######OpenITI# #META# URI: 1377NiqulaFayad.Khitaba.Hindawi27508303 #META# Tags: literature #META# ID: 27508303 #META# Title: الخطابة #META# AuthorID: 79141535 #META# Author: نِقولا فياض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # القسم الأول: البلاغة علما وعملا‏ # تعريف البلاغة‏ # من هو الخطيب؟‏ # الإنشاء الخطابي‏ # المنبر‏ # الخطيب والممثل‏ # الخطيب والشاعر‏ # الخطيب والخطباء‏ # الخطيب والجمهور‏ # تهيئة الخطاب‏ # الارتجال‏ # الرتج‏ # نظرة تاريخية‏ # أنواع الخطابة‏ # القسم الثاني: أمالي طبية ووصايا صحية‏ # نظرة تشريحية‏ # الصوت‏ # التنفس‏ # الرياضة التنفسية‏ # رياضة الصوت‏ # صحة الصوت‏ # قبل الخطاب وبعده‏ # القسم الثالث: أمثلة من خطب العرب والإفرنج‏ # خطب الإفرنج‏ # خطب العرب‏ # بعض كبار خطباء العرب والإفرنج‏ # الخاتمة‏ # تمهيد‏ # القسم الأول: البلاغة علما وعملا‏ # تعريف البلاغة‏ # من هو الخطيب؟‏ # الإنشاء الخطابي‏ # المنبر‏ # الخطيب والممثل‏ # الخطيب والشاعر‏ # الخطيب والخطباء‏ # الخطيب والجمهور‏ # تهيئة الخطاب‏ # الارتجال‏ # الرتج‏ # نظرة تاريخية‏ # أنواع الخطابة‏ # القسم الثاني: أمالي طبية ووصايا صحية‏ # نظرة تشريحية‏ # الصوت‏ # التنفس‏ # الرياضة التنفسية‏ # رياضة الصوت‏ # صحة الصوت‏ # قبل الخطاب وبعده‏ # القسم الثالث: أمثلة من خطب العرب والإفرنج‏ # خطب الإفرنج‏ # خطب العرب‏ # بعض كبار خطباء العرب والإفرنج‏ # الخاتمة‏ # | الخطابة # | الخطابة # تأليف # نقولا فياض # | تمهيد # الخطابة ضرب من الكلام يراد به التأثير في الجمهور من طريق السمع والبصر معا، وهي ~~فطرية في الإنسان كالغناء والنطق؛ ولهذا تجد آثارها عند الأقدمين في كتب الهند ~~المقدسة وكتب مصر وفارس والصين. ولا ريب أن الأعمال العظيمة التي خطت على جبين ~~الدهر من بطولة وكرم ومجد، كان الدافع إليها خطب الأفراد الذين امتازوا بسرعة الخاطر ~~وقوة العارضة وجرأة الفكرة وذلاقة اللسان، فمن أبطال أوميروس إلى الإسكندر وقيصر، إلى ~~بطرس الناسك وتوما الأكويني، إلى لوثر وكلفن إلى ميرابو ودانتون وروبسبير، إلى ~~دزرئيلي وغلادستون وتيارس وغامبتا، إلى جوريس بالأمس وموسوليني اليوم. لا تزال ~~البلاغة أداة الإقناع والعامل الأكبر في إنهاض الهمم وتنبيه العزائم وإذكاء الشعور، ~~بها أثار سولون حماسة الأثينيين فخاضوا غمرات الموت لاسترجاع «سلامين»، وبها كان ~~شيشرون يقود الشعب الروماني المعلق بشفتيه من دار القضاء إلى السوق ومن السوق إلى دار ~~القضاء. # وبها أسكت أبو بكر أهل المدينة وأخمد هياجهم بعد موت النبي، وبها اندلعت نيران ~~الثورة الفرنسية فغيرت شكل الاجتماع، ولولاها لما سحرت الأديان عقول البشر، ولا كان ~~لها أبطال وشهداء ms001 في بدو ولا حضر. # والذي يتبادر إلى الذهن أن قوة كهذه لا بد أن تكون قد أشغلت القرائح والعقول، وكانت ~~موضوع الدرس العميق والبحث المستطيل، على أن الواقع بخلاف ذلك، ومن بواعث العجب ~~والأسف قلة الكتب التي خصت بها، وندرة المحفوظ منها بين أيدينا ولا سيما عند العرب ~~وهم كما نعلم من أخطب الأمم. # ولم تبلغ حاجة الإنسان إلى التكلم في الأندية والجماهير مبلغها اليوم؛ فإن الرقي يسير ~~بالإنسان نحو التوسع في الاشتراك بالحكم، وقد أصبحت المعاملات الاجتماعية أكثر تشعبا ~~وتداخلا بعضها في بعض، تداخلا لم يسبق به عهد، واتسع نطاق التعليم وانتشرت أنوار ~~الثقافة، مما جعل كل طبقة من الناس على كثب دائم من المؤثرات الخطابية. # وكثير من الناس لم تؤهلهم المدارس إلى تعلم الخطابة أو التمرن عليها، وهم مع ذلك في ~~افتقار شديد إلى هذا السلاح لتعدد الفرص الداعية إلى حمله من حفلات سياسية أو عمرانية ~~أو غير ذلك. # فضلا عن هذا فإن المحاماة التي هي من أعظم المهن وأوسعها خدمة للمجتمع تتطلب البلاغة ~~قبل كل شيء، وليس في برنامج الدروس التي يتلقاها طلبة الحقوق ما يختص بتعليم الخطابة، ~~فإذا لم يتسن للطالب أن يستوفي حظه من هذا القبيل فإنه يختم دروسه ويحمل شهادته وهو ~~لا يزال فقير المادة في الكلام قصير الحجة في الجدل، لا يستطيع مع كل ما درس ووعى أن ~~يجاري زملاءه القادرين في الدفاع عن الأرملة واليتيم والمظلوم، ولا أن يسمع في ندوة ~~القضاء - كما يقول هنري روبير: «صوت الرحمة البشرية والعدل الإنساني.» # ثم إن الحكم الدستوري الذي تتمشى نحوه كل الأمم يحتاج إلى سلاح البلاغة، والناخب ~~يؤثر المتكلم الفصيح على سواه؛ ولهذا تجد كثيرا من المحامين على مقاعد النيابة في ~~كل البلدان. وليس الوزير إن حققت سوى محام يدافع أمام المجلس عن واجباته، وعن معاونيه ~~وشركائه في المسئولية. ما الفائدة من انتخاب مزارع مثلا لوزارة الزراعة أو جندي ~~للحربية أو تاجر للأشغال؟ حسب الوزير أن يأخذ من كل علم بطرف على شرط أن ms002 يكون فصيح ~~اللسان عذب البيان. # ليست الحاجة إلى البلاغة مقصورة في الحياة السياسية على الحكم الدستوري، بل تمتد إلى ~~الدكتاتورية، وربما كانت الواسطة الأولى التي تمهد لصاحبها طريق الرآسة، فإن موسوليني ~~أو مصطفى كمال أو لينين لم يستطيعوا الانتصار على الحكم السابق إلا بالكلام ~~أولا. # وعلى الجملة فإن فوائد الخطابة أكثر من أن تحصى، وهي تعم الكاتب والتاجر والسياسي ~~والقائد والعالم والمربي وكل من كتب له أن ينزل إلى ميدان الحياة ويدخل معترك ~~الاجتماع. # ذلك ما حدا بي إلى تأليف هذا الكتاب واضعا فيه كل ما وقفت عليه في كتب القوم على ~~ندرتها أو عرفته بالاختبار، ولا أدعي به القدرة على أن أخلق ديموستينا أو شيشرونا ~~غير أني واثق أنه يساعد القارئ على تحقيق رغبته في أن يكون يوما من أبطال ~~المنابر. # وقد أردت به على الخصوص خدمة المدارس على أنه لا يخلو من اللذة والفائدة للمحامي ~~والخطيب، والله من وراء كل علم. # القسم الأول # | البلاغة علما وعملا # | تعريف البلاغة # 1 # إن تعريف البلاغة صعب ككل تعريف، جرب مثلا أن تعرف الذكاء أو الجمال أو ~~الحكمة، فقد تظن للوهلة الأولى أن ذلك سهل المنال ولا تلبث بعد الإمعان ~~أن تتبين خطأ ظنك فترى أنه أسهل عليك أن تدرك الأشخاص أو الأشياء ~~المطبوعة بطابع الجمال أو الذكاء أو غيرها من أن تحلل جوهر هذه الصفات ~~عينها. كذلك البلاغة فإننا نفهم بلا تعب أن هذا الرجل أو هذا الخطاب ~~بليغ، ولكن الفهم شيء والتحليل شيء آخر. # جاء في البيان والتبيين للجاحظ: قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة ~~الوصل من الفصل. # وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام. # وفي العمدة لابن رشيق: سئل بعضهم: ما البلاغة؟ قال: قليل يفهم وكثير لا ~~يسأم. # وقال آخر: هي إجاعة اللفظ وإشباع المعنى. # وقال آخر: معان كثيرة في ألفاظ قليلة. # وسئل بعض الأعراب: من أبلغ الناس؟ قال: أسهلهم لفظا وأحسنهم ~~بديهة. # وقال غيره: البلاغة هي الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل. # وقال عبد ms003 الحميد بن يحي: هي تقرير المعنى في الأفهام من أقرب وجوه ~~الكلام. # وقال ابن المعتز: هي البلوغ إلى المعنى ولما يطل سفر الكلام. # وقال الخليل: هي ما قرب طرفاه وبعد منتهاه. # وأنشد المبرد في صفة خطيب: # طبيب بداء فنون الكلام # لم يعي يوما ولم يهذر # فإن هو أطنب في خطبة # قضى للمطيل على المنزر # وإن هو أوجز في خطبة # قضى للمقل على المكثر # قال أبو الحسن الرماني: أصل البلاغة الطبع. وقال غيره: هي تقصير الطويل ~~وتطويل القصير. يعني بذلك القدرة على الكلام. # وقال أبو العيناء البليغ: من أجزأ بالقليل عن الكثير وقرب البعيد إذا ~~شاء، وبعد القريب، وأخفى الظاهر، وأظهر الخفي. # قال البحتري في وصف بلاغة عبد الملك الزيات: # ومعان لو فصلتها القوافي # هجنت شعر جرول ولبيد # حزن مستعمل الكلام اختيارا # وتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك # ن به غاية المراد البعيد # وقال بعض المحدثين: البلاغة هي إصدار المعنى إلى القلب في أحسن صورة من ~~اللفظ. # ومن أقوال الثعالبي: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر ~~إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه، وأيضا البليغ من يحول الكلام على حسب ~~الأماني، ويخيط الألفاظ على قدر المعاني. # وسئل الكندي عن البلاغة قال: ركنها اللفظ وهو على ثلاثة أنواع: فنوع لا ~~تعرفه العامة ولا تتكلم به، ونوع تعرفه وتتكلم به، ونوع تعرفه ولا تتكلم ~~به وهو أحمدها. # قال معاوية بن أبي سفيان لصحار بن عياش العبدي: ما هذه البلاغة التي ~~فيكم؟ قال: شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض ~~القوم: يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبسر والرطب أبصر منهم بالخطب. فقال ~~له صحار: أجل والله إنا لنعلم أن الريح لتلقحه، وإن البرد ليعقده، وإن ~~القمر ليصبغه، وإن الحر لينضجه. # وقال رجل للقباني: ما البلاغة؟ قال: كل من بلغك حاجته وأفهمك معناه بلا ~~إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ. قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة، ~~فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع كلامه: اسمع مني، وافهم عني، ~~أو يمسح ms004 عثنونه أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته من غير موجب، أو يتساعل ~~من غير سعلة، أو ينبهر في كلامه، قال الشاعر: # مليء ببهر والتفات وسعلة # ومسحة عثنون وفتل الأصابع # وهذا كله من العي. # وفي كتب الإفرنج تعريفات شتى للبلاغة، نقتصر على بعضها. # قال لاهارب: البلاغة هي التعبير الصحيح عن عاطفة حقيقية. # وقال تين: هي فن الإقناع. # وقال سورن: هي الفكرة الصائبة أولا، والكلمة الملائمة بعد ذلك. # وقال بسكال: هي تصوير الفكر. # وقال لابرويار: هي نعمة روحانية تولينا السيطرة على قلوب الناس ~~وعقولهم. # وقال دلامبر: هي فن إظهار الشعور. # وقال فيري: هي حدة التصور وقوة التصوير. # وقال لاكوردير: هي الروح التي تفلت من قيود المادة وتترك الصدر الذي ~~يقلتها لترتمي في صدور الآخرين. # وقد سمى شيشرون البلاغة حركة الأنفس الدائمة، وأقام منها سنيك إلها ~~مجهولا في صدر الإنسان، وجعلها كانتيليان الواسطة للحصول على الحقيقة، ~~ووضعها كنار في القلب والتصور، وعرفها مارمونتل بأنها فطرة قبل أن تكون ~~فنا، ومثلها الأقدمون بهيئة إله يخرج من فيه عند الكلام سلاسل ذهبية ~~ترتمي على السامعين فتربطهم بها. # ولابن المقفع وصف طويل للبلاغة قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في ~~وجوه كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الإسماع، ومنها ~~ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في ~~الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون ~~سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة هذه الأبواب الوحي فيها ~~والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة. فأما الخطب بين السماطين وفي ~~إصلاح ذات البين فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في ~~صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت ~~صدره عرفت قافيته. # كل هذه التعريفات تنطبق على البلاغة إلا أنها لا تؤدي منفردة كل ما في ~~البلاغة من معان، ولو أردنا أن نجمع بين هذه الأقوال ونؤلف منها حدا ~~يفي بتفسير البلاغة ويعرفها حسبما يراد منها في هذا ms005 العصر ، وكما يجب أن ~~يتصف بها خطيب اليوم لاضطررنا إلى التمييز بين البلاغة الكتابية ~~والخطابية؛ لأنه متى كان الفكر صادقا والتعبير موافقا فقد بلغ الكاتب ~~ما يريد، وأما الخطيب فيحتاج إلى شروط أخر؛ لأن من يتكلم ليس كمن يكتب، ~~وقد قلنا في صدر هذا المقال إن المراد من الخطابة التأثير في الجمهور من ~~طريق السمع والبصر، فكان من الواجب إرضاء هاتين الحاستين، والدخول عليهما ~~بما يقتضيه العطف والإيناس، وهذا ما يحملنا على إضافة معنى آخر عند ~~تعريف البلاغة ليس هو الإقناع كما يقول تن، بل كما يريد لاكوردير من ~~إدخال عاطفة القائل في نفس السامع، وإذن يمكننا تعريف البلاغة هكذا: صدق ~~التفكير وحسن التعبير وقوة التأثير. # وسيرى القارئ فيما يلي من فصول هذا الكتاب قرب هذا التعريف من ~~الحقيقة. # 2 # يقول المثل: لا تعدم الحسناء ذاما. وكذا البلاغة فقد وجد من عاب ~~بيانها وأنكر إحسانها، فقال بعضهم: إن ضرر البلاغة أكثر من نفعها؛ لأنها ~~تسدل على الحقيقة ستارا من الألفاظ البراقة، والمعاني الخلابة فتظهر ~~الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. # وقال آخر: البلاغة تفعل بالتأثير لا الإقناع؛ لأنها تخدر حاسة النقد ~~وتقيم أمرها بالإكراه بما تسوق إليه من تهييج الأعصاب، وكلما زاد عدد ~~السامعين زاد تهييجها، فكان سلطانها أعظم تأثيرا وأبعد مدى. # وقالوا: هي الأصل في كل عداء، والسبب لكل بغضاء، ومن قديم الزمان إلى ~~الآن لا تزال حرب اللسان سابقة لحرب السنان. # وقالوا أيضا: هي أداة نفاق لرجال السياسة يحملونها في كل ناد، ويهيمون ~~منها في كل واد. # وهذا بعض ما قيل في ذم البلاغة، ولكنه على حد ما يقال في ذم الماء ~~لأنه يغرق، والنار لأنها تحرق، أو ذم الدواء لأنه من جوهر سام ولو كان من ~~ورائه الشفاء. # وقد قيل عن الحضارة والرقي مثلما قيل في البلاغة، فأشهروا إفلاس العلم ~~وعجز الارتقاء؛ لأنه لا يزال على الأرض شقاء. # وإذا كانت البلاغة تستعمل أحيانا سلاحا للباطل، فمن العدل أن يتخذها ~~الحق ليحارب بها الباطل؛ ولهذا جعل ms006 الأقدمون اللسان في أعلى مقام من ~~الشرف وأدنى مكان من الامتهان. # والحقيقة التي يجب أن تعلم وتقال هي أن البلاغة ليست تجارة كلام بل ~~فنا خطير الشأن عزيز المذهب، غايته تهذيب النفوس، وإصلاح الأخلاق، ~~وتنوير الأذهان، وكبح جماح الشهوات، ودعم النظم والقوانين، ورد الناس إلى ~~الصلاح، وهديهم سواء السبيل. # | من هو الخطيب؟ # 1 # هل يولد الإنسان خطيبا كما يولد شاعرا؟ أو بعبارة أصح: هل يحتاج الخطيب ~~إلى ذلك الوحي الآتي من أعماق النفس كأنه انفجار باطني، أم يكفيه العلم ~~والممارسة ليجد سبيلا إلى عقول الناس وقلوبهم؟ # من المعلوم أن النطق عمل منعكس من أعمال النفس البشرية كالصمت أو غيره، ~~فكما تجد من الناس من تخرسه مشاهد الوجود الرائعة فيقف منها موقف الدهشة ~~والذهول لا يطيق حركة ولا يحتمل صوتا، تجد بعكس ذلك من لا يستطيع السكوت ~~عما يجيش به صدره من مختلف التأثيرات كأنما هو يريد أن يشرك بها كل من ~~حوله من حي وجماد. قال الأستاذ كركوس في كتابه فن التكلم في الجمهور ما ~~معناه: تصور راعيا يسوق أنعامه في الخلاء وقد حيته ابتسامة الفجر، وهو ~~يفتح للشمس قصره الذهبي، أو ناجاه الشفق الوردي وهو يخلع على الكون رداء ~~السكون، وانظر أي أثر يكون لهذا المشهد في نفسه فقد يقف صامتا جامدا ~~مأخوذا بروعته وجلاله أو يتناول مزماره وينفخ فيه طربا وزهوا، أو إذا ~~كان خطيبا يرفع رأسه وعينيه ويدعو إليه قوى الوجود الخفية باحثا عنها ~~في الريح العاصفة، أو الموجة الثائرة أو الغصن المائل مع الهواء أو ~~الصخرة الصماء. # فالخطيب إذن هو الذي تهزه المؤثرات الطبيعية فيتردد صداها فيه بالوحي ~~ينزل على لسانه والبلاغة تتدفق في بيانه. # 2 # هذا التعريف يختص بالبلاغة الفطرية، وهي اليوم لا تكفي وحدها لبلوغ ~~الغاية من التأثير والجلوس على عرش الأسماع والقلوب؛ ذلك لأن اتساع دائرة ~~المعارف الإنسانية وتعدد وسائل البحث والاختبار قد جعلا موقف الخطيب ~~صعبا، فهو يحتاج إلى ذخيرة من العلم كان الأقدمون في غنى عنها لافتقاره ~~غالبا إلى إقامة برهان ms007 وتأييد حجة ودفع اعتراض ، وإقناع فئة من الناس قد ~~نضجت عقولها فهي لا تقبل بالكلام يرسل على عواهنه، سواء أكان هذا منها ~~عنادا ودعوى، أم رغبة بالعلم واستزادة من الفائدة. # فالخطيب الذي يجمع إلى استعداده الذاتي وذكائه الفطري اضطلاعا واسعا، ~~ويكون موفور الحظ من العلم واللغة ليستطيع التكلم في كل موضوع بسهولة ~~ورشاقة وإقناع، كما يقول شيشرون، فهو المصقع البليغ الضارب على أوتار كل ~~فؤاد. # لا بد إذن للخطيب من الدرس والمطالعة؛ لأن الحياة كما يشهدها ويقرؤها هي ~~ميدان عمله، وليس فيها شيء لا يحتاج أن يسمعه أو يبحثه أو يعالجه؛ ولأن ~~الروح - كما قال فولتر - نار إذا أنت لم تطعمها لتزيد وتقوى تناقصت ~~وخبت. # لقد أتى على الإنسان مئات من السنين وهو يكتب ويخطب فما غادر الشعراء من ~~متردم، ولم يبق فكرة لم تمر بخاطر ولم تجر على لسان، كما قال ~~زهير: # ما أرانا نقول إلا معارا # أو معادا من قولنا مكرورا # فلا يجب أن يكون هذا مدعاة إلى شعور القارئ بقصوره عن أن يأتي بأحسن أو ~~بأكثر مما أتاه السلف، بل ليذكر أن كل جيل من الناس ينظر إلى الحياة نظرة ~~خاصة به مستقلة عن نظرات غيره. # وهكذا تتجدد الحياة ومع الحياة يتجدد العمل، فإذا جاز لنا أن نقول ما ترك ~~الأول للآخر شيئا فقد جاز لنا أن نقول أيضا: لقد ترك الأول للآخر كل ~~شيء. # وللمطالعة شرائط لا بد من اتباعها إذا أردت أن تثمر وتنتج نتاجا مفيدا، ~~وهي: أن تكون بتأن وترو لا إفراط ولا تفريط؛ فالذين يفترسون الكتب ~~افتراسا - إن صح هذا التعبير - لا تلبث قوة الاختراع فيهم أن تضعف ~~والبداهة أن تضيع، ولهذا لا تجد أدنى نسبة بين عدد الكتب التي يقرؤها ~~الرجل ودرجة ثقافته، أما من يتخذ القراءة ضربا من التسلية ووسيلة لقتل ~~الوقت فيقرأ كما يدخن متنقلا من كتاب إلى آخر دون ترتيب ولا نظام ولا ~~غاية معينة فهو يستفيد القليل دون الكثير، ولا يحفظ مما يقرأ إلا بقدر ما ~~تحفظ العين ms008 من الصور المتحركة التي تتعاقب أمامها. # كانت المطبوعات في القديم نادرة فكانوا يقرءون الكتاب الواحد مرارا ولا ~~يملون الرجوع إليه كلما اقتضت الضرورة، وقد توالت أعصر والكتب المقدسة ~~وحدها مرجع الخطباء المصاقع، يجدون فيها ما أرادوا من وحي وإلهام، ولا ~~ريب أن الاكتفاء بمطالعة كتاب مفيد ومراجعته خير من تقليب كتب عديدة لم ~~تتضح فائدتها بعد. # وعلى الجملة فالدرس والمطالعة أمران لا بد منهما لفارع المنبر، وقد قال ~~الجاحظ: لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك العلم، وفي فساد البيان إلى ~~أكثر من ترك التبحر. # 3 # تكلمنا عما يجب أن يكتسبه الخطيب ليساعد الفطرة ويزيد رأس ماله، وينمي ~~فيه قوة الاختراع، ونأتي الآن على صفات أخرى لا تكتسب بالدرس، وإنما هي ~~تتعلق بالمزاج والأخلاق والتربية الأدبية. # على الخطيب أن يكون: # أولا: # رابط الجأش، ساكن الجوارح، لا يأخذ منه الغضب ~~ولا يفرغ عنده الصبر، فإن الذي لا يكون سيدا على ~~أهواء نفسه لا يستطيع أن يتحكم بأهواء سواه. وإذا ~~احتاج إلى الغضب فليكن غضبه خطابيا، فكما أن ~~الممثل يجتهد أن يجعل تمثيله طبيعيا مطابقا ~~للواقع، ولا يمنعه ذلك من طلاء وجهه بالدهان، ~~فالخطيب يقدر أن يخلع على سحنته ما يريد من الملامح ~~دون أن يمس إخلاصه أو يخل بموقفه الطبيعي. # ثانيا: # أن يكون بسيكولوجيا؛ أي نقابا، صادق الحس، ~~ملهما، عجيب الفراسة، بعيد مطارح النظر، يدخل إلى ~~أعماق القلوب، ويقف على مكنونات الصدور ليخاطب كل ~~فئة على حسب هواها، ويحمل عليها على أقدار منازلها، ~~فلا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الشباب بكلام ~~الشيوخ، ولا العمال بكلام أصحاب المال، ويكون له فضل ~~التصرف في كل طبقة. # ثالثا: # أن يكون سلسا، لين العريكة متضعا، يمتزج ~~بمن يخاطبهم، ويقرب ما بينه وبينهم، فيكون في الظاهر ~~خادما لهم وهو السيد المطلق، ويجاريهم في أهوائهم ~~كلما قضت الحال، لأنه لا يطاع إلا إذا عرف أن يطيع ~~كربان السفينة يلين للريح ويسايرها ليسلم بمركبه ~~فلا يتحطم دون الشاطئ. # رابعا: # أن يكون حاضر الذهن، فلا يتجاوز في ms009 القول ما يهم ~~سامعيه، وكلما سمع نبوة من النفوس عنه، أو ملة ~~للقلوب منه ألقى إليهم نغمة جديدة، وطلع عليهم بفكرة ~~غير منتظرة، فيمنع التثاؤب والملل، ويعيد الانتباه ~~إلى مقره، ويملك عليهم سمعهم وشعورهم؛ لأن في الخروج ~~من معهود إلى مستجد - كما يقول الجاحظ - استراحة ~~للفكر، ورياضة للخاطر. # خامسا: # أن يكون حي الجنان، صادق البيان؛ ليحرك من ~~الأعماق عواطف الحرية والإنسانية والتقوى والفضيلة ~~الراقدة في قلب كل إنسان، ويمثل أمام تلك العيون ~~المستعرة الناظرة إليه صور المجد والوطنية، ويبعث ~~الكهربائية في نفوس سامعيه؛ فيثيرهم بإشارة من يديه، ~~ويهدئهم بنظرة من عينيه. # 4 # من الناس من تجتمع فيه هذه الصفات أو أكثرها، ولا يوفق مع ذلك إلى ~~الإجادة في الخطابة لعيوب خلقية تمنع عليه سهولة المخرج أو جهارة المنطق، ~~أو تكميل الحروف وإقامة الوزن، كاللجلجة (التردد في الكلام) والتمتمة ~~(التتعتع في التاء) والفأفأة (التتعتع في الفاء) واللثغة واللفف وهو أن ~~يدخل الرجل بعض كلامه في بعض، والحبسة وهي ثقل الكلام دون أن يبلغ به حد ~~الفأفأة، والتمتام، والحكلة أي نقصان آلة النطق، وعجز أداة اللفظ فلا ~~يسمع الصوت تماما. # أكثر هذه العيوب تبدأ في الصغر، وأسبابها التعجل في الكلام، وعدم التروي ~~والتدقيق في التفكير، والخجل الذي يستولي على المتكلم، فإذا كبر زادها ~~ظهورا عدم التمرين والعادة، والتقصير في درس الموضوع الذي يراد الكلام ~~فيه، أو في الاستعداد له أو في استظهاره، وليست معالجتهما بعيدة المنال ~~ولا إصلاحها مستحيلا، فقد كان ديموستين ضعيف البنية والصوت، فلما اعتزم ~~الخطابة أخذ يقوي رئتيه وصوته بالصياح وهو يصعد الجبال الوعرة، أو أمام ~~شاطئ البحر مغالبا صخب الأمواج مما يدلك على أنه بالتربية والتمرين وجهد ~~النفس وأخذ اللسان قد تجيب الطبيعة، ويصلح التعهد ما أفسد ~~الإهمال. # وأعم هذه العيوب وأكثرها شيوعا اللثغة التي يحول بها اللسان من السين ~~إلى الثاء، ومن الراء إلى الغين أو الياء، وقد كان ديموستين يسعى إلى ~~سترها بوضع حصى في فيه عند الكلام، وتكلف مخرج الراء على حقيقتها، وروى ~~الجاحظ عن ms010 واصل بن عطاء أنه كان قبيح اللثغة شنيعها، فحاول إسقاط الراء ~~من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ~~ويساجله ويتأنى لستره والراحة من هجنته حتى انتظم له ما حاول واتسق له ما ~~أمل. قال الجاحظ: وكان واصل طويل العنق جدا، وفيه قال بشار ~~الأعمى: # مالي أشايع غزالا له عنق # كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا # عنق الزرافة ما بالي وبالكم # أتكفرون رجالا أكفروا رجلا # فلما هجا واصلا وصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين وقال: # الأرض مظلمة والنار مشرقة # والنار معبودة مذ كانت النار # قال واصل بن عطاء: «أما لهذا الملحد المشنف المكتنى بأبي معاذ من يقتله؟ ~~أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالين لبعثت إليه من يبعج بطنه ~~على مضجعه ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله.» فتجنب الراء في كل الجملة، ~~وحين لم يستطع أن يقول بشار وابن برد والمرعث؛ جعل المشنف بدلا من ~~المرعث، والملحد بدلا من الكافر، وقال: لبعثت إليه من يبعج بطنه. ولم ~~يقل لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه. ولم يقل على فراشه. # وقد يفسد النطق عند الكثير من الخطباء بفساد طريقة التنفس وجهلهم أصولها، ~~وقد شرحنا هذا في القسم الثاني من الكتاب، أو لعله في اللسان أو الشفاه ~~أو في الأسنان من نقص أو تكسر. # وخلاصة القول: أن التغلب على هذه العاهات لا يتعذر على الحكيم الصبور ~~بالتمرين والحيلة، والانتباه الدقيق والتأني في تلفظ الحروف وما ~~إليه. # | الإنشاء الخطابي # 1 # للكتابة إنشاء خاص، وللكلام إنشاء آخر، ومن يجيد الواحد قد لا يجيد ~~الثاني، بل ربما كان تناقض بين الاثنين، فإن السواد الأعظم من مشاهير ~~الكتاب لم يكونوا خطباء، وبخلاف ذلك قلما تجد بين الخطباء من لا يعد ~~كاتبا. # وإذا كان الكاتب غير الخطيب، فليس ذلك فقط لأنه لا يعرف أن يتكلم كما ~~يعرف أن يكتب، بل لأن كتابته لا توافق المنبر، فإن المكتوب ينال بالنظر ~~ويذاق بالفكر، أما المقول فهو لا يصل إلى القلب إلا إذا ms011 مر في الأذن، ~~وللأذن إحساس يجب إرضاؤه ونعومة يحاذر من تخديشها، والشعور الذي يثيره ~~السمع ليس كالذي تولده القراءة، فضلا عن ذلك فإن عقلية الجمهور المحتشد ~~في مكان عمومي تختلف عن عقلية الفرد المعتزل في غرفته. # إذن يوجد إنشاء للسمع كما يوجد إنشاء للقراءة، فما هي أصول هذا الإنشاء ~~وقواعده؟ # قال ابن المعتز والشيباني: إن البلاغة بثلاثة أمور؛ أن تغوص لحظة القلب ~~في أعماق الفكر، وتتأمل بوجوه العواقب، وتجمع بين ما غاب وما حضر، ثم ~~يعود القلب على ما أعمل به الفكر فيحكم سياق المعاني والأدلة، ويحسن ~~تنضيدها ثم يبديه بألفاظ رشيقة مع تزيين معارضها واستكمال ~~محاسنها. # هذه الأركان الثلاثة التي تقوم عليها البلاغة هي ما يسميه الإفرنج في ~~تقسيمهم بالاختراع أو الإيجاد والتنسيق والتعبير. # فالاختراع هو استنباط الوسائل # 1 # الخليقة بإقناع السامع وتحريك عواطفه. # والتنسيق هو تنظيم الخطبة وإحكام ربط أجزائها بعضها ببعض، وترتيبها ~~ترتيبا جميلا بحيث تكون أبين غرضا وأحسن في النفوس وقعا. # 2 # والتعبير هو إفراغ المعنى في القالب الموافق، وإلباسه الحلة اللائقة به ~~ليصل إلى قلب السامع من أقرب طريق وأسهل سبيل. # ولكن هذا التقسيم يشمل الكاتب والخطيب معا، ولا يبدأ الفرق بين الاثنين ~~إلا عند الركن الثالث؛ فإن تعبير الخطيب يتبع الذوق وما يدعو إليه المقام ~~من تقصير الجمل أو تطويلها والتكرار تارة والتسجيع طورا، وانتقاء ~~الألفاظ الموسيقية الخفيفة على السمع المؤثرة فيه أثرا حسنا، والتحليق ~~في سماء الخيال حينا، والنزوع إلى النكتة حينا آخر مع تطبيق ذلك على ما ~~يضاف إليه مما يكمله كالإشارات والملامح والنظرات ونبرات الصوت وجاذبية ~~الخطيب، وسائر ما يمكن الإنسان الحي أن يضيفه من الحياة إلى هذا الشيء ~~الحي الذي يقال له خطابا. # وها نحن أولاء نبحث فيما يتعلق بهذا التعبير ويخلع على الإنشاء الخطابي ~~مسحة خاصة جاعلين فصلا آخر لما نسميه مكملات الخطيب، فيرى القارئ بعد ~~هذا الشرح صدق التعريف الذي وضعناه للبلاغة في أول الكتاب. # 2 # إن الكلمات التي تؤلف منها الجمل هي كحجارة الفسيفساء لها لونها الخاص ms012 ~~وشكلها المحدود، ولكنها تمثل صورا مختلفة حسب تركيبها وتداخلها بعضا في ~~بعض، فكما أنك قد تجعل من قطع الفسيفساء صورة تدل على القبح أو الحسن ~~والألم أو اللذة وغير ذلك من الأضداد تبعا للطريق التي تؤلف بها بينها ~~كذلك تستطيع - حسب اختيار الألفاظ وتركيبها - أن تمثل هذه العاطفة أو تلك ~~تمثيلا كاملا أو ناقصا، ولا يتم لك الإتقان إلا إذا وقع اختيارك في ~~موقعه وكان لك اللفظ الموافق والتعبير الصادق. # قال القلشقندي: إن الألفاظ من المعنى بمنزلة الثياب من الأبدان، فالوجه ~~الصبيح يزداد حسنا بالحلل الفاخرة، والقبيح يزول عنه بعض القبح كما أن ~~الحسن ينتقص حسنه برثاثة ثيابه وعدم بهجة ملبوسه، والقبيح يزداد قبحا ~~إلى قبحه. وقد قال أبو هلال العسكري في كتاب الصناعتين: ليس الشأن في ~~إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما ~~هو في جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ~~ومائه، مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف. # من الألفاظ ما هو فخم كأنه يجر ذيول الأرجوان أنفة وتيها. # ومنها ما هو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح. # ومنها ما هو كالسيف ذي الحدين. # ومنها ما هو كالنقاب الرقيق يلقيه الشعر على بعض العواطف ليستر من حدتها ~~ويخفف من شدتها. # ومنها ما له وميض البرق. # ومنها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء. # من الكلام ما يفعل كالمقرعة وهو كلام الانتقاد والتنديد، ومنه ما يجري ~~كالنبع الصافي وهو المعد للرضى والغفران. # ومنه ما يضيء كالشهب وهو كلام التعظيم. # كذلك من الألفاظ ما ليس له طابع خاص فيؤتى به لتقوية الجملة ودعم المعنى ~~فهو يلائم كل حال. # تلك هي الأدوات المعدة لبناء الخطبة تتطلب مهندسا بارعا ومصورا حاذقا ~~ليؤلف بينها تأليفا موافقا ويرصفها رصفا حسنا، ويخلع عليها بردا ~~جميل النسج لامع الديباجة، يترجم معنى العظمة أو الجمال أو القوة كما في ~~حجارة الفسيفساء. وإذا وقف الخطيب عند انتقاء الألفاظ ولم يعن بالتأليف ~~والرصف فاته القصد وقصر دون الغاية من البلاغة؛ لأن ms013 الألفاظ حاصلة لكل ~~إنسان دائرة على كل لسان، ولا يمتاز جامعها إلا بفضل تركيبها، قال ~~الجاحظ: انظر إلى قوله تعالي: # وقيل يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء ~~وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين # وما اشتملت عليه هذه ~~الآية من الحسن والطلاوة والرونق والمائية التي لا يقدر البشر على ~~الإتيان بمثلها، ولا يستطيع أفصح الناس مضاهاتها، على أن ألفاظها المفردة ~~كثيرة الاستعمال دائرة على الألسنة، فقوة التركيب وحسن السبك هو الذي ظهر ~~فيه الإعجاز. # إن البلاغة لا تقتصر على إفهام السامع كلام القائل وإلا لتساوت الفصاحة ~~واللكنة والملحون والمعرب، وإنما المقصود الإفهام على سنة كلام البلغاء ~~بأن «يجعل لكل طبقة كلام، ولكل حال مقام» وأن يخلع الخطيب من ألفاظه على ~~معانيه حلة نور وضياء؛ ليتسنى للسامعين أن يشاركوه في تلك الرؤيا الجميلة ~~التي تتجلى في ذهنه وبين تصوراته، ولا يكون الخطيب فيما يقول كالرجل الذي ~~يكثر من الإشارات في الظلمة ثم هو يتعجب كيف لا يراه الناس. # 3 # إن الأساس الذي يبنى عليه الإنشاء الخطابي هو العاطفة والشعور لأن الغاية ~~الأولى من الخطاب هي أن تنقل ما في قلبك من الإحساسات إلى قلوب سامعيك، ~~قال دلامبر: «إن الذي يكتفي بالإقناع دون التحميس فهو متكلم لا بليغ.» ~~وقال رفالور: «إن الأهواء والعواطف هي الخطيب في الجماهير.» وقال ميرابو: ~~«السر كل السر في البلاغة الخطابية أن يكون الإنسان ملتهبا بالعواطف.» ~~قال الحسين - وسمع متكلما يعظ فلم تقع موعظته من قلبه بموضع: «يا هذا إن ~~بقلبك لشرا أو بقلبي.» يريد أن الكلام الخالي من العاطفة قد يكون مفعما ~~بالحقائق، ولا يجد مع ذلك سبيلا إلى النفس. # وبما أن الشعور هو إحساس الخطبة كانت البساطة أجمل حلة يلبسها الإنشاء ~~الخطابي، ولا أعني بذلك أن يكون الكلام مبتذلا عاميا بل أن يوافق ~~الزمان والمكان، فللمعاني العظيمة كلام عظيم كما بينا، ولا يستلزم كون ~~الجمهور من العوام أن ينزل الخطيب بأساليب التعبير عن مقامها بل عليه أن ~~يرفع العامة نحوه لأن ms014 الفن فن أينما كان. # 4 # وبعد العاطفة يأتي الخيال والتصور الشعري لما فيهما من حلو التنقل الذي ~~يسوق إليه التلاعب بالمعاني، ونتيجته تجديد الانتباه عند السامع ودفع ~~الملل عنه فضلا عما يكتسبه الخطاب من جميل الألوان وبديع الزخرفة وجديد ~~الصور، كما سترى في غير هذا المكان. # ولكن للتصور والخيال حدودا إذا تعداها الخطيب وقع فيما حاذره، ومهما يكن ~~من أهمية الموضوع وجمال الصور المعروضة فإن الإسهاب أو الضرب على وتيرة ~~واحدة يتعب السامع ويفضي به إلى السأم، ألا ترى أن إطالة النظر إلى ~~الغدير الجاري والاستمرار على سماع خريره العذب يفضيان بنا إلى النعاس؟ ~~بل إن هدير الأمواج المتصاخبة، وزئير الرياح العاصفة، ولعلعة الرعود على ~~ما فيها من تهييج الأعصاب تنتهي بنا إلى النتيجة عينها إذا طال أمرها ~~وتكرر حتى تألفه الأذن ويأمن منه الخاطر. كذلك إنشاء الخطيب إذا ازدحمت ~~فيه المعاني الشعرية وتكاثرت فيه صور الخيال، فإن العقل يتعب والانتباه ~~يتبدد ولا يبقى من الخطاب في أذن السامع إلا سلسلة أصوات متعاقبة كأنها ~~آتية من أعماق النوم. # 5 # أما الإكثار من الأدلة المنطقية والإغراق في الشرح والتفصيل والإسهاب في ~~البيان والتعليل فذلك جائز في نثر الكاتب؛ لأن للقارئ متسعا من الوقت ~~للتأمل والتبحر بخلاف السامع الذي يتلقى الجملة بعد الجملة ولا قبل له ~~بالمراجعة أو التوقف، بل تراه مضطرا إلى اتباع الخطيب والتقاط أقواله ~~المتدفقة على سمعه؛ ولهذا كان من اللازم أن تأتي هذه الأقوال واضحة صريحة ~~مختصرة تفعل بالجزم والتأكيد أكثر مما تفعل بالبرهان والمنطق. # إن القارئ حر في مواصلة قراءته أو الوقوف للاستراحة والتأمل، وأما السامع ~~فهو معلق بشفتي الخطيب محمول معه في كل ناحية لا قبل له بالوقوف أو ~~الإعراض دون أن تنفصم عرى الألفة بينهما؛ فيذهب من الخطاب رونقه أو بعض ~~رونقه، وتفوت السامع فائدته أو جزء من فائدته. # وبقدر ما يقتصد الخطيب على السامع في ألفاظه وجمله يوفر من انتباهه ~~لإدراك معانيه والتأثر بها لأن اللغة - كما لا يخفى - هي في آن واحد آلة ms015 ~~للنقل وعائق دونه. # فالإنشاء الخطابي يختلف كثيرا عن الرسائل لاضطرار الخطيب أن يتبع فيه ~~أحوال نفسه والمكان الذي يتكلم فيه والجمهور الذي يصغي إليه، فتكون ~~اللفظة في وزن الإشارة، والمعنى في طبقة اللفظة فيفصل بين الجمل ويكرر ~~بعض الألفاظ مسهبا هنا موجزا هناك، متمهلا في بعض المواضع مكرا في ~~غيرها، واقفا حينما يرى ضرورة الوقوف ليترك للسامع مجالا يستوعب فيه ما ~~أراد أن يلقيه إليه أو يقصر انتباهه عليه. # على كل حال فإن آفة الخطابة التطويل، ومهما تكن العبارات متناسقة ~~والإنشاء رشيقا والموضوع شيقا والخطيب ممتازا، فما منع ذلك أن يكون ~~السامعون بشرا مثله لهم آذان تصم إذا أجهدتها، وبصر يكل إذا أتعبته، ولا ~~يجب أن ينسى الخطيب أن استعداد الجمهور أو قابليته للإصغاء ليست واحدة ~~فعليه أن يختار أوسط الطرق في شرحه وبيانه. يروى أن ابن السماك جعل ~~يتكلم وجارية له تسمع، فلما انصرف إليها سألها كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما ~~أحسنه لولا أنك تكثر ترداده. قال: أردده حتى يفهمه من لا يفهمه. قالت: ~~إلى أن يفهمه من لا يفهمه يكون قد مله من فهمه. # إن العبرة كل العبرة هي أن يحمل الخطيب عقول سامعيه في تيار العبارات ~~الجميلة الموسيقية، فيهز تلك العقول هز الطفل في السرير، ويملك عليها جهد ~~التفكير ويخدر فيها حاسة النقد، ويجعلها في شبه غيبوبة من سكر الفصاحة، ~~ثم تأتي كلمة هي الكلمة الفاصلة المنتظرة مدعومة أحيانا بنبرة في الصوت ~~أو ضربة على المنبر فتوقظ تلك النفوس وقد عرفته بعد إنكارها ونازعت إليه ~~بعد نفارها. # واللغة العربية قابلة للإنشاء الخطابي أكثر من سواها لوفرة غناها ~~بالألفاظ والتشابيه والاستعارات وما فيها من جزالة لفظ وفخامة تركيب ورنة ~~تسجيع، وما تقدر عليه من إيجاز وإطناب، فإذا ساعدها الأسلوب والخيال كانت ~~على لسان البليغ خمرا تدب في النفوس وسحرا يسطو على الرءوس. # وربما نزل الإنشاء الخطابي أحيانا عن نثر الكاتب في دقة المعنى ومتانة ~~المبنى إلا أن في فصاحة اللهجة وجمال اللفظ وجهارة الصوت وإجادة الأداء ~~ما يستر ms016 هذا العيب، فيخرج السامع مأخوذا بما سمع ولو لم يحفظ منه شيئا ~~قانعا بما أحس به من التأثير، راضيا عما حصل عليه من اللذة. # نختم هذا الفصل بذكر ما ورد على لسان بشر بن المعتم من غالي النصائح في ~~تعليم البلاغة قال: # خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك؛ فإن قليل ~~تلك الساعة أكرم جوهرا وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، ~~وأحلى في الصدور، وأسلم من ناقص الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة ~~من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك ~~يومك الأطول بالفكر والمطاولة والمجاهدة، وبالتكليف ~~والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا ~~وخفيفا على اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من ~~معدنه. # وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو ~~الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراد معنى كريما ~~فليلتمس له لفظا كريما؛ فإن حق المعنى الشريف اللفظ ~~الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما ~~تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس ~~إظهارهما، ولا تهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما وكن في ثلاثة ~~منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما ~~سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا، إما عند ~~الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة ~~أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وإنما ~~مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما ~~يجب لكل مقام من مقال. # وكذلك اللفظ العامي والخاصي فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك ~~وبلاغة قلمك ولطف مداخلك واقتدارك على نفسك أن تفهم العامة ~~معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن ~~الدهماء ولا تجفو عن الأكفاء فأنت البليغ التام. # فإن كانت المنزلة الأولى لا تؤاتيك ولا تعتريك ولا تسنح لك ~~عند أول نظرك وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم ~~تصر إلى قرارها وإلى حقها في أماكنها المقوية لها والقافية ~~لم تحل في مركزها وفي ms017 نصابها، ولم تصل بشكلها وكانت قلقة في ~~مكانها نافرة في موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن ~~والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر ~~الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بترك ~~ذلك أحد، وإن أنت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما ~~لسانك بصيرا بما عليك أو ما لك؛ عابك من أنت أقل عيبا منه، ~~ورأى من هو دونك أنه فوقك، فإن ابتليت بأن تتكلف القول ~~وتتعاطى الصيغة ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة وتعصى ~~عليك بعد إجالة الفكر، فلا تعجل ولا تضجر ودعه بياض يومك أو ~~سواد ليلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم ~~الإجابة والمؤاتاة إن كان هناك طبيعة أو جريت من الصناعة على ~~عرف. # فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول ~~إهمال فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى ~~الصناعات إليك وأخفها عليك، فإنك لم تعشقه ولم تنازع إليه ~~إلا وبينكما سبب، والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله وإن كانت ~~المشاكلة قد تكون في طبقات؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع ~~الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع المحبة ~~والشهوة، فهكذا هذا. # | هوامش # | المنبر # الخطيب على المنبر # يرى القارئ على هذه الصفحات صورا لمواقف خطابية مختلفة للمؤلف، وقد راعى ~~فيها الموقف والإشارة كما كتب تحت كل صورة العبارة المناسبة ~~لموقفها. # أنا لا أدينك يا إلهي إنما لم تنقص الدنيا ~~شرائعها معي! يا إله السموات دعها ودعني أتول ~~تعذيبها بيدي «رواية الخداع والحب». # لو بدا الدستور جسما قائما لرأيتم رمما فوق ~~رمم «عيد الدستور العثماني». # تحكم أيها الألم في نفسي فقد وضعتها بين يديك ~~وجعلتها وقفا عليك «من خطاب الألم للدكتور ~~فياض». # فلتبارك إلى الأبد أيها الرجل العظيم «تأبين ~~كرنيليوه فندك للدكتور فياض». # غير دين الحب لا دين لنا نحن في البؤس سواء ~~والنعيم «من قصيدة الدستور للدكتور فياض». # حذار يا قوم حذار فقد تأتي ساعة تسقط بها كل ms018 هذه ~~الحواجز «من خطاب للدكتور فياض». # كفى كفى شاهدته سجنا مخيفا مظلما «أديب ~~إسحاق». أنا ابن الشمس فكونوا أبناء الظلمات. # إلا إذا كنا رجالا وليس فينا دم الرجال. # أفبعد هذا تتعجبون أن سميت هذا اليوم عيدا ~~قوميا «من خطاب للدكتور فياض». # رأيت ومن فوق ما رأيت، رأيت غراب الطائفية ~~الأسود باسطا جناحيه على القلوب «من خطاب أنا وأنتم ~~للدكتور فياض». # على قدر أهل العزم تأتي العزائم ~~(المتنبي) «إن أكبر الحسنات التي يتمتع بها العالم لم تصدر ~~عن أهل الغنى ... ولكنها خارجة من أكواخ بلا سقوف، ~~وبيوت سودها الدخان، وأيد لم يضرها الصوم.» «من ~~خطاب للدكتور فياض.» # يا ليل قف فحرام أن تطير بنا من قبل أن نتملى من ~~أمانينا «تعريب البحيرة للدكتور فياض». # تلك ساعة العجب يوم ترون أن بين عشية وضحاها قد ~~نبتت في هذه النعاج أنياب الذئاب «من خطاب للدكتور ~~فياض». # وإذا كنت بيننا - لا سمح الله - كعيسى عندما ~~حرمه أبوه من ندى السماء ودسم الأرض ولم يبق له غير ~~سيفه ليعيش فعصاك سيفك بعصا الرعاية تسود وعصا ~~السيادة ترعى «من خطاب يوم انتخاب مطران بيروت ~~للدكتور فياض». # هنا تجسمت التعاسة ولبثت أجمل أثوابها القبيحة ~~«بيت المرضى للدكتور فياض». # فعلمت أن الحب وحده شرارة الوجود يلهب القرائح ~~كما يلهب الخدود «خطاب المرأة والشعر للدكتور ~~فياض». # وخفوق القلب داء مزعج حير الناس فقالوا: عصبي ~~زعموا الطب عليه قادرا، وأنا أدرى فقد جربت بي. ~~«خطاب القلب البشر للدكتور فياض». ~~(1) الوقفة # كان الخطباء في القديم يتكلمون وقوفا إلا في الأحوال العادية البسيطة، ~~ولم يكن لخطيب الرومان ما يعيق حركاته فكان مستقلا عن المنبر لا يجد ~~أمامه ما يستند إليه أو يضايقه. # وكان من عادة العرب الوقوف على نشز من الأرض، أو القيام على ظهر دابة ~~ورفع اليد ووضعها واتخاذ المخاصر بأيديهم والاعتماد على عصا، أو قناة أو ~~قوس والإشارة بها. # وأول من عمل المنبر فيهم تميم الداري، عمله للنبي وكان قد رأى منابر ~~الكنائس بالشام. # أما اليوم فأيان كان الخطيب فالغالب ms019 أن يضع أمامه شبه مائدة أو كرسيا ~~أو غير ذلك، وهو لا يحتاج عند الانتبار إلا إلى اتخاذ وقفة طبيعية بعيدة ~~عن التكلف مع اجتناب بعض العادات المستهجنة؛ كوضع اليد على الجنب أو كثرة ~~الحركة والتخطر جيئة وذهابا. # وإذا كان في المنبر فائدة للخطيب الحديث العهد بالخطابة لأنه يجد فيه شبه ~~فاصل يحميه من الجمهور، فالمقتدر الجسور يتضايق منه ويشعر كأنه مأسور في ~~قفص يضع حدا لحركاته وصوته. # على كل حال يجب أن يكون الخطيب في وقفته معتدل القامة آخذا بصدره إلى ~~الأمام، مقدما رجلا عن الأخرى لأجل التوازن وإراحة التنفس وإسعاد ~~الصوت. # ولا بد له قبل الشروع في الكلام من التنظر حينا؛ ليتم له السكوت ويكون ~~لديه متسع من الوقت للتعرف إلى الجمهور، ولا سيما إذا كان صعوده إلى ~~المنبر بعد نزول خطيب آخر عنه، فإن هذا التريث يساعد على إلفات نظرهم ~~وجمع انتباههم بعد أن يتباعد عنهم صوت الخطيب السابق، ويذهب صداه من ~~آذانهم فيكون للكلام الجديد موقع ألطف في القلوب ومخالطة أجمل ~~للنفوس. ~~(2) الصورة # لا ريب في أن جمال الملامح واعتدال القامة من الأمور التي تساعد على ~~إجادة التأثير، غير أنها ليست واجبة الوجود، وهذا هو ميرابو خطيب الثورة ~~الفرنسية كان من البشاعة على جانب عظيم، ولم يمنعه ذلك البلوغ من تأثيره ~~في معاصريه إلى أبعد مدى وكذلك دانتون. # ذلك لأن جمال النفس والعواطف يتجلى عند الكلام في الوجه والعينين، وهو ~~الذي يخلع على سحنة المتكلم حلة من الرواء تأخذ بلب السامع فينسى معها ~~قبح المنظر، وقد كان أحد أشياع سوكرات يقول لتلميذه: تكلم حتى ~~أراك. # وحكي عن كوكلين الممثل المشهور أنه لما ظهر على ملعب التمثيل في رواية ~~سيرانو ده برجراك، وهو يحمل أنفا دونه أنف ابن حرب كاد الضحك يستولي على ~~النظارة، فما هو إلا أن تكلم حتى ملك الآذان برخامة صوته وبلاغة الشعر ~~الذي كان يلقيه إلقاء ليس وراءه معلق لطاعن، ولا مأخذ لعائب فكانت النفوس ~~تتهادى تحت نغماته الساحرة كما تتهادى مع النسيم ms020 أغصان الشجر. # ثم إن في دمامة الخلق مفاجأة تحمل الإنسان على الإعجاب بعد التعجب، ~~والإكبار عقب الازدراء؛ لأن الناس كما قال الجاحظ: يقدرون عادة غير ما ~~يضمر الخطيب، فإذا بحسن كلامه قد تضاعف في صدورهم ونال منهم أكثر مما لو ~~كان جميل الطلعة. # ذكر الجاحظ أن أبا وائلة بن معاوية المزني أتى حلقة من حلق قريش في مسجد ~~دمشق فاستولى على المجلس، ورأوه أحمر دميما باذ الهيئة قشفا فاستهانوا ~~به، فلما عرفوه اعتذروا إليه وقالوا: الذنب مقسوم بيننا وبينك؛ أتيتنا في ~~زي مسكين تكلمنا بكلام الملوك. ~~(3) الصوت # من المعلوم أن جهارة الصوت وحلاوة نغمته وصفاء رنته من الأمور اللازمة ~~لكل خطيب؛ لأن عليها المعول في إيصال كلامه إلى آذان السامعين فقلوبهم، ~~وقد أسمى الأقدمون الصوت نورا؛ لأنه يحمل شعلة الضياء إلى الأذهان، وكم ~~من الخطباء الذين يسحرون بصوتهم أكثر من بيانهم. # لهذا كان من الواجب على كل من فرع المنبر أن يعنى بصوته عناية خاصة، ~~ويدرس درجة استعداده ومدى اتساعه ومقدرته على احتمال التعب فيصرفه فيما ~~يلائم من وجوه الكلام ولا يحمله فوق طاقته، فإذا كان الخطاب طويلا ~~والمكان واسعا وليس في صوته سعة المكان والوقت لم يرتفع به عن طبقة ~~معلومة ولا سيما في بداية الخطبة لئلا يسرع إليه التعب فيقصر عن مدى ~~غايته، فضلا عن ذلك فإن عليه أن يتمهل في النطق ليساعد الصوت فلا يفوت ~~الأسماع من مقاطعة ما يضر بالنتيجة ويقف دون المراد. # كانت الخطابة قديما في الأماكن العمومية، ولما خطب أرسامنيوس الثاني ~~داعيا إلى الصليبية كان الجمع المحتشد عظيما إلى حد أن ضاقت به ~~المدينة فأقاموا للبابا منبرا على أكمة في خارجها، وبما أنه لا يمكن ~~لصوت بشر أن يسمع كل هذا الحشد فقد كانت الناس تنقل كلامه من صف إلى ~~صف. # وكذا جرى في أرلندا عندما كانت تتألب الناس لسماع أوكونل غير أن الكلام ~~في الفضاء يتعب الصوت كثيرا، ومهما يستعمل الخطيب من الحكمة والتفنن في ~~إسماع صوته لا يسلم من الكلل والعياء، أما ms021 في الأماكن المقفولة فمن السهل ~~اجتناب الإجهاد، وكل ما يتعب الحنجرة على شرط أن يكون شكل البناء في ~~هندسته موافقا لنقل الصوت فيسهل على الخطيب إيصاله إلى كل ناحية. # إن سرعة الصوت هي 341 مترا في الثانية على حرارة 16 سنتيكرادا، وكلما ~~خفت الحرارة خفت سرعته، فالهواء الساخن هو إذن أفضل لنقل الصوت، وهذا ما ~~يجعل الكلام أولى في الأماكن المحصورة، أما الريح فإنها تؤثر في قوة ~~الصوت لا في سرعته. # وبعد أن يتبين الخطيب درجة صوته، واستعداده ومداه، وحالة المكان عليه أن ~~يجتهد في تحصيل أقصى ما يمكن تحصيله من الصوت، فلا يتوجه به إلى فوق أو ~~إلى الجانبين فيبدد أكثره سدى، وعليه أن يتلاعب به بين صعود وهبوط ~~مغيرا في نبرته ونغمته ووقفاته حسب المعنى والصورة والعاطفة إبعادا ~~للملل جامعا بين الصوت الطبيعي والصوت الموسيقي متحاشيا أن يضعف الصوت ~~في آخر الجملة لئلا تنتهي هذه بين شفتيه كأنها تحتضر ولا تصل الآذان إلا ~~مائتة. # وسنرجع فيما بعد إلى الكلام عن الصوت وطرق تقويته بالوسائل الطبية ~~والقواعد الصحية. ~~(4) الإشارة # لا يخفى أن للإشارة أهمية كبرى؛ لأنها تشارك النطق في نقل الفكر متخذة ~~لها البصر سبيلا، فهي اللغة العمومية التي يفهمها كل إنسان وما تحدثه من ~~التأثير هيهات أن تأتي بمثله لغات العالم. # والخطيب البليغ قلما يحتاج إلى الإشارة عندما تتزاحم على شفتيه خواطر ~~القلب والفكر، ومن الخطباء من لا يستعملها أبدا، كما أن منهم من يفرط ~~فيها؛ وهذا يرجع في الغالب إلى العادات والأخلاق، فالأنكلوسكسون مثلا ~~خلاف الشعب اللاتيني، ولهذا عندما ذهب جوريس إلى لندن للخطابة في جماعة ~~الاشتراكيين لم يجد من النجاح ما تعوده في بلاده، بل كان تعجب القوم منه ~~أكثر من إعجابهم به. # على أن الإشارة كما قلنا ضرورية للخطيب بوجه الإطلاق، وبها يملك الانتباه ~~ويصل إلى ما يبغي من التأثير. والصوت مهما تختلف تموجاته لا يكفي للإفادة ~~والإقناع، والتعبير عن معاني اللذة والألم والغضب واليأس والاحتقار، وما ~~إلى ذلك إن لم تساعده حركات اليد وملامح ms022 الوجه وبريق العينين وإشارة ~~الطرف والحاجب. # فضلا عن ذلك فإن حركة الأيدي فسيولوجية؛ أي إنها لازمة طبعا؛ لأنها ~~تساعد على إنماء الصدر وإخراج الهواء كلما احتيج إلى رفع طبقة الصوت كما ~~في حال الغضب أو غيره، ولا يستطيع المرء أن يتكلم بصوت عال ويداه إلى ~~جنبيه دون أن يحس ضيقا وتعبا. # وقد اتفق الفن مع الهجين ففي الكلام العادي المعتدل كالوصف مثلا يجب قلة ~~الحركة، وأما في الحماسة وغيرها من مثيرات العواطف فالحركة الكبيرة ~~الواسعة لازمة لتفريج الصدر الممتلئ هواء فلا ينال التعب من الخطيب أو ~~صوته. # ولكن الإكثار من الإشارة باليد خطل وتبديد لانتباه السامع، فعلى الخطيب ~~أن يفهم ذلك فيقتصد فيها، وأن يتخذ الذوق مرشدا ودليلا. # ويجب أن توافق حركة اليد المعنى وتسبقه فإن قلت لإنسان مثلا: اخرج من ~~هنا. فأول ما ينتظره منك أن تمد يدك أو إصبعك نحو مكان الخروج كأنك ~~تدله عليه. # وليست كل الإشارات لازمة في كل حال، بل منها ما لا حاجة إليه على الإطلاق ~~ولا معنى له كمد الإصبع، أو بسط اليد أو الضرب على المنبر عند كل جملة أو ~~حك الرأس أو ما وراء الأذن. # وتختلف الإشارة باليد حسب المكان فتكون واسعة في الهواء المطلق، وقد ~~يستغنى عنها في المكان الضيق فيكتفي الخطيب بملامح الوجه وحركات الطرف ~~والحاجب. # شروط الإشارة باليد ~~(1) # أن لا تمر من أمام جسم الخطيب. ~~(2) # أن لا تخفي وجهه. ~~(3) # أن توافق المعنى فلا تكبر وتتسع لدى الشرح ~~الهادئ. ~~(4) # أن تكون سريعة في أولها كلما كان الكلام حادا ~~ملتهبا. ~~(5) # أن تسبق الكلام ولا تأتي بعده. ~~(6) # كلما احتيج إلى الإشارة بيد واحدة تستعمل اليد اليمنى ~~إذا كانت الرجل اليمنى إلى الأمام والعكس ~~بالعكس. # عيوب الإشارة ~~(1) # الضعف: # عندما لا ~~تأتي مع المعنى ولا تدعمه. ~~(2) # الإبهام: # عندما يحتد ~~الخطيب بلا سبب ويأتي بها غير مطابقة لمعنى ~~الجملة. ~~(3) # المبالغة: # عندما ~~يفرط فيها بلا حساب. ~~(4) # الكذب: # عندما تأتي ~~مخالفة للفكر والعواطف. # قلنا إن الإشارة لغة النطق؛ ولهذا كان لها مثله قواعد، فكما تتميز بعض ms023 ~~الألفاظ عن سواها، ويقف المتكلم عندها لأهميتها تمتاز بعض الحركات فيقف ~~بها عند هذا الظرف ، أو ذاك الفعل أو تلك الصفة. وإذا اجتمعت صفتان في ~~جملة فالإشارة تكون للصفة الأخيرة، كما لو قلت: هذا رجل عاق خائن. ~~فالإشارة يجب أن تكون للخيانة دون العقوق، وقس عليه. وكلما كان تدريج في ~~التصورات كان مثله تدريج في الكلمات، وكان مثله تدريج في الإشارة؛ لأنها ~~- كما قلنا وأعدنا - لغة مكملة للنطق وخادمة له، وبدونها لا يكون للخطاب ~~أثره المطلوب. # وعلى الخطيب أن يكون طبعيا ويحمل في نفسه شرارة الإيمان بما يقول؛ ~~ليؤثر من غير صراخ ولا تصنع. وكل المواعظ والخطب لا تجدي فتيلا إذا لم ~~يعرف قائلها أن يترجم بإشارة أو حركة ما لا يمكن الكلام أن يعبر عنه، ~~وكم من إشارة تغني عن جملة طويلة. ~~(5) السحنة # يجب أن تشارك ملامح الوجه والألحاظ حركات اليد ونبرات الصوت، وإلا كان ~~الخطيب باردا لا حياة في بيانه ولا قوة في برهانه. # إن في العيون لغة تمثل الرجاء والأمر والتعجب والسرور واليأس والسخرية ~~والاحتقار والغضب والحب وما إلى ذلك، وفي ملامح الوجه الشباب والهرم ~~والصحة والمرض والألم والقوة وما شاكل. # فالشباب والصحة والغبطة تجدها في ارتفاع خطوط الوجه، كما تجد المرض ~~والضعف والألم في انخفاضها، وعليه يسهل على الخطيب أن يخلق ملامح الوجه ~~كما يريد؛ لأن الصورة البشرية لا تمثل في حال الراحة المطلقة إلا خطوطا ~~مستقيمة، فإن أردت أن تظهر انتباها بدون تهيج فبارتفاع خطوط الوجه ~~قليلا، وإن أردت إظهار الرضى والسرور زادت الخطوط ارتفاعا إلى أن تبلغ ~~الفرح الأقصى فترتفع الخطوط ارتفاعا عظيما، وإن أردت أن تظهر قلقا أو ~~تفكيرا فيكفي أن تخفض الخطوط قليلا، أو خوفا فتزيد خفضها، وهكذا إلى ~~أن تمثل لك الألم والعذاب بانخفاضها انخفاضا كاملا، ومتى أضفت إلى هذا ~~الانقباض انقباضا عصبيا فقد عبرت أحسن تعبير عن الغضب والاحتقار ~~والبغض. # كل هذه الحركات لا يحتاج إلى الدلالة بها في آن واحد، ولا يستفيد منها كل ~~خطيب، والعبرة في أن يكون ms024 مجموع الهيئة مطابقا معنى الكلام موافقا فكرة ~~المتكلم؛ قال لاروشفوكولد: البلاغة هي في الصوت والملامح مثلما هي في ~~اختيار الكلام. # أما العيون فهي أصدق ترجمان عن العواطف المختلفة الكامنة في كل إنسان، ~~فإن أردت التعبير عن الغيظ أو الدهش أو الإعجاب أو الخوف فتحتها، وإن ~~أردت التعبير عن القلق والتواضع والمسكنة قفلتها، أو الجزع والاشمئزاز ~~والرياء وما شاكل أدرتها يمنة وشمالا، أو الدعاء والألم الشديد رفعتها ~~إلى السماء، أو اليأس والعار والتفكير والحيرة والخشوع والحياء خفضتها ~~إلى الأرض، أو الشدة والإثبات والرجاء وغيره أثبتها في مكانها، والظفر ~~والفرح وما إليهما يكسبهما تألقا وبريقا كما أن الضعف والمرض يكسوهما ~~جمودا كالزجاج. # أما إطباق الجفون عند التكلم أو الشخوص بالنظر إلى جهة واحدة فهذا ما يجب ~~على كل متكلم أن يتحاشاه. # وهناك حركات أخرى للرأس والكتف وغيرهما نكتفي بالإشارة إليها؛ لأنها تخص ~~الممثل أكثر من الخطيب. # هذه الشروط التي تجعل للمنبر ذاتا معينة، وكل خطيب حافظ عليها فقد ~~استوفى حظه من البلاغة، وكان له من التأثير أبعد مداه وأقصى مرماه. وقد ~~وقعت على غير خطبة اشتهر قائلها بعلو الكعب في الخطابة، فلم أجد لدى ~~قراءتها ما يبرر تلك الشهرة مما يدلك أن الصوت وحسن الأداء وهيئة الخطيب ~~هي من العوامل القوية التي تكفي أحيانا لتزين المنابر وتعطي وثابها ~~سلطانا على القلوب. # ولا بد قبل الختام من التنبيه إلى اللباس وضرورة الاهتمام به؛ لأن جمال ~~الهندام يؤثر حتى في نفس اللابس، ولهذا تجد للإفرنج عناية خاصة به ولا ~~يتسامح أحد منهم في إهماله. وقد رأينا تتميما للفائدة أن نورد في آخر ~~هذا الفصل بعض الرسوم التي تستعمل فيها الإشارات، وتدل على المواقف التي ~~تنقبض فيها اليد أو تبسط وتطوى الأصابع أو تنشر بالنسبة إلى الخطيب ~~والموضوع، وما يقتضيه البرهان أو النفي أو التعجب أو الوعيد أو الاستعطاف ~~أو النفور وما شاكل. ~~(6) خلاصة ما تقدم # كن في وقفتك بعيدا عن التكلف، واجتنب الخروج عن المألوف في إشاراتك ~~وإلقائك، وحافظ ما أمكن على صوتك الطبيعي ms025 ولا تقلد غيرك من ~~الخطباء والوعاظ والممثلين. # وجنب في بداية الخطاب عن التزام نبرة واحدة وحركة واحدة؛ لئلا تشبه ~~التلميذ في تلاوة درسه لا الخطيب في فيض بلاغته. # وأفرغ من نفسك في صوتك وحركاتك لتخلع على كلامك برد الحياة، ولا تنس أن ~~تنوع نبرة الصوت دون أن تخرج به عن الطور الطبيعي فتتعب سامعيك. # وعلى الجملة فلتكن البساطة دليلك، والطبيعة هاديك فترسل كلامك إلى أعماق ~~القلوب بلا صياح ولا جهد ولا تدجيل. # وإذا لم تساعدك الطبيعة فكنت محروما جمال الطلعة، أو اعتدال القامة فإن ~~لك ما يغطي هذه العيوب ويستر تلك النقائص بالتمرن على حسن الإلقاء ~~والعناية بالصوت وتربيته بالرياضة لتأخذ من النغمات العالية رنتها ~~والوطيئة قوتها. # وإياك والإكثار من الإشارة أو الإتيان بحركات مستهجنة، وجانب النحنحة ~~والسعال، وكل ما يدل على الضعف أو يسبب الملل، قال الشاعر: # أعوذ بالله من الإهمال # ومن كلال الضرب في المقال # ومن خطيب دائم السعال # | الخطيب والممثل # 1 # إن بين الخطيب والممثل فرقا واضحا وبونا نازحا؛ ذلك لأن الأول ~~يحتاج إلى علم وإلهام قد يمكن الثاني الاستغناء عنهما. حسب الممثل أن ~~يدرك غرض المؤلف ليقوم بأداء الواجب عليه خير قيام دون أن يكون للوحي دخل ~~يذكر في تمثيله. لا أعني أن الممثل يجب أن يكون خلوا من كل علم بل أريد ~~أن لهذا العلم وهذا الإلهام عنده وجوها أخرى يصرفهما فيها، وهو على كل ~~حال لا يرتبط بهما ارتباط الخطيب، ويرى القارئ في بعض هذا الفصل وما يليه ~~مختصر ما وقفت عليه في كتاب الأستاذ كركو «فن الكلام في الجمهور» مما ~~يتعلق بهذا الموضوع. # نعم من الممثلين مثل شكسبير ومولير قديما وساشا كتري لعهدنا الحاضر من ~~جمع بين الحالتين، وكان العلم والوحي خير مرشد لهم فخلفوا أدوارهم على ~~القرطاس والملعب معا، مثل هؤلاء يبزون سواهم ويخلعون على نهجهم في ~~التمثيل مسحة خاصة لا تجدها في الآخرين إلا أنهم قلائل لا يتجاوزون عدد ~~الأنامل. # والغالب أن يكون الممثل كسائر الناس ثقافة، ولكنه يستطيع أن يدخل ms026 في إهاب ~~الذات الخيالية التي أوجدها المؤلف ويمتزج بها امتزاجا سويا، بل ترى ~~بعض الممثلين دون سائر الناس في الإحساس والشعور وهم على الرغم من ذلك ~~يجيدون تمثيل العواطف والأهواء الغريبة عنهم، وكم من النساء من هن في ~~حياتهن البيتية والاجتماعية أبعد خلق الله عن التأثر وعن كل فكرة للحب ~~والتضحية، وتراهن على الملعب يقمن بتمثيل أدوار الحب والتضحية أحسن ~~تمثيل. # هذا التناقض لا تجده في الخطيب فإن جهد الممثل - كما بينا - هو أن يصور ~~ما يريد المؤلف دون زيادة ولا نقصان، والبارع من وصل في التصوير إلى أبعد ~~غاية، وأما الخطيب فهو لا ينفك عن التوليد حتى في أثناء الكلام، وله مطلق ~~التصرف في القلب والإبدال والإيجاز والإطناب حسب الأحوال. # المجال الذي يتحرك فيه الممثل هو عالم الصور والخطوط، ومجال الخطيب عالم ~~الأفكار والمعاني، ومهما يكن من ثقافة الممثل وإلهامه فلا شأن لهما في ~~إضافة شيء إلى الذات الخيالية التي خلقها المؤلف ورسم حدودها، ولا حق له ~~أن يجري على لسان هذه الذات كلمة لم يرد المؤلف أن يقولها. # قد يستطيع الممثل أن يتصور طريقة جديدة لتمثيل أبطال سوفوكل وشكسبير ~~ومولير وهيكو غير التي عرفناها وألفناها، ولكنه لا يكون في ذلك على وفاق ~~والرأي العام. # 2 # إذن مجال الممثل هو الخيال والصور والحركات ونبرات الصوت المختلفة، وهي ~~أمور يحتاج إليها الخطيب، ولكنها ليست كل ما يحتاج إليه، فإن غاية الخطيب ~~هي الألفاظ والمعاني التي تتزاحم في خاطره ويجيش بها صدره فيقذفها على ~~لسانه، وهي تتطلب حركات وإشارات مختلفة غير أنه لا يضطر إلى تأديتها ~~بأمانة الممثل ودقته، وجل ما يتحتم عليه هو أن يصور أفكاره ويعبر عنها ~~على وجه لا يضايق السامعين ولا يزعجهم، بل يشعر كل من حضر أنه أمام خطيب ~~لا ممثل، وهذا الشعور من جانب الناس هو الذي يشد عرى الألفة بين الخطيب ~~وسامعيه؛ فيندفعون معه في الطريق التي يشقها لهم، فلا يكاد المعنى أو ~~العاطفة تنحدر من شفتيه حتى يكون قد تلقفها سمعهم وجنانهم. # ربما ms027 كان هذا هو السبب في أن يتحاشى الخطيب أن يظهر سهولة عظيمة جدا في ~~كلامه؛ لأنه إذا تكلم بدون جهد ظاهر ومن غير أن ترتسم على محياه تلك ~~السمات الدالة على التفكير والتعب والتأمل، فكأنه منقطع عما يقول فيحمل ~~السامع على الظن أنه لا يتكلم بإخلاص وشعور، بل يلقي درسا استظهره أو ~~يمثل دورا من الأدوار وهو ما يضعف التأثير وينزل بالخطابة عن ~~غايتها. # فعلى الخطيب أن يظهر لسامعيه أنه هو نفسه مولد أفكاره فيحس هؤلاء أنهم ~~أمام رجل يقول ويفعل، ويبرهن ويحلل وأن هناك مسألة عقلية يشتبكون معه ~~فيها، وهي ليست من خصائص الممثلين. # | الخطيب والشاعر # 1 # إن سرعة البداهة وقوة التصور وجيشان الخاطر وكل ما يمتاز به الشعراء ~~موجود عند الخطباء، ومن الصعب التفريق بين الاثنين، فكأن القوة العقلية ~~الواحدة - باختلاف وجهتها وتباين أسبابها - قد أنتجت عند بعض النوابغ ~~تارة بلاغة القلم، وطورا بلاغة اللسان. # لا ريب أن اللورد بيرون الشاعر الإنكليزي المشهور عندما كان يطوف بجواده ~~فوق شواطئ الليدو، وينشد في الفضاء أشعاره الغريبة السامية، ويلقي من ~~حوله على الكائنات نظر السيد المعتز بمحتده المباهي بشبابه المفاخر بجمال ~~طلعته ولمعان نبوغه، وما أعطاه الله من واسع السلطان في مملكة الهوى، ~~مخضعا لدى قدميه الفلاحة الحائرة والسيدة المتدللة، منتصرا على مطامع ~~الرذيلة ومخاوف الفضيلة، لا ريب أن ذلك الأمير لم يكن حينئذ شاعرا فقط، ~~بل كانت عواطفه الثائرة تتدفق من فؤاد خطيب فترتدي حلة الشعر بعد أن تفرغ ~~في قالب خطابي بما فيها من غزارة وخيال وتصور خلاب. # وإذا نظرت فيما كتب هيكو أو نظم ظهر لك أنه لم يكن يتخذ غير لغة الخطابة، ~~كأنما هو يتمرن على الدور السياسي الذي كان مخبأ له في طيات ~~الزمان. # وكذلك لامارتين فقد حرك أوتار قيثارته على منبر السياسة فأفلح خطيبا ~~مثلما أفلح شاعرا. # وكما كان بيرون الشاعر خطيبا كان جورس الخطيب شاعرا، وقد روى مؤرخوه ~~أنه وهو في العشرين كان يتمشى كالملهم على شواطئ الكارون مرددا في ~~الفضاء نثره الجميل، ms028 وله في كتابه «حقيقة العالم المحسوس» صفحات شعرية ~~خالصة كأنه تحت وميض الإلهام وبين عوالم الأحلام يسائل الوجود من كل ~~نواحيه، وينحني نحو الأرض واضعا أذنيه عليها مصغيا بروحه إليها كمن يجس ~~أو يبحث عن نبض العالم. # ومثل جورس كليمانصو فهو في كتابته وخطابته شاعر. لما اشتدت الأزمة ~~السياسية بين فرنسا وألمانيا وانفرجت مسافة الخلف في حادثة أغادير ذهب ~~جورس إلى برلين؛ ليخطب في زملائه الاشتراكيين فأبت الحكومة الألمانية ~~عليه الكلام وأرجعته من حيث أتى. وكان كليمانصو يومئذ يحرر في جريدة ~~الفجر فكتب فيها قطعة خالدة من النثر الشعري نورد للقارئ ما يحضر للذهن ~~من مطلعها: # إن منع الكلام عن جورس يعرض المسيو بيلو ذلك الستار الذي ~~يقوم من ورائه غليوم الثاني إلى سهام الانتقاد المر. ما ~~الفائدة أن يرث الإنسان أعظم سلطة عسكرية في العالم، وأن ~~يمشي في زرد الحديد، ويستل سيف الله الذي لا يفل، ويتغنى ~~بالنار والبارود، ويملأ الآفاق وعيدا؛ إذا كان يخاف من رجل ~~أعزل سلاحه الكلام؟ ... يالها من شهادة ساطعة لعظمة الفكر! ~~... # والمطلع على حالة السياسة لذلك العهد وما كان عليه غليوم من الحدة ~~والخيلاء؛ يدرك ما في هذه الأسطر القليلة من البلاغة. # والأمثلة كثيرة على وجود العاطفة الشعرية بقوة وغزارة عند الخطباء، غير ~~أنها ليست واجبة الوجود، فكما أن في المصورين من لم يبلغ شأو ليونارد ده ~~فنسي، فمن الخطباء من لا يعرف هذا الغليان، ويستطيع بكلمة أو صورة أو صوت ~~أن يحرك العواطف ويثير الأشجان. هكذا كان والدك روسو أحد زعماء الفرنسيين ~~في العصر الغابر القائل في إحدى خطبه هذه الكلمة المأثورة: يجب على ~~المالك أن يعمل وعلى العامل أن يملك. # 2 # وفي العرب كثير من الخطباء الشعراء أو الشعراء الخطباء، وقد ذكر الجاحظ ~~فئة غير قليلة منهم، نقتصر هنا على ذكر بعضهم مثل: قس بن ساعدة الإيادي، ~~والطرماح والكميت وغيرهم، ومن هؤلاء بشار الأعمى، وكان شاعرا راجزا ~~سجاعا خطيبا صاحب منثور ومزدوج، وكلثوم بن عمر وهو القائل: # إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي ms029 # واجتاح ما بنت الأيام من خطري # أيام عمرو بن كلثوم يسوده # حيا ربيعة والأفناء من مضر # أرومة عطلتني من مكارمها # كالقوس عطلها الرامي من الوتر # ومن الشعراء الخطباء الذين جمعوا الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار؛ ~~سهل بن هارون الملقب بزرجمهر الإسلام صاحب كتاب ثعلة وعفرة في معارضة ~~كليلة ودمنة، ومنهم أعشى بن شيبان، وهو القائل: # ولا أنا في أمري ولا في خليقتي # بمهتضم حقي ولا قارع سني # ولا مسلم مولاي من شر ما جنى # ولا خائف مولاي من شر ما أجني # وفضلني في الشعر والقول أنني # أقول بما أهوى وأعرف ما أعني # ومن بواعث الأسف أن لا أجد سبيلا إلى إيراد أمثلة من خطب هؤلاء القوم، ~~ولعلي أوفق إلى شيء من هذا في آخر الكتاب. # ومن أبلغ الشعر الخطابي قصيدة عفيرة بنت عفان، وكان بنو طسم قد انتهكوا ~~حرمتها فقالت: # أيجمل أن يؤتى إلى فتياتكم # وأنتم رجال فيكم عدد النمل # أيجمل تمشي في الدماء فتاتكم # عشية زفت في النساء إلى بعل # فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه # فكونوا نساء لا تعاب من الكحل # ودونكم ثوب العروس فإنما # خلقتم لأثواب العروس وللغسل # فلو أننا كنا رجالا وكنتم # نساء لكنا لا نقر على الذل # فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم # وكونوا كنار شب بالحطب الجزل # وإلا فخلوا الدار ثم تحملوا # إلى بلد قفر وموتوا من الهزل # فللموت خير من مقام على أذى # وللهزل خير من مقام على ثكل # فدبوا إليهم بالصوارم والقنا # وكل حسام محدث العهد بالصقل # ولا تجزعوا للحرب قومي فإنها # تقوم بأقوام كرام على رجل # فيهلك فيها كل وغل مواكل # ويسلم فيها ذو الجلادة والفضل # | الخطيب والخطباء # 1 # قلنا فيما مر إن المطالعة لازمة للخطيب لتوسيع دائرة ثقافته، ونزيد الآن ~~أن هذه المطالعة يجب أن يكون أكثرها في كتب الخطباء السابقين والمعاصرين، ~~وعلى الخطيب أن يسمع ويرى كيف يخطب سواه سواء أكان من أشياعه أم أضداده، ~~ثم يشرح لنفسه ويحلل ما سمع محاولا أن يدرك السبب الذي من أجله نال هذا ms030 ~~الخطاب استحسانا أو استهجانا، وما لذلك من صلة بالبيئة أو الرجل أو ~~الخطاب عينه من حيث المعنى أو التركيب أو الأسلوب أو الأداء، وما فيه من ~~إسهاب أو اقتضاب وهزل أو جد، وغير ذلك مما يدخل تحت هذه المعاني أو يشترك ~~فيها. # إن للخطيب ولا سيما النائب والمحامي أضدادا ومنافسين، والأضداد هم بين ~~الجمهور وليس من الصعب أن يتغلب عليهم بالإقناع، أما المنافسون فمن العبث ~~أن يحلم بإقناعهم وقد قال أحد نواب الفرنسيس: «أتى علي أربعون عاما ~~وأنا أسمع الخطباء فوجدت منهم من غير وجهة تصويتي، ولكن لم أجد من غير ~~رأيي.» ويمكننا قلب الجملة وعكس الآية دون أن نسيء إلى الحقيقة، فإن من ~~الخطب أيضا ما يغير الرأي ولا يغير التصويت. # وليس بعجيب أن يصعب على الخطيب إقناع منافسيه، فكل يريد أن يكون لواء ~~النصر معقودا له، لأن الخطيب السياسي رجل عمومي وهو في أكثر الأحيان ~~يعبر عن رأي حزبه فتراه مضطرا إلى الثبات في موقفه حتى النهاية لا ~~يزعزعه كلام الخصم مهما يكن لئلا يرمى بالخيانة والخروج على ~~الحزب. # وقد يحدث أن أحدهم يرى الحق في جانب خصمه فيبقى متشبثا برأيه؛ لأن هناك ~~مفاجآت غريبة، فكم من برهان يبدو ناصعا! ثم بعد تقليبه على وجوهه يتحقق ~~بطلانه، وهذه المفاجآت هي التي تقضي على الخطيب بعدم الاستسلام لبلاغة ~~خصمه، بل تجعله ثابتا في موقفه ولا سيما لأنه ليس حرا بل عبد الموضوع ~~الذي يدافع عنه، فيجب أن يمضي فيه إلى النهاية. # وبعد أن يقوم الخطيب بالواجب عليه من الدفاع يستطيع أن يخلو إلى نفسه ~~ويراجع آراءه ويقابل بين مركزه ومركز حزبه، ويعتمد ما يوحيه إليه الضمير ~~الذي هو أسمى قاض وأشرف حكم. # على أنه لا يتعذر على الخطيب ولا سيما المحامي بما تهيئه البلاغة من ~~وسائل التعبير؛ أن يتخذ لغة لا يرتهن بها إلا بقدر، ولا تنال من شرفه ~~وحسن أحدوثته، فإن لم يستطع مثلا أن يقول الحق الحق أقول لكم فهو قادر ~~على تحريف العبارة كأن يقول مثلا ms031 موكلي يقول لكم كيت وكيت، ولا يعزب على ~~القاضي ما وراء هذا التركيب من تنصل خفي أو محاذرة تدفع إليها الذمة ~~الطاهرة دون أن تضعف من أثر مقاله. # فكاهة: # كان اثنان من عظماء المحامين في ~~فرنسا يسمعان مرافعة زميل لهم، فكان يأتي في عرض كلامه بأدلة قاطعة وحجج ~~دامغة، وكان أحد الاثنين خصما في القضية، وعليه أن يرد على هذه المرافعة ~~ويدفع هذه الأدلة والحجج، فكان رفيقه كلما سمع شيئا أعجب به في المرافعة ~~يميل نحوه قائلا: هذا صحيح ولا إخالك قادرا أن ترد عليه. فيكتفي هذا ~~بهز الرأس كأنه يؤيد كلام صاحبه إلى أن قال له هذا الصاحب: أراك تشاركني ~~في كل ما أظهره من صواب هذه المرافعة، فما عساك أن تقول بعد هذا وقد ~~اقتنعت منذ الآن؟ فأجابه: كلا يا صاح، لم أقتنع أبدا ولكني أعلم ما لك ~~من النفوذ الأدبي عند القضاة وأعرف مبلغ احترامهم لآرائك، وأراهم الآن ~~ينظرون إلينا، فإذا عارضتك ظنوا بيننا خلافا تكون نتيجته خدمة لخصمي، ~~فأنا أظهر الموافقة على كل ما تقول ليطمئنوا بعدها إلى كلامي ومعارضتي، ~~فلا أخسر من قوة دفاعي شيئا. # 2 # هنا تظهر بوجه خاص مزية الخطيب من حيث الهدوء والصبر والحلم فيكون ~~كالملاكم يتلقى ضربات خصمه، وهو ثابت الجنان لا يتزعزع عن موقفه مهما ~~يطلق عليه منافسه من قنابل الغضب، أو يكشر له عن نواجذ الشر وسوء ~~النية. # لا أقول إنه لا يحتاج أحيانا أن يظهر الغضب ويخرج عن طور السكينة؛ لأن ~~التظاهر بالغضب والحدة نوع من الحجاج المقنع، ولكن فليكن غضبه خطابيا ~~كما ذكرنا قبلا. # ومهما يكن الخطيب عظيما مشهورا فإن آداب المهنة تقضي عليه أن يكون واسع ~~الصدر كثير الدعة واللطف والتودد نحو زملائه ومنافسيه، فلا يتعذر عليه أن ~~يجعل كلامه شديدا وانتقاده قارصا دون أن يمس كرامة أحد، وهذا أيضا ~~من دلائل المقدرة التي يتصف بها الخطيب البليغ. # والمنافسة الحقيقية التي تدفع الخطيب إلى الإجهاز على خصمه وتفنيد مزاعمه ~~بكل ما أوتي من شدة عارضة وفصاحة ms032 بيان؛ لا تكون إلا في المسائل السياسية ~~والقضائية، وأما في غير ذلك كالحفلات الأدبية والمناظرات العلمية وسواها، ~~فالواجب يقضي بالتضامن بين الخطباء حتى إذا عرض للواحد ما يفسد عليه ~~موقفه، أو لا يترك لكلامه وقعا حسنا كان للآتي بعده مجال لإصلاح هذا ~~الفساد بالثناء على الخطيب السابق والإشارة بمزاياه؛ مما يساعد على إزالة ~~سيئ الأثر دون أن يحس الحضور بهذه المناورة الولائية؛ لأن للجمع عقلية ~~تختلف عن عقلية الفرد، وحكم الجماعة في مثل هذه الحفلات مقيد بحوادث ~~الساعة، والجمهور مستعد أبدا للحلم والمعذرة والرضى. # | الخطيب والجمهور # 1 # إن بين الخطيب والجمهور صلة نسب وقرابة، ولكنها ليست متينة الأسباب في كل ~~حين، وهذا ما يجعل موقف الخطيب حرجا، فإن الجمهور مؤلف من طبقات مختلفة، ~~وفيه العالم والأمي، والقنوع اللين العريكة، والعنيد الصلب الشكيمة، ~~فإذا كان الخطيب ممن ألفوا المنابر، واعتادوا على تلك الوجوه الشاخصة ~~إليهم والعيون المحدقة بهم، فقد وجد السبيل ممهدا أمامه وكان فوزه ~~أكيدا، وإذا كان على خلاف ذلك أو هو يخطب للمرة الأولى، فقد عز مطلبه ~~ووعرت طريقه، وكان من الواجب قبل كل أمر أن يستميل الحضور إليه، وأن ~~يهيئ نفسه لقبول ما قد يصدر عنهم من ضجة أو ضحك أو مقاطعة أو غير ذلك، ~~ولا سيما إذا كان في الحفل كثير من العامة كما يحدث في الاجتماعات ~~السياسية أيام الانتخابات، وهذا أمر قليل الوقوع عندنا لعدم توافر ~~الأسباب الداعية إليه. # وربما ساء الخطيب قلة الإقبال عليه وعدم امتلاء النادي بالسامعين، فعليه ~~أن يدافع هذا الأثر ويتغلب على غيظه ويلقي خطبته بكل ما أوتي من حماسة، ~~حتى إذا خرج الناس معجبين بما قال كان لخطابه صدى جميل في المحافل ~~والأندية لا يلبث معه أن يتغير اعتقاد الناس فيه فيأسف من قصر عن ~~الحضور، ويعاهد النفس ألا يدع فرصة تفوته فيما بعد لسماع هذا ~~الخطيب. # ومثل ذلك إذا كان السواد الأعظم من عامة الناس الذين لم تسمح لهم أعمال ~~الحياة ومطالب الجهاد أن يتوسعوا في الثقافة فلا يكونن هذا ms033 مثبطا له؛ ~~لأنه لا يشق عليه أن يستميلهم ويملك عليهم نفوسهم ولو لم يعوا كل ما ~~يقول؛ فإن السامع الأمي كالفقير الذي يعرف أنه لا يستطيع أن يلبس الخز ~~والديباج، ويروقه مع ذلك مرأى هذا الزهو وربما حصل عليه بالتصور، فهو أي ~~السامع يدرك أن في كلام الخطيب ما يسمو عن مداركه أحيانا، ولكن يسره ~~أن يسمع ويرى، وقد ترضيه من الخطيب بعض الظواهر أو الحركات فتلقي ستارا ~~على جهله، ويمحو من ذهنه أثر العجز الذي هو فيه، فيخرج مسرورا مسحورا ~~لأن حكم الجماعات يكون عادة حسب الأهواء والشهوات والتأثيرات ~~النفسانية. # وقد يقف خطيبان أو أكثر في ناد فيأتي الواحد بأبلغ ما يمكن، ويلم ~~بموضوعه من كل أطرافه، ولا يترك شاردة إلا قيدها، ويقول الآخر كلاما ~~سطحيا لا يدل على تعمق في الدرس ولا اجتهاد في البحث، ولكنه يأتي ببعض ~~النكات المستظرفة فينال من الاستحسان والتصفيق أضعاف ما نال الأول، إلا ~~أن هذا الفوز عارض لا يلبث أن يزول عندما تنقشع غيمة التأثير الخطابي، ~~وينشر قول هذا وذاك، ويطلع القراء على فحواهما، ويسهل لكل في خلوته أن ~~يبدي حكما صحيحا بعيدا عن التأثيرات الخارجية. # ولا يجوز للخطيب أن يحتقر العامة؛ لأن غايته في الغالب هي التهذيب ~~والإرشاد والإصلاح، ولا يصل إليها بالازدراء بسامعيه بل هو بهذا الاحتقار ~~يخولهم الحق أن يحتقروه. وأول ما يجب عليه في هذه الأحوال أن يتعرف إلى ~~أهوائهم ويجاريهم في مشاربهم أحيانا، فقد لا تكون بعيدة عن الصواب وأن ~~يصغي إلى كلامهم، فالحكمة قد تأتي من فم الجاهل، وأن يتبع المثل الأعلى ~~الذي يريد أن يرسمه للناس، فلا يأنف من عرضه عليهم ولا ييأس من تقريبهم ~~منه. # 2 # من العقبات التي تعترض الخطيب وهو على المنبر أن لا يفهمه كل إنسان، ~~فتقوم المعارضة من كل ناحية لأن هذا الجمهور المختلف الطبقات والأمزجة ~~والتربية والغاية يسري فيه ألف مذهب وألف عقيدة وألف وهم، وعلى الخطيب أن ~~يؤلف بين هذه القوى المتباينة ليقودها في طريقه، ولا يتم له ms034 ذلك إلا ~~بالصبر والحلم وطول الأناة والتسامح. وهو يسعى إلى إرضاء الجمهور ولكن لا ~~من طريق الإكراه الذي يفضي إلى الفشل، فإذا دافع عن رأيه فلا يكون دفاعه ~~بمحاولة هدم مذهب سواه، فإن لكل رأي مظهرا من مظاهر الحقيقة، ولم نسمع ~~أبدا أن كل الناس خرجوا من حفلة خطابية راضين مقتنعين، وقد كان والدك ~~روسو يقول عن نفسه: «أنا أطلب من كلامي نجاحا لا انتصارا.» وهذا ما يجب ~~على كل خطيب أو مناظر أن يضعه نصب عينيه، وخطاب أنطونيوس في مقتل قيصر ~~أبلغ مثال يقدم على ذلك. # وقد تكون المعارضة عن إخلاص أو سوء فهم أو حب بالظهور، فإذا أدرك الخطيب ~~ذلك عرف أن يعطي لكل مقام مقالا ولكل جواب حالا. # 3 # أما المقاطعة فلا يجب أن تخرجه عن جادة الموضوع؛ لأنه لا يخطب لواحد بل ~~لجماعة وليمض في كلامه حتى النهاية، إلا إذا كان حاد الذهن حاضر البديهة ~~فيرد على من قاطعه بكلمة ثم يعود إلى موضوعه، وإذا لم يوفق إلى سرعة الرد ~~فليمر بالاعتراض مر الكرام ذلك خير من أن يقول قولا لا معنى له أو فيه ~~شتيمة وسباب. # لما اعتصب عمال السكة الحديدية في فرنسا، وعددهم يربو على 150 ألفا، لجأ ~~الوزير بريان إلى إصدار أمر بالتعبئة العامة فكانت الواسطة الوحيدة ~~للتغلب على الثورة والضرب على أيدي المعتصبين بدون أن تسفك قطرة دم، وكان ~~ذلك في أثناء عطلة البرلمان، فلما حان انعقاد الجلسة الأولى للدورة ~~الجديدة كانت الأفكار في غليان والخواطر في هيجان، والنواب تتحفز للوثوب ~~معترضة على هذا العمل الاستبدادي في الظاهر، وجاء بريان لتقديم الحساب ~~فعلت الأصوات من كل جانب: «ليسقط الدكتاتور ليسقط الكابورال، فوقف في ~~مكانه جامدا إلى أن أتيح له فرصة ليرفع صوته فصاح بهم: «دكتاتور؟ مسكين ~~أنا. ما لكم أيها السادة إلا أن تقولوا كلمة أو تبدوا إشارة فأترك هذا ~~المنبر بلا أسف وأعود إلى مكاني في صفوفكم خادما بسيطا لهذا الوطن.» ~~كلمات وجيزة ولكنها قوية بمعناها ومطابقتها الحال، فجاءت كالماء على ms035 ~~الجمر فهمدت حدة الثائرين، وخمدت ثورة الصائحين وأمكن بريان أن ينطلق في ~~حديثه مبررا عمله، فإذا بالغضب يتحول رضى والجلبة تنقلب سكوتا، ~~والنفور يعود اطمئنانا ، وبعد أن كان هدفا لسهام الناقدين نزل عن المنبر ~~بين الهتاف والتصفيق ومصافحة المهنئين. # ولكن ليس كل الخطباء مثل بريان، ولم يؤت سرعة البداهة كل إنسان، وكم من ~~أصحاب العقول الراجحة من يفتقر إليها؛ فقد كان جاك روسو يقول عن نفسه: ~~«لم أستطع عمري أن أوتي جوابا موفقا إلا ربع ساعة بعد الوقت ~~الملائم.» # والمقاطعة في حادثة بريان وقعت قبل أن يتكلم، ولا أدري هل تكون أشد وقعا ~~لو جاءت في عرض الخطاب فكانت كالصخر الذي يلقى في مصب السيل فتنحرف به ~~حينا عن قصد السبيل. على كل حال ليس على الخطيب من جناح إذا لم يحضره ~~الرد فورا، ولا يلام إلا إذا حاول الجواب؛ فقال ما لا معنى له ولا فائدة ~~منه، مثلا قد يسمع الخطيب مقاطعا يقول: هذا كذب. فيجيبه: أنت الكاذب لا ~~أنا. مثل هذا الجواب أفضل السكوت عليه ألف مرة. # ومن أجمل ما يذكر من المقاطعة عن خطباء العرب ما حكاه صاحب العقد الفريد ~~عن زياد عن مالك بن أنس قال: «خطب أبو جعفر المنصور فحمد الله وأثنى عليه ~~ثم قال: أيها الناس اتقوا الله. فقام إليه رجل من عرض الناس فقال: أذكرك ~~الذي ذكرتنا به. فأجابه أبو جعفر بلا فكر ولا روية: سمعا سمعا لمن ~~ذكر بالله، وأعوذ بالله أن أذكرك به وأنساه فتأخذني العزة بالإثم، لقد ~~ضللت إذن وما أنا من المهتدين، وأما أنت فوالله ما الله أردت بهذا، ولكن ~~ليقال قام فقال فعوقب فصبر وأهون بها لو كانت، وأنا أنذركم أيها الناس ~~أختها! فإن الموعظة علينا نزلت وفينا انبثت.» ثم رجع إلى مكانه في ~~الخطابة. # إن السكوت والتوقف عن الكلام حينا خير من الجواب على المقاطعة؛ إذا لم ~~تأت بمثل هذه البلاغة، ولا سيما إذا كان المقصود منها الإضرار بالخطيب ~~والتشفي. وهذا السكوت الدال على عدم الاكتراث بالمقاطع ms036 يعد مقدرة وترفعا ~~محمودا. # وأما إذا كانت المقاطعة للاستفادة والتعمق في البحث، فقد يستطيع الخطيب ~~مواصلة حديثه اكتسابا للوقت مع التفكير في الرد في آن واحد إلى أن يحضره ~~الجواب اللائق الموافق، وهذا من وراء الغاية. # ويستحسن بالخطيب حينما يخلو إلى نفسه أن يعيد في ذهنه ما جرى في الحفلة، ~~وليتذكر موقف الجمهور والمقاطعين، وينظر فيما إذا كان قد أحسن التصرف ~~إزاء هؤلاء وأولئك ففي هذا التفكير درس وعبرة. # والخلاصة على الخطيب لدى المقاطعة إما أن يرسل جوابه كالسهم إذا ساعده ~~المزاج والخاطر، وإما أن لا يعبأ بها خير من أن يتمتم كلاما لا هو جواب ~~ولا تتمة خطاب. # 4 # بقي أن نقول كلمة عن التصفيق فلا يجب أن يغتر به الخطيب؛ لأنه لا يدل ~~دائما على الاستحسان، بل كثيرا ما يأتي تأدبا أو عادة أو دفعا للملل، ~~وقد يكون لأن الكلام مما يضحك، أو إشفاقا على الخطيب من التعب فكأنه ~~فرصة للراحة، وقد يكون أيضا لأجل إسكات الخطيب بعد أن أتعبهم بالكلام ~~الذي لا طائل تحته. # وكما يصفق النظارة أحيانا للممثل إكراما للمؤلف لا له، كذلك يصفق ~~للخطيب، لا لأجل الخطاب بل لنكتة جاءت موافقة لروح السامع، أو لاسم عظيم ~~ذكره أو غير ذلك، بل لو لم يكن في التصفيق غير الاستحسان لما كفى ذلك ~~للدلالة على جمال الخطبة، ولو أعطي الخطيب أن يتغلغل في القوم ويصغي إلى ~~همسهم لعاد دهشا من كثرة ما يسمع من الطعن أو الانتقاد، حتى من أقرب ~~أصدقائه وأخلص المعجبين به. # وعندي أن مقدرة الخطيب ليست في إثارة التصفيق بقدر ما هي في استجلاب ~~السكوت، السكوت التام الدال على الإصغاء والخشوع وأن عيون الجمهور شاخصة ~~إلى شفتيه، وعقولهم متصلة بفكره، وقلوبهم خافقة على صوته، وأنفاسهم ~~محبوسة على كلماته؛ ذلك لأن الخطيب يستولي على النفوس أكثر مما يستولي ~~عليها المغني المطرب، ولأنه ساعة القول يخلق ما في نفسه ويقويه أو يضعفه ~~حسبما يشاء فيسرع ويتمهل ويعلو ويهبط على وزن دقات القلوب. تلك هي مقدرة ~~الخطيب ms037 التي تتجلى فيه ساعة من الوحي مباركة. # وبعد الختام فليصفق الناس ما شاءوا للتعبير عن إعجابهم واستسلامهم، أما ~~الخطيب فقد سبقهم إلى إدراك هذا الإعجاب منهم وشعر به قبلهم. # أما المكاء أي الصفير فهو علامة الاستهجان عادة، ولكن الكثير من العامة ~~في الشرق يجهلون معناه فيستعملونه في مكان تصدية الأيدي، فيختلط الحابل ~~بالنابل ولا تعرف المراد منه تماما. # | تهيئة الخطاب # 1 # من الخطباء من يفكر في موضوعه والقلم بين أنامله، فيخط على القرطاس كل ما ~~يمر بالخاطر على أمل العود إليه عند التبييض لتنقيح ألفاظه وتهذيب ~~عباراته. # ومنهم من يستعد وهو يتكلم بصوت عال كأنه يملي على الذاكرة ما تجود به ~~القريحة، حتى إذا جاء وقت الكتابة أعادت الذاكرة كلامه، وتمثلت لديه ~~الألفاظ والجمل التي فاه بها فيتخير منها ما يشاء للصياغة ~~والتعبير. # ومنهم من يستعد وهو صامت كأنه يسمع صوته الباطن بدون أن تحمله تموجات ~~الهواء إلى أذنيه. # ومنهم من يجمد في مجلسه أو يروح ويجيء حينا ناطقا وحينا ~~صامتا. # كل ذلك حسب مزاج الخطيب وحالة نفسه والغاية واحدة، وهي إعانة الذاكرة ~~وتموينها بالفكر والتبحر، حتى إذا تجلى الموضوع في صورته الكاملة عمد ~~الخطيب إلى اختيار القالب الذي يريد أن يفرغه فيه. # فإذا كان الخطيب ممن يستعدون وهم يكتبون فليس من الضروري أن يهتم كثيرا ~~بالألفاظ إذا لم تقع موقعها ولم تصر إلى قرارها؛ لأن الاستعداد يكون في ~~أول الأمر للمعاني دون الصورة، والأحسن أن يمضي في كتابته بلا توقف وإن ~~خانته كلمة أو جملة جاوزها إلى غيرها دون أن يضيع الوقت في البحث ~~عنها. # كذلك إذا كان استعداده بالتكلم لا الكتابة فإن التوقف لدى كل كلمة لا ~~تحضر في حينها أو تركيب لا يصيب مقره يقطع عليه مجرى أفكاره، والأفضل أن ~~يعتبر نفسه كأنه يتكلم أمام جمهور؛ فلا يتلجلج بل يواصل كلامه كما يجري ~~على لسانه صوابا أو خطأ، ومتى انتهى من هذا التمرين وقعد إلى الكتابة ~~أعادت عليه الذاكرة ما سمعت، وكان له متسع من الوقت للتفكير ms038 فيما فاته ~~وإحضار ما غاب عنه وتهذيب ما وقع عليه. # وليس هذا مما يستهان به إذا أخذ على نفسه أن يتنبه إلى مواضع الضعف في ~~المعنى أو التعبير في سياق كلامه، فإن الذاكرة تحفظ ذلك وتعيده عليه لدى ~~تبييض الخطاب؛ فكما يمكن للمرء أن يقول في نفسه قبل أن ينام: أريد أن ~~أستيقظ ساعة كذا. وتلبيه الذاكرة فتوقظه في الأجل المضروب، يمكن الخطيب ~~في عرض كلامه عند الاستعداد أن يذكر ويقول: هنا يجب التطويل أو الاختصار ~~أو إبدال هذا اللفظ أو تلك الجملة، فيبقى هذا الطلب كامنا في العقل ~~الباطن إلى أجله المسمى، فلا يفوت الخطيب عند تبييض الخطاب أن يتنبه ~~إليه. # 2 # قد لا يحتاج الخطيب إلى كتابة خطبته بعد الاستعداد، بل يكتفي بما يسمونه ~~رءوس أقلام إن كان ممن رزقوا ذهنا صافيا وذاكرة قوية، ولكن الأفضل أن ~~يكتبها ليتعود على تهذيب عباراته وتنميقها وتنسيقها، فلا يقع في التكرار ~~الممل أو الضعف الشائن أو السهو المفسد. # على كل حال لا ندحة له مهما تكن طريقته في تهيئة الخطاب من أن يتمرن على ~~انتقاء الألفاظ الجميلة؛ حتى تأتيه عفوا بلا جهد وتنساق إليه بلا تعب، ~~وهذا التمرين يجهله الكثيرون، ومداره أن يجرد الرجل من عقله قوة يضعها ~~شبه حاجز بين الدماغ واللسان، فتكون رقيبا على ألفاظه كرقيب الجمارك، ~~تفحص كل كلمة قبل أن تختلج بها شفتاه لتسمح لها بالمرور أو لا تسمح، ~~وهكذا يتعود أن لا يلفظ الكلمة التي لا توافقه، وهذا الضرب من التمرين ~~يفيد كل إنسان، فقد تعودنا في حياتنا البيتية والاجتماعية أن نقول في ~~كثير من الأحايين جملا مجهزة لا تتبدل مما ضيق دائرة التعبير؛ ألا ترى ~~أننا إذا أردنا مثلا أن نثني على خطاب نكتفي بالقول إنه بليغ فكأننا في ~~الواقع لم نقل ما يلزم؛ لأن هذه الصفة تنطبق على شتى الخطب، وكان الأصح ~~أن نذكر كل ما يمتاز به الخطاب، ونوضح السبب الذي من أجله يستحق أن يوصف ~~بالبلاغة. وكم من الناس رجالا ونساء يكتفون ms039 للحكم على الأشياء بمثل هذه ~~الجمل العمومية، فيقولون: هذا عظيم، وهذا هائل، وهذا عجيب، وما شاكل كل ~~ذلك اجتنابا للتعب وتخفيفا للجهد في البحث عن الكلمات الموافقة التي لا ~~تلبينا عادة، وهي لو حققت قريبة المنال بقليل من هذا التمرين. # جاء في العمدة لابن رشيق: العمل هو على جودة الألفاظ وحسن السبك وصحة ~~التأليف، ألا ترى لو أن رجلا أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه ~~في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف، وفي ~~العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس، فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن ~~حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة ~~والحلاوة، لم يكن للمعنى فائدة؛ يعني أنك إذا اكتفيت بالقول هذا الرجل ~~كالأسد أو كالبحر أو ما شاكل فكأنك لم تقل شيئا. # ومثل هذا ما ينظمه الشعراء من قصائد المدح والرثاء، فإن فيها من الأوصاف ~~ما ينطبق على كل إنسان، وبالأحرى لا ينطبق على أحد، وقلما تجد بينها ما ~~عليه طابع خاص فلا يستطاع نقله من موضعه، بل هي تقريبا كالنقود ~~المستعملة بين أيدي الناس ربيبة العادة والتقليد. # هذا داء يجب معالجته وإلا أفضى إلى فقر اللغة ونزول اللسان عن ملكة ~~الفصاحة، وحسب الكاتب أو الخطيب أن يتنبه إليه ليمرن نفسه تمرينا ~~خاصا يجعله في مأمن من الوقوع فيه، ويفتح أمامه أبوابا جديدة يدخل ~~منها إلى ميدان واسع يجول فيه القلم واللسان جولات لا تمر بحلم. # 3 # وبعد انتهاء الخطيب من ترتيب خطابه واستيفاء معانيه واختيار ألفاظه ~~وتقسيمه حسب القواعد والأصول - كما ذكرنا في الإنشاء الخطابي - يبقى عليه ~~الرجوع إلى المطلع ليتقنه بوجه خاص، ويتفنن في مقدمته تفننا مستحبا ~~يأخذ بألباب السامعين، ويعدها إعدادا حسنا للإصغاء إليه والتقاط ما ~~ينثره على مسامعهم مما وقف على تحضيره وقته وعقله وقلبه. # ثم إلى الختام فيمر عليه نظر المنتقد الصارم، ولا يدع فيه أثرا للضعف أو ~~اللبس بل يوفيه حقه من القوة والجلاء والبلاغة، حتى يترك في الآذان صدى ~~جميلا مستطيلا. ms040 # والأفضل له بعد ذلك أن يستظهر خطبته ليكون فعلها أوقع في النفوس، ولا بد ~~هنا من إلفات القارئ إلى أمر من الأهمية بمكان، فإن استظهار الخطبة لا ~~يقصد به إلقاؤها غيبا كما يلقي الطالب أمثولته المدرسية، فإن هذه ~~الطريقة فضلا عن أنها لا تجلب الإقناع، ولا تجيد التأثير تقف حاجزا دون ~~تقدم الخطيب في فنه؛ لأنها لا تعوده على الاستفادة من موقفه ومن حالة ~~السامعين وتأثرهم ليزيد أو ينقص من كلامه ويسهب أو يختصر في شرحه، بل ~~تجعله كالتلميذ أو الممثل لا كالخطيب، وكم من فرصة تعرض للمتكلم في القوم ~~فتوحي إليه معاني جديدة هي بنت الساعة من تصفيق الناس أو هتافهم أو ~~تململهم أو ضحكهم أو مقاطعتهم أو غير ذلك، فإذا كان يلقي خطابه عن ظهر ~~قلبه أي مقيدا نفسه بجمله المرصوفة لا يغير كلاما ولا يبدل نظاما فقد ~~فاته الاستفادة من تلك الفرص التي قد تقال فيها جملة واحدة مرتجلة فتفعل ~~فعل الخطاب بأسره. # | الارتجال # 1 # الارتجال في اللغة هو الكلام من غير تهيئة، أو الابتداء به من غير فكر، ~~وقد كان أمرا طبيعيا ميسورا للعرب، قال الجاحظ: وكل شيء للعرب فهو ~~بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكر ~~ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام، أو ~~حين أن يمنح على رأس بئر أو يحدو ببعير أو عند المقارعة أو المناقلة، فما ~~هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد فتأتيه ~~المعاني إرسالا وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيده على نفسه ولا ~~يدرسه أحدا من ولده. # وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم ~~أظهر وأكثر وهم عليه أقدر وأقهر، وكل واحد في نفسه أنطق ومكانه من البيان ~~أرفع، وخطباؤهم أوجز، والكلام عليهم أسهل وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا ~~إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى على ~~كلام من كان قبله؛ ms041 فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل ~~بعقولهم من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب. # أما اليوم فالارتجال نادر بل إذا حققت لم تجد لحقيقته أثرا ؛ لأن الخطيب ~~العصري لا يستطيع التكلم بما لا يعرف، فإذا كان عارفا موضوعه فالتهيئة ~~حاصلة فعلا بما وعاه ذهنه بالدرس والمطالعة والاختبار. # قد يراد بالارتجال تركيب الألفاظ وتنسيق الجمل وإفراغ المعاني في قالب من ~~التعبير يوافق مقتضى الحال، وهذا أيضا صعب على خطيب اليوم؛ لأننا نتكلم ~~عادة غير اللغة الفصحى التي نكتبها فنضطر بحكم الأمر إلى إعمال الفكرة ~~عند الخطابة وإجهاد الذاكرة ولو قليلا، وتوزيع قوة العقل بين النظر في ~~الموضوع والعناية بالألفاظ في وقت واحد، وهذا كاف لإضاعة رونق الخطاب ~~والتقصير في إجادة الإلقاء؛ قال الدكتور تولوز وهو من علماء النفس ~~والأخلاق: إن الارتجال آفة الخطابة؛ لأنه يلقي المعنى على عواهنه دون أن ~~ينضج بالتفكير، فكيف إذا أضفت إلى ذلك الركاكة التي مني بها أكثر ~~الناطقين بالضاد للسبب الذي ذكرناه. # ومن قرأ مشاهير الخطب التي قيلت ارتجالا وحفظت بالاختزال، دهش لما فيها ~~من الضعف والتناقض، ولم تخف عليه عيوب الإنشاء عند قراءتها على الرغم من ~~وميض البلاغة الظاهر من خلال السطور. # أما إذا كان المقصود بالارتجال جملة قوية تأتي عرضا في الخطاب ردا على ~~اعتراض، أو إسهابا في البيان أو شرحا لسؤال ففي وسع كل خطيب، ولكن أن ~~تقال خطبة كاملة من غير استعداد فلا يقصر الخطيب في مادته أو بيانه فهذا ~~ما لا أظنه يتاح لكثيرين. # انظر إلى خطباء الأقدمين فإنهم كانوا يهيئون خطبهم قبل إلقائها، وهذا ما ~~حفظها لنا؛ لأن الاختزال لم يكن معروفا لذلك العهد، وقد كان شيشرون يهذب ~~خطبه ويتمرن عليها قبل أن يلقيها، وكان كانتليان من أساتذة الخطابة عند ~~قدماء اللاتين يرى أن الارتجال لا يتهيأ للمرء إلا في أواخر عمره بعد أن ~~يكون قد ذاق الأمرين في تعلم صناعة الخطابة، وهذا بوسويه كان يكتب خطبه ~~ومسوداتها لا تزال محفوظة، ولما ظهرت الثورة الفرنسية ms042 اضطر القوم إلى ~~الارتجال في كل ناد وموقف، ولكن ذلك لم يمنع ميرابو أن يكتب أكثر خطبه ~~قبل إلقائها وكذلك روبسبير. # وانظر إلى خطباء اليوم فلا تجد فيهم من لا يعترف بالاستعداد قبل التكلم ~~كالمحامي لابوري وهنري روبير وفيفياني وجورس وغيرهم، ومما قاله هنري ~~روبير: «أنا لا أعمل والقلم في يدي، ولكني لا أنقطع عن التفكير أينما ~~وجدت، ولا يزال دماغي في عمل مستديم، فتتوارد الجمل على خاطري وأرددها في ~~باطني.» ولله در ابن المعتز حيث قال: # والفكر قبل القول يؤمن زيغه # شتان بين روية وبديه # وإذا اضطر أحد هؤلاء إلى الكلام عن غير استعداد كما كان يحدث في ندوة ~~القضاء أو النيابة فللاعتراض أو دفع حجة أو إقامة برهان أو شرح حادث، ~~وهذا سهل لأنه لا يخرج عن موضوع ألفه ودرسه وعالجه غير مرة بالقلم ~~واللسان. # 2 # ولا أدري وايم الحق ما الفائدة من التكلم بدون سابق استعداد في حين أن ~~الخطيب قادر أن يأخذ للأمر أهبته، وأن يفرغ الطوق في إلباس موضوعه حلة ~~أنيقة، فإن كانت غايته المباهاة فقد أخطأ المرمى؛ لأن ما يعرفه من ~~الموضوع هو - كما بينا - ضرب من الاستعداد فضلا عن ذلك فإنه من ~~المستحيل أن تأتي عباراته برشاقة وانسجام وتنساق إليه بمثل النظام الذي ~~يكون من وراء الاستعداد. # ثم إن ظهور الخطيب بمظهر المرتجل الذي لم يستعد فيه ازدراء الحاضرين، ~~واعتداد بالنفس يقرب من الدعوى الفارغة المذمومة، فإن هذا الجمع الذي ~~أزعج نفسه وجاء لسماعه، وربما كان فيه من أقبل من مكان سحيق غير مبال ~~بالمشقة، وبعد الشقة يستحق شيئا من العناية والإكرام فلا يليق بالخطيب ~~أن يقدم له إلا أحسن ما عنده. # وهناك فئة تدعي الخطابة وقد يكون بينها من يحسنها، ولكن عيبها التبجح ~~أبدا بعدم الاستعداد كأنه مزية كبرى تشهد لهم بسرعة الخاطر وذلاقة ~~اللسان، ولا يفهمون ما في هذه الدعوى الباطلة من جلب الملام أحيانا ~~والهزء دائما. # وقد ذكرنا رأي الدكتور تولوز في أن الارتجال آفة الخطابة لاستحالة ~~التدقيق والتنميق، ونضيف ms043 إليه أن فيه مجازفة كبيرة لأن الدخول في الموضوع ~~قد يكون يسيرا، ولكن الخروج منه عسير والمتكل على قدرته ليفرع المنبر ~~مرتجلا هو كالمحارب الذي ينزل إلى الميدان أعزل على أمل أن يستعمل سلاح ~~عدوه، أو كالقائد يهاجم خصمه وهو لم يرسم من قبل خطة الهجوم، وكم من ~~المرتجلين الذين يصدق فيهم قول الشاعر: # ويرتجل الكلام وليس فيه # سوى الهذيان من حشد # 1 # الخطيب # 3 # لا أريد أن أدخل اليأس إلى قلب القارئ الراغب بهذه الصناعة، فالارتجال ~~ممكن لقوي الإرادة بعد أن تتوافر لديه الوسائل من سعة اضطلاع ومطاوعة ~~قريحة وتصرف روية وحضور ذهن وامتلاك لناصية اللغة، والذي يأمن العثار فيه ~~هو المطبوع الحاذق الواثق بغزارة مادته ورباطة جأشه؛ لأن الثقة بالنفس ~~وحدها كافية لأن تنفي عنه كل خاطر يورث اللجلجة والنحنحة والانقطاع ~~والبهر وما إلى ذلك. # وهو وإن يكن أبعد منالا على المتكلمين بالعربية للأسباب التي أشرنا ~~إليها من انفراج مسافة الخلف بين العامية والفصحى، فلا يعد مستحيلا ولا ~~سيما في مصر حيث الفطرة كفيلة به بما للمصريين من ألسنة ذلقة وألفاظ ~~حسنة، وعبارة جيدة تجعل العامية قريبة من الفصحى فلا تجفل الأسماع ~~منها. # وفي الارتجال تظهر مزية المطالعة التي ذكرناها في فصل سابق، فإذا كان ~~الخطيب ممن لم يتكلموا على بلاغتهم الفطرية بل اجتهد بتوفير رأس ماله ~~والإكثار من محفوظه «فقد سهلت عليه مستوعرات النثر، وذللت له صعاب ~~المعاني، وفاض على لسانه وقت الحاجة ما كمن من ذلك بين ضلوعه». # والحاجة في الارتجال تدعو إليها مفاجآت كثيرة ولا سيما إذا كان الخطيب ~~ممن أحرزوا قسطا وافرا من الشهرة فتتطاول الأعناق إليه أيان وجد، ولا ~~يجد مناصا من تلبية الدعوة فبفضل الدرس الطويل وسابق الاجتهاد يستطيع ~~الخروج من هذا المأزق سليم الشهرة محفوظ الكرامة. # بل إن الاستعداد الكامل وتهيئة الخطبة بألفاظها ومعانيها قد لا يقي ~~الخطيب من الذهول والنسيان فيقف على المنبر وقد غاب عنه كل ما أراد أن ~~يقول، فإذا كان قادرا على الارتجال فلا يعدم مخرجا لطيفا ms044 بل تأتيه ~~النجدة من حيث لا يدري، ويفيض لسانه بالفصاحة جائلا جولات طويلة دون أن ~~يشعر السامع بأنه يقول غير ما أعده كتابة. # وأفضل الوسائل للتمرين على الخطابة والارتجال هو أن ينشأ في المدارس شبه ~~مجامع علمية لعدد محدود من الطلبة فيطرح عليهم موضوع المناظرة في الجلسة، ~~ويجرب كل واحد أن يقول ما يحضره شارحا أو معترضا، فإن الألفة تمنع ~~الكلفة وتشجع التلميذ على القول بين قوم هم أصدقاؤه وزملاؤه، ومن رتبته ~~سنا وعلما فلا يعاب على خطأ ولا يؤاخذ بتقصير. # وبعد المدرسة على طالب هذه الصناعة أن يتعود الكلام كل صباح ولو بضع ~~دقائق، وأن لا يكتب مراسلة قبل أن يتكلم بمضمونها بصوت جهوري. # | هوامش # | الرتج # 1 # يقال رتج الإنسان يرتج رتجا إذا استغلق عليه الكلام فلم يقدر عليه، وهي ~~آفة تصيب الخطيب والممثل على السواء، والسبب استعداد خاص مرجعه في الغالب ~~علم الخطيب بصعوبة الموقف وخوفه من الفشل وتهيبه الجمهور المصغي إليه. ~~ولا علاقة للرتج بمنزلة الخطيب من البراعة والشهرة، بل كلما عظم قدره ~~وذاع ذكره وكان له نباهة في قومه كان أعلم من سواه بمصاعب الكلام ومبلغ ~~ما ينتظره الناس منه، وقد كان والدك روسو لا يفارقه الخوف عند التكلم على ~~الرغم من العادة والخبرة، فكانت يداه لا تفارقان المنبر حتى آخر كلمة ~~يلفظها لئلا يشعر بارتجافها. # أعراض الرتج # يصيب العقل ضرب من الشلل تجمد به القريحة وتظلم الذاكرة؛ فتتناول ~~الإنسان رعدة يرافقها شبه انحلال في العضل وتراخ في المفاصل ووهن ~~في العزيمة، ويتصبب العرق من جسمه، ويأخذه دوار في الرأس وطنين في ~~الأذن، وقد يبلغ هذا الطنين عند بعض الممثلين أنه لا يسمع ما يقول ~~هو نفسه، وتسرع دقات القلب كأنه يحاول الخروج من الصدر، وتعلو ~~الوجه صفرة شديدة وتضطرب وظائف المعدة والأمعاء اضطرابا مزعجا ~~مؤلما. # وقد يأتي الرتج في منتصف الطريق أي بعد أن يكون الخطيب ابتدأ ~~ابتداء حسنا، وأخذ ينطلق في خطابه بسهولة وتلاعب وانشراح؛ ~~كالصاعد جبال الألب يقطع مسافات شاسعة ويجتاز عقبات كأداء ms045 دون ~~جهد كبير، وإذا به لحادث تافه لا يذكر يحس دوارا قويا فيضطر ~~إلى الوقوف أو القعود، وأحيانا لا يجد الراحة والطمأنينة إلا ~~بالاضطجاع على الثرى. هكذا تكون بداية الخطاب حسنة وإصغاء الجمهور ~~تاما ، ثم تعرض حركة أو إشارة من أحد السامعين سواء أكانت ~~استحسانا أم استهجانا فتفسد الموقف على الخطيب فيجد نفسه قد تغير ~~كل التغير وأسدل على بصره وبصيرته ستار من الظلام تضيع فيه كل ~~حيلة. # معالجته # تكون بتربية الإرادة وأن يذكر الخطيب أن الرتج ليس عارا، وإذا ~~عد من لم يعرف الرتج عظيما فأعظم منه من عرفه وتغلب عليه. متى ~~يضع الخطيب نصب عينيه هذه الحقيقة، ويذكر أن السواد الأعظم ممن جاء ~~ليسمعه إنما جاء لاعتقاده أنه يسمع شيئا لا يعرفه؛ أي إنه يعتبر ~~الخطيب أوسع منه علما ولو في هذا الموضوع وحده، وأنه يحترم مقامه ~~متى يذكر ذلك تهن الأمور عليه فيجتهد أن يكون عند ظنهم فيه، وهكذا ~~يستطيع محاربة هذه الأعمال المنعكسة بالارتداد عليها بقوة ~~الإرادة. # ومن الأمثلة الجميلة على الجهد الذي وسع الخطيب إنفاقه لمكافحة هذه ~~الآفة والانتصار عليها ما ذكره غامبتا عن نفسه قبل اعتلائه المنبر ~~للمرة الأولى، قال في إحدى رسائله إلى أبيه: «يوم الخميس سأقف ~~خطيبا لأول مرة وإني لمنتظر هذه الساعة بفارغ الصبر وقلبي يخفق ~~لها، ولكن لا عن خوف أو اضطراب، ولن يكون لي في الحياة يوم أسعد من ~~هذا اليوم.» إن للخطوات الأولى في طريق المهنة بهجة خفية فيخال لك ~~أن الأرض تهتز تحت قدميك، ويلم برأسك دوار يشبه السعادة ثم يأتي ~~العقل فيثبت من حولك كل شيء لتمشي نحو شواطئ المستقبل ~~المجهول. # لقد رأيت وسمعت في شهور ثلاثة كل ما اطلع فن المحاماة من كبير ~~وصغير، فالحق أقول لك بلا تيه أو خيلاء إن آمالي قد تضاعفت وثقتي ~~تزايدت، كنت منذ ستة أشهر أرجف فرقا لدى فكرة النضال مع هؤلاء، ~~أما الآن فقد غلبت الجسارة علي وما فاز باللذة غير ~~الجسور. # وبما أنه لا علاقة بين الرتج ms046 ومنزلة الخطيب - كما قلنا - فلا خطر ~~منه، بل ربما أفاد في بعض الأحوال بما يبعث في المرء من العزيمة ~~لمضاعفة الجهد والبلوغ إلى الغاية. # 2 # جاء في العقد الفريد أن أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أرتج عليه فقال: ~~«أيها الناس إن أول مركب صعب وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وسيجعل الله ~~بعد العسر يسرا إن شاء الله.» # ولما قدم يزيد بن أبي سفيان الشام واليا عليها لأبي بكر خطب الناس فأرتج ~~عليه؛ فعاد إلى الحمد لله، ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد لله ثم أرتج ~~عليه، فقال: «يا أهل الشام على الله أن يجعل بعد العسر يسرا وبعد عي ~~بيانا، وأنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل.» # وصعد ثابت بن قطنة منبر سجستان فقال: الحمد لله ثم أرتج عليه فنزل وهو ~~يقول: # فإن لا أكن فيكم خطيبا فإنني # بسيفي إذا جد الوغى لخطيب # فقيل له لو قلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس. # وخطب معاوية بن أبي سفيان لما ولي فحصر: «فقال أيها الناس إني كنت أعددت ~~مقالا أقوم به فيكم فحجبت عنه، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، كما قال ~~في كتابه، وأنتم إلى إمام عدل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وإني آمركم بما ~~أمر الله به ورسوله وأنهاكم عما نهاكم الله عنه ورسوله، وأستغفر الله لي ~~ولكم.» # وصعد خالد بن عبد الله القسري المنبر فأرتج عليه فمكث مليا لا يتكلم، ~~ثم تهيأ له الكلام فقال: «أما بعد، فإن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب ~~أحيانا، فيسبح عند مجيئه سيبه ويعز عند عزوبه طلبه، ولربما كوبر فأبى، ~~وعولج فنأى، فالتأني لمجيئه خير من التعاطي لآبيه (أي لممتنعه) وتركه عند ~~تنكره أفضل من طلبه عند تعذره، وقد يرتج على البليغ لسانه ويختلج من ~~الجريء جنانه، وسأعود فأقول إن شاء الله.» # وصعد أبو العنبس منبرا من منابر الطائف فحمد الله وأثنى عليه قال: أما ~~بعد. فأرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ قالوا: لا. قال: فما ~~ينفعني ms047 ما أريد أن أقول لكم. ثم نزل، فلما كان في الجمعة الثانية وصعد ~~المنبر وقال: أما بعد. أرتج عليه، فقال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ ~~قالوا: نعم. قال: فما حاجتكم إلى أن أقول لكم ما علمتم. فلما كانت الجمعة ~~الثالثة قال: أما بعد. فأرتج عليه، قال: أتدرون ما أريد أن أقول لكم؟ ~~قالوا: بعضنا يدري وبعضنا لا يدري. قال: فليخبر الذي يدري منكم من لا ~~يدري ثم نزل. # وأتى رجل من بني هاشم اليمامة فلما صعد المنبر أرتج عليه فقال: حيا ~~الله هذه الوجوه وجعلني فداها، قد أمرت طائفي بالليل أن لا يرى أحدا إلا ~~أتاني به وإن كنت أنا هو، ثم نزل. # وخطب عبد الله بن عامر بالبصرة في يوم أضحى فأرتج عليه فمكث ساعة ثم قال: ~~والله لا أجمع عليكم عيا ولؤما، من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها ~~علي. # | نظرة تاريخية # 1 # قلنا في صدر هذا الكتاب إن الخطابة فطرية في الإنسان، ولهذا لم تخل منها ~~أمة حفظ التاريخ آثارها، ففي الماضي البعيد كان بوذا يخضع الجماعات ~~لكلامه المنزل، وكانت نبوات إسرائيل تهز الملوك والأمم، وكانت ~~اليونان حافلة بالبلغاء؛ أي برجال قادرين على تحريك الشعب وإثارته لعهد ~~أوميروس وقبل ذلك العهد، ولكن فرقا عظيما بين هذه البلاغة الغريزية ~~التي يولدها وحي الساعة ثم تزول غير تاركة أثرا والبلاغة العلمية التي ~~امتازت بها العصور الراقية؛ حيث كان الخطيب على حظ موفور من الفلسفة ~~والتاريخ، فكان يلقي خطابه بعد التفكير ويمكنه أن يكتبه فلا تزيل تلاوته ~~من حسنه شيئا. # هذه البلاغة الناتجة عن درس واف وثقافة عالية وتمرين متصل أوجدتها أثينا ~~في القرن الخامس قبل المسيح، ولا بدع فقد كانت أثينا حينئذ في مكان سام ~~من الحضارة وشرف باذخ. # وكانت فرص القول متعددة؛ لأن الأعمال الاجتماعية كافة كانت تقضى جهارا ~~ويجادل فيها أمام الجميع، وكانت المسائل العمومية تدرس في مجتمع الأمة ~~حيث يحق لكل وطني أن يبدي رأيه، وكانت الدعاوى تعرض أمام المحاكم ~~الشعبية فيباح الكلام لمن ms048 أراد حتى المتهم، أضف إلى ذلك اجتماعات الأدب ~~والعلم التي لم يكن للسياسة ضلع فيها فكانوا يجتمعون للذة الحديث ~~والاستمتاع بخطيب بارع يتحدث إليهم في موضوع ما كالثناء على الأبطال ~~الذين يموتون في سبيل الوطن أو غير ذلك. # وأشهر خطباء هذا العهد برقليس وأزدكرات وأشين وديموستين، وقد كان كل من ~~الآخرين زعيما لحزب سياسي فقضيا العمر في عراك محتدم الوطيس، والغاية ~~واحدة هي استقلال الوطن. # كان فيليب ملك مكدونيا ينتهز فرصة الخلف القائم بين اليونان للوصول إلى ~~إخضاعهم بالقوة أو الحيلة، وكانت أثينا منقسمة على نفسها، فقسم محافظ ~~على ماضيه المجيد غير راض عن فيليب، ولكنه ضعيف الهمم لما ساور الأخلاق ~~من التخنث فلا قبل له بالإقدام على أمر ذي خطر، وقسم يريد التحالف مع ~~فيليب. وكان ديموستين حاملا لواء الحزب الوطني وأشين الحزب المكدوني، ~~وهذا الاختلاف في موقف الخطيبين خلع مسحة خاصة من البلاغة على كل ~~منهما؛ فلم يخل كلام أشين من الزخرفة، بينما كان ديموستين كله روحا ~~وعصبا، وكانت بلاغة ديموستين مرآة صادقة لخلقه القوي الشديد ونفسه ~~الملتهبة، فكانت تنم عن عزيمة أدبية لا تقهر يصرفها ذهن صاف ومنطق محكم ~~وإباء عظيم ولسان هجام، فكان تارة جادا وطورا هازلا، يستخدم العقل ~~حينا والعاطفة حينا آخر، هادئا غضوبا ساميا بسيطا، وحتى اليوم لا ~~تزال خطبه حافظة أثرها، فنشعر به عند قراءتها كأنما صوته يدوي في ~~آذاننا. # وكان صوت ديموستين آخر ما سمعته أثينا، فإن البلاغة لا تعيش بدون الحرية، ~~وقد جاء انتصار مكدونيا ضربة قاضية عليها، فبقيت أثينا مدينة العلم ~~والأدب وملاهي العقل، ولكن منابرها أقوت من تلك النغمات الساحرة. إن الذي ~~جعل أثينا عاصمة اليونان هو حياتها السياسية، فلما ذهبت أغراض السياسة ~~منها أصبحت كباقي المدن، وامتدت فتوحات الإسكندر ناشرة بذور اليونانيين ~~في الشرق، فقامت عواصم جديدة كالإسكندرية وأنطاكية وبيزانس، وبقيت أثينا ~~كمعرض يؤمه كل من أراد الدرس أو التذكار. # ولم يبلغ خلفاء ديموستين شأوه في الخطابة، ولكن إليهم يرجع الفضل في ~~نقلها إلى الذرية، فإن المدارس التي ms049 أقاموها في الشرق كان يحج إليها ~~الناس من كل صوب لتلقي هذا الفن، وعلى هذا الوجه لقنوا الرومان أسرار ~~بلاغتهم؛ فتعشقها هؤلاء وأخذوا يدربون عليها فتيانهم كما يدربونهم على ~~الحرب والحكم إلى أن ظهر شيشرون الذي يعده العارفون أعظم محام لذلك ~~العهد، فأرجع للخطابة مجدها السابق وسطع نوره في سمائها كما سطع من قبل ~~نور ديموستين، ثم هوت الخطابة ثانيا وانطوى بساط عزها باستعباد أوغسطس ~~روما كما استعبد فيليب وإسكندر أثينا. # ولما جاءت النصرانية بعثت فيها روحا جديدة، وقام الرسل بالتبشير، فكانوا ~~كلهم خطباء؛ إذ قيل لهم سيروا في الأرض وعلموا الأمم. وقامت الكنائس على ~~آثارهم وكان هذا الدين الجديد في حاجة إلى إرشاد مستديم، فنبغ خطباء بين ~~آباء الكنيسة أعادوا للخطابة بعض عزها، ولكن لم يطل ذلك بما تطرق إلى ~~اللغة اللاتينية من فساد لغات غريبة، هي لغات الأمم المختلفة التي دخلت ~~تباعا في المسيحية، وأخذ العي يملك ألسنة الوعاظ، فصاروا يكتفون بنسخ ~~الخطب القديمة وإلقائها، حتى إذا طلع القرن السادس استيقظت الخطابة من ~~ضجعتها، وارتفعت أصوات جديدة كان لها أثر عظيم في الجماعة، وكان من ~~نتائجها الحرب الصليبية، وبلغ من تكاثر عدد الخطباء لذلك العهد والمنافسة ~~فيهم أن الخطابة تحولت إلى واسطة للكسب وجمع المال والهدايا؛ فنزلت عن ~~مقامها السامي وأخذت معالمها تتلاشى إلى العصر السابع عشر عصر بوردالو ~~وفنلون وبوسيه ودعاة الإصلاح والندوة العلمية التي أنشأها الكردينال ~~رشليو. # وأجمل أيام الخطابة بعد هذا هي أيام الثورة الفرنسية، فقد اطلعت في عشر ~~سنوات من الخطباء عددا لم يسبق به عهد، وكان للبلاغة فيها من التأثير ما ~~لم يعرف له نظير، والسبب في ذلك ضخامة المشروع الذي أخذت الثورة على ~~نفسها القيام به، ثم السلطان الفجائي الذي ألقى إليها الدهر مقاليده، ~~والسرعة الهائلة التي كانت تتعاقب بها الحوادث، ثم شدة العراك يختلط به ~~غريزة البقاء وأعمار الخطباء وأكثرهم في شرخ الشباب، ولم تكن مشاغل ~~النفوس وأهوالها لتمنع أولئك الخطباء من العناية بالشكل والديباجة وإلباس ~~أفكارهم حللا براقة من الألفاظ ms050 والتعابير بما اتصل بهم من تأثير العصر ~~السابق، فكانوا يكتبون خطبهم قبل إلقائها، على أن ذلك لم يكن مانعا لهم ~~من الارتجال عند الضرورة، فتجيء أقوالهم ملتهبة كنفوسهم، وفيها على ~~بساطتها من إخلاص الشعور وتأثيرات النفس ما يبعث القوة والحرارة. # ثم خفتت الأصوات بمن طاحت بهم الثورة من أمراء الكلام وأقوت المنابر، ~~وجاء نابليون، وكان لا يحب الخطباء، فلم يعد يسمع إلا ضجيج المواقع ~~الحربية، ومن فوقها صوت واحد يملأ الكون هو صوت ذلك القائد ~~العظيم. # أما اليوم فقد عادت الخطابة إلى الظهور بنور أسطع ومجد أكمل، وامتدت ~~أعراقها إلى كل فؤاد، ونشرت ألويتها في كل ناد من قصور الأغنياء إلى ~~أكواخ الفقراء، ومن معاهد العلم إلى ملاعب التمثيل إلى مجالس الأدب ~~والطرب إلى الأسواق. # 2 # كان للعرب في الخطابة نصيب وافر أتاحه جوهم وأحوال معاشهم وأخلاقهم ~~وآدابهم، فإن الحرية التي وجدوا فيها واستنشقوا هواءها، والحماسة التي ~~طبعوا عليها والإحساس الشديد الذي اشتملت عليه نفوسهم جعل للبلاغة أثرا ~~عظيما فيهم، فكانت الجملة البليغة تقيمهم وتقعدهم بما تثيره في خواطرهم ~~من النخوة لحماية جار أو أخذ ثأر أو غير ذلك. # وكانوا متفرقين قبائل ونحل متعودين على الغارات والحروب، فوجدوا في ~~الخطابة عونا لهم على الحض أو التحذير والترغيب أو التنفير والمفاخرة أو ~~المناظرة، بل صارت عندهم مظهرا من مظاهر الفروسة، يتباهى بها شجعانهم، ~~ويدرب عليها فتيانهم كما في الرومان. # قال أبو عمرو بن العلاء: كان الشاعر في الجماهير يقدم على الخطيب لفرط ~~حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم، ويفخم شأنهم ويهول على ~~عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم، ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم ~~شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم، فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة، ورحلوا ~~إلى السوقة، وتسرعوا في أعراض الناس؛ صار الخطيب عندهم فوق ~~الشاعر. # ولم تكن الخطابة عندهم كما أشرنا إليه في الكلام عن الارتجال عن طول فكرة ~~واجتهاد رأي ودراسة كتب، بل بديهة وارتجالا، وكان لهم بها غاية الاعتناء ~~حتى قال صاحب الريحان والريعان: «إن ما تكلمت به ms051 العرب من أهل المدر ~~والوبر من جيد المنثور ومزدوج الكلام؛ أكثر مما تكلمت به من الموزون إلا ~~أنه لم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره، لأن الخطيب ~~إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم فيه في مشافهة الملوك أو الحالات أو ~~الإصلاح بين العشائر أو خطبة النكاح، فإذا انقضى المقام حفظه من حفظه ~~ونسيه من نسيه بخلاف الشعر، فإنه لا يضيع منه بيت واحد.» قال: «ولولا أن ~~خطبة قس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام، وهو أن النبي # صلى الله عليه وسلم # هو الذي رواها عنه فأطار ذكرها؛ ما تميزت عن سواها.» # قال القلقشندي: «وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم وقلة اعتنائهم به بل ~~لسهولة حفظ الشعر وشيوعه في حاضرهم وباديهم وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة، ~~فإنه لم يتعاطاها منهم إلا القليل النادر من الفصحاء المصاقع؛ فلذلك عز ~~حفظها وقل عنهم نقلها، وقد كانت تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ~~ورؤساؤهم ممن فاز بقدح الفضل وسبق إلى ذرى المجد، ويخصون ذلك بالمواقف ~~الكرام والمشاهد العظام والمجالس الكريمة والمجامع الحفيلة، فيقوم الخطيب ~~في قومه فيحمد الله ويثني عليه، ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق ~~طلبه من وعظ يذكر أو فخر أو صلاح أو نظام أو غير ذلك مما يقتضيه ~~المقام.» # قال الحافظ: «ونحن - أبقاك الله - إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من ~~القصيد والأرجاز ومن المنثور والأسجاع ومن المزدوج وما لا يزدوج فمنعنا ~~العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة والرونق العجيب ~~والسبك والنمط الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن ~~يقول في مثل ذاك إلا في اليسير والنزر القليل، ونحن لا نستطيع أن نعلم أن ~~الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير ~~مولدة إذا كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون وأبي عبيد الله وعبد الحميد ~~وغيلان وفلان وفلان لا يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويضعوا مثل ~~تلك السير، وأخرى أنك ms052 متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته في بلاد الأعراب ~~الخلص ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على شاعر مفلق أو خطيب مصقع، علم ~~أن الذي قلت هو الحق وأبصرت الشاهد عيانا، فهذا فرق ما بيننا وبينهم، ~~فتفهم عني - فهمك الله - ما أنا قائل.» انتهى. # وكان يسمى خطيب القوم الزعيم أو المدره، وأشهر خطباء الجاهلية: قس بن ~~ساعدة، وعمرو بن كلثوم، وأكثم بن صيفي التميمي، والحارث بن عباد، وقس بن ~~زهير، وغيرهم. # ولما جاء الإسلام ساعد على انتشار الخطابة تأييدا للدعوة الكبرى للأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان لها من آي القرآن معين لا ينضب، وأخذ ~~الخطباء يرصعون خطبهم بالآيات تمثلا أو إشارة أو تهديدا، حتى لقد ~~يجعلون الخطبة برمتها مجموع آيات كما فعل مصعب بن الزبير لما قدم العراق ~~وأراد أن يحرض أهله على الطاعة لأخيه عبد الله (انظر القسم الثالث في خطب ~~العرب). # واتخذت الخطابة حينئذ صبغة غير التي كانت عليها في الجاهلية، فكانت لغتها ~~أرقى وأعلى وأصفى، وعلا شأنها إلى درجة لم يسبق بها عهد لانصراف العرب عن ~~الشعر إليها، واعتمادهم في الدين والسياسة عليها. # وأعظم خطباء هذا العصر هم بعد النبي دعاته وقواده وخلفاؤه. # ولما ثارت الفتن بعد مقتل عثمان وافترق المسلمون أحزابا، اشتدت الحاجة ~~إليها عند كل فريق للدفاع عن مبادئه والطعن في خصومه، فكان في الجانب ~~الواحد العراقيون وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وفي الجانب الثاني ~~الشاميون وفي طليعتهم معاوية. # ثم أخذت تضعف ملكة الخطابة بعد الفروغ من الفتوح والاستسلام إلى الترف ~~والرضاء، حتى صدر الدولة العباسية، فإذا بالخلفاء ودعاتهم ينعشونها بعد ~~الذبول، وينهضون بها بعد الخمول، كالمنصور والمهدي والرشيد والمأمون ~~وداود بن علي، وخالد بن صفوان، وشبيب بن شيبة. # ولما استوثق الأمر لبني العباس وقام الأجناب والموالي بسياسة الدولة ~~وقيادة الجيش وقل النضال باللسان والسنان ذهبت البلاغة من الألسنة وحل ~~محلها الرسائل والنشرات، وقصرت الخطابة على الجمع والعيدين والأملاك، ~~على أن الخلفاء أنفسهم ما برحوا يخطبون الناس ويؤمونهم إلى عهد الخليفة ~~الراضي، فلما غل الديلم أيديهم ms053 وحصروهم في دورهم عهد بالخطابة والإمامة ~~إلى الأكفاء من العلماء، فنبغ في آخر هذا العصر طائفة من الأدباء شهروا ~~بهذا النوع من الخطابة كالبغدادي والتبريزي، ولما استعجم المسلمون وملك ~~العي ألسنة الوعاظ فلم يستطيعوا إنشاء الخطب في الموضوعات المختلفة، ~~عمدوا إلى استظهار خطب أسلافهم كابن نباتة المصري، وأخذوا يرددونها فوق ~~المنابر من غير فهم لمعناها ولا علم بمغزاها، ودرجوا على هذه الحال ~~المخزية تلك القرون الطويلة حتى اليوم (راجع تاريخ الآداب العربية ~~لزيدان، والأدب العربي للزيات، والوسيط للشيخ أحمد الإسكندري والشيخ ~~مصطفى العناني). # واليوم بعد أن تنوعت أسباب الحياة وتعددت مظاهر الاجتماع، وتبدل شكل ~~الحكومات وتغيرت سلطة الحكام، عادت الخطابة إلى الظهور لابسة ثوبا آخر ~~غير ثوبها الديني، فظهر في الشام لعهد غير بعيد: أديب إسحاق والشيخ ~~العازار وغيرهما، وفي مصر عبد الله النديم والشيخ محمد عبده، ثم مصطفى ~~كامل ومحمد فريد وسعد زغلول أعظم خطباء هذا العصر الحاضر، وأقواهم حجة، ~~وأبعدهم تأثيرا وأكثرهم بيانا. # | أنواع الخطابة # قسم اليونان قديما الخطابة ثلاثة أقسام تبعا لأحوال الزمان من ماض وحاضر ~~ومستقبل، وسموها البيانية أو التثبيتية والشوروية والقضائية؛ فالأولى تختص ~~بالزمن الحاضر لمدح فترغيب أو ذم فتنفير، والثانية تتعلق بالمستقبل لتحمل ~~السامع على جلب النفع للجمهورية أو دفع الضرر عنها، أو للحض على الحرب أو السلم ~~وسن هذه الشرعة أو تلك واستمالة رأي الجمهور أو التغلب عليه، وكانت تجرى في ~~الهواء المطلق أمام جماعات متهيجة بين الصخب والضجيج والمقاطعة والمعارضة ~~والتكذيب، وكان على الخطيب أن يقاوم أمواج هذا العداء المتلاطمة من حوله، ~~وكثيرا ما خطب غير واحد في آن واحد كأنما هم في ميدان قتال لا مجال كلام. ~~ولما بطل الاجتماع في «الفورم» أي المحل العمومي أو السوق بطل هذا النوع من ~~الكلام. # والقسم الثالث أي القضائي يختص بالماضي، والغاية منه الدفاع عن متهم أو الحكم ~~عليه، وهو من خصائص المحامين. # هذا التقسيم وضعه أرسطو الذي جعل الخطابة أحد أقسام المنطق، وألف فيه كتابه ~~الذي عربه بشر بن متى في القرن العاشر ms054 ولخصه ابن رشد. وقد مشى على هذا التقسيم ~~أرباب الخطابة عشرين قرنا، أما اليوم فقد تبدلت أحوال المعيشة المدنية ~~والسياسية والدينية مما دعا إلى تبديله. دعك من أنه تقسيم بعيد عن الدقة ~~والإحكام لتداخل الواحد في الآخر من هذه الأقسام، فإن الخطيب الذي يتكلم عن ~~الماضي لا بد له من الإلمام بالحاضر والمستقبل على سبيل الاستشهاد وغيره وكذا ~~العكس. # والمعول عليه اليوم هو تقسيم الخطابة إلى خمسة أنواع: سياسية، وقضائية، ~~وعسكرية، ودينية، وعلمية. # الخطابة السياسية # كان لهذا النوع من الخطابة فيما مضى المكان الأول لصلته المكينة بحياة ~~الأمة في هبوطها وصعودها، فإن الأمة كانت كل شيء وكان عليها مدار العمل ~~في الحرب والسلم، فكان تأثير البلاغة أقرب واسطة إلى تحريكها ودفعها في ~~طريق معينة، ولا يخفى أن المقصود بهذا القول الأمم الحرة كاليونان ~~والرومان، وأما المستعبدة المغلوب على أمرها فلم تكن تعرف هذا الفن ولا ~~تحلم به لضعفها وخنوعها وامتناع الكلام عليها. # وكان الخطيب السياسي مضطرا إلى الإلمام بأسرار الدولة الداخلية ~~والخارجية، والتعمق في درس أحوالها المادية والعسكرية فضلا عما يحتاج ~~إليه من حدة خاطر وشدة عارضة وحماسة في القول. ونحن مهما نحاول اليوم أن ~~ندرك بالتصور مقدار الأثر الذي كان لرجل مثل ديموستين، أو شيشرون في أمته ~~لا نصل إلى الظفر بالحقيقة، نقرؤهم بعد هذا العهد العهيد فنعجب بهم أيما ~~إعجاب، فكيف لو سمعناهم واتصلت بنا نظراتهم، وشهدنا عن كثب حركاتهم وما ~~يتجلى فيها من روحهم الثائرة! # وقد أتى على الخطابة السياسية زمن تقلص فيه ظلها من بعد العصر الروماني، ~~إلى أن عادت إلى الظهور في بلاد الإنكليز لعهد اللورد شاتام، ثم دزرائيلي ~~وغلادستون، وفي فرنسا إبان الثورة وبعدها - وكانت أيام الثورة كما مر بنا ~~- أجمل عهد للخطابة بمن لمع فيها من أشباه برناف، ودانتون، ودمولن، ~~وميرابو وغيرهم ولم يقصر في ميدانها من أتى بعدهم من نابليون إلى بنجمان ~~كونستان والجنرال فوي وغامبتا وتيارس إلى كليمانصو، وجيورس، وفيفياني، ~~وبريان، وبوانكارة لعهدنا هذا. # على أن خطباء العصور الأخيرة لم يبلغوا ms055 شأو الأقدمين، ولم يكن لهم تلك ~~الجولات الواسعة التي عرف بها الأولون، فقد صار من النادر أن يقف الرجل ~~في مكان عمومي ويخطب في قوم لا معرفة له بهم، وأغلب ما تكون الخطابة ~~السياسية اليوم في محفل يضم إخوانا وزملاء كندوة النواب مثلا، ثم ينقل ~~البرق الخطاب مختزلا إلى أطراف المعمور فلا يكون له في المطالع أثره في ~~السامع، ولهذا قصرت غاية الخطيب على التدقيق في موضوعه وفي أرقامه ~~الإحصائية متجافيا ما أمكن وجوه الاستعارات وضروب المجاز وما إلى ذلك ~~وقد كفى، مثل هذا ميرابو وتيارس وغامبتا ليدركوا ما وراء الغاية من ~~التأثير في معاصريهم. # ومن نواب الفرنجة اليوم من لا يعتمد على العاطفة في خطبه، بل ينهج سبيل ~~المنطق البحت كأنه يتكلم في جمع من مديري البنوك ورجال المال والتجارة، ~~كما أن منهم من لا يزال يلجأ إليها كلويد جورج وبريان طلبا للإجادة في ~~التأثير على أنه تأثير وقتي لا ندري ما يبقى منه بعد ربع قرن. وإننا نقرأ ~~خطب كليمانصو التي كانت تثير الزوبعة في مجالس فرنسا فيعترينا الدهش، ولا ~~نعرف من أين كان لها هذا الوقع. # وإذا راجعت خطب مصطفى كامل وسعد زغلول لم يخف عليك ما فيها من سلاح ~~العاطفة، وتبين لك أن هذه الطريقة لا تزال أقرب الطرق إلى قلوب ~~الجماعات. # والخطابة السياسية من أصعب فنون الخطابة؛ لأن حركات الأمة هي نتيجة مد ~~وجزر يولده سيطرة الأفراد على الجمهور، أو الجمهور على الأفراد، فيتبع ~~الخطيب هذه الأمواج آمرا في القوم أو خاضعا لرغائبهم، فلا هو واثق ~~بالنجاح كل الثقة، ولا يائس منه كل اليأس. # وقلما نجد من خطباء السياسة من لم يذق في احتكاكه بالجمهور لذة الانتصار ~~أو لوعة الانكسار، وهذا يدلك على حرج الموقف وما يقتضيه من درس عقلية ~~النواب والتعرف إلى أميالهم وأخلاقهم كما يتعرف الطبيب إلى جسم الإنسان ~~جزءا جزءا. والذي يعرض عن هذا الدرس مكتفيا بما رزق من صنع اللسان ~~وبلاغة البيان، أو عرف به من نزاهة القصد وإخلاص النية لم ms056 يسلم من الخيبة ~~والفشل أحيانا، بل لو طرح قلبه على المنبر لما أقنع السامعين إذا هم ~~أبوا الاقتناع. # على كل حال من أهم واجبات الخطيب النائب أن لا يقرب خلتين؛ الأولى ~~الغضب لأنه آفة العقل والرزانة، والثانية استعمال ألفاظ سافلة تدعو إلى ~~الأسف والندم. # الخطابة العسكرية # تختلف هذه عن الأولى كل الاختلاف؛ لأن الحرب لا تدع مجالا واسعا لتزويق ~~الجمل، ومهما يكن الخطيب جهير الصوت فهو لا يستطيع أن يسمع الألوف؛ ~~ولذلك جرت العادة أن تكتب الخطبة وتوزع على الجند. والغاية من الخطابة ~~العسكرية هي إنهاض همم الجنود وإذكاء نار الحماسة فيهم، وإثارة النخوة ~~والحمية والإقدام، وتهوين الموت، وتجميل التضحية، وإعطاء الثقة بالنفس ~~والأمل بالنجاح. # ومن أجمل الخطب العسكرية خطبة طارق بن زياد قبل فتح الأندلس، وخطبة ~~نابليون في حملة إيطاليا، وبين الخطبتين كثير من الشبه كأن روحا واحدة ~~أوحت إلى البطل العربي والقائد الكورسيكي تلك الكلمات النارية ~~الساحرة. # قال طارق: «أيها الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، ~~وليس لكم والله إلا الصدق والصبر.» ~~«وقد استتعبكم عدوكم بجيشه وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا ~~سيوفكم ولا أقوات إلا ما تستخلصون من أيدي عدوكم.» # وقال نابليون: «أيها الجنود لا قوت لكم ولا كساء، الحكومة مدينة لكم ~~بالكثير ولا تستطيع أن تعطيكم شيئا، وإن في صبركم وشجاعتكم لشرفا لكم، ~~ولكن ليس من ورائهما ربح ولا مجد، سأقودكم إلى أخصب سهول العالم، ستجدون ~~مدنا كبيرة وضياعا غنية، ستجدون الشرف والمال والمجد. أي جنود ~~إيطاليا، أتعوزكم الشجاعة؟» # ومثل هذا قول روش جامكلين في حرب الفانداي: «أيها الجنود إن أنا تقدمت ~~فاتبعوني، وإن أحجمت فاقتلوني، وإن مت فاثأروني.» # وفي كتب العرب كثير من أمثال هذه البلاغة سنعود إليه في مكان آخر. # الخطابة الدينية # لم يعرف هذا النوع من الخطابة عند الإفرنج إلا بعد ظهور النصرانية، وكان ~~حامل لوائه آباء الكنيسة من اليونان، وهو يمتاز بصراحة القول والتهديد ~~والاستشهاد بآي الكتب المقدسة، وبالتحليل الفلسفي مع البساطة في التعبير، ~~وأساسه قائم على ms057 العلوم الدينية المبنية على الوحي، والعلوم البشرية التي ~~تساعد الخطيب على الاستشهاد والتفسير ودعم الحجة، وكلما كان الواعظ ~~متعمقا في الفلسفة والأدب والطبيعيات أمكنه أن ينال من قلوب السامعين ~~وعقولهم بما يكتسب قوله من الجاذبية والرواء، وتلبس معانيه الصارمة من ~~حلل اللفظ الرشيق، وتكسى من بهجة الشواهد المتنوعة والأمثال التي توقظ ~~الخاطر وتقصي الملل وتساعد على الإقناع. # وسواء أكان الموضوع دينيا محضا أو تأويلا وشرحا للآيات المنزلة، أو ~~ردا على أقوال الملحدين ودفاعا عن الدين فالغاية من الموعظة واحدة، ~~وهي تثبيت الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وهي من حيث الفائدة الدنيوية جزيلة النفع بما تجلب من التعزية للحزين، ~~والشجاعة للجبان والقوة للضعيف، والأمل للبائس والصبر لمن خانه الصبر على ~~شرط أن يكون الواعظ ممن خبروا النفس البشرية وامتلكوا ناصية البلاغة، ~~وكان في كلامه مخلصا تقيا وفي تبشيره صادقا وفيا. # أما عند العرب فالخطابة الدينية عزيزة المذهب أيضا، جليلة الغاية، بعيدة ~~المرمى، وقد أوجبها الشارع وسنها للمسلمين في مساجدهم كل جمعة وعيد، وفي ~~الحج أي في عرفة، وأوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب، بل علمهم حسن ~~الإصغاء، وفي الحديث: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد ~~لغوت.» ولم يعين الشارع موضوعا خاصا للخطب الدينية، أو خطب الجوامع ~~والمواسم بل جعلها مطلقة يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية، ~~ويورد للحضور من هدي الشارع ما يهذب به أرواحهم، ويهيب بهم إلى بارئهم، ~~ويغرس فيهم مكارم الأخلاق وليطبعهم بطابع الفضائل، ويحذرهم البغي والظلم ~~ويستل بلطيف أسلوبه سخائمهم وأحقادهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويزين لهم العمل الصالح، ويربأ بهم عن مهلكات الشهوات (عن القديم ~~والجديد لكرد علي). # الخطابة القضائية # فيها من كل فن خبر؛ لأن المحامي يدعى إلى الخوض في كل موضوع، وعليه أن ~~يلم بأطراف العلوم، ويكون واسع الاضطلاع موفور الحظ، ولا سيما في هذا ~~العصر، فإن اتساع ميدان العمل أخرج المعيشة عن حالتها البسيطة، وولد في ~~المعاملات الاجتماعية وعلائق الناس بعضهم مع بعض حقوقا جديدة، كما قال ~~هنري ms058 روبير، وخلق مشاكل لم تكن موجودة أو معروفة، وجعل موقف القضاء أشد ~~حرجا وأكثر غموضا. # لا يكفي المحامي أن يكون بارعا في علم الحقوق، بل هو في حاجة إلى بصيرة ~~نقادة وذهن قادر على هضم أنواع العلوم ؛ لأن المسائل التي يوكل إليه البحث ~~فيها هي علمية وطبية ومالية وزراعية وفنية، وعليه أن لا يجهل شيئا مما ~~يمكن أن يعبد له طريق الفوز، فهو في آن واحد عالم وطبيب وتاجر ومهندس ~~ومؤلف وغير ذلك. # ثم عليه بعد أن يجعل دماغه موسوعة علوم أن يعرف كيف يحرك العواصف ويثير ~~شجون النفس؛ لأن من المحلفين من لا يعرف القانون ولا يأبه به، وإنما هو ~~يحكم بما يمليه عليه الشعور والضمير. # قال كركوى: «يا لتعس المحامي الذي لا يحس لأول عبارة يتلفظ بها ارتياحا ~~من جانب القاضي، وتشوقا لمعرفة ما سيقول، ولذلك كانت العناية بالمطلع ~~وبراعة الاستهلال أول ما يجب الأخذ به.» ويروى عن محام في إحدى القضايا ~~الكبرى أنه بدأ مرافعته بهذه الجملة الجذابة: «موكلي يطلب من عدلكم ~~مليونين ومائة وخمسة وعشرين ألفا وثلاثمائة واثني عشر فرنكا وخمسة ~~وعشرين سنتيما، ولا أنس السنتيم لأن حقي جلي واضح، فأنا أطلب الكل أو لا ~~شيء.» # ومن بدائع الاستهلال ما فاه به الوزير كاليو في مرافعته عن نفسه بعدما ~~قتلت زوجته الثانية المسيو كالمث منشيء الفيغارو، الذي كان ينشر في ~~جريدته وثائق ضد كاليو، فإن زوجة كاليو الأولى المطلقة منه هي التي قدمت ~~هذه الوثائق، وكانت السبب البعيد في هذه الجريمة، فجاءت إلى المحكمة ~~كشاهد ضد كاليو وزوجته القاتلة، وبعد أن تكلمت كما شاءت وقف كاليو وقال ~~ما معناه: # أريد اليوم أن أجرب أصعب شيء في حياتي، ولكن ثقي يا سيدتي ~~أنه لا كلمة جارحة تخرج من فمي، ولكن الذين سمعوك على هذا ~~المنبر أصدقاء وأعداء قد أدركوا أنه بين رجل لا ينكر أحد ~~عليه العزم والمقدرة والإرادة وبينك يا سيدتي أنت التي تحوي ~~على بعض هذه الصفات إلى حد المبالغة، قد أدركوا أنه من ~~المحال ms059 أن تدوم الحال ... # وأحسن وصف ينطبق على المحامي خصوصا والخطيب عموما ما كتبه غامبتا في ~~وصف المحامي لاشو، وقد آثرنا تعريبه هنا إتماما للفائدة. # كان لاشو من أشهر خطباء العصر التاسع عشر، وقد دافع في أكثر قضايا ~~الإجرام كقضية مدام لافارج في مقتل زوجها، والطبيب لابومره المتهم بقتل ~~اثنين تسميما، وتروبمان قاتل أسرة كاملة من أب وأم وستة أولاد، ودافع ~~أيضا عن المرشال بازين أمام المجلس الحربي في تريانون، وقد وصفه غامبتا ~~وصفا دقيقا يحق أن يتصف به كل خطيب وكل محام، كأن هذا الرجل الذي كان ~~يقيم فرنسا ويقعدها ببلاغة أقواله أراد أن يجسم في الكلام ويرسم بنفثة ~~من يراعه ما كان يختلج بين جنبيه من تلك القوة الساحرة التي امتاز بها ~~خلقه العجيب، قال: # إن ما يغريني في لاشو هو سهولته وارتجاله وقوته واستقلاله، ~~وما قبضت على القلم إلا لأظهر إعجابي بهذه الصفات. # إن بلاغة الخطباء المرتجلين هي كالنار التي يشبههم بها ~~«تايسيت» إذا خبا أوارها عفت آثارها. أجل إن الارتجال قوة ~~لها على القلوب سلطان الساعة، وقد بلغ فيه لاشو من السهولة ~~والاقتدار مبلغا لم يعرفه إلا من كان في طبعه ومزاجه. يقوم ~~وقد هزه كلام الخصم فيندفع اندفاع السيل؛ فإذ بالعقل مأسور ~~والجنان مسحور ثم يزول كل شيء. أين هو هذا الخطاب الجميل؟ ~~قيد البرق إن استطعت، احبس الريح التي تهب، أوقف المحامي ~~لاشو. لكلامه وميض البرق الخاطف، وهو كالريح؛ فتارة نسيم، ~~وطورا إعصار، ولا سبيل إلى حفظ هذه الأقوال المجنحة إلا إذا ~~جمعنا بين تصوير الصوت وتصوير الموسيقى. # جبين واسع وضاح، شفة عريضة عليها ابتسامة ناعمة، عين كبيرة ~~متحركة الأجفان، هذه العين التي تجدها مسترخية عند الراحة، ~~تسطع بأنوار هائلة فجائية، أو تبسم بأشعة لطيفة تنتشر على ~~القزحية وتنير من كل جانب أعماق تلك الكرة، رأس ملء حركاته ~~عظمة وجلال، جسم معتدل وفيه خفة الفتوة. أضف إلى هذا صوتا ~~جميلا طبيعيا واسع المدى كأن فيه شيئا من البوق وشيئا ~~من القيثارة. # إذا غضب يتحول صوته ms060 إلى زئير؛ فيخرج من صدره طبقات كثيفة ~~صافية رنانة، ويرتفع إلى أعلى درجة من النبرات، ثم يهبط بلا ~~تعب إلى عذوبة الاستعطاف أو الشكوى. # وإذا رضي أصبح الصوت نغمة أو حفيفا كأن هناك آلة موسيقية ~~تبعث ألحانا شجية يحسدها عليهما أطرب المنشدين. # إن للاشو كل ما يلزم ليكون محامي العواطف، وقد صار كذلك بفضل ~~شعور منبعه النفس لا الفن، لقد أتمت الطبيعة على لاشو ~~نعمتها من ضمير يبعث الضياء إلى فكر ينفث السحر إلى لحظ باهر ~~وإحساس قاهر، وبساطة تقرب منال الألفاظ والمعاني، وعاطفة ~~تحمل معها السامع، وأداء يأخذ بالأبصار، وإلقاء يستولي على ~~مجامع القلوب. لله دره! ما أعرفه بأسرار النفس البشرية وما ~~فيها من عثرات وألم وشقاء وخيانة! لقد دخل في ذلك النفق ~~المظلم نفق الحياة العصرية، ونزل إليه درجة درجة؛ فأبصر كل ~~ما فيها من بؤس وفظائع، ووقف على محركاتها وأدرك أسبابها، ~~ولمس بيده جراحاتها، ورأى عن كثب ما في أعماقها من أصناف ~~الذل وألوان العار، ولما انتهى إلى هذا الحد أخذته الشفقة ~~على هؤلاء الساقطين شهداء الأقدار، فصعد من الأعماق حاملا ~~معه الرحمة، ومنذ ذلك الحين اتخذ موقفه إلى جانبهم يدافع ~~عنهم بقلمه ولسانه، وينصرهم بحكمته وبيانه، ويفتح لهم أبواب ~~النجاة بقوة برهانه. ~~••• # وسر المقدرة أنه يتعمق في درس الدعوى ويلج إلى قلب القضية، ~~فينظر بعين المتهم، ويحس بأعصابه، فيغضب غضبه، ويصرخ صراخه ~~كأنه يطلب الرحمة لنفسه، ويترجم عن يأس المسكين بيأسه. يأخذ ~~شبكة الاتهام ويلقيها على ذاته بافتخار، ثم يقطعها تقطيعا ~~كأنه من مصارعي الرومان. # يكفيه دقائق معدودة ليرى كل شيء ويقبض عليه ويسبر غوره ويدرك ~~كنهه؛ انظر إليه جالسا مصغيا إلى أقوال المدعي العام ~~واستنتاجاته وتهمه وإهاناته، وهو مطمئن النفس ساكن الجأش لا ~~يتحرك فيه غير يده المحمومة تقطع بالمدية قلما وقع إليه. ~~يستقبل بصدره ضربات الخصم ويعدها ليردها إليه بعد قليل ~~بالربا الفاحش. ينظر إلى خصمه وجها لوجه لأن قوته ستظهر ~~عن قريب، تلك القوة هي كلماته العظيمة التي يوحيها إليه ~~احتدام الجدل والمناظرة؛ ms061 فيخترع ويبدع وينفخ كالخالق روح ~~الحياة في خطابه. # يتقدم إلى المنبر حر الفكر، لا يعيقه تذكار، ولا تقيده ~~لفظة هيأها أو جملة ركبها. لقد أعمل فكره وكفى، وما أحقه بما ~~قيل عن فوسينون: «ليست ذاكرته للألفاظ والجمل ، بل هي صفحة ~~حساسة تلتقط كل التأثيرات وتقع على كل المعاني، فهو يتنبه ~~تنبها ولا يتذكر تذكارا. # وإذا كان المتهم واحدا من أولئك العاثري الجد الذين يخشى ~~منهم ويشفق عليهم، فإنه يعرف أن يمشي إليه بجرأة، ويرفعه ~~ويحمله بذاته فوق حافة الهاوية كأنه يريد أن يزجه فيها، ثم ~~يريك بإشارة أعماقها المظلمة فتتراجع مذعورا، وإذ ذاك ~~يرفع الخطيب رأسه، ويرفع المتهم معه شارحا حاله خالعا عليه ~~حلة جديدة باكيا مستعطفا، وإذا بالرجل قد نجا لأنه من فوق ~~الهوة البعيدة الغور تنتصب الرحمة التي هي عدل القلب والتي ~~يقدر الصوت العظيم أن يوحيها أبدا إلى النفوس ~~العظيمة. # إي وايم الحق عندما نسمع لاشو يتكلم لا نتمالك أن نقول مع ~~أفلاطون: «الكلمة هي الله». # أرأيتم صدق كلامي؟ هذا الرجل يمثل الفطرة الصادقة بكل ~~معانيها، ولا سبيل للتقليد إليه فهو لا يعنى بمطلع خطابه، ~~ولا يعتبر الختام القسم الثالث من الخطبة، بل القبضة الأخيرة ~~التي تخنق الخصم، والعادة أن لا يكرر الخطيب ختامه الواحد في ~~كل خطبة أعدها، أما لاشو فهو في كل قضية يستطيع أن يكرر هذه ~~القبضة الهائلة. # وعلى الجملة أقول إن من لوازم الخطيب أن يستقل بنفسه، ويتبع ~~فطرته ولا يعتد بما مشى عليه غيره أو ألفه سواه، أو جرت ~~العادة أن يقال ويسمع. قد يصل بالتقليد إلى نيل الاستحسان، ~~ولكنه لا يصل إلى السيطرة على الضمائر، وقد صدق تايسيت حيث ~~قال: «خير للخطيب أن يتزمل بردا خشنا من أن يصقل وجهه ~~بطلاء الخطايا. # الخطابة العلمية # هي إن شئت أقل الخطب بلاغة لا تستنزل الدموع، ولا تثير العواطف، ولا توقد ~~نار الغضب والحماسة، ولا تحرك عوامل البغض أو الرحمة. كلام علمي صناعة ~~وبحثا، وتركيب بسيط يقرب منال الحقائق العلمية من الأذهان، على أن ms062 ~~البلاغة الحقة لا تعرف لها حدا، فهي تتدفق من القلب والفكر أيا كان ~~الموضوع، والخطيب البليغ يعرف أن يخلع حتى على الموضوع الجاف لمحة من ~~الجمال والرونق والجاذبية فتزداد بساطته تأثيرا. # وأول ما ظهرت الخطابة العلمية في فرنسا لعهد الكردينال رشليو مؤسس المجمع ~~الشهير المؤلف من أربعين عضوا يسمونهم الخالدين، وينتخبونهم من بين ~~أرباب السيف والقلم ورجال الدنيا والدين. # وهي تتناول المحاضرة والمدح والتأبين وما شاكل. # المحاضرة - ويسميها الإنكليز قراءة أخذا عن الروائي الشهير دكسون الذي ~~كان يتلو مؤلفاته في حفل من الناس - هي ضرب من الدرس يلقى على الجمهور ~~كما يلقي المعلم درسه على تلامذته ومريديه، وقد لا تخلو من مسحة خطابية ~~حسب الموضوع والكاتب، وغايتها الإقناع بمعالجة الموضوع الفلسفي أو ~~التاريخي على نمط واضح الأسلوب سهل المأخذ، وكثير من الذين لا قبل لهم ~~بالخطابة يستطيعون أن يفلحوا في المحاضرة ولا سيما المرأة التي قلما ~~يساعدها الصوت وتركيب بنيتها على الخطابة بدون تعب. # ويدخل في المحاضرات السمر وأحاديث الأسر والأندية الأدبية، وقد كان ~~للسمر مقام في العصور الغابرة، وبلغ أوجه في القرن السابع عشر في فرنسا، ~~فكانت أوتل رمبوليه مجتمع السادة الأدباء والنساء الشهيرات بالحسن والظرف ~~والذكاء والصبابة، وقد كان لاجتماعاتهم وما يدور فيها من حلو الحديث أثر ~~عميق في أخلاق ذلك الجيل وآدابه، ثم أنشأت نينون ده لانكلو ناديا ~~للسمر في منزلها، كان كالمعبد يحج إليه خيرة القوم، وكان فن الخطابة ~~محترما، يعتبرونه مدرسة الأدب والحياء وحسن الذوق وطيب الشمائل ورقة ~~الشعور. # أما اليوم فقد عصفت حمى الحياة بكل هذا، غير أنك تجد حينا بعد حين بعض ~~الحفلات الخصوصية يقيمها نفر من العلماء أو المتأدبين في دورهم فيتجاذبون ~~أطراف الحديث فيما يعرفون من علم أو فن، كما كانت تفعل فلاسفة اليونان ~~حينما كانوا يجتمعون تحت ظلال الأشجار في حدائق غناء، تعبق أزهارها وتشدو ~~أطيارها. # وربما كان للعرب شيء مما ذكرنا غير ما يروى عنهم من اللهو والعبث ~~والمجون، وفيما حفظ عنهم من الأجوبة التي كان يحملهم عليها المقارعة ms063 في ~~الحديث والجدل ما يجعلنا نعتقد ذلك. # المدح والتأبين؛ التأبين هو مدح الميت خاصة، يلقى يوم المأتم أو يتلى في ~~حفلة التذكار التي تقام له، ويراعى فيه عمر الميت وقدره وخدماته، ثم ~~يستطرق منه إلى التعزية وذكر الحكم الخالدة التي تخفف أحيانا من لوعة ~~المصاب، ويختم باستمطار الرحمة والسلام على الفقيد، وحث الناس على ~~الاقتداء به. ومجال الكلام في هذا الباب واسع للخطيب القدير الذي يتلاعب ~~بالألفاظ والمعاني دون أن يهوي في المبالغة أو الإطالة والتكرار. # وأما خطب المدح وما يتصل بها من الشكر والتهنئة والتكريم فهي تتشابه ~~موضوعا، وتختلف حسب الأقدار والأعمار وقيمة العمل أو الخدمة التي أداها ~~المحتفى به لقومه وبلاده. وقد أفرط القوم فيها في كل مكان حتى صار من ~~الصعب طرق هذا الباب على من أراد أن يكون مجددا لا مقلدا. على أن ~~التكريم الصحيح - أي الذي يكون لأعمال جليلة القدر حقيقة النفع - يعطي ~~الخطيب من الموضوع نفسه مصدرا للوحي فيجمع الإخلاص في البيان إلى فصاحة ~~اللسان. # القسم الثاني # | أمالي طبية ووصايا صحية # | نظرة تشريحية # كما يحتاج سائق السيارة إلى معرفة تركيب أدواتها المختلفة حتى إذ طرأ طارئ لم ~~يكن بالحسبان استطاع أن يتبين مواضع الخلل وأسبابه؛ ليسهل عليه إصلاحه، يحتاج ~~الخطيب والمغني والممثل إلى معرفة تركيب الآلة الصوتية؛ ليتسنى لهم مداراتها ~~ومعالجتها واجتناب كل ما من شأنه إفساد عملها، أو الإضرار به ولا سيما لأن هذه ~~الآلة جزء عامل في الهيكل الإنساني، ولا يمكن فصلها عنه بوجه من الوجوه. # تتألف الآلة الصوتية من: ~~(1) # الصندوق الذي يتكون فيه الصوت: وهو الحنجرة. ~~(2) # منفاخ لدفع الهواء: وهو الرئتان والقصبة. ~~(3) # مجرى صوتي: وهو الحلق والفم والأنف. # الحنجرة # هي شبه علبة أو صندوق مفتوحة من الأعلى والأسفل، فتصل فتحتها العليا ~~بالحلقوم تحت قاعدة اللسان، وفتحتها السفلى بأول القصبة. ~~غضاريفها # 1 # مبطنة بغشاء ينطوي على نفسه من الأمام إلى الوراء بشكل شفتين ~~تاركتين بينهما فتحة صغيرة يقال لها المزمار، وهاتان الشفتان يقال لهما ~~الأوتار الصوتية. # وتسميتها بالأوتار الصوتية لا تطابق الواقع، ms064 فإن هذه التسمية تحمل ~~الإنسان على التصور أن في حلقه أوتارا كأوتار العود، ولكنهم جروا عليها؛ ~~لأن الصوت يحدث من هذا النتوء الغشائي عندما يتمدد فيبدو كالشريط الأبيض ~~على الحنجرة الوردية. # وطول هذه الأوتار يتراوح بين 20 و25 مليمترا عند الرجل و16-20 مليمترا ~~عند المرأة. # المنفاخ # يشبهون الحنجرة بقبعة على عمود، وهذا العمود هو القصبة الهوائية مؤلفة من ~~نحو عشرين حلقة غضروفية تتفرع في آخرها إلى أنبوبتين أضيق قطرا هما ~~الشعب، وهذه الشعب تتفرع إلى فروع كثيرة من أصغر إلى أصغر، حتى تبدو لك ~~شبه شجرة غارقة في الرئتين. # الرئتان: هما مركبتان من مادة رخوة إسفنجية مخروطية الشكل، تجد فيها ~~تفرعات الشعب التي ذكرناها مع حويصلات الأعصاب والأوردة ~~والشرايين. # المجرى الصوتي # موضوع خلف الحنجرة والقصبة من قاعدة الرأس إلى المريء - أي رأس المعدة - ~~يطل عليه فتحات الأنف والفم والفتحة العليا للحنجرة بواسطة صمامة هي لسان ~~المزمار. # وهو يختلف عن الحنجرة في شكله؛ لأنه لا يشبه العلبة بل القناة، فيخرج منه ~~الصوت بعد أن يتكون في الحنجرة، ولا يجب الخلط بينهما، فالحنجرة آلة ~~صفير، وأما الحلقوم فحفرة ينحدر منها الأكل والشراب إلى المعدة. # | هوامش # | الصوت # ما هو الصوت؟ هو مجموع أصوات تخرج من الرئتين والفم وقوامه التنفس، فإذا انقطع ~~التنفس انقطع الصوت. # هذا التنفس قسمان: الأول عندما يدخل الهواء إلى الرئتين ويقال له في الفرنسية # Inspiration # ومعناه استيعاب ~~الهواء # 1 # والثاني عند إخراجه منها، وهو ما يسمونه الزفير # Expiration ~~. # فالصوت يتكون في الحنجرة أثناء الزفير؛ لأن الهواء الذي تستوعبه الرئتان لا ~~يمكن أن يلبث فيها طويلا فتنقبضان وتطردانه من الشعب إلى القصبة، فإذا بقي ~~الحلق مفتوحا خرج الهواء بسهولة دون أن يحدث صوتا، أما إذا تدانت الأوتار ~~القائمة على جوانب الحلق وقفل هذا أو ضاق حصل الصوت؛ لأن هذه الأوتار أو ~~الأغشية البارزة تهتز ويهتز معها الهواء العابر عليها والخارج بقوة من ~~الصدر. # وقد تتشنج بعض عضلات التنفس لسبب ما فيحول الصوت إلى تنهد أو ضحك أو شهيق أو ~~سعال أو ms065 فواق أو غير ذلك. # صفات الصوت: القوة والنبرة والرنة، فالقوة هي سعة اهتزازات الآلة الصوتية، وهي ~~تتعلق بالقوة التي يطرد فيها الهواء من الرئتين، كما أن قوة الصوت الخارج من ~~أوتار العود مرجعها قوة ضرب الأنامل، والنبرة هي في درجة شد الأوتار وما ينجم ~~عنها من تغير في مدى الاهتزاز. وهذا الشد يقوم به عضلات الحنجرة التي تشد أو ~~ترخى، والتي قد يصيبها شلل كما في بعض الأمراض العصبية؛ فيبح الصوت أو ينطفي. ~~أما الرنة فهي التي تميز الأصوات بعضها عن بعض؛ لأنها تتعلق بتجويف الفم وتختلف ~~في كل واحد باختلاف هذا التجويف. إذن لا علاقة للرنة في قوة الصوت ونبرته، وقد ~~يصل الإنسان بالتمرين إلى تبديل رنة صوته كما يفعل المقلدون في محاكاة غيرهم من ~~الناس، أو محاكاة أصوات الحيوان. # تأثير الأعضاء التناسلية في الصوت: أول أثر للأعضاء التناسلية في الصوت يظهر ~~عند المراهقة؛ لنمو الحنجرة نموا هائلا، فإنه في بضعة شهور تكتسب الحنجرة ~~من الكبر قدر ما اكتسبته من الولادة إلى زمن المراهقة؛ فيتبدل الصوت تبدلا ~~سريعا، ولهذا ترى صوت الخصيان لا يفرق من صوت الأولاد؛ لأن الخصاء يمنع هذا ~~النمو أن يحصل، ولما كان للأعضاء التناسلية هذا الأثر العظيم في آلة الصوت، كان ~~من المحقق أن الإفراط في الشهوات يفضي إلى إفساد الصوت. # | هوامش # | التنفس # بما أن الصوت ناتج عن التنفس فهو متعلق به من حيث الحسن أو عدمه، فإن كان ~~التنفس سيئا أخل ذلك بالصوت والنطق، والتنفس الحسن هو ما جلب الهواء إلى ~~الرئتين بمقدار كاف وبدون تعب. # للتنفس ثلاث طرق؛ فهو علوي وجانبي وبطني. فالعلوي - ويقال له الترقوي نسبة إلى ~~الترقوة - يرفع الرئتين نحو العنق فتجران معهما الحجاب الحاجز والأحشاء ويتجوف ~~البطن. والجانبي يبعد الأضلاع فتتسع ويزيد قطر الرئة أفقيا. والبطني يخفض ~~الحجاب الحاجز فيرفع جوانب البطن، ويزيد قطر الرئة عموديا. # وقد سبق فقلنا إن شكل الرئة مخروطي، وقواعد الهندسة تدلنا أن امتداد القطر ~~العمودي للمخروط تزيد حجمه أكثر من الأفقي، فالتنفس البطني إذن هو ms066 أفضل أنواع ~~التنفس؛ لأنه يزيد حجم الصدر أكثر من الجانبي ولا يتعب مثل العلوي الذي يحتقن ~~به الوجه. # وهبوط الحجاب الحاجز يتعب المعدة، ولهذا كان في الخطابة أو الغناء قبل تمام ~~الهضم ضرر كبير. # وأكثر ما يكون التنفس الجانبي عند المرأة وربما كان ذلك لتركيب بنيتها. # ويجب أن يكون استيعاب الهواء عن طريق الأنف دون الفم، فيدخل الصدر بعد أن يكتسب ~~حرارة الجسم، ويمشي في طريقه خلال الشعر والأهداب المتموجة والسائل المخاطي مما ~~ينظفه بعض التنظيف ويصفيه من ذرات الغبار والأوساخ العالقة به، والمتعود على ~~الركض يشهد أن التنفس من الأنف لا يتعب كالتنفس من الفم، فضلا عن ذلك فالتنفس ~~الدائم من الفم يجلب أمراض الحلق واللوزتين وما شاكل. # | الرياضة التنفسية # قلنا إن حسن الصوت يتعلق بحسن التنفس، فكلما كان استيعاب الهواء قويا كان ~~الصوت عظيما ثابتا، ولهذا كان من اللازم رياضة التنفس والتمرين عليه لحفظ ~~الصوت وإنمائه. # هذا التمرين على أربعة وجوه: # التمرين الأول # اضطجع على ظهرك وجسمك عار أو مغطى برداء بسيط حر من كل رباط يضايق ~~حركاته. # ثم تنفس من أنفك تنفسا بطيئا عميقا غير منقطع؛ فتحس أضلاعك تتمدد، ~~وبطنك ينتفخ والصدر ينفتح إلى الأمام، أما الترقوتان فتظلان ثابتتين لا ~~تتحركان من موضعهما، وبعد أن تستوعب الهواء توقف ثلاث ثوان، ثم اطرد ~~الهواء بسرعة فاتحا فمك. # هذا التمرين يوسع الصدر، ومتى تعود عليه المرء أمكنه القيام به وهو جالس ~~على كرسي، ثم فيما بعد وهو قائم. # التمرين الثاني # يؤخذ به بعد إتقان الأول وهو على عكسه تماما، أي أن تستوعب الهواء بسرعة ~~وتطرده ببطء ونظام فاتحا فمك، وهو أصعب مطلبا؛ لأن إخراج الهواء ببطء ~~يقتضي عناية وجهدا، ولكي يقف المتمرن على درجة تقدمه في هذه الرياضة ~~يمكنه أن يضع إزاء فمه ريشة خفيفة معلقة بخيط أو شمعة مضيئة، فيعرف ~~مقدرته على إيقاف زفيره من تحرك الريشة أو لهيب الشمعة. # ولا يجوز التكلم حين الزفير أي عندما يكون المزمار مفتوحا، كي لا يشترك ~~في العمل غير أعضاء التنفس. ms067 # التمرين الثالث # هو في عمل الاثنين مشتركين، وكذلك التمرين الرابع. # الخلاصة: أربع طرق للرياضة التنفسية: ~~(1) # استيعاب سريع، وزفير بطيء. ~~(2) # استيعاب بطيء، وزفير سريع. ~~(3) # استيعاب سريع، وزفير سريع. ~~(4) # استيعاب بطيء، وزفير بطيء. # يجب أن تعلم أيها القارئ أن الغاية من هذه الرياضة ليست الوصول إلى إدخال ~~أعظم مقدار من الهواء إلى الرئتين، بل تربية جهاز التنفس وإخضاعه لنظام ~~محدود، ولا يجب عند الزفير إخراج كل الهواء الموجود في الرئتين بل يترك ~~قسم منه، والقاعدة المتبعة عند المتكلمين في الجماهير هي أن يستوعبوا ~~الهواء كلما سنحت الفرصة في عرض كلامهم، وإن يكن الباقي منه في الرئتين ~~كافيا للتنفس العادي؛ ذلك لأن إخراج الهواء كله يتعب الصوت كثيرا، ولأن ~~ادخار كمية زائدة عن الحاجة قد يأتي بالنجدة المنتظرة كما في الجمل ~~الطويلة مثلا. # | رياضة الصوت # تبين لك مما مر أن للرياضة التنفسية تأثيرا كبيرا في الصوت لحفظ جمال نغمته، ~~وقوة نبرته، وسعة مرماه، وقد كان قدماء اليونان يعنون بها ويجعلون تربية الصوت ~~فنا قائما بنفسه له أساتذة يتوفرون على درسه، كما روى تيوفراست، حتى إن ~~ديموستين تلقى دروسا فيه، وتخرج على الممثل ساتيروس. # وبعد أن يملك الخطيب عنان تنفسه ينصرف إلى الاهتمام بصوته، وتصريفه في الوجوه ~~التي تلائمه دون أن يفقد من تأثيره أو يقصر دون غايته، بل يستطيع حينئذ أن يصلح ~~ما فيه من عيوب بالصبر والتربية، فإن لبعض الأصوات رنة غير مستحسنة ولا خفيفة ~~على الأذن، فبالعادة والمثابرة يستطيع أن يتغلب عليها، ويبدل منها رنة ألطف ~~وقعا وألذ سمعا. # ولا تنحصر تربية الصوت في الرنة بل تتناول النبرة والقوة؛ ولهذا يجدر بالخطيب ~~أن يتخذ درجة موافقة في بداية خطابه، فلا يرتفع كثيرا لئلا يضطر إلى الهبوط ~~عياء قبل الختام. وقد ذكرنا ذلك في فصل المنبر فليراجع. # | صحة الصوت # بعد أن شرحنا لك ماهية الصوت وتركيب آلاته، وأظهرنا أن تجاويف الفم والأنف ~~والحلق والحنجرة والصدر تهتز معا بالصوت الخارج من المزمار، لم يبق صعوبة ~~لندلك على الطرق التي يجب انتهاجها لحفظ هذا ms068 الصوت وتقويته، فإن كل ما من شأنه ~~أن يهيج الأغشية ويذهب بمرونة غضاريف الحنجرة، ويؤذي الأوتار الصوتية ويبدل من ~~نعومة الغشاء سطحا خشنا ذا نتوء وحبيبات يؤثر في الصوت نغمة وصفاء وقوة ~~وجلاء. # فالتدخين والخمرة والأشربة الساخنة أو المثلجة، والإفراط في الأكل، وخصوصا ~~اللحوم ، كل هذا يضر بالصوت ضررا بليغا لتهييجها الأغشية إما بالحرارة وإما ~~بالطعم. # والعناية الصحية تكون بغسل الفم والأسنان بعد الأكل وقبل التكلم، فإن غدارة ~~الأكل الباقية خلال الأسنان تجلب الريق بكثرة وتفسد الصوت. # وأحسن ما يغسل به الفم هو الماء القراح البارد مدة عشر دقائق. # ولا تقتصر المداواة على هذه الوسائل الموضعية، بل تمتد إلى الصحة العمومية من ~~كساء وسكن وما شاكل، فالسكن يكون في مكان مطلق الهواء نظيفه، بعيد عن تقلبات ~~الجو وكثرة حرارته. ويشترط في اللباس أن يكون واسعا لا يضايق الصدر، ولا يضغط ~~على العنق؛ فيجلب بضغطه تضخم الغدد واللوزتين واحتقان الأغشية الحلقية، ويستحسن ~~لبس الصوف أو الحرير على مدار السنة لأنهما يحفظان حرارة الجسم، ويقيان من ~~البرد المفاجئ في حالة العرق، ما لم يكن الخطيب متعودا على البرد فيلبس ما ~~شاء. على كل حال تقتضي الحكمة أن لا يخرج الإنسان من غرفة ساخنة إلى أخرى باردة ~~دون اتخاذ الحيطة لذلك. # أما الاستحمام فهو ضروري على شرط أن يكون قصير المدة؛ لأن رطوبة هواء الحمام ~~تؤذي الصوت، ومن كان مستعدا للزكام فالأولى استحمامه بالماء الفاتر صيفا ~~وشتاء، وبعد الفاتر يصب باردا على بدنه، ثم ينشفه ويبقى تحت الغطاء عشر ~~دقائق. # وليست فائدة الماء النظافة فقط، فإن الخطيب في الغالب رجل عصبي ملتهب الشعور، ~~فالاستحمام يفيده كالرياضة، وكما تفيده بساطة المعيشة والاعتدال في كل ~~شيء. # | قبل الخطاب وبعده # قبل الكلام لا يجب أن تكون المعدة فارغة ولا ملآنة، ففي حالة الفراغ يتعب القلب ~~والرئة فيخف الصوت وتنحل العزيمة، وفي حالة الامتلاء يهبط الحجاب الحاجز كما ~~بينا فتتعب المعدة أيضا وتؤثر في سائر الجسم، وخير الأمور أن تكون المسافة ~~بين الطعام والكلام ساعتين على الأقل. ms069 # ومن الضروري مضغ الأكل مضغا جيدا، أما كمية الطعام فمن الصعب تحديدها لاختلاف ~~المعد والبطون. # وبعد الانتهاء من الكلام يعمد الخطيب إلى الراحة والسكون والسكوت، ويبدل من ~~ثيابه المبللة بالعرق ثيابا جديدة. # هذا ما رأيت بيانه عن الخطابة، وطرقها، وشروطها، وأجناسها، وما يتعلق بها من ~~القواعد الصحية ورياضة الصدر وغير ذلك، وستجد في القسم الثالث بعض الأمثلة من ~~الخطب المشهورة في العصور السالفة والعصر الحاضر. # القسم الثالث # | أمثلة من خطب العرب والإفرنج # | خطب الإفرنج # (1) رأيي في الترجمة # 1 # لا بد لي في مطلع هذا الباب من كلمة في الترجمة، كما يجب أن تكون ~~وكما أفهمها، وكما تعودت أن أسير عليه فيما عانيته منها، فإني ~~أعتقد أن الغاية من الترجمة ليست في إظهار مناهج الإنشاء بقدر ما ~~هي في التعبير عن فكرة المؤلف ومقصده ونقل معانيه وتمثيل تصوراته، ~~ولو كان المقصود ترجمة الألفاظ والتراكيب قبل غيرها لفسدت الترجمة ~~على الإطلاق، وربما كان هذا ما حمل اللورد بيرون أن يقول: «إن من ~~أكبر المصائب على المؤلف أن يترجم إلى لغة غريبة.» فإنه من ~~المستحيل أن تتفق تراكيب الجمل في مختلف اللغات، والقالب الذي ~~يختاره الكاتب أو الشاعر ليفرغ فيه معانيه لا يمكن أن يكون واحدا ~~فيها كلها، فإذا حاولنا أن نترجم ما نريد ترجمة حرفية للمحافظة على ~~هذا القالب ما أمكن؛ أسأنا إلى المؤلف من حيث لا ندري، وأسأنا إلى ~~أنفسنا بما نقع فيه من غرابة التعبير وركاكة الإنشاء، وهذا ما نراه ~~كل يوم في أكثر ما نقرؤه في الجرائد والمجلات من المقالات الطبية ~~والأدبية وغيرها التي تبدو أعجمية بألفاظ عربية، فتتعبنا قراءتها ~~وتقصينا عن فهم ما فيها أو التلذذ به. # فالترجمة الحرفية - كما يقصد من هذه الكلمة - ليست بالطريقة ~~المثلى لحفظ جمال الأصل، أو للوصول إلى الغاية من أثرها في ذهن ~~القارئ العربي. حسب المترجم أن يتفهم معاني الكاتب ويدرك مقاصده ~~ويدخل في إهابه - إن سمح لي بهذا التعبير - ثم يجتهد أن يقدم ~~للقارئ قالبا عربيا لا ينفر منه ذوقه، ولا ms070 يأباه سمعه، فيختلف ~~التركيب عن الأصل بعض الاختلاف، ويبقى المعنى والأسلوب على ~~حالهما. # إن في الفرنسية أو الإنكليزية مثلا جملة تفيد معنى، ولكن هذا ~~المعنى لا يمثل في لغتنا إلا بجملتين وبالعكس، فقد تجد المعنى الذي ~~يقتضي التعبير عنه جملتين في إحدى اللغات الغربية يكفيه في العربية ~~جملة أو كلمة، فلا يجب أن يمنعنا عن استعمال هذه الجملة أو الكلمة ~~بعدها عن الترجمة الحرفية ما دامت موصلة إلى التأثير ~~المطلوب. # وإني أورد هنا مثلا من هذه الترجمة التي لا يسعنا أن نسميها ~~حرفية، وهي مع ذلك أمينة لا تذهب شيئا من جمال الأصل، ولا تضعف ~~من الأثر الذي أراده المؤلف فضلا عن أنها تتجرد عن العجمة ما ~~أمكن، وتظهر للقارئ في برد عربي فيكاد لا يشعر أنها ~~مترجمة: # يقول لامارتين في مطلع قصيدته «البحيرة» ما معناه بالحرف الواحد: ~~«أهكذا ونحن مدفوعون أبدا نحو شواطئ جديدة ومحمولون في الليل ~~الأبدي بلا رجوع لا نستطيع أن نلتقي على شواطئ الأعمار مرساتنا ~~يوما؟» مهما نحاول تنميق هذه العبارة فنقدم ونؤخر فيها مع ~~المحافظة على «حرفيتها» فهي لا تسلم من الركاكة والعجمة، ولكنا ~~إذا اكتفينا بالمعنى واجتهدنا أن نشعر شعور الناظم عند ما قاله، ثم ~~حاولنا نظمه كأنه صادر عنا قلنا مثلا: # أهكذا أبدا تمضي أمانينا # نطوي الحياة وليل الموت يطوينا # تجري بنا سفن الأعمار ماخرة # بحر الوجود ولا نلقي مراسينا؟ # أنا أعلم أن جملة «تمضي أمانينا» ليست في الأصل، ولكنها تتحصل من ~~كلام الشاعر، وهي لا تضعف قوله بل بالعكس تفسره تفسيرا موافقا، ~~وفي النظم قد يضطر المترجم إلى مثل هذه الزيادة، وكذلك الشطر ~~الثاني من البيت الأول «نطوي الحياة وليل الموت يطوينا» لا يمكن أن ~~يكون ترجمة حرفية لقوله «محمولون في الليل الأبدي بلا رجوع» ولكنه ~~يؤدي المعنى تمام التأدية، ولو فرضنا أن لامارتين بعث من قبره ~~وسألنا أن نترجم له ما ترجمناه عنه لما وجدنا ما يؤدي معنى هذا ~~الشطر العربي أحسن من الرجوع إلى عبارته الأصلية، ولو ترجمنا له ~~نطوي ms071 الحياة إلى آخره ترجمة حرفية لجاءت ركيكة في لغته ولم يفهمها، ~~فالمعنى هنا واحد ولكن حلته تختلف في اللغتين، ومما يقرب من ~~معنى البيت الثاني قول أبي العلاء يخاطب الدنيا: # يموج بحرك والأهواء غالبة # لراكبيه فهل للسفن إرساء # فالمعاني متساوية عند الناس، ولكن القالب الذي تفرغ فيه يختلف حسب ~~اللغات كما يختلف اللباس حسب الأقاليم والسلائل، فعلى المترجم أن ~~يحافظ على معاني المؤلف ومراميه وأسلوبه في الكتابة من خطابي أو ~~شعري أو غير ذلك، وأما حلة الإنشاء من ألفاظ وتركيب جمل فهو حر أن ~~يختار منها ما يناسب المقام، فكما أن الحسناء لا تفقد من حسنها إن ~~بدلت من هذا الثوب الجميل ثوبا جميلا آخر، فالمعنى الحسن يبقى ~~أثره كاملا سليما ما دام اللباس الذي يخلع عليه من الألفاظ ~~والتراكيب جميلا مطابقا لقواعد الفصاحة أيا كان هذا ~~اللباس. # افرض أن رجلا غريبا عن لغتك كلفك أن تحدث قومك في موضوع عن له، ~~فماذا تقول؟ هو يدلي إليك بآرائه وأفكاره وتصوراته، ويفهمك الغاية ~~التي يرمي إليها وعليك الباقي؛ أي أن تبرز هذه الأفكار والآراء ~~والتصورات في قالب عربي يقبله ذووك. أو ليست الترجمة ضربا من ~~هذا؟ # هكذا أفهم الترجمة، وعليه جريت في كتابة الرسائل العلمية والطبية ~~وغيرها مما كنت أنشره في الصحف والمجلات، فإذا وجد القارئ فيما يلي ~~بعض اختلاف عن الأصل فلأني حاولت أن أجلو هذه المعاني الغريبة في ~~ثوب عربي دون أن أضعف من تأثيرها، بل لأخفف ما أمكن الإساءة التي ~~تلحق بالكاتب من جراء ترجمة مكتوباته معتقدا أن هذه الطريقة هي ~~أفضل من الترجمة الحرفية التي يمجها الذوق العربي فضلا عن أنها ~~تضيع جمال الأصل. # ولا حاجة للقول إن ما ذكرت ينطبق على ترجمة الأدب والشعر بوجه خاص، ~~وأما الأشياء العلمية والفلسفية فلا تدعو إليه في كل حين؛ لأن ~~العالم لا يخلو في كتابته من الغموض أحيانا بالنظر إلى المباحث ~~العويصة التي يلم بها فيضطر المترجم أن ينقل عبارته بالحرف ~~الواحد ليترك للقارئ الحرية في فهم ما أراد ms072 المؤلف، ولا سيما لأن ~~المترجم نفسه قد يغلق عليه إدراك بعض عبارات الكتاب، فهو ينقلها ~~بأمانة ودقة بالحرف الواحد يلقي عنه مسئولية التبيين، ويدع لكل ~~قارئ سبيلا إلى حل هذه المعميات كما يرتئي. # 2 # ثم هناك أمر آخر أريد أن أنبه إليه القارئ، فإن هذه الخطب التي ستمر أمام ~~عينيه لا تنال من قلبه ما تستحق إذا لم يقف منها موقفا خاصا. فإن ما ~~ينظمه الشاعر أو يخطه الكاتب يكفي بذاته ليتصل بالقارئ وبخلاف ذلك ~~الخطابة؛ لأن الخطب لم تعمل لتقرأ بل لتسمع، وقد مر بك أن حسن الأداء ~~من أهم شروطها، ومشاركة الجمهور للخطيب بالمصادفة والتشجيع يرفع الخطيب ~~إلى أن يصير صوته وقلبه صوت الجمهور المصغي إليه وقلبه الخافق معه، ومن ~~الصعب أن نجد مثل هذه المشاركة عند القارئ. # فلو عربنا الخطبة أبدع تعريب، ثم قرأناها فمن المستحيل أن نلمس فيها ذلك ~~الوحي الغابر، فنحن كمن يحاول الإمساك بالحياة بعد إفلاتها نبحث عن كائن ~~حي ولا نجد إلا جثة هامدة، وأي شيء ننتظر من أجمل الأجسام وأبدعها مثالا ~~وأكملها تقويما بعدما يستولي عليها جمود الموت؟ وماذا يبقى من الوجه ~~الصبوح الجميل إذا انطفأ نوره وزالت ابتسامته؟ # أجل إن فن الخطابة لجميل، ولكنه أقرب إلى الزوال من سواه. انظر إلى ~~الأنصاب التي خلد فيها الإنسان الحياة بألوانها وصورها، فإنها باقية على ~~الزمان الفاني ولا تزال على قدمها توحي الإعجاب إلى الناظرين، وتأمل ~~بأنغام الموسيقى الساحرة فقد تفجرت آياتها من قلب الموسيقي النائم اليوم ~~بعيدا عنها ولا تزال ترافق السامع إلى آخر الدهر، وما الذي لا يقال عن ~~الشاعر أيضا وكلامه يتردد على كل لسان وينشد في كل مكان؟ أما الخطيب ~~فهو يحمل معه ما عمل ويطويه في أكفانه؛ الصوت، والإشارة، والجاذبية، ~~وهالة النور التي تحيط بالمنبر. كل هذا يختفي ولا يبقى غير صورة ~~الخطاب. # عندما يتكلم الخطيب يصبح ملكا للجمهور، وهو لا يصل إلى قلوبهم إلا بعد ~~صراع عنيف بين نفسه ونفسهم، فالخطابة فن ولكنها حرب إذا خبت نارها عفت ms073 ~~آثارها؛ ولهذا لا نستطيع أن ندرك فعل أجمل خطاب بعد مرور السنين ~~عليه. # فإذا أحببت أيها القارئ أن تجد في هذه الخطب المترجمة بعضا من جمالها ~~القديم فعليك أن يكون لك فيها دور مستقل، وهو أن تحاول الشعور أكثر من ~~الفهم، فتذكر الماضي وتضع نفسك وسط الحوادث التي ولدته، وتتمثله تمثلا ~~أكثر مما تقرؤه قراءة، فتصدق فيك كلمة لاكوردير: «إن نفس الفرد تستطيع ~~لدى السمع أن تكون جمهورا كبيرا.» # هذا العمل من تمثل الماضي والأحوال التي قيلت فيها الخطب؛ يطلب البساطة ~~قبل المعرفة، والشعور قبل الاضطلاع، ويحتاج إلى حسن إرادة أكثر مما يحتاج ~~إلى علم. ~~(2) سوكرات # من خطبة له عندما حكم عليه بالموت # أي قضاتي، كونوا إذن مثلي على رجاء من الموت، ولا تفكروا إلا بهذه ~~الحقيقة، وهي أنه لا خوف على رجل البر حيا أو ميتا، وأن الآلهة لن ~~تتخلى عنه أبدا. # لم يكن ما أصابني اتفاقا، وإني لواثق أن موتي في هذه الساعة خير لي من ~~تحمل هموم الحياة. أنا لا أحفظ حقدا على الذين حاكموني أو اتهموني، ~~ولكني ألومهم لأنهم قصدوا في حكمهم واتهامهم إلى الإساءة إلي فساء ~~فألهم وما كانوا صادقين. # والآن في نفسي حاجة أسألكم قضاءها: أيها الأثينيون، إذا اشتد أولادي ~~ورأيتم فيهم جورا عن الحق، وزيغا عن قصد السبيل، وإيثارا للمال على ~~الفضيلة فعذبوهم مثلما عذبتكم، وإذا ذهب بهم الغرور فظنوا أنفسهم شيئا ~~وهم لا شيء؛ فعنفوهم بمثل ما عنفتكم. إن فعلتم فقد أصبت من عدلكم أنا ~~وولدي. # والآن دنت ساعة الفراق، فليسر كل في طريقه، أنا نحو الموت وأنتم نحو ~~الحياة. من هو السعيد منا بهذه القسمة؟ إن الله وحده لعليم. ~~(3) ديموستين # من خطبته الفيليبية الأولى # يا رجال أثينا # ربما كان فيكم من تهوله عظمة فيليب، ويرى ما هو عليه من ضخامة ~~الملك وقوة الجيش وكثرة البطش؛ فيظنه لا يقهر، فاذكروا أثينا وأنه ~~أتى عليها عهد كانت فيه أيضا عزيزة الجانب، وكان لها من سعة ~~السلطان ورفعة الشأن مثل ما له الآن. وهذه ms074 الأمم المنضمة اليوم تحت ~~لواء فيليب كانت حرة تؤثر التحالف معنا عليه، فلو أن فيليب فكر ~~يومئذ كما نفكر نحن اليوم، وقال في نفسه: لا طاقة لي على محاربة ~~الأثينيين وقد ملئوا البسيطة عدة وعديدا؛ لما أقدم على عمل، ~~ولكنه لم يدع لهذا الفكر ممرا بباله ولا معلقا بخاطره، بل عرف ~~أن الفوز للجسور دون سواه. # فإذا كنتم أيها الأثينيون تريدون أن تقوموا اليوم بما قصرتم عنه ~~أمس، إذا كنتم قد عزمتم العزم الأكيد أن تستقلوا غير متواكلين ولا ~~متخاذلين؛ فقد فزتم بإذن الله وأصلحتم حالكم واسترجعتم مالكم، لا ~~تحسبوا فيليب إلها لا ينال، إن هو إلا هدف دائم للبغض والحسد ~~والخوف، لا يأمن حتى أقرب المخلصين له، فإن من حوله بشر مثلكم، لهم ~~أهواؤهم وشهواتهم وعواطفهم المتباينة، ولكنهم في حاجة إلى نصير، ~~تلك الأهواء والشهوات قد ضغط عليها الخمول كما ضغط عليكم، وهذا ما ~~أسألكم أن تنفضوه عنكم. ~~••• # إلام يا رجال أثينا تظلون «غرضا يرمى وفيئا ينهب؟» ما الذي ~~تنتظرون؟ الساعة الموافقة؟ وحق جوبتر لا أعرف ساعة أنسب لتحريك ~~الهمم في النفوس الحرة من ساعة الذل والهوان، أتريدون أن تطوى ~~أعماركم وأنتم تتساءلون ماذا من جديد؟ ترحا لكم! وهل من جديد مثل ~~هذا المكدوني قاهر أثينا ومخضع الإغريق، تعللون النفس بالآمال، ~~ترقبون موت فيليب أو اعتلاله، وتنسون أن ذلك لا يبدل من حالكم ~~شيئا؛ لأن ما يساوركم من الخمول والعجز والضعة لا ينفع لديكم إلا ~~أن يسلط فيليبا آخر عليكم. # وله من خطبة أخرى # أيها الأثينيون # رب معترض فيكم يظن إفحامي إذا سأل: ماذا نفعل إذن؟ أما أنا ~~فأجيب: لا تفعلوا شيئا مما تفعلون الآن، وافعلوا كل ما لم تفعلوه، ~~على أني سأزيدكم بيانا عسى الذين سارعوا إلى السؤال أن يسارعوا ~~إلى العمل؛ فاذكروا أيها الأثينيون أن فيليب نكث عهده معكم، وكان ~~البادئ بالعدوان، ثم اذكروا أن فيليب هو عدو أثينا الألد، عدوها ~~الذي يكره أرضها وسماءها، بل يكره منكم حتى أولئك الذين يغتبطون ~~بأنهم نالوا حظوة عنده. # إن ms075 أبغض ما يبغضه فيليب وأخوف ما يتخوفه هو حريتنا، هو نظامنا ~~الديمقراطي، وفي سبيل القضاء على هذه الحرية وهذا النظام ما فتئ ~~ينصب الشراك ويدبر المكائد. هو يعرف حق المعرفة أنه لو أخضع بلاد ~~الإغريق بأسرها، وبسط عليها سلطانه من أقصاها إلى أقصاها لما جعله ~~ذلك منها في جناح آمن ما دامت ديمقراطيتكم سالمة، وهو يعرف أيضا ~~أنه إذا خانته الأقدار يوما، وقلب الدهر له ظهر المجن فكل هذه ~~الشعوب التي أخضعها عنوة تبادر إلى خلع نيره، والانضواء تحت ~~لوائكم. # أفي العالم ظلم يجب دفعه؟ هاكم أثينا! أفي العالم أمة مقهورة تطلب ~~نصيرا! هاكم أثينا! أفتعجبون بعد هذا إذا كان فيليب لا يطيق صبرا ~~على هذه الحرية التي تقف منه موقف الرقيب على جرائمه، المحاسب على ~~آثامه ... ~~(4) شيشرون # كان كاتيلينا من أعضاء مجلس الشيوخ يتآمر على الجمهورية ليستولي على ~~الحكم، وقد ألف جيشا صغيرا من غوغاء الناس ودربهم على أعمال الشر ~~والأذى، واتفق معهم على أن يضرب الضربة القاضية في اليوم التالي، فتسرب ~~الخبر إلى شيشرون قبل انعقاد المجلس، فلما اجتمع الشيوخ وكاتيلينا بينهم ~~كان شيشرون أول المتكلمين: # حتام يا كاتيلينا تطمع منا بالصبر فتزيد في غرورك وتتمادى في ~~بغيك وفجورك. طغيت فما عرفت لطغيانك حدا، ولا حفظت لأمتك ~~عهدا، ولا راعك الحرس القائم على الأسوار في الليل والنهار، ~~ولا أهاب بك جلال هذا المقام ومن فيه من شيوخ كرام. لقد ~~برح الخفاء عن حالك، وظهر المستور من أعمالك، فلا تظن بعد ~~اليوم أحدا يجهل ما فعلت بالأمس وقبل الأمس، وبمن اجتمعت ~~وعلام عولت. # يا للدهر ويا للأخلاق! المجلس يدري، والقنصل يرى، وهذا الرجل ~~لا يزال حيا، يأتي إلينا ويشترك معنا، ويجيل نظره فينا، ~~ويختار منا من يقع عليه حكم الموت، أي كاتيلينا، كان عليك ~~أن تساق إلى الموت بأمر القنصل من زمن طويل، وأن يرد إلى ~~نحرك السهم الذي تفوقه إلينا. # قتل سيبيون فيما مضى تبريوس كراكس لخيانته ولم يكن سيبيون ~~قنصلا، ونحن القناصل نحتمل كاتيلينا الساعي في خراب ms076 العالم ~~بالحديد والنار، سلام على رجال هذه الجمهورية القدماء، لقد ~~كانوا شجعانا يذبون عن الوطن ويعاقبون خائنيه، أما نحن ~~فالخائن بيننا ولا نجد له قصاصا، ولا نستطيع منه خلاصا، ~~هذا لعمركم الصغار بعينه! ~~(5) القديس باسيليوس # من خطبة له في الأغنياء # تقول هو مالي أحرص عليه، فما وجه الضرر لسواي؟ ما لك وأين أخذته؟ ~~أجب من أين جئت به في هذه الدنيا؟ مثلك مثل من يأتي دار التمثيل ~~قبل غيره، فيريد أن يمنع الباقين من الدخول بحجة أنه أول الداخلين، ~~أفلأن الأغنياء استولوا قبل غيرهم على مال هو ملك الجميع ~~يريدون أن يستأثروا به دون سواهم؟ أجل يا سادة لو أعطى كل واحد ~~منكم ما زاد عن حاجته لما كان على الأرض غني ولا فقير. ألم تخرجوا ~~عراة من بطون أمهاتكم؟ ألا تعودون عراة إلى بطن الأرض؟ فمن أين هذا ~~الغنى الذي تتمتعون به؟ أكان اتفاقا؟ أعوذ بالله من الكفران بنعمه ~~إنه لم يكن اتفاقا بل من الله، وإذا كنتم تعرفون أنه من الله ~~فقولوا لي علام أعطاكهم الله وحرم سواكم منه؟ ما كان ربك ظالما ~~لعبيده ليقسم هذه القسمة الضئزى. تعالى الله عن ذلك إنه أعطاكم ~~الغنى لتنفقوه في سبيل الخير، وقال: # لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون # وهكذا أعد الثواب للغني ~~والفقير؛ الأول لحلمه وكرمه، والثاني لصبره وألمه. وتظنون بعد هذا ~~أن تحبسوا خيراتكم عن الناس دون الإضرار بهم؟! # من هو البخيل؟ هو الذي لا يكفيه سد حاجته. من هو اللص؟ هو الذي ~~يسلب الآخرين أفلا تعرفون أنفسكم بهذا التعريف؟ تسمون قاطع الطريق ~~من يجرد الناس من لباسهم، فماذا تسمون من لا يجود باللباس على من ~~لا لباس له؟! إن في خزائنكم ثيابا كثيرة هي ملك الفقراء العراة، ~~كل هذه النعم التي أتيح لكم أن تتمتعوا بطيبها أصبحت ذنوبا ترصد ~~لكم عواقبها الوخيمة. # من خطبة أخرى # قولوا لي ما الفائدة من مقاعد العاج وأسرة الذهب وموائد الفضة، ~~حتى تنفقوا في سبيلها مالا الفقراء أحق به؟ يتوافدون إلى أبوابكم ms077 ~~باكين مسترحمين، فتردونهم بقسوة ولا تهابون نقمة الجبار، لا رحمة ~~عندكم فلا تنتظروا رحمة منه؛ تقفلون دون المسكين أبوابكم، وهو ~~يقفل دونكم أبواب الجنة، تمنعون الخبز عن الفقير؛ فتمنع عنكم ~~الحياة الأبدية. # ما تكون آخرة هذا الظلم وهذه اللصوصية؟ وما تريدون من هذا الملك ~~الواسع والمكاسب الضخمة في حين يكفي شبر من الأرض ليضم أشلاءكم ~~الحقيرة؟ علام هذا الطمع والجشع؟ إلام تحتقرون شرائع الله ~~والناس؟ # إنكم كيفما التفتم تتمثل لكم صورة آثامكم، فهنا يتيم يبكي، وهناك ~~أرملة تئن، فقراء اضطهدتموهم، وخدم أسأتم إليهم، وجيران أغضبتموهم، ~~كل هؤلاء قيام ضدكم يوم الدينونة فمن يكون معكم؟ # ما معنى هذا الغنى الفاحش؟ وهل في الذهب والألماس شيء غير الحجر ~~والتراب؟ وماذا استفاد الخازن لها في مقاومة المرض والموت؟ # تدعون أنكم تحافظون على هذا المال لأولادكم، يا لها من دعوى ~~كاذبة! أليس الله أباهم؟ ألم يعطهم الحياة من قبلكم؟ وبعد هذا كله ~~من يكفل لكم أن أبناءكم تحسن استعماله، كم مرة كان المال مجلبة ~~الفساد والإثم للشبيبة؟ تجمعونه بالتقتير ولا تعلمون أين المصير، ~~أليست لكم نفس هي أعز عليكم من بنيكم؟ فإن خسرتموها فماذا تربحون ~~وما ينفعكم بعدها ما تجمعون؟ ~~(6) يوحنا فم الذهب # هو من أشهر خطباء النصرانية، وقد نشرنا خطابه الذي دافع به عن أتروب، وهو ~~آية في البلاغة. # كان أتروب رجلا سافل الأصل والأخلاق، بلغ باحتياله ومطامعه ومعونة ~~الإمبراطور أركاد أعلى مقامات الشرف والثروة، وعين قنصلا، فكان أول ~~أعماله اضطهاد الأسقف يوحنا، والحصول على سن شرعة يحظر فيها على ~~الكنائس حماية اللاجئين إليها. # ولكن الدهر بالناس قلب، فهوى أتروب يوما من ذروة مجده، وتخلى عنه ~~الإمبراطور، وأسلمه إلى حقد الشعب الثائر وغضبه، فلم ير مناصا إلا ~~بالالتجاء إلى كنيسة القسطنطينية التي اضطهدها وجردها من امتيازاتها التي ~~كانت تخولها حق الحماية. # وكانت الغوغاء تتعقبه محاولة الفتك به، فنهض يوحنا وأخمد ببلاغته هياج ~~الشعب وأخرس صوت الانتقام، مدافعا عن عدوه الساقط. # ولم يكن أكثر روعة من مشهد ذلك الجمع يحاول اقتحام المعبد للانتقام، ~~وأتروب ms078 مختبئ خلف المذبح يتمرغ على قدمي الأسقف، قال: # إذا صح قول الحكيم باطل الأباطيل كل شيء باطل، فلا أجد حالا ~~يصدق فيه هذا القول وينطبق عليه كحالنا اليوم، أين عظمة ~~القنصل ومجده؟ أين هي الجنود التي كانت تمشي في خدمة الظافر؟ ~~ماذا جرى بالهتاف والتصفيق والولائم والأفراح؟ إلى أين انتهى ~~ذلك الازدحام على الأبواب والترامي على الأعتاب؟ لقد تبدد ~~كل هذا تبدد الغيوم. عصفت الريح فجردت الشجرة من أوراقها، ~~وقطعت الصلات التي تربطها بالأرض، وها هي الآن تحاول محو ~~آثارها. أين أنتم أيها الأصدقاء المنافقون والرفقاء ~~المملقون؟ وما حل بتلك المآدب الفخمة تتدفق فيها سيول ~~الخمور، ويحفها الإخلاص الكاذب، ويشرف عليها الولاء الملبس ~~بالرياء؟ ذهبت تلك البحبوحة كأن لم تكن، وزالت كالحلم ~~وتناثرت كزهر الربيع. سراب غرار. بخار لامع يبدو حينا ثم ~~ينقطع. باطل الأباطيل كل شيء باطل. # هذه الآية يجب أن تطبع بأحرف من نور على الأبواب والجدران ~~وكل مكان، يجب أن تطبع في أعماق القلوب، وتكون حديثنا الدائم ~~لنتعلم منها إلى أي حد يمكن الاتكال على ظواهر الثروة وصداقة ~~البشر. # ألم أقل لك غير مرة أن الغنى ظل زائل فلم تصدق. كنت أقول ~~فتغضب. كنت أقول لك إن الذين يحرقون بخور الثناء بين يديك ~~ليسوا بأصدقائك، وإن تعنيفي لأجدى لك من تمليقهم، وإن ~~الجراح التي تؤتى عن يد الصديق لأفضل من قبلات الخائن فلو ~~احتملت هذه الجراح لما كنت الآن تئن من جور الساعين إلى ~~هلاكك. # أين هم ضيوفك الذين كانوا يمجدونك بالأمس لينجدوك اليوم؟ ~~هيهات! لقد نفروا منك واختفوا عنك مخافة أن يقال إن لهم صلة ~~بك، أما نحن الألى احتملوا غضبك وجورك فإننا نحميك بعد ~~سقوطك، وهذا المعبد الذي حاربته يفتح صدره لك ويبسط جناحه ~~عليك. # لا أريد الشماتة والاشتفاء، ومعاذ الله أن أحاول إغراق شقي ~~غلبت عليه الزوبعة، ولكني أريد أن أظهر الخطر لمن ينام آمنا ~~غدرات الزمان، فليعتبر كل مغرور تسكره خمرة الفوز بما ~~أصاب هذا الرجل. # لقد رأيتموه بالأمس عندما توافدت رسل الإمبراطور ms079 للقبض عليه، ~~وقد علت صفرة الموت جبينه، واصطكت أسنانه فرقا، ونفضت ~~الرعدة في مفاصله، ولا تزال نافضة حتى الساعة. # أنا لا أسدد نحوه سهام اللوم، ولا أزيد شقاءه بالإهانة، ~~فالشقاء لا يدعو إلا إلى الرحمة، وهذا ما أطلبه منكم، ~~فلتكن رحمتنا على قدر شقائه، ولتلن القلوب القاسية التي ~~تلومنا لأننا لم نقفل في وجهه أبواب هذا الهيكل. # أيها الإخوان علام تغضبون؟ ألأننا حمينا في الكنيسة من ~~حاربها؟ أو ليس الأصح أن نسر ونحمد الله؛ لأنه حبانا ~~النصر، وأجبر هذا العدو ألا يجد عونا إلا في قوة كنيسته ~~ورحمتها؟ أقول قوتها لأنه لم يهو إلى الحضيض إلا لأنه ~~ناوأها، وأقول رحمتها لأنها تريد اليوم أن تحمي من اضطهدها ~~وتفتح له كالأم صدرها. هل ثمة نصر مبين كهذا النصر؟ أو ~~يمكن أن تفحم أعداءها بأبلغ من هذا البرهان؟ وأي برهان ~~كالعفو عن عدوها المترامي على أقدامها ودرء غضب الناس عنه، ~~والوقوف لحمايته بين غضب الأمير وانتقام الأمة؟ ألا تجدون ~~أنه أجمل وسام يرصع به صدر هذا الهيكل؟ # رب معترض يقول: كيف نسمي انتصارا تدنيس هذا المقام بوجود ~~الخائن الأثيم فيه. على رسلكم يا إخواني! أنسيتم تلك الخاطئة ~~التي ارتمت على قدمي السيد وأخذت تقبلهما. حذار أن لا يكون ~~إيمانكم سوى حب انتقام، واذكروا ما قال المسيح: «سامحهم ~~لأنهم لا يعرفون ما يعملون.» # قد يعترض أيضا أنه هو الذي قفل هذا الملجأ في وجهه بالشرعة ~~التي سنها. ألا فانظروا عبرة ذلك فإنه اليوم أول من عصى هذه ~~الشرعة، فيستطيع أن يتبين فسادها، وكأني به يقول لكم لا ~~تقتفوا أثري ولا تترسموا خطاي إذا أردتم أن لا تتعذبوا ~~عذابي، ما أبلغ هذا المصاب! وما أقوى النور المتفجر من هذا ~~المقدس! ما أبهى العظمة التي تكتنفه منذ قبض على هذا الأسد! ~~هكذا صورة الأمير لا يعليها في عيوننا التاج المرصع وحلة ~~الأرجوان، بل يعليها البربر المقيدون بالسلاسل عند قدميه؛ ~~أيديهم وراء ظهورهم ورءوسهم منحنية إلى الأرض. # لم تشهد البلاد في أعظم أعيادها حفلا كهذا. لقد ms080 أقفرت الدور ~~والخدور والطرق، وأقبلتم جميعا رجالا ونساء لتشهدوا تقهقر ~~الضعف البشري، وزوال المجد الدنيوي، وانصرام أسباب الفخر ~~الكاذب، ما أعظمها عبرة للأغنياء! رجل كان بالأمس يهز العالم ~~بحركة من حاجبيه يصبح اليوم يرجف فرقا كأحقر الحيوان! بل ~~هي عظة للفقير أيضا يتعلم بها العزاء فلا يشكو ولا يتذمر، ~~بل يحمد الفقر الذي جعله في مأمن من هذه التقلبات والغير. ~~فاليوم هو درس للجميع أغنياء وفقراء، كبارا وصغارا، عبيدا ~~وأحرارا. كل يجد لدائه دواء ولآلامه عزاء. # هل استطعت أن أحرك عواطفكم، وأهدئ ثائرتكم، وأجد سبيلا إلى ~~قلوبكم؟ نعم، أتجرأ على الافتخار بذلك، فإن نور الرحمة يتدفق ~~من وجوهكم، وهذه الدموع الجائلة في الآماق دليل عليها. إذن ~~فلنجن ثمار هذا الكرم الذي أظهرتموه والرحمة التي أبديتموها ~~بالارتماء على أعتاب الأمير، أو بالأحرى فلنجثو هنا أمام ~~الله ليتنازل ويلين قلب الأمير. # مهما تكن جريمة الرجل فاليوم يوم الرحمة لا العدل، والشفقة ~~لا الانتقام، واللين لا الشدة، فلننس الإساءة، ولنسأل الله ~~للآثم غفرانا وعمرا طويلا؛ ليكون له متسع من الوقت للندم ~~والتوبة والتكفير. ~~(7) بوسويه # من تأبين هنريت فرنس ملكة إنجلترا # مولاي # 1 # إن المستوي على العرش في العلاء الذي به تقوم الممالك، والذي وحده له ملك ~~السموات والأرض وهو على كل شيء قدير؛ هو وحده يضع الأحكام للملوك، ويسن ~~لهم النظم، ويلقي عليهم متى شاء دروسا عظيمة هائلة، وهو الذي يرفع ~~العروش ويثلها، ويخلع السلطة على الأمراء أو عنهم؛ ليدلهم على ~~واجباتهم نحوه مظهرا لهم بهذا الأخذ والمنع أن كل عظمتهم مستعارة، ~~وأنهم لا يزالون في قبضة يده وتحت إمرته، هكذا يعلم الملوك لا بالخطب ~~وحدها بل بالنتائج والعبر. # أيها المسيحيون الذين أقبلوا من كل صوب وحدب لذكرى ملكة عظيمة هي بنت ~~ملوك، وزوجة ملوك، ووالدة ملوك. سيريكم هذا الخطاب مثلا من تلك الأمثلة ~~الهائلة التي تظهر بطلان العالم. سترون في حياة واحدة كل نهايات الأشياء ~~الدنيوية؛ السعادة التي لا حد لها، والشقاء الذي لا شقاء بعده، سترون ~~أعظم تيجان العالم، وأبهى ما ms081 عقده تالد المجد وطريفه على رأس إنسان هدفا ~~لتقلبات الزمان وغير الحدثان. سترون بعد الانتصار عبث الثورة والاختلال ~~والظلم. سترون ملكة هاربة من ممالكها الثلاث ولا مأوى لها ولا مجير. ~~سلسلة أسفار في عرض البحار وسط الزوابع والأمطار. عرش يثل بلا حق ثم ~~يعاد بأعجوبة. تلك هي الدروس التي يلقيها الله على الملوك؛ ليظهر للعالم ~~زوال مجده وبطلان عزه، وإذا قصر اللسان عن إيفاء هذا الموضوع حقه من ~~البيان، فالأشياء ناطقة لنفسها، وأبلغ منا جميعا قلب هذه الملكة الذي ~~سما إلى أعلى ذروات المجد، ثم هوى إلى أسفل دركات الشقاء. ~~(8) لاكوردير # خطيب نوتردام كان يحرر مع لامنه في جريدة المستقبل، فحوكم الاثنان بتهمة ~~التشنيع بالحكومة والحض على العصيان وبرئا، قال في مطلع دفاعه عن نفسه ~~يوم المحاكمة: # أيها السادة # أقف فيكم وبي ذكريات لا تحول ولا تزول، فقد كان الكاهن فيما ~~مضى يحمل إلى الشعب شيئا مما يبعث على الحب، أما اليوم فإني ~~أشعر أمام الاتهام أن اسمي أبكم، وكهنوتي لا يجدي في الدفاع ~~عني فتيلا، لقد جرد الناس الكاهن من هذا الحب القديم الذي ~~كان له في نفوسهم، وذلك عندما تجرد هو نفسه من خلقه السامي ~~فلم يعد رجل الله ولا رجل الحرية. لقبان لا يفترقان في ذهن ~~البشر ولا في مقادير العناية. عروتان أزليتان تربطان الهيكل ~~بالعالم، ولا يمكن الفصل بينهما دون أن يشهد الكاهن موت ~~الإله الذي يعبده والحرية التي أنكرها. # إلى أن قال في ختام المرافعة: # لقد قمت بالواجب علي أما واجبكم أيها السادة فهو تبرئتي ~~ولا أطلبها لنفسي، فما كنت ممن يهاب السجن أكثر مما يهاب ~~الله، ولكني أطلبها لتكون خطوة أولى منكم نحو اتحاد الإيمان ~~والحرية. # أطلب البراءة كي يتعلم أولئك المأجورون المستبدون أن العدل ~~لم يمت في فرنسا، ولا يمكن أن تضحوه لعقائد قديمة وسخائم عصر ~~خلا، إذن أرجوكم أن تبرئوا يوحنا باتيت هنري لاكوردير؛ لأنه ~~لم يذنب بل تصرف تصرف الوطني، ودافع عن إلهه والحرية، ~~وما عملته يا سادة تجدونني مستعدا لعمله ms082 كل حين. # ومن خطبة له في وداعه نوتردام، وهي آخر خطبة # أودعكم وفي الصدر عاطفتان متناقضتان؛ الأولى: السرور أنني أديت ~~الواجب علي، وخدمت الكثير منكم في عصر قلما تجدي فيه خدمة ~~الواجب، والثانية: الأسف لدى التفكير أن عملا كهذا لا يتم دون أن ~~يخلف العامل فيه أجل شيء من عمره وقواه. # يقول دانت في مطلع قصيدته: «في منتصف طريق الحياة استيقظت فإذا بي ~~وحدي وسط غابة كثيفة.» يا سادة إني وصلت إلى هذا الموقف من الحياة ~~حيث يودع المرء آخر شعاع من الشباب، وينحدر بسرعة نحو شواطئ العجز ~~والنسيان، وإني لراض بهذا الانحدار؛ لأنه مكتوب لي غير أني أريد ~~أن أقف قليلا وأتملى اللذة الباقية لي، وهي أن ألقي نظرة على ~~الماضي، وأعيد معكم يا رفقاء الطريق تلك الذكريات التي حببت إلي ~~هذا المنبر وهذا الجمهور. # هنا انفتحت نفسي لأنوار العزة الإلهية ونزل الغفران على آثامي. على ~~أعتاب هذا الهيكل رقيت درجات الكهنوت، ومن على هذا المنبر الذي ~~رعيتموه بالإصغاء والتهليل تجلت لي وظيفتي، هنا وجدت بعد منفاي ~~الاختياري الثوب الذي أقصاني عنه حرماني باريس نحوا من ربع قرن. ~~هنا في غد الثورة بين بقايا العرش ومشاهد الحرب توافدتم لتسمعوا من ~~فمي الكلام الصاعد من هذه الأنقاض فصفقتم له. هنا نشأت الشعائر ~~التي عززت حياتي فوجدت وأنا في وحدتي بعيدا عن العظماء وعن ~~الأحزاب؛ نفوسا أحبتني. # يا جدران نوتردام! أيها القبة المقدسة التي تردد فيها صدى صوتي ~~الضعيف. أيها المحراب الذي باركني. هيهات أن أنفصل عنكم. أحن إليكم ~~وأردد مآثركم وأتذكر بركاتكم كذكرى إسرائيل لصهيون. # وأنتم ياسادتي الألى غرست فيهم على اختلاف أعمارهم الحقائق المقدسة ~~والتقاليد السامية إني سأبقى متحدا معكم في الآتي كما في الماضي، ~~وإذا خانتني يوما قواي إذا لم يعد يؤثر فيكم بقايا صوت، كان ~~عزيزا عليكم فلن ترموا من أجله بالعقوق؛ إذ لا شيء بعد الذي كان ~~يقدر أن يزيل هذا الأثر؛ وهو أنكم كنتم مجد حياتي وإكليلي ~~للأبدية. ~~(9) ميرابو # من خطبته سنة 1789 بعدما غادر ms083 لويس السادس عشر المجلس ~~الوطني # أيها السادة # لا ريب أن فيما سمعتموه الآن منجاة للوطن لو كان في الإمكان أن نثق ~~بوعود الاستبداد. ما هذا الظلم الشائن؟ يستبيحون حرم هذا الهيكل ~~والسلاح في أيديهم ليأمروكم أن ترضوا وأن تستعدوا ومن الآمر؟ ذاك ~~الذي يدعي الوصاية عليكم، يسن لكم شرائع الاستبداد القاسية في حين ~~عليه أن يستمد منكم التشريع. منكم أي منا نحن اللابسين حلة الكهنوت ~~السامي الذي لا يمس. 25 مليونا شاخصة إلينا بأبصارها وأفكارها ~~منتظرة أن نقدم لها سعادة أكيدة تقوم على أساس مكين ثابت، ولكن ما ~~لي أرى حرية اجتماعكم مقيدة والقوة المسلحة تحيط بالمجلس؟ أين هو ~~العدو؟ هل كاتيلينا على الأبواب؟ وأطلب منكم إذن أن تحافظوا على ~~عهودكم، ولا تفترقوا قبل أن تقيموا الدستور. # وكان نائب الملك حاضرا فلما رأى النواب لم يتفرقوا قال: «سمعتم يا ~~سادة، إرادة الملك.» فصاح به ميرابو: # نعم سمعنا ما لقنوه الملك، أما أنت الذي لا يمكن أن ~~يكون رسوله إلى المجلس، ولا ممثله بيننا أنت الذي لا ~~صوت له هنا ولا مقام ولا حق بالكلام، لا يجوز لك أن ~~تذكرنا خطابه. على أنه منعا للبس واجتنابا للتأخير ~~أقول لك إن كنت مكلفا بإخراجنا من هنا فعليك بإحضار ~~الأمر لاستعمال القوة. اذهب وقل لمولاك إننا هنا بقوة ~~الشعب، ولا سبيل إلى إخراجنا إلا بقوة الحراب. ~~(10) نابليون # من خطبة له بعد موقعة أوسترلتز # أيها الجند إني راض عنكم. لقد كنتم يوم أوسترلتز عند ظني فيكم، ~~فخلعتم على ألويتكم حللا من المجد لا تبلى. في أقل من أربع ساعات ~~حطمتم جيشا يربو على مائة ألف مقاتل بقيادة إمبراطورين. أربعون ~~علما ومائة وعشرون مدفعا وعشرون قائدا وثلاثون ألفا من الأسرى ~~تلك كان نتيجة ذلك اليوم المشهود. # لقد أصبح السلم قريبا، ولكني لا أريده إلا كما وعدتكم قبل عبوري ~~الرين؛ أي سلما أكيدا يكون فيه الضمان لنا والمكافأة ~~لحلفائنا. # أيها الجنود عندما وضع الشعب الفرنسي هذا التاج على رأسي كان جل ~~اعتمادي عليكم لتحفظوا له مجده ms084 اللامع الذي بدونه لا قيمة له في ~~نظري. أيها الجنود سأعيدكم إلى فرنسا بعد أن نحقق كل ما يكفل ~~الهناء للوطن، فتكونوا موضع الإعجاب والإكرام، وتستقبلكم الأمة ~~بسرور وافتخار، وحسبكم يومئذ أن يقول الواحد منكم لقد شهدت ~~أوسترلتز؛ ليسمع من حوله: إنه لبطل. # ومن خطبته في فونتيلو # وداعا يا حرسي القديم، لقد مشيتم معي عشرين عاما في سبيل المجد ~~والشرف، وما برحتم في السراء والضراء مثالا للشجاعة والأمانة، ومن ~~كنتم حوله لا يئوب بالفشل، ولكن الحرب قد طالت وربما استعرت حرب ~~أهلية لا تخرج فرنسا منها إلا أسوأ حالا؛ ولذلك أضحي بنفسي في ~~سبيل الوطن. # سأرحل وحدي، أما أنتم فثابروا على خدمة فرنسا. إن سعادتها كانت ~~غاية مناي، وستبقى أقصى مشتهاي. لا تندبوا سوء طالعي، وما رضيت ~~بالحياة بعد هذه النكبة إلا لأخدم مجدكم. أريد أن أكتب الأشياء ~~العظيمة التي عملناها. وداعا يا أولادي، أود أن أضمكم جميعا إلى ~~صدري، فأكتفي بتقبيل لوائكم. أيها النسر العزيز دعني أقبلك، ~~ولتسر هذه القبلة في قلوب كل الشجعان. ~~(11) لامارتين # نذكر هنا ما رواه لامارتين عن نفسه يوم احتدم الجدل بينه وبين الشعب ~~الثائر، وقد وقف على المنبر بين الصخب والهياج، وهو لا يدري ما يكون ~~مصيره، وكان غير واحد من الخطباء يزاحمه بالمنكب يمينا وشمالا، ويحاول ~~أن يزيحه من مكانه، ولكنه تمكن بالساعد والكتف من إقصائهم عنه، فإذا به ~~وحده أمام هذا الجمهور، وقد خفت ضوضاؤه وسكنت جلبته ومال إلى الإصغاء ~~فقال: أي أبناء أمتي لماذا دعوتموني؟ # أصوات ~~: # لنعرف بأي حق تحكمون الشعب؟ وهل نحن أمام رجال الظلم ~~والخيانة، أم أمام وطنيين هم أهل لهذه الثورة؟ # لامارتين ~~: # بأي حق نحكمه؟ بحق الدم المسفوك والنار التي تلتهم معاهدنا، ~~والشعب الذي يعوزه الرئيس، والأمة التي لا قائد لها ولا ~~نظام، وربما جاء الغد وليس لها قوت، بحق الإخلاص والشجاعة ~~بحق أولئك الذين يسبقون إلى التضحية جاعلين ضمائرهم هدفا ~~للشبهات ورءوسهم غرضا للمشانق، ودماءهم عرضة للانتقام. ~~أتحسدوننا على هذا الحق؟! إنه لكم كما لنا ولا نجادلكم ms085 فيه. ~~كلكم أهل للتطوع في هذا السبيل، ولا ندعي من الحقوق إلا ما ~~يمنحه الضمير الذي يسيطر علينا، والخطر الذي يحيق بكم. إن ~~الشعب في حاجة إلى رؤساء، وقد دعانا فلبينا أفتريدون أن لا ~~ينتهي عهد الدم والنار. # أصوات ~~: # لا لا. بلى بلى. لا حق لكم باستلام الحكم. لستم من الشعب. ~~لم تخرجوا من وراء المتاريس. # أصوات ~~: # لا لا. بل هم الذين احتجوا على الفساد، ودافعوا عن الشعب، ~~فليخبرونا ما هو الحكم الذي يريدون أن يعطوه. لقد قلبنا ~~الملكية، فليقل لامارتين أيريد أن يعطينا الجمهورية أم ~~لا؟ # لامارتين ~~: # الجمهورية! ومن تلفظ بهذا الاسم؟ ~~- كلنا، كلنا. # لامارتين ~~: # الجمهورية! وهل تعرفون ما تطلبون؟ أتعرفون ما هو الحكم ~~الجمهوري؟ ~~- قل لنا، قل لنا. # لامارتين ~~: # الجمهورية هي حكم العقل، فهل تشعرون أنكم أهل لتحكموا ~~عقولكم؟ ~~- نعم نعم. # لامارتين ~~: # الجمهورية هي حكم العدل، فهل تشعرون أنكم تعدلون ولو في ~~الحكم على أنفسكم؟ ~~- نعم نعم. # لامارتين ~~: # الجمهورية هي حكم الفضيلة، فهل تشعرون أنكم فضلاء، وفيكم من ~~الرحمة والحنان ما يجعلكم أهلا لأن تقبلوا التضحية، وأن ~~تنسوا الإساءة، وأن لا تحسدوا من هو أسعد حالا منكم، وأن ~~تعفوا عن أعدائكم، وأن تجردوا قلوبكم من هذه الأحكام ~~القاسية؛ النفي، والشنق، والقتل. سائلوا أنفسكم، وارجعوا إلى ~~ضمائركم، ثم انطقوا بالحكم لكم أو عليكم. ~~- نعم نعم. نشعر أننا أهل لهذه الفضائل. # لامارتين ~~: # أتشعرون بذلك؟ أتقسمون عليه؟ أتشهدون عليكم الله؟ ~~- نعم نعم. # لامارتين ~~: # إذن أنتم قلتم. الجمهورية، إذن كنتم أهلا للمحافظة عليها ~~كما كنتم أهلا للوصول إليها. ~~(12) فكتور هيكو # من خطاب له في مجلس النبلاء يؤيد طلب جيروم نابليون الإذن بالعود من ~~منفاه سنة 1847 # أيها السادة # لا حاجة للقول إنني لا أريد أن أثير أحقادا أو شجونا، ولكني أشعر لدى ~~صعودي هذا المنبر أنني أؤدي واجبا علي. إن الذي يدفع هذا العاجز إلى ~~نصرة جيروم نابليون وهو في منفاه ليست فقط عقائد نفسي، بل كل تذكارات ~~حياتي، فكأنما في هذا الواجب شيئا من الوراثة، ويخال لي أن أبي ذلك ~~الجندي ms086 القديم للملكية هو الذي يأمرني بالوقوف والكلام. # أيها السادة: # هذه المادة من القانون الفرنسي التي تنفي إلى الأبد أسرة نابليون من ~~الأرض الفرنسية تبعث في نفسي شيئا لا أعرف له نظيرا، ولا أستطيع عنه ~~تعبيرا. ولكي أسهل عليكم فهم فكري، سأفترض فرضا مستحيلا: لا ريب أن ~~تاريخ الخمس عشرة الأولى من هذا القرن ذلك التاريخ الذي كتبتموه أنتم ~~أيها القواد والأبطال المحترمون الذين أنحني أمامهم، والذين يصغون إلي ~~في هذا النادي، ذلك التاريخ لا يزال له دوي في سمع العالم قاطبة، وربما ~~لا تجدون في أقصى المعمور رجلا لم يسمع به، فقد وقفوا في الصين بين ~~معابد الآلهة على تمثال نابليون. أجل إني أفترض - وهذا هو الافتراض ~~المستحيل، ولكنكم تسمحون به - أفترض أن في زاوية من هذا الكون الواسع ~~رجلا لم يعرف شيئا من هذا التاريخ، ولم يسمع أبدا باسم الإمبراطور، ~~وأفترض أن هذا الرجل جاء فرنسا، وقرأ هذه المادة التي تقول: «إن أسرة ~~نابليون منفية إلى الأبد من أرض فرنسا.» أفتدرون ما يجول في خاطر هذا ~~الغريب؟ إنه لدى هذا العقاب الهائل ليتساءل: من ترى يكون نابليون هذا؟ ~~ويقول في نفسه إنه ولا ريب كان مجرما عظيما، وإنه من المؤكد أن عارا ~~لا يمحى لاحق باسمه، ولعله أنكر آلهته وباع أمته، وخان وطنه إلى آخر ما ~~هنالك، إن هذا الغريب ليتساءل بشيء من الجزع: ما هي الآثام الفظيعة التي ~~استحق من أجلها نابليون هذا أن يعاقب مثل هذا العقاب في سلالته إلى ~~الأبد. # أيها السادة: # هذه الآثام سأعددها لكم: هي الدين مرفوع الرايات، هي القانون المدني محكم ~~الآيات، هي فرنسا متسعة النطاق إلى أبعد من حدودها الطبيعية، هي مارنكو، ~~يانا، وأكرام، أوسترلتز هي أغلى وأبهى مهر من القوة والمجد يستطيع رجل ~~عظيم أن يقدمه إلى أمة عظيمة. # أيها السادة: # إن شقيق هذا الرجل العظيم يستعطفكم في هذه الساعة. هو شيخ عاجز، هو ملك ~~قديم يسترحمكم اليوم. أعيدوا له أرض الوطن. إن جيروم نابليون لم يكن له ~~في الشطر الأول ms087 من حياته إلا رغبة واحدة أن يموت في سبيل فرنسا، ولم يكن ~~له في الشطر الثاني من حياته إلا فكرة واحدة؛ أن يموت في أرض فرنسا، فلن ~~تخيبوا له هذا الرجاء. ~~(13) غامبتا # من خطبة له في كرنوبل، وقد تذكر مرور نابليون بها عند إفلاته من ~~جزيرة ألبا # لا لا، إن العطف على من يريد الانضواء تحت لواء الحزب الجمهوري ليخدمه ~~بإخلاص حق للحزب، بل واجب عليه، ولكنه لا يستطيع أن يبوئ مقاعد المجلس ~~ألد أعدائه دون أن يستهدف للخطر، ويهدم عظمة فرنسا ومستقبلها، لا لا، ~~إن هذا العمل لينافي حق السياسة وحق الآداب التي لا يجوز فصلها ~~عنها. # يحضرني الآن تذكار أريد أن أشرككم فيه؛ لتروا هول الخطر الذي يكون في ~~السياسة من وراء الاستسلام للمنافقين. # نعم في هذا البلد أقام حينا ذلك الرجل الذي أكسبنا المجد وجر علينا ~~الويلات، وطئت قدماه هذه الأرض فرأى كم من السهل أن يضع يده على فرنسا ~~مرة أخرى باستثماره البغض الذي أثاره عودة المهاجرين، أو ليست الحال ~~كذلك اليوم؟ إن فرنسا بنت الثورة ترتجف خوفا من عودة الحكم القديم. ما ~~الذي كان يردده على مسمعها هذا الممثل النابغة؟ كان يقول للفلاحين ~~والعمال: ها قد عدت إليكم أفلا تعرفونني، أنا جندي الثورة جئت أدافع عن ~~حقوقكم وأحمي ممتلكاتكم وأموالكم. أنا وليد الثورة، أنا الثورة بالذات ~~الثورة المتوجة، نعم لقد أخطأت وجل من لا يخطأ، واليوم أحمل لكم كل ~~أنواع الحرية، حرية القول والفكر والعمل، حرية الكتابة والاجتماع، حرية ~~الأمة بدستور النواب المستقلين، نعم كل هذه الحريات يجب أن تنالوها ~~وستنالون. # هذه الوعود قيلت كلها أين؟ هنا في هذا البلد، ولكنها كانت وعودا كاذبة، ~~كانت سرابا خداعا، آخر خدعة قام بها هذا الكورسيكي التائه (هتاف ~~طويل) هذه الوعود الجميلة خدعت فرنسا؛ لأن طيبة القلب تصدق أبدا ما يقال ~~لها، فأخذت بلمعان هذا السراب، وإنكم تعرفون كيف كانت خاتمة هذه ~~المأساة. ~~(14) لاشو # من دفاعه في قضية تروبمان القاتل # حضرات القضاة حضرات المحلفين # لقد سألني تروبمان أن ms088 أدافع عنه، فإذا بي أمام واجب لا بد من أدائه، ~~وربما أدهش موقفي هذا بعض الذين يجهلون وظيفة المحامي. إن الذين قالوا إن ~~من الجرائم ما يفوق هولها كل وصف، ومن المجرمين من بلغوا غاية القسوة ~~والفظاعة، فمن العبث أن نسعى إلى تخفيض عقابهم، أقول إن هؤلاء ليسوا على ~~حق وهم في غضبهم المحمود يخلطون بين العدل وحب الانتقام. هؤلاء يتبعون ~~عاطفة النفس الكريمة مشفقين على الضحايا، ولكن إشفاقهم يجرهم من حيث لا ~~يدرون إلى ارتكاب ذنب اجتماعي هو من أشد الذنوب خطرا؛ لأن فيه تضحية ~~القانون. أما أنا فأفهم واجبات الدفاع على خلاف ذلك؛ لأن المشترع أراد أن ~~يكون إلى جانب المتهم أيا كان صوت شريف صادق يرتفع؛ ليوقف - إذا ~~أمكن - تأثيرات الجمهور تلك التأثيرات الصادرة عن طيبة نفس، ولكنها قد ~~تكون وخيمة المغبة؛ لأنها تستطيع أن تطمس الحقيقة. # القانون لا يغضب يا سادة، ولا يعرف هذا الفوران مهما يكن كريما شريفا. ~~القانون يقول إنه لا سبيل إلى الحقيقة إلا إذا اشترك الاتهام والدفاع في ~~البحث عنها. هو أدرك أن هناك ساعة يجب أن تتحول فيها الأبصار عن مشهد ~~الدماء، وأن يلقي من بعد المجني عليه نظرة على الجاني، بل رأى أن من ~~واجبات العدل والقضاء أن يسأل هذا الجاني، وتدرس حالة عقله ونفسه ~~وسلطان الطبيعة والعادة عليه، حتى إذا تم له ذلك قال للمحامي: قف على ~~المنبر أنت وضميرك. هذه هي أول كلمة يخاطب بها الرئيس المحامي. لقد وكل ~~المشترع إلى شرفه حق الدفاع وحرية الدفاع؛ ليوفق بين حقوق الاجتماع ~~الشرعية وحقوق المحاماة المقدسة هنا، ولا حاجة للقول إننا في مثولنا ~~أمامكم اليوم أيها السادة نبحث بنزاهة وإخلاص مجتهدين في كشف النقاب عن ~~الحقيقة كما نفهم. # أي جريمة في العالم تضاهي هذه الجريمة وتفتقر مثلها إلى الدفاع؟ لقد ~~اهتزت البلاد من أقصاها إلى أقصاها لهذه الجناية الفظيعة، وتعالت الأصوات ~~من كل الصدور طالبة الانتقام وإنزال العقاب الصارم بالجاني. أفتدركون ~~أيها السادة أن كلام المحامي هو ليقيكم هذا الخطر، ms089 لقد أقسمتم أن لا ~~تظلموا الاجتماع ولا المتهم، وأخذتم العهد على أنفسكم أن لا تخرجوا عن ~~الحقيقة مجردين من عاطفة الهوى أو تأثيرات الجمهور، أقسمتم أن تدعوا ~~الحكم إلى ضمائركم بعد أن تستوفوا التأمل، وبعد أن تستوفوا السماع، ~~فأستحلفكم إذن أن تسكتوا هذه الضمائر، وأن تنتظروا فلا تستشيروها حتى ~~النهاية ... # يا سادة سأبحث معكم عن الحقيقة كما أفهمها، ولا أدافع عنها كما يمثلها ~~المتهم، أو تظنون أنني جئت هنا لأعيد الأقوال التي فاه بها؟ أي نظرة ~~تنظرون إذن إلى مهنتي؟ إنها والله لأذل المهن إذا لم يكن قوامها إلا أن ~~يعاد كل ما قاله المتهم في الدفاع عن نفسه، سواء أكان فيه موفقا أو ~~غير موفق. فاطمئنوا فما أنا بملق إليكم غير ما يمليه علي الضمير ~~والواجب، فقد عاشرت الرجل وخبرته، وتحدثت إليه طويلا، وجعلت نفسي ~~حكما عليه قبل أن أصير محاميا له. # الدفاع ملكي وأنا سيده، كلا لست هنا صدى للمتهم، ولي من الشرف ما يكفي ~~ليحمي أقوالي من الزيغ عن الحق والجور عن القصد فاسمعوا. # من هو تروبمان؟ هذا ما لم أبرح أسأل عنه دون أن أجد جوابا شافيا. أإنسان أم وحش كاسر؟ وعاقل أم مجنون؟ تلك هي العقيدة التي لا تحل. إن ما ~~يشعر به النائب العمومي من جراء هذه القضية أشعر به أنا أيضا، ومن هو ~~الرجل الذي لا ينتفض جزعا وغضبا لمرأى هذه الضحايا أو لتذكارها؟ لقد ~~قال لنا الرئيس بالأمس إنه بينما الرعدة نافضة في مفاصل القوم، كان الرجل ~~وحده هادئا لا أثر للحزن عليه. لماذا؟ من أية طينة جبل هذا الإنسان؟ من ~~يكون؟ فلنبحث. ~~••• # لم يكن لتروبمان طفولة ولا شباب كسائر الناس، وإنكم لتذكرون حالة عقله ~~وتقيده بفكرة لا تحول عنها، وفي الحديث الذي أسره لأحد رفقائه معان ~~كثيرة. لقد استولت عليه وهو في السابعة عشرة أفكار غريبة لا تتزعزع؛ ~~والسبب أنه قرأ كتابا أهاج أعصابه وأضاع صوابه، هذا الكتاب هو اليهودي ~~التائه يقص عليه ثروة تبلغ المائتي مليونا، يشتهيها رودين فيقتل من ms090 ~~أجلها أسرة عن آخرها. ستة من الأبرياء يموتون موتا فظيعا. كان هذا ~~الكتاب رفيقه الدائم وسميره ليل نهار، فتركت قراءته أثرا غريبا في ~~دماغه حتى اعتل بدنه، ودبت إليه عقارب المرض، وأصبحت أفكاره كلها ~~منصرفة إلى جهة واحدة محصورة في دائرة لا قبل له بالخروج منها، وأصبحت ~~فكرة القتل قتل ستة من الناس حلما لا يتخلى عنه في قعوده وقيامه ~~ويقظته ومنامه. سلوا أهل العلم يجيبوكم أن مثل هذا الرجل غير صحيح ولا ~~سليم، افحصوه وادرسوه، حولوا نظركم قليلا عن الضحايا إليه، وافهموا ما ~~انطوى عليه، انظروا إلى تركيب جسمه الغريب، إلى ذراعيه ويديه، فقد قال لي ~~بالأمس أحدهم: تأمل إن في صورة هذا الرجل شيئا من الضواري. أجل إذا ~~كانت قضيتنا قضية وحش لا مسئولية عليه فقصاصه الربط والتكميم لا القتل ~~(حركة وضجة في الجمهور). إن ضميري يتكلم، وعندما أتشرف بأداء الواجب فإني ~~أشفق على الذين لا يفهمون ما يجب عليهم من الاحترام لوظيفتي. ~~(15) كليمانصو # من خطبة له، وهو رئيس الوزراء ردا على جورس # أما وقد دقت الساعة لأشرح لكم أعمالي إفحاما للمعارضين فإني أقول: إن ~~أعداء الطبقة العاملة هم في نظري أولئك الذين يشجعونها على التطرف في ~~الفكر، ويبعثون فيها اعتقاد أن عدم احترام الحق والقانون مباح لها. هم ~~أولئك الذين يصورون لها الحكومة في صورة العدو؛ لأنها تقوم بحفظ النظام ~~خدمة للمجتمع. # أقول إن أعداء الطبقة العاملة هم أولئك الذين يدفعونها إلى التمادي في ~~ضلالها؛ فتتوهم أنها معصومة عن الخطأ، وأن من حقها الشرعي أن تحول إلى ~~غيرها الضغط الذي تئن منه. # أقول إن أعداء الطبقة العاملة هم أولئك الذين يقفون في طريق تربيتها ~~باتباعهم هذه الوسائل الباطلة؛ لأن التربية الحقة هي في العمل لا القول. ~~إننا نعلم أن الطبقة العاملة هي أهل للحكم الديمقراطي، كما ترغبون، وكما ~~أتمنى يوم تأتي أعمالها مطابقة للحق الذي تحاول الانتساب إليه. هذه هي ~~التربية التي يجب أن تعطى لها ولن تكون بالكلام. # هذه التربية جربت أن أقوم بها، ولكني لم ms091 أجد جورس إلى جانبي لا في ~~«لانس» ولا في «دونين». لست بحاقد عليك لذلك، ولكن من يدري وأنت ذو ~~السلطة الواسعة والكلمة المسموعة فيهم، من يدري لو أنك أضفت كلامك إلى ~~كلامي وصوتك إلى صوتي؟ من يدري كم من فائدة كنا جنيناها وفاجعة كنا ~~أقصيناها؟ # لا أرميك بالخطأ، ولكن أقل ما يجب عليك بعد أن رأيتني في ميدان العمل ~~والواجب؛ أن تكون أكثر عطفا على الوزير الذي تحاربه (حسن حسن). # لا ريب أنك تشرف علي من أعالي قمة أفكارك الاجتماعية، ولك مقدرة غريبة ~~أن تخلق بعصاك السحرية جنات الفردوس، أما أنا فعامل بسيط يقدم حجره في ~~بناء هذا الهيكل الذي لن نراه، والفرق بيني وبينك أن فراديسك تتداعى ~~وتنهار لأدنى نسمة من الحقيقة، لكن هذا الهيكل الجمهوري سيناطح السماء ~~يوما (تصفيق في اليسار). # الحق - أقول لك - أنه يجب التمييز في النظام الاجتماعي بين الصورة ~~والإطار، من السهل إصلاح الإطار علما، ولكن الإصلاح العملي يقتضي النظر ~~في الصورة، وإذا كان في الإمكان أن يتلاءم الإنسان مع النظام الذي تريد ~~تغييره أصلحوا الإنسان أولا، وهو يعرف لنفسه أن يجد الإطار الموافق بدون ~~أن يهتم بتعاليمكم، أو نبوءاتكم التي لن تتحقق. # أنا لا أدري إلى أية نتيجة وصلتم، ولكني أستطيع أن أقول إنه إذا تم لكم ~~هذا الإطار الجديد بقي عليكم أن تدخلوا فيه إنسانا جديدا يقوى على ~~الحياة في هذا الاجتماع الذي ولده دماغكم؛ لأن الإنسان الحاضر هو غير ~~ما تريدون ليعيش فيه. # على كل حال هناك نقطة هامة يظهر فيها خطأ آرائكم وضلال مذهبكم، وهو أن ~~الرجل الذي تحتاجون إليه لتحقيق أحلامكم وتكوين هيئتكم الآتية غير موجود، ~~ولو فرضنا أنه وجد يوما فسيستعمل ذكاءه كما يريد هو بدون أن يهتم ~~بالطريق التي تختطونها له. # تدعون أنكم تضعون المستقبل مباشرة، أما نحن فنضع الإنسان الذي يتوقف ~~عليه المستقبل فأعجوبتنا أعظم وأبدع. نحن لا نخلق إنسانا خصوصيا، بل ~~نأخذ الرجل كما هو بما عليه من آثار الخشونة الأولى خشونة الكهوف، وبما ~~فيه من ms092 تمرد وأنانية وجودة وإشفاق للآلام التي يتحملها أو يحملها ~~إخوانه، نأخذه غير معصوم من الخطأ ونهديه وننميه ونضعفه من جانب الشر، ~~ونقويه من جانب الخير، ونعطيه الحرية، ونخرج به من ظلمات الحكم الغاشم ~~إلى أنوار العدل السامي (تصفيق) فيتقرب من الكمال يوما بعد يوم ويصير ~~أقدر على إدارة نفسه والتصرف في العالم الذي حوله (تصفيق). # ولكن حذار حذار، فإنكم إذا خدعتم الرأي العام بوعود لا يمكن تحقيقها، فإن ~~الرأي العام ينقلب عليكم. إذا حببتم الشدة ومهدتم سبيلها فلا تنسوا أنها ~~ستمشي إليكم آجلا أو عاجلا، إذا ثابرتم على خطتكم العدائية من تصوير ~~الحق في صورة الباطل والافتئات على الحكومة، بينما هي لا تألو جهدا في ~~ترقية الطبقة العاملة، فإن اليوم الذي تصلون به إلى غايتكم لنذهب ضحية ~~أعمالكم هو يومكم الأخير أيضا (تصفيق). ~~(16) جوريس # من خطبة جوريس في فضائح بناما سنة 1893 # أتظنون أن رجلا لم يأخذه الدهش والذعر، ولم يتأثر ضميره كل التأثر ~~عندما كانت البلاد بأسرها تسمع وترى تلك الفضائح، عندما فاجأ الأمة ~~ذلك النبأ الغريب، وهو أن من مئات الملايين التي أنفقتها ذهب ~~نحو الثلثين إسرافا وتبذيرا عندما أتيح لها أن تشهد الفساد ~~جامعا بين رجال السلطة وأصحاب الأعمال، ورأت بعينيها تآخي المجلس ~~والبنوك على حساب المساهمين. # أتظنون أنه لم يكن شيئا مذكورا يوم علمت البلاد أن وزراء ستساق ~~إلى المحاكم، وأن أشياء هائلة ستعلن وتقال؟ يوم جاءت ساعة مثل ~~فيها البعض أمام محكمة التحقيق عالي الرأس، والبعض ملعثم اللسان ~~ساعة تساوى فيها هذا المجلس وندوة العدل، ساعة كان فيها عظماؤنا ~~يمرون من ساحات المجلس المضيئة إلى أروقة القضاء المظلمة؟ # أتظنون أن هذا لم ينتج شيئا؟ ~~تذكروا كلام الشاعر القديم «التراب هو شقيق الأوحال» ورددوا في ~~أنفسكم أن كل هذا الغبار المحرق غبار التعصب الفوضوي الذي أعمى في ~~طريقه بعض الأشقياء، هو شقيق أوحال الرأسمال والسياسة. # وله في موقف آخر # رأيت أحيانا في طريق الجبل بعض الفلاحات العجائز عائدات من الغابة ~~حاملات فوق ظهورهن أحمالا من الأغصان ms093 الخضراء، فكانت الريح عند ~~مرورها بتلك الأغصان المورقة توقظ من حول الفلاحة العجوز حفيف ~~الأحراج الواسعة، ولكن العجوز لم تكن تسمع هذا الحفيف، بل كانت ~~تمشي بخطاها المتثاقلة دون أن تعي نشيد الأحلام الذي كانت تسره في ~~أذنيها قطعة الغاب المحمولة على ظهرها. # أجل هكذا هو العامل المسكين يمشي محاطا بنسمات الطبيعة دون أن ~~يسمعها. كيف تريدون منه بعد جهده الطويل من طلوع الشمس إلى غيابها ~~عندما يشعر أن عمله المنهك ليس عملا حرا، وأنه قد يجرد منه في ~~الغد لغير ما سبب، عندما يجد نفسه مقيدا بأدواته التي تضنيه، ~~وربما فارقها في غده مكرها؟ كيف تريدون منه وهو على هذا الوجه ~~متعب مستعبد يساوره الوجل والإشفاق ألا يتاح له في غده ما يطعمه ~~ويطعم ذويه؟ كيف تريدون منه أن يرتفع فكره بالحلم فوق ضجيج المصانع ~~الذي يصم الآذان ليقول في نفسه إن هذا الضجيج الخارج من الأدوات ~~العاملة هو جزء من الموسيقى الكونية؟ # هذا الشيء سيعرفه في الغد عندما نعطيه الحرية. ~~(17) فيفياني # من خطبة له بعد الانتخابات وهو وزير الأشغال في وزارة ~~كليمانصو # ما الذي يخيفكم إذن؟ إن الذي ترتجفون فرقا منه ليس ما تحويه المطالب ~~الاجتماعية، بل ما تظهره أو تتنبأ عنه. إن الذي تجزعون من أجله هو هذه ~~المواقف الثابتة، والإرادة التي لا تتزعزع، هو الشدة والأهواء الطافحة ~~بها، هو هذا الإشعاع الفكري الدائم، هو هذه الحمى السارية في عروق ~~الجميع. # نعم ولكن من المذنب إن كان ثمة ذنب؟ من خلق هذا العمل الثوروي؟ أي يد ~~أبدعت إنسان اليوم بما فيه من رغائب وجهاد وجسارة وعناد؟ # إن الثورة الفرنسية أطلقت في الإنسان كل جرأة الضمير وكل أطماع الفكر. لم ~~يكف ذلك؛ جاءت ثورة 1848 ومنحت التصويت العام، وأخذت بيد العامل الرازح ~~تحت أثقال العمل، وساوت في السياسة بين الرفيع والوضيع، لم يكف ذلك؛ جاءت ~~الجمهورية الثالثة فجمعت حولها أولاد الفلاحين والعمال وزرعت في هذه ~~الأدمغة المظلمة بذور التعليم الثوروية، لم يكف ذلك؛ جئنا كلنا نعمل باسم ~~الدين، ms094 باسم الآباء والأجداد، باسمنا أنفسنا فنزعنا الإيمان من الضمائر، ~~ولما رأينا الشقي المنهك بعمل النهار يحني ركبتيه عند المساء، رفعناه ~~وقلنا له لا يوجد من وراء هذه الغيوم إلا أوهام، وأطفأنا في لحظة أنوارا ~~في السماء لن تضيء أبدا. ~~(18) لنكولن # من مناظرة بينه وبين القاضي دوجلاس عن المساواة بين الأبيض والأسود # لا غرض لي من التدخل في نظام الرق في الولايات التي يسري فيها هذا ~~النظام؛ لأني أعتقد أنه لا حق لي بهذا التدخل، فضلا عن ذلك فإني لا ~~أشعر في النفس ارتياحا إلى مثل هذا العمل، كما أني لا أقصد إلى المساواة ~~بين البيض والسود سياسة أو اجتماعا؛ إذ ثمة فوارق طبيعية تمنع فيما أظن ~~وقوفهما جنبا إلى جنب على بساط المساواة، وبما أن هذه الفوارق تنشئ ~~تفاوتا في الجنسين فأنا أوافق القاضي دوجلاس على أن تكون السيطرة للجنس ~~الذي أنتمي إليه. # إني لم أصرح فيما مضى بخلاف ما ذكرت الآن على أني - على الرغم مما سبق ~~وذكرت من الأسباب والفوارق - لا أزال مصرا على اعتقادي مجاهرا بأنه لا ~~مانع في الدنيا يمنع الأسود من التمتع بحقوقه الطبيعية المخولة له في ~~تصريح الاستقلال؛ أي الحق بالحياة والحرية والسعي وراء السعادة، وإني ~~لأتمسك كل التمسك بأنه والرجل الأبيض شرع أمام هذا الحق. # أنا أوافق على ما قاله القاضي دوجلاس من أن الأسود يختلف عني من وجوه ~~كثيرة كاللون أو العقل والأخلاق، وأما في حقه أن يأكل الخبز الذي كسبت ~~يده دون أن يستأذن سواه فهو نظيري ونظير دوجلاس، ونظير كل إنسان على وجه ~~الأرض. ~~(19) أرستيد بريان # من خطبة له في قانون الكنائس # إن الصلات التي كانت لنا مع رومة وحل المجلس عراها لا تستطيع حكومة منا ~~أن تعيدها دون أن ترمى بالخيانة. # إني أحب بلادي، وأحب الرقي، وما قبلت بوظيفتي هذه حبا بالمجد والشهرة، ~~وإذا كان في تولي زمام الحكم فرح ولذة، فهو فرح الواجب واللذة بما يستطاع ~~عمله من الخير، على أن هناك مسئولية عظيمة ترافق هذه اللذة، وأنا ms095 شاعر ~~منذ اليوم وقبل اليوم بثقل وطأتها (تصفيق في اليسار والوسط). # إني أسألكم معاشر الجمهوريين الذين بوأتهم ديمقراطية فرنسا هذه ~~المقاعد، أتريدون أن تكونوا على وفاق مع مبادئكم؟ لقد قمنا لكم بيانا ~~طويلا فيما نقصد عمله لمجد الديمقراطية وهنائها، وهذا البيان يتطلب ~~جهدا كبيرا، أفتظنون أن تحقيق هذه المطالب لا يحتاج إلى شيء من الهدوء ~~والطمأنينة والسلام في هذا البلد، أتحسبون أن الوصول إلى الإصلاح ميسور ~~إذا لم نفقأ عين الفتنة، ونسحق أفاعي البغضاء والتعصب، ونقضي على النزاع ~~الديني القضاء الأخير؟ (تصفيق في الوسط واليسار.) # أي سادتي، لا أكتمكم فكري. لقد رسمت في الأحوال التي ذكرتها لكم خطة ~~للزرع جعلتها بعيدة عن الاعوجاج ما استطعت، فلا تلقوا فيها بذورا فاسدة، ~~وإذا كان لا بد للشوك من أن ينمو فيها فلست أنا بحاصدها يوما بل سواي ~~(تصفيق). ~~(20) موسوليني # من خطبة له في جماعة القمصان السود في فلورانسا سنة 1930 # لقد طهرنا البلاد فلم يبق فيها من الأحزاب من نهاب دعوته أو نخاف فتنته، ~~أما الذين خرجوا عنا ولا يزالون يناصبوننا العداء في خارج إيطاليا، فما ~~أبعد المسافة بين ما يعملون وما يرموننا به من الأغلاط التي نعلم حق ~~العلم أنها حقائق راسخة أقيم عليها بناء الفاشيست المتين. # وهناك أعداء آخرون يجهلون كل الجهل قوى الفاشيستية ويريدون مقاضاتنا. هم ~~يعتقدون أنا قليل عديدنا قصير باعنا، وتعمى قلوبهم عن الحقيقة الناصعة أن ~~الفاشيست هي إيطاليا جمعاء، إيطاليا البالغ عددها 43 مليونا. لقد نسبوا ~~أعمالنا إلى حركة تجديد، ولم يفهموا أنها الثورة بعينها، وادعوا أنه ~~حكم ظلم وإرهاب، وهو في الحقيقة مظهر من أجل مظاهر السيادة القومية لأمة ~~تريد أن تحكم نفسها بنفسها، وقد ظن هؤلاء أيضا أننا لا نستطيع الذهاب ~~إلى أبعد مما ذهبنا إليه في سبيل التضحية (تصفيق طويل) ولست أرى - وايم ~~الله - ما ينال الشعب الإيطالي في كبريائه وكرامته مثل هذا الظن والتوهم ~~أن برنامجنا البحري الجديد حلم لا قبل لنا بتحقيقه (تصفيق شديد) ولهذا ~~أعود فأؤكد أن هذا البرنامج سينفذ ms096 بندا بندا؛ لأن إرادة الفاشيست ليست ~~فقط من حديد، بل هي أيضا إرادة عمل تهزأ بالمقاومة، ولا تعبأ بالعقبات ~~التي تعترض دونها، وإني على يقين من أن الشعب الإيطالي لا يرضى البقاء ~~سجينا في بحر كان فيما مضى بحر رومة، ولهذا فهو لا يرجع عن التضحية كلما ~~دعت إليها الحال (هتاف وأصوات نعم نعم ). # ولقد تساءل أولئك الأعداء ما نقصد بقولنا نفسية الشعب الإيطالي، وعليه ~~أجيب أن أحزابا عديدة تعمل في خارج البلاد على اقتلاع جذور المذهب ~~الفاشيستي، وهذا العمل وإن يكن مصيره إلى الفشل التام، فهم يقصدون به أن ~~يزحزحوا إيطاليا عن موقفها السامي، ويميلوا بها عن طريق المجد الذي تتسلق ~~قممه (أصوات أبدا أبدا) هؤلاء يدعون أنهم أحرار ديمقراطيون، ولا ~~يأنفون مع ذلك من إثارة أية حرب كانت على الشعب الإيطالي، بل لا يتأخرون ~~عن أن يزجوا أنفسهم في غمراتها ويكونوا أول المشتركين فيها، ولكنهم ~~سيجدوننا في انتظارهم حينذاك (تصفيق حاد) وإذا حدث شيء من هذا؛ فإن رجال ~~القمصان السود ستكون في مواقفها مستعدة لإحباط مساعيهم الدنيئة بوسائل لم ~~تخطر على بالهم (هتاف عال) لأن إيطاليا الفاشيستية هي اليوم كاملة العدة ~~والعدد، والويل لمن يحاول إذلالها (نعم نعم). # تذكروا أن رجال القمصان السود عقدوا في هذه المدينة مؤتمرهم الأول سنة ~~1919 فكانت الخطوة الأولى في محاربة للرجعيين، وها نحن اليوم نفتخر ~~بالشوط الواسع الذي قطعناه في طريق المجد منذ ذلك الحين، ألا وإن شجاعتنا ~~لم تهن، وسيرنا إلى الأمام في طريق التجديد لم يقف، ولا يجب أن يقف أبدا ~~(هتاف من الجمهور أبدا أبدا). # | هوامش # | خطب العرب # (1) خطبة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~«لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أصدق لفظا، ولا أعدل وزنا، ~~ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مزجا، ولا ~~أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه من كلام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~.» # أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم ~~نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن ms097 المؤمن بين مخافتين: بين عاجل ~~قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وآجل قد بقي لا يدري ما ~~الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه ~~لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، ~~فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب. # وله أيضا: # أيها الناس، كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب، وكأن الحق فيها على ~~غيرنا قد وجب، وكأن الذي نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا ~~راجعون. نبوئهم أجداثهم، ونأكل من تراثهم كأنا مخلدون بعدهم، ~~ونسينا كل واعظة وأمنا كل جائحة. طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب ~~الناس، طوبى لمن أنفق مالا اكتسبه من غير معصية، وجالس أهل الفقه ~~والحكمة، وخالط أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن زكت وحسنت خليقته، ~~وطابت سريرته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله ~~وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة. ~~(2) أبو بكر الصديق # أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق ~~فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، ~~فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق ~~له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ~~ولكم. ~~(3) علي بن أبي طالب # أغار سفيان بن عدي الأزدي على الأنبار وعليها ابن حسان فقتله، وأزال تلك ~~الخيل عن مسالحها، فخرج علي حتى جلس على باب السدة، فحمد الله وأثنى عليه ~~وصلى على النبي ثم قال: # أما بعد، فإن الجهاد من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ~~ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وألزمه الصغار، وسيم ~~الخسف، ومنع النصف، ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء ~~القوم ليلا ونهارا سرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن ~~يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، ~~فتواكلتم وتخاذلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ~~ظهريا حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت ~~خيله الأنبار وقتل ms098 حسان البكري، وأزال خيلكم عن مسالحها، ~~وقتل منكم رجالا صالحين، وقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل ~~على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع أحجالها وقلبها ~~ورعثها، ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منها كلما، فلو ~~أن امرءا مسلما مات من بعدها أسفا ما كان عندي ملوما، بل ~~كان عندي به جديرا، فيا عجبا من جد هؤلاء القوم في ~~باطلهم، وفشلكم عن حقكم! فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا ~~يرمى وفيئا ينهب! يغار عليكم ولا تغيرون ولا تغزون، ~~ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسير إليهم في الحر ~~قلتم: حمارة القيظ، أمهلنا حتى ينسلخ عنا الحر. وإذا ~~أمرتكم بالسير في البرد قلتم: أمهلنا حتى ينسلخ عنا القر. ~~كل هذا فرارا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر ~~تفرون، فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال، ~~ويا أحلام الأطفال وعقول ربات الحجال. وددت أن الله قد ~~أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضني إلى رحمته من بينكم. والله ~~لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة، والله جرت ندما وورثت ~~صدري غيظا، وجرعتموني الموت أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي ~~بالعصيان والخذلان. حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب ~~شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم! وهل منهم أحد أشد ~~لها مراسا وأطول فيها تجربة مني؟! لقد مارستها وما بلغت ~~العشرين، وقد نيفت فيها على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا ~~يطاع. ~~(4) معاوية بن أبي سفيان # لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش ~~يتباشر ذلك بموتك، فقال: ويحك، ولم؟ قال: لا أدري. قال: فوالله ما لهم ~~بعدي إلا الذي يسوءهم. وأذن للناس فدخلوا، فحمد الله وأثنى ثم قال: # أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد ~~فيه المحسن مسيئا، ويزداد فيه الظالم عتوا. لا ننتفع بما ~~علمناه، ولا نسأل عما جهلناه، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، ~~فالناس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه من الفساد إلا ~~مهانة نفسه وكلال حده ونضيض ms099 وفره، ومنهم المصلت بسيفه المجلب ~~بخيله ورجله والمعلن بشره قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ~~ينتهزه، أو مقنب يقوده أو منبر يقرعه، ولبئس المتجران تراهما ~~لنفسك ثمنا ولمالك عند الله عوضا، ومنهم من يطلب الدنيا ~~بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، فقد طامن من شخصه، ~~وقارب خطوه، وشمر من ثوبه، وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر ~~الله ذريعة للمعصية، ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة ~~نفسه وانقطاع سببه فقصرت به الحال عن أمله؛ فتحلى باسم ~~القناعة، وتزين بلباس الزهد، وليس من ذلك في مراح ولا ~~مغدى. وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف ~~المحشر فهم بين شريد نافر، وخائف منقمع، وسائق مكلوم، وداع ~~مخلص، وموجع ثكلان قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة، فهم ~~بحر أجاج، أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، ~~وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا في أعينكم ~~أصغر من حثالة القرظة وقراضة الجلمين، واتعظوا بمن كان قبلكم ~~قبل أن يتعظ بكم من كان بعدكم، فارفضوها ذميمة فإنها رفضت من ~~كان أشغف بها منكم. ~~(5) عتبة بن أبي سفيان # وهو يومئذ أمير مصر، وقد بلغه عن أهلها أمورا أن صعد المنبر، وقال: # يا حاملي ألأم أنوف ركبت بين أعين. إنما قلمت أظافري عنكم ~~ليلين مسي إياكم وسألتكم صلاحكم لكم؛ إذ كان فسادكم ~~راجعا إليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على الأمراء، والعتب ~~على السلفاء والخلفاء، فوالله لأقطعن بطون السياط على ~~ظهوركم، فإن حسمت مستثيري دائكم وإلا فالسيف من ورائكم، فكم ~~من عظة لنا قد صمت عنها آذانكم، وزجرة قد مجتها قلوبكم، ~~ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم علينا بالمعصية، ولا ~~مؤيسا لكم من المراجعة إلى الحسن إن صرتم إلى التي هي أبر ~~وأتقى. ~~(6) زياد بن أبي سفيان # قدم زياد البصرة واليا لمعاوية، وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق ~~بالبصرة كثير فاش ظاهر، فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها، قال: # أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفي ~~بأهله على النار ما فيه ms100 سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم من ~~الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير، ~~كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا ما أعد الله من ~~الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في ~~الزمن السرمدي الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، ~~وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على الباقية، ولا ~~تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ~~ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله؟ ما هذه المواخير المنصوبة ~~والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعدو غير قليل، ألم ~~تكن فيكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار؟ قربتم ~~القرابة، وباعدتم الدين، تعتذرون بغير العذر، وتغضون عن ~~المختلس، كل امرئ منكم يذب عن سفيهه صنع من لا يخاف عاقبته، ~~ولا يرجو معادا. # ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء فلم يزل بكم ما ترون ~~من قيامكم دونه حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم ~~كنوسا من مكانس الريب. حرام علي الطعام والشراب حتى ~~أسويها بالأرض هدما وإحراقا. # إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله؛ لين في ~~غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذ الولي ~~بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع ~~بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم ~~أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم ~~قناتكم. # إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة، فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد ~~حلت لكم معصيتي، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها في، واعلموا ~~أن عندي أمثالها. من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه، ~~فإياي ودلج الليل فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد ~~أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع ~~إليكم. # وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت ~~لسانه، وقد أحدثتم إحداثا لم يكن، وقد أحدثنا لكل ذنب ~~عقوبة، فمن غرق قوما غرقناه، ومن أحرق قوما أحرقناه، ومن ~~نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه حيا فيه، ~~فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم ms101 يدي ولساني، ولا تظهر ~~من أحد منكم ريبة بخلاف ما عليه عاملكم إلا ضربت عنقه. وقد ~~كانت بيني وبين أقوام إحن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، فمن ~~كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فلينزع ~~من إساءته. # إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له ~~قناعا، ولم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته، فإذا فعل ذلك ~~لم أناظره، فاستأنفوا أمركم وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس ~~بقدومنا يسر، ومسرور بقدومنا سيبتئس. # أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان ~~الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا ~~عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ~~ولينا، فاستوجبنا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني ~~مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة ~~منكم ولو أتاني طارقا بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا عن ~~إبانه ولا مجمرا لكم بعثا، فادعو الله بالصلاح لأئمتكم، ~~فإنهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى ~~يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم؛ فيشتد لذلك غيظكم، ~~ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم مع أنه لو استجيب لكم ~~فيه لكان شراككم. أسأل الله أن يعين كلا على كل، وإذا ~~رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله # 1 # وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل ~~امرئ منكم أن يكون من صرعاي. ~~(7) عمر بن عبد العزيز # 2 # أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا يحكم ~~الله فيه بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم ~~الجنة التي عرضها السماوات والأرض. واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف ربه ~~وباع قليلا بكثير وفانيا بباق، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، ~~وسيخلفها من بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين، ثم أنتم في ~~كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله، ثم ~~تغيبونه في صدع من الأرض، ثم ms102 تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد خلع ~~الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب غنيا عما ترك فقيرا إلى ما ~~قدم، وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد منكم من ~~الذنوب أكثر مما عندي، فأستغفر الله لي ولكم. وما تبلغنا حاجة يتسع لها ~~ما عندنا إلا سددناها، ولا أحد منكم إلا وددت أن يدي مع يده، ويحمي ~~الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم، وايم الله إني لو أردت غير هذا ~~من عيش أو غضارة لكان اللسان مني ناطقا ذلولا عالما بأسبابه، لكنه مضى ~~من الله كتاب ناطق وسنة عادلة دل فيها على طاعته ونهى فيها عن ~~معصيته. ~~(8) أبو حمزة الخارجي # دخل أبو حمزة مكة وهو أحد نساك الإباضية، فصعد منبرها متوكئا على قوس له ~~عربية، فحمد الله وأثنى، ثم قال: # يا أهل الحجاز، أتعيرونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب؟ وهل ~~كان أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلا شبابا، أما والله إني ~~لعالم بتتابعكم # 3 # فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم ~~عنكم ما تركت الأخذ فوق أيديكم شباب والله مكتهلون في ~~شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، ~~أنضاء عبادة # 4 # وأطلاح سهر. نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية ~~أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة ~~بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن ~~زفير جهنم بين أذنيه موصول، كلالهم بكلالهم، كلال الليل ~~بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، ~~واستقلوا ذلك في جنب الله حتى إذا رأوا السهام قد فوقت، ~~والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، ورعدت الكتيبة بصواعق ~~الموت وبرقت؛ استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشباب ~~منهم قدما حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء ~~محاسن وجهه فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، ~~فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل من ~~خوف الله! وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها ~~صاحبها ms103 في جوف الليل بالسجود لله! ~~(9) الأحنف بن قيس # يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، ~~وأشقاؤنا في النسب، وجيراننا في الدار ويدنا على العدو. والله لأزد ~~البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام، ~~فإن استشرف شنآنكم وأبى حسد صدوركم ففي أموالنا وسعة أحلامنا لنا ولكم ~~سعة. ~~(10) قطري بن الفجاءة # هو من مازن بن مالك، كان من أبطال الخوارج وقادتهم وبلغائهم، خرج في زمن ~~عبد الله بن الزبير، وكان مصعب واليا من قبل أخيه على العراقيين، فبقي ~~قطري يقاتل جند السلطان عشرين سنة، صعد منبر الأزارقة فقال: # أما بعد، فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت ~~بالشهوات وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وحليت بالآمال، ~~وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ~~هزارة، خوانة غدارة، وحائلة زائفة، ونافذة بائدة، أكالة ~~غوالة، بذالة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل ~~الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: # كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض فأصبح ~~هشيما تذروه الرياح وكان الله على ~~كل شيء مقتدرا # مع أن امرءا لم ~~يكن معها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من ~~سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تطل غيثة ~~رخاء إلا أهطلت عليه مزنة بلاء، وحري إذا أصبحت له منتصرة ~~أن تمسك له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى ~~أمر منها جانب وأوبى، وإن أتت أمرا من غضارتها ورفاهتها ~~نعما أرهقته من نوائبها نقما، ولم يمس امرؤ منها في جناح ~~آمن إلا أصبح منها على قوادم خوف. غرور ما فيها فان ما ~~عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى، من أقل منها ~~استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه ويطيل ~~حزنه ويبكي عينيه. # كم واثق بها قد أفجعته! وذي طمأنينة إليها قد صرعته! وذي ~~اختيال فيها قد خدعته! وكم من ذي أبهة بها قد صيرته حقيرا! ~~وذي نخوة قد ردته ذليلا! ms104 وكم من ذي تاج قد كبته لليدين ~~والفم! سلطانها دول، وغيثها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، ~~وغذاؤها سمام، وأسبابها رمام، وقطافها سلع، حيها بعرض موت، ~~وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها مسلوب، ~~وعزيزها مغلوب، وسليمها منكوب، وجامعها محروب، مع أن وراء ~~ذلك سكرات الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل: # ليجزي الذين أساءوا ~~بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا ~~بالحسنى ~~. # ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا، وأوضح منكم آثارا ~~وأعد عديدا، وأكتف جنودا وأعند عنودا؟ تعبدوا للدنيا ~~أي تعبد، وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره ~~والصغار، فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية، أو أغنت ~~عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح، وعقرتهم ~~بالمصائب، وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها حين ~~ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند، هل زودتهم إلا ~~الشقاء، وأحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة، أو ~~أعقبتهم إلا الندامة، أفهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم ~~إليها تطمئنون؟ يقول الله: # من كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون * أولئك الذين ~~ليس لهم في الآخرة إلا النار ~~وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا ~~يعملون ~~. # فبئست الدار لمن أقاموا فيها! فاعلموا وأنتم تعلمون أنكم ~~تاركوها لا بد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو، وقد ~~قال الله تعالى: # أتبنون بكل ~~ريع آية تعبثون * ~~وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون ~~. ~~(11) خطبة عبيد الله بن زياد # صعد المنبر بعد موت يزيد بن معاوية، وحيث بلغه أن سلمة بن ذؤيب قد جمع ~~الجموع يريد خلعه، فقال: # يا أهل البصرة انسبوني، فوالله ما مهاجر أبي إلا إليكم، وما ~~مولدي إلا فيكم، وما أنا إلا رجل منكم، والله لقد وليكم أبي ~~وما مقاتلتكم إلا أربعون ألفا فبلغ بها ثمانين ألفا، وما ~~ذريتكم إلا ثمانون ألفا فبلغ بها عشرين ومائة ألف، وأنتم ~~أوسع الناس بلادا وأكثره جنودا وأبعد مقادا، وأغنى الناس ~~عن الناس. انظروا رجلا تولونه أمركم يكف سفهاءكم، ويجبي ms105 لكم ~~فيئكم، ويقسمه فيما بينكم، فإنما أنا رجل منكم. # فلما أبوا غيره قال: # إني أخاف أن يكون الذي يدعوكم إلى تأميري حداثة عهدكم ~~بأمري. ~~(12) خطبة يزيد بن الوليد ابن عبد الملك # قال بعدما قتل ابن عمه الوليد بن يزيد: # أيها الناس، والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا حرصا على ~~الدنيا، ولا رغبة في الملك، وما بي إطراء نفس ، وإني لظلوم ~~لها، ولقد خسرت إن لم يرحمني ربي، ولكنني خرجت غضبا لله ~~ودينه وداعيا إلى الله وسنة نبيه لما هدمت معالم الهدى، ~~وأطفئ نور التقوى، وظهر الجبار العنيد المستحل لكل حرمة، ~~والراكب لكل بدعة، مع أنه والله ما كان يؤمن بيوم الحساب ولا ~~يصدق بالثواب والعقاب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفئي في ~~الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله في أمره، وسألته أن لا ~~يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك من أجابني من أهل ولايتي، حتى ~~أراح الله منه العباد، وطهر منه البلاد بحول الله وقوته لا ~~بحولي وقوتي. # أيها الناس، إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر ولا لبنة ~~على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجا ~~ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد فقر ذلك ~~البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى ~~البلد الذي يليه ممن هو أحوج إليه منه، وأن لا أجمركم في ~~ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل ~~قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن ~~بلادهم وأقطع نسلهم، ولكن عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم ~~في كل شهر حتى تستدر المعيشة بين المسلمين؛ فيكون أقصاهم ~~كأدناهم، فإذا أنا وفيت لكم فعليكم بالسمع والطاعة وحسن ~~المؤازرة والمكاتفة، وإن أنا لم أوف لكم، فلكم أن تخلعوني ~~إلا أن تستتيبوني، فإن أنا تبت قبلتم مني، وإن عرفتم أحدا ~~يقوم مقامي ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم ~~فأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعه ودخل في طاعته. # أيها ms106 الناس، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أقول قولي هذا ~~وأستغفر الله لي ولكم. ~~(13) الحجاج بن يوسف # خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها في اثني عشر راكبا على النجائب، ~~حتى دخل الكوفة فجأة حين انتشر النهار، فبدأ الحجاج بالمسجد فدخله، ثم ~~صعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء، فقال: علي بالناس. فحسبوه ~~وأصحابه خوارج، فهموا به حتى إذا اجتمع الناس في المسجد قام فكشف عن وجهه ~~ثم قال: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # أما والله إني لأحتمل الشر بحمله، وأحذوه بنعله، وأجزيه ~~بمثله، وإني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، ~~وإني لأنظر إلى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى قد شمرت عن ~~ساقها فشمر، ثم قال: # هذا أوان الشد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # إني والله يا أهل العراق والشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق ما ~~أغمز تغماز التين، ولا يقعقع لي بالشنان، ولقد فررت عن ~~ذكاء، وفتشت عن تجربة، وجريت من الغاية. إن أمير المؤمنين ~~نثر كنانته، ثم عجم عيدانها فوجدني أمرها عودا، وأصلبها ~~عمودا فوجهني إليكم، فإنكم طالما أوضعتم في الفتن واضطجعتم ~~في مراقد الضلال وسننتم سنن الغي، أما والله لألحونكم لحو ~~العصا، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، ~~فإنكم لكأهل # قرية كانت آمنة ~~مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من ~~كل مكان فكفرت بأنعم الله ~~فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ~~بما كانوا يصنعون ~~. # إني والله لا أعد إلا وفيت، ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق ~~إلا فريت، فإياي وهذه الجماعات، وقال وقيل وما تقول وفيه ~~أنتم وذاك. أما والله لتستقيمن على طريق الحق أو لأدعن ~~لكل رجل منكم شغلا في جسده، من وجدت بعد ثلاث من بعث المهلب ~~سفكت دمه وأنهبت ماله. # خطبة الحجاج بن يوسف # خطب أهل العراق بعد دير الجماجم قال: # يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم ~~والدم والعصب والمسامع والأطراف والأعضاء والشغاف، ثم ~~أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ms107 ثم ارتفع فعشش ثم باض ~~وفرخ؛ فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا أخذتموه ~~دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه ومؤامرا تستشيرونه، ~~فكيف تنفعكم تجربة أو تعظكم وقعة أو يحجركم إسلام أو ~~ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز حيث رمتم المكر ~~وسعيتم بالغدر واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله يخذل ~~دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا ~~وتنهزمون سراعا؟ ثم يوم الزاوية وما يوم الزاوية! بها ~~كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوص ~~وليكم عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها ~~النوازع إلى أعطانها، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي ~~الشيخ على بنيه حتى عضكم السلاح وقعصتكم الرماح، ثم ~~يوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم! بها كانت ~~المعارك الملاحم بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل ~~الخليل عن خليله. # يا أهل العراق الكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد ~~الخترات، والنزوة بعد النزوات. إن بعثتكم إلى ثغوركم ~~غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا ~~تذكرون حسنة ولا تشكرون نعمة. هل استخفكم ناكث أو ~~استغواكم غاو أو استنصركم ظالم أو استعضدكم خالع ~~إلا تبعتموه وأويتموه ونصرتموه ورحبتموه؟! # يا أهل العراق هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو زفر زافر ~~إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟! # يا أهل العراق ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم ~~الوقائع؟ # ثم التفت إلى أهل الشام وقال: # يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ~~ينفي عنها المدر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ~~ويحميها من الضباب ويحرسها من الذئاب. يا أهل الشام ~~أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والحذاء. # خطبة الحجاج لما مات عبد الملك # أيها الناس إن الله تبارك وتعالى نعى نبيكم # صلى الله عليه وسلم # إلى نفسه ~~فقال: # إنك ميت وإنهم ~~ميتون # وقال: # وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم # فمات رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ومات ~~الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ~~الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية، ثم وليكم البازل الذكر الذي ~~جربته ms108 الأمور، وأحكمته التجارب مع الفقه وقراءة القرآن والمروءة ~~الظاهرة واللين لأهل الحق، والوطء لأهل الزيغ، فكان رابعا من ~~الولاة المهديين الراشدين، فاختار الله له ما عنده وألحقه بهم، ~~وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله ~~وخلافته، فاسمعوا له وأطيعوه أيها الناس، وإياكم والزيغ فإن الزيغ ~~لا يحيق إلا بأهله. ورأيتم سيرتي فيكم، وعرفت خلافكم وطيبكم على ~~معرفتي بكم، ولو علمت أن أحدا أقوى عليكم مني، أو أعرف بكم ما ~~وليتكم، فإياي وإياكم، من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه ~~غما. ~~(14) مصعب بن الزبير # قدم العراق فقال: # بسم الله الرحمن الرحيم # طسم * تلك آيات الكتاب المبين ~~* نتلو عليك من نبإ ~~موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ~~* إن فرعون علا في ~~الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف ~~طائفة منهم يذبح أبناءهم ~~ويستحيي نساءهم إنه كان من ~~المفسدين # وأشار بيده نحو الشام # ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين # وأشار بيده نحو ~~الحجاز # ونمكن لهم في ~~الأرض ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون # وأشار بيده نحو العراق. ~~(15) تأبين عائشة لأبي بكر # نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلا ~~بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، وإن كان لأجل ~~الأرزاء بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # رزؤك، وأكبر المصائب فقدك. ~~وإن كتاب الله ليعد بجميل العزاء حسن العوض منك، فأنتجز من ~~الله موعده فيك بالصبر عنك، وأستخلصه بالاستغفار لك. ~~(16) تأبين فرغانة بنت أوس للأحنف بن قيس # إنا لله وإنا إليه راجعون. رحمك الله أبا بحر من مجن في جنن، ~~ومدرج في كفن، فوالذي ابتلاني بفقدك وبلغنا يوم موتك، لقد ~~عشت حميدا ومت فقيدا، ولقد كنت عظيم الحلم، فاضل السلم، ~~رفيع العماد، واري الزناد، منيع الحريم، سليم الأديم، وإن ~~كنت في المحافل لشريفا، وعلى الأرامل لعطوفا، ومن الناس ~~لقريبا، وفيهم لغريبا، وإن كنت لمسددا وإلى الخلفاء ~~لموفدا، وإن كانوا لقولك لمستمعين، ولرأيك لمتبعين. ~~(17) تأبين الشيخ إسكندر العازار لأديب بك إسحاق # ما طلعت ms109 على أديبنا شمس الخميس، ولا عرف في صباحه وجه أنيس، ~~استحكمت منه علة الصدر فما دفع الأطباء عنه مقدورا، وما محا ~~الأحباء ما كان مسطورا، وما راقب الموت فيه أهلا ولا ~~عشيرا، فتلاشى نفسا في نفس، وقبضت روحه عند الغلس، فمات ~~وعيناه البرقيتان منفتحتان ترسلان نورا كأنهما محدقتان إلى ~~فضاء الأبدية. # قضى في سفح لبنان حيث التمس العافية من الهواء والماء، ومن ~~أين للداء العياء دواء؟! فاتصل نعيه ببيروت الآسفة، فلا تسل ~~القلوب عما تمزق، ولا الصدور عما توقد، ولا العيون عما جرى. ~~إنك تكاد لا تجد إلا رأسا قلقا وصبرا مفترقا، وقلبا ~~محترقا، فيا لله ما هذه البلية! # كان رايتنا في علم اللسان، وآيتنا في صناعة البيان، وغايتنا ~~في حب الإنسان، كان والله فتى ولا كالفتيان، جريئا في الحق ~~ما أخذته فيه لومة، وما رهب فيه وعيدا، بل ما كان له شعار ~~في هذه الحال أو مثلها من الأحوال إلا قول من قال: # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تموت جبانا # فمات شهيدا حميدا فقيدا، وحق لاسمه أن يخلد إلى ~~الذرية. # كان زهرة الأدب في الشام، وريحانة العرب في مصر، فلا عجب إذا ~~ألفيت بنسيانه أحشاء الشام شحاحا، أو لفقدانه امتلأت نواحي ~~أرض مصر نواحا، أي والإنسانية كان للإنسانية نصيرا، ~~ولأعدائها نذيرا، وبالإنسانية بشيرا فلتبكه ~~الإنسانية. # ويا إخوان أديب المنتشرين في الأرض، مات أديب وأدرج في ~~كفنه، وأصابت الديدان مقيلا في بدنه، وأخرسه الموت في ~~ترابه، وحيل بيننا وبين خطابه، فابكوا ما وجدتم في العيون ~~دموعا، ولا تسألوا قبلة الوداع فقد قبلته عنكم جميعا ~~وقد: # ودعته وبودي لو يودعني # طيب الحياة وإني لا أودعه # دفناه وتركناه ولو أقمنا ما نفعناه، وهو من قبل قد نزعت ~~إليكم روحه شوقا، فأوصاني بإلقاء التحية. # وأنت يا شقيق الروح يا من أوحشت الدار ومن فيها، وآنست ~~القبور وساكنيها يا مؤبن الأمراء وراثي العلماء، وباكي ~~الأدباء والكبراء والفقراء، يا أيها الراقد بلا حراك، ولا ~~يجدر بتأبينك سواك، يبكيك القلم يا أميره، ms110 والحق يا أسيره، ~~يبكيك الأهل والأحباء، فقد كنت ودودا حبيبا، ويبكيك ~~الشعراء والكتاب والخطباء، فقد كنت شاعرا وكاتبا وخطيبا، ~~تبكيك المجالس يا خير جليس، وتبكيك محاضر الأنس يا خير أنيس، ~~تبكيك صحف بعبراتها، وترثيك صحف بعباراتها، ولا تسل عمن ~~استرهن الأمور بأوقاتها، فترجمة حالك ستفضح ما كان مستورا، ~~تبكيك بكاء «أندروماك» أمك زهرة الآداب يا غصنا نضيرا، ~~وتسقيك الذكرى في كل عشية. # وأما الكئيب الكاسف البال رفيق صباك وأعمالك وأخوك في جهادك، ~~فأجثو بالذلة والاكتئاب عند ذلك التراب، وأستمطر دمع العين ~~لهفا، وأستوقد نار الصدر أسفا، وأبكيك وأرثيك ما بقي لي من ~~الحياة بقية. # وأقسم بوحشتك آنسها الله، وبغربتك رحمها الله، إني مقيم على ~~ولائك محب لأحبائك، عدو لأعدائك، لا عزاء لقلبي الأسوان إلا ~~التأسي بأن تجمعني وإياك ظلمة الأبدية. # فحسبي شجوا أن أرى الدار بلقعا # خلاء وأشلاء الحبيب ترابا ~~(18) مصطفي باشا كامل # من خطبة ألقاها في الإسكندرية سنة 1897 # سادتي وأبناء وطني الأعزاء # إني بفؤاد ملؤه الفرح والسرور أقف الليلة أمامكم متكلما عن شئون الوطن ~~المحبوب ومصالحه، وإني لأقابل انعطافكم نحو خدمة البلاد بمزيد الحمد ~~والشكران، وأستميحكم العفو إذا قصرت في أداء هذا الواجب، فإني إنما أسر ~~بهذا الانعطاف وبهذه المظاهرات، لا لأنها موجهة لشخصي الضعيف بل لأنها ~~أكبر دليل علني على حياة الشعب المصري، وأقوى حجة تكذب دعوى القائلين بأن ~~مصر وطن لا وجود للوطنية فيه، وأن أبناء وادي النيل يقدمون بأنفسهم إلى ~~ألد أعدائهم وطنهم وأقدس ميراث لآبائهم وأجدادهم. # أجل أيها السادة، إنكم باجتماعكم اليوم هذا الاجتماع الوطني ترفعون ~~كثيرا من مقام الوطنية المصرية، وتخففون من آلام مصر العزيزة التي قاست ~~وتقاسي أشد العذاب على مشهد منكم يا أعز بنيها ويا نخبة أنجابها. فكل ~~اجتماع وطني تذكر فيه مصر ويطالب بحقوقها، ويعلن أبناؤها إخلاصهم لها ~~هو في الحقيقة مرهم لجراحها، ودواء لدائها، فاذكروها ما استطعتم، فإن في ~~ذكراها ذكرى آلامها، وذكرى الآلام تجر حتما إلى ذكر عوامل الشفاء. ~~اذكروها كما يذكر الولد الحنون أمه الشفيقة وهي على ms111 سرير المرض والعناء. ~~اذكروها بآلامها وإن كان غيركم يذكر بلاده بمجدها ورفعة شأنها. اذكروها ~~فإنكم ما دمتم مقدرين لمصائبها، عارفين بحقيقة آلامها دام الأمل وطيدا ~~في سلامتها ودام الرجاء. اذكروها فمن المستحيل أن يرى العاقل النار في ~~داره، والداء في شخص أمه ويهمل النار ويهمل الداء، ومن المستحيل كذلك أن ~~يكون الوطن في خطر ونحن نيام، وأن يعمل الأجنبي لامتلاك بلادنا وسلب ~~حياتنا، بل لاستعبادنا واسترقاقنا ونحن جامدون لا عمل ولا حراك. # ألقوا أيها السادة بأنظاركم قليلا إلى الأمم الحرة تجدوا كل فرد فيها ~~يدافع عن وطنه، ويذود عن حوض بلاده أكثر من دفاعه عن أبيه وأمه، بل هو ~~يرضاهما ضحية للوطن، ويرضى نفسه قبلهما قربانا يقدمها لإعلاء شأن بلاده، ~~ويعد الموت لأجل الوطن حياة دونها الحياة البشرية، ووجودا دونه كل وجود، ~~فلم لا يكون المصري على هذا الطراز ووطنه أجمل الأوطان، وأحقها بمثل هذه ~~المحبة الشريفة الطاهرة؟! # اسألوا التاريخ أيها السادة ما واجب أمة دخل الإنجليز ديارها خدعة وعملوا ~~لامتلاكها وسلبها كل سلطة وكل قوة؟ يجبكم التاريخ أن واجب أمة هذا ~~شأنها أن تعمل بكل ما في استطاعتها ضد مغتصبها، وأن تبذل في سبيل خلاص ~~وطنها كل ما تمتلك من مال ورجال. # أجل، كل احتلال أجنبي هو عار على الوطن وبنيه، والعار واجب أن يزول، ولست ~~أقصد بهذا الكلام أن أسألكم باسم الوطن إعلان ثورة دموية ضد محتل البلاد. ~~كلا ثم كلا. إن أقل الناس إدراكا لمصلحة مصر يعلم علم اليقين أنها ~~منافية لكل ثورة وكل هيجان، وإنما أسألكم أن تعملوا بكل الوسائل السلمية ~~على استرداد الحقوق المسلوبة منكم، وأن تعملوا لأن تحكم البلاد بأبناء ~~البلاد. نعم إني أعلم أن الاحتلال قوي السلطة عظيم الرهبة شديد العقاب، ~~وأن العمل ضده موجب للعذاب مسبب للفقر والفاقة، ولكن في الرضى بالاحتلال ~~الخيانة والعار، وفي العمل ضد الاحتلال الشرف والفخار. # فيا ذوي النفوس الأبية، ويا ذوي الضمائر الحية، اطلبوا الشرف ولو مع ~~الفقر، اخدموا الوطن ولو أسقطت على رءوسكم الصواعق. كونوا مع ms112 مصر إن ~~سعيدة فسعداء وإن تعيسة فتعساء. قولوا لعدوها في وجهه: أنت عدو لنا، ~~ولصديقها: أنت صديق لنا. لا تحبوا من يرميها بنبال الموت بل امنعوه عنها ~~إذا قدرتم، ثم ردوها في صدر راميها إن استطعتم، وإن لم تستطيعوا فكونوا ~~معها لا مع المعتدين. # وإن لمصر غير المحتلين أعداء آخرين هم آلات الاحتلال، آلات الفساد، فإن ~~ذكرتم الأعداء فاذكروا الخونة فهم ألد الأعداء، وأي الأعداء هم. أولئك ~~الذين أنكروا الوطن والوطنية، وائتمنوا على مصالح الأمة فعرضوا بها ~~للدمار. أولئك الذي أبرتهم مصر فقابلوا برها بالسوء، وصاروا اليوم في ~~أيد المحتلين ضد الوطن العزيز. آلات الدمار. آلات الخراب. أولئك الذين ~~كلما صعدوا درجا من درجات المناصب نزلت نفوسهم دركا، وفقدوا نصيبا من ~~الشرف وسمو الإحساس. أولئك الذين يبيعون الوطن على مشهد من الأمم، ~~ويسيرون بين الناس حاملين لواء الخيانة والعار. أولئك الذين إذا مد ~~إليهم الوطن يد الاستغاثة مدوا إليه سيوفا ليقطعوا بها يده ~~الشريفة. # هؤلاء هم الخونة وهم أشد الأعداء ضررا، ويعلم الله أن الدم الذي يجري في ~~عروقهم هو دم فاسد ليس بالدم المصري الصادق، وأنهم مهما ذاقوا من لذة ~~الحياة الظاهرية فسينالهم العقاب أقسى العقاب ولو من أنفسهم متى حاسبوا ~~ضمائرهم. نعم سيعاقب الخائنون على خيانتهم، فكم رأينا في التاريخ رجالا ~~خانوا أوطانهم، وساعدوا الأعداء على امتلاك بلادهم فعوقبوا على خيانتهم ~~لا من أبناء الوطن فقط بل من نفس الأعداء الذين خدموهم وساعدوهم. هذه سنة ~~الله في خلقه؛ يقتل القاتل عقابا على عمله. فكيف بمن يعتدي على أمة ~~بأسرها بالخيانة، ويعتدي عليها بالسلاح الذي سلمته إياه ليدافع به ~~عنها. # نعم سيعاقب الخائنون، وسيحمل أبناؤهم من بعدهم علم الخيانة على رءوسهم، ~~وسيبقون في التاريخ مثلا كبيرا للأبناء والأعقاب. # وإن ذكرتم الأعداء فاذكروا المنافقين، فهم خونة تفننوا في أساليب ~~الخيانة، يظهرون أمامكم بمظهر المخلصين، وهم يدبرون مع الأعداء المكائد ~~والدسائس، فهم ذوو وجهين وذوو لسانين فحاذروهم، وأعلنوا أمرهم ليخيب ~~مسعاهم وتحبط أعمالهم. ~~... أيها السادة، أعداء الوطن عديدون، ومصائب الوطن عديدة، ms113 وبديهي أن ~~ازدياد الأعداء يزيد من واجبات الوطنيين المخلصين لبلادهم، فلا تظهر ~~الوطنية الحقة إلا في أوقات الخطر، ولا تعرف الهمم العالية إلا عند ~~المصائب، وغني عن البيان أن الأمة بأسرها كارهة للاحتلال، راغبة في ~~الجلاء والحرية، وقد أظهرت هذه الرغبة في ظروف عديدة، وجاهرت بها حينا ~~بعد حين، إلا أنها كسائر الأمم في حاجة لأن يرشدها أبناؤها المتعلمون ~~ورجالها الخبيرون، ويسرني كما يسر كل مصري صادق أن الناشئة المصرية عارفة ~~بواجباتها نحو الوطن العزيز، فهم أبناء الوطن وهم رجال المستقبل، وبهم ~~تحيا البلاد وبهم تقوم. # ولكن هناك فئة من المصريين لا أنكر إخلاص رجالها للوطن العزيز، ولكن أنكر ~~عليهم اليأس الذي يتظاهرون به في كل وقت وفي كل مكان، فهم ما عملوا ولا ~~يعملون للبلاد عملا نافعا، ولكنهم جعلوا اليأس علة عدم العمل وعلة ~~الكسل، فإن سألتهم: لم لا تقومون بعمل عمومي نافع للبلاد؟ أجابوك: نحن ~~يائسون من مستقبل الوطن، معتقدون بظلمة الأيام الآتية. # فبالله كيف يستطيع طبيب أن يحكم على عليل بعدم الشفاء قبل أن يفحص داءه ~~ويعطيه الدواء. على أننا نرى الكثير من الأطباء لا ييأس أبدا من شفاء ~~المريض حتى في آخر لحظة من حياته، فكيف ييأس رجال من بني مصر من مستقبل ~~البلاد، وهم وإن كانوا قد خبروا داء مصر فيعلم الله ويعلم الناس أنهم إلى ~~اليوم ما قدموا لها الدواء، كيف نيأس من المستقبل والمستقبل بيد الله ~~وحده؟! وكثيرا ما تأتي الحوادث بخلاف المنتظر وبغير حساب؛ ألم يكن ~~الكثير من المصريين ومن غير المصريين في يأس من مستقبل الدولة العلية، ~~ويعتقدون أنها على مقربة من الموت؟ فها هي اليوم قد ساعدتها الحوادث التي ~~ساقها الأعداء مؤملين البطش بها فظهرت بمظهر القوة والحياة، وأصبحتم ~~جميعا فرحين بسلامتها معتقدين حسن مستقبلها. # كيف نيأس من المستقبل وقد أرانا التاريخ أمما حكمها الأجانب قرونا ~~طويلة، ثم قامت بعد الذل والاسترقاق مطالبة بحقوقها، وأخرجت الأعداء من ~~ديارها، واستردت حقوقها وحريتها؟! # هي النفوس الصغيرة التي يخلق عندها الأمل بكلمة أو ms114 بتلغراف، ثم يستولي ~~عليها اليأس بكلمة أو بتلغراف، أما النفوس العالية الكبيرة، فيدوم فيها ~~الأمل ما دام الدم في العروق وما دامت الحياة. # وأي حياة ترضاها النفوس الشريفة مع اليأس؟ أيجمع المرء في جسم واحد الموت ~~والحياة؟ إذ اليأس موت حقيقي وأي موت. # كيف نيأس ونحن جميعا عالمون بأن ما يظهر طويلا في حياة الأفراد هو قصير ~~في حياة الشعوب ؟ فعشر من السنوات في حياة الإنسان طويلة حقا، ولكنها في ~~حياة الأمة قصيرة جدا. على أنه إذا كان اليائسون معتقدين صحة أفكارهم ~~فعار عليهم أن يقوموا في الأمة بوظيفة تثبيط همم الآملين، والآملون في ~~البلاد كثيرون، بل الأمة كلها مؤملة خيرا في المستقبل، وإن لم تظهر إلى ~~الآن أعمال الآملين فستظهر بعد قليل، وسترى الأمة المصرية وأمم العالم ~~أجمع أن للوطن المصري أبناء مخلصين يقدرون الوطنية قدرها، ويعرفون لمصر ~~حقوقها ولا يخافون الاحتلال وقوته، بل يجاهدون في سبل خلاص البلاد منه ~~أشد الجهاد وأحسنه، ولا غرو فإن سبل خدم الوطن عديدة، وإن أهمها إعلان ~~الحقيقة في كل بلد وفي كل زمان، فالحرية بنت الحقيقة، وما نشرت الحقيقة ~~في أمة إلا وارتفعت كلمتها وعلا شأنها، فالحقيقة نور ساطع إذا انتشر ~~اختفى الظلم وانتشرت الحرية والعدل، فكما أن الأفراد لا تسلب حقوقهم ولا ~~يعتدي اللصوص على أمتعتهم إلا في ظلام الليل الحالك، فكذلك شأن الأمم لا ~~تسلب حقوقها ولا يعتدي العدو على أملاكها إلا إذا كانت الحقيقة مجهولة ~~فيها، وكانت هي عائشة في الجهل والظلام. # فيا أيها المصريون المخلصون لمصر، انشروا الحقيقة في أمتكم والأمم ~~الأخرى. قولوا للمصري إنه إنسان من بني الإنسان، له حقوق الإنسان تروه ~~رجلا كرجال الأمم الحرة يحمل لواء الوطن بكل قوة وإقدام. قولوا للفلاح ~~المصري إنه خلق إنسانا ككل إنسان، وأن الله أعطاه في الحياة حقوق ~~أكبر الأفراد، وأن له صوتا لو رفعه سمع في الملأ الأعلى، وأنه ما خلق ~~لأن يعمل لغيره بل ليعمل لوطنه ولنفسه، تروه عندئذ أشد الناس دفاعا عن ~~حقوق الأمة والوطن. قولوا ms115 للأمة المصرية إنها أمة كسائر الأمم من أقدس ~~حقوقها أن تحكم نفسها بنفسها، وألا تنفذ رغائب غيرها، وأن تكون في ~~بلادها عالية الكلمة قوية السلطة لا يرد لها رأي ولا يخالف لها أمر. ~~هنالك تجدون الأمة حية والشعب قويا، ولا ترون أولئك الذين يهزءون برغبة ~~الشعب ورغبة نوابه ويسخرون من رغائب الأمة ومطالبها. # انشروا الحقيقة عن مسألة مصر في كل بلد وفي كل ناد، فليس المصريون وحدهم ~~هم أصحاب الحقوق في مسألة مصر ضد المحتلين، بل معهم أمم كثيرة من أمم ~~أوروبا لها في مصر مصالح توافق مصالحهم ولا توافق مصالح المحتلين، وخير ~~ما يعمل لمصلحة مصر هو أن تنضم الأمة الأوروبية إلى الأمة المصرية ضد ~~الاحتلال الإنجليزي، ففي ذلك الخلاص وفي ذلك السلام. # ولسنا أيها السادة بأنصار دولة دون دولة بل نحن أنصار الوطن المصري، وطن ~~الآباء والأجداد وموطن الأبناء والأعقاب، فإن ظهرت دولة من الدول بمظهر ~~المحبة لمصر والميل لمساعدتها كنا أكبر أصدقائها وأعظم أنصارها، فمصلحة ~~وطننا قبل كل مصلحة، وهي هي المصلحة الوطنية التي تفرض علينا أن نشكر من ~~صميم فؤادنا الذين رفضوا من سياسي أوروبا العمل مع الإنجليز ضد مصر، ~~والذين أوقفوا الإنجليز عن حد الاحتلال في البلاد، وهي هي المصلحة ~~الوطنية التي تفرض علينا أن نشكر كل رجل من أي أمة كان يدافع عن حقوق ~~وطننا، ويساعدنا على استرداد حريتنا وحقوقنا الشرعية. # وإذ كان بعض الرجال المخلصين للوطن العزيز يخافون الظهور أمام قوة ~~الاحتلال بمظهر المجاهدين ضده، ولا يستطيعون أن يقوموا أمام الأمم ~~مدافعين عن بلادهم مناضلين عن حقوق شعبهم، فعليهم في مصر نفسها واجبات ~~وطنية يضيق المقام عن عدها، ولكني أقف قليلا وأذكر منها بنوع خاص واجب ~~تربية الأمة وتعليمها. # نعم إن هذا الواجب أكبر واجب وطني، والبلاد مطالبة بالقيام به، فقد أصبحت ~~المدارس على خلاف رغائب الشعب وآماله، وأصبحت الأمة في حاجة إلى مدارس ~~أهلية ترشدها إلى مصلحة البلاد الحقيقية، وتعلمها ما للأمة من الحقوق وما ~~عليها نحو الوطن من الواجبات. # لم لا ms116 يقوم كبراء مصر ووزراؤها السالفون بأمر تأسيس المدارس الأهلية ~~وتربية الأمة؟ لم لا يعقدون الشركات لهذه الغاية، ويخصصون أيامهم ~~الأخيرة لهذا العمل الشريف؟ رأينا عظيما منهم قام بمسألة الإعانة ~~العسكرية، وأجهد نفسه في هذا الأمر، وله من الأمة والوطن جزيل الشكر ~~والثناء، فلم لا نراه يقوم مع الكبراء الآخرين بمسألة إعانة عمومية ~~لتأسيس مدارس أهلية والبلاد في أشد حاجة إليها ؟ يا أيها الكبراء ويا أيها ~~العظماء ويا أيها الأغنياء، ما الفخار بالرتب والألقاب، ولا بسكنى القصور ~~العالية والتحدث بما كان وما ربما كان سيكون. بل الفخار كل الفخار في ~~العمل آناء الليل وأطراف النهار لخدمة البلاد وإعلاء شأنها، فما الحياة ~~بأيام تمر وسنين تكر، بل بالعمل وبالخدمة الوطنية. # وما الحياة بأنفاس نرددها # إن الحياة حياة الفكر والعمل # وإذا كان رجل ضعيف الصوت مثلي يسأل السادة الأمراء والسادة الأغنياء ~~العمل في الشيخوخة والقيام في آخر العمر بتتويج خدمتهم الوطنية، فذلك ~~لأني أعتقد أن الكثير منهم قضى حياة شريفة، وخدم البلاد بصدق وإخلاص، فهي ~~هي البلاد بنفسها تسأل خيرة رجالها على لسان أضعف أبنائها أن يبقوا مثلا ~~طيبا للشبيبة والناشئين، وأن ينشروا في الأمة نور التربية ونور الحقيقة، ~~وأن يبثوا فيها روح الوطنية وروح الرجاء. # نرى الكثيرين من الأغنياء يهتمون بأمر توظف أبنائهم، ولا يرون الشرف إلا ~~في الوظائف، فمتى يسمعون أنين الوطن وشكايته من هذا الداء العضال داء ~~السعي وراء الوظائف؟! # اتركوا الأبناء معشر الآباء في الحياة الحرة، اتركوهم يخدموا الوطن ~~ويخدموا أنفسهم في غير دائرة الوظائف. اتركوهم أحرارا غير مقيدين بقيود ~~الرواتب. ابعثوا بهم إلى الخارج؛ ليدرسوا التجارة والصناعة ويؤسسوا في ~~البلاد المعامل والمصانع تزدادوا بذلك شرفا وفخرا، وتزدادوا أمام الله ~~وأمام الوطن مثوبة وأجرا، وإلا فإن أهملت تربية الأمة وبقي الكبراء ~~منعكفين في إدارة شئونهم الخاصة، واستمر الآباء يلقون بالأبناء إلى مهاوي ~~التوظف في الوظائف، وبقيت التجارة والصناعة في كساد، ودامت الأمة في حاجة ~~إلى استجلاب لوازمها الضرورية من غير بلادها؛ دام الانحطاط ودام التأخر ~~ودام الخطر (انتهت باختصار). ms117 ~~(19) سعد زغلول باشا # الخطبة التي ألقاها بالسرادق يوم 19 سبتمبر سنة 1923 # لم أصعد للخطابة فيكم لأني لا أزال ضعيفا، ولا أقوى على الخطابة، ولكني ~~صعدت إليه إطاعة لأمركم واضطرادا لخطتي التي التزمتها، وهي أني لست ~~أميرا فيكم، ولكني خادم لمبادئكم وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يرزق مصر ~~الاستقلال التام (تصفيق). # طلب مني بعض خطبائكم أن ألقي كلمة لتكون بردا وسلاما على قلوبكم، ~~والكلمة التي جاشت في صدري عقب هذه الدعوة هي أن أرجوكم وأرجو كل مصري أن ~~يحافظ على أمر واحد، هو فخار نهضتنا الحاضرة، ذلك الأمر هو الاتحاد ~~المقدس (تصفيق). # لست خالق هذه النهضة كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا أدعيه بل لا ~~أتصوره، إنما نهضتكم قديمة تبتدئ من عهد مؤسس الأسرة المالكة محمد علي، ~~وللحركة العرابية فضل عظيم فيها، وكذلك للسيد جمال الدين الأفغاني ~~وأتباعه وتلاميذه أثر كبير، وللمرحوم مصطفى كامل باشا فضل عزيز فيها ~~أيضا، وكذلك للمرحوم فريد بك. # كل هذا حق ويجب علينا أن لا نكتمه؛ لأنه لا يكتم الحق إلا الضعيف ~~(تصفيق). ثم أتت هذه النهضة على أثر تلك النهضات وامتازت على سابقاتها ~~بأن أوجدت هذا الاتحاد المقدس بين الصليب والهلال (تصفيق). هذا الاتحاد ~~الذي أرجو مصر جميعها أن لا تتهاون فيه فإنه فخار هذه النهضة وهو عمادها ~~... وهو الذي اضطرب له خصومنا إذ أسقط من أيديهم حجة كانوا يعتمدون عليها ~~كما أردنا تحرير رقابنا من النير الذي وضعوه في أعناقنا. # يقول خصومنا إننا حماة الأقلية فيكم لأنكم قوم متعصبون، فلا بد من أن ~~نبقى بينكم لنحفظ العدل فيكم! ... هذه الحجة سقطت باتحادكم، ولكنهم الآن ~~انتهزوا فرصة الانتخاب ليثبتوا الانقسام فيكم، فاحذروا هذه الدسيسة، ~~واعلموا أنه ليس هناك أقباط ومسلمون. ليس هناك إلا مصريون فقط، ومن ~~يسمونهم أقباطا كانوا ولا يزالون أنصارا لهذه النهضة، وقد ضحوا كما ~~ضحيتم، وعملوا كما عملتم، وبينهم أفاضل كثيرون يمكن الاعتماد عليهم، ~~فاحثوا التراب في وجوه أولئك الدساسين الذين يفرقون بين مصريين ومصريين، ~~إنه لا امتياز لواحد ms118 على آخر إلا بالإخلاص والكفاءة. # فيهم أجسامنا وفيهم من هو أفضل من كثير منا، أقول هذا لأني أقول الحق، ~~ويجب على زعيمكم أن يقول الحق (تصفيق حاد). # لقد برهنا في مواطن كثيرة على إخلاص شديد، وكفاءة نادرة وأفتخر - أنا ~~الذي شرفتموني بدعوتي زعيمكم - بأني أعتمد على كثير منهم، فكلمتي ووصيتي ~~فيكم أن تحافظوا على هذا الاتحاد المقدس، وأن تعرفوا أن خصومكم يتميزون ~~غيظا كلما وجدوا هذا الاتحاد متينا فيكم (تصفيق). ولولا وطنية في ~~الأقباط وإخلاص شديد لتقبلوا دعوة الأجنبي لحمايتهم، وكانوا يفوزون ~~بالجاه والمناصب بدل النفي والسجن والاعتقال، ولكنهم فضلوا أن يكونوا ~~مصريين معذبين محرومين من المناصب والجاه والمصالح، يسامون الخسف، ~~ويذاقون الموت والظلم على أن يكونوا محميين بأعدائهم وأعدائكم. # هذه المزية يجب علينا أن نحفظها وأن نبقيها دائما في صدورنا، وإني أفتخر ~~كل الافتخار كلما رأيتكم متحدين متساندين، فحافظوا على اتحادكم، وهناك ~~افتخار آخر لهذه النهضة وهو التفاف الأمة حول شخصي الضعيف. # تعودتم طاعتي وأنا لم أكن أميرا فيكم، ولا قريبا لبيت ملك اعتدتم ~~الخضوع له، ولا أنا من بيت كبير، بل أنا فلاح ابن فلاح من بيت صغير، يقول ~~عليه خصومنا: إنه حقير. ونعمت الحقارة هذه! ولم أكن غنيا ليكون ~~التفافكم حولي طمعا في مال، ولا أنا ذو جاه أوزع الجاه على من يطمع فيه، ~~ولكنكم التففتم حولي فدللتم بذلك على أنكم لا تطلبون مالا ولا جاها، بل ~~السجن في بعض الأوقات (تصفيق حاد). # أنتم أمة تلتف حول رجل لا مال عنده ولا جاه، ولا جمال أيضا (ضحك). حقيقة ~~أن كل ما يستهوي الناس عادة مفقود عندي، أنا مقر بذلك، وأنا أؤكد لكم ~~وأقسم بالله وبصفاته أني ما تخيلت حتى في منامي أن شخصي الضعيف موضوع تلك ~~الحفاوة، ولكني أعتقد أن في الأمة شعورا تبعيا ونورا إلاهيا هداها ~~إلى شيء في شخصي الضعيف هو أني متمسك بمبادئها (تصفيق). # قالوا وما أكثر ما قالوا! قالوا إنكم قوم تعبدون الأشخاص (يعني ما شفتوش ~~إلا أنا؟) (ضحك) لم لم تعبدوا غيري؟ ms119 هذا كلام فارغ، لا يستحق مني الرد، ~~وهذا هو الدليل على أن نهضتكم حقيقية. # تعبت مع صحبي المخلصين، وهنا اسمحوا لي أن استطرد عن أولئك الصحب. # تعبت ولكن صحبتهم أنستني آلام النفي؛ لأنهم كانوا حقيقة أبناء بررة، ~~شعرت بحبهم وأنسوني كل ما كان يمكن أن أحس به في سجني وغربتي، ولولا قصر ~~الوقت لشرحت لكم جميل عنايتهم بي، يقينا كنت أتقوى في عزيمتي بهم، وإني ~~أشكرهم على هذه التقوية، أنسوني آلاما كثيرة ووجدت فيهم عوضا كبيرا، ~~شكرتهم بسري هناك، وهنا أشكرهم علنا أمام الأمة جميعا (تصفيق ~~حاد). # نفينا فماذا حصل؟ حل محلنا آخرون، فكان لهم من الأمة نفس الاحترام الذي ~~كان لنا؛ لأنهم حلوا في المكان الذي عهدت فيه الأمة الإخلاص، حلوا فيه، ~~ولم يكن أمامهم إلا السجن والنفي والإثم، ودل ذلك على أن الأمة جميعها ~~مستعدة إذا غاب منها سيد قام سيد (تصفيق). # جاء هؤلاء الخلق ونابوا عنا أحسن نيابة، وعذبوا وأهينوا ولكنهم صبروا ~~حتى حكم عليهم بالإعدام فتقبلوه بوجوه باشة هاتفين لمصر وللاستقلال ~~التام (تصفيق حاد وهتاف متواصل). وعندما أخذوا قام من خلفهم وسار سيرهم، ~~فكان له ما كان لهم من احترام وسجن واعتقال، ثم خلفهم أسياد آخرون قاموا ~~بعبئهم خير قيام، فتوالى قيام الأبطال مكان الأبطال، السجن يفتح أبوابه ~~لكل حر ولكل عامل للحرية؛ دليل على تأصل النهضة فيكم وأنكم حقيقة ~~مستعدون لأن تضحوا بكل شيء في سبيل استقلالكم، وأن نهضتكم حقيقية وأنكم ~~تمجدون الأشخاص الذين يتمسكون بمبادئكم مهما كانوا، وكنت وأنا في منفاي ~~عندما أرى هذه الوثبات أقول: لقد تمت مأموريتي واستقلت البلاد (هتاف ~~لحياة الرئيس). فأجاب معاليه هاتفا: «لتحيا جميع الوفود التي خلفت سعدا ~~في مكان سعد» فردد الجميع هذا الهتاف. # نعم إنهم عذبوا وأهينوا وسجنوا، وأخيرا وجد من يعيرهم بالسجن ~~والنفي! عابوا عليهم أن يسجنوا، عابوا عليهم أن يهانوا، وقالوا بطولة ~~كفارغ بندق. بئست هذه الكلمة! لا معنى للبطولة إلا أن يقتحم الشخص ~~الأخطار مع كونه عالما بأنها أخطار، ويتحملها برباطة جأش وثبات جنان ms120 كما ~~تحملها هؤلاء الذين كانوا معي، وأشهد الله أني كنت آخرهم، فهم أبطالنا ~~وهم أبطال الأمة، وهم الذين يجب أن ترفع لهم الأعلام وأن يشاد بذكرهم ~~(تصفيق). # وإني أؤكد لكم أن كل ما يظهر مني من عمل صالح فهو باشتراكهم، وربما كان ~~فيهم من هو صاحب الفكرة الصالحة لأني ضعيف بشيخوختي في وسط أولئك الشبان ~~القديرين، فصاح صائح: «ليحيا التواضع.» فرد الرئيس قائلا: «أنا لا ~~أعرف الكذب ولو في التواضع.» إني أقول الحق حتى لو كان فيه فخر لنفسي، ~~إني لا أخشى في الحق لومة لائم، ولا أخشى الجرائد. # إني كنت أقرأ قبل كل الجرائد جرائد المخالفين، وأسر كل السرور ~~بكذبها، وأحمد الله لأنهم لم يجدوا ضد إخواني حقا يعيبونهم عليه، لأنه ~~لا أسر للنفس من أن ترى خصمها منغمسا في الكذب والرذيلة. # لقد فاتني أن أشكر الوفود، ولكن هل أنتم في حاجة إلى شكر أبديه؟ لا ~~نبديه لكم فلسان الحال أفصح من بياني (تصفيق حاد وهتاف متواصل). # | هوامش # | بعض كبار خطباء العرب والإفرنج # إبراهام لنكولن. # جان جوريس. # جورج كليمنصو. # مصطفى كامل باشا. # رينيه فيفياني. # فيكتور هوجو. # نابليون بونابرت. # سعد زغلول باشا. # إريستيد بريان. # بنيتو موسوليني. # | الخاتمة # والآن وقد جزنا معا أيها القارئ هذه المسافات الشاسعة، وطوينا عصورا مختلفة، ~~وبلدانا مختلفة، وحضارات مختلفة، وسمعنا من أفواه البشر على تنازع أهوائهم ~~وتضارب مذاهبهم، وتباين طباعهم وتناقض حالاتهم أناشيد القلب البشري من أحلام ~~وآلام صاعدة، كلها نحو مثل أعلى واحد هو العدل هو الحق هو الحب هو الله، فيحق ~~لنا أن نقول: إن الخطابة نفحة روحانية، يستطيع بها الإنسان أن يرتفع فوق مراتب ~~الإنسانية، وأن يمشي على رءوس الحقب تاركا صدى صوته في سمع الأجيال تتعاقب فيه ~~ثم تزول وهو لا يعرف الزوال. # وإذا لم يسعنا أن نجمع بين دفتي هذا الكتاب إلا القليل من تلك الآيات التي ~~يتجلى فيها وحي العبقرية، ففي هذا القليل ما يكفي ليحبب إليك هذا الفن، ~~ويساعدك على الذهاب فيه مدى بعيدا، بعد الذي مهدناه لك من ms121 البيان عن كل ما ~~يتعلق بقواعده، وشروطه، وأصوله، وفروعه، وطرقه، وأنواعه، وما يشترك فيه أو ~~يحتاج إليه من شئون الصحة وأسباب التربية والعناية بالجسم والصوت والأخلاق على ~~ما أجمع عليه أرباب الفن وأيده العلم والاختبار. # وكان الفراغ من تبييضه في شهر أبريل سنة 1930 ميلادية، والحمد لله أولا ~~وآخرا. # الدكتور نقولا فياض ms122