعهما ~~ووسائلهما. فبينما حقائق العلوم ثروة واسعة ترحل النفس في طلبها واكتسابها، ويتطلب ~~اقتناؤها وتنميتها علاجا ومثابرة، واستعانة بأدوات منفصلة في غالب الأمر، وحقيقة ~~الدين توجد عناصرها قارة بين الجوانح، وتعرض دلائلها لائحة أمام الحس، حتى إن ~~التفاتة يسيرة لتكفي للظفر بها في حدس سريع كالبرق الخاطف، وليس إدراك هذه ~~الحقيقة الكبرى محصول إدراكات لحقائق الكون ودقائقه الجزئية، ولا هو أشق منها كما ظن، # 2 # بل إنه يتقدمها ويمهد لها، في نظرية كلية تلم بها جملة، قبل أن تفحص ~~أجزاءها وتفصيلاتها؛ ولذلك يستوي العالم والجاهل في أصل هذا الإحساس، كل على ~~فهمه يجد في الكون ما يبهره ويستولي على مشاعره. # ولقد كان مقتضى الوضع السليم، في تعرف ما كانت عليه بداية الأديان فيما قبل ~~التاريخ، أن تسترشد في مقارنتها، لا بسير الفنون والمصنوعات، بل بسير الديانات ~~المعروفة منذ طفولة التاريخ إلى اليوم، ألا وإننا نعرف بالاستقراء أن كل واحدة من ~~هذه الديانات بدأت بعقيدة التوحيد النقية، ثم خالطتها الشوائب والأباطيل على طول ~~العهد، فالأشبه أن تكون هذه سنة التطور في الديانات كلها: أن بدايتها دائما خير ~~من نهايتها. # فإذا أبينا ms075 إلا أن نقيس تطور الدين على تطور الفن، كان من الحق علينا ألا نأخذ ~~في هذه المقارنة بالمقاييس السطحية والتشابه اللفظي الأجوف، بل ننظر إلى جوهر ~~الأشياء وأعماقها، وحينئذ ينقلب هذا القياس نفسه حجة في يد أنصار «الفطرية»، ذلك أن ~~معنى «التطور» في الفنون - كما في كل كائن حي - هو أنها تبدأ في صورة ساذجة، متحدة، ~~متجانسة، ثم تنتقل تدريجيا إلى نوع من التكثر والتركيب، تزداد به تعقيدا كلما ~~بعدت عن العقيدة الإلهية يستوجب أنها سارت أيضا من الوحدة إلى الكثرة، ومن ~~النقاوة والسهولة واليسر، إلى التعقد بالإضافة الأسطورية، والنزوات الخيالية، ~~التي لا ضابط لها من العقل السليم. ~~(3) التطور بين الأديان السماوية # أما «التطور» بمعناه الأدبي، وهو الترقي من النقص إلى الكمال، فليس قانونا ~~علميا، ولا سنة طبيعية مطردة، ولا يمكن تطبيقه بصفة آلية على التاريخ البشري، ~~وإنما هو إحدى القيم العليا التي تطمح إليها النفوس، وتشرئب إليها الأعناق؛ ~~فتبلغها حينا؛ وتنحسر عنها أحيانا. نعم، إن كل مصلح لا بد أن يكون مؤمنا ~~بإمكان تحقيق هذه الغايات السامية؛ إذ لولا الأمل في قابلية الأخلاق والعقائد ~~للتحول والرقي، لبطل كل تشريع، ولأصبح من العبث بذل أدنى مجهود للتقدم، ولكن شتان ~~ما بين قابلية الترقي وبين تحققه بالفعل، فهذا مطمح لا يناله إلا من أدى مهره من ~~العزيمة الصادقة، والمجاهدة المتواصلة. وتاريخ الإنسانية لا يسير في هذا الاتجاه ~~على خط رأسي مستقيم. # 3 # هكذا نرى أن التحليل النفسي، وشواهد التاريخ، والتطور الصحيح؛ لا يقف شيء منها ~~في وصف الدفاع عن النظريات الموسومة بالتطورية، والتي تجعل الخرافة والأسطورة هي ~~بداية الأديان؛ بل إنها بالعكس تميل إلى تأييد النظرية المقابلة، غير أن تأييدها ~~لهذه النظرية الأخيرة لا يرفعها إلى صف الحقائق التاريخية المفروغ منها؛ لأن ~~هذه الدلائل كلها لا تقدم لنا ضمانا من المنطق ولا من الواقع تثبت به أن ~~الحوادث كانت تسير بالفعل دائما على وفق ما ألفناه من الأوضاع، لا على الوجه الذي ~~كان ينبغي أن يكون. # بل هي هنا نظرية ثالثة ms076 يمكن الأخذ بها في المسألة، وتقريرها أن الرشد والضلال في ~~الفكرة الدينية ليستا ظاهرتين متعاقبتين فقط، صعودا أو انحدارا على مدى العصور، ~~بل هما ظاهرتان متعاصرتان، موزعتان في كل أمة وجيل، تبعا لاختلاف الأفراد في درجات ~~استقامة الحدس العقلي، ونبل الحس الباطني، فلا يخلو جيل ما من نفوس صافية تدرك ~~الحقيقة نقية من شوائب الخرافة، وأخرى دون ذلك. ولعل هذا الوصف هو أقرب الأوصاف ~~تصويرا للواقع المعروف، فقد اتفق الموثوق بهم من مؤرخي الأديان - كما أسلفنا - على ~~أن أشد الشعوب همجية ووثنية لم تنفك عن الاعتقاد بإله خالق هو رب الأرباب. # لكن بين القدر الذي عرفناه من تاريخ البشرية وبين عصر نشأتها، لا تزال الثغرة ~~واسعة لم تسد ولن تسد؛ إذ لم يقل أحد إن الوقائع المفقودة الوثائق يمكن ~~إثباتها على وجه قاطع بمثل هذا الضرب من التخمين، اعتمادا على مجرد حسن المقابلة ~~وجمال التناسق بينها وبين الوقائع المعروفة، دون تثبت من تشابه الظروف والملابسات ~~في طرفي القياس. # هكذا عجزت وسائل العلوم أن تقدم لنا بيانا شافيا يطمئن إليه القلب عن ديانة ~~الإنسان الأول، أما من أحب أن يسترشد بنصوص الكتب السماوية، فإنه سوف يجد فيها ما ~~شد أزر القائلين بأولية العقيدة الإلهية الصحيحة، لا في الغريزة فحسب: # فطرة الله التي فطر الناس عليها ~~، # 4 # بل في التطور الزماني كذلك، فهذه النصوص تنادي بأن الناس بدءوا ~~حياتهم مستقيمين على الحق مؤتلفين عليه، وأن الانحراف والاختلاف إنما جاء عرضا ~~طارئا بعد ذلك: # وما كان الناس إلا أمة ~~واحدة فاختلفوا ~~، # 5 # وأن استمرار هذا الخلاف واتساع شقته إنما كان بتأثير الوراثة ~~وتلقين كل جيل عقيدته للناشئين فيه: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه ~~يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه». # 6 # وإلى ذلك كله فإن الكتب السماوية متفقة على أن الجماعة الإنسانية ~~الأولى لم تترك وشأنها تستلهم غرائزها وحدها، بغير مرشد ومذكر، بل تعهدتها ~~السماء بنور الوحي من أول يوم، فكان أبو البشر هو أول الأفذاذ الملهمين، وأول ~~المؤمنين الموحدين، وأول المتضرعين الأوابين. # لكن ms077 الالتجاء إلى هذه النصوص اعتراف ضمني بأن وسائل العلم البشري وحدها عاجزة ~~عن أن تصل بنا من طريق يقيني إلى نقطة البدء الحقيقي للدين، والواقع أن الحل ~~النهائي لهذه المسألة إنما يكون عن طريق الوحي؛ لأنها داخلة في منطقة الغيب التي ~~هي موضوع الإيمان، وليست من شأن العلوم الاستقرائية، ولا العلوم ~~الاستنتاجية. # وجملة القول: أن كل النظريات التي حاولت تحديد ديانة الإنسان الأول بالتطبيق على ~~ديانات القرون الماضية، أو الأمم الهمجية، فصورتها لنا تارة سليمة، وتارة ~~سقيمة، وتارة ملفقة؛ إنما هي افتراضات مبنية على افتراضات فهي لا تصف الحق الثابت # Le vrai ~~، الذي هو مطلب العلم الصحيح، وإنما ~~تعرض احتمالات تشبه الحق قليلا أو كثيرا ~~+ ~~ou-vraisemblables ~~. # فإذا نحن عرضنا الآن شيئا من هذه النظريات، فليكن معلوما أننا لن نتابعها في ~~تلك الدعوى العريضة، وهي أنها ترسم الصورة الأولى المطلقة للحياة الدينية، بل ~~سنقنع منها بالجانب التحليلي، أو الجانب التاريخي النسبي، لا أكثر من ذلك. # الفصل الرابع # | الوضع التعليلي للمسألة واختلاف المذاهب فيه # (1) المذاهب الكونية أو الطبيعية ~~(1-1) الطبيعة العادية # يرى فريق من العلماء أن العامل الأول في إثارة الفكرة الدينية كان هو النظر ~~في مشاهد الطبيعة، ولا سيما الأفلاك والعناصر. # ذلك أن التأمل في هذا المجال غير المتناهي يجعل الإنسان يشعر بأنه محوط من ~~كل جانب بقوة ساحقة غلابة، قوة مستقلة عن إرادة البشر، يخضع الجميع لتأثيرها، ~~ولا قدرة لهم على تحويل سيرها أو تعديل نظامها، فيجتمع له من ذلك شعور مؤلف ~~من دهشة وإعجاب، يرى به الكون أشبه شيء بالمعجزة، «وفي الحق لهو أكبر ~~المعجزات ؛ فإنه لا شيء أقل طبيعية من الطبيعة نفسها.» # أشهر مقرري هذه النظرية هو العالم الألماني ماكس ميلر # Max Muller # في كتابه عن الأساطير المقارنة # Comparative Mythology ~~، وهو لا ~~يبنيها على هذا الاعتبار النفسي وحده، بل يستند فيها إلى وثائق لغوية، استمدها ~~من دراسته المقارنة للأساطير والتماثيل القديمة، وعلى الأخص من دراسة ~~الفيدا # les Vedas ~~«كتب الديانة ~~البراهمية»، حيث وجد أن أسماء الآلهة فيها هي ms078 - في الغالب - أسماء لتلك القوى ~~الطبيعية العظيمة كالسماء والنار ونحوها، وأن هذه الأسماء بعينها تتشابه ~~حروفها في سائر اللغات المسماة «بالهندية الأوروبية»، فخلص من ذلك إلى ~~أنه، قبل تشعب الشعوب الإنسانية وخروجها من موطنها الأول، كانت هناك لغة ~~واحدة، تعبر عن هذا التقديس العام لقوى الطبيعة الكبرى، فتكون إذا هي الفكرة ~~الأولى قبل ظهور الحضارات. # غير أنه لما كانت الديانة بمعناها الحقيقي لا توجد إلا حيث يوجد اعتقاد ~~بكائنات حية عاقلة، فعالة، يتوجه إليها بالعبادة؛ لزم السؤال عن سبب هذا ~~التطور الفكري: من النظر في مشاهد الطبيعة، إلى التفكير في تلك الكائنات ~~الروحية. # يجيب ماكس ميلر بأن هذه من أثر اللغات نفسها؛ لأنها في العادة تنسب لكل ~~ظاهرة فعلا يشبه أفعال الإنسان، فنحن نقول: إن النهر «يجري»، والشمس «تطلع»، ~~والهواء «يئن أو يزمجر»، والنار «تشهق أو تزفر» إلى غير ذلك. فهذه التعبيرات ~~التي كانت في أصلها تعبيرات مجازية تشبيهية، طال بها الأمد حتى أخذت على ~~حقيقتها؛ فصارت هذه العناصر نفسها تأخذ في الأذهان صورة الكائنات الحية ~~المفكرة، ومن هنا نشأت عادة تمثيل الأفلاك والعناصر في رموز مجسمة على صورة ~~الحيوان أو الإنسان، ولعب الخيال في ذلك دورا هاما: فكان تارة يرمز إلى ~~الأشياء المتعددة التي يجمعها اسم مشترك باعتبارها حقيقة واحدة تتحول من نوع ~~إلى نوع، وهكذا ... # هل نحن بحاجة إلى تذكير القارئ بأن هذه المحاولة التي قد تنجح في تعليل ~~الأساطير والمثل، لا تصلح تفسيرا للأديان؟ # لقد اعترف ميلر بأن العقلية التي تتصور العناصر بصورة الحيوان المفكر ~~عقلية مريضة، أوقعها الوهم والخيال في حبائله حتى وصل بها إلى درجة ~~الخبل والهذيان . # ونزيد نحن أنها في الوقت نفسه ليست عقلية دينية - كما يعلم مما أسلفناه في ~~تحديد معنى الدين - وأنه اعتقاد في «روح» مستقلة تسيطر على الطبيعة لا في ~~«نفس» محصورة في الطبيعة، مسايرة لها. # فالصواب في تفسير هذه النقلة الفكرية، من المادة إلى الروح، أنه انتقال من ~~الكائن إلى المكون، وهو انتقال معنوي طبيعي من غير حاجة إلى توسط ms079 ~~اللغات. فكما أن الناظر في جمال أثر فني لا يقدر أن يمنع نفسه من التفكير في ~~ذوق الفنان؛ والناظر في دقة الآلة المركبة ينتقل فكره توا إلى مهارة ~~المهندس، كذلك التأمل في عظمة البدائع الكونية ينساق بطبيعته إلى التفكر ~~في عظمة القوة العاقلة التي تدبرها. # وإذا كانت تلك النظرة الأسطورية «التي تستنطق الجماد وتعتقد أن في جوفه ~~روحا عاقلة» ليست عقلية ولا دينية، فهذه النظرة الاستنتاجية - على عكس ذلك - ~~دينية منطقية معا؛ ذلك أن العقل الإنساني لا يكاد يتصور أن جمادات لا روح ~~فيها ولا شعور يمكن أن تتحرك بنفسها وتنتقل في أوضاع منظمة، بين أجرام أخرى ~~متحركة بحركات منظمة مباينة لها على أبعاد محددة، وبطريقة مؤدية إلى غايات ~~معقولة، من غير أن تكون مدفوعة مباشرة أو من طريق غير مباشر، بشيء ذي إرادة ~~وشعور، يحركها وينقلها في تلك الأوضاع، على حساب ثابت دقيق. # قدر في ذهنك بيتا منسق البنيان، فاخر الأثاث والرياش، قائما على جبل ~~مرتفع، تكتنفه غابة كثيفة ... وقدر أن رجلا جاء إلى هذا البيت، فلم يجد ~~فيه ولا حوله ديارا ولا نافخ نار ... فحدثته نفسه بأنه عسى أن تكون صخور الجبل ~~قد تناثر بعضها، ثم تجمع ما تناثر منها ليأخذ شكل هذا القصر البديع، بما فيه من ~~مخادع ومقاصير، وأبهاء ومرافق، وأن تكون أشجار الغابة قد تشققت بنفسها ألواحا، ~~وتركبت أبوابا وسورا، ومقاعد ومناضد، ثم أخذ كل منها مكانه فيه، وأن تكون ~~خيوط النبات، وأصواف الحيوان وأوباره، قد تحولت بنفسها أنسجة موشاة، ثم تقطعت ~~طنافس، ووثائر، وزرابي، فانبثت في حجراته واستقرت على أرائكه، وأن المصابيح ~~جعلت تهوي إليه بنفسها من كل مكان فنشبت في سقفه زرافات ووحدانا ... ألست تحكم ~~بأن هذه حلم نائم، أو حديث خرافة، قد أصيب صاحبه باختلاط في عقله؟ فما ظنك ~~بقصر ... السماء سقفه، والأرض قراره، والجبال أعمدته، والنبات زينته، والشمس ~~والقمر والنجوم مصابيحه؟ أيكون في حكم العقل أهون شأنا من ذلك البيت الصغير؟ ~~أولا يكون أحق بلفت النظر إلى بارئ مصور، حي قيوم، ms080 خلق فسوى، وقدر ~~فهدى؟ # وإذا كان الإعجاب بالأثر الفني البارع، يحمل الإنسان بفطرته على التساؤل ~~عن الفنان الذي أبدعه، ويحفزه إلى التوجه بفكرته إليه، سواء أعرف شخصه أم لم ~~يعرفه، ليعبر له عن هذا الشعور والتقدير، أليس الإعجاب ببدائع الملكوت ~~أحق بأن يتحول إلى مناجاة مبدعه، والإفضاء إليه بعبارات التبجيل ~~العميق والتقديس البليغ؟ وهل العبادة في جوهرها ولبها إلا ذلك؟ # ألا وإنك لو أخذت تحلل هذه المناجاة الخاضعة، لوجدتها تنطوي بالضرورة على ~~عنصرين جوهريين: فهي تفترض أولا: أن الشيء الذي تتوجه إليه أهل لأن يستقبل ~~حديث من يناجيه. وتفترض. ثانيا: أنه أسمى مقاما وأكمل صفة من الإنسان؛ لأنه ~~يستطيع ما لا يستطيع الإنسان، فلا يمكن - والحالة هذه - أن يكون مادة صماء ~~عمياء، لا تحسك ولا تراك، ولا تسمع نجواك، وإلا لكان المعبود محروما من مزايا ~~الحياة والعقل والشعور التي يتمتع بها عابده، وهو قول متناقض يهدم ~~نفسه. # هكذا تتولد العقيدة الإلهية، والحركة العبادية، من تزاوج مبدأين نفسيين: ~~أحدهما غريزة عقلية؛ وهي غريزة التطلع لفهم الطبيعة، والثاني حاسة وجدانية؛ ~~وهي حاسة التذوق الفني لما في الطبيعة من جمال وجلال. # وإن مما يؤيد القول بأن فكرة التأليه وليدة هذه النظرة في الطبيعة، أن ~~الارتباط بين هذا الإحساس الكوني، وهذا الإحساس الديني، تثبته التجارب ~~النفسية المتكررة في كل الأمم وفي كل العصور، # تبارك ~~الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور * ~~الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ~~* ثم ارجع البصر كرتين ينقلب ~~إليك البصر خاسئا وهو حسير ~~. # 1 # ولذلك لا يزال هذا التفسير من أصح التفاسير وأقواها، على الرغم مما وجه ~~إليه من اعتراضات. # الاعتراضات على هذه النظرية # استبعد بعض الناقدين أن يكون النظر في صحيفة الكون سببا في إيقاظ هذا ~~الشعور الديني العميق؛ فقال: إن استمرارها على نسق واحد يجعلها أمرا ~~مألوفا، لا يلفت النظر، ولا يحتاج إلى تعليل، ms081 وعلى فرض أنها تبعث الدهشة ~~والخشوع في نفوس المفكرين، فليس لها هذا الأثر في تلك العقول الساذجة # 2 # التي تزعم أنها قادرة على تغيير قوانين الطبيعة، وأنها تستطيع ~~- بوسائل خاصة - أن تستثير الرياح، وتستنزل الأمطار ... إلخ، ويضيف هذا ~~الناقد أن العقيدة الدينية نفسها تقرر هذا المعنى في عقول أهلها، حيث ~~تعلمهم أن «قوة الإيمان تزحزح الجبال»، وهكذا تكون العقيدة مستمدة من ~~روح العظمة والقدرة في مواجهة الطبيعة، لا من روح الضعف والخضوع أمامها. # 3 # قال: ولو كان باعث العقيدة هو الضعف أمام الطبيعة، والتماس ~~الطريق لاجتلاب خيرها، واتقاء شرها؛ لكانت الديانات كلها ضربا من ~~الخرافة؛ لأنه ليس بالدعاء والصيام وتقديم القرابين ونحو ذلك يكون استدرار ~~الأمطار، وإجراء الأنهار، واتقاء الحر والبرد، والجوع والعري، والفقر ~~والمرض، وقد أثبتت التجربة فشل هذه الوسائل في غالب الأمر. # ومن جهة أخرى: لو كان مبعث العقيدة هو المشاهد الكونية، وهدف العبادة هو ~~استرحام الطبيعة؛ لما استمر الإنسان على التدين، بعدما ظهر له أنه ~~محاولة عابثة، وإذ إن الديانات لم تنقطع يوما ما، ولن تنقطع عن الجماعة ~~الإنسانية، فلا بد أن يكون لها منشأ وهدف آخرين، على أننا إذا استطعنا ~~تفسير عبادة القوى الطبيعية العليا بشعور الانبهار أمام مظاهرها، فكيف ~~نفسر عبادة الأحجار، والأشجار، والحشرات، وتافه الأشياء التي لا توحي مثل ~~هذا الشعور؟ وأخيرا كيف نفسر بذلك ما في الأديان من الفصل التام بين ~~الأمور المقدسة والأمور العادية؟ # هذه هي خلاصة النقد الذي وجهه دوركايم # 4 # إلى نظرية التدرج من الشعور الكوني إلى الشعور ~~الديني. # الإجابة عنها # إنه لا ينكر أحد أن الإلف والعادة يقلان من حدة الشعور، وأن استمرار ~~المحسات على نسق واحد يضعف باعثة التفكير في مصدرها، ذلك ما لا شك فيه، ~~ولكن الظواهر الكونية - مهما تتشابه أدوارها المتقابلة - لا تفتأ كل حركة ~~منها تعرض على حواسنا صورا متبدلة، وألوانا طريفة: فتغير وجوه القمر، ~~واختلاف مواقع النجوم، ومطالع الشمس، ومناظر الفجر والشفق، واختلاف الليل ~~والنهار، وتقلب الرياح والفصول والخصب والجدب؛ كل أولئك يحمل تنبيها ms082 ~~جديدا لمن ألقى سمعه وبصره. على أنه ليس المدعى أن كل أحد لا بد له أن ~~يسأل نفسه عن منشأ هذه الظواهر ومغزاها؟ ولكن المدعى أن كل من ألقى هذا ~~السؤال عن نفسه وتنبه إلى هذه الآثار رأى فيها آية عجيبة، وأحس أمامها ~~بروعة وخشوع. # والقول بأن «البدائيين» قاصرون عن هذا الإدراك - لأنهم يزعمون لأنفسهم ~~القدرة على تسخير عناصر الطبيعة لأهوائهم - قول مناقض للواقع إذا أخذ ~~على عمومه في كل الأفراد والأحوال؛ فجمهور العامة أضعف من أن يظنوا ذلك ~~بأنفسهم، والأفذاذ الذين يزاولون بعض وسائل السحر أو الكيمياء إذا ظفروا ~~بتسخير شيء من القوى الدنيا لم يمنع ذلك خضوعهم واستسلامهم للقوانين العليا ~~التي لا تمتد إليها يد مخلوق، فالله يأتي بالشمس من المشرق، فمن يأتي ~~بها من المغرب؟ وكل نفس ذائقة الموت، فهل يستطيع بشر أن يكتب لنفسه ~~الخلود؟ وهل يتهيأ لأحد أن يفارق ظله، أو أن يسترجع ماضيه؟ أو أن يصنع ~~ولده كما يشاء خلقا وخلقا؟ بل أن يخلق حشرة أو ذبابة؟ # ولقد أسلفنا أن فكرة السحر مباينة تماما لفكرة التدين في طبيعتها وفي ~~موضوعها، فالشعور بالسلطان والقوة على تسخير الطبائع يمكن أن يكون شعورا ~~كيميائيا أو ساحرا، ولا يمكن أن يكون شعور عابد لها؛ لأن الإنسان لا ~~يعبد شيئا مسخرا له حين يسخره، ولا يسخر شيئا يزعم أنه يعبده حين ~~يعبده. # والقول المأثور: «إن قوة الإيمان تزحزح الجبال» لا يمكن أن يكون معناه ~~أن الإيمان مبعثه القوة؛ فإن فرقا شاسعا بين أن يكون الإيمان باعثا ~~للقوة، وبين أن تكون القوة هي التي تبعثه، والالتباس بين الأمرين قلب ~~واضح للأوضاع؛ إذ يصور الآثار بصورة أسبابها ، ويضع النتائج موضع ~~مقدماتها، وهكذا لا يلد التسرع والإكثار إلا أقوالا ينقصها التحري ~~والدقة في التعبير. # ثم ما هذه القوة التي يبعثها الإيمان؟ أليست هي قوة الثقة والطمأنينة ~~التي تجيء تعويضا وعلاجا لما نشعر به بادئ ذي بدء من الضعف والحيرة ~~الأصيلين في طبيعة الإنسان، واللذين هما مبعث الإيمان؟ ثم من أين ~~تستمد تلك ms083 القوة الجديدة المكتسبة من الإيمان؟ أليس منبعها الاعتماد ~~على القوة الروحية العليا التي يلجأ إليها المؤمن؟ فهي إذن ليست قوته ~~الذاتية البشرية، وأخيرا ليس لنا أن نخلط بين قوة الفهم والتأمل في الكون، ~~وبين القدرة على تصريف الكون، فإن أقوى الناس فهما، وأوسعهم علما ~~بحقائق الكون هم أشدهم إحساسا بضعف الإنسان وضآلته في جنب هذا الصرح ~~العالمي، وبخضوعه وتبعيته للقوانين العليا التي لا بد له في تغييرها، وهذا ~~الإحساس هو مبدأ الإيمان ومبعث التأليه والعبادة. # وهنا نسأل عن مغزى هذه السلسلة المتلاحقة من الحركات النفسية، التي تنتقل ~~من النظر والتأمل، إلى الاستعظام والإكبار، إلى التوجه والمناجاة؛ هل ~~يجب أن يكون لها هدف وراء ذلك؟ ألست إذا وقفت أمام أثر فني بارع، فملأ ~~صدرك، واستبد بإعجابك، تجد في نفسك باعثة قوية للتعبير لصاحب هذا الأثر ~~عن شعور الإكبار لصنعته، والاعتراف بعظمته، كأن هذا دين في عنقك تؤديه، ~~لا تبغي منه جزاء، ولا تقضي به وطرا، غير الترجمة عن صدق شعورك وتقديرك ~~لهذه الآية القيمة؟ فما ظنك بأعظم الآثار وأبهرها؟ ألا يستحثك على التوجه ~~لصانعه بهذا التعظيم البليغ، تسبيحا بحمده، وتقديسا لجلاله، بغير غرض ولا ~~عوض؟ فإذا شعرت بأنك أنت نفسك جزء من هذا الأثر العظيم، وأنك مدين ~~بوجودك وفهمك وقوتك لهذا الصانع، الذي خلقك وصورك، وشق سمعك وبصرك، ومنحك ~~العقل والبيان، ومكنك من الانتفاع بما في السماء والأرض، ألست تقبل عليه ~~بقلبك وجوارحك مقيدا بقيود إحسانه إليك، معترفا بعبوديتك له؟ فهذه ~~كلها غايات نبيلة تؤديها الأديان، ولم تفشل فيها يوما من الأيام. # ومن ذا الذي قال: إن الخشوع أمام روعة الكون، والاتجاه بالتعظيم لصانعه، ~~وهو تلك الانبعاثة الكريمة التي تعطى ولا تطلب، يمكن أن يفسر بذلك ~~الشعور الضارع، شعور الالتجاء لتحقيق مطلب من مطالب الحياة، أو استدفاع ضرر ~~من أضرارها؟ # لقد خلط الناقد هنا خلطا واضحا بين نظريتين منفصلتين: نظرية الإعجاب ~~التي نحن بصددها، ونظرية الرغبة والرهبة التي سنعرضها في الشعبة الثانية من ~~المذاهب الطبيعية، فاعترض على إحداهما بالنتائج المترتبة على ms084 ~~الأخرى. # على أنه في الحالة التي يكون فيها الباعث على العبادة هو الشعور بتلك ~~الحاجة، والتي يتحول فيها معنى العبادة من التسبيح والتقديس إلى التماس ~~الحماية - نقول إنه حتى في هذه الحالة - لا يجعل العابد من عبادته وسيلة ~~يقينية للحصول على مأربه، كأنها عملية حسابية، أو قياس منطقي، أو تجربة ~~مفروغ منها لا بد أن تؤتي ثمرتها؛ لأن التدين ينطوي دائما على اعتقاد ~~أن القوة المتوجه إليها لا تصدر في تصرفاتها إلا عن مشيئتها المستقلة؛ ~~ولذلك نلاحظ في توجهاته شعورا مزدوجا، هو مزيج من الاستسلام والرضى بما ~~يقع، ومن الأمل والرجاء فيما يتوقع. # وإذا كان اللاعب المغامر لا يعد نفسه فاشلا لمجرد تكرر خسارته، ولا ~~ييأس من مؤاتاة الحظ له بالربح في فرصة قريبة أو بعيدة، فالمؤمن أحق بتنحية ~~عوامل اليأس من حسابه، وإرخاء حبل الأمل لنفسه إلى آماد بعيدة في حياته ~~أو بعد مماته، بل المؤمن الصادق حين يلتجئ إلى ربه، ويناجيه برغائبه ~~ومخاوفه، يجد في هذه التوسلات والدعوات نفسها شفاء وراحة هو عليهما أشد ~~حرصا منه على موضوع شكواه، وحسبه أنه في هذه الانبعاثة يعبر تعبيرا ~~واعيا صادقا، بأقواله وأفعاله وأحواله، عن مبلغ إدراكه للحقائق، ومدى ~~شعوره بالتفاوت بين ضعف المخلوق وقوة الخالق، وأنه بذلك الإدراك وهذا ~~التعبير يحقق المهمة العليا للإنسان في هذه الحياة، فسواء عليه بعد ذلك ~~أن تصادف دعوته قبولا أو ردا، فقد أصاب من قبل حاجته الكبرى بهذا الخضوع ~~الذي هضم به كبرياء نفسه، ووضع به كل شيء في موضعه، وبهذه العبودية التي ~~أتم بها تصفية روحه وإنضاج فطرته، وتلك هي قرة عين المؤمنين، والهدف ~~الأسمى للمتعبدين. # بقي الاعتراض بأنه لو كان منشأ الدين هو النظر إلى جمال الطبيعة ~~وجلالها، لكان يجب أن يوجه التقديس أول كل شيء إلى القوى الكونية ~~العظمى: إلى الشمس، والقمر، والبحر، والجبال، والرياح، وأشباه ذلك؛ لا ~~إلى محقرات الأمور من أنواع النبات والحيوان، والمفروض أن عبادة هذه أقدم ~~من تلك فيما يزعم المعترض. # لقد أشرنا من قبل إلى أن ms085 البحوث التاريخية والتنقيبات الأثرية في هذه ~~المسألة قد أدت إلى نتائج متعارضة، لا يمكن الركون إلى واحدة منها بصفة ~~نهائية، وأن المرحلة التي ظن هذا المعترض أنها أقدم ما يمكن الوصول إليه ~~قد جاوزها كثير من الباحثين، واكتشف وراءها ظاهرة أسبق من كلتيهما، تكون ~~ذات صبغة دينية مختلفة عنهما. أصبح الاعتماد على التاريخ والآثار هنا ~~اعتمادا على جرف هار، عرضة للتغيير والتبديل دائما، كلما ظهر اكتشاف ~~جديد، كما بينا أن حجج القائلين بأسبقية العقائد السليمة وأقدمية عبادة ~~الخالق الأكبر، وإن كانت لا تصل إلى درجة اليقين العلمي الاستقرائي إلا ~~أنها من الوجهة النظرية أقوى من مقابلتها. # فإن كنت لا تزال على ذكر مما سبق في تحديد معنى الدين، فسوف تأخذ على ~~صيغة الاعتراض شيئا آخر وهو إسنادها العبادة إلى الطبيعيات نفسها ~~إسنادا فيه كثير من التجوز؛ فقد قرر مؤرخو الأديان أن الماديات ~~والحسيات، علوية كانت أو سفلية، لم تكن يوما ما هي المقصودة بالعبادة ~~الحقيقية، وإنما كان تقديسها بطريق التبع والمجاورة: إما لأنها تعد ~~مهبطا ومزارا لقوى خفية علوية، وإما لأنها تعتبر رمزا لتلك القوى، أو ~~تصويرا مجسما لصفاتها وأفعالها. # والعجب أن صاحب النقد نفسه قرر هذا المعنى في غير موضع من كتابه، فوقوف ~~العابد أمام هذه المواد هو أشبه شيء بوقوف العشاق على ديار الأحبة أو على ~~أطلالها ورسومها، لا شغفا بالمكان، ولكن شوقا إلى السكان، وفي وسعنا أن ~~نقول: إن الالتفات إلى أنواع من المخلوقات الصغيرة، باعتبارها مظهرا أو ~~رمزا لهذه القوة العلوية، يتضمن الشعور بأثر تلك القوة في الجلائل ~~بالأحرى، بل المعقول أن الاعتبار بالدقائق لا يظهر إلا في طور عقلي متأخر ~~عن طور الالتفات إلى العظائم الكونية التي «يحس بها كل ذي عينين»، وهو على ~~كل حال دليل على عمق في التأمل، ودقة في الفهم لما في أجزاء الكون ~~المختلفة من شأن عجيب وآيات باهرة «وفي كل شيء له آية». # أما التفرقة بين «المقدس» و«غير المقدس» فإنها، في هذه النظرية، ترجع ~~إلى التفرقة بين «الإلهي» و«الإنساني»، ms086 أو بين العظيم الفائق العجيب، ~~وبين العادي المبتذل المطروح؛ ذلك أنه ليس كل ما تقع عليه الحواس سواء في ~~استدعاء الانتباه، واستيقاف النظر، وإيحاء العبرة، واختلاب الألباب، وليس ~~كل الذي تراه أنت بارعا باهرا أراه أنا كذلك، فقد تمر بزهرة أو حشرة، ~~فترى فيها ما يستوقف نظرك، ويأسر قلبك؛ بينما غيرك لا يأبه لها، ولا يستوحي ~~منها أدنى عظة روحية. # وهكذا تنقسم الكائنات في نظر الناس - خاصتهم وعامتهم - إلى ما هو عادي ~~لا يؤبه له، وما هو جليل يذكر بالمعاني الإلهية، ويوحي فكرة ~~«التقديس»، أعني: أنه يبعث في النفس أبلغ معاني الخضوع وأعمق آيات التعظيم # 5 # لا لهذه الكائنات أنفسها، ولكن لبارئها ومصورها. ~~(1-2) الطبيعة الشاذة العنيفة # يرى العالم الإنجليزي جيفونس # Jevons # أن ~~النظر في مشاهد الطبيعة كان - على الجملة - هو منشأ العقيدة الإلهية، ولكنه ~~يقرر في كتابه «المدخل إلى تاريخ الديانات» # Introduction to the History of Religion # أن الظواهر العادية لا تكفي في ~~إيقاظ هذه الفكرة؛ لأنها لتكرر عرضها على الحواس تألفها النفس، فلا تحتاج ~~إلى التماس تفسيرها، أما الحوادث الأرضية المفاجئة، والعوارض السماوية ~~النادرة، التي يضطرب بها النظام العادي، كالبرق، والرعد، والعواصف، والصواعق، ~~والخسوف، الطوفان، والزلازل، فإن تأثيرها على المشاعر كتأثير دق الجرس، في ~~تنبيه الغافل وإيقاظ الوسنان؛ ذلك أن قد ارتكز في الغرائز البشرية - ~~والحيوانية أيضا - استحالة أن يحدث شيء من لا شيء «حتى إن الطيور والدواب ~~لتفزع عند سماع صوت مزعج، وتلتفت إلى جهة الصوت شعورا بأن له فاعلا»، فكان ~~من الطبيعي أن هذه الحوادث الفجائية الرهيبة تزعج من يشهدها، وتحفزه إلى ~~السؤال عن مصدرها، وإذ كان لا يرى لها سببا ظاهرا، اضطر عقليا أن ينسبها ~~إلى سبب خفي ذي قوة هائلة؛ إذ لا مخرج للعقل من هذه القسمة الثنائية. # على أن جيفونس لا يرى مانعا من أن يكون التأمل في الحوادث العادية والسنن ~~الكونية المستمرة، باعثا أيضا لهذا الشعور؛ ولكنه يرى أن ذلك لا يكون إلا ~~بنظرة ثانية، عند هدوء البال، ونضج الفكر، وانزياح أسباب ms087 السهو والغفلة، وعلى ~~هذا يكون شعور الرهبة والخشية أسبق أثرا في التدين من شعور الإعجاب. # لا حاجة بنا إلى التذكير بأن أكثر الأسئلة التي أثيرت بصدد التفسير الأول ~~والأجوبة التي قدمت لحلها، يمكن أن تسري على هذا التفسير؛ لأنهما فصيلتان ~~من نوع واحد. # غير أن هذا التفسير - وقد تفادى من الاعتراض الأول الذي وجه إلى تفسير ~~«ميلر» - قد تعرض لنقد وجيه، أشار إليه ساباتييه؛ # 6 # وهو أن شعور الرهبة والخوف من القوى العلوية لا يكفي وحده لتفسير ~~الفكرة الدينية، ولا بد له من شعور آخر يوازنه ويلطف من حدته؛ ذلك أن الخوف ~~إذا استأثر بالنفس سحق الإرادة، وشل الحركة، وولد اليأس، ومن وقع ~~فريسة للرعب إن لم يتصور إمكان الخلاص لم يفكر في البحث عن عون ينقذه من ~~الخطر الذي وقع فيه، فلا بد لتحقيق الشعور الديني من مقاومة الخوف والرهبة بما ~~يعادلهما من الأمل والرجاء، اللذين يبعثان على الدعاء والتضرع، وهذه هي حقيقة ~~التدين. ~~(2) المذاهب الروحية (المشهورة باسم الحيوية # Animism ~~) # رأينا في التفسيرات السابقة كيف تتولد العقيدة الإلهية عن النظر في صحيفة الكون ~~المادي؛ ولذلك اشتهرت تسمية هذه التفاسير بالمذهب الطبيعي، حتى نسب إليها القول ~~بأن العبادة الأولى كانت عبادة الطبيعة. # والآن نأخذ في بيان النظرية المقابلة لها، وهي النظرية التي اشتهرت تسميتها باسم ~~المذهب الحيوي # Animism ~~، ونسب إليها أن ~~الأصل كان عبادة أرواح الموتى. # لا ريب عندنا في أن وضع المذاهب على هذا النحو من التقابل بين المادة والروح، ~~فيه شيء كثير من اللبس بين منشأ الفكرة، وموضوع العبادة؛ فقد قلنا غير مرة: إن ~~العبادة توجه دائما إلى مبدأ روحي غير مادي؛ وها قد رأينا آنفا رئيس المذهب ~~الطبيعي «ماكس ميلر» يصرح بأن النظرة في عجائب الأفلاك والعناصر، لا تلبث أن تنتقل ~~من قواها الطبيعية إلى قوى روحية ذات شخصية إرادية، وأنه لولا هذه النقلة ما كان ~~لها أن تدخل في موضوع الأديان. # فالواقع أنه لا اختلاف في هذا القدر بين مختلف التفاسير؛ وإنما الخلاف في نقطة ~~الابتداء ms088 وطريقة الانتقال: فبينما يرى المذهب الطبيعي أن هذه القوة أو القوى ~~الروحية المسيطرة على العالم، إنما جاء الاعتقاد بها من طريق الحدس أو التأمل في ~~عالم المادة - استرشادا بعظمة الصنعة ومعقوليتها، على مهارة صانعها وعاقليته، كما ~~يستدل على وجود قوة عاقلة في الإنسان بمشاهدة آثارها المنظمة في الأقوال ~~والأفعال، من غير أن يبصر أحد تلك القوة أو يلمسها - يرى المذهب المقابل له أن ~~الاعتقاد في تلك الروح أو الأرواح الفعالة يستند إلى تجارب مباشرة في البيئة ~~الإنسانية، فالنتيجة على التفسيرين واحدة، ولكن التجانس بين المقدمات والنتائح في ~~هذا التفسير أشد منه في المذهب الطبيعي، فهناك الانتقال من مادة إلى روح، وهنا من ~~روح إلى روح. # هذه النظرية الروحية قررها تيلور # Tylor # في كتاب ~~«المدنية ~~البدائية» # La ~~Civilisation Primitive ~~، وتابعه عليها - مع تعديل يسير - الفيلسوف الإنجليزي ~~هربرت سبنسر # Herbert Spenser # في كتاب ~~«مبادئ علم ~~الاجتماع» Principes de ~~Sociologie ~~. # ولا بد لنا - قبل كل شيء - من إزالة اللبس الذي يسهل الوقوع فيه هنا من جراء ~~الاشتراك اللفظي لهذه الكلمة، نعم، لا بد لنا من تفسير كلمة «روح» التي يرى المذهب ~~الحيوي أن التجارب في شأنها كافية لإيقاظ الاعتقاد بروح علوية جديرة بالعبادة، ~~كما يجمل بنا بعد ذلك أن نسلك في تقرير النظرية منهجا مستقلا ينفذ إلى لبها ~~وجوهرها، قبل الإشارة إلى عناصرها الإضافية القابلة للمناقشة. # ليس المقصود بالروح هنا - حسبما يوحي به التعبير غير الموفق باسم المذهب الحيوي - ~~مبدأ الحياة الحيوانية، أعني: تلك القوة التي تقوم عليها وظائف النمو، والتنفس، ~~والحس، والحركة. بل المقصود نوع آخر أسمى من ذلك، هو مبدأ حياة التفكير، ~~والإرادة المنظمة، والعاطفة، والضمير. وبالجملة: مبدأ الحياة العاقلة ~~الرفيعة. # كل أحد يستطيع أن يميز بين هذين النوعين، ويدرك أن هذه الروح، التي هي خاصة ~~الإنسانية، ذو كيان مستقل عن تلك الروح المشتركة بين الإنسان والحيوان، فنحن نرى ~~النائم والمغمى عليه والمصروع يتنفسون ويتغذون ويمشون؛ فهم أحياء بالحياة الحيوانية ~~ليس غير، حتى تعود إليهم تلك القوة الخاصة فيعود إليهم شعورهم ms089 المنظم وتفكيرهم ~~المستقيم. # هذه التجربة تجربة صحيحة؛ والفكرة التي استنبطت منها، وهي: التمييز بين ~~القوتين، فكرة سليمة، لا يزال العلم يقررها حتى يومنا هذا. # ولكن الفكر، إذا أرسل على سجيته لا يقف عند هذا الحد في الاستنتاج، بل إنه ~~يصعد من التفرقة العملية بين الوظيفتين، إلى التفرقة الذاتية بين القوتين؛ فيجعل ~~منهما مبدأين منفصلين، وجوهرين مستقلين ... حتى إذا ما تقرر عنده هذا الطابع ~~الاستقلالي انتقل به خطوة أخرى؛ ذلك أنه متى اقتنع بأن الروح العاقلة، حين تغيب ~~عن بدنها بالنوم لم تصبح عدما محضا؛ أخذ يتساءل: لم لا يكون الأمر كذلك في ~~انفصالها بالموت؟ نعم، إن تناوب الحياة والموت على الشخص الواحد لم يتحقق في ~~التجارب العادية كتبادل اليقظة والنوم عليه، ولكن الحكم بعودة الروح إلى البدن ~~بالفعل أو عدم عودتها إليه، شيء، والحكم بأنها بانفصالها قد أصبحت عدما صرفا ~~شيء آخر لم يقم عليه دليل، بل تأباه الطباع السليمة، وتقاومه غريزة الحياة النفسية ~~الموصولة من أحد طرفيها بماض لا تطيق تناسيه، وتحرص على استبقاء ذكرياته، ومن ~~الطرف الآخر بمستقبل تنتظر فيه عودة الغائب وإن بعدت غيبته، ووجدان المفقود ولو ~~طال فراقه، بل نقول: إن هذا الحكم تأباه العادة العقلية التي تستمد أحكامها من ~~تجارب الواقع وسننه المستمرة. # فكما أنه ليس من المألوف أن شيئا يصبح لا شيء، وكل ما يتصوره العقل في فقد ~~الأشياء إنما هو تغير صورها، وتبدل في أوضاعها الزمانية والمكانية. فالتصور ~~الطبيعي لظاهرة الموت أنها انفصال لعنصري المادة والروح، يرجع به كل منهما إلى ~~طبيعته وبيئته، فتعود المادة إلى عالمها، وتأخذ الروح صورة أخرى من صور الوجود ~~الغيبي، وهكذا ينشأ الاعتقاد بوجود أرواح مستقلة عن الأبدان. # وهنا تجيء الحلقة الرابعة والأخيرة في هذه السلسلة المتصلة، بل في هذه الدوائر ~~المتداخلة، من التفكير الطبيعي؛ ذلك أن انتقال العنصر الروحي من عالم الشهادة إلى ~~عالم الغيب ليس من شأنه حتما أن يضعف سلطانه، بل من المعقول أنه قد يزيده قوة؛ ~~لأن الروح في عهد اتصالها بجسم معين تظل ms090 شبه أسيرة لهذا الهيكل، مشغولة بتدبيره، ~~وليس لها سلطان مباشر على غيره من الكائنات؛ ولذلك ليس من حقها في هذه الحال أن ~~تسمى روحا مسيطرة # esprit ~~، وإنما هي نفس ~~مسخرة # ame ~~، فإذا ما قدر لها أن تنفصل عن ذلك ~~الجسم بالنوم أو بالموت أو بسبب آخر، أصبحت جديرة باسم «الروح»، وأضحت أوسع مجالا، ~~وأملك لحرية العمل في الميدان الذي تختاره: إن نفعا وإن ضرا، من حيث لا ~~يشعر بها أحد. # ولا تحسبن هذه النقلة الأخيرة ضربا من النزوات الخيالية، أو التجريدات ~~العقلية، المعتمدة على محض التشهي أو الفروض الممكنة؛ فالواقع أن الفكر قد يلجأ ~~إليها إلجاء لتفسير ظواهر معينة لا يجد لها تفسيرا آخر؛ ذلك أنه كثيرا ما ~~يحدث في ميدان النشاط الإنساني حوادث عجيبة، تخرج خروجا بينا - علوا أو ~~انحطاطا - عن المستوى المألوف للناس، أو المألوف للشخص نفسه في مجرى حياته ~~العادية. بل لا يكاد يخلو عصر من العصور من وجود هذه الشواذ التي لا يعرف لها سبب ~~ظاهر، فتنسب إلى سبب من تلك الأسباب المعنوية السرية. فالعراف الماهر، والشاعر ~~الملهم، والخطيب المفوه، والبطل الموقى، والصائد الذي لا يخطئ سهمه، والحاسب ~~السريع الحساب، السديد الجواب، من غير استعانة بقرطاس ولا قلم، في أطول المسائل ~~وأشدها تعقيدا، و«الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمع»؛ كل أولئك ينسب ~~نجاحهم وعبقريتهم إلى أنهم قد أمدوا بروح خيرة ذات قوة خارقة، وبعكس ذلك ~~يقال فيمن يصاب بالصرع أو الجنون، وفيمن يولعون بالرذائل المبكرة، أو الجرائم ~~الشاذة المنكرة: إنهم قد مستهم روح خبيثة شريرة. # أضف إلى هذا كله ضروبا من التجارب الجزئية في الرؤيا الصادقة، والفراسة ~~السديدة، والإلهام الكاشف، والعلم بالحوادث البعيدة ساعة وقوعها، ورؤية الأشباح، ~~وسماع الأصوات، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا يستقيم تفسيرها بسبب من الأسباب ~~المادية. # وليس يعنينا أن تكون كل هذه الملاحظات والتجارب والاستنباطات سليمة مستقيمة؛ ~~ولكنها - في جملتها - يظاهر بعضها بعضا على تكوين الاعتقاد في أمرين: ~~(1) # أن في الوجود كائنات عاقلة لا يقع عليها ms091 الحس؛ سواء أكانت في ~~الأصل أرواحا إنسانية انتقلت عن أبدانها، أم كانت منذ بدايتها ~~أرواحا مستقلة كالجن والملائكة، أم كانت روحا أعلى من ذلك ~~وأسمى. ~~(2) # أن هذه الكائنات الغيبية، المزودة بتلك القوة الخارقة، قد تتصل بعالم ~~النفس أو عالم الحس من الحياة الإنسانية وتترك فيه أثرا من آثارها العجيبة. # 7 # هكذا تنشأ عقيدة التأليه من أقرب المقدمات وأيسرها: # فذلك الكائن الغيبي، الذي كانت المذاهب الكونية تستنتجه استنتاجا من مطالعة ~~الآثار العظمى في عالم المادة، أصبحت تشتق صفاته من جنس عمله نفسه، ومن نوع ~~التجارب التي دلت عليه، فهو لا ريب روح عظيم، ذلك الذي يصنع الأسرار والعجائب ~~الروحية؛ وهو لا شك عقل خلاق، ذلك الذي يمد العقول بمزيد من النور أو يكف عن ~~إمدادها. # سيقول قائل: لكن أليس تنوع هذه الآثار العجيبة آية على اختلاف مصدرها، كما أن ~~تعدد الأنهار دليل على اختلاف منابعها؟ وإذا لم يكن في الغيب كائن فعال واحد، ~~بل كائنات كثيرة، فهل كلها استوجب التأليه والعبادة؟ # الجواب: أن ذلك يختلف باختلاف دقة الأفهام وغلظها: # فأما الأنظار القصيرة، التي لا ترى أبعد من أنفها، فإنها تحد آلهتها وتعدهم ~~بحدود الحوادث الفردية أو النوعية وأعدادها، فروح هذا الولي أو القديس الذي استجيب ~~عنده الدعاء، وفاضت من حوله البركات، إله، وقرين ذلك الكاهن أو العراف الذي ~~صدقت نبوءته أو فراسته، إله، والروح الذي هبط على الشاعر المفحم فحل عقدة ~~لسانه، إله، والملك الذي أوحى إلى صاحبه ما أوحى، إله ... # وهكذا يقف الغافلون شاخصة أبصارهم في مواجهة كل أثر روحي عجيب ثم يخرون ~~سجدا أمام مصدره المباشر، أو روحه الخاص الموكل به، كأنما هو المنبع الحقيقي ~~للقوة، وقلما يتحررون من ربقة هذه الأسباب القريبة المحدودة المجال، الخاضعة ~~لعوامل الحدوث والفناء وتقلبات الظهور والاختفاء، للتفكر في الكائن الغيبي ~~الأعظم، الأزلي الأبدي، الذي بيده مقاليد الأرواح والأشباح على السواء، فمثلهم ~~كمثل الذي يرى تفرق منابع الأنهار في الأرض، ولا يذكر أن مردها جميعا إلى أصل ~~واحد، هو الماء الذي أنزله الله من ms092 السماء فسلكه ينابيع. # وأما العقول النافذة في بواطن الأمور، الممتدة إلى منابتها، فإنها لا تركن ~~لحظة واحدة إلى هذه الظلال المتقلصة، والسحب المتقشعة، ولا تلهيها حركات هذه ~~الجنود المنتشرة في السماوات والأرض عن التوجه إلى قيادتها العليا، إلى رب ~~الأرباب، ومسبب الأسباب، الذي لا تخلو وثنية من الوثنيات عن الاعتراف به، وإن ~~كانوا لا يذكرونه إلا قليلا. # والآن نرسم لك بإيجاز الطريق الذي سلكه «تيلور» وأتباعه في بيان تولد العقيدة ~~الإلهية عن التجربة الروحية: # فقد ذهبوا إلى أن هذه العقيدة تمت على مرحلتين: «الأولى» الاعتقاد في بقاء ~~أرواح الموتى، «والثانية» الاعتقاد بوجود أرواح للأفلاك والعناصر. # واتفقوا على تفسير المرحلة الأولى بأن فكرة الروح فيها تعتمد في جوهرها على تجربة ~~«الأحلام» وعلى التفسير البدائي لهذه التجربة، وخلاصته أن الحلم عند «البدائيين» ~~انتقال حقيقي لروح الشخص المرئي؛ أي: لجسم شفاف على صورته، هو أشبه بظل أو ~~مثال له، ينبثق منه ويجيء إلى الرائي في المنام فيراه رؤية حقيقية على شكل طيف، ~~كما ترى صورة الشخص في المرآة، وإذ كانت الرؤيا المنامية تتعلق بالأموات كما تتعلق ~~بالأحياء، بمعنى أن أرواحهم - أي مثلهم - تجيء إلى الرائي في المنام كما تجيء ~~أرواح الأحياء، دل ذلك على بقاء أرواح الموتى، واستمرار اتصالها بالأحياء، ~~وتمكنها من نفعهم وضرهم، فاقتضى الأمر التقرب إليها لتجنب أذاها واستدرار ~~عطفها. # أما المرحلة الثانية، وهي عبادة أرواح الكواكب والعناصر الطبيعية، فلهم في ~~تفسيرها مذهبان: فأما «تيلور» مؤسس النظرية فيرى أن العقلية البدائية فيها من سذاجة ~~الطفولة ما يقصر بها عن التمييز بين الجماد والحيوان، ويجعلها تعامل كلا منهما ~~معاملة الكائنات الحية، كما يداعب الطفل دميته ويناجيها كأن فيها روحا. # وأما «سبنسر» فإنه يرفض هذا التفسير بحجة أنه لا ينطبق على نفسية الطفل، ولا على ~~نفسية الحيوان، فضلا عن العقلية «البدائية»، ويرجح أن عبادة الطبيعيات ليست ~~نتيجة التباس عقلي كما زعم تيلور، بل وليدة التباس لغوي في أسماء الأسلاف ~~المقدسين؛ ذلك أن هؤلاء الأسلاف كانوا يسمون أحيانا بأسماء مواد طبيعية، فكان ~~بعضهم - مثلا ms093 - يسمى «نجما»، والآخر «نمرا»، والثالث «حجرا»، فانتقل التقديس من ~~أصحاب تلك الأسماء إلى الأشياء المسماة بتلك الأسماء نفسها، خلطا بين الاسم ~~المنقول لمجرد التمييز، والاسم الدال على أصل معناه. # وهذا التفسير - كما ترى - ليس خيرا من سابقه، فكلاهما يجعل العبادة في هذه ~~المرحلة مبنية على اعتقاد حيوية الأفلاك، وكلاهما يجعل هذا الاعتقاد قائما على ~~وهم أو لبس، وكلاهما يجعل العبادة موجهة إلى النفوس المتصلة بالكواكب، لا إلى ~~روح مفارقة مهيمنة عليها. # كما أن عبادة الأسلاف، في التفسير المتفق عليه بينهما، مبنية في جوهرها على ~~نوع واحد من التجارب، وهو تجربة «الحلم»، وعلى تفسير خرافي لتلك التجربة. وهكذا ~~تصبح المذاهب الروحية في تقريرهما معلقة على خيط أوهن من خيط العنكبوت. # ولقد وجه «دوركايم» كل قوته الجدلية لمهاجمة هذه النقطة الضعيفة في النظرية، ~~مبينا أن البدائيين ليسوا في حاجة إلى تفسير ظاهرة الأحلام، وأنهم إن احتاجوا ~~إلى تفسيرها فليس الطريق الذي وصفته النظرية متعينا ... إلخ. ونحن نحتفظ من بين ~~هذه الوجوه بوجه واحد نحرص على تقريره وتأييده، لا لصحته وصلته بجوهر الموضوع فحسب، ~~ولكن لأنه في الوقت نفسه يحدد فكرة «عبادة الأسلاف» تحديدا معقولا، ويبرز ~~أسبابها الحقيقية؛ ذلك أن تجربة الحلم إن سلم أنها تكفي للاعتقاد بالروح فإنها لا ~~تكفي بمجردها لتعليل الاعتقاد بألوهية مصدرها؛ فإن من الرؤى ما هو هذيان وأضغاث ~~أحلام، ومنها ما هو مجرد ذكريات ماضية عادية، وليس شيء من ذلك يثير عقيدة التأليه، ~~وإنما يثيرها نوع خاص، وهو الرؤى التي يتجلى فيها معنى الوحي والإلهام بحوادث ~~غير متوقعة، أو بحقائق لا تدرك بنور العقل البشري العادي. # ومن جهة أخرى فإنه لا يعرف في أمة من الأمم أن احترامها للموتى أو الأسلاف وصل ~~بها إلى عبادة جميع الموتى أو جميع الأسلاف؛ وإنما الذي كان موضعا لهذا التقديس ~~من بينهم من كان قد عرف في حياته بقوة خارقة ممتازة تركت أثرا باقيا في ~~الطبيعة أو في المجتمع. فليس الموت إذن شرطا ولا سببا في هذا التقديس، وإنما ~~معيار التقديس هو ms094 تلك القوة السرية الخارقة، أو تلك الجوهرة الإلهية التي تتجلى ~~آثارها في الحوادث الإنسانية العظيمة. # أما سائر الوجوه التي أتعب الناقد فيها نفسه، وظن أنه قد نقض بها التفسير الروحي ~~من قواعده، فإنها مناقشات شكلية لم تمس إلا الصورة البدائية التي وصفتها النظرية ~~وطبعتها بطابع الخرافة؛ وما زال جوهر التفسير الروحي سليما لا غبار عليه ولم ~~تنل منه هذه المجادلات شيئا. # والواقع أن عالم العجائب الروحية ليس بأقل من عالم العجائب الطبيعية إيحاء ~~لفكرة الألوهية؛ بل هو أمس بها رحما، وقد أسلفنا أن فكرة الروح في ذاتها ليست ~~قاصرة على الأمم الهمجية، بل هي أوسع ميدانا، وأقدم تاريخا، وأقوى بنيانا من ~~تلك الصورة البدائية، وقد اعترف الناقد بأنه «كما لا تخلو أمة من ديانة، كذلك لا ~~تخلو من فكرة عن القوة الروحية.» # 8 ~~(3) المذاهب النفسية # هذه فصيلة أخرى من النظريات، تتلخص فكرتها العامة في أنه لأجل الوصول إلى ~~العقيدة الإلهية لم يكن بالناس حاجة إلى التأمل في الطبيعة وجمالها، ولا في ~~التقلبات الكونية وأهوالها، ولا إلى التجارب العجيبة في عالم الأرواح وأسرارها؛ ~~بل إن تجارب الإنسان النفسية، في حياته العادية المألوفة له في كل يوم، كانت ~~كافية لتوجيه نظره بقوة إلى تلك الحقيقة العليا. ~~(3-1) نظرية ساباتييه # حاول «أوجيست ساباتييه» # Auguste Sabatier # في ~~الفصل الأول من بحثه عن فلسفة الدين # Esquisse d’une philosophie ~~de la Religion # أن يؤسس العقيدة الإلهية على بعض ~~الملاحظات النفسية، فقال: «إن هذه العقيدة تتولد في الإنسان منذ نشأته على ~~أثر شعوره بمناقضة جوهرية بين حساسيته وإرادته، وهما القوتان اللتان تتألف ~~منهما حياة النفس في أيسر مظاهرها.» # وفي الحق أن حياتنا النفسية قائمة في جوهرها على حركتين متعاكستين: إحداهما ~~تتجه من الخارج إلى الداخل (من المحيط إلى المركز)، والأخرى من الداخل إلى ~~الخارج (من المركز إلى المحيط)، فالحركة الأولى تمثل تأثير الأشياء على النفس ~~بواسطة الإحساس (وتلك هي حال انفعال النفس وقابليتها)، والحركة الثانية تمثل ~~مجاوبة النفس على الأشياء بتوسط الإرادة (وهذه هي حالة تأثير النفس ms095 ~~وفاعليتها). # بيد أن هاتين الحركتين لا تنطبقان تمام الانطباق، وليس بينهما كمال تناسق ~~وتجاوب؛ ذلك أن الحساسية تسحق الإرادة وتكبتها، فكلما اندفعت موجة الحركة ~~الإرادية من داخل النفس، وارتطمت على صخرة الأشياء الخارجية فانكسرت عليها، ~~رجعت كئيبة مبتئسة، وهذه الصدمات المتوالية، وتلك المنازعات المستمرة، بين ~~النفس وبين العالم الخارجي، هما السبب الأول لكل أنواع الآلام، ولكنها في ~~الوقت نفسه هي منبع النور ومصدر الشعور؛ ذلك أن ارتداد الموجة إلى مركزها ~~يولد في هذا المركز حرارة تشبه الحرارة الناشئة من حركة العجلة على محورها، ~~ثم لا تلبث هذه الحرارة أن تبعث شرارة ضوئية تضيء جوانب الوجدان، وذلك هو الوعي ~~وتنبه البصيرة، والذي تصبح به النفس مدركة مدركة، وحاكمة محكومة معا، كأنها ~~كائن مزدوج، أحد شقيه هذه النفس المثالية والآخر تلك النفس المكبوتة ~~الواقعية. # هكذا ولدت الحياة النفسية بين وخزات الألم والإخفاق، أليست كل ولادة ~~تصحبها الآلام والدموع؟ # قال: ولو أننا تابعنا هذه الملاحظة في سائر الحالات النفسية، لرأيناها كلها ~~كما تولد من مناقضة تفنى في مناقضة أخرى؛ فرغبة العلم تنتهي بالاعتراف بالجهل؛ ~~ورغبة الاستمتاع تنتهي بالتقزز، كأنها تحمل في نفسها جرثومة فنائها؛ ~~والإسراف في الحرص على السعادة يذهب براحة الطمأنينة والرضى، ويزيد الألم ~~شدة. # فأين المفر؟ # إن من الخطأ أن يعتمد الناس على تقدم العلوم الطبيعية في إنقاذهم من هذا ~~البؤس والحرمان، فإن العلم بدلا من أن يلطف من هذه المناقضة العتيدة، يزيد ~~في حدتها، ويشحذ سلاحها الفتاك؛ ذلك أن كل اكتشاف علمي يضم حلقة جديدة ~~إلى سلسلة الأسباب الضرورية، التي لا بد منها في نظام الأشياء واتساقها ~~وثباتها، فيزيد بذلك قيدا في حريتنا، وغلا في أعناقنا، ولا نزال نتقدم في ~~هذه السبيل، حتى نصل إلى المناقضة العامة بين العلم والعمل، بين التفكير ~~والحركة، بين قوانين الطبيعة وقوانين الأخلاق، وهكذا نقيم حربا داخلية بين ~~ملكات النفس، وننتهي إلى شعور اليأس من قيمة الحياة. # ومن هذه الأزمة الداخلية ينشأ التدين، كأن هذه الأزمة تفتح في صخرة الطبيعة ~~شقا يتفجر منه ماء الحياة، ms096 لا على معنى أن الدين يقدم لنا حلا نظريا ~~لهذه المشكلة؛ لأن الحل الذي يقدمه لنا التدين هو في الحقيقة عملي محض، فهو ~~لا يفتح لنا بابا جديدا من المعرفة، بل يعود بنا عمليا إلى المبدأ الذي ~~اقتبسنا منه وجودنا، ويمنحنا شعور الثقة والإيمان بمبدأ الحياة ~~وبنهايتها. # إن منزلة هذه الثقة من عالم النفس كمنزلة غريزة البقاء من عالم الطبيعة ~~المادية، ولكنها صورة أسمى من تلك؛ فإنها في عالم المادة تسير بقوة قاهرة ~~عمياء، أما في عالم النفس فإنها تستضيء بنور الشعور والإرادة المفكرة، ومن ~~جهة أخرى فإنها تستند إلى حقائق واقعية، وتقوم على شعور ملازم لكل فطرة ~~إنسانية، وهو شعور التبعية المطلقة لقانون الوجود العام. # أجل! من ذا الذي يستطيع أن يبعد عن نفسه هذا الشعور؟ أليس حظنا من ~~القدر قد رسم دون استشارتنا، فقضى علينا أن يكون وجودنا في زمان ومكان ~~معينين، وترك لنا ميراثا من الملكات والطبائع لم يكن لنا فيه شيء من ~~الاختيار؟ بل إننا لا نجد في أنفسنا ولا في أية مجموعة أخرى من الكائنات ~~الفردية السبب الكافي لوجودنا، ولا غايته النهائية المعقولة؛ ولذلك نجد أنفسنا ~~مضطرين إلى أن نبحث عن هذا السبب وهذه الغاية خارجا عنا في الوجود العام، وما ~~التدين إلا الاعتراف بهذه التبعية في تسليم وخضوع. # هذا الشعور بالتبعية هو الأساس التجريبي للعقيدة الإلهية، ومهما تكن فكرة ~~الألوهية في عقولنا ناقصة غير محددة، فإن موضوعها لا يفلت قط من شعورنا؛ ~~فهو حاضر لدينا، بل يفرض نفسه علينا في هذا الشعور حتى إنه يسوغ لنا أن نضع ~~هذه المعادلة الحسابية مطمئنين: إن شعورنا بالتبعية المطلقة هو شعورنا بحضور ~~السر الإلهي فينا، هذا هو الينبوع العميق الذي تفيض منه الفكرة الإلهية بقوة ~~لا تقاوم. # غير أنه يجب أن نعرف كيف يقبل العقل الإنساني هذه التبعية لمبدأ الحياة ~~العالمية؟ هذا العقل الثائر الذي يرى نفسه من طبيعة غير طبيعة الأشياء ~~الخارجية، ويرى أن أخص خصائصه هو أنه يفهم هذه الأشياء ويسيطر عليها ويسخرها؟ ~~فالإنسان - كما ms097 يقول باسكال: «ليس إلا قصبة ضئيلة، ولكنها قصبة مفكرة، حتى ~~إنه لو سحقه لكان هو أنبل من الذي يسحقه؛ لأنه يعرف أنه مسحوق، بينما الكون لا ~~يعي من أمر نفسه شيئا.» # ومن هنا يتبين أن المبدأ العالمي الذي يخضع له الإنسان ليس هو ذلك الكون ~~المادي، بل الروح العالمية التي تدبره؛ ذلك أن القوة العاقلة لا تخضع إلا ~~لسلطان قوة عاقلة تسيطر عليها وعلى العالم على السواء، وهكذا نجد الحياة ~~العقلية، التي كانت قد افتتحت بالنزاع بين الشعور الذاتي والتجربة الخارجية، ~~تكمل وتختم بحد ثالث جامع ينتظم الحدين معا، وهو الشعور بخضوعهما جميعا ~~لهذا السلطان الأعلى. # هذه الصفحة الرائعة التي كتبها أوجست ساباتييه لا تزال تحتفظ بجمالها ودقة ~~تصويرها للفكرة الإلهية في الديانات العليا، ولكن هل تنطبق على سائر الديانات؟ ~~أليست من دقة الفلسفة والمبالغة في التجريد بحيث يبعد أن تكون فكرة ~~عالمية؟ # لقد أحس الفيلسوف بهذا السؤال، فكتب يقول: # إن الذين يعترضون بذلك إنما يبرهنون على أنهم لم يروا جيدا هذه ~~المناقضات الأصيلة في حياتنا اليومية، من مبدئها إلى نهايتها؛ فإنه ~~لأجل أن يتحقق الإنسان من هذه المناقضات ويقاسيها ليس بحاجة إلى أن ~~ينتظر حتى يصبح فيلسوفا. # إنها لتتجلى في كل العقول على اختلاف درجاتها من الثقافة ~~والاستنارة؛ وإنها في نفوس الهمج الذين ترعبهم تقلبات الجو في وسط ~~الغابات؛ ليست بأقل منها في نفوسنا حين تضطرب أفكارنا أمام اللغز ~~العالمي وأمام ظاهرة الموت. لقد تختلف العبارة ونوع الشعور؛ ولكن الهزة ~~الدينية التي تزلزل الإنسان هي في جوهرها شيء واحد، فكل أحد، حين ~~يكف عن التفكير في عجزه وجهله وفنائه، وحين يجمع أمره - صابرا ~~مستسلما - على أن يقضي الحياة كما هي، يشعر رغما عنه بزفرة يفيض بها ~~صدره، وتكاد تنطق بها شفتاه؛ وما هي في الحقيقة إلا فاتحة دعاء ومناجاة. # 9 ~~(3-2) نظرية برجسون ونقدها # هذه النظرية تلتقي مع سابقتها في القول بأن العقيدة الإلهية تقوم على عوامل ~~نفسية تثيرها حياة الإنسان اليومية، ولكن بينما النظرية السابقة تواجه من هذه ms098 ~~الحياة جانبها المتصل بقوانين الطبيعة الثابتة، التي تصطدم بها الإرادة فلا ~~يسعها إلا الخضوع والاستسلام للقوة التي فرضت هذه القوانين، وأحكمت وثاقها؛ ~~يعتمد «هنري برجسون» # H. Bergson # في كتابه عن ~~«ينابيع الخلق والدين # Les deux sources de la Mornle et de la ~~Religion ~~» على جانبين آخرين من تلك الحياة ~~العادية: «أحدهما» يرتبط بالقوانين الأدبية التي يفرضها المجتمع وما فيه من ~~العرف والعوائد، «والآخر» يتعلق بالحوادث المستقبلة، التي تفتح لها أبواب ~~الإمكان، وتتسع للاحتمالات وللمصادفات، فلا يمكن التنبؤ بها بصفة ~~قاطعة. # أما كيف تنشأ العقيدة الإلهية عن الشعور بالواجبات الاجتماعية، فبيانه أنه ~~لما كان نظام المجتمع وتماسكه يتطلب من الفرد انخلاعه عن بعض رغباته، ~~وتضحيته بجانب من حريته، وتحمله أعباء تقتضيها مصلحة غيره ولا يعود عليه منها ~~نفع مباشر، وكان أليس من الهين أن يتقبل المرء عن طيب خاطر كل هذه التضحية وكل ~~هذا الحرمان؛ إذ كانت الغريزة الاجتماعية عنده أضعف من أن تحمله على نسيان في ~~خدمة المجموع، وأن تجعل مثله كمثل النملة أو النحلة حين تذهل عن نفسها في خدمة ~~النمل والنحل، وكان استعمال ذكائه العادي في حساب مصلحته يدعوه بالعكس إلى ~~الأثرة، وإلى التضحية بمصلحة الآخرين في سبيل إصلاح الفرد والجماعة، تلك ~~القوة قد أعدتها الفطرة الإنسانية في النفوس حين أشربتها الفكرة الدينية؛ وذلك ~~أنها صورت أمامها المحظورات الاجتماعية بصورة مخيفة تجعل من المخاطرة انتهاكها، ~~وما زالت تبالغ في هذا التصوير حتى خيلت للنفس أن هذه المحظورات يقوم على ~~حمايتها حارس معنوي، آمر، ناه، محاسب ينذر من ينتهكها بالبطش والعقاب، ~~وذلك هو معنى الإله. # وهنا يضيف «برجسون» أن صورة هذا الحارس وإن لم تكن وليدة التفكير المنطقي، ~~بل من عمل الواهمة أو المخيلة التي تشخص المعنويات، وتجسم المجردات، ولكنها ~~ليست من قبيل تخيل الفنانين، ولهو المثالين والمصورين وأصحاب الأساطير؛ فإن ~~آثار هؤلاء لا تعدو أن تكون نوعا من الترف الذي يمكن الاستغناء عنه، بخلاف ~~الصورة الإلهية التي تخلقها الحاجة الاجتماعية، فإنها وإن تكن وهما إلا ~~أنه وهم تفرضه ms099 الحياة، ومن أجله أوجدت هذه الملكة الرمزية في طبيعة الإنسان. # 10 # فإذا ما انتقلنا إلى ميدان الأعمال اليومية وجدنا فيه كذلك فراغا نفسيا ~~عميقا، لا يملؤه إلا العقيدة الإلهية، فالصائد حين يسدد سهمه إلى فريسته، ~~والتاجر في سعيه إلى الربح، والمريض في تناوله الدواء وتطلعه إلى الشفاء، ~~والزارع في طلبه للثمرة، والمتزوج الذي ينتظر الولد، وراكب السفينة الذي يطلب ~~النجاة، ولاعب الميسر الذي يرقب حظه بين اليأس والأمل، وكل ذي حاجة ينتظرها ~~وهو لا يدري ما قدر له من النجاح أو الإخفاق ... كل أولئك لو استلهموا ~~عقولهم، وقاسوا أعمالهم بمقدار نتائجها المحققة أو الغالبة؛ لقعدوا عن السعي، ~~ولوقف بذلك دولاب الحياة. # غير أن دفعة الحياة حركة تأبى الوقوف والجمود، فكان لا بد لها من ثقل تضعه في ~~الكفة الأخرى من الميزان النفسي، لترجح به جانب العمل، رغم كل تفكير وحساب، وما ~~ذلك إلا الأمل تبعثه، والاعتماد على الحظ المحتمل تقدره، ولا تزال بهذا الحث ~~والتشجيع، حتى تصور أمام النفس إرادة خفية يركن القلب إليها ويعتمد عليها، ~~تلك هي إرادة «الإله المستعان»، كما كان ذلك السلطان سلطان «الإله ~~الديان». # الذي نلاحظه على هذه النظرية هو أنها جعلت فكرة الألوهية في مظهريها عند ~~العامة فكرة رمزية لا تعدو أن تكون ضربا من ذلك الأسلوب القصصي الذي يخوف به ~~الأطفال أو يداعبون به، وهذا وصف لا يستساغ في القسم الأول منها، إلا لو ~~صح أن كل ما يجري في المجتمع من سنن وعوائد، سواء ما كان منها ذا طابع ديني ~~أو اقتصادي أو غيرهما، كان في جملته مبعثا لعقيدة إلهية في عقول العامة، ~~فهنالك فقط يسوغ أن يقال: إن فكرة الإله عندهم لا تدل على حقيقتها، وإنها محض ~~رمز لما في نفوسهم من سلطان رهيب للمجتمع، ولا شك أن الذي يعيش أسيرا لعوائد ~~قومه ولو تحكمية، ولتصرفاتهم ولو همجية، ولقوانينهم ولو جائرة، لو بلغ به ~~استسلامه إلى حد الظن بأن تلك الوضعيات البشرية أوضاع إلهية ، يقوم على ~~حمايتها جنود من السماء حين تغيب ms100 عنها جنود الدولة؛ لكان أقل ما يقال فيه إنه ~~سخيف واهم، وإنه يسمي الأشياء بغير أسمائها، أما إذا أخذنا قانون الأخلاق في ~~جوهره الصحيح، واعتبرنا ما له من سلطان مركوز في طباع الناس على اختلافهم ~~موحيا للعقيدة الإلهية، ودليلا على صنعة الفاطر الأول، الذي ألهم النفوس ~~هداها، ورسم لها طريق فجورها وتقواها، فتلك فكرة سليمة ومنطق مستقيم، وسنرى ~~الفيلسوف الألماني «عمانويل كانت» يجعل قانون الأخلاق هو المقدمة الأولى في ~~الاستدلال على وجود الله. # وكذلك نقول: إن الاستدلال على وجود القدر الإلهي بالحوادث المستقبلة ~~التي لا بد للبشر في تصريفها، والتي تقع تارة على وجه وتارة على وجه آخر؛ دون ~~أن تخضع في سيرها لقانون طبيعي ثابت، نقول: إن هذا الاستدلال سديد قويم، لا ~~يعتمد على شيء من الوهم أو التمثيل؛ لأنه ينطوي على مقدمتين: «الأولى» أن هذه ~~الحوادث تستند إلى سبب خفي، وهذا حكم انفصالي يقيني؛ إذ إن ما لم يوجد له ~~سبب في عالم الشهادة يجب أن يكون له سبب في عالم الغيب، ولا ثالث. «الثانية» ~~أن هذه القوة الغيبية قوة عاقلة إرادية، مقدرة للحوادث قبل وقوعها، وهذه ~~قضية لا يؤيدها العقل السليم فحسب، بل تشهد بها التجارب المتكررة في كل ~~أمة، فإن هذه الحوادث التي لا يمكن التنبؤ بها من طريق النور العقلي وحده ~~قد يكشفها الروحانيون الملهمون وينبئون بما ستكون عليه في وقتها المحدود، ثم ~~يقع مصداق نبوءتهم، بينا، لا يخالطه شك ولا وهم، فذلك - لا شك - آية ~~على أنها ليست وليدة المصادفة والاتفاق، ولا نتيجة آلية لدفعة الحياة العمياء ~~كما يظن برجسون. # 11 # وإنما هي خاضعة لخطة مرسومة من قبل، رسمتها يد مدبرة قاصدة ~~لما تفعل، مقدرة لكل ما يجري في مملكتها. ~~(3-3) نظرية ديكارت # لا مناص من الاعتراف بأننا سنجاوز حدود موضوعنا قليلا حين نضم إلى هذه ~~السلسلة من التفاسير النفسية طريقة من طرق الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» # Descarts # في إثبات وجود الله، مع أنه لم ~~يقدمها تفسيرا لهذه العقيدة في نشأتها ولا في نظر الجمهور، ms101 بل في نظره هو، غير ~~أنه لما صرح بأن أساسها نفسي فطري، لم نر بأسا من نظمها في هذا السلك. # وجد هذا الفيلسوف في تأملاته # Meditations # أن ~~عقيدة وجود الله تعتمد على تجربة نفسية، أقرب من هذه التجارب كلها، وأقل ~~تعقيدا، حتى إن الذي يغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويقطع علاقته بالكون وبالناس، ~~ثم ينطوي على نفسه، ويتحسس أفكاره وتصوراته؛ يجد مفتاح هذه العقيدة حاضرا فيها ~~بين طيات نفسه، كلما شعر بالفرق بين الشك واليقين، أو بين الجهل والعلم، ~~وبالجملة: كلما قرأ في لوحة نقصه عنوان «الكمال» الذي ليس له. # ليست فكرة «الكمال» هذه في نظر «ديكارت» فكرة مستنبطة من فكرة أخرى، وإنما ~~هي حقيقة أولية فطرية، بل هي أسبق في العقل من فكرة النقص، فإن من لا يعرف ~~الشيء لا يتفقده، ولا يحس بحرمانه حين يفقده؛ إذ كيف أعرف أنني ناقص لو لم تكن ~~عندي فكرة كائن أكمل مني أجعله مقياسا أعرف به مواضع نقصي؟ فالرغبة في ~~الكمال وحدها دليل على أسبقية وجود هدفها في التصور العقلي، ثم ليست هذه ~~الفكرة معنى سلبيا - كالسكون: عدم الحركة، وكالظلام: عدم النور - بل هي ~~جماع الحقائق الإيجابية، ونظام ضروب الكمالات كلها. # من أين تجيء هذه الفكرة إذا؟ # لا جائز أن يكون من هاوية العدم مطلعها، فإن العدم لا يخلق الوجود، كما أن ~~الصفر لا يلد عددا إيجابيا. # ولا جائز أن يكون من قرارة النفس منبعها، فهذه النفس هي مصدر النقص الذي ~~أحاول التخلص منه. # ولا يقال: إن الكمال الذي لم أحرزه بالفعل هو حاصل عندي بالقوة، وأنا ~~دائب في سبيل اكتسابه، بالترقي في مراتبه تدريجيا، وهذه النزعة إليه هي ~~التي أنشأت فكرته في نفسي، فذلك فرض باطل من وجهين: # أولهما: # أن هذه الفكرة لا تصور في نفسي درجات الكمال التي سأنالها ~~أو التي يمكنني نيلها فحسب، بل إن كل درجة من الكمال أتصورها ~~في نفسي أو في غيري، أتصور دائما فوقها درجة أعلى ~~منها. # وثانيهما: # أن فكرة الكمال الأعلى التي أجدها في نفسي ms102 تحتوي كل درجات ~~الكمال الوجودي الفعلي، الذي لا شيء منه بالقوة الإمكانية ~~القاصرة؛ وإلا لم يكن هو المثل الأعلى، ولما أمكن وجود شيء ~~من الكمالات الجزئية بالفعل؛ لأن ما هو بالقوة والإمكان فحسب ~~لا يمكن أن يحدث ما هو بالفعل في حقيقته الإيجابية الظاهرة ~~الباهرة؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه غيره. # وأخيرا، ليست هذه الفكرة اختراعا وفرضا افترضه خيالي، بل هي ضرورة تفرض ~~نفسها على عقلي وعلى كل العقول. # فلم يبق إلا أن تكون صورة منعكسة على مرآة النفس من حقيقة إيجابية، وذات ~~خارجية، هي مادة الكمال المطلق ومصدره، وهي المثل الأعلى، وما وضع هذه الصورة ~~على لوحة نفسي إلا كوضع «سمة الصانع» على صنعته، أو «توقيع الكاتب» في رأس ~~رسالته. # هذا التفسير لم يكن «ديكارت» أسبق الناس إليه، ولكنه أجاد تفصيله، وأحسن ~~تثميره، في التأمل الثالث من تأملاته # Meditation ~~troisieme ~~. # وقد أكثر الناس من الاعتراض عليه، حتى في عصر ديكارت نفسه. # وظن الفيلسوف الألماني «كانت» أنه استطاع هدم هذه الحجة، بقوله: إنه وإن ~~تكن خصائص الماهيات العقلية يمكن استنباطها كلها من طبيعة تلك الماهيات - كما ~~تستنبط خصائص الأشكال الهندسية من مفهوماتها - إلا أن صفة «الوجود» على الخصوص ~~لا يمكن أخذها من تلك المفاهيم العقلية، فحقيقة المثلث وإن ثبتت لها الخواص ~~الهندسية المعروفة، بالضرورة العقلية، إلا أنه لا يلزم من ذلك وجود مثلث في ~~الخارج، وكل ما في الأمر أنه إن وجد مثلث كان على هذه الأوضاع، وكانت له ~~هذه الخواص، وهكذا سائر المفاهيم العقلية، ليس وجودها في الذهن دليلا كافيا ~~على وجودها في الخارج، بل إن منها ما هو مخترع اختراعا بحتا، كما نتصور ~~قصرا من ماء، وإنسانا من هواء. # ولكن فات هؤلاء الناقدين ما هناك من بون شاسع # 12 # بين تلك الماهيات الممكنة التي يعترضون بها، والتي لا يلزم من فرض ~~عدمها محال، بين الماهية العقلية الواجبة، التي بلغ من رسوخها في كيان العقل أن ~~إبطالها يعد إبطالا لكل معقول ومعلوم؛ إذ لا بد في العقل من التسليم ms103 ~~بوجودها في الخارج لتستمد منه كل الممكنات وجودها في الأعيان والأذهان. ~~(4) المذهب الأخلاقي ونقده # ذهب الفيلسوف الألماني «عمانويل ~~كانت» # Emmanuel Kant # في نقده للعقل ~~العملي # Critique de la Raison Pratique # إلى أن وجود الذات الإلهية ليس موضوع علم ومعرفة، بحيث ~~يثبت بالبرهان أو بالتجربة؛ بل هو موضوع إيمان عقلي، بمعنى أنه مقدمة مسلمة، لا ~~مناص للعقل من أن يعتمدها لتصحيح الفكرة الأخلاقية الراسخة في النفوس، وبيان ذلك ~~حسبما قرره «كانت» # 13 # ينتظم في مقدمات ثلاث: ~~(1) # أن كل إنسان - حتى الطفل المميز - يجد في نفسه استحسانا لبعض ~~الأفعال، واستهجانا لبعضها، ويدرك بنفسه أن بعضها يجب أن يفعل، ~~وبعضها يجب أن يجتنب. هذا القانون الأدبي يضاهي القانون الطبيعي، ~~في أن كلا منها ضرورة لا مفر منها، ولكنه ليس كالقانون الطبيعي في ~~التعبير عن شيء واقع بالفعل تحققه المشاهدة والتجربة، بل عن شيء لم ~~يقع بعد وإنما يطلب تحقيقه طلبا مؤكدا، وهو في الخارج يمكن أن يقع ~~وألا يقع. بل قد يقال: إنه ليس في الوجود مثال واحد يشهد لوقوعه على ~~الوجه المطلوب؛ فكل بني آدم خطاءون، وما الطهر والعصمة إلا لله وحده، ~~حتى إن الذين يؤدون أعمالهم طبقا لقانون الواجب «حرفيا» لا سبيل ~~إلى اليقين بأنهم يؤدونها «روحيا» كما يجب؛ أي: بقصد أداء الواجب ~~خالصا من شائبة الهوى والغرض، ودون تلقي معاونة عليها من الميول ~~والنزعات الفطرية الشريفة. # فالواجب هو أداء الواجب، للواجب، وبالواجب، أي: تحت سلطان «فكرة» ~~الواجب، لا «حب» الواجب، وكل خدش في عنصر من هذه العناصر يجعل العمل ~~هباء، فمن ذا الذي يستطيع أن يجرد نفسه هذا التجريد؟ ومع ذلك فهذا ~~هو حكم قانون الأخلاق الذي يفرض نفسه علينا فرضا غير مكترث بمعارضة ~~قانون الطبيعة المتسلط على حواسنا وجوارحنا وإرادتنا بصفة قاهرة، ~~ومنه نعلم أن الإنسان ينتسب إلى عالمين: عالم العقل، وعالم الطبيعة ~~والحس، كلاهما يطالبنا بحاجته، وما القانون الأدبي إلا ترجمان العقل ~~الخالص، ينطق بلسانه متجاهلا ما للطبيعة من سلطان. ~~(2) # غير أننا لما كان العقل يطالبنا بإلحاح أن ms104 نحقق هذا الخير المطلق، ~~كان من الضروري أن تكون هناك وسيلة لتحقيقه؛ لأن وجوب الشيء بالعقل ~~دليل إمكانه، وإلا لما كان العقل عقلا، وإذن لا سبيل إلى تحقيق ~~هذا الخير الكامل في لحظة من لحظات حياتنا، فلم يبق إلا إمكان ~~تحقيقه على التدريج إلى ما لا نهاية ... وهكذا يجب أن تفرض لنا حياة لا ~~تتناهى، يتم فيها ذلك التقدم اللانهائي، الذي هو الهدف الحقيقي ~~لإراداتنا العاقلة، فكان خلود الروح مطلبا لا بد من تسليمه ليصح في ~~العقل وجود ذلك القانون الأخلاقي، ودعوى أن الإنسان يمكنه في هذه ~~الدنيا أن يصل إلى القدسية والفضيلة الكاملة دعوى باطلة؛ كدعوى أن ~~الواجب الأخلاقي يكتفي منا بأدنى مراتب الكمال. ~~(3) # فإذا حققنا «الخير المطلق» بتحصيل الفضيلة الكاملة، فقد بقي المطلب ~~الأخير من مطالب العقل، وهو تحقيق «الخير الأعلى»، وليس الخير الأعلى ~~معنى مفردا، بل هو جماع عنصرين: أحدهما الفضيلة، والآخر السعادة، ~~التي هي حصول المرء على ما يرضيه في الحياة، بحيث يجري كل شيء في ~~الوجود على وفق ما يهواه، ألا وإننا نرى هذين العنصرين يسيران أمامنا ~~في طريقين منفصلين قلما يلتقيان، فقلما تعيش الفضيلة العامة ~~الكادحة، الصامتة القانعة، إلا في زوايا الخمول والنسيان، والتقتير ~~والحرمان، بينما الرذيلة الصاخبة المتبجحة، الملقة الطامحة، لها القوة، ~~والثروة ورغد العيش، والجاه، والنفوذ والسلطان. # لكن مقتضى الوضع العقلي السليم أن تكون الفضيلة والسعادة صنوين، ~~والرذيلة والشقاء توأمين، وأن توزع درجات البؤس والنعيم على حسب ~~الأعمال وبواعثها ومقاصدها، فلا بد إذن من مبدأ أعلى يحقق هذا ~~التوازن، مبدأ تخضع الطبيعة لإرادته، ويسير هو في تصرفاته على وفق ~~قانون عادل، وما ذلك إلا خالق الطبيعة والإنسان جميعا، وهو الله ~~تعالى. # فكان وجود الله هو المطلب الأخير، الذي لا بد من تسليمه لتصحيح معقولية القانون ~~الأخلاقي. # الناظر في هذا النسق الفكري قد يروقه ما فيه من نسيج بديع مبتكر، ولكن الذي يفلي ~~سداه ولحمته سوف يجد في طياته خيوطا واهنة، وعناصر غريبة، سترتها مهارة الصنعة ~~وحسن السبك؛ بل سيجد أن هذه المقدمات ms105 الثلاث التي يتألف منها الاستدلال ليست ~~بالمقدمات البديهية، ولا بالمبرهنة، ولا بالتي يتوقف عليها صحة المطلوب. # أما المقدمة الأولى فلأن القانون الأخلاقي وإن كان في جملته مركوزا في أصل ~~النفوس، ولكنه على الصورة التي يصوره بها «كانت» لا يفرض نفسه على كل العقول، بل ~~تمجه كثير من الطباع السليمة، ليس لأنه عنيف، قاس، فحسب، أو لأنه يمحو الفروق بين ~~الواجبات الأساسية والواجبات التكميلية، بل لأنه فوق ذلك كله يقلب الأوضاع ~~والموازين المألوفة؛ إذ يقتضي أن الذي يمتثل الأمر عن أريحية ورضى لا يكون قد أدى ~~واجبه، وإنما