######OpenITI# #META# URI: 1377MuhammadKhidrHusayn.HurriyyaFiIslam.Hindawi18385936 #META# Tags: philosophy #META# ID: 18385936 #META# Title: الحرية في الإسلام #META# AuthorID: 28079706 #META# Author: محمد الخضر حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الحرية‏ # المشورة‏ # المساواة‏ # الحرية في الأموال‏ # الحرية في الأعراض‏ # الحرية في الدماء‏ # الحرية في الدين‏ # الحرية في خطاب الأمراء‏ # الحرية‏ # المشورة‏ # المساواة‏ # الحرية في الأموال‏ # الحرية في الأعراض‏ # الحرية في الدماء‏ # الحرية في الدين‏ # الحرية في خطاب الأمراء‏ # | الحرية في الإسلام # | الحرية في الإسلام # تأليف # محمد الخضر حسين # هذه مسامرة الشيخ السيد محمد الخضر بن الحسين، أحد المدرسين بجامع الزيتونة الأعظم، ~~والمدرس بالقسم الخامس من المدرسة الصادقية، ألقاها بنادي جمعية قدماء تلامذة الصادقية مساء ~~يوم السبت 17 في ربيع الثاني سنة 1324 وهو يومئذ القاضي بمدينة بنزرت. # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي خلق فسوى، ~~وجعل التمايز في مقام الكرامة بالتقوى، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الذي أنقذنا ~~من ذلة الشقاء، وخلع علينا لباس العزة عند اللقاء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # أيها الفضلاء: إن لكل شيء سببا، ولكل غرض باعثة، والذي أخذ بيدي إلى هذا المنتدى الأدبي، وبعث ~~عزيمتي إلى تحرير ما سنلقي عليكم بيانه أن صديقنا السيد خير الله - رئيس هذه الجمعية ~~(جمعية قدماء تلامذة الصادقية) - خيل له ظنه الجميل أني صاحب مكانة في انتخاب جواهر ~~الأسمار وتآليفها، على وجه يكون أقرب إلى القبول وأدعى إلى التأثير، فخاطبني على أن أضع ~~مسامرة تنطبق على الخطة التي رسمتها الجمعية لنفسها، وأقدمها هدية إلى مسامعكم الزكية ~~بلسان عربي وأسلوب حكيم. # تلقيت ذلك الخطاب بواسطة صحيفة من صديقي النحرير الشيخ السيد محمد الطاهر بن عاشور - ~~رئيس هذه الحفلة الجامعة - أرسل بها إلي، حيث طوحت بي طوائح القضاء المحتوم، فاستوقفت ~~له خاطري وقفة المتردد، واستلفت له نظري لفتة المتروي لما يرد على فكري من القضايا التي ~~لم تبق لي مثقال ذرة من الوقت شاغرا، والشواغل التي من شأنها إذا لبست فكرة ذهبت بها ~~في جانب يبعد عن ناحية هذا الغرض بمراحل واسعة؛ فمتى قلبته في هذا الميدان أخشى أن ~~تقيده حبسة أو يثنيه جماح، ولا سيما حين يلج به الغوص ms01 في بعض المواضيع التي يبعد شأوها ~~ويعلو مرتقاها. # لبثت في هذا التردد أمدا غير بعيد، فإذا أمنية تنازعني في نفسي، ولطالما نظرت إليها ~~بعين المشوق المستهام، إن هي إلا ابتغاء الدخول في صف فتية من إخواني الأدباء كنت ~~أسايرهم إذا أعنقوا في الآداب، وأشد كفي بعرى مرافقتهم التي ألفتها قديما، ولبثت فيها ~~من عمري سنين، فأكره شديدا أن أسل يدي من رابطتهم، وأحجم عن مجاراتهم ما اهتديت لذلك ~~سبيلا. # تحركت هذه الأمنية وقويت داعيتها، فأرتني الأمر قريب المأخذ، سهل التناول، حتى تخيلته ~~موضوعا على طرف الثمام، فانقلب ذلك التردد من حينه حادي سمع ومطاوعة. وعند التفاهم مع ~~الرئيس في موضوع المسامرة وقع الاختيار على مبحث الحرية في الإسلام. سنحت لي من بين ~~الشواغل فرصة فانتهزتها، وأقبلت ببصري على سماء الإسلامية أقلبه في مطالعها يمينا ~~ويسارا، وأطالع من دلائلها الصادقة ظواهر وأسرارا، حتى استضاء لي من نجومها هدى، ~~وتنفس لي من مشارقها صباح مبين. ثم قصدت إلى سيرة الخلفاء الراشدين، وقبضت من أثرها ~~قبضة أضفت إليها قوادح أنظار هي في الحقيقة خادمة لها، ومساعدة على إبرازها في هيئة ~~تشملها نظرة واحدة، وإليكم مساق حديثها. # لا يمتري أحد فيما تناجيه به حاسة وجدانه من الميل إلى هذه الحياة، والحرص على ~~استطالة أمدها؛ ومن ها هنا اشتدت به الحاجة إلى السعي في مطالبها، والتعلق بأسبابها من ~~الغذاء والكساء والمسكن وما شاكلها، فيقتحم الإنسان المصاعب، ويعاني الشدائد في طلبها، ~~ولا يثبطه عنها ما هو موضوع في طبيعته من الميل إلى الكسل والراحة. # وقد يجري على مخيلته اشتباه: هل الولوع بالحياة الدنيا يكون للذاتها وطبيعتها؟ أو ~~للغايات التي يحرزها في مضمارها، والمآرب التي يتصيدها بحبالتها؟ فيدعوه هذا الالتباس ~~إلى حركة فكرية يستنتج من وراء تدافعها أن النفوس الناطقة إنما أولعت بحب هذه الحياة، ~~وشغفت بلذة عيشها من جهة اعتبارها مسرحا للأماني وموطنا للمساعي التي تجتني من غايتها ~~ثمرا لذيذا، لا بالنظر لحقيقتها التي تشاركها فيها سائر الحيوانات، وهي الصفة التي ~~تقتضي الحس والحركة. # ولا تظهر ms02 صحة هذا الاستنتاج جليا إلا بمشاهدة آثار النفوس العالية، ووضعها على محك ~~النظر والاعتبار، فإن مدافعتها في صيانة أعراضها وحماية أموالها أو القانون الكافل ~~بحقوقها لا تقصر عن درجة الدفاع للفوز بحياتها؛ وما ذاك إلا لما ينطوي في عقيدتها من ~~أن كل هذه الحقائق سلاح تجاهد به في سبيل ترقياتها المدنية وسعادتها الخالصة. # وقد يجادل الرجل عن ناموس دينه وعرضه وماله بالتي هي أبلغ وأشد نظرا، إلا أن فناءه ~~والتحافه بالتراب أكمل حالا من بقائه أعزل من الوسائل التي يدرك بها مقاما محمودا ~~وشرفا مؤثلا، وكثيرا ما يستوحش من عصر شبابه إذا حبط سعيه سدى، وفاجأه الحرمان من ~~اجتناء فائدة علق عليها أملا حريصا. # وربما آثر انصرام أجله إذا حاق به بلاء زرر عليه الفضاء، أو اشتدت به أزمة يبيت من ~~أجلها متوسدا لذراع الهم والمتربة، وقد يلذ له كأس المنون إذا أرهقته علة فاقرة خدرت ~~إحساسه، واستحال لها الماء الفرات في ذوقه ملحا أجاجا، إنما استلذ مرارة حتفه لمكان ~~الإياس الذي ربط على قلبه، وكسر من جناحي رجائه دون البلوغ إلى الغاية، كما يسأم من ~~حياته إذا دب في ساعده الفشل، وخالط عظامه الوهن عن القيام بواجباتها، ومن تأول قول ~~الشاعر: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # على مثل هذا الوجه لم يكن مخطئا؛ فالرغبة في الحياة تضاهي كراهتها في رجوعها إلى ~~أمر خارج عن حقيقتها، ولكنه يرد من ناحيتها، وينال بواسطتها. # وإذا علمت نفس طاب عنصرها وشرف وجدانها أن مطمح الهمم إنما هي غاية وحياة وراء حياتها ~~الطبيعية لم تقف بسعيها عند حد غذاء يقوتها وكساء يسترها ومسكن تأوي إليه، بل لا ~~تستفيق جهدها، ويطمئن بها قرارها، إلا إذا بلغت مجدا شامخا يصعد بها إلى أن تختلط ~~بكواكب الجوزاء، قال امرؤ القيس: # ولو أنما أسعى لأدنى معيشة # كفاني، ولم أطلب، قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل # وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # فقوله: ولم أطلب، جملة اعترض بها بين الفعل وفاعله، وفائدتها تحقير ms03 شأن المعيشة ، ~~وتبرئة سعيه من أن ينضي الطلب إلى ما هو أدنى، فإنها مما يحصل بغير طلب ولا عناء، وإنما ~~الذي يحتاج إلى الطلب هو المجد المؤثل، ولا يدركه إلا العظماء من الناس. # وقد يسلب من الساعي اختياره، وينزع عزيمته عن العمل سلطة قاهرة، تسند هذه السلطة تارة ~~إلى القدر المحتوم، والبحث عنها في هذا المقام لا يلتئم بالغرض الذي نرمي إليه، وتسند ~~آونة إلى أفراد لم تصبغ أخلاقهم بتربية صحيحة، شأن الأمم المتوحشة، يستهوي بها حب ~~الاستئثار بالمنافع والنفيس من الفوائد إلى أن ينال أولو القوة منها نحو أموال الذين ~~استضعفوا ويصولوا عليها صيال الوحوش الضارية، ثم ينصرفوا بها إلى مساكنهم غير متحرجين ~~من أوزارها، كأنما انصرفوا بتراث آبائهم وأمهاتهم، أو خصهم الله بما خلق في الأرض ~~جميعا، كانت الفوضى بين الأمة العربية سائدة والأمن في بلادهم قبل الإسلام مختلا إذا ~~استشاط أشداؤها غيظا، ونفخت في صدورهم البغضاء والشحناء لا يطفئونها إلا بدم مهراق، ~~ولا يهاب الرجل منهم أن يقذف آخر بمسبة مسمومة السهام، أو يغمد سيفه مثلا في عنق رجل ~~عظيم اعتدى على ناقة نزيل عنده، أو حليف له احتمى بجواره. # الفرد يفرغ جهده في الفرد، والجماعة تضع كلاكلها على الجماعة، ويعدون ذلك كله أثر نخوة ~~أصابوا به المحز من معنى الحرية، أرأيت كيف قال شاعرهم يفتخر بما يأخذه من حمية ~~الجاهلية: # إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم # على القوم لم أنصر أخي حين يظلم # أما قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كما في الصحيح: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما.» فغير ~~مراد منه المعنى الذي قصده الشاعر من الاغتصاب مطلقا حقا أو باطلا. ولقد كشف عليه ~~الصلاة والسلام عن حقيقة مراده بنفسه حين قالوا له: هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ~~ظالما؟ فقال: «تأخذ فوق يده.» والمعنى تحجزه وتقيم صدره عن الظلم؛ لأنك إذا أبقيته ~~مكبا على ظلمه واعتدائه، ولم تقبض على يده أفضى به الأمر إلى أن يعاقب بمثل ما اعتدى، ~~فإذا منعته من الظلم وثنيت ms04 عطفه عن البغي، فقد استنقذته من عقوبة القصاص، ولا جرم أن ~~وقايته من العقوبات نوع من النصر والإعانة. ثم إن هذه الجملة: «انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما» أول من تكلم بها جندب بن العنبر، وأراد بها ما اعتادوه من الحمية حمية ~~الجاهلية، فأقرها عليه الصلاة والسلام، ولكن نقلها عن موردها الأول، وحملها على معنى ~~يطابق بها الحكمة الصحيحة، ويحشرها في زمرة الإرشادات الإسلامية. # وقد امتد بالعرب في الجاهلية حب الاستقلال الشخصي، والتجرد عن كل ما فيه ضغط وحجر إلى ~~إبايتهم وتعاصيهم عن الدخول تحت نظام ملكي يرد شكيمتهم، ويكبح من جماحهم، قال عمرو بن ~~كلثوم: # إذا ما الملك سام الناس خسفا # أبينا أن نقر الذل فينا # ومن أجل ذلك كانوا لا يألفون الحواضر، ويفرون من الإقامة داخلها فرار الصحيح من ~~المجذم يوجسون في أنفسهم أنها ذريعة للمسكنة، وسبيل للرغم من أنف العزة والعظمة، وجرى ~~على هذا أبو العلاء المعري حين قال: # الموقدون بنجد نار بادية # لا يحضرون، وفقد العز في الحضر # وقال ابن الرومي: # هذا أبو الصقر فردا في محاسنه # من نسل شيبان بين الضال والسلم # والضال والسلم شجرتان بالبادية، وكنى بذلك عن إقامتهم بالبادية، وعدم نزولهم عنها ~~إلى السكنى بالحاضرة، لينتقل من هذا إلى العلم بأنهم لم ينخلوا من ثوب عزهم، ويدخلوا ~~تحت سيطرة الأحكام الملكية. # وما مثل العرب في حال عتوهم أزمنة الجاهلية إلا كمثل شجر أضغاث نشأ بمفازة مجهولة من ~~الأرض، فاستغلظ والتوى قويه على ضعيفه يقطعه من أطرافه، ويقتل ما فيه من القوى النامية. ~~ولولا الحكمة البالغة والأسلوب اللطيف الذي ساسهم به الإسلام إلى شريعته مع ما أودعه ~~الله في طباعهم من سلامة الذوق ورقة الشعور ما كادوا يدخلون في دينه أفواجا، ويتقلدون ~~عقائده وتكاليفه برغبة حريصة واختيار من تلقاء أنفسهم. # وأحيانا تسند تلك السلطة إلى هيئة حكومة، كما مر في الأزمنة الغابرة على أقوام مثل ~~الجرمان، وهم على حالة قبائل بدوية وحكومة كل منهم في قبضة رئيس يدير شئونهم كيف يريد ~~ويسخرهم كما تسخر الأنعام ms05 إلى حيث تشاء أغراضه الذاتية، ولما امتدت ولاية الرومانيين ~~على كثير من أوروبا ضمت تحت جوانحها أولئك الطوائف، فازداد خناق الاستعباد في