######OpenITI# #META# URI: 1377MuhammadCabdAllahDarraz.KalimatFiMabadiCilmAkhlaq.Hindawi97931846 #META# Tags: philosophy #META# ID: 97931846 #META# Title: كلمات في مبادئ علم الأخلاق #META# AuthorID: 97504926 #META# Author: محمد عبد الله دراز #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الأخلاق، وتقسيمها إلى غريزية ومكتسبة‏ # علم الأخلاق، وتقسيمه إلى نظري وعلمي‏ # الاعتراضات على علم الأخلاق النظري، ومناقشتها‏ # الأخلاق الفلسفية، والأخلاق الدينية‏ # علاقة علم الأخلاق بالتربية‏ # الأخلاق، وتقسيمها إلى غريزية ومكتسبة‏ # علم الأخلاق، وتقسيمه إلى نظري وعلمي‏ # الاعتراضات على علم الأخلاق النظري، ومناقشتها‏ # الأخلاق الفلسفية، والأخلاق الدينية‏ # علاقة علم الأخلاق بالتربية‏ # | كلمات في مبادئ علم الأخلاق # | كلمات في مبادئ علم الأخلاق # تأليف # محمد عبد الله دراز # | الأخلاق، وتقسيمها إلى غريزية ومكتسبة # يقول صاحب القاموس: الخلق هو الطبع والسجية ... # ويقول ابن الأثير في النهاية: حقيقة الخلق أنه لصورة الإنسان الباطنة - وهي النفس ~~وأوصافها ومعانيها - بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة. # ويقول ابن مسكويه: الخلق حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا ~~روية. # وزاده الغزالي بسطا، فقال: «يقال فلان حسن الخلق والخلق؛ أي حسن الظاهر والباطن ... ~~فالخلق عبارة عن هيئة راسخة في النفس، تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، من غير فكر ولا ~~روية.» ~~••• # الخلق إذن هيئة أو صفة للنفس ... # غير أن النفس قوى مختلفة، ووظائف متنوعة؛ فهناك ملكات الإدراك، والتفكير، والحكم، ~~والتخيل، والتذكر، وهناك الوجدانات والانفعالات، وهناك الغرائز والنزعات. فإذا كانت ~~هذه القوى النفسية كلها تصدر عنها آثارها في سهولة ويسر، هل يسوغ لنا أن نسمي شيئا ~~منها خلقا؟ ... كلا! # نحن بحاجة إذن إلى مزيد إيضاح وتحديد، تتميز به حقيقة المقصود من هذه التسمية، وينجلي ~~به الإبهام الذي تنطوي عليه التعريفات السابقة. # ونبادر فنقول: إن الخلق ليس صفة للنفس في جملتها، ولكن في جانب معين من جوانبها. ~~وليس هذا الجانب هو جانب العقل والمعرفة، ولا جانب الشعور والعاطفة؛ وإنما هو جانب القصد ~~والإرادة. # ونضيف إلى هذا التقييد تقييدا آخر، فنقول: إن الخلق يتعلق بنوع خاص من الأهداف ~~الإرادية، وهو تلك الأهداف التي ينشأ عن اختيارها وصف يعود على النفس بأنها خيرة أو ~~شريرة. # من هاتين الخاصتين نستطيع أن ننظم التعريف التالي: «الخلق هو قوة راسخة في الإرادة، ~~تنزع بها إلى اختيار ما هو خير وصلاح - إن كان الخلق حميدا - أو إلى اختيار ms01 ما هو شر ~~وجور - إن كان الخلق ذميما.» # هكذا تتميز الحقيقة الخلقية عما عداها من الصفات النفسية. # ألا ترى أن جودة الذاكرة أو ضعفها، وسلامة الذوق أو سقمه، وبراعة الخيال أو تبذله، ~~وحدة الذهن أو تبلده، لا مدخل لها في موازين الأخلاق، ولا يسري منها الحكم على صاحبها ~~بأنه بر أو فاجر، تقي أو آثم؟ # 1 # ثم ألا ترى أن من الأعمال الإرادية نفسها طائفة يستوي فعلها وتركها، فتدخل بذلك في ~~نطاق المباحات، بحيث لا يترتب على فعلها مدح ولا ذم، ولا يقال لصاحبها إنه أحسن أو ~~أساء؟ فهي خارجة أيضا عن موضوع البحث. وكذلك الأعمال الإرادية التي يترتب عليها مدح ~~أو ذم، بمعناهما الأدبي أو الفني؛ كإجادة البيان، وإتقان التصوير، أو إساءتهما؛ فهنالك ~~يكون المدح والقدح والإحسان والإساءة أحكاما تشابه في صورتها الأحكام الأخلاقية، ~~ولكنها في المعنى ليست منها بسبيل؛ لأن الذي لا يحسن التعبير أو التصوير لا يقال إنه آثم ~~أو شرير. # هذا، وينبغي ألا يشتبه علينا الفرق بين الخلق والسلوك. # فالخلق كما قلنا أمر معنوي، وهو صفة النفس وسجيتها. أما السلوك فهو أسلوب الأعمال ~~ونهجها وعادتها، وما هو إلا مظهر الخلق ومرآته ودليله. # وإنه لكي تكون الأفعال علامة صحيحة على خلق صاحبها، لا بد أن يجتمع فيها عنصران؛ ~~أحدهما: أن تتكرر الأفعال على نسق معين حتى تكون عادة مستقرة، وحتى تدل على قوة ~~راسخة ونزعة ثابتة إلى هذه الأفعال؛ فإن الذي يدل على خلق المرء هو جملة تصرفاته في ~~عامة الأوقات والأحوال المختلفة لا في النادر منها. الثاني: أن تقوم الأمارات على أن هذه ~~الأفعال صادرة بطريقة انبعاثية عن النفس، وليست أثرا لأسباب خارجية، من الخوف أو الرجاء، ~~أو الحياة أو الرياء، أو نحوها؛ مما يجعل صدور الأعمال تكلفا وتصنعا على خلاف ~~سجية صاحبها، ويجعلنا نحكم بأن خلقه الحقيقي على النقيض مما يوحي به ظاهر هذه ~~الأفعال. # وكما تتجلى العادات المستقرة في ثوب إيجابي، قد تبدو لنا في صورة سلبية. وهنا أيضا ~~ينبغي أن نكون في يقظة ms02 وحذر عند إصدار أحكامنا؛ إذ قد يخفى علينا الخلق الحقيقي، لعدم ~~البواعث والأسباب التي تقتضي ظهوره؛ كالفقير الذي لا يجد ما ينفقه، مع أن في نفسه نزعة ~~البذل والسخاء، فلا تحكم عليه بالبخل لمجرد عدم إنفاقه، وكالشره الذي لا يجد ما ~~يتناوله، فلا تحكم له بالعفة حتى تتهيأ الملابسات التي تبدي لنا كامن سجيته ~~وشيمته. ~~••• # سيقول قائل: إذا كان خلق الإنسان كما ذكرتم هو مزاج روحه، وهيئة نفسه الراسخة فيها، على ~~غرارة الصورة الخلقية لبدنه، ألا يكون ذلك اعترافا من أول الأمر بأن الأخلاق فطرية ~~دائما، لا سبيل إلى تغيير ما وجد منها، ولا إلى اكتساب ما ليس بحاصل فيها؟ وهذا الاعتراف ~~ينطبق بلا ريب على بعض وجوه النظر في المسألة، ولكنه لا يساير جملة المذاهب فيها. فإذا ~~سلمتموه أصبح علم الأخلاق وليس له موضوع متفق عليه، مسلم الثبوت في نفسه. # نقول: كلا، إن التعريفات المذكورة للخلق لا تنطوي على الاعتراف بشيء من هذه اللوازم؛ ذلك ~~أننا نسمي خلقا كل قوة إرادية راسخة، نزاعة إلى الخير أو إلى الشر، سواء أكان ~~هذا الرسوخ في كل أحواله من عمل الفطرة والجبلة ليس غير، كما يقول أهل الجبر، أم كان ~~يحصل تارة بالجبلة والغريزة، وتارة بالكسب والرياضة، كما يقول غيرهم. # فها هنا إذن مذهبان، يجمل بنا تعرفهما، وبسط وجهة نظرهما. # فأما غلاة أهل الجبر، فهذا نموذج من أقوالهم: # يقول شوبنهاور (الفيلسوف الألماني): يولد الناس أخيارا أو أشرارا، كما يولد الحمل ~~وديعا، والنمر مفترسا. وليس لعلم الأخلاق إلا أن يصف سيرة الناس وعوائدهم، كما يصف ~~التاريخ الطبيعي حياة الحيوان. # ويقول كانت (الفيلسوف الألماني أيضا): إن الذي يشاهد موقف الإنسان في ظرف معين، ~~ويعرف سوابق تصرفاته في مثل هذا الموقف، يستطيع أن يتنبأ تنبؤا صادقا بما سيفعله في ~~هذا الظرف المعين، كما يتنبأ العالم الفلكي بكسوف الشمس وخسوف القمر في ساعة ~~محدودة. # ويقول سبينوزا (الفيلسوف الهولندي): إن أفعال الناس، كغيرها من سائر الظواهر الطبيعية، ~~تحدث ويمكن استنتاجها بالضرورة المنطقية الهندسية، كما يستنتج من طبيعة ms03 المثلث أن ~~زواياه الثلاث تساوي زاويتين قائمتين. # ويقول ليفي بريل (الفيلسوف الفرنسي): إن ميولنا الحسنة أو القبيحة التي نجيء بها إلى هذا ~~العالم عند ولادتنا، هي طبيعتنا. فكيف نكون مسئولين عن طبيعة، هي ليست من عملنا، أو على ~~الأقل ليست من عملنا الشعوري الاختياري؟ # ويقول هيوم (الفيلسوف الإنجليزي): إن شعورنا بالحرية ليس إلا وهما خداعا. # أولئك فريق من فلاسفة أوروبا، غلب على عصرهم البحث في القوى المادية وطبائعها، ورأوا ما ~~فيها من قوانين علمية ثابتة، فأرادوا أن يبسطوا نتائجها على سائر العلوم ... حتى ~~الاجتماعية، والأخلاقية. فهم لذلك يصورون لنا الإرادة الإنسانية سجينة في نطاق حديدي من ~~الغرائز والطبائع، ويصورون لنا البشرية كلها عاجزة عن التحول والتطور. ففيم إذن ~~كان إنزال الكتب وإرسال الرسل؟ وفيم إذن وضعت الشرائع والقوانين؟ وفيم كان ويكون عمل ~~المؤدبين والمربين؟ ألا يكون ذلك كله عناء بغير جدوى؟ أولا تكون دراسة الأخلاق ~~نفسها ملهاة أو شبه ملهاة؟! # أما أنصار الحرية والتقدم فإنهم لا يرون في هذه المقالات جميعها إلا ضروبا من ~~الدعوة المجردة، أو السفسطة المموهة، أو الخلط بين موضوع الأخلاق وغيره، كما سنبينه ~~فيما يلي: ~~(1) # وأول ما نلاحظه على هذه الأقاويل شذوذها على إجماع المفكرين الأسبقين؛ ~~فإن هؤلاء المفكرين وإن اختلفوا في شأن الفطرة الإنسانية على مذاهب ثلاثة # 2 # إلا أنهم من جهة جعلوا هذه الفطرة عامة في جنس البشر، فلم ~~يزعموا أنها خيرة في البعض شريرة في البعض، بل هي إما هذا، وإما ذاك، ~~وإما كلاهما معا، في الجميع. ومن جهة أخرى فإنهم اتفقوا ثلاثتهم على قبول ~~هذه الفطرة للتغير والتبدل؛ وذلك إما لامتزاج هذه الفطرة وتركبها (كما ~~في المذهب الثالث)، وإما لمرونتها وقبولها للانقلاب (كما في المذهبين ~~الأولين). ~~(2) # فإذا سلمنا أن فطرة الخير والشر ليست موزعة على السواء في البشر، ~~واعترفنا بأن بعض # 3 # الناس يولد خيرا بطبعه، وبعضهم يولد شريرا بطبعه، فإننا ~~نفهم من هذه الأسبقية في ظهور أحد الطبعين منذ الطفولة أن يكون التحول إلى ~~الطبع المقابل له أصعب وأبطأ، لتوقفه على ms04 عوامل خارجية جديدة . لكن أي دليل ~~يدل على أن الطبع البدائي الذي يولد عليه الحيوان، بل الإنسان، يصل إلى ذلك ~~الحد الذي وصفوه لنا من الجمود والاستعصاء على كل تحويل وتبديل؟ # يجيب الجامدون المتشائمون، وهم الذين يسميهم الغزالي أهل البطالة والكسل، ~~محتجين على دعواهم بحجتين؛ الأولى: مقايسة نظرية، وهي أنه كما لا يمكن ~~الإنسان تحويل خلقته الظاهرية من الدمامة إلى الوسامة، كذلك لا يمكنه تغيير ~~طبيعته الباطنة من الشرية إلى الخيرية؛ إذ لا فرق بين فطرة وفطرة، كلاهما ~~من صنع الله، الذي لا تبديل لخلقه. الحجة الثانية: تجربة عملية، وهي أن ~~كثيرا من أهل المجاهدة والرياضة حاولوا في أنفسهم تحطيم قوتي الشهوة والغضب، ~~وإسكات غريزتي الأمل والألم، فباءوا بالفشل. وإذا كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة ~~لاكتساب الخلق الحميد، وقد ثبت استحالتها، كانت غايتها محالة كذلك. # ونحن ندحض هاتين الحجتين، واحدة واحدة، على عكس ترتيبهما: ~~(3) # أما الحجة العملية فإن الدليل التجريبي قائم على عكس ما زعموا فيها؛ فقد ~~وفق الإنسان في كل عصوره إلى نقل طباع الحيوان من النفور إلى الإلف، ~~ومن الصعوبة والحزونة إلى السلاسة والانقياد، ومن اعوجاج السير واضطرابه إلى ~~اعتداله وانتظامه ... حتى إن الإنسان ليرقص الخيل، ويلاعب الطير، ويعلم ~~الجوارح ألا تطعم مما تمسكه لربها وهي في أشد الحاجة إليه ... فإذا كان هذا ~~هو الشأن في غرائز العجماوات، فكيف بالغرائز الإنسانية التي أثبت علم النفس ~~المقارن أنها أسلس قيادا، وأعظم مرونة، بسبب تنوعها وتعارضها # 4 # وقبولها للمزج والتعديل بينها بترجيح بعضها على بعض؟ ~~(4) # ولو سلمنا جدلا استعصاء الطباع الإنسانية في أنفسها على المحو والإثبات، ~~فإننا لا نسلم استعصاءها على التهذيب والتنظيم. ألا وإننا ليس يلزمنا في ~~تصحيح مذهبنا أن نثبت لأنفسنا سلطانا على قلب طباعنا وتحويل جرثومتها ~~الأولى، بل يكفينا أن نثبت اقتدارنا على تعقيم هذه الجرثومة أو على إخصابها، ~~ثم على تربيتها بعد ذلك أو إهمالها. ومثل ذلك مثل حبتي عنب وحنظل؛ فإنك لست ~~ببالغ ولو حرصت أن تجعل العنب حنظلا أو الحنظل عنبا، ولكنك تملك أن ms05 تضع إحدى ~~الحبتين أو كلتيهما على صخرة جافة ملساء لا تغذيها تربة ولا يرويها ماء، ~~فلا تعطيك زهرا ولا ثمرا؛ وتملك أن تضعها في أرض طيبة تؤويها من الأعاصير، ~~وتحميها من الحشرات والطفيليات، ثم تتعهدها بالماء والسماد، حتى تنبت لك ~~النبات الذي تؤهلها له طبيعتها، ثم لا تزال تلاحقها، تقويما لأغصانها، ~~وتهذيبا لأشواكها، وتسوية لها طولا أو عرضا على الشكل والمقدار الذي ترضاه ~~لها. فكذلك الروح وما فيها من قابليات واستعدادات، وسجايا وجبلات، لا تستطيع أن ~~تبدل عناصرها تبديلا، ولكنك أهل لأن تتعهد عناصر الخير فيها؛ إمدادا ~~بماء العلوم والمعارف، ورفدا بالعمل الصالح، وصقلا وجلاء، بالندم على ~~السقطات والزلات، وبما شئت من تزكية وتنمية، كما قال الله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها ~~، وأنت أهل كذلك لأن تدع مرآتها يعلوها ~~صدأ الجهل، وتغشاها عدوى خلطاء السوء، وتتراكم عليها أنقاض العادات ~~الذميمة، كما قال الله تعالى: # كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون ~~. # وبالجملة فإنما يكون الجهاد الخلقي عبثا في أحد افتراضين لا ثالث لهما: أن ~~تكون النفس الإنسانية قد خلقت خلقا كاملا مستجمعا لكل أطوارها، أو أن ~~تكون خلقت بتراء جامدة غير قابلة للكمال. أما وهي كما قال الغزالي ناقصة ~~بالفعل ولكنها منطوية على إمكانيات الكمال، قابلة بالقوة لما شاء الله من درجات ~~الترقي والتدلي، فقد اتسع ميدان الجهاد أمام كل مجاهد. وذلك كله مما ~~توحي به الآيات القرآنية الكريمة، حيث يقول الله تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها ~~وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ~~، فجعل تسوية النفس ~~من فعل البارئ المصور، ولكنه جعل تزكيتها أو تدسيتها من عمل ~~الإنسان. # وهكذا تسقط حجة المعارضة بشقيها النظري والعملي. # ذلك أننا نقبل تحديهم لنا بالمقايسة على الخلقة البدنية، ونقول إننا وإن ~~لم نملك أن نغير طبيعة أبداننا وأن ننشئها خلقا آخر، فإننا نملك أن ~~نعالجها من أمراضها، وأن نهذب شذوذها بتقليم الأظفار، وإزالة ما يغشاها من ~~الشعث والغبار، وأن نجملها بما نشاء من الزينة الظاهرة. وإن ms06 رسالتنا في ~~الجهاد الروحي لا تعدو هذا النمط. وكذلك نقبل الحجة التجريبية ونقول ~~إننا ليس علينا أن نمحو من أنفسنا غريزتي الشهوة والغضب كما زعم المجادل. ~~كيف وهما أداتنا في الحياة، لاجتلاب نفعها، واستدفاع ضرها؟ فمثل غريزة ~~التشهي والتمني كمثل كلب الصيد الذي تبعثه في طلب رزقك. ومثل غريزة ~~الألم والغضب كمثل كلب الحراسة الذي تدفع به اللصوص والمعتدين عن نفسك ~~وحريمك. فكما أنه ليس من الحكمة والرشد أن تقتل كلبيك، كذلك ليس من الحكمة ~~والرشد أن تقتل غريزتي الغضب والشهوة فيك، ولكن عليك أن تعلم كلب صيدك ~~ألا يختطف الطير الأليف المملوك، وأن تعلم كلب حراستك ألا ينبح في وجه ~~الضيفان. وهكذا واجبك أن تنظم سير غرائزك إقداما أو إحجاما، على مقتضى ~~قانون الشرع والعقل. وإذا كانت التجربة القاصرة الناقصة قد فشلت في هذه المهمة، ~~فإن التجربة الصابرة المثابرة، التي لا يزيدها الإخفاق إلا معاودة وإلحاحا ~~وتشبثا بالمثل العليا، قد أثبتت دائما نجاحها وانتصارها، تشهد بذلك ~~سير الحكماء والمربين، في أنفسهم وفي تلاميذهم. ~~(5) # وبعد فإننا نلاحظ أن في دعوة المعارضة إحاطة وتعميما، في مقام كان ~~حقه التفصيل والتقسيم. ذلك أن ها هنا فصيلتين من السجايا: ~~(1) # طباعا قاصرة الأثر على نفسية صاحبها، بمعني أنها لا تهتف به ~~إلى عمل حميد أو ذميم. ~~(2) # وطباعا حافزة له على الخير أو الشر. # ولعل أكثر ما جربه المعترضون هو من قبيل الفصيلة الأولى. # فهم إذا قالوا لنا مثلا: إن المرء قد يولد متفائلا أو متشائما، مرحا أو ~~كئيبا، ألمعي الذهن أو بطيء الإدراك، ذكورا أو شديد النسيان، متذوقا ~~للفن أو محروما من حاسة الجمال، نزاعا للانطواء، كثير الانزواء، أو ~~ميالا للخلطة نفورا من الوحدة، وإنه لا حيلة له في تغيير هذه السجايا، ~~قلنا: وماذا يضيرنا هذا العجز إذا كانت هذه الصفات المتقابلة لا تمنع أصحابها - ~~في أي الطرفين فرضوا - أن يكونوا فضلاء أتقياء، مؤدين لواجباتهم نحو ~~الخالق والمخلوق؟ # فهذه الفصيلة كلها لا صلة لها بقانون الأخلاق، ولا تنقض مذهب الجمهور ~~فيه. # وإنما الذي يتصل ms07 بموضوعنا من الطباع الإنسانية هو ما يكون منها ذا نزعة ~~عملية نحو الفضيلة أو الرذيلة، كما لو قيل لنا إن صنفا من الناس ينشأ منذ ~~طفولته شجاعا جريئا مغامرا، وصنفا آخر ينشأ جبانا مترددا رعديدا، وإن ~~الرجل قد يولد سخيا أو شحيحا، لين العريكة أو شكسا خشن الجانب، إلى ~~نحو ذلك؛ وإن كل ضرب من هذه الأخلاق يوحي إلى إرادة صاحبه حتما تنفيذ ~~مقتضي جبلته. # فنقول: ها هنا أيضا يجب أن نفصل بين الإيحاء وقبول الإيحاء. فكل عمل ~~الطبيعة والجبلة أنها تدعونا وتلح علينا أن نتخذ اتجاها معينا في ~~سيرنا؛ ولكن في وسعنا نحن أن نلبي الدعاء، وأن نرفض الرجاء. وما أحكم ~~التعبير القرآني البليغ حين يقول: # إن النفس ~~لأمارة بالسوء ~~، فلم يقل: لحاكمة بالسوء أو لملجئة إلى ~~السوء. ولنستمع إلى قوله سبحانه حين يحكي محاجة الشيطان لأوليائه وقوله لهم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا ~~أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم ~~، هكذا حصر كل سلطانه في مجرد الدعوة، وألقى عليهم ~~المسئولية بأنهم هم الذين استجابوا لتلك الدعوة. ذلك أن المسئولية إنما تتقرر ~~في الأعمال الإرادية، والإرادة وإن كانت جهازا متصلا بسائر الأجهزة النفسية، ~~إلا أنها في الوقت نفسه منفصلة عنها. وبعبارة أخري إنها متصلة بها اتصال ~~استشارة واستنارة، وليس اتصال ائتمار وارتباط آلي ولا شبه آلي. فموقف ~~الإرادة في استقلالها عن العواطف والنزعات، وعن الأفكار والذكريات، وغيرها، مع ~~ارتباطها بها في المجموعة النفسية، كموقف القاضي في استقلاله بالنطق بالحكم. مع ~~ارتباطه بجهاز العدالة كله، من اتهام وشهادة، وحجاج ودفاع؛ أو كملك له ~~بطانتان تصف له إحداهما الخير وتحببه فيه، وتزين له أخراهما السوء وتغريه ~~به. والأمر في النهاية إليه. ~~(6) # وأخيرا فإننا نستطيع أن نتنزل مع هؤلاء الجبريين إلى النهاية، وأن ~~نسلم جدلا كل المقدمات التي سبقت مناقشتها؛ فنسلم لهم أول كل شيء أن ~~الناس ليسوا في الجبلة العامة، وأن الطبيعة تؤهل كل طائفة منهم لناحية ~~معينة من السلوك في الحياة، ثم نسلم لهم أن هذا الميل ms08 الطبيعي لا حيلة ~~للمرء في نزعه ومحوه، ولا في تنظيم آثاره؛ ونسلم أخيرا أن هذا العجز لا يسري ~~على الطباع العادية وحدها، بل على السجايا المتصلة بصميم السلوك الأخلاقي ~~كذلك. # غير أننا نلفت نظرهم بعد هذا كله إلى أنهم، حين يتحدثون عن جمود الطباع واستعصائها، ~~إنما يتحدثون عن ذلك الطبع الذي يستنتج بالظن من العادة المستمرة للمرء في سلوكه، لا عن ~~الطبع الحقيقي الكامن الدفين، الذي قد تغطيه طبقة سميكة من عوائدنا الشخصية، أو الوراثية، ~~أو السارية إلينا من عدوى المجتمع؛ حتى إنه ليخفى أمره على الناقد البصير، بل قد يخفى على ~~المرء نفسه كنه نزعاته وميوله، وينخدع في حكمه على استعداداته؛ إما لقلة عنايته ~~بتحليلها، وإما لفقد الفرص المواتية لظهورها؛ كما يجهل الزوج الذي لم يرزق ولدا قط ~~مبلغ حنان الأبوة ورأفتها، وكما يجهل طالب العلم كنه ميوله الأدبية أو العلمية، في فترة ~~طويلة من سني دراسته، وكما يجهل الجندي مدى قدرته على سياسة الجماعة وتصريف أمورها؛ لأنه ~~لم يتول أمر القيادة يوما ما، فإذا تغيرت ظروف كل واحد منهم أشرقت فيه صفات وملكات ~~جديدة، وعرف من نفسه ما كان ينكره منها، بل رب كلمة نصح تصادف القلب، ورب حادث ~~مفاجئ يصدم الشعور، فإذا مجرى الحياة كلها قد تغير في طرفة عين، وإذا المعوج يعود ~~مستقيما، والفاجر العربيد تقيا نقيا. # وجملة القول في هذا الوجه أننا إذا سلمنا أن الرياضة والمعالجة وتقليب وجوه التجارب لا ~~تخلق طبعا جديدا، فإنها على الأقل تكشف # 5 # لنا من الطباع الحقيقية ما لم يكن في حسبان أحد وجود جرثومته في النفس، وكفى ~~بهذا فائدة للتربية والتهذيب. # وهكذا يتبين لنا أن الذي يعتمد على ظواهر السلوك وعلى مجاري العادات في حكمه بعدم ~~تطور الطباع، إنما يعتمد على جرف هار؛ وأن مثله كمثل من يحكم على الصحراء القاحلة ~~الجرداء بأنها لا تقبل الإنبات، دون أن يجرب سقيها وحرثها ومعالجتها بسائر ضروب ~~المعالجة. # فعلة ما يتوهمه الناس من جمود الطباع هو هذا اليأس، وهو فقد الثقة ms09 بالنفس. ومفتاح الخير ~~كله في العمل والأمل، واليقظة والجد، والحرص على الإصلاح والتقدم. وتلك هي الوصية الذهبية ~~التي أوصانا بها صاحب الرسالة حين يقول: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز.» وتلك ~~هي حقيقة الجهاد الأعظم الذي قال فيه الرسول الكريم: «المجاهد من جاهد نفسه.» وقد وعد الله ~~الذين يحافظون على عمل الصالحات بأن يصير الصلاح ملكة لهم، فقال: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في ~~الصالحين ~~، كما وعد المجاهدين لأنفسهم بإبلاغهم غايتهم من الهداية، فقال ~~جل شأنه: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا ~~، وهي آية مكية لا تعرف الكفاح بالسيف، ولكن بالصبر والقناعة، وقوة ~~الإرادة، وتحدي المغريات والمثيرات، والصمود أمامها كالصخرة الراسية أمام الرياح ~~العاتية. وقد جاء في الحديث الصحيح أن الرجل لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكون ~~صديقا. ومن أوضح الأحاديث الصحيحة في الدلالة على فضل الجلد والمثابرة وأثرهما في إزالة ~~الرعونات الجبلية، وتكوين الخلق الحميد المضاد لها، قوله عليه السلام: «وإنه من يستعفف ~~يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله.» # والله ولي التوفيق. # | علم الأخلاق، وتقسيمه إلى نظري وعلمي # لقد يكون في وسع الإنسان أن يستغني طول حياته عن بعض مسائل العلم والمعرفة، فلا تخطر له ~~ببال، بل قد يستطيع أن يستغني عنها جميعها فترة طويلة أو قصيرة من عمره ... ولكن أحدا لن ~~يستطيع أن يخلي همه من المسألة الأخلاقية طرفة عين. # إنها ضرورة الحياة العملية: عند كل حركة أو سكون، وعند كل نطق أو سكوت، وعند كل ~~هم بفعل أو قول، تلجئ كل واحد منا أن يستفتي نفسه: هل يحسن به أن يقدم أو ~~يحجم. وإنها ضرورة الحياة العملية، تطالب كل واحد منا بالجواب السريع على هذا ~~الاستفتاء، قبل أن يفوت وقت العمل، وتطالبه بأن يكون جوابه مسببا، معتمدا على مبدأ يرضاه ~~قاعدة لسلوكه، ومعيارا لحكمه وتقديره، أخطأ في ذلك أم أصاب، أساء أم أحسن في اختيار ~~القواعد والأسباب. # من هنا مست حاجة كل عاقل إلى أن يكون عنده قانون حاضر يلقنه الجواب ms10 الصحيح عند ~~كل استفتاء، ويعصم إرادته عن الخطأ في التوجه والاختيار. # ذلك القانون هو علم الأخلاق. # فهو جملة القواعد التي ترسم لنا طريق السلوك الحميد، وتحدد لنا بواعثه وأهدافه. # هذا إجمال له تفصيله؛ فكلمة «علم الأخلاق» لفظ مشترك بين نوعين من البحث: # أحدهما: # بحث عن أنواع الملكات الفاضلة التي يجب علينا التحلي بها؛ كالإخلاص ~~والصدق، والعفة والشجاعة، والعدل والوفاء، وأمثالها. ويسمي «علم ~~الأخلاق العملي». وهذا النوع في الحقيقة هو أمس الضربين بالحياة، ~~وأحقهما بأن يكون نبراسا في كل يد. فهو الغذاء اليومي، بل هو الواجب ~~العيني، ولذلك لا تكاد تخلو أمة في القديم والحديث من معرفته والحث على ~~آدابه التي تصل إليها بالفطرة، أو بالفكر، أو بالتجربة، أو بالوراثة ~~والرواية. # والثاني: # بحث عن المبادئ الكلية والمعاني الجامعة التي تشتق منها تلك الواجبات ~~الفرعية؛ كالبحث عن حقيقة الخير المطلق، وفكر الفضيلة من حيث هي، وعن مصدر ~~الإيجاب ومنبعه، وعن مقاصد العمل البعيدة، وأهدافه العليا، ونحو ذلك. ~~ويسمى «فلسفة الأخلاق» أو «علم الأخلاق النظري»، وهو من علم الأخلاق ~~العملي بمنزلة أصول الفقه من الفقه.فهو شأن الخواص والمجتهدين، ولا يطلب ~~من غيرهم إلا كما تطلب النافلة بعد تمام الفريضة؛ ولذلك لا نجد له من ~~الأقدمية ولا من الشمول ما لعلم الأخلاق العملي. # فالوثائق التاريخية التي وصلت إلينا لا تشير إلى أن قدماء المصريين عرفوا هذا النوع من ~~الفلسفة، إلى جانب الفلسفة النظرية المعروفة لهم في الإلهيات والكونيات، ولعل فلاسفة ~~اليونان هم أول من قسم الفلسفة إلى قسمين؛ «فلسفة نظرية» تبحث عما يجب علمه واعتقاده، ~~و«فلسفة عملية» تبحث عما يجب عمله والتحلي به. # ومعني كون فلسفة الأخلاق فلسفة عملية أنها تتعلق بالعمل، لا أنها هي من نوع العمل؛ فإن ~~الفلسفة كلها بحوث نظرية وإن اختلفت مادتها وموضوعها. فإذا تعلقت بالحق الذي يعتقد، ~~كانت نظرية في أداتها، وفي موضوعها معا. وإذا تعلقت بالخير الذي يفعل، كانت نظرية في ~~أداتها، عملية في موضوعها، بل علم الأخلاق العملي نفسه هو أيضا من قبيل النظر لا العمل، ~~وإن ms11 كان العمل مادته كما هو مادة العلم النظري؛ مع هذا الفارق الوحيد بينهما: وهو أن ~~العمل الذي هو موضوع العلم العملي أنواع من الأفعال لها مثال في الخارج، كالصدق والعدل ~~ونحوهما؛ بينما موضوع العلم النظري هو جنس العمل المطلق، وفكرته المجردة، التي لا ~~يتحقق مسماها خارجا إلا في ضمن الأنواع التي يبحث عنها العلم العملي، تلك الأنواع ~~التي تعد من قبيل الوسائل لتحقيق الخير المطلق أو الفضيلة الكلية التي يبحث عنها ~~العلم النظري. # وهكذا يمكن اعتبار القسم العملي «فنا» أي علما تطبيقيا، بالنسبة للقسم النظري، ويمكن ~~اعتباره في الوقت نفسه «علما نظريا»، بالقياس إلى ضروب التخلق وأساليب السلوك، التي هي ~~التطبيق الفعلي