######OpenITI# #META# URI: 1377NiqulaFayad.HawlSarirImbiratur.Hindawi30483160 #META# Tags: history :: biographies #META# ID: 30483160 #META# Title: حول سرير الإمبراطور #META# AuthorID: 79141535 #META# Author: نِقولا فياض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - نابوليون في نظر الطبيب‏ # 2 - ميلاد نابوليون وطفولته‏ # 3 - فتوة نابوليون‏ # 4 - نابوليون يتسلمه التاريخ‏ # 5 - 18 برومير‏ # 6 - اجتماع نابوليون بكورفيزار‏ # 7 - من سنة 1803 إلى 1810‏ # 8 - عام الطلاق‏ # 9 - الداء الخفي‏ # 10 - نتائج سوء الهضم‏ # 11 - محاولة الانتحار في فونتنبلو‏ # 12 - مملكة الأقزام‏ # 13 - مشية الظافر‏ # 14 - حكومة المائة اليوم‏ # 15 - واترلو‏ # 16 - إلى المنفى‏ # 17 - لونكوود‏ # 18 - آخر مراحل العذاب‏ # ذيل‏ # مقدمة‏ # 1 - نابوليون في نظر الطبيب‏ # 2 - ميلاد نابوليون وطفولته‏ # 3 - فتوة نابوليون‏ # 4 - نابوليون يتسلمه التاريخ‏ # 5 - 18 برومير‏ # 6 - اجتماع نابوليون بكورفيزار‏ # 7 - من سنة 1803 إلى 1810‏ # 8 - عام الطلاق‏ # 9 - الداء الخفي‏ # 10 - نتائج سوء الهضم‏ # 11 - محاولة الانتحار في فونتنبلو‏ # 12 - مملكة الأقزام‏ # 13 - مشية الظافر‏ # 14 - حكومة المائة اليوم‏ # 15 - واترلو‏ # 16 - إلى المنفى‏ # 17 - لونكوود‏ # 18 - آخر مراحل العذاب‏ # ذيل‏ # | حول سرير الإمبراطور # | حول سرير الإمبراطور # تعريب # نقولا فياض # نابوليون في طريق المنفى. # | مقدمة # يختلف هذا الكتاب عن كل ما كتب عن نابوليون بكونه نظر إليه نظر الطبيب الفاحص ~~والعالم المستقصي، فهو يدرس نابوليون الرجل صاحب الوراثة المرضية، وما اكتنف نشأته ~~من الأحوال، وما كان من تأثير مزاجه وطباعه في جميع أدوار حياته. # ففي هذه الفصول يجد القارئ درسا تحليليا مبتكر الأسلوب لشخصية ذلك العبقري ~~الفريد الذي لم تلد القرون له مثيلا. # وقد استشهد الكاتب بحوادث ونوادر كثيرة تزيد في طلاوة الكتاب، كما تزيد في رونقه ~~الصور الكثيرة التي تحلى بها. # إدارة الهلال # الفصل الأول # | نابوليون في نظر الطبيب # هذا كتاب عن نابوليون يروي للقارئ شيئا غير حروبه وفتوحاته. # فلقد قيل وأثبت الطب أن للصحة والمزاج تأثيرا كبيرا في حياة الإنسان ~~وأعماله. # وهذا ما نريد أن نلم به في كلامنا عن الإمبراطور العظيم. # ولا يتوهم القارئ أن هذا البحث خلو من الفائدة العملية، فإن رجلا كنابوليون ~~طبقت شهرته الآفاق، وترك طابعه على عصره والعصور التي تليه، ليس من الحكمة أن ~~يغفل تاريخه الصحي أو تجهل حالة سلالته من ms01 هذه الوجهة، ولا سيما أنها تعد ~~للباحث مثالا واضحا من الوراثة المرضية تتجاوز فائدته الطبية إلى المؤرخ، فقد ظهر ~~اليوم بما لم يبق معه مجال للشك أن هذا المزاج الذي يسمونه: الأرتريتيكي ~~(وسنعود إلى الكلام عنه) هو من أهم عوامل التقهقر في الأسر المالكة. # وقد كان نابوليون مقتنعا بتأثير الوراثة إلى حد أنه وهو على سرير الموت كان ~~شغله الشاغل أن تتخذ الحيطة اللازمة لحماية ابنه من الداء الذي هد ~~كيانه. # على فراش الموت (نابوليون يعطي للمارشال برتران ~~السيف المعد لابنه). # ولذلك أوصى بتشريح جثته وفحص معدته بوجه خاص؛ لاعتقاده أن فيها مركز الداء، ~~ولم يخطئ ظنه، كما أثبت التشريح المرضي بعد ذلك، فقد وجدوا قرحة سرطانية في ~~المعدة، كما وجدوا أثرا للسلال في رئته. # واجتماع العلتين؛ أي السرطان والسل، لم يكن معروفا فيما مضى، أو بالأحرى لم تكن ~~الآراء متفقة عليه، أما اليوم فقد أصبح من الأمور المقررة إمكان اجتماع الداءين في ~~الجسم الواحد. # بقي علينا أن نعرف إذا كان في أسلاف نابوليون من أصيب بإحدى هاتين العلتين، ~~ولكن قبل الدخول في الموضوع يحق لنا أن نتساءل هل السرطان وراثي؟ # المعروف اليوم أن الإنسان يرث عن أبويه الاستعداد أو التربة، وقد كان ~~الأقدمون يعللون مصائب عظمائهم بأنها من غضب الآلهة وحكم الأقدار، أما اليوم فقد ~~بدلنا من هذا كله حقائق علمية، من ضمنها حقيقة الوراثة المرضية، ولا سيما ~~الأرترتيسم # Artritisme ~~. # ما هو الأرترتيسم؟ # شارل بونابرت، والد نابوليون. # كلمة لم يتفق العلماء على تعريفها، فهي ليست علة واضحة كذات الرئة مثلا، بل ~~يراد بها مزاج خاص تسوء فيه التغذية فتنتج عنها أعراض مختلفة، ولا يعنى بالتغذية ~~الطعام والشراب، بل الوظيفة الأولى التي تقوم بها المادة الحية، أي مجموع التفاعلات ~~والمبادلات الحادثة بين الكائن الحي والبيئة التي يعيش فيها ويتغذى منها. # أظنك أيها القارئ، لم تزدد بيانا بهذا التعريف، حسبك أن تعرف أن كلمة ~~الأرترتيسم تشمل النقرس والبول السكري والروماتزم وحصوة الكبد والكلية والصداع ~~والربو والبواسير والطفح الجلدي وبعض أشكال سوء ms02 الهضم والالتهاب المعوي، كل هذه ~~الأمراض ترجع إلى نسب واحد وأسرة واحدة فينوب بعضها عن بعض بالانتقال الوراثي؛ أي ~~إن البول السكري قد يورث الربو والنقرس والبواسير إلى آخره. # والأرترتيسم على نوعين، فمنه ما يصيب المزاج العصبي فيكون صاحبه نحيل البدن قليل ~~شعر الرأس، ومنه ما يصيب اللمفاوي فيكون سمينا محتقن الوجه. # ليتسيا بونابرت، والدة نابوليون. # وقد مثل نابوليون الدورين ولبس الحالتين، فصار في الكهولة إلى عكس ما كان عليه ~~في شبيبته، فبعد أن كان نحيفا نشيطا أمسى بدينا مترهلا على تثاقل في ~~الهمة وتردد في العزيمة، كما سيمر بك. # وهذه الوراثة المرضية تأتي في الغالب عن الأب دون الأم حسبما ظهر من إحصاءات ~~العارفين، وما كان نابوليون ليشذ عن القاعدة، فقد اشتهر عن أبيه وجده أنهما ماتا ~~بالسرطان، وهو نبأ يحتاج إلى دليل بالنسبة إلى الجد، أما الأب فمما لا ريب فيه ~~أنه مات كذلك، كما ظهر من تقرير الأطباء الذين شرحوا جثته، وقد وجدت نسخة من هذا ~~التقرير عند البارون ديبوا مولد ماري لويز. والظاهر أن الأطباء أرادوا في كتابة هذا ~~التقرير خدمة الأسرة اعتقادا منهم بتأثير الوراثة؛ ولذلك تجد فيه بعد الوصف والشرح ~~الكافي عن حالة معدة شارل بونابرت والورم الذي فيها إسهابا في ذكر العلاج والغذاء ~~الملائم لمن يصاب بمثل هذا الداء. نعم، إن كلمة سرطان لم ترد في هذا التقرير، ولكن ~~كل ما قيل فيه ينطبق عليه، وفضلا عن ذلك فإن شارل بونابرت مات في الأربعين، وعمه ~~كان مصابا بالنقرس، وكانت آلامه شديدة إلى حد أنها ألهمت أحد أحفاده وهو ~~نابوليون أن يكتب إلى الدكتور تيسو وهو طبيب مشهور في سويسرا ليستشيره بشأنه، ولا ~~بأس من عرض صورة هذا الكتاب التي تمثل صفحة من حياة نابوليون ونفسه في زمن ~~الفتوة: # سيدي، # قضيت أيامك في خدمة الإنسانية، وطار اسمك في العالم حتى اخترق جبال كورسيكا ~~التي قلما يحتاج الإنسان فيها إلى طبيب. لم أتشرف بالتعرف إليك إلا أن ~~ما أسمعه عن علمك وفضلك يجرئني على مكاتبتك ms03 لأستشيرك بشأن عم لي ~~مصاب بالنقرس. # ولا يوافقني في هذا الحديث أن أعترف بعمر عمي البالغ السبعين، ولكن ~~لا تنس يا مولاي، أن في إمكان الإنسان الوصول إلى المائة وما فوقها، ~~وبنية عمي تسمح له أن يكون في عداد هؤلاء الممتازين ، وهو فضلا عن ذلك يعيش ~~باعتدال وحكمة لا تعصف به أهواء النفس ولا تثيره زوابع الحياة، كما أنه ~~لم يصب أبدا بعلة من العلل ولم يشك ألما من الآلام، وإذا كنت لا ~~أجاري فونتانل فأقول عنه: إنه كان يملك الخلتين اللتين تضمنان العمر ~~الطويل: الجسم الصالح والقلب الطالح، فأنا أعتقد أنه مع ميله للأنانية لم ~~يضطر إلى الإغراق فيها. # وقد تنبأ أحدهم له في صباه أنه سيصاب بهذا الداء مستندا في ذلك إلى صغر ~~يديه وضخامة رأسه، ولكنك ترى مثلي - على ما أظن - أن ذلك من قبيل ~~الاتفاق. # الدكتور تيسو (من لوزان). # نابوليون بونابرت بلباس شرقي. # وبعد أن يصف نابوليون داء عمه وما يقاسيه من الأوجاع يختم كتابه إلى الطبيب بهذه ~~العبارة: # الإنسانية يا مولاي، تجعلني على أمل من جوابك، أنا نفسي أتعذب منذ شهر ~~بالحمى المتقطعة؛ ولهذا أشك في أنك ستقرأ بسهولة أسطري هذه. # وأختم بتقديم الاحترام الذي يوحيه إلي فضلك السابق واللاحق. # بونابرت ضابط في المدفعية سنة 1787 # أما تيسو الطبيب فلم يتنازل إلى الإجابة عن هذا الكتاب، ولم يعلم أكان ذلك منه ~~نسيانا أم إهمالا أم ظنا أن هذا الغريب المجهول يحاول أن يستفيد من علمه ~~مجانا بلا أجر، ولم يدر في خلده أن سائله هذا سيملأ اسمه الخافقين. # الفصل الثاني # | ميلاد نابوليون وطفولته # ولد نابوليون في أجاكسيو في 15 أغسطس سنة 1769 بعد أن ضمت كورسيكا إلى فرنسا باتفاق ~~بين جمهورية جينوا ولويس الخامس عشر. # وكان نحيف البدن ضعيفا إلى حد أن أمه استعانت بمرضع لتغذيته خوفا عليه ~~وإشفاقا، ولم تجسر على تعميده إلى أن بلغ السنتين وولدت أخته ماري حنة، فانتهزت ~~الفرصة وعمدتهما في وقت واحد، وكان يمتاز منذ ذلك العهد برأس كبير لا ms04 يكاد يستقر على ~~عنقه، وكلما ترعرع زادت ملامحه وضوحا في الدلالة على قلة الصبر وسوء الطبع ~~وشدة العناد، فلم يكن يقوى عليه أحد غير أمه التي كانت على حنوها الشديد نحوه ~~صارمة في معاملته حتى اضطرت مرة إلى جلده، وقد بقي تذكار ذلك الجلد حاضرا ~~في ذهن الإمبراطور إلى الساعة الأخيرة، كما روى خادمه في جزيرة المنفى. # وكان على الرغم من المعارضة واللوم والتأنيب قوي الحجة كثير اللجاج، يحب ~~التدخل في كل أمر، وفي ذلك يقول عند المقابلة بينه وبين ابن الجنرال برتران: «كنت كهذا ~~الولد، عنيدا أحب الخصام ولا أهاب أحدا، فأضرب هذا وأخدش ذاك بأظافري، ولا أخضع ~~إلا لوالدتي التي كانت تعرف أن تضع الجزاء والعقاب كلا في موضعه.» # ومن الحوادث التي تظهر بعض ما كان عليه نابوليون من العزم والعناد في طفولته، ما ~~روته الكونتيسة دورسه عن أمه وكان عمره يومئذ 7 سنين، قالت: ~~«كان نابوليون يتمشى في الحديقة فدهمه المطر، وكانت أمه تراقبه من وراء زجاج ~~النافذة وتشير عليه بالدخول، إما هو فلم يحفل بإشارتها وظل على حاله دون أن ~~يسرع الخطى على الرغم من انهمار السيل وقصف الرعد وثوران الزوبعة، بل كان ~~كأنه يشعر بلذة غريبة لوجوده في تلك الحالة، ولما انقطع الماء وصفت السماء ~~عاد وقد أصابه البلل حتى العظم كما يقولون، وسار توا إلى أمه يستغفرها عن هذا ~~العصيان محتجا بوجود التعود على معاكسات الجو؛ لأنه سيكون جنديا.» # المدرسة الحربية الملكية في عهد لويس السادس ~~عشر. # وكانت رغبته في الخدمة الحربية ظاهرة في أكثر حركاته، فكان يرسم على الجدار صور ~~الجنود وقد اصطفت للقتال، كما كان يبدل من خبزه الأبيض بخبز الجنود الأسمر. # هذه الأمور تافهة في ذاتها، ولكنها ذات قيمة في حياة الرجل العظيم؛ لأنها تظهر ~~تلك البذرة التي خرجت منها تلك الشجرة الكبيرة فتجعلنا نفهم أسرار الغرابة التي كانت ~~تتجلى في كثير من أعماله. # ومرت طفولة نابوليون بغير علة تذكر، وانقضى طور التسنين دون أن يحدث في حالته ~~العمومية تأثيرا، لولا ms05 قليل من الصفراء والإسهال، تركا وجهه شاحبا قاتما، وجعلاه ~~عصبيا قليل النوم سريع التهيج، مما جعل ذويه غير مرة يجبهونه باللوم والتأنيب، ~~دون أن يدركوا أنه غير مسئول عن هذه الحالة؛ لأنها حالة مرضية، وكم من ~~الوالدين حتى يومنا هذا يسيرون مع أولادهم على هذا النمط، إذا بدر منهم بعض الحدة أو ~~ظهرت عليهم أعراض الكسل فيقسون حيث يجب اللين، ولا يبحثون عن السبب الذي كثيرا ~~ما يكون من اختلال وظائف الهضم، أو اعتلال أحد الأعضاء الرئيسية، أو التهاب الحلق أو ~~الأذن، وما شاكل هذا. # وأدخل نابوليون إلى المدرسة قبل العاشرة، فلبث في «أوتن» مع أخيه جوزف ثلاثة أشهر ~~وعشرين يوما منتظرا من حين إلى آخر أن ينتقل إلى مدرسة بريان # Brienne # الحربية. # ولم يغب عن أساتذته في أوتن ما كان عليه من العبوس والتفكير؛ لأنه كان يحب ~~الانزواء، فلا يعاشر أحدا، ولا يشترك مع رفقائه في الألعاب الرياضية وغيرها، وكان ~~يختلف عن أخيه جوزف كل الاختلاف في العريكة والأخلاق، ولا يشابهه إلا في ~~الاجتهاد وحب المطالعة. # وبعد زمن قصير ورد على أبيه كتاب من وزير الحربية البرنس مونباره يبشره فيه بتنازل ~~الملك إلى قبوله في عداد تلامذة مدرسة بريان، وكانت هذه المدرسة خصيصة بالنبلاء، ~~فوجد نابوليون نفسه غريبا فيها، مضطهدا من رفقائه أبناء الأسر العريقة في ~~النسب المنتفخين غرورا انتفاخهم بالمال، ومن قرأ كتابه إلى أبيه يومئذ يتبين ~~من خلال سطوره شدة الحنق الذي كان يلهب قلب هذا الشاب في أول مرحلة من حياته، ~~فقد جاء فيه: «إذا كنت لا تستطيع أن تعطيني ما يلزم لأعيش في هذا المعهد، ~~فادعني إليك حالا؛ فقد سئمت نفسي التظاهر بعدم الاكتراث بينما أعيش على مرأى ~~ومسمع من هؤلاء الأغرار الذين لا يمتازون عني بشيء سوى غناهم.» # وكانت رغبة الملك أن يتم على أولاد النبلاء نعمة التربية الاجتماعية، فأدخل في ~~نظام المدرسة ما يوجب اختلاط التلامذة بعضهم ببعض لتلين طباعهم بالاحتكاك ~~ويخف كبرياؤهم فيتعودوا النظر إلى سواهم نظرة أدنى إلى العدل والمساواة، وكانت ms06 ~~مدة الدراسة ست سنوات لا يجوز في خلالها لتلميذ أن يطلب إذنا بالتغيب، كما أنه ~~من الواجب على كل فرد أن يلبس ثيابه ويغسلها بدون مساعدة خادم أو أجير، ~~وأن يجعد شعره بنفسه ويرسل منه ضفيرة صغيرة إلى الوراء، ولا يحق له أن يذر ~~عليه «البودرة » إلا في الآحاد والأعياد، أما السرير فكان بسيطا، فراشه وغطاؤه لا ~~يغيران صيفا ولا شتاء. # وكانت الرياضة البدينة وكل ما يزيد في قوة الجسم وخفته من الأمور الضرورية، أما ~~الرقص والموسيقى فليس لهما أن يأخذا من أوقات الدرس كثيرا ولا قليلا، وكان العقاب ~~بالضرب ممنوعا؛ لأن الضرب «مما يضر بالصحة ويذل النفس ويفسد الأخلاق»، ~~ومن الواجب تجافي العقاب ما أمكن؛ لأنه يجلب العار على التلميذ ويحط من ~~كرامته. # تلك هي الشرائط التي جرى عليها نظام مدرسة بريان