######OpenITI# #META# URI: 1377MuhammadKhidrHusayn.NaqdKitabIslamWaUsulHukm.Hindawi25273163 #META# Tags: history #META# ID: 25273163 #META# Title: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم #META# AuthorID: 28079706 #META# Author: محمد الخضر حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # تمهيد‏ # الكتاب الأول: الخلافة والإسلام‏ # 1 - الخلافة وطبيعتها‏ # 2 - في حكم الخلافة‏ # 3 - الخلافة من الوجهة الاجتماعية‏ # الكتاب الثاني: الحكومة والإسلام‏ # 1 - نظام الحكم في عصر النبوة‏ # 2 - الرسالة والحكم‏ # 3 - رسالة لا حكم، ودين لا دولة‏ # الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ‏ # 1 - الوحدة الدينية والعرب‏ # 2 - الدولة العربية‏ # 3 - الخلافة الإسلامية‏ # إهداء الكتاب‏ # تمهيد‏ # الكتاب الأول: الخلافة والإسلام‏ # 1 - الخلافة وطبيعتها‏ # 2 - في حكم الخلافة‏ # 3 - الخلافة من الوجهة الاجتماعية‏ # الكتاب الثاني: الحكومة والإسلام‏ # 1 - نظام الحكم في عصر النبوة‏ # 2 - الرسالة والحكم‏ # 3 - رسالة لا حكم، ودين لا دولة‏ # الكتاب الثالث: الخلافة والحكومة في التاريخ‏ # 1 - الوحدة الدينية والعرب‏ # 2 - الدولة العربية‏ # 3 - الخلافة الإسلامية‏ # | نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم # | نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم # تأليف # محمد الخضر حسين # | إهداء الكتاب # إلى خزانة حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم # تلقيت علوم الشريعة الإسلامية عن أساتيذ لهم غوص في أسرار التشريع، فعرفت أن في كل ~~حلقة من سلسلة حياة محمد # صلى الله عليه وسلم # معجزة، فإن أساليب دعوته وحكمة شريعته لا تربطها ~~بالأمية إلا يد فوق يد الطبيعة البشرية. # رأيت وأنا بتونس أن القيام بحق الإسلام يستدعي مجالا واسعا، وسماء صافية، فهاجرت ~~منها والعيش رغيد، والأمة في إقبال، والإخوان في مصافاة، وأنزلت رحلي بدمشق الشام، فمدت ~~لنا الأيام من الأمل طرفا، فإذا رحى الحرب العامة تدور، وحامل رايتها ينجد ~~ويغور. # وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئتها، هبطت ~~مصر فلقيت على ضفاف وادي النيل علما زاخرا، وأدبا جما، فلم ألبث قليلا حتى شهدت ~~من حضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم غيرة على دين الحق، وعناية برفع شأن المعاهد ~~العلمية الإسلامية، فقلت: إن في هذه الغيرة والعناية لحماية للدين الحنيف من نزعة ترمي ~~حوله بشرر الكيد والأذى. # تلك المزية التي أصبح بها صاحب الجلالة واسطة عقد ملوك الأمم الشرقية قد أخذت في نفسي ~~مأخذ الإكبار والإجلال، ودعتني إلى أن أقدم ms001 إلى خزانته الملكية مؤلفا قمت فيه ببعض ~~حقوق إسلامية وعلمية؛ وهو: «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم»، ورجائي أن يتفضل عليه ~~بالقبول، والله يحرس ملكه المجيد، ويثبت دولته على دعائم العز والتأييد. # المخلص في الطاعة # محمد الخضر حسين # | تمهيد # بسم الله الرحمن الرحيم # أحمد الله على الهداية، وأسأله التوفيق في البداية والنهاية، وأصلي وأسلم على سيدنا ~~محمد المبعوث بأكمل دين وأحكم سياسة، وعلى آله وصحبه وكل من حرس شريعته بالحجة أو ~~الحسام وأحسن الحراسة. # وقع في يدي كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبد الرازق فأخذت أقرؤه قراءة من ~~يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال بالشبهات، وكنت أمر في صحائفه الأولى على ~~كلمات ترمز إلى غير هدى، فأقول: إن في اللغة كناية ومجازا، ومعميات وألغازا، ولعلها ~~شغفته حبا حتى تخطى بها المقامات الأدبية إلى المباحث العلمية، وما نشبت أن جعلت ~~المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء، وتناديها قوانين المنطق فلا تعبأ ~~بالنداء. # وكنت - بالرغم من كثرة بوارحها - أصبر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون ~~الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر فأخطأ مقدماتها الصادقة، ~~وما برحت أنتقل من حقيقة وضاءة ينكرها، إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرفت على ~~خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء، أو الغراب بالغراب! # فوق المؤلف سهامه في هذا الكتاب إلى أغراض شتى، والتوى به البحث من غرض إلى آخر، ~~حتى جحد الخلافة وأنكر حقيقتها، وتخطى هذا الحد إلى الخوض في صلة الحكومة بالإسلام، ~~وبعد أن ألقى حبالا وعصيا من التشكيك والمغالطات زعم أن النبي عليه السلام ما كان ~~يدعو إلى دولة سياسية، وأن القضاء وغيره من وظائف الحكم ومراكز الدولة ليست من الدين في ~~شيء، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، ومس في غضون البحث أصولا لو صدق ~~عليها ظنه لأصبحت النفوس المطمئنة بحكمة الإسلام وآدابه مزلزلة العقيدة مضطربة ~~العنان. # كنا نسمع بعض مزاعم هذا الكتاب من طائفة لم يتفقهوا ms002 في الدين، ولم يحكموا مذاهب ~~السياسة خبرة، فلا نقيم لها وزنا، ولا نحرك لمناقشتها قلما؛ إذ يكفي في ردها على ~~عقبها صدروها من نفر يرون الحط في الأهواء حرية، والركض وراء كل جديد كياسة! # كنا نسمع هذه المزاعم فلا نزيد أن نعرض عمن يلغطون بها حتى يخوضوا في حديث غيرها. أما ~~اليوم وقد سرت عدواها إلى قلم رجل ينتمي للأزهر الشريف ويتبوأ في المحاكم الشرعية ~~مقعدا، فلا جرم أن نسوقها إلى مشهد الأنظار المستقلة، ونضعها بين يدي الحجة، وللحجة ~~قضاء لا يستأخر، وسلطان لا يحابي ولا يستكين. # لا أقصد في هذه الصحف إلى أن أعجم الكتاب جملة، وأغمز كل ما ألاقي فيه من عوج، فإن ~~كثيرا من آرائه تحدثك عن نفسها اليقين، ثم تضع عنقها في يدك، دون أن تعتصم بسند أو ~~تستتر بشبهة، وإنما أقصد إلى مناقشته في بعض آراء يتبرأ منها الدين الحنيف، وأخرى يتذمر ~~عليه من أجلها التاريخ الصحيح، ومتى أميط اللثام عن وجه الصواب في هذه المباحث الدينية ~~التاريخية، بقي الكتاب ألفاظا لا تعبر عن معنى، ومقدمات لا تتصل بنتيجة. ~~••• # والكتاب مرتب على ثلاثة كتب، وكل كتاب يحتوي على ثلاثة أبواب، وموضوع الكتاب الأول: ~~الخلافة والإسلام، وموضوع الكتاب الثاني: الحكومة والإسلام، وموضوع الكتاب الثالث: ~~الخلافة والحكومة في التاريخ. # وطريقتنا في النقد أن نضع في صدر كل باب ملخص ما تناوله المؤلف من أمهات المباحث، ثم ~~نعود إلى ما نراه مستحقا للمناقشة من دعوى أو شبهة فنحكي ألفاظه بعينها، ونتبعها بما ~~يزيح لبسها، أو يحل لغزها، أو يجتثها من منبتها. # وتخيرنا هذا الأسلوب لتكون هذه الصحف قائمة بنفسها، ويسهل على القارئ تحقيق البحث، ~~وفهم ما تدور عليه المناقشة ولو لم تكن بين يديه نسخة من هذا الكتاب المطروح على بساط ~~النقد والمناظرة. # الكتاب الأول # | الخلافة والإسلام # الباب الأول # | الخلافة وطبيعتها # مناقشة المؤلف في جمل أوردها للدلالة على أن المسلمين يتغالون في احترام ~~الخليفة - بحث في قولهم: «طاعة الأئمة من طاعة الله» - بحث في قولهم: «النصح ~~للأئمة لا ms003 يتم إيمان إلا به» - بحث في قولهم: «السلطان ظل الله في الأرض» - ~~مناقشة المؤلف في زعمه أن ولاية الخليفة عند المسلمين كولاية الله ورسوله - من ~~أين يستمد الخليفة سلطته؟ - مناقشة المؤلف فيما استشهد به من أقوال الشعراء - ~~الفرق بين مذهب «هبز» وحق الخليفة في الإسلام. ~~*** # ملخص الباب # تعرض المؤلف في فاتحة هذا الباب إلى معنى الخلافة وأورد ما قاله بعض علماء ~~الإسلام في تعريفها، وأردفه بنقل كلمات أهل العلم في الحث على نصح الخليفة ولزوم ~~طاعته، وأضاف إليها كلمة من خطبة تعزى لأبي جعفر المنصور، وصاغ خلال ذلك وعقب ذلك ~~جملا صور بها منزلة الخليفة في نظر المسلمين، بزعم أنها منتزعة من تعريفهم للخلافة ~~أو مما يقولونه في الندب إلى طاعة الأمراء، ولم يتمالك بعد هذا أن طالب المسلمين ~~بأن يبينوا له مصدر تلك القوة التي أفاضوها على الخليفة، وخرج في البحث إلى دعوى ~~أن للمسلمين في سلطة الخليفة مذهبين: # أحدهما: # أنها مستمدة من سلطان الله. # وثانيهما: # أنها مستمدة من الأمة. # وضرب المثل لهذين المذهبين بمذهبي «هبز» الألماني «ولوك» الإنكليزي. # المناقشة # افتتح صاحب الكتاب البحث بحكاية كلمات وردت في تعريف الخلافة، وهي قول الشيخ عبد ~~السلام: «رياسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~.» وقول ~~البيضاوي: «الإمامة عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص للرسول عليه السلام في إقامة ~~القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة.» وقول ابن خلدون: «الخلافة هي حمل الكافة على ~~مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها.» # ثم أخذ ينحت في تفسير هذه الكلمات جملا تشعر - بما انطوت عليه من غلو وإسهاب - ~~أن منشئها سيتخذها سلما لدعوى إفراط المسلمين في إكبار مقام الخليفة وتوسيع ~~سلطته! # وإليك نبذة من هذه الجمل ذات الكلمات المطلقة والمعاني المكررة: قال المؤلف في ~~ص3: «فالخليفة عندهم ينزل من أمته بمنزلة الرسول # صلى الله عليه وسلم # من المؤمنين، له عليهم ~~الولاية العامة، والطاعة التامة، والسلطان الشامل.» ثم قال: «وعليهم أن يحبوه ~~بالكرامة كلها؛ لأنه نائب رسول الله # صلى ms004 الله عليه وسلم ~~، وليس عند المسلمين مقام أشرف من مقام ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فمن سما إلى مقامه فقد بلغ الغاية التي لا مجال فوقها لمخلوق ~~من البشر.» # شغل المؤلف مقدار صحيفتين أو أزيد بتكرار معان تعد من المعلومات الموضوعة على ~~ظاهر اليد؛ ليلمح بتأكيد إلى أن المسلمين يقررون لمقام الخلافة سلطانا ومكانة فوق ~~ما يستحقه رئيس حكومة عادلة، ثم هو لم يقف في بيان عبارات أولئك العلماء على حد ما ~~تحتمله ألفاظهم كما هو شأن طلاب الحقيقة بإنصاف؛ بل أخذ يرمي الكلم على عواهنه، ~~ويعدل عن الألفاظ المطابقة إلى غيرها من الألفاظ التي ربما قدحت في الذهن معاني غير ~~صحيحة. # فعلماء الإسلام يقولون: «تجب طاعة الخليفة فيما يأمر به من معروف» والمؤلف ~~يقول: له عليهم الطاعة التامة، فيحذف ما اشترطوه للطاعة من الاقتصار بها على ~~المعروف، ويضع بدله كلمة تذهب بها إلى أن تتناول الطاعة العمياء! # وهم يقولون: «يجب أن يكون مكرما بين الناس - أي غير مهان - ليكون مطاعا.» # 1 # والمؤلف يقول: وعليهم أن يحبوه بالكرامة كلها! فيصرف القلم عن تعليلهم ~~الذي يأخذ به المعنى قوة الحقائق، ويضع مكانه لفظ الشمول الذي يذهب بنفس القارئ إلى ~~أقصى غاية. # وهذا النوع من التصرف في أقوال أهل العلم مما يغمز في أمانة صاحبه، وقد يغمض عنه ~~الطرف في المقالات الأدبية أو في مقام الوعظ، أما الباحث في العلم فإنه حقيق بأن ~~يؤاخذ به، وبالأحرى حيث يكون بصدد بيان رأي أو حكم انتصب لمناقشته أو ~~نقضه. # وأعجب من هذا قوله بعد: لأنه نائب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وليس عند المسلمين مقام ~~أشرف إلخ. فإنه ساق هذه الكلمة مساق التعليل لما عزاه إلى المسلمين في حق الخلافة، ~~ومقتضى نسج الكلام أن المسلمين يرون أن الخليفة بلغ الغاية التي لا مجال فوقها ~~لمخلوق من البشر! وهذه الكلمات إنما هي من مصوغات قلم المؤلف، وعليها طابع مبالغته ~~الشعرية. والميزان الذي يرجع إليه المسلمون في المفاضلة بين البشر إنما هي الأعمال ~~الصالحة ms005 المشار إليها بقوله تعالى: # إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم ~~؛ فمنزلة القائد الخطير ينقذ الأمة من سطوة عدو هاجم، ~~والعالم الحكيم يحميها من ضلالات مبتدع خليع، هي أسمى في نظر المسلمين من منزلة ~~الخليفة إذا لم يكن له من العمل ما يساوي عملهما في عظم الأثر وشرف الغاية. # ولم يزد أولئك العلماء أن قالوا في الخليفة: إنه نائب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وهذا ~~لا يقتضي أن يقال: سما إلى مقام رسول الله عليه السلام، وبلغ الغاية التي لا مجال ~~فوقها لمخلوق. ولو جرينا على هذا الضرب من الاستنتاج لقلنا: قال الله تعالى: # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك ~~عن سبيل الله ~~، فداود عليه السلام سما إلى مقام الألوهية، أو بلغ ~~الغاية التي لا مجال فيها لمخلوق. وهذا الضرب من الاستنتاج باطل بالبداهة، فليكن ما ~~صنعه المؤلف خارجا عن الأقيسة الصادقة. ~~••• # وجاء المؤلف بعد هذا بقطع التقطها مما قيل في احترام الخليفة ومحض النصيحة له، ~~وحيث إنه أتى بها كمقدمات بنى عليها استعظام القوة التي توضع في يد الخليفة ~~واستنكارها، حسبما انجر إليه البحث في ص6، وجب أن نطارحه الحديث فيما يراد منها، ~~أو في أهلية قائليها لأن يوثق بهم أو يحتج بأقوالهم. # قال المؤلف # 2 # عازيا إلى حاشية الباجوري على الجوهرة: «عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا ~~ظاهرا وباطنا.» وعلله بقول أبي هريرة - آخذا من «العقد الفريد»: «إن طاعة الأئمة ~~من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله.» # نتحدث مع المؤلف فيما عزاه إلى أبي هريرة، فنذكره بأن «العقد الفريد» كتاب أدب ~~لا يليق برجل يبحث في موضوع ديني أن يستند إلى شيء مما ينقله ذلك الكتاب عن صحابي ~~أو غيره، وإذا أباح لنفسه الاستشهاد بما بين دفتي العقد الفريد؛ فلا يحق له بعد هذا ~~أن يعمد إلى أحاديث في صحيحي البخاري ومسلم يراها واقفة في سبيل بعض آرائه فيقول: ~~لنا أن ننازع في صحتها. وأصل خبر أبي هريرة في الصحيفة التي ms006 رمز إليها المؤلف من ~~العقد الفريد: «لما نزلت هذه الآية: # يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # أمرنا بطاعة الأئمة، وطاعتهم من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان ~~الله، وقد تصرف المؤلف في الخبر بحذف كلمة «أمرنا». ولفظ أمرنا في قول الصحابي إما ~~أن يجعل الخبر حديثا نبويا، كما هو رأي جمهور أهل العلم؛ إذ الظاهر أن الآمر هو ~~صاحب الشريعة، وإما أن يبقى محتملا لأن يكون الآمر بعض الخلفاء والأمراء. وعلى كلا ~~المذهبين فأبو هريرة راو إما لحديث عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وإما لأثر عن بعض ~~الخلفاء أو الأمراء. # وقد جاء في معنى خبر أبي هريرة حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة؛ وهو: «من ~~أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى ~~أميري فقد عصاني.» # وليس في هذا الحديث ولا ذلك الخبر ما يدعو إلى غرابة ما دمنا نعلم أن الأمير الذي ~~يقال: إن طاعته من طاعة الله وعصيانه من عصيان الله، هو الأمير المسلم الذي يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، وكذلك تكون طاعته ظاهرا وباطنا؛ لأنه لم يكن سوى لسان ~~يعبر عن أحكام الشريعة الثابتة بنص جلي أو استنباط صحيح. ~~••• # قال المؤلف في ص4 عازيا إلى العقد الفريد: «فنصح الإمام ولزوم طاعته فرض واجب، ~~وأمر لازم، ولا يتم إيمان إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه.» ساق المؤلف هذه ~~الجملة، ولا داعي لمساقها - فيما يظهر - إلا أن يطلع قراء كتابه على مقالة ~~للمسلمين تجعل تمام الإيمان وثبات الإسلام موقوفين على نصح الإمام ولزوم طاعته. ~~وهذا في رأيه موضع غرابة وإنكار؛ فإنه أورده في نسق ما رتب عليه قوله في ص6: «كان ~~واجبا عليهم إذ أفاضوا على الخليفة تلك القوة إلخ.» # ونص عبارة العقد الفريد في الصحيفة التي رمز إليها: وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «الدين ~~النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله ~~ولأولي الأمر منكم.» فنصح الإمام ms007 ولزوم طاعته فرض واجب، وأمر لازم، ولا يتم إيمان ~~إلا به، ولا يثبت إسلام إلا عليه. # فصاحب العقد الفريد أورد العبارة كالبيان للحديث النبوي ، وهو بيان لا غبار عليه؛ ~~لأنه إذا كانت النصيحة للأمراء معدودة في حقائق الدين، وبالغة مبلغ ما يقرن بالنصح ~~لله ورسوله كانت بلا ريب من قبيل ما لا يكمل إيمان إلا به، ولا يستقيم إسلام إلا ~~عليه. ولا يبقى معنا سوى أن العقد الفريد كتاب أدب لا يحل لنا الاعتماد عليه في شيء ~~من المباحث الشرعية، فلا بد من الرجوع إلى كتب السنة لنعلم مبلغ هذا الحديث من ~~الصحة. وهو مروي في صحيح مسلم # 3 # عن تميم الداري، ولفظه: أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «الدين النصيحة، قلنا: ~~لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.» ~~••• # قال صاحب الكتاب في ص4: «وجملة القول: أن السلطان خليفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو ~~أيضا حمى الله في بلاده، وظله الممدود على عباده، ومن كان ظل الله في أرضه، وخليفة ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فولايته عامة ومطلقة كولاية الله تعالى وولاية رسوله ~~الكريم.» # أورد المؤلف هذه الجمل على طريق الحكاية لما يقول المسلمون وهو غير مؤمن بها، ثم ~~أضاف إليها أسفل الصحيفة نبذة من خطبة ألقاها أبو جعفر المنصور بمكة، وموضع إنكاره ~~منها كما دل عليه في ص7 قوله في مستهلها: «إنما أنا سلطان الله في أرضه.» ودل في ~~تلك الصحيفة أيضا على عدم رضاه عن قولهم: «ظل الله الممدود». # فقوله: حمى الله في بلاده. لم يعزه المؤلف إلى قائل بعينه، ومعناه قريب المأخذ ~~بعيد عن مواقع اللبس، فإن الحمى يقال على المكان الذي يحميه الشخص ويمنع غيره من أن ~~يدانيه، فيرجع إلى معنى الحرم والكنف، ومعنى كون السلطان حمى الله أنه الحرم الذي ~~يأمن به كل خائف، والكنف الذي يضرع إليه كل ذي خصومة. # وقوله: وظله الممدود على عباده. ليس بمستنكر؛ إذ قد روي في معناه حديث نبوي، وهو: ~~«السلطان ظل الله في ms008 الأرض.» والمعنى أنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس. # 4 # وقوله: فولايته عامة ومطلقة كولاية الله تعالى ورسوله الكريم. هذا من مبالغاته ~~التي تضع للخلافة في نفوس المستضعفين من الناس صورة مكروهة، ولو كان المؤلف يمشي في ~~بحثه على صراط سوي لتحرى فيما ينطق به عن المسلمين أقوالهم المطابقة، وهم لم ~~يقولوا: إن ولاية الخليفة عامة ومطلقة كولاية الله؛ فإن الله يفعل ما يشاء فيمن ~~يشاء، ولا يسأل عما يفعل، والخليفة مقيد بقانون الشريعة ومسئول عن سائر أعماله، ~~وكذلك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # له خصائص لا يحوم عليها الطير ولا يبلغها مدى البصر، منها ~~أن تصرفاته نافذة ولا تتلقى إلا بالتسليم، وتصرفات الخليفة قد تقابل بالمناقشة ~~والنقض والإنكار، فإن عنى بالعموم والإطلاق مجرد تناولها للرقاب والأموال والأبضاع، ~~قلنا له: إن نزاهة البحث والأخذ فيه بفضيلة الإنصاف يقضيان عليه بطرح هذه العبارة ~~المرهقة بالعموم والإطلاق وتشبيه المخلوق بالخالق # أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~. # قال المؤلف # 5 # عازيا إلى طوالع الأنوار وشرحه مطالع الأنظار: «ولا غرو أن يكون له حق ~~التصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم.» قطف المؤلف هذه الجملة من أصلها وأطلقها ~~خالية من الروح التي تجعلها حكمة جلية، فإن صاحب المطالع إنما ألقاها في نسق ~~التعليل لأخذ العدالة شرطا من شروط الإمامة فقال: «الرابعة: أن يكون عدلا؛ لأنه ~~يتصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم.» وقال شارحه في المطالع: «لو لم يكن - يعني ~~الإمام - عدلا لم يؤمن تعديه، وصرف أموال الناس في مشتهياته، وتضيع حقوق ~~المسلمين.» # فالمراد من التصرف في الأموال والرقاب والأبضاع التصرف بحق؛ وهو التصرف بنحو ~~القضاء، أو بعمل مشروع كاستخلاص الأموال المفروضة، وحمل الناس على أمر الجندية، ~~وولاية نكاح من لا ولي لها. ~~••• # ثم ذهب المؤلف في نحو من صحيفة يكيل للخليفة من إطلاق اليد وسعة السلطان ما كففنا ~~طغيان بعضه فيما سلف، وسنتولى تهذيب بعضه فيما يأتي، وقد شعر وهو منفلت العنان بأن ~~الحقيقة تصيح به من كل جانب، ms009 وتضرب بأشعتها على رأس قلمه، فوقف بمقدار ما اعترف بأن ~~الخليفة عند المسلمين مقيد بحدود الشرع، ثم انقلب يصف السبيل التي رسمتها الشريعة ~~بكلام له باب باطنه فيه النقد ، وظاهره من قبله الرضاء! وإنما قلت: باطنه فيها ~~النقد؛ لأنه سيصرح بإنكار الخلافة، وإنكار أن يكون للإسلام شأن في السياسة، دون أن ~~تأخذه فيما أنكر أناة أو هوادة. # ثم قال في ص5: «نعم، هم يعتبرون الخليفة مقيدا بقيود الشرع، ويرون ذلك كافيا في ~~ضبطه يوما إن أراد أن يجمح، وفي تقويم ميله إذا خيف أن يجنح.» # يرى المسلمون أن الخليفة مقيد بقانون الشريعة على الوجه الذي سنحدثك عنه في نقض ~~الكتاب الثاني، وأن الإسلام قرر لهم من الحقوق أن تقوم حول الخليفة أمة من الذين ~~أوتوا العلم يتقصون أثره، فيأمرونه بالمعروف إن تهاون، وينهونه عن المنكر إن طغى، ~~فإذا ركب غارب الاستبداد وأعياهم تقويم أوده خلعوه غير مأسوف عليه. # وقد كان بعض الخلفاء يرعى هذا الحق بصدق كما أن الأمة في الصدر الأول كانت تعمل ~~عليه بقوة، فانتظمت السياسة وأشرق محيا العدالة، وقامت قاعدة المساواة على ~~وجهها. ~~••• # قال المؤلف في ص6: «قد كان واجبا عليهم إذ أفاضوا على الخليفة كل تلك القوة، ~~ورفعوه إلى ذلك المقام، وخصوه بكل هذا السلطان، أن يذكروا لنا مصدر تلك القوة التي ~~زعموها للخليفة: أنى جاءته؟ ومن الذي حباه بها وأفاضها عليها؟!» # ألقى المؤلف هذا السؤال المشبع بالإنكار بعد أن قرر على لسان المسلمين واجبات ~~الخليفة، وكساها صبغة غير الصبغة التي فطرها الله عليها، ولم يخرج هذا السؤال على ~~قارئ الكتاب فجأة حتى يتلجلج لسانه في الجواب عنه دهشة، بل روح الصحف السابقة ~~والثوب الفضفاض الذي كانت تتبرج فيه جملها يشعران بأن المؤلف سيذهب في أمر ~~الخلافة مذهب الجاحدين، ويتبع غير سبيل المسلمين. وقد عرفت إذ ناقشناه في أقواله ~~ومنقولاته أن الإسلام لم يجئ في أمر الخليفة ببدع من القول، ولم يملكه سلطة تبخس ~~المسلمين شيئا من حريتهم، أو تجعله يتصرف في شئونهم حسب أهوائه، فالقوة ms010 المشروعة ~~للخليفة لا تزيد على القوة التي يملكها رئيس دولة دستورية، وانتخابه في الواقع إنما ~~كان لأجل مسمى؛ وهو مدة إقامته قاعدة الشورى على وجهها، وبذله الجهد في حراسة ~~حقوق الأمة ، وعدم وقوفه في سبيل حريتها. ~~••• # قال المؤلف في ص7: «على أن الذي يستقرئ عبارات القوم المتصلة بهذا الموضوع يستطيع ~~أن يأخذ منها بطريق الاستنتاج أن للمسلمين في ذلك مهذبين: المذهب الأول: أن الخليفة ~~يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى، وقوته من قوته.» # الاستمداد من سلطان الله وقوته يجيء لمعنيين؛ أحدهما: الاستمداد بطريق الاستقامة ~~والعدل، وهو معنى صحيح وحقيقة واقعة، ومن شواهده قوله تعالى: # ولينصرن الله من ينصره ~~، وقوله تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا ~~، فالخليفة قد يستمد من سلطان الله وقوته متى كان طيب ~~السريرة، مستقيم السيرة، ينفق العزيز من أوقاته في إصلاح شئون الأمة، ولا يألو ~~جهدا في الدفاع عن حقوق البلاد بحكمة وثبات. ثانيهما: الاستمداد من قوة الله ~~وسلطانه بطريق غيبي ليس له من سبب سوى كونه خليفة. وهذا ما يقصد المؤلف إلى جعله ~~أحد مذهبين في الإسلام، وقد جاءت هذه الدعوى مكبة على وجهها، ولم يسعفها المؤلف بما ~~يبل ظمأها. # قال المؤلف في ص7: «ذلك رأي تجد روحه سارية بين عامة العلماء وعامة المسلمين ~~أيضا، وكل كلماتهم عن الخلافة ومباحثهم فيها تنحو ذلك النحو، وتشير إلى هذه ~~العقيدة.» # شد ما عنينا بأمر الخلافة وأنفقنا في مطالعة الكتب الممتعة بالبحث عنها نظرا ~~طويلا ووقتا واسعا، فلم نعثر مع هذا على كلمة تنبئ - ولو بطريق التلويح - أن ~~سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله، وقصارى ما يستنتج من كلماتهم عنها ومباحثهم ~~فيها أن الله أوجب على الناس إقامة إمام، وأن ولايته تنعقد إما بمبايعة أهل الحل ~~والعقد، وإما بعهد من الخليفة قبله، وأنه إذا سعى في السياسة فسادا كان للأمة ~~انتزاع زمام الأمر من يده، ووضعه في يد من هو أشد حزما، وأقوم سبيلا. # والذي يؤخذ بطريق الاستنتاج أن المؤلف عرف أن للغربيين في سلطة الملك مذهبين، ~~فابتغى أن ms011 يكون للمسلمين مثلهما، ولما لم يجد في كلام أهل العلم عن الخلافة ما ~~يوافق أو يقارب القول بأن سلطان الخليفة مستمد من سلطان الله تلمسه في المدائح من ~~الشعر أو النثر، وادعى أنه ظفر ببغيته، وساقها كالشواهد على تقرير مذهب ليس له بين ~~الراسخين في العلم من مبتدع ولا تبيع. ولا أظن المؤلف يجد في مباحث الخلافة ما يشتم ~~منه رائحة هذا المذهب، ويتركه إلى الاستشهاد بأقوال الشعراء أو كلمات صدرت على وجه ~~المبالغة في الثناء. # ولو رمى هذا المذهب على كتف الفرقة الغالية من الشيعة لكان له من بعض مقالاتهم ~~متكأ، ولكن حديث هذه الطائفة لا مساس له بالخلافة التي طرح عليها بحثه وسلقها ~~بكلماته الحداد. # قال المؤلف في ص7: «وقد رأيت فيما نقلنا لك آنفا أنهم جعلوا الخليفة ظل الله ~~تعالى، وأن أبا جعفر المنصور زعم أنه سلطان الله في أرضه.» # إذا جعلوا الخليفة ظل الله تعالى؛ فللحديث المروي: «السلطان ظل الله.» وسبق شرحه ~~بأنه خرج مخرج التشبيه؛ حيث إنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى حر الشمس ~~عمن يأوي إليه، وإضافته إلى الله؛ لأنه أمر بإقامته وإطاعته. وأين هذا من معنى ~~استمداد السلطان من سلطان الله؟! # وقول أبي جعفر المنصور: إنه «سلطان الله في أرضه.» لا صلة له بالمعنى الذي يتحدث ~~عنه المؤلف، وتأويل معناه - كما عرفت - أن الله أمر بإقامة السلطان وطاعته، ومن هذه ~~الجهة يصح إضافته إلى الله، وبالأحرى حيث يكون قائما على حراسة شرعه، ويسير في ~~سياسة الناس على صراط مستقيم، فإن لم يكن المنصور على هذه السيرة؛ فغاية ما يقال ~~عنه: إنه سمى نفسه سلطان الله وهو غير صادق في هذه التسمية. # قال المؤلف في ص7: «وكذلك شاع هذا الرأي وتحدث به العلماء والشعراء منذ القرون ~~الأولى، فتراهم يذهبون دائما إلى أن الله جل شأنه هو الذي يختار الخليفة، ويسوق ~~إليه الخلافة.» # يعرف العلماء أن بين الخالق جل شأنه وأمر الخلافة صلة القضاء والقدر، وذلك معنى ~~لا يختص بالخلافة؛ بل يتحقق ms012 في كل ما يحدث في الكون من محبوب ومكروه. وهناك معنى ~~آخر زائد على القضاء والقدر، وهو الإرادة بمعنى المحبة والرضا. وهذا أيضا يتعلق ~~بكل ما فيه خير وصلاح، ولا يتعلق بأمر الخلافة إلا بتفصيل ، وهو أن يقال: متى كان ~~الخليفة مستقيما عادلا كانت ولايته خيرا وصلاحا، وصح أن يقال: وقعت بإرادة ~~الله؛ أي محبته ورضاه، وإن كان جائرا فاسقا عن أمر ربه كانت ولايته شرا ~~وفسادا، واستحقت أن يقال عليها: إنها لم تكن محبوبة لله ولا مختارة عنده. # وممن نبه على حقيقة هذه الإرادة واختصاصها بما هو خير ومأمور به: أبو إسحاق ~~الشاطبي في موافقاته، # 6 # وشيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الأمر والإرادة، # 7 # فدعوى أن العلماء يذهبون دائما إلى أن الله هو الذي يختار الخليفة ~~ويسوق إليه الخلافة لا نجد في أقوال العلماء ما يحوم عليها، وما هي إلا كلمة سقطت ~~من قلم المؤلف قبل أن تأخذ حظها من البحث وإمعان الفكر. # قال المؤلف في ص7: على نحو ما ترى في قوله: # جاء الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # وقول الآخر: # ولقد أراد الله إذ ولاكها # من أمة إصلاحها ورشادها # وقال الفرزدق: # هشام خيار الله للناس والذي # به ينجلي عن كل أرض ظلامها # وأنت لهذا الناس بعد نبيهم # سماء يرجى للمحول غمامها # البيت الأول من قصيدة لجرير يهنئ بها عمر بن عبد العزيز بالخلافة، ولو كان المؤلف ~~يقدر الخلفاء المستقيمين حق قدرهم لأتينا في الاستشهاد على صحة معنى هذا البيت بأن ~~جريرا أنشده بين يدي عمر بن عبد العزيز، بعد أن قال له: «اتق الله يا جرير ولا تقل ~~إلا حقا.» وأقره عليه. # أما حيث يقول في ص36: «إن الخلافة نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر وفساد!» ~~فنخشى أن يعد إقرار عمر بن عبد العزيز لجرير على هذا البيت شرارة من تلك النكبة، أو ~~قطرة من ذلك الينبوع، فلا مندوحة حينئذ عن أن ندخل إلى نقض كلامه من باب تحرير معنى ~~البيت ms013 وشرحه على مقتضى الاستعمال العربي. # قوله: # جاء الخلافة أو كانت له قدرا # وقعت «أو» هنا موقع الواو، وفي رواية: # إذ كانت له قدرا # 8 # وهذا الشطر وارد على ما يفيده قوله تعالى: # ثم جئت ~~على قدر يا موسى ~~، ومعنى الآية : جئت على قدر قدرته لأن أكلمك ~~وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر. # 9 # وعلى مقتضى هذا التفسير يكون معنى: # جاء الخلافة أو كانت له قدرا # أنه جاء الخلافة على القدر الذي قدره الله لها، ويراد بهذا أنه نالها بغير تعب ~~ولا معاناة، قال الدماميني في شرح المغني: # 10 ~~«كانت له قدرا؛ كانت مقدرة لا سعي له فيها.» فليس في البيت الذي أنشد ~~بين يدي عمر بن عبد العزيز ما يدل على أن الله اختاره خليفة وساق إليه الخلافة إلا ~~على معنى القدر الذي لا يغادر حادثا من حوادث الكون إلا أتى عليه. # وأما البيت الثاني وبيت الفرزدق فلا حرج علينا أن نطوي بساط المناقشة دونهما؛ إذ ~~المسألة تقرير مذهب في أحد المباحث العلمية أو الدينية، وحق هذا المقام ألا يوثق ~~فيه بأقوال الشعراء بعد أن عرفنا في فن البديع أن كلامهم ينقسم إلى مبالغة وإغراق ~~وغلو، ومع هذا الوجه الكافي في طرحهما من حساب تلك الشبه الواهية نقول: إن معنى ~~البيتين لم يكن ناشئا عن عقيدة خاصة في الخليفة والخلافة، وإنما هو مبني على ~~العقيدة العامة من أن ما كان خيرا وصلاحا تتعلق به الإرادة على وجه الرضا ~~والمحبة. وهذا ما يدعيه الشاعران في ولاية ممدوحيهما، وقد يقولان ذلك وهما يعتقدان ~~أن مدحهما غير مطابق للواقع، وأين هذا من تلك الدعوى الواسعة وهي الاعتقاد بأن الله ~~هو الذي يختار الخليفة؟! ولو تعلم المؤلف تأويل الأحاديث وتلا قوله تعالى: # وجعلكم ملوكا ~~، وقوله: # تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن ~~تشاء ~~، وقوله: # رب قد آتيتني من الملك ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث # لم يلتبس عليه قول ~~الشاعر: «إذ ولاكها.» أو يجره إلى شبهة أقرب إلى العدم من سراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء. ms014 ~~••• # قال المؤلف في ص8: «ولقد كان شيوع هذا الرأي وجريانه على الألسنة مما سهل على ~~الشعراء أن يصلوا في مبالغاتهم إلى وضع الخلفاء في مواضع العزة القدسية أو قريبا ~~منها، حتى قال قائلهم: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # وقال طريح يمدح الوليد بن يزيد: ~~... ... ... ... ... ... ~~... ... ... ... ... ... # لو قلت للسيل دع طريقك والمو # ج عليه كالهضب يعتلج # لساخ وارتد أو لكان له # في سائر الأرض عنك منعرج # قبض المؤلف قبضة من أثر جرجي زيدان ونبذها في كتاب الإسلام وأصول الحكم. اقرأ ~~كتاب تاريخ التمدن الإسلامي # 11 # تجده تعرض إلى ما حدث من الغلو في احترام الخلفاء أيام الدولة ~~العباسية، ثم قال: «فلا غرو إذا سموا الخليفة في أيام المتوكل ظل الله الممدود بينه ~~وبين خلقه»، أو قالوا قول ابن هانئ للمعز الفاطمي: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # فهذا البيت ينسب إلى ابن هانئ، # 12 # كما ترى، ونسبه المعري في رسالة الغفران # 13 # إلى شاعر يدعى بابن القاضي، فقال: «حضر شاعر يعرف بابن القاضي بين يدي ~~ابن أبي عامر، صاحب الأندلس، فأنشده قصيدة أولها: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # ويقول فيها أشياء، فأنكر عليه ابن أبي عامر وأمر بجلده ونفيه.» فعلى رواية المعري ~~خرج البيت عن أن يكون خطابا لخليفة كما يدعي المؤلف، وعلى كلا الروايتين لم يكن ~~هذا الغلو في الوصف من أثر الاعتقاد بأن الخليفة أو الأمير يستمد سلطانه من سلطان ~~الله، وإنما هو انحلال عقدة الإيمان بالله ينضم إليه الإغراق في التملق وحب ~~العاجلة، فينحدر الشاعر في مديحه طلق العنان، خالعا على ممدوحه من ألقاب العظمة ~~والقوة ما يتخطى به إلى مقام الألوهية. وقد وقع مثل هذا من عضد الدولة في قوله يصف ~~نفسه: # مبرزات الكأس من مطلعها # ساقيات الراح من فاق البشر # عضد الدولة وابن ركنها # ملك الأملاك غلاب القدر # 14 # فالحق أن علة هذا النوع من الشعر إنما هي تجرد النفس من طبيعة الحياء ms015 والأدب مع ~~الخالق، ينضم إليه داعي الطمع أو الفخر أو التباهي بالحذق في صناعة البيان. قال أبو ~~بكر بن العربي في كتاب الأحكام: # 15 ~~«إن الشعراء يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في ~~القول حتى يخرجهم إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون، ألا ~~ترى إلى قول بعضهم: # ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها # لما كنت أدري علة للتيمم # وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه.» # وأما بيتا طريح فأراد بهما المبالغة في مدح الوليد بالسطوة ونفاذ الكلمة، حتى ~~ادعى أنه لو أمر السيل الجارف بالانصراف عن طريقه لم يسعه إلا الإذعان لأمره ~~والخضوع لسلطانه، ولا يصح أن يعد مثل هذا من أثر الاعتقاد بأن الخليفة يستمد سلطانه ~~من سلطان الله، وإنما هو من نوع الغلو الذي يرتكبه الشعراء في أكثر فنون الكلام من ~~غزل ومديح وهجاء وحماسة. ~~••• # قال المؤلف في ص8: «وأنت إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء، خصوصا بعد القرن ~~الخامس الهجري، وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو السلاطين رفعوه فوق صف ~~البشر، ووضعوه غير بعيد من مقام العزة الإلهية.» # بدا للمؤلف أن يبتدع للمسلمين في سلطان الخليفة مذهبا لا يعرفونه، ولما لم يجد ~~في مباحث الخلافة ما ينبئ به، ولو بطريق التلويح أو الاقتضاء، صمم على أن يقرره، ~~وصمم على أن يعزوه لعامة العلماء وعامة المسلمين، وعندما أفضت النوبة إلى تلاوة ~~المستندات قام ينشد من شعر جرير والفرزدق وابن هانئ وطريح وغيرهم، كأنه يبحث في حكم ~~لغوي أو سر من أسرار البيان. # ولعله انتبه إلى أن ما أنشده من الشعر أقل من أن يثير شبهة، وأوهى من أن يستهوي ~~النفوس إلى ظن، فأخذ ينبش عما يقوله العلماء في مديح الخلفاء من نثر، عسى أن يجدهم ~~انفلتوا في هذا الصدد، وحام بهم الإغراق والغلو على نحو ما مر لأولئك الشعراء، ~~فلم تقع يده إلا على بعض جمل نسجت على منوال السرف في مديح ملوك ليسوا بخلفاء، وما ~~كان إلا ms016 أن أتى بما يوسع نطاق الدعوى حتى يدخل تحت جناحيها الخلافة والملك، ويهيئ ~~للاستشهاد بتلك الجمل موضعا، فقال: وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو ~~السلاطين رفعوه فوق صف البشر إلخ.» وضرب المثل لهذا جملا انتزعها من خطبة نجم ~~الدين القزويني في أول الرسالة الشمسية، وجملا من خطبة شارحه قطب الدين الرازي، ~~وأخرى من خطبة حاشية السيالكوتي على ذلك الشرح. # ونناقش المؤلف في هذا الصنيع من ناحيتين؛ إحداهما: أن المقال معقود للبحث في ~~سلطان الخليفة، وهؤلاء إنما يصفون ملوكا ليسوا بخلفاء، وثانيهما: أن هذه الكلمات ~~خرجت مخرج المبالغة في المديح والإطراء، وليس هذا من أثر الاعتقاد بأن سلطان الملك ~~مستمد من سلطان الله، وإنما علته أحوال نفسية؛ كالرغبة في إحراز جاه، أو الحرص على ~~متاع هذه الحياة. ومما ينبه على هذا أن كلمات المديح والثناء كثيرا ما تجري على ~~ألسنة قوم وقلوبهم تتبرأ منها. ~~••• # قال المؤلف في ص11: «ويكاد المذهب الأول يكون موافقا لما اشتهر به الفيلسوف ~~«هبز» من أن سلطان الملوك مقدس، وحقهم سماوي.» # يقول هبز: # 16 ~~«إن كل فرد في المملكة يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان الحاكم، وخضوع ~~الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، والنزوع للخروج عن إرادة ~~الحاكم أو ردها يعتبر ثورة وتمردا، والدين يجب أن يخضع لإرادة الحاكم.» # هذا مذهب هبز الذي يحاول المؤلف ضربه مثلا لمذهب عامة العلماء وعامة المسلمين في ~~سلطان الخليفة. # أقم الوزن بالقسط تر هبز يقول: إن كل فرد يجب أن تكون إرادته خاضعة لسلطان ~~الحاكم، وعلماء الإسلام يقولون: لا يطاع الحاكم إلا حين يأمر بحق. وهو يقول: خضوع ~~الحاكم لأي فرد من أفراد الرعية مخالف لمقتضى الطبيعة، وعلماء الإسلام يقولون: على ~~الحاكم أن يخضع لأدنى الناس منزلة متى أمره ~~بمعروف أو نهاه عن منكر. وهو يقول: رد إرادة الحاكم يعتبر ثورة أو تمردا، وعلماء ~~الإسلام يقولون: إذا أراد الحاكم أن يدير شأنا من شئون الأمة على غير مصلحة، أو ~~يفصل في قضية على وجه يخالف ms017 قانون العدل؛ فلا حرج على الأمة أن ترد إرادته بطريق ~~الحكمة، ولا يصح له أن يعد مقاومتهم لهذه الإرادة ثورة أو تمردا. # قال أحد أمراء بني أمية لبعض التابعين: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: # وأولي الأمر منكم ~~؟ فأجابه بقوله: أليس ~~قد نزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: # فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله ~~؟ # 17 # ويقول هبز: الدين يجب أن يخضع لإرادة الحاكم، وعلماء الإسلام يقولون: يجب على ~~الحاكم أن يخضع لقانون الإسلام نصا أو استنباطا، وعليه أن يخلي السبيل للطوائف ~~المخالفة تتمتع بالحرية في أديانها وإقامة شعائرها، ولا يحل له أن يعترضها ~~بحال. # الباب الثاني # | في حكم الخلافة # المناقشة - الإجماع على نصب الإمام - التباس حاتم الأصم بحاتم الصوفي على ~~المؤلف - الفرق بين القاعدة الشرعية والقياس المنطقي - ترجيح حمل «أولي ~~الأمر» في الآية على الأمراء - هل نأخذ أحكام الدين عن المستر أرنولد؟! - معنى ~~«ما فرطنا في الكتاب من شيء» - لماذا لم يحتج بعض علماء الكلام في مسألة ~~الخلافة بالحديث؟ - لماذا وضع بحث الخلافة في علم الكلام؟ - بحث في: «أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر». ~~*** # ملخص الباب # تعرض المؤلف في هذا الباب لحكم الخلافة وما جرى فيه من اختلاف، وحكى كلام ابن ~~خلدون في انعقاد الإجماع على الوجوب، وشذوذ بعض الطوائف عنه، ثم نقل الدليل النظري ~~على وجوبها من كتاب القول المفيد للأستاذ الشيخ محمد بخيت، وتخلص بعد هذا إلى إنكار ~~أن يكون في الكتاب أو السنة دليل على الوجوب، وأخذ يتكلم في تفسير بعض آيات ليبين ~~عدم اتصالها بشيء من أمر الإمامة، ثم أخذ يناقش الأستاذ السيد محمد رشيد رضا في ~~أحاديث استشهد بها على وجوب الخلافة، فأومأ إلى الارتياب في صحتها، وذهب يتأولها ~~على وجه غريب، ويسوق على هذا التأويل أمثلة ليست جارية على قانون المنطق في كثير ~~ولا قليل. # المناقشة # قال المؤلف في ص12: «ولكنهم لا يختلفون في أنه - يعني نصب الإمام - واجب على كل ~~حال حتى زعم ابن خلدون أن ذلك ms018 مما انعقد عليه الإجماع.» # لم ينفرد ابن خلدون بحكاية الإجماع على نصب الإمام، بل تضافر عليها كثير من علماء ~~الكلام؛ كالعضد في المواقف، والسعد في المقاصد، وإمام الحرمين في غياث الأمم، ~~وغيرهم. # وقال ابن حزم في كتاب الفصل: # 1 # اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على ~~وجوب الإمامة، ما عدا النجدات من الخوارج # 2 # فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق ~~بينهم. ثم قال: وقول هذه الفرقة ساقط يكفي في الرد عليه إجماع كل من ذكرنا على ~~بطلانه. # فقول المؤلف: «حتى زعم ابن خلدون أن ذلك مما انعقد عليه الإجماع.» عبارة يصوغها ~~من لم يطلع على الإجماع محكيا في غير مقدمة ابن خلدون، أو من يريد أن يضع في نفس ~~القارئ عقيدة أن هذا الإجماع إنما جاء حديثه في تلك المقدمة. ولا أدري لماذا اختار ~~هذه العبارة وهو يشعر بأنه سينجر به البحث في ص15 و21 إلى الاعتراف بأن الإجماع ~~محكي في كتاب المواقف. ~~••• # نقل المؤلف في ص12 قول ابن خلدون: «وقد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب هذا المنصب ~~رأسا، لا بالعقل ولا بالشرع؛ منهم الأصم من المعتزلة.» وقال في أسفل الصحيفة ~~معرفا بالأصم: «حاتم الأصم الزاهد المشهور البلخي.» # التبس على المؤلف حال الأصم المعتزلي، وهو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان بحاتم ~~الأصم الصوفي، وقد ذكره السيد في شرح المواقف، والسعد في شرح المقاصد بلقب أبي بكر، ~~وذكره إمام الحرمين في كتاب غياث الأمم باسمه عبد الرحمن بن كيسان، وجمع أحمد بن ~~يحيى المرتضى في طبقات المعتزلة بين اسمه ولقبه فقال: أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم. # 3 ~~••• # قال المؤلف في ص13: «لم نجد فيما مر بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن إقامة ~~الإمام فرض من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم.» # استدل بعض أهل العلم على الإمامة بقوله تعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~، وقد ms019 نقل المؤلف نفسه الاستدلال بهذه الآية عن ابن حزم، ~~وأوردها سعد الدين التفتزاني في شرح المقاصد، # 4 # فقال: وقد يتمسك بمثل قوله تعالى: # أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~، وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية.» فإن وجوب الطاعة والمعرفة يقتضي وجوب ~~الحصول، وقال صاحب مطالع الأنظار # 5 # بعد أن قرر الدليل النظري على وجوب الإمامة: «قيل: صغرى هذا الدليل ~~عقلية من باب الحسن والقبح، وكبراه أوضح عقلا من الصغرى، والأولى أن يعتمد فيه على ~~قوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم ~~.» # وهذه النصوص تريك قيمة قول المؤلف: لم نجد من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته ~~بآية من كتاب الله الكريم. ~~••• # قال المؤلف في ص14: «ولكن المنصفين من العلماء والمتكلفين منهم قد أعجزهم أن ~~يجدوا في كتاب الله تعالى حجة لرأيهم؛ فانصرفوا عنه إلى ما رأيت من دعوى الإجماع ~~تارة، ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارة أخرى.» # سمى المؤلف طريق الاستدلال الذي نحاه الأستاذ الشيخ محمد بخيت ومن تقدمه من علماء ~~الكلام قياسا منطقيا وحكما عقليا. وهذا ~~مما يخيل إلى القارئ أن هذا الضرب خارج عن الأدلة الشرعية، والتحقيق أنه راجع إلى ~~الأدلة السمعية، ويشهد بهذا قولهم: إن نصب الإمام عندنا واجب سمعا لوجهين؛ الوجه ~~الأول: الإجماع، والثاني: هذا الدليل الذي اختار المؤلف أن يسميه حكما ~~عقليا. # وإن شئت بيان ما صرف عنه المؤلف عبارته - من أن ذلك الاستدلال قائم على نظر شرعي ~~- فإليك البيان: # يعتمد استنباط الأحكام على نظرين؛ أحدهما: يتعلق بالأدلة السمعية التي ~~يقع منها الاستنباط، وثانيهما: يرجع إلى وجوه الدلالات المعتد بها في ~~الاستعمال. # أما الأدلة السمعية فهي الكتاب والسنة والإجماع، وأما وجوه الدلالات ~~فدلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالمعقول. ويندرج في دلالة ~~المعقول ما يسمونه بالقياس. # فانحصرت الأدلة الشرعية العالية في الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس. # وهناك أدلة أخرى ترجع إلى هذه الأصول العالية، وهي القواعد المقطوع ~~بصحتها كقاعدة «الضرر يزال»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«العادة ms020 محكمة»؛ فإن ~~مثل هذه القواعد لم يقررها العلماء بمحض العقل، بل رجعوا في كل قاعدة إلى ~~استقراء موارد كثيرة من كليات الشريعة وجزئياتها حتى تحققوا قصد الشارع ~~إليها، وأصبحت بمنزلة الخبر المتواتر في وقوعها موقع اليقين الذي لا تخالجه ~~ريبة، قال أبو إسحاق الشاطبي في موافقاته: إن المجتهد إذا استقرأ معنى ~~عاما من أدلة خاصة، واطرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل ~~خاص على خصوص نازلة تظهر، بل يحكم عليها وإن كانت خاصة بالدخول تحت عموم ~~المعنى كالمنصوص بصيغة عامة. # فالذين يستدلون على وجوب نصب الإمام بأن ترك الناس فوضى لا يجمعهم على ~~الحق جامع، ولا يزعهم عن الباطل وازع؛ يفضي إلى تبدد الجماعة، وإضاعة ~~الدين، وانتهاك حرمة الأموال والنفوس والأعراض؛ إنما يطبقون قاعدة شرعية ~~وهي قاعدة «الضرر يزال»، وقاعدة «ما لا يتم الواجب المطلق إلا به وكان ~~مقدورا فهو واجب». # قال المؤلف في ص15: «وغاية ما يمكن إرهاق الآيتين به أن يقال: إنهما تدلان على أن ~~للمسلمين قوما منهم ترجع إليهم الأمور، وذلك معنى أوسع كثيرا وأعم من تلك الخلافة ~~بالمعنى الذي يذكرون، بل ذلك معنى يغاير الآخر ولا يكاد يتصل به!» # عبر بالإرهاق ليخيل إليك أن حمل أولي الأمر في الآيتين على قوم ترجع إليهم الأمور ~~هو من باب صرف اللفظ إلى ما فيه عسر وتكلف. لندع مناقشته في آية: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر ~~منهم # جانبا؛ فإن الصواب ما قاله المحققون من أن المراد بها كبار ~~الصحابة البصراء في الأمور، ونأخذ بأطراف الحديث معه في آية: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم ~~، فنقول: إن حمل الآية على الأمراء راجح من وجوه: # أحدها: # سبب النزول؛ ففي صحيح الإمام البخاري رواية عن ابن عباس أن # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم # نزلت في عبد الله بن حذافة ~~بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي # صلى الله عليه وسلم # في سرية. # ثانيها: # ورودها بعد آية: # وإذا حكمتم بين ~~الناس ms021 أن تحكموا بالعدل ~~، قال ابن ~~عيينة: سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~، ولم يكن أحد بالمدينة يفسر القرآن بعد محمد ~~بن كعب مثله، فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت: # إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل ~~، فقال: هذه في الولاة. # 6 # ثالثها: # تعقيبها بقوله تعالى: # فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله ~~، فإن الخطاب للمؤمنين عامة، ومن ~~بينهم أهل الحل والعقد من العلماء. وشأن عامة المؤمنين أن ينازعوا ~~أولي الأمر في بعض تصرفاتهم، وليس لهم أن ينازعوا العلماء فيما ~~يصدرونه من الفتاوى؛ إذ يراد من العلماء المجتهدين، ومن أين لغيرهم ~~من عامة الأمة أن ينازعهم في تقرير حكم؟ أو العرف كيف يرده معهم ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله؟ # وإذا ترجح حمل الآية على الأمراء لم تكن دلالتها على أن للمسلمين قوما ترجع ~~إليهم الأمور، مما يستحق أن يسمى إرهاقا. # وقول المؤلف: «وذلك معنى أوسع كثيرا وأعم من تلك الخلافة.» مما نتلقاه بتسليم، ~~ولا يفوت الآية مع هذا أن تبعث من ناحية عمومها ما يشد ركن الإمارة العامة، ويعزز ~~شواهدها على الوجه الذي سنقص عليك تحريره عندما يقتضيه الحال. # وأما قوله: «بل ذلك معنى يغاير الآخر ولا يكاد يتصل به.» فمن الكلم المبهم الذي ~~لا ينطق به الباحث عن الحق دون أن ينفخ فيه روحا من الشرح والبيان، اللهم إلا أن ~~ينوي محاربة الخلافة ولو بهمزات التشكيك فيما يعده الناس من مؤيدات سلطانها. ~~••• # قال المؤلف في ص15: «وإذا أردت مزيدا في هذا البحث فارجع إلى «كتاب الخلافة» ~~للعلامة السير تومس أرنولد؛ ففي الباب الثاني والثالث منه بيان ممتع مقنع.» # بحثنا عن هذا الكتاب في كثير من المكاتب لنطلع على ما انفرد به العلامة الإنكليزي ~~في تحرير حكم الخلافة؛ فلم نهتد السبيل لإحراز نسخة منه، وما سلوناه إلا حين ذكرنا ~~أن المؤلف قد أحاط بذينك البابين خبرا، وعرفنا من نظره إلى ms022 الخلافة بعين عابسة أنه ~~لا يجد فيهما ما يشد عضده على تقويض صرحها إلا وينقله دون أن يكتفي بالإحالة ~~عليه. # ولو أحالنا المؤلف على كتاب السير أرنولد في بحث تاريخي أو اجتماعي له مساس ~~بالخلافة لأخذ منا الأسف على أن فاتنا الاطلاع عليه مأخذا بليغا، ولكنه أحالنا ~~على كتاب السير أرنولد في تحقيق حكم شرعي فقلنا: لعله أراد خلط الجد بشيء من الهزل، ~~أو إخراج أحكام الشريعة من دائرة الراسخين في علومها. # يجب أن تكون قيمة الأحكام الشرعية في نظر المؤلف فوق هذا التقدير، وما ينبغي له ~~أن يخيل إلينا أنا في حاجة إلى الاقتداء بعقول الغربيين حتى في أمور الدين من ~~واجب وحرام. وإذا كان المؤلف يدري أن للشريعة أصولا ومقاصد لم يدرسهما السير ~~أرنولد حق دراستهما، فإن إحالتنا على كتابه ليست سوى عثرة في سبيل البحث تعترض ~~السذج من الأحداث؛ فتكبو بهم في تردد وارتياب. ~~••• # قال المؤلف في ص16: «إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم، وتراجع النظر ~~فيما بين فاتحته وسورة الناس فترى فيه تصريف كل مثل، وتفصيل كل شيء من أمر هذا ~~الدين # ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~، ثم ~~لا تجد فيه ذكرا لتلك الإمامة العامة أو الخلافة! إن في ذلك لمجالا ~~للمقال.» # في القرآن بيان كل شيء من أمور الدين وأحكام الوقائع، وليس معنى هذا التبيان أنه ~~يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل، حتى إذا رجعنا إليه في قضية ولم نجد لها حكما ~~مفصلا خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنة، أو انعقد عليه إجماع أهل ~~العلم، أو شهدت به القواعد المسلمة. # وإنما معنى تبيانه لكل شيء أنه أتى بكليات عامة، وهي معظم ما نزل به، وفصل بعض ~~أحكام، وأحال كثيرا من آياته على بيان السنة النبوية، ثم إن الكتاب والسنة أرشدا ~~إلى أصول أخرى كالإجماع والقياس وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات ~~كثيرة كقاعدة «المصالح المرسلة» وقاعدة «سد الذرائع»، قال أبو إسحاق الشاطبي في ~~كتاب الموافقات: «تعريف القرآن ms023 بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي # 7 ~~... فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية وجدناها قد تضمنها ~~القرآن على الكمال، وهي: الضروريات والحاجيات والتحسينات، ومكمل كل واحد منها. وهذا ~~كله ظاهر أيضا، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو: السنة، والإجماع، والقياس، وجميع ~~ذلك إنما نشأ عن القرآن.» # 8 # فإن لم ينص القرآن على حكم الخلافة؛ فإن في أيدينا من طرق تبيانه السنة والإجماع ~~والقياس والقواعد التي لا يأتيها الريب من بين يديها ولا من خلفها. ~~••• # قال المؤلف في ص16: «ولو وجدوا لهم في الحديث دليلا لقدموه في الاستدلال على ~~الإجماع.» # لما انتقل مبحث الخلافة إلى علم الكلام ودارت المناظرة فيها مع طائفة ألقت عليها ~~شيئا من صبغة العقائد، رأى أهل العلم أن هذه الطائفة لا يكف بأسها ويسد عليها ~~طرق المشاغبة إلا الأدلة الحاسمة؛ ولهذا وقعت عنايتهم على الاحتجاج بالإجماع ~~والقواعد النظرية الشرعية لكونهما من قبيل ما يفيد العلم. # ومن لم يستند من علماء الكلام في هذا المبحث إلى الحديث؛ فلأنه اكتفى بذينك ~~الدليلين، أو لأن أخبار الآحاد في نفسها لا تتجاوز مراتب الظنون، ولا يكبر على ذوي ~~الأهواء الغالبة أن ينسلخوا منها ويخترعوا منفذا للطعن في صحتها، أو صرفها عن وجه ~~دلالتها. ~~••• # قال المؤلف في ص18: «لا نريد أن نناقشهم في صحة الأحاديث التي يسوقونها في هذا ~~الباب، وقد كان لنا في مناقشتهم في ذلك مجال فسيح.» # لا ندري ما هو الميزان الذي يرجع إليه المؤلف في قبول الحديث وعدم قبوله حتى ننظر ~~كيف ينفتح أمامه مجال فسيح للطعن في حديث: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.» وقد جاء ~~في صحيحي البخاري ومسلم، وحديث: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.» ~~وحديث: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ~~ينازعه فاضربوا عنق الآخر.» وكلا الحديثين في صحيح الإمام مسلم. # تفضل المؤلف بطرح المناقشة في صحة هذه الأحاديث، ونحن نعلم أنه لو دخل في ~~المناقشة لا يخلو حاله من سبيلين: فإما أن ms024 يذهب إلى الطعن فيها من الطرق التي أحكم ~~السلف وضعها، وميزوا بها صحيح الأخبار من سقيمها، ولا نمتري حينئذ في أنه سينقطع به ~~القول دون أن يمسها بوهن أو يزحزحها عن مرتبتها فتيلا، وإما أن يأخذ للطعن فيها ~~مذهبا يبتدعه لنفسه، فلا نراه إلا أن يخلقه من طينة هذه الآراء المترددة في ريبها، ~~الفاتنة للنفوس الزاكية عن أمر ربها. ولعل الواقع أنه رمى هذه الكلمة محافظة على ~~خطة التشكيك متى حبط عمله في رواية: «أعطوا ما لقيصر لقيصر.» وما جرى على ~~شاكلتها. # قال المؤلف في ص18: «ثم لا نناقشهم في المعنى الذي يريده الشارع من كلمات: إمامة، ~~وبيعة، وجماعة إلخ، وقد كانت تحسن مناقشتهم في ذلك ليعرفوا أن تلك العبارات ~~وأمثالها في لسان الشرع لا ترمي إلى شيء من المعاني التي استحدثوها بعد، ثم زعموا ~~أن يحملوا عليها لغة الإسلام.» # من ذا يصدق أن المؤلف أبصر هؤلاء العلماء ارتكبوا في تفسير البيعة والإمام ~~والجماعة خطة جهل وضلال، ويترك مناقشتهم في ذلك التفسير إلى التشبث بمغالطات يملك ~~أمثالها من أحب أن يقول: إن هذا النهار ليل، أو إن باقلا أفصح من سحبان. # وماذا أعجل المؤلف عن أن يبين للناس خطأ أهل العلم في فهم البيعة والجماعة ~~والإمام، وما باله لم ينفق ساعة من نهار في شرح ثلاثة مفردات أو أربعة ينكث بها ~~الأيدي من التمسك بأحاديث يصعب عليه الطعن في صحتها، أو تحريفها عن وجه ~~دلالتها؟ # يستخف المؤلف أحيانا يما يحكيه عن أهل العلم فلا يصوغ عبارته على قدر كلامهم، ~~وكذلك صنع عقب تلك الجمل فذكر أن معنى جماعة المسلمين في حديث: «تلزم جماعة ~~المسلمين وإمامهم.» عند أولئك العلماء: حكومة الخلافة الإسلامية. ولم يكن بين ~~العلماء من يذهب إلى أن جماعة المسلمين هي حكومة الخلافة، وإنما يحملون جماعة ~~المسلمين على معنى أهل الحل والعقد الذين بيدهم نصب أمير المؤمنين، قال القسطلاني ~~في شرح صحيح البخاري: # 9 ~~«والمراد - كما قال الطبري - من الخبر: الجماعة الذين في طاعة من ~~اجتمعوا على تأميره، فمن ms025 نكث بيعته خرج عن الجماعة.» ~~••• # قال المؤلف في ص18: «لا نجد في تلك الأحاديث بعد كل ذلك ما ينهض دليلا لأولئك ~~الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية وحكما من أحكام الدين.» # يقول المؤلف: إنهم اتخذوا الخلافة عقيدة شرعية وحكما من أحكام الدين، وما كان له ~~أن يطلق عليها اسم عقيدة شرعية وهو يراهم كيف يصرحون بأنها ليست من قبيل العقائد، ~~وإنما هي فرع من فروع الشريعة كسائر أحكامها العملية. # قال سعد الدين التفتزاني في شرح المقاصد: # 10 ~~«إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق؛ لرجوعها إلى أن القيام بالإمامة ~~من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات ... ولا يخفى أن ذلك من ~~الأحكام العملية دون الاعتقادية، وقد ذكر في كتبنا الفقهية أنه لا بد للأمة من إمام ~~يحيي الدين، ويقيم السنة، وينتصف للمظلومين، ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها.» ثم ~~قال: «ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة اعتقادات فاسدة واختلافات بل ~~اختلاقات باردة ... ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد ~~الإسلام، ونقض عقائد المسلمين، والقدح في الخلفاء الراشدين ... ألحق المتكلمون هذا ~~الباب بأبواب الكلام.» # وقال السيد في شرح خطبة المواقف: «إن الإمامة وإن كانت من فروع الدين إلا أنها ~~ألحقت بأصوله دفعا لخرافات أهل البدع والأهواء، وصونا للأئمة المهديين عن ~~مطاعنهم؛ لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم.» # فالواقع أن الخلافة ليست من نوع العقائد وإنما حشروها في علم الكلام للعذر الذي ~~أبداه شارح المقاصد وشارح المواقف. ~~••• # قال المؤلف في ص18: «تكلم عيسى بن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة، وأمر بأن ~~يعطى ما لقيصر لقيصر، فما كان هذا اعترافا من عيسى بأن الحكومة القيصرية من شريعة ~~الله، ولا مما يعترف به دين المسيحية، وما كان لأحد ممن يفهم لغة البشر في تخاطبهم ~~أن يتخذ من كلمة عيسى حجة له على ذلك، وكل ما جرى في أحاديث النبي عليه الصلاة ~~والسلام من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة إلخ، لا يدل على شيء أكثر مما دل عليه ~~المسيح ms026 حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر.» # يعلم المؤلف أن البحث في حكم إسلامي، ولأحكام الإسلام أصول معروفة لا يدخل في ~~حسابها ما يدور على ألسنة أهل شريعة أخرى؛ إذ لم نحط بمورده خبرا، ولم نملأ أكفنا ~~من الثقة بسنده، والقائلون من علماء الإسلام بالاعتماد على شرع من قبلنا في تقرير ~~الأحكام يقيدونه بأمرين: # أحدهما: # أن يجيء محكيا في القرآن أو السنة، ورواية: «أعطوا ما لقيصر ~~لقيصر.» لم تقصها علينا آية ولا حديث . # ثانيهما: # ألا يرد في شريعتنا ما يقتضي نسخه. وما عزاه إلى المسيح عليه ~~السلام لا ينطبق على ما جاء في الشريعة من حرمة الإقامة تحت راية ~~غير المسلم والخضوع لسلطانه، قال تعالى: # ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم ~~، وقال ~~تعالى: # كيف وإن يظهروا عليكم ~~لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~، ثم إن ~~محمد بن عبد الله صلوات الله عليه لم يعترف بسلطة دار الندوة بمكة ~~وحاربها حتى خضد شوكتها، واستأصل جرثومة فسادها، ولم يعترف بسلطة ~~قيصر، وأخذ بعد ما استطاع من قوة؛ ليدفع شره، ويقوض دعائم ~~ملكه. ~~••• # قال المؤلف في ص19: «وإذا كان صحيحا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أمرنا أن ~~نطيع إماما بايعناه؛ فقد أمرنا الله تعالى كذلك أن نفي بعهدنا لمشرك عاهدناه، وأن ~~نستقيم له كما استقام لنا، فما كان ذلك دليلا على أن الله تعالى رضي الشرك، ولا ~~كان أمره تعالى بالوفاء للمشركين مستلزما لإقرارهم على شركهم.» # دعوى أن الأمر بطاعة ولي الأمر لا يدل على طلب ولايته، كما أن الأمر بالوفاء ~~لمشرك عاهدناه لا يدل على الشرك تمثيل يمشي براكبه إلى وراء، فإن أقل ما في الصورة ~~الأولى أن المجتهد ينظر في طاعة أولي الأمر فيفقه أنها لم تقصد لذاتها، ولا لمجرد ~~الخضوع للأمراء، وإنما يراد بها مصلحة وراء ذلك كله؛ وهي: المساعدة على إقامة ~~الحقوق، وانتظام شئون الجماعة، ولا شك أن هذه الغاية تتوقف على نصب الأمير كما ~~تتوقف على حسن طاعته، فيصح أن يقال: إن الأمر بإطاعة أولي الأمر نبه ms027 على طلب ~~ولايتهم، وإن المجتهد أتى إلى وجوب نصب الإمام من طريق النظر في الأمر ~~بطاعته. # أما الأمر بالوفاء لمشرك عاهدناه فخارج عن هذا السبيل؛ لأن علته ترجع إلى ~~الاحتفاظ بنوع من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وهو الصدق والثقة اللذان يقوم عليهما ~~شرف المعاملات ونظام السياسات. ويتضح جليا أن هذه الحكمة يختص بها الوفاء بالعهد، ~~ولا يشاطره فيها الشرك بالله، ولا المعاهدة التي هي موكولة إلى اجتهاد صاحب ~~الدولة. ~~••• # قال المؤلف في ص19: «أولسنا مأمورين شرعا بطاعة البغاة والعاصين، وتنفيذ أمرهم ~~إذا تغلبوا علينا وكان في مخالفتهم فتنة تخشى من غير أن يكون ذلك مستلزما لمشروعية ~~البغي، ولا لجواز الخروج على الحكومة.» # الأحاديث الحاثة على إطاعة ولي الأمر مطلقة، وإنما يقصد بها المصلحة المترتبة ~~عليها؛ وهي إقامة المصالح وانتظام الحقوق، وبهذا أرشدتنا إلى طلب أصل ولايته. أما ~~البغاة والعاصون فقد أمر الإسلام بكفاحهم، وسل السيوف في وجوههم ما استطعنا لذلك ~~سبيلا، وأذن لنا بأن نجنح لسلمهم حينما نخشى فتنة أشد من محاربتهم؛ عملا بقاعدة ~~«ارتكاب أخف الضررين». والموازنة بين الضرر الذي نحتمله من ولايتهم والفتنة التي ~~نخشاها من محاربتهم يرجع إلى اجتهاد ذوي الخبرة بحقوق الأمة، ومبلغ قوتها، وعاقبة ~~حربها أو مسالمتها. # فالوجه الفارق بين هذه المسألة وإطاعة أولي الأمر: أن المعنى الذي روعي في الإذن ~~بمسالمة البغاة والعاصين لا يتحقق في البغي والعصيان، حتى نذهب من الإذن بمسالمتهم ~~إلى القول بمشروعيتهما، كما ذهبنا من الأمر بإطاعة صاحب الدولة إلى القول بوجوب ~~ولايته. # ثم إن المؤلف عطف على هذه الأقيسة الخاطئة أمثلة أخرى فقال: «إن الله أمرنا ~~بإكرام السائلين والرحمة بالفقراء، ولم يكن هذا موجبا لأن يوجد بيننا فقراء ~~ومساكين، وأمرنا أن نفك رقاب الأرقاء ونعاملهم بالحسنى ولم يدل ذلك على أن الرق ~~مأمور به في الدين، وذكر الله الطلاق والاستدانة والبيع والرهن وغيرها وشرع لها ~~أحكاما، ولم يدل ذلك بمجرده على أن شيئا منها واجب في الدين.» # ولسنا في حاجة إلى مناقشة هذه الأمثلة بعد أن كشفنا لك عن ms028 وجه دلالة الأمر بإطاعة ~~صاحب الدولة على حكم ولايته، وذلك الوجه من الدلالة لا يوجد في هذه الأمثلة، وما ~~كان لها إلا أن تلف رءوسها حياء وتزدحم على باب هذا المبحث متسابقة إلى الخروج ~~منه. # الباب الثالث # | الخلافة من الوجهة الاجتماعية # المناقشة - بحث في الاحتجاج بالإجماع - الإمام أحمد والإجماع - المسلمون ~~والسياسة - كلمات سياسية لبعض عظماء الإسلام - النحو العربي ومناهج السريان - ~~الإسلام والفلسفة - بحث في مبايعة الخلفاء الراشدين وأنها كانت اختيارية - بحث ~~في قوة الإرادة - بحث في الخلافة والملك والقوة والعصبية - نظام الملكية لا ~~ينافي الحرية والعدل - إبطال دعوى المؤلف أن ملوك الإسلام يضغطون على حرية ~~العلم - عدم تمييز المؤلف بين الإجماع على وجوب الإمامة والإجماع على نصب ~~خليفة بعينه - وجه عدم الاعتداد برأي من خالفوا في وجوب الإمامة - القرآن ~~والخلافة - السنة والخلافة - الإجماع والخلافة - شكل حكومة الخلافة - وجه ~~الحاجه إلى الخلافة - آثارها الصالحة. ~~*** # ملخص الباب # حكى المؤلف الإجماع على نصب الخليفة بلفظ زعموا، وتوخى في الحكاية عبارة العضد في ~~المواقف، ثم أخذ يلمح إلى ما في حجية الإجماع من الاختلاف، وصرح بأن دعوى الإجماع ~~في هذه القضية لا يجد لقبولها مساغا على أي حال، ثم خيل إلى القارئ أن مناجزته ~~لدعوى الإجماع تتوقف على تمهيد يكون كالطليعة تتقدم جيوش حججه الهاجمة، فطفق يلمز ~~المسلمين بسوء الحظ في علم السياسة، وادعى أنهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم، ~~وارتدوا دون مباحثه حسيرين، وسأل عن علة هذه الوقفة الحائرة والارتداد الخاسر، ثم ~~انتصب ليجيب نفسه بلسانه، فزعم أن الخلافة في الإسلام لا ترتكز إلا على القوة ~~الرهيبة، ولا ترتفع إلا على رءوس البشر، وأن من الطبيعي في الأمم الإسلامية بوجه ~~خاص أن لا يقوم فيهم ملك إلا بحكم الغلب والقهر، وأخذ يسرد بعض وقائع تاريخية، ~~وتخلص منها إلى ضغط الملوك على حرية العلم، واستبدادهم بمعاهد التعليم، وانتهى إلى ~~أن هذا الضغط هو سبب قصور النهضة الإسلامية في فروع السياسة، ونكوص العلماء عن ~~التعرض لها، ثم وثب من الحديث على الضغط الملوكي إلى الطعن ms029 في الإجماع على نصب ~~الإمام. # وكانت نتيجة البحث - فيما يتخيل - أن لا دليل على الخلافة من كتاب أو سنة أو ~~إجماع، ثم عجم الدليل النظري القائم على قاعدة رعاية المصالح، فلم يهتد إلى شبهة ~~لإنكاره، فاعترف به، ولكن ذهب إلى أنه يقتضي إقامة حكومة، ويبقى شكلها دائرا بين ~~الدستورية والاستبدادية والجمهورية والبلشفية وغير ذلك، وذهب إلى أنه لا يوافق ~~العلماء على الإمامة إلا أن يريدوا بها الحكومة في أي صورة كانت، ثم انساب في ذيل ~~البحث يقذف الخلافة بغير استثناء، ويحمل عليها أوزار قوم أطفئوا نورها، وأسقطوا من ~~القلوب مهابتها، وقفل الباب بزعم أن الإمامة العظمى لم تكن شيئا قام على أساس من ~~الدين القويم، أو العقل السليم. # المناقشة # قال صاحب الكتاب ص23: «نسلم أن الإجماع حجة شرعية ولا نثير خلافا في ذلك مع ~~المخالفين.» # من أول ما عني به الإسلام في تشريعه أن أطلق العقول من وثاق التقليد، وفتح أمامها ~~باب النظر حتى تعبر إلى قرارة اليقين على طريق الحجة والبرهان، قال تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم ~~، وقال: # إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني ~~من الحق شيئا ~~. وقد جرى علماء الإسلام ولا سيما السلف الصالح ~~على هذا المنهج، فكانوا لا يتابعون ذا رأي على رأيه ولا يتقلدون حكما قبل أن ~~يعلموا مستنده، وإذا عرفوا المستند عرضوه على قانون الأدلة السمعية، ووزنوه بميزان ~~النظر؛ ليعلموا مبلغه من الصحة، فإذا ثبت على النقد، وسلم من وجوه الطعن رفعوه على ~~كاهل القبول، وإلا نبذوه نبذ الحذاء المرقع غير مبالين بمقام مدعيه وإن حاكى القمر ~~رفعة وسناء. # ومن درس مسائل الخلاف من عهد الصحابة - رضي الله عنهم - إلى العصر الذي ساد فيه ~~القول بسد باب الاجتهاد، رأى الصحابة كيف يخالف بعضهم بعضا، ولا ينقاد صغيرهم إلى ~~كبيرهم إلا بزمام الحجة، وسار على هذا الاستقلال وحرية الفكر التابعون فمن بعدهم، ~~ولا يكبر على أحد من المجتهدين أن يناظر أستاذه أو من كان أوفر منه علما وأوسع ~~نظرا، فيقارع حجته ms030 بالحجة، حتى إذا لم تمتلئ نفسه بالثقة من أدلته اجتهد لنفسه، ~~وأقام بجانب مذهبه مذهبا. ولتجدن من هؤلاء من يبلغه مذهب الصحابي في قضية لم ينعقد ~~عليها إجماع، فيستأنف النظر في دلائلها، ولا يكون في صدره حرج أن يخالف الصحابي، أو ~~يرجح مذهب تابعي على مذهبه. # ومن عنايتهم بتحقيق الأحكام وإبايتهم تناولها إلا من يد الدليل القاطع أو الراجح ~~أن دونوا الأحاديث، ونصبوا لها ميزانا يعرف به صحيحها من ضعيفها، أو ضعيفها من ~~موضوعها، ثم وضعوا لاستنباط الأحكام أصولا، وقرروا لاستخراجها قواعد، وشرطوا في ~~هذه الأصول والقواعد أن تكون قائمة على بينة قاطعة. # فإذا كان الإسلام قد فتح للاجتهاد والنظر في الأدلة طريقا واسعا، وكان من سيرة ~~علمائه الراسخين نقد الأقوال وعدم السكوت عنها إلا أن تستند إلى حجة عاصمة؛ فإن ~~القضية التي تلقى على بساط البحث والاستفتاء، وتتداولها أنظارهم حتى تستقر على حكم ~~يقررونه بإجماع، وينطقون فيه عن تصميم، نعرف بحكم العادة معرفة لا تخالجها ريبة أن ~~تلك القضية أخذت حظها من النظر، وأنه لم يبق فيها لمخالف وجه يلتفت إليه، ~~وبالأحرى ما كان في عصر الصحابة الذين شهدوا الوحي ووقفوا على روح التشريع، ولم ~~يعرفوا في قول الحق هوادة ولا محاباة. # وقد تأيد هذا النظر بطول الاختيار والاستقراء، فلتجدن كل رأي يتهجم به مبتدعه على ~~خرق إجماع أهل العلم متداعيا إلى السقوط، بل قائما على رأسه، بحيث لا يكلفك هدمه ~~إمعانا في نظر، أو عناء في التماس حجة. # قال أبو إسحاق الشاطبي في موافقاته: # 1 ~~«قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد ~~غلطا أو مغالطة.» # ولم تؤخذ حجية الإجماع من الكتاب والسنة بنصوص معدودة، بل حجيته منتزعة من آيات ~~كثيرة وأحاديث شتى، وإذا كان كل واحد منها يدل بانفراده على حجية الإجماع دلالة ~~ظنية، فإن الظنيات الكثيرة إذا تواردت على معنى أفادت علما لا تخالجه ريبة، قال ~~أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات: # 2 ~~«الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على ms031 معنى ~~واحد حتى أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد ~~التواتر القطع ... وإذا تأملت كون أدلة الإجماع حجة، أو خبر الواحد أو القياس حجة؛ ~~فهو راجع إلى هذا المساق، لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوق الحصر.» # وها هنا أدلة أخرى تدل بوجه خاص على حجية إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وقد ~~وقف عند حد هذه الأدلة من قال: لا حجة إلا في إجماع الصحابة. # ولنكتف بهذه الكلمة في التنبيه على وجه حجية الإجماع وعده في الأدلة ~~القاطعة. ~~••• # قال المؤلف في ص22: «ولا نقول مع القائل: من ادعى الإجماع فهو كاذب.» وكتب في ~~أسفل الصحيفة عازيا هذه المقالة إلى الإمام أحمد بما نصه: «روي ذلك عن الإمام أحمد ~~بن حنبل. راجع تاريخ التشريع الإسلامي لمؤلفه محمد الخضري.» # انتزع المؤلف هذه الكلمة المروية عن الإمام أحمد من تاريخ التشريع الإسلامي للشيخ ~~محمد الخضري وأطلقها في طليعة الباب؛ لتثير في نفوس القارئين شكا، وتجعلهم على ~~ريبة من حجية الإجماع. أطلق هذه الكلمة كأنه يجهل موردها ويجهل أن الإمام أحمد لا ~~يعني بها الإجماع المعروف في الأصول، وإنما يعني بها الرد على بعض الفقهاء الذين ~~ينظرون إلى الواقعة حتى إذا لم يطلعوا على خلاف في حكمها سموه إجماعا، قال ابن ~~القيم في كتاب أعلام الموقعين: # 3 ~~«ولا يقدم - يعني الإمام أحمد - عدم علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير ~~من الناس إجماعا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا ~~الإجماع، وكذلك الشافعي أيضا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا ~~يقال له: إجماع ... وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل ~~الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ... ولكنه يقول: لا ~~نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك. هذا لفظه ... فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد ~~والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده.» # فالإمام أحمد بن حنبل ms032 إنما ينكر على الفقيه أن يسمي عدم علمه بالخلاف إجماعا، ~~وعلى مثل هذا جرى ابن حزم في كتاب الإحكام فقال: «تحكم بعضهم فقال: إن قال عالم: لا ~~أعلم هنا خلافا، فهو إجماع، وإن قال ذلك غير عالم فليس إجماعا! وهذا قول في غاية ~~الفساد، ولا يكون إجماعا، ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزي.» # 4 ~~••• # قال المؤلف في ص22: «من الملاحظ البين في تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن ~~حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الأخرى أسوأ حظ، وأن وجودها ~~بينهم كان أضعف وجود؛ فلسنا نعرف لهم مؤلفا في السياسة ولا مترجما، ولا نعرف لهم ~~بحثا في شيء من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة، اللهم إلا قليل لا يقام له وزن إزاء ~~حركتهم العلمية في غير السياسة من الفنون.» # ظل المؤلف مستهترا بشهوة فصل الإسلام عن وظيفة إصلاح السياسة، فرأى أن من ~~المقدمات المساعدة له على هذا الغرض مخاتلة نفس القارئ، وأخذها إلى الاعتقاد بأن ~~زعماء الإسلام أو علماءه أهملوا النظر في أنظمة الحكم وأصول السياسة. # لم يكن حظ المسلمين من علم السياسة سيئا، ولا وجودها بينهم كان أضعف وجود، ~~وعرفنا لهم في السياسة مؤلفات شتى: اطلعوا على كتاب السياسة لأفلاطون، الذي عربه ~~حنين بن إسحاق، وترجم بعض فصوله أيضا أحمد بن يوسف الكاتب المتوفى سنة 340ه، # 5 # وكتاب السياسة تأليف قسطا بن لوقا البعلبكي، وكتاب المتوج في العدل ~~والسياسة للصابي، وأشار ابن خلدون في مقدمته # 6 # إلى أن كتاب أرسطو في السياسة كان متداولا بين الناس، وألف الكندي في ~~السياسة اثني عشر تأليفا؛ منها رسالته الكبرى في السياسة، ورسالة في سياسة ~~العامة. # وألف أحمد بن الطيب، أحد المنتمين إلى الكندي، كتاب السياسة الكبير وكتاب السياسة ~~الصغير، وألف أبو نصر الفارابي ثمانية مؤلفات في السياسة؛ منها: السياسة المدنية، ~~«وهو الاقتصاد السياسي الذي يدعي أهل التمدن الحديث أنه من مخترعاتهم.» # 7 # ومن مؤلفاتهم كتاب سياسة الملك للماوردي، وسياسة المالك في تدبير ~~الممالك لابن أبي الربيع، «وهو جليل جدا ms033 لم يغادر بحثا من أبحاث العمران ~~والسياسة والأخلاق إلا طرقه.» # 8 # وكتاب سراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي، وكتاب نهج السلوك في سياسة ~~الملوك للشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، وقوانين الدواوين في نظام حكومة مصر ~~وقوانينها لأبي المكارم أسعد بن الخطير، إلى غير ذلك من فصول ممتعة احتوى عليها ~~كتاب المسالك لابن خرداذبه، ومقدمة ابن خلدون، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد ~~الفريد لابن عبد ربه. # ويتصل بهذا كتب في أخلاق الملوك ككتاب أخلاق الملوك للفتح بن خاقان، # 9 # وكتاب التاج في أخلاق الملوك للجاحظ، وكتاب أخلاق الملوك لمحمد بن حارث التغلبي، # 10 # والتاج في سيرة كسرى أنو شروان لابن المقفع، # 11 # وكتاب السفارة والسفراء، # 12 # وكتاب جند الوزارة وحراسة حصن الصدارة لحسن بن عبد الكريم البرزيخي # 13 # وكتاب لطائف الأفكار وكاشف الأسرار في علم السياسة، ألفه القاضي حسين ~~بن حسن السمرقندي للوزير إبراهيم باشا سنة 936 في خمسة أبواب؛ الأول في السياسات، ~~فهو من قبيل الموسوعات، لكنه يشتمل على ضروب من السياسة. منه نسخة في فينا. # 14 # هذا ما اطلعنا عليه أو على التعريف به في بعض كتب التاريخ، وقد منيت المكاتب ~~الإسلامية من بلايا الإحراق والإغراق والإتلاف التي سامها بها أعداء العلم على ما ~~هو معروف في التاريخ من هجمات التتار على بغداد، ونائبة خروج المسلمين من الأندلس، ~~ونكبات الحروب الصليبية في الشام ومصر وغيرهما، علاوة على ما غشى الأمة من ظلمات ~~الجهل في عصورها الأخيرة حتى ضاع من بين أيديها كثير مما أبقته تلك النكبات. # هذا، وقد شهد أولو العلم أن الإسلام قد رسم للسياسة خطة واسعة، وسن لها نظما ~~عامة، حسبما نوافيك ببيانه في الموضع اللائق به، فصرفوا أنظارهم في دراسة تلك ~~الخطة، والتفقه في هاتيك النظم؛ حيث كانت سياستهم العملية موصولة بها، وقائمة على ~~أسسها. ومن المؤلفات على هذا النمط كتاب غياث الأمم لإمام الحرمين، وكتاب الطرق ~~الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم، وكتاب السياسة الشرعية لإصلاح الراعي ~~والرعية لابن تيمية، وكتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب ms034 الأحكام السلطانية ~~للقاضي أبي يعلى، # 15 # وكتاب إكليل الكرامة لصديق حسن خان، ورسالة السياسة الشرعية لإبراهيم ~~بخشى زاده، توجد في برلين. # 16 # آثر المسلمون أن ينظروا إلى السياسة بمرآة الشريعة، فترى كثيرا من رجال الدولة ~~إذا حركوا أقلامهم في تحرير سياسي نفخوا فيه روحا من حكمة الشريعة، وكسوه حلة من ~~حلل آدابها الوضاءة. وانظر الكتاب # 17 # الذي أرسله طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله بن طاهر - لما ولاه ~~المأمون الرقة ومصر وما بينهما - تجده يقول فيه: «واسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين ~~وطريقه الأهدى، وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا ~~تعطل ذلك ولا تتهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة؛ فإن في تفريطك في ذلك ما يفسد ~~عليك حسن ظنك، واعتزم في ذلك بالسنن المعروفة.» # ثم قال: «واقبل الحسنة وادفع بها، واغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك ~~عن قول الزور والكذب، وابغض أهل النميمة؛ فإن أول فساد أمورك في عاجلها وآجلها ~~تقريب الكذوب، والجراءة على الكذب، وإن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له ~~صاحب، ولا يستقيم له أمر.» # وكذلك يقول لسان الدين بن الخطيب في رسالة له في السياسة: # 18 ~~«رعيتك ودائع الله تعالى عندك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل ~~إلى ضبطهم إلا بإعانة الله تعالى التي وهب لك. وأفضل ما استدعيت به عونه منهم، ~~وكفايته التي تكفيهم تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسهر لتنويمهم، وحراسة ~~كهلهم ووضيعهم، والترفع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما لها وما عليها أخذا يحوط ~~مالها، ويحفظ عليها كمالها إلخ.» # ويجري على هذا المثال رسالة الحسن بن أبي الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز في صفة ~~الإمام العادل، ومما يقول فيها: «واعلم يا أمير المؤمنين، أن الله أنزل الحدود ~~ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟! وأن الله أنزل القصاص ~~حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟!» # 19 # وكتب إليه في رسالة أخرى: # 20 ~~«... فكن ms035 للمثل من المسلمين أخا، وللكبير ابنا، وللصغير أبا، وعاقب كل ~~واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطا واحدا فتدخل النار.» # فالحق أن حظ المسلمين في السياسة لم يكن منقوصا، وأن منزلتهم فيها كانت فوق ~~المنزلة التي قعد بهم المؤلف عندها وبالغ في استصغار شأنها. ~~••• # قال المؤلف في ص23: «ذلك وقد توفرت عندهم الدواعي التي تدفعهم إلى البحث الدقيق ~~في علوم السياسة، وتظاهرت لديهم الأسباب التي تعدهم للتعمق فيها. وأقل تلك الأسباب ~~أنهم مع ذكائهم الفطري، ونشاطهم العلمي كانوا مولعين بما عند اليونان من فلسفة ~~وعلم. وقد كانت كتب اليونان التي انكبوا على ترجمتها ودرسها كافية في أن تغريهم ~~بعلم السياسة وتحببه إليهم.» # قام المؤلف ليذكر لنا سببا شأنه أن يغري المسلمين بالسياسة ويجعلهم مولعين ~~بالخوض في غمارها، والتفت يمينا وشمالا فوقع اختياره على انكبابهم على ترجمة كتب ~~الفلسفة والعلوم اليونانية ودراستها، ولم يهتد إلى أن لدى المسلمين سببين عظيمين ~~يحثانهم على النظر في السياسة، ويؤكدان حرصهم على البراعة في صناعتها: # أحدهما: # أنهم كانوا أمة فاتحة بلغت في عزها وسطوتها أن قوضت عروش قوم ~~جبارين، ومدت سلطانها العادل على شعوب مختلفة في طبائعها وعاداتها ~~وطرق تفكيرها. والفاتح الغيور على استقلال بلاده أشد حاجة، وأسرع ~~يدا إلى إتقان فن السياسة من مرتاح البال للبقاء تحت سلطة دولة ~~أخرى. # ثانيهما: # أن الإسلام شرع للسياسة أصولا في أحسن مثال، وحارب الاستبداد ~~باليمين والشمال، فأذاق أمته طعم الحكومة اللينة الحازمة، وشب في ~~أحضانه رجال شهد بدهائهم السياسي أعداؤهم المنصفون. # هذان السببان ندبا المسلمين إلى النظر في مبادئ السياسة وأصول الحكم، فانتدبوا ~~إليها، وكانوا أساتذة العالم في السياسة كما كانوا أساتذته في العلوم الفلسفية، ~~فهما أحق بأن يخطرا على قلب المؤلف، ولكنه يكره أن يعترف بأن في تعاليم الإسلام ~~مبادئ سياسية، أو أن حكومة من حكومات الإسلام أذاقت الناس طعم السياسة ~~الرشيدة. ~~••• # قال المؤلف في ص23: «وهناك سبب آخر: ذلك أن مقام الخلافة الإسلامية كان منذ ~~الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله ms036 تعالى عنه - إلى يومنا هذا عرضة للخارجين ~~عليه المنكرين له، ولا يكاد التاريخ الإسلامي يعرف خليفة إلا عليه خارج.» ثم قال في ~~ص24: «مثل هذه الحركة «حركة المعارضة» كان من شأنها أن تدفع القائمين بها إلى البحث ~~في الحكم، وتحليل مصادره ومذاهبه، ودرس الحكومات وكل ما يتصل بها، ونقد الخلافة وما ~~تقوم عليه إلى آخر ما تتكون منه علوم سياسية، لا جرم أن العرب قد كانوا أحق بهذا ~~العلم وأولى من يواليه.» # لم يعارض طائفة من المسلمين الخلافة في نفسها، أو كونها ذات حكومة يرأسها فرد حتى ~~تدعوهم المعارضة إلى درس الحكومات؛ ليختاروا منها الشكل الذي يروقهم، وإنما ينكر ~~المعارضون شيئا من تصرف الخليفة ، أو يدعون أن غيره أحق بالإمارة وأقوم عليها. وهذا ~~يقتضي البحث في طرق العدل وشروط الخليفة، وحكم الخروج عليه. وقد بحث أهل العلم في ~~هذه المطالب بأوفى عبارة وأبسط بيان، حرروا الكلام في الأصول الفارقة بين عادل ~~الأحكام وجائرها، وأفاضوا القول في شروط الأمراء وموجبات خلعهم، ومتى بحثوا في ~~الحكم من حيث انطباقه على مبادئ العدالة أو انحرافه عنها، فإنهم لا يعرفون قانونا ~~لعدالة الأحكام أو جورها غير موافقتها لأصول الشريعة أو نشوزها عنها. فمن هذا الوجه ~~كان المعارضون يبحثون في الحكم، وينقدون سيرة الخلفاء مقتدين بقوله تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ~~خير وأحسن تأويلا ~~. # ومتى صح أن يكون الخروج على الخليفة سببا للبحث عن مبادئ السياسة؛ فقد أريناك ~~وسنريك آية نهوض المسلمين بعلم السياسة وتفوقهم في إدارة شئونها. ~~••• # قال المؤلف في ص24: «فما لهم وقفوا حيارى أمام ذلك العلم وارتدوا دون مباحثه ~~حسيرين؟! ما لهم أهملوا النظر في كتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب السياسة لأرسطو، ~~وهم الذين بلغ من إعجابهم بأرسطو أن لقبوه المعلم الأول؟!» # عني المسلمون من علوم اليونان بالفنون التي كانت غير معروفة لهم، أو كانت ~~بضاعتهم فيها مزجاة، وكانوا يصرفون عنايتهم إلى هذه العلوم على قدر ما يرون لها من ~~فائدة، وعلى ms037 حسب ما تمس إليه الحاجة، فأقبلوا على العلوم الرياضية والطبيعية ~~والفلسفة والمنطق بمجامع قلوبهم، وأعطوا جانبا من عنايتهم إلى ما نقل لهم من سياسة ~~أفلاطون وأرسطو، مع علمهم بأن أيديهم مملوءة بمبادئ السياسة الكافية في تدبير مصالح ~~الأمة وصيانة حقوقها على منهج الحرية السامية والعدالة الصادقة. # كانوا يرون أن فيما أضاء لهم من مشكاة الشريعة، أو جرى على ألسنة حكمائهم ما إذا ~~اتسق لذي فطرة سليمة وألمعية مهذبة أصبح سائسا خطيرا، أو مصلحا كبيرا. # ومن نظر في تاريخ عظماء الإسلام ببصيرة لم تفتتن بزخرف المدنية الغربية رأى في ~~سيرتهم العملية، وما يلفظون به من نوابغ الكلم ما يشهد له بأنهم أدركوا في فن ~~السياسة شأوا بعيدا، ولم يكن حظهم منها أقل من حظ دارسي كتابي الجمهورية ~~والسياسة. # ولا أسرد في هذا المقام شيئا من الآيات والأحاديث التي تعد في مبادئ السياسة ~~المثلى؛ فإنها مقروءة بكل لسان، ومشهود لها بالحكمة من كل ذي عقل، وإنما أسوق من ~~أثر أولئك العظماء كلمات أضربها كالمثل؛ ليتبين القارئ ماذا نريد من تلك الكلم ~~النوابغ، وليعرف أن رجالا في الإسلام أحرزوا في السياسة القدح المعلى، ورموا عن ~~قوس لم تكن من صنع أفلاطون ولا أرسطو، فأبعدوا المرمى وأصابوا الغاية. # أريد من تلك الكلم النوابغ أمثال قول عمر بن الخطاب - لما قيل له: إنك تستعين ~~بالرجل الفاجر: «إني لأستعين بالرجل لقوته ثم أكون على قفانه.» # 21 # وقول أبي سفيان لعثمان - رضي الله عنه - حين هم أن يرد إليه مالا ~~صادره عمر بن الخطاب ووضعه في بيت المال: «لا ترد على من قبلك فيرد عليك من بعدك.» ~~وقول عمر بن عبد العزيز حين قال له ابنه عبد الملك: ما لك لا تنفذ الأمور؟ «لا تعجل ~~يا بني، إني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيتركوه جملة وتكون فتنة.» وقول ~~معاوية بن أبي سفيان: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني ~~لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.» قيل: وكيف ذلك؟ ms038 قال: «كنت إذا ~~مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها.» وقوله: «إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما ~~لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا.» وقوله: «والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن ~~لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه؛ فقد جعلت له ذلك دبر أذني وتحت قدمي.» ~~وقول المهلب للحجاج حين كتب إليه يستعجله في حرب الأزارقة: «إن من البلاء أن يكون ~~الرأي لمن يملكه دون من يبصره.» # هذا نموذج من كلماتهم السياسية المقولة على البداهة، ولو أخذنا نملي عليك من ~~أنبائها لأخرجنا بها كتابا قيما، ولو تناولها ذو فكر خصب وقلم مثمر لأنشأ من ~~أصولها فروعا، وأجرى من منابعها أنهارا. وقد كان القوم يقومون على هذه الأصول، ~~ويجمعون إليها علم التاريخ الذي هو الركن الأعظم لإجادة النظر في السياسة؛ ولهذا ~~المعنى كانوا يتحرون في تقليد المناصب من له خبرة واسعة بأنباء الأمم وأيامها ~~الخالية. أرسل عمر بن هبيرة إلى إياس بن معاوية وسأله أسئلة أجابه عنها، ثم قال له: ~~تعرف من أيام العرب شيئا؟ قال: نعم، قال: فهل تعرف من أنباء العجم شيئا؟ قال: أنا ~~بها أعلم، قال: إني أريد أن أستعين بك، ثم قال له: قم قد وليتك. # 22 # وصفوة القول أن المسلمين اطلعوا على سياسة أفلاطون وسياسة أرسطو وألفوا في ~~السياسة المدنية والسياسة الشرعية، فملكوا من السياسة النظرية كنزا قيما، ولولا ~~أنهم كانوا ينفقون من هذا الكنز القيم لما ارتفعت سياستهم العملية على سياسة تلاميذ ~~أفلاطون وأرسطو درجات. ~~••• # قال المؤلف في ص24: «وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان في علم ~~النحو.» # هذا شيء ظنه جرجي زيدان فالتقطه المؤلف من ورائه وجاء به على أنه قضية مسلمة، قال ~~في تاريخ التمدن الإسلامي # 23 # وفي تاريخ آداب اللغة العربية: # 24 ~~«ويغلب على ظننا أنهم نسجوا في تبويبه - يعني النحو - على منوال ~~السريان؛ فإن السريان دونوا نحوهم وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس ~~للميلاد.» # ثم قال: «فالظاهر أن العرب لما خالطوا السريان في العراق ms039 اطلعوا على آدابهم، وفي ~~جملتها النحو، فأعجبهم، فلما اضطروا إلى تدوين نحوهم نسجوا على منواله؛ لأن اللغتين ~~شقيقتان. ويؤيد ذلك أن العرب بدءوا بوضع النحو وهم بالعراق وبين السريان والكلدان، ~~وأقسام الكلام في العربية هي نفس أقسامه في السريانية.» ثم قال: «وكأنه - يعني أبا ~~الأسود - تعلم لغة السريان أو اطلع على نحوها فرغب في النسج على منواله.» # فالمسألة لم تزل في حدود الافتراض، وليس لها من شبهة سوى أن واضعي علم النحو من ~~العرب كانوا بالعراق بين السريان والكلدان، وأن أقسام الكلام في العربية هي أقسام ~~الكلام في السريانية، ولكن كتاب الإسلام وأصول الحكم لا يبالي أن يسوق المشكوك فيه ~~مساق المعلوم، أو يورد المعلوم في صورة المشكوك فيه. ~~••• # قال المؤلف في ص24: «بل رضوا بأن يمزجوا لهم علوم دينهم بما في فلسفة اليونان من ~~خير وشر، وإيمان وكفر.» # خفقت ريح الفلسفة في بعض البلاد الشرقية كمصر والهند، وجالت في أندية اليونان ~~أمدا بعيدا، وما برحت تتلقى من أفواه الأساتذة، وتلتقط من صحائف المؤلفين إلى أن ~~طلع كوكب الهدى الإسلامي، وتدفقت أشعته على البصائر النقية، فلم تلبث الفلسفة أن ~~التقت في أوائل عهد الدولة العباسية بذلك التعليم السماوي، والتحقت بالعلوم الخادمة ~~له في تأييد قواعد السياسة ونظام الاجتماع. # لا يذهب إلى أن الإسلام يتجافى عن الفلسفة سوى رجل التقم ثدي الفلسفة، وشب في ~~أطواقها، ولم ينظر في حقائق هذا الدين ببصيرة وروية، أو مسلم لم يخض غمار المباحث ~~الفلسفية وحسب أن جملتها قضايا باطلة، ولا سيما حيث لا يترامى إليه من أبوابها سوى ~~نبذة من الآراء المنكرة على البداهة. # في الفلسفة قضايا تثق بها العقول الراجحة، وتنهض بجانبها الأدلة القاطعة، وهذه لا ~~تصادم شيئا من نصوص الدين الواردة في كتاب أو سنة ثابتة، والذي لا يلتقي مع هذه ~~النصوص إنما هو بعض آراء لم تقم على مشاهدة أو نظر حكيم. وقد ضاعت في شعاب هذا ~~النوع قلوب فئة استخفهم الغرور إلى أن يلقبوا بالفلاسفة، وتخيلوا أن هذا ~~اللقب لا يحرزه ms040 إلا من آمن بكل ما يلفظ به الغربيون، فتطوح بهم التقليد الجامد إلى ~~القدح في نصوص الشريعة، أو التعسف في تأويلها. # خرجت الفلسفة على علماء الإسلام وقد اعتادت أنظارهم التقلب في مسالك الاجتهاد، ~~وتمحيص ما يقع إليها من الآراء، فبسطوا إليها أيديهم وفتحوا لها صدورهم، ولكنهم لم ~~يرفعوها إلى المقام الذي يمنعهم من مناقشتها، وتقويم المعوج من مقالاتها. # نفقت سوق الفلسفة فمد إليها بعض القاصرين أيديهم، واتخذوا منها ظهيرا لآراء ~~سخيفة يعتنقونها، أو شبه على الدين يوردونها، وما كان من أولي العلم إلا أن تصدوا ~~لنقض تلك الآراء، ومطاردة هاتيك الشبه، واضطروا في تقويمهم وكف بأسهم إلى استعمال ~~السلاح الفلسفي الذي هاجموهم به، ولم يبالوا أن يمزجوا عقائدهم الصحيحة بالفلسفة ~~اليونانية ما داموا يحملون في أناملهم أقلاما تفرق بين خيرها وشرها، وإيمانها ~~وكفرها. ~~••• # حكى المؤلف قول ابن خلدون: إن الخلافة راجعة إلى اختيار أهل العقد والحل، وقول ~~السيد محمد رشيد رضا: إن الإمامة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الحل والعقد ممن ~~اختاروه إماما للأمة، بعد التشاور بينهم، ثم قال في ص25: «قد يكون معنى ذلك أن ~~الخلافة تقوم عند المسلمين على أساس البيعة الاختيارية، وترتكز على رغبة أهل الحل ~~والعقد من المسلمين ورضاهم، وقد يكون من المعقول أن توجد في الدنيا خلافة على الحد ~~الذي ذكروا، غير أننا إذا رجعنا إلى الواقع ونفس الأمر وجدنا أن الخلافة في الإسلام ~~لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأن تلك القوة كانت، إلا في النادر، قوة ~~مسلحة، فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه إلا الرماح والسيوف.» # ثم قال: «قد يسهل التردد في أن الثلاثة الأول من الخلفاء الراشدين مثلا شادوا ~~مقامهم على أساس القوة المادية، وبنوه على قواعد الغلبة والقهر، ولكن أيسهل الشك في ~~أن عليا ومعاوية - رضي الله تعالى عنهما - لم يتبوأا عرش الخلافة إلا تحت ظلال ~~السيوف وعلى أسنة الرماح؟!» # يتكلم ابن خلدون والسيد محمد رشيد رضا عن الطريق الذي تنعقد به الخلافة شرعا، ~~وهو اختيار أهل الحل والعقد، ومن ms041 المعقول جدا أن توجد خلافة على هذا الحد، وكذلك ~~كانت إمارة الخلفاء الراشدين؛ فإن مبايعتهم تقررت باختيار من أهل الحل والعقد، ولا ~~أثر للقهر والغلبة في انعقادها. # أما مبايعة أبي بكر الصديق فقد روى البخاري في كتاب الحدود من صحيحه الخطبة التي ~~ألقاها عمر بن الخطاب حاكيا واقعة مبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وبعد أن أتى ~~على المناقشة التي دارت بين أبي بكر وبعض الأنصار، قال: «فكثر اللغط وارتفعت ~~الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر. فبسط يده، فبايعته ~~وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار.» وفي باب مناقب أبي بكر من صحيح البخاري ~~أيضا: «أن أبا بكر الصديق قال للأنصار: بايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن ~~الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت؛ فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس.» # فأنت ترى كيف بويع أبو بكر الصديق، وليس حوله قوة مال ولا جند ولا سلاح، ولم تصدر ~~منه كلمة تؤذن بتهديد أو إكراه. وقصارى ما وقع في المحاورة أن بعض الأنصار قالوا ~~للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. ورد عليهم أبو بكر بأن هذا الأمر لن يعرف إلا ~~لهذا الحي من قريش؛ هم أوسط العرب نسبا ودارا. ثم أشار عليهم بمبايعة عمر بن ~~الخطاب أو أبي عبيدة، ولما كثر اللغط وارتفعت الأصوات أوجس عمر خيفة من أن ينحدر ~~بهم الاختلاف إلى عاقبة سيئة، فلم يتمالك أن بسط يده إلى مبايعة أبي بكر، وامتدت ~~أيدي المهاجرين والأنصار على أثره؛ فانعقدت البيعة من أهل الحل والعقد عن اختيار ~~منهم، ولو كفوا أيديهم ولم يتابعوه على المبايعة لم تنعقد، كما نص عليه أبو المعالي ~~في كتاب غياث الأمم. # ونحن نرى أن عمر بن الخطاب لم يبسط يده إلى المبايعة إلا بعد أن عرف أن معظم ~~المهاجرين والأنصار يرون رأيه في أن أبا بكر الصديق أحق الناس بالخلافة. ومن شواهد ~~هذا أن الحاضرين بسقيفة بني ساعدة لم يتباطئوا عن ms042 متابعة عمر في المبايعة، ثم أن ~~أبا بكر الصديق جلس من الغد على المنبر وبايعه الناس البيعة العامة بعد بيعة السقيفة، # 25 # وهؤلاء المبايعون هم أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الذين جاهدوا في الله حق ~~جهاده، وتعلموا عن الرسول عليه السلام فضيلة الصراحة وعدم السكوت عن قول الحق ولو ~~كانت الفاصلة بين الرءوس والأعناق، وقد سمى عمر - رضي الله عنه - مبايعته فلتة؛ ~~لأنها لم تكن بعد إنهاء المشاورة. # قال ابن تيمية في منهاج السنة # 26 # شارحا هذا الأثر: «ومعناه أن بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريث ولا ~~انتظار؛ لكونه كان متعينا لهذا الأمر كما قال عمر: ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق ~~مثل أبي بكر. وكان ظهور فضيلة أبي بكر على من سواه، وتقديم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # له ~~على سائر الصحابة أمرا ظاهرا معلوما، فكانت دلالة النصوص على تعيينه تغني عن ~~مشاورة وانتظار وتريث بخلاف غيره؛ فإنه لا تجوز مبايعته إلا بعد المشاورة والانتظار ~~والتريث.» # ومع كونها فلتة لا تجعل مبايعة أبي بكر مأخوذة بالقهر والغلبة، وتخلف بعض ~~المهاجرين أو الأنصار عن البيعة حينا من الزمن لا يخل بانعقادها، ولا يسلب عنها أن ~~تكون مبايعة اختيارية؛ إذ المدار على رأي الأغلبية، وهي محل الاعتبار في سائر ~~القوانين الدستورية. ولا شك أن الأكثرية الساحقة يومئذ بايعت أبا بكر عن رضا ~~واختيار، ولو جرى الانتخاب بطريق الاقتراع السري على العادة المألوفة اليوم لم يفز ~~بالإمامة غير أبي بكر الصديق - رضي الله عنه. # وأما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - «فقد عهد إليه أبو بكر الصديق بالخلافة، ~~وبايعه المسلمون بعد وفاة أبي بكر؛ فصار إماما لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم.» # 27 # وأما عثمان - رضي الله عنه - فقصة مبايعته أن عمر بن الخطاب لما حضرته الوفاة ~~وقيل له: استخلف، قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو عنهم راض. فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد ms043 الرحمن، ~~وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء. ثم «إنه خرج طلحة والزبير وسعد ~~باختيارهم، وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة على أن عبد الرحمن ~~بن عوف لا يتولى، ويولي أحد الرجلين، وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض ~~فيها بكبير نوم؛ يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمراء ~~الأنصار، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان، وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان؛ فبايعه لا ~~عن رغبة أعطاهم إياها، ولا عن رهبة أخافهم بها.» # 28 # وقال ابن تيمية: «لم يصر عثمان باختيار بعضهم، بل لمبايعة الناس له، وجميع ~~المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد.» # 29 # وقال الإمام أحمد: «ما كان من القوم من بيعة عثمان كانت بإجماعهم .» # 30 # وأما علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فمبايعته لم تكن تحت رهبة قط، ولا قامت ~~تحت ظلال السيوف، كما يزعم المؤلف، بل «إن المهاجرين والأنصار اجتمعوا بعد مقتل ~~عثمان - رضي الله عنه - وأتوا عليا وقالوا: يا أبا حسن، هلم نبايعك، فقال: لا ~~حاجة لي في أمركم. أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا والله، فقالوا: ما ~~نختار غيرك. ثم اختلفوا إليه مرارا ثم أتوه في آخر ذلك فقالوا له: إنه لا يصلح ~~الناس إلا بأمره، وقد طال الأمر، # 31 # وفي رواية أخرى أنه قال لهم: لا تفعلوا؛ فإني أكون وزيرا خير من أن ~~أكون أميرا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد؛ فإن ~~بيعتي لا تكون خفيا، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، وقال عبد الله بن عباس: فلقد ~~كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل دخل ~~المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه الناس.» # 32 # فمقصد الشارع من إقامة الخلافة على رضا أهل الحل والعقد قد تحقق في ولاية الخلفاء ~~الراشدين - رضي الله عنهم - وسواء بعد ذلك أن تبايع الخليفة الخاصة ثم تبايعه ~~العامة كما وقع في ولاية الصديق وعثمان ms044 بن عفان، أو يعهد له الخليفة ويقع عهده موقع ~~القبول، ويعزز بمبايعة أهل الحل والعقد بعد كما وقع في ولاية الفاروق، أو يبايع ~~مبايعة عامة في آن واحد كما وقع في ولاية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه. # ولماذا لا يكون من المعقول أن توجد خلافة قائمة على اختيار أهل الحل والعقد، وهو ~~أمر يرجع إلى قوة إرادة الأمة، ولقوة الإرادة في حياة الأمم وتمتعها بحقوقها تأثير ~~بالغ وسلطان غالب. # مما يشهد به النظر وتؤيده التجربة أن الأمة متى كانت على بصيرة من حق، وعرفت ~~الطريق الهادي إليه لم تنشب أن ينقلب تفكيرها فيه عزما صارما، وتقتحم كل عقبة ~~تعترض في سبيلها، وإذا سمعت أمة تذكر غاية من العز وهي لا تتقدم إليها بخطوات ~~سريعة، أو سمعتها تبدي الأسف لحق انفلت من يدها وهي لا تنشده بسعي متواصل؛ فاعلم ~~أنها لا تزال في طور الأماني والآمال، ولم يبلغ إحساسها بتلك الغاية الشريفة أو ذلك ~~الحق الضائع مبلغ الإرادة. # تعرف كل قوة وإن كانت مسلحة أن إرادة الأمة قلاع لا تفتح، وجيش لا ينهزم، فلا ~~يكون منها إلا أن تخضع أمام سلطانها، وتعصى داعي الأهواء في مرضاتها، ولا يضطهد ~~المستبد حقوق القوم إلا أن يفهم أن إحساسهم بها لا يزال معدوما، أو أن شمل ~~إرادتهم ما برح في تخاذل وشتات. # وما مثل الأمم في أعمالها وقوة إرادتها إلا مثل السهم يخترق الهواء، ويرسم خطا ~~يمتد على قدر قوة الوتر الذي يدفعه، ومتانة القوس التي ينفذ منها. # فالأفراد الذين جلسوا على عرش الخلافة بقوة مسلحة وعاثوا فيه فسادا لم يلاقوا من ~~الأمة قوة إرادة، ولم تكن للأمة قوة إرادة لأن شعورها بحقوقها لم يكن عاما، ولا ~~يكون الشعور بالحق عاما لتقلص نور التربية والتعليم، أو لاختلاف طرقهما اختلافا ~~يجعل الأذواق وطرق التفكير تتفاوت تفاوتا بعيدا. ~~••• # قال المؤلف في ص25: «وما كان لأمير المؤمنين محمد الخامس سلطان تركيا أن يسكن ~~اليوم يلدز لولا تلك الجيوش التي تحرس قصره.» # وكتب معلقا على هذا ms045 في أسفل الصحيفة ما نصه: «كتبنا ذلك يوم كانت الخلافة في ~~تركيا وكان الخليفة محمد الخامس.» # لعل المؤلف كتب هذا الباب الثالث الذي هو في الخلافة من الوجهة الاجتماعية قبل أن ~~يؤلف الباب الأول الذي هو في تعريف الخلافة، والباب الثاني الذي هو في حكم الخلافة، ~~فإنه ذكر في ص11 من الباب الأول رسالة الخلافة، التي نشرتها حكومة المجلس الكبير ~~الوطني بأنقرة، وهي بالطبيعة متأخرة عن وفاة محمد الخامس، ونقل في ص16 عن كتاب ~~الخلافة أو الإمامة للأستاذ السيد محمد رشيد رضا. وهذا الكتاب أيضا لم يظهر، بل لم ~~يؤلف إلا بعد حركة أنقرة التي ابتدأت بعد وفاة محمد الخامس. وأعجب من هذا أن المؤلف ~~ذكر في أول سطر من هذه الصحيفة التي تحدث فيها عن محمد الخامس كتاب الخلافة أو ~~الإمامة للسيد رشيد، فلعله أيضا ألف شطر الصحيفة الأسفل قبل أن يؤلف شطرها الأعلى! # 33 # أراد المؤلف أن يتحدث عن جهل المسلمين بمبادئ السياسة وأنواع الحكومات ويعلله ~~بضغط الخلفاء والملوك، فأملى على قلمه معنى هو أن الخلافة والملك لا يرتكزان إلا ~~على القوة القاهرة والسيوف المصلتة، واستمر يلوكه في جمل يركب بعضها بعضا، وعز ~~عليه أن يفارقها حتى امتلأت بها خاصرتا كتابه، وأوشك القارئ أن لا يفهم منها إلا أن ~~المؤلف يبرق ويرعد على القوة الحاكمة من حيث إنها ذات شوكة، وأعدت ما استطاعت من ~~قوة الجند والسلاح! # قال ابن خلدون في مقدمته: # 34 ~~«إن المغالبة والممانعة إنما تكون بالعصبية.» وقال: # 35 ~~«إن الملك إنما يحصل بالتغلب، وإن التغلب إنما يكون بالعصبية.» وقال: ~~«إن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلب ... ~~فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة، وتوارثوه واحدا بعد ~~آخر في أعقاب كثيرين ودول متعاقبة نسيت النفوس شأن الأولية.» # أخذ المؤلف ما قرره ابن خلدون في سنة قيام الملك، وأجراه على مشروع الخلافة، ~~فقال في ص25: «لا نشك مطلقا في أن الغلبة كانت دائما عماد الخلافة، ولا ms046 يذكر لنا ~~التاريخ خليفة إلا اقترن في أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التي تحوطه، والقوة ~~القاهرة التي تظله، والسيوف المصلتة التي تذود عنه، ولولا أن نرتكب شططا في القول ~~لعرضنا على القارئ سلسلة الخلافة إلى وقتنا هذا؛ ليرى على كل حلقة من حلقاتها طابع ~~القهر والغلبة.» # تناول المؤلف ما قرره ابن خلدون وبسط القول في تعليله من أن الملك لا يحصل إلا ~~بالتغلب، وأخذ يضرب به قوله: إن الخلافة راجعة إلى اختيار أهل الحل والعقد. # لا شك أن الفيلسوف ابن خلدون لا يرى تعارضا بين مقالتيه؛ لأنه يفرق بين الخلافة ~~والملك، وإن شئت تحقيق هذا البحث على وجه شرعي اجتماعي؛ فإليك التحقيق: # عرف الإسلام أن في الناس طبيعة التعصب للقومية، وأن هذه الطبيعة كثيرا ~~ما تطغى فتحمل صاحبها على التحيز لأخيه في القومية، والوقوف في صف أنصاره ~~وإن كان مبطلا. # عرف الإسلام ذلك فقرر مبادئ الأخوة والمساواة، وأتى بما يهذب تلك ~~الطبيعة ويقيم أودها؛ حتى لا تخف بالقبيلة إلى معاضدة أخيها إذا نهض لإرغام ~~حق أو إقامة منكر. # قد يأذن الإسلام للرجل أن يؤثر بمعروفه أو مساعدته ابن عشيرته، أما عند ~~تدبير مصلحة عامة أو تقرير حقوق مشتركة فيقطع النظر عن كل صلة، ولا يقيم ~~لأي عاطفة وزنا، إلا ما تقتضيه المصلحة، وتشير به القوانين العادلة، ~~والآراء الراجحة. ولمثل هذا وكل تعيين الخلافة إلى اختيار أهل الحل والعقد، ~~وجعل المسلمين في هذا الحق عصبة واحدة. # ليس من المتعذر على المسلمين أن يسيروا على هذه الخطة إذا لم يكن في ذي ~~العصبية القوية من الكفاية ما يتحقق في غيره من ذوي العصبيات الواهنة، ومن ~~المحتوم عليهم أن يختاروا ما فيه المقدرة الكافية، ويكونوا حوله قوة تنهزم ~~أمامها كل عصبية قومية. # فإن كان ذو العصبية التي هي أشد وأقوى كافيا لهذا المنصب؛ فللمسلمين أن ~~يعدوا ما يحوزه من هذه القوة الطبيعية ميزة يرجح بها على غيره المماثل له ~~في سائر شروط الخلافة. وهذا ما بنى عليه ابن خلدون فهمه لحديث: «الأئمة من ~~قريش.» ms047 ورأى أن نسب القرشية في الحديث إنما يرمي إلى ما يحقق شرط الكفاية ~~والقدرة على القيام بأعباء الخلافة؛ وهو قوة الحامية. وقد اختصت قريش لذلك ~~العهد من بين سائر القبائل بقوة العصبية وشدة المراس، وذكر أن من القائلين ~~بنفي اشتراط القرشية في الخلافة القاضي أبا بكر الباقلاني؛ حيث أدرك ما آلت ~~إليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال، واستبداد ملوك العجم على الخلفاء. # 36 # فالحق أن ما قرره ابن خلدون من أن الملك لا يحصل إلا بالقهر والغلبة لا يجري في ~~الخلافة؛ فإنها قامت في عهد الخلفاء الراشدين على البيعة الاختيارية، والمؤلف نفسه ~~تعاصت عليه الأدلة وخانته الشبه فلم يستطع أن يأتي بدليل أو شبهة على أن الخلافة في ~~سائر أطوارها لم تقم إلا على القهر والغلبة. ~~••• # قال المؤلف في ص27: «وطبيعي في الأمم المسلمة بنوع خاص أن لا يقوم فيهم ملك إلا ~~بحكم الغلب والقهر أيضا.» # يذهب المؤلف إلى أن نظام الملكية لا يقوم بين المسلمين عن اختيار منهم، وزعم أن ~~مبادئ الحرية والإخاء والمساواة التي جاء بها الدين تقتضي أن لا يقوم فيهم ملك إلا ~~بالقهر والغلبة. # والحكومة - في تقسيم أرسطو - إما ملكية أو أرستقراطية أو شعبية، وكل واحد من هذه ~~النظم إما طبيعي؛ وهو ما يعمل لخير الأمة، أو جائر؛ وهو ما يتصرف في شئونها بغير ~~حكمة. # فالملكية عند أرسطو قد تسير على منهج من العدل والنصح للرعية. # وقسم منتسكيو الحكومة إلى جمهورية وملكية واستبدادية. والفرق بين الملكية ~~والاستبدادية أن الأولى تكون السلطة فيها بيد فرد يحكم بمقتضى قوانين مقررة، ~~والأخرى لا يرتبط الحاكم فيها بقانون ولا عرف، بل يدير زمامها على ما يشاء ويهوى. ~~فالملكية عند منتسكيو تخالف الاستبدادية. # فالواجب إذن على