######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.BalaghaCasriyyaWaLughaCarabiyya.Hindawi93731593 #META# Tags: linguistics :: literature #META# ID: 93731593 #META# Title: البلاغة العصرية واللغة العربية #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # 1 - اللغة والتطور البشري‏ # 2 - حين تربي الذئبة الإنسان‏ # 3 - الأنثربولوجية واللغة العربية‏ # 4 - اللغة والسيكلوجية‏ # 5 - البيئة واللغة‏ # 6 - اللغة والمجتمع‏ # 7 - الأحافير اللغوية‏ # 8 - ضرر اللغة‏ # 9 - ضرر اللغة أيضا‏ # 10 - اللغة والجنون والإجرام‏ # 11 - الكلمة الموضوعية والكلمة الذاتية‏ # 12 - إحدى الكلمات‏ # 13 - اللغة القديمة واللغة العصرية‏ # 14 - المجتمع العربي القديم‏ # 15 - الكلاسية داء الأدب العربي‏ # 16 - الإيحاء الاجتماعي للكلمة‏ # 17 - الأقوال أفعال‏ # 18 - الذكاء واللغة‏ # 19 - كلمات تبني الأخلاق‏ # 20 - الكلمة شعار‏ # 21 - فن البلاغة‏ # 22 - اللغة العصرية‏ # 23 - كلمات كوكبية‏ # 24 - القدرة على اصطناع الكلمات الأجنبية‏ # 25 - أوجدين والإنجليزية الأساسية‏ # 26 - التفسير الاقتصادي للغة والأدب العربيين‏ # 27 - اللغة العربية في مدارسنا‏ # 28 - الخط اللاتيني‏ # 29 - التيسير، التيسير‏ # 30 - ثقافة إقطاعية وأدب إقطاعي‏ # 31 - حاجتنا الحتمية إلى الحروف اللاتينية‏ # 32 - المؤلفون المصريون يؤلفون بالإنجليزية‏ # 33 - الكلمات اللاتينية والإغريقية في لغتنا‏ # 34 - نحو التوحيد‏ # 35 - تلخيص‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # 1 - اللغة والتطور البشري‏ # 2 - حين تربي الذئبة الإنسان‏ # 3 - الأنثربولوجية واللغة العربية‏ # 4 - اللغة والسيكلوجية‏ # 5 - البيئة واللغة‏ # 6 - اللغة والمجتمع‏ # 7 - الأحافير اللغوية‏ # 8 - ضرر اللغة‏ # 9 - ضرر اللغة أيضا‏ # 10 - اللغة والجنون والإجرام‏ # 11 - الكلمة الموضوعية والكلمة الذاتية‏ # 12 - إحدى الكلمات‏ # 13 - اللغة القديمة واللغة العصرية‏ # 14 - المجتمع العربي القديم‏ # 15 - الكلاسية داء الأدب العربي‏ # 16 - الإيحاء الاجتماعي للكلمة‏ # 17 - الأقوال أفعال‏ # 18 - الذكاء واللغة‏ # 19 - كلمات تبني الأخلاق‏ # 20 - الكلمة شعار‏ # 21 - فن البلاغة‏ # 22 - اللغة العصرية‏ # 23 - كلمات كوكبية‏ # 24 - القدرة على اصطناع الكلمات الأجنبية‏ # 25 - أوجدين والإنجليزية الأساسية‏ # 26 - التفسير الاقتصادي للغة والأدب العربيين‏ # 27 - اللغة العربية في مدارسنا‏ # 28 - الخط اللاتيني‏ # 29 - التيسير، التيسير‏ # 30 - ثقافة إقطاعية وأدب إقطاعي‏ # 31 - حاجتنا الحتمية إلى الحروف اللاتينية‏ # 32 - المؤلفون المصريون يؤلفون بالإنجليزية‏ # 33 - الكلمات اللاتينية والإغريقية في لغتنا‏ # 34 - نحو التوحيد‏ # 35 - تلخيص‏ # | البلاغة العصرية واللغة العربية # | البلاغة العصرية واللغة العربية # تأليف # سلامة موسى # | الإهداء # إلى الأستاذ أحمد أمين # أهدي هذا ms01 الكتاب إليك لأنك أنت الذي أوحيت إلي من حيث لا تدري بتأليفه. # | مقدمة # كلنا نكتب الآن عن اللغة، وكلنا نشعر بخطورة هذا الموضوع؛ لأننا انتهينا بما نعرفه من ~~اللغات الأوروبية، إلا أن تأخرنا اللغوي في مصر هو سبب من أعظم الأسباب لتأخرنا ~~الاجتماعي، وقد كان الثقاب الذي أشعل هذا الموضوع في وجداني، وبعثني على تأليف هذا الكتاب؛ ~~مقالا نشره الأستاذ (أحمد أمين) في مجلة الثقافة، أوضح فيه أن معاني الكلمات تتغير حين ~~يتغير الزمان والمكان؛ أي حين يتغير المجتمع الذي تستعمل فيه الكلمات، ويمكن للقارئ أن ~~يعيد هذا الكتاب شرحا وتعليقا، وتوسعا في معاني هذا المقال. # واللغة المثلى هي: التي لا تلتبس كلماتها، ولا تنساح معانيها، ولا تتشابه عن بعد أو ~~قرب؛ بل هي التي تؤدي المعاني في فروق واضحة كالفروق بين رقمي 5 و6. ثم هي اللغة الثرية ~~الخصبة، التي يحتاج إليها المتمدنون؛ بل هي التي تتسع أيضا لاختراع الكلمات الجديدة، التي ~~تتطلبها الحاجات النامية المتزايدة لهؤلاء المتمدنين. # وفي مصر طبقة من الكتاب حاولت، ولا تزال تحاول، استخدام اللغة العربية وسيلة من الوسائل ~~الأدبية؛ لاسترداد الأمس. بل إن عندنا من اللغويين من يتحدث عن اللغة العربية كما يتحدث ~~المستشرقون الأوروبيون عن اللغة السنسيكريتية، ولكن مع فرق أصيل، فإن هؤلاء لا يحاولون ~~إحياء الميت من الكلمات السنسيكريتية، ولكن أولئك يحاولون هذا الإحياء للكلمات العربية، حين ~~كان يجب عليهم، لو كانوا على وجدان بالعصر الحديث، أن يدفنوها، ومعظم هذه الطبقة يتألف من ~~معلمي اللغة العربية في مدارسنا. # وليس في هذه الدنيا شيء هو أثمن من اللغة الحسنة؛ لأننا نفكر، وننبعث بالكلمات، وسلوكنا ~~في البيت، والشارع، والحقل، والمصنع هو قبل كل شيء سلوك لغوي؛ لأن كلمات اللغة تقرر لنا ~~الأفكار، والانفعالات، وتعين لنا السلوك كما لو كانت أوامر، بل نستطيع أن نقول: إن سيادة ~~البريطانيين على الهنود، أو المتمدنين على المتوحشين، هي إلى حد ما سيادة لغوية؛ أي: ~~مجموعة خصبة وافية من كلمات المعارف، والأخلاق، تحدث براعة في الفن، وتوجيها في السلوك، ms02 ~~يؤديان إلى السيادة، وأحيانا إلى العدوان. # وحين تحرم لغتنا من كلمات الثقافية العصرية، تحرم أيضا الأمة المعيشة العصرية. فنحن ~~مازلنا نعيش بكلمات الزراعة، ولم نعرف كلمات الصناعة؛ ولذلك فان عقليتنا عقلية قديمة، ~~جامدة، متبلدة، ترجع إلى الماضي حتى إننا نؤلف في ترجمة معاوية بن أبي سفيان في الوقت الذي ~~كان يجب أن نؤلف فيه عن هنري فورد، عبرة الصناعة في عصرنا، أو عن الذرة وعبرتها ~~للمستقبل. # والدعوة إلى لغة عصرية هي في صميمها دعوة إلى المعيشة العصرية؛ لأن الكاتب، حين يستبيح ~~اعتناق الكلمات العلمية كما هي بلا ترجمة، إنما هو في الواقع يستبيح حضارة العلم، والمنطق، ~~والرقي، الصناعي، بدلا من حضارة الآداب، والعقائد، والزراعة. # وواضح أن اللغة هي: ثمرة المجتمع الذي يتكلم أفراده بها، ولكن المجتمع أيضا هو ثمرة ~~اللغة التي تعين لأفراده بكلماتها سلوكهم الذهني، والعاطفي. وقد ألتفت إلى عبارة قالها ~~الأستاذ (عباس محمود العقاد) بشأن الاشتراكيين في مصر لها مناسبة هنا. إذ هم يدعون - على ~~غير ما يحب - إلى اللغة العامية. وقد حسب عليهم هذه الدعوة في قائمة رذائلهم؛ لأنه يعتز ~~بفضيلة اللغة الفصحى، ويؤلف عن خالد بن الوليد، أو حسان بن ثابت، ولكنه غفل عن التفسير لهذه ~~الظاهرة الاجتماعية، وهي: أن الاشتراكيين شعبيون، يمتازون بالروح الشعبي، ويعملون لتكوينه، ~~وهم لهذا السبب أيضا مستقبليون، وليسوا سلفيين؛ ولذلك يحملهم احترامهم للشعب على إيثار ~~لغته الحاضرة على لغة السلف، وفي حين هو سلفي الذهن في لغته، وأسلوبه، وتفكيره، وسلوكه، ~~وليس الأستاذ العقاد وحيدا في هذه السلفية؛ لأني أعتقد أن 90 بل ربما 99 في المائة من ~~كتابنا سلفيون، وهذه السلفية هي نتيجة لحرمان الأمة من الرقي الصناعي، وقصرها على الزراعة. ~~وعرقلة، بل عرقبة، كل تقدم صناعي حاولته الأمة في السنيين الستين الأخيرة؛ لأن المجتمع ~~الصناعي كان جديرا بأن يحدث مجتمعا مستقبليا، يكتب مؤلفوه بلغة الشعب، وتنتقل ~~اهتماماتهم الذهنية من التأليف عن قدماء العرب، إلى التأليف عن مشكلاتنا العصرية في ~~الأخلاق، والتعليم، والاقتصاد، ومكافحة الفاقة، وإني بالطبع لا أغفل هنا ارتباط ms03 اللغة ~~بالتقاليد، والعقائد، وأن هذا الارتباط؛ من أسباب الكراهة للتطور اللغوي، أعني: أن ~~العقلية الكلاسية في اللغة، عقلية التقاليد التليدة، قد أحدثت لنا مزاجا أدبيا ~~اجتماعيا هو: النظر إلى الماضي، ومحاولة استرداد الأمس، والتبلد والتجمد، في الوقت الذي ~~نحتاج فيه إلى أن نشق طريقنا إلى المستقبل. # وهذه هي إحدى الغايات التي قصدت من تأليف هذا الكتاب، ولكن هناك غايات أخرى، فإني أردت ~~أن أصل بالقارئ إلى تصور جديد للغة من حيث نشأتها، وتكونها إلى نضجها، وما تحمل ~~من رواسب تاريخية قد تعود علينا بالضرر؛ لأنها كانت تخدم مجتمعا ربما كانت فضائله ~~معدودة بين الجرائم في سلوكنا العصري. كما أني ألتفت إلى الضرر الفادح الذي لحق بتفكيرنا ~~حين نستعمل كلمات ليست محكمة المعنى؛ فلا تنعقد الصلة الحسنة بها بين الكاتب والقارئ، ~~وهذا كثير في لغتنا، وهو عقبة في التفكير العلمي الدقيق، ولم أنس أن أنبه القارئ إلى أن ~~بلاغتنا التقليدية التي تعلم لطلبتنا في المدرسة، والجامعة، هي بلاغة الانفعال، والعاطفة في ~~الوقت الذي نحتاج فيه إلى تأكيد المنطق، والعقل، كما أني توسعت في شرح المعنى الذاتي، ~~والمعنى الموضوعي للكلمات، وهذا موضوع تخصب فيه الالتباسات، والشبهات في المجادلات السياسية ~~أو العقدية أو الاجتماعية. # وقد مسست بعض الإصلاحات المقترحة مثل: إلغاء الإعراب، واتخاذ الخط اللاتيني. وأكثرت ~~من المقارنات بين لغتنا واللغة الإنجليزية؛ لكي أبرز للقارئ عيوب لغتنا وإرهاقها للمتعلمين ~~بقواعد وتقاليد لم تعد لها فائدة، وبديهي أنه لو تفشى النظام الصناعي في مصر؛ لاستتبع ثقافة ~~علمية وأدبا مستقبليا، وعندئذ يأخذ «التميع» في اللغة مكان «التجمد»؛ لأن جميع ~~الظواهر الاجتماعية تنهض على أساس من النظام الاقتصادي، واللغة إحدى هذه الظواهر. # ونحن بالطبع آخذون في تعميم الصناعة في بلادنا، على الرغم من العرقلة، بل العرقبة، التي ~~تلاقيها مصانعنا من أولئك المسيطرين الذين يرون أنه لا يجوز لنا أن نعيش على هذا الكوكب ~~إلا مزارعين، وفلاحين ننتج القطن رخيصا وفيرا ولكن ليس من المعقول أننا الذين تنبهنا ~~وأصبحنا على وجدان بالرقي العصري، نسكت ونقول: دعنا من ms04 الكلام في رقي اللغة حتى يعم النظام ~~الصناعي، وهو الكفيل بالتغيير المنشود؛ إذ يجب أن نساعد على هذا الرقي بتجديد اللغة. ~~وحسبنا من هذه المساعدة أن نشخص الداء، ونومئ إلى الدواء، وننبه الغافلين، وننصح ~~للمعاكسين وأعظم هؤلاء المعاكسين هم: الذين تخصصوا في درس اللغة العربية، مثل: خريجي دار ~~العلوم؛ فإن تخصصهم هذا قد حال بينهم وبين دراسات بشرية عديدة؛ فضاقت آفاقهم وصاروا ~~ينظرون إلى لغتنا كما لو كانت إحدى اللغات المتحجرة في المعابد، لا ينبغي تغيير كلمة أو ~~حتى أسلوب التعبير فيها أو خطها. # زد على هذا أنهم قد أصبحوا طبقة لهم وضع اقتصادي، ووجدان طبقي ينهضان استبقاء ~~اللغة العربية في جمودها الحاضر؛ ولذلك يخشون التغيير، ويرون فيه هجوما على مصالحهم ~~الاقتصادية، ولكن يجب أن نذكر أن مصلحه الأمة يجب أن تعلو على مصالح أية طبقة ~~فيها. # وظني أنه حتى هؤلاء، سيجدون في هذا الكتاب أفقا جديدا يتجه إليه تفكيرهم. # وحسبي من تأليف هذا الكتاب التنبيه، ثم المناقشة، ثم العمل. # س. م # 12 مارس 1945 # راجعت في مارس من 1953 هذا الكتاب، فزدت فيه فصلا عن «علاقة اللغة بالجريمة والجنون». ~~وأصلحت هنا وهناك بما اقتضته الظروف، كما زدت فيه شروحا وتعليقات. # س. م # | تمهيد # أعظم المؤسسات في أية أمة هو لغتها؛ لأنها وسيلة تفكيرها، ومستودع تراثها من القيم ~~الاجتماعية، والعادات الذهنية. # واللغات تتفاوت؛ فهي: مجموعة صغيرة من الكلمات قد لا تزيد على ثلاثمائة كلمة عند إحدى ~~القبائل البدائية، وهي قد تبلغ مائة ألف كلمة عند أمة متمدنة قد ارتفعت فيها ~~الفنون والعلوم. # واللغة الراقية هي: علم، وفن، وفلسفة بمعنى أنه يمكننا أن ننظر إليها النظر العلمي، فنبحث ~~أصولها، ونميز بين معانيها، بل نضع الكلمات الجديدة لتأدية المعنى الجديد، ويمكننا أن ~~ننظر إليها النظر الفني؛ فننشد بالكلمات، والجمل رفاهية ذهنية لا تؤديها الدقة العلمية، ~~وكذلك يمكننا أن ننظر إليها النظر الفلسفي؛ فنضع الكلمات الجديدة، أو نكسب الكلمات ~~القديمة معاني جديدة تؤدي بعد ألفتها في المجتمع إلى حال منشودة من الخير. # وغاية ms05 اللغة قبل كل شيء هي الفهم، ولم نصل بعد إلى اللغة المثلى، بل نحن لا نكاد نعرف كيف ~~تكون؛ إذا جعلنا الفهم أول غاياتها، فقد وصلنا في العدد إلى الأرقام الهندية؛ فكانت أعظم ~~خطوة لغوية في الحساب والعلوم، فهل نستطيع يوما أن نصل في سائر الموضوعات إلى لغة تنقل ~~إلينا الفكرة الفنية أو العلمية أو الفلسفية بمثل الدقة والسهولة اللتين ننقل بهما إلى ~~أذهاننا عدد الألف، أو المليون؟ # وإلى أن نصل إلى هذه الغاية ستبقى اللغة عاجزة عن التعبير الدقيق؛ إذ يجب أن نذكر من ~~الآن أننا لا نعرف الدقة التامة في أي علم من العلوم؛ إلا إذا استطعنا أن ننزل بحقائقه إلى ~~الأرقام، ولذلك لا مفر من أن نقول: إن الرقي في اللغة يعني الدقة، وهو يقاس بها، فما ~~دامت الكلمة مسيبة في المعنى، تحتمل هذا المعنى ونصفه، فضلا عن معنيين مشتبهين؛ ~~فإنها تضر التفكير كالآلة التي لم يحكم بناؤها؛ فلا يمكن التكهن بمنتجاتها. # والإنسان حيوان لغوي يرى ويسمع، ويفكر باللغة، ولكل كلمة إيحاء معين في أذهاننا ففي مصر ~~نقول: «وزير» وفي الولايات المتحدة الأمريكية يقولون: «سكرتير»، والعمل الذي يؤديه الوزير، ~~والسكرتير واحدا، ولكن إيحاء الكلمة الأولى أرستقراطي، وإيحاء الكلمة الثانية ديمقراطي، ~~ولهذا أثره البالغ في الشعب الذي يلوك إحدى الكلمتين، كما له أيضا أثره البالغ في نفس ~~الموظف الذي يصف نفسه بأنه سكرتير أو وزير، فهو متواضع في الحال الأولى، منتفخ في الحالة ~~الثانية. # وللكلمات توجيه اجتماعي بعيد الأثر في المجتمع فإن كلمة «البر» من أشرف الكلمات ~~الموحية التي تربي الأبناء، وتبعث على التعاون، والإخاء في حين أن كلمة «الدم» تحدث في ~~كل عام في بعض مديريات الوجه القبلي نحو ثلاثمائة قتيل؛ لأنها تحمل شحنة عاطفية تجعل ~~كثيرا من الرجال يقتلون بلا روية. # والكاتب المتنبه الذي يحس الوجدان الاجتماعي يجب أن يؤكد المعاني البارة للأمة، ~~وأن يضع الكلمات الجديدة؛ كي توجه التوجيه الفلسفي أو الاجتماعي وبذلك تنمو اللغة ~~وتتطور ولا تركد. # واللغة في تفاعل لا ينقطع مع المجتمع ms06 الذي ينطق أفراده بها. والقيم اللغوية ~~في تغير دائم لهذا السبب، والمحاولة لوقف هذا التغير، هي تعطيل للتطور الذهني ~~للأمة. # ومن الغايات الشريفة لكل لغة: الاقتصاد في التعبير فاللغة الحسنة تتوخى المترادفات؛ ~~لأنها ثرثرة صبيانية يضيع بها الوقت، والكاتب الذكي يحيل المترادفات من التوحيد ~~إلى التنويع فنحن نميز الآن بين الذهن والعقل، وبين الروح والنفس، وبين الحكومة ~~والدولة، وبين المثقف والمتعلم، وهذا حسن. كذلك نحن نتبع الأسلوب التلغرافي، ~~ونتخير الكلمة التي تحمل العبرة فضلا عن المعنى. # وهذا الكتاب قد توخيت فيه بحث بعض مشكلاتنا اللغوية مع تعيين الأهداف التي نرمي ~~إليها من اللغة، وأرجو أن أبعث به المناقشة عن القيم اللغوية العربية، ووجوه الإصلاح فيها ~~بالبناء والهدم فنحن أمة متطورة، فيجب أن تكون لنا لغة متطورة، بل لغة متمدنة تتسع ~~للتعبير عن نحو مائة وعشرين علما وفنا لم يكن يعرفها العرب الذين ورثنا عنهم ~~لغتنا، ويجب أن يتغير رأينا في البلاغة عما ألفوه؛ فأنهم كانوا يقصدون منها ~~إلى أنها فن لمخاطبة العواطف، ولكنا يجب أن نزيد على هذه الغاية غاية أخرى، هي أن تكون ~~البلاغة علما يراد به مخاطبة العقل؛ لأننا نعرف أن الحضارة التي نعيش في أحضانها قامت ~~على الأرقام الهندية التي تخاطب العقل في دقة وبساطة أكثر مما قامت على الاستعارات، ~~والمجازات التي تخاطب العاطفة في إغراق ومترادفات. # وكلمات اللغة هي بمثابة النقود التي نتعامل بها، وكثيرا ما يكون فيها النقد الزائف، ~~أو القديم الذي بلي وانمسح منه نقشه، والأمة التي تهمل كلماتها ولا تجددها ولا تسك ~~الكلمات الجديدة؛ هي أخسر من الأمة التي تجيز التداول للنقد الزائف؛ لأننا نشتري بنقود ~~المعدن أو الورق حاجات الجسم ولكنا نشتري بالكلمات حاجات الذهن والروح والأخلاق ~~والرقي. # الفصل الأول # | اللغة والتطور البشري # هناك أسباب كثيرة لتطور الإنسان الذي وصل به إلى السيادة على سائر الحيوان؛ فإن ضخامة ~~دماغه قد أعدته للتفكير السديد، ثم قامته المنتصبة قد حررت يديه؛ فجعلته يحمل الآلات، ومن ~~ثم صار تفاعل بين العقل واليد، الأول يتخيل ويخترع، ms07 والثانية تتناول وتنفذ. ثم هناك ~~العينان في الوجه، وليس في الصدغين كما في سائر الحيوان، فإنهما تشرفان على مجال فسيح ~~يجمع بين أشياء كثيرة، ويجعل العقل قادرا على المقارنة والتمييز. # ولو كان دماغ الإنسان صغيرا لما قدر على التفكير، ولو كانت يداه على الأرض يمشي بهما ~~لما قدر على تناول الآلات والأشياء؛ ولو كان اعتماده على الشم بدلا من النظر؛ لصغر ~~المجال الذي يشرف منه على الوسط، فما كان عندئذ يجد المادة للتفكير الجامع ~~التعميمي. # فالدماغ واليد والعين كلها تجمعت وتعاونت لرفع الإنسان فوق الحيوان، ولكن هناك عاملا آخر ~~كثيرا ما يهمل هو: «اللغة» فإن الإنسان - قبل كل شيء - حيوان لغوي، وللحيوان صوت ولكن ~~للإنسان لغة، وفرق عظيم بين الاثنين؛ فإن الحيوان عندما يتألم أو يخاف يصرخ، والصراخ هنا ~~ذاتي يعبر عن إحساسه، ولكن الإنسان عندما يصرخ، والصراخ هنا ذاتي يعبر عن إحساسه، ولكن ~~الإنسان عندما يتألم أو يخاف ينادي فهو هنا موضوعي قد نقل إحساسه إلى غيره من زملائه، ومع ~~هذا لا يزال حتى الصراخ غير عام بين الحيوان وقت الخوف أو الألم، فإن السباع وحدها هي التي ~~تصرخ، كما نرى في القطط والكلب والأسد، أما البهائم مثل البقر أو الحمير أو الخراف فلا ~~تصرخ عندما تتألم أو تخاف. # ولكن يجب ألا ننسى إن الصراخ ذاتي، أما النداء فموضوعي، الأول عاطفة كله والثاني ~~عاطفة وعقل. الأول حركة عقيمة لا تتحيز غير مكانها، أما الثاني فدعوة إلى المجتمع. # والحيوان لعجزه عن اختراع اللغة لا يختزن تفكيره ولا ينتفع لهذا السبب بتفكير آبائه أو ~~زملائه، ولكن اللغة عندنا جعلت الزمن تاريخيا والفضاء جغرافيا، فالكلب الذي يعيش في ~~القاهرة يعرف الشارع الذي به منزله وبضعة شوارع أخرى، ولكن الصبي يعرف «جغرافية» القاهرة ~~ومكانها في القطر ومن النيل، بل مكانها على كوكبنا فالفضاء عنده جغرافي بفضل هذه الكلمات: ~~القاهرة، النيل، مصر، البحر المتوسط، أفريقيا، آسيا، إلخ. # وخيال الصبي لهذا السبب يتسع وتفكيره يمهر بهذه الكلمات التي ورثها من المجتمع الذي ~~يعيش فيه، وكذلك ms08 الشأن في الزمن، فإن وقت الكلب هو ساعته أو يومه أما نحن فلنا أمس وغد، ~~ولنا سنين ماضية وسنين قادمة ولذلك لنا تاريخ، ولولا الكلمات التي جعلت الزمن تاريخيا، ~~والفضاء جغرافيا لما استطعنا أن نفكر ونختزن اختباراتنا، فضلا عن اختبار معاصرينا ~~وأسلافنا؛ أي لما كان لنا ثقافة، والحيوان ينتفع باختباراته الشخصية التي مرت به في ~~حياته ولكنا نحن، بفضل اللغة، ننتفع باختبارات غيرنا في العصور الماضية والعصر ~~الحاضر. # وتفكيرنا يمتاز عن تفكير الحيوان بالذكاء؛ لسبب عظيم يتصل بالأسباب التي سبق فذكرناها، ~~نعني أننا نفكر بالكلمات، وصحيح أننا نستطيع التفكير الساذج البدائي بلا كلمات، كما يحدث في ~~الأحلام، ولكن التفكير الذي تتداخل فيه العوامل وتنبسط ساحته؛ يحتاج إلى كلمات، ويكاد ~~يكون من المستحيل أن نفكر بذكاء أو منطق في أي موضوع بلا كلمات. # وليس بعيدا أن يكون التفكير في صميمه كلمات غير منطوقة، كما يقول «واطسون»، واعتقادي ~~أننا ننسى اختباراتنا في السنتين الأوليين من أعمارنا؛ لأننا لم نربط هذه الاختبارات بكلمات ~~تجعل التفكير فيها ممكنا؛ لأنها لم تنقش في الذاكرة بكلمات. # وكثير من التفكير الحسن - بل أحيانا من العبقرية - يعود إلى أن اللغة التي نستعمل ~~كلماتها قد بلغت من الرقي درجة عالية؛ لأن الكلمات في هذه اللغة تحمل المعاني الأنيقة ~~الدقيقة التي لا توجد في كلمات لغة أخرى مختلفة من لغات أفريقيا السوداء. فلو أن «جيته» ~~ولد في قبيلة أفريقية؛ لما استطاع أن ينتج الثمرات الزكية التي نقطفها من مؤلفاته؛ لأن ~~اللغة القبلية لم تكن عندئذ لتسعفه بالكلمات التي تؤدي معانيه، بل كانت تبقى هذه المعاني ~~أجنة، تؤلمه بالمخاض ولا تجد المخرج من ذهنه، أو تخرج جهيضة. # ولكي نفكر التفكير الحسن، نحتاج إلى اللغة الحسنة؛ نعني: اللغة الدقيقة التي تؤدي معنى ~~معينا، ولا تتجاوزه إلى هوامش المعنى، وكذلك يجب أن تكون أنيقة، لا تستطيع وصف الألوان ~~الأصيلة كالأبيض والأسود فقط، بل تستطيع أن تنقل إلينا الظلال والأصباغ التي بينهما فليس من ~~البلاغة أن نقول: إن الأخضر يطلق على الأسود، كما تقول ms09 معاجمنا، بل يجب أن نميز لونا من ~~آخر تمييزا صارما، وكذلك يجب أن نضع الكلمات التي تعين الألوان الخفية بينهما، ويجب أن ~~تكون لنا بلاغة عصرية لا تقتصر على مخاطبة العواطف بل تخاطب العقل، ويجب أن تكون غايتها ~~الأولى الفهم، وما دام الأمر كذلك فإن المنطق هو: الأساس الأول لأية بلاغة يراد بها ~~التعبير السديد. # ولكي تفهم الفهم الدقيق الأنيق - باعتبارنا متمدنين - يجب ألا نقنع بالمعنى الغامض ~~المسيب، بل يجب أن نعرف الجو السيكلوجي الذي تعيش فيه كلماتنا، وهل هي تؤدي الغاية الأولى ~~من وجودها، وهي: التفكير الحسن؛ أي الفهم، أم لا؟ # الفصل الثاني # | حين تربي الذئبة الإنسان # كثيرا ما كنا نسمع عن أطفال بشريين يعيشون مع الحيوان، وينشئون النشأة الحيوانية، وكنا ~~نحمل هذه القصص على أنها نوع من الاختراع الذي لا يصدق، ولكن الواقع يثبت أن هناك ~~أطفالا خطفتهم الحيوانات وقامت بتربيتهم؛ فنشأ هؤلاء الأطفال وعاشوا في الغابات. # والذئبة أقرب الحيوانات إلى اتخاذ مهمة الأمومة للطفل البشري؛ وسبب ذلك أنها تغزو ~~القرى والحقول المجاورة، وأكثر ما يكون هذا في الليل، وأقله في النهار؛ فإذا وقعت على طفل ~~في الحقل غفلت عنه أمه؛ حملته كي تأكله فإذا تلمس الطفل حلمات ضرعها ورضع تحرك ~~حنوها؛ فعطفت عليه وأخذت عاطفة الأمومة والرعاية مكان عاطفة الجوع والأكل، وعندئذ ~~ترعاه كأنه ابنها، ويتفق هذا في القليل النادر. # والمعروف أن الرضاع يثير في الأم حنانا لا تحسه قبله، ولذلك يقال: إن المرأة التي تريد ~~أن تتخلص من وليدها عقب الولادة بقتله أو نبذه، إنما تفعل هذا قبل أن ترضعه؛ لأنها تحس ~~حنانا عليه، فإذا أرضعته شق عليها الانفصال عنه وحنت عليه، وهناك حوادث تم تحقيقها، ~~وثبت ثبوتا مؤكدا فيها أن الذئاب خطفت بعض الأطفال؛ فنشئوا في جحورها، وعاشوا مع الذئاب. ~~ويمكن القارئ المطلع أن يقرأ كتاب المستر جيسل عن «طفل الذئاب وطفل ~~الإنسان» # Wolf Child and Human Child; by A. Gesell ~~. # فإن المؤلف كان يعيش في الهند في 1920 فسمع عن صبي بشري، يعوي عند ms10 الغسق مع ذئبته ~~ويسلك سلوكها، وكان بالطبع لا يصدق هذه الإشاعة. ولكنه بعد تكرارها عمد إلى بندقيته وتعقب ~~الذئبة إلى الجحر، فقتل الذئبة وقبض على صبيتين كانتا في ~~حجرها، وكان هذا في 17 أكتوبر من 1920، وكتابه هو قصة هاتين الصبيتين ولنترك الصغرى منهما؛ ~~لأنها ماتت بعد سنوات أما الكبرى، فيرجح المؤلف أنها ولدت في 1912 ولا يعرف متى خطفت، ~~وكان المؤلف وزوجته يديران ملجأ، فوضعت الصبية فيه، وكان عمرها وقتئذ ثماني سنوات، فكانت ~~في النهار تنام، أو تقعد ووجهها إلى الحائط فإذا جاء الليل نشطت وصارت تجري على أربع، ~~يديها وركبتيها، وكانت تشرب الماء لعقا بلسانها من الإناء الذي تنحني فوقه، وتلعق منه ~~كالكلب أو الذئب، ولم تكن تخشى الظلام، فإذا كانت ساعة معينة في الليل لا تتغير عوت عواء ~~الذئاب، وإذا اقترب منها أحد؛ كشرت عن أنيابها. وكانت تفتش على الرمم وتأكلها، وكانت تحب ~~جراء الكلاب وأطفال الماعز والقطط والفراخ وتلعب معها جميعا، ولكنها كانت تنفر من الأطفال ~~البشريين. # قلنا إنه قبض عليها في 17 أكتوبر من 1920، ونقول إنها بقيت تمشي على أربع، بل تنهض على ~~أربع إلى 24 مايو من سنة 1922، حين وقفت على قدميها بعد أن أغريت على ذلك. # وفي أغسطس من 1922 وقفت على ركبتيها وأكلت من الطبق بيديها بدلا من أن تأكل بفمها ~~مباشرة، ولكنها ما زالت إلى هذا التاريخ تلعق الماء. # وفي نوفمبر من 1922 قالت «ما» لرئيسة الملجأ، وقالت أيضا «بهو. بهو» في طلب الماء، أو ~~الطعام، ولم تكن قد نطقت قبل ذلك بكلمات مع أنها كانت تصرخ وتصيح. # وفي 10 يونيو من 1923 وقفت وحدها على قدميها بلا إغراء. # وفي 9 يناير من 1924 بدأت تخشى الظلام، وكانت أيام توحشها مع الذئبة تخشى النهار، وتختبئ، ~~ثم تنهض في الليل، وتغزو الحقول، والقرى مع أمها الذئبة. # وفي 1925 شربت من كوب على الطريقة البشرية. # وفي 1926 بلغ مجموع الكلمات التي عرفتها ثلاثين كلمة. # وفي 29 يناير من 1926 رفضت أكل الرمم. # وفي 6 ms11 ديسمبر من 1926 أبدت حياء، ورفضت الخروج من غرفة النوم بدون ثياب، وكان عمرها ~~وقتئذ من سنة ولادتها 14 سنة، ومن يوم تركها للذئبة 6 سنوات. # وفي 14 يناير من سنة 1927 بلغت كلماتها 45 كلمة. # وفي 15 يوليه من 1927 بدأت تخشى الكلاب إذا نبحتها. # وفي 14 نوفمبر 1929 ماتت وعمرها نحو 17 سنة. ~~••• # ولنا في حياة هذه الفتاة الهندية المخطوفة عبرة، بل ~~طائفة من العبر ... # العبرة الأولى: # أن السلوك يستقر في السنوات الأولى من الطفولة، ربما كانت السنوات ~~الأربع أو الخمس أو الست. وأننا بعد ذلك يشق علينا إلى ما يقارب الاستحالة ~~أن نغير هذا السلوك؛ ونعني بالسلوك: الاستجابات العاطفية التي ينشأ عنها ~~تصرفنا. # والعبرة الثانية: # أن ما نسميه طبيعة وغريزة، إنما هو في أحوال كثيرة تعليم وقدوة، حتى ~~المشي ننساه إذا عشنا مع ذئبه، بل يذكر المؤلف أن هذه الفتاة عندما قبض ~~عليها كانت قد برعت في المشي على أربع حتى كانت تسبق المطاردين لها من ~~البشر! # والعبرة الثالثة: # أن أسلوبنا الذي نتخذه في المشي، والخوف، والأكل، والشرب والغضب ... كل هذا ~~مكتسب بالوسط، وليس وراثيا. # والعبرة الرابعة: # وهذا هو الذي قصدنا من هذا الفصل: أن اللغة هي التي تعين لنا السلوك، ~~والتصرف البشريين؛ فإن هذه الفتاة قبض عليها وهي في الثامنة، فاحتاجت إلى ~~سنتين كي تقول «ما» للرئيسة، ولكي تقول «بهو، بهو» في طلب الطعام والشراب، ~~وبدأ ذكاؤها عندئذ يتفتق، فكان استظهار الكلمات ترافقه تغيرات في ~~السلوك، وهذه التغيرات تدل على حركات ذهنية بين الفتاة، والوسط. # فإذا كان أحدنا يعيش في غابة، أو صحراء منفردا بلا لغة؛ فإن ذهنه لن يتفتق؛ بل يبقى ~~مغلقا مثل هذه الفتاة الهندية من حيث الاعتبارات البشرية، ولم تكن هذه الفتاة جاهلة من ~~حيث الاعتبارات الذئبية، ولكن ذهنها كان عاطلا عندما قبض عليها وعمرها ثماني سنوات وبقي ~~عاطلا، أو كالعاطل، إلى أن ماتت بعد أن بلغت 17 سنة؛ لأنها لم تحصل إلا على 45 كلمة؛ أي ~~مقدار ما يمكن أن يعرفه أبله. ms12 فهي من حيث الذكاء الطبيعي ربما لم تكن ناقصة، ولكن من حيث ~~تفتق هذا الذكاء كان النقص واضحا، وأكبر أسبابه أنها كانت خرساء لا تعرف الكلمات البشرية ~~التي تحمل إليها العواطف والأفكار البشرية، ومع أنها قضت في عشرة البشر سبع سنوات، فإن ~~ذهنها لم يتفتق إلى الدرجة التي كان يبلغها الطفل في هذه السن؛ لأن الطفل يولد ولوحة ذهنه ~~مسحاء تتقبل التعليم الجديد، ولكن هذه المسكينة التقت بالبشر، ولوحة ذهنها حافلة بالعواطف ~~التي بعثتها فيها عشرة الذئاب، ومن هنا صعوبة تعلمها. # واللغة هي التي تجعل الزمن تاريخيا والفضاء جغرافيا، وهذه الفتاة حرمت اللغة فحرمت ~~بذلك الفهم، وشرعت تفهم السلوك البشري وتمارسه بدلا من السلوك الحيواني حين تعلمت ~~الكلمات، وكانت كل كلمة جديدة تعين لها فكرة جديدة، أو عاطفة جديدة، ثم سلوكا ~~جديدا. # الفصل الثالث # | الأنثربولوجية واللغة العربية # كان يمكن أن أستغني عن هذا الفصل في هذا الكتاب، ولكني أعالجه في سرعة وإيجاز؛ كي أجعل ~~القارئ يألف الطريقة ويدخل في المزاج اللذين تتألف منهما اللغات، بل ترتقي. # فإن الكلمات أصوات نشأت بين البرمائيات كالضفدع؛ كي ينادي الذكر الأنثى، وكانت غايتها ~~الأولى لهذا السبب جنسية، بل ما زلنا نرى أن أغاريد الطيور التي ينضع بها الجو في الربيع ~~إنما يقصد بها - في الأغلب - نداء الجنس الآخر للتناسل، والصوت يعبر عن العاطفة؛ ولذلك ~~يجب ألا نستغرب قول «فرويد»: إن الباعث الأول للنشاط البشري هو الشهوة الجنسية، ويجب ألا ~~يصدمنا هذا القول؛ لأن فرويد قد بصر من خلال هذا القول إلى الجذور الأولى التي تختفي في جوف ~~التطور ومهما تنتشر الفروع وتبسق في السماء فإن جذورها لا تزال في الأرض. # ولغتنا العربية مجموعة أو خليط من كلمات الحضارة والبداوة، بل الغابة الأولى حين لم يكن ~~يعرف الإنسان الزراعة، أو الصناعة، انظر مثلا إلى كلمة «كخ» التي تعم جميع البشر في نهي ~~الطفل عن شيء فأنا وأنت، والقردة، والإنجليز، والألمان، والصينيين، والهنود، والإغريق إلخ ~~سواء في هذه الكلمة التليدة. # نشأت لغتنا كما نشأت جميع اللغات ms13 في الأوساط البدوية الأولى، وكان استنباط المعاني يجري ~~وفقا للوسط، ونستطيع الآن - بتحليل الكلمات والرجوع إلى أصولها القديمة - أن نعرف ~~العقائد، والقواعد الاجتماعية التي كان يعيش أسلاف العرب فيها. انظر مثلا إلى كلمة ~~«الحياة» فإنها مشتقة من «الحيا»؛ أي عضو التناسل عند المرأة، وما زال الفلاحون عندنا ~~يقولون «حيا البقرة» أو «حيا الفرس» ذلك أن الإنسان البدائي لم يكن يعرف أن علاقة الرجل ~~بالمرأة تؤدي إلى التناسل، فكان يعتقد أن الأم هي الأصل الوحيد للأولاد، بل إنه كان يصنع ~~التماثيل «للحيا» ويحملها، باعتقاد أن الحيا أصل الحياة، وأنه ما دام يحمل تمثاله؛ فإنه ~~سيعيش وينجو من المخاطر، وعلى هذا الاعتقاد بأن الأم هي كل شيء؛ صار النظام الاجتماعي ~~عند الإنسان البدائي أمويا، وهذا واضح عند قدماء العرب، ويتضح أكثر عندما نعرف أصل ~~كلمتي «الضمد» أو «الحماة». # وتطور الناس، وانتقلوا من النظام الأموي إلى النظام الأبوي، ولكن بقيت في لغتنا «الحياة» ~~تدل على أصولنا وجذورنا الاجتماعية. # ثم من «الرحم» اشتق الناس الرحمة؛ أي أن الرحمة كانت في الأصل العلاقة القائمة بين أبناء ~~الرحم، وهذه الكلمة تدلنا على أن النظام الأموي سبق النظام الأبوي، ثم ارتقى الناس؛ فصارت ~~الرحمة فضيلة عامة بين أبناء القبيلة، أو الأمة كما اشتققنا نحن الإخاء البشري من الأخوة ~~بين أبناء العائلة. # وكذلك عرف الإنسان البدائي الروح من الريح والنسمة من النسيم، والنفس من النفس (بفتح ~~الفاء)؛ لأن الفارق الوحيد عنده بين الحياة والموت لم يكن أكثر من التنفس فإذا انقطع كان ~~الموت، ومن هنا نشأت عقيدة الروح، وهذه الكلمات - وكثير غيرها - تكشف لنا اللبنات ~~الأولى التي تكون بها أساس اللغة العربية، ولكل كلمة منها معنى (أنثربولوجي) يوضح ~~لنا نشأة الأفكار والعقائد. # فنحن في عصرنا نميز مثلا بين الأسود والأزرق والأخضر، ولكن معاجمنا لاتزال تحتفظ بالمعنى ~~القديم لهذه الألوان، وهي أنها لون واحد، ويشارك العرب معظم الأمم البدائية في اشتقاق ~~الملاحة، بمعنى الظرف، والصباحة، من الملح؛ لأن الملح كان من الأشياء الثمينة التي لم يكن ~~يحصل عليها غير ms14 المترفين. # وأعتبر أيضا اشتقاق المساعدة من الساعد؛ لأن المساعدة تعني أن أحدا يستعمل ذراعه في ~~خدمتنا وأعتبر الأنفة من الأنف، والشمم من الشم؛ لأننا حين نأنف من شيء نرتفع بأنوفنا، أو ~~انظر كيف اشتقت المعاقبة من التعقب؛ لأن الإنسان البدائي كان يعاقب خصمه بأن يتعقبه حتى ~~يجده ويثأر منه، وما زالت معاجمنا تقول: «تعقبه: تتبعه وأخذه بذنب كان منه.» أو انظر إلى ~~كلمة «كف» بمعنى منع؛ فإنها مشتقة من الكف؛ أي باطن اليد؛ لأننا نمنع الناس بأيدينا؛ ~~أي بكفوف أيدينا، والكفيف سمي كذلك؛ لأنه بمثابة من يضع كفه على عينيه. # ثم انظر إلى فعل «أحصى» بمعنى عد؛ فإنه مشتق من الحصى؛ أي صغار الحجر. وذلك لأن ~~الإنسان البدائي كان يجهل العد بالأرقام؛ فكان إذا شاء مثلا أن يعرف ما عنده من خراف؛ ~~وضع في جعبته عن كل خروف حصاة؛ فإذا شاء العد أخرج حصاة عن كل خروف، وحسبه هذا، وقد اشتق ~~الرومان الحساب والعد على هذه الطريقة نفسها - كما نرى في الفعل الإنجليزي «كالكيوليت # Calculate ~~» بمعنى حسب من «كالكيولس # Calculus ~~» بمعنى الحصاة، أو الحجر. # والمشهور أن لغتنا في أصلها ثلاثية الحروف، ولكن الأغلب أنها كانت ثنوية؛ أي: أن ~~كلماتها كانت من حرفين فقط، فها هنا أربع وعشرون كلمة تدل على معان متقاربة، وهي: أن ~~شيئا قد خرج من شيء. وهي: نبأ، نبت، نبث، نبح، نبذ، نبر، نبس، نبش، نبض، نبط، نبع، نبغ، ~~نتأ، نتح، نثر، نثل، نفث، نفخ، نفذ، نفر، نغض، نفط، نط، نطق. # وهذه الكلمات مترادفة في معنى الشيء يخرج من شيء آخر، ولكن من مصلحة اللغة والفهم، أن ~~نعين لكل منها معنى يختلف عن الآخر، وهذا هو ما قضى به منطق اللغة والتمييز الذهني. # ومن هذا الفصل الموجز يتضح لنا أن كل لغة إنما هي: بمثابة المصنع الذي يعيش في عصرنا، ومع ~~ذلك يجمع في مستودعاته فأسا من الحجر كانت تستعمل قبل ثمانية آلاف سنة، وإبرة من الشوك كان ~~أسلافنا يستعملونها قبل مائة ألف سنة، وسيفا من البرونز ms15 كان يستعمل قبل أربعة آلاف سنة، ~~وبين مصنوعات أخر مثل: الرديوفون، والمصباح الكهربائي، والسولفانيلاميد ... إلخ. ومن هنا بدأ ~~هذا الارتباك الذهني الذي يؤدي إلى قله الفهم، أو اختلاطه؛ ذلك لأننا نستعمل أدوات قديمة ~~كي تؤدي لنا خدمات جديدة. # الفصل الرابع # | اللغة والسيكلوجية # الحق أن هذا الكتاب بجميع فصوله هو: بحث سيكلوجي في القيم اللغوية. وإذا كان هذا يجرنا ~~إلى أبحاث أخرى اجتماعية، أو تاريخية، فإن الغاية الأولى يجب أن تبقى ماثلة، وهي: أننا ~~ننظر إلى اللغة من خلال العدسة السيكلوجية. # ولم تعط اللغة سوى القليل من حقها من الدراسة السيكلوجية إلى الآن. وصحيح أن الرغبة في ~~الدعاية قد حملت قليلين على هذه الدراسة في اللغات الأوروبية، ولكن الموضوع لا يزال في ~~أولياته، وهو بكر في اللغة العربية. # وقيمة اللغة في التفكير وفي السلوك لا تزال إلى حد كبير مجهولة، والعجب أننا لم نلتفت ~~من قبل إلى أننا نفكر بالكلمات، وأننا لا نعرف حقائق الأشياء التي نتناولها بالذهن أو ~~باليد، وإنما نعرف أسماءها فقط. وكثيرا ما يختلط علينا الاسم والمسمى؛ فنظنهما شيئا ~~واحدا مع أن الحقيقة هي أن الكلمات رموز للأشياء، والشبه بينهما وبين النقود كبير هنا ~~فإن القرش قطعة من المعدن نرمز بها إلى قوة شرائية معينة، ولكن هذه القوة خاصة بنا نحن؛ ~~أي بمجتمعنا، وليست خاصة بالقرش، من حيث إنه قطعة من المعدن. # وكذلك الشأن في الكلمات، فإنها رموز فقط. فإذا لم نتنبه إلى هذه الرمزية؛ فإننا نقع في ~~ألوان من السخف، ونتورط في أنواع من المعاني التي قد تضرنا بدلا من أن تنفعنا، وتستبد ~~بنا بدلا من أن نستخدمها، وكثيرا ما يحدث هذا لنا. فإن ما نسميه تفكيرا مثلا إنما هو - ~~أو معظمه في أغلب الأحوال - كلمات تجري على المستوى العاطفي؛ فتؤدي إلى الانفعال بدلا من ~~التفكير. # ومنذ نولد يتسلط المجتمع علينا بالكلمات التي نتلقنها منه؛ فننشأ وقد فرضت علينا ~~مقاييس اجتماعية، وأخلاقية، وروحية من هذه الكلمات، ونجد أننا نسلك سلوكا معينا بما ~~غرسته هذه الكلمات في أذهاننا ms16 من القيم، ونحن في هذا السلوك نعتقد أننا أحرار، ولكن ~~الواقع أننا مقيدون بهذه الكلمات التي بعثت في أنفسنا انفعالات، وأكسبت أذهاننا فيما لا ~~مفر لنا من التسليم بها؛ لأن هذه الكلمات قد تعلمناها من الصغر حين لم يكن الذهن قد نضج ~~وتدرب على التساؤل، والنقد. # فنحن نسلم تسليما أعمى ولا نعترض على المعنى الذي تفرضه علينا الكلمة فنحن نقول: ~~التشاؤم، والسماء، والروح، والحياة، والشرف، والوطن، والشجاعة إلخ، ولم يقف أحدنا قط ويسأل: ~~ما هذه الأشياء؟ لأن جميع هذه الكلمات تحدث في أنفسنا انفعالا نظن أنه طبيعي لا يحتاج إلى ~~التساؤل، أو اتخذت مقاييس ذهنية نعيش بها ونسلك في حياتنا على مقتضاها. # ونظن حين نستعمل هذه الكلمات أننا نفكر، والحقيقة أن التفكير هنا في حدود هذه الكلمات لا ~~يتجاوزها، بل الواقع أننا لو شرعنا في التفكير السديد المحكم في إحدى هذه الكلمات؛ لهاج ~~علينا المجتمع؛ وذلك أن هذا المجتمع قد ورث هذه الكلمات، وانتظم بمعانيها فهو يأبى على ~~الفرد أن يستقل ويفكر منفصلا عنه؛ لأن هذا التفكير هو عندئذ هجوم على هذا المجتمع؛ أي: ~~على عقائده، وعاداته الذهنية، وعواطفه النفسية، ولكل منا مجتمعه الذي يتأثر به، ويفهم معاني ~~الكلمات كما اكتسبها منه فكلمة الشجاعة مثلا تحمل طائفة من المعاني تختلف باختلاف ~~المجتمعات. # فالشاب في حلبة لمصارعة في ناد رياضي يفهم من الشجاعة معنى خاصا، والجندي في الجيش ~~يفهم من هذه الكلمة معنى خاصا آخر يختلف عن المعنى الأول، وحين أقول: «شجاعة الأسد» التي ~~تختلف أيضا عن المعنى الذي أقصده حين أقول: «شجاعة شهداء المسيحية»، أفهم معنى يختلف عما ~~أعني حين أقول: «شجاعة سقراط»، ثم لا تنس شجاعة اللص الذي نشأ في عصابة تفتك وتغتال، ثم ~~شجاعة ذلك الفيلسوف الذي يرفض القتال، ويرضى بالاعتقال؛ لأنه «عالمي»، ثم شجاعة الكاتب الذي ~~لا يبالي الرأي العام إلخ. # والكلمات بذلك لا تكسبنا اتجاها أخلاقيا على «المستوى الذهني» فقط، بل تكسبنا أيضا ~~اتجاها مزاجيا على «المستوى العاطفي»؛ فإن كثيرا مما نشمئز منه، أو نطرب له، ms17 أو ننشط ~~إليه يعود إلى الكلمات التي تعلمنا وانغرست بها عواطفنا. وحسب القارئ أن أذكر له أن ~~كثيرا من الرجال والسيدات في مصر يشمئزون من «الأنكليس» مع أنه مثل سائر السمك، بل يعد ~~من أجوده؛ وذلك لأنه يسمى «ثعبان»، بل انظر إلى كلمة «بجعة» فإنها اسم شنيع لطائر يعد ~~تحفة في الطيور؛ ولذلك لم يستطع شاعر عربي أن يستغل الطاقة الفنية في هذا الطائر؛ لشناعة ~~اسمه مع أن اسمه في الإنجليزية والفرنسية جعل كثيرا من الشعراء الإنجليز والفرنسيين ~~يذكرونه في أشعارهم، وكذلك يجب أن نذكر أن كثيرا من شعرائنا يذكرون «البلبل» بكثرة؛ ~~لحلاوة اسمه فقط مع أنهم لم يروه قط ومع أنه ليس فيه شيء من جمال البجع. # وهنا لنا عبرة فإذا شئنا أن نعمم رأيا أو عقيدة؛ فلنختر لها اسما مغناطيسيا ~~جذابا. # والخلاصة أننا نفكر بالكلمات، وكثيرا ما نخدع فنظن أننا نعالج الأشياء في حين أننا ~~نعالج أسماءها فقط، ثم إن الكلمات تكسبنا اتجاها أخلاقيا، أو تكون لنا مزاجا فنيا، ~~وأحيانا تحمل إلينا تقاليد هي رواسب الثقافة القديمة التي كثيرا ما تضرنا في مجتمعنا ~~العصري، والفصول القادمة هي توسع في هذه المعاني. # الفصل الخامس # | البيئة واللغة # الأصل في هذا الكتاب مقال نشره الأستاذ أحمد أمين في مجلة «الثقافة»، أشار فيه إلى أن ~~الكلمات تتغير معانيها بتغير الزمن والبيئة، وجاء فيه: # إن اللغة تؤدي معانيها في دقة وإحكام في مواد العلوم كالرياضة والطبيعة ~~والكيمياء، ومصطلحاتها مضبوطة قل أن يعتريها غموض، أو إبهام. وقريب من ذلك ~~التاريخ، فاللغة قادرة على أداء معانيه وحمل رسالته أداء حسنا، وإن لم تبلغ في ~~ذلك مبلغ العلم، فإذا نحن جاوزنا ذلك إلى الفلسفة، والأدب؛ رأينا اللغة مسكينة ~~عاجزة عن أداء المعاني في وضوح وضبط. # وإحكام حتى المصطلحات من الصعب تعريفها وضبطها، فما أصعب أن تعرف «الوجود» ~~و«الحقيقة» و«ما وراء الطبيعة» وما إلى ذلك، وما أصعب ما تعرف «الشعر» و«الأدب» ~~و«الخيال» ونحوها، وكذلك في فروع الفلسفة والأدب، فمن الصعب تعريف «الجمال ~~والجميل» و«الفضيلة والرذيلة» و«الزمان والمكان» ms18 و«العدل والحرية». ومن العسير ~~تعريف «القصة والرواية والمثل» وما أكثر ما يقع الناس في الجدل والحجاج؛ لأن كلا ~~يتكلم، وفي ذهنه معنى للشيء غير ما عند الآخر، ولو اتفقوا على التحديد؛ لاتفقوا ~~على النتائج. # ولا أنسى حادثة رويت لي، وهو أنه من زمان أرادت حكومة العراق التعاقد مع ~~الحكومة المصرية بالمراسلة والخطابات فكان الاتفاق مستحيلا؛ لأن كلتا الحكومتين ~~كان لها معنى خاص في مصطلحاتها لا تفهمه الأخرى، ولم يتم الاتفاق حتى تمت ~~المشافهة، والاتفاق على معاني المصطلحات، وسمعت محاضرة لفاضل عراقي في التربية، ~~فثار جدل حول الموضوع تبين أن سببه الاختلاف في المصطلحات؛ فهم يطلقون اسم ~~«المدارس الداخلية» على غير ما نطلق، ويسمون «الفصل» ما نسميه نحن بالسنة، ويسمون ~~«التوقيعات» ما نسميه نحن بالترقيات، ويسمون «مدارس الحضانة» ما نسميه نحن برياض ~~الأطفال، وهكذا. # من أسباب وقوع الناس في الخطأ اللغوي: عدم دقتهم في الاستنتاج، فهناك عقول ~~تستنتج من الجملة أكثر مما يلزم، وهناك عقول تستنتج منها أقل مما يلزم. وكلاهما ~~خطأ إذا قلت: «إن الغول مرعب»، فاستنتجت منه أني أقول: «إن الغول موجود.» فقد ~~أخطأت، واستنتجت أكثر مما يلزم؛ لأن الخيال قد يرعب، والوهم قد يرعب، ولو لم يكن ~~الشيء موجودا، وإذا حدثتك عن فرس بأنه أشهب فاستنتجت أني أقول إنه موجود كان ~~استنتاجك صحيحا. # ومن الناس من لا يفرق بين القضيتين وليس الأمر مقصورا على الجمل، بل دلالة ~~الألفاظ على المعاني تختلف جد الاختلاف بين الأشخاص بحسب مدنيتهم وثقافتهم ~~وعقليتهم، فإذا قلت: «كرسي» لم يكن معناه عند الفلاح القروي كمعناه عند المدني ~~المتحضر، وكذلك الشأن في كلمات «بيت» و«دولاب» و«سرير»، وإذا قلت: «علم الحساب» ~~فمفهومها عند الصانع المتعلم تعلما بسيطا ليس كالمعنى الذي يفهمه العالم ~~بالرياضيات، وهكذا. # وهذا ما يجعل الناس، إذا اختلفت مدنياتهم وعقلياتهم وثقافتهم؛ لا يتفاهمون ~~تفاهما صحيحا، ومن أسباب ذلك عدم دلالة الألفاظ على معان واحدة في الرموز ~~المختلفة، ولا تصدق أن معاجم اللغة تستطيع أن تشرح دلالة الألفاظ شرحا تاما ~~صحيحا، فكل كلمة هالة غير ms19 معناها الأصلي يعجز المعجم عن شرحها، فدنيا الأطفال التي ~~تعين على شرح الألفاظ، غير دنيا الرجال، ودنيا الفلاح غير دنيا المتمدن، ودنيا ~~الجاهل غير دنيا العالم، وكل يفسر الألفاظ حسب دنياه. # يتصل بهذا أن كل لفظ من ألفاظ اللغة يوحي بأشياء تختلف باختلاف الأشخاص ~~حسب بيئتهم وتجاربهم في الحياة وغير ذلك، فكلمة أبيض توحي إلى الفلاح باللبن وقد ~~توحي إلى الطفل بالسكر، وقد توحي إلى سكان البلاد الباردة بالثلج، وكلمة «وزير» ~~توحي إلى الشرقيين بمعان غير ما توحي به عند الغربيين. وكلمة «العيد» توحي إلى ~~الأطفال بمعنى الثياب الجديدة والأراجيح، وعند أطفال آخرين بالهدايا تهدى إليهم، ~~وعند الرجال بالزيارات، والتهنئات إلخ. # وكلمة «البرلمان» و«نظام الحكم» توحي بمعان مختلفة في الأفراد المختلفة والأمم ~~المختلفة، وهذا سبب آخر من أسباب الاختلاف بين الناس في الأفهام والفهم، فوحي ~~الألفاظ عن الناس يختلف اختلافا كبيرا. # بل قد يكون اللفظ يوحي بمعنى عند الناس في عصر لارتباطه بحادثة أو نادرة؛ فإذا ~~نسيت الحادث انقطع وحي اللفظ فمنذ سنين كانت كلمة «تعديل الأساس» و«ردم البرك» ~~و«الحكم الصالح» تستثير منا الضحك؛ لإيحائها بمعان خاصة؛ فلما زال الإيحاء زال ~~التأثير. # ولذلك أعتقد أنا فقدنا كثيرا من كتب الجاحظ وقطع الأدب الاجتماعي؛ لأن بعض ~~ألفاظها وجملها كانت توحي بمعان معروفة، فلما تقادم الزمن جهلت، فبطل سحرها، وإن ~~شئت فاقرأ رسالة «التربيع والتدوير» للجاحظ، وهي تدور حول السخرية من «أحمد بن ~~عبد الوهاب» وتشعر بغموض في بعض الجمل والإشارات، وسبب غموضها أنها كانت إشارات ~~إلى أشياء مفهومة في زمنها، ثم انقطع وحيها فغمض معناها. # ما وظيفة اللغة؟ يخطئ من يظن أن اللغة تؤدي غرضا واحدا وهو: نقل المعنى من ~~ذهن إلى ذهن، فلها أغراض أخرى كثيرة قد يصعب حصرها، وقد يبعد إدراكها، فمن أعجب ~~أغراضها أحيانا أنها تستعمل لتخدير الأعصاب كتمرينات السحرة مثل ألفاظ «شمهورش» ~~و«جلجوت» ونحو ذلك، فهي لا تؤدي معنى ولكن تخدر الأعصاب بغرابتها وتأليف حروفها؛ ~~ولذلك لا يصح أن نحاول فهم سجع الكهان فهما تاما، فهي لم ms20 يقصد منها الإفهام ~~التام بقدر ما قصد منها التخدير والمعاني المحلولة، وأحيانا يقصد بالألفاظ مجرد ما ~~توحيه من نغمات موسيقية لها أثرها النفسي كأثر الموسيقى؛ ولذلك لم تكن تخلو ~~الأدعية الدينية إذا تليت في المعابد بلغة أجنبية من أثر قد يكون بالغا؛ لأن ~~الألفاظ توحي بمعان سحرية موسيقية وإن لم تفهم معانيها الأصلية، وهذه لغة الإنسان ~~الأول كانت صيحات متشابهة اللفظ، ولكنها أحيانا تدل على الخوف، وأحيانا على طلب ~~النجدة، وأحيانا على التحذير من خطر، وإنما تختلف دلالتها باختلاف موسيقاها. ~~ا.ه. # الفصل السادس # | اللغة والمجتمع # يجب على قارئ الفصل السابق أن يفهم أكثر مما قال الأستاذ أحمد أمين؛ أي يجب أن يفهم أن ~~اختلاف البيئة والمجتمع والتاريخ والجغرافيا؛ يغير معاني الكلمات التي نستعملها، ونعتقد ~~أننا سواء في فهم معانيها، فعبارة «سلطة الحكومة» تعني: معاني مختلفة في الهند، والولايات ~~المتحدة، ومصر، وألمانيا، وروسيا، واليمن. # وهذا الاختلاف الذي ينشأ من الجغرافيا يقابله اختلاف آخر ينشأ من التاريخ، ومن هنا ~~الصعوبة التي نجد في فهم الكتب الدينية القديمة؛ لأنه كان للكلمات التي استعملت مثلا قبل ~~ألف سنة ملابسات لا نجد مثلها في عصرنا، بل كذلك كتب التاريخ، فإن المؤلفين يلتفتون إلى ~~معان لم نعد نلتفت إليها؛ لأن اللغة الحية تتفاعل مع المجتمع وتتغير بتغيره، أما إذا كانت ~~لغة خاصة بالكهنة تتلى فقط في المعابد؛ فالتفاعل ينعدم، والكلمات عندئذ تتحجر؛ أي تحتفظ ~~بمعانيها على مدى المئات أو الألوف من السنين، ومثل هذه اللغة تعد في القيمة الاجتماعية ~~صفرا. # فاللغة الحية تتفاعل مع المجتمع فتحنط بانحطاطه وترتقي بارتقائه؛ أي أنها تتطور، وهي ~~حين تتطور؛ ينشأ بينها وبين المجتمع اتصال فسيولوجي، ووظائف عضوية كما بين اليد، والذهن ~~كلاهما يخدم الآخر وينتفع به؛ ولهذا السبب يجب ألا يكون للمجتمع لغتان إحداهما كلامية؛ أي ~~عامية والأخرى مكتوبة؛ أي فصحى كما هي حالنا الآن في مصر وسائر الأقطار العربية؛ لأن نتيجة ~~هذه الحال أن اللغة المكتوبة تنفصل من المجتمع؛ فتصبح كأنها لغة الكهان التي لا تتلى إلا ~~في المعابد، ms21 وينقطع الاتصال الفسيولوجي بينها وبين المجتمع؛ ولهذا يجب أن تكون غايتنا ~~توحيد لغتي الكلام والكتابة، فنأخذ من العامية للكتابة أكثر ما نستطيع ونأخذ من الفصحى ~~للكلام أكثر ما نستطيع، حتى نصل إلى توحيدهما. # واللغة الحية هي الجهاز العصبي للمجتمع، أو الشبكة التلفونية التي يتخاطب ويتفاهم بها ~~أفراده، فإذا عجزت عن تأدية هذا التخاطب والتفاهم فهي خرساء؛ أي بمثابة الشبكة التلفونية ~~المقطوعة أو التالفة، ويجب السرعة في ترميمها. # وقد عرفنا هذا الخرس في كثير من شئوننا الثقافية؛ فإن المسرح مثلا لم يرتق؛ لأننا لم ~~نستطع تأليف الحوار باللغة الفصحى بين أشخاص الدرامة؛ لأن الكلمة الفصحى ليست «جوية»؛ أي ~~أنها لا تنقل إلينا جو الحديث؛ لأننا ألفنا أن يكون الحديث باللغة العامية، فترجمته إلى ~~اللغة الفصحى يصدمنا، ويشعرنا بأن هذه الكلمة ليست في مكانها؛ أي ليست في جوها الاجتماعي، ~~ولغتنا خرساء (والخرس هنا أوضح وأخطر) من حيث إننا جعلناها مثل لغة الكهان جامدة لا تتغير ~~وكانت نتيجة هذا أن في العالم بنحو «مائة وعشرين» علما، وفنا لا تنطق لغتنا العربية إلا ~~بنحو عشرة أو عشرين منها، ولكنها خرساء في سائرها. # فاللغات الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، وغيرها؛ لغات ناطقة في «مائة وعشرين» ~~علما، وفنا، ولغتنا خرساء في نحو «مائة» علم وفن؛ ولهذا السبب نحن جهلاء في جميع هذه ~~العلوم، والفنون ما دمنا قد اقتصرنا على لغتنا، ونحتاج كي نستنير بهذه العلوم، والفنون إلى ~~درس إحدى اللغات الناطقة. # فالتفاعل القائم الآن بين لغتنا ومجتمعنا ليس تفاعلا صحيحا؛ فإن هناك انفصالا يحول دون ~~إيجاد الدورة اللغوية كاملة به؛ ولذلك حدث المرض من هذا الانفصال، وهو الجهل لنحو مائة علم ~~وفن لا يمكن أن نعرفها إلا إذا تركنا لغتنا ونطقنا بلغة أخرى. # ثم اعتبار آخر يجب أن نلتفت إليه، وهو أننا ورثنا كلمات كانت قبل ألف سنة تعبر عن حاجات ~~المجتمع العربي في بغداد، أو مصر، أو دمشق، وهذا المجتمع كان أتوقراطيا أرستقراطيا؛ ~~فورثنا كلماته الأتوقراطية والأرستقراطية مع أننا نحاول أن نكون مجتمعا ديمقراطيا، ونحن ~~نتأثر بهذه ms22 الكلمات ونستضر بها؛ لأنها توجهنا إلى غير ما نحب من الوجهات، كما نغرس في ~~شبابنا عواطف نكره أن نراها في القرن العشرين. فانظر مثلا إلى إيحاء كلمة «وزير» في مصر ~~بجانب إيحاء كلمه «سكرتير» في بريطانيا، أو الولايات المتحدة، وانظر إلى إيحاء عبارات «صاحب ~~الدولة»، «صاحب السعادة»، صاحب العزة؛ فإنها جميعا تفتت العقائد الديمقراطية التي تقول ~~بالمساواة الاجتماعية، أو انظر إلى كلمة «حضرة» التي لا يمكن ترجمتها إلى أي لغة أوروبية؛ ~~(ولكن يمكن ترجمتها إلى اللغة الصينية القديمة). # ثم انظر إلى ما ورثنا من المجتمع العربي القديم بشأن المرأة؛ فقد ألغى هذا المجتمع المرأة ~~من الحياة الاجتماعية إلغاء يكاد يكون تاما أما نحن فقد رددنا الاعتبار للمرأة المصرية، ~~ولكن ما زلنا نستعمل الكلمات القديمة، فنقول «أم فلان» أو «حرم فلان»، ولا نذكر الاسم مع أن ~~الاسم جزء من الشخصية، وإهماله هو سبة للمرأة ألا ترى كيف أن أحدنا يغتاظ إذا أخطأ أحد ~~في ذكر اسمه فقال: «علي حسين» بدلا من الاسم الحقيقي «حسين علي»؟ وهذا لأن كلا منهم يحس ~~أن اسمه من كرامته، وهو بعض شخصيته، وإهمالنا لاسم المرأة هو تراث لغوي قديم يحمل إلينا ~~عقيدة اجتماعية يجب أن نكافحها، فيجب أن نؤلف بين المجتمع ولغته فنجعل اللغة ديمقراطية إن ~~شئنا أن نكون مجتمعا ديمقراطيا. # الفصل السابع # | الأحافير اللغوية # أحافير الحيوان والنبات هي الأجسام المتحجرة التي مضى عليها الألوف أو ملايين السنين ~~ونحن نستخرجها من باطن الأرض ونحفظها في المتاحف؛ كي نعرف منها تطور الحياة، ولا يمكن أن ~~نرد الحياة إلى هذه الأحافير؛ لأن الحياة قد أبادتها وارتقت عليها، وأخرجت لنا أنواعا ~~أخرى، وهذه الأحافير كانت في يوم ما من تاريخ الأرض حية، ولكن سنة التطور قضت عليها ~~بالانقراض. # وفي اللغات أحافير من الكلمات التي لا تجري على لسان أو قلم، ولكن المعاجم تحتفظ بها ~~للدراسة كما تحتفظ المتاحف بأحافير الدينصور أو غيره، فإذا عمد كاتب إلى استخراجها وبعث ~~الحياة فيها فإنه لن يصل من هذا المجهود إلا إلى تكليف ms23 المجتمع عبئا لا ينتفع به، فالإنسان ~~القديم كان يعتقد أن عالمه حافل بالآلهة، والأرواح الظاهرة والنجسة، وأن حياته مدبرة ~~بها للخير، أو الشر، وكان ينشد حظه في النجوم والكواكب ويتيمن بحركة الطير أو يتشاءم بها، ~~وكان راضيا بهذا العالم، يجد فيه منطقا للسلوك الحسن، فكان يستعمل الكلمات التي تؤدي له ~~هذه المعاني، وقد نبذنا نحن هذه العقائد، ولكن بقيت هذه الكلمات الغيبية القديمة التي ~~نستعملها؛ فتفسد أذهننا حتى إننا من وقت لآخر نقرأ عمن يخاطبون الأرواح، أو يقرءون طالعنا ~~في النجوم، وما زلنا نتفاءل أو نتشاءم من حادث أو كلمة، ومازال للعفاريت والجن والنجوم ~~سلطان على بعض النفوس التي لا تستطيع أن تتخلص من هذه الأحافير اللغوية؛ وذلك لأن الطفل ~~ينشأ وهو يستمع إلى الكلمات؛ فتغرس فيه عقائد يعجز عن التخلص منها حتى وهو في الخمسين أو ~~الستين من عمره. # وأحيانا نجد رجلا ممتازا في العلوم التجريبية قد درب ذهنه على تحري الحقائق المادية، ~~ينزع إلى الإيمان ببعض الغيبيات، وكل ما عنده كلمة مثل «روح» يحملها ويجري بها وراء ~~المشعوذين الذين يبحثون له عنها تحت المائدة، أو على ألسنة الدجاجلة الذين يستغلون تصديقه، ~~وهو إنما ينزع إلى هذه الغيبيات بفضل كلمة أو كلمات تعلمها في الصغر؛ فغرست فيه عادات ~~ذهنية لم يعد قادرا على التخلص منها ولكن الأحافير اللغوية لا تقتصر على ما ورثنا من ~~كلمات، مثل الجن أو العفاريت أو الأرواح؛ فإنها تتسرب إلى لغتنا المألوفة، وحتى لنقول: «علا ~~نجمه» أو «أفل نجمه» أو نحو ذلك، ونحتاج إلى شرح مسهب؛ كي ننقل المعنى العصري لصبياننا ~~بهذه التعابير القديمة التي كانت حية أيام الفراعنة أو البابليين، وما دمنا نشرحها الشرح ~~العلمي ونبين للصبي أن العقيدة القديمة كانت مخطئة، وأننا لا نرمي من هذا التعبير إلا إلى ~~معنى النجاح والرقي أو العكس؛ فإن كل الضرر ينحصر عندئذ فيما نتكلف من شرح ولكن قد يكون ~~لهذا التعبير مع ذلك فائدة للصبي حين يعرف منه عقائد القدماء البائدة. # ولكن هناك أحافير لغوية كبيرة ms24 الضرر على مجتمعنا، ومن أسوأها في مصر في عصرنا هاتان ~~الكلمتان: «شرق، وغرب» فإن كلمة شرق توحي إلينا أننا بشر ننتمي إلى آسيا، وأفريقيا وكأننا ~~على عداء مع أوروبا وأمريكا. ولما كان الأوروبيون والأمريكيون هم المتمدنون السائدون في ~~العالم؛ فإن عداءنا يغرس في نفوسنا كراهية للتمدن وعادات المتمدنين ومعظم المقاومة التي ~~للقبعة، بل كلها تقريبا يرجع إلى هذه الكلمة «شرق»؛ لأن المصري يحس أن الشخصية القومية ~~الشرقية تنهار باتخاذ القبعة التي تمتاز بها الشخصية القومية الغربية. # وكلمات الغيبيات توحي عقائد غيبية تعين للمؤمن بها سلوكا يتنافى مع المنطق، ويؤخر عن ~~تحقيق النجاح، وكثيرا ما يقعد أحدنا في «الترام»، فيجد جاره وهو يتلو كلمات غيبية؛ يريد ~~أن يحقق بها غاية اجتماعية، أو اقتصادية فبدلا من أن يعمد إلى المنطق؛ فيدبر الوسائل ~~المادية، والشخصية يتلو هذه الكلمات، وكأنه (كما كان يفعل البابليون) يستوحي النجاح من ~~النجوم، والكواكب. # ومن الأحافير اللغوية كلمات «الدم»، و«الثأر»، و«العرض» في بعض مديريات الصعيد؛ فإن هذه ~~الكلمات تؤدي إلى قتل نحو «ثلاثمائة» امرأة، ورجل كل عام ولا بد أن بعض القراء سيثب ~~إلى القول: بأن هؤلاء القتلة يذودون عن شرفهم. وكل ما أستطيع أن أرد به هو: أن سكان الوجه ~~البحري لا يقتلون مثل هذا العدد من الرجال والنساء؛ لأجل «العرض»، و«الثأر»، فإما أن السبب ~~أنهم لا يستعملون هاتين الكلمتين في حديثهم كما يفعل أهل الصعيد، وإما أنهم أقل إجراما ~~بطبيعتهم، والفرض الأول هو المعقول. # وهناك أحافير لغوية كثيرة في الشعر العربي القديم، فإن الشاعر كان يعيش في جو ~~تلائمه كلمات معينة؛ فلما انقطعت الصلة بيننا وبين هذا الجو؛ صرنا نجد هذه الكلمات غريبة ~~عن أذهاننا، وقلوبنا؛ فهي لا تضيء بصيرتنا ولا تنبه ذكاءنا ولا تحرك خيالنا، انظر مثلا إلى ~~«الحداء» وكيف اتصلت معاني الفعل من هذه الكلمة بكثير من الشعر والنثر، وأدت الخدمة ~~الأدبية في التعبير الحسن قبل ألف سنة. ولكن من يحاول استعمالها في عصرنا إنما يستعمل ~~كلمة من الأحافير اللغوية التي يجب أن يجد مندوحة ms25 عنها في استعارات وعادات عصرية تلابس ~~مجتمعنا. # واللغة التي تلابس مجتمعنا هي لغة السوق، والبورصة، والمكتب، والمصنع والنادي، والبيت، ~~والكتاب، والجريدة، والمجلة، والمنبر، والمدرسة، أما إذا انفصلت واقتصرت على الكتاب وهجرت ~~المجتمع فصار لنا لغتان فإن لغة المجتمع ستبقى حية، ولكن لا تجد العناية التي يستحقها الحي، ~~فهي تعيش في وكس وضعف وتبقى اللغة الأخرى كأنها أحافير تحفظ وتصان كما تصان لغة ~~الكهنة في المعابد عند المتوحشين. # الفصل الثامن # | ضرر اللغة # كانت - ولا تزال - اللغة من أعظم الميزات البشرية؛ لأنها جعلت التفاهم والتفكير ~~ممكنين، بل جعلت الثقافة تختزن وتورث من جيل إلى جيل آخر، ولكننا نجد أن اللغة كثيرا ما ~~تحيل التفاهم إلى التباس، فيسيء بعضنا إلى بعض؛ لأنه يجهل الغاية من كلامه، وكلنا يعرف ~~ظروفا مرت به حين كان في حوار مع آخرين، فكان يضطر إلى أن يسأل: ماذا تقصد بهذه ~~الكلمة؟ # وهذا السؤال يدل على أن الكلمات تلتبس - بل تلتغز - معانيها بين شخص وآخر؛ وأنها لهذا ~~السبب لا تؤدي الغاية الأولى منها، وهي الفهم والتفاهم. واللغة الحسنة هي التي يقل فيها ~~الالتباس أو ينعدم؛ لأن لكل كلمة معنى معينا لا يتجاوزه ولا يتسع لهوامش تحمل الشك أو ~~الغموض أو الزيادة أو النقص، كما هي الحال في كلمات كثيرة مائعة تسيل على الجوانب ولا تثبت ~~في نقطة بؤرية. # واللغة بما ورثت من عادات ذهنية قديمة كانت شائعة قبل آلاف السنين قد حملت إلينا من ~~المعاني ما لم نعد في حاجة إليه، بل نحن نستضر به، انظر مثلا إلى السباب الديني في كلمتي ~~كافر ونجس، فهاتان كلمتان قد ورثناهما من عصر كانت العقيدة فيه أساس السلوك. ولم يكن ~~الناس يستوون في الحقوق؛ لأنهم كانوا يختلفون في العقيدة ونحن نعيش الآن في عصر نقول فيه ~~بالمساواة بين جميع الناس بصرف النظر عن عقائدهم، ونطالبهم بأن يجعلوا المنطق مرشدا ~~لحياتهم، ولكن هاتين الكلمتين تحدثان انفعالا يسيء إلى السلوك العام في أية أمة، ونحن ~~حين نسمي إنسانا «كافرا» نحرك عاطفة خسيسة للكراهة كما ms26 نفعل حين نسمي سمكة «ثعبانا» ~~ونحمل الناس على كراهتها، فهنا ضرر اللغة واضح، فإننا إذا دخلنا معملا كيماويا وجمعنا ~~فيه نحو عشرين شخصا من سلالات وشعوب مختلفة وحاولنا أن نميز بتجارب علمية دقيقة بين الكافر ~~والمؤمن، والنجس والطاهر؛ لما استطعنا. بل إنا لنجد بالعلم أنهم (كما يقول: أسقف برمنجهام ~~في ظرف مشابه) سواء. # وقل مثل هذا في كثير من الكلمات التي تحمل شحنات عاطفية سيئة، فإنها كثيرة في كل لغة، ~~ونحن حين نحاول التفكير بالمنطق والتعقل في أي موضوع نجد هذه الكلمات تعترضنا وتسد علينا ~~السبيل دون التفكير الناجح. # ومن أضرار اللغة - وخاصة في لغتنا العربية - هذه المترادفات التي تبعثر المعاني، ~~وتبعدنا عن الإحكام في التعبير، ويجب أن يكون من قواعد التعليم للبلاغة الجديدة لهذا ~~السبب محاسبة التلميذ في إنشائه على الكلمة الزائدة كما نحاسبه على الخطأ الذي يقع فيه حين ~~يرفع مفعولا أو ينصب فاعلا. # ولذلك يجب أن يكون المنطق أساس البلاغة الجديدة، وأن تكون مخاطبة العقل غاية المنشئ ~~بدلا من مخاطبه العواطف، والبلاغة بفنونها المختلفة - كما هي الآن في لغتنا العربية - ~~تخاطب العواطف دون العقل، وهذا ضرر عظيم؛ فإننا حين ننصح لأحد الشبان بأن يسلك السلوك الحسن ~~في الدنيا ويتخذ أسلوبا ناجعا في الحياة نشير عليه بأن يجعل العقل والنطق - دون ~~العاطفة والانفعال - هدفه ووسيلته في كل ما يعمل، ولكن البلاغة العربية في حالها الحاضرة ~~هي بلاغة الانفعال والعاطفة فقط. # وإذا جعلنا المنطق أساس البلاغة؛ فإننا عندئذ نجعل قواعد المنطق ونظريات إقليدس مما يدرس ~~للتفكير الحسن، وهو الغاية الأولى للبلاغة، ونبين قيمة الأرقام في التفكير الحسن ثم تأتي ~~بعد ذلك الفنون، وهي عاطفية انفعالية للترفيه الذهني. ولكن يجب أن نذكر أن التفكير ~~الدقيق بالمنطق أخطر وأثمن من الترفيه الذهني بالفنون، وإذا جعلنا المنطق أساس البلاغة ~~فإننا سنبحث الكلمات من حيث معانيها. ونبين كيف أن الناس كثيرا ما يخلطون بين الشيء ~~واسمه، وأن هذا الخلط يشقيهم؛ لأنه يبعدهم عن التفكير الناجح ويؤخر نجاحهم ويعطل المجتمع ~~عن الرقي. # كنت في ms27 الريف فوجدت الفلاحين يذكرون كلمة «وريتة» ويقصدون منها إلى ثلاثة أشياء مكروهة ~~وهي البومة؛ لأنهم يتشاءمون منها، وابن عرس؛ لأنه يفترس الفراخ، والحمى؛ لأنها تمرضهم ~~فهنا ثلاث كلمات: البومة، وابن عرس، والحمى، وقد اختلطت على الفلاحين أسماؤها؛ فصارت في ~~أذهانهم مسميات، كأن الحمى ليست من جراثيم حية تدخل الجسم وتأكل خلاياه، بل هي «ح م ى» ~~وكذلك لم يعد ابن عرس حيوانا يحتاج إلى أن ننصب له الشراك كي نوقعه، بل هو كلمة تحدث ضررا ~~إذا لفظناها، وكذلك حملت البومة شحنة عاطفية تتصل بالسحر القديم؛ فإذا ذكرنا الكلمة فقد ~~هيأنا الجو للخراب، ولذلك يجب في عرف الفلاحين أن نقاطع هذه الكلمات الثلاث، ونقول ~~بدلا منها «وريتة». # وهذا المثل على سذاجته يجب أن ينبهنا إلى علاقتنا باللغة؛ فإننا كثيرا ما نخلط بين ~~المسمى والاسم، وإذا كنا لا نتشاءم بالبومة ولا نقول «غراب البين»؛ فإننا نضفي على بعض ~~الكلمات مثل «الاشتراكية» معاني مكروهة، حتى إن بعض الحكومات كانت تمنع ذكرها في الصحف، ~~والكتب، ولكنها مع هذا المنع، لم تخترع كلمة مثل «وريتة»، كما اخترع الفلاحون حين أرادوا ~~التعبير عن الحمى وابن العرس والبومة. # وما يقال عن الكلمات المكروهة يقال أيضا عن الكلمات المحبوبة، فإننا كثيرا ما نخدع ~~بكلمات لها بريق، أو رنين، أو ضجيج، وكثيرا ما ننسى أن الكلمة ليست هي الشيء وإنما هي ~~رمز للشيء على أن البلاغة القديمة - بلاغة الانفعال والعاطفة - يمكن أن نستخدمها للتوجيه ~~الاجتماعي في الأمة، ولكن مع الحذر من أن يعود هذا التوجيه لدعاية سيئة لأحد المذاهب ~~الضارة. # الفصل التاسع # | ضرر اللغة أيضا # اللغة الحسنة هي التي حين نعبر بها نحس السيادة المنطقية على كلماتها. فلا نشعر أنه كان ~~يجب أن نزيد هنا أو ننقص هناك، أو أن معنى الكلمة التي استعملناها قد يحمل القارئ على أن ~~يفهم ما قصدناه، وبكلمة أخرى نقول: إن اللغة الحسنة هي تلك التي تتيح لنا التفكير المنطقي ~~كما لو كانت كلماتها أرقاما تؤدي لنا الحساب الذي لا يحمل حاصل الجمع أو ms28 الطرح فيه معنى ~~الشك، أو على الأقل يجب أن نقارب هذه الحال من الدقة على قدر الإمكان. # والواقع أن العلوم لا تنضج إلا حين تقاس بالأرقام وتعبر الأعداد عن حقائقها، ولا يزال ~~كثير من علمي السيكلوجية والاجتماع بعيدا عن إمكان التعبير عنه بالأرقام؛ ولذلك تنقص ~~قيمتها بقدر هذا العجز عن استخدام الأرقام في شرحها وفهمها، ونحن في مصر نسيء إلى اللغة ~~العربية وإلى شبابنا أيضا، حين نتخذ معهم طرقا عتيقة في معالجتها يمكن تلخيصها فيما ~~يلي: ~~(1) # أننا نعلمهم مبادئ البلاغة العاطفية بالمجاز، والاستعارة، والتشبيه إلخ كي ~~يصلوا منها إلى التعبير الفني أو الرفاهية الذهنية بدلا من مبادئ البلاغة ~~العقلية المقيدة بقواعد المنطق؛ حتى يصلوا إلى دقة التعبير وتوقي الالتباس. ~~والنتيجة من هذه البلاغة العاطفية هي الضرر؛ لأنها تحدث لهم اتجاها نحو ~~التزاويق، والبهارج فإذا طلب إليهم التفكير عجزوا. ~~(2) # هذه البلاغة العاطفية قد حملت المعلمين على الإكبار من شأن الاقتباس حتى ~~إننا كثيرا ما نرى في كتب الإنشاء التي يتداولها التلاميذ عناية المؤلفين ~~بما يسمونه «الجمل المختارة»، وهي عبارات تحتوي كلمات لها بريق أو رنين أو ~~ضجيج، والتلميذ الذي يكلف استظهارها إنما يفعل ذلك على حساب تفكيره. فكأننا ~~نقول له لا تنظر إلى هذه الدنيا بروح الباحث المتفهم المفكر، وإنما استظهر ~~العبارات المزخرفة وتكلف التزاويق؛ لأنها أحسن ما يمكنك أن تعبر به في ~~الإنشاء. # ونحن في هذا التوجيه نحمله على العناية بالقشور، بل بما هو أتفه منها وترك ~~اللباب؛ أي التفكير السديد. ~~(3) # وضرر ثالث هو أيضا نتيجة ما ذكرناه، نعني به: العناية بالأسلوب ومحاولة ~~التلميذ أو الطالب أن يتعلم أساليب المتقدمين ويحاكي أحسنها وكأنها غاية ~~الإنشاء، ونحن في كل هذا نكاد نجحد الذهن وعندما يشب هؤلاء الشبان يتجهون إذا ~~ألفوا كتابا أو كتبوا في صحيفة وجهة الاقتباس والتزويق دون التفكير والبحث، ~~وهذا ما نراه شائعا في كتبنا ومجلاتنا بل أحيانا نجد المصري المتعلم الذي ~~درس في أوروبا واصطنع المنطق العلمي في تفكيره عاجزا عن التأليف في اللغة ~~العربية؛ لأنه يجهل الاقتباس ms29 والتزويق ولذلك يحجم عن التأليف، فنحرم ثقافته مع ~~حاجتنا العظيمة إليها. # فكيف نعالج هذه الحال؟ ~~(1) # نعالجها أولا وقبل كل شيء بأن نجعل قواعد المنطق تقوم مقام قواعد البلاغة ~~القديمة؛ أي دقة التعبير بدلا من تزويق التعبير، ومخاطبة العقل بدلا من ~~مخاطبة العواطف. ~~(2) # ونعالجها ثانيا بأن نقاطع الاقتباس في الإنشاء في المدارس الابتدائية ~~والثانوية، ونجعل التفكير يقوم مقام الاقتباس، فيجب ألا تكون هناك «جملة ~~مختارة»، تحفظ عن ظهر قلب، بل يجب أن يعود الصبي أو الشاب كيف يفكر ويبحث ~~ويطلع. ~~(3) # يجب أن نعرف أن الأسلوب هو الناحية الأخلاقية للكاتب؛ فإذا كان الكاتب فنانا ~~يعيش الحياة الفنية وينظر إلى الدنيا من خلال العدسة الفنية؛ فأسلوبه فني، وإذا ~~كان عالما؛ فأسلوبه علمي، وإذا كان اجتماعيا الخ. # وأسلوب الكتابة هو بعض أسلوب الحياة، فالرجل المستقيم الصريح في معاملاته يكتب في عبارة ~~صريحة وفي كلمات لا تقبل الالتواء، فإذا طالبنا الصبي أو الشاب بأن يحسن الأسلوب في ~~كتابته؛ فإنما نطالبه في الحقيقة بأن يتخذ أسلوبا حسنا في معيشته، وأن يرقي شخصيته، وإذ ~~استقرت هذه القواعد في مدارسنا وتعلمها صبياننا وشبابنا فإننا سنجد عندئذ المؤلفين ~~المفكرين والصحافة النيرة المرشدة، صحافة الشخصيات الكبيرة، والتفكير العلمي الدقيق. # الفصل العاشر # | اللغة والجنون والإجرام # لا أقرأ جريدة الصباح حتى أجد جريمة أو جريمتين مرجعها إلى اللغة وسأحاول هنا معالجة ~~هذا الموضوع الذي على ما يبدو عليه من اللون الفلسفي وعلى ما سيجد فيه القارئ من عمق؛ ~~سيرتاح في النهاية إلى الاستنتاجات التي سنصل إليها وهي جد خطيرة في مجتمعنا المصري الحاضر، ~~وهو بلا شك بحث فلسفي، ولكن في عصرنا الديمقراطي يجب أن يكون الأدب والفن والفلسفة للشعب ~~بل لعامة الشعب التي على كل منا أن يعلمها ويرفعها. وقد قال سارتر زعيم الوجودية: «إن ~~الفلسفة يجب أن تنزل عن أريكتها وتدخل في السوق.» # وموضوعنا بأخصر عبارة هو: أن كلماتنا التي نتحدث بها ونقرأها تعين أخلاقنا وسلوكنا ~~الاجتماعي، فنحن فضلاء أو أرذال باللغة، ونحن عقلاء أو مجانين باللغة كما نحن علماء أو ms30 ~~جهلاء باللغة اعتبر أيها القارئ شابا ريفيا في مديريات سوهاج أو قنا أو أسيوط وقد نشأ ~~وتربى وسمع بأذنه وتكرر سماعه لكلمات الثأر والانتقام والدم؛ فإن هذه الكلمات حين ينطق بها ~~تصور له صورا فكرية معينة وتحمله على أن يسلك السلوك الإجرامي بقتل خصومه لأوهى ~~الأسباب، بل إنه يفهم كلمات الشرف والعرض والسمعة على غير ما يفهم الشاب في القاهرة أو ~~الإسكندرية؛ ولذلك ما هو أن يرى أخته تتحدث إلى أحد الشبان حتى تستطير هذه الكلمات عقله ~~وتلهب عاطفته، فيجمع إلى معانيها معاني الكلمات الأخرى: الدم والثأر والانتقام ثم يكون قتل ~~الأخت. # كلمات تؤدي إلى جرائم # ولا يمكن أن نقول إن جرائم العرض في قنا وجرجا وأسيوط أكثر مما هي في القاهرة أو ~~الإسكندرية؛ ولكن جرائم الدفاع عن العرض أكثر؛ لأن هذه الكلمات؛ أي الثأر والدم ~~والانتقام مألوفة في الصعيد أكثر مما هي مألوفة بين سكان الوجه البحري ~~والقاهرة. # جرائم الدفاع عن العرض التي تذكر لنا صحفنا كل يوم جريمة أو اثنين منها هي ~~جرائم لغوية لا أكثر إما لوجود كلمة كان لا يصح أن توجد وإما بتحميلها معنى كان يجب ~~ألا تحمله، أو اعتبر كلمتي الحسد والشماتة فإنهما تبعثان في النفس أسوأ الإحساسات، وكنا ~~نكون أطيب قلوبا لو أننا لم نتعلمها، بل هناك من الكلمات البذيئة التي نسمعها من صغار ~~الباعة الجائلين، ومن أمثال الحشاشين مما يتصل بالشئون الجنسية ما يعين لنا سلوكا أو ~~اتجاها جنسيا؛ لأن الكلمة إيحاء مهما ظننت أنك خلو منه فإنك تحسه من حيث لا تدري إذ ~~هو يتصل بعاطفتك. الكلمة فكرة، والفكرة إحساس، وقد يحتد الإحساس فيصير عاطفة، بل عاطفة ~~جنونية. # وأنا الآن أدلك أيها القارئ على حوادث من الجنون تتكرر في مصر بسبب اللغة. # اعتبر سيدة أنيقة جميلة تعتني بهندامها وتعجب بقامتها ووجهها قد اقتربت من سن الثامنة ~~والأربعين أو التاسعة والأربعين، ثم وجدت توعكا أو توترا؛ فلما استشارت الطبيب قال ~~لها: إن حالتها تعد طبيعية في سنها سن اليأس. # يأس؟ من منا ms31 يسمع هذه الكلمة ولا يضطرب؟ # الواقع أن جميع نسائنا يضطربن لهذه الكلمة، وقد يزيد الاضطراب بسبب الضرة أو الحماة ~~أو الخوف من الطلاق فيصير جنونا، أو على الأقل شذوذا يلفت النظر ويحتاج إلى ~~العلاج. # ولو أننا استبدلنا بكلمتي سن اليأس سن الحكمة، أو سن النضج؛ لكان لهذا المعنى ~~الإنساني توجيه آخر نحو الأمل، والنشاط، ولكان منه سبب لسعادة نسائنا بدلا من ~~شقائهن. # وأستطيع أن أزيد في أمثلة الجنون أو الشذوذ الذي ينشأ من الكلمات السيئة، وخاصة من ~~تلك الكلمات التي تتصل بالعلاقات الجنسية والتي تعين لنا أسماء؛ أي معاني بذيئة لأعضاء ~~الخلود البشري؛ لأننا حين نصف الأعضاء بالنجاسة، أو نسميها «سوأة» إنما نصم التعارف ~~الجنسي بأسوأ الوصمات، ونجعل منه جريمة مستترة، ونحيل أشرف عاطفة بين الزوجيين إلى ~~دنس وخسة وعيب، وعندئذ يصطبغ الاتصال الزوجي بكل المعاني. # وقد كنت أقرأ كتابا بعنوان «صائدو الرءوس» لمؤلفه «ألفريد هادون» والكتاب يصف قبائل ~~من المتوحشين في غينيا الجديدة ينتظم مجتمعهم على مراتب من الشرف والمروءة والشهامة ~~تحتاج لبلوغها إلى أن يصيد الإنسان إنسانا آخر ويقطع رأسه، وعلى قدر ما يعلق من رءوس ~~في كوخه يكون شرفه وشهامته ومروءته! # وأعظم ما لفتني في هذا البحث أن هناك عند هذه القبائل كلمات تحمل دلالات الشرف، ~~والشهامة والمروءة، وتتصل بالقتل وفصل الرأس من البدن وتعليقه للفخر. # وهؤلاء المساكين ينشئون على هذه الكلمات، ويفكرون وفق الصور التي ترسمها لهم، ثم ~~ينفعلون بالشرف، والشهامة، والمروءة، فيغتالون خصومهم أو غير خصومهم كما يفعل الشاب ~~الريفي عندنا في جرجا وقنا، وأسيوط عندما يذكر كلمات الدم والانتقام والثأر؛ فيقتل ويظن ~~أنه شهم شريف. # وعلى قدر كلمات الفضائل في لغتنا نكون فضلاء. # وعلى قدر كلمات الرذائل في لغتنا نكون أرذالا. # وعلى قدر المنطق في كلماتنا نكون منطقيين في سلوكنا. # وعلى قدر الخبال في كلماتنا نكون مخبولين في سلوكنا. # وأحب أن أكرر أن الكلمات أفكار، وأننا لا نستطيع أن نفكر بلا كلمات أو ما يقوم مقامها ~~من إيماءات باليد أو بالعين أو نحو ذلك، ms32 وهناك حقيقتان سيكولوجيتان الأولى هي قوة ~~الكلمة المتكررة في الإيحاء، فإننا نستطيع أن نحدث إيحاء لشخص آخر أو لأنفسنا؛ بكلمة ~~مكررة تحمل معنى أو توجيها، وهذا هو التنويم النفسي الذي يحمل النائم على أن يسلك ~~سلوكا معينا، فإذا تكررت كلمات الدم والثأر والانتقام؛ أحدثت الإيحاء ثم الإجرام، ~~ومعظم سلوكنا - بل ربما كله - يعود إلى الكلمات التي تعودناها منذ الطفولة. # والحقيقة الثانية: أن الكلمة المنيرة؛ أي التي تنير العقل بالمنطق، أو القلب بالبر ~~والشرف والمروءة، هذه الكلمة تمسح عن العقل النائم المضطرب غشاوة؛ ولذلك نحن نطلب من ~~المريض أن يشرح بالكلمات تاريخ مرضه، ويحاول تعليله وكثيرا ما يشفى بمحض القوة المنيرة ~~الإنسانية التي في الكلمات التي يستعملها؛ لأنه باستعمالها قد حدد مرضه وعين ~~أماراته وأسبابه. # وكثيرا ما ألاحظ أن شيخوخة العقل تبدو مبكرة عند المسنين من الأميين، ولكنها ~~تتأخر - أو لا تبدو بتاتا - عند المتعلمين المثقفين؛ وعلة ذلك تتضح مما شرحنا هنا، وهو ~~أن الأفكار كلمات وما دام المسن يعرف الكلمات فإن عقله يحتشد بالأفكار، فلا يكون هناك ~~مجال للخلط أو الخوف أو النسيان. # ومن هذا البحث المؤاجز نعرف أيضا أن أعظم ما تحتاج إليه أمة ما كي يرتقي مجتمعها ~~وتنقص أمراضها وجرائمها، وكي يسلك أبناؤها السلوك الاجتماعي الحسن؛ أن تعمل لترقية ~~لغتنا، وتنقيتها، ووضع الكلمات الجديدة التي تزيد الإحساس بالفضائل، وما أجمل أن نذكر ~~للشعب ونكرر الذكر لكلمات الحرية والديمقراطية، بل الديمقراطية الاجتماعية والمساواة ~~والإخاء والحب والمروءة والشرف والثقافة وحق المرأة في الإنسانية ونحو ذلك؛ أنها كلمات ~~يصح أن يكون كل منها برنامجا للسلوك الاجتماعي السوي، بل الراقي. # الفصل الحادي عشر # | الكلمة الموضوعية والكلمة الذاتية # طبيعة الكلمات هي الجمود وطبيعة الأشياء التي تعبر عنها هي التغير، فكل شيء في الدنيا، بل ~~في هذا الكون يتغير، والحياة في الحيوان، والنبات هي أعظم المظاهر لهذا التغير، وهذا ~~التغير على أقصاه في الإنسان؛ لأنه يعيش في مجتمع تتغير به أخلاقه وعاداته وآراؤه. # ونحن في تفكيرنا نتخذ أسلوبين: الأسلوب الموضوعي حين نتجرد من إحساسنا ms33 الشخصي، أو لا نجد ~~له مجالا، كما لو قلنا: كرسي، أو، أسد، أو، شمس، أو شارع. فكلنا على وجه التقريب يذكر هذه ~~الأسماء دون أي انفعال، وكلنا سواء تقريبا في إدراك صورها؛ ولذلك إذا كنا في حوار، وذكر ~~أحدنا الشمس أو الكرسي؛ لم يحتج الآخر إلى أن يسأله: ماذا تعني؟ لأن المعنى واضح. # وهذه الكلمات موضوعية؛ أي أنها غير متأثرة بذواتنا، والمفكر العلمي يحاول على الدوام ~~الوصول إلى هذا الأسلوب الموضوعي في التفكير؛ أي أنه حين يبحث مشكلة يتجرد من إحساساته ~~وميوله وما يحب وما يكره. # ولكن هناك الأسلوب الذاتي أسلوب الأديب، والفنان فرجل الأدب يتحدث عن المثليات، أو ~~الجمال، أو الذوق، أو العظمة. وهذه الكلمات جميعها ذاتية؛ أي تعبر عن إحساساته وانفعالاته؛ ~~ولذلك نختلف فيها كثيرا، فقد يقول أحدنا: إن القناعة من فضائل الفلاح. فأرد أنا عليه ولي ~~انفعالات نفسية: لا بل هي من رذائله، وقد يستمع أحدنا إلى امرأة تغني فيقول: إن الأغنية ~~حسنة، فيرد آخر: بأنها ليست أغنية وإنما هي أغنوجة. # ومن هنا نفهم أن الغناء والقناعة كلمتان ذاتيتان نختلف فيهما كثيرا، أما الكرسي، والشارع ~~فكلمتان موضعيتان لا علاقة لهما بانفعالاتنا وإحساساتنا؛ ولذلك لا نختلف فيهما. # فحين أسمع أحدهم يقول: «امرأة جميلة» فإني أفهم كلمة امرأة ولا أختلف معه؛ لأن الكلمة ~~موضوعية، ولكنه حين وصفها بالجمال قد تعرض للمناقشة؛ لأن الكلمة ذاتية إذ قد تكون فكرتي عن ~~الجمال غير فكرته. # والكاتب الذكي هو الذي يحاول أن يكون عمليا موضوعيا وليس عاميا ذاتيا، ولكن يجب ~~أن نذكر أن اللغة ستحتوي - على الدوام - كلمات ذاتية تعبر عن الآداب والفنون، وهي هنا ليست ~~عامية، ولكنها تعبر عن ذاتية ممتازة. # انظر مثلا إلى قول أحدنا: هذا الصبي ذكي. # فإن وصف الذكاء هنا قد يكون ذاتيا؛ لأن المتكلم ربما وصفه بذلك؛ لأنه استخف ظله، أو لأن ~~هذا الصبي قد خدمه، أو لأن المتكلم نفسه ليس ذكيا فكلمة «ذكي» هنا ذاتية، ولكن ~~السيكولوجيين استطاعوا أن يجعلوا هذا المعنى موضوعيا؛ فهم يقولون: «هذا الصبي ms34 يبلغ معدل ~~ذكائه 107»، وذلك بعد قياس مضبوط. # وكلمات الشرف، والثقافة، والغباوة، والفاقة، والثراء، والعدل، والشجاعة، والجمال، ~~والقناعة، والتكبر، والغضب، والتسامح؛ كلها، كلمات ذاتية تعبر عن انفعالاتنا الشخصية أو ~~ظروفنا البيئية ولا تعبر عن حقائق موضوعية مثل: الكرسي أو الشارع، والتفكير السديد ينقلنا ~~أو يحاول أن ينقلنا من النظر الذاتي للأشياء إلى النظر الموضوعي ومن الوصف المائع العام إلى ~~الوصف بالأرقام كما رأينا في معدل الذكاء في السيكولوجية وكثير من الفهم السيئ للفلسفة ~~القديمة، وما يلحق بها من أدب، ودين يرجع إلى أنها عالجت شئون الدنيا بكلمات ذاتية قد ~~اختلفت معانيها بعد مرور ألف أو ألفي سنة. # وقد ارتقت الأمم بكلمات ذاتية مثل: مروءة، وشرف، وشهامة، وحياء، وأنفة. كما انحطت بكلمات ~~ذاتية أخرى مثل: شماتة، وكفر، ونجاسة. ولكن إذا صرفنا النظر عن الارتقاء والانحطاط فإننا ~~نجد أن الكلمات الذاتية كثيرا ما تبعث على الالتباس والفهم السيئ، ومن هنا الاختلاف الدائم ~~في الدين، والفلسفة، والآداب والفنون، والاتفاق التام في العلم؛ لأن كلمات العلم موضوعية، ~~ولذلك أسلوب التفكير فيه موضوعي. # الفصل الثاني عشر # | إحدى الكلمات # لغتنا تستوي وسائر اللغات العصرية في نقص التعبير عن المعاني الذاتية. وهذا النقص سوف ~~يبقى - كما قلنا - إلى أن نهتدي نحن وسائر الأمم إلى اللغة العلمية أي: اللغة التي تنقل ~~المعنى من «الذاتية» إلى «الموضوعية». # بدلا من أن نقول: هذا الصبي ذكي نقول: يبلغ ذكاء هذا الصبي 115. # وبدلا من أن نقول كان يوم أمس حارا مرهقا نقول: بلغت الدرجة المئوية للحرارة أمس ~~39. # وقد سبق أن قلنا أيضا: إن العلم لا تنضبط قواعده إلا إذا عبر عنه بالأرقام. وقد يتساءل ~~القارئ في أسف واكتئاب: أي دنيا هذه التي يعيش فيها الناس بلغة الأرقام؟ # ولكن يجب أن نذكر أن العالم لا يزال في بداية التعبير اللغوي، وأن الفرق بيننا، ~~وبين المتوحشين في اللغة إنما هو فرق الدرجة والتفاوت، وليس فرق النوع والاختلاف فالمتوحش ~~يعبر عن حاجته بنحو 500 كلمة، ونحن بنحو 5000 أو 50000 وهو يقول عما زاد على العشرة ms35 إنه ~~«كثير»؛ أي أنه يعبر بكلمة واحدة عن أعداد المئات والألوف والملايين، وربما لا يزال ~~متعلقا بطريقة «الإحصاء» بالحصى كما كنا نحن قبل ألوف السنين، ولكن مع هذا لا تزال في ~~لغتنا العربية ولغات الأمم العصرية كلمات تعبر عن إحساسات مختلفة تتغير معانيها ولا تتغير ~~الكلمة التي تدل عليها، ونحن في هذا مثل المتوحش الذي يسمي ما زاد على العشرة ~~«كثيرا». # انظر مثلا إلى كلمة «أحب». # فالرجل يحب المرأة هذا الحب البيولوجي الذي يقصد منه إلى التناسل، والزوج يحب زوجته، ~~وإحساس الزوجين للحب يرتفع على المستوى البيولوجي فهنا اختلاف. # ولكن أحدنا يقول إنه يحب الملوخيا فهل كلمة الحب التي تستعمل للتعبير عن العلاقة بين ~~الرجل والمرأة هي نفسها التي يصح أن تستعمل للتعبير عن العلاقة بين الرجل والملوخيا؟ وهل ~~الإحساس واحد في الحالتين؟ # والإنجليز يفصلون بين هذين المعنيين باستعمال # Love # للأول ~~و # Like # للثاني. # ألسنا نرى أن كلمة «أحب» كلمة عامة تدل على إحساسات مختلفة، ولكننا نطلقها عليها جميعها؛ ~~لأننا كالمتوحش حين يسمي ما زاد على العشرة «كثيرا»؟ # ثم هناك حب الأم لأطفالها، ثم حب الأطفال للأم، وكلاهما أيضا مختلف، ثم حب الإنسان لله، ~~ثم وصية الدين بأنه يجب لنا أن نحب بعضنا بعضا، ثم حبنا للمال، ثم هناك الحب بين الحيوان، ~~بل أن السمكة نفسها لتحب أطفالها وتذود عنها. # فهل يصح أن تؤدي كلمة الحب كل هذه المعاني المختلفة؟ ألا يدل قصور هذه الكلمة على قصور ~~اللغات العصرية - أرقاها وأدناها - وأننا ما زلنا في المرحلة الأولى من التعبير؟ # أجل إن اللغات جميعها لا تزال في طور التجربة؛ وستبقى كذلك ما دام عقل الإنسان يرتقي ~~ويطلب الوضوح مكان الغموض والمعنى الموضوعي مكان المعنى الذاتي، ويكاد ارتقاء السيكولوجية ~~يتوقف على هذا وحده؛ أي على تفسير الإحساس الذاتي تفسيرا موضوعيا، ومن هنا الصعوبة ~~الكبرى في ترجمة الشعر، والدين، والأدب؛ لأن هذه الثلاثة تتصل بالمعاني الذاتية التي يشق ~~على أبناء أمة أجنبية أن يفهموها؛ لأن البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها قد اختلفت ~~وأحدثت ms36 عواطف مغايرة لما كان في البيئة الأصلية التي وضع فيها الشعر والدين ~~والأدب. # وكلمة «الحب» واحدة، من مئات الكلمات الذاتية التي تتسع كل منها لجملة صور مثل: كلمات ~~الفهم، والجمال، والألم، والسرور، والحزن، والنشاط، والكراهة، والحنان، والمجد، والسعادة، ~~والإيمان، والتعقل، والوهم، والغيرة. # وهناك كلمات أخر نتوهم منها أنها موضوعية، ولكنها تحدث لنا إحساسات وانفعالات ذاتية؛ ~~فتلتبس معانيها وتختلف في دلالتها مثل: الديمقراطية، والحرية، والأوتوقراطية، والتعصب؛ ~~فإنها جميعها تدل على حالات نراها في شعب أو جماعة، وكان يجب أن تكون موضوعية ولكنا نقحم ~~إحساساتنا الشخصية فيها، فتعود وكأنها ذاتية. # فلو قيل لنا: إن الهندوكيين يكرهون البوذيين في الهند ويؤذونهم؛ استطعنا أن نفهم معنى ~~التعصب هنا ، ونحكم حكما موضوعيا نزيها؛ وذلك لأننا لسنا هندوكيين أو بوذيين، ولكن عندما ~~يقرأ المسلم تاريخ الحروب الصليبية؛ يجد نفسه مختلفا كل الاختلاف مع القارئ المسيحي؛ لأن ~~كلا منهما ينظر نظرا ذاتيا لمعنى التعصب. # الفصل الثالث عشر # | اللغة القديمة واللغة العصرية # كل من يعرف اللغة الإنجليزية؛ يدرك الفرق العظيم بين اللغة التي كان يستعملها «شكسبير» ~~حوالي سنة 1600، وبين اللغة الإنجليزية الآن، وهذا الفرق هو فرق النمو والتطور، فإن ~~اللغة الإنجليزية لم تجمد وتتحجر، ولم يلتمس الكتاب «جملا مختارة» من «شكسبير» كي ~~يزخرفوا بها إنشاءهم بل أخذت اللغة تتميز بالتنفية والتنقية حتى اختلفت اختلافا كبيرا عن ~~لغة شكسبير، مع أن المدة بينهما لا تزيد على 340 سنة. # ومما يذكر في تطور اللغة الإنجليزية أن الملك «جيمس» حين زار كنيسة «سان» بول الكاتدرائية ~~عقب انتهاء المهندس من بنائها؛ عبر عن إعجابه بهذه الكلمات # Amusing, Awful, ~~Artificial # فسر المهندس غاية السرور. ولكن هذه الكلمات قد انتقلت في ~~عصرنا من معنى الاستحسان إلى معنى الاستقباح والاستهجان، والاستهزاء. # وهذا هو التطور وهذا هو الرقي؛ فإن اللغة الحية التي يستخدمها مجتمع حي يجب أن تتطور، ~~ومحاولة تجميد اللغة والتزام عباراتها القديمة وكراهة إيجاد الكلمات الجديدة؛ إنما تعني: ~~تجميد الأذهان وعرقلتها في التفكير الناجع. # حين كنت أحرر في إحدى الجرائد كان بها شيخ مصحح ms37 يشرف على اللغة ويمنع تسرب الأخطاء، وكان ~~رجلا طيب القلب جامد الذهن، فكان يعارض في كلمة «ماهية» الموظف ويضرب عليها، ويضع بدلا ~~منها «مرتبا»، أو «أجرا» فكان المخبر الذي كتب الخبر يرى عقب طبع الجريدة أن وكيل الوزارة ~~أو رئيس القلم قد زيد «أجره» فيهرول إلى الشيخ ويصرخ ويهيج، ولكن الشيخ يصر على أن كلمة ~~«ماهية» لم ترد قط في المعاجم بمعنى «أجر» ولا عبرة باصطلاح الحكومة على المعنى الجديد ~~لها. # وهذا هو النظر الجامد للغة ولو أن كتاب العرب القدماء كانوا قد التزموا هذا الجمود لقصرت ~~اللغة في التعبير، ولكن في اللغة العربية أكثر من ثلاثة آلاف كلمة رومانية وإغريقية، ~~وفارسية وهذا زيادة على المعاني الجديدة التي ألحقت بالكلمات القديمة؛ فتخصصت الكلمة لمعنى ~~معين بعد أن كانت عامة، وهذا هو ما نفعل نحن الآن فقد خصصنا: # الدستور للنظام الأساسي للدولة. # والصحيفة للجريدة، أو المجلة. # والغارة لهجوم الطائرات. # والعلم للمعارف التي يمكن امتحانها بالتجربة أو ما يساويها في ~~التحقيق. # والإذاعة لما يصدر عن المحطات الإشعاعية. # والجامعة لمجموعة كليات مستقلة في ثقافتنا إلى حد ما ... إلخ. # وبهذا التخصص وبإيجاد كلمات جديدة مرنت لغتنا بعض المرونة، وخدمت مجتمعنا، ولكن مشكلاتنا ~~اللغوية لا تزال كثيرة، وما زلنا نلتزم عبارات مقتبسة يعافها الذهن الذكي، ومرجع هذه ~~العبارات تلك البلاغة العاطفية الانفعالية التي تعلمناها وغرست في أنفسنا قيمة مزيفة ~~للاستعارة والمجاز، فما زالت صحفنا مثلا تقول: # عرض على بساط البحث بدلا من عرض للبحث. # وخاض غمار القتال بدلا من «قاتل». # حمي وطيس القتال بدلا من «حمي القتل». # دارت رحى المعركة بدلا من «دارت المعركة». # وضعت الحرب أوزارها بدلا من «انتهت المعركة». # لتعزيز أواصر الثقة بدلا من «لتعزيز الثقة». # صب جام الغضب بدلا من «غضبه». # أطلق سراحه بدلا من «أطلقه». # نتجاذب أطراف الحديث بدلا من «نتحدث». # وقل منا من يقول: الحرب الضروس أو الموت الزؤام، ولكن العبارات السابقة التي ذكرت لا تزال ~~ترى كل يوم في جرائدنا على الرغم مما فيها من استعارات ومجازات يمكن أن ms38 نستغني عنها بل على ~~الرغم من أنها كلمات تحتاج إلى مجهود كبير لتفسيرها لصبياننا مثل: وطيس، أوزار، أواصر، جام، ~~رحى. # وفي استغنائنا عن هذه العبارات اقتصاد ذهني ومادي، ويجب ألا يفهم القارئ أننا نعارض ~~الاستعارة كائنة ما كانت، ولكنا نعارضها حين يمكن الاستغناء عنها فيكون الاقتصاد الذهني ~~والمادي كما يتضح من الأمثلة التي ذكرنا، إذ ألغيناها جميعا ولم ينقص المعنى، وأيضا حين ~~تعكس لنا مجتمعنا؛ فإن كلمات الوطيس والجام والرحى لا تتصل بمجتمعنا العصري كما كانت تتصل ~~بمجتمع العباسيين. وأولى من هذه الكلمات كلماتنا العصرية مثل: قطار، أو موطر، أو تليفون ~~الخ. # الفصل الرابع عشر # | المجتمع العربي القديم # خدمت اللغة العربية مجتمعين عربيين: أولهما المجتمع البدائي حين كان العرب قبائل يرحلون ~~وينتجعون، وقد ورثنا نحن من هذا الطور آلاف الكلمات عن الصحاري والإبل والخيل والغزو ~~والخيام، ولكنا لم نرث شيئا من هذا الطور يتعلق بالزراعة أو الصناعة أو الحكومة، ثم خدمت ~~اللغة مجتمعا عربيا آخر هو المجتمع الحضري، وإذا قلنا «المجتمع الحضري» فإننا نعني مجتمع ~~بغداد؛ لأنها كانت بؤرة الثقافة العربية نحو أربعة قرون، وكانت مدن مصر وسوريا والمغرب ~~والأندلس والحجاز تستوحيها وتستمد منها. # والمجتمع البدائي الأول لا نكاد ننتفع بتراثه اللغوي، أما المجتمع الحضري الثاني فهو ~~رأس المال الذي نستغله ونرجع إليه ونستمد منه، ولغتنا ما زالت هي لغته بكلماتها ~~ومعانيها مع تغيير قليل في المعاني وزيادات في بعض الكلمات. وقد خدمت اللغة هذا المجتمع ~~الخدمة الصادقة ولهذا السبب نفسه؛ أي لصدق الخدمة التي قامت بها اللغة للمجتمع العربي أيام ~~الأمويين والعباسيين والأتراك قد حملت كلماتها إلينا جوا غريبا عنا، ونحن نشعر بهذه ~~الغرابة حين نحاول وصف مجتمعنا ونبحث عن الكلمة «الجوية» التي تؤدي معنى نحتاج إليه في ~~السوق والبورصة والمكتب والمصنع والمداولات السياسية والحقوق المدنية والعلوم المادية، إلخ. ~~وحملت إلينا عادات ذهنية ما زلنا نستضر بها؛ لأنها لم تعد تتفق وحياتنا العصرية وإليك ~~شرحا موجزا. # كان المجتمع العربي أرستقراطيا يعيش