لإعداد رجال أقوياء بدنا وعقلا، على ~~أنها لم تكن تحترم كل الاحترام، فكم تغيب تلميذ! وكم عوقب بالضرب سواه! حكي ~~أن نابوليون استحق القصاص مرة فأمر أن يركع أمام باب غرفة الأكل ويتناول ~~طعامه على هذه الحال، فأطاع إلا أنه ما كاد يحني ركبتيه حتى أصابه قيء ~~شديد ونوبة عصبية واتفق أن مر المدير حينئذ، فأخذه بيده بعد أن وجه إلى ~~المعلم كلمات اللوم، وأسرع أستاذه في الرياضيات شاكيا محتجا على إهانة أفضل ~~تلاميذه. # وكانت العادة أن يزور المدارس الحربية بين آونة وأخرى مفتش خاص غايته فحص ~~التلاميذ والإشراف على أحوال معيشتهم ودروسهم وصحتهم؛ ليقدم بذلك تقريرا ~~وافيا إلى الوزير، فجاء بريان هذه المرة المسيو ده كراليو، وذلك في سبتمبر 1783، ولما ~~رأى نابوليون أدرك حالا ما عنده من الاستعداد على الرغم من أن معارف التلميذ الشاب ~~كانت وقتئذ قليلة لا تكاد تتعدى الرياضيات، فوقع اختياره عليه لإرساله إلى باريس، ~~وحرر بذلك شهادة أتى فيها على وصفه من حيث القامة والبنية والصحة، ولم ينس أن ~~يذكر فيها أنه ضعيف في اللغة اللاتينية وفي الألعاب. # ثم جاءت أمه لزياته، فأفرغت جهدها في إقناعه بالعدول عن البحرية؛ حيث لا ~~يجد ms07 إلا عدوين: الماء والنار. والذي زادها قلقا عليه ما رأت من نحوله ~~وتحول ملامحه، حتى إنها أبت بادئ ذي بدء أن تصدق أنه ولدها، كما يقول ~~نابوليون نفسه في حديث له مع الجنرال مونتولون؛ لأنه حقا كان قد تغيرت صحته ~~وساءت كثيرا؛ لإفراطه في الدرس وسهر الليالي مكبا على المطالعة، وذلك «لأن ~~فطرته كانت تأبى عليه إلا أن يكون الأول في صفه». # ولا توجد تفاصيل عن حياة نابوليون في بريان سوى ما كتبه أحد رفقائه في المدرسة ~~ونشره بعد سقوط الملكية؛ أي سنة 1815، فقد جاء في هذا الكتاب أن نابوليون كان يجهل ~~تقريبا الفرنسوية، فعينوا له أستاذا خصوصا هو الأب ديبوي، وكانت ذاكرته ضعيفة ~~جدا؛ بحيث لا يقوى على استظهار دروسه، إلا أنه كان يفهم بسرعة معنى كل ما ~~يقرأ، وقد قرأ كثيرا وخصوصا التاريخ. # وكان متطرفا في مدح الإنكليز وذم الفرنسويين، وقد اضطر فيما بعد إلى تغيير رأيه ~~هذا، وكان لون وجهه أصفر شديد الاصفرار، فكان يعلل ذلك بأنه وهو في المهد كانت ~~الحرب مستعرة في كورسيكا، فاضطرت مرضعه أن تنجو به إلى الجبال، وجلبت له ~~عنزة تشاركها في إرضاعه لقلة لبنها، ولكن العنزة ماتت فلم تجد غير الزيت ~~لتغذيه به (كذا). # بونابرت حين كان طالبا في المدرسة الحربية ~~الملكية. # ويقال: إن نابوليون لم يكن ليشترك مع رفقائه في الرياضة واللعب، ولكن الكاتب الذي ~~يدعي أنه رافق نابوليون أيام المدرسة يقول: إنه في باريس كان يلعب كغيره، ~~ولا سيما لعبة تسمى لعبة اللص وأخرى لعبة الصيد، وكلاهما حركة وركض. أما ألعاب ~~الخفة فكان يجهلها تماما حتى إنه لم يكن يعرف أن يرمي حجرا فيصيب، بل إنه ~~كان عاجزا عن تجعيد شعره بذاته، وقد بلغ ذلك منه أن سمح له بالشذوذ عن القاعدة، فصار ~~يدعو مزينا لتجعيده وإرسال جديلة وراء رأسه حسب زي تلك الأيام. # وقد غادر نابوليون بريان في 17 أكتوبر سنة 1784 غادرها غير آسف؛ لأن شوقه إلى ~~كورسيكا لم يزل متقدا وحنينه إلى سمائها الجميلة لم يزايل ms08 فؤاده لحظة. # أما مدرسة باريس فقد أنشئت على عهد لويس الخامس عشر بالقرب من الأنفاليد، كأنما ~~أراد منشئها أن ينعش الأبطال القدماء ويفرح شيخوختهم بمنظر الشباب المعزي، ثم ~~أقفلت واعتيض عنها بمدرسة خاصة أعدت لقبول زهرة الطلاب ممن امتازوا في ~~دروسهم من أي بلد فرنسوي كانوا، وقد أظهر نابوليون أنه حائز الصفات المطلوبة فقبل فيها ~~بسهولة. # ولا نعرف من حياة نابوليون في هذه المدرسة الملكية إلا نتفا يرويها رفقاؤه، ~~ومنها هذه الحادثة التي تدل على نفسه: كان الاعتراف إجباريا في المدرسة، فإذا لم ~~يجئ التلميذ من تلقاء نفسه إلى الكنيسة جيء به غصبا، ووقف عند الباب حارس ~~يمنعه من الخروج قبل أن يتم هذا الفرض الديني، فلما جاء دور نابوليون ووقف ~~أمام الكاهن سأله هذا عن وطنه، فأجابه أنه من كورسيكا، فما كان من الكاهن إلا ~~أن انطلق في ذم الكورسيكيين وعد عيوبهم ولصوصيتهم، فتكدر نابوليون واحتدم ~~الجدال بينه وبين معرفه حتى انتقل من السب إلى التهديد، وانتهى بأن ضرب ~~نابوليون بقبضة يده على الحديد الفاصل بينه وبين الكاهن، فكسره وهجم عليه، ولولا ~~الحارس الذي أسرع إلى الفصل بينهما لكانت معركة دموية، ولم يعاقبه رؤساؤه على ما جرى؛ ~~لأنه لم يفعل ذلك إلا دفعا للإهانة التي أراد أن يلصقها الكاهن ببلاده. # وإليك حادثة أخرى ليست أقل دلالة على أخلاقه: # كانت العادة إذا مات قريب لطالب أن ينبئوه بذلك تدريجا بعد أن يدعى إلى ~~غرفة خاصة يكون فيها وحده فيتسع له الاستسلام للحزن والبكاء، فلما مات والد ~~بونابرت دعاه الرئيس وأخبره بمصابه، وأشار عليه أن يختلي إلى نفسه في الغرفة ~~المعدة للراحة والتطبيب، فما كان من نابوليون إلا أن أجابه: «لن أذهب، فالبكاء ~~للنساء، أما الرجل فعليه أن يتعلم كيف يتألم، وأنا لم أصل إلى هذه الساعة دون أن ~~أفتكر في الموت وأعود نفسي عليه كما أعودها على الحياة»، ولم تنحدر له دمعة وبقي ~~متتبعا دروسه بهدوء، كأن لم يمت له أحد، وكان يسمي هذا فلسفة. # وخرج نابوليون من المدرسة في ms09 أكتوبر سنة 1785 قاصدا فالانس، حيث انفتحت أمامه ~~أبواب البيوتات وأخذت الطبقة الراقية تستقبل بلطف وإعجاب هذا الضابط الشاب الذي يحمل ~~في جيبه شهادة ليوتنان في فرقة المدفعية، ويقال: إنه عندما بلغ قمة مجده سنة 1807 ~~وصله يوما من معلمة الرقص هذه الكلمة: «إن الذي قاد خطواتك الأولى في الصالونات ~~يستنجد كرمك اليوم.» # ويشهد أحد المؤرخين أن فالانس واجتماعاتها كانت له مدرسة كبرى شحذ فيها غرار ~~ذكائه وادخر ذلك الاختبار الواسع وهو الذي يصفه بقوله: كان صغيرا حليقا أصفر، ~~بالغا من النحول حده الأقصى، ضيق الكتفين تحت ثوبه الحربي، تحيط برقبته ~~ربطة معقدة، ويغطي أذنيه شعر رأسه المنبسط، وكان غائر الوجنتين، مطبق الشفتين، ~~حاد النظر، قليل الكلام، وجيز العبارة، أجش الصوت، وكل ملامح وجهه تدل على ~~العناد والعزم وكثرة التفكير وحب الانفراد والنفور من الناس. # وكان يشغل أوقات الفراغ بالقراءة والتأملات، وأحب المؤلفين إليه روسو الذي ترك ~~أثرا في كل ما كتب من 1786 إلى 1793، ولكن كان لهذا الميل والحب حد فسيجيء يوم ~~يقول فيه عن معبوده الفيلسوف: كان خيرا لفرنسا وراحتها ألا يولد هذا الرجل. # الفصل الثالث # | فتوة نابوليون # اختلف المؤرخون في تاريخ اليوم الذي غادر فيه الضابط الشاب فالانس إلى ليون، فزعم ~~بعضهم أنه أصيب في هذه المدينة بحمى ألزمته الفراش أياما، وكانت سببا في ~~تعرفه بآنسة من جنيف اسمها أوجيه، وهي التي اهتمت به وأحاطته بعنايتها وعطفها ~~حتى الشفاء، ولكن مفكرات نابوليون لا تذكر شيئا من هذا، بل فيها أنه ترك فالانس ~~قاصدا أجاكسيو في سبتمبر سنة 1786 وعمره يومئذ 17 سنة. # ولدى وصوله ألفى عمه الأرشيدياك تضنيه آلام النقرس، وتبرح به، وقد أعيا ~~داؤه أطباء الجزيرة، فرأى أن يكتب إلى الدكتور تيسو كما مر بك، والدكتور تيسو واسع ~~الشهرة، وهو عضو في الجمعية الملكية وجمعية بال الطبية وجمعية برن الاقتصادية، فليس غريبا ~~أن يتجه نابوليون بأفكاره إليه ويعلق آماله عليه، ولا نعلم أي تأثير ترك في ~~نفس نابوليون إغفال هذا العالم الرد عليه على الرغم مما ms10 أولاه من ثناء ~~وتمجيد. # ولشدة الداء امتنع عمه عن العمل بتاتا، فاضطر نابوليون أن يتسلم زمام ~~الإدارة في البيت لأن شقيقه الأكبر كان على سفر إلى بيز، فلم يبق لنابوليون من سبيل ~~إلى ترك أجاكسيو حينئذ، فكتب إلى وزير الحرب يسأله إجازة خمسة أشهر مع حفظ معاشه ~~فأجابه إلى طلبه. # وقد يتعجب القارئ لهذا الغياب المتكرر من المدرسة، ولكنها عادة جرى عليها الجميع ~~من الكولونيل إلى الماجور إلى الليوتنان، وهكذا كان نابوليون يروح ويجيء بين فرنسا ~~وكورسيكا، محتجا بضعفه حينا واعتلال أمه حينا آخر. # مائدة وكرسيان وجدت في الغرفة التي كان يشغلها ~~بونابرت في أوكسون حينما كان ليوتنان المدفعية. # وقد كانت أمه استفادت فيما مضى من حمامات جوانيو الواقعة في كورسيكا على مسافة ~~ثلاثين كيلومترا من أجاكسيو، فرافقها ابنها إليها هذه المرة، وكانت جوانيو أو كوانيو ~~عظيمة الشهرة لذلك العهد، يؤمها الناس من كل صوب، فيجتمع فيها زهاء ثلاثمائة ~~بين مريض يرجو الشفاء ومتعب يطلب الراحة من هموم الأعمال أو عراك السياسة، وفائدتها ~~الكبرى هي تسكين الأوجاع العصبية، تلك الأوجاع التي منيت أمه بها، وانتقل إليه شيء ~~منها بالوراثة كما ورث عن أبيه استعداده المرضي، وقد كان يعلم أنه مدين بما فيه ~~من الحالة العصبية لأمه خصوصا؛ ولهذا كان يقول عن نفسه: «رأس رجل على جسم ~~امرأة.» # ولم يغادر نابوليون كورسيكا إلا في شهر أكتوبر سنة 1787، فوصل باريس في التاسع من ~~نوفمبر، ونزل في أوتل شربورغ بشارع سنت أونوره. # ومن راجع مفكرات نابوليون وقرأ ما كتب بعنوان «أدوار حياتي» يجد هذه العبارة: ~~«وصلت إلى أجاكسيو سنة 1786 في سبتمبر وتركتها سنة 1787 في سبتمبر، ثم عدت إليها في ~~يناير وتركتها في يونيو إلى أوكسون.» # أما حياته في أوكسون فلم نعرفها إلا على وجه التقريب بعد البحث في مختلف ما كتب ~~عنه، والظاهر أنه كان يسكن فيها مع أخيه الصغير لويس في الطابق الثالث من جناح الثكنة، ~~وكانت غرفته مظلمة يدخلها الهواء من نافذة صغيرة، وهناك وجه كل همه إلى ~~الرسم ms11 والرياضيات وعلم الفراسة، وكان له صديق اسمه دي مازيس يختلف في الأخلاق عنه كل ~~الاختلاف، ومع ذلك فقد تمكنت بينهما أواصر الود فكانا يأكلان معا، ولضيق ذات ~~اليد أراد نابوليون أن يعيش باللبن وحده مدعيا المرض، ففعل صديقه مثله ~~وشاركهما في هذا النوع من الإضراب عن الطعام رفيق ثالث. # وكان من شروط هذا الاتفاق الثلاثي أن يؤلف كل بدوره قصة نثرية يقرؤها بعد ~~الغداء، فعاشت القراءة بقدر ما عاش الاتفاق؛ لأن معدة نابوليون قصرت عن احتمال ~~اللبن، بل إن هذا الحرمان أثر في صحته فاعتلت واضطر إلى ملازمة الفراش، ولم ~~يدخل إلى المستشفى حينئذ؛ لأن النظام كان لا يسمح بالدخول إليه إلا لمن كان في ~~خطر، وفضلا عن ذلك فإنه كان يعاف الأدوية ويأنف الخضوع لنظام المستشفى. # وكان طبيبه في تلك المدة الدكتور بيانفلو، فلما صار نابوليون قنصلا أول سنة 1802 ~~واستعرض الجيش في ساحة مارس، كان بيانفلو لا يزال في وظيفته فعرفه نابوليون حالا ~~وصاح به: أي بيانفلو، ألا تزال غريب الأطوار؟! فأجابه هذا: «ليس بالمقدار الذي أنت فيه ~~من الغرابة أيها القنصل، الذي لا يعمل مثل سواه ولا يجد من يقلده»، والظاهر أن ~~الجواب لم يغضب نابوليون فسمى الطبيب عضوا في جوقة الشرف وبقي في وظيفته إلى ~~سنة 1815. # ما هو ذلك المرض الذي أصابه في أوكسون، وكم كانت مدته؟ ربما كان الحمى الراجعة ~~الكثيرة الانتشار في تلك البلاد، والتي كان نابوليون معرضا لها، ولا يجهلها، كما نرى ~~من كتابه لأمه إذ يقول: «صحتي الآن أحسن فأستطيع أن أحرر لك، إن المناخ هنا ~~سيئ لوجود المستنقعات وفيضان النهر المتواصل الذي يملأ الحفر بماء آسن، وقد ~~تعبت كثيرا لتعدد نوبات الحمى المنهكة، وأما الآن بعد أن صحا الجو وذاب ~~الثلج وتبدد الضباب فإني أشعر بتحسن سريع.» # ولم تمنعه آلامه من متابعة دروسه، فكان يستيقظ الساعة الرابعة ويبدأ بالعمل، ~~ولا يأكل إلا مرة واحدة في النهار نحو الساعة الثالثة، وبعد شهر من مرضه طلب أن ~~يستريح فلم يرفض طلبه هذه المرة ms12 أيضا، فذهب إلى أجاكسيو وقصد إلى الاستشفاء بمياه ~~أوريزيا الحديدية، ثم عاد إلى أوكسون مصطحبا معه أخاه الصغير لويس يرشده ويدربه ~~ويعلمه الرياضيات والتاريخ. # وفي أبريل سنة 1791 رقي إلى رتبة ليوتنان أول في فرقة كرنوبل، فذهب إلى فالانس وأقام ~~فيها زمنا، ومنها سافر إلى كورسيكا، ثم عاد إلى باريس والثورة في غليانها. # يقال: إن أخاه لويس دخل عليه يوما متأخرا عن عادته فلامه أخوه على كسله، فقال ~~له معتذرا لقد كنت أحلم حلما جميلا وهو أني صرت ملكا، فقهقه نابوليون ~~وقال: «أنت ملك؟! هذا يكون يوم أصير إمبراطورا»، ولم يدر في خلده أن تلك ~~النبوة ستصدق. # ويقال أيضا: إنه مر في ساحة التويلري في يونيو سنة 1792 بين الهرج والمرج وازدحام ~~الشعب المسلح الهاجم على القصر، وكان الراوي وهو أحد المحامين يحادث صديقا له عن ~~الأحوال الحاضرة، فقاطعهما شاب مجهول أصفر اللون حاد النظر قوي الصوت وقال ~~لهما: «لو كنت أنا الملك لما صار شيء من هذا أبدا» وعرفا فيما بعد أن هذا الشاب ~~هو بونابرت. # وفي سنة 1793 أصابه في أفنيون مرض فامتنع عن العمل، ولكنه لم يمتنع عن الكتابة ~~فألف عشاء بوكير # Souper de Baucaire # بإنشاء سهل ~~مقبول يظهر من خلاله محبته للعلم والمطالعة وميله إلى التدقيق. # وبعد حين وطئت أقدام نابوليون أرض نيس وكانت الساعة تقترب، تلك الساعة التي سيمثل ~~فيها على مسرح السياسة دوره العظيم. # ففي ليلة من ليالي أكتوبر سنة 1793 انتشر نبأ الخيانة وتسليم طولون للإنكليز، وكان ~~نابوليون قائما بوظيفة في المدفعية قياما لا مأخذ فيه لطاعن، فأعجب به قائد ~~الفرقة أيما إعجاب، وقد ذكر المؤرخون كيف دعي نابوليون بونابرت لقيادة الجنود التي ~~عهد إليها استرجاع طولون. # من ذلك اليوم أخذ نجمه يلمع في الأفق! من ذلك اليوم تسلمه التاريخ تسلما ~~أبديا! من ذلك اليوم ارتدى ثوب الخلود! # الفصل الرابع # | نابوليون يتسلمه التاريخ # لم يكن استرجاع الفرنسويين مدينة طولون كافيا لتلفت الأنظار إلى نابوليون، نعم، ~~إن هذا الحادث الخطير كان أول انتصاراته ومطلع ms13 مجده، إلا أنه لم يوطئ له ~~مهاد الشهرة فبقي كما كان مجهولا، حتى إنه لم يرد لاسمه ذكر في التقرير ~~الذي رفعه القائد ديجوميد إلى «ألكونفانسيون» ولا في المراسلات التي كانت على اتصال بين ~~الضابط مارمون وأسرته على وجود مارمون معه في المدفعية ومرافقته له كل حين، وكل ما ورد ~~بشأنه هو هذه الجملة في إحدى رسائل مارمون الأب: «من هو هذا الجنرال بونابرت؟ ومن أين ~~أتى؟ لا علم لأحد به!» ذلك لأنه لم يكن معروفا حتى تلك الساعة، ثم أخذت الأقدار ~~تساعده وتشق أمامه سبل الشهرة والمجد. # والحق أولى أن يقال، ليس في الناس من ساعد حظه على الظهور وخدم شهرته ~~كنابوليون، فقد كان في طولون يقدم على الموت غير هياب ولا وجل، ويهجم في طليعة فرقته ~~تحت رصاص العدو المنهمر كالسيل مدفوعا بحماسة الشباب وحدة المزاج، متنقلا من جهة ~~إلى جهة، كأنه يحاول أن يكون في كل مكان، وكان من جراء هذه المجازفة بحياته أن قتل ~~تحته جواد وأصابته طعنة حربة في فخذه سببت له جرحا بالغا كاد يقضي بقطع ~~ساقه، ذلك ما جعله يقول وهو في السفينة التي كانت تقله إلى جزيرة القديسة هيلانة: ~~إن أول من جرحه كان إنكليزيا. # نابوليون يتفقد المصابين بالحرب في يافا (نقلا ~~عن صورة للمصور جرو). # وقد أصابه في الجيش داء الجرب المنتشر يومئذ انتشارا هائلا، فكانت النتيجة أن ~~ظهر فيه مرض جلدي نسميه - نحن الأطباء - إكزيما، واستعصى عليه شفاؤه، وكان سبب ~~الجرب لذلك العهد مجهولا، فلم يكن أحد يجسر على معالجة الطفح الناتج عنه خوفا ~~من أن يغور في الجسم ويسبب علة أخرى أشد وطأة وأصعب علاجا، وهذا ما يفسر لك ~~كيف أنه عندما جاء مصر وظهرت فيه لأول مرة أعراض الداء في معدته لم يجد الأطباء ~~خيرا من أن يلفوه بثوب مريض بالجرب ظنا منهم بل اعتقادا أن إرجاع البثور إلى جلده ~~هو أفضل واسطة لتحويل الألم عن معدته. # وكان الأطباء يعتقدون فائدة التطعيم بالجرب حتى إن أحد النورمانديين المشهورين ms14 ادعى ~~شفاء السل به، وغيره شفاء الصرع، وبقيت هذه الطريقة الوحشية يتخذها الطب ~~سلاحا إلى أن عرف أصل الجرب وماهيته. # ولبث نابوليون زمنا طويلا متأثرا بذلك الداء، حكى الدكتور أنتومارشي طبيبه في منفاه ~~أنه رآه مرة هائجا مضطربا فأشار عليه ببعض المسكنات فأجابه الإمبراطور: «أشكرك، ~~ولكن عندي ما هو أفضل من عقاقيرك، وأرى الساعة قد دنت، والطبيعة تمد يدها ~~لمساعدتي»، قال هذا وانطرح على المقعد، وقبض على فخذه الأيسر وأعمل يده في الجرح ~~فانفتح وسال الدم ثم قال: «ها أنا ذا قد استرحت، ألم أقل لك: إن لي نوبات كلما ~~آن أوانها جلبت الراحة لجسمي»، وكان بعد أن يسيل الدم ويجف الجرح ويندمل يقول ~~للطبيب: «أرأيت كيف أن الطبيعة تتكفل بكل ما يلزم فترجع التوازن إلى الجسم كلما ~~أفلت منه؟!» # الدكتور دجنت (نقلا عن رسم ~~لدوترتر). # قال أنتومارشي: فحيرني هذا الحادث ودفعني الفضول إلى درسه، فتبين لي بعد ~~البحث أنه قديم يتكرر آونة بعد أخرى، ويرجع تاريخه إلى حصار طولون. # ولما هوى روبسبير كان نابوليون في حالة شديدة من التعب والضعف، فذهب إلى ذويه ~~على مقربة من أنتيب طلبا للراحة، وهنالك لم ير بدا من دعوة طبيب لمعالجته، فجاءه ~~الدكتور دجنت وكان موضع ثقته واحترامه، إلا أنه تمادى معه في الجدل فغير ~~رأيه فيه ولم يرد أن يستعمل الدواء الذي أشار عليه به، وربما كان هذا الإهمال ~~سبب التمادي في ضرره. # أما معرفته بالدكتور دجنت فيرجع عهدها إلى نيس عندما كان الضباط يجتمعون في مخازن ~~الأزياء حول بعض البائعات الجميلات، وكان بونابرت في عدادهم على أنه لم يكن يريد ~~إلا المحادثة فقط، ولا يخرج دون أن يشتري شيئا ولو زهيدا، وكان معروفا منذ ذلك ~~الحين ببروده، ولكن الأيام والضعف قد أضافا إلى ذلك معايب أخرى، فكان في الزمن ~~الأخير أيام اجتماعه بالطبيب لمعالجته قبيح المنظر، قليل العناية بذاته، هزيلا، أصفر ~~اللون، محدودب الظهر، كما روت الدوقة دبرانتس. # وإليك صورة من نابوليون وهو في السادسة والعشرين، كما رسمها لنا ستاندل: # كان ms15 أغرب رجل عرفته في حياتي، وأشد الناس هزالا، وكانت ثيابه رثة خلقة، ~~حتى لا يكاد الناظر إليه يصدق أنه جنرال، ولكنه كان جميل النظر، فتان ~~اللحظ، ممتلئا حياة حين يتكلم، ولولا نحوله البالغ حده الأقصى لاجتذب الأنظار ~~ما فيه من رقيق الملامح وجميل الابتسام. # أما شجاعته فلم يكن سبيل للشك فيها. # وفي إحدى التظاهرات كان نابوليون الجنرال يسير ~~على جواده وهو حديث العهد بالإبلال، فأحاطت به عصبة من النساء بين العويل والوعيد ~~يطلبن خبزا، وتقدمت إليه منهن واحدة بدينة وهي تصيح: «ألا إن هؤلاء ~~الرجال يهزءون بنا، ولا يهمهم مات الشعب أو عاش إذا ملئوا بطونهم وسمنوا هم»، ~~فأجابها نابوليون بلطف: «انظري يا سيدتي، من منا نحن الاثنين أكثر سمنا؟!» ~~وكان في ذلك اليوم شديد النحول، كثير الاصفرار، غائر العينين. # نابوليون على جمله في مصر. # وفي 8 مارس سنة 1796 تزوج من أرملة بومارشه، وفي 21 منه ذهب لتسلم قيادة جيش ~~إيطاليا، وبقيت صحته في اعتلال، كما يظهر من رسائله إلى زوجته جوزفين، فقدم ~~استعفاءه في سبتمبر. # ومن 10 سبتمبر سنة 1797 إلى 11 مايو سنة 1798 أي مدة إقامته في باريس قبل الرحيل إلى مصر ~~أخذ يشعر بالتحسن والعافية. # ولكن زوجته جوزفين كانت قلقة عليه، فاجتمعت في إحدى السهرات عند باراس بالطبيب ~~كورفيزار، وسألته رأيه في الداء الذي يمكن أن يخاف منه على صحة الجنرال، فأجابها على ~~الفور إنه سيموت بالقلب وسمع نابوليون ذلك فالتفت إلى كورفيزار وقال: «وهل كتبت في ~~ذلك كتابا؟» ~~- كلا، غير أني عن قريب سأفعل. ~~- اكتب إذن، اكتب، ومتى أتيحت لنا فرصة تكلمنا معا عنه. # أما الكتاب فلم يظهر إلا بعد سنين، ولم يقدمه كورفيزار إلى الإمبراطور إلا بعد ~~الطبعة الثانية، وقد صدره بهذه الكلمات: # إلى جلالة الملك والإمبراطور: # إن سماح جلالتك لي أن أقدم لها هذه الطبعة الثانية من كتابي لهو أحسن ~~مكافأة لعملي الحقير، ولقد كان من الصعب قبلا أن يقدم مؤلف كتابه إلى ~~ملك ولا يبالغ في عبارات المدح، أما اليوم فالمبالغة ms16 نفسها قاصرة عن أن ~~تفي بمدح نابوليون. # ولكن يا مولاي، إذا كان العقل يدعوني إلى السكوت فالعواطف تأمرني أن ~~أذيع على رءوس الأشهاد مآثرك وعرفاني الجميل. # وكان كورفيزار يوم ألقى عليه الإمبراطور نظرة الرضا شهيرا يشغل مكان الطبيب ~~الأول في مستشفى الرحمة، والذي أعجبه منه بوجه خاص هو حسن التشخيص وبراعته التي ~~لم يدانه فيها أحد. # الدكتور كورفيزار. # ثم جاء نابوليون مصر وسوريا، فلم يفعل فيه الحر ولا تعب السفر ، بل احتملت ~~بنيته الضعيفة كل هذا فوق ما كان معرضا له من العدوى بالطاعون لاختلاطه ~~بالمرضى وملامسته لهم. # وقد جرى جدال في إحدى جلسات المجمع العلمي في مصر عن عدوى الطاعون بين الجنرال ~~والطبيب دجنت، فأبى هذا أن يوافق نابوليون على إنكار العدوى، وما كان نابوليون ينكرها ~~عن جهل، بل إبعادا للخوف عن الجيش، فصاح به من الغضب: «تلك هي مبادئكم أيها ~~الأطباء والصيادلة، تفضلون أن يموت جيش بأسره عن أن تضحوا بواحد منها.» # وأحسن وصف له بعد رجوعه عن مصر هو ما كتبه عنه خادمه الذي أقام معه 15 سنة، فقد ~~ذكر أن الإمبراطور كان أصفر نحيلا نحاسي اللون، غائر العينين، مكشوف الجبين، ~~قليل شعر الرأس، إلا أن جمال الزرقة في عينيه كان يعكس عواطف نفسه ~~الحساسة في قساوة وحنو وشدة ولين، وكان فمه حسنا، وأسنانه بيضاء سليمة، ~~وأنفه جميلا يوناني الشكل، أما رأسه فكان ضخما محيطه 22 بوصة مسطحا من ~~الجانبين، شديد التأثر والإحساس، مما كان يضطره أن يضع في قبعته الجديدة ~~قطنا ويكلف خادمه لبسها مرارا قبله حتى تلين، صغير الأذنين، قصير ~~العنق، ضيق الكتفين، عريض الصدر على ندرة الشعر فيه، مفتول الساعدين ~~والساقين، قامته خمس أقدام وبوصتان. # وقد ذهب نحوله فيما بعد دون أن يذهب بجماله، بل كان ملكا أجمل منه ~~قنصلا، كأن الهموم والأطماع والشواغل التي أنهكت بونابرت قد تضاءلت ~~وارتدت أمام نابوليون بعد أن بسم له الزمان وخضعت له دول الأرض ~~وشعوبها. # الفصل الخامس # | 18 برومير # إن تفاصيل هذا النهار المشهور قد عرفت لكثرة ms17 من كتب عنها، ولكن ثمة أشياء لم ~~تعرف، وهي تمثل لنا الفصل الأول من هذه الرواية، وقد ذكر بعضها المستشار كوندر ~~قال: رأيته في التويلري فوق جواده الأشهب وهو يقصد إلى سان كلود، وكان وجهه طويلا ~~نحيلا أصفر، وشعره الأملس مقصوصا إلى فوق الأذن، وعلى رأسه قبعة صغيرة، وقد ذكر ~~بعضها الآخر ألبر فاندال قال: خرج بونابرت من موكبه ودخل بين الجماهير وحده مكشوف ~~الرأس، ودنا من المنبر فعلا الضجيج والصياح: ليسقط الدكتاتور ، ليسقط الظالم. ~~ونهض الجمع بأسره مظهرا غضبه على الرجل الوقح الذي جاء بسلاحه وحذائه ~~يخرق حرمة ذلك المعهد كأنه قيصر الرومان. # وفي أسرع من لمح البصر كانت الجماهير قد التفت من حول الجنرال، هذا يشتم، ~~وهذا يتوعد، وهذا يمد يده إليه ويمسكه من عنقه ويهزه بعنف، فلم يقو هذا ~~الرجل العصبي المزاج الشديد التأثر الذي كان يتجافى الجمهور وينفر من الازدحام ~~على احتمال هذا الثقل الذي انحط عليه، لم يقو على ملامسة هذه الأيدي المتوحشة ~~واستنشاق هذه الأنفاس الخارجة بالشتيمة من أفواههم والهواء الساخن المختلط بتلك ~~الأنفاس، فأحس بضعف وانقباض صدر وغشاوة بصر وأغمي عليه. # كم من الزمن شغلت غيبوبته؟! كان من عادة الغضب عند نابوليون أن يرجع إليه ~~التوازن المفقود شيئا فشيئا، فلما عاد وعيه أخذ يشتم المجمع ويشكو من اعتداء الناس ~~عليه، ويصرخ «يا للقتلة!» وهو على جواده بين جيئة وذهاب، وقد خدش وجهه المصفر ~~بأظافره من الغضب حتى سال الدم، وذاع أن نابوليون مجروح في جبينه، وبفضل هذا الجرح ~~رجحت في جانبه كفة الميزان، فكفى أخاه لوسيان أن يدل الجماهير عليه وعلى الدم ~~المتجمد على وجهه بصوت وحركات لا يفرق فيها عن أبرع الممثلين؛ ليصل إلى ~~قلوبهم ويخفف من حدتهم وغضبهم. # ولم تفده «القنصلية» في تحسين صحته، بل ظل كالأول هزيلا أصفر، ولكن نظره الساحر ~~كان يدل على فكرة وقادة وتبصر غريب، وقد وصفه أحد الإنكليز بقوله: كانت ~~ملامحه تدل على السوداء والتفكير العميق، وقلما كانت تعرف شفتاه الجميلتان ~~الابتسام، أما عيناه فكانتا متقدتين ms18 كجذوة من نار، وصوته عميقا كأنه خارج من ~~القبور. # وقال فيه الشاعر روجر: إن اصفراره كان اصفرار الموت، واتفاق الجميع على ذكر اصفراره ~~دليل على ما كان عليه من المزاج الصفراوي، فهو يدخل في تلك الفئة التي يسميها اليوم ~~الأستاذ جلبر الأسرة الصفراوية. # وإذا كان التشخيص على ما يقدمه لنا الوصف شيئا لا يخلو من الجسارة، فإنه هنا سهل ~~لاتفاق الكل على نقطة معينة، ولا سيما لأن ذلك كان قبل الزمن الذي ارتقى فيه ~~نابوليون ذروة المجد، فصار في عين الأمم، كما قال فريدريك ماسون: أبعد من أن ~~تناله عاديات الزمن والحياة والشيخوخة. # قال الشاعر ألفرد ده فيني: بونابرت الرجل ونابوليون الوظيفة، الأول يلبس قبعة والثاني ~~تاجا. # ولكن هذا النحول الذي رافقه في الأدوار الأولى من حياته سيتبدل مع الزمن، فينتفخ ~~الوجه والبدن ويخف شعر الرأس ويحول اسوداده ويصير كما قال عنه أحد التجار الألمان ~~وقد التقى به في جزيرة ألبا: «إني عرفت هذا الرجل قديما، فلما رأيته اليوم ~~كدت لا أعرفه، نعم، إنه لم يعد ذلك الرجل، إذا نظرنا إليه الوجهة الطبية»، وهذا ما ~~سنظهره في الفصول الآتية. # الفصل السادس # | اجتماع نابوليون بكورفيزار # إن اجتياز جبل سان برنارد سنة 1800 كان حادثا عظيما في التاريخ، ولا نحاول هنا ~~إعادة ما قيل، ولا نقل المعروف عن كتب التاريخ، بل نتلمس الحقيقة كعادتنا في مظانها ~~الحقيرة الصادقة، فنروي للقراء ما عثرنا عليه مما لا يزال أكثره مجهولا، فقد جاء ~~في مذكرات الدليل الذي رافق البطل في هذه الحملة ما يأتي: الفرق عظيم بين الجنرال ~~فيكتور والقنصل، فالأول كان شديدا عاتيا قليل الصبر، لم أجد في رفقته إلا ~~الخوف، فكلما عثر بغلي تحته كان «يهول» علي بالكرباج أو بالسيف، على أنه كان جميل ~~الطلعة، حسن الهندام، أما بونابرت فكان هزيلا شاحبا، وبياض عينيه كقشرة الليمون ~~(ملاحظة خليقة بطبيب!) وكان قليل الكلام، حزين النفس، يكثر من التلفت وراءه ~~ليتحقق من تقدم الجيش الزاحف. # وذكر إنكليزي رآه بعد سنتين من هذا التاريخ وهو يستعرض ms19 الجيش في التويلري: إن ملامحه ~~كانت تدل على التعب والسوداء قال: «ما كادت المركبات تصطف في أماكنها وتقف ~~فرق الخيالة والمشاة أمام القصر، حتى أطلق المدفع فشاهدنا رجلا صغيرا يقفز ~~بخفة لا مثيل لها فوق جواد أبيض، وينطلق مسرعا بين الصفوف يتبعه القواد ~~والضباط، أما الجواد فكان اسمه مارانكو، وأما الراكب فنابوليون بونابرت القنصل ~~الأول.» # الإمبراطورة ماري لويز. # وكان مرتديا سترة زرقاء ذات حواش بيضاء، ولابسا قبعة صغيرة عليها شريط ~~مثلث الألوان. # أما وجهه فلا ريشة المصور ولا قلم الكاتب يقدران أن يأتيا بالحقيقة عنه، فإن ~~لونه كان أصفر قاتما، وعيناه غائرتين في رأسه، ولهما زرقة ضاربة إلى السواد، ~~ونظر أحد من السهام. # وكانت شفتاه جميلتين تعلوهما من آن لآن ابتسامة حلوة ساحرة، إلا أنها نادرة ~~وكثيرا ما خلفتها عبوسة مخيفة لأدنى سبب؛ لأن نابوليون لم يكن يطيق ~~المعارضة. # وكان يطعن في الأطباء ويستهزئ بهم إلى أن أصابه داء في صدره، فشفاه كورفيزار وجعله ~~يغير اعتقاده، فصار كما يقول هو نفسه: يثق بالطبيب دون الطب. وهذه عبارة لا معنى ~~لها؛ لأن الطبيب هو بطبه قبل كل شيء، ولكنها من تناقضات نابوليون الكثيرة. # ومن تناقضاته أيضا في مسائل الطب والفسيولوجيا تعريفه الموت بأنه فقدان الإرادة، ~~وكان يقدم برهانا على صحة رأيه الحادثة الآتية: # جمح به مرة جواد المركبة في سان كلود، فوقع منها على صخر وأصابت الصدمة معدته، ~~فآلمته كثيرا، فلما كان الغد وقد استرجع قواه قال لمن حوله: «أمس أتممت ~~اختباري عن الإرادة، فإن الضربة التي أصابتني في معدتي كانت