######OpenITI# #META# URI: 1377NiqulaFayad.DunyaWaAdyan.Hindawi39179574 #META# Tags: philosophy #META# ID: 39179574 #META# Title: دنيا وأديان #META# AuthorID: 79141535 #META# Author: نِقولا فياض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # بوذا‏ # كونفوشيوس‏ # أبيقور‏ # تيمور الأعرج‏ # روسكين‏ # نيتشه‏ # تولستوي‏ # غوته‏ # رنان‏ # هربرت سبنسر‏ # الأرض المجهولة‏ # جزيرة الأبالسة‏ # الحماقة البشرية‏ # العنصرية الروحية‏ # يوليوس قيصر وشكسبير‏ # بوذا‏ # كونفوشيوس‏ # أبيقور‏ # تيمور الأعرج‏ # روسكين‏ # نيتشه‏ # تولستوي‏ # غوته‏ # رنان‏ # هربرت سبنسر‏ # الأرض المجهولة‏ # جزيرة الأبالسة‏ # الحماقة البشرية‏ # العنصرية الروحية‏ # يوليوس قيصر وشكسبير‏ # | دنيا وأديان # | دنيا وأديان # تأليف # نقولا فياض # | بوذا # دين الخلاص # بين الرجال العظام الذين قادوا المجتمع البشري وظهروا فيه كالأعلام على مدار الحقب، ~~وتركوا في أديم الحياة الإنسانية آثارا عميقة لا تمحوها رمال الزمن، تتجلى لنا من أعماق ~~الماضي البعيد - على ضفاف الكانج ومن خلف غابات الهند الأزلية - صورة بوذا مؤسس الديانة ~~الهندية. # يقال إنه حتى العشرين أو الثلاثين من عمره لم يكن يعرف شيئا مما يجري حوله من تصاريف ~~الأيام؛ لالتزامه بيته حيث كان يقيم معه أستاذ يسهر على تربيته وثقافته. ولما خرج للمرة ~~الأولى بصحبة أستاذه لاقى في طريقه أول ما لاقى شيخا محدودب الظهر مجعد الجبين يمشي ~~متوكئا على عصاه، فسأل رفيقه: لماذا يمشي الرجل هكذا؟ فأجابه: لأنه عجوز هرم، قال: وما ~~يعني؟ قال: إنه بلغ من العمر عتيا فوهنت قواه وهزل جسده وثقلت خطاه، إلى آخر ما يتبع ذلك ~~من عيوب الشيخوخة. # وما ابتعد غير قليل حتى لفت نظره مريض مطروح على قارعة الطريق كعادة تلك الأجيال في عرض ~~مرضهم على المارة، فسأل عنه، فقال له الرفيق: هذا مريض؛ يعني أنه كان قويا فصار ضعيفا، ~~وكان يمشي أميالا فلا يتعب وهو اليوم لا يستطيع أن يخطو خطوة، وكان يأكل بشهية فانقطعت عنه ~~القابلية، وكان لا يشكو ألما وهو اليوم كثير الأنين إلى آخر ما يرافق الداء من ألم وعذاب. ~~ثم تابع سيره فالتقى بجنازة، فسأل: ما الخبر؟ فقال له معلمه: هذا ميت؛ يعني كانت فيه حياة ~~فذهبت، وكان قلبه خفاقا فسكن، وكانت عيناه تبصران فزال منهما النور، وأذناه تسمعان ~~فأصابهما الصمم، ولسانه يتكلم فنابه الخرس؛ فهو الآن في عالم غير عالمنا هذا. # أثرت هذه المشاهد في الأمير الشاب تأثيرا عميقا ms01 فارتد أدراجه إلى القصر، وذهب توا ~~إلى أبيه الملك، وقال: ألا يمكنك يا أبتاه أن تمنع الهرم والمرض والموت؟ فأجابه أبوه: إنك ~~تطلب المستحيل يا بني. وكان هذا الجواب كافيا ليتبين بطلان تعاليم البراهمة؛ فهجر قصر ~~أبيه ولسان حاله يقول: تعسا للشباب الذي يغلبه الهرم! تعسا للصحة التي تهدمها الأمراض، ~~تعسا للحياة التي يفنيها الموت! # هجر قصر أبيه الملك، واتخذ عزلته في الغاب بعيدا عن الناس يعيش عيشة التقشف، ذاهبا في ~~تأملاته كل مذهب، باحثا عن دين يكون أقرب للإنسانية، فأطلقوا عليه اسم ساكياموني؛ أي ناسك ~~ساكياس، قبل تلقيبه ببوذا؛ أي الحكيم الأكبر. # ومن هذه العزلة خرجت تلك الديانة القاتلة لإحساس الإنسان وشهواته، ومنها ارتفع ذلك الصوت ~~القائل بغرور الحياة، الداعي إلى الزهد، طالبا وسط مفاسد العهد القديم أن يتجافى الناس ~~مضاجع اللذة والسرور، قاتلين الرغبة بالتأمل، والتأمل بالغيبوبة، والغيبوبة بالفناء، حتى ~~يصلوا إلى الغاية القصوى من الخير، وهي النرفانا؛ أي العدم. # والذي سهل انتشار هذه التعاليم الناتجة عن التشاؤم واليأس تلك العقيدة السائدة في الهند ~~من تناسخ الأرواح؛ أي التقمص، فالحياة الأبدية في الهند أشبه بكابوس؛ يولد المرء ويتألم ~~ويموت، ثم يولد ثانية ليتألم أبدا ويموت كذلك، وهكذا دواليك كأنما هي أشغال شاقة على ~~الإنسان أن يتحملها في طريق الأبد. # وقد أراد بوذا تخليص الإنسانية من هذا الكابوس فلم يجد سوى حل وحيد لذلك، وهو إخماد عطش ~~الأنانية؛ ففي إطفاء «أنا» كل النرفانا، وذلك بمحاربة الشهوات، وتضحية الفرد للمجموع، ~~والرحمة الشاملة، ولو اقتضت أن نضحي بأنفسنا في سبيل سائر الخلائق من إنسان وحيوان. وهذه ~~التعاليم السلبية فيما يتعلق بما وراء المادة نتيجتها العملية أدب كله إنكار ذات وعفة ~~ورفق ومحبة. # ولا يخفى ما في هذه التعاليم من سحر الإغواء، وهذا ما يفسر لك انتشار البوذية الواسع ~~فيما بعد، والذي يخلع عليها جاذبية خاصة هو الروح الشعرية التي تفيض حنانا في تلك الأساطير ~~عن الحياة المتعددة السابقة التي مر بها بوذا في تقمصه إنسانا وحيوانا، فهنا ملك ~~الوعول يضحي نفسه ms02 من أجل رفاقه، وهنا أرنب يطرح نفسه في النار ليطعم أحد البراهمة ~~الجائعين، وهنا ملك الفيلة يقدم أنيابه لقاتله، إلى غير ذلك. # وكان أول ما بشر بالبوذية في مناطق الكانج الشرقية، ومنها امتدت إلى سائر الهند، ~~والقائمون على هذه الكنيسة جماعة من الرهبان في الأديرة يحف بهم عدد من العوام المخلصين. ~~ولا ريب أنه في العصور الأولى قد تقلب على البوذية أحوال تبعا للزمان، ولحاجات القلب ~~البشري؛ فإن الوقوف عند بوذا التاريخ أصبح غير كاف؛ لأن انطفاءه بالنرفانا جعل الوصول إليه ~~بالصلاة صعبا، فخلق الإيمان عددا غير قليل من أشباه بوذا، هم بوذوات المستقبل، هؤلاء ~~ينتظرون في جنات تجري من تحتها الأنهار أن تدق ساعة تجسدهم، وفي مدة هذا الانتظار يعنون ~~بخلاص الخلائق. وقد وجد بين هؤلاء من فاق بوذا التاريخ في استمالة الشعب إليه، فلقب ~~بالمسيح أو العناية أو النور غير المتناهي، وكان له شأن لدى انتشار الديانة في أنحاء الشرق ~~الأقصى. # هذه الصور الروحانية التي تقطر شفقة ورحمة كانت تخلق من حولها في عقول الناس وقلوبهم ~~جوا من اليقين والتقوى والحنان لا مثيل له في آسيا الشرقية. وقد أخذت الصين - بوجه خاص - ~~تجد فيها عالما روحانيا جديدا، ولاقت فيها الفكرة الفلسفية غذاء لا ينفد بفضل ما وراء ~~الطبيعة الذي اقتحم البوذية الهندية في المائة الأولى من التاريخ المسيحي. فاتجهت الأفكار ~~إلى مثل عليا مطلقة، قائمة على النظر إلى العالم وإلى «أنا» كأنهما غير موجودين حقيقة، ~~ومن جانب آخر، فإن الجماعات - كما قلنا - كانت تجد نفسها مجذوبة بسحر هذه الأساطير الكثيرة ~~المختصة بكل بوذا من بوذوات المستقبل، وهذه الصور الناعمة اللطيفة، وحياة القديسين، ولمعان ~~الفراديس والجحيم فضلا عما كان يغريها به الفن البوذي نفسه. # كان الفن الهندي حتى بداية التاريخ المسيحي فنا لا يخلو من الجمال؛ لأنه من وحي طبيعة ~~الهند الأزلية، غير أنهم ما كانوا يجرءون في الزمن الأول على تصوير بوذا لتحريمه كما حرم ~~تصوير الله في ديانات أخرى، ولا ريب أن هذا التحريم لم يكن عن ms03 احترام فحسب بل فيه دخل كبير ~~للمنطق؛ لأنه ليس من المعقول أن تحيي بالرسم من محته النرفانا؛ أي من ذهبت ذاتيته، ~~فكانوا يعتاضون عن تمثال بوذا حتى في مشاهد الحياة اليومية برموز متفق عليها. ولكن هذه ~~النظرية تغيرت عندما تطرقت اليونانية إلى شمال غربي الهند لعهد ملوك اليونان خلفاء ~~الإسكندر، ثم لمن جاء بعدهم من ملوك الشيت. # لقد شعر اليونان الذين اهتدوا إلى البوذية بالحاجة إلى تمثيل بوذا تمثيلا صحيحا حقا، ~~ولم يجدوا أمامهم سوى إلههم أبولون ليأخذوا عنه فقلدوه. وأول تمثال صنع لبوذا في أوائل ~~العهد المسيحي في غندارة، وهو صورة طبق الأصل لأبولون مع زيادة الطابع العقيدي، كنقطة ~~الحكمة بين العينين وغفرة الرأس، وطول شحمة الأذن؛ لثقل القرط الذي كان يعلقه بها ~~بوذا أيام كان أميرا. # هذا المثال اليوناني لبوذا ذو الملامح الأبولونية والمطارف اليونانية الذي كشف عنه ~~التنقيب في آثار غندارة وكابول سيجوب الزمان والمكان، من خلال آسيا الوسطى حتى الصين ~~واليابان، مكتسبا في سفرته الطويلة بعض التغيرات، والتطبع بطابع صيني، حاملا تذكارات ~~ماضيه اليوناني في الصورة والهندام. # وقد جاء انتشار البوذية في الصين متأخرا؛ أي في السنة الستين من التاريخ المسيحي، ~~وبوذا مات حوالي سنة 480ق.م، فكأنها بقيت منحصرة في الهند ستمائة سنة قبل تمشيها إلى ~~الصين، حيث استقبلت بادئ ذي بدء كبدعة من تعاليم ثاو، كما استقبل الرومان المسيحية كبدعة ~~يهودية. وقد حملت البوذية إلى الصين فكر الهند وفن الإغريق وشيئا من حضارة إيران، غير أن ~~نجاحها لم يطل، وبعد أن استفادت من بعض الشبه بينها وبين تعاليم ثاو قام الثاويون عليها، ~~وناهضها كذلك أشياع كونفوشيوس ونعتوها بالغريبة؛ لأنها تقضي على الأسرة؛ إذ إن البوذي لا ~~يهتم إلا بنفسه. ولا تزال الحرب سجالا حتى اليوم، والكونفوشيوسية وحدها دين الدولة ودين ~~الملك. ~~••• # لقد رسم بوذا للعالم القديم طريق الخلاص كما رآها، وقال له: لا تنس في هذه الطريق أن تمد ~~إلى الإنسانية يد المعونة فترحم كل حي، وتعفو عن كل مذنب، وتنسى كل إهانة، وتعامل بالرفق ms04 ~~والحق والجود إخوانك في هذا الوجود. # واليوم، بعد مرور خمسة عشر قرنا على بوذا، وبعد من تبعه من المصلحين والأنبياء والرسل، ~~وهذه الأديان التي تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف، وبعد التقلبات الهائلة التي منيت بها ~~الإنسانية، لا يزال الظمأ شديدا إلى هذه المبادئ والتعاليم كأننا لم نزل في الأعصر الأولى، ~~أعصر الجهل والتباغض والعدوان ... # | كونفوشيوس # دين الإصلاح # 1 # لقد ظهرت على مسرح هذا الوجود دول شتى، بلغت من حضارتها الأوج، ثم توارت تاركة آثارا ~~تدل عليها، وتحدث عن خالي عظمتها كأقواس النصر والأهرام والعمد والهياكل وما شاكل. ~~ولكن أبقى الآثار وأبعدها مدى في تصريف حياة الشعوب هي بدائع العقل البشري، وما كانت ~~تجود به أدمغة العباقرة حينا بعد حين، فتقيمه كمنائر في طريق الحياة هدى ~~للعالمين. # وفي هذه الأيام العصيبة التي تبرز فيها الصين على المسرح العالمي كدولة كبيرة، يجدر ~~بنا أن نعود قليلا إلى ماضيها الحافل بالآثار الأدبية، فنراجع تعاليم أعظم فيلسوف ~~أنجبته هذه البقعة العجيبة التي يتصل نسبها بمهد البشرية كما تتصل هي بمهد ~~الشمس. # لقد تعاقب على الشرق منذ القدم ثورات وانقلابات بدلت معالمه وقوضت عروشه، وأنزلت ~~إلى القبر حضارات أمم عظيمة لمعت في آفاقه منذ أربعة آلاف سنة، ولم يبق منها اليوم ~~سوى أطلال دارسة، وآثار طامسة. هذه مملكة داريوس التي حفظت لنا كتب زرادشت شيئا من ~~شرائعها، نحاول اليوم أن نتبين رسومها من خلال المخطوطات المسمارية لبابل وبرسوبوليس، ~~وهذه دولة الفراعنة التي اضطجعت في أهرامها الخالدة ~~بعد أن خلفت تلك اللغة الصورية المجبولة بالألغاز كأنما أرادت بها إعجاز الذرية، فلم ~~يرتق العلم إلى مفتاحها إلا بعد جهود ألفي سنة. # ولكن الصين لم تقو عليها ثورات الطبيعة والإنسان، فبقيت وحدها واقفة بينما كان كل ~~شيء يتداعى من حولها، كتلك الصخور الوعرة التي لا تزال تلتطم بها أمواج البحار منذ ~~بداية الخلق دون أن تزعزعها. ~~••• # لا ريب أن الحضارة الصينية أقدم حضارة على الأرض، يرجع تاريخها إلى ألفين وخمسمائة ~~سنة قبل المسيح. فكان «فو هي» إمبراطورها الحكيم ms05 أول فيلسوف في مملكته. ولم تكن الكتابة ~~معروفة لذلك العهد، فرسم حكمته في سطور سرية على ألواح محفوظة حتى اليوم، وعلم شعبه ~~العدد والفلك، وعوده احترام الأجداد، ثم جاء بعده باو، وشون، وبو، فنظم الأول ~~المواقيت، وسن الشرائع، واخترع كثيرا من الفنون المفيدة، وكان دمث الأخلاق، طيب ~~القلب، إلى حد أنه منع العرش على بنيه؛ لأنهم لم يكونوا أهلا للحكم، ورفع إليه ~~مزارعا بسيطا هو «شون» الذي اقتفى أثره، فاختار خليفة له مزارعا هو «بو». # باو، شون، بو، هم الأركان الثلاثة التي قامت عليها الفلسفة الصينية، وضعوا أسسها ~~وقالوا للحكام: الرعية أبناؤكم، وقالوا للرعية: الملك أبوكم. # ومنذ دفع هؤلاء الصين في طريقها إلى الأمام أخذت تتقدم في معارج الارتقاء، يساعدها ~~على ذلك غناها الطبيعي، واتساع ملكها، ومناعة حماها؛ بما حبتها الطبيعة من حدود ترد ~~طرف الغزاة وهو حسير، كجبالها الشماء التي تعد أعلى جبال الكرة الأرضية، ومنافذها ~~الشاسعة التي يعز اجتيازها على بني الإنسان. # وانصرف الشعب الصيني إلى إنماء تجارته وصناعته، وكان له من نجاحه المطرد وثروته ~~الآخذة في الازدياد حافز للاهتمام بالفنون الرفيعة، ولا سيما الموسيقى، حتى إن ~~الإمبراطور شون جعل لها في حكومته وزارة خاصة، وكان هم الصينيين متجها إلى توفير ~~أسباب الراحة وحياة الخفض والدعة والسكون، فاكتشفوا بسهولة ما قضى الغرب زمانا طويلا ~~قبل الوصول إليه. وقبل المسيح بخمسة عشر قرنا كانوا يعرفون الورق والكتابة ويستعملون ~~البيكار، وكانوا يكرهون الحروب، وقد عودتهم أسوار الصين الهائلة أن يناموا في جناح ~~آمن، فكانوا يحتقرون الأشياء العسكرية، ولا يريدون سوى التمتع بنعم السلم؛ ولهذا لم ~~يحفظ التاريخ ذكرا لرجال الحرب منهم. # وكتب الآداب عندهم تلقن مبادئ العدل، وتنص على خلود النفس والثواب والعقاب في عالم ~~آخر، وتأمر كالكتب الهندية بالرحمة والشفقة على الحيوان، واحترام العصافير الصغيرة في ~~أعشاشها، والأشجار التي تعطي الظل، وتعلم أن الإنسان السعيد هو الذي يرى الخير، ~~ويصنع الخير، وما أجمل هذا التعريف للسعادة! # والقضاء قديم في الصين، وهو عادل وصارم معا. وعقاب الصين قائم على العصا ms06 يخضع لها ~~العظيم والحقير دون أن يجدوا من ورائها عارا أو تحقيرا. فترى القاضي نفسه إذا استحقها ~~يخلع ثيابه ويحني ظهره ويتلقى الضربات ثم يقوم فيرتدي لباسه، ويعود إلى منصة القضاء دون ~~خجل ولا استحياء، وأما الجرم السياسي فيعاقب بالتعذيب الشديد، والموت بلا ~~شفقة. # وللشعب الصيني شعر وأدب، ولكنه شعر جامد وأدب لا يتغير؛ لأن طاعته العمياء وخضوعه ~~للتقاليد قد وضعا الفكر والخيال في دائرة ضيقة لا يتعديانها، على أنه من العجب العجاب ~~أن يكون لهذا الشعب فلسفة وعلم وأدب، في زمن كان العالم فيه غارقا في ظلمات الجهالة، ~~وأن يتولى العقل زمام الأحكام فيه بينما كانت سائر الشعوب خاضعة للقوة، وربما كان من ~~أهم أسباب ذلك الجمود الكتابة الصينية التي يحمل كل حرف منها صورة مرسومة، فلا يسهل ~~حفظها؛ ولهذا لا يزال الصينيون يتكلمون اليوم كما كانوا يتكلمون منذ طفولة العالم بلغة ~~كلها ألغاز ورموز يقضي الذكي منهم ثلثي عمره في تفهمها، والثلث الباقي في التبحر ~~بها. # وفضلا عن ذلك فالصيني محكوم عليه بشرائعه أن لا يفارق موطنه؛ فحيث ولد يعيش، وحيث ~~عاش يموت. وكما حرم عليه الخروج من أرضه فقد حرم على الغريب الدخول إليها. فإذا ~~بهذه المملكة الكبيرة كالسجن المحكم الأقفال، لا تتسرب إليه أصوات الخارج، ولا يؤثر ~~فيه ما يعصف حوله من الزعازع. # وفي منتصف القرن السادس قبل التاريخ المسيحي كانت الصين - بلا ريب - أعظم بلاد الله ~~حضارة وأرقاها مدنية، مملكة واسعة الأطراف كاملة التنظيم، مقسومة إلى ولايات يديرها ~~حكام باسم الإمبراطور، وفيها نظام للشرطة وللسلطات جميعا، وصناعاتها كثيرة كالحرير ~~والخزف والصباغ والطباعة والحفر، وزراعتها زاهرة، وبساتينها خضراء، وحدائقها كثيرة ~~غناء، ولا يخلو فيها بيت من روضة يقضي الصيني فيها معظم وقته مستسلما إلى الراحة، ~~وأحلام النفس المطمئنة، في تلك الحقبة من الزمن بينما كانت ضفاف الكانج وغابات الهند ~~الأزلية تردد صدى تعاليم بوذا كانت الصين تتلقى الحكمة من فم مرشدها وفيلسوفها الأكبر ~~كونفوشيوس. # 2 # لا ريب أن القرن السادس قبل المسيح كان عصرا خصبا من ms07 عصور الفلسفة البشرية؛ ففي ~~الصين كونفوشيوس، وفي الهند بوذا، وفي اليونان كان طاليس لا يزال حيا، وفيثاغور في ~~أوج شهرته، وسولون في إبان شبابه، وسقراط على عتبة الدنيا يتمخض به الغد القريب، وقد ~~مر بنا أن الصين كانت لذلك العهد في الذروة من حضارتها، وكان كونفوشيوس قد بلغ ~~الخامسة والخمسين من عمره، بعد أن أكب منذ الصغر على درس كتب الأجداد، واستخلص منها ~~تلك المبادئ العملية النافعة للحياة، وطبق عليها عاداته، فأصبح السيد المطاع، يشغل ~~أسمى مناصب الدولة، ويتولى إدارة الأشغال العامة والقضاء، فكان في آن واحد المؤرخ ~~والمشترع والوزير الأول. # وقد سبق القول: إن الصين كانت منقسمة إلى دويلات، فكان من نجاح دولة «لو» وازدهارها ~~ما حرك الحسد في قلوب الجيران؛ فحاول ملك «تسي» إفساد ملكها بالهدايا، فأرسل إليه ~~ثمانين فتاة من أجمل حظاياه، وجوقا من المغنين، وجيشا من الطهاة البارعين، ومائة ~~وعشرين جوادا أصيلا، فاستسلم هذا الأخير إلى اللهو والملذات غير عابئ بنصائح وزيره، ~~ضاربا بتعاليمه عرض الحائط، فلم يبق لكونفوشيوس سوى الاعتزال، فانسحب من مملكته ~~مودعا آماله فيها وابتعد عنها وهو يتألم. # وبما أنه لم يكن يفكر بغير سعادة الشعب، فقد كان الفقر أسرع شيء إليه. ورأى الناس ~~حينئذ، ويا له من مشهد محزن، هذا الرجل الحكيم شريدا طريدا، لا مأوى له ولا قوت ولا ~~راحة، معرضا لإهانة الكبراء، واحتقار الشعب الذي قلما يحفظ الجميل، ورفع يوما ~~أحد الأمراء سيفه عليه فلم يطأطئ رأسه بل قال: إذا كانت السماء ترعاني فما يهمني بغض ~~الرجل القوي، فكأنه قضي على كل من يتطوع لخدمة هذه الإنسانية أن يتجرع كأس الآلام ~~حتى الثمالة، كأنما هو يكفر بهذا العذاب عما أوتيه من المواهب السامية لأداء رسالته ~~الإلهية على الأرض. # ومات كونفوشيوس في الثانية والسبعين، فكانت حياته ثلاثة أدوار؛ الدور الأول: درس ~~واستعداد، والثاني: حكم وإرشاد، والثالث: عزلة واستشهاد، على أن الموت كان أعظم منصف ~~له. وكما يقع للرجال العظام الذين تنكر أقدارهم وهم في الحياة فقد عاد نجمه إلى ~~الإشراق بعد ms08 أفوله، فأقيمت له الهياكل، وشيدت باسمه المدارس، فكان الأمير أو الحاكم ~~إذا مر من أمام عتبتها يترجل