######OpenITI# #META# URI: 1377MuhammadKhidrHusayn.HayatIbnKhaldun.Hindawi63836061 #META# Tags: biographies #META# ID: 63836061 #META# Title: حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية #META# AuthorID: 28079706 #META# Author: محمد الخضر حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # مقدمة‏ # حياة ابن خلدون‏ # كلمة المؤلف‏ # مقدمة‏ # حياة ابن خلدون‏ # | حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية # | حياة ابن خلدون ومثل من فلسفته الاجتماعية # تأليف # محمد الخضر حسين # | كلمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي فضل الإنسان على كثير ممن خلق تفضيلا، وجعل تفاضلهم بالتفقه في حقائق ~~الشريعة، والغوص على أسرار الكائنات، ولن تجد لسنته تبديلا. والصلاة والسلام على سيدنا ~~محمد الداعي إلى سبيل ربه بالحكمة، ثم الرضا عن آله وصحبه الذين ارتقوا بسكان هذه ~~البسيطة إلى أوج السعادة فكانوا خير أمة. # أما بعد، فقد قرر مجلس إدارة «جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية» القيام بمحاضرات ~~علمية اجتماعية، ووقع الاختيار على أن يكون موضوع المحاضرة المقترح علي إلقاؤها مساء ~~يوم الجمعة 5 صفر سنة 1343 «حياة الفيلسوف أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون ونموذجا من ~~فلسفته الاجتماعية». فرأيت أن أفتتح المحاضرة بمبدأ نشأته وأتنقل في المهم من أطوار ~~حياته مراعيا ترتيبها الطبيعي، ثم أسوق جملة من فلسفته التي طويت صحائفها في خزائن ~~كتبنا أحقابا، ودرسها الأجنبي، ثم ضرب لها في القارة الأوروبية أمثلة تشهد بصحتها، ~~وعلى الله قصد السبيل. # | مقدمة # أيها السادة الكرام! # تأسست هذه الجمعية لتنهض بجاليات إفريقية الشمالية حتى يسيروا مع إخوانهم المصريين جنبا ~~لجنب؛ يسايرونهم في أفكارهم، في آدابهم، في معارفهم، في كل شأن من شئون حياتهم الاجتماعية ~~الراقية. وكذلك يجب على كل جالية تعيش بين قوم ناهضين. وكذلك يجب على كل جالية تعيش في بيئة ~~هي أوسع من أوطانها حرية واحتمالا للمشروعات الإصلاحية. # وللدعوة إلى المنافسة في الخير والمسابقة في حلبة الشرف والسعادة طرق شتى، ومن أقربها ~~مأخذا وأبلغها أثرا: إلقاء محاضرات تتمثل فيها سير رجال أدركوا بصفاء ألمعيتهم وكبر ~~هممهم مكانة راسخة، وسمعة فائقة. وقد بدا لنا أن نفتتح محاضراتنا بذكرى الفيلسوف الاجتماعي ~~أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون. # | حياة ابن خلدون # (1) نسب ابن خلدون # هو ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر ms01 بن محمد ~~بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي، # 1 # ويتصل هذا النسب إلى وائل بن حجر الصحابي الذي وفد على النبي # صلى الله عليه وسلم # فبسط ~~له رداءه وأجلسه عليه ودعا له. # ذكر ابن خلدون نسبه على هذا النسق، وقال: لا أذكر من نسبي إلى خلدون غير هؤلاء ~~العشرة. ~~(2) دخول سلفه إلى الأندلس # كان خلدون المذكور قدم من المشرق في رهط من قومه أهل حضرموت ونزل إشبيلية، وهي حمص ~~التي يقول فيها صاحب مرثية الأندلس: # وأين حمص وما تحويه من نزه # ونهرها العذب فياض وملآن # تفرع آل خلدون في إشبيلية، وكانت لهم فيها زعامة ورياسة. ثم رحل جده الحسن عقب فتنة ~~خفقت ريحها في تلك البلاد فنزل سبتة، ثم أرخى زمام مطيته متوجها إلى مدينة «عنابة»؛ ~~لصلة كانت بين بعض أسلافه وبين صاحبها الأمير زكرياء، فلقيه الأمير باحتفاء، وأدخله في ~~سلك رجال دولته، وجرى ابنه محمد على سننه في خدمة الدولة، وأدرك ما ناله والده من ~~وجاهة وإقبال. وانتهى أمر ابنه محمد - الذي هو الجد الأدنى للفيلسوف ابن خلدون - إلى ~~السكنى بمدينة «تونس» والانتظام في هيئة الدولة، وكان السلطان أبو يحيى إذا خرج من ~~مدينة تونس يستعمله عليها، ولكن ابنه محمدا - وهو والد الفيلسوف المتحدث عن حياته - ~~عدل عن مسلك السياسة وخدمة الدولة، وأثر مدارسة العلم ومجالسة الأدباء، فأصبح معدودا ~~في زمرة العلماء، ومشهودا له بالتقدم في فن الأدب. ~~(3) نشأة ابن خلدون في تونس # في هذا البيت - الذي تقلب رجاله في أطوار خطرة، ثم بسط فيه العلم أشعة باهرة - ~~ولد أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون في غرة رمضان سنة 732، فكانت نشأة ابن خلدون في ~~أسرة امتطت ذرى الرياسة، وخفق فيها روح العلم والأدب؛ مما ساعد ذكاءه الفطري على أن ~~يشتعل بشدة، وجعل نفسه الزكية بمقربة من الهمم الكبيرة. # نشأ ابن خلدون وكانت رياض العلم في مدينة تونس زاهية، وسوق الأدب نافقة، فاستظهر ~~بالقرآن، وتلقى فن الأدب عن والده، ثم أقبل يجتني ثمار العلوم بشغف، ويتردد على ~~مجالسة ms02 العلماء الراسخين: مثل قاضي القضاة محمد بن عبد السلام، والرئيس أبي محمد ~~الحضرمي، والعلامة الآبلي. ولم يكد يستوفي سن العشرين حتى تجلت عبقريته، واستدعاه أبو ~~محمد بن تافراكين المستبد وقتئذ إلى كتابة العلامة عن السلطان أبي إسحاق وهي: «الحمد ~~لله والشكر لله» تكتب بالقلم الغليظ ما بين البسملة وما بعدها من مخاطبة أو مرسوم، وهذا ~~مبدأ دخول ابن خلدون في حياته السياسية. ~~(4) عزمه على الارتحال # تولى هذا العمل وهو يطوي ضميره على الرحلة من إفريقية؛ لوحشة أثارها في نفسه ذهاب ~~معظم شيوخه، وانطواء مجالس كانت أنهار علومها دافقة، وقطوف آدابها دانية. ويمكنك من ~~هاهنا أن تعرف لابن خلدون وهو في شرخ شبابه مبدأ من مبادئ الفطرة السليمة، والهمة ~~الشامخة؛ وهو الاستخفاف بالمقام الوجيه لدى الدولة، وإيثار ما فيه كمال نفسي ولذة روحية ~~على مظاهر الأبهة ومواطن الراحة والنعيم. ~~(5) رحلته إلى بجاية # لبث ابن خلدون بعد تقليده رسم العلامة أمدا غير بعيد حتى أمكنته الفرصة من أمنيته، ~~وغادر تونس سنة 753 إلى قفصة ثم إلى بسكرة ونزل فيها ضيفا مكرما لدى صاحبها يوسف بن ~~مزني. # ثم خرج منها قاصدا السلطان أبا عنان وهو يومئذ بتلمسان، فلقيه على الطريق ابن أبي ~~عمرو صاحب بجاية آيبا من تلمسان، فصرفه عن قصد أبي عنان، وحمله على المسير معه إلى ~~بجاية؛ ليغتبط بصحبته، وتزدهي بمثل ابن خلدون