######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.AhlamFalasifa.Hindawi19248629 #META# Tags: philosophy #META# ID: 19248629 #META# Title: أحلام الفلاسفة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # جمهورية أفلاطون‏ # حلم توماس مور‏ # أندريا وحلمه‏ # أضغاث أحلام‏ # عصر الصناعة وأحلامه‏ # من أحلام الاشتراكية‏ # سنة 2000‏ # ثلاثة من الإنجليز‏ # الحقيقة بنت الوهم‏ # تطور الأحلام‏ # نقد ومراجعة‏ # خيمي‏ # مقدمة‏ # جمهورية أفلاطون‏ # حلم توماس مور‏ # أندريا وحلمه‏ # أضغاث أحلام‏ # عصر الصناعة وأحلامه‏ # من أحلام الاشتراكية‏ # سنة 2000‏ # ثلاثة من الإنجليز‏ # الحقيقة بنت الوهم‏ # تطور الأحلام‏ # نقد ومراجعة‏ # خيمي‏ # | أحلام الفلاسفة # | أحلام الفلاسفة # تأليف # سلامة موسى # | مقدمة # لكل منا حياتان؛ حياة الواقع التي يعيشها الإنسان متأثرا بالوسط الزماني والمكاني، ~~وحياة الخيال التي يرغب في أن يعيشها. والفرق بين الحياتين هو الفرق بين الوجود ~~الناقص وبين التخيل الكامل، أو بين ما هو موجود على الرغم منا، وبين ما يجب أن يوجد ~~وفق خيالنا وطبق رغباتنا. # والعقل الإنساني مطبوع على أن يتم بخياله ما يراه ناقصا في الحقائق الواقعة حوله، ~~ومهما قيدنا العقل ومنعنا من التفكير فيما يهوى، فإنه ينفلت منا، ولو وقت النوم؛ ~~فيعوضنا من نقصنا الحقيقي كمالا متوهما، فمن جاع في النهار وقت صحوه أكل في الليل ~~أشهى الأطعمة وقت نومه، ومن تحرق في النهار لرؤية حبيبته رأى طيفها يتهادى في الليل ~~وهو مستغرق في سباته، بل نحن نحلم في يقظتنا فنستسلم للخواطر الجميلة؛ لنرى القصر ~~الفخم الذي نسكن فيه بخيالنا، والجياد المطهمة تجر عرباتنا، كما نرى الخدم والأتباع، ~~نخاطبهم بلهجة الرياسة، ونحن في فراش وثير لنا؛ زوجة محبة، وأولاد مطيعون، وحدائق ~~غناء نتنزه فيها، كل هذا وأكثر منه نراه في خيالنا؛ لأننا نشعر بالنقص في الحقائق ~~الواقعة حولنا، ومن ضروب الراحة التي يلجأ إليها العقل أن يعيد التوازن في رغبات ~~الجسم وشهوات النفس، وهذا هو السبب في أن الاستغراق في الضحك يعقبه شيء من الغم، ~~والانغماس في الشهوة يليه شيء من الاشمئزاز والفتور، فإذا كانت حقائق الحياة مؤلمة ~~تعكر صفاء الذهن وتكده بالتدبير لملاقاة تكاليفها وآلامها، كان من ضروب الراحة لهذا ~~الذهن أن يعمد إلى ما يناقض هذه الحقائق من الخيال فيرسم لنفسه عالما آخر غير هذا ~~العالم كله نعيم وسرور. # فكل ms01 منا يعيش إذن في عالمين: عالم الواقع، وهو أبدا ناقص، وعالم الخيال وهو أبدا ~~كامل، على النحو الذي نفهم به معنى الكمال، فإذا آلمتنا الحقيقة لجأنا إلى الحياة، أو ~~قل بعبارة أخرى: إذا رأينا الواقع خارجنا ناقصا مختلا مؤلما فررنا منه إلى الخيال ~~داخل أذهاننا فاعتضنا من الحقيقة حلما. # وإياك واحتقار الأحلام ... # وهل تحتقر الآلهة؟ # اعتبر المصريون القدماء لما استبدت بسواد الأمة فئة قليلة العدد من الأمراء والكهنة ~~والأجناد، واستحوذوا على ثروة البلاد، ورأى أفراد هذا السواد أنهم يعيشون في حرمان، ~~لا ينعمون بشيء من نعم هذه الحياة فعمدوا إلى خيالهم فاخترعوا عالما آخر يعيش فيه ~~المحرومون المظلومون، يؤجرون أجرا حسنا على ما قاسوه في هذا العالم، وينعمون هناك ~~بما لم يقدروا أن ينعموا به هنا، فكأن خيالهم قد ثار على الحقيقة، وخرج عقلهم الباطن ~~على عقلهم الظاهر، وأوجد نوعا من التوازن في حياتهم؛ بحيث جعل ما توهمه من ملذات ~~العالم الثاني بنسبة ما هو واقع من آلام هذا العالم الأول، لعلك من هنا تدرك تلك ~~النزعة الإلحادية التي تعتري بعض الشياطين الاشتراكيين والشيوعيين حين يقاومون ~~الأديان ويحضون السواد على تركها؛ إذ يخشون هذا التوازن الذي يحدثه الإيمان بعالم ~~آخر، وما يعقبه من تهدئة لنفس العمال، وهم إنما يرغبون في إحداث القلق والاستعار في ~~نفوسهم، والفيلسوف والعالم والأديب كلهم يتخيل ويحلم وهم أكثر خيالا وحلما إذا ~~اضطربت أحوال المعيشة، وتنافر الخيال المشتهى مع الواقع الحتم، ونحن في كل أزمة تقع ~~أو نكبة تلم بنا، نجدنا إزاء ثلاثة حلول لنا أن نختار منها واحدا، فإما أن نفر كما ~~يفعل الناسك؛ يزهد في الحياة فيلجأ إلى صومعته مهزولا كالأسد الجريح يذهب إلى ~~مغارته، وإما أن نكافح مدافعين وهذا ما يفعله معظمنا، وإما أن نهاجم وهذا ما يفعله ~~الأديب أو العالم أو الفيلسوف؛ فهو لا يفر وهو أيضا لا يكتفي بالمكافحة، وإنما يتخيل ~~وسطا يجعله بديلا من هذا الوسط الحقيقي؛ فيهاجمه به ويدعو الناس إلى حلمه حتى ~~يستبدلوا بحقائقهم خياله، ولكل إنسان مزاج ms02 خاص، ولكن أمزجة الناس متداخلة فليس فينا ~~من لا يفكر في الفرار بعض الأحيان، ولم تكن المهاجرة إلى أمريكا إلا فرارا من ~~أوروبا، وليس فينا من لا يكافح بعض الأحيان، بل هذا هو شأننا طول النهار، كما أنه ليس ~~فينا من لا يتخيل ويحلم، ولو بضع دقائق بعد الغداء، حين يطمو العقل الظاهر وتتسلل ~~الخواطر بلا قيد ولا شرط. # والفيلسوف ومن إليه من المفكرين يختلفون عن الكاهن المصري القديم الذي يمثل أحلام ~~سواد الأمة من حيث إنهم لا يجعلون ميدان حلمهم في العالم الثاني؛ فإن همومهم الذهنية ~~مقصورة على هذا العالم، والناس على الأرض - لا الملائكة في السماء - هم موضوع كلامهم ~~وخيالهم؛ فهم يرون من الخبط والخلط في الهيئة الاجتماعية، ومن الظلم والإسراف في ~~معاملات الناس ما يحثهم على اختراع نظام أوفى يضمن لهم أكمل ما يتوهمون من صور ~~العدالة والصحة والعمار؛ فهم يحلمون لنا ونحن أحياء على هذه الأرض ولا يبالون بنا بعد ~~موتنا؛ لأن الحياة - لا الموت - هي موضوع تفكيرهم وغاية نظرهم في الإصلاح، ولا ننسى ~~أن كل إصلاح حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل، إنما هو حلم من أحلام المفكرين، وقد ~~صدق أناطول فرانس في قوله: # لولا أحلام الفلاسفة في الأزمنة الماضية لكان الناس يعيشون إلى الآن كما ~~كانوا يعيشون قديما؛ عراة أشقياء في الكهوف، لقد كان إنشاء أول مدينة ~~خيالا من أخيلة المفكرين ... ومن الأحلام السخية ظهرت الحقائق النافعة، ~~فالخيال هو مبدأ التقدم وفيه محاولة إيجاد المستقبل الحسن. # وفيما يلي قد لخصنا للقراء بعض الأحلام الشهيرة التي رآها الفلاسفة في يقظتهم، ~~وتخيلوها عن روية وتدبير، يرجون بها إصلاح مجتمعهم، ومنها يقف القارئ على ضرورة ~~الإصلاح التي تخيلها هؤلاء الفلاسفة، وما كان من أثر الوسط في كل منهم، وكيف كانوا ~~يتخيلون المدينة الفاضلة والحكومة الفاضلة وأحسن ضروب الزواج وخير نظام للتربية وما ~~إلى ذلك. # ولا شك في أن القارئ وهو يتنقل من ترسيم إلى ترسيم، ومن برنامج إلى برنامج آخر، ~~سيدفعه إلى أن يحلم هو أيضا ms03 حلما قد يظن أنه جدير بأن يحشر بين هذه الأحلام، وسواء ~~أكان هذا أم لم يكن؛ فالمؤلف قد تجرأ وحشر حلمه بينها في «طوبى» توهمها كاملة مستوفية ~~شروط السعادة لمن به كفاية السعادة. # سلامة موسى # | جمهورية أفلاطون # يتسم الأدب الإغريقي بشيئين: المجازفة، والحرية؛ ولهذا السبب كان الإغريق ولا يزالون ~~للآن مبعث الوحي لكل نهضة أو تجديد في الأدب؛ لأن المجدد أو الناهض لا يكون كذلك إلا ~~إذا تخلص من القيود العديدة، سواء أكان مصدرها الشرائع أو التقاليد، ثم هو لن يكون ~~مجددا إلا إذا كان إحساسه بالحرية أكثر من إحساس غيره بها، فما يعده غيره فيه مخاطرة ~~يراها هو نفسه رياضة فكرية ليس فيها شيء من المجازفة، فإذا قرأ الإغريق وأشرب روحهم ~~صار مثلهم؛ يجري على نسقهم في حرية التفكير والجراءة في الاستنتاج حتى تصير هذه ~~الجراءة طبيعية فيه قد اكتسبها بالألفة مع هؤلاء الإغريق. # والحق أنه من عجائب التاريخ أن تقوم نهضة أوروبا في القرن الخامس عشر على درس أناس ~~مضى عليهم ألف عام، إذ إننا ننتظر من المجدد أن يترك القديم في بلاه، وينظر في الحاضر ~~ويتطلع إلى المستقبل، ولكن الإغريق على قدمهم وبلاهم لا يزال في آثارهم. # الفكرية ما ينبه أذهاننا ويضطرنا إلى النظر في أي موضوع نعالجه من زاوية غير تلك التي ~~ألفناها في البحث، وليس في معلومات الإغريق أو معارفهم ما نحتاج إلى معرفته، ولكن ~~نزعة الحرية والمجازفة في البحث هي التي تحتاج إليها في كل نهضة أو حركة تجديدية؛ ومن ~~هنا كانت الروح الإغريقية على الدوام مبعث النهضات الفكرية في الأدب والفلسفة. # ولنضرب بعض الأمثلة على جرأة الإغريق في تفكيرهم ... # فقد كان «أرسطوطاليس» يقرر أن الآلهة على الرغم من قدرتها لا تستطيع أن تبدل النواميس ~~الطبيعية؛ فكان بذلك لا يقر لها بمعجزات، وكان «توقيد» ينعى على الناس زواجهم جزافا ~~من غير انتقاء، ويقول: إننا نعنى بتأصيل الخراف والخيول أكثر مما نعنى بالإنسان، وإن ~~كرام الناس أقل من كرام الخيل؛ لأن لكل أحد من الناس ms04 الحق في التناسل. # وكان «أرسطوطاليس» أيضا يعد الجمال شرطا من شروط السعادة. # وكان «أفلاطون» # 1 # يبحث في شيوعية النساء. # ففي مثل هذا الوسط الحر نشأ أدب نزيه، خلو من القيود، لا يزال إلى الآن كما قلنا يوحي ~~إلى الكتاب والأدباء روح التفكير النزيه الحر الجريء. # ولذلك يجدر بنا أن نبحث حلم أفلاطون في أول ما نبحث من أحلام الفلاسفة؛ لنرى أي مدينة ~~فاضلة تخيلها لضمان سعادة الناس وراحتهم؛ فإن جميع من عالجوا هذا الموضوع بعده قد ~~ساروا على طريق حاول هو من قبلهم أن يعده لهم، فما من واحد منهم كتب في «المدينة ~~الفاضلة» إلا وكانت «جمهورية أفلاطون» وراء ذهنه تلهمه وتجرئه وتسدده. # ولا شك في أن المدينة الفاضلة كما توهمها «الفارابي» ترجع إلى أفلاطون في الإيحاء، بل ~~في بعض الترسيم أيضا، ولكن الفارابي جريا وراء النزعة التي كانت سائدة في عصره ~~اعتمد على «إلهيات» أفلاطون وبحثها وشرحها أكثر مما اعتمد على ترسيم الجمهورية ~~الإنساني، حتى ليكاد يفقد الإنسان الصلة بين «المدينة الفاضلة» للفارابي و«الجمهورية» ~~لأفلاطون. ~~••• # تعلم أفلاطون وهو صبي في إحدى مدارس أثينا، وكان أهم ما في التعليم وقتئذ أن يستظهر ~~أكبر مقدار من قصائد هوميروس وسائر الشعراء، ثم تعلم بعد ذلك الموسيقى والعزف على ~~القيثارة، وأكب على العلوم الرياضية فبرع فيها، وكان طوال صباه وشبابه لا يفتر عن ~~ممارسة الألعاب الرياضية، وقد فاز فيها بجوائز. # وكانت أول شهواته الذهنية أن يكون شاعرا، وقد ألف درامة شعرية للمسرح، ولكنه بتقدمه ~~في السن صار يهجر الشعر إلى الفلسفة، إلى أن التقى بسقراط، وكان عمره عندئذ عشرين ~~سنة، فقر قراره على البت في هذا الموضوع، وعمد إلى جميع قصائده فأحرقها وأرصد نفسه من ~~ذلك الوقت للفلسفة، وبقي يلازم سقراط 6 سنوات، ورآه وهو يتناول السم سنة 399ق.م. وقد ~~ترك هذا الحادث أثرا مؤلما في ذهنه؛ فإنه توجس شرا بعد ذلك من الجماهير وحكومات ~~الشعب. # ورأى أفلاطون أن «أثينا» لم تعد ذلك المكان المأمون الذي يستطيع أن يعيش فيه؛ فتركها ~~وقضى بضع ms05 سنوات في رحلة طويلة زار فيها مصر وإيطاليا، ودرس عادات الأمم التي حول ~~البحر المتوسط ونظمها السياسية وأديانها، وانتفع بكل ذلك عندما شرع يؤلف «طوباه» أو ~~مثله الأعلى في كتابه «الجمهورية». # وعاد أفلاطون إلى أثينا وقد بلغ الأربعين، فقصد إلى ضيعة صغيرة ورثها عن أبيه، قريبا ~~من أثينا فأقام فيها، وصار الشبان يهرعون إليه للتعلم على يديه، وكان يلقي أحاديثه أو ~~محاضراته في منزله أو على حائش من الزيتون بالقرب من ضريح لأحد الأبطال يدعى ~~أكاديموس؛ ومن هنا سميت مدرسته أكاديمي وهي اللفظة التي تطلق إلى الآن على المجامع ~~العلمية، وربما كانت الأكاديمية التي أنشأها أفلاطون أولى الجامعات في العالم، فقد ~~انتظم فيها التعليم على النسق الحديث، ولم يكن أفلاطون يجزم بشيء، وإنما يناقش ويحتكم ~~إلى العقل، وكان يفرض على جميع الطلبة أن يدرسوا الرياضيات قبل أن يشرعوا في درس ~~الفلسفة. # وكان أفلاطون - لتربيته الأدبية الأولى، ثم لثقافته العلمية الثابتة - يتكلم بلغة ~~الأديب ويفكر تفكير العالم؛ ولذلك كان يستهوي الطلبة ببيانه، ولقد تخرج على يديه ~~أرسطوطاليس وتعلم منه قيمة البيان في الكتابة حتى الكتابة العلمية، وقد قيل فيه: لو ~~كانت الآلهة تتكلم باللغة الإغريقية لنطقت بها كما ينطق أفلاطون. # وكان العصر، بين سنة 600 وبين سنة 300 قبل الميلاد، عصر بناء المدن في بلاد الإغريق، ~~فلم تكن الدولة كما نعرفها الآن تؤلف من عدة مدن وقرى ومستعمرات خارجة عنها أو بعيدة ~~منها معروفة عند الإغريق في بلادهم، وإن كانوا قد سمعوا عنها عند الفرس والمصريين، ~~فكانوا إذا تصوروا حكومة، لم يتجسم في أذهانهم سوى المدينة، أما القصر فلم تكن له ~~شخصية قانونية عندهم، ولم يكن أفلاطون هو الوحيد الذي تخيل حلم المثل الأعلى للحكومات ~~والمجتمع، فقد ذكر أرسطوطاليس أن من يدعى «فالياس» قد تخيل مثل هذا الخيال، وقال ~~بوجوب المساواة في حقوق الامتلاك وأن «هبودامس» أيضا قد وضع كتابا في تخطيط المدينة ~~الفاضلة. # ولكن جمهورية أفلاطون هي الأثر الباقي من تلك الأحلام، وقد تخيلها عقب تلك الحرب ~~الرائعة التي نشبت ms06 بين أسبارطة وبين أثينا، وطالت مدتها وامتد لهيبها إلى جملة بلاد ~~فخربتها ونشرت الفوضى في مجتمعاتها، والخراب والدمار والفوضى التي تحدثها الحروب تجرئ ~~الناس على التفكير والترسيم، وتحوجهم إلى الإقرار بسوء النظم القديمة وضرورة اختطاط ~~الخطط الجديدة، وكما فر الرئيس ولسون في إيجاد عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى، ~~فكر أفلاطون أيضا عقب حروب أسبارطة وأثينا في إيجاد نظام جديد يضمن للناس السعادة ~~والرخاء. # لم تكن الدول في عهد أفلاطون قطرا بل كانت مدينة؛ لذلك قصر حلمه على المدينة لا على ~~القطر، بل هو يجعل مدينته صغيرة بحيث يمكن اجتماع جميع سكانها لخطيب واحد، أو يمكنهم ~~أن يشتركوا في لعبة واحدة، ويمكنهم التعارف والمصادقة فلا يكون أحدهم غريبا عن ~~الآخر. # ولنذكر أن وسائل الاشتراك في الرأي والتعارف الموجودة بيننا الآن لم تكن موجودة في ~~زمنه؛ فنحن نتعارف إلى حد كبير بالصحف والتلغراف والتليفون والبريد، ثم إن وسائل ~~المواصلات نفسها تقرب البعيد من المسافات، وتجعل الاجتماع ممكنا على الرغم من بعد ~~الشقة بين المجتمعين، ولكن الحال لم تكن كذلك في زمن أفلاطون؛ ولذلك جعل مدينته صغيرة ~~يبلغ عدد سكانها خمسة آلاف نفس فقط. # فجمهورية أفلاطون هي قرية متمدينة حولها حقول خاصة بها للزراعة، وأهلها في حال وسط ~~بين الترف وبين الفاقة؛ فلا الترف يكسبهم الرخاوة التي تبلد الجسم والحواس، ولا ~~الفاقة تضعف أجسامهم وتكدهم في العمل الشاق، ثم إن الفاقة والترف كليهما يعود بأسوأ ~~العواقب على الفنون، ولا يمكن إغريقيا أن يفكر في مثل أعلى لا يعنى الناس فيه ~~بالفنون، فجمهوريته خالية من الغنى ومن الفقر؛ لأن الأول يلد الترف والرخاوة، والثاني ~~يلد الدناءة والرذيلة، وكلاهما يحدث الاستياء. # والناس في الجمهورية سواء فيما يملكون، ويحصلون على ما يحتاجون إليه عن حاجة حقيقية، ~~ولا ينالون ما لا يحتاجون إليه، وكانت غاية أفلاطون توفير السعادة للناس، ولكن هذه ~~السعادة لا تنال بما تملك من عرض الدنيا، بل بما في أنفسنا من خصوبة وزكاوة؛ فسعادته ~~ليست سعادة النهم الذي يلذ له التهام الطعام، بل ms07 سعادة الراقص أو العازف الذي تلذ له ~~حركاته وما فيها من خفة ورشاقة؛ فهو لذلك يساوي بين الناس فيما يملكون؛ لأنه لا يرى ~~أن الامتلاك يميز شخصا على آخر من حيث السعادة. # والهيئة الاجتماعية في هذه الجمهورية مؤلفة بالطبع من أفراد، ولكن اجتماع هؤلاء ~~الأفراد ليس اجتماعا اعتباطيا؛ إذ هو مؤتلف ائتلاف أعضاء جسم الإنسان في ~~شخصه. # فكل إنسان في هذه الهيئة يخدمها وفق كفايته وقدرته كما يخدم العضو الجسم، وإنما يحدث ~~السلام والوفاق بين أعضاء هذه الهيئة إذا اختص كل عضو بوظيفته لا يتعداها إلى غيرها، ~~فالعدل في هذه الجمهورية هو «إيجاد مكان لكل إنسان، وأن يكون كل إنسان في مكانه» على ~~نحو ما نرى في الجوقة الموسيقية، فإن الخلل يصيب الجوقة جميعها إذا خرج أي إنسان منها ~~من مكانه، والوفاق بين نغماتها يزول إذا قام واحد منها بتبديل ما كلف به من النغم ~~لإيجاد اللحن العام للجوقة جميعها. # ولكن كيف يمكن أفلاطون أن يضمن بقاء كل إنسان في صناعته ومكانه لا يتخطاهما إلى ~~غيرهما؟ # هنا احتاج أفلاطون إلى إيجاد نظام الطبقات؛ فطبقة تختص بدرس الحكمة وتدبير شئون ~~الجمهورية السياسية والحكومية وهذه هي طبقة الأوصياء، وطبقة تختص بالجندية لحماية ~~المدينة، فهذه طبقة المقاتلة، وطبقة تختص بالزراعة والصناعة وهذه هي طبقة ~~العمال. # وعناية أفلاطون هي بالطبع بالطبقتين الأوليين، أما الطبقة الثالثة فلا يبالي بها ~~كثيرا؛ إذ هي رعية حكومية فوقها طبقة الأوصياء يأمرون وينهون، ودونها طبقة المقاتلة ~~تنفذ أوامرهم، وليست هذه الطبقات جامدة لا تمكن أحدا أن يرتقي من طبقة إلى طبقة ~~إذا ظهرت منه كفايته وهو بعد صغير يمكن تربيته. # وقد ألغى حقوق امتلاك الأشياء وحقوق امتلاك الزوجات بين طبقة الأوصياء وطبقة ~~المقاتلة، ولكنه أبقاهما بين طبقة العمال، وهو إنما ألغى الزواج والامتلاك بين هاتين ~~الطبقتين عناية بهما؛ لأنه يريد أن يخضع أفرادهما لنظام خاص حتى ينشأ أفراد كل طبقة ~~على صبغة خاصة. # أما الابتداء في تقسيم الطبقات فمن الصعوبة بمكان؛ فإنه ينبني بالطبع على الانتخاب، ~~يختار الصبي الذكي ms08 لكي يكون وصيا فيربى تربية خاصة، ثم يختار صبي آخر يميل إلى ~~الرياضة البدنية وتبدو عليه دلائل القوة فيختار لطبقة المقاتلة. # ولننظر في الوسائل التي يتخذها أفلاطون لتخليد هذا النظام ودوام بقائه، فهذه الوسائل ~~تتلخص في ثلاثة أشياء، وهي: التوليد ثم التربية ثم الرياضة اليومية. # فأما في طبقة العمال الذين يزرعون ويصنعون، فليس هناك توليد مقصود بينهم؛ فهم يتزوجون ~~وينسلون، أما تربية أولادهم فهي التربية الشائعة بين الزراع والصناع، يتتلمذ الصبي ~~عند زارع أو صانع فيتعلم منه حرفته ويتخرج عليه، ويحترف هذه الحرفة وليس له رياضة ~~يومية خاصة. # أما طبقة المقاتلة فيعيشون في ثكنة خاصة، فلا يملكون ولا يتزوجون وإنما يتعارفون إلى ~~النساء فإذا حملن منهم لم ينتسب الابن إلى أب معروف - بل ينشأ مقاتلا - يتربى تربية ~~الطبقة، ولا يعرف ولاء لغير وطنه، ولا يبالي بمصلحة لغير مدينته، ثم يربى الطفل ~~تربية قاسية، فإذا كانت به عاهة قتل ونبذ، أما إذا وافق جسمه صناعة القتال احتفظ به ~~وعني به ودرب تداريب خاصة لتقوية جسمه وذهنه. # وكذلك الحال في طبقة الأوصياء، يتلاقح النساء والرجال بدون تعيين امرأة بعينها لرجل ~~بعينه، حتى يضيع النسب ولا يعرف أحد والديه، وهذا مع العناية بالانتقاء؛ فأجمل الرجال ~~وأكثرهم حكمة وعقلا يشجع على التناسل حتى يكثر أولاده ويرثوا صفاته في الشجاعة ~~والعقل، وكان أفلاطون يرى أن التفوق في خدمة الجمهور يجب أن يمنح صاحبه حق التلاقح مع ~~عدد من النساء أكبر مما يمنح غيره، وليس من الواضح هل قال أفلاطون ذلك على سبيل ~~مكافأة الوصي لحسن بلائه في خدمة الجمهورية؛ أو لأنه يريد الإكثار من نسله لأن تفوقه ~~في الخدمة دليل تفوقه في العقل. # ولم يكن أفلاطون يسمح للطبقات بالاختلاط الجنسي، فلكل طبقة نساؤها ورجالها لا ~~يتعدونها إلى غيرها، فكأنه كان يريد أن يجعل كل طبقة سلالة خاصة لها صفات خاصة، وكان ~~كما قلنا «أسبرطي» المزاج يكره الضعف والمرض، فكان يقول بقتل جميع الأطفال المؤوفين ~~وتحديد عدد أطفال طبقة العمال حتى لا يفيضوا على غلات الأرض. ms09 # أما تربية الأوصياء فكانت التربية الإغريقية المعروفة في زمن أفلاطون مع التعديلات ~~التي يحتاج إليها نظامه، ولما لم يكن للأوصياء عائلة، فإن أولادهم يوكلون إلى مربين ~~يعهد إليهم ثقافة أجسامهم بالألعاب الجمبازية وثقافة عقولهم بالموسيقى ما داموا ~~صبيانا. ثم يلقن الصبي ضروب المعارف على طريقة اللعب، بحيث لا يشعر أنه يكد للتعليم، ~~وإنما يتعلم وهو يلعب مسرورا، فإذا شب وضع له نظام آخر في التعليم، ثم يمتحن الشبان ~~من وقت لآخر، فلا يدخل طبقة الأوصياء سوى الذين ثبت بالامتحان أنهم أهل لأن يتولوا ~~حكومة المدينة، ويعيش الأوصياء فيما يشبه الثكنة، ولا يجوز لأحد منهم أن يقتني بيتا ~~أو مخزنا، ولا يجوز لهم أن يمتلكوا أي شيء إلا تلك الأشياء الضرورية التي يستغني ~~عنها الإنسان، وهم يكافئون مكافأة معتدلة تكفي حاجتهم؛ بحيث لا يشعرون بضيق الفاقة ~~ولا يجدون أيضا سبيلا إلى الترف، وهم يأكلون معا ولا يجمعون الذهب أو الفضة. ~~والقصد من كل هذا النظام أن يبقى الوصي نزيها لا تشغله مشاغله الخاصة عن النظر في ~~شئون المدينة وينحرف رأيه في حكم لمراعاة مصلحة خاصة؛ فليس له قريب يحابيه أو ولد ~~يدخر له المال، وكذلك أيضا لا يختلط بالناس ولا يعاشر أحدا من غير طبقته؛ فتستحيل ~~المعاشرة إلى مصاحبة أو مصادقة تحول دون النزاهة. # والأوصياء يكونون في شبابهم من طبقة المقاتلة، يقضون وقتهم في تثقيف أجسامهم وعقولهم، ~~فإذا بلغوا الخامسة والعشرين عهدت إليهم الرياسة في بعض أقسام الجيش وجرئوا على ~~اكتساب التجارب، فإذا بلغوا الثلاثين وجاوزوا الامتحانات الشاقة، صاروا أوصياء؛ ~~وعندئذ تقتصر أعمالهم على درس الفلسفة ووضع نظم الحكم. # وليست مهمة الأوصياء سن القوانين، وإنما هي اختراع نظم الحكم أو وضع الدساتير ~~للمدينة، لضمان حرية الأفراد؛ فالحرية هي الهم الأول الذي يهتم له أفلاطون ويعدها ~~أخطر ما ينبغي العناية به؛ فهو لذلك يوكل حراستها إلى الأوصياء الذين يجب عليهم ~~اختراع الأنظمة التي تضمن عدم العبث بها. فالناس في مدينة أفلاطون يحكمون أنفسهم، ~~وإنما يضع الأوصياء الدساتير لهم، سواء أكان ذلك لطبقة ms10 العمال أم لطبقة المقاتلة، فهم ~~أشبه بالمشرفين منهم بالحكام، فإذا وجدوا أن الدستور الموضوع لطبقة العمال مثلا لا ~~يفي بحاجتهم استبدلوا به غيره. # وهذه الأفكار هي أعقد ما في الجمهورية، فإن أفلاطون يعتقد أن وراء هذا الكون المحسوس ~~أفكارا قد سبقته، وهي منه بمثابة الأصل والروح، وهذه الأفكار هي الشيء الثابت، بينما ~~المحسوسات التي نحس بها هي الشيء الزائل، فأنا أكتب الآن مثلا بقلم محسوس، ولكن فكرة ~~القلم قد سبقت مادة القلم والفكرة هي الثابتة، وأما العادة فهي الزائلة، ومن هنا ~~اهتمام أفلاطون بالرياضيات؛ لأنها كلها أفكار. وهو يرى ضرورتها لكل من ينشد حكم ~~الناس، ثم يخرج الطلبة بعد درس الأفكار إلى المجتمع، وعليهم أن يعيشوا كل منهم ~~بمجهوده الفردي وكما يتيسر له، حتى إذا بلغ الخمسين عين وصيا للدولة. # ولكن كل هذا لا يقنع أفلاطون، فهو يقول بكل صراحة: «إن التربية يجب أن تبدأ قبل ~~الولادة»؛ فلذلك يجب أن يكون الأبوان سليمين، ويجب على الرجل أن يتزوج بين الخامسة ~~والعشرين والثلاثين، والولد النغل - أي: ثمرة الزنى - والولد المشوه كلاهما يجب ~~قتلهما عقب ولادتهما. ~~••• # وقد يرى القارئ أن أفلاطون قد استسلم للخيال في توهمه إلغاء الزواج والامتلاك في ~~طبقتي المقاتلة والأوصياء، وهذا صحيح إلى حد ما، ولكن ينبغي أن نتذكر أن الرهبانية ~~المسيحية - وخاصة نظام اليسوعيين منها - قد سار على نحو من هذا النظام؛ فالراهب لا ~~يملك زوجة ولا شيئا آخر، ومع ذلك نجح هذا النظام، وإذا كان الإنسان قد استسهل إنكار ~~الذات والتضحية بغرائزه الجنسية وغريزة التملك في سبيل الخدمة الدينية، فلم لا ~~يستسهل ذلك في سبيل خدمة الإنسان؟ وإذا كان في الناس جماعات يرصدون حياتهم لخدمة ~~الله، يحبسون أنفسهم في أديار لا يخرجون منها مدى حياتهم، يقضون أيامهم في الصلاة ~~والتعبد، فلم لا يكون بينهم من يفعل ذلك في سبيل درس الحكمة وإيجاد النظم للحكومات ~~وضمان الحرية للأفراد؟ # فيجب ألا نتوهم أن أفلاطون قد استسلم للخيال كل الاستسلام، فهو يريد أن يكل حكم الناس ~~إلى الفلسفة، وهو يرى ms11 - كما رأى بعده نبي الإسلام - أن الولد مجبنة ومبخلة لأبيه؛ ~~فعمد إلى سبب ذلك فوجده في الزواج؛ فألغاه حرصا على أن يبقى الوصي أو المقاتل نزيها ~~لا يعمل إلا لمصلحة مدينته، وقد ذكرنا الرهبان دليلا على إمكان نزول الطبيعة البشرية ~~عن حق التمتع بالزواج والامتلاك، ونذكر جيش الإنكشارية عند الأتراك دليلا على أن ~~الرباط العائلي يقلل من شجاعة الناس، فإن هذا الجيش كان يؤلف من صبيان النصارى الذين ~~يؤسرون فينشئون وهم لا يعرفون لهم عائلة، فكان هذا من أسباب شجاعتهم واستماتتهم في ~~القتال. # | حلم توماس مور # بعد أن مات الإغريق ماتت الحرية الفكرية في جميع أنحاء العالم إلا بصيصا منها بقي ~~عند العرب، يومض ويخبو تبعا للزمان والمكان، فقد كان الإغريقي جريئا يجازف في ~~الخيال ولا يبالي بالآلهة أو بالناس؛ وذلك لأن الآلهة والناس كليهما لم يكن لهما ذلك ~~السلطان الذي صار لهما فيما بعد، أي بعد ظهور المسيحية والأباطرة والملوك، فقد كانت ~~الآلهة الإغريقية كثيرة العدد، كل منها مختص بعمل، فلم تكن له حرمة إله المسيحية أو ~~إله الإسلام، أو ما لهما من السيادة الأتوقراطية، والعلم بكل شيء، وإملاء كل شيء على ~~الناس، وكذلك لم يكن لهم ملوك مستبدون يمنعون الناس من التفكير في أشكال الحكومات ~~وسياسة الدول وسن الشرائع. # لم يكن شيء من ذلك عند الإغريق، فكانت أفكارهم وهي تنطلق حرة تسبح أينما تشاء، وكان ~~فلاسفتهم يكتبون في كل ما يعرض لهم بلا تحرج، لا يتورعون من دين ولا يخشون بأس ملك، ~~ثم كانت المسيحية وإلهها قادر على كل شيء عارف بكل شيء، فخرج الملكوت من يد الإنسان ~~إلى يد الله، ومن هذا العالم إلى العالم الآخر، فإذا كان «أفلاطون» قد وجد المجال ~~واسعا لأن يتخيل ويحلم في إيجاد ملكوت أرضي، ينال فيه الناس السعادة والهناء، فإن ~~المسيحية قد ضيقت هذا المجال؛ لأنها أوجدت من جنة النعيم في الآخرة بديلا من مثل هذه ~~الأحلام، ولم تكن هذه الأرض في نظر المسيحية سوى دار بلاء وتجربة يعبرها الناس إلى ms12 ~~جنة النعيم، وهذا أيضا هو نظر الإسلام، ثم كان ملوك النصارى وخلفاء المسلمين عائقا ~~آخر يمنع التخيل والبحث في المثل العليا للحكومات والهيئات الاجتماعية؛ لأن بحث هذه ~~الموضوعات دليل السخط على النظم الموجودة التي لا يرضى ملك أو خليفة ~~بانتقادها. # ثم كانت النهضة الأوروبية فعادت أوروبا إلى نفسها القديمة وأخذت تعنى بتاريخ الإغريق، ~~فصارت تدرس ثقافتهم وتتمثله، حتى نزعت نزعة إغريقية جديدة، فصار علماؤها وفلاسفتها ~~يتنبأون ويتخيلون ويحلمون. # وكان من هؤلاء الحالمين «توماس مور» # 1 # الإنجليزي، وكان وزيرا لهنري الثامن، فلم يكن حلمه مبنيا على أسس ~~الخيال، فقد خبر الدول وعرف من ممارسته الطويلة للسياسة بعض حقائق الطبيعة البشرية؛ ~~فهو لذلك يتخيل، ولكنه يبني خياله على أساس من الحقائق. # وبطل حلم توماس مور برتغالي يدعى «هيتلوداي» كان يعرف الإغريقية، وقد اعتاد المجازفات ~~الفكرية من فلاسفة هذه اللغة، ولكنه لم يكن رجل كتب فقط، فقد عرف رجلا يدعى ~~«فسيوتيوس» زار معه أمريكا الشمالية والجنوبية وجزائر الهند الشرقية، وهناك رأى ~~بلادا تخالف ما ألفه في بلاده من حيث المؤسسات والنظم وتركيب الهيئة الاجتماعية؛ فهو ~~لذلك يروي ما رآه في هذه الرؤيا. # يقول هيتلوداي: إنه زار جزيرة طولها مائتا ميل، قد خطت في وسط المحيط بهيئة الهلال ~~يتقوس حول خليج كبير؛ بحيث يسهل الدفاع عنها من غارة أو عدو، وبالجزيرة 45 مدينة، ~~أقربها تبعد عن الأخرى بمقدار 24 ميلا، وأبعدها تكون على مسيرة يوم منها، وعاصمة ~~الجزيرة بلدة تدعى «أموروط»، ولكل بلدة اختصاص قضائي على ما حولها من الأرض إلى ما ~~يبعد عنها بعشرين ميلا. # والزراعة هي أساس المعيشة في هذه الدولة، فليس فيها من يجهل هذه الصناعة، فهناك ~~فلاحون يقضون كل حياتهم في الحقول، لهم دساكرهم منبثة في الريف، ولكن عند الحصاد يرسل ~~عمال من المدن لمساعدة الفلاحين، وكل دسكرة تحتوي على أربعين رجلا وأربعين امرأة، ~~وفي كل عام يعود عشرون من هذا العدد إلى المدينة ويستبدل بهم عشرون آخرون يرسلون من ~~المدينة إلى الدسكرة كي يتعلموا الفلاحة. # والفلاحة متقدمة من وجهيها ms13 الاقتصادي والإنتاجي، فهم يعرفون كيفية إنتاج الدجاج ~~بطريقة صناعية، ويعرفون مقدار الطعام المطلوب لأهل الجزيرة فيزرعون ما يكفي أو ما ~~يفيض قليلا عن الكفاية. # ومع أن جميع سكان الجزيرة يعرفون الفلاحة، وقد مارسوها بعض عمرهم، فإنهم جميعهم ~~يعرفون صناعة أخرى يزاولونها، كالبناء والتجارة والحدادة والحياكة، وجميع الصناعات ~~متساوية القيمة فلا تفضل واحدة أخرى، والناس يتبعون آباءهم في الصناعات، فالصناعة ~~تمارسها العائلات لا الأفراد، وإذا مال واحد إلى صناعة تخالف ما يزاوله أبوه ذهب إلى ~~عائلة أخرى فتتبناه العائلة، ويأخذ في تعلم صناعتها، ويمكنه - إذا أراد - أن يتعلم ~~صناعة أخرى باتباع هذه الطريقة نفسها، ثم له أن يختار ما شاء منهما. # وينحصر عمل القضاة تقريبا في إجبار الناس على العمل. وليس معنى هذا أن أهل الجزيرة ~~يكدون أنفسهم ليل نهار، فإن لهم توقيتا للعمل والراحة، فهم ينامون ثماني ساعات، ~~ويشتغلون ستا ويتصرفون بسائر اليوم كما يشاءون، وهم يشتغلون هذا العدد القليل من ~~الساعات لأن كل إنسان مجبر على العمل، فليس بينهم أشراف أو أمراء أو شحاذون يعيشون ~~عالة على غيرهم، ولا يعفى من هذا الإجبار سوى الطالب في المدرسة أو القاضي. # وبين المدينة ودساكر القرى مقايضة تحدث باحتفال عام كل شهر، فيأخذ الفلاحون ما ~~يحتاجون إليه من صناعة أهل المدن ويأخذ أهل المدن ما يحتاجون إليه من غلات الريف، ولا ~~بد أن لهذه المقايضة نظاما، ولكن هيتلوداي لم يذكر هذا النظام. # والمدينة مؤلفة من عائلات، والصناعة كما قلنا تمارسها العائلة لا الفرد، قال ~~هيتلوداي: «كل مدينة مقسمة أربعة أقسام، وفي وسط كل قسم سوق، فما تحضره العائلات من ~~مصنوعاتها يؤخذ ويصف كل إلى نوعه في أمكنة خاصة، ثم يذهب الآباء ويأخذون حاجاتهم من ~~هذه الأشياء بدون أن يدفعوا ثمنه أو يضعوا شيئا بدلا منه على سبيل ~~المقايضة.» ~~«وليس هناك ما يدعو إلى أن ينكر على أحد طلبه؛ وذلك لوفرة ما هو معروض من هذه ~~الأشياء؛ ولأنه لا خوف من أحد أن يأخذ أكثر من حاجته؛ إذ ليس هناك ما يغريه بذلك؛ ms14 ~~لأنه متأكد من وجود هذه الأشياء على الدوام.» # ثم يقول: «إن خوف الحاجة هو الذي يوجد النهم والطمع في نفوس الحيوان، ولكن إلى جانب ~~الخوف نجد عند الإنسان خصلة أخرى هي الكبرياء؛ حيث يتوهم الإنسان أن تفوقه على غيره ~~في الأبهة مما يزيد في مجده وعظمته، ولكن ليس أحد يسعه أن يفعل ذلك في ~~الجزيرة.» # فتوماس مور لا يحلم بشيوعية النساء - كما حلم أفلاطون - ولكنه يحلم بشيوعية الأملاك؛ ~~وهو لكي يحقق هذه الشيوعية يلغي النقود؛ فالناس يأخذون حاجاتهم بدون ثمن. # وفي كل عام يجتمع القضاة (وهم الحكام أيضا) في العاصمة «أموروط» فينظرون في غلات كل ~~منطقة، ويرسلون إلى المناطق المحتاجة إلى بعض السلع ما تحتاج إليه من فائض المناطق ~~الأخرى. # وليس للذهب أو الفضة أو الجواهر قيمة عند أهل الجزيرة؛ ولذلك فالرؤيا كما يراها توماس ~~مور لا تقاس إلى رؤيا يوحنا، من حيث الزينة واللآلئ، مع أن الأولى يقصد تحقيقها في ~~هذا العالم والثانية لا تتحقق إلا في السماء، وغريب أن يدعو رجل الدنيا إلى ملكوت خلو ~~من الزينة والجواهر، في حين يدعو إليها رجل الدين في ملكوت السماء. # أما «أموروط» عاصمة الجزيرة فتقع على تل وحولها سور، والمنازل مشيدة على نسق واحد حتى ~~كأن الشارع بناء واحد، وسعة الشارع عشرون قدما، ووراء كل منزل حديقة يعنى السكان بها ~~ويتعهدونها حتى تبقى في نضارة دائمة، وفي كل شارع قاعات خاصة مبنية على مسافات ~~متساوية، يقيم فيها القضاة (الحكام) وكل منهم ينظر في شئون ثلاثين عائلة نصفها في ~~جانب من الشارع والنصف الآخر في الجانب الآخر. # وفي هذه القاعات يتناول جميع السكان غذاءهم، ويقوم بطهي الطعام نساء الثلاثين عائلة ~~بالتناوب، وإلى جانب هذه القاعة معبد، ومكان آخر للعب الأطفال الذين تأتي أمهاتهم ~~للطبخ في نوباتهن. # ولننظر الآن في حكومة هذه الجزيرة، فالعائلة هي أساس المجتمع، وكل ثلاثين عائلة تختار ~~كل عام قاضيا، ولكل عشرة قضاة رئيس. وجميع قضاة الجزيرة الذين يبلغون 200 يختارون ~~أميرا، وتكون إمارته مدة حياته ما لم يتهم ms15 بمحاولة استعباد الأهالي، ولكي يمنع ~~الأمير أو غيره من محاولة قلب نظام الحكومة، يعرض كل مشروع على جميع السكان، فإن ~~القاضي يعرضه على العائلات الثلاثين الداخلين في اختصاصه، ثم يتناقشون فيه ويرفع هو ~~قرارهم إلى مجلس الشيوخ. # والعائلة كما رأيت ليست وحدة بيتية فقط، بل هي أيضا وحدة صناعية، فإذا سارت قاعدة ~~للانتخاب ضمن النظام الديمقراطي للحكومة ضمن بذلك بقاؤها. # ولكن في هذا الحلم أشياء جديرة بالانتقاد لم يستطع توماس مور أن يخرج فيها عن حكم ~~بيئته، فلم يدرك مثلا أن تكاثر السكان، مع العناية بصحة الأهالي وتوافر الغذاء لهم، ~~سيؤدي حتما إلى أن يفيض السكان على طعامهم وإلى إيجاد الفاقة بين جميع السكان، وهذه ~~غلطة يعذر فيها توماس مور، فإن الوفيات في عهده كانت كثيرة تكاد تعادل المواليد، فلم ~~يكن يخطر ببال أحد أن يتخيل مثلا أعلى للمجتمع يحدد فيه عدد السكان، وإن كان ذكاء ~~أفلاطون قد جعله يحسب لهذا الاحتمال ويوصي بقتل الفائضين من الأولاد. # ويظهر من مسائل أخرى عالجها توماس مور أن مستوى المثل الأعلى عنده لم يكن عاليا إلى ~~الدرجة التي يمكننا أن نتخيلها، ويظهر هذا خاصا في معالجته مسألة انتقال الأهالي من ~~مكان لآخر ومسألة الحرب. # ففي مسألة الانتقال يحتم على كل فرد أن يحصل على جواز من أمير الجزيرة، فإذا غاب أكثر ~~من يوم يجب عليه أن يمارس صناعته في المكان الذي انتقل إليه، وإذا وجد إنسان يجول في ~~مكان وليس معه جواز فإنه يعاقب، فإذا عاود هذا الفعل عومل معاملة العبيد، ويبدو ~~للقارئ من معاملة توماس مور لهذه المسألة أنه لم يعن أقل عناية بالتفكير الجدي فيها، ~~أو أنه أراد أن يحصل على عبيد لجزيرته، فإنه وجد أن من أعمال الناس التي يحتاجون ~~إليها ما هو قدر في طبيعته لا يرضى بمزاولته أحد باختياره، مثل ذبح البهائم وتنظيف ~~الطرق وما إليها، فخص العبيد بالقيام بهذه الأعمال، وأوجد بالرق بأوهى الأسباب في ~~نظام المجتمع، حتى يعيش أفرادها منزهين عن كل ما في مزاولته قذارة، ms16 ولكنه نسي شيئا ~~آخر وهو أن معاشرة العبيد تؤثر في الأسياد، وإذا ألفنا الاستبداد من السيد للعبد صار ~~أيضا مألوفا من الأمير للسيد. # أما الحرب فهو يجيزها على شروط، منها الدفاع عن الأرض، واضطهاد التجار الأجانب ومنع ~~الأمم من الهجرة إلى بلاد يمكن زراعة أرضها وليس من يزرعها من