######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.AdabInjliziHadith.Hindawi84948057 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 84948057 #META# Title: الأدب الإنجليزي الحديث #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # التجديد في الأدب الإنجليزي‏ # جمود العصر الفكتوري‏ # التفسير الاقتصادي للأدب الإنجليزي‏ # الرجعيون الثائرون‏ # بواعث التجديد‏ # بعض الأجانب في الأدب الإنجليزي‏ # اثنان من الرواد‏ # المنحطون في الأدب الإنجليزي‏ # كبلنج: شاعر الاستعمار‏ # دراسة الاقتصاد والاجتماع‏ # برنارد شو‏ # الدرامة الاجتماعية‏ # فلسفة برنارد شو‏ # من داروين إلى برجسون‏ # ولز‏ # دراسات ولز الاجتماعية‏ # ولز بين الوطنية والعالمية‏ # ه. ج. ولز‏ # جالزورثي‏ # رجال الذهن في إنجلترا‏ # الثائرون‏ # لورنس: أحد الثائرين‏ # جيمس جويس‏ # ألدوس هكسلي‏ # الشاعر ت. س. إليوت‏ # الشاعر أودين‏ # مقدمة‏ # التجديد في الأدب الإنجليزي‏ # جمود العصر الفكتوري‏ # التفسير الاقتصادي للأدب الإنجليزي‏ # الرجعيون الثائرون‏ # بواعث التجديد‏ # بعض الأجانب في الأدب الإنجليزي‏ # اثنان من الرواد‏ # المنحطون في الأدب الإنجليزي‏ # كبلنج: شاعر الاستعمار‏ # دراسة الاقتصاد والاجتماع‏ # برنارد شو‏ # الدرامة الاجتماعية‏ # فلسفة برنارد شو‏ # من داروين إلى برجسون‏ # ولز‏ # دراسات ولز الاجتماعية‏ # ولز بين الوطنية والعالمية‏ # ه. ج. ولز‏ # جالزورثي‏ # رجال الذهن في إنجلترا‏ # الثائرون‏ # لورنس: أحد الثائرين‏ # جيمس جويس‏ # ألدوس هكسلي‏ # الشاعر ت. س. إليوت‏ # الشاعر أودين‏ # | الأدب الإنجليزي الحديث # | الأدب الإنجليزي الحديث # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة # هذا الكتاب هو عرض ونقد للأدب الإنجليزي في السنين الأربعين الماضية. وفي هذه المدة ~~ظهر أدباء ثائرون على التقاليد في هذا الأدب ومجددون له. وقد حاولت أن أبين للقارئ ~~العربي المغزى من هذا التجديد. وعندي أن التجديد في الأدب هذه الأيام لا يعني شيئا آخر ~~سوى التجديد في الحياة. وهذا هو ما نفهمه من المجددين الإنجليز الذين نعرضهم في الفصول ~~التالية؛ فإن الأدب الإنجليزي يتصل بالحياة ويتأثر بها، ويؤثر فيها، وهو ينتقد أسلوب ~~العيش أكثر مما ينتقد أسلوب الكتابة. وهذا خلاف ما نجد من طبقة الأدباء التقليديين في ~~مصر، حيث الاهتمام كبير بالأسلوب الكتابي، في حين ليس هناك اهتمام أصلا بأسلوب العيش؛ ~~فإن الأدب التقليدي يعنى مثلا بأسلوب الجاحظ الكتابي فيحتذيه، ولا يعنى مثلا بأسلوب ~~الفلاح المصري في العيش فينتقده ويطلب إصلاحه. وهو يكتب عن العرب ومجدهم وتاريخهم، ولا ~~يكتب عن مصر ونكباتها الحاضرة، وما تعانيه من مظالم اقتصادية أو ms01 سياسية أو اجتماعية؛ ~~ولذلك فإن أدبه سلفي، هو أدب الكتب الذي يجعله يعيش وهو في عزلة عن الوسط الذي يحيط به ~~كأنه في برج عاجي. وهو هنا يشبه أدباء القرون الوسطى في أوروبا والعالم العربي. # ولكن الأدب الأوروبي الحديث، وخاصة الأدب الإنجليزي، هو أدب الحياة؛ ينتقد المعايش ~~والغايات ويجعلهما موضوعه، سواء في القصة أو المقالة. وهو لذلك يتصل بأنواع النشاط ~~البشري كله؛ فللأديب رأيه في العلم والصناعة، والاقتصاد، والزواج، والتعليم، والصحافة. ~~بل من الأدباء الإنجليز، مثل «برنارد شو» من ينتقد النظريات الطبية. ومنهم من يدعو إلى ~~الإيمان بدين جديد. # والحق أن التجديد في الأدب يشبه التجديد في الفلسفة؛ فقد كانت الفلسفة القديمة تترفع ~~عن درس الحياة الدنيا، وترصد نفسها لدرس كنه الأشياء، والفرق بين ما نعرفه عن الشيء ~~وماهية هذا الشيء. وكانت تبحث الغيبيات؛ أي ما قبل الوجود وما بعده. وهي في ذلك كله ~~تبتعد عن الناس ومعايشهم. ولكن الفلسفة الجديدة تدعو إلى الكف عن البحث عن كنه الأشياء، ~~وتقنع باستخدامها لمصلحة الإنسان. وواضح أن هذا الكف ليس أبديا، ولكنه اعتراف بالعجز ~~عن فهم الغيبيات وإيثار لبحث الشئون البشرية التي لا تتجاوز مستطاعنا. # وكذلك الحال في الأديب، فإنه كان يعتكف بين الكتب ويترفع عن نقد المعايش وغاية ~~الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية. وكان الأديب يدأب في الاجترار، ويعيش في برجه العاجي ~~لا يتغذى مما حوله ولكنه يتغذى بالمؤلفات القديمة. أما الآن فإن الأديب الجديد يكاد ~~ينظر إلى الأدب القديم نظرة «بيكون» إلى العلوم القديمة، فهو يطلب التجربة والاختبار ~~بنفس الروح الذي طلبهما به علماء النهضة؛ وذلك لأنه يشك في قيمة المقاييس القديمة. ثم ~~هو يستخدم أدبه، كما يستخدم الفيلسوف الجديد فلسفته، لمصلحة الإنسان، فيبحث أساليب ~~العيش والاجتماع، ولا يكاد يبالي بأساليب الكتابة. # ومع أني عرضت لطائفة من الأدباء في مدى السنين الأربعين الماضية، وعالجت آراءهم ~~بالشرح أو النقد أو التعليق، فإني أرى الآن أنه كان يكون أروح لي لو أني قصدت إلى واحد ~~منهم فاقتصرت عليه بالدرس؛ وذلك لأن الإسهاب في شرح ms02 فترة قصيرة، هي حياة الأديب، يتناول ~~من الدقائق المفيدة والتفاصيل الطريفة ما يضطر الكاتب إلى التجاوز عنه حين يعمد إلى ~~موكب كامل من الأدباء يصف أفراده مع الإيجاز الذي قد يكون مخلا في بعض الأحيان. ولكن ~~القارئ العربي الذي يجهل الأدب الإنجليزي يؤثر رؤية الموكب على رؤية الفرد، وعنده أن ~~الإلمام بطبقة الأدباء المجددين خير من الإحاطة بواحد منهم. وهو على حق في هذا الرأي؛ ~~وذلك لأن كلا منهم قد انتحى ناحية في التجديد لم ينتحها غيره، والإسهاب في شرح الأدب ~~لواحد منهم لا يقوم مقام التلخيص للكل. # وعلى هذا الاعتبار يمكنني أن أقول إن هذا الكتاب هو في حقيقته مقالة مسهبة، أو هو ~~المقدمة لدرس التجديد في إنجلترا. وأملي أن أوفق في القريب إلى درس واحد من هؤلاء ~~المجددين لعله «برنارد شو»، فيكون هذا الكتاب الراهن بمثابة الفرش للصورة، يهيئ للقارئ ~~«البيئة التاريخية» والثقافية التي تكون منها هذا الأديب العظيم. # فليقرأ القارئ إذن هذا الكتاب على اعتبار أنه مقدمة لدرس التجديد الأدبي في إنجلترا. ~~وعليه أن يلتفت إلى التفاعل المستمر بين الأدب والمجتمع، وأن يقابل بين هذه الحال وبين ~~ما نحن عليه في مصر وخاصة عند أدبائنا التقليديين الذين قطعوا بين الحياة الراهنة وبين ~~ما يزاولونه من أدب قديم في الأسلوب والغاية والموضوع. # س. م. 1933 # قبل أن يقدم هذا الكتاب للطبعة الثانية عدت عليه قراءة وتنقيحا وزدت فيه ثلاثة فصول ~~هي الأخيرة من الكتاب. # س. م. 1948 # | التجديد في الأدب الإنجليزي # إذا ذكر الإنجليزي عبارة «العصر الفكتوري» عنى بذلك نحو سبعين سنة قضتها إنجلترا في خمول ~~يشمل الأخلاق والأدب بين سنة 1837 وسنة 1900 وهي المدة التي تولت فيها الحكم الملكة ~~فكتوريا. # وقد كان هذا العصر عصر تجديد، بل ثورة في العلوم؛ ففيه ظهر «داروين» وقلب البيولوجيا رأسا ~~على عقب. واستحالت نظرياته إلى مذاهب تشبه المذاهب السياسية من حيث ابتعاث الحماسة أو ~~المقت. وفيه ظهر «هربرت سبنسر» الذي قضى حياة طويلة يدافع عن مادية صريحة. ومن الناس من ms03 ~~يطلق عليه وصف الفيلسوف ، مع أنه أعدى أعداء الفلسفة؛ إذ هو لا يؤمن إلا بالعلم. وظهرت في ~~هذا العصر نزعات علمية كثيرة نقلت الطب من الكهانة والسحر إلى التجربة، ونقلت التربية من ~~حفظ اللغتين الإغريقية واللاتينية إلى درس الطبيعات والكيمياء. # وكانت المدينة الإنجليزية في هذا العصر الفكتوري تنتقل من الزراعة إلى الصناعة، ومعايش ~~الناس تتجدد من حيث اختلاف الحرفة، ولكنها تبقى مع ذلك جامدة من حيث العادات الاجتماعية ~~متشبثة بعادات المجتمع الزراعي البائد. # وهذا الجمود شمل الحياة الاجتماعية. وإلى الآن لا يزال الإنجليزي يستعمل لفظة هي «المسز ~~جرندي» التي تدلنا على هذا الجمود، فإن هذه المسز أو السيدة هي ربة البيت الإنجليزية التي ~~كانت تحتم على أعضاء منزلها الوقار والاحتشام، بل التزمت؛ فلم تكن تسمح للفتاة بالخروج ~~وحدها أو المزاح مع الشبان أو اتخاذ الملابس المختصرة أو ارتياء الآراء الجديدة. وكان البيت ~~الإنجليزي مدة ذلك العصر مثالا للجمود، بل الكمود، لوجود هذه السيدة المحترمة التي كانت ~~تعتقد أنها تصون الأخلاق بتزمتها. # والأدب بطبيعته يساير الحياة الاجتماعية، فإن الأديب يكتب مقالته، أو يؤلف قصته، وهو يفرض ~~جمهورا يسمعه، فإذا هو ارتأى رأيا، ينبو عن ذوق هذا الجمهور أو عقائده أو أخلاقه، أكنه في ~~نفسه وكظمه وأبدى غيره مما يرضي هذا الجمهور. وقد يقال هنا إن حرية الرأي تقول بغير ذلك، ~~ولكن يجب على القارئ أن يعرف أن الجمهور يحد من حرية الرأي مثلما تحد منها القوانين سواء؛ ~~ولذلك كان جميع الأدباء في العصر الفكتوري يحترمون آراء «المسز جرندي» ولا يخالفونها إلا ~~في تواضع وذلة. ولهذا السبب اتجه الأدب الإنجليزي طوال القرن التاسع عشر نحو الصياغة ~~اللفظية دون التفكير والاقتحام، فنحن إذا قرأنا «ماكولي» المؤرخ راعنا أسلوبه المنمق ~~وعبارته الملحنة المنغمة، ولكننا نخرج منه بلا شيء من حيث التفكير. وكذلك الحال مع «سكوت» ~~و«ثاكري» القصصيين. # وقد يستطيع القارئ أن يذكر الشاعرين «شيلي» و«بيرون» وأن يصفهما بالثورة على التقاليد ~~والعرف والنزوع إلى حرية الإغريق، وهذا صحيح، ولكنهما عاشا وماتا وكأنهما غريبان عن ~~إنجلترا، ms04 تقرؤهما فئة صغيرة وتقتني مؤلفاتهما، وتدسها في زوايا الحجر حتى لا تراها عين هذه ~~السيدة المحترمة «المسز جرندي». # واستمر الجمود شاملا للمجتمع والأدب إلى حوالي سنة 1880 حين أخذت تتراكم أسباب الثورة أو ~~التجديد وتستمد قوتها من العلوم الجديدة، فهذه الصناعة مثلا تبعث «كارل ماركس» على تأليف ~~كتابه في ضرورة الاشتراكية مع شروح وافية مؤلمة في فساد المجتمع. وهذا العلم الجديد ~~«البيولوجيا» يبعث «إبسن» الشاعر النروجي على تأليف دراما تصف «سلطان» الوراثة، وكيف يرث ~~الأبناء نقائص آبائهم في الجسم والغريزة. ثم هذه المادية الجديدة تبعث الشاعر «سونبرن» على ~~أن يؤلف القصائد في الانتقاض على العقائد. ثم نرى دعوة إلى الجمال يدعو إليها «أوسكار ~~وايلد» من ناحية، و«ولتر باتير» من ناحية أخرى، مع اختلاف بين الاثنين في الوثن الجميل الذي ~~يتعبد له كل منهما؛ فإن الأول يحب باريس الحديثة ويتغنى بلياليها، ويعرف للترف المادي قيمته ~~في الجسم الرائع، والمائدة المطهمة، والحديث البارع، ولذة اللحم. والثاني يحب أثينا ~~القديمة، ويذكر آلهتها وفلاسفتها ويساوي بين الاثنين، ويرى في تمثال الرب أفلون نموذجا ~~فذا للجمال الإنساني كما يرى في شبان الإغريق نماذج أخرى لجمال الآلهة. # لورد بيرون. # وكل هذا يحدث على الرغم من آراء الجمهور أو شعائره الاجتماعية، حتى إن «أوسكار وايلد» قضى ~~سنتين في السجن لأنه عمل بما قال، ونزل بالواقع إلى ما كان يتخيله، وجعل من الأدب حياة ~~يعيشها على نحو تلك الحياة التي كان يعيشها أبو نواس، وهي لا تختلف من أدبه، كما لا يختلف ~~خياله وواقعه وقصيدته من معيشته. # ولكن ما نكاد نقترب من 1900 حتى نجد الانفجار، ولهذا الانفجار أسباب خارجية وأخرى داخلية. ~~وقد ذكرنا هذه الأسباب الداخلية، وهي تنحصر في التقدم العلمي الذي عكس أشعته على الأدب، ~~والتقدم الصناعي الذي عكس أشعته على التفكير الاجتماعي. وكانت إنجلترا طوال القرن التاسع ~~عشر في مقدمة الأمم في العلم والصناعة. وتأثر الأدب من هاتين الناحيتين يرجع إليها ~~وحدها. # ولكن كان في أوروبا مؤثرات أخرى. ومن أغرب ما يذكر هنا أن أعظم ms05 هذه المؤثرات، وهو الأدب ~~الروسي، لم يترك أثرا صغيرا أو كبيرا في إنجلترا. وأدباء الإنجليز جميعهم يعترفون بسمو ~~هذا الأدب، وأنه الأدب الإنساني الرائع الذي لم يخلق مثله في العالم، ومع ذلك ليس فيهم ~~واحد، ولا واحد، قد تأثر به. ولست أستطيع أن أعزو ذلك إلا إلى أن البيئة الإنجليزية ~~(الاقتصادية الاجتماعية) كانت تختلف جد الاختلاف عن البيئة الروسية؛ ذلك أن المجتمع الروسي ~~أيام القياصرة كان حافلا بالفوضى والشقاء والذل، مما كان يحمل الأديب على أحد طريقين: إما ~~أن يثور ويلحد بالسلطة القيصرية والآلهة مثل «مكسيم جوركي»، وإما أن يستسلم للقدر، ويتعوض ~~من البؤس المادي غبطة روحية مثل «دستوفسكي». وكلا الطريقين غريب عن الذهن الإنجليزي. # أما سائر المؤثرات فيرجع بعضها إلى «إبسن» الشاعر النروجي الذي يمكن أن يقال إنه جدد ~~الدرامة الإنجليزية عن سبيل «برنارد شو». وقد أنكر «برنارد شو» أنه مدين لهذا الكاتب ~~النروجي، ولكن الذي يقرأ الاثنين لا يستطيع إلا الاعتراف بأن الثاني مدين للأول في فنه ~~وآرائه وثورته على العرف، ودعوته إلى استقلال الشخصية، ودعوة المرأة إلى الرجولة، ولا أقول ~~الاسترجال. ويقول «برنارد شو» إنه تلميذ لأديب إنجليزي هو «صموئيل بطلر»، ولا شك في أنه ~~صادق في ادعاء هذه التلمذة، ولكنها ليست كل شيء في تلمذته؛ فإنه مزيج من «داروين»، ~~و«نيتشه»، و«إبسن»، و«بيرون» و«برجسون». # شيللي. # ومن المؤثرات الحديثة القوية في الأدب الإنجليزي نجد لنظرية «التحليل النفسي» والعقل ~~الكامن أكبر الأثر، وهذا الأثر أكبر وأعظم في الشبان الجدد. # ويمكن أن نقسم الأدب الجديد، أو المجدد، إلى ثلاثة أقسام، هي ثلاثة أطوار: طور الرائدين، ~~ثم طور المجددين، وأخيرا طور الثائرين. # وهذه التسمية نريد بها التوصل إلى فهم التجديد، ولا نريد بها التعيين؛ ففي الطور الأول ~~نجد الرائدين وهم «سونبرن» الشاعر، وهو إنما يثور على العقائد دون العرف الاجتماعي، ثم ~~«صموئيل بطلر» أستاذ «شو»، وهو ثائر على العرف الاجتماعي، وكلاهما يدعو إلى احترام الشخصية ~~واستقلال الفرد استقلالا دينيا اجتماعيا. ثم تجد أنه يعاصرهما «أوسكار وايلد» و«ولتر ~~باتير» وكلاهما يدعو إلى ms06 الجمال دون الأخلاق الشائعة مع فرق سبق أن بيناه. ثم ندخل بعد ذلك ~~في طور المجددين، فنجد «برنارد شو» في المقدمة، لا يقنع بالانتقاض على الدين، بل هو يثور ~~أيضا على المجتمع والعرف. وهو ليس هداما يرضى بالهدم ويسكت عنده، ولكنه يبني، فيدعو إلى ~~الاشتراكية واستقلال الشخصية ويرسم الطرق لاستخراج «السوبرمان». وكأنه يضع مقاييسه ويقوم ~~بعملية حسابية عن توليد خروف أبيض من نعاج سود. وهو كافر يعتقد في نفسه أنه مؤمن، ومادي يظن ~~أنه روحي، وعالم يمارس الأدب ويعلن احتقاره له، وكاهن من كهنة البشرية الجديدة وجوهرة من ~~جواهر الأدب الحديث. # ومن المجددين أيضا «ولز» وهو يشبه «برنارد شو» من وجوه كثيرة من حيث النظر العالمي ~~للأدب، وإن كان هو من حيث المزاج أديبا، بينما «شو» عالم. و«ولز» الآن قوة من قوى الخير ~~في العالم، وهو أكبر أثرا من عصبة الأمم في الدعوة إلى الإخاء. وقد رضي بالتضحية بالفن من ~~أجل الوعظ، فإنه يعظ ويعظ ولا يفتأ يعظ ويبين للناس كيف يتوقون الحروب والأمراض، ويدلهم على ~~وسائل الخدمة الإنسانية. وقد حاول أن يؤمن، وأخلص في المحاولة، إلا أنه فشل وعاد يدعو إلى ~~الكفر أو الإلحاد في غلواء بقوة إيمانه الإلحادي الجديد. # ثم ندخل في طور الثائرين، وهم الشباب الجدد الذين كابدوا من الحرب ويلاتها وعرفوا منها ~~السفالة العميقة التي يمكن أن تهوي إليها الإنسانية على الرغم من طلائها النظيف. وجميع ~~هؤلاء الثائرين قد درسوا التحليل النفسي والعقل الكامن، ونظرية التطور، وخرجوا من هذا الدرس ~~بجواهر تحيط بها أكوام من «الزبالة». وقد خالفوا أوضاع القصة، ورفضوا حتى عرف الكتابة بحيث ~~إن الذي لم يتسلم مفتاحهم لا يكاد يفهم ما يكتبونه. ومفتاحهم هو الكامنة أو «العقل الكامن»، ~~وما في داخل رءوسنا من حشرات وأفاع. ولكنهم مع ذلك يعرفون أنه إلى جنب هذه الحشرات والأفاعي ~~طواويس زاهية وفراش جميل. ثم إلى جنب هذا وذاك نزوع غامض في النفس البشرية نحو الكمال. ~~وأبطال هذا الطور هم «لورنس»، و«هكسلي»، و«جويس ». # والمستقبل لهؤلاء على الرغم مما ms07 فيهم من ضعف وتردد، بل من خلط واضطراب؛ لأنهم قد حطوا على ~~حقائق النفس البشرية وكشفوها وأبانوا عنها عارية، ولم يستروا منها قبحا أو حسنا، فهم ~~يتسابقون في ميدان جديد جرى فيه «ولز» نفسه شوطا ثم كف عنه. # وهذا كلام كله مختصر يحتاج إلى إسهاب في الشرح. # | جمود العصر الفكتوري # كان العصر الفكتوري - أي الفترة الواقعة بين سنة 1830 وسنة 1900 - يوهم بالجمود في الأدب ~~باعتبار الأدب فنا من الفنون الجميلة. # وقد سبق هذا العصر شاعران كان ينتظر منهما أن يبعثا نهضة جديدة في الأدب الإنجليزي هما ~~«شيلي» الذي مات في 1822 و«بيرون» الذي مات في 1824. ولكنهما ماتا وكأنهما لم يعيشا. وإذا ~~كان أحد يقرؤهما هذه الأيام فذلك يرجع إلى النهضة الحديثة التي ابتدأت حوالي 1890. # بدأ «شيلي» حياته الثائرة وهو طالب بتأليف كتاب في «ضرورة الإلحاد» وطرد من الجامعة لهذا ~~السبب. ثم رحل إلى دوبلين عاصمة أيرلندا وهناك دعا إلى استقلال أيرلندا، ومات في سن ~~الثلاثين. # أما «بيرون» فقد رحل إلى بلاد الإغريق يؤلف القصائد في الدفاع عن حريتها. وقصائده هي ~~أناشيد الحرية يقرؤها القارئ إلى الآن بل يتغنى بها. # ولكن «شيلي» و«بيرون» كما قلنا، ماتا دون أن يتركا لهما خلفا للعصر الفكتوري يدعو إلى ~~الحرية. ومضى هذا العصر على طوله كأنه عصر الظلام، يقرأ فيه الناس تاريخ «ماكولي» فيعجبون ~~بأنفسهم وإمبراطوريتهم ومجدهم وعظمة برلمانهم. وهذا الماكولي يمكن للقارئ الآن أن يعرف ~~حقيقة واحدة عنه تكفيه للحكم عليه، فقد ذكر عن الهندي أنه لا يقبل الرقي، وكاد يقول إنه ~~جبل من طينة أخرى غير الطينة التي جبل منها الإنجليزي. وهذا هو الرأي الاستعماري الذي ما ~~يزال يقول به «كبلنج» الشاعر. والقارئ المصري يعرف الآن أنه ليس «كبلنج» ولا «ماكولي» ~~الإنجليزيان جديرين بأن يحل أحدهما سيور حذاء «غاندي» أو «نهرو» الهنديين. # فإلام يعزى هذا الجمود في العصر الفكتوري؟ # يعزى إلى شيئين؛ أولهما: الروح المادي الذي انتشر بين الإنجليز بتدفق الثروة عليهم ~~ونجاحهم في الاستعمار. والثاني: الروح الديني الذي ورثه الإنجليز عن ms08 النهضة الطهرية. # ففي العصر الفكتوري ازداد استعمال الآلات في المصانع، وكادت إنجلترا تختص بالصناعات ~~الآلية، فكانت تغزل وتنسج، وتصنع المعادن، وتصدر مصنوعاتها إلى أوروبا باختراعها الآلات ~~البخارية والاعتماد على الفحم. وقد أثرت إثراء فاحشا، وأخذ أسطولها يفتح لها الأسواق ~~بالاستعمار، فكانت طوال العصر الفكتوري في نهضة اقتصادية بعثت فيها الروح المادي والإكبار ~~من شأن الترف والنجاح المالي على نحو ما نرى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم ~~بالدور الثاني للنهضة الاقتصادية الآلية. وهذا النظر المادي وما يعقبه من نجاح مالي هما ~~أقوى العوامل لتثبيط الحركات الأدبية. # أما العامل الثاني فهو النهضة الدينية التي فشت في إنجلترا واتخذت شكلا خاصا يقرب من ~~النزعة الوهابية في جزيرة العرب، نعني بها تلك الحركة الطهرية «بيوريتانزم» التي تدعو إلى ~~التقشف وكراهة الفنون والابتعاد عن الملاهي. وهذه النهضة هي التي اخترعت الملابس السود ~~الكابية للرجال، وهي التي ما زلنا نرى أثرها حتى في رجل مجدد مثل «برنارد شو» حين يمتنع عن ~~تناول طعام اللحم أو الخمر، وحين يميل إلى الزهد. ولا يمكن للدراما أو القصة أن تنجح أمام ~~هذا الروح الذي لا يجيز للمؤلف أن يترخص مثلا في رواية الحب والغرام. # ونشأ من هذين العاملين - أي مادية النهضة الاقتصادية، وروح التقشف الديني - نزوع في الأمة ~~إلى لزوم العرف وكراهة البدع؛ لأن المجتمع الإنجليزي كان مستقرا متفائلا، مؤمنا بالتقدم ~~الذي أحدثه ارتقاء الآلات الصناعية وتوسع الصناعة والاستعمار فاستقر الأدب الإنجليزي لذلك ~~وجمد. # ولكن في أواخر القرن التاسع عشر شرع المجتمع الإنجليزي يتقلقل بالتعطل والتفاوت الفاحش ~~بين الغنى والفقر، وشرع الأدب يتقلقل أيضا. وأصبح القصصي، كي يتجنب النقد، يعمد إلى خياله ~~ويبتعد عن الواقع ما استطاع ذلك. وحركة التجديد التي قامت عقب العصر الفكتوري هي في لبابها ~~ثورة على هذا الأدب الخيالي الفكتوري السخيف الذي لم يعد ينطبق على حقائق الحياة. # وقد رأينا كيف أن الروح المادي قد أتلف ذهن المؤرخ «ماكولي» فجعله ينسى إنسانيته ويحتقر ~~الهنود. ويبعثه زهو الثروة والنجاح المالي والتوسع الإمبراطوري على أن ms09 يؤلف تاريخا ~~للإنجليز يرفعهم فيه إلى مقام الآلهة ويزهو فيه بعظمتهم. # وإلى جانب «ماكولي» نجد رجلا آخر يغمر تاريخ الملكة فكتوريا بشخصيته، هو «كارليل» الذي ~~مات في 1881، فإن الروح الديني أتلف ذهنه كما أتلف الروح المادي ذهن «ماكولي»، فاستحال ~~واعظا بعد أن كان يرجى منه أن يكون أديبا، وخاصة إذا اعتبرناه وقد بدأ حياته بتأليف كتاب ~~عن الثورة الفرنسية (1889) وكان الطراز الأعلى للأدب عنده ذلك العظيم الألماني «جوته»، فإذا ~~كان درس الثورة الفرنسية ورجال الذهن الذين هيئوا لها، ثم التتلمذ لجوته لا يخرج للناس ~~أديبا عظيما، فلا بد أن يكون هناك عند «كارليل» حاجز صفيق لا تستطيع بصريته أن تنفذ منه. ~~ولنضرب لذلك مثلا مقابلة بين «جوته» و«كارليل» في موضوع معين عالجه كل منهما. # فقد عالج «جوته» موضوع الواجب، وكيف يجب أن نعمل في الدنيا فلا نترك ساعة من حياتنا حتى ~~نملأها بعمل مفيد. ولما مات ابنه الوحيد حزن عليه ولكنه لم يجزع ولم يستسلم للكمود والهمود، ~~بل نفض عن نفسه الحزن وهب إلى العمل. ولكن ماذا كان يقصد إليه «جوته» من الواجب وكراهة ~~التعطل؟ # كان يقصد من ذلك إلى أن تزداد شخصيته عرفانا وقوة فيزداد بذلك حرية واستمتاعا. وكان يرى ~~في الجهل تقييدا، فكان يدرس العلوم والآداب بروح الطالب. وكان يرى في الدعة والانكفاف ~~تضييقا لشخصيته، فكان يختبر كل شيء، ولا يبالي وهو في الثمانين أن يعشق. ولا يمنعه درسه من ~~أن يقوم بأعمال إدارية وسياسية. وقد اندغمت ثقافته في شخصه، فكان يقبل على الدنيا ويلتذ ~~الحياة ويستغل ما كسب من اختبارات ومعارف كي تقوى شخصيته، وكأنه يرى نفسه مركزا أو محورا ~~للكون، فنحن يجب علينا، في رأي «جوته»، أن نكبر من شأن العمل ونقبل عليه، ونؤدي واجبنا فيه ~~كي نستكمل به شخصيتنا ونزيد استمتاعا بالدنيا وفهما لشئونها. # ولكن «كارليل» يدعو إلى الواجب لغاية أخرى انحدرت إليه من المبادئ الطهرية التي شاعت في ~~إنجلترا وصبغتها بالروح الديني، فهو يقول: # نحن هنا على الأرض جنود نحارب في قطر غريب، ولسنا ms10 ندري الغاية المقصودة من هذه ~~الحرب، ولسنا في حاجة لأن ندريها، وإنما علينا أن نؤدي ما يجب تأديته. وعلينا أن ~~نؤديه كالجنود بالطاعة والشجاعة وطرب البطولة. # والفرق واضح بين الاثنين، «جوته» سيد أديب و«كارليل» عبد واعظ. وقد تستطيع أن تفضل ~~«كارليل» على «جوته»، وأنت بذلك تفضل النهضة الدينية الإنكارية الانكفافية على النهضة ~~الأدبية الإقدامية الاستمتاعية، كما يمكنك أن تقول إن الوهابيين في كراهتهم للفنون والترف ~~والاستمتاع والالتذاذ، خير من الباريسيين الذين لا يبالون ما يفعلون مما يخالف التقاليد. ~~وأنت حر في هذا النظر، ولكن يبقى بعد ذلك أن تعترف أن في باريس فنونا جميلة وأدبا رائعا، ~~ولكن ليس في الرياض، عاصمة نجد، شيء من ذلك. # والطهريون في إنجلترا هم وهابيو الديانة المسيحية. وقد صبغوا الأدب الإنجليزي بصبغة ~~التقشف في العصر الفكتوري. # | التفسير الاقتصادي للأدب الإنجليزي # الأدب ظاهرة اجتماعية مثل سائر الظواهر الاجتماعية كالحكومة والتعليم والعادات والأخلاق ~~والعقائد. والمجتمع ينهض في كل زمان ومكان على أساس اقتصادي؛ أي إن الطراز الذي تتبعه الأمة ~~في إنتاجها الزراعي والصناعي يستتبع طرازا معينا آخر من الاجتماع. ولذلك يختلف المجتمع في ~~أمة زراعية من المجتمع في أمة صناعية. ويختلف أيضا الأدب بين أمتين. # بل هناك طرز مختلفة من الإنتاج الزراعي تحدث طرزا أخرى مختلفة من النظم الاجتماعية؛ ففي ~~مصر زراعة تقارب النظام الإقطاعي في القرون الوسطى، وقد نشأ على هذا النظام مجتمع معين نراه ~~على أوضحه في مجلس الشيوخ. وفي دنمركا نظام زراعي تعاوني قد أحدث مجتمعا ديمقراطيا. وفي ~~الولايات المتحدة نظام زراعي آلي، يختلف كل الاختلاف من النظامين السابقين؛ ولذلك نستطيع أن ~~نقول إن الزارع الأمريكي مدني وليس ريفيا. # والإنسان، بمحض عمله اليومي في الإنتاج والارتزاق، تتكون له عواطف، وتنشأ له من هذه ~~العواطف عقائد وآراء وأخلاق، ولذلك فهو يعيش وفق إنتاجه؛ أي إن مجتمعه يتخذ طرازا معينا ~~يتفق مع طراز الإنتاج. وبكلمة أخرى، ينبني الاجتماع على الاقتصاد. # وإذن نستطيع أن نفسر العقائد والآراء والمذاهب والأخلاق والآداب تفسيرا اقتصاديا في ~~الأمة. # فالبيئة الزراعية في ms11 مصر، بما يفشو فيها من فاقة سوداء، ومن جهل يجعل الفلاح عاجزا عن ~~علاج هذه الفاقة، تحمل فلاحنا على الاستسلام للقدر؛ أي لليأس، وأيضا على التمسك بعقائد ~~جامدة، وأحيانا على المغامرة بالجريمة لمعالجة فقره. # والبيئة الزراعية التعاونية في دنمركا تحدث في الفلاح أو المزارع الدنمركي عواطف الحب ~~والرضا بالمساواة وتنتهي في القمة بحكومة ديمقراطية تخدم الشعب. # والبيئة الزراعية الآلية في الولايات المتحدة الأمريكية تجعل المزارع رجلا «صناعيا» ~~ينظر إلى عزبته (مزرعته) كما ينظر الثري إلى مصنعه في المدينة. وعواطفه وأخلاقه وعقائده ~~وآراؤه جميعها لا تختلف مما نجد عند ساكن المدينة. # وإذا انتقلنا من البيئة الزراعية المصرية مثلا إلى بيئة صناعية، مصرية أيضا، وجدنا ~~اختلافا في الأخلاق والعادات والآراء والعقائد بين أفراد البيئة الأولى وبين أفراد البيئة ~~الثانية. # ذلك لأن حرفتنا التي نرتزق بها هي جزء كبير من معيشتنا. وهي تكيف معيشتنا. وكلنا يحس وهو ~~في الريف أن حرفة الفلاح هي معيشته، وأن معيشته هي حرفته؛ لأن بيته، مثل حقله، هو مكان ~~إنتاجه. # والأدب يتبع أيضا بيئتنا الاجتماعية التي تنبني على أسس من البيئة الاقتصادية، فحيث تكون ~~الزراعة على الأسلوب المصري وسيلة الإنتاج، يكون الأدب محافظا بل جامدا «جمود الفلاحين» ~~ويكره التطور. ولا يؤمن الأديب بحرية المرأة، أو بحق الشعب في الحكم الديمقراطي، أو بسائر ~~الآراء العصرية التي ترد إلينا من بيئات اجتماعية أوروبية نهضت على أنماط أخرى من النظم ~~الاقتصادية. ولذلك