أيام دولته. ~~(6) ابن خلدون عند سلطان فاس # لم يكد ابن خلدون يقضي في كنف صاحب بجاية برهة حتى طار صيته، وعبق ذكره في حضرة ~~السلطان أبي عنان، وقد جعل هذا السلطان بعد عوده إلى فاس يؤلف من جلة العلماء مجلسا ~~حافلا، فاستدعاه من بجاية سنة 755 فأكمل به نظام مجلسه العلمي، واختاره للكتابة ~~والتوقيع بين يديه. قال ابن خلدون: «فتحملت هذا العمل على كره مني؛ إذ كنت لم أعهد مثله ~~لسلفي.» ~~(7) اتهامه بالمؤامرة على ما يغضب السلطان # حظي ابن خلدون لدى أبي عنان وارتقى في دولته مكانا عليا، فأخذ حر الحسد يلفح ~~قلوب بعض منافسيه، فأخذوا يبيتون له ms03 المكايد، وينصبون له شرك السعاية ، حتى استطاعوا ~~أن يدخلوا إلى إفساد قلب السلطان عليه من باب السياسة؛ إذ رموه بالدخول في مؤامرة مع ~~الأمير محمد صاحب بجاية. ولتهمة الائتمار على نقض شيء مما تبنيه يد الدولة سهام لا تكاد ~~تخسأ، إذا لم تصب المقاتل أوهت العظم وقلقلت الحشا وسلبت الأجفان نومتها الهادئة، ~~وبالأحرى حيث لم تكن قضاياها مما يوكل إلى اجتهاد محكمة عادلة، وإنما ينفرد بسماع ~~بلاغها ويستبد بتقدير عقوبتها أحد الخصمين الذي هو الرئيس الأعلى. ~~(8) ابن خلدون في السجن # انطلت تلك التهمة على فكر أبي عنان فقبض على ابن خلدون والأمير محمد وزجهما في ~~السجن. وكانت هذه النكبة أول ما لقيه ابن خلدون من بلاء السياسة، وأيقن بها أن إقبال ~~الدولة سرعان ما ينقلب إدبارا، وأن عزا تبنيه للرجل صباحا قد يأتي عليه المساء، ~~فإذا هو الدرك الأسفل من الهوان. # ثم إن السلطان أطلق سبيل الأمير محمد، وترك ابن خلدون يقاسي شدة الحبس ويتجرع مرارة ~~المحنة، حتى التجأ في استعطافه وجلب مرضاته إلى وسيلة الشعر والمديح وخاطبه بالقصيدة ~~التي يقول في طالعها: # على أي حال لليالي أعاتب # وأي صروف للزمان أغالب # وقد تنجح شفاعة الشعر لدى الحاكم المطلق وتأتي بالأثر الذي تذهب الحجج الساطعة دونه ~~عبثا. وما كان من أبي عنان إلا أن هش للقصيدة - وكان وقتئذ بتلمسان - ووعد بالإفراج ~~عن ابن خلدون عند حلوله بحاضرة فاس. ولكنه لم يلبث بعد إيابه إلى الحاضرة إلا خمس ليال ~~فطرقه الوجع ولقي أجله قبل أن يفي بوعده لابن خلدون. ~~(9) خروجه من السجن وولايته كتابة السر وخطة المظالم # وبعد مهلك السلطان بادر الوزير الحسن بن عمر إلى إطلاق سراح ابن خلدون من الاعتقال، ~~وخلع عليه من الإكرام بردا ضافيا، وأعاد إليه ما كان يتقلده من أعمال الدولة. # وعندما استلم السلطان أبو سالم زمام الملك استعمل ابن خلدون على كتابة سره، وألقى ~~إليه الأمر في إنشاء مخاطباته، فعدل بالإنشاء عن طريقة التسجيع وأخذ به في طريق ~~الترسل - ولم يكن في كتاب الدولة لذلك ms04 العهد من يجيد صناعة الترسل - فكانت هذه ~~المزية من أسباب تفوقه وإحرازه قصب السبق في حلبة البيان والتحرير. # ولم تزل مكانته لدى أبي سالم راضية، ولم تزحزحه سعاية ابن مرزوق - التي تناولت أكثر ~~رجال الدولة - عما كان يتولاه من كتابة السر وإنشاء المخاطبات، بل لم تقف في سبيل ~~تقليده خطة المظالم آخر عهد الدولة، حتى ثار الوزير عمر بن عبد الله على السلطان ونبذ ~~الناس بيعته من أعناقهم. ~~(10) ابن خلدون في دولة الوزير عمر بن عبد الله # وقع زمام الحكم في قبضة الوزير عمر بن عبد الله وكانت بينه وبين ابن خلدون قبل توليه ~~أمر الدولة مودة وصحبة، فأقره على ما كان يتولاه من العمل وزاد في جرايته. وكان ابن ~~خلدون يطمح بطغيان الشباب إلى غاية أسمى مما يتولى من الأعمال، وفي أمله أن عناية ~~صديقه المقتدر لا تتريث في إسعافه ببغيته. ولما لاح له أن الوزير أخل بعهد الصحبة ~~أخذه الاستياء من تقصيره إلى أن انقطع عن دار السلطان وهجرها؛ إدلالا بسابق المودة، ~~ولكن منصب الوزارة أنسى عمر بن عبد الله أن من أساليب عتب الأصدقاء وتذكيرهم بحق أغمضوا ~~عنه هجرهم من غير جفاء، وصرف القدم عن زيارتهم لا عن ملل. ولم يشأ منصب الوزارة إلا ~~أن يفهمه أن تقاعد ابن خلدون عن مقر السلطان زلة جره إليها تعاظمه وقلة وفائه بما ~~يستحق مقام الرياسة العليا من إكبار وخضوع، فبدلا من أن يرعى الوزير مقام الصداقة ~~ويجعله أرفع مكانا وأقوى سلطانا من مقام الرياسة، أخذته نخوة السلطة، وقابل هجر ~~العتاب والإدلال بهجر الجفاء والتقاطع. # ولما رأى ابن خلدون منه التنكر والإصرار على الإعراض عنه استأذنه في العود إلى ~~إفريقية، فلم يجز له ذلك، وشدد في منعه، حتى دخل عليه يوم عيد الفطر وخاطبه بقصيدة ~~يقول في طالعها: # هنيئا لعيد لاعداه قبول # وبشرى لعيد أنت فيه منيل # فحلت هذه القصيدة عقدة من إبائه، وأذن له في السفر، على شرط أن لا يتخذ سبيله إلى ~~تلمسان؛ كراهة أن يتصل بصاحبها أبي ms05 حمو ويشتد به أزر دولته . ~~(11) رحلة ابن خلدون إلى الأندلس # احتمل ابن خلدون هذا الشرط، وولى وجهه شطر الأندلس وافدا على السلطان ابن الأحمر ~~بغرناطة. ولما بات بمقربة منها وافته من وزيرها لسان الدين بن الخطيب رسالة يهنئه فيها ~~بالقدوم، ويعبر بها عن شدة ابتهاجه للقياه، ووضع في صدر الرسالة أبياتا - على سنة ~~من يجيد صناعتي الشعر والنثر - وهي: # على الطائر الميمون والرحب والسهل # حللت حلول الغيث في البلد المحل # يمينا بمن تعنو الوجوه لوجهه # من الشيخ والطفل المعصب والكهل # لقد نشأت عندي للقياك غبطة # تنسي اغتباطي بالشبيبة والأهل ~~(12) إرساله سفيرا إلى ملك الإسبان # نزل ابن خلدون من السلطان ابن الأحمر منزلة الاحتفاء والإنعام، وندبه للسفارة بينه ~~وبين ملك الإسبان، فعرف الملك قيمته وأعجب بكماله ومقدرته، حتى دعاه إلى الإقامة معه ~~بدار ملكه «إشبيلية»، ملتزما له بأن يرد عليه ما كان لسلفه من أملاك، فرفض ابن خلدون ~~هذه الدعوة، ولم يكن ممن يشغفه المال حبا فيؤثره على المقام بين أمته التي يشرف ~~بشرفها وينحط شأنه بانحطاط سمعتها. ~~(13) تنكر وزير الأندلس له # حاز ابن خلدون لدى ابن الأحمر رعاية ضافية، فجاش الحسد في نفوس بعض معاديه، وطفقوا ~~يسرون لابن الخطيب ما يزلزل ركن الصداقة بينه وبين ابن خلدون؛ حتى اغبر صدره، ~~وبدا عليه انقباض أحس به ابن خلدون، فجعل وجه البلاد في عينه قاتما، ولم يسعه