######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.AdabLiShacb.Hindawi50539692 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 50539692 #META# Title: الأدب للشعب #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # الأدب للشعب‏ # الأدب الملوكي والأدب الشعبي‏ # الأدب الملوكي والأدب الشعبي أيضا‏ # الأدب العربي القديم لا يلهمنا‏ # تراثنا الإقطاعي في المجتمع والأدب‏ # النزعة الانفرادية في الأدب العربي‏ # أبو نواس والصحة الاجتماعية‏ # غاية الأدب ... الإنسانية وليس الجمال‏ # هكذا أفهم الأدب في مصر‏ # الأدب دين والأدباء كهنته‏ # نزعتان في الأدب والفلسفة‏ # التشاؤم والتفاؤل في الأدب‏ # قصة‏ # الحركة الرومانتية الزاحفة‏ # أدب الاعتراف‏ # حياة الأديب جزء من أدبه‏ # لي أسلوبي الخاص‏ # عشرة كتب في الأدب‏ # القصة المصرية‏ # نحتاج إلى كتاب شهداء‏ # مهرجان سباب وكلمة أديب‏ # المقدمة‏ # الأدب للشعب‏ # الأدب الملوكي والأدب الشعبي‏ # الأدب الملوكي والأدب الشعبي أيضا‏ # الأدب العربي القديم لا يلهمنا‏ # تراثنا الإقطاعي في المجتمع والأدب‏ # النزعة الانفرادية في الأدب العربي‏ # أبو نواس والصحة الاجتماعية‏ # غاية الأدب ... الإنسانية وليس الجمال‏ # هكذا أفهم الأدب في مصر‏ # الأدب دين والأدباء كهنته‏ # نزعتان في الأدب والفلسفة‏ # التشاؤم والتفاؤل في الأدب‏ # قصة‏ # الحركة الرومانتية الزاحفة‏ # أدب الاعتراف‏ # حياة الأديب جزء من أدبه‏ # لي أسلوبي الخاص‏ # عشرة كتب في الأدب‏ # القصة المصرية‏ # نحتاج إلى كتاب شهداء‏ # مهرجان سباب وكلمة أديب‏ # | الأدب للشعب # | الأدب للشعب # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # قبل عشرين سنة - أي في سنة 1934 - ألفت كتابا عن «الأدب الإنجليزي الحديث» أخرجته ~~المطبعة العصرية بالقاهرة، هدفت منه إلى شرح النزعات الأدبية الإنجليزية، واستقطبت الأضواء ~~فيه على عبارة «الأدب في خدمة المجتمع». # ولذلك استغربت كثيرا عندما كتبت مقالا قصيرا في «أخبار اليوم» في سنة 1952 بعنوان ~~«الأدب للشعب» أن ثارت حولي زوبعة كأني قد دعوت إلى بدعة خبيثة، مع أن القارئ لكتابي الذي ~~أشرت إليه لا يجد جديدا فيما دعوت إليه في هذا المقال، إلا إذا كان من أولئك الذين نشئوا ~~على الأدب العربي القديم وحده ولم يعرفوا غيره. # وقد أوضحت في هذا الكتاب أن الأدباء الأوروبيين لا يكتبون في الخواء، وإنما يعالجون ~~المشكلات الاجتماعية الإنسانية، وهم يكتبون للشعب بلغة الشعب، وقلت بالحرف في مقدمة هذا الكتاب: # هذا الكتاب هو عرض ونقد للأدب الإنجليزي في السنين الأربعين الماضية، ففي ms001 هذه ~~المدة ظهر أدباء ثائرون على التقاليد ومجددون للأدب، وقد حاولت أن أبين للقارئ ~~العربي المغزى في هذا التجديد، وعندي أن التجديد في الأدب هذه الأيام لا يعني شيئا ~~آخر سوى التجديد في الحياة، وهذا هو ما نفهمه من المجددين الإنجليز الذين نعرضهم في ~~الفصول التالية، فإن الأديب الإنجليزي يتصل بالحياة، ويتأثر بها، ويؤثر فيها، وهو ~~ينتقد أسلوب العيش أكثر مما ينتقد أسلوب الكتابة، وهذا خلاف ما نجد في طبقة الأدباء ~~التقليديين في مصر؛ حيث الاهتمام كبير بالأسلوب الكتابي في حين ليس هناك اهتمام ~~أصلا بأسلوب العيش، فإن الأديب التقليدي يعنى مثلا بأسلوب الجاحظ الكتابي ~~فيحتذيه، ولا يعنى بأسلوب الفلاح المصري في العيش فينقده ويطلب إصلاحه، وهو يكتب ~~عن العرب وتاريخهم ومجدهم، ولا يكتب عن مصر ونكباتها الحاضرة، وما تعانيه من مظالم ~~اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية؛ ولذلك فإن أدبه سلفي، وهو أدب الكتب الذي يجعله ~~يعيش وهو في عزلة عن الوسط الذي يحيط به كأنه في برج عاجي، وهو هنا يشبه أدباء ~~القرون الوسطى في أوروبا. # ولكن الأدب الأوروبي الحديث - وخاصة الأدب الإنجليزي - هو أدب الحياة، ينتقد ~~المعايش والغايات ويجعلها موضوعه سواء في القصة أم المقالة، وهو لذلك يتصل بأنواع ~~النشاط البشري كله، فللأديب رأيه في العلم والصناعة، والاقتصاد، والصحافة، بل في ~~الأدباء الإنجليز - مثل برنارد شو - من ينتقد النظريات الطبية، ومنهم من يدعو إلى ~~الإيمان بدين جديد. # والحق أن التجديد في الأدب يشبه التجديد في الفلسفة؛ فقد كانت الفلسفة القديمة ~~تترفع عن درس الحياة الدنيا، وترصد نفسها لدرس كنه الأشياء، والفرق بين ما نعرفه ~~عن الشيء وماهية هذا الشيء، وكانت تبحث الغيبيات؛ أي ما قبل الوجود وبعده، وهي في ~~ذلك كله تبتعد عن الناس ومعايشهم، ولكن الفلسفة الجديدة تدعو إلى الكف عن البحث عن ~~كنه الأشياء، وتقنع باستخدامها لمصلحة الإنسان. # وكذلك الحال في الأديب، فإنه كان يعتكف بين الكتب ويترفع عن نقد المعايش وغاية ~~الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، وكان يدأب في الاجترار، ويعيش في برجه العاجي، لا ~~يغتذي مما ms002 حوله، ولكنه يغتذي بالمؤلفات القديمة. أما الآن فإن الأديب الجديد يكاد ~~ينظر إلى الأدب القديم نظرة «بيكون» إلى العلوم القديمة، فهو يطلب التجربة ~~والاختبار بنفس الروح الذي طلبهما به علماء النهضة؛ وذلك لأنه يشك في قيمة المقاييس ~~القديمة، ثم هو يستخدم أدبه، كما يستخدم الفيلسوف الجديد فلسفته، لمصلحة الإنسان، ~~فيبحث أساليب العيش والاجتماع، ولا يكاد يبالي أساليب الكتابة. # هذا هو ما كتبته في سنة 1934، وهذا المجلد الحاضر هو توسع واستيفاء للموضوع، وهنا أقف ~~لحظة كي أرد على سؤال أحس أنه يتردد على ذهن القارئ، وهو: إذا كان الأديب يشتغل بالمجتمع ~~والعيش والمظالم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فهل معنى هذا أن من يكتب في هذه الشئون ~~يسمى أديبا؟ # والجواب أن الأدب فن، وشرط الفنون جميعها، بل الشرط الأول فيها، هو الطرب، فيجب حين نقرأ ~~الأدب أن نطرب، كما نطرب من الشعر أو الموسيقا، أو كما نطرب عند رؤية رسم عظيم أو تمثال ~~رائع، نفهم ونطرب. # لقد ألف مثلا «أميل زولا» قصة عن الحب نجد فيها طربا، فهي أدب، هي فن. # وكان يمكنه أن يؤلف كتابا عن الحب يتناول فيه حقائقه بالشرح والإحصاء والرسم، وعندئذ كنا ~~نجد كتابا علميا وليس أدبا؛ أي ليس فنا، كنا نجد فيه فهما فقط وليس طربا. # ولكن ما دام الأدب في خدمة المجتمع، فإنه يجب أن يندعم في مشكلات المجتمع، ويجب أن يرفع ~~إحساسنا إلى طرب الحزن أو الفرح، أو الغضب أو المرح، أو القلق أو الاستطلاع، حتى يحملنا على ~~التفكير، وحتى يحيل حياتنا الفردية إلى حياة اجتماعية تترفع على الهموم الشخصية الصغيرة ~~وتضطلع بالهموم الإنسانية الكبرى. # وعندئذ لا نجد في الأدب طرب الكلمة فقط بل طرب الفكرة أيضا. ~~••• # عندنا في مصر طبقة من الأدباء قد انغمست في دراسة الأدب العربي القديم وأخذت بقيمه ~~ومقاييسه، وهي تعلم هذا الأدب في مدارسنا وجامعاتنا كما لو كان أسمى الآداب، بل كما لو ~~كان الأدب الإعجازي المفرد الذي لا نستطيع أن نرتفع إليه. # ويجب أن نسلم قبل كل شيء بأن الأدب ms003 العربي القديم فن قد احتوى الشرط الأول للفنون وهو ~~الطرب، ولكن فكرتنا العصرية عن الأدب تعلو على الطرب وإن لم تستغن عنه؛ إذ نحن نطلب من ~~الأديب: # أن يكتب للشعب بلغة الشعب المستطاعة، وأن تكون شئون الشعب موضوعات ~~دراسته واهتمامه. # وأن يكون له مقام المعلم المربي، وليس مقام المسلي المهرج. # وأن تكون له رسالة، كما لو كان نبيا يرشد ويعين الأهداف، ولا يكذب، ~~فينافق ويخدع. # وأن تكون نظرته إنسانية شاملة. # وأن يزيد حياة القارئ حيوية، بالتوسع والتعمق والفهم للكون والدنيا ~~والإنسان. # وأن يوجد حوله مناخا تستطيع الحريات أن تحيا فيه وتنمو ~~وتنتصر. # وكل هذه معان لم يكن أدباء العرب يعرفونها، ولهم العذر الواضح هنا؛ لأنهم لم يكتبوا ~~للشعب الذي يحتاج إلى أن يتعلم بلغته التي يفهمها، وإلى أن يجد الكاتب الملهم الذي يرسم له ~~المستقبل، وإلى الحرية والإنسانية والفهم العميق للإنسان والكون. ~~••• # ما هو الأدب العربي القديم؟ # هو أدب كان يؤلفه الكتاب والشعراء لأجل الخلفاء والأمراء والفقهاء؛ لأن جميع هؤلاء ~~كانوا «الدولة»، ولم يكن للشعب وجود في أذهان الكتاب، ولم يكن هناك قراء يمكن أن يعتمد ~~عليهم في مكافأة المؤلفين. # وكان أدب الخلفاء والأمراء نوادر وقصصا وأشعارا تسلي وتذهب بالسأم، أي سأم البطالة ... ~~بطالة المترفين. # وكان أدب الخلفاء أحيانا تواريخ تؤيد دولتهم وتثبت حقوقهم في تبوء الحكم. # وكان أدب الفقهاء شروحا وتعقيبات على الدين والمذاهب. # ولما ظهرت الدولة الفاطمية في مصر، وظهرت الدول المستقلة في المغرب والأندلس، وكثرت ~~السياحات، ظهر أدب يكاد يكون شعبيا في قصص الرحلات، بل صار شعبيا خالصا في كتاب ألف ~~ليلة وليلة مثلا. # ولكن الشعوب كانت لا تزال في التراب، فلم يرتفع هذا الأدب عن التراب. # وأولئك الذين يطلبون منا أن نكبر من شأن المتنبي أو أبي نواس ينسون أننا لا نخاطب الملوك ~~والأثرياء ولا ننشد تسليتهم، وإنما نخاطب الشعب. وصحيح أنه نشأ بيننا شعراء، مثل علي الجارم ~~وأحمد شوقي، قصروا حياتهم وأشعارهم - أو كادوا - على الملوك أو الأمراء، ولكننا لا نكبر من ~~شأنهم لهذا السبب، ms004 بل نعيب عليهم مواقفهم، وأنهم لم يتكلموا بلسان الشعب ولم يدعوا إلى ~~جمهورية أو ديمقراطية أو اشتراكية، ولم يوجدوا حولهم مناخ الحرية؛ حيث يستطيع الناس أن ~~يتحدثوا ويكتبوا عن حقوق الإنسان. # ولست في هذا القول أعارض بأن يكون بيننا سلفيون وعصريون، بحيث يلتزم الأولون أحسن ما عند ~~القدماء ويأخذ الآخرون بروح العصر الذي نعيش فيه، ولكن هذا الأحسن الذي عند القدماء لا يمكن ~~أن يحتوي الأشعار اللوطية التي ألفها أبو نواس، ولا الأشعار البرازية التي ألفها ابن ~~الرومي! # ثم هذا الالتزام للقدماء لا يعني بالطبع مدح فاروق أو عباس، وكذلك لا يعني تملق العامة ~~وترويج الخرافات بينهم، ولا يعني كراهة التطور، ولا يعني أن يكون الأدب حلويات يتمززها ~~القارئ؛ إذ هو في عصرنا قوت يغذو القارئ ويرفعه إلى الكفاح من أجل الخير. # ويجب أن نذكر أنه ما من ابتكار في الأدب إلا ويعود إلى خلاف للقدماء، وأولئك الذين يكبرون ~~من شأن القدماء ينسون أنه كان لهؤلاء القدماء قدماء آخرون أيضا، أنكروهم وخالفوهم وشقوا ~~أساليب جديدة في التعبير والتفكير. ~~••• # عندما تخمد الحياة أو تهمد في الشعب، تهفو إلى الماضي، وتثير ذكرياته في اشتياق كما لو ~~كان يشتاق إلى الموت؛ لأن في الماضي كثيرا من سمات الموت، بل هو موت، وهذا الماضي يشيع في ~~نفوس أبنائه عقائد، في حين أن المستقبل يطالب بالمنطق والعقل والتزام الحقائق. # إن الانغماس في دراسة الماضي - إذا كان الدارس أديبا - ينقل إلينا أساليب التفكير ~~والتعبير الماضيين، وهذا هو ما نرى مثلا في كثير من أدبائنا؛ فإنهم كانوا لا يرون عيبا في ~~تسلط فاروق التركي على بلادنا، ألم يفعل ذلك الخلفاء والسلاطين؟ ولا يجدون من الدراسات سوى ~~الدراسة القديمة لثقافة لا تمت إلى عصرنا، وهم لا يكادون يحسون أو يعقلون أن مصر الناهضة ~~تعمل للانتقال من ثقافة الشرق القديمة إلى ثقافة الغرب العصرية، ثقافة الصناعة والعلم ~~والديمقراطية والاشتراكية. # ما هو الأدب الرفيع الذي يجب أن نكتبه للشعب حتى يرتفع القارئ من اهتماماته الشخصية ~~الصغيرة إلى هموم إنسانية عليا ms005 تزيد قلبه ذكاء وعقله إحساسا، فيعرف معاني الشرف والمروءة ~~والخير والارتقاء والتطور، ويقف عندئذ على مستوى التاريخ؟ # الأدب الرفيع هو التنقيب عن معنى الحياة ودلالتها، وهو البحث عن طبيعة الكون، وهو إقناع ~~الإنسان بأن يكون إنسانيا، وهو ابتكار القيم الجديدة تأخذ مكان القيم القديمة وتزيد ~~الدنيا والبشر جمالا وسعادة، أجل، وطعاما للجائعين. # وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، يجب ألا ننسى أن الأدب الرفيع، حتى الموسيقا، حتى الرقص، يهدف ~~إلى الأخلاق العليا، أي يجب أن نحس ارتفاعا في النفس حين نسمع أغنية أو لحنا أو نرى ~~رقصا، أما إذا أحسسنا الخسة والانحطاط، فإن الأغنية أو اللحن أو الرقص لن يعد أحدها من ~~الفنون، وكذلك الشأن في أبي نواس، فإننا لا نستطيع أن نسمي أشعاره فنا جميلا؛ إذ كيف ~~يكون اللواط جميلا؟! # ولكن يجب ألا ننسى أيضا أن الأخلاق العليا ليست هي الأخلاق العرفية التي يدعو إليها ~~المجتمع؛ إذ قد يكون هذا المجتمع فاسدا، وإنما الأخلاق العليا هي التي يستنبطها الأديب أو ~~الفنان بذكائه ومعارفه واختباراته، وديانته البشرية، ويدعو المجتمع إلى اعتناقها والتخلق ~~بها. # ونهضة الأدب لا تعني شيئا آخر سوى نهضة الحياة، أي نهضة الإنسان والمجتمع، ينهض بالثورة، ~~وينهض بالعلم، وينهض بالصناعة، وينهض بالثقافة، وينهض بالحرية، وينهض بالإنسانية. # والأدب الرفيع هو عندئذ أدب الأفكار. # وكتب الأدب العظيمة هي كتب مقدسة، (هل يمكن أن نسمي أشعار أبي نواس مقدسة؟) # بل إن الأديب الحق، الأمين، قد أصبح في نظر قرائه كاهنا أو إماما يربي الضمائر ويوجه ~~الأخلاق كما يطرب النفوس ويمتع العقل والإحساس. # إننا نطالب الأديب في أيامنا بما كنا نطالب به الكاهن أو الإمام في القرون الماضية، ~~نطالبه بأن يكون هو نفسه الصورة الأولى لأدبه وفنه، فنسأل عن اهتماماته وهمومه، ونتجسس - ~~بعد أن يموت - على حياته، وهل كان صادقا، يكتب ما يحياه، ويحيي ما يكتبه؟ أم كاذبا، يجري ~~على المثل السخيف القديم: أحسن الشعر أكذبه؟ # بل إننا، بما ثقفنا من المعارف السيكولوجية، نعرف أنه حين يصدر الأديب كتابا للشعب فإنما ~~يصدر ms006 نفسه، وأنه إذا كانت حياة الأديب رفيعة فإن أسلوب أفكاره وأسلوب عباراته يكون أيضا ~~رفيعا، وأنه إذا كان يحب الشعب، فإنه يكتب له في بلاغه شعبية يتعب ويعرق في صقلها ~~وتجميلها، وأنه لذلك يكتب في حب وحنان لا يعرف السباب أو البذاء. # والأديب الحق هو الذي يجمع بين العمق واليسر، فيكتب للشعب، مثل تولستوي، دون أن يبتذل ~~الأدب فيحيله إلى أدب غوغاء ورعاع، (ومع ذلك يجب أن أصرح بأن الأدب العامي إذا كتب ~~بإخلاص فإنه يرتفع على الأدب الفصيح البليغ إذا كتب للملوك والأمراء، وأنا أوثر لهذا ~~السبب بيرم التونسي لأزجاله العامية، على أحمد شوقي وعلي الجارم لأشعارهما ~~الملوكية). # وعلى هذا الأساس ألفت كتابي سنة 1934 عن «الأدب الإنجليزي الحديث»، وكنت أهدف، إضمارا، ~~من تأليفه إلى المقارنة بين أدب المذاهب والمبادئ في إنجلترا، وأدب الأحزاب بل العصابات ~~الملوكية والباشاوية في مصر. # وليس الأدب مع ذلك شيئا خالدا؛ إذ هو يتغير بتغير الظروف وحاجات الشعوب وسيكولوجية ~~الأفراد، ولكن يخلد فيه مع كل ذلك شيء واحد هو نزعته الإنسانية. # وفي وقتنا الحاضر، في مصر والأقطار العربية، يجب أن يكون الأدب كفاحا نحارب به رواسب ~~القرون المظلمة، وندعو فيه إلى حرية المرأة ومساواتها التامة في الحقوق والواجبات بالرجل، ~~كما ندعو إلى الحضارة العصرية، أي حضارة أوروبا؛ إذ نحن على يقين بأنه إذا كانت الشمس تشرق ~~من الشرق فإن النور يأتي إلينا من الغرب، وأن ندعو إلى العلم والصناعة لزيادة الثراء، وأن ~~نحارب الغيبيات والخرافات التي أسن بها الشرق وتعفن حتى كاد يموت. وأخيرا يجب أن نتجه نحو ~~الديمقراطية الاشتراكية، ثم، وعلى الدوام، نطلب الحرية، الحرية الروحية بالانطلاق من ~~التقاليد والخرافات، والحرية السياسية بإيجاد حكومات شعبية عادلة. # النزعة الإنسانية هي الشيء الخالد في الأدب، إذا كان ثم خلود في هذا العالم. # ذلك أنه قد توجد ظروف تدعو الأديب إلى أن يحارب ملكا سافلا أو عقيدة فاسدة أو طبقة ~~طاغية أو استعمارا أو استبدادا، فهو يستقطب الضوء على موضوع معين كي يبرزه ويحرك العقول ~~والقلوب ms007 بشأنه، وقد يزول السبب الذي كتب وألف من أجله، فتزول قيمة ما كتب وألف؛ لأن الغاية ~~قد تحققت، ولكن تبقى بعد كل هذا النزعة الإنسانية في الأديب؛ لأن حرفة الأديب وعنوانه وهدفه ~~وموضوعه أنه إنساني. # لقد قال «هويتمان» الأديب الأمريكي هذه الكلمة الإنسانية العظمى: من أهان إنسانا فقد ~~أهانني. # هي كلمة تصح أن تكون عنوانا وشعارا لكل أديب. # بل إننا حين نستقطب الضوء على موضوع معين، مثل مكافحة الرق، أو الاستبداد بالمرأة، أو ~~الاستبداد بالفلاح، إنما ننبعث إلى كل ذلك بالنزعة الإنسانية. # وعلى هذا يجب أن يكون لكل أديب رسالة يؤديها للشعب، بل للعالم، عن وجوده وجهوده، بحيث ~~تنسق جميعها وتسير نحو الهدف الإنساني. # وإني هنا أود أن أسأل أدباء مصر: ما هي رسالتكم التي خدمتم بها الإنسانية في الموضوع الذي ~~عالجتموه في مؤلفاتكم؟ # أحب أن أسأل توفيق الحكيم: ما هي رسالتك الأدبية في مصر، وهل نستطيع أن نفهم هذه الرسالة ~~مثلا من «أهل الكهف»؟ # وأحب أن أسأل عباس محمود العقاد: لقد ألفت نحو خمسين أو ستين كتابا، فما هي رسالتك ~~الإنسانية فيها؟ # وأحب أن أسأل طه حسين مثل هذا السؤال ... # إني أستطيع أن أؤلف كتابا عن رسالتي التي تنتظمها مؤلفاتي، وأن أوضح أنها رسالة ~~الإنسانية والحرية والمساواة والحضارة والعلم، فهل هذا في مستطاع كتابنا الذين ~~ذكرتهم؟ # لقد عشنا في مجتمع مصري لابسته ظروف سياسية استعمارية واستبدادية، والكاتب الذي وقف ~~بعيدا لا يكتب عن هذه الظروف لمصلحة الشعب، أو الذي كتب في مدح المستبدين والمستعمرين، لا ~~يمكن أن يوصف بأنه كان أمينا للإنسانية وللمجتمع. # إن نهضة الأدب هي نهضة الحياة، ولن ينهض الأدب إلا إذا كان الأدباء أنفسهم ناهضين. # ووزن القيم الفنية لا يختلف عن وزن القيم الأخلاقية. # والشرط الأول في الأديب أن يكون إنسانيا، يعمل لنهضة الشعب، ولتغيير قيمه الأخلاقية بما ~~يفضلها. # فما هو مكان أدبائنا من كل ذلك؟ ما رسالة كل منهم؟ # لما تفاقمت حركة الإخوان المسلمين، وشرعت الحكومة تتعقبهم بالمحاكمات، كتبت هذه الكلمة ~~التالية في الأخبار (سنة ms008 1954) بعنوان «الأدب المرتبط »: # يستطيع الأدباء الذين كتبوا ودعوا إلى أن يكون الأدب في خدمة المجتمع والحياة ~~والإنسانية أن يقولوا الآن: «ألم نقل لكم ...؟» # نعم يستطيعون ذلك ويجدون في الظروف القائمة وفي الثورة السوداء التي تعالجها ~~الحكومة في هذه الأيام ما يبرر هذا السؤال. # إذ لو أن الأدب كان في خدمة المجتمع، يعالج مشكلاته، ويدعو إلى الإصلاح ~~الاجتماعي، ويدافع عن حرية الضمير، ويطلب المساواة بين الرجل والمرأة، وينادي ~~بالإنسانية بين أبناء البشر على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، ولو أن الأدباء كانوا على ~~وجدان بمعنى الحضارة العصرية التي تعتمد على حقائق العلم وليس على التقاليد ~~والعادات، ولو أنهم كانوا يعرفون عبارة «الأدب المرتبط» أي الذي يرتبط بالمجتمع ~~فيحس الأديب أنه مسئول عن مجتمعه وأنه إمامه الذي يقوده ويرشده وينشد صلاحه وخيره، ~~أقول لو أن أدباء مصر كانوا يربطون أدبهم بالمجتمع المصري لما وقعنا في هذه الكارثة ~~التي نتخبط فيها هذه الأيام. # فهذه الثورة السوداء إنما يقوم بها شبان يقرءون الصحف والكتب، ولو أن الأدباء ~~كانوا قد صوروا لهم الدنيا الجديدة، دنيا الخير والبر والصلاح، كما كان يجب أن ~~يصوروها، ولو أنهم كانوا قد وجهوهم إلى النظر في بؤس بلادهم وفقر فقرائهم، ورسموا ~~لهم خطط الإصلاح، واشتغلوا بهمومهم، وبعثوا اهتماماتهم إلى المستويات الإنسانية ~~العالية، لكانوا - أي هؤلاء الشبان - قد وجدوا في آمال الخير التي ترسم لهم ما يغذو ~~نفوسهم ويحملهم على الاتجاه السديد لخدمة مجتمعهم. # ولكن للأسف لم يجد الشبان هذا التوجيه، وإنما وجدوا مؤلفات للأدباء عن ابن الرومي ~~وأبي نواس والمتنبي والمأمون وغير هؤلاء ممن لا يرتبطون بمجتمعنا العصري بأي ~~ارتباط، ولا نستطيع أن نستخرج من حياتهم وأعمالهم العبرة الاجتماعية أو الإنسانية ~~لحياتنا العصرية. # بل أزيد على هذا وأقول إن أدباءنا قد غذوا هذه الثورة السوداء بكثير من مؤلفاتهم ~~... وقد احتجت أنا والأستاذ التابعي إلى أن نهيب بهم في الأسبوع الماضي أن يقولوا ~~كلمة في استهجان هذه الحركة المدمرة. # وقد كان سكوتهم مستغربا، ولكني لا أراه الآن، في ضوء مذهبهم في الأدب، مما ms009 ~~يستغرب؛ إذ هم يعتقدون ويصرحون باعتقادهم بأن الأدب لا شأن له بمشكلات ~~المجتمع. # أفيقوا يا أدباء مصر، وافهموا، وتعلموا، أن الأدب للحياة والإنسانية والمجتمع، ~~وأنه ليس نكته بديعة أو بيتا رائعا، وإنما هو ارتقاء وتطور وكفاح لتعميم الخير ~~والشرف والإخاء والحب. # هذا هو ما كتبته قبل شهور، والعجب أن هناك من يردون علي حين أنتقد شوقي أو غيره من ~~الشعراء أو الأدباء بأنه لم يكن يبالي بالشعب، يردون علي بأن لهذا الشاعر أو غيره قصيدة ~~يدعو فيها الأثرياء إلى الإحسان ... # لا، ليس هذا هو الأدب الشعبي. # ليس الأدب الشعبي، الإنساني، أن نؤلف القصائد أو القصص كي نبعث في الأثرياء العطف على ~~الفقراء والتصدق عليهم، وإنما هو أن ننظر بالعين الفنية للمشكلات الإنسانية والاجتماعية، ~~ولكن من موقف الشعب نفسه، أي من الموقف الإنساني، وليس من موقف الأثرياء، فلا نطلب التصدق، ~~وإنما نكافح للعدل والمساواة. # اعتبر مثلا إحدى المشكلات الحاضرة؛ وهي المشكلة الجنسية بالفصل بين الجنسين، فإن شبابنا ~~تعساء لا يحيون حياة الحب، ومع ذلك أين هو الكاتب الذي يدعو إلى مكافحة هذه التعاسة وإلى ~~الدعوة بأن من حق شبابنا وفتياتنا أن يحبوا، وأن يختلطوا، وألا يتزوجوا إلا عن حب ~~سابق؟ # إننا نحتاج إلى عقول اجتماعية تقدر قيم الحنان والجمال والرقة والحب والاختلاط بين ~~الجنسين؛ لأن هذا هو التمدن، بل هذا هو الإنسانية، والأديب العظيم هو قوة إنسانية وتمدينية ~~للمجتمع الذي يعيش فيه. ~~••• # ولكن هناك أيضا عشرات من المشكلات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعائلية، بل ~~هناك مشكلات تتصل بموقف الإنسان في هذا الكون، لم يعالجها أديب مصري أو لم تتحيز المكانة ~~العليا في أدبه، وذلك للتقاليد الأدبية السائدة؛ وهي أن الأدب للذة الذهنية، أو الترف ~~الذهني، وأنه ليس للحياة، أو للإنسانية، أو للشعب، أو للمجتمع. # وهذه النظرة الاستهتارية للأدب هي التي حملت بعض أدبائنا على أن يؤيدوا أحمد زيور في ~~تحطيم الدستور، وجمع أعضاء البرلمان في الصباح ثم طردهم في المساء، وهي التي حملت بعض ~~الأدباء أيضا على تأييد محمد محمود في تعطيل ms010 الدستور ثلاث سنوات تقبل التجديد، وهي التي ~~حملت آخرين على تأليف المجلدات التي تحوي القصائد في مدح فاروق أو نعته بأنه ~~«فيلسوف». # هذا في السياسة، أما في الاقتصاد فإن أديبا واحدا في مصر لم يرتفع صوته بالدعوة إلى ~~إنصاف العمال، الزراعيين والصناعيين، لا في مقال ولا في قصة، غيري، واتهمت واعتقلت ~~بتهمة الشيوعية لهذا السبب، وإغفال الأدباء في مصر لموضوع العمال ينبني على أنهم إنما كانوا ~~يتجهون نحو طبقة الباشوات والأثرياء والموظفين ويخاطبونها، ويلتفتون إلى اهتماماتها، دون ~~طبقة العمال، كان الأدب لا يعنى بعشرين مليون مصري من 21 مليونا. # ثم اعتبر العائلة، إن في مصر كثيرين يكرهونني؛ لأنني أتناول موضوعات الزواج والطلاق والحب ~~واليتم والفقر والتسكع بين الأطفال؛ اعتقادا بأني إنما أفعل ذلك لكراهتي للتقاليد، كأن ~~تقاليدنا، في الفقر وفوضى العائلة، وتسكع أبنائنا بسبب الطلاق وتعدد الأزواج، يجب أن ~~تعيش. # وهذه موضوعات قاطعها دعاة الأدب «للترف الذهني» ولمدح الملوك. # ثم اعتبر مجتمعنا الذي وصفته بأنه «مجتمع غير اجتماعي» أي أنه مجتمع انفصالي، على تناقض ~~التعبير في الكلمتين، هذا المجتمع لم يجد من أقلام هؤلاء الأدباء من يعنى به ويطالب ~~بتغييره؛ لأنهم يخشون العامة التي ربما تتهمهم بالثورة على التقاليد المحترمة. # إن الأدب «المرتبط» أو الأدب «الملتزم» يحتم علينا أن نتناول المشكلات الاجتماعية؛ لأن ~~الأديب مسئول، ومسئوليته أمام المجتمع والإنسانية، فيجب أن يقف على الدوام ضد الحرب، ~~والاستعمار، وضد الاستغلال، وضد احتقار المرأة، وضد التفاوت بين الجنسين في الحقوق المدنية ~~والدستورية والاقتصادية، كما عليه أن يدعو إلى إنصاف العمال وإلى دعوة الحب بين ~~الجنسين. # هذا إذا كان مسئولا، أما إذا لم يكن مسئولا، فليؤلف القصائد عن فاروق ويصفه بأنه ~~«فيلسوف»، وليقل إن أبا نواس أديب عظيم، وليؤيد المستبدين في إلغائهم للدستور كي يحكم فؤاد ~~أو فاروق بلا برلمان، ولتذهب الأمة إلى التراب. ~~••• # أعظم ما يمتاز أو يتسم به الأديب العصري في أوروبا وأمريكا هو أن أدبه ينقل إلينا ~~اعترافاته واختباراته، فهو يكتب في مؤلفاته ترجمة أو تراجم حياته من وجهاتها المختلفة، ms011 وهو ~~ينقل إلى القارئ إحساسه ووجدانه، وعلى قدر إخلاصه في هذا النقل، وعلى قدر تفسيره الذكي لما ~~يحس وما يجد، يلقى منا التقدير والحب والاحترام. # ذلك لأننا نجد في اعترافاته صورة لما نحس وما نكابد، ولكن صورته قد كتبت أو رسمت بذكاء ~~وثقافة وفن لا يرتفع إليها القارئ الذي يجد فيها الطرب الذي هو أول شروط الفن. # وكثيرا ما أحزن عندما أجد طالب الأدب في مصر يتحدث عن الأسلوب كأنه شيء يعلم، ولذلك ~~يتعب نفسه في قراءة الجاحظ أو المتنبي كي يأخذ بأسلوبهما، مع أن أسلوب الكتابة هو صورة ~~لأخلاق الكاتب، فإذا وجدت الكتابة السلسة فثق أنها برهان على أخلاق الكاتب السلسة، وكذلك ~~يجب ألا ننسى أن الأفكار تعين المعاني، ولذلك فإن الأسلوب التافه برهان على الأفكار ~~التافهة. # وكثيرا ما أجد الأسلوب المطهم مع المعاني الجوفاء، فأفهم من ذلك أن الكاتب قد استعار ~~الكلمات والعبارات، وكان هذا اهتمامه الأول، أما الموضوع فجاء في المكان الثاني من اهتمامه، ~~فهو سترة مطهمة فوق شخص ليست له شخصية، وكثيرا ما ينخدع الشباب القراء بهذه السترة لزهرة ~~ألوانها، ولا يكادون يلتفتون إلى ركاكة نسيجها. # والحق أننا نحس الأسلوب العظيم في الكاتب إذا كان له هدف عظيم يستولي على أفكاره، وإذا ~~كان له كفاح عظيم يحيله إلى جندي. # بل إني أعتقد أن الهدف والكفاح يحيلان الكاتب المتوسط إلى نابغة، والكاتب النابغة إلى ~~عبقري. # إذن ما هو النابغة؟ وما هو العبقري؟ # إننا لا شك نميز بينهما، فإن الفرق بينهما يكاد يكون بيولوجيا، ولكننا نستطيع أن نقول ~~إن كلا منهما إنما يصل إلى مكانته العليا؛ لأنه قد درس شئون الإنسانية والحياة والمجتمع ~~واختلط في مشكلاتها، فرأى - لوفرة ما اختلط ودرس - ما لا يراه غيره؛ ولذلك أصبحت لكلماته ~~معنى النور ودلالة الإرشاد. # ولأن الشعب الذي يقرؤه يجد صدى عنده لجميع ما يعالجه من شئون فإنه يحبه، وعندئذ يروج اسمه ~~في قلوب الناس الذين يجدون فيه الإحساس الإنساني والحب للخير والدعوة إلى الشرف. # لقد قلت إن الشرط الأول لكل ms012 فن هو الطرب، ولكني هنا أحب أن أصحح وأقول إن الشرط الأول لكل ~~فنان هو الرجولة، يجب أن نجد في كتاب الأدب الذي نقرأه رجلا كما نجد أديبا. # ومن هنا قيمة الترجمة الذاتية للأديب، نطالبه فيها بأن يذكر لنا حياته عارية بل مسلوخة، ~~حتى نعرف ما هي قيمة اعترافاته، أي أدبه. # وصحيح أن الأديب المخلص يجعل أدبه كله اعترافات، ولكنه هنا لا يتمالك أن يمزج الخيال ~~بالعقل، وأن يتسامى، وأن يتجنب بعض ما لا يحب من الأحداث والحوادث، ولكنه حين يكتب تاريخ ~~حياته ويخلص ولا يبالي اللوم أو النقد، ينقل إلينا صورة فذة من حياة بشرية هي نفسها من أكبر ~~الأحداث العالمية. # يجب أن نطالب كل أديب بأن يكتب تاريخ حياته، وأن يبرر لنا مواقفه في السياسة، والاجتماع، ~~والمشكلات الإنسانية، أو يعتذر عما ارتكب بشأنها من جرائم ويوضح لنا وجوه اعتذاره، وعليه ~~أن يبين لنا رسالته في الفن أو الأدب. # وأعود فأقول إن لكل أدب رسالة، حتى الموسيقا لها رسالة. والأديب الذي يقول إنه ليست له ~~رسالة، ليس له الحق في أن يكتب. # وقد قلت إن الأديب يجب أن يطربنا، ولكنه يجب أيضا أن يغيرنا، أجل، يغيرنا ~~برسالته. ~~••• # ما هي الحضارة المصرية القادمة التي يجب علينا - نحن الكتاب - أن ندعو إليها ونهيئ ~~لها؟ # إننا نحيا مترددين بين القيم القديمة وبين القيم الجديدة، فأيتهما القيم الفضلى التي تربي ~~الشخصية السامية والمجتمع الفاضل، والتي تدعو إلى ثراء المال والذهن والسعادة والحب؟ # هل هي الأخلاق القديمة أم الأخلاق الجديدة؟ # إن عندنا كتابا يكتبون كما لو كان مجتمعنا هو المجتمع النهائي الذي وصل إلى قمة ~~الارتقاء، فلا يجوز لنا أن نفتش عن معايبه، ولا أن نناقش عاداته وتقاليده، وكأن ما نحيا فيه ~~من عادات وتقاليد يجب أن يبقى بلا تغيير إلى مائة سنة، بل إلى ألف سنة قادمة، يتزوج سلائلنا ~~في سنة 2955 كما نتزوج الآن، ويطلقون كما نطلق الآن، ويفهمون من معاني الأخلاق كما نفهم ~~الآن، بلا تطور. # ما هي البذور التي نزرعها ms013 الآن كي تنمو في المستقبل ؟ # أين بذور الحرية التي نزرعها؟ # كيف نتحرر من الطغاة المستبدين، وكيف نتحرر من التقاليد التي تخنق التطور؟ # لما جاء نابليون مصر ألف مجلسا استشاريا من شيوخ الأزهر، وحدث أن طلب إليهم تعيين ~~بعض الكبار من الموظفين، مثل «حكمدار» القاهرة، ورئيس الحسبة الذي كان يشرف على الأسواق ~~والأسعار، ورئيس القضاة، فرفض هؤلاء الشيوخ تعيين هؤلاء من المصريين وأصروا على أن ~~يعينوا من الأتراك! # إننا نفهم من الاستبداد أنه استعباد الأمير أو الملك للشعب فقط، ولكن الرق كان في قلوب ~~هؤلاء الشيوخ الذين رفضوا أن يكونوا أصحاب بلادهم، وآثروا الأتراك على أنفسهم في هذه ~~المناصب. # هذا الرق لا يزال في قلوبنا نحن أيضا، هو رق التقاليد التي تخنق تطورنا، ورسالة الأديب ~~أن يكافح هذا الرق في النفس المصرية. ~~••• # لقد كتبت هذا الكتاب وجمعت فصوله في مناخ اجتماعي أدبي يرى القارئ بعض تفاصيله في الفصل ~~الأخير، وإني أعمل وأكافح كي يتغير هذا المناخ، وسيتغير، لا بمجهودي أنا وحدي، بل بمجهود ~~هؤلاء الشبان الجدد الذين رأوا النور وتحرروا من استبداد التقاليد ~~وعملوا لتطور الفكر في مصر. # وقد أجزت لنفسي نشر قصة بعنوان «بين الكتمان والبوح»، وهي تمثل موقفا من مواقفي في الأدب ~~يتسق وأبحاث هذا الكتاب. # سلامة موسى # | الأدب للشعب # هناك كلمات تجري على ألسنتنا أو أقلامنا تحمل دلالات جديدة لم تكن تعرفها الأمم ~~القديمة، مثل: الشعب، الحرية، المساواة، الشخصية، الديمقراطية، حق الانتخاب، التعليم ~~بالمجان ... إلخ. # ودلالة هذه الكلمات أن «الشعب» قد برز إلى الوجدان السياسي والاجتماعي؛ فقد كان الحكم في ~~الأمم القديمة تتولاه طبقة صغيرة حول الملك أو الإمبراطور، وكان الثراء مقصورا أيضا على ~~طبقة صغيرة، وكان الشأن كذلك في التعليم والثقافة. # ومن هنا أيضا اقتصار الأدب القديم على طبقة خاصة، ثم اشتغال الأديب بشئون هذه الطبقة دون ~~الشعب، لذلك نحن نقرأ كتب الأدب العربي القديم، فلا نجد أية عناية بالصانع أو التاجر أو ~~الزارع أو المرأة؛ لأن كل هؤلاء كانوا أميين لم يتعلموا، ولذلك نجد أن المؤلفين ms014 كانوا يعنون ~~بقصص الملوك والأمراء ، وبما يجب عليهم من الواجبات السياسية للرعية، كما نجد آلاف النصائح ~~والوصايا والحكم، من الملك سليمان إلى أردشير إلى الإسكندر إلى معاوية، وجميعها في شأن ~~الحكم والحرب والولاية والجود والعفو، وهذه كلها وأمثالها شئون كانت تهتم بها طبقة صغيرة ~~حاكمة. # أما الشعب، الباعة والتجار والزارعون والخدم والبناءون والنجارون، كل هؤلاء لم يكونوا قد ~~ارتفعوا بعد إلى وجدان الأدباء، فلم يحس هؤلاء بهم. # ولذلك أيضا نجد أن الأدباء القدماء كانوا يكتبون لأدباء مثلهم، ثم تكون مناقشة ما يكتبون ~~في مجالس الأمراء والملوك وأئمة الدين؛ لأن أئمة الدين كانوا من الحاكمين والولاة، وكانت ~~الحكومات كلها دينية. # ولذلك أيضا نجد أن الأدب القديم كان على الدوام أسلوبيا تقليديا، ولم يك ابتكاريا ~~مستقبليا، وعبارة «قال فلان» ثم عبارة «السلف الصالح» كلتاهما تدل على أن الأديب العربي ~~القديم كان ينشد الحكمة خلفه وليس أمامه، وكان يكتب للخاصة، بل أخص الخاصة، التي تعلمت مثله ~~ودرست ثقافته ونزعت نزعته. # وأخص الخاصة هذه كانت تلتفت إلى الماضي؛ لأن حقوقها التاريخية كانت تستند إلى هذا الماضي ~~وإلى احترام عاداته ولغته، فجذبت إليها الأدباء الذين يؤيدون سلطانها. # وعندما نقرأ «البيان والتبيين» للجاحظ، أو أشعار المتنبي، أو «الكامل» للمبرد، نحس أننا ~~إزاء أدباء، إما يعيشون في بلاط أحد الأمراء، وإما يستندون في حياتهم الذهنية إلى تقاليد ~~لغوية وأدبية ودينية وسياسية تمت إلى بلاط أحد الأمراء. # أما الشعب فلا يحسون أي وجدان له. # ولكن هذا القول لا يمكن أن يذهب على إطلاقه؛ ففي فترات من تاريخ الأمم العربية انتشرت ~~التجارة، بل انتشر شيء من الصناعة، وخاصة في مصر والعراق، فظهر كتاب «ألف ليلة وليلة» وهو ~~كتاب للشعب يكبر من شأن التاجر «السندباد» ويزود قراءه الفقراء بأحلام الجائع، أي وصف حياة ~~الأثرياء والملوك والأمراء، ولكن هذه النزعة لم ترتق إلى النضج؛ لأن عوامل القوة لم تتوافر ~~للشعب. ~~••• # ولكن الشعوب العربية في أيامنا عرفت أعظم كلمة من كلمات القرن العشرين، كلمة ~~«الديمقراطية»، ومع أن بعض الساسة في مصر قد ms015 عبثوا بها، فإن عبثهم سيذهب زبدا وجفاء وتمكث ~~هي في الأرض، وقد مكروا بها، والتاريخ مكر بهم، والعاقبة للشعب. # الديمقراطية، الشعب، المساواة، والتعليم العام ... كلمات ميمونة، وإلى هذه الكلمات الميمونة ~~عاد التاجر إلى الظهور، وأوشكنا أن نعرف مقام الصناعة، وظهرت الصحف فأخصبت حياة الشعب، وصار ~~النجار، والكمساري، والبقال، والتلميذ، بل أحيانا الزارع، هذا الرجعي العريق في رجعيته ~~ووخامته، أصبح كل هؤلاء يقرءون، وتنفسح أذهانهم في آفاق متراحبة من السياسة والأدب ~~والاجتماع، وزودتهم الصحف بكل ذلك، ولكن على مستوى منخفض. # وتعلم الصحفيون لغة جديدة يكتبون بها ليست هي لغة أردشير: «الذي أوصى ابنه فقال ~~...». # وإنما هي لغة الشعب. ~~••• # يقول الفرنسيون، ويحسنون عندما يقولون: «ما ليس واضحا ليس فرنسيا»؛ لأن الوضوح هو ~~المنطق، والكاتب الواضح هو الكاتب الفاهم، وعندما يفهم الكاتب يفهم القارئ، وعندئذ يكون ~~التجاوب ويكون الاختمار الذهني. # وكان فولتير يقول عن نفسه كلمة أحب أن أقولها عن نفسي، وأفخر بها: «لست عميقا، ولكني ~~على الدوام واضح.» # لغة الشعب، لغة الصحافة، يجب أن تكون لغة الوضوح، وعلينا - نحن الكتاب - أن نهدف إلى ~~بلاغة شعبية جديدة، فننزل إلى الشعب قبل أن نرفعه إلينا، بل إننا لن نستطيع أن نرفعه إلينا ~~إلا إذا نزلنا إليه، يجب أن نهدم الحاجز الذي يفصل بين الشعب وبين الأدب باتخاذ الأسلوب ~~الميسر والكلمة المألوفة، ويجب أن ننأى به عن «أردشير» ونحدثه عن «أينشتين» وعن إلغاء الفقر ~~والجهل والمرض، وعن حق الشبان في السعادة وحق المرأة في الإنسانية. # ويجب أن نؤلف المقالة والقصة والكتاب للشعب، ونعرض على شبابنا الآداب والفنون التي تخصب ~~حياتهم وترفعهم من الاهتمامات الشخصية الوضيعة إلى المشكلات الاجتماعية والبشرية، حتى يحيوا ~~الحياة التاريخية، وحتى يحس كل منهم أنه بطل له رسالة وله شرف. # رسالة وشرف، أي شيء في الدنيا أعظم من هذا؟ ~~••• # هو وجدان جديد ذلك الذي حفز رجال الثورة إلى الاحتفال بنقل رفات «الجندي المجهول» إلى ~~ميدان الحرية؛ حيث دفن في المكان الذي كان مخصصا لإقامة تمثال للملك الأسبق فؤاد. # أصبح الشعب في وجدان ms016 الحاكمين، في ضميرهم، أما قبل ذلك فكان الملك يحتل قلوب الحاكمين ~~وعقولهم، وكان كل شيء. # ولهذا التغير في الوجدان السياسي الاجتماعي قيمة رمزية كبيرة للأدب، ذلك أن الجندي يمثل ~~الشعب في كثرته، بل سواده، ولما كانت الثورة تعتمد على الشعب، فإنها يجب أن تشيد بالجندي ~~كما تشيد بالضابط، بل بالجندي أكثر من الضابط. # لقد ارتفع الشعب عند رجال الثورة إلى مقام جديد، ودخل في وجدانهم، ولذلك تذكروا الجندي ~~المجهول. # هل كان يمكن لفاروق أن يتذكر هذا الجندي المجهول؟ # الجواب: لا؛ لأنه لم يكن يعتمد على الشعب، وكان إحساسه ينأى عن إحساس الشعب. # وكذلك لم يكن الشعب في وجدان الأدب القديم، بل لا يزال بعيدا عن وجدان كثير من أدبائنا ~~الكبار. # أما الأدب الجديد فينبع من إحساسات الشعب، وبكلمة أخرى نقول: إن هم الأدب الجديد واهتمامه ~~هو الإنسان؛ أي الإنسان في ثرائه وفاقته، وسروره وحزنه، وانتصاره وهزيمته، ومعرفته وجهله، ~~وفي جميع مشكلاته الحاضرة والمستقبلة. ~~••• # إن القارئ للمتنبي لتدهشه قوته الخارقة في استنباط المعاني وتوليدها، بحيث يحس أنه لو ~~وزعت هذه القوة على عشرين شاعرا لأجاد كل منهم ولصار له اسم في التاريخ. # وقريب من هذا شوقي، ولكننا نحس أن كليهما غريب عنا، بل إنني أحس بأني أقرب إلى المتنبي ~~مني إلى شوقي؛ لأني أجد في الأول صورة الكفاح بين العرب والرومان في عشرات من قصائده ~~الرائعة، أي أن له قيمة تاريخية عندي أبصر بها حركة التاريخ، ولكنه مع ذلك ينأى عني حين أجد ~~أنه لم يعرف «الجندي المجهول»، فإنه حين يصف معركة إنما يجعل بؤرة القصيدة أميره «سيف ~~الدولة» الذي ربما لم يشترك بشخصه في معركة واحدة، أما الجنود الذين كانوا يؤسرون ويقتلون ~~فلم يكن يذكرهم، وصحيح أني أعذره في ذلك؛ لأن الشعب لم يكن قد ارتفع إلى وجدانه، ولكني مع ~~عذري له هنا، بل لعذري له هذا، أجده غريبا عني. # أما بعد هذا، فهو وشوقي سواء في نظم الأكاذيب التي كان أولهما يمدح بها سيف الدولة ~~والثاني الخديوي عباس. # والأدباء ms017 الجدد في مصر قد أصبحوا - بقوة ما تسلل إلى قلوبهم من الثقافة العصرية - يحسون ~~أن الشعب هو الجندي المجهول الذي يجب عليهم أن يرفعوه إلى المستوى الفني والاهتمام الذهني ~~في القصة والشعر والرسم والنحت، ويكتبوا عن حياته ويرسموا أهدافه، وما فيه من عبقرية أو ~~إنسانية، وليس معنى كلمة «الشعب» أولئك البائسين فقط كما هو الوهم العام، فإن الموظف ~~والطبيب والصحفي والمحامي والقاضي، كل هؤلاء عاملون يعملون برءوسهم كما يعمل الصانع بيده في ~~مصنعه أو الفلاح في مزرعته، ومنهم المخترع، كما أن منهم العبقري في حبه أو في صلاحه، ~~والمكافح في فلسفته أو في إنسانيته. ~~••• # وهنا نحتاج إلى كلمات جديدة تعين لنا المعاني الجديدة في هذا الموضوع. # إن الأدباء الجدد يطلبون أدبا عضويا يرتبط بالمجتمع ويؤدي فيه وظيفة حيوية، بحيث يساعد ~~على أن تسير الحياة الاجتماعية وفق الشرف والإنسانية والخير، ومكافحة الشرور، شرور ~~الاستبداد والاستعمار والفاقة والمرض والخبث والدعارة. # والأدب هنا عضوي، من حيث إنه يؤدي في الجسم الاجتماعي خدمة معينة، كما تؤدي اليد أو القدم ~~خدمة معينة للجسم البشري. # وبمعنى آخر ليس هو أدب الترف أو التسلية الذي يمكن الاستغناء عنه، أي ليس هو أدب البلاغة، ~~كما فهمنا معنى هذه الكلمة في كتب البلاغة العربية، فهو لا يبالي تلك النبرات والنغمات إلا ~~بمقدار ما يستطيع أن يؤدي بها خدمته، أي عضويته، في النشاط الاجتماعي، فالبلاغة هنا وسيلة ~~وليست هدفا. # للأدب العضوي موضوع وهدف، أما الأدب البلاغي فليس له موضوع أو هدف. (هل كان لشوقي موضوع ~~أو هدف؟) # إني أفهم أنه كان لبيرون، وشيلي، وأندريه جيد، وأناطول فرانس، وبرنارد شو، وه.ج. ولز، ~~ومكسيم جوركي، وثورو، موضوعات وأهداف. # ولكني حين أقرأ هذه الصفحات التي تبلغ ثلاثة آلاف أو أكثر من كتاب الأغاني لا أجد موضوعا ~~أو هدفا، وإنما أجد حلويات لا تغذو الذهن الناضج، ولكنها تروح وتسلي بالنبرة والنغمة ~~والنكتة النادرة؛ ذلك لأن المؤلف كان يكتب للأمراء والأثرياء والملوك، وكان يحس أنه يخدمهم ~~ويسليهم ويقدم لهم ترفا. # أما الأديب العصري فيحس أنه ms018 يخدم، ولكن خدمته قيادة وإرشاد ونور، وجد يؤلم، وطرب يرفع نحو ~~الشهامة والنبل. # الأدب العضوي هو محاولة أو محاولات لا تنقطع لزيادة الوجدان حتى يجد القارئ نفسه بعد ~~ذهول، وحتى يتعقل بعد استرسال في عادته الذهنية، أو بعد استسلام لمكانه الاجتماعي، وهو ~~أيضا محاولة لزيادة الإحساس، حتى يزول التبلد الذي يطغى بقوة الجهل على كثير من أبناء ~~الشعب، ولذلك يحاول الأديب أن يجلو مشكلة اجتماعية غامضة أو يكشف عن شقاء إنساني خفي قد ~~لا يدريه الأشقياء أنفسهم الذين يعانون هذا الشقاء، أو هو يتناول العادات الاجتماعية أو ~~الذهنية السيئة بالنقد والتوضيح حتى يكف الناس عنها. # أما الأدب البلاغي فهو لعبة للتسلية، ألسنا نقرأ الأغاني والحريري ونوادر الكتب الأربعة ~~التي أوصى بقراءتها القيرواني ونحن نتلمظ بكلماتها الحلوة ... ثم لا يترك هذا الأدب شيئا في ~~نفوسنا، فلا طرب، ولا ألم، ولا برنامج ولا كفاح، ولا ثورة في الروح ولا عزيمة ~~للتغيير؟ # الأديب الجديد، الأديب العضوي، هو الذي يدرس الحياة، ويحاول أن يجد نظرة جديدة لشئونها ~~أعمق وأوسع من النظرة المألوفة. # الأدب الجديد هو أدب أولئك الذين كبروا ونضجوا في الذهن والنفس، فلم يعد يغريهم كلام منغم ~~ونكات بارعة بلا هدف من نظمها إلا التسلية، وهم يحسون مسئولية إنسانية وضميرا عالميا؛ ~~ولذلك ليس الأدب عندهم اهتماما فقط، بل هو هم يتأكلهم ويعتصر منهم أعمق الأفكار وأحر ~~الإحساسات، وهم مكافحون رأوا رؤيا التطور للخير والشرف؛ ولذلك هم دائبون في مطاردة الحيوان ~~الذي يحرض على الأنانية والقبح والثراء الجنوني والمباراة الوحشية والنهم الجنسي. # هم أعداء فاروق، والمركبات الفاروقية الاجتماعية والسيكولوجية، من الاستبداد إلى الدنس ~~إلى الثراء إلى القسوة إلى الجهل إلى الحيوانية. ~~••• # الموضوع والهدف يعينان الأسلوب. # ذكرت هذا وأنا أقرأ النقد الحق الذي تقدم به الدكتور طه حسين حين قال إن الأدباء الجدد لم ~~يعودوا يعنون بجمال العبارة ولا بالتأليف الفني. # وهذا حق من وجهة نظره؛ لأنه يعتقد أن الأدب ترف. # لقد نال تشرشل جائزة نوبل في الأدب، وأنا أعرف تاريخ هذا الرجل الذي لم ms019 يحي قط حياة ~~أدبية ، ولم يهدف قط إلى سلام، ولم يدع دعوة الإنسانية ... إذ هو إمبراطوري. # ولكن لأنه إمبراطوري يقول بسيادة الإنجليز على غيرهم من البشر، ويشيد بالحرب والاستعمار، ~~أجرى قلمه بأسلوب إمبراطوري كله قعقعة وجلبة ورصانة ورشاقة، كأنه المتنبي في النثر، وهو ~~بليغ، فصيح بحيث لا يستطيع رجل الشعب من الإنجليز أن يفهمه. # ذلك لأن تشرشل ليس من الشعب، وهو لا يكتب للشعب. # تشرشل هو ابن اللورد تشرشل. # هو باشا إنجليزي يكتب للباشوات الإنجليز وأبنائهم؛ لأن هؤلاء هم بيئته ومجتمعه، ولغتهم هي ~~لغة كتبه التي نال بها جائزة نوبل، وفي هذه اللمحة إلى تشرشل ما يبعث على التفكير. # ذلك أن الكاتب الذي امتلأت نفسه بهموم الشعب، والذي يهدف إلى قراء من الشعب، يجب أن يكتب ~~بلغة الشعب، لغة ديمقراطية، ليست بالعامية طبعا؛ لأن العامية لا تكفي للتعبير، ولكن بلغة ~~ميسرة تشفي على العامية، يستطيع جمهور الشعب أن يفهمها. # إنه لا يكتب لباشوات أو لوردات قد ورثوا تراث البلاغة مع الضيعة والقصر والسيارة ~~والذهبية. # لا، إنه يكتب للنجار والطبيب والفلاح والبقال والمهندس وغيرهم ممن يعملون وينتجون، وهو ~~يعالج همومهم واهتماماتهم فيضطر إلى أن يكتب بلغتهم. # ومع ذلك هل منا من ينكر قيمة الترف؟ # لا، ولكني حين أتحدث عن غذاء للشعب لا تخطر ببالي الشكولاتة؛ لأن اهتمامي عندئذ هو توفير ~~الفول المدمس واللحم والخبز! # وبعد أن تتوافر هذه الضروريات، نشرع في الحديث عن الشكولاتة وأطعمة الترف الأخرى. # هل الأدب الملوكي شكولاتة؟! ~~••• # لقد تكرر الحديث بشأن الأدب وتشتت، ولذلك نحتاج إلى تلخيص العناصر البارزة فيه فيما يلي: # الأدب طعام يغذو الشعب، وليس حلوى يستطرفها الأمراء والأثرياء والكسالى ~~والمنهوكون. # وهو كفاح إيجابي يقوم به الأديب كي يبعث التفكير والعمل؛ أي أنه ليس ~~ترفا للذة والاسترواح، والأديب المصري يجب لذلك أن يخوض غمار الأدب بروح ~~الكفاح. # وهو حركة انتهاضية إيجابية نحو المستقبل، وهو ولاء للإنسان وليس ولاء ~~للتقاليد، وهو أكبر من الصنعة، هو بناء الشاهقة التي تصدم السحاب، وهو هندسة ~~المدينة المثلى، أي ليس ms020 هو صنع الفسيفساء والمشربية ، ومعنى هذا أنه بناء ~~للشخصية الإنسانية، وليس نصائح الملوك على المائدة. # والأدب للشعب كله وليس لطبقة منه، أي للإنسانية. # ثم هو حياة يحياها الأديب، تحوي التعاسة والسعادة والتضحيات ~~والانتصارات، ثم رؤياه في فنه، ثم التحقيق. # ولكن الأدب في مصر يجب أن يضطلع بضع سنوات بمحاربة القرون المظلمة وهدم ~~الأسوار التي تعوق حرية الفكر وبناء الشخصية، هذه الأسوار التي كانت الحكومات ~~الماضية، بل كذلك المجتمعات الماضية، تحرص على استبقائها وحمايتها؛ لأنها تؤيد ~~ألوانا من الرجعية تحتاج إليها لاستبقاء نظمها الإقطاعية، أي يجب على الأديب ~~أن يهدم دون أن ينسى البناء. # | الأدب الملوكي والأدب الشعبي # أثار الدكتور طه حسين هذه الأيام الأخيرة (1954) غبارا بشأن الأدب كما يكتبه الكتاب ~~وكما يقبل عليه القراء، فتنقصه وأزرى به، واتهم الكتاب بأنهم يهدفون إلى الرخيص السهل؛ ~~إيثارا للكثرة غير المثقفة من القراء، ثم دعا إلى الأدب العالي أو الغالي على ما فيه من ~~صعوبة؛ لأنه هو الأدب الحق، وما عداه مزيف. # وفي هذا الكلام كثير من الغبار والضباب يستحق أن نجلوه. # وأول ما نجلو هنا أن نميز بين الأدب الملوكي أو الفاروقي، وبين أدب الشعب أو الدهماء؛ ~~لأن هذا التمييز هو بؤرة النقاش من حيث لا يدري بعض المناقشين. # وإذن ليست المشكلة هي مشكلة الصعوبة أو السهولة، وإنما هي مشكلة الأدب الملوكي والأدب ~~الديمقراطي، وهل يجب أن يكتب الكتاب للخاصة أو للكافة؟ وهل يجب أن يعالج الأدب بهارج الخاصة ~~وامتيازاتها في الغرام والسلطة واللؤلؤ، أم يعالج مشكلات العامة في الحب والسياسة وحكمة ~~العيش وشرف الإنسان وحرية الضمير؟ # لقد كان الأدباء القدماء، في الغرب والشرق، يؤلفون القصة أو الدرامة أو يرسمون الرسوم أو ~~ينحتون التماثيل فيكون موضوع الفن الذي يمارسونه ملكا أو أميرا أو بطلا يقعقع بالسيف على ~~المسرح، وهذا هو ما نرى في أدب شكسبير، أو قصص «الأغاني» العربية، أو تماثيل أو قصص الإغريق ~~وأشعارهم وتماثيلهم. # هذا هو ما نرى في الأغلب، وقل أن نجد للعامة من يمثلهم في هذه التماثيل أو ms021 القصص أو ~~الأشعار، إلا إذا كان الكاتب من العامة التي لم تتعلم مثل مؤلفي «ألف ليلة وليلة». # وكانت هذه الحال طبيعية؛ لأن الشعب، عند الرومان والعرب القدماء، بل كذلك إلى حد ما عند ~~الإغريق، لم يكن موجودا، ونعني أنه لم يكن في وجدان الأدباء والفنانين؛ لأن النظام ~~الاجتماعي كان نظام السادة الإقطاعيين تقريبا، وكان الشعب بمثابة العبيد، بل إني أشك في أن ~~كلمة «الشعب» قد ذكرت في أي كتاب من كتب الأدب العربي القديم بمعناها العصري؛ ذلك لأن كتب ~~الأدب العربي هي كتب الملوك والأمراء، وهذه الأجزاء العشرون أو أكثر من الأغاني هي قصص ~~السادة ملوكا وأمراء، ومن كان يرتفع إلى مستواهم من رجال الدين والحرب والسياسة، ولست هنا ~~أنسى قيس ولبنى وأمثالهما، ولكن هذه القصص لا تبلغ جزءا من مائة من صفحات الأغاني. # ونستطيع أن نقول لهذا السبب إن الأدب القديم كان ملوكيا، يحافظ على التقاليد، ويؤيد ~~مذهب الدولة، ويكره الثورة، بل لا يعرفها؛ ولذلك يحدثنا مؤلف الأغاني عن القصور والخمور ~~والمغنيات والموائد المطهمة والفروسية الحربية، أما الشعب فلا وجود له عنده. # بل ماذا أقول؟ إن في الأغاني شخصية واحدة، شخصية عظيم من عظماء العرب، يدعى علي بن أحمد، ~~حاول أن يحرر العبيد ويرفعهم إلى مقام البشر، ولكن مؤلف الأغاني، الذي كان يجهل الأهداف ~~الإنسانية والروح الديمقراطي، كان يصفه بكلمات: الخبيث والفاسق والكافر واللعين. # اعتبر هذا أيها القارئ، رجل عربي يدعى علي بن أحمد، هتف به الشرف، فحمي قلبه وارتفع روحه، ~~وصلى وركع للإنسانية، فوجد الإنسان يباع بالدرهم والدينار، ويوضع في السوق، ويفحص عن ~~أسنانه، وتدس الأيدي بين أفخاذه، ويجر لسانه، ثم يضربه البائع بالعصا فينطلق وهو عريان يعدو ~~للامتحان، ثم يقدر ثمنه، فيباع ويسلم سلعة للمشتري. # رأى علي بن أحمد هذا الهوان، فقال: هذا لن يكون. ثم جمع العبيد في البصرة، وثار على ~~الخليفة العباسي يريد تغيير المجتمع، ولكن الخليفة هزمه بجيوشه الأجنبية التركية. # مثل هذا العظيم، هذا الإنسان الكمالي، هذا الرائد للحرية، لم يجد من أديب «الأغاني» ms022 سوى ~~أنه: خبيث وفاسق وكافر ولعين! # لقد قال سارتر - على ما أذكر - إن صناعة الأديب هي الحرية. فماذا كان يقول عن علي بن أحمد ~~وعن مؤلف الأغاني؟ إنني واثق أن أدباءنا الذين ينعون على أدبنا الحاضر الارتخاص والسهولة ~~إنما يطلبون أدبا كذلك الذي يملأ صفحات الأغاني، وهم كما يحبون كلمات الأغاني يحبون أيضا ~~أفكار مؤلفها؛ لأن الكلمات أفكار. # لم يكن مستغربا أن يفسد كل شيء في عهد فاروق، وأن يفسد الأدب أيضا مع ما فسد. # وأعني بكلمة «فاروق» ما تحمله هذه الكلمة من قيم رمزية للاستعمار البريطاني والاستبداد ~~الملوكي والفساد الأدبي في أيامه وقبل أيامه. # لم يكن عجيبا أن يؤلف علي الجارم القصائد في مدح فاروق، ولعله دخل المجمع اللغوي وقبل ~~عضوا فيه بسبب هذه القصائد! # ولم يكن عجيبا أن يكون الشاعر الأول في مصر - أحمد شوقي - شاعر الملوك، حتى فخر وباهى ~~بأنه قد نشأ وربي على أعتاب إسماعيل، ثم بعد ذلك، أو قبل ذلك، لم يخجل من تأليف قصيدة ~~يطعن فيها البطل المصري عرابي ويتهمه بالخيانة، مع أن شوقي لم يكن جديرا بأن ينفض الغبار ~~عن حذاء عرابي. # وقد ألفت قصائد قبل بضع سنوات عن الجمل الذي فر من المجزر، ثم استجار بفاروق في قصر ~~عابدين ... ألفها «أدباء»! # يا للعار! يا للخجل من هذا الأدب «الصعب» والأدب الملوكي! # والله لو ألف أدباء الشعب قصائدهم وقصصهم ومقالاتهم بلغة العامة، وكسروا ألف قاعدة من ~~قواعد النحو، لكانوا أشرف من أحمد شوقي وعلي الجارم ومن سار خلفهما أو حذاءهما من الكتاب ~~الملوكيين. # أجل والله، لقد قرأت باللغة العامية كلمات تشع بالإحساس النبيل، وتنطق بالحكمة البليغة ~~لحسين شفيق المصري وأبي بثينة وبيرم التونسي، وأحببتهم بقدر ما كرهت هذا الذي سب رمز الشرف ~~الوطني أحمد عرابي. # أدب الملوك والأمراء والباشوات هو هذا الأدب الذي يدعو إليه الدكتور طه حسين. # أذكر أني كنت أتحدث إلى أحمد شوقي عن كليوباطرة، وأن أنتقد مديحه لها في قصته المسرحية، ~~فقال إنها ملكة مصرية رأى أن يزكي شرفها، فقلت: ms023 إنها بغي أجنبية! فدهش لكلامي، وأحسست ~~الهوة التي تفصل بيني وبينه. # وقبل شهر كنت في دندرة وزرت معبدها، فرأيت صورة هذه البغي مع ابنها الذي كان ثمرة زنا ~~قيصر بها، فلعنتهما، ولعنت شوقي، وبصقت في الهواء. # أجل، إن شوقي كان يمدح عباس أو فؤاد أو فاروق كما كان يمدح كليوباطرة اللعينة، ولم يفكر ~~قط في مكان الشعب المصري مع كل هؤلاء. # أدب الملوك يحتاج إلى أن يكتب بلغة الخاصة؛ لأن أخص الخاصة هو الملك. # وأدب الملوك يحتاج إلى أن تكتب عن التاريخ القديم؛ لأنك بهذا الموضوع تفر من الواقع ~~الحاضر وتسلي وتسامر، وكلمة «السمر» فرعونية للحديث مع الملوك والأمراء وتسليتهم ... # وأدب الملوك هو أن تلعن دعاة الثورة وتدعو إلى التقاليد؛ لأن التقاليد لا تتفق مع ~~الثورات. # وأدب الملوك هو أن تلعن دعاة الأفكار الجديدة؛ لأنهم يقلقون الشعب في استقراره، وهو ~~استقرار الفقر والجهل والجوع. # التاريخ القديم، والتقاليد، والعقائد، تؤيد النظام الملوكي، فأيما كاتب يخرج عليها إنما ~~يخرج على العرش، وهو لذلك يجب أن يطارد. # فمن دعا إلى القبعة يعد عدوا. # ومن دعا إلى التيسير في اللغة للوصول إلى العامة يعد عدوا. # ومن دعا إلى أن يرتبط الأدب بالمجتمع ويبحث مشكلاته يعد عدوا. # ومن دعا إلى تطور يعد عدوا! # وكل هذا معقول عند الملوك ومن التف حولهم. # لقد ألف «الأديب» مصطفى صادق الرافعي جمعية لمحاربة الدعاة إلى القبعة. وما يسميه ~~أدبا، ويؤلف فيه، إنما كان جهلا نشيطا ورجعية مكافحة، ولم نكن نجد في هذا الأدب فكرة ~~واحدة من تلك الفكرات الحوامل التي تلد وتثمر الخير للشعب. ~~••• # وأرجو ألا يلتبس موقفي عند القارئ، فإني لا أعادي القدماء، والثقافة القديمة هي تراث بشري ~~عظيم لا يهمله إلا مغفل، بل أنا لا أكاد أقرأ كتابا عربيا إلا إذا كان مؤلفه من ~~القدماء! # ولكن يجب أن نميز بين قديم وقديم؛ ذلك أن هناك قدماء قد يفصل بيننا وبينهم ألف سنة أو ~~ثلاثة آلاف سنة، ولكنهم قدماء معاصرون؛ أي يشتغلون بهمومنا البشرية أو الاجتماعية ~~العصرية. # وهل ms024 أنسى فضل هذا العظيم «إخناتون» وبيني وبينه أكثر من ثلاثة آلاف سنة، حين دعا إلى ~~السلم الذي ما زلنا ننشده إلى الآن؟! وأية دعوة أحم إلى القلب، وألصق بالذهن، وأسمى في ~~الشرف، من دعوته، في عالمنا الحاضر الذي يقف على شفا البركان؟ # وهل أنسى هذا الإمام العظيم «ابن حزم» حين يدعو إلى الحب ويجعله أساسا للسعادة، ويحض ~~الناس على أن يحبوا، وينص على أننا لا نستطيع أن نحب غير امرأة واحدة، وأن ينشدوا العفة ~~والشرف مع من يحبون؟ وبيني وبين ابن حزم ألف سنة. # وهل أنسى هذا العظيم الآخر «ابن رشد» وبيني وبينه أيضا ألف سنة، حين يعزو تخلف الشعوب ~~إلى أن المرأة قد ضرب عليها في البيت فلا تخرج ولا تختلط بالمجتمع، لا تشتغل بشئون الرجال ~~ولا ترتزق بكدها ولا تملأ وظائف الدولة؟ # هؤلاء وعشرات، بل مئات غيرهم، هم القدماء المعاصرون الذين يعيشون في عصرنا ويتحدثون إلينا ~~حديث الضمير والعقل والشرف، ويحاولون تنبيهنا إلى القيم الإنسانية التي نسيناها أو ~~كدنا. # لا، ليست العبرة في الأدب أو الفن بالقديم أو الجديد، وإنما العبرة بقيمة هذا الفنان أو ~~الأديب، قيمته الإنسانية أو الاجتماعية التي يحم إلينا ونحم إليه بها، فنتبادل وإياه الفكرة ~~في حنان وانشغال إنسانيين. # وكذلك ليست العبرة في الأدب أن يكون سهلا أو صعبا؛ لأن الكاتب الفذ هو الذي يجمع بين ~~اليسر والعمق. # قولوا لنا: هل مؤلفات تولستوي صعبة أم سهلة؟ وهل هي بليغة أم مبتذلة؟ ثم ماذا كان يقول ~~تولستوي لو أننا ترجمنا له كتابا مما يسمى في مصر «كتب البلاغة» وقلنا له ونحن نهديه إليه: ~~تعلم هذه القواعد حتى تجيد الكتابة البليغة والتأليف المجدي؟ # ألا ترون أيها الناس أنكم في أدب ملوكي وبلاغة ملوكية، وأن الشعب يطلب بلاغة شعبية ~~ديمقراطية؟ # يجب أن يموت هذا الأدب الملوكي، أدب المجاز والاستعارة والتورية والبهارج والمحسنات، هذا ~~الأدب الذي ينأى عن إحساس العصر ووجدان الشعب، ويخلو من الأهداف الإنسانية، ويجب أن يكون ~~للأدب دستور جديد، بحيث يحترم الشعب، الشعب أولا، والشعب ms025 أخيرا، والإنسانية في كل زمان ~~ومكان. # | الأدب الملوكي والأدب الشعبي أيضا # أرسل إلي كثيرون من القراء ينتقدون أو يعلقون على بعض ما جاء في مقالي السابق تحت هذا ~~العنوان، وبعض من القراء كانوا مسرفين في إطرائهم وإعجابهم، حتى إنهم لم يقنعوا بالبريد ~~فاختاروا التلغراف. # وهؤلاء المعجبون سأهملهم في هذا المقال، وحسبهم مني الشكر، أما المنتقدون فإني سأتناولهم ~~بالتعليق والتوضيح اللذين أرجو أن يكون فيهما ما ينير ويوجه. # فمن هؤلاء أ.ب. الذي يسأل: «وما دخل الشرف ومقارنته بالقوة البلاغية والتمكن ~~العلمي؟!» # ثم هو يعيب علي سكوتي على القصائد التي ألفت عن الجمل الذي فر من المجزر واستغاث ~~بالعدو السابق فاروق، ويقول: «وسكوتك عن هذه القصائد وقتذاك يعتبر رضاء عنها، وهي ليست ~~ضعيفة في ألفاظها ومعانيها حتى تقول في شأنها: يا للعار! يا للخجل!» # ومن الناقدين أيضا ع.ع. فإنه يلومني على استعمال كلمة الملوكي بدلا من الملكي؛ لأنها ~~«أكثر مقابلة لكلمة الشعبي!» # وهو يقول أيضا: «وهب شوقي والجارم ممعنين في النفاق ... فما شأن هذا بالأدب؟!» # ثم يذكرني أخيرا بالمثل القائل: «اذكروا محاسن موتاكم.» # ولا يخرج سائر الناقدين الذين تكرموا بإرسال انتقاداتهم إلي عن طراز ما ذكرت. # وأخيرا قرأت للأستاذ عباس خضر مقالا قال فيه إني أبغض إلى القراء الصعوبة في الأدب ~~وأطلب السهولة، وإنني أحب أن يقتل أدب المجاز والاستعارة والتورية، وسألني: لماذا لا أؤلف ~~باللغة العامية؟! ثم زعم أخيرا أن شوقي كان شعبيا حين ألف قصيدة عن البلاد وقال ~~فيها: # عبادك رب قد جاعوا بمصر # أنيلا سقت فيهم أم سرابا؟ # حنانك واهد للحسنى تجارا # بها ملكوا المرافق والرقابا # ورقق للفقير بها قلوبا # محجرة وأكبادا صلابا # أمن أكل اليتيم له عقاب # ومن أكل الفقير فلا عقابا؟ # وهذا الذي نقلت من الناقدين يدل على أنهم يفهمون من الأدب غير ما أفهم، وأن تصوري للأديب ~~غير تصورهم، أو هو أكبر وأسمى من تصورهم، فإن أحدهم يسألني: ما دخل الشرف في الأدب؟! # وجوابي أنه إذا غاب الشرف عن الأدب فقد غاب كل شيء. # ثم هو ms026 لا يرى بأسا في نظم الشعر عن الجمل ما دامت القصائد ليست ضعيفة في ألفاظها أو ~~معانيها، وبكلمة أخرى يريد أن يكرر علينا قوله إن الأدب لا شأن له بالشرف أو بالهدف. # وحتى إذا كان شوقي والجارم منافقين، فما شأن هذا بالأدب؟! ثم هو يطالبني بأن أذكر محاسن ~~الموتى، مع أنهما لو كانا قد ماتا حقا في قلوبنا وعقولنا، لما وجدنا ما ينتقد عليهما، ~~ألسنا نقرأهما إلى الآن؟! وألم يسكتا الشعب المصري الحاضر بما كتباه؟! # أما الأستاذ عباس خضر فيقول إني أطلب السهولة، وكأنه نسي أني قلت إن الكاتب الفذ هو الذي ~~يجمع بين اليسر والعمق مثل تولستوي. # ثم هو ينقل هذه الأبيات ويزعم أن شوقي قد صار شعبيا بها، مع أنها تنطق بتعالي شوقي الذي ~~ينشدها من فوق السحاب: غني، قوي، يحسن على الفقراء الضعفاء، وما هذا بالأدب الشعبي، إنما ~~الأدب الشعبي هو أن نحس إحساس الشعب ونكافح كفاحه، ونتكلم بلغته، ونصرخ صراخه، ولا نلقي ~~عليه كلمات كما نلقي للجائع لقيمات الصدقة. ~~••• # من أحسن ما اقترحه الدكتور طه حسين قبل نحو عشرين سنة أننا يجب أن ننقل إلى لغتنا ترجمة ~~أدبية لأحد الكتاب الأوروبيين، وهذا اقتراح جميل، وأنا أؤيده حتى ولو كنا نجهل هذا الكاتب ~~الذي سنقرأ ترجمته والانتقادات التي وجهت إليه. # لنقرأ تراجم تولستوي، أو جوتيه، أو أندريه جيد، أو برنارد شو، ونعني تلك التراجم التي ~~تشرح لنا التكشفات الأدبية في أحد هؤلاء الأدباء، وكيف كانت تتصل حياته المعاشية والثقافية ~~بهذه التكشفات، وما هو وقع الحوادث فيها. # نحتاج إلى أن نقرأ هذه التراجم ولو لم نكن قد قرأنا شيئا لهؤلاء الأدباء أنفسهم المترجم ~~لهم؛ وذلك كي نقف على الأوزان والقيم التي يوزن ويقوم بها الأديب وأدبه، وعندئذ نعرف أن ~~هناك وحدة بينهما، وأن ما نجد من طرز أو اتجاهات أو أهداف في أدب ما إنما هو ثمرة الحياة ~~والعيش وأثر المجتمع في الأديب نفسه. # ونحن نجهل هذا التصور للأدب والأديب في اللغة العربية؛ ولذلك قصارى ما نجد انتقاد ms027 للكلمة ~~أو القاعدة في تأليف الكلام. # الأوروبيون ينظرون إلى أدب الكاتب كما ينظر أحدنا إلى المبنى الكامل، بكل ما يحتويه من ~~حدائق وطبقات وموقع، وما يدل عليه من فلسفة المهندس الذي وضع تصميمه وأشرف على تشييده، ~~ولكن الناقدين عندنا يقفون عند إحدى اللبنات ويقولون: هذه رخوة أو في غير موضعها. # النقد في أوروبا هو نقد المبنى الكامل، ونقدنا في مصر هو نقد اللبنات: نقد الفاعل ~~والمستثنى والطباق والجناس والمجاز. # ولست أقول بإهمال هذه الأشياء، ولكن المهندس العظيم يتركها للبنائين. # ذلك أن الأدب فن وصنعة: الفن للمهندس المشرف الذي يصنع التصميم، والصنعة للبناء الذي ~~يضم لبنة على لبنة. # ومن هنا يجب أن يرتفع انتقادنا للأديب إلى حياته التي لا يمكن أن تنفصل من أدبه؛ لأن ما ~~يأخذ به من قيم وأوزان في مجتمعه ودنياه وعيشه، ينتقل إلى ما يؤلف من الأدب، وقد سبق لي أن ~~قلت - لهذا السبب - إن أحسن مؤلفات طه حسين هو حياته؛ إذ ليس هناك كتاب ألفه هذا الأديب ~~المصري، الذي يكتب للخاصة، يبلغ في القيمة الإنسانية ما تبلغه حياته، هذه الحياة العجيبة ~~التي تبدأ في الطفولة العرجاء؛ حيث الظلام واستهزاء الأفراد، والوسط الريفي الراكد، ~~والبداية السيئة في التعليم، ثم الاختلاط بأوساط أخرى في القاهرة، ثم الاحتكاكات الجديدة ~~التي تثير استطلاعه، فيشك، ثم يبحث، ثم يوقن. # ثم ينزع عمامته ويلبس قبعته، وينسلخ من الشرق إلى الغرب، يترك عاصمة أفريقيا ويرحل إلى ~~عاصمة أوروبا، أي يترك القرون الوسطى إلى القرن العشرين، ويعود إلينا، ويكافح، ويتقي ما ~~نرجمه به من أحجار في تجلد وكفاح؛ لأنه واثق من قوته، ثم تحمله الثقة والمثابرة إلى أن يكون ~~وزيرا للدولة. # أية قصة في الأدب أعجب من هذه القصة؟! ولماذا لا نؤلف عنه مسرحية يرى فيها الشباب مثالا ~~للكفاح الشريف؟! # إن بعض الناقدين قد بعثوا إلي برسالتهم يسألونني: ما شأن الشرف في الأدب؟! وماذا يمنع ~~أن يكون الأديب عظيما حتى حين ينافق؟! # وجوابي أن هذا غير ممكن، ولو كان طه حسين منافقا، وارتضى لنفسه ms028 حياة غير شريفة، لما كان ~~أديبا عظيما. # أدب طه حسين هو حياته ومؤلفاته معا ... وأحب أن أقول عن نفسي هذا أيضا. # وهذا هو الشأن في جميع الأدباء الذين جعلوا الأدب ضرورة اجتماعية في أوروبا، بل أيضا في ~~مصر. # لا نستطيع أن نفصل أدب تولستوي الذي نقرؤه في قصصه من حياته التي تحدى بها مظالم القيصر ~~ومساوئ الفقر، بل هو حين كان يصنع الأحذية بيديه للفلاحين كان أديبا لا يختلف في اتجاهه ~~وأسلوبه عما كان يفعل حين كان يتناول القلم لكتابة القصة أو للحملة على شكسبير، وكذلك الشأن ~~في فكتور هيجو، فإني حين أقرؤه أحس الشجاعة والشهامة اللتين واجه بهما الطاغية نابليون ~~الصغير، وهذا إحساسي أيضا حين أقرأ أندريه جيد أو برنارد شو، كلاهما يحيا حياته في أدبه، ~~ويحيا أدبه في حياته. # فلا تقولوا لي أيها الناقدون: ما شأن حياة شوقي وأخلاقه في فنه وأشعاره؟! لأن لها كل ~~الشأن. # إنها جزء، بل الجزء الأكبر والأعم، من مؤلفاته، أليس الواقع أن كلا منا يؤلف نفسه، ~~ويكون شخصيته، ويعين أهدافه، قبل أن يؤلف كتابا؟ بل أليس الكتاب هو ثمرة الشخصية؟ # ولقد فخر شوقي في إحدى مقدماته بأنه عربي يوناني تركي شركسي قوقازي! وأنا بعيد كل البعد ~~عن أية دعوى عنصرية، بل لا أفهمها، ولكن شوقي حين كتب هذه الكلمات، وسجل على نفسه أنه غير ~~مصري، كان يعرف ويحس ويوقن أننا - نحن المصريين - كنا مدوسين، على رءوسنا وحل، وفي قلوبنا ~~يأس، وكان مصطفى كامل يحاول أن يرفع عنا هذا اليأس بقوله: لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون ~~مصريا. # فكان يجب على شوقي أن ينسى أنه أجنبي في دمه، ولكنه لم ينس، لماذا؟ # الجواب: أنه لم يبال أن يكون مصريا. # ثم هو سب عرابي أكبر شخصية في تاريخنا في الألف سنة الماضية، وكره منه قوله للخائن توفيق: ~~«لسنا عبيدا.» # ومدح الفاسقة كليوباطرة، وقال عن العدو السابق فاروق: # فاروق يا ابن خير أب # وأرفع اسم في العرب # ليس على الأديب أن يبالي كثيرا الجناس والطباق؛ ms029 لأن صناعته الأصلية هي الحرية والكرامة ~~والإنسانية والشرف، وقد كان توفيق، مثل من جاءوا بعده، يطارد كل هذه الصفات في مصر؛ ولذلك ~~لا يمكن أن يمدح هؤلاء شاعر أو أديب، ثم يزعم بعد ذلك أنه شريف، وقد مدحهم شوقي وغيرهم من ~~المنافقين. ~~••• # كنا منذ 1882 نكابد الاستعمار البريطاني والاستبداد المصري، أي كنا نكابد أثقالا كأنها ~~الجبال، وكان الشعب في التراب، مغموسا في الطين، تأكل الديدان أفراده وهم يمشون موتى كأنهم ~~أحياء. # وأيما أديب لم يثر على الاستعمار والاستبداد، وأيما أديب لم يحس النار تأكل أحشاءه، بل ~~أكاد أقول: أيما أديب لم يفقد وجدانه وينسى الحذر ويزج به في السجن وهو يكافح ظلام ~~الإنجليز ونذالة الخديويين والملوك في مصر؛ لا يمكن أن يوصف بالشرف. # ذلك أن أدبنا كان يجب منذ 1882 أن يكون شعبيا ثوريا، يكافح بالفكرة والكلمة هؤلاء ~~المستعمرين والمستبدين، وكان يجب أن يكون على الدوام مع الشعب، يقف مع الفلاح الذي يحمل ~~الفأس، والحوذي الذي يسوق فرسيه، والصانع الذي يصوغ الأثاث، والطالب الذي يعجز عن أداء ~~المصروفات، والموظف الذي يعمل طول النهار لقاء جنيهات لا تكفي طعام أولاده. ~~••• # ليس الأدب أن نصف كأسا من الخمر في بيت من الشعر، ونقارن هذا الوصف بأبيات أخرى قيلت ~~في هذا المعنى، وليس الأدب أن نصف القصور وأبهة العروش، ولم يكن من الأدب أن نصف فاروق ~~بالحكمة والسداد، وليس الأدب أن نقول: هنا جناس، وهنا طباق. # ولقد عشت حياتي وأنا أفهم أن الأدب كفاح؛ ولذلك كنت أحس المسافة الشاسعة التي تفصل بيني ~~وبين بعض الأدباء المعاصرين في مصر، كانوا أدباء الجناس والمجاز، وكنت أديب البرنامج والهدف ~~والحياة، وكانوا يستلهمون الماضي، وكنت أستلهم المستقبل. # لقد كنت - وما زلت - أكتب لأولئك الشبان، والموظفين، والمحامين، والكناسين، والأطباء، ~~والحلاقين، وعمال المصانع المتنبهين، والنساء الجديدات العاملات، وجميع أولئك الأشراف الذين ~~لا يعيشون سدى ولا يكسبون قوتهم بالباطل، وإنما يتعبون ويكدون كي ينتجوا سلعة أو يؤدوا ~~خدمة، هؤلاء هم قرائي الذين أغذوهم بالفكرة والنظرة والنبرة، وأعين لهم السلوك والهدف، ms030 ~~وأقدم لهم الغذاء الذي يبني، وليس تلك الحلويات التي ترفه عنهم السأم بالأبيات والجمل ~~المزيزة يتلمظون بها في خواء النفس ورخاوة العقل. # والآن دعوني أبكي ... # كنت في يوم 23 فبراير من السنة الماضية (1952) أمشي في أحد الشوارع في باريس، وإذا بشاب ~~لم يكد يخرج عن سن الصبا يقترب مني وهو يعدو ثم يناولني ورقة، أخذتها وجعلت أقرؤها. # ولشد ما صعقت عندما قرأت فيها أن رابطة الطلبة في باريس تعلن سخطها على الاستعمار ~~البريطاني في مصر بمناسبة الصدام الذي وقع بين الطلبة المصريين والجنود الإنجليز يوم 23 من ~~فبراير من عام 1946. # قرأت وأحسست دوارا، فارتميت على كرسي في مقهى قريب، وجعلت أتأمل وأتنهد. # نحن في مصر نضرب بالسياط، ونقتل بنار البنادق، ثم نحرم حتى الاحتجاج، وهؤلاء الطلبة ~~يحتجون من أجلنا! # لقد وصل صوت كفاحنا وأنين عذابنا، كفاح الشعب وأنينه، وليس كفاح الأدباء وأنينهم، إلى ~~باريس، وصار الطلبة والشباب يرددون صداه وينبهون الضمير الفرنسي عنه، أما نحن في القاهرة ~~فنلتزم الصمت، ثم يتغنى شعراؤنا بالجمل الذي فر من المجزر وصار يقطع شارعا بعد شارع حتى ~~دخل قصر عابدين ولجأ إلى عدل الفاجر فاروق حتى لا يذبح! # | الأدب العربي القديم لا يلهمنا # أسوأ ما أعاني ليس السباب أو الخبث، وإنما هو الجهل، أعني الجهل بقيمة الثقافة العصرية، ~~والعلم، والحضارة الأوروبية، وهذا الجهل يصدمني أحيانا كما لو كان حجرا يشق رأسي، فأحس ~~دوارا لا أعرف معه كيف أنطق أو أكتب. # ذلك أن في مصر طائفة تعتمد على أنها تعلمت الأدب، وحذقت أصوله، وأن لها الحق في أن تعين ~~وتقرر ما هو الحسن وما هو السيئ فيه، ومعتمد هذه الطائفة هو الأدب العربي القديم الذي ينأى ~~عن القيم والأوزان الإنسانية العصرية؛ إذ هو أدب الترف الذهني كما يقول الدكتور طه حسين ~~وكما يفهم هو عن معنى الأدب عامة، وهو أدب التسلية للملوك والأمراء، وهو أدب اللذة الجنسية، ~~السوية والشاذة، وهو أدب المنازعات الحربية أو المناقشات الدينية. # هو كل ذلك، ولكنه ليس أدب الشعب الذي يكافح ms031 من أجل الحرية والاستقلال، وليس أدب الإنسانية ~~الذي يحمل همومها ويعبر عنها بالقصة والشعر والمقال، بل كذلك ليس هو الأدب الذي يدعونا إلى ~~احترام المرأة وحبها. # ونحن حين نأخذ بهذه المعاني نجد هذه الطائفة التي أشرنا إليها - أي التي لا تعرف غير ~~الأدب العربي القديم - تنهض لمكافحتنا، وهي تكافحنا بالأساليب القديمة، وهي أننا متعصبون، ~~نكره العرب، أي «شعوبيون»، أو نكره الدين، أي ملحدون، والتهمتان كلتاهما تعودان إلى القرنين ~~الثاني والثالث للهجرة، كأن هذه الأسلحة القديمة لم تتغير، وكأننا في القرن العشرين ما زلنا ~~نهتم بالمعارك القديمة ونستعمل الأسلحة القديمة، وكأن معاني الإنسانية، والحرية، ~~والاستقلال، والتطور، ورشد المرأة، وحقوق العيش ... كل هذه لا قيمة لها. # لقد اتهمني الدكتور طه حسين بالشعوبية أو كاد، وكأنه نسي كفاحي لأجل الشعب ضد فاروق ~~الفاسق، هذا الفاروق الذي وقف الدكتور طه حسين نفسه في حرم الجامعة، ومن منبرها، يخاطبه ~~بالصوت العالي بقوله: «يا صاحب مصر»! # واتهمني عباس محمود العقاد بأني لست عربيا، وهو يعني أني قبطي؛ حتى يستنتج القارئ ~~المسلم ما يشاء، مع أنه هو - وهو التركي النوبي - وصف فاروق بأنه فيلسوف، بل أعظم ~~الفلاسفة! # كان العقاد وطه حسين يصفان فاروق بهذه الأوصاف، حين كنت أنا في السجن أنتظر المحاكمة ~~بتهمة قلب نظام الحكم ... أي إيجاد جمهورية بدلا من الملوكية المتعفنة! # وكلاهما - طه حسين وعباس العقاد - يكبران من شأن الأدب العربي القديم، وكلاهما ألف عنه مع ~~الإعجاب، ولست أعارض في هذا، وإنما موقفي من هذا الأدب أنه لا يلهمنا، أي لا يلهم الكاتب، ~~كما أنه لا يرشد القارئ إلى الحياة السامية، أي إلى العظمة، بل إني أعتقد أنه لولا انغماس ~~العقاد وطه حسين في الأدب العربي القديم لما خاطب طه حسين فاروق بكلمتي: «يا صاحب مصر» ولما ~~وصفه العقاد بأنه فيلسوف؛ ذلك لأن الأدب العربي القديم هو - إلى حد بعيد - أدب الملوك، ~~وقد استلهمه العقاد وطه حسين في وصف الملك السابق فاروق، ولو أن هذا الأدب كان أدب الشعب، ~~أدب الإنسانية، أدب المجتمع، أدب العامة، ms032 أدب التفاؤل، لما نطق أحدهما بما نطق من كلمات ~~المديح الكاذب لفاروق. # والآن أنتقل إلى كاتب آخر أحب أن أقطع من أدبه قطاعات تدل القارئ على النزعات التي ~~يستلهمها الأديب حين تقتصر دراسته على الأدب العربي القديم دون الأخذ بالقيم العصرية، ودون ~~الانغماس في المشاكل الاجتماعية والإنسانية الحاضرة. # هذا الأديب هو مصطفى صادق الرافعي، ولن أفعل أكثر من أن أنقل إلى القارئ فقرات من ~~مؤلفاته نقلتها السيدة الأديبة نعمات أحمد فؤاد ونشرتها في كتاب بعنوان «في أدب الرافعي»، ~~وهي لم تر الرافعي في حياتها؛ لأنه مات قبل أن تبلغ سن الإيناع في الأدب، ولذلك لا يمكن ~~أن تتهم بشبهة الخصومة الشخصية كما يمكن أن أتهم أنا؛ لأني كنت على معارضة دائمة لما ~~يكتب، حتى إنه كتب مقالا عني بعنوان «سلامة موسى عدو العروبة والإسلام»، وقد تعبت مع هذا ~~الرجل كثيرا، فإنه كان جهلا مكافحا، يكتب الهذر ولا يطيق أن نقول له إنه هذر. # لو أن الرافعي كان قد درس الآداب الأوروبية، فضلا عن الآداب العالمية، لعرف شيئا آخر، ~~فيه من السمو وشرف الغاية وصلاح العيش وحب الحياة، غير ما عرف من الأدب العربي، ولكن جهله ~~حمله على القناعة بأدب العرب، ثم حمله على العنت وسب جميع الذين يعرفون غير هذا ~~الأدب. # وإليك بعض المقتبسات من مؤلفاته، وقد اعتمدت فيها على كتاب السيدة نعمات أحمد فؤاد في ~~كتابها الذي أشرت إليه: «في أدب الرافعي». # فالرافعي يؤمن بالعين ويكتب بمناسبة نجاح ابنه: # لقد نجح سامي، ولكن أخاه تخلف، فالحمد لله أن رد عنا أعين الناس ~~وسمومها. # ويكتب عن نجاح كتابه: # أنا في غاية السأم الآن، أنفر من كل شيء، ولعل نظرات الناس قد أصابتنا بعد ظهور ~~الكتاب الجديد، وما لقي من التنويه والإقبال. # هذا أديب يكتب كي يرشد الناس في شئون الحياة، وهو مع ذلك يؤمن بالعين والحسد ... وهو يتحدث ~~عن شعور المرأة وعن الحضارة الأوروبية فيقول: # أنا ناقم أشد النقمة على مبدأ هذه الصحيفة، فأي سفور يريدون؟ أخزاهم الله! # أنا لا ms033 أهتم للعلم ولا للغنى ولا للجاه في شخص من الأشخاص، بل الأخلاق قبل كل ~~شيء، ودعاة السفور لا تلائمني أخلاقهم ولو كان فيهم مائة كاتب ومائة شاعر ... # إن كل المجددين رجعوا الآن عن رأيهم في المدنية الأوروبية، وأقروا أنها مدنية ~~زائفة، وأنحوا عليها. # وانظر إلى مقدار تجمله في وصف أديبين: # لقد كانت المقالة الماضية صاعقة على لطفي السيد أظهرت خباياه ونواياه (كذا) ~~وأبانت لهم أنه فيلسوف سوفسطائي، وستكون الثانية التي تنشر غدا إن شاء الله، وقد ~~فرغت منه بهاتين المقالتين، وسأحاول الانتهاء من طه أيضا بمقالتين. # أنا في هذه الأيام أقرأ كتاب زهر الآداب الذي طبعه الدكتور زكي مبارك ويباهي في ~~مقدمته بتصحيحه وما لقيه في سبيل التصحيح، فإذا فيه غلطات تدل على جهل هذا الدكتور، ~~وأنه في النهاية من الغباوة، والخلاصة: أهي ماشية! # وهو يصف كتاب «السحاب الأحمر» بقوله: # فيقوم موضوعه على سبب واحد، حول فلسفة البغض، وطيش الحب، ولؤم المرأة! # أية لغة هذه؟ هل المرأة الحبيبة، الأم، الزوجة، الإنسانة، لئيمة؟! # والآن استعمل كل خلية من خلايا مخك كي تفهم ما يعني هنا: # رجل وقع من بين لا، وليت، وهيهات، ولات، بين التمني بأسلوبين والبعد عما يتمنى ~~بأسلوبين أيضا، فأحب ليتعذب، وتعذب ليتصل بمعنى نفسه، واتصل بنفسه لينفذ منها إلى ~~طرف من معنى الألوهية، وإن أردت الاختصار قلت لك: إنه أحب ليتأله! # واتعب أيها القارئ وحاول، واعرق كثيرا؛ كي تفهم معاني هذه الكلمات التالية: # هي يمين حلف الدهر بها ليكذبن كذبة بيضاء ومغشاة، يغر بريقها ويلتمع ماؤها لمع ~~السراب، فتبصر فيها الروح معنى الري لتلتهب منها بالظمأ القاتل يفيضها على رمل ذهبي ~~صبغته الشمس، وأنا ... أنا كلمة قد استوى ظاهرها وباطنها، فإما أن تصدق كلها، وإما أن ~~تكذب كلها، كلمة ليس فيها جزء محبوب وجزء مكروه، فلا تحمل أبدا معنيين. # وتأمل فهمه لمعاني الحب في قوله: # وهذا الحب حاسة في الروح، فهو - ولا ريب - يستثقل كل ما ينافره من الطبائع طبائع ~~هؤلاء الذين لا يترفقون للعيش بأيديهم وأرجلهم وأبدانهم ms034 وقلوبهم وأنفسهم، فيثيرون ~~في كل سبيل غبار الحيوانية على كل قلب روحاني، فلا يكونون عليه إلا ألما ومضضا ~~وشدة من الشدة، وكثيرا ما يخيل إلي فيمن حولي ممن أخالطهم اضطرارا، أنهم ~~ثعالب أطلع عليهم برائحة الأسد الضاري! # ونزيدك أيها القارئ من معانيه في الحب: ~~... وسرى طيفها في نيتي (ولعله يقصد في خاطري) مسرى الزلزلة الراجفة في بقعتها من ~~أرضها، تشق في الأرض والصخر والجبل ما يشق المقراض في سرفة من الحرير بل أسرع وأقطع ~~وأمضى، ولو حدثت بعد الذي فعل طيفها أن مدفعا من المدافع ألقى ظله على الأرض ~~فانفجرت من ظله القنابل تخرب وتدمر وتأتي على ما تناله والمدفع ذاته قار ساكت لقلت: ~~عسى ولعله، وأمر قريب، ولعل المدفع كان امرأة! ~~... وأصبحت أرى الحب كأنه طريقة يفقد بها الإنسان روحه قبل الموت، فيعود كأنه غمرة ~~من الجحيم وهو قار في نسيم الدنيا. # ليس لي والله من شدة حبي إياها إلا أن أبغضها وأتجهمها بالكلام النافر الغليظ ~~وأقول لها ... نعم أقول لها، ثم أقول لها: قبح الله الحب إن كان مثل وجدي بك، لا يؤتي ~~الحياة جمالها إلا ليسلبها حريتها واستقرارها معا! وأقول لها، ثم أقول لها: لقد ~~أوقعتني من حبك وهجرك بين الشر والذي هو شر منه. # وهذه الكلمات التالية عن المرأة أعتقد أن الشاب الذي يقول بها هو شر على الأمة من أية ~~كارثة تحل بها: # قيل لحية سامة: أكان يسرك لو خلقت امرأة؟! قالت: فأنا امرأة غير أن سمي في ~~الناب وسمها في لسانها! # كيف كان الرافعي يدرس الأدب؟ # إننا نجد هناك نصيحة كتبها إلى صديق له يقول فيها بالحرف: ~~... ثم عليك بحفظ الكثير من ألفاظ كتاب نجمة الرائد لليازجي والألفاظ الكتابية ~~للهمذاني. # إن المجاز هو حلية كل لغة وخاصة العربية، ولا أعد الكاتب كاتبا حتى يبرع فيه، ~~وهذا الذي جعلني أكثر منه مع أنه متعب جدا، ولكنني أرمي إلى تربية ملكات القراء ~~وإعطائهم أمثلة من التصور إلى آخر ما تعرفه. # لقد أتعبت القارئ في تلاوة هذه ms035 المقتبسات، ولكني قصدت إلى أن أوضح أن الأدب العربي القديم ~~الذي كان يعتمد عليه الرافعي لا يكفي لتخريج الأديب الملهم الذي يستطيع أن يطرب ويرشد معا، ~~وأن الأديب العصري هو الأديب الإنساني المكافح الذي يطابق بينه وبين الأهداف ~~الإنسانية. # ولست أشك في أن الرافعي مثال مسرف في الاقتصار على الأدب العربي القديم وجهل الآداب ~~العالمية، ولكن هذا الأدب العربي القديم هو علة المناقشات المترددة التي تنشأ من وقت لآخر، ~~حين نجد «أديبا» يحمل على أديب آخر؛ لأنه غير مؤمن، أو لأنه شعوبي، أو لأنه شيوعي، أو لأنه ~~لا يفهم الأدب ... إلخ، هذه التهم التي تعود إلى الجهل، ثم العناد في الجهل بالإصرار ~~عليه. # وأخيرا أقول إننا يجب أن ندرس الآداب العربية، ولكن لا نقتدي بها في أهدافها وأساليبها، ~~وإنما لنعرف منها تاريخنا الثقافي. # | تراثنا الإقطاعي في المجتمع والأدب # أود لو أرى كتابا يؤلف في اللغة العربية عن المجتمع الروماني القديم بلغته، وعاداته، ~~وقوانينه، ونظمه، كما نراها اليوم، أو نرى رواسبها في المجتمع المصري الحاضر. # ذلك لأني كثيرا ما أعثر على مخلفات رومانية قد تحجرت في نظمنا الاجتماعية، بل أحيانا في ~~خرافاتنا وأساطيرنا. # إن مثل هذا الكتاب ينفعنا كثيرا في تبريد عواطفنا التاريخية، وأيضا في تنوير عقولنا ~~وتحريرها من سجن التقاليد وقيود الماضي، وعندئذ يزول عنا ذلك العائق السيكلوجي الذي يفصل ~~بيننا وبين المستقبل. # اعتبر هذه الكلمات: فدان، عقار، ميراث. # فإن هذه الكلمات الثلاث التي ينهض عليها نظامنا الاجتماعي هي كلمات رومانية، بل إن كلمة ~~فدان تعود إلى الجذر الذي اشتقت منه أوروبا كلمة «فيوداليتيه» أي النظام الإقطاعي. # وأستطيع أن أذكر نحو عشرين كلمة أخرى يعتقد بعضنا أنها عربية أصيلة، مع أنها رومانية، ~~إقطاعية، لها دلالاتها المحورية في مجتمعنا. # وحسبي أن أقول هنا إن خلاصة ما أرجو أن أستنتجه هو أن مجتمعنا، الذي نجحت الثورة في تغيير ~~الكثير منه، كان إلى حد بعيد مجتمعا رومانيا متحجرا، وأننا يجب أن نسير مع منطق الثورة ~~في تغييره حتى يصير مجتمعا ديمقراطيا. # والإقطاعية في ms036 أوروبا هي النظام الروماني القديم كما هي تراث التقاليد الكنسية، ومجتمعنا ~~هو مجتمع إقطاعي في نظام العائلة وعلاقة الآباء والأبناء والزوجات، كما هو مجتمع إقطاعي في ~~الأخلاق العامة. # بل هو مجتمع إقطاعي في كثير من آثاره الأدبية. ~~••• # ونحن في الوقت الحاضر نواجه أعظم أزماتنا الاجتماعية، وهي أزمة الانتقال من الحياة ~~الإقطاعية إلى الحياة الديمقراطية، وما نعاني من فوضى في العائلة والأخلاق هو ثمرة هذا ~~الانتقال. # وتعدد مشكلاتنا يوهم اختلافها في الأصل، أو أنها لا يتصل بعضها ببعض، ولكن المتأمل المفكر ~~يستطيع أن يجد النقطة البؤرية لجميع هذه المشكلات، والنقطة البؤرية الوحيدة هنا هي أن ~~نظامنا الإقطاعي القديم في نظرته للعائلة، ومركز المرأة، والأخلاق الأبوية، والنظرة ~~الاجتماعية، كل هذا يعود إلى مشكلة واحدة، هي أن آراءنا الإقطاعية القديمة، التي ورثنا ~~معظمها عن الدولة الرومانية الملعونة، لم تعد تصلح للحياة العصرية، وأن متاعبنا وأرزاءنا ~~واصطداماتنا تنبع من هذا الكفاح الذي نكافحه نحو حياة ديمقراطية جديدة نتخلص بها من الحياة ~~الإقطاعية القديمة. # النظرة الإقطاعية للعائلة هي النظرة الأبوية، أو ما يسميه الأوروبيون البطريركية؛ أي أن ~~الأب هو كل شيء، هو المسيطر، هو المتسلط، هو صورة مزيفة لذلك الأب الروماني القديم الذي كان ~~له الحق في الحكم على ابنه بالإعدام. # العائلة الأبوية التي تلغى فيها شخصية الزوجة، والتي يقبل فيها الأبناء أيدي الآباء، ~~والتي يستطيع الأب فيها أن يقف كل أو بعض ما يملك على أحدهم دون الآخرين منها. هذه العائلة ~~التي لا يزال يمثلها أكمل التمثيل ذلك الأب الريفي الذي يأكل وحده، والذي يوضع أمامه كل ما ~~طهي من طعام لجميع أفراد العائلة، يأكل منه ويدع منه ما يشاء ... هذا الأب هو أب إقطاعي، نرى ~~صورته مشعثة، أو ناقصة، أو مصغرة في كثير من الآباء الذين يعيشون حتى في المدن. # وهذا الأب هو الذي لا يطيق الحديث عن حقوق المرأة في الانتخاب أو الترشيح للنيابة، وهو لا ~~يطيق أن يسمع عن تلك الفتاة التي تستحم في البحر، أو التي تحترف الهندسة وتسافر وحدها ms037 إلى ~~أوروبا، أو التي تصر على أن تكون لها العصمة في الزواج، أو التي تقعد في الشرفة بوجهها ~~المكشوف تتأمل المارة، بل هو أحيانا لا ينكر أن المرأة الأمية خير من المرأة ~~المتعلمة! # وهذا الأب هو الذي يقيد أبناءه بقيود أخلاقية، يطاوعونه على الأخذ بها أمامه، فإذا خلوا ~~إلى أنفسهم ضحكوا وسخروا وخالفوا ... # إننا نحزن ونسخر في وقت معا حين نقرأ عن أب في الصعيد قد قتل ابنته لأنها تحدثت إلى أحد ~~الشبان، أو لأنها رفضت أن تتزوج من شاب قد عينه لها أبوها وأحبت شابا آخر! ولكن هذا الأب ~~الذي كان يحيا في مديريات الوجه البحري، وفي مدننا، والذي يصر على استبقاء سلطته الرومانية ~~القديمة، لا يختلف من ذلك الصعيدي إلا في الدرجة فقط، كلاهما يعتقد أنه سيد العائلة، ~~وقبطانها، وسلطانها. # وما يحدث من مآس تظلم العقل إنما ينشأ من هذه الحال، أي استبقاء الأخلاق الريفية ~~الزراعية لمجتمع جديد نشأ على الأفكار المدنية الصناعية الزراعية. # إن الأخلاق السائدة هي أخلاق السادة، كما سبق أن قال نيتشه. # والأخلاق السائدة في مصر، أو معظم مصر، هي أخلاق العمدة، هي أخلاق أنأى ما تكون عن ~~الديمقراطية. # لقد أدخلنا في مصر الرأسمالية التجارية والصناعية والمدنية، ولكن أخلاقنا لا تزال ~~إقطاعية، أو هي كذلك في الأغلب. # ولست أستهين بما سوف نعاني في الانتقال، فإن كثيرا مما يرتكبه شبابنا من الجرائم يعود ~~إلى أن الأخلاق القديمة، أو بأحرى الفضائل الإقطاعية الريفية القديمة، قد تزعزعت في نفوسهم ~~وفقدت مكانتها، أو كادت، في حين أن الأخلاق الجديدة - أخلاق المدينة والمصنع والمتجر - لم ~~تثبت ولم تمد جذورها ولم ترسخ، ولذلك هم في فوضى أخلاقية بشعة تهوي بهم أحيانا إلى مهاوي ~~الجريمة. # ويجب أن نعترف بأنه كان في الأخلاق الإقطاعية مقدار كبير من الفضائل، وبأن تركها دون ~~الاعتصام بميزان أخلاقي جديد للفضائل هو فوضى مخيفة. # ولكن أملنا أن يأخذ الجديد مكان القديم بأسرع ما يستطاع. # والآن أحب أن أجلو التباسا بشأن الأدب؛ ذلك لأن هذا الالتباس يتصل بموضوعنا هذا، ms038 وهو ~~أننا قد ورثنا في الأدب تراثا إقطاعيا لا يختلف عن تراثنا الإقطاعي في مجتمعنا. # ولماذا يختلف؟ # أليس الأدب هو صورة المجتمع، وهو الذي تتبلور فيه نزعات المجتمع؟ اعتبر هاتين الظاهرتين ~~المتناقضتين: ~~(1) # الظاهرة الأولى أنه قد طبع ونشر لأبي نواس، وعنه، نحو ستة أو سبعة كتب أستطيع ~~أن أسميها، كلها مؤلفات إقطاعية غايتها اللذة العابرة بالنكتة الإيقاعية ~~والمعنى الانبساطي والخيال المخمور والشهوة الشاذة؛ فقد كان أبو نواس يعيش في ~~مجتمع إقطاعي يأكل من موائده ويأخذ بميزانه الأخلاقي وينشد قيمه، ومؤلفونا، ~~الذين أحيوا ذكراه بمؤلفاتهم العصرية، لا يختلفون عنه في الروح الإقطاعي والوسط ~~الإقطاعي اللذين انبعثوا بهما إلى هذا التأليف. يؤلفون بلغة أبي نواس ويهدفون ~~إلى استقطار معاني الأدب بإملائه، ليست لهم رسالة، كما لم يكن له رسالة ~~اجتماعية أو إنسانية، وهم يفهمون الأدب على أنه لذة ومتعة لا أكثر. ~~(2) # وثم ظاهرة ثانية نرى مثالا لها في هذا الشاب الجديد الدكتور يوسف إدريس ~~الذي يقول في مجموعة جديدة من قصصه إنه يرتفع - أجل يرتفع - في كتابة القصة من ~~لغة المعاجم المجمدة إلى لغة العامة، لغة الشعب المتدفقة. # نقيضان لا شك في ذلك. # واعتقادي أن هذا التناقض برهان على تناقض اجتماعي عميق بين مجتمعنا الإقطاعي القديم ~~ومجتمعنا الرأسمالي الجديد، وهو - أي هذا التناقض - يزداد وضوحا في تناسق كل من ~~الأسلوبين والاتجاهين. # فإن بعض أدبائنا، الذين يحبون أبا نواس ويؤلفون عنه، يسيرون في نزعتهم الإقطاعية ~~متناسقين، فيكرهون مثلا أن تنال المرأة حقوقها الإنسانية والاجتماعية، ويكرهون لغة الشعب، ~~ويكرهون المبادئ العصرية الاجتماعية، ويكرهون هذه البدع الجديدة عند القائلين بأنه يجب أن ~~يكون للأدب رسالة اجتماعية أو أن يكون في خدمة الشعب، أو أن يكون كفاحيا ينشد الحرية أو ~~المساواة ... إلخ. # لا، إنهم لا يريدون أن يكون الأدب في خدمة الشعب، وإنما يجب أن يكون في خدمة ~~الخاصة. # إننا نعيش في عصر القلق والتردد بين حياتين وأسلوبين؛ ذلك لأننا ننتقل من القيم الإقطاعية ~~الريفية في نظام العائلة، والأخلاق العامة، وفلسفة الحياة، وأسلوب العيش، إلى القيم ms039 المدنية ~~الصناعية في كل هذه الأشياء ، ومع أننا نهفو إلى ماضينا الإقطاعي، ونحب أن نستبقي عاداتنا ~~العاطفية والذهنية القديمة، فإننا نرنو إلى مستقبلنا الصناعي وننشد أهدافه وننزل مضطرين على ~~قوانين العلم وحقائقه، والعلم هو لغة الصناعة؛ وذلك لأننا مقتنعون بأننا لن نحقق الرخاء ~~لبلادنا، والاستقلال والقوة لوطننا، والفهم للحياة، إلا بالعلم. # وآلامنا الحاضرة وتناقضاتنا الحاضرة، هي آلام المخاض للمجتمع الجديد الذي نرجو أن يولد ~~قريبا، وسيولد هذا المجتمع بالانتقال من الزراعة إلى الصناعة. # والعلم بطبيعته ارتقائي، شعاره الاكتشاف والاختراع إلى التغير، والتغير لا يعني شيئا آخر ~~سوى الارتقاء، وقد كانت أوروبا جامدة راكدة إلى القرن الخامس عشر، حين نهضت وأخذت بأصول ~~العلم، فتزعزعت أخلاقها للانتقال من ركود الزراعة إلى حركة الصناعة، وبقي هذا التزعزع إلى ~~أن استقرت على الرضا بالتطور، أي الرضا بالتغير، ولكنها لم تستقر كل الاستقرار؛ إذ هي في ~~تطور. # وحين أقارن بين البيئة الزراعية في مصر وأخلاقها الإقطاعية الموروثة في نظام العائلة ~~والمجتمع، وحين لا يكون هناك تصادم بين هذه البيئة وبين ما جد علينا من ظروف الصناعة والعلم ~~والفكر العصري ونظام الجمهورية ونظام النقابة ... إلخ؛ أقول إني أجد بيئتنا الزراعية هذه أكثر ~~استقرارا في أخلاقها من البيئات الأوروبية، ولكنه استقرار الركود والأسن، والبعد عن التطور ~~والارتقاء، وخير لنا أن نقلق، ونناقش أحوالنا، ونسأل عن مستقبلنا، ونتعب ونحزن، من أن ~~نستسلم لهذا الركود المريض. # إننا نجد قلقا في العائلة المصرية بشأن الحياة الزوجية والطلاق والزواج وطاعة ~~الأبناء. # ونجد قلقا في الشبان والفتيان الذين ننكر عليهم حقهم في الحياة مع أننا نحمده في الكتب، ~~وأحيانا نجد إنكارا للأخلاق القديمة، وترددا بشأن الأخلاق الجديدة، يؤديان إلى الجريمة ~~في كثير من الشبان. # بل إن كثيرا مما نصفه في المناقشات الأدبية بأنه «معركة» إنما يرجع إلى هذا التناقض الذي ~~سرى إلى هذه المناقشات، للانتقال من القيم الإقطاعية في الأدب إلى القيم العصرية التي ~~اصطبغت بالكثير من ألوان الوسط الصناعي العلمي الارتقائي، وقد لا يبرر وسطنا المصري الجديد ~~كل هذا التصادم، ولكن ms040 وسطنا هذا قد أصبح في أيامنا ، من حيث الفكر والرأي والفلسفة، ~~أوروبيا بقوة ما نقرأ ونرى ونلابس من هذه الحضارة العلمية الغالية الغامرة، فنحن نأخذ ~~بقيمها راضين أو كارهين، وننقل هذه القيم إلى الأدب. # والواقع الذي لا ينكر أننا نجد في الأدب العربي الحاضر طائفتين، إحداهما تلك التي تلتزم ~~القيم القديمة، ولا تكاد تختلف من أدباء العرب القدامى، من أن الأدب لذة ومتعة وترف ذهني، ~~وأنه للخاصة الممتازة، وأنه يجب أن يمتاز بلغة الخاصة وإحساسات أو تأنقات الخاصة، وليس شك ~~أن هذه الطائفة تمثل العقلية الإقطاعية الريفية، أو تمثل على الأقل رواسبها المنحدرة إلينا ~~من القرون الماضية، والذي ألاحظه أن هذه الطائفة صادقة الإيمان بمذهبها، كما نجد في تناسق ~~عقيدتها الأدبية هذه مع عقائدها الأخرى الاجتماعية؛ لأن جميع الأدباء في هذه الطائفة يكرهون ~~اللغة الشعبية في الأدب، كما يكرهون مساواة المرأة بالرجل في الحقوق الدستورية والمدنية، ~~كما يكرهون ما يمكن أن نسميه «الأسلوب الديمقراطي»، وهم يهفون على الدوام إلى الماضي يكتبون ~~عنه ويقرءون عنه. # ثم هناك الطائفة الثانية: طائفة القيم العصرية التي تنبع من الوسط الصناعي المدني والقيم ~~العلمية، وهي تنضم إلى سواد الشعب في الأدب، وتقول إنه - أي الأدب - للشعب، فيجب أن يكتب ~~بلغته، وأن يكون كفاحيا في مذهبه؛ لأن الشعب يكافح من أجل حقه في الحياة الكريمة، وأن ~~مشكلة المرأة هي رمز لجميع المشكلات الاجتماعية، ولذلك يجب أن تكون مساواتها بالرجل بؤرة ~~الكفاح، وهي تنتهي من هذا الموقف إلى أن الأدب يجب أن يكون إنسانيا في نزعته، اشتراكيا ~~في برنامجه، وأن ديمقراطية الدولة يجب أن تنطوي على ديمقراطية المجتمع والمصنع والمزرعة ~~والبيت والأدب. # وبالطبع ليس هناك فاصل يفصل فصلا تاما بين الطائفتين، فإنهما تتداخلان هنا وهناك، كما ~~أن آراءنا في فترة انتقالنا الحاضرة تتداخل، فإن الأب المسيطر القديم يسلم بشيء من الحقوق ~~العصرية للأبناء، كما أن الزوج الذي لا يزال يقول بالحجاب الاجتماعي للمرأة قد سلم بإلغاء ~~الحجاب المادي. # نحن في فترة انتقال، في تطور، في قلق وتردد، ms041 يشمل أو يصيب المجتمع والعائلة والأخلاق ~~والأدب، وهذا حسن؛ لأنه برهان الحياة. # | النزعة الانفرادية في الأدب العربي # في ديسمبر من 1954 نقلت مجلة الثورة حديثا للأستاذ أحمد لطفي السيد عن الأدب العربي جاء ~~فيه قوله: «أرى أن يكون نشر كتب الأدب القديمة في نطاق محدود، وبعد فحص دقيق؛ ذلك أن كثيرا ~~منها لا يخلو من إسفاف يترك أثرا في أخلاق شبابنا ... ودواوين الشعراء مليئة بالمدح الكاذب ~~والتضليل المكشوف، والأدب غير الرفيع، ولا أحب لشبابنا أن يقتفوا أثر هؤلاء الشعراء ذوي ~~الأسماء الطنانة، على حين أن الواحد منهم لا يساوي عشرة قروش! # إن أدب العصر العباسي مثلا تشيع فيه كلمة «أنا» ويشيع فيه المدح الكاذب، على حين أن ~~الروح السائدة الآن، أو التي يجب أن تسود الشباب، هي «الأمة» بدلا من «أنا» ...». # وضرب الأستاذ أحمد لطفي السيد مثلا على سوء الرأي المتفشي في بعض هذه الكتب بما ذكره ~~«القلقشندي» في «صبح الأعشى» من الشروط التي يجب أن تتوافر في «الوزير»؛ إذ قال، فيما قال: ~~«يجب أن يكون الوزير دقيق الحس بحيث يسبق الأمير إلى غايته.» ~~«أتريدون دليلا أبلغ من هذا على فساد هذه الآراء ودعوتها السافرة إلى النفاق ~~والوصولية؟! # وشعر أبي نواس، وابن أبي ربيعة وغيرهما، يجب أن نجنب الشباب الاطلاع عليه حتى لا يحاولوا ~~ترسم خطاهم في المجون.» # وقريب من هذا الرأي ما قاله أيضا «ابن رشد» عن الشعر العربي. ~~••• # ونزعة «أنا» الغالبة في الشعر العربي هي نزعة انفرادية، وهي تبرز - كما ننتظر - في ~~البارزين في هذا الأدب، مثل المتنبي وأبي نواس. # ويجب أن نقف هنا ونتلبث في تأمل العاهة الجنسية التي اشتهرت عن أبي نواس، فإنها من صميم ~~الانفرادية. # إذ ما هو الرجل الانفرادي؟ # هو بلا شك ذلك الذي يجعل شعاره في الدنيا: «أنا وحدي، لا أبالي المجتمع، ولا أفكر إلا في ~~لذاتي وشهواتي واستمتاعاتي». # وهو حين ينتهي إلى ذلك يجد أن الاتجاه الجنسي الشاذ لا يخرج عن منطق حياته ونزعته ~~واتجاهه، وليس شيء في الدنيا هو أمعن في ms042 الانفرادية مثل الاشتهاء الجنسي الشاذ؛ ذلك أن هذا ~~الاتصال الشاذ هو عدوان. # وهو قريب في معناه، ويكاد يكون قريبا في إحساسه، من «السادية» التي تنتسب إلى المركيز ~~دوساد، وأخلاقنا العامة تتبلور في اتجاهاتنا وأساليبنا الجنسية. # هذا المركيز دوساد هو رجل فرنسي عاش في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ~~وكان يعذب المرأة التي يتصل بها ويجد في هذا التعذيب لذته، وهذا التعذيب للمرأة هو في صميمه ~~إسراف في النزعة الانفرادية؛ إذ معناه: أنا وحدي، لا شريك لي في اللذة الجنسية. # وكلاهما - أبو نواس والمركيز دوساد - انفرادي النزعة إلى حد العدوان، أحدهما يتجه عدوانه ~~نحو الصبيان، والآخر نحو النساء، وكلاهما بالطبع مسرف، بعيد عن الاعتدال إلى حد الإجرام في ~~نزعته الانفرادية. # ولكن الانفرادية ليست على الدوام مسرفة، فإننا نجدها في المتنبي الذي لا يتعب من كلمات: ~~أني وأنا ... إلخ، ولكن دون أن يعرف عنه أي شذوذ جنسي مثل دوساد أو أبي نواس. # والذي أحب أن أصل إليه هو أن هناك ذهنا اجتماعيا وذهنا انفراديا، وأنه تغلب على ~~المجتمع العربي في السياسة والأدب تلك النزعة الانفرادية دون النزعة الاجتماعية. # وأحب أن أنبه هنا أن كل إنسان يحتاج إلى قسط من النزعة الانفرادية؛ إذ هي الحافز الشخصي ~~الذي يحمل صاحبه على الارتقاء والتوسع والتعمق في الحياة، وهذه النزعة ضرورية أيضا؛ إذ هي ~~التي ترتفع بالفرد إلى الوجدان الشعبي أو الإنساني. # النزعة الانفرادية هي نظام المباراة في الاقتصاد، هذا النظام الذي انتهى في إسرافه ~~بالاستعمار وعذاب الأمم الخاضعة له. # والنزعة الاجتماعية هي نظام التضامن الذي ينتهي بالاشتراكية، وقد رأينا من آثاره قوانين ~~الكفالة الاجتماعية في إنجلترا أو غيرها؛ حيث يعوض المعطل عن عطله ويعاون المريض ~~بالعلاج المجاني ويغذى الصغار في المدرسة وتعطى الحامل قبل ولادتها وبعد ولادتها بشهر ~~أجرتها كاملة ... إلخ. # وداعية النزعة الانفرادية في إنجلترا هو «هربرت سبنسر» الذي كان يقول إن الدولة يجب ألا ~~تكلف تعليم الشعب، وقصارى واجباتها تعميم الأمن، أما الشعب فعليه أن يعلم نفسه. # وداعية النزعة الاجتماعية ms043 هو «روبرت أوين» مؤسس جمعيات التعاون التي عمت أقطار العالم ~~المتمدن، وهو واضع كلمة الاشتراكية الأوروبية. # والنزعتان واضحتان في السياسة والأدب، فإن تشرشل - زعيم اليمينيين من المحافظين - يمثل ~~النزعة الانفرادية في السياسة الإنجليزية، في حين أن بيفان - زعيم اليساريين في حزب العمال ~~- يمثل، إلى حد ما، النزعة الاجتماعية. # وهاتان النزعتان تتضحان في الأدب العربي العصري، فإن مما لا شك فيه أن الانفراديين يحبون ~~أبا نواس والمتنبي ويكرهون أشد ما يكرهون أي اتجاه اشتراكي للارتقاء بالعمال، ولكن هناك ~~أيضا أولئك الذين ينزعون النزعة الاجتماعية، وهم لا يطيقون أبا نواس أو المركيز دوساد أو ~~النزعة الانفرادية في المتنبي، وهم في الغالب اشتراكيون. # ونحن ندعو في أيامنا إلى أن يكون الأدب للحياة، أي للشعب، أي للمجتمع، أي للإنسانية، وأن ~~تكون للأديب رسالة يؤديها كما يؤدي النبي رسالته، وكل هذه المعاني بعيدة عن شعراء العرب مع ~~استثناء المعري؛ ولذلك لا يمكن الأديب المصري العصري أن يستلهم الأدب العربي القديم. # | أبو نواس والصحة الاجتماعية # نحن نظلم بلا شك أبا نواس حين نزن أدبه بالموازين العصرية، ولكن ما دامت أشعاره تطبع ~~وتقرأ في عصرنا، وقد يقرؤها شبابنا وفتياتنا، فإن من حقنا أن نزنه بالموازين ~~العصرية. # ومن حقنا أن نسأل أول ما نسأل: هل يعد أبو نواس أديبا مسئولا؟ # واعتقادي، على الرغم من الكثيرين الذين يخالفونني، أن الأديب يجب أن يكون مسئولا، وأن ~~يحس هذه المسئولية في كل ما يكتب، شأنه في ذلك شأن أي إنسان آخر. # يحس أنه مسئول عن معاني الشرف والخير والحب أمام المجتمع وأمام الإنسانية. # ولكن الذي أجده أني أستطيع أن أقرأ أبا نواس وأنا منفرد في مكتبي، ولا أجيز لنفسي أن ~~أتحدث عن أشعاره مع شاب أو فتاة، بل لا أحب أن يقرأ شاب أو فتاة هذه الأشعار إلا إذا كان ~~أحدهما يدرسها باعتبارها تاريخا وليست فنا، أي أنه يريد استخراج العبرة السيكلوجية أو ~~الاجتماعية منها. # ولست أعني بقولي هذا أن يمنع طبع هذه الأشعار أو هذه النوادر التي تقص علينا حياته، ms044 وإن ~~كنت ألاحظ أن الرقيب الحكومي قد حذف عددا كبيرا من الأبيات اشمأز من معانيها وأحس أنه يجب ~~ألا يقرأها شاب أو فتاة، وهو في ذلك معذور؛ لأنه مسئول؛ لأننا لا نحب أن يترنم شبابنا ~~بأبيات لها حلاوة الإيقاع بشأن معان جنسية فاسقة. # ذلك لأن الكلمة فكرة، والفكرة عاطفة، والعاطفة عمل. # ولم يكن أبو نواس يحس أية مسئولية اجتماعية أو إنسانية، ولذلك استهتر. ~~••• # أظنه برنارد شو الذي قال إن الفنون، مثل الأخلاق، جزء من الصحة الاجتماعية. # وهذا كلام صادق؛ لأن الفنان المسئول يلتزم الأخلاق السامية، بل هو يرسم أخلاقا تسمو على ~~ما يجد في الأمة ويدعو بها إلى الخير والشرف. # فهل يمكن أن نقول إن أشعار أبي نواس تخدم الصحة الاجتماعية؟ لا، إنما هي تخدم المرض ~~الاجتماعي، وتحبب الفسق والفحش إلى الناس. # وهي - لأنها أشعار - توحي الفسق والفحش لما فيها من إيحاء الإيقاع؛ إذ هي أغان يترنم بها ~~قارئها، وينبعث بالإحساسات الفاسدة التي تعبر عنها نحو الإجرام. # وعبقرية أبي نواس لا ينكرها أديب ناشئ فضلا عن أديب ناضج، ولكنها عبقرية الصنعة فقط، أما ~~عبقرية الفن الذي يهدف إلى الحياة، ويرى رؤيا الحياة، ويرسم الأخلاق السامية، ويحس ~~المسئولية الإنسانية ... فلا شيء منها عند أبي نواس، وإني حين أقرؤه أجد في معانيه بريقا هو ~~بريق العفن ينمو على النتن، أو أزهار سامة يجب أن نقي الشباب منها. وأدبه هو أدب العاهة ~~الجنسية، أدب الفحش الذي يشمئز منه الرجل الصالح النظيف على الرغم مما فيه من التماعات ~~وومضات. # ولذلك أقول إن دلالة أبي نواس عندي ليست فنية أو أدبية، وإنما هي اجتماعية ~~سيكلوجية. ~~••• # الدلالة الاجتماعية أن أبا نواس كان يعيش في مجتمع انفصالي قد فصل بين الجنسين ففسدت ~~غريزته الجنسية، وبدلا من أن يلتفت الشاب إلى الجنس الآخر ويتجه إليه، صار يلتفت إلى جنسه ~~ويتجه إليه. # قد يقال إن هذا الفساد يوجد أيضا عند الأمم التي يختلط فيها الجنسان، وهذا صحيح، ولكن ~~هناك فرقا عظيما بين أمة يتخصص فيها أذكى شعرائها لتأليف نحو ms045 ألفي صفحة من الأشعار في ~~الفحش والشذوذ ، وبين أمة يؤلف فيها شاعر من شعرائها قصة أو بيتا من الشعر في هذه المعاني ~~ينشر في السر. # والمرض النفسي هو، في النهاية، رجع أو استجابة لوسط اجتماعي معين، قد أوجد حرجا أو ضغطا ~~أو توترا لا يطاق، فصار المرض بمثابة العلاج لهذه الأحوال، وهو علاج سيئ بالطبع. # ولا يمكن أن يكون الإنسان سويا سليما إلا إذا نشأ وتربى وعاش طيلة عمره في مجتمع ~~مختلط، من المهد إلى اللحد، بحيث لا تغيب صورة المرأة عن ذهن الرجل ولا تغيب صورة الرجل عن ~~ذهن المرأة. # أما إذا انفصل الاثنان، فإن الفساد ينشأ ويفكر كل منهما في جنسه دون الجنس الآخر، وهذا ~~ما نسميه «شذوذا»، وهذه كلمة صحفية، غير علمية، نتفادى بها من كلمات أخرى فاحشة نشمئز من ~~ذكرها. # وهذا الوسط الذي عاش فيه أبو نواس، هذا المجتمع الذي انفصل فيه الجنسان، ما زلنا نجد مثله ~~في كثير من الأمم، بل أستطيع أن أقول إن هناك من القوانين التي سنت عندنا ما يزيد هذا ~~الانفصال في المجتمع، ويزيد، لطبع هذا الشذوذ النواسي. # ولا يمكن أن ننتظر من شاب يبقى إلى سن الثلاثين وهو لا يشترك مع امرأة في زمالة أو عمل أو ~~رفقة، أن يكون سليما؛ إذ لا بد أن يقع في الشذوذ، وهو: ~~(1) # شذوذ العادة السرية التي تفتت كيانه، وقد تسلمه إلى النورستينيا. ~~(2) # شذوذ الالتفات لجنسه الذي ربما ينتهي به إلى السجن. ~~(3) # شذوذ الكظم الذي قد ينتهي به إلى المارستان. ~~••• # ما كنت لألتفت إلى أبي نواس لولا أني أريد استخراج العبرة من مجتمعنا، فإن هذا الرجل أرصد ~~حياته، وذكاء عقله، ورؤيا نفسه لتأليف القصائد عن عاهة جنسية نشمئز منها، وهذه ظاهرة عجيبة، ~~ليس في الأدب فقط، بل في الطبيعة البشرية. # والعبرة هي أن مجتمعنا لا يختلف عن المجتمع الذي عاش فيه أبو نواس إلا في الدرجة، وأن ما ~~نهدف إليه من الصحة الاجتماعية لأبناء الشعب لا يمكن أن يتحقق ما دمنا أو - بالأحرى - ما ms046 ~~دام بعضنا يقول بالانفصال. # وصحيح أن العلاج الأمثل، العلاج الذي يقينا تلك الانحرافات التي وقع فيها أبو نواس، هو ~~الزواج المبكر، ولكن ظروفنا الاقتصادية في كثير من الحالات لا تساعدنا على ذلك. # وعجيب حقا أننا كنا قبل نحو قرن نتزوج مبكرين حوالي العشرين أو قبلها، وكان الأوروبيون ~~والأمريكيون يتأخرون في الزواج إلى ما بعد الثلاثين، أما الآن فقد انعكست الحال: نحن نتأخر ~~وهم يبكرون. # وعلة ذلك أن الفتيات الأوروبيات يعملن ويكسبن مثل الشبان. # يعملون جميعهم حتى وهم طلبة وطالبات. # وإذن يمكنهم أن يتزوجوا في العشرين أو قبل ذلك؛ لأن الزوج لا يرهق بنفقات زوجة عاطلة؛ إذ ~~هي تكسب مثله. # ونستطيع أن نصل نحن إلى مثل هذه الحال، ولكنها لا تزال بعيدة؛ لأن الماضي ما زال ينشب ~~أظفاره في حاضرنا! ~~••• # إن المجتمعات الأوروبية ليست سيئة كما يتوهم أولئك الذين لم يعيشوا فيها ويختلطوا ~~بأفرادها. # وصحيح أن لهذه المجتمعات عادات تخالف مألوفنا، ولكن هل مألوفنا حسن على الدوام؟ # إن اللحن الجديد يبدو نشازا حتى نتعوده فنسيغه. # وكذلك الشأن في العادات الجديدة. # لقد عرفنا الرقص المصري واشمأززنا منه، وقلنا إنه فحش يجب أن نترفع عنه، ولكن الرقص ~~الأوروبي ليس كذلك؛ إذ هو فن جميل. # ولو أن أبا نواس كان يعيش في مجتمع مختلط، يرى وجه المرأة ولا يفارقه شخصها في البيت ~~والسوق والمتجر والمصنع والمجلس، لما زاغت بصيرته الجنسية إلى الانحراف الذي وقع فيه؛ لأنه ~~عندما كان يصبو إلى حب، كان لا يجد في خياله غير المرأة، ولكن لأنه حرم المرأة، صار خياله ~~صبيانيا. # إن شبابنا يعانون الكثير، بل الكثير جدا، من التوترات السياسية والاجتماعية والثقافية ~~والحرفية، فلا أقل من أن نخفف عنهم هذه التوترات الجنسية إما بالتيسير لهم في الزواج ~~المبكر، وإما بأي طريق آخر. # وكل شيء يهون في جنب هذه العاهة النفسية التي كان يعانيها أبو نواس واستقطر منها أشعاره، ~~وهي التي نرجو ألا نراها في شبابنا. # إن النقد السديد للأدب هو النقد الاجتماعي؛ أي يجب أن نسأل عن قيمة الأديب: ms047 ما هي خدمته ~~للشرف أو للإنسانية؟ # وأبو نواس يخلو من الشرف والإنسانية. # | غاية الأدب ... الإنسانية وليس الجمال # الرأي القديم، بل العقيدة القديمة، أن هدف الأدب هو الجمال: جمال البيت من الشعر، وجمال ~~القصة، وجمال الجملة، بل كان هذا أيضا هدف الفنون الأخرى، فكان الرسام يعنى بأن يتخيل ~~لنا صورة جميلة للطبيعة أو للمرأة، حتى إنه كان يسرف في التوسل إلى هذا الهدف بأن يزور ~~فيرسم لنا صورة جميلة لملك دميم، كما كان الشاعر يصف الأمير أو الملك بالشجاعة أو الحلم أو ~~العفاف، وهو يدري من أخلاقه نقيض ذلك؛ وذلك لأنه كان يعتقد أنه يجب أن يخرج شيئا جميلا ~~ولو كان مزورا مموها. # كان الأدب يهدف إلى الجمال، وكان الأديب يخلص، أو يزور في هذا الهدف، وكثيرا ما نسمع أن ~~القيم الأدبية خالدة لا تتغير، وأن الجمال من هذه القيم الخالدة، وهذا غرور عند الأدباء لا ~~يقوله السياسي أو الاجتماعي عن نفسه، ولو قاله لما صدقه أحد؛ إذ أين القيم الخالدة في ~~السياسي أو الاجتماعي؟ # وكيف يكون خلود في إحدى القيم مع تطور؟ أليس التطور، أي التغير إلى أعلى، هو القانون ~~العام للموجودات أحياء أم غير أحياء؟ # لقد دارت هذه الأفكار برأسي وأنا أقرأ كلمة عن الأديب المجري «جورج لوكاتش» ينكر فيها أن ~~الجمال غاية الأدب، وقد جرأني هذا الكاتب على أن أدلي برأي في هذا الموضوع. ~~••• # إن قيم الأدب، مثل سائر القيم، تتغير كلما تغيرت الظروف، وإذا كان الجمال يتسلط على ~~الأديب، ويشغل ذهنه، حتى ليتوهم أنه خالد، فإن هناك ما هو «أخلد» منه، وهو ~~الإنسانية. # وصحيح أنه ليس هناك أديب يستطيع أن يقول إنه لا يحب الجمال أو لا ينشده في جميع ما صغر ~~وما كبر من نشاطه، ولكن الأديب الذي يحس وجدان عصره، ويدرس مشكلاته الإنسانية والاجتماعية، ~~لا يتمالك الإحساس بأن الأدب تعبير عن الضمير الإنساني، وإذن موضوعه، أو موضوعاته، هي ~~مشكلات هذا الضمير: كيف يميز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والإنسانية والبهيمية؟ وكيف ~~يكافح الشر والظلم والبهيمية؟ ms048 # وهو يسترشد في كل ذلك بما تكون له من فلسفة بشأن الإنسان ومجتمعه، ولا يمكن أن يكون ~~هناك أديب ناضج بلا فلسفة. # والأديب الحق في أيامنا هو ذلك الذي ينغمس في السياسة والاجتماع والاقتصاد والعلم، ونظم ~~الحكم ونظم العدل، ووسائل الثراء الذي يحقق للشعب رفاهية، وليس ترفا، وأسباب الفقر التي ~~تحدث الجريمة والفضيحة والمذلة، بل كذلك يدرس شئون التعليم وحرية الدراسة، ويضع الحقائق فوق ~~العقائد. # إن جميع هذه الشئون إنسانية، ولا يمكن أديبا أن يؤثر المجلة المرصعة أو البيت الرقيق على ~~شأن إنساني يتصل بالحقوق الأصيلة عن الحرية أو المساواة أو العدل، ولو فعل لوجب أن نعرض ~~عنه، أو نأخذ منه ونحن على يقين، بلا خداع، بأننا نأكل الحلوى الوقتية المرفهة وليس الطعام ~~الذي يغذو الحياة وينميها ويكبرها. # وفي ظروف الاستقرار أو الركود أو الطمأنينة، يفشو أدب الترف واللذة، وكثيرا - بل ربما ~~على الدوام - يكون مؤلفو هذا الأدب أنفسهم من المترفين الذين استقروا وارتضوا حالهم ~~الاجتماعية السائدة، فكرهوا التغيير، وقنعوا بلذة مستقرهم ونسوا الإنسانية. # ولا عبرة بأن يقال إنهم عاشوا في عصر مضطرب وكان يجب أن ينعكس اضطراب عصرهم في أدبهم؛ ذلك ~~أنهم في الأغلب نشئوا على نية الكفاح، فكافحوا فترة من شبابهم، ثم سئموا، أو تعبوا، أو ~~وجدوا أن المكافأة عن الكفاح لا تغري، فتركوا معسكر الشعب إلى معسكر السادة، وأصبحوا يقولون ~~إن غاية الأدب هي الجمال ... كلام المترفين ... كما كان مترفو عصر النهضة في أوروبا يطلبون من ~~الرسام صورة امرأة جميلة لها صدر ناهد وعينان ناطقتان. # ومع هذا يجب أن نسلم بأن هناك أدباء نشئوا على نية الكفاح وثبتوا عليها، ثم لما سعدوا لم ~~يتغيروا، ولم ينقلهم هذا الثراء - نفسيا وفنيا - إلى «الترف الذهني»، وهناك من لم ~~يسعدوا بالثراء أو الهناء، فثبتوا أيضا راضين بالاضطهاد والسجن إيثارا لصفوف الشعب الجائع ~~على صفوف السادة المترفين. # وليس العالم في فترة تاريخه الحاضرة في استقرار، فإنا نعيش في وسط يحوي من الحضارات ~~والثقافات والأهداف الاجتماعية، بل يحوي من ألوان الاستعمار والاستغلال ms049 والرجعية في الشرق ~~والغرب، ما يحمل كل إنسان إنساني على أن يتعرف مكانه من هذا الاضطراب أو هذه الفوضى ويعينه، ~~وعلى أن «يجتهد» حتى يميز بين الحسن والسيئ، ثم عليه بعد ذلك أن يعرف جبهته وهدفه ومعسكره، ~~فيدافع عن موقفه، ويجهد للوصول إلى هدفه. # على كل إنسان أن يفعل ذلك إذا استطاع، والأديب أولى الناس بأن يفعل ذلك؛ إذ هو يرى أكثر ~~ويفهم أكثر. # نحن في فترة من التاريخ يطالبنا الأدب فيها بأن نكون كفاحيين، وألا نجعل الجمال يستغرق ~~بعض اهتمامنا فضلا عن كل اهتمامنا. # لقد مرت بحياتي القصيرة أحداث لا أنساها؛ منها حربان قتل فيهما نحو ثلاثين مليون شاب ~~لكل منهم أم وأب، وربما زوجة أو حبيبة كانت تنتظر الزواج منه، ودمرت بيوت، وجرح ~~ملايين من الشباب والنساء والرجال، ومنها مجاعة قتلت في الهند نحو ثلاثة ملايين هندي، ومنها ~~كوليرا دخلت بلادنا فقتلت آلاف الحفاة الجائعين، ومنها استعمار دموي في أفريقيا الشمالية ~~وأفريقيا الشرقية، ومنها كنوز من البترول أخرجتها الأرض في هذا الشرق العربي، ولكن الإنسان ~~العربي، في هذا الشرق العربي، لا يزال جائعا حافيا، ومنها بهيمية ملوكية تسلطت على أرضنا، ~~وتمرغت، بكل ما فيها من فساد، على مقدساتنا، ومنها برلمان جمع عند الظهر ثم طرد أعضاؤه ~~في مساء اليوم نفسه، كأنهم مجموعة من الكلاب، ومنها، ومنها. # فهل يجوز لأديب أن يقول إزاء هذه الأحوال إن هدفه من أدبه هو الجمال، وإنه لا شأن له بهذه ~~الأحداث؟ # هل يجوز له أن يقول: انظروا لقد صنعت ورصعت هذه الجملة، ونظمت هذا البيت البديع. ثم يترك ~~هذه الكوارث كأنها جرت في عصر غير عصره؟! هل له الحق في أن يعيش في البرج العاجي، بينما ~~الأمة تعيش في البدرومات؟! # بالطبع لا، لا يمكن أديبا أن يقف على الحياد هنا؛ إذ عليه أن يكون إنسانيا، والإنسانية ~~تقتضيه الكفاح. # ولكن ماذا نقول في أدباء لم يقنعوا حتى بالحياد، بل انضموا إلى معسكر السادة، بل الطغاة ~~من السادة، وارتضوا البهيمية الملوكية يمدحونها ويرفعونها إلى السموات؟ ms050 # هل ينساهم التاريخ، أم يبدي رأيه فيهم ؟ هل يقول إن غرامهم بالجمال كان أعظم وأطغى من ~~غرامهم بالإنسانية؟ # في ظروف مصر الحاضرة، ومنذ أكثر من ستين أو سبعين سنة، لم يكن مفر للأديب المصري أو ~~العربي من أن يكون سياسيا؛ لأن السياسة هي مقدار الخبز الذي يقرر للفقير، وهي الدواء ~~للمريض، وهي الحرية لجميع أبناء الشعب، وهي حرية المرأة على الخصوص، وهي حق التعلم، وفوق كل ~~هذا ينطوي درس السياسة والاشتباك في مركباتها على حق الاستقلال. # إن تاريخ أدبائنا في مصر هو مأساة إنسانية قبل أن يكون مأساة أدبية، وحسبي أن أذكر خمسة ~~أو ستة من هؤلاء الأدباء. # ولست أذكر شوقي الذي طعن في وطنية عرابي ونظم الأشعار في سبه، ثم قصر قلمه - أو كاد ~~- على مدح الخديوي عباس، ولكني أذكر أولئك الذين جاءوا بعده وأوهموا الجمهور أنهم يحسنون ~~الأدب. # وأولهم محمد حسين هيكل الذي أيد عدلي في تحطيمه لوحدة الأمة بقيادة سعد الذي كان شعار هذه ~~الوحدة، ثم بعد ذلك أيد زيور الذي جمع البرلمان في الظهر ثم حله في مساء اليوم نفسه وطرد ~~الأعضاء، ثم أيد محمد محمود في تعطيل البرلمان ثلاث سنوات تقبل التجديد. # لقد بدأ هيكل حياته الأدبية بالتأليف عن داعية الرومانتية في فرنسا؛ أي داعية الشعبية ~~«روسو»، ثم انتهى بمكافحة الديمقراطية في مصر ... هذا أديب. # وأديب آخر هو إبراهيم عبد القادر المازني؛ فقد اشترك مع الدكتور طه حسين في تحرير جريدة ~~يومية تخدم زيور في مكافحة الشعب، زيور هذا الذي جمع البرلمان في الظهر ثم حله في المساء، ~~بلا أدنى إحساس بقيمة الشعب المصري الذي كان يمثله هؤلاء الأعضاء. # لقد كان الشعب المصر يكافح في جبهتين: الأولى: هي هؤلاء الملوك الأتراك من سلالة محمد ~~علي، والثانية: هي جبهة الاستعمار البريطاني. وكثيرا ما كانت هاتان الجبهتان تتحدان ضد ~~الشعب، وفي أيام زيور كان الاتحاد بينهما وثيقا؛ لأن زيور جاء عقب مقتل السردار البريطاني ~~في السودان كي يؤدب الأمة المصرية التي تلجأ إلى العنف في مقاومة الاستعمار، ms051 ووجد فؤاد - ~~الملك وقتئذ - أنه يمكنه أن يستغل هذه الفرصة؛ أي فرصة الغضب الاستعماري البريطاني، بأن ~~يحطم الحياة النيابية، وحطمها. # وكان طه حسين والمازني القلمين الفصيحين في الدعوة إلى هذا التحطيم، فهل ينسى التاريخ ~~هذا؟ # هل ينسى التاريخ أن أديبين مصريين ارتضيا جمع البرلمان المصري في الصباح ثم طرد أعضائه في ~~المساء؟! # ثم بعد ذلك نجد علي الجارم، وهو عجيبة في مأساة الأدب المصري في القرن العشرين، فإنه ألف ~~المجلدات في مدح تمثال النجاسة فاروق، وقد طبعتها له مطبعة المعارف أجمل الطبع وأتقنه، حتى ~~يجد الرواج الذي لا يستحقه، ولا يتسع المجال هنا لنشر إحدى قصائده، ولكن أكتفي بذكر قصة ~~قذرة تدل على العقل القذر والقلب القذر ونصيب علي الجارم منهما. # ذلك أن إحدى الصحف كانت قد ذكرت، كذبا ونفاقا، أن جملا قد أرسل للمجزر للذبح، فانتفض ~~من سكين الجزار، وفر من المجزر، ثم ما زال يعدو في الشوارع حتى وصل إلى عابدين - قصر فاروق ~~- وهناك كانت استغاثته حتى لا يذبح! وأغاثه فاروق فلم يذبح! # وكتب هذا الهذر والسخف في بعض جرائد مصر، يا لها من فضيحة! ولكن علي الجارم انتهز هذه ~~الفضيحة، فألف عنها قصيدة يشيد فيها بعدل فاروق، كان منها هذه الأبيات: # عابدين كعبة مصر ركنها حرم # للخائفين إذا خطب بهم نزلا # تهوي إليها وفود الأرض ضارعة # ترجو بها الأمن أو تزجي بها الأملا # أمر وعاه بنو الإنسان وحدهم # فمن بربك قل لي أخبر الجملا؟ # هل يمكن إنسانا أن يعبث بعقله، ويلعب بحياة الشعب المصري، بالإنسانية، إلى هذا الحد! إلى ~~حد أن يوصف ملكه بهذا الكذب؟ # لقد عاش «ملك مصر» هذا خمس عشرة سنة وهو يتولى العرش، ويفسق، ويسرق، ويفسد، ولكنه بدلا ~~من أن يجد الأديب الحر الذي يقول له: قف. وجد من يصفه بأنه من أصحاب المعجزات! # ووجد الدكتور طه حسين، الذي خاطبه أمام الطلبة، شباب الشعب ومعقد آماله، فيقول له في صوت ~~عال: يا صاحب مصر. # ووجد عباس محمود العقاد، الذي يقول فيه: # إنني لم أسعد ms052 من قبل بفرصة كهذه الفرصة الواسعة؛ لاستجلاء طلعة المليك عن كثب ~~والإصغاء إلى جلالته على انفراد في جو لا مثيل له بين أجواء اللقاء والحديث؛ لأنه ~~جو الملك والديمقراطية ممثلين في شخصه الكريم أجمل تمثيل، مجتمعين في سماعه وكلماته ~~وإرشاداته أحسن اجتماع. # لقد سمعت في هذا الحديث الواحد كلام فيلسوف، وكلام وطني غيور، وكلام محدث ظريف، ~~وطاف بخاطري ذكر الإيمان وذكر الوطن ... # ثم يؤلف قصيدة، عقب عودة النقراشي من مجلس الأمن، يقول في مطلعها: # أقام الحقوق ووفى الذمم # ونادى فلباه نادي الأمم # ثم ينتقل إلى مدح فاروق فيقول: # وما اتخذت غير فاروقها # عمادا يحاط وركنا يؤم # ولا عرفت مثله في العلا # صديقا يشاركها في القسم # فدته البلاد وفدى البلا # د بعالي التراث وغالي القيم # مليك يلوذ به عرشه # وكم ملك بالعروش اعتصم # وذو علم تستظل الملو # ك بأعلامها ويظل العلم # وراع رعيته عزه # إذا عز بالصخر باني الهرم # أبى الملك إلا كما شاءه # منيع الجوار رفيع الدعم # إلخ، إلخ ... # إن الأدباء هم كهنة الشعب وأئمته ووعاظه العصريون، وهم الذين يرسمون الخطط، ويعينون ~~الأذواق، ويفتحون المستقبل، ويسمون إلى أرقى المستويات في الفكر والعمل، فماذا نقول في ~~هؤلاء «الأدباء» وتاريخهم في الحياة السياسية والاجتماعية في مصر؟ # إني حين أتأملهم أحس أني ظلمت شوقي؛ فإنه قد نشأ على أعتاب القصور لا يعرف الشعب إلا أنه ~~«رعية»، ولا يفهم أكثر من أن الدنيا للملوك والأمراء، أما هؤلاء فما عذرهم؟! ~~••• # لا، لم تكن الإنسانية غاية الأدب من الأدباء الكبار في مصر طوال النصف الأول من القرن ~~العشرين، ولكن مع ذلك ظهر أدباء الشباب الجدد الذين ألفوا القصة، ودرسوا المذاهب، وشرعوا ~~يبعثون حركة رومانتية بدأت تؤتي ثمارها. # | هكذا أفهم الأدب في مصر # عندما ننقد الأدب في مصر، وأيضا في سائر الأقطار العربية، يجب ألا ننسى هذا العائق ~~السيكلوجي الذي يحول دون الإجادة، وهذا العائق هو تلك العادات الذهنية والعاطفية التي ~~ورثناها عن مجتمع شرقي استبدادي يرأسه ملك أو أمير، وتندغم فيه الدولة في الدين، ويجري ~~نظامه ms053 على الأسلوب الإقطاعي الزراعي. # أسلوب السيد الثري حوله الخدم الفقراء أو المحرومون. # وأسلوب رب العائلة الذي يسيطر على الزوجة والأبناء. # وأسلوب الزراعة التي تحيل صاحب الأرض إلى ملك صغير. # هذا النظام ورثناه بما فيه من أخلاق تساوقه وتؤيده، وهي أخلاق أنأى ما تكون عن ~~الديمقراطية. # وفاجأنا العصر الجديد باحتلال الأوروبيين لبلادنا، وبانتشار المدارس التي وصلت بيننا وبين ~~الثقافة الأوروبية العصرية، فأخذنا بقيم جديدة في الحياة والأخلاق، ولكن لأننا لم نأخذ ~~بأساس هذه القيم وهو الصناعة، فإنها - أي هذه القيم الجديدة - لم تثبت في مجتمعنا ولم تعمه ~~كله. # ولذلك أصبحنا جميعا في حرب باردة، المجتمع في حرب بين موروث عاداته وعواطفه الشرقية، ~~وبين مستجد عاداته وعواطفه الأوروبية، يتردد بين الحجاب والسفور للمرأة، وبين الحقائق ~~العلمية والعقائد التاريخية، وبين الأخلاق الزراعية الاستبدادية والأخلاق الصناعية ~~الديمقراطية. # وهذه الحرب الباردة تجري بتفاصيلها المتعددة في كل فرد حيث يجدها في نفسه وذهنه. # وهي أيضا تجري في صدر كل أديب أو كاتب؛ إذ يجد قيمتين وميزانين؛ فهو يتردد، ولا يعرف تلك ~~الغلواء التي ينزع إليها المؤمن بعقيدة مفردة؛ لأن له عقيدتين تجعلانه فاترا ~~متشككا. # ولذلك فهو لا يحسن التأليف؛ إذ لا يمكن الإحسان مع الفتور والتشكك. # ويجب ألا ننسى موقفنا هذا، وهو موقف الاعتذار عن الإحسان - أي الإجادة والإتقان - حين ~~ننتقد الأدب، وسوف يتغير هذا الموقف حين تتفشى الصناعة بيننا وتأخذ مكان الزراعة، أو على ~~الأقل تتكافأ معها في الانتهاج والارتزاق، وعندئذ تتفشى في مجتمعنا الأخلاق الديمقراطية ~~التي تنشأ من الوسط الصناعي وما يلابسه من عادات وعواطف جديدة. # ولكن ليس معنى هذا أن ننتظر تفشي الأخلاق الجديدة في مجتمعنا حتى نجعل أدبنا عصريا له ~~قيم وأوزان عصرية؛ إذ يجب أن ندخل - نحن الكتاب والأدباء - في هذا العصر الجديد، ونغير ~~العادات الذهنية والعواطف الأدبية الشرقية الموروثة في مجتمعنا إلى عادات وعواطف عصرية؛ ~~حتى يساير تطورنا الاجتماعي الأدبي تطورنا الاقتصادي الصناعي، بل لا بأس من أن يسبق إذا كان ~~هذا ممكنا. ~~••• # كيف أفهم الأدب؟ # أفهمه على أنه معالجة ms054 الإنسان في جملته؛ أي في كليته. # فإن الهندسة فن يعالج المباني، والكيمياء فن يعالج المواد، والطب فن يعالج ~~الأمراض. # ولكن الأدب فن يعالج الإنسان جملة لا تفصيلا؛ فهو يزن الموقف الفلسفي والموقف الجنسي ~~والموقف الاجتماعي وسائر المواقف البشرية للفرد، بحيث أنتهي من هذه المعالجة إلى أن أعرف ~~قيمة هذا الفرد في المجتمع وفي الدنيا وفي الكون، وأنتهي إلى أن أقارن موقفي - أنا القارئ - ~~بموقف هذا الفرد سواء أكان هو موضوع قصة أو مقال أو ترجمة لحياة إنسان. # وأفهم الفرق بين الأدب القديم والأدب العصري على أن الأول استمتاعي، أقرؤه كي ألتذ وأنا ~~ملك أو أمير أو إقطاعي؛ أي أقرأ أبا نواس للذة ولا أجد في ذلك ما يصدم ضميري الأدبي، ولكن ~~الأدب العصري لم يعد أدب الملوك أو الأمراء أو الإقطاعيين، وإنما هو أدب الملايين من ~~الشعوب، وهو إذن أدب الشعب، أدب الكفاح لتعميم الخير والمساواة بين الجنسين، وتحقيق العاطفة ~~الإنسانية بنظام اشتراكي ومقاومة الظلم والاستبداد والحرمان. # أدب أبي نواس، الذي ألف عنه وله نحو ثمانية أو عشرة مجلدات في السنوات العشر الأخيرة، ~~هو أدب فاروق وحاشيته، أدب اللذة والنكتة والكلمة الرائعة، مع المعنى الدنس أو المعنى ~~الزري، فنضحك أو نتغامز، في إحساس الفسق. # ولكن الأدب العصري هو أدب الكفاح الذي يثير غضبنا على الظلم، ظلم الحاكمين وظلم التقاليد؛ ~~أي أنه يدعونا إلى التحرير، وإلى الاعتماد على الحقائق الجديدة دون العقائد القديمة. # الأدب العصري يطالبنا بألا نجعل مراسينا الاجتماعية وفق التقاليد في الألف السنة الماضية، ~~وإنما وفق ما نستعد له من نظم في الألف السنة القادمة. # الأدب القديم ورد نتشممه، ولذة عابرة، ومزاح وترف ذهني، ولكن الأدب الجديد هم وقلق، ~~ودراسة، وبرنامج الحياة، وتوسع في الوجدان، وارتقاء لشخصي ومجتمعي، وزيادة في الفهم ~~والإنسانية. # وإذن، من هو الأديب العظيم الذي يجب أن نقرأ مؤلفاته؟ # هو الأديب الذي يدل؛ أي أن له دلالة. # وأعظم ما يجعله يدل أن تكون له رسالة اجتماعية أو إنسانية. # ذلك أنه لن تكون له رسالة إلا إذا ms055 كان قد درس الإنسان في جملته. # بل إن رسالة الأديب هي الفرق الأساسي الذي يفصل بين الأدباء القدامى والأدباء العصريين، ~~وليس هذا في أدباء العرب وحدهم، بل أيضا في أدباء أوروبا. # كان الأديب القديم يكتب ويؤلف كي يزيد استمتاع القارئ ولذته، ولكن الأديب العصري يكتب ~~ويؤلف كي يزيد الفهم للحياة، ويزيد التوسع الذهني، ويزيد الوجدان، كأننا نزداد وجودا ~~بقراءته. # كان الأديب مهرجا، أو يقارب المهرج، يضحك ويسلي. # ولكن الأديب العصري كاهن، يكتب بإلهام ليعين القيم ويهدف إلى المستقبل ويحس أن له ~~رسالة. # وبالطبع هناك استثناءات، فإن المعري والجاحظ وابن حزم وأمثالهم لم يهرجوا، وأنا أسميهم ~~لذلك قدماء معاصرين. # وإذا شئت أيها القارئ أن تنقد، وتعرف القيمة والوزن لأحد الأدباء في مصر أو أقطار الشرق ~~العربي، فاسأل هذا السؤال: # ما هي الرسالة الاجتماعية أو الإنسانية التي يدعونا إليها هذا المؤلف؟ وهل هو يزيد ~~استمتاعنا ولذتنا (فهو إذن قديم) أم هل يزيد فهمنا للحياة، ويطالبنا بكفاح من أجل الخير ~~والشرف والمساواة والعدالة الاجتماعية؟ وبكلمة أخرى: ما هي دلالته؟ هذا محك ... هذا ~~امتحان! ~~••• # ومحك آخر، أو امتحان آخر، أن تسأل: ما هي القيمة التمدينية في هذا الكاتب؟ # هل هو يزيد إحساسنا الإنساني، بحيث نتعلم منه ونتربى من مؤلفاته، فنكبر من شأن الإنسان، ~~وننكر التعصب اللوني والتعصب المذهبي والتعصب الديني، ونحترم الإنسان لأنه إنسان قبل كل ~~شيء. # أيها القارئ، من هو المؤلف المصري أو العربي الذي زاد إحساس الإنسانية عندك وحملك ~~بمؤلفاته على أن تأخذ بالأسلوب المتمدن في سلوكك وأخلاقك؟ # إن الكاتب العظيم هو الذي يغيرنا، بحيث نحس عقب قراءة كتابه أننا لم نعد كما كنا قبل ~~قراءته، وأننا تغيرنا إلى أعلى. # والكاتب العظيم هو الذي يعتنق مذهب الحرية، ولكنه لا يقتصر على الدعوة إلى التحرر من ~~الحاكمين المستبدين فقط، وإنما يدعو أيضا إلى التحرر من التقاليد المستبدة. # وإذن من هو هذا الكاتب؟ # أعظم ما يغير الدنيا في عصرنا، ويغير الفرد والمجتمع، هو العلم، العلم هو النعمة والنقمة ~~في عصرنا. # والمؤلف الذي يحمل هموم ms056 الإنسانية في صدره لا يمكنه أن يهمل العلم، أو بالأحرى العلوم ~~التي توجه إلى السداد في الحياة بتنظيم الاقتصاد والكيمياء والطبيعيات والميكانيكيات ~~والبيولوجية والسيكلوجية لخدمة الإنسان. # فمن هو الكاتب أو الأديب الذي خدمك في هذه الناحية؟ # إني لا أقرأ كتابا في نقد الأدب في أوروبا إلا وهو يخص داروين وفرويد بفصول، ويوضح ~~أثرهما في التوجيه الذهني والنفسي، وكلاهما عالم. # هل أوضح لك أحد هذا التوجيه في مصر؟ ~~••• # لقد أوجدت أنا عبارة «الفقر والجهل والمرض» وأسميتها الثالوث المدنس. # وهل يمكن أن يجيز أديب مصري أو عربي لنفسه أن يكتب وهو يجهل هذا الثالوث؟ # وإذن فيم يكتب، وأي موضوع آخر أحرى أن يشغله إذا كان إنسانا؟ # إن الداء القديم المقيم الذي يتوطن أقطار الشرق العربي هو الفقر، وهو الذي بعثني إلى ~~الدعوة إلى الصناعة كي تثري الشعوب العربية، وليس الجهل والمرض، ثم الذل والهوان، سوى ~~منتجات الفقر. # وإذن أقول: إن ذلك الأديب الذي لا يعرف علل الفقر والمرض والجهل لا يجهل الاقتصاد فقط ~~وإنما يجهل الأدب. # وهذا الجهل هو الذي يحمله على أن يكتب عن أبي نواس وابن الرومي بدلا من أن يكتب عن ~~الصناعة، والنقابات، وجمعيات التعاون، وعن الحب، والارتقاء، والشخصية، والحرية. # الأدب عنده لذة واستمتاع، وليس كفاحا وقلقا. # إن الأدب هو دراسة الإنسان في جملته. # وهذه العبارة تعني أن ندرس الإنسان في اقتصاده وأمراضه وثقافته واتجاهاته الذهنية ~~والعاطفية وأهدافه المستقبلية. # والأدب العظيم ليس الذي يمتعك بنكتة من أبي نواس، وإنما هو الذي يبسط أمامك الثقافة؛ كي ~~تدرس المواقف البشرية وتستخلص منها رسالة إنسانية تمحو الفقر والجهل والمرض، وتزيد الإنسان ~~إنسانية، وتحيلنا إلى متمدنين لا نتساب ولا نهاتر ولا نمكر، ولا نؤلب العامة والغوغاء على ~~المفكرين الأحرار. ~~••• # ما هو أعظم ما يؤلفه المؤلف في الأدب؟ # هو حياته، كيف عاش؟ كيف ارتزق؟ ما هي الأحزاب السياسية التي انضم إليها؟ ما هي الثقافة ~~التي أثث بها ذهنه؟ ما هي علاقته بمجتمعه؟ هل سعى لخيره أم لضرره؟ # بل ما هو كفاحه في هذه الحياة؟ ms057 # أيها القارئ، ادرس الكتاب الأول الذي ألفه المؤلف، وهو حياته، بل طالبه بذلك، حتى يخرج ~~كتابا يبين فيه المبررات التي حملته على أن يسلك سلوكا معينا في السياسة أو الاجتماع أو ~~الاستعمار أو غير ذلك. # إن الكاتب الذي يقف موقف الإرشاد والتوجيه يجب عليه أن يبسط لنا حياته ويوضح لنا أخطاءه ~~ويبين أعذاره، كما عليه أن يدلنا على الأثر الذي تركته ثقافته في شخصه وكانت عاملا في ~~تكوين شخصيته؛ وذلك كي نقرأ حياته فنتربى بقدوته. # إن حياة الأديب جزء من مؤلفاته، بل هي أعظمها. # هكذا أفهم الأدب كما يجب أن يكون في مصر. ~~••• # وأخيرا قد يسألني القارئ: إذا كان هذا هو الأدب، فما الفرق بين المقال الأدبي والمقال ~~الاجتماعي؟ # الفرق أن الأدب فن، وأساس الفنون جميعها هو الطرب، فأبيات الشعر إذا لم تطربنا فليست ~~شعرا، وإذا لم نطرب من القصة فليست أدبا، واللحن الموسيقي مثل المبنى العظيم، أو التمثال ~~الرائع، كل هذه يجب أن تطربنا. # ولكن اللحن وحده، في الغناء مثلا، لا يكفي لأن يجعل من الغناء فنا؛ إذ يجب أن نتذوق ~~المعاني الرائعة في الغناء مع اللحن، وكذلك الطرب وحده في أشعار أبي نواس لا يجعل منها ~~فنا؛ لأن معانيها زرية. # يجب في الأدب أن نصل إلى الطرب، عن طريق الجهاد الروحي والجد الرفيع للسمو ~~بالإنسانية. # | الأدب دين والأدباء كهنته # لكل أمة خصائصها التي تستوعب نشاط أبنائها، والشباب والطلبة هم أعظم من يمثلون هذه ~~الخصائص، ففي إنجلترا نجد العناية الكبرى بالرياضة ومبارياتها، وأحيانا تستوعب أخبارها ~~أكثر من صفحتين في الجرائد اليومية، ولكننا لا نجد في فرنسا مثل هذه العناية بالرياضة، ~~وإنما نجد في مكانها عناية بالأدب. # والمدارس الفرنسية الثانوية هي في صميمها كليات للأدب الفرنسي؛ ذلك أن الطالب يدرس اللغة ~~دراسة وافية، ويدرس أدباء فرنسا القدامى والمحدثين بالروح الوطني والذوق الفني، وبعيد أن ~~تجد طالبا يخطئ في لغته حين يتكلم، فضلا عن الخطأ في الكتابة. # وفي باريس هذه الأيام حركة أدبية تندغم فيها السياسة والدين والفلسفة، هي الحركة الوجودية ms058 ~~التي يتزعمها بول سارتر. # ولهذه الحركة عبرة ، بل عبر كثيرة، فإن وصولها إلى الجماهير، بل إلى العامة، برهان على ~~ارتفاع المستوى الثقافي بين الشعب؛ ذلك أن لها أنصارا وخصوما من الشعب، وهي سياسة من حيث ~~أنها تخاصم المذهب الاشتراكي الماركسي، وهي دينية من حيث أنها تلغي الغيبيات التي يرتكز ~~عليها الدين، ثم هي أيضا تأخذ مكان الدين في تعيين الأخلاق والقيم الإنسانية، ثم هي ~~فلسفية، أو هذا ما تزعمه، من حيث أنها تعالج المشكلات التي يعالجها الفلاسفة، كالمبدأ أو ~~الميعاد، والمصير، والأسلوب، والكائن البشري بين كونه وبين خلاصه، أو بين نشأته وبين ~~نضجه. # ولست هنا أقدح أو أمدح هذه الوجودية، ولكني أستخلص منها هذه العبر التي ذكرت، وأحب أن ~~أؤكد أن أعظم هذه العبر هي أن الأدباء يقومون في فرنسا منذ بداية هذا القرن مقام الكنيسة ~~والكهنة، والشعب يسترشد بأناطول فرانس، وأندريه جيد، وهنري باربوس، وبول سارتر، كما كان ~~يسترشد أسلافه بكهنة الكنيسة وقديسيها. # وهذا طراز آخر من الأدب لم نعرفه نحن في تاريخنا الأدبي، إلا إذا عزونا إلى المعري هذه ~~النزعة، أو هذا الموقف، حين أخذ على نفسه الاضطلاع بتعيين الأخلاق ورسم القيم، وقد فعل ذلك ~~في حذر وتردد، وأحيانا في مراوغة وتهارب، وقد كان المعري بشريا ينكر الغيبيات. # أما أدباء فرنسا فيضطلعون بهذه التبعات دون خوف، وهم يوجهون أدبهم هذه الوجهة منذ بداية ~~القرن العشرين، وكثيرا ما أقرأ لأحد الناقدين نقدا موجها إليهم فلا أدري هل هو ينتقد ~~ديانتهم أم سياستهم أم فلسفتهم أم أخلاقهم أم فنهم؟ # والواقع أنه ينتقد، أو هو يحاول أن يستوعب في نقده كل هذا، وقد سبقت هذه النزعة الأدبية ~~الاستيعابية للحياة محاولات ابتدائية من «بلزاك» و«فكتور هيجو» و«زولا». # فإن بلزاك الذي يعد أعظم القصصيين في القرن التاسع عشر قد استطاع أن يجعل القصة مسرحا ~~للنقد الاجتماعي، وهو نقد دقيق وبصير معا، ولكنه لم يكن على وجدان الأدب الفرنسي الحديث، ~~بأن الأديب يجب أن يكون على إيمان وكفاح، كما نجد في هنري باربوس مثلا، ms059 ثم جاء بعد بلزاك ~~فكتور هيجو، فكان مكافحا في السياسة يدعو إلى الجمهورية كما كان في «البؤساء» بصيرا ~~بالخفايا الاجتماعية والشقاء البشري. # ثم جاء أميل زولا الذي نهج نهجا جديدا في «الطبيعة»؛ أي نقل الحقائق البشرية كما هي بلا ~~تزويق أو مداراة، وشرح الطبيعة البشرية عارية مكشوفة، وقد وجد في أيامه أنصارا يحبون الصدق ~~ولو آلم، كما وجد خصوما يكرهون الحقائق لبشاعتها. # وهذه البذرة التي زرعها أميل زولا، وهي التزام الحقائق وتحري الصدق دون القناعات المخفية، ~~هذه البذرة هي التي نبتت في القرن العشرين وجعلت الأدباء الفرنسيين يجابهون المجتمع ويكشفون ~~عن حقائقه في استقلال الرأي وثبات القصد. # ووافق ذلك تقهقر الكنيسة، وفي فرنسا تقاليد - منذ الثورة الكبرى - ضد الكنيسة، وقد انتهت ~~هذه التقاليد إلى فصل الدين من الدولة في أوائل القرن الحاضر، وسار التعليم مدنيا بحتا، ~~حتى إن أمثلة النحو والصرف في الكتب الابتدائية كان يعنى مؤلفوها فيها بحذف الكلمات التي ~~تدل على معنى كنسي أو ديني. # وزاد في تقهقر الكنيسة أن الروح المادي تفشى وساد العقول، ولذلك ما ندهش له نحن في مصر لم ~~يعد له من الخطورة ما يدعو إلى أقل الاستغراب، فضلا عن الدهشة، في فرنسا، فإن بول سارتر ~~مثلا يجعل الإلحاد أساس فلسفته، دون مبالاة للرأي العام. # وليس بين الأدباء من هو أحب إلى القلوب من «أناطول فرانس»، ومع ذلك لا يخلو كتاب لهذا ~~الأديب من زندقة، وهو على الرغم من استغراقه في كلمات الشعائر والعبارات الدينية، بل على ~~الرغم من الإحساس الديني العجب الذي يتسم به، يعود على الكنيسة بالثورة ثالبا جاحدا، ~~ولكنه يجحد بلا غضب؛ إذ هو يضحك على الدوام، ويضحك في حنان من خصومه. # ثم يجيء «أندريه جيد» وهو بشري الدين، يجحد الغيبيات والأساطير كلها، ويدعو الإنسان إلى ~~أن يرتفع فوق نفسه وينشد الهدف الأعلى بعد الهدف العالي، ثم هو يكافح في السياسة، فيؤلف ضد ~~الاستعمار وضد الاستغلال، وأحيانا يستهتر، ولكنه في استهتاره يحس بالتبعات الفنية حتى ~~لتكاد تحكم عليه بأنه إنما يستهتر ms060 للتجربة الفنية فقط. # وفيما بين 1920 و1935 نجد كاتبا عاصفا هو «أنري باربوس» يكتب، ويعمل، إيمانا وكفاحا، ~~وهو يلخص في أدبه، في فلسفته، في سياسته وديانته، كل هذه النزعات التي سبقته، ولكنه يمتاز ~~عن جميع هؤلاء الذين سبقوه أنه مع الشعب، ولذلك كان صحفيا كما كان مؤلفا، وشيعته باريس ~~عند وفاته في سنة 1936 كما لم تشيع كاتبا آخر منذ وفاة فكتور هيجو. # وأخيرا نجد «بول سارتر» الذي يمكن أن نعده خصما سياسيا لأنري باربوس، ولكنه فيما عدا ~~السياسة يمتاز على كل من سبقوه من حيث أنه جعل الفلسفة موضوع المقهى والجريدة يناقشها ~~العمال والطلبة كما يدرسها الأثرياء من النساء والرجال. # وليس شك أن هناك نزعات استهتارية في الأدب الفرنسي، كما نرى مثلا في مارسيل بروست أو ~~بودلير، على اختلافهما، ولكن يجب أن نعترف أن هذا الأدب ينحو في مجمله نحو الجد والإحساس ~~بالتبعات الاجتماعية، ومن هنا هذا الاحترام الذي يجده من الجمهور، وهو احترام يأخذ مكان ~~الاحترام السابق للكنيسة. # وبكلمة أخرى نقول: إن الوجدان الأدبي في فرنسا، بل في الأقطار الأوروبية جميعها، يأخذ ~~مكان الوجدان الديني، والمؤلف العظيم لا يكتب ليسري عن قارئه همومه، ويرفه عنه، بل هو ~~يزيده هموما ويبعث فيه اهتمامات روحية، ويحمله تبعات اجتماعية جديدة، وهو هنا مثل الرسام ~~الجديد؛ فقد كان الرسام القديم يرسم الصورة الجميلة للمرأة الجميلة، أما الرسام الجديد فإنه ~~يعنى برسم المشكلات والأهداف، ولا يبالي أن يحزنك أو يبعث فيك الاشمئزاز، فأنت تنظر إلى ~~الرسم لتدرس وتتألم، وليس لتتسلى وتسر. # وهكذا الشأن في الأدب، فإن رسالته العصرية دينية، ولكنها مع ذلك بشرية. # وهذه الجملة الأخيرة تحتاج إلى تفسير؛ ذلك أن الأديان الغيبية القديمة كانت تحملنا ~~تبعات وتطالبنا بواجبات، ولكن القيم الأخلاقية والاجتماعية في هذه الأديان كانت قيم الآخرة ~~ولم تكن قيم الدنيا، فكان علينا أن نكون صالحين نمارس الفضيلة، ونصلي، ونصوم، حتى نستمتع ~~بالفردوس ولا نتعرض للعقوبة بعد الموت، فالقيم هنا أخروية، ولكن الأدب الفرنسي العصري، بل ~~الأوروبي كله، يحملنا أيضا تبعات ms061 ويطالبنا بواجبات، القيم الأخلاقية والاجتماعية فيه هي ~~قيم الدنيا فقط، فيجب أن نكون صالحين، وأن نمارس الفضيلة؛ كي نخدم المجتمع البشري ونرقى ~~بشخصيتنا أخلاقا ومعارف، ونجعل من كوكبنا فردوسا نجد فيه السعادة والخير والشرف. # ومن هنا المبدأ الأول في «فلسفة» أو أدب بول سارتر، وهو الإلحاد، ومع أن هذا المؤلف ~~يدعونا إلى التحرر من الديانات الغيبية، ومن المجتمع، فإنه يعترف بأننا في هذه الحالة، أي ~~بعد التحرر، سنعيش في ظلماء عمياء بلا بوصلة وبلا نجوم، وعلينا عندئذ أن نشق طريقنا وحدنا ~~دون أن ننتظر أية معونة، ودون أن نستند إلى أي سلطة سوى ضميرنا. # | نزعتان في الأدب والفلسفة # يكابد العالم هذه الأيام ألوانا من الشقاق والخلاف في اتجاهات السياسة وعقائد الاجتماع ~~ونزعات الأدب والفلسفة، تبعث على التحزب والتعصب، بل لعلها تبعث أيضا على الحرب. # والأديب، حين ينزع النزعة الفلسفية في أدبه، يكبر خطره وأثره؛ لأنه لا يؤلف هنا للخاصة من ~~المفكرين الذين يتحملون العبارة المعقدة والمعنى الغامض، وإنما هو يكتب لسواد الشعب الذي ~~يجد فيه الإيحاء والإغراء بما يؤلف من قصص أو ينظم من أشعار في أسلوب ميسر وكلمات عذبة ~~ملهمة، وعندئذ ترسب آراؤه وأهواؤه في نفوس الشعب فتعود نزعات للخير أو نزعات للشر. # ولكن ما نظنه ابتكارا في الأديب إنما هو في النهاية ما تبلور في نفسه من المجتمع الذي ~~يعيش فيه، حتى ولو كان ما يخرج به على المجتمع يناقض وجوده، أي وجود هذا المجتمع، ولا يعدو ~~الأديب أن يكون موسيقيا أو مغنيا حتى ولو لم يعرف الموسيقا أو الغناء، فهو يتقبل ويتلقى ~~من المجتمع الإحساسات والعواطف التي تتبلور في نفسه، فيخرجها فنا موضحا يعرفه المجتمع ~~ويلتذه؛ لأنه يجد فيه التعبير عما كان في نفسه غامضا غير موضح. # ولهذا أعتقد أن أعظم ما سوف يدل على التغيير في مجتمعنا أن تتغير أغانيه وموسيقاه ~~وأدبه. # وإني ذاكر هنا أديبين هما نقيضان، تبلورت في كل منهما نزعة حتى كادت تبلغ الجنون، بل ~~بلغته في أحدهما الذي مات في المارستان، في ms062 حين أن الآخر قد انتابه الجنون في خفة فكان يشطح ~~ثم يفيق. # أعني بهما «المركيز دوساد» الذي مات في سنة 1814، و«جان جاك روسو» الذي مات في سنة ~~1778. # كلاهما فرنسي، وكان كل منهما يعرف الآخر؛ فقد التقيا في سويسرا، وقد قرأ ثانيهما كل ما ~~كتبه أولهما، ولا بد أن روسو قد عرف عن حياة دوساد الكثير الذي اشمأز منه، ولكنه لم يكترث ~~للرد عليه. # ومع أن الهوة الزمنية التي تفصل بين الأدب الحديث وأدب هذين الاثنين كبيرة، فإن إيحاءهما ~~لا يزال قويا عميقا، حتى لتكاد، حين تقرأ نيتشه أو سارتر مثلا، أن تحس بإلهام المركيز ~~دوساد: أنا وحدي. أنا محور الكون. إني لأفخر بأنانيتي. مذهبي هو أن يسعى الإنسان ~~منفردا. # وكذلك حين تقرأ لتولستوي أو أناطول فرانس تحس بإلهام جان جاك روسو: إنما دلالة وجودي أن ~~أحيا للمجتمع، وأن أحب الأرض والناس، وأن أدعو للسلام والتعاون للإنسانية. # وإذا شئنا الإيجاز في كلمات قليلة قلنا: إن المركيز دوساد يؤمن بأن الطبيعة البشرية ~~عدوانية، وأن أساسها الرغبة في التحطيم، وأن ما نسميه لذة إنما هو تحطيم وهدم، بل ~~تعذيب. # ومن هنا سمى الشذوذ الجنسي، الذي يفسد الرجل السوي ويتخذ فساده نزعة إلى التعذيب، سمي ~~السادية. # ولكن حين نقول إن نيتشه أو سارتر ينزعان إلى المركيز دوساد لا نعني بالطبع أنهما يسيران ~~إلى آخر الشوط الذي قطعه، ولكننا نقصد إلى أن الاتجاه السادي عند المركيز دوساد ينبع من ~~القول بأن أساس الود البشري هو الأنانية العدوانية ونشدان السعادة الفردية التي يجب ألا ~~يخالطها أي اعتبار للمجتمع. # وجميع الوجوديين من أتباع سارتر يعترفون بأن نيتشه كان أحد الآباء الروحيين للمذهب ~~الوجودي. # وما هي دعوة نيتشه؟ # العجب في نيتشه أنه أناني؛ لأنه يريد أن يكون إيثاريا، وكأنه يقول: يجب على كل إنسان أن ~~يحب نفسه فلا يعين ضعيفا؛ لأن مصلحة المجتمع في المستقبل إنما هي زوال الضعف، فلنترك ~~الضعفاء يموتون وينقرضون؛ لأن انقراضهم يتيح للمجتمع أن يرقى ويزداد قوة بعد قوة! # وإذن أنت تحب نفسك وتؤثرها ms063 على غيرك على سبيل التضحية، بحيث تنكر إحساسات الحب والحنان ~~والعطف وتأخذ بشيء من قوانين الغابة التي لا ترحم ضعيفا أو كسيرا أو جريحا. # هذا نيتشه، وقد قال أندريه جيد: يجب أن تموت البذرة كي تولد مرة أخرى. # ولكن ليس في هذه العبارة ما يمكن أن يحمل على أنه من إيحاء المركيز دوساد، وإن كانت تنحو ~~منحاه؛ إذ هو يقول بأن الحياة تحتاج إلى التحطيم قبل أن تتجدد، ونحن نجد في سارتر دعوة ~~عنيفة إلى الانفرادية تنكر الاتجاهات الاشتراكية وتقول بمسئولية الإنسان أمام نفسه وليس ~~أمام مجتمعه، وقد نجد إنكارا لهذا القول في بعض كلماته، ولكن منحى فلسفته يؤدي إلى هذا ~~الاستنتاج. # كانت آراء المركيز دوساد، ثم نيتشه، بمثابة من يقول: اعتمادي في هذه الدنيا على عقلي وليس ~~على إحساسي، وقوتي وليس حناني، وكذلك - بدرجة أقل - الحال مع سارتر. # لقد عاش دوساد حياة مليئة بالرذيلة الجنسية «السادية»، وألف في ذلك القصص التي يعزف عنها ~~العقل الاجتماعي السليم، ولكن إيحاء شره يمتد عبر القرن التاسع عشر ويثير من وقت لآخر ~~هاجسا من أصوات الغابة، ثم هو يخلف آثارا تدق حتى لتكاد تخفى في صفحات الأدب ~~والفن. # وحين نترك دوساد ونقصد إلى روسو نحس كما لو كنا قد خرجنا من قبو مظلم قد تأكلت الرطوبة ~~جدرانه، كذلك القبو الذي سجن فيه هو أكثر من عشر سنوات، إلى الهواء المنعش والشمس ~~الضاحية. # نحس في حياة روسو ومؤلفاته إحساسات الحب، أي الحب للمرأة، زوجة وأما، ونحب الدنيا ~~والطبيعة، ونحب المساواة والإخاء، ونحب الشجر والزهر. # كان دوساد يفكر بعقله في قسوة المنطق، وهو على الدوام منطق الغابة. # وكان روسو يفكر بقلبه في رحمة الحنان وجمال الإنسانية. # ونستطيع أن نقول إن الفساد الذي وقع فيه دوساد هو فساد الحضارة المنحلة التي عاش فيها ~~معظم حياته قبل الثورة الكبرى في 1789، كما نستطيع أن نقول إن الصفاء، والرقة، وحلاوة ~~النفس، وجمال الإنسانية، هذه الصفات التي اتسم بها روسو في مؤلفاته، هي ثمرة حياته الساذجة ~~وجهله، في أيام شبابه، ms064 ببهارج هذه الحضارة. # بل لقد كان أول مؤلفاته رسالة يقول فيها إن الإنسان سعيد أصلا، ولكن الحضارة تشقيه، وهو ~~الذي أضاف إلى مبدأ الحرية للثورة مبدأي المساواة والإخاء. # بل، لقد أحب الفقر وأصر على أن يعيش فقيرا؛ لأنه وجد أن الثراء قيد يحول دون ~~الحرية. # لم يقيد نفسه بعادات الأثرياء وتكاليف المتمدنين! # وهو، على الضد من الانفراديين، كان يدعو، أو بالأحرى نحن نفهم منه، أنه يقول بالاشتراكية ~~المسيحية، ولكنه مع ذلك لم يكن معدودا من المؤمنين؛ فإن بعض مؤلفاته قد أحرق، كما طورد هو؛ ~~لأنه اتهم بالكفر ... # وعجيب حقا أن يقال عنه إنه نقل الإحساس الديني من المسيحية إلى الطبيعة، وأن يؤلف ~~كتابا عن التربية يقول فيه بمعاملة الأطفال بالحب بدلا من العصا، وأن تقول زوجته عقب ~~وفاته: «وإذا لم يكن زوجي قديسا فلست أعرف من هو ذا القديس!» عجيب أن تتهم هذه الشخصية ~~بالكفر ... # وهو يعد رائدا للأدب الحديث من حيث أسلوبه وأفكاره معا، فإنه يكتب في بساطة تكاد تكون ~~سذاجة، وفي كتابه «الاعترافات» يكشف عن قلبه، ويقول كل شيء بلا عائق نفسي؛ ذلك لأنه يحب ~~الناس ويأتمنهم على أسراره. ~~••• # في عالمنا الحاضر - كما قلنا - نزعتان لكل منهما مركباتها. # الانفرادية، التي وصلت إلى الشطط عند المركيز دوساد، هي المباراة الحرة التي تقول بالموت ~~للمهزوم، والتي يسرف دعاتها في شطط أيضا حين يتخذون شعارا: «الطبيعة حمراء بين الناب ~~والمخلب.» # الانفرادية السادية هي التي عمل بها هتلر في سجونه مع كل من خالفه بالتعذيب. # والانفرادية - السادية - أيضا هي التي تبعث هذا الروح العدواني وتبصق على وجه الزنجي ~~كأنه ليس إنسانا. # وهي التي تقول بأن العصا تربي الطفل، وأن المجرم يحتاج إلى التعذيب بالسجن الشاق. # وهي التي تقول، في فلسفتها أو غيبياتها، إن المرأة يجب أن تظل خادمة الرجل وليست ~~زميلته. # هذه الانفرادية تعتمد على مذهب العدوان باعتباره أصيلا في الطبيعة، أليس تنازع البقاء من ~~قوانين الطبيعة؟ وإذن لا مندوحة عن الحرب ونهب الشعوب وضرب المدن بالطائرات التي تقتل الشيخ ~~والشاب والأم ms065 والطفل! # والانفرادية في الأدب هي مذهب الأدب للخاصة التي تسود العامة بتقاليدها وتراثها وميزاتها ~~واحتكاراتها. # وهي مذهب المحافظين والإمبراطوريين. # وهي أشعار «كبلنج» شاعر الإمبراطورية الذي لا يتورع من أن ينصح للجنود الإنجليز أن يبقروا ~~بطون الزنوج وأن يضربوا الهنود، وليس عجيبا أن يعجب تشرشل بأشعاره. # ونيتشه هو تلميذ دوساد، ولكن التلميذ هنا يفضل أستاذه، ويتوغل في المستقبل إلى أنانية ~~فلسفية غايتها ارتقاء الإنسان كما توهمه. ~~••• # هذا هو التراث الذي يمكن أن نعزوه إلى دوساد، أي أننا نجد في مجتمعنا مركبات سيكلوجية ~~ومذهبية وسياسية لها منطق، حين نقرأ وندرس حياة دوساد. # ولكن لنا تراثا آخر من جان جاك روسو. # هو أن الطبيعة البشرية ليست عدوانية، وأن الحب يغمرنا، ونحن ننزع إلى التعاون والرغبة في ~~مساعدة الضعيف أكثر مما ننزع إلى الأنانية والعدوان. # ثم نجد المركبات لهذا المذهب. # في الطبيعة تعاون كما أن فيها تنازعا، ولكن التعاون يغلب، وكلما ارتقت الأحياء ازداد ~~اعتمادها على التعاون؛ فإن العائلة توجد في الطيور والرواضع، وهي أرقى الحيوانات، ولا تترك ~~الأطفال عرضة لتنازع البقاء، كما هي الحال في الحيوانات الدنيا، وعند الإنسان مجتمع يكفل ~~التعاون لأفراده فوق تعاون العائلة. # وروح روسو تتضح في مذاهب التربية الحديثة، وهي جميعها تقاطع العصا في تربية الأطفال ~~وتعتمد على الحب. # وكذلك الشأن في معالجة الجريمة بالتعليم والرعاية، وليس بالعقوبة والتنكيل. # وكذلك الشأن في المرأة التي ترتفع بالتعاون إلى الزمالة للرجل. # وكذلك الشأن أيضا في دعوة المساواة بين الشعوب، سوداء وصفراء وبيضاء وسمراء، وهي دعوة ~~البر والخير ومكافحة الحروب. # وأخيرا هي في الأدب، أسلوبا وهدفا، حركة شعبية سوائية إخائية إنسانية. # أيها القارئ، هل أنت انفرادي النزعة مع دوساد، أم تعاوني النزعة مع جان جاك روسو؟ ما هي ~~فلسفتك الأدبية والاجتماعية؟ # هل تقول بالتنازع أم بالتعاون بين الأفراد وبين الأمم في 1954؟ # | التشاؤم والتفاؤل في الأدب # هناك طرازان في التفكير، في السياسية والاجتماع، هما طراز المتفائلين وطراز المتشائمين، ~~والأولون هم دعاة التغيير والارتقاء؛ لأنهم يقولون بأن المساوئ البشرية الحاضرة يمكن أن ~~تعالج، والآخرون ms066 هم دعاة الجمود أو المحافظة أو التقاليد ؛ لأنهم يعتقدون أن الخير في ~~الدنيا هو البقاء على الحاضر لا أكثر. # المتشائمون هم المحافظون الذين يحرصون على بقاء القديم القائم. # المتفائلون هم الاشتراكيون الذين يغيرون المجتمع ويحاولون الارتقاء. # وهذا التمييز يتجاوز الاجتماع والسياسة إلى الأدب. # اعتبر المحافظين في السياسة في أي قطر في العالم، فإنهم دعاة التمييز العنصري أو القومي؛ ~~ولذلك يؤمنون بالاستعمار ويمارسونه: الأبيض أرقى من الأسود؛ ولذلك من الحق أن يستعمر الأول ~~الثاني، ويستبد به، ويقتله، ويأخذ كنوز أرضه من زراعة أو مناجم. # وهذا التمييز العنصري يرافقه تمييز طبقي أيضا، فإن المحافظ الذي يستغل الأفريقيين ~~والآسيويين خارج بلاده كذلك يستغل العمال داخل بلاده، ويقول بأنهم يجب ألا يطلبوا أن يكونوا ~~أرقى من مستوى طبيعتهم، ومن هنا كراهته، بل بغضه، للاشتراكية التي تقول بالمساواة. # والاستعماري هو رجل التقاليد، تقاليد التاريخ في الغزو والاستعمار؛ ولذلك كان رديارد ~~كبلنج شاعرهم، هذا الشاعر الذي لم يخجل من أن ينصح للجنود الإنجليز في المستعمرات ببقر بطون ~~الزنوج. # وبؤرة الإيمان عند المحافظين هي التشاؤم الذي يقوم على أن الناس يولدون متفاوتين، يأكل ~~بعضهم بعضا في تنازع البقاء كحيوانات الغابة. # وما دام هناك «تنازع بقاء» فإن التشاؤم يغمر النفس؛ لأن هذا التنازع يعني في النهاية أن ~~البقاء لا يكون إلا بالأنانية التي تحمل صاحبها على أن يدوس غيره كي يتفوق. # وما دمنا متشائمين فإننا نؤمن بأن الشر يتغلب على الخير في الطبيعة الإنسانية. # وهذا الإيمان يحملنا على الشك والتوجس والأنانية، والقول بأن أخلاق الناس منحطة، وأننا ~~يجب أن نقسو في العقوبات، كما يحملنا على القول بأن المرأة لا تؤمن، وأنها تخون في الظلام، ~~وأنها غادرة في الحب، إلى آخر هذه الأقوال التي تدل على الشك والخوف عند قائليها حتى ~~لينتهوا إلى الحكم بأن المرأة يجب أن تخضع للرجال كي لا تجد الفرصة لأن تخون أو ~~تغدر. # والمتشائمون المحافظون لا يثقون بالشعب؛ لأنهم لا يؤمنون بالمساواة، ولذلك لا يؤمنون ~~بالتعاون والارتقاء، وعلة جحدهم للمساواة تقوم في النهاية على ms067 أنهم يأخذون بالوراثة دون ~~الوسط، ويحترمون التقاليد القديمة. # فالناس، بالوراثة، يولدون أكفاء للسيادة أو غير أكفاء. # وبالوراثة تتسلط الدول الاستعمارية على الأفريقيين والآسيويين وتستعبدهم، وتخطف منهم ~~البترول والكوتشوك والقصدير والنحاس، أليست هذه الدول أرقى من هؤلاء الأفريقيين والآسيويين ~~الذين ولدوا بكفاءات وراثية منحطة لا تؤهلهم لأن يملكوا بلادهم؟! # المحافظ في السياسة استعماري، يقول بتنازع البقاء، وبتسلط البيض على السود والسمر والحمر، ~~وهو لا يثق بالخير في الطبيعة البشرية، ولذلك هو لا يؤمن أيضا بحقوق الدهماء من الشعب أو ~~بحقوق المرأة، ولا يسلم بأن إصلاح المجتمع يتيح للطبيعة البشرية أن ترتقي حتى إذا كانت في ~~الأصل متوحشة. # هو متشائم بالمستقبل، شعاره «الدنيا جيفة والناس حولها كلاب». # وإذن يجب على هذه الكلاب أن يقاتل بعضها بعضا. # المحافظون يدعون إلى الحرب. ~~••• # أما المتفائلون فطراز آخر، فإنهم يدعون إلى التعاون، أي الاشتراكية، وليست التقاليد ~~عندهم، وليست الوراثة البيولوجية نفسها، سوى كلمات يراد بها تجميد الشعب ومقاومة الحركات ~~الارتقائية. # وهذا التجميد هو في النهاية إعاقة الإصلاح والإنهاض للطبقات العاملة حتى تبقى في شقائها ~~وفقرها، بينا تبقى الطبقات العليا في ثرائها وامتيازها التقليديين. # المتفائل يؤمن بالوسط، وأنه أكبر أثرا في الارتقاء الشخصي من الوراثة، وهو لذلك يدعو إلى ~~التعليم والتصنيع ونشر العلم ومساواة المرأة بالرجل وإلغاء الاستعمار والاستغلال، أي يدعو ~~إلى الاشتراكية. # وكلمة «المساواة» الاجتماعية الاقتصادية تكاد تفقد معناها إذا سلمنا بالوراثة كأنها كل ~~شيء؛ لأن حتمية الوراثة تعني في النهاية الإيمان بالقدر الذي لا يمكن إنسانا أن ~~يغيره. # إننا لن نغير موروثنا المقدر لنا، هذا هو إيمان المتشائمين. # ولكن المتفائلين يقولون: إننا نتغير إلى أحسن، ونرتقي، إذا كان وسطنا راقيا يعلمنا ~~ويهذبنا وينير عقولنا ويقوي صحتنا. # والمتفائل لذلك اشتراكي، ارتقائي، إنساني، يؤمن بالمساواة بين الشعوب، وبمساواة المرأة ~~للرجل، وبالمستقبل الذي سينهض على العلم، ولا يسلم بأن الأسود دون الأبيض في الكفاءات؛ لأن ~~كل ما هناك من فرق أن الأبيض وجد وسطا حسنا فارتقى به في حين وجد الأسود وسطا سيئا ~~فانحط به. ~~••• # وفي الأدب متشائمون ms068 ومتفائلون أيضا؛ أي محافظون واشتراكيون. # الأدب المحافظ ، الأدب المتشائم، هو أدب الجمود والتقاليد، وكراهة التغيير، وكراهة المرأة، ~~والخوف من المستقبل، وهو الأدب الذي يجد المبررات للاستعمار وللتفاوت بين الطبقات. # والأدب الاشتراكي هو أدب التغير والتطور، والإيمان بالمستقبل، ومكافحة الفقر والجهل ~~والمرض، ومكافحة الاستعمار والاستبداد. # هو أدب الشعب الذي يكتب بلغة الشعب. # ولننظر نظرة عاجلة في مسرحية «أهل الكهف» التي ألفها الأستاذ توفيق الحكيم كي نحكم: هل هي ~~أدب متشائم أم أدب متفائل؟ # فهذه المسرحية تنهض على أسطورة شاعت بين المسيحيين حوالي القرن الثالث، حين كان الرومان ~~الوثنيون يضطهدونهم، وتتلخص في أن بعض المسيحيين فروا من الاضطهاد إلى كهف ناء واختبئوا ~~فيه، ثم جاءت المعجزة، فإنهم كانوا ينوون قضاء ليلتهم، أو بعض الليالي، مختبئين، ثم يعودون ~~إلى المدينة عندما تنحسر موجة الاضطهاد، ولكنهم ناموا نحو ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، ثم ~~استيقظوا وبعثوا أحدهم كي يشتري لهم طعاما من المدينة وهم جميعهم على توهم بأنهم لم يناموا ~~غير ليلة واحدة، ولكن هذا المبعوث عاد يخبرهم بأن نقوده التي يحملها لشراء القوت لم تقبل؛ ~~إذ إن هناك نقودا أخرى لها سكة أخرى، ثم يخرج الآخرون فيعرفون بعد عناء أنهم كانوا نياما، ~~وأن النوم طال إلى نحو 50 أو 100 سنة، وأن الدنيا تغيرت، وهم لا يستطيعون أن يعيشوا في ~~العصر الجديد؛ لأن ناس هذا العصر قد نشئوا على عادات وأفكار غير ما ألفوه في حياتهم، ولذلك ~~آثروا الموت على الحياة، وعادوا إلى الكهف كي يموتوا. # وواضح أن القصة تشائمية، مع أن منطقها كان يدعو إلى التفاؤل، هنا مسيحيون تضطهدهم ~~الوثنية، فيفرون إلى كهف للاختباء، ثم يستيقظون فيجدون أنهم قد حظوا بمعجزة؛ إذ ناموا نحو ~~نصف قرن أو أكثر، ولكنهم بدلا من أن يفرحوا لأن الدنيا قد تغيرت وفق ما أرادوا، وأن ~~الوثنية قد زالت وجاءت المسيحية - ديانتهم هم - مكانها، بدلا من أن يفرحوا بهذا الانتصار ~~حزنوا لديانتهم، وآثروا الموت على الحياة؛ لأنهم وجدوا ناسا وعصرا غير ناسهم ~~وعصرهم. # فأي سخف أكبر من هذا؟ ms069 هل ينتحر الإنسان؛ لأنه فقد ثروته وأصدقاءه ووسطه؟! # أليس في انتصار الإيمان بالمسيحية على الإيمان بالوثنية ما يبرر بقاءه، بل فرحه؟ أليس في ~~هذا الانتصار انتصار للشعب؟ # ولكن الأستاذ توفيق الحكيم لم يذكر الشعب هنا، ولو ذكره لتفاءل له، وجعل القصة تنتهي ~~بمهرجان الانتصار، انتصار الحياة، لم يذكر الشعب؛ لأنه ليس اشتراكيا متفائلا. # في هذه المسرحية لم يكن توفيق الحكيم إيجابيا؛ فإن رجاله لم يحلوا مشكلتهم إلا ~~بالاعتكاف والانزواء، ثم الموت؛ أي ذلك الحل السلبي الذي يلجأ إليه العجزة الذين لا ~~يفكرون، ثم هو آثر لهم الموت على الحياة، وكأنه قد صار داعية انتحار بدلا من أن يكون داعية ~~حياة. # والنقد السليم للأدب هو النقد الاجتماعي، أي أن الناقد يسأل: ما هي قيمة هذا العمل الأدبي ~~في المجتمع؟ هل هو يحض على الحياة والصحة والخير، أم يحض على الانتحار والمرض والشر؟ # فهل دعا توفيق الحكيم في هذه المسرحية إلى الحياة؟ # الجواب: لا، إنه دعا إلى الموت. # | قصة # بين الكتمان والبوح # كان الأستاذ «س» يؤلف كتابا، وكان عنوان الفصل الذي كتبه في الصباح «الحب»، وصل إلى نقطة ~~أحس فيها أن قلمه تجمد، وأن السلاسة التي كانت تجري فيها الكلمات قد تعقدت، وعاد يقرأ ما كتب: # يكاد الحب يكون غير طبيعي؛ لأن ما نجد في الطبيعة، في غير الإنسان، إنما هو ~~الاشتهاء الجنسي فقط، أو حب الأم لأطفالها، ولكنها - أي الأم - تنسى هذا الحب عندما ~~يكبر هؤلاء الأطفال. # أما حين نتحدث عن الحب بين البشر فإننا نتحدث عن سمة إنسانية، وصحيح أن هذه السمة ~~قريبة من حب الأم لأطفالها بين الحيوان، ولكنها بالطبع أدوم؛ إذ هي تبقى طيلة ~~الحياة، ولكنها، مثل حب الأم، بعيدة عن الاشتهاء الجنسي، بل يكاد يكون هناك تناقض ~~بين الحب والاشتهاء، بحيث إذا زاد الأول نقص الثاني وإذا زاد الثاني نقص الأول، وما ~~نجده من الجمع بينهما في الإنسان إنما هو فن وليس طبيعة. # ولذلك ليس من الخطأ أن نقول إن الحب هو فن من الفنون الجميلة لا ms070 يختلف عن الشعر ~~والرسم والنحت، ففي جميع هذه الفنون نجد أن الفنان يستنبط المعاني ويفطن إلي ~~اللمحات، ويحاول أن يجسم الومضات، وكذلك شأن المحب، فإنه يجد في حبيبه أو حبيبته ~~من المعاني إلهاما، ومن الإحساس جمالا، وهو يرى الرؤى، ويحلم الأحلام عن هذه ~~الشخصية التي يحبها، ولذلك كثيرا ما يكون الحب موضوع الشعر أو الرسم، بل هو أسمى ~~الموضوعات لهذه الفنون؛ إذ هو يجمعها كلها للتعبير عن حالاته. # والذي يجعل الناس يلتبس عليهم الحب فيحسبونه اشتهاء جنسيا أنه يقع مدة الشباب، ~~ولكن إذا تأملنا، وعرفنا أن الجمال - وهو موضوع الحب - إنما يبلغ ذروته في الشباب، ~~فإننا نستطيع عندئذ أن نعلل هذا التطابق بين الشباب والحب؛ إذ هو في الأصل تطابق ~~بين الجمال والحب. # وليس في الدنيا أجمل أو أطرب من الحب: شخصان يتحابان فيحس كل منهما أنه رفيق ~~الروح ومختار القدر وشريك العيش، ومهما تراكمت المحن فإنها تهون عندما يعرف المحب ~~أن هناك شخصا آخر على هذه الدنيا يشاركه في إحساسه ويفكر فيه ويرصد قلبه ~~له. # ولذلك يجب أن ندرس الحب لشبابنا كما ندرس الرسم أو الشعر أو النحت، ونعين ~~فصول هذه الدراسة في بحوث مختلفة تلتف موضوعاتها حول شخصين محبين، كيف يعيشان في ~~جمال وارتقاء وتعاون، بحيث تسير حياتهما في إيقاع كما لو كانت رقصا أو لحنا حتى ~~لا يموت الحب ... # وهنا وقف القلم، بل تجمد. # فإنه كان يريد أن يتناول الرقص وعلاقته بالحب، ولكنه تذكر جمهور القراء الذين يكتب لهم، ~~إنهم شرقيون قد عرفوا الرقص الداعر، وهم ينفرون منه، ثم لم يعرفوا غيره، وتذكر الناقدين ~~البذيئين؛ فقد نشر له كتاب حديث، ولكن الناشر أصر على نزع فصل منه عن الرقص. # وضع القلم وشرع يستعيد كظومه الأدبية والفنية، فإنه قد وقف كثيرا في المآزق حين كان ينزع ~~به أدبه إلى الفكرة الجليلة فيكظمها؛ لأنه كان يحس أنها تصطدم بعادات المجتمع الذي يعيش فيه ~~أو بشبهات الناقدين. # وسمع نفسه وهو يقول: شرق وغرب، إنه شرقي مثل سائر مواطنيه، ولكنه ثار ms071 على الشرق عندما ~~أيقن أن عاداته تعوق ارتقاءه، ودعا إلى أن يأخذ الشرقيون بعادات الغربيين كي يقووا مثلهم، ~~ولكنه لم يجن من هذه الدعوة غير الكراهية والنفور، وأحس التناقض العميق بينه وبين المجتمع، ~~وهو تناقض كاد يفصل ما بينه وبين مواطنيه؛ فإن أسلوب حياته، وأهدافه الثقافية والسياسية ~~والروحية، تنأى عن عادات مجتمعه، إنه ليخالف سائر الكتاب؛ إذ هو وإن كان يكتب باللغة ~~العربية، فإنه يفكر تفكيرا أوروبيا. # وكان أعظم ما يقطع كالسكين في كيانه النفسي أنه كان يضطر إلى التلفيق، أو - كما يقول غيره ~~- «التوفيق»، فإنه هنا وقف لا يعرف كيف يكتب، كأن هاتفا اجتماعيا قد هتف به: «لا تكتب عن ~~الرقص، دع هذا الموضوع، لا تقربه، أو قل بضع كلمات لا تغني ولا تتورط فيها»، ولكنه عجز أن ~~يصالح نفسه على هذا التلفيق. # وكانت دراساته السيكلوجية قد غرست فيه الاقتناع بأن الكظم هو أساس التعب النفسي عامة، ثم ~~الجنون والشذوذ، فقال: ولكن هذا الكظم الأدبي سيقتلني وسيقضي علي، لا أستطيع أن أكتب ما ~~أريد، هذا هو السبب في أن كثيرين من المؤلفين يجنون، يريدون أن يقولوا ويبوحوا فلا ~~يقدرون. # والواقع أنه كان منذ بداية الصيف، بحره وغباره وعرقه، يحس ضيقا لا يطيقه، وكانت ~~الصعوبات الصغيرة تستحيل عنده في هذه الظروف إلى مشكلات كبيرة، حتى ضوضاء الشارع التي كان ~~يحبها، ويجد في نداءات البياعين الجوالين ترانيم حلوة، قد أصبح لا يطيقها. # ومضت عليه مدة تقارب الشهر وهو عاجز عن التأليف، يكره رؤية مكتبته، أو تناول القلم، أو ~~التفكير في كتابه. # لقد وقف عندما شرع يكتب عن علاقة الحب بالرقص، وكان الناشر ينتظر، ويسأل، ويلحف كل ~~يوم لإتمام الكتاب. # ولكن بينه وبين إتمام الكتاب مدة كأنها غصة تخنقه. # وكان له صديق طبيب سيكلوجي يدعى الدكتور «ص» فاستعان به، ولم يمض ربع ساعة على طلبه ~~بالتليفون حتى كان عنده. # وكان الأستاذ «س» في انهيار على سريره، وكانت توتراته واضحة، حتى إنه لم يحسن استقبال ~~صديقه الدكتور «ص»، بل إنه أحس بعداء نحوه ms072 لم يفهم معناه، وقال له في خشونة: اسمع، لا تقل ~~لي «مركب أوديب»، ولا تذكر «شهوة الموت»، ولا تذكر «الكظم الجنسي»، ولا تسألني عن أحلامي؛ ~~فإني لا أحلم، كل ما أشكوه أني عاجز عن الكتابة لا أعرف كيف أكتب. # وضحك الدكتور «ص»، وجعل يتجسس على طريقة فرويد، ويمازح، ويضاحك، وكانا صديقين قديمين، فلم ~~يتمالك المؤلف المريض أن ضحك معه ... وقال الدكتور «ص» وهو يمزح: لعلك تحتاج إلى حب جديد ~~... # وبعد أن توالت زيارات الدكتور «ص» نصح له بأن يترك البيت إلى فندق بالإسكندرية، يقضي هناك ~~نحو شهر لتأليف الكتاب. # فقال الأستاذ «س»: أي كتاب؟ أنا لا أستطيع أن أعود إلى التأليف، أنا مجمد! فقال الدكتور ~~«ص»: أعتقد أنك تضع عنوانا لكتابك هذا «عقدتي» تشرح فيه موقفك من الثقافة العصرية في مصر؛ ~~فأنت تعرف أنك لا تنساق فيها، وأنك تناقضها كما تناقض مجتمعك وتحاول أن تغيره، ومن حقك أن ~~توضح الفروق التي تفصل بينك وبين المجتمع والثقافة السائدة فيه، فهنا بوح لك يفرج عنك ~~كظومك، واعترافات ترتاح إليها نفسك، وشكاية تبثها، وأيضا هنا دفاع عن موقفك، وتنوير ~~للقراء، فإن كل ما تعانيه أنك تكظم ولا تبوح، أنت في صراع بين أن تنطق وبين أن تصمت، وهو ~~صراع قد شل قلمك وأوجد حبسة في ذهنك. # فأجاب: هذا والله هو ما يجب، ولكني غير قادر على أن أبوح، ومن هنا كظمي وعجزي. # فقال الدكتور «ص»: أنت تبالغ حين تعتقد أن الجمهور يكره آراءك، وظني أن جمهور قرائك الذين ~~يعرفون إخلاصك سيقبلون كلماتك بنفس الإخلاص الذي تجد إلهامه أنت حين تكتب. # فقال الأستاذ «س»: تنقصني الشجاعة. # فقال الدكتور «ص»: هذا واجبك لنفسك كي تشفى من عقدتك، وإضرابك من مواجهة المشكلة لن ~~يزيلها، وهذا واجبك للشعب الذي تخدمه كي يعرف الحقائق، وهو حر بعد ذلك في قبولها أو رفضها، ~~وهو حين يرفض ينقلك من الشك إلى اليقين، وهنا راحة؛ لأن اليأس خير من الشك. # ونهض في فراشه، وكان مستلقيا، وأحس دبيب الانفراج يسري في قلبه، ms073 وقال: نعم، سأؤجل كتابي ~~عن الحب، وسأشرع في نفض توتراتي جميعها، سأنفضها بغبارها، وسأقول: لماذا لا يمكنني، بل لا ~~يمكن أي كاتب في مصر أن يؤلف كتابا حسنا؛ ذلك لأنه ليس حرا فيما يريد تأليفه، وليست ~~الحكومة بقوانينها هي وحدها علة هذه الحال، بل المجتمع هو العلة الأصلية؛ لأنه بعاداته يعوق ~~التفكير الحر والرأي الجديد، وسيكون كتابي هذا اعترافاتي التي يفيض بها قلبي. # ثم صمت، وقال: ليس المجتمع هو العائق، وإنما هم النقاد الجهلة؛ لأن الجمهور يعرف ويقدر ~~الإخلاص في كتابه. # وجمع الأستاذ «س» حاجاته وسافر إلى الإسكندرية، وهناك في فندق ناء على الرمل شرع يستجم، ~~ويستلقي على ظهره في السرير في حضانة ذهنية لمؤلفه الجديد. # وجعل يهب من وقت لآخر إلى المنضدة الصغيرة فيدون كلمات على ورقة، ثم يهب فيمزقها ويكتب ~~غيرها، وكان بعض العناوين التي كتبها: «لماذا تفشل العائلة؟» و«نحن صغار فكيف نكبر ~~وننضج؟» و«نحن أقدم من القدماء»، و«مصر بعد مائة سنة»، و«لا تخنقوا المفكرين المقلقين»، ~~و«كلمة عن ابن حزم والحب». # وكتب نحو عشرين عنوانا، وشرع يؤلف كتابه في حماسة وسرعة لم يعهد مثلهما من قبل. # وظهر الكتاب، وكان مليئا بالاعترافات، وقرأه الجمهور في لهفة، وتقبله الناقدون في سباب ~~وبذاء، وعرف المؤلف أن توتراته كانت من اعتقاده المخطئ عن الجمود الذي كان يصف به ~~الجمهور. # وعاد في حماسة وانبساط إلى إتمام كتابه عن الحب، واستطاع أن يكمل الفصل الذي كان قد أحدث ~~له العقدة والغصة. # وظهر كتاب «الحب» فأقبل عليه الجمهور الذي يقدر الصراحة والأمانة فيمن يخدمونه، وحمل عليه ~~النقاد بالسباب والبذاء؛ لأنهم مثقلون بمركبات لغوية وأدبية وفنية تحول بينهم وبين التفكير ~~العصري الناضج. # | الحركة الرومانتية الزاحفة # لا يزال يعاني الأدب العربي الحديث مرضا أصيلا، هو أنه اتباعي وليس ابتداعيا، أو - ~~بالتعبير الأوروبي - هو كلاسي وليس رومانتيا، ولكنه يوشك أن يشفى من هذا المرض. # الأدب الاتباعي، الكلاسي، هو ذلك الذي «يتبع» ولا يبتدع، فهو يأخذ بأساليب القدماء وينزل ~~على قواعدهم اللغوية والنحوية، ويستعيد صورهم وطرزهم الأدبية، ويلتزم تقاليدهم ms074 في القيم ~~الأخلاقية والفنية ، هو أدب خاص يؤلف للخاصة الناعمة أو الجامدة. # الأدب الابتداعي هو الأدب «يبتدع» ويقتحم، ولا يبالي أن يغير في القواعد والقيم والصور ~~والطرز، وهو أدب عام يؤلف للعامة؛ أي للشعب، وهو لذلك أدب ثائر على الأوضاع القديمة التي ~~كانت تنكر حقوق الشعب. # ولنبدأ من البداية، فيما بين 1750 و1850 نجد في أوروبا حركة بل حركات اجتماعية وسياسية ~~وأدبية، وجميعها صور مختلفة لنزعة واحدة، هي النزعة الرومانتية. # وكلمة رومانتية تشتق عن أصل لاتيني، وتعني العامة، أي عامة الشعب الجهلاء الفقراء، وليس ~~خاصته الذين تعلموا اللغة اللاتينية (الفصحى) وعاشوا في ثراء. # ونحن نجد في هذه المائة من السنين، التي تقع بين منتصف القرن الثامن عشر والقرن التاسع ~~عشر، أحداثا يحدث كل منها في ميدان يوهمنا البعد عن الآخر، ولكنه عند التأمل يتضح لنا ~~أنه مرتبط به. # ففي الميدان السياسي نجد طرد الملوك الطغاة وتحطيم العروش وإيجاد النظم الجمهورية ~~والبرلمانات الشعبية، بل نجد الأحزاب العصرية والحركات الشعبية، ففي هذه المدة مثلا ظهر ~~«روبرت أوين» مخترع نظام التعاون وواضع كلمة الاشتراكية الأوروبية، كما نجد انهيار النظم ~~الإقطاعية في أوروبا. # وفي الميدان الاجتماعي نجد المدينة تأخذ مكان القرية الإقطاعية، ونجد المصنع يجذب إليه ~~العمال من الريف ويمسح من عقولهم العقلية الريفية الساذجة، بل يجذب أيضا الفتيات ويجعلهن ~~يعتمدن على كسب أذرعهن فيفهمن معنى الاستقلال الشخصي، ثم معنى الحب، أي لا زواج بلا ~~حب. # ثم في الميدان الأدبي نجد أنه بزوال الإقطاعيين والملوك والأمراء، وبزوال العقل الريفي ~~الذي يلتزم التقاليد، وأيضا بظهور طبقة جديدة هي الطبقة المتوسطة القارئة، بزوال أولئك ~~وظهور هؤلاء نجد النزعة الرومانتية والأدب. # أي الأدب للشعب، بلغة الشعب وهموم الشعب، مع الإكبار من شأن الحب، وظهور القصة، والحملات ~~المنظمة على المظالم السياسية والاقتصادية، والاتجاه الاشتراكي، والجرأة على التقاليد ~~والاستبدال فيها ... إلخ، ثم ظهر رومانتيون كثيرون يعبرون عن هذه النزعة، ولكن الكاتب الذي ~~تبلورت فيه هذه النزعة هو «جان جاك روسو»؛ ولذلك تكفينا الإشارة إلى بعض كلماته وآرائه كي ~~نعرف ms075 ماهية الرومانتية. # وأول ما نذكر أنه هو صاحب شعار الثورة الفرنسية: «الحرية والإخاء والمساواة»، وهي كلمات ~~شعبية ترفض التسليم بإيجاد خاصة وعامة؛ إذ كيف تمكن المساواة والإخاء مع وجودهما؟ # ثم هو داعية الحب على طريقة ابن حزم الأندلسي، وعاطفة الحب هي أحسن العواطف وأشرفها، وهي ~~تضع القلب فوق العقل. # ومن أعظم سمات الحركة الرومانتية الاعتماد على الإحساس دون المنطق، أي إحساس القلب بدلا ~~من منطق العقل، ولذلك يغمر الحب هذه الحركة كلها، ومن سماتها أيضا تعليل المساوئ البشرية ~~بسوء النظام الاجتماعي، وأن الإنسان طيب بطبيعته سيئ بمجتمعه، ولذلك نزع روسو إلى الطيبة ~~حتى قيل عنه إنه استطاع أن ينقل الإحساس المسيحي عن الكنيسة إلى الطبيعة التي وجد فيها ~~حنانا وجمالا وعدلا لم يجد مثلها في المجتمعات المتمدنة. # وظهرت حركات اجتماعية كثيرة هي ثمرة هذا التفكير الرومانتى؛ فإن حركة الرواد، والتجوال في ~~الريف، والاصطياف على الشواطئ، هي ثمرة رومانتية لأفكار روسو وغيره من طرازه، وكذلك إلغاء ~~الضرب في المدارس، وتعذيب المسجونين، بل إلغاء التعذيب للمجانين، وأحيانا إلغاء عقوبات ~~الإعدام، كل هذا بعض ثمرات الحركة الرومانتية. # بل الرأفة بالحيوان هي أيضا إحدى هذه الثمرات. # وأخيرا الحب للعامة؛ فإن العامة، الرعاع، الغوغاء، قد ارتفعوا إلى مقام الشعب عند ~~الرومانتيين الذين تغنوا بسذاجتهم وجمال أقاويلهم وطهارة نفوسهم، وهذا ما ينتظر؛ لأنهم ~~كانوا ثائرين على الخاصة في السياسة والأدب والاجتماع. # وحياة روسو رومانتية تحفل بكلمة «ضد» ... # هو ضد تقاليد الزواج التي كانت تحفل بالقيود. # هو ضد تقاليد المجتمع التي كانت تقر التفاوت العظيم بين الثراء الفاحش والفقر ~~الفاحش. # وهو ضد تقاليد الأدب التي كانت تعتمد على أساليب القدماء وحفظ اللغة اللاتينية. # وهو ضد الحضارة التي زيفت الحقوق الإنسانية ومنحت الامتيازات للنبلاء. # وهو يؤثر أن نكون ابتداعيين ضالين من أن نكون اتباعيين راشدين، بل هو يعتقد أن كل ما سبقه ~~من الحضارة والأخلاق والاجتماع كان مظالم منظمة، وأننا يجب أن نبدأ ونبتدع ونخترع، وأخيرا ~~هو صاحب الأكذوبة العظمى «العقد الاجتماعي»، وهي أكذوبة باطلة، ولكنها تمخضت فولدت ms076 حقا ~~للشعب، وهو ألا يحكم الشعب إلا بإرادته، وليس بإرادة الملوك. # ماذا عندنا من الحركة الرومانتية في مصر؟ # لقد ظهرت الحركة الرومانتية في أوروبا بظهور الطبقة المتوسطة؛ أي بظهور طبقة تحس أنها ~~كانت مظلومة بحكم اللوردات والكونتات؛ أي الباشوات الأوروبيين، وأن تاريخها الماضي هو تاريخ ~~المظالم التي أوقعت بأفرادها، فلما حطمت النظم الإقطاعية كان من المنطق أن تحطم الثقافة ~~الإقطاعية، وأن تكره التقاليد التي كانت تجعل أبناء الطبقة المتوسطة عبيدا للخاصة، وأن ~~تكافح للمستقبل وتعتمد على لغة الشعب. # لغة روسو هي لغة الشعب. # وقد ظهرت في مصر طبقة متوسطة، وهي ليست كبيرة، ولكن أثرها واضح، فإنها هي التي حطمت عرش ~~فاروق، وظهرت إلى جانبها، بل قبلها، حركة صناعية مبتدئة جذبت عمالنا الريفيين وآلافا من ~~فتياتنا العاملات إلى المصانع وأكسبتهم عقلية جديدة. # وهؤلاء هم الشعب الجديد الذي يفكر في المستقبل. # وبخروج المرأة من الحجاب إلى السفور، ثم إلى العمل والكسب، ازداد الشعب إحساسا بالحريات ~~السياسية والاجتماعية. # وظهرت القصة في الأدب المصري الحديث، والمتأمل للقصة المصرية العصرية يجد فيها قصة أبناء ~~الطبقة المتوسطة، وقل أن تتجه نحو العمال، ولا تكاد تعرف الباشوات والبكوات. # إن الطبقة الجديدة، الطبقة المتوسطة في مصر، هي التي أوجدت القصة المصرية. # وقد تألم كتاب القصة؛ لأني لمتهم على التقصير في الإتقان الفني، ولكني أنتهز هذه ~~الفرصة الآن لأن أقول إن لكتاب القصة أكبر الفضل. # لقد جعلوا الحب كلمة مألوفة وفكرة مألوفة في أمة كانت تقاطع الحب، وأكسبوا مصر بذلك سعادة ~~جديدة، ووثبوا بنا إلى المستقبل الحر. # لقد كنا نتزوج قبلا بلا حب في نظمنا الإقطاعية الماضية، وكنا نسأل قبل الزواج عما تملك ~~الفتاة أو ينتظر أن تملك من فدادين أبيها الإقطاعية! # أما الآن فإن شبابنا وفتياتنا يسألون عن الحب وينتظرونه، وهم بذلك يحيون الحياة الصالحة، ~~حياة السعادة، وكثير من هذا التطور يعود الفضل فيه إلى تفشي قصص الحب بيننا. # والقصة هي حركة رومانتية ابتداعية ثائرة على تقاليدنا القديمة، وهي تنبع من إحساس الشعب ~~(والطبقة المتوسطة منه) وليس من ms077 إحساس الخاصة. # وكما أن كلمة (رومانتية ) تعني العامية، فإن دعاة القصة في مصر قد دعوا أيضا إلى اللغة ~~العامية، كأنهم يريدون أن يلتزموا حرفية الكلمة. # إن الرومانتية هي الفضيلة الذهنية الأولى لكل أدب جديد. # وليس شك أن أدبنا يخاطب الآن أبناء الطبقة المتوسطة؛ لأن العامة لم تتعلم، فليس عندنا ~~منها مؤلفون، وإن يكن عندنا منها بعض القارئين، ولكن رويدا رويدا يتعلم الشعب، رويدا ~~رويدا ينزل المؤلفون القصصيون إلى العامة، بل لقد نزلوا أو نزل عدد منهم. # إنهم مؤلفون عاميون؛ أي رومانتيون، قد أخذوا بحرفية الكلمة، أليست رومانتية تعني ~~عامية؟ # وهم مضطرون، بحكم نزعتهم الرومانتية، إلى أن يسيروا في أنحائها وإلى أمدائها البعيدة مع ~~الشعب، وعلى الدوام مع الشعب، وهذا هو ما لم يعرفه قط الأدب القديم، كما لا يعرفه دعاة ~~الأدب الاتباعي؛ إذ هم - في صميمهم - قدامى أيضا يدافعون عن القديم. ~~••• # نحن نعالج في أيامنا هذه انتقالا اجتماعيا من المجتمع الإقطاعي إلى مجتمع الطبقة ~~المتوسطة، مجتمع التجاريين والصناعيين والموظفين والمهنيين الأحرار (مثل الأطباء والمحامين ~~والمعلمين ... إلخ)، والنساء العاملات. # وقد ألغينا العرش والباشوات والبكوات والإقطاعيين. # وفي الوقت نفسه اتجه الأدب نحو الشعب اتجاها رومانتيا - أي، كما قلنا، شعبيا - فظهرت ~~القصة ودعت إلى الحب، وهذا أكبر خدمة قام بها نحو المجتمع المصري. # إن التحلل من القيود الاجتماعية الجامدة المتعسفة قد أحدث تحللا أيضا من القيود اللغوية ~~والأدبية الجامدة المتعسفة. # ثم تفاعل الأدب الجديد مع المجتمع الجديد، الأدب يؤيد الثورة، والثورة تحفز الأدب إلى ~~خدمة الشعب، وستقوى هذه النزعة في المستقبل كلما أحس الأدباء برسالتهم إزاء المجتمع. # وهي رسالة الخدمة للمجتمع، أي للإنسانية؛ إذ كيف نخدم الإنسانية إذا لم نخدم المجتمع، ~~وأين نجدها؟ # وهذا وضع جديد للأديب الذي لم يعد خادما يهرج ويسلي ويمدح ويقول النكتة؛ إذ هو الآن معلم ~~ومرشد، هو إمام، هو نبي له رسالة. # | أدب الاعتراف # حياة الكاتب خير مؤلفاته # ذلك أن الكاتب حين يؤلف قصة، أو يكتب مقالا، أو ينقد رأيا، أو يدعو إلى مذهب، إنما يصدر ~~في كل ms078 ذلك - إذا أخلص - عن نفسه، وأبطال قصصه إنما هي تمثيل لبطولته هو، وفضائله ورذائله ~~هو، وهو بالطبع يعمد إلى خياله كي يتعوض به مما كان ينقصه في حياته، أو هو يزيد وينقص في ~~الحوادث كي يلائم بين ما يجب وبين مجرى القصة. # ولذلك قيل بحق إننا نترجم عن أنفسنا ونروي أحداث حياتنا في القصة الخيالية بأكثر صراحة ~~مما نرويها في الترجمة الذاتية؛ ذلك لأن القصة، بما تنطوي عليه معانيها أمام القارئ والمؤلف ~~معا، تعطينا من الحرية في القول ما لا تعطينا إياه الترجمة الذاتية، ولكن، ومع ذلك، نحن في ~~حاجة إلى الترجمة الذاتية، وأدبنا العربي يحتاج إلى هذا الطراز من الاختبار الفني؛ إذ إن ~~المؤلف، إذا كان على شيء من الجرأة يستطيع أن يقف عريانا أمام القراء، وإذا كان على حق في ~~مواقفه الاجتماعية أو الإنسانية فإنه لا يبالي أن يعارض ويجابه خصومه ويبرز هذه المواقف ~~العديدة التي وقفها في مجتمعه أو من أحداث العالم. # وما دامت الأحداث والمصادمات التي لقيها هي نفسها أيضا تلك التي لقيها القراء، فإنه، ~~بالاعتراف، يزيد وجدان الدنيا لهم، وبذلك يزيد إحساسهم وذكاءهم وحملهم على النقد لأنفسهم ~~وللمجتمع. # وحين تكون هناك ثورات أو انقلابات نحس الحاجة إلى الاستنارة بالوقوف على التفاصيل الخفية ~~التي تغير بها الإحساس واتسع بها الوجدان، ومن هنا قيمة الاعترافات التي يدلي بها سياسي ~~كابد الأحداث السياسية وكان على القمة يرى أكثر مما يرى غيره، ومن هنا شوقنا إلى قراءة ما ~~يكتبه الساسة من ذكرياتهم، وقد لا يكون الكاتب هنا أديبا، ولكنه عندما يكون شجاعا ومخلصا ~~يؤدي لنا باعترافاته خدمة عظمى في التنوير الاجتماعي كما قد يؤدي لنفسه توبة يتطهر بها من ~~جرائمه التي ارتكبها عن عمد ووجدان أو عن سهو وغفلة. # وأكاد أقول إن حياة كل إنسان جديرة بأن تروى على حقائقها مهما يكن أسلوبها أو غايتها، فإن ~~الرجل أو المرأة التي تحيا على هذه الدنيا سبعين أو ثمانين سنة جديران بأن يقصا علينا ~~حياتهما في النجاح والخيبة، وأن يصفا لنا ms079 الأمل الأول واليأس الثاني، وما لقيا من ارتباك ~~وتوتر وانفراج، بل لعل الخائب هنا أقدر على تنويرنا من الناجح؛ لأنه، حين يقص علينا ظروف ~~خيبته أو خيباته ويحلل أسبابها، إنما ينقل إلينا العوامل البانية والهادمة في تاريخ عصر أو ~~في تاريخ إنسان، ولكن عبارة «يحلل أسبابها» تجعلني أقصر القدرة على الأديب أو المفكر أو ~~العالم الاجتماعي أو الفيلسوف، ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك، حتى من العامة الذين لم ~~يتعلموا، من لا يستطيع رواية الأحداث التي وقعت لهم في حياتهم، وقد ننتفع بجهلهم هذا حين ~~نجد أثره في استصغار أو استكبار بعض الأحداث وفي معان من المعرفة أو من التعليم. # ولكن الأديب هو من يترجم بحياته؛ لأنه أقدر من غيره في التعبير، والقدرة على التعبير هي ~~في النهاية قدرة على التحليل والتعليل والتأليف والبناء، وقد رأى أدباء مصر السواد والظلام ~~في بلادهم، بل رأوا المظالم تترى، والنفاق والخسة والفسق تسير جميعها في ركاب مطهم، كما لو ~~كانت فضائل عليا، بل لعلنا رأينا الجهل يكافأ كما لو كان نورا تحتاج إليه البلاد. # رأى الأدباء والساسة كل ذلك وأكثر منه، وعليهم لذلك دين يستحق الأداء للشعب؛ هو أن يعمدوا ~~إلى أقلامهم ويرووا قصص هذا الظلام والسواد للعبرة والدلالة والمغزى. # والأديب المخلص لا يستطيع أن يخلص لقرائه إلا إذا أخلص لنفسه؛ لأنه بهذا الإخلاص لنفسه ~~حالات من العيش والتفكير والأهداف والوسائل يؤمن بها ويمارسها، ولذلك يحاول أن يحمل غيره ~~على الأخذ بها. # ولذلك خير ما يؤلف الأديب هو نفسه، هو شخصيته. # وحين نطالبه بالاعتراف إنما نطالبه بأن يرسم لنا هذه الشخصية، كيف صاغها؟ كيف اختار؟ كيف ~~نجح أو لماذا خاب؟ # أعتقد أن حياة جان جاك روسو التي وصفها لنا في كتابه «اعترافات» هي خير ما كتب في طراز ~~الأدب هذا؛ فإنه تجرد من جميع الستائر التي كانت تستره ووقف عريانا يقول في صراحة: هذه هي ~~رذائلي وكوارثي وخيباتي، وهذه هي فضائلي وحظوظي وإنجازاتي، ونحن نقبل عليه، ونصد عنه، في ~~كثير مما يروي، ms080 ولكننا في النهاية نحبه؛ لأنه أخلص للحياة، وعاش وفق ضميره، وجرؤ على أن ~~يختار دون خوف من المجتمع الفاسد الذي كان يعيش فيه. # وقصة الحياة ليست، عند الأديب، رواية ما وقع له من حوادث ومصادمات أو حظوظ فقط، وإنما ~~هي وقع كل ذلك في نفسه، أي، بكلمة أخرى، هي الإحساسات والرجوع والاستجابات التي تلقاها ~~بها. # ولأن روسو كان مخلصا في رواية حياته، فإننا نرى فيه سيرة شخص هي سيرة أمة كاملة بما فيها ~~من أهواء ومفاسد واتجاهات ومفاخر، ومع أنه قد مضى على تأليفه لهذه السيرة قرابة مائتي ~~سنة فإننا ما زلنا نقرؤها ونقف عند سطورها نتأمل ذكاءه وجراءته، ونعجب بالاستقلال الروحي ~~الذي نقله هذا المسيحي من الإنجيل إلى الطبيعة، وحين أحب، وحين بغض، وحين تعلم، وحين ~~علم، وحين قال: أؤمن، وحين قال: لا أؤمن ... # ألسنا هنا نجد إنسانا؟ # وإنسان آخر كتب ترجمته الذاتية، هو مكسيم جوركي. # فقد نشأ هذا الإنسان العظيم في بيئة منتنة تكفي لتخريج مائة مجرم؛ إذ كان أعضاء أسرته، ~~وأعني الأسرة لا العائلة، أعني الأعمام والأخوال والآباء والجدود، كان أعضاء الأسرة هؤلاء ~~أدنياء أخساء، يتسولون ويسرقون ويقتلون، ولم يكن بينهم غير جدته التي رأى فيها الخير ~~فأحبها، وأحب الخير، وعاش للخير. # وعاش في طفولته وصباه في الظلام والسواد اللذين عشنا في مثلهما تحت طغيان أسرة محمد علي، ~~وكانت أسرة رومانوف في روسيا لا تختلف خسة ودناءة عن أسرة محمد علي في مصر. # وقد توج فسادها راسبوتين، وكانت روسيا تعرف الجوع والعري كما عرفناهما، وكانت تعرف الجهل ~~والدعارة والفقر يستغلها جميعها الأقوياء الطغاة كي يتفوقوا. # وتعلم مكسيم جوركي، أي علم نفسه. # علم نفسه في عدة جامعات: في المخبز يعجن ويخبز، وفي الباخرة يمتهن أقذر أعمالها، وفي ~~المتجر والمصنع، وفي خدمة البيوت والمكاتب وتصعلك وتسكع. # أي إنه رأى الدنيا رؤية خطرة. # ذلك أنه كان على جرف الهاوية التي كان يمكن أن تجره إلى حبل المشنقة أو سيبيريا المؤبدة، ~~ولكنها رفعته إلى قمة العبقرية؛ لأنه أحب الناس فاهتم بشئونهم ms081 وكتب عنهم. # وليست العبقرية شيئا آخر سوى هذا الحب، ثم هذا الاهتمام الذي يحملنا على الدرس والتفكير ~~والبحث والتأليف، والكاتب الذي لا يهتم بالمجتمع الذي يعيش فيه لا يمكنه أن يحس ما فيه من ~~فقر وبؤس وحرمان وجهل، ولذلك لا يمكنه أن يكتب عن هذا المجتمع، بل هو يفر منه إلى موضوعات ~~أخرى لا تمس مجتمعه، وتذهب عندئذ طاقته الأدبية ضياعا وهباء في بحث موضوعات لا تمت إلى ~~عصرنا بصلة، بل هو ينتهي بأن ينفصل ذهنيا وجسميا وماديا عن مجتمعه حتى ليقطن في حي لا ~~يعرفه 999 في الألف من الشعب الذي ينتمي إليه. # لقد تفوق على المجتمع، وانفصل منه. # لقد اختار جان جاك روسو الفقر عن إرادة ووجدان حتى يبقى متصلا بالشعب، وكذلك فعل مكسيم ~~جوركي، وكلاهما بذلك أكسبنا إحساسا جديدا، واستطلاعا جديدا، ونظرة ونبرة جديدتين، أي ~~أعطانا كلاهما حياة جديدة. # إن الأديب يخلق طرازا جديدا من الحياة؛ لأنه، بما يؤلف، يغير النظرة والنبرة ~~للدنيا. # ولست أنكر أني أكره أشياء في حياة كثيرين ممن ألفوا تراجم حيواتهم، ولكني أنكر كذلك ~~أشياء كثيرة في الدنيا والحياة، وحين أطلب الإخلاص من المؤلف لا أعني أن يزوق نفسه ويبدو لي ~~نظيفا طاهرا جميلا؛ فإن الإخلاص يقضي علينا بأن نروي ما رأينا وما كابدنا من قذر ونجاسة ~~وقبح. # ولكن شرطا واحدا يبقى؛ هو الإخلاص الذي يزكينا. # إن أدبنا في مصر والأقطار العربية يحتاج إلى الترجمة الذاتية، يؤلفها الناضجون الذين ~~اختبروا الحلو وكابدوا المر، وعرفوا كيف يميزون وينصحون. # | حياة الأديب جزء من أدبه # إذا كان الأدب اختيارا للألفاظ وترتيبا للمعاني، فهو صنعة فقط. # أما إذا كان حياة يحياها الأديب، وكفاحا لتحقيق الإنسانية والشرف، فهو عندئذ فن. # وأعظم الفنون في العالم هو فن الحياة. # والفرق بين الصنعة والفن أن الأولى مهارة واختصاص، أما الثاني فتعميم واستيعاب. # اعتبر النجار أو المنجد الذي يصنع أثاثنا، فإن كل ما يعرفه أحدهما ويمهر فيه هو الصنعة، ~~ولكن الذي يعين الأذواق في الأثاث هو الفنان؛ لأنه ينظر النظرة الاستيعابية لطائفة ms082 من ~~المعاني العائلية والاجتماعية والذوقية حين يعين لنا الأثاث. # وكثير ممن يسمون أدباء في العصور الماضية لا يمكن أن يوصفوا إلا بأنهم كانوا يحسنون ~~الصنعة، أما الفن، أي النظرة الاستيعابية للحياة، وفلسفة العيش ومعاني الحرية والولاء ~~للبشر، وتقديس الفكر ومكافحة الظلم، كل هذا وأكثر منه، مما تعده في أيامنا من الهموم الأولى ~~للأديب، فلم يكونوا يعرفونه إلا في الأقل أو النادر مثل المعري والجاحظ الأديبين ~~الملهمين. # وعلة ذلك أن الأديب في العصور الماضية كان يكتب للملوك أو الأمراء أو الأثرياء، فكان يحس ~~أنه خادمهم، وأن عليه أن يسليهم ويرفه عنهم، أو يرصد حياته لتأليف القصائد في مديحهم كذبا ~~ونفاقا. # وقد نسأل هنا: ألم يكن المتنبي أديبا عظيما؟ # وجوابي: لا، لم يكن أديبا عظيما؛ ذلك أنه أرصد حياته، وهي أغلى ما يملك، كي يؤلف ~~القصائد في مدح الأمراء والأثرياء، وأعظم منه في الأدب ألف مرة المعري، الذي أصر على أن ~~يحيا حياته كما يمليها عليه ضميره، ولذلك تشع جميع قصائده إشعاعات الحرية والشرف ~~والإنسانية. # كان المتنبي، في صنعة الأدب، يتفوق على المعري ألف مرة. # ولكن المعري كان يتفوق على المتنبي في فن الأدب مائة ألف مرة. # كان الأمير سيف الدولة موضوع المتنبي. # وكان البشر، الإنسانية، الشرف، الحرية، مكافحة الظلم، الإحساس الذكي نحو الشعب، موضوعات ~~المعري. # ولو أن المتنبي والمعري كان يعيشان في عصرنا لكان الأول شاعر فاروق بلا حياء، ولكان ~~الثاني داعية الإنسانية، يحارب الاستعمار ويكافح الاستبداد ويؤمن بالديمقراطية ويحطم ~~الخرافات ويلقى الاضطهادات. # لقد كانت حياة المعري أدبا، وقد أوشك على أن يفقدها لإصراره على الحرية، وهذا هو الشأن ~~في الأديب العصري. # فإن حياته هي مؤلفه الأول في الأدب. # وقد وصلنا في هذا القرن العشرين إلى مواقف بشرية جديدة برزت فيها الشعوب، فزاد الوجدان ~~البشري عند الأديب، وصار يربأ بنفسه أن يكون خادما لملك أو أمير أو وزير، يسليه ويرفه عنه، ~~أو يملقه ويثني عليه؛ ذلك لأن المشكلات البشرية الجديدة، السياسية والاقتصادية والدينية ~~والاجتماعية، قد ألهمته تبعات ثقيلة جديدة، فهو يجد ms083 نفسه كالمعري، ولكن في فهم أكبر ووجدان ~~أعمق، مع الشعب، وأدبه هو أدب الكفاح الشعبي. # ولذلك فإن حياته أيضا هي حياة الكفاح، هي أدب. # لقد ألف أميل زولا عشرات القصص الرائعة، ولكن أروع ما ألفه هو حياته حين هب يناهض الظلم ~~ويكافح الإجرام. # وألف فكتور هيجو عشرات ومئات القصائد، ولكن خير ما ألف هو حياته التي أرصدها لمكافحة ~~الطاغية نابليون الثالث. # ومن هنا هذه الظاهرة الجديدة؛ وهي الترجمة الذاتية؛ فإن الأديب الذي وقف في صف الشعب، ~~وأحس إحساسه، ووجد وجدانه، وكافح كفاحه، يؤلف كتابا عن تاريخ حياته؛ لأنه يجد فيها رمزا ~~للمشكلات العديدة التي حاول أن يحملها، وهو حين يكتب تاريخ حياته إنما يرمي من ذلك إلى بعث ~~الحوافز للشباب، وزيادة وجدانهم وإشعال شرارة المستقبل في نفوسهم، حتى يؤلف كل منهم حياته ~~أحسن التأليف وأروعه. # إني أجد أن كثيرا من الالتباسات التي تنشأ بيني وبين من لا يروقهم نقدي أنهم يتحدثون عن ~~الصنعة ويعجبون بها حين أتحدث أنا عن الفن؛ ولذلك يبرزون بيتا أو أبياتا من الشعر ~~ويتحدونني بها من حيث جمالها أو حلاوتها، في حين أنا أنظر إلى الشاعر كله، حياته وعمله، ~~وأقدر مكانته ودلالته منهما في الأدب. # ألم يفطن هؤلاء إلى أننا اخترعنا كلمة «فن» كي نعبر بها عن معنى لم يعرفه القدامى؟ # لقد كان هؤلاء يصفون الشاعر بجودة الصنعة، ولكن هذا الوصف لم يعد يرضينا؛ لأننا نجد أن ~~هذه الجودة تنصب على الكلمات والمعاني في البيت أو البيتين، أما الشاعر ومذهبه، وما له من ~~نظرة ونبرة في الحياة، فلم يكن عندهم أي اهتمام بهما. # بل لقد وصلت إلي خطابات بهذا المعنى: ما قيمة حياة الشاعر في أدبه أو شعره؟ # وردي الساذج هو: ما قيمة أي شيء في الدنيا، أي شيء إطلاقا، إذا لم تكن هذه القيمة مقدرة ~~بمقاييس الحياة؟ إذ هل لنا مقاييس أخرى؟ # لما بلغ «جيته» سن الثلاثين تأمل في ماضيه ثم فكر في مستقبله وكتب هذه الكلمات التالية: # إن الرغبة في أن أبني هرم وجودي، ms084 بعد أن أرسيت أساسه، وأن أرتفع به إلى أعلى ما ~~أستطيع في الفضاء، هذه الرغبة تستولي على سائر رغباتي ولا تكاد تخلي عني، ولذلك لا ~~أجرؤ على التأخير؛ فقد تقدمت بي السن، وليس بعيدا أن يفاجئني الموت وأنا في غمرة ~~عملي دون أن أتم البناء لبرج بابل، وعلى كل فإني إذا مت فإن الناس سيذكرون ~~التخطيطات الجريئة للبناء، وإذا لم أمت فإني - بمشيئة الله - سأتم البناء. # هذه الكلمات التي كتبها جيته هي إحدى محاولاته العديدة لتجديد حياته التي وصفها بأنها ~~هرم، ثم بأنها برج بابل، بل هو لم يعبأ بأن يموت قبل أن يتم الهرم أو البرج؛ لأنه أحس أن ~~الناس سوف يعجبون به؛ لأنه وضع «التخطيطات» أو كما نقول «التصميمات» للبناء. # ونحس ونحن نقرأ تاريخ حياته أنه تناول هذه الحياة كما لو كانت عجينة يجبلها من وقت لآخر ~~في أشكالها المختلفة، فكان يفر من أصدقائه كي يتوفر على الدرس إلى بيت في الخلاء، بل لقد فر ~~إلى إيطاليا، وكان يؤلف القصائد، ويدرس في الوقت نفسه تشريح الحيوان والإنسان، ويقارن بين ~~النباتات، ويجمع الأحجار الدفينة كي يعرف تاريخها الجيولوجي، وإلى هذا النشاط كان يؤدي ~~أعمالا وزارية وإدارية وجامعية ومسرحية. # أراد جيته وهو في الثلاثين أن يرتقي، وأن يخرج من أسر الشهوات التي استبدت به وقتا ما ~~إلى منطق العقل، فوضع لحياته القادمة برنامجا، حتى لا يعيش جزافا أو سدى، ومنذ تلك السن ~~وحياته مليئة بالنشاط، يختبر ويدرس، ويستمتع ويسيح، ويحب ويخدم، ويقرأ ويؤلف إلى أن بلغ ~~الثالثة والثمانين. # وجمهور القراء يعرفون أن جيته أديب وشاعر، ولكنه هو كان يعرف أن حياته أغلى وأثمن من أن ~~يستوعبها الأدب فقط، ولذلك كتب يقول في شيخوخته: # لقد عرف عني، منذ نصف قرن في بلادي وخارج بلادي، أني شاعر، وليس هناك من ينكر ~~علي هذه الهبة، ولكن ليس من المعروف عامة، كما ليس هناك من قدروا، أني اهتممت بجد ~~وعناية مدة سنين عديدة بظواهر الطبيعة المادية والفسيولوجية، وأني أكببت على ~~دراستها في مثابرة كانت ms085 تمليها علي حماستي، حتى إني عندما أخرجت رسالتي عن تطور ~~النباتات، قبل أربعين سنة، اهتم بها العلميون في سويسرا وفرنسا ولم يبد منهم ما ~~يدل على الدهشة من أن شاعرا قد ند عن طريقه واستطاع أن يهبط على اكتشاف خطير، وقد ~~كتبت تاريخ دراساتي كي أنقض هذا الرأي الشائع عني، وهو أني شاعر فقط، وكي أوضح أني ~~أرصدت جزءا كبيرا من حياتي لدراسة التاريخ الطبيعي الذي أغرمت به. # وهو يقول أيضا: # إن من يعرفون السحر الذي نحسه عندما نكشف عن أسرار الطبيعة لا يستغربون خروجي من ~~الدائرة التي بقيت إلى الآن داخل نطاقها، وأني ألقيت بنفسي في طرب وحب في دائرة ~~جديدة، ولست أخشى لوما من أولئك الذين يجدونني متناقضا؛ لأني تركت التأمل في ~~القلب البشري، بالشعر، إلى التأمل في الطبيعة، بالعلم؛ إذ لا بد من التسليم بأن ~~هناك علاقة حسية بين جميع الأشياء، وأن العقل المستطلع السائل لا يرضى بأن يحرم ~~البحث فيما يمكن بحثه. # ومع أن جيته وجد من عيره بالاتجاه نحو العلوم إلى جانب اختصاصه بالآداب، فإنه لم يعبأ ~~بهذا التعيير، بل لم يبال بقول «هيردر» عنه إنه يشغل نفسه بدراسة الخضروات ~~والأحجار. # ذلك أن الهم الأول عند جيته كان ارتقاءه، وقد انتهى إلى أن هذا الارتقاء يجب أن يكون ~~استيعابيا، يحوي كل شيء مستطاع من خبرة إلى دراسة، ومن أدب إلى علم، ومن هنا قوله: شخصيتي ~~أكبر من فني. # بل إنه لم يتكبر على أن يقول إنه أخطأ، وإنه ألف مؤلفات سيئة يخجل منها، وكان من هذه ~~المؤلفات قصته العاطفية المشهورة «آلام فرتر»، واعترافه بالخطأ هو إرادة جديدة ~~للرقي. # وهنا يقول عنه المترجم بحياته هنري لويس: «لما عاد إلى فيمار تولاه الحزن؛ لأنه وجد ~~كثيرا من الخطابات بشأن قصته «آلام فرتر»؛ وذلك لأنه عرف أنه قد ترجم العواطف المسرفة أو ~~الكاذبة إلى أشعار، ولم يكن هناك ما هو أبغض إلى طبيعته السليمة من هذه الإحساسات التي ~~جعلته يخجل من قصته هذه، بل إنه شرع يكافح هذا ms086 المذهب الفرتري.» # وهناك من القصص ما هو مخاطي خاثر، ينزع بقارئه إلى الضعف والميوعة، مثل أحزان أو آلام ~~فرتر، ومن هنا استنكار مؤلفها لها. # ويستطيع القارئ لحياة جيته أن يستخرج منها العشرات من العبر، أولها وأعظمها عزيمة ~~الارتقاء التي لا تهن، فإنه كان سريعا إلى تغيير دراساته، كما كان مكبا على الاختبارات ~~التي يستمتع بها أو ينتفع، وشعاره في كل ذلك: الارتقاء. # والعبرة الثانية أنه فطن إلى أن الحياة كل يستوعب، وليست جزءا تتخصص فيه؛ ولذلك هو لا ~~يبالي أن يعيره «هردر» بأنه ترك الأدب كي يدرس الخضروات والأحجار؛ لأنه وجد في العلم ~~قيمة لم يجدها هيردر. # والعبرة الثالثة هي النضج؛ فإنه عندما رأى أن قصته آلام فرتر تجعل الشباب يحلمون ويهيمون ~~في العواطف الكاذبة، سارع إلى الدعوة ضد ما ألفه وإلى أن العقل يجب أن يسود العاطفة. # والعبرة الرابعة أنه كان ينظر إلى الدنيا، بل حياته، النظرة الموضوعية، حتى لنجده في سن ~~الثلاثين يضع التخطيطات لما سماه «هرم حياتي». # وفي كل هذا ما يجب علينا أن نعرفه ونحتذيه. # أي يجب أن نكبر فلا نترك حياتنا لغوا بلا دلالة، ويجب أن نقف من وقت لآخر تلك الوقفة ~~التي وقفها جيته، يتأمل ماضيه ويستطلع مستقبله ثم يضع البرنامج. # وأخيرا يجب أن نستوعب الدنيا، بل الكون كله، في عقولنا حتى ننضج، وأن تكون لنا على ~~الدوام إرادة الرقي التي كانت الميزة الأولى في حياة جيته. # | لي أسلوبي الخاص # الأسلوب خاصة اجتماعية في الأكثر، وهو خاصة شخصية في الأقل، ولكن هذا الأقل هو الذي يميز ~~بين كاتب وآخر. # ذلك أن زي الكتابة لا يختلف عن زي اللباس، فنحن نلبس كما يطالبنا المجتمع على وجه عام، ~~ولكن لكل منا طابعه الخاص، وحريته في اختيار اللون والنسيج والقياس، وإن يكن كل هذا في ~~الحدود الاجتماعية. # ثم المجتمع يشمل طوائف وطبقات تنتسب كل منها إلى صناعة أو حرفة، وهي، بهذا الانتساب، ~~يشترك أفرادها في زي معين من اللباس، وكذلك في زي معين من اللغة أو أسلوب ms087 الكلام. # ومن السهل جدا أن نميز بين أسلوب التعبير عند العمال الذين يعملون في المصانع، وكذلك من ~~السهل أن نميز بين أسلوب المحامين وبين أسلوب المهندسين. # وعندما نقول إن لكل طائفة أو طبقة أسلوبها الخاص في التعبير، إنما نقول إن لكل منها ~~نظرة اجتماعية خاصة وعواطف وأفكارا خاصة واهتمامات خاصة. # وقد يقال إن الكتاب طائفة، وإنها يجب لذلك أن يكون لها أسلوب خاص ينبع من صناعتها، وهي ~~الكتابة. # وهي إلى حد ما كذلك، ولكن الأسلوب الخاص هنا يتعين بحدود أخرى غير الانتساب إلى طائفة ~~الكتابة؛ ذلك أن الكاتب ينتمي إلى طبقة معينة من الشعب دون الطبقات الأخرى، فهو يستلهم هذه ~~الطبقة، فيحس إحساسها ويأخذ بعواطفها ويهدف إلى أهدافها، ويتأثر أسلوبه بكل ذلك. # وقد يكون هذا الانتساب بالفكرة والعاطفة وليس بالصناعة والحرفة، كالكاتب ينشأ في طبقة ~~متوسطة أو ثرية ممتازة، ثم ينضوي إلى لواء الشعب، لا لأنه هو قد عاش عيشة الفقر التي يعيشها ~~الشعب، ولكن لأنه نشأ على مركبات عائلية أو اجتماعية حملته على التأمل ثم على كراهة الظلم، ~~فهو متمرد في عائلته ثم متمرد في مجتمعه. # اعتبر الطفل يكون أصغر إخوته، كلهم أقوى منه، وكلهم يسبه أو يضربه، أو اعتبر هذا الطفل ~~يجد أبا قاسيا أو أخا أكبر متوحشا، فهو ثائر منذ طفولته، فإذا كبر نقل هذه الثورة ~~العائلية إلى مجتمعه، فإذا وجد الفقراء المظلومين انضم إليهم وكافح معهم ملكا فاسقا أو ~~وزيرا ماكرا أو حزبا محتالا. # فهو يطلب الحريات والحقوق للفقراء والمضطهدين؛ لأنه هو كان قد اضطهد في طفولته، ولذلك ~~طابق بين إحساسه وإحساسهم. # ثم لعله هو، زيادة على ما لقي من عائلته، ينتمي إلى طائفة محرومة الحقوق، فإن تمرده هنا ~~يزيد اشتعالا، وعندئذ تنبعث نفسه نحو النور أينما وجده، فهو ليس عدو الملك الظالم أو ~~الوزير الفاجر أو الحزب الماكر فقط، وإنما هو أيضا عدو القرون الماضية التي حملت الظلم إلى ~~عصره حتى قاساه، ولذلك هو يكافح الرجعية الراسبة كما يكافح الظلم المتوثب. # وهو إذا كان كاتبا ms088 وجد القدرة على التعبير والوسيلة إليه، وعندئذ يعود التفريج الشخصي ~~عنده تفريجا عاما عن المضطهدين والمسحوقين. # وليس من الضروري، كما قلت، أن يكون الكاتب قد عاش واختبر بنفسه بعض الاضطهادات حتى يحتضن ~~الحريات والحقوق من أجل الشعب كله؛ لأننا يمكن أن نعيش بأفكارنا وعواطفنا لوطأة ما يحيط بنا ~~في غيرنا. # ولكني أعتقد مع ذلك أنه لا بد من ناخس قديم في الطفولة يغرس التمرد في التربة العائلية ~~الأولى، ثم يجد هذا التمرد الغذاء في اضطهادات شعبية تنتقل إليها عواطف الطفولة من هذا ~~الناخس القديم، أي لا بد من مرض أو جرح، حتى إذا صارت الكتابة حرفة، صارت الحقوق والحريات ~~الشعبية منهجا وهدفا للكاتب. ~~••• # ولا أزعم أني استنفدت التحليل للبواعث التي تعين للكاتب أسلوبه وهدفه، ولكني أردت الإيماء ~~إليها فقط، ويمكن القارئ أن يتوسع فيما لا أجد الفرصة للتوسع فيه من تأمل حياة الكتاب ~~والأدباء وأثر ذلك فيما كتبوا. # وأنا لا أعرف مكاني في مصر بين الكتاب، ولكني أعرف اهتماماتي التي عينت أسلوبي. # فقد كان أول ما كتبت في حياتي مقال في المقتطف في سنة 1909 وأنا حوالي العشرين عن ~~«نيتشه»، وهو أعظم ثائر متمرد على أكبر السلطات وأعظمها. # ثم ألفت كتيبا عن «الاشتراكية»، وهي بلا شك تحيز وانتساب إلى الشعب، وكان هذا في ~~1912. # ثم أخرجت مجلة «المستقبل» في 1914 فكان معظم مقالاتها عن نيتشه وعن الاشتراكية. # وفي 1925 عيرني كاتب رأسمالي بقوله «سلامة موسى المراحيضي»؛ لأني دعوت إلى سن قانون ~~لإيجاد مراحيض في منازل الفلاحين، ولم تكن ملايين الفلاحين في وجدانه، ولكنهم كانوا في ~~وجداني. # وعندما كنت أحرر مجلة الشئون الاجتماعية وضعت عبارة «الفقر والجهل والمرض»، فسارت مثلا ~~بين الكتاب، وهذه العبارة تدل على أن الشعب يتحيز أعماقي النفسية. # ثم كذلك دعوتي إلى الصناعة منذ أكثر من ربع قرن، وقد أصبحت أحس من تكرارها أنها تشبه ~~الهوس، وهي بلا شك دعوة شعبية بعثني عليها اهتمامي الدائم بمكافحة الفقر ونشر ~~التمدن. # وأخيرا لم يكن اهتمامي بنظرية التطور سوى الرغبة في بعث ms089 الاهتمام بالمستقبل، والأخذ ~~بالتطور دون الجمود، وهذا بالطبع اهتمام شعبي . # بل إن درسي للزراعة في مصر لم يكن باعثه علميا وإنما كان اجتماعيا، ولذلك فهمت، قبل ~~أن يفهم غيري من الكتاب، علاقة القطن ومشروعات الري بأمراض الفلاحين، وكتبت مقالا في هذا ~~الموضوع في مجلة الشئون الاجتماعية وقعه وزير سابق بعد أن ضرب على اسمي؛ لأنه استحسنه ورأى ~~أن يعزى إليه. # بل إن هبوطي على كلمة «ثقافة» وتعميمها على أقلام الكتاب، إنما قصدت منه الشعب وليس خريجي ~~الجامعات المتخصصين؛ لأن الثقافة تعميم وليست تخصيصا، وهي لذلك للشعب، وجميع مؤلفاتي للشعب ~~أيضا. # وقد عطلت لي نحو خمس عشرة جريدة ومجلة؛ لأني كنت في زعم الحاكمين أسرف في التحيز للشعب؛ ~~فقد حققت النيابة معي مثلا في قولي: «إن في مصر من يعيشون بألف جنيه في اليوم، وفيهم من ~~يعيشون بثلاثة قروش وأحيانا لا يجدونها.» # وكل هذا يدل على أن الشعب كان على الدوام همي واهتمامي. # ولذلك أسلوبي في الكتابة هو الأسلوب الشعبي. # فأنا حين أكتب لا أتعالى، بل أتساوى، وأذكر أن أحد الصحفيين عقد معي حديثا وكان من ~~أسئلته: ما هو السبيل إلى التفوق؟ # فقلت له: يجب ألا يكون هناك سبيل لذلك؛ لأننا يجب أن ننشد المساواة وليس التفوق. # إن الأسلوب، في الجزء الخاص منه، هو الناحية المزاجية، أو الأخلاقية، أو النفسية ~~للكاتب. # أذكر أن أحد الكتاب وصف أسلوبي بالتبذل، وهذا الكاتب نفسه (عباس محمود العقاد) قد أخبر ~~قراءه - وهنا الدلالة - بأني أسكن في حي وطني من الأحياء الفقيرة بالقاهرة! # لقد انخفضت مكانة الشعب حتى صار من يكتب له، أو يسكن في أحيائه، يعد متبذلا ... «غير ~~متفوق». # ولذلك أعتقد أنه عندما يتبوأ الشعب مكانه، ويبرز إلى وجدان الكتاب حتى يحترموه ويهتموا ~~باهتماماته، عندئذ سيكتبون له، أي بالأسلوب الشعبي، ولكن كثيرا منهم الآن يتعالون عليه، ~~فلا يسكنون في أحيائه ولا يكتبون له. # واعتقادي لهذا السبب، أن أسلوبي هو أسلوب المستقبل في مصر، بل في الأقطار العربية الأخرى، ~~حين ترتفع الشعوب فيها إلى وجدان كتابها. ms090 # إننا نمدح الأسلوب الديمقراطي في نظام الحكم، وفي نظام العائلة ، وفي نظام التعليم، وفي ~~نظام المجتمع، ولكننا ما زلنا نتعلق بالأسلوب الأرستقراطي في الكتابة، وليس لهذا من سبب سوى ~~أن الكتاب لا يزالون بعيدين، بنفوسهم، عن الشعب، وهم لذلك «لا يتبذلون». # أليس الأسلوب الشعبي هو الأسلوب الديمقراطي؟ # ولست أعني بقولي هذا أننا نكتب للشعب بلغته «العامية» وإنما أعني أن نكتب له بلغة شعبية ~~فنية، ولا يمكن هذا إلا بأن نهتم باهتماماته، ومتى فعلنا هذا فإننا نقترب منه، ونحس إحساسه، ~~ونجد أن أسلوبنا شعبي في عامته. # شعبي في عامته ولكنه نفسي في خاصته؛ لأن الأسلوب الأمثل هو أسلوب النفس عند ~~الكاتب. # وعندئذ يختلف الكتاب حتى حين يكون أسلوبهم شعبيا. # فهذا كاتب صريح مواجه، فسنجد عندئذ الصراحة والمواجهة في أسلوبه. # وهذا كاتب متأنق مختار، فسنجد التأنق والاختيار في أسلوبه. # وهذا كاتب إنساني حساس، فسنجد الإنسانية وذكاء الإحساس في أسلوبه. # وكل هذا إلى جنب أن أسلوبه شعبي. # ذلك لأن الشخصية، التي تنبع من النفس، ستبقى على الدوام الطابع الذي يميز بين كاتب وآخر، ~~حتى ولو كان كلاهما شعبيا في أسلوبه. # وأخيرا أقول: إن الكاتب الأمثل يمكن أن يكون بعضه فيلسوفا، أو عالما، أو بعضه أديبا، ~~ولكن معظمه يجب أن يكون على الدوام إنسانا، ولذلك يجب أن يكون أسلوبه على الدوام ~~شعبيا. ~~••• # خلاصة القول أن الأسلوب هو ثمرة العقل والقلب، أي الأفكار والعواطف، والعقائد والاتجاهات، ~~التي تنزع بالكاتب من حيث لا يدري إلى اختيار أسلوبه في الكتابة. # ولذلك نستطيع أن نقول إن تشرشل يكتب بأسلوب إمبراطوري، ونستطيع أن نعلل الشبه العظيم بينه ~~وبين ملنر، وكرومر، وجيبون المؤرخ؛ لأنهم كانوا جميعهم، مثله، إمبراطوريين. # أسلوب مليء بالقوة والمتانة وإحكام الجملة ورصانة العبارة، كأن الكاتب محارب يسود الدنيا ~~أو يحاول السيادة عليها. # وهذا بخلاف ما نجد في تولستوي أو دستوفسكي أو رينان، وجميعهم تأثروا بشخصية المسيح، حتى ~~لقد قال دستوفسكي: «لو أن المسيح كان في جانب وكانت الحقيقة في جانب آخر، لآثرت أن أكون في ~~جانب المسيح ms091 على أن أكون في جانب الحقيقة.» # وهذا بالطبع إسراف، ولكن العبرة التي أقصد إليها أنهم جميعا، لهذا الإحساس، كتبوا في ~~أسلوب متشابه كله وداعة ورقة ورحمة وبساطة. # ولو أن أحدهم كان قد تغير من الإيمان بالمسيحية إلى الكفر بها لكان قد تغير أسلوبه ~~أيضا. # وأخيرا أقول إن الأسلوب لا يعلم، وإذا وجد كاتب يقلد كاتبا آخر وينجح في هذه ~~المحاولة، فإنما مرجع ذلك أنه آمن بأفكاره وعواطفه وأخذ بعقائده واتجاهاته، أي أن نفسه قد ~~استحالت؛ لأنها استشبعت بنفس ذلك الكاتب وأخذت بأسلوبه. # | عشرة كتب في الأدب # قبل أكثر من عشر سنوات ألفت كتابا بعنوان «تربية سلامة موسى» وصفت فيه دراسات شكسبير ~~بأنها «لهو فني». # وكان قصدي من هذا التعريف أني تسليت به، ولكني لم أجد فيه ما يخصب حياتي أو يربيني أو ~~يغيرني، وإن كان فيه الكثير مما يطرب ويلذ ويعجب. # ولكن هناك أدباء عالميين، نحس بعد قراءة مؤلفاتهم أننا قد تغيرنا، بل هم أحيانا يزيدون ~~عندنا إحساس النمو والإخصاب، كأن وجداننا قد زاد، وآفاقنا قد تراحبت، وكأن حياتنا قد صارت ~~أحيا مما كانت. # وهذه كتب عشرة في الأدب ما زلت أذكرها؛ لأن كلا منها كان بمثابة العلم الذي غير طريق ~~حياتي، واعتقادي أن هذه الكتب جديرة بأن تحدث ثورة في قلوب القراء العرب وعقولهم إذا نقلت ~~إلى اللغة العربية، ولست أنسى هنا أن أشيد بأدباء بيروت ودمشق الذين ترجموا أو شرعوا في ~~ترجمة بعضها. # وأول هذه الكتب درامة، أحب أن أسميها مأساة المرأة، ألفها هنري أبسن بعنوان «لعبة ~~البيت»؛ فقد كان أثرها في نفسي قبل نحو خمسين سنة ساحرا، بل لا يزال كذلك، وكثيرون قد ~~قرءوا هذه الدرامة، ولكن الظروف التي رأيتها فيها ممثلة على المسرح، ثم حين قرأتها وتأملت ~~معانيها ومراميها، كانت تختلف من ظروف الوقت الحاضر. # ذلك أننا كنا، حوالي 1910، نحيا حياة الحجاب المظلمة؛ فلم يكن أحدنا يقعد إلى فتاة، فضلا ~~عن أن يصادقها، وكانت عندما تزور سيدة صديقة لها، كانت هذه الصديقة تحتاط وتحذر من أن ms092 يرى ~~زوجها أو ابنها هذه الزائرة. # كنا في حجاب دامس ، كنا نحيا فرادى بلا مجتمع. # وخرجت من هذا الظلام إلى أوروبا فوجدت المرأة السافرة الحرة، وكان سفورها دهشة لي، لا ~~أتعب من استطلاع حدوده والمقارنة بين المرأة الأوروبية وبين المرأة المصرية، ثم أعقب هذه ~~الدهشة تفكير عميق في معنى الوجود البشري وفلسفة الحياة. # فقد أحالني هنريك أبسن إلى فيلسوف. # هذه المرأة الأوروبية التي كنت أزعم أنها حرة، ليست كذلك؛ إذ هي «لعبة البيت»، يتزوجها ~~الرجل، ويزينها، ويلهو بها، كالزوج الشرقي، مع فرق في الدرجة فقط، وسفورها ليس كبير القيمة؛ ~~لأنها حرمت الاختبارات والاقتحامات في الدنيا، وهي لذلك تحيا محمية مصونة، وهذه الحماية، ~~وهذه الصيانة، تنتهيان بفرض الجهل عليها وإنكار حقوقها الإنسانية. # والقصة تنتهي بخروج الزوجة كي تشرع في تربية شخصيتها. # وما أكتبه إلى الآن عن المرأة في مصر قد ألهمني معظمه هنريك أبسن، وخلاصة ما أبغيه أن ~~نرفع المرأة من الأنثوية إلى الإنسانية. ~~••• # والكتاب الثاني الذي أخصب حياتي وديني وأدبي هو «حياة المسيح»، عرفته وأنا في المراهقة، ~~حين يتطلع الذهن إلى التفريج عن الكظم الجنسي بالبحث عن الآداب والفنون، وقرأت هذا الكتاب ~~باللغة العربية موجزا بقلم العظيم فرح أنطون، ثم عدت فقرأته بالفرنسية. # وكشف لي فرح أنطون بهذا الكتاب أدبا جديدا لم أكن أعرفه في اللغة العربية، بل لا أزال ~~إلى الآن، بعد خمسين سنة، أفتقده فلا أجده، هو أدب الإحساس الذكي الذي نجده على أعلاه في ~~دستوفسكي، كما هو أدب الإنسانية. بل إن رينان، مؤلف هذا الكتاب، قد ربط بين الأدب والدين، ~~وغرس في نفسي الغرس الأول، وهو أن الثقافة البشرية، بعلومها وآدابها وفنونها، هي الدين، بل ~~هي من صميم الدين. ~~••• # ثم «الإنسان والسبرمان» هذا الكتاب العلمي الذي ألفه الأديب برنارد شو، وهو علمي في ~~الخيال وليس في التخطيط. # ونحن نقرأ هذه الأيام قصصا علمية توافر محصولها عقب الاكتشافات الذرية، ولكن أهدافها في ~~الأغلب لهو علمي، مثل اللهو الفني الذي نجده في شكسبير، أما برنارد شو فقد فتح لنا ms093 في هذه ~~الدرامة العالية نوافذ نطل منها على المستقبل البشري بعد آلاف وملايين السنين، حين يتطور ~~الإنسان إلى ما هو فوق الإنسان: إلى السبرمان. # هو درامة عن التطور، وعن مصداق كلمة نيتشه: «الإنسان جسر تعبر عليه الطبيعة من القرد إلى ~~السبرمان.» # وظني أن هذه الدرامة يمكن أن تغير العقول الشرقية العتيقة المستسلمة وتحيلها إلى عقول ~~عصرية متسائلة، بل هي أشبه الأشياء بالسائل المعقم الذي يقتل، يمحو العادات المتعفنة التي ~~تحول دون الاجتراء على التفكير البكر، هذا التفكير البكر الذي نجده في إخناتون حين رفض ~~الإيمان بعقائد أسلافه، وعقائد السذج من العامة، والمكرة من الكهنة، وأعلن بأنه يؤمن بإله ~~واحد لا يشاركه آخر. # إننا في حاجة إلى الاجتراء، وهذه الدرامة تجرئنا. ~~••• # وكتاب آخر يمكن أن نترجمه، بل قد ترجم بعضه في بيروت، هو قصة «الإخوة كارامازوف» للمؤلف ~~الروسي دستوفسكي. # وهو أعظم قصة كتبها أديب، وهي قصة الإحساس الذكي، والديانة الإنسانية، واستقطار السعادة ~~من الألم، والنظرة الإخائية للبشر، والحب للطبيعة والإنسان. # ولكن وصفي لها بهذه الكلمات هو أتفه وصف؛ لأن الواقع أننا نعجز عن وصف الفن الرائع، ~~وقصارى ما نقول عنه أننا لم نعرف شيئا أسمى منه؛ إذ نقف معجبين ذاهلين نتنهد ~~ونتأمل. # هو قصة تجري حوادثها بين أشخاص عقلاء ومرضى أو مجانين، نجد فيها الإجرام والفلسفة، والعقل ~~والبلاهة، والقداسة التي تعود إلى النجاسة. # ماذا أقول؟ # هل يمكن إنسانا أن يرتفع إلى القمم الإنسانية حتى يتقدس إلا بعد أن يكون قد هوى إلى حضيض ~~الحيوانية حتى تدنس؟! # خلاصة ما أقول أن هذه القصة هي أعظم ما قرأت في حياتي، ولكني أعجز عن تعليل هذه ~~العظمة. ~~••• # و«اعترافات» جان جاك روسو من الكتب التي كان يجب أن تترجم إلى لغتنا قبل 100 أو 150 سنة، ~~ولو أن هذا كان قد تم، لكان فهمنا للأدب غير ما نفهم في هذه السنين. # إننا نسمع في أيامنا من أدبائنا الناهضين أن الأدب للحياة، وأنه اختبارات شخصية ينقلها ~~المؤلف من حياته، أو من خياله المنتزع من حياته، ويرسم ms094 منها صورة تنير أو تثير، فتزيد ~~بصيرتنا بالدنيا والعيش أو تحفزنا إلى التغيير في القيم الأخلاقية. # وكل هذا أفكار وكلمات كان يفهمها جان جاك روسو، باعث الحركة الرومانسية أو الرومانتية في ~~أوروبا، وهذه الكلمة تعني العامية. # أدب روسو هو أدب الشعب، بلغة الشعب التي هذبها الفن. # لقد تغيرت أوروبا بأفكار هذا الأديب، ونستطيع أن نعزو جميع الثورات التي حدثت في القارة ~~الأوروبية إلى مؤلفاته التي تتلخص في كلمات معدودة، هي: الطبيعة حسنة والإنسان طيب، ولكنهما ~~يفسدان بالحكومة السيئة والمجتمع السيئ. # ما أحوج الأمم العربية إلى هذه الخمائر! ~~••• # الاعترافات هي بدعة ابتدعها جان جاك روسو حين وقف عاريا يقول للناس: هأنذا بكل ما في ~~نفسي من نقائص وفضائل. # وقد ظهرت مئات من الكتب الاعترافية بعد ذلك توثقت بها الصلة بين الأدب والحياة، وأصبح بها ~~الكتاب وسيلة للتجاوب بين الاجتماع والأدب، والإنسانية والفن. # ومن الكتب الخالدة في الاعترافات كتاب مكسيم جوركي الذي وضعه في ثلاثة مجلدات: طفولتي، في ~~العالم، جامعاتي. # وهو لم يدخل قط جامعة، ولكن الدنيا كانت جامعته، بل جامعاته التي تعلم فيها، وهو أكثر ~~صراحة من جان جاك روسو حين يعترف؛ فقد خرج هذا الأديب الروسي من الطين والوحل، وما زال ينظف ~~نفسه ويطهرها حتى وصل إلى قمة الإنسانية. # وحسبي أن أقول إننا حين نقرؤه نحب الإنسان، أي الإنسانية التي تعلو على تقاليد التاريخ ~~والاختلافات المذهبية أو العنصرية. # جوركي إنسان يدعو إلى ديانة الإنسانية، مثل دستوفسكي وتولستوي. # والقارئ العربي الذي يجهل هذا الكتاب إنما يجهل دنيا عظيمة من الشرف والخير والكفاح ~~والجمال. ~~••• # ومؤلف آخر يجب أن نعرف جميع مؤلفاته، وكل كلمة كتبها؛ هو تولستوي، ومع ذلك أنا لم أتأثر ~~بمؤلفات هذا الأديب العظيم قدر ما تأثرت بحياته، حياة الكفاح الروحي، كي يفهم معنى الحياة ~~ومعنى الموت، وكي يوفق بين أسلوب عيشه وأسلوب تفكيره؛ ذلك أنه استنبط لنفسه ديانة خاصة هي ~~مزيج من فلسفة الإنجيل وفلسفة جاك روسو، وقد طردته الكنيسة الروسية لاجترائه على أن يفكر ~~ويستنبط بدلا من أن يعتقد ms095 ويستسلم. # وحاول أن ينقل أفكاره أو فلسفته إلى أسلوب عيشه في البيت والمجتمع، فاصطدم بزوجته، وبقي ~~على خلاف معها، خلاف فلسفي، حتى فر منها، ومات بعد بضعة أيام في مكان ناء عن بيته. # ولم يحل مشكلة الحياة والموت، وهل يمكن أن تحل؟! # إن قصص تولستوي، من حيث الفن، تنزل على القمم في الأدب، ولكن حياته قصة، بل علياءة، تسمو ~~على كل ما كتب. # ونحن حين نقرؤه نتحمل همومه، ونحزن معه، وهذا حسن؛ لأننا نجد في هذه الهموم والأحزان ~~تربية، والأدب الحق ليس حلويات نتمصص عصيرها ونتمزز طعمها، وإنما هو هم وكفاح من أجل الفهم ~~أو الخير أو السلام أو الشرف. ~~••• # ومؤلف آخر حبيب إلى قلبي هو أناطول فرانس. # وهو صديق وأنيس، أحس وأنا أقرؤه كأني أتغامز معه على الشهوات المشتركة بين عقلينا، وهو من ~~أبناء القرن العشرين لا شك في ذلك، يكره الألغاز التي يضعها البله والمغفلون ويتحدون بها ~~العقلاء كي يحلوها لهم. # وهو كاتب ممتاز، بذكاء فرنسي، يتهكم أكثر مما يضحك، ولكن تهكمه يحمى أحيانا حتى ليشوي به ~~العادات والعقائد المتعفنة، ولكن هذا الساخر الضاحك يذوب حنانا عندما يذكر الفقراء ~~والمغلوبين. # هو عدو الاستعمار والاستغلال كما هو عدو الكبرياء الشامخة التي تحيا على الغش والمكر، وهو ~~يكافح الجهلة والمغفلين ويمزق أوهامهم بذكائه الذي يقطع كالسكين، ولو سئلت: ما هي مميزات ~~أناطول فرانس؟ لقلت إن له ميزة وحيدة هي أنه داعية الذكاء. # ولذلك نحن ننتفع كثيرا بترجمة مؤلفاته: «جزيرة البنغوين»، و«ثورة الملائكة»، و«الآلهة ~~عطشى». # وما أحوج المغرورين في الأقطار العربية، أولئك الذين يزعمون أنهم يفهمون، إلى أن يقرءوا ~~هذه المؤلفات وغيرها حتى يتعلموا الفهم، والفهم فقط. ~~••• # هؤلاء ثمانية من الأدباء الذين انتفعت بهم في تربيتي وتكوين شخصيتي الأدبية، والذين أعتقد ~~أنه يجب أن تترجم مؤلفاتهم، كاملة بلا تلخيص، إلى لغتنا، وأسوأ شيء في الأدب هو ~~التلخيص. # وثم اثنان آخران ليسا معدودين من الأدباء، مع أنهما في صميم الأدب، من حيث أن الأدب هو ~~الحياة، بل هو الكفاح من أجل الحياة ms096 الفاضلة، ولم يكافح أحد مثلهما، وقد حاباني القدر حين ~~جعلني أحيا في هذه الدنيا وأعاصرهما. # هما: غاندي، ونهرو. # حياة غاندي بقلمه هي كتاب مقدس آخر. # وحياة نهرو أيضا هي كتاب مقدس آخر. # حياتهما اعترافات، لها قوة اعترافات روسو أو جوركي. # وأحسن ما أحب فيهما أنهما كانا يحاربان الاستعمار، وقد نجحا في محوه من الهند، ولكنهما مع ~~ذلك لم يجبنا عن محاربة التقاليد والديانات الرجعية في بلادهما. # وكل منهما «مسفسط» من حيث أنه قد اختبر ودرس مركبات المدنية، وعرف نوازع الشر، ووقف على ~~الأسرار التي تختبئ في الظلام، ولكنه مع ذلك يؤثر السذاجة في العيش والرضا باللقمة الجافية ~~مع الفكرة العالية. # إنها لجريمة في حق العرب أن تبقى مؤلفاتهما بعيدة عن الشعب، بل عن العامة. ~~••• # لقد مضى علي أكثر من نصف قرن وأنا أقرأ المئات من المؤلفين الأدباء، ولكن هؤلاء ~~المؤلفين العشرة هم الذين أصطفيهم الآن لأن تنقل مؤلفاتهم إلى لغتنا؛ لأني وجدت فيهم ~~التربية والإخصاب، زيادة على ما وجدت من اللذة والإعجاب. # | القصة المصرية # يتفشى بيننا هذه الأيام نوعان من المؤلفات، لكليهما دلالة على تطور في المجتمع ~~المصري. # فأما النوع الأول، الذي أذكره عبورا كي أتركه، فهو المؤلفات السيكلوجية التي تبحث هموم ~~الشبان ومتاعبهم النفسية وأشواقهم وأحزانهم؛ فإن هذه المؤلفات تدل على أن قيم الأخلاق ~~المدنية تغزونا، وأننا قد تركنا القيم الريفية، أي أننا قد أخذنا باستقلال النفس، فلا ~~استسلام ولا تواكل. # وهمومنا الجديدة هي استقلالنا الجديد، استقلال النفس المصرية. # وأنا أذكر هذا للتقرير وليس للمدح. # وأما النوع الثاني من المؤلفات التي تتفشى في مجتمعنا فهو القصص، وتفشيها أيضا يدل على ~~أننا نعيش في مجتمع جديد لم نكن نعرفه فيما بين 1900 و1920، أي أننا عرفناه بعد النهضة ~~السياسية حين شرعنا نستقل نفسا وشعبا. # ويمكن لذلك أن نربط بين تفشي المؤلفات السيكلوجية والمؤلفات القصصية؛ لأنها جميعا تعود ~~إلى إحساس بالاستقلال ومحاولة لبناء الشخصية ورغبة في الاستطلاع والارتقاء. # فلم يكن من الممكن مثلا أن نكتب القصة قبل 1919؛ لأن القصة تحتاج، أول ms097 ما تحتاج، إلى ~~شخصية، ولم يكن الوسط الريفي الذي أجبرنا الإنجليز على أن نعيش فيه كي نتخصص في زراعة ~~القطن، والذي أخذنا بقيمه حتى حين كنا نعيش في المدينة، لم يكن يتيح لنا أن نصف شخصية ~~مصرية، ثم كان الفصل بين المرأة والرجل، أي الفتاة والشاب، تاما أو كالتام، فلم يكن ثم ~~مجال لأن نصف لقاء يؤدي إلى حب إلا إذا كان لقاء الاختلاس الكريه الذي يعزف عنه الكاتب ~~النظيف. # ولكن بعد 1919 ظهرت الشخصيات، وظهر السفور، فظهرت القصة. # وكانت في الأغلب قصة غرامية، ثم تفشى التعليم الثانوي والجامعي وأحب الشبان أن يقرءوا ما ~~يلهون به فوجدوا في هذه القصة ما اشتهوا، ولا أستطيع أن أقول إن المؤلفين قد أخرجوا قصصا ~~عالية، ولكنهم حاولوا، وكانوا رائدين، وحسبهم هذا الفضل. # وأحجم الكتاب القدامى عن التأليف في القصة؛ لأنهم كانوا قد اعتادوا المقالة وثبتوا عليها، ~~ثم كانوا أيضا على غير وجدان بالتطور الاجتماعي للشباب المصري فلم ينتبهوا إلى قيمة القصة، ~~ومن سوء حظنا أن كثيرا من الكتاب القدامى غير متطورين. # وإلى الآن لا تزال القصة، أو بالأحرى الأقصوصة الغرامية، هي السلعة العامة في سوق الأدب ~~القصصي، وأنا لا أنتقص قيمة القصة الغرامية؛ لأن المؤلف العظيم يستطيع أن يرتفع بها إلى ~~أسمى المعاني وأجملها في الحب الذي هو حق الشباب وسعادته، ولكن ما يجب أن ننتقص هو الحب ~~الغادر الذي ترتب مؤامرته في الظلام. # وأكبر ما آخذه على كثير من كتاب القصص أنها تخلو من النزعة الإنسانية، فإن الولاء للبشر ~~هو مذهب الأديب، فإذا كفر به فقد كفر بالآداب والفنون جميعا. # ولا تزال القصة السيكلوجية نادرة، ولكن المحاولات الأولى التي ظهرت من بعض كتابنا تبشر ~~بالخير، ونعني بالقصة السيكلوجية هذا التفطن للبواعث، وهذا الانسلال إلى المركبات ~~الاجتماعية التي تنتهي بإيجاد شخصية ما وتكشف عما يبني ويهدم من الأخلاق، وتسبر الأعماق في ~~الحب والزواج والارتقاء، وتقف القارئ على نزعات النفس أو تشوفات الذهن. # وأخيرا هناك القصة الاجتماعية، وهي بلا شك سيكلوجية أيضا، ولكنها تبحث ms098 المجتمع أكثر مما ~~تبحث الفرد، وهي عند الشاب الناضج تأخذ مكان القصة الغرامية؛ لأنها تحليل وتأليف ونقد وعرض، ~~كما أنها تتناول السياسة والاقتصاد، والعائلة والحرفة، والفقر والثراء، واعتداءات الاستعمار ~~وحركات التحرير، والحرية والتقاليد، والسلطة والاستقلال. # وأخيرا هناك القصة العلمية التي لم تعرف إلى الآن في مصر، مع أن هذه القوة الجديدة هي ~~أخطر ما رآه الإنسان في تاريخه الماضي والحاضر؛ إذ هي قوة التدمير والفناء كما هي قوة ~~البناء والإنتاج. # ونحن نحتاج إلى القصة العلمية كي يلوك قراؤنا موضوعاتها ويأخذوا بنزعاتها ويشربوا روحها، ~~ولكن مع النزعة الإنسانية السلمية التي نهدف منها إلى إيجاد مجتمع علمي ينهض على النظافة ~~والصحة ومهارة اليد وذكاء العقل وتنظيم الحرية وتوفير الرخاء، وما أجمل أن تؤلف لنا قصة عن ~~الممكنات في استخدام الذرة في المواصلات، أو اختراع بروتين جديد يجعلنا نعيش مائتي سنة أو ~~يكفي ضعفي سكان هذا العالم، أو غذاء جديد يزيد الذكاء. # أما إذا كانت القصة العلمية ستصف لنا الطيار «الشجاع» الذي يلقي قنابله على الأطفال ~~والنساء، فإنها تكون عندئذ شرا وإجراما. # لقد كانت القصة القديمة تؤلف للهو وتحوي امرأة لعوبا لها صدر ولها ظهر ونحو ذلك، ولكن ~~القصة العصرية يجب أن تعلو على ذلك، وأن يكون موضوعها مشكلة سيكلوجية أو اجتماعية أو فلسفية ~~أو علمية يعرضها المؤلف كي يثير بها ذكاء القارئ ويزيد بها إنسانيته ويخدم بها الرقي البشرى ~~العام. # أجد أحيانا في أدبائنا الجدد، كتاب القصص، سخطا ومضضا لأنهم يعتقدون أنهم مبخوسون، وأن ~~أدب الديباجة بالأسلوب الرصين وبديع الاستعارة، لا يزال يجد التقدير دون أدبهم ~~الجديد. # ولكنهم واهمون؛ لأن هذا التقدير إنما يأتي من «السلطات» كما كانت الحال في العهود الماضية ~~حين كان عند وزارة المعارف أدباء «مسجلون» تشترك في مؤلفاتهم أو تشترك في مجلاتهم بالألوف، ~~ثم تطرح هذه المؤلفات والمجلات على الرفوف ميتة مكدسة لا يفض غلاف أحدها سنة أو ~~سنتين. # والأدب الجديد لم يكن يجد الرواج عند «السلطات» ولكنه وجده عند الجمهور، ومن هنا الثقة ~~بأن المستقبل له، واليقين ms099 بأن النصر من نصيبه. # أدباؤنا الجدد، الذين يؤلفون القصة ويعتصرون إحساساتها من قلوبهم، والذين يعلمون الشعب ~~كيف يحيا الحياة الفنية، وكيف يزداد وجدانا في الآفاق الإنسانية، والذين يترفعون عن أن ~~يؤلفوا للهو والعبث، هؤلاء الأدباء هم قادة الأذهان وبناة الطرز الذوقية لمستقبل ~~شعبنا. # ومهما لقوا من بخس «السلطات»، ومهما حرموا المكافآت التي تذهب إلى أدباء «الديباجة»، ~~فإنهم سيجدون الرواج من الشعب. # والشعب هو كل شيء أولا وآخرا، ولا عبرة بما يصفه به أدباء الديباجة، وما يزعمونه، من أن ~~ما يكتبونه للخاصة أو خاصة الخاصة. ~~••• # ولكن من أكبر ما يؤخذ على كثير من كتاب القصص أنها تخلو من النزعة الإنسانية. # ولا أعتقد أني أحتاج إلى أن أشرح النزعة الإنسانية في الأدب، ولكن عندنا كثيرين ممن ~~يزعمون أنهم أدباء كبار، وكل تقاليدهم من الأدب مدائح المتنبي لسيف الدولة، وقبائح ابن ~~الرومي الجنسية والبرازية، وخمريات أبي نواس ولوطياته، ونحو ذلك، ولهؤلاء أقول: إن ~~الإنسانية في الأدب تعني مكافحة الظلم والجهل والفقر، والأديب الذي يتخذ هذا المذهب ~~الإنساني تعود حياته نفسها أدبا؛ لأنه مكافح. # وفي عصرنا الحاضر تتمثل هذه النزعة الإنسانية في المذهب الاشتراكي الذي يحاول دعاته إنصاف ~~المظلومين وإغناء الفقراء ومساواة الجنسين ومحو التعصبات العدوانية، سواء أكانت دينية أم ~~عنصرية أم طبقية، واستخدام العلم لإشعاع النور في الأذهان، والرفاهية في المدن والقرى، ~~وتحطيم القيود التي تحد من الحريات، سواء أكانت قيود الخرافات أم قيود الحكومات، الإنسانية ~~في الأدب هي مزاج نفسي، وأيما أديب خلا منها يعود تافها أو شريرا. # وعندنا، مع الأسف العميق، كثير من الأشرار والتافهين في الأدب، أولئك الذين أيدوا الظلم ~~ودافعوا عن الظلام، وطالبوا بتقييد الحريات، وعارضوا المساواة بين الجنسين، واحتقروا الشعب ~~ووصفوه بأنه رعاع وغوغاء. # هؤلاء الأدباء قد بصقوا على وجه الإنسان وجحدوا الولاء للبشر وكفروا بالقيم العالية في ~~الأخلاق، وهذه القيم العالية في الأخلاق هي في النهاية، القيم العالية في الآداب والفنون. # | نحتاج إلى كتاب شهداء # قبل نحو عام تقريبا كتبت مقالا بهذا العنوان وسلمته لإحدى المجلات، فرده ms100 إلي رئيس ~~التحرير وهو يقول: إن الجمهور لا يتحمل كل هذا الذي قلته. وتناولت المقال منه ووضعته على ~~الرف في أسف وحزن. # وقد تذكرت هذا المقال في الأسبوع الماضي وأنا أقرأ ما يكتبه القائمقام أنور السادات ~~بعنوان «نحو بعث جديد»، فإنه فكر وتجرأ، فكتب كلمات من نور كان لا بد أن يسمعها الجمهور ~~المصري من رجل مخلص أمين، ورأيت أنا عندئذ أن أنبش عن مقالي المطروح، فإن أنور السادات ~~بمقالاته الرائعة قد أتاح لي الفرصة لأن أنشره على القراء. # وقبل ذلك أنقل بعض ما قال هو، وهو إذا لم يكن تلخيصا لما كتبه، فإنه على الأقل يعين ~~معالم الطريق في تفكيره الإصلاحي الذي أعتقد أنه كان يجب أن يكون تفكير الأدباء والكتاب ~~قبله، وهو ما أهملوه؛ لأنهم انقادوا بالعامة بدلا من أن يقودوها، قال: # وأنا لا أنسى حادثا وقع أمام عيني ذات يوم هنا في مصر ... فقد رأيت شابا متعلما ~~ينتمي إلى إحدى الهيئات المعروفة في إحدى المناسبات، وكانت هناك سيدة فاضلة في ~~المكان، صافحناها جميعا - نحن الرجال - وكان زوجها طبعا معنا ... وعندما مدت السيدة ~~الفاضلة يدها إلى ذلك الشاب لتصافحه ارتد إلى الوراء مذعورا كأن إنسانا يهاجمه ~~ليقتله، ورفض أن يصافح السيدة. # وسألناه لماذا؟! والحيرة تستبد بنا، ففهمنا منه أن الذين يوجهونه في الحياة ويخضع ~~لهم في نشاطه وفي أفكاره قد أكدوا له أن محمدا الرسول «المناضل الحر» لم يضع يده ~~في يد امرأة. # ومن خلال هذا الحادث البسيط العابر يمكننا أن نفهم مدى ما يتمتع به تجار الدين في ~~بلادنا من وعي وإيمان بالتطور الإنساني، وبرسالة أقوى الثوار وسيد الأحرار محمد؛ ~~فهم بدلا من أن يقولوا لهذا الشاب إن محمدا قد دعا إلى العمل وبناء المجتمع ~~وتخليص البشرية من الجهل والجمود والاستغلال ونشر العمران والحضارة في جميع ~~الأقطار، يحدثونه عن وضع يد الرجل في يد المرأة وكيف يصبح هذا جريمة! وكيف أن منع ~~هذه الجريمة هو الهدف الذي نزلت من أجله رسالة الإسلام! # الكهانة إذن في بلاد المسلمين ms101 تريد أن تعطل نصف المجتمع ... # لحساب من؟! # هل يفعلون ذلك لحساب النهضة والبعث والحرية والعدل والحق؟! # أم لحساب التطور الإنساني ومصالح الأفراد والجماعات؟! # لا هذا ولا ذاك! # فتعطيل نصف المجتمع معناه تأخر هذا المجتمع وتخلفه عن اللحاق بموكب المدنية ~~والعلم والتقدم، وهذا إذا تم فسيكون قطعا لحساب أعداء البشرية ... لحساب الرجعية ... ~~لحساب المشعوذين! # ويقول: # استعمر الغرب إذن الشرق - كما قلت - بعد أن نهض وأصبح يملك الحضارة! # وتعاون معه تجار الدين، وسارت الكهانة في ركابه تمنع عن الشعوب الإسلامية الأفكار ~~الجديدة، والعلم الجديد، والفن الجديد، تمنع عنا الثقافة، وتعاون الغرب في إقامة ~~ذلك الستار الحديدي بيننا وبينه لكي لا تقفز الحضارة إلينا! # وعشنا في كنف الغرب ... # والكهانة ماضية في التأكيد لنا أن المدنية زيف ورجس عظيم ... والعلم من صنع ~~الشيطان! # والاستعمار لا يجد أبرع من هذه الدعوة في مواصلة استعبادنا، وفي نفس الوقت يتقدم ~~هو إلى الأمام ... إلى أقصى قمم المدنية والعمران! # المدنية زيف ... الحضارة شر ... التقدم خروج على مشيئة رب العباد ... هذه هي دعوة ~~الكهانة في بلاد المسلمين! # أكتفي بما نقلت عن السيد أنور السادات، والحق أن هذه الكلمات قد زادتني إيمانا بأننا في ~~نهضتنا نسير مع الأحرار المخلصين الذين ينظرون إلى وطننا ليس نظرة الأمانة والإخلاص فقط، بل ~~نظرة الذكاء والفهم أيضا. # وبعد هذا الذي نقلته سيجد القارئ مقالي تافها ضعيفا، ولكن عليه أن يذكر تحرجي، بل عليه ~~أن يذكر أن هذا المقال على ضعفه قد رفض نشره ممن كانوا يتحرجون أكثر مني، وإليك نص ~~المقال: # على أثر الحوادث المؤسفة التي حدثت في السودان عند افتتاح البرلمان نشرت كلمة قلت فيها ~~إننا نحن والسودانيين، بل جميع أبناء الشعوب العربية، نحتاج إلى كتاب شهداء من الصحفيين ~~والأدباء والمؤلفين والشعراء. # وذلك لأنه اتضح من هذه الحوادث المؤسفة في السودان، وكذلك من الحوادث التي حدثت في مصر في ~~الثلاثين سنة الماضية، أن الشعوب العربية كانت تضلل بدلا من أن ترشد، وأن الزعماء والقادة ~~الذين يستحقون النصيحة، بل أحيانا العقوبة، كان يتملقهم الكتاب ms102 ويؤلف الشعراء في مديحهم ~~القصائد الطوال، وكأنهم بذلك يؤيدون العار ويصمدون له . # ثم هناك رجعيون كانوا يعطلون ارتقاءنا، ويصمون المفكر المخلص بأنه كافر أو إباحي أو خائن، ~~مع أنهم كانوا يعرفون في أعماق سرائرهم أنهم يفترون، ولكنهم كانوا يتملقون العامة والغوغاء ~~بدلا من أن يقودوها. # ومثال ذلك أننا كلما دعونا إلى إصلاح العائلة، أو تقييد الزواج، أو تقييد الطلاق، أو ~~مساواة المرأة بالرجل، أو تعليمها حتى تستطيع الاستقلال والكسب، أو التسليم بحقوقها ~~الدستورية ناخبة للبرلمان ومرشحة للعضوية فيه، أو نحو ذلك، هب في وجوهنا هؤلاء الرجعيون ~~يتهموننا بالكفر ومخالفة التقاليد. # وقد استطاعوا تضليل العامة، ونجحوا في هذا التضليل. # لقد وصل إلي، قبل أسابيع، خطاب من كاتب في الزقازيق يقول لي فيه إن ما أسميه رجعية ~~وأحاربه في مقالاتي إنما هو الدين. # من الذي ضلل هذا المسكين سوى الرجعيين في مصر؟! بل من الذي ضلل السودانيين سوى الرجعيين ~~في السودان؟! إن الرجعيين هم الذين هبوا يريدون تحطيم الحياة البرلمانية البازغة في ~~بلادهم! # نحن نحتاج إلى أدباء وكتاب وصحفيين ومؤلفين شهداء، لا يرفضون تملق القادة والزعماء فقط، ~~بل يرفضون أيضا تملق العامة والغوغاء ويصرون على أن يقولوا الحق ويكافحوا الرجعية، لا بأس ~~من أن يتعرضوا لسخط العامة والغوغاء، فإن قادة الجيش هبوا في يوم 23 من يوليو في سنة 1952 ~~ثائرين على الكبار من الرجعيين من فاروق فنازلا، وكانت رءوسهم على أكفهم، وكان يمكن أن ~~يشنقوا أو يضربوا بالنار لو أنهم كانوا قد أخفقوا. # والمعنى أنهم كانوا مستشهدين. # فلماذا لا يكون عندنا كتاب شهداء يستهدفون لغضب العامة الغوغاء ويقولون لهم: إنكم تعيشون ~~في أسر تقاليد خرافية، تؤخركم وتحطم مجتمعكم، وتفسد عليكم مستقبلكم، ولن يبلغ استشهادهم على ~~كل حال درجة الإعدام. # ليس هناك من ينكر أنه يجب على السياسي والأديب والكاتب والصحفي والموظف أن يكونوا جميعهم ~~شعبيين، بمعنى أن يكون الشعب هو الهدف لنشاطهم يعملون لخدمته وترقيته. # ونعني هنا الشعب لا العامة ولا الغوغاء. # وما دمنا قد وضعنا هذا الهدف، فإن كل مفكر ms103 قد وقف على حركة التاريخ العصري، وعرف التطورات ~~الاجتماعية للأمم العصرية، يحس أنه يجب أن يقود الشعب وألا ينقاد بالعامة والغوغاء. # ونحن هذه الأيام نلعن الساسة الذين أقحمونا في حرب فلسطين في سنة 1948 بلا استعداد، ~~وعرفنا أن أعضاء البرلمان الذين كانوا على دراية بالنقص في أسلحتنا وأعتدتنا سلموا مع ذلك ~~وقبلوا هذه الحرب؛ لأنهم انقادوا للعامة والغوغاء وأحجموا عن المعارضة خشية أن يتهموا ~~بالخيانة للوطن أو للدين. # وكلنا الآن يأسف على ذلك؛ لأن السياسي يجب أن يقود ولا ينقاد. # ولكن هذا الأسف نفسه يجب أن نأسفه أيضا على أولئك الأدباء والكتاب الذين لا يتصدون ~~للخرافات التي توصف بأنها تقاليد، والتي تؤخر أمتنا وتعوقها عن التطور؛ لأن الأديب الذي ~~يخلص لوطنه، مثل السياسي الذي يخلص لوطنه، يجب أن يقود الشعب ولا ينقاد بالعامة والغوغاء، ~~يجب أن يتحداهم ويصلحهم ويرقيهم ويحملهم على التطور. # إني لا أمدح نفسي حين أقول إني استهدفت لسخط العامة والغوغاء حين ألفت كتابي «نظرية ~~التطور وأصل الإنسان»، وكتابي هذا هو سلاح لتحطيم الخرافات، وكان هذا في سنة 1925، وفي 1954 ~~كتبت جملة مقالات قلت فيها إن المجتمع الانفصالي، الذي يفصل بين الجنسين، يؤدي إلى العاهة ~~النواسية، وجابهت العامة والغوغاء بكلامي هذا، وهو كلام أعتقد أنه حق. وقبل سنوات، عندما ~~استفحلت الحركات الدينية وتدخل زعماؤها في السياسة كتبت في الدعوة إلى فصل الدين من الدولة، ~~وقلت إن ميدان الدين هو الحرام والحلال، أما ميدان السياسة فهو الخطأ والصواب. وكنت في هذا ~~القول متحديا مجابها أيضا للعامة، ومن مدة قريبة كتبت جملة مقالات قلت فيها إن الأدب ~~العربي القديم لا يساعد على تخريج الأديب العصري، وكنت في هذا أيضا متحديا مجابها للعامة ~~والغوغاء من الكتاب التافهين كبارا وصغارا. # وأكرر القول بأني لا أتمدح بهذا الكلام، ولكني أحس أن كثيرا من الأدباء والكتاب ~~والصحفيين قد تملقوا، ولا يزالون يتملقون، العامة والغوغاء، فوق تملقهم السابق للقادة ~~والساسة وعلى رأسهم البغي فاروق، مع أننا في حاجة إلى من يربون العامة والغوغاء ويحملونهم ~~على ms104 أن يدخلوا في العصر الجديد. # عصر العلم بدلا من الخرافات. # وعصر المساواة بين الجنسين بدلا من الحجاب المنزلي أو الاجتماعي. # وعصر الاستبشار بالمستقبل بدلا من الاعتماد على التقاليد والتقيد بالماضي. # وعصر الزواج على أساس الحب والاعتراف بحق الشبان والفتيات في الحب. # وعصر الصناعة والآلات بدلا من الزراعة والإقطاع. # وعصر الاشتراكية بدلا من الانفرادية. # وعصر الأدب المرتبط بالمجتمع الهادف إلى الإنسانية، بدلا من الأدب الذي يحيا في الهواء ~~والخواء، أو يأسن في البرج العاجي، أو ينشد اللذات للملوك والأمراء أو للعامة ~~والغوغاء. # إننا - نحن الكتاب - سنلاقي السخط من العامة والغوغاء عندما ندعو هذه الدعوات، ولكن لكل ~~حرفة مسئولياتها، ومسئوليتنا هنا أن نربي العامة والغوغاء، ولا نتملقها ونسير خلفها فنضللها ~~ونؤخرها. # | مهرجان سباب وكلمة أديب # بعض الفصول في هذا الكتاب أثارت حولي غبارا عندما نشرت في «أخبار اليوم»؛ ولذلك أعتقد ~~أن من حق القارئ أن يقف على مداه، وقد يحب أن يتعرف إلى أسبابه. # وعندي أن أسبابه، بل السبب الوحيد، هو أني مخالف معارض لجميع التيارات الأدبية في مصر ~~باستثناء هذه الطبقة الجديدة الناهضة من الأدباء، التي حاولت ولا تزال تحاول ربط الأدب ~~بالمجتمع، والتي تهدف منه إلى أهداف إنسانية، بل تحاول أن تجعل للأديب رسالة. # ففي عدد أغسطس من 1954 من مجلة «الرسالة الجديدة» يجد القارئ بضع صفحات كتبت عني جاء فيها: # في العدد الماضي من الرسالة، قال الأستاذ سلامة موسى: «إنه لا يوجد بين أدباء ~~مصر، أديب واحد يستحق أن يحمل التاريخ آثاره إلى الأجيال القادمة! ولم أجد من ~~أدبائنا من يستحق أن يقرأ له أولادنا وأحفادنا بعد عشرة أعوام!» # وكان ذلك في الحديث الذي دار بينه وبين سكرتير تحرير «الرسالة الجديدة»، وقد أثار ~~هذا الحديث ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية. # وقد سئل الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد عن رأيه فيما ذهب إليه سلامة موسى، ~~فقال: إني لا أستطيع أن أبدي رأيي في غير رأي، وما قاله سلامة موسى ليس تعبيرا عن ~~رأي، لكنه تعبير عن حقد وضغينة وشعور بالفشل ms105 والتقهقر. # وكل ما يهدف إليه سلامة موسى من حملاته على الأدب العربي هو تشويه للأدب العربي ~~عامة ، ورميه بالقصور والجهل وانحلال مجتمعه. # والذنب الأكبر للأدب العربي عند سلامة موسى هو أن هذا الأدب عربي، وسلامة موسى ~~ليس بعربي! # وقيل للأستاذ الكبير العقاد: أين مكان سلامة موسى بين أدباء العصر الحديث ~~وعلمائه؟ فضحك وقال: «إن الأدباء يحسبون سلامة موسى على العلماء، والعلماء يحسبونه ~~على الأدباء، والواقع أنه ليس أديبا، ولا عالما، ولكنه قارئ لبعض العلم، وبعض ~~الأدب، في بعض الأوقات، وما يفهمه أتفه مما لا يفهمه!» # وقال الأستاذ الفنان توفيق الحكيم: إن سلامة موسى يتصدى للحكم على قضايا لا يملك ~~أسباب التصدي لها، ويخيل لي أنه قد انقطع عن القراءة منذ ربع جيل على الأقل؛ فإني ~~كلما قرأت له لمحت أثر تفكير القرن التاسع عشر في اتجاهات فكره، والتفاتات ذهنه ... ~~إنه لا يزال يقيم في فلسفته - إن كانت له فلسفة - على الاعتراف بالمادة، وإنكار ~~الروح، ويحسب أن هذا أقصى ما وصل إليه الفكر الحديث! # كان أينشتين يقول: إن الكون في إطار، والله خارج هذا الإطار ... وقد قرأت له أخيرا ~~كلاما عن الله جنح فيه إلى الاعتراف بالله، وتحدث عنه في حذر وتهيب وخشية. # وما قرأته لسلامة موسى منذ ثلاثين عاما، لا يختلف عما أقرؤه له اليوم نزعة، ~~وأسلوبا، واتجاها حادا إلى إنكار كل شيء، والاستخفاف بكل شيء! # لست أدري لماذا يقيمون وزنا لحكم سلامة موسى على ما سيحمل التاريخ من آثار ~~أدبائنا إلى الأجيال القادمة، وسلامة موسى على ما أظن ليس هو التاريخ، وليس هو ~~الأدباء، وليس هو الأجيال القادمة! # وقيل لكامل الشناوي: ما رأيك فيما قال سلامة موسى عن أدباء مصر؟ فقال: إن سلامة ~~موسى لم يدرس آثار هؤلاء الأدباء، ولم يقرأ لهم حتى يستطيع أن يصدر حكما سليما، ~~وما ذكره ليس رأيا وإنما هو كلام عام، وسلامة موسى أولع في السنوات الأخيرة ~~بالتعرض لموضوعات يستحيل عليه أن يفهمها فهما صحيحا، مثل: «الغزالي» و«المعرى» ~~و«شوقي» و«أبي نواس» و«المتنبي» ... وهو يحاول ms106 جهده في الكتابة عنهم، والقارئ ليس في ~~حاجة إلى كثير من الفطنة لكي يدرك أن ما يكتبه سلامة موسى عن الأدب العربي؛ قديمه ~~وحديثه، شعرائه وكتابه، يدل على أنه لا يعرف عن هذا الأدب إلا عناوين كتبه، وأسماء ~~أدبائه! # وقد حمل منذ أشهر على شوقي الشاعر، واتهمه بالمروق، والخيانة، والتآمر على الشعب! ~~واتضح أنه لم يقرأ لشوقي إلا مطالع قصائده في مدح الخديوي عباس! # وعندما بدأ سلامة موسى حملته على شوقي والشعب العربي والمجتمع الإسلامي، تحدثت مع ~~الأستاذ الدكتور طه حسين في ذلك فقال: «إن جريمة شوقي في نظر سلامة موسى في هذه ~~القصائد التي تغنيها أم كلثوم ... أي قصائد شوقي في مدح الرسول!» # وأنا لست أعتقد ذلك؛ فإن سلامة موسى لا يتعصب لشيء ولا هو ضد شيء، وكل ما هنالك ~~أنه حاقد موهوب! وهو حريص على إظهار مواهبه في كل ما يكتب! في السياسة أو الأدب أو ~~الاجتماع، وهو يحقد على الأموات أكثر مما يحقد على الأحياء، وحقده على الضعيف أشد ~~من حقده على القوي، ولست أتجنى عليه، ولكنني أقول الحقيقة، ومن يطالع كتاباته كلها ~~بلا استثناء، يأخذه الإعجاب من قدرته على نفث حقده في كل لفظ وكل معنى؛ فليس صحيحا ~~أن سلامة موسى يتعصب ضد الأدب العربي، أو ضد المجتمع الإسلامي! # وقيل لكامل الشناوي: ما رأيك في أسلوب سلامة موسى؟ فقال: «إن سلامة موسى يعبر ~~بسهولة عن آراء غيره، ولو كانت له آراء ذاتية، لاستطاع أن يعبر عنها بسهولة ~~أيضا!» # وقال: «إن سلامة موسى يعرف الموسيقى، ويشعر بالعلم، ولو أنه شعر بالموسيقى وعرف ~~العلم لكان كاتبا عظيما!» # وجاء في مجلة «الثورة» في يناير سنة 1955 هذه الكلمات التالية على لسان المحرر تحت عنوان ~~«بلاليص وجرادل»: # روى لي الأستاذ الأديب حبيب الزحلاوي أن الأستاذ سلامة موسى قد وضع دعاء لإحدى ~~الطوائف باللغة العامية، ومن هذا الدعاء: # يا ألله نحن بلاليص فارغة، املأنا بنعمتك السماوية! # يا ألله أنت الوابور واحنا العربات، جرجرنا لساحة الملكوت. # يا رب أنت الحنفية واحنا الجرادل. ms107 # هذا هو ما قاله عني توفيق الحكيم، وطه حسين، وعباس العقاد، وكامل الشناوي، وحبيب ~~الزحلاوي. # وردي عليهم أمام القراء هو هذا الكتاب، وإن لم أقصد الرد عليهم بالذات؛ لأن كل ما قصدت ~~إليه هو شرح الأدب كما أفهمه. # ولكني أرى من حقي، بل من حق القراء علي، بعد هذا المهرجان من السباب والبغض أن أنقل كلمة ~~أديب معروف، هو الدكتور إبراهيم ناجي، وذلك قبل وفاته بنحو شهرين في سنة 1953؛ فقد ألقى ~~حديثا عني في جمعية الشبان المسيحية بالقاهرة لم أحضره، فتكرم بأن أرسله إلي، وهو لا يزال ~~عندي بخطه، قال: # أنا ما أقف الليلة لأمتدح سلامة موسى، فإننا تعودنا ألا يمتدح أحدنا الآخر، بل ~~بالعكس كان أشهى شيء إلينا أن ينقد الواحد منا عمل الآخر نقدا نزيها صريحا، إني ~~لو صورت سلامة موسى على حقيقته - وأعتقد أني أستطيع - فكأني أصور رجلا يدور حول ~~نفسه، يبحث عن شيئين: الأول عن عيب فيما صنع، لعله يستطيع تلافيه في ~~المستقبل. # والثاني الذي يبحث عنه، عن ناقد مخلص يستطيع أن يستزيد منه علما ومعرفة. # بل أكاد أتخيله، بعدما يفرغ من عمل قضى فيه الليالي الطوال دارسا باحثا منقبا، ~~أتخيله كذلك المثال الذي جاء تمثاله آية، وأخذ الجائزة الكبرى في المعرض، لقد ~~شوهد ذلك المثال يبكي، يبكي لا من الفرح ولكن من القهر، وهو يدور بعينيه في جوانب ~~التمثال، فلما سئل عن بكائه قال: «لأني أبحث عن عيب فلا أجد ...»! # وأتخيل سلامة موسى كذلك بعد أن يفرغ من عمل فني استنفد جهده وأقض مضجعه وأخذ من ~~نور بصره ... أتخيله كذلك الكاتب الإغريقي الذي يعلم أن محاولة الكمال من المحال، ~~فيصيح يائسا، يائسا من العمر ألا يتسع لتمام الكمال في أي عمل مهما كان صغيرا: ~~«لم يعد من المجهود إلا سبيل من اثنين: إما أن أحرق ما صنعت، وإما أن ألقي به ~~للسوق.» # هذا هو سلامة موسى في صورة مجملة، أما التفاصيل فتذكرني بتفاصيل «ه.ج. ولز» قطعة ~~قطعة، حتى لقد قلت حين علمت أن سلامة موسى ms108 في بدء حياته تتلمذ على عالم من علماء ~~إنجلترا، وكان يلازمه ملازمة الظل ، إن هذا العالم ليس إلا ولز. # ولز بدأ حياته عالما في البيولوجية، وهكذا فعل سلامة. # ولز أخذ يبني الكوارث على أسباب اقتصادية، كما يتضح لنا من كتاب «سعادة البشر ~~ومالهم ورخاؤهم»، وسلامة موسى هو أول مصري تكلم عن أهمية الأرقام الاقتصادية في ~~تاريخ مصر والمصريين. # أجل يا سادتي، لقد كنت أقرأ له بعض الأحايين مقالات عن القطن المصري، أو العامل ~~المصري، والتعطل المصري، فيعتريني دوار، يعتريني شيء كمن عاش في حلم فأفاق على ~~حقيقته، فأقتطع المقال، وقد خيل إلي أن عليه أثر العرق والتعب والدموع، أقتطع ~~المقال وأحتفظ به كما أحتفظ بقصيدة جميلة سأعود إليها مرة واثنتين. # وكان ولز مدرسا في حقبة من عمره، وسلامة موسى يمارس التدريس والتعليم، لا في ~~المدارس، بل في الحياة. # هنا في هذه الجمعية الموقرة كنت أستمع إليه محاضرا ومعلما، وهو في ارتجاله كان ~~أروع مما هو في مقالاته المحضرة؛ لأن ارتجاله يغرف من مخ موسوعي، أما مقالاته ~~المحضرة، فرغم جودتها، كانت تتحدد بالموضوع الذي أراد أن يتحدث عنه. # هذا الأسلوب التعليمي هو أروع ما في سلامة موسى الرجل، هذه الرسالة التي وجد نفسه ~~ملزما بها هي الخاصة الظاهرة في حياته وأسلوبه. # إن هذا الأسلوب الذي يعلمك، بغير أن يتعالم عليك، هو الصفة الكبيرة التي تجعل ~~سلامة في جانب، وكل الكتاب في جانب آخر. # ولعل هذه النزعة التعليمية، هذه «الرسالة»، هي التي طبعت سلامة موسى بطابعه الذي ~~تعرفونه، فأولا قد كلفته الرسالة ما تكلف الرسالة، وما كلفت من قديم أهلها ~~والقائمين بها. # أولا: # كلفته أن يضحي، فضحى بكل شيء، إن الرسالة في صميمها ضرب من الهواية ~~القاتلة، الهواية التي تجعلك تحتمل الآلام، تجعلك تحتمل كل شيء إلا أن ~~تتحول عن تأديتها، وقد كلفته أن يندمج في غمار الذين يحمل إليهم ~~الرسالة، ولا عيب في هؤلاء الذين يحملها إليهم إلا أنهم، كغيرهم، يجدون ~~التبديل صعبا والتغيير قاسيا، فيشيرون إلى صاحب الرسالة. ~~«من هذا ms109 الشخص الغريب الذي يتكلم كلاما غريبا؟!» # كلفته أن يكون صريحا، وأن يكون صارما في الحق، وأن يقول ما يعتقد، ~~وكلفته فوق كل ذلك أن يعادي بغير أن يعرف كيف يعادي. # وثانيا: # كلفته أن يذيعها وأن يكتب عنها، وأن يتحدث، وأن يؤلف، وأن يسمعها ~~للناس بأية الطرق، فلهذا سار يكتب في مجلات يعرف سلامة وتعرفون أنتم أن ~~أصحابها لا يرقون إلى فهم سلامة، فإذا أنت آخذت سلامة، أجابك في هدوئه ~~المعتاد: ورقة واحدة يقرؤها شخص واحد تشعرني أني قمت بواجبي. # وما هي هذه الرسالة التي تقلق جوانب سلامة موسى وتحيك في صدره؟ # هذه الرسالة هي: التغيير في الأسلوب القديم، أسلوب التفكير، أسلوب الكتابة، أسلوب ~~الحياة. # أما عن أسلوب التفكير فهو قد علم الكتاب أن ينهجوا النهج العلمي من حيث ~~الدقة ومن حيث الإحاطة ومن حيث البساطة. # هذه البساطة في التفكير والعرض معجزة لا يمكن أن تقلد بسهولة، يحكى أن أحد وزراء ~~الصين أراد أن يمتحن الرسامين في رسم أبو جلنبو، فلما جاءوه بالصور الملونة ~~والمزركشة رفضها، حتى جاءه رسام متواضع بصورة مكونة من ثلاثة خيوط، فأعطاه الجائزة ~~قائلا إن هذه البساطة هي أعمق شيء، وأصعب شيء. # ولقد يجوز أن نصف هذه البساطة بالسهل الممتنع، ولكن الذي يجيء به سلامة أكثر من ~~السهل الممتنع، وأعمق وأدخل في باب الإعجاز. # وأما عن الأسلوب الأدبي فقد اتهم ظلما بأنه لا يجيد اللغة حتى صار يؤلف الكتب ~~في كيفية دراسة اللغة العربية، وحتى صار يخترع الألفاظ اختراعا ويضعها للاصطلاحات ~~الجديدة أحسن وضع وأعجبه. # ولقد سمعت ذات يوم في إحدى الجرائد التي يحرر بها، والتي لا يمكن أن يقرأ فيها ~~شيء يستحق القراءة - غير مقالاته هو - أنهم يتهمونه بعدم إتقان اللغة العربية، ~~وأنهم يعيدون كتابة مقالاته، فذهبت لرئيس التحرير وخاصمته وقطعت صلتي بالجريدة، وإن ~~استمر هو يكتب بها؛ لأنه يؤثر أن يستمر في تأدية الرسالة مهما كلفته ~~التأدية. # أما أسلوب الحياة، فهو أول من جاء بهذا التعبير العجيب: «إن الإنسان عليه أن ~~يمارس حياته.» # والواقع أن ms110 سلامة مارس حياته كما مارسها سقراط من قديم. # وأكاد أتخيله في الأزمنة الطاحنة التي يجتازها بهدوئه الممتاز يتذوق كأسا مريرة، ~~ولكنها عذبة لنفسه مستساغة في يقينه. # إن شوقي الشاعر يقول: # دعوا الأكاليل للتاريخ إن له # يدا تؤلفها درا ومخشلبا # ولكني أقول: إن الفراشات تتجمع حول المصباح، وسلامة موسى مصباح لا يرهقنا ضوءه ~~ولا يعنينا ولا يحرق أيدينا، بل ينير السبل ويهذب العقول، فهنيئا لمصر سلامة الذي ~~ما فتئ يتكلم عن مصر، وما فتئ يحدثنا عن الفراعنة، مقارنا الماضي بالحاضر، متوسما ~~الأمل في المستقبل، ناقدا للأخطاء، غامزا للأصدقاء، وفيا لنفسه، وفيا لمبدئه، ~~ثابتا راسخا، مد الله في عمره، وأبقاه للعلم والأدب والفن. والسلام. ms111