احتراما، وصار الانتماء إليه أكبر شرف يحمله الحكماء ~~والقضاة، وأرباب القلم والصولجان، وأصبحت أعظم مكافأة يحلم بها المتفوقون هي أن ~~يلقبوا بتلاميذ كونفوشيوس، وعادت الكرامة لذويه، وأصبح الشرف إرثا في ذريته، وكتب ~~الإمبراطور «بون» براءة يقول فيها: «إني أحترم كونفوشيوس، فالملوك هم سادة الشعب، وهو ~~سيد الملوك.» # والحق أنه إذا كانت قيمة الإنسان وقوة تعاليمه على قدر ما يترك من التأثير في الناس، ~~فقد جاز لنا أن نقول مع الصينيين: إن كونفوشيوس أعظم مهذب للجنس البشري أنتجته ~~العصور. أما تعاليمه ففي الغاية من البساطة، وهي عملية مبنية على طبيعة الإنسان، تتناول ~~كل حالات الحياة والصلات الاجتماعية، وتتلخص باستقامة القلب وحب الإنسان قريبه كنفسه. ~~ليس فيها تحليق في الفكر ولا شيء من البطولة ولكن كثير من الحكمة؛ فهي أدب أكثر مما هي ~~فلسفة، أدب يدرب العواطف، جاعلا من البر بالوالدين أساس الطاعة التي تمتد سلطتها ~~إلى أبعد من العائلة، إلى الإمبراطور والحكومة والأمة. # والغاية القصوى التي تهدف إليها تعاليمه هي الكمال، الكمال الفردي أولا، وكمال ~~المجتمع بعد ذلك؛ فيبدأ الإنسان بإصلاح ذاته وتحسين نفسه ثم ينتهي إلى إصلاح الآخرين ~~وتحسينهم. ولا يستطيع الإنسان إصلاح غيره قبل إصلاح نفسه، وكلما تقدم المرء في ~~الوجاهة وعلو الكلمة في قومه كانت واجباته أوسع وأعظم في السعي نحو هذا الكمال. وقد ~~علمه درس التاريخ والقلب البشري أن السلطة تفسد على الإنسان نفسه، فينتفخ كبرا، ~~ويزيد صلفا وعنادا، فكان لا يفتأ يذكر الحكام بواجباتهم، ملقيا عليهم كل تبعة، ~~خيرا كانت أم شرا، غنى أم فقرا. # هذه الصبغة المادية لتعاليمه هي التي جعلتها طويلة العمر؛ لأنها بسيطة خالية من ~~التعقيد، قريبة التناول من الأذهان. لقد فهم كونفوشيوس روح معاصريه حق الفهم؛ فكان ~~ماديا في شعب لا يعرف غير فوائد المادة، شيوعيا بين قوم قوتهم قائمة على الاشتراك، ~~مستبدا في مملكة تتمتع بأحسن نظام للشرطة. وسأجتزئ هنا بإيراد بعض الأمثلة من ms09 حكمه؛ ~~فهي تعطينا صورة جلية عن جمال تعاليمه، قال: ثلاثة على الحكيم احترامها: شرائع ~~الطبيعة، وعظماء الرجال، وأهل الصلاح، وقال: أوصي الشعب باحترام الشرائع قبل درس ~~العلوم، وقال: خمس قواعد لحكم العالم: العدالة التي تربط الحاكم بالمحكوم، والحب الذي ~~يربط الآباء بالبنين، والعلاقة بين الزوجين، وخضوع الصغير للكبير، والصدق في الصداقة. ~~كونوا أيها الحكام مثال الاستقامة والعدل؛ فلا يتجرأ أحد على العصيان أو التذمر. أيها ~~الحاكم، إن أردت أن تدير ملكك فجرب ذلك أولا في داخل بيتك؛ فالعائلة هي المملكة ~~الصغيرة. # وقال أيضا: الفقير الذي لا يتزلف إلى الناس، والغني الذي لا يصعر خديه خيلاء ~~يستحقان الثناء، ولكني أفضل عليهما الفقير الذي يرى نفسه سعيدا في فقره، والغني ~~الذي يعرف أن عليه واجبات نحو غيره. الشجاعة النادرة أن لا يخجل الإنسان من لباسه ~~الزري، وأطماره البالية أمام صديق يلبس الخز والديباج. التقوى الحقيقية أن تحب ~~الناس جميعا، والحكمة أن تفهمهم. تعلم أن تعيش مكرما لتموت مكرما. يمكن ~~التغلب على قائد يحميه جيش كامل، ولا يمكن سلخ الحرية عن أضعف الناس، وقال أيضا: ~~أربعة شروط للرجل الكامل وأراني مقصرا فيها: # أولا: # لا أستطيع أن أطيع أبي كما يطيعني أولادي. # ثانيا: # لا أخدم سيدي كما أريد أن يخدمني عبدي. # ثالثا: # لا أحترم من هو أكبر مني سنا كما أريد أن يحترمني من هو أصغر ~~مني. # رابعا: # لا أؤدي لصاحبي الواجب الذي أريد أن يؤديه لي. ~~- إذا عرض لنظرك شيء غير شريف فلا تره، أو لأذنيك فلا تسمعه، أو لفمك فلا تنطق ~~به. ~~- من لي بإنسان يكون الرقيب لنفسه والشاهد عليها، والخصم والحكم معا، فيعترف بخطئه، ~~ويجلس إلى محكمة ضميره، ويرسم لنفسه عقابها. ~~- ليكن سلوكك كما لو كانت عشر من الأعين ~~تحدق فيك، وعشر من الأيدي تشير إليك. # وأخيرا، هذه الحكمة البالغة التي أوصى بها السيد المسيح: قابل الإساءة بالإحسان. لا ~~تفعل بالناس ما لا تريد أن يفعله الناس بك، واعمل للآخرين ما تريد أن يعمله الآخرون ~~لك. # | أبيقور # دين اللذة # لم أجد ms10 رجلا أثار من الضجة حوله مثل الذي أثاره أبيقور؛ فأحبه فريق وأبغضه فريق، وانهال ~~عليه قوم بالمديح وقوم بالذم، ورأى فيه بعضهم نعمة للبشر وبعضهم الآخر ويلا عليهم، فكان في ~~آن واحد ملكا كريما وشيطانا رجيما. # ونحن اليوم إذا أردنا أن نصدق أولئك أو هؤلاء، ونحكم له أو عليه، فليس لنا سوى الرجوع إلى ~~ما كتب أو ما كتب عنه؛ لنتبين الحقيقة من أقواله وأعماله، ويقول بعض مؤرخيه: إنه صنف نحوا ~~من ثلاثمائة كتاب لم يصل إلى أيدينا منها سوى رسائل ثلاث، الواحدة في الأجرام السماوية، ~~والثانية في الطبيعة، والثالثة في سيرة الحياة، مع وصيته الأخيرة ومقتطفات من خطرات ~~أفكاره. ومن الذين كتبوا عنه: سنيك، وبلوتارك، ولكن أهم مؤرخيه: الشاعر لوكرس الذي أفاض في ~~شرح فلسفته، فجاء كتابه من أجمل آثار الأدب اللاتيني، وسيبقى المرجع الوحيد ~~لدراستها. ~~••• # أراد أبيقور الوصول بالإنسان إلى السعادة على الأرض، فلم ير بدا من إزالة الأوهام ~~العالقة به، وخط أدبا جديدا له في الحياة، فجاءت فلسفته مادية بحتة، رأى الشقاء المخيم ~~على البشر وحياتهم الملأى بالأنين والشكوى فعزا ذلك إلى سببين، السبب الأول: الخوف من ~~الآلهة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن هذه الآلهة تراقبهم من سمائها، وتعد عليهم حركاتهم ~~وخطواتهم، وتحاسبهم على نياتهم وهفواتهم، فشغلوا بها عن العمل لما فيه خيرهم، وتركوا كل ~~شيء إلا التفكير الدائم بالكهان، وما يتنبئون به، وما يأمرون به، وقد يكون الضرر البليغ ~~فيما يأمرون، كما جرى لأغاممنون؛ إذ صدقهم فضحى بابنته أفيجيني. # والسبب الثاني: الخوف من الموت؛ فهو الكأس الدائرة على الورى، وكل واحد يشعر بالموت يدنو ~~منه يوما بعد يوم حتى صار شبحه ملازما للناس يتبعهم في رواحهم وغدوهم وقيامهم وقعودهم، ~~فوجدوا أنفسهم على شفير الهاوية، واستحكم منهم الدوار، وما دام هذان الخوفان مسيطرين على ~~النفوس فالتعاسة لا مناص منها. وهذا ما أراد أبيقور محاربته بتنوير الأذهان بدروس الطبيعة، ~~فأظهر أولا أنه لا داعي للخوف من الآلهة؛ لأنها مشغولة عنا، لا يهمها معاقبة المجرمين أو ~~مكافأة المحسنين، وليست في ms11 حاجة لأن نستجلب رضاها أو نثير غضبها، وأن الظواهر الجوية التي ~~تهلع لها قلوبنا، كالصواعق والزلازل والكسوف والخسوف والإنذارات التي تدعي الكهنة أنها ~~تتلقاها فتئولها كما تشاء، لا علاقة لها بالغيب، ويمكن تعليلها بأسباب طبيعية. # وقدم مثلا بسيطا على ذلك؛ وهو أن الصاعقة التي يزعمون أن جوبتر جبار الأولمب يرسلها ~~قصاصا للمجرمين قلما تصيب أحدا من هؤلاء، بل هي لا تقع إلا في القفر، أو على الهياكل ~~والتماثيل ومعابد الآلهة نفسها، أفليس هذا دليلا ناصعا على عدم اهتمام الآلهة بنا؟ وهنا ~~يخوض أبيقور للتعليل عن وجود الكائنات في بحث فلسفي، لا مكان له في هذه الأسطر، راجعا في ~~كل شيء إلى رأي ديمقريطس في الجواهر الفردة، مفسرا تكون العوالم بتصادم هذه الجواهر، ~~تاركا بين هذه العوالم خلاء جعله مقرا للآلهة. ويشرح وجود الإنسان على الأرض بالتولد ~~الذاتي، ثم يبين ارتقاءه من ظلمة الكهوف والعزلة والجهل إلى ذروته الحاضرة ليقول: إن هذه ~~المدنية صنع يديه، فلا شأن للآلهة بها. # نعم، على الإنسان أن يؤمن بالآلهة ويحترمها، ويقتدي بها في حياتها الهادئة السلمية، ولكن ~~من العبث والتضليل أن يصلي ويضحي لها، ويغريها بالهدايا، ويشغل أفكاره بها أبدا كأنها ~~قاعدة له كل مرصد. أما الموت فلا داعي للخوف منه؛ لأن الجسم ينحل به روحا وبدنا، فتذهب ~~التذكارات والهموم والتأسفات، ولا يبقى شيء يهدد به. ولا صحة لما يزعمون من أن الروح ~~موجودة قبل الجسد وباقية بعده؛ فإذا كانت موجودة قبل الجسد فمتى دخلته؟ أقبل الولادة أم قبل ~~التكون في البطن؟ تصوروا إذن هذه الأرواح المزدحمة في الغيب تنتظر كلها ساعة الحب لتهجم ~~على أجسادها وتدخلها، وإذا كانت باقية بعده فأين تذهب؟ إلى إنسان، وما رأينا أحدا يحفظ في ~~حياته تذكار حياة سابقة، أم إلى حيوان، ولا يعقل أن يكون في الخروف روح أسد! # وإذا عرفنا أن الروح فانية مع الجسد بدا لنا الموت كأنه راحة لا عناء، ونسيان لا تذكار؛ ~~فلا سبيل إلى الخوف منه أو القلق بسببه. وهكذا يزيل العلم بالطبيعة الخوف ms12 المسيطر على ~~البشر من الآلهة ومن الموت، ومتى تم ذلك وتخلص الإنسان من ربقة هذا الاعتقاد فقد تم ~~نضجه وصار أهلا للحكمة. # ما هي هذه الحكمة؟ هي اجتناب الألم والبحث عن السعادة. تلك هي في نظر أبيقور غاية الإنسان ~~على الأرض، وهو يعتقد أن أكبر عامل في السعادة هو اللذة، لا يعني بذلك الاستسلام بلا حساب ~~إلى الملذات كما يقول الشاعر: # لا تقف في وجه لذاتك مكتوف اليدين # أنت لا تأتي إلى دنياك هذي مرتين # بل اللذة المعتدلة بالحياة المطابقة لمطالب الطبيعة كما يعيش سائر الحيوان والنبات، ويمكن ~~حصرها في قواعد أربع: # أولا: # خذ اللذة التي لا يعقبها أدنى تعب. # ثانيا: # اهرب من التعب الذي لا يعقبه أدنى لذة. # ثالثا: # اهرب من اللذة التي تحرمك لذة أخرى أعظم منها. # رابعا: # اقبل بالتعب الذي ينجيك من تعب أكبر، ويعطيك لذة أوفر. # وعليه فهو يميز أولا: بين الملذات الطبيعية والضرورية؛ كالشرب عند الظمأ، والأكل عند ~~الجوع، وهذا ما يجب الأخذ به، وثانيا: الملذات الطبيعية غير الضرورية؛ كالتفنن في الأكل ~~وإرضاء الشهوات، وهذا ما يجب الاعتدال فيه، وثالثا: الملذات التي هي غير طبيعية وغير ~~ضرورية؛ كالسكر والإفراط في أكل اللحوم، وكل ما يدفع إليه الطمع والبخل من رغبات لا حد ~~لها، فلا يخمد الإنسان واحدة منها حتى تستيقظ الثانية، وهكذا يزلق المرء من شهوة إلى شهوة، ~~ومن وهم إلى وهم، ومن خيبة إلى خيبة، ومن اضطراب إلى اضطراب؛ فهذه الملذات غير الطبيعية ~~ولا الضرورية يجب الإقلاع عنها. # تلك هي فلسفة أبيقور. لقد أساء الناس فهمها فرموا صاحبها بكل شائنة، وأنزلوا عليه ~~اللعنات، وجعلوا منه منافقا وفاسقا ونهما، حتى ادعى تمقراط، أحد تلاميذه، أنه كان ~~يتقيأ ما يأكله مرتين في النهار، وإلى يومنا هذا لا يزال اسمه رمزا لحب الذات وحب ~~المتعة، فيقولون «هذا أبيقور» لكل مسترسل في شهواته لا يهتم إلا بذاته، مع أن أتباعه ~~ومريديه يمجدونه كإله، ويمدحون كرم طباعه وبساطة عيشته، ويؤكدون أن غذاءه كان من الخبز ~~المبلول بالماء، وكتابه الأخير ms13 إلى تلميذه «أيدومنة» دليل على تعففه وتقشفه؛ فقد مات في ~~السبعين بعد عذاب أيام بداء المثانة، وكتب قبل موته يقول: «أكتب لك هذا في اليوم الأخير ~~والسعيد من حياتي: أن آلامي لا تطاق، ولكن يعزيني فيها الذكريات التي أستمدها مما علمت ~~وصنفت.» # لقد كان أبيقور أكبر معلم للبشر بدرسه أوفق الشروط للسعادة؛ فقد رأى أحسن من كل إنسان أن ~~هذه السعادة لا علاقة لها بالمال والشهرة والمركز الاجتماعي. ولا ريب أن سقراط لم يجهل هذه ~~الحقائق، وكذلك الرواقيون أتباع زينون، ولكن أبيقور خلع عليها حلة خضراء من سحر لسانه، وقوة ~~بيانه؛ حتى أصبح المرجع فيها لكل من قال حكمة في العالم، ومن الغريب أنها لم تدرك كما ~~يجب، ولم يكن عدد الذين استفادوا منها أكثر مما هو. # كلا لم يكن أدب أبيقور ليجعل من الناس قطيعا من الخنازير كما ادعى أعداؤه، ولو أن ~~الإنسانية عملت بما علم لحققت المثل الأعلى، وكان لها مجتمع سلمي يبحث فيه كل فرد عن ~~سعادته في الحياة البسيطة، والاعتدال والرضى بملذات الفكر واحترام الآخرين، فلم نصل إلى ما ~~نحن عليه من فتنة مال، وخيبة آمال. # | تيمور الأعرج # دين البطش # كان تيمور لنك من أعظم ملوك المغول شأنا، وأوسعهم سلطانا، وأشدهم طغيانا، يمت بنسب ~~بعيد إلى جنكيز خان - على ما يقال - وبينهما مائة وسبعون عاما؛ فقد ظهر جنكيز في منتصف ~~القرن الثاني عشر، وظهر تيمور في أوائل القرن الرابع عشر. وتخلل العهدين ظهور هولاكو الذي ~~اشتهر بتخريب بغداد وقتل المستعصم واضعا السيف في دار السلام أربعين يوما، محرقا دورها، ~~نابشا قبورها، بانيا بكتب العلماء مجبولة بالطين إصطبلات خيوله، وجاعلا منها جسورا على ~~نهر دجلة للعبور عليها. # جاء في دائرة المعارف عن القرماني: كان تيمور رجلا ذا قامة شاهقة، كأنه من بقايا ~~العمالقة، عظيم الجبهة والرأس، شديد القوة والبأس، أبيض اللون إلى احمرار، عظيم الأطراف، ~~عريض الأكتاف، مستكمل البنية، مسترسل اللحية، أعرج اليمينين، وعيناه كشمعتين، جهير الصوت، ~~لا يهاب الموت. وكان من أبهته وعظمته أن ملوك الأطراف ms14 وسلاطين الأكناف إذا قدموا عليه ~~وتوجهوا بالهدايا إليه كانوا يجلسون على أعتاب العبودية والخدمة نحوا من ممد البصر من ~~سرادقاته، وإذا أراد منهم واحدا أرسل أحد خدمه ينادي باسمه فينهض في الحال. # وقد اختلفت الأقوال في نشأته، وكثرت حولها الأساطير؛ فقيل: إنه لما ولد كانت كفاه ~~مملوءتين دما، فقال بعضهم: يكون شرطيا، وقال بعضهم: ينشأ لصا، وقال بعضهم: قصابا ~~سفاكا، وقيل مثل ذلك في جنكيز خان. والسبب في تسميته بالأعرج أنه سرق في بعض الليالي غنمة ~~فشعر به الراعي فضربه بسهمين، أصاب بأحدهما فخذه وبالآخر كتفه؛ فأبطل كلتيهما فازداد كبرا ~~على فقره، ولؤما على شره. # وكان جده حاكما على كرش فاغتصبت منه وعمر تيمور ثلاث سنوات، فقضى طفولته في الفاقة ~~والحرمان. ولما بلغ أشده جمع من البادية والصحراء والغاب رجالا أقسموا له اليمين أن ~~يساعدوه على استرجاع ملكه. وكان هو ورفاقه يسرقون ما وراء النهر، فشعر بهم السلطان حسين، ~~صاحب هراة، وظفر بهم فضربهم، وأمر بصلب تيمور. وكان للسلطان ولد يقال له: غياث الدين، فشفع ~~فيه واستوهبه من أبيه، فقال له أبوه: هذا مادة فساد، وإن بقي ليهلكن العباد، فقال غياث ~~الدين: وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدواهي؟ # فوهبه له، فقربه منه وزوجه شقيقته، ثم إنه غاضبها بعض الأيام فقتلها، فلم يبق له إلا ~~الخروج والتمرد، إلى أن كان من أمره ما كان، حتى استصفى ممالك ما وراء النهر، واسترق ~~العباد، وصافى المغول، وتزوج بنت ملكهم قمر الدين، ثم ظفر بغياث الدين فقتله، ووضع السيف في ~~أهل سجستان، واستخلص ممالك العجم، ثم زحف إلى الهند فاقتحم دلهي، وأسر مائة ألف من السكان، ~~وأحرق البيوت والهياكل ثم انتقل إلى الشام والعراق فاكتسحها، وبلغ بلاد أرمينيا وملك بني ~~عثمان، وكانت له تلك الوقائع المشهورة. # واتخذ سمرقند قاعدة لملكه، وبنى فيها الجوامع وجملها بالحدائق الغناء، وأحاطها ~~بالأسوار، ولقب نفسه الخان الأكبر مرددا قول أحد شعرائه: «يجب أن لا يكون على الأرض ~~سوى سيد واحد، كما أنه لا يوجد في ms15 السماء غير إله واحد.» # وكان يحسن الفارسية والتركية والمغولية، وله إلمام بالأدب وغيرة على الدين الإسلامي؛ ~~ولهذا كان يعفو في فتوحاته عن رجال القضاء والشرع والعلم، ويهتم ببناء الجوامع، على أن هذا ~~لم يكن يمنعه من التخريب، مضيفا إلى فظائعه بذخا غريبا. # من هذه الفظائع أنه بعد ذبحه سكان أصفهان أمر كل جندي أن يأتيه بعدد من الرءوس المقطوعة، ~~وكان الجنود قد تعبوا من التقتيل فصاروا يشترون الرءوس ويقدمونها له حتى بلغ عددها سبعة ~~آلاف، وفي «الأبخاز» حمل الناس على الإسلام، ومن أبى عذبه، ومن هرب إلى الكهوف أضرم فيها ~~النار وأحرقه، وفي هراة بنى من الجماجم أبراجا، فعدوا منها 70 ألف جمجمة، وفعل مثل ذلك في ~~تكريت وحلب وبغداد، وعندما حاصر سيواس بعث أهلها نحوا من ألف ولد يحملون نسخا من القرآن ~~وهم يضجون «الله! الله!» راجين بعملهم هذا اكتساب عطفه، فقال: ما هذا الثغاء الذي أسمعه؟ ~~وأمر أن تؤخذ الكتب منهم، وأن تدوسهم الخيل، فهلكوا جميعا. # ولما دخل دمشق أظهر التشيع وأوقع على أهلها جريرة كونهم أعانوا بني أمية وهم سنة، ~~وأحرق المدينة عقابا لهم، وفي بغداد أباح النهب ثمانية أيام، ثم قتل أهلها وبنى من رءوسهم ~~120 برجا، ثم خرب البلد إلا المستشفيات والمدارس والجوامع، وفي إحدى مدن آسيا الصغرى ربط ~~رءوس الفرسان الأرمن بأرجلهم وألقاهم في الحفر ودفنهم أحياء، وتغلب على بايزيد فوضعه في ~~قفص من حديد حتى مات. # وكان يتسلى بمجادلة علماء السنة في حلب وتخويفهم، وقد ألقى عليهم يوما هذا السؤال: من ~~هم الشهداء حقيقة؟ من قتلوا من جنودي أم من أعدائي؟ فقال أحدهم: من قاتل في سبيل الله ~~فهو الشهيد، وقال تيمور: أنا أعرج وضعيف، وقد فتحت إيران وطوران والهند، فأجابه المفتي: ~~احمد الله ولا تقتل أحدا، فقال: والله ما قتلت أحدا بإرادتي، وما كنت أبدا البادئ ~~بالعدوان، وأنتم علة مصائبكم. بهذه الأحاديث كان يتلهى مع العلماء بينما كان رجاله يقيمون ~~من الجماجم أهراما. # أما بذخه الغريب فيمكننا أن نأخذ صورة عنه فيما ms16 صنعه في سمرقند، بعد رجوعه إليها ليستريح ~~من وعثاء السفر والحروب، وهو في الستين من العمر. فقد بنى قطرا من المرمر المزدان بألوان ~~الخزف والفسيفساء، وجعل فيه مستسقيات ينبعث منها الماء عمدا في السماء، ونصب مائتي خيمة من ~~الحرير المقصب والمخمل المذهب لسكناه، وأقام ملاعب للخيل وأمكنة لأجواق الموسيقى، ثم أولم ~~وليمة فخمة حضرها بنوه والملكات والحكام والعظماء، وسفراء الدول كالصين وروسيا واليونان ~~ومصر وإسبانيا. # وكانت الهنود ترقص على الحبال، وأرباب الفنون والصناعات الذين كان يستقدمهم من جميع ~~البلاد التي غزاها يتبارون في إظهار مهارتهم؛ فالفراءون يلبسون جلود الدببة والنمرة ~~والسباع، والفراشون يعملون من أمراس الكتان جمالا تتحرك، ومن الأقطان عصافير ومنائر، ~~والسراجون يصنعون الهوادج على الجمال، وفي كل هودج فتاة تفتن الأنظار، وصانعو الحصر يرسمون ~~بالخط الكوفي سطورا مؤلفة من القضبان. # وكانت الخمور تسكب في أكواب الذهب، واللحوم تشوى على الأشجار المقطوعة من الغاب، ~~والموائد مبسوطة على مدى النظر وعليها كل ما راق وطاب. في ذلك اليوم زوج ستة من أحفاده، ~~فكانوا يبدلون ثيابهم تسع مرات، وكلما بدلوها تركوا ما عليها من الحلي والجواهر لأتباعهم. ~~وكان رجاله ينثرون على الضيوف بين الحين والحين قطعا من المرجان والياقوت والعقيق والفيروز ~~والذهب والفضة، بينما الشعراء ينشدون قصائد المديح بالعيد. # ولم يكن تيمور ينتهي من بذخه إلا ليعود إلى غزوه وتفظيعه، فلما انقضى هذا المهرجان العظيم ~~التفت إلى من حوله وقال: إن انتصاراتي لم تتم دون إراقة دماء؛ ولهذا عزمت على التكفير عن ~~ذلك بمحاربة عباد الأصنام في الصين؛ فليكن الجيش الذي ساعدني على ارتكاب القتل عوني في ~~التكفير عنه؛ ليقيم الجوامع على أنقاض الهياكل. وخرج من سمرقند في مائتي ألف مقاتل، ولكن ~~البرد والجليد أفنيا الكثير من جنوده، وأصابته الحمى في أترار فقضى نحبه. # هذا هو تيمور الأعرج الذي يعد أكبر الفاتحين منذ الإسكندر إلى اليوم، والفرق بينه وبين ~~جنكيز خان أنه كان ذا علم ومعرفة، وله اطلاع على آداب العرب والفرس، بينما كان جنكيز ~~أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا ms17 يحسب، ولكن الاثنين أمعنا في التخريب. نعم، إن تيمور كان ~~مسلما فأبقى على الجوامع وشاد كثيرا منها، غير أن جنكيز المجوسي لم يكن يفرق بين ~~الأديان؛ فأدخل في بلاطه الأكفاء بلا نظر إلى المذهب، ووضع لأمته شرائع قيمة. وعلى كل، ~~فقد كان الطاغيتان أكبر نقمة نزلت على البلاد الشرقية، والمدنية الإسلامية. # | روسكين # دين الجمال # كان والد روسكين تاجر خمور، ولكنه كان يتعشق الطبيعة، ويحب الأدب والتصوير، ويميل إلى ~~الأسفار، وقد ترك لابنه ثروة واسعة، مع هذا الغرام الفطري بالطبيعة والجمال. على أن الجمال ~~لم يكن يتجلى له بادئ ذي بدء إلا من خلال الضباب الضارب قبابه في كل ناحية من لندن. ولما ~~خرج منها إلى الأرباض أخذ يتعرف إلى جمال الأشياء فيما كانت تقع عليه عيناه من المروج ~~الخضراء وبساتين الكرز والتوت، ومناظر تلك الثمار السحرية المتعددة الألوان، وعناقيد اللآلئ ~~المخبأة بين الأوراق، فكان الفتى روسكين يرى فيها فردوسه الأرضي، ويقضي عندها الساعات ~~الطوال سابحا في بحر الخيال بين التأملات والأحلام. # وكانت أمه من المتزمتات لا تني في أداء مهمتها كزوج وكأم، حتى رضيت أن ترافقه إلى ~~أوكسفورد الغريبة عنها؛ لتكون على مقربة منه تسهر عليه وتقصي عنه الألم ما أمكن، والأخطار ~~ما استطاعت، وإن أدى ذلك إلى إضعاف بنيته، أو سد أبواب اللباقة والمهارة في وجهه. وكانت ~~تعنى بتعليمه العهدين القديم والجديد، فترعرع في النعمة والترف، لا يعرف ما هو الهم، ولا ~~يفهم معنى للحسد أو الطمع، ولا تقرع أذنيه كلمة لوم أو جدل، فكان السلام والطاعة والإيمان ~~الإطار الذي يكتنف حياته؛ فنما الذوق فيه بعيدا عن المؤثرات الخارجية. # وكان أبوه يقوده في ساعات الفراغ إلى الأنقاض والمعابد والقصور التي يمر بها في أسفاره ~~العديدة، فيملأ منه السمع والبصر بالأناشيد والأشعار والصور، فزار إسكتلندة في الخامسة من ~~عمره، وباريس في السادسة، وشهد تتويج شارل العاشر، ووقف في ساحة واترلو، وعاد إلى إنكلترا ~~وهو يكتب ذكريات ويخط رسوما، فيصف المدارس والكنائس، وموسيقى أوكسفورد وقبر شكسبير، ~~ومعملا للدبابيس في برمنكهام، وينظم ms18 الشعر في العاشرة، ويجمع الحجارة النادرة في الأودية، ~~ويراقب الأنوار ويقيس الأبعاد. وكل ما كان يستشفه بفكره الثاقب كان يتعشقه بقلب خلي بكر ~~ظمآن. وكان يهتم بالأشياء أكثر من اهتمامه بالأحياء، ولا سيما ما اتصل منها بالجمال، وفيها ~~ما فيها من أسباب اللذة أو الألم، فتراه مثلا مشغولا بالصور المعلقة على جدران البيت الذي ~~يزوره عن أهل البيت أنفسهم. # وأول ما تعرف إلى الجمال كان عندما رأى في الأفق غيوما صافية كالبلور، وقد صبغتها شمس ~~المساء بلونها الوردي، فما كان الفردوس المفقود بأجمل منها في عينيه! # وأصبحت تأملاته في الطبيعة لا للتسلية، بل نوعا من دعوة قدسية نحو المثل الأعلى. فصار ~~تاريخ حياته منذ ذلك الحين تاريخ اجتماعه إلى الطبيعة في سفراته المتعددة كل عام، والتي لم ~~يكن يأتيها حبا بالاستجمام فحسب، بل كان يذهب إليها كما يذهب إلى الله الذي يفتح للشباب ~~أبواب الفرح! # ولم يكن يستطيع وصفها وتعريفها، فكان يقول: «أي نوع من الشعور البشري هذا الإحساس الذي ~~يحب فيه الحجر للحجر والغيم للغيم؟ إن القرد يحب القرد لأنه قرد، وتحب شجرة الجوز ~~لثمرها، ولكن الحجر لا يحب لأنه حجر. أما أنا فقد كانت لي الحجارة خبزا.» # ولكي يرى هذه الحجارة عن كثب كان يصرف الأشهر الطوال في سويسرا وإيطاليا. وأحب أن يقيم ~~في «شافونكين»، إلا أن تزاحم السياح منعه، ففكر في شراء قمة «برازون»، ولكن الفلاحين تعجبوا ~~كيف تشرى مثل هذه الأرض الصخرية القاحلة؛ فظنوا أن هناك كنزا وما زالوا عليه حتى ~~أبعدوه. # وما كاد يرفع عينيه عن كتبه حتى وقعتا على فتاة قلبه وعمره 17 سنة. وكانت إسبانية المولد، ~~باريسية التربية، كاثوليكية المذهب، فلم يرق لأمه البروتستانتية هذا الحب، وما زالت به ~~حتى حملته على نسيانها مستعينة بالأسفار بين فرنسا وروما وجبال الألب. # وكان حبه للطبيعة ككل حب؛ أي مزيجا من الفرح والكآبة، واللذة والألم، فإذا مر يوما ~~بمكان تبدل العهد به فرآه على غير ما عرفه من قبل؛ لوجود ميناء جديدة مثلا، أو سكة حديد، ms19 ~~أو أبنية لتنشيط السياحة، شعر بجرح في فؤاده كأنما هي حبيبته قد أهينت، وصاح بمواطنيه: ~~«إنكم احتقرتم الطبيعة وكل ما تثير فينا مناظرها من نبيل الشعور. إن الثوار في فرنسا جعلوا ~~الكنائس حرائس للخيل، وأنتم حولتم إلى ميادين سباق كل معابد الأرض؛ أي الجبال التي يمكن ~~فيها عبادة الله بأحسن ما يعبد، وأقصى أمانيكم أن تمروا في السكة الحديدية من أمام هذه ~~المعابد، وتأكلوا على مذابحها.» # هذا الإغراق في حب الطبيعة كان يلهيه عن كل ما حوله، وكثيرا ما بقي أياما يجهل الجديد ~~من الأحداث في بلاده، وهكذا سقطت الخرطوم وقتل غوردون باشا، ولم يعرف بهذا ولا ذاك. # وتزوج سنة 1848، ثم طلق زوجته بعد ست سنوات، ولم تخب نار الحماسة فيه يوما، ولا تحول ~~نظره في الآفاق المشعة التي علق بها فؤاده. ~~••• # هذا الرجل السابح في الخيال كان في الوقت عينه رجل عمل، وبذلك يختلف عن غيره من النقاد ~~والشعراء الذين يكتفون بالوصف والغزل دون أن يفكروا بالإصلاح العملي، فكان كلما أرسل فكرة ~~أو أخرج كتابا ينزل بنفسه إلى المعركة؛ ليرى ما صارت إليه فكرته، وليدافع عنها. وقد نادى ~~بتربية الذوق وتنمية روح الفن في الجماعات فلم يسمع نداؤه؛ فقدم نفسه لإعطاء دروس ليلية في ~~الرسم مدة أربع سنوات، وأنشأ بماله متحفا للفن على رابية تطل على المروج الخضراء، ثم ~~عين أستاذا في أوكسفورد، فأراد أن يقرن العلم بالعمل؛ فأقام فيها متحفا ووهب المدرسة ~~مالا، وتطوع طوال ثلاث عشرة سنة لعبادة الجمال، والتبشير به. # ولما أدخلوا في التدريس علم التشريح استقال؛ لأن التشريح في نظره بشاعة، فضلا عن قلة ~~فائدته، بدليل أن كثيرا من العلماء كانوا في غنى عنه، وأن النحاتين اليونان كانوا يجهلون ~~التشريح. # ولكن ما الفائدة من المجامع العلمية وما يقدم فيها من أمثلة للجمال ما دام العالم ~~مملوءا بالبشاعة، وما دام رجال القرى يتركون الأعمال التي تقوي عضلات الجسم، ويتزاحمون في ~~المدن لخدمة الآلة، وقد أصبحوا مثلها في أيدي رؤسائهم؟ ما الفائدة من المتاحف ما دامت أجمل ms20 ~~مناظر الطبيعة تتوارى خلف البنايات الحديثة والمصانع التي تخنق خضرة الدمن، وتسود ~~بالدخان وجه السماء؟ إن دخان المعامل كالبرص يأكل المباني ويهين المدن ويفسد المناظر. ~~البلد الغني بلد بشع، والآلة تحط من مقام الإنسان. # هو يريد أن تكون أراضي إنكلترا جميلة هادئة، لا ~~أدوات بخار ولا سكك حديد ولا أناس لا إرادة لهم ولا تفكير. هو لا يطلب الحرية، بل المساواة ~~في الخضوع للشرائع والقوانين، وإذا احتيج إلى التنقل من مكان إلى آخر فليكن ذلك براحة ~~وأمان، دون التعرض لأخطار السرعة وغير ذلك. هو يطلب كثيرا من الأزهار وكثيرا من الشعر ~~والموسيقى. # حلم من الأحلام ساوره أيام قامت ثورة الكومون في فرنسا، وأراد أن يحقق ما بشر به، فجاء ~~باللآلئ للمتاحف، وبالخبز للأكواخ، ودفعه حبه للزراعة إلى منح بعض أراضيه للشيوعيين؛ ~~ليجربوا آراءهم في استثمارها على شرط أن يحتفظوا بآرائه فيما يختص بجمال الأشياء، غير أن ~~التجربة لم تنجح، ولم تسفر إلا عن خلق بعض المقاهي وأندية اللهو. # لقد أراد هذا المجدد الرجعي أن يعود بعصره ~~القهقرى، بترك الآلة والبخار واعتماد اليد والمغزل، ونفس الإنسان الحي؛ فعم هذا العمل بين ~~النساء، وأصبح من العادات السائدة أن يهدى للعروس نسيج روسكين، واستغني عن الآلة أينما ~~أمكن أن يقوم العمل اليدوي مقامها؛ تمرينا وتقوية للعضلات. ولم يكن كبعض القسس الذين يعظون ~~الفقراء ويتنعمون بمآكل الأغنياء، بل أجرى على نفسه ما سنه من الخضوع لشرائع الجمال، وقام ~~بتجفيف الأراضي على ضفاف بحيرة كونيستون، غير آبه بالنفقات ليلهي الفلاحين عن المدينة، ~~وبنى جسرا صغيرا على البحيرة بمعونة بعض تلامذته، وتعلم النجارة والدهان؛ فهو من هذا ~~القبيل يشبه تولستوي الذي قال عنه: إنه من أعظم رجال العصر. # وأنشأ في البرية مكتبة جامعة كان يحمل إليها الكتب على ظهور البغال احتجاجا على المدينة ~~وسكك الحديد. وكانت بعض العائلات تقوم بترتيب هذه الكتب وإرسالها لمن يريد مطالعتها خدمة ~~له، وإعجابا به، فلا ناشر ولا وسيط، بل هي الأيدي نفسها التي كانت تنظم الكتب كانت تنسخها ~~وتكتب المقالات ms21 عن مذهب المعلم وتحفر له الرسوم. وكان يقول: في وسعي أن أربح من كتبي ما شئت ~~إذا رشوت النقاد في المجلات والجرائد، ودفعت نصف ما أربح للمكاتب ولمن يلصق الإعلانات، ~~وسايرت أسقف بتربوروف. # وقد أفلح في مشروعه؛ فإن كتابا من كتبه «المصابيح السبعة للبناء» ربح 75 ألف فرنك، ~~وكتابا آخر عنوانه «السمسم والزنابق» يباع منه كل عام 3 آلاف نسخة. # وكان المتحف الوطني لسنة 1845 فقيرا خاليا من التحف الثمينة، فرفع صوته مطالبا ~~بالعناية به، فأغناه بألواح من أشهر الفنانين مما لا تجده حتى في اللوفر. ولما ظهر كتابه ~~«حجارة فينيسيا» وكتابه الآخر «المصابيح السبعة» تغير البناء الإنكليزي واكتسب مسحة جديدة ~~جميلة. وفي سنة 1854 شهر الحرب على «سراي البلور» منتقدا هذا البناء القائم على الحديد ~~والزجاج وما يقتضي من النفقات، وطلب تأليف لجنة لحماية البناء الحجري؛ فكان له ما أراد. ~~وأدرك الناس ما في جانب هذا الرجل من الحق، وأن مناظر الطبيعة منبع غنى، فأصبحوا إذا ~~أرادوا مد سكة حديد في مكان ما يستعينون برأي أصحاب الفن، فلا يقدمون على تشويه جمال تلك ~~البقعة. ولم تلق دعايته للألبسة القديمة والأعياد الرمزية آذانا صماء. والغريب أن الذي ~~يمر اليوم بمدرسة البنات في «شلسا» أول أيار يرى المعبد والدار مزدانة بالأزهار مهداة من كل ~~أنحاء إنكلترا. فتنتخب الطالبات ملكة أيار من بينهن فتمر تحت قبة من الأغصان المتعانقة، ~~ووراءها ملكة العام الماضي، ثم تعتلي العرش بين صفين، وتمر الطالبات من أمامها يتقبلن ~~الهدايا من يديها، وكلها مؤلفات روسكين. ~~••• # لم يفهم الناس روسكين فرموه بالتعصب والكبرياء والتناقض، وجعلوا إخلاصه استبدادا، وكرمه ~~الحاتمي محبة ذات؛ ذلك لأنه كان صريحا إلى أبعد حدود الصراحة، لا يبالي برضاء الناس أو ~~غضبهم. قال له أحدهم يوما: إني معجب بما تكتب، فأجابه: وما يهمني إعجابك، أتراك استفدت ~~شيئا مما أكتب؟ وجاءه وفد من طلاب غلاسكو يرشحونه لرئاسة جمعيتهم فسألوه: هل هو مع ~~دزرائيلي أو غلادستون؟ فأجابهم: وماذا يهمكم دزرائيلي أو غلادستون؟ أنتم طلاب علم، وما ~~عليكم أن ms22 تهتموا بالسياسة أكثر من اهتمامكم بمطاردة الفئران، ولو أنكم قرأتم عشرة أسطر لي ~~لأدركتم أنني لا أسأل عن غلادستون أو دزرائيلي، ولكني أكره التحزب السياسي كرهي للشيطان. ~~وأنا، مع كارليل، لله وللملك. # ولم يسلم هو نفسه من نقداته اللاذعة، وكم رجع عن خطأ سابق! وكان صارما في انتقاده كتبه. ~~وكان إنسانيا بكل ما في هذه الكلمة من معاني الإنسانية؛ فساعد الفقير والعامل، وبدد ثروته ~~البالغة خمسة ملايين في جواهر للمتاحف وخبز للأكواخ. # وكان إلى ذلك خطيبا ساحرا. انظر إليه وهو يصعد إلى المنبر في أوكسفورد وقد ضاق النادي ~~بالحاضرين وهجر التلامذة صفوفهم ليسمعوا، وامتلأت النوافذ والشرفات، وتعذر إقفال الأبواب ~~لازدحام الناس، والنساء كالرجال عددا، وبينهن أمريكانيات عبرن الأطلسي لسماع ذاك الذي ~~يسميه كارليل «روسكين الأثيري». وما كاد يطل عليهم حتى علا الهتاف من كل جانب، ووقف الناس ~~على رءوس أرجلهم ليروا تلك القامة المديدة، والشعر الطويل، والعينين المتغيرتين كالأمواج، ~~والفم المتحرك كالقوس عندما ينطلق عنه السهم، والسحنة الجامعة في ملامحها بين الحماسة ~~والهزء والتأمل، حتى إذا أنصت القوم حياهم بابتسامة، وأخرج بين يديه أشياء مختلفة من ~~حجارة ومعادن وصور ونقود وما شاكل، يستشهد بها في عرض حديثه، ثم يبدأ بالكلام بهدوء كأنه قس ~~يتلو صفحة من التوراة، ويرتفع صوته شيئا فشيئا فيترك أوراقه جانبا، ويجيل بصره في ~~الجمهور وقد ملك عليهم مشاعرهم. # وكان محاميا فصار نبيا. أغريزة أم علم أم دهاء أم عبقرية؟ لا يعرفون، ولكنهم يصغون ~~إليه وقد طرحوا الورق والقلم، وأعرضوا عن تدوين ما يسمعون، ومشوا وراءه في الطريق الملتوية ~~التي يقودهم فيها، وفي كل منعطف واد جديد وأفق جديد. وما هي إلا لحظات وإذا بهم يرتفعون ~~معه ارتفاعا مستمرا حتى يصلوا إلى القمة التي تشرف على العالم. # هذا الساحر العظيم كانت له أسطورته كالأبطال. يقال: إنه دخل يوما مخزن مجوهرات فعرفه ~~البائع، فأقبل عليه يعرض كل ما عنده من الحجارة الكريمة، طالبا إليه أن يكشف عن أسرارها، ~~وتألبت من حوله فتيات المحل والسيدات الشاريات، فوقف بينهن وتكلم، ms23 تكلم بعلم الزعنفة الذي ~~يسلب الأمواج درها، وسحر الجنية التي تحرس الدر: هذا الياقوت الأحمر وردة فارسية، لون الفرح ~~والحب والحياة على الأرض، الزهرة التي استخدم برعمها لإناء العطر الذي سكبت منه المجدلية ~~على قدمي المخلص، وهذا اللازورد مثل الفرح والحب في السماء، لا تفرق عن الياقوت إلا بلونها ~~الأزرق، وهذه اللؤلؤة خضوع الضياء، رمز الصبر، لون الحمامة التي تبشر بتراجع المياه، ~~والمرغريت زهرة اللؤلؤ، والأقحوان رمز التواضع، ولكنها غالية الثمن؛ لأن التواضع يفتح أبواب ~~الفردوس المطعمة جدرانه بالزبرجد. # وقص عليهن ولادة هذه الأحجار في أعماق الأرض والبحار، ثم التفت إليهن يقول ما معناه: ~~«هل من المعقول أن نحب هذه الحجارة ونكرمها؟ نعم، على شرط أن تكون هي التي نحب لا ذواتنا. ~~إن عبادة الحجر الأسود الهابط من السماء لا تبعد كثيرا عن الحكمة التي هي عبادة السماء ~~نفسها. وليس من الجنون أن نفكر في أن الحجارة ترى، بل الجنون إذا فكرنا أن العيون لا ترى. ~~ليس من الجنون أن نفكر أن اليوم الذي تجمع فيه الجواهر تكون حجر الزاوية لجدران الهيكل، ~~ولكن من الجنون أن نظن أن يوم انهيار الهيكل تذهب الأرواح هباء ولا تبقى روحانية ما فوق ~~الأنقاض.» ~~«نعم، أيتها السيدات الجميلات، أحببن الجواهر واعتنين بها، ولكن أحببن نفوسكن أكثر، ~~واعتنين بها ليوم يجمع السيد جواهره.» # وكانت السيدات يصغين بخشوع ووهن إلى هذه الأقوال التي لم يسمعنها من أفواه من يرقص معهن ~~في ساعات اللهو والسرور. # هكذا تريد الأسطورة أن يلقي المعلم تعاليمه لا في المدارس والمعاهد فقط، بل على الطرق ~~أيضا. # إن فضل روسكين أنه أيقظ الأفكار، ولفت نحو الجماعات أنظار الأدباء والفنانين، وساعد ~~بتعاليمه في أوكسفورد على نشر الفلسفة والفن؛ لأنه لا يكفي أن يكون في الناس فنانون، بل يجب ~~أن يوجد من يتذوقهم ويقرأهم ويشجعهم. وكان بعد كارليل أول من نادى بالإخاء ومساعدة العمال ~~بوضع حد أدنى للأجرة، والضمان ضد البطالة. وهو مع ذلك عدو الاشتراكية، ويعتبر المساواة ~~وهما؛ لأن دونها أهوال المطامع التي لا ms24 تحد، والكبرياء التي لا ترد. # غير أن أتباعه ومريديه توسعوا في تفسير أفكاره، حتى إن بعض النساء نشرن جريدة فوضوية ~~بعنوان «المشعل»، ولكن هذا المشعل ما عتم أن انطفأ في الضباب اللندني؛ لأن الفكرة الواقعية ~~غالبة في الإنكليز. وهذا وليم موريس الشاعر المزوق مات مؤخرا عن نصف مليون من الجنيهات ~~تركها لورثته الأقربين دون أن يستفيد منها أحد من العامة. # لقد نظر روسكين إلى الطبيعة بعاطفة محب للفن مؤمن به، فلم ير منها سوى مظاهرها الغرارة. ~~وإن الإنسان، عندما يفكر بهذه المأساة الأزلية الغامضة الأسرار التي تمر بنا على مسرح ~~الحياة، وهذه الحرب الدائمة التي لا هوادة فيها ونتيجتها أبدا انتصار القوي وانهزام الضعف، ~~وهذه المذبحة التي تولد وتموت فيها مواكب الناس بعد تهاويل الحياة وشقاء التقلبات، لأميل ~~إلى تشاؤم دارون الطبيعي منه إلى تفاؤل روسكين السماوي. إن دارون وروسكين على طرفي نقيض ~~في فهم الإنسان والطبيعة؛ ولهذا كان روسكين يكره دارون. # إن عبادة الجمال طريق لعبادة الله، وهذه النظرة إلى الجمال كانت تلائم - كما يقول تين - ~~إنكليز ذلك العهد المحافظين المتزمتين، فكان روسكين يشعر بالحنين إلى العصور الماضية، عصور ~~الحرارة والإيمان، ويثني على معابد الطراز القوطي في فرنسا وإنكلترا؛ لأنها تمثل تلك ~~العصور، وكان يعجب بالقدامى من أهل الفن؛ لطهارة الشعور فيهم. وفي رأيه أن التقهقر في الفن ~~بدأ من عهد رفائيل؛ فقد كان الفن من قبل وسيلة لإظهار الدين، فصار الدين وسيلة لإظهار الفن. ~~وبلغ به التعصب في هذا الباب أنه لو استطاع لأحرق جميع النساء العاريات لروبنسن وجوردانس؛ ~~ولهذا سماه بعضهم «توركمادا جمال». # ويطول بي الشرح لو أردت تعداد كل ما فكر به روسكين أو قاله أو عمله. ومن عادة الناس أن ~~يستهزئوا بالخارجين على التقاليد والعادات، وينعتوهم بالمتهوسين، غير أن ذلك لا يمنعهم ~~غالبا من أن يتبعوهم مأخوذين بحرارة القلب والإيمان والكلام، وعلى هذا الوجه قاد روسكين ~~الرأي العام. وفي هذيانه الشعري المبعثر في ثمانين مجلدا كان يشعر بأخطار الحالة ~~الاجتماعية، ويرى ما في حرب الطبقات ms25 والديمقراطية من الأسباب المؤذنة بانهيار المدنية. ~~وجاءت ثورة الكومون في باريس وحرق باريس بعد الحصار «وقد ساهم بسخاء في إنعاشها» فثبتت ~~روسكين في مخاوفه، على أن تفاؤله السماوي لم يفارقه يوما؛ ولهذا ظل رسول ألفة وسلام بين ~~الطبقات. ~~••• # هكذا كان حب الطبيعة الألف والياء في حياة روسكين، فظهرت آثاره في قسمات وجهه، وتجعدات ~~جبينه، وأملى عليه كل حرف من كلماته، ووجه كل خطوة من خطواته، وأجرى كل معين من أفكاره. ~~وكان له النور الذي يضيء، والنار التي تعطي الحرارة وتطهر؛ فأقصاه عن صغائر البغضاء وعن ~~عذاب الحب، وأطلقه في ميادين الأبحاث العلمية؛ لأن العلم وحده يساعد على الدخول على الطبيعة ~~في هيكل أسرارها. # ولا عجب إذا اعتبره الناس رجل أسطورة وهو الذي حارب وحده عالما بأسره، لا من أجل الحقيقة ~~التي لها أنبياؤها، ولا من أجل العدالة التي لها رسلها، ولا من أجل الدين الذي له شهداؤه، ~~بل من أجل ما هو فوق هذه الأشياء، وربما اجتمعت كلها فيه: الجمال. # | نيتشه # دين القوة # لقد شبه بعضهم المذاهب الفلسفية بالأزياء العصرية، وهذا التشبيه على ما فيه من قلة ~~الاحترام إذا قابلنا بين الهدف الأسمى الذي ترمي إليه الفلسفة، وهي الحقائق الخالدة، وما ~~تمثل الأزياء من أباطيل العالم الزائلة، لا يخلو من الحقيقة؛ لأننا نرى الفلسفة تتبدل ~~كالثياب والقبعات وربطات العنق؛ ذلك لأن الإنسان مطبوع على حب الجديد والرغبة في التنقل، ~~فترى كل جيل يسعى إلى معارضة الجيل السابق، وكل فرد يحاول أن يتخذ مكانه تحت الشمس، فينكر ~~أقوال من تقدمه، ويثور على أفكار السلف وعاداته وأذواقه، منزلا عن العروش آلهتها ~~ليقيم بدلا منها هياكل أخرى. # بالأمس جاء شوبنهور فصور الحياة في أسوأ مظاهرها، وأشدها ظلاما، وأبعدها يأسا، وطلع ~~علينا تولستوي يحمل غصن الزيتون، ويبشر بديانة الإنسانية المتألمة، وهي كلمات كانت لها ~~روعتها عندما قيلت للمرة الأولى، صادرة عن ضمير حي واحترام صادق. أما اليوم فقد أصبحت ~~تردد على كل لسان بحكم العادة دون إخلاص أو اقتناع. وبعد شوبنهور وتولستوي لفت أنظار ms26 ~~الناس في العالم القديم والجديد تعاليم سترنر ونيتشه، وهي تناقض كل المناقضة ما ألفوه. ~~ولقد كان المعروف عن الفلسفة أنها محبة الحكمة، فجاء سترنر ونيتشه يجردان الحكمة من ~~الآداب والأخلاق. وبينما الناس تردد مع الشاعر العربي: # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا # نسمع صوتا جديدا يقول: «إن الآداب فكرة حمقاء، وإن الشعب المتعلق بأخلاقه قاصر العقل، ~~قليل الإبداع، عاجز عن الرقي، وإن الشهوات وحب التمتع بالملاذ دون الرجوع إلى نداء الضمير ~~أو الشعور بوخزاته هي التربة الصالحة التي تنمو فيها أنصع زهرات الفكر.» وقد جاءت هذه ~~الفلسفة مطابقة لأميال الكثيرين، فصادفت مرعى خصبا في نفوسهم، وسرت حركة جديدة ضد ~~الدين وضد الآداب وضد الاجتماع. ولكي نفهم حقيقة فلسفة نيتشه علينا أن نتكلم أولا عن ~~سترنر، وسترنر يرجع بنا إلى فيلسوف ألماني آخر سبقه في هذه الطريق هو هجل. كان هجل يقول: لا ~~يوجد دين بل أديان، لا يوجد مبادئ بل وقائع، لا يوجد آداب بل عادات. # فتلقى تلاميذه هذا الكلام كسيف ذي حدين وتمادوا في استعماله، هادمين التقاليد الكنسية ~~والعقائد الدينية. وبعد أن كان الإنسان ظل الله على الأرض صار الله ظل الإنسان في السماء. ~~حينئذ ظهر سترنر فحطم صنم الإنسانية وبدل منه عبادة الأنانية المطلقة في كتابه «الوحيد ~~وملكه»، ثم جاء نيتشه فحصر هذه الأنانية في الإنسان الأسمى؛ أي السوبر مان. # وقد حاول سترنر، بمنطق لا يخلو من الأناقة في التعبير، أن يبرهن أن ما نسميه إنسانية غير ~~موجود، وأنه ليس على المرء أن يخضع لما هو خارج عنه، سواء أكان إلهيا أم بشريا، وأنه ~~لا حقوق إلا حقوق الفرد، وأن ما ألفناه واتخذناه كآيات منزلية، مثل الأدب والفضيلة وعظمة ~~الشعب وما شاكل فكرة فرضت علينا وأشربتها نفوسنا، فصارت شغلنا الشاغل كالفكرة الراسخة ~~في ذهن المجانين. وأي فرق بين مجنون يظن نفسه إمبراطورا أو إلها، ورجل من الناس يتصور أنه ~~وجد على الأرض ليلبي دعوة ربه، فيكون مؤمنا أو وطنيا أو ذا فضيلة. # هذه الفكرة ms27 الراسخة التي تحمل الإنسان على احترام الحكومة أو المعبد أو المجتمع هي في نظر ~~سترنر عفريت يمتص دم الحياة، ولا يكون الإنسان حرا إلا إذا أنكرها وطردها من رأسه، وأبى ~~الخضوع لها، وحريته لا تكون حقيقية إلا إذا استخدمها من أجل ذاته، وجعل من «أنا» الألف ~~والياء؛ أي بداية كل شيء ونهايته، حتى إذا ما قطع كل الصلات الاجتماعية أمكنه أن يقول كما ~~قالت إحدى بطلات كورنيل، عندما سئلت بعد قتلها أولادها: ماذا يبقى لك؟ فأجابت: يبقى أنا، ~~أنا وحسبي. ~~«أنا» أي محبة الذات في أقصى حدودها، وأسمى ذرواتها، وكل عوامل الأدب والأخلاق التي شغلت ~~البشرية، وضغطت عليها طوال العصور ليست إلا أوهاما، وباسم هذه الأوهام كان الحكام ~~والزعماء والمربون يسيطرون على العقول، ويصرفون أمور الناس كما يفعل مروضو الدببة، ~~فيرقصونها ويقفزونها على نغم المزمار؛ فإذا تحررت «أنا» فقد تخلصت من القفز ~~والرقص. # إن سترنر لا ينكر الشعائر الإنسانية، ولكنه ~~يجردها من صفة الواجب. اسمعه يقول: «أنا لا أعرف قانونا. أحب الإنسان لأن ذلك يروق لي، ~~أما أن أضحي نفسي له فتلك فكرة لا تخطر في رأسي أبدا. أحبه لأني بالحب أستطيع الوصول إلى ~~ما أريد، والعشق نفسه إذا قبلت بحكمه وتركت لسهام الألحاظ سبيلا إلى قلبي؛ فلأن ذلك ضرب ~~من حب الذات. إني أشفق على كل ذي إحساس فأتألم لألمه وأفرح لسروره؛ فأنا قادر على قتله ~~براحة ضمير، ولكن لا على تعذيبه. أنا لا أتعلق بشيء، وغاية ما أطلب أن أعيش لنفسي وأتمتع ~~بما أريد كما أريد. كل ما يمكنني الاستيلاء عليه هو ملكي، وكل الوسائل حلال في هذه ~~السبيل: الإقناع والرجاء، والإكرام والكذب، والخداع والرياء. القوة وحدها تخلق الحق. ماذا ~~تهمني مصلحة الآخرين؟ فمصلحتي أريد، والحرية لا تكون إلا بمحبة الذات.» # اسمعه يقول أيضا: «إذا رأى الكلب كلبا آخر يتلهى بعظمة ولم يهجم عليه لينتزعها منه؛ ~~فلأنه شاعر بعجزه عن ذلك. أما الإنسان فيحترم حق سواه بعظمة، وهذا ما يقال له: ~~الإنسانية، وإذا اعتدى عليه نسبوه إلى التوحش ms28 وحب الذات. دعوني من حديث العدالة والخير ~~العام. إن حب الذات وحده قائدي ودليلي، وهو يقول لي: استول على ما أنت في حاجة ~~إليه.» # هكذا ينكر سترنر الواجبات الاجتماعية ولا يعترف ~~إلا بالمصلحة الذاتية. واليوم ما أكثر الذين ينفرون من هذه التعاليم ويستفظعونها في الظاهر، ~~وإذا خلوا إلى أنفسهم قالوا: إنا معك يا سترنر! وهل كان أكثر المحتكرين والمضاربين ~~الذين يمتصون دماء الفقير إلا من هذه الطبقة؟ لقد أقام سترنر سلطان الأنانية على أنقاض كل ~~سلطة إلهية أو بشرية. وما نيرون عند حرقه روما بتلذذ، وما لويس الرابع عشر عندما صاح: ~~«المملكة أنا» إلا كالبعوض إزاء هذا المعلم في إحدى مدارس برلين، الذي ينادي من كوخه ~~الحقير: الكون أنا. # لا حاجة بي إلى نقد مزاعم هذا الفيلسوف، فإذا كان ~~أساسها حب الذات فلا أحد ينكر أن حب الذات أساس الاجتماع، وما خرج الإنسان من ظلمة ~~الوحشية وارتقى في سلم العمران إلا على ضوء هذه العاطفة. فحب الذات شرعة طبيعية، بل هو ~~الشرعة الأولى: وجودها واجب ونافع، على شرط أن لا تتجاوز حدود الاعتدال والحكمة فتفسد ~~وينقلب نفعها إلى ضرر؛ لأنه - كما يقول برونيتيار - لا حق لأحد أن يدعي السلطة الكاملة على ~~ما يعمله أو يفكر به؛ لأنه لا أحد يختص بنفسه دون المجتمع؛ فهو مدين له في الماضي، ومحتاج ~~إليه في الحاضر. ينسى سترنر أن لحياة البشر شرائع طبيعية، وأن الممالك لم تقم على فكرة ~~راسخة كما يدعي، بل على غريزة البقاء؛ فالإنسان حيوان اجتماعي لا يستطيع أن يعيش وحيدا، بل ~~عليه أن يرضي محبة ذاته، ويرضي محبة ذات الآخرين. # ولو أراد الواحد منا أن يحقق ادعاءات سترنر لعارضته الوقائع، ووقفت الحقائق سدا في ~~وجهه. ولو أراد سترنر نفسه الذي كان رجلا هادئا مسالما أن يجرب بالعمل ما يقول ~~لمنعته شرطة برلين وأعادته إلى الحقيقة والواقع. فتعاليم سترنر ليست شيئا في نظر ~~الفيلسوف، ولكن لها أهميتها في نظر المؤرخ؛ لأنه لم يكن بين الذين حاولوا هدم العرش ~~والهيكل. ومن أتباع ms29 هجل من استطاع مثله أن يحتج أبلغ احتجاج على النظام القهري الخانق الذي ~~كانت عليه بروسيا في منتصف القرن الماضي. وما ذكرت هنا آراءه إلا لأنها - كما قلت - تساعدنا ~~على فهم نيتشه وتفسير مذهبه. ~~••• # لم أجد كاتبا حطم بمعول فلسفته أصنام العقائد، وأنزل الآلهة عن عروشها لينتصب ~~مكانها إلها في عقول الناس مثل نيتشه. ولا أدري أكان الجنون الذي انتهى إليه فأوقف حركة ~~عقله قبل أن تقف حركة جسده نتيجة هذا الإجهاد والجهاد، مع ما عرف عنه من إفراطه في استعمال ~~المخدرات، وغرامه الشديد بالموسيقى، أم هي ضربة لازب لما بين العبقرية والجنون من النسب ~~المزعوم؟ على كل حال فإن غرابة أطواره، وميله إلى الوحدة، وغضبه الدائم على معاصريه من ~~حملة الأقلام، وكبرياءه الفائقة أمور تحمل على الشك في أنه كان موفور الصحة خاليا من ~~شائبة المرض. # وفضلا عن ذلك فهناك تناقض تام بين الرجل والمؤلف؛ فإن دعة أخلاقه، ولطف معشره، وتعلق ~~تلاميذه به، وحب النساء له، على الرغم مما كان يكيل لهن من الشتائم في كتاباته، لا يتفق ~~مع ثورة الفكر والقلم التي صفع بها جميع المبادئ القائم عليها نظام الاجتماع. لقد كان ~~نيتشه أعدى عدو لهذا الاجتماع المملوء نفاقا، كما كان جاك روسو من قبله. وكما نادى روسو ~~بالعودة إلى الطبيعة والسليقة نادى بها هو أيضا، مع هذا الفرق بين الاثنين: أن روسو كان من ~~عامة الشعب في عالم أرستقراطي، ونيتشه أرستقراطي الروح إلى أبعد حد في عالم أخذت ~~الديمقراطية التي تنبأ عنها روسو تتحقق فيه. # لقد استولى على عرش كبريائه، ومن ذروة هذا العرش ~~أرسل حكمه على البشر، فقسم الناس إلى فئتين، وجعل بينهما هاوية سحيقة؛ فئة النبلاء، وهم ~~القلة، ولا يعني بالنبلاء تلك الطبقة المعروفة بقدم العهد أو الألقاب أو غير ذلك من ~~الامتيازات، بل أصحاب الإرادة والعمل والأطماع، الذين خلقوا للإمارة والحكم والإبداع، ~~وفئة القطيع البشري الكثير العدد، أسير العبودية، عبودية التقاليد والحقد والحسد والبغضاء ~~لكل سابق أو متفوق. كل ما هو سام وعظيم في ms30 العلم لا يصدر في اعتقاده إلا عن هذه الفئة ~~القليلة من الأشراف. وبالعكس، إذا كان السلطان للعبيد فإن أعمالهم لا تأتي بغير السافل ~~والدنيء، كما في الديمقراطيات حيث تغلب الكمية على الكيفية ويتحكم النعاج ~~بالأسود. # فالمذهب الأرستقراطي، مذهب نيتشه، يزعم أن الرقي يقوم على تنازع الطبقات أكثر منه على ~~تنازع البقاء؛ أي بفوز الرجال العظام قادة الشعوب الذين يسكبون في عروق الأمم دما جديدا، ~~وإذن فتكون غاية الإنسانية إنتاج رجال عظام وتضحية الجماهير في سبيلهم. والمذهب الديمقراطي، ~~وهو مذهب تولستوي، أيضا يقول: إن الذي يكتب التاريخ هم الجماعات، وأما تلك القلة التي ~~تدعي الزعامة فضررها أكثر من نفعها؛ وعليه فغاية الإنسانية تضحية الفرد للجماعة لا الجماعة ~~للفرد. ومعنى ذلك سلطة الشعب والتصويت العام فالاشتراكية. وبما أن الرقي عمل اجتماعي؛ فلا ~~يجوز حصر فوائده في الأقلية، بل يجب أن يتمتع بها جميع الناس. # إن نيتشه لا يعترف بشرعة أدبية واحدة للبشر، بل عنده أدبان، أدب للجبابرة وأدب للأقزام، ~~أدب للسادة وأدب للعبيد؛ فالرحمة والإحسان والأمر بالمعروف وحب القريب وسائر الفضائل التي ~~تتغنى بها الجماعات شر في عرفه، ولا صلاح ولا فضيلة إلا في القوة والشدة والتحكم، تلك هي ~~صفات الأشراف أو علية القوم التي لا تعرف من الواجبات إلا إطلاق العنان لغرائزها، فتكون ~~حليتها حب الذات، والتجرد عن كل ما يسميه عامة الناس أدبا. # اسمعه يقول: «محبة الذات لا تختص إلا بمن كان شريف الروح؛ أي ذاك الذي عنده إيمان لا ~~يتزعزع بأنه فوق الناس، وله يجب أن تخضع وتضحي سائر الناس، فهو خارج عن نطاق الخير ~~والشر.» # فالرجل الأسمى أو السوبرمان هو الذي لا دين له ولا وطن ولا أسرة، ولا قيمة للشرائع ~~الأدبية عنده إلا بقدر ما تسمح له أن يكون السيد المطاع. # هذه المبادئ الغريبة التي تمتاز بها تعاليم نيتشه تكاد تكون فطرية فيه، فقد شهد الحرب ~~على العرش والهيكل وهو في الثالثة عشرة من عمره؛ فلم يجد في النصرانية إلا دين رق ~~واستعباد؛ لأنها بتعظيمها الزهد والرحمة ms31 والوداعة ونكران الذات قد جزت أشرف غرائز ~~الإنسان، وبدلت منها فضائل كاذبة، وحولت العالم إلى مستشفى كبير ليس فيه سوى مرضى ~~وممرضين، مع أن الواجب الأول على الإنسان أن يكون صحيح الجسم. # ولم يكن عداؤه للحكم الديمقراطي بأقل من عدائه للكنيسة؛ فهو يرى في الحكومات ويلا على ~~المدنية، إلا إذا استلم مقاليدها رجل ظالم، وبسط دكتاتوريته عليها. # ولا يكفي الانعتاق من نير الدين والحكم ليستحق الرجل الأسمى هذا اللقب، بل عليه ~~التخلص من نير المرأة أيضا. إن دليلة المحتالة تقلق بال نيتشه؛ ولهذا فهو يحتقر ~~الزواج ويفضل أن تعامل المرأة على الطريقة الشرقية - كذا يقول - فلا يطلب من هذا ~~الجنس الخائن الذي يخفي براثنه تحت قفاز مخملي سوى اللذة والنسل الجميل. ~~وأبغض النساء إليه المترجلات اللائي يطمعن بالتصدر في المجالس، ويدعين البطولة ~~كمدام تيل، ومدام رولاند، وجورج ساند. # وهو لا يحترم من المفكرين والكتاب إلا من عرف أن يصور حياة عصره، مثل ميكافيلي ~~وستاندال ودستوبوفسكي. أما الفلاسفة وعلماء النظريات فلا مقام لهم عنده؛ فينسب الخمول ~~لدارون والرياء إلى «كانت» والتسميم إلى «سبينوزا». # ويعجب بعصر الوحشية والقوة، ومن هذا الإعجاب يستقي كرهه للعصر الحاضر، عصر الكسل ~~والرفاهة، وعصر التقهقر الأدبي والفسيولوجي الذي يسمح للضعفاء بالحياة والتوالد، مما يؤدي ~~إلى إضعاف النسل. # أما ناموس القوة الذي بشر به فقد قدمه إلى الناس في كتاب جعله إنجيل أو توراة ~~الجبابرة: هكذا تكلم زرادشت. # فهذا الكتاب الغريب الذي هو شبه توراة للجبابرة استعار فيه الإله زرادشت ليلقننا ~~شرعة الأقوياء، ويقربنا من حقيقة الإنسان المتفوق على الإنسانية. ولا أحاول إلا جولة ~~صغيرة في هذا الكتاب الضخم المتشعب المسالك، الغامض الأبحاث، الكثير الرموز؛ لتلخيص ما ~~يرمي إليه من تحقيق هذه الفكرة الهائلة السامية، التي ترفع الأنانية إلى درجة التقديس، ~~فيبز فيها سترنر ومن كتب قبل سترنر هذا في الموضوع هادما من أجلهم المبادئ الأدبية، ~~محطما ألواح الوصايا التي تدير نظام الاجتماع، جاعلا الخير غير الخير، والشر غير ~~الشر، مبيحا السرقة، مشجعا على القسوة، منكرا صحة كل ms32 شيء، معترفا بجواز كل شيء ~~ما خلا الضعف، مهما يكن في هذا الضعف من بوادر الصلاح أو الفساد. # على أنه إذا جردنا زرادشت من حلته الشرقية، وأخرجناه من جمال الإطار الذي يخلعه عليه ~~البحر والجبل، وذاك الخيال الشعري البعيد المدى، لم نجد في هذه التعاليم ما يبدو للوهلة ~~الأولى من جدتها وغرابتها، بل ظهرت لنا في حلة مستعارة، وسمعنا من خلالها صدى أصوات فلاسفة ~~آخرين، من أفلاطون الذي كان يريد في جمهوريته طبقة من الأشراف أبطال الحروب، إلى ميكافيلي ~~الذي يرى في الديانة الوثنية تمجيدا للعظمة والهيبة والقوة، إلى دي ميستر الذي ينادي ~~بالدم وضرورة الحروب للإتيان بعظيم الأعمال. وقديما قال الشاعر العربي: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # وهذه القسوة الفائقة التي يبشر بها نيتشه، وهذه الثورة على العادات والتقاليد والآداب ~~الاجتماعية التي ينادي بها نجدها تحت أقلام الكثيرين من الكتاب والشعراء، كشلر، وبيرون، ~~وبلزاك، وستاندال، ولكن أحق الناس بأن يكون مصدر وحيه هو شوبنهور. غير أن شوبنهور يتفوق ~~عليه عند الاستنتاج؛ إذ يلجأ إلى الزهد ملقيا نفسه في أحضان النرفانا نظير بوذا، وما ~~النرفانا سوى الغيبوبة عن هذا العالم في سبيل الخلاص الأبدي؟ # إن ما يمتاز به كتاب نيتشه هو جمعه بين النقائض؛ ليجذب إليه الناس ويبعدهم عنه في آن ~~واحد، يجذبهم إليه بما فيه من كراهة الكذب والنفاق، ومحاربة ضعفاء العزيمة والإرادة، ~~والإلحاح في استعمال الشدة والقسوة نحو ذاتنا ونحو سوانا؛ فهو يتطلب جيلا قويا ونسلا ~~جميلا، ولا يرى للحياة معنى إن لم يتفجر من صخرتها العمل العظيم والإبداع، فيخال لنا في ~~حالة الوهن والاضطراب التي تتخبط فيها الإنسانية اليوم أن نيتشه يحمل في نفسه آلام الحاضر ~~كما يحمل آمال المستقبل. وهذا ما حببه إلى الناشئة الطماحة، وجعله عظيما في عيونها. ~~ويدفعنا عنه بما يحاول من فصل الإنسان عن الإنسان، وتقديسه الكبرياء والشر واحتقار الآخرين ~~وحب الذات في أقصى حدوده. # ولقد شبهوا فلسفة نيتشه بالسم الذي يفيد إذا أخذ جرعات صغيرة؛ فقد ms33 يكون فيها علاج ~~لداء العصر المتفشي، من يأس وسوداء وملل من الحياة. أليس هو القائل: «يجب أن نستيقظ كل ~~صباح وفينا من الإرادة فوق ما لنا بالأمس، علينا أن نعرف العالم كي نحاربه، فلنحب الحقيقة ~~وما فيها من شناعة وخبث رائحة ومصاعب وأخطار، ولنخلع عنا اليأس، ولنقصر الشكوى والأنين، ~~ولنقو على إخفاء الألم، ولنهرب من الشفقة كما نهرب من العار، ولنجعل قلوبنا قاسية قساوة ~~الماس؟» غير أن هذا العلاج لم يشف داء العصر المستحكم، بل بدل مركز الثقل فيه وحول ضعف ~~الشبان وبأسهم إلى صلف وغرور، وربما دفع البعض إلى ارتكاب الآثام. على أن نيتشه ينكر ~~هؤلاء التلاميذ في ضلالهم، بل يأبى أن يكون له أتباع؛ لأن الأتباع يدخلون في عداد القطيع، ~~أي العبيد، وعلى كل فرد أن يستقل في نظره وخبرته فيفهم العالم كما يريد. # لقد أراد نيتشه أن ينظم قصيدة الشدة والبطولة فجاءت أبياتها ملأى بالنقائض، ومن خلال ~~آياته وحكمه وأناشيده وصوره كانت طريقه كثيرة الالتواء والمنعرجات؛ فهو ينهى عن الرحمة ~~ويأمر بها، ويمنع الألم ويمتدح مزاياه، لا يكره الكتاب المقدس لما فيه من العطف على ~~الضعفاء، ويعجب به لما فيه من حب الانتقام: «عين بعين وسن بسن.» هذا من آداب ~~السادة. وأما «من يلطمك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر.» فهو من أدب العبيد. وينكر ~~الصداقة على المرأة، ويشبهها بالهر ويتخذها صديقة له، ويوصي بالحب لتحسين النسل، ~~ويطلب جلد المرأة بالسياط. ينهى عن الواجب ويأمر بالطاعة، فيحمل على الحكومات حملة شعواء ~~لأنها تخدم الفضوليين الدخلاء على الحياة، ثم يقول: «أكرم السلطة ولو كانت عرجاء.» إلى آخر ~~ما هنالك من الوصايا المتناقضة الجائرة بين معناها الظاهر ومعناها الخفي. # وجملة القول: إن نيتشه يحملنا على إجهاد الفكر، ويمشي بنا على شفير الهاوية، أو فوق قمم ~~خطرة، فلا يطبق القارئ كتابه إلا وقد أصابه دوار، وصار كمن يتلمس طريقه للهبوط من هذا ~~العلو الشاهق إلى صعيد الحياة. # هذا هو نيتشه رسول القوة. لقد كان في حياته شاعرا مغرما بالموسيقى وبنات ms34 الأفكار ~~والأناقة الأرستقراطية، وكان لطيف المعشر محبوبا، رقيق الشعور ، شديد الإحساس، ولكنه كثير ~~الأحلام؛ فجاءت فلسفته نتيجة لأحلامه وخياله أكثر منها نتيجة لأخلاقه، حتى انتهت به إلى ~~الجنون. والغريب أن جنونه كان مبنيا على هذيان الاضطهاد والعظمة؛ فظن نفسه لا زرادشت بل ~~المسيح على الجلجلة. هذا الإله الذي حاربه لأنه إله المستعبدين أصبح غاية مناه وأقصى ~~مشتهاه، وربما كان ذلك يقظة الغيبوبة بالعودة إلى إيمانه القديم؛ لأن والد نيتشه كان ~~قسيسا. # | تولستوي # دين الرحمة # عندما شن الألمان هجومهم الأول على روسيا وتغلغلوا في أراضيها شطر موسكو، مروا في ~~طريقهم ببلدة تولستوي، فأمعنوا فيها تخريبا وبددوا ما في خزائنها من كتب هذا الفيلسوف ~~وآثاره، كأنما هم أرادوا فيما نهبوا وأحرقوا أن يصبوا جام انتقامهم على تلك القرية التي ~~أخرجت أكبر عدو لمبادئهم؛ فقد كان تولستوي رسول السلام وهم دعاة الحرب، ينادي بالمساواة ~~وهم ينكرونها، ويعارض الخدمة العسكرية وهم يقدسونها. # وليس حب السلم والدعوة إلى المساواة أصل الشهرة التي أحرزها تولستوي؛ فإن هذه التعاليم ~~السامية قد سبق إليها، وقديما ردد صداها العالم القديم بما نقله لنا التاريخ من أقوال ~~كونفوشيوس، فيلسوف الصين: «انس الإساءة ولا تنس الإحسان.» أو «تصرف مع الآخرين كما ~~تريد أن يتصرفوا معك.» إن شهرة تولستوي ترجع إلى أمرين: الأول معارضته الإنجيل الذي يدين ~~به، فتراه من جانب يعلم مثله حب القريب والعفو والتسامح، والبعد عن الإكراه والشدة، ~~ويتقيد بذلك الأدب الذي سماه نيتشه أدب العبيد؛ أي من لطمك على خدك الأيمن فأدر له ~~الأيسر، ومن جانب آخر ينكر الخطيئة الأولى كما ينكر سر الفداء، ولا يؤمن بالخلود بل يرى ~~أن في الاتكال على الحياة الثانية ورجاء القيامة ضعفا وصغارا. ويعتبر أن هذه الحقائق ~~الخالدة من الحب والمسالمة، وعدم اتقاء الشر بمثله يمكن للإنسان الاهتداء إليها لنفسه ~~بدون معونة الإنجيل، وعليه فلا يهم أكان الإنجيل منزلا أم من صنع البشر. فمسيحية ~~تولستوي مشوبة بالتجديف، وهي أشبه بوحدانية بوذا منها بشيء آخر. # والأمر الثاني أن تولستوي كان أول من طبق ms35 تعاليمه على نفسه، فدافع عن الفلاح ولبس ~~جبة الفلاح ، وناهض العظماء وتخلى عن مكانه العظيم بينهم، وحارب الأغنياء وحرم نفسه من ~~التمتع بثروته، فلم يكن يحمل في كيسه إلا بضعة دريهمات. وكل الظواهر تدل على أنه لو ~~ترك الأمر إليه نفسه لفرق ماله على الفلاحين، ولكنه كان أبا لأسرة كبيرة كثيرة ~~العدد، فكانت زوجته تتولى إدارة ثروته الأدبية، وبنوه إدارة أملاكه والتصرف بها وفقا ~~لعادات الأسرة وتقاليدها. والحق يقال: إن حياة تولستوي كانت مثلا للغرابة، وعلى الرغم من ~~نبالة محتده، فقد نزل إلى معاشرة سائر طبقات الاجتماع، واحترف غير مهنة، فكان معلم ~~مدرسة، وإسكافا وفلاحا، وتقلب بين الترف والشظف، كما تقلب بين الإيمان والجحود. أما ~~فلسفة تولستوي فتختصر بكلمة أبي العلاء المعري: # وزهدني بالناس معرفتي بهم # وعلمي بأن العالمين هباء # ولكن زهد تولستوي لم يكن بالسكوت والعزلة، بل بتجريد قلمه لمحاربة الاستبداد والظلم ~~والفساد والملكية والاشتراكية، فانتهى إلى النتيجة التي انتهى إليها فيلسوف روسي آخر هو ~~البرنس كوروباتكين؛ أي إلغاء التجنيد ومحو الحدود، والوطنية، وإبطال المحاكم والعقاب ~~بالموت، ولا فرق بين الاثنين سوى أن كوروباتكين يدعو إلى التمرد، وتولستوي يوصي بالرفق ~~واللين. بل هو يذهب إلى أبعد من زميله؛ فلا يكتفي بشجب النظام الحالي وحقوق الملكية، ~~والقمع والقصاص، بل يصب سخطه على المدنية بأسرها، متهما العلم والرقي بأنهما منبع ~~الشر والفساد، متمنيا خراب المدن الكبرى التي هي مسرح البذخ والتهتك والإجرام. وهو ~~كجان جاك روسو يطلب العودة إلى الطبيعة وساحة الحياة البدوية الأولى. # ومذهبه في الحب يملأ ناحية كبرى من فلسفته الاجتماعية، فيصف في «أنا كرانين» شقاء ~~الفسق ونفاقه، ويذهب في كتاب آخر إلى أبعد من ذلك، فيصدر حكمه القاسي على الزواج بالحب. ~~هذا الحب الزوجي الذي اعتاد الكتاب أن يصوروه في رواياتهم تصويرا عاريا، فاضحين أسرار ~~الأسر بلا خجل، من كتاب # Monsieur, madame et bébé # لكوستاف ~~دروز إلى «العاشقة» لبورتوريش، إلى «الزوج الشهواني» لموريس دوناي. لقد أثر في نفس ~~تولستوي هذا اللون من الحب، وبدا له مشبعا بحب الذات ms36 والأثرة، فأراد أن يبرهن للناس ~~أن الزواج الذي توحيه عاطفة الشهوة الجسدية لا يمكن أن يجلب السعادة، وأن هذه الدقائق ~~المعدودة التي يرتمي فيها كل من الزوجين بين ذراعي الآخر حلم سرعان ما يزول، فإذا هدأت ~~ثورة الأعصاب وجد كل من الزوجين نفسه بعيدا عن الآخر بعد النجوم. # وفي كتابه «البعث» يدرس وجها آخر للحب - أمير يغوي خادمة - فيجول في وصف البغاء ~~والإثم جولة شاعر ملهم، طارحا على بساط البحث مسألة التبعة الأدبية، محاولا أن يجد ~~في الطبيعة البشرية مهما بلغت من الانحطاط عذرا يبررها، ويدفع عنها العار، قائلا مع ~~هيكو باحترام المرأة الساقطة، وأن يبرهن لنا أن مكارم الأخلاق وروح التضحية لا تنحصر بقوم ~~دون آخرين؛ فقد تكون عند الحقير والفقير ولا تكون عند السيد الكبير. # وعلى الجملة كان تولستوي واقعيا وخياليا معا؛ ولهذا لم يخل من المناقضات، وأعظم ~~تناقض كان في شخصه؛ فإن تعاليمه تقضي بالعزوبة وهو لم يحافظ عليها، وبالفقر ولم يتجرد ~~أبدا من المال. على أن هذا لا يطعن في إخلاصه الذي يتجلى في كل ما كتب، ولا تجد صفحة لا ~~يقطر من سطورها لبان الحنو والرحمة، وكل من كان يدنو منه كان يشعر بسحر أخلاقه ~~الملكية، وما في حركاته من البساطة والبعد عن التكلف. # وهو وحده القائل: إن كل إصلاح اجتماعي يجب أن يبدأ بالآداب، وأن لا يفرض فرضا، بل ~~يجب أن ينبع من أعماق الضمير الفردي. وهكذا يرجع في النتيجة إلى التمرد في كل شيء كسترنر، ~~فيقول: على الإنسان أن يسمع صوت ضميره ولا يخضع إلا له. # كل فرد يحمل في نفسه الشريعة والأنبياء، ولكن طبيعة تولستوي لا تنتهي به إلى حب الذات مثل ~~سترنر، ولا إلى قسوة نيتشه الأرستقراطية، بل إلى الرحمة وإنكار الذات. # | غوته # فتح غوته عينيه على النور وهو هزيل البدن ضعيف البنية، كما ولد فولتير من قبله، وكما ~~ولد هيكو من بعد، وقد خيف عليه يومئذ أن لا يكون من أبناء الحياة، كما خيف على فولتير ~~وهيكو كذلك، ولكنه تغلب ms37 على ضعفه وهزاله، وكفولتير وهيكو جاوز من العمر الثمانين. # جاء إلى العالم حاملا ثقل وراثتين، فأخذ عن أبيه الحزم والعزم، وعن أمه المرح والروح ~~الشعرية، فتعلم الموسيقى والرسم والتاريخ الطبيعي وسبعا من اللغات. # وحمل القلم وهو في العاشرة، وكان واسع الخيال، بعيد مطارح الفكر ومرامي التصور. وأول كتبه ~~«آلام فرتر» انتهى منه في الخامسة والعشرين، فكان أول بشائر النجاح في الأدب. # وقد وجد الحب مرتعا خصبا في فؤاده، فتعددت شموسه المشرقة، حتى إنه أحب شقيقته ~~كالشاعر الإنكليزي بيرون، ولكن بيرون كان أبعد مدى وأكثر تطرفا. # وهذه الشموس المشرقة في سمائه كانت ترسل أشعة الوحي حول قلمه، فجاءت صورة مرغريت في ~~«فوست» للمرة الأولى، كما كانت الفتاة «كروتشن» أولى معشوقاته، ثم تبدلت عندما أحب ~~«فردريك» التي كان يجتمع إليها في الكنيسة؛ ولهذا تتعدد مشاهد الكنيسة في فوست. وكل ما عرفه ~~من أخلاق فردريك ونبلها تجسم في سطور كتابه. ولا ريب أن هذا التقلب في تأثيراته كان ~~يزيد في خبرته، وكلما طلعت الحياة عليه بتعليم جديد أضافه إلى تعاليمه السابقة. وما أكثر ~~هذه التعاليم والتأثيرات بعدما تعرف إلى شارلوت وليلي ومدام شتاين وبيتا برانتو ومينا ~~هرزليب وغيرهن! # وكان غيورا في حبه متكبرا، يحب ويترك فجأة من أحب، كأن فيه شيطانا يأبى عليه أن ~~يستقر على حال. # وكان من إقبال الناس على كتابه «آلام فرتر» أن تعرف إلى دوق فيار، واستحكمت عرى ~~الصداقة بينهما، فنزل إلى ميدان السياسة واستلم دفة الحكم وأنشأ ملعبا للتمثيل. # وقد أصابه في شبابه داء مستعص توصل الدكتور متز إلى شفائه منه بملح عجيب لم يبح ~~بسره، فحبب ذلك إلى غوته درس الكيمياء وما وراء الطبيعة، وأصبح مخدعه بما حوى من ~~الأدوات والأنابيب والأنابيق والدخان المتكاثف في جوه يذكر الداخل إليه بعهد كاليوستر ~~الساحر ومسمر المنوم المغناطيسي. # وكان يتألم من الدوار والضجيج، ويكره منظر اللحوم المعلقة عند الجزارين؛ فسعى إلى ~~معالجة نفسه بنفسه، فحارب الضجيج بمرافقة الجيش في غدواته، والمشي إلى جانب الطبل ليألف ~~صوته، وحارب الدوار بالصعود إلى ms38 قمة جرس الكنيسة، يطل منها على الفضاء الواسع، ويجيل نظره ~~في الأفق المترامي ، متغلبا على ما كان يشعر به من الزعج والقلق، وحارب نفوره الفطري من ~~منظر اللحوم بتعلمه التشريح واشتراكه فيه. # وأحس ذات يوم أنه تعب من الناس، ومل حياة المجتمع والسياسة والمسرح، وفي رأسه مخدرات ~~معان آن أن يطلع النهار عليها، فسافر إلى إيطاليا، وكان سفره أشبه بالهرب؛ فلم يعلم به ~~صديقه الدوق ولا عشيقته مدام شتاين. وفي إيطاليا انفتحت أمامه آفاق جديدة للفكر والعمل، حتى ~~إذا عاد منها عاد بهمة جديدة، وانصرف إلى البحث والتنقيب في الفيزياء والنبات والتشريح، ~~ودفع إلى المطبعة كتبا مسرحية. وتعرف في أثناء ذلك إلى خرستين، وهي أصغر من مدام شتاين ~~بعشرين سنة، فتعلق بها تعلقا غريبا أفضى به أخيرا إلى الزواج، وأتاحت له الأيام ~~صديقا جديدا هو الشاعر شلر، مؤلف «اللصوص» و«الخداع والحب»، فكان لهذا التعارف أثر ~~عميق في كتاباته. # وكان يحب نابليون الإمبراطور ويعجب به، ويعشق النبوغ أينما وجد. وهذا الإعجاب الذي كان ~~يملأ نفسه وتعشق كل ما هو جميل وعظيم دفعاه إلى دراسة الصين والفرس، فأحب حافظ ~~الشيرازي، وحاول درس العربية للاطلاع على أحوال فلسطين والأرض المقدسة. # هكذا كانت حياة غوته في شبابه تلم بكل مناحي الحياة والفكر من سياسة وأدب وفلسفة وصبابة، ~~وقد تعددت تآليفه فيها، غير أن غوته الحقيقي لم يظهر إلا في الشيخوخة. والواقع أن الشيخوخة ~~فن، وقليل من اهتدى سبيله. خذ هيكو مثلا؛ فإنه لم يكن في شيخوخته أعظم منه في كهولته. ~~أما غوته فقد كانت الشيخوخة له مجالا جديدا لحياة جديدة. لا أقول إنه في هذه المرحلة من ~~العمر طلق الشهوات، فقد أحب في العشرين السنة الأخيرة ثلاث مرات حبا شديدا، ولكنه ~~كان يعرف أن يجمع بين لهب الحب ورماد التضحية. وآخر من أحب فتاة في الثامنة عشرة كان من ~~قبل قد أحب أمها وجدتها، فكان حبه سلسلة اتصلت حلقاتها بثلاثة أجيال. # وكانت داره في فيمار ملتقى العظماء يفدون عليه من كل صوب، وينحنون أمام ms39 عظمته، ~~ويستمعون إلى أحاديثه، وهو في جو فلسفة عالمية واسعة الأطراف يتصل بها كل ما يجري في ~~العالم، فلا يغيب عنه شيء مما يخص الدين والسياسة والعلم والكيمياء والإنسانية. وقد حافظ في ~~هذا الدور من العمر على رباطة جأشه، وسكينة فكره، وإشراق نفسه، على الرغم من الأحزان ~~والهموم، وتداعي الأشخاص والأشياء من حوله. # ومن أحاديثه في هذه الاجتماعات المتعددة المباحث كلام عن الشعر، أحب أن أنقله لشعراء هذا ~~العصر الذين ينكرون شعر المناسبات، قال: # العالم واسع غني، والحياة كثيرة المظاهر؛ فلا تحرم الإنسان من موضوع شعري، ولكن ~~يجب أن يكون الشعر شعر مناسبات؛ أي أن يكون الواقع هو الدافع إليه. كل موضوع خاص ~~يصير عاما، ويرتدي طابعا شعريا متى استلمه شاعر. كل أشعاري هي أشعار مناسبات؛ ~~لأنها وليدة الحياة الواقعية، وإليها تستند. أما الشعر الهوائي فلا أحبه، والشاعر ~~من عرف أن يستخرج من الحوادث العادية شيئا يكون من ورائه لذة وفائدة. # وأشهر كتب غوته هو «فوست»، وقد سلخ في تحبيره ستين عاما، ولم ينشر القسم الثاني منه ~~إلا بعد موته. إن عمل غوته وحيد في نوعه؛ فلم يذكر التاريخ غير غوته رجلا أقدم على درس ~~مأساة البشرية في مجموعها، وعلى تمثيلها في آن واحد على مختلف المسارح، للحياة الإنسانية ~~ولحياة ما وراء الطبيعة. ولم يبلغ مؤلفو اليونان ولا دانتي ولا شكسبير ما بلغه غوته؛ فعند ~~اليونان أبطال يتصارع بعضهم مع بعض، أو مع الآلهة، وعند دانتي تتغلب لاهوتية الشاعر وحقد ~~المتألم، كما تتغلب في شكسبير العاطفة وما تخلقه الغرائز والأميال والأحلام من العلائق ~~بين الأشخاص. # ولكن عند غوته تتكتل كل هذه العناصر في فوست، فصراع الآلهة والشرائع، وتدخل دائم ~~للأهواء والحب، وأصوات من العالم القديم والحديث والقرون الوسطى. ويضع غوته الرجل وجها ~~لوجه أمام هذه الطبائع المختلفة الألوان، والرموز الحية التي تحيط بنا وتسير خطانا، ~~وتؤثر فينا أبعد تأثير، وعلينا أن نقبلها أو ندفعها حسب الأحوال وما نتفهمه من مصيرنا ~~ومن الأقدار. # هذه كلمة مقتضبة عن فوست وصورة مصغرة لمؤلفه ms40 الذي ترك في عالم الأدب والفكر ~~الأوروبي أثرا عميقا، وكان له في العلوم الطبيعية والفلسفية شأن بعيد. وقد حارب في شعره ~~في سبيل الجمال والشرف اللذين لا يختصان ببلد أو بأمة؛ فكان كالنسر المحلق يجوب ~~البلدان، ولا يهمه أن يعرف أن الأرنب الذي ينقض عليه هو ألماني أو سكسوني. وكان يقول: أي ~~شيء أعظم من وطنية الشاعر الذي يقضي حياته في محاربة الأوهام والتقاليد الفاسدة، وتنوير ~~الأذهان، وتطهير الذوق، ورفع مستوى الشعب شعورا وتفكيرا ... ~~••• # بلغ غوته من العمر عتيا، ولم يواله الزمان في أيامه الأخيرة، فاتسعت الوحشة من ~~حوله بعد من سلبه إياه الموت من الأحباب والمعارف، ولكنه بقي مع ذلك صبيح الوجه، حاضر ~~النكتة، متوقد الذهن إلى أن دقت ساعته، فأغمض عينيه عن هذا الوجود، بعد أن أطل على ~~عالم الخلود. # | رنان # 1 # قلما اجتمع لكاتب ما اجتمع لرنان؛ فأحاط بشتى الموضوعات، وألم بمختلف العلوم ~~من آثار وتاريخ ولغات وفلسفة. وكان فوق ذلك منشئا بليغا يعد في الطبقة الأولى من ~~كتاب فرنسا. وقد جاء في كل ما كتب بآراء فيها كثير من الغرابة، وأحيانا كثير من ~~التناقض. واليوم بعد مرور نحو من ستين سنة على وفاته سيبقى كما كان في أيامه، داعيا ~~للحيرة عند النقاد؛ لأنه لم يقل في أي كان من المباحث التي طرقها كلمته الأخيرة، بل وقف ~~بين النفي والإثبات، والشك واليقين. وقد كثر شراحه لا لصعوبة تناوله، بل لتعدد ~~ألوانه، وخصب إنتاجه، فكانت أفكاره كالمجرة في السماء يرى الناظر أنوارها «ويغرق في ~~تيارها وهو مصقع». # ولا أحاول اليوم في هذا الفصل إلا الإلمام بناحية واحدة من نواحيه وهي ~~الفلسفة. ~~••• # من الأوهام الراسخة في الأذهان أن التربية الكاثوليكية قيد للفكر تمنعه من التحليق في ~~سماء الإبداع، ولكن وجود رنان نفسه جاء دليلا على فساد هذا الزعم؛ لأن تربيته الدينية ~~تركت أثرا عميقا في حياته الأدبية والعقلية. لقد أعد نفسه لخدمة الكنيسة، غير أن ~~إيمانه كان قصير العمر، فهجر المدرسة التي احتضنته وهو في الثانية والعشرين، ونزل إلى ms41 ~~ميدان الجهاد العالمي لا صاحب له ولا معين ولا مال سوى ألف فرنك اقتصدتها له أخته ~~هنرييت من نفقاتها الخاصة. # فلم يأت عليه ثلاث سنوات حتى كان قد انتهى من تأليف كتابه الأول «مستقبل العلم»، ~~وفيه بنى كل آماله على العلم في تجديد التربية والأدب والسياسة والاجتماع، وإقامة ~~بنيان وطيد للعدالة بين الناس باتحاد العلم والديمقراطية، غير أن هذا الكتاب بقي ~~مطويا عملا بإشارة بعض أساتذته، ولما أراد طبعه بعد أربعين سنة أصابه ما أصاب «لتره» ~~عندما أعاد نظره على ما كتب في العلم الوضعي بعد ثلاثين سنة من كتابته، ولكنه لم يحذ ~~حذو «لتره» في إظهار أخطائه، بل اكتفى بالابتسام، فقال في المقدمة: إنه تردد كثيرا ~~في نشره لئلا يصدم أرباب الذوق. وإذا كان للكتاب من مزية فلأنه يظهر في مظهره ~~الطبيعي شابا متهوسا يعيش بفكره، ويؤمن بالحقيقة كل الإيمان. # رأى رنان أن العلم لم يحقق آمال البشر، ولكنه تحاشى أن يقول إنه لم يف بوعده، ~~وما هو هذا الوعد؟ وهل يمكن البحث في إفلاس العلم إفلاسا كاملا أو جزئيا في زمن ~~له فيه كل يوم فتح جديد؟ على كل فقد ضاعت ثقة رنان الأولى ورجع عن اعتقاده بأن ~~العلم يغير الطبيعة البشرية، ويجدد وجه العالم، ورأى من الجنون فكرة هداية ~~مليار من البشر، فمهمة العلم الوحيدة هي معرفة الحقيقة لا تحقيق المثل الأعلى؛ لأن ~~الحقيقة واحدة، وأما المثل الأعلى فيختلف باختلاف كل فرد، وكل إنسان يحوك ثوب عدالته ~~واجتماعه على قدر طاقته وحاجته. # لقد هجر رنان أوهامه الأولى وبقي من أشياع ~~العلم الوضعي، ولكنه كان شاعرا، فظل أفق الأحلام لامعا أمام عينيه؛ فهو ينكر ما ~~وراء الطبيعة، ولا يقبل إلا ما يثبته العلم، غير أنه لا يجهل عجز العلم، وأنه كلما ~~تقدمنا خطوة فيه زدنا احتكاكا بالمجهول واللانهاية. ولو افترضنا أن العلم بلغ درجة ~~الكمال، وأمكن الفلسفة أن تكون أم العلوم، فتميط اللثام عن أسرار الوجود، فإن هذا ~~العلم يصبح حينئذ مقبرة العقل البشري، ويجرده من أحلامه، ويخلع ms42 عن العالم حلة ~~جماله وجلاله؛ ذلك لأن العلم يفسر لنا كيف، ولا يفسر لماذا، ولا جواب عنده ~~للأسئلة الكبرى التي تشغل كل مفكر: هل للحياة غاية؟ وهل في الوجود فكرة أدب؟ وهل ~~يتمشى الإنسان إلى نهاية أسمى؟ لم الحياة؟ ولم العذاب؟ ولم الموت؟ # هذه أسئلة لا يجيب العلم عنها. نعم، هناك تفاسير كثيرة، ولكنها شخصية متناقضة حسب ~~أمزجة أصحابها وأدمغتهم؛ ولهذا يقول رنان: كل إنسان يولد وله فلسفته كما يولد وله ~~إنشاؤه. ما الفلسفة إلا صوت يصدر عن النفس عند اصطدامها بالحقيقة، وما المذاهب الفلسفية ~~سوى قصص النفس وحكاياتها، وأبطال هذه القصص تسمى الجوهر، الفرد، الفكرة، الإرادة، ~~اللاوعي. # المذاهب الفلسفية صحيحة في رءوس أصحابها، ولكن لا تشرك غيرهم فيها؛ لأنه لا يمكن ~~تأييدها بالاختبار والمنطق، ولهذا نجد رنان الذي يحب التفلسف يتحاشى كل منطق، ويقيم ~~مكانه ما يسميه «الفرق الطفيف»؛ فهو لا يؤيد كالمؤمن ولا يجحد كالكافر، بل يبقى ~~في شعوره بين بين. # ولقد فكر رنان بادئ ذي بدء بتعليم الفلسفة ونال رتبة أستاذ فيها، ثم انقلب عنها إلى ~~فروع أخرى، ولكنه أشار إلى ما كان يعتمده من أسلوب في التدريس لو مضى في فكرته الأولى، ~~فهو يعشق التساهل، ويحترم عقائد مستمعيه؛ فلا يسعى ليبرهن، بل يقف عند حد إعطائهم ~~الفكرة ليبني كل هيكله كما يشاء. # وقد يعرض له أن يتكلم عن المسائل الأدبية فيقول: إن الأدب هو الأصل، وإن الإيمان يأتي ~~عن غريزة الواجب والتضحية. وليس الإنسان في حاجة إلى المذاهب الفلسفية ليحب الخير ~~ويكره الشر، ولا سيما لأن من هذه المذاهب ما لا أدب فيه كالنفعيين مثلا، على أنه من ~~الخطأ أن نعتقد أن أعمالنا الصالحة تفيدنا في هذا العالم؛ لأنه كثيرا ما يخدع الواجب ~~فيذهب الإنسان ضحية لطيبة قلبه. # هذه هي بعض آراء رنان الفلسفية وما فيها من تناقض، وهو يخلع عليها لباسا من اللطف ~~والأناقة، ويتحاشى فيها كل جدل، فلا يطعن ولا يدافع ولا يجزم. وكثيرا ما يلمح من ~~خلالها أثر لتعاليم كانت وهجل وشوبنهور. يدرس ms43 كل الوجوه وكل المسائل، ولا يرضيه ~~واحد منها؛ فهو على نقيض بانكلوس، معلم كانديد في رواية فولتير. فقد قال بانكلوس ~~مرة: إن كل شيء في العالم على أحسن ما يرام، فظن نفسه مقيدا بهذا القول وعليه أن ~~يؤيده حتى في أشقى حالاته. أما رنان فهو أحرى بأن تكون له كلمة بنجمان كونستان: ~~الحقيقة لا تكون كاملة إلا إذا أدخلت ضدها فيها. # لقد أضاع رنان آماله بمقدرة العلم، ورأى أن ~~الحقيقة لا تنير وتهدي إلا من كان له من نفسه هاد، إما بالفطرة وإما بما ورثه من ~~عادات الفضيلة عن آبائه المؤمنين. ولهذا كان يقول: إن الفضيلة في عصور الشك هي بقية ~~باقية من عصور الإيمان، وإن حياته هو نفسه كانت مسيرة أبدا بإيمان قديم لم يبق منه ~~في صدره إلا مثل ما يبقى من العطر في الإناء. # 2 # لم تكن الفلسفة عند رنان سوى ضرب من اللهو والتسلية، بخلاف التاريخ؛ فقد استغرق وقته ~~وفكره واهتمامه، فكان من الحق أن يسمى مؤرخا قبل أن يسمى شيئا آخر. # أراد رنان بعد أن عرف كيف تنتهي العقائد، باختباره ذلك في نفسه، أن يعرف كيف تبتدئ. ~~ولكن أفكاره كانت متجهة في الوقت عينه إلى تاريخ الحاضر، فانصرف أيام الملكية إلى ~~بعثاته ودروسه، بينما كانت الحياة العمومية في هدوء كأنه شبه اختناق، إلى أن نشبت ~~الحرب السبعينية؛ فاضطر إلى الخروج من سكونه، وأحس بالاضطراب والقلق والجزع على ~~مستقبل بلاده. # جاءت هذه الحرب ضربة قاضية على أحلامه وأوهامه. فقد كان يظن أن في الإمكان اتحاد ~~ألمانيا وفرنسا عقلا وأدبا وسياسة اتحادا يجذب إليه إنكلترا؛ فتمشي هذه الأمم الثلاث ~~في طليعة الحضارة والرقي، ولكنه وقع في الخطأ الذي وقعت فيه مدام ستايل، التي لم تكن ~~تعرف من الألمان سوى شعرائهم ومفكريهم، فآمن بأساتذته هجل وهرور وستروس حتى جاء ~~بسمارك بخيله ورجله فكشف القناع عن الحقيقة وفسر له تعاليمهم أبلغ تفسير. # لقد طعن الفتح الألماني رنان في الصميم، فكان يرى في الطريق شاردا يائسا، دامع ~~العينين يلعن الحرب ms44 ومسببيها. وقد أسرع بقطع صلاته مع ألمانيا كما قطعها من قبل مع ~~الكنيسة برسالة بليغة بعث بها إلى الدكتور ستروس، وأصبح بعد أن كان لا ينظر إلى العالم ~~إلا نظرة المتفرج دون أن يخطر على باله إصلاحه، أصبح ولا هم له سوى البحث عن وسائل ~~هذا الإصلاح؛ فألف كتابه «الإصلاح الفكري والأدبي». # كان رنان في كتابه الأول «مستقبل العلم» ديمقراطيا يتعشق رجال الثورة وأسطورتهم ~~التي بعثها من القبر سنة 1847 مثله ولون بلان ولامارتين ليسقطوا حكومة تموز، ولكنه عاد ~~عن رأيه بعد أن شاهد فظائعها وأصبح يؤثر أحقر حكومة ملكية على أعظم حكومة انتخابية، ~~منددا بالديمقراطية، مظهرا أخطار الثورة، طالبا الرجوع إلى ملكية عسكرية كما ~~كانت بروسيا قبل يانا. وترك التصويت العام الذي وضعه غوغاء 1848، والتوفيق بين الكنيسة ~~والتعليم الابتدائي؛ «لأن الدين يقوم عند عامة الشعب مقام العلم والفن»، وإعتاق التعليم ~~الثانوي من بلاغة جوفاء تتخذ الألفاظ كأنها معان، والمعاني كأنها وقائع، وترقية ~~التعليم العالي إلى أبعد ما يمكن. وكان يقول: إن قوة ألمانيا لم تقم إلا على ركنين: ~~ثقافة الرؤساء ونظام الجنود. # ولم يطل عليه الوقت ليتبين أن إرجاع الملكية في فرنسا أمر مستحيل، فوجد نفسه ~~مضطرا إلى تعليق آماله على جمهورية أسسها فلاحون، وتمنى أن تكون معتدلة عاقلة ~~شريفة، وراح يتتبع خطواتها بعواطف متقلبة غلبت السخرية فيها، فألف «المحاورات»، ~~و«المآسي الفلسفية»؛ ليفهم رجال السياسة الذين تسلموا مقاليد الحكم، والذين ~~يحاولون بناء ثروتهم على مصائب الوطن مدى احتقاره القلبي لهم. # هذا الاحتقار يشغل حيزا كبيرا من فلسفة رنان، فتراه يغدق الثناء على ~~الأرستقراطية وأخلاقها وتساهلها، ويعيب «لامنه» لأنه لم يتماد في احتقاره كما تمادى في ~~غضبه. ما أعظم الفرق في هذا بينه وبين ليبنتز الذي كان يقول: «أنا لا أحتقر شيئا!» وما ~~قولكم بعالم في الطبيعة يحتقر سرطان البحر أو عقرب الماء، ويخص باحترامه الطائر الهندي ~~المسمى عصفور الجنة؟ إن أشكال الحياة البشرية كلها لازمة لأنها موجودة، غير أن منها ~~ما يضر فيجب منع ضرره؛ والاحتقار وحده لا يفي ms45 بهذه الغاية، بل هو تعزية ~~العاجزين. # ولكن لرنان عذرا في أنه كتب هذه المحاورات أيام الثورة وإحراق مكتبة اللوفر؛ فرأى ~~في هذا العمل الوحشي نتيجة لفكرة المساواة التي كانت ترمي إلى محو كل تفوق حتى في آثار ~~السلف، وحصر السلطة في دكتاتورية العمال المصبوغة بالدماء، واستنتج منه أن الحضارة لا ~~تقوم إلا على أيدي سلالة جديدة يحق لها الحكم والسيطرة لا بالعلم فحسب، بل بتفوق الدم ~~والدماغ والعضلات. # ما أبعد حلم رنان هذا عن اشتراكيته الأولى التي ترسم لكل فرد عمله، والتي كان ~~مستعدا فيها أن يصطنع بطيبة خاطر حرفة يدوية للارتزاق مع بقاء الفكر حرا، ~~متشبها بالعامل سبينوزا الذي كان يصقل زجاج النظارات، والرواقي كليانس الذي كان ~~سقاء، والفيلسوف الإسكندري سكاس الذي كان حمالا! لقد خابت آماله في فردوس ~~الاشتراكيين، فعاد وهو لا يرى من فضل أو نعمة في غير الأرستقراطية المفكرة. # وقد لقي كتاب «المحاورات» من الإقبال ما دفعه إلى كتابة «المآسي الفلسفية». وهذا ~~اللون يلائم روح رنان الذي لا يعرف أن يبدي فكرة دون أن يقيم نقيضها في رأسه، فكانت ~~أبطاله صورا لأفكاره المتناقضة يطلق لها عنان الكلام كيف شاء. ولا يتسع المجال لشرح ~~هذه المآسي من «كاليبان» الذي استعاره رنان من رواية الزوبعة لشكسبير، إلى «نبع جوفانس» ~~إلى «كاهن غي» وغيرها. كل هذه الكتب عراك بين الديمقراطية والأرستقراطية، أو بالأحرى ~~انتقاد لاذع للأولى وتمجيد للثانية. على أن هذا كله لم يمنع رنان من استجداء صوت الشعب ~~في انتخاب مجلس الشيوخ سنة 1876، وحجته في ترشيح نفسه أن عضوية الشيوخ تعرضه للأخطار ~~والقتل، وهو يفضل ذلك على موت طبيعي أو انحلال بطيء على فراش المرض، ولكن الأقدار ~~أبت إلا أن يموت حتف أنفه، فلم يشعر بلذة السقوط تحت مدية المعتدي أو رصاص ~~القاتل. # لم يكن مثل رنان في البعد عن المخاوف البورجوازية، فيقول في «مستقبل العلم»: إن أشد ~~الأزمنة هولا هي أخصبها إنتاجا، ولا بد من الدم المراق لإرواء العبقرية، وإن ~~الأعمال الخالدة التي صدرت عن أمثال فيدياس ms46 وأفلاطون وأرستوفان كانت في عصر يشبه عصر ~~الإرهاب في فرنسا، وإن مونتاني لم يكن يجهل وهو مكب على تآليفه أن القتل ينتظره من ~~ساعة إلى أخرى في منعطف كل طريق، فمن الواجب التشبه بهؤلاء الكرام لنعيش بهدوء وسط ~~المعمعة. # وبعد أن وضع رنان آماله في الدين لتجديد فرنسا، ~~ثم في العلم والديمقراطية، ثم في الإصلاح على منهاج أرستقراطي، وجد من العبث الإلحاح في ~~الباطل، فدخل إلى نفسه وعاش في جو من العزلة الروحانية، سابحا في عالم التأملات، ~~مترفعا عن الناس، هازئا بهم. # وهكذا أدى رسالته للفن والعلم والنقد، بعد أن وفاها قسطها من التحليل والشك ~~والمراقبة. أما كلمته الأخيرة فقد عرفناها من شاهد عيان حضره عند الوفاة؛ فقد تناول قلم ~~الرصاص وهو يحتضر وخط هاتين الكلمتين: «تأييد، معارضة.» فكانت حياته كدفتر حساب ~~توازنت فيه الأرقام بين من وإلى. # | هربرت سبنسر # من أعظم مفكري الإنكليز في القرن الماضي، وقد بقي اسمه حتى صدر هذه المائة على لسان كل ~~أديب وعالم، ولكن الشهرة كالأزياء لها عهد وينقضي؛ فقلما تجد اليوم من يستشهد به مع أنه لم ~~يطرق موضوعا إلا ترك فيه أثرا عميقا من تفكيره، ولا سيما في الحرب التي شهرها على ~~الاشتراكية والنظام البرلماني. # كان سبنسر أعدى عدو للاشتراكية، ومع ذلك فالاشتراكيون يستندون إليه في دعم مذهبهم، ~~ويتخذونه على الرغم منه حليفا لهم؛ لأنه أظهر منذ الساعة الأولى ميله إلى جعل الأرض ملكا ~~للأمة. ولكن الذين يستشهدون به ينسون أنه طالب بتعويض عادل للملاك؛ فهو يعترف بحق الأمة في ~~ملكية العقار، ولكنه لا يعترف لها بحق الاستيلاء على كل ما أضافه الإنسان إلى الأرض من عمله ~~الخاص، أو ماله المكتسب بعرق جبينه، وجل ما يحق لها السيطرة عليه هي الأرض الصخرية ~~والمستنقعات والغابات. # يقول سبنسر: إن ملكية الأرض بادئ ذي بدء كانت عملا استبداديا، لا يخلو من السرقة ~~والتزوير، فكان فيه اللص يتلو اللص. ويقدم مثلا على ذلك النورمانديين؛ فقد اغتصبوا ~~الأرض اغتصابا من الدانماركيين والسكسون، كما اغتصبها السكسون من السلت، ms47 والسلت من أبناء ~~بريطانيا العظمى الأصليين. فإذا أراد المجتمع اليوم أن يستولي على عمل ألفي سنة فقد أتى ~~أمرا إدا، وارتكب من اللصوصية أعظم مما ارتكب أولئك. ثم إن دخول العقار في حوزة الأمة ~~لا يأتي بالفائدة المطلوبة؛ لأن إدارة المجتمع لا تضاهي إدارة الفرد في تصريف الأمور ~~وتسييرها سيرا موفقا. # وفي برنامج الاشتراكيين مادة أخرى لم يقف سبنسر فيها عند رأيه الأول: تلك حرية المرأة. ~~فقد رأى بالاختبار أنه من الخطر إشراك المرأة في السياسة، وأبى عليها ما للرجال من الحقوق ~~السياسية؛ لأنها لا تقوم بما يقومون به من الواجبات، ولا تساهم في الخدمة العسكرية كثيرا ~~أو قليلا. # ولا بد هنا من القول: إن رجوع سبنسر عن رأيه الأول في هاتين المسألتين: ملكية الأمة للأرض ~~وحرية المرأة، كان نتيجة العلم والاختبار، وإذا أخذنا على رجال السياسة تقلبهم في أقوالهم ~~وأعمالهم فلا يسعنا الطعن في المفكرين أمثال سبنسر، عندما يعيدون النظر في آرائهم القديمة ~~ويمحصونها على ضوء الحقيقة والواقع. # على أن هناك أمرا ثبت فيه منذ البداية ولم يحد عنه قيد شعرة، وهو اهتمامه بالطبقة ~~العاملة؛ فقد دافع عنها دفاعا مستطيلا، وظل حتى النهاية يردد ويعدد ما يكتنف مستقبل ~~الأكثرية من ظلام وشقاء، فالبطالة والازدحام في المساكن الضيقة المظلمة الفاسدة الهواء، ~~والمهن المضنية، والشيخوخة المحزنة، والانقسام البليغ بين الطبقات، وتفاوت الأرباح ~~الهائل، وحصة الأسد المعدة منها للمخدوم على حساب الخادم ... كل هذه الأدواء يشكو سبنسر ~~ويتألم منها، إلا أنه لا يظنها غير قابلة للشفاء. # كان سبنسر من المتفائلين المؤمنين بالرقي، على شرط أن لا يبقى الإنسان مكتوف اليدين، بل ~~يتدخل تدخلا فعليا في مقدرات نفسه، ولكنه لا يعتقد بدواء سحري يشفي من الأمراض كافة؛ فهو ~~يبني فلسفته على ناموس النشوء والارتقاء، ويشبه جسم المجتمع بجسم الفرد؛ أي أنه قابل ~~مثله للتأثر بعوامل خارجية كالتربة والمناخ، وداخلية كالمزاج والأهواء. وكما يبدأ نماء ~~الجسم بالجرثومة يبدأ نماء المجتمع بالأسرة، ثم القبيلة، إلى أن تتألف الأمم والشعوب، ~~فتنقسم حينئذ إلى فئتين أو جيلين ms48 أو مثالين: مثال ينتحل الجندية، ومثال ينتحل ~~الصناعة. # والفرق بين المثالين أن المرء يفقد حريته في الأول على أن تكفل له حاجاته من مطعم ومسكن ~~وكساء، بينما يظل في الثاني حرا يعتمد على نفسه في هذه الحاجات. على أن المثال الخالص ~~عسكريا كان أو صناعيا غير موجود. ويمكن القول: إن دول أوروبا مزيج من الاثنين؛ فهي نصف ~~عسكرية ونصف صناعية. ويرى سبنسر أن المثال العسكري غالب في ألمانيا، والصناعي في إنكلترا ~~وأميركا، وفيهما دليل ناصع على ما يمكن للشعب أن يصل إليه من البسطة والغنى بدون ~~الحرب. # ويقول سبنسر: من العجيب أن الطبقات العاملة تشعر بضرورة السلم وتكره الفكرة العسكرية، ~~ومع ذلك نراها تحاول من حيث لا تدري تطبيق نظامها الاستبدادي على الصناعة، بإخضاع الفرد ~~للدولة، فيصير الصناع جنودا يتحكم بهم النظار والمفتشون، بدلا من الضباط ~~والقواد. # ويرد زعماء الاشتراكية على هذا بقولهم: إن الفرق عظيم بين الحالين؛ لأن النظار والمفتشين ~~هم مندوبون خاضعون لرقابة الشعب، معرضون للانتقاد والعزل، فلا يمكن للعامل أن يكون ~~مقيد الحرية كالجندي. # وعلى الجملة فالاشتراكية في نظر سبنسر رجوع إلى الوراء لا يتفق مع سير الحضارة. # أما عداؤه للنظام البرلماني فراجع إلى فكرته الأساسية التي تجعل من المجتمع جسما حيا، ~~ينمو ويكبر حسب شرائع طبيعية لا قبل للإنسان أن يبدل فيها كما يشاء. والحياة ~~الاجتماعية لا تنتظم اتباعا لخطة يرسمها العقل والمنطق، بل اتباعا للحاجات الماسة، ولن ~~تجد مجتمعا راقيا قام طبقا لبرنامج أو خطة موضوعة من قبل بالمناقشة الرسمية، ففي أي حال ~~كان لا سبيل للإنسان أن يغير الأشياء الطبيعية إلا بخضوعه للشرائع الطبيعية. # وهذا ناموس عام ينطبق على الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وعلم الاجتماع. وبما أن نمو ~~المجتمع تابع لأسباب عمومية، لا سلطة للإرادة البشرية عليها، فسيادة الشعب مربوطة بالجهل، ~~لا يمكنها أن تهتدي الطريق أو تعرف الوسائل التي ينمو بها المجتمع، وجل ما تستطيع هو أن ~~تقر وتثبت هذه الوسائل، وعليه فليسن المندوبون عن الشعب ما شاءوا من الأحكام والشرائع ~~والقوانين؛ فالعبرة في ms49 جعلها ذات فعل نافذ. وقد عمل سبنسر إحصاء للقوانين التي صدرت في ~~إنكلترا ولم تنفذ، فإذا بها فوق ما يتصوره العقل. # من أين إذن هذه الثقة العمياء بما يمكن للبرلمان أن يجريه من إصلاح؟ وعلام هذا الإيمان ~~بالحكومة الذي يشبه ايمان المتوحش بالصنم؟ يعزو سبنسر ذلك إلى انتشار التعليم. ومن العقائد ~~الراسخة في الأذهان أن التعليم يهذب الشعب وينيره، وهذا وهم؛ لأنه لا يوجد صلة بين ~~قضية هندسية وأدب النفس. ولا يكفي تعليم الأولاد ما هو الخير ولماذا يسمى خيرا ليصنعوا ~~الخير عندما يكبرون؛ فانتشار التعليم غير كاف ليجعل الشعب قابلا للحكم الحر، ولا بد من ~~الأخلاق، بل قد يساعد التعليم الناقص على نشر أخطاء كثيرة. # وإذا كان المثقفون لا يقبلون بمطالعة ما يخالف طريقة تفكيرهم وشعورهم، فما قولك بالشعب ~~إذا كان لا يتذوق إلا ما يوافق هوى في نفسه! وأبلغ دليل على نتائج هذا التعليم هو هذه ~~النشرات التي تغذي الأوهام؛ لأن الجريدة تسعى قبل كل شيء إلى إرضاء مشتركيها، فتقوي ~~فيهم بهذه الطريقة أميالا شتى يصعب تحقيقها، وتجعلهم يظنون أن الحكومة قادرة على معالجة ~~كل الشئون، ومن واجبها التدخل في كل كبيرة وصغيرة، وتردد على مسامعهم في كل سانحة إمكان ~~تبديل النظام الحالي. وبما أنهم هم الذين سينتخبون، فمن مصلحتها تقوية هذه العقيدة في ~~رءوسهم، وهكذا يصبح الشعب الذي هو صاحب السيادة ألعوبة في يد رجال السياسة. # ثم يحمل سبنسر على النواب حملة شعواء، متهما إياهم بالجهل والوعود الكاذبة والأثرة ~~وتضحية مصالح البلاد في سبيل مصلحتهم الخاصة. # لقد كان لما كتبه «سبنسر»، وخصوصا في كتابه «الفرد ضد الدولة»، صدى بعيد حتى قيل عنه: ~~إنه فوضوي. وما لا ريب فيه أن هذا الكتاب الصغير قد ساعد كثيرا في بث الدعوة إلى الفوضوية، ~~ولا سيما في الولايات المتحدة، بتشويههم كلامه وتفسيره تفسيرا يوافق مصلحتهم. وسبنسر نفسه ~~يقول: بين ويلين هما: استبداد الاشتراكية وحرية الفوضى أفضل الفوضى مع كل ما فيها ~~من شقاء. ولكنه ليس فوضويا بكل معنى الكلمة؛ لأن الفوضويين ms50 يطالبون بإبطال كل وظائف ~~الدولة، بينما هو يريد إبطال البعض ودعم البعض الآخر؛ فيطلب من الحكومة عدم التدخل في شئون ~~الدين والتربية والأعمال الخيرية؛ لتكتفي بالمحافظة على النظام. # هناك في نظره مبدأ عام يسيطر على علم السياسة، وهو التعارض بين أدب الأسرة وأدب الدولة. ~~أدب الأسرة يقضي بالعناية الفائقة للولد الضعيف الهزيل، المحروم من نعم الحياة، والاشتراكية ~~تريد إدخال هذا الأدب في الحكومة؛ لتساعد أصحاب العاهات والعيوب وضروب النقص. وهذا ما جعلهم ~~يتهمون سبنسر بقساوة القلب، مع أنه يطلب أن تقوم جمعيات خاصة بعمل الخير، لا أن تتلهى به ~~الحكومات فتصل إلى تقهقر النسل بدلا من تحسينه. هو يريد أن يتحمل كل إنسان مسئوليته، فلا ~~يتكل على غيره في ضعفه وكسله وجهله، فلا يبقى في ميدان الجهاد وتنازع البقاء إلا الأنسب، ~~وليس الأنسب هو القوي، بل الأكثر أهلية واستعدادا. # | الأرض المجهولة # اسمح لي، أيها القارئ الكريم، أن أسير بك الآن نحو بقعة من الأرض لا تجدها على المصور ~~الجغرافي، وفيها من المفاجآت والعجائب والأسرار ما لا تقع عليه العين في أية ناحية من ~~البسيطة. # هذه البقعة ليست ملكا لأحد دون سواه، ولا سبيل لدولة من الدول أن تستأثر بها فتركز ~~علمها عليها. والثلوج الخالدة والشمس المحرقة أبعد من أن تمنع الزائر من الوصول ~~إليها. # قد عرفت ولا ريب ماذا أريد بهذا القول؛ فهذه الأرض المجهولة هي الطبيعة البشرية، هي أنت ~~وأنا، هي كل ما أقلته الأرض وأظلته السماء ممن ينتسب إلى الأسرة الإنسانية. ولا تحمل كلامي ~~على المزاح أو تظن فيه مبالغة ما؛ فهي الحقيقة تبدو لك، إذا ما تمعنت، في أجلى ~~مظاهرها. # وجد الإنسان على الأرض عاري العقل والبدن، لا خبرة له بما مضى ولا فكرة لما سيأتي، ~~وكيفما أجال الطرف كانت تقع عيناه على أشياء مجهولة وحوادث جديدة ومظاهر غريبة؛ فكان لا ~~يألو جهدا بدافع الغريزة والضرورة من المراقبة والتفكير والاكتساب، وكان كل واحد من البشر ~~يعيد سيرة من تقدمه ويحذو حذو أسلافه. كل شيء جديد في عين ms51 المولود الجديد. # ولكن الإنسان في هذا الميدان الواسع الذي حاول فيه معرفة الطبيعة واستثمارها والسيطرة ~~عليها بقي شديد الظمأ إلى شيء لم يستطع الوصول إليه، إلى شيء يقف عنده مضطربا واهي ~~العزيمة، ضعيف الأمل، حائر الفكر. ذلك معرفة نفسه، وإدراك كنه طبيعته، والوقوف على سر ~~مصيره. لقد تعلم استخدام البخار وتقييد الصاعقة، وجاب السماء، ودخل أحشاء الأرض، وفكك ~~عرى الذرة، ولا يزال الإنسان لغزا للإنسان. أفبعد هذا مبالغة إذا قلنا: إن أغمض ما في ~~الأرض على ساكن الأرض هو نصف الساكن نفسه؟ # ومن الحماقة أن أدعوك، أيها القارئ العزيز، للتغلب على صعوبات قصر عنها أكبر المفكرين ~~والحكماء والأنبياء، ولا تزال قائمة في هذا العصر الحديث كما كانت في العصور القديمة، ولكن ~~في وسعنا أن نستنتج منها أن طبيعتنا البشرية ذات كنوز، وفيها من العناصر الثمينة المتعددة ~~ما يتعذر سبر غوره وعده وقياسه على جيل واحد من الناس، بل يجب أن تتعاقب على درسه أجيال ~~وأجيال. إن من السهل عليك إن كنت تملك قطعة أرض - مثلا - أن تجوبها بسرعة، ولكن أين ~~السهولة والسرعة إذا كانت مساحة هذه الأرض واسعة شاسعة وفيها أنهر وغابات وجبال؟ كان لعاهل ~~إسبانيا فيما مضى من سعة الملك ما جعل الناس يقولون: إن الشمس لا تغرب عن أراضيه ... ~~والإنسان أعظم من شارلكان على ضخامة ملكه؛ بما يملك من هذه الطبيعة البشرية. # إن بطرس وأحمد، وآدم وسعاد، والغني والفقير، والأمير والصعلوك، والذكي والخامل سواء في ~~هذا الملك، وعندهم في البدن وأعضائه والجسم وحركاته، وما يختلج فيهم من العواطف والأفكار، ~~وتشتمل عليه ضمائرهم من الآمال والأحلام منجم عميق يمكن استخراج الكنوز منه. وإلى جانب هذه ~~الكنوز جراثيم عيوب لا عدد لها إذا لم ينتبه الإنسان إليها كانت وبالا عليه. ولا أحاول ~~ههنا البحث فيها؛ فحسبي أن أذكر الحسنات التي فينا فهي تهدينا سواء السبيل، وعلى ضوئها ~~نستطيع عبور مآزق الحياة بأقل ما يمكن من الألم أو الندم. # إن رحلتنا حول هذه المملكة المجهولة ترينا أول ما ترينا أعجوبة الأعاجيب؛ ms52 عنيت بذلك ~~الجسم الإنساني البارز في أحسن مثال وأبدع تقويم، والجامع في تركيب أعضائه بين المناعة ~~والسهولة والخفة؛ فالأرجل أثبت من عمد الحجارة والطين، وهي مع الأيدي أصدق نموذج لمخترعي ~~أدوات الحركة والنقل وجر الأثقال، والمعدة والرئتان والدورة الدموية والقلب الخفاق مختبرات ~~تمور فيها أسرار الكيمياء والفيزياء، والعينان منارتان أخذ عنهما الإنسان في اختراع المنظار ~~والمجهر وسائر الآلات المعدة لالتقاط النور وتوزيعه، والأذن آلة حساسة تلتقط ما لا يرى ~~ولا يلمس من الأصوات والموسيقى، والوجه كتاب مصور تتبدل سطوره كل آن؛ فتقرأ فيه تواريخ ~~وأحاسيس وذكريات، والدماغ والجهاز العصبي مقر الأمر والنهي الذي يربط أجزاء هذه المملكة ~~الواسعة بعضها ببعض. # وكل هذا إن هو إلا إطار بديع لبدائع باطنية، هو عتبة الهيكل الذي تتنفس فيه، وتحيا عذراء ~~النفس الجامعة بين البطولة والألم واللذة، والرفعة والضعة التي قال فيها ابن سينا: ~~«هبطت إليك من المحل الأرفع.» والتي لا يستطيع فكر أو قول أو غناء، أو تعليل فلسفي، أو وصف ~~شعري أن يستنفد ما فيها من المعاني. # يقول فيلسوف المعرة: # والذي حارت البرية فيه # حيوان مستحدث من جماد # ولكن الإنسان مع ذلك غير الحيوان وغير الجماد؛ غير الجماد لأن مادته حية، وغير الحيوان ~~لأن في طبيعته ما لا يملك الحيوان. # قد يشابه الحيوان الإنسان ويشاركه في أمور كثيرة؛ فالببغاء تتكلم، ولكن عن تقليد لا ~~إدراك، والنمل والنحل يعملان بحكمة وترتيب يثيران الدهش والإعجاب. ومنذ القدم أيام كان ~~الإنسان يأوي إلى الكهوف، وينام في ظلال الأغصان الملتفة كان النحل فعلا يبني بيته ~~بهندسة عجيبة؛ إلا أن الإنسان تقدم وارتقى، والنحل بقي مكانه. # والنسر يرى أبعد من الإنسان، ولكن الإنسان اخترع ما يفوق به النسر، فيرى بالتلسكوب أبعد ~~الأجرام، وبالمكرسكوب أصغر الأجسام، والأسد أقوى من الإنسان، والإنسان يغلب الأسد بطلقة ~~نار، والسنونو أسرع من الإنسان غير أن الإنسان استطاع أن يقرب الأبعاد ويقصر المسافات ~~بما يسبق به السنونو، فيخاطب رفيقه من أقصى الأرض إلى أقصاها؛ ذلك لأن ذكاء الحيوان محدود ~~وذكاء الإنسان لا قيد ms53 له ولا حد. تلك هي مزايا الطبيعة البشرية، بئر من الأسرار، عليها ألف ~~ستار وستار. ~~••• # إذا كان من منافع الأسفار العبرة والاختبار فما أحرى الواحد منا أن يطوف حينا بعد حين ~~حول هذه الأرض القريبة البعيدة؛ فإن من أعظم فوائدها أنها تعلمنا أن يفهم بعضنا بعضا. ~~أتدري ما الذي يسبب شقاء الناس ويدفعهم إلى الجور عن قصد السبيل ليسيئوا التصرف في ~~معاملاتهم الاجتماعية؟ هو قبل كل شيء استهزاء الإنسان بأخيه الإنسان؛ فالناس بالإجماع لا ~~تحترم الناس، ولا تقدر قدر هذا الكنز الثمين الذي يحمله كل منا؛ ولهذا نرمي بأنفسنا في ~~مهاوي العار والخسة، لا نعرف سوى التباغض والتنافر والخصام الدائم، عابثين بحق الجسم ~~علينا وحق العقل. لقد آثرنا العيش في الظلمات والمستنقعات والخوف، بدلا من الهواء الطلق ~~والنور والطمأنينة والواقع الحقيقي، فصدق فينا قول شاعر الفرنسيس: # الإنسان ملاك ساقط لم يحفظ من السماء سوى التذكار # فلنتعلم منذ الصغر أن نفهم أنفسنا حق الفهم؛ فلا نحتقر رخيصا، ولا نحسد رفيعا، ولا نؤذي ~~ضعيفا، ولا نستبد فيما نملك. ولنذكر أبدا أن في الطبيعة البشرية كنوزا عديدة لو استخدمنا ~~جزءا منها لبدلنا وجه البسيطة، وغطينا ما عليها من الشقاء والفساد بالصحة والسعادة، ~~والاحترام المتبادل، والحياة الطيبة. # | جزيرة الأبالسة # ليست الأبالسة سوى فئة من الآلهة التي اعتنقتها الأديان البشرية من قديم الأزمان؛ فكان ~~للخير آلهة هي منبع اللذات، وللشر آلهة هي الشياطين التي تجلب الآلام للعالم. ولهذه ~~الشياطين وظائف مختلفة؛ ففي الهند شيطان للعقم، وشيطان للقحط، وشيطان لليبس، وعلى رأسهم ~~«مارا» الذي يوحي الأفكار الباطلة والأقوال الخبيثة والأعمال الشريرة، ويجرب على الدوام ~~بوذا وتلاميذه. وفي الفرس شياطين معروفة بالكذب والخداع تسكن القبور والجبال والأرض ~~المقفرة، وتحاول إغراء البشر، ولا تطرد بغير الصلاة ودعاء الكهنة والمجوس. وفي بابل وآشور ~~شياطين للطاعون والحمى والشلل والدم والنار، وهي تعالج أيضا بالصلاة والاستهواء؛ فكان ~~الكهنة يراقبون العليل ويصغون إلى ما يقول في حالة الهذيان، فيكتشفون الداء وأحيانا اسم ~~العدو الذي تجب محاربته. وفي مصر رئيس الشياطين هو «سيت» ms54 إله الظلمات، وما المرض سوى صراع ~~بين الشيطان والإنسان، وعلاجه أيضا بالتعاون والرقى. # وكانت البغضاء القائمة على التعصب للدين والوطن تدفع الناس إلى احتقار آلهة أعدائهم ~~واعتبارها من الشياطين؛ ولهذا قد تجد الاسم الواحد يطلق عند فريق على الإله، وعند فريق على ~~الشيطان. وقد فعل اليهود كغيرهم فكانت آلهة أعدائهم الفينيقيين مثل: مولوك، وبعلزوب شياطين ~~عندهم. ولنشأة بعلزوب هذا حديث طريف لا بأس من ذكره هنا. # لا يخفى اليوم على أحد خطر الذباب وتأثيره في نشر الأمراض كالحمى والكوليرا والملاريا ~~ومرض النوم. ويروي كلوديوس أوليانوس الكاتب اللاتيني في مقتطفاته أن سكان شواطئ الاستبراس، ~~وهو نهر في الحبشة، كانوا يضطرون كل عام إلى الهجرة هربا من أسراب الذباب الذي ينتشر ~~كالضباب، فيحجب عنهم وجه السماء، هذا الذباب هو «تسي تسي» ناقل مرض النوم يعيش على شواطئ ~~الأنهر في ظل الميموزا والموز، فتقفر من أجله شواطئ النيل الأعلى والاستبراس طوال ستة أشهر، ~~إلى أن يأتي الخريف باعتدال أيامه ولياليه؛ ولهذا كان المصريون يؤلهون شمس الخريف لأنها ~~تقهر الذباب، وانتقلت هذه العبادة إلى القيروان؛ حيث كان يسمى هذا الإله الخاص «أخورس»، ~~ثم إلى فينيقيا فسمي بعل زبوب؛ أي «الإله الذباب»، ولكن اليهود حرفوا الكلمة إلى بل ~~زبوب، وجعلوا الإله شيطانا والذباب كذلك. # وكان لوثر لا يزال يعتقد أن الذباب مشيطنة؛ فكان إذا وقع الذباب على وجهه أو على كتابه ~~يغضب ويصيح: «إليك عني يا قرد إبليس وأتباعه، كلما فتحت توراتي تأتني أيها الذباب الخبيث ~~بأقذارك كأنك تقول: هذا الكتاب لي وفي إمكاني أن ألوثه بدهني.» # وبعض الشياطين في بلاد يهوذا مأخوذ عن أصنام الوثنيين أو عن الملائكة؛ فإن بين الملائكة ~~أشرارا، وأحد هؤلاء وقف في طريق بلعام عندما نهض لتلبية بالاق بن صفور، ملك مؤاب الذي ~~استنجده على إسرائيل «سفر العدد إصحاح 22»، ومثله الذي كان يعتري شاوول فيضرب داود بيده ~~الكنانة ليصرف الروح الشرير عنه «سفر الملوك إصحاح 16»، وكذلك الذي أثار داود أن يحصي ~~إسرائيل فبعث الرب وباء في إسرائيل، فسقط من إسرائيل ms55 70 ألف رجل، وبعث الله ملاكا إلى ~~أورشليم ليدمرها، وإذ كان يدمر نظر الرب فندم على الشر وقال للملاك: كفى. «سفر الأيام ~~الأول إصحاح 21». # هذه الملائكة الساقطة أو الشياطين كانت تعيش في عزلة، وهي في ظمأ دائم وتعب مستمر، فدبت ~~إلى جسم الإنسان واتخذته لها مقرا تتغذى من مادته، وتسبب له الهستريا والصرع والجنون؛ ~~ولهذا كان الأقدمون يسمون المصابين بهذه الأمراض مشيطنين. # وكما كانوا يعزون الأمراض العصبية إلى الشياطين كانوا يعزون إليها ظواهر الأرض ~~الجيولوجية، فتقول أسطورة يابانية: إن جزيرة كيوشو احتلتها الشياطين. وقد أتتها من أقاصي ~~العالم حاملة معها تلك الأبخرة ذات الروائح الغريبة، ففجرت فيها بحيرات من الماء الحار ~~ولججا من الأوحال المصهورة الغالية، وقدحت في أعالي الجبال شرار النار، فكانت تسمع ~~طقطقة القشرة الأرضية كما كانت تتدحرج الصخور فوق الجزيرة والبحر، وجرت أنهار من الحمم، ~~واشتعلت غابات الصنوبر، وابتلعت الأرض الأكواخ مع سكانها. # وظل سلطان الأبالسة على الجزيرة عصورا وهي تجدد فيها الأذى والشر إلى أن جاءها يوما ~~ستة من الرهبان، ونزلوا في تلك الأرض غير المضيافة، هؤلاء الرهبان كانوا مشبعين بالحكمة ~~وأرواحهم متنزهة عن شوائب الأرض، فاختفت الأبالسة لدى ظهورهم تاركة بخارها الكريه الرائحة ~~وماءها الفاتر الغالي، وشرع الرهبان بإقامة المعابد الجميلة، مرصعة بكل ما تقدمه الصناعة ~~الصينية من غريب الألوان والتزاويق، ورنت على الشاطئ أجراس الهيكل تدعو المؤمنين من أقصى ~~الأرض إلى هذه الجزيرة المطهرة. # وفي وسط هذه الجزيرة التي فجرت الشياطين براكينها أسست مدينة بيبو # Beppu # وحماماتها، وبقيت الماء والأوحال في غليانها يؤمها الناس للاستشفاء، ~~فتستقبلهم أنفاس الكبريت الصاعدة من أعماقها، وتملأ أسماعهم أصوات الماء المنبجس من أقنيته، ~~وقد اصطبغت في غباره أشعة الشمس بألوان قوس قزح، فيبدو للعين مشهد سحري قامت في وسطه تماثيل ~~أبالسة الجحيم. # وأبلغ هذه التماثيل أثرا صورة إله الحرب؛ فإن لها رأسا أسود مخيفا، يزينه قرنان ~~قصيران، وجسما مركبا من الحمم أو الشبه «البرونز»، مرتكزا على صخر وفخذاه ~~غارقتان في الماء، وكأنه وهو يضع يدا على وركه ويقبض بالأخرى ms56 على الصولجان يهدد البشر ~~من علو سلطانه. # وقد حفرت في الأرض مراجل مختلفة الحجم يصلها الوحل الأصفر والأحمر وهو في حالة الغليان، ~~كأنه عصيدة سميكة تفور حتى أطراف القدر الذي تطبخ فيه ثم تغور. # ومن هذه التماثيل واحد أخضر كالبحر، وآخر يلقبونه «غدير دم الأبالسة» قرمزي جميل يصبغ ~~الأقمشة التي تلقى فيه بلون أحمر. أما مياه «جحيم الكاهن» فإن حرارتها تبلغ درجة عالية، ~~حتى إن أحد الزوار سقط يوما فيها، فذهب لحمه حالا، ولم يستطع ذووه أن ينتشلوه إلا هيكلا ~~من عظام. # وقد أصبحت بيبو # Beppu # ملتقى كل من في اليابان، من سحرة ~~ومشعوذين يستغلون المارة والحجاج والمرضى، فيستولون على عقولهم وعلى دراهمهم. وإلى جانب ~~هؤلاء مفسرو الأحلام والناظرون في طوالع النجوم والعارفون بالبخت. # وقد زاد أقوالهم تأثيرا ونبوءاتهم مهابة بخار البراكين المتصاعد من حولهم، كأنه أرواح ~~التماثيل المنتصبة أمام أبصارهم، وهذا ما جعل جزيرة الأبالسة أرض الحديث الموحى، والشفاء ~~العجيب. # | الحماقة البشرية # لا أذكر أين قرأت أن أحد القواد العظام - وأظنه فيليبكوس إمبراطور القسطنطينية - كان كلما ~~أشرف على معركة وأزفت ساعة القتال يذرف الدمع سخيا؛ حزنا على من سيقتل فيها من الرجال. ~~وسواء أكانت دموع تمساح أم رحمة أم إفراط في التعبد، فهي شاهد على حماقة الإنسان الذي لا ~~يحجم عن قتل أخيه الإنسان. # من يدري عدد الضحايا التي تفترسها الحرب من كل جيل ~~منذ وجد الإنسان على هذه الأرض إلى يومنا هذا؟ يقول فلاماريون: إن الحرب السبعينية وحدها ~~أطاحت بنصف مليون رجل، وحرب الانقسام في أميركا بمليون، وحروب الإمبراطورية بخمسة ملايين. ~~وإذا أضفنا إلى ذلك من قتل في حروب إيطاليا والنمسا وغيرها بلغ مجموع القتلى 19 ~~مليونا. # وهكذا منذ بداية التاريخ لا ينقضي جيل دون أن تبيد الحرب منه مثل هذا العدد. وقد يبلغ ~~عدد القتلى في المعركة الواحدة مائتي ألف رجل، كما في غارات أتيلا أو المواقع التي هزم فيها ~~ماريوس الروماني قبائل التتون والسمبر، أو حروب جنكيز خان وتيمور لنك اللذين كانا يقيمان ~~في كل محطة ms57 من طريق الفتوحات أهراما من رءوس القتلى، فيكون مجموع من يموت في كل عصر من ~~العصور بالحروب الدينية والسياسية والأهلية على تقدير فلاماريون أربعين مليونا. # منذ طروادة وداود وسميراميس وسزوستريس وكسرى وقمبيز والإسكندر أربعون مليونا من الرجال ~~تراق دماؤهم كل مائة سنة، وكثيرا ما يرافق هذه الدماء ألحان المرتلين والتسابيح ~~للآلهة. أربعون مليونا كل مائة سنة لو جمعت معا لبلغ عددها مليارا وربع المليار؛ أي ما ~~يقرب من عدد سكان الأرض اليوم. # يا له من رقم هائل! أربعون مليونا كل مائة سنة؛ أي 400 ألف كل سنة؛ أي 30 ألفا كل شهر؛ ~~أي 1100 كل يوم؛ أي واحد في الدقيقة. فكأن البشرية قائمة للذبح أبد الدهر، لا تسقط السكين ~~من يدها دقيقة واحدة. لقد ورث الإنسان الحرب عن الحالة الحيوانية، ولا يريد أن يتخلص منها. ~~مائة ألف من السنين على حساب البعض، ومائتا ألف على حساب البعض الآخر أتت على هذا الموجود ~~منذ أتيح له الوجود وهو يناضل ويقاتل. وهذا ما يسمونه تنازع البقاء. # تبدلت الوسائل ولم تتبدل الطباع، وتحولت أسلحته من النبابيت والسهام الحجرية إلى المدافع ~~والمتفجرات، وشهوة الدم باقية كما هي. # يقدر فلاماريون ما أريق من الدماء في هذا المدى الطويل من التاريخ بنحو من عشرين ~~مليونا من الأمتار المكعبة؛ أي ما يجعل منها نهرا كنهر السين، يجري وأنت تنظر إليه من ~~مكانك يومين متواصلين قبل أن ينتهي، وتسير مراكب البحار على أمواجه الحمراء كما تسير اليوم ~~في السين، يتصاعد منها نحو المباني والقصور من الروائح ما يتصاعد من الحفر في جحيم دانتي، ~~ولو بعث هذا المليار وربع المليار من القتلى، ونصبت رممهم الواحدة فوق الأخرى لكان ~~منها سلم بشري يصل إلى القمر ويدور من حوله ويوالي صعوده في اللانهاية، إلى أبعد من مليون ~~من الأميال. ولو أخذت الرءوس وحدها وصف الواحد إلى جنب الآخر لانتظمت عقدا يحيط بالكرة ~~الأرضية ست مرات. # أضف إلى هذه الخسائر في الأجسام والأرواح ما يلحقها من الخسائر الأدبية بإتلاف منتوجات ~~الفكر البشري، ms58 كما فعل هولاكو عندما خرب بغداد؛ فقد أقام جسرا من الكتب في دجلة لتمر عليه ~~جنوده. # وإذا نظرنا إلى أسباب الحروب وجدناها تافهة على حد قول الشاعر: يثير «صغيرات الأمور ~~كبيرها»؛ فمن حروب طروادة التي كان سببها اختطاف امرأة إلى ما عقبها من الحروب، إلى الحرب ~~العالمية الأخيرة التي لم يعرف لها مثيل، لم يكن السبب يوما على قدر المسبب، ولكن الطمع ~~لا ينفك يلعب بالرءوس فتختار البشرية أفضل أولادها وأقواهم، ترضعهم وتغذيهم وتنميهم حتى إذا ~~بلغوا زهرة الشباب أرسلتهم إلى الموت. طمع جنوني يجيش في رأس الواحد، فيجر القطيع البشري ~~إلى الذبح. # ويضطر الباقون إلى الدفاع