بعد ~~تنكر ابن الخطيب - وهو القابض على مقاليد الدولة - إلا أن يعتزم على الرحلة، واتفق أن ~~وافته كتب من أبي عبد الله صاحب بجاية يستدعيه للقدوم عليه، فاتخذها ذريعة لاستئذان ~~السلطان في الانصراف إلى إفريقية دون أن يطلعه على ما كان بينه وبين ابن الخطيب، فامتعض ~~في مبدأ الأمر ضنا بفراقه، ثم ادكر أن للحنين إلى الوطن حكما لا يغالب، فأذن له ~~بالظعن وأصدر في تشييعه مرسوما من إملاء ابن الخطيب، يشهد له فيه برفعة القدر واستقامة ~~السيرة والتحقيق في العلم، ويوصي قواد الدولة وأعوانها برعايته وإسعافه في كل ~~حال. ~~(14) سفرة الثاني إلى بجاية # سافر ms06 إلى بجاية سنة 766، وأقيمت له يوم مقدمه حفلة مشهودة، فأركب السلطان خاصته ~~لاستقباله، وهرع إليه أهل البلد بنفوس متعطشة إلى لقائه، وانهالوا يمسحون أعطافه ~~ويلثمون يده. فاجتمع له في هذا الاحتفال إقبال الدولة وانعطاف الأمة، وهما لا يجتمعان ~~لشخص بانتظام إلا حيث تكون الدولة رشيدة، وإذا كانت الدولة قد تقبل على غير عظيم، فإن ~~الأمة لا تخلع عطفها وإجلالها إلا على من تقدر عظمته وتثق بإخلاصه. ~~(15) ولايته الحجابة لسلطان بجاية # تقلد ليوم خلا من قدومه منصب الحجابة، وهي لدى دول المغرب: الاستقلال بإدارة شئون ~~الملك، والانفراد بالوساطة بين السلطان وبين أهل دولته. بيد أنه استلم زمام السياسة بعد ~~أن نشأت بين السلطان أبي عبد الله وابن عمه أبي العباس صاحب قسنطينة فتنة نفدت التدابير ~~دون إطفائها، وما برحت تتأجج إلى أن كانت عاقبتها قتل أبي عبد الله، واستيلاء أبي ~~العباس على بجاية. # خرج ابن خلدون باسطا يد الطاعة إلى أبي العباس ولقي منه احتفاء وإنعاما، وسرعان ما ~~انكفأت عقارب السعاية به تدب حول السلطان فلم ينشب أن استأذنه في الانصراف، فأجاب طلبه ~~بعد تمنع وارتحل حتى عرج على بسكرة لصحبة كانت بينه وبين أميرها أحمد بن يوسف بن ~~مزني. ~~(16) انصرافه إلى العلم # وما كان يمتحن به ويقاسيه من مشاكسة المنافسين له في مقاعد الرياسة ونصبهم حبائل ~~السعاية به، ثم تنكر السلطان له بعد الرعاية والإقبال صرف قلبه عن التعلق بأسباب ~~السياسة، وجعله يفرغ همته في تحقيق العلوم ودراستها. ومن أجل هذا قعد عن السفر إلى أبي ~~حمو صاحب تلمسان حين استدعاه ليقلده الحجابة وكتابة العلامة، ووجه إليه أخاه يحيى؛ ~~ليقوم بعمل هذه الوظيفة مكانه. ~~(17) المراسلة بينه وبين الوزير ابن الخطيب # بعث إليه الوزير ابن الخطيب من غرناظة برسائل يشكو فيها مضض النوى ويتلهف على عهد ~~اللقاء. وقلوب الأصدقاء قلما تتصدع بحزازات الوشاية وتعود إلى عنفوان ودها الصميم، ~~ولكن الرقة الدافقة على ذوق ابن الخطيب، والأدب المنسجم في مزاج خلقه الرصين، ذهبا بأثر ~~ما سعى به إليه قوم لا يفقهون، ونهضا ms07 به إلى تأكيد صداقة انتظمت بينه وبين رجل يدانيه ~~علما وأدبا، ويضاهيه في طرق التفكير والعمل لرقي نظام الاجتماع. # وإذا كانت الرسائل مثالا لمنهج الرجلين في المحاورة ساعات اللقاء، فإن هذه المراسلة ~~تنبئك أن المجالس التي كانت تعقد بين هذين الوزيرين الخطيرين لم تكن مضمار علم وأدب ~~فقط، بل كانت ممتعة بالنظر في الشئون السياسية الداخلية والخارجية، فقد أتى ابن الخطيب ~~في بعض هذه الرسائل على تفاصيل من أحوال الدولة بغرناطة، وألم فيها بأنباء عن دولة ~~الإسبان في إشبيلية. وكذلك تجد ابن خلدون تعرض في الجواب عن تلك الكتب لحوادث دول ~~شتى، فنسق فيها قسطا من الحديث عن شئون دول تونس والجزائر والمغرب الأقصى والحجاز ~~ومصر. ولو أن علماء الإسلام أخذوا في هذا السبيل أينما كانوا، ومدوا جانبا من عنايتهم ~~إلى الاطلاع على تصاريف الدول ومجاري سياستها لبلغوا منتهى السؤدد، وبرءوا من تبعة ~~وقوع الشعوب الإسلامية في هذا البلاء المبين. ~~(18) مساعيه السياسية وهو في بسكرة # أقام ابن خلدون في بسكرة مقبلا على دراسة العلم، ولم ينكث يده مع ذلك من التدخل في ~~شئون الدولة، فكان يشايع أبا حمو صاحب تلمسان حين نهض يجلب بخيله ورجله على بجاية، فكان ~~وسيلة إلى توثيق عرى الصلة بينه وبين السلطان أبي إسحاق صاحب تونس، وحمل بعض القبائل ~~على مناصرته حتى سار إليه بطائفة من قبيل الذواودة، والتقى به في البطحاء، ثم قفل معه ~~راجعا إلى تلمسان؛ إذ بلغ أبا حمو أن السلطان عبد العزيز صاحب المغرب الأقصى يتحفز ~~للوثوب على تلمسان، ولما اقتربت ساعة استيلائه عليها وأخذ أبو حمو في أهبة الانجلاء ~~عنها إلى الصحراء اعتزم ابن خلدون على الارتحال إلى الأندلس، وحمله أبو حمو رسالة إلى ~~ابن الأحمر صاحب غرناطة فاتصل نبأ سفره بالسلطان عبد العزيز، ونمي إليه أنه يحمل وديعة ~~إلى ابن الأحمر فأنفذ إليه سرية اعترضت سبيله فلم تلق عنده ما يحقق هذه التهمة، ~~وانقلبت به إلى السلطان فلقيه حوالي تلمسان فقضى ليلته في اعتقال، وفي الغد أطلق سبيله ~~فانصرف إلى ms08 رباط الشيخ أبي مدين، ونزل بجواره على قصد التفرغ للعلم ونثر درره الشائقة ~~بين يدي طلابه. ~~(19) استدعاؤه إلى فاس # ولم يزل متمتعا بحياة علمية خالصة حتى استدعاه السلطان عبد العزيز، وأوعز إليه في ~~الخروج إلى بلاد رياح ليجمعهم على طاعته ومناصرته، فانبعث يعمل في هذا السبيل بكلمة ~~نافذة ودعاية ناجحة إلى أن قضى المأرب وبلغ الغاية المنشودة، وكان يسعى إلى هذه المهمة ~~السياسية وهو مقيم ببسكرة في جوار أميرها أحمد بن يوسف بن مزني الذي هو صاحب زمام رياح، ~~وما راع ابن خلدون إلا أن أخذ حساده ينفثون سموم الوشاية في أذن أحمد بن مزني فهاجوا ~~غيرته وأوغروا صدره حتى تنفس بالشكوى منه إلى صاحب شورى السلطان وترمار بن عريف ورفع ~~صاحب الشورى هذه الشكوى إلى السلطان، فما كان من نظره إلا أن استدعى ابن خلدون إلى ~~حاضرة فاس، فخرج بأهله وولده. ولقيه في الطريق نعي السلطان وتولية ابنه الصبي أبي بكر ~~السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي، فدخل فاس، وكان له مع الوزير سابق صحبة ~~فأدر عليه من معصرات بره وكرامته فوق ما يحتسب، وظل عاكفا على التدريس صارفا ~~همته إلى الوجهة العلمية إلى أن ظهر السلطان أحمد بن أبي سالم على الوزير أبي بكر بن ~~غازي واجتذب مقاليد