أهلها، ومن هذه الشروط ~~يرى القارئ أن توماس مور كان يكتب مستضيئا بالحوادث التي جرت في عصره، فقد كانت ~~أمريكا حديثة العهد بالاكتشاف والهجرة إليها متصلة، وكانت سفن التجارة يقبض عليها في ~~الموانئ ويسلب ما فيها من السلع. ولكنه يؤلف الجيش بطريقة «يوجنية» فهو يصطفي أسوأ ~~الرجال لتجنيدهم في الحرب، حتى إذا قتلوا استفادت الأمة بفقدهم على نحو ما يقلع ~~الزارع الأعشاب الضارة من حقله. # ولننظر الآن في شروط الزواج والدين، فأهل هذه الجزيرة يسمحون للعروسين بأن يرى كل ~~منهما الآخر وهو عريان قبل الزواج، وللطلاق علتان الأولى الزنى، والثانية التواء أحد ~~الزوجين على الآخر بحيث لا يمكن تقويمه، ومن زنى يحكم عليه بالرق، ولا يمكن أن يتزوج، ~~رجلا كان أم امرأة. # هذا هو حلم توماس مور، وليس فيه فكرة مبتكرة أو خيال بعيد، ولكن وراء مقترحاته كلها ~~فكرة واحدة، وهي أن يسيطر الإنسان على الممتلكات ويتمتع بها، لا أن يكون هو نفسه ~~عبدا لها يقضي حياته في جمعها، واختزانها ويجهد جهده في المحافظة عليها وحراستها ~~ورعايتها، يحسب بذلك أنه مالكها، والحقيقة أنها هي التي تملكه وتسترقه، وهو لذلك يلغي ~~النقود؛ لأنها وسيلة ادخار الممتلكات، ويحتم على الجميع أن يشتغلوا في الزراعة ولو ~~بعض وقتهم، حتى يشعر كل إنسان أنه منتج، ثم يحتم على كل إنسان يصنع شيئا إن لم يزرع، ~~ثم يعرض جميع السلع على كل الناس يأخذون منها ما يشاءون، لا يخشى أن أحدا سيحتجن ~~إليه ويدخر أكثر مما هو في حاجة إليه. # أما أوقات الفراغ - وهي كثيرة - فتقضى في طلب العلوم والآداب، يحاول كل إنسان أن يرقى ~~ذهنه بما يقرؤه أو بما يناقش فيه إخوانه. # | أندريا وحلمه # «يوحنا ms17 فالنتين أندريا» # 1 # ألماني ومسيحي أيضا، وحلمه يراد به تحقيق المدنية المسيحية كما يتوهمها ~~رجل مؤمن بهذه الديانة، ولكنه - مثل سائر رجال الدين - يفيق كثيرا من حلمه فتغلب ~~عليه لهجة الوعظ الديني، فما يزال يعظ ويعظ حتى يسأم القارئ. # وهو يبدأ حلمه بأن يروي للقارئ رحلة له في البحر حيث تتحطم سفينته على صخور جزيرة هي ~~مسرح هذا الحلم، فقد كان بهذه الجزيرة مدينة: «كريستيانوبوليس» أو المدينة المسيحية، ~~فإذا أراد أن يدخل هذه المدينة امتحنه أهلها أولا في الفضائل والأخلاق والثقافة، ~~ولما لم يروا فيه شيئا مناقضا أذنوا له بالدخول. # وإليك الآن وصف هذه المدينة: كانت في هيئة مربع طول جانبه 700 قدم، وهي محصنة بأربعة ~~أبراج وسور؛ فهي لذلك تطل على الأركان الأربعة للعالم، والبيوت مبنية على صفين، ولكنك ~~إذا حسبت الحكومة والمخازن فهي أربعة صفوف، وليس فيها سوى شارع واحد، وسوق واحدة، ~~ولكنها من الطراز الأول، وفي وسط المدينة معبد مستدير قطره 100 قدم، وفي جميع البيوت ~~ثلاثة طوابق، ولها كلها «بلكونات» متصلة، وتجد على وجه العموم أن البيوت يماثل بعضها ~~بعضا، فليس هناك سرف أو قذر والهواء النقي يجوس خلال البيوت كلها، وفي هذه المدينة ~~يعيش أربعمائة من السكان في هدوء الإيمان الديني والسلام، أما سائر الجزيرة فإنها ~~خاصة بالزراعة والمصانع. # و«المدينة المسيحية» من حيث الصناعة منقسمة إلى ثلاثة أقسام: واحد للصناعات الخفيفة ~~التي لا تحتاج إلى نار، وآخر للصناعات التي لا تحتاج إلى وقود وتبقى فيها النبران، ~~والثالث لتربية الحيوان والأعمال الريفية، والغرض من هذه القسمة ألا تؤذي هذه ~~الصناعات الناس الساكنين بجوارها إذا كانت متفرقة في أنحاء المدينة بلا ضابط. والعمال ~~الذين يشتغلون في هذه المصانع لا يساقون إليها سوق الأنغام، بل هم قد تعلموا قبلا ~~وحصلوا على «معرفة صحيحة للمسائل العلمية»، ونظرية صاحب الحلم في ضرورة هذه التربية ~~العلمية للمصانع، وهي: «أنك إذا لم تحلل المادة بالتجربة، وإذا لم تستعض عن نقص ~~معلوماتك بتحسين آلاتك، فلا فائدة منك.» # وهذه لمحة عجيبة من أندريا في ms18 رؤياه؛ إذ يقول بفائدة العلم للصناعة وبإمكان تعليم ~~الصانع ، وكلاهما غرض لم يتحقق في جميع الأقطار المتمدينة للآن، بل من الناس من لا ~~يؤمن بهما. وإليك الآن وصفه للصناعة: «إن عملهم أو استعمال أيديهم كما يقولون هناك ~~يجري على نمط خاص، وجميع ما يصنع يحمل إلى مخزن عمومي، ويأتي الصانع فيأخذ من هذا كل ~~ما يحتاج إليه لعمله في الأسبوع القادم؛ وذلك لأن المدينة في الحقيقة مصنع واحد متنوع ~~الصناعات، وإذا كان بالمخزن كمية مدخرة كبيرة من المصنوعات، فإن الصناع يؤذن لهم ~~بالانطلاق من قيود العمل واستعمال أذهانهم فيما يشاءون، ولا يحمل النقود أحد من الناس ~~وليس للنقود أية فائدة عندهم، ومع ذلك فللجمهورية خزانتها، والسكان من هذا الاعتبار ~~لهم ميزة المساواة، ليس أحد منهم أوفر مالا من غيره، وإنما يمتازون بقوة أذهانهم ~~ويتفاضلون بأخلاقهم وصلاحهم، وعدد الساعات التي يشتغلون فيها قليلة، ومع ذلك فهم ~~يتممون شيئا كبيرا من الأعمال؛ لأنه من العار على أحد أن يأخذ من الراحة أكثر مما ~~يؤذن له.» # وهناك واجبات وطنية يؤديها السكان إلى جانب صناعاتهم، كالحفر والحصاد وتعبيد الطرق ~~والبناء وصرف أقذار المدينة إلى مجاريها. # أما التجارة الخارجية فليست في يد أفراد يشتغلون لحسابهم، بل هي في يد هيئة تعينها ~~المدينة، وليس الغرض من هذه التجارة زيادة الثروة والربح، بل مقايضة سائر الأقطار ما ~~عندهم من السلع التي لا تصنع في «المدينة المسيحية». # وأساس هذا النظام عند أندريا هو العائلة المسيحية، فكل شاب يبلغ الرابعة والعشرين، ~~وكل فتاة تبلغ الثمانية عشرة يتزوجان ويؤلفان هما وأولادهما عائلة جديدة. # وليس هناك ما يتكلفه الزوجان، حتى أثاث البيت الجديد تقدمه الحكومة بلا ثمن، وهذا ~~الأثاث بسيط يمكن للزوجة أن تنظفه بأقل عناء؛ ولذلك ليس في المدينة المسيحية خدم ~~للبيوت، فالنساء متعلمات والزوج يساعد زوجته في عمل البيت ما عدا الخياطة والغسل، ثم ~~هناك مطبخ عمومي يزود الزوجة بما تحتاج إليه من الطعام إذا لم تكن قد طبخت ~~لنفسها. # أما الأطفال فيبقون في رعاية الأم إلى السادسة من ms19 عمرهم، وبعد ذلك يدخلون المدارس ~~فيبقون في عنايتها إلى سن الشباب، وفي هذه المدارس أفضل المعلمين، ويمكن للآباء أن ~~يروا أبناءهم كلما شاءوا، وفي غير أوقات الدراسة يعمل التلاميذ أعمالا يدوية ~~ويتميزون بالفنون والعلوم، كل يختار ما يميل إليه طبعه، أما أوقات الفراغ فتقضى في ~~رياضة الجسم، وفي مدارس «المدينة المسيحية» شيئان جديران باعتبارنا: أولهما أن ~~للمدرسة دستورا، فهي أشبه شيء بجمهورية صغيرة، والثاني أن المعلمين ينتقون من خيرة ~~السكان، حتى إن أعلى الوظائف في الدولة ليست مقفلة دونهم، وإليك الآن ما يقوله عن ~~تعليم التاريخ الطبيعي: # يرى التاريخ الطبيعي هنا مرسوما بالتفصيل على الجدران بأعظم مقدار من ~~المهارة، فهيئة السماء ومناظر الأرض في مناطق مختلفة، وشعوب الإنسان ~~المختلفة، وأمثلة الحيوان، وهيئة الأحياء، وصنوف الأحجار والجواهر، كلها ~~مرسومة ومسماة، يتعلم منها الطلبة طبيعتها وأوصافها ... أوليس من الحق ~~معرفة أشياء هذه الأرض وأسهل في الإيضاح إذا كانت هناك أمثلة توضح إلى ~~جانب دليل يساعد الذاكرة؟ وذلك لأن العلم يجوز إلى الذهن عن سبيل العين ~~بأيسر مما يجوز إليه عن سبيل الأذن. # وقد قلنا: إن المؤلف ألماني؛ فهو لذلك لا يترك صغيرة ولا كبيرة في هذه المدارس حتى ~~يحصيها، يصف معامل الرياضة ومعامل الطبيعة والتشريح والصيدلة بدقة، كأنه يهيئ ترسيما ~~لمشروع سيتحقق، وهو على حبه الألماني للعلوم لا يهمل أمر الفنون، فهو يقول: أمام معمل ~~الصيدلة دكان وسيعة للفن التصويري، وهو فن يلذ لأهل المدينة العناية به؛ لأن المدينة ~~- فضلا عن أنها مزينة بصور ورسوم تمثل أشكال الأرض المختلفة - تستعمل الرسوم في هذه ~~الدكان لتعليم الشباب وتسهيل هذا التعليم لهم، ثم إن صور العظماء وتماثيلهم ترى في كل ~~مكان، وفيها كلها ما يبعث في الشباب عاطفة تقليد هؤلاء العظماء في فضائلهم. # ومعبد المدينة هو بالطبع أهم بناياتها، ويحوي من بدائع الفن ما يحويه غيره، ولكن ~~أندريا كان كما قلنا رجل دين، وقد زار جنيف ووقع تحت تأثير «كالفن»؛ فهو لذلك يجعل ~~العبادة في المعبد إجبارية، والاجتماعات العمومية تعقد في هذا المعبد، كما ms20 أن ~~«الكوميديات» الدينية تمثل فيها. # والآن وقد ذكرنا شيئا عن الصناعة والتعليم والعائلة، فلنقل شيئا عن الحكومة؛ ففي ~~المدينة مجلس مؤلف من 24 عضوا، والهيئة التنفيذية لهذا المجلس مؤلفة من ثلاثة أشخاص، ~~هم: الوزير والقاضي ومدير التعليم، وأولهم يمثل ضمير الأمة، والثاني الفهم، والثالث ~~الحقيقة، وإليك ما يقوله الآن عن عقاب المجرمين: «إن قضاة المدينة المسيحية يتبعون ~~هذه العادة، وهو أنهم يعاقبون بأقصى العقوبات تلك الجرائم التي تقع من إنسان نحو ~~الله، ثم يعاقبون بأقل قسوة تلك الجرائم التي تقع من أحد نحو الناس، وأخف ما يعاقب ~~عليه أحد هو تلك الجرائم التي تقع بالأملاك، وأهل المدينة يكرهون إراقة الدماء؛ وهم ~~لذلك لا يستبيحون لأنفسهم عقوبة الإعدام؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يقتل، ولكن لا يقدر ~~على الإصلاح إلا خير الناس.» # | أضغاث أحلام # «بيكون» # 1 ~~«و«كامبانيلا» # 2 # كلاهما مشهور بحلمه، وأولهما إنجليزي وثانيهما إيطالي، ولكنك إذا تفحصت ~~أحلامهما عن المثل الأعلى للهيئة الاجتماعية ألفيت هذه الأحلام أضغاثا مجموعة من تلك ~~الرؤى الرائعة التي ألهمها أفلاطون ومور من قبلهما، مع زيادات طفيفة تدلنا على روح ~~الزمن الذي وضع فيه هذان المؤلفان كتابيهما. # فكامبانيلا يحلم بما يسميه «مدينة الشمس» وراء خط الاستواء، وهي لا تختلف عن جمهورية ~~أفلاطون إلا من حيث شيوعية النساء وشيوعية الأملاك، وإنما نجد في كامبانيلا بعض ~~عبارات تنبئ بالقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فهو يقول مثلا: إن عند سكان مدينة ~~الشمس زوارق تسير على الماء، لا بقوة الربح ولا بقوة المجاديف، وإنما ب «اختراع عجيب» ~~ثم إن أحد سكان المدينة يحدثه فيقول: «آه لو أنك تسمع ما يقوله المنجمون عندنا عن ~~الأزمة القادمة؛ فسيكون في القرن الواحد منها من التاريخ أكثر مما في أربعة آلاف سنة ~~ماضية، أجل، ستكون فيها مخترعات الطباعة العجيبة، والمدافع والمغناطيس ~~...» ولما كانت المخترعات كثيرة في «مدينة الشمس» ~~وسائرة في طريق النجاح، فإن أهل المدينة ليسوا في حاجة إلى استعمال الرقيق، ثم هم ~~أغنياء لا يحتاجون إلى شيء وفقراء؛ لأنهم لا يملكون شيئا وعلى ms21 ذلك فهم ليسوا عبيدا ~~للظروف، وإنما هم أنفسهم يستخدمون هذه الظروف . # ففي هذا الكلام إيماء إلى المستقبل الذي كان يحس به كامبانيلا. فقد بدأ ضمير الإنسان ~~يستيقظ في زمنه ويتساءل: هل ما قررته الآلهة القديمة من الرق جدير بأن يقره الإنسان ~~الجديد؟ وهل لا تقوم المخترعات يوما ما بعمل الإنسان بحيث تزول عنه لعنة آدم أو ~~توشك؟ ثم يجيب كامبانيلا بالإيجاب ويلغي الرق، ويقصر العمل الذي يحتاج إليه الناس إلى ~~أربع ساعات فقط؛ وذلك لأنهم كلهم يشتغلون، ولأن المخترعات توفر لهم وقتهم. # وأحلامنا على وجه العموم تبع لمزاجنا ومألوفنا، وعلى ذلك نقول: إنه لما كان مور ~~وأندريا متزوجين لكل منهما عائلة، كانت العائلة أساسا من أسس الهيئة الاجتماعية ~~التي تخيلها كل منهما، ثم لما كان أفلاطون وكامبانيلا أعزبين، كانت شيوعية النساء ~~أحد أركان الهيئة الاجتماعية التي رآها كل منهما في رؤياه، الإنسان يتخيل وفق طبعه ~~ومألوفه، ولكن يجب أن نقول: إن أفلاطون نفسه - مع أنه كان أعزب - لم يكن يؤمن كل ~~الإيمان بشيوعية النساء، وإنما هو قصر هذه الشيوعية على الطبقتين السائدتين، أما طبقة ~~المزارعين والصناع - وهم بالطبع جمهور المدينة أو الأمة - فإنه لم يقبل شيوعية النساء ~~بينهم؛ مما يدل على أنه كان يدرك أن الزواج الذي يؤسس العائلة ضرورة لكثرة الأمة. وهو ~~في حرمانه رجال طبقة الأوصياء وطبقة المقاتلة من الزواج وتأسيس العائلة، إنما ينقاد ~~إلى تلك الفكرة التي تقول: باستحالة خدمة غرضين؛ وهي الفكرة التي أوجدت الرهبان، وهي ~~التي تجعل رجل الفن يمنع أحيانا كثيرة لمصلحة فنه عن الزواج، فكما أن الراهب المسيحي ~~لا يتزوج إرصادا لنفسه على خدمة الدين، ووقفا لمواهبه على العبادة، كذلك كان يرغب ~~أفلاطون في أن يرى الوصي أعزب يقف كل جهوده على مصلحة الأمة لا على زوجته وأولاده، ~~فالقاعدة عند أفلاطون هي الزواج، أما الاستثناء فهو الإباحة المقيدة. ~~••• # ولننظر الآن في بيكون وأضغاث أحلامه، فقد رأينا أن كامبانيلا لم يأت بطائل، وكذلك ~~الحال في بيكون، بل خيال بيكون مقصوص الجناح إذا قيس إلى ms22 خيال كامبانيلا، ثم في جناحه ~~ريش مستعار أكثر ما في جناح كامبانيلا، وكثير من هذا الريش المستعار قد رأيناه على ~~أصله في خيال أندريا وفي رؤيا أفلاطون؛ فلا حاجة إلى التكرار. # وأهم ما في رؤيا بيكون هو «بيت سليمان» وهو مؤسس أشبه شيء بالكليات، الغاية منه: ~~«معرفة علة الحركة في الأشياء وأسرارها، وتوسيع سلطة الإنسان حتى لا يعجز عن عمل أي ~~شيء ممكن، وفي هذا المؤسس معامل أو مختبرات محفورة في جوانب التلال، ومراصد يبلغ ~~ارتفاع أبراجها نصف ميل، وفيها برك من الماء الملح والماء العذب، يبدو من أقوال بيكون ~~أنه يريد منها أن تكون مختبرا لتربية الأسماك وسائر الأحياء المائية، ثم فيها الآلات ~~تدير الأشياء، ثم هناك أيضا مصح لتجربة الأدوية، وقاعات كبيرة لعرض التجارب ~~الطبيعية، ومراكز زراعية كبيرة لعمل التجارب في التطعيم، ثم المعامل الصيدلية ~~والصناعية، ومعامل أخرى لعمل الاختبارات في الصوت والضوء والطيوب والطعوم؛ فهذه كلها ~~يقول بيكون: إنها في «بيت سليمان» ويجمعها ركاما مشوشة بلا تنسيق، أشبه شيء ~~بالمذكرات منها بالرؤيا المرتبة، ومن هذه الكلية أو «بيت سليمان» يخرج اثنا عشر ~~عالما إلى البلاد الأجنبية للسياحة وجلب الكتب الغريبة، وكتابة التقارير عن ~~المخترعات والأشياء العجيبة التي يرونها في سياحاتهم، وهذه الكلية هي أهم شيء في ~~مدينة بيكون التي يسميها «أتلنتيس الجديدة» وسائر ما في هذه المدينة لا يختلف عما ~~رأيناه في أفلاطون وأندريا.» # وهذه الكلية كما وصفها بيكون هي الحلم الذي لا يزال يحلم به للآن علماء الكليات، وقد ~~أوشك أن يتحقق بعضه مثلا في «مؤسسة روكفيلر» في الولايات المتحدة، وهو يدلنا على ~~هموم بيكون وأنها كانت هموم رجل عالم جدير بأن يكون أحد أركان النهضة ~~الأوروبية. # فهو القائل بالعقل بدل النقل، يريد أن يبني الحقائق على التجربة والاختبار، وأن يعبئ ~~قوى الإنسان إلى ترقية العلوم والمعارف، ويحشد لهذه الترقية جميع الكفايات التي في ~~الأمة، ثم هو لا يترك فرعا من فروع المعارف الإنسانية، صناعة كان أو زراعة أو طبا ~~أو غير ذلك، إلا ويهيئ له ms23 وسائل التجربة والاختبار الذي عليه تبنى أصول هذا العلم أو ~~الفن ، ومع ما في رؤياه من التشوش والخلط، فإنه قد رسم لنا توسيما يوشك أن يكون ~~كاملا عن كلية يقصد منها تقدم العلوم وترقية المعارف. # | عصر الصناعة وأحلامه # يتسم القرنان الثامن عشر والتاسع عشر بظهور المخترعات الصناعية ووفرتها، ولو قيست هذه ~~المخترعات في هذه المدة القصيرة إلى مخترعات الإنسان الآلية منذ خمسين ألف سنة لأربت ~~عليها؛ إن لم يكن في الفائدة ففي تعدد أصنافها وتنوع أعمالها، فهذه الكثرة وحدها كانت ~~من الدواعي القوية إلى أن يفكر الإنسان في مستقبل الآلات، وأن يرجو منها أن تقوم مقام ~~العامل نفسه وتوفر عليه راحته. ثم كان من ظهور الآلات وإقبال الناس على الصناعة أن ~~انتقلت الثروات الضخمة من البيوت القديمة إلى أفراد محدثين؛ فحدث من هذا الانتقال ~~تزعزع في المجتمع لعدم انطباق الجديد على القديم، وانتهى الحال إلى الثورة الفرنسية، ~~وليست الثورات في الحقيقة إلا محاولة عنيفة لإصلاح القديم الذي يتنافر مع الجديد، فإن ~~لم ينجح الإصلاح فإن الثائر يعمد إلى الهدم، وكل هذه الأحوال تربة صالحة لأن يغرس ~~فيها رجل المثل الأعلى ما يتوهمه من هيئة اجتماعية وما يحلم به من إصلاح. وقد سبق أن ~~قلنا: إن الإنسان إزاء الوسط الذي يعيش فيه ويشعر بفساده أو ثقل أنظمته، أحد ثلاثة: ~~فهو إما أن يفر منه ويتحول عنه إلى وسط آخر يوافقه، وإما أن يدافعه ويحتمي منه، وإما ~~أن يهاجمه متعمدا إبداله. # ونحن إذا نظرنا إلى رجال القرن الثامن عشر ألفيناهم من الصنف الأول؛ يبغون الهروب، ~~فقد تعاظمهم الفساد فآثروا تركه على معالجته. ففيهم جميعهم روح «روبنسون كروزو» يرضى ~~بحال البداوة الساذجة في جزيرة قصية ويعيش منفردا له كفافه من العيش، يؤثر هذه ~~الحالة على حضارة المدن وما فيها من ترف وتكلف وعجيج، ف «جان جاك روسو» مثلا يؤلف ~~الكتب عن فساد الحضارة وما في نشر العلوم والآداب من الأذى للناس، ويصيح بالناس أن ~~عودوا إلى الطبيعة، ثم هناك «شاتوبريان» لا يرى الجمال ms24 والجلال إلا في ذلك المتوحش ~~النبيل الذي يعيش على الفطرة في بادية أمريكا، ثم يفحص نفسه فإذا به هو نفسه ذلك ~~«المتوحش النبيل» الذي يهوى الهروب من الحضارة، ثم هناك «برناردين سان بيير» قد ~~اشمأزت نفسه من الحضارة وتكاليفها فلم يجد مسرحا يمثل عليه خياله من السعادة إلا في ~~أقاصي جنوب أفريقيا حيث الطبيعة لم تزل بكرا، وحيث سعادة الحب ووساوس الغرام تدب في ~~الجسم مفاجئة؛ فلا يدريها الشاب وتخطئها الفتاة لأنهما من بداوة العيش بحيث يغمرهما ~~الجهل والسذاجة، وكلاهما أساس السعادة في رأي هذا الفار من مكافحة الحضارة والنزوع ~~إلى الطبيعة وسذاجتها، وإلى البداوة وحريتها، هو ردة في نفس كل إنسان، ونحن أكثر ما ~~نكون شعورا بقوة هذه الردة عندما تكثر تكاليف الحضارة، ولو كان كل رجال المثل ~~العليا من طينة هؤلاء الرهبان الذين يفرون من مواجهة الحقائق - بتوهم فردوس لا يمكن ~~تحقيقه - لما تعنينا في سرد أحلامهم، فإنما نحن نعنى هنا بأولئك المكافحين المهاجمين ~~الذين يرسمون لنا بناء حضارة جديدة كاملة أو شبه كاملة غير تلك التي يعيشون ~~فيها. # وإذا عدت «طوبيات» الفلاسفة أو أحلامهم التي تخيلوا فيها من النظم ما هو أرقى مما ~~لديهم، لكان ثلثا هذه «الطوبيات» ينسبان إلى القرن التاسع عشر، والثلث الباقي إلى ~~سائر القرون، وإنما ذلك لكثرة مخترعات هذا القرن وانتشار الصناعة فيه، واختلاف ~~التوازن في هيئته الاجتماعية اختلالا فادحا واضحا، وظهور طبقة من الناس تستبد ~~بالعمال وتستأثر بالربح العظيم ولا ترضخ لهم إلا باليسير الذي يقوم بكفافهم أو بأقل ~~منه. # فقد كانت الصناعة قبل ظهور الآلات في أيدي صناع يشتغلون بأيديهم، فالحذاء يشتري ~~آلاته بأقل الأثمان، وينتحي ناحية المدينة يفتح فيها دكانا، فيصنع الأحذية ويبيعها ~~بنفسه، يفعل ذلك كله وهو راض عن نفسه وعن حكومته وعن الحضارة التي هيأت له هذا ~~النظام، ولكن ظهرت بعد ذلك الآلات؛ فسارت تصنع آلاف الأحذية في وقت قصير وغمرت السوق ~~ببضائعها حتى لا تكاد تتسع لما يصنعه ذلك الحذاء البسيط، فهي تدفعه إلى أن يكون ~~عاملا ms25 في ذلك المصنع الكبير الذي يصنع أشياءه بالآلاف، وقل مثل ذلك في سائر ~~الصناعات، فإن الصناع الذين يصنعون بضائعهم بأيديهم قد استحالوا عمالا، لا رأس مال ~~لهم، يطردهم المصنع عند تكدس بضائعه، وينزل أجورهم إلى أحط قيمة تضمنها مزاحمة العمال ~~بعضهم لبعض؛ وينتج عن ذلك كله أنه يبقى العمال في فقر مدقع، وأن يثرى أصحاب المصانع ~~إثراء فاحشا، وأن يدعو هذا التفاوت بين الحظين إلى تذمر العمال وإلى ظهور الحركات ~~الاشتراكية. # وليس غريبا أن تظهر لفظة # Socialism # أي: الاشتراكية ~~حوالي سنة 1825، وليس النظام الاشتراكي سوى «طوبى» يتمنى العمال تحقيقها في مقتبل ~~الأيام، فهي الآن أمنيتهم وحلمهم، ولكن يبدو من تصفح الأحوال السياسية في الأمم ~~الغربية أنهم صائرون إلى تحقيق هذه الطوبى أو ما يشبهها، ومعظم الطوبويين أو رجال ~~المثل العليا في القرن التاسع عشر هم - أو أكثرهم - لهذا السبب من الاشتراكيين، ~~فهؤلاء الاشتراكيون يرون تقدم الآلات والمقادير العظيمة التي تنتجها من البضائع ~~فيتساءلون: لم لا تملك الأمة هذه الآلات وتصنع بها ما يكفي الناس من اللباس؟ ولم لا ~~تستعمل هذه الآلات في الزراعة؛ فيتوافر للفلاح وقته ليقضي منه ما يشاء في تربية نفسه ~~والترفيه عنها؟ ولم يربح الممولون كل هذه الأموال التي يغلها عليهم الحديد والنار؟ ~~أوليس من العدل أن تكون المخترعات شائعة يستغلها كل أفراد الأمة في شخص ~~الحكومة. # وأول رؤيا نصفها من رؤى القرن التاسع عشر هي رؤيا «شارل فورييه» # 1 # وهو من زعماء الاشتراكية في فرنسا، وقد رأى فورييه فيما يرى اليقظان أن ~~جماعة يبلغ عددها نحو 1600 نفس تعيش معا، ويقوم أعضاؤها بجميع حاجاتهم، والأمة التي ~~منها هذه الجماعة مقسمة جماعات على هذا النمط، كل منها تتكفل بحاجاتها دون الالتجاء ~~إلى جماعة أخرى، والإنسان في رأي فورييه شخصية مثلثة: فهو صناعي يبغي المؤالفة بينه ~~وبين الوسط الذي يعيش فيه بالصناعة، وهو اجتماعي يبغي المؤالفة بينه وبين الجماعة ~~التي ينتسب إليها، وهو ذهني يحتاج إلى كشف النواميس التي تعمل لنظام هذا الكون، وهو ~~لهذه الشخصية المثلثة يضع ms26 جماعته المكونة من 1600 نفس في بقعة مختلفة المناظر ~~والنواحي، فيها الجبل والنهر والغابة والسهل والمدينة. # وصناعة الأهالي الأصلية هي الزراعة، ولكن الأهالي مع ذلك يمارسون جميع الفنون ~~والصناعات الأخرى؛ إذ إن كل جماعة مستقلة عن الأخرى. # وفي وسط البقعة التي تقيم فيها الجماعة بناء: «وهو قصر كامل بحاجات المجتمعين، له ~~ثلاثة أجنحة؛ أحدها صناعي وآخر اجتماعي وآخر ذهني، ففي الأول المصانع وقاعاتها، وفي ~~الأخير المكتبة والمجموعات العلمية والمتاحف وقاعات الفن ونحو ذلك، أما الجناح ~~الاجتماعي ففي الوسط وهو يحتوي قاعات الطعام والاستقبال والسمر وفي أقصى القصر معبد ~~المؤالفة الحسية، وهو خاص بالرقص والموسيقى والشعر والرسم ونحو ذلك، وفي أقصى القصر ~~من الناحية الأخرى معبد الاتحاد الذي يحتفل فيه بالشعائر اللائقة باتحاد الإنسان ~~بالكون، وهنا برج ومرصد به تلغراف للاتصال بسائر الجماعات.» # وهذا البناء هو بالطبع المدنية كلها، يعيش أهلها معا، لهم مطبخ واحد، ومنذ الصغر ~~يتعلم الأطفال كيفية الطبخ، وهم يأكلون معا، وإن كان من الممكن أن يتناول كل إنسان ~~طعامه بمفرده على عزلة، ولكل واحد من الجماعة مقدار معلوم من الطعام والغذاء والمسكن ~~والملهى يتساوى فيه مع سائر أفراد الجماعة بغض النظر عن العمل الذي يزاوله، ثم فوق ~~ذلك له أن يحصل على امتيازات أخرى يخوله إياها ما له من الأسهم في شركة هذه الجماعة، ~~فهنا تمييز بين العامل المجد والعامل المخل، وهنا أيضا ترخيص بالامتلاك الفردي إلى ~~درجة ما، فالجماعة مساهمون يعيشون عيشة مشتركة يتساوون فيها كلهم، ثم يمتاز منهم ~~الحاصل على أسهم أكثر من غيره، ولكن هذا الامتياز قليل الأثر؛ لأن الربح في النهاية - ~~بعد الإنفاق على هذه العيشة - يكون صغيرا لا يؤبه به، فهذا - كما يرى القارئ، شبه ~~توفيق بين مبدأي الاشتراكية والانفرادية. # والصناعات تمارس على نظام واسع اقتصادا في النفقة، كل عامل يختص بجزء من العمل حتى ~~ينجز الكثير منه في القليل من الوقت، والجماعة تتجر مجتمعة كأنها هيئة واحدة، فتبيع ~~للجماعات الأخرى ما هي في غنى عنه، وتوزع الأرباح على أعضائها بنسبة ما ms27 لهم من ~~الأسهم فيها على نحو ما تفعل الجمعيات التعاونية الآن. # والمرأة في هذا النظام حرة، تشتغيل كما يشتغل الرجال، ويرى فورييه أن الزواج لا يوافق ~~هذه الحرية، ففي البناء مكان لتربية الأطفال الرضع، وللجماعة جيش لا يعبأ للحرب وإنما ~~يسير لمكافحة الطبيعة: لشق الأنهار وزرع الغابات وبناء الجسور وتجفيف الأرض النازة ~~ونحو ذلك، ويرى فورييه في ذلك منصرفا لنشاط الشباب يقوم مقام الحرب. # ويختلف «روبرت أوين» # 2 # عن بعض من ذكرناهم من حيث إنه لم يستسلم للخيال كل الاستسلام، وإنه قصد ~~إلى إيجاد هيئة اجتماعية تتسير إقامتها، فقد عاش هو نفسه بين عمال، وأدار المصانع ~~وعرف تلك العلاقة بين الآلة والإنسان وإمكان جعلها وسيلة للإصلاح أو للإفساد. ولم ~~يكتف بالكتابة والشرح بل عمد إلى العمل؛ فأسس جملة مصانع أجراها وفق آرائه بالاشتراك ~~مع «بنتام» المشرع الشهير، وانتهت تجاربه العلمية هذه بالإخفاق. # ولكن أوين، وكذلك المفكر الفرنسي «سان سيمون» كلاهما دعا أو - بالأحرى - نحا نحو ~~الأفكار الاشتراكية التي نعرفها الآن، وكان حاصل دعوة سان سيمون أن تمزج التجارة، أو ~~المعاملة بين السيد والعامل، بالأخلاق؛ فلا يعمد الإنسان إلى أن يربح كل ما يمكن ~~ربحه، بل يقنع بربح معتدل، ولا يصنع إلا ما فيه المصلحة العامة، وهو بين هذا وذلك يرى ~~نفسه مضطرا إلى أن يرى مساوئ الامتلاك الفردي للعقارات المغلة، فينحو على الرغم منه ~~إلى التفكير الاشتراكي، وأما روبرت أوين، وهو واضع لفظة «الاشتراكية» المستعملة الآن، ~~فتدلنا أعماله على الأسس التي قام عليها التفكير الاشتراكي في القرن التاسع ~~عشر. # كان أوين رجلا غنيا له مصنع في «منشستر» به نحو خمسمائة عامل يغزلون القطن، وما ~~زال دائبا في عمله حتى اتسعت أعماله وراج غزله وزادت ثروته، ولكن الإثراء لم يكن همه ~~الأكبر؛ لأنه كان يهتم بأحوال العمال والترفيه عنهم؛ فإنه عمد عندما أثرى إلى تأسيس ~~مصنع كبير في نيولانارك بإنجلترا كان به 3000 عامل، وكان بناء المصنع مستوفيا كافة ~~شروط الصحة والجمال، ومع أن استخدام الصبيان كان جائزا في ذلك الوقت، ms28 وكانت أجورهم ~~قليلة، فإنه رفض استخدامهم، وكان يخفض ساعات العمل إلى أقل مقدار ممكن ويزيد الأجور ~~إلى أعلى مقدار، وكان يمنح أجورا وقت العطلة الإجبارية التي تنشأ من الكساد، وكان في ~~أوقات فراغه يؤلف في إصلاح المجتمع، ومن أسماء هذه المؤلفات يمكن للقارئ أن يقف على ~~شيء من أفكاره؛ فمنها مقالات عن «تكون الأخلاق الإنسانية» و«رأي جديد في المجتمع» ... ~~إلخ إلخ، وكانت كتاباته هذه سببا للفت الأنظار إلى الأحوال السيئة التي يعيش فيها ~~العمال؛ حيث بعث البرلمان البريطاني إلى سن تشريع خاص بحماية الأطفال من العمل في ~~المصانع. # وذاعت شهرة أوين، فكان «بنتام» المشرع الإنجليزي الشهير من أصدقائه، وله أسهم في ~~مصانعه، وزاره الغرندوق نقولا الذي صار بعد ذلك قيصرا على روسيا، وكان والد الملكة ~~فيكتوريا صديقا له ويكثر من زياراته، وبلغت شهرته الولايات المتحدة، فدعاه بعضهم إلى ~~إنشاء مصنع يشبه مصنع نيولانارك، فسافر إليها وأسس جملة مصانع، ولكن تراكم الأعمال ~~عليه لم يتح له النجاح فيها. # وعاد أوين إلى إنجلترا فأرصد نفسه للتفكير الاشتراكي، وحارب الامتلاك الفردي، ونسب ~~إليه جميع الشرور الفاشية في زمنه، ورأى المسئولون أن الجمهور أخذ يحبه، والصحف تبسط ~~صدورها لتكتب عنه وله، فعمدوا إلى مركز حساس وهو الدين، كما يفعل الرجعيون عندنا مع ~~المجددين، فما زالوا به يتهمونه بالكفر والإلحاد حتى صد الناس عنه. # أراد أوين أن يحصر الربح في العامل الذي ينتج السلعة، فلا يتجاوزه إلى التاجر أو ~~الوسيط أو صاحب المصنع، ورأى أن أمثل الطرق لذلك، ولتحقيق الاشتراكية أن يعمد العمال ~~إلى تأسيس المصانع، لكل منهم مقدار من الأسهم، وأن يفتحوا الحوانيت لبيع مصنوعاتهم ~~بأنفسهم. ويشترون المادة الخام للمصنع ثم يبيعونها مصنوعة للجمهور: «فيتفادون تلك ~~الأرباح التي يحصل عليها صاحب المصنع أو الوسيط من عرق جبينهم»، وقد عملت هذه الفكرة ~~على رفع شأن العامل، وكانت بداية الجمعيات التعاونية في العالم، ومن أغرب ما فكر فيه ~~أوين إيجاد بنكنوت ترقم عليه القيمة بساعات العمل وليس بالنقود المتداولة؛ فقد رأى أن ~~قيمة النقود تختلف، فتزيد ms29 أو تنقص تبعا لغلاء القروش؛ فالجنيه الذي نشتري به الآن ~~مائة رغيف قد لا نشتري به في الغد سوى 95 رغيفا، وقد نشتري به 105 أرغفة فاخترع ~~بنكنوتا يبين زمن العمل بالساعات، والساعة لا تتغير في أي وقت وقد كتب على هذا ~~البنكنوت الذي نشره باسمه، هذه العبارة: سلم حامله بضائع بدلا من قيمة عشرين ساعة ~~بأمر روبرت أوين. ~~••• # ولننتقل الآن إلى خيالي مشهور هو «جيمس بكنجهام» عاش أكثر أيامه في الشرق، وكان يحرر ~~عدة صحف إنجليزية في الهند، وكان مع ذلك جوابة آفاق رحالة لا يستقر، فزار عدة أقطار ~~وهو ينظر ويتبصر ثم وضع كتابا عن «الشرور الأهلية والعلاجية العملية وترسيم لبلدة ~~أنموذجية»، وظهر هذا الكتاب سنة الثورات التي شملت أوروبا كلها تقريبا، وهي سنة ~~1848، وفي هذا ما يدلنا على البواعث التي تبعث هذه الأخيلة في عقول المفكرين. # وما هي هذه البلدة الأنموذجية؟ هي بلدة تدعى «فكتوريا» يؤسسها أفراد مشتركون على ~~طريقة الشركة المساهمة المحدودة المسئولية، وتحتوي هذه البلدة على جميع التحسينات ~~الجديدة: «من حيث الصنع والترسيم وصرف المجاري والتهوية والبناء والماء والضوء وسائر ~~الممتعات»، ومساحتها ميل مربع، وعدد سكانها لا يزيد على عشرة آلاف نفس، وعلى طرف ~~المدينة تؤسس المصانع، ومصنوعاتها ملك للشركة لا للأفراد الذين يصنعونها، وحول ~~المدينة ضيعة تبلغ عشرة آلاف فدان هي ملك للشركة أيضا، كما أن البيوت وسائر العقارات ~~لا يملكها الأفراد وإنما تملكها الشركة، وهذه الشركة تستغل كل هذه الأشياء وتوزع ~~الأرباح على الأفراد بنسبة ما لهم من أسهم فيها، ولا يجوز الاشتراك فيها لأحد ما لم ~~يكتتب على الأقل بعشرين سهما، ويثبت حسن نيته للمدينة، ويكتب على نفسه عهدا يشرط ~~على نفسه فيه الامتناع عن تناول الخمور أو العقاقير أو التبغ. # ويكون بالمدينة مغاسل ومطابخ ومطاعم عمومية، ومكان عمومي أيضا لتربية الأطفال الرضع، ~~ويكون التعالج بالمجان كما يجري في الجيش، ولن يكون بالمدينة قضاة ومحاكم، وإنما تكون ~~شرائع مسنونة يتعهد الأهالي بالسير عليها، فإذا حدث اختلاف اختار المتخالفان حكما ~~ليفصل في خلافهم، ms30 والأهالي يتعهدون - في جملة ما يتعهدون به - عدم الشكوى إلى المحاكم ~~والرضى بما يحكم به الحكم المختار، وهذه التعهدات ضرورية؛ لأن مدينة فكتوريا يراد ~~إقامتها وسط أي دولة، فلا بد لذلك من هذه التعهدات حتى تعيش مستقلة عما حولها في ~~إدارتها وقضائها. # والمشروع إنجليزي أينما نظرت إليه؛ فهو عملي يمكن إقامته في أي مكان، فلا يجبر الناس ~~عليه، ولا هو في حاجة إلى أن تجربة أمة بأسرها؛ إذ يكفي لنجاح المشروع أن يقوم به ~~عشرة آلاف نفس. ويقول بكنجهام: # 3 # إنه إذا تأسست مثل هذه الشركة ونجحت، سارت سائر البلاد على طريقتها، وهو ~~في لبه - كما يرى القارئ - شركة تعاون كبيرة تبيع الغلات بنفسها ثم تقسم الأرباح على ~~مساهميها. # | من أحلام الاشتراكية # أحلام القرن التاسع عشر كله، وما يليه من ربع القرن العشرين، هي كلها أحلام الآلات ~~والعمال، وكلها تتجه بالطبع وجهة اشتراكية شأن جميع الأحلام الماضية، ولكنها تمتاز ~~منها بالعناية بالعمال وبجعل الآلات أساسا للهيئة الاجتماعية، وهاتان الميزتان ~~كلتاهما لم يكن أفلاطون يعرفهما، فهو كما يذكر القارئ حذف من ذهنه مسألة الصناع ~~والعمال، ولم يبال بهم إلا أقل المبالاة، أما الآلات في زمنه فلم تكن لها من الخطورة ~~والأثر في المجتمع ما يدعو إلى التفكير في شأنها، ولكن كل هذه الأحوال قد تغيرت في ~~القرن التاسع عشر؛ إذ هو يشترك وقرننا في أنه عصر العمال وعصر الآلات معا. # ومن أصحاب الأحلام المعدودين في القرن التاسع عشر «أتيين كابيه» الذي ولد سنة الثورة ~~الفرنسية 1788، وتوفي عند بداية إمبراطورية نابليون الثالث سنة 1856، فرأى في صباه ~~أحد مردة التاريخ - نابليون الكبير - وعبر القرن التاسع عشر بثوراته الكبرى سنة 1848، ~~وبمخترعاته العديدة التي هي في الحقيقة أبعد أثرا من الثورات في النظم الاجتماعية، ~~وميدان الحلم «إيكاريه» وهي إقليم مقسم على طريقة الثورة الفرنسية إلى أقسام أعشارية، ~~فيه مائة مديرية تستوي كلها في المساحة وعدد السكان، وكل هذه المديريات ينقسم إلى ~~عشرة مراكز متساوية أيضا، لا يراعي كابيه في ذلك اختلاف السهل من الجبل، أو ms31 الوادي ~~الجدب من الوادي الخصب، فإنما هو يقسم مملكته كأنها رسم على الورق، ينزع هذه النزعة ~~بقوة الثورة الفرنسية التي أسست الطريقة المترية، وفي وسط «إيكاريه» تقوم مدينة ~~«إيكاره» عاصمتها وهي أشبه شيء بباريس، لها نهرها أيضا كما لباريس نهر السين، ~~والمدينة مستديرة يشقها نهرها نصفين متساويين، ويقوم على الشطين جداران مشيدان من ~~الحجر لمنع انهيارهما. # وقد كرى النهر حتى بعد قعره، وحتى صارت بواخر الأقيانوسات تمخر فيه وتنقل البضائع إلى ~~إيكاره ومنها، وبها خمسون شارعا توازي النهر وخمسون أخرى تقطعه، (وقد خانته الطريقة ~~العشرية هنا؛ لأن المدينة كما سبق فذكرنا مستديرة، فكيف تتفق استدارتها ونظام هذه ~~الشوارع؟) والمدينة مقسمة إلى 60 حيا، كل منها يحتوي على مدرسة ومستشفى ومعبد ~~وحوانيت، والمدينة مبنية عمارات، بكل عمارة 15 منزلا تحيط ببستان عمومي. # والقرى في إقليم إيكاريه تشبه المدينة من حيث التخطيط، والمؤلف مهموم بالعناية بالصحة ~~وبالرفاهية في الشارع، فمماشي الناس إلى جانبي الشوارع مظللة بالزجاج، كذلك المحطات ~~(أليست هي الآن كذلك؟) أما الإصطبلات والمجازر والمستشفيات، فتقع خارج القرية أو ~~المدينة، وتقوم المصانع والمخازن على النهر أو إلى السكك الحديدية لتسهيل ~~النقل. # والآن، لننظر في النظام السائد الذي يجري عليه السكان ... # كان أتيين كابيه مشبعا بروح الزمن الذي عاش فيه، وكان نابليون يشمخ فيه كالمارد؛ ~~ولذلك بدأ كابيه حلمه بأن تخيل «إيكار» أميرا مستبدا يملي على الناس نظام حكومته ~~فلا يخالفه أحد، وخير ما يوضح هذا النظام هو وصف حالة أحد السكان. # يبدأ الإيكاري يومه في الساعة السادسة، فيتناول فطوره في المطعم أو في المصنع، وقد ~~قررت ألوان الفطور لجنة من العلماء نظرت في قرارها إلى صحة المفطرين، وكأني بك تشك في ~~هذا الطعام، وهل يساغ على الرغم من قرار العلماء، وقد شك قبلك كابيه وأذن للسكان بأن ~~يفطروا كما شاءوا وأينما شاءوا، وإذا أفطر الإيكاري قصد إلى عمله فيشتغل في الصيف 7 ~~ساعات وفي الشتاء ستا، (والمؤلف من أهل البلاد الباردة يرتاح إلى العمل في الصيف ~~على عكس ما هو حاصل ms32 عندنا)، وجميع أهالي إيكاريه يعملون هذا العدد من الساعات بلا ~~امتياز لأحد على آخر. # والحكومة هي صاحبة المصانع، وهي التي تنظم أوقات العمل، وهي التي تملك الخيول ~~والمركبات التي تنقل البضائع، فهي اشتراكية لا غش فيها، ومن هنا كانت «رحلة إلى ~~إيكاريه» من الكتب التي تداولها العمال كثيرا منذ طبعته الأولى سنة 1845، وكان هذا ~~الكتاب ذا أثر في تشبع