عن أنفسهم؛ فيجارونه مكرهين. أين هذا من الحياة الهادئة ~~العاملة المفكرة السعيدة يريدها الإنسان ويمنعه عنها الإنسان؟! # وقد يظن، وبعض الظن إثم، أن الحروب ضرورية لمنع الازدحام وتكاثر البشر تكاثرا هائلا ~~يضيق عنه وجه البسيطة على حد قول الشاعر: # سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها # منعنا بها من جيئة وذهوب # مع أنه في إمكان الأرض أن تغذي عشرة أضعاف من عليها، كما أن التقتيل لا يؤثر في تخفيف ~~العدد؛ لأن الإنسانية في تكاثر مستمر على نسبة مولود واحد في الثانية. # فالحرب في كل حال آفة على البشرية، ولو قدر الإنسان أن يتخلص منها واستغنى عن ضرورة ~~الاستعداد لها، وعما يسمونه السلم المسلح لاستطاع أن يلبي دعوة أمه الأرض بالإكثار من ~~الأيدي العاملة؛ فتدر عليه خيرات لا تحصى. ناهيك بالأموال التي تنفق على ميزانية الحرب في ~~كل دولة، فقد قدروا ما أنفق منها في المائة الماضية بسبعمائة مليار، ولا نتكلم عما أنفق ~~في الحرب العالمية الأخيرة. هذه الأموال لو أنفق معشارها فيما ينفع، كتعميم التعليم ~~المجاني في كل صقع، وتحسين وسائل المواصلات بين البلدان بأسرع وأوفى مما هي عليه الآن، ~~وإزالة الحدود الجمركية بين الممالك، وإنشاء المستشفيات الكثيرة، وإمداد الباحثين ~~والمخترعين بما يحتاجونه، لوفرت للإنسان أسباب هنائه واستطاع أن يتغلب على الأمراض ~~المستعصية، وأن يطيل حياته إلى أقصى ما يمكن، إن لم يتمكن من ms59 التغلب على الموت. # حلم جميل لا أدري، ولا أحد في الناس يدري إذا كان في الإمكان استحالته حقيقة. وبينما ~~العقلاء من الناس يفكرون في تحقيقه كله أو بعضه فالأرض لا تزال تدور، وتشهد حماقة البشر، ~~وتحتمل التفظيع والتخريب، وتلبس الحداد، وتغص بدم أبنائها المهراق على صدرها. # | العنصرية الروحية # العنصرية كلمة مشتقة من العنصر، ومعناه في اللغة الأصل والحسب، وقد اتخذها هتلر سلاحا ~~يهول به على العالم للإشادة بتفوق الشعب الألماني على سائر شعوب الأرض، مدعيا أن في عروقه ~~دما آريا نقيا يجعل كل مخلوق دونه. ولكن هذه الدعوى لا صحة لها على الإطلاق، وهي ~~منقوضة بالأدلة العلمية، وما القول بالدم الآري النقي إلا أسطورة من الأساطير وخرافة من ~~الخرافات يرمى بها إلى الدعاية وتضليل العقول. وكل يوم لنا من الشواهد ما يدل على فساد هذا ~~الزعم، ويظهر بأجلى بيان أن الشعوب لا تتفاضل بالأصل والأحساب، وأن كل أمة قادرة على ~~التفوق عندما تدق ساعتها؛ ففيها عباقرة كما أن فيها خاملين. # ولكن هناك عنصرية أخرى يمكننا من نتائجها أن نسميها عنصرية الروح؛ لأنها تخلع المزية على ~~بعض الناس وتؤهلهم لإحراز التفوق العقلي والأدبي والمادي. ما هي هذه العنصرية؟ ومن أين أتت؟ ~~أتكون ما يسميه علماء اللاهوت النعمة؛ أي منحة إلهية تهدي من ينعم بها الصراط المستقيم، ~~وبدونها لا يفهم معنى للإيمان والرجاء والمحبة؟ أجد نفسي هنا مضطرا للوقوف قليلا عند ~~هذه الكلمة، وإلقاء نظرة قصيرة على التاريخ لدرس نشأتها وتحليلها. # إن أول من تكلم عن النعمة بولس الرسول، فيقول في رسالته إلى أهل أفسس: «فإنكم بالنعمة ~~مخلصون، وذلك ليس منكم إنما هو عطية الله.» وقد يشتم من هذا القول إنكار الإرادة ~~الحرة في الإنسان، وهذا ما حمل المسيحيين من الذين تشربوا الفلسفة اليونانية وتعاليم ~~أفلاطون على المعارضة. وقام راهب إنكليزي يدافع عن هذه ~~الحرية فقال: إن آدم مسئول وحده عن خطيئته، ولا شأن لذريته بها. ولكن هذا القول يهدم عقيدة ~~الخطيئة الأولى من أساسها، ولا يبقي لضرورة الخلاص معنى؛ فلم يكن ms60 بد من قيام أئمة الدين ~~عليه، وفي طليعتهم القديس أوغسطينوس الذي حاول التوفيق بين النعمة والإرادة الحرة، فجعل ~~الإنسان مسئولا عن أعماله؛ لأنه حر التصرف قادر على مقاومة النعمة، وعدم الانقياد إليها، ~~إلا أنه لم يفلح بدليل أن أشياع «الجبرية»؛ أي الذين يدعون أن الإنسان مسير غير مخير، ~~يعمل ما أراده له الله منذ الأزل، ما برحوا لزمن طويل من بعده يستشهدون بأقواله. # وجاء بعده توما الإكويني فلم يكن أكثر توفيقا في حل هذا المشكل، وظل النقاش محتدما ~~أزمانا، ولكنه لم يتعد جدران المدارس حتى عهد الإصلاح، فقام لوثر وكلفن يقولان: إن الله ~~يصنع في الإنسان كل شيء، خيرا كان أو شرا؛ فهو محكوم عليه مقدما بالنعيم أو الشقاء، ~~فكان هذا القول أيضا حكما بالإعدام على حرية الإنسان واختياره. وعقد البابا كليمان الثامن ~~مؤتمرا من الكرادلة والدكاترة للبحث في موضوع الإرادة الحرة، فبقي يعمل تسع سنوات وسط ~~معامع الجدل دون جدوى. # وأخيرا جاء جانسنيوس مطران أيبر، فألف بعد الدرس طوال عشرين سنة كتابا منع من نشره في ~~حياته، وفيه يقول: إن الإنسان أضاع حريته منذ طرد من الفردوس؛ فهو الآن مسير بالنعمة. ~~فعادت النار إلى الاستعار وانفرجت مسافة الخلف بين الكاثوليك، وكان للكتاب ذيول ونتائج لا ~~محل لذكرها هنا، حتى إن لويس الرابع عشر تدخل في الأمر، وكانت هي السبب الذي أوحى إلى ~~باسكال «رسائله الإقليمية». # هذه لمحة تاريخية موجزة عن النعمة، ولا ريب أن السلف الصالح أراد بها فيما أراد التعليل ~~عن التفاضل الذي يحصل في الأخلاق والأعمال، ولكنه حصرها في الناحية الدينية. وعندي أنه يمكن ~~اليوم تفسير هذا التفاضل عن طريق العلم؛ لأنه أمر فسيولوجي مرتبط بتركيب الإنسان. وهذه هي ~~العنصرية الروحية التي أريد التحدث عنها، ويحق لي أن أسميها نعمة دون أن أتهم بالتجديف؛ ~~لأنه سواء أكانت النعمة هابطة من فوق أم مستقرة في الهيولى، فهي من فضل الباري تعالى. ~~هذه النعمة تختلف حسب الأشخاص وحسب الأوقات؛ فيشعر المرء أحيانا كأنه قادر على نقل الجبال ~~من مواضعها، ms61 وأحيانا يرى نفسه أضعف من دودة الأرض؛ ذلك لأنها تتبع حالة الجسم والغدد ~~العاملة فيه، هذه الغدد وخصوصا الصماء التي اهتدى العلم إليها منذ عهد قريب، يقول الدكتور ~~كارل في كتابه «الإنسان هذا المجهول»: إن القديسين العظام كانوا أقوياء الغدد، وإن الإنسان ~~لا يصلي بقلبه فحسب، بل بسائر عضلاته أو أعضائه. # هذه الغدد هي ميراث الإنسان الذي يتسلمه منذ يتصور في الرحم، وعليها يقوم استعداده ~~الفطري؛ فترى هذا قوي البنية وذاك ضعيفها، هذا شديد المراس يحتمل المشاق، ويقوى على مقاومة ~~الأمراض، وذاك سريع التعب يدب الضعف فيه لأدنى سبب. الواحد يأكل ويحرق في أعماق أنسجته ما ~~يأكل، والثاني بطيء التغذية الخلوية من تمثيل وتحليل، فلا يسلم من داء النقرس أو الحصاة أو ~~السمن المفرط وما شاكل. # هذه الغدد هي التي تجعل من الإنسان ذئبا ضاريا أو حملا وديعا، وتحوله إلى شيطان رجيم ~~أو ملك كريم؛ فالمعدة والكبد وغشاء الكليتين والغدة الدرقية وسواها تسبب بمفرزاتها، التي ~~لا نزال نجهل الكثير من أسرارها، شتى حالات النفس من خمول وهمة، وضعف وقوة، وحزن وسرور، ~~وغضب ورضى، والذي يتمتع منها بالجيد القوي المنظم فهو المعد للتفوق على سواه. ذلك الفضل ~~من الله وكفى بالله عليما. # هذه هي عنصرية الروح، وكان الأولى أن أسميها عنصرية الفرد لو لم تكن النتيجة واحدة، وهي ~~تلقي نورا جديدا على نظرية القديس أوغسطينوس، من أن الإنسان قادر على مقاومة النعمة؛ لأن ~~الذي يدير هذه الغدد هو العصب العاطف # Nerf Sympatique ~~، ~~والإرادة تسيطر على هذا العصب، وتستطيع بواسطته تحويل مجرى الدم والهضم والتغذية، وبالتالي ~~تبديل الأخلاق، والتغلب على المزاج؛ فهي إذن لا تزال حرة، وهي إذن قادرة على المقاومة. روى ~~ليون دوده أن طبيبا كان مصابا بالسل المعوي والإسهال، وكان مضطرا إلى العمل، فظل طوال ~~ثلاث عشرة سنة يحارب داءه بقوة إرادته، فيمضي نهاره في زيارة المرضى وصعود السلالم ~~متغلبا على إسهاله، حتى إذا أقبل المساء وانتهى من واجبات المهنة ألقى سلاحه وترك ~~المقاومة وعادت علته إليه. # هذه العنصرية هي ms62 التي تخلق التفاضل في الأعمال والأدب وشرف النفس وبعد الهمم والصبر ~~والتضحية والشجاعة، وتجعل من الناس أبطالا، وشهداء وأنصاف آلهة، وهي التي أنطقت شعراء ~~العرب بالحكمة والفخر، فقال عامر بن الطفيل: # وإني وإن كنت ابن سيد عامر # وفارسها المشهور في كل موكب # فما سودتني عامر عن وراثة # أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي # أذاها وأرمي من رماها بمنكب # وقال غيره: # إنا وإن كرمت أوائلنا # لسنا على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا # تبني ونفعل مثلما فعلوا # وقال آخر: # مالي عقلي وهمتي حسبي # ما أنا مولى ولا أنا عربي # إن انتمى منتم إلى أحد # فإنني منتم إلى أدبي # | يوليوس قيصر وشكسبير # أعظم ملك يكتب عنه أعظم شاعر، ولكن لا لتمجيده والتغني بانتصاراته؛ فهو يتبع التاريخ دون ~~أن يتقيد بالتاريخ. يوليوس قيصر الذي فاق هنيبعل والإسكندر فكان أول من استولى على الرين ~~والأوقيانوس، وفرض الجزية على جرمانيا وبريطانيا، وبسط سلطانه فوق آسيا وإفريقيا، وافتتح ~~إسبانيا وبلاد الغال، وانتصر على «فرسنجتوريكس» في ألزيا # Alésia ~~، وعلى فرناس في # Zela ~~، وبطليموس ~~في الإسكندرية، وبومباي في «فرسال»، ومشى من نصر إلى نصر حتى دفع كاتون إلى الانتحار، وأوقع ~~العالم في العبودية، ينظم فيه شكسبير رواية تمثيلية لا ليظهر بطولته ويشيد بمزاياه، ~~ويعدد أعماله وفتوحاته؛ فهي في نظره لا شيء أمام الغيرة الوطنية والعدل والنزاهة التي كان ~~يتحلى بها قاتله بروتوس. # فالرواية تحمل اسم القيصر غير أن الدور الأول فيها لبروتوس، والأهمية ليست لذاك القائد ~~العظيم الذي افتتح ثمانمائة بلد، ودوخ ثلاثين أمة، وعبأ للحرب ملايين من الجند، بل لهذا ~~المواطن المحبوب من الشعب الذي قال عنه المؤرخ بلوتارك: إنه كان أكرم الناس خلقا، ~~وأصفاهم شيمة، وأعفهم لسانا، وأقواهم جنانا. # إن الذي حمل شكسبير على قلب التاريخ في علاقة الأشياء والحوادث بعضها ببعض، إذا جاز لنا ~~هذا التعبير، يرجع إلى سببين؛ الأول: أن شكسبير كان شاعرا إنسانيا؛ فهو لا يفصل بين ~~وظيفة الشاعر وواجبات الإنسان، ولا يلتمس الفن لأجل الفن وحده، بل ms63 يرى في الشعر رسالة إصلاح ~~وتهذيب بمناصرة الحق ومحاربة الباطل. وما المسرح في نظره سوى مرآة تعكس للمجتمع فضائله ~~وعيوبه، والغاية منه لا تقف عند تسلية الجماهير، بل تتعداها إلى تنوير الأذهان وإرشاد ~~النفوس، بعرض حياة أبطاله عرضا يقصد منه إلى الحكم لهم أو عليهم، واستخلاص العبرة النافعة ~~والموعظة الكبرى. # ولهذا تجد الفلسفة في أقواله تنبع من كل جانب، وهي مستوحاة من حالة الاجتماع، والبيئة ~~التي عاش فيها. ومن الصعب أن تمر برواية له لا تشير إلى بعض مواطن النقص والفساد، وتهور ~~الأخلاق التي عاش فيها ذلك الجيل، ولا تكثر فيها مغامزه ليخلص منها إلى مغزى أدبي أو درس ~~اجتماعي. # في رواية «هملت» مثلا يريك خطر التردد في الرأي عندما يرتفع صوت الواجب، وفي «الملك ~~لير» يظهر التباين بين سلطة الملك الزائلة، وسلطة الأب الطبيعية والأخطاء التي تتعرض لها ~~الثانية إذا تحكمت بها الأولى، وفي «عطيل» يكشف لك عن أعماق الهاوية التي تحفرها يد الغيرة ~~العمياء، وفي «كما يروق لك» ينحي باللائمة على حقوق البكورية التي ما برحت طوال القرون ~~الوسطى عاملة في إنكلترا على تضحية الإخوة في سبيل مصلحة البكر، وفي «كل شيء حسن إذا حسنت ~~نهايته» يطعن في امتياز الطبقات، ويجبر الأرستقراطية على الاتحاد مع الشعب. # وفي «تاجر البندقية» يحارب التعصب الديني بتزويجه مسيحيا من ابنة يهودي، وفي «يوليوس ~~قيصر» يناهض الاستبداد. وهنا نصل إلى السبب الثاني فيما رمى إليه شكسبير بإنزال هذا العاهل ~~العظيم عن عرش التاريخ؛ فإن الشاعر لم يكن في هذه الرواية إلا معبرا عن الشعور العام ~~السائد في عصره، وهذا الشعور يختلف كل الاختلاف عن شعور العصور الوسطى؛ لأن الأفكار كانت قد ~~تطورت تطورا كبيرا في الخمسمائة سنة الأخيرة، فتبدلت آراء الناس في السلطات والعقائد، ~~ودبت في نفوسهم روح جديدة فيها شيء من التمرد والخروج على التقاليد القديمة. وهذا ما ~~نتبينه في أجلى مظاهره إذا قابلنا بين ما كتبه شكسبير وما كتبه دانتي لثلاثمائة سنة قبل ~~شكسبير في كتابه «الكوميديا الإلهية». # يهبط دانتي الجحيم ms64 بصحبة الشاعر فرجيل، وبعد أن يجتازا معا الحلقات الثمان الأولى من ~~جهنم يصلان إلى الهوة التي يقيم فيها قايين قاتل هابيل، ثم نراهما يتقدمان على بحيرة من ~~الجليد يرتعش بين أمواجها المتجمدة القتلة والسفاحون الذين عرفهم في حياته، فهنا الأخوان ~~ألبرتي وقد جمد البرد دموعهما فأصبحت كالكفن لهما، وإلى جانبهما ينتفض فوكاسيا قاتل عمه، ~~وموردك الذي قتله أبوه؛ لأنه حاول هو أن يفتك به، ومسكروني الذي ذبح ابن أخيه ليسلبه ماله، ~~وهناك شيخ ممدود على ظهره فوق الأمواج المتبلورة هو الراهب منفرودي الذي قتل كل أنسبائه في ~~وليمة أعدها لمصالحتهم. # وبعد أن يمر الشاعران بهذه الأشباح القاتمة يتابعان السير، وفرائصهما ترتعد من البرد ~~والخوف، إلى أن يقع بصرهما على لوسيفروس، رأس الأبالسة، وقد بسط ظله الجبار على ذلك ~~الأوقيانوس الجليدي الذي قذف به إليه الغضب الإلهي. لقد تحول جمال هذا الملاك الساقط إلى ~~قبح فظيع، وصار إمبراطور مملكة الآلام كما يسميه دانتي أشبه بالخفاش، وله ثلاثة وجوه تنبسط ~~عليها ستة أجنحة، وفي كل وجه فم يدق على الدوام، ويطحن تحت أسنانه واحدا من أشقى المحكوم ~~عليهم باللعنة الأبدية؛ ففي الفم الأول بوداس الإسخريوطي، وفي الثاني بروتوس، وفي الثالث ~~كاسيوس رفيق بروتوس. وبعد هذا المشهد يأخذ الليل بالهبوط فيصعد الشاعران وقد رأيا ما أرادا ~~رؤيته. # نرى أن الشاعر الإيطالي في ذلك المنفى الجهنمي الذي اخترعه خياله قد اختار لقاتل القيصر ~~عقابا لا يختلف في الشدة عن عقاب الذي أسلم المسيح إلى أعدائه؛ فقاتل الملك عنده كقاتل ~~المسيح، ولا فرق في الذنب بين من خان السيد المسيح ومن خان ملكا أو إمبراطورا. ولا عجب؛ ~~فإن دانتي عبر عن فكرة زمانه وجيله، فإن القرون الوسطى في إيمانها الكاثوليكي والإمبراطوري ~~لم تكن تميز بين من يعتدي على مؤسس المملكة، ومن يعتدي على مؤسس الكنيسة، والدم المراق على ~~قدمي تمثال بومباي لا يقل قيمة عن الدم المسفوك على الجلجلة؛ لأن سلطة القيصر على الأرض ~~تمثل عندهم سلطة المسيح في السماء. وكيف لا يخضع العالم المسيحي ms65 لذلك العهد لعظمة القيصر ~~وقد اعترف بها المسيح نفسه فقال: أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله؟ ألم يكن هذا القول ~~تأييدا لسلطان القيصر، ومصداقا لاغتصاب الفاتح، واستحسانا لعبوره نهر الروبيكون الذي ~~حرمته الآلهة، وغفرانا لانتهاكه حرمة الجمهورية، وحرما قاطعا على أعدائه من ~~أنصارها؟ # هكذا كانوا يفسرون الإنجيل في القرون الوسطى، فكانت النتيجة تقديس اسم القيصر بقدر ما كان ~~اسم أعدائه ممقوتا. وما برحوا طوال ألف عام وأكثر يجافون ذكر بروتوس، كما يجافون ذكر ~~بوداس. # ثم جاء عصر الانبعاث فقامت الثورة على سلطة الملك كما قامت على سلطة الكنيسة، وأفضى ~~الجدل في الدين إلى الخصام في السياسة، وقدر لشاعر بروتستانتي أن يعلن الثورة في ~~الميدان الاجتماعي، كما أعلنها قس بروتستانتي في الميدان الديني؛ هذا باستناده إلى النصوص ~~المقدسة، وذاك إلى التاريخ؛ فقد قارع لوثر البابا والتوراة على لسانه، وحكم شكسبير على ~~القيصر وبلوتارك في طيلسانه. # ولم يكف المفكر الحر أن يحكم على القيصر، بل أراد الإنصاف لبروتوس، هذا القاتل الذي ~~بهظته لعنة القرون الوسطى، لقد نهض به شكسبير، وانتشله من ذلك الحكم الجائر المشين، ~~واستحضر بسحر قلمه تلك الصورة المنسية التي زجها دانتي في أعماق جحيمه، ورفعها إلى مصاف ~~الأبطال بين هتاف الأجيال الجديدة. فإذا أنت قرأت رواية يوليوس قيصر لشكسبير تشعر بالإعجاب ~~الشديد، لا لانتصارات القوة الوحشية، ولا للبلدان المخربة بالحديد والنار، ولا للأنهر ~~المغطاة بجثث القتلى، بل لذلك الفتح المبين الذي تنتصر به الروح السامية على نفسها فتضحي ~~العاطفة في سبيل المبدأ. # يزعم بلوتارك في كتابه «حياة بروتوس» أن بروتوس ابن القيصر، وهذا سبب عطف القيصر عليه ~~بوجه خاص، غير أن شكسبير لا يذكر ذلك تصريحا أو تلميحا لئلا تضعف حجته؛ فإن السامع إذا ~~عرف ذلك لا يسعه إلا أن يرمي بروتوس بالعقوق، فتضيع الغاية الأدبية من عمل بروتوس، ويساور ~~إعجاب الناس شيء من الأسف والندم. # لقد كتب فولتير في الموضوع وتبسط فيه، فوضع بروتوس بين حبه لأبيه وحبه للحرية، مما يترك ~~أثرا سيئا في نفوس السامعين؛ فلا ms66 يدري الناس أكان بروتوس على صواب أم خطأ عندما أنكر صوت ~~الطبيعة ليصغي إلى صوت الاجتماع. ولا تجد شيئا من هذا في شكسبير؛ فهو يحول كل إعجابك نحو ~~بروتوس. وهذا ما تشعر به حالا عند رفع الستار. # ويقول بلوتارك في كتابه «حياة بروتوس»: إن كاسيوس ألهب بروتوس ودفعه إلى التآمر والقتل. ~~وفي كتابه «حياة القيصر» يذكر أن أنطونيوس عرض التاج على القائد في عيد آذار، فجمع شكسبير ~~بين هذين المشهدين على وجه تبدو فيه الأهمية لتلك المأساة، وذلك الحديث السري بين وطنيين ~~يبث كل منهما الآخر أخفى ما في نفسه، تاركا من وراء المسرح تلك المهزلة الفخمة التي يتظاهر ~~فيها الدكتاتور وهو مستو على عرشه الذهبي برفض التاج، فيسمع الحضور عن بعد أنغام ~~الموسيقى، وهتاف الجماهير، بينما هو يشهد عن كثب حركة المؤامرة، ويسمع همس ~~المتآمرين. # وفي هذا الحديث ينتزع كاسيوس من بروتوس هذا الاعتراف: أحب القيصر، ولكن لا أريد أن يختاره ~~الشعب ملكا له. ولا يفتأ كاسيوس يعدد عيوب الطاغية، ويتبسط في ذكر استبداده، ومحاربته ~~حرية الفكر، إلى أن يقتنع بروتوس فيضحي حبه للقيصر في سبيل الخير العام. # وهكذا يتمشى القارئ أو السامع مع المؤلف بالعطف على بروتوس دون القيصر، منذ حديث المشهد ~~الأول إلى المؤامرة، إلى الاغتيال، إلى ختام الرواية. ms67