أعناقهم ~~ضيقا وارتباطا، ومن أثر ذلك أن الحكومة لم تساو بينهم وبين أبناء جنسها فيما تمنحهم ~~من الحقوق والامتيازات إلى أن عانقوا الديانة المسيحية بواسطة انتشارها بين ~~الرومانيين. # فالأمة التي بليت بأفراد متوحشة تجوس خلالها أو بحكومة جائرة تسوقها بسوط الاستبداد ~~هي الأمة التي نصفها بصفة الاستعباد، وننفي عنها لقب الحرية. # | الحرية # تنبئ هذه الكلمة بسائر تصاريفها في اللسان العربي على معان فاضلة ترجع إلى معنى الخلوص، ~~يقال: حر يحر كظل يظل حرارا بالفتح، بمعنى عتق، والاسم الحرية، والحر خلاف العبد، والخيار ~~من كل شيء، والفرس العتيق، والفعل الحسن، والحر من الطين والرمل والطيب، والحرة ضد الأمة، ~~والحرة من السحاب الكثيرة المطر، وتطلق على الكريمة من النساء، ووردت صفة للنفس في كثير من ~~أشعارهم، قال سحيم عبد بني الحسحاس: # إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما # أو أسود اللون إني أبيض الخلق # وجاء لمعنى استقلال الإرادة وعدم الخضوع لسلطان الهوى: # وترانا يوم الكريهة أحرا # را وفي السلم للغواني عبيدا # وعليه بنى الصوفية اصطلاحهم في إطلاق اسم الحر على من خلع عن نفسه أمارة الشهوات، ومزق ~~سلطتها بسيوف المخالفة كل ممزق، قال الإمام الجنيد فيما روي عنه: لو صحت الصلاة بغير القرآن ~~لصحت بقول الشاعر: # أتمنى على الزمان محالا # أن ترى مقلتاي طلعة حر # وقد دارت هذه الكلمة - كلمة الحرية - على أفواه الخطباء، ولهجت بها أقلام الكاتبين ~~ينشدون ضالتها عند أبواب الحكومات، ويقفون للبحث عن مكانها وتمكين الراحة من مصافحتها وقوف ~~شحيح ضاع في الترب خاتمه. # ينصرف هذا اللقب الشريف في مجاري خطابنا اليوم إلى معنى يقارب معنى استقلال الإرادة، ~~ويشابه معنى العتق الذي هو فك الرقبة من الاسترقاق، وهو أن تعيش الأمة عيشة راضية تحت ظل ~~ثابت من الأمن على قرار مكين من الاطمئنان، ومن لوازم ذلك أن يعين لكل واحد من أفرادها حد ~~لا يتجاوزه، وتقرر له حقوق ms06 لا تعوقه عن استيفائها يد غالبة؛ فإن في تعدي الإنسان الحد الذي ~~قضت عليه أصول الاجتماع بالوقوف عنده ضربا من الإفراط، ويقابله في الطرف الآخر حرمانه من ~~التمتع بحقوقه ليستأثر غيره بمنفعتها، وكلا الطرفين شعبة من شعب الرذائل، والحرية وسط ~~بينهما على ما هي العادة في سائر الفضائل، ومن كشف عن حقيقتها المفصلة ستار الإجمال، أشرف ~~على أربع خصال مندمجة في ضمنها: # أحدها: # معرفة الإنسان ما له وما عليه؛ فإن الشخص الذي يجهل حقوق الهيئة الاجتماعية ~~ونواميسها لا يبرح في مضيق الحجر مقيد السواعد عن التصرف حسب إرادته واختياره، حتى يستضيء ~~بها خبرة، ويقتلها علما، إذ لا يأمن أن تطيش أفعاله عن رسوم الحكمة والسداد، فيقع في خطيئة ~~تحدث في نظام تلك الهيئة علة وفسادا، ولا يخالط الضمائر من هذا أن الحرية مقصورة على علماء ~~الأمة العارفين بواجباتها؛ إذ للأميين منها مخلص فسيح، وهو باب الاستفتاء والاسترشاد، قال ~~تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون ~~. # ثانيها: # شرف نفس يزكي طويتها، ويطهر نواياها من قصد الاعتداء على ما ليس بحق لها، فلا ~~ترمي بهمتها إلا في موضع تشير إليه العفة ببنانها. # ثالثها: # إذعان يدخل به تحت نظر القوانين المقامة على قواعد الإنصاف، ويستنزله ريثما تحرر ~~ذمته من المطالب التي توجه إليها باستحقاق. # رابعها: # عزة جانب وشهامة خاطر يشق بها عصا الطاعة للباطل، ويدمغ بها في قوة من يسوم عنقه ~~بسوء الضيم والاضطهاد. # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان عير الحي والوتد # نستنتج من هذا البيان أن الأساس الذي ترفع عليه الحرية قواعدها ليس سوى التربية ~~والتعليم، فيتأكد على الحكومة التي تنظر إلى فضيلة الحرية بعين الاحترام أن تسعى جهدها في ~~تهذيب أخلاق الأمة وتنوير عقولهم بالتعليمات الصحيحة، قبل كل حساب؛ قال تعالى: # لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين ~~. # يخال بعض الناشئة أن الحرية حق يبيح لصاحبه أن يجهر بكل ms07 ما يقدح في فكره من الآراء، وينشر ~~في مقاله كل ما يؤلفه من الهجاء والأوصاف الشائنة، كما يفعل الشاعر الحطيئة، وهذا المعنى ~~بضعة من الحرية، ولكن بعد سبكه وإفراغه في قالب أصل من الأصول التي سنتلوها عليكم في مبحث ~~الحرية في الأعراض. # وتطرف فريق من الناس ففسروا الحرية بأسوأ تفسير، وتأولوها على معنى امتثال داعية الهوى ~~بإطلاق وتنفيذ الإرادة، وإن مس غيره بأذى، أو حجزه عن حق ثابت لا يعترضه فيه نزاع. وترى ~~كثيرا منهم لا يتصور لها معنى سوى حمل السلاح تحت لواء القوة وإعماله في سبيل الاغتصاب. ~~ولا يصح في نظر أي عقل كان أن يعنون على أثر من آثار سوء الضمير ودناءة الطمع باسم فضيلة ~~يدرك بها المحكوم شأو الحاكم، ويترشح بها لمشاركته في اللقب كما شاركه في استقلال ~~الإرادة، قال تعالى: # وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ~~ما لم يؤت أحدا من العالمين # فتسمية بني إسرائيل جميعهم في ذلك ~~العهد ملوكا انجر لهم من الحرية التي نالوها بعد مغادرة أوطان الذلة والتملص من سوء ~~العذاب والاستعباد الذي سامهم به آل فرعون، ووضعوه في أعناقهم سلاسل وأغلالا. # يقوم فسطاط الحرية على قاعدتين عظيمتين؛ هما المشورة والمساواة، بالمشورة تتميز الحقوق، ~~وبالمساواة ينتظم إجراؤها، ويطرد نفاذها، وكل واحدة من هاتين القاعدتين رفع الإسلام سمكها ~~وسواها. # | المشورة # قضت سنة الله في خلقه أن سلطة شرع الأحكام وتصريف الأوامر والزواجر لا تستقل وحدها بردع ~~الخليقة وقيادتهم إلى سابلة العدالة؛ فكثير من الناس من يجري مع أهوائه بغير عنان، ولا يدخل ~~بأعماله الاختيارية تحت مراقبة العقل على الدوام، ألا ترى إلى جملة من أحكام الشريعة كيف ~~بنيت على رعاية الوازع الطبيعي وتغلبه على الوازع الشرعي؛ كرد شهادة العدو على عدوه، وعدم ~~قبول شهادة الرجل لابنه أو لأبيه وإقراره في حال مرضه لصديق ملاطف أو وارث قريب؛ فلا بد ~~إذا من سلطة أخرى لتنفيذ تلك الأحكام المشروعة بالوسائل المؤثرة، وإن كره المبطلون، ms08 كما قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالة القضاء لأبي موسى الأشعري: «وأنفذ إذا تبين لك، فإنه ~~لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.» وتسمى هذه السلطة بالسلطة القضائية، وكان زمامها في عهد نزول ~~الوحي بيد النبي # صلى الله عليه وسلم # يتولى الحكومة على الجاني، ويباشر فصل النوازل بنفسه من غير أن ~~يدور في حسبان مسلم مطالبته بإعادة النظر في القضية أو استئنافها لدى غيره، وما كانوا يرون ~~قضاءه إلا حكما مسمطا، يتلقونه بأذن واعية وصدر رحيب؛ لعلمهم يقينا كعمود الصبح أنه حكم ~~الله الذي لا يقابل بغير التسليم، قال تعالى: # فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~، وقال تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~. وإن ~~تعجب فلا عجب لهذا؛ فإن الوازع الشرعي قد يتمكن من النفوس الفاضلة إلى أن يصير بمنزلة ~~الطبيعي أو أقوى داعيا. وسهل انقياد العرب على ما كانوا عليه من الأنفة وصعوبة المراس، ~~وانصاعوا إلى قانون الشريعة مجملا ومفصلا من جهة أن الدين معدود من وجدانات القلوب؛ ~~فالانقياد لأحكامه من قبيل الانقياد إلى ما يدعو إليه الوجدان. وليست الشرائع الوضعية بهذه ~~الدرجة، فإن الناس إنما يساقون إليها بسوط القهر والغلبة، ويحترمونها اتقاء للأدب والعقوبة، ~~ولا يتلقونها بداعية من أنفسهم، إلا إذا أدركوا منها وجه المصلحة على التفصيل. # وإنما ورد من فصل قضائه # صلى الله عليه وسلم # قدر يسير بالنسبة إلى مدة حياته، لما كانت عليه حالة ~~المسلمين يومئذ من الاستقامة والتئام العواطف القاضية بأن تكون معاملاتهم خالية من الدسائس ~~خالصة من المشاكل، وهكذا ما ساد الأدب وانتشرت الفضيلة بين أمة إلا اتبعوا شرعة الإنصاف من ~~عند أنفسهم، والتحفوا برداء الصدق والأمانة بمجرد بث النصيحة والموعظة الحسنة فيخفت ضجيج ~~الضارعين وصخب المبطلين، ولا تكاد تسمع لهما في أجواف المحاكم حسيسا. وضم # صلى الله عليه وسلم # إلى ~~السلطة القضائية فيما يخص الحق المدني ms09 سلطة التنفيذ فيما يختص بحقوق الأمم، كإشهار الحرب ~~وإبرام الصلح وتلافي أمر الهجوم، ولم يكن مع يقينه باستماتة أصحابه في طاعته، وتفاني مهجهم ~~في محبته لينفرد عنهم بتدابير هذه السلطة، بل يطرحها على بساط المحاورة، ويجاذبهم أطرافها ~~على وجه الاستشارة عملا بقوله تعالى: # وشاورهم في ~~الأمر ~~، وقد يترجح بعض الآراء بوحي سماوي، كما نزل قوله تعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # مؤيدا لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسارى بدر. # أذن له # صلى الله عليه وسلم # بالاستشارة وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييبا لنفوس أصحابه، ~~وتقريرا لسنة المشاورة للأمة من بعده، أخرج البيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس، قال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها - أي المشورة - ولكن جعلها الله رحمة ~~لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا.» # وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من العلم بقوانين الشريعة والخبرة بوجوه السياسة في ~~منزلة لا يطاولها سماء، ومع هذا لا يبرم حكما في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من ~~الصحابة، وإذا نقل له أحدهم نصا صريحا ينطبق على الحادثة، قال: «الحمد لله الذي جعل فينا ~~من يحفظ عن نبينا.» # وعهد بأمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب بعد استشارة جماعة من المهاجرين والأنصار؛ مثل عبد ~~الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأسيد بن حضير وسعيد بن زيد وغيرهم، وإنما لم يبق الأمر شورى ~~بينهم كما صنع الخليفة الثاني، أو يتركه لآراء المسلمين عامة، كما فعل النبي # صلى الله عليه وسلم # اعتمادا على ما تفرسه في عمر من الكفاءة والمقدرة، وحذرا من أن تتنازعها ذوو الأهلية، ~~فتثور ثائرة الفتنة ويرتخي حبل الأخوة في أيدي المسلمين. # ونحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الجادة شبرا بشبر وذراعا بذراع، قال من خطبة ~~أرسلها في هذا الغرض: «كذلك يحق على المسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم وبين ذوي ms10 الرأي ~~منهم .» ثم قال: «ومن قام بهذا الأمر فإنه تبع لأولي رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم.» وهذا ~~إيماء إلى الحكم النيابي، ويدل له من كتاب الله قوله تعالى: # ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر وأولئك هم المفلحون ~~. وضع الإسلام أساسه، وبنى ~~عليه الخلفاء سياستهم، ثم انتقض بناؤه في دولة بني مروان، ومذ شعرت الأمم الآخذة بمذاهب ~~الحرية بأنه الضربة القاضية على السلطة الشخصية طفقوا يهرعون إلى إقامة حكوماتهم على قاعدته ~~المتينة. # وأخذ عمر بقاعدة الشورى في أمر الخلافة من بعده، ففوض أمرها إلى ستة من كبراء الصحابة؛ ~~ليختاروا رجلا منهم، وقال لهم: «ويحضركم عبد الله بن عمر مشيرا، وليس له من الأمر شيء.» ~~وضمه