المؤلف أن يبين ماذا يريد من الملك؛ فإن الحكومة التي يرأسها فرد ~~إذا كانت تعمل على طريق الحزم والشريعة العادلة لم نجد في مبادئ الإسلام ما يمنع من ~~الإذعان لها، والنصح في مؤازرتها. ~~••• # قال المؤلف في ص27: «من الطبيعي في أولئك المسلمين الذي يدينون بالحرية ms048 رأيا، ~~ويسلكون مذاهبها عملا، ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين، ويناجون ربهم بذلك ~~الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، في خمسة أوقاتهم للصلاة، من الطبيعي في ~~أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم، ذلك الخضوع الذي ~~يطالب به الملوك رعيتهم، إلا خضوعا للقوة، ونزولا على حكم السيف القاهر.» # يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد: # 37 ~~«بني الإسلام بل كافة الأديان على لا إله إلا الله، ومعنى ذلك أنه لا ~~يعبد حقا سواه؛ أي سوى الصانع الأعظم. ومعنى العبادة التذلل والخضوع، فيكون معنى ~~لا إله إلا الله: لا يستحق التذلل والخضوع شيء غير الله، فهل والحالة هذه يناسب ~~المستبدين أن يعلم عبيدهم ذلك، ويعملوا بمقتضاه. كلا ثم كلا ... ولهذا ما انتشر نور ~~التوحيد في أمة قط إلا وتكسرت بها قيود الأسر.» # حق ما يقول الكواكبي ثم ما يقول المؤلف من أن الإسلام يرفع همم أتباعه، ويزكي ~~نفوسهم من الخضوع إلى رجل منهم أو من غيرهم متى حاول اضطهادهم، أو العبث ~~بحقوقهم. # أما إذا عرفوا من الرئيس المسلم عدلا واستقامة؛ فإنهم يبذلون له حسن الطاعة، ~~ويمحضون له النصيحة، ويكون صعوده على عرش الخلافة برضا واختيار منهم، وليس في هذا ~~غضاضة على ما أشربوه في قلوبهم من مبادئ الحرية والمساواة وإخلاص العبودية لله، فإن ~~الذي لقنهم الحرية والمساواة، وأمرهم بالإخلاص في توحيده هو الذي قال لهم: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ~~، ثم إن الرعية التي كان يسوسها ~~عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز كانت تمد رقابها إلى أميرها طائعة ولم تفقد ~~شيئا من حريتها، ولا إخلاص العبادة لخالقها. ~~••• # قال المؤلف في ص28: «إنما الذي يعنينا في هذا المقام هو أن نقرر لك أن ارتكاز ~~الخلافة على القوة حقيقة واقعة لا ريب فيها، وسيان بعد ذلك أن يكون هذا الواقع ~~المحسوس جاريا على نواميس العقل أم لا، وموافقا لأحكام الدين أم لا.» # ملأ المؤلف آذاننا بكلام يدور على أن الخلافة ms049 والملك لم يرتكزا إلا على القوة ~~والرهبة، ثم انقلب إلى حرفة التشكيك الذي آلى على نفسه أن لا يخرج بنا من بحث حتى ~~يحاول أن يفتننا به مرة أو مرتين. # ونحن نلفت النظر عن الرأي المطوي في صدر المؤلف، ونلقى الكلمة الفاصلة فنقول: إن ~~ارتكاز البيعة على القوة والسلطان، دون أن يكون لأهل الحل والعقد فيها اختيار، غير ~~جار على نواميس العقل، ولا موافق لما أرشد إليه الدين، وكذلك الدين والعقل السليم ~~لا يختلفان في حكم. # أما استناد الخلافة بقوة الجند والسلاح بعد قيامها على قاعدة اختيار الأمة، فأمر ~~ينطبق على قوانين العقل بغير تردد، وحق تهدي إليه الشريعة بحث وتأكيد، فإن القصد ~~من إقامة السلطان كف الأيدي العادية على الحقوق، فوجب إعداد القوة من جند وسلاح ~~لمكافحة الأعداء والبغاة، وحماية حرم الشريعة من أن تعبث بها يد آثمة أو نفس ~~ماردة . # وعلى الأمة اليقظة أن تتخذ من التدابير ما يمكنها من مشاركة الخليفة في تصريف هذه ~~القوة المسلحة، حتى إذا خاب ظنها فيه وأخذه الاستبداد بالإثم وجدت الطريق إلى اتقاء ~~بأسه وكف يده أمرا ميسورا. ~~••• # قال المؤلف في ص28: «لا معنى لقيام الخلافة على القوة والقهر إلا إرصادهما لمن ~~يخرج على مقام الخلافة أو يعتدي عليه، وإعداد السيف لمن يمس بسوء ذلك العرش، ويعمل ~~على زلزلة قوائمه.» # لا بد للخلافة من أن تتقلد سيفا وترتدي بإرهاب؛ لتتقي خطر عدو هاجم أو متحفز، ~~وتقمع شر من يثير فتنة يضطرب لها نظام الأمن والسلام، وقد أتى عليها حين من الدهر ~~وهي لا تنتضي حسامها، ولا تلمع بإنذارها ووعيدها إلا في وجه عدو يتربص بالمؤمنين ~~الدوائر، أو ثائر عصفت به ريح الأهواء وما له في أولي الألباب من ولي ولا عاذر، ~~وأدركها زمن بعدت فيه عن حقيقتها، فخلطت عملا صالحا وآخر سيئا، وربما كان إثمها ~~في بعض الأحيان أكبر من نفعها، وليس إصلاح شأنها وإعادتها إلى سيرتها المثلى ممن ~~يغارون على مصلحة الشرق واتحاد شعوبه ببعيد. ~~••• # قال المؤلف في ص29: «وإذا كان ms050 في هذه الحياة الدنيا شيء يدفع المرء إلى الاستبداد ~~والظلم، ويسهل عليه العدوان والبغي، فذلك هو مقام الخلافة، وقد رأيت أنه أشهى ما ~~تتعلق به النفوس، وأهم ما تغار عليه، وإذا اجتمع الحب البالغ والغيرة الشديدة، ~~وأمدتهما القوة الغالبة فلا شيء إلا العسف، ولا حكم إلا السيف.» # الظلم والاستبداد ينشأان عن علتين؛ أولاهما: أن يحمل الحاكم بين جنبيه أهواء ~~غالبة ونفسا غير زاكية. وثانيتهما: جهل الأمة وتخاذلها بحيث لا يتحد زعماؤها على ~~تقويمه بالتي هي أحكم وأقطع لدابر الاستبداد. # وقد بنيت الخلافة بحق على ما يتوقى به من هاتين العلتين الفاقرتين، فجاء في شروط ~~الخليفة أن يكون عالما عادلا، وجاء في واجبات الأمة أن تشاركه في الرأي، وتقوم ~~على مراقبته وحمله على طريق العدل بالوسائل الكافية. # فإن وقع من الخليفة استبداد أو عدوان؛ فالتبعة ملقاة على عنق الأمة لا على مشروع ~~الخلافة، ولو كان مقام الخلافة يحمل بطبيعته على الاستبداد والبغي لم ترفع العدالة ~~رأسها، ولم تنشط الحرية من عقالها يوم جلس عليه الخلفاء الراشدون ومن حذا حذوهم ~~كعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه. ~~••• # قال المؤلف في ص30: «من هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم، واستبداد الملوك ~~بمعاهد التعليم.» # بخس المؤلف حظ المسلمين في السياسة فكففنا شيئا من غلوائه، وما راعنا منه الآن ~~إلا أن يلصق بملوك الإسلام وصمة الضغط على حرية العلم، ويطلق العبارة بكل صراحة ~~كأنه لا يشعر بأن في الدنيا شيئا يقال له: التاريخ! # أيريد منا أن نطارحه الحديث في النهضة العلمية الإسلامية فنقف به على مبدأ ~~نشأتها، أو نمر به على سائر أطوارها، ونريه كيف كان الملوك والأمراء يسعدونها ~~بالترجمة، وإنشاء المدارس، وتأسيس المكاتب، وإجلال العلماء، وإسباغ النعم على ~~المؤلفين؟! إنا عن تفصيل الحديث في هذا السبيل لفي شغل، ولا طاقة لنا إلا بأن نلقي ~~على الحكومات الإسلامية نظرة إجمالية، ونقول فيها كلمة يطل منها القارئ على ~~الحقيقة؛ ليشهد على بينة بأن المؤلف يباهت المسلمين وملوكهم على مسمع من التاريخ، ~~ومرأى من مآثرهم الباقية. ms051 # قامت دولة بني أمية وكانت هممهم مصروفة إلى فتح البلاد، وتوسيع نطاق الدولة ~~الإسلامية، فلم تتوجه عنايتهم إلى الزيادة على ما بين أيديهم من علوم إسلامية أو ~~عربية، سوى ما جاء في التاريخ من أن معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - كان ~~«يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها، والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، ~~وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة.» # 38 # أو ما قام به خالد بن يزيد بن معاوية من نفسه، فاستقدم راهبا روميا ~~من إسكندرية وأخذ عنه صناعة الكيمياء، ثم أمر بنقلها إلى العربية، وكذلك عرب ~~ماسرجويه، أحد الأطباء المعاصرين لعبد الملك بن مروان، كتابا في الطب، وبقي في ~~خزائن الكتب بالشام، ولما تولى عمر بن عبد العزيز أخرجه منها وأصبح متداولا في ~~أيدي الناس. وجاء في الفهرست لابن النديم # 39 # أن أبا العلاء سالما، كاتب هشام بن عبد الملك، نقل من رسائل أرسطو ~~إلى الإسكندر. # انقرضت دولة بني أمية في المشرق ولم ينهضوا بما عند الأمم الأخرى من علوم حكمية ~~وفلسفية للعذر الذي أومأنا إليه، ولكنهم لم يضطهدوا عالما لعلمه، ولم يقطعوا سبيل ~~علم دون مبتغيه. # ثم خلفهم بنو العباس وقد اتسع نطاق الممالك الإسلامية واستحكمت عرى الدولة، فما ~~استقرت مقاليد الخلافة بأيديهم حتى نهضوا بالعلوم على اختلاف فنونها، فعني المنصور ~~بنقل علوم الهندسة والطب والنجوم، وتتابع الخلفاء على هذه الخطة المحمودة، والنهضة ~~العبقرية للخليفة المأمون أشهر من أن يشار إليها بالبنان، وظلت هذه النهضة قائمة ~~يشد أزرها الخليفة عقب الخليفة حتى أصبحت علوم اليونان والفرس وغيرهما تدرس بلسان ~~عربي مبين. # وهن عظم الخلافة العباسية وهيض جناحها فظهر حولها دول في الشام ومصر وفارس ~~وخراسان وغيرها؛ كدولة بني بويه وبني حمدان وبني زيار وبني سامان والدولة الغزنوية ~~والسلجوقية، وملوك هذه الدول القائمة على أطلال الخلافة العباسية «اقتدوا بخلفاء ~~النهضة في ترغيب أهل العلم واستقدامهم إلى عواصمهم في القاهرة وغزنة ودمشق ونيسابور ~~وإصطخر وغيرها.» # 40 # ومن أشهر رجال هذه الدول ms052 وأعظمها أثرا في إحياء العلم ورفع لوائه منصور بن نوح الساماني، # 41 # ومحمود بن سبكتكين الغزنوي، وسيف الدولة بن حمدان، وسابور بن أردشير، # 42 # وزير بهاء الدولة بن بويه، ونظام الملك، # 43 # وزير السلطان السلجوقي، وقابوس بن وشمكير الزياري، ويعقوب بن كلس، وزير ~~العزيز بالله ثاني ملوك الدولة الفاطمية، والصاحب بن عباد، وزير مؤيد الدولة بن ~~بويه، إلى غير هؤلاء من ملوك ووزراء عرفوا قيمة العلم، وخلوا سبيل الأفكار تتمتع ~~بملاذه وتنفق من طيباته كيف تشاء. # وإذا سرحنا الطرف في دول الأندلس والمغرب رأينا كثيرا من ملوكها شادوا صروح ~~العلم، وأوسعوا ميدان المنافسة في فنونه؛ مثل: الحكم المستنصر بالله الخليفة ~~بقرطبة، ويوسف بن عبد المؤمن سلطان مراكش، وغيرهما من ملوك الطوائف وبعض ملوك ~~الدولة الحفصية والدولة الحسينية في تونس. # ولعل المؤلف قرأ في بعض الكتب أن من طبائع الاستبداد الضغط على العلم، فضم إلى ~~هذه النظرية ما يعتقده من أن خلفاء الإسلام وملوكه مستبدون، فانتظم له قياس منطقي ~~من الشكل الأول؛ وهو: ملوك الإسلام مستبدون، وكل مستبد يضغط على العلم، فالنتيجة: ~~ملوك الإسلام يضغطون على العلم! # ولكن ماذا ينفع هذا القياس، والتاريخ الصحيح يشهد بأن خلفاء الإسلام وملوكه رفعوا ~~لواء العلم، ومنهم انبعثت أشعته إلى الشرق والغرب؟! قال روبودان الإنجليزي في كتاب ~~تاريخ الموسيقى: # 44 ~~«بعد فتح بلاد الفرس أصبحت ينابيع العرفان تنهمر إلى العرب على طريق ~~دمشق وحلب وإسكندرية، وتجري على سواحل أفريقية الشمالية إلى بلاد إسبانيا حتى انتهت ~~إلى قرطبة التي أنشأها الأمويون، فأصبحت مركز العلوم والمعارف إلى أنحاء ~~أوروبا.» # وقال: «إن العرب في القرون الوسطى كانوا حملة العلم والعرفان إلى بقية أنحاء ~~العالم، وبينما كانت أوروبا غارقة في أشد دياجير الجهل ظلاما، كان الخلفاء في ~~بغداد عاصمة ملكهم وقد بلغوا أعلى شأو في المدنية والعرفان؛ لأنهم كانوا ملوكا ~~لممالك عظيمة تمتد من نهر الغنج شرقا إلى المحيط الأطلنتيكي غربا؛ حيث توجد طنجة.» # 45 # وقال: «وبفضل سهرهم «يعني خلفاء قرطبة» على العلوم؛ أصبح أطباء العرب وفلاسفة ~~قرطبة حملة ms053 راية العلم في العالم.» # 46 # وإذا حكى التاريخ أن المتوكل العباسي في الشرق، والمنصور بن أبي عامر في الغرب ~~اضطهدا الفلسفة، فذلك شيء لا يذكر إزاء النهضة التي قام بها غيرهم من ملوك وأمراء ~~يخرجنا عدهم وعد مآثرهم العلمية إلى إسهاب لا يسعه المقام. ~~••• # قال المؤلف في ص30: «ذلك تأويل ما يلاحظ من قصور النهضة الإسلامية في فروع ~~السياسة، وخلو حركة المسلمين العلمية من مباحثها.» # قد أريناك أن ملوك الإسلام كانوا يساعدون على توسيع دائرة المعارف، ويقبلون ما ~~تنتجه العقول السليمة باحتفاء وترحاب، وقد كانت الكتب السياسية تؤلف بمرأى منهم ~~ومسمع، وكثير منها يؤلف من أجل صاحب الدولة أو وزيره، مثل كتاب سياسة المالك في ~~تدبير الممالك، ألفه ابن أبي الربيع للمعتصم العباسي، وكتاب نهج السلوك في سياسة ~~الملوك، ألفه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله لصلاح الدين الأيوبي، وكتاب لطائف ~~الأفكار وكاشف الأسرار في علم السياسة، ألفه القاضي حسين السمرقندي للوزير إبراهيم ~~باشا، وبعض هذه الكتب يقدمه مؤلفه بنفسه إلى الملك، كما قدم ابن خلدون نسخة من ~~مقدمة تاريخه إلى صاحب تونس أبي العباس الحفصي، ثم إلى السلطان برقوق صاحب ~~مصر. # بل كان من رجال الدولة من يؤلف في السياسة، كما ألف القاسم أبو دلف، أحد قواد ~~المأمون ثم المعتصم، كتاب سياسة الملوك، # 47 # وألف عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ولي الشرطة ببغداد رسالة في ~~السياسة الملوكية. # 48 ~~••• # قال المؤلف في ص31: «لو وضعنا هذا الكتاب كله في بيان الضغط الملوكي الإسلامي على ~~كل علم سياسي، وكل حركة سياسية أو نزعة سياسية لضاق هذا الكتاب وأضعافه عن استيعاب ~~القول في ذلك، ثم لعجزنا عن بيانه على وجه كامل.» # اقتحم المؤلف في هذه العبارة شططا لا يقع فيه خبير بالتاريخ، عارف بقيمة الأمانة ~~في العلم. طالع أيها القارئ كتب التاريخ كتابا كتابا وقلبها إن شئت صحيفة ~~صحيفة، فلا أحسبك تعثر على مثال يشهد بأن ملكا من ملوك الإسلام غضب لكتاب ألف في ~~السياسة، أو كره للناس أن يترجموا ms054 كتابا في السياسة، أو عنف شخصا ألف في السياسة، ~~أو أصدر إنذارا على التأليف في السياسة. # ضغط بعض ملوك الإسلام على الفلسفة كما قصصناه عن المتوكل العباسي والمنصور بن أبي ~~عامر؛ لاعتقاد ضررها، أو تقربا من قلوب العامة، ولا تكاد تعلم أن أحدا منهم اضطهد ~~علم السياسة، إلا ما كان من السلطان عبد الحميد الذي انتهى به الاستبداد والضغط على ~~حرية الفكر إلى غاية لم يسبق لها نظير. ومن ذلك الاستبداد المتناهي تعلم عبد الرحمن ~~الكواكبي كيف يؤلف كتابي: طبائع الاستبداد وجمعية أم القرى. ~~••• # قال المؤلف في ص31: «لو ثبت عندنا أن الأمة في كل عصر سكتت على بيعة الإمامة فكان ~~ذلك إجماعا سكوتيا، بل لو ثبت أن الأمة بجملتها وتفصيلها قد اشتركت بالفعل في كل ~~عصر في بيعة الإمامة واعترفت بها، فكان ذلك إجماعا صريحا، لو نقل إلينا ذلك ~~لأنكرنا أن يكون إجماعا حقيقيا، ولرفضنا أن نستخلص منه حكما شرعيا، وأن نتخذه ~~حجة في الدين. وقد عرفت من قصة يزيد كيف كانت تؤخذ البيعة ويغتصب الإقرار.» # اندفع المؤلف يخوض في الإجماع على غير بينة منه، ويورد على الطعن في انعقاده في ~~مسألة الإمامة قصة يزيد بن معاوية. علماء الإسلام في ناحية، وصاحب كتاب الإسلام ~~وأصول الحكم في ناحية أخرى. # يظهر جليا أن المؤلف اشتبه عليه الإجماع على وجوب نصب إمام بالإجماع على مبايعة ~~إمام بعينه. والذي يتحدث عنه أهل العلم إنما هو وجوب نصب الإمام، وهذا الوجوب لم ~~يحدث فيه خلاف بين أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والتابعين لهم بإحسان، وأما مبايعة ~~إمام خاص فيكفي في انعقادها اتفاق جماعة من أهل الحل والعقد بحيث تكون كلمتهم ~~العليا على من خالفهم. # قال إمام الحرمين في كتاب غياث الأمم: # 49 ~~«اتفق المنتمون إلى الإسلام على تفرق المذاهب وتباين المطالب على ثبوت ~~الإمامة.» ثم قال: «الإجماع ليس شرطا في عقد الإمامة بإجماع.» # فاستدلال المؤلف على إبطال الإجماع في حكم الخلافة بعدم الإجماع على ولاية يزيد، ~~منطق يترفع عنه أصحاب الأقيسة ms055 الشعرية، ولا يأتيه المولعون بالمغالطات إلا أن ~~يصوغوه في أسلوب أبرع من أسلوب المؤلف وأخفى. ~~••• # قال المؤلف في ص32: «وقد زعم الإنكليز أن أهل الحل والعقد من أمة العراق انتخبوا ~~فيصلا ليكون ملكا عليهم بالإجماع، اللهم إلا أن يكون قد خالف في ذلك نفر قليل لا ~~يعتد بهم؛ كأولئك الذين دعاهم ابن خلدون من قبل شواذ.» # ما كان للمؤلف أن يتهجم على علم راسخ القواعد محكم المباني فيخلطه بالمجون، ويضرب ~~له أمثالا لا تلتقي معه في نسق وإن كان الحديث ذا شجون. # الإجماع الذي يستند إليه في تقرير الأحكام هو اتفاق مجتهدي الأمة على حكم شرعي، ~~وهو في قضية الخلافة وجوب نصب الإمام. أما مبايعة الشخص المعين فإنه لا يشترط فيها ~~اتفاق مجتهدي الأمة، بل المدار في انعقادها على جماعة من أهل الحل والعقد وإن لم ~~يكن من بينهم مجتهد أصلا. # فإيراد المؤلف قصة يزيد طعنا في الإجماع المستدل به على حكم الخلافة تخبط في ليل ~~دامس، والانتقال منها إلى قصة فيصل وتمثيل من خالفوا في انتخابه بمن دعاهم ابن ~~خلدون شواذ خيال لا تقبله أذواق أهل العلم، وشاهد يوضح أن المؤلف لا يفرق بين ~~الإجماع على وجوب الخلافة والاتفاق على مبايعة شخص بعينه. ~~••• # قال المؤلف في ص32: «لو ثبت الإجماع الذي زعموا لما كان إجماعا يعتد به، فكيف ~~وقد قالت الخوارج: لا يجب نصب الإمام أصلا، وكذلك قال الأصم من المعتزلة وقاله ~~غيرهم أيضا كما سبقت الإشارة إليه؟ وحسبنا في هذا المقام نقضا لدعوى الإجماع أن ~~يثبت عندنا خلاف الأصم والخوارج وغيرهم، وإن قال ابن خلدون: إنهم شواذ.» # لم يخالف في وجوب الإمامة جميع الخوارج، وإنما المخالفون طائفة منهم وهم النجدات، ~~وقد نقلنا لكم آنفا قول ابن حزم في كتاب الفصل: اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة ~~وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة يجب عليها الانقياد لإمام ~~عادل ... حاشا النجدات من الخوارج. # أما الأصم فقد قال إمام الحرمين في تفنيد رأيه: «نصب الإمام عند الإمكان واجب، ms056 ~~وذهب عبد الرحمن بن كيسان «هو الأصم» إلى أنه لا يجب، ويجوز ترك الناس أخيافا ~~يلتطمون ائتلافا واختلافا، لا يجمعهم ضابط، ولا يربط شتات رأيهم رابط. وهذا الرجل ~~هجوم على شق العصا، ومقابلة الحقوق بالعقوق، لا يهاب حجاب الإنصاف، ولا يستوعر ~~أصواب الاعتساف، ولا يسمى إلا عند الانسلال عن ربقة الإجماع، والحيد عن سنن ~~الاتباع، وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء ~~قاطبة.» # فالتحقيق أن مخالفة هذه الطائفة في قضية الخلافة لا يعتد بها، وليس لها في الطعن ~~على الإجماع من أثر، ولا نجعل أقوالهم لاغية لكونهم من الطوائف التي يراها أهل ~~السنة على غير حق؛ فإن خلاف أمثالهم في الأحكام الشرعية يمنع من انعقاد الإجماع، ~~كما هو المختار عند الغزالي والآمدي وغيرهما، وإنما نصرف النظر عن مخالفتهم هذه لوجهين: # أحدهما: # أن خلافهم طرأ بعد انعقاد الإجماع ممن تقدمهم على وجوب نصب ~~الإمام، وحدوث قول بعد انقراض العصر الذي انعقد فيه الإجماع على ~~حكم شرعي مردود على وجه صاحبه. # ثانيهما: # أنهم قيدوا مخالفتهم بحال، وعلقوها على أمر لم تجربه السنن ~~الكونية في هذه الحياة، وهو تواطؤ الأمة على العدل وتنفيذ أحكام ~~الله فيما بينهم. وهذا التواطؤ مما دلت التجارب والمشاهدات الطويلة ~~على أنه خارج عن طبيعة البشر، إلا أن ينقلب الناس ملائكة لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون! # والأشبه أن يكون خارق الإجماع في مثل هذا الحكم الواضح مدفوعا بهوى يعمي عليه ~~الدليل الساطع، وكذلك نقل أبو منصور البغدادي ما يؤيد أن الأصم كان يخرق الإجماع ~~استسلاما لأهوائه، فقال في كتاب الفرق بين الفرق: «قال - يعني الأصم: لا تنعقد؛ أي ~~الإمامة، إلا بإجماع عليها، وإنما قصد بذلك الطعن في إمامة علي - رضي الله عنه - ~~لأن الأمة لم تجتمع عليه؛ لثبوت أهل الشام على خلافه إلى أن مات، فأنكر إمامة علي ~~مع قوله بإمامة معاوية لاجتماع الناس عليه بعد قتل علي - رضي الله عنه.» ~~••• # قال المؤلف في ص33: «عرفت أن الكتاب الكريم قد تنزه ms057 عن ذكر الخلافة والإشارة ~~إليها، وكذلك السنة النبوية قد أهملتها، وأن الإجماع لم ينعقد عليها، أفهل بقي لهم ~~من دليل في الدين غير الكتاب أو السنة أو الإجماع؟» # قبل أن نأخذ في مناقشة هذه المزاعم نذكر القارئ بأمر تناولنا البحث فيه آنفا، ~~وهو أن بحث الخلافة يرجع إلى النظر في حكم عملي لا في عقيدة من عقائد الدين، ومما ~~يترتب على الفرق بين الأحكام العملية والعقائد أن الأحكام العملية يكتفى فيها ~~بالأدلة المفيدة ظنا راجحا، وأما العقائد فإنها لا تقوم إلا على براهين ~~قاطعة. # ونضع بين يدي القارئ أيضا أن العدول عن ظواهر الألفاظ وتأويلها إلى غير ما يفهمه ~~أسلوبها العربي من المعاني الجلية غير مسموع في مقام المناظرة؛ فإن الألفاظ في سائر ~~اللغات تحتمل الصرف إلى معان غير مقصودة، وذلك بما يدعى فيها من نحو الحذف والمجاز ~~من غير دليل ثابت أو قرينة قائمة. # ونتخلص من هذا إلى أن سنن الشريعة في إرشادها أن تعنى بالأحكام أو الحقائق التي ~~شأنها الغموض، فتدل عليها بتصريح وتأكيد حسب أهمية الحكم وبعده من متناول العقول، ~~ولهذا لم ترد فيها أوامر بما تدعو إليه الطبائع، وإن كانت مفروضة لحفظ النفس أو ~~النسل، مثل: الأكل والشرب والنكاح، إلا في سياق الإرشاد إلى معنى زائد على أصل ~~الفعل؛ كقوله تعالى: # وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا ~~، وقوله تعالى: # فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~. # فلا غضاضة على حكم الخلافة إذا لم يرد به قرآن يتلى؛ إذ ليست الخلافة شيئا ~~زائدا على إمارة عامة تحرس شعائر الدين، وتسوس الناس على طريق العدل، ولم يكن وجه ~~المصلحة من إقامة هذه الإمارة بالخفي الذي يحتاج إلى أن يأتي به قرآن صريح، ولكن ~~وراء ذلك أشياء أخرى قد تنازع فيها الأهواء أو تختلف فيها الآراء؛ كإطاعة السلطان ~~العادل، أو اشتراط أن يكون زمام الحكم في يد مسلم؛ فأرشد القرآن إلى الأولى ~~منطوقا، وإلى الثاني مفهوما بقوله: # يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم ~~. وقد ms058 نبهنا فيما سلف على أن النظر في وجه الأمر بإطاعة أولي ~~الأمر يقتضي وجوب إقامتهم. # فالقرآن لم يصرح بحكم الإمارة العامة اكتفاء بما بثه في تعاليمه من الأصول التي ~~تبينها السنة، ويرجع إليها الراسخون في العلم عند الحاجة إلى الاستنباط، ولأن في ~~الأمر بإطاعة أولي الأمر عبرة لأولي الألباب. # فقول المؤلف: إن القرآن قد تنزه عن ذكر الخلافة والإشارة إليها. كلمة لا تليق ~~بأدب عالم شرعي، ولكن الهوى كالزجاجة الملونة بسواد، تضعها على بصرك فتريك ~~الأشياء بعد أن تجري عليها صبغة من لونها البهيم «وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل ~~لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى.» # 50 # وأما السنة فقد وردت أحاديث صحيحة ذكر فيها الخليفة والإمام والبيعة والأمير، وقد ~~جاءت هذه الأحاديث في أغراض متعددة ومعان مختلفة، فمنها: ما جاء في بيان أن ~~الإمام مسئول عما يفرط في حق الرعية؛ كقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: ~~«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسئول عن رعيته ، ~~والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته.» # 51 # ومنها ما جاء في الأمر بملازمة الإمام وعدم الخروج عنه كحديث: «تلزم ~~جماعة المسلمين وإمامهم.» # 52 # ومنها ما ورد في بيان حكم من حاول الخروج عليه كحديث: «من أتاكم وأمركم جميع على ~~رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم؛ فاقتلوه.» # 53 # وحديث: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما.» # 54 # وحديث: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه؛ فليطعه إن استطاع، ~~فإن جاء آخر ينازعه؛ فاضربوا عنق الآخر.» # 55 # ومنها ما جاء في مساق الإخبار عن وجود الخلفاء، وقرن بذلك الإخبار ~~الأمر بالوفاء ببيعة الأول؛ كحديث: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي ~~خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر.» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ~~ببيعة الأول فالأول.» # 56 # ومنها ما ورد مورد الإنكار والوعيد عن نكث اليد من طاعة الإمام، وأن يموت المسلم ~~وليس في عنقه بيعة كحديث: «من خلع ms059 يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ~~ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.» # 57 # وهذا الحديث وإن لم يرد فيه ذكر الإمام ولا الخليفة؛ فإن الأحاديث ~~السابقة تفسره، ومنها ما ورد في وصف خيار الأئمة وشرارهم كحديث: «خيار أئمتكم الذين ~~تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ~~ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.» # 58 # ومنها ما ذكر فيه الخليفة بجانب النبي، وأخبر فيه بما يكون له من ~~بطانتي الخير والشر؛ كحديث: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له ~~بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، ~~فالمعصوم من عصم الله.» # 59 # ومنها ما جاء لبيان منزلة الإمام العادل وفضله كحديث: «سبعة يظلهم الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله.» وصدرها بالإمام العادل فقال: «إمام عادل.» # 60 # وحديث: «إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به؛ فإن أمر بتقوى الله ~~عز وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه.» # 61 # فهذه الأحاديث الواردة في أغراض شتى وأسانيد مختلفة، وكلها تدور حول الإمام ~~فتبين مسئوليته، وتأمر بالوفاء ببيعته وإطاعته وملازمته، وقتل من يحاول الخروج ~~عليه، وتصف الأئمة، وتفرق بين خيارهم وشرارهم، هذه الأحاديث إذا وقعت في يد مجتهد ~~يتبصر في حكمة أمرها ونهيها ووصفها لا يتردد في أن نصب الإمام أمر حتم، وشرع قائم، ~~ولا يصح أن يكون هذا الحق إلا من قبيل الواجب. # فقول المؤلف: إن السنة النبوية أهملت الخلافة. جراءة يلبسها من خرج ليقطع الطريق ~~في وجه الحقائق حتى تدرج عليه الآراء الفجة وإوضاع التي لم تزل في طور التجربة ~~والاختبار. # وأما الإجماع فقد أريناك وجه حجيته فيما سبق، وبينا لك أنه دليل قاطع؛ لأن شواهد ~~عدة في دلائل الشريعة جاءت في موارد شتى من الكتاب والسنة. وهذه الشواهد إن كان كل ~~واحد منها يفيد ظنا راجحا؛ فإن مجموعها يفيد علما راسخا، ونظيره التواتر في ~~إفادة القطع، وهو مؤلف من أخبار ms060 آحاد لا يفيد كل واحد منها بانفراده شيئا يتعدى ~~مراتب الظنون. # وتقرير الإجماع في قضية الخلافة الذي لا يزال علماء الإسلام يلهجون به جيلا بعد ~~جيل: أن الصحابة - رضي الله عنهم - عقب انتقال صاحب الرسالة صلوات الله عليه إلى ~~الرفيق الأعلى، وقبل مواراة جثته الشريفة في قبره الكريم، بادروا إلى الائتمار ~~بتعيين إمام، ولم يجر بينهم خلاف في حكم إقامته، وإنما تنازعوا في مبدأ المفاوضة ~~شيئا قليلا في اختيار الشخص الكافي لهذا المنصب، ثم تضافروا على مبايعة أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - ومن تخلف عن المبايعة لم يذهب إلى الخلاف في وجوب نصب ~~الإمام، وإنما هي الموجدة لعدم إيثاره بالإمارة، أو لإنجاز المبايعة دون حضوره وقبل ~~أخذ رأيه في جملة المؤتمرين. # وكذلك كان شأنهم في الاهتمام بأمر الخلافة لعهد سائر الخلفاء الراشدين فمن بعدهم، ~~ومن يتخلف عن بيعة خليفة فلعذر يرجع إلى عدم وفاقه على بيعة الشخص المعين، ولم ينقل ~~عن أحد أنه توقف في وجوب نصب الأمير العام، أو قال: «ليس بنا من حاجة إلى تلك ~~الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا»، مع أن المحدثين والمؤرخين ينقلون ما يدور ~~في المحاورة بين أهل الحل والعقد، وما يقع من وفاق وما يصدر عنهم من أقوال وآراء ~~ليس لها أهمية إزاء القول بعدم وجوب نصب الإمام لو خطر على قلب رجل منهم. # ومن الباطل أن يقال: إنما سكتوا عن إبداء رأيهم في وجوب الخلافة رهبة من القوة ~~المسلحة؛ فإن العصر الذي صدع فيه عبد الرحمن الأصم ونجدة بن عامر بعدم وجوب نصب ~~الإمام لم تكن حرية الرأي ولا سعة صدر السياسة فيه بأحسن حالا من العهد الذي يقوم ~~فيه الرجل ويجابه الخليفة بقوله: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا. ~~••• # قال المؤلف في ص33: «نعم، بقي لهم دليل آخر لا نعرف غيره هو آخر ما يلجئون إليه، ~~وهو أهون أدلتهم وأضعفها! قالوا: إن الخلافة تتوقف عليها إقامة الشعائر الدينية ~~وصلاح الرعية إلخ. المعروف الذي ارتضاه علماء السياسة أنه لا بد لاستقامة ms061 الأمر في ~~أمة متمدينة، سواء كانت ذات دين أم لا دين لها، وسواء كانت مسلمة أم مسيحية أم ~~يهودية أم مختلطة الأديان، لا بد لأمة منظمة، مهما كان معتقدها، ومهما كان جنسها ~~ولونها ولسانها، من حكومة تباشر شئونها، وتقوم بضبط الأمر فيها. وقد تختلف أشكال ~~الحكومة وأوصافها بين دستورية واستبدادية، وبين جمهورية وبلشفية وغير ذلك.» # الدليل المشار إليه يرجع إلى قاعدة قائمة على رعاية المصالح، وهي قاعدة قطعية ~~لأنها منتزعة من أصول وأحكام مبثوثة في الكتاب والسنة، وقد أقامه العلماء في مناظرة ~~النفر الذي خالفوا في نصب الإمام ذاهبين إلى أنه لا تجب إقامة حكومة. ولا شك أن هذا ~~الدليل ينسف مذهبهم نسفا، ولو خالف في شكل الحكومة مخالف لأفصح عن رأيه، ولكان ~~لأهل العلم معه موقف غير الموقف الذي نراه في علم الكلام. # فالدليل بالنظر إلى مذهب الخصم الذي كانوا يجادلونه به: حجة ساطعة، وليس بالدليل ~~الهين ولا الضعيف، ولكن المؤلف لا يضبط وجه البحث ولا يحد موضوعه حدا بينا فيقع ~~فيما لا يقع فيه الكرام الكاتبون. ~~••• # قال المؤلف في ص34: «ولعل أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - إنما كان يشير إلى ذلك ~~الرأي حينما قال في خطبته التي سبقت الإشارة إليها: لا بد لهذا الدين ممن يقوم ~~به.» # صدرت هذه المقالة من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في خطبته بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # وبويع عقبها بالإمارة العامة وتسمى خليفة، وسار في حكومته على منهج ~~مطابق لمقاصد الشريعة، فالظاهر الجلي أن مقالته إنما تفسر بمن يبايع على أن يحرس ~~الدين، ويقيم مصالح الدنيا، ويراعي في أحكامه نصوص الشريعة وقواعدها العامة. أما ~~الحكومة الاستبدادية أو البلشفية وما شاكلها فما كان لأبي بكر الصديق أن يعدها فيما ~~يقوم بدين الله. وسنبحث بعد هذا في شكل الحكومة الذي لا يخالف مقصد الشريعة من ~~إقامة الخلافة. ~~••• # قال المؤلف في ص34: «ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المذهب أحيانا.» يريد المؤلف ~~أن القرآن ينحو نحو ذلك الرأي، وهو أنه لا بد ms062 لكل أمة من نوع ما من أنواع الحكم. ~~قال هذا بعد أن فصل أشكال الحكومة إلى دستورية واستبدادية وجمهورية وبلشفية وغير ~~ذلك، وليس بالعجيب من المؤلف أن يزعم أن القرآن يذهب إلى إقامة حكومة ما، وسواء بعد ~~ذلك أن تكون دستورية أو استبدادية جمهورية أو بلشفية وغيرها، فإنه سيجابهك في غير ~~خجل بأن الخطط السياسية من خلافة وقضاء وغيرهما لا شأن للدين بها، وإنما تركها لنا ~~لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم. # فعلى فرض أن يكون زمام أمرنا في يد المؤلف ومن يشاكله في التفكير ويقع اختيارهم ~~على شكل الحكومة البلشفية، فإن القرآن - بمقتضى زعم المؤلف - يأذن لنا بأن نمد لهم ~~رقابنا خاضعين، ونكون لحكومتهم البلشفية أو اللادينية من الخادمين! ~~••• # قال المؤلف في ص35: «إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده ~~علماء السياسة بالحكومة كان صحيحا ما يقولون من أن إقامة الشعائر الدينية، وصلاح ~~الرعية، يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة في أي صورة كانت الحكومة، ومن أي نوع: ~~مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو دستورية أو شورية، ديمقراطية أو ~~اشتراكية أو بلشفية.» # لا يحق لعالم شرعي أن يقسم الحكومات إلى أقسام يذكر فيها المطلقة والمستبدة ~~والبلشفية ويجعلها من الأشكال التي يصح حمل كلام الفقهاء في الإمامة والخلافة ~~عليها. أما المطلقة فكل من ينتمي للإسلام يعلم أن الحكومة الإسلامية مقيدة بقانون ~~كتاب الله، قال الله تعالى: # ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الظالمون ~~، وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «ولو استعمل ~~عليكم عبد يقودكم بكتاب الله؛ فاسمعوا له وأطيعوا.» # 62 # وأما المستبدة فينبذها وراء ظهورنا قوله تعالى: # وأمرهم ~~شورى بينهم ~~. والفقهاء يتلون هذه الآية ويقررون قاعدة الشورى ~~ويبحثون عن أسرارها بما فيه كفاية. # وأما البلشفية فإنها مذهب قائم على إبطال الملكية الفردية، وجعل الزراعة والصناعة ~~والتجارة مشاعة بين الناس، وأن يجري هذا التقسيم بمقتضى قانون عام، ثم هي ترمي إلى ~~قلب نظم سائر الحكومات أنى كانت، وهذا المبدأ الذي يناقض مبادئ الإسلام يبرأ ~~الفقهاء إلى ms063 الله من أن يكون شكلا للحكومة الإسلامية، ويعدون تأويل كلامهم في ~~الإمامة والخلافة على صحة إرادة هذا الشكل ونحوه رميا للكلام على غير روية، وطعنا ~~في صحة مداركهم وأمانتهم العلمية. # شكل حكومة الخلافة # أرأيت المؤلف كيف أخرج الخلافة في تلك الصورة المنكرة، وأخذ يزدري بها ويتمضمض ~~بسبابها، ثانيا عطفه عن النظر إلى حقيقتها التي رسمتها الشريعة، وضرب لها الخلفاء ~~الراشدون بسيرتهم القيمة أحسن مثال. # وإليك هذه الحقيقة خالصة مطمئنة لتعلم أنها قائمة على حكمة عالية وسياسة ~~عادلة: # يقرر جمهور أهل العلم في شروط الخليفة أن يكون بالغا في العلم رتبة الاجتهاد، ~~وأن يكون ذا رأي وخبرة بتدبير الحرب والسلم، وأن يكون شجاعا لا يرهب الموت الزؤام ~~فما دونه، وأن يكون عادلا لا تأخذه في الحق لومة لائم. وتعرف مزية العدل باختبار ~~سيرته فيما كان يتولاه من أعمال قبل منصب الخلافة، أو بما تدل عليه التجارب ~~والمشاهدة الطويلة من استقامته، وشرف همته، وإنكاره ما يفعل الظالمون بغيرة ~~وحماسة. # ومن الأسس التي تقوم عليها الخلافة الشرعية فريضة الشورى، بحيث لا يقدم الخليفة ~~على أمر حتى يلقيه بين يدي أهل الحل والعقد، وتتناوله الآراء من كل جانب؛ ليتبين ~~الرأي الراجح، ويذهب في سياسته على بينة وروية. # ولم يقف الإسلام عند تكليف الخليفة بإقامة فريضة الشورى، فأقبل على الأمة ووضع في ~~عنقها واجب مراقبة الخليفة ورجال دولته؛ لتقويمهم إذا انحرفوا، وإيقاظ عزمهم إذا ~~أهملوا. # تحققت تلك الشروط من علم وعدالة وشجاعة وحكمة رأي في بعض الخلفاء، وأخذوا أنفسهم ~~بشريعة الشورى، وفتحوا باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه الأمة بصدق ~~وإخلاص، وكان بين يدي الأمة أعدل قانون أساسي؛ وهو كتاب الله، وأصدق بيان يفصل ~~مجمله؛ وهو سنة رسول الله، فلا الخليفة يستبد فتأخذه العزة بالإثم، ولا الأمة ترهب ~~سطوته فتحجم عن أمره ونهيه. # قال الإمام الغزالي: الخلفاء - رضي الله عنهم - يحبون الرد عليهم ولو كانوا على ~~المنابر؛ فقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو يخطب: أيها الناس، من رأى ~~منكم في ms064 اعوجاجا فليقومه، فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجا ~~لقومناه بسيوفنا، فقال: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر ~~بسيفه. # وليس في الشريعة ما يمنع الخليفة أن يفوض جانبا من شئون الأمة إلى وزير ذي علم ~~ورأي وشجاعة وعدل؛ فيمنحه ما كان له من تدبير وتنفيذ، قال الماوردي في الأحكام # 63 # السلطانية عند البحث عن وزارة التفويض: «هي أن يستوزر الإمام من يفوض ~~إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضائها على اجتهاده، وليس يمتنع جواز هذه الوزارة، قال ~~الله تعالى حكاية عن نبيه موسى عليه السلام: # واجعل لي ~~وزيرا من أهلي * هارون أخي * ~~اشدد به أزري * وأشركه في أمري ~~، فإذا ~~جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز، ولأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لا ~~يقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة، ونيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في ~~تنفيذ الأمور من تفرده بها. # ثم ذكر لهذه الوزارة شرطين؛ أحدهما: يختص بالوزير؛ وهو مطالعة الإمام بما أمضاه ~~من تدبير، وأنفذه من ولاية وتقليد، والثاني: يختص بالإمام؛ وهو أن يتصفح أفعال ~~الوزير وتدبيره الأمور ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه.» # 64 # ولأهل الحل والعقد أن يطالبوا الخليفة بهذه الاستنابة متى رأوا المصلحة قاضية ~~بها، ولا فرق بين أن يكون المستناب واحدا أو متعددا. # فشكل بعض الحكومات القائمة على خليفة ووزراء ومجلس نيابي يجري انتخابه تحت ~~ظلال الحرية التامة لا يخالف الشكل الملائم للخلافة الحقيقية بحال، وقد كان السلطان ~~سليمان ابن السلطان سليم في أوائل المائة العاشرة رتب قانونا «استعان فيه بالعلماء ~~العاملين وعقلاء رجال دولته، وجعل مداره على إناطة تدبير الملك بعهدة العلماء ~~والوزراء، وتمكينهم من تعقب الأمراء والسلاطين إن حادوا، وذلك أن ملك الإسلام مؤسس ~~على الشرع الذي من أصوله وجوب المشورة وتغيير المنكر، والعلماء أعرف بالنيابة ~~ومقتضيات الأحوال، فإذا اطلع العلماء والوزراء على شيء يخالف الشريعة والقانون ~~الخادم لها؛ فعلوا ما تقتضيه الديانة من تغيير المنكر بالقول أولا، فإن أفاد حصل ms065 ~~المقصود، وإلا أخبروا أعيان الجند بأن وعظهم لم ينفع. # وبين في القانون المذكور ما يئول إليه الأمر إذا صمم السلطان على أن ينفذ مراده ~~وإن خالف المصلحة، وهو أن يخلع ويولي غيره من البيت الملكي، وأخذ على ذلك العهود ~~والمواثيق من العلماء ووزراء الدولة بمقتضى هذا القانون في الاحتساب على سيرة ~~السلاطين كمنزلة وكلاء العامة في أوروبا.» # 65 # ولا يصح أن تكون الخلافة في هيئة تؤلف لأجل مسمى ثم تنفرط؛ فإن نصوص العلماء ~~متضافرة على أن يكون الخليفة فردا يستمر في رياسته ما دام حائزا على رضا الأمة ~~بعيدا عن الاستبداد في الحكم، قال الأستاذ الشيخ محمد عبده في كتاب الإسلام والنصرانية: # 66 ~~«فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا وجدت قوة لإقامة الحدود، ~~وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة. وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في ~~عدد كثير، فلا بد أن تكون في واحد؛ وهو السلطان أو الخليفة.» # ومن أدلة وضع الخلافة في فرد أن الأحاديث الصحيحة تسمي صاحب هذه الرياسة إماما ~~وخليفة وأميرا، وهذه الألفاظ لا يستقيم حملها على جماعة إلا أن تذهب في فهمها على ~~غير الطريق المعروف من لسان العرب، وأوضح من هذا دلالة حديث: # 67 ~~«من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق ~~جماعتكم؛ فاقتلوه.» # وقد يبلغ العدل والحرية أشدهما لعهد الحكومة التي يرأسها فرد ثابت إذا لم تكن ~~بيدها السلطة التشريعية، وتكون مقيدة في تنفيذها بنظام الشورى، ولا تتصرف إلا تحت ~~مراقبة الأمة. # فالخليفة كملك دستوري، ولكنه يعين باختيار أهل الحل والعقد، ويحمل على عاتقه تبعة ~~ما تزل به السياسة من اهتضام حق أو إضاعة مصلحة. # وسنزيد البحث في شكل الخلافة بسطة حتى يعرف القارئ أن المؤلف لم يتفقه في كتب ~~العلماء الذين ينظرون في الشريعة من وجهتها الاجتماعية والسياسية. ~~••• # قال المؤلف في ص35: «الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل ويشهد به التاريخ قديما ~~وحديثا أن شعائر الله تعالى، ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع ms066 من ~~الحكومة الذي يسميه الفقهاء خلافة، ولا على أولئك الذين يلقبهم الناس خلفاء، ~~والواقع أيضا أن صلاح المسلمين في دنياهم لا يتوقف على شيء من ذلك، فليس بنا من ~~حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، ~~فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام وعلى المسلمين، وينبوع شر ~~وفساد.» # لا يرقب المؤلف في الحقائق الشرعية إلا ولا ذمة، يصورها بقلمه كيف يشاء، ثم يقع ~~في عرضها بأشد من هجاء الحطيئة. # يصور الخلافة بعرش يجلس عليه مستبد غشوم، حواليه وحوش ضارية، ورماح مسنونة، وسيوف ~~مصلتة، وهو إنما أعد هذه القوة المسلحة لسفك الدماء الطاهرة، والفتك بالنفوس ~~البريئة، وليست الرعية تحت سلطته القاهرة إلا عبيدا يعتقدون أنه يستمد سلطانه من ~~سلطان الله، ويسخرهم في شهواته كما تسخر الأنعام! # يخترع المؤلف هذه الصورة المكروهة ويجعلها النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء ~~خلافة، ثم يقول متبرئا منها: فليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا ~~لأمور دنيانا، وإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة، وينبوع شر وفساد! # الخلافة حقيقة شرعية، وأمر لا غنى للمسلمين عنه ما داموا يطمحون إلى عز مكين ، ~~وحياة مستقلة، وقد تسنى فيما سلف أن تكون الشعوب الإسلامية كلها تحت راية واحدة ~~كحالها لعهد الدولة الأموية، ثم انقسمت إلى دولتين مستقلتين أيام ذهب عبد الرحمن ~~الداخل إلى الأندلس وأقام دولة أموية أخذت لقب الخلافة إزاء الخلافة العباسية ~~بالمشرق، فكان لدولة الإسلام في العهد الأول ولدولتيه في العهد الثاني من القوة ~~والسطوة ما قطع مطامع الدول القوية أن تبسط يدها علي قيد شبر من بلاد الشرق، ولما ~~تقطعت أوصال الخلافة بالأندلس كما قال شاعرهم: # قام بكل بقعة مليك # وصاح فوق كل غصن ديك # اغتنم العدو ذلك التقاطع فرصة وأخذ ينقص البلاد من أطرافها حتى استنجد ملوك ~~الطوائف بسلطان مراكش يوسف بن تاشفين، وباتفاقهم معه تحقق شيء من المعنى الذي يراد ~~من الخلافة، فهاجم العدو ورده على عقبه خاسرا. # ولما تضعضعت دولة المرابطين بمراكش ms067 وشغلوا بحروبهم مع الموحدين اضطربت عليهم ~~الأندلس، ورجعت دولتها إلى افتراق؛ فبسط العدو إليها يده؛ انتهازا لفرصة التفرق ~~حتى أصبح صاحب دولة مراكش عبد المؤمن بن علي الذي يقول فيه الشاعر: # ما هز عطفيه بين البيض والأسل # مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي # فأجاز إلى الأندلس، وأخذ يحارب العدو، وجرى على أثره ابنه يوسف ثم ابنه يعقوب، ~~حتى حفظوا من عز الإسلام ما أضاعه تفرق البلاد تحت رايات شتى، ولم تسقط الأندلس ~~إلا حين فقدت الوحدة السياسية، ولم يكن بالقرب منها دولة ذات قوة وعزم تنقذها من ~~ذلك الخطر المحيط. # ولو أن المتأخرين من سلاطين آل عثمان أعطوا للخلافة شيئا من حقوقها، وراعوا ما ~~أمر الله به من وسائل استقامتها لما انفرط عقد هذه الممالك الإسلامية، وأصبح كل ~~قطعة منها تحت سلطة أجنبية تستبد عليها في حكمها، وتتصرف في رقاب شعوبها وأموالهم ~~كيف تشاء، فالخلافة لا تزيد على ما يسمى دولة، إلا أنها رابطة سياسية تجعل شعوبا ~~مختلفي العناصر والقومية يولون وجوههم شطر رايتها بعاطفة من أنفسهم واختيار، ومن ~~هذه الجهة ينظر إليها بغاة الاستعمار بعين عابسة، ويحاول الغر الذي ينخدع ببهرج ~~آرائهم أن يطوي رايتها ، ويمحو أثرها. # وأما قوله: «وإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر ~~وفساد.» فكلمة هو قائلها والتاريخ من ورائه محيط. # الخلافة قامت بالدعوة إلى دين القيمة، ومدت ظل الإسلام في أقاليم بعيدة ما بين ~~المناكب، فأصبحت كلمته العليا، وأصبح المسلمون في عز شامخ، وحياة راضية. # فتحت الخلافة أوطانا كثيرة فأذاقتها حلاوة العدل بعد أن كانت تتجرع غصص الجور ~~والاستعباد، وضربت فيها بأشعة التوحيد الخالص بعد أن كانت تتخبط في ظلمات الحيرة ~~والضلال، وألبستها حلل الآداب الراقية بعد أن كانت منغمسة في عادات وتقاليد تشمئز ~~منها النفوس المطمئنة، وتمجها الأذواق السليمة، ونسقتها بفضل الإسلام في تآلف ~~واتحاد بعد أن كانت في تخاذل وشقاق. # أفلم يكن قسم عظيم من آسيا وإفريقية يصلى نار الوثنية بكرة وعشيا، ويتبرج في ~~مظاهر الهمجية تبرج الجاهلية الأولى، ms068 فكان من أثر الخلافة وما قامت به من الدعوة أن ~~قلبت تلك النار إلى إيمان صادق، ووضعت مكان الخلاعة والهمجية حياء ونظاما؟ # أينكر المؤلف أن استقامة رجال الخلافة وسمعة سيرتهم العادلة كانت كالدعاية ~~تتقدمهم إلى تلك الممالك، فلم يجدوا في فتحها ما تجده الفئة القليلة عند لقاء الفئة ~~الكثيرة من طول المصابرة والثبات؟ # ولا أحسبه يعد ثوب الإسلام الذي لبسته تلك الأمم من يد الخلافة نكبة، ولا دخولها ~~تحت راية التوحيد شرا وفسادا. وليعمد إن شاء إلى حكومة عمر بن الخطاب أو عمر ~~بن عبد العزيز ثم إلى أحدث الحكومات نظاما، وأخفها على قلبه راية، ويعقد بينهما ~~موازنة في الوجوه التي تتفاضل بها الدول من عدل وحرية ومساواة، ثم ليتحدث معنا ~~بضمير لا يحابي الشهوات، وكلمة لا تبخس رجال الإسلام حقهم، فلا جرم أن يعود وقتئذ ~~إلى حكمه القاسي على الخلافة ويمحوه بالماء الذي يتقطر من جبينه خجلا. # يقول المؤلف: كانت الخلافة ولم تزل نكبة وينبوع شر وفساد! وجعل يلتقط من أيام ~~خمول بعض الخلفاء أو سوء سيرتهم ما يضعه سندا لهذه المقالة المطلقة، اختار أن يكون ~~كاتب سيئات الخلافة؛ ليقضي حاجة في نفسه، ولكن بعض من لا ينتمي إلى الإسلام من ~~علماء الغرب كانوا يكتبون حسناتها بقلم منصف خبير. ومن كلماتهم الحافظة لشيء من ~~محاسن الخلافة قول أدلف فريدريك فون شاك في كتاب «الشعر والفنون الجميلة عند العرب ~~في إسبانيا وصقلية»: # 68 # بينما أوروبا كادت تكون خالية من المدارس؛ إذ لم يكن يعرف القراءة ~~والكتابة فيها إلا الكهنة، كان العلم منتشرا في الأندلس انتشارا عاما، ~~غير أن الحكم «الخليفة الأموي» رأى أن الحاجة داعية إلى نشر العلم بطريق ~~أوسع، فأنشأ في عاصمة ملكه سبعا وعشرين مدرسة؛ لتعليم أبناء الفقراء ~~مجانا. ولقد كانت سيول الشبان تنهمر على مجامع العلوم: قرطبة وإشبيلية ~~وطليطلة وبلنسية والمرية ومالقة؛ حيث يتلقون العلوم ويتسابقون في مضمارها، ~~وكان العلماء والمتعلمون من جميع أنحاء العالم الإسلامي يتقاطرون على هذه ~~المدارس التي ذاعت شهرتها حتى في بلاد آسيا. ms069 # لماذا خلع المؤلف من قلمه لجام الإنصاف وجحد ما للخلافة من مآثر حميدة، وحاول ~~أن يحثو عليها من كلمات هجائه ما يخفيها على أعين أبنائنا النجباء؟ # ذلك ما ندع جوابه لقارئي كتاب الإسلام وأصول الحكم بعد أن يسبر غوره، ويشهد الروح ~~الذي يموج في جسم ذلك الكتاب من رأسه إلى عقبه. ~~••• # قال المؤلف في ص36: «منذ منتصف القرن الثالث الهجري أخذت الخلافة الإسلامية تنقص ~~من أطرافها حتى لم تعد تتجاوز ما بين لابتي دائرة ضيقة حول بغداد.» ومن بعد أن حكى ~~كيف صار أكثر ممالكها إلى ملوك الطوائف قال: «حصل ذلك فما كان الدين أيامئذ في ~~بغداد مقر الخلافة خيرا منه في غيرها من البلاد التي انسلخت عن الخلافة، ولا كانت ~~شعائره أظهر، ولا كان شأنه أكبر، ولا كانت الدنيا في بغداد أحسن، ولا شأن الرعية ~~أصلح.» # ما كان للمؤلف أن يتنازل إلى هذا الدرك الأسفل من المغالطة؛ إذ لم يدع أحد قط ~~أن صلاح شأن الرعية وصيانة شعائر الدين مربوطان باسم الخلافة، وأن لقب الخليفة ~~كالرقية النافعة يذهب به كل بأس، أو الدعوة المستجابة ينزل عندها كل خير! والذي ~~نعلمه ويعلمه أشباه العامة من المسلمين أن الخلافة لا تريك آثارها، وتمنحك ثمارها ~~من منعة وعزة وعدالة إلا إذا سارت على سنة العزم في الأمور، والحكمة في ~~السياسة. # الكتاب الثاني # | الحكومة والإسلام # الباب الأول # | نظام الحكم في عصر النبوة # النقض - بحث القضاء في عهد النبوة - العرب والسياسة الشرعية - القضايا التي ~~ترفع إلى الحكام نوعان - البحث في تولية معاذ وعلي وعمر - رضي الله عنهم - ~~القضاء - القضاء في عهد النبوة موكول إلى الأمراء - نبذة من مبادئ القضاء في ~~الإسلام وآدابه - المالية في عهد النبوة - لماذا لم يكن في عهد النبوة إدارة ~~بوليس؟ - احتمال الأذى في سبيل الذود عن الحق. ~~*** # ملخصه # زعم المؤلف أنه بحث عن تاريخ القضاء زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # فلاحظ أن حاله لا يخلو من ~~غموض وإبهام، واعترف بأن في التاريخ الصحيح شيئا من قضائه عليه السلام، ولكن ms070 يقول: ~~«إن ذلك المقدار لا يبلغ أن يعطي صورة بينة لذلك القضاء ولا لما كان له من نظام إن ~~كان له نظام.» ونقل ما روي في ولاية عمر وعلي ومعاذ القضاء زمن الرسالة، فذهب إلى ~~أن ما روي في ولاية عمر إنما هو استنتاج، وأن في روايات ولاية علي ومعاذ اختلافا ~~يسوغ له أن يستنتج ما قاله من أنه لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في ~~زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # ثم انفلت وكاء عقيدته وصرح بأنه وجد عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن ~~غير القضاء أيضا من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة ~~موجودا على وجه واضح لا لبس فيه، وتصامم عن صوت التاريخ الصحيح وهو يزجره أن يقول ~~على رسول الله زورا فقال: «إن الباحث المنصف يستطيع أن يذهب إلى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يعين في البلاد التي فتحها الله له ولاة لإدارة شئونها وتدبير أحوالها.» وتعدى ~~إلى ما بعد القضاء والولاية من العمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها، وحراسة ~~الأنفس والأموال وغير ذلك مما لا يكمل معنى الدولة إلا به، ومسح عليه من صبغة اللبس ~~والإبهام ما اتخذه ذريعة إلى مخادعة السذج من قراء كتابه، وجرهم إلى الاعتقاد بأن ~~الحكم في زمن النبوة كان جاريا على غير نظام، وختم الباب بدعوى أن تفكيره في حال ~~القضاء وغيره من أعمال الحكم والولايات قد انتهى به إلى مجال مشتبه حائر، فإذا هو ~~إزاء عويصة أخرى ومعضلة كبرى؛ وهي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان صاحب دولة سياسية ورئيس ~~حكومة كما كان رسول دعوة دينية وزعيم وحدة دينية أم لا؟ # النقض # قال المؤلف في ص39: «لاحظنا إذ كنا نبحث عن تاريخ القضاء زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # أن ~~حال القضاء في ذلك الوقت لا يخلو من غموض وإبهام يصعب معهما البحث، ولا يكاد يتيسر ~~معهما الوصول إلى رأي ناضج يقره العلم، وتطيب به نفس الباحث.» # عرف الذين ms071 أوتوا العلم أن القضاء حقيقة شرعية فرجعوا في تقرير أحكامه ورسم خطته ~~إلى أصول الشريعة بأجمعها، فأحكموا صنعه وأقروا عين العدالة بما فصلوه من أحكام ~~وآداب ونظام، ولكن المؤلف يريد اصطياد السذج من قراء كتابه واستهواءهم «إلى غاية ~~ذلك المجال المشتبه الحائر»، فلفت قلوبهم عن تلك الأصول القائمة، وأخذهم إلى تعرف ~~حال القضاء مما بحث عنه في هذا الباب، وجنح إلى إنكاره؛ وهو توليته عليه الصلاة ~~والسلام لأشخاص يفصلون بين الناس فيما شجر بينهم، ولهذا فاتحهم بقوله: لاحظنا إذ ~~كنا نبحث عن تاريخ القضاء زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~... إلخ. # وإذا شئت كلمة حق تنفض من حولك غبار هذا التشكيك الخاسر؛ فاربأ بنفسك عن الإذعان ~~لغير الحجة، وألق سمعك وأنت شهيد. # من ذهب في التاريخ إلى الوقوف على حالة العرب النفسية قبل أن تطلع عليهم شمس ~~الإسلام، أو حين ابتدأت ترمي بأشعتها في قلوبهم، وجد طباعهم كانت تأبى لهم أن ~~يخضعوا لسلطان، أو يدخلوا تحت نظام، كما قال النعمان يصفهم لكسرى: «وإنه إنما يكون ~~في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، ~~وينقادون إليهم بأزمتهم. وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ~~ملوكا أجمعين.» # ومما ينبهك على ما ملأ نفوسهم من الغلو في العظمة والتنافس في السيادة كثرة ما ~~كان ينعقد بينهم من المفاخرات والمنافرات، ثم ما تراه في أشعارهم من الفخر ~~والحماسة، ولشدة ما يصف به الرجل نفسه من الحول والقوة وعزة القبيلة يخيل إليك أنه ~~ملك يجر وراءه جيشا عرمرما. # تجد هذه الروح سارية في نفس كل من له مكانة في قومه، حتى إن الرجل لا ينال شيئا ~~من الرياسة في قومه إلا بالإحسان والكرم ولين الجانب ومناصرتهم ولو في الباطل، ولا ~~يكاد يبسط يده لكفهم عن الظلم وعقابهم على عمل منكر مخافة أن ينفضوا من حوله، ~~ويضربوا برياسته في وجهه. # قضت حكمة مبدع الكون أن يطلع هلال الإسلام بين هؤلاء الأقوام الذين حاولوا أن ~~يكونوا ملوكا ms072 أجمعين، وقضت سنته أن لا تنسلخ الأمم من طبائعها دفعة، فكان من مقتضى ~~حكمته أن يأخذهم الدين الحق إلى هدايته، ويبين لهم قوانينه على طريق المطاولة ~~والتدريج: فاتحهم بالدعوة إلى التوحيد ومكارم الأخلاق وبعض العبادات، ولما أنسوا ~~بشيء من الأوامر والنظم الدينية طفق ينتقل بهم في أحكام المعاملات والجنايات ~~والسياسات، ويشرع لهم في خلال ذلك أصولا تضم بين جوانحها أحكام جزئيات لا يحيط ~~بها حساب، حتى نزل قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا ~~، ومن الحقائق التي كمل بها الدين وتمت بها النعمة رسم خطة ~~القضاء والإرشاد إلى مبادئه السامية. # القضاء تطبيق الأحكام على الوقائع الجزئية، وأحكام الوقائع قد قررتها الشريعة؛ ~~إما بتفصيل كحدي السرقة والزنا، وإما بعرضها في ضمن أصول كلية ككثير من الأحكام ~~القائمة على رعاية العرف أو المصالح المرسلة، على ما سنلقي عليكم بيانه في أمد ~~قريب. # وأما تطبيق الأحكام فيرجع النظر فيه إلى مبادئ يتوقف عليها حفظ الحقوق، ولا يخرج ~~الحكم في قالب العدل إلا برعايتها؛ كالاستناد إلى البينات، وضرب الآجال لإقامتها. ~~ووراء هذه المبادئ نظم ترجع إلى تسهيل وسائل النظر، والاحتياط في ضبطها، أو إصدار ~~الحكم على وجه أدل على إنصاف القاضي، وأدعى لرضا المحكوم عليه، كتسجيل أقوال ~~المتداعيين أو الشهود في محاضر، وتقرير الحكم ببيان مستنداته الشرعية، وإخراج نسخة ~~منه لمن يستحقها. # أما المبادئ التي هي كالأركان للعدل في القضية، فلتجدنها قائمة في دلائل الشريعة ~~دون أن تشذ منها كبيرة أو صغيرة، فتفقهوا فيها لعلكم تعقلون، أو اسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون. # وأما النظم الزائدة على ما يعد ركنا للعدالة، فذلك يجيء على حسب ما يقتضيه حال ~~الزمان والمكان، ولهذا وكله الشارع الحكيم إلى اجتهاد القائم على منصب القضاء، ~~فيتصرف فيه على ما يوافق المصلحة. وعلى هذا المنهج سار العلماء الذين أسلموا قلوبهم ~~للحق فاستنبطوا للقضاء بعض نظم اقتضاها حال عصرهم؛ كضم بعض أهل العلم إلى مجلس ~~القضاء بحيث لا ينفرد القاضي بحكم دونهم، كما فعل ms073 أمير المسلمين علي بن يوسف بن ~~تاشفين، فإنه «كان إذا ولى أحد قضاته كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمرا ولا ~~يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء.» # 1 ~~••• # قال المؤلف في ص39: «لا شك أن القضاء بمعنى الحكم في المنازعات وفضها كان موجودا ~~في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # كما كان موجودا عند العرب وغيرهم قبل أن يجيء ~~الإسلام.» # لا يرتاب مسلم في أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتول فصل القضايا بين الناس ~~من تلقاء نفسه، وإنما هو منصب استمده بوحي سماوي، قال تعالى: # وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ~~، ~~فناط بعهدته فصل القضايا، ثم وضع في أعناق الأمة فريضة التسليم لقضائه فقال تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما ~~. # فيمتاز قضاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن القضاء الذي وجد عند العرب قبل الإسلام بأن ~~ولايته قامت على وحي يوحى، وأن التسليم له والاعتقاد بحكمته من شرائط الإيمان ~~بالله. # فما ينبغي للمؤلف أن يقيس محكمة إلهية بمحكمة جاهلية، ويوحي إلى من يشاكله في ~~ذوقه أن كليهما جار على غير نظام! فإن وصفه لحال القضاء النبوي بالغموض والإبهام ~~ثم قوله: «إن كان له نظام!» لا معنى له سوى إنكار أن يكون لتلك المحكمة العادلة ~~نظام. ولقد كان هذا الإنكار أقرب إلى الصراحة من معان أخرى لا تكشف قناعها إلا حين ~~تلتقي بمن مارس لغة المرتابين، وتفقه في لحن خطابها. ~~••• # قال المؤلف في ص40: «وفي التاريخ الصحيح شيء من قضائه عليه السلام فيما كان يرفع ~~إليه، ولكننا إذا أردنا أن نستنبط شيئا من نظامه # صلى الله عليه وسلم # في القضاء، نجد أن ~~استنباط شيء من ذلك غير يسير، بل غير ممكن؛ لأن الذي نقل إلينا من أحاديث القضاء ~~النبوي لا يبلغ أن يعطيك صورة بينة لذلك ms074 القضاء، ولا لما كان له من نظام إن كان له ~~نظام.» # الأدلة السمعية وما يتفرع عنها من نحو القياس والقواعد بالغة حد الكفاية في إقامة ~~محاكم تسير على قانون العدل، وتزن الحقوق بالقسطاس المستقيم، فإن تراءى لأحد أن ~~الأخبار التي تقص شيئا من القضايا التي رفعت إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # هي من القلة بحيث ~~لا تعطي صورة بينة للقضاء في عهده، قلنا: التشريع كامل، وسيان بعد هذا أن تكثر ~~الخصومات لعهد الرسالة أو تقل، تنقل إلينا وقائعها أو لا تنقل، على أن طبيعة ذلك ~~العصر وروحه الاجتماعي يقتضي أن تكون الخصومات بين القوم ذات عدد يسير. وإليك كلمة ~~تنبئك بسبب قلة ما يرفع إلى مقام الرسالة من قضايا المتخاصمين، وتؤكد لك صحة ما ~~نبهنا عليه من أن القضاء العملي ليس وحده المرجع لتعرف حال القضاء النبوي، ومعرفة ~~ما «له من نظام إن كان له نظام.» # القضايا التي ترفع إلى الحكام على نوعين: # أحدهما: # قضايا تنشأ عن تجاحد الخصمين فيدعى أحدهما ما ينكره الآخر. وهذه ~~هي التي يحتاج فيها إلى إقامة البينات، ويمتاز فيها منصب القضاء عن ~~منصب الفتوى. # ثانيهما: # قضايا يقرر فيها الخصمان الواقع، ولكنهما يجهلان وجه الحق ولا ~~يعلمان المحق من المبطل في نظر الشارع. والقاضي في هذا النوع ~~بمنزله المفتى؛ لأن الخصمين يكتفيان ببيان وجه الحق وينصرفان عن ~~تراض. والخصومات التي تنشب بين الجماعات المطبوعة على فضيلة ~~الإخاء والتقوى إنما تكون من هذا النوع القائم على عدم معرفة الحق، ~~وكذلك قضايا المسلمين لعهد النبوة؛ فإن أغلبها من قبيل الاستفتاء. ~~أما المشاجرات الناشئة عن التجاحد فنادرة جدا، قال الحافظ ابن ~~تيمية: «ولو عد مجموع ما قضى به النبي # صلى الله عليه وسلم # من هذا النوع - ~~يعني ما قام عن تجاحد - لم يبلغ عشر حكومات.» # هذا سبب قلة ما تحمله الرواية من القضايا التي رفعت إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وتجاوزت حد الاستفتاء، ويضاف إلى هذا أن أحكام الشريعة كانت تطبق بعزم وإخلاص، وهذا ~~يقتضي بوجه ms075 خاص أن تقل القضايا المتعلقة بالجنايات. وقلة القضايا لعهد النبوة لا ~~تجعل حال القضاء مبهمة؛ فإن الأدلة بجملتها تعطينا صورة بينة لسنة القضاء الكافلة ~~بإقامة العدل وصيانة الحقوق. ~~••• # قال المؤلف في ص40: «لاحظنا أن حال القضاء زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # غامضة ومبهمة من كل ~~جانب، حتى لم يكن من السهل على الباحث أن يعرف هل ولى # صلى الله عليه وسلم # أحدا غيره القضاء ~~أم لا.» # لم تكن حال القضاء في عهد النبوة غامضة ولا مبهمة؛ فقد أريناك أن ما بين أيدينا ~~من الكتاب والسنة الصحيحة يجعلنا على بصيرة من سنته المتبعة لذلك العهد، وليست ~~الشواهد على هذه السنن بالشيء القليل حتى تسعه هذه الورقات المقصود منها تنبيه سليم ~~الفطرة؛ كي لا يفتتن ببهرج ذلك الكتاب وزخرف قوله غرورا، وسيمر نظرك على أمثلة من ~~سنن القضاء الإسلامي في غير هذا المقام. # ومن السهل على الباحث الذي يذهب إلى الحقائق من طرقها المعقولة أن يعلم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يولي على كل قوم مسلمين من يدبر أمرهم، ويقضي فيما شجر بينهم، ولو لم ~~يرد في التاريخ إلا أسماء الأشخاص الذين قلدهم الإمارة على البلاد المفتوحة؛ لكان ~~في نبئه عبرة لأولي الأبصار، وبينة قائمة على أنه لا يترك القوم في جاهلية عمياء ~~دون أن يأخذهم كما يأخذ أهل المدينة بأحكام شريعته السمحة، ونظمها القيمة، قال ~~الحافظ ابن حجر في فتح الباري: # 2 ~~«والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا يتحاكمون إلى الذي أمر ~~عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه.» ~~••• # قال المؤلف في ص40: «هنالك ثلاثة من الصحابة يعدهم جمهور العلماء ممن ولي القضاء ~~في زمن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» ونقل بعد هذا ما حكاه رفاعة بك في نهاية الإيجاز من أن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قلد القضاء لعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل، ثم ~~قال المؤلف: «وينبغي أن يضاف إليهم أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - فقد كان في ~~عمله على ms076 ما يظهر نظيرا لمعاذ بن جبل سواء بسواء.» وقال المؤلف بعد هذا: «أما أن ~~عمر - رضي الله عنه - تقلد القضاء في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # فرواية غريبة من الوجهة ~~التاريخية، ويظهر أنها إنما أخذت بطريق الاستنتاج.» ثم أورد الأثر الذي استند إليه ~~صاحب تخريج الدلالات ونقله عنه صاحب نهاية الإيجاز، وهو ما رواه الترمذي من أن ~~عثمان «قال لعبد الله بن عمر: اذهب فاقض بين الناس، قال: أوتعفيني يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: وما تكره من ذلك وقد كان أبوك يقضي؟! قال: إن أبي كان يقضي فإن أشكل ~~عليه شيء سأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن أشكل على رسول الله سأل جبريل، وإني لا أجد ~~من أسأله.» # فالخبر صريح في أن عمر بن الخطاب كان يتصدى للقضاء في زمن النبوة، ولا يحق لأحد ~~بعد قوله: «فإن أشكل عليه شيء سأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» أن يذهب إلى أن تولي عمر ~~للقضاء كان مفهوما بطريق الاستنتاج، ثم لا ندري ما وجه الغرابة في تولي عمر بن ~~الخطاب القضاء لعهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ إذ ليس في يد المؤلف دليل تاريخي أو نظري ~~يمنع من قبول ما رواه الترمذي في سننه، وقد تلقى أهل العلم هذا الخبر بالقبول، قال ~~القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة # 3 # الأحوذي: «قول عثمان لعبد الله بن عمر: إن أباك كان قاضيا، يعني لرسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكذلك روى عنه، ولم يرد به عثمان قضاءه في خلافته، ولا فهم عنه ذلك ~~عبد الله بن عمر؛ ولذلك قال له: كان إذا أشكل عليه أمر يسأل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وهذا يدل على أن ذلك كان في حياته، ولو أراد بذلك الخلافة لقال له: إن أبي كان ~~خليفة ليس فوقه متعقب عليه، فكيف يحتج به في قضاء متعقب مترقب؟» # وليس في التاريخ ما يقف في سبيل هذه الرواية، بل رأينا فيه ما يشد عضدها؛ وهو أن ~~عمر ms077 بن الخطاب كان يفتي في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، روى ابن سعد في طبقاته # 4 # عن ابن عمر: «أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ ~~فقال: أبو بكر وعمر، وما أعلم غيرهما.» وروى عن القاسم بن محمد أنه قال: «كان أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» # 5 # وقال: «كان الذين يفتون على عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ثلاثة نفر من ~~المهاجرين وثلاثة من الأنصار: عمر وعثمان وعلي، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت.» # 6 # وقال: كان أصحاب الفتوى من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عمر وعلي وابن ~~مسعود وزيد وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري. # 7 # فقول التاريخ: إن عمر بن الخطاب كان مفتيا يؤيد ما رواه الترمذي من أنه كان ~~قاضيا؛ فإن القضايا التي يقصد برفعها معرفة المحق من غيره يسمى فصلها قضاء، كما ~~يصح أن يسمى فتوى، ولم يبق سوى القضايا الناشئة عن التجاحد، وقد عرفت أنها نادرة ~~الوقوع، فالذي يدل على أن لعمر بن الخطاب فصل ما كان من هذا النوع في غير حضرة ~~الرسول عليه السلام حديث الترمذي، فيتوافق التاريخ والرواية في تسميته قاضيا ~~ومفتيا. ومما يستأنس به في هذا المقام أنهم كانوا يعدون عمر من ذوي المكانة في ~~القضاء، وقالوا: «قضاة هذه الأمة عمر وعلي وزيد وأبو موسى.» # 8 # وإن أبا بكر الصديق قلده القضاء، ومكث سنة لم يتحاكم إليه اثنان. # 9 ~~••• # ثم حكى المؤلف ما نقله صاحب نهاية الإيجاز عن تخريج الأدلة السمعية من أن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم، مستدلا على ~~ذلك برواية أبي داود، ونقل المؤلف بعد هذا ما جاء في صحيح البخاري من أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث عليا مكان خالد إلى اليمن ليقبض الخمس، وقدم بسعايته إلى مكة والنبي # صلى ms078 الله عليه وسلم # بها، ثم نقل عن برهان الدين الحلبي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث عليا - ~~كرم الله وجهه - في سرية إلى اليمن فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وهي السرية ~~الأولى. والسرية الثانية بعث فيها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عليا - كرم الله وجهه - إلى ~~بلاد مذحج من أرض اليمن، فغزاهم وجمع الغنائم ثم رجع، فوافى النبي # صلى الله عليه وسلم # بمكة ~~قدمها لحجة الوداع. # ثم انتقل إلى الحديث عن معاذ بن جبل، فحكى ما نقله صاحب نهاية الإيجاز أيضا، عن ~~كتاب تخريج الأدلة السمعية، من أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أرسله قاضيا إلى الجند من ~~اليمن يعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم، وجعل له قبض الصدقات من ~~العمال الذين باليمن، ثم نقل ما رواه البخاري من أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعث أبا ~~موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وقال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا ~~تنفرا.» # ونقل بعد هذا حديث البخاري الذي يتضمن أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال لمعاذ: «إنك ~~ستأتي قوما من أهل الكتاب؛ فإذا جئت فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ~~محمدا رسول الله إلخ.» ثم نقل ما أورده زيني دحلان في السيرة النبوية من أن النبي # صلى الله عليه وسلم # بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وروى ما أخرجه أحمد وأبو ~~داود والترمذي وغيرهم من حديث معاذ الذي يتضمن أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لما بعثه إلى ~~اليمن قال له: «كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد ~~في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب ~~الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو.» # بعد أن حكى المؤلف هذه الأخبار والأحاديث، قال في ص44: «تلك الروايات المختلفة ~~التي قصصنا عليك نموذجا منها تريك كيف يسوغ لنا أن نستنتج ما قلناه لك ms079 قبل من أنه ~~لا تتيسر الإحاطة بشيء كثير من أحوال القضاء في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وها أنت ذا قد ~~رأيت كيف اختلفت الرواية عن حادثة واحدة بعينها، فبعث علي إلى اليمن يرويه أحدهم ~~أنه تولية للقضاء، ويرويه الآخر أنه كان لقبض الخمس من الزكاة.» # خبر بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى اليمن، وتعليم النبي # صلى الله عليه وسلم # له ~~أن لا يقضي لخصم حتى يسمع من الآخر أخرجه الإمام أحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي، ~~ورواه ابن سعد في طبقاته # 10 # بثلاثة أسانيد مختلفة، وحكاه ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب، # 11 # وأبو بكر بن العربي في كتاب الأحكام، # 12 # والحافظ المزي في كتاب التهذيب، # 13 # والحافظ ابن حجر في فتح الباري، # 14 # وكذلك يقول المحقق الشوكاني # 15 # في حديث: «يا علي، إذا جلس إليك الخصمان ... إلخ.» أخرجه ابن حبان وصححه، ~~وحسنه الترمذي. # روى أولئك الأعلام هذا الخبر ولم يروا به وجها للريبة مع أنهم أسبق الناس إلى ~~نقد الأخبار، ولا سيما ما يمس بأمر ديني أو يحتوي على حديث نبوي، وإذا رمت تحرير ~~الغاية التي بعث لها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإليك التحرير: اتفق ~~المحدثون والمؤرخون على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن مكان خالد ~~بن الوليد؛ ففي صحيح الإمام البخاري عن البراء بن عازب: «بعثنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه فقال: مر أصحاب ~~خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل، فكنت فيمن عقب معه.» وفي ~~تاريخ ابن جرير الطبري # 16 # عن البراء بن عازب: «فبعث النبي # صلى الله عليه وسلم # علي بن أبي طالب وأمره أن ~~يقفل خالد ومن معه، فإن أراد أحد ممن كان مع خالد بن الوليد أن يعقب معه ~~تركه.» # وإذا كان علي بن أبي طالب بعث ليقوم مقام خالد بن ms080 الوليد، فقد بعث أميرا، ~~والإمارة لعهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تتناول القضاء ونحوه، ولكن بعض الرواة يقول: إنه ~~أرسل مكان خالد، وبعضهم يقتصر في الرواية على الأمر الذي يناسب غرض الحديث، فهذا ~~يقول: بعث قاضيا؛ ليناسب خبر: «وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء إلخ.» # والآخر يقول: بعث ليقبض الخمس؛ ليناسب ما يذكره بعد ذلك من إنكاره عليه بعض ~~تصرفاته في الخمس وقول النبي # صلى الله عليه وسلم # للمنكر: «لا تبغضه؛ فإن له في الخمس أكثر من ~~ذلك.» # فقول بعض الرواة: بعث قاضيا، أو قول الإمام: بعثت قاضيا، لا يعارض قول بعضهم: ~~بعث ليقبض الخمس، متى كان النبي # صلى الله عليه وسلم # صرح له بالقضاء وقبض الخمس بوجه خاص، ~~زيادة على أن بعثه مكان خالد يقتضي النظر في القضايا وفصل الخصومات. # ترك المؤلف ما رواه البخاري أولا من أن علي بن أبي طالب بعث مكان خالد بن ~~الوليد، ونقل الحديث الثاني الذي يقول فيه الراوي: بعثه إلى خالد ليقبض الخمس، ~~وحاول أن يضرب بهذه الرواية رواية ولايته القضاء؛ ليخلص من أثر يشهد بأن للقضاء ~~في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حديثا ينقل، أو اسما يدور على الألسنة. ~~والعلماء الذين درسوا باب التناقض من علم المنطق، وباب التعارض والترجيح من علم ~~الأصول؛ فهموا هذه الروايات على وجه جامع، ولم يروا بينها اختلافا يدعو إلى حيرة ~~أو إلغاء الروايتين، أو ترجيح إحداهما على الأخرى. # يقول الإمام البخاري: بعث عليا بعد ذلك ليقبض الخمس. ومن الجلي لدى المبتدئين ~~من طلاب العلم أن المراد خمس الغنيمة، ولكن المؤلف الذي لم يقنع برتبة مجتهد، وحاول ~~أن يكون مشرعا يقول: «ويروي الآخر أنه كان لقبض الخمس من الزكاة.» وليس في ~~الزكاة شيء يقال له: خمس، ولكن الله ضرب هذا المثل لنشهد به حظ المؤلف من فهم كتب ~~الشريعة، وليعلم الذين يريدون أن يتبعوا خطواته أنهم ركبوا غارب عشواء، وفتحوا ~~أعينهم في ليلة ظلماء. ~~••• # قال المؤلف في ص44: «ومعاذ بن جبل كذلك، ذهب إلى اليمن ms081 قاضيا في رأي، وغازيا في ~~رأي، ومعلما في رأي، ونقل صاحب السيرة النبوية خلافا في أن معاذا كان واليا أو ~~قاضيا؛ فقال ابن عبد البر: إنه كان قاضيا، وقال الغساني: إنه كان أميرا على ~~المال. وحديث ابن ميمون فيه التصريح بأنه كان أميرا على الصلاة، وهذا يرجح أنه كان ~~واليا.» # الرواية قائمة على أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بعثه النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى ~~اليمن واليا وقاضيا، ومعلما للقرآن وشرائع الإسلام، وقابضا للصدقات من العمال، ~~قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: # 17 ~~«بعثه - يعني معاذا - رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قاضيا إلى الجند من اليمن، ~~يعلم الناس القرآن وشعائر الإسلام ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال ~~الذين باليمن، وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد ~~على صنعاء، ومعاذ بن جبل على الجند، وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لمعاذ بن جبل حين وجهه ~~إلى اليمن: «بم تقضي؟ إلخ.» # فمعاذ كان واليا وقاضيا ومعلما وقابضا للصدقات، ومن المحدثين من ذكر له ~~أعمالا متعددة كالحافظ ابن عبد البر، ومنهم من يتعرض لوظيفة القضاء كالإمام أحمد ~~بن حنبل وأبي داود والترمذي وغيرهم، ومنهم من يذكر وظيفة الإمارة كالإمام البخاري، ~~ومنهم من يعرف له وظيفة التعليم، ويصرح بأنه كان يقوم بهذه الوظيفة في أعمال كثيرة ~~كقول ابن خلدون في تاريخه: # 18 ~~«وكان معاذ بن جبل يعلم القرآن باليمن ينتقل على هؤلاء وهؤلاء في ~~أعمالهم.» # فرواية أن معاذا كان قاضيا باليمن من الروايات التي محصت ووضعها المحدثون ~~موضع القبول، وليس في الروايات الأخرى ما ينافيها حتى نحتاج إلى عرضها على ميزان ~~الترجيح، فضلا عن أن نعاملها معاملة الأحاديث الموضوعة ونضرب عنها جملة، كما فعل ~~المؤلف حرصا على أن ينتهي به النظر «إلى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر». # وما نقله عن صاحب السيرة النبوية من الخلاف بين ابن عبد البر والغساني من أن ~~معاذا كان واليا أو قاضيا لا ms082 يمس الرواية بوهن، ولنا عليه ملاحظة من وجوه: # أولا: # يظهر أن صاحب السيرة نقل هذا الخلاف من فتح الباري # 19 # لابن حجر العسقلاني، ونص عبارة الفتح: «واختلف: هل كان ~~معاذ واليا أو قاضيا؟ فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني ~~بالأول.» والدليل على أن صاحب السيرة استمد الخلاف من كلام ابن ~~حجر: أن لفظ «الغساني» إنما جاء في نسخ فتح الباري. ونقل القسطلاني ~~في شرحه # 20 # لصحيح البخاري هذا الخلاف عن ابن حجر، وذكر المقابل ~~لابن عبد البر باسم «العسكري»، وكذلك ذكر الخلاف الإمام العيني في ~~شرحه للبخاري، # 21 # وذكر المخالف لابن عبد البر باسم «العسكري». # والمعروف بالتأليف في تراجم الصحابة هو العسكري؛ وهو «أبو محمد ~~عبد الله بن أحمد بن موسى العسكري المعروف بعبدان.» # 22 # وقد ذكره ابن حجر في مقدمة الإصابة باسمه «عبدان» حين ~~أخذ يسرد أسماء من ألفوا في الصحابة - رضي الله عنهم. # ثانيا: # قول صاحب السيرة: وحديث ابن ميمون يرجح أنه كان واليا. إنما هو ~~استنتاج منه، ولا يصح إلا إذا أريد بالوالي من له سلطة أعم مما ~~يفهم المؤلف، وهو العامل على المال الناظر في شئون البلاد. # ثالثا: # أن ابن عبد البر صرح في الاستيعاب بأن معاذا كان قاضيا وواليا ~~على المال حسبما نقلناه آنفا؛ فلا يصح أن يفهم من هذا الخلاف أن ~~ابن عبد البر يقول: أرسل قاضيا فقط، فهو لو قال : بعث معاذ قاضيا ~~وسكت، لم نفهم منه مخالفة لمن يقول: بعث واليا، فما باله إذا ~~صرح بالولاية علاوة على القضاء؟! # رابعا: # إذا كان العسكري قال: إن معاذا أرسل واليا، ولم يتعرض لنفي ~~القضاء لم يعد هذا مخالفة لابن عبد البر، وكذلك رأينا الشيخ العيني ~~لم يزد على أن قال: «وفي كتاب الصحابة للعسكري: «بعثه النبي # صلى الله عليه وسلم # واليا على اليمن.» وفي الاستيعاب: «بعثه قاضيا وجعل ~~إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن.» # 23 # فإذا كان الخلاف إنما أخذ من اقتصار العسكري على ذكر ~~الولاية من غير تعرض للقضاء؛ كان الخلاف بين ms083 العسكري وابن عبد البر ~~لا يزيد على أن يكون اختلافا في العبارة. # خامسا: # يترجح أن يكون العسكري عندما تحدث عن معاذ اقتصر على ذكر الولاية ~~ولم يتعرض لنفي القضاء، فإن ابن حجر ومن نقل كلامه كالقسطلاني، ثم ~~من نقل عن كتاب العسكري مباشرة كالعيني، لم يذكروا أن العسكري نفى ~~القضاء صراحة، ولو نفاه لذكر الوجه في نفيه وعدم قبول روايته، ولو ~~ذكر هذا الوجه لنقلوه وتلقوه إما بمناقشة وإما بتسليم. # سادسا: # على فرض أن يكون العسكري أو الغساني نفي ولاية معاذ القضاء ~~بصراحة، فإن الرواية التي تشهد بهذه الولاية حجة على المنكر إلا أن ~~يأتي بدليل مسموع أو معقول يطعن في شهادتها. # ومما لا نزاع فيه بيننا وبين المؤلف أن ولاية معاذ كانت مساوية لولاية أبي موسى ~~الأشعري؛ فيصح لنا الاستشهاد بأن ولايتهما كانت تتناول الحكم بحديث البخاري # 24 # المتضمن أن معاذا زار أبا موسى الأشعري ووجد عنده رجلا موثقا، ~~فسأله عنه فقال له: إنه كان مسلما ثم ارتد، فقال معاذ: لأضربن عنقه. وقال الحافظ ~~ابن حجر في فتح الباري: # 25 ~~«إن أبا موسى الأشعري مفوض إليه الحكم، ولو كان فوض الحكم لغيره لم ~~يحتج - يعني النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- إلى توصيته بما وصاه به.» ~~••• # قال المصنف في ص45: «ذلك بأننا وجدنا عند البحث في نظام القضاء في عصر النبوة: أن ~~غير القضاء أيضا من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن في أيام الرسالة ~~موجودا على وجه واضح لا لبس فيه، حتى يستطيع باحث منصف أن يذهب إلى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يعين في البلاد التي فتحها الله له ولاة مثلا لإدارة شئونها، وتدبير ~~أحوالها، وضبط الأمر فيها، وما يروى من ذلك فكله عبارة عن توليته أميرا على الجيش، ~~أو عاملا على المال، أو إماما للصلاة، أو معلما للقرآن، أو داعيا إلى كلمة ~~الإسلام، ولم يكن شيء من ذلك مطردا، وإنما كان يحصل لوقت محدود، كما ترى فيمن كان ~~يستعملهم # صلى الله عليه وسلم # على البعوث ms084 والسرايا، أو يستخلفهم على المدينة إذا خرج ~~للغزو.» # دعوى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يول قضاة يفصلون الخصومات ولم ينصب ولاة لتدبير ~~أحوال البلاد من بنات فكر المؤلف وحده، فهو الذي اخترعها دون أن يسبقه إليها ألمعي ~~خبير أو بحاثة بصير، وإذا كان كل رأي جديد - حقا كان أو باطلا - يخف بصاحبه إلى ~~منزلة يشار إليها بالبنان، ويطير صيته في الآفاق إلى أمد بعيد، فليتبوأ المؤلف ~~مقعده بمكان تومئ إليه الأصابع من كل ناحية، وليهنأ بسمعة تطير مع الشمس كل مطار، ~~ولكن ما دام القرآن يتلى، وكتب السنة تدرس، وفي القلوب إيمان، وفي الأدمغة عقول؛ ~~فإن هذا الرأي الجديد لا يبقى على وجه الأرض إلا أن يحتمل ما تخلعه عليه النفوس ~~الفاضلة من برود التهكم والتفنيد، ويرضى بما تناديه به ألسنة الصادقين من ألقاب ~~الباطل والبهتان. # ولا يلاقي هذا الرأي تفنيدا من إخوان الإسلام فقط، بل يرمي في وجهه بالتزييف كل ~~من درس تاريخ عهد النبوة، ووقف ساعة من نهار على روح التشريع وإن كان من المخالفين ~~الذين لا ينتمون للإسلام. # يزعم المؤلف أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يرسل أميرا للحكم وضبط الأمر في البلاد، وإنما ~~كان يرسل غزاة أو عمالا أو أئمة ودعاة للإسلام، ولا ندري ماذا دفعه إلى إنكار ~~حقيقة تضافر عليها المحدثون والمؤرخون؟! وإذا كان المدار في تحقيق المسألة على ~~الرواية فلا سبيل للمنكر عليها إلا أن يردها بطعن في سندها، أو يبين أن العقل ~~السليم لا يقبلها. وهل مشى المؤلف في هذا السبيل المعقول فتعرض لسند الروايات التي ~~تثبت أن للنبي # صلى الله عليه وسلم # أمراء ينظرون في شئون البلاد، ويحكمون فيما شجر بين الناس، ~~ونقدها ببينة وعقل، أو أقام برهانا على أن وجود ولاة يفصلون القضايا ويدبرون ~~أحوال البلاد في عهد الرسالة مما يأبى العقل سماعه؟! # كل ذلك لم يكن، ولكنه يبتغي مرضاة قوم لا يؤمنون، وتخيل أنه بلغ في البيان أن ~~ينكر الحق فيذهب هباء، أو يشير إلى باطل فيستقبله ms085 الناس باحتفال وتكريم. # قد أريناك أن انتصاب معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب للقضاء ثابت ~~بأدلة ناطحها قلم المؤلف فأوهى قرنه قبل أن يوهنها، وإن شئت زيادة تحقيق في الموضوع ~~فلدينا مزيد: عني الإسلام بوسائل العمران وأركان الدولة، وبالأحرى مقام الفصل فيما ~~شجر بين الناس، ولهذا كان # صلى الله عليه وسلم # لا يترك قوما دخلوا في الإسلام إلا أمر عليهم ~~من يسوسهم بأحكام شريعته. # وقد عرفنا في تاريخ عهد النبوة أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قد يقلد شخصا الإمارة ويكون له ~~النظر في الحكم بين الناس، وتعليمهم شرائع الإسلام، وقبض صدقاتهم وغير ذلك مما ~~يتولاه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لو كان حاضرا، قال الحافظ ابن تيمية في منهاج السنة: # 26 ~~«كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولي الأمراء ~~على السرايا يصلون بهم، ويجاهدون بهم ويسوسونهم، ويؤمر أمراء على الأمصار كما أمر ~~عتاب بن أسيد على مكة ... وكما كان يستعمل عمالا على الصدقة فيقبضونها ممن تجب عليه، ~~ويعطونها لمن تحل له.» فانظر في قوله: «الأمراء على السرايا.» وقوله: «أمراء على ~~الأمصار.» وقوله: «عمالا على الصدقة.» فإنه يطعن في قول المؤلف: إن الأمراء إنما ~~كانوا غزاة أو عمالا على المال. # وقال ابن حزم في كتاب الفصل في الملل والنحل: # 27 ~~«وقد وجدنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد قلد النواحي، وصرف تنفيذ جميع ~~الأحكام التي تنفذها الأئمة إلى قوم كان غيرهم أفضل منهم، # 28 # فاستعمل على أعمال اليمن معاذ بن جبل وأبا موسى وخالد بن الوليد ~~...» # وقد نقلنا لكم آنفا قول الحافظ ابن حجر: «والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا ~~يتحاكمون إلى الذي أمر عليهم.» # وإذا كان المؤلف لا يلقي قلبه إلا بين يدي «أرنولد»؛ فإن أرنولد ومن معه يقولون ~~في دائرة المعارف الإسلامية: # 29 ~~«يجب أن يكون القاضي مسلما عادلا عالما بجميع أحكام الشرع.» ثم ~~قالوا: «فالنبي # صلى الله عليه وسلم # والراشدون كثيرا ما ms086 فصلوا في خصومات بصفتهم قضاة كما جرى ~~على ذلك الأمراء والحكام الموفدون من قبلهم إلى المقاطعات الإسلامية.» # ولا يعد قيام الأمير بفصل القضاء وتنفيذ الأحكام وغير ذلك من شئون الولاية أمرا ~~شاقا، فإن وسائل العمران من مثل الفلاحة والصناعة والتجارة لم تكن ظاهرة في ~~البلاد التي فتحت زمن النبوة بهذا المظهر الواسع حتى تكثر الخصومات والمنازعات لحد ~~أن يعين لها قضاة شرعيون زيادة على الأمراء السياسيين. # يقول المؤلف: «ولم يكن شيء من ذلك مفردا، وإنما كان يحصل لوقت محدود.» وهذا ~~مسلم في أمراء السرايا، وأما أمراء البلاد فإن ولايتهم كانت دائمة، قال الحافظ ~~ابن حجر في فتح الباري: # 30 ~~«فأما أمراء السرايا والبعوث فكانت إمرتهم تنتهي بانتهاء تلك الغزوة، ~~وأما أمراء القرى فإنهم استمروا فيها.» ~~••• # قال المؤلف في ص45: «إذا نحن تجاوزنا عمل القضاء والولاية إلى غيرهما من الأعمال ~~التي لا يكمل معنى الدولة إلا بها؛ كالعمالات التي تتصل بالأموال ومصارفها ~~«المالية»، وحراسة الأنفس والأموال «البوليس» وغير ذلك مما لا يقوم بدونه أقل ~~الحكومات وأعرقها في البساطة، فمن المؤكد أننا لا نجد فيما وصل إلينا من ذلك عن زمن ~~الرسالة شيئا واضحا يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون أن نقول: إنه كان نظام الحكومة ~~النبوية.» # بعث النبي # صلى الله عليه وسلم # بمكة فأقام بها عشر سنين أو ثلاث عشرة سنة وهو يدعو إلى سبيل ~~ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولما أذن الله بأن يقيم لهذا الدين دولة تحمي دعوته، ~~وتحرس شعائره، وتدبر سياستها على محور تعاليمه، كان أول لبنة وضعها # صلى الله عليه وسلم # في ~~أساس هذا الغرض الأسمى ما أخذه على الأوس والخزرج من عهد البيعة على أن يكونوا ~~أنصاره إلى الله، ثم هاجر إلى المدينة وواصل العمل بما أوحى الله إليه حتى اتسقت ~~للإسلام شريعة ذات مبادئ عالية ونظم حكيمة. # كانت المدة منذ شرع الإسلام في بناء دولة تحرس دعوته وشعائره، وتعمل لإسعاد أهله ~~إلى أن انتهى عهد الرسالة نحو عشر سنين. # ماذا فعل محمد بن عبد الله صلوات الله عليه ms087 في عشر سنين، تلك المدة التي قضى ~~المؤلف مثلها بالتفكير في منطق يميت شريعة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في ~~السماء؟ # رأينا وسمعنا أن الحكومات إذا دخلت في عهد حرب أفرغت مهجتها في تدبير وسائل ~~الدفاع من جند وسلاح ونصب مكايد، وتذهل عن الشئون المدنية والعلمية فلا تكاد ترى ~~لهما أثرا من نظم العلم والسياسة، إلا ما كان قائما قبل دخولها في مواقع الحروب، ~~ولا سيما حيث يكون عدوها أوسع بلادا وأكثر قبيلا. هذا شأن الدول العريقة في الحكم ~~والقوة، التي تكون سلطتها وسياستها موزعة على نفوس كثيرة من قائمين بالسلطة ~~التشريعية إلى قائمين بالسلطة التنفيذية، ومن وزارة داخلية إلى خارجية إلى حربية ~~إلى مالية، فكيف يكون حال جماعة قليلة ظهروا بعقيدة وشريعة خالفوا بهما القبائل ~~والأمم التي تكتنفهم من كل جهة؟ # كان ذلك الرسول الأعظم مظهر السلطة التشريعية، ومصدر السلطة التنفيذية، فالحكمة ~~تجري على لسانه، ودم النفوس الخبيثة يجري على سنانه. يرسل الموعظة الحسنة تحت مثار ~~النقع، ويسن القانون العادل وهو يقاتل وحوشا غابها الرماح. ولقد كان في تشريعه ~~الحكيم أو عزمه النافذ عبرة لأولي الألباب. # دولة بنت عشر سنين فتحت بلادا واسعة، ونشرت تعاليم نافعة، وشرعت قوانين جامعة، ~~إن في قصر المدة التي استحكم فيها أمر هذه الدولة لآية كبرى، ولكن المواربين بآيات ~~الله يجحدون. # أنكر المؤلف أن يكون في عهد الرسالة ولاة يحكمون بين الناس بقانون الشريعة، ~~فأقمنا له من الرواية بينات تشهد بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يبعث إلى البلاد المفتوحة ~~أمراء يدخل في إمرتهم فصل الخصومات بين الناس، ومنهم من يصرح له بالسلطة القضائية ~~كما جاء في حديث معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب. وتوسع في الإنكار حتى زعم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يرسل واليا لتدبير أحوال البلاد، ~~وإنما كان يرسل غازيا أو عاملا على المال، فكافحناه بشهادة التاريخ على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يبعث أمراء من غير أمراء السرايا والعمال على المال، ولا شأن لأولئك ms088 ~~الأمراء إلا تدبير أحوال البلاد والحكم بينهم على سنة القضاء في الإسلام. # وتطوح به نزق التمرد إلى أن يقوض سائر أركان الدولة الإسلامية، فلوح بإنكار ما ~~وراء القضاء والولاية السياسية من أعمال «لا يكمل معنى الدولة إلا بها؛ كالعمالات ~~التي تتصل بالأموال ومصارفها «المالية»، وحراسة الأنفس والأموال «البوليس» وغير ذلك ~~مما لا يقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها في البساطة.» # لنبحث مع المؤلف في القضاء والمالية والبوليس مع رعاية ما يقتضيه المقام من ~~إيجاز، ونرجئ البحث فيما عدا هذه الأصول الثلاثة إلى مقام أليق بها من هذا ~~المقام. # القضاء # ذكرنا فيما سلف أن للقضاء مبادئ لا يستوفي الحكم نصيبه من العدل إلا برعايتها، ~~ولا يمتري ذو أثارة من علم أن الإسلام قد أدار سياسته على محورها، وهناك نظم مطوية ~~في أصول عامة هي موكولة إلى اجتهاد الحاكم ومقتضى حال البيئة، ومن هذه النظم ما ~~نعلم حق اليقين أن حال الأمة في عصر النبوة لا يزال في غنى عنها. # نحدثك في هذا المقال عن بعض مبادئ القضاء ونظمه المنبه عليها في الكتاب والسنة؛ ~~لتعلم أن القضاء في عهد النبوة لم يكن في نظر علماء الإسلام غامضا. # ملاك القضاء العادل علم القاضي، واستقامته، واستيفاؤه النظر في وسائل الحكم، ~~واستناده إلى البينة، وقوة العزم في الفصل، وبسط مجال الحرية للخصوم حتى يدافعوا عن ~~حقوقهم باطمئنان جأش، وطلاقة لسان. # أما العلم فقد كان الحكام في عهد النبوة على علم بما يلقى على عاتقهم من أعمال ~~القضاء وغيره، ودليل هذا من جهة النظر أن النبي عليه السلام يقول: «لا حسد إلا في ~~اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها.» # 31 # وقال: «إن القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار؛ فأما الذي في ~~الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل ~~قضى في الناس على جهل.» # 32 # فالذي يجعل القضاء قائما على الحكمة ويقول: إن القضاء بجهل يلقي صاحبه ms089 ~~في حفرة من النار، لا يضع السلطة القضائية إلا في يد عالم بالأحكام، بصير بمذاهب ~~الحقوق، ويضاف إلى هذا أن الذين «حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مائة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة.» # 33 # ومما لا يحتمله العقل أن يصرف الرسول عليه السلام نظره عن هؤلاء الذين ~~بلغوا رتبة الفتوى ويضع الحكم في أيدي قوم لا يعلمون! # وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة: # 34 ~~«وكان الواحد من خلفائه إذا أشكل عليه الشيء أرسل إليه سأله عنه، فكان ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حياته يعلم خلفاءه إذا جهلوا، ويقومهم إذا زاغوا، ويعزلهم ~~إذا لم يستقيموا.» # وعلى هذه السيرة اقتدى علماء الإسلام فاشترطوا في القاضي أن يكون بالغا في العلم ~~مبلغ الاجتهاد؛ حتى يتناول الأحكام من أصولها مباشرة، وكذلك كانوا يفعلون. # ويترتب على هذا الشرط أن لا يقلد أحد القضاء إلا بعد معرفة مكانته في العلم، ~~وقد اختبر النبي # صلى الله عليه وسلم # معاذ بن جبل حين توليته القضاء ليزداد خبرة بمبلغ علمه ~~بالقضاء فقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ إلخ.» # وأما الاستقامة فالكتاب والسنة طافحان بالأمر بالعدل، وتشديد الوعيد على التهاون ~~بواجبه، فلا بد أن يكون قضاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أتقى الناس قلوبا، وأعدلهم في ~~الحكومة ميزانا. وهذا أحدهم، وهو عمر بن الخطاب، يقول في رسالته إلى أبي موسى ~~الأشعري: «وآس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك ؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ~~ييأس ضعيف من عدلك.» # وأما استيفاء البحث في وسائل الحكم فترشد إليه آية: # يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين ~~، وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يستفصل في النوازل التي ترفع إليه كما ~~استفصل المقر بالزنا: هل وجد منه مقدماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله ~~لعل به جنونا؛ فيكون إقراره غير معتبر، أم هو عاقل؟ فلما وثق من عقله ms090 استفصله بأن ~~أمر باستنكاهه ليعلم: هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاح استفصله: هل أحصن أم ~~لا؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد. # 35 # والاستفصال موكول إلى اجتهاد الحاكم وذكائه؛ «فإذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم: ~~كيف تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه متى عدل عنه أثم أو جار في ~~الحكم، وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان، ونظر في الحال: ~~هل تقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله والمدعى عليه، وجب عليه أن ~~يستكشف الحال ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال.» # 36 # وحيث كان قلق الفكر مما يعوق عن استيفاء النظر في وسائل الحكم، نهى النبي عليه ~~الصلاة والسلام عن القضاء في حال يضطرب معه الفكر، وألم بهذا في حديث: «لا يقضي ~~حكم بين اثنين وهو غضبان.» # 37 # وأما البينة فقد وفاها الكتاب والسنة حقها ولم يبخسا منه شيئا، تجدها في آية: # وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~، وآية: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن ~~لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من ~~الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى ~~. وهذا إرشاد إلى الاحتياط في حفظ الحق؛ لتكون الشهادة ~~سندا عند التناكر في مجلس القضاء، وتجدها في حديث: «ألك بينة؟» وحديث: «شاهداك أو ~~يمينه.» وحديث: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر.» وقد تفقه أهل العلم في ~~معنى البينة كل على حسب اجتهاده، وفسرها ابن قيم الجوزية في أعلام الموقعين # 38 # بأنها اسم لكل ما يبين الحق من شهود أو دلالة، وقال: «إن الشارع في ~~جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه ~~وشواهد به.» ثم قال: «إن الطرق التي يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التي أرشد الله ~~صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها.» # 39 # وللحاكم النظر في قبول الشاهد ورده، منحه هذا الحق قوله تعالى: # ممن ترضون من الشهداء ~~. شهد عند إياس بن ~~معاوية رجل من أصحاب الحسن، فرد شهادته، ms091 فبلغ الحسن وقال: قوموا بنا إليه. فجاء إلى ~~إياس وقال: يا لكع، ترد شهادة رجل مسلم! فقال: نعم، قال الله تعالى: # ممن ترضون من الشهداء ~~، وليس هو ممن أرضى. ~~فسكت الحسن وقال: خصم الشيخ. # 40 # ومما يتصل ببحث الاعتماد على البينة أن القاضي لا يستند إلى ما يعلم في القضية، ~~ومن شواهده حديث «فأقضي له على نحو ما أسمع.» ولهذه الحكمة نص الفقهاء على أن ~~القاضي الذي تقدم إليه بينة بخلاف ما يعلم من حال القضية، ولم يجد طريقا واضحا ~~للقدح في شهادتها، تخلى عن الحكم فيها كما يتخلى عن الحكم في قضية يكون هو نفسه أحد ~~الخصمين مدعيا أو مدعى عليه، ويصبح بين يدي من يكلف للقضاء فيها كشاهد بما ~~يعلم، دون أن يكون لمنصبه القضائي في النازلة أثر كثير أو قليل. # وأما قوة العزم في الفصل والتنفيذ فمن شواهدها حديث: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت ~~لقطع محمد يدها.» وحديث: «كان ليهودي على ابن أبي الحدرد أربعة دراهم، فاستعدى عليه ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: يا محمد، إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها، ~~فقال: أعطه حقه، فقال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، قال: أعطه حقه، قال: والذي ~~بعثك بالحق ما أقدر عليها، قال: أعطه حقه. وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # إذا قال ثلاثا لم ~~يراجع، فخرج ابن أبي الحدرد فباع بردة له وقضاه حقه.» # 41 # وأما إطلاق الحرية للخصوم فشاهده حديث البخاري: أن رجلا أتى النبي # صلى الله عليه وسلم # يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: «دعوه؛ فإن لصاحب الحق مقالا.» # ولتجدن في الكتاب والسنة بعد هذا إرشادا إلى سنن أخرى لا يستقيم حال القضاء إلا ~~بها، فتجد التنبيه على أن القاضي لا يفصل في القضية حتى يسمع من الخصمين، في حديث: ~~«لا تقض بين الخصمين حتى تسمع من الآخر.» # 42 # ومن الفقهاء من حمل الحديث على إطلاقه، ومنهم من حمله على حالة إمكان ~~حضور الخصمين، وأجاز الحكم على من ms092 كان في غيبة بعيدة. # وتجد الدليل على اكتفاء الحاكم بترجمة واحد أمين، في حديث زيد بن ثابت؛ إذ أمره ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يتعلم كتاب اليهود، قال: «حتى كتبت للنبي # صلى الله عليه وسلم # كتبه وأقرأته ~~كتبهم إذا كتبوا إليه.» # 43 # وتجد الحبس للتهمة واردا فيما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، أن النبي # صلى الله عليه وسلم # حبس في تهمة، فمن «أطلق كل متهم ... وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل؛ فقوله مخالف ~~للسياسة الشرعية.» # 44 # وتجد الإرشاد إلى ما ينبغي للحاكم من بيان موجبات الحكم «حيثياته»؛ ليطمئن نفس ~~المحكوم عليه ويسلم تسليما، تجده في سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فإن قضاءه في نفسه حجة، ~~ومع هذا كان يذكر علل بعض الأحكام القضائية لطرد الشبهة، وإزاحة الحرج من قلب ~~المقضي عليه، كحكمه على من عض يد آخر بإهدار ثنيته لما سقطت بانتزاع المعضوض يده من ~~فيه، وقال للمحكوم عليه: «أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟!» # 45 # وتجد في حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.» ما يرشد إلى أن الحكم ~~الذي يظهر على خلاف الأصول القاطعة يتحتم نقضه، ثم يستأنف النظر في القضية على ~~طريق الاجتهاد الصحيح. # وتجد الإرشاد إلى أن الحاكم لا يقبل الشفاعة في إسقاط الحدود بعد أن ترفع إليه؛ ~~لأن قبول الشفاعة فيها يخفف الرهبة من سطوتها، ويفتح طريقا لسهولة ارتكاب الفواحش ~~والموبقات؛ حيث يعتمد المجرمون على شفاعة تنقذهم من عقوبتها، تجد هذا في قصة أسامة ~~بن زيد حين تقدم إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # شافعا في امرأة مخزومية وقعت في سرقة، ~~فقال له: «أتشفع في حد من حدود الله؟» # 46 # وخطب خطبته التي قال فيها: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد ~~يدها.» # يقصد الشارع إلى تنقية القلوب من دنس التقاطع والبغضاء، وفصل الخصومات فريضة ~~محكمة، وصولة يخر لها الباطل صعقا، ولكنه لا ينزع الأضغان الواغرة في الصدور، ~~فدخل في سنة القضاء دعوة الخصوم إلى ms093 الصلح، حتى إذا طابت نفوسهم لذلك تبلج وجه ~~الحق، وانقلبت العداوة إلى تآلف وصفاء، ومن الدليل على أن الإصلاح بين الخصوم من ~~أدب القضاء حديث كعب بن مالك؛ وهو: «أنه تقاضى ابن حدرد دينا كان له عليه في ~~المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو في بيته، فخرج إليهما ~~حتى كشف سجف حجرته فنادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله. فأومأ إليه؛ أي الشطر، ~~قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه.» # 47 # ولذلك يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: «رددوا الخصوم حتى يصطلحوا؛ فإن فصل ~~القضاء يحدث بين القوم الضغائن.» # 48 # والمراد من ترديد الخصوم التمهل قليلا؛ حيث يرجى فصل الواقعة وطي ~~بساطها على يد صلح وسلام. # وتجد الإرشاد إلى أن المرأة لا يليق بها أن تنصب للقضاء بين الخصوم؛ لأن القضاء ~~يستدعي في أغلب أوقاته عزما وإقداما وجلادة، وللمرأة لين في القلب، ورقة في ~~المزاج، وإحجام عن المواقف الخطرة، تجد ذلك في حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم ~~امرأة.» ونقل عن محمد بن جرير الطبري «أنه يجيز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك ~~عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على ~~الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء ~~والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستنابة في القضية الواحدة.» # 49 # وكان في حديث معاذ وأبي موسى الأشعري مستند لأهل العلم في وضع السلطة القضائية في ~~يد شخصين أو أشخاص، قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب العارضة: «إرسال معاذ إلى ~~اليمن مع أبي موسى الأشعري واليين قرينين أشركهما النبي فيها، وأمرهما بأن ~~ييسرا ولا يعسرا، ويبشرا ولا ينفرا، ويتطاوعا ولا يختلفا، فكان ذلك أصلا في تولية ~~أميرين وقاضيين مشتركين في الإمارة والأقضية، فإذا وقعت النازلة نظرا فيها، فإن ~~اتفقا على الحكم وإلا تراجعا لقول حتى يتفقا على الصواب، فإن اختلفا رجع الأمر إلى ms094 ~~من فوقهما، فينظر فيه، وينفذان ما اتفقا عليه، ولولا اشتراكهما لما قال: «تطاوعا ~~ولا تختلفا.» # واقتفى أثر هذا المنهج أمير تونس زيادة الله بن الأغلب، فقلد أسد بن الفرات وأبا ~~محرز محمد بن عبد الله الكناني القضاء، على أن يكونا شريكين في فصل النوازل، ولم ~~يعلم قبلهما بالبلاد التونسية قاضيان في مصر. # 50 # هذه أمثلة اقتبسناها من تعاليم الإسلام ليطلع القارئ الكريم على أن مبادئه ~~القضائية واقعة من العدل موقع الروح من الجسد، وأن القضاء في عهد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان على سنة محكمة، وإذا زعم منتم للإسلام أن نظما يتطلبها العدل، أو ~~يتوقف عليها حفظ الحق كانت مهملة في عهد النبوة، فإنه يقف له من التاريخ ثم من مقام ~~الرسالة مدره يطعن في زعمه، ويقيم الحجة على ريائه. # المالية # أموال الدولة بحكم الكتاب والسنة: الصدقات والجزية والفيء وخمس الغنيمة، وهي ~~موارد بيت المال لعهد النبوة. أما الصدقات فقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يستعمل عليها ~~عمالا عارفين بأحكامها؛ «إذ لا يستعمل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلا عالما بما يستعمله عليه.» # 51 # ومن «المحال الباطل أن يستعمل النبي # صلى الله عليه وسلم # من لا علم له.» # 52 # ولعلك تفقه بهذا أن أخذها كان جاريا على حساب ونظام. ومما يعد في ~~نظمها ما فصلته الأحاديث من أحكامها؛ كبيان مقادير ما يؤخذ من كل صنف، وأن يأخذ من ~~وسط المال لا خياره ولا رديه. # أما مصرفها فالأصناف الثمانية المنصوص عليها في آية: # إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله ~~عليم حكيم ~~. وإنما اختلف الفقهاء في وجه صرفها، فقال الإمام ~~الشافعي: لا بد من قسمها على الأصناف الثمانية، وقال الإمامان مالك وأبو حنيفة: ~~يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد أو أكثر من صنف إذا رأى المصلحة قاضية بذلك، ~~وعلى كل حال فإن مصرفها لا يخرج عن الأصناف الثمانية، وهو مضبوط إما بتلك الأصناف ms095 ~~المعدودة أو بما تقتضيه المصلحة منها. # وأما الجزية؛ وهي ما يؤخذ من المخالفين المقيمين تحت راية الإسلام، فالقرآن ذكرها ~~بلفظ مجمل فقال تعالى: # حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون ~~؛ أي يأتون بها طائعين لحكم الإسلام. وقد اختلف ~~الفقهاء في تقديرها، وكثير منهم يذهب إلى أن تقديرها مفوض إلى نظر الإمام، قال أبو ~~الوليد بن رشد في بداية المجتهد: # 53 # وهو الأظهر، ويؤيده أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وضع على أهل ~~الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل اليمن، وعلل مجاهد هذا التفاوت بيسار أهل الشام. # 54 # وأما مصرفها فإنها كسائر الفيء وخمس الغنيمة توضع في بيت المال، وتصرف إلى ذوي ~~الحاجة وفي وجوه المصالح العامة. # كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يولي على قبض المال عمالا، وإذا قدموا به حاسبهم على ما ~~قبضوا وما صرفوا، تجد هذا في حديث العامل الذي استعمله رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ~~صدقات بني سليم، وفي الحديث: «فلما جاء إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # وحاسبه.» رواه الإمام ~~البخاري في باب محاسبة الإمام عماله، وقال الحافظ ابن حجر عند قوله «وحاسبه»؛ ~~أي على ما قبض وصرف. # 55 # فإذا كان المال المفروض على الأمة في عهد النبوة مقدرا، والعامل عليه عالما، ~~ومتى جاء به يناقش الحساب على القبض والصرف ثم ينفق في وجوه المصالح بتدبير، فهل ~~يصح بعد هذا أن يقال: إن المالية لذلك العهد لم يكن لها نظام؟! # فإن أراد المؤلف من النظام أن يؤلف لها ديوان قلنا: كان للنبي عليه السلام كتاب ~~معروفون، وهبهم لم يتقيدوا بمكان يختص بهم ووقت يحدد لهم، فإن هذا وحده لا يسم ~~المالية بوصمة الخلو من النظام، ورب تقييد يعد في بعض الأزمنة نظاما، وهو في عصر ~~آخر حيث لا تدعو إليه الحاجة عدم نظام. # وموجز القول أن نظام المالية لعهد الرسالة موافق لما يقتضيه حال ذلك العهد، ولقد ~~كان المال يقبض بحق، ويصرف على وجه لا يدخله خلل ولا يحوم عليه شطط، ms096 قال ابن خلدون ~~في مقدمته: «واعلم أن هذه الوظيفة - يعني ديوان الأعمال والجبايات - إنما تحدث في ~~الدولة عند تمكن الغلب والاستيلاء، والنظر في أعطاف الملك وفنون التمهيد. وأول من ~~وضع الديوان عمر - رضي الله عنه - يقال: لسبب مال أتى به أبو هريرة - رضي الله عنه ~~- من البحرين، فاستكثروه وتعبوا