العمال في أوروبا بالفكر الاشتراكي. # وعندما يفرغ الإيكاري من عمله يخلع ملابسه، تلك الملابس التي قررتها «لجنة الملابس» ~~على نحو ما تقرر إدارة الجيش ملابس الجنود، والواقع أن الإيكاريين جنود قد عبثوا ~~للصناعة، يجري عليهم نظام الجيش في جميع شئونهم. # وقبل أن يولد الإيكاري تتلقى أمه دروسا في واجبات الأمومة، فإذا بلغ الخامسة تناولته ~~يد الحكومة بالتربية طبقا لبرنامج يتفق فيه جميع شباب الإيكاريين إلى سن الثامنة ~~عشرة للذكور والسابعة عشرة للإناث، وعندئذ يسير كل شاب أو شابة في دراسة خاصة توافق ~~الصناعة التي سيتخذها فيما بعد، وهذه الصناعات محدودة معينة ترأسها كلها لجنة تحصي ~~عدد الصناع في جميع المصانع كل عام. وتحصي مقدار البضائع المخزونة، ثم تعين حاجتها ~~إلى عدد الصناع المطلوبين في كل صناعة، وتأخذ من متخرجي المدارس من تحتاج إليهم من ~~الفتيان والفتيات، والرجل يحال على المعاش إذا بلغ الخامسة والستين، والمرأة إذا بلغت ~~الخمسين. # ولا يمكن الإيكاري أن يتزوج قبل بلوغه العشرين، أما الفتاة فيمكنها ذلك عند بلوغها ~~الثامنة عشرة، أما الحكومة فكانت في نشأتها استبدادية؛ لأن كابيه تخيل «إيكار» شخصا ~~له إدارة نابليون وسلطانه ويعمل للإصلاح، ولكن بعد موته صارت نيابية لكل مديرية ~~مجلسها، وللإقليم كله مجلس منتخب من هذه المجالس وله هيئته التنفيذية التي تدير ~~البلاد، والحكومة تصدر الصحف، ولكن هذه الصحف مقصورة على إيراد الأخبار دون ارتياء ~~الآراء لكيلا تكون منها ذريعة لتثبيت قدم الحكومة. # | سنة 2000 # كان «أوين» و«كابيه» كلاهما اشتراكي، يتخيل على يقظة، ويحلم بتدبير، ويقصد إلى ~~التطبيق والعمل، وقد أنشأ كل منهما مستعمرة لتجربة نظرياتهما وتحقيق خيالهما في ~~إنجلترا وأمريكا، وأخفق ms33 كلاهما. # لكن «إدوارد بلامي» # 1 # لم يكن مثلهما؛ فقد كانا كلاهما مصلحين يدرسان العمران وأحوال العمال ~~والصناعات، أما بلامي فكان أديبا أميركيا اعتنق الاشتراكية فوضع قصته «نظرة إلى ~~الوراء» يصف فيها العالم كما يتخيله سنة 2000، وينتقد أحوالنا الراهنة في ضوء تلك ~~السنة البعيدة، وكل ذلك بلهجة أديب قد حذق فن القصص؛ ولذلك لا تزال قصته ذائعة بين ~~الجمهور الإنجليزي والأمريكي وخاصة في أوساط العمال. # وهو يبدأ قصته بأن أحدا نومه تنويما مغناطيسيا فلم يستيقظ إلا في سنة 2000، وكانت ~~له قصة غرام مع آنسة سنة 1887، وهو يصل غرامه القديم بحفيدتها سنة 2000، مما لا شأن ~~لنا في تفصيله؛ لأن غايتنا هي وصف ما وضعه لنا من الترسيمات للإصلاح. # ولم يصف بلامي شيئا عظيما إلا من حيث الحجم، أما من حيث المتانة فإن بناءه أرك بناء ~~وأكثره تداعيا، فإذا أنت قرأت القصة سما بك أدبها خيال راق، ورفعك قصدها العالي إلى ~~أسمى العواطف. # ولكنك إذا وقفت وتأملت شعرت كأن بلامي يصف لك مدينة كبيرة من ورق، وأن خيال أفلاطون - ~~على ما به من سذاجة - أمتن دعائم وأوثق نظاما من هذا الحلم الذي يراه بلامي في ختام ~~القرن العشرين، ولكنك مع ذلك تشعر بتلك الدوافع الشريفة التي بعثت بلامي على أن يتخيل ~~هذا الخيال، فهو يرغب في أن يرى هيئة اجتماعية يقعد فيها الفرد إلى المائدة لكي ينعم ~~بالطعام الفاخر، ولا يرى إنسانا واقفا قريبا منه يحسده على نعيمه ويتضور جوعا، ~~ويرغب بلامي في أن يرى التربية عامة والتعليم شاملا الجميع؛ لأن للجاهل منظرا ~~كريها ينعكس أثره على جميع أفراد الأمة الذين يستوقرون من جهلة ما لا قبل لهم ~~بحمله، ويرغب في أن يحمل على عاتقه شيئا من ذلك العبء الذي نخص به طائفة الزبالين ~~والكناسين وغيرهم؛ لأن مثل هذه الأعمال أشق وأقذر من أن تحتملها طائفة وحدها، ويرغب ~~أيضا في أن يستوي الناس في فرص الإثراء بحيث لا تكون الثروات من الصدف التي يصيبها ~~بعض الناس ويخطئها البعض الآخر، وهو فوق كل ذلك ms34 أديب يرغب في ألا يمتهن الحب، وألا ~~تقف اعتبارات الجزار أو البقال أو الخياط حجر عثرة في سبيل الحب المثمر بين فتى وفتاة ~~يحجمان عن الزواج؛ لأن الفتي لا يستطيع شراء كذا أو كذا مما تحتاج إليه الزوجة، ويرغب ~~في حمل الناس على الحياة الساذجة، وكفهم عن التكلف والتصنع، فيجب أن تصارح الفتاة ~~حبيبها بأنها تحبه، ويجب أن تلبس ما تشاء من اللباس البسيط، وأن تفضي إلى الناس ~~بآرائها بدون أن تتقيد بعرف حائر أو حياء متكلف. # وكل هذه الرغبات حسنة في ذاتها، ولكن بلامي يخطئ عندما يريد تحقيقها في خياله، وهنا ~~يجب أن نقف هنيهة لكي نتأمل في الفرق بين خيال أفلاطون وبين أخيلة هؤلاء الحالمين من ~~أبناء القرن التاسع عشر. # فإن أفلاطون لم يعن قليلا أو كثيرا بالعمال، بل تركهم على ما كانوا عليه، ولكن جميع ~~فلاسفة القرن الماضي لم يفكروا في إصلاح للمجتمع إلا وكانت مسألة العمال هي المقدمة ~~على كل المسائل، وعبرة ذلك هي أن عدد العمال قد كثر في هذا القرن وصاروا هم جمهرة ~~الأمة وكثرتها، وهذا بخلاف الهيئات الاجتماعية القديمة، وعلة ذلك تفشي الآلات وتمركز ~~الثروات في أيد قليلة، وانهزام المالك الصغير أمام المالك الكبير، وهذا هو شأن ~~بلامى، فإنه يبدأ «طوباه» أو مثله الأعلى للهيئة الاجتماعية بحل مسألة العمل، فهو ~~يقول: إن أهالي الولايات المتحدة كانوا في القرن التاسع عشر قد تدربوا على تنظيم ~~أعمالهم بواسطة شركات كبرى، فما أن يختم هذا القرن حتى اندمجت هذه الشركات في إدارة ~~واحدة وصارت قسما من الحكومة، وصار عمال هذه الشركات جيشا كبيرا يتألف من شباب ~~الأمة، وهم يشتغلون كالجيش، تسيطر عليه الحكومة، ويجري عليه نظامها، ويتناول منها ~~أجوره، والعمل في هذا الجيش إلزامي، كما هو في الجيوش العسكرية الحاضرة، إذا تخرج ~~الشاب من الكلية انتظم فيه ثلاث سنوات يؤدي فيها الأعمال الشاقة الوضيعة. # فإذا تخرج هذه المدة تقدم للتخصيص في إحدى الصناعات أو الفنون التي تعلن الحكومة عن ~~حاجتها إلى عمال لها، فيبقى في تعلم ms35 هذه الصناعة التي ينتقيها، وبعد ذلك يصير جنديا ~~في جيش العمال العظيم الذي تديره الحكومة، وكل عامل مهما كان عمله يتناول أجرا يستوي ~~فيه هو وغيره من العمال قدره 800 جنيه في العام، لا يمتاز في ذلك عامل لنشاطه عن عامل ~~آخر لكسله وكل من لا يؤدي واجبه يعاقب، ولما كانت الأعمال تختلف من حيث الصعوبة ~~والسهولة فإن الحكومة تحترز من إقبال الناس على الأعمال السهلة، وتجنبهم الصعوبة ~~بتقصير مدة العامل في هذه وإطالتها في تلك، والأجر مع ذلك لا يختلف في كلا العملين، ~~ويجوز للعامل أن يستقيل ويحصل على معاش 400 جنيه في العام إذا بلغ الثالثة والثلاثين ~~أو أن يبقى في عمله إلى الخامسة والأربعين ويحصل عندئذ على الاستقالة بمعاش كامل ~~قدره 800 جنيه. # ولكن في هذا الجيش ثغرة، فإنه يلزم جميع الشباب بالعمل فيه ما عدا أولئك الذين ينتمون ~~إلى حرفة المؤلف، فإن التأليف والاختراع خارجان عن هذا النظام، ويجوز للعالم أو ~~المكتشف أو الأديب أن يمارس صناعته حرا كما هو الحال الآن، ويكتسب من الجمهور كما ~~يشاء ولا بد أن بلامي - وهو مؤلف قصصي - قد عرف من أسرار صناعته ما يدعوه إلى عدم ~~الثقة بالحكومة؛ لأن الحكومة بطبيعة وجودها تميل إلى الجمود وبقاء الحال الحاضرة، ~~والمخترع والمكتشف والأديب كلهم تقتضي صناعتهم شيئا من الخروج على المألوف؛ وهم لذلك ~~لا يجدون في الحكومة بيئة صالحة تزكو فيها أذهانهم. # ولنرجع الآن إلى جيش العمال، فنقول: إن جميع الأعمال من إنتاج واستنفاد في حكومة سنة ~~2000 قد قسمت إلى عشر مصالح تضم إلى حظيرتها طائفة من الصناعات المتجانسة، ولكل صناعة ~~قلم خاص، به السجلات الخاصة بها، وما يتوافر من الأجور فيها يئول إلى الآلات والأبنية ~~التي تحتاج إليها هذه الصناعة، وهذا القلم هو الذي يقرر أثمان السلع التي يصنعها، ~~ولكنه لا يمكنه أن يستبد؛ لأن قانون الدولة يحظر الزيادة إلا بنسبة معينة لما أنفق ~~على السلعة. # ويرأس جيش العمال رئيس الولايات المتحدة الذي ينتخبه انتخابا مباشرا جميع السكان، ~~بعد ms36 استثناء جيش العمال، وذلك لمنع استبداد الجيوش بالأهالي. # ولكن يبقي فرض آخر وهو: هل يرضى هذا الجيش على كترثه بأن يعين له رئيس وليس له صوت في ~~تعيينه، وهل يعمل هذا الرئيس شيئا لزيادة رفاهية العمال وهو منتخب بهذه ~~الكيفية؟ # هناك شك في أنه يمكن إدارة جيش كامل أن تقوم بجميع الأعمال في أمة كبيرة تبلغ نحو ~~مليون نفس؛ لأن هذه الاشتراكية الحكومية بعيدة عن أن تتحقق في جميع الصناعات، ولسنا ~~في ذلك ننكر أن بعض الصناعات تنجح عن سبيل الاشتراكية الحكومية - بل الاشتراكية ~~البيروقراطية - أكثر مما تنجح في يد الأفراد، كما نرى في السكك الحديدية المصرية، ~~ولكن هناك من الصناعات ما لا يمكن أن تنجح إلا إذا عولج على مقاييس صغيرة، وفي إدارات ~~محدودة المساحة، ولكل بقعة شخصية تظهر في صناعاتها، ولكل بيئة طابعها على الصانع الذي ~~يمارس إحدى صناعاتها؛ فالاشتراكية الحكومية لا تنجح في كل صناعة؛ ولهذا نشأ بين ~~الاشتراكيين الرأي القائل ب «الاشتراكية البلدية» التي تقوم البلديات فيها بما يقوم ~~به الأفراد، مستقلة في ذلك عن الحكومة. # ولنلق نظرة الآن على الحياة الاجتماعية كما تخيلها بلامي، فنحن نجد في «طوباه» طائفة ~~كبيرة جدا من المتقاعدين الذين يعيشون عيشة الترفيه، ويجوبون آفاق العالم بفضل ~~المعاش الكبير الذي يتناولونه، أو يمارسون إحدى الصناعات التي يهوونها أو إحدى ~~الرياضات، وهنا يعنى بلامي عناية كبيرة بالرياضة؛ إذ يقول: «إذا كان الخبز أول حاجات ~~الحياة، فإن الرياضة هي الحاجة الثانية.» # ونجد طائفة كبيرة أخرى هي «جيش العمال» الذي يقضي فيه الفرد 24 عاما وهو مرغم على ~~العمل إرغاما إذا تهاون فيه عوقب، وهذا في اعتقادنا ركن متداع من بناء الهيئة ~~الاجتماعية عند بلامي، فإن المدة أطول من أن يتحملها إنسان بالرضى. # ولكل عائلة مسكنها، ولكنها في غنى عن الطبخ؛ لأن لكل طائفة أو جزء من حي من المدينة، ~~مطعم كبير فيه غرفة خاصة بكل عائلة، وفي المنزل أداة التليفون التي لا تستعمل للتخاطب ~~فقط، بل لسماع الأغاني؛ لأن لها بوقا يضخم الصوت ms37 فتقعد العائلة في ساعة معينة وتستمع ~~لخطب الوعاظ والساسة وأناشيد المغنين، وقد لمح بلامي شيئا من الراديو الذي يستعمل ~~الآن في كل مكان في أوروبا عندما خطر بباله هذا الخاطر. # | ثلاثة من الإنجليز # كلنا يعرف ذلك الشاعر الألماني الجسم الفرنسي الذهن «هنريخ هينه» كيف حكى عن نفسه أنه ~~بدأ بالتحمس للديمقراطية، واندفع للدفاع عنها، حتى إذا رأى أن الديمقراطية هي حكم ~~الدهماء أو العامة عاد فانكف عن دفاعه وتقلص في نفسه واعتاض من حماسته السابقة فتورا ~~أو خوفا. # ولقد كان القرن الماضي عصر ظهور الديمقراطيات، وهو أيضا عصر فشل هذه الديمقراطية، ~~فقد كان الظن أولا أنه إذا صار الحكم للأمة انتفى الاستبداد وزال الظلم، ولكن ظهر من ~~تجارب هذا القرن أن كثرة الأمة إذا استوفت تبعات الحكم لم تضطلع دائما بها؛ لهذا جنح ~~أبناء القرن العشرين إلى التفكير في إيجاد «آلهة» للحكم، ولن تنزل هذه الآلهة من ~~السماء، وإنما هي تستولد من الإنسان، على نحو ما حلم أفلاطون بإيجاد طبقة من الحكام ~~تقف نفسها على النظر في مصالح المدينة دون أن تحتاج إلى المبالاة بمصالحها، ودون أن ~~يكون لأفرادها عائلات أو عقارات تشغلهم. # وكما كان القرن الماضي عصر الجمهوريات، كان أيضا عصر ظهور نظرية التطور التي أخذت ~~منذ منتصفه تملك على العقول مسالك التفكير، وتصبغ النظريات والأحلام والترسيمات ~~العمرانية بصبغتها، وهذه النظرية تتلخص من الوجهة العمرانية في أنه يمكن أن يرتقي ~~الإنسان حتى يصير إلها، أو سبرمانا، كما ارتقى الإنسان في الماضي من حيوانات أدنى ~~منه، وهذه النظرية - من حيث عدد الداعين إليها، وإشراب النفوس بها - إنجليزية؛ ولذلك ~~ليس ما يدعو إلى أن نستغرب أن ثلاثة من كبار مفكري الإنجليز قد حلموا بإيجاد انتخاب ~~صناعي يؤدي إلى وجود طبقة راقية من الناس، ولا يكون رقيها مع ذلك رقيا في أحوال ~~الوسط الذي تعيش فيه هذه الطبقة، بل يكون في أجسامها وأذهانها. # هكذا حلم «شو»، ولكننا سنضطر إلى تركه؛ لأنه لم يؤلف طوبى كاملة، وإنما ألقى جزافا ~~عدة مقترحات، وهكذا حلم ms38 «ولز» # 1 # و«هدسون» # 2 # وكلاهما مشبع الذهن بنظرية التطور، فقد بدأ ولز حياته الأدبية بتأليف ~~كتاب عن تشريح الأدب، وهو الآن يؤلف عن الآلهة تخرج من جسم الإنسان نقية طاهرة من ~~أدران الحيوان، أما هدسون فقد استأنف حياة جديدة للأدب الإنجليزي بأن فتح له باب ~~الطبيعة على مصراعيه، فهو أديب من عشيرة الأدباء الجديدة التي ستكثر في المستقبل ~~ويتناول أدبها درس العلوم كأنها فن من فنون الأدب، بل كأنها الأدب كله؛ فهو يكتب لك ~~عن القط والأسد والغراب والجبال والأنهار والإنسان، وسائر ذلك الملكوت العظيم الذي ~~حرمنا منه أدباء العرب بتأليف الكلام استحسانا للجرس اللفظي، ولبريق الكنايات ~~والاستعارات. # ولكن قبل أن نصف «طوبى» كل من ولز وهدسون، يجب أن نلقي نظرة سريعة على طوبى أخرى من ~~الطوبيات التي تولدت من القرن التاسع عشر، نعني بها طوبى «موريس»؛ لأنها أشبه بالقرن ~~التاسع عشر منها بالقرن العشرين، وقد كان موريس اشتراكيا تمذهب بهذا المذهب لبواعث ~~فنية؛ فإنه وجد أن النظام الاقتصادي الحاضر - بما فيه من مزاحمة شديدة - يبعث الصانع ~~على أن يصنع أرذل المصنوعات وأسخفها لكي يروجها في السوق، وأن صاحب العمل يستغل عماله ~~إلى أقصى حد، فيعملون ساعات طويلة ويتناولون أجورا قليلة؛ ويعيشون لذلك أضنك عيشة ~~وأزراها. وكان هو نفسه سري الذوق عصامي النزعة يلبس القميص الحريري ويصنع التزاويق ~~المذهبة والحروف الملمعة لأغلفة الكتب، فكانت نزعته إلى الاشتراكية نزعة الرجل البار ~~الذي زكت نفسه وسخت حتى يريد أن يرى في مدينته ما يراه في بيته من جمال ولمعة وسرور، ~~ويجب أن يرى في سائر البشر ما يراه في نفسه من ثقافة وصحة، يلبسون ما يلبسه من حرير، ~~ويعيشون في رفاهية بل في ترف، ومثل هذه النزعة تهيئ الذهن لترسيم الرؤى الجميلة لولا ~~ما يشوب عقل الاشتراكي من القناعة بالاشتراكية والرضى بآلامها. # ويبدأ وليم موريس # 3 # حلمه بأن يصف طوباه بأنها جاءت عقب ثورات تطهرت فيها مما كان يلوث القرن ~~التاسع عشر، فهو يرى ناسا يجمعون النقود، كما تجمع التحف والعاديات لا ms39 للتعامل، ويرى ~~النساء في صحة وعافية يخالفن فيها نساء القرن الماضي اللواتي كانت تنطبع عليهن آثار ~~البطالة أو الجهد من ترهل أو نحول، والمعيشة ساذجة؛ لأن الناس قد استغنوا عن جميع ~~العروض التي كانوا يحتاجون إليها سابقا للمنافسة والمباهاة لا للحاجة الحقة. # وهم لذلك يعملون بلا كدح؛ لأن حاجاتهم قد قلت حتى صار القليل من العمل يكفي لسدادها، ~~وقد عادوا مع ميلهم إلى إتقان العمل إلى الصناعات اليدوية، وليس معنى هذا أنهم ~~استغنوا عن الآلات، ولكنهم عرفوا أن القماش المنسوج باليد على مهل خير من ذلك المنسوج ~~بالآلة؛ إذ هو أمتن وعليه من شخصية صانعه طابع خاص، وقل مثل ذلك في عدد كبير آخر من ~~الصناعات، ثم إن الصانع الذي يعمل سلعة ما بيديه، يشرع فيها من البداية، ويتم أجزاءها ~~قطعة بعد قطعة حتى تتم، يرى في عمله من اللذة ما ترى الأم في تربية ابنها، أو ما يرى ~~المؤلف في تأليف كتاب، أي إنه يشعر في نفسه بلذة الخالق للشيء الجديد، بخلاف ما نرى ~~في مصانعنا الكبرى الآن؛ حيث يختص عامل بجزء من العمل لا يتعداه، يصنعه مكرها، ولا ~~يقبل عليه إلا بمقدار ما يجذبه الأجر. # ثم إن السذاجة التي اقتضت الرجوع إلى الصناعات اليدوية، وإلى تقليل الحاجات قد اقتضت ~~أيضا إلغاء المدن الكبيرة والاستغناء عن المركبات والقاطرات العظيمة؛ لأن كل بلدة ~~تستنفذ مما تنتج كل ما تحتاج إليه، ولم يبق من أطلال لندن العظيمة سوى بناء البرلمان ~~الذي صار الآن مخزنا لروث البهائم، والعامل قليل العمل ولكنه يشتغل بوحي الفن، فهو ~~لا يصنع السلع للتجارة، ولكنه يتذوق ويجود فيها تجويد صاحب الفن الملهم، ونقول بعبارة ~~أخرى: إن «توماس مور» تخيل مثله الأعلى في رجال كلهم عالم أو باحث أو طالب علم، أما ~~«وليم موريس» فإنه تخيلهم رجال فن يقضون أكثر وقتهم في تجميل مدنهم، والتذوق في تشييد ~~منازلهم وصنع تماثيلهم وتحفهم. # وليس في هذه الهيئة الاجتماعية حكومة سياسية أو إدارية من أي نوع كانت، وليس هناك ~~قضاء، ولكن ms40 ليس معنى ذلك أنه ليس بين هؤلاء الناس من لا يغضب أو يحقد، ومن لا ينتهي ~~به الغضب والحقد إلى ارتكاب الجرائم، ففيهم من يفعل ذلك ولكنه لا يعاقب بل يترك ~~لضميره، وللعار الذي يلصق به أمام الرأي العام، الجرائم قليلة؛ لأن الخير وفير، ~~فإنجلترا كلها ليس فيها سوى نحو خمسة ملايين نفس بدلا من ثلاثين مليونا يسكنونها ~~الآن، وإذا قل السكان وكثرت الخيرات، انتفى شيء كثير من أسباب النزاع بين الناس، ~~وعندئذ لا يحتاجون إلى الاستباق إلى المصانع الكبرى والتزاحم على الأعمال كما يجري ~~بيننا الآن. # ويرى القارئ من هذه العجالة أن «موريس» يسرف في حسن الظن بالناس، وأن الشيوعية فيه ~~تغلب على الاشتراكية، فهو لا يبالي بإيجاد قواعد للنظام، ولا يفكر في الحكومة، وعنده ~~أن البلدة الصغيرة قادرة على إدارة جميع شئونها بنفسها، وإذا نحن فرضنا أن ذلك ممكن ~~ما دامت البلدة صغيرة لا يزيد سكانها عن ألف أو ألفي نفس، فهل يمكن أن يدوم هذا ~~العدد؟ كأن ليس بين النساء امرأة بلهاء تنسل كالأرانب بدون أن ترعى مصلحة الجماعة، أو ~~كأن ليس بين البشر أدواء وافدة تحتاج إلى نظام يكاد يشبه في قسوته الأحكام العرفية، ~~أو كأن ليس هناك نظام للتعليم أوفى من نظام آخر ويحتاج في تنفيذه إلى ما يشبه حكومة ~~صغيرة؟ # ولكن «موريس» رجل فن، يريد قبل كل شيء أن يرى الجمال والمتانة في المساكن والمصنوعات، ~~وقد رأى من انتشار الآلات والمصانع الكبرى في القرن التاسع عشر ما أفسد عليه هذين ~~الغرضين، فهو يكره القرن التاسع عشر بنزعته القوية إلى الاستفراد والمزاحمة، ويبغي ما ~~يقابل هذين المبدأين فيميل بطبعه إلى الشيوعية، ويفرط في ميله إليها، واستحسانه لها ~~بمقدار إفراط الناس في ذلك القرن في إكبار شأن الاستفراد. # ثم لننظر الآن إلى «هدسون»، ونحن في انتقالنا من موريس إلى هدسون نقفز قفزة كبيرة، ~~فإن موريس من الأرض، عادي التفكير، قد تكون اشتراكية روسيا الحاضرة بعد تحوير طفيف ~~شبيهة بحلمه، ولا بد أن كتابه يعد الآن فيها ms41 من الأناجيل المقدسة، أما هدسون فإنه في ~~السماء يتخطى بنا آلاف السنين، فالقرن التاسع عشر أقرب من أن يلتفت إليه موريس، ~~والاشتراكية أتفه من أن تشغله، فهو ينظر إلى تطور الإنسان من الحيوان في الماضي، ويود ~~أن يستولد من هذا الإنسان آلهة جديدة. # والوحدة الاجتماعية لهذه الرؤيا هي بيت قروي كبير مؤلف من عشرات الغرف؛ ولهذا البيت ~~تاريخه القديم وآدابه وفنونه، كأنه دولة صغيرة، وله أيضا شرائعه التي يتبعها سكانه ~~ويسهر على تنفيذها «أبو البيت» الأكبر وهو الذي يحكم بعزل أحد الأفراد مثلا لجريمة ~~ما. وحول هذا البيت مزرعته، وله كلابه وخيوله التي تطورت فصارت تتفاهم مع الإنسان ~~وتؤدي غرضه بأيسر إشارة، وهم يعيشون في هذا البيت كل منهم في غرفته، ولكنهم لا ~~يعرفون الزواج، وهم يقضون الشهوة الجنسية قضاء عقيما غير مثمر؛ لأن وظيفة الإثمار ~~خاصة بامرأة واحدة هي «يعسوب البيت» على نحوه ما نرى في كوارة النحل حيث تحتكر ~~الملكة، أو يعسوب النحل، وظيفة التناسل فيكون أبناء الجيل الجديد لها دون غيرها، فإذا ~~قرر أفراد البيت انتقاء «الأم» عمدوا إلى إحدى فتياتهم فيضعونها في مكتبة خاصة، حيث ~~تعرف من الأشياء والأسرار ما لا يجوز أن يقف عليه غيرها من السكان، ونحن نفهم بذلك أن ~~السكان يختارونها لصفات وسمات بارزة فيها لا ترى في غيرها، وأن الأسرار التي تعرفها ~~في المكتبة خاصة بقداسة وظيفة التناسل، وأنها يجب أن تنتقي أفضل الرجال ليكونوا آلهة ~~للجيل القادم، وأن الكتب التي تقرؤها تخبرها عن صفات الفضل والنبل التي يجب أن تتوافر ~~في الرجل حتى يحوز شرف الأبوة لأحد أفراد الجيل الآتي، وليس في هذه الكوارة الآدمية ~~من له حرمة هذه الأم؛ فهي تعيش بين إكرام الجميع لا مرد لكلمتها، وهي تقضي حياتها في ~~التناسل فتنجب للبيت نحو 30 أو 40 طفلا في حياتها، حتى إذا ماتت اختير غيرها لتأدية ~~عملها. وهكذا يسير البيت، أو هذه العائلة الكبيرة، جيلا بعد جيل؛ فتحذف منه الصفات ~~السيئة وتنتقي وتخلد الصفات الحسنة؛ لأن الأم قد درست ms42 موضوع التناسل والوراثة، وعرفت ~~أن واجبها أن ترفع بيتها درجة في سلم التطور، فكل من به نقص في الخيال أو الذكاء أو ~~الصحة أو الأخلاق لا يكون له حظ الأبوة، وإن كان له من النساء الأخريات ما يشبع فيهن ~~شهوة جسدية عقيمة، ونفهم من هذا النظام أن سكان البيت قد لا يزيدون عن 80 أو100 شخص، ~~ولكنهم دويلة صغيرة فيها من يختص بالعلوم أو الزراعة أو الفنون أو الصناعات ~~الأخرى. # وليس في هذا النظام ما يخالف الطبيعة البشرية كما يتوهم القارئ لأول وهلة، فإن ~~«العائلة» لا تزال موجودة بوجود الأم التي هي صلة القرابة بين جميع السكان، ثم إن ~~الأبناء لا يعرفون لهم أبا معينا؛ فالمنفعة الشخصية والأثرة الأبوية منتفية؛ وبذلك ~~ينتفي التنازع بين أفراد البيت، ثم إن الشهوة الجنسية غير مقيدة؛ لأن لجميع الأفراد ~~أن يتمتعوا بها بشرط ألا تعقب نسلا، وقد عرف الإنسان نوعا من الزواج يدعى «الضمد» ~~كان العرب يمارسونه في آسيا، حيث يتزوج ثلاثة أو أربعة من الرجال (يكونون في العادة ~~إخوة) امرأة واحدة وينسب الأولاد للأخ الأكبر. ~~••• # ولنلق الآن نظرة عاجلة على طوبى «ولز»، وهي أحدث الطوبيات إذ نشرت سنة 1906، ولسنا ~~ننسى طوبى أخرى أحدث منها عهدا وضعها «برنارد شو» في قالب درامة، ولكنها لهذا السبب ~~تستعصي على التخليص، و«ولز» كاتب طوبوي كثير الأخيلة والأحلام، لا يخلو كتاب له من ~~مثل أعلى ينشده ثم يتخيله، ثم يأخذ في تفصيله وبسط ما جل فيه وما دق كأنه يصف شيئا ~~محسوسا. # وهو يتخيل طوباه في عالم مثل عالمنا، ولكنه ليس منقسما أمما وطوائف تتنازع للتوسع ~~والاستعمار؛ إذ هو أمة واحدة لها حضارة واحدة تدير سككها الحديدية ويريدها إدارة عامة ~~وتجري عليها شرائع عامة؛ ولهذا العالم تاريخ يشبه تاريخ الأرض، ولكنه انتهى بثورة أو ~~ثورات أحدثت هذا النظام الجديد، ومحت الحدود بين الأقطار القديمة، والسكان يستعملون ~~الآلات إلى أقصى حد، وهم في فنونهم لا ينظرون للوراء، فلست تجد في المباني طرازا ~~ينحو قديما أو يومئ إلى حضارة بائدة، ms43 والأرض وسائر مصادر الثورة ملك شائع للجميع ~~تستغله الهيئات المحلية دون الأفراد، ومن أهم ما يتسم به سكان هذا العالم أن لكل فرد ~~سجلا يحتوي على اسمه ورقمه وطابع أصبعه وأسماء الأماكن التي تنقل فيها، والغرض من ~~هذا السجل درس أحوال الفرد وكفاياته في الحياة وفي الوراثة؛ لأنها تستعمل بعد ~~موته. # وينقسم الناس في هذا العالم أربع طبقات، وهم الطبقة العاملة الذين يتولون الإدارة ~~والحكم، والطبقة الشعرية وتتألف من رجال الذهن الذين يحترفون التفكير والتخيل، ثم ~~طبقة البلداء الذين يقومون بالأعمال الوضيعة، والرابعة هي طبقة المنحطين من مجرمين ~~ومدمنين ونحو ذلك. وهؤلاء يحذفون إلى جزيرة خاصة منفردة حيث يعيشون ويمارسون رذائلهم ~~كما تشتهي نفوسهم بعيدين عن سائر الناس، وهم إنما يبقون ويتناسلون بمقدار ما فيهم من ~~خير، وإلا فمصيرهم إلى الفناء؛ وذلك لأن الرذيلة إذا مورست قتلت صاحبها، فهي بالنسبة ~~للجماعة داء ودواء معا لأنها تنفي عنها صاحبها. # ولكن فوق هذه الطبقات الأربع طائفة أخرى تقوم بالتعليم والإصلاح وتحرس نظام العالم، ~~تشبه طبقة أفلاطون المؤلفة من الحكماء، وهذه الطائفة تدعى طائفة السامراء، والسامرائي ~~يختار بعد اختبار طويل تفحص فيه قواه العقلية والجسمية من شباب العالم الذي جاز ~~الخامسة والعشرين، فيفرض عليه نظام في اللباس والطعام والرياضة. وفي كل عام يخرج ~~السامرائي إلى الغابة، لا يحمل كتابا أو سلاحا أو قلما أو نقودا، وعليه أن يقتات ~~من الغابة ويتأمل في خلوتها وقد حرم جميع المتع الدنيوية، ثم يعود بعد ذلك إلى ~~الدنيا وقد اكتسب من الطبيعة متانة في الخلق وعافية في الجسم ونظرة أوسع لمصالح ~~العالم، وهؤلاء السامراء يسمع لكلامهم، وتنفذ إرادتهم، لا تخالفهم طبقة من الطبقات ~~الأربع، وهم أشبه شيء في نظامهم بطائفة اليسوعيين، فكما أن هؤلاء قد ضحوا بملاذ ~~الدنيا، وارتضوا النسك خدمة للمسيحية في عالمنا، فكذلك يدخل السامرائي في طائفة ~~مضحيا بكل شيء في العالم، يتفرغ لإصلاحه ودرس أمثل الوجوه التي ينبغي أن تسير عليها ~~إدارته، سواء أكانت في جامعة أو عائلة. # وليس في هذا المقترح شيء غريب؛ ms44 لأنه إذا كان في الدين من القوة ما يحث طائفة من الناس ~~على أن تقبل النسك والاعتكاف في دير قصي، تتعبد فيه ولا تفكر في ولد يخلفها ميراث أو ~~تعقبه له، فليس من الكثير على أبناء القرن العشرين أن تتألف بينهم «رهبانية» يكون ~~غرضها خدمة الإنسان بدلا من خدمة الآلهة. # | الحقيقة بنت الوهم # إذا كانت الحقيقة هي بنت البحث، فإن البحث هو أيضا ابن الوهم، نتوهم أولا ثم نبحث ~~ثم نتحقق، نحلم ببناء البيت ونتوهمه في مخيلتنا قائما مشيدا، ثم نبحث عن مواده ~~وأسبابه ثم نبنيه طبق توهمنا الأول، وما من ثورة أو انقلاب أو إصلاح توافرت أسبابها ~~لأمة ما إلا وكانت وهما يتوهمه قبلا أحد مفكريها. # والقضية لا تنعكس؛ فإن كثيرا من أوهام العلماء وأحلامهم ذهبت هباء؛ إما لأنها كانت ~~أضغاثا وركاما غير منسقة؛ وإما لأنها جاءت قبل أوانها، ولكننا لو عرضنا طائفة من ~~الانقلابات الحديثة لرأينا فيها أثر المثل العليا التي رآها الفلاسفة والمفكرون، وقد ~~يظن القارئ لفرط ما هو لاصق بالحقائق أن أثر هذه الأحلام ضعيف في مجتمعنا، والحقيقة ~~أنه كبير جدا، بل هو أكبر في بعض الحالات مما كان يجب أن يكون، فلو أن الشيوعيين في ~~روسيال مثلا لم يستسلموا كل الاستسلام لمن حلموا بالشيوعية مثل «باكونين» ~~و«كرويتكين» وغيرهما لعدلوا بنظامهم الذي أعقب الثورة عن كثير من نقائضه. # ثم ليس هناك شك في أن «عصبة الأمم» ليست إلا تحقيقا لحلم المسيحية في إيجاد السلام ~~في العالم، وقد حلم نيتشه ب «حكومة الولايات المتحدة الأوروبية»، ورأى ولز في طوباه ~~حكومة عالمية يخضع لها العالم كله. # واعتبر مثلا تلك الثورة الأمريكية التي انتهت بتأسيس الولايات المتحدة، أو تلك ~~الثورة الفرنسية التي انتهت بمحو الملوكية من فرنسا، تجد أنهما إنما جاءتا عقب أحلام ~~الفلاسفة في فرنسا وأمريكا عن الحرية والمساواة، وسائر هذه الأفكار التي لا يزال ~~الناس للآن يجدون في سبيل تحقيقها. # بل اعتبر التعليم العام والدعوة إليه، فقد دعا إليه كثير من الفلاسفة وهو لا يزال ~~للآن - على ms45 الرغم من انتشار المدارس - خيالا أكثر مما هو حقيقة، وهنا في مسألة ~~التعليم هذه يجب أن نقف لكي نرى شيئا من فعل الخيال في النفس وسيطرته على العقل، فإن ~~جميع من تخيلوا المثل العليا لم ينسوا أن يفكروا في التعليم وتعميمه، كما أن الذين ~~تشرفوا إلى عهد المساواة ورجوا تحقيقه لم ينسوا أن يذكروا أن المساواة في فرصة ~~التعليم هي أرقى ضروب المساواة وأعدلها، وكانت نتيجة ذلك أنه لم ينتصف القرن التاسع ~~عشر حتى كانت جميع الأمم الأوروبية قد رسخ في أذهان أبنائها وجوب تعميم التعليم، ولكن ~~فرقا بين خيال الفيلسوف ينضجه رأسه المثقف، وبين الحقيقة تتناولها أيدي المتوسطين من ~~الناس، فإن التعليم الآن على عمومته في أوروبا، ومجانيته، لا يزال صورة وقشرا أكثر ~~منه حقيقة ولبا؛ إذ هو في الواقع الراهن لا يزيد عن أن يكون لعبة أدواتها الورق ~~والقلم، فالصبيان يتعلمون شيئا من الجغرافية على الورق، وشيئا من التاريخ على ~~الورق، وحساب البيع والشراء على الورق، والرسم ينقل من الورق إلى الورق، والأشعار ~~تحفظ من الورق. # وفي جميع البيوت أو أكثرها تجد ورقا مضموما بعضه إلى بعض، يسمى الكتب، ندعي كلنا أن ~~فيها معلومات مفيدة، وقد نشأ من هذا التعليم أن كثر الورق حتى صرنا نقرأ عدة صحف من ~~ورق كل يوم، وصرنا نعتاض من التمثيل مثلا آخر ينقل من ورق أو ما يشبه الورق إلى ورق ~~أو ما يشبهه، ولكن أولئك الفلاسفة الذين تخيلوا التعليم العام لم يعتقدوا قط أن هذه ~~الثقافة الورقية هي نتيجة أحلامهم، وهم لو سألتهم: كيف يجب أن يعلم الرسم؟ لأجابوك ~~على الفور: في الحقل، وفي الغابات وفي الأسواق، وعند قطعان الغنم، وأمام بواسق ~~الأشجار، ولو أنت طلبت من ولز: كيف يجب أن نعلم الجغرافيا أو التاريخ؟ لأجابك على ~~الفور: وهل مثل هذا السؤال يسأل؟ وهل في العالم سبيل آخر إلى تعلمها غير السياحة؟ وهل ~~من العدل أن يموت إنسان في هذا العالم لم يعرف البحر أو الجبل، ما هما؟ # ولو أنت سألت ms46 أحد الكيميائيين العظام: كيف نعلم صبياننا وشبابنا الكيمياء؟ لما تردد ~~في الإجابة بأن ذلك لا يكون بلا بوتقة ونحو عشرين أو ثلاثين أداة أخرى، ولكن الساسة ~~الذين يديرون شئون الأمم بغير حق يجدون أن التعليم بهذه الطرق يكلف الأمة نفقات ~~طائلة؛ فهم لذلك يمسخون التعليم حتى يجعلوه جملة ألاعيب مملة تصنع بقلم وورق ومداد، ~~وهم يرون من السهل أن يقرأ الشاب في كتابه أن حيوان البحر هو كيت وكيت، تكتب له ~~أنواعه في قائمة كما تكتب في الفنادق، فيحفظها عن ظهر قلب؛ لأن هذا أيسر على رجل ~~السياسة من إيجاد سمكة كبيرة تكلف العالم نحو عشرة آلاف جنيه، ومن السهل أيضا أن ~~يحفظ التلميذ درسه عن النبات من الورق، وينقل رسومه بقلمه من ورق الكتاب إلى ورق ~~كناشته؛ لأن رجل السياسة الذي يدير حظوظ الأمم الآن بغير حق يجد أن تعليم التلميذ ~~حياة النبات من الحقل والغابة يكلف الأمة نفقات كبيرة يخشى إن هو طلبها من الأمة أن ~~تسقطه في الانتخاب؛ فهو لذلك يؤثر لعبة القلم والورق. # ولكن العلماء يعرفون أن التعليم الحقيقي هو أن يحتك الإنسان بالطبيعة ويلابسها، ويعرف ~~منها ما يريد أن يعرف مباشرة، وأنه خير للصبي أن تلسع أصبعه بالنار من أن يقال له: إن ~~النار تحرق، وأن يوما واحدا في الصحراء، يقضيه على رملها ويستنشق هواءها ويحس ظمأها ~~وتكتنفه بداوتها خير له من أن يقرأ آلاف الكتب عن علاقة البداوة بالحضارة وحياة ~~النبات والحيوان في الصحاري. # وليس من العدل أن نقول: إن كل التعليم يجري الآن بواسطة القلم والورق، والحق أنه لو ~~كان كذلك لما تقدم الطب ولا الهندسة، فلقد كان الطبيب العربي يقصر علمه في الأمراض ~~على ما تعلمه بالقلم والورق. وكان الخلفاء يمنعون الأطباء من التشريح؛ فبقي الطب لعبة ~~سخيفة في أيدي المشعوذين، وكان علم القرون الوسطى يجري على هذا النحو أيضا، فلما ~~كانت النهضة الأوروبية الحديثة أخذ العلماء في هجران علوم الورق ولجئوا إلى الطبيعة، ~~فصاروا يشرحون النبات والحيوان، ويجربون بأيديهم التجارب العلمية، ms47 ولكن هذا الهجران ~~لم يتم تماما، فإن معظم ثقافتنا الآن هي ثقافة الورق؛ وهي لذلك لا تقترن بأذهاننا ~~ذلك الاقتران الشرعي المنجب، بل هي تخالل أذهاننا مخاللة عقيمة، فلو أنا مثلا كنا ~~نعرف النبات بأقسامه وأنواعه - حية ومتحجرة - لأثمرت معرفتنا وأصبح كل منا أشبه شيء ~~بمكتشف أو مخترع في هذه المملكة العجيبة التي يصح أن يقال عنا فيها: إنا نسمع عنها ~~ولا نراها. # وما يقال عن التعليم يمكن أن يقال مثله عن سائر الأشياء التي حلم بها الفلاسفة فأخذنا ~~قشورها العامة وتركنا لبها، فإن المدن الحاضرة، وما فيها من نظام أكثره قائم على وفرة ~~مخترعات النقل، يرجع إلى أحلام الفلاسفة عن عصر الآلات التي تنبئوا به، ولكن هؤلاء ~~عندما كانوا يفكرون في اختراع الآلات، كانوا ينظرون منه إلى أن يوفروا على الناس ~~وقتهم كي يشغلوه فيما هو أزكى لنفوسهم وأدعى لراحتهم. ولكن عامة الأمم أخذت من اختراع ~~الآلات ذريعة لزيادة ثروة أصحاب المصنع، ولو كان في ذلك زيادة جهد العمال واشتغالهم ~~بالكفاح للمعاش. # | تطور الأحلام # قد يكون من القحة أن تخبر فتاة عن تأويل ما رأت فيما يرى النائم من أمير بهي الطلعة ~~وسيم القدقد حياها وحاول أن يقبل يديها أو فمها، فإن في التأويل الصحيح اتهاما ~~لعقلها الباطن، الذي ينطلق وقت النوم، ويفرج لشهوات الجسم ما قيد منها العقل وقت ~~الصحو. # والأحلام - سواء أكانت من رؤى اليقظة أم من رؤى النوم - دليل على شهوات أو رغبات لا ~~يحققها الوعي أو اليقظة التامة. # وقد يكون أسد للمؤرخ وأجدى عليه، إذا هو نصب نفسه لدرس تاريخ أمة ما، أن يعمد إلى ~~خرافاتها التي تتكشف فيها أحلامها، فيدرسها ويعرف منها تلك الشهوات والنوازع التي ~~كانت تعتلج بها نفوس أبنائها، فسرد تاريخ الفراعنة مثلا بما فيه من حروب وأسرى ~~وانتصارات ونحو ذلك، قد يكون أقل جدوى في معرفة تاريخ الأمة من تحليل قصة خرافية ~~واحدة كانت تتحدث بها العامة في سمرهم؛ لأن في هذه الأحدوثة تتجسم رغبات هؤلاء ~~العامة، وهي تمثل ما كانت ms48 تشتهيه نفوسهم، وهي أصدق في وصف أحوالهم من الأكاذيب التي ~~كان الفراعنة يكتبونها أحيانا عن أنفسهم قبل وفاتهم. # وقد كانت أول «طوبى» فكر فيها الإنسان من الطوبيات الخرافية التي دخلت في صلب الدين، ~~فإن المصري القديم مثلا، عندما وجد أن إصلاح الحال في الدنيا من المحال، وأن قوى ~~الاستبداد متألبة عليه، وأنه يسخر طول النهار فيكدح في وهج الشمس، أخذ يحلم بنعيم ~~يراه بعد الموت، فهو يكدح هنا ويتهضمه الولاة الظلمة ويصدمون فيه شهوات نفسه، وعلى ~~ذلك فهو يرى في نعيم الآخرة ميزانا منصوبا لمعاقبة هؤلاء الظلمة، ويرى الهناء ~~والراحة في ظلال الأشجار التي تتغلغل بينها جداول الماء، وهو في هذا الخيال الحلو لم ~~يختلف عن الجائع أو العطشان الذي لا يرى في نومه سوى الموائد مبسوطة، والشراب مصفى، ~~إلا من حيث إن حلمه قد صار حلم الأمة بأسرها، وخرجت رواية الفرد إلى رواية ~~المجموع. # ثم جاء الفيلسوف فرسم طوباه لهذا العالم، لا يعبأ بما بعد الموت ولا يبالي بمصير ~~الرمم، ولكن الفيلسوف من ذوي الأحلام الأرضية، لفرط اعتماده على الحقائق الملموسة، ~~عني بالمادة أكثر مما عني بالمبدأ، وبالوسيلة أكثر من الغاية؛ ولذلك كثيرا ما تتصفح ~~الحلم فتتساءل عندما تبلغ خاتمته: هل هذه هي السعادة والرقي، أو هل هذه ما نتعوض ~~منهما ... وهل نحن بإزاء الأصل أم بإزاء البدل؟ # ثم قد نتساءل أيضا: لماذا لم يتحقق حلم من هذه الأحلام مع مضي مئات السنين على ~~بعضها؟ # وهنا نرى ميزة الأديان على أحلام الفلاسفة ومن دونهم من المفكرين، فإن الدين قبل أن ~~يعد بطوبى العالم الآخر كان يطلب من الفرد أن يغير بالإيمان قلبه، وأن تتبدل نفسه ~~نفسا أخرى هي نفس المؤمن المرتاح إلى إيمانه الراضي به، بدلا من نفسه السابقة، نفس ~~الكافر الذي توسوس إليها الشكوك، وكان هذا الإيمان وحده كافيا لأن ييسر على المؤمن ~~كل تغيير يراه في طرق المعاش والاجتماع والزواج ونظام الحكومة وغير ذلك، ونقول بعبارة ~~أخرى: إن الدين كان يحاول تغيير المجتمع بعد أن يبلغ قلب ms49 الفرد فيغيره، بل يخلقه من ~~جديد. وكان لذلك ينجح في تحقيق غرضه؛ لأن أداة تحقيق هذا الغرض هو الفرد، فإذا لم يكن ~~هو قد تغير، فكيف نطلب منه أن يغير طرق مجتمعه ؟ # وهذا هو الفرق بين الأديان وبين أحلام الفلاسفة؛ فالأديان جعلت تبديل الوسط رهنا ~~بتبديل الفرد، فاستطاعت أن توجد هيئته الاجتماعية مسلمة أو مسيحية أو يهودية، ولكن ~~طوبيات الفلاسفة - وخاصة في القرن التاسع عشر - لم تبال بالفرد أقل مبالاة، وإنما ~~عنيت بالوسط. # ففي القرن التاسع عشر نجد صيحات إصلاحية عديدة أعلاها نبرة هي صيحة الإصلاح ~~الاقتصادي، ولكن منها أيضا ما كان يدعو إلى إصلاح الحكومة أو التربية أو نحو ذلك من ~~ملابسات الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، وكلها خالية من شرطين أساسيين لنجاح أية ~~دعاية: # الشرط الأول: # أن الغاية لم تكن واضحة، هل هي الصحة أو الجمال أو حسن الإدارة أو ~~كثرة المال، وهب أن هذه الأشياء كانت - هي أو بعضها - غاية ذوي ~~الأحلام من الفلاسفة، فهل كانت تؤدي إلى السعادة والرقي؟ # الشرط الثاني: # أنها كانت خلوا من إيجاد أية وسيلة لتغيير الفرد، فإن الأديان ~~غيرت قلوب الناس، وتمكنت بذلك من إنفاذ ما حسبته إصلاحا، ولكن ~~الطوبويين لم يغيروا شيئا من قلوب الناس تمهيدا لقبولهم ~~برامجهم. # وجمهور الناس في كل أمة ليسوا عامة فقط، بل أوباش، يميلون إلى القرد أكثر مما يميلون ~~إلى السبرمان؛ ومن هنا تلك السهولة التي يملك بها زمامهم خطيب مفوه أو طاغية ماكر أو ~~ولي أبله؛ لأن هؤلاء يخاطبون عواطفهم التي تستجيب إلى خطابهم، أما الفيلسوف الذي ~~يخاطب فيهم عقولهم فلا يجد فيهم ملبيا، والعواطف أقدح وأرسخ في طبيعتها من العقل، ~~وهي إذا طمت بنا طغت على العقل. # وعلى ذلك نقول: إن الطوبيات الأرضية لن يفلح أصحابها في تحقيقها ما لم يغيروا نفوس ~~الأفراد، وليس هذا بالشيء العظيم كما يتصور القارئ؛ فقد استطاع الدين أن يغير قلوبهم، ~~فلم لا تغير اليوجنية عقولهم بمنع البله والضعفاء من التناسل، حتى يرتقي الإنسان ~~جيلا بعد جيل، فيتمشى رقي ms50 الوسط مع رقي الإنسان نفسه؟ # وخلاصة فصلنا هذا أن الطوبيات قد تطورت ثلاثا: ~~(1) # طوبى العامة التي نراها في أحاديثهم القديمة والحديثة، وهي سلواهم ~~تكمل لهم ما نقصهم من حقائق الحياة. ~~(2) # طوبى الأديان ، وهي في الحقيقة طوبيان: واحدة في العالم الآخر، وهي ~~ترمي إلى تغيير نفس المؤمن بوعده بالمكافأة، فإذا تغيرت النفوس ~~وقبلت الإيمان لم تعارض في الطوبى الأرضية التي يرسمها الدين لنظام ~~الحياة على الأرض. ~~(3) # طوبى الفلاسفة: وهي لا يمكن تحقيقها ما لم يكن غرضها واحدا، وهو ~~السعادة والرقي، أو الحياة الطيبة التي تعمل لراحة الفرد وهنائه ~~وارتقاء الأجيال، وما لم تحارب البلاهة في الأمم بمنع البله ~~والمضعوفين من التناسل. # | نقد ومراجعة # كانت معارف الإنسان إلى ظهور «أرسطوطاليس» واحدة، كلها أدب، فلم يكن فاصل بين الأدب ~~والعلم؛ لأن الأديب وهو رجل الخيال كان أيضا عالما، وكان العالم وهو رجل الحقيقة ~~أديبا خياليا، فلما جاء أرسطوطاليس وشرع في تأليف «التاريخ الطبيعي» نزع فيه نزعة ~~علمية قائمة على الشرط والتجربة؛ فميز بذلك بين العلم والأدب، وظهرت بعده مدرسة ~~الإسكندرية، وكانت قيمة العلم فيها والعناية به أكبر من قيمة الأدب، وجاء العرب ولم ~~يكن أدبهم مما يغري النفس بالخيال؛ إذ كان عماده الألفاظ وما يلحق النفس من الطرب ~~لرنينها؛ فاندفعت منهم جماعة كبيرة نحو العلم التجريبي. # فلما كانت النهضة الأوروبية الحديثة عاد الأوروبيون إلى الإغريق القدماء، عن سبيل ~~العرب، فنزعوا نزعة علمية عن العرب ونزعة أخرى أدبية عن الإغريق، وبيان الفرق بين ~~العلم والأدب يحتاج إلى بعض التفصيل؛ فالعلم موضوعي والأدب ذاتي، والعلم يبحث قطعة من ~~المعدن، أو مرضا من الأمراض، أو نجما أو نباتا، وهو بعيد عنه لا ينظر لعلاقته به ~~ولا يبالي بمنفعة هذا البحث أو ضرره للإنسان، فقد يهتدي العالم في بحثه إلى سم من ~~أوحى السموم، فلا يدخل في بحثه أن هذا السم يمكن أن يستعمل في الحرب لقتل العدو، ~~ويمكن أن يكتشف عن سبيله سم آخر لقتل النوع البشري كله، وقد يهتدي إلى اختراع آله ~~فلا يبالي بعدد ms51 العمال الذين يستغنى عنهم باستعمال هذه الآلة؛ لأنه لا يعنى بعلاقة ~~العالم الذي يبحث فيه الإنسان، وإنما كل عنايته بالعلم نفسه، يبحث فيه وهو غريب عنه ~~بعيد عن منفعته أو ضرره، فإذا رأيت عالما يبحث في توفير الوقود، أو زيادة كفاية ~~الآلة في العمل، ألفيته مشغولا بهذه الأشياء دون أي اعتبار لتأثيرها في العامل ~~الواقف أمام هذه الآلة، وما ينشأ بينه وبين صاحب الآلة من العلاقة الجديدة لهذا الفرق ~~الجديد في الوقود أو العمل. # وهذا بخلاف الأديب، فإنه يبالي بالإنسان لا بالأشياء، فهو لا يمارس الأدب لذاته، كما ~~يمارس العالم العلم لذاته، وإنما هو يزاول أدبه لعلاقته بالإنسان؛ وهو بذلك خيالي ~~يبحث في الدين والأخلاق والشرائع، فالأدب بطبيعته إصلاحي موضوعه الإنسان، والعلم لا ~~يمكن أن يكون إصلاحيا أو إفساديا؛ لأن موضوعه الأشياء فقط، والأديب يعكس جميع ~~المعارف في ذهنه لكي يعرف منها أيها مفيد للإنسان فيزاوله، وأما ما لم يكن كذلك فلا ~~يفكر فيه ولا يكترث له، حتى العالم وهو يبحث في شيء إنساني، ينظر إليه كأنه «شيء» ~~مستقل عن الإنسان، فالألماس زينة المرأة «كربون»، والحمى ناشئة عن «مكروب». # وفي كلمة «سقراط» ما يدل على روح الأديب، فقد قال: «أنت تعرف أن الأشجار في الحقول لا ~~تعلمني شيئا، وإنما أنا أتعلم وأنتفع من الناس في السوق.» # ولكن جاء «أرسطوطاليس» فقسم المعارف قسمين: # المعارف الخارجية التي لا يمكن لجميع الناس أن يتناولوها، وهذه هي الأدب بفروعه، ~~وأساسه التجارب الإنسانية، ثم المعارف الداخلية وموضوعها الأشياء ودرسها وهي العلم، ~~والأولى هي معارف العامة، أما الثانية فهي معارف الخاصة. # ونحن للآن نجري على هذا التقسيم، فلأي فرد من العامة أن يتكلم أو يكتب ما شاء عن ~~الدين أو الأخلاق أو الشعر أو القصص أو العمران أو الاقتصاد، ولكن ليس له أن يكتب عن ~~الكيمياء أو الطب أو الهندسة. # وقد قلنا: إن النهضة الأوروبية الحديثة نزعت نزعة علمية، وهي لا تزال كذلك للآن، وليس ~~شك في أن كبار العلماء في كل وقت كانوا من كبار ms52 الأدباء؛ لأن الذهن الكبير يأبى أن ~~يرضى بأن يكون مخزنا تذخر فيه المعارف بلا غاية أو قصد، وإذا قلت: «الغاية في ~~العلم»، فقد قلبت العلم إلى أدب؛ لأنك عندئذ لا تكتفي بأن تقول: إن الألماس كربون، ~~بل تضطر أن تتساءل: هل هو جميل؟ وهل هو جدير بنفقة استنباطه؟ وهل من المصلحة ~~العمرانية أن تلبسه طبقة دون طبقة من الناس؟ ثم أيهما أجمل وأنفع لبني الإنسان: أن ~~يتجه نظرهم نحو جمال الوجه أو جمال الصنعة، أي: أن تكون الأصابع جميلة في ذاتها أو ~~مجملة بالألماس؟ # لذلك كان ولا يزال كبار الأدباء علماء، وكبار العلماء أدباء، وحسبنا أن نذكر ~~«أرسطوطاليس» الذي كان يؤلف عن أصول البلاغة والتاريخ الطبيعي، أو «دافنشي» الذي كان ~~يمارس ويخترع الطيارات، أو «جيته» الذي كان يشتغل بالتشريح وبتأليف القصص والشعر، ~~ولكن جمهور العلماء الآن طائفة خاصة بعيدة عن طائفة الأدباء، وهذا البعد بينهما ~~وانفصال الواحدة عن الأخرى، قد أثر أثره في الهيئة الاجتماعية التي نعيش فيها. # وذلك لأن الأدب بجميع فروعه لا يحيا ويزكو إلا إذا قام على أساس العلم، والعلم نفسه ~~معارف جوفاء لا غاية لها إلا إذا هضمها الأديب ومثلها في ذهنه؛ ومن هنا انفصل الأدب ~~والعلم كلاهما عن الحياة، فالأديب الآن - سواء أكان رجل دين أو تصوير أو قصص أو شعر ~~أو غير ذلك من فنون الأدب - يبحث مثلا عن السعادة المنزلية، وهو لا يدري شيئا عن ~~مادة البناء أو أنواع النبات الذي يستطرف للزينة أو هندسة التهوية الصحية أو تطهير ~~المدن أو غير ذلك مما يعرفه العالم ويختص به، ولكن العالم أيضا، وهو يعرف هذه ~~الأشياء، يجهل عنصر الجمال في المنزل؛ فيبنيه كأنه يبني سجنا أو مصنعا. # وخلاصة ما تقدم كله أن أحلام الفلاسفة يعتورها في جملتها نقص عظيم، وهي أنها نتاج ~~أفكار الأدباء أو أفكار العلماء، وقلما نجد أديبا عالما، مثل أفلاطون أو ولز أو ~~هدسون، يحاول أن يجمع بين الأدب والعلم في تخيل طوباه، والحقيقة أن الإنسان في زماننا ~~الحاضر يشق عليه ms53 أن يجمع بين الاثنين إلا إذا قنع من العلم بالتطرف من فروعه المختلفة ~~دون الإمعان فيها؛ وعلة ذلك أن العلم قد تقدم وصارت الإحاطة بأحد فروعه تستغرق الحياة ~~بأجمعها، فإما أن يطول العمر حتى يبلغ مائتي عام أو ثلاثمائة وإما نقنع بقليل الدرس ~~منه. # ولكن يجب أن نعرف أن تقدم العلوم - بحيث لا تتمشى مع الآداب - يؤذي الناس ولا ~~يفيدهم، فإذا عرف الناس مثلا علم الكيمياء، وما هي الغازات القاتلة التي تفنى منها ~~الجيوش أو المدن في ساعة، دون أن يكون لهم مع ذلك خيال راق أو عقيدة سامية، في مستقبل ~~الإنسان أو معنى مهذب للجمال كان عملهم بالكيمياء ضربا من أذى النفس الذي يجب أن ~~يحتاط الناس منه. # وحضارتنا الراهنة هي حضارة العلم المنفصل عن الأدب، أي: حضارة الصناعة القائمة على ~~إدمان الاختراع الآلي إلى أقصى حد. # ولكن الصناعات مهما أوتيت من رقي إن هي إلا وسيلة وسبب من وسائل الحياة وأسبابها؛ ~~ولذلك ما زلنا نحن على رقينا الصناعي الحاضر نتساءل: أينا أصح نظرا للحياة والسعادة ~~وتقدير الجمال والرقي، نحن أم المصريون القدماء أم الإغريق القدماء؟ # فإذا أردنا أن نشرع في تخيل أخيلة صحيحة يمكن تحقيقها، يجب قبل كل شيء أن نصل ما ~~افترق من العلم والأدب، ولا عبرة بتأخير الأدب في هذه الحالة، فإن تقدمه وحده لا ~~فائدة فيه، إنما يجب أن نذكر أن العلم إنما ارتقى وحده لانفصاله عن الحياة، أو بعبارة ~~أصح نقول: إنه ارتقى لأنه حين تجرد من العامل الشخصي وصار موضوعه الأشياء دون الناس، ~~انطلق من جميع القيود التي يضعها ذوو السلطان الحكومي أو المالي أو الديني على فنون ~~الأدب، كما هو الواقع الآن في معاملتهم للبحث الديني أو العمراني، فلن يرقى الأدب حتى ~~ينطلق هو أيضا من هذه القيود، بحيث يجوز عمل التجربة العمرانية كما تعمل التجربة ~~الكيميائية، ويجوز ابتكار العقيدة الدينية كما يجوز اختراع أية آلة للصناعة، فإذا ~~تخيل الأديب خياله ورسم طوباه، لم يكن ذلك لمجرد اللذة أو التسلية، وإنما هو ms54 يبنى على ~~قواعد العلم، بحيث يصير خياله عمليا تتيسر تجربته في مدينة أو قرية أو قطر. # ومعظم ما وضع من الطوبيات في القرن التاسع عشر عني فيه أكثر مما يجب بالنظام ~~الاقتصادي للأمة، وكان هذا طبيعيا للانقلاب الاقتصادي الكبير الذي حدث في القرن ~~الماضي بانتشار الآلات، ولكن النظام الاقتصادي ليس كل شيء. # وهو أيضا لا يمكن حله ما لم تحل إلى جانبه مسائل أخرى؛ لأن الاعتماد على حل مسائل ~~الحياة بتنظيم عمل الآلات هو حل علمي موضوعي ناقص؛ لأن الحياة تحتاج أيضا إلى حل ~~أدبي فيه الاعتبار الديني والثقافي والأخلاقي، ولن يكون ذلك حتى يكون الأديب عالما ~~أو العالم أديبا. # وبعبارة أخرى نقول: إن الأمة التي ترقى فيها مركبة كالأتومبيل مرة كل عام باختراع ~~أداة جديدة لا تعتبر أنها سائرة نحو الحضارة الصحيحة ما لم يرتق دينها وينقح على ~~الأقل مرة في العام أيضا. # والحضارة التي تعنى بمكتشفات العلم لن تكون حضارة صحيحة ما لم تعن بمكتشفات الأدب، ~~والأمة التي تجرب طريقة جديدة لمزج الأصباغ لن تكون حياتها صحيحة ما لم تجرب إلى ذلك ~~طريقة جديدة للمعيشة بين الأفراد، بحيث يساوي رقيها العمراني رقيها الصناعي. # | خيمي # مقدمة لطوبى مصرية ~~«الزمان نوع من المكان، فبدلا من أن أقول: منذ ألف سنة حدثت تلك الحادثة، يمكنني أن ~~أقول: إن تلك الحادثة حدثت في المكان الفلاني في الفضاء، في دورة الأرض الفلانية عند ~~حركة الشمس الفلانية ... لو كان تحقيق حركتي الأرض والشمس يمكن تعيينهما في مكان في ~~الفضاء، فأفهم عندئذ من هذا القول ما أفهمه من قولي: منذ ألف سنة حدثت تلك الحادثة، ~~بل يكون فهمي هنا أدق وإدراكي للحادثة أوضح.» # كنت أتلفظ بهذه الألفاظ بصوت أسمعه، كما هي عادتي عندما أريد أن أوضح لنفسي شيئا ~~غامضا؛ لأن اللفظة عندي هي أساس المعنى، وليس المعنى أساس اللفظ. # وأنا في هذا، أحاول أن أميز بين الزمان والمكان، وإذا بالنعاس يغلبني ويكاد يتطور إلى ~~نوم، ثم إذا بوعي العقل الظاهر ينقلب إلى أحلام العقل الباطن، ms55 ثم فترة من التردد بين ~~الصحو والغفو ثم النوم، ولكنه لم يكن نوما إلا في ظاهر الجسم، أما في باطن الأعصاب ~~والدماغ فقد كانت الأفكار تتأرجح، والخواطر تترادف وتتجمع، ثم تتشتت وتتبدد ، وبعد ~~برهة فقدت الشعور بزمانها (أو بمكانها) أحسست كأني أنحدر وئيدا إلى حيث ينقشع الظلام ~~وينبلج الضوء ثم استنشقت أنفاس الصباح، بل كرعت منها وعببت فيها، كأني لم أذق طعم ~~الهواء النقي منذ سنين، وهببت من فراشي وأنا أقول: «تأخرت! تأخرت» ولكني قعدت ثانيا ~~في الفراش عندما نظرت إلى ما حولي، فإن الغرفة لم تكن غرفتي، ولا الفراش فراشي، ونظرت ~~إلى الحائط فوجدت معلقا عليه نتيجة وبها هذه الأرقام 7 فبراير 3105. # وتأملت ما حولي فوجدت المرتبة والوسادة واللحاف كلها مصنوعة من الكاوتشوك المنفوخ، ~~والغرفة نظيفة ناصعة، فقلت في نفسي: «لا بد أني كنت مريضا وجاءوا بي إلى هذا ~~المستشفى اليهودي؛ إذ لا شك في أن هذه السنة يهودية تبتدئ من موسى، وموسى جاء قبل ~~المسيح بنحو 1300 سنة، هؤلاء اليهود لا ينسون تاريخهم، ولكني لا أعرف لماذا أحضروني ~~هنا، فإني لا أتذكر أني مرضت. # ثم نظرت إلى جسمي لأرى به علامة جرح أو كسر فلم أجده، فكددت ذاكرتي أبحث عن حادثة في ~~الماضي فلم أهتد، فقمت من الفراش وسرت نحو النافذة، ولكني لم أخط خطوتين حتى صكت ~~أذني صرخة، فالتفت إلى الوراء فرأيت فتاة تعدو وهي تقول: «النائم صحا! النائم ~~صحا!» # ولم تمض دقائق حتى سمعت المستشفى كله يردد هذه العبارة: «النائم صحا!» وبعد نحو ربع ~~ساعة سمعت الشارع كله يتجاوبها. فتحاملت إلى النافذة وأنا أكاد أقع من الضعف، وأطللت ~~فرأيت جموعا من الناس في هيئة غريبة يتصايحون: «النائم صحا! ها هو ذا ينظر! إنه ~~شاحب! قد لا يعيش؛ يجب أن يرد إلى الفراش، أين الممرضات والأطباء؟» وكان الآباء ~~يحملون الأطفال على أكتافهم لكي يروني من الزحام، وحلقت في الجو قريبا من النافذة ~~نحو خمسين طيارة صغيرة، ووقفت ينظر إلي ركابها. # وبينما أنا مشغول بهذا المنظر، وإذا بيد ms56 توضع على كتفي، فالتفت ووجدت رجلا نحيفا، ~~طويل الوجه ضخم الرأس، عليه ملامح البنات، يقول لي بصوت عذب: «هل لك أن تعود إلى ~~الفراش؟! أنت ما زلت ضعيفا.» # وكان في ألفاظه حلاوة وإغراء، فعدت إلى الفراش، واضطجعت، فقعد على كرسي بجانب سريري، ~~وأخذ يجس نبضي ويفحص لساني ويتحسس أجزاء في جسمي، ثم قال: «يبدو لي أنك قد عوفيت، ~~ولكن يحسن عقد مجلس من الأطباء للإقرار على شأنك.» # فقلت: «ماذا كانت علتي، ومتى يسمح لي بالعودة إلى البيت؟» فضحك ضحكة طويلة دون ~~القهقهة، وقال: «يظهر أنك تجهل كل شيء. لقد مضي عليك هنا 1180 سنة، إن حادثتك غريبة؛ ~~فقد أصبت سنة 1925 بفالج في الدماغ، فذهب عنك وعيك، وبقيت سائر أعضاء جسمك تعمل كما ~~لو كنت صاحيا، كنا نغذيك وأنت نائم حتى ذهب عنك الفالج فصحوت الآن، لقد نمت 1180 ~~سنة.» # ولكن هذا الكلام لم يجز إلى عقلي، ورأيت من العبث أن أجادل هذا الرجل، فتجاهلت كل ما ~~قاله وقلت بثبات وعزم: «أريد أن أرى عائلتي.» # فعاد إلى ضحكته التي تراءت لي هذه المرة أنها سخيفة جدا، وتبدت على وجهه عندئذ ~~ملامح الوغد الذي يتعلل لحبسي وإيهامي أوهاما كاذبة، فقلت وصوتي يتهدج بما يهيج في ~~نفسي من الغيظ: «إذا لم أذهب إلى عائلتي فأنا أقفز من هذه النافذة وأنتحر، وأنت ~~المسئول!» # فعلت وجهه حمرة الاضطراب، وقام يتلطف ويسري عني ويقول: «ستخرج قريبا بعد استفتاء ~~المجلس، لا تخش شيئا، كلنا يحب لك الخير والراحة، لا تخش شيئا، انظر قد حضر بعض ~~الأعضاء.» # فنظرت إلى الباب فإذا بخمسة أو ستة أشخاص يسيرون نحو غرفتي، وتأملتهم عندما دخلوا ~~فوجدت فيهم اثنتين من النساء، وأخذوا جميعهم يفحصونني، وأقروا على أن صحتي جيدة، ~~وأذنوا لي في الخروج بعد تناول الطعام. # فقدم لي طبق من فواكه مختلفة لا أعرف أسماءها، ولم يقدم لي شيء مطبوخ، فقلت: «هذا لا ~~يقيتني، أرجوكم أن تحضروا لي لحما وخبزا؛ فإني أشعر بالجوع الشديد.» # فلاطفني أحدهم وأخبرني بأن في هذه الفواكه ما ms57 يزيد على حاجة جسمي من الغذاء، وفيها ~~طعوم مختلفة حلوة وملحة، ثم رتبها لي فأكلت أولى الأثمار فكانت تشبه في طعمها اللحم، ~~ثم أكلت شيئا من الجوز، وكان يسيل دهنا، ثم تناولت ثمرة جميلة اللون ذكية الرائحة ~~قريبة في الطعم من الكمثرى، وأحسست بالشبع والري من هذا الطعام اللذيذ. # ثم انفض المجلس وبقي الشخص الأول، فقال لي: «والآن هل تريد أن تخرج إلى ~~المدينة؟» # فقلت: «أجل، هذا