الأمر من يده، ولم يستقر به الحال حتى قام وزيره محمد بن عثمان ~~يدخل عليه الريبة من جانب ابن خلدون ويغريه بالقبض عليه. وما هذا الوزير بأول من ~~ازدهت به الرياسة وتطوحت به في غرور حتى عمي عليه أن لأعاظم الرجال كابن خلدون تاريخا ~~باقيا، وصحائف لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من مجاملة أهل عصره له، أو إساءتهم إلا ~~أحصتها. ~~(20) عودته إلى الأندلس سنة 776 # قبض عليه السلطان ابن أبي سالم، وسرعان ما نهض إلى خلاصه الأمير عبد الرحمن الذي شارك ~~السلطان في حرب الوزير أبي غازي، واتفق معه على أن يستقل بولاية مراكش وأعمالها، ولم ~~يطمئن به المقام بعد أن رأى من تنكر السلطان وسوء طوية وزيره ms09 ما رأى، فابتغى ~~الوسيلة إلى إذن السلطان له بالانصراف إلى الأندلس؛ ليتفرغ للعلم ومدارسته في ظل دولة ~~ابن الأحمر الذي أولاه في رحلته الأولى سابغ الكرامة والإنعام، ولم يظفر بالجواز إلا ~~بعد تسويف وعلى رغم من وزيره ورجال دولته. # دخل الأندلس سنة 776 فجرى السلطان على عادته من بسط يد الإكرام، وإنزاله منزلة ~~الاحتفاء والرعاية إلى أن وفد على غرناطة مسعود بن ماسي من حاضرة فاس وأبلغ السلطان ~~بإغراء من رجال دولتها أن ابن خلدون كان يبذل مساعيه وجاهه في خلاص لسان الدين بن الخطيب، # 2 # فانقلب عطف السلطان عليه جفاء، وأنسه به وحشة، وأجلاه إلى العدوة من بلاد ~~المغرب الأقصى. # وموضع العبرة في هذه الواقعة أنك تقارن بين عودتيه من الأندلس؛ فتجده في المرة الأولى ~~قفل من غرناطة والسلطان يبسط له يد المجاملة ويودعه بقلب يأسف لفراقه، ثم هو متوجه نحو ~~بجاية والدولة متأهبة لاستقباله بأجمل ما يتصور من مظاهر الاحتفاء. وتراه في هذه المرة ~~انصرف عنها والسلطان يكره إقامته ويطوي عنه بساط أنسه، خرج وهو لا يدري أين يلقي عصا ~~التسيار؛ هذه دولة الأندلس تنفيه من أرضها، وتلك دولة المغرب الأقصى تلحظه بعين الحنق ~~وترمي من ورائه بسهام الكيد والأذى، وهذا أبو حمو صاحب تلمسان لم يزل ينقم عليه مشايعته ~~للسلطان عبد العزيز وسعيه في صرف وجوه العرب عنه يوم كان طريدا في الصحراء. بيد أن أبا ~~حمو كان على روية لا يفوتها أن الأخذ في معاملة رجل خطير كابن خلدون بالرفق ~~والأناة إنما توضع في حساب الحسنات التي ينوه بها التاريخ ويرتقي بها شأن دولته، فسمح ~~له بدخول تلمسان فجاءها وقد ذاق من صروف السياسة عذاب الهون، فما كان إلا أن تجرد ~~للقراءة، ولم يشغل وقته بسوى المذاكرة في العلم ودراسته. # وقد يكون انحراف الدولة عن النابغة أو اضطهادها له أشد داعية إلى بذله كل ما يملك ~~من الجد والألمعية في توسيع دائرة معارفه أو الحذق في صناعة التأليف أو الاستنباط، فإن ~~الكدر الذي قد يثيره تغابيها ms10 عن مكانه أو بخسها من قيمته إنما يكشفه ارتياح النفس ~~وتمتعها باستطلاع حقائق العلوم التي هي أصفى لذة وأبقى سؤددا من نيل الحظوة والقرب من ~~مجالس الأمراء. ~~(21) تصنيف ابن خلدون تاريخه ومقدمته # ما برح ابن خلدون منقطعا لبث العلم حتى بدا لأبي حمو أن يبعثه سفيرا إلى ~~الذواودة؛ ليراوضهم إلى طاعته ويجمعهم على ولائه. فلبى طلبه في الظاهر، وخرج وهو يسر في ~~نفسه أن لا يعمل لهذا السبيل بعلة أنه أصبح يعز عليه بذل شيء من أوقاته في غير الوجهة ~~العلمية. ولعله سئم التدخل في السياسة التي قد تلتوي به مع أهواء الأمراء، وتحمله على ~~أن يسعى في استنجاد القبيلة لمن كان يغريها عليه. # ولما وصل إلى البطحاء ولى وجهه عن ناحية الذواودة جانبا وثنى عنانه إلى أولاد ~~عريف، فأنزلوه بقلعة أولاد سلامة، وأقام بينهم أربع سنين في جو هادئ، وبيئة لا تجيش ~~فيها مراجل الحسد، ولا تنفث فيها الوشاية سما ناقعا. وفي هذه السنين - التي كانت ~~مهبط السكينة وصفاء الفكر وارتياح الضمير - شرع في تأليف تاريخه الفائق، ولذلك الحين ~~أتم مقدمته على نسجها الحكيم، وتحقيقها البديع. ~~(22) عودته إلى وطنه # سل يده من كل شاغل، وألقم فكره ثدي الاستنتاج والتفقه في المقاصد العلمية والشئون ~~العمرانية حتى بلغ في مجالها شأوا لا يشق غباره، فتاقت نفسه إلى زيادة التوغل في ~~أسرار العلم والاستفادة من كتب لا تنالها الأيدي إلا في الحواضر، فراسل صاحب تونس أبا ~~العباس بالعودة إلى تونس التي هي مسقط رأسه ومسحب ذيل شبابه ومجرى جياد أنسه، فما ~~تريث أن طلع عليه جواب السلطان يأذن له بالقدوم ويحثه عليه، فانبرى يطوي الفيافي حتى ~~أوى إلى ظل عنايته، وأنزله منزلة المغتبط بسابغات عزه، ومظاهر كرامته. # ظن ابن خلدون - مذ حط رحله بين قومه، وسحب رداء العز في وطنه - أن الزمان صافحه بيد ~~المصافاة، وأن الحوادث أصبحت تهاب أن تغشى ساحته، فإذا تقريب السلطان له واستخلاصه ~~جليسا يضرم في قلوب فريق من الناس نار الغيرة والحسد، فلم يتمالكوا أن باتوا ينصبون ms11 له ~~حبائل الوشاية، ويهمسون في أذن السلطان بما يوغر صدره عليه. ومما تعلقوا به في أسباب ~~الكيد به تخليه عن صوغ الشعر في مديح السلطان، وزعموا لديه أنه لم يعن بمديحه كما ~~عني بمديح سلاطين المغرب والأندلس؛ استخفاقا بمقامه، وكفرانا لنعمته. # وقد ضل هؤلاء عن سواء السبيل؛ فإن العالم الأديب قد يهفو به نزق الشباب أو ينساق بحكم ~~الضرورة إلى مديح بعض الرؤساء، حتى إذا بلغ في العلم أشده، وخلع عليه التقدم في السن ~~حلة السكينة والوقار؛ عافت نفسه ذلك الفن المزري من الشعر، وجمدت قريحته دون أن تنطف ~~فيه بقطرة. فيجب على صاحب الدولة الرشيدة أن يكون على همة أسمى من أن تتشوف إلى سفاسف ~~الأمور، وأطهر من أن ترضى للذين أوتوا الحكمة أن يلقوا بأنفسهم في حضيض الملق ~~والاستعطاف، بل الأمجد لذكره، والأدعى لحمده أن يكون إكرام العلماء في نظره حقا ~~تقتضيه فضيلة العلم بنفسها. ~~(23) تقديم تاريخه إلى صاحب تونس # فاجأه صديق له - كان أحد بطانة أولئك السعاة - بما يكيدونه به تحت ستار، وكان قد ~~اعتزم على أن يقدم للسلطان نسخة مما كمل من تاريخه. فانتهز الفرصة وأنشده ساعة إهدائه ~~الكتاب قصيدة أمتعها بذكر سيره وفتوحاته، ونسج في ذيلها الاعتذار عن انتحال الشعر ~~بأسلوب بليغ، ويقول في هذا الاعتذار: # وإليكها مني على خجل بها # عذراء