نجد في مصر أن النزعة الكلاسية تغلب على الرومانتية، فنحن نكتب بلغة ~~كلاسية اتباعية ونحن إلى القديم في الأدب، ونكتب عن أبطاله، ونكره الابتداع؛ لأن ~~استقرار الوسط الزراعي عندنا قد انعكس في استقرار الآراء والعقائد في الأدباء عندنا. وقد ~~كان المجتمع العربي أيام العباسيين زراعيا أيضا، فكان الأدب تقليديا، دينيا، قرويا ~~(من حيث الاستسلام للقدر وضيق الآفاق) ولم تظهر فيه أي نزعات رومانتية ابتداعية إلا القليل ~~جدا. # ثم انظر إلى الأدب في أوروبا وأمريكا الآن، فإن المجتمعات التي تعيش في طرز من الإنتاج ~~الصناعي قد استحدثت طرزا من الثقافة ms12 العلمية تلائم هذا الإنتاج. هذه الثقافة العلمية التي ~~لا يكاد يحتاج إليها وسط زراعي. ولذلك تجترئ شعوب هاتين القارتين وتقتحم المستقبل ولا ~~تستسلم للقدر. وقد أحدثت الأزمات الاقتصادية التي نشأت من الإنتاج الآلي للمصانع أزمات ~~نفسية انعكس أثرها في الأدب الأوروبي الأمريكي، فكان التقلقل والدعوة إلى آراء وعقائد جديدة ~~بشأن الحكومة، والمرأة، والعامل، والفضيلة، والرذيلة، والدين. # وعندما تنتقل الأمة من الزراعة اليدوية إلى الصناعة الآلية، كما حدث في إنجلترا في القرن ~~التاسع عشر، أو بالأحرى في أواخره، نجد صراعا بين الأدباء التقليديين (الزراعيين) وبين ~~الأدباء المجددين الثائرين (الصناعيين)؛ إذ يدعو الأولون إلى الاستمساك بالقديم في قواعد ~~اللغة والتفكير، والإيمان، والعادات الاجتماعية، ويدعو الثانون إلى الابتداع والتغيير في كل ~~شيء تقريبا. وتنتهي الغلبة بالطبع للثانين؛ لأن هؤلاء الثائرين يدعون إلى مقاييس جديدة ~~للأخلاق، وإلى حريات جديدة للمجتمع. وكلتاهما، المقاييس والحريات، إنما دعا إليها تغير ~~الإنتاج من الزراعة إلى الصناعة. بل من الصناعات اليدوية الصغيرة إلى الإنتاج الآلي ~~العظيم. # وبين هذين الفريقين يقف فريق يبالغ في جموده، أو هو يفر من الواقع فيرتد إلى التاريخ ~~القديم وكأنه يسير القهقرى نحو المستقبل. ونحن في مصر نرى كثيرا من أدبائنا قد يئسوا من ~~مواجهة الحاضر والمستقبل ووجدوا في الحضارة العصرية ما يبعثهم على القلق ويثير فيهم ~~المخاوف، فعمدوا إلى تاريخ العرب قبل ألف سنة يؤلفون عن أبطالهم ويدعون إلى التمثل بهم. وقد ~~رأى الإنجليز مثل ذلك أيضا في كل من «تشسترتون» و«بيلوك» و«أرسكين» الذين دعوا إلى العودة ~~إلى القرون الوسطى، ولكنهم بالطبع فشلوا وتغلب عليهم أولئك الأدباء الذين بصروا بالقوات ~~الاقتصادية الجديدة التي غيرت المجتمع ودعت إلى أخلاق جديدة تلائم هذا التغير. # | الرجعيون الثائرون # ساد الوسط الاجتماعي في القرن التاسع عشر في إنجلترا روح مادي يدفع بالناس إلى التكالب ~~على جمع المال. وقد بعث هذا الروح انتشار الآلات وقيامها مقام الأيدي، فسهل بذلك جمع المال ~~بتراكم الأرباح، وقيام المصنع الكبير الآلي مقام عشرات بل مئات المصانع الصغيرة ~~اليدوية. # فإلى القرن التاسع عشر كانت الصناعات ms13 لا تزال في أيدي الصانعين، كل صانع يستقل بمصنعه، ~~فهو نفسه عامل وصانع، فهناك طبقة كبيرة من العمال لا تملك سوى الأجور، وطبقة أخرى صغيرة من ~~الممولين تملك المصانع الضخمة. وكانت الصناعات أشبه أو أقرب الأشياء إلى الفنون كما هو ~~الحال إلى الآن في النجارة؛ فالنجار - المصري على الأقل - هو فنان كما هو صانع، يتأنق ويلتذ ~~عمله وينشد منه جمالا ومصلحة. ولكن العامل في المصنع الآلي الكبير الذي يضم بين جدرانه نحو ~~مائة أو ألف عامل لا يمكنه أن يمزج بين الفن والصناعة؛ لأنه يختص بجزء من العمل، كأن يقنع ~~بصنع الكوتشوك من الأتومبيل، أو بدهنه بالطلاء، أو فرشه وتنجيد مقاعده أو نحو ذلك. فإذا ~~قابلنا بينه وبين النجار ألفينا هذا الثاني خالقا يبتكر ويخرج من بين يديه شيئا تاما ~~وله مادة أصلية، فما يزال به حتى يخرجه خلقا سويا قد انطبع بشخصيته، فالعامل هنا فنان ~~يحب عمله ويلتذه وهو يرقى به. ولكن العامل في المصنع الكبير لا يصنع سوى جزء صغير من السلعة ~~التي يقتسم صنعها العمال جميعا، فهو عامل لا أقل ولا أكثر، وهو أشبه بالآلة منه ~~بالإنسان. # روسكين. # ولم تكن الصناعة اليدوية تؤذن بتراكم المال في أيد قليلة كما هي الحال الآن في الصناعات ~~الآلية التي جمعت رءوس الأموال في طبقة من الممولين وجعلت جميع الصناع عمالا ~~مأجورين. # وكان القرن التاسع عشر، أو العصر الفكتوري، في إنجلترا قرن الانتقال من الصناعات اليدوية ~~إلى الصناعات الآلية. وهذا الانتقال نجده الآن على أشده يوشك أن يتم ويبلغ أوجه في الولايات ~~المتحدة التي يصنع أحد مصانعها نحو عشرة آلاف أتومبيل في اليوم. وهذه الولايات المتحدة هي ~~الرائدة الآن للعالم كله في هذا الاتجاه وفي إيجاد حضارة صناعية تمحو ما قبلها من حضارات ~~زراعية أو يدوية. # وفي كل انقلاب نجد فريقين، فريق السلفيين الآسفين المتشبثين بالماضي، ونحن نسميهم رجعيين ~~أو جامدين إذا كنا نكرههم، وفريق الراغبين في الحال الجديدة الداعين إليها، ونحن نسميهم ~~المجددين إذا كنا نحبهم. أما إذا كنا نكرههم، ms14 فإننا عادة نتهمهم بالإلحاد، والإباحية، ~~والمادية، والهوس. # وهذا هو ما وقع في إنجلترا في أواخر القرن الماضي، فقد ظهر أدباء يدعون إلى النزوع إلى ~~التجديد وآخرون يدعون إلى الاستمساك بالقديم. ونحن هنا نقصر الكلام على اثنين من عظماء ~~الرجعية في إنجلترا هما «جون روسكين» و«وليم موريس». # وكلاهما أفاد بثورته على روح التجديد في القرن التاسع عشر؛ لأنه أوضح أضرارا كادت تخفى ~~على الناس من حيث انتشار الروح المادي وتغلب الصناعة على الفن، وإيثار السرعة على الإتقان. ~~وقد أخذ كل منهما في دعوة الناس إلى إيثار المصنوعات اليدوية على المصنوعات الآلية، وكراهة ~~العلم وتقبيح النهضة الأوروبية العلمية وامتداح القرون الوسطى. وأخلص كل منهما لدعوته ~~إخلاصا عظيما هو السبب الأساسي للفائدة التي جناها وما يزال يجنيها الناس من ~~مؤلفاتهما بل من حياتيهما. # لما بلغ «روسكين» شبابه وجد في لندن جماعة تدعى «أخوية الداعين إلى ما قبل رفائيل» وهم ~~جماعة من الرسامين عمدوا إلى النهضة الأوروبية فقبحوها، وطعنوا في العلم، ودعوا الفنانين ~~إلى إيثار الروح الديني للقرون الوسطى. ولم يأتوا بطائل فتشتتوا، ولكن دعوتهم كانت بذرة ~~لقح بها ذهن «روسكين». # وقد لا يكون بين كتاب الإنجليز من أحسن الكتابة بهذه اللغة مثل هذا الرجعي العظيم ~~«روسكين» فقد جمع ما في اللغة من رقة وحلاوة وجمال فحواها في أسلوبه. وما تقول في رجل يصفه ~~عدو له بالجنون (هو ماكس نورداو) ثم يعترف له بأنه يمكنه أن يصف السحاب في خمسين أو مائة ~~صفحة يقرؤها القارئ فلا يسأمها بل يطلب المزيد. # ترك «روسكين» بلاده ورحل إلى البندقية، مدينة القرون الوسطى، وهناك ألف كتابه «أحجار ~~البندقية» الذي يقول فيه: «إن البناء القوطي في البندقية هو ثمرة الإيمان الطاهر والفضيلة ~~العائلية.» # وأيضا: «إن البناء الحسن هو التعبير الظاهر عن الحال السليمة للمزاج وعن الشعور ~~الأخلاقي.» # ثم يمضي بعد ذلك في نثر رائع فخم فيشرح جميع الأعمال الفنية مدة النهضة؛ أي عقب القرون ~~الوسطى، ويصفها بأنها ثمرة الغدر وفساد الأسرة وسقوط الأخلاق. # وهذا كله هراء بليغ، فإن البناء ms15 أبعد الأشياء عن الدلالة على الأخلاق. وهذه مباني ~~المماليك في القاهرة، فإنها من الفخامة والجمال بحيث تناقض الحياة الإجرامية التي عاشها ~~كثير من هؤلاء. وتاريخ البندقية التي ما تزال قصورها القديمة قائمة، هو تاريخ الدسائس ~~الدموية، والسفالات العظيمة التي ارتكبها أصحاب هذه القصور. وإنما كره «روسكين» النهضة ~~لأنها كانت الأصل في الروح العلمي الذي ساد أوروبا وأخذ مكان الروح الديني. وكان رجلا ~~متدينا لا يطيق النزعات الجديدة التي تكتسح كل ما أمامها، فلم يكن في وسعه سوى السباب. وهو ~~سباب أنيق يسمع له الناس؛ لأنه يتأنق في عبارته، ثم يغضون لهذا التأنق عن سخافاته، فلقد بلغ ~~به السخف ذات مرة أن علل الكوارث التي تقع فيها بريطانيا بسخط الله عليها. # ولكن «روسكين» كان مخلصا في دعايته، يحض الناس على التمسك بالدين، وكراهة المصنوعات ~~الآلية، والرجوع إلى الصناعة اليدوية، والابتعاد من الروح المادي. ورث نحو 150000 جنيه من ~~والديه فحرمها على نفسه ولم ينفق منها مليما، ووقفها على الأعمال الخيرية وعاش قانعا بما ~~يجنيه من قلمه. واتجه نحو الاشتراكية، أو بالأحرى الميول الاشتراكية، فأسس كليات للعمال في ~~الجامعات، ورفع من شأن العمل حتى كان يأخذ الطلبة من أبناء الأغنياء فيؤلف منهم فرقا ~~لتعبيد الطرق. # ومهما قلنا في «روسكين» وانتقصنا من قيمة الحملة التي حملها على الروح الحديث فإننا يجب ~~أن نعترف بأنه يحسن التفكير حين ينتقص لنا من شأن السرعة. وإننا مثلا عندما نركب القطار ~~نستفيد سرعة فقط، بينما نحرم فوائد السفر والتفرج التي نجنيها من الجواد أو من العربة التي ~~تجرها الجياد، فهنا شيء للتفكير. وخاصة في هذه الأيام حيث أخذت الطائرة مكان الأتومبيل ~~والقطار، وحيث تنذرنا بالسفر في السكائك وليس على الأرض. # أما «وليم موريس» الرجعى العظيم الآخر، فإن جهاده أبقى وأثره أعظم، فإنه لقح الصناعات ~~بالفنون. وكان هو و«روسكين» سواء في كراهة الآلات، ولكنه كان يمتاز على «روسكين» بأنه يرى ~~الواقع ويسلم به ويقنع بإصلاحه؛ فقد كان في ذات نفسه، مثلا، يحب خط اليد ويؤثره على حروف ~~الطبع ms16 ولكنه كان يرى آلة الطباعة شيئا واقعا لا فرار منه، فكان يقنع بأن يكتب حروفا ~~جميلة يسبكها ويقدمها لآلات الطبع فتتحسن الطباعة. وكان يرى أن الروح المادي يطغى فيحمل ~~البنائين على أن يبنوا المنازل من أسخف المواد ويزينونها بالبهرج من الأثاث، فصار هو نفسه ~~يصنع الأثاث. وألف شركة لهذه الغاية لا تزال حية إلى الآن، غايتها الجمع بين الفن والصناعة، ~~أو الجمال والتجارة. ولهذا الرجعى أثره الجميل في صناعة الآنية والسجاجيد وورق ~~الجدران. # وحارب الروح المادي بأن صار اشتراكيا طوبويا، يؤلف بل يبيع بنفسه الكتب والرسائل ~~الاشتراكية على قوارع الطرق. والاشتراكية الطوبوية هي اشتراكية الأماني والأحلام التي سبقت ~~الاشتراكية العلمية الماركسية التي تنهض على وفرة الإنتاج الآلي. # والآلة مع كل ذلك منتصرة، تطغى علينا وتسوقنا بل تدفعنا دفعا عنيفا لا ينجح في وقفه مثل ~~«روسكين» أو «موريس» اللذين قاوما تيار التطور عبثا، ولكنهما نجحا في تنبيهنا إلى وجوب ~~العناية بالفن وتلقيح الصناعات الآلية به. # | بواعث التجديد # تبعث على التجديد بواعث كثيرة، ويصيب التجديد ميادين النشاط البشري جميعها سواء أكانت ~~ثقافية أم حضارية. # فقد يهتدي الذهن البشري إلى فكرة جديدة تكشف عن المغزى لطائفة من المعارف بحيث تجعل ~~المعرفة الميتة ثقافة، كفكرة التطور مثلا اهتدى إليها «داروين» فكانت وما تزال نظاما ~~انتظمت به المعارف البيولوجية، فمن هنا يعد «داروين» مجددا في البيولوجيا كما يعد «فرويد» ~~مجددا في السيكولوجيا؛ لأنه اهتدى إلى فكرة «الكامنة» أو العقل الكامن. أو كما يعد «ولسون» ~~مجددا في السياسة لأنه اهتدى إلى فكرة عصبة الأمم. # ويصيب التجديد الحضارة كما يصيب الثقافة، فحياتنا الحضارية في مصر قد تجددت في نصف القرن ~~الماضي بأكثر مما تجددت ثقافتنا؛ وذلك لأننا اصطدمنا بظروف جديدة اضطرتنا إلى اتخاذ الحضارة ~~الغربية والتسليم بها، فنحن ننتقل بالقطار والأتومبيل، دون الجمل أو الحمار. ونحن نؤسس ~~المؤسسات في التعليم والقضاء والبريد والإدارة على غرار الأنظمة الأوروبية دون الأنظمة التي ~~ورثناها من العرب أو من الشرق. ونحن في كل ذلك مجددون لا يكاد يوجد بيننا رجعي يقول ms17 بأفضلية ~~الجمل على القطار، أو خطة الالتزام القديمة في جباية الضرائب على الخطة الحاضرة في فرض ~~الضرائب. # وأعظم ما يبعث على التجديد هو تبدل الوسط، فإذا فرضنا مثلا أن جزيرة العرب قد حدث لها ~~تبدل فجائي فانتقلت من اليبس والجفاف إلى البلل والمطر، واستحالت صحراؤها القاحلة أرضا ~~زراعية، فإننا ننتظر من العرب عندئذ أن يقلعوا من البداوة والرحلة ويأخذوا بأساليب الزراعة ~~والإقامة. ومن يفعل منهم ذلك يعد مجددا ومن يجمد ويلزم البداوة يعد رجعيا لا يستجيب ~~للوسط الجديد. # فالثقافة التجديدية في مثل هذه الحال يجب أن تدعو إلى الأخذ بالزراعة وتعلم أساليبها ~~والنزول على أخلاقها، وهجران البداوة والإقلاع عما بقي منها في المعيشة والأخلاق. # وقد حدث في القرن التاسع عشر في إنجلترا ما يشبه هذا الانتقال، فإن الحضارة الزراعية أخذت ~~تتراجع وتتقلص بينما الحضارة الصناعية كانت تأخذ في التوسع والغارة عليها. وهذه الحضارة ~~الصناعية هي حضارة الآلات، وما تستتبع من تبدل في المعيشة والأخلاق. وهذا الانتقال كان يدق ~~على أفهام الناس، لا عامتهم فقط، بل خاصتهم أيضا. وكان هناك قليلون يفهمونه ويدركون مغزاه ~~ويكرهونه ويقاومونه مثل «جون روسكين» و«وليم موريس»؛ إذ إن كليهما دعا إلى ترك الآلات ~~والرجوع بالناس إلى العصور الوسطى والقناعة بالعمل اليدوي. # وقد قلنا إن هذه الحضارة الصناعية كانت تغير على الحضارة الزراعية مدة القرن التاسع عشر. ~~وهي ما تزال إلى الآن في هذه الغارة لما تتم لنفسها النصر، فالدعوة التجديدية القائمة الآن ~~في إنجلترا، كما نفهمها من مؤلفات «برنارد شو» أو «ه. ج. ولز» أو كما نراها أحيانا على ~~أبلغها في مؤلفات «برتراند روسل» تدعو إلى أن نستبدل من ثقافتنا بمثل ما استبدلنا من ~~حضارتنا؛ لأن أحماض العلم قد أذابت العقائد القديمة وزعزعت الاستتباب النفسي الذي كان يسود ~~في العصر الفكتوري، فيجب لذلك أن نأخذ بمنطق جديد يتفق ومبادئ الحضارة الجديدة، ولا نرسف ~~في أغلال التقاليد وندفن عقولنا في الماضي. وهؤلاء الكتاب وكثير غيرهم قد جعلوا من أدبهم ~~وسيلة لأن نعمد إلى معيشتنا وأخلاقنا فننفتح فيهما ms18 بما يوافق العصر الجديد عصر العلم ~~والآلات والمادية. # ولننظر الآن في الوسط الزراعي وما يقتضيه. ثم نعود إلى الوسط الصناعي فنبحث وجوه الفرق ~~بينهما وهي الوجوه التي أخذ أدباء إنجلترا المجددون في شرحها وحث الإنجليز على اعتمادها دون ~~سواها. # فقد كان الناس إلى القرن التاسع عشر يعيشون على مبادئ الحضارة الزراعية، وكانت الصناعات ~~يدوية، العامل فيها أشبه بالمالك منه بالأجير، والمدن صغيرة كأنها القرى، والانتقال بطيء لا ~~يساعد على انتشار المصنوعات، وتراكم رءوس الأموال في بقع معينة هي المصانع الحديثة والمدن ~~الكبيرة. ولمثل هذه الحضارة أخلاق تلازمها هي الأخلاق التي ما زلنا نراها عندنا مثلا حيث ~~لا يجوز للمرأة أن تستقل وتعمل لحسابها الخاص، وحيث الإيمان بالقضاء والقدر على أقواه، وحيث ~~الديمقراطية اسم بلا مسمى، وحيث نرى العقائد والتقاليد تأخذ مكان الرأي والاستنباط، والنزول ~~على العرف مكان الاستقلال والانفراد. وحيث تحترم الرابطة العائلية وتوضع فوق كل اعتبار، ~~وحيث للدين الحرمة الأولى في تفكير المفكرين. # كانت هذه حال إنجلترا في أوائل القرن التاسع عشر. ولكن رويدا رويدا أخذت الصناعة تطارد ~~الزراعة، والمدن تجذب إليها السكان فيهجرون القرى والريف، والصناعات اليدوية تموت، ويحتشد ~~العمال في المصانع الكبيرة. وأخلاقنا هي ثمرة الوسط الذي نعيش فيه، وهي تبع للأحوال ~~الاقتصادية التي تلابسنا. ومن هنا نشأ النزاع بين الأخلاق التقليدية القديمة وبين الوسط ~~الصناعي الجديد. ومن هنا ظهر التصادم بين المحافظين الذين كانوا يرغبون في الأخلاق القديمة، ~~فيطلبون من المرأة أن تكون زوجة فقط، ومن الأولاد طاعة الآباء والارتباط بهم، ومن الفقراء ~~القناعة بالفقر، ومن المفكرين النزول على العقائد الدينية والتسليم، وبين المجددين الذين ~~كانوا يرغبون في أخلاق جديدة توافق البيئة الصناعية الجديدة. وهي أخلاق تدعو المرأة أن تكون ~~لها شخصية مستقلة تعيش لنفسها أولا فترقى وتستمتع، ثم إذا أرادت بعد ذلك فلتكن لزوجها ~~وأولادها وأمتها. كما تدعو العامل أن يواجه الوسط الصناعي الجديد بنظام جديد يحقق له ~~الاشتراك في الحكم والإنتاج هو النظام الاشتراكي ، بل كما تدعو المفكرين إلى النزول على ~~مبادئ العلم والتسليم ms19 بنظرياته دون التسليم بالعقائد الموروثة أو العرف الاجتماعي. وإذن ~~احتاج المجددون إلى المصارحة وإظهار الجمهور البريطاني على عيوب العرف والأخلاق القديمة ~~والدعوة للأخلاق الجديدة. وأصبح الأدب الإنجليزي اجتماعيا في نزعته، يحاول الأديب أن ~~يبتكر عن سبيله القيم الجديدة للأخلاق كي يلائم بين البيئة الصناعية وبين معايش ~~الناس. # هذه هي المهمة التي أخذ الأدباء الإنجليز في تأديتها للجمهور الإنجليزي، وما زالوا في ~~سبيل التأدية إلى الآن. # | بعض الأجانب في الأدب الإنجليزي # تجمع بين الأقطار الأوروبية جامعة من الحضارة والثقافة. وهي جامعة تربطها في العموميات من ~~المزاج والنزعة، إذ هي تشترك في تراث الحضارة الرومانية والثقافة اللاتينية والإغريقية وقد ~~كانت جميعها أيام القرون الوسطى أمة واحدة تدين بالمسيحية وتكتب باللاتينية، وإن تعدد ~~الأمراء الحاكمون. # ولكن لكل واحد من هذه الأقطار سماته الخاصة التي تميزه من الأقطار الأخرى في حضارته ~~وثقافته، فالنزعات السائدة الآن في الأدب الفرنسي تختلف جد الاختلاف عن النزعات السائدة في ~~الأدب الإنجليزي. ويشتد هذا الاختلاف أحيانا حتى لنسمع من بعض المصريين الذين تثقفوا ~~بالأدب الفرنسي أن الإنجليز لا يعرفون الأدب. وهو إنما يزعم ذلك لبعد الشقة واختلاف العطر ~~والنكهة بين الأدبين، ولأنه يجد في أدب الإنجليز غير ما ألف وتعود في أدب الفرنسيين. وليس ~~هذا الاختلاف غريبا إذ هو يدل على الحيوية والاستقلال عند الأمم الأوروبية المختلفة، من ~~حيث إن كل أمة تنزع إلى مثلياتها وتتخذ طرقا خاصة دون أن تأبه لما عند غيرها من هذه المثل ~~والطرق فتحتذيها. # ولكن التفاعل لا ينقطع مع ذلك، فإن الأفكار تتلاقى وتتصارع ويحدث منها الامتزاج أو ~~التنافر. وقد تأثر الأدب الإنجليزي لهذا السبب بالنزعات الأدبية في أوروبا، وإن كان هو في ~~الأرجح أقل الآداب الأوروبية تأثرا بغيره. ونحن نجد في الأدب الجديد ثلاثة رجال لهم الأثر ~~الأكبر في التفكير عامة وفي الأدب خاصة عند الإنجليز. # وأول هؤلاء هو «برجسون» الفرنسي، فإن له أثرا واضحا في تجديد الأفكار الدينية والمذاهب ~~الداروينية، فقد استطاع أن يؤثر في العالم الأدبي، وكادت طعنته أن تكون الطعنة ms20 النجلاء التي ~~وقف دونها المادي حائرا، إن لم نقل مهزوما. وإيمان «برنارد شو» يكاد يكون كله منقولا عن ~~«برجسون» الذي يقول إن الحياة هي الخالقة، وإنها في صراع مستمر مع المادة، وإنها دائبة في ~~التطور. وإذا كان هناك شيء من التجديد الديني الغيبي الآن، أو إذا كان ينتظر شيء منه في ~~المستقبل، فإنه لن يعدو هذه الأفكار البرجسونية. # وثاني هؤلاء الأجانب هو «فرويد» النمساوي فقد انسلت نظرياته إلى الأدب الإنجليزي، وأصبح ~~«العقل الكامن» موضوع الأدباء الجدد مثل «لورنس» و«جويس» وغيرهما. وعماد الأدب الجديد الذي ~~أعقب الحرب الكبرى هو التحليل النفسي والعقل الكامن. # أما ثالث هؤلاء فهو «إبسن» وهو بلا شك أعمقهم أثرا في الأدب الإنجليزي بل الأدب الأوروبي، ~~وخاصة أدب الدراما، فإن «برنارد شو» نشأ عليه وشدا منه وبنى لنفسه شهرته الأولى على طريقته. ~~والدرامة الإنجليزية كلها تعترف لإبسن بالأثر الكبير وتخطو في سبيله، وتتخذ طريقته كلما ~~استطاعت ذلك؛ ولذلك يحسن بنا هنا أن نلم بطرف من حياته ومؤلفاته. # كان «إبسن» كاتبا نروجيا، التحق بالتمثيل واحترف إدارة أحد المسارح، ثم رحل عن بلاده ~~إلى ألمانيا حيث عاش سائر عمره يؤلف للمسرح النروجي، فتترجم جميع مؤلفاته إلى اللغات الحية ~~في أوروبا، فتبعث الحياة للمسارح وتجعل الدرامة موضوع المناقشة بين الأدباء، بل بين ~~الصحفيين والجمهور. وقد استطاع «إبسن» أن يجعل المسرح بدراماته ميدانا للأفكار والآراء، ~~لأنه خص الدرامة بغاية لم تكن تعرفها، هي البحث الاجتماعي ونقد العادات والأخلاق والسياسة. ~~وقد سبق أن تناول «موليير» هذه الأبحاث في فرنسا في القرن الثامن عشر، ولكن الذين خلفوه في ~~فرنسا، بل في أوروبا، لم يستأنفوا عمله ولم يتجهوا نحو غايته فبقيت الدرامة راكدة لا تنتعش، ~~قد انقطعت عن الحياة أو كادت، فلما جاء «إبسن» أعاد لها هذه الصلة وجعل المسرح ميدانا لنقد ~~المعايش وبحث الأخلاق. وكانت كل دراما من دراماته «مسألة» اجتماعية تحتاج إلى الحل. # والدرامة الإبسنية هي قصة عائلية، تحتوي مشكلة وتنتهي بالرجاء أو اليأس. وغاية المؤلف في ~~جميع دراماته أن يكون لأبطاله «شخصية»، ms21 فهم ينتحرون إذا لم يستطيعوا تحقيق هذه الشخصية أو ~~هم يتركون لهذه الغاية أهلهم وأولادهم. # ولننظر في إحدى دراماته نظرة إلمام كي نقف منها على الغاية التي رمى إليها؛ ففي «بيت ~~عروس» نجد زوجة تحب زوجها حبا عميقا، ويبدو لها من مسلك زوجها أنه هو أيضا يحبها. وقد ~~دفعها هذا الحب إلى أن ترتكب جريمة التزوير كي تحصل على مبلغ من المال تقدمه لزوجها حتى ~~يرحل عن المدينة ويستطيع التعالج في جو أوفق. وتنوسيت هذه الجريمة التي لم يكن زوجها يعرف ~~عنها شيئا، ولكن شخصا آخر كان يعرف هذا السر المؤلم وقد استطاع أن يهدد به هذه ~~الزوجة. # ويقف الزوج على السر فيغضب، وهو في غضبه لا يذكر سوى نفسه والعار الذي سيلحقه من فضح هذه ~~الجريمة التي ارتكبتها زوجته. يذكر نفسه وكرامته وشرفه ولا يذكر شيئا من ذلك عن زوجته. ~~ويريد «إبسن» أن يقول إن الزوجة هي «عروس» يلعب بها الزوج وأنها ليست رفيقته. وقد يكون في ~~تصويره بعض المبالغة، ولكن ليس هناك شك أيضا في أنه قد وضع للمتفرجين مسألة تستحق المناقشة ~~والحل، وهي: # هل يجب على المرأة أن تكون إنسانا أولا، أو يجب عليها قبل كل شيء أن تكون زوجة ~~وأما؟ # هذه هي المسألة التي يعمد «إبسن» إليها فيحلها، أو يوضحها، في جرأة صارخة موجعة. ومن ~~الحوار التالي يتضح للقارئ موقف الزوجين، بل موقف الحياة العائلية بين القرنين؛ القرن التاسع ~~عشر والقرن العشرين. # وهذا الحوار يأتي عقب اكتشاف الزوج لجريمة التزوير التي ارتكبتها زوجته وغضبه لكرامته، ثم ~~ارتياحه إلى أن ذلك الشخص الذي هددهما بالفضيحة قد أرسل خطابا يرجع فيه عن عزمه على فضح ~~هذه الجريمة، وعودة الزوج «هلمر» إلى مصالحة زوجته. ولكن الزوجة «نورا» تترك الغرفة وتعود ~~وقد استعدت لترك المنزل: # هلمر ~~: # ما هذا؟ # نورا ~~: # لقد مضى على زواجنا ثماني سنوات. ألا يخطر ببالك أننا نحن الاثنين، ~~زوجا وزوجة، نتحدث لأول مرة حديثا جديا؟ # هلمر ~~: # ماذا تعنين بالحديث الجدي؟ # نورا ~~: # في هذه السنوات الثمان، بل قبل ms22 ذلك منذ تعارفنا، لم نتبادل الحديث ~~عن موضوع جدي. # هلمر ~~: # وهل كان من الممكن أن أخبرك كل يوم عن همومي التي لم تكوني تستطيعين ~~مساعدتي على تحملها؟ # نورا ~~: # لا أتكلم عن هموم العمل، إنما أعني أننا لم نقعد معا مرة كي نتحدث ~~في جد ونصل إلى الأصول والأعماق. # هلمر ~~: # ولكن يا عزيزتي نورا، ماذا كنت تفيدين من مثل هذا الحديث؟ # نورا ~~: # هذا إذن هو ما ظننت فيك؛ أنك لم تستطع قط أن تفهمني. هلمر، لقد ظلمت ~~كثيرا، ظلمني أبي أولا، ثم ظلمتني أنت بعده. # هلمر ~~: # ماذا تقولين؟ نحن الاثنان؟ نحن الذين أحببناك أكثر من أي ~~إنسان؟ # نورا ~~(تهز رأسها) ~~: # أنت لم تحبني قط. وكل ما عندك أنك يلذ لك أن تظن أنك تحبني. # هلمر ~~: # ما هذا الذي أسمعه منك يا نورا؟ # نورا ~~: # هذا هو الحق أقوله لك. لما كنت ببيتنا، عند أبي، كان يخبرني عن ~~آرائه في الأشياء فآخذها عنه. وكنت إذا اختلفت معه أنكرت أن لي رأيا آخر خشية أن ~~يكره مني أن يكون لي رأي. وكان يدعوني باسم «العروس» وكان يلعب معي كما كنت أنا ~~ألعب وأنا طفلة مع عروسي. وعندما جئت كي أسكن في دارك ... # هلمر ~~: # ما أغرب هذا التعبير الذي تعبرين به عن زواجنا! # نورا ~~: # أعني أني أخذت من يدي أبي إلى يديك. وأنت شرعت ترتب كل شيء كما ~~تهوى وكما يشاء ذوقك. وأخذت أنا عنك هذا الذوق، أو ادعيت أني أهوى ما تهوى، ولست ~~أعرف أيهما فعلت، أو لعلني فعلت هذه المرة، وذاك مرة أخرى. وعندما أراجع نفسي أراني ~~كأني قد عشت هنا كأني امرأة مسكينة لا أملك شيئا. أجل، لقد عشت أؤدي لك الحيل لأنك ~~ترغب في ذلك. لقد جنيت أنت وأبي علي. وإليكما أنتما الاثنين أعزو هذه الحال، وهي أن ~~حياتي هباء لا قيمة لها. # هلمر ~~: # أي شيء أبعد عن العقل من هذا الكلام؟ ما أقل شكرانك، ألم تكوني ~~سعيدة هنا؟ # نورا ~~: # لم أكن سعيدة، وإنما كنت مرحة فقط، وكنت أنت تلاطفني، ولكن ms23 بيتنا ~~هذا لم يكن سوى ملعب، فقد كنت لك زوجة تلعب بها، كما كنت عند أبي طفلة يلعب بها، ~~وكما أصبح أطفالي لعبتي بعد ذلك. وكما كنت أطرب عندما كنت تلعب معي، كذلك كان يطرب ~~الأطفال عندما كنت ألعب معهم. وهذا زواجنا ... # هلمر ~~: # أنت مصيبة في بعض ما قلته - مع ما في قولك من المبالغة - ولكن سيكون ~~المستقبل غير الماضي. سينتهي اللعب، ثم تبدأ الدروس. # نورا ~~: # أي دروس؟ دروسي أم دروس الأطفال؟ # هلمر ~~: # دروسك ودروس الأطفال يا عزيزتي نورا. # نورا ~~: # ولكنك للأسف لست الرجل الذي يستطيع تربيتي كي أكون الزوجة الحقة ~~له. # هلمر ~~: # وتقولين هذا؟ # نورا ~~: # ثم أنا، كيف أستطيع أن أربي الأطفال؟ # هلمر ~~: # نورا! # نورا ~~: # ألم تقل وقت غضبك أنك لا تثق بي لتربية الأطفال؟ # هلمر ~~: # وقت الغضب نعم، وكيف تهتمين بذلك؟ # نورا ~~: # ولكن الواقع أنك كنت محقا لأني غير كفء لهذا الواجب. وعلي أنا ~~واجب يجب أن أقوم به أولا، هو أن أجتهد وأربي نفسي. ولست أنت الرجل الذي يمكنه ~~مساعدتي في ذلك، فعلي أن أقوم بنفسي بهذا العمل، وهذا هو السبب الذي يدعوني لأن ~~أتركك الآن. # هلمر ~~(يهب واقفا) ~~: # ما تقولين؟ # نورا ~~: # يجب أن أقف وحدي وأعتمد على نفسي إذا كنت أريد أن أفهم نفسي كما ~~أفهم كل شيء حولي، ولهذا لا يمكنني أن أبقى معك بعد ذلك. # هلمر ~~: # نورا، نورا! # نورا ~~: # سأخرج الآن من البيت. # هلمر ~~: # تتركين بيتك، وزوجك، وأولادك، ولا تبالين ما سيقوله الناس ~~عنك؟ # نورا ~~: # لا أبالي ما سيقوله الناس، إنما أفعل ما أراه ضروريا. # هلمر ~~: # هذا عجيب، أهكذا تهملين أقدس الواجبات؟ # نورا ~~: # وما هي أقدس واجباتي؟ # هلمر ~~: # وهل أنت في حاجة إلى أن أخبرك؟ أليست هي واجباتك نحو زوجك ~~وأولادك؟ # نورا ~~: # عندي واجبات لا تقل عنها قداسة. # هلمر ~~: # أي واجبات هذه؟ # نورا ~~: # واجباتي نحو نفسي ... # هلمر ~~: # أنت زوجة وأم قبل كل شيء. # نورا ~~: # لست أصدق هذا الآن؛ لأني أعتقد أني إنسان قبل كل شيء كما أنت إنسان. ~~أو على الأقل يجب أن أجتهد ms24 حتى أصير إنسانا. وإني أعرف أن معظم الناس يؤيدونك في ~~رأيك، وأن مثل رأيك هذا يقال به في الكتب، ولكني لن أقنع بعد الآن بما يقوله الناس ~~... أو بما تقوله الكتب ... إذ يجب علي أن أفكر بنفسي، وأفهم. # هذا شيء من الحوار الذي يدور بين الزوجين. وهو كما يرى القارئ ينتهي بامرأة، هي زوجة وأم، ~~بأن ترفض الزوجية والأمومة كي تبدأ بتربية نفسها حتى تكون إنسانا. # ولكن كيف يكون ذلك؟ # إن الدرامة تنتهي بإيصاد الباب بعد خروجها. ولكن إلى أين تذهب «نورا»؟ وما هو برنامجها في ~~تربية نفسها؟ # ستذهب بلا شك إلى أحد المصانع أو المكاتب كي تتعلم وتعمل وتكون لنفسها شخصية جديدة كانت ~~إلى الآن فانية في الزوج والأولاد. ولا بد أنها ستلقى المصاعب وتكابد المشقات في هذا الطريق ~~الوعر الجديد، ولكن هذه الشخصية التي تنشدها لن تتربى إلا بهذه المصاعب وبما تتعلمه من ~~الفشل والنجاح. # وهذه هي المرأة الأوروبية الجديدة. و«إبسن» هو لذلك حجر الزاوية في الأدب الأوروبي الجديد، ~~وخاصة الأدب الأمريكي والإنجليزي. و«نورا» التي كانت خيالا وأملا يتحرك على المسرح في ~~1890 هي الآن حقيقة، نرى من أشباهها الآلاف في لندن، ونيويورك، وبرلين، كما نرى أن المسرح، ~~بها وبأمثالها، قد أصبح مدرسة لدرس الحياة. # وقد ألف «جرانت ألين» الأديب الإنجليزي قصة «المرأة التي فعلت» على هذا النمط؛ أي إن بطلة ~~القصة امرأة ترفض الزواج الذي يحرمها من استقلالها، ثم تعيش كادحة تعمل وتكسب فتربي شخصيتها ~~وتصون حريتها. وهو بالطبع كان متأثرا بدراما «بيت عروس». وقد ألف «فكتور مرجريت» الأديب ~~الفرنسي المعروف قصة «الفتاة الغلامية» متأثرا أيضا بالغاية التي رمى إليها ~~«إبسن». # والمرأة الأوروبية عامة، والمرأة الأمريكية والإنجليزية خاصة، قد أصبحت تتجه نحو ~~استقلالها وتكوين شخصيتها كما تتجه نحو الزواج والعائلة؛ نعني بذلك أن استقلالها لم يمنعها ~~من الزواج وإنما رفعها من الأنثوية إلى الإنسانية. # | اثنان من الرواد # ليس من الممكن أن نذكر جميع الأدباء الذين ساهموا في حركة التجديد الإنجليزي. وكل ما ~~نستطيعه أن نذكر الأعيان. وقد ms25 يكون في الترجمة المفصلة المسهبة لواحد من هؤلاء الأعيان ما ~~يبصر القارئ بالنزعات التجديدية، ويقفه على أسبابها، أكثر مما يكون في إيراد التراجم ~~المختصرة، وسرد الأسماء والمؤلفات. # ولكن الاقتصار على ترجمة أو ترجمتين، مع ما فيه من الفائدة إذا عمدنا إلى الإسهاب ~~والاستيفاء، لا بد أن يرافقه نقص في الإحاطة بجملة المجددين. وهو نقص نضطر إليه على سبيل ~~التضحية. # فلا بد ونحن نذكر الحركة التجديدية أن نهمل «دكنز» و«سونبرن» و«أوسكار وايلد» وأمثالهم من ~~رجال العصر الفكتوري الذين ساهموا بالقليل أو الكثير في الحركة التجديدية. والشعور ~~بالتضحية يشتد هنا عند ذكر «دكنز»، فإن هذا الكاتب العظيم استجاب للوسط الصناعي الجديد ~~بقصته «أيام الشدة». وحسبك أن تقرأ هذا الوصف للبلدة الصناعية «كوكتاون» كي تعرف مقامه في ~~ميدان الإصلاح الاجتماعي، وكيف أنه استطاع أن يجعل أدبه وسيلة للخدمة الإنسانية، قال: # كانت بلدة كوكتاون قد بنيت من الآجر الأحمر، أو من الآجر الذي كان يكون أحمر لولا ~~طبقة الدخان والرماد التي تكسوه. ولكن كوكتاون كانت بهذه الطبقة بلدة تبدو بجدرانها ~~الحمراء السوداء في ألوان غير طبيعية، كأنها وجه رجل متوحش قد طلاه بالأدهان ~~والأصباغ. # وكانت حاشدة بالآلات والمداخن السامتة التي كانت تنساب منها ثعابين الأدخنة، ~~يتحوى بعضها على بعض فلا نهاية لتحويها ولا افتكاك. # وكانت بها قناة سوداء، ونهر تجري مياهه حمراء بصبغة كريهة الرائحة، وكانت بها ~~أكوام من المباني التي تملؤها النوافذ. ثم كان بها عجيج وارتجاف طوال النهار حيث ~~كان كباس الآلة البخارية يهبط ويصعد كأنه رأس فيل قد أصابه الجنون. وكانت بها عدة ~~شوارع كبيرة، كل منها شبيه بالآخر، يقطنها ناس كلهم متشابهون. يدخلون بيوتهم ~~ويخرجون منها في وقت معا، ويؤدون عملا واحدا. وكان كل يوم عندهم يشبه يوم أمس ~~ويوم غد، وكل عام يشبه السنة الماضية والسنة القادمة ... # ولم يصف أحد من الكتاب الأثر السيئ الذي أحدثته المصانع الآلية الكبيرة في المدن كما وصفه ~~«دكنز». ومن هذه النبذة يمكن للقارئ أن يرى التفاعل بين الحياة والأدب، وكيف أن الأديب يخدم ms26 ~~المجتمع بأدبه ويكشف عن مساوئ الصناعة. و«دكنز» من هذه الناحية يعد رائدا في الأدب ~~الإنجليزي الجديد، وقد ترك تراثا لمن خلفه في القصص هو «القصة الاجتماعية» التي ترى على ~~أوفاها عند «ولز». بل هذه النبذة التي نقلناها عن «دكنز» لو أنها قرئت في غير أصلها لأخطأها ~~الناقد ونسبها إلى «ولز». # وهنا يجب أن نقف بالقارئ قليلا كي نقول إن أسمى الأمثلة من القصص أو الدرامة الإنجليزية ~~إنما هو وسيلة لخدمة الاجتماع، وليس غاية في نفسه. وهناك مثل «ميرديث» أو «والتر باتر» أو ~~«أوسكار وايلد» ممن نظروا إلى الفن نظرة «فرنسية» وجعلوا الجماعة غاية الأدب كما هو رأي ~~«بودلير» أو «أناطول فرانس». ولكن هذه النظرة بعيدة إجمالا عن روح الأدب الإنجليزي، وإن كنا ~~نعثر عليها من وقت لآخر، ونجد منها القليل من الأمثلة. # دكنز. # وقد كان «أناطول فرانس» يقول عن الأدب إنه لا يتوخى الحقائق؛ لأن توخي الحقائق إنما هو ~~شأن العلم، أما الأدب ففن من الفنون، والقصة يجب أن تكون كالصورة أو التمثال، ليس وراءها ~~غاية. وقد سار هو على هذا المذهب، وهو مذهب جدير بالاحترام، وإذا صدق، فكل ما نقوله عندئذ ~~أن الأدب الإنجليزي يتجه بكل صراحة نحو العلم. والواقع أننا نجد في إنجلترا عددا كبيرا من ~~الأدباء الذين يصح لنا أن نسميهم أيضا علماء. # ومن هؤلاء «صمويل بطلر» وهو الرائد الذي يقول «برنارد شو» إنه تعلم منه، فإنه مزج بين ~~الأدب والعلم، وألف في القصص كما ألف في نظرية التطور. وهو يعد من الثائرين على العصر ~~الفكتوري، من حيث تنديده بالحياة العائلية والعرف الاجتماعي والكنائس. أما في العلم فيمكن ~~أن نرى فيه رأي «برجسون» الفرنسي، فإنه كافح «داروين» في نظره الآلي للحياة وأبى إلا أن يرى ~~فيها - أي الحياة - قصدا تقصد إليه، بل غاية سامية تسمو إليها؛ فعند «داروين» أن الأحياء ~~تتطور لأنها تصطدم بحوادث يموت فيها العاجز ويبقى القوي المحتال، فالتطور إذن خبط عشواء أو ~~محض مصادفة. ولكن «بطلر» لم يستطع قبول هذه النظرية وأبى إلا أن ms27 يؤمن بأن في الحياة حكمة ~~ترشد الأحياء نحو غاية سامية قد لا نستطيع نحن أن نعيها من الآن، لكن يمكننا أن نلمحها من ~~سيادة الإنسان على سائر الكائنات. بعبارة أخرى نقول إن «داروين» مادي في تفسيره للتطور أما ~~«بطلر» و«برجسون» فروحيان، يؤمنان بالقصد والغاية في الحياة. # أما قصص «بطلر» فمكتسبة من اعتباراته؛ ولذلك ننقل عنه هذه النبذة التي كتبها عن والده: # لم يحبني كما أني لم أحبه. ولم أذكر وقتا لم أكن أخشاه وأكرهه، وكم من مرة كنت ~~ألين وأقول لنفسي إنه رجل طيب لا بأس به، ولكنني لا أكاد أفعل ذلك حتى يعود فيصدمني ~~ويملأ نفسي مرارة نحوه. ولست أشك في أني سلكت معه مسلكا يبعثه على الاستياء مني ~~كما أني لست أشك في أني ارتكبت معه ذنوبا كثيرة. كما أني لست واثقا من أن أخطاءه ~~كانت أكثر من أخطائي. ولكن الواقع، بصرف النظر عن هذه الأخطاء، أني بقيت سنوات ~~طويلة لم يمر بي يوم إلا وكنت أفكر فيه مرات، وأرى فيه الرجل الذي يقف ضدي ويري ~~الجانب السيئ بدلا من الجانب الحسن في كل ما أقول أو أعمل. # هذا الوسط العائلي هو الذي حاربه «بطلر» بقصته «طريق اللحم» وهو الذي حاربه بعد ذلك ~~«برنارد شو»؛ أي تلك العائلة الإنجليزية التي كانت تتسلط على الشاب والفتاة وتستبد بهما ~~وتعوق حريتهما. # والشاب أو الفتاة سواء في بريطانيا أو الولايات المتحدة هما الآن أكثر فتيان العالم ~~استقلالا عن الأسرة. ومن المبالغة أن نقول إن هذا الاستقلال يعزى إلى الأدب؛ لأنه في ~~الحقيقة يعزى إلى الوسط الصناعي الجديد الذي جعل المرأة تعمل في المصنع أو المكتب وتستقل ~~بمعاشها عن أهلها، ولا تكاد لذلك تبالي طاعة الأبوين. وكذلك هو يعزى إلى وفرة الملاهي ~~الجديدة مثل الأتومبيل والسينماتوغراف. وكلاهما عمل لتفكيك الأسرة الإنجليزية. ولسنا نجد ~~الآن أبا يشبه ذلك الذي نكب به «صمويل بطلر»، فإن مؤلفات «بطلر» تدلنا على مقدار الجمود في ~~ذلك العرف الاجتماعي أو الأخلاق الإنجليزية مدة العصر الفكتوري، وهو عرف كان ms28 يفشي الشقاء ~~في الأسرة. # ولقد ذكرنا هنا «دكنز» وكيف سخط على الوسط الصناعي الجديد ووصفه أدق وصف وأبشعه. ثم ذكرنا ~~«صمويل بطلر» وكيف كره الحياة العائلية وأنكرها. ولكن القارئ المصري لا يمكنه إلا أن يعترف ~~بأن هذا الوسط الصناعي كان هو العلاج لجمود العائلة الإنجليزية؛ لأنه فك قيودها ونقض ~~الاستبداد الأبوي بالحرية الجديدة التي لقيتها الفتاة الإنجليزية في الصناعة والملاهي ~~الكثيرة التي جعلت الشاب ينشد سلواه خارج البيت. # إن للصناعة وجوها سيئة، ولكن لها وجوها أخرى حسنة. ومن حسناتها هذه الحرية التي يتمتع ~~بها الآن الشبان والفتيات في العالم المتمدن؛ لأن العائلة البطريركية القديمة، عائلة ~~الزراعة حيث الأب يعول ويسود، قد بادت. وأخذت مكانها العائلة التي يكسب أفرادها عيشهم من ~~المصنع، فيستقل الشاب بدخله كما تستقل الفتاة بكسبها. وهذا الاستقلال الاقتصادي قد أدى إلى ~~استقلال اجتماعي أخلاقي زعزع العائلة إلى حد ما. # | المنحطون في الأدب الإنجليزي # في أوائل هذا القرن نشر «ماكس نورداو» كتابا عن «الانحطاط» تناول فيه جماعة كبيرة من ~~الأدباء والشعراء بالنقد، واتهمهم بأنهم إنما نزعوا نزعاتهم الخاصة لأنهم منحطون، فهم ~~مجانين أو قد اقتربوا من الجنون. ونزعاتهم إنما هي نزعات العقل المضطرب المفتون؛ ولذلك فإن ~~كل ما يدعون إليه من فلسفة أو إصلاح ليس في حقيقته، وعند التأمل، سوى هراء الأبله أو هذيان ~~المحموم. # وقد ذاع هذا الكتاب لأن التهمة طريفة والرأي بدعة، وكلاهما يلفت النظر ويبعث على التأمل. ~~وقد مضى على نشر هذا الكتاب نحو خمسين سنة تكفي لتأييد نظرياته أو دحضها. والواقع الذي نراه ~~الآن أنها قد أدحضت جميعها وأن هؤلاء المنحطين الذين ذكرهم «ماكس نورداو» إما أن الجمهور ~~قد تناساهم لأنهم لم يكونوا من القدرة والكفاية بحيث يستحقون دوام الذكر، وإما أنهم قد ~~ثبتوا لأن كفايتهم لم تزعزعها التهم التي وجهها إليهم هذا الطبيب الأديب. وحسب القارئ أن ~~يعرف أن «نيتشه» و«تولستوي» و«إبسن» وضعوا في مقدمة المنحطين عنده، وهم الآن من زعماء ~~النهضة الأوروبية. # ولكن قبيل «ماكس نورداو» - أي في أواخر القرن التاسع عشر ms29 - ظهرت طائفة من الكتاب في فرنسا ~~وإنجلترا يجوز لنا أن نسميهم بالمنحطين. بل لقد عرفت الطائفة الإنجليزية نفسها وارتضت هذه ~~الصفة وأطلقتها على نفسها تحديا وفخارا. # والمنحطون في الأدب الإنجليزي يمتون بنسب إلى المنحطين في الأدب الفرنسي، وقد تتلمذوا إلى ~~حد ما «لبودلير» و«جوتييه». ولكنهم كانوا مع ذلك مستقلين، يجدون في البيئة الإنجليزية نفسها ~~السم والدسم لأدبهم، وقد أخصبت بهم إنجلترا في السنوات الثلاثين بين 1870 و1900. # وكي نفهم المنحطين في إنجلترا يجب أن نعود فننظر نظرة عاجلة في أبى نواس؛ إذ ليس هناك شك ~~مثلا في أن هذا الشاعر العظيم كان - بمقاييسنا الاجتماعية الحاضرة - منحطا. وهذه حياته ~~وأشعاره توضح لنا هذا الانحطاط. وإذا نحن تأملنا البواعث التي بعثت عليه ألفيناها تتلخص في ~~الرجع أي «رد الفعل» الذي شعر به هذا الشاعر وهو يعيش في مدينة تحتوي على صنوف من فتنة ~~المدن وملذاتها، ثم ينظر فيجد أن الشعر لا يزال بدويا لا ينطبق على حال هذه المدن، فهو ~~ثائر على الشعر البدوي يدعو إلى حياة المدينة وملذاتها. وهو في ثورته يبالغ ويمعن لأنه يريد ~~الانتقام. وكلما أمعن وبالغ تورط فيما يتجاوز صحة الفن وسلامة النظر، فهو هنا مجدد، ولكنه ~~في تجديده منحط. # وكذلك الحال مع هؤلاء المنحطين الإنجليز، فإنهم ثاروا على أدب القرن التاسع عشر. وبالغوا ~~في الثورة إلى حد الانتقام للحديث من القديم، فتورطوا في أشياء لا تختلف عما تورط فيه أبو ~~نواس. حتى لقد مارس بعضهم بعض رذائله. وحتى لقد دعوا إلى المدينة مؤثرين حياتها على حياة ~~الريف، يفضلون جمالها وضوضاءها على جمال الطبيعة وسكونها. فضوضاء المدن موسيقى وألحان، ~~وسكون الريف ركود وأسن، كما آثر أبو نواس المدينة على البادية. ولكنهم كانوا حتى في هذا ~~الانحطاط مخلصين. وهم الآن بعد زوال أشخاصهم قد ذهب زبدهم وبقي منهم ما ينفع الناس. # كانت إنجلترا في القرن التاسع عشر منكوبة بنزعتين، إحداهما سلطان العرف والعادة، والثانية ~~الروح الطهري الذي كان يجنح إلى النسك وكراهة الملذات الفنية، وكلتا النزعتين تدعو في ~~النهاية ms30 إلى الانكفاف والإحجام والخوف من التجارب والبدع؛ ولذلك حدث الرجع في نهاية القرن ~~التاسع عشر وكان شديدا عنيفا حتى لقد انتهى عند بعض القائمين به بالسجن أو الموت المبكر ~~أو التشريد. ولكن مع كل ذلك بقي من هؤلاء «المنحطين» أثرهم في الأدب الإنجليزي الحديث، ففي ~~إنجلترا الآن نهضة تنزع نحو الإغريق وتدعو إلى الجمال، وفيها ثورة على العرف، وجرأة على ~~الابتكار في الأخلاق، وبها نزوع إلى التجربة والاقتحام. وكل هذا يرجع إلى هؤلاء المنحطين ~~الذين احترقوا بالنار كي يعرفوا الناس فوائدها. # وأول هؤلاء المنحطين هو «والتر باتر»، وكان في فنه وأدبه مشبعا بالإحساس الإغريقي. وقد ~~دعا إلى الوثنية الإغريقية، وفتن الناس بالنزوع إلى اللذة والجمال، فهو القائل ما معناه: ~~إننا يجب أن نختبر الاختبار ونجرب التجربة، ولكن ليس لكي نجني منهما ثمرتهما فنزداد حكمة، ~~وإنما علينا أن نختبر ونجرب للذة الاختبار والتجربة وحسبنا ذلك منهما. وهذا مذهب مخيف لا ~~يستطيع أن يتحمل قائله عواقبه أو يعمل به كله. ولكنه يدل على الرجع - أي «رد الفعل» - للقرن ~~التاسع عشر. # أما المنحط الثاني فهو «أوسكار وايلد» الذي كان يتأنق في أسلوبه وحديثه. وقد دفعه التأنق ~~إلى الشذوذ. وكما أن الكاتب المتأنق يتحرى اللفظة النادرة لبريقها أو رنينها، كذلك هو صار ~~يتحرى الشذوذ في ملذاته وينزل على رأي باتر في توخي التجربة أو الاختبار للذة فقط. وأدب ~~الكاتب هو بعض حياته؛ ولذلك فإن «أوسكار وايلد» اتخذ أسلوبا للحياة، حياة اللذة والتلألؤ، ~~يتطعم أطايب الحياة وتوابلها ويتأنق في اختيارها. وصار يطلب اللذة النادرة حتى وقع في اللذة ~~الشاذة، وعاش بذلك في فسق الجسم والذهن. واختياره لقصة «سالومي ويوحنا المعمدان» يدل القارئ ~~على هذا الذوق الذي ينشد الجمال الشاذ ويعشق الموقف عند أزمة العواطف وهزيمة العقل الرزين ~~أمام غلواء الشهوة. ونحن حين نقرأ هذين الكاتبين نشعر أننا نتنزه في جنة الذهن ونتلذذ ~~العبارات المتلألئة والكلمات المتألقة. ولكننا نحس أيضا أننا في صحراء الروح إذ لا نجد ~~أهدافا أو مثليات. بل نجد أحيانا التهكم بالأهداف والمثليات. ms31 # وكلاهما - أي «والتر باتر» و«أوسكار وايلد» - يدعو دعوة جديدة هي التعمق في الحياة، فإن عامة ~~الناس يعيشون على السطح، يلمسون من الحياة أقل تجاربها وأبسطها ولا يكادون، بل منهم من ينكف ~~ويحجم كأنه راهب يخشى الاقتحام والانغماس. ولكن هذه الحياة لا يمكننا أن نصل منها إلى اللباب ~~والصميم إلا إذا انغمسنا فيها، ننغمس في الحياة كما ننغمس في اللذة، وإنما يكون ذلك بالتعمق ~~والتوغل في الاختبارات والتجارب. # وهذه دعوة وثنية إغريقية يمكنها أن تثمر الثمرة المرة كما تثمر الثمرة الحلوة. وقد نستطيع ~~أن نرى في قصة «جرانت ألين»، «المرأة التي فعلت»، مثالا من ثمرات هذه الدعوة؛ فهو هنا يصف ~~لنا فتاة ترفض الزواج استبقاء لحريتها، وثورة على العرف وقيود المجتمع. # وقد يعد الإنسان هذه القصة كما يعد بعض قصص «أوسكار وايلد» من الثمرات المرة لهؤلاء ~~المنحطين. ولكن كل واحد من هؤلاء المنحطين قد ترك أثرا حسنا في الأدب الإنجليزي إلى جانب ~~ما نظنه آثارا سيئة، فإن المسرح الإنجليزي مثلا قد ارتقى بفضل «أوسكار وايلد» الذي يمكن ~~أن نقول إنه مهد ل «برنارد شو» بتعويد الناس الحوار البارع بين الممثلين، والانتقاد ~~الاجتماعي عن سبيل الفكاهة اللاذعة. وكذلك «والتر باتر» ما زلنا إلى الآن نرى أثره في ~~الطبقة الجديدة من الكتاب مثل «لورنس» و«ألدوس هكسلي». # وللمنحطين - كما هو المنتظر - شأن خطير في الأدب الفرنسي. وللمنحطين الإنجليز صلة قوية ~~بهم حتى لقد ألف «أوسكار وايلد» إحدى دراماته «سالومي» باللغة الفرنسية. ولكن هؤلاء ~~الإنجليز بادوا في حين لا يزال الانحطاط حيا في فرنسا. كما نرى في مثال «أندريه جيد». ~~ومهما بلغ المنحط الإنجليزي فإنه لا يصل إلى مستوى «بيير لوتي» الذي كان يدهن وجهه ~~بالمساحيق والأصباغ، ويسلك مسلك أبي نواس في ملذاته الجنسية. # ويمكن أن نلخص السمات التي اتسم بها المنحطون فيما يلي: # الدعوة إلى الجمال بلا اعتبار للأخلاق أو العرف الاجتماعي. # إيثار المدينة والصناعة على الطبيعة والسذاجة. # توخي اللذة حتى لو كانت شاذة تخالف المألوف في الطبيعة. # وضع الحياة الحسية فوق الحياة الذهنية. ms32 # إيثار الفن على الطبيعة، بل على الحقيقة. # | كبلنج: شاعر الاستعمار # في إنجلترا ثلاثة من الأدباء يشهد لهم قارئهم بأنهم دعاة عظماء للرجعية ينافحون عنها في ~~بلاغة وقوة إيمان. ومن هؤلاء اثنان يكرهان العصر الحديث قلبا وقالبا؛ أي روحا وشكلا، ~~هما «تشسترتون» و«بيلوك». وكلاهما كاثوليكي يكره بدعة البروتستنتية ولو قام جهاد ديني لقمع ~~هذه البدعة لتجند كلاهما فيه. ثم هما يحنان حنينا عظيما، كأنه وحم الحبلى، إلى القرون ~~الوسطى، ويتغنيان بها كأنها الجنة المفقودة، فهما يذكران منها مثلا نظام «الطوائف» ~~ويتحسران على زواله. ويذكر «بيلوك» النظام الإقطاعي بالإعجاب. وكلاهما يكره مذهب «داروين» ~~وينكره بلهجة الجزم التي ينكر بها المتدين عقائد خصومه. وهما يدافعان عن البابا ~~والكاثوليكية كما يدافعان عن عصر الصناعات اليدوية. # أما الرجعي الثالث فهو «كبلنج» شاعر الإمبراطورية؛ أي شاعر الاستعمار. وهو يختلف من ~~الاثنين السابقين من حيث إنه يؤمن بالقرن العشرين. وهو من الشعراء الذين يستطيعون أن يؤلفوا ~~القصائد في مدح الأتومبيل والقطار والتلغراف. ولكنه مع ذلك رجعي يكره النزعات الإنسانية ~~الجديدة؛ إذ هو داعية بليغ من دعاة الحرب، لا يعرف عصبة الأمم، ولا يؤمن بتحقيق السلام. وهو ~~نقيض «المنحطين» من حيث إنه يجعل الفن وسيلة لخدمة الاستعمار البريطاني في حين كانوا يجعلون ~~الفن غاية. وهو مع إيمانه بالحضارة يكره منها نعومتها وما فيها من أساليب التطرية، ويكتب عن ~~الغاية وقتال الحيوان والإنسان كأنه يعيش في العصور البدائية. وبراعته هنا تتجاوز الوصف ~~نثرا ونظما، فإنه يجعل «أشخاص» القصة من الحيوانات التي تتكلم وتتناقش في حال من الألفة ~~الذهنية التي لا يستطيعها إلا كاتب كبير. وقد حلم المنحطون ولعبوا بفكرة الترف والتطرية. ~~ولكنه هو لا يعرف من الرجال سوى الفحل الممتلئ بالرجولة، وهو إذا انحط فإنما يتجه انحطاطه ~~نحو الإعجاب بالرجل المتوحش، وليس بالرجل المترف الناعم. # نشأ «كبلنج» في الهند واكتسب مزاجا خاصا بالإقامة بين الجاليات الإنجليزية في ذلك ~~القطر العظيم الذي يشبه القارة، فهو إنجليزي يحتقر الهنود ويظن أنهم هم والمصريون، والبوير، ~~والزنوج لم يخلقوا، وليس لوجودهم معنى أو ms33 مغزى إلا أن يخدموا شعب الله المختار؛ أي ~~الإنجليز. وهو صاحب هذه الكلمة الاستعمارية المشهورة: «لا يعرف إنجلترا من لم يعرف سوى ~~إنجلترا.» يعني بذلك أن عظمة الإنجليز تتضح في مستعمراتهم التي لا تغيب عنها الشمس. # فهو يعجب «باللورد كرومر»، ويعده من عظماء العالم، وينسى أنه صاحب فجيعة دنشواي، وأنه ~~أرصد حياته كي يعوق أمة كبيرة عن التقدم. وأنه كان يبتز أموالها لدولته، ويدعي حماية ~~عمالها، وهو يعرف أن هؤلاء العمال مرضى بألوان من الأمراض، وعلة هذه الأمراض هي مشروعات ~~الري التي عممها في مصر كي يزيد زراعة القطن، فتشتريه مانشستر رخيصا وفيرا. وهو يعجب ~~«بسسل رودس»؛ لأنه ارتكب من الجرائم وجر من الويلات على البوير، ما كان يستحق عليه أن يشنق، ~~لو أنه عومل معاملة المتمدنين. ولكنه يعجب بكرومر ورودس لأنهما إنجليزيان استعماريان، وينسى ~~الإنسانية والشرف والمروءة إذا ذكر المصريين أو البوير. # تشسترتون. # وهو مع براعته النادرة في قرض الشعر وسمو الخيال، يكاد الإنسان يخرجه من زمرة الأدباء، ~~كلما تأمل البواعث الإجرامية التي تبعثه على تأليف قصيدة أو قصة؛ فإن الأديب يؤمن بالحرية ~~الفكرية إذ هي دينه الذي يجب أن يدافع عنه طيلة حياته. ويؤمن بالإنسانية التي هي موضوع ~~أدبه. ولكن «كبلنج» يخون الاثنين، يخون الحرية ويخون الإنسانية. وهو قبل كل شيء يدعو إلى ~~السيف والنار، ويتغنى بالمدمرات والغواصات. وهو في إنجلترا بمثابة «تريتشكه» في ألمانيا، مع ~~فرق واحد وهو أن صوته لا يزال عاليا؛ لأن إنجلترا خرجت من الحرب ظافرة، بينما صوت ~~«تريتشكه» قد خفت عندما انهزمت ألمانيا. # وقلما تخلو أمة من الأدباء الوطنيين، يضعون وطنيتهم فوق أدبهم. ولكن الوطنية إذا احتدت ~~واحتدمت صارت مرضا يشبه الحمى في نوباته، ويدفع إلى الهذيان والعدوان. وقد كان «تريتشكه» ~~الألماني يدعي أن العالم كله يجب أن يخضع لألمانيا. وكان «تشمبرلن» الإنجليزي المتألمن يدعي ~~أن العبقرية والاختراع والمثليات، كل هذه ثمرات ألمانية . حتى السيد المسيح نفسه، كان في ~~زعمه ألمانيا. # و«كبلنج» لا يهذي كل هذا الهذيان، ولكنه يتغنى بالإمبراطورية والاستعمار. ويتكلم عن ms34 عبء ~~الرجل الأبيض، كأنه يعني ويصدق ما يقول ويؤمن به، كأن الاستعمار لم يخترعه الرجل الأبيض إلا ~~لخدمة السود والصفر والسمر من بني الإنسان؛ وهم لذلك عبء عظيم يحمله الإنجليزي والفرنسي ~~بدافع شريف من دوافع المروءة والإنسانية. ولذلك كثيرا ما نقرؤه فنفتتن برنين قصائده، ولكنا ~~نعاف ونشمئز من أهدافه ومثلياته التي لا تزيد على أن تكون رواسب سيكولوجية من أيام التلمذة ~~ومفاخر الصبيان. # وهذه الوطنية الحادة المحتدمة هي التي بعثت «كبلنج» على أن يقول مدة الحرب الكبرى هذه ~~الكلمة الكافرة: إن العالم يسكنه اثنان هما النوع البشري والألمان. وبنفس هذه الروح سبق له ~~أن قال: «الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقي الاثنان.» والشرق عنده مؤلف من الأمم التي ~~تستعمرها بريطانيا وتدوسها بأقدامها وتحرمها من العلم والصناعة. # وهو من حيث الأخلاق يدعو دعوة القرن التاسع عشر، فهو يطلب من المرأة أن تلزم بيتها، ومن ~~الرجل أن يعتمد على نفسه ويجترئ ويقتحم؛ وهو لهذين الغرضين يكره الاشتراكية ويناصبها ~~العداء. وأنت تقرؤه فتشعر أن «صموئيل صميلز» صاحب الكتب العديدة، التي ألفت في «تقديس ~~النجاح» قد انقلب شاعرا يعظ الناس ويشرح لهم قيمة الأخلاق التي يمتاز بها الرجل الناجح في ~~جمع المال. وهو قصير النظر لا يستطيع أن يبصر بحقائق النظام الاجتماعي، ولا يتعظ بوجود نحو ~~ثلاثة ملايين عامل عاطل في بلاده، سبب عطلهم هو «نجاح» الماليين في جمع المال. وكذلك هزيمة ~~بلاده أمام اليابان في التجارة لم تفتح عينه. وكذلك نهضة الهند لم تنبه ذهنه الغافل. # وأحيانا يؤلف «كبلنج» قصائده كالسكران أو المجنون، فيحرص على الجريمة ويشرح للجندي ~~البريطاني كيف يسرق وينهب ويقتل الهنود والمصريين، أو البورميين والزنوج. انظر إلى هذه ~~الكلمات الفاجرة: # تذكر، أيها الجندي، وأنت تحطم المعبد حول رب من الأرباب المذهبة في بورما أن ~~عينيه مرصعتان بالأحجار الثمينة. # وتذكر أنك عندما تعطي الزنجي جرعة من سوطك المطهر فإنه سيعترف لك بكل ما ~~يملك. # أما بعد ذلك فقل فيه ما شئت من براعة في نظم القصائد وتأليف القصص. ويشق على الناقد ms35 أن ~~يسلكه في زمرة خاصة من الرجعيين أو المجددين، فليس شك مثلا في أنه أبعد الناس عن المنحطين ~~كما هو أيضا أبعدهم عن المجددين. ثم إن رجعيته لا تمت بأي نسب إلى رجعية «موريس» أو ~~«روسكين» أو «تشسترتون» أو «بيلوك» من حيث كراهة الآلات والعصر الصناعي الحاضر. وإنما هي ~~رجعية الاستعماري الذي يستغل الآلات في جمع الثروة، ولكنه يأبى أن يؤمن بالإنسانية. وقد ~~يكون مما يوضح غرضنا أن نقول إنه نقيض «بيرون» في الأخلاق والخيال الشعري. وهو لو عاش قبل ~~مائة سنة أي سنة 1830 أو 1840 لوجد الوسط المحيط به أليق به وأكثر مشاكلة لأدبه. أما الآن ~~فلسنا نظن إنسانا مثقفا يتطعم أفكاره ويسيغ نزعاته. وهو لذلك بطل من أبطال المدارس ~~الإنجليزية، يقرؤه التلاميذ والطلبة ويتغنون بأمجاد الإمبراطورية التي تفهق بها قصائده. ~~ولكن الإنجليزي المهذب يجد فيه كثيرا مما يخجله، أما غير الإنجليزي، وخاصة إذا كان وطنه قد ~~نكب بالاستعمار البريطاني مثل مصر والهند، يجد فيه كثيرا مما يحنقه ويؤسفه على أن مثل هذا ~~الرجعي يوجد في القرن العشرين. # | دراسة الاقتصاد والاجتماع # أخذت المسائل الاقتصادية تغمر كل شيء منذ أوائل هذا القرن حتى تدخلت في الدين والسياسة ~~والأدب، فصرنا نسمع عن «الاشتراكية المسيحية». ونقرأ لكهنة الدين المسيحي أقوالا توهمنا أن ~~المسيح قد سبق كارل ماركس وأنه دعا إلى دعوته. بل ظهرت في أوروبا أحزاب تمزج بين المسيحية ~~والاشتراكية، وترشح أعضاءها كي ينفذوا المبادئ الاقتصادية التي يدعو إليها الإنجيل. # وكذلك السياسة أخذت منذ أكثر من خمسين سنة تتجه نحو الاقتصاد، فمجالس الوزراء الآن لا ~~تشغل في معظم أوقاتها إلا بالصناعة والزراعة والتجارة وزيادة الأجور وضرائب الجمارك ونحو ~~ذلك. بل لقد شعر المستر تشرشل أحد وزراء بريطانيا السابقين بضغط المسائل الاقتصادية. وهذه ~~السنوات السود التي نعيش فيها تدلنا على أن السياسة إذا لم تكن اقتصادا فهي ليست شيئا ~~يذكر. # وليس غريبا إذن أن يلتفت المجددون في الأدب الإنجليزي إلى الاقتصاد، فقد وجدوا أن ~~للعوامل الاقتصادية آثارا واضحة في حضارة الأمة، وأخلاقها. ms36 ولذلك اتجهوا إلى درس الأحوال ~~الاقتصادية اتجاها قويا، فألفوا القصص والدرامات حتى يقفوا الجمهور على المساوئ ~~الاقتصادية التي تجر في أعقابها مساوئ اجتماعية. # وأبرز الأدباء الإنجليز الذين جعلوا من الأدب وسيلة لدرس المسائل الاقتصادية هم «برنارد ~~شو» و«ولز»، وهما أيضا على رأس المجددين. ومن هنا نعرف أن كثيرا من التجديد الأدبي في ~~إنجلترا إنما هو تجديد اقتصادي. # ولا تكاد تخلو قصة من قصص «ولز» من عبرة اجتماعية، يستخرجها القارئ من الأحوال ~~الاقتصادية. وأي شيء أفعل في النفس من قصة «تونوبنجاي» التي يصف فيها كيف تجمع الثروة ~~الضخمة بالغش والخداع، ثم كيف تضاع في مظاهر اجتماعية سخيفة؟ فهنا نرى رجلا يؤلف عقارا ~~ويعلن عنه أنه يشفي طائفة من الأمراض، ويؤسس الجرائد والمجلات، الغرض الظاهر منها خدمة ~~صحفية. والغرض الباطن هو الإعلان عن هذا العقار، وليس في هذا العقار أي شيء لا يعرفه الناس، ~~وليس فيه أي ميزة ولكن الجمهور يقبل على شرائه؛ لأن الإعلانات المتكررة تستهويه وتغريه ~~وتقنعه بفائدته. ولا يزال صاحبه في هذا النشاط حتى يصبح من أغنياء العالم المعدودين. ~~ويتساءل «ولز» هنا: أي نظام هذا الذي يجيز لمثل هذا الرجل أن يخدع السذج حتى يستولي على ~~نقودهم بمثل هذا الدواء الذي لا يفيد أحدا ممن يستعمله من المرضى؟ # ولكن «ولز» لا يقتصر على القصة، فهو قصاص بالمهنة، ولكنه اشتراكي بالنزعة، وعندما يجد أن ~~القصة لا تسعفه بتحقيق غرضه يعمد إلى الموضوع نفسه فيخرجه مدروسا مشروحا في كتاب مستقل، ~~فمن ذلك كتابه «عوالم جديدة للقدماء»، وهو في شرح المسائل الاقتصادية. وكتابه «شقاء الأحذية» ~~وهو في هذا الموضوع أيضا. وللأحذية مكانة في نفس «ولز» لا يستطيع أن ينساها حتى الآن، وهو ~~يربح في العام أكثر من عشرين ألف جنيه؛ لأنه نشأ وهو صغير في مسكن وضيع في بدروم أحد البيوت ~~الكبيرة، فكان يري، لأول ما يرى من السابلة في الشارع، أحذيتهم . # وفي عام 1933 صدر له كتاب ضخم لا يقل عن 850 صفحة كبيرة هو أعظم شهادة على الرغبة الحارة ~~التي ms37 تحدو هذا الأديب إلى الإصلاح الاقتصادي. وهذا الكتاب هو «العمل والثروة والسعادة». وهو ~~يعالج الأزمة المالية المستحكمة وقتئذ في ذكاء وإحاطة جديرين بالإعجاب من الاختصاصي، فضلا ~~عن الأديب. والكتاب أشبه بالموسوعة يشرح فيها كيف يعمل الناس في الصناعة والزراعة، وكيف ~~يلهون في فراغهم، وكيف ينتقل الناس في أسفارهم، وما هي مهمة المرأة في هذه الدنيا، وما ~~ينتظر منها، وكيف تتألف الحكومات ... وما إلى ذلك. # وكذلك «برنارد شو» فإن مؤلفاته ودراماته تكاد جميعها تتجه نحو الاشتراكية. وله كتب عدة في ~~هذا الموضوع، منها «اشتراكية المجالس البلدية» و«الاشتراكية للأغنياء». ثم كتابه الضخم ~~«دليل المرأة الذكية عن الاشتراكية». # أما دراماته فجميعها تقريبا تعالج موضوعات اجتماعية لها أساس اقتصادي. وهو يعزو جميع ~~النقائص الاجتماعية كالبغاء، والحرب، والجرائم، والأمراض، إلى عوامل اقتصادية، ويبحثها ~~جميعها من هذه الناحية. والقارئ ل «برنارد شو» يشعر في جميع ما يقرأ أن المؤلف يريد أن يبرز ~~له هذه الحقيقة، وهي أن في العالم فقراء يؤذيهم الفقر في صحتهم وأخلاقهم. وأغنياء لا يعرفون ~~كيف يتمتعون بغناهم ولا هم مرتاحون إلى هذا الغني؛ لأن تكاليفه تكاد أحيانا تزيد على ~~مكافأته. وهو لا يطالبنا بأن يكون لنا ضمير فقط، بل يلح علينا بأن هذا الضمير يجب أن يكون ~~ذكيا مدربا، وليس بليدا غافلا. # وقد كان الفقر موضوعا للأدباء، قبل خمسين سنة، فإن كتاب «البائسين» الذي ألفه «فيكتور ~~هوجو» هو في الحقيقة كتاب الفقراء؛ لأن البؤس هو الفقر. والقصص التي ألفها «تولستوي» ~~و«دستويفسكي» و«جوركي» تنحو أحيانا كثيرة نحو هذه الغاية. ولكن القصد لم يكن واضحا عند ~~«هوجو» أو «دستويفسكي» أو «تولستوي»؛ لأن الفن يتغلب هنا على القصد الاجتماعي، ولأن ~~اشتراكيتهم كانت طوبوية قائمة على الأماني، ينشدون طوبى المستقبل. وهي ليست معللة بالعلم في ~~ضوء المخترعات الآلية المنتجة لملايين السلع. وقد لا نستطيع أن نقول مثل هذا القول عن ~~«جوركي»؛ لأن غايته واضحة واشتراكيته علمية. ولكن لا يسع القارئ مع ذلك إلا أن يحس أن رجل ~~الفن هنا أبرز من رجل الاجتماع. # أما الأدباء المجددون ms38 في إنجلترا فإن غايتهم تتضح وقصدهم يسفر. وقد يكون ذلك لأنهم دون ~~«جوركي» في الفن، أو لأن الرغبة في الدعاية المذهبية تتفوق على الحاسة الفنية. ولذلك كثيرا ~~ما نجد «ولز» أو «شو» ينسيان القصة أو الدرامة ويأخذان في شرح حالة اجتماعية بلهجة التدريس ~~لا بلهجة القصص أو الحوار. # ولا يقتصر هذا الالتفاف على هذين الأديبين البارزين، فإن هناك عددا كبيرا من الأدباء ~~الإنجليز قد جعلوا الفقر حجر الزاوية عندهم في القصة أو الدراما. وقد تجاوزت هذه النزعة ~~كتاب إنجلترا إلى الكتاب الأمريكيين، فهناك نجد مثلا «إبتون سنكلير» الذي خص نفسه لمعالجة ~~الدعاية الاشتراكية في أسلوب سافر جعل جميع الناشرين يقاطعونه، حتى صار يضطر إلى أن يطبع ~~مؤلفاته بنفسه فهو مؤلف وطابع وناشر. # | برنارد شو # قلما يتاح لأديب أن ينال من الذكر بين العامة والخاصة مثل ما ناله «برنارد شو»، فإن قراء ~~الصحف الذين لم يعتادوا قراءة كتاب في الأدب يعرفون اسمه ويحبونه، بينما هم يجهلون «كبلنج» ~~أو «روسكين» أو «ولز». وليس هذا بين الجمهور الإنجليزي فقط بل بين سائر الجماهير القارئة في ~~العالم المتمدن. وبعض هذا يرجع إلى أنه عاش إلى الآن (1948) أكثر من تسعين سنة على هذا ~~الكوكب. وهو في رحلته الطويلة عبر القرنين التاسع عشر والعشرين قد اختبر كثيرا وأصبحت ~~الأجيال تورثه أبناءها كأنه كنز وطني. # وذلك لأن «برنارد شو» يمزج فلسفته بالفكاهة، فالأولى للخاصة والثانية للعامة. وهو في ~~فكاهته يسمو على التهريج، فإذا أراد أن يضحك لم يدهن وجهه بالدقيق ويهرج لك تهريج البله ~~والمجانين، بل هو يتأنق في إعمال الفكرة، وينظر إلى ما وراء الظواهر فيزيل عن الوقار هيبته، ~~وينضو عن العرف ثوبه، ويقف بك حيال الحقائق العارية. ولكن لما كان مثل هذا الموقف يؤلم؛ ~~لأنه يحرمنا من أوهامنا المحبوبة؛ فإنه لذلك يخفف من هذا الألم بالفكاهة. وفكاهاته هي ~~تشنجات الحكمة التي قد يضحك منها العامي. ولكن الرجل المثقف يقف عندها متأملا مفكرا، ~~وأحيانا متألما. ويمتاز «برنارد شو» بذهن قلق نشيط، يشع ضياء على كل ما ms39 يمسه كأنه جسم ~~مفصفر يتألق. وهو ينعت نفسه بأنه «ثائر»، وهو كذلك في المعنى السامي للثورات؛ ذلك لأن لكلمة ~~«الثورة» في الأذهان معنى الحركة التشنجية والمفاجأة المنظرية. ولكن «برنارد شو» يقول إن ~~هذه المظاهر برهان الفشل في الثورة؛ لأن الثورات يجب أن تتسلل إلى المجتمع وتتخلله حتى ~~يتغير في سلم وهدوء، فإذا لم تنجح في التسلل والتخلل فإنها تنفجر. # ويختلف «برنارد شو» من المنحطين اختلاف النقيض للنقيض. إذ بينما هم يؤمنون باللذة ويدعون ~~إلى الاستمتاع، يدعو هو إلى النسك والزهد. ولا يعرف من اللذات غير اللذات الذهنية، فهو ~~يتهالك على الصورة الفنية وينغمس في درسها، أو يتهالك على الموسيقى ويرضى بتكبد المشاق ~~لاستماع أحد الموسيقيين أو رؤية أحد الراقصين. ولكنه يصد صدودا مستغربا عن اللذة الجنسية. ~~وقد عشق الممثلة الجميلة «إلين تري» فكان يراها وهي تمثل على المسرح ثم يتجنبها فلا يلتقيان ~~ولا يتواعدان، ولكنهما يقنعان بالمكاتبة. # وقد علل أحد النقاد هذا الزهد الجنسي بتعاليل مختلفة، منها زهده في طعام اللحم وشراب ~~الخمر. ولكن أصح من هذا التعليل أن يقال إن زهده للنساء واللحم والخمر يعود إلى منبع واحد ~~في نفسه هو هذا المزاج الطهري الذي تجد له أمثلة عدة في إنجلترا، وهو ثمرة الدعاية الطهرية ~~التي فشت في تلك البلاد منذ أيام «كرومويل» وجحدت حتى اللذات الفنية. # وقد سبق أن قلنا إن «كبلنج» يجعل من الفن أداة للخدمة الإمبراطورية والاستعمار. و«برنارد ~~شو» يشبهه من حيث استعمال الفن أداة، ولكنه يخدم بهذه الأداة «الإصلاح الاجتماعي». وهو قبل ~~كل شيء يدعو إلى الاشتراكية العلمية. ولا يبالي إنفاق وقته وماله في تحقيق هذه الاشتراكية. ~~وعواطفه شعبية، ينحاز إلى الضعيف والمظلوم والفقير. وقد تبرع بمبلغ ثلاثين ألف جنيه لبناء ~~منازل للعمال. # ومن يتأمل مؤلفاته وحياته يجده عاش، وما زال يعيش، في ضوء «داروين» و«ماركس». وليس هذا ~~غريبا، فإن حياته الذهنية تقع بين 1880 و1948. وفي النصف الأول من هذه المدة كان التطور ~~مثار المناقشة وموضوع المجلات والكتب. أما النصف الثاني فموضوعه الكفاح الذي ms40 لم ينته بعد ~~بين الاشتراكية التعاونية وبين الانفرادية التزاحمية. # برنارد شو. # وقد نشأ «برنارد شو» في أيرلندا من أبوين بروتستانتيين. وكانت أمه تجيد العزف على ~~البيانو، وكان أبوه سكيرا مستهترا. ورحلت به أمه إلى إنجلترا، وكان «برنارد شو» لا يخجل ~~وهو شاب من أن يعيش بما تتكسبه هي من الموسيقى. وقد استطاع بفضل هذه الأم أن يتوفر على ~~القراءة والدراسة. # وكانت الاشتراكية حوالي 1880 بدعة تجذب إليها الشبان لكثرة نظريتها وشكوكها واختلاط ~~المذاهب بين القائمين بها، فجذبته إليها، وكان هو أحد المؤسسين للجمعية الفابية التي أخذت ~~على نفسها تغذية الجمهور الإنجليزي بالمؤلفات الاشتراكية. # والقارئ ل «برنارد شو» لا يسعه إلا أن يعترف بأنه اكتسب شيئا كثيرا من المفكرين ~~والأدباء الأجانب، فهو متدين غير سني يؤمن فيما يتعلق بما وراء المحسوس ب «برجسون» ~~و«شوبنهور». وقد أخذ عن «إبسن» دراما «الموضوع» أو المسألة. كما أخذ شيئا كثيرا عن ~~«نيتشه» في الأخلاق. هو يؤمن بالتطور ولكن ليس عن طريق «داروين» بل عن طريق «لامارك» أما ~~اشتراكيته فكانت، وما تزال، اشتراكية «ماركس» العلمية. # أما الكتاب الإنجليز الذين تأثر بهم فكثيرون، منهم «روسكين» و«صموئيل بطلر» و«دكنز» ~~و«داروين». # وهو في أسلوبه وغايته أقرب في الشبه إلى العلماء مثل «برتراند روسل» أو «هلفاوك أليس» منه ~~إلى الأدباء مثل «رديارد كبلنج» أو «أرنولد بينت». فإن عبارته تمتاز بالدقة، وتخلو خلوا ~~من التزويق أو الرشاقة. وأكاد أتوهم من مؤلفات «برنارد شو» أنه رائد لسلالة جديدة من ~~الأدباء هي تلك التي تؤمن بالعلم، وتقلع عن الأدب كأنه من الوسائل العتيقة التي مضى زمانها. ~~وهو يكره الأساليب المعبدة والأفكار المعبدة، ولا يبالي الفن الدرامي كثيرا. وقلما نجد في ~~دراماته ذلك التوتر المسرحي الذي يعلق أنفاسنا؛ لأنه إنما يعني بالمناقشة الذهنية الحريفة ~~بل المشوطة. # والآن ما هي المهمة التي أداها «برنارد شو» لبني عصره؟ ~~(1) # أنه جعل الدرامة اجتماعية ، فوصل بين المسرح والحياة، وجعل منه مدرسة للكبار ~~يرون فيها معضلاتهم الاجتماعية. ~~(2) # أنه أزال من المسرح تلك المكانة التي كانت للغرام والحب، والخيال الفاسد. ms41 كما ~~أنه قضى، أو كاد يقضي، على أساليب التهريج المسرحي من إيجاد مواقف دموية، ~~ومصادمات عنيفة، تستثير الجمهور ولا تفيده، كتلك المواقف التي لا تزال حية في ~~مسرحنا بفضل العاجزين السائدين في التمثيل من مؤلفين وممثلين. ~~(3) # أنه جعل الفكاهة وسيلة إلى درس الفلسفة. ~~(4) # أنه أفشى في العالم الإنجليزي روحا إنسانيا يكره الاستعمار، واستغلال ~~الأمم الصغيرة، وتشريح الحيوان الحي، وضرب التلاميذ، وقتل الحيوان ~~للطعام. ~~(5) # أنه جعل التطور مادة من مواد البرنامج الاجتماعي لإصلاح البشر. ورفع القيم ~~البشرية فوق القيم الاجتماعية في معنى الرقي والتقدم. ~~(6) # أنه أثبت في أذهان الطبقة القارئة المستنيرة أن التقاليد والأخلاق عادات ~~وعرف، لا أكثر ولا أقل. وأنها بعيدة لهذا عن أية قداسة تحول دون ~~تغييرها. # هذه خلاصة مقتضبة. ولكن على القارئ المصري أن يذكر أن «برنارد شو» رجل غربي، يؤمن ~~بأوروبا، ولا يؤمن أقل الإيمان بآسيا. بل هو إلى حد ما يؤمن بالسلالات الأوروبية، وأنها ~~زبدة البشر. وقد عطف على بعض المبادئ الفاشية لاتجاهها البيولوجي وأنها تعمل لتطور النوع ~~البشري بتعقيم الناقصين. # وبكلمة أخرى نقول إنه أبعد الناس عن «غاندي»؛ لأن هذا يكره الآلات وما جرته من مظاهر ~~الحضارة العصرية، ويدعو إلى العودة إلى سذاجة الإنتاج اليدوي، والمعيشة القروية. ولكن ~~«برنارد شو» يؤمن بالآلات والحضارة العصرية. # | الدرامة الاجتماعية # كان «برنارد شو» أول من جهد لتعميم الدرامة الاجتماعية في المسرح الإنجليزي، فقد دعا ~~أولا إلى دخول الدرامة الإبسنية، وكان بوقا عاليا لهذا المؤلف النروجي «إبسن» الذي ~~اكتسحت دراماته الخاصة المثقفة في أوروبا. ثم شرع هو منذ 1890 يؤلف للمسرح ويعالج المسائل ~~الاجتماعية، فله دراما عن البغاء وعلاقته بالأحوال الاقتصادية، وأخرى عن الإيمان بالمسيحية، ~~وأخرى عن الحرب ... إلخ. # وهو في بعض هذه الدرامات يهدم ولا يبني. وقد يعتذر عنه هنا بأن الهدم نصف البناء، وأنه لا ~~يمكن البناء إلا بعد أن تزول بقايا القديم، وينظف المكان للجديد. # وقد سبق أن قلنا عن «برنارد شو» إنه يمثل الانتقاض على القرن التاسع عشر والثورة على ~~عقائده ومؤسساته، ففي هذا القرن نرى ms42 الإيمان بالديمقراطية التي هي النتيجة المحتومة للثورة ~~الفرنسية. ونرى أن الرواج الصناعي قد بعث في النفوس آمالا بالنجاح، فزاد الإيمان بالفردية ~~والاستقلال الذاتي. ولكن درس الأحوال والتقلبات الاقتصادية وقف المفكرين العصريين على علل ~~كثيرة في النظام الاقتصادي الحاضر. # وعندما نقرأ «برنارد شو» نجد أنه يمثل روح العصر في هذا التزعزع الذي يشمل كل شيء ~~تقريبا، فقد تزعزع إيماننا بأشياء كثيرة، ووهنت عقائدنا أو انمحت، ولكنا لم نضع مكانها ~~إيمانا جديدا. وهذا الجهد الذي نراه عند كثير من العلماء مثل «برجسون» في القول بالبصيرة ~~بدلا من العقل، أو عند «جيمس جينز» في القول بأنه يشرف على الكون عقل رياضي عظيم؛ كل هذه ~~المحاولات لإيجاد إيمان جديد إنما هي برهان على تزعزع العقائد القديمة ورغبة النفس الجامحة ~~إلى الاستناد إلى شيء لأنها لا تطيق الخواء. # فإذا نحن درسنا «برنارد شو» أو من جاءوا بعده من الأدباء الاجتماعيين وجدنا شيئا كثيرا ~~جدا من الهدم مع القليل جدا من البناء. وهم من هذه الناحية يشبهون علماء الاقتصاد في ~~الأزمات الحاضرة، فإن هؤلاء يجمعون الآن على فساد عظيم في النظم الاقتصادية الراهنة، ولكنهم ~~عندما يطلب منهم إيجاد مقترحات جديدة للعلاج يعجزون عن اقتراح أي شيء إيجابي يمكن الأخذ به، ~~والاعتماد عليه، غير القليل التافه. وهذا بالطبع باستثناء الاشتراكيين الذين يعتمدون على ~~برنامج إيجابي واضح. # ولست مع ذلك أتعامى عن أشياء ومقترحات كثيرة اقترحها «برنارد شو» على سبيل البناء ~~والعلاج، ولكنها يبدو عليها عند التأمل أنها في مكان الاعتذار عن البناء، لا البناء نفسه. ~~فهو عندما يأخذ في نقد المسيحية ويسير شوطا بعيدا في الهدم ينتهي، في ضعف، إلى التعلق بأن ~~الألوهية كائنة فينا. وعندما يسقط في يده عن قيمة المنافسة بين الأفراد في عصر صناعي وما ~~تجلبه من ضرر بالناس يلتجئ إلى الاشتراكية بتحفظات عدة تجعل كثيرا من المفكرين يتهمونه من ~~أجلها بالفاشية. # وقد يشعر القارئ له أن إيمانه كبير وأنه يعتقد اعتقادا راسخا بالعلم وفائدته. ولكنه لم ~~يستطع مع ذلك أن يصور لنا مجتمعا ms43 يعيش على ما يراه إلا بعد أن يتخلص من العقل ويطير ~~بالخيال إلى زمن مجهول في المستقبل يبعد عن زماننا بنحو 30000 سنة حيث تنقطع كل علاقة بين ~~الحاضر والمستقبل. # ومما يجب أن يلاحظ هنا أن جميع الأدباء الذين يمثلون الانحلال ويعملون للهدم يتفاءلون ~~بالمستقبل ويؤمنون أعظم الإيمان بالعلم. وهذا ما نرى من «ولز» و«شو» مثلا. بينما العلماء ~~أنفسهم أمثال «برتراند روسل» يتشاءمون من سلطان العلم ويتنبئون أسوأ النبوءات عن المجتمعات ~~التي تعيش في ظل العلم، ويقولون إن الفئة التي تحتكر الثقافة العلمية ستأخذ في الاستئثار ~~بالسلطان وتتسلط على العامة. # ونظن أن القارئ سينتهي إلى الاعتقاد بأننا نستصغر شأن «شو» بهذا الذي ذكرنا عنه. ولكن ~~الحقيقة أننا نكبره ونعتقد أنه أدى أعظم خدمة للأدب الإنجليزي عامة وللمسرح الإنجليزي خاصة ~~بتوجيهه هذه الوجهة. ثم هو في ظروفه التاريخية لم يكن له مفر من أن يقف معظم مجهوده الأدبي ~~على الهدم، فقد نشأ في وسط اجتماعي ورث تقاليد عتيقة في الأسرة والاقتصاد والحكومة وعلاقات ~~الدول، ورأى ظروفا اقتصادية جديدة في الصناعة تفعل فعلها في الانحلال، فأخذ في شرح النقائص ~~حتى تطابق الحال الاجتماعية الحال الاقتصادية. # وحسبنا من «شو» أنه فتح الأعين إلى الإصلاح بأن وضع الإصبع على أمكنة الداء. # و«برنارد شو» عندما يعالج المسائل الاجتماعية إنما تحدوه إلى هذه المعالجة نزعتان؛ ~~إحداهما: تلك النزعة العلمية التي تجعله يؤلف كتابا في الاقتصاديات لا تقل صفحاته عن 500 ~~يشرح فيها قيمة النقد، ومعنى البدل النقد، والعرض والطلب، وأجر العامل، وأجرة العقار، ونحو ~~ذلك، مما هو أبعد الأشياء في العرف الأدبي عن أديب يحترف القصص أو الدرامات. والأخرى: تلك ~~النزعة الإنسانية التي تعيد إلينا ذكرى «فولتير» و«روسو». وأحيانا تصطدم فيه النزعتان، ~~فإنه يحارب العلماء والأطباء بماله وقلمه ووقته لأنهم يجربون تجاربهم أحيانا في الحيوان ~~الحي. وهم بالطبع يقصدون من هذه التجارب إلى المنفعة البشرية، ولكن إنسانية «برنارد شو» ~~تمنعه من التفكير في هذه المنفعة إذا كان لا بد من إيلام الحيوان لأجل تحقيقها. وهو يكره ms44 ~~القسوة بألوانها المختلفة، ودرجاتها المتفاوتة، فهو من ناحية يلعن الأطباء والعلماء لأنهم ~~يؤلمون الحيوان بما يسمونه التجربة العلمية، ويتهمهم بأنهم إنما يمارسون لذة خفية «سادية» ~~بهذا الإيلام لا تختلف من لذة الرجل الذي يصاب بالشذوذ الجنسي حين يضرب المرأة ويؤلمها ولا ~~يتمم علاقته الجنسية إلا بضربها وإيلامها. ومن ناحية أخرى يخاطب الزوج الإنجليزي ويبكته في ~~لهجة لاذعة من التقريع لأنه يلح على اقتضاء حقوقه الزوجية بالنوم في سرير واحد مع ~~زوجته. # وبين هذين الطرفين نجده في معالجته للمسائل الاجتماعية ينزع نزعة كثيرا ما تتفق وأغراضه ~~الاشتراكية. فهو يكره الاستعمار، ويذكر حادثة دنشواي بالتفصيل المؤلم. والحق أنه في هذه ~~النزوات البارة يقف من المجتمع موقف «فولتير» من مجتمعه في القرن الثامن عشر. وليس شك أن ~~«شو» في أيامنا هو السليل الروحي ل «فولتير». وهو يطلب الرفق بالأطفال، ويصرح بأن هناك آباء ~~يسيئون تربية أبنائهم ويجب أن يفصلوا منهم. وقد آمن بنظرية التطور، بل دعا إلى الاستنارة ~~بها في ترقية المجتمع ترقية عضوية حتى ينشأ من الإنسان «سوبرمان» تكون نسبته إلينا كنسبتنا ~~نحن إلى القردة. ولكنه عندما اصطدم بمبدأ «تنازع البقاء» والطبيعة الحمراء بين المخلب ~~والناب، أبت إنسانيته أن يصدق أن في هذا الكون مثل هذه القسوة، فرفض الإيمان بهذا المبدأ ~~وأخذ يحتال على تفسير آخر للتطور، كأنه يريد أن تكون الطبيعة إنسانية أيضا، أو كأنه لا ~~يفهم أنه هو نفسه إنسان لأنه أرقى من الطبيعة. # الطبيعة اخترعت الشهوة، ولكن الإنسان اخترع الحب. والطبيعة اخترعت التنازع، ولكن الإنسان ~~اخترع التعاون. # ومنطق الطبيعة هو الغريزة الوقتية، ولكن منطق الإنسان هو العقل البصير. # وعدل الطبيعة هو قوة البطش بالذراع، ولكن عدل الإنسان هو القانون. # ولكن من الحق علينا أيضا أن نسلم بأن كل ما في الإنسان من إنسانية إنما ترجع جذوره إلى ~~الطبيعة. # | فلسفة برنارد شو # كان الفلاسفة في الأزمنة القديمة وبعض الحديثة لا يعدون أنفسهم جديرين بالفلسفة إلا إذا ~~تكلموا عن الأصول والنهايات، وما يتجاوز حدود التفكير المنطقي إلى الغيبيات. ومن هنا لم ms45 يكن ~~الفرق عظيما بين الصوفي والفيلسوف. ومن هنا أيضا كانت الفلسفات متشابهة في الغاية ~~والإبهام أو الاستعصاء التام على الفهم، فلم يكن يفهمها إلا المعتقد الذي يرى أن العقيدة ~~خير من الرأي، والبصيرة أنفذ من الفهم. وكان الفيلسوف لذلك يبتعد عن الناس ويعيش في عزلة ~~ونسك، يجتر ذهنه ويكتب في القرن التاسع عشر ما كان يكتبه «أفلاطون» قبل 2300 سنة عن الفكرة ~~والموضوع. أو الشيء في عقلنا والشيء في ذاته، إلخ. # وقلما ينجو مفكر من هذه الشواغل الذهنية. والواقع أنه يجب ألا ينجو منها، وأن تكون له ~~منها رياضة، بشرط ألا ينغمس فيها؛ لأن الاختبارات الماضية تدل على أن الانغماس لا يأتي ~~بطائل، وأننا ننتهي بعد الجهد ونفاد الصبر والذهن إلى أن نقول كما قال «هربرت سبنسر» إن كل ~~هذه الأشياء هي «مما لا يمكن معرفته». # وفيلسوف هذه الأيام إذن ليس هو ذلك الناسك الذي ينأى عن الناس ويتكلم من فوق رءوسهم بما ~~لا يفهمون، وإنما هو الذي يختلط بهم ويدرس مسائلهم ويحاول المحاولات المختلفة لإصلاح ~~أحوالهم، بل إصلاح أجسامهم وعقولهم. وأنت إذا سألت عن المواد الخام التي يتغذى منها الأديب ~~أو الفيلسوف في عصرنا ألفيتها أبعد ما تكون عما كان يفكر فيه الأديب أو الفيلسوف القديم، ~~فهو الآن يدرس الطبيعة البشرية من المقامرة في البورصة ومضمار الجياد، وعليه أن يجهد ذهنه ~~في درس العوامل الاقتصادية التي ترفع وتحط الأمم أو الأفراد، فمسائل النقد والأجر والإيجار ~~والامتلاك والفاقة والغنى يجب أن تشغل باله؛ لأن جزءا كبيرا من سعادة البشر يرجع إليها. ~~ثم هو لا يمكنه الآن أن يستغني عن العلوم لأنه لم يعد في مقدور إنسان أن يتكلم عن الأخلاق ~~والفضيلة والرذيلة ما لم يعتمد في ذلك على المكاشفات العلمية الحديثة. # و«برنارد شو» يعد من هذه الاعتبارات فيلسوفا حديثا يمتاز بنزوات فلسفية جميلة، ظاهرها ~~عبث وفكاهة وباطنها جد أكبر الجد، فهو يلح في درس المجتمع الحاضر قبل درس التاريخ. ويؤلف ~~الكتب في واجبات المجالس البلدية كما يبلغها عن مستقبل الإنسان ms46 بعد ثلاثين ألف سنة. ويقرأ ~~الكتب الطبية ويجاهر الناس بأن الطب يحتوي، إلى جنب العلم الصحيح، مجموعة من الخرافات التي ~~صارت حرفة يحترفها الأطباء للعيش. وهو هنا متأثر بطب القرن التاسع عشر الذي لم يكن علميا ~~محضا، أما الطب العصري فينهض على العلم. ثم يعود على الأدب فينكر على أدباء القصة والدراما ~~اهتمامهم بالحب والغرام، ويصرح بأن ذلك الرجل الذي يعدد مآثره الغرامية إنما هو كذلك الآخر ~~الذي يعدد مآثره في التهام ألوان الطعام سواء. # وتمتاز الدراما، كما يؤلفها «برنارد شو» بأنها خالية من الغرام، أو هو فيها في المحل ~~الثاني، بل هو أحيانا كثيرة يخترع المواقف للتهكم بالعواطف الغرامية. ودراماته هي مصطرع ~~الأفكار يتألق منها شرر الذكاء في حوار بديع، فلا يستطيع البليد أو الذكي إلا أن يفكر كلما ~~قرأ له دراما أو شاهدها ممثلة على المسرح. وله بدعة جميلة هي أنه يكتب لكل دراما مقدمة تبلغ ~~150 صفحة، يشرح فيها الموضوع الذي تعالجه الدرامة. وهو هنا يشرح فلسفته، ويسهب في بيان ما ~~اضطر إلى اختصاره في حوار الدرامة. بل هو أحيانا يبالغ في هذه البدعة، فلا يقنع بالمقدمة، ~~بل يؤلف كتابا آخر ينسبه إلى أحد أبطال الدرامة ويلحقه بالدرامة نفسها. ففي «الإنسان ~~والسوبرمان» نرى على المسرح رجلا يقول إنه ألف كتابا، ثم يقدمه لأحد أصدقائه. ولا ندري ~~نحن المشاهدين من أمر هذا الكتاب شيئا. ولكن «برنارد شو» يكتبه ويلحقه بالدرامة المطبوعة. ~~وهو كتاب جميل يبحث آداب الثورة والثائرين لأبناء القرن العشرين. والثورة هنا بيولوجية يراد ~~بها تغيير الإنسان في جسمه وعقله، فهي ليست ثورة على الحكومة أو المجتمع، وإنما هي ثورة ~~الإنسان على نفسه حتى ينشأ منه إنسان آخر يعلو عليه، كما يعلو الإنسان الآن على ~~القردة. # وليس ل «برنارد شو» نظام فلسفي كما نرى مثلا ل «شوبنهور» أو «برجسون» وإنما له أفكار ~~فلسفية يمكننا أن نستخرجها من دراماته أو بالأحرى من مقدمات دراماته. # ولو شئنا لعددنا له الكثير من هذه الأفكار، ولكن نقنع ببعضها أو بالأهم دون ms47 المهم. # فهو في الأخلاق يطلب حرية الفرد التامة، فلكل إنسان أن يفعل ما يشاء من فضيلة أو رذيلة. ~~فيرى أن ليس للمجتمع مثلا، أن يكف الناس عن الخمر. ويبني رأيه هذا على أن مصلحته الحقيقية ~~تقتضي أن تباح الخمور لجميع الناس حتى تصطرع الإرادات فيبقى الرجل المتين الصليب الذي لا ~~تغريه الخمر بالانغماس ويموت اللين الخريع الذي ينغمس في الشراب. وذلك أن من شأن الرذائل أن ~~تقتل المتهالكين عليها، وأن من مصلحة الأمة أن ينقرض هؤلاء الضعفاء الذين لا يملكون إرادتهم ~~وعندئذ لا يبقى فيها غير الأقوياء. أو بعبارة أخرى يريد «برنارد شو» أن تكون الفضائل سجايا ~~موروثة تجري في عروقنا وتتمشى بنا كأنها بعض طبائعنا، نلزمها عفوا وطبعا وليس تكلفا ~~وتعليما. ولن يكون ذلك إلا بأن تنقرض منا عناصر الشر بانقراض أصحابها. وانقراض أصحابها لا ~~يكون إلا بأن يستسلموا لها وينغمسوا فيها. وإذا كانت الرذيلة لا تقتل أصحابها، فهي إذن ليست ~~رذيلة وليس ما يدعونا إلى أن نكف الناس عنها، فالنهم، والمنغمس، والمدمن، والقذر، ~~والمستهتر، كل هؤلاء يؤذون أنفسهم بما يمارسونه، فمن مصلحة الأمة أن تتركهم حتى يبيدوا منها ~~وليس من مصلحتها أن تقيم الحواجز كي تكفهم عنها؛ لأن قصارى ما تفعله عندئذ أنها تقيم قفصا ~~من الواجبات الأخلاقية. ولكنها مع ذلك لن تغير طبائعهم. وهو يضرب المثل بفرنسا التي تستباح ~~فيها الخمور يشربها الصغار والكبار والأطفال والشيوخ، فإن الفرنسي أقل الأمم سكرا ~~وإدمانا؛ لأن الذين أدمنوا قد هلكوا وباد نسلهم فلم يبق سوى المعتدلين. # ولكن الذين رأوا تفشي المخدرات في مصر عقب الحرب الأولى لا يمكنهم أن يؤمنوا بهذه ~~الإباحية، فقد رأينا نحن نصف مليون مصري تفترسهم المخدرات، وليس فينا من يستطيع أن يقول إنه ~~يجب علينا أن نتركهم حتى تقتلهم هذه المخدرات؛ لأنهم إنما وقعوا فيها لضعف إرادتهم، وأن هذا ~~الضعف جدير بأن تطهر منه الأمة حتى لا يبقى فيها غير الأقوياء المستعصمين الذين يستطيعون أن ~~يعيشوا ويتصونوا