في قسمه، فسموا إلى إحصاء الأموال وضبط العطاء ~~والحقوق، فأشار خالد بن الوليد بالديوان وقال: رأيت ملوك الشام يدونون.» # فأنت ترى أن الحاجة إلى الديوان لم تعرض إلا في عهد الخليفة الثاني، وعندما حدثت ~~الحاجة وجد الخليفة من قاعدة رعاية المصالح ما يحثه على المبادرة إلى أن ينشئ ~~الديوان، ويعين له من الكتاب بمقدار ما تدعو إليه المصلحة، فإن كان المؤلف يذهب إلى ~~أن المالية التي لم تتسع حتى تلجئ إلى إنشاء ديوان يحق له أن يصفها بعدم النظام، ~~قلنا له: إن المقدار الذي تسمح به حالة الأمة لعهد النبوة كان يستخلص بالقسطاس ~~المستقيم، وينفق في سد الحاجات، وإعداد القوة ووسائل المنعة، وقد خاض رجال هذه ~~المالية حروبا فكانوا هم الغالبين، ولم يكونوا يوما في حاجة إلى قرض داخلي أو ~~خارجي، ولم يضعوا على رقاب الأمة ضرائب فادحة مثلما تصنع الدول ذات الدواوين ~~الطويلة العريضة، فنحن نسميها مالية تؤخذ وتصرف بنظام، وللمؤلف الذي أشلى قلمه ليلغ ~~في عرض الحكومة النبوية أن يسميها بما شاء. # الشرط أو «البوليس» # للحكومة مقومات: قانون يخضع له الجمهور، ورجال يقومون على تنفيذ هذا القانون، ~~وأموال تقبض وتصرف في المصالح المشتركة، وقوة من الرجال والسلاح لدفاع العدو وكبح ~~الثورة، وما عدا هذا من المشروعات والنظم فإنما يأتي على حسب تطور الزمان وما يعرض ~~من الحاجات. # فإذا رأينا جماعة يمسكون بأيديهم قانونا يحفظ الحقوق، ويوجد بينهم من ذوي ~~الكفاية للقيام على تطبيق هذا القانون وتنفيذه عدد غير قليل، ويجبي إلى خزانتها ~~العامة من الأموال ما يقوم بمرافق حياتها الاجتماعية، وتنهض لحمايتها أو حماية ~~قانونها جنود تخوض مواقع الحروب بما استطاعت من قوة، صح لنا أن نقول: إن هذه ms097 ~~الجماعة ذات حكومة، وربما كانت الحقوق فيها محفوظة، والأمن سائدا، وإن لم تكن بها ~~إدارة بوليس، وكذلك كان حال جماعة المسلمين لعهد النبوة بحيث لو وضعت في تلك ~~المناطق الإسلامية دوائر بوليس لم يصر الأمن فيها أمكن، ولا الحقوق أكثر صيانة. ~~وإليك الحجة والبيان: كانت حالة الأمة لعهد النبوة بالغة من الاستقامة إلى حيث ~~تجدها في غنى عن دائرة محافظة أو «بوليس». # وقد يقول الناشئ في مدينة يجوس الشرطي خلالها، ويسيطر على كل شارع من شوارعها: ~~كيف يحفظ النظام في جماعة لا يقوم على رءوسها رجال يلبسون في الشتاء سوادا وفي ~~الصيف بياضا؟! ويعد كلمتنا مثلا من أساطير الأولين، أو شهادة خطرت في موقف الدفاع ~~عن أحكام سيد المرسلين. كلا، إن هي إلا حقيقة تسعدها الأدلة البينة والتاريخ من ~~ورائها شهيد. # بقيت راية الإسلام مرفوعة على المدينة المنورة وما حولها نحو سبع سنين؛ إذ كان من ~~المحتم على كل من يعتنق الإسلام من القبائل أن يهاجر إلى المدينة المنورة، ولا يقيم ~~بين قوم لا يؤمنون، قال الله تعالى: # والذين آمنوا ~~ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا ~~، والحكمة من تلك الهجرة أن يتقوى بهم جانب الدين، وليخلصوا ~~من البيئة المتعفنة، فإنها تذهب بالغيرة على الحق، وتلبس الوجوه رقعة الصفاقة، ~~وربما سرى وباؤها إلى النفوس الضعيفة فزلزل عقائدها وأطفأ نور إيمانها. # وفي السنة الثامنة من الهجرة فتحت مكة المكرمة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا وقبائل، فقال النبي # صلى الله عليه وسلم # عندئذ: «لا هجرة بعد الفتح.» وولى على جميع ~~البلاد والقبائل أمراء، وبث فيهم معلمين للقرآن وأحكام الشريعة ، وتوفي في السنة ~~العاشرة من الهجرة بعد أن فتحت مكة وتجاوز حكم الإسلام المدينة المنورة إلى مكة ~~والطائف واليمن وما داناها من البلاد. # إذن ننظر إلى حال المدينة المنورة مدة عشر سنين وإلى حال غيرها من البلاد المدة ~~التي أصبحت تحت حكم الإسلام لعهد النبوة وهي السنتان. # هاجر النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة المنورة وهاجر لهجرته ms098 أصحابه الأكرمون، فانعقد ~~بين المهاجرين والأنصار إخاء صادق، واتحاد متين، وكانت قلوبهم تفيض بتعاطف وتراحم ~~بلغا حد الإيثار عن النفس، حتى قال الله تعالى في حق الأنصار: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون ~~من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة ~~. # إيمان راسخ وأدب متين هما أثر ما كانوا يشهدونه من دلائل النبوة، ويتلقونه من ~~حكمة بالغة وموعظة حسنة. وشأن القوم الذين بلغوا في التعاطف إلى حد الإيثار على ~~النفس أن تكون الحقوق بينهم محترمة، وشأن القوم الذين يبصرون نور النبوة صباحا ~~ومساء أن لا ترى لهم عينا تطمح إلى هتك عرض، ولا يدا تمتد إلى الاعتداء على مال، ~~ولا فما ينطق بكلمة قذع أو فحشاء. # وكان الذين يتقلدون الإسلام دينا يضعون أيديهم في يد رسول الله عليه السلام ~~ويبايعونه «على أن لا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا ~~أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوا في معروف.» # 56 # وقال عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على السمع والطاعة ~~في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، ~~ولا نخاف في الله لامة لائم.» # 57 # ومن حديث جابر: «بايعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فاشترط علي النصح لكل مسلم.» # 58 # ومن عرف أن هذه المبايعة من قبيل تأكيد العهد، ودرى كيف كان العرب يحترمون ما ~~يؤخذ عليهم من ميثاق، أدرك ما كان لها من أثر في اتقاء المحارم، والكف عن كثير من ~~المخالفات التي لا يتحاماها بعض أسارى الشهوات إلا إذا كانوا بمرأى من شرطي لا ~~يمالئ على باطل، ولا يلوث يده بارتشاء. # يحتاج إلى الشرطي في قرية أو مدينة تفتح فيها حانات لتجرع المسكرات، وبيوت يتجر ~~فيها بنات الهوى بأعراضهن، ونواد يستباح بها لعب الميسر، ولكن المدينة المنورة وكل ~~بلاد فتحت لعهد النبوة كانت طاهرة من حانات الخمور، نقية من بيوت الدعارة، ms099 سالمة من ~~نوادي الميسر، خالصة من كل ما يثير العداوة والبغضاء. # وللإيمان الصادق زاجر لا يعصى، وسلطان لا يرشى، وهو الذي يجعل الرجل خصيما ~~للمنكر، حليفا للحق، وكذلك كان الناس في عهد النبوة، فكل مسلم بمنزلة شرطي أمين ~~يحاسب نفسه، ويغير المنكر بيده أو لسانه، ويجيب إلى التقاضي بين يدي رسول الله أو ~~أحد خلفائه، ويقيم الشهادة بالقسط ولو على أبيه أو زوجه أو بنيه. # كان في خلال الأمة المسلمة نفر من المنافقين، ولكنهم كانوا يصوغون مظاهرهم في ~~أسلوب المؤمنين، ولمهارتهم في صناعة النفاق قال الله تعالى يصفهم لنبيه الكريم عليه ~~السلام: # ومن أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم ~~مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ~~، ثم إن النبي # صلى الله عليه وسلم # وخلفاءه كانوا يقيمون الحدود والزواجر بعزم تبيت له النفوس الكريمة ~~مطمئنة، وترتعد له القلوب القاسية رهبة. ومتى علم المنافق أنه ملاحظ بأعين شرط لا ~~يغيبون عن مشهد، وتيقن أنه مساق إلى محكمة لا تأخذها في الحق لومة لائم، انصرف عن ~~أهوائه خشية، وانكف عن الشر رياء وتصنعا. # فغلبة التقوى والتراحم بين الأمة، واعتقاد كل واحد منها أنه مسئول عما يشهد من ~~إثم أو عدوان، وإجراء الحدود والزواجر بعزم لا يعرف هوادة، كل ذلك مما امتاز به عهد ~~النبوة، وجعل الناظر في التاريخ بقلب سليم يشعر بأن الناس لذلك العهد ليسوا في حاجة ~~إلى أن يقوم على رءوسهم رجال يقال لهم: الزبانية أو البوليس. # وقد أوجسنا خيفة بعد هذا أن ينظر المؤلف إلى كل ما يتصل بالحكومات الغربية أو ~~الشرقية من نظام أو إدارة، ويتخذ عدم وجوده في عهد النبوة حجة على أن ليس هناك ~~حكومة ونظام، حتى خشينا أن يسوق على هذا الغرض آيات بينات، وهي أنه لم يكن في عهد ~~النبوة مجالس مختلطة، ولا صندوق دين عمومي، ولا أقلام تشفي غليل الإباحية بما تأذن ~~به من تعاطي ما يدنس الأعراض، أو يفتك بالألباب. ~~••• # قال المؤلف في ص45: «ومما يستأنس به في الموضوع أننا ms100 لاحظنا أن عامة المؤلفين من ~~رواة الأخبار يعنون، في الغالب، إذا ترجموا لخليفة من الخلفاء أو ملك من الملوك، ~~بذكر عماله من ولاة وقواد وقضاة إلخ، ويفردون له بحثا خاصا، يدل على أنهم عرفوا ~~تماما قيمة ذلك البحث من الجهة العلمية، فصرفوا من الجهد فيه والعناية به ما ~~يناسبه، ولكنهم في تاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم # إن عالجوا ذلك البحث رأيتهم يزجون الحديث ~~فيه مبعثرا غير متسق، ويخوضون غمار ذلك البحث على نسق لا يماثل طريقتهم في بحث ~~بقية العصور.» # أنكر المؤلف أن يكون لعهد النبوة حكومة ذات نظام، واستأنس لهذا بأن رواة الأخبار ~~إذا ترجموا لملك أو خليفة يفردون لولاته وقضاته بحثا خاصا، وإذا عالجوا مثل هذا ~~البحث في تاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم # زجوا الحديث مبعثرا غير متسق، ولا ندري كيف يتم له ~~هذا الاستئناس وما يدعيه من أنهم يزجون الحديث مبعثرا، فقصارى ما يؤخذ منه أنهم لم ~~يجيدوا صنع التأليف في السيرة النبوية؛ إذ لم ينسجوا على المنوال الذي نسج عليه ~~المؤرخون في تراجم الخلفاء والملوك، فإن قصد إلى أن عدم تنسيقها على الوجه المذكور ~~يدل على عدم صحتها قلنا: هذه دلالة خفيت على المناطقة حين قسموا الدلالة إلى مطابقة ~~وتضمن والتزام. # المؤلفون في سنة الرسول عليه السلام وأحواله: محدثون، وأصحاب سير، ومؤرخون، أما ~~المحدثون فعنايتهم مصروفة إلى البحث عن أقوال الرسول عليه السلام وأفعاله ~~وتقريره، وغايتهم الأولى رواية الأحاديث التي يمكن أن يستمد منها أحكام شرعية أو ~~آداب نفسية. وهؤلاء إنما يذكرون اسم قائد أو وال أو قاض إذا جاء في رواية تتعلق ~~بشيء من أقوال النبي # صلى الله عليه وسلم # أو أفعاله أو تقريره. # وأما أصحاب السير فإنهم يبحثون عن أحوال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من يوم ولادته إلى ~~يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ويرتبون مؤلفاتهم ترتيبا طبيعيا، فيبتدئون ~~بالحديث عن ولادته عليه السلام، ويتابعون البحث بمقدار ما وصل إليه علمهم حتى يأتوا ~~على أيام قيامه بدعوة الرسالة، ثم هجرته إلى ms101 المدينة المنورة، ثم غزواته وسراياه ~~والوفود التي قدمت عليه، والرسل الذين وجههم إلى الملوك، ذلك كله مرتبا على حسب ~~الأيام والسنين، ويذكرون لكل سرية قائدها، وإذا تحدثوا عن قوم اعتنقوا الإسلام ~~ذكروا من أمر عليهم أو عين عاملا لقبض صدقاتهم. # وجرى على طريقة أصحاب السير بعض المؤرخين؛ كابن جرير الطبري وابن خلدون، وهل بعد ~~أن يذكر رواة الأخبار عند كل سرية قائدها حتى إنهم يضيفونها إليه ويقولون: سرية ~~فلان، يسوغ لأحد أن يدعي بأنهم يأتون بالكلام على القواد مبعثرا، ولذلك تجد منهم ~~من يذكر الأمراء في نسق كما صنع ابن خلدون في فصل عنوانه «العمال على النواحي». # 59 # وأما القضاة فقد عرفت أن الإمارة لذلك العهد يدخل فيها القضاء والنظر ~~في غيره من شئون البلاد. ~~••• # عرف المؤلف أنه سيتناول في الباب الثاني وما بعده بحثا لا يمشي فيه على سبيل، ~~ولا يتشبث فيه بأصل، وعرف أنه سيلقي من الشبه خيالات لا تسحر إلا أعين المستضعفين ~~علما وعقيدة، وتيقن بالطبيعة أن العلماء الذين درسوا الشريعة بحق، ووقفوا على ~~مقاصدها خبرة سينكرون عليه بدعته، وينذرون الناس لكي يتقوا فتنته، عرف هذا وذاك ~~فأخذ يستعمل السلاح الذي أعده للدفاع عن رأيه المحال؛ وهو رمي المنكرين بالجمود، ~~فقال في ص47: «وأما ثانيا فلأن المغامرة في بحث هذا الموضوع قد تكون مثارا لغارة ~~يشب نارها أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ليس للعقل أن يحوم حولها، ~~ولا للرأي أن يتناولها.» # يريد المؤلف بهذه القذيفة إرهاب أهل العلم ليحجموا عن نقض آرائه؛ حذرا من وصمة ~~الجمود، وينوي مع هذا استدراج ضعفاء الأحلام إلى اعتناق مذهبه؛ إذ يريهم أنه مذهب ~~الباحث بقريحة مرنة ونظر مستقل، ألا إن أهل العلم لا يرهبون، وذوي الفطر السليمة لا ~~يفتنون، وإن سره أن يخب في أثره قوم لا يبصرون، فإن الفرق التي لا تتقلد الإسلام ~~دينا ليسوا بقليل. # إن في العالم الإسلامي علماء شبوا على حرية الفكر، وإطلاق العقل من وثاق التقليد ~~الأصم، فهم لا يكرهون لذوي الألباب أن ms102 يبحثوا حتى في أصل العقائد «وجود الخالق»، ~~وهم لا يستطيعون أن يحولوا بين المرء وما يعتقد من باطل، وليس في أيديهم سوى مقابلة ~~الآراء بما تستحقه من تسليم أو تفنيد. # وهل يرجو المؤلف من أمثال هؤلاء أن تقع أبصارهم على كتاب ينطوي على آراء تضع مكان ~~الإيمان حيرة، ومكان التقوى فسوقا، ومكان إباية الضيم ذلة، ثم يمرون عليها مرور ~~الجاهل بسوء عاقبتها؟! فلا وربك لا يدعون وباءها يتفشى في النفوس الزاكية، والقلوب ~~السليمة، وإن امتلأت الدنيا ألسنة تصفهم بالجمود، وتلقبهم بالحجارة، أو بما هو أشد ~~قسوة. # الباب الثاني # | الرسالة والحكم # النقض - الملك - الرسول عليه السلام ذو رياسة سياسية - بحث في: «أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر» - الجهاد النبوي - الجزية - المخالفون أنواع ثلاثة - سر الجهاد في ~~الإسلام - خطأ المؤلف في الاستدلال بآيات على أن الجهاد خارج عن وظيفة الرسالة ~~- من مقاصد الإسلام أن تكون لأهله دولة - تفنيد قول المؤلف: «الاعتقاد بأن ~~الملك الذي شيده النبي عليه السلام لا علاقة له بالرسالة ولا تأباه قواعد ~~الإسلام» - التنفيذ جزء من الرسالة - وجه قيام التشريع على أصول عامة - مكانة ~~الصحابة في العلم والفهم - الشريعة محفوظة - معنى كون الدين سهلا ~~بسيطا. ~~*** # ملخصه # افتتح الباب بتهوين البحث في أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان ملكا أم لا، وأخذ يستدرج ~~القارئ إلى رأيه الصريح من بعد، ويخيل له أن الاعتقاد بأحد الطرفين - كونه رسولا ~~وملكا، أو ملكا فقط - ليس بدعا في الدين، ولا شذوذا عن مذاهب المسلمين، ثم ذكر ~~أن الرسالة غير الملك، وأن من الرسل من لم يكن ملكا، وقال بعد هذا في صورة سائل: ~~هل كان محمد # صلى الله عليه وسلم # ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، أم كان رسولا غير ملك؟ ~~وادعى أنه لا يعرف لأحد من العلماء رأيا صريحا في هذا البحث، واستنتج أن المسلم ~~العامي يجنح غالبا إلى اعتقاد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ملكا ورسولا، وأنه أسس ~~بالإسلام دولة سياسية. # ثم قال: ولعله رأى جمهور العلماء، وساق عليه كلام ms103 ابن خلدون وما نقله رفاعة بك من ~~كتاب تخريج الدلالات السمعية عن الوظائف والعمالات التي كانت قائمة في عهد النبوة، ~~ثم أخذ يمر بالقارئ على شعاب من التشكيك، فذكر أن في الحكومة النبوية بعض ما يشبه ~~أن يكون من مظاهر الحكم السياسية، وتعرض لمسألة الجهاد، ورأى أن من الظاهر لأول ~~وهلة أن الجهاد إنما يكون لتثبيت السلطان وتوسيع الملك. # وعلل هذا بأن دعوة الدين لا قوام لها إلا البيان وتحريك القلوب بوسائل التأثير ~~والإقناع، وضرب مثلا آخر لمظاهر الدولة؛ وهو جمع المال من مثل الزكاة والجزية ~~والغنائم، وقال: لا شك أن تدبير المال عمل ملكي، وأنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث ~~هي، وعزز مسألتي الجهاد وجمع المال بثالث؛ وهو ما روي من أن النبي # صلى الله عليه وسلم # وجه ~~إمارة اليمن وفرقها بين رجاله، وقال: من نظر إلى ذلك من هذه الجهة ساغ له القول بأن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كان رسول الله تعالى، وكان ملكا سياسيا. وتخلص من هنا إلى أن ~~تأسيسه # صلى الله عليه وسلم # للمملكة الإسلامية خارج عن حدود رسالته، أم جزء مما بعثه الله به ~~وأوحى به إليه؟ # وزعم أن القول بأن المملكة النبوية عمل منفصل عن الرسالة، وأنها من قبيل العمل ~~الدنيوي الذي لا علاقة له بها، ليس بكفر ولا إلحاد، وصرح بأن الرأي الذي تتلقاه ~~نفوس المسلمين بالقبول هو أن المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة، وقال: إن هذا ~~الرأي لا يمكن تعقله إلا إذا ثبت أن الرسول مبلغ ومنفذ معا. # وبعد أن نقل كلام ابن خلدون المتضمن أن الإسلام يجمع بين الدعوة والتنفيذ، ادعى ~~أنه لم ير لهذا القول دعامة، وأنه لا يلتئم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية، ~~وخرج من هذا إلى مشكل آخر - فيما يزعم - وهو خلو الدولة السياسية النبوية من كثير ~~من أركان الدولة ودعائم الحكم، ثم افترض جوابا، بل عذرا يقدمه إليه القائلون بأن ~~من مقاصد الإسلام إقامة دولة، وهو أن للحكومة النبوية نظاما بالغا، وإحكاما ms104 ~~سابغا، ولكنا لم نصل إلى علم التفاصيل الحقيقية، ورده بأن احتمال الجهل ببعض ~~الحقائق لا يمنعه من الوثوق بما علم، واعتباره حقائق يبني عليها الأحكام، ويستخلص ~~منها النتائج. # ثم التمس لعلماء الإسلام جوابا آخر؛ وهو أن ما نسميه اليوم أركان الحكومة وأنظمة ~~الدولة إنما هي أوضاع مصنوعة، والحكومة النبوية حكومة الفطرة التي ترفض كل تكلف، ~~ورده بأن كثيرا مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفا ولا مصنوعا، وهو مع ~~ذلك ضروري ونافع، ثم أغلق الباب بوعد أنه سيلتمس وجها آخر لحل ذلك الإشكال، وهو ما ~~عرج عليه في الباب الثالث. # النقض # رفع المؤلف الحرج على الباحث في أن النبي # صلى الله عليه وسلم # هل كان ملكا أم لا، ونفى أن ~~يكون هذا البحث ذا خطر في الدين يخشى شره على إيمان الباحث، وأفتى بأنه لا يمس ~~شيئا من جوهر الدين ولا أركان الإسلام، ثم قال في ص49: «وربما كان ذلك البحث ~~جديدا في الإسلام لم يتناوله المسلمون من قبل على وجه صريح، ولم يستقر للعلماء فيه ~~رأي واضح، وإذن فليس بدعا في الدين، ولا شذوذا عن مذاهب المسلمين أن يذهب باحث ~~إلى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان رسولا وملكا، وليس بدعا ولا شذوذا أن يخالف في ذلك ~~مخالف، فذلك بحث خارج عن دائرة العقائد الدينية التي تعارف العلماء بحثها، واستقر ~~لهم فيها مذهب، وهو أدخل في باب البحث العلمي منه في باب الدين.» # لو كان المؤلف يبحث بحكمة وإخلاص لافتتح البحث ببيان ماذا يريد من الملك، وأخذ ~~يفتح عين القارئ فيما تقتضيه الأدلة من ثبوت حقيقته في تصرف النبي عليه السلام أو ~~عدم ثبوتها، ولكنه علم أن دخوله في الموضوع من طريق الصراحة يرفع الستار عن طويته، ~~فيأخذ المسلمون منه حذرهم، ويسهل على أهل العلم تحديد آرائه وطعنها بالحجة في ~~نحورها؛ لذلك اختار لفظ ملك، وهو اسم لم يألف المسلمون إطلاقه على رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ليمكنه أن ينفي تحت اسمه ما شاء من حقائق ms105 شرعية، دون أن يحس السذج بما ~~يقصده من إنكار مزايا الإسلام وهدم كثير من أصوله. # ونحن لا نتقدم إلى الخوض في هذا البحث إلا بعد رسم حقيقة الملك، حتى يمتاز المعنى ~~الذي يلتئم بالرسالة من المعنى الذي لا يليق بمقامها الرفيع. # الملك رياسة يتصرف بها صاحبها في أمور الجمهور أمرا ونهيا وتنفيذا، فإن كان ~~التصرف قائما على سنن العدل ومقتضى المصلحة كان الملك مقاما محمودا، ومرتقى ~~شريفا. وهذا هو الذي يهبه الله لعباده المصطفين كما قال الله تعالى مخبرا عن نبيه ~~سليمان عليه السلام: # وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي ~~، وقال تعالى مخبرا عن يوسف الصديق عليه السلام: # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث ~~. # وإن كان التصرف جاريا مع الأهواء، جامحا عن سنن الهوى، كان الملك مظهرا ~~ممقوتا، ومهبط خسر وشقاء. وهذا الصنف من الملك هو الذي يتنزه عنه أنبياء الله، ولا ~~يصح أن يجتمع مع الرسالة بحال. # وإذا كان المراد من الملك سياسة الرعية وتدبير شئونها كانت السياسة نوعين: عادلة ~~وجائرة، فإن السياسة العادلة هي التي يجيء بها الرسل عليهم السلام، وهي التي يعنيها ~~المسلم إذا قال: إن الرسول كان ماسكا بزمام السياسة، وإنما تحامى الناس أن يطلقوا ~~على رسل الله لقب ملك؛ لأن لقب الرسول أرفع اسما، وأدل على العدل من لقب ملك الذي ~~ينادي به كل سائس وإن كان مستبدا مترفا. # ونحن نجاري المؤلف في هذا الصدد ولا نريد من اسم ملك - متى وصفنا به مقام الرسالة ~~- إلا الرياسة السياسية، التي يحاول جحودها بالرغم من حجج تصيح به أنى التفت ~~وهو متصامم عنها تصامم المفتون بأحدث «ما أنتجت العقول البشرية». ~~••• # يقول المؤلف: «إن البحث في أن الرسول عليه السلام كان ملكا أم لا بحث جديد في ~~الإسلام.» وهذا لا يصح إلا إذا عنى بالبحث نفي أن يكون للرسول عليه السلام رياسة ~~سياسية، فإن البحث في ذلك على وجه الإنكار بحث مختلق في الإسلام. وأما كون الرسول ~~ذا رياسة سياسية فأمر تقرر بالكتاب ms106 والسنة المتواترة، وتناوله المسلمون من قبل على ~~وجه صريح، واستقر للعلماء فيه رأي واضح. # أما الكتاب فمن آياته الكثيرة في هذا المعنى قوله تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما ~~، وأما السنة فمن شواهدها: أقضيته # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~وإقامته الحدود على مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر، وإرساله الأمراء في طول البلاد ~~المفتوحة وعرضها، وأما اعتقاد العلماء قاطبة بأنه عليه السلام كان رسولا نبيا ~~ومشرعا سياسيا، فدليله إجماعهم على الاستدلال بأقضيته وأحكامه وسائر تصرفاته ~~العائدة إلى شئون الدولة، إلا ما كان منوطا بعلة فزالت وخلفتها فيه علة أخرى، على ~~ما سنبينه في غير هذا المقام بيانا شافيا. # فاستخفاف المؤلف بذهاب الباحث إلى أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن رسولا ملكا، وقوله: ~~إن ذلك ليس بدعا في الدين ولا شذوذا عن مذاهب المسلمين، ما هو إلا افتيات على ~~الإسلام، ومن ذهب إلى أن الرسول لم يكن مدبرا لشئون السياسة فقد نبذ كتاب الله ~~وراء ظهره، وشاقق الرسول، واتبع غير سبيل المؤمنين. ~~••• # ذكر المؤلف أن الرسالة غير الملك، ثم قال في ص49: «ولقد كان عيسى بن مريم عليه ~~السلام رسول الدعوة المسيحية، وزعيم المسيحيين، وكان مع هذا يدعو إلى الإذعان ~~لقيصر، ويؤمن بسلطانه، وهو الذي أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة: «أعطوا ما ~~لقيصر لقيصر، وما لله لله»، وكان يوسف بن يعقوب عليه السلام عاملا من العمال في ~~دولة الريان بن الوليد، فرعون موسى، ومن بعده كان عاملا لقابوس بن مصعب.» # أتى المؤلف بهذه المقدمة ليضع في ذهن القارئ تمثيل رسول الإسلام بعيسى ويوسف ~~عليهما السلام، في أن كلا منهم لم يكن صاحب دولة ولا رئيسا أعلى في السياسة، ~~والذي يبطل هذا التمثيل أن رسول الإسلام لم يدع إلى الإذعان لقيصر، ولا كان عاملا ~~للمقوقس صاحب مصر، بل دعاهما إلى الإيمان به والدخول تحت سلطانه، وقد شاء ربك أن ~~يكون انقراض دولتهما ودخول مملكتهما تحت راية الإسلام ms107 على يد أحد خلفائه ~~الراشدين. # لم يرض محمد بن عبد الله عليه السلام أن يقيم تحت سلطان غير سلطان الله، ولم ~~يرض لمعتنقي دينه الحنيف أن يستكينوا لسلطة غير إسلامية، وفرض الهجرة والجهاد ~~على ما نقول شهيد. وما ينبغي للمؤلف أن يحشر في غضون كتابه مثل هذه الكلمة التي ~~تقضي حاجة في نفس المخالف المتغلب، وتبقي في النفوس أثر الاستكانة إلى أي يد تقبض ~~على زمامها. # ولقد قلنا فيما سلف: إن هذه المقالة التي يعزوها إلى المسيح عليه السلام لا تجد ~~في المناظرة أذنا صاغية؛ إذ لم نعلم السند الذي ينتهي بها إلى المسيح عليه السلام، ~~علاوة على أن الإسلام شرع الهجرة والجهاد، وأبى لأتباعه إلا أن يلوذوا بالمنعة ~~والعزة التي ليس بعدها مرتقى. ~~••• # قال المؤلف في ص50: «فهل كان محمد # صلى الله عليه وسلم # ممن جمع الله له بين الرسالة والملك، ~~أم كان رسولا غير ملك؟ لا نعرف لأحد من العلماء رأيا صريحا في ذلك البحث، ولا ~~نجد من تعرض للكلام فيه بحسب ما أتيح لنا، ولكنا قد نستطيع بطريق الاستنتاج أن ~~نقول: إن المسلم العامي يجنح غالبا إلى اعتقاد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ملكا ~~رسولا، وأنه أسس بالإسلام دولة سياسية مدنية كان هو ملكها وسيدها.» # إن كانت لكتاب المؤلف مزية فهي أنه يعلم الناس كيف يتنكرون لما عرفوا! وكيف ~~يتخذون من الصفاقة برقعا كثيفا! رأى أهل العلم يتحامون أن يلقبوا الرسول عليه ~~السلام بالملك أو يسموا رياسته ملكا، فاتخذ ذلك ذريعة لما يخادع به قراء كتابه من ~~أن المسألة صالحة لأن تدخل تحت طائلة البحث، وأنه ما وجد فيها للعلماء رأيا ~~صريحا، ولا وجد من تعرض للكلام فيها. # لم يخطر على بال أولئك العلماء أن الأيام سيجيئها المخاض فتضع في بيوت المسلمين ~~وليدا يقال له: «كتاب الإسلام وأصول الحكم» حتى يعدوا له ما استطاعوا من ~~التصريح بأن الرسول عليه السلام كان ملكا، وأن بجانب نبوته رياسة سياسية يقال لها: ~~ملك! # ولا أدري لماذا لم تخطر ms108 على بالهم هذه النادرة وهم كثيرا ما يفصلون أحكاما لصور ~~لم تجر العادة بوقوعها، ولعلهم لم يذهلوا عن مثلها، ولكنهم حسبوا أن القرآن والسنة ~~النبوية المتواترة وبحثهم في الخلافة صريحة في أن للنبي رياسة سياسية، وأن هذه ~~الصراحة تمنع من ينتمي للإسلام - وهو يحمل قلبا يفقه - أن يقول: لا نعرف لأحد من ~~العلماء رأيا صريحا في ذلك البحث، ولا نجد من تعرض للكلام فيه. # على أن العلماء يتعرضون لهذه الرياسة السياسية في بحث الخلافة وفي غير بحث ~~الخلافة، ولم يفتهم إلا أن يسموها ملكا، واختاروا أن يسموها القضاء والإمامة، كما ~~صنع الإمام شهاب الدين القرافي في الفرق السادس والثلاثين # 1 # بين قاعدة تصرفه # صلى الله عليه وسلم # بالقضاء، وبين قاعدة تصرفه بالفتوى، وبين ~~قاعدة تصرفه بالإمامة. # ومن حذق المؤلف في الخلابة أن جعل كون النبي عليه السلام ذا رياسة سياسية مما ~~يعتقده المسلم العامي، قال هذا وهو إنما يقصد تنفير قارئ كتابه من أن يكون بمنزلة ~~العامة؛ حيث يشاركهم في هذه العقيدة. ~~••• # قال المؤلف في ص50: «ولعله أيضا هو رأي جمهور العلماء من المسلمين؛ فإنك تراهم ~~إذا عرض لهم الكلام في شيء يتصل بذلك الموضوع يميلون إلى اعتبار الإسلام وحدة ~~سياسية ودولة أسسها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكلام ابن خلدون ينحو ذلك المنحى؛ فقد جعل ~~الخلافة التي هي نيابة عن صاحب الشرع في حفظ الدين وسياسة الدنيا شاملة للملك، ~~والملك مندرج تحتها.» # يزعم المؤلف أن العلماء لم يصرحوا بدخول الرياسة السياسية في وظيفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وإنما هو رأي العامة من المسلمين، وبعد أن فرغ من طريقته الشعرية قال - ~~كأنه لا يزال في تردد من كونه رأي أهل العلم : «ولعله أيضا هو رأي جمهور أهل العلم، ~~إلخ.» # يؤكد لك أن المؤلف اتخذ من اسم «ملك» نافقاء يخرج منها إلى حيث يشاء: أنه قرأ ما ~~يقوله العلماء في الخلافة من أنها نيابة عن الرسول عليه السلام في إقامة الدين ~~وسياسة الدنيا، ولم يأخذ نفسه إلى الاعتراف بأن ms109 هذا صريح فيما يعتقدونه لمقام ~~الرسالة من الرياسة السياسية، ونأى بجانبه عن هذا كله؛ حيث لم ينطقوا بكلمة ملك أو ~~ملك، وإنما تعرض لكلام ابن خلدون على وجه خاص؛ لأنه ذكر اسم ملك وقال: إن الملك ~~مندرج في الخلافة. ~~••• # قال المؤلف في ص52: «لا شك في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون ~~من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة، وأول ما يخطر بالبال مثالا من أمثلة ~~الشئون الملكية التي ظهرت أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # مسألة الجهاد.» # ليس المؤلف بالغبي لحد أن تصدر عنه هذه الكلمة دون أن ينتبه لما تنطوي عليه من ~~مغامز، ولعله عدل عن التعبير الذي يألفه ذوق المسلم إلى هذا الأسلوب الغريب ليكون ~~في لحنه خطاب لقوم آخرين، حتى إذا خلا بعضهم إلى بعض تناولوه بشرح تشمئز منه قلوب ~~«الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة.» # استكثر المؤلف على الحكومة النبوية أن يكون لها ولو بعض مظاهر الحكومة السياسية، ~~ولم يسمح قلمه الهماز إلا أن يجعل لها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة ~~السياسية، وساق الجهاد مثلا لهذا البعض الشبيه بمظاهر السياسة، واختار هذه الصيغة: ~~«ظهرت أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # مسألة الجهاد.» كأنه يتجنب الكلمة التي يشتم منها رائحة ~~التشريع؛ محافظة على ذلك «المجال المشتبه الحائر»، وليبعد بذهن القارئ عن الاعتقاد ~~بأن الجهاد تنزيل من حكيم حميد! ~~••• # قال المؤلف في ص52: «وظاهر أول أهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة إلى الدين، ~~ولا لحمل الناس على الإيمان بالله ورسوله، وإنما يكون الجهاد لتثبيت السلطان وتوسيع ~~الملك.» # قام النبي عليه الصلاة والسلام بمكة يجاهد في سبيل ربه بالحجة والموعظة الحسنة، ~~ولاقى هو وأصحابه من أذية المشركين ما لا يحتمله إلا ذو عزم نافذ وإيمان كفلق ~~الصبح، وكانت الآيات تنزل لتسليتهم ومطاردة ما عساه يعلق بنفوسهم من جزع أو ~~أسى. # وبعد أن امتحن الله قلوبهم للتقوى، وتألف حول مقام النبوة حزب لا يخنع للبأساء، ~~ولا تستخفه السراء، طلعت بهم الهجرة ms110 الخالصة بين لابتي المدينة المنورة، وأصبحوا ~~بين أقوام ينالونه بالأذى، وآخرين يناصبونهم العداء، ومن هؤلاء من يتربص بهم ~~الدائرة، ومنهم من يجمع أمره ليأخذهم على غرة، ولكن الله سلم، إنه عليم بذات ~~الصدور. # هذا البلاء الذي كان يسطو حول الجماعة المسلمة، أو يتحفز للوثوب عليها، كان حكمة ~~تناسب الإذن للرسول عليه الصلاة والسلام بسل السيف في وجه عدوه الكاشح؛ ليدفع ~~شره، ولتسير دعوة الحق في سبيل لا تعترضها عقبات المفسدين. # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # لذلك نزل قوله تعالى: # أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ~~، ~~وقوله تعالى: # وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين ~~، وقوله تعالى: # كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~. # فنهض النبي # صلى الله عليه وسلم # يجاهد في سبيل حماية الدعوة كل خائن كفار، وكان مع هذا العمل ~~المطهر لوجه الأرض من نجس الشرك والعادات القاتلة للفضيلة يعقد المعاهدات ~~والمحالفات بينه وبين الأقوام المخالفين حيث جنحوا إلى السلم، وأخذوا على أنفسهم أن ~~لا يظاهروا عليه عدوا، وكان يفي بشرطهم ويحترم عهدهم حتى تبدو منهم الخيانة ~~ويمدوا أيديهم إلى مساعدة أعدائه المحاربين، قال تعالى: # وإن ~~جنحوا للسلم فاجنح لها ~~، وقال: # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم ~~عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين ~~. # وما برح # صلى الله عليه وسلم # يقاتل محاربيه على مقتضى العدل والحزم إلى السنة الثامنة أو ~~التاسعة من الهجرة، # 2 # فشرعت وقتئذ الجزية ونزلت آية: # حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون ~~، فكان عليه الصلاة والسلام ~~يقبل من أهل الكتاب الجزية ويقرهم في أمن على نفوسهم وأموالهم، وحرية من إقامة ~~شعائر دينهم، وقبل الجزية من المجوس أيضا وقال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب.» # 3 # ومن أهل العلم من وقف في قبول الجزية ms111 عند حد ما ورد في الكتاب والسنة، ومنهم من ~~ذهب إلى أنها تقبل من كل مخالف أيا كانت نحلته، قال القاضي أبو بكر بن العربي في ~~عارضة الأحوذي: «قال ابن القاسم صاحب الإمام مالك: «إذا رضيت الأمم كلهم بالجزية ~~قبلت منهم.» وقال ابن حجر في الفتح: # 4 ~~«وقال مالك: تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد. وبه قال الأوزاعي وفقهاء ~~الشام.» # وصار المخالفون بعد تقرير الجزية إلى أنواع ثلاثة: أهل عهد، وأهل ذمة، ومحاربين. ~~ومن تتبع سير الجهاد النبوي ينتزع منه أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يحمل المحاربين من ~~مشركي العرب على الإسلام أو السيف؛ إذ كان الفساد الذي ينشأ عن الوثنية والمزاعم ~~المتفرعة عنها وباء يفتك بالعقول والأخلاق، ويفتح على الإنسانية ينبوع شر ليس له من ~~آخر، وكان مع هذا ينهى عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء، ويطلق سراح الأسرى؛ إما ~~منا وإما فداء. وبعد أن استقر الأمر على حكم قبول الجزية أصبح الجهاد النبوي ~~بعيدا عما يشبه أن يكون من مظاهر الإكراه في الدين، كما أنه لا يخطر على بال مسلم ~~أن الجهاد النبوي إنما يكون لتثبيت السلطان وتوسيع الملك. # إذن ما هي الغاية من الجهاد؟ # الإسلام عقيدة وشريعة ونظام اجتماعي، فهو بالنظر إلى أصول العقائد التي هي باب ~~الإيمان به إنما يدعى إليه بالحكمة والموعظة الحسنة؛ إذ لا يمكن لبشر أن يدخل في ~~قلب بشر عقيدة إلا أن يقرنها بما يثبتها في النفس من برهان أو إقناع، وأما الشرائع ~~والنظم الاجتماعية فإن التجربة في القديم والحديث دلت على أنها لا تقوم في أمة ولا ~~يطرد نفاذها إلا أن تكون شدة البأس بجانبها، والسيوف من ورائها، فلا بد للإسلام ~~من دولة ذات شوكة لتقوم على إجراء هذه الشرائع والنظم، وتحول بينها وبين قوم لا ~~يبصرون. # ثم إن ظهور الحق بمظهر العزة والمنعة مما يجذب إليه النفوس، ويحبب إليها التقرب ~~منه، وربما انقلبت إلى تأييده بعد أن كانت من خصومه الألداء، فلا بد أيضا من بسط ~~ظل الإسلام ms112 وإعلاء رايته على دائرة واسعة من البسيطة؛ حتى لا تكون فتنة، وحتى يدرك ~~المخالفون الذين يقيمون تحت سلطانه أنه دين التوحيد الخالص، والشريعة القيمة، ~~والآداب السامية، فيعتنقونه عن عقيدة صادقة، ونفس راضية، وكذلك كان أثر الجهاد في ~~البلاد التي انقلبت إسلامية في عقائدها وآدابها وسائر شئونها الاجتماعية. ~~••• # قال المؤلف في ص53: «وما عرفنا في تاريخ الرسل رجلا حمل الناس على الإيمان بالله ~~بحد السيف، ولا غزا قوما في سبيل الإقناع بدينه، وذلك هو نفس المبدأ الذي يقرره ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # فيما كان يبلغ من كتاب الله، قال الله تعالى: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي ~~، وقال: # ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن ~~، وقال: # فذكر إنما أنت ~~مذكر * لست عليهم بمصيطر ~~، وقال: # فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ~~، # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين ~~. تلك مبادئ صريحة في أن رسالة النبي # صلى الله عليه وسلم # كرسالة ~~إخوانه من قبل إنما تعتمد على الإقناع والوعظ.» # من الجلي الواضح أن الرسول لا يغزو قوما في سبيل الإقناع بدينه؛ فإن للحجة عملا ~~لا يقوم به السيف، كما أن للسيف عملا لا تنهض به الحجة، فالحجة تلج بالعقيدة إلى ~~أعماق القلوب. وهذا عمل لا تنهض به السيوف وإن كانت مشرفية، ولا الرماح وإن كانت ~~سمهرية، والسيف يحمل الناس على الشرائع واحترام النظم الاجتماعية، وهو عمل قد تذهب ~~الحجة دونه ضائعة وإن لبست بردة الفصاحة من منطق سحبان، أو قلم الفتح بن ~~خاقان. # فالجهاد لا يقصد به نقل القلوب من الضلال إلى الهدى، وإشرابها الإيمان في الحال، ~~وعدم إمكان هذا المعنى لا يمنع من أن يراد من الجهاد النبوي قبل شرع الجزية كف أذى ~~القبائل المشركة العاثية في الأرض فسادا، وإلباسها ثوب الإسلام ولو في الظاهر؛ ~~لتدخل في نظام وشريعة، ويرجى منها بعد مشاهدة أنوار النبوة ms113 مرة بعد أخرى أن تدرك ~~الحق حقا فينقلب جهلها علما، ونفاقها إيمانا، وتستنير صدورها كما صلحت ~~ظواهرها. # والجهاد لهذا القصد يلتئم مع قوله تعالى: # ادع إلى ~~سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن ~~، فإن الجهاد الذي يساق به الوثنيون إلى ~~الإسلام يقصد به إصلاح ظواهرهم، والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ~~يقصد به إخراج القلوب من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان. # وقوله تعالى: # ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين ~~، إنما يفهم منه إنكار أن يكون في استطاعة البشر إدخال ~~الإيمان في القلوب بوسائل القسر والإكراه. # وقوله تعالى: # وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ ~~، وقوله: # فذكر إنما أنت ~~مذكر * لست عليهم بمصيطر # هما من ~~الآيات التي كانت تنزل قبل مشروعية الجهاد لتسلية النبي # صلى الله عليه وسلم # حين يشتد به الحزن ~~من إعراض المشركين عن سبيل الهدى، وتكاد نفسه الشريفة تذهب عليهم حسرات. # وقوله تعالى: # لا إكراه في الدين قد تبين ~~الرشد من الغي ~~، تتمشى مع شرع الجهاد أيضا؛ إذ يجوز أن يكون ~~المراد من الآية نفي أن يكون «في الدين إكراه من الله وقسر، بل مبنى الأمر على ~~التمكين والاختيار، ولولا ذلك لما حصل الابتلاء، ولبطل الامتحان. وإلى ذلك ذهب القفال.» # 5 # وإذا نظرنا إلى أن الآية نزلت بعد تقرر حكم الجزية كان معنى الآية: ~~«إنما هو لا إكراه في الدين لأحد ممن حل قبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام.» # 6 # فرسالة النبي # صلى الله عليه وسلم # تعتمد على الحجة والإقناع والموعظة، وكانت تتخذ الجهاد ~~دفعا لأذى المشركين، وعونا على بث الدعوة إلى سبيل رب العالمين. ~~••• # قال المؤلف في ص53: «وإذا كان # صلى الله عليه وسلم # قد لجأ إلى القوة والرهبة، فذلك لا يكون ~~في سبيل الدعوة إلى الدين، وإبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا أن نفهم إلا ~~أنه كان في سبيل الملك، ولتكوين الحكومة الإسلامية، ولا تقوم حكومة إلا على السيف، ~~وبحكم القهر والغلبة، فذلك ms114 عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه.» # من مقاصد الإسلام الأساسية أن تكون لأهله دولة ليس لمخالف عليها من سبيل، ولم يكن ~~المقتضي لإقامة هذه الدولة ما يخطر على طلاب الملك من التباهي بالرياسة والتمتع ~~بملاذ هذه الحياة، وإنما يقصد الإسلام من تأسيس الدولة الإسلامية أمرين: # أحدهما: # إجراء أحكامه العادلة ونظمه الكافلة بسعادة الحياة؛ إذ لا يقوم ~~عليها بحق إلا من آمن بحكمتها، وأشرب قلبه الغيرة على ~~تنفيذها. # ثانيهما: # الاحتفاظ بكرامة أوليائه وإعزاز جانبهم حتى لا يعيشوا تحت سلطة ~~مخالف يدوس حقوقهم، ويرفع أبناء قومه أو ملته عليه درجات. # فالنبي # صلى الله عليه وسلم # إنما أقام الحكومة الإسلامية لهذين المقصدين اللذين يتجليان في ~~كثير من الآيات كقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ~~، ~~وقوله: # وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ~~وأكثرهم فاسقون ~~. # ولقد أقام النبي # صلى الله عليه وسلم # حكومة رفعها المسلمون على رءوسهم، وتلقوا تشريعها ~~وتنفيذها بقلوبهم. والقوة والرهبة إنما كان يعدها لمن يبدءونه بالقتال أو يبيتون ~~المكيدة لأخذه على غرة، أو يقفون في سبيل دعوته، ولم يجاهد في سبيل الملك قط، وإنما ~~كان يجاهد بإذن الله وفي سبيل الله. # وقول المؤلف: «فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوي ومعناه.» إنما هو النافقاء يبنيها ~~اليربوع حتى إذا حوصر من باب خرج من آخر وذهب بسلام، ولا ندري ماذا يريد بقوله ~~«عندهم»، والظاهر أنه لم يرد بذلك علماء الإسلام، فإنه قال في صدر الباب: إنه لا ~~يعرف لأحد من العلماء رأيا صريحا في بحث أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ملكا أم لا. ولو ~~قالوا: إن الجهاد النبوي كان في سبيل الملك لكان هذا القول صريحا في ذهابهم إلى أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ملكا. # على أننا لا نعلم ولا يمكن أن نعلم أن أحدا من علماء الإسلام يذهب إلى أن الجهاد ~~النبوي كان في سبيل الملك، وكيف تصدق أن يذهب أحد إلى هذا السفساف وأنت ms115 لا تتلو ~~قرآنا أو حديثا في الجهاد إلا وجدته يصرح ويرشد إلى أن يكون «في سبيل ~~الله»؟ ~~••• # ثم أتى المؤلف بمثل آخر من أمثلة الشئون الملكية؛ وهو ما كان في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # من العمل المتعلق بالشئون المالية من حيث جمع المال وتوزيعه بين مصارفه، ~~ثم قال في ص54: «ولا شك أن تدبير المال عمل ملكي، بل هو أهم مقومات الحكومات، على ~~أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هي، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلا ~~فحسب.» # الذي يعرفه رجال العلم أن تحديد وظيفة الرسول يرجع إلى إرادة المرسل، فهو الذي ~~يحد له العمل الذي يقوم به ويبلغه عنه، ومعرفة أن هذا العمل داخل في وظيفة الرسول ~~إنما تتلقى من الأدلة السمعية التي يصدق بها المؤمنون برسالته. # إذن كل عمل يقوم الدليل على أن الرسول عليه السلام فعله عن وحي فهو داخل في ~~وظيفته، ولا ريب في أن التدبير المالي الذي ذكره المؤلف كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يقوم به ~~بأوامر إلهية؛ مثل قوله تعالى: # خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~، وقوله: # إنما الصدقات للفقراء # إلخ. وهل بعد هذا ~~ينشرح صدر مسلم لأن يقول: إن تدبير النبي عليه السلام لأموال الزكاة والجزية وخمس ~~الغنيمة بعيد عن عمل الرسل من حيث إنهم رسل؟! ~~••• # قال المؤلف في ص55: «إذا ترجح عند بعض الناظرين اعتبار تلك الأمثلة، واطمأن إلى ~~الحكم بأنه # صلى الله عليه وسلم # كان رسولا وملكا، فسوف يعترضه بحث آخر جدير بالتفكير؛ فهل ~~كان تأسيسه # صلى الله عليه وسلم # للمملكة الإسلامية وتصرفه في ذلك الجانب شيئا خارجا عن حدود ~~رسالته # صلى الله عليه وسلم ~~، أم كان جزءا مما بعثه الله له وأوحى به إليه؟» # نفث المؤلف كلمة الارتياب في أن للنبي عليه الصلاة والسلام رياسة سياسية، وأفتى ~~بأن إنكار ذلك لا يمس جوهر الدين، فصادمته أعمال من السيرة النبوية لا تصدر إلا ممن ~~قبض على زمام السياسة، فأخذ يقلل من شأنها ويسميها: «بعض ما يشبه أن ms116 يكون من مظاهر ~~الحكومة.» # ثم خشي أن لا يجد الارتياب إلى قلوب بعض القارئين منفذا فيخرجوا بضمائر طاهرة، ~~فسولت له نفسه أن يهمس في آذان الذين اطمأنوا إلى الحكم بأنه # صلى الله عليه وسلم # كان رسولا ~~ملكا، ويفتنهم من ناحية أخرى؛ وهي أن تأسيس النبي # صلى الله عليه وسلم # للمملكة الإسلامية ~~وتصرفه في ذلك الجانب: هل كان خارجا عن حدود الرسالة، أو كان جزءا مما أوحي به ~~إليه؟ ~~••• # قال المؤلف في ص55: «فأما أن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الإسلام وخارج عن ~~حدود الرسالة؛ فذلك رأي لا نعرف في مذاهب المسلمين ما يشاكله، ولا نذكر في كلامهم ~~ما يدل عليه، وهو على ذلك رأي صالح لأن يذهب إليه، ولا نرى القول به يكون كفرا ~~ولا إلحادا»! # كان المؤلف يرجو أن يجد في مذاهب المسلمين القول بأن المملكة النبوية عمل منفصل ~~عن دعوة الإسلام وخارج عن حدود الرسالة، ولكنه لم يعرف ما يشاكل ذلك، ولا يذكر في ~~كلامهم ما يدل عليه، وأراد أن يجعل لهذا الرأي المنشق عن الآراء الإسلامية مكانا ~~في النظر، فشهد له بالصلاح لأن يكون مذهبا، وأذن للإيمان بأن يلتقي معه في نفس ~~واحدة. # سبق للمؤلف آنفا أن ذكر في الشئون الملكية الجهاد والزكاة والجزية والغنائم، ~~وساق الكلام فيها على أسلوب يخيل إلى القارئ أنها لم تجئ عن طريق الوحي، وإذ صرف ~~قلمه عن آيات الجهاد وآيات الزكاة والغنائم بدا له أن المجال فسيح، وطفق يشهد ~~للآراء المطوية على الكيد للإسلام باللياقة لأن تكون مذهبا. # تصرف النبي # صلى الله عليه وسلم # في مثل الجهاد والزكاة والجزية والغنائم يستند إلى صريح ~~القرآن، فلا مفر لمنكره من الوقوع في حمأ الإلحاد، ولا أراني في حاجة إلى نقل شيء ~~من نصوص الراسخين في علم الشريعة وفتواهم بأن من أنكر حقيقة معلومة من الدين ~~بالضرورة فقد انقلب على عقبه مدبرا عن الإسلام، ولا يحق له بعد ذلك الإنكار أن ~~يتأثم من المسلمين إذا طرحوه من حساب أولياء دينهم الحنيف. ~~••• # قال المؤلف ms117 في ص55: «لا يهولنك أن تسمع أن للنبي # صلى الله عليه وسلم # عملا كهذا خارجا عن ~~وظيفة الرسالة، وأن ملكه الذي شيده هو من قبيل العمل الدنيوي الذي لا علاقة له ~~بالرسالة، فذلك قول إن أنكرته الأذن - لأن التشدق به غير مألوف في لغة المسلمين - ~~فقواعد الإسلام ومعنى الرسالة وروح التشريع وتاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم # كل ذلك لا يصادم ~~رأيا كهذا ولا يستفظعه، بل ربما وجد ما يصلح له دعامة وسندا، ولكنه على كل حال ~~رأي نراه بعيدا.» # قد عرفت فيما سلف أن المؤلف يعني بالداخل في حدود الرسالة ما تقرر بوحي، وبالخارج ~~عنها ما لم يكن كذلك. ومما هو صريح في هذا المعنى قوله فيما نقلناه آنفا: «وتصرفه ~~في ذلك الجانب شيئا خارجا عن حدود رسالته، أم كان جزءا مما بعثه الله به، وأوحى ~~به إليه؟» # وبعد أن يريد بالخارج عن وظيفة الرسالة ما لم يكن مستندا إلى وحي، ويذكر من شئون ~~الملك الجهاد والزكاة والجزية والغنائم يقول: إن الاعتقاد بأن المملكة النبوية عمل ~~منفصل عن دعوة الإسلام وخارج عن وظيفة الرسالة ليس بكفر ولا إلحاد، وإن معنى ~~الرسالة وروح التشريع وتاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم # كل ذلك لا يصادمه ولا يستفظعه. وتطاول ~~بعد هذا إلى دعوى أنه يوجد ما يصلح له دعامة وسندا. # لا يهول المسلم أن يسمع من مخالف أن عملا كالجهاد والتصرف في شئون الزكاة ~~والجزية والغنيمة كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يتولاه من نفسه دون أن يهبط عليه وحي بذلك، ~~فإن المخالف لا يصدق بالقرآن ولا يطمئن لإجماع، وإنما يهول المسلم أن يسمع رجلا ~~نبت في بيت إسلامي، وشب في معهد ديني وهو يتشدق بهذا الرأي، رافعا به عقيرته شأن ~~من لم يطرق أذنه أمثال قوله تعالى : # انفروا خفافا ~~وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله ~~، وقوله تعالى: # خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~، وقوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول ولذي القربى ~~، وقوله تعالى: # حتى ms118 يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون ~~. # وإذا كانت الشئون الحربية والمالية والقضائية مما جاء به صريح القرآن، فأي شبهة ~~تبقى بيد من يزعم أن قواعد الإسلام ومعنى الرسالة وروح التشريع وتاريخ النبي # صلى الله عليه وسلم # لا تصادم القول بأن تأسيس المملكة خارج عن وظيفة الرسالة؟ # ولا ندري ما هذا الأمر الذي يصلح أن يكون دعامة وسندا لرأي لو علق طلاؤه بأذهان ~~المسلمين لنبذوا شطر كتاب ربهم وسنة رسولهم، وكانوا من القوم الذين خسروا أنفسهم ~~وهم لا يشعرون! # وقول المؤلف: «ولكنه على كل حال رأي نراه بعيدا.» إنما هو النافقاء يبنيها عقب ~~آراء يثيرها في وجه الحقيقة، ويقنع من أثرها بالتشكيك، ولو جاءت هذه الكلمة كما ~~تجيء الكلمات التي تقتضيها طبيعة البحث لنبه على وجه بعده، كما أجمع أمره على ~~تقريبه وتأييده. ~~••• # تعرض المؤلف للقول بأن المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة متمم لها وداخل فيها، ~~وقال: ذلك الرأي الذي تتلقاه نفوس المسلمين فيما يظهر بالرضا، ثم قال في ص56: «ومن ~~البين أن ذلك الرأي لا يمكن تعقله إلا إذا ثبت أن من عمل الرسالة أن يقوم الرسول، ~~بعد تبليغ الدعوة، بتنفيذها على وجه عملي؛ أي أن الرسول يكون مبلغا ومنفذا، غير ~~أن الذين بحثوا في معنى الرسالة، ووقفنا على مباحثهم أغفلوا دائما أن يعتبروا ~~التنفيذ جزءا من حقيقة الرسالة، إلا ابن خلدون؛ فقد جاء في كلامه ما يشير إلى أن ~~الإسلام دون غيره من الملل الأخرى قد اختص بأنه جمع بين الدعوة الدينية وتنفيذها ~~بالفعل.» # يدع المؤلف دلائل الشريعة ونصوص العلماء القائمة على أن التنفيذ جزء من وظيفة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ويلقي قلمه في مهاب الشبه تخفق به من أمام إلى وراء، ومن اليمين ~~إلى الشمال، يريد أن يتخذ من بحث أهل العلم في معنى الرسالة دليلا على أن التنفيذ ~~غير داخل في وظيفة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وقد حام على غير هدى، وتشبث ~~بأوهى من عهد دولة استعمارية! # إن الذين يبحثون عن الحقائق العامة إنما ms119 يشرحونها بالمعنى الذي تشترك فيه جميع ~~أفرادها، وليس عليهم أن يتعرضوا لما يتصل بها من مقتضيات، أو ينضم إلى بعض أفرادها ~~من مميزات، فإذا قالوا: «الرسول إنسان بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الأحكام.» # 7 # فإنما أرادوا تحديد المعنى الذي يتحقق به مفهوم الرسالة، وهذا لا يمنع ~~أن يكون في الرسل عليهم السلام من أوحي إليه بتنفيذ ما أمر بتبليغه، فيكون التنفيذ ~~داخلا في وظيفته، وكذلك كان التنفيذ للأحكام الشرعية داخلا في وظيفة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وملقى عليه عبؤه الثقيل من طريق الوحي، فيصح أن يكون مميزا من مميزات ~~رسالته وإن لم يكن جزءا من المعنى الذي يحدون به الحقيقة العامة للرسالة. ~~••• # بعد أن حكى المؤلف ما كتبه ابن خلدون في الفصل الذي تكلم فيه عن اسم البابا ~~والبطرك والكوهن، قال في ص57: «فهو كما ترى يقول: إن الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي، ~~وإن السلطة الدينية اجتمعت فيه والسلطة السياسية، دون سائر الأديان.» ثم قال: «لا ~~نرى لذلك القول دعامة، ولا نجد له سندا، وهو على ذلك ينافي معنى الرسالة، ولا ~~يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة الدعوة الدينية كما عرفت.» # ادعى المؤلف أنه لا يرى للقول بأن الإسلام شرع تبليغي وتطبيقي دعامة، ولا يجد له ~~سندا، وعزز هذه الدعوى بكلمة لا يحتمل تبعتها المنطقية إلا من شعر بأنه في بيئة ~~تلذ صرير الأقلام المحاربة لدين الحق، وإن دمرت منطق أرسطو وطمست معالم الحكمة، وهي ~~زعمه أن ذلك القول ينافي معنى الرسالة ولا يلتئم مع ما تقتضيه طبيعة الدعوة ~~الدينية. # يقول المؤلف: لا نرى لذلك القول دعامة، وهذه كتب السنة مملوءة بالأحاديث الصريحة ~~في أنه عليه الصلاة والسلام كان يأمر بالقاتل فيقتص منه، وبالسارق فتقطع يده، ~~وبالزاني فيجلد أو يرجم، وبشارب الخمر فيضرب بالجريد أو النعال، وفي صحيح البخاري : ~~«أنه قام عليه السلام فخطب فقال: يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا ~~إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله، لو أن فاطمة ms120 ~~بنت محمد سرقت؛ لقطع محمد يدها.» # زعم المؤلف أن ذلك القول ينافي معنى الرسالة، ولا يتلاءم مع مقتضى طبيعة الدعوة، ~~وهذا الزعم ينافي الواقع ولا يتلاءم مع ما تقضي به طبيعة البحث المنطقي. # أما منافاته للواقع فإن الله تعالى أمر رسوله بإبلاغ الناس قوله تعالى: # وآتوا الزكاة ~~، وقال له: # خذ ~~من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~، وأما ~~عدم ملاءمته لمقتضى البحث المنطقي؛ فإن التنافي يرادف التناقض، والمعنى أن القول ~~بأن الإسلام تبليغي وتطبيقي يقتضي نفي معنى الرسالة، ومعنى الرسالة يقتضي نفيه. ~~وهذا الحكم غير صحيح؛ إذ لا يصح إلا إذا كان في معنى التبليغ والتنفيذ ما يجعلهما ~~متنافيين، والمعقول أنهما ليسا بمتنافيين، ولا أن الجمع بينهما يعود بخلل عليهما أو ~~على أحدهما، وهل من عقل يشعر بتناقض في قولك لشخص: بلغ بني تميم أن يتعلموا المنطق ~~حتما، ومن رأيته يخرج في كلامه عن قانون المنطق فقومه بالتي هي أحكم؛ حتى تحمله ~~على طريقة التفكير الصحيح. ~~••• # قال المؤلف في ص57: «إذا كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد أسس دولة سياسية، أو شرع في ~~تأسيسها، فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم ~~نعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي ~~قواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟ ~~ولماذا؟ ولماذا؟ نريد أن نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام أو اضطراب أو ~~نقص، أو ما شئت فسمه، في بناء الحكومة أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكيف كان ذلك؟ وما ~~سره؟» # ألقى المؤلف هذه الشبه وهو يحسبها قذائف تهدم حصون الدولة الإسلامية، ولا ~~إخالها تنشب بذهن مسلم وقف على شيء من حكمه التشريع، ووزن أقدار الصحابة - رضي الله ~~عنهم - بالقسطاس المستقيم. وإن شئت جوابا قريب المأخذ، وجيز القول؛ فإليك الجواب: ~~عنيت الشريعة في الأكثر بتفصيل ما لا تختلف فيه مصالح الأمم، ولا يتغير حكمه بتغير ~~الزمان والمكان، وذلك ما يرجع ms121 إلى العقائد والأخلاق ورسوم العبادات، ثم جاءت إلى ~~قسم المعاملات والسياسات فأتت على شيء قليل من تفاصيله، وطوت سائره في أصول عامة ~~لحكم ثلاث: # إحداها: # أن أحكام هذا القسم تختلف بحسب ما يقتضيه حال الزمان وتطور ~~الشعوب، فإذا وقعت الواقعة أو عرضت الحاجة نظر العالم في منشئها ~~وما يترتب عليها من أثر، واستنبط لها حكما بقدر ما تسعه مقاصد ~~الشريعة ومبادئها العليا. # ثانيتها: # أن وقائع المعاملات والسياسات تتجدد في كل حين، والنص على كل ~~جزئية غير متيسر، علاوة على أن تدوينها يستدعي أسفارا لا فائدة ~~للناس في كلفة حملها. # ثالثتها: # أن الشريعة لا تريد أسر العقول وحرمانها من التمتع بلذة النظر ~~والتسابق في مجال الاجتهاد. # فإذا كانت الأحكام والنظم تفصل على ما يقتضيه حال الشعوب، وكانت وقائع المعاملات ~~والسياسات لا تنقضي، وكان شارع الإسلام يراعي حق العقل ولا يريد حصره في دائرة ~~ضيقة، فهل من العقل أو من الصواب أن يقول قائل: لماذا لم يتحدث النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى ~~رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟ # إن هذا السؤال لا يصدر من سليم الطوية إلا إذا فاته أن يدنو من روح التشريع، ولم ~~يكن من أصول الدين على بينة؛ فإن الشريعة ترشد إلى المصالح، وتأمر بالقيام بها، ثم ~~تترك وسائل إقامتها على الوجه المطلوب إلى اجتهادات العقول، قال أبو إسحاق الشاطبي ~~في كتاب الموافقات: # 8 ~~«كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد، ولم يجعل له قانون ولا ~~ضابط مخصوص؛ فهو راجع إلى معنى معقول وكل إلى نظر المكلف. وهذا القسم أكثر ما ~~تجده في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى ... وكل دليل ثبت فيه مقيدا غير مطلق، ~~وجعل له قانون وضابط؛ فهو راجع إلى معنى تعبدي لا يهتدي إليه نظر المكلف لو وكل إلى ~~نظره؛ إذ العبادات لا مجال للعقول في أصلها فضلا عن كيفياتها.» # ولنضرب المثل لهذه السنة الشرعية بقاعدة الشورى نفسها: فالإسلام أرشد إلى الشورى ~~بقوله تعالى: # وأمرهم شورى بينهم ~~، وقصد ~~إلى إقامتها على ms122 وجه ينفي الاستبداد، ويجعل الحكام لا يقطعون أمرا حتى تتناوله ~~آراء أهل الحل والعقد، وأبقى النظر في وسائل استطلاع الآراء إلى اجتهاد أولي الأمر ~~وإلى ألمعيتهم؛ فهم الذين يدبرون النظم التي يرونها أقرب وأكمل، فيستطلعون الآراء ~~باقتراع سري أو علني، بالكتابة أو برفع الأيدي أو بالقيام، ولهم النظر في تعيين من ~~يستفاد من آرائهم وكيفية انتخابهم. # فالشريعة تحدثت في نظام السياسة وفي قواعد الشورى، ولكن بلسان أوتي جوامع الكلم، ~~وخطاب يفهمه الذين يحملون في صدورهم قلوبا باصرة، وسرائر خالصة. # يقول المؤلف: لماذا لم نعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ # جواب هذا السؤال هو ما كنا بصدد بيانه من أن الشريعة يهمها أن يقوم القضاء على ~~القانون العادل ورعاية الحقوق، وقد سنت القوانين العادلة وأرشدت إلى بعض النظم ~~القضائية بتفصيل، ولوحت بسائرها إلى اجتهاد القاضي وذكائه، فيتبع ما يلائم طبيعة ~~الحال ومقتضى المصلحة. وقد كان قضاة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من العلم والكفاية لهذا ~~المنصب بالمكانة العليا، ولم يكن الصحابة - رضي الله عنهم - بمنزلة الأميين الذي ~~يعيشون في دائرة محدودة من التعقل، بل كانوا يتفقهون في مقتضيات الاجتماع، ويغوصون ~~على فهم السنن الكونية، ويعرفون كيف ينتزعون الأحكام من مآخذها. يشهد بهذا كله ~~التاريخ الصحيح وآثارهم في قلب العالم من هيئة متخاذلة بالية، إلى هيئة نظر إليها ~~أساتذة السياسة بإعجاب، وخر لها عشاق العدالة سجدا. # إن المسلم الذي يصدق بما بين دفتي كتاب الله يجد في آياته: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~، فما ~~كان أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقرءون الكتاب بألسنتهم وأفئدتهم هواء، وإنما كانوا ~~يتدبرونه بفطر سليمة، وينظرون ماذا في السماوات وما في الأرض ببصائر نيرة، وما ~~يتشابه عليهم من أمر يعرضونه على الرسول عليه السلام، فيكشف ما غم عنهم، ويهديهم ~~إلى الذي هو أصلح وأبقى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: # 9 ~~«وكان الواحد من خلفائه إذا ms123 أشكل عليه الشيء أرسل إليه سأله عنه، فكان ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حياته يعلم خلفاءه ما جهلوا، ويقومهم إذا زاغوا، ~~ويعزلهم إذا لم يستقيموا.» # نشأت تلك العقول في أحضان الشرع الإسلامي، وارتضعت أفاويق الحكمة من ثدي النبوة، ~~فكان لها شأن لا يعرف عظمته إلا ذو عقل رشيد. # كان الأمراء والقضاة لعهد النبوة من هذا الفريق السليم الفطرة، الواسع النظر، ~~القائم على أصول الشريعة، المستضيء بنور التقوى، ومتى تحققت هذه المزايا في حاكم ~~باتت الحقوق في أمن، وجرت الأمور على نظام، وما زاد على ذلك فإما أن يكون ضروريا ~~ونافعا في حال دون حال، وإما أن يكون من قبيل «ما لا يدعو إليه طبع سليم، ولا ~~ترضاه فطرة صحيحة». ~~••• # قال المصنف في ص58: «قد يقول قائل يريد أن يؤيد ذلك المذهب بنوع من التأييد على ~~طريقة أخرى: إنه لا شيء يمنعنا من أن نعتقد أن نظام الدولة زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ~~متينا محكما، وكان مشتملا على جميع أوجه الكمال التي تلزم لدولة يدبرها رسول ~~من الله يؤيده الوحي، وتؤازره ملائكة الله، غير أننا لم نصل إلى علم التفاصيل ~~الحقيقية ودقائق ما كانت عليه الحكومة النبوية من نظام بالغ وإحكام سابغ؛ لأن ~~الرواة قد تركوا نقل ذلك إلينا، أو نقلوه ولكن غاب علمه عنا، أو لسبب آخر.» # هذا الجواب باطل، فإن الشريعة كاملة بكلياتها وجزئياتها، ولا يصح أن يضيع شيء من ~~حقائقها: قرآنا أو سنة، قال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب الموافقات: # 10 ~~«إن هذه الشريعة معصومة كما أن صاحبها # صلى الله عليه وسلم # معصوم، وكما كانت أمته ~~فيما اجتمعت عليه معصومة، ويتبين ذلك بوجهين: # أحدهما: # الأدلة الدالة على ذلك تصريحا وتلويحا كقوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا ~~له لحافظون ~~، وقوله: # كتاب أحكمت آياته ~~... فأخبر أنه يحفظ آياته ~~ويحكمها حتى لا يخالطها غيرها، ولا يدخلها التغيير ولا التبديل، ~~والسنة وإن لم تذكر فإنها مبينة له، ودائرة حوله؛ فهي منه وإليه ~~ترجع في معانيها ... # والثاني: # الاعتبار ms124 الوجودي الواقع من زمن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى الآن؛ ~~وذلك أن الله عز وجل وفر دواعي الأمة للذب عن الشريعة والمناضلة ~~عنها بحسب الجملة والتفصيل. أما القرآن الكريم فقد قيض الله له ~~حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر ~~فضلا عن القراء الأكابر ... ثم قيض الحق - سبحانه وتعالى - رجالا ~~يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وعن أهل الثقة ~~والعدالة من النقلة، حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا ~~التواريخ وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان عن فلان حتى استقر الثابت ~~المعمول به من أحاديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وكذلك جعل الله العظيم ~~لبيان السنة عن البدعة ناسا من عبيده بحثوا عن أغراض الشريعة ~~كتابا وسنة، وعما كان عليه السلف الصالحون، وداوم عليه الصحابة ~~والتابعون، وردوا على أهل البدع والأهواء حتى تميز اتباع الحق عن ~~أتباع الهوى.» # هذا أحد نصوص علماء الإسلام المتعاقدة على أن الشريعة محفوظة لم يترك الرواة ~~شيئا من أصولها، ولم يغب عن الباحثين بحق علمها. ~~••• # ثم بدا للمؤلف أن يلتمس جوابا آخر عن «ذلك الذي يبدو للناظر كأنه إبهام أو ~~اضطراب أو نقص أو ما شئت فسمه.» فأملى عليه خياله أن أنظمة الدولة، التي هي ~~اصطلاحات عارضة وأوضاع مصنوعة، لا تلائم بساطة الدين وبعده عن التكلف، وبعد أن أسهب ~~في هذا المعنى وحشر فيما يزيد على صحيفتين كلاما متشابها وغير متشابه، وصفه بعدم ~~الوجاهة والصحة وقال في ص62: «حق أن كثيرا من أنظمة الحكومة الحديثة أوضاع ~~وتكلفات، وأن فيها ما لا يدعو إليه طبع سليم، ولا ترضاه فطرة صحيحة، ولكن من الأكيد ~~الذي لا يقبل شكا أيضا أن في كثير مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفا ولا ~~مصنوعا، ولا هو مما ينافي الذوق الفطري البسيط، وهو مع ذلك ضروري ونافع، ولا ينبغي ~~لحكومة ذات مدنية وعمران أن تهمل الأخذ به. # وهل من سلامة الفطرة وبساطة الطبع مثلا أن لا يكون لدولة من ms125 الدول ميزانية تقيد ~~إيرادها ومصروفاتها، أو أن لا يكون لها دواوين تضبط مختلف شئونها الداخلية ~~والخارجية إلى غير ذلك - وإنه لكثير - مما لم يوجد منه شيء في أيام النبوة، ولا ~~أشار إليه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، إنه ليكون تعسفا غير مقبول أن يعلل ذلك الذي يبدو من ~~نقص المظاهر الحكومية زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # بأن منشأه سلامة الفطرة ومجانبة ~~التكلف.» # لم يجئ في الشريعة تكليف بما لا يطيقه الإنسان قطعا، ولا بما يطيقه وفيه مشقة ~~فادحة بحيث يتبرم منه ذو الفطرة السليمة، وينقطع دون المواظبة عليه إعياء وكللا، ~~وأما ما فيه مشقة عهد من الناس احتمال أمثالها، بحيث يصبح بالاعتياد عليه كالأعمال ~~التي تنساق إليها النفوس بطبيعتها، فهذا ما لا تتحاماه الشريعة، بل تأمره بما فيه ~~مثل هذه المشقة لا قصدا للإعنات، بل نظرا إلى ما يترتب على العمل من مصلحة في هذه ~~الحياة أو في تلك الحياة. # فسهولة الدين من حيث إنه وضع تكاليف يسهل على الناس القيام بها متى خففوا من ~~طغيان الأهواء، وتدبروا في حكمة هذه التكاليف وحسن عاقبتها. وبهذا يتضح جليا أن ~~سهولة الدين تلتئم مع الحقائق العائدة إلى أصول الحكم أو نظم السياسة. # وأما بساطته فمن جهة أنه خرج للناس في صورة موجزة جامعة، قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «بعثت ~~بجوامع الكلم.» # 11 # ومعناه أن شريعته جاءت بأقوال ذات ألفاظ وجيزة، ومعان واسعة، ~~فلوجازتها يسهل حفظها، ولسعة معانيها كانت الحقوق والآداب ماثلة في تعاليمها ~~مأخوذة من جميع أطرافها. # ولهذه البساطة كان النبوغ في علوم الشريعة والبلوغ فيها إلى مكانة الاجتهاد ~~والإفتاء ليس بالأمر المتعسر، ولا بالأمر الذي يحتاج إلى زمن طويل متى كان أسلوب ~~تعليمها وتلقيها بنظام. ولا أضرب المثل بالعصر الأول يوم كانت وسائل العلم بها من ~~لغة ونحو وبيان مطوية في ألسنة القوم فطرة، بل أضرب المثل بالعصور التي أصبحت فيها ~~هذه الوسائل علوما تدرس كما يدرس التفسير والحديث والعقائد: بلغ حجة الإسلام ~~الغزالي في العلم مكانا عاليا، وصار من ms126 الأعلام المشار إليهم بالبنان في عهد ~~أستاذه إمام الحرمين، وعمره يوم توفي إمام الحرمين نحو ثمان وعشرين سنة. # وتلقى القاضي أبو بكر بن العربي مبادئ العلوم بالأندلس ثم رحل إلى المشرق وقد ~~أدرك السابعة عشرة من عمره، فدخل مصر والحجاز والشام والعراق ثم انصرف بعد ثمانية ~~أعوام وهو بحر في علوم الشريعة، إمام في فنون اللغة العربية، حتى قالوا: إنه قدم ~~الأندلس بعلم غزير لم يدخل أحد قبله بمثله. ولا أطيل في ضرب الأمثلة من أنباء ~~الرجال الذين دخلوا في زمرة العلماء الراسخين، وامتلأت الحقائب من نفائس تحريراتهم ~~وهم لا يزالون في عهد شبيبتهم؛ فإن الغرض بيان معنى بساطة الدين وكون أصوله تحمل ~~أحكاما وآدابا لا يحيط بها حساب. # والبساطة بهذا المعنى من مزايا الإسلام ودلائل نبوة المبعوث به، ولكن المؤلف يقلب ~~الحقائق أو تنقلب في نظره الحقائق، فلم يقدر هذه البساطة حق قدرها، ونزع إلى إنكار ~~أن يكون الإسلام شريعة وسياسة، بدعوى أنه أهمل ما ينبغي للحكومات من أركان وأنظمة! ~~وقد كان بعض الغربيين من غير المسلمين أصفى خاطرا وأقرب إلى الإنصاف منه؛ حيث ~~شهدوا للإسلام بهذه المزية كما قال أرغوهارت في كتاب روح الشرق: # 12 # إن الإسلام منح الناس قانونا فطريا بسيطا غير أنه قابل لأعظم ~~الترقيات الموافقة لرقي المدنية المادية. إنه منح الحكومة دستورا يلائم ~~الحقوق والواجبات البشرية أشد الملاءمة؛ فقد حدد الضرائب، وساوى بين الخلق ~~في نظر القانون، وقدس مبادئ الحكم الذاتي، وأوجد الرقابة على الحاكم بأن ~~جعل الهيئة التنفيذية منقادة للقانون المقتبس من الدين والواجبات ~~الأخلاقية. # إن حسن كل واحد من هذه المبادئ، التي يكفي كل واحد منها لتخليد ذكرى ~~واضعه، قد ضاعف في أهمية مجموعها، وأصبح للنظام المكون منها قوة ونشاط تفوق ~~أي نظام سياسي آخر. # إن هذا النظام مع أنه وضع في أيدي قوم أميين، استطاع أن ينتشر في ممالك ~~أكثر مما فتحته روما، في عهد لا يتجاوز عمر الفرد، ولقد استمر منتصرا لا ~~يمكن إيقافه مدة محافظته على شكله الفطري. # هذا ما ms127 يقوله غير المسلم، وذلك ما يقوله القاضي الشرعي. وإن في ذلك لعبرة لأولي ~~الألباب ... ~~••• # يقول المؤلف: «إلى غير ذلك مما لم يوجد منه شيء في أيام النبوة ولا أشار إليه ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~.» إن القارئ ليبتسم لهذه الجملة عجبا، بل يتمزق لها قلبه أسفا! ~~فإن هذه المقالة إن صح أن تخرج من فم عالم، فإنما تصدر من حافظ حجة خاض في علم ~~السنة وعرف الصحيح والضعيف والموضوع، ونقد الأسانيد بقانون علمي مستقيم، ولكن ~~المؤلف لم يزل في طبقة من ينقلون الأحاديث من الكامل للمبرد، # 13 # وأصحاب هذه الطبقة لا يدخلون في حساب علماء الشريعة وإن وضعوا على ~~رءوسهم عمائم وجلسوا مجلس الفتوى أو الحكم بين الناس. # الباب الثالث # | رسالة لا حكم، ودين لا دولة # النقض - المؤلف يدخل في الإسلام ما يتبرأ منه التوحيد الخالص - الاعتقاد ~~بحكمة الأمر لا يكفي للعمل به - خطأ المؤلف في الاستشهاد بآيات على أن وظيفة ~~الرسول لا تتجاوز حدود البلاغ - خطأ المؤلف في حمل آيات على القصد الحقيقي - ~~خطأ المؤلف في فهم حديثين - الشريعة فصلت بعض أحكام ودلت على سائرها بأصول ~~يراعى في تطبيقها حال الزمان والمكان - الاجتهاد في الشريعة وشرائطه - فتوى ~~منظومة لأحد فقهاء الجزائر. ~~*** # ملخصه # خاطب قارئ كتابه يذكره بتلك العقبات التي أقامها في وجه من يعتقدون أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان رسولا ومؤسسا لدولة سياسية، ويوحى إليه بأن هؤلاء القوم كلما حاولوا ~~أن يقوموا من عثرة لقيتهم عثرات، وزعم أنه لم يبق إلا مذهب واحد خال من المشاكل؛ ~~وهو القول بأن محمدا # صلى الله عليه وسلم # ما كان إلا رسولا، وأنه لم يكن له ملك ولا حكومة، ~~ولكن الرسالة لذاتها تستلزم للرسول نوعا من الزعامة، وبعد أن أطال الحديث عن هذه ~~الزعامة وما لها من السلطان، قال: ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، وولاية ~~الحاكم ولاية مادية . # وذهب إلى أن الإسلام إنما هو وحدة دينية، وأن من أراد أن يسمي تلك الوحدة الدينية ~~ملكا أو خلافة فهو في حل ms128 من أن يفعل، وزعم أن ظواهر القرآن تؤيد القول بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن له شأن في الملك السياسي، وساق على هذا بعض آيات تخيل أنها ~~تسعده فيما يدعي، وقال: إن هذه الآيات صريحة في أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن من ~~عمله شيء غير إبلاغ الرسالة إلى الناس، وليس عليه أن يأخذهم بما جاءهم به، ولا أن ~~يحملهم عليه. # وادعى أن الأمر في السنة أصرح، والحجة فيها أقطع، واستشهد بحديثين من السيرة ~~النبوية لزيني دحلان، وتخلص من هنا إلى أن أخذ العالم بدين واحد معقول، وأما أخذه ~~بحكومة واحدة وجمعه تحت وحدة سياسية، فيوشك أن يكون خارجا عن طبيعة البشرية، وزعم ~~أن السياسة من الأغراض الدنيوية التي خلى الله بينها وبين عقولنا، والتي أنكر النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يكون له فيها تدبير، واستخلص من البحث أن القرآن والسنة، وحكم العقل، ~~وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها، كل ذلك يمنعه من اعتقاد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان ~~يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية. # النقض # قال المؤلف في ص64: «رأيت إذن أن هنالك عقبات لا يسهل أن يتخطاها الذين يريدون ~~أن يذهب بهم الرأي إلى اعتقاد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يجمع إلى صفة الرسالة أنه كان ~~ملكا سياسيا، ومؤسسا لدولة سياسية، رأيت أنهم كلما حاولوا أن يقوموا من عثرة ~~لقيتهم عثرات، وكلما أرادوا الخلاص من ذلك المشكل عاد ذلك المشكل عليهم ~~جذعا.» # يعتقد المسلمون أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان رسولا نبيا ومؤسس دولة سياسية، وساروا ~~على هذه العقيدة ألفا وثلاثمائة سنة فلم يجدوا في طريقهم مشكلا تتعثر فيه ~~أفهامهم، أو قتام شبهة يثور في أذهانهم، فضلا عن عقبات تقوم في وجوههم، ولكن ~~المؤلف بين خطتين: إما أن يكون تلقى الدين بصورة جامدة، ولم يدرك أنه يرشد إلى ~~الحقائق والمصالح، ويدع كثيرا من وسائلها إلى اجتهادات العقول وما يقتضيه حال ~~الشعوب، وإما أن يكون عرف الحقيقة وأثار حولها هذه ms129 الضجة ليكتم صوتها؛ حتى لا يسمع ~~الناس إلا نغمة الإباحية الفاسقة. ~~••• # قال المؤلف في ص64: «لم يبق أمامك بعد الذي سبق إلا مذهب واحد، وعسى أن تجده ~~منهجا واضحا، لا تخشى فيه عثرات، ولا تلقى عقبات، ولا تضل بك شعابه، ولا يغمرك ~~ترابه، مأمون الغوائل، خاليا من المشاكل ذلك هو القول بأن محمدا # صلى الله عليه وسلم # ما كان ~~إلا رسولا لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة، وأنه لم ~~يكن للنبي # صلى الله عليه وسلم # ملك ولا حكومة، وأنه # صلى الله عليه وسلم # لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي ~~يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها، ما كان إلا رسولا كإخوانه الخالين من الرسل، ~~وما كان ملكا ولا مؤسس دولة ولا داعيا إلى ملك.» # الرأي الذي يقصده المؤلف - حسبما تصرح به ألفاظه وما يسوق عليه من الشبه - هو أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # مبلغ فقط، ولم يكن من وظيفته تنفيذ ما أوحي إليه بتبليغه، وأنه ~~لم يأت بشريعة لها مساس بالقضاء وسياسة الدولة! وهو رأي لم ينسج على أصل شرعي، ولم ~~يقم على بحث علمي، ولكن الافتتان بزخرف الحياة الإفرنجية يخامر العقل، فإذا الخيال ~~ينقر بالقلم ما شاء أن ينقر، ويقلب صور الحقائق إلى ما لا يخطر على قلب أفاك ~~أثيم. ~~••• # قال المؤلف في ص67: «قد يتناول الرسول من سياسة الأمة مثل ما يتناول الملوك، ولكن ~~للرسول وحده وظيفة لا شريك له فيها: من وظيفته أن يتصل بالأرواح التي في الأجساد، ~~وينزع الحجب ليطلع على القلوب التي في الصدور. له بل عليه أن يشق عن قلوب أتباعه؛ ~~ليصل إلى مجامع الحب والضغينة، ومنابت الحسنة والسيئة، ومجاري الخواطر، ومكامن ~~الوساوس، ومنابع النيات، ومستودع الأخلاق، وله عمل ظاهر في سياسة العامة، وله أيضا ~~عمل خفي في تدبير الصلة التي تجمع بين الشريك والشريك، والحليف والحليف ~~إلخ.» # علم المؤلف أن الرأي الذي حام عليه في الأبواب الماضية، وشمر عن ساقه ليخوض ~~مستنقعه في هذا الباب، رأي لا يتلقاه ms130 قراء كتاب الله إلا بالرفض، ولا يعدون صاحبه ~~إلا في زمرة من يتخذون آيات الله هزؤا، فكان من دهائه ولطف سحره أن أطلق قلمه في ~~مدح رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والثناء عليه، من جهة يرى أن الإطناب فيها لا يمس برأيه، ~~وبمثل هذا الرياء يمكنه اقتناص بعض المستضعفين من الأطفال والبله، ولعله لم يمد ~~حبالته إلا قانعا بمن يقع فيها من أمثال هذه الطائفة. أما الذين ينظرون بنور ~~الحكمة فإنهم يزنون الكتاب بروحه المطلة من خلال سطوره. # وإنك لتجد في هذه الجمل من الغلو في الوصف ما لم يذكره النبي # صلى الله عليه وسلم # عن نفسه، ~~وإنما علق بقلم المؤلف من أثر ديانة أخرى؛ كقوله: «الرسالة تقتضي لصاحبها حق ~~التصريف لكل قلب تصريفا غير محدود.» والتصريف للقلوب من صفات الألوهية التي لا ~~يشاركها فيها مخلوق، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري # 1 # عند الكلام عن حديث: «لا ومقلب القلوب.» وآية: # ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ~~: «والتقلب التصرف، وتقليب ~~الله القلوب والبصائر صرفها من رأي إلى رأي ... وقال المعتزلة: معناه نطبع عليها فلا ~~يؤمنون، والطبع عندهم الترك، وليس هذا معنى التقليب في لغة العرب، ولأن الله تعالى ~~تمدح بالانفراد بذلك ولا مشارك له فيه ... وقال البيضاوي: في نسبة تقليب القلوب إلى ~~الله إشعار بأنه يتولى قلوب عباده ولا يكلها إلى أحد من خلقه.» # ويمثل هذا تفقه أن قلم المؤلف يدس في الدين الإسلامي من عقائد الوثنية ما يتبرأ ~~منه التوحيد الخالص، وتأباه الفطرة السليمة. ~~••• # قال المؤلف في ص69: «ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب ~~وخضوعه خضوعا تاما يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد إخضاع ~~الجسم من غير أن يكون له بالقلوب اتصال. تلك ولاية هداية إلى الله وإرشاد إليه، ~~وهذه ولاية تدبير لصالح الحياة وعمار الأرض. تلك للدين، وهذه للدنيا. تلك لله، وهذه ~~للناس. تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية. ويا بعد ما بين السياسة ~~والدين!» # للرسول ولاية على قلوب أمته من أجل ما تحمله ms131 من تصديق رسالته، وإجلال مقامه، ومن ~~مقتضيات التصديق برسالته الاعتقاد بحكمة ما يجيء به من أوامر ونواه، والاعتقاد ~~بحكمة أمره ونهيه شأنه أن يبعث الجوارح إلى الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ولكن ~~ترتب الإقدام أو الإحجام على الاعتقاد بحكمة الأمر والنهي من باب ترتب السبب على ~~مسببه، ومن المعروف أن تأثير السبب في وجود المسبب يتوقف على تحقق الشرط وفقد ~~المانع، ومن موانع العمل على مقتضى العقيدة تغلب الأهواء وإيثار اللذة أو المنفعة ~~العاجلة. # وليست هذه الأهواء ولا هذا الإيثار ناسخا للتصديق بالرسول، أو للاعتقاد بحكمة ما ~~يأمر به أو ينهى عنه، وإنما هو حال يعرض للنفس حتى تصغر في نظرها صورة ما يترتب على ~~ترك المأمور أو فعل المنكر من عاقبة خاسرة وعذاب أليم. # والدليل على أن ارتكاب الجنايات قد يدفع إليه طغيان الشهوة أو تخبط الغضب مع بقاء ~~أصل الإيمان: أن الجاني بعد أن يشبع شهوته أو يشفي غيظه قد يعض سبابته ندما، ~~من غير أن يجدد النظر في أصل إيمانه، أو في حال ما ارتكبه من منكر أو فحشاء. # فالنظر يقضي بأن الولاية على القلوب لا تكفي في صيانة الحقوق، وحفظ النفوس ~~والأموال والأعراض، وأنه لا بد من ولاية يكون شأنها تنفيذ قوانين المعاملات ~~والعقوبات فيمن يطغى به الهوى أو يتخبطه الغضب وإن كان من المؤمنين. # فولاية الرسول # صلى الله عليه وسلم # كانت على القلوب ثم على الأجسام، وكانت ولاية هداية ~~وتدبير لصالح الحياة، وكانت رياسة دينية وسياسية، وكلاهما من عند الله، ولا بعد بين ~~السياسة والدين إلا في نظر قوم لا يكادون يفقهون حديثا. ~~••• # قال المؤلف في ص71: «ظواهر القرآن المجيد تؤيد القول بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن ~~له شأن في الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود ~~البلاغ المجرد من كل معاني السلطان.» ثم ساق في الاستشهاد على هذا قوله تعالى في ~~سورة النساء: # ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا ~~، وقوله في سورة الأنعام: # وكذب به ~~قومك ms132 وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ~~، وقوله في ~~سورة يونس: # وما جعلناك عليهم حفيظا وما ~~أنت عليهم بوكيل ~~، وقوله: # أفأنت ~~تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ~~، وقوله: # وما أنت عليهم بوكيل ~~، وقوله في سورة الإسراء: # وما أرسلناك عليهم وكيلا ~~، وقوله ~~في سورة الفرقان: # أفأنت تكون عليه ~~وكيلا ~~، وقوله في سورة الزمر: # وما أنت عليهم ~~بوكيل ~~، وقوله في سورة الشورى: # فإن ~~أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا ~~البلاغ ~~، وقوله في سورة ق: # وما أنت ~~عليهم بجبار ~~، وقوله في سورة الغاشية: # فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم ~~بمصيطر ~~، ثم قال: «القرآن كما ترى يمنع صريحا أن يكون النبي # صلى الله عليه وسلم # حفيظا على الناس ولا وكيلا ولا جبارا ولا مسيطرا، وأن يكون له حق ~~إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين، ومن لم يكن حفيظا ولا مسيطرا فليس بملك؛ لأن من ~~لوازم الملك السيطرة العامة والجبروت سلطانا غير محدود.» # من الكلام البليغ ما يسلك معناه في قلب السامع غير متوقف على شيء سوى العلم ~~بمدلولات الألفاظ المفردة، وقانون النظم والتركيب، ومنه ما لا يصل السامع إلى معناه ~~ولا يلم به من جوانبه فيستقر في نفسه على الوجه الذي يقصده المتكلم إلا إذا وقف ~~على أحوال زائدة على العلم بوضع المفردات والتراكيب؛ ولهذا ترى أذكى الناس قريحة، ~~وأرسخهم علما باللغة ومذاهب بلاغتها، قد يعجز عن فهم بيت من الشعر البليغ، ولا يجد ~~طريقا إلى بيان ما يراد منه حتى يعرف الحال التي ورد فيها، والسبب الحامل على ~~نظمه. # وعلى هذين النوعين من فنون الكلام نزل القرآن الكريم، فمن الآيات ما هو بين ~~بنفسه، ومنها ما لا يدرك معناه إلا من شهد وقت الوحي به، وعرف أسباب نزوله. وهذا ما ~~دعا الذين أوتوا العلم إلى أن يعتمدوا على بيان الصحابة - رضي الله عنهم - ويرجحوه ~~على بيان غيرهم، ولا سيما بيانا أجمعوا عليه. وقد عقد موضح أسرار الشريعة أبو ~~إسحاق الشاطبي في موافقاته فصلا # 2 # في تحقيق أن معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم ms133 القرآن، وبسط ~~القول في أن بيان الصحابة يقدم على بيان غيرهم، وعد في مؤيدات هذه القاعدة المتينة ~~«جهة مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة.» وقال: «فهم أقعد في ~~فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ~~ذلك.» # فكثير من الآيات لا ينكشف معناه ولا يستقر في النفس على وجه محكم إلا بعد معرفة ~~سبب نزوله وحال نزوله، ثم القيام على غيره من الآيات التي ربما وجد فيها ما يخصص ~~عمومه أو يقيد مطلقه أو يغير حكمه؛ لزوال علته، وقيام الحاجة الداعية إلى تبديله ~~بحكم آخر. # إذن لا ينبغي لأحد أن يهيئ رأيا ثم يصب عليه الآيات صبا، قبل أن يبحث عن حال ~~نزولها، وينظر فيما عساه أن يخصصها أو يقيدها أو يرشد إلى تبدل حكمها. # فهل حافظ المؤلف على هذا الأصل الأصيل فرجع في فهم هذه الآيات إلى حال نزولها، ~~وجال بنظره في القرآن جولة لعله يهتدي السبيل إلى الرسوخ في علمها؟ # الظاهر أنه لم يفعل ذلك، وإنما أمسك المصحف الشريف بيده، ونقل منه هذه الآيات ~~مرتبة ترتب سورها، فحرفها عن مواضعها، وتأولها على غير بينة من أمرها. # من المعلوم لدى المسلمين أن النبي # صلى الله عليه وسلم # مكث بمكة نحو عشر سنين وعمله مقصور ~~على الدعوة بالحجة والموعظة، وأنه كان يحزن لإعراض المشركين وعتوهم عن سبيل ~~الهداية، ويأخذ منه الأسف كل مأخذ حتى كأنه مأمور بتصريف قلوبهم من الغي إلى ~~الرشد، ويزيد على هذا ما كانوا يعترضونه به من الأذى، ويسومون به أصحابه من سوء ~~العذاب، فكانت الآيات تذكره ببيان وظيفته لذلك الحين؛ وهي مجرد البلاغ والإنذار، ~~حتى إذا كانت منه على ظهر قلب، وعرف أنه قام بوظيفته كما يراد منه، خف عليه ما يجده ~~من الحزن والأسى. # وبعد هجرته إلى المدينة المنورة، وإقامته بها نحو سنة، قضت حكمة الله بأن يكون ~~للإسلام مظهر غير مظهره الأول، ونزلت آيات الجهاد وحدود العقوبات تترى، والذي قال ~~له: # وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت ~~عليهم بوكيل ms134 ~~، وقال له: # أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين ~~. هو الذي أنزل عليه قوله: # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~وليجدوا فيكم غلظة ~~، وقوله: # ألا ~~تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج ~~الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله ~~أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ~~ويشف صدور قوم مؤمنين ~~، وقوله: # وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ~~لعلهم ينتهون ~~. # والآيات التي سردها المؤلف كلها من سور مكية، ما عدا الآية الأولى؛ أعني قوله ~~تعالى: # ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا # فإنها من سورة النساء؛ وهي مدنية. وقد عرفت أن الجهاد شرع بعد ~~أن قضى النبي # صلى الله عليه وسلم # بالمدينة نحو سنة، فيجوز أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض ~~الجهاد، قال ابن جرير الطبري في تفسيره: # 3 ~~«ونزلت هذه الآية فيما ذكر قبل أن يؤمر بالجهاد.» # ومن أهل العلم من يذهب إلى أن هذه الآيات محكمة، ويأتي في تفسيرها بوجوه تسير بها ~~مع آيات الجهاد جنبا لجنب. واستقصاء البحث عنها في هذه الصحائف آية آية يخرجنا إلى ~~إسهاب لا حاجة بنا إليه، وأضرب لك مثلا تشرف منه على شيء مما قيل في سائرها، وهو ~~قوله تعالى في سورة الأنعام: # قل لست عليكم ~~بوكيل ~~؛ فقد قال أبو جعفر النحاس في تأويلها: # 4 ~~«هذا خبر لا يجوز أن ينسخ، ومعنى وكيل: حفيظ ورقيب، والنبي # صلى الله عليه وسلم # ليس عليهم حفيظا، إنما عليه أن ينذرهم، وعقابهم على الله تعالى، والآية الثانية ~~نظيرها.» ويعني بالآية الثانية قوله تعالى: # وما جعلناك ~~عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل ~~. # وخلاصة المقال أن المؤلف سرد هذه الآيات على غير بصيرة، وصرف نظره عن آيات الجهاد ~~التي يذهب رأيه إمامها عبثا، فجلس كما قام، وسكت كما تكلم، بل جلوسه خير من قيامه، ~~وسكوته أنفع من كلامه # ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد ~~. ~~••• # عاد المؤلف فأخذ يلتقط من القرآن آيات: # إن أنا إلا ms135 ~~نذير ~~، # إنما أنت نذير ~~، # إنما أنت منذر ~~، # إنما ~~أنا لكم نذير مبين ~~، # أنما أنا ~~نذير مبين ~~، وأضاف إليها آيتين؛ وهما: قوله تعالى: # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد ~~، وقوله تعالى: # ما ~~كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين ~~، ثم قال في ص73: «القرآن كما رأيت صريح في أن ~~محمدا # صلى الله عليه وسلم # لم يكن إلا رسولا قد خلت من قبله الرسل، ثم هو بعد صريح في أنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يكن من عمله شيء غير إبلاغ رسالة الله تعالى إلى الناس، ~~وأنه لم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا ~~أن يحملهم عليه.» # يتساءل الناس أحيانا عن الحال الذي لبس قلب المؤلف حتى أصبح يقول على الله غير ~~الحق: هل اقتحم هذه الخطيئة لقصور في الفهم؟ أم لداعية افتتانه بملة أخرى؟ # إذا صح للقارئ أن يتردد في بعض المباحث السابقة، فإن هذا المبحث لا يبقي له ~~ريبة في أن المؤلف قد يقصد إلى قلب الحقائق حيث لا يصح أن تنقلب في نظره. # يعرف كل طالب علم في الأزهر أو في غير الأزهر أن في العلوم العربية علما يقال ~~له: علم المعاني، وأن في المعاني بابا يقال له: باب القصر، ولا شك أن من اطلع على ~~هذا الباب يعلم أن القصر ينقسم إلى: قصر حقيقي؛ وهو تخصيص شيء بشيء بحسب الحقيقة ~~وفي نفس الأمر، بحيث لا يتجاوزه إلى غيره أصلا، وقصر إضافي؛ وهو تخصيص شيء بشيء ~~بحسب الإضافة إلى شيء آخر، بأن لا يتجاوزه إلى ذلك الشيء، وإن أمكن أن يتجاوزه إلى ~~شيء آخر. # ويعلم بعد هذا أن القصر الإضافي ينقسم إلى: قصر إفراد؛ والمخاطب به من يعتقد شركة ~~صفتين في موصوف واحد، أو موصوفين في صفة، وقصر قلب؛ والمخاطب به من يعتقد عكس الحكم ~~الذي يتصدى المتكلم لإثباته، وقصر تعيين ؛ والمخاطب به من يتساوى في نظره أمران ~~فيقصر له المتكلم الحكم على ms136 أحدهما. # هذه المباحث من بديهيات علم البلاغة، ومن مبادئه الملقاة على قارعة الطريق، بحيث ~~لا يمتاز بمعرفتها الذكي عن الغبي، ولا قارئ الكتب المبسوطة عن قارئ ~~المختصرات. # ومن عرف أن من فنون القصر ما يسمى قصرا إضافيا عرف بوجه إجمالي أن الآيات التي ~~ساقها المؤلف إنما هي من هذا القبيل، ولا يصح حملها على القصر الذي يراد به نفي كل ~~صفة ما عدا الإنذار حتى يدخل في هذه الصفات المنفية القضاء الفصل والتنفيذ. # ولنضرب لك مثلا تشهد به أن هذه الآيات منسوجة على منوال من البلاغة بديع، وأنها ~~بريئة من نفي صفة التنفيذ عن النبي # صلى الله عليه وسلم # كما يزعم مؤلف كتاب الإسلام وأصول ~~الحكم. # قال تعالى: # وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير ~~. وبيان سر هذا القصر بلاغة ~~أنه «جاء بالنفي والإثبات؛ لأنه لما قال تعالى: # وما أنت ~~بمسمع من في القبور # وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إنك لن تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه من الاباء، ولا تملك أن ~~توقع الإيمان في نفوسهم، مع إصرارهم على كفرهم واستمرارهم على جهلهم، وصدهم ~~بأسماعهم عما تقوله لهم وتتلوه عليهم، كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي # صلى الله عليه وسلم # حال من قد ظن أنه يملك ذلك ومن لا يعلم يقينا أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ~~ويحذر، فأخرج اللفظ مخرجه إذ كان الخطاب مع من يشك، فقيل: # إن ~~أنت إلا نذير ~~. ويبين ذلك أنك تقول للرجل يطيل مناظرة الجاهل ~~ومقاولته: إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، وأن تفهم الجماد، وأن تحول الأعمى ~~بصيرا، وليس بيدك إلا أن تبين وتحتج، ولست تملك أكثر من ذلك.» # 5 # فانظر إلى فيلسوف البيان عبد القاهر الجرجاني كيف فهم أن الآية من نوع القصر الإضافي، # 6 # وأن قصر النبي # صلى الله عليه وسلم # الإنذار في قوله تعالى: # إن أنت إلا نذير # لم يرد به نفي كل ما عدا الإنذار، وإنما ms137 ~~أريد به نفي صفة معينة؛ وهي كونه # صلى الله عليه وسلم # يملك تحويل قلوبهم عما هي عليه من ~~الإباء. وذكر ذلك الفيلسوف أن هذا الوجه من البلاغة يجرى في قوله تعالى: # ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ~~وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون ~~، فقصر النبي # صلى الله عليه وسلم # على الإنذار والبشارة في هذه الآية ~~إنما يعني به نفى أن يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وأن يكون عالما بالغيب. # وسائر الآيات المفرغة على قالب القصر مما أورده في الصفحتين 74 و75 لا تخرج عن أن ~~يراد منها القصر الإضافي، وهو لا يتعرض لصفة التنفيذ بحال. ولا يستطيع المؤلف أن ~~ينكر هذا الفن من البلاغة إلا إذا تناهى به العناد إلى إنكار ما يضرب في الأفق من ~~بياض النهار أو سواد الليل. # يقول المؤلف: «وإنه لم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذهم بما جاءهم ~~به، ولا أن يحملهم عليه.» # هذه الفقرة تنادي بصراحة أن المؤلف يريد أن يلصق بعقول الأطفال والسذج الاعتقاد ~~بأن جهاد النبي # صلى الله عليه وسلم # وتصرفه في أموال الزكاة قبضا وإنفاقا، وحكمه بين الناس ~~وإقامته الحدود لم يكن من عمله السماوي، فإن هذه الحقائق شيء غير ذلك البلاغ، ومنها ~~ما فيه حمل للناس على ما جاءهم به، والقرآن يشهد بأن جهاده عليه الصلاة والسلام، ~~وتصرفه في أموال الزكاة، وحكمه بين الناس إنما كان بوحي سماوي. ولا أحسب المؤلف ~~يترك قلمه سائبا حتى يقول على آيات الجهاد والزكاة والحكم بين الناس كما قال على ~~أحاديث في الصحيحين: «لنا أن ننازع في صحتها.» ~~••• # قال المؤلف في ص76: «إذا نحن تجاوزنا كتاب الله تعالى إلى سنة النبي عليه الصلاة ~~والسلام وجدنا الأمر فيها أصرح والحجة أقطع، روى صاحب السيرة النبوية أن رجلا جاء ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لحاجة يذكرها، فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال ~~له # صلى الله عليه وسلم ~~: «هون عليك؛ فإني لست بملك ولا جبار، وإنما ms138 أنا ابن امرأة من قريش تأكل ~~القديد بمكة» ... وقد جاء في الحديث أنه لما خير على لسان إسرافيل بين أن يكون نبيا ~~ملكا أو نبيا عبدا، نظر عليه الصلاة والسلام إلى جبريل عليه السلام كالمشير له، ~~فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، وفي رواية: «فأشار إلي جبريل أن تواضع، ~~فقلت: نبيا عبدا.» فذلك صريح أيضا في أنه # صلى الله عليه وسلم # لم يكن ملكا، ولم يطلب ~~الملك، ولا توجهت نفسه عليه السلام إليه.» # لو التزم أحد على وجه المزح أن لا يقول إلا خطأ، ثم تحدث بمقدار ما تحدث المؤلف ~~في ذلك الكتاب، لسبق لسانه إلى الصواب مرارا، وربما لا يكون خطؤه أكثر من خطأ كتاب ~~الإسلام وأصول الحكم. # بعد أن ساق المؤلف آيات: # إن أنا إلا نذير ~~، ~~وما جاء على شاكلتها مساق الاستشهاد على نفي أن يكون النبي عليه السلام منفذا، أتى ~~بهذين الحديثين يبتغي منهما أن يشهدا له على باطل، ولم يرع حرمة الأحاديث النبوية ~~فيكف قلمه عن إيرادها حيث يدعي على مقام الرسالة غير الحق. # خذ أي عالم أو شبه عالم أو عامي ذي فطرة سليمة، واقرأ عليه الحديثين، وخذ معه ~~بأطراف الحديث في معنى «ملك» الوارد فيهما، فإنه ينظر إلى مساق الكلام وما يقتضيه ~~حال الخطاب فلا يفهم من قوله: «لست بملك.» من الحديث الأول إلا ما هو الغالب على ~~الملوك من البطش وقلة الأناة، ولا يفهم من قوله: «ملكا.» في الحديث الثاني إلا ~~مظهر العظمة والأبهة. # وذلك المعنى هو الذي ينحو نحوه شراح الحديث، قال الشهاب الخفاجي في تفسير: «لست ~~بملك.» من الحديث الأول: «من الملوك الجبابرة الذين تخشى بوادرهم.» # 7 # وقال في تفسير «ملكا» من الحديث الثاني: «أن يكون شئونه كالملوك في ~~اتخاذ الجنود والحجاب والخدم والقصور.» # 8 # وأما معنى الرياسة السياسية وتدبير الشئون العامة، وهو ما يعنيه المؤلف؛ فإنه لا ~~يقع في ذهن من يتلقى الحديث بروية، ولا يكاد يخطر له على بال. # ولو كان المؤلف يتنبه إلى معنى الحديث قبل إيراده؛ ms139 لسبق إلى اختيار المعنى الذي ~~يسبق إلى فهم كل سامع، واحتفظ على مذهبه من أن الرياسة السياسية تنافي طبيعة ~~الرسالة، فإن حمل الملك على الرئيس السياسي في قوله: «خير بين أن يكون نبيا ~~ملكا.» يجعل الحديث حجة على أن الرسالة والملك لا يتنافيان. # ولقد ذكرنا المؤلف بتأويله لتلك الآيات والأحاديث رجلا من أهل مكة كان يئول ~~الشعر، قال ذات يوم: ما سمعت بأكذب من بني تميم، زعموا أن قول القائل: # بيت زرارة محتب بفنائه # ومجاشع وأبو الفوارس نهشل # في رجل منهم، قيل له: فما تقول أنت فيه؟ قال: ~~البيت بيت الله، وزرارة: الحج، قيل: فمجاشع؟ قال: زمزم جشعت بالماء، قيل: فأبو ~~الفوارس؟ قال: أبو قبيس، قيل: فنهشل؟ فصمت ساعة ثم قال: نعم نهشل مصباح الكعبة؛ ~~لأنه طويل أسود، فذلك نهشل! ~~••• # قال المؤلف في ص78: «معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد، وأن ينتظم البشرية كلها ~~وحدة دينية، فلما أخذ العالم كله بحكومة واحدة، وجمعه تحت وحدة سياسية مشتركة؛ فذلك ~~مما يوشك أن يكون خارجا عن طبيعة البشرية، ولا تتعلق به إرادة الله.» # أجمع المسلمون على أن إصلاح السياسة شطر من مقاصد الإسلام، وهل ادعوا مع هذا أن ~~الإسلام رسم للسياسة خطة معينة، ووضع لكل واقعة حكما مفصلا؟ # الحق أنهم لم يفعلوا ذلك، بل ملئوا كتبهم ببيان أن الشريعة فصلت بعض أحكام لا ~~تختلف فيها أحوال البشر، ثم وضعت أصولا؛ ليراعى في تطبيقها على الوقائع حال الظروف ~~الحافة بها. ومن هذه الأصول قاعدة «رعاية المصالح المرسلة»، وقاعدة «العادة محكمة»، ~~وقاعدة «سد الذرائع»، وقاعدة «المشقة تجلب التيسير»، وقاعدة «ارتكاب أخف الضررين»، ~~وقاعدة «الضرر يزال». # قال شهاب الدين القرافي في قواعده: «إن الأحكام تجري مع العرف والعادة، وينتقل ~~الفقيه بانتقالها، ومن جهل المفتي جموده على المنصوص في الكتب غير ملتفت إلى تغير ~~العرف؛ فإن القاعدة المجمع عليها: أن كل حكم مبني على عادة، فإذا تغيرت العادة تغير ~~الحكم، والقول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال والعادات لا يستلزم القول بتغيره في ~~أصل وضعه والخطاب ms140 به، وإنما الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم، أو في عصر، فيكون ~~مصلحة وتتناوله دلائل الطلب، فإن لم تقتضه عادتهم ولا تعلقت به مصلحتهم دخل تحت أصل ~~من أصول الإباحة أو التحريم.» # وقال أبو إسحاق الشاطبي في كتاب الموافقات: # 9 ~~«واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد، فليس ~~في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم ... وإنما معنى ~~الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها.» # ومما يوضح أن أحكام الشريعة تجري بحسب اختلاف الزمان والمكان قول عز الدين بن ~~عبد السلام في قواعده: «تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات والمعاملات ~~والاحتياطات.» # وقال شهاب الدين القرافي أيضا: «إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس ~~مخالفا للشرع، بل تشهد له القواعد، ومن جملتها أن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف حاله ~~في العصر الأول، ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع.» # 10 # ومن مثل هذه النصوص تعلم أن أخذ الأمم الإسلامية بحكومة واحدة لا يقتضي توحيد ~~قانونها السياسي أو القضائي، بل يوكل أمر كل شعب إلى أهل الحل والعقد منه، فهم ~~الذين ينظرون فيما تقتضيه مصالحه، ولا يقطعون أمرا حتى يشهدهم من أوتوا العلم ~~بأصول الشريعة؛ لئلا يخرجوا عن حدود مقاصدها. # ومن أجل ما لوحت إليه الشريعة من بناء الأحكام على أساس رعاية المصالح ذكر ~~الفقهاء في شروط الحاكم أن يكون بالغا رتبة الاجتهاد. # ومدار شرائط الاجتهاد على أمرين: # أحدهما: # فهم مقاصد الشريعة: وهذا يتحقق بمعرفة جملة القواعد التي نصبتها، ~~والتفقه في قسم عظيم من الأبواب التي فصلت أحكامها، وقد بصر مجتهدو ~~الصحابة - رضي الله عنهم - بهذه القواعد والأحكام من النظر في ~~القرآن وما يشهدون من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتلقى عنهم ~~التابعون ما استنبطوه من الفروع، وتعلموا منهم كيف انتزعوها من ~~مآخذها، فازدادت القواعد وضوحا وتمهدت طرق الاستنباط، وتسنى للذين ~~أوتوا العلم من بعدهم أن ينظروا في الحوادث ويفصلوا لها ms141 أحكاما ~~تأخذ بمجامع المصالح، وتنطبق على ما تستدعيه طبيعة الزمان ~~والمكان. # ثانيهما: # القدرة على انتزاع الأحكام من دلائلها المبثوثة في الكتاب ~~والسنة: ولا سبيل للقدرة على الاستنباط إلا بمعرفة هذه الدلائل، ~~وطريق إثباتها، وضروب دلالتها، وتفاوت مراتبها، ووجوه الترجيح عند ~~تعارضها. # والتحقيق أن الاجتهاد لا يتجزأ؛ فإن أكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض، فمن ~~أحرز الشروط المشار إليها آنفا تمكن من الاستنباط في كل حادثة تعرض له، وإن فاته ~~بعضها أو كان نصيبه منها أقل من المقدار الكافي، لم يستطع أن يستنبط للواقعة حكما ~~تطمئن له نفسه، أو يثق به غيره. # فمن أدركه النقص من جهة قلة التفقه في مقاصد الشريعة وعدم إحكام قواعدها، فلا يصح ~~له الاجتهاد ولو في المسائل التي يجد لها بين الدلائل اللفظية منزعا؛ فإن القواعد ~~القطعية قد تدعو إلى التصرف في أقوال الشارع بنحو تخصيص العام، أو تقييد المطلق، أو ~~عدم الأخذ بالمفهوم. # وكذلك من عرف مقاصد الشريعة وأنس من نفسه القدرة على إلحاق الوقائع بأشباهها، ~~ولكنه لم يصل في معرفة اللسان العربي إلى المرتبة الكافية للاستنباط، فاجتهاده غير ~~موثوق به؛ إذ يشترط في المجتهد أن يكون عارفا بأحوال الأحكام عن نظر مستقل. وتلك ~~الأحوال مبثوثة في موارد الشريعة، فلا بد من رسوخ القدم في فهم تلك الموارد ومعرفة ~~وجوه دلالتها. # فالتشريع الإسلامي قائم على رعاية المصالح، وما هي إلا المصالح التي توضع في ~~ميزانه المستقيم. وهذا الميزان المستقيم لا يبخس شعبا من الشعوب مصلحته التي يشهد ~~بها العقل السليم، ولا يفصل حكما واحدا يجريه على كل شعب وفي كل زمان، إلا إذا ~~لم تختلف فيه مصالح الشعوب، فإن اختلفت اختلافا يعقله العالمون؛ فلكل شعب حكم ~~وسياسة، وذلك تقدير العزيز العليم. # فمن يذهب إلى أن أخذ العالم بحكومة واحدة، وجمعه تحت سياسة مشتركة خارج عن طبيعة ~~البشر، إنما هو مثال الذين لا يعرفون الدين إلا صورة جامدة، ولم يرفعوا رءوسهم إلى ~~الكتب التي أمتعت البحث عن أسرار الشريعة، وفصلت القول في أصولها العالية ~~تفصيلا. # ولا ms142 يزال علماء الإسلام في سائر الأقطار يشهدون أن أحكام الشريعة تدور على مقتضى ~~الحاجات والمصالح، وهذا أحد الفقهاء # 11 # الناشئين في قرية # 12 # من صحراء الجزائر في المائة الثالثة عشرة كان يفتي بجواز استناد الحاكم ~~إلى آثار الأقدام في نحو السرقة؛ حيث كان لأهل بلاده حذق زائد في معرفة آثار أقدام ~~الأشخاص، فأنكر عليه علماء بلد يقال لها: «الخنقة»، فأجابهم بقصيدة لوح فيها إلى ~~مستنداته في الفتوى، وقال فيها: # إلى السادة الأشراف من أهل «خنقة» # لهم في ندور الواقعات نقول # تمسكتم بالأصل والحق واضح # ولا ينكر المعلوم إلا جهول # ولكن إذا عم السداد بحادث # تقدم أصلا والقياس دليل # كتضمين سمسار وتغريم صانع # وما هو إلا مودع ووكيل # ومن ذاك ما قد جوزوا في سفاتج # إذا عم بالخوف الشديد سبيل # وفي كلها خلف الأصول لأنها # مصالح عمت والصلاح جميل ~~••• # ومن أدب المسئول قبل سؤاله # إذا وردت يوما عليه سئول # تعرف عرف السائلين بأرضهم # ليعلم ما يفتي به ويقول # وما أنتم منا بأعلم بالذي # به الضر يكفي عندنا ويزول # فلو أهملت آثار سراق أرضنا # لكان فسادا للخراب يئول # وفي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا # وفي الترك عن قصد السبيل عدول # وما الأثر إلا كالخطوط شهادة # كذا قال قوم في القياس عدول # فعرفانك الخط الذي غاب ربه # لعرفان إثر المستراب عديل # وفي ولدي عفراء لما تنازعا # جهاز أبي جهل وهو جديل # بأثر دم في السيف كان نبينا # قضى أنه للسيدين قتيل # وكان السلف يكرهون السؤال عن النوازل قبل وقوعها حسبما نقله الحافظ ابن عبد البر ~~في جامع بيان العلم وفضله، # 13 # ولعلهم كرهوا ذلك حذرا من أن يفرضوا الصورة النازلة حكما، فتبرز ~~للخارج فيتصل فيها بعض أحوال لو شاهدها المفتي لغير حكمه وفصله على ما تقتضيه ~~طبيعة النازلة محفوفة بتلك الأحوال. ~~••• # قال المؤلف في ص78: «ذلك من الأغراض التي أنكر النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يكون له فيها ~~حكم أو تدبير، فقال عليه السلام: «أنتم أعلم بأمور دنياكم.» # كيف ينكر النبي # صلى الله ms143 عليه وسلم # أن يكون له في سياسة الأمة حكم أو تدبير، ونحن إذا قلبنا ~~نظرنا في سيرته نجده كان يحكم فيما شجر بين الناس، ويقيم الحدود والزواجر على من ~~يجني على نفس أو مال أو عرض أو عقل، ويجمع المال من حيث أمره الله، وينفقه في وجوه ~~المصالح وإسعاد ذوي الحاجة، ويتولى عقد التحالف والمعاهدات والصلح وإعلان الحرب، ~~ويدبر أمرها، ويرسم لها الخطط، مع المشاورة في هذا السبيل والأخذ بأرجح ~~الآراء؟ # يتولى هذه الأمور بنفسه، وقد يندب للقيام بها من فيه الكفاية والخبرة، وهل بعد ~~هذا التصرف الثابت كتابا وسنة متواترة يخرج كتاب الإسلام وأصول الحكم في واد حافل ~~بعلماء الشريعة ويصيح بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنكر أن يكون له في شئون الأمة حكم أو ~~تدبير؟ # وأما حديث: «أنتم أعلم بأمور دنياكم.» فإنه وارد في واقعة تأبير النخل، فيحمل على ~~هذا المعنى وما شاكله من فنون الزراعة والصنائع وغيرها من وسائل العمران ~~المادية. ~~••• # قال المؤلف في ص78: «ذلك من أغراض الدنيا، والدنيا من أولها لآخرها وجميع ما فيها ~~من أغراض وغايات أهون عند الله تعالى من أن يقيم على تدبيرها غير ما ركب فينا من ~~عقول، وحبانا من عواطف وشهوات، وعلمنا من أسماء ومسميات، هي أهون عند الله تعالى ~~من أن يبعث لها رسولا، وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها، وينصبوا ~~لتدبيرها.» # ننظر في الكتاب العزيز فنجده طافحا بما يدل على أن إرشاده لا يقتصر على العقائد ~~والعبادات، فنجد فيه نصوصا في بيان ما يحل أكله أو شربه وما لا يحل فيه ذلك، قال ~~تعالى: # قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به ~~، وقال تعالى: # إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون ~~. # ونجد نصوصا في بيان من يحل نكاحهن ومن لا يحل، ونصوصا تحرم مباشرة الزوجة في ~~بعض الأحوال، ms144 كما قال تعالى : # اعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ~~. # ونجد نصوصا في قسمة تركات الهالكين على ورثتهم كما قال تعالى: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # الآية. # ومن البين بنفسه أن الأكل والشرب والنكاح والأموال الموروثة عن أولي القربى، كل ~~ذلك من أغراض هذه الحياة وغاياتها. # إذن فالمؤلف يريد بهذه المقالة استدراج السذج والأطفال إلى إنكار كل ما زاد على ~~العقائد والعبادات، حتى يتسنى للإباحية السائبة أن تتبرج تبرج الجاهلية الأولى، ~~وتضرب خيامها في كل واد، فإذا أصبح الناس يدخلون في دينها أشتاتا، قام الشيطان مرة ~~أخرى واستفز من استطاع منهم لتأليف كتاب يسمى: الإسلام وأصول العبادات. ~~••• # قال المؤلف في ص79: «لا يريبنك هذا الذي ترى أحيانا في سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # فيبدو لك كأنه عمل حكومي، ومظهر للملك والدولة؛ فإنك إذا تأملت لم تجده كذلك، بل هو ~~لم يكن إلا وسيلة من الوسائل التي كان عليه # صلى الله عليه وسلم # أن يلجأ إليها تثبيتا للدين، ~~وتأييدا للدعوة. وليس عجيبا أن يكون الجهاد وسيلة من تلكم الوسائل. هو وسيلة ~~عنيفة وقاسية، ولكن ما يدريك، فلعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان، وربما وجب ~~التخريب ليتم العمران؟» # أريناكم أن من مقاصد الإسلام إصلاح السياسة وإقامة دولة، وأنه وضع لهذه الدولة ~~أركانا وأصولا، وأن ما يحسبه المؤلف من مظاهر الحكومة النبوية هينا هو عند ذوي ~~العقول الراجحة والآراء الرصينة عظيم. وإنما نقلنا لكم هذه الفقرة من فقرات الكتاب ~~لنريكم مثلا من أمثلة تخاذل نسجه، وصورة من صور موارباته. # يقول المؤلف فيما سلف: «وإنما يكون الجهاد لتثبيت السلطان وتوسيع الملك.» وأخذ ~~يقرر هذا المعنى ويسوق في تقريره كل ما يملك من شبهة، ولم يزد هنالك على أن قال عقب ~~البحث: «فذلك سر الجهاد عندهم.» # وقال ها هنا: إن الجهاد وسيلة من الوسائل التي كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يلجأ إليها ~~تثبيتا للدين وتأييدا للدعوة. وبعد أن وصفه بأنه وسيلة عنيفة وقاسية، أتى بعبارة ~~يتقرب بظاهرها إلى ms145 آراء أهل العلم، ويدس في لحن خطابها تشكيكا لقوم لا يتفكرون، ~~فقال: وما يدريك؛ لعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان؟ # وهل من الذوق الملائم للإيمان أن ينعت المسلم عملا مشروعا بأنه شر، ثم يقول على ~~سبيل الاعتذار عنه: وما يدريك؛ لعل الشر ضروري للخير في بعض الأحيان؟! # ومن يأخذ قول المؤلف في ص52: «من أمثلة الشئون الملكية التي ظهرت أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # مسألة الجهاد.» إلى قوله هنا: «إن الجهاد من الوسائل التي كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يلجأ إليها تثبيتا للدعوة.» وضم إلى هذا قوله في ص71: «إن عمله السماوي ~~لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان.» قام له شاهد عدل يناجيه بأن ~~المؤلف يريد أن يضع في ذهن قارئ كتابه أن جهاده # صلى الله عليه وسلم # من الأعمال التي ما أنزل ~~الله بها من سلطان! ~~••• # قال المؤلف في ص80: «ترى من هذا أنه ليس القرآن هو وحده الذي يمنعنا من اعتقاد أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية، وليست السنة هي وحدها ~~التي تمنعنا من ذلك، ولكن مع الكتاب والسنة حكم العقل وما يقضي به معنى الرسالة ~~وطبيعتها.» # قد رأيت أن استشهاد المؤلف بتلك الآيات والأحاديث مبني على قصور في فهمها، أو قصد ~~إلى تحريف الكلم عن مواضعها، فالكتاب والسنة لا يمنعان «من اعتقاد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يدعو مع رسالته الدينية إلى دولة سياسية»، بل يدلان بصراحة كفلق الصبح ~~على أنه عليه الصلاة والسلام كان مبلغا ومنفذا، وأن قيامه على التنفيذ داخل في ~~حدود وظيفته السماوية. # ودعوى المؤلف أن حكم العقل وما يقضي به معنى الرسالة وطبيعتها يمنعه من اعتقاد أن ~~يكون التنفيذ داخلا في وظيفة الرسول عليه السلام السماوية، قد أريناك فسادها، ~~وأنها كلمة هو قائلها، فلا العقل يمنع من أن يؤمر الرسول بالتبليغ والتنفيذ، ولا ~~الأمر بإبلاغ شريعة يمنع بطبيعته من أن يضاف إليه الأمر بتنفيذها. # الكتاب الثالث # | الخلافة ms146 والحكومة في التاريخ # الباب الأول # | الوحدة الدينية والعرب # النقض - سياسة الشعوب وقضاؤها في العهد النبوي - درة عمر بن الخطاب وإدارة ~~البوليس - التشريع الإسلامي والزراعة والتجارة والصنائع - التشريع الإسلامي ~~والأصول السياسية والقوانين - أحكام الشريعة معللة بالمصالح الدنيوية ~~والأخروية، والمصلحة الدنيوية منها هي ما يبحث عنه أصحاب القوانين الوضعية - ~~لماذا لم يسم النبي # صلى الله عليه وسلم # من يخلفه - بحث لغوي في خلف واستخلف - تحقيق أنه ~~عليه السلام جاء للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده. ~~*** # ملخصه # افتتح المؤلف الباب بأن الإسلام وحدة دينية، وأن الله اختار لدعوته محمد بن عبد ~~الله # صلى الله عليه وسلم # وقال: لله جل شأنه حكمة في ذلك بالغة قد نعرفها وقد لا نعرفها. وأتى ~~على وجه ابتداء الدعوة بين العرب، وذكر عقب هذا أن البلاد العربية كانت مختلفة ~~الشعوب والقبائل، ومتباينة في مناهج الحكم والعادات، وأن هذه الأمم المتنافرة ~~اجتمعت في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # حول دعوة الإسلام، وأن وحدتها لم يكن فيها معنى من ~~معاني الدولة والحكومة، وزعم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يتعرض لشيء من سياسة تلك الأمم، ~~ولا غير شيئا من أساليب الحكم عندهم. # وذكر أن في الشرائع التي جاء بها النبي عليه السلام ما يمس إلى حد كبير أكثر ~~مظاهر الحياة في الأمم، ثم قال: ولكنك إذا تأملت وجدت أن كل ما شرعه الإسلام من ~~أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا ~~من أنظمة الدولة المدنية، وزعم أنك إذا جمعته لم يبلغ أن يكون جزءا يسيرا مما ~~يلزم لدولة مدنية من أصول سياسية وقوانين، وقال: إن كل ما جاء به الإسلام إنما هو ~~شرع ديني، ولمصلحة البشر الدينية لا غير. # وأخذ يتكلم عن حال العرب يوم لحق عليه السلام بالرفيق الأعلى، وزعم أنها وحدة ~~دينية من تحتها دول تامة التباين إلا قليلا، وتخلص من هذا إلى أن زعامة الرسول ~~فيهم زعامة دينية لا زعامة مدنية، فإذا ما لحق عليه السلام ms147 بالملأ الأعلى لم يكن ~~لأحد أن يقوم من بعده ذلك المقام الديني. وزعم أنه عليه السلام لم يشر إلى شيء يسمى ~~دولة إسلامية، وأنه لم يكن في عمل النبي عليه السلام أن ينشئ دولة، واستشهد على هذا ~~بأنه لم يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده، وتعرض لما انتقدت به دعوى ابن حزم أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # نص على استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه - وقال: بل الحق أنه # صلى الله عليه وسلم # ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون ~~إليه. وقفل الباب بقوله: «مات عليه الصلاة والسلام وانتهت رسالته، وانقطعت تلك ~~الصلة الخاصة التي كانت بين السماء والأرض في شخصه الكريم عليه السلام.» # النقض # قال المؤلف في ص83: «البلاد العربية، كما تعرف، كانت تحوي أصنافا من العرب ~~مختلفة الشعوب والقبائل، متباينة اللهجات، متنائية الجهات، وكانت مختلفة أيضا في ~~الوحدات السياسية؛ فمنها ما كان خاضعا للدولة الرومية، ومنها ما كان قائما بذاته ~~مستقلا، كل ذلك يستتبع بالضرورة تباينا كبيرا بين تلك الأمم العربية في مناهج ~~الحكم، وأساليب الإدارة، وفي الآداب والعادات، وفي كثير من مرافق الحياة الاقتصادية ~~والمادية.» ثم قال: «تلك الوحدة العربية التي وجدت زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم تكن وحدة ~~سياسية بأي وجه من الوجوه، ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعد ~~أبدا أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة، وحدة الإيمان والمذهب الديني لا ~~وحدة الدولة ومذاهب الملك.» # لا حرج على تلك الأمم المختلفة في عاداتها وآدابها ومناهج حكمها أن تنتظم بشريعة ~~الإسلام، فإن القوانين تكون محكمة وتسير على وجه مطرد متى اتفق لها أمران: أن لا ~~تكون مخلة بالمصلحة، وأن يتلقاها الجمهور بسكينة واطمئنان. وفي الشريعة بعض أحكام ~~مفصلة، وسائرها أصول كلية، حسبما قررناه آنفا. أما الأحكام المفصلة فإنها قائمة ~~على رعاية مصالح لا تختلف باختلاف الشعوب والعادات، وما لم يفصل حكمه فذلك موكول ~~إلى نظر الحاكم، فينظر فيما يقتضيه حال ms148 العادات والأخلاق وطبيعة الاجتماع، ويستنبط ~~له من تلك الأصول العامة حكما مطابقا. ولا شك أن الخضوع لأحكام الشريعة - مفصلة ~~كانت أو مأخوذة باستنباط مستوف للشروط - هو من مقتضيات الإيمان بحكمتها. # فأخذ تلك الشعوب والقبائل تحت حكومة الإسلام لا يخل بشيء من مصالحها، كما أنه لا ~~يتوقع من الجمهور أن يلاقي قضاء هذه الحكومة وإدارتها بغير السكينة ~~والاطمئنان. # وما زعمه المؤلف من أن تلك الوحدة العربية لم يكن فيها معنى من معاني الدولة ~~والحكومة زعم يضربه التاريخ الصحيح بيد عنيفة قاسية «وما يدريك؛ فلعل الشر ضروري ~~للخير في بعض الأحيان؟» # قال المؤلف في ص83: «يدلك على هذا سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فما عرفنا أنه تعرض لشيء ~~من سياسة تلك الأمم الشتيتة، ولا غير شيئا من أساليب الحكم عندهم، ولا مما ~~كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم ~~بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية، ولا ~~سمعنا أنه عزل واليا ولا عين قاضيا.» # مما لا تحوم عليه شبهة ولا تخالجه ريبة أن كل أمة تعتنق الإسلام يأخذ الحكم فيها ~~صورة غير صورته الجاهلية، فالقضايا كلها، سواء كانت جنائية أم مالية أم راجعة إلى ~~أحوال الزوجية، إنما تفصل بحكم القرآن أو السنة، أو بالاجتهاد المستند إلى القواعد ~~المركوزة في نفس الواقف على روح التشريع. ومن شواهد هذا حديث معاذ حين بعثه النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى اليمن؛ فقد تضمن الحديث أنه يقضي بكتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله ~~فبسنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن لم يكن في سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اجتهد رأيه. وقد ~~صحح هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي، وصححه ابن قيم الجوزية ~~في أعلام الموقعين. # 1 # وقال الإمام الشافعي - رضي الله عنه: «بعث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سراياه، وعلى كل ~~سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك، ms149 إلى كل ملك واحد، ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته ~~بالأمر والنهي، فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره.» # 2 # وفي صحيح البخاري # 3 # أنه # صلى الله عليه وسلم # يبعث «أمراءه واحدا بعد واحد؛ فإن سها أحد منهم رده إلى السنة.» # 4 # وقال شراح الحديث: «فائدة بعث الآخر بعد الأول ليرده إلى الحق عند ~~سهوه.» وقال ابن حجر في فتح الباري: # 5 ~~«والأخبار طافحة بأن أهل كل بلد كانوا يتحاكمون إلى الذي أمر ~~عليهم.» # وروى مالك بن أنس في كتاب الموطأ: # 6 # أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لعمرو بن حزم # 7 # في العقول: «إن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا ادعى جدعا مائة ~~من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثلها، وفي العين خمسون، وفي كل ~~أصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي السن خمس، وفي الموضحة خمس.» # فهذه النصوص من رجال كانوا ينقدون الأخبار نقد الصيارف للدينار تطعن في وجه ما ~~يزعمه المؤلف من أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يعين قاضيا، وتدل على أن أمراء النبي # صلى الله عليه وسلم # كانوا يتصرفون في شئون تلك الأمم على مقتضى الكتاب والسنة. # وإن كان المؤلف في ريب مما يقوله حملة الشريعة وحفاظها، فهذا جرجي زيدان يقول في ~~تاريخ التمدن الإسلامي: # 8 ~~«لما ظهر الإسلام كان النبي # صلى الله عليه وسلم # رئيس المسلمين في أمور الدنيا، ~~وهو حاكمهم وقاضيهم وصاحب شريعتهم وإمامهم وقائدهم. وكان إذا ولى أحد أصحابه ~~بعض الأطراف خوله السلطتين: السياسية والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل، وأن ~~يعلم الناس القرآن.» # وأما ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، أو ما كان بينها وبين غيرها من صلات ~~اجتماعية أو اقتصادية، فمتى كان فيها ما لا يتفق مع المصلحة، أو ما يمس قاعدة من ~~قواعد الدين الحنيف، فلا بد للحاكم المسلم من أن يغيره ويجريه على ما يلائم القانون ~~العادل والأدب الجميل، والحجة على المؤلف في هذا قول جرجي ms150 زيدان: «وخوله السلطتين: ~~السياسية والدينية، وأوصاه أن يحكم بالعدل، وأن يعلم الناس القرآن.» # يقول المؤلف: «ولا سمعنا أنه عزل واليا.» هذه كلمة لا فائدة لها سوى أنها تكثر ~~سواد مزاعمه؛ فإن مدة بعث الأمراء في عهد النبوة لا تتجاوز ثلاث سنين؛ وهي مدة ~~قصيرة قد يسير فيها الولاة على طريقة مثلى فلا يقعون في زلة تستوجب عزلهم، فإن كان ~~العزل عند المؤلف من أعلام الدولة؛ فقد ورد في الصحيح أنه عليه السلام عزل بعض قواد ~~الجيش، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: # 9 ~~«فقد كان - يعني النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- يولي في حياته من يشكى إليه ~~فيعزله كما عزل الوليد بن عقبة، وعزل سعد بن عبادة عام الفتح وولى ابنه ~~قيسا.» # قال المؤلف في ص84: «ولا نظم فيهم عسسا.» # نبهنا قبل هذا على أن عمل الحرس لذلك العهد كان يقوم به كل مسلم عرف أن تمام ~~إيمانه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الشهادة بالقسط ولو على نفسه ~~أو والديه وأقربيه، ويضاف إلى هذا تأثير مواعظ القرآن على تلك الفطر التي لم تتلوث ~~بأوساخ المدنية الفاسقة، فتعقد بين القلوب تعاطفا، وتطبع النفوس على أدب جميل، فلا ~~يكون للبغي مظهر، ولا للفظاظة يد، إلا في أوقات نادرة. # واعتبر في هذا المعنى بالهرمزان، ملك خوزستان، حين جيء به إلى عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - وهو نائم في المسجد متوسدا درته، فقال: هذا هو الملك؟! قيل: نعم، ~~فقال له: عدلت فأمنت فنمت. والله إني قد خدمت أربعة من ملوك الأكاسرة أصحاب التيجان ~~فما هبت أحدا منهم هيبتي لصاحب هذه الدرة. # فإذا كانت الدرة في يد النائم في المسجد تجعل في قلب البريء طمأنينة، وفي قلب ~~المريب رهبة، فما هي الفائدة التي تجتنيها الأمة من تشييد قصر يخرج منه ويعود إليه ~~في كل يوم رجال يتقاضون في رأس كل شهر ما يتقاضون؟! # قال المؤلف في ص84: «ولا وضع قواعد لتجارتهم ولا لزراعتهم ولا لصناعتهم، بل ترك ~~لهم عليه السلام ms151 كل تلك الشئون، وقال لهم: أنتم أعلم بها، فكانت كل أمة وما لها من ~~وحدة مدنية وسياسية، وما فيها من فوضى أو نظام لا يربطهم إلا ما قلنا لك من وحدة ~~الإسلام وقواعده وآدابه.» # التشريع الإسلامي يتناول كل ما ينظر فيه رجال القضاء والسياسة، بمعنى أن له في ~~النوازل القضائية أحكاما، وفي إدارة الشئون السياسية مقاصد، والمنوط بعهدة أولي ~~الأمر أن تقرر تلك الأحكام بحق، وأن تقام تلك المقاصد بنظام. والوسائل التي يصلون ~~بها إلى أن تأخذ الأحكام مأخذها، أو تقوم المقاصد على وجهها موكولة إلى اجتهادهم ~~وأمانتهم. # فمن مقاصد الشرع أن تكون مرافق الحياة ميسورة، وأن تكون القوة من الأموال ووسائل ~~الدفاع متوفرة، وفوض لأولي الأمر النظر فيما يجعل عيشة الأمة راضية وقوتها كاملة؛ ~~فهم الذين يضعون للتجارة والزراعة والصناعة نظما لا تعترض أصلا من أصول التشريع، ~~بل يجب أن تكون في دائرته التي تسع كل قانون عادل ونظام لائق. # هذا إذا كان قصد المؤلف من قواعد هذه الأشياء الأنظمة العائدة إلى ترقيتها ~~وتقدمها، أما إذا أراد بالقواعد القوانين التي يرجع إليها عند الفصل بين ~~المتخاصمين؛ فإن الشريعة قررت بعضها بتفصيل، وأودعت سائرها في ضمن أصول كلية كبقية ~~أحكام الحلال والحرام. هذا تحقيق النظر في المسألة من الوجهة التشريعية، أما إذا ~~ثنينا عنان البحث إلى المسألة من حيث سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # فلنا نظران أيضا: نظر من ~~حيث الحكم في القضايا التي تنشب بين أصحاب التجارة أو الصناع أو الزراع، وهذا مما ~~كان # صلى الله عليه وسلم # يتولاه بنفسه، وقد يكل بعضه إلى من يقوم عليه، كما جاءت الرواية بأنه # صلى الله عليه وسلم # كان يولي في بعض الأسواق من ينظر في شئون المعاملات، ويراقب ما عساه أن ~~يقع من غش أو مبايعة على غير وجه مشروع، وفي السيرة الحلبية «أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # استعمل سعد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - على سوق ms152 المدينة.» # والنظر الثاني من ناحية العمل على إصلاح شأن هذه الفنون، وهذه الفنون من أمور ~~الدنيا التي لا يدخل تعليمها في وظيفة الرسول عليه السلام السماوية إلا من حيث ~~الأمر بإقامة كل ما يسد حاجات الأمة، ويكفل لها العزة والمنعة، وفي مثل هذا قال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أنتم أعلم بأمور دنياكم.» # والفرق بين النظرين أن تقرير أحكام الوقائع القضائية وغير القضائية لا يصح إلا ~~ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد، وأما العمل على إصلاح وسائل الحياة من نحو التجارة ~~والزراعة فيؤخذ فيها برأي العارف بها، وإن لم يكن مطلعا على شيء من أصول الشريعة ~~أو فروعها. # إذن فالنبي # صلى الله عليه وسلم # قام بوظيفته السماوية التي هي إبلاغ ما أنزل إليه، وتنفيذ ما ~~جاء به من أوامر ونواه، ولم يبق سوى أن يقال: لماذا لم يقم بذلك الأمر الذي هو ~~خارج عن وظيفته السماوية، بأن يكلف ذوي الخبرة بإصلاح شأن التجارة والزراعة ~~والصناعة؟ # وجواب هذا السؤال: إن ما كان بين أيدي الأمة من هذه الوسائل كان ملائما لمظاهر ~~حياتهم البسيطة، وكافيا لسد حاجاتهم وإحرازهم القوة التي تجعلهم في منعة من ~~أعدائهم، ثم إن الحروب لم تزل - منذ طلع كوكب الدولة - حاملة أوزارها، فلم يأخذ ~~القوم خلالها مهلة ينصرفون فيها إلى النظر في شأن الزراعة ونحوها؛ ولا سيما إذ كانت ~~قلة عددهم بالنسبة لأعدائهم المتألبين عليهم من كل جانب، تضطرهم إلى أن يكون شبابهم ~~وكهولهم وشيوخهم يتقلدون السلاح، ويظلون على أهبة القتال بكرة وعشيا. # فالمؤلف رمى بنفسه في هذا البحث وهو غير واقف على روح التشريع ولا على طبيعة حال ~~الأمة لعهد النبوة، فكان فيما نال به جانب الحكومة النبوية من المسرفين. ~~••• # قال المؤلف في ص84: «ولكنك إذا تأملت وجدت أن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي # صلى الله عليه وسلم # المسلمين من أنظمة وقواعد وآداب، لم يكن في شيء كثير ولا قليل من ~~أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية، وهو بعد إذا جمعته لم يبلغ أن ms153 ~~يكون جزءا يسيرا مما يلزم لدولة مدنية من أصول سياسية وقوانين.» # تهافتت على المؤلف هذه الخواطر لقلة تفقهه في الشريعة، وعدم وقوفه على تاريخ عهد ~~النبوة وقوف الباحث البصير، وحذرا من أن تستدرج هذه الفقرة نفرا ينصتون لها ~~على غير هدى، أسوق كلمة مقتصدة يلقي عليها القارئ نظرة واحدة فيشهد من روح التشريع ~~وتاريخ السياسة النبوية ما تتساقط عنده تلك الشبه صرعى، ويتسلل منه ذلك الرأي ~~لواذا. # لنبحث عن مبادئ الشريعة الاجتماعية السياسية منذ طلعت إلى أن أغلق باب الوحي، ~~ونعرج على نبذة من سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # في تدبير شأن السياسة، حتى تعلم أن ~~الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم لم يخطئوا في فهم الدين، ولم يتفقوا على ~~ضلالة. # نزل القرآن في نحو عشرين سنة، وكان معظم ما نزل بمكة إنما هو كليات الشريعة من ~~تقويم العقائد وإصلاح الأخلاق والعادات، فتجد السور المكية طافحة بالدعوة إلى ~~الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وإقامة الحجج على ذلك، ودفع شبه الجاحدين، ~~والأمر بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، والاعتبار بقصص الأمم الخالية، ثم الإرشاد ~~إلى مكارم الأخلاق من نحو العدل والصدق والحلم والعفو والصبر، والوفاء بالعهد، وحسن ~~الإخاء، وبر الوالدين، وإنفاق المال في طرق الخير، وإيفاء الكيل والميزان، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإباية الضيم المنبه عليها بقوله تعالى: # والذين إذا أصابهم البغي هم ~~ينتصرون ~~. # وهنالك تجد محاربة المزاعم الباطلة، والعادات السمجة، والنهي عن البغي وقتل النفس ~~والزنى، والتطفيف في الكيل والوزن، والخيلاء والإعجاب بالنفس والرياء والكذب، ~~والقول على الله بغير علم، كل ذلك تراه مصوغا في أساليب تلذ الفطر السليمة ~~مذاقها، وتلين القلوب القاسية لجزالتها. وشرع في أثناء ذلك أهم ركن في العبادات، ~~وهي الصلاة، ثم بعض الأحكام الراجعة إلى قسم العادات؛ كبيان ما يحل أكله وما هو ~~حرام، وألقى في النفوس أن الشريعة تمشي بالناس على الطريقة الوسطى، فنزلت آيات في ~~التذكير بنعم هذه الحياة، وأخرى في إباحة الأخذ بزينتها والتمتع بطيباتها. وهنالك ~~وضعت القاعدة الاجتماعية السياسية؛ وهي قاعدة ms154 الشورى، ونزل قوله تعالى: # والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ~~وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون ~~. # وبمثل هذه التعاليم الباهرة والآداب الساطعة تألف حول مقام الرسالة قوم يخالفون ~~سائر القبائل العربية بعقائدهم وأخلاقهم وآدابهم وكثير من عاداتهم، وأصبحوا بين يدي ~~واعظ الإسلام آذانا صاغية، ونفوسا لينة، يقف فيقفون، ويسير فإذا هم على أثره ~~مقتدون. # وبعد هجرة صاحب الرسالة صلوات الله عليه إلى المدينة المنورة، جعل الوحي السماوي ~~يشرع ما بين الوعظ والتذكير أحكاما عملية، وأصولا اجتماعية، تلك الأحكام والأصول ~~التي لا يسنها إلا من قصد إلى بناء دولة تسلك في قضائها وسياستها شرعة خاصة، فترى ~~في السور المدنية عقوبة السارق والزاني والقاذف والساعي في الأرض فسادا، وآيات ~~الجهاد والقضاء العادل، وما يستند إليه من بينات، ثم الإرشاد إلى أصول المعاملات ~~مثل البيع والقرض والرهن والوصية والتوكيل والحجر على القاصرين من سفيه أو يتيم، ثم ~~أحكام النكاح والطلاق والخلع والنفقات والمواريث، والإصلاح بين الأفراد والجماعة، ~~ثم المعاهدات التي تعقد بين المسلمين وغير المسلمين، وهنالك شرعت الزكاة والجزية، ~~وهي أموال تصرف في حاجات ومصالح يجب على الرئيس الأعلى النظر في شأنها، وهنالك فرض ~~الحج، ومن حكمه التعارف والنظر في شئون الأمم الإسلامية قاطبة. # وتجد في السنة النبوية - التي لا يملك المؤلف ولا غير المؤلف أن ينازع في صحتها - ~~أصول الشركة والشفعة والقسمة والمزارعة وإحياء الموات والهبة والفلس، إلى ما عدا ~~ذلك مما هو بيان لبعض ما أجمله الكتاب العزيز في تلك الأبواب وغيرها. # ومن بعد نص الكتاب والسنة، تلك القواعد التي ساقنا البحث إلى التنبيه عليها فيما ~~سلف، فإنها تتعرف في موارد كثيرة منهما لا فرق بين مكي أو مدني، وسواء على ~~المجتهد أن يتعرفها من آيات الأحكام أم من غير آيات الأحكام؛ كالمواعظ ومآخذ ~~العبر، وقد تكون نتيجة استقراء جانب من القرآن وأقوال النبي # صلى الله عليه وسلم # وأفعاله كما ~~انتزعوا قاعدة «ارتكاب أخف الضررين» من مثل قوله تعالى: # وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ~~، ~~وانتزعوا قاعدة سد الذرائع من مثل ms155 قوله تعالى: # ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم ~~. # والمقدار الذي يفيد القطع بأن هذا المعنى مقصود للشارع فيجعل قاعدة موكول إلى ~~أنظار المجتهدين الراسخين في العلم بروح التشريع؛ لكثرة تدبرهم في النصوص، وترددهم ~~على ما فصل من أحكام. # وبالوقوف على روح التشريع ساغ لهم أن يقرروا معاني بعض الآيات والأحاديث على حسب ~~ما تقتضيه هذه القواعد، كما قيد الإمام مالك - رضي الله عنه - حديث: «اليمين على من ~~أنكر.» بشرط الخلطة بين المدعي والمدعى عليه، وهو في الحقيقة إنما قيد نص الشارع ~~بقاعدة مأخوذة من نصوصه، وهي قاعدة سد الذرائع؛ إذ لو وجه اليمين على كل مدعى ~~عليه لتمكن أهل السفاهة من امتهان أهل الفضل، ولا يشاء أحد أن يحلف أحدا من أهل ~~الخير والفضل إلا ادعى عليه دعوى يتوصل بها إلى تحليفه وامتهانه. # ولعلك تستخلص من هذا المقال، على ما فيه من إيجاز، أن شارع الإسلام يقصد إلى أن ~~يكون للمسلمين دولة ذات صبغة دينية، وأنه سن لهذه الدولة سبيلا متى جمح عنه الحاكم ~~يمينا أو شمالا كان مسئولا للأمة المسلمة في الدنيا ولمنزل الشريعة في الآخرة. ~~وقد حررنا لك فيما سلف أن الشارع يوجه عنايته إلى حفظ الحقائق أو المصالح، ويترك ~~الوسائل إلى اجتهاد أولي الأمر. يفرض الشارع تنوير عقول الأمة بالعلوم والمعارف. ~~أما أن تكون مدة الدراسة أربع ساعات في اليوم أو خمسا، وأن يشتغل طلبة العلوم ~~بالسياسة أو لا يشتغلون، وأن يعقد لهم امتحان في أول السنة أو آخرها، وأن يمنح ~~التلميذ حرية البحث في نفس الدرس أو لا يفسح له في البحث إلا بمقدار، فذلك كله ~~وأمثاله معه مما ينظر فيه أولو الأمر ويجرونه على حسب ما يتراءى لهم من ~~المصلحة. # فقول المؤلف: «إن كل ما شرعه الإسلام وأخذ به النبي # صلى الله عليه وسلم # من أنظمة وقواعد ~~وآداب إلخ.» إنما هو قول من لم يقف على روح التشريع، ولم يدر أن ما لم تنص عليه ~~الشريعة من الأنظمة إنما ms156 هو من النوع الذي يتبدل على حسب ما تقتضيه طبائع الشعوب ~~وأحوال الأزمنة. ~~••• # قال المؤلف في ص85: «إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب ~~وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير، وسيان ~~بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر ~~مصلحة مدنية أم لا، فذلك ما لا ينظر الشرع السماوي إليه، ولا ينظر إليه ~~الرسول.» # يقول المؤلف في هذه الفقرة: إن ما جاء به الإسلام من معاملات وعقوبات غير قائم ~~على رعاية المصالح المدنية، ويقصد بهذا أنها لا تصلح لأن تتمسك بها الدولة في ~~سياستها، وما هو إلا الهوى تزوج بالعقيدة الشوهاء، فكان من نسلهما هذا الرأي ~~العنيد! # أحكام الإسلام ترجع إلى عبادات ومعاملات وعقوبات # أما العبادات فالقصد منها مصلحة البشر الدينية، وقد تتبعها مصالح دنيوية كما ~~قال تعالى: # استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~* يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ~~. # وأما المعاملات والعقوبات فإنه يراد منها إقامة المصالح في الدنيا، وتترتب عليها ~~مصلحة أخروية، وهي الثواب عليها في الدار الباقية، متى صحب العمل بها قصد الامتثال. ~~وهذه المصلحة الأخروية لا تخرج المصلحة الدنيوية عن أن تكون هي المصلحة التي يبحث ~~عنها أصحاب القوانين الوضعية، وإن شئت تحرير البحث في هذا الصدد فإليك ~~التحرير: # للنفوس أربع أحوال: لذة، وسرور، وألم، وغم. فيلتذ الإنسان بالحكمة، ثم بالطيبات ~~من طعام وشراب، وفراش لين ونوم هادئ، ويسر بازدياد الولد وصلاحه، والانتصار على ~~العدو، وأن يكون له لسان صدق في مجالس أهل الفضيلة، ويتألم من الوجع، ومذاق الطعام ~~المر، والشراب الملح الأجاج، وأن يقرع سمعه أنكر الأصوات، أو يمس بدنه حر سلاح أو ~~سياط، ويغتم لفقد مال أو مفارقة صديق، أو استبداد حاكم غشوم. # ومن البديهي أن النفوس تحرص على ما فيه لذة أو سرور، وتنفر مما فيه ألم أو غم، ~~فكل إنسان يسعى بفطرته إلى ما فيه لذته وسروره، ويحذر ما يلاقي به ألما أو غما، ~~ولا تكاد تصرفاته ms157 الصادرة عن إرادة وعزم تخرج عن أن يقصد بها نيل ما فيه لذة أو ~~سرور، أو يحترس فيها عما فيه ألم أو غم، وإذا أعرض عما فيه لذة أو سرور، فلينال ~~لذة وسرورا أعظم، وإذا اقتحم موقع ألم أو غم، فليخلص من ألم أو غم أشد أثرا أو ~~أطول أمدا. # وحيث كان الإنسان مخلوقا على فطرة تستدعي أن يعيش في جماعة من أبناء جنسه، ~~وتألف الناس بالفعل شعوبا وقبائل، أصبحت أسباب اللذة والسرور والآلام والغموم ~~تتصادم، فرب عمل فيه لذة شخص أو سروره يجر لآخر غما أو ألما، ورب إحجام ~~إنسان عن موقع ألم أو غم يحرم غيره لذة وسرورا. # فنسمي اللذة والسرور وأسبابها مصالح أو منافع، ونسمي الآلام والغموم وأسبابها ~~مفاسد أو مضار، ونقول: إن تعارض الدواعي في جلب المصالح ودرء المفاسد يفضي ~~بطبيعته إلى تنازع وتقاتل، فاقتضت الضرورة أن يكون للجماعة قانون يكبح القوي عن ~~الاستئثار بمنافع الضعفاء، ويفصل ما ينتشب بين القوتين المتكافئتين من تدافع ~~وخصام. # فالشرائع السماوية والقوانين الوضعية تتحد في أن القصد منها حفظ المصالح ودرء ~~المفاسد، على وجه يجعل كل أحد يصل إلى ملاذه ومسراته بشرط أن لا يلحق بغيره ألما ~~أو غما. وتنفرد الشريعة السماوية بأن تجعل لتطبيق أحكامها بإخلاص مصلحة أخرى؛ وهي ~~رضوان الله أو نعيمه الدائم في الآخرة، وتمتاز بعد كون قوانينها أعدل وأشد مطابقة ~~لمكارم الأخلاق بأن الطائع لها إنما يطيع أمر ربه الأعلى، لا إرادة مخلوق قد يكون ~~أقل منه علما، أو أحط أخلاقا، أو أسفه رأيا. وهذا المعنى الذي تختص به الشريعة ~~السماوية يجعل كثيرا من الناس يمتثلون قوانينها بباعث من أنفسهم، وإن أمنوا من ~~عقوبة السلطان على مخالفتها. # وقد عقد أهل العلم خناصرهم على أن أحكام الشريعة معللة بمصالح العباد في هذه ~~الحياة، وفي تلك الحياة، وأن المصالح التي تقصدها الشريعة السماوية ترجع إلى حفظ ~~النفس والدين والعقل والعرض والنسب والمال، فالقصاص مثلا مشروع لحفظ النفس، وحد ~~الزنا لصيانة النسب، وحد القذف لصيانة العرض، وعقوبة شارب الخمر ms158 لصيانة العقل، ~~والجهاد لحفظ الدين، بل الاستعمار الأجنبي دل على أن الجهاد مشروع لحفظ الدين ~~والنفس والعرض والمال، ويرشد إلى هذا قوله تعالى: # وإن ~~يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ~~ذمة ~~. # وكل ما شرع من أحكام المعاملات والتعازير لا يخرج عن الاحتفاظ بهذه ~~الحقوق. # وقد قال ابن الحاجب في مختصر منتهى السول: # 10 # إجماع الفقهاء على أن أحكام الشرائع معللة، وأن التعليل يشمل كل فرد ~~فرد من الأحكام. وصرح عز الدين بن عبد السلام بأنها معللة بجلب المصالح ودرء ~~المفاسد، قال في قواعده: # 11 ~~«فصل في مناسبة العلل لأحكامها وزوال الأحكام بزوال أسبابها، فالضرورات ~~مناسبة لإباحة المحظورات جلبا لمصلحتها، والجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءا ~~لمفاسدها.» وقرر أبو إسحاق الشاطبي في كتاب المقاصد من موافقاته # 12 ~~«أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا.» # ولبناء أحكام الشريعة على مصالح العباد في الدنيا خاض أهل العلم في البحث عن هذه ~~المصالح، وعقدوا الموازنة بينها وبين المفاسد؛ ليبنوا الحكم على الراجح منهما عند ~~التعارض، كما فعل أبو إسحاق الشاطبي في موافقاته، وعز الدين بن عبد السلام في ~~قواعده، وتجدهم ينظرون إليها كما ينظر إليها أصحاب القوانين الوضعية من حيث عظمها ~~وصغرها، ومن حيث ما يترتب عليها في الخارج من آثار نافعة أو عواقب سيئة، فهذا عز ~~الدين بن عبد السلام يقول: «فصل في اجتماع المصالح مع المفاسد: إذا اجتمعت المصالح ~~مع المفاسد؛ فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله ~~تعالى فيهما، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا ~~المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ~~ومنافع للناس ~~، وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا ~~المصلحة مع التزام المفسدة ... والضابط أنه مهما ظهرت المصلحة الخلية عن المفاسد ~~سعي في تحصيلها، ومهما ظهرت المفاسد الخلية من المصالح سعي في درئها، وإن التبس ~~الحال احتطنا للمصلحة بتقدير وجودها وفعلناها، وللمفسدة بتقدير وجودها ~~وتركناها.» # ومن جهة ms159 التعليل بالمصالح انفتح باب القياس في الأحكام، وهو إلحاق الوقائع ~~بنظائرها المنصوص عليها حيث اشتركنا في علة الحكم، كما قاسوا القضاء في حال المرض ~~على القضاء في حال الغضب المنصوص عليه في قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا يقضي القاضي وهو ~~غضبان.» لأن علة المنع من القضاء متحققة في حال المرض، وهي قلق الفكر ~~واضطرابه. ~~••• # قال المؤلف في ص85: «قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك التباين الذي نقول إنه كان بين ~~أمم العرب زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن تخدعك تلك الصورة المنسجمة التي يحاول المؤرخون ~~أن يضعوها لذلك العصر، فاعلم أولا: أن في فن التاريخ خطأ كثيرا، وكم يخطئ ~~التاريخ، وكم يكون ضلالا كبيرا!» # شأن الباحث المحقق أن يحد رأيه من كل جهة ثم يتعرض لما عساه أن يقع في سبيله من ~~روايات المؤرخين، وينقده بحكمة، فيبين وجه مخالفته لسنن الكون، أو لطبيعة حال الأمة ~~التي يقص من أنبائها، أو يعارضه برواية هي أصح سندا، وأرجح وزنا. # كل إنسان يعلم أن في التاريخ حقا وباطلا، ولكن وراء التاريخ علوما وقواعد ~~تميز حقه من باطله، وصحيحه من سقيمه. # فهل نقل المؤلف الروايات التي حاول المؤرخون أن يضعوا بها لعهد النبوة تلك الصورة ~~المنسجمة، وبين وجه مخالفتها للسنن الكونية أو لطبيعة الأمة العربية، أو نقضها ~~بروايات هي أمتن سندا وأوفى وزنا. # كل ذلك لم يقع، ولم يزد المؤلف على مزاعم يلف حبلها على غاربها، ويرسلها سائبة ~~في الورق كالضالة غير المنشودة، فلا شبهة تسترها ولا دليل يقودها، كأنه يبعث بها ~~إلى الصم البكم الذين لا يعقلون. # ولو كان هذا المنطق نافعا، لكان لنا أن نكتفي في نقض هذا الباب بأن نقول لقارئه: ~~قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك الكتاب الذي نقول: إن مؤلفه يجهل ما كان بين أمم ~~العرب زمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن تخدعك تلك الصورة المزورة التي يحاول أن يضعها ~~للحكومة النبوية؛ فاعلم أولا أن في الآراء خطأ كبيرا، وكم يخطئ الرأي، وكم يكون ms160 ~~ضلالا كبيرا! ~~••• # قال المؤلف في ص85: «واعلم ثانيا أنه في الحق أن كثيرا من تنافر العرب وتباينهم ~~قد تلاشت آثاره بما ربط الإسلام بين قلوبهم، وما جمعهم عليه من دين واحد، ومن أنظمة ~~وآداب مشتركة.» # يدعي المؤلف أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يتعرض لتلك الأمم من حيث الحكم والسياسة، ~~والطريق النافع لهذه الدعوى أن ينقد الروايات الشاهدة بأنه عليه السلام كان يولي ~~على تلك الأمم أمراء يسوسونهم بالكتاب والسنة والاجتهاد الصحيح، ولكنه بدل أن يأخذ ~~في هذا الطريق العلمي أخذ يتحدث بما لا يدخل في موضوع البحث، ولا يعود على تلك ~~الدعوى بفائدة. # من أي منفذ يدخل في الموضوع قوله: «إن كثيرا من تنافر العرب وتباينهم قد تلاشت ~~آثاره بما ربط الإسلام بين قلوبهم»؟ ومن الذي يلتبس عليه التنافر والتباين في بعض ~~عادات وآداب بالتباين في الحكم ومرجع السياسة؟ # قال المؤلف في ص86: «ولكن العرب على ذلك ما برحوا أمما متباينة ودولا شتى، كان ~~ذلك طبيعيا، وما كان طبيعيا فقد يكفي أن تخفف حدته وتقلل آثاره، ولكن لا يمكن ~~التخلص منه بوجه من الوجوه.» # كأن المؤلف أخذ على عاتقه أن يملأ صحائف معدودة في الحديث عن الحكومة النبوية، ~~وسيان بعد ذلك أن تكون معانيه متناسقة أم متخاذلة. # موضوع البحث: هل تعرض النبي # صلى الله عليه وسلم # لتلك الأمم من حيث الحكم والسياسة، أم تركت ~~كل أمة على ما هي عليه من فوضى أو نظام؟ وإذا المؤلف يخرج إلى الحديث عن تنافر ~~العرب، ولا يستأذن قارئي كتابه في هذا الاقتضاب، ثم يدعي بعد هذا أن كونهم أمما ~~متباينة ودولا شتى أمر طبيعي، وما كان طبيعيا لا يمكن التخلص منه بوجه من ~~الوجوه. # التباين في بعض عوائد وآداب لا تنافي الفضيلة شيء يغمض عنه الإسلام طرفه ولا يهمه ~~أن يزول أو يبقى خالدا، والذي يعنيه ويعمل على تنقية الحالة الاجتماعية منه إنما ~~هي العادات والشئون التي لا تلتئم مع الآداب الرفيعة والمظاهر المألوفة. # فالإسلام يجاهد كل تباين يقوم على عادات ms161 ينكرها الأدب، طبيعية كانت أم تقليدية، ~~والدين الذي بلغ الإيمان بحكمته أن يجعل الرجل طوع أمره؛ فيهجر من أجله وطنه، ~~ويقاتل في سبيله أباه وأخاه وعشيرته الأقربين، في استطاعته أن يخرج النفوس المؤمنة ~~من ظلمات حكم الجاهلية إلى الشريعة العادلة والسياسة الحكيمة. ~~••• # قال المؤلف في 87: «وقد لحق # صلى الله عليه وسلم # بالرفيق الأعلى من غير أن يسمي أحدا يخلفه ~~من بعده، ولا أن يشير إلى من يقوم في أمته مقامه. بلى، لم يشر عليه السلام طول ~~حياته إلى شيء يسمى دولة إسلامية أو دولة عربية.» # إن لم يسم عليه السلام أحدا يخلفه من بعده، ولم يشر إلى من يقوم في أمته مقامه، ~~فليس معنى ذلك أنه لم يبعث لإنشاء دولة إسلامية، ولم يأت بشريعة تنتظم سياستها، ~~وإنما لم يسم أحدا يخلفه ولم يشر إلى من يقوم مقامه لمقصد بعيد المدى، وأصل من ~~أصول الدولة يثبت أساسها، ويزيدها حكمة على حكمتها، وهو أن الإمامة حق من حقوق ~~الأمة، هي التي تقلدها، وهي التي تنزعها، تقلدها من آنست فيه الكفاية، وتنزعها ممن ~~عجز عن القيام بأعبائها، أو لعبت بقلبه أصابع الهوى فجعل عاليها سافلها. # وإن تعجب فعجب قول المؤلف: إن النبي عليه السلام لم يشر طول حياته إلى شيء يسمى ~~دولة إسلامية! ولقد ذهب هذا القلم في الجرأة إلى مكان سحيق، يقول حفاظ السنة: لم ~~نسمع كذا، أو لم يبلغنا كذا. ويقول من ينقل حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن الكامل ~~للمبرد: لم يشر عليه السلام طول حياته إلى شيء يسمى دولة إسلامية! # من مثل هذه العبارة يدرك قراء كتابه الأذكياء وأشباه الأذكياء أنه يرمي بالكلام ~~جزافا، ويحاول أخذ قلوبهم ولو على طريق غير معقول، ومنطق ليس له فروع ولا ~~أصول. # يرمي المؤلف هذه المقالة الخاطئة، وفي السنة الصحيحة من أحاديث الإمامة ما فيه ~~عبرة لقوم يفقهون، وقد قصصنا منها ما لا يمكن للمؤلف أن ينازع في صحته، أو يحرفه ~~بالتأول عن مواضعه. ~~••• # قال المؤلف في ص87: «فكيف إذا كان ms162 من عمله أن ينشئ دولة يترك أمر تلك الدولة ~~مبهما على المسلمين؛ ليرجعوا سريعا من بعده حيارى يضرب بعضهم رقاب بعض؟! وكيف لا ~~يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده وذلك أول ما ينبغي أن يتعرض له بناة الدول ~~قديما وحديثا؟!» # ترك النبي عليه السلام المسلمين على بينة من أمر إمام يقوم بحراسة الدين وسياسة ~~الدنيا، ولم يبق سوى أنه لم يعهد بالخلافة لأحد بعينه، والحكمة في عدم تعيين من ~~يقوم مقامه تعليم الأمة المسلمة أن منصب الخليفة يرجع إلى اختيارهم. وهذا مبدأ من ~~مبادئ الإسلام المفرغة على قالب الحرية، ولكن المؤلف ينظر إلى سيرة الرسول عليه ~~الصلاة والسلام بمرآة تعكس الحقائق، وتريها له في صبغة غير صبغتها الحسنى. # لم يترك النبي صلوات الله عليه أمر الدولة مبهما على المسلمين، ولم يرجعوا ~~سريعا من بعده يضرب بعضهم رقاب بعض، وما هي إلا مناقشة دارت بينهم في سقيفة بني ~~ساعدة، وسرعان ما طوي بساطها على وفاق وسلام، فإن كان المؤلف يلوح إلى قتال أهل ~~الردة، فأولئك قوم نزلت بهم ضلالة أو استحوذت عليهم جهالة، ولو نص النبي # صلى الله عليه وسلم # على إمامة أبي بكر لنازع أولئك الضالون أو الجاهلون في صحة ما يروى لهم عن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم لم يعدموا مغالطة يتملصون بها من عهدة ما تفرضه عليهم النصوص ~~الصريحة، وكتاب الإسلام وأصول الحكم على ما نقول شهيد. ~~••• # حكى المؤلف مذهب ابن حزم في أن النبي عليه السلام نص على استخلاف أبي بكر بعده، ~~وأن معنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه لا الذي يخلفه دون أن يستخلفه، ثم قال ~~في ص88: «والذهاب مع هذا الرأي تعسف لا نرى له وجها صحيحا، ولقد راجعنا ما تيسر ~~لنا من كتب اللغة فما وجدنا فيها ما يعضد كلام ابن حزم، ثم وجدنا إجماع الرواة على ~~اختلاف الصحابة في بيعة أبي بكر وامتناع أجلة منهم عنها.» # أما كلام ابن حزم فلم يكن المؤلف أول ناقد له؛ فقد قال ابن ms163 تيمية في منهاج السنة: # 13 ~~«إن الخليفة إما أن يكون معناه أن يخلف غيره وإن كان لم يستخلفه كما هو ~~المعروف في اللغة، وهو قول الجمهور، وإما أن يكون معناه من استخلفه غيره كما قاله ~~طائفة من أهل الظاهر والشيعة ونحوهم.» وقال أيضا: «قالوا: والخليفة إنما يقال لمن ~~استخلفه غيره، واعتقدوا أن الفعيل بمعنى المفعول؛ فدل ذلك على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # استخلف على أمته، والذين نازعوهم في هذه الحجة قالوا: الخليفة يقال لمن استخلفه ~~غيره ولمن خلفه غيره، فهو فعيل بمعنى فاعل.» # وأما ما ذكر من امتناع أجلة من الصحابة عن مبايعة أبي بكر فقد كان ذلك في مبدأ ~~الأمر، ثم أطبقوا على مبايعته، ولم يبق سوى سعد بن عبادة - رضي الله عنه. قال شيخ ~~الإسلام في منهاج السنة ردا على أحد الرافضة في مقالة له تشبه مقالة المؤلف: ~~«وأما الذين عدهم هذا الرافضي أنهم تخلفوا عن بيعة الصديق من أكابر الصحابة، فذلك ~~كذب عليهم إلا على سعد بن عبادة، فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر وعمر أشهر من أن تنكر، ~~هذا مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث والسير والمنقولات وسائر أصناف أهل العلم ~~خلفا عن سلف، وقد علم بالتواتر أنه لم يتخلف عن مبايعته إلا سعد بن عبادة.» ~~••• # قال المؤلف في ص89: «بل الحق أنه # صلى الله عليه وسلم # ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده ولا ~~جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه.» # جاء النبي # صلى الله عليه وسلم # للمسلمين بشرع يرجعون إليه في الحكومة بعده، أما كونه عليه ~~السلام جاء بشريعة ذات أصول قضائية وأخرى سياسية، وأن هذه الأصول لم تفرط في شيء من ~~جلب المصالح ودرء المفاسد، فحقيقة يراها عين اليقين كل من تدبر في القرآن، وتفقه في ~~الدين على طريقة الباحث الحكيم. # وقد بصر علماء الإسلام بهذه الحقيقة، وتضافرت كلمتهم عليها وإن كانوا يختلفون في ~~بعض طرق الاستنباط، ذلك الاختلاف الناشئ عن التفاوت في الفهم، والتفاضل في العلم، ~~والحق قد يخفى على بعض الأفراد، ms164 ولكنه لا يستتر عن عيون الجماعات المبثوثة في كل ~~واد. # وأما الدليل على أن هذه الشريعة عامة لا يختص بهدايتها عصر دون عصر، ولا قوم دون ~~آخرين، فهو الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح. # أما الكتاب فقوله تعالى: # قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا ~~، وقوله تعالى: # إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ~~. وهذا يقتضي أن كل ~~ما تقرر بوحي من عقائد وآداب وشرائع يعم بخطابه جميع الأمم، ولا يختص بزمان دون ~~زمان، وكذلك تجد الوعيد على الحكم بغير ما أنزل إليه مصوغا في صورة العموم تجده في ~~قوله تعالى: # ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظالمون ~~، وفي آية أخرى: # فأولئك هم الفاسقون ~~، وفي آية ثالثة: # فأولئك هم الكافرون ~~. # وأما السنة فقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة.» # 14 # وأما الإجماع فأوضح من نار على علم، وممن تعرض له أبو إسحاق الشاطبي؛ إذ قال في موافقاته: # 15 ~~«والثالث إجماع العلماء المتقدمين على ذلك - كون الشريعة عامة - من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولذلك صيروا أفعال النبي # صلى الله عليه وسلم # حجة للجميع في ~~أمثالها. وتقرير صحة الإجماع لا يحتاج إلى مزيد لوضوحه عند من زاول أحكام ~~الشريعة.» # وأما النظر، فإن الأحكام «إذا كانت موضوعة لمصالح العباد، فالعباد بالنسبة إلى ما ~~تقتضيه من المصالح سواء، فلو وضعت على الخصوص لم تكن موضوعة لمصالح العباد، فثبت أن ~~أحكامها على العموم لا على الخصوص.» # 16 # الباب الثاني # | الدولة العربية # النقض - حكومة أبي بكر وسائر الخلفاء الراشدين دينية - أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خير أمة أخرجت للناس - أسباب سيادة الإسلام لعهد الخلفاء الراشدين - ~~بيعة أبي بكر اختيارية إجماعية - كلمة في سيرة أبي بكر. ~~*** # ملخصه # قال المؤلف في أول الباب: إن زعامة النبي # صلى الله عليه وسلم # دينية، وزعم أنها انتهت بموته، ~~وما كان لأحد أن يخلفه في زعامته، وادعى على غير خجل أن زعامة أتباعه من بعده غير ~~قائمة على الدين، وأنها ms165 نوع لا ديني، ثم تعرض لتأثير دعوة الإسلام في الأمم ~~العربية، ولتهيئهم لإقامة دولة سياسية على أساس الوحدة الدينية، وأتى على بيعة ~~أبي بكر - رضي الله عنه - وباهت التاريخ بزعمه أنها قامت على أساس القوة والسيف، ~~وأنها لم تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، وخاض في ~~شبه تنبئك أنه «يرى النملة جملا، وإذا رأى غير شيء ظنه رجلا.» وانقاد في حديثه ~~إلى أن أبا بكر وغيره من خاصة القوم لم يزعموا أن إمارة المسلمين كانت مقاما ~~دينيا، ووصل حديثه بأن هناك أسبابا كثيرة ألقت على أبي بكر شيئا من الصبغة ~~الدينية، ثم قال: وكذلك وجد الزعم بأن الإمارة على المسلمين مركز ديني، وانصرف عن ~~الباب بدعوى أن أهم أسباب هذا الزعم ما لقب به أبو بكر من أنه «خليفة رسول ~~الله». # النقض # قال المؤلف في ص90: «طبيعي ومعقول إلى درجة البداهة أن لا توجد بعد النبي زعامة ~~دينية، وأما الذي يمكن أن يتصور وجوده بعد ذلك فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس ~~متصلا بالرسالة ولا قائما على الدين، هو إذن نوع لا ديني، وإذا كانت الزعامة لا ~~دينية فهي ليست شيئا أقل ولا أكثر من الزعامة المدنية أو السياسية؛ زعامة الحكومة ~~والسلطان لا زعامة الدين. وهذا الذي قد كان.» # هذه حلقة من سلسلة الآراء التي يسطو بها المؤلف حول شريعة الإسلام؛ ليزيحها من ~~المحاكم ومن مظاهر الدولة، حتى لا يرى للسياسة العفيفة وجها، ولا للإباحية ~~المتهتكة زاجرا. # ذهب إلى أن التنفيذ غير داخل في وظيفة الرسول عليه السلام السماوية، وأنه لم يكلف ~~بأن يحمل الناس على ما جاءهم به، وترامى في هذه الجمل على حكومات الخلفاء الراشدين ~~يطعن في عفافها، ويقذفها بسبة اللادينية. # هل للمؤلف أن يغسل قلمه من المواربة ويحدثنا عن قوله تعالى: # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ~~، وقوله: # والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما ~~، وقوله: # الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~، وقوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ms166 ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~، ويدلنا ~~على المكلف بتنفيذ هذه الأحكام؟! # ليس بجائز في نظره أن يكون المكلف بتنفيذها الرسول عليه السلام؛ لأنه «لم يكلف ~~شيئا غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم ~~عليه.» # ثم هو ينفي أن يكون المكلف بتنفيذها ملوك العرب: أبا بكر وعمر وخلفاءهم؛ لأن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~«ما تعرض لشيء من أمر الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع ~~يرجعون إليه.» وحكومات أولئك الملوك «نوع من الزعامة جديد ليس متصلا بالرسالة ولا ~~قائما على الدين. هو إذن نوع لا ديني.» # ولعله يجيب بأن الخطاب بها مصروف إلى الأمة، وأنها تتولى دون أولئك الملوك إقامة ~~هذه الحدود على أولئك الجناة. وهي فوضى لا يرضى عنها المستر «أرنولد» ولا الفيلسوف ~~«لك». # ولم يبق للمؤلف مخلص سوى أن يقول: إن هذه الآيات نزل بها الأمين على أكمل الخليقة ~~ليتهجد بها الناس، وليرتلوها ترتيلا! # استهتر المؤلف بمبدأ اللادينية ولم يقنع بأن يجاهد لإعلاء كلمته في الحاضر ~~والمستقبل، حتى صعد نظره إلى الحكومة النبوية وحكومة الخلفاء الراشدين، فرمى الأولى ~~بما رمى، وحاول أن ينزع عن الثانية لباس التقوى، والله يشهد إن أولئك القوم بآياته ~~يوقنون. # كانت حكومة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - حكومة إسلامية، تحكم بما أنزل الله، ~~وتسير في سياستها على السبيل التي رسمتها حكمته البالغة، والأدلة على ذلك كثيرة، ~~ولنكتف منها بالكتاب العزيز والتاريخ الصحيح. ~~••• # أما الكتاب فقد قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع ~~عليم ~~، وفي هذا دليل واضح على أن حكومة أبي بكر - رضي الله عنه - لم ~~تكن من نوع اللاديني؛ إذ الحال الذي ينطبق عليه معنى الآية إنما وقع في عهد خلافته، ~~فإن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ms167 # إنما قاتلهم أبو بكر بمن معه من ~~الصحابة الأكرمين، وقد أخبر الله تعالى أنه يحبهم، وشهد لهم بأنهم يحبونه، ولو كان ~~يحكم بغير ما أنزل الله لكان ظالما أو فاسقا، والله لا يحب الظالمين، ويبغض ~~الفاسقين ، وليس لأحد ادعاء أن الآية مسوقة في غير المرتدين بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فإن تاريخ الإسلام لم يقص علينا أن قوما قاتلوا المرتدين الموجه إليهم ~~خطاب هذه الآية غير أبي بكر وجنده الغالبين. # ومما يشهد بأن حكومة الخلفاء الراشدين دينية إسلامية قوله تعالى: # قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ~~. # فإن قوله: # ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد # كلام لم يعين فيه «الفاعل الداعي لهم إلى القتال، فدل القرآن ~~على وجوب الطاعة لكل من دعاهم إلى قتال قوم أولي بأس شديد، يقاتلونهم أو يسلمون، ~~ولا ريب أن أبا بكر دعاهم إلى قتال المرتدين ثم قتال فارس والروم، وكذلك عمر دعاهم ~~إلى قتال فارس والروم، وعثمان دعاهم إلى قتال البربر ونحوهم. والآية تتناول هذا ~~الدعاء كله.» # 1 ~~«فإن قال قائل: يجوز أن يكون النبي # صلى الله عليه وسلم # هو الذي دعاهم، قيل له: قال الله ~~تعالى: # فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن ~~تقاتلوا معي عدوا ~~، فأخبر أنهم لا يخرجون معه أبدا ولا ~~يقاتلون معه عدوا.» # 2 # فانظر كيف أوجب الله طاعتهم، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم أو كافر، والله ~~لا ينزل قرآنا في إطاعة الظالمين أو الكافرين. # وأما التاريخ الصحيح، فهذه سيرة الخلفاء الراشدين محفوظة في الكتب الموثوق ~~بروايتها، فلا تراها إلا شاهدة بأن الخليفة كان يحكم بالكتاب والسنة، ولا يرجع إلى ~~اجتهاد رأيه إلا إذا أعوزه الدليل منهما؛ في صحيح البخاري: # 3 ~~«كانت الأئمة بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # يستشيرون الأمناء في الأمور المباحة ~~ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداء بالنبي ms168 # صلى الله عليه وسلم ~~.» وقال أبو عبيد في كتاب القضاء: «كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم ~~نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله ~~نظر في سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل ~~الناس: هل علمتم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم ~~فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # جمع رؤساء ~~الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر يفعل ذلك # 4 ~~... وتجد هذه السنة في وصية عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى شريح حين ~~ولاه قضاء الكوفة: انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم ~~يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما لم يتبين لك فيه ~~السنة فاجتهد فيه رأيك.» # 5 # فقول المؤلف على حكومة أبي بكر: إنها نوع لا ديني. إنما نشأ عن نظرة لا دينية، ~~فهو إذن قول لا ديني. ~~••• # قال المؤلف في ص90 يصف الأمة المسلمة في عهد النبوة: «حتى استحالوا أمة واحدة من ~~خير الأمم في زمانهم.» # قال الله تعالى يخاطب هذه الأمة: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله ~~. ولم يوافق ذوق المؤلف أن يكون أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # خير أمة أخرجت للناس، وما سمحت نفسه إلا بأن يجعلهم من خير الأمم في ~~زمانهم، ولعله جعلهم من خير الأمم في زمانهم لأنه لا يراهم من خير الأمم في كل ~~زمان، ولو نظر إليهم كأمة عربية فقط، وأصغى إلى ما يمليه عليه التاريخ وحده، لاعترف ~~كما اعترف بعض المؤرخين من غير المسلمين بأن الأزمنة لم تخرج للناس أمة كتلك الأمة ~~عدلا ورحمة وعفافا، قال جرجي زيدان في تاريخ ms169 التمدن الإسلامي # 6 # يصف حكومة الخلفاء الراشدين: «خلافة دينية أساس أحكامها التقوى والرفق ~~والعدل بما لم يسمع بمثله في عصر من العصور.» ~~••• # قال المؤلف في ص91: «واستعدوا بمثل ما يستعد به شعوب البشر لأن يكونوا سادة ~~ومستعمرين.» # لكل شيء سبب، والمسببات تجيء على حسب أسبابها في القوة والغرابة، وتلك الأمة ~~المسلمة بلغت أشدها وبسطت أجنحتها على تلك الممالك المترامية الأطراف لأسباب فوق ~~الاتحاد، وفوق ما