عبد الله بن عمر إلى الستة وتشريكه لهم في الرأي وارد على ما ينبغي في مجالس الشورى من ~~جعل نظامها مؤلفا من العدد الفرد؛ ليمكنهم ترجيح جانب الأكثر عند الاختلاف، ويلوح إلى هذا ~~بطرف خفي قوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم ~~، فذكر العدد الفرد صراحة والاقتصار عليه دون ~~الزوج في ضمنه إشارة إلى ما ينبغي مراعاته في المجالس المؤلفة للمناجاة. # هذا هو الأصل في الشورى، وقد تؤلف من عدد زوج، ويعتبر أحد أفراد اللجنة بمنزلة رجلين ~~اثنين ويسمى رئيسا لها، فيرجح به الجانب الذي ينحاز إليه عند التساوي، والدليل على صحته ~~شرعا قول عمر بن الخطاب لأبي طلحة الأنصاري: «إن الله قد أعز بكم الأنصار، فاختر خمسين ~~رجلا من الأنصار، وكن مع هؤلاء حتى يختاروا رجلا منهم.» ثم قال له: «وإن رضي ثلاثة رجلا ~~وثلاثة رجلا، فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بعبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد ~~الرحمن بن عوف.» # والمشورة سنة متبعة عند بعض الأمم من قديم الزمان، وردت في قصة بلقيس حين دعاها وقومها ~~رسول الله سليمان عليه السلام أن لا يعلوا عليه ويأتوه مسلمين ms11 قال الله تعالى: # قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت ~~قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة ~~وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ~~، ووردت ~~الشورى في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه، قال الله تعالى: # قال ~~الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم * ~~يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * ~~قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ~~، لكن قاعدة ~~الشورى بين فرعون وملئه لم تطرد على أساس صحيح بدليل ما سام به بني إسرائيل من العذاب ~~المبين. # وقطع مجلس الشورى عند فرعون رأيه، وأبرم في النازلة حكمه؛ لأنه فوض إليهم ذلك بقوله: # فماذا تأمرون ~~، وليس له من الأمر شيء سوى تنفيذ ~~أعمالهم، والعمل بما يشيرون بخلاف مجلس الشورى عند ملكة سبأ، فلم يزيدوا على أن عرضوا عليها ~~رأيهم بطريق التلويح حين قالوا: # نحن أولو قوة وأولو بأس ~~شديد # يشيرون إلى اختيار الحرب، ثم وكلوا الأمر إليها بقولهم: # والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ~~؛ لأنها لم ~~تفوض إليهم الحكم في القضية، وإنما طلبت منهم أن يصرحوا بآرائهم ويبوحوا بأفكارهم فقط؛ ~~بدليل قولها: # ما كنت قاطعة أمرا حتى ~~تشهدون ~~، أي إلا بمحضركم، وقولها: # أفتوني في ~~أمري # أي اذكروا ما تستصوبون فيه، ولأنها زيفت رأيهم وأشعرتهم بأنها ترى ~~الصلح مخافة أن يتخطى سليمان عليه السلام حدودهم، فيسرع إلى إفساد ما يصادمه من أموالهم ~~وعماراتهم، فقالت: # إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها ~~. # لا تكون قاعدة الشورى من نواصر الحرية وأعوانها، إلا إذا وضع حجرها الأول على قصد الحنان ~~والرأفة بالرعية، وأما المشاركة في الرأي وحدها، ولا سيما رأي من لا يطاع، فلا تكفي في قطع ~~دابر الاستبداد. # وأهم فوائد المشورة تخليص الحق من احتمالات الآراء، وذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا ~~المغزى وتمثيله في النفوس إلى مذاهب شتى؛ قال بعضهم: # إذا عن أمر فاستشر فيه صاحبا # وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب # فإني ms12 رأيت العين تجهل نفسها # وتدرك ما قد حل في موضع الشهب # وقال غيره: # اقرن برأيك رأي غيرك واستشر # فالحق لا يخفى على إثنين # والمرء مرآة تريه وجهه # ويرى قفاه بجمع مرءاتين # وقال آخر: # الرأي كالليل مسود جوانبه # والليل لا ينجلي إلا بمصباح # فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى # مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح # ولا يدخل في وهم امرئ سمع قولهم: «إنما العاجز من لا يستبد» أن اقتداءه بسنة الشورى يشعر ~~الناس بعجزه وحاجته إليهم، فتسقط جلالته من أعينهم ويفوته الفخر بالاستغناء عنهم؛ فإن ~~الناصح الأمين لا تجده يجعل الفخار محورا يدير عليه سياسته، فيلقي له بالا، وإنما يبني ~~أعماله على مصالح يجلبها أو مفاسد يدرؤها، ومن كان يريد التمجيد والثناء، فنعته بعدم ~~الانفراد بالرأي أفخر لذكره وأشرف لسياسته من وصفه بصفة الاستبداد، قال تعالى في الثناء على ~~الأنصار: # والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ~~وأمرهم شورى بينهم # أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وروي أن ~~هذا دأبهم من قبل الإسلام، ولعله هذا هو الوجه في مخالفة أسلوب الوصف به لما قبله وما بعده، ~~حيث أورد في جملة اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار. # ومن فوائدها استطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها، فإن الرأي يمثل لك عقل صاحبه كما ~~تمثل لك المرآة صورة شخصه إذا استقبلها. # | المساواة # خلق الله الناس بحسب فطرتهم متماثلين، وكذلك ولدتهم أمهاتهم أحرارا متكافئين، ولكن ~~دخولهم في ملاحم الحياة الاجتماعية ينزع عنهم لباس التماثل والتساوي، ويرفع بعضهم فوق بعض ~~درجات، وقد جمع هذه الأطوار الثلاثة قوله تعالى: # يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم # فقوله: # إنا خلقناكم من ذكر وأنثى # رمز إلى فطرتهم ~~الأولى، وقوله: # وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا # إيماء إلى نشأتهم الاجتماعية، وقوله تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # تلويح إلى طور التمايز ~~والتفاضل، وإيذان منه تعالى بالوسيلة التي نبتغيها إلى مقام الكرامة عنده وهي ~~التقوى. # وقد روعي في الإسلامية فطرة الله التي فطر الناس عليها، فوضعت تكاليفها على ms13 شكل التكافؤ ، ~~وأديرت سياستها على قطب المساواة، فلا فضل فيها لشريف على وضيع، ولا امتياز لملك على سوقي، ~~والعقوبة الموضوعة على صعلوك الأمة هي المحمولة على سيدها بدون فارقة، فلو ادعى أبو بكر ~~الصديق أو عمر بن الخطاب على أدنى الناس وأفسقهم درهما واحدا، لم يقض له باستحقاقه إلا ~~بشهادة عادلة، وهذا المعنى عام في جملة الشريعة وتفاصيلها، ولا يبعد استفادته من الآية التي ~~كنا بصددها؛ فإن قوله تعالى: # إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم # وضع جميع الامتيازات وطرحها عن محل العناية والاعتبار ما عدا ~~التقوى. والتقوى نفسها لم يجعل الشارع لها أثرا في تغيير الحدود أو الاختصاص بحظ زائد من ~~الحقوق، ضرورة أن التقوى عبارة عن العمل طبق أحكام الشريعة بنية وإخلاص؛ فالشريعة سابقة على ~~العمل، والعمل تابع لها، ولم يخرج عن هذا الأصل إلا بضعة أحكام خص بها النبي # صلى الله عليه وسلم # أفرادا من الصحابة بأعيانهم، كجعل شهادة خزيمة بشهادتين؛ فإنه أسرع دون من حضر من الصحابة ~~إلى الشهادة لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # بأنه قد بايع الأعرابي، واستند في شهادته إلى البراهين ~~الدالة على وجوب تصديقه # صلى الله عليه وسلم # في كل ما يخبر به، لا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما ~~يخبر به عن غيره، فتفطنه لأخذ حكم هذه القضية من الأدلة العامة مزية استحق بها هذه ~~الخصوصية. # ونظرا إلى قاعدة المساواة قال علماء الأصول: خطاب الشارع لواحد إن لم يدل الدليل على ~~اختصاصه بالحكم يعم جميع الأمة. ولكن تنازعوا في طريق العموم، قالت الحنابلة: يتناولها بنفس ~~الصيغة. وقال غيرهم: يتناولها بالدليل المرشد إلى تساوي الأمة واشتراكها في الأحكام. # ومن أدلة المساواة قوله تعالى: # إنما المؤمنون ~~إخوة # أخذت هذه الآية بعضد المستضعفين من الناس، وأوقفتهم في مرتقى أولي ~~القوة جنبا لجنب؛ إذ المعروف في الإخوة اتحادهم في النسب، وهو يقتضي عدم تفاضلهم وتمايزهم ~~في الحقوق؛ فالآية وإن دلت على التوادد والتراحم من جهة لا تخلو من الدلالة على المساواة من ~~جهة ثانية. ms14 # وسار أبو بكر الصديق بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # بسيرة القرآن، فلم تشغله مقاليد الخلافة في يده ~~أن يقوم خطيبا على ملأ من المسلمين بقوله: «أيها الناس، قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن ~~أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى ~~آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق إن شاء الله تعالى.» ثم قال: «أطيعوني ~~ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.» فعين بهاته الخطبة للحكومة ~~الإسلامية مركزا ثابتا تدير عليه أمور سلطتها؛ وذلك قوله: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، ~~فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.» وفتح في وجوه الرعية فرجا يرددون منها أنفاس ~~الحرية مع أولي الأمر، وأمر بالإنكار والمعارضة عندما تنحرف تلك السلطة عن مركزها يمينا أو ~~شمالا؛ وذلك قوله: «وإن أسأت فقوموني.» وجعل بيدهم عقدة عزل الأمير وتركه غير مأسوف عليه ~~إن لم يقوم اعوجاجه، ويرجع بسلطته إلى دائرتها المرسومة لها شرعا، وذلك قوله: «فإذا عصيت ~~الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.» وقوله: «والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف ~~فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق.» من دلائل المساواة. # وانظر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف يخاطب رعيته بقوله في بعض خطبه: # إن كان بيني ~~وبين من هو منكم شيء من أحكامكم، أن أمشي معه إلى من أحبه منكم، فينظر فيما بيني وبينه. # وهذا نهاية ما يحتج به للمساواة؛ لما فيه من التصريح بأن كل واحد من الرعية محكوم من وجه ~~حاكم من وجه آخر، فلا يسوغ للحاكم أن يقضي لنفسه، كما لا يجوز له القضاء بشهادته لغيره، بل ~~يرفع الخصومة إلى غيره من الحكام، وإن لم يكن معه حاكم، رفع ذلك إلى رجل من رعيته، كما فعل ~~عمر - وهو خليفة - حين قاضى رجلا إلى أبي بن كعب، وأبي بن كعب ليس بذي سلطان. # وكتب عمر في رسالته إلى أبي موسى الأشعري رضي الله ms15 عنه: # آس بين الناس في مجلسك ووجهك ~~وعدلك؛ حتى لا ييئس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك. # ولم يقتصر على التعاليم ~~القولية حتى عززها وشد نطاقها بمثلها من الأعمال المطابقة، كقصته مع جبلة بن الأيهم - ملك ~~غسان - وما شاكلها. # | الحرية في الأموال # هي إطلاق التصرف لأصحابها يذهبون في اكتسابها والتمتع بها على الطريق الوسط، دون أن تلم ~~بها فاجعة اغتصاب، أو تتخطفها خائنة كيد واحتيال، فاقتضى هذا البيان إجراء البحث في أربعة ~~مطالب: اكتساب الأموال، طريقها الوسط، التمتع بها، الاعتداء عليها. # اكتسابها # لما كان المال معونة على الدين ومادة لنشأة الحياة الطبيعية، حتمت الإسلامية السعي ~~خلف اكتسابه، وأذنت في الاسترزاق بكل عمل لا يتبع صاحبه بأذى، ولا يلحق بغيره ضررا، ~~قال تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله # الآية، وقال تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله # إلى غير ذلك من الآيات، وإنما لم يؤكد الطلب