مهما أحاطت بهم الغوايات. # ولمذهب «داروين» الأثر الأكبر في ms48 نزعات «برنارد شو» التجديدية. وهو هنا في موضوع الأخلاق ~~إنما يجيز هذه الإباحية لأنه يرجو منها تطورا يصيب القلوب والغرائز فتستحيل الأخلاق طباعا ~~موروثة لا يحتاج الناس إلى تعلمها وتكلفها وسن القوانين وإقامة الحواجز للمنع من ~~مخالفتها. # وهذا «التطور» يشغف به «برنارد شو» شغفا عظيما حتى لقد جعله موضوعا لاثنتين من أقوى ~~دراماته. وهو في واحدة منهما يقترح إنشاء «وزارة للتطور» يكون رئيسها عضوا في مجلس ~~الوزراء. والقصد من هذه الوزارة تدبير الطرق وتهيئة الوسائل لاستنتاج طراز جديد من الناس ~~يكون أقوى جسما وأذكى عقلا وأصح غرائز منا. وهذا الطراز الجديد هو سلالة «السوبرمان» - أي ~~ما فوق الإنسان - فإنه يقول إنه ما دمنا في عصر ديمقراطي، الحكم فيه للأمم، فإنه يجب أن نجعل ~~الناس يتطورون. حتى إذا مرت القرون ظهرت سلالات جديدة من الإنسان تمتاز من السلالات القديمة ~~بميزات إنسانية جديدة. وهو هنا يشرح للقارئ جمود الإنسان منذ فجر المدنية إلى الآن، فإن هذا ~~الرقي الذي نفخر به إنما هو في الوسط الذي يحيط بنا وليس في أنفسنا، فنحن أبناء العصر ~~الحاضر وآباؤنا من عشرة آلاف سنة، سواء من حيث صحة الجسم أو ذكاء العقل، لم نتقدم في شيء. ~~وإنما هذا التقدم الموهوم هو في الوسط فقط. وهو هنا يستشهد على أننا والمتوحشين سواء في ~~الغرائز بآلاف الأمثلة، منها مثلا أن المتوحشين يحملون في فخار رءوس قتلاهم، وكذلك فعل ~~«كتشنر» مع جثة «المهدي» التي بعثرها بقنابل المدافع في السودان. # وهو يرى أنه لا بد لاستنتاج هذا الطراز الجديد من الإنسان من الانتخاب الذي يتجاوز حدود ~~الزواج. وهو يفرض وجود هيئة من العلماء تكلفهم وزارة التطور بتعيين الأشخاص الذين ترى في ~~تزاوجهم فائدة للأمة من نسلهم المنتظر. وهو هنا إباحي لا غش فيه. ولو أردنا الشرح والإسهاب ~~لتورطنا فيما لا يطيقه ذوق القارئ العربي، ولكننا نقول إنه ينظر إلى القوانين والشرائع من ~~حيث إنها عادات وعرف، وأنه يجب أن تغير كلما وجدنا فائدة في التغيير. وهو يضرب المثل هنا ~~بالزواج، فإن ms49 هذه الكلمة تحاط بهالة من الاحترام والقدسية حتى ليظن الإنسان أنها تعني شيئا ~~واحدا عند جميع الناس. مع أن الواقع أنها تعني عادات تختلف بل تتناقض، فهناك المرأة التي ~~تتزوج بضعة رجال في «التبت». وهناك الرجل الذي يتزوج بضع نساء. وهناك الزواج الذي لا يجاز ~~فيه سوى رجل وامرأة لا أكثر. وينتقل من هذا البيان إلى استدراج القارئ إلى أن القول ~~باستنتاج طراز جديد من الناس بلا زواج شرعي وعشرة دائمة بين الزوجين ليس قولا غريبا وإنما ~~هو ابتكار عادة جديدة يقررها وزير التطور، أو هو زواج جديد، يسن المجتمع قوانينه ~~الجديدة. # ولا يجوز لنا أن نتناول فلسفة «برنارد شو» دون أن نشير إلى الاشتراكية، فإنه يعلق هذا ~~المذهب الاقتصادي على مذهبه البيولوجي السابق في استنتاج السوبرمان. وما دامت المرأة حرة من ~~هذه الناحية الاشتراكية تعمل وتكسب فهي تستطيع أن تختار زوجها بهداية غرائزها. وهو يرى أن ~~هداية الغرائز أدعى إلى ترقية السلالات البشرية من أي اعتبار آخر من الاعتبارات الحاضرة في ~~الزواج، كأن تنشد المرأة في الزواج كفيلا يكفل لها العيش بدلا من أن تنشد حبيبا ومحبا ~~إذا رأت وزارة التطور ذلك. # وهو من حيث الدين، أو بكلام أصح، من حيث المعاني الدينية، يؤمن بالتصوف «البرجسوني»، وأن ~~البصيرة هي التي تهدي الذهن، وأن التطور يحمل في نزعته عناصر الرقي. وقد ألف ثلاث درامات عن ~~الدين، وهي وإن لم تدل القارئ على أنه صريح الإيمان بالله فإنها تدل على الأقل على أنه ~~مشغول البال بهذا الموضوع. ولكن لا يمكن مع ذلك أن يقال إنه ملحد، فإنه يرى أن الوظيفة هي ~~أصل العضو، وأن العقل هو الأصل للجسم، وأن الفكرة هي الأصل للمادة، وأن وراء الكون الظاهر ~~عقلا مختفيا. وقد حمل على «داروين» لأنه حين عالج موضوع التطور نظر إليه نظرة مادية فأزال ~~منه القصد والغاية، وجعل ظهور الأنواع الجديدة وقفا على بقاء الأصلح. وهذا لا يعني عند ~~«داروين» أكثر من الاعتماد على المصادفات العمياء، وأن التطور يجري جزافا بلا قصد. ms50 في حين ~~أنه هو - أي «شو» - يرى أن الحياة تهدف إلى غاية تسير نحوها على بصيرة هادية. وكأنه يقول: إن ~~الحياة هي الله. # | من داروين إلى برجسون # من الإهمال العظيم أن نعنى بحركة التجديد في الأدب دون أن نلتفت إلى عناية الأدباء ~~بالدين. # صحيح أن الأديب الأوروبي الآن لا يبالي الموضوعات الدينية كثيرا، كما كان يباليها ~~«فولتير» مثلا قبل قرنين تقريبا، ولكن ذلك يرجع إلى أن الاضطهاد الديني كان قويا أيام ~~«فولتير»، فلم يكن اهتمام هذا الأديب العظيم به إلا على سبيل الجهاد للحرية فقط. # أما الآن فإننا بفضل «فولتير» وغيره من الذين حاربوا الظلم والظلام نعيش في جو من التسامح ~~الديني لا يبعث الأديب على الجهاد للحرية. ثم إن محور المدنية الحاضرة يعتمد في حركته على ~~الاقتصاديات؛ ولذلك انتقلت هموم الأدباء، أو معظم همومهم، من الدين إلى معالجة ~~الاقتصاديات. # ولكن التجديد الأدبي كما هو مشاهد الآن ومنذ أربعين سنة في إنجلترا، يرافقه تجديد ديني ~~ترى علاماته في كثرة المؤلفات التي يضعها كبار الأدباء. وفي اهتمام الجمهور المتعلم ~~بالفلسفات الشرقية عامة وفي الدعوة إلى محاربة المادية بألوان من العقائد «الدينية» ~~كالروحية والحيوية والبشرية. # وأول من ألقى الحجر وعكر المياه هو «داروين». ولم يكن «داروين» أول من تكلم عن التطور، ~~فقد سبقه «لامارك» و«جوته» بل سبقه جده لأبيه «أرازموس داروين». وإنما امتاز «داروين» بوفرة ~~الشواهد التي اعتمد عليها في التدليل على تسلسل الأحياء الحاضرة من أحياء قديمة بائدة، ~~وإيراد هذه الشواهد في سلسلة منطقية مقنعة، بل مفحمة. ثم إن الكنيسة وقفت موقف العداء، فصار ~~المذهب الدارويني حربا بين الكنسيين والتطوريين. وهذه الحرب هي التي أكسبت هذا المذهب قوة ~~وانتشارا. # ولكن منذ أيام «داروين» ظهر لمذهبه عدو جديد غير الكنيسة. وقد وجد أنصار «داروين» أن ~~الانتصار على الكنيسة ليس شيئا عظيما، ولكن الانتصار على هذا العدو الجديد لم يكن سهلا. ~~ولا يعد حتى الآن كذلك. # وهذا العدو الجديد يؤمن بالتطور والتسلسل ولكنه لا يؤمن ب «داروين»؛ وذلك لأن «داروين» ~~اعتمد على «تنازع ms51 البقاء» و«الانتخاب الطبيعي» كأنهما العاملان الوحيدان تقريبا في تطور ~~الأحياء. وإذا نحن تأملنا هذين العاملين ألفينا معناهما ينحصر في المصادفة، فكأن الطبيعة ~~عمياء تخبط في التطور، وكأنه ليس وراءها إرادة أو عقل. وهذه هي المادية الصريحة. # ولذلك نجد منذ أيام «داروين» حركة قوية يتزعمها «بطلر» الذي كان يؤمن بالتطور ولكنه كان ~~يقول بأن الأساس أو المحرك لهذا التطور هو الإرادة أو العقل. وأن الإنسان لم يبلغ إنسانيته ~~إلا لأنه أراد أن يكون إنسانا، فهذه الإنسانية لم نبلغها مصادفة بتنازع البقاء والانتخاب ~~الطبيعي. ولم يكن ظهورنا على الأرض خبطا ومصادفة، كما يعتقد «داروين». وإنما كان لأننا ~~أردنا وقصدنا إلى الغاية التي انتهينا إليها. ولا عبرة بالقول بأن أسلافنا من الأحياء ~~الوضيعة لم تكن تعرف هذه الغاية، لأن عرفانها بها لا يقتضي الشعور أو الوجدان. وهذا لا يمنع ~~أن إرادة التطور إلى الإنسانية كانت مستقرة في نفسها. # وهذا النظر الغيبي الصوفي للعلم، أو الإيمان بأن وراء الظواهر قوة خفية تعمل للرقي، لا ~~يمكن حذفه بالسهولة التي يبعثها البحث السطحي، فإن التعمق في هذا الموضوع إن لم يؤد إلى ~~الإيمان فإنه سيؤدي على الأقل إلى الشك في المادية. # وكلمة «المادية» تؤدي الآن معنيين في أذهان المفكرين؛ أحدهما: ذلك المعني الفلسفي الذي ~~نعني به الإيمان بما يخالف الروحية والاقتصار على المحسوسات أو المعقولات. والآخر: ذلك ~~المعني الاقتصادي الذي نقصده حين نفسر التاريخ تفسيرا ماديا، فلا نرى وراء الحادثة أو ~~الشخص سوى الظروف المحيطة التي تؤثر فيهما. والواقع أن هذا «النظر المادي للتاريخ» الذي ~~أذاعه «ماركس» يشبه تمام الشبه ذلك النظر المادي للحياة الذي اعتمد عليه «داروين» في تاريخ ~~الأحياء - أي التطور - فكل من «داروين» و«ماركس» يكبر من شأن الوسط، بل يكاد يقول إنه العامل ~~الوحيد في تطور الحيوان أو المجتمع، ويصغر من شأن الحي ويكاد يجعله ضحية الوسط . # والآن تسمع في بعض الأوساط أن مذهب «داروين» قد مات. وقائلو هذا القول لا يعنون أنهم لا ~~يؤمنون بالتطور وإنما يعنون أن تنازع البقاء وبقاء الأصلح ms52 ليسا هما المحركان للتطور، وأن ~~الأحياء «حيوية» تسمو إلى قصد وتتوخى غاية. # وهذه «الحيوية» هي الآن مذهب يعارض المادية في الفلسفة. وقد عادت الكنيسة الإنجليزية بعد ~~مشاكسة طويلة تؤمن بالتطور وتقول به لأنها رأت في هذه الحيوية شيئا قريبا من الروحية، ~~واعترافا بأن في الكون عقلا يدبر. وكان «بطلر» أول من بذر هذه البذرة، ثم جاء بعده ~~«برنارد شو» فقال أيضا بقوة الحياة. وأخيرا جاء «برجسون» العالم الفرنسي، فشرح وأسهب ~~واستطاع أن يشق شقا بين الماديين فيكتسب منهم البعض ويلقي الشك في أذهان البعض الآخر. وهو ~~إلى الآن محور المعركة ورجاء الروحيين. وهو يرى أن الحياة نفسها دائبة لا تفتر في التطور، ~~وهي ترمي إلى قصد وإن لم يكن معينا. وقد يأتي يوم بعيد نعرف فيه غايتها ونقف منها على ~~أسرارها؛ وذلك أن الحياة قد أخذت طريقين في تاريخ الأحياء في الماضي: # طريق العقل، كما نراه على أكمله في الإنسان. # وطريق الغريزة، كما نراها على أكملها في الحشرات. # وكل من العقل والغريزة قد نشأ لمصلحة الحيوان للبحث عن الطعام وطلب الأنثى والهجوم ~~والدفاع ونحو ذلك. ولكن نحن نرى الآن أننا قد صار لنا من هذا العقل الوضيع ذهن فلسفي يستطيع ~~أن يتجرد من مطالب الطعام واللقاح إلى التفكير في الكون منشأ وغاية. وإذن - يتساءل «برجسون» ~~- لماذا لا يكون في مقدور الإنسان أن يستخرج من غرائزه بصيرة يستطيع أن يكشف بها الحقائق ~~كشفا لدنيا بلا عناء ولا تفكير، كما تهتدي الحشرة إلى فريستها أو أنثاها بلا تفكير أو ~~تدبر؟ # والغرائز كامنة في الإنسان قد تغلب عليها العقل، ولكن يمكن إحياؤها في أي وقت واستنباط ~~البصيرة الفلسفية منها. وهذا هو النظر الصوفي على أقصاه وأبلغه. وهو أيضا نظر طائفة من ~~الأدباء الذين يحاولون تجديد الدين، وفي مقدمة هؤلاء «برنارد شو»، فإن هذا الأديب يخاف ~~العلم خوفا حقيقيا مع أنه يرى فيه الرجاء لتحقيق السعادة بتوفير الخيرات للناس؛ فهو لذلك ~~ينذر الناس بأن مصيرهم إلى الفناء والدمار إذا لم يعتمدوا في حياتهم على ms53 الدين. ولذلك حمل ~~حملته المنكرة على «داروين»؛ لأنه كما يقول «بطلر» قد ألغى العقل من الكون، ووضع تنازع ~~البقاء وبقاء الأصلح مكانه، فكأنه بذلك قد جعل القتال والحروب والتناحر والمزاحمة إلى الموت ~~سننا، أو نواميس، قد شرعتها لنا الطبيعة، فلا بأس من أن نسير فيها. وهذا هو الدمار. # والخوف من تقدم العلوم، والحذر منها، إذا لم يرافقها دين، يتضح في جميع ما كتبه «شو» ~~و«ولز»؛ فقد كتب هذا الثاني جملة مؤلفات عن الله والدين ولكنه ألحد أخيرا، وسكن إلى ~~الإلحاد على الرغم منه. وأصبح يشبه القائلين بالبشرية - أي الإيمان بالإنسانية فقط - أصلا ~~وغاية، ويعمل لرقيها. ولكنه مع إلحاده هذا يدعو إلى الدين البشري لأنه يخاف مادية العلم، ~~وأن يؤدي تقدمه إلى زيادة التنازع والتناحر فيقضي هذا التقدم على الحضارة. # وهنا يجوز لنا أن نتساءل: هل الباعث الحقيقي إلى هذا الاهتمام بالدين عند «بطلر» و«ولز» ~~و«برجسون» هو الاصطدام بحقيقة لا يمكن الهروب منها، أو هو الرغبة الحارة في إيجاد عواطف ~~دينية رحيمة توازن المنطق العلمي القاسي؟ # لندع هذا الآن. ولكن يجب أن نقرر هنا أن هذا المنطق العلمي ينطوي على قسوة تكاد تدفع ~~بالإنسان إلى الفرار منه إلى أية عقيدة يتماسك بها كيان المجتمع ولو كانت كاذبة، فقد عبر ~~«برتراند روسل» عن هذا المنطق العلمي أحسن تعبير في كتابه «طوالع العلم» فوصف كيف يكون الناس ~~حين يستفيض الروح العلمي ويسود الحكومة والتعليم والنظام عامة، فإذا به يخرج بعد هذا بجهنم ~~متقنة الوضع محبوكة الأطراف، حيث يتغلب العبقريون ويتزاوجون فيما بينهم فتكون منهم سلالة ~~منفصلة في بناء الجسم والعقل تستبد بالعامة وتحرم على أفرادها التعمق في درس العلوم ... ~~إلخ. # هذا المنطق القاسي الذي يخيف الأدباء في إنجلترا وغير إنجلترا هو الذي يدفعهم إلى تجارب ~~دينية جديدة غير بصيرة «برجسون». فمن ذلك هذه الثقافة الجديدة التي تفشت في الأوساط ~~المتعلمة في أوروبا عن درس الأديان الشرقية، وخاصة البوذية والهندوكية. ومن ذلك أيضا هذه ~~الحماسة أو هذا التلهف لدرس الطبيعيات الجديدة على يد «جينز» ms54 و«أدنجتون» العالمين ~~الإنجليزيين اللذين يقولان بأن وراء الكون فكرا مدبرا، ويجنحان إلى غيبيات «عصرية» تشبه ~~غيبيات «أفلاطون» من حيث أن وراء المادة فكرة. # ولم يبلغوا بعد نهاية هذه التجارب. فمنهم المؤمن القديم، ومنهم الذي يوهم نفسه بأنه يؤمن ~~بإيمان جديد. ومنهم المتردد، ومنهم الملحد الذي سكن إلى إلحاده سكون اليأس. ثم منهم أخيرا ~~«البشري» الذي يسكن إلى ديانة بشرية ليس فيها شيء من الغيبيات؛ إذ هي مجموعة الجهد البشري ~~للرقي لا أكثر. # ولكن لن نفهم الحركة التجديدية في إنجلترا بل في عالم الثقافة الأوروبية حتى نولي هذه ~~الأفكار بعض انتباهنا. # | ولز # كان الأديب الناشئ في إنجلترا يقضي تلمذته في درس الشعر والتاريخ والأدب القديم. أما الآن ~~فإنه يبدأ بدرس الآراء الاقتصادية والاجتماعية. وكان الأديب قبل نحو مائة سنة يحوم حول ~~الآراء الاجتماعية ولا يكاد يمسها، أما الآن فإنه ينغمس فيها. وتعود هذه الظاهرة إلى أن ~~الوسط القديم لم يكن معقدا، ولم تكن المسائل الاجتماعية والاقتصادية تبرز بروزها الحاضر ~~وتقصر المفكرين على التفكير فيها ومحاولة حلها. ويجب أن لا ننسى أن الوسط يؤثر في المذاهب ~~الأدبية بأكثر جدا مما تؤثر المذاهب الأدبية في الوسط؛ وذلك أن الأديب يستمد إلهاماته ~~وعواطفه من البيئة التي تحيط به سواء أكانت اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية. وهو يستجيب لها ~~أو لواحدة منها بمقدار الصدمة التي يصطدم بها ذهنه. إذا كانت الحال الاجتماعية أو ~~الاقتصادية من التعقيد بحيث تنبه وتوقظ، كما هي الآن بمفاجأتها وحروبها وأزماتها وثوراتها، ~~فإن الأديب الناشئ يضطر إلى درسها ويعنى بها أكثر من عنايته بالأدب القديم. # وقد سبق أن قلنا إن الثقافة الإنجليزية أصبحت اجتماعية. الآن نقول إن الأدب الإنجليزي ~~أصبح اجتماعيا. ولو أننا قابلنا بين أديبين عظيمين يغمران عالم الأدب الآن مثل «شو» ~~و«ولز» والأدباء الذين عاشوا في القرن التاسع عشر لألفينا الفرق واضحا، فإن أولئك الأدباء ~~لم يعرفوا القصة الاجتماعية كما يمارسها الآن «ولز» ولم يعرفوا الدرامة الاجتماعية كما ~~يمارسها «شو». # وقد ظهر أدباء مجددون لهم بريق وحرارة. ولكنهم لم ms55 يستطيعوا إلى الآن أن يكسفوا ببريقهم ~~«شو» و«ولز»؛ وذلك لأن هذين الكاتبين تناولا الحياة الإنجليزية بمشرط الجراح، ودأب كل منهما ~~في إيضاح العلل والأمراض حتى اصطبغ تفكير المفكرين عامة بآرائهما. وأنت حين تقع على رأي ~~مخيف، بل مرعب، ل «برتراند روسل» أو للآنسة «إيثيل مانين» أو ل «هولدمان جولياس» أو الآنسة ~~ابنته (في أمريكا) فإنك تستطيع أن تبحث عن البذرة الأولى في هذين الكاتبين. وأيضا عندما ~~تجد أسقف برمنجهام يقف في كنيسته ويجرح شعور المؤمنين حين يصرح لهم بأن القديس فرانسيس لم ~~يكن يستحم، فإنك تستطيع أن ترجع في استقصاء هذه الوقاحة إلى الروح العلمي الذي يكتب به ~~«ولز» وإلى أن القداسة التقليدية عنده لا تساوي نظافة الجسم. # ولم يقتصر «ولز» على القصة الاجتماعية، فإن دراساته في الموضوعات الاجتماعية قد تعددت؛ ~~فإنه ألف كتبا مستقلة عن الاشتراكية والتاريخ والتنبؤات الاجتماعية والدين والاقتصاد. وهو ~~لم ينس نزعته الأولى وهي النزعة العلمية، فإن أول كتاب ألفه كان عن التشريح. وقد حرر، ولم ~~يؤلف، كتابا ضخما عن المعارف العلمية الحديثة. وله قصص يعتمد فيها على نظريات علمية سواء ~~في البيولوجيا أو السيكلوجية. وقد ورث «جول فرن» في القصة الخيالية التي تعتمد على العلم، ~~وألف في الحروب الهوائية القادمة. وقد عاش إلى أن رأى بعينيه أرجاء الجو تنبض بالمواخر ~~الجوية، كما رأى أساطيل الطائرات تدك برلين ولندن. وله خيالات علمية عن طعام الآلهة، ~~والجنون الذي ينشأ من مركب النقص. # ومع هذا الروح العلمي الذي يسود ثقافة «ولز» فإنك تقرأ قصته النابضة بالحركة فلا تشعر بأي ~~نقص أو خلل في فنه. وهو أقرب المؤلفين إلى «دكنز» وله عطف خاص على الفقراء والمشردين ~~والسكارى. ولكن عطفه ليس عطف البكاء والدموع، وإنما هو عطف الحب والضحك والاستهانة بمشقات ~~الفاقة والحرمان. كما أن قصصه تغص بالأفكار التي تنقض وتهدم، كما تبني وتكمل. # ولز. # وقد ألف قصصا عن الزواج والحرب والعقاقير. وهو فيها جميعها ينحو نحو غايتين هما الحرية ~~والتقييد؛ أي الحرية للفرد في تفكيره وعقائده ومسلكه الشخصي، والتقييد ms56 للنشاط الاقتصادي ~~الذي يجب أن تقوم به الجماعات دون الأفراد. ونقول بعبارة أخرى إنه يطلب الاشتراكية ولكنه ~~لا يريد أن يتقيد بمذهبها كأنها عقيدة ماركسية لا يجوز مخالفتها. # ويعد «ولز» الآن عند كثيرين في أوروبا الأب الروحي لحضارة المستقبل، كما هو زعيم التفكير ~~الحر والدعوة إلى البر في السياسة، فهو ينتقض الدعوة الوطنية ويدعو إلى العالمية. وهو الخصم ~~اللدود الآن ل «موسوليني» يجد المهضومون عنده أبدا صوتا صارخا لمكافحة الاستبداد. وقد ~~دعا إلى الجمهورية في إنجلترا مع أن العرش ليس مكروها هناك. وإنما دفعه إلى ذلك كراهته ~~للميزات الاجتماعية التي تنشأ من الميراث. # وأدب «ولز» مع كل ما ذكرنا، هو أدب صحفي، فلو أننا تناولنا كتابا أو قصة ألفها قبل عشرين ~~سنة لشعرنا بالقدم والتأخر باديين عليها، فقد ألف مثلا قصة عن المرأة التي تطلب المساواة ~~بالرجال وحقوق الانتخاب، وكلاهما قد تحقق الآن، فالقصة لا تدلنا الآن عن حال نعرفه في الوسط ~~الراهن. وألف كتابا عن مستقبل أمريكا حوالي سنة 1903، لو أنه قرئ الآن لخالف الواقع. وله ~~من هذه المؤلفات «الوقتية» عدد كبير نقصت قيمته أو زالت تماما لأنها كتبت لغير وقتنا، ~~فخدمت قراء ذلك الوقت وانتهت عند ذلك. وهي هنا تشبه سائر مؤلفاته الاجتماعية التي تعالج ~~أحوالنا الحاضرة، فإن قيمتها ستزول ولا يبقى غير دلالتها التاريخية. والدنيا دائبة في ~~التطور؛ ولذلك فإن النزعة الصحفية في الكاتب ستعمل لفنائه لا لخلوده. وهذا الفناء هو في ~~الواقع تضحية الكاتب بنفسه من أجل جيله. # ولسنا نعني أن كل ما يكتب عن التطور الحاضر من المدنية ستزول قيمته الفنية عندما يتبدل ~~هذا التطور، وإنما نعني أن شيئا كثيرا من قصص «ولز» ودراساته قد اصطبغ بالصبغة الوقتية ~~«الصحفية»؛ ولذلك ستنقد فيه الأجيال الآتية ما نجده نحن من لذعة الحقائق ومرارة ~~الواقع. # ولكن إذا كانت هذه الكتب «الصحفية» لن تعيش فذلك لأنها أدت مهمتها في الإصلاح الذي نشده ~~مؤلفها، فإذا ماتت هذه الكتب فإن موتها برهان نجاحها. # وقد سبق أن رأينا مثل ذلك في درامات ms57 «إبسن»، فإن «بيت عروس» مثلا كانت تعد من الدرامات ~~الثائرة؛ لأنها تطلب للمرأة شخصية مستقلة عن الزوج والأولاد. ولكن ثورتها ضعفت؛ لأن الناس ~~قد آمنوا بهذه الأفكار للمرأة وصرنا نحن لذلك لا نستطرفها ولا نستهول آراءها. وهذا برهان ~~على نجاحها لا على فشلها؛ إذ إن نفوسنا نحن المتمدنين قد أشبعت بها حتى لا نجد فيها ~~جديدا. # وأغلب الظن أن ما سيعيش للأجيال الآتية من «ولز» هو القصص المسلية مثل «كبس» أو «بيلبي» ~~التي لم يؤلفها إلا ليرفه عن نفسه سأم الدرس لهذه الفوضى التجارية والصناعية والمالية التي ~~تجتاز بها إنجلترا، بل الدنيا، الآن. وذلك لأن هذه الفوضى ستزول، فلا يعود يباليها جمهور ~~القراء أو يقرءون عنها تفاصيلها المؤلمة في كتب «ولز». ولكنهم سيحتاجون إلى الضحك بقراءة ~~«الفقير كبس» الذي أثرى فجأة، فلا يعرف كيف يعيش عيشة الأغنياء. أو بقراءة «بيلبي» الصبي ~~الهارب من أمه الذي يشرد في الحقول ويشارك رجلا قد احترف التشرد والسرقة، فيتعلم منه ~~حرفته، ويسرقه هو نفسه، ثم يعود إلى أمه وقد تعب من قلق العيش في التشريد، ينشد أمن الحياة ~~بين ذراعي الأم. # | دراسات ولز الاجتماعية # إذا تحدث الإنسان عن الأدب الإنجليزي خطرت «القصة» بالبال. ولكن ليس معنى هذا أن القصة هي ~~أحسن ما في الأدب الإنجليزي، وإنما معناه أنها تغمره بكثرتها، ففي كل عام يطبع في إنجلترا ~~نحو ثلاثة آلاف قصة: 999 في الألف منها هو مجموعة من الهراء والسخف والعواطف المبهرجة. ~~والأدب الإنجليزي الآن أوسع من أن ينحصر في القصة أو «الدرامة»؛ لأن الأديب يعالج ألوانا ~~وصيغا أخرى تتناول الترجمة - أي السيرة التحليلية - بل تتناول أحيانا التاريخ. وفي إنجلترا ~~لون من ألوان الأدب قلما يتقنه غيرهم، هو «المقالة» التي ترجع في تقاليدها إلى «ستيل» ~~و«أديسون» و«ماكولي». وللمقالة مقام في إنجلترا الآن يزيد على مقام القصة. وقد عالجها جميع ~~المجددين والرجعيين مثل «شو» و«ولز» و«شسترتون» و«بيلوك». # وقد وجد «برنارد شو» أن الدرامة تعجز عن التحليل الكافي الذي يفي بتفاصيل الموضوع؛ وهو ~~لذلك يزود الدرامة التي ms58 لا تزيد صفحاتها على خمسين بمقالة قد تبلغ مائة صفحة. ومقالات «ولز» ~~لا تنقص في القيمة الفنية عن قصصه. ثم هل هناك من القصص الحديثة ما يسمو على ما كتبه ~~«أندريه موروا» أو «ليتون سنراتشي» من السير التحليلية؟ # ويبدو أن الأدب الإنجليزي سيمعن في الاتجاه إلى هذه النواحي؛ وذلك لأنه يغزو ميادين جديدة ~~في الثقافة، فالأديب يكتب الآن في الاقتصاديات والاجتماعيات، وكثيرا ما يجد أن القصة أو ~~الدرامة أداة ناقصة لا تفي بغرضه فيعمد إلى المقالة يؤلف أجزاءها حتى تستوي جسما فنيا ~~كما يروق الذوق بشكله، يحرك الذهن بموضوعه. # بدأ «ولز» يؤلف القصص، وانتهى بتأليف المقالات والكتب. ولم يكن في ذلك منحدرا، وإنما كان ~~صاعدا؛ لأنه وجد أنه كلما ازداد ثقافة تناول ذهنه من الموضوعات ما تعجز القصة عن إيفائه ~~حقه. وقد راجت مؤلفاته - غير القصص - رواجا عظيما جدا، فإن مؤلفه في التاريخ العام بيع ~~بمئات الألوف، وترجم إلى جميع اللغات الحية تقريبا. وتعددت طبعاته، فمنها الأنيق المزخرف ~~الذي يباع بالجنيهات، ومنها ما يباع بخمسة قروش فقط. # ول «ولز» كتب عدة في الاشتراكية أو التفكير الاشتراكي الذي يصبغ قصصه أيضا. وقد عالج ~~الاقتصاديات في كتاب ضخم لا يصدق من يقرؤه أن مؤلفه من أبرع القصاصين في إنجلترا الآن. ثم ~~هو قد امتد نشاطه إلى العلم؛ ولذلك حرر كتابا في المعارف العلمية بمساعدة ابن «جوليان ~~هكسلي» تناول فيه تلك المعارف التي تؤثر في سعادة الإنسان. بل لقد ألف كتابا عن التعليم، ~~وصف فيه مدرسة جديدة هي مدرسة «أوندن» التي ابتكر مديرها «ساندرسون» نظرا جديدا للتعليم ~~هو أن يكون عالمي الغاية. هذا النظر هو الذي حدا ب «ولز» إلى تأليف التاريخ العام ~~للعالم. # ويعتمد «ولز» كثيرا على العلم، فإذا تخيل «طوبى» للحياة المثلى كان العلم أساس خياله. ~~وما هو إن ظهرت نظريات «فرويد» في «العقل الكامن»، حتى سارع إلى استغلالها، فألف قصة «والد ~~كريستينا» وهو مجنون يعالج بالتحليل النفسي على طريقتي «فرويد» و«يونج». # ومن أعظم ما يأسف له القارئ ويشعره بالمأساة البشرية، ms59 هذه الحيرة التي تقلب فيها «ولز» ~~وهو يحاول أن يؤمن بمبدأ روحاني وراء المادة، فإنه بدأ بالاعتقاد أن لله شخصية مستقلة عنا. ~~ثم أخذ يستند إلى آراء «يونج» السيكولوجي السويسري المعروف، ويقول إن العقل الكامن عندنا ~~إنما هو عقل النوع البشري كله. وأن لهذا العقل الجماعي شخصية مستقلة عنا كأننا يجب أن نؤمن ~~بها إيمانا. وأخيرا، وبعد التخبط الطويل، انكفأ إلى نفسه يتكلم في تواضع كما يتكلم ~~البشريون الذي يؤمنون بأن المرجع الديني، بل كذلك الغاية الدينية، يعودان إلى محور واحد هو ~~الإنسان بلا حاجة إلى عقائد غيبية. والكتب «المقدسة» التي يرجع إليها هؤلاء البشريون هي كتب ~~العلم والأدب والفلسفة، بل كتب جميع الأديان أيضا. وقد لا يكون هذا عجيبا من رجل نشأ نشأة ~~علمية، له كتاب في تشريح الحيوان، وأشرب مبادئ «هربرت سبنسر» المادية، فإنه وإن كان قد عرف ~~بعد ذلك «وليم جيمس» السيكولوجي الأمريكي، أول من دعا دعوة روحية عن طريق السيكولوجية، فقد ~~بقي في نفسه الميل إلى التحليل العلمي. وهذا الميل لم تؤثر فيه الروحية الجديدة التي انطلق ~~فيها كل من «إدنجتون» و«جينس» بلا سبب معقول، إذ إن كل ما يستندان إليه إنما هو شكوك علمية ~~بعيدة عن اليقين. وكذلك لم يتأثر، كما تأثر «شو» بالمبدأ الحيوي الذي يقول به ~~«برجسون». # وقد أصبح «ولز» كتلة عقائد، فإن آراء الشباب التي كان يتبسط في شرحها في مقالاته وقصصه ~~أصبحت، بعد أن بلغ السبعين (في 1937) من عمره عقائد جامدة، فهو اشتراكي يطعن من آن لآخر في ~~«ماركس» زعيم الاشتراكية، وكأنه بذلك يريد أن يثبت استقلاله. وهو عالمي يطعن في الوطنية، ~~ولكنه لا يكف أيضا عن الطعن في عصبة الأمم مع أنها بذرة العالمية؛ إذ يرى فيها تقصيرا عن ~~العالمية. ثم هو مع هذا يريد حضارة غربية قائمة على الآلات الضخمة التي تزيد فراغ الناس. ~~ويريد ديانة بشرية قوامها التطور، ويريد نظاما علميا للحكومة بحيث يصبح تنظيف الشارع، ~~وبناء المنزل، وإطعام الأطفال وتعليمهم، بل استنتاجهم، من مهماتها الأولى. # وإذا أردنا ms60 أن نقابل بين «شو» و«ولز» أمكننا أن نقول إن ذهن «شو» هو ذهن التحليل والنقد ~~والهدم، بينما ذهن «ولز» يتجه نحو التأليف والبناء. # ويعيش «ولز» في الحضارة القائمة الآن وهو يعد الناس لحضارة قادمة، فهو أكثر الكتاب شعورا ~~بأن أوروبا تنتقل إلى النظام الاشتراكي القريب. وهو يطالب المعلمين والكتاب أن يعدوا الناس ~~لهذا الانتقال. ثم هو يرى الخطر العظيم من التهاون في فهم هذه الحقيقة؛ لأن آلات التدمير ~~أتقنت إتقانا فظيعا. ونحن نشرف بها ومنها على