يكون ممتثلا إذا فعله وهو كاره له، متبرم به، وهكذا تبعد النفوس ~~الخيرة عن المثل الأعلى للفضيلة، بقدر ما تقترب منه النفوس الشريرة حين تحمل نفسها ~~على فعل الواجب حملا. # وأما المقدمة الثانية فلأن الواجب المطلوب - وهو تحقيق الخير المطلق لذاته غير ~~مشوب بطلب منفعة، ولا معاضدا بنزعة شريفة أو غيرها - إن لم يكن ممكنا لم يكن ~~واجبا، كما يعترف به «كانت»، وإن كان يمكن تحقيقه في مرحلة ما من مراحل الحياة ~~المستقبلة لم يبق لفرضية أبدية الروح مستندا؛ إذ يكون القول ببقائها لحظة ~~واحدة بعد أداء الواجب قولا بما هو أكثر من المطلوب، وإن كان ليس هناك لحظة واحدة ~~في الحاضر ولا في المستقبل يمكن فيها إخلاص الامتثال، يكون القول بالخلود قولا ~~بما هو دون المطلوب؛ لأنه متى فرض أن انضمام أدنى باعثة للخير إلى باعثة ~~الامتثال المجرد يهدم الفضيلة من أساسها؛ أصبحت المسألة ليست مسألة تدرج يترقى ~~فيها الناقص نحو الكمال، بل هي مسألة أعداد سلبية متتالية؛ وضم السلب إلى السلب لا ~~ينتج إيجابا، ولو سار إلى غير نهاية، على أن التكمل على الوجه الذي يفهمه ~~«كانت» يفضي بنا إلى صورة عجيبة جدا؛ إذ لا بد أن يفترض أن النزعات الشريفة ~~في تلك الحياة الباقية تأخذ في الاضمحلال شيئا فشيئا، لتحل محلها نزعات مقاومة ~~للخير؛ تحتاج إلى مجاهدة عنيفة تزداد عنفا على مر الزمان؛ ليكون أداء الواجب ~~معها لمحض الواجب رغم ms106 كل مقاومة. فما أبدع هذا الفردوس الذي لا يتبوأ عرشه إلا ~~الشياطين! # وأما المقدمة الثالثة فلأنها أدخلت باسم قانون الأخلاق عنصرا غريبا عن قانون ~~الأخلاق، وهو مطلب السعادة بمعناها العامي - ألا وهو تحقيق الأماني وإرضاء الرغبات ~~الحيوية - والواقع أن الفضيلة والسعادة بهذا المعنى حقيقتان متباينتان: إحداهما ~~إلزام عقلي يجيء من عل، والأخرى نزعة مادية تلتمس وتتضرع لقضاء حاجتها. وطلب ~~النفس الجمع بين هذين الطرفين، تشوفا إلى قانون أعلى ينتظم القانونين الأدبي ~~والطبيعي وينسق اتجاههما؛ إنما هو تشوف إلى حلية شكلية، ووضع هندسي تكميلي، ~~وليس تشوفا إلى ضرورة عقلية، ولا إلى مطلب أخلاقي. أما أن هذا الاتساق ليس ضرورة ~~عقلية؛ فلأنه لا يلزم من فرض عدمه محال، ولا أدل على إمكان الانفصام بين القانونين ~~من وقوع هذا الانفصام واستمراره بالفعل، وأما أنه ليس مطلبا أخلاقيا؛ فلأننا ~~نعرف أن الفضلاء يغتبطون - وهم في أحضان البؤس والشقاء، يقاسون ألوان الحرمان ~~وأنواع التضحيات - بمجرد شعورهم بإرضاء ضميرهم وأداء واجبهم، ويجدون في هذا متعة ~~حقيقية لا تدانيها متعة في الحياة. # على أنه إذا كان لا بد للفضيلة من مقابل مادي، فلماذا نفرض هذا المقابل في حياة ~~مستقبلة؟ لماذا لا نقدر أننا قد استوفينا هذا المقابل مقدما في أنواع النعم ~~السابقة التي لا تحصى؟ وبذلك يكون واجب الفضيلة سدادا لدين قديم في أعناقنا لشكر ~~تلك النعم، لا افتتاحا لمعاملة جديدة تنتظر الجزاء. # كل هذه الفجوات كان يمكن تجنبها لو أن الفيلسوف الألماني اختصر الطريق، ~~بالانتقال مباشرة من القانون الأخلاقي المجمل إلى واضع هذا القانون وغارسه في ~~النفوس؛ كما فعل «ديكارت» في فكرة «الكمال»، ولكن طريقة التعقيد والتحايل والدوران ~~قد أطالت عليه الشقة، ولم تصل به في النهاية إلا إلى فرض غير محقق - في نظره - ~~ولا قائم على أساس متماسك. ~~(5) المذهب الاجتماعي ومناقشته # يخالف العلامة «دوركايم» # Durkheim # جميع المذاهب ~~المتقدمة في دعواها أن التدين حالة نفسية تنبع من فطرة الفرد كلما فكر في الآفاق ~~أو في نفسه، ويرى هو أن التدين وليد أسباب اجتماعية، # 14 # بل يذهب ms107 إلى أبعد من ذلك، فيزعم أن عناصر التفكير، وأسس المعرفة ~~العقلية نفسها، ما هي إلا صور ولدتها حياة الجماعة، وطبعتها على غرار النظم الاجتماعية. # 15 # ونحن لا يعنينا هنا نقد فكرته في نظرية المعرفة، بل نريد أن نعرض رأيه ~~في أصل التدين ثم نعقب عليه. # لقد مهد لمذهبه بتقديم جملة مقدمات، أهمها أن خير وسيلة لتفسير ظاهرة معقدة ~~كالظاهرة الدينية أن تدرس في بداية نشأتها، قبل أن تخالطها عناصر غريبة عنها، ~~وأن ذلك يكون بيئات الأمم «البدائية»، # 16 # وهي في نظره تلك الأمم التي لا تتميز فيها الأسر الخاصة بخاصية ~~مستقلة، بل تقوم على نظام القبائل # Tridus # والفصائل Phatries # والعشائر # Clans ~~. # ومعروف أن العشائر - وهي النواة الصغرى في تلك المجتمعات - قوامها وحدة اللقب ~~المشترك بين أفرادها، وهو لقب يشتق في الغالب من اسم حيوان، أو نبات، وفي ~~النادر من اسم عنصر جمادي، أو كوكب من الكواكب، وتعتقد العشيرة أنها لها بمسمى هذا ~~الاسم صلة قديمة، حيوية أو روحية - إما على أنها تسلسلت عنه، أو أنه كان حليفا ~~أو حارسا لجدها الأعلى، أو نحو ذلك - ولذلك تعظمه وترسم صورته على مساكنها، ~~وأدواتها، وأسلحتها، وراياتها، بل يتخذ الأفراد منه وشما يطبعونه على أجسامهم، ~~كأنه بطاقة شخصية لتحقيق انتساب كل منهم إلى عشيرته. # هذا النظام يسمى نظام التوتيم # Totem # 17 # أو اللقب الأسري، وهو نظام معروف في الشعوب القديمة: «المصرية، ~~والإثيوبية، والعربية، واليونانية، والرومانية، والغالية» وتوجد آثار منه في ~~الأساطير الشعبية في أوروبا الآن، # 18 # ولا يزال منتشرا في القبائل غير المتحضرة في أمريكا، وأستراليا، وهذه ~~الأخيرة - فيما يعتقد «دوركايم» - هي أخصب مكان لدراسة هذه الظاهرة؛ لأن سكانها أقل ~~تطورا وأقرب إلى الطبيعة الأولى من غيرهم؛ ولذلك استمد منها الوقائع التي بنى ~~عليها نظريته. # وخلاصة هذه الوقائع أن تلك الأمم في تعظيمها لألقابها تعظم في الوقت نفسه مسمى ~~تلك الألقاب، ولما كان الاسم مشتركا بين الحيوان، وبين الجد الأعلى وبين أفراد ~~العشيرة، وكانت الصلة بين هذه المعاني الثلاثة في نظرها صلة تجانس تام ms108 ترجعها إلى ~~جوهر واحد، شمل التعظيم ثلاثتها، لكن الحظ الأكبر من التعظيم يدخرونه لهذا الاسم ~~المشترك، أو لتلك الصورة الجامعة وهي الوسم أو الوشم: حتى إنهم نسبوا إلى هذه ~~الصورة خصائص عجيبة، فزعموا أن الذي يحملها ينصر في الحرب على أعدائه، ويوفق في ~~تسديد السهم إلى رميته، وأن وضعها على القروح يسرع في التئامها، إلى غير ~~ذلك. # إلا أن هذا التعظيم في العادة لا يصل إلى درجة العبادة، ولا يوحي فكرة التدين ~~والتقديس والتأليه؛ ولذلك يقضون جل أوقاتهم في حياة فاترة كل يسعى لقوته، ~~منعزلا في الجبل للاحتطاب، أو على شاطئ البركة للصيد، وليس لهم مظهر من مظاهر ~~التدين في هذه الأحوال العادية سوى التورع عن بعض المحظورات، وإنما يأخذ التدين ~~حقيقته ومظهره التام عندهم في مواسم خاصة، تقام فيها الحفلات المرحة الصاخبة، التي ~~يطلقون فيها العنان لحركاتهم العنيفة، وصيحاتهم المنكرة، على إيقاع الطبول، ~~ولحن المزامير، وقد ركزوا السارية التي تحمل علم العشيرة في سرة الحفل؛ فينتهي ~~بهم هذا الحماس الصاخب إلى الذهول والهذيان، بل يفضي بهم إلى انتهاك سياج ~~المحرمات الجنسية التي يحترمونها أشد الاحترام في العادة. وربما نسبوا هذا التطور ~~العجيب إلى حضور سر الأجداد فيهم عن طريق هذا الرمز، وعبادتهم للروح التي يرمز ~~إليها، ظنا منهم أنها هي التي أحدثت فيهم هذا التحول الروحي الغريب. # ها هنا - وها هنا فقط - تتدخل النظرية لتكشف الغشاوة عن أعينهم، وتنبههم إلى ما ~~حدث من تحول شعورهم عن منبعه وهدفه الحقيقيين، وأنهم إذا كانوا يتوجهون بعبادتهم ~~إلى مصدر هذا الأثر الجديد، فليعلموا أنه ليس هو النصب، ولا ما يرمز إليه ~~النصب، وإنما هو هذا الاجتماع الثائر نفسه؛ فإن من طبيعة هذه الاجتماعات أن ~~تنسلخ النفوس فيها عن مشخصاتها الفردية، وتنمحي كلها في شخصية واحدة هي شخصية ~~الجماعة، وهكذا يكون الاجتماع هو مبدأ التدين وغايته، وتكون الجماعة إنما تعبد ~~نفسها من حيث لا تشعر. ~~••• # هذه النظرية تبدي صفحتها لضروب من النقد لا تحصى، وقبل كل شيء فإنها - ككل ~~النظريات عن العقليات «البدائية» ms109 - تقوم على أساس مشكوك فيه، ولا بد في قبوله من ~~تحفظ بليغ، واحتراس شديد، ألا وهو تلك المعلومات التي يدونها الرحالة ~~والسائحون عن عقائد الهمج وعوائدهم، والتي يبدو عليها الضعف من وجوه، منها: أنه ليس ~~كل السائحين على جانب من علوم النفس والمنطق والدين والأخلاق يكفيهم لاستبطان غور ~~الأمور، ووضع الأسئلة الدقيقة المحددة في هذا الشأن، وليسوا في غالب الأمر مزودين ~~بمنهاج معين ديني أو أخلاقي، بل هذا الجانب هو أقل ما يسترعي اهتمام أكثر ~~السائحين. ومنها: أن هذه المعلومات لا تستقى من آثار مكتوبة - إذ الفرض أن هؤلاء ~~الأقوام محرومون من العلوم والفنون المدونة - وإنما تؤخذ من أفواه قوم لم ~~يصلوا بعد إلى تحليل أفكارهم وتحديد شعورهم في هذه المسائل، فمن الراجح أنهم ~~يسرعون إلى الإجابة بكلمة: «نعم» أو «لا» من غير مراجعة لعقولهم وإحساساتهم ~~العميقة، ومهما تفترض الدقة وحسن النية في السائل والمجيب، فقد بقيت عقبة هذه ~~اللغات «البدائية» التي لم تنضج أداتها، ولم تستكمل وسائل التعبير عن تلك المعاني ~~الدقيقة الغامضة التي يصعب أداؤها حتى في أرقى اللغات وأوسعها. أضف إلى هذا أنه ~~ليس كل فرد هناك يمثل الفكرة العامة للعشيرة أو القبيلة؛ إذ قد تختلف التفاسير بين ~~شخص وآخر، بل الشخص الواحد قد يجمع متناقضات من التصورات، وليس أدل على وهن ~~المعلومات المدونة بهذه الوسيلة من أن الكتاب أنفسهم قد يتناقضون # 19 # في وصفهم لتلك القبائل. # ولنجاوز الآن هذه الملاحظات العامة لننظر في أسس النظرية نفسها: # يقول صاحب النظرية: إنه ينبغي أن ندرس الظاهرة الدينية في أقدم عصورها، وأقربها ~~إلى عهد نشأتها. ويقرر أن نظام القبائل والعشائر أقدم وجودا من نظام الأسر، وأن ~~قبائل أستراليا الوسطى تمثل أقدم الأطوار المعروفة للقبائل، فهي أحق بأن يقع ~~عليها الاختيار للبحث والدرس. # أما المقدمة الأولى فإنها وإن كانت مبدأ سليما في الجملة، لمن يعنيه تكملة ~~بحث المسألة من وجهتها التاريخية البحتة، إلا أن اتخاذ نتيجة البحث قاعدة عامة ~~تعرف منها حقيقة الدين من حيث هو، يعد عملا مجافيا لقانون ms110 المنطق السليم، ~~أفيحق لنا أن نحدد حقيقة الإنسانية من النظر في أول أطوار الجنين، أو وهو ~~بعد في الأدوار التي تمر بها سائر الكائنات الحية، قبل أن تتميز أجهزته الخاصة، ~~وتتعين وظائف أعضائه، وقبل أن يحيا حياة مستقلة، وقبل أن تستيقظ فيه ملكات الفهم ~~والبيان وغيرها؟ إن تحديد الدين بذلك المعنى الغامض الذي يتلجلج في صدر الإنسان ~~في طور طفولته - وهو بعد لا يستبين حقيقة شعوره، ولا أهداف أعماله - فساد في ~~المنهج لا يقل عن تعريف الإنسان بالجنين. # ولقد أصاب هوفدنج إذ يقول: «إنه ليس من المستطاع دائما أن نستقي معلومات كافية ~~عن الطبيعة الحقيقية لكائن ما، من مجرد النظر في أصل تكوينه؛ فإن التغييرات والنظم ~~التي تحدث له في أثناء نموه، قد تبرز فيه صفات وخصائص ما كنا نرى منها أدنى أثر ~~في بدايته، إن الطبيعة الحقيقية لكائن ما، إنما تتكون من قانون تطوره منذ نشأته ~~الأولى إلى صورته النهائية.» # 20 # وأما المقدمة الثانية - وهي أن نظام القبيلة يمثل طورا تاريخيا أقدم من نظام ~~الأسرة - فهي دعوى لا تزال يعوزها الدليل، بل تقوم بعض الأدلة الأثرية والتاريخية ~~على عكسها؛ فالآثار الباقية من عهد القبائل الآرية والسامية يتبين منها أنها كانت ~~قائمة على النظام الأسري، الذي تتضامن فيه أفراد الأسرة في الحقوق والواجبات، ~~والذي يتمتع فيه الأب بأوسع السلطات على أعضاء أسرته، وإذا قرأنا الأوصاف التي ~~ذكرها «أرسطو» # Aristote # و«هوميروس» # Homere # للشعوب المعاصرة لليونان - ~~والتي كانت أقرب منهم إلى الفطرة والسذاجة - نرى أن المعيار الذي كانوا يميزون به ~~هذه الشعوب عن الشعوب المتحضرة هو أنهم ليس لهم مجالس شورى، وأن كل واحد منهم يتولى ~~الحكم على زوجه وأولاده. # 21 # وكذلك نقول في المقدمة الثالثة، وهي أن قبائل أستراليا الوسطى تمثل أقدم نظام ~~معروف للقبائل؛ فهي أيضا مسألة فيها نظر، وهذا «روبرت شميت» من كبار الباحثين، ~~الذين قاموا بدراسات شخصية دقيقة في أستراليا، يقرر أن القبائل المذكورة هي أحدث ~~القبائل الأسترالية وأكثرها تقدما، وأن أقدم قبائل أستراليا هم سكان جنوبها ~~الشرقي، ms111 وهؤلاء لا يعرفون نظام الألقاب الحيوانية السالفة الذكر، وفي الوقت نفسه ~~توجد عندهم عقيدة «الإله الأعلى» بصفة واضحة، على أن اللوحة التي رسمها «دوركايم» ~~نفسه لحياة قبائل الوسط تكفي وحدها للدلالة على أننا أمام أمة قد بعدت عن سذاجة ~~الفطرة، وقطعت أشواطا واسعة في نظامها المدني والاقتصادي، يبدو ذلك جليا فيما ~~عندها من قواعد الزواج، والنسب، والملكية، وتنظيم مواسم الصيد وغيرها. # بل إن نظام التسمية وحده كان يحتاج في إنشائه وتثبيته إلى عصور متطاولة ~~للتعاقب عليه بين الأمة جيلا فجيلا، حتى وصل إلى هذا الوضع الهندسي الدقيق، الذي ~~يلاحظ فيه دائما أن تقسيم كل قبيلة إلى فصيلتين اثنتين لا زائد عليهما، وأن يكون ~~لقب القبيلة مشتقا من جنس عام، وألقاب الفصيلتين من نوعين متقابلين تقابل التضاد ~~تحت هذا الجنس، ثم تتفرع من كل فصيلة عشائرها المتعددة بألقابها المختلفة كأغصان ~~الشجرة؛ بحيث لا تشترك عشيرتان قط في لقب واحد؛ ولذلك عد علماء هذا الفن نظام ~~ال # totem # نظاما مدنيا، قضائيا، اقتصاديا، ~~أكثر منه نظاما دينيا، # 22 # بل إن البحاثتين «لانج» # Lang # و«فريزر» # Frazer # لم يريا فيه عنصرا دينيا ~~البتة، وقررا أن فكرة الدين والألوهية تكونت في هذه القبائل بعيدا عن نظام اللقب ~~الأسري المعروف. # 23 # ونحن نذهب إلى هذا المذهب الأخير، ولا نرى في هذه الألقاب والرموز عندهم إلا ~~شعارا قوميا يعرفهم أنسابهم، وينمي فيهم شعور الوطنية، وباعثة التعاون، ~~واحترام قانون توزيع الملكية وسائر قوانين الجماعة، فهم لا يعبدون تلك الرسوم ولا ~~مدلولاتها، بل لهم معبود روحي يعتمدون عليه في جلائل أعمالهم ودقائقها، حتى ~~إنهم ليستلهمونه أو يدعونه ليرشدهم إلى انتقاء أمثل الأسماء لأبنائهم، كما أنهم ~~في تحريمهم لبعض المحرمات إنما يستندون إلى روايات دينية متوارثة عن أسلافهم، ~~ينسبونها إلى أمر الله. # والعجيب أن رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية يعترف بأن عددا من قبائل أستراليا ~~قد وصلوا إلى فكرة «الإله الأعلى» أو «الإله الأحد»، وأنه كائن أزلي أبدي ~~تسير الشمس والقمر والنجوم بأمره، وأنه هو الذي يثير البرق، ويرسل الصواعق، وإليه ~~يتوجه ms112 في الاستسقاء وفي طلب الصحو، وهو الذي خلق الحيوان والنبات، وصنع الإنسان ~~من الطين ونفخ فيه الروح، وهو الذي علم الإنسان البيان، وألهمه الصناعات، ~~وشرع له العبادات، وهو الذي يقضي في الناس بعد الموت فيميز بين المحسن والمسيء. # 24 # ثم يقرر أيضا أن هذه العقائد كلها ليست مقتبسة من أوروبا كما ظن تيلور، بل إنها ~~قديمة في هذه القبائل قبل أن يصل إليها المبشرون الأوروبيون، وأنهم يعبرون عن هذه ~~العقائد بعبادات حقيقية، ترفع فيها الأيدي إلى السماء بالدعاء. # 25 # يعترف دوركايم بكل هذا، ولكنه عند استنباط نظريته في الألوهية يضرب الذكر صفحا ~~عن هذه الصورة الدينية الحقيقية، ثم يعمد إلى ضرب من اللهو الخليع تأتيه بعض ~~القبائل في حفلات تضم كل شيء إلا الدين والعبادة، ويترخص فيها بارتكاب أعمال ~~شاذة تنافي قواعد الأخلاق المقررة والمتبعة بانتظام عندهم، يعمد إلى هذه ~~الحفلات الماجنة، فيرسم لنا منها لوحة بارزة يعرضها علينا قائلا: إذا أردتم معنى ~~الدين فها هنا منبعه ومظهره. # هكذا وصل الأمر بهذا البحاثة في تقديره لعقول قرائه إلى حد محاولة إلهائهم عن ~~الحقائق، وتسمية الأشياء لهم بغير أسمائها، فهو يريد أن يقول لهم: إن كل حمى ~~جنونية يثيرها مجتمع صاخب، وكل سورة إباحية تنطلق فيها الوجدانيات من عقالها ~~بدعوى المحاكاة، أيا كان هدفها وباعثها، فهي نوع من الدين، ولو كان سيل الشهوات ~~الجامحة فيها يجترف كل ضابط من ضوابط العقول، ويقتحم كل معقل من معاقل الآداب ~~المحترمة في الشعب نفسه. # إننا نرى لزاما علينا أن ننبه ها هنا إلى خطأ منهجي صريح، وقع فيه صاحب ~~المنهج نفسه: # ذلك أن الذي يريد أن يصور الحالة الطبيعية للجماعة، يجب عليه بمقتضى القانون ~~الذي وضعه الرئيس، # 26 # أن يستقرئ هذه الحالة من سلوك غالب أفرادها، في غالب أزمنتها ~~وأمكنتها. # فإذا كان من المتفق عليه أن الدين يكاد يسيطر على كل شيء في حياة الجماعات ~~الفطرية، أفلا يكون من أشنع المخالفات القانونية أن تلتمس الظاهرة الدينية عند هذه ~~الشعوب في تلك الحالة النادرة، وذلك ms113 المظهر الاستثنائي الذي لا يتكرر في مجرى ~~حياتهم العامة، وأن نهمل ما وراء ذلك من معتقدات وعبادات، وأخلاق وعادات، يتألف ~~منها هيكل الحياة الشعبية؟ # لئن كان الفيلسوف قد أصاب حين طلب إلينا أن نميز بين لونين متباينين في حياة ~~الجماعة الفطرية، لقد عكس الوضع بعد ذلك، حيث جعل الشاذ منهما قاعدة للغالب، وأساء ~~الاختيار، حيث أخذ اللون الإباحي اللاديني، فجعل منه حقيقة الدين. # على أنه لم يكن من العسير عليه أن يجد التفسير الحقيقي لهذا اللون الشاذ الماجن ~~لو أنه وضعه في نطاق النظم الاجتماعية والأخلاقية لهذه الشعوب، وهي نظم تقوم على ~~الفصل التام بين الجنسين، وعدم اطلاع أحدهما على شيء من دخائل الآخر، حتى إن ~~المرأة لا يباح لها أن ترى الدم الناشئ عن عملية الختان للصبيان، وكذلك الصبي يبقى ~~مبعدا عن الشئون الخاصة بالرجال إلى أن يحين وقت بلوغه، فهنالك فقط ينبه إلى ~~فكرة الصلة الجنسية، ولا سيما في وقت ختانه، حيث يحتفلون في هذه المناسبة احتفالا ~~مرحا، كما كان يحتفل بالختان في بلادنا الشرقية إلى عهد قريب، إلا أن ~~الأستراليين يبالغون في المرح فيقدمون فيه نموذجا تخيليا ينبهون به أذهان ~~المراهقين إلى حياتهم المستقبلة، مذكرين إياهم بأن هذه سنة الآباء والأجداد ~~الذين يدين لهم الشعب بوجوده. # ولو أنا تتبعنا تفاصيل ما يجري في هذه الحفلات لرأيناها كلها تدور على محور هذا ~~اللعب والمجون، ولرأينا بعد الشق بين هذه الملهاة الموسمية، وبين جد الحياة ~~الطبيعية وقدسيتها عندهم، إنه لمن السخرية والتهكم إذن أن يعرض علينا هذا المسرح ~~المتهتك باسم المحراب المقدس للأديان، وإنه لمن العجيب حقا أن الفيلسوف الذي ~~جعل معيار الأشياء المقدسة هو حرمة انتهاكها، يجعل مظهر انتهاكها أو الترخص فيها ~~هو مظهر الدين وجوهره، قائلا: «إنه لا تكاد تلتمس الظاهرة الدينية فيما ~~سواه.» # ونعود الآن فنسلم جدلا جميع المقدمات التي ناقشناها. # نسلم صدق روايات الرحالة والسائحين، ونسلم براءتها من التناقض والاختلاف، ونسلم ~~استقامة تفسيرها للوقائع، ونسلم صلاحية الديانات البدائية لتعريف فكرة الدين بوجه ~~عام، ونسلم أن ms114 نظام القبيلة يمثل النظام البدائي، ونسلم أن نظام أستراليا الوسطى هو ~~أقدم نظام للقبائل، ونسلم أن النظام التوتمي نظام ديني، ونسلم أن هذه التجمعات ~~والاحتفالات دينية في جوهرها وأهدافها ... # نسلم هذا كله، ولكن يبقى أن نعرف هل توصلنا هذه المقدمات مجتمعة إلى النتيجة ~~المطلوبة، وهي أن الدين في جملته نظام اجتماعي، بمعنى أنه خلقته الجماعة ليعود ~~إليها بالعبادة والتقديس؟ # إننا نبصر ها هنا هوة سحيقة بين النتيجة ومقدماتها، ونرى أن الاستنتاج يطفر ~~بنا من مقدمات نحيلة إلى دعوى عريضة فضفاضة، ولنسجل في هذا المعنى اعترافا قيما ~~لأحد أعضاء المدرسة الاجتماعية نفسها، حيث يقول في مقدمة ترجمته لكتاب في تاريخ ~~الأديان ما نصه: # إنه لا يكفي أن يقال إن الظواهر الدينية تحدث في جماعة وتختلف باختلاف ~~الجماعات، لإثبات أنها ظواهر اجتماعية حقيقية ... فالظواهر الاجتماعية ~~الحقيقية - كما نشاهده في القوانين والقواعد الاقتصادية - ذات وجود خارجي ~~مستقل عن أفراد الجماعة؛ ونشاط الأفراد فيها إنما يحدده أو يعدله مجرد ~~تجاورهم وتعاونهم من غير أن يكون لهم شعور بها أو موافقة عليها، فهل ~~الظواهر الدينية ظواهر اجتماعية بهذا المعنى؟ # لا شك أن جانبا كبيرا منها يبدو لنا كذلك، وهو جانب الأنظمة والشعائر ~~العملية، التي حددت في قواعد ثابتة، والتي تظل مستمرة على الرغم من ~~إرادة الأفراد وآرائهم. # ولكن هل هذه الحالات الجماعية التلقائية هي الحالات الجوهرية في الدين؟ ~~وهل هي أعظم وأقدم وأشمل ظواهر الدين؟ إنه قد يغرينا على الجواب بالإيجاب ~~اقتصارنا على اعتبار الديانات القديمة أو البدائية؛ لأن بعدها عنا يمحو ~~في نظرنا فوارق الأفراد فيها، وينظمهم في الكتلة الاجتماعية للشعب، أما ~~إذا درسنا الظواهر الدينية وهي ماثلة أمامنا، وفي ديانة يشترك فيها ~~الأفراد بقلوبهم إلى حد ما، فإن ذلك يقودنا بالطبع إلى أن نخصص جانبا ~~عظيما منها للابتكار الفردي. # 27 # هكذا استدرك أنصار النظرية على مؤسسها، بأنه ينبغي فيها التقسيم لا التعميم، وأنه ~~إذا كان الجانب السطحي من الدين - أعني: رسومه ونظمه العملية - يعد ظاهرة ~~اجتماعية؛ لأنه يحمل طابع الإلزام الجمعي، وليس للفرد ms115 اختيار في تكوينه، فإن ~~القسم الرئيسي منه - وهو قسم الاعتقادات والتصورات - يأبى بطبيعته أن يكون اعتناق ~~الفرد إياه ضربة لازب من خارج، لا يجد فيها أدنى تجاوب مع أفكاره ووجداناته ~~وأحاسيسه. # ذلك، ولو أمعنا النظر قليلا لرأينا عبء الإلزام الجمعي في الشعائر الظاهرية ~~نفسها إنما يقاسيه الفرد في ديانة قد تكونت واستقرت، واعتنق هو مبادئها أو انتسب ~~إليها من قبل، وليس هذا مجال بحثنا، ولا موضوع دراستنا. وإنما الشأن في نشأة ~~الدين ومبدأ ظهوره. # فهل سمع أحد بديانة ناشئة تحمل تعاليم جديدة، وتدعو إلى شعائر غير مألوفة يكون ~~موقف الجماعة منها موقف حمل الأفراد عليها، وإلزامهم بها؟ أم يكون موقفها موقف ~~المناهضة لها، والمقاومة العنيفة لداعيها؟ حدثينا أيتها التواريخ! وتكلمي أيتها ~~الوقائع! وانطقي أيتها التجارب! ليسمع الذين يبنون نظرياتهم - فيما زعموا - على ~~التواريخ والوقائع والتجارب. # بل هلم إلى الأعجوبة الكبرى! # إن صاحب النظرية لا يكتفي بأن يكون الدين إلزاما أدبيا يفرضه المجتمع على ~~الأفراد عقائد وعبادات أيا كان موضوعها وهدفها، إنه يريد أن يكون موضوع العقيدة ~~وهدف العبادة هو الجماعة نفسها، وأن يكون الشعور الديني في نفس الفرد ما هو إلا ~~انطباع آلي لصورة الجماعة في وعيه محوطة بهالة من التقديس، لما لها عليه من ~~فضل في قوام حياته والدفاع عن كيانه، وأنه من أجل ذلك تختلف فكرة الإله وحدود ~~سلطانه عند الجماعات باختلاف رقعة المجتمع ضيقا واتساعا. فإذا اختلطت العشائر ~~واندمجت في فصيلة، ثم الفصائل في قبيلة، ثم القبائل في شعب، تطورت معها فكرة الإله ~~تدريجيا ... حتى يصبح إله شعب برمته. # 28 # فليقل لنا إذا: من أين جاءت إلينا فكرة «الإله الأكبر» فاطر السماوات والأرض، ~~وعلى غرار أي جماعة طبعت هذه الصورة؟ ثم ليقل لنا: كيف قامت الدعوات في أصغر ~~الشعوب إلى تلك العقيدة الإلهية السامية التي ليس لها مثال تقاس عليه في ~~مجتمعاتهم ولا في غيرها؟ إذ لا يزال بين الإنسانية كلها، بل بين العالم أجمع، ~~وبين هذه الصورة العليا فراغ لا يمكن أن تملأه جماعة حقيقية ولا ms116 خيالية. # إننا نعود فنسجل اعترافا أخيرا من أصحاب هذه النظرية: «إن إقامة برهان شاف ~~على الطابع الاجتماعي للدين لا تزال أمرا غير ممكن.» # 29 # أما بعد، فإننا لا ننكر كل أثر للجماعات في شأن الأديان. # إن الدين «كاللغة، وأسلوب التفكير، وأدوات التعامل، وغير ذلك من مقومات المجتمع» ~~هو أحد أعصاب الحياة الجمعية وشرايينها، بل هو أقوى عناصرها، ومن ذا الذي ينكر أن ~~الجماعة هي حارسة تلك المقومات، وأنها هي منهلها المورود للأجيال الحاضرة، ~~وناقلتها إلى الأجيال المقبلة؟ # غير أن المسألة في صيانة الأديان القائمة وتخليدها، بل في نشأة الديانات الجديدة ~~وتكوينها. # ثم لا ننكر ما للجماعات من أثر خطير في التمهيد لهذه النشأة والتمكين لها؛ ~~فالأمم حين تقف في مفترق الطرق بين القديم والجديد تستطيع في بعض لحظاتها التاريخية ~~أن تغير مجرى تاريخها بقبولها للدين الجديد أو برفضها إياه، والداعي الذي لا يحسب ~~إمكانيات أمته ومؤهلاتها إنما هو كواضع البذر في أرض سبخة لا يلبث نباتها أن ~~يجتث من فوقها فلا يبقى له قرار، أو كالذي يعطي المريض طعاما لا تطيقه أمعاؤه فلا ~~يلبث أن يلفظه. # إلا أنه لن يسوغ لنا - بهذا الاعتبار - أن نقول: إن العقل الجمعي هو الذي يخلق ~~الأديان ويبرزها إلى الوجود، إلا لو ساغ لنا أن نقول: إن المعدة هي التي تخلق ~~الطعام، وإن البصر هو الذي يحدث الضياء، وإن المريض هو الذي يبذل الدواء ... تلك ~~كلها لا شك شروط ضرورية، ولكنها - كما يقول أهل المنطق - ليست شروطا كاملة، أو ~~ليست أسبابا تامة؛ إذ لا بد من تعاون متبادل بين الطبيب والمريض، بين الباذل ~~والآخذ، بين الفاعل والقابل، وإذا صح أن يقال: إن الأمم تخلق زعماءها، فمن الحق ~~أيضا - وبالطريق الأحرى - أن الزعماء تخلق أممها. والأمة تلد زعيمها ولادة طبيعية، ~~وتهيئ له وسائل تلك الزعامة؛ والزعيم يلدها بعد ذلك ولادة أخرى: روحية، أو سياسية، ~~أو عسكرية، أو فنية، أو غير ذلك. # الأمة تمثل خصوبة التربة وسلامة الأداة، والزعيم يضع البذر ويسقيه، ويتعهده ~~وينميه، والزعيم يحرك الأداة ms117 ويوجهها، ويرسم طريقها، ويقف بها عند أهدافها، بل ~~كثيرا ما يضيء لها هو تلك الأهداف ويحددها؛ وذلك حيث تكون حاجات الأمة غامضة ~~مشتبكة الطرق، غير واضحة المعالم في العقل الجمعي، فتبقى متلهفة إلى رجل الساعة ~~الموهوب الذي يتركز فيه وعيها، وتتحدد في نفسه حاجاتها، ويكون له من الحدس أو ~~الإلهام أو الوحي ما ينشر به وسائل تحقيقها، ويملك من العزم والحزم ما يحكم به ~~قيادتها ويبلغها إلى أهدافها، فإذا ظفرت به وألقت إليه بالمقاليد فقد أصابت ~~رشدها، وفتحت لنفسها صفحة جديدة من القوة والمجد، أما إذا تشعبت عليها الطرق، ~~واختلف الزعماء، ولم يستبن لها وجه الاختيار، أو أنها أساءت الاختيار فأهملت ~~داعيها الرشيد أو أنكرته وقضت عليه بالإخفاق أو الموت - لا لأن دعوته تتنافر ~~وطبيعتها، بل لأنها جهلت حقيقة نفسها، وطاشت أحلامها - فإنها تكون حينئذ قد سلكت ~~طريق شقائها، وآثرت الانتحار على الحياة من حيث لا تشعر. # وهكذا يكون من المكابرة وإنكار البداهة جحد أثر الأفراد في أديان الجماعة ~~ونظمها؛ كما يكون من المكابرة وإنكار البداهة نفي أثر الجماعات فيها. # غير أن أخشى ما نخشاه من الغلو في إبراز هذا الجانب الجمعي من تلك الحقيقة ~~المزدوجة، أن يبعث في نفوس الأمة نزعة جبرية مثبطة، تحمل أفرادها على القعود ~~والتواكل، انتظارا لما في الوعي الجمعي من الطاقات الكامنة والأسباب الغامضة، ~~بدل ذلك النشيد الحماسي الذي يغري الأفذاذ بالنبوغ، ويملؤهم بالأمل في دفع الجماعة ~~إلى الأمام. ~~(6) المذهب التعليمي أو مذهب الوحي # تشترك المذاهب المتقدمة كلها في أن العقيدة الإلهية وصل إليها الإنسان بنفسه، ~~عن طريق عوامل إنسانية - سواء أكانت تلك العوامل من نوع الملاحظات والتأملات ~~الفردية، أم من نوع جنس التأثيرات والضرورات الاجتماعية اللاشعورية. # في الطرف المقابل لهذه النظريات كلها يقرر المذهب التعليمي أن الأديان لم يسر ~~إليها الإنسان بل سارت هي إليه، وأنه لم يصعد إليها بل نزلت عليه، وأن ~~الناس لم يعرفوا ربهم بنور العقل بل بنور الوحي. # هذه النظرية التي أخذت بها أوروبا طوال القرون الوسطى، وأيدها بعض علماء ms118 التاريخ ~~حتى في القرن التاسع عشر، لا تزال هي المذهب السائد عند كبار رجال الدين عندهم، كما ~~أننا نجد في الكتب السماوية مصداق الجانب الإيجابي منها. # فهذه الكتب تقرر أن الله سبحانه لما خلق أبا البشر كرمه وعلمه حقائق الأشياء، ~~وكان فيما علمه: أنه هو خالق السماوات والأرض وما فيهما، وأنه هو خالق الناس ~~ورازقهم، وأنه هو مولاهم الذي تجب طاعته وعبادته، وأنه سيعيدهم إليه ويحاسبهم على ~~ما قدموا، ثم أمره أن يورث علم هذه الحقيقة لذريته؛ ففعل وكانت هذه العقيدة ميراث ~~الإنسانية عن الإنسان الأول. # نعم، إن الناس لم يكونوا كلهم أوفياء بهذه الوصية المقدسة، بل إن أكثرهم وقع ~~في الضلال والشرك، ولكن هذا التعليم الأعلى لم يمح أثره محوا تاما من ~~البشرية، ولذلك ظلت فكرة الألوهية والعبادة بوجه عام مستمرة في جميع الشعوب، على أن ~~العناية السماوية بهذا التعليم الروحي لم تقف به عند الإنسان الأول، بل ما زالت ~~تتعهد به الأمم في فترات تقصر أو تطول، وجعلت تذكرهم به على لسان سفراء الوحي من ~~الأنبياء والمرسلين، وإن كتب الديانات العظمى لتنتسب كلها إلى هذا المصدر ~~السماوي. # الفصل الخامس # | نظرة جامعة # والآن - وقد طوفنا بك في مسالك متشعبة من الرأي في أصل العقيدة ومنشئها - نريد أن ~~نلقي معك نظرة شاملة، نضم بها أطراف البحث، ونحاول فيها التوفيق بين مختلف ~~مذاهبه. # وسيكون سبيلنا في هذا التوفيق - بعد أن ننحي نظريتين اثنتين # 1 # من هذه النظريات - أن نحتفظ من كل نظرية بجانبها الإيجابي - أعني: ~~إثباتها لصحة مسلكها - دون جانبها السلبي - وهو: إنكارها لسائر المناهج - وبذلك يعود ~~الاختلاف بينها اختلاف تعاون وتكامل، لا اختلاف تعاند وتناقض. # والواقع الذي لا مرية فيه هو أن مطلب الألوهية مطلب توافرت عليه الفلسفات والنبوات، ~~وأن دلائله البرهانية ماثلة في الأنفس وفي الآفاق، وأن بواعثه النفسية مركوزة في ~~العقول وفي الوجدانات. غير أن الناس ليسوا على درجة سواء في سرعة الاقتناع بكل هذه ~~الدلائل، ولا في تيقظ انتباههم بكل هذه الوسائل، فرب امرئ يغلب عليه الانطواء ms119 على ~~نفسه فيتأثر بالإيحاء الذاتي أكثر مما يؤثر فيه الإيحاء الخارجي، وآخر على عكس ~~ذلك. والمتأثرون بالأحداث الخارجية فيهم من يأسر لبه جمال المشاهد وجلالها، ومن لا ~~يهز قلبه إلا قوارعها ومروعاتها ، ورب امرئ يعنى من هذه الأحداث بجانبها النفسي ~~الإنساني، وآخر يهتم بجانبها المادي العالمي. # والمنطوون على أنفسهم منهم من يغلب تفكيره وجدانه، ومنهم من تغلب عاطفته فكرته ... ~~وإلى ذلك كله، فمن الناس من تلفته نظرة عابرة أو لمحة خاطفة، ومن لا يتنبه إلا ~~بصدمة عنيفة أو أزمة شديدة، ومن لا تكون عقيدته إلا من تضافر جملة من العوامل ~~المختلفة، ومن لا يمر على كل هذه الدلائل وهو غافل، فلا تستيقظ فيه بواعث الاعتقاد حتى ~~تبين له الدلائل تبينا، أو يلقنها تلقينا. وهل الباحثون الذين عرضنا نظرياتهم ~~آنفا إلا آحاد من الناس، يغلب على كل واحد منهم مزاجه الخاص في الاستنباط، وأسلوبه ~~المختار في الاقتناع؟ فكان من الطبيعي أن يبدأ كل منهم عقيدته من الطريق الذي هو أكثر ~~إليه تنبها، وأشد له إلفا، وأقوى به تأثرا، ثم تتلاحق عليه الدلائل الأخرى ~~بعد ذلك. # وهكذا، كان منهم من استمد إيمانه من تأملاته في مشاهد الطبيعة، وآخر كانت عقيدته ~~وليدة تجاربه في عالم الأرواح، وثالث استيقظ وعيه الديني من ملاحظة نفسية في حياته ~~العادية، ورابع من تحليله لبعض المعاني العقلية، وخامس استنتاجا من القوانين ~~الأخلاقية، وسادس لم يرفع رأسه إلى هذه الحقائق العليا إلا بعد أن تلقاها من طريق ~~التعاليم الدينية. وهذه كلها طرق مؤدية للغاية، وإنما عرض الخطأ لهؤلاء المفكرين ~~الذين شرحنا نظرياتهم آنفا من جهة أن كل واحد منهم حين وصف الطريق التي سلكها، نسي ~~سائر الطرق، وجعل الأولية التي أحسها من نفسه لبعض الدلائل أولية لها عند الكافة، فاتخذ ~~نفسه مقياسا عالميا بغير بينة، ولو أن كل باحث وقف بالنتيجة عند ما تثبته مقدماتها ~~لقرر أن المنهج الذي سلكه إنما يصور نشأة العقيدة عنده وعند من يشاكله في مشربه، ~~ولكنهم جعلوا هذه الحقائق النسبية حقائق مطلقة، فكان ذلك ms120 مثار النزاع ~~والاختلاف. # ولو أننا طلبنا الحق المجرد في هذه المسألة لألفيناه ينتظم في كلمتين: ~~(1) # أن آيات الألوهية مبثوثة في كل شيء. ~~(2) # أن كل فئة من الناس لها طريق مسلوك في الاسترشاد ببعض تلك الآيات قبل ~~بعض. # وهذه الحقيقة المزدوجة يقررها القرآن في أوضح بيان؛ حيث يقول في المقدمة الأولى: # إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ~~* وفي خلقكم ~~(الجاثية: 3) # وفي الأرض آيات للموقنين * وفي ~~أنفسكم ~~(الذاريات: 20)، # سنريهم آياتنا ~~في الآفاق وفي أنفسهم ~~(فصلت: 53)، ويقول في المقدمة الثانية: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~(المائدة: 48)، # ولكل وجهة هو موليها ~~(البقرة: 148)، # ولكل قوم هاد ~~(الرعد: 7). # ولا جرم أنه من أجل هذا الاختلاف في وسائل الاقتناع عند الناس، تنوعت في القرآن ~~وسائل الدعوة إلى الله، وصرفت فيه الآيات تصريفا بليغا، حتى إن الذي يستعرض ~~أساليب الهداية القرآنية إلى عقيدة الألوهية يجدها قد أحاطت بأطراف هذه المسالك، ~~وأشبعت تلك النزعات جميعا، بل ربما زادت في كل منهج عناصر جديدة، لم يفطن إليها ~~الباحثون المذكورون. # فإن شئت التحقق فإليك نماذج قرآنية من هذه المناهج على الترتيب: # اقرأ في المنهج الطبيعي، أمثال قوله تعالى: # أفلم ينظروا ~~إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~(ق: 7)، وقوله: # انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ~~(الأنعام: 