في هذا الموضع، ولا ~~أجري مجرى الواجبات وكثير من المطالب في اقترانها بمؤكد الترغيب والترهيب؛ اكتفاء ~~وحوالة على ما طبعت عليه نفوس البشر من الحرص في جمع الأموال وقوة الرغبة في اكتسابها؛ ~~لما فيها من الحظ العاجل واللذة الحاضرة، بل غالب ما سيق في هذا الغرض جاء على صورة ~~الإباحة ونفي الحرج، كقوله تعالى: # وأحل الله ~~البيع ~~، وقوله: # ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم ~~. # فلا حرج في جمع الدنيا من الوجوه المباحة ما لم يكن صاحبها عن الواجبات في شغل شاغل، ~~وقد ذكر الله تعالى التجارة في معرض الحط من شأنها؛ حيث شغلت عن طاعة في قوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة والله خير الرازقين ~~، ولما رجعوا عن صنيعهم، ~~وأخذوا بأدب الشريعة في إيثار الواجبات الدينية وعدم الانقطاع عنها إلى الاشتغال ~~بالتجارة ونحوها ذكرها ولم يهضم من حقها شيئا، فقال تعالى: # رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ms16 ~~، ~~فأثبت لهؤلاء الكمل أنهم تجار وباعة، ولكنهم لم يشتغلوا بضروب منافع التجارة عن فرائض ~~الله، وهذا قول المحققين في الآية، أما ما يقوله بعضهم من أنه نفى كونهم تجارا وباعة، ~~فخلاف ظاهر الآية، والسر في اختصاص الرجال بالذكر هنا أن النساء لسن من أهل التجارات ~~والجماعات، وما ينبغي لهن ذلك، كما أن تخصيص التجارة من بين سائر أسباب الملك لكونها ~~أغلب وقوعا وأوفق لذوي المروءات. # وعد المحققون في العلم الحرف والصناعات، وما به قوام المعاش كالبيع والشراء والحراثة، ~~وسائر ما تمس الحاجة إليه، حتى الحجامة والكنس من فروض الكفاية يجب أن يقوم بكل صنف ~~منها طائفة وإلا أثمت الأمة تماما، وبذلك فسر حديث: «اختلاف أمتي رحمة.» على فرض صحته، ~~فالأمة لا تنهض من وهدة ضعفها إلى مستوى قوتها، إلا بتحمل كل طائفة منها حظا عظيما ~~من وسائل حياتها ولوازمها البدنية والعقلية، وسد كل خلة من الحاجات ما تزايدت، وينقسم ~~الناس في ذلك إلى أربع طبقات؛ الأولى: طائفة تدبر أمور الرعية. الثانية: طائفة تتميز ~~بنشر المعارف سواء في ذلك علم الحلال والحرام ووسائله كعلوم العربية والحساب والهندسة، ~~أو العلوم التي تعود بتحسين حال الثروة كمعرفة الصنائع. الثالثة: طائفة تمسك بزمام ~~التجارة أخذا وعطاء. الرابعة: طائفة عظيمة تقبل على الاشتغال بالصنائع، ومن جملتها ~~الفلاحة التي هي أقدمها وأجداها نفعا. بيد أن الشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه حال ~~عمله مطويا على سراج من التوكل والتفويض؛ فإن اعتماد القلب على قدرة الله وكرمه ~~يستأصل جراثيم اليأس ومنابت الكسل، ويشد ظهر الأمل الذي يلج به الساعي أغوار البحار ~~العميقة، ويقارع به السباع الضارية في فلواتها. # الطريق الوسط # لم تغادر هذه الشريعة صغيرة ولا كبيرة من وجوه التصرفات في الأموال إلا أحصتها، وعلقت ~~عليها حكما عادلا، وتألفت أحكام هذه الوجوه في سلك المناسبة مرتبة على أبواب. # المملوكات إما أعيان أو منافع، ويدور الكلام فيها على ثلاثة أنظار: # النظر الأول: # يتعلق بها من جهة انتقالها، أما الأعيان فانتقالها على خمسة أقسام؛ أحدها: ما ينتقل من ~~مالك ms17 إلى مالك بعوض، والعقد في ذلك إما أن يكون على عين بعين، فهو البيع، أو على عين ~~بشيء في الذمة، فإن تماثل العوضان فقرض، وإلا فسلم، أو على ذمة بذمة فإن كانت إحدى ~~الذمتين من غير المتعاملين فحوالة وإلا فمقاصة. الثاني: ما ينتقل من مالك إلى مالك بغير ~~عوض؛ وهي الهبات والوصايا والمواريث. الثالث: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بالعوض؛ وهي ~~الكتابة. الرابع: ما ينتقل من مالك إلى غير مالك بغير عوض؛ وهو العتق والتدبير. الخامس: ~~ما ينتقل من غير مالك إلى مالك، وهو تملك المباح من الموات. # وأما المنافع فالعقد فيها على ضربين؛ منه ما هو بغير عوض كالوقف، ومنه ما هو بعوض، ~~وهذا إما أن يكون العوض معلوما، فينظر في العمل المقصود، فإن كان معلوما فهي الإجارة، ~~وإن كان العمل مجهولا فهي الجعالة. وإما أن يكون العوض مجهولا ولكنه في حكم المعلوم، ~~فهو القراض والمساقاة والمزارعة. # النظر الثاني: # يتعلق بالأموال من جهة وضع يد الغير عليها، وهو على نوعين؛ أحدهما: ما ~~يكون بالرضا والإذن من صاحبه، وهذا إن قصد التوثق به في دين فهو الرهن، وإن قصد ~~الانتفاع به ثم إعادته إلى ربه فهي العارية، وإن قصد حفظه لربه فهي الوديعة. ثانيهما: ~~ما كان بدون إذنه ورضاه، وهذا إن كان المالك مجهولا، وكان المملوك معرضا للضياع فهو ~~اللقطة، وإن علم صاحبه وقصد التصرف فيه والانتفاع به فهو الغصب، ثم ينجر النظر إلى قيام ~~ربها بمطالبتها والعمل في إعادتها إليه، فينتظم في سلكها باب الاستحقاق. # النظر الثالث: # أن المال الواحد قد يدخل في ملك متعدد، فإذا توجه النظر إلى حال دخوله ~~في ذلك الملك المتعدد وبقائه عليه، فهي الشركة، وإذا تعلق بتوحيد الملك ورفع تعدده، ~~فإما بانفراد كل من الشريكين بنصيبه وهي القسمة، أو بانفراد أحد الشريكين بالجملة وهي ~~الشفعة. # فإذا أنت تدبرت هذه الأبواب المدونة، ودققت النظر في أحكامها المفصلة لتعلم أين ~~مكانها من الإصلاح والنظام ظفرت فيها بنظامات محكمة وأصول عمرانية لا تصل الناس إلى ms18 ~~السعادة الاجتماعية والمعاملة بشرف وفضيلة إلا من طريقتها الوسطى. # التمتع بها # كما أذن الإسلام في اكتساب الأموال واستثمار أرباحها من وجوهها المعتدلة، أذن في ~~الاستمتاع بها وترويح الخاطر بنعيمها على شريطة الاقتصاد، قال تعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق ~~، وقال تعالى: # وهو ~~الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل ~~والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها ~~وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده ~~، وقال تعالى: # والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ~~، ~~وقال تعالى: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ~~لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها ~~، وقال ~~تعالى: # وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا ~~، فذكر هذه الأشياء في معرض الامتنان ~~والإذن في الانتفاع بها دليل واضح على دخولها في قسم المباحات لا حرج في تناولها، ولا ~~يعد الإعراض عنها طاعة يرجى ثوابها كما تقتضيه حقيقة الإباحة. # لما فتح أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أنطاكية، عزم على الرحيل منها وعدم الإقامة ~~بعسكره فيها؛ مخافة أن يألفوا جودة هوائها ويأنسوا بطيب نسيمها، فيخلدوا إلى الراحة ~~والدعة، وأرسل بهذه النية إلى الخليفة عمر بن الخطاب، فكان من جواب عمر: «أما قولك إنك ~~لم تقم بأنطاكية لطيب هوائها، فالله عز وجل لم يحرم الطيبات على المتقين الذين يعملون ~~الصالحات، فقال تعالى: # يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ~~، ~~وكان يجب عليك أن تريح المسلمين من تعبهم، أو تدعهم يرغدون في مطعمهم ...» إلخ. # وأما الآيات الواردة في سياق التزهيد والحط من متاع الحياة الدنيا، فلا يقصد منها ~~ترغيب الإنسان ليعيش مجانبا للزينة ميت الإرادة عن التعلق بشهواته على الإطلاق، وإنما ~~يقصد منها فيما نفهمه حكم أخرى؛ كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض، ومن ~~قصرت أيديهم عن تناولها لئلا تضيق صدورهم على آثارها أسفا. ومنها تعديل الأنفس ~~الشاردة، وانتزاع ما في طبيعتها من الشره والطمع لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل ms19 ويتطوحا ~~بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة؛ فاستصغار متاع الدنيا وتحقير لذائذها في نفوس الناس ~~يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويكبر بهممهم عن جعلها قبلة يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا، ~~وقد بين لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذ الحياة، ولم يصح فؤاده عن اللهو ~~بزخارفها، ماتت عواطفه ونسي أو تناسى من أين تؤتى المكارم والمروءة، ودخل مع الأنعام في ~~حياتهم السافلة. # وأما ما ثبت عن بعض السلف من نبذ الزينة والإعراض عن العيش الناعم عند القدرة عليه أو ~~في حال وجوده فلا يريدونه قربة بنفسه، ولكن يبتغون به الوسيلة إلى رياضة النفس وتدريبها ~~على مخالفة الشهوات؛ لتستقر تحت طوع العقل بسهولة، وتتمكن من طرح أهوائها الزائغة بدون ~~كلفة، فلو وثق الإنسان من نفسه بحسن الطاعة، لم تكن في مجانبته للطيبات مزية ولا ~~مؤاخذة. # ولما كان السرف في صرف الأموال وبسط الراحة بإنفاقها يفضي إلى نفاذها، والتشوف إلى ما ~~في أيدي الناس، أو يؤدي في الأقل إلى قلتها وعيش صاحبها كاسفا على ما فاته من السعة ~~ورفاهية الحال؛ أمر الشارع بالاقتصاد في الاستمتاع بها، ولم يرسم لذلك حدا فاصلا، ~~بل أوكله إلى اجتهاد المكلف وما يعلم من وسعه، فقال تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته ~~، وقال تعالى: # كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ~~، ~~وقال تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ~~، وقال: # والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما ~~، وقال: # ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين ~~، ولما كان الشأن في الحرير والنقدين الذهب والفضة ~~غلاء الثمن لنفاستها وندرتها، منع من استعمالها على التعيين، وميز النساء في حكمها على ~~الرجال، فأباحها لهن لباسا لاحتياجهن إلى الزينة والتحسين أكثر مما يحتاج الرجال، ~~فالنهي عن استعمال الذهب والفضة ولبس الحرير مبني على رعاية حفظ المال عن التبذير ~~والإنفاق لغير مصلحة، ويحسب كثير من الناس أنها لم تحرم إلا لقهر النفوس وقطع أعناقها ~~عن الفخر والتباهي، وليس بصحيح، ms20 وإلى هذه القاعدة - قاعدة الاقتصاد - ترجع أحكام الحجر ~~على الصبي ومن لا يحسن التصرف في ماله. # وحرمت الإسلامية من المطاعم ما كان رجسا يعافه الطبع ويتقذره الذوق كالميتة وما ألحق ~~بها، أو موبقا للبدن كالسموم وما شاكلها، أو مؤثرا على العقل كالمسكرات، ولا ينازع في ~~قبيح مفسدتها إلا من غرق في سكرة من الجهل والغواية، يقول أبناء الحانات في إطرائها: ~~تغرس الشجاعة في النفوس. قلنا: في إرغام وجوههم، أما بعد مفارقتها صحوا، فإنكم تعودون ~~إلى سجيتكم الأولى من الخور والجبن، وأما حال استيلائها على عقولكم فلا حكمة ولا تدبير ~~ولا شجاعة إلا بهما. # قالوا: تسلي الهموم. قلنا: وتحل عقدة اللسان فينثر ما في كنانات القلوب من أسرار ~~تخشون إذاعتها. وتسلية الهموم تثقف العزائم عن مقاومة أسبابها الجالبة لها إن استطاع ~~إليها حيلة، وإلا فالعقل الصحيح أكبر مجلبة للسلوان وأعز مدافع لها عند الهجوم. قالوا: ~~تبعث في الفؤاد سرورا. قلنا: تبعث في هيئة حركاتكم كياسة تسر الناظرين، أما ما زعمتموه ~~من مسرتكم فضرب من التوسع في الخيال؛ إذ السراء التي يتطلبها الخاطر ويهنأ لها ارتياحا ~~ما كانت ناشئة عن موجب يشمله الوجود. # ولا ننسى أن كثيرا من الشعراء قد طغى بهم الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديح ~~الخمر صفات الجمال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال، فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال ~~والشعراء يتبعهم الغاوون. # فالإسلام وإن عني بتزكية الأرواح وترقيتها في مراقي الفلاح لم يبخس الحواس حقها، وقضى ~~للأجسام لبانتها من الزينة واللذة بالقسطاس المستقيم. # روي أن عبد الله بن أبي السمط أنشد بين يدي المأمون أبياتا يمتدحه بها، فلما انتهى ~~عند قوله: # أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا # بالدين والناس بالدنيا مشاغيل # قال له المأمون: ما زدت على أن جعلتني عجوزا في محراب وبيدها سبحة، أعجزت أن تقول ~~كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز: # فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه # ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله # وقد كان المتعبدون من قبل يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا وترك ملاذها والعزلة عن ms21 ~~أهلها وتعمد مشاقها، فنفاها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ونهى المسلمين عنها، فقال: «لا رهبانية في ~~الإسلام.» وتدبر إن شئت قوله تعالى: # خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين ~~، فقد بين بهاته الآية أن الزينة من علائق العبادة غير ~~منافية لها، وأن العبادة لا تستدعي الإعراض عن اللذات الحسية المعتدلة. # الاعتداء عليها # من الطبائع المركبة في نفوس البشر داعية حب الأموال والحرص في مكتسبها واقتنائها، قال ~~تعالى: # وتحبون المال حبا جما ~~، وقال تعالى: # إن الإنسان لربه لكنود * ~~وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير ~~لشديد ~~. # هذا الباعث يقذفه الله في نفوس قوم، فيدعوهم إلى تسوية طرائق العمران وتشييد أركانه، ~~ويسلكه في قلوب آخرين فيترامى بهم إلى بث الفساد على وجه البسيطة، وإثارة غبار التوحش ~~في أرجائها، القوي بسطوته، والضعيف باحتياله ومكيدته، واعتبر في هذا برجل فاضت خزائنه ~~ذهبا، وقد بلغ من الكبر عتيا، ولم يهب الله له في ورثته وليا، وتجده قائما على ~~ساق الجد في العمل المستمر، يبني بكل ريع آية، ويشق الأرض بأدوات الفلاحة شقا، ماذا ~~حمله على ذلك الحرص الأكيد والأمل الواسع وقد تقوس ظهره وانكمش جلده؟ حب المال، حب ~~المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجل الرأفة، ويجعل مكانها القسوة والفضاضة، حتى إذا أظلم ~~الأفق واسود جناح الليل تأبط خنجرا، أو تقلد سيفا، وذهب يخطو في بنيات الطريق خطى ~~خفافا ليأتي البيوت من ظهورها، ويمد بسبب إلى أمتعتها، فإذا دافعه صاحبها أذاقه طعم ~~المنون، وانصرف ثملا بلذة الانتصار؛ ولهذا افتقرت داعية حب المال إلى وازع يسدد طيشها ~~ويكسر من كعوبها إلى أن تستقيم قناتها، والوازع ما ورد في مجمل الشريعة ومفصلها من ~~الأصول القابضة على أيدي الهداجين حول اختلاسها والعاملين على اغتصابها، أو التصرف فيها ~~بغير ما يأذن صاحبها، قال تعالى: # لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم ~~، وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع ~~أرضين.» # وقال تعالى: ms22 # ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ~~، وقد تضمنت هذه ~~الآية الإشارة إلى حكم الارتشاء، وقال في شأنه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لعن الله الراشي.» هو ~~دافع الرشوة، «والمرتشي» وهو قابضها، «والرائش» وهو المتوسط بينهما. الرشوة أخت السرقة ~~وابنة عم الاغتصاب، وإن شئت فقل: تزوج الاغتصاب بالسرقة، فتولدت بينهما الرشوة؛ لأنها ~~عبارة عن أخذ مال معصوم خفية، ولكنه بسلطة على حين علم من صاحبه، وكان الذين اجترحوا ~~سيئتها قصدوا بها معارضة قاعدة الزكاة في وضعها وحكمتها. أما وضعها فالزكاة مال أوجبه ~~الله على الأغنياء، لتسد منه خلة الفقير والمسكين، والرشوة مال يدلي به الفقراء ~~والأرامل والأيتام إلى الغني ومن ولي الأحكام لينصفهم في الحكومة ولا يخذلهم في مجلس ~~قضائه. وأما حكمتها فالزكاة شرعت لتطهر نفوس الأغنياء من رذيلة الشح، وتجعل بدلها الكرم ~~والسماح، وتنزع الغل والحسد من قلوب الفقراء، وتنشر في مكانهما المودة والرحمة لأهل ~~اليسار، والرشوة تزيد الغني لهفة وحرصا في جمع الأموال، وتفتح في صدره أبوابا من ~~المطامع بقدر ما له من سعة التصرف وقوة النفوذ، ثم توقد له في قلب الراشي ضغينة وحقدا، ~~وتطلق لسانه بخزيه وهوانه، وإن لم يكن بقضائه شقيا. ولما كانت الرشوة عقبة كئودا في ~~سبيل الحرية أخذت الشريعة في تحريمها بالتي هي أحوط، فلا يسوغ للقاضي قبول الهدية إلا ~~من خواص قرابته؛ لئلا تزل به مدرجتها إلى أكل الرشوة، أو يتخذ اسم الهدية غطاء للرشوة ~~يسترها به عن أعين المراقبين لأحواله السرية، ورد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الهدية، ~~فقيل له: كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يقبلها، فقال: كانت له هدية ولنا رشوة؛ لأنه كان ~~يتقرب إليه لنبوته لا لولايته، ونحن يتقرب بها إلينا لولايتنا. # ولم يكتف الشارع الحكيم في النهي عن اغتصاب الأموال واختلاسها بما قرع به الأسماع من ~~الزواجر الكلية، فأردفها بتعليمات عمرانية في مواضيع غامضة تقصر عقول البشر عن إدراكها ~~بدون توقيف وتعليم مثل المعاملة بالربا؛ ms23 فقد يتوهم سلامتها من أكل المال باطلا، وهي ~~معدودة في قبيله غير خارجة عن معناه. يوافق الربا الاغتصاب في أن الزائد على رأس المال ~~أخذ بغير عوض يقابله، ولم تطب له نفس الدافع، ولا سمح به خاطره، ولكن الحاجة هنا ألجأت ~~إلى إعطائه، كما تلجئ سلطة الغاصب إلى تسليم المال في الغصب الصريح، وهو بهذا الاعتبار ~~ذريعة لاستيلاء الموسرين على تراث أهل الخصاصة وامتصاص أموالهم التي هي بمنزلة الدم ~~لحياتهم شيئا فشيئا، ويقطع سببا وثيقا ترتبط به القلوب رحمة وإخاء وهو السلف مثلا ~~بمثل، فضلا عما يبذره في نفوس أهل الثروة من ألفة البطالة والتقاعد عن الصنائع ~~والمعاملات التجارية، ولم تتقدم الأمم المستحلة للربا في حياتها المدنية بارتكاب مطيته ~~العشواء أخذا وإعطاء، وإنما منبع ثروتها ورفاهية حالها عقد المبادلات التجارية. ~~والإقبال على الفلاحة والصنائع واستنزاف المعادن، والمعاملة بالربا عندهم أمر يسير لا ~~يكاد يظهر بالنسبة إلى مشروعاتهم الواسعة وأعمالهم المتواصلة. # وأما العقوبات المتعلقة بالجناية على الأموال فأربعة أنواع: # أحدها: # عقوبة السارق، قال تعالى: # والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم ~~. من تحقق في النظر إلى جناية السرقة وجدها مفسدة يعسر ~~تلافيها، إذ لا يمكن للناس أن يحرزوا أمتعتهم ويصونوها عن التلف والضياع بأكثر من ~~وضعها في دور قائمة جدرانها موصدة أبوابها مزررة أقفالها، ويتعذر على صاحب المتاع ~~المواظبة على حراسة متاعه بنفسه صباحا ومساء، ولا يتيسر لكل أحد أن يتخذ حراسا يكفونه ~~شر أهل الخيانات أو يجعل دون ماله سدا لا يستطيعون أن يظهروه، ولا يستطيعون له نقبا، ~~والسارق يترصد أوقات الخلوة بالأمتعة، فيذهب إليها في حال تنكر واختفاء، ويخرق الدار ~~ويتسور جدارها، ويقلع الأبواب أو يكسر أقفالها، ثم يملأ حقيبته منها، وينصرف آمنا ~~مطمئنا من افتكاك ما أخذ منه أو إقامة البينة عليه، بخلاف الغاصب أو المنتهب، فإنه ~~يأخذ المال مجاهرة، فيمكن استرجاعه منه بالقوة أو بالإشهاد عليه؛ ولهذا كانت السرقة ~~أكثر وقوعا، وأجلب للخلل في النظام، فاستحق صاحبها تشديد العقوبة عليه؛ لقطع ms24 جرثومة ~~فسادها عن الناس، وأليق العقوبات به قطع الجارحة التي يتوسل بها إلى الإذاية، ويباشر ~~بها الجناية على الأموال المعصومة. # وهل أتاك حديث من ينظر ببصيرة عشواء، فأورد على ما قررته الشريعة من قطع يد السارق في ~~ربع دينار، وجعل ديتها خمسمائة دينار إذا جنى عليها غيره فقطعها، فقال: # يد بخمس مئين عسجد فديت # ما بالها قطعت في ربع دينار # وقال بعضهم في جوابه: # حماية الدم أغلاها وأرخصها # صيانة المال فانظر حكمة الباري # وأجاب الإمام الشافعي فيما روي منه: # هناك مظلومة غالت بقيمتها # وها هنا ظلمت هانت على الباري # ثم إن قطع اليد في ربع دينار مثلا فيه حكمة الزجر للسارق نفسه عن معاودة السرقة، ~~وردع أمثاله عن الإقدام عليها، وفي هذا عصمة لأموال كثيرة، وسد لمنفذ تتفشى منه المفسدة ~~بطريق العدوى، والله لا يحب المفسدين. # ثانيها: # عقوبة من يخيف السبيل ويشهر السلاح لأخذ المال باطلا، وهو المحارب، قال الله ~~تعالى: # إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ~~ينفوا من الأرض ~~، شرع الله في عقاب المحارب أربعة أنواع، أوكل ~~أمرها إلى خيرة الإمام، فإما أن يقتل بدون صلب، وإما أن يصلب حيا ثم يقتل ويراق دمه ~~على الخشبة التي صلب فيها، أو تقطع يده ورجله من خلاف، أو ينفى من الأرض، أي يبعث من ~~بلده إلى بلد آخر، ويودع في السجن إلى أن ينتفي خبثه وتظهر توبته، وليس معنى نفيه ~~إبعاده إلى بلد آخر مع تركه خالع العنان يمشي في مناكبها، ويجتني بها قطوف لذاتها، فإن ~~هذا لا يمحق كيده، ولا يقطع ذيل فساده، فلا نأمن أن يسحبه مرة أخرى، ويلوث به بقاعا ~~كانت آمنة مطمئنة، وأضيف التغريب في هذه العقوبة إلى السجن زيادة في الخزي والنكال؛ فإن ~~من يبارح وطنه ويغادر مسقط رأسه يجد في نفسه حرجا، وفي خاطره ضجرا؛ لانقطاعه عن أهل ~~تربى في حجورهم وليدا، وحنوا عليه بعواطفهم حقبة، ثم مفارقته لعشيرة شب ms25 على أخلاقهم ~~وعوائدهم، واشتمل برداء عزهم من قبل أن يكبر عن الطوق، ومن ثم نبعت الغيرة على الوطن في ~~صدور الطوائف، وأصبحوا يجلونه أعظم إجلال، فلو هاجر قومه الوطن الأول، وانتبذوا بدله ~~مكانا قصيا، لتحولت غيرته معهم وخص بها المنزل الحديث، كما يخصه بالتشوق والحنين، ~~وعلى هذا المعنى يحمل حديث: «حب الوطن من الإيمان.» على فرض ثبوته، فحب الوطن على هذا ~~الوجه يدل على حسن العهد، ويدعو إلى التعاضد على البر والتقوى. # وقد يألف الإنسان بعض البقاع، فيجد في إحساسه ميلا نحوها زائدا عما تقتضيه قيمتها ~~في نفسه، ويأبى أن يستبدلها بالذي هو خير، ولكن هذا الميل بعد أن نسلم أنه أثر طبيعي ~~غير خيالي، فلا يعتد من العواطف المعتبرة في نظر الشريعة ومجاري عادات العقلاء حتى ~~يستحق من أجلها صفة تمجيد، فمن تحيز عن أمته وطفق يرمي في وجوههم بعبارات الازدراء، ~~وينفث في كأس حياتهم سما ناقعا، لا نصفه بصفة الغيرة والوطنية، وإن شغف بحب ديارهم ~~وقبلها جدارا بعد جدار، ولا يراد بالتخيير هنا إلقاء العقوبة بيد الإمام يحد الجاني ~~بأي نوع اتفق أو تعلقت به مشيئته، كالتخيير في خصال الكفارة، وإنما المراد فتح مجال ~~الاجتهاد في هذه الأنواع من غير أن يخرج عن دائرتها، فيجب عليه النظر أولا، وبذل الوسع ~~فيما هو الكافي لحسم هذا الفساد من أصله، وبعد تعديل الرأي وتنقيحه، يتعين العمل بما هو ~~أصلح في الردع وأنفى لوباء الفتنة. # فمن المحاربين من لا يقاتل بنفسه، ولكن له دهاء ومهارة في المكر والتدبير، بحيث ~~يستطيع حيلة أن يؤلف الجموع ويثير غبار الفتنة، فهذا يجب قتله، فإن كان للمبالغة في ~~إشهار العقوبة وإيقاعها بمكان تشخص