هاوية المستقبل التي قد نتردى فيها، وعندئذ ~~يكون انقراض النوع البشري، كما انقرض نوع الديناصور وأنواع أخرى. وعلى الطبيعة أن تشرع من ~~جديد في استيلاد حيوان آخر يأخذ مكاننا ويسلك بالحكمة، التي لم نسلك بها. فإذا تركنا ~~السياسة الحاضرة تجري مجراها والتنافس التجاري يسير سيره الطبيعي فلن يكون ثم مفر من حرب ~~كبرى أخرى قد تقضي على الحضارة. ومع أن الاشتراكيين الإنجليز يقبلون الملوكية القائمة، فإن ~~«ولز» يلح في طلب الجمهورية ويصرح بذلك في الصحف وغايته إعداد الأمة الإنجليزية للنظام ~~الصناعي الجديد وهو نظام اشتراكي. ثم هو لا يعرف التسوية مع خصومه، فهو خصم صريح للبابوية ~~والفاشية كما هو خصم للملوكية والوطنية والحرب والتعصب القومي أو الديني. # ثم هو بنزعته العلمية لا يرضى بالنظم البرلمانية الحاضرة؛ لأنه يعتقد أن أحوالنا ~~الاقتصادية قد بلغت من التعقد بحيث تحتاج إلى خبراء - أي علماء - في الصناعات والعلوم ~~الاقتصادية. وأن الاعتماد الآن في إدارة شئون الأمة على أيدي السياسيين وحدهم إنما هو ~~بمثابة لعب الأطفال بالنار. ويرى في هذه الأزمة القائمة (1933) البرهان على ذلك. # كتبت هذه الكلمات في 1933. وأنا أعود إليها بالتصحيح والتنقيح في 1945 بعد الكشف العظيم ~~للطاقة الذرية واختراع القنبلة الذرية. وقد وقف منهما «ولز» موقف المتردد بل الواجل؛ إذ هو ~~يصرح بأنه لا يعرف إذا كان الناس سيتطلعون بهذا الكشف إلى آفاق السعادة فيؤلفون حكومة ~~عالمية تنظم هذا الكوكب، أم هم سوف يشرفون منه على هاوية المستقبل حين تتناحر الوطنيات ~~وتتقاتل الأمم إلى الفناء. وهو ms61 إلى التشاؤم أميل منه إلى التفاؤل. ثم هو في سنيه الأخيرة قد ~~ازداد حدة في بشريته؛ ولذلك صار يدعو إلى الإلحاد الصريح. وزادته الدعوة إلى العالمية ~~اتجاها نحو الإلحاد، كأن دراسة الجغرافيا والاقتصاد والعلوم يجب أن تأخذ مكان الدراسة ~~للغيبيات لإيجاد السعادة للبشر على هذه الأرض. # | ولز بين الوطنية والعالمية # ليس في العالم خصم للوطنية يدعو إلى العالمية مثل «ولز» وهو لا يفتأ يعزف على هذا ~~الموضوع. وهو على هذه الحال منذ نحو ثلاثين سنة، لم يتغير حتى مدة الحرب، فإنه هو الذي وضع ~~عبارة «الحرب لإنهاء الحرب»؛ أي إنه كان يدعو الإنجليز إلى التجند وقتال الألمان كي تكون هذه ~~الحرب الكبرى نهاية الحروب، بإقامة هيئة تقضي القضاء النافذ في الخلافات التي تقوم بين ~~الأمم فلا يحق لدولة أن تعلن حربا على دولة أخرى بل لا يجوز لدولة أن تجند جيشا. # وفي هذا العام (1933) ألقى خطبة في مدرسة الأحرار الصوفية في أكسفورد، فدعا إلى إنشاء ~~عصبة من الفاشيين الأحرار كي يقاوموا الفاشيين الذين يدعون إلى الوطنية الحادة مثل أتباع ~~«موسوليني» في إيطاليا وأتباع «هتلر» في ألمانيا. # فالرجل لم يتغير عن دعوته الأولى التي دعا إليها حوالي 1902. وهو في هذه الدعوة يرث ~~الرسالة من «فولتير» و«روسو» وسائر البشريين من الإنجليز والفرنسيين. وقد ألف كتابه «خلاصة ~~التاريخ» وهو ينظر إلى العالم كأنه أمة واحدة. والكرة الأرضية عنده هي «القرية الكبرى» ~~لجميع البشر. ولذلك أيضا طعن في كل من «الإسكندر» و«نابليون» لأنهما من رجال الحرب والفتح. ~~وترتيب هذا الكتاب هو بدعة في تأليف التاريخ؛ فإنك لا تجد فيه تاريخا لكل أمة على حدتها. ~~وإنما تجد موكبا سائرا يدلك على التقدم البشري بصرف النظر عن الأمة التي ينتسب إليها هذا ~~التقدم. # ومنذ ثلاثين سنة أيضا اقترح تأليف حزب أو عصبة يكون أعضاؤها من جميع الأمم يسيرون فيما ~~سماه «مؤامرة مكشوفة» غايتها هدم الوطنية والاتجاه بالناس إلى الحرية والعلم والعالمية؛ أي ~~أن يكون العالم أمة واحدة لها حكومة مركزية تتولى التعليم والنظام المالي. وهذه الهيئة ms62 يجب ~~أن تؤلف للعالم موسوعة كبيرة تترجم إلى جميع اللغات، فتكون دستور الثقافة، يعاد تنقيحها من ~~آن لآخر كي تتجدد معارفها، فإذا قرأها جميع الناس في مختلف الأمم اتفقت آراؤهم السياسية عن ~~فهم، فلا يكون اختلاف وتعصب يبعثان على التنافر والحروب. # ثم يجب أن تأخذ هذه الهيئة نظام التعليم أيضا، فتمنع مثلا تدريس التاريخ إذا كان يبعث ~~في التلاميذ روحا وطنيا، كما يجب أن يستوي جميع التلاميذ في العالم في الحصول على أوفى ~~قسط من التربية؛ لأن الجهل الذي ينشأ في أمة ما من إهمال التعليم قد يؤدي إلى خطر كبير على ~~سائر الأمم. بل هو يرى أن تقوم هذه الهيئة بإيجاد دين عام، أو بعبارة أصح، مزاج ديني عام ~~لجميع الأمم بحيث لا يؤدي التعصب الديني في واحدة منها إلى إيقاع خطر بالأمن ~~العالمي. # ثم هو يرى أن تحقيق هذا النظام العالمي لا يمكن إلا مع إنشاء نقد عالمي واحد يتعامل به ~~جميع البشر، فلا بد إذن من إنشاء بنك للعالم يتولى إصدار النقود سواء أكانت من ورق أو من ~~معدن. # وفي «ولز» خصلتان، تتضحان في جميع مؤلفاته؛ إحداهما: نشاط في نفسه يدفعه إلى الإعجاب ~~بنشاط الآخرين، ولو كانوا من خصومه. والثانية: دأبه في التنظيم والترتيب. # فهو يدعو إلى إنشاء عصبة من الشبان يتولون تهيئة الأذهان وإعداد العالم للدولة العالمية ~~التي ينشدها. وهو هنا يضرب المثل بالفتيان الكشافة وفتيان الفاشيين، مع أنه يكره نزعاتهم ~~الحربية الوطنية. ثم هو لا يكف عن التنظيم، فإنه يؤلف القصة ويتعلل بما فيها من حب وإغراء ~~جنسي، كي يشرح نظاما عن تأليف موسوعة أو موسوعات مختلفة. # وقد استهوت هذه النزعة الولزية عددا كبيرا من المفكرين في كل أمة. ومع أن الآمال التي ~~عقدت بعصبة الأمم خابت وعرف الناس أن مبادئ الرئيس «ولسون» ضرب بها عرض الحائط، وأن ~~الانتداب هو الاستعمار لا يختلف منه إلا في الاسم، فإن كثيرا من التأييد الذي لقيته هذه ~~العصبة يرجع إلى هذه النزعة التي بعثها «ولز» والتي تجعل الناس ms63 يتشبثون بعلالات العالمية أو ~~الأممية ويرجون من العصبة المريضة أن تعود فتنهض وتكون بذرة لحكومة قوية تدير مصالح العالم ~~العامة. # ولا يفتأ «ولز» يجمع الشواهد والبراهين التي يقصد منها إلى إقناع القارئ بأن خياله يمكن ~~أن يتحقق، فهو يذكر لك «اتفاق البريد» بين جميع الأمم من حيث إنه نظام عالمي. ويذكر لك ~~المعهد الأممي لإحصاء القمح في روما، فإن هذا المعهد قد أنشأه رجل يهودي أمريكي وحبس عليه ~~أوقافا. وله مندوبون في جميع أنحاء العالم يجمعون الإحصاءات التي تذاع على العالم عن ~~حاصلات القمح كي تعرف الأمم مقدار القمح وتحتاط للمستقبل من القحط. وليس شك أن هذا المعهد ~~قد أفاد العالم وأنه يمكن التوسع في هذه الخطة، فتزداد مثل أعمال هذا المعهد حتى يستطيع أن ~~يخرج إحصاء كل عام عن جميع الحاصلات الزراعية والمعدنية. ومن مصلحة جميع الأمم أن تقف على ~~هذا الإحصاء الدقيق لأن جهلها قد يؤدي بها إلى نتائج اقتصادية توقعها في خسائر كبرى. # وهذه العالمية هي الآن حلم فقط، لأن النزعة التي تسود العالم السياسي الآن (1933) هي ~~النزعة الوطنية؛ ولذلك نجد جميع الأمم تسارع إلى إقامة السدود الجمركية وتدعو إلى الوطنية ~~الاقتصادية. وفي الوقت الذي يدعو فيه «ولز» هذه الدعوة العالمية يدعو فيه ولي عهد بريطانيا ~~دعوة وطنية بندائه المشهور: «اشتروا البضائع البريطانية!» # والمتأمل لأحوال العالم في ضوء هذه الأزمة الحاضرة وأمام تاريخ الاستعمار والأسباب ~~الرئيسية للحروب - وخاصة بعد أن أخذت مدرسة الاقتصاد الجديدة بقيادة «الميجر دوجلاس» تشرح ~~نظرياتها وتبسطها بسطا وافيا - لا يمكنه إلا أن يعتقد بأن التنافس في التجارة الخارجية ~~والرغبة في الحصول على المواد الخام الرخيصة واحتكار الأسواق هي السبب الأساسي للاستعمار. ~~وإذن فكل ما يعمل لنقص التجارة الخارجية يعمل أيضا لتخفيف الاستعمار ويمنع في الوقت نفسه ~~أقوى البواعث على الحرب، فإن القائلين بالعالمية يقولون بإلغاء الحواجز الجمركية وأن تختص ~~كل أمة بالصناعة التي يليق لها مناخها ثم تبادل الأمم الأخرى ما تصنعه من المصنوعات أو ما ~~تنتجه من الحاصلات. وبديهي أن من يقول ms64 بحكومة عالمية يجب أن يقول بحرية التجارة على أوسع ~~معانيها. # ولكن حرية التجارة تبعث على المزاحمة التجارية والسعي للاستيلاء على أسواق العالم. وقد ~~حاربت بريطانيا الصين كي تجبرها على شراء الأفيون الهندي، مع أن الصين كانت قد منعت الاتجار ~~به. والسبب الأساسي للحرب الكبرى هو هذا السباق إلى أسواق العالم بين بريطانيا وألمانيا. ~~والأساطيل لا يقصد منها حماية الوطن، وإنما يقصد منها حماية التجارة الخارجية. وأكبر أمة ~~تعتمد على التجارة الخارجية هي بريطانيا؛ ولذلك كانت أيضا صاحبة أكبر الأساطيل. # | ه. ج. ولز # في 1946 مات «ولز» وهو في التاسعة والسبعين. وقد كتبت عقب موته هذا الفصل التالي في مجلة ~~«الكاتب المصري» ورأيت إثباته هنا: # كان «ه. ج. ولز» أديبا علميا يكتب باللغة الإنجليزية. ولكنه كان آخر من يرضى بأن يصف ~~نفسه بأنه إنجليزي في قوميته، فقد كان يكافح القوميات ويصف العالم بأنه «قريتنا الكبرى» وقد ~~كتب كثيرا لهذه الدعوة العالمية التي نسير إلى تحقيقها على الرغم من الدعوات الانفصالية ~~التي يزدحم بها عالمنا الحاضر من أثر العقائد الدينية والوطنيات واللغات والمذاهب ~~والإمبراطوريات. # وربما ننسى أشياء كثيرة من «ولز» في المستقبل. ولكن ليس شك في أننا سنذكر بأنه الأب ~~الروحي للعالم الجديد المتحد، وبأنه أول من عمد إلى وضع التفاصيل لحكومة عالمية ولغة عالمية ~~وموسوعات عالمية، بل أيضا لوضع النصوص والشروط التي يستطيع أن يعيش بها أبناء هذا العالم ~~وهم آمنون من استبداد الحاكمين والأولياء حتى الآباء. # وإذا شئنا أن نعين الطراز الذي ينتسب إليه «ولز» وجدناه أقرب إلى رجال النهضة الأوروبية ~~(من 1400 إلى 1650) منه إلى عصرنا، فهو من طراز «دافنشي» الرسام الجيولوجي البشري ~~المستقبلي. والاختلاف بينهما بسيط، لأن الأول استعمل الريشة، والثاني استعمل القلم، ولكن ~~كليهما عرف قيمة العلم، وكان على وجدان بمغزاه في مستقبل البشر وعلى تفاؤل بهذا ~~المستقبل. # وقد روي عن «دافنشي» أنه حين مات حطت على رأسه حمامة، فكانت رمزا لطيران الإنسان، هذه ~~الأمنية التي فكر فيها هذا المفكر في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وكذلك ms65 مات «ولز» وهو ~~يرى بعينيه في العام الأخير من حياته هذا الكشف العالمي، كدت أقول الكوني العظيم: الطاقة ~~الذرية، تخدم الإنسان. وصحيح أن هذه الخدمة كانت للشر والدمار، ولكن ماذا في هذا؟ # أجل، لقد اهتز «ولز» من هذا الكشف، بل تزعزع وتكلم في تشاؤم. ولكن ما كان أحراه لو أنه ~~عاش سنوات بعد هذا الكشف أن ينهض ويكافح، وفق سيرته الماضية، لاستخدام هذا العلم الجديد في ~~خدمة الإنسان. ولا بد أنه كان يظفر، فقد سبق أن حدثنا في خيال علمي، بديع، مرعب، عن غارة ~~أبناء أحد الكواكب البعيدة على أرضنا، وكيف استولوا في أيام قليلة على الأرض والبحر والسهل، ~~وكيف شرعوا يربوننا كما نربي نحن الأرانب، فإذا جاعوا مصوا دماءنا، ثم كيف نجونا منهم ~~بالميكروبات، هذه الميكروبات التي يزخر بها عالمنا وقد تعودتها أجسامنا، ولكن أجسام هؤلاء ~~الغرباء لم تتعودها؛ ولذلك تعفنوا وهلكوا. # وجاءت الطاقة الذرية في العام الأخير من حياة «ولز» ترمز إلى هذا الخيال، كما حطت الحمامة ~~على رأس دافنشي ترمز إلى صعود الإنسان إلى السماء. وقد تحققت الرؤية الأولى؛ رؤيا «دافنشي» ~~فهل تتحقق رؤيا «ولز» في استعمار الكواكب؟ # وهذا الطراز الجديد من الأدباء يتكاثر في أيامنا. أجل، أولئك الأدباء العلميون الموسوعيون ~~الذين عرفوا القوة التحريرية في العلم؛ أي تلك القوة التي تحرر الناس من الكد وتبسط لهم ~~آفاقا في الحياة الطويلة العريضة، حين يكد لنا الحديد والكهرباء والذرة، ولا يكون لنا بعد ~~ذلك من هم واهتمام سوى الاستمتاع بالدراسة والكشف والاختراع والوقوف على أسرار الطبيعة. ولو ~~أن «ولز» عاش أيام النهضة الأوروبية حوالي 1500، لكان واحدا من رجال النهضة لأنه كان يدعو ~~في حماسة إلى «البشرية» وكان يكافح «الغيبية». وقد تغير معنى «البشرية» من أيام النهضة ~~لأيامنا. كانت قبلا دعوة إلى قراءة مؤلفات الإغريق والرومان القدماء. أما الآن فهي في ~~معناها الأمريكي الأوروبي دعوة إلى مقاطعة الغيبيات. # وليس غريبا أن تنشأ هذه الدعوة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث العلم مزاج نفسي، ~~وتطبيق عملي، ومذهب ديني، وليس من شك ms66 أن لكل هذا نقائصه، بل شروره. ولكن للحوادث حتمية ~~تتجاوز النيات البشرية. ومن هنا الحاجة الملحة إلى مثل «ه. ج. ولز» كي يعمل للتوفيق بين ~~المعارف فلا يجعل إحداها تتمكن منا وتوجهنا بدلا من أن نتمكن نحن منها ونوجهها. وقد أوشك ~~أن يحدث مثل هذا من الطاقة الذرية. # عمد «ولز» إلى القصة، وهو بلا شك قصاص ماهر، ولكنه لو خير لآثر على القصة الشرح ~~الموضوعي. وهناك قصص ألفها في الفترة الأولى من حياته الأدبية يبدو أنه التذ كتابتها وسر ~~بما فيها من براعة فنية، ولكنه في السنين الأخيرة، أو بالأحرى منذ بداية الحرب الكبرى ~~الأولى إلى الآن، جعل القصة وسيلة إلى نشر بحوثه الاجتماعية العلمية. ولكن يجب ألا نخطئ ~~فنزعم أنه اختار هذا الطراز من القصة العلمية لأن الاختيار لا مكان له. ذلك أنه حين ابتدأ ~~يكتب في العقد الأخير من القرن الماضي كان العصر والظرف، كلاهما، يتيح إلى حد ما نبوغا ~~فرديا أو اقتحاما شخصيا، فكان هناك مجال للبطل في القصة، ينوي فيعمل، ويريد فينجح، أو ~~على الأقل كان هذا هو الفهم العام. والأغلب أنه كان فهما مخطئا حتى في ذلك الوقت. ولكن ~~منذ بداءة هذا القرن أخذ الوسط يتغلب على الفرد. كان وسط القوات الاقتصادية الآلية، فصارت ~~الأعمال «تكيف» النيات وتوجه الإرادات؛ ولذلك أصبحت قصص «ولز» رسائل مسهبة في التحليل ~~النفسي أو التضخم الاقتصادي أو الاتجاه السياسي، وانحط شأن الفرد في القصة لهذا ~~السبب. # سألني ذات مرة أحد القارئين عن أحسن كتاب قرأته في اللغة الإنجليزية من حيث الأسلوب، فقلت ~~له ببديهتي: كتاب داروين «أصل الأنواع». ولم أكن مازحا في هذا؛ لأني أحس أن أسلوب التفكير ~~الذهني عند «داروين» خير ألف مرة من أسلوب العاطفة المزيفة أو الخالصة عند «أوسكار وايلد» ~~لأن الفن الذهني خير من الفن العاطفي. # وأسلوب «ولز» الأديب العلمي هو أسلوب «داروين»، لا أسلوب «أوسكار وايلد». ولو أن «ولز» ~~نفسه سئل عن أسلوبه من أي الطرز هو لأجاب بقهقهة عالية؛ لأنه لو استطاع أن يكتب ms67 بالعامية ~~وأن يصل منها إلى غايته في سعة الانتشار لما أحجم. # وقد استخدم «ولز» العلم بمهارة كبيرة في القصة أكبر من المهارة التي استخدمه بها «جول ~~فيرن» ولكنه وجد أن القصة لا تؤاتيه على إيضاح أغراضه، فتركها وعمد إلى ما وصفناه بأنه ~~«رسالة مسهبة» في شرح الموضوعات التي يتماس فيها العالمان: المادي والاجتماعي. # ولعل أعظم ما حمله على ترك القصة أنه رأى أن إغفال البطل منها يجعلها ماسخة؛ لأن حيوية ~~القصة بأشخاصها. وأغلب القصص يجعل مرتكز هذه الحيوية الغريزة الجنسية، فما تفتأ جميع القصص ~~تتحرش بهذه الغريزة. والانتقال من هذا التحرش العامي إلى البحوث السياسية والاجتماعية ~~والاقتصادية الخطيرة يحدث للقارئ صدمة لا تتفق وفن القصة. وهذه القصص الخطيرة التي عالج ~~فيها «ولز» مشكلات المجتمع لن تعيش؛ لأن هذه المشكلات تتغير ويجد غيرها بتغير الوسط ~~الاجتماعي الاقتصادي، لأن ما لنا من عواطف وأمان، وما يرافقهما من سلوك وتفكير، إنما هو كله ~~ثمرة الوسط الاجتماعي الاقتصادي. ولذلك فإن القارئ لقصص «ولز» الاجتماعية بعد عشرين أو ~~ثلاثين سنة سوف يجدها غريبة عن قلبه وعقله، في حين أن تلك القصص الأولى التي تحوي «أبطالا» ~~سوف تقرأ في لذة مهما طال عليها الزمن، وخاصة تلك التي يعمد فيها «ولز» إلى فكاهاته التي ~~تقارب، بل أحيانا تطابق ما خلفه «ديكنز» أحد أمراء القصة في القرن التاسع عشر. # قال «ولز» في كتابه «طوالع الإنسان» وهو كتاب يبحث فيه مشكلات البشر ومستقبلهم: # لقد استغرق كفاحي لأجل نشر المعارف المثمرة جزءا كبيرا من حياتي الوجدانية، فقد ~~حاولت أن أجمع المعارف الراهنة كي يستطاع استغلالها في المعيشة البشرية، وكي أحمل ~~غيري ومن هم أكفأ مني على أن يقوموا مثلي بهذا العمل، وكذلك عملت كي أجمع بين النظم ~~غير المتناسقة من التفكير بشأن الحقائق. وهي نظم، يتجاهل كل منها الآخر، في بلادة ~~الذهن وإضاعة الفرصة، كما أن كثيرا من التشويش الذهني في التفكير البشري يعود ~~إليها. ذلك أن هذه الفلسفات والغيبيات المناقضة، التي لم تتناسق، تزحم الذهن ~~البشري. وعدم تناسقها هذا ms68 يرجع إلى أن كلا منها يتجاهل الآخر وأنا لا أطيق هذه ~~المتناقضات؛ لأني حين أعالجها أجد أنها تقلقني وتربكني. وما لذهني من ميزة خاصة أو ~~نقص خاص إنما يرجع إلى صفة واحدة، فإذا مدحت لقيت أن عقلي يجابه المشكلات، وإذا ~~ذممت قلت إنه لا يفطن للخفايا، فأنا لا أطيق التفاصيل المربكة أو الأكاذيب العرفية ~~لأني أخشاها جميعا ... وأنا أطرق فكرتي كما لو كانت سندانا ... # أجل، لقد طرق «ولز» طائفة من الفكرات، ودق عليها في تكرار. ولكن، في كل مرة، كان يختار ~~ناحية أخرى منها غير تلك التي دق عليها من قبل. ولذلك انتقل من القصة إلى المقال الاجتماعي، ~~ثم جعل القصة تتناول بحوثا اجتماعية مختلفة. وأخيرا ترك القصة، أو كاد، إلى تأليف الكتب ~~الضخمة في الاجتماع. # وقد نجح كل من «إبسن» و«شو» في استخدام الدرامة للبحوث الاجتماعية. واحتفظ الأول بمائة في ~~المائة من فن الدراما، واحتفظ الثاني بأكثر من خمسين أو ستين في المائة. ولكن لا يمكن أن يقال ~~إن «ولز» نجح في استخدام القصة حتى إلى الحد الذي بلغه «شو». والحق أن المسرح يتيح للمؤلف ~~معالجة المشكلة الاجتماعية أكثر مما تتيحه القصة؛ لأن الأشخاص على المسرح يجسمون المشكلة ~~بلا شرح مسهب لما تحويه من عقد ولكن مؤلف القصة يضطر إلى مثل هذا الشرح، فتنقلب القصة إلى ~~بحث اجتماعي، كثيرا ما يتعارض مع أصول الفن فيها. # عندما أتأمل حياة «ولز» ومؤلفاته أحس أن شهوته الذهنية الأولى هي العلم، فقد تتلمذ للعظيم ~~«توماس هكسلي» جد «جوليان» و«ألدوس» الذي جعل من نظرية التطور مذهبا كفاحيا، وقضى حياته ~~في مكافحة المظلمين والغيبيين، كي يجعل هذه النظرية مألوفة تتحدث عنها الصحف ويسلم بها ~~العامة. وقد نجح في ذلك. وشيء من هذا الروح الكفاحي قد انتقل إلى «ولز»، فإنه حين ألف ~~«خلاصة التاريخ»، بل حتى في أواخر السنين من عمره، لم يكن ينسى أن ينبه إلى أننا كنا سمكا ~~قبل 300 أو 400 مليون سنة، فكيف نكون بعد مثل هذه الملايين من السنين في المستقبل؟ ms69 وقد نبعت ~~تكهناته المختلفة، الخيالية والحقيقية، من هذه البؤرة، فمن التكهنات الخيالية هاتان ~~القصتان: «حرب العوالم» و«ناس كالآلهة». ومن التكهنات الحقيقية الحرب الأوروبية الكبرى ~~الثانية، والدبابات والطائرات، والقنبلة الذرية. وكانت بصيرته، لسوء حظ البشر، صادقة في كل ~~ذلك. # ولكن «ولز» انقطع عن البحث العلمي؛ لأنه اضطر عقب حصوله على درجة «بكالوريوس في العلوم» ~~إلى أن يسعى لرزقه، فاختار القصة الخيالية والفكاهية أولا، حتى إذا زالت عنه الحاجة الملحة ~~عمد إلى البحوث العلمية الاجتماعية أو كما قال هو «محاولة التنسيق بين المعارف المادية ~~والنظام الاجتماعي». وكأنه بهذه البحوث قد استأنف إشباع شهوته العلمية الأولى ولكن في ~~الميدان الاجتماعي. # وكتاب «خلاصة التاريخ» يعد حسنا من حيث إنه محاولة أولى في اعتبار العالم أمة واحدة تسير ~~متساندة في موكب الحضارة: الكتابة في مصر، والورق في الصين، والمطبعة في ألمانيا. ثم بعد ~~ذلك انفجار الثقافة على العالم كله. أو، من قبل ذلك: الزراعة في مصر، ثم نقود «الإسكندر» ~~وجيوشه وفتوحاته، ثم انفجار الحضارة الإغريقية المصرية الرومانية في البحر المتوسط. ثم يتصل ~~العالم ويتشابك، حتى إننا نرى ملكا هنديا في بداية القرن الثاني قبل الميلاد يبعث إلى ~~الإسكندرية يدعو المصريين إلى البوذية. ثم يزداد التشابك بمخترعات القرن التاسع عشر، ثم ~~القرن العشرين، إلى أن يعود استقلال الأمم وانفرادها مستحيلا، بل ضارا؛ إذ يجب التوحيد ~~السياسي للعالم بحكومة واحدة. # وقد عاش «ولز» أيام طفولته في بدروم. وكانت أمة خادمة للأسرة التي تعيش في الطبقتين ~~العليين. وكانت أمه، كما هو الشأن في الخادمات، تخشى صعوده إلى إحدى الطبقتين. ولذلك هو ~~يذكر من أيام طفولته ذلك البعبع الذي يسكن في الطبقة العليا. وقد أتاح له نجاحه أن ينتسب ~~بعد ذلك إلى الطبقة المتوسطة، ولكن بقي في نفسه خوف الفقر إلى يوم وفاته. وعندي أن هذا ~~الخوف هو، في سيكولوجية الأعماق الفرويدية التحليلية، السبب لكراهته للاشتراكية الماركسية ~~أو حرب الطبقات؛ لأنه أبى أن يمثل طبقات العمال الذين ولد معهم في ظلام البدروم. وأصبحت ~~دعوته إلى الاشتراكية هي الدعوة الفابية؛ ms70 أي اشتراكية التطور السلمي بالإصلاحات المتدرجة ~~التي يمكن أن يقبلها أبناء الأمة جميعهم فقيرهم وثريهم. # وقد زار روسيا مرتين، فلم يرتح إلى اشتراكيتها، وفهم منها مثلما فهم «برنهام» الأمريكي في ~~كتابه «الثورة الإدارية». أي إن القائمين بإدارة المصانع والمزارع والمكاتب قد أخذوا في ~~النظام الجديد مكان المالكين في النظام القديم، من حيث التمتع بامتيازات الأجور أو الرواتب ~~العالية وغيرها. ولكن ليس شك في أن حجة «ولز» ضعيفة جدا في مكافحته للماركسيين. وقد أنفق ~~كثيرا من جهده في هذه المكافحة العقيمة، وكان في مستطاعه أن يتركها، وخاصة لأن موضوعه ~~الأصلي وهو «الحكومة العالمية» لا يحتاج إلى مثل هذه المكافحة، فقد آمن هو بالاشتراكية، ~~ووجد أنها ضرورية للسلام والطمأنينة للأفراد والأمم. ومشاجرته هنا للماركسيين الاشتراكيين ~~تشبه مشاجرته القديمة في 1906 حين وقف في الجمعية الفابية، وهي جمعية تدعو إلى الاشتراكية ~~السلمية التدرجية، يدعو إلى الكفاح السياسي، في حين كان زعماؤها قانعين بالكفاح الثقافي. ~~ووجد نفسه أيضا ضد مبادئ ماركس؛ أي ضد حرب الطبقات، والمنطق الكلامي، والدوليات. مع أن هذه ~~«الدوليات» كانت الطليعة للبرنامج العالمي الذي انتهى إليه هو بعد ذلك. ولكن يمكن الدفاع عن ~~«ولز» هنا بأنه أيقن في تلك السنين أن المزاج الإنجليزي أقرب إلى المبادئ الفابية السلمية ~~منه إلى المبادئ الماركسية. وحكومة العمال القائمة الآن، بعد أربعين سنة من مشاجرته مع ~~الفابيين، تدل على أنه صدق هنا أيضا في تكهنه السياسي، كما سبق أن صدق في تكهناته العلمية. ~~وفي تلك الفترة وضع كتابه عن الاشتراكية «عوالم جديدة للقدامى»، وغايته أن يثبت أن الأثرياء ~~والمتوسطين يجب أن يقبلوا النظام الاشتراكي مثل العمال؛ لأن مصلحتهم تقتضي ذلك. # ولكن «ولز» سيعرف في السنين القادمة بجهاده لأجل التوحيد العالمي. وأول ما نجد هذا ~~الاتجاه واضحا فيه في كتابه الذي ألفه في 1921 «استنقاذ الحضارة» وفهرست الكتاب تدل عليه: # المستقبل المرجح للبشر. # مشروع الدولة العالمية. # من التوسع الوطني إلى الدولة العالمية. # إنجيل الحضارة. # تعليم البشر. # الكلية، والجريدة، والكتاب. # وهذه الفهرست لا تحتاج إلى شرح. فهو ms71 يقترح إيجاد حكومة عالمية تهيئ البشر جميعهم بتعاليم ~~موحدة إلى وطنية عالمية. # وفي 1932 وضع كتابه «أعمال البشر وثروتهم وسعادتهم» وهو دراسة موضوعية للحال القائمة ~~للعالم في تلك السنة كأنها الجغرافية الاجتماعية. اعتبر الفهرست هنا أيضا: # كيف أصبح الإنسان حيوانا اقتصاديا. # كيف تعلم الإنسان التفكير والتسلط على القوة والمادة. # التسلط على المسافات. # التسلط على الجوع وكيف يغتذي الإنسان. # التسلط على المناخ. # كيف تشترى السلع وتباع. # كيف ينظم العمل. # لماذا يعمل الناس. # كيف يكافأ العمل وكيف تجمع الثروة. # الغني والفقير وخصومتهما التقليدية. # مهمة المرأة في عمل العالم. # حكومات البشر والقتال الحربي والاقتصادي. # عدد البشر وصفاتهم. # الطاقة الفائضة للبشر. # كيف يعلم البشر ويدربون. # طوالع البشر. # ثم كتابه «أشكال الأشياء القادمة» وهو تعقيبات وشروح وتكهنات عن الكتاب السابق. وقد وضعه ~~في 1933. # وأخيرا كتابه «طوالع الإنسان» وقد ألفه في 1942. وهو أيضا مثل الكتاب السابق تعقيبات ~~وشروح. # وصفحات هذه الكتب الأربعة تبلغ نحو ألفي صفحة كبيرة. وهي جميعها حافلة بالإحصاءات ~~والإشارات إلى دراسات أخرى. # ومن هذه العجالة يرى القارئ أن «ولز» طراز جديد من الأدباء. أجل، هو أديب علمي، سوف نرى ~~في هذا القرن مئات يسيرون على الطريق الذي شقه. ولن يكون هذا للتقليد، ولكن لأن أدباء القرن ~~العشرين سيجدون من واجبهم أن يقفوا حياتهم على حل المشكلة القائمة، وهي التقدم الرائع في ~~العلوم المادية مع الجمود التام في العلوم الاجتماعية، وما ينتجه هذا من الرعب في جميع ~~المتبصرين المتكهنين الذين يرون الطاقة الذرية تصطدم بالغيبيات، والاختراع العلمي يصطدم ~~بالوضع الاجتماعي. # | جالزورثي # لما منحت جائزة نوبل ل «جالزورثي» دهش جمهور الأدباء أو قراء الأدب، فإن اختيار هذا ~~الأديب الإنجليزي وتمييزه من بين جميع أدباء العالم بهذه الجائزة السنية يدل على أن المستوى ~~الأدبي في العالم قد انخفض قليلا، فإن «جالزورثي» أديب «إنجليزي» يكتب للإنجليز؛ ولذلك فإن ~~بصره وبصيرته محدودان بالبيئة الإنجليزية، وقلما تجد له قراء في القارة الأوروبية أو في ~~القارة الأمريكية. # والأديب العظيم الآن لا يقنع بارتقاء عرش الأدب في بلاده فقط لأنه هو ms72 بطبيعة العلاقات ~~البشرية القائمة يسمو إلى الإمبراطورية لا إلى الملوكية في الأدب، فنحن في عصر قد صغر إليه ~~العالم، وأصبح على حد قول «ولز»: قريتنا الكبرى. تضطرنا الصحف في الصباح إلى أن نفكر في ~~الاستعمار الياباني في منشوريا، وتضطرنا الأزمات في بلادنا إلى أن ندرس عواملها في إنجلترا ~~والشرق الأقصى. وقد أصبح «غاندي» وكأنه زعيم وطني لكل بلاد منكوبة بالاستعمار. وأصبحت ~~البطالة والأجور والآراء عنهما تدرس في ألمانيا على ضوء الأحوال الجديدة في الولايات ~~المتحدة، فالأمم الآن تتفاعل كما تتفاعل العناصر في المعمل الكيماوي؛ ففي أفريقيا الجنوبية ~~يؤسس «غاندي» «مزرعة تولستوي». و«أناطول فرانس» يمنح ثمانية آلاف من الجنيهات (وهو مقدار ~~جائزة نوبل التي نالها) لتخفيف الفاقة في روسيا. و«برنارد شو» يتكلم عن دنشواي كما يتكلم ~~عنها المصري الوطني. و«رومان رولان» يغادر وطنه فرنسا إلى سويسرا لأنه ينكر عليها الحرب مع ~~ألمانيا ... إلخ. # وفي مثل هذه الظروف العالمية لا يمكن الإنسان أن يعد أديبا من الطبقة الأولى ما لم ~~تتجاوز همومه واهتماماته وطنه إلى أوطان البشر كافة؛ لأن الأديب كالدين يجب أن يتجاوز ~~الحدود الوطنية. ولو أن جائز «نوبل» أعطيت ل «ولز» لكان الإجماع على سداد هذا العمل عاما ~~من جميع الأمم. والفرق بين «ولز» و«جالزورثي» هو أن الأول يخدم العالم ويدرسه ويشتغل بهمومه ~~في الثقافة والأخلاق، بينما الثاني يقصر درسه على إنجلترا. # ونحن عندما نفحص عن أديب إنجليزي ونتحرى بواعثه، لا نستطيع أن نهمل رأيه عن الاستعمار ~~البريطاني؛ لأن هذا الاستعمار ينكب العالم نكبة واضحة كما لا نستطيع أن نهمل رأي الأديب ~~المصري عن المرأة أو الفلاح اللذين سحقتهما التقاليد. وإذا نحن ألفينا فيه إهمالا أو نقصا ~~في درس هذا الموضوع جاز لنا أن نحكم على ضميره بالنقص، فإن أديبا يرى دولته تملأ أقطار ~~العالم بالولاة والمحافظين والمندوبين السامين كي يحكموها على الرغم منها، ويقهروا فيها ~~الحرية، ويعطلوا فيها الثقافة ويحبسوا فيها زعيما من زعماء الإنسانية مثل «غاندي»، لجدير ~~بأن يتهم في ضميره الأدبي إذا سكت. و«جالزورثي» لم يقل كلمة ms73 في استنكار الاستعمار ~~البريطاني، فكان بذلك شيطانا أخرس. # ولا يذكر «جالزورثي» حتى يخطر بالبال «أرنولد بنيت»، فإنهما يشتركان في درس الطبقة ~~الإنجليزية المتوسطة. ولكن «جالزورثي» يدرسها ويستنكر إكبابها على جمع المال وإهمال الفنون ~~وجمود الضمير، بينما الثاني لا يرى فيها إلا كل ما يحب ويستحق الإعجاب. ثم إن «أرنولد بنيت» ~~يعد من أبناء القرن التاسع عشر. ينزع إلى الانفرادية ويؤمن ب «هربرت سبنسر» في المادية ~~العلمية والنزاع الاقتصادي، ويسلم بفضيلة الاعتماد على النفس في الوسط الصناعي الحاضر، ~~ويكبر من شأن النجاح. وله كتب سخيفة في هذا الموضوع، يشرح فيها حياة الأغنياء وترف المال ~~بالإعجاب. # ولكن «جالزورثي» أعمق نظرا منه إذ هو يستطيع أن يرى من خلال النجاح المالي والاجتماعي ~~خللا في البيئة ونقصا في الأخلاق. وهو من أبناء القرن العشرين ينزع نحو الاشتراكية وإن ~~كان لا يصرح بها. وقد رفض لقب «سير» وعطف على المظلومين سواء أكان الظلم اجتماعيا أم ~~اقتصاديا. وهو من حيث الفن يعد من أبرع الأدباء سواء كان هذا في القصة أم في ~~الدراما. # جالزورثي. # وهو عندما يكتب يقنع بالتقرير والتصوير ولا يقترح علاجا، فقد وصف آلام المظلومين ~~المسجونين في دراما «العدالة»، فكان وصفه من الدقة والفظاعة بحيث استجابت له الحكومة في ~~إصلاح السجون، ولكنها لم تصلح القانون الذي يبعث بالمنكوبين إلى هذه السجون. ومن أعظم مشاهد ~~هذه الدرامة مسجون قد ضاق بحبسه وانفراده في الخلية - أي الزنزانة - فأفرج عن ضيقه بثورة ~~عصبية؛ إذ اندفع يخبط الحيطان ويضرب الباب بيده ورأسه وقدمه، ثم انتقلت عدواه إلى سائر ~~المسجونين مثله، ففعلوا فعله وهاجوا كالمجانين. حتى إذا تعبوا سكتوا كاظمين مهزومين. # ثم هو يلزم الحقائق، فلا يزوق ولا يتخيل غير الواقع، فهذه «أيرين» مثلا، فتاة جميلة ~~فقيرة قد تزوجت رجلا غنيا من تلك الطبقة التي تنتمي عادة إلى حزب المحافظين. وتؤمن بعبء ~~الرجل الأبيض، وتعرف الدين في الكنسية فقط، ويوم الأحد فقط. أما سائر الأسبوع فلا تعرف غير ~~التجارة الحرة والمزاحمة التي تجري على سنة الحرب، كل شيء جائز ms74 فيها. وهي تؤثث البيت بأفخر ~~الأثاث، ولا تعرف من الفنون غير الصور الغالية في الثمن والكتب الضخمة المتقنة ~~الطبع. # ولكن «أيرين» تسأم هذا الزوج، وتهجره، وتحب مهندسا فقيرا. ثم تضطرب الأحوال المالية ~~لهذا المهندس فينتحر. ثم تعود «أيرين» الفقيرة إلى زوجها الغني وهي صاغرة. # ويسكت «جالزورثي» فلا يعظ القارئ ولا يلوم الزوج. ولا يعلق على هذه الحال أي تعليق؛ لأنه ~~يقنع منك بهذا التنهد الذي يضيق به صدرك عن هذه الحال المؤلمة. وأنت عندما تقرأ مثل هذه ~~القصة تحب «جالزورثي». # وقد مات «جالزورثي» كهلا في العام الماضي (1933) ولم يبلغ الخامسة والستين. ووفاته في ~~هذه السن مأساة لآمال كانت معلقة به بعد أن استضاءت بصيرته بالحرب والأزمة ~~الاقتصادية. # | رجال الذهن في إنجلترا # ليس التجديد مقصورا على رجال الأدب من مؤلفي الدرامات وممارسي الفنون الجميلة. وإن كان ~~هؤلاء أقرب إلى الجمهور وأعمق أثرا فيه من غيرهم؛ لأنهم يتصلون بعامته وخاصته بما يؤلفون ~~من قصص أو يعرضون من درامات أو حتى بما ينحتون من تماثيل أو يرسمون من صور، فإن هناك هيئات ~~أخرى تعمل للتجديد. وقد تكون هذه الهيئات جمعيات ترصد نفسها لبث دعاية لآراء ثقافية خاصة، ~~أو قد تكون مجلات تعيش بمجهود محرريها وعطف طبقة من رجال الذهن عليها. أو قد تكون قائمة على ~~أيدي أدباء أو علماء يؤلفون الكتب في نزعات جديدة في الآراء الاجتماعية أو العلمية أو ~~الأدبية. # فهناك مثلا جمعية تدعى «جمعية العقليين» قد طبعت ونشرت إلى الآن ملايين من المجلدات من ~~الكتب التي تدعو إلى التفكير الحر والاعتماد على الرأي العلمي دون العقيدة الدينية. وقد كان ~~لهذه الجمعية أعظم الأثر في تطور الأفكار بين شباب الإنجليز، بل شيوخهم. وهناك جمعية أخرى ~~تدعو إلى الفلسفة الوضعية التي يقول بها «كنت» الفيلسوف الفرنسي. وقد بقيت أكثر من ثلاثين ~~سنة وهي تصدر مجلة، كان يكتب فيها الأديب الكبير «فردريك هريسون» ويدعو فيها إلى نوع من ~~«البشرية» هو مزيج من الرأي والعقيدة أو العقل والعاطفة. # ثم هناك إلى هذه الجمعيات، رجال الذهن ms75 الذين ينتمون إلى العلم أو الدين أو الاجتماع، ~~فيدأبون في نشر آرائهم التي استنبطوها من دراساتهم. وهم يعملون لنشرها بين الجمهور بمختلف ~~المؤلفات. وأعظم مثال على هؤلاء، ذلك اللورد العجيب الذي بهر الناس بذكائه وثقافته، وبهدم ~~ما يحترمونه من عقائد، نعني به «برتراند روسل». فإن القارئ لمؤلفاته يشعر أن «برنارد شو» ~~بالنسبة إليه يعد من الجامدين في أشياء كثيرة؛ إذ هو كتب عن الإمبراطورية البريطانية ~~والزواج والصناعة والدين، بروح اقتحامي جريء. ولو أن أحد المفكرين في القرون الوسطى نسب ~~إليه كتاب واحد من مؤلفاته لكان هذا كافيا لإحراقه. وهو عالم ينظر إلى الاجتماع نظرة ~~مادية محضة. ثم هو مخلص أشد الإخلاص في تفكيره؛ إذ هو لا يعرف المداعبة في الغيبيات العلمية ~~التي يخرق فيها العلماء مثل «جينس» أو «إدينجتون» ويهيمون في خلالها. ولا هو يستطيع أن ~~يداهن الوطنيين الإنجليز بكلمة مديح عن تاريخهم أو إمبراطوريتهم؛ إذ هو يصرح بأن هذه ~~الإمبراطورية تعوق التقدم في العالم، وأنه ليس هناك أي مبرر لأن تغتال بريطانيا الهند أو ~~مصر. # ثم هناك مفكر آخر من رجال الذهن هو «هافلوك أليس» فإنه اختص منذ أكثر من ثلاثين سنة بدرس ~~التناسليات، فأشاع على هذا الموضوع فيضا من الضوء الذي استخلصه من ثقافته العلمية. وهو لا ~~يستطيع الوصول إلى الجمهور، ولكنه يهيئ الخميرة للخاصة من الأدباء والصحفيين الذين يعلمون ~~هذا الجمهور. ولا يمكن لإنسان يقرأ مؤلفات هذا الرجل إلا أن يتأثر بها. # وكل من «برتراند روسل» و«هافلوك أليس» يدعو إلى التمتع بالحياة، وإلى أن يعيش الإنسان ملء ~~حياته، فلا يقتر على نفسه ولا ينكر عليها لذة الذهن أو لذة العواطف. وكل منهما يعد من ~~هذه الناحية الوارث الشرعي لدعوة النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر ، فإن هذه النهضة هي ~~في لبابها، وصميم الغاية التي نشدتها، دعوة إلى التمتع بالدنيا على حساب الآخرة والإكبار من ~~شأن الجسم على حساب الروح. ومن ذلك العصر إلى الآن، والتجديد في أوروبا سواء أكان في الأدب ~~أو الفنون يتجه هذا الاتجاه. وعلينا ms76 نحن «الشرقيين» أن نعرف ذلك وندركه حق الإدراك كلما ~~أردنا أن ندرس ثقافة أوروبا، أو مزاجها الأدبي، أو المقصود من حركاتها التجديدية. وقد نكره ~~نحن هذه النزعات، وليس شك أن فيها كثيرا مما يكره، ولكن يجب ألا نخدع أنفسنا عن حقيقتها ~~فنتوهم أنها غير ما تبدو لنا. # هافلوك أليس. # ومن رجال الذهن الذين أثروا أثرا غير صغير في التفكير الإنجليزي القسيس «إنج»، فإن هذا ~~القسيس يرتئي من الآراء ما لو أعلن هنا في بلادنا لعد إلحادا أو كفرا. ولكنه مع ذلك يحتفظ ~~بمنصبه في الكنيسة الإنجليزية، وهو منصب سام. وهذا برهان على مدى الحرية التي يتمتع بها ~~رجال الدين في إنجلترا. ولم يغب عن ذهننا تلك الثورة الصغيرة التي قام بها أسقف برمنجهام ~~(وهو دكتور في العلوم) حين صرح بأن القربان المقدس في الكنيسة لا يمكن لأحد أن يثبت قداسته ~~بالتحليل الكيماوي. ولا يزال هذا الرجل في منصبه مع ذلك، لا يجد الاحترام فقط بل يجد العطف ~~من الجمهور الحر. # والقسيس «إنج» وأسقف برمنجهام كلاهما يعمل للتجديد في الدين. وينتشر منهما روح الحرية ~~الفكرية إلى الصحف والقسيسين والخطابة. ومن هذه الوسائل الأخيرة ما يبلغ الجمهور فيؤثر فيه. ~~ولكن ذكرنا للقسيس «إنج» ول «برتراند روسل» في فصل واحد قد يوهم القارئ باشتراكهما في ~~الآراء. ولكن الحقيقة أن الفرق بينهما شاسع، وإنما هما يشتركان في النزعة؛ إذ كلاهما مجدد ~~في ميدانه. وميدان الأول هو الاجتماع، وهو ميدان حر، وميدان الثاني هو الدين، وهو كثير ~~العقبات والقيود. # وقبل سنوات ظهر قسيس آخر هو «هيوليت جونسون». وقد ألف عن روسيا كتابا شعبيا بيعت نسخه ~~بمئات الألوف ودعا فيه الإنجليز إلى تأليف حكومة اشتراكية. وقد فسر المسيحية بأنها مذهب ~~اشتراكي. # وللمفكرين الأوروبيين أثر آخر في تجديد الفكر الإنجليزي، لا يقل عن أثر المفكرين من ~~الإنجليز أنفسهم، فإن «أدلر» و«فرويد» و«برجسون» و«نيتشه» و«سبنجلر» و«كوهلر» تقرأ مؤلفاتهم ~~بشراهة، بل تؤسس المجلات لدرس مذاهبهم التقدمية والرجعية. # وعلى ذكر المجلات نقول إنها في إنجلترا تزود المفكرين بالمواد الخام للتجديد. ms77 وليس في ~~العالم شيء يعمل للتثقيف بين الجمهور مثل المجلات الإنجليزية الأسبوعية، فإنها وإن كان عدد ~~قرائها قليلا تعيش بما تنشر على الناس من آراء سياسية، واجتماعية، وأدبية. وقد نجد في ~~إنجلترا جريدة أحدية؛ أي تصدر يوم الأحد، ولها من القراء مليونان، أو ثلاثة ملايين، ومع ذلك ~~فإنها لا قيمة لها أصلا عندما تبدي رأيا في السياسة أو الأدب، بينما العالم السياسي يهتز ~~اهتزازا إذا كتبت مجلة «إسبكتاتور» أو «نيوستيتسمان» أو «ويك إند» مقالا عن الأحزاب أو ~~إحدى الخطط. وقد لا يزيد قراء إحدى هذه المجلات على عشرة آلاف أو عشرين ألفا. # ولهذه المجلات الأسبوعية تأثير كبير؛ لأن قراءها صفوة الأمة، ولهم النفوذ والسلطان في ~~تقرير الخطط، وتكوين الرأي العام، وتسويغ البدع أو استنكارها. وقد كانت مجلة «النيشن» عقب ~~الحرب (في 1919) قوة كبيرة في يد محررها العظيم «ماسنجهام»؛ فإنه هو الذي أكسب التفكير ~~السياسي في إنجلترا روح التسامح نحو الاشتراكية؛ إذ كان هو نفسه من الأحرار الذين يميلون ~~إلى حزب العمال. # وهناك مجلات أخرى هي أدوات التجديد في جميع نواحي الحياة. ونحن نضع في المقدمة المجلة ~~التي يحررها الدكتور «جاكس» نعني بها «هبرت جورنال»، فإنها مجلة دينية، ولكنها تكتب في ~~البوذية والإسلام والأفلاطونية والمادية، فتملأ أذهان المفكرين ذخيرة للتجديد الديني. وهناك ~~مجلة «نيو إنجلش ريفيو» التي تكاد تقصر نفسها على الدعوة إلى التجديد الاقتصادي بزيادة ~~الاستهلاك على طريقة «دوجلاس» ومحررها «أوراج» رجل معروف منذ ثلاثين سنة يدعو إلى «نيتشه» ~~والأدب الجديد. ثم هناك مجلات صغرى، تلتف حولها جماعات خاصة من الأدباء، وتنزع نزعات خاصة ~~مثل «كريتيريون» و«أدلفي» فإن جميع الثائرين في الأدب الإنجليزي رأوا النور عقب ميلادهم في ~~عالم الأدب في صفحاتهما . # وهذه المجلات، ثم أولئك المفكرون الذين ذكرنا بعضهم، هم الذين يمدون الأدب الإنجليزي ~~الحديث بوسائل التجديد. وإليهم يرجع الفضل في النزعات الجديدة التي نجدها في «ألدوس هكسلي» ~~و«لورنس» و«جويس»؛ لأنهم يقدمون الخمائر أي المواد الخام التي يتربى بها الأديب، يأخذها ~~تبرا مخلوطا مشعثا فيصهرها في ذهنه ويخرجها ذهبا ms78 ناصعا في قصة، أو دراما، تستعذب ~~وتستجمل. ولسنا نقصد من هذا إلى أن الأديب لا يبحث بنفسه في البيئة الاجتماعية التي يعيش ~~فيها، أو أنه لا يكسب اختباراته منها مباشرة وإنما نريد أن نقول إن أدباء الإنجليز المجددين ~~تحيط بهم بيئة ثقافية صحفية تعينهم على التفكير والتجديد، بل تحفزهم إليهما. # ونحن في مصر محرومون من هذه الخمائر الصحفية؛ لأن الإنجليز سنوا لنا قبل نحو أربعين عاما ~~«قانون المطبوعات» الذي يفرض غرامة على كل من يرغب في إنشاء مجلة أو جريدة. ولا يزال هذا ~~القانون باقيا؛ لأن الأحزاب تستغله في مناوأة خصومها ومنعهم من إنشاء الصحف. وبذلك تأخر ~~تطورنا وسوف يتأخر ما دام قانون المطبوعات قائما يقيد الصحفي في إصدار الصحف ويعاقب على ~~أشياء تباح في أوروبا الحرة. وهذا القانون هو عارنا الأبدي، فقد كنا نعده أيام الإنجليز من ~~وسائل الاستعمار، أما الآن فهو من وسائل الاستبداد المصري، يستعمله مصريون لمنع التفكير ~~الحر في مصر. # | الثائرون # نقصد بالثائرين أولئك الذين جاءوا عقب المجددين وتتلمذوا لهم، ولكنهم خطوا خطوة أخرى أبعد ~~منهم، وفتحوا ميادين جديدة حاول أولئك المجددون أن يفتحوها ولكنهم لم يستطيعوا لأن الزمن لم ~~يكن قد هيأ لهم بعد أسباب الفتح. # وهؤلاء الثائرون جاءوا مدة وعقب الحرب (1919) ورأوا المدنية تضرى وتستوحش أمام أعينهم، ~~وتهدم ما تعلموه من أخلاق أو أديان، فخرجوا منها وقد أنكروا كل شيء تقريبا. وشرع كل منهم ~~يؤسس لنفسه إيمانا جديدا يخلص له ويدعو إليه. ولم يعد الأدب عند هؤلاء الثائرين صنعة ~~تحتاج إلى الدرس والتأنق، وتوخي ما يحبه الجمهور القارئ، والوقوف على أسرار الفنون ~~وغاياتها، وإنما هو عندهم بحث عن أرشد الطرق لأن نعيش في هناء على هذه الأرض. وهم لهذه ~~الغاية يعتمدون على أنفسهم، ويكتبون تراجمهم أو تراجم أصدقائهم الذين عرفوهم، في صيغة ~~القصة، ولا يبالون بأي لغة يكتبون. ولذلك تجد ما شئت من الخروج على القواعد - أي قواعد ~~اللغة - وعرف القصة، وأسلوب الرواية. وأنت إذا لم تكن صبورا فإنك تطرح الكتاب بعد فصل أو ms79 ~~فصلين. # ولهذا أسباب كثيرة أولها وأهمها، أن هؤلاء الثائرين لا يريدون التسامح في قليل أو كثير من ~~الخيال، فهم يقررون الواقع، ويريدون مواجهة الحياة بكل ما فيها من خير أو شر، فلا يبالي ~~أحدهم أن يقول لك أن في الحياة أقذارا وأن الناس يبنون المراحيض في بيوتهم. ثم إذا عبت ~~عليهم تفكك القصة، أو تشتت حوادثها، أو أنها غير مهذبة في صيغتها، أجابوك بأن الحياة كذلك ~~ليست متناسقة ولا مهذبة، وأنك إذا وقفت لحظة كي تفحص عن خواطرك وأفكارك ألفيتها في غاية ~~التشعب والتشتت. ولن تجد صورة مهذبة لأي حادثة إلا في القصص الخيالية. وهم لا يريدون أن ~~يرووا قصصا عذبة لذيذة، وإنما يريدون أن يترجموا الحياة الحقيقية كما يعيشونها هم أو كما ~~يرونها في غيرهم بدون تحلية أو تزويق. # ويمكن أن نلخص العوامل التي أثرت فيهم بما يلي: ~~(1) # إن الحرب فتقت أذهانهم للشك في كل شيء حين رأوا مبادئ الأخلاق التي تعلموها ~~لا قيمة لها أصلا. ~~(2) # إن الأمراض العصبية والنفسية التي نشأت في المجتمع، قد أشاعت نظريات العقل ~~الكامن على طريقة «فرويد»، وبعثت حرية جديدة في بحث البواعث التي تبعث على ~~التفكير وغاية الحياة. ~~(3) # إن هذه النظريات نفسها أكدت ضرورة التفريج عن الغريزة الجنسية والكف عن الكظم ~~وقمع الشهوات. # وهم بكلمة مختصرة قد تركوا «الأدب» والتمسوا الحياة. وإذا كانوا يعتمدون على القصة فذلك ~~لأنها تتسع لألوان مختلفة من وصف العيش ونقد النظر. وإلا فهم كثيرا ما يعتمدون على ~~المقالة. وسواء عندهم هذه أو تلك أداة لبسط آرائهم في الدنيا والإنسان. # وهؤلاء الثائرون كثيرون الآن في إنجلترا منهم من نوفق إلى فهمه، ومنهم من يعتاص ويستوعر. ~~وسنتكلم عن أشهرهم، وهم «لورنس» و«جويس» و«هكسلي»، فأما الأول فقد مات في 1931 وهو في زعم ~~كثيرين رأس الثائرين وبداية العهد الجديد للأديب الإنجليزي. وهناك من يضع «جويس» على رأسهم. ~~وكل من الاثنين يختلف عن الآخرين في الطريقة والغاية. ولكنهم جميعا سواء في الدعوة إلى ~~التمتع بالحياة بالذهن وبالغريزة معا. # وفي كل من «لورنس» ms80 و«جويس» نجد التفاتا كبيرا إلى اللذة الجنسية، وبحثا مستفيضا فيها، ~~كان من أثره أن منعت الحكومة بعض مؤلفاتهم من التداول. وهما، كلاهما، ينغمسان في أعماق ~~العقل الكامن حتى ليشعر القارئ لهما أنه قد انتقل من قراءة القصة، إلى قراءة حادثة معينة من ~~تلك الحوادث التي يذكرها «فرويد» في بعض محاضراته. وقد كانت «ماري ستوبس» تعد قبل الحرب من ~~الغلاة في الدعوة إلى الصراحة في المسائل الجنسية ولكنها الآن لا تعد شيئا أمام هؤلاء ~~الثائرين. كما أن دعوة «برنارد شو» إلى مواجهة الحياة والنزول على حقائقها دون بهارجها ~~وتزاويقها قد عمل بها وغلا فيها «ألدوس هكسلي». # و«ألدوس هكسلي» هو رجل الذهن والعلم، وهو أقرب إلى «ولز» منه إلى الثائرين. وهو يبتعد عن ~~«فرويد» والتحليل النفسي بقدر ما يقترب من «واطسون» في السيكولوجية السلوكية. ويستطيع أن ~~يهرب من الحياة بقصة خيالية عن حالة الناس على الأرض بعد مئات السنين. # أما «لورنس» و«جويس» فلا يعرفان غير الواقع، وكلاهما يجنح إلى الغريزة ويضعها فوق العقل. ~~وفي كل من هؤلاء الثائرين فجاجة هي أمارة المبتدئ الذي لم ينضج. # ويجدر بنا هنا أن نعرض موكب الأدب الإنجليزي منذ العصر الفكتوري إلى الآن لنرى هل هؤلاء ~~الثائرون يقفون في طرف هذا الموكب موقفا منطقيا أم لا. # فإن العصر الفكتوري اتسم بالجمود، وانساق في أدبه إلى الخيال والإبهام، كما انساق في ~~مجتمعه إلى الغش والنفاق. وكلتا النزعتين ترجعان إلى أصل، هو الصدود عن الحقائق الواقعة ~~وكراهة الحياة كما هي، وتوهمها شيئا آخر أسمى وأجل وأقوم مما هي في الحقيقة. وكما كان هناك ~~عرف اجتماعي وعادات فاشية تكسو الحياة بالنفاق، كذلك كان في الأدب عرف آخر يدعو المؤلف إلى ~~أن يتوهم الحياة وكأن ليس فيها غير ما يهواه كل الناس من حسن وسمو وجمال. # وقد صمد المجددون لهذا النفاق يكشفونه. ولما عرفوا أن النفاق الاجتماعي هو الأصل للنفاق ~~الأدبي، عمدوا إلى الاجتماع يمزقونه تمزيقا. وهذه هي مهمة «برنارد شو». وظهر «المنحطون» ~~فدعوا في صراحة وجرأة إلى أن التمتع باللذات ms81 والشهوات ليس عيبا. وقد تورطوا بهذه الدعوة في ~~بعض الشذوذ. # وبعد هؤلاء وهؤلاء جاء الثائرون، وقد اصطلوا نار الحرب الكبرى فعرفوا من نفاق المدنية في ~~أربع سنوات ما لم يعرفه أسلافهم في سبعين سنة من العصر الفكتوري، فكانت ثورتهم أشد من ثورة ~~المجددين. # وليست الثورة مقصورة عليهم وحدهم، فإن الصدود عن الوهم والخيال عظيم الآن في إنجلترا، حيث ~~تروج كتب التراجم للعظماء وأشباه العظماء، كما تروج التواريخ، رواجا عظيما. وهذا يدل على ~~أن الجمهور نفسه يريد أن يقرأ قصصا حقيقية عن أشخاص حقيقيين، ولا يريد وهما أو خيالا. ~~وإذا كان «برنارد شو» قد قصر الأدب على إصلاح المجتمع، فإن هؤلاء الثائرين لا ينشدون من ~~الأدب سوى غاية واحدة هي البحث عن الطرق التي نستطيع بها أن نعيش أمتع عيش وألذه، فهم يرون ~~أننا شغلنا عن لذة الحياة بنظريات وواجبات غريبة، في حين أن غايتنا الأولى يجب ألا تكون ~~الفلسفة، أو العلم، أو خدمة البشر، أو تحصيل العيش، وإنما الغاية الأولى والوحيدة هي التمتع ~~بالحياة، وما عدا ذلك فحواش وزوائد. # | لورنس: أحد الثائرين # مات «د. ه. لورنس» منذ بضع سنوات (في 1931) فشرع الكتاب يدرسونه ويفحصون عن الغاية التي ~~رمى إليها. وكان طيلة حياته لا يلقى سوى الاستهجان أو الإهمال، الذي هو عند المؤلفين شر من ~~الاستهجان. # وقد نشأ «لورنس» في بيئة العمال؛ لأن أباه كان فحاما يشتغل في مناجم الفحم. ولكن أمه ~~كانت على شيء من الثقافة، فوجهت الصبي نحو القراءة والتطلع في الأدب. وما هو أن بلغ سن ~~الشباب، حتى كان يحترف التعليم في إحدى المدارس في الريف ويراسل المجلات فيكتب القصص ~~والقصائد والمقالات. وقد مات وهو دون الخامسة والأربعين. ولكن الضجة التي أثيرت عقب موته لن ~~تموت؛ إذ هي تجد من الأنصار والخصوم، ما سيبقي على ذكره بالجدال القائم عن مذهبه في الأدب ~~الجديد. # وقد كان ل «لورنس» مذهب يدعو إليه لو أردنا الرجوع لأسبابه لاحتجنا إلى شرح طويل، فإننا ~~نجد فيه مثلا، نزوعا إلى «المنحطين»؛ إذ هو حين ms82 يتكلم عن اللذة الجنسية يذكرنا ب «أوسكار ~~وايلد» وإن كان هو في الوقت نفسه سليما من الشذوذ. كما نجد فيه دعوة إلى الحياة واشتهاء ~~الملذات والتجارب، والإكبار من شأن الجسم واللحم والدم مع إهمال النفس والأخلاق. وهذه دعوة ~~تشبه نزعات النهضة الأوروبية مع الزيادة والمبالغة. وهو مع ذلك ينظر للحياة نظرا فلسفيا ~~يريد أن يعرف أسرارها ويتذوق أطايبها. وهو في هذا النظر ينتهي، كما انتهى بعض الصوفيين من ~~قبل، إلى اللذة الجنسية. وذلك لأن الدعوة إلى الحياة كثيرا ما تسير نحو الثورة على العرف ~~والأخلاق والذهن. والرغبة في تحسسها وتجربة ما فيها من ألم أو لذة هي في الحقيقة رغبة في ~~إيثار الغريزة على الذهن. وعندئذ يلتقي المهذار المستهتر بالجاد المفلسف في ميدان واحد، وإن ~~كان كل منهما يختلف من الآخر في بواعثه. # زد على هذا تعقد الحضارة القائمة، وأنها تشغلنا بشواغل وتخلق لنا من الواجبات ما يجعلنا ~~ننسى أن إنسانيتنا إنما تنبت من أصل حيواني. وأن الواجب الأصلي هو أن يعيش كل منا ويتمتع ~~بعيشه. ثم بعد ذلك يمكنه أن يتكلم عن الوطن أو الصناعة أو الأدب أو الفلسفة، أو ما شاء من ~~ثمار الحضارة القائمة. # هذا هو «لورنس» الثائر على الأدب الإنجليزي، فإنه يصيح بأعلى صوته: قبل أن تهذر عن فنون ~~الحضارة، وواجبات الإنسانية، تذكر أني أريد أن أعيش وأبلغ أقصى ما يمكنني من ملذات الحياة ~~وآلامها وتجاربها ... «فإني أؤمن بإيمان عظيم هو الدم واللحم، وهو يسمو على الإيمان ~~بالذهن.» # وإليك هذه النبذة المثيرة نقتبسها من بعض كلامه حيث يقول: # ماذا يعود علينا من هذا النظام الصناعي الذي يزحمنا بأقذار في حين لا يتمتع أحدنا ~~بعيشه؟ إننا نحتاج إلى ثورة، ولكنها لن تكون ثورة في سبيل المال، أو العمل، بل في ~~سبيل الحياة؛ ذلك لأن المال أو العمل شيء عرضي. إني أزداد كل يوم ثورة، ولكن ثورتي ~~هي من أجل الحياة. وليست المادية التي يقول بها «ماركس» خيرا مما نحن فيه؛ لأننا ~~إنما نحتاج إلى الحياة، وتبادل الثقة ms83 حيث يثق الإنسان بالإنسان. ويصبح العيش في ~~الدنيا شيئا حرا وليس شيئا مكسوبا. وهذا العالم سيختار بين أمرين، إما القيام ~~بحركة كبيرة للسخاء والتسامح وإما انتظار الموت الكاسح. # د. ه. لورنس. # ويجب على القارئ ألا يخطئ هذه الدعوة فيحسبها أنانية لا أكثر، فإن «لورنس» كما قدمنا ~~صوفي، وإن كانت صوفيته أشبه الأشياء بحب «روسو» للطبيعة، كما ترى من هذه القطعة: # إن الإنسان في حاجة قبل كل شيء وفوق كل شيء إلى أن يؤدي لجسمه حقوقه؛ لأنه هو ~~الآن، الآن فقط، يعيش في اللحم ويقوى به. وأعظم العجائب عند الإنسان أن يحس أنه حي. ~~ومهما قيل عن الموتى والذين لم يولدوا، وعما يعرفون، فإنهم لا يعرفون الجمال الذي ~~نعرفه عن الحي بحياة اللحم. وللموتى أن يعرفوا ما وراء الدنيا. ولكن هذه الجلالة ~~التي نعرفها عن الحياة والجسم، إنما نحن الذين نعرفها، ونعرفها لمدة معينة. ويجب ~~علينا إذن أن نرقص طربا لأننا نحيا ونلتئم في جسم الكون؛ لأني أنا جزء من الشمس، ~~كما أن عيني جزء مني. وقدماي تعرفان أني جزء من الأرض. كما أن دمي جزء من ماء ~~البحر. وكذلك نفسي تعرف أني جزء من البشر، وأنها هي عضو حي في النفس البشرية ~~الكبرى، كما أن روحي هو جزء من أمتي. وفي أعماق نفسي أنا جزء من أسرتي. وليس عندي ~~شيء مستقل مطلق سوى عقلي. ولكن ليس للعقل كيان في ذاته؛ إذ هو لا يختلف من لمعة ~~الشمس على سطح المياه. # وانفرادي إذن هو وهم؛ لأني جزء من هذا الكل العظيم الذي لن أستطيع الفكاك منه. ~~ولكن يمكنني أن أنكر صلتي به حتى أعود وكأني شظية منفصلة ، وعندئذ أشقى. ونحن نحتاج ~~إلى أن نحطم الصلات الكاذبة التي تربطنا بغير الأحياء، وخاصة تلك الصلات التي ~~تربطنا بالمال، ونعيد الصلات الحيوية بيننا وبين الكون، بالشمس، والأرض، والناس ~~والأسرة. ولنبدأ بالشمس، وعندئذ نسير في بطء نحو الصلات الأخرى. # وإذا دعا كاتب إنجليزي إلى الشمس فإنما يدعو إلى الطبيعة؛ لأن الشمس عنده خلاء وريف وهجرة ms84 ~~من المدن وعيش ساذج بعيد عن تكلف الحضارة. # ولكن «لورنس» يستهجن عند خصومه لأنه يدمن الكلام عن اللذة الجنسية. وهو قد انغمس في ~~الثقافة الجديدة، وعرف شيئا كثيرا عن العقل الكامن، وألف فيه. وهذه الثقافة الجديدة التي ~~تعزى إلى «فرويد» تنظر للذة الجنسية كأنها المحور للنشاط الإنساني. وهي تدعو إلى الصراحة في ~~جميع مسائل الجنس أو شهوات الرجل والمرأة؛ لأنها عرفت أن أكثر من ثلاثة أرباع المجانين في ~~المارستان يرجع جنونهم إلى قمع هذه الشهوات والخوف من التصريح بها. ولذلك لا يبالي «لورنس» ~~أن يصف لك الجمال في جسم المرأة وصفا يجعل الحكومة الإنجليزية تمنع قصصه من التداول. ثم هو ~~لا يعبث أو يلهو بالكلام عن هذا الموضوع؛ إذ يكفي القارئ أن يعرف أنه يتفق ودعوته إلى ~~التمتع بالعيش. وهو يقول إننا نقمع في أنفسنا الشهوة الجنسية، أو نخاف الكلام عنها، حتى ~~ليقف الجنسان وكأن كلا منهما عدو للآخر، فهو إما متوجس وإما قامع. وهنا يقول: # عليك أن تقبل وجودك الجنسي الجسمي ووجود كل حي آخر فلا تخافه ولا تخف وظائفك ~~الطبيعية ... فإن خوفك هو الذي يقطع بينك وبين أقرب الناس إليك وأعزهم عليك. ومتى قطع ~~الناس ما بينهم عادوا متوحشين قساة متهجمين، فاهزم الخوف من الجنس الآخر وأعد ~~للطبيعة مجراها. # وليس من حقنا أن نطالبه بنظام وقواعد، فإنه داعية ينبه ويوقظ، وعلى غيره يجب أن يقع عبء ~~التنظيم ووضع القواعد. # | جيمس جويس # كان يقال مدة الحرب وعقبها (في 1919) أنه ما من إنسان رأى هذه الحرب إلا وقد صار غير ما ~~كان قبلها. وهذا القول يصح على الذين درسوا «فرويد»، فإنه ما من إنسان درس العقل الكامن، ~~ووقف على خفاياه وترهاته وأمانيه، إلا وصار غير ما كان قبل أن يدرسه، لأنه سيجد أننا في ~~حديثنا الذاتي وأحلام اليقظة والنوم، نلتفت إلى العلاقات الجنسية ونتخيل تفاصيلها بأكثر مما ~~يجب أن يعرف الناس عنا. وجميع الأدباء الذين درسوا «سيكولوجية الأعماق» التي كشف عنها ~~«فرويد» قد أعطوا الشئون الجنسية حظا كبيرا في قصصهم. ms85 # وهذا أحدهم «جيمس جويس» قد ابتدع طريقة جديدة في القصص لأنه جعل موضوعه درس خفايا النفس ~~معتمدا على السيكولوجية الحديثة، فهو في قصة «أوليس» لا ينقل إليك ما يقوله أشخاص القصة، ~~بل يصف لك خواطرهم. وهو يصفها بإخلاص، لا يهمل الشيء لأنه مستكره، ولا يسهب في الآخر لأنه ~~محبوب. وقد قال هو عن الفن أنه يجب أن يكون حرا بعيدا عما نكره وعما نحب. وكأنه يصف ~~العلم بهذا القول. # ولد «جيمس جويس» في دوبلين في 1882 وتربى عند اليسوعيين الذين تتفشى مدارسهم في أنحاء ~~أيرلندا. وقد بولغ في تربيته الدينية، وجاءت المبالغة بالنتيجة العكسية التي تنتظر من ~~المبالغة؛ لأنه يعد الآن من أعداء الكنيسة الكاثوليكية. # ولكن هذه العداوة تدل، بما فيها من حدة ومثابرة، على أن «جيمس جويس» لا يستطيع أن ينظر ~~إلى الدين بعين المجانة والإهمال. وقد قيل عنه بحق إن جميع مؤلفاته لا تحتدم ولا تبلغ أقصى ~~حماستها وغلوائها إلا في مكانين؛ أحدهما: عندما يعالج جدلا دينيا، والثاني: عندما يعالج ~~الشهوة الجنسية. وهو في كلا الموضوعين يجد ولا يهزل، ويكتب وكأنه يريد التقرير والتحقيق ولا ~~يبالي النتيجة بعد ذلك. # ولكن هذا العقل الكامن، الذي يلتفت إليه كثيرا في مؤلفاته، يجعله يخرج على قواعد اللغة، ~~فيكتب الصفحات تلو الصفحات. وليس فيها علامة من علامات الوقف أو الاستفهام أو نحوهما مما ~~يعرفه قراء الإنجليزية. ويتفكك الأسلوب لأن الخواطر التي يسردها مفككة لا تتصل. وهذا هو ما ~~ينتظر؛ لأن أسلوبه عندئذ شخصي، مبلبل، مختلط. # وكي يقف القارئ على طريقته الجديدة، يمكنه أن يتوقف فجأة وهو سائر في الطريق مثلا، ويبحث ~~عن الخواطر التي ترد عفوا إلى ذهنه، فإنه أمام نفسه وأمام الناس يسير وكأنه أحد الناس. ~~ولكنه لو فحص عن خواطره في حديثه الذاتي لألفاها في غاية التبلبل والاختلاط. ولو هو عرف كيف ~~يحللها لوقف منها على حقيقة نفسه، وصميم أمانيه، ولباب الخطة التي يختطها في حياته من حيث ~~لا يدري. # مثال ذلك: لنفرض أني أسير في الشارع خلف جنازة لأحد ms86 الأصدقاء أو المعارف، فلو تركت ذهني ~~ينطلق لوجدت طائفة من الخواطر ترد إلى عن الموت وهي: استلقاء على الظهر، حكم الإعدام، ورد ~~على النعش، نتن في الفم، نوم، انتفاخ البطن، ظلام، «فولتير»، لشبونة، زلزال، باب القبر، جرس ~~الميت، فئران، صندوق، إحراق الجثث، «سبنسر»، مادية، «برجسون» ... إلخ. # فكل هذه الخواطر ترد وتتصل في ذهني، ولكنها أمام القارئ مفككة قد تغيب عنه دلالتها؛ لأنها ~~شخصية خاصة بشخصي أنا. ومن هنا الصعوبة في قراءة «جيمس جويس»؛ لأنه يصف لنا حياة الذهن، ~~ويكشف عن مخابئ العقل الكامن. ويضطره هذا الموقف إلى أن يذكر لنا تلك الخواطر الجنسية التي ~~تمر في ذهن الشاب أو الفتاة، كما يذكر لنا فيما لا يقل عن صفحتين تلك الخواطر التي تمر بذهن ~~أحد الأشخاص الذي يدخل المرحاض عقب إمساك، فهو يتريث، ويتلبث، وكأنه يلتذ التخلص من ~~إمساكه. # جيمس جويس. # وأحسن قصصه هي قصة «أوليس» التي يصف فيها يوما واحدا من أيام حياته في أكثر من 750 ~~صفحة. وهذا الإسهاب يرجع إلى أنه يعنى بخواطر العقل الكامن في حالي الصحو والسكر، فيصف لنا ~~بطل القصة وهو يحضر جنازة صديق. ثم وهو في مطعم. ثم يصفه وهو في ماخور دنس بين الخمر ~~والبغايا. ثم في منزل صديق. ويسهب في وصف الخواطر الجنسية لإحدى النساء إسهابا يبلغ حد ~~البشاعة. والقصة تبتدئ من الساعة الرابعة بعد الظهر وتنتهي في الساعة الثانية أو الثالثة من ~~الصباح. # وإليك هذه القطعة التي يصف فيها دخول بطل القصة في المطعم: # كان قلبه يدق عندما دفع باب المطعم. وكان قد أدرك أنفاسه صنان من العيارة الحريفة ~~للحم وغسالة الخضروات. ها هي الحيوانات تأكل. # رجال، رجال، رجال . # قعدوا على مقاعد عالية إلى المشرب وقبعاتهم قد نحيت إلى الوراء. وقعدوا إلى ~~الموائد يطلبون الخبز. الخبز مجانا، مجانا. يشربون ويلتهمون لقما ضخمة من أطعمة ~~تعوم في المرق، وقد جحظت عيونهم، وأخذوا يمسحون شواربهم. وهنا شاب شاحب، له وجه ~~كشحم الثرب يمسح كوبه وشوكته وسكينه وملعقته بالمنشفة. مجموعة جديدة من المكروبات. ~~وهنا ms87 رجل قد علق على صدره منشفة أطفال قد لوثتها الصلصة، وهو يغترف الحساء ويصبها ~~في بلعومه. ورجل يبصق في طبقه: غضروف لم يتم مضغه. ليس له أسنان للمضغ. طرف جامد من ~~اللحم المشوي، يبلعه كي يتخلص منه. لهذا السكران عينان حزينتان، قضم قضمة لا يمكنه ~~أن يمضغها. هل أنا كذلك؟ # كما يرانا غيرنا ... # فهنا يرى القارئ رواية الحوادث تختلط بخواطر الذهن: حوادث موضوعية خارجية تختلط ~~بإحساساتنا الذاتية الداخلية. وليس هنا في هذا الذي نقلناه ما يستبشع أو يغمض فهمه على ~~القارئ، ولكنه في أمكنة أخرى لا يبالي أن يصف ديدان العقل الكامن وهي ترقص في النتن. # وليس «جيمس جويس» أول من عالج الخواطر الذهنية، فإن كثيرين من القصصيين عالجوها في الحديث ~~الذاتي، حين يكلم الإنسان نفسه ويحلم في اليقظة؛ لأن هذه الخواطر هي حديث الإنسان لنفسه. ~~ولكن «جيمس جويس» جعلها موضوع القصة الأساسي، ورواها على أصلها بلا تنقيح أو تهذيب. # و«جويس» متشعب الثقافة، يعرف النروجية وقد درس «إبسن» في هذه اللغة. وعاش في فرنسا، ~~وتقلب بين عواصم أوروبا. وإذا شك الإنسان في القيمة التجديدية لمؤلفات «لورنس» أو «هكسلي» ~~فإنه لا يستطيع أن يشك في هذه القيمة عنده. وهذا بالطبع لا يعني الثناء عليه، فإن طريقته ~~تحتاج إلى أن يصهرها النقد من جهة، ويحكم عليها الجمهور من جهة أخرى، إن إقبالا وإن ~~نفورا. # | ألدوس هكسلي # يمكن الذين يؤمنون بالوراثة أن يؤيدوا إيمانهم بمثال «ألدوس هكسلي»، فإن والده «هكسلي» ~~الكبير، ذكر اسمه مقرونا إلى اسم «داروين». ولولا دفاعه عن نظرية التطور، وجهاده في الدعوة ~~إليها، لما اكتسبت هذه النظرية كل ما اكتسبته من أصدقاء وأعداء. وكذلك أخوه «جوليان» فإنه ~~يعد من أعظم الدعاة إلى العلم ونشره بين الشعب. وقد شارك «ولز» في كتابه الشعبي الضخم «علم ~~الحياة». # ولم يبلغ «ألدوس» الأربعين من عمره (في 1933). ولكن اسمه ذائع الآن بين جميع الأوساط ~~الراقية. وثورته على الأدب القديم، أو على الأدب في العصر الفكتوري، هي ثورة الذهن، فإن ~~الرجل يكتب في الأدب بالروح العلمي. ms88 وهذا خلاف «لورنس» أو «جويس» اللذين يضعان الغريزة فوق ~~الذهن. # ول «ألدوس هكسلي» جولات في الفلسفة والنقد تنبئ عن ميله العلمي واعتماده على ذكائه وتعمقه ~~في الثقافة. وقلما يقرأ له الإنسان فصلا في النقد، أو قصة قصيرة أو كبيرة، إلا ويبهره ~~ذكاؤه ونشاطه الذهني. ولكنه لهذا الذكاء نفسه يميل إلى الهدم أكثر مما يميل إلى البناء؛ ~~وذلك لأنه يجد أشياء كثيرة تحتاج إلى الهدم. # والقارئ لقصصه يذكر «ولز» في وصف الأشخاص وطريقة الرواية، كما يذكر «شو» في النزاهة ~~الذهنية؛ فإنه يجعل العلاقة بين القارئ وبطل القصة حميمة، حتى لتثبت الصورة وتمثل من آن ~~لآخر كأنها صديق قديم قد عرفنا خصاله وأحواله منذ سنوات. وقد كان يقال عن «تولستوي» الأديب ~~الروسي إنه يمكنه أن يصف للقارئ عقل الحصان. وهذا أحسن ما يقال في التنويه بقدرة الكاتب. ~~ولكن كلا من «ولز» و«هكسلي» يمكنه أن يصف عقل الطفل، ويجعلنا نحبه ونذكره كأنه ليس طفل ~~القصة بل طفلنا نحن. # والحق أن المشابهة بين «ولز» و«ألدوس هكسلي» كبيرة جدا، فكلاهما موسوعي الذهن، يدرس ~~الأدب والعلم والتاريخ بل يدرس الإكولوجية والقالبيات والهيدروبونية. # أما في الحوار والنقد، فإن أثر «برنارد شو» واضح فيه، فإنه يؤمن بالحرية ويبالغ في ~~الإيمان بها. ثم هو أحيانا كثيرة يندفع بالحماسة من الفن إلى الدعاية. وهذا الاندفاع ليس ~~مقصورا على «ألدوس هكسلي» فإنه يكاد يعم جميع المجددين والثائرين من الإنجليز، فإن الطبقة ~~الجديدة من الشبان الأدباء مثل «ت. س. إليوت» أو «مدلتن موراي» يدعو إلى الشيوعية. ولكل ~~منهما مجلة لهذه الدعاية. # وواضح أنه في أطوار الانتقال يستحيل الأدب إلى الدعاية. الأديب يأخذ في تقرير القواعد ~~الجديدة ونقض المبادئ القديمة. وقد يفني عمره في تحقيق هذه الغاية قبل أن يستقر الجديد ~~وينقض القديم. ولكن هذا الاستقرار نفسه إذا لم تزعزعه نزعات جديدة قد ينتهي إلى جمود. ولذلك ~~يجب أن نقول إن في كل أدب حي بذرة من الدعاية، وخاصة في أيامنا هذه حيث تسير التطورات ~~الاجتماعية في هرولة عجيبة. # ويتفق «ألدوس هكسلي» مع ms89 سائر المجددين والثائرين في درس السيكولوجيا الحديثة، ولا يفوته ~~التحليل النفسي في كثير من المواقف والأحوال، فإن المرأة التي تقبل الطفل تذكر حبيبها ~~وقبلته وعناقه، كما ترى من هذه القطعة: # ثم تذكرت الطفل فجأة، والتفتت إليه باندفاع العاطفة وقبلت خده المستدير، وقد علته ~~حمرة الخوخ. وكانت البشرة ناعمة باردة كأنها ورقة الزهرة. وتذكرت زوجها، فتخيلته ~~وهو يقبلها عندما يعود من عمله إلى البيت. وهذا المساء عندما تقعد هي كي تخيط، يكون ~~هو قد قعد قبالتها يقرأ تاريخ «جيبون» عن انحطاط الدولة الرومانية بصوت عال، إنها ~~لتعبده وهو قاعد أمامها يقرأ في نظارته ... وذكرت قراءته، وكيف ينطق ببعض الكلمات ~~فاستعادت ذكراها وشعرت برغبة حادة لو أنه كان إلى جانبها الآن فتطوي ذراعيها على ~~عنقه وتقبله ... # ألدوس هكسلي. # وكل هذه الخواطر إنما وردت عقب تقبيلها للطفل. ولو كان «جيمس جويس» هنا في هذا الموقف ~~لذكر كل هذه الخواطر ثم زاد عليها حتى يفضح العقل الكامن كله. # ول «ألدوس هكسلي» مقال عن أزياء الحب يعبر إلى حد ما عن طريقته في معالجة القصص، وعن رأيه ~~في أحرج المواقف القصصية. وهو لا يبعد كثيرا عن «برتراند روسل» وإن كان لا يصرح بكل ما ~~يقوله هذا العالم الاجتماعي، فهو يرى أن للحب أزياء كما للملابس، ولكن أزياء الحب أغمض. ~~والزي الشائع الآن هو نوعان يتصارعان؛ أحدهما: ذلك الحب الأمثل الذي ورثه الفتى والفتاة عن ~~ثقافة المسيحية والقصص الخيالية. والآخر: هو ذلك الذي اكتسباه عن السيكولوجيا الحديثة. ~~والأول يعمل لملازمة العرف والعادة، والثاني يعمل لإلغائهما. وقد ساعدت الحرب على تفشي ~~النوع الثاني، فجاءت نظريات «فرويد» لتبرير الواقع، وليس للدعوة إليه، فإن الشبان يتكلمون ~~الآن عن الضرر الناشئ من قمع الشهوات، وضرورة التفريج والتنفيس واكتساب الخبرة ~~بالتجربة. # وقد كان «دوموسيه» يقول: «إني أحب وأريد أن أذوي. إني أحب وأريد أن أتألم.» # والشاب والفتاة لا يريدان التألم وإنما يريدان التمتع. ولكن المبالغة في التمتع تعود ~~انغماسا أو تهالكا، لا يقتل الشهوات فقط، بل يتلف على المرء اللذة نفسها. ms90 والمبالغة في ~~الحرية كالمبالغة في التقييد سواء. ولذلك يرى «ألدوس هكسلي» أن الزي الحاضر للحب سوف يزول؛ ~~لأن الحب الذي سهل تحقيقه ليس عظيم القمة. وفي التاريخ ما يدل على أن الناس حين ترخصوا في ~~الحب وأباحوه، واستهتروا، عادوا وقد أنفوا واستنكفوا إلى ما يشبه الزهد والانكفاف عن ~~الشهوات. ولكنه يرى هنا الحاجة إلى إيجاد الزواجر النفسية التي تعمل للقمع وتحول دون ~~الإباحة. وهو لا يؤمن بالزواجر الدينية التقليدية، فهو لذلك يخترع زواجر جديدة ويقول إننا ~~يجب أن نؤمن بما يسميه «الشخصية الإنسانية» وأن ننشأ على احترامها، ونربي أبناءنا على أن ~~يجدوا منها وفيها تلك القيود التي كان آباؤنا يجدونها في الأخلاق التي ورثوها عن المسيحية ~~والقصص الخيالية. # وأنت إذن ترى أن العقدة التي تشغل بال «ألدوس هكسلي» هي العقدة الدينية، وأنه من هذه ~~الناحية بشري مثل «ت. س. إليوت» زعيم البشرية في إنجلترا والولايات المتحدة. ولكن «إليوت» ~~مع بشريته هذه رجعي تقليدي، يكتب كأنه من أبناء القرن الثامن عشر ويعمى عن أضواء القرن ~~العشرين. # والحق الذي لا يمكن إنكاره أنه ليس في إنجلترا أديب يؤبه به إلا وللدين أكبر مكانة في ~~ذهنه، سواء في ذلك المجدد أو الثائر والشاب أو الشيخ. وقد يعد القارئ بعض هؤلاء الأدباء ~~كفارا أو ملحدين لأنهم يعارضون المذهب السني للدين، ولكنه لا يتمالك مع ذلك من الاعتراف ~~بأنهم يجاهدون، ويستنبطون الأفكار والآراء كي يقنعوا أنفسهم وغيرهم بأنهم يقفون من الكون ~~موقف الإخلاص والاجتهاد للخير العام. # | الشاعر ت. س. إليوت # أكتب هذا الفصل في سنة 1948 عن هذا الشاعر الذي لم يكن بارزا في وجداني في 1933 حين خرجت ~~الطبعة الأولى من هذا الكتاب. # و«إليوت» أمريكي المولد والنشأة. ينتمي إلى إحدى الأسر الأمريكية التي تعتز بأصلها من حيث ~~أن لها فضل السبق في الهجرة من إنجلترا إلى أمريكا قبل نحو 300 سنة. وهذه الأسر تقطن ~~الأقاليم الشرقية من الولايات المتحدة، وتتوارث تقاليد المحافظين من حيث السياسة أو ~~الاجتماع، كأنها تقاليد النبالة والشرف. # وقد تعلم «إليوت» ms91 في إحدى الجامعات الأمريكية ثم رحل إلى باريس المدينة الفنانة، بل عاصمة ~~الفن الأوروبي. وهناك عرف النزعات الجديدة من الشعراء: «بودلير» و«فرلين» و«رامبو» كما عرف ~~أيضا النزعات الأوروبية الأخرى التي لا يمكن لأحد في أية عاصمة أن يقف عليها ما لم يكن في ~~باريس. # وفي الفترة التي تقع بين الحربين - أي بين 1919 و1930 - عم القلق أوروبا. وخاصة عندما خاض ~~«موسوليني» في دم الديمقراطية بقتل «ماتيوتي» وغيره من الديمقراطيين الاشتراكيين. وزاد هذا ~~القلق عقب الثورة السوداء التي قام بها «فرانكو» في إسبانيا واستعدى فيها الطائرات ~~الإيطالية والألمانية لضرب المدن الإسبانية. وحاول الديمقراطيون والاشتراكيون أن يعقدوا ~~جبهة في أوروبا ضد هذه الثورات السود في إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، ولكنهم فشلوا. وأخذت كل ~~من اليابان وإيطاليا وألمانيا تعربد في عصبة الأمم. # ووجد الأدباء أن المثليات والآمال والأهداف التي كانوا يتجهون إليها ويدافعون عنها قد ~~انهارت، حتى قالت «فرجينيا وولف» الأديبة الإنجليزية أن البرج العاجي الذي كان رمز أدباء ~~القرون الماضية الكلاسيين قد استحال إلى «البرج المائل» الذي يعيش فيه أبناء القرن الحاضر، ~~والذي يوشك أن يسقط بهم كما يوشك أن يسقط برج بيزا في إيطاليا. # وعم التشاؤم جميع الأدباء. وكان أول المتشائمين، أو أكثرهم نعيبا، هو هذا الشاعر ~~الأمريكي «إليوت» الذي استقر في لندن. وقد أخرج في 1925 «الأرض الخراب». وهي أحاديث النفس، ~~نفس الشاعر الذي انكشف عنه الوهم؛ وهم الحضارة والثقافة والدين والإنسانية والشرف. وألفى ~~نفسه، ليس في حيرة قد تسفر عن يقين، بل في يأس مظلم لا يرى في خلاله أي بصيص للرجاء. ذلك أن ~~القيم الأخلاقية قد فسدت، بل تعفنت، ولم يعد الإنسان الإنساني قادرا على أن يعيش في شرف أو ~~ينصب نفسه لمجد، فالناس يتمتعون برخاء المادة، ولكنهم يتمرغون في فقر الروح. وقد عمد ~~«إليوت» بهذا اليأس إلى الهروب من الواقع المؤلم، فانطرح على أبواب الكنيسة الكاثوليكية ~~ينشد السلام والطمأنينة لنفسه القلقة، كما فعل من قبل «بيلوك» و«تشسترتون»، فهو نافر من ~~العصر الحاضر يحن، بل يوحم، إلى القديم. ولكنه ms92 في هذا الحنين أو الوحام يخرج من القفر إلى ~~البلقع. # انظر إلى قوله في «الأرض الخراب»: # We are the hollow men # We are the stuffed men # Leaning together # Headpieces filled with straw, Alas # Our dried voices, when # we whisper together # Are quiet and meaningless # Between the idea and the reality # Between the motion and the act, # Falls the shadow # Between the conception and the creation # Between the emotion and the response # Falls the shadow. # نحن الرجال الفارغون # نحن الرجال المحشوون # نتساند # ورءوسنا محشوة بالقش وا أسفا # وأصواتنا الجافة، عندما # تتهامس معا # تكون هادئة وبلا معنى # بين الفكرة والحقيقة # بين الحركة والعمل # يقع الظل # بين التوهم والخلق # بين العاطفة والاستجابة # يقع الظل. # أو انظر إلى قوله: # I am tired with my own life # And the lives of those after me # I am dying my own death, and the death of those after ~~me # Let Thy servant depart # Having seen Thy salvation # The word of the Lord came unto me, saying # O miserable cities of designing men # O wretched generation of enlightened men # Betrayed in the mazes of your proper ingenuities # Sold by the proceeds of your proper inventions # I have given you hands which you turn from Worship ~~... # لقد تعبت من حياتي # وحياة أولئك الذين سيعقبونني # وأنا أموت ميتتي وميتة أولئك الذين سيجيئون بعدي # خل عن عبدك يا رب كي يرحل # بعد إذ رأى خلاصك # وجاءتني كلمة الله وهي تقول: # أيتها المدن التعسة التي أنشأها رجال مدبرون # أيها الجيل التعس المؤلف من رجال مستنيرين # لقد أوقع بكم في تيه براعتكم # ولقد صرتم تباعون بما كسبتم من مخترعاتكم # أعطيتكم الأيدي التي تحولتم بها عن العبادة ... # ت. س. إليوت. # ولكن «إليوت» بهذا اليأس يبين لنا أنه يتكلم بلسان الطبقة التي نشأ منها، طبقة المحافظين ~~الأمريكيين الذين يمارسون فضائل الاستقامة، ويتجنبون السجون؛ لأنهم أغنياء عن الجريمة بما ~~لهم من مال وثراء. وهو يعجز عن ms93 مجابهة العصر الحديث، ولا يطيق رؤية الشعب وهو يحاول بلوغ ~~القمة الديمقراطية. وبكلمة أخرى نقول إن «إليوت» يعمى عن رؤية القرن العشرين؛ لأنه لا يرى ~~غير الحضارة الآلية التي تكاد تخنق البشر بقوتها وجبروتها. ولكنه ينسى أن هذه القوة أو ~~الجبروت كان يمكن بتغيير النظام الإنتاجي أن يكونا في خدمة الإنسان. # أما من حيث الأسلوب فإن «إليوت» يشبه «جيمس جويس» في التعبير عن التتابع العاطفي؛ أي ~~أحلام اليقظة، أو الخواطر المطلقة. ولكنه يختلف من «جويس» من حيث إن هذا رومانتي طليق لا ~~يبالي التقاليد، أما «إليوت» فيعد من الكلاسيين التقليدين. ونزوعه إلى الكاثوليكية يتناسق ~~مع نزوعه إلى التقاليد. ومع ذلك نجد في «إليوت» سمة عصرية، هي أن شعره لا يعرف الطبيعة أو ~~الريف أو الحياة الساذجة الفطرية، فهو شعر المدينة، بل شعر النادي والشارع والمقصف والمصنع. ~~وعنده أن المجتمع الأمثل هو المجتمع المسيحي. ولكن ما هو هذا المجتمع المسيحي؟ فإن ~~الاشتراكي في موسكو، يستطيع أن يصفه وصفا مخالفا كل المخالفة لما يصفه به الديمقراطي في ~~لندن أو نيويورك. # وخلاصة القول إن «إليوت» يؤلف قصائده كي يندب العصر الحاضر، عصر الديمقراطية والاشتراكية، ~~الذي لا يستطيع أن يعيش فيه لأنه يعجز عن التخلص من الأخلاق التي ورثها من طبقته في ~~الأقاليم الشرقية للولايات المتحدة. وهو مع أنه يتكلم بلغة العصريين، فإنه يحس إحساس ~~التقليديين، كما يفكر بعقولهم. وقد رأى حربين عالميتين فلم يخرج منهما ملهما بسخاء بشري ~~يدعو إلى الاتحاد العالمي. ولم يبصر من خلالهما رؤية الإنسان القادم الذي لن يبالي تلك ~~الأنانيات الصغيرة بشأن التفاوت في الثروة والتفاخر بالرياش وأبهة الألقاب. ومن هنا تشاؤمه ~~الذي يطغى على ذهنه كما لو كان طوفانا وظلاما. # | الشاعر أودين # نحن نعيش في عصر الانتقال من نظام المباراة في الإنتاج إلى نظام التعاون؛ أي من ~~الانفرادية إلى الاشتراكية. وهذا الانتقال يجد من العراقيل والصعوبات ما رأينا أماراته في ~~قيام الحكومات الفاشية في إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وبرتغال وأرجنتينا. فإن الطبقات التي ~~انتفعت، وأثرت، وتسلطت بالمباراة، لا تستطيع ms94 أن تنظر بالرضا والارتياح إلى الانتقال إلى ~~التعاون، حين تقوم المساواة مقام التفاوت؛ لأنها هي التي تنتفع بهذا التفاوت. ولذلك رأينا ~~هذه الطبقات لا تبالي تحطيم دساتيرها وجحد النظم الديمقراطية كي تنشئ ديكتاتوريات تمنع ~~التطور الديمقراطي من الوصول إلى غايته المنطقية وهي النظام الاشتراكي. # ومن هنا أصبح الأديب مكافحا؛ يكافح من أجل هذا الانتقال وأحيانا لا يكافح بقلمه فقط، بل ~~يعمد إلى بندقيته ويغادر وطنه إلى إسبانيا مثلا حيث يقاتل إلى جنب الجمهوريين ضد ~~الديكتاتور فرانكو. # ولكن يجب أن نعترف أن عصر الانتقال هذا الذي نعيش فيه لم يحل جميع الأدباء إلى ~~مكافحين، فقد رأينا مثلا الشاعر «إليوت» يحاول الاستمساك بالكلاسية القديمة في الأخلاق ~~والاجتماع والدين، مع أنه يستعمل أساليب «الانتقاليين»، فهو بمثابة الفلاح الذي يزرع خمسة ~~أفدنة بالطرق العصرية، ويعيش في منزل يمتاز بجميع الوسائل العصرية الكهربائية في الإضاءة ~~والطبخ والتبريد والتدفئة ثم ينعي على العصر الحديث آلاته وأدواته التي يستمتع هو نفسه بها. ~~وكأن كل ما يقصد إليه أن يستأثر هو بها ويحرم غيره منها. # أودين. # ثم هناك غير هؤلاء التقليديين جماعة المترددين الحائرين الذين لا يجدون مراسيهم في وسط هذه ~~الفوضى الانتقالية. ونحن نجد أحيانا في «إليوت» نفسه مثل هذه المواقف الحائرة. # ثم هناك البصراء الذين رأوا رؤية المستقبل، وفهموا القوات الجديدة، وارتفعوا إلى مستواها ~~الإنتاجي، فأصبحوا مكافحين تغمر الأفكار الاشتراكية جميع جهودهم. ومن هؤلاء الشاعر «أودين» ~~الذي لا يزال في بداية العقد الخامس. # وحياة هذا الشاعر توضح لنا العوامل الثقافية التي تسود وتتسلط على الأدباء المتمدنين هذه ~~الأيام، فقد كان أبوه سيكولوجيا يتكسب بتحليل المرضى. ونشأ «أودين» في هذا الجو فتعرف ~~لغته وتفهم هموم المرضى. وهي هموم العصر التي تنشأ من المباراة القاتلة، وما تحدث من مطامع ~~ومحاسد ومخاوف؛ لأن الطمأنينة تكاد تكون معدومة حتى بين الأثرياء فضلا عن الفقراء. # ونجد في أشعار «أودين» كثيرا من كلمات السيكولوجيا والعقل الكامن، فهو فرويدي كما هو ~~ماركسي. ولذلك بينما نجد يأسا مخدرا عند «إليوت» نجد أملا منعشا عند ms95 «أودين»، هو أمل ~~الاشتراكية القادمة. ولكنه أمل ترافقه دعوة إلى الكفاح. وهو ينغمس في العلوم والآداب ~~والفلسفات بمثل الهمة والشوق، بل اللهفة، التي ينغمس بها «ولز» أو «هكسلي». وقد غادر وطنه ~~إنجلترا إلى الولايات المتحدة كي يدرس الحضارة الراهنة في أعلى طراز بلغته، ويعرف عيوبها ~~وميزاتها. وهو كما قلنا اشتراكي ماركسي، وأساس اشتراكيته هو درس الحضارة الراهنة. وزواجه ~~هنا بابنة «توماس مان» الأديب الألماني الذي فر من ألمانيا عقب تسلط النازيين عليها له ~~معناه بشأن البيئة الثقافية التي يعيش فيها، بل معناه أيضا بشأن المستقبل الذي يرسم خارطته ~~في أشعاره. # وأعظم ما تمتاز به أشعار «أودين» هو الإحساس العميق بأننا قادمون على مستقبل يحفل ~~بالمشكلات، ويحتاج إلى ألوان من الكفاح السياسي والاجتماعي والأدبي. ولغته تكتظ بالتعابير ~~العلمية والسيكولوجية. وهذا غير اللاتينية أو الفرنسية أو أي لغة أخرى؛ لأن «أودين» أوروبي ~~قبل أن يكون إنجليزيا، وتفكيره عالمي قبل أن يكون وطنيا. بل الحق أنه ليس وطنيا في أي ~~عاطفة من عواطفه، وهمومه، قبل كل شيء، هي هموم الإنسان «الإنساني» الذي يحس مأساة التعطل في ~~الولايات المتحدة كما يحس الشقاء الأسود الذي يعيش فيه الهنود تحت أقدام الإنجليز. وقد قلنا ~~إنه يشبه «ألدوس هكسلي» من حيث الانغماس الثقافي والدراسات العميقة، ولكن يجب أن نقول إنه ~~يختلف منه كثيرا من حيث إن «هكسلي» يدعو إلى اتخاذ موقف منفصل من المشكلات البشرية، كأنه ~~يقول بصوفية علمية للقرن العشرين، كأن الأديب يجب أن يكون راهبا يرى المجتمع ولا يشترك ~~فيه، وقد يحكم عليه، ولكن دون أن يدخل في كفاحه. أما «أودين» فينغمس في المجتمع، وأشعاره هي ~~أشعار السياسة والسيكولوجيا والتطور والاشتراكية وحرب الطبقات وكفاح الاشتراكيين ~~للديكتاتوريين؛ كفاح المتعطلين للماليين والصناعيين. # وفيما يلي أبيات أظن من الأليق أن نتركها بلا ترجمة للذين يعرفون الإنجليزية وهي تدل ~~القارئ على النفس الأودينية ومدى انبساطها وتعمقها في همومها ومعارفها: # Around me, pausing as I write, # A tiny object in the night, ~~••• # Whichever way I look, I mark # Importunate along ms96 the dark # Horizon of immediacies ~~••• # The flares of desperation rise # From signallers who justly plead ~~••• # Their cause is piteous indeed # Bewildered, how can I divine # Which is my true Socratic Sign ~~••• # Which of these calls to conscience is # For mine the casus foederis, ~~••• # From all the tasks submitted, choose # The athlon I must not refuse, ~~••• # A particle, I must not yield # To particles who claim the field ~~••• # Nor trust the demagogue who raves # A quantum speaking for the waves, ~~••• # Nor worship blindly the ornate # Grandezza of the Sovereign State. # أسهل من هذه الأشعار، هذه القطعة التالية عن «الحب»: # Love has no position # Love’s a way of living ~~••• # One kind of relation # possible between # any things or persons ~~••• # Given one condition, # The one sine qua non # Being mutual need. # وهذه القطعة التهكمية التالية واضحة، وهي ارتجال الشاعر أو بديهته التي يستخدم فيها ~~ثقافته الزاخرة بالكلمات المختلفة. وهو هنا يأسى على الجو السيئ والطعام السيئ (المحفوظ في ~~العلب): # come to our bracing dessert # Where eternity is eventful # For the weather-glass # Is set at Alas, # The thermometer at Resentful ~~••• # Come to our well-run dessert # Where anguish arrives by cable # And the deadly sins # May be bought in tins # With instruction on the label. # ولا يزال «أودين» في بداية العقد الخامس؛ ولذلك فإن المستقبل ينفسح أمامه لتطورات ذهنية ~~وأساليب أدبية مختلفة. ms97