بأيديهم من قوة مادية. # وأحد هذه الأسباب اعتقادهم بأنهم يمتثلون أمر الله فيما يفتحون من البلاد، وأنهم ~~يفيضون على العالم هداية وإصلاحا، وهذا ما يجعلهم على ثبات لا يتزلزل، وإقدام لا ~~يلوي على شيء. # ثانيها: أن حكمة القرآن وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام فتحت بصائرهم فجعلتهم ~~أبعد الأمم نظرا، وأحكمهم رأيا، وأنجحهم تدبيرا. # ثالثها: سمعة عدلهم ولين سياستهم تطير إلى الأمم المحاربة فتكسر من شدة عزمهم في ~~الدفاع، وتخفف عليها أمر الاستسلام لأولئك الهداة الفاتحين. # فارتفاع شأن الأمة الإسلامية لعهد الخلافة الرشيدة له أسباب معتادة وأسباب غريبة؛ ~~ولهذا كانت سيادتهم باهرة في سعة مظهرها، وحكمة نسجها، وسرعة تكونها # إن الله مع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون ~~. ~~••• # قال المؤلف في ص92: «وإذا أنت رأيت كيف تمت البيعة لأبي بكر واستقام له الأمر، ~~تبين لك أنها كانت بيعة سياسية ملكية، عليها كل طوابع الدولة المحدثة، وأنها إنما ~~قامت كما تقوم الحكومات على أساس القوة والسيف.» # أخذ المؤلف على قلمه ميثاقا غليظا، وفرض عليه أن لا يضرب خطوة إلا أن يخالف ~~قرآنا أو سنة صحيحة أو تاريخا صادقا. # جرى عقب وفاة الرسول الأعظم صلوات الله عليه مناقشة في أمر الإمامة كما هو الشأن ~~في كل المسائل المهمة تطرح على بساط المفاوضة، وانتهت هذه المناقشة أو الجدال ~~بمبايعة أبي بكر الصديق، وبعد أن انعقدت له المبايعة على اختيار من أهل الحل ~~والعقد، وتبوأ منصب الخلافة صار له جند وسلاح، وكذلك دين الحق وسياسته الرشيدة تقوم ~~على الحكمة والبيان، ويحرسها السيف والسنان، ولكن المؤلف يخطئ التاريخ الحق، ولا ~~يصيب في ms170 فهم ما تقتضيه السنن الكونية. # والتحقيق أن النبي # صلى الله عليه وسلم # عرف أن أصحابه لا يختلفون في فضل أبي بكر وتفوقه ~~عليهم دراية واستقامة، وهذا ما يجعل الآراء متطابقة على تعيينه للخلافة، ففوض الأمر ~~إلى اختيارهم؛ لتبقى سنة إلى الأبد، وذلك ما كان «ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض ~~الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير ... ثم الأنصار جميعهم ~~بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة؛ لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ... ولا قال أحد من ~~الصحابة: إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غير بني ~~هاشم. وهذا كله مما يعلمه العلماء العاملون بالآثار والسنن والحديث.» # 7 ~~«وأبو بكر بايعه المهاجرون والأنصار الذين هم بطانة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والذين ~~بهم صار للإسلام قوة وعزة، وبهم قهر المشركون، وبهم فتحت جزيرة العرب، فجمهور ~~الذين بايعوا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # هم الذي بايعوا أبا بكر ... ولو قدر أن بعض الناس ~~كان كارها للبيعة لم يقدح ذلك في مقصودها، فإن نفس الاستحقاق لها ثابت بالأدلة ~~الشرعية الدالة على أنه أحقهم بها.» # 8 # فقول المؤلف: إن البيعة لأبي بكر قامت على السيف والقوة إنما هو وليد نظرة عجلى، ~~وسقط فكر لا يفرق بين من يستولي على الأمة بخيله ورجله، ومن تبايعه الأمة أو ~~جمهورها ثم تكون له جندا وظهيرا. ~~••• # قال المؤلف في ص92: «كانت دولة عربية قامت على أساس دعوة دينية، وكان شعارها ~~حماية تلك الدعوة والقيام عليها. أجل، ولعلها كانت في الواقع ذات أثر كبير في أمر ~~تلك الدعوة، وكان لها عمل غير منكور في تحول الإسلام وتطوره، ولكنها على ذلك لا ~~تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب، وروجت مصالح العرب، ومكنت لهم في ~~أقطار الأرض فاستعمروها استعمارا، واستغلوا خيرها استغلالا، شأن الأمم القوية ~~التي تتمكن من الفتح والاستعمار.» # نصوغ من سيرة أبي بكر كلمة يتذكر بها القارئ أن ذلك ms171 الخليفة الأتقى إنما كان يعمل ~~لإعلاء كلمة الله، وإقامة شريعته الغراء، وإذا نال العرب من وراء هذا العمل مصالح ~~دنيوية، فذلك ما لا يبخس من عمله الصالح نقيرا، ولا يمس نيته الخالصة بسوء. # اعتنق أبو بكر الإسلام عن يقين كفلق الصبح، وإخلاص لا يحوم عليه رياء، أسلم يوم ~~قام النبي # صلى الله عليه وسلم # يدعو إلى دين الحق، وأولئك القوم الغلاظ الشداد ينغضون إليه ~~رءوسهم، ويسومون أتباعه سوء العذاب، أسلم يوم لا يخطر في خيال أحد أنه عليه السلام ~~سيكثر تابعوه ويعتز جانبهم حتى تكون لهم دولة يخضع لسطوتها الجبابرة. # رمى أبو بكر وطنه وراء ظهره، وهاجر رفيقا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # صابرا على مضض ~~الاغتراب، ولم يغترب ليستدر عيشا، أو لينهض من خمول، وإنما هي نفس أشربت إيمانا ~~صادقا، وتجردت لنصرة الحق وطمس معالم الباطل ما وجدت لذلك سبيلا. # لا يسع المقام لأن نبحث عن سيرة أبي بكر في عهد النبوة أكثر من أن نقول: إنه هاجر ~~إلى الله بقلب سليم، وكان مثال الزهد في غير بؤس، والحلم في غير ضعف، والعزة في غير ~~عظمة، وما برح يجاهد في الله حق جهاده إلى أن اشتد بالنبي # صلى الله عليه وسلم # مرض الوفاة وقال ~~لهم: «مروا أبا بكر فليصل للناس.» # 9 # صعدت الروح النبوية إلى الرفيق الأعلى، فأخذت الدهشة من الصحابة مأخذا اضطربت له ~~الأفكار، ونطقت فيه الألسنة بما لا تنطق به في حال وقار وسكينة، فجاء أبو بكر من ~~غيبة قريبة، وخطب بما دل على ثبات جنانه، ورسوخ علمه، فقال: «ألا من كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا # صلى الله عليه وسلم # قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.» وقال: # إنك ميت وإنهم ميتون ~~، ثم تلا ~~قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا وسيجزي الله الشاكرين ~~. # فكان له في هذا الموقف حكمة أعادت الحائر إلى ms172 يقينه، والمضطرب إلى سكينته. # جاء أبو بكر الخلافة إذ كانت له قدرا، ولم يبسط القوم أيديهم إلى مبايعته ~~ليسوسهم بما يسوس به بعض الملوك رعاياهم من القوانين الوضعية، وإنما قلدوه تلك ~~الرياسة على أن يقودهم بكتاب الله وسنة رسوله والاجتهاد الذي يلتئم بأصول الشريعة، ~~وعلى أن يقوم بحراسة الدين والدعوة إليه بحكمة وعزيمة. # والأدلة على أنه كان يتحرى في أحكامه وسياسته الكتاب والسنة مبثوثة في كتب السنة ~~والآثار، وبالغة في الكثرة إلى أن يحصل بها علم لا تخالجه ريبة، وأقرب مثل لهذا ~~محاورته لعمر بن الخطاب في قتال مانعي الزكاة، فإنها كانت تدور على فهم حديث: «أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.» ولم يقدم أبو بكر على ~~قتالهم حتى التمس الحجة من قوله في الحديث: «إلا بحقها.» وقال: «فإن الزكاة من ~~حقها، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لقاتلتهم ~~عليه.» # وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قد ذكر غير واحد، مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني ~~وغيره، إجماع أهل العلم على أن الصديق أعلم الأمة، وهذا بين؛ فإن الأمة لم تختلف ~~في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم، وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة.» # 10 # وأما حراسته للدين فمن شواهدها أمره بجمع القرآن في المصاحف حين استحر القتل ~~بالقراء في واقعة اليمامة، وقد كان أولئك الخلفاء يعاقبون من خرج عن الدين ولو في ~~مسائل العبادات، ومثل هذا أن عمر بن الخطاب لما ثبت عنده حديث: «إذا جاوز الختان ~~الختان فقد وجب الغسل.» توعد على عدم الاغتسال من المباشرة الخالية من الإنزال، ~~وقال: «لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربا.» # 11 # وأما قيامه بنشر الدعوة وحمايتها؛ فإن قتاله لأهل الردة لم يكن إلا لتثبيت دعائم ~~الدين، وأخذه في فتح الشام والعراق لم يكن إلا في سبيل الدعاية إلى الإسلام ورفع ~~لوائه، ومن ms173 شواهد هذا قول أحد رجال الدولة الفاروقية المغيرة بن شعبة لرستم قائد ~~جيش الفرس: «فنحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله، وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت ~~لك بلادك، لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت، وعليك الزكاة والخمس، وأن أبيت ذلك ~~فالجزية، وأن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.» # 12 # وهذه سيرة أبي بكر وسيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # بعد نزول آية الجزية. # وإذا كان أبو بكر وغيره من الخلفاء الراشدين يتحرى مقاصد الشريعة، ويسوس الأمة ~~بأصولها، ويحرس الدين من أن تعبث به يد الجهالة أو الأهواء، ويقوم على أمر الدعاية ~~جهد استطاعته، فذلك معنى كون دولته إسلامية، وذلك معنى الخلافة، ولكن بعض الناس لا ~~يفقهون. ~~••• # يقول المؤلف: «لا تخرج عن أن تكون دولة عربية أيدت سلطان العرب وروجت مصالح ~~العرب، إلخ.» # الذي وقع أن أولئك الخلفاء رفعوا منار الإسلام حتى ضربت أشعته في قلوب أمم كثيرة، ~~وليس من السهل على المؤلف أن يضع على فم التاريخ كمامة، وينكر خدمتهم للإنسانية ~~وإنقاذهم لتلك الأمم من عماية في العقائد، وسماجة في العادات، وجهالة بطرق السياسة ~~الرشيدة، وإذا انجرت إلى العرب مصالح وتمكنوا في أقطار الأرض؛ فذلك من أثر قيامهم ~~بالدعوة إلى الدين الحنيف، واعتصامهم بحبل شريعته الحكيمة # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~. # ولم يسع أولئك الخلفاء لترويج مصالح العرب ولا للتمكين لهم في الأرض؛ فإن من ~~يزهد في الدنيا زهد أبي بكر وعمر فيقنع منه بالثوب المرقع والرغيف الخشن، ويعود إلى ~~منزله بضواحي المدينة ماشيا على قدميه وهو قادر على أن يتمتع بملاذها كما تتمتع ~~الملوك، لا تحمل مساعيه إلا على مقصد أسمى وأشرف من خدمة القومية وحدها؛ وهو امتثال ~~ما أمر الله به من مد ظلال هذا الدين حتى لا تكون فتنة. # وهذا عمر بن عبد العزيز - الذي كان ينسج في سياسته على منوال الصديق ms174 والفاروق - ~~كتب إليه عدي بن أرطاة يقول له: «إن الناس قد كثروا في الإسلام وخفت أن يقل ~~الخراج»! فكتب إليه عمر: «فهمت كتابك، والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى أكون ~~أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا.» # 13 # فالمؤلف يريد أن يقبض روح الإخلاص من سيرة الخلفاء الراشدين، ويبخس أعمالهم ~~الجليلة قيمتها . وإذا التقت الضمائر النقية بالتاريخ الصحيح يحدثها بأن أولئك ~~السراة رفعوا لواء الحق، وجدعوا أنف الباطل، فجعل الله لهم لسان صدق في الآخرين، ~~وكانوا واسطة عقد القوم المصلحين. ~~••• # قال المؤلف في 93: «كان معروفا للمسلمين يومئذ أنهم إنما يقدمون على إقامة ~~حكومة مدنية دنيوية؛ لذلك استحلوا الخروج عليها والخلاف لها، وهم يعلمون أنهم إنما ~~يختلفون في أمر من أمور الدنيا لا من أمور الدين، وأنهم إنما يتنازعون في شأن سياسي ~~لا يمس دينهم، ولا يزعزع إيمانهم.» # الاختلاف في المسائل العلمية ينشأ من اختلاف الآراء فيما يصلح أو فيمن يليق؛ فقد ~~يتفق الناس على أن الرياسة العامة غير منفصلة عن الدين، ويختلفون في تعيين من ~~يتولاها وكفايته لها اختلافا ناشئا عن تفاوت في النظر أو هوى في النفس. ومن شأن ~~المؤمنين التنافس فيما يكون عمله أشق وثوابه عند الله أوفى، فلا عجب أن يقع التنافس ~~في الخلافة، أو لا يرضى أحد عن ولاية شخص بعينه، مع اتفاقهم جميعا على أنها سياسة ~~ذات صبغة دينية. ~~••• # قال المؤلف في ص94: «وما زعم أبو بكر ولا غيره من خاصة القوم أن إمارة المسلمين ~~كانت مقاما دينيا، ولا أن الخروج عليها خروج على الدين.» # ربما لم يخطر على بال أحد التردد في أن إمارة المسلمين مرتبطة بالدين حتى يحتاج ~~أبو بكر إلى التصريح بذلك، ومع هذا فإن خطبته التي ألقاها في مشهد المبايعة العامة ~~ناطقة بهذا المعنى؛ إذ يقول فيها: «لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله؛ فإنه لا ~~يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، ~~أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ms175 ورسوله فلا طاعة لي عليكم.» # 14 # فقد آذنهم بأنه سيجاهد في سبيل الله، ولا معنى لإطاعته الله ورسوله إلا ~~اقتداؤه بما جاء في الكتاب والسنة من آداب وأحكام. # والخروج على الخليفة بغير حق يعد في نظر الشارع معصية، ولا يسمى خروجا على الدين ~~إلا إذا صح أن يقال لكل مرتكب جريمة: إنه خارج على الدين ، وهم لا يقولونه إلا لمن ~~يرتكب المعصية على عمد واستحلال. # الباب الثالث # | الخلافة الإسلامية # النقض - أبو بكر لا يخادع الناس بالألقاب الدينية - هل يقال «خليفة الله»؟ - ~~الخليفة عند المسلمين غير معصوم - حكم المرتدين في الإسلام - حكم مانعي الزكاة ~~- سبب حروب أهل الردة ومانعي الزكاة - واقعة قتل مالك بن نويرة - محاورة عمر ~~وأبي بكر في قتال مانعي الزكاة - حكمة رأي أبي بكر في تلك الحروب - معنى طاعة ~~الأئمة من طاعة الله - السلطان ظل الله في الأرض - وجه ذكر مسألة الخلافة في ~~علم الكلام - تعسف المؤلف وغلوه في إنكار فضل خلفاء الإسلام وملوكه - معنى ~~الرجوع إلى أصول الشريعة في الحكم والسياسة - الخلافة والقضاء من الخطط الدينية ~~السياسية - لا حرية للشعوب الإسلامية إلا أن تساس على مقتضى شريعتها. ~~*** # ملخصه # ابتدأ الباب بالحديث عن لقب «خليفة رسول الله» وقال: إنه لم يستطع أن يعرف على ~~وجه أكيد ذلك الذي اخترعه، وزعم أن خلافة أبي بكر لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # لا معنى لها ~~سوى أنه أصبح كما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # زعيما للعرب ومناط وحدتهم، وتطاول إلى ~~دعوى أن أبا بكر اختار هذا اللقب ليجمع به القوم حوله؛ لأن فيه روعة وعليه ~~جاذبية! # وادعى أن هذا اللقب حمل جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا لأبي بكر ~~كانقيادهم لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن الخروج على أبي بكر عند هؤلاء خروج على الدين ~~وارتداد عن الإسلام، وزعم أن محاربة أبي بكر لمانعي الزكاة لم تكن باسم الدين، ~~وإنما هي السياسة والدفاع عن وحدة العرب، وادعى أن تاريخ تلك الحروب لا يزال ~~مظلما، وأن قبسا ms176 لاح من الحقيقة، وهو حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة، وذهب ~~إلى أنه نزاع بين مالك المسلم وأبي بكر القرشي، وأنه كان نزاعا في ملوكية ~~ملك! # وتعرض إلى إنكار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أبي بكر قتاله المرتدين، ~~وعاودته طبيعة التشكيك في المعلوم بالبداهة وقال: لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي ~~بكر صفة دينية جعلته مسئولا عن أمر من يرتد عن الإسلام أم لا، وزعم أن ظروفا خاصة ~~بأبي بكر قد ساعدته على خطأ العامة، وسهلت عليهم أن يشربوا إمارة أبي بكر معنى ~~دينيا، وفسر هذه الظروف بما كان للصديق - رضي الله عنه - من منزلة ممتازة عند ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم ما كان من حذوه حذو رسول الله عليه السلام في خاصة نفسه ~~وعامة أموره. # وانساب بعد هذا في الحديث عن السلاطين وترويجهم الاعتقاد بأن الخلافة مقام ديني، ~~حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وأصبحت الخلافة تلصق بالمباحث ~~الدينية وجزءا من عقائد التوحيد، وترامى به التخبط في البحث حتى صاح صيحته الكبرى ~~قائلا: إن الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من ~~وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها! # ثم أشار على المسلمين بأن يهدموا نظامهم العتيق ويبنوا قواعد ملكهم على أحدث ما ~~أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم، ثم ~~أغلق الباب وانصرف شامخا بأنفه، مصرا على عناده كأنه لا يؤمن بيوم تنشر فيه ~~صحف ذلك الكتاب ويقال له: # اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا ~~. # النقض # قال المؤلف في ص95: «لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر - ~~رضي الله عنه - لقب خليفة رسول الله، ولكنا عرفنا أن أبا بكر قد أجازه ~~وارتضاه.» # خلافة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # القيام مقامه في حراسة الدين وسياسة الناس بمقتضى ~~شريعته. وهذا المعنى تحقق في أبي بكر على ms177 ما سنوضحه بمكان قريب، ولتحقق معنى ~~الخلافة في أبي بكر أطبق أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # على ندائه وخطابه بهذا اللقب، ~~ولكون خطابهم بهذا اللقب صادقا رضي عنه أبو بكر وآثره على أن يلقب بالملك أو ~~السلطان. # وقد وجدنا في حديث النبي # صلى الله عليه وسلم # تسمية القائمين بالأمر بعده خلفاء؛ ففي صحيح مسلم : # 1 # قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما.» وفي ~~صحيح مسلم # 2 # أيضا: أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، ~~كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ ~~قال: فوا ببيعة الأول فالأول.» # فلم يبق سوى أننا «لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذي اخترع لأبي بكر - رضي ~~الله عنه - لقب خليفة رسول الله.» وعدم استطاعتنا لأن نعرف ذلك عجز لا نأسف له، ~~وجهل لا يمس تلك التسمية بسوء. ~~••• # قال المؤلف في ص95: «ووجدنا أنه استهل به كتابه إلى قبائل العرب المرتدة وعهده ~~إلى أمراء الجنود، ولعلهما أول ما كتب أبو بكر، ولعلهما أول ما وصل إلينا محتويا ~~على ذلك اللقب.» # يريد المؤلف أن يلوح منذ الآن إلى أن هذا اللقب مخترع لاصطياد «الذين رفضوا ~~الإذعان لحكومة أبي بكر.» # وصل إلينا أن أبا بكر شيع جيش أسامة وهو ماش وأسامة راكب، فقال له أسامة: «يا ~~خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن.» # 3 # وبعث أسامة وقع عند ابتداء حركة الارتداد، ولكن الذي يطالع تاريخ ابن ~~جرير الطبري يفهم أنه بعث قبل أن يكتب أبو بكر كتبه للقبائل وعهده إلى أمراء ~~الجنود. ~~••• # قال المؤلف في صحيفة 95: «لا شك في أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان زعيما للعرب، ~~ومناط وحدتهم على الوجه الذي شرحنا من قبل، فإذا قام أبو بكر من بعده ملكا على ~~العرب، وجماعا لوحدتهم على الوجه السياسي الحادث؛ فقد ساغ في لغة العرب أن يقال: ~~إنه بهذا الاعتبار خليفة رسول الله كما ms178 يسوغ أن يسمى خليفة بإطلاق؛ لما عرفت في ~~معنى الخلافة، فأبو بكر كان إذن بهذا المعنى خليفة رسول الله، لا معنى لخلافته غير ~~ذلك.» # لا شك في أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان هاديا للعرب والعجم، ومناط وحدتهم على الوجه ~~الذي شرحنا من قبل، فإذا قام أبو بكر من بعده إماما للمسلمين، وجماعا لوحدتهم على ~~الوجه السياسي العادل فقد ساغ في لغة العرب أن يقال: إنه بهذا الاعتبار خليفة رسول ~~الله كما يسوغ أن يسمى خليفة بإطلاق؛ لما عرفت في معنى الخلافة، فأبو بكر كان إذن ~~بهذا المعنى خليفة رسول الله، لا معنى لخلافته غير ذلك. ~~••• # قال المؤلف في ص96: «ولهذا اللقب روعة، وفيه قوة، وعليه جاذبية، فلا غرو أن ~~يختاره الصديق، وهو الناهض بدولة حادثة يريد أن يضم أطرافها بين أعاصير من الفتن، ~~وزوابع من الأهواء العاصفة المتناقضة، وبين قوم حديثي العهد بجاهلية، وفيهم كثير ~~من بقايا العصبية، وشدة البداوة، وصعوبة المراس، لكنهم كانوا حديثي عهد برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والخضوع له، والانقياد التام لكلمته، فهذا اللقب جدير بأن يكبح من ~~جماحهم، ويلين بعض ما استعصى من قيادهم، ولعله قد فعل.» # بحث المسلمون في تاريخ أولئك الرجال المشهود لهم بالصدق فيما يقولون، والإخلاص ~~فيما يفعلون، وقلبوه ظهرا لبطن فلم يجدوا فيهم من يخادع الناس بالألقاب الدينية، ~~ووجدوا كثيرا منهم لا ينخدعون لمظاهر المرائين أو بهرج المحتالين، فأبو بكر أفضل ~~من أن يخدع الناس بلقب «خليفة رسول الله»، وأمة فيها مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي ~~طالب أعقل من أن تنخدع للقب لا ينطبق على معنى في صاحبه، وأتقى لله من أن تترك ~~الألقاب الدينية تنصب حبائل لاصطياد أغراض دنيوية ورياسة ملكية. # ولو طالع المؤلف تاريخ أولئك الرجال بالعين التي طالع بها كتاب العلامة المستر ~~أرنولد، لعرف أن في نفس الصديق شيئا فوق «ما تستعد به شعوب البشر لأن يكونوا سادة ~~ومستعمرين.» وذلك الشيء يقينه بأن الله سيظهر دينه، وأن حركة الارتداد سحابة صيف لا ms179 ~~تلبث أن تتقشع. يدرك هذا كل من وقف برهة على حالته النفسية، أو أطل عليها من ~~الكلمات التي كانت تصدر عنه في ذلك الشأن. # وقع إلى المسلمين نبأ الفساد الذي ضرب في القبائل العربية قبل مسير جيش أسامة إلى ~~بلاد الروم، فقالوا لأبي بكر: «إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب على ما ترى قد انتقضت ~~بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر ~~بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته.» # 4 # فهذه القصة تنبئك بقوة يقين أبي بكر، وأنه يستخف بكل ثورة لا دينية؛ ~~فقد أنفذ جيش أسامة امتثالا لأمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، مع أنه لو أمر بإقامته لوجد ~~في المسلمين عاذرا، ومن الشرع مسوغا. # فالذي بلغت به قوة الإيمان هذا المبلغ العظيم لا يحق لأحد أن يرميه باختراع لقب ~~ديني؛ لينتفع به في تكوين دولة لا دينية. ~~••• # قال المؤلف في ص96: «ولقد حسب نفر منهم أن خلافة أبي بكر للرسول # صلى الله عليه وسلم # خلافة ~~حقيقية بكل معناها، فقالوا: إن أبا بكر خليفة محمد، وكان محمد خليفة الله، فذهبوا ~~يدعون أبا بكر خليفة الله، وما كانوا يكونون مخطئين في ذلك لو أن خلافة الصديق ~~للنبي عليه السلام كانت على المعنى الذي فهموه ولا يزال يفهمه كثير غيرهم إلى الآن، ~~ولكن أبا بكر غضب لهذا اللقب، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول ~~الله.» # من أهل العلم من منع أن يسمى بخليفة الله نبي أو غير نبي، وعلى هذا المذهب جرى ~~شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة؛ # 5 # بعلة أن الخلافة لا تكون إلا عن غائب، والله مع الخلق أينما كانوا، ~~وتأول آية: # إني جاعل في الأرض خليفة ~~، ~~وآية: # يا داوود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض ~~، بمعنى الخلافة عمن تقدمه من الخلق، وذهب آخرون إلى صحة ~~إطلاقه على الأنبياء، وبهذا المذهب ms180 أخذ القاضي أبو بكر بن العربي وقال في عارضة ~~الأحوذي: «وقيل إن قوله: # إني جاعل في الأرض ~~خليفة ~~، يريد بعد من تقدمه من الأمم، ولم يثبت شيء من ذلك فلا ~~تعولوا عليه، وإنما هو خليفة لله؛ لأن الأمر والحكم له، فخلفه وأجرى على يديه ما ~~شاء من تدبيره، وسماه بما أجرى على يديه من ذلك خليفة.» # فإذا غضب أبو بكر من تسميته «خليفة الله »؛ فلأنه لا يجوز إطلاقه على مخلوق، أو ~~لأنه لقب لا يستحقه إلا نبي أو رسول. ~~••• # قال المؤلف في ص96: «حمل ذلك اللقب جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا ~~لإمارة أبي بكر انقيادا دينيا، كانقيادهم لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن يرعوا مقامه ~~الملوكي بما يجب أن يرعوا به كل ما يمس دينهم.» # يعرف المسلمون - سلفهم وخلفهم - أن في الوحي الذي نزل به الروح الأمين على أكمل ~~الخليقة عقائد وآدابا ومبادئ حكم وسياسة، وأن أبا بكر استحق اسم خليفة رسول الله ~~من أجل حراسته لهذه العقائد والآداب، وأخذه في سياسة الأمة بتلك المبادئ، ولقيامه ~~على هذه الوظيفة بأمانة وحزم كان جديرا بذلك الانقياد الذي هو في الحقيقة انقياد ~~للشريعة السماوية. وما كانوا ينقادون له انقيادهم لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فإن جميعهم ~~يعلم أن حجرته لم تكن مهبط وحي، وأنه لم يكن بالمعصوم الذي يصيب في كل أمر ونهي، ~~فالخليفة «عند المسلمين ليس بالمعصوم ولا مهبط الوحي، ولا من حقه الاستئثار بتفسير ~~الكتاب والسنة.» # نعم، شرط فيه أن يكون مجتهدا؛ أي أن يكون من العلم باللغة العربية وما معها مما ~~تقدم ذكره، بحيث يتيسر له أن يفهم من الكتاب والسنة ما يحتاج إليه من الأحكام حتى ~~يتمكن بنفسه من التمييز بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، ويسهل عليه إقامة العدل ~~الذي يطالبه به الدين والأمة معا.» # 6 ~~••• # قال المؤلف في ص96: «لذلك كان الخروج على أبي بكر في رأيهم خروجا على الدين ~~وارتدادا عن الإسلام، والراجح عندنا أن ذلك هو منشأ قولهم: إن الذين رفضوا ms181 طاعة ~~أبي بكر كانوا مرتدين، وتسميتهم حروب أبي بكر معهم حروب الردة. ولعل جميعهم لم ~~يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ورسوله، بل كان فيهم من بقي على إسلامه، ولكنه ~~رفض أن ينضم إلى وحدة أبي بكر لسبب ما، من غير أن يرى في ذلك حرجا عليه، ولا غضاضة ~~في دينه، وما كان هؤلاء من غير شك مرتدين، وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين، فإن ~~كان ولا بد من حربهم فإنما هي السياسة والدفاع عن وحدة العرب، والذود عن ~~دولتهم.» # زعم المؤلف أن الخروج على أبي بكر عند جماعة من العرب والمسلمين خروج على الدين ~~وارتداد عن الإسلام، وزعم أن محاربة أبي بكر لهم لم تكن باسم الدين، وكلا الزعمين ~~من الصور التي يضعها المؤلف في هيئة الحق، وينفخ فيها من روح الباطل، ثم يرسلها على ~~النفوس الزاكية؛ لتخمش وجه عقائدها وآدابها. # ومن أجرأ تلك الجمل قوله: «ولعل جميعهم لم يكونوا في الواقع مرتدين كفروا بالله ~~ورسوله.» كأنه يريد أن يجعل عدم ارتداد جميعهم رأيا ظهر له وحده، مع أن علماء ~~الآثار والتاريخ يقولون: إن من قاتلهم أبو بكر طائفتان: طائفة تبدلت الكفر بعد ~~الإيمان، وهؤلاء المرتدون، وأخرى قالت: نقوم بشرائع الإسلام إلا الزكاة، وهؤلاء ~~يسمونهم «مانعي الزكاة»، وهم الذين عارض الفاروق لأول الأمر في قتالهم. # وأما أن محاربة أبي بكر في سبيل الدين ووحدة المسلمين؛ فلأنه قاتل فرقتين يوجب ~~عليه الدين أن يقاتلهما، وهما أهل الردة ومانعو الزكاة. # أما أهل الردة فقد قال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم ~~، ولقتال المرتد حكم، منها ما نعلم ومنها ما لا نعلم، والذي ~~نعلم أن المشاهدة الطويلة والتجارب الصادقة أرتنا أن أشد الطوائف عداوة للأمة ~~الإسلامية، وأحرصهم على محاربة الدين بما ملكوا من كيد وتضليل هم الذين جاهروا ~~بالخروج على الدين، وناصبوه العداء بعد أن كانوا يسمون أنفسهم ms182 المسلمين، ودل ~~الاختبار الصحيح على أن المرتد عن الدين لا يمشي إلا مكبا على وجهه، فلا يرعى ~~للفضيلة عهدا، ولا للناس حقا، ولا ترى له من شأن سوى أن يقذف في طريق تقدم ~~الإنسان وانتظام حال الاجتماع سموما قاتلة للعفاف والسكينة، وكذلك يجب إماطة الأذى ~~عن الطريق. # وأما مانعو الزكاة فإن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء نصيبا مفروضا، وعين ~~لهذا النصيب مصارف، ومن هذه المصارف ما يرجع إلى مصالح عامة، كالاستعداد لمحاربة ~~الأعداء المشار إليها بقوله تعالى: # وفي سبيل ~~الله ~~، ومنها ما يرجع إلى مصالح أفراد غير معينين؛ كالفقراء والمساكين، ~~وعلى كل حال فللإمام النظر في هذا النصيب المفروض، وله الحق في جبايته وصرفه في ~~وجوهه المشروعة، وإذا امتنع الغني من دفع ما فرضه الله عليه وجب على صاحب الدولة ~~انتزاعه منه ولو بالقوة، وإذا أشهر السلاح جاز قتاله، وكذلك كان قتال أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - لمانعي الزكاة. ~~••• # قال المؤلف في ص97: «كم نشعر بظلمة التاريخ وظلمه كلما حاولنا أن نبحث جيدا فيما ~~رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبي بكر فلقبوا المرتدين، وعن حروبهم ~~تلك التي لقبوها حروب الردة.» # لم يكن في تاريخ تلك الحروب ظلمة، ولا في محاربة أبي بكر لمن لقبوا المرتدين ظلم، ~~وحقيقة الحال أنه عندما ذاع نبأ وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # في أنحاء الجزيرة رفع المضللون ~~رءوسهم ونشطوا لإلقاء الوساوس في قلوب السذج من الأعراب، وأخذ الذين انحشروا في ~~الإسلام رياء يعودون إلى جاهليتهم، فأصبح العرب على ثلاث طوائف: طائفة استمرت على ~~إسلامها الخالص، وهم الجمهور، وطائفة بقيت على الإسلام كذلك إلا أنها جحدت الزكاة ~~على زعم أنها خاصة بزمن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهؤلاء كثير، ولكنهم أقل من الطائفة الأولى ~~عددا، وثالثة الطوائف انسلخت من الإسلام وجاهرت بالردة، وهي قليلة بالنظر إلى ~~جاحدي الزكاة وحدها. # ذهب الذين ارتدوا في طغيانهم يعمهون، وأرسل منكرو الزكاة وفودا إلى المدينة ~~المنورة؛ ليفاوضوا أبا بكر - رضي الله عنه - حتى يقرهم ms183 على بدعتهم، فأبى لهم ذلك، ~~وصمم على مقاتلتهم إذا هم ظلوا في جهالتهم يترددون. # انصرفت الوفود غير ناجحة في وفادتها، وعرف أبو بكر أن تلك القبائل المتزلزلة ~~العقيدة متحفزة للوثوب على المدينة المنورة، فأقام على أنقابها حرسا «فما لبثوا ~~إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة مع الليل.» # 7 # فنهض المسلمون حقا في وجوههم، وردوهم على أعقابهم لا يلوون على شيء، ~~ودارت رحى الحروب بين أبي بكر وبين رافعي راية الردة وجاحدي فريضة الزكاة، «فلم ~~يحل الحول إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام.» # 8 # وراحت ظلال الأمن والهداية تتفيأ في جزيرة العرب ذات اليمين وذات ~~الشمال. ~~••• # قال المؤلف في ص98: «دونك حوار خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة، أحد أولئك الذين ~~سموهم مرتدين، وهو الذي أمر خالد فضربت عنقه، ثم أخذت رأسه بعد ذلك فجعلت أثفية ~~لقدر. يعلن مالك في صراحة واضحة إلى خالد أنه لا يزال على الإسلام، ولكنه لا يؤدي ~~الزكاة إلى صاحب خالد «أبي بكر». كان ذلك إذن نزاعا غير ديني، كان نزاعا بين مالك ~~المسلم الثابت على دينه؛ ولكنه من تميم، وبين أبي بكر القرشي الناهض بدولة عربية ~~أئمتها من قريش، كان نزاعا في ملوكية ملك لا في قواعد دين ولا في أصول ~~إيمان.» # يقول المؤلف فيما سلف: «إن في فن التاريخ خطأ كثيرا، وكم يخطئ التاريخ، وكم يكون ~~ضلالا كبيرا!» # ذلك حكمه على التاريخ متى نقل ما لا يلتئم مع عواطفه وشهواته، فإن نقل ما يتخيل ~~فيه شبهة على أن ليس في الإسلام مبادئ حكم وسياسة، أصبح في نظره القول الفصل ~~والشاهد العدل، دون أن يكلف نفسه بيان وجه الضلال في ذاك، أو وجه الصدق في هذا. ~~ونحن نقص عليك قصة مالك بن نويرة، وانظر ماذا ترى: «لما تنبأت «سجاح» بنت الحارث بن ~~سويد بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # راسلت مالك بن نويرة، وهو عامل على بني حنظلة من ~~تميم، ودعته إلى الموادعة فأجابها، فاجتمع وكيع ومالك وسجاح وقد وادع بعضهم بعضا ~~على قتال ms184 الناس. # 9 # ولما دارت الدائرة على «سجاح» وانصرفت إلى الجزيرة ارعوى مالك وندم وتحير في ~~أمره، حتى دنا منه خالد بن الوليد، وأرسل إليه سرية فيها أبو قتادة، فجاءوا به ~~وبأصحابه إلى خالد، «واختلفت السرية فيهم، فشهد أبو قتادة أنهم أذنوا وصلوا، ~~فحبسهم عند ضرار بن الأزور، وكانت ليلة ممطرة، فنادى مناديه «أن أدفئوا أسراكم.» ~~وكانت في لغة كنانة كناية عن القتل، فبادر ضرار بقتلهم وكان كنانيا، وسمع خالد الواعية # 10 # فخرج متأسفا وقد فرغوا منهم ... ويقال: إنهم لما جاءوا بهم إلى خالد ~~خاطبه مالك بقوله: فعل صاحبكم، شأن صاحبكم، فقال له خالد: أوليس لك بصاحب؟! ثم ~~قتله. ثم قدم خالد على أبي بكر، وأشار عمر أن يقيد منه بمالك بن نويرة ويعزله، فأبى ~~... وودى مالكا وأصحابه، ورد خالدا إلى عمله.» # 11 # هذا ما يحكيه ابن خلدون، وهو خلاصة ما رواه ابن جرير الطبري وغيره، ويتلخص منه أن ~~في قتل مالك روايتين؛ إحداهما: أن قتله وقع خطأ من جندي لا شأن له إلا أن ينفذ ما ~~يأمر به رئيسه الأعلى. # ثانيتهما: أن خالدا قتله لكلام دل على أنه لا يعترف بخلافة أبي بكر. وقد رأيت ~~كيف أعرض المؤلف عن الرواية الأولى لأنها لا توافق ما يخالط نفسه «من عواطف ~~وشهوات». # ولنساير المؤلف في هذه الرواية الراجحة عنده، ونبحث فيها من وجهين: هل كان خالد ~~محقا في قتل مالك بن نويرة أم لا؟ وهل ما فعله الصديق من معذرة خالد صواب أم ~~لا؟ # الجواب عن السؤال الأول: أن كلا من عمر بن الخطاب وأبي بكر يرى أن خالدا مخطئ ~~في قتل مالك بن نويرة، غير أن عمر بن الخطاب رأى أن خالدا قتله عمدا بغير حق ~~فيؤخذ بالقصاص، وأبا بكر رأى بعد أن اجتمع بخالد أنه قتله على خطأ في التأويل؛ ~~ولهذا دفع أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى أولياء القتلى دياتهم. # والجواب عن السؤال الثاني: أن كل أحد، أستاذا كان في السياسة أو تلميذا، يعلم ~~أن لوقت الحرب أحكاما ms185 غير أحكام وقت السلم، فالإمام يتصرف في شئون الحرب على ما ~~يقتضيه التدبير الناجح، ويتطلبه الانتصار الفاصل. ومن المتعين على الإمام أن يعطي ~~لأمير الجيش الذي وثق بكفايته سلطة واسعة، وكذلك فعل أبو بكر عندما وضع لواء ~~الإمارة في يد خالد. وكان لخالد الأثر العظيم في إطفاء فتنة المرتدين وإخماد ثورة ~~المنشقين، وإنما وقعت منه هذه الحادثة؛ قتل مالك بن نويرة، على الرواية المختارة ~~لدى المؤلف، وأبدى عذرا يجعله متأولا في قتله، فمن السياسة الشرعية أن يقول أبو ~~بكر: «ما كنت أقتله؛ فإنه تأول فأخطأ.» # وما ادعاه المؤلف من أن النزاع بين مالك التميمي وأبي بكر القرشي نزاع في ملوكية ~~ملك لا في قواعد دين، فأمر اشتهته نفسه ولذه قلمه، والواقع أن أبا بكر «خليفة ~~رسول الله» كان يدعو مالكا المسلم لإقامة قاعدة من قواعد الدين؛ وهي الزكاة، ومالك ~~المسلم يأبى إقامة هذه القاعدة، ومما يدخل في وظيفة أبي بكر أن يحمل كل طائفة مسلمة ~~على إقامة القواعد الشرعية، ومما يدخل في وظيفته أن يجمع شمل المسلمين تحت راية ~~واحدة. # ولو كان للمؤلف ذوق في الإسلام وإنصاف للتاريخ لقدر نتيجة تلك الحروب حق قدرها، ~~واعترف بما كان لها من فضل على العالم أجمع، فإنها الوسيلة لإحكام عرى دولة ~~إسلامية خدمت حقوق الإنسان، ورفعت منار العلم، وأرت الناس المساواة والحرية في أحسن ~~تقويم. ~~••• # قال المؤلف في ص99: «ثم ألسنا نقرأ في التاريخ أيضا: أن عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - قد أنكر على أبي بكر قتاله المرتدين وقال: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها عصم ~~مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله»؟!» # لم ينكر عمر قتاله المرتدين عن الإسلام؛ فإن قتالهم جائز بإجماع، وإنما أنكر قتال ~~مانعي الزكاة، واستشهاده بالحديث صريح في أنه يعارض في قتال قوم يشهدون أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وقد قطف المؤلف من محاورة الشيخين ms186 - رضي الله ~~عنهما - إنكار عمر، وترك أمرين؛ وهما: جواب أبي بكر، ورجوع عمر إلى رأي أبي بكر، ~~وكلاهما ثابت في الصحيح، قال شيخ الإسلام في منهاج السنة: # 12 ~~«وأما قول الرافضي: إن عمر أنكر قتال أهل الردة، فمن أعظم الكذب ~~والافتراء على عمر، بل الصحابة كانوا متفقين على قتال مسيلمة وأصحابه، ولكن كانت ~~طائفة أخرى مقرين بالإسلام وامتنعوا عن أداء الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر شبهة في ~~قتالهم حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه ، والقصة في ذلك مشهورة، ~~وفي الصحيحين عن أبي هريرة، أن عمر قال لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله»؟! قال أبو بكر: ألم يقل ~~«إلا بحقها»؟ فإن الزكاة من حقها. والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # لقاتلتهم على منعه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح ~~صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فبين له الصديق أن قوله: «بحقها.» يتناول الزكاة؛ فإنها حق المال.» ~~••• # قال المؤلف في ص100: «لا نريد البحث فيما إذا كانت لأبي بكر صفة دينية صرفة جعلته ~~مسئولا عن أمر من يرتد عن الإسلام أم لا.» # لأبي بكر صفة دينية سياسية جعلته مسئولا عن أمر من يعلن الردة عن الإسلام، وقد ~~أوفى بعهد الخلافة، وألقى عن عاتقه عبء هذه المسئولية، فحمى الجزيرة من وباء الردة، ~~وطهرها من رجس الجاهلية، فأصبحت أمة مسلمة قوية الحجة، بديعة الحكمة: إذا حاربت ~~ظفرت، وإذا حكمت عدلت. # ولولا أن أبا بكر فصد عرقا ارتجف في جسم الأمة بدم فاسد لانحرف مزاجها، واختل ~~نظامها، ولم يجد الخلفاء من بعده أساسا يقيمون عليه سياستهم العادلة. ~~••• # قال المؤلف في ص102: «حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، ms187 وعصيانهم من ~~عصيان الله.» # لم يفهم السلاطين الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، ~~وإنما فهموا ذلك من الآيات والأحاديث التي تفرض على أولي الأمر الحكم بما أنزل ~~الله، ثم تحتم على الناس أن يطيعوهم في غير معصية، وإذا كان الحاكم يقتدي في أحكامه ~~وسياسته بأصول الشريعة، ولا يخرج في سياسته عن مقاصدها، كانت طاعته من طاعة الله، ~~وعصيانه من عصيان الله، ويرشد إلى هذا قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من أطاعني فقد أطاع الله، ~~ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني.» # 13 ~~••• # قال المؤلف في ص102: «بل جعلوا السلطان خليفة الله في أرضه، وظله الممدود على ~~عباده. سبحان الله وتعالى عما يشركون!» # ينكر المؤلف أن يقال: «السلطان ظل الله.» ويشير إلى أنه من الشرك، مع أنه ورد ~~«السلطان ظل الله في الأرض.» في أحاديث ترفع إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهي مروية بطرق ~~متعددة؛ منها ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف. تجد هذه الأحاديث في ~~الكتب المتداولة كالجامع الصغير وغيره. # فإن كان المؤلف لا يدري أن هذه الكلمة «السلطان ظل الله في الأرض.» جاءت في ~~الأحاديث النبوية؛ فقد ألقى بنفسه في بحث ديني وهو لا يملك من وسائله سوى القلم ~~والدواة، وإن كان قد اطلع على أنها وردت في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فليس من شأن العالم المحقق أن يعدها من أثر الشرك إلا بعد أن ~~يفحصها بطريق علمي وينقيها من الأحاديث النبوية. # ولا شبهة للمؤلف في إنكار أن يقال: «السلطان ظل الله.» فإن معناه صحيح، وحكمته ~~ملموسة باليد؛ إذ الكلام وارد على سبيل التشبيه، ووجه تشبيه السلطان بالظل أن الناس ~~يحتمون به من الظلم والأذى، كما يأوون إلى الظل تفاديا من حر الشمس، ولا يكون ~~السلطان ظلا ينسب إلى الله إلا إذا كان يسوس الناس بعدل وحكمة. ~~••• # قال المؤلف في ص102: «ثم إذا الخلافة قد ms188 أصبحت تلصق بالمباحث الدينية، وصارت ~~جزءا من عقائد التوحيد يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام، ويلقنه ~~كما يلقن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.» # يقول علماء الكلام بأصرح عبارة وأجلى بيان: إن مبحث الخلافة من الأحكام الفرعية، ~~وليست من العقائد في شيء، ويبدون لوضعها عقب مسائل الكلام عذرا بينا، قال ~~الكمال بن أبي شريف في حواشي السعد على العقائد النسفية: «والتحقيق أن مباحث ~~الإمامة من الفقهيات، لكن لما شاع بين الناس اعتقادات فاسدة، وظهر من أهل البدع ~~والأهواء تعصبات فيها تكاد تفضي إلى رفض كثير من العقائد الإسلامية، ونقض بعض ~~العقائد الدينية، والقدح في الخلفاء الراشدين، ألحقت تلك المباحث بالكلام، وجعلت ~~من مقاصده.» # فهذا وما نقلناه [في الفصل الثاني] من كلام السعد في شرح المقاصد، والسيد في شرح ~~المواقف، يشهد لكم بأن علماء الإسلام يصرحون بأن الإمامة ليست من العقائد، وإنما ~~أوردها بعضهم في علم الكلام للوجه الذي قرره السعد والسيد والكمال، فما ينبغي ~~للمؤلف أن يرمي أولئك العلماء بأنهم جعلوا مبحث الخلافة جزءا من عقائد التوحيد، ~~ويضع للبحث صورة مشوهة كأنه يصوت في واد لا ينبت إلا أغبياء أو جهالا! ~~••• # قال المؤلف في ص102: «تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين، أضلوهم عن الهدى، ~~وعموا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضا ~~استبدوا بهم وأذلوهم، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم ~~وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعا، حتى في مسائل ~~الإدارة الصرفة والسياسة الخالصة. وقد ضيقوا عليهم أيضا في فهم الدين، وحجروا ~~عليهم في دوائر عينوها لهم، ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم التي تمس حظائر ~~الخلافة.» # اندفع قلم المؤلف ينقر بشوكته في أساس الإسلام ليجرده من جميع مميزاته، ويخرجه عن ~~فطرته، حتى إذا أصبح دينا ضئيلا خاملا اندمج في الملة التي افتتن المؤلف ~~بتقاليدها. # اخترع للخلفاء الراشدين تاريخا غير التاريخ الذي يحكيه علماء التاريخ والآثار، ~~وحشر في هذا التاريخ المخترع ms189 فلسفة المتهالك على أن يقطع صلة أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالإسلام إلا أن تكون صلاة أو صياما. # ذلك القلم الذي انتهك حرمة الشريعة، وساعده أدبه على أن يضع لتاريخ أولئك العظماء ~~صورة مزورة، هو الذي يحثو على سمعك تلك الجمل التي يهجو بها خلفاء الإسلام وملوكه ~~من غير استثناء. # نحن نعلم أن في بعض خلفاء الإسلام وملوكه استبدادا وسيرا بالأمة إلى وراء، ولكن ~~الذي عرف أن في الفضائل فضيلة يقال لها: الأمانة، وأن فيما يدرسه الأطفال علما ~~يقال له : التاريخ، لا يسمح لقلمه أن يلتقط من بين مآثرهم الفاخرة الخالدة سيئات ~~يضيف إليها ما يقرؤه في لوح عواطفه وشهواته، ثم ينظم ذلك كله في خيط ويقول للناس: ~~خذوا سيرة خلفائكم وملوككم. # لم يحك التاريخ أن خلفاء الإسلام وملوكه حرموا على الناس النظر في علوم ~~السياسة، أو حرموا عليهم بابا من أبواب العلم التي تمس حظائر الخلافة، بل كان ~~الناس يؤلفون الكتب في السياسة فيتلقونها منهم بكل طمأنينة وارتياح، وترى كثيرا ~~منهم كانوا يظهرون بمظهر الحكمة والرصانة، ويطلقون لدعاة الإصلاح حرية الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فكانوا يقرعون أسماعهم بالإنكار على ما يصدر عنهم من ~~تصرفات غير لائقة، فيحتملونها بروية وأناة، وربما قابلوها بالشكر والإقلاع. # يقول المؤلف: «وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك ~~الدين مرجعا، حتى في مسائل الإدارة الصرفة والسياسة الخالصة.» # هذا كله رجم بجهالة، ورمي بسهام خاسئة؛ فإن القوانين التي يفصل بها بين ~~المتخاصمين لا مرجع لها سوى أصول الدين مع مراعاة مقتضيات الأحوال، وأما الإدارة ~~الصرفة والسياسة الخالصة فشرط الدين فيها أن تكون دائرة على المصلحة، ملائمة للآداب ~~التي شرعها. أما الطرق التي تؤخذ لاتباع الأصلح واللائق فإنها موكولة إلى نظر أولي ~~الأمر، فيستنبطونها من عقولهم أو تجاربهم، أو يقتدون فيها بصنيع غيرهم. وهذا هو ~~المبدأ الذي يعرفه العلماء، ويسير عليه خلفاء الإسلام وملوكه، غير أنهم يتفاوتون في ~~القيام عليه، فمنهم من يمشى فيه على صراط سوي، ومنهم من ms190 يخل به في بعض تصرفاته ~~فينحرف عنه إلى اليمين أو إلى اليسار. # ومجمل القول أن انسياب المؤلف في الطعن على خلفاء الإسلام وملوكه بهذه اللهجة ~~التي قرأتم أو سمعتم، أوضح مثال وأصدق شاهد على أنه لا يكتب عن علم وروية وأمانة، ~~بل يكتب عن شهوة وعاطفة غير إسلامية وغير عربية. ~~••• # قال المؤلف في ص103: «والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا ~~غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين ~~بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع ~~فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.» # أتى المؤلف بهذه الكلمات كالنتيجة للأبواب التسعة وما حشاها به من شبه ومزاعم، ~~وقد نبهنا على منشأ هذه الشبه والمزاعم فتخاذل أمرها وذهبت جفاء. # بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على ما حاول الطعن به في أدلة الخلافة، وقد عرفت ~~أن الخلافة من الأحكام العملية التي يكتفى فيها بدلالة حديث أو قاعدة أو إجماع، وقد ~~قامت هذه الأدلة الثلاثة: السنة والقواعد والإجماع على وجوب نصب الخليفة، فكانت ~~الخلافة ثابتة بما يفيد علما قاطعا. # بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يول على الناس من ~~يقوم بالحكم فيما ينشب بينهم من الخصومات، وقد سقنا إليكم الروايات الصحيحة على أن ~~القضاء كان داخلا فيما يناط بعهدة الأمراء، وأن من الروايات ما نص فيه على ~~القضاء باسمه الخاص؛ كحديث علي وعمر ومعاذ - رضي الله عنهم. # بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن النبي # صلى الله عليه وسلم # مبلغ فقط، وليس عليه أن ~~يأخذ الناس بما جاءهم به، وقد فندنا هذا الزعم تفنيدا بما أقمناه من الأدلة على أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كان مرشدا واعظا، وإماما منفذا، وأن التنفيذ داخل في وظيفته ~~السماوية، وأنه كان ينفذ الأحكام عمليا، ومما جاء في صحيح البخاري: # 14 ~~«والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط ms191 حتى تنتهك حرمات الله ~~فينتقم لله.» # بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن ما شرعه الإسلام من أنظمة وقواعد ~~وآداب لم يكن في شيء قليل ولا كثير من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة ~~المدنية، وأنه لا يبلغ أن يكون جزءا يسيرا مما يلزم لدولة مدنية، وقد أريناك أن ~~قواعد الإسلام وأنظمته قائمة على رعاية المصالح التي يبحث عنها أصحاب القوانين ~~الوضعية، فيصيبونها تارة، ويخطئونها تارة أخرى، وأن الواقف على روح التشريع ~~الإسلامي يرى عين اليقين أنه يوافق طبيعة كل زمان ومكان، وأنه لا يهمل مصلحة ~~يقتضيها حال شعب من الشعوب، ولكن المؤلف «من أولئك الذين لا يعرفون الدين إلا صورة ~~جامدة.» ولقد كان علمه بأساليب الحكم السياسي وأنظمة الدول المدنية يشابه علمه ~~بأنظمة الإسلام وقواعده وآدابه، ولكون بضاعته في العلم والسياسة مزجاة خرج كتابه ~~مزيجا من آراء دينية وأخرى سياسية، فابتسم من نوادرها رجال العلم ازدراء، ونغض ~~إليها السياسيون برءوسهم هزءا. # بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على زعمه أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يشر إلى أمر ~~الحكومة بعده، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون إليه. وقد عرفت أن أحاديث الخلافة ~~وغيرها كحديث خطبة الوداع: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا.» # 15 # ثم ورود آيات الأحكام في صيغ العموم كقوله تعالى: # ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون ~~، كل ذلك يدل على أنه جاء بشريعة يرجع إليها المسلمون في ~~حكومتهم بعده كما كان # صلى الله عليه وسلم # يسوسهم بها في حياته. # بنى المؤلف هذه النتيجة الخيالية على أن حكومة أبي بكر كانت لا دينية، وقد سقنا ~~لكم الدليل إثر الدليل على أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يكن ظالما ولا فاسقا ~~ولا كافرا، وأنه كان يحكم بكتاب الله أو سنة رسول الله، فإن لم يجد نصا في ~~الكتاب والسنة استشار العلماء من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وأخذ بالرأي الذي يرشده ~~روح التشريع إلى أنه قول الحق. # فدعوى ms192 المؤلف «أن الخلافة والقضاء وغيرهما ليست في شيء من الخطط الدينية، وأن ~~الدين لم يعرفها ولم ينكرها.» هي من سلالة آراء لا دينية، فلا دليل يركن إليها، ولا ~~شبهة ظن تقوم بجانبها. ~~••• # قال المؤلف في ص103: «لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في ~~علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا ~~إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، ~~وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم.» # ليس في الإسلام نظام عتيق يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم ~~الاجتماع والسياسة، وليس في الإسلام نظام عتيق يعد الخاضع له مهانا أو ذليلا، ~~وإن في أصول شريعتهم ما يثمر لهم قوانين تفوق قوانين البشر، وتأخذ بمصالحهم أخذ ~~حكيم مقتدر. # فالمسلمون حقا لا بد أن يكونوا أرجح عقولا، وأرفع همما من أن يسلوا أيديهم من ~~أصول شريعتهم الفسيحة المجال، الناسجة على أحكم مثال، ويضعوها في تقليد أمم ليسوا ~~بأصوب نظرا، ولا أدرى بالمصلحة. # فنصوص الشريعة متضافرة على أن الرياسة العامة وما يتفرع عليها من نحو القضاء ~~خطط دينية سياسية، فصاحب الدولة إذا ساس الناس بمقتضى نظر الشريعة كانت سياسته ~~قيمة، وسمي عند الله عادلا، فإن خرج في سياسته عن النظر الشرعي أصبح مسئولا بين ~~يدي الأمة في الدنيا، ومؤاخذا بها يوم يقوم الناس لرب العالمين. # والقاضي إذا صاغ حكمه على أصول الشريعة كان قضاؤه صحيحا، ووجب الإذعان له في ~~السر والعلانية؛ فإن استند حكمه إلى قانون ما أنزل الله به من سلطان كان حكما ~~جائرا، ولا يحتمله المسلم إلا أن يوضع عليه بيد قاهرة. # وإذا كانت القوانين الوضعية لا يخضع لها المسلمون بقلوبهم، ولا يتلقون القضاء ~~القائم عليها بتسليم كان تقريرها للفصل بينهم غير مطابق لقاعدة الحرية؛ إذ المعروف ~~أن الأمة الحرة هي التي تساس بقوانين ونظم تألفها، وتكون على وفق إرادتها أو ~~إرادة جمهورها. # فالشعوب الإسلامية لا تبلغ حريتها إلا أن تساس بقوانين ms193 ونظم يراعى فيها أصول ~~شريعتها، وكل قوة تضرب عليها قوانين تخالف مقاصد دينها فهي حكومة مستبدة غير ~~عادلة. # فالذين ينقلون قوانين وضعها سكان رومة أو لندرة أو باريز أو برلين، ويحاولون ~~إجراءها في بلاد شرقية كتونس أو مصر أو الشام، إنما هم قوم لا يدرون أن بين أيديهم ~~قواعد شريعة تنزل من أفق لا تدب فيه عناكب الخيال أو الضلال، وأن في هذه القواعد ~~ما يحيط بمصالح الأمة حفظا، ويسير بها في سبيل المدنية الراقية عنقا ~~فسيحا. # ولو قيض الله للشعوب الإسلامية رؤساء يحافظون على قاعدة حرية الأمم، لألفوا ~~لجانا ممن وقفوا على روح التشريع الإسلامي وكانوا على بصيرة من أحوال الاجتماع ~~ومقتضيات العصر، وناطوا بعهدتهم تدوين قانون يقتبس من أصول الشريعة، ويراعى فيه ~~قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد. وبغير هذا العمل لا يملك المسلمون أساس حريتهم، ~~ولا يسيرون في سبيل سعادتهم آمنين. # قام في زمن قريب بعض من تخبطه الجهل والغرور، وصاح في وجه حكومة شعب مسلم صيحة ~~المعربد، منكرا عليها ما قررته في قانونها الأساسي من جعل الإسلام دينا رسميا ~~للدولة. وقد ردد المؤلف في نتيجة أبوابه التسعة هذه الصيحة؛ إذ حاول أن يقطع الصلة ~~بين الدين والسياسة، ويحارب آداب الإسلام القاعدة للإباحية الفاسقة في كل مرصد، ~~ولكن الفرق بين ذلك الصائح وهذا الصدى: أن الأول وثب على المسألة وثوب أهبل لا ~~يعرف يمينه من شماله، أما المؤلف فقد أدرك أن الأمة مسلمة، وأن الإسلام دين وشريعة ~~وسياسة، وأن هاتين الحقيقتين يقضيان على الدولة أن تضع سياستها في صبغة إسلامية، ~~فبدا له أن يعالج المسألة بيد الكيد والمخاتلة، ويأتيها باسم العلم والدين، فكان من ~~حذقه أن التقط تلك الآراء الساقطة وخلطها بتلك الشبه التي يخزي بعضها بعضا، ~~وأخرجها كتابا يحمل سموما لو تجرعها المسلمون لتبدلوا الكفر بالإيمان، والشقاء ~~بالسعادة، والذلة بالعزة # ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ~~. ms194