فيه الأبصار تأثير نافع في ردع العائثين وإرهابهم ~~جمع بين صلبه وقتله، ومنهم من لا رأي له ولا تدبير، وإنما يقطع السبيل بقوة بدنه وشدة ~~بطشه، فهذا يقطع من خلاف؛ ليكف شر يده التي يبطش بها، ورجله التي يفتن عليها، وأما من ~~يعلم من حاله العفاف، وإنما صدر منه ذلك على وجه ms26 الفلتة والمساعدة لغيره مع توقع الندم ~~منه، فهذا حكمه النفي، ولا يسوغ قتله ولا قطعه، وإنما كانت عقوبة المحارب أشد من عقوبة ~~السارق؛ لأن الحرابة أعظم مفسدة وأوسع خرقا في النظام؛ لإفضائها إلى انتهاب الأموال ~~وسفك الدماء عند المدافعة عنها، إذ يسوغ لصاحب المال المدافعة عن ماله بما يملك من ~~الاستطاعة، كثيرا كان المال أو يسيرا، وله أن يقاتل بعد الإنذار والموعظة إذا لم يجد ~~للدفاع طريقا سوى القتال. # وجعل الإمام الشافعي رضي الله عنه أنواع العقاب المقررة في الآية مرتبة على حسب حال ~~اختلاف المحاربين بالنظر إلى ما صنعوا، فقال: إذا قتل المحارب ولم يأخذ مالا قتل، وإن ~~أخذ المال وقتل وجب قتله وصلبه، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع من خلاف، والنفي والحبس ~~فيمن لم يبلغ جرمه إلى أن يستحق أكثر منهما. # ثالثها: # عقوبة المتعدي بغير السرقة والحرابة كالغاصب، وأمر تشخيصها وتحديدها موكول ~~إلى ذكاء القاضي وعدالته يجتهد فيها رأيه ويقدرها على حسب الجناية. # رابعها: # عقوبة المتلف لمال غيره وهي تغريمه المثل أو القيمة، والعقوبة بالمال في غير ~~هذه الجناية، وقع النزاع في حكمها بين علماء تونس في سنة 828، فأفتوا بالمنع، وانفرد ~~عنهم الشيخ البرزلي، فأفتى في ذلك بالجواز، وجعلها من قبيل المصالح المرسلة، وقال: إذا ~~لم يمكن ردع الجناة إلا بالمال ردعوا بالمال. وألف في ذلك تأليفا فيه نحو أربع أوراق، ~~وخالفه جميع من حضر في ذلك الوقت، وألزموه مخالفة الإجماع، وروي أن مروان بن عبد الحكم ~~أخذ رجلا راود امرأة على نفسها وقبلها وكشفها، فسجنه ولم يطلقه إلا بعد أن فداه أبوه ~~بألف، فأنكر الإمام مالك على مروان فعله؛ لأنه لا يرى القضاء بالعقوبة بالمال، وهذه ~~مسألة عظيمة تستدعي بسطا واستدلالا لا يسعهما هذا المقام. # | الحرية في الأعراض # يريد كل امرئ أومضت فيه بارقة من العقل أن يكون عرضه محل الثناء والتمجيد وحرما مصونا ~~لا يرتع حوله اللامزون، وهاته الإرادة هي التي تبعثه على أن يبدد فريقا من ماله في حل عقال ~~ألسنة؛ لتكسوه من نسج ms27 آدابها حلة المديح، أو يسد به أفواها يخشى أن تصب عليه من مرائر ~~أحدوثتها علقما، قال بعضهم: # أصون عرضي بمالي لا أدنسه # لا بارك الله بعد العرض في المال # وقد تتقوى هذه الداعية فتبلغ به إلى أن يخاطر بحياته، وينصب جنبه لسهام الرزايا عندما ~~يرجم بشتيمة تلوث وجه كرامته، ويتجهم بها منظر حياته، قال أبو الطيب المتنبي: # يهون علينا أن تصاب جسومنا # وتسلم أعراض لنا وعقول # ولا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجادة أو تتسفل هممهم إلى هاوية الرذالة، إلا بمقدار ~~ما تجد بينهم من التفاوت في عقدة هذه الإرادة قوة وانحلالا، فبقوة هذه الإرادة يتجلى لنا ~~في مظاهر الإنسانية مطبوعا على أجمل صورة من الكمال، وبسبب ضعفها تنزل به شهواته من سماء ~~الإنسانية إلى أن يكون حيوانا مهملا، وأعظم مثال يكشف لك عن فنائها وسكون نبضها رجل ~~يأتي الفاحشة ويعانق الرذيلة غير مستور عن أعين الشاهدين، ويرى أثرها بمثابة وسام افتخار في ~~صدر رجل من مشاهير الأمة، فحال هذا الرجل مستثناة من عموم النصوص الواردة في حفظ عرض ~~الإنسان في غيبته، إذ يعد اختياره لجلسته بقارعة الطريق وهتكه لستر كرامته بنواجذه دليلا ~~واضحا على عدم تحرجه ومبالاته بذلك، فينزل منزلة الإذن الصريح لغيره أن ينشر عوراته التي ~~خرقها هو بنفسه علانية. # ونستفيد من هذا أنه لا يحق للطاعن أن يتخطى المعائب التي يجهر بها صاحبها إلى النقائص ~~التي يحرزها بغطاء الستر والكتمان؛ لقوله: # ولا تلمزوا ~~أنفسكم ~~، وقوله تعالى: # ولا يغتب بعضكم ~~بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه ~~، وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، وهو من ~~باب القياس الظاهر؛ لأن عرض المرء أشرف من بدنه، فإذا قبح من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن ~~منه قرض أعراضهم بالطريق الأولى، فالمذام التي تلتصق بالشخص خفية لا يسوغ لآخر تكشف عليها ~~أن يحرك بها لسانه، ويتمضمض بإذاعتها في المجامع إلا في مواضع يدور حكم الاستباحة فيها على ~~درء مفسدة تنشأ عن عدم التعريف بها، كإبدائها ms28 على وجه النصيحة الخالصة لمن عزم على ربط ~~العلاقة مع صاحبها بمصاهرة أو معاملة مالية مثلا، وكإنهائها إلى من له طاقة على إقلاعه ~~عنها وانتزاعها منه مثل الأمير الأعلى والمعلم المطاع، وما يسلكه أهل الصحافة في أرباب ~~الولايات من تتبع مناكرهم وعرض مظالمهم على أنظار الحكومة لا يخرج عن هذا القبيل، ولكن ~~على شريطة التجرد عن الأغراض الشخصية، والتحقق من صحة ذلك بإسناده إلى حجة قوية مع اللطف في ~~العبارة، وصنيعهم على هذا الشرط يد شاملة يطوقون بها جيد الأمة، ويدينون بها الحكومة ~~العادلة. # ومثل هذا في الإباحة للضرورة تمكين الخصوم من إثبات الجرحة في الشهود، فإن الحاكم لا يقضي ~~بشهادة امرئ إلا إذا صحت عدالته، وقد يرمي أحد الخصمين الشاهد بريبة تقتضي بطلان شهادته ~~عليه، ويستند في ذلك إلى بينة تصدق دعواه، فلا غنى للحاكم هنا عن فتح السبيل للقدح في عدالة ~~الشاهد وذكره بما يسوء عرضه في مجلس القضاء؛ لئلا تضيع الحقوق بشهادة السفهاء من ~~الناس. # ولما تجاسر كثير من أهل الأهواء على اختلاق أحاديث يفترونها كذبا ويسندونها إلى رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ليؤيدوا بها مزاعمهم أو يقضوا بها حاجة في نفوسهم قام العلماء بحق الوراثة ~~المنوطة بعهدتهم من قبل صاحب الشريعة، وأخذوا في نقد ما يروى من الأحاديث؛ حتى يتميز الخبيث ~~من الطيب والصحيح من غير الصحيح، فاحتاجوا إلى التعرض لحالة الرواة، وإذا علموا من أحد ~~سوءا بادروا إلى الجهر به وتعيين اسمه؛ ليحذره الناس ولا يتلقون روايته بالقبول، وهكذا ~~الحكم في كل طائفة تحملت في عهدتهم أمرا يشترط فيه الثقة والأمانة كالقضاء والفتوى؛ ولهذا ~~لا نرى أهل الورع من العلماء يهملون في كتب التراجم ذكر من تصدروا للأحكام أو الفتوى ~~والتصريح بما يقع في سيرتهم، أو ينطوي في سريرتهم من الأحوال المانعة من الاقتداء بهم ~~والأخذ بمذاهبهم، وربما استطردوا بيانها في أثناء تحاريرهم العلمية، ونضرب لك في صحة هذا ~~مثلا، يقول المالكية: لا حكم ولا إفتاء إلا بما جرى به العمل. ويقررون في شروطه ms29 أن يكون ~~الذي أجرى العمل أهلا للاقتداء به قولا وعملا، إذ كثيرا ما هزلت هذه المناصب حتى سامها ~~كل مفلس من العلم فقير من التقوى، ولولا ما تسطره أقلام الكرام الكاتبين وتنطق به الثقات ~~رواية ما اهتدينا إلى معرفة من يجب الاقتداء بأحكامه وفتاويه، ومن يجب الإعراض عن الاقتداء ~~به صفحا. # الجناية على الأعراض غير منضبطة، بل تختلف آحادها اختلافا كثيرا، فرب صفة ينعت بها رجل ~~فلا تحط من شأنه، وتعلق على آخر فتنقلب سبابا، ومن أجل اختلافها في التأثير على حال المجني ~~عليهم لم تضع الإسلامية بإزائها عقوبة محدودة، وفوضت تعيينها وتقديرها إلى اجتهاد الحاكم، ~~فإذا وقعت الواقعة تلقاها بمزيد الضبط، ثم اجتهد في عقاب الجاني رأيه، ما عدا حد القذف ~~بالزنا، فقد قررت له جزاء مفروضا هو الجلد ثمانين سوطا، قال الله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا وأولئك هم الفاسقون ~~، ووجب هذا الحد في القذف بالزنا، ولم ~~يجب على من يرمي غيره بالكفر الذي هو أكبر جريمة وأعظم إثما؛ لأن فاحشة الزنا يأتيها الشخص ~~خفية، ويبالغ في سترها ما استطاع، فإذا رمى بها أحد إنسانا احتمل أن يكون صادقا، ولا سبيل ~~للعلم بكذبه، وأما إذا رماه بالشرك فإن تلبسه بشعار الإسلام والناس ينظرون يكفي شاهدا على ~~كذب من رماه، ثم إن العار الذي يلحق من قذف بالزنا أعلق من العار الذي ينجر إلى من رمي ~~بالكفر وأبقى؛ فإن التوبة من الكفر على صدق القاذف تذهب رجسه شرعا، وتغسل عاره عادة، ولا ~~تبقي له في قلوب الناس حطة تنزل به عن رتبة أمثاله ممن ولدوا في الإسلام بخلاف الزنا، فإن ~~التوبة من ارتكاب فاحشته وإن طهرت صاحبها تطهيرا ورفعت عنه المؤاخذة بها في الآخرة يبقى ~~لها أثر في النفوس ينقص بقدره عن منزلة أمثاله ممن ثبت لهم العفاف من أول نشأتهم، وانظر إلى ~~المرأة ينسب إليها الزنا كيف يتجنب الأزواج نكاحها، وإن ظهرت توبتها، مراعاة للوصمة التي ms30 ~~ألصقت بعرضها سالفا، ويرغبون أن ينكحوا المشركة إذا أسلمت رغبتهم في نكاح الناشئة في ~~الإسلام. # وخفف الله عن الرجل القاذف لزوجه، وشرع له مخلصا عن الحد باللعان؛ لاحتياجه إلى دفع ولد ~~الزنا عنه، وقطع نسبه الفاسد منه، ولأن الغالب من حال الرجل مع امرأته أنه لا يقذفها إلا عن ~~حقيقة، إلا أن شهادة الحال وحدها لا تكفي في صحة ما يدعيه عليها، فأضيف إليها ما يقويها من ~~الأيمان؛ قال تعالى: # والذين يرمون أزواجهم ولم ~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة ~~أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ~~. # ولما كان الشاهد بالزنا يلتبس أمره بالقاذف شديدا، فربما ينوي الرجل قذف آخر، فيرميه ~~بالزنا في صورة الشهادة عليه، والذي هو شاهد حقيقة قد يدفعه المشهود عن نفسه، ويزعم أنه ~~قاذف يستحق العقوبة أقام الشارع فرقا فاصلا بينهما، فاشترط في صحة الشهادة على الزنا ~~أربعة عدول، فإن القاذف يتميز عن الشاهد بوصفين: التهاون بأمر الدين، والغل الواغر في صدره ~~بالنسبة للمقذوف، ومن البعيد اتفاق هذين الوصفين في جماعة من المسلمين عرفوا بالعدالة، فإذا ~~لم يتم نصاب الشهادة التحق الشاهد بالقاذف، وأجري الحد عليه. # وكثير من أحكام الشريعة ما هو مبني على مبدأ صيانة الأعراض كرعاية الكفاءة في الأزواج؛ ~~فإن اقتران المرأة بمن هو أدنى منها حسبا وأخفض منها حالا لا يخلو عن حطة في العادة ~~يشملها عارها، ثم يمتد إلى وليها وذوي قرابتها، ويعرض بولدها لأن يلاقي من عشيرته مقتا ~~وهوانا، قال الشاعر العربي: # وإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه # إذا لم يزاحم خاله بأب جلد # ويؤثر عدم الكفاءة في المعاشرة بين الزوجين شغبا واضطرابا بسبب فخار المرأة وتطاولها، ~~وربما نزع من يد الزوج سلطته التي يحوط بها عفتها، ويصون بها كرامتها، لإباية النفوس طبيعة ~~من الطاعة لمن هو دونها مدنية وآدابا. # | الحرية في الدماء # ينظر العمرانيون إلى الأمة التي تجمعها رابطة، فيشاهدونها في صورة جسم واحد، وأفرادها هي ~~أعضاؤه المتلاصقة، وليس سفك دم ms31 الفرد منهم إلا كالفصد لعرق من عروقها واستفراغ دمه الذي هو ~~بضعة من حياتها، والقصاص من القاتل وإن كان فصدا لعرق ثان من ذلك الجسم العظيم، إلا أنه ~~بمبضع طبيب عارف يخشى أن يسري دمه الفاسد إلى غيره من الأعضاء، فيحدث فيها مرضا عضالا، ~~قال تعالى: # ولكم في القصاص حياة يا أولي ~~الألباب ~~؛ لأن القصاص يكف يد العالم به عن إراقة الدماء ونهب الأعمار ~~موافقة