######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.AshharKhutabWaMashahirKhutaba.Hindawi24069693 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 24069693 #META# Title: أشهَر الخطب ومشاهير الخطباء #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - عيون الخطب العربية‏ # 2 - عيون الخطب الإفرنجية‏ # 1 - عيون الخطب العربية‏ # 2 - عيون الخطب الإفرنجية‏ # | أشهر الخطب ومشاهير الخطباء # | أشهر الخطب ومشاهير الخطباء # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # بقلم سلامة موسى # ربما كانت الخطابة أقدم الفنون الأدبية، فالهمج والمتمدينون سواء في الحاجة إلى الخطيب ~~يناشد فيهم حميتهم ووطنيتهم لذود العدو الجائح أو للغارة على جار مستضعف أو لاسترداد حق ~~مسلوب أو اغتصاب ملك جديد. # والخطيب الملهم يخاطب العواطف وقل أن يأبه للعقل؛ لأن الناس إذا اجتمعوا شملهم إدراك ~~آخر غير إدراكهم الشخصي، فهم يفكرون أو بالأحرى يحسون جماعة، فينزلون عندئذ من سماء العقل ~~والمنطق إلى حضيض العواطف والشعور فتحركهم اللفظة المبهرجة وتستفزهم المعاني التافهة ~~المنمقة. وهذا هو السبب في أن الأقدمين لا يقلون عنا شأوا في الخطابة وفي أن أحسن الخطب ~~عند الاستماع وسط الحشد يفقد شيئا كبيرا من تأثيره وفعله في النفس إذا قرأه قارئ على ~~انفراد. وذلك لما أشرنا إليه من أن الناس إذا اجتمعوا تغلبت عواطفهم على عقولهم وشمل نفوسهم ~~شيء من التقزز يستثير فيهم الحزن أو السرور أو الحماسة لشئون لا يتحرك منها العقل. ولعل هذا ~~هو السبب الذي جعل المؤرخ الإنجليزي فرود يسمي الخطابة بغي الفنون. # لهذا كانت عيون الخطب التي حفظها التاريخ قليلة معدودة؛ لأن الخطبة ينطق بها الخطيب أمام ~~الحشد ويعيرها فيضا من شخصيته من حيث انطلاق اللسان ورشاقة الحركة وجهارة الصوت تفقد هذه ~~الميزات إذا عرض لها المؤرخ وهو منفرد جالس في هدوء مكتبته؛ لأنه وهو في هذه الحال يسلط ~~عقله على إنشاء لم يقصد به مواجهة العقل فيرى بهرجا ما كان يظنه المجتمعون وهم في نشوة ~~عواطفهم جوهرا خالصا. # وقد جمعنا في هذا المجلد غرر الخطب وعيونها التي رضيها المؤرخون واحتملت تمحيصهم فدونوها ~~وأبقوا عليها. وقد قسمناه جزأين؛ الأول: يحتوي على خطب العرب، والثاني: يحتوي على خطب ~~الأوروبيين قديمهم وحديثهم. ومهدنا لكل خطبة بترجمة مختصرة عن الخطيب الذي فاه بها. # ولا بد لنا من الإشارة إلى أننا أوردنا هذه الخطب بنصوصها ms001 الأصلية ونحن نعرف ما في بعضها ~~من المخالفة لروح العصر الحاضر وإنما أثبتناها لقيمتها التاريخية. # الفصل الأول # | عيون الخطب العربية # (1) نبذة في تاريخ الخطابة العربية # ليس يؤثر عن العرب في الجاهلية سوى خطب الكهان. ولا شك أن الخطابة كانت فنا معروفا ~~في ذلك الوقت يمارسها الرؤساء وذوو الرأي في القبائل للاستنفار والمناشدة. ولكن آداب ~~الجاهلية من شعر وخطابة عفى آثارها الإسلام لما كانت تحويه من إشارات وثنية ونخوة ~~جاهلية، والإسلام يكره الاثنتين لتعصبه للتوحيد ولرغبته في المساواة بين المسلمين. ثم ~~كان الإسلام فخطب النبي كما خطب الخلفاء الراشدون، وصارت «خطبة الجمعة» سنة وركنا من ~~أركان الدين. وكانت الخطب في هذا الدور دينية محضة إلا ما كان ينطق به القواد أمثال ~~خالد بن الوليد في ميادين القتال للحض على منازلة الأعداء. # ثم جاءت الدولة الأموية فظهرت الخطب السياسية وصار للخطابة شأن وفن يمارس. ولعل ~~القارئ يدرك خطر الخطابة في ذلك الوقت من اهتمام جميع المؤرخين بما فعله الوليد بن عبد ~~الملك إذ كان يخطب وهو قاعد. # أما في الدولة العباسية - وهي في اعتقادنا سبب انحطاط شأن العرب لنزوع الخلفاء نزعة ~~دينية محضة - فإن الخطابة فقدت في عصرها صفة الارتجال وملاءمة الخطبة للظرف المحيط ~~بالخطيب. وصارت الخطب تنسخ نسخا وتحفظ حفظا، فيفيض سجعها غثاثة ويشبه أولها آخرها في ~~قلة المعنى واتساق النباهة. # ثم اجتاح المغول الدول العربية ومحوها من الوجود إلا صورة أبقوها في الخلافة العباسية، ~~وما كان أغناهم عن ذلك لأن الخلفاء العباسيين كانوا أنفسهم من حيث الدم مغولا في ذلك ~~الوقت. # وحكم المغول من كرد وترك وأفغان وسائر الآسيويين الذين تسلطوا على البلاد العربية لم ~~يتقلص ظله في الواقع إلا منذ نحو مائة سنة حين نهض العرب في مصر وسوريا. وكانت مصر هي ~~البادئة المتبوعة فظهر فيها خطباء، وكان أول ظهورهم في الثورة العرابية. # رأي أديب عربي في الخطابة # كان إبراهيم بن جبلة يعلم فتيان العرب الخطابة فمر به بشر بن المعتمد فوقف يستمع، ~~فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد. ms002 فقال بشر: «اضربوا عما قال صفحا، واطووا عنه ~~كشحا!» ثم دفع إليهم صحيفة من تنميقه وتحبيره يصح أن نعتبر ما جاء فيها أساسا لما ~~جرى عليه بعض العرب في تأليف الخطب. # قال بشر في هذه الصحيفة: «خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن ~~نفسك تلك الساعة أكرم جوهرا وأشرف حسبا وأحسن في الاستماع وأحلى في الصدور وأسلم ~~من فاحش الخطأ. وأجلب لكل عين من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما ~~يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة، والمجاهدة بالتكليف والمعاودة، ومهما أخطأك لم ~~يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، كما خرج من ينبوعه ونجم من ~~معدنه. وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ~~ويشين ألفاظك. ومن أذاع معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإن حق المعنى الشريف ~~اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يفسدهما ويهجنهما وعما تعود من أجله إلى أن ~~تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. فكن ~~في ثلاثة منازل: # فأول ذلك أن يكون لفظك رشيقا عذبا أو فخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا ~~مكشوفا وقريبا معروفا. إما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت وإما عند ~~العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يتضح أن يكون من معاني العامة، ~~وإنما مدار الأمر على الشرف مع الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما ~~يجب لكل مقام من المقال. وكذلك اللفظ العامي والخاصي. فإن أمكنك أن تبلغ من ~~بيان لسانك وبلاغة لفظك ولطف مداخلك وقدرك في نفسك على أن تفهم العامة ~~معاني الخاصة وتكسوها الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف على الدهماء ولا تجفو ~~عن الأكفاء فأنت البليغ التام.» # وقد عاش بشر في أيام الرشيد وكانت وفاته في سنة 183ه (800م) وكان معتزلي المذهب ~~وانفرد بمسائل فصار رئيس طائفة يقال لها البشرية. ~~(2) خطبة لقس بن ساعدة # كان قس خطيبا في جاهلية العرب وأدركه النبي فقال فيه: «يرحم الله قسا إني لأرجو يوم ms003 ~~القيامة أن يبعث أمة وحده.» وينسب إليه أنه أول من قال: «أما بعد.» خطب في سوق عكاظ فقال: # أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج ~~ونهار ساج وسماء ذات أبراج. ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، ~~وأنهار مجراه. إن في السماء لخبرا. وإن في الأرض لعبرا. ما بال الناس يذهبون ~~ولا يرجعون؟! أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسما لا إثم فيه، ~~إن لله دينا هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه. إنكم لتأتون من الأمر ~~منكرا. # في الذاهبين الأولين # من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا # للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها # تمضي الأكابر والأصاغر # لا يرجع الماضي إلي # ولا من الباقين غابر # أيقنت أني لا محا # لة حيث صار القوم صائر ~~(3) خطبة للنبي # قال الإسكندري: «كان رسول الله ليس بالطويل ولا بالقصير، ضخم الرأس كث اللحية، عظيم ~~الكفين والقدمين ومفاصل العظام. أبيض مشربا بحمرة، أدعج العينين سبط الشعر، سهل الخدين ~~أقنى الأنف أشمه. في مقدم لحيته ومفرق رأسه شعرات بيض. وكان أرجح الناس عقلا وأفضلهم ~~رأيا، قليل المزاح واللغو، مطيل الصمت دائم البشر منتقدا لأصحابه متواضعا. يخصف نعله ~~ويرقع ثوبه. وخرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير زهدا فيها.» قال في خطبة: # أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم. وإن لكم نهاية فانتهوا إلى ~~نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه. ~~وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن ~~دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت. فوالذي نفس محمد ~~بيده ما بعد الموت من مستعتب. ~~(4) خطبة لأبي بكر # كان أبو بكر أول الخلفاء الراشدين وقد ولي الخلافة من سنة 632 إلى 634م وعندما بويع ~~بالخلافة فاه بالخطبة التالية: # أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم. والضعيف فيكم قوي عندي ms004 حتى آخذ ~~الحق له، والقوي منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه. لا يدع أحد منكم الجهاد في ~~سبيل الله؛ فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم ~~إلا عمهم الله بالبلاء. وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني وإن ~~زغت فقوموني. وإنكم تردون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه. فإن استطعتم ألا ~~يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا. وإن الله لا يقبل من الأعمال ~~إلا ما أريد به وجهه. فأريدوه بأعمالكم. وإن ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة ~~أتيتموها ... وضرائب أديتموها وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم ~~وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا في من كان قبلكم أين كانوا ~~أمس وأين هم اليوم. أين الجبارون؟ أين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في ~~مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما. قد تركت عليهم القالات ~~الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات. وأين الملوك الذين أثاروا الأرض ~~وعمروها؟ قد بعدوا وأنسي ذكرهم وصاروا كلا شيء. # ألا وقد أبقى الله عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات. ومضوا والأعمال أعمالهم ~~والدنيا دنيا غيرهم. وبقينا خلفا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا وإن ~~اغتررنا كنا مثلهم. أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ صاروا ترابا ~~وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم. أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا ~~فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور. ~~هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ أين من تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؟ قد ~~انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة والسعادة بعد ~~الموت. ألا إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف به ~~عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره. واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده لا ~~يدرك إلا بطاعته ... ~~(5) خطبة لعمر بن الخطاب # لما ولي عمر الخلافة (من 634 إلى 644م) بعد أبي بكر صعد المنبر فحمد ms005 الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: # يا أيها الناس إني داع فأمنوا: اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق ~~ابتغاء وجهك والدار الآخرة، وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة ~~والنفاق من غير ظلم مني لهم ولا اعتداء عليهم. اللهم إني شحيح فسخني في نوائب ~~المعروف قصدا من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك ~~والدار الآخرة. اللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين. اللهم إني كثير ~~الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وذكر الموت في كل حين. اللهم إني ضعيف ~~عند العمل لطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون ~~إلا بعزتك وتوفيقك. اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك ~~والحياء منك، وارزقني الخشوع في ما يرضيك عني والمحاسبة لنفسي وإصلاح الساعات ~~والحذر من الشبهات. اللهم ارزقني التفكر والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك ~~والفهم له والمعرفة بمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت. إنك على كل ~~شيء قدير. ~~(6) خطبة لعلي بن أبي طالب # تولى علي الخلافة بين سنة 657 وسنة 661م بعد عثمان. وقد نسبت إليه عدة خطب ورسائل هي ~~من آيات البلاغة الخالدة. وفيما يلي إحدى خطبه. حمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته وتقديم العمل وترك الأمل. ~~فإنه من فرط في عمله لم ينتفع بشيء من أمله. أين التعب بالليل والنهار المقتحم ~~للجج البحار، ومفاوز القفار، يسير من وراء الجبال وعالج الرمال، يصل الغدو ~~بالرواح والمساء بالصباح في طلب محقرات الأرباح، هجمت عليه منيته، فعظمت بنفسه ~~رزيته؛ فصار ما جمع بورا، وما اكتسب غرورا، ووافى القيامة محسورا؟ أيها ~~اللاهي الغار بنفسه، كأني بك وقد أتاك رسول ربك لا يقرع لك بابا ولا يهاب لك ~~حجابا، ولا يقبل منك بديلا ولا يأخذ منك كفيلا، ولا يرحم لك صغيرا ولا يوقر ~~فيك كبيرا حتى يؤديك إلى قعر مظلمة أرجاؤها موحشة، كفعله بالأمم الخالية ~~والقرون الماضية. أين من سعى واجتهد ms006 وجمع وعدد، وبنى وشيد وزخرف ونجد، وبالقليل ~~لم يقنع وبالكثير لم يمتع ؟ أين من قاد الجنود ونشر البنود؟ أضحوا رفاتا تحت ~~الثرى أمواتا. وأنتم بكأسهم شاربون، ولسبيلهم سالكون! عباد الله فاتقوا الله ~~وراقبوه واعملوا لليوم الذي تسير فيه الجبال، وتنشق السماء بالغمام، وتتطاير ~~الكتب عن الأيمان والشمائل. # خطبة أخرى لعلي بن أبي طالب # لما أغار سفيان بن عوف الأسدي بجيش من جيوش معاوية على الأنبار وقتل عامل علي ~~عليها حسان البكري خرج علي حتى جلس على باب السدة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذل ~~وأشمله البلاء وألزمه الصغار وسامه الخسف، ومنعه النصف. ألا وإني دعوتكم ~~إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم قبل أن ~~يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا. فتواكلتم وتخاذلتم ~~وثقل عليكم قولي، فاتخذتموه وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو ~~عامد قد بلغت خيله الأنبار وقتل حسان البكري. وأزال خيلكم عن مسارحها وقتل ~~منكم رجالا صالحين. ثم انصرفوا وافرين ما كلم رجل منهم. فلو أن رجلا مسلما ~~مات من بعد هذا أسفا ما كان عندي ملوما بل كان به عندي جديرا. فوا عجبا من ~~جد هؤلاء في باطلهم وفشلكم عن حقكم. فقبحا لكم وترحا حين صرتم غرضا يرمى، ~~يغار عليكم ولا تغيرون، وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتم ~~بالمسير إليهم في أيام الحر قلتم: «حمارة القيظ! أمهلنا حتى يسبخ عنا الحر.» ~~وإذا أمرتم بالمسير إليهم ضحى في الشتاء قلتم: «أمهلنا حتى ينسلخ عنا هذا ~~القر.» فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام ~~أطفال وعقول ربات الحجال. وددت أن الله أخرجني من بين أظهركم وقبضني إلى ~~رحمته من بينكم وأني لم أركم ولم أعرفكم معرفة. ولله حرت وهنا، ووريتم ~~والله صدري غيظا. وجرعتموني الموت أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان ~~والخذلان حتى قالت قريش إن ابن أبي طالب ms007 شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله ~~أبوهم! وهل منهم أحد أشد لها مراسا وأطول تجربة مني؟! لقد مارستها وأنا ابن ~~عشرين، فها أنا ذا قد نيفت على الستين ولكن لا رأي لمن لا يطاع. # خطبة أخرى لعلي بن أبي طالب # الحمد لله الذي استخلص الحمد لنفسه واستوجبه على جميع خلقه، الذي ناصية كل شيء ~~بيده ومصير كل شيء إليه، والقوي في سلطانه اللطيف في جبروته. لا مانع لما أعطى ولا ~~معطي لما منع. خالق الخلائق بقدرته ومسخرهم بمشيئته. وفي العهد صادق الوعد، شديد ~~العقاب جزيل الثواب. أحمده وأستعينه على ما أنعم به مما لا يعرف كنهه غيره. وأتوكل ~~عليه توكل المستسلم لقدرته، المتبري من الحول والقوة إليه. وأشهد شهادة لا يشوبها ~~شك أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له إلها واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ~~ولم يكن له شريك في الملك وهو على كل شيء قدير. قطع ادعاء المدعي بقوله - عز وجل: # وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ~~. وأشهد أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # صفوته من خلقه وأمينه على ~~وحيه، أرسله بالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا وإلى الحق داعيا، على حين فترة من ~~الرسل، وضلالة من الناس واختلاف من الأمور، وتنازع من الألسن، حتى تمم به الوحي ~~وأنذر به أهل الأرض. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها العصمة من كل ضلال والسبيل ~~إلى كل نجاة. فكأنكم بالجثث قد زايلتها أرواحها وتضمنتها أجداثها. فلن يستقبل معمر ~~منكم يوما من عمره إلا بانتقاص آخر من أجله. وإنما دنياكم كفيء الظل أو زاد الراكب. ~~وأحذركم دعاء العزيز الجبار عبده، يوم تعفى آثاره ويوحش منه دياره ويؤتم صغاره، ثم ~~يصير إلى حفير من الأرض متعفرا على خده، غير موسد ولا ممهد. أسأل الذي وعدنا على ~~طاعته جنته أن يقينا سخطه ويجنبنا نقمته ويهب لنا رحمته. إن أبلغ الحديث كتاب الله. # خطبة أخرى لعلي بن أبي طالب # استفز علي أهل الكوفة لحرب الجمل فأقبلوا إليه مع ابنه الحسن فقام ms008 فيهم خطيبا، ~~فقال: # الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآخر المرسلين. # أما بعد، فإن الله بعث محمدا عليه الصلاة والسلام إلى الثقلين كافة والناس في ~~اختلاف والعرب بشر المنازل ... فرأب الله به الثأي ولأم به الصدع، ورتق به الفتق، ~~وأمن به السبل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الواغرة في القلوب، والضغائن ~~المخشنة للصدور. ثم قبضه الله عز وجل مشكورا سعيه، مرضيا عمله، مغفورا ذنبه، ~~كريما عند ربه نزله. فيا لها مصيبة عمت المسلمين، وخصت الأقربين! وولي أبو بكر ~~فسار بسيرة رضيها المسلمون. ثم ولي عمر فسار بسيرة أبي بكر رضي الله عنهما. ثم ولي ~~عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا ما كان من أمره ما كان أتيتموه فقتلتموه. ثم ~~أتيتموني فقلتم لي: بايعنا. فقلت لكم: لا أفعل. وقبضت يدي فبسطتموها. ونازعتم كفي ~~فجذبتموها، وقلتم: لا نرضى إلا بك، ولا نجتمع إلا عليك. وتداككتم علي تداك الإبل ~~الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض. فبايعتموني ~~وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا أن استأذناني للعمرة فسارا إلى البصرة فقتلا بها ~~المسلمين، وفعلا الأفاعيل. وهما يعلمان والله أني لست بدون واحد ممن مضى. ولو أشاء ~~أن أقول لقلت: اللهم إنهما قطعا قرابتي، ونكثا بيعتي وألبا علي عدوي. اللهم فلا تحكم ~~لهما ما أبرما، وأرهما المساءة عملا وأملا. ~~(7) خطبة لمعاوية بن أبي سفيان # كان معاوية أول خلفاء الدولة الأموية وقد توفي سنة 60ه، الموافقة لسنة 680م. وكان ~~«مربي دول وسائس أمم وراعي ممالك» ويحكى أنه لما حضرته الوفاة جمع أهله فقال: ألستم ~~أهلي؟ قالوا: بلى فداك أنت بنا! قال: فهذه نفسي قد خرجت من قدمي فردوها علي إن استطعتم. ~~فبكوا وقالوا: ما لنا إلى هذا سبيل. فرفع صوته بالبكاء ثم قال: فلا تغركم الدنيا بعدي. # قال القحذمي: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقاه رجال قريش، فقالوا: الحمد لله ~~الذي أعز نصرك وأعلى كعبك. قال: فوالله ما رد عليهم شيئا حتى ms009 صعد المنبر فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: # فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي ولكني جالدتكم ~~بسيفي هذا مجالدة. ولقد رضت لكم نفسي على عمل ابن أبي قحافة وأردتها على عمل عمر ~~فنفرت من ذلك نفارا شديدا. وأردتها على ثنيات عثمان فأبت علي. فسلكت بها ~~طريقا لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة. فإن لم تجدوني خيركم فإني ~~خير لكم ولاية. والله لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما ~~يستشفى به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك له دبر أذني وتحت قدمي. وإن لم تجدوني ~~أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا جاء ~~ينزي، وإن قل أغنى. وإياكم والفتنة فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة. # خطبة أخرى لمعاوية # صعد منبر المدينة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # يا أهل المدينة، إني لست أحب أن تكونوا خلقا كخلق العراق يعيبون الشيء ~~وهم فيه، كل امرئ منهم شيعة نفسه. فاقبلونا بما فينا فإن ما وراءنا شر لكم، ~~وإن معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا معروف زمان لم يأت، ~~ولو قد أتى فالرتق خير من الفتق. وفي كل بلاغ. ولا مقام على الرزية. # خطبة أخرى لمعاوية # لما مرض معاوية مرض وفاته قال لمولى له: من بالباب؟ قال: نفر من قريش يتباشرون ~~بموتك. قال: ويحك لم؟ فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم. وأذن للناس فدخلوا. ~~فحمد الله وأثنى عليه وأوجز، ثم قال: # أيها الناس. إنا قد أصبحنا في دهر عتود وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا ~~ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا ولا نتخوف ~~قارعة حتى تحل بنا. فالناس على أربعة أصناف؛ منهم من لا يمنعه من الفساد في ~~الأرض إلا مهانة نفسه، وكلال حده ونضيض وفره. ومنهم المصلت لسيفه المجلب ~~برجله المعلن بسره، وقد أشرط نفسه وأوبق دينه، لحطام ينتهزه أو مقت يقوده ... ~~ولبئس المتجر أن ms010 تراهما لنفسك ثمنا وبما لك عند الله عوضا. ومنهم من يطلب ~~الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا، قد طامن من شخصه وقارب ~~من خطوه، وشمر عن ثوبه وزخرف نفسه للأمانة، واتخذ ستر الله ذريعة إلى ~~المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه وانقطاع سببه، فقصرت به ~~الحال عن حاله، فتحلى باسم القناعة وتزيا بلباس الزهادة. وليس ذلك في مراح ~~ولا مغدى. وبقي رجال أغض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المضجع. فهم ~~بين شريد باد وبين خائف منقمع وساكت مكعوم، وداع مخلص وموجع ثكلان قد ~~أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة. فهم في بحر أجاج أفواههم ضامرة وقلوبهم ~~قرحة. قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا. فلتكن الدنيا ~~في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقرادة الحلم. واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن ~~يتعظ بكم من بعدكم. وارفضوها ذميمة فقد رفضت من كان أشفق بها منكم. ~~(8) خطبة لزياد بن أبيه # كان زياد داهية من دهاة العرب ولم يكن يعرف له أب فاستلحقه معاوية بن أبي سفيان ~~بأسرته وادعى أنه أخوه وولاه الولايات، فأخلص له الخدمة وفتك بشيعة علي وجعل يتعقبهم في ~~أنحاء ولايته. وقد مات سنة 53ه (674م). قيل إن معاوية ولاه البصرة وخراسان وسجستان، ~~والفسق بالبصرة ظاهر فاش. فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها، قال فيها: # أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والعمى الموفي بأهله على النار ~~ما فيه سفهاؤكم وتشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير ولا ~~يتحاشى عنها الكبير. كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا لما أعد الله من ~~الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب العظيم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي ~~لا يزول! أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا، وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية ~~على الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ~~ترككم هذه المواخير المنصوبة، والصفقة المسلوبة في النهار المبصر، والعدد غير ~~قليل؟ ألم يكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل ms011 وغارة النهار ... كل امرئ منكم ~~يذب عن سفيهه؛ صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادا ؟ ما أنتم بالحلماء ولقد ~~اتبعتم السفهاء، فلم يزل بكم من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ... # حرام علي الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا. إني رأيت آخر هذا ~~الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين في غير ضعف وشدة في غير عنف. وإني أقسم ~~بالله لآخذن الولي بالمولى والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح بالسقيم ~~حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعيد فقد هلك سعد! أو تستقيم لي قناتكم. ~~إن كذبة الأمير تلفى مشهورة. فإذا تعلقتم علي بكذبة فقد حلت لكم معصيتي. # من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب له. فإياي ودلج الليل فإني لا أوتي بمدلج ~~إلا سفكت دمه. وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم. وإياي ~~ودعوى الجاهلية! فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه. وقد أحدثتم أحداثا ~~لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة؛ فمن أغرق قوما أغرقناه، ومن أحرق قوما ~~أحرقناه، ومن نقب بيتا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرا دفناه فيه حيا. فكفوا عني ~~ألسنتكم وأيديكم أكف عنكم يدي ولساني. ولا يظهرن من أحد منكم ريبة بخلاف ما ~~عليه عامتكم إلا ضربت عنقه. وقد كانت بيني وبين قوم إحن فجعلت ذلك دبر أذني ~~وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد في إحسانه، ومن كان مسيئا فلينزع عن إساءته. ~~إني وإن علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا ~~حتى يبدي لي صفحته، فإن فعل لم أناظره. فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم، ~~فرب مبتئس بقدومنا سيسر ومسرور بقدومنا سيبتئس. # أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم زادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ~~ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا. فلنا عليكم السمع والطاعة في ما أحببنا ولكم ~~علينا العدل في ما ولينا. فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا. واعلموا أني ~~مهما أقصر فيه فلن أقصر ms012 عن ثلاث: لست محتجبا عن طالب حاجة ولو أتاني طارقا ~~بليل، ولا حابسا عطاء ولا رزقا ... ولا مجمرا لكم بعثا. # فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم فإنهم ساستكم المؤدبون لكم وكهفكم الذي إليه ~~تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا. ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك أسفكم، ويطول ~~له حربكم ولا تدركوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرا لكم. اسأل ~~الله أن يعين كلا على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم أمرا فانفذوه على إدلاله. ~~وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي! ~~(مختصرة). ~~(9) خطبة ليزيد بن معاوية # بويع ليزيد بالخلافة يوم مات أبوه معاوية وتوفي سنة 64ه الموافقة لسنة 683م. وقد ~~«تعلم الفصاحة ونظم الشعر في بادية بني كلب.» # خطب بعد موت أبيه فقال: # الحمد لله الذي ما شاء صنع، من شاء أعطى ومن شاء منع، ومن شاء خفض ومن شاء ~~رفع. إن أمير المؤمنين كان حبلا من حبال الله مده ما شاء أن يمده. ثم قطعة حين ~~أراد أن يقطعه. وكان دون من قبله، وخيرا ممن يأتي بعده، ولا أزكيه عند ربه وقد ~~صار إليه. فإن يعف عنه فبرحمته، وإن يعاقبه فبذنبه. وقد وليت بعده الأمر، ولست ~~أعتذر من جهل، ولا آسى على طلب علم. ~~(10) خطبة لخالد بن الوليد # كان خالد بن الوليد من المشهورين بالشجاعة والشرف والرياسة. سماه النبي «سيف الله» ~~وحارب مسيلمة الكذاب وهدم العزى، وله آثار مشهورة في قتال الروم والفرس. وكانت وفاته في ~~خلافة عمر سنة 21ه الموافقة لسنة 643، وقد خطب الخطبة التالية بين جيوشه يحضهم على ~~القتال في أجنادين إحدى نواحي فلسطين في معركة بين الروم والعرب، قال: # يا معاشر الناس انصروا الله ينصركم، وقاتلوا في سبيل الله واحتسبوا أنفسكم في ~~سبيل الله وأصروا على قتال أعدائكم. وقاتلوا عن حريمكم وأولادكم ودينكم. وليس ~~لكم ملجأ تلجئون إليه ومكمن تكمنون فيه، فاقرنوا المناكب وقدموا المضارب، ولا ~~تحملوا حتى آمركم بالحملة. ولتكن السهام مجتمعة إذا خرجت من القسي كأنها تخرج ~~من ms013 كبد قوس واحد؛ فإنه إذا تلاحقت السهام رشقا كالجراد لم يخل أن يكون فيها ~~سهم صائب. واصبروا وصابروا واتقوا الله لعلكم تفلحون. واعلموا أنكم لا تلقون ~~عدوا مثل هذه الفئة حماتهم وأبطالهم وملوكهم. ~~(11) خطبة لطارق بن زياد # كان طارق بن زياد مولى موسى بن نصير عامل الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي في ~~أفريقية، وكان منزله القيروان. وحدث أن يوليان أحد رجال الدين في إسبانيا كان حاقدا ~~على الملك، فوضع حقده فوق وطنه، وأرسل إلى موسى فاستنجد به. فأرسل إليه موسى طارقا ~~فعبر بحر العدوة والتقى بالملك رودريق فتحاربا أياما وقتل الملك، وصارت الأندلس للعرب. ~~وسمع موسى بخبر الفتح وحسد طارقا فعبر البحر في عشرة آلاف فتلقاه طارق وترضاه فرضي عنه. ~~وسار موسى بن نصير إلى فرنسا وقطع جبال برينيه وبلغ كركسونا. ثم استرجعه الخليفة الوليد ~~إلى دمشق ونكبه ونفاه إلى مكة فتوفي بها في سنة 97ه الموافقة لسنة 718م. وكان فتح طارق ~~للأندلس في سنة 711م وكان خروج المسلمين من الأندلس سنة 1492م. # لما بلغ طارقا دنو رودريق قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم حث ~~المسلمين على الجهاد ورغبهم، ثم قال: # أيها الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا ~~الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. ~~وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا ~~سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على ~~افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهب ريحكم وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة ~~عليكم. فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ~~ألقت به إليكم مدينته الحصينة وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم ~~بالموت. وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها ~~النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم ~~بالأرفه الألذ طويلا. فلا ms014 ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي. ~~وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة. وقد انتخبكم الوليد بن عبد ~~الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا ~~وأختانا؛ ثقة منه بارتياحكم للطعان. واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون ~~حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته وإظهار دينه بهذه الجزيرة، ولتكون بغنمها ~~خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم. والله تعالى ولي أنجادكم على ما ~~يكون لكم ذكرا في الدارين. واعلموا إني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ~~ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى. ~~فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم ~~إليه. وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه، ~~واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة بقتله. ~~(12) خطبة لعمر بن عبد العزيز # كان عمر بن عبد العزيز أحد خلفاء بني أمية وكان عفيفا زاهدا يميل إلى النسك ~~والاعتكاف وكان يتحرى سيرة الخلفاء الراشدين وهو أول من فرض لأبناء السبيل وأبطل في ~~الخطب سب علي بن أبي طالب. وكانت خلافته من سنة 717 إلى سنة 720م. وقيل إنه مات مسموما، ~~دس له الأمويون سما خشية أن يعيد الخلافة شورى بين المسلمين فتخرج من أيديهم. ومن خطبه ~~هذه الخطبة التي ألقاها في خاصرة: # أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا ولم تتركوا سدى. وإن لكم معادا يحكم الله ~~بينكم فيه، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها ~~السموات والأرض. واعلموا أن الأمان غدا لمن يخاف اليوم وباع قليلا بكثير وفانيا ~~بباق. ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون حتى يردوا ~~إلى خير الوارثين. إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه ~~وبلغ أجله. ثم تغيبونه في صدع من الأرض. ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد خلع ~~الأسباب وفارق الأحباب، وواجه الحساب. ms015 غنيا عما ترك فقيرا إلى ما قدم. وايم ~~الله إني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم أكثر مما عندي. وأستغفر ~~الله لي ولكم. وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها. ولا أحد منكم ~~إلا وددت أن يده مع يدي ولحمتي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم. وايم الله ~~إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به ناطقا ذلولا عالما ~~بأسبابه. ولكنه مضى من الله سنة عادلة دل فيها على طاعته ونهى عن معصيته. ~~(13) خطبة لقطري بن الفجاءة # كان قطري أحد رءوس الخوارج الذين كانوا يعدون خلفاء بني أمية وعلي بن أبي طالب ~~مغتصبين للخلافة فلم تكن عليهم لهم طاعة. وكانوا يولون خلفاءهم بأنفسهم، فكان قطري أحد ~~خلفائهم. وكان يجمع بين الشجاعة والبلاغة. وكان الحجاج بن يوسف الثقفي يسير إليه جيشا ~~بعد جيش فيعود بالهزيمة. ولم تزل الحال كذلك حتى توجه إليه سفيان بن الأبرد فظهر عليه ~~وقتله سنة 78ه الموافقة لسنة 698م. # وهذه الخطبة ينسبها جامع «نهج البلاغة» إلى علي بن أبي طالب كما هي عادته في نسبة كل ~~ما يستجيده من الخطب والكلام البارع إليه حتى بلغ به الشطط أن نسب أكثر الحكم اليونانية ~~المشهورة إليه. # قال قطري: # أما بعد، فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وراقت بالقليل، ~~وتجلببت بالعاجل وغمرت بالآمال. وتحلت بالأماني وزينت بالغرور. لا تدوم زهرتها ~~ولا تؤمن فجعتها. غرارة ضرارة، وحائلة زائلة، ونافدة بائدة. لا تعدو إذا تناهت ~~إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قيل: كماء أنزلناه فاختلط به ~~نبات الأرض فأصبح هشيما. مع أن امرأ لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته بعدها ~~عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا، إلا منحته من ضرائها ظهرا. ولم تطله منها ديمة ~~رخاء، إلا هطلت عليه مزنة بلاء. وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة ~~متنكرة. وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر عليه منها جانب فأوبا. وإن لبس امرؤ ~~من غضارتها ms016 ورفاهيتها نعما أرهقته من نوائبها غما. ولم يمس امرؤ منها في جناح ~~أمن إلا أصبح منها في قوادم خوف. غرارة غرور ما فيها باقية. فان ما عليها . لا ~~خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه، ومن استكثر ~~منها لم يدم له وزال عما قليل عنه ... كم واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها ~~قد صرعته! وكم من مختال بها قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا وذي ~~نخوة فيها قد ردته ذليلا، وذي تاج قد كبته لليدين والفم! سلطانها دول، وعيشها ~~رنق، وعذبها أجاج، وحلوها مر، وغذاؤها سمام، وأسبابها زحام، وقطافها سلع. حيها ~~بعرض موت وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام. مليكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، ~~وسليمها منكوب، وجارها وجامعها محروب. مع أن من وراء ذلك سكرات الموت وزفراته ~~وهول المطلع والوقوف بين يدي الحكم العدل؛ ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي ~~الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان منكم أطول أعمارا وأوضح آثارا ~~وأعد عديدا وأكثف جنودا وأعتد عتادا وأطول عمادا؟ تعبدوا الدنيا أي تعبد، ~~وآثروها أي إيثار، وظعنوا عنها بالكره والصغار. فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم ~~نفسا بفدية ... بل أرهقتهم بالفوادح وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، وأعانت ~~عليهم ريب المنون وأرهقتهم بالمصائب. وقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها ~~وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر الأمد. هل زودتهم إلا الشقاء ~~وأحلتهم إلا الضنك، أو نورت لهم إلا الظلمة، وأعقبتهم إلا الندامة؟ أفهذه ~~تؤثرون، أو على هذه تحرصون، أو إليها تطمئنون؟ فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم ~~يكن فيها على وجل منها! اعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها الأبد. فإنما هي ~~لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد. فاتعظوا فيها بالذين ~~يبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وبالذين قالوا: من أشد ~~منا قوة. واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ~~ركبانا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا. وجعل لهم من الضريح أكنان، ms017 ومن التراب ~~أكفان، ومن الرفات جيران. فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. إن أخصبوا ~~لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا. جمع وهم آحاد. جيرة وهم أبعاد. متناءون وهم ~~يزارون ولا يستزيرون. حلماء قد ذهبت أضغانهم. وجهلاء قد ماتت أحقادهم. لا يخشى ~~فجعهم، ولا يرجى دمعهم. وهم كمن لم يكن. استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ~~ضيقا وبالآل غربة وبالنور ظلمة. فجاءوها حفاة عراة فرادى غير أن ظعنوا ~~بأعمالهم إلى الحياة الدائمة. إلى خلود الأبد فاحذروا ما حذركم الله وانتفعوا ~~بمواعظه واعتصموا بحبله. عصمنا الله وإياكم بطاعته ورزقنا وإياكم أداء حقه. ~~(14) خطبة للحجاج # كان الحجاج بن يوسف الثقفي عامل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على العراق ~~وخراسان، وتوفي سنة 97ه الموافقة لسنة 716م. وكان شرس الطبع سفاكا للدماء، ولم يكن يخجل ~~من الجهر بأن أكبر لذاته سفك الدماء. وهو الذي بنى مدينة واسط وينسب إليه وضع علامات ~~للحروف المشتبهة في الخط العربي حتى لا يقع تصحيف في القرآن. ولولاه لاستفحل أمر ~~الخوارج فهو الذي خضد شوكتهم بما أرسله عليهم من الجيوش تلو الجيوش. # ومما يحكى عنه أنه قال في إحدى خطبه: «سوطي سيفي ونجاده في عنقي وقائمه في يدي وذبابه ~~قلادة لمن اغتر بي.» وكان الحسن حاضرا فقال: «بؤسا لهذا ما أغره بالله!» # خطب بين أهل العراق فقال: # يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم والعصب والمسامع ~~والأطراف والأعضاد والشغاف، ثم مضى إلى الأمخاخ والأصماخ، ثم ارتفع فعشش ثم باض ~~وفرخ. فحشاكم شقاقا ونفاقا ... اتخذتموه دليلا تتبعونه وقائدا تطيعونه ومؤمرا ~~تستشيرونه، وكيف تنفعكم تجربة أو تعضكم وقعة أو يحجزكم إسلام أو يردكم إيمان. ~~ألستم أصحابي بالأهواز، حيث رمتم المكر وسعيتم بالغدر واستجمعتم للكفر، وظننتم ~~أن الله يخذل دينه وخلافته. وأنا أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لواذا وتهزمون ~~سراعا. يوم الزاوية وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة ~~الله منكم ونكوص وليه عنكم إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى ~~أعطانها، لا يسأل المرء منكم ms018 عن أخيه، ولا يلوي الشيخ على بنيه، حتى عضكم ~~السلاح وقصمتكم الرماح. يوم دير الجماجم وما دير الجماجم! إنها كانت المعارك ~~والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق ~~والكفرات الفجرات والغدرات بعد الخترات والثورة بعد الثورات ... هل استخفكم ناكث ~~واستغواكم غاو واستفزكم عاص واستصرخكم ظالم واستعضدكم خالع إلا وثقتموه ~~وآويتموه وغررتموه ونصرتموه ورضيتموه؟! يا أهل العراق، هل شغب شاغب أو نعب ناعب ~~أو نعق ناعق أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟! يا أهل العراق، ألم تنهكم ~~المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ # خطبة أخرى للحجاج # خطب بالبصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # إن الله كفانا مئونة الدنيا وأمرنا بطلب الآخرة، فليته كفانا مئونة ~~الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا. ما لي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون ~~وشراركم لا يتوبون؟ ما لي أراكم تحرصون على ما كفيتم وتضيعون ما به أمرتم؟ ~~إن العلم يوشك أن يرفع، ورفعه ذهاب العلماء. ألا وإني أعلم بشراركم من ~~البيطار بالفرس، الذين لا يقرءون القرآن إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا ~~دبرا. ألا وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر. ألا وإن الآخرة ~~أجل مستأخر يحكم فيها ملك قادر. ألا فاعملوا وأنتم من الله على حذر واعلموا ~~أنكم ملاقوه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ~~ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة. ألا وإن الشر كله بحذافيره في النار. ~~ألا وإن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. ~~وأستغفر الله لي ولكم. # خطبة أخرى للحجاج # خرج الحجاج يريد العراق واليا عليها في اثني عشر راكبا على النجائب حتى دخل ~~الكوفة حين انتشر النهار. وقد كان فشا أمر الخوارج وتفاقم، وتثاقل الناس عن اللحاق ~~بالمهلب الذي كان يناجزهم. فصعد المنبر وهو ملثم بعمامة حمراء، فقال: علي بالناس، ~~فحسبوه وأصحابه خوارج فهموا به، حتى إذا اجتمع الناس قام ثم كشف عن وجهه وقال: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع ~~العمامة تعرفوني # صليب العود ms019 من سلفي نزارا # كنصل السيف وضاح ~~الجبين # وماذا تبتغي الشعراء مني # وقد جاوزت حد ~~الأربعين # أخو خمسين مجتمع أشدي # وتنجدني مداورة ~~الشئون ~~.. أما والله إني لأحمل الشر بحمله وأحذوه بنعله وأجزيه بمثله. وإني لأرى ~~رءوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها. وإني لأنظر الدماء بين العمائم ~~واللحى تترقرق: # قد شمرت عن ساقها فشمري # هذا أوان الحرب ~~فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ~~ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # قد لفها الليل بعصلبي # أروع جراح من الدوى # مهاجر ليس بأعرابي # قد شمرت عن ساقها فشدوا # ما علتي وأنا شيخ ~~أد # والقوس فيها وتر عرد # مثل ذراع البكر أو ~~أشد # إني والله يا أهل العراق ومعدن الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، لا يغمز ~~جانبي كتغماز التنين، ولا يقعقع لي بالشنان. ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن ~~تجربة، وأجريت مع الغاية. وإن أمير المؤمنين نثر كنانته ثم عجم عيدانها، ~~فوجدني أمرها عودا وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم ورماكم بي. فإنه قد طالما ~~أوضعتم في الفتن، وسننتم سنن الغي. وايم الله لألحونكم لحو العصا، ~~ولأقرعنكم قرع المروة، ولأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. ~~أما والله لا أعد إلا وفيت، ولا أخلف إلا فريت. وإياي وهذه الزرافات ~~والجماعات، وقال وقيل، وما يقولون وفيم أنتم. والله لتستقيمن على طريق الحق ~~أو لأدعن لكل رجل منكم شغلا في جسده. من وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب ~~سفكت دمه وانتهبت ماله وهدمت منزله. ~~(15) خطب لأبي حمزة # في أواخر الدولة الأموية خرج عبد الله بن يحيى وكان من حضرموت فأنكر طاعة خلفاء بني ~~أمية؛ «لأنه رأى جورا ظاهرا وعسفا شديدا وسيرة في الناس قبيحة.» فدعا الناس إلى ~~مبايعته، فبايعوه. وكان من أشد أنصاره رجل يدعى أبا حمزة. فجيش الجيوش وفتح مكة ~~والمدينة. وفتح أبو حمزة المدينة في سنة 130ه، وخطب أهلها الخطبة التالية: # يا أهل المدينة سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم - لعمر الله - فيهم القول. ~~وسألناكم: هل يقتلون بالظن؟ فقلتم: نعم. وسألناكم: هل يستحلون المال ms020 الحرام ~~والفرج الحرام؟ فقلتم: نعم. فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم، فنناشدهم الله أن ~~يتنحوا عنا وعنكم ليختار المسلمون لأنفسهم، فقلتم: لا تفعلون. فقلنا لكم: تعالوا ~~نحن وأنتم نلقاهم، فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا كتاب الله وسنة نبيه ~~وإن نظفر نعدل في أحكامكم ونحملكم على سنة نبيكم، ونقسم فيئكم بينكم. فإن أبيتم ~~وقاتلتمونا دونهم قاتلناكم. فأبعدكم الله وأسحقكم يا أهل المدينة! مررت بكم في ~~أزمان الأحول هشام بن عبد الملك وقد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه ~~تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعها عنكم؛ فزاد الغني غنى وزاد الفقير ~~فقرا. فقلتم: جزاكم الله خيرا. فلا جزاه الله خيرا ولا جزاكم. # خطبة أخرى لأبي حمزة # خطب هذه الخطبة في أهل المدينة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # أتعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ~~ولا عبثا ولا لهوا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا ثأر قديم نيل ~~منا. ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد عطلت، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم ~~بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت. وسمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن ~~وحكم القرآن، فأجبنا داعي الله، ومن لا يجيب داعي الله فليس بمعجز في ~~الأرض، فأقبلنا من قبائل شتى، النفر منا على بعير واحد عليه زادهم وأنفسهم، ~~يتعاورون لحافا واحدا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا ~~بنصره، وأصبحنا والله بنعمته إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعوناهم إلى ~~طاعة الرحمن وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان وحكم مروان وآل مروان. ~~شتان لعمر الله ما بين الغي والرشد، ثم أقبلوا يهرعون ويزفون، قد ضرب ~~الشيطان فيهم بجرانه وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم ظنه. وأقبل أنصار ~~الله عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب ~~يرتاب منه المبطلون، وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان ~~يسحقكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ويشف صدور قوم مؤمنين. يا أهل ~~المدينة إن أولكم خير أول وآخركم شر آخر. ms021 يا أهل المدينة، الناس منا ونحن ~~منهم إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماما جائرا. يا ~~أهل المدينة، من زعم أن الله تعالى كلف نفسا فوق طاقتها، أو سألها عما لم ~~يؤتها، فهو لله عدو ولنا حرب ... يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، ~~قلتم هم شباب أحداث وأعراب جفاة، ويحكم يا أهل المدينة، وهل كان أصحاب رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # إلا شبابا أحداثا؟ شبابا والله، مكهلون في شبابهم، غضيضة ~~عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أنفسا تموت غدا، بأنفس ~~لا تموت أبدا ... منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف ~~شهقوا خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة. فلما نظروا ~~إلى السيوف قد انتضيت وإلى الرماح قد أشرعت وإلى السهام قد فوقت، وأرعدت ~~الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيد الكتيبة عند وعيد الله، ولم يستخفوا ~~وعيد الله عند وعيد الكتيبة، فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر ~~طالما بكى بها صاحبها من خشية الله! وكم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما ~~اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا! أقول قولي هذا وأستغفر الله من تقصيرنا، ~~وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. ~~(16) خطبة المنصور الخليفة العباسي # كان الخلفاء العباسيون يمتازون على خلفاء بني أمية بقرابتهم من النبي، وكانت هذه ~~القرابة سببا في نعرة دينية يتباهون بها على سائر المسلمين، فكانوا يتكلمون بلهجة ~~باباوات رومية في القرون الوسطى، وكانوا يتمادون في الأتوقراطية لا يعرفون معنى للشورى ~~أو الدستور. وخطبة المنصور تدل القارئ على مبلغ عتو هذه الدولة وغرور خلفائها بنفوسهم، ~~كما هي أيضا علامة من علامات الزمن آذنت بانحطاط الدول العربية التي رضيت باستبداد ~~خلفائها. # وقد بويع المنصور في سنة 136ه الموافقة لسنة 754م وتوفي في سنة 775م، وهو قاتل أبي ~~مسلم الخراساني مؤسس الدولة العباسية وباني مدينة بغداد. # خطب في مكة فقال: # أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده ms022 وتأييده، ~~وحارسه على ماله، أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه ~~قفلا، إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، فإن شاء أن يقفلني عليها ~~أقفلني. فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما ~~أعلمكم به في كتابه إذ يقول: # اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا # أن يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة ~~بكم والإحسان إليكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ~~(17) خطبة الخليفة المهدي # لما توفي المنصور بويع لابنه المهدي، وكان المهدي «شديدا على أهل الإلحاد والزندقة لا ~~تؤخره في إهلاكهم لومة لائم.» وقد حكم من سنة 775 إلى 785م، والخطبة التالية أشهر ما ~~يؤثر عنه. # الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه ورضي به من خلقه، وأحمده على آلائه وأمجده ~~لبلائه ... وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه توكل راض بقضائه وصابر لبلائه. أوصيكم ~~عباد الله بتقوى الله فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على ~~إجلال عظمته وتوقير كبريائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته، وينجي من ~~سخطه، وينال به ما لديه من كريم الثواب، وجزيل المآب. فاجتنبوا ما خوفكم الله ~~من شديد العقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب. يوم توقفون بين يدي الجبار، ~~وتعرضون فيه على النار. يوم لا تتكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد. يوم يفر ~~المرء من أخيه وأمه وبنيه، لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه. يوم لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون. يوم لا يجزي والد عن ~~ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. إن وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور، واضمحلال ~~وزوال، وتقلب وانتقال. قد أفنت من كان قبلكم وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ~~ركن إليها صرعته ومن وثق بها خانته، ومن أملها كذبته، ومن رجاها خذلته. عزها ~~ذل، وغناها فقر، والسعيد من تركها والشقي ms023 من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه ~~من دار آخرته بها. فالله الله، عباد الله، والتوبة مقبولة والرحمة مبسوطة، ~~وبادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم وتندموا فلا ~~تنالون الندم يوم حسرة وتأسف، وكآبة وتلهف، يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام. ~~(18) خطبة لهارون الرشيد # كان هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين وكان «يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه» و ~~«له مناقب لا تحصى ومحاسن لا تستقصى وله أخبار في اللهو واللذات، سامحه الله.» # قال النهرواني: «اعلم أن مما يتحققه العاقل أن الدنيا دار الأكدار وأن أخف الخلق بلاء ~~وألما الفقراء، وأعظم الناس تعبا وهما وغما هم الملوك والأمراء ... إن هارون الرشيد ~~من أعقل الخلفاء العباسيين وأكملهم رأيا وتدبيرا وفطنة وقوة واتساع مملكة وكثرة خزائن ~~بحيث كان يقول للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراج الأرض التي تمطرين فيها يجيء إلي، وكان ~~مع ذلك أتعبهم خاطرا وأشغلهم قلبا.» # ولي الرشيد سنة 170 وتوفي سنة 193ه (786-809م). # وهذه إحدى خطبه: # الحمد لله الذي نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصره على أعدائه، ~~ونؤمن به حقا ونتوكل عليه مفوضين إليه. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن في ~~التقوى تكفير السيئات، وتضعيف الحسنات، وفوزا بالجنة ونجاة من النار. وأحذركم ~~يوما تشخص فيه الأبصار، وتبلى فيه الأسرار، يوم البعث ويوم التغابن ويوم ~~التلاقي ويوم التنادي، يوم لا يستعتب من سيئة ولا يزداد في حسنة. يوم الآزفة، ~~إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خافية ~~الأعين وما تخفي الصدور ... فاتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت. حصنوا أيمانكم بالأمانة ودينكم بالورع وصلاتكم بالزكاة ... وإياكم والأماني ~~فقد غرت وأوردت وأوبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم، فتناوشوا التوبة من مكان ~~بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فرغب ربكم عن الأمثال والوعد وقدم إليكم ~~الوعيد، وقد رأيتم وقائعه بالقرون الخوالي جيلا فجيلا، وعهدتم الآباء والأبناء ~~والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم ومن بين أظهركم لا تدفعون ms024 عنهم ~~ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا وانقطعت بهم الأسباب فأسلمتهم إلى أعمالهم ~~عند المواقف والحساب، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا والذين أحسنوا بالحسنى. ~~(19) خطبة للمأمون # قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي: «... ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع ~~عبد الله المأمون بن هارون الرشيد تمم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في ~~مواضعه، وداخل ملوك الروم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فبعثوا إليه منها ما حضرهم، ~~فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم أحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن. ثم حرض ~~الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها، فكان يخلو بالحكماء ويأنس بمناظرتهم ويلتذ ~~بمذاكرتهم، علما منه أن أهل العلم هم صفوة الله من خلقه ونخبته من عباده.» # بويع له بالخلافة في سنة 198ه وتوفي في بعض غزواته 218ه (813-833م). # وهذه إحدى خطبه ألقاها في الفطر: ~~... ألا وإن يومكم هذا يوم عيد وسنة وابتهال ورغبة، يوم ختم به الله صيام شهر ~~رمضان وافتتح به حج بيته الحرام، فجعله أول أيام شهور الحج وجعله معقبا لمفروض ~~صيامكم ومتقبل قيامكم. فاطلبوا إلى الله حوائجكم واستغفروه لتفريطكم، فإنه ~~يقال: لا كثير مع ندم واستغفار، ولا قليل مع تماد وإصرار ... اتقوا الله عباد ~~الله وبادروا الأمر الذي لم يحضر الشك فيه أحدا منكم، وهو الموت المكتوب ~~عليكم، فإنه لا يستقال بعده عثرة ولا تحظر قبله توبة. واعلموا أنه لا شيء بعده ~~إلا فوقه ولا يعين على جرعه وعكره وكربه وعلى القبر وظلمته ووحشته وضيقه وهول ~~مطلعه ومسألة ملكيه إلا العمل الصالح الذي أمر الله به. فمن زلت عند الموت قدمه ~~فقد ظهرت ندامته، وفاتته استقامته، ودعا من الرجعة ما لا يجاب إليه وبذل من ~~الفدية ما لا يقبل منه. فالله الله عباد الله! كونوا قوما سألوا الرجعة ~~فأعطوها إذ منعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا الأجل ~~المبسوط لكم. فاحذروا ما حذركم الله منه، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه، ~~لوضع موازينكم ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم، ms025 فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما ~~يثقل به ومما يملى في صحيفته الحافظة لما عليه ... ولست أنهاكم عن الدنيا بأكثر ~~مما نهتكم به الدنيا عن نفسها، فإن كل ما بها يحذر منها وينهى عنها، وكل ما ~~فيها يدعو إلى غيرها . وأعظم ما رأته أعينكم من فجائعها وزوالها ذم الله لها ~~والنهي عنها، فإنه يقول تبارك وتعالى: فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور، وقال: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد. فانتفعوا بمعرفتكم بها وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما ~~من عباد الله أدركتهم عصمة الله، فحذروا مصارعها وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة ~~الله فيها وأدركوا الجنة بما يتركون منها. ~~(20) خطبة فخر الدين بن لقمان # لما بويع بالخلافة للمستنصر بالله الخليفة العباسي المولود سنة 588 والمتوفى سنة 640ه ~~(1193-1242م) صعد فخر الدين بن لقمان رئيس الكتاب منبرا فقرأ على الملك الظاهر تقليده ~~السلطاني، وكان هذا التقليد من إنشائه. # ومن هذا التقليد يرى القارئ أن الخلافة صارت وظيفة دينية، فكان الظاهر يمثل الحكومة ~~والمستنصر يمثل الخلافة. وإذا كان الظاهر قد حصل على سند شرعي لحكومته من المستنصر فإن ~~هذا أيضا قد حصل على القوة التي يدعم بها خلافته من الظاهر. وقد كانت الخلافة العباسية ~~أوشكت على الزوال فأحياها الظاهر واستقدم الخليفة إليه في مصر. ويكاد الإنسان يلمح ~~ارتباكا من الخطيب في تمييزه بينهما ومعرفة التابع والمتبوع منهما. وفخر الدين هذا هو ~~الذي اعتقل في بيته في المنصورة ملك الفرنسيين لويس التاسع، قال ابن لقمان: # الحمد لله الذي أضفى على الإسلام ملابس الشرف، وأظهر بهجة دره وكانت خافية ~~بما استحكم عليها من الصدف، وشيد ما وهى من علائه حتى أنسى به ذكر من سلف، وقيض ~~لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمه التي وقعت الأعين منها في ~~الروض الأنف، وألطافه التي وقف الشاكر عليها فليس له عنها منصرف. # وبعد، فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا ~~لتسطير مناقبه وبره، من ms026 سعى فأضحى سعيه للحمد متقدما، ودعا إلى طاعته فأجاب من ~~كان منجدا ومتهما، وما بدت يد في المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما، ولا ~~استباح بسيفه حمى وغى، إلا أضرم منه نارا وأجرى دما. ولما كانت هذه المناقب ~~الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني شرفه ~~الله وأعلاه، ذكره الديوان العزيز المستنصري - أعز الله سلطانه - تنويها بشريف ~~قدره، واعترافا بصنيعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره. وكيف لا وقد ~~أقام الدولة العباسية بعد أن أقعدتها زمانة الزمان. وأذهبت ما كان لها من محاسن ~~وإحسان، وعتب دهرها المسيء لها فأعتب، وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صولة ~~مغضب، فأعاد لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف إليها اهتمامه فرجع كل ~~متضايق من أمورها واسعا رحبا. ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا ~~وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاهتمام بأمر ~~الشريعة والبيعة أمرا لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسك بحبله متمسك لانقطع ~~به قبل وصوله إليه، ولكن الله ادخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف ~~بها يوم القيامة حسابه. والسعيد من خفف من حسابه. فهذه منقبة أبى الله إلا أن ~~يخلدها في صحيفة صنعه، ومكرمة تضمنت لهذا البيت الشريف لجمعه، بعد أن حصل ~~الإياس من جمعه. وأمير المؤمنين يشكر لك هذه الصنائع، ويعترف أنه لولا اهتمامك ~~لاتسع الخرق على الراقع. وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية، والديار ~~البكرية والحجازية واليمنية والفراتية، وما يتجدد من الفتوحات غورا ونجدا، ~~وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم فردا، ولا جعل منها بلدا من ~~البلاد ولا حصنا من الحصون يستثنى، ولا جهة من الجهات تعد في الأعلى ولا في ~~الأدنى. فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملا، وخلص نفسك من التبعات اليوم ففي ~~غد تكون مسئولا لا سائلا، ودع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا، ~~وما رآها أحد بعين الحق إلا رآها حائلا زائلا، فالسعيد من قطع منها ms027 آماله ~~الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة. وابسط ~~يدك بالإحسان والعدل فقد أمر الله بالعدل وحث على الإحسان، وكفر به عن المرء ~~ذنوبا كتبت عليه وآثاما، وجعل يوما واحدا منها كعبادة العابد ستين عاما، وما ~~سلك أحد سبيل العدل إلا واجتنى ثماره من الأفنان، ورجع الأمر بعد تداعي أركانه ~~وهو مشيد الأركان، وتحصن به حوادث زمانه، والسعيد من تحصن من حوادث الزمان، ~~وكانت أيامه في الأيام أبهى من الأعياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عاطل ~~الأجياد، وهذه الأقاليم المنوطة بك تحتاج إلى نواب وحكام، وأصحاب رأي من أصحاب ~~السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقب عليه تنقيبا، واسأل عن ~~أحواله ففي يوم القيامة تكون عنه مسئولا وبما اجترم مطلوبا، ولا تول منهم إلا ~~من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا، وأمرهم بالأناة في الأمور والرفق، ومخالفة ~~الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم ~~والوجه الطلق، وألا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن ~~يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعايا إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، وأن لا ~~يستحلوا حرماتهم إذا استحل الزمان لهم حرمانا، فالمسلم أخو المسلم ولو كان ~~أميرا عليه وسلطانا. والسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله، واستسنوا ~~بسنته في تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله. ومما يؤمر ~~به أن يمحو ما أحدث من سيئ السنن، وجدد من المظالم التي هي من أعظم المحن، وأن ~~يشتري بأبطالها المحامد رخيصة بأغلى ثمن، ومهما جبي بها من الأموال فإنما هي ~~باقية في الذمم حاصلة، وأجياد الخزائن وإن أضحت بها خالية فإنما هي على الحقيقة ~~منها عاطلة. وهل أشقى ممن احتقب إثما، واكتسب بالمساعي الذميمة ذما، وجعل ~~السواد الأعظم له يوم القيامة خصما، وتحمل ظلم الناس في ما صدر عنه من أعماله ~~وقد خاب من حمل ظلما؟! وحقيق بالمقام الشريف المولوي السلطاني الملكي الظاهري ~~الركني أن تكون ظلامات الأنام مردودة بعدله، وعزائمه ms028 تخفف ثقلا لا طاقة له ~~بحمله، فقد أضحى على الإحسان قائدا، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لغيره ممن ~~تقدم من الملوك إن جاء آخرا، فاحمد الله على أن وصل إلى جانبك إمام هدى أوجب لك ~~مزية التعظيم، ونبه الخلائق على ما أفضل الله به من هذا الفضل العظيم، وهذه ~~أمور يجب أن تلاحظ وترعى، وأن يوالى عليها حمد الله، فإن الحمد يجب عليها عقلا ~~وشرعا، وقد تبين أنك صرت في الأمور أصلا وصار غيرك فرعا. ومما يجب أيضا تقديم ~~ذكره أمر الجهاد الذي أضحى على الأمة فرضا، وهو العمل الذي يرجع به مسود ~~الصحائف مبيضا، وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام ~~الكريم. وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، وبعزمك حفظ على المسلمين نظام ~~هذه الدول، وسيفك أثر في قلوب الكافرين قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع من ~~الخلافة ما كان عليه في الأيام الأول، فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا ~~ولا هاجعا. وكن في مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا. هداك الله إلى ~~مناهج الحق وما زلت مهتديا إليها وألزمك المراشد ولا تحتاج إلى تنبيه عليها، ~~والله ممدك بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه، فإن النعمة تستتم بشكره. ~~(21) خطبة ابن الزكي # لما فتح صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس في سنة 583ه (1189م) وكان قد مضى عليها نحو ~~قرن وهي في أيدي الأوروبيين اهتز العالم الإسلامي بأجمعه، ورحل كثير من العلماء وذوي ~~الوجاهة في البلاد الإسلامية لرؤية الاحتفال بفتحها ودخولها في طاعة صلاح الدين. # واختار صلاح الدين لخطبة يوم الجمعة الأول من فتح المدينة القاضي محيي الدين محمد بن ~~علي المعروف بابن الزكي فارتقى المنبر وألقى هذه الخطبة التاريخية بين حشد من مسلمي ~~جميع الأقطار العربية (وكانت ولادته في 550 ووفاته في 598ه بدمشق). ونحن ننشر هذه ~~الخطبة على غلو صاحبها في التعصب لكي يدرك القارئ منها ذهنية الناس في ذلك العهد وكيف ~~كانوا يتطاحنون من أجل الدين - والدين لا يدعو إلا ms029 إلى التسامح - قال: # الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم ~~النعم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره، الذي قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة ~~بفضله، وأفاء على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده ~~فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع ، والآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم ~~بما يريد فما يدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه، ونصره ~~لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن ~~سره وظاهر جهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له الأحد الصمد، الذي ~~لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ~~ربه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، رافع الشك ومدحض الشرك وماحق الإفك، الذي ~~أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به منه إلى السموات العلى ~~إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى ما زاغ البصر وما طغى. صلى الله عليه وعلى ~~خليفته أبي بكر الصديق السابق إلى الإيمان، وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي ~~النورين جامع القرآن، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مزلزل الشرك ومكسر ~~الأوثان وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. أيها الناس، أبشروا برضوان الله ~~الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه ~~الضالة من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي ~~المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر ~~فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرفه، بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه، ~~ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بنى عليه وشيد بنيانه بالتمجيد، فإنه أسس على ~~التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد عليه ~~السلام وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء ~~ومقصد الأولياء ms030 ومدفن الرسل ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في ~~أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه ~~المبين، وهو المسجد الذي صلى فيه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بالملائكة المقربين، وهو ~~البلد الذي بعث إليه الله عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وروحه عيسى ~~الذي كرمه برسالته، وشرفه بنبوته ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون ~~. كذب العادلون بالله وضلوا ~~ضلالا بعيدا، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون، لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح بن مريم (إلى آخر الآيات من المائدة). وهو أول القبلتين وثاني المسجدين ~~وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد ~~الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان ~~بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها ~~مبار، فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم من المعجزات النبوية والوقعات البدرية ~~والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية والجيوش العثمانية والفتكات العلوية ما ~~جددتم به للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية والمنازلات الخيبرية ~~والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم # أفضل الجزاء، وشكر لكم ~~ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منكم ما تقربتم به إليه من إهراق ~~الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء، فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق ~~قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها فله المنة عليكم بتخصيصكم لهذه النعمة ~~وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء، وتبلجت ~~بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرت به عيون الأنبياء ~~والمرسلين، فمن عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه بيت المقدس ~~في آخر الزمان، والجند الذي يقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، ms031 ~~فيوشك أن يفتح الله على أيديكم أمثاله، وأن تكون التهاني لأهل الخضراء أكثر من ~~التهاني لأهل الغبراء. أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه، ونص عليه في ~~محكم خطابه، فقال تعالى # سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى ~~؟ أليس هو البيت الذي عظمته الملل، وأثنت عليه الرسل، ~~وتليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله عز وجل؟ أليس هو البيت الذي أمسك الله ~~تعالى لأجله الشمس على يوشع أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب، ~~أليس هو البيت الذي أمر الله عز وجل موسى أن يأمر قومه باستنقاذه، فلم يجبه إلا ~~رجلان، وغضب الله عليهم لأجله فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان، فاحمدوا الله ~~الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وقد فضلت على العاملين، ووفقكم ~~لما خذل فيه أمم كانت قبلكم من الأمم الماضين، وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتى، ~~وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى، فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن ~~عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم جنده. وشكر لكم الملائكة المنزلون ~~على ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتمجيد، وما أمطتم عن ~~طرقهم فيه من أذى الشرك والتثليث والاعتقاد الفاجر الخبيث. فالآن تستغفر لكم ~~أملاك السموات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات. فاحفظوا رحمكم الله هذه الموهبة ~~فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم، بتقوى الله التي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم ~~بعروتها نجا وعصم، واحذروا من اتباع الهوى ومواقعة الردى، ورجوع القهقرى ~~والنكول عن العدا. وخذوا في انتهاز الفرصة وإزالة ما بقى من الغصة، وجاهدوا في ~~الله حق جهاده، وبيعوا عباد الله أنفسكم في رضاه؛ إذ جعلكم من خير عباده. وإياكم ~~أن يستزلكم الشيطان، أو يتداخلكم الطغيان فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم ~~الحداد وخيولكم الجياد وبجلادكم في مواطن الجلاد، لا والله ما النصر إلا من عند ~~الله العزيز الحكيم، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل والمنح ~~الجزيل، وخصكم بنصره المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين، ms032 أن تقترفوا كبيرا من ~~مناهيه وأن تأتوا عظيما من معاصيه، فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا، وكالذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ~~والجهاد، الجهاد، فهو من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، ~~احفظوا الله يحفظكم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا في ~~حسم الداء وقلع شأفة الأعداء، وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت ~~الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام بالثارات ~~الإسلامية والملة المحمدية، الله أكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، أذل الله ~~من كفر. واعلموا رحمكم الله أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، وغنيمة ~~فحوزوها، ومهمة فاخرجوا لها هممكم وأبرزوها وسيروا إليها سرايا عزماتكم ~~وجهزوها، فالأمور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو ~~المخذول، وهم مثلكم أو يزيدون، فكيف وقد أضحى قبالة الواحد منهم منكم عشرون؟ ~~وقد قال الله تعالى # إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون ~~. أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره والازدجار ~~بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده، إن ينصركم الله فلا غالب لكم، ~~وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده. إن أشرف مقال يقال في مقام، وأنفذ سهام ~~تمرق عن قسي الكلام، وأمضى قول تجل به الأفهام، كلام الواحد الفرد العزيز ~~العلام، قال الله تعالى: # وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ~~(ثم قرأ سورة الحشر)، ثم قال: # اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك ~~القاطع وشهابك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذاب عن حرمك الممانع، ~~السيد الأجل الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا ~~والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس، أبي المظفر يوسف بن أيوب ~~محيي دولة أمير المؤمنين. اللهم عم بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته ~~محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه. ~~اللهم أبق الإسلام مهجته، وق للإيمان حوزته، ms033 وانشر في المشارق والمغارب دعوته، ~~اللهم كما فتحت على يديه البيت المقدس، بعد أن ظنت الظنون وابتلي المؤمنون، ~~فافتح على يديه داني الأرض وقاصيها، وملكه صياصي الكفر ونواصيها، فلا تلقاه ~~منهم كتيبة إلا مزقها، ولا جماعة إلا فرقها، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها ~~بمن سبقتها. # اللهم اشكر عن محمد # صلى الله عليه وسلم # سعيه، وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه، ~~اللهم وأصلح به أوساط الناس وأطرافها وأرجاء المملكة وأكنافها. اللهم ذلل به ~~معاطس الكفار، وأرغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب ملكه على الأمصار، وأثبت ~~سرايا جنوده في سبل الأقطار. اللهم أثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين، ~~واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز ~~أوليائه وأوليائهم. اللهم كما أجريت على يده في الإسلام هذه الحسنة، التي تبقى ~~على الأيام، وتتخلد على مر الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفد ~~في دار المتقين، وأجب دعاءه في قوله: # رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين ~~. ا.ه. ~~(22) خطبة لأديب إسحاق # ولد أديب إسحاق في سنة 1856 وتوفي في سنة 1885 فلم يكد يبلغ الثلاثين من العمر، «ومن ~~أحبته الآلهة مات صغيرا.» ومن يقرأ مخلفاته الأدبية يجد أنه لم يكن يعيش ببطء وإنما ~~كان يسرع في العيش كأنه كان يحس بقصر عمره فكان يقتني من التجارب الذهنية - وهي كل ثروة ~~الأديب - في العام الواحد ما لا يستطيع غيره أن يقتنيه في أعوام. # قال عنه الشيخ إسكندر إلعازار صديقه يصفه أنه كان «راية في علم اللسان وآية في صناعة ~~البيان وغاية في حب الإنسان، وكان فتى لا كالفتيان، جريئا في الحق ما أخذته فيه لومة ~~لائم وما رهب فيه وعيدا ... عاش حر الضمير فكرا وقولا وعملا، ومات حر الضمير فكرا وقولا ~~وعملا، نشأ وطنيا خالصا صحيحا وعاش جنديا لأشرف الأصول وأسمى الغايات، وأنفق في خدمتها ~~من روحه ما كان ينفخ في القلم من الروح ... كان ms034 زهرة الأدب في الشام وريحانة العرب في ~~مصر، وكان للوطنية نصيرا وبالإنسانية بشيرا ولأعدائها نذيرا.» # وقد ألقى الخطبة التالية في جمعية زهرة الآداب وموضوعها التعصب والتساهل، قال: # لقد جرى لفظ التعصب على ألسنة أهل الإنشاء العربي بمعنى الغلو في الدين ~~والرأي إلى حد التحامل على من خالفهما بشيء فيما يدين وما يرى، وأجريت ها هنا ~~لفظ التساهل بمعنى الاعتدال في المذهب والمعتقد على ضد ذلك الغلو متابعة ~~للإفرنج في لفظهم المعبر عن هذا القصد (توليرانس). # ولا أجهل أن هذين الحرفين - لفظ التعصب ولفظ التساهل - غير وافيين بالمراد ~~منهما اصطلاحا وأن في إيلاء الأول معنى الغلو في الدين والرأي توسعا عظيما، وفي ~~إشراب الثاني ضد ذلك المعنى خروجا عن الحد اللغوي. ولكن للاصطلاح حكما نافذا ~~يسوق الألفاظ إلى المعنى الغريب فتنقاد، فإذا مرت عليها الأيام، وصقلتها ~~الألسنة والأقلام، جاءت منطبقة عليه بلا إلهام ولا إيهام. # وحد التعصب عند أهل الحكمة العصرية غلو المرء في اعتقاد الصحة بما يراه، ~~وإغراقه في استنكار ما يكون على ضد ذلك الرأي حتى يحمله الإغراق والغلو على ~~اقتياد الناس لرأيه بقوة ومنعهم من إظهار ما يعتقدون ذهابا مع الهوى في ادعاء ~~الكمال لنفسه وإثبات النقص لمخالفيه من سائر الخلق. # وحد التساهل عندهم رضا المرء برأيه اعتقاد الصحة فيه واحترامه لرأي الغير ~~كائنا ما كان رجوعا إلى معاملة الناس بما يريد أن يعاملوه فهو على إثباته ~~الصواب لما يراه لا يقطع بلزوم الخطأ في رأي سواه، وعلى رغبته في تطرق رأيه ~~للأذهان، لا يمنع الناس من إظهار ما يعتقدون. # فمن تبين هذين الحدين وكان بصيرا سليم العقل طليق الذهن من إسار الوهم حار ~~لا شك في كثرة ما يراه من أهل التعصب على قلة من يمر به من المتساهلين. وعجب ~~وحق له العجب من بني نوعه كيف يداخلهم التعصب فيما يعتقدون وما يرون، وقد عجزت ~~أفهامهم عن إدراك الكثير من أسرار هذا الوجود، وقام لهم في كل حركة وكل سكنة من ~~أفكارهم دليل على امتناع الكمال على ms035 الإنسان وكان لهم في تعصب الأولين عبرة لو ~~كانوا يعتبرون! # ألم يروا كيف تعاقبت المذاهب وتوالت الآراء، وتتابعت قضايا العلوم الإنسانية ~~معدودة في عصورها من الحقائق وفيما يلي تلك العصور من الأوهام. ولا أذكر ~~العقائد الدينية متسلسلة من بوذا إلى زرادشت إلى كونفوشيوس إلى سائر دعاة الدين ~~كراهة أن يتوهم في قصدها بالذات، بل حسبي الإشارة إلى تعاقب الوهم والحقيقة ~~والخطأ والصواب في قضايا العلم عبرة للمتعصبين. # ألم يكن القول بسكون هاته الأرض قضية مسلمة، وبدوران الشمس من حولها حقيقة ~~معلومة، وبانقسام البسيطة سبعة أقاليم علما يقينا؟ أولم يكن طب أبقراط ~~إلهاما، وفلسفة أرستطاليس كشفا، وتعبير ابن سيرين حقا؟ فماذا تقول عن الذين ~~تعصبوا لهاته الأوهام على من كان في ريب منها فألزموه الصمت والخسف، وعاملوه ~~بالشدة والعنف؛ حرصا على ما يتوهمون من الحق والحق بريء منهم لو يعلمون؟ # ولقد رجعت إلى المحفوظ من أخبار الأمم حتى بلغت الحد الذي يدخل التاريخ منه ~~في ظلمات الريب والخفاء، فما مر بي جيل من الناس، ولا حقبة من الزمان، إلا رأيت ~~من آثار التعصب في الدين والرأي ما ينقبض له الصدر استنكافا، وتثور منه النفس ~~استنكارا، ثم عدت إلى الفطرة الإنسانية لاستكشاف العواطف الطبيعية، فرأيت فيها ~~من السذاجة والسلامة ما ينطبق على حكم التساهل من كل الوجوه، فعلمت أن التعصب ~~على قدم وجوده حادث طارئ على الإنسان، تولد عن مفاسد الرياسة في الجماعات، ~~وتأصل بالعادة والتقليد حتى صار في النفوس من الملكات، يظهر ذلك لمن تدبر قدم ~~التعصب في جنب خروجه عن الطباع، ويعلمه من تأمل أحوال الرياسة في صدور هيئات ~~الاجتماع. # ولعلي أوجزت وأجملت والأمر محتاج إلى الإيضاح والتفصيل، فأقول: # قد اجتمعت آراء المفكرين على أن الرياسة قد حصلت بدأة بدء للمتمولين أو ~~الأقوياء، وفي الحالين لم يأمن الرؤساء على سطوتهم أن تزول بفقد الثروة أو ~~انحطاط القوة، فالتمس النبهاء منهم تأييدها بما لا تؤثر فيه النوازل ولا يضعفه ~~كرور الأيام، فوضعوا للجماعات أحكاما، كل رئيس وما توهم فيه المصلحة أو ms036 ما رأى ~~ميل قومه إليه، فرضي كل أناس مشربهم، وقالوا هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وقال ~~غيرهم من الأقوال: بل الحق ما نحن عليه فأنتم في ضلال مبين، فوقعت بينهم الإحن، ~~وشبت أعقابهم على العداوات، حتى قويت روابط الأوهام، فتقطعت صلات الأرحام، فصار ~~من الفضيلة أن يقتل الإنسان أخاه إن خالفه فيما يراه. وامتلأت رءوس الخلق ~~عنادا، فملئوا الأرض فسادا، فعدت المظالم عدلا وسميت المذابح جهادا. # ولا أحاول استيعاب المفاسد والنوائب التي نشأت عن التعصب في الدين والرأي، ~~فذلك تاريخ الحروب والفتن والغارات والمهاجرات من صدر الاجتماع الإنساني إلى ~~الماية السالفة في بلاد الغرب وإلى هذه الأيام في بلاد الشرق. بل الغرب على ~~انتشار العلوم فيه وحصول الحرية لأكثر ساكنيه لم يخل إلى الآن من آثار ذلك ~~الداء العياء. # نعم، لا نرى فيه الآن أفرادا وجماعات من الناس يذوقون ألوان العذاب ثم ~~يقتلون صبرا شهداء ما يعبدون كما وقع لأهل النصرانية في دولة الرومان، ولا نجد ~~ألوفا من السكان المستأمنين يخرجون من أرضهم بالقوة أو تهدر دماؤهم لاستمساكهم ~~بما كان يعبد آباؤهم كما جرى لليهود في إسبانيا، ولا نبصر ديوان عقاب ونقمة ~~يحكم بالتشهير والحرق والتعذيب والموت على من اتهم بالشك في رواية المجاذيب عن ~~بعض النساء عن بعض الأطفال كما كان ديوان التفتيش في كثير من ممالك الإفرنج، ~~ولا نلقى مئات ألوف من نبهاء الخلق الأمناء الصادقين يبيتون في منازلهم ويؤخذون ~~بالسيف تقتيلا لمجرد أنهم يفهمون من آي الكتاب خلاف ما يفهم غيرهم من الناس كما ~~حل بالبروتستانت عام 1572 في بلاد الفرنسيس، ولا نجد أيضا جماعات من الخلق لا ~~يستطيعون النطق بما يعتقدون ولا الظهور بما يعبدون، ولا أفرادا من الجماعة ~~يعاقبون بالسجن أو التبعيد لأنهم يأكلون ألبان حيوانهم، في زوايا أكواخهم، يوم ~~يأكل ساداتهم ألوان الأسماك الشهية، ويشربون معتقة الخمور في غرف القصور. # نعم، لا نرى كل ذلك في الغرب الآن ولا نكاد نبصره في الكثير من أقطاره ~~مأخوذا بما أوضح من رأيه وما أشاع ms037 من مذهبه وإن خالف رأي الأكثرين. ولكن هذا ~~التساهل في الهيئات، أرسخ منه في الأفراد إلا الذين تطهروا من أدران التقليد ~~وسلموا من علل الأوهام، وغالبوا الملكات الحاصلة عن العادات وترفعوا إلى مقام ~~السذاجة الأعلى وقليل من هم. # وإلا فما هذا الذي نراه من التحامل على بقايا آل إسرائيل في بلاد الروس ~~والألمان؟ وما ذلك الذي مر بنا من مظاهر الإحن بين الكاثوليك وغيرهم في تلك ~~البلاد؟ وماذا الذي نسمع به الآن من الخلاف والشقاق بين الشيع المتباينة في ~~فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وغيرها من أعرق البلاد في التساهل والحرية؟ # ألا أقص عليكم إخواني شيئا مما تبين من محاكمة المتهمين بالفتنة التي جرت ~~منذ شهرين في بلدة منسوليمين بوطن الفرنسيس: تبين من تلك المحاكمة أن أصحاب ~~المعدن في تلك البلدة (والبلدة عبارة عن المعدن والعاملين فيه) كانوا إذا رأوا ~~من أحد الفعلة فتورا في العبادة، أو ضعفا في العقيدة التي يعتقدون، ضربوا ~~عليه الغرامة أجرة يوم أو يومين وما فوق، وإذا ظهر عليه انحلال العقيدة طردوه ~~من المعمل رأسا؛ أي حكموا عليه بالفاقة وعلى عياله بالجوع، وإذا مات ذلك المنحل ~~العقيدة فشيعه صاحب له من رفقاء أتعابه إلى القبر، عاقبوا المشيع بمثل هذا ~~العقاب وهم هم في البلد الذي افتدى أهله بدمائهم حرية السعي وحرية الرأي وحرية ~~القول، فما الظن بغيرهم من أهل سائر الأقطار؟ وما الظن بنا نحن الذين كان من ~~نعم الله علينا أن وجدت بلادنا المقدسة مهبطا للوحي ومقاما للعقائد الدينية ~~من عهد موسى صلوات الله عليه إلى هذه الأيام؟ # بل ما الظن بنا ونحن أحرص الناس على تعاليم السلف الكرام فيما لا يمس جانب ~~النفع الأدبي ولا يتصل بطرف الفائدة الحسية، حتى إن معارف علمائنا في هذه الحقبة ~~لتشاكل بالحرف معارف آبائهم من ثلاثمائة عام وتنحط بالضعف عما كانت عليه ~~معارفهم من ألف عام؟ وما الظن بنا ومثلي متكلما بهذا الموضوع في مثل هاته ~~الجمعية الزاهرة، يخاف معاذ الله ألا يجد لديكم استحسانا؟ لا جرم أنا أسعد ms038 ~~خلق الله في أسعد بلاد الله، فالحمد لله ثم الحمد لله. # وقد سبق القول في حد التساهل أنه رضا المرء برأيه اعتقاد الصحة فيه مع ~~احترامه لرأي سواه، وهذا وإن كان من الواجبات البديهية، والقضايا المسلمة عند ~~ذوي العرفان، إلا أنه لسوء الحظ كغيره من سائر الواجبات ترشد الحكمة إليه ، ولكن ~~تغلب الشهوة عليه، حتى لا يكاد يوجد في الإنسان إلا عند العجز عن مجاوزة حده، ~~لمجاوزة ضده، فهو كالحرية يشتاقها الإنسان مرءوسا، وينكرها رئيسا، وكالزهادة ~~يقبلها سقيما وينبذها معافى سليما، فلا يثبت على تغير الأحوال إلا عند ذوي ~~النفوس الكريمة والطباع القويمة وما هم بكثير. # فلكم رأينا من فئة مستضعفين يطلبون التساهل ويدعون إليه بكل لسان يثبتون له ~~الوجود من كل الوجوه، فلما أن قامت دولتهم، وقويت شوكتهم، وصار إليهم الأمر ~~والقوة، كانوا من الغلاة المتعصبين. وهذه تواريخ العقائد الدينية والمذاهب ~~الفلسفية والطرائق السياسية فيما تعاقب عليها من القوة والضعف والقبول والرفض ~~شاهدة بصحة ما أقول، لا يقف النظر على صفحة منها إلا رأى المتساهل في ضعفه، ~~متعصبا يوم قوته، والمتلاين في حال خسفه، متشددا في دولته؛ ولذلك لم يرض ~~الحكماء من التساهل بأن يكون صادرا من اللسان مراعاة لأحكام الضرورة أو من ~~عاطفة القلب ميلا إلى المعاملة بالإحسان، بل أوجبوا فيه الاعتقاد بتحتمه على ~~الإنسان علما منهم بأنه يكون في الحالة الأولى متعلق الوجود ببقاء تلك الضرورة، ~~والضرورات قابلة الزوال، وفي الحالة الثانية يتوقف البقاء على وجود تلك العاطفة ~~والعواطف لا تستقر على حال. ومثل هذا الواجب الأدبي الحق لا ينبغي أن يناط بهاته ~~الأسباب الواهية، وتلك العرى القريبة الانحلال، وإنما اللازم فيه تقييده بمبدأ ~~متين من الحق، وتأييده بعماد مكين من اليقين، بحيث يعلم مع مخالفيه فيما ~~يظهرون من آرائهم، وما يعلنون من مذاهبهم، أنه لا يفعل ذلك رهبة منهم إن كانوا ~~أقوياء، ولا شفقة عليهم إن كانوا ضعفاء، ولكن قياما بواجب من العدل ~~والحق. # قال أحد كتاب الفرنسيس في هذا الموضوع ما معناه: ~~«وجب التساهل على ms039 الإنسان من ثلاث جهات: من جهة نفسه، ومن جهة أبناء جنسه، ~~ومن جهة الحقيقة - والحقيقة هي الله.» # فأما من جهة النفس فلأنه من واجباتنا الأدبية التماس العلم والحكمة في أي وعاء خرجا، ~~وإصلاح ما عسانا أن نكون عليه من الخطأ. وكيف يحصل لنا ذلك إن سددنا أفواه الناطقين ~~ظلما واستبدادا ، ولم نسمع ما يقولون لننظر في أقوالهم، فنتم آراءنا بآرائهم؟ قال ~~فيكتور هيكو: # كل إنسان كتاب # يكتب الله سطوره # ويقول العاجز: # وكذا البحث زناد # قادح للحق نوره # كيف لا وفي أقوال أحقر الناس وآراء أصغر الخلق عبرة وفائدة وعلم جديد ~~للمتأملين! # وأما وجوب التساهل على الإنسان من جهة حق الناس عليه فلأن العدل الموجب للتكافؤ يلزمه ~~بقبول ما يريد أن يقبله الناس منه سواء، ولما كان أول واجباته الأدبية التماس الحق ~~والصواب، وثانيها إيضاح ذلك الحق بالأقوال والأعمال كان من الظلم القبيح أن يمنع غيره ~~من إبداء ما يظنه ذلك الغير صحيحا، ومن العسف المنكر أن يشوش عليه ما يلتمس من الحق ~~بالاغتصاب أو الإرهاب المانعين من التفكير. # وأما وجوب التساهل من الجهة الثالثة جهة الحقيقة الخالصة، فقد أثبته العقل ولم تنفه ~~نصوص الأديان بل أيدته في مواضع لا تعد، قال ترتليانوس الكلامي: «ليس من البر ولا ~~التقوى أن تسلب حرية الناس في أمور الدين، فإن الله - سبحانه وتعالى - منزه عن أن يريد أن ~~يعبد اضطرارا.» # وقال يوستنيانوس القديس: «أشد ما يخالف الدين نكرا أن يحمل الناس عليه ~~قهرا.» # وفي: # لكم دينكم ولي دين # وفي: # وجادلهم بالتي هي أحسن # بلاغ للمتبصرين. # فالذين يلتمسون الزلفى إلى الله بالوعيد والتهويل، والذين لا يريدون أن يعبد إلا كما ~~يريدون، والذين يحاولون رسم آرائهم في القلوب والجباه بالحديد والنار، كل هؤلاء يغضبون ~~الله ويكفرون بالحق ولا يشعرون؛ فإن الحقيقة ليست بأجنبية ولا بعدوة لتلقى على كاهل ~~المرء إلزاما، وإنما نحن ضيوفها بالطبع فهي تقبل علينا وتقف لدينا لنطلبها عن رضا ~~راغبين. # وقال شيشرون خطيب الرومان: «إنما نكون عبيد القانون لنصير بالقانون أحرارا.» # وفي الحديث ms040 المأثور: «كن للحق عبدا فعبد الحق حر.» وقول ذلك الخطيب الروماني ينطبق على ~~ما نحن بصدده، فيقال فيه: يجب أن نكون أحرارا لنخدم الحق كما يجب والحق هو ~~الله. # وهذا دعاء المتساهلين نجعله للمقام ختاما: يا بديع الصفات، إله جميع الموجودات، ما ~~عرفناك حق معرفتك، ولا اهتدينا بضيائك لحكمتك، ألهمنا في أمورنا رشدا، واسلك بنا سبيل ~~الهدى، لنتعاون على احتمال النوائب الكثيرة، في هاته الحياة القصيرة، ونعلم أن الخلاف ~~الذي بين وقاء أجسامنا الضعيفة، وبين لغاتنا المعاصرة، وبين عاداتنا السخيفة، وبين ~~أحكامنا الناقصة وبين أحوالنا المتباينة، في ما نراه على استوائها لديك، إن جميع هاته ~~المميزات بين هاته الذرات، لا تكون من أسباب الإحن والعداوات، فتستوي عبادتك برطانة من ~~لسان قديم مهجور، وبغيرها من لسان جديد مشهور، ولا يميز بين من يوقد الشمع نهارا ~~لدعائك، ومن يكتفي فيه بضياء سماءك، وبين من يلبس لذلك الذهب والحرير، ومن يستقبل سمائك ~~بأطمار الفقير، ويكون الذين ملكت أيمانهم قطعا مدورة من بعض المعادن متمتعين بلا تيه ~~بما يسمونه نعيما، والذين استولوا على نتفة حقيرة من متعة صغيرة منتفعين بلا كبر بما ~~يحسبون ملكا مقيما، ويكون سائر الناس راضين بالموجود، غير حاسدين على المفقود، ويذكر ~~أبناء الإنسان أنهم في الإنسانية إخوان، فلا يمزق بعضهم بعضا عنادا، ولا يملئون الأرض ~~فسادا، تجليلا لك عما يقول الجاهلون، وتنزيها لك عما يزعم المتعصبون، أنك أعظم من أن ~~تغضب، وأعز من أن ترضى، وأكرم من أن تعفو، وأكبر من أن تسر، وأجل من أن تساد، تماثلت ~~لديك الذوات وتساوت عندك الأشياء، وأنت في الكل وللكل سواء. وقنا العثرة مع المتعصبين، ~~واحشرنا في زمرة المتساهلين، آمين. ~~(23) خطبة لمصطفي كامل # لما خمدت الحركة العرابية وخنق أنفاسها الإنجليز سادت البلاد المصرية فترة من الخمول ~~السياسي حتى قيضت الأقدار لمصطفى كامل أن ينبه الأمة، فاستخدم لسانه وقلمه وماله في ~~سبيل إيقاظ الأمة، فكان خطيبا وصحفيا ومؤلفا ومؤسسا للمدارس. ومات في شبابه لأنه لم ~~يضن بهذا الشباب في خدمة مصر. # وكانت حياته موزعة ms041 بين جهدين: تحريك المصريين إلى مناهضة الإنجليز المحتلين لوطنهم ~~والمطالبة بالاستقلال، وتحريك الأمم الأجنبية إلى إدراك مقدار العسف الذي ينزله ~~الإنجليز ببلاد مصر. # فكان يخطب في القاهرة وباريس، وله رسائل تنشر في الإسكندرية وبرلين، وكان له صحف ~~تدافع عن قضيتنا بالعربية وأخرى تحاول إيقاظ ضمير الأمة المحتلة بالإنكليزية. # فلئن فخرت إيطاليا بغريبالدي وتباهت المجر بكوشوت فلنزهو نحن بمصطفى كامل. # خطب في الإسكندرية في سنة 1897 فقال: # سادتي وأبناء وطني الأعزاء # إني بفؤاد ملؤه الفرح والسرور أقف الليلة أمامكم متكلما عن شئون الوطن ~~المحبوب ومصالحه، وإني لأقابل انعطافكم نحو أضعف خدمة البلاد بمزيد الحمد ~~والشكران، وأستميحكم العفو إذا قصرت في أداء هذا الواجب، فإني إنما أسر بهذا ~~الانعطاف وبهذه المظاهرات، لا لأنها موجهة لشخصي الضعيف؛ بل لأنها أكبر دليل ~~علني على حياة الشعب المصري، وأقوى حجة تكذب دعوى القائلين بأن مصر وطن لا وجود ~~للوطنية فيه، وأن أبناء وادي النيل يقدمون بأنفسهم إلى ألد أعدائهم وطنهم وأقدس ~~ميراث لآبائهم وأجدادهم. # أجل، أيها السادة، إنكم باجتماعكم اليوم هذا الاجتماع الوطني ترفعون كثيرا من ~~مقام الوطنية المصرية وتخففون من آلام مصر العزيزة التي قاست وتقاسي أشد العذاب ~~على مشهد منكم يا أعز بنيها ويا نخبة أنجابها، فكل اجتماع وطني تذكر فيه مصر ~~ويطالب بحقوقها ويعلن أبناؤها إخلاصهم لها هو في الحقيقة مرهم لجراحها ودواء ~~لدائها، فاذكروها ما استطعتم، فإن في ذكراها ذكرى آلامها، وذكرى الآلام يجر ~~حتما إلى ذكر عوامل الشفاء. اذكروها كما يذكر الولد الحنون أمه الشفيقة وهي ~~على سرير المرض والعناء، اذكروها بآلامها وإن كان غيركم يذكر بلاده بمجدها ~~ورفعة شأنها. اذكروها فإنكم ما دمتم مقدرين لمصائبها عارفين بحقيقة آلامها دام ~~الأمل وطيدا في سلامتها ودام الرجاء. اذكروها فمن المستحيل أن يرى العاقل النار ~~في داره والداء في شخص أمه ويهمل النار ويهمل الداء. ومن المستحيل كذلك أن يكون ~~الوطن في خطر ونحن نيام، وأن يعمل الأجنبي لامتلاك بلادنا وسلب حياتنا بل ~~لاستعبادنا واسترقاقنا ونحن جامدون لا عمل ولا حراك. # ألقوا ms042 أيها السادة بأنظاركم قليلا إلى الأمم الحرة تجدوا كل فرد فيها يدافع ~~عن وطنه ويذود عن حوض بلاده أكثر من دفاعه عن أبيه وأمه، بل هو يرضاهما ضحية ~~للوطن ويرضى نفسه قبلهما قربانا يقدمها لإعلاء شأن بلاده، ويعد الموت لأجل ~~الوطن حياة دونها الحياة البشرية ووجودا دونه كل وجود. فلم لا يكون المصري على ~~هذا الطراز ووطنه أجمل الأوطان وأحقها بمثل هذه المحبة الشريفة الطاهرة؟ # اسألوا التاريخ أيها السادة ما واجب أمة دخل الإنجليز ديارها خدعة وعملوا ~~لامتلاكها وسلبها كل سلطة وكل قوة، يجبكم التاريخ إن واجب أمة هذا شأنها أن ~~تعمل بكل ما في استطاعتها ضد مغتصبها وأن تبذل في سبيل خلاص وطنها كل ما تمتلك ~~من مال ورجال. # أجل، كل احتلال أجنبي هو عار على الوطن وبنيه، والعار واجب أن يزول. ولست أقصد ~~بهذا الكلام أن أسألكم باسم الوطن إعلان ثورة دموية ضد محتل البلاد، كلا ثم ~~كلا، إن أقل الناس إدراكا لمصلحة مصر يعلم علم اليقين أنها منافية لكل ثورة وكل ~~هيجان، وإنما أسألكم أن تعملوا بكل الوسائل السلمية على استرداد الحقوق ~~المسلوبة منكم وأن تعملوا لأن تحكم البلاد بأبناء البلاد. نعم إني أعلم أن ~~الاحتلال قوي السلطة عظيم الرهبة شديد العقاب، وأن العمل ضده موجب للعذاب مسبب ~~للفقر والفاقة، ولكن في الرضا بالاحتلال الخيانة والعار، وفي العمل ضد الاحتلال ~~الشرف والفخار. # فيا ذوي النفوس الأبية ويا ذوي الضمائر الحية، اطلبوا الشرف ولو مع الفقر، ~~اخدموا الوطن ولو أسقطت على رءوسكم الصواعق، كونوا مع مصر إن سعيدة فسعداء وإن ~~تعيسة فتعساء، قولوا لعدوها في وجهه: أنت عدو لنا، ولصديقها: أنت صديق لنا، لا ~~تحبوا من يرميها بنبال الموت بل امنعوه عنها إن قدرتم، ثم ردوها في صدر راميها ~~إن استطعتم، وإن لم تستطيعوا فكونوا معها لا مع المعتدين. # وإن لمصر غير المحتلين أعداء آخرين هم آلات الاحتلال، آلات الفساد، فإن ذكرتم ~~الأعداء فاذكروا الخونة فهم ألد الأعداء، وأي الأعداء هم، أولئك الذين أنكروا ~~الوطن والوطنية، وائتمنوا على ms043 مصالح الأمة فعرضوا بها للدمار، أولئك الذين ~~أبرتهم مصر فقابلوا برها بالسوء وصاروا اليوم في أيدي المحتلين ضد الوطن ~~العزيز، آلات الدمار، آلات الخراب، أولئك الذين كلما صعدوا درجا من درجات ~~المناصب نزلت نفوسهم دركا وفقدوا نصيبا من الشرف وسمو الإحساس، أولئك الذين ~~يبيعون الوطن على مشهد من الأمم ويسيرون بين الناس حاملين لواء الخيانة والعار، ~~أولئك الذين إذا مد إليهم الوطن يد الاستغاثة مدوا إليه سيوفا ليقطعوا بها يده ~~الشريفة. # هؤلاء هم الخونة وهم أشد الأعداء ضررا، ويعلم الله أن الدم الذي يجري في ~~عروقهم هو دم فاسد ليس بالدم المصري الصادق، وإنهم مهما ذاقوا من لذة الحياة ~~الظاهرية فسينالهم العقاب أقسى العقاب ولو من أنفسهم متى حاسبوا ضمائرهم. نعم ~~سيعاقب الخائنون على خيانتهم، فكم رأينا في التاريخ رجالا خانوا أوطانهم ~~وساعدوا الأعداء على امتلاك بلادهم، فعوقبوا على خيانتهم لا من أبناء وطنهم فقط ~~بل من نفس الأعداء الذين خدموهم وساعدوهم، هذه سنة الله في خلقه، يقتل القاتل ~~عقابا على عمله، فكيف بمن يعتدي على أمة بأسرها بالخيانة ويعتدي عليها بالسلاح ~~الذي سلمته إياه ليدافع به عنها؟ # نعم، سيعاقب الخائنون وسيحمل أبناؤهم من بعدهم علم الخيانة على رءوسهم وسيبقون ~~في التاريخ مثلا كبيرا للأبناء والأعقاب. # وإن ذكرتم الأعداء فاذكروا المنافقين، فهم خونة تفننوا في أساليب الخيانة ~~يظهرون أمامكم بمظهر المخلصين وهم يدبرون مع الأعداء المكايد والدسائس، فهم ذوو ~~وجهين وذوو لسانين فحاذروهم وأعلنوا أمرهم ليخيب مسعاهم وتحبط أعمالهم. # أيها السادة، أعداء الوطن عديدون، ومصائب الوطن عديدة، وبديهي أن ازدياد ~~الأعداء يزيد من واجبات الوطنيين المخلصين لبلادهم، فلا تظهر الوطنية الحقة إلا ~~في أوقات الخطر ولا تعرف الهمم العالية إلا عند المصائب، وغني عن البيان أن ~~الأمة بأسرها كارهة للاحتلال، راغبة في الجلاء والحرية وقد أظهرت هذه الرغبة في ~~ظروف عديدة وجاهرت بها حينا بعد حين، إلا أنها كسائر الأمم في حاجة لأن يرشدها ~~أبناؤها المتعلمون ورجالها الخبيرون، ويسرني كما يسر كل مصري صادق أن الناشئة ~~المصرية عارفة بواجباتها نحو ms044 الوطن العزيز، فهم أبناء الوطن وهم رجال المستقبل ~~وبهم تحيا البلاد وبهم تقوم. # ولكن هناك فئة من المصريين لا أنكر إخلاص رجالها للوطن العزيز، ولكن أنكر ~~عليهم اليأس الذي يتظاهرون به في كل وقت وفي كل مكان، فهم ما عملوا ولا يعملون ~~للبلاد عملا نافعا ولكنهم جعلوا اليأس علة عدم العمل وعلة الكسل، فإن سألتهم: ~~لم لا تقومون بعمل عمومي نافع للبلاد؟ أجابوك: نحن يائسون من مستقبل الوطن ~~معتقدون بظلمة الأيام الآتية. # فبالله كيف يستطيع طبيب أن يحكم على عليل بعدم الشفاء قبل أن يفحص داءه ~~ويعطيه الدواء؟! على أننا نرى الكثير من الأطباء لا ييأس أبدا من شفاء المريض ~~حتى في آخر لحظة من حياته، فكيف ييأس رجال من بني مصر من مستقبل البلاد؟ وهم ~~وإن كانوا قد خبروا داء مصر فيعلم الله ويعلم الناس أنهم إلى اليوم ما قدموا ~~لها الدواء، كيف نيأس من المستقبل والمستقبل بيد الله وحده وكثيرا ما تأتي ~~الحوادث بخلاف المنتظر وبغير حساب؟ ألم يكن الكثير من المصريين ومن غير ~~المصريين في يأس من مستقبل الدولة العلية ويعتقدون أنها على مقربة من الموت، ~~فها هي اليوم قد ساعدتها الحوادث التي ساقها الأعداء مؤملين البطش بها، فظهرت ~~بمظهر القوة والحياة، وأصبحتم جميعا فرحين بسلامتها معتقدين حسن مستقبلها. # كيف نيأس من المستقبل وقد أرانا التاريخ أمما حكمها الأجانب قرونا طويلة ثم ~~قامت بعد الذل والاسترقاق مطالبة بحقوقها وأخرجت الأعداء من ديارها واستردت ~~حقوقها وحريتها. # هي النفوس الصغيرة التي يخلق عندها الأمل بكلمة أو بتلغراف، ثم يستولي عليها ~~اليأس بكلمة أو بتلغراف. أما النفوس العالية الكبيرة فيدوم الأمل ما دام الدم ~~في العروق وما دامت الحياة. # وأي حياة ترضاها النفوس الشريفة مع اليأس، أيجمع المرء في جسم واحد الموت ~~والحياة؛ إذ اليأس موت حقيقي وأي موت؟! # كيف نيأس ونحن جميعا عالمون بأن ما يظهر طويلا في حياة الأفراد هو قصير في ~~حياة الشعوب؟ فعشر من السنوات في حياة الإنسان طويلة حقا ولكنها في حياة الأمة ~~قصيرة جدا. ms045 على أنه إذا كان اليائسون معتقدين صحة أفكارهم فعار عليهم أن ~~يقوموا في الأمة بوظيفة تثبيط همم الآملين. والآملون في البلاد كثيرون بل الأمة ~~كلها مؤملة خيرا في المستقبل، وإن لم تظهر إلى الآن أعمال الآملين فستظهر بعد ~~قليل وسترى الأمة المصرية وأمم العالم أجمع أن للوطن المصري أبناء مخلصين ~~يقدرون الوطنية قدرها ويعرفون لمصر حقوقها ولا يخافون الاحتلال وقوته بل ~~يجاهدون في سبل خلاص البلاد منه أشد الجهاد وأحسنه. ولا غرو فإن سبيل خدم الوطن ~~عديدة وإن أهمها إعلان الحقيقة في كل بلد وفي كل زمان، فالحرية بنت الحقيقة وما ~~انتشرت الحقيقة في أمة إلا وارتفعت كلمتها وعلا شأنها، فالحقيقة نور ساطع إذا ~~انتشر اختفى الظلم والظلمة وانتشرت الحرية والعدل، فكما أن الأفراد لا تسلب ~~حقوقهم ولا يعتدي اللصوص على أمتعتهم إلا في ظلام الليل الحالك، فكذلك شأن ~~الأمم لا تسلب حقوقها ولا يعتدي العدو على أملاكها إلا إذا كانت الحقيقة مجهولة ~~فيها وكانت هي عائشة في الجهل والظلام. # فيا أيها المصريون المخلصون لمصر، انشروا الحقيقة في أمتكم وفي الأمم الأخرى، ~~قولوا للمصري إنه إنسان من بني الإنسان له حقوق الإنسان تروه رجلا كرجال الأمم ~~الحرة يحمل لواء الوطن بكل قوة وإقدام. قولوا للفلاح المصري إنه خلق إنسانا ككل ~~إنسان وإن الله أعطاه في الحياة حقوق أكبر الأفراد، وإن له صوتا لو رفعه سمع ~~في الملأ الأعلى، وإنه ما خلق لأن يعمل لغيره بل ليعمل لوطنه ولنفسه تروه عندئذ ~~أشد الناس دفاعا عن حقوق الأمة والوطن. قولوا للأمة المصرية إنها أمة كسائر ~~الأمم من أقدس حقوقها أن تحكم نفسها بنفسها وألا تنفذ رغائب غيرها وأن تكون ~~في بلادها عالية الكلمة قوية السلطة لا يرد لها رأي ولا يخالف لها أمر؛ هنالك ~~تجدون الأمة حية والشعب قويا ولا ترون أولئك الذين يهزءون برغبة الشعب ورغبة ~~نوابه ويسخرون من رغائب الأمة ومن مطالبها. # انشروا الحقيقة عن مسألة مصر في كل بلد وفي كل ناد، فليس المصريون وحدهم هم ~~أصحاب الحقوق في ms046 مسألة مصر ضد المحتلين، بل معهم أمم كثيرة من أمم أوروبا لها في ~~مصر مصالح توافق مصالحهم ولا توافق مصالح المحتلين، وخير ما يعمل لمصلحة مصر هو ~~أن تنضم الأمم الأوروبية إلى الأمة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي؛ ففي ذلك ~~الخلاص وفي ذلك السلام. # ولسنا أيها السادة بأنصار دولة دون دولة بل نحن أنصار الوطن المصري وطن ~~الآباء والأجداد وموطن الأبناء والأعقاب، فإن ظهرت دولة من الدول بمظهر المحبة ~~لمصر والميل لمساعدتها كنا أكبر أصدقائها وأعظم أنصارها، فمصلحة وطننا قبل كل ~~مصلحة، وهي هي المصلحة الوطنية التي تفرض علينا أن نشكر من صميم فؤادنا الذين ~~رفضوا من سياسيي أوروبا العمل مع الإنجليز ضد مصر والذين أوقفوا الإنجليز عند حد ~~الاحتلال في البلاد. وهي هي المصلحة الوطنية التي تفرض علينا أن نشكر كل رجل من ~~أي أمة كان يدافع عن حقوق وطننا ويساعدنا على استرداد حريتنا وحقوقنا الشرعية. # وإذا كان بعض الرجال المخلصين للوطن العزيز يخافون الظهور أمام قوة الاحتلال ~~بمظهر المجاهرين ضده ولا يستطيعون أن يقوموا أمام الأمم مدافعين عن بلادهم ~~مناضلين عن حقوق شعبهم، فعليهم في مصر نفسها واجبات وطنية يضيق المقام عن عدها، ~~ولكني أقف قليلا وأذكر منها بنوع خاص واجب تربية الأمة وتعليمها. # نعم، إن هذا الواجب أكبر واجب وطني والبلاد مطالبة بالقيام به، فقد أصبحت ~~المدارس على خلاف رغائب الشعب وآماله، وأصبحت الأمة في حاجة إلى مدارس أهلية ~~ترشدها إلى مصلحة البلاد الحقيقة وتعلمها ما للأمة من الحقوق وما عليها نحو ~~الوطن من الواجبات. # لم لا يقوم كبراء مصر ووزراؤها السالفون بأمر تأسيس المدارس الأهلية وتربية ~~الأمة، لم لا يعقدون الشركات لهذه الغاية ويخصصون أيامهم الأخيرة لهذا العمل ~~الشريف؟ رأينا عظيما منهم قام بمسألة الإعانة العسكرية وأجهد نفسه في هذا الأمر ~~وله من الأمة والوطن جزيل الشكر والثناء، فلم لا نراه يقوم مع الكبراء الآخرين ~~بمسألة إعانة عمومية لتأسيس مدارس أهلية والبلاد في أشد حاجة إليها؟ يا أيها ~~الكبراء ويا أيها العظماء ويا أيها الأغنياء، ما الفخار ms047 بالرتب والألقاب ولا ~~بسكنى القصور العالية والتحدث بما كان وما ربما سيكون، بل الفخار كل الفخار في ~~العمل آناء الليل وأطراف النهار لخدمة البلاد وإعلاء شأنها، فما الحياة بأيام ~~تمر وسنين تكر بل بالعمل وبالخدمة الوطنية: # وما الحياة بأنفاس نرددها # إن الحياة حياة الفكر والعمل # وإذا كان رجل ضعيف الصوت مثلي يسأل السادة الأمراء والسادة الأغنياء العمل في ~~الشيخوخة والقيام في آخر العمر بتتويج خدمتهم الوطنية؛ فذلك لأني أعتقد أن ~~الكثير منهم قضى حياة شريفة وخدم البلاد بصدق وإخلاص، فهي هي البلاد بنفسها ~~تسأل خيرة رجالها على لسان أضعف أبنائها أن يبقوا مثلا طيبا للشبيبة ~~والناشئين، وأن ينشروا في الأمة نور التربية ونور الحقيقة وأن يبثوا فيها روح ~~الوطنية وروح الرجاء. # نرى الكثيرين من الأغنياء يهتمون بأمر توظف أبنائهم ولا يرون الشرف إلا في ~~الوظائف، فمتى يسمعون أنين الوطن وشكايته من هذا الداء العضال؛ داء السعي وراء ~~الوظائف. # اتركوا الأبناء معشر الآباء في الحياة الحرة، اتركوهم يخدموا الوطن ويخدموا ~~أنفسهم في غير دائرة الوظائف، اتركوهم أحرارا غير مقيدين بقيود الرواتب، ابعثوا ~~بهم إلى الخارج ليدرسوا التجارة والصناعة ويؤسسوا في البلاد المعامل والمصانع ~~تزدادوا بذلك شرفا وفخرا وتزدادوا أمام الله وأمام الوطن مثوبة وأجرا، وإلا ~~فإن أهملت تربية الأمة وبقي الكبراء منعكفين في إدارة شئونهم الخاصة واستمر ~~الآباء يلقون بالأبناء إلى مهاوي التوظف في الوظائف وبقيت التجارة والصناعة في ~~كساد ودامت الأمة في حاجة إلى استجلاب لوازمها الضرورية من غير بلادها، دام ~~الانحطاط ودام التأخر ودام الخطر، (انتهت باختصار). ~~(24) خطبة لسعد زغلول باشا # ليس في مصر اسم أجرى على اللسان تعرفه المرأة في خدرها ويهتف به الطفل ويشيد به ~~الشباب من اسم سعد زغلول، فهو الآن بطل الوطنية المصرية غير مدافع، صلب العود قوي ~~الشكيمة. عجمه الإنجليز فاستخشنوه فلفظوه إلى أقاصي أفريقيا في جزيرة سيشل، فعاد أخشن ~~ما كان موفور الكرامة مرفوع الرأس. # عدت على جسمه عوادي الشيخوخة فأحنى ظهره عبء سبعة عقود، ولكنه اغتصب من هذه الشيخوخة ~~العادية تاجا من ms048 الشعر الأبيض زاده جلالا وجمالا في عين الأمة. # له عزائم الشباب لأن في قلبه فتوة الشباب، يفكر تفكير الفيلسوف لأن الطبيعة حابته ~~برأس كبير كما حاباه الدهر بتجارب لا عداد لها، فكان محررا وكان ثائرا وكان محاميا ~~وكان قاضيا وكان وزيرا. # قال في سنة 1921 في فندق ماجستك بالإسكندرية: # يا سمو الأمير ، إخواني، أبنائي # اعذروني إذا أنا لم أقدر أن أخاطبكم كما أريد لأني تعب، أضناني التعب من هذه ~~الاحتفالات الساهرة، تلك المظاهر الساحرة، هذا الاستقبال الذي لا نظير له، وإني ~~بكل قوتي أحتج على قول حضرات أبنائي بأني أنا وحدي الذي فعلت هذا الذي تمدحونني ~~عليه، أحتج بكل قوتي لأني لست وحدي فيه، بل للأمة جمعاء أثر فيه. # أريد في وسط هذه المظاهر الهاتفة أن أوجه شكري وثنائي إلى الذين اشتركوا في ~~تأسيس مجدنا وتوفير سعادتنا وإنعاش آمالنا. # أتوجه والخشوع يملأ جوارحي إلى تلك الأرواح الطاهرة أرواح أولئك الأبطال ~~الذين نادوا بالحق والحق منكر، ففاضت أرواحهم وألسنتهم تردد ذلك النداء، فاضت ~~وقد شرفونا بإقدامهم وألزموا الكل باحترام مصر واسمها وبيضوا وجوهنا، والآن ~~فليناموا هادئين فقد انبلج فجر الاستقلال مضمخا بدمائهم، وخلفوا من بعدهم من ~~يستحق ذلك الفداء، بيض الله برحمته أجداثهم وأسكنهم جنات العلا وأرضى عن ~~أعمالنا أرواحهم وأراحهم بتحقيق آمالنا. # لله در الشبيبة ما فعلت، فإنها قد فتحت ما ضمت صدورها من كنوز الفتوة، وملأت ~~قلب البلاد عزة وحماسة وملأت رءوسها حكمة وملأت حركاتها نظاما، تلك الشبيبة ~~التي هي عماد الحركة الحاضرة ومبعث أنوارها الساطعة، أشكرها شكرا جزيلا، ~~وأرتاح جدا لأن المستقبل سيكون بيدها وهي يد ماهرة. # وأشكر العلماء والقسس الذين باتحادهم أبطلوا حجة في يد الخصوم طالما اتخذوها ~~سلاحا قاطعا، أزالوا الفوارق وأثبتوا أن الديانات واحدة تأمر بالدفاع عن ~~الوطن، وأنه ليس لها تأثير إلا في عبادة الخالق جل وعلا، أما في الوطن فالكل ~~سواء. # وأشكر أيضا الأمراء الذين حملهم ما ورثوه عن آبائهم من المجد والفخار أن ~~ينزلوا إلى صفوفنا وينضموا إلى التاجر والصانع والزارع والعامل ms049 وكل من يخفي تحت ~~تلك الثياب الزرقاء والبيضاء نفسا كريمة وقلبا أبيا، انضموا إلى هذه الصفوف ~~لأجل أن يستحقوا بعنوان آخر ذلك المجد الذي ورثوه عن الآباء. # فشكرا لهم ثم شكرا، والحق إن كل إنسان من المصريين قد قام بالواجب عليه، ~~وكل نافس أخاه في القيام بهذا الواجب وزاد عليه ليكون ممتازا على أقرانه بشيء ~~في خدمة الوطن العزيز، فكلكم شاكر وكلكم مشكور. ومن مجموع هذه المساعي سارت ~~قضيتنا إلى هذه النقطة الحاضرة، فإننا لما قلنا إن الحماية لاغية أعلنوا اليوم ~~هم أنها ليست باقية وأظهروا استعدادهم لاستبدالها بعلاقة أخرى راضية. والفضل في ~~هذا الفرق العظيم لسعيكم لا لسعيي والتمسك بالمبادئ السامية، فاهنئوا بما نلتم ~~واثبتوا حتى تفوزوا بالأماني الباقية. # خطبة أخرى لسعد زغلول باشا # ألقاها في كلية الأزهر بالقاهرة بين الطلبة في أبريل سنة 1921. # جئت اليوم لأؤدي في هذا المكان الشريف فرض صلاة الجمعة، ولأقدم واجبات الاحترام ~~لمكان نشأت فيه وكان له فضل كبير في النهضة الحاضرة، تلقيت فيه مبدأ الاستقلال لأن ~~طريقته في التعليم تربي ملكة في النفوس، فالتلميذ يختار شيخه والأستاذ يتأهل ~~للتدريس بشهادة من التلاميذ الذين كانوا يلتفون حول كل نابغ فيه ومتأهل له يوجه كل ~~منهم إليه الأسئلة التي يراها، فإن أجاب الأستاذ وخرج ناجحا من هذا الامتحان كان ~~أهلا لأن يجلس مجلس التدريس، وهذه الطريقة من الاستقلال التي تسمى الآن خللا في ~~النظام جعلتني أتحول من مالكي إلى شافعي حيث وجدت علماء الشافعية في ذلك الوقت أكفأ ~~من غيرهم. ولقد كان للأزهريين في الحركة الحاضرة فضل كبير بما ألقوه من الخطب وما ~~بثوا من الأفكار والمبادئ النافعة. # الفصل الثاني # | عيون الخطب الإفرنجية # (1) خطبة برقليس # كان برقليس (495-429 ق.م.) من خطباء أثينا وأحد رجالاتها المعدودين المحبوبين عند ~~جمهور السكان، وهذه الخطبة ألقاها في السنة الأولى من الحرب البلوبونيزية رثاء للجنود ~~الذين ماتوا في هذه الحرب سنة 431 ق.م. # إننا سعداء بنظام حكومي لسنا نحتاج به إلى أن نحسد جيراننا لما عندهم من ~~القوانين لأنه نموذج ms050 يحتذي به الآخرون بينما هو أصيل في أثينا، وهذا النظام ~~الموكل تنفيذه إلى جميع الأمة وليس إلى عدد قليل منها يسمى الديمقراطية، فمهما ~~اختلف كل فرد منا عن الآخر في شئونه الخاصة فنحن سواء في التمتع بمزايا ~~قوانيننا ونزداد مزايا بمقدار تفوقنا. وشرف الإعجاب ليس مقصورا على أسرة واحدة ~~بل للجميع أن يحصلوا عليه باستحقاقهم الشخصي، ولا يقعد الفقر بأحد يبغي خدمة ~~بلاده ويستطيع هذه الخدمة فينال الشهرة بعد الخمول، فلكل منا الحق في دخول ~~وظائف الحكومة دون أن تعترضه عقبة، ولنا أن نعيش حياتنا الشخصية في تبادل الحب ~~دون أن تنالنا شبهة، ولسنا نغضب من جارنا إذا اتبع ميوله ولسنا نستاء منه ذلك ~~الاستياء الذي وإن لم ينزل به عقابا فإنه يحدث له ألما، فنحن أحرار في حياتنا ~~الشخصية ولكننا لا نجرأ مهما كانت البواعث على مغاضبة الجمهور لما نحمل في ~~صدورنا من احترام الحكام والقوانين، وبخاصة تلك القوانين المدونة التي يقصد ~~منها التفريج عن المظلوم، وتلك التي لم تدون والتي تعود مخالفتها بالعار ~~والفضيحة على من يخالفها. # وقد هيأت لنا قوانيننا أوقات فراغ نمتع فيها عقولنا برؤية الملاهي العمومية ~~ومشاهد التضحية طول العام. وهي تؤدى بأبهة ورشاقة لا تبقيان في قلوب الناظرين ~~محلا للهم أو الغم. وقد صارت عظمة أثينا مدينتنا هذه سببا في جلب جميع حاصلات ~~الأرض بأجمعها إليها، فنحن نتمتع بأطايب بلادنا كما نتمتع بأطايب سائر بلاد ~~العالم. # ولسنا في حاجة إلى شواهد تثبت أننا نستحق هذه المكانة؛ فإن لنا حججا قوية ~~واضحة على ذلك وهي موضع إعجاب العصور الحاضرة والمستقبلة، فلسنا في حاجة إلى ~~شاعر مثل هوميروس لكي يتغنى بمديحنا كما أننا لسنا في حاجة إلى شاعر آخر لكي ~~يزين تاريخنا بعقود القريض؛ لأن الرأي في مآثرنا لا يكون عندئذ رأيا صحيحا ~~نزيها، فقد فتحت أساطيلنا كافة البحار وقد اخترقت جيوشنا جميع الأرضين وتركت ~~وراءها آثارا أبدية لعداوتنا أو صداقتنا. # هذه هي الدولة التي دافع عنها هؤلاء الجنود الذين قضت عليهم بسالتهم والذين ~~استهانوا بحياتهم ms051 فقاتلوا قتال الشجعان وماتوا موت البسالة. وإني مقتنع بأن ~~الذين لم يقتلوا على قدم الاستعداد متأهبون لأن يبذلوا نفوسهم في هذا السبيل. ~~ولهذا السبب تبسطت في بيان المزايا الوطنية لكي أبرهن لكم بأوضح ما يمكن أننا ~~في حربنا الراهنة نخاطر بأكثر مما تخاطر به أمة ليس لها هذه المزايا الوطنية ~~الثمينة، ولكي أبين لكم مقدار ما يستحقه هؤلاء الجنود من الشكر والحمد اللذين ~~قدمناهما لهم. وهذا الاحتفال الذي تحتفل به الدولة وتعلن فيه ثناءها وحمدها ~~إنما مرجعه إلى بسالة هؤلاء الجنود ومن يماثلهم من الرجال، وهذا الثناء قد يمكن ~~أن نعده مبالغا فيه إذا نحن أغدقناه على غير هؤلاء الجنود من الأثينيين، فهذا ~~الموت الذي قد انتهوا إليه أكبر شاهد على جدارتهم، وعلينا دين يجب أن نوفيه ~~بتكريم الرجال الذين أرصدوا حياتهم للقتال عن أوطانهم مهما كانوا أحط من غيرهم ~~في مضمار الفضائل ما داموا قد حصلوا على فضيلة البسالة فإن مأثرتهم الأخيرة ~~تمحو جميع مساوئهم السالفة؛ لأنها تشمل جمهور الأمة، بينما المساوئ لا تعدو العدد ~~القليل. ولسنا نجهل أنه لم يحجم أحد من هؤلاء عن الخطر مؤثرا الملاذ التي ~~تجتنى من عيشة السلام الوفيرة، كما أنه لم يضن أحد بحياته غرورا بالأمل بأن ~~الفاقة الراهنة قد تزول ويأتي مكانها الرخاء والسعة. كلا، إنما كانت تستعر في ~~قلوبهم شهوة واحدة؛ ألا وهي الانتقام من أعدائهم. لقد فروا من لومة الجبن ~~وتصدروا لصدمة المعركة ثم حملوا وهم لا يروعهم روع وقد عقدت آمالهم النصر لهم ~~فوقعوا، وهكذا أدوا الواجب الذي يدين به كل شجاع لبلاده. # وأما أنتم الذين لم تقتلوا فشأنكم أن تصلوا إلى الآلهة لكي يكون حظكم خيرا ~~من حظ هؤلاء، ولكن عليكم أن تحتفظوا بهذه الروح وتلك الحماسة اللتين تقاتلون ~~بهما عدوكم. ولست أحتاج إلى بيان فائدة هذا في خطبة مثل هذه فإن أي إنسان يتلهى ~~بالألفاظ يستطيع أن يقول لكم ما تعرفونه أنتم من قواعد مجاهدة العدو. ولكني ~~أدعوكم إلى أن تجعلوا عظمة أمتكم قبلة أفكاركم، فإذا أدركتم ms052 هذه العظمة فاذكروا ~~أنها نيلت بالأبطال الشجعان، برجال عرفوا واجبهم واستحوا من العار وكانوا إذا ~~ما أخفقت جهودهم خافوا الفضيحة على بلادهم فلم يضنوا بشيء من شجاعتهم. إنهم ~~أهدوا حياتهم إلى الجمهور ونالوا منه الحمد الذي لا يبلى، ولكل منهم ضريح عظيم، ~~ولا أعني ذلك الضريح الذي يضم رفاتهم الرميمة؛ وإنما أعني ذلك الذي يضم ~~شهرتهم وذكرهم، وهو ضريح يذكر كلما ذكر الشرف، فهذه الأرض بأجمعها ضريح عظماء ~~الرجال. ~~(2) خطبة الديموستينيس # كان ديموستينيس (382-322 ق.م.) خطيب أثينا بل زعيم خطبائها، وكان قبل أن عرفه جمهور ~~أثينا رجلا خاملا ضعيف البنية خائر الصوت ليست لحركته لباقة ولا في لسانه طلاقة الخطيب، ~~فلما اعتزم الخطابة «أخذ يقوي رئتيه وصوته بالصياح وهو يصعد في الجبال الوعرة، أو كان ~~يقف على شاطئ البحر فيرفع صوته فوق صخب الأمواج. وتغلب على عاهة النطق بأن كان يمارس ~~الكلام وفي فيه حصى، وتعلم أصول اللباقة ورشاقة الحركة بأن كان يقف أمام مرآة وهو ~~يخطب.» # قال عنه فنيلون: «إننا لا نفكر في كلماته بل نفكر في الأشياء التي يقولها، فهو يبرق ~~وهو يرعد بل هو سيل يجرف كل ما أمامه، فلا نستطيع أن ننتقده أو نعجب به لأننا قد فقدنا ~~حكمنا على مشاعرنا.» # وقد كانت مهمة ديموستينيس التي عاش من أجلها ومات في سبيلها إيقاظ ضمير الأمة ~~الإغريقية وتنبيهها إلى الخطر الذي يحيق بها من فيلبس والد الإسكندر المقدوني الذي كان ~~ينوي ضم بلاد الإغريق إلى مملكته، وكان قد رشا خطباء أثينا لكيلا ينددوا بأغراضه ~~فسكتوا وأبى ديموستينيس أن يرتشي ويخون وطنه. وقضى حياته وهو يحرض الأثينيين على مقاتلة ~~فيلبس حتى دس له هذا الملك من يطارده، ففر إلى أحد المعابد، وهناك تناول السم بيده ومات. # قال يحرض الأثينيين على قتال فيلبس: # إن بينكم أيها الأثينيون من يعتقد أنه يمكنه أن يربك الخطيب بقوله: «فماذا ~~نفعل إذن؟» وعلى هذا السؤال أجيب: «لا تفعلوا شيئا مما تفعلونه الآن، وافعلوا ~~كل شيء لم تفعلوه.» وإنه لجواب حق وصدق، ولكني سأزيدكم ms053 إيضاحا، ولعل أولئك الذين ~~يسارعون إلى السؤال يسارعون أيضا إلى العمل، فاذكروا أيها الأثينيون أولا أنه ~~من الحقائق التي لا مراء فيها أن فيلبس قد نكث عهودكم وأعلن الحرب عليكم، ~~فدعونا إذن من التثالب عن هذا الموضوع. ثم اذكروا أنه عدو أثينا الألد، عدوها ~~الذي يكره أرضها وأسوارها، بل يكره أولئك الذين يغتبطون منكم بأنهم قد نالوا ~~حظوة عنده. # فإن أخشى ما يخشاه فيلبس وأمقت ما يمقته هو حريتنا، هو نظامنا الديمقراطي، ~~فلكي يقضي على هذه الحرية وهذا النظام يهيئ فيلبس جميع شراكه ويدبر جميع ~~تدابيره. أوليس يجري على مبدأ واحد في كل أعماله هذه؟ إنه يعرف تمام المعرفة ~~أنه لو أخضع بلاد الإغريق كافة وعمها بفتوحاته فإنه يظل غير آمن عليها ما دامت ~~ديمقراطيتكم صحيحة لم تمس. وهو يعرف أنه لو أصابته هزيمة من تلك الهزائم التي ~~تقدرها الأقدار لبني الإنسان فإن جميع هذه الأمم التي قرنها عنوة إلى نيره ~~تسارع إلى الانضواء إليكم. أفي العالم ظالم يجب رده؟ هاكم أثينا! أفي العالم ~~أمة مقهورة تحتاج إلى رد حريتها إليها؟ هاكم أثينا ما أسرعها إلى الإسعاف! ففيم ~~نعجب من فيلبس إذا كان لا يطيق صبرا على هذه الحرية الأثينية التي تقف موقف ~~الجاسوس ينظر إلى شروره وآثامه؟ فأيقنوا أيها المواطنون أنه عدوكم الذي لا ~~هوادة عنده، وأنه إنما يعبي جيوشه ويهيئ عدده وينصب أشراكه لكي يقاتل أثينا. # فماذا عليكم أن تفعلوا باعتباركم رجالا عقلاء قد اقتنعتم بصحة هذه الحقائق؟ ~~يجب عليكم أن تنفضوا عنكم هذا السبات القاتل وأن يتبرع كل منكم بنسبة ما يملك ~~وأن تطلبوا من حلفائكم أن يتبرعوا ثم تستعدوا للاحتفاظ بالجنود المسلحين حتى ~~إذا كان فيلبس قد تهيأ لغزو الإغريق وإخضاعهم يكون لديكم جيش تمدونهم به ~~وتخلصونهم منه. ولا تخبروني عن المتاعب والنفقات التي يحتاجها هذا العمل، فإني ~~لست أنكرها، ولكن اعتبروا الخطر الذي يتهددكم واعتبروا مبلغ ربحكم فيما إذا ~~انضممتم للدفاع عن قضية الوطن إلى سائر الإغريق منذ الآن. والحق أنه لو أكد لكم ~~أحد ms054 الآلهة أن فيلبس لن ينالكم بأذى إذا بقيتم وادعين في مقامكم لا تحفلون بما ~~يعمل فإني أقول لكم والسماء تشهد علي أنه من الهوان ومن الصغار ومما هو دون ~~كرامة دولتكم ومجد آبائكم أن تضحوا مصالح وطن الإغريق بأجمعه لكي تنالوا أنتم ~~الراحة لأنفسكم. # أجل، إنه لخير لي أن أهلك من أن أشير عليكم بهذا، فليفعل ذلك من يشاء غيري، ~~واستمعوا لأقواله إذا أردتم، أما إذا كنتم تحسون مثل ما أحس وترون كما أرى أنه ~~كلما امتدت فتوحات فيلبس كان في ذلك تقوية لعدونا وشدا لأزره علينا حين نضطر ~~عاجلا أو آجلا إلى مكافحته فلم تترددون وأي اضطرار تنتظرون؟ فهل هناك ما يخشاه ~~الأحرار قدر ما يخشون سقوط الشرف؟ فهل أنتم في انتظار هذا؟ ألا إنه قد وقع بنا ~~الآن ما تنتظرونه وإن عبئه ليكدنا ويبهظنا. لقد قلت «الآن» ولكن الحقيقة أنه قد ~~وقع منذ زمان ولازمنا وجها لوجه. إلا أن هناك اضطرارا آخر قد احتفظ به لنا ~~للمستقبل: هو اضطرار الرق والجلد والصفع، فهل تنتظرون هذه الأشياء؟ ألا لا قدرت ~~الآلهة! إن النطق بهذه الكلمات مهانة وذل. ~~(3) خطبة لشيشرون # كان شيشرون (106 ق.م.-43 ق.م.) في رومية بمقام ديموستينيس في أثينا، وكان أديبا ~~وخطيبا معا ولكن تبريزه كان أظهر في الخطابة. وقد ولد في وقت بدأت فيه الجمهورية في ~~التدهور وأخذ قواد الجيش في الاستئثار بالسلطة، وأوشكت حرية الأمة الرومانية أن تزول ~~وأن تسود الإمبراطورية. وقد حدث في حياة شيشرون أن حاكم صقلية المدعو فرس قد طغى وتجبر ~~على الأهالي فشكوه إلى رومية، فكان شيشرون «المتهم العام» أو النائب العمومي في القضية، ~~فهيأ أركان الاتهام وألقى سبع خطب في صددها فكانت من الفصاحة والبلاغة بحيث فر فرس قبل ~~الحكم. # وكان موضوع خطبه قبيل وفاته تحذير الرومانيين من أنطونيوس القائد المشهور، فتخلص منه ~~هذا بأن أرسل إليه من اغتاله. # وقد ألقى الخطبة التالية وهو يتهم فرس بأنه جلد أحد الرومانيين الذين تكفي نسبتهم إلى ~~مدينة رومية في حقهم في ألا يجلدوا، ms055 قال: # وحدث أن فرس جاء في ذلك اليوم إلى مسانا فقدمت القضية له وقيل له إن الرجل ~~روماني وأنه يشكو من أنه قد حبس في محاجر سيراقوز، وكيف أنه عندما كان يوشك أن ~~ينزل إلى السفينة أخذ يفوه بألفاظ الوعيد يهدد بها فرس فأعيد ثانيا واعتقل ~~ريثما يقر قرار فرس على ما يريد أن يفعله معه. # وعندئذ يشكر فرس هؤلاء الأشخاص الذين اعتقلوا هذا الروماني ويحمدهم على ~~نشاطهم وحسن صنيعهم. ثم يأتي وهو ثائر بالشر والجنون «إلى الفورم»، عيناه ~~تقدحان والقسوة تبدو من وجهه والناس صامتون ينتظرون ما يشير به، ماذا يريد أن ~~يفعل؟ إنه يأمر في الحال بأن يقبض على الرجل وأن يجرد من ملابسه ويقيد في وسط ~~الفورم ثم تعد الأسواط، ويصيح الرجل في تعسه وشقاوته بأنه روماني وأنه أيضا ~~معدود من أهل كوزا الحاصلة على الحقوق البلدية وأنه قد خدم في الجيوش الرومانية ~~تحت قيادة الفارس الروماني العظيم لوقيوس برينيس الذي يسكن في مدينة بانورماس، ~~وكان فرس يستطيع أن يسأله عن صحة هذه الدعوى. # إن فرس يقول إنه كان قد تحقق من أن المتهم قد أرسله العبيد الآبقون إلى صقلية ~~لكي يكون عينا يتجسس لهم، وهذه تهمة لم تقم عليها بينة وليس لها أصل، بل ليس ~~هناك أقل شبهة في وجودها في رأس أي إنسان، ثم يأمر فرس أن يجلد الرجل بالسياط ~~على جميع جوانب جسمه. # رجل روماني يجلد بالسياط أيها القضاة في وسط الفورم! وطول مدة هذا الجلد لا ~~يتأوه الرجل ولا يسمع منه في وسط آلامه وبين قرقعة الأسواط سوى هاتين الكلمتين: ~~«أنا روماني!» # كان هذا الرجل يتخيل أنه بهاتين الكلمتين يستطيع أن يدفع عن نفسه هذه السياط ~~ويقي نفسه عذاب الجلد، ولكن هذه الكلمات لم تقلل من عنف السياط ولم يجده رجاؤه ~~وإثباته أنه روماني شيئا إذ رأى بعد الجلد أنه قد أحضرت له خشبة لكي يصلب ~~عليها، ولم يكن قد رأى قبلا أن الاستبداد والجبروت يصلان إلى هذا الحد. # فواها على اسم الحرية ms056 الحلو! ووا أسفا على حقوق الحرية الرومانية ... أيها ~~القضاة، هذه سلطتكم التي أسفنا لضياعها قد ردها إليكم الرومانيون فانظروا كيف ~~يعامل روماني في مدينة من مدن حلفائنا المتحدين معنا، يقيد ويجلد بالسياط في ~~وسط الفورم بأمر رجل لم يحصل على مركزه إلا بفضل الرومانيين. ~~(4) خطبة للقديس برنار # كان القرن الثاني عشر قرن الحروب الدينية الصليبية، فكان التعصب رأس الفضائل عند ~~المسلم والنصراني وكان هو الزاد الذي تغتذي به القوة المعنوية لكل من الفريقين. وكان ~~القديس برنار رأس أحد الأديرة في فرنسا، وقد عاش من 1091 إلى 1153م. وكان إذا خطب امتلك ~~قلوب سامعيه لما كان في كلماته من الإغراء وقوة الإقناع حتى «كانت الأمهات يخفين ~~أولادهن والزوجات أزواجهن والناس أصدقاءهم» عندما كان ينزل ببلدة ليخطب فيها خوفا ~~عليهم من إغراء الخطيب لهم. وكان جل خطبه في الحض على مقاتلة المسلمين وإجلائهم عن ~~سوريا وفلسطين. ويحسن أن يقارن القارئ بين هذه الخطبة وبين خطبة ابن الزكي التي ألقاها ~~عند فتح صلاح الدين لبيت المقدس، ففي كلتا الخطبتين روح دينية هوجاء كلها بغض وكلها ~~تعصب كأن الحب والتسامح منكران لا ينبغي لأحد أن يدين بهما. # قال القديس برنار يحض الأوروبيين على حرب المسلمين: # لا مناص لكم من أن تعرفوا أننا نعيش في عصر العقاب والدمار، فإن عدو البشر قد ~~نفخ على جميع أنحاء العالم هبوات الفساد فإننا لا نرى سوى الشرور التي لا يعاقب ~~عليها أحد، ولم يعد لقوانين الناس أو قوانين الدين قوة تكفي لوقف انحطاط الآداب ~~أو منع الأشرار من التغلب، فلقد تبوأت الهرطقة كراسي الحق وأرسل الله لعنته على ~~الأماكن المقدسة، وأنتم أيها المستمعون لكلماتي سارعوا إلى تهدئة غضب الله، ~~ولكن لا تسألوه أن يستجيب لكم عن ظلامات كاذبة ولا تلبسوا الخيش وإنما تأبطوا ~~تروسكم فإن صليل السيوف وأخطار الحروب وكفاحها ومتاعبها هي الكفارات التي ~~يطلبها الله منكم، فكفروا عن خطاياكم بما تنالونه من الانتصارات على الأعداء، ~~واجعلوا خلاص الأماكن المقدسة مكافأة لكم على توبتكم. # من منكم لا يمتشق ms057 حسامه إذا قيل لكم إن العدو قد غزا بلادكم وأوطانكم وأرضكم، ~~وأنه قد سبى زوجاتكم وبناتكم وتناول بالرجس معابدكم؟! إن هذه الرزايا وأكبر منها ~~قد وقعت بإخوانكم وبأسرة يسوع المسيح التي هي أسرتكم، فلم تترددون في حسم هذه ~~الشرور ولم لا تنتقمون لهذه الفظائع؟ هل تتركون هؤلاء الأعداء هادئين ينظرون ~~ويتأملون ما يرتكبونه من المآثم في المسيحيين؟ اذكروا أن انتصارهم سيكون موضوع ~~حزن جميع العصور وسيكون للأجيال الحاضرة فضيحة أبدية لا تمحى. أجل، إن الله ~~الحي قد كلفني أن أعلن لكم أنه سيعاقب أولئك الذين لم ينصروه على أعدائه، فإلى ~~الحرب، هلموا إليها! وليؤنس قلوبكم غضب مقدس واجعلوا العالم المسيحي بأجمعه ~~يتجاوب هذه الكلمات التي فاه بها النبي: «ملعون من لا يلطخ سيفه بالدم.» وإذا ~~كان الله يدعوكم إلى الدفاع عن ميراثه فليس ذلك لأن يده قد فقدت قوتها، أليس في ~~مقدوره أن يرسل اثني عشر جيشا من الملائكة أو يفوه بكلمة فيذهب أعداؤه هباء؟ ~~ولكن الله نظر في أبناء البشر وأراد أن يفتح لهم الطريق على رحمته فقد أراكم ~~تباشير صباح يوم الأمان بأن هيأ لكم الانتقام لمجده ولاسمه. # أيها المجاهدون المسيحيون، إن الذي وهبكم حياته يطلب منكم حياتكم، وهذه ~~المعارك جديرة بكم لأنكم تنالون المجد إذا انتصرتم والنفع إذا هلكتم. أيها ~~الفرسان البواسل، يا حماة الصليب الأجواد، اذكروا مثال آبائكم الذين فتحوا ~~أورشليم والذين قد رقمت أسماؤهم في السماء فانبذوا ما يفنى واجمعوا ما لا يفنى ~~وافتحوا ملكوتا لا نهاية له. ~~(5) خطبة لبوسويه # كان بوسويه (1627-1704) من خطباء فرنسا المعدودين في عهد لويس الرابع عشر وكان قد نصب ~~نفسه للدفاع عن الكاثوليكية فكانت أكثر خطبه مواعظ يلقيها من منابر الكنائس. وقد ارتد ~~كثيرون من البروتستانت عن مذهبهم وعادوا إلى الكنيسة الرومانية لقوة عارضته وفصاحة ~~إلقائه. وله خطب عديدة مدونة، أفضلها ما ألقاه في رثاء أمير كونده وكان قائدا فرنسيا ~~شهيرا. والقطعة التالية مختارة من هذه الخطبة: # سار المرض في جسم أمير كونده ولكن الموت كان قد أخفى اقترابه، ms058 فلما تحسنت ~~حالته قليلا وكان الدوق دانجيان الذي كان يوزع وقته بين واجباته نحو أبيه ~~وواجباته نحو ملكه قد دعي إلى البلاط، تغير عندئذ الأمير لفراقه وهنا صرح له ~~أيضا بأن الموت قد أوشك أن ينزل به. ألا انصتوا أيها المسيحيون وتعلموا كيف ~~يجب أن تموتوا، أو تعلموا بالحري ألا تنتظروا الساعة الأخيرة لكي تشرعوا في أن ~~تعيشوا! أتنتظرون أن تبتدئوا الحياة عندما تقبض عليكم يد الموت الباردة في وقت ~~لا تعرفون فيه إذا كنتم بين الأحياء أو الأموات؟ ألا فاتقوا بالندم والتوبة هذه ~~الساعة؛ ساعة القلق والظلام. # لم يدهش الأمير عندما ألقى في سمعه هذا الحكم بل صمت لحظة ثم قال: «هذه ~~مشيئتك يا ربي، فلتكن مشيئتك، فامنن علي بنعمتك لكي أموت موتة هنية.» # فماذا ترغبون في أكثر من ذلك؟ ففي هذه الصلاة القصيرة ترون الخضوع لمشيئة ~~الله والاعتماد على عنايته والثقة بنعمته، وكل هذا تقوى وإيمان. # ومن هذه اللحظة صار كما كان شأنه في معامع القتال هادئا ضابطا لنفسه لا ~~يشغله سوى الاهتمام بجنوده، كذلك كانت هذه حالته في هذا الصراع الأخير، فلم ~~يتراء له الموت هيكلا مخوفا شاحبا ذابلا أكثر مما كان يتراءى له وهو في ~~المعارك ينتظر الظفر، فبينما كانت التنهدات والتأوهات تتصاعد حوله كان هو يدأب ~~على إصدار أوامره كأنه لم يكن هو المقصود بهذه التنهدات والتأوهات، وكان يأمرهم ~~بالكف عن البكاء، لا لأنه كان يحزنه هذا البكاء؛ بل لأنه كان يعوقه عن تأدية ما ~~يرغب أداءه. وفي هذا الوقت امتدت عنايته إلى أقل خدمه خطرا، فأثقل الجميع ~~بهباته وشرفهم بتحف تذكارية وفعل ذلك بسخاء جدير بنبالته وبخدمتهم. # وأسلم نفسه إلى ذراعي الله وجعل ينتظر في هدوء خلاصه وكان يبتهل إليه إلى أن ~~أسلم أنفاسه الأخيرة. وهنا ينبغي أن ينفجر رثاؤنا ونستسلم للتفجع على فقد مثل ~~هذا العظيم، ولكن إعزازا للحق وخزيا لأولئك الذين يزدرونه يجب أن تصغوا إلى ~~هذه الشهادة التي ألقاها وهو يجود بنفسه، فقد قال له الكاهن الذي حضر للاعتراف ~~أنه إذا ms059 لم يكن قلبنا بأجمعه مع الله يجب أن نسأل الله أن يجعله كما يشاء وأن ~~نقول له كما قال داود هذه الكلمات المؤثرة: «اللهم اخلق لي قلبا طاهرا.» # فلما سمع الأمير هذه الكلمات صمت وتأمل كأن الكاهن قد أوحى إليه خاطرا ~~عظيما، ثم دعا الكاهن الذي فاه بهذه الكلمات وقال له: «إني ما شككت قط في ~~خفايا الدين كما ذكر بعضهم ذلك عني.» # أيها المسيحيون إنه قال الصدق حين فاه بهذه الكلمات لأنه كان في حال لم يكن ~~مدينا فيه للعالم بشيء سوى الحق، وقد قال أيضا: «وأنا الآن أقل شكا مما كنت، ~~فعسى هذه الحقائق تتكشف وتتوضح في ذهني، نعم سنرى الله وجها لوجه.» ثم جعل يكرر ~~هذه العبارة الأخيرة باللغة اللاتينية كأن معناها قد لذ له، ورآه المحدقون به ~~وهو في هذه الحال الهنيئة فلم يضجروا من وقوفهم. # فماذا كان حديث نفسه في هذا الوقت؟ وأي نور جديد كان يلتمع فيها؟ وما كان هذا ~~الشعاع الفجائي الذي مزق سحب إحساسه وشتت الظلام عنه بل بدد عنه هذه الظلال بل ~~هذه الغوامض التي كانت تلبس الإيمان؟ وماذا جرى عندئذ لهذه الألقاب الفخمة التي ~~نتباهى بها؟ # سرعان ما ننسى ونحن على حافة المجد وفي فجر هذا النور الجميل خيالات هذا ~~العالم، وهذه الانتصارات اللامعة ما أكمدها في ذلك الوقت، وما أشد احتقارنا ~~لأمجاد هذا العالم، وما أعظم أسفنا لأن أعيننا قد عشيت بسنائها! # فهلموا أيها الناس، بل هلموا أيها الأمراء والأشراف! ويا من تحكمون على هذه ~~الأرض، ويا من تفتحون أبواب السماء للناس، وأخصكم أنتم أيها الأمراء والأميرات ~~والنبلاء الذين هم من سلالة الملوك، أنتم يا مصابيح فرنسا التي قد جللها ~~السواد، أنتم الذين قد غشاكم الحزن كما تغشى السحب الأرض، تعالوا وانظروا ماذا ~~بقي من هذا النبل العظيم ومن هذه العظمة العليا ومن هذا المجد الذي يغشي ~~العيون! ~~... تقدموا أنتم يا من يتبعون طريق المجد ويسيرون إليه وقلوبهم ممتلئة حماسة ~~ونفوسهم شجاعة وتعطشا إلى الحروب، هل رأيتم من كان ms060 أجدر منه بقيادتكم؟ فاندبوا قائدكم وابكوه ولسان حالكم يقول: «لقد قادنا هذا الرجل واقتحم بنا المعارك، ~~ونلنا في قيادته الرتب والدرجات واقتدينا به حتى وصلنا إلى أشرف الغايات في ~~الحروب ولا تزال له رهبة ينال بها الظفر، وها هو ذا الآن اسمه يحمس النفوس، ~~ويحذرها أيضا، حتى إذا فاجأها الموت الذي به تستريح من متاعبها تكون قد أعدت ~~نفسها لسكناها الأبدي، فهي لذلك في طاعتها لملك الأرض يجب أن تخدم ملك السماء.» ~~(6) خطبة لفنيلون # كان فنيلون (1651-1715) مطرانا في فرنسا وكان مؤدب ابن لويس الرابع عشر وقد ألف له ~~كتاب «تليماك». وكان هذا الكتاب سببا في حرمانه من منصبه لأن لويس اعتقد أنه وضعه لكي ~~ينتقد به بطريق التلويح الأحكام الاستبدادية التي كان يجري عليها هذا الملك. # وكان خطيبا وواعظا يجيد إذا تهيأ للخطبة ولا يأتي بالرذل إذا ارتجل، وفي الخطبة ~~التالية يحاول فنيلون أن يثبت وجود الله: # لست أفتح عيني دون أن أرى المهارة في كل شيء تكشفه لنا الطبيعة، فإن لمحة ~~واحدة تمكنني من أن أرى اليد التي صنعت كل هذه الأشياء، فإن الذين قد تعودوا أن ~~يفكروا في الحقائق المجردة ويسيروا في تفكيرهم إلى الأصول والمبادئ الأولى يرون ~~الله في الطبيعة؛ لأنهم يرونه في عقولهم، ولكن كلما استقام هذا الطريق حاد عنه ~~دهماء الناس وعامتهم الذين يتبعون أخيلتهم. # فإثبات وجود الله أمر بسيط ولهذه البساطة لا تستطيع الأذهان التي لم تألف ~~التفكير الذهني أن تقف على حقيقته. وكلما وضح النهج الذي يمكن به معرفة الكائن ~~الأعلى قلت العقول التي تسير في وضحه، على أن هناك طريقة يمكن أن تكون أوفق ~~الطرق لعامة الناس في إثبات وجود الله، فيها يمكن أولئك الذين لا يكثرون من ~~الرياضة العقلية والذين هم أكثر الناس خضوعا لحواسهم أن يعرفوا الله الذي ~~تمثله أعماله في الطبيعة، فإن الحكمة والقوة اللتين يظهرهما الله في كل شيء ~~صنعه تدلان على اسمه كما تعكس المرآة ظل الأشخاص لأولئك الذين لم يجدوا في ~~أذهانهم ما يثبت وجوده. ms061 وهذه فلسفة عامية تخاطب بها الحواس، لكل إنسان بعيد عن ~~الهوى أن يدركها ويفهم مغزاها. # فإذا فرضنا أن هناك رجلا قد شغله شاغل عظيم فقد نرى أنه يقضي أياما عديدة في ~~غرفته مكبا على عمله دون أن ينظر إلى أبعاد الغرفة أو زخارفها أو الصور ~~المعلقة حواليه، وهذه الأشياء جميعها على الرغم من أنها أمام عينيه لا يراها ~~ولا تترك أثرا في ذهنه. وإنما الناس يعيشون على هذا المثال، فكل شيء أمامهم ~~يدل على وجود الله ولكنهم لا يرونه، فهو في العالم وهو الذي صنعه ولكن العالم ~~يجهله، فهم يقضون حياتهم دون أن يروه لأن الحياة قد فتنتهم وغشت على بصائرهم. ~~وقد قال القديس أوغستين: إن عجائب الكون تنقص قيمتها في نظرنا إذا تكررت أمام ~~أعيننا. وقال شيشرون الروماني: «لما كنا مضطرين إلى رؤية الأشياء نفسها كل يوم ~~فإن العقل والعين يعتادان رؤيتهما؛ فلهذا لا نعجب ولا نحاول أن نكشف علل ~~الحوادث التي نرى أنها تحدث في طريقة واحدة لا تختلف، كأن جدة الشيء وما فيها ~~من طلاوة هي التي تبعثنا على البحث، أما عظمة الأشياء فلا تبعث فينا ذلك.» # ولكن الطبيعة بأجمعها تثبت مهارة صانعها التي لا نهاية لها، وأقول إن الصدفة؛ ~~أي تتابع الحوادث تتابعا لا إرادة فيه، ليست هي أصل كل ما نرى، وحق علينا هنا ~~أن نستشهد بأحد أمثلة القدماء. # من يستطيع أن يقول إن إلياذة هوميروس لم يؤلفها شاعر فحل وإنما هي حروف ~~الهجاء وضعت معا دون أن ترتب، فحدث صدفة واتفاقا أنها رتبت كل منها في مكانه ~~بحيث صار منها نظم مختلف القوافي ومعان تلون الأشياء بأشرف الألوان وأجملها، ~~فنرى فيها الأشخاص كالطبيعة لكل منهم خلق وروح؟ فمهما تمحل أي إنسان فإنه لن ~~يستطيع أن يقنع أحدا ذا حواس سليمة بأن الإلياذة ليس لها مؤلف وأن الصدفة هي ~~التي أوجدتها، فكيف يعتقد إذن إنسان ذو عقل أن الكون وهو من حيث العمل أعجب من ~~الإلياذة ليس له صانع وأنه وجد بالصدفة والاتفاق. ~~(7) خطبة لكرومويل ms062 # كان كرومويل (1599-1686) زعيم الثورة الإنجليزية على الملك تشارلس الأول ملك إنجلترا. ~~وكان هذا الملك قد نزع إلى الاستبداد وألغى البرلمان وأقفل أبوابه وطرد النواب، فألف ~~كرومويل جيشا وطارده حتى هزمه وأسره، وتألفت محكمة لمحاكمته فأدانته وحكمت عليه ~~بالإعدام، وأعدم فعلا وصار اسمه عبرة لكل خائن من الملوك يستهين بدستور بلاده. # وصار كرومويل حاكم البلاد ودعي باسم «المولى الحامي»، قال كارليل عن خطبه «إنها تفوق ~~ما يعتقده الإنسان في مخالفتها للخطب وفي عدم جريها على أساليب الخطابة أو في ترتيب ~~الأفكار ترتيبا منطقيا ... ولكن مضى زمن كان لهذه الخطب في إنجلترا شأن لا يقل عن شأن ~~خطب ديموستينيس المصقولة في أثينا.» # وقد ألقى الخطبة التالية ردا على ما اقترحه عليه البعض من أن يلقب نفسه بلقب ~~الملوكية، قال: # سأقول الآن شيئا عن نفسي، وإني أجهر بضميري وهو أني لست ممن يحفل بالألفاظ ~~أو الأسماء أو ما إلى ذلك، وليس أمامي نهج واضح ولكن عندي كلمة الله التي آمل ~~أن تكون معي على الدوام والتي هي قوام ضميري ومعول علمي ونبراس طريقي. وإذا كان ~~حقا أن الناس قد تقتادهم العناية الإلهية إلى الطرق المظلمة فليس لأحد أن ~~يعترض عليهم؛ إذ من من الناس يرضى أن يسير في الظلام؟ ولكن لله تدابير فإذا ~~شاء إنسان أن يعزو إلى العناية الإلهية جنونه وعمى قلبه فعليه خطيئته ... والحق ~~أن عناية الله قد نبذت لقب الملوكية ولم يكن هذا عن نزق أو عن هوى طارئ من ~~الأمة، كلا، إنما هو عن روية وتدبر لا يطلب من أمة كائنة من كانت أكثر منهما. ~~إنه نتيجة حرب أهلية دامت عشر أو اثنتي عشرة سنة سفك فيها كثير من الدماء. ولست ~~أماري الآن في عدالة هذه الحرب ولست أحتاج إلى أن أخبركم عن رأيي فيما لو عادت ~~الحال التي دعت إليها، ولكن إذا كان هذا مما يمارى فيه فما يقوله الإنسان عندما ~~يجد أن الله في صرامة حكمه قد استأصل عائلة بأكملها وأقصاهم عن البلاد لأسباب ~~يعلمها هو ms063 جلت قدرته؟ بل إنه ختم الحرب بأن استأصل أيضا الاسم واللقب. # إني أنا لم أفعل هذا ولم يفعله أولئك الذين طلبوا إلي أن أتقلد مقاليد ~~الحكومة التي أرأسها الآن، فإن البرلمان هو الذي فعل ذلك، وكانت لله بصيرة في ~~قمع العائلة ومحو اللقب، وكما قلت لكم لقد محا البرلمان هذا اللقب ونبذه وبقي ~~منبوذا إلى يومنا هذا ... # وإني أرجو إليكم ألا تظنوا أني أقول هذا برهانا على شيء ما! كلا، إن الله ~~أراد أن يجزي الشخص والعائلة ففعل بل محا اللقب أيضا. والآن ماذا يقول إنسان ~~يرى حكم الله هذا ويتأمل فيه ويرى هذا اللقب معفرا في التراب؟ أقول إني الآن ~~في مثل هذا المقام، إن في هذا لعبرة ينفعل منها رجل ضعيف مثلي وقد تترك أثرا ~~كبيرا فيمن هم أضعف مني؛ ولهذا فإني لا أبتغي أن أقيم ما هدمه الله ودفنه في ~~التراب، كلا إني لن أبني أريحا مرة أخرى ... # وليس عندي أزيد مما قلته. وقد أشرت إليكم في أول مقالي إلى هذه النهاية التي ~~انتهيت إليكم بها عندما أوضحت لكم الطريق الذي سأسلكه في هذه الخطبة. ويمكنني ~~أن أقول إنه ليس من مصلحتي ولا من مصلحة الخدمة التي أحمل أعباءها أن أدلي ~~بجميع الحجج على عدم منفعة مقترحكم أو فائدته للقيام بتأدية أعمالنا، أقول إنه ~~ليس من المناسب أن أجهر بجميع الأفكار التي تختلجني عن نقطة الأمن في هذا ~~الموضوع، ولكني أدعو الله أن يوفقكم إلى ما فيه إنفاذ إرادته، وهذا في الختام هو ~~ما يمكنني أن أقوله عن نفسي. ~~(8) خطبة لمارات # زعماء الثورة الفرنسية أشبه شيء، بقصابين منهم بأدباء أو سياسيين فديدنهم وهجيراهم ~~القتل وسفك الدماء. وكان مارات (1743-1793) أكثر هؤلاء الزعماء حضا للناس على التقتيل ~~وإعدام النفوس. وكان له شريكان في ارتكاب هذه المآثم باسم القانون وهما دانتون ~~وروبسيير. ولما ضج الناس من كثرة الدماء التي كان يلغ فيها مارات كثرت الشكوك حوله ~~وقصدت إليه فتاة تدعى شرلوط كوردي فقتلته وهو يستنقع في الحمام. # والخطبة التالية ms064 ألقاها دفاعا عن نفسه وكان قد اتهم بجملة تهم وكان يخشى أن يحكم ~~عليه بالإعدام، قال: # لقد كنت أخاف وأرتعد من حركات الشعب الحماسية والخالية من النظام عندما ~~رأيتها قد تعدت حدود الضرورة، ولكيلا تموت هذه الحركات موتا أبديا ثم لكي ~~نتجنب ضرورة عودتها اقترحت أن يدير الشعب في هذه الحركات رجل عاقل عادل مشهور ~~بتعلقه للحرية ويجعل الحرية العمومية غايتها العظمى. ولو أن الناس استطاعوا أن ~~يقدروا الحكمة في هذا المقترح ولو أنهم اصطنعوه برمته لاكتسحوا يوم فتح سجن ~~الباستيل خمسمائة رأس من المتآمرين، ولو أنا فعلنا هذا لاستقرت الأمور؛ ولهذا ~~السبب عينه اقترحت جملة مرار أن نعين شخصا ونمنحه السلطة المطلقة، والدليل على ~~أني أردت أن أقيده للمصلحة العامة هو أني اقترحت في أن يكون في طرف قدمه خرطوشة ~~ولا يكون له من عمل سوى إطاحة رءوس الخونة. # لقد كان هذا رأيي وقد أوضحته لأخصائي ونشرته في جميع كتاباتي، وقد مهرت هذه ~~الأقوال بتوقيعي ولست أستحي من ذلك، وإذا كنتم أنتم لا تفهمون فتعسا لكم! # إننا نعيش في عصر ولما تنته فيه أيام القلق والاضطراب، وها نحن أولاء بإزاء ~~ماية ألف وطني ذبحوا لأنكم لم تستمعوا إلى صوتي، وثم ماية ألف أخرى سيقاسون ~~الآلام ويوشك أن يحل بهم الدمار. واذكروا أنه إذا تردد الشعب فلن يكون ثم طريق ~~آخر للفوضى. # لقد نشرت هذه الآراء بين الجمهور فإذا كانت مخطرة فليفندها المستنيرون بما ~~لديهم من الأدلة. أما عن شخصي فإني أصرح بأني أكون أول من يسير على رأيهم وأقدم ~~لهم بذلك البرهان القوي على أني أرغب في السلام والنظام وسيادة القوانين عندما ~~أقتنع بعدالتهم. # هل تتهمونني بالطمع؟ إني لا أنزل للدفاع عن نفسي، افحصوا سلوكي واحكموا على ~~ماضي، فإني لو أردت أن أصمت وأتاجر بهذا الصمت لصرت من ذوي الحظوة في البلاط، ~~ثم ماذا كان حظي؟ لقد دفنت نفسي في المطبقات وتعرضت لجميع الأخطار وقد علق فوق ~~رأسي سيف ماية ألف سفاك ووعظت الناس بالحق ورأسي على النطع، فليتحد ms065 أولئك الذين ~~يخشون المستبدين معي ومع جميع الوطنيين الصادقين وعلينا أن نحث الجمعية الوطنية ~~على التعجيل في إقرار القوانين التي تضمن للناس السعادة، وبعد ذلك أذهب فرحا إلى ~~المشنقة. ~~(9) خطبة للامارتين # كان لامارتين (1790-1869) شاعرا وأديبا وسياسيا فرنسيا، وكان خطيب الجمهورية ينافح ~~عنها. ولما حدثت ثورة سنة 1848 كان هو من العوامل التي أفادت في منع الغلو فسار بالناس ~~في طريق وسط وكبح جماح المتطرفين والملوكيين. وفي الخطبة التالية يفسر معنى الثورة ~~الفرنسية وما جناه الناس منها، قال: # فما هي إذن الثورة الفرنسية؟ هل هي كما يقول عباد الأزمنة الماضية فتنة أمة ~~مضطربة لغير سبب تهدم في تشنجاتها الجنونية كنيستها وحكومتها الملوكية وطبقاتها ~~الاجتماعية وقوميتها حتى لقد مزقت أيضا خريطة أوروبا؟ كلا، لم تكن الثورة ~~الفرنسية فتنة منكودة كما يزعمون لأن هبوب الفتن إلى خمود عاجل وهي لا تترك ~~وراءها سوى الجثث والدمار، وليس من ينكر أن الثورة قد خلفت وراءها دمارا وآلات ~~للإعدام، وهذه لها بمثابة وخز الضمير للإنسان، ولكنها قد خلفت أيضا مذهبا ~~وخلفت روحا ستبقى وتعيش ما دام في الإنسان ذهن يفكر. # ولسنا نقول هذا تشيعا لشيعة ولسنا نقصد إلى تأليف شيعة، إنما نكون رأيا ~~وفي الرأي القوة والشرف والمناعة، فهل نحن لاجئون إلى العنف والضغط والقتل في ~~بدء جهادنا؟ كلا، وعلينا أن نشكر آباءنا لذلك؛ لأنهم قد خلفوا لنا الحرية التي ~~لا تفتقر إلى سلاح لأن سلاحها سلاح السلم تنشأ وترقى دون حاجة إلى الغضب أو ~~الشطط، ولهذا سنحوز النصر، ثقوا بذلك. وإذا سألتموني عن القوة الأدبية التي ~~سترغم الحكومة على النزول على إرادة الأمة لأجبتكم إنها سيادة الأفكار وملوكية ~~الذهن وجمهورية الذكاء، أو أقول بكلمة واحدة إنها الرأي؛ هذه القوة الحديثة ~~التي لم يكن القدماء يعرفون اسمها. # أيها السادة، لقد ولد الرأي العام يوم اخترع غوتنبرج الذي لقب بصانع العالم ~~الجديد بواسطة الطباعة تلك الصلة التي لا نهاية لها بين الأفكار والعقول ~~الإنسانية. وقوة الرأي هذه التي لا نكاد نفهمها ليست تحتاج في بسط سلطانها ms066 إلى ~~سمة الانتقام أو سيف العدل أو إلى آلة الإعدام؛ لأن في يدها ميزان الأفكار ~~والمؤسسات والذهن البشري، ففي إحدى كفتي ميزانها ستعيش مدة طويلة خرافات العقل ~~البشري والأهواء التي تدعى لها الفوائد وحقوق الملوك المقدسة والتمايز في ~~الحقوق بين الطبقات وعداء الدول وروح الفتح الحربي واتحاد الدين والحكومة ~~اتحادا فاسدا والرقابة على الأفكار وإسكات زعماء الشعب وتفشي الجهل بين سواد ~~الأمة والعمل في الحط من كرامتهم، أما في الكفة الأخرى فإننا سنضع أخف ما خلقه ~~الله وأقله مادة؛ نعني النور، ذلك النور الذي تفجر من الثورة الفرنسية عند ~~ختام القرن الماضي ولا شك أنه تفجر من بركان هو بركان الحق. ~~(10) خطبة لفكتور هيجو # كان فكتور هيجو (1802-1885) من أكبر القوى الأدبية في فرنسا زاول الشعر فبذ الشعراء ~~ومارس الخطابة فكان الثاني في حلبتها عند من يعدون ميرابو أولها في فرنسا. ونزع إلى ~~الشهرة والصيت بين العامة فمارس السياسة وهجر الأدب فنال مبتغاه وفقد الأدب العالمي ~~رجلا من أهل الكفايات فيه ظهرت بوادر أدبه في قصة «التعساء». # وقد ألقى الخطبة التالية في سنة 1778 بعد مرور ماية سنة على وفاة الكاتب الشهير ~~فولتير، قال: # منذ ماية سنة مات رجل، ومات خالدا مثقلا بالسنين وبالأعمال وبأمجد التبعات ~~وأكبرها ألا وهي تبعة تنوير ضمير الإنسان وتصحيحه، ومات تشيعه لعنات الماضي ~~وبركات المستقبل وكلاهما من مفاخر المجد. مات بين هتاف أهل جيله وخلفهم وبين ~~نعيب الماضي الذي لا يلين على أولئك الذين يجاهدونه. لقد كان أكبر من رجل، أجل ~~إنه كان عصرا، لقد أتم عمله وأدى الرسالة التي اختارته لها الإرادة العليا ~~التي تظهر في نظام القدر كما تظهر في نواميس الطبيعة، فإن الأربعة والثمانين ~~العام التي قضاها في هذا العالم كانت جسرا بين صعود الملوكية وبزوغ فجر الثورة ~~فقد ولد في عصر لويس الرابع عشر ومات في حكم لويس السادس عشر، فسطع على مهده ~~ضوء العرش العظيم كما انتشرت على كفنه الأشعة الأولى من الهوة السحيقة. # فقد كانت أيام البلاط أعيادا وكانت ms067 فرساي زاهية وباريس في جهل وكان القضاة ~~للتوحش الديني يحكمون بقتل الرجل المسن على الدواليب وبنزع لسان الطفل لأنه ~~أنشد إحدى الأناشيد. ورأى فولتير هذه الهيئة النكدة النزقة وأدرك جميع القوى ~~التي عبئت عليه من البلاط والأشراف والممولين وهذا السواد الأعمى من الشعب وهذه ~~المحاكم التي تذل الرعية وتستذل للراعي فتسحق وتتملق وتجثو أمام الملك على رقاب ~~الناس ثم هؤلاء القساوسة وهم أخلاط مناكيد لا يعرفون سوى النفاق والتعصب فأعلن ~~عليهم الحرب وشن غارته على هذا التآلف المكون من المظالم الاجتماعية وعلى هذا ~~العالم القوي العظيم. # فماذا كان سلاحه؟ كان ذلك السلاح الذي هو أخف من الريح ولكن له قوة الصواعق؛ ~~أعني به القلم، فجاهد فولتير بهذا السلاح وظفر به، فلتحيا هذه الذكرى، لقد انتصر ~~وهو فرد يحارب جموعا متألبة، وكانت حربه حربا بين العقل والمادة بل بين الرأي ~~والهوى أثيرت دفاعا عن المحقين على المبطلين وعن المستضعفين على الظلمة ~~الجائرين وكانت حرب الدفاع عن الخير والرحمة. وكانت في قلبه رقة النساء وغضب ~~الأبطال، وكان هو عقلا كبيرا وقلبا عظيما، هزم القوانين القديمة ودمغ العقائد ~~العتيقة. # إنه انتصر على أشراف الإقطاعات وعلى قضاة القوط وقساوسة الرومان ورفع العامة ~~الرعاع إلى مقام الشعب، وكان يعلم وكان ينشر السلم وكان ينشر المدنية، وكان لا ~~يعبأ بالتهديد أو السباب أو الاضطهاد أو مقالة السوء أو النفي. وكانت ابتسامته ~~تدمغ العنف وكان يهزم الاستبداد بتهكمه ويعبث بالمغرورين ويثبت أمام المكابرين ~~ويتغلب على الجهالة بالحق. ~~(11) خطبة لكوشوث # في سنة 1848 شملت أوروبا أو كادت تشملها ثورة تختلف نزعة ومبادئ باختلاف المكان، فكانت ~~في هنغاريا تنزع نحو استقلال البلاد، فأخذ المجريون في الاتحاد وكافحوا الاستبداد ~~مكافحة الأبطال وأوشكوا أن يتغلبوا على النمسويين، فما هو أن أحست روسيا بنهوضهم وقرب ~~انفكاكهم من قيد العبودية حتى خشيت على بنائها أن يتهدم في أثر هذه الحركة التي تصير ~~عندئذ مثالا وقدوة للشعوب المغلوبة على أمرها في دولة القياصرة، فأرسلت جموعها إلى ~~النمسا وشدت أزرها فأخمدت ثورة المجر، وعادت هنغاريا ms068 في قيد الاستعباد ولكن لم تمض ~~عشرون سنة حتى نالت استقلالها وصارت شريكة في مملكة «النمسا والمجر». # وكان زعيم الثورة في سنة 1848 رجل يدعى كوشوث وقف حياته على استقلال بلاده وأرصد ~~جهوده لتخليصها من نير النمسويين، فلما تألب الاستبداد وعقد الروسيون والنمسويون ~~الخناصر على خنق حرية المجر وغمروهم بجيوشها فر إلى تركيا، فكان كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار فقبض عليه الأتراك وسجنوه بدسائس السياسة النمسوية، وقضى سنوات يكابد عذاب السجن ~~في الأناضول حتى تحرك الرأي العام في إنجلترا والولايات المتحدة وطلب الإفراج عنه فسعى ~~سفيرا هاتين الدولتين حتى أطلق سراحه فقضى سائر ما بقي له من العمر فيهما. وكان يخطب ~~ويدعو إلى نصرة بلاده، وقد ألقى الخطبة التالية في برلمان الولايات المتحدة في واشنطون ~~إذ دعاه الأعضاء إلى وليمة في سنة 1852 تكريما له وإعزازا للمبدأ الذي قضى حياته في ~~الدفاع عنه، قال: # أقف الآن أمامكم كما وقف قينياس الإغريقي أمام مجلس الشيوخ في رومية؛ ذلك ~~المجلس الذي كان بكلمة واحدة حافلة بجلالة القوة يتحكم في أحوال العالم، ويقف ~~عتاة الملوك عن السير في طريق أطماعهم. أقف الآن أمامكم وقلبي مفعم بالإعجاب ~~والاحترام لكم أنتم المتشرعون في هذا البرلمان الذين تمثلون جلالة الأمة ~~المتحدة. إن جدران مجلس الشيوخ الروماني لا تزال أطلالها قائمة ولكن روحها قد ~~هجرها إليكم بعد أن تنسم نسيم الحرية، وتلك الأطلال التي لا تزال شاخصة تغشيها ~~الكآبة هي رمز إلى فناء الجهود الإنسانية وزوالها بينما هذا المكان هو رمز ~~للحقوق الأبدية. كان ذلك المجلس كاسيا بلون الفتوح والحروب أحمر قانيا وهو ~~الآن في ليل حالك من ظلام الظالمين بينما مجلسكم يسطع بضوء الحرية اللامع، كان ~~ذلك يحتجن العالم إلى مجده بينما مجلسكم هذا يحمي أمتكم ولا يرضى بأن يستحوذ ~~على شيء من حقوق الأمة. كان لذاك روعة القوة التي لا تقاوم بينما أنتم تفخرون ~~بتقييد هذه القوة. وكانت الأمم ترتعد وترتجف إذا رأت ذلك المجلس بينما ~~الإنسانية تعقد الرجاء بكم عندما تنظر إلى مجلسكم. وكان لا ms069 يدخل ذلك المجلس من ~~الغرباء إلا مهزوم أو منكوب قد شدت أيديه بالأغلال لكي يركع عند أقدام الظافرين ~~وأما أنتم فيدخل الغريب المبتئس إليكم فتدعونه إلى أن يقعد بجانبكم حيث لا يدعى ~~الملوك والقياصرة وليس لهذا الغريب من ميزة سوى أنه زعيم مضطهد لأمة مقهورة لا ~~حول له ولا قوة. كان شعار ذلك المجلس القديم: «ويل للمغلوبين!» بينما شعاركم ~~حماية المظلوم ولعنة الغاصب وعزاء المهزوم في قضية الحق. وبينما كان ذاك يقعد ~~فيه رجال يفخرون بسيادتهم على العالم يقعد هنا رجال ينحصر مجدهم في الاعتراف ~~بنواميس الطبيعة وبإله الطبيعة وفي إنفاذ إرادة الأمة التي هم خدامها. # وإن في تكريمكم إياي لتاريخا للأجيال المقبلة. أجل، إن الأجيال المقبلة ~~ستقرأ تاريخ ذلك الرجل الذي كان أول حاكم لبلاد المجر المستقلة فأخرجته القوة ~~الروسية الغاشمة طريدا من بلاده فعاش في المنفى في بلاد الأتراك يحميه سلطان ~~مسلم من استكلاب الجائرين المسيحيين، ثم طوحت به دسائس السياسة إلى سجون آسيا ثم ~~مدت إليه أميركا يده فخلصته، حتى إذا عبر المحيط الأطلانطيقي وهو يحمل آمال ~~الأمم المظلومة ويقف أمام أهل هذه الجمهورية الكبرى فيذكر أمامهم ظلامات بلاده ~~وارتباطها بمصير القارة الأوروبية ويصرح بجرأة من يدافع عن حق بوجوب رفع مبادئ ~~الدين المسيحي إلى أن تكون قوانين دولية، لم ير أن جرأته قد قوبلت بالصفح فحسب ~~بل يجد أيضا عزاء في عطف الملايين وتشجيع الأفراد والمدن والاجتماعات ~~والولايات تسنده معونتهم العاملة وتحييه حكومتهم وبرلمانهم وتقعده مقعد الضيف ~~المكرم وتسبغ عليه من المكارم ما لا يطمع فيه أمير قوي، ثم هذه الوليمة وهذا ~~الشراب الذي نتساقاه. أجل، إن لفي هذا تاريخا للأجيال المقبلة. # وإني أؤكد دون تردد أنه لا يوجد في بلادكم العظيمة هذه رجل واحد قد خطر برأسه ~~أن يضع مقعد أطماعه على أطلال حرية بلاده، وهو لو أتيح له تحقيق ذلك لما رغب ~~فيه؛ لأن للمؤسسات التي تنشأ بين ظهراني أمة أثارا تنعكس على أخلاق أفرادها، ~~ومن زرع الريح حصد الزوابع، فالتاريخ يكشف عن مقاصد ms070 العناية الإلهية. فالله ~~القادر يدير العالم المادي والعالم الأدبي بنواميس أبدية، وكل ناموس مبدأ وكل ~~مبدأ ناموس، والأفراد كالأمم لهم حق اختيار المبادئ بما لهم من الإرادة الحرة، ~~ولكنهم إذا ما اختاروا لم يعد لهم مفر من نتيجة اختيارهم، فالحرية من لوازم ~~الحكومة الذاتية، والعدالة والوطنية من لوازم الحرية، ومن مبدأ «المركزية» في ~~الحكم يتولد الطمع، والاستبداد من لوازم الطمع، وإن بلادكم لسعيدة لأنها قد ~~أغرمت بالحكومة الذاتية غراما شديدا. وعلى هذا الأساس بنى آباؤكم بيتا ~~للحرية هو أمجد ما رأى العالم، ورقيتم أنتم بهذا البناء حتى صار أعجوبة العالم. ~~إن بلادكم لسعيدة إذ اصطفاها الله لكي يثبت إمكان اتحاد الولايات المستقلة كل ~~منها محتفظ بحقوقه واستقلال حكومته ومع ذلك فهي كلها متحدة في دولة واحدة لكل ~~نجم منها نوره الخاص يتلألأ ومن الجميع تتألف مجموعة تضيء سماء البشر. ~~(12) خطبة لغامبتا # كان غامبتا (1838-1882) أحد مؤسسي الجمهورية الفرنسية الحديثة، وعندما حاصر الألمان ~~باريس في سنة 1871 فر من هذه العاصمة في بلون على أجنحة الريح حتى إذا صار بنجوة من ~~جيوشهم نزل فأهاب بالأمة الفرنسية فالتفت حوله فجعلت الجيوش تعبى تلو الجيوش فلا تصيب ~~من الأعداء سوى الهزيمة فتخلى عنه أنصاره فاستقال هو من الزعامة ورحل إلى إسبانيا، ~~ونازل الجنرال مكماهون فحكم عليه بالحبس والغرامة ولكنه عاد ففاز عليه واستقال الجنرال. ~~وكان رئيسا للوزارة الفرنسية ثم استقال في سنة 1882. وفي سنة 1920 عندما احتفل بمرور ~~خمسين سنة على الجمهورية أخذ قلبه فدفن في البانثيون مثوى أجساد عظماء الفرنسيين. وقد ~~ألقى الخطبة التالية إنهاضا لهمم الفرنسيين بعد الانكسار العظيم الذي نالهم على يد ~~الألمان، قال: # إن طبقة الفلاحين تتأخر جملة قرون عن طبقة المستنيرين والمتعلمين في هذه ~~البلاد، أجل، إن المسافة بعيدة بيننا وبينهم نحن الذين قد حظينا بتعلم العلوم ~~والآداب وإن كان هذا التعلم لا يزال ناقصا، فلقد تعلمنا قراءة تاريخ بلادنا ~~وأن نتكلم لغتنا بينما - وهذا من الفظائع - لا يزال كثير من مواطنينا لا ~~يستطيعون الأداء. # ويح هذا الفلاح ms071 قد قيدته أرضه بقيد الإسار يحمل عبئها حمل المقتدر الجسور ~~وليس له عزاء سوى أن يترك لأبنائه أرضه آملا أن يزيدوها فدانا أو بعض فدان، ~~فجميع عواطفه ومخاوفه ومباهجه معقودة بمصير أرضه، وأما عن العالم الخارجي وعن ~~الاجتماع البشري الذي يعيش بين ظهرانيه فلا يدري سوى الأساطير والإشاعات، وهو ~~مع ذلك فريسة الخداع والغش، فهو يطعن على غير دراية منه قلب الثورة التي أغدقت ~~عليه النعم، ويدفع ضرائبه ويسخو بدمه لهذا الاجتماع الذي يخشاه بمقدار ما ~~يحترمه، ولكن إلى هنا تنتهي مهمته فإذا تكلمت معه عن المبادئ تبينت أنه يجهل كل ~~شيء. # فإلى الفلاحين إذن يجب أن نوجه عنايتنا فهم الذين يجب علينا أن نرفعهم ~~ونعلمهم، ولا ينبغي أن تنبز الأحزاب بعضها بعضا بلفظة «الفلاحين» أو «مجلس ~~الفلاحين» ولا ينبغي أن يكون في هذه الألفاظ ما يسوء أحدا، فيا ليت كان لنا ~~مجلس فلاحين في المعنى الحقيقي لهذه الكلمة؛ لأن مثل هذا المجلس لم يكن ليؤلف ~~من جهلة بل من المزارعين الأحرار المستنيرين الذين يستطيعون النيابة عن طبقتهم. ~~وبدلا من أن تكون هذه الكلمة داعية إلى الهزء والسخرية تكون داعية إلى تقدم ~~سواد الأمة وتحضرهم، فمثل هذه القوة الاجتماعية الجديدة يمكن الانتفاع بها في ~~المصلحة العامة، إلا أننا لسوء الحظ لم نصل بعد إلى هذه الدرجة وسنظل محرومين من ~~هذا التقدم ما دامت الديمقراطية الفرنسية لا تعرف أننا بتعمير الأرياف ورد عظمة ~~الفلاحين وقوتهم وعبقريتهم إليهم وفي تربية هؤلاء العمال وتحريرهم إنما نعمل ~~لمصلحة الطبقات العليا ونمس مادة بكرا حاوية لكنوز لا تفنى من النشاط ~~والكفاية. فعلينا أن نتعلم ثم نعلم الفلاح ما عليه من الواجبات للأمة وما له من ~~الحقوق عليها. # وفي ذلك اليوم الذي ندرك فيه أنه ليس علينا من الواجبات ما هو أعظم من هذا، ~~وأنه يجب علينا أن نرجئ جميع الإصلاحات وأن نعرف أنه ليس يلزمنا سوى واجب واحد ~~هو تعليم الأمة ونشر التربية وتشجيع العلوم، في هذا اليوم نكون قد خطونا خطوة ~~واسعة نحو إحياء ms072 الأمة، ولكن هذا العمل يجب أن يكون مزدوجا يؤثر في العقل كما ~~يفعل في الجسم. وبعبارة أدق أقول إنه يجب على كل إنسان أن يكون ذكيا مدربا ~~على التفكير والقراءة، ومع ذلك ذا جسم قادر على العمل والقتال، فإلى جانب كل ~~معلم يجب أن يقف الجندي ومدرس الرياضة وذلك حتى يكون أولادنا وجنودنا وسائر ~~مواطنينا قادرين على أن يحملوا السيف والبندقية وأن يسيروا على أقدامهم ~~المسافات البعيدة وأن يناموا تحت قبة السماء وأن يتحملوا ببسالة جميع المشقات ~~التي تعرض للوطنيين، فعلينا أن نرقي هاتين التربيتين. وتذكروا أنكم إن لم ~~تفعلوا ذلك فنجاحكم في الآداب لن يجعل منكم سورا وطنيا يحمي البلاد من ~~الأعداء. # واذكروا أيها السادة أنه إذا كان الألمان قد تفوقوا علينا، وإذا كنتم قد ~~اضطررتم إلى مكابدة الآلام في رؤية بلادكم - بلاد كليبر وهوش - تفقد أعظم ~~ولاياتها التي يتجسم فيها الروح الحربي والتجاري والصناعي والديمقراطي؛ فليس ذلك ~~إلا لنقص في آداب الأمة وصحة أجسامها. والآن تقضي مصالح بلادنا بأن نلزم الصمت ~~فلا ننطق بكلمة هوجاء وأن نكظم غيظنا في صدورنا وأن نقوم بذلك الواجب العظيم؛ ~~ألا وهو إحياء الأمة فنرصد له ما يلزمه من الوقت حتى يصير عملا ثابتا يدوم مع ~~الأيام، فإذا كان هذا العمل يقتضي عشرة أعوام أو عشرين عاما لإنجازه فيجب ألا ~~نضن عليه بهذا الوقت، ولكن علينا أن نشرع من الآن حتى نرى في كل عام تقدم الجيل ~~الجديد في القوة والذكاء وحب العلوم وحب الوطن بحيث تحمل قلوب الشباب عاطفة ~~مزدوجة، ألا وهي أنه لا يخدم البلاد تمام الخدمة وينصح لها الولاء إلا من يخدمها ~~بعقله وذراعه. # لقد تعلمنا نحن تعليما غير مهذب فعلينا أن نعالج أنفسنا من ذلك الغرور الذي ~~جلب علينا البلايا العديدة، وعلينا أن نتحقق المسئولية، فإذا عرفنا العلاج بذلنا ~~كل شيء للوصول إلى الغاية، وهي إحياء فرنسا، ففي سبيل هذه الغاية يجب ألا نبخل ~~بشيء مهما عظمت قيمته وألا نسأل عن شيء آخر قبل تحقيقها، فأولى حاجاتنا في ~~هذا ms073 السبيل هي التربية؛ تربية كاملة من القاعدة إلى القمة بمقدار ما يستطيعه ~~الذكاء الإنساني. ومن الطبيعي أن نعترف بحقوق الجدارة فيجب إيقاظ الكفايات ~~وتزكيتها، ويجب اصطفاء القضاة الأشراف النزيهين وأن تكون أحكامهم عمومية تثبت ~~للجمهور أنه ليس ثم من مفتاح يفتح أبواب الحق سوى الجدارة، وعليكم أن تنبذوا ~~أولئك الذين يضعون الأقوال مكان الأعمال وأولئك الذين يضعون المحاباة مكان ~~الجدارة وأولئك الذين يحملون السيف لا لحماية فرنسا وإنما ابتغاء خدمة أحد ~~الأشخاص يطوح بهم في سبيل أهوائه ويشركهم في جرائمه، هؤلاء هم دعاة السوء ~~وفاعلو الشر الذين يجب عليكم أن تنبذوهم. ~~(13) خطبة للنكولن # كان إبراهام لنكولن (1809-1865) زعيما لحزب تحرير العبيد في الولايات المتحدة ~~الأميركية ثم رئيسا لهذه الجمهورية الكبرى. وربما لم تقع في العالم حرب أشرف من هذه ~~الحرب، فقد انشطرت الأمة شطرين: أحدهما المؤلف من أهل الشمال يقودهم لنكولن يرغب في محو ~~العبودية ورفع الزنوج إلى مرتبة الأحرار، ولم تكن لهم مصلحة مالية في ذلك ولم يكن لهم ~~مأرب خاص وإنما غايتهم تحرير الإنسان، وكان الشطر الثاني مؤلفا من أهل الجنوب وكانوا ~~يستوردون العبيد من أفريقيا ويستغلونهم في مزارعهم فيسخرونهم لأعمالهم يشتغلون نهارهم ~~بلا أجر لا يأخذون من أسيادهم سوى كفافهم من الطعام، واشتعلت الحرب وانهزم أهل الجنوب ~~وفتح بذلك للإنسان فتح جديد في المبادئ الأدبية العليا. وقد ألقى لنكولن الكلمات الآتية ~~في خطبة افتتاح عهد الرياسة الثانية، قال: # أبناء وطني، في وقوفي الآن أمامكم للمرة الثانية لكي أقسم يمين عهد الرياسة ~~لا تتيح لي الفرصة أن أسهب في الكلام بمقدار ما فعلت في المرة الأولى، فقد كان ~~من المناسب في ذلك الوقت أن ألقي أمامكم بيانا مفصلا بعض التفصيل عن الخطة ~~التي أزمعنا اتباعها. أما الآن فبعد انصرام أربع سنوات تليت فيها تصريحات ~~عمومية عن أماكن النزاع ووجوهه - هذا النزاع الذي لا يزال يستغرق جهود الأمة ~~وهمها - فليس لدي من القول مما جد سوى القليل، فإن تقدم جيوشنا الذي يتوقف عليه ~~كل شيء آخر معلوم لديكم كما ms074 هو معلوم لدي، وإني أعتقد أنه تقدم يجب أن نقنع به ~~ونتشجع منه. ولست أجرؤ على التنبؤ ولكن رجائي في المستقبل عظيم، وقد كانت ~~أفكارنا في مثل هذا الموقف منذ أربع سنوات تتجه نحو حرب أهلية وشيكة الوقوع، ~~وكنا كلنا نخشى هذه الحرب، وكنا كلنا نبحث عن السبيل إلى تجنبها. وبينما كانت ~~الخطبة الافتتاحية تلقى من هذا المكان وكانت كلها تدعو إلى الاتحاد وتجنب الحرب ~~كانت العوامل الثائرة تعمل في المدينة لتمزيق هذا الاتحاد بدون الحرب وقسمة ~~الغنائم بالمفاوضات، وكان كلا الحزبين يكره الحرب ولكن كان أحدهما يؤثر الحرب ~~على تمزيق وحدة الأمة، فكانت الحرب. # كان العبيد السود يؤلفون الثمن من سكان هذه البلاد ولم يكونوا متوزعين ~~بالتساوي في أنحائها وإنما كانوا يسكنون الجنوب، ومن هؤلاء العبيد كانت تنتفع ~~أناس منفعة خاصة عظيمة، وكلنا كنا نعرف أن هذه المنفعة ستثير الحرب، وكان ~~الثائرون الداعون إلى تمزيق وحدة الأمة يقصدون إلى تقوية هذه المنفعة وتخليدها ~~ومد شبكتها ولم يكن قصد الحكومة إلا تحديد هذه المنفعة وقصرها على مكانها دون ~~أن تتسع دائرتها إلى ولايات أخرى، ولم يكن أحد الحزبين يتوقع أن تبلغ الحرب هذا ~~المدى أو تطول إلى هذه المدة، كما لم يكن أحدهما يتوقع حسم النزاع والاتفاق ~~قبلما تعرف نتيجة الحرب، فكان كلاهما ينتظر انتصارا سهلا أهون في النتائج وأقل ~~في الروعة، فكلاهما يقرأ إنجيلا واحدا ويصلي لإله واحد، وكلاهما يدعو الله أن ~~يعينه على خصمه! وربما يتراءى لكم من الغريب أن يدعو إنسان ربه لكي يؤيده في ~~انتزاع الخبز من عرق جبين الآخرين ولكن لنترك الحكم على الناس حتى لا يحكم ~~علينا. ولم يستجب الله لدعوات أحد الحزبين استجابة تامة لأن للخالق مقاصد لا ~~ندركها. # وإذا نحن اعتقدنا أن هذا الرق الأفريقي هو أحد تلك الذنوب التي قدر الله ~~حدوثها في وقت ما، وأن هذا الوقت قد انقضى بحكم الله وأن عنايته الإلهية قد قضت ~~بأن يزيل هذا الذنب وأنه قد أوجد هذه الحرب الهائلة لهذا القصد، فهل نجد ms075 في هذا ~~مخالفة للصفات الإلهية التي يؤمن المؤمنون بوجودها في الله؟ # وإنا لنرجو الرجاء كله ونصلي الصلوات الحارة لكي تنتهي هذه الحرب العتيدة ~~وتزول بليتها عنا، ولكن إذا كانت إرادة الله قد قضت بأن تستمر هذه الحرب حتى ~~تأكل الأموال التي تكدست من كد العبيد كدا غير مكافأ مدة مائتي وخمسين عاما ~~وحتى يأخذ السيف من دم سادة العبيد مقدار ما أخذه هؤلاء بالسوط من دم عبيدهم ~~كما قيل منذ ثلاثة آلاف عام فيجب أن نقول إن إرادة الله هي الإرادة الصادقة وهي ~~الإرادة الحقة. # فلنجاهد في إنهاء هذا العمل الذي نحن فيه وصدورنا خلو من النيات السيئة نحو ~~الناس وقلوبنا تفيض بالتسامح نحو الجميع ثابتين في الحق كما يرشدنا إليه الله ~~حتى نضمد جراح الأمة. وعلينا أن نعنى بذلك الذي اصطلى بنار الحرب ونعنى بمن تركه ~~من الأيامى والميتمين، وأن نعمل كل ما يهيئ لنا صلحا دائما بيننا وبين جميع ~~العالم. ~~(14) خطبة لكافور # كان كافور (1810-1861) من عظماء ساسة القرن التاسع عشر؛ فقد أسس دولة إيطاليا الحديثة ~~وتوج عليها الملك فكتور عمانوئيل فكان لمملكة إيطاليا بمقام أبي مسلم الخراساني للدولة ~~العباسية، ولكنه لم يجز على فضله جزاء سنمار كما كوفئ أبو مسلم. ومات بعيد إتمام عمله ~~بشهور مذكورا من بني وطنه بالفضل والحمد. وهذه الخطبة التالية ألقاها يناشد فيها قومه ~~بأن يجعلوا رومية عاصمة الدولة الجديدة، قال: # يجب أن تكون رومية عاصمة إيطاليا إذ ليس هناك حل للمسألة الرومانية ما لم ~~توافق إيطاليا أوروبا على هذا المبدأ، وإذا كان هناك من يتوهم أن إيطاليا المتحدة ~~يمكن أن تعيش وتدوم دون أن تكون رومية عاصمتها فإني أصرح بأن المسألة الرومانية ~~تبقى مع ذلك صعبة الحل إن لم يكن حلها عندئذ محالا، ولعلكم تسألونني عن السبب ~~في تشبثنا بحقنا أو بواجبنا في جعل رومية عاصمة إيطاليا المتحدة؟ ذلك لأنه إذا ~~لم تكن رومية عاصمة إيطاليا فوجود مملكة إيطاليا لن يتحقق، وهذه حقيقة يشعر بها ~~الإيطاليون شعورا غريزيا ويؤكدها جميع الذين يزنون ms076 المسائل الإيطالية من ~~الأجانب بميزان الحق والنزاهة، وهي حقيقة لا تحتاج إلى إيضاح لأن الأمة بأجمعها ~~تقول بها وتناصرها. # ومع ذلك، أيها السادة، فهذه الحقيقة يدعمها برهان بسيط، وذلك أن إيطاليا لا ~~تزال في حاجة إلى عمل أشياء عديدة قبلما تستقيم على قاعدة ثابتة وأمامها عديد ~~من المسائل التي أوجدها اتحادها الجديد، والتي تحتاج إلى حل سريع وأمامها من ~~العراقيل التي أوجدتها التقاليد التليدة ما يحتاج إلى التمهيد؛ تحقيقا لهذا ~~المشروع العظيم. ومن الضروري لكي ينجح مشروعنا ألا يكون هناك سبب للشقاق ~~والقطيعة، وما دامت مسألة العاصمة لا تزال باقية معلقة فإن الخلاف والشقاق ~~سيستمران بين الولايات الإيطالية. # ومن السهل أن نعرف السبب الذي من أجله يقترح البعض من ذوي الثقافة والنبوغ ~~والنية الحسنة أن تكون العاصمة مدينة أخرى غير رومية مستندين في ذلك إلى ~~اعتبارات فنية أو تاريخية أو غير ذلك. والكلام في هذا الشأن ممكن الآن ولكن لو ~~كانت رومية هي العاصمة لما استطاع أحد أن يناقش في الموضوع، وحتى أولئك الذين ~~يعارضون في اتخاذ رومية عاصمة الآن لن يعارضوا إذا رأوا أن الفكرة قد تحققت، ~~فالوسيلة لحسم النزاع والشقاق بيننا لا يكون إلا بإعلان رومية عاصمة ~~لإيطاليا. # ومما يسوءني أن أرى ناسا من الممتازين بالرفعة والنبوغ ومن ذوي المآثر في ~~الاتحاد الإيطالي يجرون هذه المسألة إلى مناقشاتهم فيحاج بعضهم بعضا بحجج ~~الأطفال. # إن مسألة العاصمة أيها السادة ليست من المسائل التي ينظر فيها إلى الاعتبارات ~~المناخية أو الجغرافية أو الحربية، ولو كان لهذه الأشياء شأن لما كانت لندن ~~عاصمة إنجلترا ولما كانت باريس عاصمة فرنسا. كلا، إنما تنتخب العاصمة لاعتبارات ~~أدبية، ومشيئة الأمة هي التي يجب أن تكون الفاصلة في موضوع كهذا يلصق بها أشد ~~الالتصاق. # ففي رومية وحدها قد اجتمعت جميع الظروف التاريخية والذهنية والأدبية التي ~~تحتم جعلها عاصمة دولة كبيرة، فرومية هي المدينة الوحيدة التي لها من مأثورها ~~التليد ما يخرجها عن أن تكون بلدة ذات أهمية محلية، فإن تاريخها من عهد ~~القياصرة إلى اليوم ms077 هو تاريخ مدينة قد رفعتها أهميتها إلى أن تعدو حدودها وإلى ~~أن تكون إحدى عواصم العالم، فاقتناعا بهذه الحقيقة أراني مضطرا إلى أن أصرح ~~لكم وللأمة وإلى أن أناشد وطنية كل إيطالي كما أناشد جميع نواب البلاد بوجوب ~~وقف هذا النزاع حتى يتاح لممثلي أمتنا في البلاد الأجنبية أن يعلنوا أن الأمة ~~تقرنا على جعل رومية عاصمة الدولة. وأظن أن أولئك الذين يخالفونني لأسباب أعرف ~~قيمتها وحرمتها يرون إنني على حق في هذه المسألة، واذكروا أني أنا لي مدينة ~~أخرى (تورين) لا أستطيع ألا أبالي بمشيئتها، وإنه لمن بواعث حزني العميق أن ~~أنبئ أهل بلدتي بأن ينكروا على أنفسهم هذا الأمل في جعل بلدتهم مركزا للحكومة. # أجل أيها السادة، إني باعتبار شخصي لست أسر بالذهاب إلى رومية، فإني غير حاصل ~~إلا على القليل من الذوق الفني، فلذلك عندما أجدني بين أطلال رومية الفخيمة ~~قديمها وحديثها أرثي لبلدتي الساذجة الخالية من الخيال والفنون، ولكني أثق بشيء ~~واحد ألا وهو أن أهل بلدتي بما عرفت من خلقهم وبما عرفت من استعدادهم للبذل ~~والتضحية في سبيل إنجاح قضية البلاد المقدسة ورغبتهم في التضحية لهذه القضية ~~حتى وقت أن كانت بلدتهم تغزوها الأعداء، أقول إني لست أخشى ألا ينصروني وأنا ~~نائبهم وألا يبذلوا مصالحهم في سبيل إيطاليا المتحدة. # وإن الأمل بأن عاصمة إيطاليا ستكون «المدينة الأبدية» يملؤني عزاء بأن هذه ~~المدينة لن تنسى فضل تلك البلدة التي كانت مهد الحرية والتي غرست فيها غراسها ~~فأثمرت وانتشرت فروعها من جزيرة صقلية إلى جبال الألب. # لقد قلت وأعيد قولي بأن رومية ورومية فقط يجب أن تكون عاصمة إيطاليا. ~~(15) خطبة لمازيني # كانت إيطاليا قبل أن تتحد وتصير مملكة واحدة يحكمها برلمان على رأسه الملك فكتور ~~عمانوئيل جزءا من الإمبراطورية النمسوية وغنما مقسما بين أمرائها يسام أهلها الخسف ~~ويجرعون كئوس الذل حتى قيضت لها الأقدار ثلاثة من رجالها هم كافور وغاريبالدي ومازيني ~~فنهضوا بالأمة ونشروا لواء الاتحاد فانضوى إليه جميع أبنائها وقامت الحرب بين الغاصبين ~~الأقوياء وبين الوطنيين ms078 الضعفاء. فوجد الوطنيون من حقهم قوة تغلبت به على باطل الغاصبين ~~فانهزموا وتركوا الحق لذويه والوطن لأهله. وكان مازيني (1808-1872) أخطب الثلاثة، وكان ~~دفاعه عن قضية الوطن بالقلم أكثر مما كان بالسيف. وهذه الخطبة التالية ألقاها مازيني في ~~ميلاد سنة 1848 تأبينا لشهداء كوسنتسا الذين قتلهم الأعداء ويحاول فيها الخطيب إثارة ~~الوطنية في نفوس أبناء بلاده، قال: # عندما ندبني شبابكم لكي أفوه ببضع كلمات تقديسا لذكر بانديره وإخوانه الذين ~~قضوا شهداء في كوسنتسا خامرني الظن بأن بعض الذين سيسمعونني سيهيبون بي وقد ~~أخذهم الغضب قائلين: «دعنا من رثاء الموتى فإن التكريم الذي يليق بشهداء الحرية ~~هو أن نظفر في المعركة التي شرعوا في القتال فيها، فإن كوسنتسا التي ماتوا فيها ~~لا تزال مستعبدة والبندقية التي ولدوا فيها لا تزال محوطة بالأعداء، فلنشرع في ~~تحريرهما ولا ندع يمر بأفواهنا قبل تخليصهما سوى كلمات الحرب.» # ولكن خطر ببالي شيء آخر، فإني تساءلت: لماذا لم نظفر للآن؟ ثم لماذا بينما ~~نحن نقاتل للاستقلال في الشمال تموت الحرية في الجنوب؟ ثم لماذا بدلا من أن ~~نقاتل في حرب كان يجب أن نثب وثبة الأسد نحو جبال الألب نرانا الآن وقد مضى ~~علينا أربعة أشهر ونحن ندب دبيب العقرب المترددة قد حيطت بحلقة من النار؟ وكيف ~~تنقلب نهضة أمة قد شملها إحساس قوي سريع إلى جهد المريض الجازع يتقلب في يأسه ~~من جنب إلى جنب؟ # أجل، لو أننا كنا ارتفعنا إلى قداسة الفكر الذي مات من أجله هؤلاء الشهداء، ~~ولو كان لواء إيمانهم المقدس يتقدم شباننا نحو المعركة، ولو كنا نحس ذلك ~~الاتحاد الذي كان قويا في قلوبهم، ولو كان هذا الاتحاد يجعل من كل فكر من ~~أفكارنا عملا ويخلق من كل عمل من أعمالنا فكرا، ولو كنا ادخرنا كلماتهم ~~الأخيرة في قلوبنا وتعلمنا منهم أن الاستقلال والحرية وحدة لا تنفصل وأن الله ~~والأمة أو الوطن والإنسانية كلمتان لازمتان لكل أناس يسعون في أن يكونوا أمة ~~متحدة. ولو كنا نعرف أن إيطاليا لن تعيش عيشا ms079 حرا حتى تصير مملكة واحدة ~~يزكيها حبها لأبنائها والمساواة التي تشملهم ويعظمها احترامها للحق الأبدي ~~وتستغرق مجهوداتها الأماني العليا فنصير بذلك أشبه بكنيسة أدبية بين أمم أوروبا. ~~أجل لو فعلنا ذلك لما كنا الآن في حرب بل لكان النصر يرفرف علينا، ولما كانت ~~كوسنتسا تحتفل بشهدائها خفية وسرا ولما كانت منعت البندقية من إقامة أثر ~~لذكراهم، ولكننا الآن نهتف لأسمائهم لا يخامرنا الشك في مستقبلنا ومصيرنا ولا ~~تغمنا سحابات الكآبة، ولكنا الآن نقول لأرواحهم: «ابتهجوا فإن أرواحكم قد تجسمت ~~في إخوانكم، فهم جديرون بكم.» # إن الفكرة التي عبدوها لم تشرق للآن على أعلامكم بطهارتها وكمالها، وهذا ~~البرنامج السامي الذي خلفوه للجيل الإيطالي الناشئ هو برنامجكم، ولكن المذاهب ~~الكاذبة المنبوذة التي سكنت إلى قلوبكم قد شوهت هذا البرنامج بل فتتته ومزقته ~~إربا، وإني ألتفت ذات اليمين وذات الشمال فأرى جهود الجماعات وتفانيها وهي ~~تتراوح بين الغضب تسخو فيه بنفوسها وبين الدعة تطمئن إليها فتنزل عن مقامها، ~~وما هو أن نسمع صوت الحرية حتى تطن في آذاننا كلمات العبودية، ولكن أين هي نفس ~~الأمة؟ وأين هو الاتحاد في هذه الحركة المختلفة الأشكال والجهود؟ بل أين هي ~~الكلمة التي يجب أن تسود على جميع النصائح التي تسدى إلى الجمهور لاستهوائه أو ~~استغوائه؟ فإني أسمع أقوالا وعبارات هي بمثابة الافتئات على سيادة الأمة، فهناك ~~من يقول: «إيطاليا الشمالية» أو «عصبة الولايات» أو «اتحاد الأمراء» ولكن ~~إيطاليا أين هي؟ أين هي البلاد التي تجمعنا والتي حيا فيها شهيدنا بنديره؟ # إننا ونحن في نشوة الانتصارات الأولى قد نسينا المستقبل ونسينا معه تلك ~~الفكرة التي ألهمها الله أولئك الذين تألموا، وقد عاقبنا الله على نسياننا ~~بتأخير انتصارنا. واذكروا يا إخواني أن هذه الحركة الإيطالية هي بحكم الله حركة ~~أوروبا بأجمعها فإننا نهضنا لكي نسدي إلى العالم الأوروبي ضمانا لتقدمه الأدبي، ~~ولكن لا يمكن إحياء أمتنا ورميها بالأكاذيب السياسية أو أطماع الأسر المالكة أو ~~نظريات الوصوليين؛ وذلك لأن الإنسانية إنما تحيا وتتحرك بالإيمان وما المبادئ ~~العليا إلا نجوم ms080 هدى ترشد أوروبا نحو المستقبل، فلنتوجه نحو أجداث أولئك الشهداء ~~الذين ماتوا في سبيلنا ولنستلهمهم نجد في عبادة إيمانهم سر الظفر ~~والانتصار. # إلا أن ملائكة الظفر وملائكة الاستشهاد أخوة وإنما ينظر الأولون إلى الأرض ~~ويتطلع الآخرون نحو السماء، وعندما يحين الحين وتتلاقى نظراتهما بين الأرض ~~والسماء يزدان هذا العالم بحياة جديدة إذ ينهض شعب من مهد القبور ... # أحبوا أيها الشبان المثل الأعلى، أحبوه وأكرموه، فإن المثل الأعلى هو كلمة ~~الله، ففوق جميع الأقطار بل فوق الإنسانية يوجد الوطن الروحي؛ مدينة النفس، حيث ~~يؤمن الجميع بحرمة الفكر وكرامة النفس الخالدة وهم بهذا الإيمان إخوان، وسبيل ~~هذا الإخاء هو الاستشهاد، ومن هذا المستوى الأعلى تصدر المبادئ التي يكون بها ~~فداء الأمم. فانهضوا لأجل هذا المثل الأعلى ولا تجعلوا سبب نهضتكم نفاد صبركم ~~أو آلامكم أو خوفكم من المكاره، واذكروا أن الغضب والكبرياء والطمع وشهوة ~~الثراء عدة الغالب والمغلوب على السواء، وأنتم لو هزمتم عدوكم بهذه العدة اليوم ~~فإنكم مهزومون بها في الغد وإنما ميزتكم في المبادئ إذ ليس لعدوكم سلاح يفلها، ~~وعليكم أن تعودوا إلى حماستكم الأولى وإلى أحلام نفوسكم العذراء ورؤيا شبابكم ~~الأول إذ فيها روائح الجنة التي تبقى في النفس من لدن نفخها الله فيها، ~~واحترموا فوق كل شيء ضميركم ولا تنطقوا إلا بالحق الذي زرعه الله في قلوبكم ~~وارفعوا العلم الذي يعلن إيمانكم عندما تشتغلون مع غيركم لتحرير أرض الوطن. # إن ما أقوله لكم هو ما كان يقوله لكم شهداء كوسنتسا لو كانوا للآن أحياء ~~بينكم. والآن أشعر كأن هاتفا من أرواحهم قد استجاب إلى حبنا فهي الآن تطيف بنا ~~فأدعوكم إلى ضم هذه الأرواح إليكم كنزا تدخرونه في وسط هذه العواصف التي ~~تهددكم والتي سنتغلب عليها بقوة أسمائهم التي تلفظ بها شفاهنا وإيمانهم الذي ~~يعمر قلوبنا. # كان الله معكم ولتنزل بركاته على إيطاليا. ~~(16) خطبة لبت # كان وليم بت (1759-1806) خطيبا وابن خطيب نزع به العرق الدساس إلى احتراف حرفة والده ~~لورد تشاتام فصار زعيما سياسيا كبيرا وخطيبا مصقعا، ms081 وكانت مهمته التي أرصد لها ~~حياته ووقف عليها مجهوداته مكافحة نابليون، فقد ألب على هذا الجبار الفرنسي دول أوروبا ~~وهيأ له الجيوش والأساطيل، ولا يعلم ماذا كان يكون مصير العالم لو لم يخضد بت شوكة ~~نابليون في بدايتها. # وقد ألقى هذه الخطبة عن «الخطر الفرنسي» بمناسبة الشطط الذي تناهت إليه الثورة ~~الفرنسية وانتصارات نابليون الحربية. وكان البرلمان الإنجليزي قد تهيأ لمنح روسيا إعانة ~~لكي تخلص أوروبا من فرنسا، قال أمام أعضاء البرلمان الإنجليزي: # إن لنا من عزة النفس والولاء السامي وسجاحة الخلق وشرف الروح ما يعمر قلوبنا ~~ويملأ نفوسنا بهجة فنمتاز بذلك على سائر الأمم ونجد في هذه الصفات ضمانا يؤمن ~~بلادنا ويجعلها في حرز من غزو المعتدين. أما بخصوص هذا الشيء الذي يقلق بال بعض ~~الأعضاء - وهو تخليص أوروبا - فإني لن أسهب في ذكر تفاصيله، فلن أقول إنه يجب ~~تخليص أوروبا مما تعانيه الآن أو مما تنتظر وقوعه في المستقبل أو من عدوى ~~المبادئ الكاذبة أو من هموم هذا الزمن القاتلة أو من انحلال الحكومات وموت ~~الأديان وتهدم النظم الاجتماعية وغير ذلك مما سيلازم انتصار الجمهورية الفرنسية، ~~إذا كانت لسوء حظ البشر ستنتصر على الرغم مما يصرف من الجهود في مكافحتها. ~~كلا، لن أقول مم يجب تنجية أوروبا وتخليصها؛ لأنه من السهل أن يجمع الإنسان جميع ~~الأخطار التي تتعرض لها أوروبا فيجد أنها بأجمعها عائدة إلى وجود الحكومة ~~الفرنسية وقوتها، وإذا كان ثمة من يصرح بأن هذه الحكومة ليست جائرة فهو مخطئ ~~أشد الخطأ وجاهل يجهل حقيقة هذه الحكومة، إن جورها هائل كريه تقبض على حياة ~~الخاضعين لها وثروتهم فتتصرف بها وتبذلها ضحية لأطماعها وقسوتها وظلمها. إن هذه ~~الجمهورية الفرنسية قد حيطت بسياج من الجرائم وهي إنما تحتفظ بوجودها الآن لأنه ~~ينظر إليها بعين الخوف والرهبة فلا يقترب من حصونها الكافرة أحد إلا ويرتد ~~فازعا. # وعلى هذا المبدأ لا أظن أن العضو الموقر يخالفني في أن تأمين بلادنا هو غاية ~~هذا الكفاح الشرعية. وفي هذا القدر ما يكفي لجعل ms082 كلامي مفهوما. أما سؤال العضو ~~الموقر: «هل تريد الحكومة متابعة الحرب حتى تنهزم الجمهورية الفرنسية؟ وهل ~~نيتها ألا تعامل فرنسا ما دامت جمهورية؟» فجوابي الصريح عليه أني أقول إن آرائي ~~تعدو حدود البلاد الفرنسية، فإني أفكر في سلوك فرنسا ومبادئها وخلقها، وأنظر في ~~هذه الأشياء فأرى فيها خراب الأمم التي حالفت هذه الحكومة. وعلى ذلك أقول إنه ~~ما دامت هذه الكتلة الضخمة المؤلفة من الجنون لم تتغير تغيرا كاملا، وما دام ~~خلق هذه الحكومة باقيا كما هو، وما دمت لا أستطيع أن أقول وأنا مؤيد برأي جميع ~~الناس إن فرنسا لم تعد تزدري حقوق الأمم الأخرى، وإنها لا تدبر التدابير لبناء ~~إمبراطورية كبيرة، وإنها قد اهتدت إلى حكومة تحتفظ بهذه العلاقات التي بينها ~~وبين الأمم الأخرى والتي لا يمكن أقواما متحضرين أن يعيشوا آمنين بدونها، والتي ~~هي أيضا مصدر مجدهم وذكرهم؛ أقول إننا لا يمكننا أن نتعامل مع فرنسا ما دامت ~~هذه الشروط غير متوافرة فيها. # والوقت الملائم للمناقشة في الصلح هو الوقت الذي يمكنكم فيه أن تثقوا بالوصول ~~إلى صلح شريف يعيد إلى أوروبا نظامها القديم متزنا وطيدا ويعيد إلى كل دولة ~~تدخل في المفاوضات تلك المكانة التي تضمن استقلالها كما تضمن الأمن العام في ~~أوروبا. # هذا هو اعتقادي الذي لا أخشى الجهر به أعرضه على أذهان الطبقات المفكرة في ~~العالم البشري، فإذا لم تكن قد سمعتهم السفسطة الفرنسية وأزاغت أبصارهم فإني ~~واثق من أنهم سيزكونني في إصراري على خطتي. وإني أرجو رجاء حارا أن تنظر الدول ~~المشتبكة في هذا الكفاح إلى هذا الموضوع كما نظرت إليه، وأرجو على الخصوص أن ~~يكون هذا هو نظر إمبراطور روسيا وهو ما لا أشك فيه. وعلى ذلك أطلب من هذا ~~المجلس أن يوافق على المشروع الذي عرضته حكومة جلالة الملك بخصوص إعانة روسيا. ~~(17) خطبة لولبرفورس # كان ولبرفورس (1759-1833) أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي، وقد أرصد حياته لغرض واحد لم ~~يعده إلى غيره استغرق جهوده فعاش لهذا الغرض ومات بعد أن تحقق أكثره ولم ms083 يبق إلا أقله، ~~فقد قام في ذهنه منذ صباه أن الرق جور بالغ يجب قمعه ومحوه. وكان الزنوج في إنجلترا إلى ~~عهده «عبيدا» يباعون ويشترون بيع السلع، فقضى ولبرفورس عشرين سنة في إقناع الأمة ~~والبرلمان بضرر النخاسة حتى اقتنع كلاهما بصحة مذهبه، فألغى البرلمان الرق في سنة 1807، ~~ثم أخذ في إقناع الأمة بضرر النخاسة في المستعمرات، وعرض مشروع الإلغاء في البرلمان ~~وقرئ القراءة الثانية ثم لم تمض ثلاثة أيام حتى مات ولبرفورس. والقطعة التالية مختارة ~~من إحدى خطبه عن إلغاء الرق، قال: # إني مقتنع بأنه مهما اختلفت آراؤنا فإننا اليوم متفقون مجمعون، فإني لا ~~أستطيع أن أعتقد بأن مجلس العموم الإنجليزي سيصدق على هذه التجارة الجهنمية؛ ~~أعني تجارة الرقيق في أفريقيا. لقد مضى علينا وقت جهلنا فيه طبيعة هذه التجارة ~~ولكنها قد تكشفت لنا أساليبها الآن وظهرت عارية بجميع صنوف قطاعاتها. والحق أنه ~~لم يظهر في العالم نظام شبيه بهذه التجارة من حيث إنها حافلة بالقسوة والشر، ~~فهي تصل إلى أبعد مدى في العدوان الملح والشر المصفى. وهي تستهين بالمزاحمة ~~وتجل عن المقارنة؛ لأنها فريدة في تفوقها الممقوت. # ولكني يا سيدي الرئيس أراني مغتبطا إذ تقدم الجمهور البريطاني في هذه الفرصة ~~وأعلن عن شعوره بوجه صريح بعيد عن الإبهام في هذا الشأن. ولست أستطيع الأداء ~~عما خامرني من السرور لفوز قضيتنا حتى صارت الأمة تنظر إلى مسعانا نظر الموافقة ~~والود بدلا من المقاومة وعدم الثقة السابقين. وقد كان من أثر هذا الشعور أن ~~ارتفع المستوى الأدبي في البرلمان؛ إذ مهما ظن الناس أو تحدثوا عن الخلافات ~~الحزبية في البرلمان وتفشيها تفشيا مطلقا فإن الأمة البريطانية بل سائر الأمم ~~المحدقة بنا قد عرفت بأن هناك من الموضوعات ما هو فوق الأحزاب، فهناك الرباوة ~~العليا التي نرتفع إليها بعيدين عن هذه النزاعات والخلافات التي يثيرها سافي ~~السهول. وإذا كنا نعيش ونحيا في جو حافل بالأبخرة والسحب تلعب بنا آلاف الرياح ~~المتعاكسة والتيارات المتضادة فإننا في هذه القضية نحيا الآن في طبقة عليا ms084 ~~يكتنفها هواء صاف هادئ نقي قد خلص إلينا من كل ما يثير القلاقل «كالصخرة ~~العصماء ترتفع مشمخرة نحو السماء فلا يبلغ مجهود العاصفة أن ينال نصفها، تطيف ~~بها حول صدرها سحب تمخر الأجواء ولكنها لن تبلغ الرأس حيث أشعة الشمس الأبدية ~~قد استقرت واطمأنت.» # فعلى هذه الرباوة العليا إذن يجب أن نبني «كعبة» الخير والبر وعلينا أن نوطد ~~الأساس في الحق والعدالة، وليكن منقوشا على بابها «السلام والبر لجميع الناس». ~~وهنا يجب أن نقدم باكورة نجاحنا وأن نرصد حياتنا لخدمة هؤلاء التعساء تضطرم في ~~أحشائنا حماسة سخية تقتضي منا إصلاح ما جلبناه من الأذى على هؤلاء المساكين. ~~فلنأسون الجراح التي فتحناها، ولنبتهج بأننا الوسيلة السعيدة لوقف السلب ~~والخراب وبأننا قد أدخلنا إلى تلك البلاد المترامية الأطراف بركات المسيحية ~~ورفاهيات المتحضرين وحلاوة الحياة الاجتماعية. واعتقادي أنه ليس بين من يسمعني ~~من لا يرحب بقدوم هذا العصر السعيد ومن لا يشعر براحة العقل وسلوى النفس عندما ~~يفكر ويتأمل في هذه الخواطر الجميلة. ~~(18) خطبة لأنجرسول # يعد أنجرسول (1833-1899) من الطبقة الأولى بين مفكري الأميريكيين وخطبائهم، وكان من ~~خصوم المسيحية ولكنه كان على الرغم من ذلك محبوبا من الجماهير يتوافدون لسماع خطبه ~~فيأخذ في إقناعهم (أو إغوائهم) حتى يستهويهم بألفاظ وعبارات «لها أنفاس الموسيقى ~~وإيقاع الأشعار حتى ليكاد نثره يقرأ شعرا لما في تأليف جمله من الإيقاع.» وهو مع كفره ~~بالأديان ليس في اللغة الإنجليزية من الخطب ما هو أحفل بالروح الدينية من خطبة ألقاها ~~عند وفاة أخيه تنبض بالعطف والمحبة وتثبت أن أنجرسول كان يؤمن بالحياة الأخرى، قال: # إخواني، إني سأفعل الآن ما وعدني به كثيرا هذا الفقيد أن يفعله لي، هذا ~~الفقيد الذي كان أخا وزوجا وأبا فمات في ضحوة الرجولة ولما يبلغ ظهيرتها ~~والظل لما يزل يميل إلى الغرب. # إنه لم يجز في طريق الحياة تلك الأعلام التي تدل على أنه قد بلغ أقصاها ولكنه ~~شعر بالأعباء فانتحى جانبا من الطريق وألقى عبئه على الأرض متوسدا إياه فأخذه ~~نوم لا تكدره ms085 أحلام وأطبق جفنيه، فمات وذهب إلى عالم صامت، عالم التراب وهو بعد ~~متعلق بالحياة يطرب للعالم. # ولعله من المفضل الأحسن أن تصطدم السفينة بالصخرة المختفية فتغوص في لحظة إلى ~~القرار تحت الأمواج المصطخبة والسفينة بعد في أسعد ساعات سفرها تقبل الرياح ~~أشرعتها وتسكب الشمس أشعتها عليها؛ لأن مصير السفينة إلى التحطم سواء أكان ذلك ~~في أرض الساحل أم في وسط البحر. وكل حياة بغض النظر عما إذا كانت حافلة بالحب ~~مزدانة بالسرور ستنتهي في الختام إلى مأساة بها من الحزن والظلام ما هو حري بأن ~~ينسج من لحمة الموت وسداه. # لقد كان هذا الرجل الشجاع الرحيم صخرة وسنديانا إذا عصفت عواصف الحياة ولكنه ~~كان زهرا وكرما إذا انجابت السحب وصحت السماء. وكان صديقا للنفوس الجريئة ~~يرتفع إلى القمم وينبذ تحت قدميه الخرافات بينما كان يتفجر من جبهته فجر ذهبي ~~لعصر رائع. # كان يعشق الجمال وكانت تنهمل دموعه إذا ما مس نفسه جمال اللون أو جمال الشكل ~~أو روعة الموسيقى. وكان ينصر الضعيف والمسكين والمظلوم ويبسط يده برا بالفقراء، ~~وقد أدى ما عهد إليه من الخدمات العمومية بقلب ولي ويد طاهرة. # وكان من عباد الحرية وأصدقاء المظلومين، وكم من مرة سمعته وهو ينشد هذه ~~الأنشودة: «لأجل العدالة أقيموا كلكم معبدا.» وكان يؤمن بأن السعادة هي خير ما ~~في العالم، وأن العقل هو الشعلة الوحيدة وأن العدالة هي أحق ما يعبد وأن ~~الإنسانية أليق الأديان والمحبة أفضل الكهان، فكان وجوده مما يزيد أفراح ~~أصدقائه ولو أن جميع الذين أفادوا منه مصلحة حضروا اليوم إلى قبره وأهدى كل ~~منهم إليه زهرة لنام هذه الليلة تحت عرم من الأزهار. # إن الحياة واد ضيق بين جبلين قاحلين من الأبدية، ونحن إنما نحاول عبثا أن ~~يخترق بصرنا هذين الجبلين، ونصيح صيحات عالية فلا يجيبنا غير صدى أصواتنا، ومن ~~شفاه الموتى الخرساء لا تخرج لنا كلمة ولكن في ليل الموت هذا يرى الأمل نجما ~~ويسمع الحب المنصت حفيف الأجنحة. # وهذا الذي ينام الآن أمامكم نوم الموت شعر ms086 وهو في النزع باقتراب الموت فخاله ~~عودة الصحة فهمس كلمته الأخيرة: «حالي أحسن الآن!» فلنؤمن على الرغم من الشكوك ~~والتحكمات والمخاوف والدموع أن هذه الكلمات العزيزة تصدق على جميع الموتى. # وإليكم أنتم المصطفون من الأصدقاء الكثيرين الذين كان يحبهم وقد جئتم الآن ~~لكي تؤدوا هذه المهمة الأخيرة للفقيد نقدم رماده. ~~(19) خطبة لماكولي # كان ماكولي (1800-1859) من أدباء إنجلترا المعدودين «ما مس شيئا إلا زانه، فليس هناك ~~ما يضارع ما كتبه ماكولي من المقالات الساحرة المتوهجة ، وليس هناك من التواريخ مثلما ~~ألفه ماكولي من حيث القدرة على فتنة القارئ، وقد قيل عن أسلوبه إنه يتسم بالقوة والنشاط ~~والجزالة والوضوح وفوق ذلك تلك السمة التي قل وجودها الآن وهي صحة اللغة.» # وقد ألقى الخطبة التالية في سنة 1846 عن «المعارف السطحية»، قال: # إن من الناس الذين أحب أن أتكلم عنهم بالاحترام والوقار من تعتريه المخاوف ~~التي لا أساس لها عما يسمونه «المعارف السطحية» فهم يقولون إن المعارف الجديرة ~~بأن تسمى بهذا الاسم هي من البركات الإنسانية وهي حليفة الفضيلة وبشيرة الحرية، ~~ولكن مثل هذه المعارف يجب أن تكون عميقة، فالجماعة التي قد شدت طرفا من ~~الرياضيات وطرفا آخر من الهيئة وآخر من الكيمياء وقرأت شيئا من الشعر وأصابت ~~شيئا آخر من التاريخ؛ مثل هذه الجماعة يقولون عنها إن وجودها مخطر بالمصلحة ~~العامة، فالمعرفة السطحية في رأيهم شر من الجهل. وهم يستندون في زعمهم هذا إلى ~~قول بوب «اشرب حتى ترتوي وإلا فلا تذق!» فالجرعة الصغيرة تسكر ولكن من عب أفاق. وإني أعترف بأن هذه التخوفات لم تعترني يوما ما وهذه الطمأنينة إنما يبعثني ~~عليها عدم استطاعتي التمييز بين المعرفة السطحية والمعرفة العميقة؛ لأنه ليس ~~عندنا من المعايير ما نقيس به عمق المعارف، والقائلون بهذا التمييز يتوهمون ~~وجود حد فاصل بين العميق والسطحي من المعارف أشبه شيء بالحد الفاصل بين الحق ~~والباطل، أما أنا فلست أجد هذا الحد. هبنا تحدثنا عن رجال العلم العميق فهل ~~نعني بذلك أنهم قد بلغوا قرار العلم؟ هل ms087 نعني أنهم قد عرفوا كل ما يمكن معرفته؟ ~~بل هل نحن نعني أنهم يعرفون الآن ما سيعرفه المبتدئون من الجيل القادم؟ إننا ~~إذا قارنا بين الحقائق القليلة التي نعرفها وبين ما نجهل من الحقائق التي لا ~~تحصى لاعترفنا بأننا كلنا سطحيون ولكان فلاسفتنا أول من يقر بأنهم سطحيون. ولو ~~فرضنا أننا سألنا عالما مثل نيوطن عما إذا كان يعتد معارفه عميقة حتى في تلك ~~العلوم التي لم يكن له فيها منافس لأخبرنا بأن حاله كحالنا، فكلانا مبتدئ، وهذا ~~الفرق الذي بيننا وبينه يزول عندما يقارن بمقدار الحقائق التي لا تزال مجهولة، ~~كما يزول الفرق بين الواقف في سفح الجبل والواقف على القمة إذا قورن بالمسافة ~~التي تفصل الجبل عن النجوم الثابتة. # فيظهر لكم من ذلك أن أولئك الذين يخشون المعارف السطحية لا يعنون بتلك ~~المعارف ما يمكن أن يسمى سطحيا عند المقارنة بما لا يزال مجهولا، لأن جميع ~~المعلومات الإنسانية كانت ولا تزال وستكون سطحية إذا نحن قصدنا إلى هذا المعنى، ~~فما هو إذن المعيار الذي يصح أن نتخذه لقياس المعارف؟ وهل يجب أن يكون واحدا في ~~جميع البلدان وفي جميع الأوقات؟ # لقد كان «راموهون روي» يعد بين الهنود من أعمق الناس معرفة بالثقافة الغربية، ~~على أنه لو وجد في هذا المعهد لعد من السطحيين الذين لا يؤبه لهم. وكان سترابو ~~يعد بحق منذ ثمانية عشر قرنا من أعمق الجغرافيين، في حين أن المعلم الذي يجهل ~~اسم أميركا الآن يكون مضحكة بين البنات. وماذا نقول الآن عن معارف عظماء ~~الكيمائيين في سنة 1746 أو عظماء الجيولوجيين في سنة 1746؟ # فالحقيقة الراهنة أن الإنسان من حيث العلوم التدريبية في تقدم مطرد، ولكل جيل ~~بالطبع صفوفه المتقدمة وصفوفه المتأخرة، ولكن الصفوف المتأخرة في الجيل الجديد ~~تأخذ مكان الصفوف المتقدمة في الجيل السابق. # إنكم تذكرون قصة جوليفر، فقد تحطمت به سفينته في بلاد يسكنها أقزام صغار فكان ~~بينهم عملاقا يخطو على أسوار عاصمتهم وإذا انتصب فاق طول قامته منائر معابدهم، ~~فكان يجر أسطولا ملوكيا، ms088 وكان يمد ساقه فيمر تحتها جيش الملك يحمل الرايات ويدق ~~الطبول، فإذا أفطر التهم أحد أهرائهم وإذا تعشى أكل قطيعا من مواشيهم، فإذا عطش ~~عمد إلى دنان النبيذ فشربها جملة، ثم يسيح سياحته الثانية فيجد نفسه بين أناس ~~يبلغ أحدهم في القامة ستين قدما فبينما كان يحتاج وهو في بلاد الأقزام إلى أن ~~يحمل الناس على يديه ويضعهم عند أذنه لكي يسمع ما يقولونه له إذا به تفعل به ~~العمالقة ما كان يفعله مع أولئك الأقزام. يتفرج السيدات بمشاهدته وهو يقاتل ~~الجرذان والضفادع والزنابير، ثم يأتي قرد فيختطفه ويتسلق به إحدى المداخن فإذا ~~بلغ القمة أرداه فيقع في صحفة من القشدة يسبح فيها ويخرج ناجيا بنفسه. # لقد كان هذا الرجل في بلدته الأصلية مثل سائر الناس ذا قامة اعتيادية فلما ~~صار في بلاد الأقزام صار عملاقا وعاد قزما بين العماليق. وهكذا الحال في ~~العلوم، فعمالقة أحد العصور قد يكونون أقزام عصر آخر. ~~(20) خطبة للورد رسل # كان لورد جون رسل (1792-1878) أحد رؤساء الوزارة الإنجليزية وكان من أكبر زعماء حزب ~~الأحرار في القرن التاسع عشر، تحت رايته نشأ غلادستون وعلى يديه اشتد ساعد الأحرار حتى ~~صاروا قوة يحسب لها المحافظون حسابها. ومن مآثره إصلاح طرق الانتخاب للبرلمان، وكانت ~~الأصوات تباع في زمنه بالنقد جهرا وكانت دوائرها لا تتناسب عددا ومن ينتخب منها. وهو ~~أيضا صاحب الفضل في إلغاء المكوس الجمركية على الحبوب الواردة لإنجلترا. # وكان في الخطابة وسطا لا يأتي بالدون ولا يرتفع إلى الجيد الناصع ولكن خطبه كثيرة ~~وأكثرها يتعلق بالشئون السياسية. وقد ألقى الخطبة التالية في معهد الميكانيكيين في ليدس ~~وموضوعها «قيمة الصدق في الآداب» قال: # إن سعة هذا الموضوع تجعلني أشعر بضيق الوقت إذا حاولت أن أبحث بعض فروعه، ~~ولكن لي كلمة أجدني جريئا على أن أقولها لكم وهي جديرة بأن يعتبرها كل من ~~يتصدى لدرس الآداب. # ففي الأدب عدد لا يحصى من التآليف تختلف من حيث الذوق ومن حيث الصيغة، فمنها ~~الرزين ومنها الزاهي. ومنها ما يتطوح ms089 مع الخيال ومنها ما لا يحيد عن المنطق، ~~ولكنها جميعها تحتاج إلى شرط واحد هو في اعتقادي شمول الصدق لها. لقد قال أحد ~~المؤلفين الفرنسيين إن الجمال ليس سوى الحقيقة وإن الحقيقة وحدها هي الجميلة، ~~وإن الحقيقة يجب أن تنبسط على الأساطير الخيالية. وهذا قول حق؛ لأني أعتقد أنه ~~لا يمكننا أن نقيس الأدب الخيالي وننقده تمام النقد إلا إذا صدق تمثيله ~~للطبيعة. # ولعلي أحسن الإفصاح عما أريد إذا ضربت لكم مثلا أو مثلين، فقد عاش في القرن ~~الماضي شاعر قد ذاع صيته واشتهر بحق بجزالة الخيال وقوة الإحساس؛ أعني به ينج، ~~فإنه على الرغم من مواهبه لم يكن موفقا في صدق الأداء، فقد قال في إحدى ~~قصائده: «إن النوم مثل هذه الدنيا سريع إلى زيارة من يبسم لهم الحظ، بينما هو ~~يهجر البائسين، ولا يقع إلا على الجفون التي لم تكدرها الدموع.» # فإذا أنتم حققتم النظر في هذه الكلمات رأيتم أن الشاعر قد خلط شيئين معا، فقد ~~خلط بين أولئك المجدودين الذين نالوا حظهم من هدوء البال وكمال العافية وبين ~~أولئك المجدودين الذين حصلوا على الثراء، فانظروا الآن معي تجدوا أن أولئك ~~الذين لم ينالوا حظهم من هذه الدنيا ورأوها قد تنكرت لهم والذين لم يبتسم لهم ~~الحظ يهنئون بالنوم اللذيذ أكثر مما يهنأ به من يفوقونهم رتبة أو ثروة. # ولا شك في أنكم تذكرون شاعرا آخر صادق التمثيل للطبيعة، أعني به شكسبير، فهو ~~يذكر في إحدى قصائده بحارا صغيرا قد أخذه النوم وهو في مكانه المزعزع على ~~الصاري تحفه رياح العاصفة، بينما الملك لا يستطيع النوم في فراشه الوثير. فهذا ~~هو الشاعر الذي لا يعدو حقائق الطبيعة. # فإذا أنتم نظرتم في هذه الاعتبارات وقستم الشعر بهذا المقياس وعولتم عليه ~~أيضا في درس التاريخ وغيره حصلت لكم قوة التمييز وصرتم على بينة مما تقرءون، ~~فتعرفون عندئذ ما إذا كان جديرا بانتباهكم وإعجابكم أو أنه كثير الأغلاط غير ~~جدير بالالتفات. ~~(21) خطبة للورد بيكونسفيلد # كان بيكونسفيلد (1805-1881) يهوديا «طالب دنيا» نشأ ms090 على دين موسى، فرأى أهل ملته ~~مكروهين محرومين من بعض الحقوق المدنية، فتقمص بلباس المسيحية ودخل البرلمان، فكان قريع ~~غلادستون، كلاهما على طرفي نقيض وكلاهما يرمي إلى غاية تختلف عن غاية الآخر. كان ~~غلادستون حرا يقول بالديمقراطية، مسيحيا يخلص الإيمان للمسيحية، وكان رجل إيثار ونبل ~~في العواطف إذا اهتاجته فاضت على لسانه وحيا يستطير لب الإنجليز فيأتمرون بما أمر ~~وينتهون بما نهى. وكان بيكونسفيلد على عكس ذلك، كان محافظا يكره الديمقراطية ويخشاها، ~~يهودي القلب في مسلاخ المسيحي، لم يكن للعواطف عنده شأن، تدفعه أثرته إلى تجشم المشاق ~~لكي يرضي كبرياءه. فكان لذلك يتخذ هيئة خاصة في لباسه وفي مشيته، يروض نفسه على الكتابة ~~والخطابة حتى بلغ فيهما شأوا عظيما. ولم يكن المثل الأعلى في جميع أطوار حياته غايته؛ ~~لأنه لم يكن له من غاية سوى مصلحته الذاتية. ولو لم يعش في القرن التاسع عشر لكان هذا ~~القرن خيرا وأحسن أثرا في السياسة للشرق والغرب مما كان، فهو الذي جاهد غلادستون في ~~منح أرلندا استقلالها. والاستعماريون الإنجليز يذكرون ويشكرون له صنيعه في جعل ملكة ~~إنجلترا «إمبراطورة» على الهند. # قال في إحدى خطبه عن «أخطار الديمقراطية»: # أعتقد أنه من الميسور أن نزيد عدد الناخبين في البلاد إذا بنينا هذه الزيادة ~~على مبادئ لا تتعارض ومبادئ الدستور، فلا يكون الانتخاب من حقوق الأفراد بل ~~امتيازا يمتاز به الفرد لما اكتسبه من فضائل أو لما له من ذكاء أو اجتهاد أو ~~استقامة ويستعمله للمصلحة العامة، فإذا أنتم اطرحتم هذه القاعدة ورضيتم ~~بالنظرية القائلة بأن لكل شخص الحق في الانتخاب ما دام لم تحكم عليه أحكام ~~تحرمه هذا الحق، فإنكم بهذا العمل تهدمون أساس الدستور، وتهدمونه بكيفية تسقط ~~كرامة الأمة. # إن بين المشروع الذي عرضناه وبين ذاك الذي عرضه العضو المحترم فرق ما بين ~~الحكومة الأرستقراطية؛ أي الحكومة المؤلفة من نخبة الأمة وبين الحكومة ~~الديمقراطية. وإني أرتاب كثيرا فيما إذا كانت الديمقراطية توافق هذه البلاد. ~~ومن حق هذا المجلس أن يعرف عند النظر في هذا ms091 المشروع أن ما يدعى إليه إنما هو ~~الاختيار بين المحافظة على الدستور الراهن أو قبول الديمقراطية. # وعلى المجلس أن يتذكر أن ما يعرض عليه الآن له قيمته من الثمن، فإن شعبنا له ~~صفات خاصة، وليس في العالم الآن أمة تعيش في مثل الظروف التي نعيش فيها، مثال ~~ذلك أن لنا كنيسة قوية قديمة ذات أوقاف ثمينة ومع ذلك نعيش في حرية دينية تامة، ~~ولنا نظام لا يختل ترافقه حرية مستوفاة، وعندنا ضياع واسعة تشبه ضياع ~~الرومانيين، ومع ذلك لنا نظام تجاري يفوق ما كان للبندقية وقرطاجنة مجموعتين، ~~ومع هذه المتناقضات وهذه الخواص التي تتسم بها بلادنا نعيش في كنف حكومة لا ~~تعتمد على القوة، فليس لنا جيوش مرابطة، كلا إنما نحن تحكمنا مجموعة من ~~التقاليد القديمة التي احتفظ بها آباؤنا جيلا بعد جيل علما منهم بأنها تخلد ~~العادات وتقوم مقام القوانين وماذا فعلنا بهذه التقاليد؟ أنشأنا بها أكبر ~~إمبراطورية في العصر الحاضر، وجمعنا من رءوس الأموال مقادير تشبه ما يذكر في ~~الأساطير، وأنشأنا نظاما من الاعتماد في الصناعة والعمل ليس له شبيه في ~~التاريخ من حيث السعة والتراكب، وهذه الأعمال العظيمة لا تتناسب وثروة البلاد ~~وعناصرها الأصلية، فإذا أنتم هدمتم أساس هذه العظمة فاذكروا أن إنجلترا لا ~~يسعها أن تبدأ من جديد. # إن هناك بلادا قد قاست آلاما مبرحة وتعرضت لأخطار هائلة، هاكم الولايات ~~المتحدة التي نزلت بها من المحن في أيامنا هذه ما سمعتم عنه، فقد رأيتم هناك ~~حربا أهلية يتناحر فيها الإخوان عاشت مدى أربع سنوات، ولكن هذا الزمن على طوله ~~وعلى ما كان فيه من عناء وخراب وكوارث لم يكن ليمنع الولايات المتحدة من البدء ~~ثانيا لأنها في حال تشبه تلك الحال التي كان يعيش فيها أسلافنا في حرب الورود ~~(سنة 1455)، عندما كان السكان لا يزيدون على ثلاثة ملايين نفس والبلاد تحتوي على ~~ما لا يحصى من الأرض البكر والكنوز المعدنية التي لم تستغل بل التي لم تكشف ~~بعد. وهاكم فرنسا، فقد قامت في تلك البلاد ثورة ms092 في أيامنا هذه غير ثورة أخرى ~~حدثت في عصر آبائنا، وكانت كلتاهما انقلابا حقيقيا غير قاصر على تغيير ~~الأحوال السياسية والاجتماعية، فقد اقتلعت مؤسسات الأمة اقتلاعا ومحيت فروق ~~الهيئة الاجتماعية، بل بلغ التغيير حد إبدال الأسماء والأعلام. ولكن مع كل ذلك ~~استطاعت فرنسا أن تبدأ من جديد؛ وذلك لأن لها متسعا من الأراضي الزراعية في ~~أوروبا وسكانها كانوا ولا يزالون محدودي العدد يعيشون عيشة غاية في السذاجة. # ولكن إنجلترا، هذه البلاد التي نعرفها ونعيش فيها ونزهى بها ليس في مقدورها ~~أن تبدأ من جديد. ولست أعني بذلك أنه إذا فشت في إنجلترا القلاقل ذهبت حضارتها ~~وأصبحت خرابا يبابا! كلا، فإن ذكاء الأمة يعود فيأخذ في الظهور ويبقى شيء من ~~الأخلاق ولكن إنجلترا هذه التي نعهدها بما فيها من مأثور الآباء وبأس الأبناء ~~وبما فيها من الأموال والنظم التجارية تزول ... وإني أرجو أن المجلس عندما يدرك ~~أن المشروع يراد به طعن دستور البلاد لن يأذن بالتقدم خطوة واحدة نحو ~~الديمقراطية؛ إذ عليه أن يحافظ على النظام الحاضر الذي نعيش فيه على أرض ~~إنجلترا. ~~(22) خطبة لغلادستون # تاريخ غلادستون (1809-1898) هو في الواقع تاريخ إنجلترا في القرن التاسع عشر أو على ~~الأقل تاريخها في ثلثيه الأخيرين، فليس هناك مسألة مهمة تتعلق بسياسة البلاد في هذه ~~المدة لم يكن لرأيه أثر فيها. وكانت الميزة التي اتسمت بها شخصيته وجعلت الشعب ~~الإنجليزي ينقاد إليه إخلاصه، فلم يكن يعرف «دهاء» السياسيين أو أساليب المواربة وطرق ~~الغش والتمويه، وكان لسانه ترجمان قلبه، «ولم يكن له من يعدله في المناقشات البرلمانية ~~في تاريخ البلاد. وكان صوته بطبيعته جميلا حلوا قويا نافدا يرن على أوتار جميع ~~العواطف. وقد كان مرانه الطويل في مجلس العموم سببا في تنشئة مواهبه إلى أقصى حد، وكانت ~~طلاقة لسانه تبلغ به حدا فاحشا بحيث تحمله فصاحته أحيانا إلى غاية بعيدة، ولكن ~~المستمعين له لم يكن يظهر عليهم مع ذلك إنهم يسأمون الإصغاء إليه.» # وقد اخترنا القطعة التالية من خطبة ألقاها في جلاسجو في سنة ms093 1865 عن «الحروب ~~والاستعمار»، قال: # إذا رجعنا إلى تاريخ الإنسان في العصور الأولى نجد أنه كان يعيش بلا قوانين ~~تحدد حقوق الأفراد، فكان أول ما يجول بخاطر الفرد إذا أراد أن يصلح من شئونه ~~ويزيد ثروته أن يغير على جاره ويأخذ منه عنوة ما يملك، فكانت القرصنة والغزو ~~في العصور الأولى يقومان مقام الحروب في العصور الحديثة. تسألون لماذا؟ فلننظر ~~في عبر الحرب. # في الحرب فريقان لا يمكن أن يكون كلاهما على صواب، بل يمكن أن يكون كلاهما ~~مخطئ. وإني أعتقد أنه إذا نظر مؤرخ نزيه في عدد عظيم من الحروب التي نشرت ~~الخراب في العالم - بصرف النظر عن ذلك البعض الذي لا يشك فيه والذي سلت فيه ~~السيوف في شأن الحق والعدل - فإنه يجد أن كثيرا منها قد أثاره الطيش والشهوات ~~والطمع من الجانبين وأن نتائج هذه الحروب كان الندم ولات ساعة مندم عند كلا ~~الفريقين! # ففي تاريخ العالم حروب دينية، وقد جزنا نحن هذا الطور، ولكني لست واثقا من ~~أنه لم يكن لتلك الحروب ما يبررها من التعللات التي نجدها في الحروب الأخرى ~~المدونة في التواريخ، فذلك الجنون الذي قاد الأمم إلى الحروب الدينية هو الذي ~~ساقها بعد ذلك إلى حروب أخرى غير دينية. فقد جرت حروب بين أعضاء الأسر المالكة ~~ينازل بعضهم بعضا ويسفكون دماء الأمم التي يتقاتلون من أجل الاستئثار بالتسلط ~~عليها. واعتقادي أننا قد جزنا هذا الطور أيضا. وهناك حروب أبعد مدى وأخطر ~~أثرا مما ذكرنا، وهي تلك التي تهاج لأجل التوسع والامتلاك. ولست أشك بأن بواعث ~~هذه الحرب طبيعية في الإنسان ولكنها بواعث إجرامية مخطرة، وإني شديد الأسف لما ~~أجد الآن في أيامنا الراهنة من أن الرغبة في الامتلاك والتوسع لا تزال حية في ~~قلوب أمم تعيش في أقدم بلاد أوروبا حضارة. # ولكني أريد أن ألفت نظركم إلى الكيفية التي صارت بها هذه الرغبة في الامتلاك ~~والتوسع سببا في سفك الدماء وإثارة الحروب بدرجة تفوق ما كانت عليه قبلا. ~~فإنما كان ذلك وقت أن ms094 شرعت الدول الأوروبية في الاستعمار، كأنما قد ظهر لهم أن ~~هذه الدنيا قد ضاقت بهم. لقد كنا نظن عندما ننظر إلى سعة هذا العالم وعندما نجد ~~أن قليلا منه مأهول الآن، وأقل منه كان مأهولا قبلا منذ قرن أو قرنين من الزمان ~~نرى أنه لم يكن هناك ما يدعو إلى الشجار لأن في هذه السعة مندوحة عنه، ولكن ~~الاستعمار على الرغم من ذلك كان سببا في الحروب الدموية مع جيراننا. وكان أساس ~~هذه الحروب تلك الشهوة القديمة؛ شهوة التوسع وامتلاك الأرضين . وبما أن أحوال ~~أوروبا كانت قد استقرت واطمأنت ولم تجد الدول متسعا لمرضاة شهواتها في التوسع ~~فيها كما كانت تجد لو كان الوقت وقت همجية وفوضى ذهبت بسلاحها وجيوشها عبر ~~المحيط الأطلسي فنشبت هناك الحروب من أجل التوسع والامتلاك. # وهذا كان من شر أغلاط الإنسان وإليه تعزى أكثر حروب القرن الماضي. ولكن لو ~~عرف آباؤنا كما نعرف الآن نعمة التجارة والتبادل الحر للبضائع لكانوا إذن في ~~غنى عن جميع تلك الحروب؛ إذ ماذا كانوا يقصدون من تلك الحروب؟ # كانوا يرمون إلى الاستعمار، ولكن الغاية البعيدة التي كانوا ينظرون إليها في ~~الاستعمار لم تكن الامتلاك فحسب وإنما كانت زيادة أرباح الأمة من التجارة بين ~~المستعمرات وبين الدول المالكة لها، ولهذا لم يكن خطأ الاستعمار قاصرا على أمة ~~واحدة، فإن جميع الأمم سواء في ارتكاب هذا الخطأ. # هكذا كان خطأ إسبانيا في مكسيكا وخطأ البرتغال في البرازيل، وخطأ فرنسا في ~~كندا ولويزيانا، وكان خطأ إنجلترا في استعمارها الهند الغربية والشرق. وكان ~~جماع الخطأ في اعتقاد الجميع بأنه متى استعمرت إحدى البلاد القاصية صارت ~~تجارتها وأرباح هذه التجارة وقفا على الدولة المالكة لهذه البلاد دون أن ينال ~~غيرها منها شيئا. وكانت الحروب نتيجة هذا المذهب؛ لأن جميع الدول صارت تعتقد أن ~~الاستعمار لا قيمة له ما لم يقصر امتياز التجارة على الدولة المالكة ~~ومستعمراتها، ومن هنا نشأت أطماع الدول في الغارة على مستعمرات غيرها للحصول ~~على هذا الامتياز. # لقد قضى ذكاء الإنسان ms095 المضلل في ذلك الزمن الذي أشرت إليه أن تكون التجارة ~~التي يجب أن تكون سبيل الرابطة بين بني البشر سببا في إثارة الحروب وتبريرها ~~هنا في بلادنا وغير بلادنا، نبررها عند الشروع فيها ونتمجد بها عند ختامها، فنأخذ ~~من الجار مستعمرته ونعتبر هذا العمل توسيعا للمعاملات التجارية وترقية للصناعة ~~في بلادنا. لقد كان هذا خطأ مخطرا جنونيا، وهو أحرى بهذه الصفات إذا اعتبرنا ~~أننا نزعم أننا قد أقلعنا عن الطرق القديمة التي مارسها الإنسان في العصور ~~الأولى؛ طرق الغزو والنهب، وملنا إلى الصلح والسلام. ولكني أرتاح الآن إلى ~~القول بأننا قد أفلتنا من هذا الزعم الخادع، أجل ليس من الحكمة أن نفخر على ~~آبائنا، لقد كانت أخطاؤهم تنسل إليهم انسلالا فلا يلحظونها ولا يقدرون جرائرها، ~~ولعلنا نحن أيضا في هذا المركز تتسرب إلينا الأخطاء فلا نحس بها، وحقيق بنا أن ~~نتواضع عندما نقارن أنفسنا بالبلاد الأجنبية الآن أو بالدول السابقة في العصور ~~الماضية، وأن نقنع بالحمد عندما نرى خطأ قد صحح وعلينا أن نصمم بألا تعود هذه ~~الأخطاء إلى الوجود، بل علينا ألا نني عن معونة أولئك الذين لا يزالون يعتقدون ~~صحة هذه الأوهام، ولست في حاجة إلى القول بخصوص مستعمراتنا إنها لم تعد سببا ~~في الحروب؛ لأننا قد انتهينا إلى الاعتقاد بأن عظمة هذه البلاد لا تتأكد من حيث ~~العلاقة مع هذه المستعمرات إلا إذا جعلناها تتمتع بجميع الحقوق والميزات التي ~~نتمتع نحن بها. وإذا اتفق أن وجدنا عددا كبيرا من السفن الأميركية تتجر في ~~كالكوتة فلن يكون في هذا ما يهيج فينا عواطف الحسد، بل على العكس نمتلئ سرورا؛ ~~لأن معنى هذا زيادة ثروة الإمبراطورية الهندية وسعادة أهلها، وكلما زادت هذه ~~الثروة وهذه السعادة عاد علينا ذلك بالربح بواسطة التجارة. ~~(23) خطبة لبسمارك # كان بسمارك (1815-1898) «رجل الدم والحديد» جمع شمل الدويلات الألمانية العديدة تحت ~~علم واحد هو علم الإمبراطورية بقيادة بروسيا. وكان رأسه من أضخم الرءوس كما ثبت ذلك بعد ~~تشريح جثته عند وفاته، فإذا كان ذكاؤه يعزى ms096 إلى ضخامة هذا الرأس أو لا يعزى إليها ~~فالواقع أنه كان من أذكى السياسيين، يدس الدسائس ويدبر الحروب بمهارة الأبالسة، فحارب ~~دانماركا والنمسا وفرنسا وتغلب عليها. وفي سنة 1871 في عقر دار المهزوم في فرساي توج ملك ~~بروسيا إمبراطورا على ألمانيا، فلما تولى الإمبراطور غليوم (الذي يعيش الآن منفيا في ~~هولانده) حسده على عظمته ورأى فيها ما يكسف ضوءه فأخرجه من الحكومة. # والقطعة التالية مختارة من خطبة ألقاها بمناسبة مشروع الدستور الألماني الذي قدمه ~~البرلمان الثوري، ولم يكن هذا المشروع وفق هوى بسمارك لأنه لم ينص على سيادة بروسيا، قال: # أيها السادة، لقد آلمني أن أرى هنا بروسيين بالحقيقة لا بالاسم فقط يعضدون ~~مشروع الدستور هذا بقوة وحماسة، ولقد شعرت بالهوان والصغار كما يشعر بهما ~~الألوف من أبناء وطني عندما رأيت ممثلي الأمراء الذين أحترمهم في مقاماتهم ~~الرسمية الشرعية، ولكني لا أدين لهم بطاعة أو ولاء قد صاروا بهذا الدستور سادة ~~ذوي سلطان. ومما زاد مرارة هذا الشعور أننا في افتتاح المجلس رأينا المقاعد ~~مزينة برايات تخالف رايات الإمبراطورية الألمانية بل كانت على العكس من ذلك مدة ~~السنتين الماضيتين شارة الثورة والتمرد، وهي رايات لا يحملها في ولايتنا ~~باستثناء الديمقراطيين سوى الجنود، يحملونها طاعة للأوامر والأسى ملء ~~قلوبهم. # أيها السادة، إنكم إذا لم ترضوا الروح البروسية في هذا الدستور فإني أعتقد ~~أنه سيبقى حبرا على ورق، وإذا أنتم حاولتم أن تسوموا البروسيين الإذعان لهذا ~~الدستور فإنكم ستجدون منهم ما وجده الأقدمون من جواد الإسكندر، بوكيفالوس، الذي ~~كان يحمل مولاه ويسير به جريئا مبتهجا بينما هو كان يقذف الفارس الذي يتطال إلى ~~امتطاء صهوته ويلقيه على الرغام يتمرغ بذهبه وفروه وسائر حليه وملابسه. ولكن ~~يعزيني الآن اعتقادي الراسخ بأن الوقت لن يطول حتى تنظر الأحزاب المختلفة إلى ~~هذا الدستور كما نظر الطبيبان في أسطورة لافونتين إلى جثة المريض الذي كانا ~~يعودانه، إذ يقول أحدهما: «لقد مات، ولقد تنبأت بذلك منذ رأيته»، فيقول الآخر: ~~«لو أنه استمع لنصيحتي لما مات!» ~~(24) خطبة لجون ms097 برايت # كان جون برايت (1811-1889) من أحرار الإنجليز ساعد غلادستون الأيمن يعضده في كل ~~مشروعاته وينافح عن سياسته، وكان خطيبا مفوها «قد منحه الله عطية الصوت إذا خطب سمعت ~~منه موسيقى فصيحة تغور إلى أعماق الشجن وترتفع إلى قمم الغضب.» # وقد اخترنا القطعة التالية من خطبة له ألقاها في سنة 1851 عن عبء الأنظمة الحربية وما ~~تكلف الأمم من باهظ النفقات، قال: # إني أعتقد أن عظمة الأمة لا تدوم إلا إذا ثبتت على أسس الآداب، ولست أبالي ~~بالعظمة الحربية أو الذكر الحربي، وإنما أحق بالمبالاة والعناية أفراد الأمة ~~التي نعيش في ظهرانيها وأحوالهم، إنكم تعرفون أنه ليس في إنجلترا من هو أبعد ~~مني عن قول السوء في التاج والملوكية، ولكن اعلموا أن التيجان والصولجانات ~~والأبهة الحربية والمستعمرات الواسعة والإمبراطوريات العظيمة هي كلها في رأيي ~~هباء كالهواء لا تستحق النظر والاعتبار إلا إذا كانت الأمة حاصلة على نصيب كاف ~~من الرفاهية والرضا والسعادة، فإن الأمة لا تتألف من القصور والآطام والأبهاء ~~والدور الفخمة، فالأمم في جميع البلاد تعيش في الأكواخ وإذا لم يضئ الدستور ~~هذه الأكواخ وإذا لم تصل السياسة الرشيدة إليها وينطبع أثرها على أحوال سكانها ~~وشعورهم فثقوا بأنكم لم تتعلموا بعد واجبات الحكومة. # لقد حكى لنا أقدم المؤرخين أن الإسكيثيين كانوا في زمنه أكثر الشعوب ميلا إلى ~~الحروب وإنهم قد رفعوا صولجانا على منصة رمزا «لمارس» إله الحرب ولم يشيدوا ~~لأحد من الآلهة مناسك إلا لهذا الإله، والآن أراني أتساءل عما إذا كنا نحن قد ~~تقدمنا على هؤلاء الإسكيثيين، إذ ماذا ننفق الآن على البر والتربية والآداب ~~والدين والعدل والحكومة المدنية؟ وما هو هذا الذي ننفقه في جانب نفقاتنا الحربية ~~التي نقدمها ضحية على منسك مارس؟ # منذ ليلتين خطبت طائفة كبيرة من المستمعين في هذه القاعة، وكانت هذه الطائفة ~~مؤلفة إلى حد عظيم من أبناء وطنكم الذين ليس لهم حقوق سياسية لا تبدو أنوار ~~الفجر حتى يشرعوا في الانكباب على أعمالهم لا يتحولون عنها حتى المساء. ليس ~~لهم من ms098 الأسباب والوسائل ما يعينهم على تفهم هذه المسائل المهمة. أما الآن فقد ~~وفقت إلى إسماع طائفة أخرى، فإنكم تمثلون تلك الطبقة التي امتازت بتربية أوفى ~~وحصلت على قدر أكبر من الذكاء في فهم بعض المسائل وفي أيديهم النفوذ والسلطة ... ~~إن في مقدوركم تكوين الآراء وإيجاد السلطة السياسية ولن يخطر ببالكم فكر حسن عن ~~هذا الموضوع تفضون به إلى جيرانكم، ولن تحدث بينكم وبين من تجتمعون بهم مناقشة ~~تدلون فيها برأيكم حتى تؤثروا على سير حكومتكم أثرا سريعا محسوسا. # وهل تسمحون لي بأن أطلب إليكم أن تعتقدوا كما أعتقد أنا اعتقادا راسخا أن ~~القوانين الأدبية لم تسن للأفراد بل هي أيضا قد كتبت للأمم مهما كبر شأنها، ~~مثل هذه الأمة التي نحن أفرادها! وإذا سخرت الأمم بهذه القوانين الأدبية ورفضت ~~طاعتها فهناك العقاب الذي لا مفر منه، وقد لا يقع بها العقاب على الفور، بل قد ~~لا يقع في حياتنا ولكن ثقوا بأن ذلك الشاعر الإيطالي قد قال حقا ونطق عن وحي ~~نبوة عندما قال: «سيف الله لا يتعجل ولكنه لا يتأخر.» ~~(25) خطبة لبوكر واشنطون # كان بوكر واشنطون (1858-1915) زنجيا ولد في حجر العبودية في الولايات المتحدة ~~الأميركية، فلما ألغي الرق وجد نفسه صبيا معدما، فالتحق بإحدى الكليات يخدم فيها ~~ويتعلم، ثم ترك الكلية مشيعا بصداقة جميع الذين عرفوه. وتعين ناظرا لإحدى مدارس ~~الزنوج وكانت مكتبا صغيرا ليس به سوى ثلاثين تلميذا، فأخذ في إدارة المدرسة بهمة ~~ومثابرة مدة عشرين عاما يعلم فيها شباب الزنوج ويمدنهم ويثقفهم حتى صار عدد تلاميذه ~~1100 تلميذ، وصارت قيمة مباني مدرسته وأموالها أكثر من ماية ألف جنيه. قال عنه أحد ~~الأميريكيين البيض: «لقد عاش بيننا ردحا طويلا من الزمن نبيل أميركي ذو بشرة سوداء ولد ~~عبدا وضيعا فرفع نفسه بقوة الخلق العظيم حتى صار وطنيا مكرما يعجب به كل رجل ذي ~~أريحية في كل مكان.» # وكان واشنطون خطيبا مطبوعا يخطب كما يتكلم فلم يكن يزين ألفاظه بعبارات البديع أو ~~يلجأ إلى الخلابة؛ لأن دعوته لم ms099 تكن ترمي إلى الإغراء أو الإغواء، فإن غايته كانت الحق ~~وإقناع سامعيه به. وقد ألقى الخطبة التالية في أحد المعارض في سنة 1895، قال: # إن ثلث السكان في جنوب الولايات المتحدة من الزنوج، فليس ثم مشروع يقصد به ~~إصلاح الأحوال المادية أو الأدبية أو المدنية لهؤلاء السكان يمكن واضعيه أن ~~يهملوا فيه شأن شعبنا الذي ننتمي إليه. وإني أيها الرئيس والمديرون إنما أنقل ~~إليكم عواطف سواد الشعب الزنجي عندما أقول إنكم عنيتم بتمثيل رجولة الزنوج ~~تمثيلا سخيا في هذا المعرض الفخم في جميع أدوار تقدمه، وهذا العمل سيزيد ~~الصداقة التي تربط شعبي الولايات المتحدة متانة أكثر من أي عمل آخر منذ ~~تحريرنا. # وليس هذا كل الفوائد التي سنجنيها من هذا المعرض، فإن فيه فرصة قد أتيحت لنا ~~لكي نفتتح بيننا عصرا جديدا للتقدم الصناعي. لقد بدأنا حياتنا في عهدنا ~~الجديد ونحن مغمورون بالجهل والغرارة لم نكسب علما ولا تجربة، فلم يكن غريبا ~~أن نبدأ من القمة لا من القاعدة، فصرنا نطمع في الحصول على مقعد في البرلمان أو ~~في مجلس الولاية التي نعيش في كنفها ونؤثر هذا على شراء العقار أو على تحصيل ~~الفنون الصناعية، فكانت السياسة والخطابة تغوينا فننزع إليها ونهمل الزراعة أو ~~صنع الألبان. # لقد حدث مرة أن إحدى السفن الضالة في عرض البحار لمحت سفينة أخرى موالية قد ~~ارتفعت لها على ثبج الأمواج، فأرسلت إليها إشارة عن صاريها تقول: «الماء، ~~الماء، نحن نهلك من العطش!» فجاءها الرد من السفينة الأخرى: «ألقوا دلوكم حيث ~~أنتم.» فأعادت السفينة المنكوبة إشارتها: «الماء، الماء، نحن نهلك من العطش!» ~~فجاءها الرد ثانيا: «ألقوا دلوكم حيث أنتم.» وتكررت الاستغاثة مرة ثالثة ورابعة ~~فكان الرد لا يتغير، وأخيرا رأى ربان السفينة المنكوبة أن يستمع لإشارة ~~السفينة الأخرى، فألقى دلوه ورفعه إليه وإذا بالماء عذب رواء وإذا بالسفينة ~~تمخر عباب نهر الأمازون عند مصبه. فإلى أولئك الأفراد الذين تجمعني وإياهم ~~الوحدة القومية والذين يطمحون إلى ترقية أحوالهم في بلاد أجنبية والذين يبخسون ~~قيمة تحسين العلاقات الودية ms100 بينهم وبين جيرانهم من البيض أقول: «ألقوا دلوكم ~~حيث أنتم!» ألقوه وصادقوا جميع الناس الذين تعيشون بينهم كائنة من كانت الشعوب ~~التي ينتمون إليها. # أقول ألقوا دلوكم في الزراعة والصناعة والتجارة والخدمة المنزلية وسائر ~~الصناعات، وبهذه المناسبة يجب أن تتذكروا أنه مهما كانت خطايا أهل الجنوب ~~وذنوبهم نحو الزنوج ففي بلاد الجنوب وحدها يمكن للزنجي أن يجد الفرصة السانحة ~~لكي يندمج في العالم التجاري، وهذا المعرض لسان ناطق بهذه الفرصة. وإن أعظم ما ~~نتعرض له من الأخطار هو أننا في وثوبنا من العبودية إلى الحرية قد ننسى أنه يجب ~~على سواد الشعب الزنجي أن يعيش بكد يديه، أو ننسى أن رقينا سيكون بنسبة إكبارنا ~~وتمجيدنا للكد والكدح وبنسبة ما نصرف من مهارتنا وأذهاننا على الصناعات ~~الوضيعة. وإن رقينا سيتوقف على التمييز بين الحقائق والأوهام في هذه الحياة ~~وبين ما هو نافع مقيم وبين ما هو زينة زائلة. ولن يرقى شعب حتى يتعلم ويعرف أن ~~إفلاح الأرض فيه من الشرف والجاه ما في كتابة الشعر. ويجب أن نبتدئ من القرار ~~لا من القمة، ثم لا ينبغي أن تلهينا ظلاماتنا عن انتهاز الفرص. # أما أولئك البيض الذين يؤثرون قدوم الأجانب ذوي الألسنة والعادات الغريبة لكي ~~يشتغلوا معهم في إسعاد بلادهم على الزنوج فإني أقول لهم كما قلت لأبناء قومي: ~~«ألقوا دلوكم حيث أنتم!» ألقوه بين الثمانية الملايين من الزنوج الذين يعيشون ~~بينكم والذين لا تجهلون أخلاقهم وعوائدهم، الذين قد بلوتم أمانتهم وحبهم وقت ~~عبوديتهم عندما كانت خيانة أحدهم تعني خراب البيت بأجمعه. ألقوا دلوكم بين ~~هؤلاء الناس الذين حرثوا أرضكم واحتطبوا لكم من غاباتكم وبنوا مدنكم ومدوا لكم ~~السكك الحديدية وأخرجوا لكم الكنوز من بطن الأرض وكانوا سبب رقي بلادكم، الذين ~~فعلوا كل ذلك دون أن يلجئوا إلى إضراب أو إثارة حرب بين العمال وأصحاب الأعمال، ~~إنكم إن فعلتم ذلك وعاونتم أفراد قومي وشجعتموهم كما تفعلون الآن في هذا المعرض ~~وتناولتم رءوسهم وأيديهم وقلوبهم بالتربية والتعليم وجدتم منهم من يشتري أرضكم ~~الفائضة ms101 فيمتلئ بور أرضكم بالأزهار والأنوار كما تمتلئ مصانعكم بالعمال. # وأنتم في عملكم هذا ستتأكدون في المستقبل كما كنتم في الماضي من وجودكم ووجود ~~أسراتكم محوطين بأودع الناس وأصبرهم وأكثرهم أمانة وأقلهم استياء في هذا ~~العالم. وكما قد برهنا لكم على ولائنا لكم في الماضي نربي أولادكم ونرعى ~~أمهاتكم وآباءكم وهم في فراش المرض ونتبعهم إلى قبورهم أحيانا وعيوننا تفيض ~~بالدموع، فكذلك في المستقبل سنقف إلى جانبكم وسترون منا برا لا يجارينا فيه ~~أجنبي ترتخص فيه الحياة في سبيل الدفاع عنكم وتشتبك حياتنا بحياتكم في الصناعة ~~والتجارة والدين بحيث تتحد مصالح الشعبين. وفي مقدورنا أن ننفصل في الأشياء ~~الاجتماعية كما تنفصل أصابع اليد ولكننا نصير كاليد كتلة واحدة متحدين في جميع ~~الشئون الأساسية الخاصة بالتقدم المتبادل. ~~(26) خطبة لروزفلت # كان روزفلت (1858-1919) رئيسا للولايات المتحدة الأميركية «وكان يتسم بالهمة التي لا ~~تني، فما دام هناك شيء جدير بأن يعمل فهو عنده ينهض به دون اكتراث للعوائق ... وكان يضيف ~~إلى نشاطه الجسمي والعقلي نشاطا أدبيا لا يمكن لرجولة الرجل أن تتم بدونه. وكان من ~~سمات أخلاقه شرف المقصد وإحساس رفيع بالواجبات العمومية ... إن روح الحضارة الأوروبية ~~الحقيقي كان متمثلا تمثيلا كاملا في تيودور روزفلت.» # وقد ألقى الخطاب التالي في سنة 1899 في مدينة شيكاغو، قال: # أيها السادة، إني في مخاطبتي إياكم وأنتم رجال أكبر مدينة في الغرب ورجال ~~الولاية التي خرج منها لنكولن وجرانت وأنتم الذين تمثلون أحسن تمثيل الصفات ~~الأميركية في الخلق الأميركي لا أريد أن أحدثكم عن مذهب الدعة المخزية، بل ~~سيكون كلامي عن مذهب حياة الكفاح، حياة الكد والجهد، والعمل والنزاع، أريد أن ~~أعظكم بأرفع أشكال النجاح الذي لا يناله رجل الدعة ولكن يحصل عليه ذلك الرجل ~~الذي لا يحجم عن المخاطر أو المشقات أو الكد المضني وينال في الختام من كل هذه ~~الأشياء نصرا عظيما. # إن حياة الدعة ... حياة الهدوء التي تنشأ من عدم الطموح إلى تأدية الأعمال ~~العظيمة أو من عدم القدرة على الكفاح هي حياة غير جديرة ms102 بأمة أو بفرد، إني أطلب ~~من الأمة الأميركية ما يطلبه كل أميركي ذي كرامة من نفسه ومن أبنائه، فمن منكم ~~يرضى بأن يعلم أبناءه بأنه يجب أن يكون للدعة والهدوء المحل الأول من اعتبارهم ~~وأن يكونا الغاية التي يطمحون إلى تحقيقها؟ # إنكم يا أهل شيكاغو قد جعلتم بلدتكم هذه عظيمة، وأنتم يا أهل إلينواس قد قمتم ~~بنصيبكم في رفع أميركا إلى مقام العظمة لأنكم لا تقولون بالدعة ولا تمارسون ~~مذهبها، إنكم تشتغلون بأنفسكم وتطلبون من أولادكم أن يشتغلوا مثلكم، فإذا كنتم ~~ميسورين وكنتم تستحقون ثروتكم فإنكم ستغرسون في نفوس أبنائكم أنهم وإن كانت لهم ~~أوقات فراغ فلا يجب أن يقضوها في الكسل، لأن أوقات الفراغ إذا أحسن استعمالها ~~عادت بأكبر الفوائد. لأن الغني الذي لا يضطر إلى الكد لمعاشه يجب عليه أن يقضي ~~وقت فراغه في الأبحاث العلمية أو الأدبية أو الفنية أو في الاستكشاف الجغرافي ~~أو التاريخي؛ فإن هذه كلها أعمال تحتاج إليها هذه البلاد ونجاحها جدير بأن يرفع ~~شأن أمتنا. # إننا لا نعجب برجل الدعة الذي يجفل من العمل، ولكننا نعجب بالرجل تتجسم فيه ~~الجهود الظافرة، ذلك الرجل الذي لا يؤذي جارا والذي يبادر إلى معونة الصديق ~~ولكنه مع ذلك حاصل على صفات الرجولة اللازمة في الانتصار في معارك الحياة ~~القاسية. وليس من ينكر مشقة الفشل ولكن شر من الفشل ألا يحاول الإنسان النجاح. ~~وفي هذه الحياة الراهنة لا نحصل على شيء ما إلا بالجهود، ومن ليس في حاجة إلى ~~جهد في وقته الراهن كان في حاجة إليه في الماضي وقد اختزن منه حاجته للمستقبل، ~~فإنما يتحرر الإنسان من قيد الاضطرار إلى العمل لأنه هو أو آباؤه قد عملوا في ~~الماضي ونجحوا، فإذا كانت هذه الحرية قد أحسن استعمالها وإذا كان صاحبها لا ~~يزال يشتغل شغلا من طراز آخر كأن يكون كاتبا أو قائدا أو يشتغل بالسياسة أو ~~بالاستكشاف فإنه بعمله هذا يثبت جدارته لثروته، أما إذا كان يعتبر خلو باله من ~~هموم الكدح للمعاش فرصة للتمتع بضروب ms103 اللذات فإنه عندئذ يصير عالة على الناس، ثم ~~هو مع ذلك يجعل نفسه عاجزا عن المنافسة والجهاد مع إخوانه إذا دارت الدوائر ~~وتطلبت منه الأحوال ذلك، فإن حياة الدعة ليست مما يرغب فيه لأنها تعجز الذين ~~يمارسونها عن العمل الجدي في هذا العالم. # وكما يسري هذا على الفرد فكذلك يسري على الأمة، وإنه لمن الأكاذيب السافلة أن ~~يقال إن الأمة التي لا تاريخ لها تكون سعيدة، فأسعد منها مرتين بل ثلاثا تلك ~~الأمة التي تباهي بتاريخ مجيد. والإقدام على جلائل الأعمال ونيل الفوز المجيد ~~وإن تخلل ذلك حبوط المسعى خير من أن يعد الإنسان في صف أولئك الضعاف الذين لا ~~يتمتعون كثيرا ولا يتألمون كثيرا لأنهم يعيشون في غبشة الغسق فلا يعرفون ~~ظفرا أو هزيمة. ولو أن الأميركيين الذين كانوا يؤمنون بالاتحاد في سنة 1861 ~~كانوا يعتقدون أن السلام هو غاية الأماني وأن الحرب والنزاع شر الأشياء ولو ~~أنهم عملوا بما آمنوا لكنا قد وفرنا دماء الألوف ومئات الألوف من النقود، ثم ~~كنا إلى جانب هذه الدماء وهذه النقود نوفر على النساء أحزانهن وخراب بيوتهن ~~وكنا وفرنا على بلادنا تلك الأيام السوداء عندما كانت جيوشنا تسير نحو المعركة ~~فكأنها تسير نحو الهزيمة فتملأ قلوبنا خزيا وأسفا. كان في مقدورنا أن نتجنب ~~جميع هذه الآلام بأن نحجم عن القتال والكفاح، ولكننا لو كنا قد فعلنا ذلك إذن ~~لصرنا ضعافا أنكاسا غير جديرين بالوقوف في مصاف الدول العظمى. فلنشكر الله أنه ~~مزج دماء آبائنا بالحديد، أولئك الرجال الذين نصروا لنكولن وآمنوا بحكمته ~~وساروا إلى القتال تحت راية جرانت! فعلينا نحن أبناء الرجال الذين ارتفعوا إلى ~~مستوى تلك الأيام العظيمة، نحن أبناء أولئك الأبطال الذين ساروا بالحرب الأهلية ~~إلى الفوز النهائي، علينا أن نشكر الله لأن نصائح الصلح قد ردت وأن الآلام ~~والخسائر والأحزان قد قوبلت دون خور؛ لأن ختام هذه الحرب قضى على عبودية الزنوج ~~وعاد الاتحاد وظهرت الجمهورية الأميركية العظيمة ملكة متوجة بين الأمم. # وليس علينا نحن أبناء هذا الجيل أن ms104 نواجه مثل هذه المهمة التي وقعت على كواهل ~~آبائنا ولكن لنا نحن أيضا مهماتنا وويل لنا إذا لم نؤدها. فلسنا نستطيع - حتى ~~لو أردنا - أن نعيش كما يعيش الصينيون تبلى أجسادنا وعقولنا في دعة لا نهتم لما ~~يحصل خارج حدود بلادنا نتخبط في المبادئ التجارية لا نعنى بالحياة العليا حياة ~~الأماني والكد والأخطار نقصر جهدنا على حاجات يومنا الجسمية، حتى نرى في أحد ~~الأيام كما رأت الصين أن الأمة التي تعيش في هذا العالم عيشة الدعة والسلام ~~والبعد عن الطرق الحربية تنهزم أمام الأمم التي لم تفقد صفات الاقتحام ~~والرجولة ، فإذا نوينا نية صادقة أن نكون أمة عظيمة فعلينا أن نمثل دورا عظيما ~~في هذا العالم، وليس من المستطاع أن نتجنب مواجهة المسائل العظمى، وكل ما علينا ~~أن نقر على نوع هذه المواجهة إن حسنا وإن سيئا. ~~(27) خطبة للرئيس ويلسون # كل من يذكر الحرب الكبرى يذكر أيضا ويلسون (1856- ) أحد أساتذة جامعة برنستون ثم رئيس ~~الولايات المتحدة، وقد قال أحد فلاسفة الإغريق إن الأمم لن تسعد حتى تصير قادتها فلاسفة ~~وفلاسفتها قادة. فلما صار ويلسون إلى مركز الرياسة تطلع الناس ليروا ما سيجنونه من ~~سياسة الفيلسوف، وحدث في عهده أكبر أزمة كابدها الضمير البشري في تاريخ الإنسان، وهي ~~الحرب الكبرى، وكانت في لبها حربا مادية تستحثها الأطماع السافلة في امتلاك المال ~~والعقار، فلم تكن تختلف عن حروب المتوحشين الأفريقيين إلا من حيث الكمية لا من حيث ~~النوع، ولكن الأمم المتحاربة أرادت أن تجند العواطف وتعبي القلوب، فاخترعت ألفاظا لم ~~تكن مألوفة في الحروب السابقة مثل الحق والعدل وما إليهما، فاغتر بها الفيلسوف ويلسون ~~وزج بأمته في هذه الحرب ونال النصر ثم جاء السلم فنالته الهزيمة، فقد حاطه ساسة أوروبا ~~وأخذوه بأساليبهم حتى خرج من قاعة المفاوضات في النهاية ولم يربح لمبادئه ~~نصيرا. # ولكن يكفي ويلسون فخرا أن يتهكم عليه مسيو كليمانصو فيقول فيه: «إنه يظن نفسه أنه ~~المسيح.» # وخير للناس أن ينخدعوا بالمبادئ العليا ويعتقدوا أنهم يؤمنون بها وأن تحقيقها مستطاع ms105 ~~مثل ما فعل ويلسون من أن يؤمنوا بالحقائق وينزلوا عند حد الأطماع البشرية كما فعل مسيو ~~كليمانصو. # وفيما يلي يرى القارئ مثالا من خطب ويلسون وموضوعه: «الحرية الجديدة»، قال: # مهما أكثرنا من التفكير في حادثة استكشاف أميركا فإن هذه الحادثة لا تزال ~~تثير خيالنا وتهتاجنا، فقد سلفت قرون كان وجه أوروبا يتجه فيها نحو الشرق، فكانت ~~طرق التجارة ودوافع النشاط تسير نحو الشرق، وكان المحيط الأطلسي أشبه شيء ~~بالباب الخلفي للمنزل، ثم فوجئ الأوروبيون باستيلاء الأتراك على القسطنطينية ~~ووقوفهم سدا حائلا بين أوروبا والشرق، فكان على أوروبا إما أن تتجه نحو وجهة ~~أخرى وإما أن تقف مشلولة الحركة لا تجد منفذا لنشاطها. وفي النهاية أقدم الناس ~~على هذا البحر الغربي المجهول مجازفين بأرواحهم وعلم سكان الأرض عندئذ أن أرضهم ~~تبلغ ضعفي ما كانوا يعتقدون. ولم يجد كولمبوس كما كان ينتظر حضارة الصين بل وجد ~~قارة غير عامرة، ففي هذا الجزء من العالم على هذا النصف الآخر من الكرة الأرضية ~~أتيح للإنسان في تاريخه الحديث أن يؤسس حضارة جديدة لها ميزة التجربة الجديدة. # فمثل هذه الفرصة الفريدة جديرة بأن تحرك العواطف عند جميع من يتبصرون في ~~غرابتها وفي قيمتها، فقد يستطيع الإنسان أن يؤلف آلافا من التواريخ الخيالية ~~لهذه الأرض ولكن لا يبلغ خياله إلى اختراع قصة يكون فيها نصف العالم مخبوءا ~~حتى ينضج الزمان ويتهيأ للشروع في إيجاد حضارة جديدة، فقد كان طمع ربان سفينة ~~في الاهتداء إلى طريق بحري سببا في امتياز أدبي للإنسانية، فقد قدر للإنسان أن ~~يؤسس هيئة اجتماعية جديدة في هذه الأرض الميمونة التي لم يقترب منها إنسان كما ~~كان يقول السياح إلا وينتعش بهواء الغابات الملتهبة بالأزهار ويطرب لخرير ~~المياه الصافية التي تنساب بين أشجارها. # فهذا النصف الآخر من الكرة الأرضية كان راقدا ينتظر مس الحياة - حياة من ~~العالم القديم حقا ولكنها قد طهرت من الأدران وعولجت من الإعياء لكي تليق ~~بطهارة العروس العذراء. # فكل هذا يستطير الخيال كأنه رؤيا عجيبة بل تحفة جميلة لا ms106 يسخو الزمان بمثلها ~~مرة أخرى. # والآن نتساءل، ماذا كان فيما كتبه أولئك الناس الذين أسسوا أميركا مما يروج ~~مصالح أميركا بالذات ويعود عليها بالفائدة وحدها دون غيرها؟ هل تجدون للأثرة ~~مكانا في هذه الكتابات؟ كلا، فإنهم إنما كانوا يكتبون خدمة للمبادئ الإنسانية ~~ولتحرير الإنسان، فأقاموا مقاييسهم الأدبية هنا في أميركا على دعائم الأمل شعلة ~~تستضيء بها أمم العالم وتتشجع منها، وأخذ الناس يأتون إلى شواطئ هذه القارة وهم ~~يحدوهم رجاء لم يكونوا يعرفونه من قبل وثقة لم يكونوا يجرءون على الشعور بها من ~~قبل ثم وجدوا هنا عدة أجيال مكانا قد انتشرت فيه الطمأنينة والأمن وعرضت فيه ~~لهم الفرص وصاروا فيه مستوين. وعسى الله - في هذه الأحوال المرتبكة التي تحوطنا ~~الآن - يلهمنا أن نرجع إلى تلك المقاييس ونقوم بمثل تلك الأعمال المجيدة التي ~~يزدان بها ذلك العصر السعيد. # لقد مرت بذهني مرارا عديدة صورة لتلك الشروط التي تتألف منها الحرية، ~~ولبيانها لكم أفرض أني أريد أن أبني آلة قوية وأني في إقامة أجزائها قد جمعتها ~~من غير مهارة أو لباقة بحيث إذا أردت إدارتها وتحرك أحد الأجزاء وقف في سبيل ~~حركته جزء آخر فينتهي الحال بوقوف الآلة، فحرية هذه الأجزاء تنحصر في اجتماعها ~~على أحسن شكل وتآلفها على أحسن وجه، فإذا أردت من كابس الآلة البخارية أن يسير ~~بأكمل حريته فليس عليك سوى أن تضعه بحيث يأتلف بسائر أجزاء الآلة فلا يتعارض ~~وإياها عند الإدارة، فليست حريته في أن يكون منفردا في عزلة على حدة بل في ~~وضعه وضعا ملائما موافقا بيد ماهرة في جسم الآلة. فالحرية الإنسانية هي كذلك ~~تنحصر في الملاءمة والتوفيق بين المصالح الإنسانية والنشاط الإنساني. # فهل نحن في هذا المعنى الجديد محتفظون بالحرية في هذه البلاد التي هي رجاء ~~هذا العالم؟ فالجواب على ذلك يقينا هو أننا قد سرنا شوطا بعيدا نحو الخيبة ~~التي تجلب الحسرة والأسى للنفس، ونحن الآن في خطر الوقوع في الخيبة التامة إلا ~~إذا أمضينا نيتنا نحو إلغاء المظالم الدقيقة الخفية ووضعنا ms107 لكل منها العقاب ~~الذي تستحقه. وإياكم وخدع أنفسكم عن مبلغ نفوذ المصالح الكبرى التي تتحكم في ~~رقينا ومدى قوتها، فإن لهذه المصالح من القوة والنفوذ ما يجعلنا نرتاب فيما ~~إذا كانت حكومة الولايات المتحدة تستطيع أن تتحكم فيها، فإذا أنتم تهاونتم ~~واكتسبت هذه المصالح صفة دائمة لنفوذها لصار عندئذ إصلاح الحال من ~~المحال. # إني أومن بالحرية الإنسانية كما أومن بنبيذ الحياة، وليس في رعاية أصحاب ~~المصانع للأمة تلك الرعاية المؤسفة وفي تنازلهم للنظر في مصالحها ما يسير ~~بالإنسان نحو الخلاص؛ إذ ليس للأوصياء مكان في بلاد الأحرار لأن تلك السعادة ~~التي تأتي عن طريق القوام لا يرجى لها دوام أو بقاء. # إن الاحتكار الذي يرمي إليه أصحاب المصانع يئول إلى قتل جهود الأفراد، وإذا ~~ألح المحتكرون في الاحتفاظ بقوتهم فإنهم سيقبضون بأيديهم على دفة الحكومة، ولست ~~آمل أن يضبط هؤلاء الناس أنفسهم لأنه إذا كان في البلاد أقوياء قادرون على أن ~~يمتلكوا زمام الحكومة فهم هؤلاء الأقوياء، وعلينا نحن أن نستقر على قرار ونعقد ~~نيتنا على وضع أيدينا على الحكومة، وهذا لا يكون إلا إذ كنا رجالا بل رجالا ~~عظاما. # ويجب علينا أن نزرع الشعور اللطيف والرحمة في قلوب الناس وذلك بأن نجرد ~~السياسة والأعمال والصناعة من جمود الإحساس والقسوة، فيجب أن تكون السياسة من ~~الأمور التي يستطيع رجل شريف أن يمارسها راضيا لأنه يعرف أن رأيه له من ~~المكانة في القانون مثل ما لرأي جاره وأنه ليس لرئيس المصنع أو للمصالح ~~الصناعية المختلفة تأثير عليه. ~~(28) خطبة للويد جورج # ولد لويد جورج في سنة 1861 واشتغل وكيلا للدعاوي في ويلز وفي سنة 1890 دخل البرلمان ~~عضوا في حزب الأحرار. وفي سنة 1905 صار وزيرا للتجارة، واحتفظ بمركز الوزارة إلى أن ~~جاءت سنة 1916 وكانت الحرب الكبرى في عنفوانها، فصار رئيسا للوزارة فرفع مستوى الجهود ~~الحربية في إنجلترا وبقي في الرياسة إلى أن عقد الصلح على يده. ولويد جورج هو بلا مراء ~~«رجل الجماهير» يسايرهم ولا يقودهم إلا عندما لا يجد ms108 خطرا في القيادة، يغريهم وقد ~~يغويهم، ولكنه إذا عاد إلى نفسه وتبين خطأه رجع عنه، وقد يكون رجوعه بعد أن تفوته ~~الفرصة، ولكن الندم نصف التوبة. فقد أغوى الجمهور الإنجليزي بضرورة محاكمة إمبراطور ~~ألمانيا وكسب الانتخاب بهذه الصيحة الخبيثة، ثم ندم فلم يذكرها ثانيا. وعقد صلحا مع ~~ألمانيا يقضي بفنائها، ثم ندم، فألف كتابا يدعو فيه إلى حماية ألمانيا من فرنسا، ~~والخطبة التالية ألقاها بمناسبة دعوة صلح عرضتها ألمانيا حوالي سنة 1917 لم ترق الحكومة ~~الإنجليزية، قال فيها: # أقف اليوم في مجلس العموم وأنا مثقل بأروع تبعة يستطيع حملها أي إنسان ~~باعتباري الوزير الأول للتاج وفي وسط أكبر حرب خاضتها هذه البلاد وهي حرب يتوقف ~~أيضا عليها مصيرها، وقد تأكدت تبعة الحكومة وزادتها فداحة تلك التصريحات التي ~~ألقاها الوزير الألماني. وها أنا ذا أتناول أمامكم هذا الموضوع الآن، وقد جاءتنا ~~على أثر هذه التصريحات التي ألقيت في الريخشتاج مذكرة من سفير الولايات المتحدة ~~تتضمن هذه التصريحات دون أي تعليق من حكومته ... # ولقد سرني غاية السرور أن فرنسا وروسيا قد أجابتا على هذه التصريحات الجواب ~~الأول، وهما بلا شك لهما الحق في أن يجيبا الجواب الأول، فإن العدو لا يزال في ~~أرضهما وضحاياهما أكبر الضحايا، وقد نشر هذا الجواب في جميع الصحف وأنا أقف هنا ~~بالنيابة عن الحكومة لكي أؤازر هاتين الحكومتين في جوابهما مؤازرة صريحة، وهنا ~~يجب أن أقول إن الرجل أو الرجال الذين يتحملون تبعة تطويل مدة حرب هائلة كهذه ~~الحرب بدون سبب وجيه إنما يرتكبون جريمة لا تغسلها عن أنفسهم بحار من الدموع، ~~ثم إن رجلا أو رجالا يكفون عن الحرب لما نال أنفسهم من السأم والجهد قبل أن ~~نحقق الأغراض العظمى التي دخلنا الحرب من أجلها إنما يرتكبون إثما من الجبانة ~~والعار لا يعدله أي إثم آخر. وهنا يليق بي أن اقتبس من إبراهام لنكولن كلمة ~~قالها وهو في ظروف مثل هذه التي نعانيها الآن: «لقد دخلنا ونحن نتوخى تحقيق غرض ~~شريف وستنتهي الحرب عندما يتحقق هذا ms109 الغرض، وأدعو الله ألا تنتهي الحرب في ذلك ~~الوقت!» فهل نحن نحقق هذا الغرض بقبولنا دعوة وزير ألمانيا؟ هذا هو السؤال ~~الوحيد الذي يجب أن نلقيه على أنفسنا. # فشروط الصلح التي نقبلها هي كما قال مستر بونارلو: «رد المسلوب والتعويض ~~والضمان بألا يحدث ما حدث من ألمانيا.» # ولكن لكيلا تتسرب الأغلاط - ومن المهم ألا تتسرب الأغلاط في مسألة موت ~~ملايين وحياتهم - يجب أن أقول إن ما نطلبه هو رد المسلوب بأجمعه، والتعويض ~~التام، والضمانات الناجعة، فهل نطق وزير ألمانيا بكلمة تدل على أنه يقبل هذه ~~الشروط؟ فهل ألمع إلماعا إلى رد المسلوب؟ وهل اقترح شيئا بشأن التعويضات؟ وهل ~~قال شيئا يدل على ضمان المستقبل من أن تحدث فيه مثل هذه الحرب الفظيعة تفاجئ ~~بها ألمانيا الأمم عندما تجد أن الفرصة سانحة؟ كلا، فإن مادة خطبته وأسلوبها ~~ينكران القواعد التي لا يمكن لصلح ما أن يقام على غيرها، فهو لا يعرف للآن ولا ~~يشعر أن ألمانيا قد جنت على حقوق الأمم الحرة، فأصغوا إلى قوله هذا: «إن دولتي ~~الوسط لم تحيدا عن الاعتقاد لحظة واحدة بأن احترام حقوق الأمم الحرة لا يتناقض ~~ومصالحهما الشرعية وحقوقهما»، فمتى عرفتا احترام حقوق الأمم الأخرى عندما دخلت ~~جيوشهما في بلجيكا؟ لقد قيل إن ذلك كان دفاعا عن النفس، فلعل الألمان قد رأوا ~~أنفسهم مهددين بخطر غزو الجيوش البلجيكية الجرارة لبلادهم فغزوا هم بلجيكا ~~وأحرقوا بلدانها وقراها وذبحوا الآلاف من سكانها كبارا وصغارا، واسترقوا بعد ~~ذلك من بقي من الأحياء، فما هو الضمان لكيلا تعاد مثل هذه الأفاعيل حتى إذا ~~تعاقدنا في صلح علمنا أن هذا الصلح قد ختم روح الحرب البروسية؟ وهل نحن نستطيع ~~إذا لم نحاسبهم على ما جنوه من الفظائع في البر والبحر أن نصافح اليد التي ~~ارتكبت هذه الآثام دون أن يدفع التعويض عنها؟ إن علينا أن نطالب بالتعويض وقد ~~شرعنا في ذلك. إننا تكلفنا كثيرا في هذه الحرب فنحن مضطرون إلى الحصول على ~~التعويض حتى لا نترك لأولادنا هذا الميراث السيئ. ms110 # وإذا كنت في هذه الحرب لم أكترث للدعوة الحزبية فذلك لأني قد تحققت منذ ~~اللحظة التي هدرت فيها المدافع، وصبت الموت على بلاد صغيرة وديعة، أن الألمان قد ~~تحدوا الحضارة وقد أوقفونا حيال مسألة تعدو الاعتبارات الحزبية، وهي مسألة ~~يتوقف على تسويتها حظ الناس في المستقبل عندما تتساقط الأحزاب الراهنة كالأوراق ~~الجافة الميتة. فهذه إذن هي المسألة التي يجب أن تبقى ماثلة أمام الأمة وذلك ~~لكيلا تعتري الشكوك عقائدنا ولا التردد قضيتنا. وفي كل حرب طويلة يجيء وقت ~~ينسى فيه الناس وهم في وغرة القتال وحدة الشهوات ذلك القصد السامي الذي أدخلوا ~~الحرب من أجله . فإن هذه الحرب نزاع لإحقاق الحقوق الأممية والشرف وحسن النية ~~بين الدول. وهذه هي الطريق التي تؤدينا نحو السلام على الأرض والإرادة الحسنى ~~بين الناس، فقد هدمت الأسوار التي كد في بنائها أجيال من الناس لكي يصدوا بها ~~تيار الهمجية. ولو لم تدخل بريطانيا بقوتها إلى هذه الثغرة التي انفتحت في أوروبا ~~لغمر هذه القارة فيضان من التوحش والجبروت المطلق. # إن انتصار بروسيا يدع الإنسان في حمأة من الفظائع ويقضي على روح الإنصاف بين ~~الأمم وعلى نمو هذا الشعور الذي يقضي بحماية الضعيف من القوي كما يقضي أيضا ~~على هذا الشعور الأقوى بأن للعدالة شيئا ينصرها أسمى من الشره وأن انتهاك حرمة ~~المعاملة الحسنة بين الأمم الكبيرة أو الصغيرة يجلب على المنتهك العقاب العاجل ~~الصارم، وهذا هو السبب في أنني منذ بداية هذه الحرب لم أضع نصب عيني سوى قصد ~~سياسي واحد قد جاهدت في سبيله؛ وهو تخليص النوع البشري من أعظم نكبة نزلت به ~~توشك أن تقضي على سعادته. ms111