قد حليت بكل نفيس # لولا عنايتك التي أوليتني # ما كنت أعنى بعدها بطروس # والله ما أبقت ممارسة النوى # مني سوى رسم أمر دريس # أخنى الزمان علي في الأدب الذي # دارسته بمجامع ودروس # فسطا على فرعي وروع مأمني # واجتث من دوح النشاط غروسي # ورضاك رحمتي التي أعتدها # تحيي منى نفسي وتذهب بوسي ~~(24) ابن خلدون في مصر # وما برحوا يركبون في السعاية به كل فن حتى شاهد أثرها في معاملة السلطان له، فرام ~~التخلص من مثار هذه الفتنة وابتغى الوسيلة إلى ذلك باستئذان السلطان في السفر لأداء ~~فريضة الحج، وقدم الإسكندرية لمضي عشر ليال من جلوس الملك الظاهر على عرش الملك. ~~ثم انتقل إلى القاهرة، ms12 وتصدى للتدريس بالجامع الأزهر، واتصل بالسلطان فأكرم مثواه ، ~~وأعاد ليل غربته ووحشته صباح أنس وطمأنينة. وأولاه وظيفة التدريس بمدرسة القمحة، ثم ~~قلده خطة قضاء المالكية على وفق النظام المتبع لذلك العهد من إقامة قضاة على عدد ~~المذاهب الأربعة، يلقب كل واحد منهم بقاضي القضاة، فتحرى بهذه الخطة صراطا سويا، ولم ~~يدخر وسعا في العمل على إصلاحها وتجديد ما درس من معالمها، ولم تألف العامة الصرامة في ~~إقامة الحق على وجهه الصريح، ولم يعتد ذوو الجاه والشوكة من رجال الدولة إغلاق باب ~~الشفاعة والتوسل في وجوههم. فتعاقد الفريقان على التظلم منه والتهويش عليه لدى ~~السلطان بدعوى أنه غير خبير بالتقاليد المعبر عنها بالمصطلح. وانضم إلى هذه المحنة ~~نكبته في أهله وولده؛ إذ أبحروا من تونس ليلتحقوا به، فغشيتهم ريح عاصف، وهلكوا في ~~البحر غرقا. # وقف السلطان تجاه تلك الشكوى موقف الحكمة فجمع بين الحزم في السياسة وكرم الهمة، ~~ففصله عن الخطة؛ تهدئة لثائرة الجمهور، واستمر على مواصلته بالرعاية والإنعام وفاء بحق ~~العلم، واقتناصا لمفاخر يزدهي بها وجه تاريخه المجيد. ~~(25) ابن خلدون والوزير ابن زمرك # وبعد أن قضى ثلاث سنين عاكفا على التدريس والتحرير خرج لقضاء فريضة الحج سنة 789، ~~وقفل راجعا إلى القاهرة، واتصل حين بلغ الينبع بكتاب يحتوي على شعر ونثر راسله به أبو ~~عبد الله بن زمرك وزير السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، ولجودة نظمه وصفاء ديباجته بحيث ~~يسوغ لنقاد الأدب أن يضعوه بالمكان الأسمى من الشعر، ويقضوا له بالسبق في حلبة البلاغة؛ ~~رأينا من اللائق بهذه المحاضرة أن نحلي جيدها بطوق من فرائده، ومما يقول في أوائل هذه ~~القصيدة: # ويا زاجري الأظعان وهي ضوامر # دعوها ترد هيما عطاشا على نجد # ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبا # فإن زفير الشوق من مثلها يعدي # براها الهوى بري القداح وحطها # حزون على صفح من القفز ممتد # عجبت لها أنى تجاذبني الهوى # وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي # لئن شاقها بين العذيب وبارق # مياه بفيء الظل للبان والرند # فما شاقني إلا بدور خدورها ms13 # وقد لحن يوم النفر في قضب ملد # وكم صارم قد سل من لحظ أحور # وكم ذابل قد هز في ناعم القد # خذوا الحذر من سكان رامة إنها # ضعيفات كسر اللحظ تفتك بالأسد # واسترسل في هذا الطرز البديع والنسيب الساحر حتى تخلص إلى خطاب ابن خلدون ~~بقوله: # إليك - أبا زيد - شكاة رفعتها # وما أنت من عمرو لدي ولا زيد # بعيشك خبرني ولا زلت مفضلا # أعندك من شوق كمثل الذي عندي # فكم ثار بي شوق إليك مبرح # فظلت يد الأشواق تقدح من زندي # يقابلني منك الصباح بوجنة # حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدي # وتوهمني الشمس المنيرة غرة # بوجهك صان الله وجهك عن رد # محياك أجلى في العيون من الضحى # وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد # واطرد في هذا النسق المعبر عن الوداد المحض والشوق الطافح، وبلوغ الشعر في جودته ~~إلى هذا الحد مما ينبه على رفعة منزلة ابن خلدون في نفس الوزير ابن زمرك؛ إذ الشاعر ~~وإن كان مفلقا لا يطيل نفس الشعر ويرتقي في إبداعه إلى هذا المظهر إلا عن داعية تزعج ~~قريحته وتأخذ بمجامع عنايته. وليست الداعية في هذا المقام سوى الإعجاب بكمال ابن خلدون، ~~والحنين إلى حدائق آدابه الزاهرة. # وبعد عودته إلى القاهرة تقلد خطة القضاء مرة ثانية، ثم عزل عنها، وقد تولاها ~~مرارا، وبلغت ولايته لها ثم تخليه عنها منذ هبط مصر إلى أن توفي نحو ست مرات. ~~(26) ابن خلدون والطاغية تيمورلنك # وكان الملك الناصر فرج يسلك في رعايته والإقبال عليه بوجه البر والإنعام مسلك أبيه ~~الملك الظاهر، واستصحبه في خروجه إلى الشام أيام الفتنة التترية. فكان ابن خلدون ممن ~~وقعوا في الأسر. ثم غشي مجلس تيمورلنك في طائفة من الأعيان والقضاة، ومكنه دهاؤه ~~وبراعته في فن السياسة من افتتاح باب المخاطبة والدخول معه في حديث أصاب مواقع هواه، ~~وأخذ بمجامع لبه، حتى أحرز لديه مكانة الرعاية والإكرام، وحمله الإعجاب بسمو مداركه ~~وكياسة منطقه على اصطفائه لنفسه، والانقلاب به إلى مقر ملكه؛ ليكون شهابا ثاقبا في ~~سماء دولته، ms14 ودرة وضاءة في سلك علمائه. # ولم تطب نفس ابن خلدون لأن يحط في أهواء هذا الطاغية ويتطوح في مجاراته أن يدخل في ~~شيعته ويعمل تحت لوائه، وتلطف في مخادعته باستئذانه في العود إلى مصر؛ ليجمع أمره، ويضم ~~إليه أهله وكتبه، فنفذت الخدعة، وبلغ أمنيته، فعاد إلى القاهرة، ومد بها طنب الإقامة ~~إلى أن أدركه أجله وهو في منصب القضاء لأربع بقين من رمضان سنة 808، ودفن في مقابر ~~الصوفية خارج باب النصر. وقبره غير معروف شأن من يوافيه الحمام في دار غربة، أو يقبره ~~قوم كسدت لديهم بضاعته الغالية، وكلت أبصارهم دون الوصول إلى مراميه السامية. ~~(27) أخلاق ابن خلدون # يمكن للناظر فيما اقتبسناه من سيرة ابن خلدون أن يشهد له ببعض خصال سامية؛ كعلو ~~الهمة، ورقة الحاشية، وقلة المبالاة باقتحام المصاعب والأخطار. وقد وصفه لسان ~~الدين بن الخطيب في كتاب الإحاطة ببعض أخلاق شريفة؛ إذ قال: هو حسن الخلق، جم الفضائل، ~~ظاهر الحياء، وقور المجلس، عالي الهمة، عزوف عن الضيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح ~~لقنن الرياسة، جواد، حسن العشرة، عاكف على رعي خلال الأصالة. ووصفه