لداعية الهوى والضغائن الواغرة في الصدور، فيكون سببا لحياة نفسين في هذه الناشئة، ~~ولأن العرب كانوا يقتلون غير القاتل أحيانا، فإذا قتل عبد أو امرأة من قبيلة، وكانت ~~القبيلة ذات شوكة وحمية لا ترضى إلا أن تقتل في مقابلة العبد حرا، والمرأة رجلا، وربما ~~قتلوا جماعة بواحد، فتهيج الفتنة، وتشتعل بينهم حرب البسوس، فإذا كان القصاص مقصورا على ~~القاتل فاز الباقون بالحرية في حياتهم واطمأنوا بها. # والقصاص كما يقع عند الفتك بالأرواح يجري في الجراحات والجناية على الأطراف، قال الله ~~تعالى: # وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ~~والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح قصاص ~~، وهذه الآية يشملنا حكمها، وإن نزلت تبيانا ~~لما كتب على الأمة الإسرائيلية؛ لأن ما يقصه الله علينا من شرائع الأمم المتقدمة، ولم يرد في ~~الشريعة الإسلامية ما يخالفه - أخذنا به أسوة، وكان العمل بموجبه ضربة لازب. # ولمكان العناية بحفظ الدماء بنيت أحكامها على أساس الاحتياط؛ حتى لا يجد الأشقياء ذريعة ~~إلى إهدارها، ومن هذا اتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتل الجماعة الكثيرة بالواحد، وإن كان ~~القصاص يقتضي المساواة، وقتل عمر بن الخطاب سبعة من أهل صنعاء، وقال: لو تمالأ عليه أهل ~~صنعاء لقتلتهم به. ويقتص ممن قتل في حال سكر وإن لم يكن متعمدا؛ لئلا يتخذ السكر وسيلة إلى ~~إنهار الدماء في سبيل الأغراض. # وشرع الإسلام الدية على القاتل تخفيفا ورحمة، وأقامها مقام القصاص إذا رضي بها أولياء ~~القتيل وآثروها على الأخذ بالثأر، فقد تكون الدية أصلح لهم من القصاص وأجدى نفعا، زيادة ~~عما فيها من إبقاء ms32 نفس مسلمة تتناسل ذريتها في الإسلام. # هذا حكم القاتل عمدا تؤخذ الدية من ماله ويجلد مائة ويسجن سنة كاملة مزجرة له عن إتلاف ~~النفس بغير حق، وأما إذا قتل خطأ فتفرض على العاقلة من قرابته، وليست الدية في قتل الخطأ من ~~قبيل العقوبة على الذنب، حتى يشكل علينا وضعها على العاقلة بقوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~، ونحوه من النصوص الدالة ~~على أن الإنسان لا يؤخذ بزلة غيره، ولكنها فرضت للأخذ بخاطر المصابين وتخفيفا لوقع المصيبة ~~عليهم، وإن كانت لا تخلو من حكمة التضييق على الجاني؛ ليأخذ حذره، ولا يتساهل في إهدار ~~الدماء المعصومة. وإيجابها في ذمة القاتل وحده وهي مقدار جسيم من المال يضر به كثيرا؛ إذ ~~لا يؤمن أن يتكرر خطؤه فتأتي على جميع ماله، وعدم قصده للجناية عذر يقتضي التخفيف عنه ~~والرفق به، فناسب إيجابها على من عادتهم القيام بنصرته عند الشدائد، وهم عاقلته، ففرضت في ~~أموالهم على وجه المساعدة والصلة الواجبة بحق القرابة، كما وجبت النفقات على بعض الأقارب، ~~وكما يجب فكاك الأسير من بلد العدو. # لا يحل دم امرئ إلا لأسباب تكون الفتنة فيها أشد من القتل، مثل الزنا من المحصن، فإن ~~الزاني يبذر نطفته على وجه تجعل النسمة المخلقة منها مقطوعة عن النسب إلى الآباء، والنسب ~~معدود من الروابط الداعية إلى التعاون والتعاضد، فكان السفاح سببا لوجود الولد عاريا من ~~العواطف التي تربطه بأولي قربى يأخذون بساعده إذا زلت به نعله، ويتقوى به اعتصابهم عند ~~الحاجة إليه، وفيه جناية عليه وتعريض به لأن يعيش وضيعا بين الأمة مدحورا من كل جانب، فإن ~~الناس يستخفون بولد الزنا، وتنكره طبائعهم، ولا يرون له في الهيئة الاجتماعية اعتبارا. ثم ~~إن الغيرة التي طبعت في الإنسان على محارمه، والحرج الذي يعلو صدره عند مزاحمته على موطوءته ~~مظنة لوقوع المقاتلات وانتشار المحاربات؛ لما يجلبه هتك الحرمة للزوج وذوي القرابة من العار ~~الفظيع والفضيحة الكبرى، فاقتضى هذا الفساد الناقض لقاعدة العمران أن يفرض له حد وجيع هو ~~الرجم إن ms33 كان ثيبا ، وهذا من الحدود المتوارثة في الشرائع السماوية كالقصاص والقطع في ~~السرقة، وأما إن كان بكرا فيجلد مائة، قال تعالى: # الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم ~~بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ~~، واكتفي بإيلام بدنه بالجلد، ولم يعاقب بالقتل؛ لأنه لم يتقدم له نكاح ~~كالثيب عرف به طريق العفاف، وشاهد منه كيف يقع الاستغناء عن الفروج المحرمة، وهذا شيء من ~~العذر فارق به الثيب، وأوجب له عصمة دمه. # | الحرية في الدين # قرر الإسلام في معاملة الأمم التي يضمها تحت حمايته حقوقا تضمن لهم الحرية في ديانتهم، ~~والفسحة في إجراء أحكامها بينهم، وإقامة شعائرها بإرادة مستقلة، فلا سبيل لأولي الأمر على ~~تعطيل شعيرة من شعائرهم ~~ولا مدخل للسلطة القضائية في فصل نوازلهم الخاصة، إلا أن يتراضوا عن المحاكمة أمامها، فتحكم ~~بينهم على قانون العدل والتسوية، قال تعالى: # وإن حكمت فاحكم ~~بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ~~، وإبقاء ~~المحكومين على شرائعهم وعوائدهم منظر من مناظر السياسة العالية، وباب من أبواب العدالة ~~يدخلون من قبله إلى أكناف الحرية، وتذكروا إن شئتم قوله تعالى: # قالوا ~~فما جزاؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزاؤه من وجد في ~~رحله فهو جزاؤه ~~، فجزاء السرقة في دين يوسف عليه السلام هو مضاعفة ~~الغرم على السارق، كما روى الكلبي، وفي رواية: ويضرب. وجزاؤه في شريعة يعقوب عليه السلام ~~أخذ السارق واسترقاقه سنة، وسؤال أصحاب يوسف عليه السلام إخوته عن جزاء من يوجد عنده الصواع ~~ليعاقب به وعدم إجراء حكم دين الملك عليه مبني على رعاية معاملة المحكومين ~~بشرائعهم. # الإسلام يحل للمسلم أن يتزوج المرأة من أهل الكتاب مع استمرارها على دينها والتمسك ~~بعقائدها، ولا يسمح له بهضيمتها في أمر تستدين به أو انتقاصها حقا من حقوق الزوجية، بل ~~تتقاسم فيها امرأته المسلمة قسمة عادلة. # الإسلام يمنح المسلم أن يعطي لغير المسلم عهدا بتأمينه، ولا مساغ لأحد بعد ذلك في نقض ~~ميثاقه أو تبديل شرطه، بل يحتم السعي في تأكيده ورعايته، ms34 وفي الحديث الشريف: «إن المسلمين ~~يسعى بذمتهم أدناهم.» # تنظر إلى أبواب الشريعة فتبصر في جملتها أحكاما كثيرة مبنية على التسامح مع غير ~~المحاربين، تطالع أبواب الهبة والوقف والوصية، فتستفيد من أحكامها أن الإسلام لم يقتصر على ~~إباحة معاملتهم بمعاوضة، بل أجاز للمسلم أن يهب جانبا من ماله، أو يوقفه، أو يوصي به لبعض ~~أهل الذمة ويجب تنفيذه والقضاء بصحته، وأحل لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، وأن نطعمهم، قال ~~تعالى: # وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم ~~، وأمر بالإحسان إليهم والرفق بضعيفهم وسد خلة ~~فقيرهم، ولين القول لهم على سبيل اللطف والرحمة واحتمال إذايتهم في الجوار على وجه الكرم ~~والحلم، وحرم الاعتداء عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم. وحكى ابن حزم في مراتب ~~الإجماع أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم ~~بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صونا لهم. # فمن نظر في طبيعة الإسلام جيدا، تحقق صفاء سريرته من مقاصد تضرم في أحشاء أهله جمرة ~~التعصب الباطل ضد ديانة أخرى، كما يزعم بعض من لم يسمعوا دعوته إلا من وراء حجاب. # وشدد الإسلام العقوبة على من ارتد عن الدين بعد أن لبس هديه القويم، فأمر بدعوته إلى ~~الإنابة والتوبة، فإن رجع وإلا ضرب بالسيف على عنقه، وإنما جبر المرتد على البقاء في ~~الإسلام؛ حذرا من تفرق الوحدة واختلال النظام، فلو خلي السبيل للذين ينبذون الدين جهرة ~~ونحن لا نعلم مقدار من يريد الله أن يضله نخشى من انحلال الجامعة وضعف الحامية، وأهل الردة ~~وإن أصبحوا كاليد الشلاء لا تعمل في الجامعة خيرا، لا يخلو بقاؤهم في شمل المسلمين وهم في ~~صورة أعضاء صحيحة من إرهاب يلقيه كثرة السواد في قلوب المحاربين، ثم إن لكل أمة سرائر من ~~حيث الدولة لا ينبغي لها أن تطلع عليها غير أوليائها، ومن كان متلبسا بصفة الإسلام شأنه ~~الخبرة بأحوال المسلمين والمعرفة بدواخلهم، فإذا خلع ربقة الدين وقد كان بطانة لأهله يلقون ~~إليه ms35 سرائرهم اتخذه المحاربون أكبر مساعد، وأطول يد يمدونها لنيل أغراضهم من المؤمنين. ~~هذا تأثير أهل الردة على الإسلام من جهة الدولة والسياسة. وأما تأثيرهم عليه من جهة كونه ~~دينا قيما، فإن المرتد يحمله المقلدون من المخالفين على معرفته بحال الدين والخبرة ~~بحقيقته تفصيلا، فيتلقون منه كل ما ينسبه إليه من خرافات وضيعة، أو عقائد سخيفة يختلقها ~~عليه بقصد إطفاء نوره، وتنفير القلوب منه، ولما كان عثرة في سبيل انتشار الدين وجبت إماطته ~~كما يماط الأذى عن الطريق. # وفي جعل عقوبة المرتد إباحة دمه زاجر للأمم الأخرى عن الدخول في الدين مشايعة للدولة ~~ونفاقا لأهله، وباعث لهم على التثبت في أمرهم، فلا يتقلدونه إلا على بصيرة وسلطان مبين؛ إذ ~~الداخل في الدين مداجاة ومشايعة يتعسر عليه الاستمرار على الإسلام وإقامة شعائره. # وأنت إذا جئت تبحث عن حال من ارتدوا بعد الإسلام لا تجد سوى طائفتين: منهم من عانق الدين ~~منافقا، فإذا قضى وطره أو انقطع أمله انقلب على وجهه خاسرا. وبعضهم ربي في حجور المسلمين، ~~ولكنه لم يدرس حقائق الدين، ولم يتلق عقائده ببراهين تربط على قلبه ليكون من الموقنين، فمتى ~~سنحت له شبهة من الباطل تزلزلت عقيدته، وأصبح في ريبه مترددا، وارجع بصرك إلى التاريخ ~~كرتين، فإنك لا تعثر على خبر ارتداد مسلم نبت في بلد طيب نباتا حسنا. # | الحرية في خطاب الأمراء # لا يخفى على متشرع بصير أن الملك والدين أخوان يشد كل منهما بعضد الآخر، بل الدين رائد ~~للملك، والملك تابع للدين خادم له، وإن شئت فقل: هما كمثل إنسان الدين عقله المدبر والملك ~~جسمه المسخر له، وذلك الإنسان هو ما نسميه الآن بالإسلام، فبمقدار ما ترتبط الإدارة ~~السياسية بالإدارة الدينية يكمل شبابه وتجري روح الاستقامة في أعضائه، فتصدر أعماله قرينة ~~الحكمة، سالمة من العيوب، ومتى انفكت أولاهما عن أخراهما انحلت حبوته وتناثرت أجزاؤه تناثر ~~خرز مكورة على سطح محدب، فمن صعد نظره في عصر الخلفاء الراشدين يجد السبب الذي ارتقى ~~بالإسلام وانسجم به في سبيل المدنية هو ms36 ما انعقد بين الدين والخلافة من الاتحاد والوفاق، ~~ومن ضرب بنظره فيما يشاء من الدول التي حمي فيها وطيس الاستبداد، يجد المحرك لتلك الريح ~~السموم والعثير المشوم ما اعترض بين هاتين السلطتين من الاختلاف. # كان موضع العناية ومحل القصد من الإمارة في نظر أولئك الخلفاء ومن حذا حذوهم كعمر بن عبد ~~العزيز هو خدمة الدين الذي هو خادم للعدالة التي هي خادمة لصلاح العالم، قال الشيخ قبادو ~~التونسي: # وما الجاه إلا خادم الملك لائذا # وما الملك إلا خادم الشرع حزمه # وما الشرع إلا خادم الحق مرشدا # وبالحق قام الكون وانزاح ظلمه # ولما انطوت أحشاؤهم على هذا المقصد الجميل، أطلقوا سراح الرعية في أمرهم بالمعروف ~~وإحضارهم النصيحة، مثل ما سبق في خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكقول عمر بن الخطاب: ~~«أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف، وإحضاري النصيحة، وأعينوني على أنفسكم بالطاعة.» وكانوا ~~يوسعون صدورهم للمقالات التي توجه إليهم على وجه النصيحة والتعريض بخطأ الاجتهاد، وإن كانت ~~حادة اللهجة قارصة العبارة. # عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد رضي الله عنهما، وكان أميرا على قنسرين، ولم يجد عمر ~~بدا من الاعتذار عن ذلك بمحضر ملأ من المسلمين؛ حذرا مما عسى أن يقدح في بعض الظنون، ~~فقام وخطب خطبة في شأن العطاء، وألقى في آخرها بالمعذرة، فقال: «وإني أعتذر إليكم من خالد ~~بن الوليد، فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس وذا الشرف ~~وذا اللسان، فنزعته منه، وأمرت أبا عبيدة ابن الجراح.» فقام أبو عمر بن حفص، وكان ابن عم ~~لخالد فقال: «والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملا استعمله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~» إلى ~~أن قال: «وقطعت رحما وحسدت ابن العم.» فقال عمر: «إنك قريب القرابة، حديث السن، مغضب في ~~ابن عمك.» ولم يزد على أن التمس لمناقشته وجها وردها ردا لينا، وأخيرا قدم خالد بن ~~الوليد إلى عمر، وحصحص الحق أنه نقي الراحة بريء العهدة مما ظن به، وبذلك كتب عمر ms37 إلى ~~الأمصار . # ثم خلف من بعد أولئك خلف عرفوا أن فطرة الدين وطبيعته لا تتحمل شهواتهم العريضة، وألفوا ~~بلاط الملك فسيح الأرجاء بعيد ما بين المناكب، ولكنه لا يساعفهم على أغراضهم وتتبع خطواتهم ~~ما دامت أوصاله ملتحمة بالإدارة الدينية، ولم يهتدوا حيلة إلى فارق بينهما سوى أن يسدوا ~~منافس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون دعاة الإصلاح، وابتكروا ضروبا من الخسف وأفانين ~~من الإرهاق كانوا يهجمون بها على الناس هجوم الليل إذا يغشى، وإذا سمعوا مناديا ينادي ليحق ~~الحق ويبطل الباطل كلموه بألسنة السيوف. # ولما أبق الملك من حضانة الدين وخفقت عليه راية الاستبداد، خالط الأفئدة رعب وأوجال، ~~كأنما مزجت بطينتها، فبعد أن كان راعي الغنم يفد من البادية وعصاه على عاتقه، فيخاطب أمير ~~المؤمنين بيا أبا بكر ويا عمر ويا عثمان، ويتصرف معه في أساليب الخطاب بقرارة جأش وطلاقة ~~لسان وسكينة في الأعضاء، أصبح سيد قومه يقف بين يدي أحد الكبراء في دولة الحجاج فينتفض ~~فؤاده رعبا، ويتلجلج لسانه رهبة، وترتعد فريصته وجلا، يخشى أن يكون فريسة لبوادر ~~الاستبداد. # ولا نجهل أن القرون السالفة تمخضت فولدت رجالا تمتلئ أفئدتهم غيرة على الحق والعدالة، ~~فصغرت في أعينهم أبهة الملك، وازدروا بما يكتنفها من أدوات الاستبداد، فجاهروا بالنصيحة ~~المرة، وخففوا من ويلات المنكر نصيبا وافرا؛ كالقاضي أبي الحسن منذر بن سعيد البلوطي ~~المتوفى سنة 355، وكنت تعرضت إلى نبذة من سيرته في مجلة السعادة عدد 17، ومثل القاضي أبي ~~بكر الطرطوشي صاحب كتاب «الحوادث والبدع»، ولكن هؤلاء الرجال لم يبلغوا النصاب الكافي لإصلاح ~~شأن أمة عظيمة، وما كانوا إلا أمثلة نادرة يضربها الله لدعاة الإصلاح لعلهم يتذكرون. # آثار الاستبداد # إذا أنشبت الدولة برعاياها مخالب الاستبداد، نزلت عن شامخ عزها لا محالة، وأشرفت على ~~حضيض التلاشي والفناء؛ إذ لا غنى للحكومة عن رجال تستضيء بآرائهم في مشكلاتها، وآخرين ~~تثق بكفاءتهم وعدالتهم إذا فوضت إلى عهدتهم بعض مهماتها، والأرض التي اندرست فيها أطلال ~~الحرية إنما تأوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال إلا في ms38 القليل، قال صاحب ~~لامية العرب: # ولكن نفسا حرة لا تقيم بي # على الضيم إلا ريثما أتحول # فلا جرم أن تتألف أعضاء الحكومة وأعوانها من أناس يخادعونها، ولا يبذلون لها النصيحة ~~في أعمالهم، وآخرين مقرنين في أصفاد الجهالة يدبرون أمورها على حد ما تدركه أبصارهم، ~~وهذا هو السبب الوحيد لسقوط الأمة، فلا تلبث أن تلتهمها دولة أخرى، وتجعلها في قبضة ~~قهرها، وذلك جزاء الظالمين. ثم إن الاستبداد مما يطبع نفوس الرعية على الرهبة والجبن، ~~ويميت ما في قوتها من البأس والبسالة. # فمن في كفه منهم قناة # كمن في كفه منهم خضاب # فإذا اتخذت الدولة منهم حامية، أو ألفت منهم كتيبة، عجزوا عن سد ثغورها، وشلت أيديهم ~~من قبل أن يشدوا بعضدها. # وإن أردت مثلا يثبت فؤادك ويؤيد شهادة العيان، فاعتبر بما قصه الله تعالى عن قوم ~~موسى عليه السلام، لما أمرهم بالدخول للأرض المقدسة وملكها، كيف قعد بهم الخوف عن ~~الطاعة والامتثال، وقالوا: إن فيها قوما جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها. فمتى ~~جئت تسأل عن الأمر الذي طبع في قلوبهم الجبن، وتطوح بهم في العصيان والمنازعة إلى ~~قولهم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا ~~قاعدون ~~، وجدته خلق الانقياد المتمكن في نفوسهم من يوم كانت الأقباط ماسكة ~~بنواصيهم وتذيقهم من سوء الاستعباد عذابا أليما. # والأمة مفتقرة إلى الكاتب والشاعر والخطيب، والاستبداد يعقد ألسنتهم على ما في طيها ~~من الفصاحة، وينفث فيها لكنة وعيا، فتلتحق لغتهم بأصوات الحيوانات، ولا يكادون يفقهون ~~قولا. # وإذا أضاءت على الأمة شموس الحرية، وضربت بأشعتها في كل واد، اتسعت آمالهم، وكبرت ~~هممهم، وتربت في نفوسهم ملكة الاقتدار على الأعمال الجليلة، ومن لوازمها اتساع دائرة ~~المعارف بينهم، فتتفتق القرائح فهما، وترتوي العقول علما، وتأخذ الأنظار فسحة ترمي ~~فيها إلى غايات بعيدة، فتصير دوائر الحكومة مشحونة برجال يعرفون وجوه مصالحها الحقيقية، ~~ولا يتحرفون عن طرق سياستها العادلة. # والحرية تؤسس في النفوس مبادئ العزة والشهامة، فإذا نظمت الحكومة منهم جندا، ~~استماتوا تحت رايتها مدافعة، ولا يرون القتل سبة إذا ms39 ما رآه الناكسو رءوسهم تحت راية ~~الاستبداد. # ثم إن الحرية تعلم اللسان بيانا، وتمد اليراعة بالبراعة، فتزدحم الناس على طريق ~~الأدب الرفيع، وتتنور المجامع بفنون الفصاحة وآيات البلاغة؛ هذا خطيب يدعو إلى سبيل ربه ~~بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك شاعر يستعين بأفكاره الخيالية في نصرة الحقيقة، ويحرك ~~العواطف ويستنهض الهمم لنشر الفضيلة، وآخر كاتب، وعلى صناعة الكتابة مدار سياسة ~~الدولة. # ولم تكن ينابيع الشعر في عهد الخلفاء الراشدين فاغرة أفواهها بفن المديح والإطراء، ~~وإنما ترشح به رشحا، وتمسح به مسحا، لا يظهر من فضيلة الحرية فتيلا، وما انفلت ~~وكاؤها وتدفقت بالمدائح المتغالية إلا في الأعصر العريقة في الاستبداد. # ولما وقر في صدر عمر بن عبد العزيز من تنظيم أمر الخلافة على هيئته الأولى، لم يواجه ~~الشعراء بحفاوة وترحاب، وقال: ما لي وللشعراء. وقال مرة: إني عن الشعر لفي شغل. انتجعه ~~جرير بأبيات، فأذن له بإنشادها، وقال له: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقا. وعندما ~~استوفاها واصله بشيء من حر ماله، فخرج جرير وهو يقول: خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ~~ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض. ثم أنشد يقول: # رأيت رقى الشيطان لا تستفزه # وقد كان شيطاني من الجن راقيا # ومن مآثر الاستعباد ما تتجشأ به اللها، وتسيل به الأقلام من صديد الكلمات التي يفتضح ~~لك من طلاوتها أنها صدرت من دواخل قلب استشعر ذلة وتدثر صغارا نحو: «مقبل أعتابكم»، ~~«المتشرف بخدمتكم»، «عبد نعمتكم» ولا إخال أحدا يصغي إلى قول أحد كبراء ~~الشعراء: # وما أنا إلا عبد نعمتك التي # نسبت إليها دون أهلي ومعشري # إلا ويمثل في مرآة فكره شخصا ضئيلا يحمل في صدره قلبا يوشك أن ينوء بما فيه من ~~الطمع والمسكنة. # ومن سوء عاقبة الخضوع في المقال أن يوسم الرجل بلقب وضيع ينحته له الناس من بعض أقوال ~~له أفرغ فيها كثبة من التذلل، وبذل الهمة. كما سموا رجلا باسم «عائد الكلب»؛ ~~لقوله: # إني مرضت فلم يعدني واحد # منكم ويمرض كلبكم فأعود # ولا نجهل أن بعض من سلك ms40 هذا المسلك من التملق والمديح اتخذه سلما ليظفر بحق ثابت، ~~ولكنه لا ينافي الغرض الذي نرمي إليه من أن الحقوق في دولة الحرية تؤخذ بصفة الاستحقاق، ~~وفي دولة الاستبداد لا تطالب إلا بصفة الاستعطاف، ذلك الوزر الذي يحبط بفضل العزة التي ~~نبهنا الله عليها، وأرشد من يريدها إلى أنها تطلب بالطاعة من الكلم الطيب والعمل ~~الصالح، فقال تعالى: # من كان يريد العزة فلله ~~العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل ~~الصالح يرفعه ~~. # وعندما انتهت المسامرة قام الأستاذ الهمام صاحب التحريرات العالية الشيخ السيد محمد ~~الطاهر بن عاشور، وألقى خطابا فائقا يقول فيه: # يا أيها الأستاذ النحرير، ويا أيها السادة # سرني أن أقف موقفي هذا لأمثل على مرأى من السادة الحاضرين مقدار الابتهاج والسرور ~~بمسامرتكم الفائقة التي سمح لنا بها هذا النادي أو السامر الشريف، فسمعنا منها فلسفة ~~حقيقية لمبدأ عظيم من مبادئ شريعتنا الإسلامية، وشاهدنا مثالا صحيحا للفصاحة والبلاغة ~~العربيتين يحيي من الأمل بحياة اللغة العربية متى ساعدتها عزيمتكم وعزيمة معضديكم من ~~رجال النشأة العلمية المستنيرين. # ولأفصح بعبارات ملؤها الإعجاب والثناء عن مقدار سروري بما شاهدته، وشاهده العارفون من ~~نتائج هاته الجمعية التي تحقق آمال بلوغها شأوا من الرقي وإيقاظ العيون الوسنة إلى ~~غايات العمل واكتساب فخر خدمة الأمة خدمة صادقة. فلقد مضت علينا عصور اعتدنا فيها تضاؤل ~~المشروعات الناشئة حتى خلق فينا إشفاق شديد على كل مشروع جديد من مشروعاتنا الخيرية، ~~ولكن هاته الجمعية قد قارنت منذ نشأتها من جلائل الأعمال ما جعلها محل الإعجاب عوض أن ~~تكون موضع الإشفاق. # وعندي أن أكبر معين لها على أعمالها هو تأسيس هذا النادي، الذي تسهلت به لديها عقبات ~~التفاهم والمجادلة فيما يعود لخير الأمة وتقدم المعارف. وقديما ما كانت النوادي مبعث ~~أشعة النور سواء في الأمة العربية التي كانت أقامت النوادي لمهماتها في القرن الثاني ~~قبل الهجرة، وأول من أقامها قصي بن كلاب الذي أسس وحدة قريش، ورد عنهم الأيدي الطاغية ~~من خزاعة، وسمي أول ناد لهم في مكة بدار الندوة. ms41 # أما في الأمم الغربية فإننا لا ننسى ما كان لتأسيس النوادي من الشأن الكبير في النهضة ~~الفرنسوية عند إقامة دعائم الجمهورية الأولى، ومن أشهرها يومئذ نادي اليعقوبيين، وفي ~~تسمية النادي في اللغة الفرنسوية بما يرادف كلمة دائرة سر لطيف من معاني الوفاق ~~والتساوي والإحاطة اللازمة لأجزاء الدائرة كلها. # ولقد ظهر بهذا النادي من مسامرات علمية في أمد وجيز ما خلد له ذكرا ساميا، وأخص ~~بكلامي ما ظهر فيه من مواهب الأساتذة المتنورين من أهل العلوم العربية، وما حققوه من ~~المباحث في نقد التاريخ وفلسفة العمران الإسلامي، وهذه مسامرة الأستاذ النقاد هاته ~~الليلة أعدل شاهد على ذلك. وفي الختام أقدم عبارات الشكر والثناء إلى جناب مدير المدرسة ~~الصادقية المخلص الناصح وإلى السادة المستعربين من سراة النزلاء الفرنسويين الذين شرفوا ~~نادينا في سائر حفلاته عن طيب نفوس وإخلاص ضمائر، والذين كان في حضورهم ما يحقق آمالنا ~~من زيادة روابط الود بين الأمتين، خصوصا متى عرفوا معرفة اليقين كنه أخلاق المسلمين، ~~فكذبوا بذلك أصحاب الغايات الشخصية المرجفين، وأرجو من قبول شكري وثنائي على سائر ~~السادة الحاضرين. ms42