الحقيقي لقواعد ذلك العلم. # ومن تأمل ضروب الواجبات الأخلاقية وكثرتها وتزاحمها على الأوقات، وشدة الحاجة في ~~تطبيقها إلى دقة في الفهم، وسلامة في الذوق، وحكمة في السياسة، للتوفيق بين مختلف المطالب ~~الحيوية والاجتماعية والروحية وغيرها، على نسب قد تختلف باختلاف الظروف والملابسات، ~~أدرك أن السلوك الأخلاقي جدير بأن يعد فنا من أرقى الفنون الجميلة، لمن عرف كيف ~~يؤلف من حياته اليومية صفة منسقة كاملة، على منهاج قول الرسول ذي الخلق العظيم: «إن ~~لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، ~~فأعط كل ذي حق حقه.» # | الاعتراضات على علم الأخلاق النظري، ومناقشتها # في القرن الماضي (التاسع عشر الميلادي) ظهرت في فرنسا مدرسة فلسفية جديدة، أسمت ~~نفسها «المدرسة الاجتماعية»، ومهد لها «أوجيست كونت» بفلسفته الواقعية، وكان من أكبر ~~دعاتها «إميل دوركايم» و«ليسيان ليفي بريل»، اللذان حاولا هدم النظريات القديمة في الدين، ~~والفلسفة، والمنطق، والأخلاق، قائلين إنها لا تهبط من السماء، ولا تنبع من عقلية الفرد، ~~بل هي وليدة العقل المشترك، الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية. # ولنقصر بحثنا هنا على الحملات التي وجهتها هذه المدرسة إلى علم الأخلاق، فقد ذهب ~~«ليفي بريل» في كتابه الذي وضعه في أول هذا القرن «العشرين» تحت عنوان «الأخلاق وعلم الآداب ~~العرفية» إلى أنه لا يوجد ولا ms12 يمكن أن يوجد علم نظري للأخلاق، وأيد دعواه بأربعة ~~أوجه، نوجزها فيما يلي: ~~(1) أن فكرة «فلسفة عملية» هي ذاتها فكرة متناقضة. ~~(2) أنها على فرض إمكانها فإنها عبث ليس له جدوى. ~~(3)، (4) أنها مبنية على فرضين غير مسلمين؛ أحدهما: أن الفطرة الإنسانية واحدة في ~~الناس جميعا، لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والثاني: أن الوجدان الخلقي وحدة لا ~~تتنازعها العوامل المتباينة، وأن الواجبات الأخلاقية مجموعة متماسكة لا تنافر فيها ولا ~~تعارض. # وسنرى عند بسط هذه الاعتراضات أنها وإن كانت تتجه في شطرها الأول إلى إبطال القسم ~~النظري وحده، إلا أن شطرها الأخير يهدف إلى إبطال القسمين: النظري، والعملي جميعا. ~~والواقع أن مهمة هذه الفلسفة محو كلمة الوجوب من معاجم الأخلاق كلية، بحجة أن السؤال ~~«عما يجب أن يكون» لا محل له في العلوم، وأن مطلب العلم إنما هو البحث «عما هو كائن» ~~فالذي تطلب دراسته في الأخلاق هو: «ماذا يفعل المجتمع في الواقع؟ وماذا يترك؟» وهكذا ~~يريدون أن يصبح علم الأخلاق فرعا من فروع علم الاجتماع، يسمى علم الآداب العرفية، أو ~~علم الاجتماع الأخلاقي، وتقتصر مهمته على وصف سلوك الناس وأخلاقهم على ما هي عليه لا كما ~~يجب أن تكون. فلنعد إلى بسط الاعتراضات الأربعة ومناقشتها: # تقرير الاعتراض الأول، وهو التناقض في فكرة الفلسفة العملية # بيان ذلك أن من طبيعة الفلسفة أو العلم النظري أنها تبحث عن الحقائق وتكشفها على ما ~~هي عليه في الواقع، فلا بد من وجود معلوم في الواقع يكشفه هذا العلم. لكن قضية كونها ~~عملية، أي تشريعية آمرة ملزمة، أنها تطالب بتحصيل شيء يجب أن يكون ليس واقعا بالفعل؛ ~~لأن الأمر بالشيء إنما يكون قبل وقوعه، لا بعد وقوعه، ولا في حال وقوعه. وهكذا يكون ~~موضوع هذه الفلسفة موصوفا بوصفين متناقضين: أنه واقع وأنه ليس بواقع، ويكون ~~الحكم الواحد في هذا العلم يمت إلى فصيلتين متباينتين أيضا؛ لأنه باعتبار أنه ~~وصف لموجود، يكون حكما وقوعيا، وباعتبار أنه طلب لما ليس بموجود، هو حكم قيمي ~~مثالي، فيكون وقوعيا مثاليا معا، ms13 أو إخباريا إنشائيا في آن واحد، من جهة ~~واحدة، أي من جهة حقيقته ومعناه، وهذا بين البطلان. ولا يقال إن ها هنا حكمين ~~منفصلين؛ أحدهما: وصفي وقوعي، والآخر: تشريعي قيمي، والثاني منهما تابع للأول ونتيجة ~~له؛ لأن هذه محاولة محال، فإن الواقعة لا تلد مثالية أبدا، والخير لا ينتج إنشاء ~~بحيلة من الحيل. # هذا هو تصوير الاعتراض. # ولكنا لو تأملنا مليا لاكتشفنا ما فيه من المغالطات الخفية؛ فإن كلمة ~~«الواقع» في تعريفنا الفلسفة بأنها «البحث عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الواقع.» ~~لا تعني الواقع في الزمن الحاضر، بل في الحقيقة ونفس الأمر، سواء أكان وقوعه في الماضي ~~أو الحال أو الاستقبال، فتشمل ما كان وما هو كائن وما سيكون، وتشمل النهائي واللانهائي، ~~بل تشمل المعدوم الذي لا يرى ضوء الوجود، وتشمل من المعدومات الممكن والمحال، وتتخطى ~~المباني إلى المعاني، وتتجاوز المحسات إلى المجردات. وبالجملة فإن التأمل الفلسفي ~~يتناول كل ما يتعلق به الفكر ويخطر بالبال، لمعرفة الحق فيه، بل يتناول الفكر نفسه ~~وحدود عمله ومنهاج سيره، وما فيه من مبادئ ثابتة أو متحولة، وما يتطلع إليه من ~~قيم عالية أو نازلة. فلا عجب إذن أن يكون للأخلاق فلسفة، كما للعقائد فلسفة. ألا وإن ~~الفلسفة في كل شأن تتناوله ترد الفروع فيه إلى أصولها الأولى وقواعدها العامة، ~~وتزن كل طائفة من المعاني بميزانها اللائق بها، فتزن الأحكام والأوامر الأخلاقية ~~بميزان العدل والقسط، طبقا لمنطق القضايا الإنشائية، كما تزن العقائد والقضايا ~~الإخبارية بميزان الحق والصدق، الذي يقتضيه وضعها العقلي. # وهكذا يتبين بجلاء أن فلسفة الأخلاق فلسفة وصفية تصويرية، كاشفة لأصول القيم ~~الأخلاقية؛ ولكنها بتقرير هذه الأصول وإرسائها تبعث في النفس إيمانا بعدالة تلك ~~القيم، واقتناعا بأنها تستند إلى حقائق ثابتة، وتنتسب إلى مقدسات سامية. ومن شأن ~~هذا الإيمان بدوره أن يوحي إلى النفس أمرا علويا بوجوب تحقيق تلك القيم ~~الكبرى. # فها هنا إذن حكمان منفصلان لا اختلاط بينهما، ولا التباس في أمرهما. وإن أولهما ~~يستتبع ثانيهما حقا، لكنه لا ms14 يستتبعه استتباع المقدمات القياسية لنتائجها المنطوية ~~فيها، حتى يقال إن الخبر لا ينتج إنشاء، بل استتباع الأسباب لمسبباتها والوسائل ~~لمقاصدها؛ فإن معرفة مبررات القانون، والاقتناع بعدالته يجذب النفوس إلى امتثاله، ~~ويغريها بطاعته عن محبة وطواعية. # تقرير الاعتراض الثاني، وهو أن بحوث الأخلاق النظرية جهود ضائعة # ذلك أنه كان المنتظر، عند الاختلاف في المبادئ النظرية العامة، أن يستنبط من كل ~~مبدأ قواعد عملية تناسبه، مخالفة للقواعد الأخرى. غير أننا إذا استقرأنا الفلسفات ~~الأخلاقية على تنوعها وتنازعها نراها تتلاقي عند قواعد عملية متشابهة بل متماثلة، ~~حتى إن أنصار المذهب النفعي ينادون - كغيرهم - بمبدأ «أحب عدوك كما تحب أخاك. ~~وأحب أخاك كما تحب نفسك.» وأنصار المذهب الحيوي التطوري يوافقون الواجبيين على ~~التزمت الصارم الذي لا قيد فيه ولا استثناء. وهكذا نرى القواعد التطبيقية تسير ~~مستقلة تمام الاستقلال عن المبادئ النظرية. ويا ليت أمر الفلسفة الأخلاقية وقف عند ~~حد خلوها عن النتائج العملية، وبقيت لها فائدة نظرية تمس عقائد المجتمع وآراءه؛ ~~ولكننا بينما نرى الفلسفات العلمية والفلسفات الدينية تترك أثرها في المجتمع، وتلاقي من ~~رجال الأديان حركة قوية في تأييدها أو معارضتها، نرى هذه النظريات الأخلاقية تسير على ~~حافة الحياة لا يحس بها أحد، بل يحدث التطور في آداب المجتمع بعيدا عن التأثر ~~بها إطلاقا. وهكذا نراها عاطلة عن كل فائدة تشريعية أو اجتماعية. # ونحن نجيب عن هذا الاعتراض بشقيه، فنقول: أما دعوى اتفاق أصحاب النظريات الأخلاقية ~~كلهم على قواعد عملية واحدة فهي دعوى غير صحيحة؛ فهناك مثلا مذهب القوة الذي يتنكر ~~لكل القواعد الأخلاقية المعروفة، ويرى أنها ما وضعت إلا لاستغلال الضعفاء ~~والسيطرة على الجماهير، وأن القوة هي التي تجعل الحق حقا والباطل باطلا. وهناك ~~مذهب المتعة والمسرة، الذي يوصي باغتنام اللحظة الحاضرة، واقتناص مشتهياتها، دون ~~حساب للماضي ولا للمستقبل ... نعم يبقى السؤال عن الفائدة في دراسة المذاهب الأخرى، ~~المختلفة في نظرياتها، المتحدة في تطبيقاتها. وجوابه أن تضافر النظريات المختلفة على ~~قاعدة واحدة، كترادف الأدلة المتنوعة على الدعوى؛ فهي بمثابة التحريض بمختلف الوسائل ms15 ~~على العمل بتلك القواعد، كأنها تقول لنا: من كان همه طلب الكمال الإنساني لذاته ~~فعليه بالتحلي بالفضائل، ومن كان همه المتعة الروحية الحقيقية فعليه بالتحلي ~~بالفضائل، ومن كان همه المصلحة للفرد أو الجماعة فعليه بالتحلي بالفضائل، وهكذا ... ~~وأما قولهم إن قافلة الحياة الاجتماعية تسير غير مبالية باختلاف الفلاسفة في المبادئ ~~العليا للأخلاق، فنقول إن المجتمع طبقتان: طبقة العامة والجماهير، ذوي الحياة الكادحة، ~~الذين ليس لهم من الفراغ ما يتلفتون فيه نحو هذا النور؛ وطبقة الخاصة المثقفين، الذين ~~لا يكتفون بمعرفة الطرق العملية، حتى يضموا إليها براهينها النظرية، ومبادئها الكلية. ~~ولكل طائفة من هؤلاء المثقفين مشرب في الاستدلال، وغرض يسعى إليه في الحياة. فهؤلاء ~~يعنيهم أشد العناية أن يستعرضوا هذه النظريات، ليختار كل منهم أقربها لاقتناعه، أو ~~يتزودوا من جملتها ويتسلحوا بمختلف أسلحتها، للانتصار على مذاهب الهدم ونزعات ~~التشكيك في حقيقة القانون الأخلاقي. # بسط الاعتراض الثالث # إن جميع النظريات الأخلاقية تدعي وجود قانون عام للإنسانية كلها؛ ووجود قانون ~~عام كهذا يفترض وجود طبيعة إنسانية متشابهة، لا تختلف باختلاف الأمم والمدنيات، ولا ~~باختلاف الأقطار والعصور، لكن الواقع أن هذه الفطرة الواحدة لا وجود لها؛ ذلك أن الناس ~~صنفان: بدائيون ومتحضرون. فأما البدائيون فلا محل في عقولهم لفكرة القانون ~~الأخلاقي؛ لأنهم لا يعرفون سوى الفوضى المطلقة التي لا رادع فيها من ضمير ولا قانون؛ ~~وأما المتحضرون فإنهم وإن عرفوا فكرة القانون، إلا أنهم يعرفونها في صور متناقضة: فالأخلاق في الشرق غير الأخلاق في الغرب، والأخلاق عند الأمم القديمة غيرها عند الأمم ~~الحديثة، الخير هنا شر هناك، والعدل هناك ظلم ها هنا. # هذه الحجة قديمة، كان يروجها سوفسطائية اليونان، ثم تجددت في عصر النهضة ~~الأوروبية بقلم بعض مشاهير كتابها، أمثال «مونتيني» و«باسكال»، ثم انتحلتها هذه ~~المدرسة الاجتماعية وتوسعت في سرد شواهدها نقلا عن الرحالة والسائحين، القدامى ~~والمحدثين. # ونحن لا نطيل النقاش في قيمة هذه المصادر وضعف الثقة العلمية بها، لكثرة تناقضها، ~~وقلة تحري كتابها، وضعف خبرتهم بالناحية الأخلاقية؛ ولأن ولوعهم بالغرائب إرضاء ~~لشهوة قرائهم ms16 يدفعهم إلى ترك معالم التشابه والاتحاد بين الأمم، وتتبع المفارقات ~~والشواذ منها لعرضها في صورة قواعد عامة؛ ولكننا نكتفي بأن نقول في صميم الموضوع: إن ما ~~نسبوه إلى الجماعات البدائية من خلوها من كل قاعدة للسلوك هو على طرف النقيض من ~~الواقع الذي تضافرت عليه كل الدلائل؛ وهو أن هذه الجماعات تبالغ في تشددها ~~وتضييقها في أسلوب الحياة والمعاملات إلى حد التزمت أو الخرافة، وإن ما نسبوه إلى ~~المتحضرين في الصين مثلا، من رمي الأمهات أطفالهن إلى الحيوانات المفترسة تخلصا ~~منهم - إن ثبت - فإنما يحدث في أوقات الضرورات القصوى، التي تبيح كل محظور، حتى في ~~أرقى المدنيات، وليس من المعقول أن تكون عاطفة الأمومة في الإنسان أشد قسوة وتحجرا ~~منها في الحيوان، الذي قال في شأنه الرسول الرحيم: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك ~~عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل في الأرض جزءا واحدا؛ فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق، ~~حتى إن الفرس لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.» # على أنه ينبغي لنا عند اقتباس الشواهد الأخلاقية أن نفصل بين أعمال الناس وأحكامهم؛ ~~فالذي يدل على خلو النفوس من قانون أخلاقي ليس هو وقوع الظلم، ولكنه استساغة ~~الضمائر له وعدم استنكارها إياه. أما مجرد وقوعه فمعناه أن القانون لم يطبق ولم ~~ينفذ. أرأيت لو أن رجلا أوروبيا جاء إلى بلاد الإسلام في عصرنا هذا، فأخذ يستقي ~~قانون الإسلام وتعاليمه من واقع سيرة أهلها، أيكون حكمه صحيحا؟ فالذي يأتي ~~المحرم عالما بحرمته شاعرا بتأنيب ضميره لا يقال إنه لا يعرف للأخلاق قانونا، ~~ولكنه يعرفه ويخالفه. نعم لو وجدنا في أمة ما قانونا يبيح لها القتل والسرقة مثلا؛ ~~فأصبحنا أمرين مستباحين عندها بلا استهجان ولا نكير من ضميرها، إذن لساغ لنا أن ~~نقول بفقد قانون الأخلاق عندها. وما يذكر عن قدماء الرومان من أن رب الأسرة كان له ~~حق الموت والحياة على زوجه وأولاده، يقتل من يشاء ويستحيي من يشاء، لا نستطيع أن ~~نفهمه على معنى أن قلوب الآباء في هذه الأمة كانت ms17 مجردة من الرأفة على أهليهم، ولكن ~~على معنى أن القانون خول لرب الأسرة فيها سلطة القاضي في العقاب والتأديب لمن ~~يستحق. وكذلك ما يقال عن قانون إسبارطة، من أنه كان يبيح الاختلاس والنهب في بعض ~~المواسم، نفهمه على أن ذلك كان نوعا من اللهو أو التدريب على أساليبهم في الغزوات ~~والحروب، عن تراض منهم ... # وبعد فإننا حين ندعي أن حاسة التمييز بين الخير والشر مودعة في كل ضمير، حتى ~~في ضمائر الأشرار والمجرمين، كما قال الله تعالى: # بل ~~الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى ~~معاذيره ~~، وكما قال: # ونفس وما سواها ~~* فألهمها فجورها وتقواها ~~، لا نزعم ~~عصمة العقول والضمائر من الخطأ في تحديد الحسن والقبيح والخير والشر، ولو في بعض ~~الأحيان، ولكننا نستطيع أن نقرر مطمئنين أن هذه الأخطاء إنما تكون حيث يجتمع في ~~الفعل الواحد جهتا خير وشر، فتختلف الأنظار في ترجيح أيهما، أو حيث تكون الإصابة في ~~الحكم بحاجة إلى شيء من التروي البعيد عن الهوى، أو حيث تنطمس معالم الصواب في بعض ~~الشئون ويخفى طريقه، حتى تعجز العقول عن الاهتداء إليه ما لم يمدها نور من الوحي ~~السماوي. ومن أجل ذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، إيضاحا لمعالم الحق، وتكميلا ~~لمكارم الأخلاق. # شرح الاعتراض الرابع # قالوا إن وجود قانون عام للأخلاق لا يفترض وجود طبيعة إنسانية عامة متشابهة في ~~الجماعات والمدنيات فحسب، بل إنه يستلزم قبل كل شيء أن يكون هذا القانون نفسه ~~مؤلفا من واجبات متساندة متعانقة لا تناقض بينها، وأن يكون الوجدان الأخلاقي ~~الذي ينبع منه القانون مؤلفا هو أيضا من عناصر مؤتلفة غير متضاربة ... لكن كلا ~~اللازمين باطل؛ فالقانون الأخلاقي مجموعة متنافرة من الواجبات الفردية والأسرية ~~والمهنية والوطنية والإنسانية، والحياة نفسها مجموعة متعارضة من المطالب البدنية ~~والعقلية والسياسية والدينية، بل الوجدان الخلقي عند كل واحد منا هو مجموعة أحكام ~~متناقضة: بعضها من محاكاة البيئة، وبعضها موروث من عصور متفاوتة: دينية أو قومية ~~أو أجنبية. # هذا هو الاعتراض الرابع والأخير. # ونحن لا نشغل أنفسنا بمنع ما يحويه ms18 من المقدمات، ولكننا نسلم جدلا وجود تلك ~~المفارقات في أحكامنا، وتلك المعارضات في واجباتنا، ونجيب بأن الفيلسوف في استنباطه ~~للقانون الأخلاقي العام، لا يستفتي هذه الوجدانات الفردية المعقدة المتناقضة، بل إنه ~~يسمو عن الجزئيات إلى المجردات، ويرجع إلى طبيعة الإنسان من حيث هي، ليعرف مقتضياتها ~~وحقوقها العامة، ومتى استنبط لها هذا القانون الكلي أصبح هذا القانون بحيث يفرض نفسه ~~فرضا على الوجدانات الفردية، وكان عليها أن تسمو هي إليه، لا أن ينزل هو إليها ... وإذا ~~كانت الواجبات قد تتزاحم وتتنافس، فالأصل أن يبذل كل امرئ جهده في طلب التوفيق بينها؛ ~~لإعطاء كل ذي حق حقه، فإن بلغ التزاحم فيها مبلغ التعارض، كان من تمام مهمة ~~المشرع أن يضع لكل واجب رتبته تقديما أو تأخيرا، زيادة أو نقصا، ليبدأ العامل ~~بالأهم قبل المهم، وبالمهم قبل غير المهم؛ فيجعل الضروري قبل الحاجي، والحاجي قبل ~~الكمالي، ويضحي بالأدنى في سبيل المحافظة على الأعلى. وهكذا يستقيم الأمر جملة ~~وتفصيلا، تشريعا وتنفيذا. # | الأخلاق الفلسفية، والأخلاق الدينية # اشتهر عند الباحثين من علماء الغرب أن قوانين الأخلاق الفلسفية تختلف اختلافا بينا ~~عن قوانين الأخلاق الدينية، وأن هذا الاختلاف بينهما يبدو من وجوه شتى: من حيث موضوعهما ~~(أي نوع العلاقات التي ينظمها كل منهما)، ومن حيث الواضع لهما (أي السلطة التي يصدر ~~عنها الأمر الأخلاقي)، ومن حيث أساس التشريع (أي الأسباب التي يستند إليها)، ومن حيث بواعث ~~العمل وأهدافه وجزاءاته، المقررة في كل منهما. # وإليك تفصيل هذه الخصائص التي ميزوا بها الطابع الأخلاقي في الأديان، عن الطابع ~~الأخلاقي عند الفلاسفة: ~~(1) # من حيث الموضوع: # فالأخلاق الدينية في نظرهم مهمتها تنظيم الصلة بين الخالق والمخلوق، ولا شأن لها ~~بأمور المعاملات الإنسانية، بينما الأخلاق الفلسفية ترسم الطريق لسلوك