الوزير أبو عبد الله ~~بن زمرك في قصيدته المومأ إليها آنفا بشدة الحياء؛ إذ قال: # يقابلني منك الصباح بوجنة # حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدي # وبحسن الخلق؛ إذ قال: # لقيتك في غرب وأنت رئيسه # وبابك للإعلام مجتمع الوفد # فآنست حتى ما شكوت بغربة # وواليت حتى لم أجد مضض الفقد # وعدت لقطري شاكرا ما بلوته # من الخلق المحمود والحسب العد # وقد أثنى عليه الأستاذ إبراهيم الباعوني الشامي، وكانت بينهما مودة وصحبة، ووصفه بعلو ~~الهمة. # وأومأ ابن الخطيب إلى مغمز في خلقه؛ وهو بعده عن حسن التأني، وشفوفه بثقوب الفهم ~~وجودة الإدراك، وجعل هذا هو العلة في تحامل رجال الدولة عليه، وانطلاق ألسنتهم في ~~السعاية به لدى السلطان. # ولمزه ابن حجر في كتاب «رفع الإصر» بخلق الكبر، والازدراء بمقام غيره. وذكر في شواهد ~~هذا أن القضاة دخلوا للسلام عليه حين تولى منصب القضاء فلم يقم لأحد منهم، ms15 واعتذر لمن ~~عاتبه على ذلك. ومن تقصى أخبار النوابغ من أهل العلم والأدب وجد أكثرهم يتطوح في ~~الاحتفاظ بالمظهر اللائق بعظمته إلى الحال الذي يعده علم الأخلاق في قبيل الكبر ~~والخيلاء. # وقذفه ابن حجر بخلق الفظاظة وجفاء الطبع أيام كان قاضيا، وحكى عنه أنه كان يعزر ~~الخصوم بالصفع - ويسميه الزج - فإذا غضب على إنسان قال: زجوه! فيصفع حتى تحمر رقبته. ~~وتجاوز ابن حجر في التشنيع عليه حتى رماه بارتكاب ما لا يحل لنا الأدب الجميل إيراده في ~~هذه المحاضرة، فإلى الله إيابهما، وعليه حسابهما. ومن قرأ ما كتبه ابن حجر في ترجمة ابن ~~خلدون وجدها منسوجة على قصد الحط من شأنه، وكتم شيء من فضله، فلا يبعد أن يدخل في ~~عبارته غلو، أو يتساهل في النقل عمن كان بينه وبين المترجم له منافسة ~~وتحاسد. ~~(28) مكانته في العلم # أنبتت المعاهد العلمية الإسلامية من فحول العلماء رجالا لا تحيط بهم أقلام الحاسبين، ~~ولكن الرجال الذين يتسنمون في العلم الذروة القصوى، وتتفجر قرائحهم بمدارك فائقة ~~فيخرجوها للناس في أسلوبها الحكيم ليسوا بكثير، ومن هذه الطائفة العزيزة المثال أبو ~~زيد عبد الرحمن بن خلدون. # كان بعيد الشأو في العلوم الشرعية والعربية، خبيرا بالعلوم النظرية، ضليعا في ~~الفنون الأدبية، ويشهد له بالرسوخ في العلم الكتب التي درسها مثل تهذيب البرادعي في ~~الفقه، ومختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي، وكتاب الموطأ وصحيح مسلم وغيرهما من الأمهات ~~في علم الحديث، وكتاب التسهيل لابن مالك في النحو. # وأخذ العلوم العقلية والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية عن أبي عبد الله محمد ~~بن إبراهيم الآبلي. # وحسبكم شاهدا على تقدمه في هذه العلوم النقلية والعقلية مقدمة تاريخه التي أمتع ~~فيها البحث عن حقائق هذه العلوم وفلسفتها على طرز لا يبتكره إلا من مارسها على بينة من ~~أمرها وتوغل في أحشائها. # وأضاف إلى ثقافة الفكر، والتبريز في الفهم قوة الحفظ؛ فكان يحفظ القرآن الكريم، ~~والمعلقات، وديوان الحماسة، وشعر حبيب، وقطعة من شعر المتنبي، وسقط الزند، وطائفة من ~~أشعار كتاب الأغاني، وغير ذلك من ms16 المنظومات العلمية. ~~(29) ابن خلدون والحافظ ابن حجر # قصد الشيخ ابن حجر الحط من شأنه في العلم؛ فقال في «رفع الإصر»: وقد ذكره ابن ~~الخطيب في تاريخ غرناطة، ولم يصفه بعلم، وإنما ذكر له تصانيف في الأدب، وشيئا من ~~نظمه. وقد نقل صاحب نفح الطيب ترجمة ابن الخطيب لابن خلدون في كتاب الإحاطة، وهي تتضمن ~~وصفه بالعلم؛ حيث قال: متقدم في فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا، سديد البحث، كثير ~~الحفظ، صحيح التصور. # وقال ابن حجر: وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن بن أبي بكر يبالغ في الغض منه، فلما ~~سألته عن سبب ذلك، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين بن علي في تاريخه فقال: قتل بسيف ~~جده. قال ابن حجر: ولم توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن. وكأنه ذكرها في النسخة ~~التي رجع عنها. # والعجب من الحافظ أبي الحسن حين يغض من مقام ابن خلدون؛ لبلاغ مزور عنه، ثم من الحافظ ~~ابن حجر حين ينفي ذلك من تاريخه ويرجو أن يكون ذكره في النسخة التي رجع عنها. والحقيقة ~~أن ابن خلدون أورد ذلك في الفصل الذي عقده في ولاية العهد من المقدمة عازيا له إلى ~~القاضي أبي بكر بن العربي المالكي، ومتعقبا له بالرد، ونصه: # وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه ~~بالعواصم والقواصم ما معناه: إن الحسين قتل بشرع جده! وهو غلط حمله عليه ~~الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته ~~وعدالته في قتال أهل الآراء؟! # ومن مثل هذا يستدل على أن بعض الطاعنين على ذوي الآراء الإصلاحية قد يؤتون ~~من عدم اطلاعهم على نفس مقالاتهم واستيفاء النظر في مؤلفاتهم. # ثم قال ابن حجر مستشهدا على ما يدعي من ضعف مكانة ابن خلدون العلمية: «حتى إن ابن ~~عرفة لما قدم إلى الحج قال: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب، فلما بلغنا أن ابن خلدون ~~ولي القضاء عدنا بالضد من ذلك.» # غير بعيد صدور هذه ms17 المقالة من الشيخ ابن عرفة؛ فإن ابن خلدون لم يكن مملوء الحافظة ~~بتفاصيل علم الفقه بحيث يكون إخصائيا في أحكام نوازله الجزئية، وهذا هو المنظور إليه ~~في أهليه القضاء لذلك العهد. أما أن يكون الرجل مكينا في علم الأصول، قاتلا قواعد ~~الفقه خبرة، ذا حذق في صناعة تطبيق القواعد على ما يعرض من الوقائع - وهي المرتبة التي ~~لا يقصر عنها ابن خلدون فيما نعتقد - فلهم أن ينفوا عنه أهلية القضاء، ويطرحوه من حساب ~~من يتقلدها بحق. # ثم إن البون الشاسع الذي كان بين مسلكي الشيخ ابن عرفة وابن خلدون في العلم يقتضي أن ~~يكون بينهما من المنافسة ما لا يمنع أحدهما من القدح في مكانة صاحبه، وقد كان بينهما في ~~تونس مجافاة، وادعى ابن خلدون أن لابن عرفة أصبعا في السعايات التي بلوه بها لدى ~~صاحب الدولة التونسية. ~~(30) مؤلفاته # أتى ابن الخطيب في كتاب الإحاطة على بعض مؤلفات ابن خلدون؛ فقال: شرح البردة شرحا ~~بديعا دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه، ولخص كثيرا من كتب ابن ~~رشد، وعلق للسلطان - يعني ابن الأحمر - أيام نظره في العقليات تقييدا مفيدا في ~~المنطق، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وألف كتابا في الحساب، وشرع في هذه ~~الأيام في شرح الرجز الصادر عنى في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال. وقال صاحب ~~نفح الطيب بعد نقل ما جاء في الإحاطة من التعريف بابن خلدون: هذا كلام لسان الدين في حق ~~المذكور في مبادئ أمره وأوسطه، فكيف لو رأى تاريخه الكبير؟! ومما قاله المقريزي في وصف ~~مقدمة هذا التاريخ: وإنه لعزيز أن ينال مجتهد مثالها؛ إن هي إلا زبدة المعارف والعلوم، ~~وبهجة العقول السليمة والفهوم، توقف على كنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، ~~وتعبر عن حال الوجود، وتنبئ على أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدر النظيم، وألطف من ~~الماء مر به النسيم. ورام الشيخ ابن حجر أن يبخس كل أثر له حتى هذه المقدمة، فقال في ~~كتاب رفع الإصر ms18 بعد حكاية كلام المقريزي: وما وصفه به فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب ~~بالكلام على الطريقة الجاحظية فمسلم، وأما ما أطراه به زيادة على ذلك فليس الأمر ~~كما قال إلا في بعض دون بعض، إلا أن البلاغة تزين بزخرفها حتى يرى حسنا ما ليس ~~بالحسن. # وقد نقلت هذه المقدمة إلى لغات أخرى من تركية وإيطالية وفرنسية فكانت أحد الآثار ~~العربية التي شهد بها الغربيون كيف يرتقي الفكر الناشئ في معاهد العلوم الإسلامية حتى ~~يتسنى له أن يبحث في نظم الاجتماع وطرق الإصلاح، على وجه بديع وأسلوب حكيم. # ومتى صح أن النابغة لا يبدع في فن من فنون النظر ويطيل فيه النفس إلى الأمد ~~الأقصى إلا أن يتقدمه سلف يكون كواضع الأساس، أو يحظى بصحبة من ينسج في البحث والمحاورة ~~على منوال ذلك الفن؛ فإنا لم نر من الرجال الذين لقيهم ابن خلدون من يصح أن يكون ~~مساعدا له على هذا المسلك الفلسفي الاجتماعي غير لسان الدين بن الخطيب. ولهذا كان ابن ~~خلدون ينوه بشأنه، ويشيد بذكره أينما حل. قال الشيخ إبراهيم الباعوني الشأمي - فيما ~~رآه صاحب نفح الطيب بخطه: وكان «يعني ابن خلدون» يكثر من ذكر لسان الدين بن الخطيب، ~~ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع، وتتقاصر عن ~~إدراكه الأطماع. ~~(31) شعره # يعد ابن خلدون في قبيل الشعراء المجيدين، ولكن انكبابه على مدارسة العلوم، وقلة ~~غدو قريحته ورواحها على النظم عاقه عن أن يبلغ في إتقان نسجه والإبداع في فنون التخيل ~~مبلغ المشهود لهم بالتفوق في هذه الصناعة. # وقد اعترف هو نفسه بما يجده من استصعاب الشعر عليه، وبعد مأخذه منه عندما يحاول ~~نظمه. قال في مقدمة تاريخه: ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك ~~بالأندلس من بني الأحمر - وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة - فقلت له: أجد ~~استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته؛ مع بصري به، وحفظي للجيد من الكلام من القرآن ~~والحديث، وفنون من كلام العرب، وإن كان محفوظي قليلا، وإنما ms19 أتيت - والله أعلم - من ~~قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية والقوانين التأليفية. وعدد جملة من ~~محفوظاته، ثم قال: فامتلأ حفظي من ذلك، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ ~~الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب، فعاق القريحة عن بلوغها. فنظر إلي ساعة معجبا، ~~ثم قال: لله أنت! وهل يقول هذا إلا مثلك؟! # ولصفاء فطرته وسلامة ذوقه قد يدرك شعره مع تلك العلة التي أومأ إليها غاية بعيدة في ~~الإجادة. ومن مثله الرائقة قصيدته التي أنشدها سلطان المغرب ليلة الميلاد النبوي ~~عام 763 وافتتحها بقوله: # أسرفن في هجري وفي تعذيبي # وأطلن موقف عبرتي ونحيبي # وأبين يوم البين ساعة وقفة # لوداع مشغوف الفؤاد كئيب # ومنها: # يا سائق الأظعان تعتسف الفلا # وتواصل الإسآد بالتأويب # متجافيا عن رحل كل مذلل # نشوان من أين ومس لغوب # تتجاذب النفحات فضل ردائه # في ملتقاها من صبا وجنوب # إن هام من ظمأ الصبابة صحبه # نهلوا بمورد دمعه المسكوب # أو تعترض مسراهم سدف الدجى # صدعوا الدجى بغرامه المشبوب # هلا عطفت صدورهن إلى التي # فيها لبانة أعين وقلوب # فتؤم من أكناف يثرب مأمنا # يكفيك ما تخشاه من تثريب # حيث النبوة آيها مجلوة # تتلو من الآثار كل غريب # ومن أجود شعره وأعلاه مطلعا في البلاغة قوله من قصيدة يهنئ بها أبا حمو بعيد ~~الفطر: # هذي الديار فحيهن صباحا # وقف المطايا بينهن طلاحا # لا تسأل الأطلال إن لم تروها # عبرات عينك واكفا ممتاحا # فلقد أخذن على جفونك موثقا # أن لا يرين مع البعاد شحاحا # إيه على الحي الجميع وربما # طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا # وتعرض الشيخ ابن حجر لشعر ابن خلدون وقال: إنه لم يكن ماهرا في النظم، وكان يبالغ في ~~كتمانه، مع أنه كان جيدا لنقد الشعر. وعدم مهارته في الشعر مسلم؛ على معنى أنه لم ~~يصل إلى درجة من أفرغوا جهدهم في هذه الصناعة وأصبحوا لا ترى تراجمهم إلا في طبقات ~~الشعراء. وقد أريناك من شعره مثلا يشهد بأن له قوة شاعرية فطرية؛ وهو المثل الأعلى ~~لشعر من انصرف ms20 بهمته إلى التضلع من العلوم النقلية والنظرية، ثم مد يده إلى الشعر على ~~وجه التحلي بفن من فنون الأدب الجميلة. ~~(32) مثل من فلسفته الاجتماعية # لابن خلدون في الاجتماع والسياسة آراء سامية، استمدها من مطالعاته الواسعة في ~~التاريخ، ومشاهداته أزمان الرحلة؛ إذ تقلب في أمم، ودخل في أحشاء دول. ولنسق إليكم ~~أمثلة من فلسفته الاجتماعية التي لها مساس بمشروع جمعية أدبية كجمعية تعاون جاليات ~~إفريقية الشمالية ... # المغلوب مولع بتقليد الغالب # يقول ابن خلدون: إن المغلوب «مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته ~~وسائر أحواله وعوائده»، وعلل هذا بأن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت ~~إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو بما تغالط به نفسها من أن ~~انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. وهذه نظرية صحيحة، وعلتها ظاهرة، ~~وهي مطردة في الأقوام الجاهلة والشعوب التي يلقى حبلها على غاربها فتأخذ في ~~تقليد الغالب والتشبه به في الشعار والعادات، وتفرط في ذلك حتى تندمج في بني ~~جنسه، وتفنى في قبيل عنصريته. # فجدير بزعماء الشرق ودعاة إصلاحه اليوم ألا يدعوا النشء منهمكا في تقليد الأمم ~~الغربية، ويحق عليهم أن ينعموا النظر في أحوالها ومظاهر مدنيتها، ويميزوا بين ما ~~كان من أسباب رقي حالتها الاجتماعية وانبساط يدها إلى القبض على أزمة ~~السياسة في الشرق، فيحرضوا الشرقيين على اقتباسه وإضافته إلى وسائل حضارتهم، وما ~~كان من الأوضاع المنكرة، أو أنه كان ناشئا عن عادة ولدتها البيئة الخاصة، ~~ضربوا عنه صفحا، وأنذروا الشرق عاقبة الاقتداء به. # وفحص أحوال تلك الأمم وتمييز طيبها من خبيثها يحتاج إلى نظر حكيم، وذوق سليم؛ ~~فقد يجد الناظر ما قد يكون نافعا في أوطانهم، ولكن عمله في بلادنا اليوم ضرر محض. ~~ومن أمثلة هذا إضراب التلاميذ عن الدروس؛ احتجاجا على قضية سياسية، فهذا النوع من ~~الإضراب قد يلتجئ إليه تلاميذ دولة مستقلة حريصة على ترقيتهم في العلوم والفنون؛ ~~فيكون نافعا لهم، وذريعة لنجاح مطلبهم، ولكن الدولة الأجنبية لا يسوءها أن ينقطع ~~أبناؤنا عن التعلم ms21 ليالي وأياما، بل يرتاح ضميرها إلى أن تغلق المدارس أحقابا؛ ~~حتى يتسنى لها أن تسوقهم كالأنعام إلى حيث تشاء. # الأمة المغلوبة يسرع إليها الفناء # يقول ابن خلدون: «إن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء» وجعل ~~العلة في هذا ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها، وصارت ~~بالاستعباد آلة لسواها، فيقصر الأمل، ويضعف التناسل، والاعتماد إنما هو عن جدة ~~الأمل، وما يحدث عنه من النشاط في القوة الحيوانية. # وهذه النظرية حادثة، وعلتها معقولة، فيتحتم على زعماء الشعوب المغلوبة للأجنبي أن ~~يعالجوا هذا الداء القاتل للأمم الجاهلة بما يبثونه فيها من أمل الخلاص، ويضربوا ~~لها الأمثال بالأمم التي تخلصت من سلطة الغريب؛ مثل: اليونان، وبلغاريا، ~~ورومانيا، وأمريكا. ويعلموها أن وسيلة النجاة منافسة الغالب في أسباب القوة من ~~المال والعلم والاتحاد، ويربوها على العظمة، وإباءة الضيم، واستصغار العظائم؛ فإنها ~~تعود إلى حياة وقوة تصارع بها حاكمها الغاصب، وإن كانت فئة قليلة وبلغت جنود ~~خصمها من الكثرة ما لا يخطر على البال. # لا تحقرن صغيرا في مخاصمة # إن الذبابة أدمت مقلة الأسد # العرب والسياسة # عقد ابن خلدون في مقدمة تاريخه فصلا ذهب فيه إلى أن العرب أبعد الأمم عن سياسة ~~الملك. وتدور هذه المقالة على ألسنة بعض من يريد الحط من شأن العرب، ولا سيما ~~الأعاجم الذين يريدون استعمار بلادهم، وإدخالهم تحت سيطرتهم، ويسوقونها كالشاهد على ~~أن العرب لا يصلحون لأن يديروا سياستهم بيد مستقلة. وينقلها بعض العرب أو أنصارهم ~~فيرمي ابن خلدون بسفه الرأي في هذه القضية، ويحكم على تخطئته؛ بحجة سداد نظرهم في ~~السياسة، واتساع فتوحاتهم أيام الخلفاء الراشدين ومن اقتفى أثرهم من دهاة الأمراء ~~وأبطال الرجال. # والتحقيق أن ابن خلدون إنما يقصد العرب الذين يعيشون بالبادية، وقبل أن يخرجوا من ~~ظلمات جاهليتهم إلى الاهتداء بمعالم الإسلام. وعباراته صريحة في هذا الصدد. ومما ~~قال في هذا القصد: «وإنما يصيرون إلى سياسة الملك بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة ~~دينية.» ثم قال: «واعتبر ذلك بدولتهم في الملة، ms22 لما شيد لهم الدين أمر السياسة ~~بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهرا وباطنا، وتتابع فيها الخلفاء؛ ~~عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم.» # خرجت يوما من برلين على سكة الحديد إلى بعض نواحيها، وكان في رفقتي اثنان من ~~مستشرقي الألمان. وبعد قليل أقبل علي أحدهما وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: ~~إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك؟ فقلت له: إنما يريد العرب في عصر جاهليتهم، ~~وأما بعد أن تحلوا بهدى الإسلام فقد أصبحوا كغيرهم من الأمم؛ يجيدون النظر في ~~السياسة، ويديرون زمامها على بينة. فلاح على وجهه الامتعاض من هذا الجواب، وليست ~~ألمانيا أقل شرها وحرصا على استعباد الشعوب الشرقية من بقية دول ~~الاستعمار. # ويوضح ما قاله ابن خلدون من قلة خبرة العرب أيام جاهليتهم بمذاهب السياسة أنهم ~~كانوا مغلوبين لطبيعتين لا ينتظم معهما أمر الملك وإدارة شئون الجماعة: # إحداهما: # الانتصار لمثل الجار والقريب والصاحب والحليف، وإن كان ظالما! ~~وكانوا يرون هذه الطبيعة من مقتضيات صحة العهد وعزة الجانب. ~~والسياسة إنما تقوم على قاعدة المساواة، وحماية الحقوق من أيدي ~~المعتدين عليها، لا فرق بين بعيد وقريب، وعدو وحبيب. ويعتبر هذا ~~بالحكومات الأجنبية؛ فإنك تجدها تعبث بقاعدة المساواة في البلاد ~~المحتلة؛ فتستخف بحقوق الوطنيين، وترفع أبناء جنسها عليهم درجات، ~~وهذا أول العلل التي تجعل سياستها منكرة، ووطأتها لا تطاق. # ثانيتهما: # المسارعة إلى مؤاخذة المسيء والانتقام منه بدافع طبيعة إباية ~~الضيم، والسياسة تقضي باحتمال بعض الأذى والإغضاء عن كثير من ~~الهفوات. وأقم الوزن بالقسط في الحكومات السائدة؛ فإنك ترى الحكومة ~~التي هي أطيش حلما، وأخف يدا إلى إرهاق من تسميهم مجرمين سياسيين ~~فتستيقن أنها أقصر عمرا، وأن بغضها في قلب شعبها أحر من جمر ~~الغضا. # وقد حارب الإسلام هاتين الطبيعتين حتى أخرج من العرب موازين قسط وعدالة؛ كعمر ~~بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، وجبال حلم وأناة؛ كمعاوية بن أبي ~~سفيان، والمأمون بن هارون الرشيد رحمهما الله. # أيها السادة ... # هذه كلمات في حياة الفيلسوف التونسي عبد الرحمن بن خلدون ms23 ألقيناها على مسامعكم؛ ~~رجاء أن يأخذ منها طلاب العلم بالأزهر الشريف عبرة؛ حتى ترى منهم أوطانهم بعد ~~العودة أمثال ابن خلدون في علمه وتفكيره، وما ذلك على الله بعزيز. ms24