ما أريد.» فناولني سراويل ومعطفا لبستها وخرجت معه. # وما أشد ما كانت دهشتي عندما رأيتني في مدينة غريبة يتزاحم أهلها لرؤيتي، وكانوا كلهم ~~يشبهون رفيقي، طوال الأجسام ضخام الرءوس نحيفي الأبدان، لا يختلف الرجل عن المرأة إلا ~~في أن له شاربين دقيقين، أما اللحية فكنت أرى شعرات في مكانها أو لا أرى شيئا، وكانت ~~أفواههم صغيرة، وبعد أن اختلطت بهم عرفت أن ليس لهم أسنان في الفك الأسفل، أما أسنان ~~الفك الأعلى فلم يبق منها إلا أعجازها، وأخبرني هذا الشخص الذي كلف بمرافقتي عن ~~أشياء كثيرة خاصة بي وبالمدينة التي نسير فيها، فحكى لي أني عشت عيشة نباتية، وأنا ~~مسطح على فراشي دون أن أعي، وكيف أن هذه المعيشة كانت سببا في أن أعمر هذا العمر ~~الطويل؛ لأني صرت بمثابة الشجرة لا أجهد إلا أقل الجهد، وكيف ربت أموالي حتى صرت الآن ~~من أغنى الناس. ففي سنة 1925 كنت أملك 50 فدانا، ولم يكن ينفق علي بعد الفالج إلا ~~ريع عشرة فدادين، وما تبقى من الريع يتوافر باسمي، حتى إن أولادي لم يرثوا شيئا مني ~~لا هم ولا أحفادهم، وعلى الرغم من مقاضاتهم لي لم تستطع محكمة أن تقر على موتي؛ ~~فتراكمت أموالي بهذه الطريقة، ثم قص علي تاريخ مصر في الألف السنة الماضية، وكيف ~~حدثت فيها ثورات اشتراكية، وكيف أخفقت التجارب الأولى للحكومة ثم انتهت بالنظام ~~الحاضر، وأخذني في اليوم الأول لخروجي من المستشفى وأراني بعض مناظر مصر أيام كنت ~~أعيش فيها قبل أن أمرض، فعرض علي جملة أشرطة سينما فوتوغرافية، ورأيت ms58 بلادي كما كنت ~~أعرفها، ثم عرض علي أشرطة أخرى من المائة السنة التالية، ثم الثالثة، وهلم جرا، ~~إلى أن أبلغني مناظر «خيمي» أي: مصر في عصره. # وكان قد استقر في ذهني الآن أن ما رواه لي عن مرضي صحيح ، وقد كنت في حياتي السابقة ~~أعرف شيئا عن نظرية التطور، بل أدعو إلى الإيمان بها، فلم يكن من الصعب إذن أن ~~أستضيء بضوئها في الظروف الحاضرة، ولكن علمي بهذه النظرية أسقط كرامتي بعض الشيء، ~~فإني كنت أنظر إلى نفسي كأني متأخر عن هؤلاء الناس نحو 1200 سنة، وكأني بينهم بمثابة ~~إنسان متحجر حي، والحق أنهم كانوا ينظرون إلي - على الرغم من تأدبهم - هذه النظرة ~~المهينة؛ فقد كنت أرى عيونهم تثبت في وجهي، وتتفحص هيئة دماغي، وكان صبيانهم يتجرءون ~~أحيانا على لمس لحيتي، ويتعجبون من خشونتها كما كانوا يصرحون أحيانا أخرى بتعجبهم ~~من صغر رأسي. # وعدت عند الأصيل إلى غرفتي فوجدت ممرضتي التي قدت لي طعاما من الفاكهة أيضا، وأخذت ~~في الحديث معها، وكان قد غادرنا رفيقي، وشعرت ونحن في وحدتنا بالغرفة بشعور عائلي ~~بيني وبين هذه الفتاة، وقد عرفت منها أنها عنيت بتمريضي نحو ثلاثين سنة، وكان هذا ~~وحده كافيا لأن أدل عليها بحق الصحبة القديمة والعشرة الطويلة. ثم قصت علي حالي ~~أيام مرضي، ولم تكن القصة طويلة؛ إذ كانت تتلخص في أني كنت في سبات حال بعض الحيوانات ~~وقت تشتيها، حين تتحجر وتنام ثلاثة أو أربعة شهور لا تأكل فيها، ويقتصر نشاط ~~جسمها على التنفس مع دورة دموية بطيئة جدا، ولما رأى الأطباء أني سأموت لا محالة ~~إذا لم أتغذ صاروا يحقنون عروقي بمواد مغذية نحو مرة كل شهر تقريبا، فكانت الحقنة ~~تمسك رمقي، واتبع الأطباء هذه الطريقة معي وجعلوني أعجوبة الدهر، حتى قيل لي: إنه قد ~~ألفت كتب في حالتي هذه وتعليلها بجملة علل، وآخر ما ظنه بعضهم أني أختلف عن سائر ~~الناس في تركيب بعض الغدد الصماء، وقد ارتأى بعضهم تشريحي بعد موتي، ولكني أخلفت ظنهم ~~إذ صحوت. ms59 # وكانت الفتاة تخاطبي بصوت جميل فيه بحة مستملحة، وكانت طويلة، ضخمة الرأس، لا يكاد ~~يكون لها صدر يشبه صدور النساء البارزة، وكانت تلبس لبس بني عصرها، فالساقان ~~والذراعان والرأس عارية، والحذاء بلا جورب، وليس على جسمها من الملابس سوى قطعة من ~~نسيج واسع متخلخل أشبه شيء بالكاوتش يغطي ما بين العنق والساقين، وكان الرجال والنساء ~~سواء في ذلك، أما شعر الرأس فكان يرخى حتى يغطي الوجه والقفا. # وألفت هذه الفتاة التي عرفت أن اسمها «راديوم»، وشعرت منها كأنها قد ألفتني، وكان في ~~نظرتها لي شيء يحببها إلي؛ إذ لم أكن أرى في عينيها ذلك الاحتقار الذي كنت أراه في ~~سائر أهل «خيمي» عندما كانوا يتفرسون في هيئة رأسي وكونها دون رءوسهم في الحجم. وكانت ~~تشرح لي كل شيء خاص بأحوالهم ومعاشهم ونظامهم، وكنت كل يوم يزيد ارتباطي بها وتعويلي ~~عليها، حتى كنت أقف في جانبها كالطفل في جانب أمه. # وشرحت لي غذاءهم فوجدت أنهم لا يعرفون الطبخ ولا يذبحون الحيوان؛ لأنهم قد استنبتوا ~~من الأثمار فواكه مختلفة، منها ما ينفع غذاء، ومنها ما يستعمل دواء، وبعض غذائهم ~~كالنشا والسكر كانوا يستخرجونه من الجماد، أي: بالتركيب الكيماوي، وكانت الزراعة في ~~أيدي ناس خبراء، لكل منهم معمل يستولد فيه البذور الجديدة ويقايس فيه الأغذية ~~المختلفة مع طعومها الحلوة والمزيزة والملحة، ولم تكن عنايتهم بالأثمار من حيث الغذاء ~~فقط، فقد كانوا يلتفتون أيضا إلى الأرج واللون، بحيث لا يقعد الإنسان إلى طعام حتى ~~يرى ما يغذو العين والخياشيم كما يرى من الطعم ما يلذ اللسان. # وكانت مساكنهم في غاية العجب، وبعضها مؤلف من طبقات، يحتوي المسكن على نحو مائتي نفس ~~تقريبا من أولئك الناس الذين يميلون إلى الألفة والاجتماع، بينما كانت هناك منازل ~~منفردة بين الحقول يعيش فيها المغرمون بالعزلة أو المنكبون على درس موضوع خاص ~~يستغرق كل وقتهم ويصرفون إليه جميع قواهم. وكانت حياتهم تسهل على الإنسان الانفراد؛ ~~لأنه كان يجد في وحدته كل ملاذ الاجتماع؛ إذ كان يجد في غرفته جهازا ms60 للتليفون ~~الأثيري، فيسمع من الخطب والمحاضرات والأخبار ما يشاء ليلا أو نهارا، وكان إذا أراد ~~أن يخاطب صديقه، مثلت له صورته وسمع صوته وهو قاعد في غرفته لا يريم، ولم يكن بالمدن ~~ذلك الغبار أو الضوضاء الذي كنا نراه؛ لأن الشوارع كانت جميعها مغطاة بالخشب أو ~~الكاوتشوك، حتى الطرق الزراعية كانت كذلك تقوم على جوانبها المصابيح الكهربائية، فلم ~~تكن البيوت تحتاج إلى كنس وتنظيف لا ينقطعان، ثم كان أثاث المنازل يساعد على النظافة؛ ~~لأنه صار كله تقريبا من الكاوتشوك، وكانت الغرف تدفأ وتضاء كما كان بها أيضا مراوح ~~تدار باللاسلكي، وكان لكل فرد تقريبا أتومبيل خاص أو طيارة صغيرة، وكلاهما يدار ~~أيضا باللاسلكي. # ويمكن أن أقول: إن حياتهم كانت على وجه العموم انفرادية من الوجهة الحسية، ولكنهم ~~كانوا في انفرادهم أكثر اجتماعا منا من الوجهة المعنوية، فإني لم أعرف بينهم ~~إنسانا لم يسمع غناء كل يوم أو لم يشاهد درامة تمثل في مكان قد يبعد عنه بألف ميل، ~~أو لم يخاطب أصدقاءه النائين عنه في أقطار أخرى مرة كل أسبوع على الأقل، ويرى وجوههم ~~ويضاحكهم ويجادلهم، فلم يكن ثم ما يدعو إلى أن يعيش هؤلاء الناس معا، ثم كان ~~لكل منهم مركبة هوائية أو أرضية تنقله إلى حيث يشاء بأسرع من الريح. # ولكني مع إعجابي بهم لا أنكر أني امتعضت كثيرا عندما علمت أنهم لا يعرفون الحياة ~~العائلية كما كنا نفهمها. # ومما زاد امتعاضي أن وجدت «راديوم» في غاية الجهل وسوء العاطفة نحو هذه الحياة، فقد ~~كانت عواطفي توسوس إلي وساوس لذيذة عن حياة زوجية مع «راديوم» فأتمثلها معشوقتي ~~وزوجتي، تسكن إلي وأسكن إليها، في مسكن يكون عشنا نأوي إليه معا، ويكون لنا من ~~ثمرة الحب المتبادل صبيان روقة نتمتع برؤيتهم أطفالا ونشعر في تربيتهم بلذة ~~الأبوة. # ولم تكن «راديوم» - والحق يقال - تشذ عن بني جنسها في سوء العاطفة الغرامية؛ فإنهم ~~كانوا جميعا جامدين باردين، ينظرون بعقولهم أكثر مما كانوا يحسون بعواطفهم، ولا أذكر ~~أني رأيت أحدا منهم يغضب إلى ms61 الاحتداد أو يفرح إلى الطرب؛ فأقصى غضبهم امتعاض، وأقصى ~~فرحهم ابتسام أو ضحك لطيف، ولم يكن الزواج لديهم قائما على اعتبارات العشق، بل على ~~اعتبارات المعيشة والغاية والنسل، فإذا سمع أحدهم عن فتاة تبحث أبحاثه وتدرس ما يدرسه ~~تخابرا، وينتهي تخابرهما إلى ألفة؛ بحيث يعيشان معا في مسكن واحد، ولكنهما مع ذلك لا ~~يجوز لهما النسل إلا بعد شهادة من الحكومة بأنهما جديران بالنسل. # وكان النسل أخطر ما تعنى له حكومة «خيمي»، والحق أنني عندما أتأمل في أحوالهم أجد ~~أنها كلها تدور حول العناية بالنسل، فقد استقر في هؤلاء الناس أن الإنسان كان في ~~الزمن البعيد يشبه القرد، وأنه بالعناية والانتخاب يمكن أن يرقى إلى أن يكون حيوانا ~~راقيا جدا من حيث العواطف والعقل، ومما ساعدهم وشجعهم على هذا النظر أن الأشرطة ~~السينماتوفرافية التي حفظت لهم تاريخ ألف ومائتي عام قد وقفتهم على أحوال آبائهم ~~ودرجة رقيهم المنحطة، وكيف تدرجوا في الرقي إلى أن وصلوا إلى حالتهم؛ فلم يكن فيهم من ~~يستطيع التنطع بمجد الآباء؛ لأن هذا المجد كان يرى على لوحة السينماتوغراف فترى ~~عندئذ الوجوه الدميمة والغبار المتطاير والشوارع القذرة والرءوس الصغيرة، وأذكر أني ~~تصببت عرقا من الخجل عندما رأيت شريطا خاصا بأحد الموالد، كانت إحدى الشركات قد ~~أخذت صوره سنة 1924 من القاهرة، وتعجبت! كيف كنا نعيش في ذلك الوسط القذر؟ # وكان عندما يولد غلام جديد تحضر للمنزل لجنة من العلماء، فتفحص جسمه، فإن ألفته يليق ~~للحياة، وإلا قتلته في المكان، ولم يكن الأبوان يغضبان من ذلك، وكنت أسمع منهم أن ~~أكبر ما يقتل لأجله الأطفال هو «الردة» أي: أنهم يرتدون إلى أصلهم فيخرجون برءوس ~~صغيرة. # وقد تحادثت مع «راديوم» كثيرا عن هذا الموضوع، فوجدتها لا تستفظع قتل الأطفال، ~~وأجابتني بلهجة باردة جدا بأنهم لا يحسون بالموت أكثر من أي حيوان آخر، وأن مصلحة ~~الأمة والأجيال القادمة تقتضي ذلك، أما طريقتهم في التربية فكانت في نظري أفضل ما ~~عندهم، فقد كان الطفل يبقى مع أبويه نحو ست سنوات، ms62 ثم يؤخذ بعدها إلى المدارس حيث ~~يعلم تعليما عمليا لذيذا، فكانت الجغرافيا والتاريخ، وأيضا التاريخ الطبيعي، ~~تعلم بالسينماتوغراف، فكان الصبي الذي لم يتجاوز العاشرة يعرف هذه الأشياء من المعارف ~~الصحيحة أكثر مما يعرفه طالب قد بلغ الثلاثين في مدارسنا القديمة. وكانت المدرسة ~~عبارة عن ورشة ومكتبة يتنقل بينهما الطالب، وكان يمتحن امتحانين: أحدهما امتحان حضارة ~~خاص بنظام الحكومة وتركيب الآلات المختلفة والزراعة والكيمياء ونحو ذلك مما تقوم به ~~الحضارة، والآخر امتحان ثقافة حيث يدرس تاريخ الأمم والإنسان القديم والفلسفات ~~المختلفة التي نبتت من أذهان الناس من العصور البعيدة والأديان والآداب ونحو ذلك. ~~وكان الطالب لا يترك المدرسة عادة قبل الأربعين، ولم تكن هذه المدة طويلة إذا اعتبرت ~~أن أهل خيمي كانوا يعمرون إلى نحو مائة وخمسين سنة، وكانت السياحات البعيدة إلى ثلوج ~~القطب الجنوبي، أو إلى بوادي الصحراء، أو إلى الجبال الشامخة - من ضروب التربية التي ~~يترباها الشاب، فكان الشاب لا يخرج من المدرسة إلا وقد رأى العالم كله ~~تقريبا. # أما نظام الأعمال والتكسب، فإنه يشبه ما كنا نسمع عنه من الداعين للاشتراكية في ~~زماننا، فقد كانت خيمي مقسمة إلى ضياع بها دساكر، يتبع كل دسكرة نحو ألف فدان، وبها ~~مصنع، وكانت الزراعة كما نفهمها الآن قليلة؛ لأنه لم يكن يحرث من هذه الألف سوى نحو ~~خمسين أو ستين فدانا لزراعة النباتات الغريبة السنوية، أما سائر الأرض فكانت مغطاة ~~بالأشجار المعمرة، يؤخذ منها الطعام واللباس والوقود. ولم يكن الري من النيل كما كان ~~في عهدنا؛ لأن هذا النهر كان قد جف تقريبا؛ لأن أهل خيمي صاروا يزمون السحاب بأزمة ~~علمهم، يرتفعون فوقه بالطيارات ويطلقون عليه من المواد الكيميائية ما يجعله يتكاثف ~~ويقع مطرا في أي جهة أرادوا وفي أي وقت شاءوا، أما مصانع الدسكرة فكانت تصنع كل شيء ~~تقريبا بحيث إن كل دسكرة كانت مستقلة في معاشها عن الأخرى، إلا في أشياء قليلة ~~تبادلها وغيرها، وكان أهل النقابة أشبه شيء بشركة تعاون، ولم يكن يحتاج أحدهم إلى ~~العمل لمعايشه أكثر ms63 من ساعة في اليوم، وسائر نهاره وليله يقضيه في المتع الذهنية ~~المختلفة وفي متابعة أبحاثه العلمية؛ إذ قلما كان يخلو فرد من أبحاث علمية يملأ بها ~~فراغة سواء في ذلك الرجال أو النساء. # وكانت حكومة «خيمي» مؤلفة من خمس هيئات: الهيئة التشريعية، والهيئة القضائية، والهيئة ~~الصحافية، والهيئة الدينية، ثم أخيرا الهيئة التنفيذية، فأما الهيئة التشريعية فلم ~~تكن منتدبة من أفراد ينتخبونها كما كنا نعهد في زماننا، بل كانت تنتخبها النقابات ~~المختلفة، فلنقابة الأطباء مثلا 10 أعضاء ولنقابة البيولوجيين، أي: علماء الحياة 10 ~~آخرون، ولنقابة علماء الزراعة 10، ولنقابة التجاريين 10 وهلم جرا ... حتى يتألف من ~~ذلك مجلس به نحو 500 عضو؛ هو السلطة العليا للتشريع. # وأما الهيئة القضائية فكانت أقل الهيئات ظهورا في الأمة، لقلة عدد المتقاضين، وكان ~~القضاة ينتخبون عادة من طبقة رجال العمران والبيولوجية للفصل في من يجب قتله من الناس ~~أو منعه من التناسل، ولم يكن ثم عقاب آخر. # أما الهيئة الصحافية فكانت مؤلفة في الحقيقة من عدة هيئات. فإحداها مثلا تشتغل ~~بإصدار صحيفة يومية، إما لاسلكية وإما مطبوعة عن الكيمياء، وأخرى تصدر صحيفة أخرى عن ~~الأدب، وأخرى عن الطب، وهلم جرا، وكانت الجامعات من الهيئات الخاصة بإصدار الصحف، ~~ولم يكن نظام الجامعات عندهم يختلف عما كان عندنا. # أما الهيئات الدينية فكانت مؤلفة من نقابة عامة من الفلاسفة، ولم يكن يقبل فيها أحد ~~دون السبعين، وكان رأيها هو الأعلى في تقرير ما يؤثر في ذوق الأمة ومزاجها وقصدها؛ ~~فكانت تعين طريقة تدريس التاريخ وتقرر بناء التماثيل لبعض مشاهير التاريخ أو هدمها، ~~وتقيم التماثيل الخاصة بالجمال أو بالكفايات الإنسانية الأخرى في الميادين. # وكذلك الحال في الموسيقى والتصوير والرقص، تأمر وتنهى فيها كلها؛ لأن أهل «خيمي» ~~يعتقدون أن ديانة الإنسان أحرى بأن تتكون من هذه الأشياء، من أن تتكون من العقائد ~~المحفوظة عن ظهر قلب كما كنا نفعل في أيامنا، ولأهل «خيمي» معابد يتعبدون فيها على ~~انفراد، وعلى عكس ما كنا نفعل. والمعبد عبارة عن بناء مستطيل كبير، على كل ms64 جدار من ~~جدرانه الأربعة صور تمثل بزوغ الحي الأول وتطوره إلى الإنسان، ثم ما تخيله هؤلاء ~~الفلاسفة وتنبئوا به عن مستقبل الإنسان في صور أخرى تمثله ضخم الرأس كبير العينين ~~شريف الطلعة دقيق الأطراف والأنامل، وفي جدار آخر صور أخرى تمثل ارتقاء الصناعة من ~~عهد الإنسان الحجري إلى زمن أهل «خيمي» وفي جدران أخرى صورة عجيبة لمركز الأرض في هذا ~~الكون ونسبته إليه وفوق الأرض إنسان يتأمل مركزه في هذا الفضاء الواسع. وفي الجدار ~~الرابع صور الفلاسفة والأنبياء العظام، وعلى شفتي كل منهم كلمة بارعة أثرت عنه ~~وصار لها أثر في التاريخ، والخيمي إنما يذهب إلى المعبد ليتبين قصده في الحياة، إذا ~~أحس بسأم أو ضلال، فيقعد هناك منفردا يحاول أن يتصل بالكون وأن يعرف مركزه ومهمته ~~فيه، فيرتاح قلبه ويهدأ ضميره، وإذا استمر به السأم قصد إلى أحد رجال الهيئة الدينية ~~فيدرسه ويعنى به، ويفتح له أبوابا ينشط بها نفسه. # أما الهيئة التنفيذية فكانت مؤلفة من موظفي الحكومة المحليين والعموميين وعليهم إنفاذ ~~أوامر سائر الهيئات. # وتتلخص حياة الفرد في أنه يبقى مع أبويه نحو ست سنوات، ثم يذهب إلى الجامعة ولا ~~يبرحها حتى الأربعين تقريبا، وهو في تلك المدة يرى أبويه ويعايشهما، ثم يخرج فيشتغل ~~في إحدى الصناعات اليدوية وينتمي إلى نقابتها، وعندئذ يصير فردا ذا رأي في مصير ~~الأمة؛ لأنه ينتخب عن سبيلها النواب في الهيئة التشريعية والقضاة وأحيانا الصحافيين، ~~ونقابته عبارة عن شركة تعاون أيضا. # فإذا دارت السنة عمل حساب الشركة، ما باعت من حاصلات الدسكرة الزراعية الصناعية وما ~~اشترته، ثم توزع الأرباح على الأفراد كل بنسبة عمله، والجزاء يستوي تقريبا بين ~~جميع الأعضاء؛ لأن المال انحطت قيمته عند أهل «خيمي»، ولكن هناك أفراد لهم نزعات ~~خاصة، يهوون مثلا امتلاك بيت صغير يزينونه بما شاءوا من التحف، فهؤلاء يشتغلون أكثر ~~من غيرهم لكي يتوافر لديهم من المال ما يقتنون به ما يشتهون من هذه التحف، ونقابة ~~الدسكرة لا تمانع في ذلك بل تشجع عليه؛ لأن مال هذه ms65 الممتلكات يئول إليها بعد وفاة ~~أصحابها؛ إذ إن مبدأ الإرث كان قد ألغي منذ زمان بعيد، ومعظم ما ينفق الخيمي ماله ~~عليه هو الطعام والأتومبيل والطيارة (ولكل منهما عداد وهما يسيران باللاسلكي)، أما ~~المسكن فيعطى لكل فرد بالمجان. وكذلك الماء والنور والحرارة، وللنقابة مخازن يباع ~~فيها الطعام واللباس بأبخس الأثمان. # وأهل «خيمي» لا يبالون بكثرة النسل، بل بجودته، فقد كانت مصر في سنة 1925 نحو 15 ~~مليونا، أما في سنة 3105 فإنهم نزلوا إلى نحو 10 ملايين فقط، ولكن ليس فيهم واحد ~~يجهل الفلسفة أو مقدارا كبيرا من العلوم الأخرى، وقلما يموت أحد منهم دون أن يكون ~~قد ساح إلى القطب وعاد منه؛ وذلك لأنهم وجدوا أن العبرة بالأشخاص كيف هم وليس كم ~~هم. ~~••• # كان ابن عربي الأندلسي يقول: «لا ينبغي للعبد (يعني للإنسان) أن يستعمل همته في ~~الحضور في مناماته، بحيث يكون حاكما على خياله، يصرفه بعقله نوما كما كان يحكم عليه ~~يقظة ...» # وبعبارة أخرى ... إن ما نشتهيه في اليقظة نراه في النوم، فلا تهزأ - بعد ذلك - ~~بالأحلام. ms66