شديدة، حتى خيل لي ~~أن الحياة أخذت تفارقني، ولكن بقي لي متسع من الوقت لأفتكر وأقول: لا أريد ~~أن أموت، ففزت وبقيت حيا، ولو كان سواي في مكاني لما عاش بعدها.» # وسواء أكان صادقا فيما رواه عن نفسه أم غير صادق، فإنه لم يظهر مثل هذه الشجاعة ~~في أحوال غيرها كانت تتطلبها، فقد قيل إنه كان يتنزه مرة في النهر مع بعض ~~حاشيته، فانقلب بهم القارب وسقط الجنرال برنيار في ms20 الماء، فأخذ منه الرعب مأخذه ~~وأغمي عليه، ولم يذع هذا النبأ، بل بقي سرا من أسرار الدولة. # وكان في بروكسل سنة 1803 يوم أصابته علة الصدر وبصق دما، فبعث في الحال من ~~جاءه بكورفيزار الذي لم تخف على ذكائه أسباب الداء، ولكنه أبى أن يخيف مريضه ~~بذكر تشخيصه، واكتفى بالقول: إنه فساد في الدم يمكن إخراجه بوضع محرقة على ~~الصدر، وقد استفاد نابوليون من علاج الطبيب فوقف بصق الدم، وخف السعال، وزال ~~ضيق الصدر، فصار كورفيزار منذ ذلك الحين طبيبه الخاص، وموضع ثقته المغمور ~~بالمكافآت. # وقد أحجم كثيرا قبل دعوة كورفيزار، ولولا إلحاح كاتم سره لما فعل، وقد قص هذا ~~الأخير كيف تم ذلك، فإنه كان في مالميزون يشتغل إلى جانب بونابرت فلاحظ غير مرة ~~أن سيده كان يصفر فجأة عند انتصاف الليل، وينحني على الكرسي ويفك أزرار ~~صدرته ويتنهد تنهدا أليما، فيقوم ويرافقه إلى غرفة النوم وهو مستند إلى ~~ذراعه، وقد مضى ستة أشهر على هذه الحالة، وكلما فاتح سكرتيره بأمر التداوي ومن ~~يختار طبيبا كان الجواب كورفيزار. # ومن تأبين ديبواترن الذي لفظه على قبر زميله نرى أن الصفات التي فتحت لكورفيزار ~~طريقا إلى قلب نابوليون كانت سرعة الخاطر، والتدقيق، وحرية الفكر، وقد استطاع الطبيب ~~أن يحفظ كرامته أمام الرجل الذي لم يترك لأحد كرامته، وقد قيل إنه وهو سائر إلى ~~مالميزون كان يردد في نفسه: «لا أعلم أي ربح أجنيه من هذه الزيارة، ولكني ~~متأكد أنني سأخسر حريتي»، ولقد أخطأ ظنه؛ فإنه لم يكن أبدا عبدا لذلك السيد ~~الذي كان يسامحه على الكثير إكراما لعلمه وإخلاصه. # والذي وافق نابوليون بوجه خاص أن كورفيزار كان يتكل على الطبيعة أكثر مما ~~يتكل على الأدوية، ولا سيما لأن الطب في نظر نابوليون كان علم احتياط لا علم ~~تدقيق، وكان يعترف بفائدة الهيجين أي علم الصحة، وله فيه آراء خاصة. # وكان يستيقظ مبكرا فيأمر حالا بتجديد هواء الغرفة، ثم يتناول كأسا من الشاي أو ماء ~~زهر الليمون ويسرع بالحلاقة لنفسه، وقد اضطر ms21 إلى هذه العادة لأنه لم يجد بين ~~المزينين من يستطيع أن يقوم بهذه المهمة نظرا لما كان عليه من ضيق الصدر ~~وقلة الصبر، فكانت تساوره حركات عصبية لا يأمن معها المزين من أن ~~يجرحه مرارا، ومن الغريب أنه لم يكن يستعمل إلا صابونا إنكليزيا وموسى ~~إنكليزية، ويتعجب من إمكان الحلاقة بغيرهما، وقد اشتهر بالصرامة في معاقبة التهريب حتى ~~إنه كان يحرق كل سنة ما يساوي الألوف من البضائع الإنكليزية المهربة، ولكنه ~~رضي لنفسه بالشذوذ حتى إنه كان يدفع ثمن الموسى جنيهين وهي تساوي ربع ~~القيمة. # وكان مملوكه رستم يمسك له المرآة أثناء الحلاقة، حتى إذا انتهى وآن أوان الاستحمام ~~بالماء الساخن، لبث في الحمام زمنا طويلا يسمع في خلاله من سكرتيره قراءة الجرائد ~~والتلغرافات، وقد يطول الوقت نحو الساعتين غير مبال بإذن الطبيب فاتحا حنفية الماء ~~الساخن إلى أن يتصاعد البخار ويملأ الغرفة، ويحول دون القراءة، فيضطر السكرتير إلى ~~فتح الباب، وكان ولعه بالاستحمام شديدا إلى درجة أنه يستيقظ أحيانا في نصف ~~الليل فينهض حالا إلى الماء، ومن أجل هذا كان يعد له الحمام أين ذهب دون نظر ~~للمكان ولا الزمان، ولما ولدت ماري لويز جاءته البشرى وهو في الحمام. # وكان من نتائج هذه المغاطس الساخنة المتكررة أن سمن بدنه شيئا فشيئا، ولكن ~~ذلك لم يمنعه عن المثابرة عليها لاعتقاده أنها تخفف عنه عسر البول الذي شعر به ~~لأول مرة في حملة إيطاليا، وما برح يزداد حتى اشتدت عليه النوبة سنة 1812، كما أنها ~~تقيه شر الإمساك المزمن الذي رافقه منذ الصغر. # وبعد خروجه من الماء كان يفرك بدنه بفرشاة قاسية، ثم يسكب عليه ماء الكولونيا ~~بغزارة، وقد استفاد عادة الفرك هذه من الشرق، ولها عنده منافع جلى. # وكان يدعي أن السر في صحته ومقدرته على احتمال التعب هو إفراطه من آن إلى ~~آن في عكس ما تعود عليه، فكان مثلا يستريح 24 ساعة، أو يمشي ستين ميلا، أو يركض على ~~جواده طول النهار، كما كان يفعل في جزيرة ألب، كأن ms22 التعب ضروري لبنيته ولهذا ~~كان يرجع من فتوحاته وحروبه وهو أوفر سمنا وأقوى صحة. # ولا يخفى على الناقد البصير ما في قوله هذا من الحقيقة، فإن الرياضة البدنية تساعد ~~على إفراز الغدد الجلدية وإخراج الفضلات والسموم، ولا سيما في الأجسام المصابة ~~بالأرترتيسم، ذلك ما كان يحمل نابوليون على القول وهو في جزيرة القديسة هيلانة قبل موته ~~بثلاثة أشهر: «آه! لو كان في الإمكان أن أعرق! وأن ينفتح جرحي! فشفائي من وراء ~~ذلك.» # هذه الرياضة وهذا التعب جعلاه يتمتع بالصحة والعافية أربع سنين متعاقبة، أي من سنة ~~1802 إلى 1806، كما يظهر من رسائله الخاصة. # الفصل السابع # | من سنة 1803 إلى 1810 # في 12 نوفمبر سنة 1803 كان في بولونيا ~~البحرية # Boulogue sur mer ~~، فكتب إلى زميله كامباسرس # Cambaseres # أنه قضى ليله في الميناء في مركبه أو ~~فوق جواده، ولم يزعجه أبدا ابتلال جسمه ساعات متوالية. # وفي 12 أكتوبر سنة 1805 كتب إلى جوزفين من أوكسبورغ أنه بخير على الرغم من فساد الجو ~~واضطراره إلى تغيير ثيابه مرتين في اليوم لكثرة المطر. # ثم كتب لهما بعد أيام أنه أصيب بانحراف يسير لوجوده طول النهار في الماء، ولكن ~~راحة يومه أنسته كل عناء. # وفي 3 ديسمبر من تلك السنة كتب يخبرها أنه قهر الجيوش النمسوية والروسية بقيادة ~~الإمبراطورين، وقد تعب قليلا لإقامته تحت المضارب ثماني ليال باردة ومني برمد ~~بسيط عالجه بماء الورد الفاتر فشفي منه بعد ثلاثة أيام. # وفي سنة 1806 كان السمن قد أخذ سبيلا إلى بدنه فخفت مقدرته على احتمال حياة ~~التنقل، ففي 27 سبتمبر بينما كان في مايانس مع الإمبراطورة وتاليران أصابه عند الوداع ~~ضعف فجائي فضم بذراعيه جوزفين وتاليران معا، وأخذ يخاطبهما بكلام ملؤه حنو ~~حتى أبكاهما، وما كان الدمع ليسكن نابوليون، بل انتهى بنوبة عصبية شديدة من تشنج ~~وقيء، حتى إذا ثاب إلى نفسه أفلت منهما وأمر بالرحيل. # نابوليون الإمبراطور. # وفي 13 أكتوبر أرسل إليها يقول: لقد نحلت في هذه السفرة، ها أنا ذا أقطع كل يوم ms23 ~~عشرين ميلا راكبا، أنام الساعة الثالثة وأنهض نصف الليل فأفتكر أنك في هذه الساعة ~~لا تزالين مستيقظة. # وفي غد اليوم الذي خط فيه هذه الكلمات جرت موقعة يانا الشهيرة، فكتب إليها وكانت ~~في مايانس مع الملكة هورتنس والأميرة ستفاني: لقد انتصرت انتصارا باهرا على البروسيان ~~يا صديقتي، وكاد الملك والملكة يقعان في أسري، ثم أعقب هذه الرسالة في اليوم ~~التالي بمثلها: لقد صدق تدبيري فقهر جيش العدو كل القهر، ولم يبق إلا أن أقول: ~~إنني بخير، وإن التعب والسهر ونوم الخيام قد أكسبني سمنا. # وفي 28 نوفمبر أخلى الروس فرسوفيا فدخلها مورا وأقام هو في بوزن أو بولزانو كما ~~يسميها الطليان اليوم، ومنها كتب يخبر جوزفين أنه حضر ليلة راقصة كان فيها كثير ~~من النساء الغنيات الجميلات، وكن لا يحسن اللبس على الرغم من أن الأزياء ~~باريزية. # وهكذا لم يكن يمضي يوم دون أن يخط إلى زوجته قبل النوم ولو سطرا يشركها به في ~~تأثراته، وقد يوجز ما أمكن الإيجاز، ولكن كلماته كانت تتقد شوقا وغراما، كما ~~ترى من الرسالة الآتية: «كنت في المرقص، ليلة ماطرة، صحتي حسنة، أحبك وأذوب شوقا ~~إليك، كل نساء بولونيا فرنسويات، ولكن في نظري لا يوجد إلا امرأة واحدة، ~~أتعرفينها؟! ما أطول الليالي بعيدا عنك! أرجو أن أدعوك إلى موافاتي عند سنوح ~~الفرصة، إن حرارة كلماتك أرتني أنك لا تعرفين الموانع، وما تريده المرأة ~~يكون، أما أنا فإني عبد ومولاي لا يعرف الرحمة، وهو طبيعة الأشياء.» # وكان حبه لجوزفين قد تجدد كأنه في الزمن الأول، وكل رسائله تنم عن حالة ~~نفسية حسنة، وهي دليل على الصحة، كما كان يقول: أنا بخير، وعمري ما نعمت بالصحة مثل ~~الآن. # الإمبراطورة جوزفين. # وفي 18 مايو كتب يقول: إنه وصل إلى درسد بصحة تامة على الرغم من بقائه في المركبة ~~مائة ساعة دون أن يتحرك. # وقد روى الكونت سيكور في مذكراته أن نابوليون ابتدأ يشعر بآلام المعدة وهو في ~~فرسوفيا من سنة 1806، وكان يقول إنه سيموت كأبيه، إلا أن ms24 هذه الغمامة السوداء سرعان ~~ما تبددت لأن رسائله لذلك العهد تشير إلى شيء من هذا. # وفي 9 أكتوبر سنة 1808 أرسل إليها يقول إنه شهد الرقص في فيمار، وقد رقص ~~الإمبراطور إسكندر، أما هو فقد بلغ حد الأربعين؛ ذلك لأنه أخذ منذ ذلك الحين يشعر ~~بالكبر المبكر فانتفخ وجهه، وخفت حدة بصره، وتجعد جبينه، واستدارت ~~ذقنه، وسمن بدنه، وثقلت حركاته، وفقد سرعة الخاطر وتلك الطلاقة في ~~اللسان. # وفي 18 أكتوبر عاد إلى سان كلود فلم يمكث طويلا لقرب حملة إسبانيا والنمسا، وبعد ~~شهر جرح في راتيسبون فآساه الجراح إيفان، وكان الألم شديدا؛ لأنه لم يخلع ~~حذاءه منذ ثلاثة أيام فتورمت رجله تحت الضغط، وكان قليل الصبر، فاعتلى جواده ~~ورجله المجروحة لا تزال في يد الجراح، ثم سار بين الجنود يريهم نفسه ~~ليطمئنوا فقابلوه بالتصفيق والهتاف. # ووصل الخبر مجسما إلى زوجته فكتب لها مطمئنا أن الرصاصة أصابته دون أن ~~تجرح، فلا سبيل إلى انشغال بالها، وكتب مثل ذلك إلى ابنة عمه ملكة ~~وستفاليا. # الدكتور إيفان في ملبسه الرسمي. # وبعد افتتاحه راتيسبون بأسابيع تعرض لخطر جديد، فإن رصاصة أصابته في رجله ~~فخرقت حذاءه حتى الجلد، وكانت سبب تلك الكلمة التي قالها له أحد قواده: ~~انسحب من هنا، وإلا أمرت رجالي بحملك. وأصابت رصاصة أخرى فخذ جواده فصاحوا ~~جميعهم: إن لم ينسحب الإمبراطور حالا فإننا نضع السلاح ونكف عن القتال. # وكان قبل ذلك قد أحس وهو في شنبرون باعتلال فأشاروا عليه أن يرى الدكتور فرانك ~~الشهير، وقد روى نابوليون عن نفسه سنة 1816 حكاية هذه الاستشارة الطبية، ومنها تتجلى ~~للقارئ حالته الصحية سنة 1809، وتعطيه دليلا صادقا على مزاجه: # إن فرانك حقا لماهر، وقد عرفت هذا آخر إقامتي في فينا سنة 1809، فقد ظهر طفح ~~جلدي في رقبتي أقلق أتباعي فألحوا علي أن أقابل طبيبا مشهورا هو فرانك، ~~فلما جاء أظهر اهتماما كبيرا، وأشار باستعمال عقاقير وأدوية واتباع معالجة لا ~~نهاية لها، فدعوت كورفيزار، وكان ذلك كافيا ليحيي الآمال الميتة، كنت مريضا ~~ملازما فراشي، وقد ms25 ضاع رشدي، واضطرب الجميع من حولي، وصار كل يرسم خطته، فأسرع ~~كورفيزار بالمجيء وهو يظن أنني أحتضر، فرآني أستعرض الجيش، ولما قابلته أخذت ~~أضحك للتعجب الشديد البادي على محياه، وقلت له: أي كورفيزار، ما عندك من الأخبار؟ ~~ماذا يقال في باريس؟ أتدري أنهم يعتقدون هنا أنني في خطر الموت؟ بي طفح جلدي ~~خفيف وصداع، يزعم الدكتور فرانك أنه يحتاج إلى معالجة طويلة وصارمة، فما قولك؟ ~~وكنت قد نزعت رباط رقبتي وأريته موضع الألم، فقال: آه يا مولاي، تدعوني من بعيد ~~لأمر تافه كهذا؟! لا تمضي أربعة أيام حتى يزول أثره. وكان كما قال، فقد وضع على ~~الجلد # Vėsicataisc # وكفى ذلك، وقبل أن يترك كورفيزار فينا ~~ذهب لزيارة فرانك وشكره، بل لامه؛ لأنه كان الباعث على هذه السفرة المتعبة، ~~وكان رجوعه لباريس سببا لإزالة قلق البعض وآمال البعض الآخر. # وقد زعم البعض - وفيهم البرنس نابوليون حفيد الإمبراطور - أن البثور التي ظهرت في ~~رقبة عمه ناتجة عن احتكاك الجلد بنسيج السترة القاسي، وظن بعضهم أن معالجتها هي ~~التي سببت له ألم المعدة، وأنه يكفي تهييج الجلد وإرجاعها لتذهب الأعراض الخفيفة، ~~ولكن ذهاب الأعراض ليس دليلا على ذهاب العلة؛ ولهذا كان شفاء نابوليون شفاء ~~ظاهرا، هل يستنتج من هذا أن كورفيزار أخطأ في معالجته أو أضره كما أشاع البعض ~~بتعجيل سير الداء؟ إن الدكتور فرانك ابن فرانك الشهير ادعى ذلك، وقال: إنه شاهد ~~غير مرة بين سكان لومبارديا من أصيب بسرطان في المعدة بعد التداوي من العلل ~~الجلدية، فيكون الإمبراطور بدعوته كورفيزار ليقوم مقام الطبيب الألماني كالمستجير من ~~الرمضاء بالنار، ولا يخفى ما في هذا من المبالغة ولسنا هنا في مقام الدفاع عن كورفيزار، ~~ولكن ما لا ريب فيه أنه كان أعلم من زميله الغريب بمزاج مريضه الشهير واستعداده وحالته ~~الصحية، ومن المستحيل أن تكون معالجته قد قدمت أو أخرت في سير علة مجهولة في ~~طبيعتها وفي أعراضها. # الفصل الثامن # | عام الطلاق # ويمكننا أن نسميه أيضا عام الزواج الثاني، ففي سنة 1810 طلق ms26 نابوليون جوزفين ~~وتزوج من ابنة إمبراطور النمسا، ولم يكن هذا الطلاق ابن ساعته بل ترجع فكرته إلى سنة ~~1804؛ لأن حاشية نابوليون وأتباعه كانت تلح عليه منذ ذلك الحين أن ينفصل عن زوجته ~~العاقر، وجاء موت ابن الملكة هورتنس ولويس ملك هولاندا فنزع بقية الأمل من فؤاد ~~الإمبراطور وجعله أقرب إلى تحقيق فكرة الطلاق من ذي قبل. # ولم تنجع وسائل الطب وعناية كورفيزار في تغيير الحالة، وذهبت الإمبراطورة للاستحمام ~~في إكس فلم تر أدنى فائدة، وكانت قبل أيام حملة مصر قد ذهبت إلى بلومبيار لذلك السبب، ~~فكان زوجها يمازحها معددا ضياع الوقت وخيبة أمل من يتطلب الذرية من المياه ~~المعدنية . # ولم يكن هذا المزاح حلوا على قلب جوزفين؛ ولهذا كان يتجافاها في الساعات العصيبة، ولا ~~سيما عندما كان يتألم فلم يكن يعرف حينئذ كلمات الحنو والعناق والتقبيل، أما هي ~~فكانت من جراء ذلك كريشة في مهب الريح، لا تعرف أين تستقر، يتنازعها الأمل ~~والخوف، وكانت تقول لأصحابها: إنها لا تصدق بهذه الظواهر، بل ترى أن الإمبراطور ~~يحاول بذلك حملها على التعب منه والملل والكراهة. # وكانت الأيام تؤيد مخاوفها؛ لأن الإمبراطور أخذ يظهر برودة وجفاء وهجرا، ~~ويخاصمها لأدنى سبب، فقد عاد يوما من فينا واتفق مع جوزفين أن يلتقيا في ~~فونتنبلو، فجاءها قبل الميعاد بساعات، وكان هذا التأخر منها سببا لتعنيفها، والذي أماط ~~عن عينيها الحجاب وأراها حقيقة ما هي إليه صائرة هو سد الطريق، أو بالأحرى أمره بقفل ~~الباب الواصل بين حجرتيهما، وفي 30 نوفمبر 1809 كانت الساعة الهائلة؛ إذ أخبرها بعد ~~العشاء بعزمه الأكيد على الطلاق، فكان ما كان من بكاء وندب وغيبوبة وغيرها، وفي 14 ~~ديسمبر أمضيا عقد الطلاق، وفي 7 فبراير عقد له في فينا على ماري لويز. # وكان الاتفاق أن يجتمع العروسان في كومبيان، وأن يرافق الإمبراطور في هذا الموعد كل ~~حاشيته ورجال قصره، فكان الحرس منتظرا والمركبات معدة وكل في موقفه، وإذا بالخبر ~~ينتشر أن الإمبراطور قد اختفى؛ وذلك لأن صبر العاشق قد عيل فلم يطق ms27 الانتظار، فخرج ~~من باب الخدم وركب عربة بسيطة يصحبه فقط مورا، وسار إلى أن وصل إلى مقربة من سواسون، ~~فوقف بجانب كنيسة التوبة حتى إذا مرت عربة الإمبراطورة خف إليها وفتح بابها ~~بشدة ودخل العربة، وجلس مكان الملكة كارولين بدون خطاب ولا جواب، وقبل الإمبراطورة ~~فنال هذه الدهشة، ولكنها رضيت عنه ومالت إليه. # ويقال إن الذي جعل الإمبراطورة تحوز رضا أخوات الإمبراطور هو كونها أدنى منهن جمالا، ~~فكانت على الرغم من شعرها الأشقر الغزير ووجهها المشرق وألحاظها اللطيفة تظهر كأن ~~عمرها 30 سنة؛ نظرا لامتلاء فخذيها وضخامة صدرها، ولم تكن شفتاها السميكتان لتزيد ~~محاسن وجهها. # وقد تحققت آمال الإمبراطور بأسرع وقت، فحملت ماري لويز في سبتمبر سنة 1810، وبلغ ~~مجلس السفا بذلك، فأقيمت الصلاة في الكنائس واشترك الشعراء والمصورون والموسيقيون في ~~تخليد تلك الساعة المباركة. # ولما أحست بالمخاض (19 مارس) كان الإمبراطور في الحمام، فقيل له إن المولد ~~يرى صعوبة في توليدها وربما اضطر إلى تغيير مركز الجنين أو استعمال الحديد لإخراجه، ~~فقال: لا تهتموا برغبتي الخاصة أن يكون لي ولد وخلصوا الأم أولا، وقد استعمل ديبوا ~~الحديد فأخرج الولد في حالة الاختناق وعالجه حتى أفاق وصرخ فاطمأن الجميع. # وجرت بعد أشهر حفلة التنصير، فكان مشهد لم يسبق مثله في العظمة، وقبل أن تنتهي ~~الأعياد سافرت أم الإمبراطور في حاشية كبيرة إلى إكس لاشابل لمعالجة الصداع، ثم ~~تبعتها ابنتها إليزا، ولكنها لم تطل المكث في إكس، بل سارت منها إلى سبا حسب نصيحة ~~أطبائها، وذهب أخوها لويس إلى كراس للتداوي من آلامه العصبية والشلل المصاب به بعد أن ~~طرد طبيبه وتعلق بأحد الدجالين. # وكان لويس بونابرت كسائر الناس المصابين بالأرترتيسم معرضا للصلع، ومن نتائج ~~الصلع الزكام والنزلات الصدرية؛ ولهذا أوصى في باريس بشعر مستعار يقيه مؤثرات ~~الهواء، ثم اطلع في إحدى الجرائد على إعلان لمرهم نباتي ينمي الشعر ويقويه فسارع ~~إلى شرائه. # وكان وهو على عرش هولاندا قد دعا من برلين الدكتور هوفيون، والظاهر أن علاجه لم يفلح ~~فسار يهيم من ms28 بلد إلى بلد في استرجاع صحته، وعلى الرغم من شقائه هذا فقد كان يعتبر ~~نفسه سعيدا لبعده عن الأعمال. # أما نابوليون فقد كان في هذه السنة 1811 يستعد لحملة روسيا، وقد عزم على قضاء فصل ~~الصيف في إحدى البلدان المائية، ولكن الأحوال عاكسته، وكان فيما مضى عندما دعا ~~كورفيزار إلى فينا قد سمع الجنرال كلاباريد يثني على حمامات أفن ويغرق في مدحها، فدفع ~~ذلك الإمبراطور إلى أن يطلب من كورفيزار رسالة بهذا الموضوع يعرضها على جامعة مونبلييه، ~~ولا سيما أن أفن قريبة منها، فأيدت الجامعة قول الجنرال وعقد الإمبراطور ~~النية على تجربته هذه المياه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فافتكر في إنشاء مصح عسكري فيها ~~لولا أحوال السياسة التي غيرت كل مشاريعه؛ لأن الأقدار كانت تدعوه إلى ناحية ~~أخرى. # الفصل التاسع # | الداء الخفي # من الكلام المأثور عن نابوليون وقد فاه به لأول مرة في حرب إيطاليا: «إن الصحة ~~ضرورية في الحرب، ولا شيء في العالم يغني عنها.» وقد مرت به أحوال، وسنحت له ~~فرص جعلته يرى في هذا القول شبه نبوءة، أجل، لا نريد أن نبالغ في وصف الأثر الذي ~~يتركه هذا العامل العظيم عامل الصحة في تصرفات الإنسان، ولكن ما لا ريب فيه أن له - كما ~~للظواهر الجوية والحوادث الطارئة - يدا في تغيير الخطط التي يرسمها الفكر الشرير ~~وعرقلة المشاريع التي ينفعه في تدبيرها الذكاء والوقت بما ينطبق عليه قول الشاعر: # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # ولم تكن حملة سنة 1812 - التي نظر إليها البعض بعين الإعجاب والإكبار كما رآها البعض ~~الآخر جسارة لا تصدق - إلا واحدة من هذه الحوادث التي تظهر أن الأقدار تصرفها ~~قبل فكرة الإنسان. # والأقدار كلمة نأتي بها لتخفيف مسئولية الإنسان وستر جهلنا في تفسير ما لا يفسر، فإذا ~~أردنا أن نكون عادلين في الحكم فعلينا أن نبحث لنحدد تلك المسئولية. # اختلف المؤرخون في انتقاد أعمال نابوليون وقدرها، وكثيرون من أعجب بحملة 1796 وحملة ~~1814، ورأى مواطن الضعف في سواها كحملة 1805 و6 و7 ms29 و8، وعلى رأي هؤلاء أن الإمبراطور ~~لم يعرف أن يستفيد من انتصاره في واكرام، وكان دون المنتظر منه في روسيا إلى أن سقط آخر ~~الأمر سقوطا لا نهوض بعده. # الكيماوي برنوليه. # ماذا أصاب هذا النبوغ الحربي الذي شهد به الأعداء حتى كانت تغشى بلورته الصافية من ~~وقت إلى آخر غمامة سوداء تحجب بريقه وتستر نوره؟! يقال إن هناك داء كامنا كان يحاول ~~نابوليون بكل قواه أن يبقيه خفيا على من حوله، وقد شبهوه بنوع من الغيبوبة أو ~~نوبة فجائية تنتاب العقل والبدن فيصيبهما الضعف والخمول وألم حاد، قد يأتي في أهم ~~ساعات العمل وأشد محتدم الجلاد، فيذهب برشد نابوليون ويظلم ذهنه فيترك المقادير تجري ~~في أعنتها دون أن يملك لها زماما، هكذا يفسر المارشال ولسلي فشل نابوليون في روسيا. ~~نعم، إن الدوسنطاريا كانت تفتك بالألوف من جنوده، وإن كثيرا من خيله ضاع بين البرد ~~والمطر، حتى إنه قبل وصوله إلى فلنا اضطر أن يترك وراءه مائة مدفع وخمسين عربة نقل، ~~ولكن علام التردد في أول الحملة وتضييع الوقت بالتباطؤ وهو المتعود الإقدام والسرعة؟! ~~وما معنى هذه الراحة الطويلة في فلنا ثم في فستبسك لولا حدوث انحطاط في قواه العقلية ~~والبدنية ونزول الإرادة عن مستواها العالي نزولا لم يخف على الكثيرين حوله؟! # قد يكون العامل الأكبر إجهاده العقل إجهادا هائلا بين عمل متصل وقلق متعب، ولكن ~~هذا القول يحتاج إلى دليل؛ فإن شهادة من رافقوه في هذه الحملة المشئومة لا تؤيده ~~أقل تأييد، بل تثبت أن الإمبراطور لم يعره تغير في عزيمته ونشاطه ولا في ~~حدة ذكائه عما كان عليه في حروبه السابقة، قال الجراح لاداي: «إن الإمبراطور كان ~~يهتم بكل شيء ولا تخفى عليه خافية». ولكن من يقرأ متمعنا يلمح خلال السطور ~~شيئا جديدا، فقد جاء في كلام لاداي ما يأتي: «إن الذي كان يحتمل حر مصر ويجوب ~~قفارها المحرقة وهو ضاحك ويترك عربته فارغة تسير على الرمل في خدمة برتوله ومونج ~~دون أن يركبها البتة، والذي كان في إسبانيا ms30 يدهش الإسبانيين بسرعة تنقله ومقاومته ~~للتعب كان يشكو حينئذ من الظواهر الجوية ويعيش في مركبته أو يقضي الساعات في السرير وهو ~~غير لابس.» # الجنرال كونت دي سيجور. # الجنرال كوركو. # أما قواده المخلصون فلا يريدون أن يصدقوا أنه قصر لحظة في القيام بمهمته ~~الخارقة قدرة البشر، قال الجنرال راب: كانت همة الإمبراطور فوق التصور، فكان يحيط ~~بكل شيء، ويسهر على كل شيء، ويكفي لكل شيء، وقال ياوره الجنرال كوركو: «إن ~~صحة الإمبراطور في ذلك الحين كانت على غاية ما يرام، وكان على الرغم من كثرة الأشغال ~~يجد متسعا لركوب الخيل والصيد ساعات متتابعة، ولقد أظهر في حملة روسيا من العزيمة ~~والنشاط والمقدرة مثل ما أظهر قبل وبعد.» # وقال أيضا: «يصورون لنا الإمبراطور في فلنا خلوا من الحماسة والإرادة وصدق الرأي، ~~كيف يكون ذلك، وقد رأيناه منذ الساعة الأولى يهدم خطط الروس، ويقطع جيشهم شطرين، ~~ويقهرهم على ترك مواقفهم ومخازنهم، فيتسلم منهم ليتانيا بدون حرب، وكذلك في فستبسك فقد ~~ادعى الكونت سيكور أن الخمول كان مستوليا على الإمبراطور، ولكن أين هذا من الحقيقة؟! ~~لقد أقبل الروس لمحاربته وهذا ما كان يريد، ظنوه آتيا بالجيش عن يمينهم فجاز بأسرع من ~~البرق دنيبر وحمل على ميسرتهم.» # أما كلام سيكور الذي أشار إليه الجنرال كوركو فهو: «لم تعد البنية القوية تساعد هذا ~~النابغة كسابق عهدها، وقد تعود منذ صباه الاستحمام لمغالبته ألما خفيا لا يريد أن ~~يعرفه أحد، وقد أصابه عسر في البول منذ ليلة المعركة «موسكو»، فلم يخلص منه إلا ثاني ~~يوم دخوله كرملين، وقد أنبأني أبي والجراح وكاتم سره أن هذا الداء يلازمه منذ ~~صباه.» # وروى الدكتور إيفان أن هذا الألم كان يحس به نابوليون منذ سنة 1796، وكان يعالجه ~~بالماء الساخن، فإذا لم يجد مغطسا أمامه أنزل في برميل، والمظنون أن هذا الألم ناتج ~~عن التهاب في عنق المثانة أو عن حصوة كلوية، وقد ذهب بعضهم إلى أن نابوليون وهو في سنت ~~هيلانة اعترف في إحدى نوبه بأصل الداء، وأن الأطباء نسبوه يومئذ ms31 إلى جهل الشبيبة على ~~أنه كان متزوجا وعلى ثقة من نفسه. # وإلى القارئ بعض التفاصيل مأخوذة عن السجلات الرسمية، كما كتبها الدكتور ماستيفيه ~~طبيب الإمبراطور لذلك العهد، فإنها تلقي شعاعا على هذه الحوادث الغامضة: # إن عسر البول الذي أحس به الإمبراطور ~~لم يذهب تماما إلا في اليوم الثاني بعد دخول موسكو، وقد دعاني إليه عند الصباح ~~وأراني إناء مملوءا بولا وقال: إنه مستريح بعد هذا البول الغزير، ولكنه قلق ~~لتراسب الموجود في الإناء إلى ثلثه تقريبا، فطمأنته بقرب انفراج الكرب، ~~فسألني كعادته: ماذا يقال حولي؟ وكان سريره موضوعا بحيث لا يرى المدينة فأجبته ~~أن حلقة من النار تحيط بكرملين، فقال: قد يكون من حماقة بعض الجنود الذين أشعلوا ~~النار بالقرب من البيوت الخشبية، ثم حدق بنظره في السقف وسكت بضع دقائق، وإذا ~~بوجهه قد تغير وبدت ملامحه في شكل هائل، فدعا خادميه رستم وكونستان ~~وترك سريره بسرعة فحلق ذقنه بيده ولبس ثيابه وهو صامت قليل الصبر، حتى ~~إنه رفس المملوك رستم ورماه على قفاه لأنه أخطأ فقدم حذاءه الأيسر قبل ~~الأيمن. # وبقيت في مكاني ساعة أنتظر إشارة رأسه المعهودة لأنصرف، فدخل إليه بعضهم وذهب ~~إلى الغرفة المجاورة. # الإمضاء # ماستيفيه عضو الجمعية الملوكية # ويؤيد هذه الشهادة شهادة أخرى كتبها الجراح إيفان، وإيفان من أصدقاء الإمبراطور ~~الحائزين كل ثقته، حتى إنه وقع وحده عقد زواج كارولين ومورا، وكانت جوزفين تستشيره ~~دائما قبل الذهاب للمياه المعدنية، فضلا عن ذلك فقد خدم في جيش إيطاليا خمس سنوات، ~~ورافق نابوليون في كل حروبه، وكان عليه بعد المعركة أن يطلع الإمبراطور على عدد الجرحى ~~والقتلى وحالة المستشفيات النقالة، وأهمية جراح ~~الرؤساء والقواد، فكان مركزه كمركز كورفيزار، بل أسمى لحاجة الإمبراطور إليه في كل ~~المواقع، وصحبته له كل يوم وكل ساعة، وهاك الشهادة: # الدكتور إيفان يعالج جرح نابوليون في ~~راتيسبون. # كان الإمبراطور سريع التأثر بالعوارض الجوية، وكان من الضروري عنده أن تظل وظائف ~~الجلد سليمة لحفظ التوازن في صحته، وإلا أصابه سعال وعسر بول، ففي 5 سبتمبر ms32 سنة ~~1812 هبت ريح هوجاء وانتشر ضباب كثيف وسقط مطر غزير، فظهرت فيه الأعراض بشدة ~~اضطررت إلى تسكينها بدواء ذهبوا في استحضاره بعيدا عن المعسكر، ولم تذهب الأعراض ~~والحمى وتهدأ حالته إلا بعد أيام، ثم يقول في مكان آخر: # أخذ نابوليون يشعر بانحراف صحته منذ السابع من شهر سبتمبر، فكانت البداية صداعا شديدا ~~لم يمنعه مع ذلك من النهوض باكرا واعتلاء صهوة جواده قبل ساعة الهجوم أي نحو الساعة ~~الخامسة، وكان فطوره قليلا من الخمر المعتقة وغذاؤه خبزا مبللا بالنبيذ. # وفي 8 منه قضى ليلته بين أنقاض البلدة المجاورة، وفي الغد كان في موسكو، فاحتل منزلا ~~جديد البناء وجمع أعوانه من حوله ليلقي أوامره كعادته، وإذا بصوته قد بح فجأة ~~وامتنع عليه الكلام والإملاء، فتناول قلما وورقة وأخذ يرسم ما يجول بخاطره من خطط ~~وأوامر، ويدفع إلى من حوله من مساعديه وكتابه، وعلى الرغم من كثرة هؤلاء الأعوان فقد ~~كانت المهمة شاقة؛ لأنهم كانوا يقفون حيارى عند كل سطر من خطه قبل أن يصلوا إلى ~~حل رموزه وطلاسمه، وكان كلما انتهى من تسطير أمر يضرب بقبضة يده على الطاولة ليأخذوا ~~ما تكدس حوله من هذه الأوراق. # نابوليون في فرائه في أثناء حملة روسيا في سنة ~~1812. # قيل إنه كان وهو في تلك الحالة التي يعاني فيها أثقال المخاوف والهموم وآلام الفكر ~~والبدن ضعيفا في إرادته مترددا في عزمه بعيدا عن القدرة والإقدام اللذين ~~اتصف بهما، ولكن هذا القول يحتاج إلى إثبات، ومن يقرأ شيئا من تلك الأوامر لا يسعه ~~إلا الاعتراف بأنها صادرة عن ذهن صاف وخاطر سريع ونظر بعيد. # واستراح طويلا في موسكو، فلم يغادرها إلا في أصيل اليوم الثاني عشر من الشهر، بعد ~~أن اطلع على حالة الخسارة في الجيشين وحركات العدو والذخيرة وغير ذلك، فكان حتى الساعة ~~الأخيرة قابضا على زمام الإدارة والإحكام، يدير بنفسه دفة الجيش، ماشيا على قدميه ~~ليلا ونهارا، لا يعرف الراحة إلا مضطرا، ولا ينام إلا غرارا. # هذه هي الحقيقة فيما يختص بمرض نابوليون ms33 الذي جعله الكونت سيكور وغيره العامل الأكبر في ~~اندحار الإمبراطور وتقهقره. # وقد تناول قلم تولستوي بالهزء من زعم أن نتيجة هذه المعركة كانت معلقة بزكام ~~نابوليون فقال: إن مخلص روسيا إذن هو ذلك الخادم الذي نسي أن يقدم إلى سيده ~~حذاء لا يخترقه الماء، كما قال من قبل فولتير مستهزئا أيضا: «إن مذبحة سان برنامي ~~كانت نتيجة الهضم في معدة شارل التاسع.» # نعم، إن حالة الإنسان العقلية والبدنية تؤثر في تصرفاته، ولكنها لا تكفي وحدها ~~للتعليل عما يعقبها من الحوادث، وقد قال تولستوي: إن نابوليون لم يأت في معركة ~~موسكو أمرا يجلب له الضرر أو يقلل من نجاحه، وإذا كان بدا عليه السأم ثم تولاه اليأس ~~فذلك بعد أن تألبت عليه العناصر والبشر جميعا، وما عتم أن استرجع قواه الأولى عندما ~~ابتعد عن روسيا، بل لم يذكر التاريخ أنه أظهر في زمن من الأزمان من النشاط والمقدرة ما ~~أظهره في أواخر هذا العام 1812 وأوائل 1813 حيث تجلت مقدرته العقلية الخارقة بأسمى ~~مظاهرها. # لم يحتج إلى أكثر من 4 أشهر ليعد جيشا جديدا، فسافر في 15 إبريل إلى مايانس، ~~ومنها إلى فيمار فلوتسن، حيث انتصر في معركة 2 مايو، وبعد 6 أيام دخل درسد ظافرا، وفي 20 ~~فاز في معركة بوتزن، وقتل من ورائه المارشال دوروك، فكان ذلك سبيلا إلى إشاعة سرت ~~بسرعة البرق مؤداها أنه جرح جرحا بالغا أو قتل، حتى إنه عندما رجع إلى درسد (في 10 ~~منه) زعم الناس أن الذي مر أمامهم في مركبته ليس الإمبراطور، بل تمثال له من الشمع، ولم ~~يصدقوا ببقائه حيا إلا بعد أن أطلقت المدافع وقرعت الأجراس. # ربما ساعد على هذا الشك أن الإمبراطور عند وصوله إلى درسد سار توا إلى غرفته ~~لأنه كان منهوك القوى من السهر ونام في سريره نوما عميقا حتى الساعة التاسعة من ~~اليوم التالي، إذ ركب جواده واستعرض الجيش في مروج درسد، ولم يكن من السهل معرفة الحقيقة ~~في حينها؛ لأن الإمبراطور عود الناس أن يؤمنوا ms34 بنجمه الذي لا يعرف الأفول، وبقوته ~~التي لا يتطرق إليها الضعف، فكانوا يعتقدون أنه أبعد من أن ينال بأذى إلا أن ~~الملتفين حوله والمتقربين إليه أدركوا ما كان يعتوره حينا بعد حين من شبه نعاس ~~أو غيبوبة تضعف معها الإرادة وترتخي الأعصاب، وقد وصفه المارشال مارمون بقوله: «كان قليل ~~الاهتمام بالعواقب لا يصدق الحقيقة إلا إذا وافقت هوى في نفسه، وكان متعجرفا ~~يحتقر كل الناس، وذا عقل واسع التدبير كثير الإنتاج كعادته، إلا أنه ضعيف الإرادة ~~كثير التردد.» # ذلك لأن الإمبراطور كان قد تقدم في العمر وتغير عما كان عليه في أوسترلنز ويانا، ~~والأربعون جاءت شديدة الوطأة على هذا الرجل الخارق العادة الذي تسع حياته أعمارا ~~كثيرة. # وقد كان انتصار درسد في 27 أغسطس آخر شعاع من كوكب مجده لولا اعتلال فجائي أفسد ~~نتائجه الباهرة. # الفصل العاشر # | نتائج سوء الهضم # إن الحركات الحربية التي قام بها الإمبراطور حول درسد جرت تحت سيل من المطر لم ~~يدع منفذا إلى بدنه، فوصل درسد كأنه قربة ماء من رأسه إلى قدمه، وانتابته ~~قشعريرة وحمى وقيء كثير، وبعد النوم والدفء والعرق نهض في الغد ~~مستريحا. # وقد زعم بعض من لا تنكر شهادتهم أن لاعتلال الإمبراطور سببا آخر هو سوء الهضم ~~بعد أكلة فيها قليل من الثوم لم تحتملها معدته، فظن نفسه مسموما وعاد أدراجه ~~تاركا إلى المارشال مونيه وسان سير مهمة اللحاق بالجنرال فاندام ومساعدته، على أن ~~الجنرال فاندام لم يتقدم إلا على أمل أن يتبعه الإمبراطور عن كثب، فرجوع الإمبراطور ~~إلى درسد قبل أن ينتهي من حملته حول النصر إلى انكسار. # ومن ذلك اليوم قلب له الدهر ظهر المجن، وصارت كل خطوة منه مزلقا للخيبة ~~ومنحدرا للفشل، فاستولى اليأس على الإمبراطور، وتوارى كوكب آماله خلف ضباب من ~~الأكدار والمخاوف، واستحكم التردد منه فبقي شهرا في درسد لا يأتي بحركة. # وفي 7 أكتوبر غادر درسد إلى دوبن فوصلها في 10 منه، وأقام في القصر الصغير يومين وهو ~~مستلق على ظهره حاضر كغائب، وأمامه أكداس ms35 التلغرافات لم تقرأ، بل لم تفض، وقد رآه ~~الماجور أودلين قبل معركة ليبزيك بأيام حزينا خامل الهمة، فاتر النظر، وقد شمل السكوت ما ~~حوله حتى غرفة انتظاره التي كانت من قبل تشبه حصان ترواده لازدحام الخلق فيها. # معركة ليبزيك. # وكان المارشال ناي ورفقاؤه معارضين له في الهجوم على برلين، فاختار ليبزيك وقام بالهجوم ~~في 6 أكتوبر، ولكنه في اليوم الثاني شعر بعودة أوجاع المعدة واشتدادها فانطرح على مقعد وهو ~~يئن من الألم ويردد في نفسه: «قد يحتمل رأسي الألم، وأما جسمي فلا»، فعرض عليه ~~الدوق دي فيسانس أن يدعو إيفان، فرفض الإمبراطور وقال: ~~إن خيمة الملك شفافة كالزجاج، ولا بد من خروجي ليبقى كل في موقفه؛ لأن العدو ~~قريب منا، وطالت المحادثة بينهما على هذا النحو: ولكنك يا مولاي مريض ويداك ~~ملتهبتان من الحمى، فأسترحمك أن تأخذ لنفسك بعض الراحة. ~~- لا، لا يمكن أبدا، إن الواجب يقضي علي أن أكون واقفا مستعدا. ~~- اسمح لي إذن أن أدعو إيفان. ~~- إياك أن تفعل، إذا مرض جندي أعطيته إذنا بالدخول إلى المستشفى، فمن يعطيني ~~أنا الإذن؟! ثم تنهد تنهدا عميقا وأحنى رأسه، وبعد قليل مد يده إليه وشدها بلطف ~~قائلا: الأمر بسيط كما ترى فلا تدع أحدا يدخل علي وإني أشعر بالتحسن، ثم قام ~~مستندا إلى ذراعه ومشى خطوات في الخيمة وهو يقول: أنا أحسن أيها العزيز. # ولم يمض على هذا الحادث نصف ساعة حتى كان نابوليون ممتطيا جواده محاطا بقواده ~~يلقي أوامره يمينا وشمالا، وما جرى بعد ذلك من ضياع ثمرة النصر بسبب خيانة بعض الفرق ~~ونقص الذخيرة معروف ولا محل لذكره هنا، وقد قال أحد المؤرخين: «إن نابوليون في معركة ~~ليبزيك قد أتى بما يفوق طاقة البشر، فتغلب على الخيانة وحالة الأرض، وتفوق العدو ~~بالعدد.» # الفصل الحادي عشر # | محاولة الانتحار في فونتنبلو # في 25 يناير سنة 1814 ترك الإمبراطور باريس لمحاربة أوربا المجتمعة عليه، وفي 11 إبريل ~~قبل تنازله عن العرش ولم يبق إلا أن يضع توقيعه، وكان رسول الحكومة المؤقتة ms36 ~~ينتظر في ناحية من القصر، إلا أن الإمبراطور كان مترددا، وقد مرت في رأسه فكرة ~~الانتحار، وكان يرجو أن تأتي إليه ماري لويز بعد تركها في بلوا، فلما أعياه الانتظار وخاب ~~أمله منها عقد النية على أمر حاسم، فنام تلك الليلة قبل الساعة التي اعتادها، وترك ~~كعادته باب الغرفة مفتوحا قليلا، وقد نام الخادم (هوبر) على عتبته، ونام كونستان في غرفة ~~أخرى، فلما انتصف الليل نادى الخادم وطلب منه أن يشعل النار ثم أمره بالانصراف، ~~فذهب هوبر، ولكنه لم ينم لريبة في نفسه، بل أخذ يراقب مولاه من شق الباب، فرآه ~~يمشي طولا وعرضا ثم يجلس ويكتب على ورق ثم يمزق الورق ويلقيه في النار، وبعد حين رأى ~~الإمبراطور يتناول مسحوقا من إحدى حقائبه ويذيبه في الماء ويتجرعه، فخاف وأسرع ~~فأخبر كونستان وعاد معه ودخلا بلا استئذان على مولاهما، فوجداه في حالة تهيج شديد، وسرعان ~~ما انتشر الخبر في القصر أن الإمبراطور قد شرب السم، فأنيرت الغرف وقطع سكوت ذلك ~~الليل وقع أقدام الخدم جيئة وذهابا، وأقبل إيفان والمارشال الكبير والدوق دي فيانس ~~والجنرال كوركو فوجدوا الإمبراطور شاخص العينين جامد النظر، أما هو فالتفت إلى ~~إيفان وابتدره بهذه الكلمات: إيه إيفان، لقد أعطيتني سما لا يفعل. فاضطرب إيفان وخاف ~~أن يفهم من ذلك أنه أراد تسميمه، فترك الغرفة ونزل السلم مسرعا، وذهب إلى ~~الإسطبل فامتطى جوادا وانطلق إلى باريس، وكان رابطا منديلا أبيض بذراعه، وبهذه الشارة ~~أمكنه أن يخترق صفوف الدول المتحالفة ويصل آمنا إلى منزله، أما الإمبراطور ~~فقد سقي ماء ساخنا، فتقيأ وعرق عرقا غزيرا ونام نوما هادئا، ومضى الليل بلا ~~عارض. # الطبيب والفيلسوف كابانيس. # هل حاول الإمبراطور الانتحار حقيقة؟ هذا ما لا يسعنا الجواب عليه، ولكن ما لا ريب ~~فيه أنه لم يكن يهاب الموت، وهو الذي يعرض نفسه له كل يوم، وقد كان في الأيام ~~السابقة لهذا الانتحار في حالة انحطاط ظاهر حتى اعتراه شبه ذهول، فلم يكن ينتبه إلى من ~~حوله، وقد يرسل في طلب أحدهم ms37 فإذا أتى لبث نصف ساعة دون أن يوجه إليه الخطاب، وذكر ~~خادمه الخاص أنه كان ساعة لبسه وزينته صامتا لا ينبس ببنت شفة، فإذا عرض ~~عليه أن يشرب الدواء كعادته في مثل ذلك الوقت لم يكن يجيب، بل لم يكن يظهر على ملامحه ~~أنه سمع كلام الخادم، وكان كل يوم يزداد حزنا وميلا إلى الوحدة، وكانت رسائل ~~البرق التي ترد عليه من باريس تسبب له هياجا خاصا، حتى إنه غرز يوما أظافره في ~~فخذه وأسال الدم دون أن ينتبه. # أما السم فقد اختلفوا في ماهيته، فبعضهم - ومنهم ابن الجراح إيفان - يقول: إنه ~~مسحوق البلادونا، وبعضهم يزعم أنه نفس السم الذي انتحر به كوندورسه سنة 1794، استحضره ~~كابانيس ولم يذكر تركيبه لأحد. # الفصل الثاني عشر # | مملكة الأقزام # قضت معاهدة فونتنبلو بتنازل نابوليون عن عرش فرنسا وحرمان أسرته من حقوق الإرث، ~~وتعهدت له إزاء ذلك أن يكون صاحب السلطة المطلقة في جزيرة ألب. # وقد ظن الإمبراطور أنه يسمح لماري لويز أن ترافقه في هذا المنفى بعد إقامتها ~~حينا للتداوي في بارم أو بلازانس أو إحدى مدن الاستشفاء في إيطاليا، فاستشير كورفيزار في ~~ذلك فكان رأيه مخالفا، واضطر نابوليون أن يسافر بدونها، يصحبه بعض أعوانه الأمناء ~~وأربعة من ضباط الدول المتحالفة لحراسته في الطريق. # وكان الناس يستقبلون الموكب الإمبراطوري أين حل بالشتائم والتهديد، حتى كاد البعض ~~يفتك بالإمبراطور عند وصوله إلى أورجون. # فأثرت مظاهر البغضاء هذه في صحته، وسببت له اضطرابا في المعدة وقيئا، فاضطر ~~الموكب إلى البقاء حينا في فريجوس قبل متابعة السفر. # على أن نابوليون في طريق المنفى لم يكن يحلم إلا بقضاء بقية العمر في إمارته الجديدة ~~منصرفا إلى العلوم والآداب، فكان يعلل النفس بإنشاء مرصد فلكي ومعمل كيماوي وحديقة ~~للنبات ومكتبة عمومية؛ ولهذا أرسل برتران يستشير مونج وبرتوله ولابلاي ويطلب منهم اختيار ~~أساتذة وعلماء لكل هذا. # مونج. # ووصل نابوليون إلى مرفأ فراجيو في 3 مايو، فكان همه الأول بعد الاستراحة أن يمتطي ~~جواده ويطوف في مملكته الجديدة، ثم اتخذ تلك ms38 النزهة عادة فصار ينهض كل يوم قبيل ~~الفجر ويسير في أنحاء الجزيرة مخترقا سهولها وحزونها غير مبال بحرارة الشمس المحرقة ولا ~~شاعر بتعب التجوال، حتى قال فيه المندوب الإنكليزي القائم بمراقبته: إنه يريد أن يحقق ~~الحركة الدائمة، أو إنه يجد لذة في إنهاك قوى من يرافقه، وإنه أبعد من أن ~~يقوم بالمشاريع التي عرض بها عند وداع فونتنبلو ما دامت صحته تساعده على الجولان طول ~~النهار ولا تترك له سبيلا إلى الجلوس والكتابة. # وكانت هذه الرياضة البدنية أنفع علاج للإمبراطور بتهييجها وظائف الجلد ومساعدتها على ~~إفرازه، إلا أنها لم تمنعه بعد حين من أن يشكو شدة المناخ ويتألم منه، فأخذ ~~يتنقل من مكان إلى آخر جاعلا مسكنه حينا في الجنوب وحينا في الشمال وآنا في جهة ~~الشرق وآونة في الغرب، وكان حيث أقام يعمل على تحسين منزله وتجديد ما فيه، حتى إذا تم له ~~ذلك ولم يعد للجديد من رونق أحس بالملل يتطرق إلى فؤاده، فانزوى في غرفته ساعات ~~متواصلة لا يأتي فيها بحركة كأنه محمول على أجنحة الحلم أو مأخوذ بشبه نوم لطيف، على أن ~~صحته لم تتأثر كثيرا من هذه التقلبات، ولم تبد عليه علائم التعب والانحطاط، بل ~~غاية ما هنالك أنه أقل من ركوب الخيل، واستعاض عنه بالخروج في مركبته. # كيف كانت حياة هذا المنفي العظيم الذي صار ملكا على الأقزام بعد أن ملك ~~العالم؟! # إنه مثل دوره تمثيلا صحيحا، فلم يترك حقا من حقوق الملك لم يستول عليه، ولا ~~واجبا من واجباته لم ينهض إلى قضائه، فكانت الجزيرة كقفير النحل تعج بالحركة عجا فلا ~~يسمع فيها إلا أصوات المطارق بين هدم وبناء، وقد صدرت أوامره إلى كل جانب بتطهير ~~البيوت والثكنات وتنظيف الطرق والشوارع، وإلزام السكان بوضع الأقذار في آنية خاصة ~~تفرغ في الليل ومعاقبة من يطرح من بيته شيئا في الشارع، ومنع كل غريب من دخول الجزيرة قبل ~~أن يفتش صحيا، وتنشيف المستنقعات، ووقاية مياه الشرب، وتشييد أحواض كبيرة يخزن فيها ~~الماء لأيام الحاجة، ومراقبة ms39 الأمراض السرية، وهذا يعلم الناس العائشين في الأقذار معنى ~~النظافة، فانتعشت الجزيرة بعد الموات وازدهرت فيها الحياة، وذاق السكان للمرة الأولى ~~طعم العيش الرغيد. # مسكن نابوليون في جزيرة ألب. # نابوليون في الحمام في جزيرة ألب (صورة تهكمية ~~نشرت في ذلك الحين). # وكان نابوليون قليل الثقة بالأطباء إلا أنه يميل إلى الطب ويهتم بكل ما يتصل به، ~~فلم تحرم المستشفيات نصيبا من عنايته، بل كان يؤمها كل صباح فيصل أحيانا قبل ~~الطبيب، وكان يستفهم عن كل داء وعن طريقة مداواته، ويظهر تفضيله لوسائل العلاج البسيطة ~~على غيرها. # وكانت لجنة الإدارة تجتمع مرتين في الشهر لتجمع المعلومات اللازمة وتطلع المليك عليها ~~وعلى كل ما يحدث في المستشفى، وقد بلغ من اهتمامه بالصحة والمستشفى العسكري أن حبب إليه ~~بقية المرضى الذين كانوا في المستشفى المدني، فطلبوا الدخول إليه، وانتهى الأمر بإقفال هذا ~~الأخير. # هذه الحياة المملوءة عزما ونشاطا وإبداعا، وهذه القوة التي كانت تنفق بلا حساب في ~~هذه القطعة الحقيرة من الأرض فتحت لبعض الإنكليز والفرنسويين من أتباع لويس الثامن عشر ~~بابا جديدا للسخرية والتشفي، فملئوا الأرض نشرات وصورا تمثل نابوليون في ~~حالات مضحكة ومخزية؛ هذا يسميه البهلوان الذي يقلد محمدا والذي يحكم اليوم على ~~العبيد والقردة، وذاك يصوره قزما محاطا بكل أحدب وأعرج، وقد أمر بتعبئة جيش ضخم ~~قوامه ثلاثون رجلا، أو مشى للنزهة على الشاطئ بثياب روبنسون وعلى رأسه قبعة من الفرو وفي ~~يده مظلة وعلى كتفه ببغاء هي نسره المهيض الجناح. # أما هو فلا ريب أنه في أعماق نفسه كان يتألم كثيرا لهذا السقوط الهائل، والذي زاد ~~في جراحه هو بعده عن ماري لويز التي كانت لا تزال تملأ قلبه، وقد كتب لها مرارا من ~~الجزيرة، ولكنها كانت تعتذر بانحراف صحتها ناسية واجباتها الزوجية، مشغولة