بكد العامل أو بكد العبيد كما كان الشأن ms39 في ~~أوروبا مدة القرون الوسطى، وكان لذلك يحتقر العمل اليدوي، وكانت الطبقة المتوسطة ~~معدومة؛ ولذلك لا نستغرب اقتراح أحد الأدباء مدة العباسيين ألا يباع الورد للسوقة؛ لأن هذا ~~الزهر أجل من أن تتناوله يد العامل الخسيس ولا نستغرب أيضا أن يكون أوفى الكتب ~~الأدبية التي نعتمد عليها في تفهم المجتمع العربي القديم هو كتاب «الأغاني»، وفصوله هي ~~مجالس الأثرياء والخلفاء مع المغنيين والمغنيات واسم الكتاب وموضوعه يدلان على ~~أرستقراطية الأدب الذي نشأ لخدمة المجتمع العربي الأرستقراطي، ثم أرستقراطية اللغة التي ~~تعبر عنه. # ومجتمعنا الآن ديمقراطي أو نحن نحاول أن نجعله كذلك وننشد الديمقراطية في الحكومة ~~والعائلة والمدرسة، ولكن التراث اللغوي الأرستقراطي الذي ورثنا من العباسيين لا يساعدنا ~~على ذلك. # ثم كان هذا المجتمع حربيا فإن الصراع بين الدولة الرومانية والدولة العربية؛ أحال اللغة ~~إلى خدمة الحرب؛ فزكت الخطابة والشعر خطابة الحرب وشعر الحرب وكثرت كلمات العاطفة ~~والانفعال (الكلمات الذاتية)؛ لأن المجتمع العربي كان معسكرا يحتاج رجاله إلى ما يملأ ~~قلوبهم حماسة وقد ورثنا هذا التراث مع أن مجتمعنا سلمي يحتاج إلى كلمات السلم وليس إلى ~~كلمات الحرب. # كان المجتمع العربي القديم يعيش في ظل حكومة استبدادية لم تعرف قط معنى البرلمان أو ~~المجلس البلدي؛ ولذلك نحن نحمل عبء الكلمات العربية التي خدمت هذا المجتمع الاستبدادي ~~ونحاول تحميلها المعاني الديمقراطية الجديدة، أو نصطنع الكلمات الجديدة مثل «برلمان» لكي ~~تؤدي معنى لم تعرفه الثقافة العربية القديمة. # لم يكن المجتمع العربي القديم يعيش على المعارف والمنطق إلا في أقله وكان يعيش على ~~العقائد والغيبيات في أكثره؛ ولذلك يشق علينا في مجتمعنا أن نؤدي المعاني للمعارف المادية؛ ~~لأن لغتنا حافلة بكلمات الغيبيات والعقائد دون كلمات العلوم الجديدة. # والنتيجة لهذه الحالة أننا نجد صعوبات لغوية خطيرة كلما حاولنا معالجة المعارف ~~العصرية؛ لأن لغتنا قضت شبابها وهي تلابس مجتمعا أرستقراطيا حربيا عقديا؛ فكثرت ~~مصادرها اللونية التي تعبر عن حاجات هذا المجتمع، فكانت لغة الخطابة والشعر والغيبيات بل ~~لغة اللهو والأغاني والقتال، ولكنا نحن نختلف عن العباسيين ms40 والأمويين من حيث إن حضارتنا قد ~~صارت تنشد الديمقراطية وتنهض على الصناعة وتعتمد على المعارف والماديات دون العقائد ~~والغيبيات، ومن هنا صارت البلاغة القديمة بلاغة الإدارة تعبر عن شهوات ورغبات وليست ~~بلاغة المنطق التي تعبر عن العقل والذكاء كما حفلت اللغة برواسب من الكلمات التي لا ننتفع ~~بل نستضر بها كلما حاولنا تحريك المجتمع؛ لأن التحريك يعد هنا تعكيرا. # الفصل الخامس عشر # | الكلاسية داء الأدب العربي # كل لغة تحتاج إلى شيء من الكلاسية نعني النزعة التليدية، حين يتصل الأديب بأسلافه من ~~الأدباء يتذوق مؤلفاتهم وينغمس في أمانيهم ومثلياتهم، ويقتني بذلك التراث الذهني السابق، ~~وفي كل عصر نجد الكاتب الذي ينزع إلى تليده والكاتب الذي ينزع إلى طريفه، وهما ليسا خصمين ~~ولكنهما متعارضان، وقد ينتفع أحدهما بالآخر؛ إذا لم يكن الفرق بين الطارف والتليد عظيما ~~كما يكون أحيانا أيام الثورات والانفجارات الاجتماعية، ففي هذه الأيام تتقهقر النزعة ~~التقليدية وتبرز النزعة التجديدية، ويحدث العكس أيام الاستقرار حين تقنع الأمة بالكلاسية ~~وتطمئن إلى التقاليد بل تتعلق بها وتخشى التجديد والتغيير، وبدهي - لهذا السبب - أن الكاتب ~~الذي ينغمس في الكلاسية؛ إنما يفعل ذلك لأنه يعيش في بيئة أدبية راضية عن التقاليد كارهة ~~للتجديد والكلاسية ليست في الواقع شيئا أكبر أو أصغر من التقاليد الفكرية ~~والأدبية. # لما كان «فولتير» في إنجلترا ذكر له أحد الناقدين الإنجليز قول «شكسبير» في رواية ~~هاملت: «فما تحرك فأر»، واستحسن الناقد هذا التعبير؛ لما فيه من بساطة، ولكن «فولتير» أجابه ~~بقوله: ماذا تقول؟ إن الجندي يستطيع أن يجيب هذه الإجابة في ثكنته، ولكن لا يجوز هذا على ~~المسرح أمام أسمى الأشخاص في الأمة أولئك الذين يتحدثون بلغة شريفة؛ ولذلك يجب ألا ~~يجدوا مثل هذه اللغة عندما يستمعون. # وكان «فولتير» هنا كلاسيا تليديا ينشد الفخامة والروعة في الكلمات وكان قد ترك فرنسا ~~الملوكية الرجعية التي يتلألأ فيها عرش «لويس الرابع عشر» أو الخامس عشر تحيط به نجوم من ~~النبلاء والأمراء والسيدات المزينات بالآلي التي جمعت أثمانها من أقوات الملايين من ~~الشعب. ms41 # عاش «فولتير» في هذا الوسط ومع أنه ثار عليه بعد ذلك فإنه كان قد تلبس بمزاجه ونزع نزعته، ~~فكان الكاتب التليدي كما كان «جان جاك روسو» الكاتب الطريفي وأوروبا لا تزال إلى الآن في ~~مشكلاتها ومثلياتها تستنير بضوء روسو، فهي ثائرة متغيرة لم تستقر. # ولكن إنجلترا التي زارها «فولتير» والتي ألف فيها «شكسبير» ولم يأنف من ذكر الفأر في ~~درامة عالية مثل: «هاملت»، إنجلترا هذه لم تكن رجعية؛ إذ لم يكن فيها عرش مستبد كالعرش ~~الفرنسي، وكانت قد استقرت فيها الحرية والبرلمانية بعد قطع رأس «تشارلس الأول» ثم كانت ~~الحركة التجارية قد أوجدت فيها طبقة متوسطة طريفية يحضر أفرادها دور التمثيل وكل هذا جعل ~~الوسط الأوروبي غير تليدي . # وداء اللغة العربية في جميع الأقطار العربية هو داء الكلاسية الرجعية التليدة، وليس هذا ~~الداء جديدا؛ فإننا نجد أثره مثلا حين نقرأ عن رفض إحدى قصائد «أبي نواس» وهو المجدد ~~العظيم في مباراة أدبية - على ما نذكر - وكذلك لما دخل «جنكيز خان» بغداد ألغى كلمات ~~التفخيم التقليدية وألح في وجوب التبسيط اللغوي. وهنا يقول ابن عرب في كتابه «فاكهة ~~الخلفاء»: «فكان في المكاتبات ... لا يزيد على وضع اسمه ... من غير مجازات واستعارات ... وكذلك ~~الأمراء والوزراء ... ولما فرغ من ترتيب هذه القواعد الملعونة وخرج بها على خلاف الشريعة ~~الميمونة ...» إلخ ... إلخ. # فنحن هنا إزاء رجل مغولي دخل الأقطار العربية وليس له فيها تقاليد اجتماعية أو دينية ~~أو أدبية، فعمد إلى تبسيط اللغة فلا حضرة ولا جناب كما يقول مؤلف «فاكهة الخلفاء» الذي ~~يحنق إلى درجة أنه يجد في هذا التغيير في اللغة مخالفة «للشريعة الميمونة» أي: أنه لم ~~يختلف هنا عما يقول الدكتور «زكي مبارك» حين ألف كتابه عن «اللغة والدين والتقاليد»، ~~حيث يرى الارتباط بين الثلاثة وحيث يكره أشد ما يكره حرية المرأة حتى إنه ذكر أنها تستحق ~~الضرب بالحذاء على رأسها وأن والده كان يفعل ذلك بزوجاته، وهو هنا ينساق فيما يتوهمه من ~~تقاليد عربية. # وحين أسست الحكومة المصرية مدرسة «دار ms42 العلوم» وقصرت الملتحقين بها على المسلمين دون ~~المسيحيين أو اليهود؛ إنما نظرت أيضا هذه النظرة؛ أي أنها رأت ارتباط اللغة بالدين ~~والتقاليد فاللغة عند زكي مبارك وابن عرب والحكومة المصرية؛ ليست لغة الديمقراطية ~~والأتومبيل والتليفزيون، بل هي لغة القرآن وتقاليد العرب، ولا بد أن ابن عرب يفرح ويطرب لو ~~أنه بعث في عصرنا حين يجد أننا خالفنا «جنكيز خان» «الذي ~~كان في المكاتب ... لا يزيد على وضع اسمه ... من غير مجازات واستعارات»؛ ذلك لأننا نقول الآن ~~صاحب المعالي وصاحب السعادة ... إلخ ... إلخ. # وخلاصة القول أن الداء الأصيل في اللغة العربية هو الكلاسية التليدة، وهي لذلك لا تكتسب ~~طريفا؛ لأنها قانعة بتليدها، وهذه حال يجب ألا نرضاها نحن؛ لأنها تحول دون أن نكون أمة ~~عصرية. وصاحب المعالي وصاحب السعادة وضرب المرأة بالحذاء على رأسها؛ لن ينجينا من مثل ~~(جنكيز خان) بأسلوبه العصري، ويستطيع القارئ الذكي أن يرد هنا بأنه عندما يتغير الوسط ~~الاقتصادي يتغير الوسط الاجتماعي؛ أي عندما نصير أمة صناعية؛ لا بد أن تتغير اللغة وتقبل ~~الطريف. # وهذا صواب، ولكن قبل ذلك يجب أن نعرف لماذا نكره إلغاء الإعراب وتبسيط التعبير (فأر ~~شكسبير) واصطناع اللغة العامية؛ كي نعبر الهوة التي تفصل بين الأدب والشعب واتخاذ الخط ~~اللاتيني، وأيضا حرية المرأة. # الفصل السادس عشر # | الإيحاء الاجتماعي للكلمة # في 1870 كانت فرنسا يتسلط عليها الإمبراطور نابليون، وكان مفكروها يكرهون النظام ~~الإمبراطوري ويطلبون إلغاء العرش وإعادة الجمهورية، فكان مما كتبه الأديب الكبير فلوبير ~~قوله: إن الشعب الفرنسي يتعلق بالإمبراطورية؛ لأنه مخدوع باسم نابليون؛ أي أن اسم نابليون ~~الأول قد ترك في التاريخ رنينا ودويا كانا لا يزالان يجدان الصدى في النفس الفرنسية؛ ~~ولذلك فإن كلمة «نابليون» كانت توحي إلى الشعب حبا وتعليقا في غير مكانهما؛ لأن ~~نابليون الثالث لم يكن يستحقهما سنة 1870. # وفلوبير على حق؛ فإن للكلمات إيحاء سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا، فما هو أن ننطق ~~بالكلمة أو تخطر هي ببالنا حتى تنطلق طائفة من العواطف تحرك إرادتنا وتعين سلوكنا ~~وتفكيرنا، وقد ms43 سبق أن قلنا: إن كلمات الدم والانتقام والثأر تحدث ثلاثمائة جناية في الصعيد ~~كما أن كلمتي شرق وشرقيين تحدث بين بعضنا صدودا عن الحضارة العصرية كأننا في حرب مع ~~الأوروبيين وإن هذا الصدود يؤذينا في تطورنا ولا يزال عندنا من الكلمات والعبارات ما يوحي ~~إلينا إيحاء سيئا يتعارض مع الروح الديمقراطي الذي نرجو أن نعممه في المجتمع والحكومة ~~والعائلة ومن ذلك مثلا قولنا «أبناء البيوتات» أو «حرم فلان» أو «أم فلان». # ولكل كلمة إيحاؤها الذي يقوى أو يضعف وكثيرا ما ينعدم التفكير؛ لانعدام الكلمة، فإن ~~المبشرين الذين عاشوا بين القبائل البدائية أو المتوحشة في أفريقيا السوداء كانوا يجدون ~~مشقة عظيمة بل أحيانا استحالة في شرح الديانة المسيحية؛ لأن لغة هذه القبائل لم تكن ~~تحتوي كلمات تدل على الله أو الجنة أو جهنم أو النعمة أو المجد أو الصدق. # وكثير من فضائلنا ورذائلنا معا يرجع إلى الكلمات، فلو لم تكن هناك كلمتا الصدق والكذب ~~لكان من الشاق علينا أن نفهم معنييهما، وكلمة «الشماتة» توحي إلينا أسوأ العواطف. # واعتبر مثلا أيها القارئ طبيبا وحشاشا يتحدث كل منهما عن الأعضاء التناسلية، فالأول ~~يذكر كلمات لا تحرك عاطفته أو تهكمه أو سخريته ولكنها تحرك ذهنه؛ لأنها كلمات يقصد منها ~~إلى المعارف؛ ولكن الحشاش يذكر كلمات توحي العاطفة الجنسية أو التهكم أو السخرية، ~~فالموضوع هنا واحد ولكن اختلفت معانيه باختلاف الكلمات التي تستعمل في وصفه. # وهنا يجب أن نذكر أن كثيرا من توجسنا من الحب واختلاط الجنسين؛ يرجع إلى أننا ~~نستعمل كلمات الحشاشين، سواء أكانت فصحى أم عامية في وصف هذه العلاقات الجنسية بدلا من ~~كلمات العلماء أو المثقفين؛ ولذلك كلما فكر بعضنا في الحب أو اختلاط الجنسين على ~~الشواطئ أو العري خطرت بذهنه كلمات توحي البذاء أو العهر؛ فيصد ويصرخ في دعوة إلى انفصال ~~الجنسين، فأحدنا المتعلم المثقف العصري حين يفكر في الاستحمام والشواطئ واختلاط الجنسين ~~تخطر بباله هذه الكلمات: الصحو، الأوزون، فيتامين، السباحة، هواء البحر المعقم، المؤانسة، ~~الرياضة، النحافة، الرشاقة. # وأحدنا الآخر غير ms44 المتعلم أو بالأحرى غير العصري؛ تخطر بباله هذه الكلمات: الأرداف، ~~الأكفال، البطن المتعكن، وصدر مثل حق العاج رخص. وكلمات أخرى تخطر ببال الحشاشين؛ فتؤدي إلى ~~تفكير الحشاشين ثم إلى الصراخ بالعيب والعار على الشواطئ، والحب نفسه يتكيف بالكلمات ~~التي تستعمل في وصفه أو شرحه بين المحبين فهو عهر بين الشاب وبغي، وهو كذلك بين الحشاش ~~وزوجته، ولكنه يرتفع إلى الطهر والشرف بين المثقفين الذين يستعملون الكلمات السامية ~~المهذبة لكل ما يتصل بأعضاء الخلود البشري. # والإيحاء الحسن من الكلمات كثير أيضا، فانظر إلى قولنا: «الروح الرياضي»، وكيف تؤثر هذه ~~العبارة كالسحر وتبعث عاطفة حسنة في الشاب حين يجور أو يغضب، وانظر إلى قولنا: يجب أن ~~تكون (جنتلمانا)؛ فإن هذه الكلمة الإنجليزية تجمع من المعاني ما لم نوفق نحن ولا غيرنا - ~~مثل الفرنسيين أو الإيطاليين - إلى ترجمته بإحدى كلماتنا؛ ولذلك استعملت في اللغات ~~الثلاث. # ولما خرجنا نحن من ظلام القرون الوسطى وجدنا من المعاني في اللغات الأوروبية ما لم نجد ما ~~يقابله في لغتنا؛ فاخترعنا الكلمات التي تؤديها فقلنا: عائلة، وتطور، ووطنية، وشخصية، ~~ودستور، وثقافة، وعالمية، ومسئولية، وإخاء. # وهذه الكلمات أحاطتنا بجو حسن من التفكير العصري، يجعلنا نتابع تطورات العالم ~~ونفهم مشكلاته، ولم تكن لهذه الكلمات التي ذكرنا معرفة في لغتنا، أو كان بعضها معروفا ~~ولكنه لا يحمل هذه المعاني العصرية التي نلصقها بها مثل: ثقافة وإخاء ودستور نجدها في ~~المعاجم، ولكنا لا نجد لها معانيها العصرية. # واذكر أيها القارئ الجو السيئ الذي يبعث تفكيرا سيئا في صبياننا عندما يركبون الترام أو ~~يسيرون في الشارع؛ فيسمعون الباعة الجائلين يشتم بعضهم بعضا بذكر الأعضاء التناسلية ~~بكلماتها الفجة؛ فإن الصبي ينشأ وقد تلبس بالمعاني الفجة التي لهذه الكلمات، وهو عندما يبلغ ~~الشباب يجد أن علاقته بالمرأة مكيفة مصوغة إلى مدى بعيد بهذه الكلمات، وهو يشقى ~~بهذا. # والصبي حين يقرأ المجلات الأسبوعية تعلق بذهنه كلمات من النكات الجنسية تعين له السلوك ~~الجنسي في المستقبل أو تؤثر فيه؛ ذلك لأن لكل كلمة إيحاءها الذي يندس في ms45 العقل الباطن ويكون ~~لنا عادات في التفكير والأخلاق، ويجب لهذا السبب أن نحيط أبناءنا بالكلمات المثلى التي تبعث ~~التفكير الحسن كما يجب علينا نحن الكبار ألا نستسلم لإيحاء الكلمة، بل ننظر من خلالها ~~إلى المعاني المختفية التي لا تتفق والحقائق فنميز بين الكلمة الذاتية وبين الكلمة ~~الموضوعية، وليس هذا بالمجهود اليسير، وقل منا من ينجح فيه، ومعظمنا ينجح في الكشف عن ~~قليل من الكلمات وتحري محتوياتها من غموض أو وضوح ومن خير أو شر؛ ذلك لأننا نتسلم الكلمات ~~منذ الطفولة، فننشأ على تصديق ما يقول به العرف عنها، ثم نقبل ما تبعثه فينا من عواطف؛ ~~فإذا شببنا أخذنا غيرها من الكلمات، وبقدر ما عندنا من ذكاء ناقد تكون قدرتنا على التخلص ~~من بعض إيحاءاتها. # وذكاؤنا الناقد محدود بالعمر، والكلمات غير محدودة؛ إذ هي تراث آلاف السنين. # الفصل السابع عشر # | الأقوال أفعال # من الأوصاف المألوفة أن نقول عن أحد الزعماء أو السادة إنه «رجل أقوال وليس رجل أفعال». ~~وأحيانا نسمع من ينبهنا إلى أن الكلام غير العمل، وقد كان نابليون نفسه يصف الأدباء ~~بأنهم «تجار الكلمات»، «ولأبي تمام» شطرة من بيت كثيرا ما تذكر هي «السيف أصدق أنباء من ~~الكتب». # والواقع أن أبا تمام لم يقل كلمة هي أبعد عن الصحة والحقيقة من هذه الشطرة؛ لأن ~~السيوف لا تتحرك إلا للكلام الذي سبقها، والكلام هو القوة الروحية المتسلطة، والسيف هو ~~القوة المادية الخاضعة، أليس من الواضح أن السيوف إنما جردت في حروب العرب ~~والرومان لأن كلا منهما كان يفكر بكلمات تحمل قوات ذهنية وروحية ونفسية تختلف مما كانت ~~تحمله الكلمات الأخرى عند الفريق الآخر؟ # ثم انظر إلى نابليون، لقد ضاع كل ما فتحه بالسيف في أوروبا وأفريقيا قبل أن يموت، أما ~~الكلام الذي رتبه في «قانون نابليون» فلا يزال حيا إلى الآن، ولو أن نابليون عني بالكلمات ~~ولم يحتقرها؛ لكان إلى جنب سيوفه ومدفعه دعاية لمذهبه الجديد في الحكم من حيث اتحاد أوروبا ~~وإلغاء النظام الإقطاعي، ولكنه أهمل هذه الدعاية؛ ولذلك ms46 استطاع أصحاب الكلمات القديمة ~~بزعامة «مترنيخ» أن يفوزوا عليه، وأن يطفئوا نور العصر الجديد إلى حين. # ونحن البشر نختلف عن الحيوان من حيث إن أحسن أعمالنا هو أقوالنا؛ أي هو كلماتنا التي ~~نعين بها المبادئ والمثليات ولقد فتح الإسكندر الدنيا المعروفة في زمنه فما هو أن مات حتى ~~تشتتت، ولكن أستاذه أرسطو طاليس رب الكلمات لا تزال كلماته حية بعد 2200 سنة من ~~وفاته. # وقد خابت الحرب الكوكبية الأولى؛ لأن عدتها من الكلمات كانت أقل من عدتها من السيوف ~~والمدافع، فلما انتهى عمل السيوف والمدافع وهزمت ألمانيا وجاء السلم لم تجد كلمات «ولسون» ~~الجو الملائم لنموها؛ فذبلت وماتت أمام الأعشاب التي زرعها «كليمنسو» «ولويد جورج» ولو ~~أن كلمات ولسون نجحت ووصلت إلى قلوب المتمدنين، ولو أنها كانت قد عبئت بالقوة التي ~~عبئت بها السيوف والمدافع؛ لثبت السلم وعم العالم، وما كنا عندئذ لنقع في هذه الحرب ~~الكوكبية الثانية. # وقد احتاج هتلر إلى نحو عشرين سنة وهو يعبئ الكلمات ويشحنها بشحنات عاطفية قوية تحمل ~~الشعب الألماني على التهيؤ الروحي للصراع الذي ابتدأ في أول سبتمبر من سنة 1939، وأنا ~~أكتب الآن (في إبريل سنة 1944) وقد خسرت ألمانيا شيئا عظيما جدا من قوة السيوف ~~والمدافع، ولكن قوة الكلمات النازية لا تزال تدفعها إلى المقاومة. # وما المثليات والمبادئ إلا الكلمات بل ماذا أعطانا الدين غير الكلمات كأن كل كلمة شعارا ~~أو مبدأ نبني عليه خطط الحياة؟ وهل نسي أبو تمام أن المسيحية تركت كتابا وأن الإسلام ترك ~~كتابا وكذلك فعلت سائر الأديان وأن هذه الكتب أصدق أنباء من السيوف؟ ومن منا ينسى ~~الكلمات الثلاث: الحرية المساواة والإخاء هذه الكلمات التي أحدثت الثورة الفرنسية وغيرت ~~المجتمع في أوروبا ولا تزال تغير مجتمعات أخرى في غير أوروبا، وميزة الأعمال التغيير ولكن ~~هذه الميزة نفسها تلصق أيضا بالأقوال؛ لأنه ما من كلمة نقولها في المجتمع إلا وتحدث ~~تغييرا. # كان أبو تمام شاعرا عربيا وكان «ملتون» شاعرا إنجليزيا وقد قال الأول كلمته الكاذبة ~~البشعة: # السيف أصدق أنباء من ms47 الكتب # وقال الثاني: «من يقتل إنسانا طيبا فإنما يقتل مخلوقا عاقلا هو صورة الله، ولكن من ~~يهلك كتابا طيبا؛ فإنما يهلك العقل نفسه وكأنه يضرب صورة الله في عينها ... إلا أن الكتب ~~ليست أشياء ميتة على الإطلاق؛ إذ هي تحتوي قوة الحياة لأن تنشط كتلك النفس التي هي ~~(الكتب) من سلالتها». # والحرب القائمة هي حرب بين كلمتين: الديمقراطية والفاشية، أجل إن هناك أقولا ليست ~~أفعالا وهناك ميتة هي تلك التي تنفصل من المجتمع وتعتكف في معبد أو في كتب قديمة لا ~~يقرأها الشعب؛ ذلك لأن أخص خصائص اللغة هو اجتماعيتها فإذا لم يتكلم بها الشعب ولم يجر ~~التفاعل بينه وبينها؛ فقدت قيمتها العلمية ولم تعد الأقوال أفعالا. # ولغتنا العربية من ناحية العلوم ميتة؛ ولذلك نحن لا نعيش المعيشة العلمية، ولا يتحرك ~~مجتمعنا التحرك العلمي الذي تقتضيه معارف البيولوجية والكيمياء والسيكولوجية إلخ. وكذلك يعد ~~أدبنا ميتا؛ لأنه ليس أدب الشعب بل عامة الشعب وملايينه إذ يكتب بلغة لا تفهمها هذه ~~الملايين. # وحيوية اللغة تقاس بقدر ما فيها من أفعال وأفعالها تقاس بقدر تفاعلها مع المجتمع ~~الذي ينطق بها، فاللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية أكثر أفعالا من اللغة العربية؛ ~~لأنها أكثر تفاعلا مع المجتمعات التي تنطق بها وأكثر اتصالا بالعلوم العصرية التي تتحرك ~~بها هذه المجتمعات. # الفصل الثامن عشر # | الذكاء واللغة # ليس هذا مقام البحث عن الكلمات هل هي أصل التفكير أم التفكير أصل الكلمات، واعتقادنا أن ~~التفكير ممكن بلا كلمات ولكن في صورة بدائية مضطربة كما نفكر في الأحلام، وواضح أن ~~أحلامنا حين تكون على مستوى خامد راكد بالنوم تجري بلا كلمات صورة تأخذ مكان صورة ومنظرا ~~يتلو منظرا. # ونحن الكتاب كثيرا ما نجد - عندما نحلل تفكيرنا - أنه ينبعث ويتصل بالكلمات. ومما لا شك ~~فيه أن هناك بين المتوحشين والبدائيين أذكياء من الطراز الأول ولكن ذكاءهم يبقى عقيما؛ ~~لأنهم حين يفكرون يجدون تفكيرهم محدودا بالتراث اللغوي المحدود الذي ينطقون ويفكرون ~~بكلماته، واللغة لهذا السبب هي أعظم المؤسسات الاجتماعية في أية أمة؛ لأنها ms48 الوسيلة لتحريك ~~الذكاء في أبنائها ولتوجيه أخلاقهم بكلماتها التي تعبر عن المعرفة أو العقيدة أو الحكمة، ~~ومن المحال أن تطمع الأمة في أديب من أبنائها إذا كانت لغتها غير أدبية كما أنه من المحال ~~أن تطمع في عالم إذا كانت لغتنا غير علمي. # والفرنسيون معرفون بالمنطق والوضوح والدقة في تفكيرهم واعتقادنا أن هذه صفات لغتهم ~~أكثر مما هي صفات أذهانهم، فإنهم من حيث السلالة لا يختلفون عمن حولهم من الأمم ~~الأوروبية، ولكن اللغة الفرنسية تحتوي كلمات وعبارات في غاية الوضوح والدقة بحيث إن ~~المعنى يبرز بأكثر مما في أية لغة أخرى؛ ولذلك كثيرا ما نجد الكاتب الانجليزي يعبر في ~~غضون إنشائه بكلمة أو عبارة فرنسية يحس أن كلمات لغته لا تؤديها. # وعناية الفرنسيين بتعليم لغتهم في المدارس تفوق أية عناية تبذلها أمة أخرى في تعليم ~~لغتها لأبنائها، ويجب لذلك أن تكون الرسالة التعليمية الأولى لأية مدرسة مصرية هي تعليم ~~اللغة العربية، وأن تكون غاية هذا التعليم إيجاد الكلمات التي تحرك ذكاءنا بالتفكير الحسن، ~~وأن يكون هدف المعلم ليس العبارة الجميلة بل الكلمة الناجحة التي لا يمكن أن تقوم مقامها ~~كلمة أخرى. # ولهذا يجب أن نتجه نحو الأسلوب الاقتصادي المضغوط؛ فنقاطع المترادفات ولا نحمل التلميذ ~~عبء كلمات لا ينتفع بها في تفكيره العصري؛ فإن من يدرس ديوان المتنبي يجد فيه نحو ألف كلمة ~~جديدة غير مألوفة في الصحف أو الكتب العصرية. ولكن هذه