الإنسان في نفسه ~~أو في المجتمع، ولا شأن لها بنظام الشعائر والعبادات، لا بمعنى أنها تقف منها دائما ~~موقف الحياد فحسب، أو أنها تتلقاها مسلمة من يد العرف الجاري في كل ملة، ~~بل إنها قد تنكرها إنكارا، كما زعم الفيلسوف الألماني «كانت» حين ms19 قال إنه ليس على ~~الناس واجبات قط نحو خالقهم؛ لأنه ليس لهم حق قبله، وكل واجب لا محالة يقابله حق، # 1 # وهكذا ينفصل موضوع الأخلاق الدينية والأخلاق الفلسفية انفصالا ~~تاما. ~~(2) # من حيث واضع القانون ومستنده: # مهما تتنوع المذاهب الفلسفية في مصدر الإلزام الأدنى: أهو العقل، أم الوجدان الخلقي، ~~أم ضرورة الحياة في المجتمع، أم غير ذلك، فإنها كلها تلتقي عند كلمة واحدة، وهي أنه ~~مصدر إنساني، وأن مستنده في التشريع اعتبارات إنسانية تبرر حكمه لدى العقل أو ~~العاطفة. أما الإلزام في الدين فيقولون إن مصدره إلهي صرف، وإن مستنده هو محض تلك ~~الإرادة العليا وقضاؤها المبرم، الذي لا يعنيه رضيت النفس أم كرهت، اقتنع ~~العقل أم أبى. ~~(3) # من حيث بواعث العمل وأهدافه وأجزيته: # قالوا: وتنفصل النظرة الدينية عن النظرة الفلسفية من هذه النواحي أيضا؛ ذلك أن ~~الشرائع الدينية تضع لمن يمتثل أمرها أو يعصيه جزاء أخرويا: مثوبة أو عقوبة، وتتخذ ~~للترغيب في الفضيلة وللتحذير من الرذيلة وسائل، تستمدها من معدن تلك الأجزية، جاعلة ~~الهدف الوحيد للعامل هو نيل الثواب والنجاة من العقاب، وباعثه الوحيد على العمل هو ~~الخوف أو الرجاء. وهكذا تصبح الاستقامة الخلقية عملا حسابيا لموازنة الربح ~~والخسارة، وليست عملا بريئا من الأغراض، مجردا عن الغايات النفعية. # بينما قانون الأخلاق الفلسفية لا يفترض جنة ولا نارا ولا حياة بعد الموت، بل لا ~~يلوح بجزاء للفضيلة سوى نتيجتها الطبيعية، من رضى العامل وطمأنينته، وشعوره باستكمال ~~إنسانيته، وارتياح ضميره بأداء الواجب. وإن لوح بشيء وراء ذلك: من تحقيق المصالح ~~الإنسانية التي يثمرها العمل، أو الفوائد الاجتماعية التي تعود على العامل، كحسن السمعة ~~وطيب الذكر؛ فإنما هي أجزية أدبية عاجلة في هذه الحياة. # فلننظر في قيمة هذه الفوارق، ومدى انطباقها على وجهة النظر الإسلامية في الأخلاق: ~~(1) # أما أن موضوع الأخلاق في الديانات ينحصر في مادة العبادة والشئون ~~الإلهية، فهذه الخاصة إن صحت في دين ما فما أبعدها عن أن تكون طابعا ~~لقانون الأخلاق في الإسلام. لا نكتفي بأن نقول إن هذا القانون ms20 لم يدع ~~للنشاط الإنساني، في ناحيتيه الفردية والاجتماعية، مجالا حيويا أو ~~فكريا أو أدبيا أو روحيا، إلا رسم له منهجا للسلوك وفق قاعدة ~~معينة، بل نقول إنه تخطى علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته ببني جنسه، فشمل ~~علاقته بالكون في جملته وتفصيله، ووضع لذلك كله ما شاء الله من الآداب ~~المرضية والتعاليم السامية. وهكذا جمع ما فرقه الناس باسم الدين وباسم ~~الفلسفة، ثم كان له عليهما المزيد ... ~~(2) # وكذلك يرى الناظر في أسلوب الدعوة الأخلاقية في الإسلام، أنها منزهة ~~عن ذلك الطابع التعبدي التحكمي الذي زعموه في الأخلاق الدينية، وأنها ~~على العكس من ذلك تعتمد دائما على الحكم المعقولة المقبولة، مخاطبة ~~الإدراك السليم، والوجدان النبيل، بالأسباب المقنعة التي تبرر أمرها بما ~~تأمر به، ونهيها عما تنهي عنه، تفصيلا في ذلك تارة، وإجمالا فيه تارة ~~أخرى. اقرأ إن شئت في الأسلوب التفصيلي أمثال الآيات الكريمة: # ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ~~، # وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ~~، # ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم ~~، # فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ~~ما فعلتم نادمين ~~، # إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~، # ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~، وفي الأسلوب ~~الإجمالي: # وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به ~~، # فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم ~~... حتى إنه في المواضع التي يذكر فيها ~~الأمر مجردا عن كل تعليل، نرى النص يشفع ذلك الأمر بما يبين أنه ليس ~~أمرا تعنتيا تفرض طاعته لمجرد أن صاحبه ذو سلطان قاهر واجب الطاعة؛ ~~بل لأن هذا الأمر ذو علم واسع، وحكمة بالغة؛ فلا يأمر إلا بما يصلح ~~البشرية ويهديها سواء السبيل: # كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم ... والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون ~~، # فريضة من الله إن ~~الله كان عليما حكيما ~~. # بل ها هنا ما هو أعظم من ذلك خطرا! # يفخر ms21 الحكماء بأنهم اكتشفوا للإلزام الأدبي مصدرا آخر، غير الوحي ~~السماوي؛ ذلك هو النور العقلي، أو الإحساس الأخلاقي الذي ينطوي عليه كل ~~قلب إنساني. ألا فليعلموا أنهم لم يأتوا بجديد غريب عن الإسلام. فالقانون ~~الإسلامي في رجوعه إلى العقل السليم والوجدان النبيل، يرجع إليهما لا ~~باعتبار أنهما شهيدان له فحسب، يؤيدان حكمه ويشفعان له عند المخاطبين، ~~كما بينا آنفا؛ بل إنه يقلدهما مقاليد الحكم، ويخولهما حق الأمر ~~والنهي، في أطوار ثلاثة: قبل ورود الشرع، وفي أثناء نزول الشرع، وبعد ~~انتهائه وتمامه. # أما قبل الشرع فإن القرآن يقرر في أصرح عبارة أن النفوس كلها قد ~~منحت بفطرتها قوة التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والتقوى ~~والفجور: # ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها ~~، # بل الإنسان على نفسه بصيرة * ~~ولو ألقى معاذيره ~~، ثم لا يكتفي بأن يجعل هذه ~~البصيرة قوة كاشفة معرفة؛ بل يجعلها آمرة ناهية، وينعى على من يخالفها ~~بأنه من أهل الضلال والطغيان: # أم تأمرهم ~~أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون # هذه القضية ~~المنفصلة لا تدع مجالا للشك في وجوب الخضوع لأوامر الأحلام والعقول، متى ~~اتضح أمامها طريق الحق والخير. وكذلك يقول صاحب الرسالة الباهرة صلوات الله ~~عليه: «إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه يأمره ~~وينهاه.» # وبعد فما لي أراك ها هنا في شيء من الدهشة والاضطراب، كأنك تخشى أن نكون ~~في هذه القضية قد أقدمنا على أمر خطير؟ لعلك سمعت بعض أهل العلم يقولون إن ~~تحكيم العقول في حسن الأفعال وقبحها إنما هو مقالة أهل الاعتزال، وإن أهل ~~السنة لا يرون للأفعال في نفسها حسنا ولا قبحا، وإنما الحسن ما أمر به ~~الشرع، والقبيح ما نهى عنه الشرع! # ألا فاعلم أنه ليس في الدنيا عاقل: أشعري ولا معتزلي ولا غيرهما، ينكر ما ~~منحه الله للإنسان من ملكة التمييز بين الأفعال والحكم عليها بالحسن أو ~~القبح، بمعنى أن بعضها يعد صفة كمال، وبعضها يعد صفة نقص، أو أن ~~بعضها يقبله الطبع المستقيم، وبعضها يمجه الذوق السليم، أو أن ms22 بعضها ~~يمدح فاعله، وبعضها يذم مرتكبه ... فلذلك كله مما لا جدال فيه، وإنما ~~الجدال الذي سمعت خبره بين الأشاعرة والمعتزلة كان في شأن آخر: وهو أن هذه ~~الأحكام التي تصدرها عقولنا، هل تجزم بمطابقتها للواقع وبأنها هي حكم ~~الله في نفس الأمر؟ وهل نعتقد أن الله كلفنا باتباعها، وسيحاسبنا عليها، ~~ويجزينا بها مثوبة أو عقوبة، من قبل أن يرسل بها رسولا من عنده، أو ~~ينزل إلينا بها كتابا نقرؤه؟ أم أننا ينبغي لنا ألا نتخذ أحكامنا مرآة ~~صادقة لأحكام الله، ولا نجترئ على القول بأنها مقياس أمره ونهيه، إلا ~~أن يبعث إلينا بسلطان من عنده، يقرنا عليها، ويلزمنا بقضيتها؟ # هذا هو محل الخلاف هناك. ولكنه ليس مجال بحثنا هنا، وإنما الذي يعنينا ~~في هذا المقام هو اتفاق الطرفين على أن الإسلام يقرر للعقل سلطانا ~~أدبيا بالمعنى الإنساني الذي شرحناه آنفا، وهو المعنى الذي زعم علماء ~~أوروبا أنهم اكتشفوه في المذاهب الفلسفية خاصة. هذا السلطان الأدبي الذي ~~يسميه الفلاسفة «سلطان الضمير» يعترف الإسلام به على استقلاله وكماله في ~~الفترة التي تسبق قيام الشريعة ووصولها إلى من وجهت إليه، كما ~~بينا. # يبقى البحث في نظرة الإسلام إلى هذا السلطان العقلي، في أثناء نزول ~~الشريعة السماوية وبعد تمامها: هل متى نزلت الشريعة وبلغت أهلها أصبح ~~أمرها ناسخا لأحكام العقل وأوامره، كما يبطل التيمم بحضور ~~الماء؟ # كلا، إن النور لا ينسخ النور، ولكنه إما أن يؤكده ويؤيده، وإما أن ~~يغذيه ويرفده، وإما أن يكمله ويزيده. # وتفصيل ذلك أن شئون الإنسان على ثلاثة أضرب: منها ما للعقل فيه مجال ~~واضح، وحكم حاسم. وهو الأصول التي لا تتعارض فيها الأنظار ولا يختلف فيها ~~اثنان؛ كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، ونبل الإحسان في رد ~~الإساءة، ولؤم الإساءة في جزاء الإحسان ... فيجيء الشرع في هذه المواضع ~~مقررا لحكم الفطرة ومؤكدا. ومنها ما للعقل فيه نور ضئيل تغشاه ~~الظلال، وتخالطه الأوهام. وهو مواضع الشبهات العقلية؛ كالخمر، والربا، ~~والصدق الضار، والكذب النافع، واستبقاء الحياة المعذبة مع اليأس، والتضحية ~~بها ms23 في سبيل الواجب مع القدرة على حفظها ... فهنا يجيء الشرع إمدادا لنور ~~العقل، بترجيح جانب الحكمة والرشد فيه وتصحيح أخطاء الوهم التي تخالطه ~~وتغشاه. ومنها ما لا مدخل للعقول فيه بإطلاق؛ كتفصيل أنواع العبادات ~~وكيفياتها ومقاديرها ... فيكون ورود الوحي بها مكملا لما فات العقل ~~إدراكه، ماحيا للظلمة التي تركها وراء حدوده. وهكذا يكون للفطريين الذين ~~لا يتبعون إلا شريعة العقل، نور واحد، ويكون لأتباع الشرائع السماوية ~~نوران اثنان، كما قال سبحانه: # نور على ~~نور ~~. # ولا تحسبن أن نور الشريعة فيما لم يهتد إليه العقل بمفرده قد أصبح ~~مستغنيا عن نور الفطرة جملة، كلا، فإنه لا يزال في أشد الحاجة إلى رفده ~~وعضده، من ثلاثة أوجه: # الوجه الأول: # أن الشرع لا يزال يستند إليه عند مطالبته للمؤمنين بأداء ~~واجباتهم الشرعية، لا باعتبار أنها أوامر إلهية فحسب، بل ~~باعتبار أنها أصبحت أوامر أخلاقية بعد أن سبق تعهدهم بها ~~تعهدا كليا عاما، بمقتضى عقد الإيمان الذي ينطوي ~~على التزام السمع والطاعة. ألا ترى إلى قوله سبحانه: # واذكروا نعمة الله ~~عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ~~إذ قلتم سمعنا وأطعنا ~~، وقوله: # وقد أخذ ميثاقكم إن ~~كنتم مؤمنين ~~. # الوجه الثاني: # أن أوامر الشريعة في معظم شأنها أوامر عامة كلية، ~~يكل الشرع تفصيلها وتحديدها إلى تقدير الوجدان الخلقي، ~~الذي أودعه الله في كل نفس، وفي كل جماعة بشرية. ~~وكثيرا ما يصرح القرآن بتفويض هذا الوجدان الشخصي أو ~~الجماعي في تحديد مقادير الحقوق والواجبات وأساليبها: # ممن ترضون من ~~الشهداء ~~، # رزقهن وكسوتهن بالمعروف ~~، # متاعا ~~بالمعروف ~~. # الوجه الثالث: # وهو أعم وأدق، أن الإسلام لا يطلب، ولا يرضى، أن تنفذ ~~أوامره تنفيذا آليا، خضوعا لصولة حكمه، بل لا بد قبل ~~كل شيء أن تسري أوامره إلى أعماق الضمير، حتى يتشربها ~~القلب، ثم تفيض عنه بعد أن تكون قد تحولت فيه إلى أوامر ~~ذاتية انبعاثية ... ذلك أن أول خطوة في امتثال الواجب هي ~~الإيمان بوجوبه وعدالته؛ والخطوة التي تليها هي أن يحمل ~~هذا الإلزام إلى النفس على كف الضمير، مشفوعا بصوت ~~منبعث ms24 من أعماقه ، يناديها: «أيتها النفس! إن الله يأمرك ~~أن تفعلي، وأنا آمرك أن تطيعي أمره؛ فإنه حق وعدل، ~~وإنه لا خيرة لك في رده.» فإن لم ينبعث من الأعماق هذا ~~التبليغ، ولم يرتفع فيها هذا الصوت الداخلي، ترديدا لصدى ~~ذلك الصوت السماوي، كان العمل كله هباء عند الله وفي نظر ~~قانون الأخلاق. # القلب (أو الضمير) إذن هو بريد الشرع، الذي لا سبيل إلى الامتثال إلا ~~عن طريقه. وكفى بهذا رفعا لمكانته في غضون أحكام الشريعة. # وبعد، فإن الشريعة نفسها، بعد أن بينت الحلال الصريح، والحرام الصريح، ~~تركت المنطقة التي تختلط فيها الأوصاف، ويشتبه فيها الحكم، وفوضت لكل ~~امرئ أن يستفتي فيها قلبه، ويتحرى فيها طمأنينة نفسه، أخذا بالأحوط ~~والأسلم. هكذا قضى الرسول الحكيم حيث يقول: «الحلال بين والحرام بين، ~~وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد ~~استبرأ لعرضه ودينه.» ويقول: «استفت قلبك واستفت نفسك، البر ما ~~اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد ~~في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك.» # وأخيرا فإن سلطان الضمير في نظر الإسلام لا يقف عند هذا الحد، ولا ~~ينتهي بانتهاء هذه الحياة، بل إن له دورا هاما عند المحاسبة في دار ~~الجزاء، حيث يتقدم بين يدي فصل القضاء، ويصدر حكمه على صاحبه قبل أن ~~يصدر عليه الحكم الأعلى. اقرأ إن شئت قوله تعالى: # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا ~~. ~~(3) # وأما الحديث عن الأجزية والبواعث والأهداف، ودعوى اختلاف طبائعها في نظر ~~الدين عن نظائرها في نظر الفلسفة، فإنه إن سلم في بعض الأديان الأخرى فهو ~~أبعد ما يكون عن وجهة النظر الإسلامية، وهو في جملته أكثر انطباقا على ~~المسيحية منه على اليهودية (إن صحت نسبة كتبهما المعروفة إليهما)، فقد كان ~~الترغيب والترهيب في التوراة بوعود وإيعادات كلها عاجلة في هذه الدنيا، ~~وتكاد تستأثر بها النزعة المادية الخالصة: الصحة، والرخاء، وكثرة الأولاد، ~~وهزيمة الأعداء، ms25 للمطيعين، وأضدادها لأضدادهم، # 2 # ثم جاء الإنجيل على العكس من ذلك يحول أنظار معتنقيه من ~~ملك الأرض إلى ملكوت السماء، ويبشر الخيرين بما أعد لهم في الآخرة، ~~من جزاء القرض الحسن بأحسن منه ... # 3 # أما القرآن فقد نظم هذين الطرفين المتباعدين في سلك واحد: # لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة ~~أكبر ~~، # 4 # ثم لم يكتف بذلك، بل قام إلى جانب مهمة الجمع والتوفيق، بمهمة البناء ~~والإنشاء والتكميل، فوصف ما للفضيلة من الأجزية والآثار المعنوية الصالحة، روحية، ~~وخلقية، وعقلية، وحسية، عاجلة وآجلة؛ بحيث تتذوق فيه كل نفس طعم الأمنية التي ~~تشتاقها، وتسمع كل أذن نغمة الأنشودة المحببة إليها، اقرأ في الروحيات: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه ~~، # فاتبعوني يحببكم الله ~~، وفي الأخلاقيات: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا ~~، # والذين اهتدوا زادهم ~~هدى ~~، وفي العقليات # إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ~~، # ويجعل لكم نورا ~~تمشون به ~~، ومن أجل هذه الجزية القرآنية نعمة الرضا والارتياح لأداء ~~الواجب، وهي تلك المتعة التي تزعم الفلسفة الاستئثار بها: # وجوه ~~يومئذ ناعمة * لسعيها راضية ~~، وفي الحديث ~~الشريف: «من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن.» # هذا ولقد أكثر الجاهلون من المقارنة بين الجنة في الإسلام وفي المسيحية، فوصفوا ~~الأولى بأنها دار طعام وشراب ومتع بدنية مادية خالصة، والثانية بأنها دار حياة روحية ~~صافية. ولقد أخطئوا المرمى في كلا الوصفين؛ فالجنة في القرآن والإنجيل # 5 # كما يعرف بالرجوع إلى نصوصهما دار نعيم بدني وروحي معا. وحق لها أن ~~تكون كذلك؛ فهي جزاء للإنسان في جملته، لا في أحد شطريه دون الآخر. على أن القرآن يضيف ~~إلى تقرير الجزاءين بيان التفاوت العظيم بين قيمتهما، جاعلا المقصود الأهم هو المعنى ~~الروحي منهما، فيقول بعد ذكر المساكن الطيبة في جنات عدن # ورضوان من الله أكبر ~~، وفي الحق أن هذه الجوائز المادية والمتع ~~البدنية، مثلها كمثل الأوسمة التي يهديها الملوك، ليست قيمتها في صورتها ومادتها، ~~ولكن في دلالتها ومغزاها، ألا وهو هذا التكريم والرضوان الذي أشار إليه القرآن. وقد ~~أشار إلى مثل ذلك ms26 في الطرف المقابل؛ إذ عرفنا أن أعظم ما يخشاه العاقل من عذاب النار ~~ليس هو آلامها الحسية، بل ما لها من دلالة معنوية على الخزي والإهانة: # ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته ~~. # هذا هو تحقيق الحق في شأن الأجزية الدينية والفلسفية. # وبعد فإن الناس كثيرا ما يلتبس عليهم الأمر بين أجزية العمل وثمراته من جهة، وبين ~~أهداف العامل وغاياته، من جهة أخرى. وهكذا يخلطون بين الغاية الفعلية بمعنى طرف ~~الطريق وآخره، والغاية المقصودة بمعنى نية العامل وهدفه؛ ظانين أن وضع إحداهما هو ~~وضع للأخرى، حتى كأن الإسلام يلوح للمؤمنين أن يقصدوا بأعمالهم تلك النتائج كلها، أو ~~بعضها على التخيير. كلا إن الأمر ليس كما زعموا؛ فأنواع الأجزية التي قررها القرآن ~~للفضيلة والرذيلة لا تحصى كثرة؛ ولكن الهدف الذي وضعه نصب عين العامل هدف ~~واحد لا تعدد فيه ولا تردد؛ هو وجه الله محضا خالصا. وهذا كما ترى تعبير روحي عن ~~معنى أداء الواجب لذاته. وهو معنى نجده في القرآن في أكثر من ألف موضع، كلها تحث على ~~الفضيلة لما لها من قيمة ذاتية، بغض النظر عن كل آثارها. على أن تلك الأجزية الكريمة ~~التي وعد الله بها المتقين، إنما وعد بها من كانت غايته من عمله هو وجه الله وحده، فهو ~~الذي # أتى الله بقلب سليم ~~، وهو الذي # جاء بقلب منيب ~~، وهو الذي كان عمله # في سبيل الله ~~، وقد سئل النبي عليه السلام عن الجهاد ~~بدافع الحمية، أو لطلب الغنيمة، أو بقصد حسن الذكر، فأومأ إلى أن شيئا من ذلك ليس ~~في سبيل الله، قائلا: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.» أما ~~ما وراء هذه النية من مطامح ومطامع، فهو في نظر الإسلام إما رجس وفسوق من عمل الشيطان؛ ~~كالرياء والسمعة ونحوهما، وإما عبث وضرب من المباح لا قيمة له ولا ثواب، ومن هذا ~~الضرب الأخير أن يكون هدف العامل هو الجنة وما فيها من نعيم. # فلينظر كل امرئ أين يضع نفسه، وأين يوجه ms27 قصده؟ # ولكل ~~وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ~~. # | علاقة علم الأخلاق بالتربية # «التربية» تفعلة، من ربا يربو، إذا زاد ونما. فهي تعهد الشيء ورعايته بالزيادة ~~والتنمية والتقوية، والأخذ به في طريق النضج والكمال الذي تؤهله له طبيعته. # والتربية الإنسانية الكاملة هي التي تتناول قوى الإنسان وملكاته جميعا: ~~(1) # تنمية لجسمه، وحفظا لصحته، وهذه هي التربية البدنية. ~~(2) # وتقويما للسانه وإصلاحا لبيانه، وهي التربية الأدبية. ~~(3) # وتثقيفا لعقله وتسديدا لتفكيره وأحكامه، وهي التربية العقلية. ~~(4) # وتزويدا له بالمعلومات الصحيحة النافعة، وهي التربية العلمية. ~~(5) # وترويضا له على وسائل الكسب لعيشه، وهي التربية المهنية. ~~(6) # وإيقاظا لشعوره بجمال الكون، ومعاونة له على التعبير عن هذا الشعور؛ وهي ~~التربية الفنية. ~~(7) # وتعريفا له بحقوق المجتمع الذي يعيش فيه، وبما فيه من نظم وقوانين؛ وهي ~~التربية الاجتماعية والوطنية. ~~(8) # وتوسيعا لأفق شعوره بالأخوة العالمية؛ وهي التربية الإنسانية. ~~(9) # وتوجيها مستمرا لأعماله على سنن الاستقامة، حتى تتكون منها العادات ~~الصالحة والأخلاق الحميدة الراسخة؛ وهي التربية الخلقية. ~~(10) # ثم تساميا بروحه إلى الأفق الأعلى بإطلاق؛ وهي التربية الدينية. # ولقد يذهب الظن بالناظر في هذا البسط والتقسيم إلى أن «علم الأخلاق»، إنما يعني شعبة ~~واحدة من بين هذه الشعب، وهي شعبة «التربية الخلقية». # وليس الأمر كما يوحي به هذا الظن، فإن سلطان الأخلاق منبسط على وجوه النشاط الإنساني ~~كلها، لا يشذ عنه عمل تربوي ولا غير تربوي، ولا يتفاوت في حكمه نشاط بدني أو عقلي ~~أو فني أو أدبي أو روحي. فالفنان الذي يجافي بفنه قانون الحشمة واللياقة، ويهتك به ستر ~~الحياء والعفاف يتصدى لمقت الضمير الحي، وإن لم تؤاخذه قواعد الفن. والمعلم الذي ~~يختار مادة تدريبه العقلي واللغوي للناشئين من أحاديث الرفث، وأقاويل التحريض على الهجر ~~والإثم، يسيء من حيث يحسب أنه يحسن. والمرشد الديني أو المبشر الذي يتوسل في الدعوة ~~إلى دينه بوسائل الخداع والكذب، أو بشيء من الإغواء بالمال أو الجاه أو غيرهما، يرتكب ~~جريمة من أشنع الجرائم ... وهكذا سائر أنواع التربية وشعبها؛ فإنها وإن اتخذت لها أهدافا ~~أخرى اشتقت لنفسها منها أسماء معينة، إلا ms28 أنها يجب أن تخضع في وسائلها وأساليبها وبواعثها ~~لقواعد الآداب، وأن تقيس ذلك كله بمقاييس الفضيلة. وإنما تمتاز «التربية الأخلاقية» من ~~بين سائر الشعب بأن هدفها القريب، وغايتها المباشرة، هي التدريب على السلوك الرشيد، وتكوين ~~الخلق الحميد. فصلة علم الأخلاق بها أقوى وأقرب. # فلننظر في كنه هذه الصلة. # وسنرى جانبا منها متفقا عليه، وجانبا مختلفا فيه. # فأما القدر الذي لا خلاف فيه فهو أن علم الأخلاق هو أول الوسائل وأولاها بعناية ~~المربين؛ لأنه هو المصباح الكاشف لمسالك الرشد والغي، ولأنه هو المعيار الذي توزن به ~~نوايا العاملين وبواعثهم. فمن صادف سبيل الهدى مصادفة من غير قصد ولا شعور بإلزام الواجب ~~فيه، كان مثله كمثل الذي يقضي بين الناس خبط عشواء، وهو جاهل بما يقضي فيه. فلا ~~فضل له إن أصاب، بل هو أحد القاضيين اللذين في النار، كما جاء في نص الحديث الصحيح. # 1 # وأما القضية التي اختلفت فيها مذاهب الفلسفة منذ القدم، فهي أن العلم بالفضيلة هل يكفي في ~~تحصيلها والتحقق بها؟ وبتعبير آخر هل علم الأخلاق وسيلة تامة في التربية الخلقية؟ # أجاب «سقراط»: أن نعم! فإن من عرف أن الهدف الذي تنزع إليه فطرة الإنسان هو سعادته ~~الحقيقية، وأن الفضيلة هي الطريق الوحيد الموصل إلى ذلك الهدف، لا يمكن أن يخطئ طريقها، ولا ~~يتصور أن يسلك أحد سبيل شقاوته وهو عالم به طائع مختار في عمله، فالأشرار وأراذل ~~الناس لا ذنب لهم إلا جهلهم بحقيقة مقاصدهم، أو جهلهم بتحديد وسائلها؛ وعلاجهم إنما هو ~~بتصحيح معلوماتهم، لا بتقويم نواياهم وعزائمهم، لأنهم لا ينوون إلا خير أنفسهم، ولكنهم ~~يجهلون هوية هذا الخير، أو يجهلون وسائله. هكذا قرر مؤسس الفلسفة العملية. # أما تلميذه «أفلاطون» فقد اختلفت عبارته، فقرر في بعض مواضع من كتبه أنه ليس بالعلم ~~وحده يصبح المرء فاضلا؛ فإن الرجل قد يعرف الشر ويأتيه، ويعرف الخير ولا يفعله، # 2 # وإنه لو كانت الفضيلة تنتقل بالتعليم، كما تنتقل العلوم من عقل إلى عقل بالأدلة ~~والبراهين، لاستطاع حكماء أثينا أن يجعلوا ms29 تلاميذهم فضلاء مثلهم. وقال في موضع آخر إن ~~الفضيلة التي لا تحتاج إلى تعليم إنما هي الفضيلة الفطرية الموروثة، التي لا تشعر بنفسها. ~~أما الفضيلة الحقيقية فهي التي تعتمد على معرفة الخير ونيته. # ومن تأمل في كلا التقريرين من قول «أفلاطون» لم يجد بينهم اختلافا، ولم يجد في واحد ~~منهما تأييدا لقول «سقراط»: إن العلم بالفضيلة كاف في تحصيلها. # على أن مؤرخي الفلسفة يميلون في تفسير هذه المقالة إلى ما أشار إليه «أفلاطون» من أنه ~~ليس المقصود بالعلم مجرد المعرفة التلقينية، أو الإدراك العقلي الجاف؛ بل المعرفة التي ~~تمتد من العقل إلى القلب، وتصبح إيمانا عميقا، وقوة ملهمة متحمسة. قالوا: ولا ريب أن هذا ~~الضرب من العلم كاف في نجاح التربية وإثمارها للفضيلة، حتى إن الذي يفعل السوء يبرهن بفعله ~~على نقص في معرفته بالخير وإيمانه به. # 3 # ونحن وإن كنا نوافق على أن المعرفة وحدها ليس لها كبير جدوى إن لم يكن لها رفد من قوة ~~الإيمان، نرى مع ذلك أن ضم العنصرين غير كاف في تحقيق الفضيلة العملية، وأن التربية ~~الناجحة لا غنى لها عن توافر عوامل طبيعية وعوامل إرادية، وأنه لا بد لها قبل كل شيء ~~من إزالة الموانع والعقبات من طريقها. ومن أخطر هذه الموانع البيئة السيئة والقدوة ~~الضارة، التي لا ينكر أثرها في سلوك الناشئين؛ كما أن منها الميول المعارضة والعوائد ~~المخالفة في سيرة الناشئ نفسه، ثم يجيء بعد ذلك عوامل إيجابية نبه عليها خاتمة ~~المحققين من فلاسفة اليونان، ونعني به المعلم الأول «أرسطو»، حين قرر أن الإنسان ليس ~~عقلا فحسب، كما زعم «سقراط»، وليس عقلا وعاطفة وكفى، كما ظن «أفلاطون»؛ بل هو إلى ذلك ~~إرادة فعالة، وعزيمة نافذة، وإذن فليست الفضيلة علما وإيمانا ينزعان بصاحبهما إلى العمل ~~مع قصور الهمة عن تحقيق هذه النزعة، بل هي عمل يبرز إلى الوجود، ويرى ضوء الحياة. # فهذه واحدة. # والثانية أن هذا العمل حين يبرز إلى الوجود لا يكفي أن يقع مرة أو مرتين، بل يجب أن ~~يتكرر ms30 ويستمر حتى يصبح عادة ثابتة، وخلقا راسخا، كأنه طبيعة ثانية، فلا بد إذن من ~~رياضة وتدريب على العمل بما نعلم وتلك هي حقيقة التربية العملية. # وأخيرا فليست الفضيلة عملا آليا تسخيريا تمجه نفس فاعله، ويأباه طبعه؛ بل هي ~~عمل انبعاثي محبب إلى القلب، حتى إن الذي يفعل الخير عادة، ولكنه لا يجد في نفسه أريحية ~~له، ليس خليقا أن يسمى خيرا. # وإننا لنجد مصداق هذه النظرات الدقيقة السديدة في القرآن المجيد: # أفرأيت الذي تولى * وأعطى قليلا ~~وأكدى ~~، # ومن الأعراب من يتخذ ما ~~ينفق مغرما ~~، # ولا يأتون الصلاة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ~~، # ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في ~~قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك ~~هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم ~~حكيم ~~. ms31