عنه بالحب ~~الأثيم الذي علق بقلبه بها شراره. # الفصل الثالث عشر # | مشية الظافر # صورة تهكمية ضد نابوليون وهو في جزيرة ~~ألب. # في 16 فبراير سنة 1815 ودع الإمبراطور أمه وشقيقته البرنسس بونس وترك قصره الحقير ms40 ~~محاطا برجال السلطة والسكان الذين هرعوا لتوديعه، وركب البحر قاصدا شطوط فرنسا ~~فوصلها في أول مارس. # وكان أمامه طريقان: طريق بروفانس وكلها أخطار لبغض السكان وشدة عدائهم له، وطريق ~~الألب وكلها أمان لكثرة محبيه ومريديه فلم يسعه التردد في الاختيار. # ولا يزال في قرية سان فاليه القائمة على قمة الجبل من فوق مدينة كراس تذكار خطي لمرور ~~نابوليون في تلك الناحية واستراحته حينا مع جيشه الصغير قبل مواجهته الأقدار. # ويقال إنه في كراس كانت بادية عليه سيماء الضعف والألم، حتى كان لا يقوى على الركوب ~~ويتجافاه ما أمكن، فأحضر له برتران مركبة كبيرة قطع فيها شوطا من الطريق ثم تركها؛ لأنه ~~أراد أن يظهر للشعب راكبا، وربما كان سبب هذا الألم تشنج المثانة الذي كان ينتابه ~~حينا بعد حين، أو أنه كان مصابا بالبواسير. # كارولين مورات أخت نابوليون. # ولا نحاول اتباع الإمبراطور في مشيته الظافرة نحو العرش، بل نكتفي أن نذكر للقارئ ما ~~بقي مجهولا عن الكثيرين، وهو أن كرنوبل كانت مفتاح نصره، ولو لم تفتح له أبوابها ~~لعاد بالخيبة والفشل، وهو مدين بأكثر نجاحه لإخلاص طبيب من أتباعه كان ينتمي إلى هذه ~~المدينة، فإنه شجع نابوليون وبشره بما يكنه مواطنوه له من الحب والعبادة، كما ~~أنه سبقه إليها ومهد له الطريق بإقناع المترددين واستمالة الكارهين، حتى إذا جاء ~~المساء كانت النشرات تتطاير في الشوارع محيية الإمبراطور، فلم يبق للضباط والجنود ~~من سبيل إلى المقاومة أمام هذا التيار، ولم ينس نابوليون فضل الرجل فخصه في وصيته ~~الأخيرة بمائة ألف فرنك، ووكل إليه والبارون لاراي توزيع 200 ألف فرنك على الأحياء من ~~جنود واترلو. # الفصل الرابع عشر # | حكومة المائة اليوم # عودة نابوليون في 20 مارس 1810. # في العشرين من مارس وفي الساعة الرابعة صباحا فتحت فونتنبلو أبوابها لاستقبال ~~الإمبراطور، وفي الليلة التالية كان شيخ عاجز يغادر تلك الديار بعد أن جلس عشرة أشهر ~~على العرش، منفي يعود إلى ملكه ومليك يرجع إلى منفاه، وهكذا ابتدأت حكومة الأيام ~~المائة. # وكان نابوليون قد تغير ms41 في هذه الفترة القصيرة تغيرا ظاهرا، فزاد اصفرارا وسمنا، ~~وخف نشاطه، وثقلت حركاته، وبدأ العجز والانحطاط في قواه، ولا بدع فإن أخطار ~~السفرة وهمومها وتنظيم الجيوش والحكومة واستعداده لحملة البلجيك فوق ما كان عليه من ~~التألم المعنوي في منفاه وتهيج أعصابه كل حين، كل ذلك كان ينزع عنه ثوب العافية ~~ويخمد نار الهمة ويطفئ شعاع الأمل، وقد قيل إنه لذلك العهد كان حزين النفس تنم ~~صورته على اليأس الشديد تارة وعدم المبالاة طورا، وكان يميل كثيرا إلى النوم، وهو الذي ~~لم يكن ينام أكثر من أربع أو خمس ساعات، نعم، إن صفات نبوغه النادر لم تتغير، ولكن ~~الإرادة والإقدام والثقة بالنفس قد تزعزعت جميعا، فكان الفكر يؤثر في الجسم ثم يعود ~~الجسم فيؤثر في الفكر (اقرأ تيوفيل كونيه، وهنري هوساي، وباسكيه). # وإن رجلا عصبي المزاج كنابوليون لا يسعه وهو عبد لهذه النوب التي كانت تساوره ~~حينا بعد آخر، وتشتد وطأتها عليه إلا أن يرزح تحت أثقالها فيضيع رشده وتخبو همته ~~ويظلم فؤاده؛ ولهذا كانت تعرض له أشباح حوادث المستقبل بصور مخيفة، فيتمثل فرنسا ~~مقهورة مداسة، فيرتعش بدنه ويتألم فكره، ولا يجد سبيلا إلى إبعاد هذه التخيلات ~~إلا بالنوم، وكثيرا ما أجهش بالبكاء وهو منفرد وأمامه صورة ابنه؛ ذلك لأن نابوليون ~~لم يعد يؤمن بنجمه. # الفصل الخامس عشر # | واترلو # تيوفيل غوتييه الشاعر. # رحيل لويس الثامن عشر (19 مارس ~~1815). # ترك نابوليون باريس قاصدا إلى شارلروا وآماله بالنصر ضعيفة، ولما وصل إلى شارلروا ~~انطرح على سريره منهوك القوى ولم ينهض للعمل في الصباح إلا نحو الساعة الحادية عشرة، ~~فخسر ساعات ثمينة كفت بلوشر ليتم استعداده ووالنتون لينال النجدة اللازمة. # وقد ذكر كروشي أنه في اليوم التالي أي في 17 كان التعب الشديد باديا على وجه ~~الامبراطور ولم ينكر عليه منتقدوه إبداعه في الخطة التي رسمها في «ليني»، ولكنه لم ~~يمض فيها إلى النهاية، فإنه عندما وقفت رحى المعركة اضطجع في سريره ونام ولم يجرؤ ~~أحد أن يوقظه ليتلقى أوامره، وهكذا مضى اليوم والغد ms42 وهو على هذه الحال، حتى قال ~~الجنرال فاندام: إن نجاحنا سيكون عقيما. # ديكوست البلجيكي؛ وهو دليل نابوليون يوم ~~واترلو. # وفي 18 كان المطر قد انقطع تماما وهبت ريح قوية جففت الأرض، فاختار نابوليون ~~مركزه عن يسار الطريق على قمة يشرف منها على الميدان وأتوه بمائدة صغيرة نشر عليها ~~خرائطه ولبث طول المعركة كأنه في خمول يذكرهم بيوم موسكو. # هل كان هذا الخمول أو النعاس أو انحطاط القوى أمرا عارضا، أو هي الأعراض التي كان ~~يشعر بها من زمن طويل؟ هذا لا يزال سرا من الأسرار، وكل من درس المسألة أبدى رأيا، ~~أما نابوليون فكان يقول في جزيرة القديسة هيلانة عن ذلك اليوم المشئوم: إنه انكسار لا ~~يفهم له سببا، ونسبه تياري إلى القضاء والقدر، ومالو إلى تزعزع ثقة الإمبراطور بنفسه، ~~وهنري هوساي إلى انحطاط قواه العقلية، وكلوزفتز إلى مخاطرة الإمبراطور بلا حساب كما يفعل ~~المقامر. # أما شهادة الأطباء فهي أن نابوليون لم يضع وعيه ولم تخنه الذاكرة أبدا، ولكن ~~ألم الجسم أثر في أخلاقه وضعضع حواسه، وعلى رأي كابانيس: إن الإمبراطور في معركة ~~واترلو كان يتألم من البواسير، وهذا الداء قديم يرجع عهده إلى أيام الصبا، كما يظهر ~~من كتاب أرسله سنة 1809 إلى أخيه جيروم، أضف إلى هذا العامل المرضي العامل الجوي ~~للأمطار التي هطلت وجعلت الأرض بحيرة من الوحل لا يمكن الخيل والمركبات أن تتحرك فيها، ~~يتبين لك بعض الأسباب في اندحاره. # وهناك عامل ثالث لا يجب أن نتناساه وهو العامل الأدبي فقد تعبت فرنسا من حرب لا ~~تعرف الغاية منها، وتاقت إلى السلام، فخفت حماسة الفرنسوي وانتقلت إلى أعدائه، يدلك ~~على هذا تصرف كل من القائدين الفرنسوي والبروسي. # هذا يصدق إلهامه؛ لأنه يريد الانتصار، وذاك يتردد ويقف؛ لأنه لم تعد جذوة ~~الحماسة تلهب عواطفه. # فلا ريب أن نابوليون كان مريضا يوم واترلو، وقد أثر هذا المرض في نتيجة المعركة، غير ~~أنه لا يحق لنا أن نلقي تبعة الانكسار كلها عليه، فننسى كما قال مونتسكيو ~~«الأسباب العامة التي ms43 ترفع الممالك وتخفضها.» # ونابوليون كغيره خاضع لهذه الشرعة، فلو لم يقهر في واترلو لقهر بعدها. # الفصل السادس عشر # | إلى المنفى # مدام دي مونتولون. # بقي نابوليون مترددا في اختيار البلاد التي ستكون مقره في منفاه، وقد أشار عليه ~~بعض أصحابه أن يقصد إلى أميركا، أما هو فلم يستطع أن يعقد عزما كأنه يخاف ~~المخاطرة أو أن قوة غريبة شريرة كانت مسيطرة عليه. # صورة لنابوليون عند وصوله إلى جزيرة القديسة ~~هيلانة. # ولما جاءه أمر الحلفاء وهو على ظهر الباخرة بلرفون بأن تكون إقامته في جزيرة ~~القديسة هيلانة كانت قواه الأدبية والبدنية في خور وانحطاط، ولم يسمح بمرافقته ~~إلا لعدد محدود من ضباطه وأعوانه، وقد تألم في الأسبوع الأول من دوار البحر فتعرف ~~إلى الجراح الإنكليزي أوميرا وطابت به نفسه، فسأله أن يكون طبيبه الخاص فلم يرفض على شرط ~~أن يكون حرا في تركه متى أراد. # نابوليون في منفاه (من رسم من ذلك ~~الحين). # وبعد ثلاثة أشهر بدت للأعين جزيرة القديسة هيلانة بشواطئها الصخرية، فكانت من ~~المناظر التي تنقبض لها النفس أيما انقباض. # وقد ذكر هدسون لو سجان نابوليون أن الفكرة في إرسال الإمبراطور إلى هذه الصخرة المنفردة ~~كأنها سجن قائم في وسط الأوقيانوس ليست بنت الاتفاق أو الإلهامات الفجائية التي تومض في ~~عقول رجال السياسة، بل هي نتيجة تفكير طويل يرجع عهده إلى جزيرة ألب، فإن السفراء ~~كانوا لذلك الحين يتداولون في مؤتمر فينا في نقله إلى ما وراء الأوقيانوس، والذي أدلى ~~لهم بهذه الفكرة هو والنتون. # وكان نزول نابوليون إلى البر في جامستون في 17 أكتوبر. # وجامستون هذه مدينة صغيرة جميلة المنظر نظيفة البيوت بيضاؤها، إلا أنها أتون نار في ~~الصيف، وهي واقعة بين جبلين، وليس لها إلا شارع واحد، وقد أحس الضيف الجديد بحرها ~~ورطوبتها؛ ولهذا قبل مع الشكر خيمة أرسلها له الأميرال مالكوم ليأوي إليها. # وقد كانت أيامه الأولى في المنفى سعيدة إذا قيست بما بعدها؛ وذلك أنه كان لأحد ~~الموظفين في شركة الهند الشرقية بيت جميل قائم على ms44 بعد ميل من المدينة، تحيط به ~~أشجار الموز والرمان والورد البري، فقدمه هذا الموظف (ويقال إنه الابن الشرعي للبرنس ~~دي غال) إلى الإمبراطور، ورأى هذا من مضيفه وحسن معاملته ما حبب إليه البقاء في ~~تلك الناحية، ورفض الرجوع إلى جامستون، ولكن الأمر لم يكن له. # وكانت عيشة نابوليون في هذا المنزل صحية مقتصرة على النهوض من النوم مبكرا والأكل ~~القليل والرياضة، وكان لطيف المعشر يأنس به كل من قاربه، ويعجب بأخلاقه ~~ومعارفه، حتى إن طبيب المكان لم يكن يفتأ يذكر نابوليون بالثناء وتعداد معارفه ~~الطبية. # وقد بينا فيما سبق رأي نابوليون في الطب، وأنه لم يكن يصدق الأطباء على ~~احترامه لهم، ويعتقد أن خير علاج هو الحمية والحمامات الساخنة. # ولما تم إصلاح لونكوود وصارت أهلا لاستقبال نزيلها أرسل المارشال برتران في طليعة ~~القوم لدرس حالة المسكن، ثم أتبعه بلاكاز لأن رائحة الدهان كانت قوية وهو لا يقوى على ~~احتمالها، فلما جاءه تقرير هذا الأخير بأن الرائحة قد خفت ذهب إليها (10 سبتمبر سنة ~~1815). # الفصل السابع عشر # | لونكوود # منظر لونكوود. # لم تكن لونكوود على رأي أحد كتبة الإنكليز تصلح لغير البهائم، فالريح تعصف فيها ~~ليل نهار، والرطوبة منتشرة في الجو، والأرض جرداء تكاد لا تجد فيها خيالا للظل، ~~وكان الانتقال من الإعصار إلى الأمطار إلى الضباب أو ضربة الشمس المحرقة أمرا عاديا لا ~~يخلو منه يوم. # وكان يخيل إلى نابوليون كلما دخل غرفته أنه داخل في سرداب أو نفق تحت الأرض لشدة ~~الرطوبة، وكثيرا ما جاء المساء، فإذا ثيابه تعصر من جراء تلك الرطوبة. # والذي زاد الطين بلة فضاق له صدر نابوليون وعيل اصطباره، وارتفع صوته بالشكوى ~~على غير طائل هو وجود الجرذان بكثرة هائلة في الجزيرة، جرذان كبيرة لها جلبة بصوت ~~يملأ البيت، وتمشي تحت الأسرة وفوقها وتقفز من ناحية إلى أخرى، وتدخل في الأرض وفي ~~السقف وفي الحائط، حتى إنهم اضطروا إلى مطاردتها بإطلاق البارود عليها. # وقد حدث مرة أنه أراد بعد الأكل أن يلبس قبعته فما كاد يمد ms45 إليها يده حتى ~~باغته جرذ كبير كان في تلك القبعة. # وكان هدسون لو سجانه وجلاده وحاكم الجزيرة يضحك من هذه الأمور، وكلما زاد نابوليون ~~في الشكوى زاده هو سخرية واستهزاء. # هذا هو المكان الذي أعد سكنا لمن كانت تضيق به قصور الملوك، وكان منزله الخاص ~~مؤلفا من حجرتين: واحدة للنوم، وأخرى للاستقبال، وحمام وملعب صغير للبلياردو على ضيق ~~في المساحة وبساطة في الأثاث وفقر في النور والهواء، والذي يستلفت الأنظار وسط هذه الأشياء ~~الحقيرة مغسل جميل من الفضة كان البقية الباقية لمجد قد مضى. # وكان نابوليون يقضي القسم الكبير من النهار في حمامه أو على مقعد مغطى بفراش أبيض ~~فيضطجع عليه، وإلى جانبه كتب كثيرة وهو مرتد بذلة الصباح فوق بنطلون أبيض وقميصه مفتوح ~~عند العنق وغطاء رأسه قبعة حمراء ذات رسوم مربعة، وإذا أراد الخروج لبس بذلة خضراء ~~للصيد ذات أزرار ملونة، حتى إذا خلقت جدتها أبى تغييرها وفضل أن يقلب جوخها عن أن ~~يلبس جوخا إنكليزيا. # وقد مرت الأيام الأولى في منفاه وهو ينام إلى ساعة متأخرة من النهار خلافا لعادته، ~~ثم أخذ ينهض مبكرا نحو الخامسة فيخرج للنزهة راكبا ويعود للاستحمام، وعند الساعة ~~الحادية عشرة يتناول غداء بسيطا مؤلفا من العدس والبيض الطازج وقليل من اللحم مع ~~النبيذ الممزوج بالماء، ثم يلبس عند الساعة الثانية لباسه ويتعشى نحو السابعة، ولم يلبث ~~أن غير هذا النظام إكراما لمدام مونتولون فصار الغداء الساعة الثالثة والعشاء نحو ~~العاشرة. # وكانت شهوة الإمبراطور للأكل حسنة، ومن عاداته أن يطلب كتابا قبل نهاية الطعام، فيقرأ ~~بصوت عال بينما يكون المارشال برتران منهمكا في أكل الملبس والحلوى، ثم يتناول شيئا من ~~القهوة ويختلي مع بعض أصحابه للمحادثة أو لعب الشطرنج، حتى إذا دقت الساعة العاشرة أو ~~الحادية عشرة يصرفهم جميعا ويدخل إلى غرفة النوم. # وكان يقوم الساعة الثالثة صباحا فيطلب نورا ويأخذ في المطالعة إلى الساعة السابعة ثم ~~يعود إلى النوم، وله طريقة خصوصية في قراءة الكتب وهي تقليب الصفحات بسرعة، فيأتي على آخر ms46 ~~الكتاب في ساعة من الزمن. # والمشهور أنه لم يكن يسمح لأحد أن يظل في حضرته جالسا أو لابسا قبعته، وحكت لادي ~~مالكولم أنه بقي يوما أربع ساعات يتمشى في ردهة لونكوود وكل منهما متأبط قبعته؛ ~~ذلك لأن الإمبراطور كان يفضل احتمال هذا التعب على أن يرى نفسه مع زوجها غير ~~محترم كما يريد، وكم مرة أحس طبيبه أنتومارشي بالإعياء لاضطراره إلى الوقوف زمنا ~~طويلا وهو لابس ثوبه الرسمي؛ إذ لم يكن يقبل بدونه. # الفصل الثامن عشر # | آخر مراحل العذاب # ليس بين أيدينا كتاب يشرح بالتفصيل حالة السجين العظيم في أعوامه الأخيرة، ويذكر لنا ~~التطورات التي تقلبت فيها صحته منذ أخذ الداء يظهر فيه بأجلى مظاهره. نعم، ثمة ~~تقارير الحلفاء لمندوبيهم القائمين بمراقبته، ولكنها لا تحوي كل الحقيقة؛ لأنه لم يكن ~~يسمح لهم بمواجهته، وكل ما فيها قائم على الإشاعات والأخبار الدائرة على ~~الألسن. # والذي يمكن استنتاجه من كل ما قيل عنه أن هذه التطورات ابتدأت في سنة 