99)، وقوله: # فالق الإصباح وجعل الليل ~~سكنا والشمس والقمر حسبانا ~~(الأنعام: 96)، وقوله: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا ~~تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~(القصص: ~~71-72). # ويزيد القرآن في هذا الباب عنصرا جديدا، وهو عنصر الاختلاف بين المتشابهات، ~~اختلافا لم يتهيأ للعلم البشري معرفة أسبابه، ولا التحكم في عوامله، ولا التنبؤ به قبل ~~ظهوره؛ لأنه - كما يقول «وليم جيمس» - يرتبط بأحوال ذرية دقيقة لا تخضع لشيء من أنواع ~~الملاحظة، ولأنه لا يتبع حالة خاصة ms121 من أحوال البيئة الطبيعية ونحوها، بل يجيء مع كل ~~الحالات الممكنة لهذه البيئة، ومع ذلك كله تراه يسير في نظام غاية في الإحكام. # هذا الاختلاف البديع من اتحاد البيئة والعوامل الطبيعية الظاهرة، تجد التنبيه على ~~موضع العبرة منه في قوله تعالى: # وفي الأرض قطع ~~متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل ~~(الرعد: 4)، وقوله: # ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~(الروم: 22)، # ألم تر أن الله أنزل من السماء ~~ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال ~~جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ~~كذلك ~~(فاطر: 27). # وأخيرا يعنى القرآن عناية خاصة، في هذا الجانب التكويني، بظاهرة الحياة التي حيرت ~~العلماء، فيقول: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ~~(البقرة: 28)، ويقول: # أفرأيتم ~~ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما ~~نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون * ولقد علمتم ~~النشأة الأولى فلولا تذكرون * أفرأيتم ما ~~تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون ~~(الواقعة: 59)، ويقول: # فانظر إلى ~~آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ~~(الروم: ~~50). # هذا كله في الشطر الأول من المنهج الطبيعي. # فإذا انتقلت إلى الشطر الثاني منه تجد أمثال قوله تعالى: # ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ~~(الروم: 24)، ~~وقوله: # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~(الرعد: ~~13)، ثم لا يكتفي القرآن ها هنا بالتنبيه إلى الحوادث المروعة الواقعة بالفعل، بل يضيف ~~إليها الإنذار بالأحداث المتوقعة أو المحتملة، فيقول: # أوأمن ~~أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون ~~(الأعراف: 98)، ويقول: # أفلم يروا إلى ما بين ~~أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض ~~(سبأ: ~~9). # أما المنهج الروحي فترى عناصره مبثوثة أيضا في كثير من الآيات؛ فمبدأ: استقلال الروح ~~البشري وانفصاله عن الجسم وعن الروح الحيواني في هذه الحياة، ومبدأ: بقاء هذا الروح ~~الإنساني بعد الموت في حالة برزخية بين الدنيا والآخرة، ومبدأ: تعلق أرواح ms122 الموتى ~~بشئون أهل الدنيا ... هذه المبادئ كلها نراها مقررة في مثل قوله تعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ~~(الأنعام: 60)، وقوله: # الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها ~~(الزمر: 42)، وقوله: # فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~(آل ~~عمران: 170)، وقوله في شأن أهل الشقاوة وهم في قبورهم: # النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~(غافر: 46). # ذلك إلى ما يقرره القرآن في غير موضع من وجود أرواح أخرى مستقلة عن العالم ~~الإنساني، ولكنها تتصل بشئونه، ويسخرها الله في تدبير أحواله، تارة بالنصر والتأييد، ~~وتارة بغير ذلك. اقرأ قصة الجن في السورة المسماة بهذا الاسم، وفي سورة الأنبياء، ~~وسورة النمل، وسورة سبأ ... واقرأ أخبار الملائكة في السورة المسماة بهذا الاسم، وهي ~~سورة فاطر، أو السور الأخرى، مثل سورة آل عمران، وسورة الأنعام، وسورة الأنفال، ~~وغيرهن. # وكذلك المذاهب النفسية نرى منهاجها مستعملا في القرآن حين يشير إلى قصور الإرادات ~~الإنسانية عن بلوغ أهدافها، وإلى عجز الإنسان أمام المقادير العليا وضرورة استسلامه ~~لها، في قوله تعالى: # أم للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة والأولى ~~(النجم: 24)، وقوله: # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة ~~(القصص: 68)، وقوله: # أم لكم كتاب ~~فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم ~~القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم ~~بذلك زعيم ~~(القلم: 40). # ويزيد القرآن في هذا المعنى عنصرا آخر عظيم الدلالة على الألوهية، وهو تحول ~~الإرادات الإنسانية عن أهدافها، حين تنقلب كراهيتها محبة، وعداوتها ألفة، واستهجانها ~~استحسانا، وثورتها سكونا، من غير أن يكون للأسباب الطبيعية مدخل معقول في هذا ~~التحول، وفي ذلك يقول الله تعالى: # واذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~(آل ~~عمران: 103)، ويقول: # لو أنفقت ما في الأرض جميعا ~~ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ~~(الأنفال: 63)، ويقول: # فأنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين ~~(الفتح: 26)، ويجمع ذلك كله قوله ~~سبحانه: # واعلموا ms123 أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه ~~(الأنفال: 24). # حتى المذهب الأخلاقي نجد لبه وجوهره في القرآن حيث يقول الله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها ~~(الشمس: 7، 8). # بل المذهب الاجتماعي نفسه إذا عدنا إلى أساسه الصحيح، وهو تقرير ما للبيئة ~~والوراثة من سلطان بليغ على نفوس الأفراد، وما لها من أثر في تكوين آرائهم وعقائدهم؛ ~~يسجله القرآن حقيقة واقعة: # بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا ~~(البقرة: 170)، # إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ~~(الزخرف: ~~23) ... إلا أن القرآن حين يقرر هذا الأمر الواقع لا يذكره إلا في معرض التقريع والذم، ~~ناعيا على العامة رضاهم بما فيه من استعباد فكري، وهبوط عن عرش الكرامة الإنسانية ~~إلى مستوى القطعان من الماشية التي تسير وراء كل ناعق، # أولو ~~كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~(البقرة: ~~170)، # فبشر عباد * الذين يستمعون ~~القول فيتبعون أحسنه ~~(الزمر: 18)، وفي هذا المعنى تقول ~~الحكمة النبوية: «لا تكونوا إمعة: تقولون إن أحسن الناس ~~أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن ~~الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا.» # 2 # أما كيف تتحرر العقول من هذا الأسر الاجتماعي القاهر، فإن القرآن يعلن أنه ليس لذلك ~~إلا وسيلة واحدة، وهي التفكير الفردي الهادئ، المتحرر من كل القيود إلا قيود البداهة ~~والمنطق السليم: # قل إنما أعظكم بواحدة أن ~~تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ~~(سبأ: 46). # 3 # وأخيرا نرى المذهب التعليمي ساريا في القرآن كله، إلى جانب ما فيه من التوجيه ~~المستمر إلى الاعتبار بتلك الآيات الواضحة، والدلائل اللائحة، في الأنفس والآفاق. ~~فالقرآن يقرر أن الرحمة الإلهية لم تكتف بدلائل العقل، حتى أيدتها بشواهد النقل، ~~وأنها قطعت حجة كل غافل وكل متواكل، فأرسلت # رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل ~~(النساء: 165)، # وكنا ذرية من ~~بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ~~(الأعراف: 173)، ~~هكذا يلتقي في محيط القرآن ما رأيناه قد تشعب عند العلماء من مسالك الاعتبار، ومذاهب ~~البحث والنظر. # وإنه لن يسع الباحث المنصف، متى تحقق من هذه الإحاطة العلمية ms124 الشاملة، إلا أن يرى ~~فيها آية جديدة على أن القرآن المجيد ليس صورة لنفسية فرد، ولا مرآة لعقلية شعب، ولا ~~سجلا لتاريخ عصره، وإنما هو كتاب الإنسانية المفتوح، ومنهلها المورود. فمهما تتباعد ~~الأقطار والعصور، ومهما تتعدد الأجناس والألوان واللغات، ومهما تتفاوت المشارب ~~والنزعات؛ سيجد فيه كل طالب للحق سبيلا ممهدا، يهديه إلى الله على بصيرة ~~وبينة. # ولقد تركناها آية فهل من مدكر ~~(القمر: 15). # وبعد فإتماما للفائدة، قد ألحقنا هذا البحث القيم الخاص بموقف الإسلام من الأديان ~~الأخرى بهذا الكتاب، وكان قد أعده المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز لإلقائه في ~~الندوة العالمية للأديان التي عقدت ب «لاهور» بباكستان وذلك في جمادى الآخرة ~~سنة 1377ه/يناير سنة 1958م. ~~(1) موقف الإسلام من الأديان الأخرى، وعلاقته بها # إذا أخذنا كلمة «الإسلام» بمعناها القرآني نجدها لا تدع مجالا لهذا السؤال ~~عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية، فالإسلام في لغة القرآن ~~ليس اسما لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء ~~وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء، هكذا نرى نوحا يقول لقومه: # وأمرت أن أكون من المسلمين ~~(سورة ~~يونس، الآية: 72)، ويعقوب يوصي بنيه: # فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون ~~(سورة البقرة، الآية: 132)، وأبناء يعقوب يجيبون أباهم: # نعبد إلهك وإله آبائك ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون ~~(سورة البقرة، الآية: 133)، وموسى يقول لقومه: # إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم مسلمين ~~(سورة يونس، الآية: 84)، والحواريون يقولون ~~لعيسى: # آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون ~~(سورة آل عمران: 52)، بل إن فريقا من أهل الكتاب حين ~~سمعوا القرآن: # قالوا آمنا به إنه الحق من ~~ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ~~(سورة القصص: ~~53). # وبالجملة نرى اسم الإسلام شعارا عاما يدور في القرآن على ألسنة الأنبياء ~~وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية، ثم نرى القرآن ~~يجمع هذه القضايا كلها في قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ويبين لهم ~~فيها أنه لم يشرع لهم دينا جديدا، وإنما هو دين الأنبياء ms125 من قبلهم: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه ~~(سورة الشورى، الآية: 13)، ثم نراه بعد أن يسرد سيرة ~~الأنبياء وأتباعهم ينظمهم في سلك واحد، ويجعل منهم جميعا أمة واحدة لها ~~إله واحد كما لها شريعة واحدة: # إن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ~~(سورة الأنبياء: ~~92). # ما هذا الدين المشترك الذي اسمه الإسلام، والذي هو دين كل الأنبياء ~~والمرسلين؟ إن الذي يقرأ يعرف كنه هذا الدين، إنه هو التوجه إلى الله رب ~~العالمين في خضوع خالص لا يشوبه شرك، وفي إيمان واثق مطمئن بكل ما جاء من عنده ~~على أي لسان وفي أي زمان أو مكان، دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصي أو طائفي ~~أو عنصري بين كتاب وكتاب من كتبه، أو بين رسول ورسول من رسله، هكذا يقول ~~القرآن: # وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين ~~(سورة البينة، الآية: 5)، ويقول: # قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون ~~من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون ~~(سورة البقرة: 136). # نقول إذن: إن الإسلام بمعناه القرآني الذي وصفناه لا يصلح أن يكون محلا ~~للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان السماوية؛ إذ لا يسأل عن العلاقة بين ~~الشيء ونفسه، فها هنا وحدة لا انقسام فيها ولا اثنينية. # غير أن كلمة «الإسلام» قد أصبح لها في عرف الناس مدلول معين، هو مجموعة ~~الشرائع والتعاليم التي جاء بها محمد # صلى الله عليه وسلم # أو التي استنبطت مما جاء به، ~~كما أن كلمة اليهودية أو الموسوية تخص شريعة موسى وما اشتق منها، وكلمة ~~النصرانية أو المسيحية تخص شريعة عيسى وما تفرع منها. # فالسؤال الآن إنما هو عن الإسلام بمعناه العرفي الجديد، أعني: عن العلاقة ~~بين المحمدية وبين الموسوية والمسيحية. # وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نقسم البحث إلى مرحلتين: # المرحلة الأولى: ms126 # في علاقة الشريعة المحمدية بالشرائع السماوية السابقة وهي في ~~صورتها الأولى لم تبعد عن منبعها، ولم يتغير فيها شيء بفعل ~~الزمان ولا بيد الإنسان. # المرحلة الثانية: # في علاقته بها بعد أن طال عليها الأمد، وطرأ عليها شيء من ~~التطور. # أما في المرحلة الأولى: # فالقرآن يعلمنا أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل؛ قد جاء مصدقا ومؤكدا ~~لما قبله؛ فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن مصدق ومؤيد للإنجيل ~~والتوراة ولكل ما بين يديه من الكتب: # وقفينا على ~~آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا ~~لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة ~~للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما ~~أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا ~~الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون ~~(سورة المائدة، الآيات: 46، 47، 48)، # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال ~~فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ~~(آل عمران، ~~الآية: 81). # غير أن ها هنا سؤالا يحق للسائل أن يسأله: # أليست قضية هذا التصادق الكلي بين الكتب السماوية أن تكون الكتب المتأخرة ~~إنما هي تجديد للمتقدمة وتذكير بها، فلا تبدل فيها معنى، ولا تغير ~~حكما، وإلا كيف يقال: إنها تصدق ... إلخ، بينما هي تبدل وتعدل، وإذا كان ~~من قضية التصادق الكلي بين الكتب ألا يغير المتأخر منها شيئا من المتقدم، ~~فهل الواقع هو ذلك؟ # الجواب: ليس الواقع ذلك، فقد جاء الإنجيل بتعديل بعض أحكام التوراة؛ إذ ~~أعلن عيسى أنه جاء ليحل لبني إسرائيل بعض الذي حرم عليهم: # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ~~ولأحل لكم بعض ms127 الذي حرم عليكم وجئتكم ~~بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ~~(آل عمران، ~~الآية: 50)، وكذلك جاء القرآن بتعديل بعض أحكام الإنجيل والتوراة؛ إذ أعلن أن ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # جاء ليحل للناس كل الطيبات، ويحرم عليهم كل الخبائث، ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم: # الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم ~~إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا ~~به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه أولئك هم المفلحون ~~(سورة الأعراف، الآية: ~~157). # ولكن يجب أن يفهم أن هذا وذاك لم يكن من المتأخر نقضا للمتقدم، ولا ~~إنكارا لحكمة أحكامه في إبانها، وإنما كان وقوفا بها عند وقتها المناسب ~~وأجلها المقدر ... مثل ذلك مثل ثلاثة من الأطباء جاء أحدهم إلى الطفل في الطور ~~الأول من حياته فقرر قصر غذائه على اللبن، وجاء الثاني إلى الطفل في مرحلته ~~التالية فقرر له طعاما لبنا وطعاما نشويا خفيفا، وجاء الثالث في المرحلة ~~التي بعدها فأذن له بغذاء قوي كامل. # لا ريب أن ها هنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل ~~التوفيق في علاج الحال التي عرضت عليه ... نعم إن هناك قواعد صحية عامة في ~~النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها لا تختلف باختلاف الإنسان، فهذه لا تعديل ~~فيها ولا تبديل، ولا يختلف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول ~~الناضجين. # هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل في جملتها وتفصيلها، وكلها يصدق ~~بعضها بعضا من ألفها إلى يائها، ولكن هذا التصديق على ضربين: تصديق القديم ~~مع الإذن ببقائه واستمراره، وتصديق له مع إبقائه في حدود ظروفه الماضية؛ ذلك ~~أن الشرائع السماوية تحتوي على نوعين من التشريعات: «تشريعات خالدة» لا تتبدل ~~بتبدل الأصقاع والأوضاع - كالوصايا التسع # 4 ~~- ونحوها، فإذا فرض أن أهل شريعة سابقة تناسوا هذا الضرب من ~~التشريع جاءت الشريعة اللاحقة بمثله - أي: أعادت مضمونه تذكيرا وتأكيدا له - ~~«وتشريعات موقوتة» بآجال طويلة أو ms128 قصيرة فهذه تنتهي بانتهاء وقتها وتجيء ~~الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة ... وهذا - والله أعلم - ~~هو تأويل قوله تعالى: # ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~(سورة البقرة، ~~الآية: 106). # ولولا اشتمال الشريعة السماوية على هذين النوعين ما اجتمع فيها العنصران ~~الضروريان لسعادة المجتمع البشري: عنصر الاستمرار الذي يربط حاضر البشرية ~~بماضيها، وعنصر الإنشاء والتجديد الذي يعد الحاضر للتطور والرقي اتجاها ~~إلى مستقبل أفضل وأكمل. # ونحن إذا نظرنا نظرة فاحصة إلى سير التشريع السماوي من خلال الشرائع ~~الثلاث نجد فيها هذين العنصرين واضحين كل الوضوح؛ إذ نجد كل شريعة جديدة تحافظ ~~على الأسس الثابتة التي أرستها الشريعة السابقة، ثم تزيد عليها ما يشاء الله ~~زيادته. # نرى شريعة التوراة مثلا قد عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك «لا ~~تقتل» و«لا تسرق» ... إلخ. ونرى الطابع البارز فيها هو طابع تحديد الحقوق وطلب ~~العدل والمساواة بينها ... ثم نرى شريعة الإنجيل تجيء بعدها فتقرر هذه المبادئ ~~الأخلاقية وتؤكدها، ثم تترقى فتزيد عليها آدابا مكملة: «لا تراء الناس ~~بفعل الخير، أحسن إلى من أساء إليك»، ونرى الطابع البارز فيها التسامح ~~والرحمة والإيثار والإحسان ... وأخيرا تجيء شريعة القرآن فنراها تقرر المبدأين ~~كليهما في نسق واحد: # إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان ~~(سورة النحل، الآية: 90) مقدرة لكل منهما درجته في ~~ميزان القيم الأدبية مميزة بين المفضول منهما والفاضل: # وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله ~~(سورة الشورى، الآية: 40)، # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ~~به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ~~(سورة ~~النحل، الآية: 126)، ثم نراها وقد أضافت إليها فصولا جديدة صاغت فيها ~~قانون آداب اللياقة، رسمت بها مناهج السلوك الكريم في المجتمعات الرفيعة في ~~التحية والاستئذان، والمجالسة والمخاطبة إلى غير ذلك ... كما نراه في سورة النور ~~والحجرات والمجادلة. # هذا مثال من أمثلة الجمع في سير التشريعات السماوية بين عنصر المحافظة على ~~القديم الصالح، وعنصر الأخذ بالجديد الأصلح. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها نطاق ~~هذا البحث. # هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات ms129 متصاعدة ولبنات متراكمة في بنيان ~~الدين والأخلاق وسياسة المجتمع، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أنها أكملت ~~البنيان وملأت ما بقي فيه من فراغ، وأنها في الوقت نفسه كانت بمثابة حجر ~~الزاوية الذي يمسك أركان البناء، وصدق الله وصف خاتم أنبيائه بأنه: # جاء بالحق وصدق المرسلين ~~(سورة ~~الصافات، الآية: 37)، وحين وصف اليوم الأخير من أيامه بأنه كان إتماما للنعمة ~~وإكمالا للدين: # اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ~~(سورة المائدة، الآية: 3)، وصدق ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين صور الرسالات السماوية في جملتها أحسن تصوير: «مثلي ~~ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله، ~~إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون ويعجبون له، ويقولون: هلا ~~وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (البخاري، كتاب ~~المناقب، باب خاتم النبيين) عن أبي هريرة (رقم 3271). # إنها إذن سياسة حكيمة رسمتها يد العناية الإلهية، لتربية البشرية تربية ~~تدريجية لا طفرة فيها ولا ثغرة، ولا توقف فيها ولا رجعة، ولا تناقض ولا تعارض، ~~بل تضافر وتعانق، وثبات واستقرار، ثم نمو واكتمال وازدهار. # وننتقل الآن إلى المرحلة الثانية: ~~«المرحلة الثانية» في بحث العلاقة بين الشريعة المحمدية والشرائع السماوية ~~بعد أن طال الأمد على هذه الشرائع، فنالها شيء من التطور والتحرر. # رأينا في المرحلة السابقة كيف كان القرآن يعلن عن نفسه دائما أنه جاء ~~«مصدقا لما بين يديه من الكتب»، ونرى الآن أن القرآن أضاف إلى هذه الصفة صفة ~~أخرى؛ إذ أعلن أنه جاء أيضا «مهيمنا» على تلك الكتب # وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم ~~بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من ~~الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء ~~الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما ~~آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ~~(سورة ~~المائدة، الآية: 48) أي: حارسا أمينا عليها ... ومن قضية الحراسة الأمينة على ~~تلك الكتب ألا يكتفي الحارس بتأييد ما خلده التاريخ فيها من حق وخير، ms130 بل ~~عليه - فوق ذلك - أن يحميها من الدخيل الذي عساه أن يضاف إليها بغير حق، وأن ~~يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق التي عساها أن تكون قد أخفيت ~~منها. # وهكذا كان من مهمة القرآن أن ينفي عنها الزوائد، وأن يتحدى من يدعي وجودها ~~في تلك الكتب: # قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ~~إن كنتم صادقين ~~(سورة آل عمران، الآية: 93)، كما كان من ~~مهمته أن يبين ما ينبغي تبينه مما كتموه منها: # يا ~~أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا ~~مما كنتم تخفون من الكتاب ~~(سورة المائدة، الآية: ~~15). # وجملة القول أن علاقة الإسلام بالديانات السماوية في صورتها المنظورة علاقة ~~تصديق لما بقي من أجزائها الأصلية، وتصحيح لما طرأ عليها من البدع والإضافات ~~الغريبة عنها. # هذا الطابع الذي تتسم به العقيدة الإسلامية، وهو طابع الإنصاف والتبصر ~~الذي يتقاضى كل مسلم ألا يقبل جزافا، ولا ينكر جزافا، وأن يصدر دائما عن ~~بصيرة وبينة في قبوله ورده، ليس خاصا بموقفها من الديانات السماوية، بل هو ~~شأنها أمام كل رأي وعقيدة، وكل شريعة وملة، حتى الديانات الوثنية نرى القرآن ~~يحللها ويفصلها، فيستبقي ما فيها من عناصر الخير والحق والسنة الصالحة، ~~وينحي ما فيها من عناصر الباطل والشر والبدعة. # أما بعد، فهذا هو موقف الإسلام من الديانات الأخرى من الوجهة النظرية، وقد ~~بقي أن نبحث عن موقفه من الوجهة العملية. # هل يقف منها موقف السكوت عليها والإغضاء عنها اكتفاء بالأمر الواقع؟ # أم هل يقف موقف المحارب المقاتل الذي لا يهدأ له بال حتى يطهر الأرض منها ~~ومن أهلها؟ # قليل من الكتاب الغربيين يجيبنا بالشق الأول، حتى قال قائل منهم - جوتييه ~~في كتاب أخلاق المسلمين وعوائدهم: «إن المسلم أناني، وإن الإسلام يشجعه على ~~هذه الأنانية؛ فالمسلم لا يعنيه ضل غيره أم اهتدى، سعد أم شقي، ذهب إلى ~~الجنة أم إلى السعير.» # وأكثر الكاتبين يجيبون بالشق الثاني، فالإسلام في نظر هؤلاء يريد أن يفرض ~~نفسه على الناس بحد السيف، والقرآن في نظرهم يأمر المسلم بأن يضرب عنق الكافر ms131 ~~أينما لقيه ... # الواقع أن كلا الفريقين لم يصب كبد الحقيقة في تصوره لموقف ~~الإسلام. # ليس الإسلام فاترا ولا منطويا على نفسه - كما زعم الأقلون - فالدعوة إلى ~~الحق والخير ركن أصيل من أركان الإسلام، والنشاط في هذه الدعوة فريضة مستمرة ~~في كل زمان ومكان؛ يأمر الله نبيه بتبليغ كلامه، وبأن يبذل جهده في هذا ~~التبليغ: # وجاهدهم به جهادا كبيرا ~~(سورة الفرقان: 52)، والقرآن يحرض المؤمنين على هذه الدعوة: # ومن أحسن قولا ممن دعا إلى ~~الله ~~(سورة فصلت: 33)، بل يجعل الفلاح والنجاة وقفا على هؤلاء ~~الدعاة: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون ~~(سورة آل عمران: 104)، # إن الإنسان لفي خسر * إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر ~~(سورة العصر، الآيتان: 2، 3). # ولكن الإسلام في الوقت نفسه ليس - كما يزعم الأكثرون - عنيفا ولا متعطشا ~~للدماء، وليس من أهدافه أن يفرض نفسه على الناس فرضا حتى يكون هو الديانة ~~العالمية الوحيدة، فنبي الإسلام # صلى الله عليه وسلم # هو أول من يعرف أن كل محاولة لفرض ~~ديانة عالمية وحيدة هي محاولة فاشلة، بل هي مقاومة لسنة الوجود، ومعاندة ~~لإرادة رب الوجود: # ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ~~(سورة ~~هود، الآية: 18)، # وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين ~~(سورة يوسف، الآية: 103)، # ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ~~(سورة ~~يونس، الآية: 99)، # إنك لا تهدي من أحببت ~~ولكن الله يهدي من يشاء ~~(سورة القصص، الآية: 56). # ومن هنا نشأت القاعدة الإسلامية المحكمة المبرمة في القرآن، قاعدة حرية ~~العقيدة: # لا إكراه في الدين ~~(سورة ~~البقرة: 256)، ومن هنا رسم القرآن أسلوب الدعوة ومنهاجها فجعلها دعوة بالحجة ~~والنصيحة في رفق ولين: # ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة ~~(سورة النحل، الآية: ~~125). # على أن الإسلام لا يكتفي منها بهذا الموقف السلمي السلبي - وهو عدم إكراه ~~الناس على الدخول فيه - بل يتقدم بنا إلى الأمام فيرسم لنا خطوات إيجابية ~~نكرم بها الإنسانية في شخص غير ms132 المسلمين. # هل ترى أسمى وأنبل من تلك الوصية الذهبية التي يوصينا بها القرآن في معاملة ~~الوثنية التي هي أبعد الديانات عن الإسلام، فضلا عن الديانات التي تربطنا ~~بها أواصر الوحي السماوي؟ اقرأ في سورة التوبة: # وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله ثم أبلغه مأمنه ~~(سورة التوبة: 6) ... ~~فأنت تراه لا يكتفي منا بأن نجير هؤلاء المشركين ونؤويهم ونكفل لهم الأمن في ~~جوارنا فحسب، ولا يكتفي منا بأن نرشدهم إلى الحق ونهديهم طريق الخير وكفى، بل ~~يأمرنا بأن نكفل لهم كذلك الحماية والرعاية في انتقالهم حتى يصلوا إلى المكان ~~الذي يأمنون فيه كل غائلة. # ثم هل نرى أعدل وأرحم، وأحرص على وحدة الأمة وتماسكها من تلك القاعدة ~~الإسلامية، التي لا تكتفي بأن تكفل لغير المسلمين في بلاد الإسلام حرية ~~عقائدهم وعوائدهم، وحماية أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم، بل تمنحهم من الحرية ~~والحماية، ومن العدل والرحمة قدر ما تمنحه للمسلمين من حقوق العامة «لهم ما لنا ~~وعليهم ما علينا»، شرح سنن النسائي للسندي. # ثم هل ترى أوسع أفقا، وأرحب صدرا، وأسبق إلى الكرم، وأقرب إلى تحقيق ~~السلام الدولي والتعايش السلمي بين الأمم، من تلك الدعوة القرآنية التي لا ~~تكتفي في تحديد العلاقة بين الأمم الإسلامية وبين الأمم التي لا تدين بدينها، ~~ولا تتحاكم إلى قوانينها، لا تكتفي في تحديد هذه العلاقة بأن تجعلها مبادلة ~~سلم بسلم: # وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها ~~(سورة الأنفال، الآية: 61)، # فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ~~فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~(سورة النساء، ~~الآية: 90)، بل تندب المسلمين أن يكون موقفهم من غير المسلمين موقف رحمة وبر، ~~وعدل وقسط: # لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب ~~المقسطين ~~(سورة الممتحنة، الآية: 8). # ليس هذا هو كل شيء في تحديد الموقف الإنساني النبيل الذي يقفه الإسلام ~~عمليا من غير أتباعه ... ولضيق المقام نكتفي بكلمة واحدة: # إن الإسلام لا يكف لحظة واحدة عن مد يده لمصافحة أتباع ms133 كل ملة ونحلة ~~في سبيل التعاون على إقامة العدل، ونشر الأمن وصيانة الدماء أن تسفك، وحماية ~~الحرمات أن تنتهك، ولو على شروط يبدو فيها بعض الإجحاف ... ناهيك بالمثل الرائع ~~الذي ضربه لنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في هذا المعنى حين قال في الحديبية: ~~«والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله ~~إلا أعطيتهم إياها» (البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان، كتاب الشروط، باب ~~الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، رقم 2529). # هذا هو مبدأ التعاون العالمي على السلام، يقرره نبي الإسلام، ورسول ~~السلام. # | المراجع # (1) في المكتبة العربية # المعاجم اللغوية: # القاموس المحيط. # ولسان العرب. # والمصباح، وغيرها. # الفهارس: # الفهرس لابن النديم. # كشف الظنون لحاجي خليفة. # الموسوعات: # دائرة المعارف العربية للبستاني. # دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي بك. # المؤلفات الخاصة: # ابن رشد: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من ~~الاتصال. ~~(طبع بالجزائر سنة 1942 مع ترجمته الفرنسية ~~لجوتييه.) # المغفور له الأستاذ الأكبر مصطفى عبد الرزاق: الدين ~~والوحي والإسلام (مطبعة عيسى الحلبي). # المغفور له الأستاذ الأكبر مصطفى عبد الرزاق: تمهيد ~~لدراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية (مطبعة عيسى ~~الحلبي). # المشير أحمد عزت باشا: الدين والعلم (لجنة التأليف ~~1948). # الدكتور حب الله: الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية ~~(مطبعة عيسى الحلبي). # الأستاذ عباس العقاد: «الله» كتاب في نشأة العقيدة ~~الإلهية (دار المعارف 1947). # عبد الرحمن عزام باشا: الرسالة الخالدة. # علي بدوي بك: تاريخ القانون. # الأستاذ علي النشار: نشأة الدين (دار نشر الثقافة ~~بالإسكندرية 1949). # وليم جيمس: إرادة الاعتقاد، ترجمة الدكتور حب الله ~~(مطبعة عيسى الحلبي). ~~(2) في المكتبة الأوروبية # ARISTOTE: Ethique á Nicomaque (Paris, ~~Garnier) ~~. # ARISTOTE: Métaphysique (Paris, Belles, ~~Lettres) ~~. # BASTIDE, (Roger): Eléments de Sociologie religieuse ~~(Paris, Colin, 1947) ~~. # B. St-HILAIRE: Devoirs Mutuels de la Philosophie et de ~~la Religion, dans Mahomet et le Koran (Paris, Didier, ~~1865) ~~. # BERGSON: Les Deux Sources de la Morale et de la ~~religion, (Paris, Alcan, 1932) ~~. # BOUTROUX, (Emile): Morale et religion (Paris, ~~Flammarion, 1925) ~~. # BOUTROUX, (Emile): Sciece et religion (Paris, ~~Flammarion 1947) ~~. # BURNOUF, (Emile): Sciece des religions ms134 (Paris ~~1880) ~~. # CHACHOIN: Evolution des idées religieuses et des ~~religions (Paris, 1913) ~~. # CHACHOIN: Evolution des idées religieuses et des ~~religions ~~. # COMTE, (Auguste): Cours de Philosophie Positive ~~. # DESCARTES: Méditations ~~. # DURKHEIM: Forme Elémentaires de la Vie religieuse ~~(Paris, Alcan, 1937) ~~. # DURKHEIM: Les Régles de la Méthode Sociologique (Paris, ~~Alcan, 1927) ~~. # FRANCK: Dictionnaire des Sciences Philosophiques ~~(Paris, Hachette, 1885) ~~. # GOURD, (J. J.): Philosophie de la religion (Paris, ~~Alcan, 1911) ~~. # GUYAU: Irreligion de l’Avenir (Paris, ~~1880) ~~. # HAUSER: Evolution Intellectuelle, et religieuse de ~~l’Humanité (Paris, Alcan, 1920) ~~. # HDEFFDING, (Harald): Philosophie de la religion (Paris, ~~Alcan, 1909) ~~. # HUBERT: Introduction á la traduction francaise du ~~Manuel d’Histoire des Religions, par Chantepie de la Saussaye ~~(Paris, Colin, 1904) ~~. # JEVONS: An Introduction to the History of religion ~~(Londres, 1896) ~~. # KANT: La Religion dans les Limites de la raison ~~(Koenigberg, 1794) ~~. # KANT: Critique de la raison Protique (Paris, Presses ~~Univ., 1943) ~~. # LALANDE: Vocabulaire Technique et Critique de la Philosophie (Paris, Alcan, 1928) ~~. # LONGUET: L’Origine Commune des religions (Paris Alcan, ~~1921) ~~. # MAYER, (Michel): Instructions Morales et ~~religieuses.(Paris,1885) ~~. # MULLER, (Max.): Origine et Développement de la ~~religion, Londres, 1873) ~~. PERISSE, (Sylvain): Sciences et religions (Paris, ~~1908) ~~. PINARD DE LA BOULLAYE: Etude Comparée des religions ~~(Paris, Beauchesne, 1929) ~~. PLATON: Les Lois (Paris, Belles ~~Lettres) ~~. # REINACH, (Salomon): Orpheus (Paris, ~~1909) ~~. # REAILLE: Prolégoméne á l’Histoire des religions (Paris, ~~1878) ~~. # SABATIER, (Auguste): Esquisse d’une Philosophie de la ~~religion (Paris, Fischbacher, 1897) ~~. # SAURAT, (Denis): Histoire des religions (Paris, Denoél, ~~1933) ~~. # SCHLEIRMACHER: Discours sur la religion (Berlin, ~~1799) ~~. # SCHMIDT: Origine et Evolution de la religion (Paris, ~~Grasset, 1931) ~~. # SPENCER, (Herbert): Premiers Principes (Londres, ~~1863) ~~. # SPENCER, (Herbert): Principes de Sociologie (Londres, ~~1879) ~~. # TYLOR: Civilisation Primitive (Londres, ~~1871) ~~. # VAN DER LEEUW: la religion dans son Essence et ses ~~Manifestations, (Paris, Payot, 1948) ~~. ms135