1816، فقد ~~ذكر مونتولون أن الإمبراطور كان في يوليو من تلك السنة يتألم شديد الألم من أعصابه ~~ومن الصداع، حتى كان لا يقوى على العمل. # وأراد هدسون مقابلته في أول أكتوبر فرفض بدعوى المرض أو التمارض، ولم يخرج في غداة ~~ذلك اليوم، وفي 24 منه أبى أيضا أن يستقبل أحدا، ولما رأوه بعد يومين كانت لثته ~~ملتهبة وعلى شفتيه بعض البثور الناتجة عن الحمى، ولم تمنع هذه الأعراض الواضحة مندوب ~~النمسا أن يكتب إلى مترنيخ: «لا يزال بونابرت بتمام العافية، يأكل كثيرا ويسمن.» وبديهي ~~أن يسمن رجل قضى عمره في الحركة ثم منعت عنه دفعة واحدة، وكان يقول لمن يذكره ~~بضرورة الرياضة والخروج للنزهة في العراء: «إنكم لا تفهمون شيئا عن صحتي، فأنا شاعر ~~بالحاجة إلى الرياضة، ولكن رياضة صحيحة طويلة أقطع فيها الأميال، لا دورة محدودة حول هذا ~~البستان الصغير نتيجتها احتقان في رأسي وألم في مفاصلي.» # الدكتور أوميرا. # وكان يميل إلى الركوب في بادئ الأمر، غير أن وجود ضابط إنكليزي على أعقابه ms47 جعله يكره ~~ذلك، فاكتفى بالحركة داخل البيت: تارة يلعب بالبلياردو، وطورا يترجح على جواد من خشب ~~صنعه خصوصا لذلك. # وفي عام 1817 زادت آلامه وقل نومه وأصابه ورم في رجليه وخور في أعصابه ~~وتعب في عضلاته، فكان يقول لمونتولون: «إن دمي سيقتلني، ففي النفس حاجة عظمى إلى ~~الحركة والتعب، ولكن أنى لي ذلك؟! وهدسون يخترع كل يوم سببا جديدا لمنعي من ~~الركوب.» # لا ريب أن الذي مهد السبيل إلى هذا الانحطاط السريع الهائل في صحة الإمبراطور هو ~~الإقامة في جزيرة القديسة هيلانة ومعاملة هدسون القاسية، فإن هذا الحاكم كان ضيق ~~الإدراك، فلم يدع سببا من أسباب الاضطهاد والجاسوسية إلا أخذ به، وحول الجزيرة ~~بالمدافع وحراسة النسافات إلى سجن يقتل العافية كما يقتل الأمل، أضف إلى ذلك فساد ~~الهواء في تلك الناحية، فقد كانت آثاره السيئة بادية على كل وجه، حتى قال أوميرا: ~~«إنه من المستحيل أن يعمر إنسان في هذه البقعة من الأرض ، وإن منظر امرأة عجوز فيها ~~لمن الأمور الخارقة العادة.» وقد شكا سوء المناخ كل من في حاشية الإمبراطور ما عدا ~~برتران، حتى إن أولاد هذا أصابهم من الحمى والضعف ما كانوا منه على شفا خطر، وقد ~~سبق لنابوليون قبل المنفى أن عانى الإجهاد، فلم يرزح تحته واتفق له غير مرة أن تناول ~~من الطعام ما لا يلائم معدته، وأن أكل بلا نظام دون أن يشعر بأذى، ولكن مناخ الجزيرة ~~واضطهاد حاكمها قد غلباه على أمره وساعدا على إظهار الداء قبل أوانه. # السير هدسن لو. # ومني نابوليون بالإسهال والدوسنطارية، فقلق مندوبو الحلفاء وطلبوا من هدسون أن يسمح ~~لهم بمقابلته فأبى. # وتحسنت صحته بعد ذلك فمضت عليه أسابيع دون أن يشكو ألما، ثم عاودته الأعراض ~~بشدة من ورم ووجع وعسر بول، وكان مقر الألم في الجانب الأيمن من المعدة وفي الكتف ~~اليمنى يصحبه أحيانا خفقان القلب الشديد، فشخص أوميرا التهابا في الكبد، ولم يحاول ~~إخفاء رأيه عن عليله، بل ترك الفكرة تتسرب إليه شيئا فشيئا وهو يعالجه بالمسهلات ~~والمقرفات ms48 وحمامات البحر، ولما رأى نابوليون أن كل هذه الوسائل لم تجد نفعا ~~بدأ الحزن يفعل فيه والخمول يتسلط عليه، فعاف الكتابة والتأليف، وصار يميل إلى الوحدة، ~~وتمشى التعب في مفاصله، والانحلال في أعصابه، وأصبح لا حديث له إلا الموت، فكان يقول ~~لمونتولون: «أنتظر الموت صابرا فهو منقذي الوحيد من هذا العذاب.» # الدكتور أنتومارشي. # وكان الجفاء قد بلغ حده الأقصى بين أوميرا وهدسون؛ لأن الطبيب أبى أن يكون جاسوسا ~~للحاكم، فجاء ذلك ضغثا على إبالة؛ لأنه أفضى إلى عزل أوميرا ووضعه تحت المراقبة ~~ثم تسفيره سنة 1818، وصار نابوليون في حيرة شديدة؛ فإما أن يقبل الأطباء الذين ~~يعينهم سجانه، وإما يبقى بلا معونة طبيب، وكانت أوجاعه تتزايد يوما بعد يوم، ~~وقد خفت فيه شهوة الأكل، وساورته فكرة الخوف من أن يموت مسموما فامتنع عن كل دواء، ~~وصار مونتولون يقضي الليالي إلى جانبه مواسيا ومعزيا، فيضع الكمادة الساخنة على ~~معدته، وهو يشهد عن كثب دبيب الداء ، ويرى آثار فتكه في اصفرار الإمبراطور وهزاله، ~~وفي عينيه الغائرتين ورجليه اللتين لم تعودا قادرتين على حمله. # نابوليون يفلح الأرض في منفاه. # قبر نابوليون في جزيرة القديسة ~~هيلانة. # وبقي على هذه الحال بدون معالجة من شهر يوليو سنة 1818؛ أي منذ سفر أوميرا إلى يناير ~~سنة 1819، وكلما عرض عليه هدسون لو طبيبا رفضه نابوليون بحجة أنه ضعيف مضطهد ~~فلا تكون تقاريره صادقة إلا بقدر ما ترضي الإنكليز. كان هدسون يقول: إذا كان بونابرت لا ~~يقبل من أعينه من الأطباء فلأنه متمارض ويخاف أن تكشف حيلته. # وفي ذات يوم أصابت العليل نوبة شديدة غاب فيها عن الوعي، فاختار أصحابه طبيبا من ~~بين الأربعة الذين عرضهم «لو»، وهو الدكتور ستوكه مفتش البحرية الملكية، وأرسلوا في ~~طلبه مستعجلين، فلما وصل كانت النوبة قد زالت واستولى على المريض نوم الراحة، فلم ~~يتسن له أن يراه، ولكن برتران حادثه حينا وعرض عليه أن يقوم مقام أوميرا بمعالجة ~~مولاه، فأبى خوفا من أن يصيبه ما أصاب زميله من اضطهاد الحاكم، ثم لان بعد اللتيا ms49 ~~والتي وقبل تولي هذه الوظيفة. # دوق ريشتاد (ابن نابوليون). # وجاء تشخيص ستوكه للعلة مطابقا تشخيص أوميرا، بل زاد عليه أن المناخ هو العامل الأكبر ~~في مرض الجنرال بونابرت، فكان هذا الاعتراف شكوى صارخة ضد الحكومة الإنكليزية عادت عليه ~~بسوء المغبة؛ إذ أرسل له الأميرال بمغادرة الجزيرة حالا والمثول أمام محكمة عسكرية. # وكانت التهم الموجهة إلى الطبيب ستوكه عشرا، منها أنه تحدث مع الجنرال وحاشيته ~~فيما هو خارج عن موضوع الطب، وأنه في تقريره الأول سمى الجنرال بغير ما تقرر تسميته ~~به فدعاه «المريض» في حين لم يكن هدسون لو يعترف بمرضه، وبعد مرافعة أربعة أيام حكم على ~~ستوكه بشطب اسمه من البحرية وإنزال معاشه إلى 2500 فرنك في العام، ولكن نابوليون كان قد ~~نفحه من قبل بما رأى فيه التعويض الكافي، فضلا عما وقفته له الوالدة وبعض أعضاء ~~الأسرة الإمبراطورية. # وقد جاء هذا الحكم مثبطا للعزائم ونذيرا لكل طبيب يريد أن يحافظ على الذمة ~~والضمير، فإما أن يقول الحقيقة فيتعرض لغضب الحاكم وانتقامه، أو يعلن أن بونابرت ~~ليس مريضا وإذن فلا حاجة إلى معالجته. # وغضب مندوب النمسا وروسيا لهذه المعاملة، فاحتجا بشدة، وأنذرا الحاكم أنه إذا قضى ~~الإمبراطور نحبه فهما لا يتحملان تبعة ما ينتج عن ذلك من القيل والقال. # كل هذا وهدسون لو باق على عناده واعتقاده، فلا يحيد قيد شعرة عن الخطة التي ~~اختطها لنفسه في معاملة أسيره فاتحا بتصرفه بابا واسعا للأخبار الكاذبة والإشاعات ~~التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكان سكان الجزيرة يقولون تارة: إن نابوليون صار ~~راعيا واشترى أجمل الأغنام وهو يتسلى بإطعامها بيده، وقد وضع في أعناقها أجراسا كي ~~لا تضيع بين الصخور. وطورا: إنه يخرج للتنزه في لباس الصباح وعلى رأسه عمامة حمراء وفي ~~يمناه عصا البلياردو وفي يسراه نظارة تقرب الأبعاد، والويل لمن يجسر أن يدعي أنه ~~عليل. # وبقيت مسألة طبيبه مشكلة المشاكل، وكلما عرض الحاكم واحدا رفض نابوليون مقابلته ~~إلى أن جاء الجزيرة الدكتور أنتومارشي موفدا من قبل الوالدة وعمه ms50 الكردينال. # جاء أنتومارشي فكانت زيارته الأولى للحاكم الذي أحسن استقباله وانتهز الفرصة لإقناعه ~~أن مرض السجين ليس إلا خداعا، وقد كفت هذه الزيارة ليجعل الإمبراطور ينظر إليه بغير ~~عين الرضا، إلا أنه أغضى الطرف أخيرا عندما عرف أن في حقيبة أنتومارشي كتبا من ~~تأليف أوميرا وفيها طعن بهدسون لو. # نابوليون في ساعة الموت (عن رسم صنع ~~قبلا). # وساعد على الرضا تحسن صحته فجأة، فأخذ ينزل إلى ~~الحديقة ويشتغل بيديه في غرس الأشجار وسقي الأزهار مسرورا بما تجلبه له هذه الرياضة من ~~لهو الخاطر وتناسي الحاضر، فعادت إليه شهوة الأكل وانقشع عنه ضباب الأسى والسوداء، ~~وخف أرقه وسكن هياجه، إلا أن ذلك لم يطل، فما عتم الداء أن أعاد الكرة ~~عليه بشدة، وقوي الألم في معدته، وكان هذه المرة أشبه بطعن المدية، ولم تفد ~~معالجته أنتومارشي، بل كانت تزيده تأججا بما كان يعطيه من المقيئات والمسهلات ~~حتى صاح نابوليون الغوث من هذه الأدوية، وسأل طبيبه أن يبعد عنه كأسها القاتل، ولكن ~~أنتومارشي لم يسمع شكواه، ولم يفهم وظل على غيه في وصفها وتدبيرها إلى أن تذكر ~~نابوليون أن كورفيزار أشار عليه يوما في حال مثل هذه أن يستعمل الكي، فقال للطبيب في ~~ذلك، ففضل هذا «الحراقة» على الكي، فقال له العليل المسكين: «ألا ترى إذن كفاية في ~~تعذيب هدسون لي؟! فاعمل ما بدا لك.» ولكن أنتومارشي كان يجهل حتى طريقة وضع ~~«الحراقة»، فلم يقطعها بالشكل الموافق، ولم يحلق الشعر في الموضع الذي اختاره لها، ~~فلما عاد في اليوم التالي ليرى فعلها استقبله نابوليون باللوم والتقريع قائلا: ~~«ليس من العدل أن يقضى عل مسكين مثلي بهذا الوجه! فأنت جاهل، وأنا أجهل منك لقبولي ~~علاجك.» # وفي رأس عام 1821 أراد الإمبراطور أن يستقبل «هيئة بلاطه»، فلم يقو على ذلك، وجرب ~~بعد ذلك ركوب الخيل فعاد بعد ساعتين منهوك القوى، وكان يقوم في الليل ويشرب ليموناده ~~«لإطفاء النار المتقدة في أحشائه»، وعند الصباح يزوره أنتومارشي كالعادة فيكتب له الدواء ~~ويعده بعجائبه الموهومة، وكلما جر ms51 الحديث إلى استشارة طبيب آخر كان الجواب التسويف ~~حتى شهر آذار، فجاء الدكتور أرنولت وقال لمونتولون: «لا أعلم ما ينتظرني، ولكني أعدك إذا ~~تشرفت بمقابلة الإمبراطور أن أتصرف كجندي لا يطيع إلا ضميره والشرف.» # ولم يكن أنتومارشي يجهل إحساسات الإمبراطور نحوه؛ لأنه لم يعرف أن يكتسب ثقته لسوء ~~تصرفه وإهماله وجهله، فطلب مغادرة البلاد، وعاد أخيرا فرضي البقاء واعدا أن يكون ~~أكثر يقظة وعناية واهتماما. # وأصبحت تغذية الإمبراطور صعبة؛ لأن معدته كانت تلفظ كل ما يدخل إليها، وكان القيء ~~هذه المرة أسود بما لم يبق معه ريب في طبيعة الداء، ولكن أنتومارشي بعيد عن أن ~~يفهم أو يرى في علة الأمراض غير التهاب الكبد، فأشار باستعمال طريقة «أليبر» المشهور ~~لذلك العهد، فطلب نابوليون كتاب أليبر واطلع على ما فيه فإذا الطريقة استعمال الليمونادة ~~مع المقيئ فقبل بتجربتها فكانت ويلا عليه. # لم يبق للإمبراطور حينئذ إلا الرجوع إلى عادته القديمة وهي الحمية واستعمال المغاطس ~~والشراب المبرد ، ولكن الداء كان يمشي بسرعة هائلة حتى أميط الحجاب عن بصر الحاكم، ~~فآمن بمرض الإمبراطور، وعرض عليه ما شاء من الأطباء. # وأخذت النوب تتكرر من ألم وغيبوبة وهذيان، وقد سمعه مونتولون في الليلة الأخيرة يذكر ~~فرنسا والجيش وجوزفين، ثم رآه ينهض من سريره مندفعا بسرعة فحاول رده فلم يفلح، بل ~~شعر أن تهيج الإمبراطور قد أعطاه قوة خارقة العادة، حتى رمى مونتولون على الأرض وشد ~~عليه الخناق، وكان أرشمبلولت في الغرفة المجاورة فأسرع عند سماعه الجلبة وساعد مونتولون ~~على إرجاع المريض إلى سريره، وأقبل بعد ثوان المارشال واشومارش، وكانت العاصفة قد هدأت، ~~وبعد حين أشار إليهم بيده يريد ماء، فقدموا له إسفنجة مبلولة لأنه لم يعد يستطيع ~~البلع. # وطلعت عليه شمس اليوم الخامس من شهر مايو وهو في حالة النزع الشديد، وآذنت بالمغيب وهو ~~يلفظ آخر أنفاسه. # | ذيل # ظهر من تشريح الجثة أن نابوليون كان مصابا بالسل الرئوي وقرحة سرطانية في ~~المعدة، أما احتقان الكبد فقد أنكره البعض من الإنكليز كي لا يقال إن مناخ ms52 الجزيرة ~~قضى عليه، وإذا كان اتفق الأطباء في حياته على تشخيص التهاب الكبد؛ فلأن الداء كان ~~متفشيا في تلك البقعة، فلم تنصرف أفكارهم إلى سواه، ونتج عن خطأ التشخيص خطأ العلاج، ~~فأكثروا من العقاقير المهيجة كالزئبق وغيره، على الرغم من تألمه وممانعته. مسكين! كم ~~تناول من المسهلات والمعرقات والمقيئات والحبوب والحقن والأشربة المختلفة والمغاطس ~~المالحة! معالجة قاسية عقيمة خالية من الرحمة! هيهات أن يقوى على احتمالها أشد الأجسام ~~صلابة! قيل إنه قال يوما لمن قدم له الدواء: دعني، وليكن موتي من الداء لا ~~الدواء، وقال لمونتومارشي: خل أدويتك جانبا أيها الطبيب؛ فإني لا أريد أن أصاب ~~بعلتين: مرضي والمرض الذي تعطيني إياه. # ولا ريب أنه لو وجد نابوليون لعهدنا هذا لكان نصيبه من المعالجة أحسن وأرقى؛ فإن ~~تشخيص الداء في حينه يساعد على محاربته وتخفيف أعراضه، وإن لم يصل إلى قتل جرثومته ~~أو تغيير الوراثة. # ما يقول العلم عن وراثة السرطان؟ # اتفق أكثر الأطباء على أن السرطان ليس وراثيا، وأهم من يؤيد هذه الفكرة الأستاذان ~~دلبه وكنير من باريس، ولا يخفى أهمية ذلك من الوجهة الاجتماعية، ولا سيما في مسائل ~~الزواج، ومن الأدلة على صحة هذا الرأي أنك قلما تجد بين المرضى بالسرطان من ورث ذلك ~~عن أبيه، وبالعكس، فإن غير واحد من المصابين بأمراض مختلفة كان السرطان عند آبائهم ولم ~~ينتقل إليهم. # إن آفة أسرة بونابرت هي الأرترتيسم لا السرطان، وقد حاولنا تفسير هذه الكلمة في صدر ~~الكتاب، فلا نعود إليها خوفا من أن نزيدها غموضا، كانت والدة نابوليون مصابة ~~بالأوجاع العصبية، وأبوه بالسرطان، فجاء حاملا هذا المزاج المرضي؛ أي الأرترتيسم الذي من ~~أعراضه البواسير والإمساك وسوء الهضم والإكزيما، والسمن والإحساس الزائد بالبرد وضعف ~~الكبد والصداع ومرض الكلية، وكل هذه الأعراض اجتمعت فيه على نسب مختلفة، وقد وجدوا ~~لدى تشريحه حصى كثيرا في المثانة. # وعلى الجملة، فإن نابوليون بونابرت إمبراطور فرنسا ومدوخ العالم وسجين هدسون لو كان ~~صورة من صور ذلك المزاج الأرتريتيكي الذي يقتل صاحبه، وتاريخه هذا درس ms53 من دروس الطب ~~العام يجد كل واحد منا فائدة فيه، كما قال أوغست كونت: «الأموات يديرون ~~الأحياء.» ms54