الكلمات لا يمكن للشاب المصري أن ~~ينتفع بها في عصرنا؛ لأنها تصف مجتمعا حربيا يخالف مجتمعنا، وهي لا تحرك ذكاءنا أو تحدد ~~المعاني لمعارفنا، كما أنها لا تكسبنا الاتجاه الأخلاقي أو الفلسفي. # وفي هذا القرن العشرين الذي نعيش فيه تحتاج كل لغة متمدنة إلى أن تحوي الكلمات ~~الاجتماعية البارة التي توجه نحو الخير والكلمات العلمية والفنية التي تصف وتعالج مائة ~~وعشرين علما وفنا ومجتمعنا يجب أن يكون - في أكثره - مجتمع المعارف والمنطق وفي أقله ~~مجتمع العقائد والعاطفة؛ ولذلك يجب أن تحوي كل لغة كلمات المعرفة الدقيقة التي لا ms49 تلتبس ~~مع كلمات أخرى حتى إذا فكرنا بها سار تفكيرنا على مستوى الذكاء الذي يمكننا من أن نعيش ~~المعيشة العلمية في مجتمع علمي. # وخلاصة القول أنه يجب علينا: ~~(1) # أن نعنى أكبر العناية بتعليم أبنائنا لغتهم الوطنية؛ لأنها وسيلة التفكير ~~التي تحرك ذكاءهم وهي - لذلك - أثمن مؤسساتنا. ~~(2) # أن تكون البلاغة بلاغة المنطق والمعرفة، بدلا من بلاغة الانفعال والعقيدة ~~كما يجب أن نتوقى المترادفات والكلمات الملتبسة، وأن نميز بين الكلمة الذاتية ~~والكلمة الموضوعية. ~~(3) # أن يتأنق التلميذ في تعبيره، ولكن تأنق الذكاء وليس تأنق البهرجة ~~البديعة. ~~(4) # أن يحس المشرفون على اللغة أن كل تقصير في إيجاد الكلمات التي تؤدي إلى الفهم ~~العلمي؛ إنما هو تعطيل لتطور الأمة. ~~(5) # أن نذكر أنه على قدر ارتقاء اللغة ووفرة كلماتها ودقة معانيها؛ يكون الانتفاع ~~بذكاء أبناء الأمة. # الفصل التاسع عشر # | كلمات تبني الأخلاق # للكلمات إيحاء اجتماعي للخير أو الشر، وكثير من الكلمات يحمل شحنة عاطفية انفجارية ~~للشر مثل: كلمة «دم» في الصعيد أو للخير مثل كلمة «مروءة» في أنحاء العالم العربي. وفي ~~اللغة العربية كلمات مثل: المروءة والبر والشهامة والفتوة والمجد وهي تحف لغوية يجب أن ~~نقتنيها في بيوتنا ونعتز بها ونعرضها على أبنائنا ونتحدث عنها، وما أسماها من كلمات، كل ~~منها بمثابة المؤسسة الاجتماعية التي تبعث الخير وتعمم الشرف أينما وجدت. # وإذا كانت المجتمعات العربية القديمة قد قصرت في فن الحكومة؛ لأنها لم تعرف البرلمان ~~أو المجلس البلدي فإن هذه الكلمات قد استطاعت في أحايين كثيرة أن توجد المجتمع البار وأن ~~تقيم العدل مكان الظلم وأن تحمل على الطموح والتطلع إلى السماء وأربع من هذه الكلمات ~~الخمس أو على الأقل ثلاث لا يمكن ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. # ولست أقصد هنا من الترجمة أن نجد الكلمة التي يدل اشتقاقها في الإنجليزية على أنها ~~ترادف العربية، بل أقصد الجو الاجتماعي الذي تحدثه كلمات مثل المروءة أو الفتوة أو ~~البر، فإني أجزم بأن اللغة الإنجليزية لا تستطيع التعبير عنها ولو كانت لغتنا تحوي ~~خمسين من هذه الكلمات - بل التحف ms50 الغالية - لكان في مقدورنا أن نبني بها أخلاق الأمة ونعين ~~لها النفسية التي تعيش بها في سعادة ورفاهية. # ولو كانت الأمم العربية تكسب في كل مائة سنة كلمة جديدة لها هذه القوة في الخير؛ لصار ~~المجتمع العربي أسمى المجتمعات في التفكير العاطفي، وقد يمكن للسيكولوجي أن يقول: إن ~~هذه الكلمات إنما عبأت هذه العواطف السامية؛ لأنها كلمات تعويضية؛ أي أن المجتمع العربي في ~~القرون الماضية لما كابد من مظالم حكوماته قد تقوض بهذه الكلمات من هذه المظالم؛ فأقام ~~عدلا اجتماعيا مكان الظلم الحكومي أو إلى جانبه. # انظر كلمة «مروءة» وما تحمله إلينا من المعاني السلبية والايجابية التي تكف وتغري فليس من ~~المروءة ألا نغيث السائل المحتاج أو نخون الأمانة أو ننكث العهد ولكن من المروءة أن نتجاوز ~~عن حقوقنا عند المحتاجين وأن نتصدق حتى ولو كنا مخدوعين وأن نعين العاجز ونسعف الملهوف قال ~~الزمخشري: «المروءة هي كمال الرجولة» وقال المصباح: «المروءة آداب نفسانية تحمل مراعاتها ~~الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات.» # ولكن أين تعريف المعاجم هذا الجامد مما يعرفه جمهورنا عن هذه الكلمة السامية؟ فإن ~~أحدنا ليقول: «دعك من هذا الرجل فإنك لن تجد عنده مروءة.» وكأنه قد حكم عليه بالإعدام ~~المدني واذكر أيها القارئ: كم من موقف قد احتشدت فيه الدنايا والخسائس وطغت فيه الظلمات ~~الحيوانية على الروحية الإنسانية وإذا بهذه الكلمة ينطق بها واحد؛ فتنفجر منها القوة للخير، ~~فيخسأ الظلم وينهزم العدوان ويخفت صوت الحيوان ويعلو صوت الإنسان ثم انظر إلى كلمة «بر» ~~ونحن نقول في أيامنا البر الاجتماعي ولكن في المعني الأصلي هو البر بالوالدين علاقة عائلية ~~حميمة ما أشرفها وما أجملها. # أو انظر إلى كلمة الفتوة؛ فإن هذه الكلمة لما حملته من المعاني البارة؛ بعثت أفرادا في ~~المجتمع العربي على تأليف جمعيات للخير والشهامة والمجد؛ فكان منهم «فتيان» يخدمون الفضيلة ~~ويرفعون أنفسهم إلى مستوى عال من السلوك والأخلاق. قال الزمخشري: «الفتوة هي الحرية ~~والكرم.» وحسب كلمة أن يكون بها من القوة الانفجارية للخير؛ أن ms51 تتألف الجمعيات ~~بإيحاء لفظها. # فهذه كلمات ثلاث خدمت المجتمع العربي، وعينت له أهدافا من الشرف والسمو وبنت له من ~~الأخلاق التي كان الحكم الجائر يهدمها، وكما قلت، لا يمكن ترجمة هذه الكلمات إلى اللغة ~~الإنجليزية؛ لأن لكل منها معنى حميما يتصل بالمجتمع أو العائلة في جونا العربي فإذا ~~أضفت إلى هذه الكلمات كلمات أخر مثل: المجد والشهامة والنخوة؛ عرفت قيمة هذه الكلمات ~~التي يعد كل منها شعارا يهتدي به الفرد في مجتمعه ويجد الاتجاه السديد نحو ~~الملائمة الاجتماعية. # ومهمة الأديب أن يوجد مثل هذه الكلمات في لغته؛ لأنه عندئذ ينقل الجزاءات من المحكمة ~~والسجن إلى المجتمع والضمير، فالشاب الذي انغرست فيه معاني هذه الكلمات وما يقاربها لا ~~يحتاج إلى أن ننصب له الميزان الأخلاقي بالقوانين والمحاكم؛ لأن هذه الكلمات قد أقامت ~~هذا الميزان في ضميره، فالدافع والوازع معا داخليان هنا بالضمير، وليسا خارجيان ~~بالمحكمة والقانون. # وليست الكلمات سواء؛ فهناك من الكلمات ما نستعمله؛ فنرتفع فوق أنفسنا في الذكاء أو ~~العاطفة، بل أكثر من ذلك؛ فإني أكاد أقول إن بعض الكلمات يجعل الناس أذكى مما يتوهمون، ~~كما أن هناك كلمات تجعلهم أشرف وأشهم مما يحسون، وقد تكون الكلمات أربطة ~~اجتماعية تضمد وتجمع كما تكون سموما تفكك المجتمع وتنساب فيه شرورا. # الفصل العشرون # | الكلمة شعار # في الفصل السابق ذكرت بضع كلمات عربية قديمة يصح أن يكون كل منها شعارا ينضوي إليه ويعمل ~~به كل شاب بل يصح أن تؤلف الجمعيات للدعوة إلى المبادئ التي تقول بها، فنقول: «جمعية ~~المروءة» أو «جمعية الشهامة» وندعو الشبان والفتيات إلى اتخاذ المبادئ التي تنطوي عليها كل ~~من هذه الكلمات وأي شيء هو أثمن في أية لغة في العالم من أن تحمل كلماتها أو بعض كلماتها ~~كالمبادئ الاجتماعية السامية التي تنظم بها المجتمع ويسير بها أفراده عفو قلوبهم سيرة ~~الشرف والاستقامة والطيبة؟ # والأمة المتطورة تحتاج إلى كلمات جديدة تحمل لها الهداية العصرية والأهداف الاجتماعية، ~~كلمات تمتاز بالإيحاء الذي يحيل المجتمع الموات إلى مجتمع حي يقظ كلمات يحس ms52 الفرد نشوتها ~~بل يتأثر بكيميائها. # ويجب أن أقول: إننا نحن في مصر قد قطعنا شوطا كبيرا في هذا الميدان؛ فاخترعنا الكلمات ~~التي توجه وترشد، وكان من حظي أن أقوم بنصيب حسن في هذا الميدان، انظر إلى كلمات: وطنية، ~~عائلة، شخصية، مجتمع، ثقافة، تطور، عالمية، تجديد، رجعية، ثورة؛ فإنها جميعها كلمات حيوية ~~تؤدي وظائف فسيولوجية في المجتمع الحي، وليس في المعاجم العربية ما يشير إلى معانيها ~~العصرية، ولكننا نحن وضعناها أو ألصقنا معنى جديدا بكلمة قديمة كما فعلنا في «ثورة» فإن ~~الكلمة المألوفة في كتب العرب هي «فتنة» وهي كلمة كريهة تدل على شعور السادة الغاضبين ولا ~~تدل على شعور الشعب الناهض، فالمؤرخ الذي يكتب عن الثورة الفرنسية إذا كان ملوكيا ؛ فإنه ~~يصفها بأنها «فتنة باغية» على العرش والبلاد، وإذا كان ديمقراطيا ~~فإنه يصفها بأنها «ثورة عادلة» قام بها الشعب الفرنسي ~~في انتقام اجتماعي خطير واستعمالنا «ثورة» بدلا من «فتنة» يحلل معنى اجتماعيا ~~ساميا. # وقد وضعنا نحن «وطنية»؛ لكي نقرر بها إحساسا جغرافيا جديدا يناقض الإحساس الثيوقراطي ~~القديم الذي كان يعم العالم العربي، بل أوروبا في العصور الوسطى. # وكذلك وضعنا «عائلة»؛ لكي ننقل بها نظاما أوروبيا لم يكن موجودا في بلادنا ولم ننجح، ~~ولكن في هذه الكلمة من القوة السيكولوجية ما يسير بهذا النظام رويدا نحو النجاح انظر إلى ~~كلمة «شخصية»، فقد ألفت أنا كتابا عن هذه الكلمة وهي من الكلمات التي تخصب المجتمع وتحفز ~~الفرد إلى الرقي والتطور. # وفي كلمة «مجتمع» معني عصري لم يكن يستطيع الحاكمون في مصر أن يفهموه أيام محمد علي أو ~~المماليك حين كانت ميزات الثورة والحكم والقوة في أيدي الأتراك والأرنئوط دون ~~المصريين. # ولي أنا كتاب عن كلمة «تطور»، أما كلمة «ثقافة» فإني لم أنجح في كلمة أخرى نجاحي في ~~تعميمها، وكلتاهما - ثقافة وتطور - تعين أسلوبا للحياة عند الشاب وتفتح أبواب الرقي ~~والتجديد وتصد الرجعية والجمود. # وهناك عبارات مثل هذه الكلمات لها قوة التحريك الاجتماعي ويجب أن يكون اهتمام الأديب ~~بالإكثار منها حتى يألفها الجمهور؛ ms53 فينصبها أهدافا لكي يصل إليها أو يذكرها ويتحفز بها ~~إلى التجديد والرقي. # اعتبر ما أحاوله أنا من تسمية أعضاء التناسل: أعضاء الخلود البشري وما يحمله هذا ~~التعبير من المعنى السامي للحب. # أو انظر إلى قولنا: «الدولة الإيجابية»؛ أي الدولة التي تعمل للرقي والبناء، ولا تقتصر ~~على أن تكون سلبية؛ لكفالة الأمن العام فقط كما كان الرأي في القرن التاسع عشر، أو انظر ~~إلى قولنا «القحط ثمرة الوفرة»، فإن في هذه العبارة مفتاح الفهم السديد لنظام الإنتاج ~~الحاضر في أوروبا وأمريكا، أو انظر إلى قولنا: «الجوع الكيماوي» حيث يكون الشبع بالكم يحمل ~~الجوع بالكيف كما هي الحال في النقص الفيتاميني ينشأ بين الفقراء بل وأحيانا بين الأغنياء ~~فإن في هذه العبارة ما يبعث على الدراسة للقيم الغذائية. # أو انظر إلى قولنا: «أدب الكفاح وأدب التفرج»، وقيمة هذه العبارات في الأدب وعلاقته ~~بالمجتمع أو انظر إلى عبارة: «البيئة والوراثة في التربية»؛ فإن فيها ما يبعث على التفكير ~~والدراسة سنين عديدة، وقد كان يقال: إن لكل نبي رسالة. وهذا كلام حسن ولكن لم لا يكون لكل ~~«إنسان» رسالة في الخير والشرف والمجد؟ # هذه جميعها كلمات بل محركات اجتماعية كل كلمة منها شعار كأنه راية الجهاد للدفاع عن ~~الذكاء والأخلاق وللدعوة إلى الخير والرقي. # الفصل الحادي والعشرون # | فن البلاغة # من أسوأ الانحرافات الذهنية في الإنسان أنه يحيل الوسائل إلى غايات، فإن الناس يجمعون ~~المال وسيلة يصلون بها إلى غاية السعادة، وهذا هو الزعم بل الفهم العام، ولكن ما أن يشرع ~~أحدنا في جمع المال حتى ينسى الغاية؛ فيبقى طيلة حياته وهو في هذا الأسر؛ أي يجمع المال ~~وغايته المال لا أكثر، وكأن الحياة قد أصبحت وسيلة للمال وليس المال وسيلة للحياة. # وهذا الانحراف كثيرا ما نجده في شئون أخرى حين يقال: إن الأدب غاية الحياة أو ~~الثقافة أو الفن بل هناك مذاهب تقول: إن الدولة غاية وقبل نحو خمسين سنة شاع مذهب يقول: ~~«الفن للفن» بأن الفن غاية. # والواقع أنه ليس للحياة غاية سوى ms54 الحياة وكل ما عدا الحياة إنما هو وسائل للحياة، ~~فاللغة والأدب والفن والبلاغة إنما هي جميعها مسخرة في خدمة الحياة التي لها الاحترام ~~الأول والمكانة المفضلة فنحن نتعلم الفنون ونمارس البلاغة ونعنى بالثقافة؛ كي نصل في ~~النهاية إلى مستوى عال من الحياة، ولذلك لا نحتاج إلى أن نشرح للقارئ أن بلاغة الحياة أهم ~~وأخطر من بلاغة اللغة، وأن أسلوب الحياة أجدر بالأولية والتفضيل في التعليم من أسلوب ~~الكتابة وأن فن الحياة هو أشرف وأجدى الفنون على هذا الكوكب. # وإذا جعلنا الحياة الشريفة السعيدة هدفا نوجه إليه فنوننا وعلومنا وعقائدنا فإننا ~~نستطيع أن ننزع عن هذه جميعها تلك القداسة التي تحول بيننا وبين تنقيحها أو تغييرها، ~~ويعود عندئذ «فن البلاغة» فنا تجريبيا مثل جميع الفنون، ويتغير كما تغيرت، فليس هناك ~~شك في أن التغير أو التنقيح قد عم فنونا كثيرة في عصرنا مثل: الرسم أو النحت أو ~~البناء، ولكن فن البلاغة في اللغة العربية لم يتغير. # فحياتنا العصرية تختلف عن الحياة العربية قبل ألف سنة، فإذا كنا نسلم بأن فن البلاغة ~~يجب أن يكون في خدمة هذه الحياة العصرية فإنه يجب أن يتغير كي يخدمها، فلم يعد مجتمعنا في ~~حاجة إلى البهارج والزخارف البديعية نحطم رءوس أبنائنا بتعلمها أو ممارستها، ولكنا في حاجة ~~إلى أن نجعل البلاغة فنا للتفكير الحسن السديد وللأمة المصرية حق تطوري في هذا ~~التغيير. # ويجب أن نشرح غايتنا من البلاغة الجديدة: ~~(1) # فهي قبل كل شيء التفكير المنطقي السديد الذي يؤمن فيه الخطأ. ~~(2) # تحريك الذكاء وتدريبه بالكلمات. ~~(3) # أن نعرف كيف نستعمل الكلمات للتفكير التوجيهي. ~~(4) # أن نعرف كيف نستعمل الكلمات للتحريك الاجتماعي. # فأما القاعدة الأولى: وهي أن التفكير يجب أن يكون منطقيا فتقضي بدراسة كتاب موجز في ~~المنطق وإذا كان «اللورد هوردر» الطبيب الانجليزي ينصح كليات الطب في بريطانيا بتدريس كتاب ~~«جيفونز» في المنطق في السنة الأولى من الدراسة الطبية فإننا أحوج إلى مثل هذه النصيحة ~~في دراسة اللغة العربية في كلية الأدب أو في دار العلوم، ويجب أن ms55 تكون الكلمات موضوعا ~~لتدريب الذكاء اللغوي في التلميذ والطالب، ولن يستطيع مدرس اللغة أن يصل إلى ذلك؛ إلا إذا ~~كان موسوعي المعارف قد درس إحدى اللغات الأوروبية وأتقن علما عصريا. # وإلى هنا الفائدة سلبية، وهي أننا لا نقع في الخطأ والالتباس، ولكن يجب أن نتعلم اللغة ~~للفائدة الإيجابية، وهي الانتفاع بها في إيجاد الكلمات الموطرية التي تحرك الفرد ~~والمجتمع؛ أي: نعرف القيم السيكولوجية للكلمات وما فيها من شحنات عاطفية أو تنبيهات ذهنية، ~~فاللغة علم وفن، وهي علم من حيث إننا يجب أن نعرف كيف ننتقد المعاني وكيف نسبر المعاني ~~في الكلمة، وهي فن من حيث قدرتنا على استعمال الكلمات؛ كي تبعث التحريك الاجتماعي أو ~~التنبيه الذهني أو العاطفي في الفرد أو الجماعة؛ أي أننا نستطيع أن نعبئ الكلمات ~~للإصلاح. # في 1904 كنا قد وصلنا إلى أعمق هوة من الضعف الوطني، وكان يقال لنا إن بلادنا زراعية، ~~وإنها يجب ألا تتجه وجهة صناعية، وصدر في تلك السنة قانون يصف المصانع بأنها: «محلات مضرة ~~بالصحة أو مقلقة للراحة أو خطره.» # وإلى الآن لا يزال هذا القانون قائما، وإلى الآن لا يزال هذا هو وصف المصانع بل كلمة ~~«مصنع» لا ذكر لها في قوانيننا، فإذا كنت مصريا ناهضا قد تأملت الدنيا وعرفت أن ~~الرقي إنما هو صفة الأمم الصناعية وحملتك وطنيتك على أن تنشئ مصنعا في مصر؛ كي تربح ~~منه وتوفر للشبان عملا وللجمهور بضائع رخيصة؛ فاعلم أنك تؤسس محلا «مضرا بالصحة أو ~~مقلقا للراحة أو خطرا» وبعد أن تؤسس هذا المصنع سيأتيك موظفون من وزارتي الداخلية والصحة ~~وكل منهم مزود بعاطفة قد أحدثتها في نفسه هذه الكلمات: «مضر بالصحة مقلق للراحة خطر». ~~فهو ينظر إلى مصنعك وإليك بهذه العاطفة، ويجب ألا تنسى أنه لا يزورك مع ذلك موظف من وزارة ~~التجارة والصناعة. # تأمل أيها القارئ ماذا كان إحساسنا وأية عاطفة كانت تثار في نفوسنا لو أننا أسمينا ~~المستشفى: «محل يقتل فيه الناس أو تقطع أعضائهم أو يجرحون»؟ # فهنا مثال للفائدة التي نجنيها ms56 من الاستعمال الإيجابي للغة، فإذا شئنا أن نحب الأنكليس ~~فيجب ألا نسميه ثعبانا وإذا شئنا أن نحب المصنع ونحض الناس على اتخاذ الصناعة؛ فيجب أن ~~نختار له اسما إيحائيا مغريا، كأن نقول بدلا من العبارات السابقة: «كل من أسس محلا ~~مفيدا للأمة يزيد ثروتها ويوفر العمل لأبنائها ويرخص البضائع النافعة، إلخ». ألا ترى ~~القوة الموطرية في الكلمات؟ ألا ترى أن هذه الكلمات كانت ألبق وأشكل بوصف المصنع في عصرنا ~~الجديد؟ ألا ترى أننا هنا نجد الخدمة الاجتماعية العظمى من البلاغة الجديدة؟ # أجل إن المصانع في مصر يجب أن تعد مقياس الأمة كالمعابد سواء؛ إذ هي التي سوف تنقلنا من ~~الرقود الريفي إلى التحرك المدني فيجب أن تجد في قوانيننا ولغتنا الوصف الإطرائي المغري ~~بتأسيسها. # الفصل الثاني والعشرون # | اللغة العصرية # عرف القارئ من مقال الأستاذ أحمد أمين أن معظم الاضطراب في المعاني يرجع إلى أننا أحيانا ~~نستعمل كلمات وعبارات نشأت في بيئة اجتماعية غير بيئتنا، وهي كلمات أو مجازات أو ~~استعارات اشتقت من أساليب التفكير الذي كان متبعا قبل نحو ألف سنة في بغداد مثلا، أو لا ~~يزال يتبع في إقليم عربي آخر له أسلوب تفكيري يخالف أسلوبنا ولو أنه يعيش في عصرنا، وهذا ~~الأسلوب قد حمل السكان هناك على سلوك لغوي يخالف سلوكنا. # ثم قاعدة تاريخية سديدة يجب أن نذكرها على الدوام، وهي: أن طراز الثقافة يصاغ وفق ~~الوسائل التي تستخدم في تحصيل العيش، فوسائل العيش في القاهرة تختلف عما كانت في بغداد قبل ~~ألف سنة، وتختلف عما هي في مراكش أو صنعاء الآن؛ ولذلك تختلف أيضا ثقافتنا واللغة تسير ~~وراء الثقافة، أو هي تعجز عن حمل هذه المعاني؛ فيحتاج المجتمع إلى غيرها؛ إذ لا مفر من ~~أن نربط اللغة بالمجتمع، ونحن نحاول أن نرقى بأمتنا ولكن ما معنى الرقي؟ # هذا الرقي: يعني أننا نعيش المعيشة العلمية حيث تستند الحقائق إلى البينات لا إلى ~~العقائد، ولن نستطيع أن نتجاهل الوثبة الجديدة في هذه الدنيا، وهي أنها قد تقلصت فيها ~~المسافات ms57 حتى يمكن أن يقال إنها صغرت؛ فصارت قرية واحدة. # فيجب لهذا السبب: ~~(1) # أن نجعل ثقافتنا علمية وأن نجعل لغتنا علمية، ويجب أن نستعمل كلمات العلوم في ~~تعبيرنا في الصحف والكتب والحديث. ~~(2) # وأن نجعل ثقافتنا كوكبية؛ حتى تتسع آفاقنا الذهنية والنفسية، ونمارس بذلك ~~حقنا البشري الأول وهو: أن هذا الكوكب ملكنا ولنا الحق في معالجة شئونه ~~بكلمات كوكبية. # وفي الفصل التالي سنعرف ما هي هذه الكلمات الكوكبية أما هنا فنقتصر على التعبير العلمي؛ ~~أي: استخدام كلمات العلوم في بيئتنا الاجتماعية باعتبارها الكلمات المجازية التي تتفق ~~والمجتمع الذي ننشد، وفيما يلي بعض التعابير التي اشتققتها أنا من اللغة العلمية على سبيل ~~المثال: # التفاعل بين اللغة والمجتمع - كيمياء. # الاستقلال هو بؤرة الاشتعال الوطني في مصر - طبيعيات. # نعيش في عصر متوتر بالمصاعب والمشكلات - سيكولوجية. # اللغة هي الجهاز العصبي للمجتمع - طب. # الحياة تفقد إيقاعها في المرض - موسيقى. # أول ما تجرثمت الفكرة عندي - سيكولوجية. # يجب أن ننظر إلى المستقبل ببصيرة تلسكوبية - فلكيات. # كان عندما يدخل البيت يرصد جوه هل ينذر بالعاصفة؟ - فلكيات. # كان مذهب التطور من أعظم الخمائر الاجتماعية في القرن الماضي - ~~كيمياء. # رجل يمتاز بالبصيرة السيكولوجية - سيكولوجية. # يعاني تخمة ذهنية - طب. # الإيحاء أفعل من الإغراء - سيكولوجية. # التحرش بالغريزة الجنسية في القصص - سيكولوجية. # خوف الغارات قد نفذ إلى جميع مسام المجتمع - طب. # يمشي في تثاقل روماتزمي - طب. # من الحركات المغنطيسية التي تجذب الشبان - طبيعيات. # الطاقة الموطرية في الكلمات - طبيعيات. # يخشى الدنيا ويرى المصباح الأحمر أينما سار - ميكانيات. # الحرب هي قاطرة التاريخ؛ لأنها تعجل التطور - ميكانيات. # الوقت يقف كالخثرة في الدورة الاقتصادية المصرية - طب. # نحن الآن نستعمل القطار والرديوفون والعدسة، ونعرف الجراثيم في الأمراض، وليس في المدينة ~~شيء نألفه مثل الموطر وللمصباح الأحمر في حياتنا المدنية قيمة الحياة والموت فيجب أن ~~نستعمل هذه الكلمات في مجتمعنا كما استعمل العرب الكلمات التي تتصل بحياة الجمل ونبات ~~الصحراء وأعلام الطرق والجبل والسهل والقتال، إلخ. # الفصل الثالث والعشرون # | كلمات كوكبية # في هذا العصر الذي نعيش فيه يجري انقلابان من أخطر ms58 ما جرى على هذا الكوكب في تاريخه وإذا ~~لم نكن نحن على وجدان بهذين الانقلابين؛ فإن تطورنا يتأخر ونتخلف عن قافلة الحضارة. # الانقلاب الأول: # أن العقل البشري - في أعلى مستواه - قد انتقل إلى التفكير العلمي؛ فصار ~~الإنسان يعالج مشكلاته في السياسة والصحة والاجتماع والاقتصاد بالعلم أو هو ~~يحاول ذلك والأمة التي تمارس العلم ترتقي وتتفوق بل هي تستطيع أن تستخدم ~~الأمة التي لا تمارس العلم كما نستخدم نحن الجاموس أو البقر، ويتضح هذا ~~بنظرة عاجلة للأمم المختلفة على هذا الكوكب. # والانقلاب الثاني: # أن هذا الكوكب يصير رويدا نحو التوحيد وليس هذا ثمرة الإرادة البشرية، ~~ولكنه ثمرة العلم الذي محا المسافات حتى صار الانتقال من القاهرة إلى ~~القطب الشمالي في 1944 يحتاج بالطائرة إلى أقل مما كان يحتاج إليه ~~الانتقال من القاهرة إلى طنطا قبل مائة سنة بوسائل النقل القديمة، ومحو ~~المسافات هذا؛ قد عمل على التقريب الجغرافي والتقريب النفسي معا ولذلك ~~أراني أهتم في الصباح بقراءة الأخبار عن التطورات السياسية أو الاجتماعية ~~في روسيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا، كما صرت ألوك أسماء ~~«سمطس وتشرشل وروزفيلت وستالين وشيانج كاي شيك»، كما ألوك أسماء السياسة في ~~مصر. # التفكير العلمي من ناحية والعقلية الكوكبية من ناحية أخرى؛ كلاهما يؤثر في تطورنا ~~السياسي والاقتصادي، ويجب لذلك أن يؤثر في تطورنا اللغوي. # فالعلم تفكير جديد يحتاج إلى لغة جديدة، وهذا ما حدث في أوروبا، فإن الأوروبيين حين ~~شرعوا يفكرون تفكير المنطق والتجربة، تفكير الذهن واليد؛ أي التفكير العلمي؛ وجدوا أن دقة ~~التعبير تحتاج إلى كلمات جديدة ليست لها أية ملابسات قديمة؛ فاخترعوا هذه الكلمات ليس من ~~لغتهم، بل من لغات قديمة لا يعرفها الجمهور، وبذلك أصبح لكل علم لغته الخاصة التي لا يمكن ~~أن يقال إنها إنجليزية أو فرنسية أو روسية، بل هي لغة العلم، فكلمة «بيولوجية» لا يعرفها ~~رجل الشارع في لندن أو باريس أو نيويورك؛ لأنها كلمة مشتقة من اللاتينية؛ كي تعبر عن ~~معنى لم يكن الجمهور في حاجة إليه قبل ms59 مائتي سنة مثلا، وقس على هذا كلمات كثيرة مثل: ~~«المندلية» في الوراثة، «اليوجنية» في إصلاح النسل، «السيمائية» في المنطق اللغوي، ~~الإسبكترسكوب، والتلسكوب، والميكروسكوب، والسييزموجراف، والكارديوجراف، والرديوفون، ~~والتلغراف، الهرمونات من الغدد الفيتامينات ... إلخ. # فجميع هذه الكلمات وآلاف غيرها يعرفها الياباني والإنجليزي والهندوكي والأرجنتيني، ~~ولا يحاول واحد منهم أن يترجمها إلى لغته. أولا: لأنه يحس أنه إذا اختار كلمة من لغته؛ ~~فإنها تحمل معها ملابسات لا يعرف كيف يتخلص منها. وثانيا: لأنه عندئذ ينعزل بكلمة خاصة ~~ليست في لغة هذا العلم التي يعرفها العلميون في الأقطار الأخرى. # فلكل علم لغته التي يجب أن تستعمل في أي مكان على هذا الكوكب، ولا يصح أن تترجم، بل هي ~~لا يمكن أن تترجم؛ إلا مع الضرر بالتفكير العلمي، والعلم شيء جديد في عصرنا فيجب أن نقبل ~~أسلوبه الجديد في التعبير. # وليس شك في أن المصري الذي تجابهه كلمة سيزموجراف أو إسبكترسكوب يضرس كما لو كان يمضغ ~~حامضا؛ لأنه يحس صدمة لغوية تخالف مألوفة ولكن سرعان ما يزول هذا الضرس بالألفة. # وكلمات العلم أجنبية في جميع اللغات، وليس علينا حرج أن تكون كذلك أجنبية في لغتنا بل أن ~~رجال العلم الأوروبيين يأخذون كلمات المتوحشين حين تكون لها دلالة في «الأنثروبولوجية» ~~مثلا كما نرى في كلمتي «طبو» و«طوطم». # والمصري الذي يتخصص في علم ما يحتاج إلى متابعة الدراسة مدى حياته لهذا العلم، ولا غنى ~~عن كلمات هذا العلم التي يستعملها جميع المتخصصين فيه في القارات الخمس، وهو يفكر بهذه ~~الكلمات ومن التكليف المرهق أن نطالبه بترجمة هذه الكلمات إلى لغتنا؛ لأن كل ما نحتاج إليه ~~أن نعرف هذه الكلمات وأن نصوغها في صيغة عربية إذا كنا سنؤلف بها في لغتنا الدارجة، أو لا ~~نصوغها إذا كانت ستبقى مقصورة على المتخصصين. # هذا من حيث كلمات العلوم، ولكن تقلص المسافات؛ قد أحال هذا الكوكب إلى قطر واحد تسكنه ~~أمة واحدة، وهذا يحملنا على أن نتخذ العقلية الكوكبية؛ ولذلك جرت صحفنا على أن تستعمل هذه ~~الكلمات والعبارات الكوكبية: # بروتوكول مناقشات ms60 بيزنطية حب أفلاطوني حكومة، بيروقراطية، ديمقراطية، النظام السوفيتي، ~~التلغراف، التليفون، الرديوفون، السينماتوغراف ... إلخ. # ونحن والفرنسيون والألمان والصينيون والأمريكيون سواء في استعمال هذه الكلمات، وسوف تزداد ~~هذه الكلمات في المستقبل بالعشرات بل بالمئات، وهذا تطور حسن؛ لأن هذا الاتجاه مع كلمات ~~العلوم يحدث القرابة الذهنية التي ستؤدي يوما إلى قرابة نفسية، فلا يكون الشعور بالبعد ~~والفرقة والانفصال ثم الانعزال، فالعداء بين الشعوب وكل مصري بار بوطنه، وبهذا الكوكب يجب ~~ألا يعارض هذا الاتجاه؛ لأن المعارضة في حقيقتها تعني عقوقا بحقوق البشر وعرقلة لاتحاد ~~أبناء هذا الكوكب ورقيهم، وباتخاذ هذه الكلمات نقرب من العقلية الكوكبية والثقافة الكوكبية، ~~وربما اللغة الكوكبية. # وعندي أن بعض الميزات لما يقترحه «عبد العزيز فهمي باشا» من اتخاذ الحروف اللاتينية في ~~كتابتنا؛ يعود إلى أن هذه الحروف قد تضمنا إلى مجموعة الأمم المتمدنة وتكسبنا عقلية ~~المتمدنين وتنزع منا تلك الخصومة التي تبعثها كلمتا شرق وغرب، وتجعلنا أقرب إلى العقلية ~~الكوكبية واللغة الكوكبية، ولكنني مع ذلك لا أنتقص الفائدة من الخط اللاتيني في التعبير عن ~~كلمات العلوم؛ فإن هذه الكلمات تبدو نابية في الخط العربي كما تغيب أصولها التي اشتقت ~~منها؛ فلا نفهمها عند رؤيتها، وربما كان هذا من أكبر الأسباب للنفور منها، ثم لتخلفنا في ~~العلوم. # وواضح من تاريخ العرب أنهم عربوا في كثير من الأحوال بدلا من أن يترجموا كما نرى في هذه ~~الكلمات: أستاذ، أدب، إقليم، فلسفة، أبريق، قاض، كابوس، قانون، زخرفة، تاريخ، ألماس، ~~جغرافية، أنبيق، زكاة، بستان، برج، تلميذ، جدول، سجل، ترعة، دستور، قنطار، عقار، فدان، ~~سمسار، صراط، صابون، لغة، قفطان، ناموس، رقص، حب، سيماء. إلخ. # فكل هذه الكلمات ومئات غيرها يرجع إلى أصل إغريقي أو أصل لاتيني أو غيرهما، ولم يحاول ~~كتاب العرب ترجمتها وإنما أكسبوها صيغة عربية لا أكثر ولا ينكر أنهم عمدوا إلى الترجمة ~~أحيانا كما فعلوا في كلمات المنطق؛ فإنهم ابتدءوا باصطناع كلمة السلجسة «سبوجيم» ثم تركوها ~~وقالوا القياس. # وكل منا يأسف الآن على تركهم للسلجسة المعربة واتخاذهم كلمة القياس المترجمة؛ ms61 لأن كلمة ~~القياس تتحمل طائفة من المعاني التي تربكنا في حين نحتاج إلى الدقة في قواعد المنطق. # وللتعريب فضلا عن قيمته في التقرب من لغة بشرية عامة وفضلا عن قيمته الدراسية في العلوم ~~قيمة ثقافية أخرى؛ لأنه يبصرنا بالتاريخ والتطور الثقافي، فنحن حين نقول: «برلمان» ~~نحس من حروف هذه الكلمة تاريخا عاما للحكم النيابي في العالم وليس في مصر وحدها، ~~ونعرف الأصل لهذا الحكم. وكذلك الحال في أتومبيل وتلفون وبسكلت ومنجة وجوافة وككتوس وقيصر ~~وريشتاج وسوفييت وميكادو إلخ. # ومن مصلحة الثقافة أن تبقى هذه الكلمات على أصولها؛ كي نزداد للتاريخ أي: فهما ~~للدنيا. # الفصل الرابع والعشرون # | القدرة على اصطناع الكلمات الأجنبية # قال ه. ج. ولز في كتيبه «العلم والعقل العالمي»: # نستطيع أن نقول: إن كفة الرأي ترجح في ناحية اتخاذ اللغة الإنجليزية أساسا ~~مهما للغة عالمية، ولست أقول هنا: إن اللغة الإنجليزية تصلح لأن تكون أساسا ~~مهما فقط ذلك أن انتشارها في أنحاء العالم في الوقت الحاضر وخلوها من التغيرات ~~الصرفية والارتباكات النحوية وقدرتها على تمثيل الكلمات الأجنبية؛ كل هذا يحسب من ~~محاسنها، ولكن هناك ما هو ضد ذلك، وهو هذا الجمود العتيد جمود الطبقة العالية التي ~~تهاب ولا تقتحم هذا الجمود الذي يتحيز مكانا كبيرا في التقاليد التعليمية ~~البريطانية التي تنزع إلى الكلاسية أو التليدية العميقة التي تعد في روحها ~~انفصالية ترفعية، وهذه النزعة ليست فقط غير مساعدة لانتشار اللغة الإنجليزية، ~~بل هي تعرقل هذا الانتشار عرقلة قوية. # هذه هي كلمة «ولز»، ومنها نفهم أن اللغة الإنجليزية تصح أن تكون أساسا للغة عالمية لجملة ~~ميزات وهي: ~~(1) # أنها انتشرت في عصرنا انتشارا عظيما. ~~(2) # أنها تخلو من القواعد الشاقة في النحو والصرف. ~~(3) # أنها قادرة على تمثيل الكلمات الأجنبية. # ولكن «ولز» يرى أن بين بعض المتعلمين روحا ينزع إلى التليدية أو الكلاسية؛ فيهابون ~~الكلمة الجديدة، ولا يرحبون بالكلمات الأجنبية التي تخصب بها اللغة وتزهر، ونحن في مصر حين ~~نقارن بين العربية كما نتعلمها ونكتبها وبين الإنجليزية؛ نعرف أن نزوعها إلى الكلاسية ~~وكراهتنا ms62 للكلمات الأجنبية تزيد ليس مائة مرة بل ألف مرة على ما يشكو «ولز» من الكلاسيين ~~الإنجليز؟ وحسبنا من هذا أن نعرف شيئين: ~~(1) # أن في اللغة الإنجليزية نحو ألف كلمة عربية، وليس في لغتنا نحو عشرين كلمة ~~إنجليزية. ~~(2) # أن الكلاسية التليدية الإنجليزية لا تبلغ جزءا من ألف من الكلاسية العربية ~~والبرهان على هذا أن في «شكسبير» الذي مات قبل نحو 380 سنة تعابير وكلمات لو ~~اجترأ انجليزي على استعمالها؛ لعد حمارا سخيفا مع أننا ننبش عن الكلمات ~~المماتة في لغتنا ونستعملها لأبناء 1953. # والكلاسية في مصر كما نراها في أيامنا ليست لغوية أدبية فقط، بل هي اجتماعية مزاجية ~~ذهنية، فدعاتها مثلا يهتمون كثيرا جدا بالتأليف عن الخوارج في أيام علي بن أبي طالب ~~ويهملون التأليف عن الخوارج على الديمقراطية في أيامنا. وهم يدرسون رجال الأمس «والأمس هنا ~~قبل سنة 1000 ميلادية» ولا يدرسون رجال اليوم، في أخلاقهم شرقيون وفي اقتصادياتهم زراعيون، ~~وهم ينظرون إلى اللغة والأدب العربيين نظرة الراهب إلى الدين، فكما أن هذا ينزوي في صومعته ~~ويقرأ كتبه بعيدا عن معمعة الحياة وكذلك أولئك ينزوون في مكتباتهم ويدرسون الجاحظ، ~~ويحاولون أن يكتبوا مثله أو عنه يكتبون عن الجاحظ بلغة الجاحظ، ويثنون عليه أو ينقدونه ~~بمزاجه وذوقه ومقاييسه. # وهؤلاء الكلاسيون يجهلون أشياء كثيرة عن الدنيا، وأنا أؤكد أنهم سيضحكون مني حين أقول ~~إنهم يجهلون: ~~(1) # إن الدؤدؤ قد انقرض منذ مائة سنة؛ بعبث الصيادين وإن انقراضه خسارة فادحة ~~للبشر جميعهم. ~~(2) # وإن الكيمياء الصناعية قد أوشكت أن تقرر إلغاء زراعة القطن من العالم كله ومن ~~مصر. ~~(3) # وإن مشكلة الهند يجب أن تكون مشكلة كل رجل مثقف على هذا الكوكب. ~~(4) # وإن التكنولوجية تبشرنا بالوقت الذي يكفينا فيه شهر من العمل؛ لكي نعيش 11 ~~شهرا في الراحة؛ أي في التعلم وزيادة الاختبارات والاستمتاعات. # الكلاسيون هم رهبان الأدب العربي، واللهجة اللغوية التي ندونها في الكتابة قد أحدثت لهم ~~لهجة ذهنية في التفكير، فهم جامدون يخافون الدنيا، وهم أيضا - لهذا السبب نفسه - يعرقلون ~~تطورنا الاجتماعي والاقتصادي وتطور اللغة ms63 والأدب يكرهون الكلمة الأجنبية؛ فيقولون: سيارة ~~بدلا من أتومبيل، ثم تنتقل هذه الكراهة إلى العالم الخارجي؛ فلا ينبعثون إلى دراسة الصين ~~أو الهند أو ألمانيا ثم تنكمش أذهانهم وتعود الدنيا كلها وقد انحصرت في اهتمامهم بدرس الأدب ~~واللغة العربيين لا أكثر. # ثم يزداد الانزواء الرهباني؛ فيتحدث الأديب التليدي العربي عن العالم العصري كما يتحدث ~~الراهب عن فجور المدنيين الدنيويين ثم بعد ذلك المقاطعة بين العقليتين. # ولست أعني مع ذلك مقاطعة القديم؛ لأني أعرف أن هناك قدماء معاصرين؛ أي أنهم على الرغم من ~~سبقهم لنا بألف أو ألفي سنة كانوا يعالجون شئونا بشرية ما زلنا نعالجها، وكانوا يحاولون ~~رفع الإنسان إلى الإنسانية كما نحاول، وهؤلاء يعاصروننا على الرغم من قدمهم، وهم جديرون ~~بدراستنا واهتمامنا ولكن دون أن نجعل منهم المحور والهدف لثقافتنا. # الفصل الخامس والعشرون # | أوجدين والإنجليزية الأساسية # تمتاز اللغة الإنجليزية بميزات عظيمة جعلت لها السبق في ميادين التجارة والصناعة ~~والثقافة، ويبلغ الناطقون بها أكثر من مائتي مليون متعلم، ومن أعظم ميزاتها أن نحوها ~~قليل القواعد حتى ليمكن الاستغناء عنه، وقد قال الفيلسوف «هربرت سبنسر»: إنه لم يتعلم ~~النحو قط وإنه درس وألف في هذه اللغة دون أن يحتاج إلى دراسة النحو، ولا يمكن لعربي ~~أن يقول مثل هذا الكلام عن لغته. # وميزة أخرى في اللغة الإنجليزية أنها غير جنسية، فالأشياء محايدة ليست مذكرة أو ~~مؤنثة، أما نحن فنحتاج إلى أن نعرف «جنسية» الحرب والسلم والأرض والجبل والميناء والكبرياء ~~والروح والبيت إلخ. # ومع هذه السهولة لا يزال المفكرون من الإنجليز يدعون إلى الزيادة في التبسيط، وقد قطعوا ~~بعض المسافة نحو هذا الهدف؛ فأصلحوا الهجاء وألغوا الحروف الصامتة وهم بل وغيرهم من ~~الأمم الأخرى يفكرون في جعل اللغة الإنجليزية لغة كوكبية؛ ولأجل هذه الغاية وضع الأستاذ ~~«أوجدين» ما سماه «الإنجليزية ~~الأساسية» # Basic English ~~. # والأستاذ أوجدين من علماء السيكولوجية، ومن أعظم مؤلفاته كتاب «معنى المعنى» وهو في ~~السيمائية؛ أي علم المنطق اللغوي والإيضاح عن المعاني، وهو علم جديد تجهله اللغة ~~العربية. # ونزعة «اللغة ms64 الأساسية» تناقض النزعة العامة في لغتنا، ومن هنا قيمتها لنا؛ لأنها تنبهنا ~~بهذا التناقض فإن الأستاذ «أوجدين» يرى أن الكلمات التي نحتاج إليها محدودة وأنه خير لنا ~~أن نعرف نحو ألف كلمة واضحة المعنى محبوكة من أن نعرف عشرة أضعاف هذا العدد من الكلمات التي ~~يحتمل فيها الشك والالتباس والتي تفسد التفكير وتعطل الذكاء. # ثم هو يرى أن اللغة الإنجليزية جديرة بأن تعم العالم، وقد احتال للوصول إلى هذا ~~الهدف باختيار 946 كلمة يعتقد أنها تكفي للفهم في اللغة الإنجليزية، وهذه الكلمات هي 600 ~~اسم و150 نعتا و18 فعلا و78 ضميرا وظرفا وحرفا، والقارئ يلاحظ قلة الأفعال ولكن ~~أوجدين يستغني عن الأفعال باستعمال الأسماء الكثيرة مع أفعال قليلة فبدلا من أن ~~أقول: # تعالجت من مرض أقول: عملت العلاج بالمنزل. # وقضيت ساعة بالمنزل أقول: «كنت ساعة بالمنزل.» # وسيزورني اليوم محمد أقول: «سيعمل محمد زيارة لي اليوم.» # ولما بلغت العاشرة من العمر أقول: «لما كنت في العاشرة من العمر.» # فيرى القارئ هنا أننا استعملنا فعلي كان وعمل بدلا من أربعة أفعال، ويمكن كذلك أن ~~نستعملها بدلا من مائة فعل؛ لأن الإنسان إما كائن وإما عامل، وفي اللغة الإنجليزية نحو ~~أربعة آلاف فعل ولكن أوجدين استغنى عنها كلها بهذه الأفعال التالية: # جاء، حصل، أعطى، ذهب، حفظ، ترك، صنع، وضع، بدأ، أخذ، كان، عمل، ملك، قال، رأى، أرسل، ~~أراد، ربما، «وهي فعل في الإنجليزية». # وعلى هذا يمكن أن نجعل فعل «ذهب» يؤدي معاني ثلاثين فعلا، فنقول: ذهب في (دخل) وذهب ~~قبلا (سبق)، وذهب من مكان إلى مكان (جول) وذهب إلى الجانب الآخر (عبر) وذهب إلى (زار) إلخ، ~~ثم هو؛ أي «أوجدين» يستغني عن المترادفات أو ما يقاربها، فنحن نقول جلد الحيوان وفرو الثعلب ~~ولحاء الشجرة وغلاف الزهرة وقشرة الثمرة، ولكنه هو يقنع بكلمة «جلد» للجميع؛ فيحقق الاقتصاد ~~اللغوي وهو بعض أهدافه، وهذه الكلمات تحفظ في بضعة أسابيع أو أشهر وليست هذه الكلمات ~~بالطبع هي كل اللغة الإنجليزية، ولكن الأجنبي الذي يعرفها يستطيع التفاهم بها ms65 ويستطيع أن ~~يقرأ بعض الكتب التي ألفت بها ثم يرتقي إلى معرفة اللغة الإنجليزية في توسع. # وأمامي وأنا أكتب هذه الكلمات كتاب ألف على مبادئ «اللغة الأساسية» يدعى «نمو العلم» تبلغ ~~صفحاته 372 صفحة متوسطة ومن فصوله: مقاييس القوة الضوء الكهربائي داروين وما بعده ~~المادة العلاقات. # وبعض هذه الفصول يتعمق الفلسفة ولكنه كتب بالإنجليزية الأساسية والقاعدة التي اتبعها ~~أوجدين في اختيار هذه الأصول دون غيرها هي أنه وجد أنها أكثر استعمالا من غيرها في اللغة ~~الإنجليزية، وهو بالطبع لا يقول بالاكتفاء بهذه الكلمات، ولكنه يقول بفائدتها للأجنبي ~~الذي يجد اللغة ميسرة له لا يتغلق عليه فهم كلماتها، فهو يتحدث ويكتب ويقرأ بها ويستطيع ~~بعد ذلك أن يتوسع ويقول أيضا بفائدتها للأطفال الإنجليز المبتدئين؛ لأنهم يستطيعون أن ~~يقرءوا في موضوعات مختلفة دون أن تقف اللغة عائقا في سبيل ثقافتهم تصدهم لأول اختبارهم ~~لها. # وهنا التناقض بين النزعتين: نزعة «أوجدين» في تعميم السهولة مع توخي الدقة في اللغة، ~~ونزعتنا نحن في الإكثار من المترادفات، واستعمال الكلمات القديمة النادرة، حتى إننا نحتاج ~~في كتب الأطفال إلى أن نفسر لهم في الهامش بعض الكلمات، وكأننا بهذا العمل نحاول صدهم ~~عن القراءة، وقد أشرت إلى هذه اللغة الأساسية؛ لأني أرجو أن أرى قيمة هذا المجهود تناقش ~~في لغتنا ويجب أن أعترف أنه على الرغم من جميع الصعوبات التي تعترض التعبير الاقتصادي ~~الصحيح في اللغة العربية؛ قد استطعنا أن نقطع مسافة غير قصيرة نحو هذا الهدف. # والفضل الأول في هذا الميدان يعود إلى الجريدة اليومية التي يضطر كاتبوها إلى الاقتصاد ~~في الكلمات وأحيانا يترجمون التلغراف، وهي بطبيعة الأجور العالية لكلماتها مقتصدة موجزة ~~لا تتحمل المترادفات أو البهارج، وفضل آخر في هذا الميدان أيضا يعود إلى المحاكم التي ~~أجبرت القضاة والمحامين ورجال النيابة على استعمال لغة محبوكة المعاني بعيدة عن الشبهات ~~والشكوك وفضل ثالث يعود إلى نشر القليل من كتب العلوم المادية التي تطالب المؤلف ~~باستعمال كلمات قليلة تمتاز بدقة المعنى. # ولكننا مازلنا في بداية الطريق فإن ms66 اقتراح قاسم أمين بإلغاء الإعراب وإسكان أواخر ~~الكلمات؛ لم يلق أية عناية، وكذلك استعمال الأرقام الأوروبية كما يفعل إخواننا المغاربة في ~~مراكش بدلا من الأرقام العربية؛ لا يجد القبول الحسن مع أن الأرقام الأوروبية أكثر ~~أصالة في العربية من أرقامنا الحاضرة، وهي تمتاز بوضوح الصفر. كما تميز تمييزا نيرا بين ~~رقمي 2 و3 اللذين يشتبهان عندما يطبعان بالبنط الصغير. # والآن يجدر بنا أن نتساءل: ما الذي حمل «أوجدين» على التفكير في تأليف كتابه «معنى ~~المعنى» وأيضا على تيسير اللغة الإنجليزية على الأجانب وللمبتدئين بالاقتصار على 946 ~~كلمة؟ # الذي حمله على ذلك أنه درس السيكولوجية وعرف منها القيمة الاجتماعية والثقافية للغة ~~الإنجليزية، وجدير بنا أن ندرس لغتنا في ضوء السيكولوجية؛ حتى تجعل التعبير العربي أيضا - ~~كلمة وجملة - وسيلة للخدمة الاجتماعية والثقافية، وربما يكون أوجدين قد بالغ في الاقتصار ~~على 946 كلمة، ولكن موضوع اهتمامنا هو هذه النزعة التي حملته على اختيار هذه الكلمات التي ~~آثرها على غيرها؛ لتيسير التعليم للغة الإنجليزية في حين نعمل نحن للتعسير. # أليس من المستطاع أن نختار نحو ألف كلمة من اللغة العربية تمتاز بالوضوح والدقة والألفة، ~~فنؤلف بها كتبا للصبيان في المدارس الإلزامية والابتدائية في الجغرافية والتاريخ والحيوان ~~والنبات ومبادئ العلوم، بحيث يدخل الصبي في هذه الميادين فيمرح فيها ويطلب المزيد، وبذلك ~~نبعث فيه الاستطلاع والتشوف ونغنيه عن الدمع الغزير والعرق الوفير؟ بل أليس من المستطاع أن ~~تكتب بعض المجلات والجرائد بما نسميه «العربية الأساسية» لأفراد الشعب الذين لا يعرفون من ~~لغتنا غير ألف أو ألفي كلمة؟ # الفصل السادس والعشرون # | التفسير الاقتصادي للغة والأدب العربيين # كثير مما سنقول في هذا الفصل قد مر بالقارئ متفرقا، ولكنا سنجمعه هنا لإبراز ~~المعاني في ترسيم هذا الكتاب وإيضاح غايته، فالتفسير الاقتصادي هو الذي يعلل جميع ~~الظواهر الاجتماعية في الأمة بالنظام الاقتصادي الذي يعيش أفرادها وفق مبادئه واجتماعهم ~~يتغير بتغيره أو يركد بركوده، واللغة والأدب كلاهما ظاهرة اجتماعية لا تختلف عن الأخلاق ~~والعقائد. # ففي أمة صناعية مثل: بريطانيا أو الولايات ms67 المتحدة؛ نجد اللغة عصرية والأدب مستقبليا ~~والتفكير علميا، وفي أمة زراعية مثل مصر نجد اللغة والأدب تليديين والتفكير عقديا أو ~~سنيا. # ولننظر النظرة التحليلية في ضوء «التفسير الاقتصادي للتاريخ» للغة والأدب ~~العربيين. ~~(1) # المجتمع العربي الذي ورثنا منه أدبنا ولغتنا الكتابية كان مجتمعا ~~إقطاعيا زراعيا؛ أي كان يعيش أفراده بامتلاك الأرض، وكان في أقله الذي لا ~~يؤبه به تجاريا صناعيا؛ أي أن 90 في المائة من العرب في مصر والعراق وسوريا ~~وأقطار أفريقيا الشمالية كانوا يعيشون بالزراعة، ومن شأن الزراعة الجمود، فنحن ~~نزرع القمح الآن كما كان يزرع قبل ألف أو ألفي سنة؛ فلم يكن هناك ما يدعو إلى ~~تغيير العقائد أو الأخلاق أو الكلمات الزراعية، ومن ثم لم يكن هناك ما يدعو إلى ~~تغيير الأدب في مثل هذا الوسط، بل إن كل محاولة للتغيير كانت تجحد؛ لأنها كانت ~~تناقض الاستقرار الزراعي؛ أي: تناقض العيش. # استقرار في النظام الاقتصادي؛ أدى إلى استقرار «جمود» في النظام اللغوي ~~والأدبي، فقواعد الزراعة التي جرى عليها المجتمع منذ ألف سنة يقابلها قواعد ~~اللغة وأسلوب الأدب منذ ألف سنة والكلاسية؛ أي التليدية التي نعانيها في مصر ~~الآن ليست لهذا السبب مفتعلة بل هي طبيعية؛ لأننا ما زلنا نعيش في الوسط ~~الزراعي إلى حد كبير. ~~(2) # هذا المجتمع العربي أيضا كان مجتمعا دينيا؛ فكان الخليفة في بغداد ~~بمثابة البابا في رومة، ومن غير المعقول أن نطالب أي دين إلهي في العالم ~~بالتغيير، فاستقرار الدين أدى إلى استقرار اللغة؛ أي جمودها، وأصبح رئيس ~~الدولة؛ أي الخليفة يحمي الدين ويحمي الكلاسية؛ أي التليدية في اللغة والعرش ~~ينزع إلى الماضي؛ لأن حقوقه تعود إليه، فهو محافظ وأحيانا جامد؛ أي أن للعرش ~~أصولا اقتصادية سلفية؛ تؤدي إلى مبادئ لغوية وأدبية كلاسية تليدية. # وأذكر هنا «فولتير» يشمئز من ذكر الفأر على المسرح؛ لأنه كان يعيش في ظل العرش ~~الفرنسي بلا دستور وبلا ديمقراطية. وأذكر هنا أيضا لغة الكهنة في المعابد؛ فإن تغيير ~~الكلمة هنا يعادل الكفر. # والآن لماذا لا نرضى بلغتنا العربية، ولماذا ms68 يدعو قاسم أمين وعبد العزيز فهمي وأحمد أمين ~~ولطفي السيد وبهي الدين بركات إلى إجراء تغييرات كثيرة أو قليلة في اللغة؟ # السبب أن هؤلاء الرجال على وجدان بعصرهم؛ أي بهذا الوسط الصناعي العالمي الذي يغمر ~~الوسط الزراعي ويتسلط عليه كما تتسلط بريطانيا الصناعية وعددها أقل من 50 مليونا على الهند ~~الزراعية وعددها نحو 400 مليون (سنة 1945) وهم على وجدان بالنتائج الاجتماعية لهذا الوسط ~~الصناعي، وهي: الديمقراطية والحرية والاعتماد على المعرفة دون العقيدة، والتوسل بالعلوم إلى ~~الرقي الاقتصادي والأخلاقي والثقافي. # وليس من الضروري أن يكون هذا الوسط الصناعي سائدا في مصر؛ لأن هؤلاء المجددين الذين ~~ذكرنا متمدنون، ووسطهم الحقيقي هو هذا العالم كله. فهم يحسون تياراته وينفعلون بنزعاته، ~~وأستطيع أن أقول أنا: إن نزعتي إلى الحضارة الصناعية مع ما يجب أن يرافقها من ثقافة علمية ~~هي التي تدفعني إلى الرغبة في التغيير؛ حتى تلائم ما أنشد من ثقافة علمية. # وأستطيع أن أقول: إن عرقلة الصناعة منذ 1904 حين وصف المصنع بأنه «محل مقلق للراحة إلخ»؛ ~~قد عرقلت اللغة في تطورها، وحالت دون التفكير العلمي، واستبقت الكلاسية؛ أي التليدية في ~~الأدب واللغة، وذلك لأن هذا القانون قد استبقى الزراعة أسلوبا للعيش لأكثرية الأمة؛ فأدى ~~استقرار العيش إلى استقرار الفقر ثم إلى جمود اللغة والأدب، ولولا هذا القانون؛ لتفشت ~~الصناعة واستتبع تفشيها ثقافة علمية تطعم لغتنا بألوف الكلمات الجديدة. # الفصل السابع والعشرون # | اللغة العربية في مدارسنا # القراءة أسهل بكثير من الكتابة الإنشائية كما يتضح هذا عندما نحاول أن نكتب بإحدى اللغات ~~الأجنبية التي تعلمناها؛ فإنه يسهل علينا كثيرا أن نقرأ مؤلفاتها، ولكنا حين نكتبها نجد ~~الصعوبات الشاقة في تأليف عباراتها. # ولهذا السبب يجب أن تكون الغاية الأولى من تعليم اللغة العربية في مدارسنا الابتدائية ~~الشعبية؛ «أي المدارس التي يجب أن تتناول مائة في المائة من السكان»، هي القراءة دون ~~الكتابة التي يختص بها 50 في المائة من السكان أو أقل، فإن العامل في المصنع أو المزرعة أو ~~الخادم في المنزل أو مثل هؤلاء؛ ms69 لا يحتاجون إلى الكتابة إلا قليلا جدا، ولكنهم كي يكونوا ~~متمدنين يحتاجون إلى القراءة كل يوم وحتى عندما يحتاجون إلى الكتابة نرضى لهم ونقنع منهم ~~بما يعبر التعبير الساذج عن أفكارهم. # ولسنا نعني أن هذه الحال سوف تكون دائمة، ولكنا نجد أننا في الوقت الحاضر في فاقة مادية ~~وثقافية تحملنا على القنوع بتعليم القراءة للكافة من السكان، ثم الارتقاء منها إلى تعليم ~~الكتابة الإنشائية للأقلية التي نحتاج إليها في المدارس الثانوية والجامعة. # ولهذا السبب يجب أن نقتصر من تعليم اللغة العربية في مدارسنا الابتدائية على تمكين ~~التلميذ من المطالعة والفهم بلا حاجة إلى أية قواعد خاصة بالنحو، وليس عليه من حرج أن يقرأ ~~فيرفع المفعول وينصب الفاعل ما دام يفهم ما يقرأ. حسبه أن يسكن آخر الكلمات كما نفعل نحن ~~حين نقرأ وبدلا من هذه القواعد النحوية يجب أن يتعلم الصبي أكبر مقدار مستطاع من الكلمات ~~التي ترد في الجريدة والمجلة والمتجر والمصنع والدكان والمنزل؛ ولهذا السبب يجب أن تتوافر ~~لديه كتب المطالعة السهلة التي تغذو ذهنه بالمعارف الطلية عن حياته الاجتماعية والسياسة وعن ~~العلوم والفنون. # أما في المدارس الثانوية فنشرع في تعليم أقل ما يستطاع من قواعد النحو ولا نبالي الإعراب ~~الذي أثبت الاختبار أنه لا فائدة منه بتاتا؛ لأننا كلنا - كما قلنا - نقرأ أو نكتب دون أن ~~نحتاج اليه والوقف في أواخر الكلمات؛ أي إسكانها هو الخطة السديدة التي يجب أن تتبع، ~~وعندئذ يتوافر للتلاميذ الوقت لزيادة ما يدخرون من الكلمات، وهنا تدخل البلاغة، ونعني ~~بلاغة المنطق اللغوي؛ للتمييز بين الكلمات من حيث الدقة والاقتصاد في التعبير، وليس من حيث ~~ألاعيب الصغار عن الاستعارات والمجازات كوجه القمر وأنت بحر وعلم من فوقه نار إلخ. # ويجب أن تكون لنا غاية أخلاقية في تعليم اللغة العربية إلى جانب الغاية الثقافية، وهي ~~تعويد التلميذ القراءة حتى تعود حاجة ملحة في نفسه لا يستطيع الاستغناء عنها طيلة عمره؛ ~~ولهذا يجب أن تكون لديه مئات من الكتب التي تبسط له المعارف البشرية في ms70 عبارة مقتصدة ~~تفتح له آفاقا جديدة في كل عام من أعوام دراسته فتثير استطلاعه وتحمله على البحث ~~والتساؤل. # ولهذا السبب يجب أن تتناول كتب المطالعة في المدرسة والبيت موضوعات البيولوجية والاجتماع ~~والتراجم والكيمياء والفلكيات والاقتصاد والصناعة، والمألوف في الوقت الحاضر أن تحتوي كتب ~~المطالعة للأقسام الثانوية مقطوعات أدبية من كتب العرب قبل ألف أو خمسمائة سنة، ولكن هذه ~~الكتب لا تثير الاستطلاع ولا تحمل التلميذ على التساؤل والبحث والدراسة الذاتية، ولا ~~تعوده القراءة بعد أن يترك المدرسة بل حتى بعد أن يترك الجامعة؛ ولذلك يجب أن تؤلف ~~الكتب الجديدة في المعارف العصرية التي تستفز التلميذ إلى البحث. # وهنا يجب أن نذكر حادثا له قيمته هنا، فقد حدث أن قصد فوج من طلبة إحدى الجامعات في ~~الولايات المتحدة إلى ألمانيا للتعلم وكان منهم من شاء التخصص في اللغة والأدب، ومن قصد ~~إلى التخصص في العلوم كالكيمياء أو البيولوجية أو الطبيعيات، فبعد عام من الدراسة اتضح أن ~~الذين قضوا عامهم في دراسة اللغة والأدب بالذات؛ لم يحسنوا تعلم هذه اللغة لا كلاما ولا ~~كتابة كما أحسنها أولئك الآخرون الذين قضوا عامهم في دراسة الكيمياء والبيولوجية ~~والطبيعيات وذلك؛ لأن الفريق الأول قضى وقته في دراسة نحو اللغة وبلاغتها في حين أن ~~الآخرين قصدوا إلى مادة علمية درسوها بالألمانية فأتقنوا اللغة عن سبيل دراسة هذه ~~المادة. # ويجب أن نسترشد نحن بهذا المثل في تعليم اللغة العربية فإننا نحسن تعلمها بقراءة الكتب ~~التي تختلف موضوعاتها؛ لأن هذا الاختلاف في الموضوعات يخصب الذهن تفكيرا وفهما كما أنه ~~يوفر للتلميذ مئات الكلمات التي تثير استطلاعه وتفهمه فيستزيد من القراءة ويستنير ويعرف ~~اللغة، بل يعرفها هذه المعرفة المتفاعلة المتجددة مع مجتمعه وعلومه وفنونه، أما إذا ~~قصرناه على دراسة القواعد النحوية والبلاغية وكتب الأدب القديم؛ فإنه يزهد ويقل ~~استطلاعه أو ينعدم؛ لأنه يجد أنه قد تعب في استظهار كلمات لا تتفاعل مع مجتمعه وعلومه ~~وفنونه. # قلنا: إنه يجب أن تكون لنا غاية أخلاقية في تعليم اللغة العربية، هي تعويد ms71 التلميذ ~~القراءة بحيث لا يستطيع الكف عنها طيلة حياته، وغاية أخرى نتوخاها هي تكوين ~~شخصيته بالمناقشة والخطابة؛ ولا نعني بالخطابة تلك الحركات المنبرية البهلوانية التي تعتمد ~~على قوة الذراعين والحنجرة أكثر مما تعتمد على الفهم والتمييز، وإنما نعني أن نكثر من ~~الموضوعات التي يطالعها التلاميذ مع المعلم؛ فتنشأ المناقشة المنيرة التي يتعلم منها ~~التلميذ كيف يناقش وينتقد. # إذن يجب على معلم اللغة العربية في مدارسنا الابتدائية والثانوية أن يكون موسوعي ~~المعارف يستطيع الشرح للموضوعات الاجتماعية والبيولوجية والسيكولوجية والتاريخية والفلكية. ~~وعليه أيضا أن يعرف - على الأقل - لغة أجنبية أو لغتين؛ كي يقارن بين العربية وبينهما ~~ويجدد في لغتنا بمقدار انتفاعه من الجديد فيهما وإنه لزهو مضحك أن يعتقد أحدنا أن لغتنا ~~تستطيع أن تعيش مستكفية لا تستمد التعبير الحسن من الإنجليزية أو الفرنسية وأن عليها أن ~~تجتر نفسها دون أن تتزود من المعارف العصرية، وهذا الاعتقاد من أكبر الأسباب للفاقة ~~الثقافية التي نعانيها في وقتنا. # الفصل الثامن والعشرون # | الخط اللاتيني # إذا كان الأساتذة والطلبة في كلية الآداب في الجامعة، أو في دار العلوم أو كلية اللغة ~~العربية راضين عن اللغة العربية فرضاؤهم يمكن أن يعلل ويفسر من الناحية الاقتصادية ~~الاجتماعية ولكنه لا يفسر من الناحية الثقافية؛ لأن هذه اللغة لا ترضي رجلا مثقفا في ~~العصر الحاضر؛ إذ هي لا تخدم الأمة ولا ترقيها؛ لأنها تعجز عن نقل نحو مائة علم من العلوم ~~التي تصوغ المستقبل وتكيفه. # وهذا السخط الذي يتولانا؛ كلما فكرنا في حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقي ~~الثقافي تزيد حدته كلما فكرنا وأدى بنا التفكير إلى اليقين بأن إصلاحها مستطاع. # والقلق عام ولكن الجبن عن الابتكار أعم؛ ولذلك قلما نجد الشجاعة للدعوة إلى الإصلاح ~~الجريء إلا في رجال نابهين لا يبالون الجهلة والحمقى مثل: قاسم أمين أو أحمد أمين حين ~~يدعو كلاهما إلى إلغاء الإعراب أو مثل عبد العزيز فهمي حين يدعو إلى الخط اللاتيني، والواقع ~~أن اقتراح الخط اللاتيني هو وثبة إلى المستقبل، لو أننا عملنا ms72 به لاستطعنا أن ننقل مصر إلى ~~مقام تركيا التي أغلق عليها هذا الخط أبواب ماضيها وفتح لها أبواب مستقبلها، واقتراح عبد ~~العزيز فهمي يحتاج أولا إلى العمل بإلغاء الإعراب الذي تعلمناه ولكن لم نعمل به قط وإلغاؤه ~~يجعل الهجاء العربي في الخط اللاتيني سهلا، ثم هو يغنينا عن وضع الحركات في أعلى وأسفل ~~الكلمة؛ لأن الحركات في الخط اللاتيني حروف تدخل في صلب الكلمة وللنظر في بعض الميزات التي ~~للخط اللاتيني. ~~(1) # فأول ذلك أننا نقترب نحو التوحيد البشري؛ فإن هذا الخط هو وسيلة القراءة ~~والكتابة عند المتمدنين الذين يملكون الصناعة؛ أي العلم والقوة والمستقبل وهذا ~~الخط تأخذ به الأمم التي ترغب في التجدد كما فعلت تركيا ومن المرجح أن يعم هذا ~~الخط العالم كله قريبا. ~~(2) # حين نصطنع الخط اللاتيني؛ يزول هذا الانفصال النفسي الذي أحدثته هاتان ~~الكلمتان المشئومتان «شرق وغرب» فلا نتعير من أن نعيش المعيشة العصرية ولا بد ~~أن يجر هذا الخط في إثره كثيرا من ضروب الإصلاح الأخرى مثل: المساواة ~~الاقتصادية بين الجنسين، ومثل التفكير العلمي، ومثل العقلية بل النفسية العلمية ~~إلخ. ~~(3) # يمتاز الأوروبيون بقدرتهم على إيجاد المعاني الجديدة؛ بإلصاق مقاطع مشتقة من ~~اللغتين الإغريقية واللاتينية؛ فيخلقون المعنى الجديد من الكلمة القديمة. ونحن ~~ننتفع بهذه المقاطع إذا أخذنا بهذا الخط، ولا يمكن أن نستعمل هذه المقاطع ما ~~دام الخط بالحرف العربي. ~~(4) # والكلمات العلمية التي تقف عقبة شاقة في لغتنا تغدو سهلة الاستعمال بالخط ~~اللاتيني. ~~(5) # ثم يجب ألا ننسى أن الخط اللاتيني لا يكلفنا في تعلمه عشر الوقت الذي نقضيه ~~في تعلم الخط العربي بل ربما أقل. ~~(6) # وعندما نكتب لغتنا بالخط اللاتيني؛ نجد أن تعلم اللغات الأوروبية قد سهل ~~أيضا؛ فتنفتح لنا آفاق هي الآن مغلقة. # وبالجملة نستطيع أن نقول: إن اتخاذ الخط اللاتيني هو وثبة في النور نحو المستقبل، ولكن ~~هل العناصر التي تنتفع ببقاء الخط العربي والتقاليد ترضى بهذه الوثبة؟ # الفصل التاسع والعشرون # | التيسير، التيسير # إذا فرضنا أن صبيين في سن واحدة شرعا يتعلمان، أحدهما الإنجليزية والآخر ms73 العربية دون ~~أن يكون لأحدهما معرفة سابقة باللغة التي سيتعلمها؛ فإن الصبي الذي سيتعلم الإنجليزية لا ~~يحتاج لأكثر من ستة أشهر كي يتكلم ويقرأ ويكتب هذه اللغة على طريقة أوجدين أما الصبي الذي ~~سيتعلم العربية فإنه يحتاج إلى ما لا يقل عن أربع سنوات؛ أي أن الوقت الذي يقضيه المتعلم ~~للغة العربية يزيد ثمانية أمثال على ما يقضيه المتعلم للغة الإنجليزية. # ولكي نفهم هذا الفرق؛ يجب أن نذكر بعض العقبات التي سيلاقيها متعلم اللغة العربية ولا ~~يلاقي مثلها متعلم الإنجليزية فأول ذلك أن حروف الكتابة تزيد عندنا على مائة حرف؛ لأن ~~لكل حرف شكلا معينا يتبع موقعه في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها أما في الإنجليزية فالحرف ~~لا يتغير بتغير موقعه في الكلمة. # وفي لغتنا يجب أن نميز الجنس فنعرف أن الكرسي مذكر والحرب مؤنثة. أما الإنجليزية فلغة غير ~~جنسية ، ومتعلم الإنجليزية يعرف أن الواحد مفرد وما زاد عليه فجمع، أما متعلم العربية فيجب ~~أن يعرف أن ما زاد على الواحد قد يكون اثنين فهو ليس مفردا ولا جمعا بل هو صيغة خاصة ~~تحتاج إلى قواعد خاصة، وقد كانت صيغة المثنى قائمة في الإنجليزية ولكنها ألغيت، والصبي ~~الذي يتعلم الإنجليزية يستطيع أن يعبر عن العدد من واحد إلى ألف بسهولة، أما في العربية ~~فالصبي يحتاج إلى شهور لكي يدرس قواعد العدد، وصبياننا في المدارس الثانوية يعدون بالفرنسية ~~والإنجليزية ولا يعرفون كيف يعدون بالعربية؛ للمشقة التي يلاقون في قواعد العدد. # والصبي في الإنجليزية يجد قاعدة واحدة للجمع مع شواذ قليلة جدا لا يؤبه بها أما في ~~العربية فعندنا من جمع التكسير قواعد لا تحصى، بل يكاد أن تكون لكل كلمة قاعدة والمعرفة ~~التامة لجمع التكسير تحتاج إلى العمر كله ولو كان مائة سنة. # وكل كلمة إنجليزية آخرها سكون، ولكن الإعراب في لغتنا هو لعبة بهلوانية للذهن واللسان ~~ولن نحسنها إلا بعد أن نربي عضلات قوية تستجيب بسرعة، وكثيرا ما رأينا أن القارئ الذي ~~يلتفت إلى الإعراب لا يفهم ما يقرأ ms74 وهو يعرب. # ومشكلة الهمزة في لغتنا ليس لها نظير في اللغة الإنجليزية، كما أننا يجب أن نعرف الفرق ~~بين الألف المقصورة والألف الممدودة، والمتعلم للإنجليزية لا يجد مثل هذه المشقات وأكثر من ~~ذلك حركات الحروف في الكلمة الواحدة التي ربما تتألف من ثلاثة حروف ولكن يمكن أن تنطق على ~~اثني عشر شكلا مختلفا، وهذا الاختلاف يحتاج مثل جمع التكسير إلى العمر كله - ولو كان مائة ~~سنة - كي نحفظ لكل كلمة شكلها أما الذي يتعلم الإنجليزية فلا يحتاج إلى هذا؛ لأن الحركات قد ~~صارت حرفا في صلب الكلمة. # وهناك قواعد أخرى للمترفين في اللغة كالتنوين والتصغير يحتاج الذي يتعلم العربية إلى ~~شهور لدرسهما أما متعلم الإنجليزية فلا يحتاج إلى شيء من هذا. # ثم يجب ألا ننسى بعد كل هذه المصاعب أن الصبي الذي يتعلم الإنجليزية سيجد أن ما تعلمه ~~يخدمه في الكلام والكتابة، ولكن الصبي الذي تعلم العربية يحتاج إلى أن يعرف اللغة الدارجة ~~للكلام ثم اللغة الفصحى للكتابة، وهذا مجهود آخر، والذي نلاحظه في مصر أن الذي يلتفت إلى ~~اللغة العربية ويستوفي قواعدها دراسة يحتاج إلى العمر كله فلا يجد الوقت لأية دراسة أخرى ~~إلى جانب اللغة. # وليست اللغة سوى وسيلة للفهم والدرس فإذا كانت تحتاج إلى السنوات الطويلة لدراستها؛ فإن ~~هذه السنوات محسوبة علينا، وهي مقتطعة من الوقت الذي كان يمكن أن نرصده لدراسة الجغرافية ~~أو التاريخ أو الأدب أو الجيولوجية أو الفلكيات أو الطبيعيات أو الكيمياء، إلخ، وذلك ~~المسكين الذي يقضي عمره في دراسة اللغة دون غيرها إنما هو بمثابة ذلك الذي يكد طيلة عمره ~~لشراء آلة للغزل أو النسج حتى إذا اشتراها لم يغزل ولم ينسج؛ لأن اللغة آلة ولا يمكن أن ~~نفرح باقتناء الآلة ما لم نستخدمها. # وإذن يجب أن تكون الغاية من دراسة اللغة؛ التعبير عن الجيولوجية والفلكيات والطبيعيات ~~والكيمياء، أما إذا كانت دراستها لا تؤدي هذه الغاية فهي عقيمة، وهي لن تؤديها ما دامت ~~كثيرة القواعد والشذوذات، وما دامت تحتاج إلى السنين الطويلة والجهد ms75 العظيم لدراستها؛ لأن ~~هذه السنين الطويلة وهذا الجهد العظيم يجب أن ننفقهما في دراسة هذا الكوكب: ناسه وحيوانه ~~ونباته ومواده وحضارته وعلومه وآدابه ومستقبله. # وإذا كان «أوجدين» قد احتاج إلى 18 فعلا فقط لكي يصل إلى التعبير عن الحاجات المألوفة في ~~اللغة الإنجليزية؛ فإننا يجب ألا نفخر بأن عندنا عشرة آلاف فعل؛ لأن هذه الكثرة ليست وفرة ~~الثراء وإنما هي زحمة واختلاط. # وإذن يجب أن نتجه نحو التيسير لا التعسير في تعليم اللغة العربية، نقنع بأقل ما يمكن من ~~القواعد ونرفض كل ما يمكن من الشذوذات، ونختار من هذه الألوف من الكلمات نحو ألف كلمة ~~للتعبير الدقيق في العلم والأدب والفلسفة، ونؤلف بهذه الكلمات كتبا لصبياننا في المدارس ~~الابتدائية والثانوية، ثم نرتقي من هذه الكلمات إلى غيرها، ولكن مع الحرص على أن نتجنب ~~الكلمات السائبة التي يغمض معناها لأنها تضلل بدلا من أن ترشد. # وربما يكون من الحسن أن نميز بين القارئ والكاتب في تعلم اللغة العربية. فإذا كانت ~~الغاية من التعلم هي القراءة فقط فإننا نستطيع أن نصل إلى ذلك بلا قواعد نحوية، وجمهور ~~الأمة يقرأ ولا يكتب، ثم نقصر تعلم القواعد بعد التيسير على الذين سيكتبونها وليس لهذا ~~التمييز شبيه في لغات العالم المتمدن ولكن لغتنا شاذة في صعوبتها وتحتاج إلى إجراء ~~شاذ. # الفصل الثلاثون # | ثقافة إقطاعية وأدب إقطاعي # يمكن أن نقول إن النظام الإقطاعي هو نظام الزراعة القديمة، حين كان المالك أميرا أو ~~نبيلا أو ثريا له المقام الفعلي للأمير أو النبيل. # فقد كان للأمير الحق في أن يربط فلاحيه بأرضه فإذا فر أحدهم استعاده وعاقبه، وكان ~~الخليفة أو الملك يقطع الأمير أو النبيل أرضا قد تبلغ مساحتها ألف فدان ويلحق بهذه الأرض ~~عمالها. # وظني أن هذا النظام كان سائدا في أوروبا والشرق على السواء في القرون المظلمة «بين سنة ~~500 وسنة 1000 للميلاد»، ثم بدأ ينهار رويدا رويدا، وكانت روسيا في القرن الماضي آخر من ~~ألغاه. # وظني أيضا أنه كان على أثقله وأظلمه في أوروبا مدة ms76 القرون الوسطى أكثر مما كان في أمم ~~الشرق العربي إلى أن تولى الأتراك الحكم، فصار في أمم الشرق العربي أسوأ وأثقل ظلما مما ~~كان في أوروبا. # وكلمة إقطاع تسمى في أوروبا حين نعني النظام «فيوداليتيه» وهذه الكلمة مشتقة من «فيودوم» ~~اللاتينية بمعنى الماشية أو الملك، وكلمة فدان عندنا تعني الماشية أو الملك، ويستطيع أي ~~قارئ عربي أن يجد هذا المعنى في أي معجم عربي، أما معنى المساحة الذي ننسبه إلى هذه الكلمة ~~فليس له أساس في الأصل اللاتيني، ومعنى هذا أن نظام الإقطاع قد ساد في مصر قبل دخول العرب، ~~ولكني أظن أن العرب قد خففوه ثم عاد بقوته في الظلم أيام الأتراك والمماليك. # وكانت ثقافة هذا النظام في الشرق العربي تشبه ثقافته في أوروبا أيام القرون الوسطى؛ أي ~~كانت ثقافة إقطاعية. # الثقافة الإقطاعية هي ثقافة الاستقرار والركود والسكون، وليست ثقافة الحركة والنهضة ~~والتغير والتطور. # الثقافة الإقطاعية سواء في أوروبا أو في الشرق العربي أيام القرون الوسطى هي تأليف الكتب ~~في العقائد الدينية والمناقشات الدينية، ثم درس القدماء مثل الإغريق والاستعانة بأساليبهم ~~الجدلية لتأييد الدين، ومثال ذلك أن ابن رشد على الرغم من نوازعه التجديدية يقول عن ~~أرسطو طاليس إنه أعظم عقل ظهر في الدنيا. # وكذلك البرلمان الفرنسي في القرن السادس عشر قد سن قانونا لمعاقبة كل من ينتقد أرسطو ~~طاليس بالحبس، واحترام القدماء بأشخاصهم وعقائدهم هذا هو المبدأ الأول في الثقافة ~~الإقطاعية، وليس لنا أن نستغرب ذلك؛ فإن نظام الامتلاك الإقطاعي واستبعاد الفلاحين إنما ~~ينهضان على التقاليد والتاريخ وكلاهما قديم؛ ولذلك يتساوق تفكير الكتاب والأدباء مع الحال ~~الاجتماعية القائمة. # واحترام اللغة القديمة واحترام التقاليد القديمة وعبادة السلف الصالح وكل ما يتصل بهذه ~~الاتجاهات؛ تنبني منه الثقافة الإقطاعية، وهي - بالضرورة - يجب أن تكون ثقافة راكدة لا ~~تنطوي على معنى الارتقاء أو التطور؛ لأن فيهما معنى التغيير للمجتمع هذا التغيير الذي لم ~~يكن من المستطاع التفكير فيه. # وإذا كنا نجد تفكيرا ارتقائيا في ابن حزم أو ابن خلدون أو ابن رشد ms77 أو ابن ميمون أو ~~غيرهم؛ فإنه مما لا شك فيه أنهم كانوا متأثرين بوسط آخر غير الوسط الإقطاعي الزراعي، ~~فإن أبناء ابن ميمون مثلا كانوا يقومون بالتجارة ما بين الهند والأندلس؛ أي أن عقليتهم ~~كانت تجارية. # أما حين يكون الوسط إقطاعيا فإن من المحال - أو يكاد يكون من المحال - أن يظهر أديب ~~يفكر في المستقبل أو الارتقاء والتطور اللذين لا يدخلان في ضمير الكاتب أو الشاعر أو ~~الأديب إلا في وسط تجاري أو وسط صناعي. # وقد أنجبت الأوساط التجارية عند العرب والأوروبيين بعض الكتاب المبتكرين ولكن في قلة ~~غمرتها الأخلاق والأساليب الفكرية الإقطاعية. ~~••• # حين يتغير الوسط الاجتماعي الاقتصادي؛ بأن تنتقل الأمة مثلا من إنتاج المواد الخام ~~الزراعية - كما كنا نفعل إلى وقت قريب - إلى انتاج المصنوعات والأخذ بالتجارة؛ تتغير أيضا ~~الثقافة من احترام القدماء في الأدب والتزام اللغة القديمة ومدح الملوك والأثرياء والأعيان ~~بالخرافات والتهالك على الألقاب إلى أدب جديد يدخل الشعب بل المرأة أيضا في حسابه؛ لأن ~~الشعب يبقى منسيا طوال الإنتاج الزراعي الإقطاعي ولكنه يظهر في نظام الصناعة والتجارة هذا ~~النظام الذي يدفع المرأة أيضا إلى العمل والإنتاج في المصنع والمتجر ويحررها. # وهذا الأدب الجديد يشرع في التساؤل عن قيمة التسليم المطلق بحكمة القدماء وأساليبهم في ~~العيش بل فلسفة العيش، ثم يشرع في النظر إلى المستقبل؛ لأن الابتكار المطرد في الصناعة يبعث ~~في نفس الأديب إحساس الابتكار أيضا والإيمان بأن الارتقاء ممكن ولكن عندما يتغير نظام ~~الزراعة الإقطاعي يبقى التفكير الإقطاعي جملة سنوات قبل أن يتغير، وهذه هي حالنا ~~الآن. # فنحن قد شرعنا في تغيير أسلوبنا في العيش شرعنا فقط ونحاول أن ننتقل من الزراعة إلى ~~الصناعة ولكن كتابنا وشعراءنا وأدباءنا لا يزالون يتعلقون بالقيم الإقطاعية: احترام القدماء ~~بأشخاصهم وعقائدهم. # وعندما أجد في مصر كاتبا يكره الشبان ويصفهم بالنزق؛ لأنهم يجرءون على استعمال حريتهم، ~~أو لأنهم يهملون عادات القدماء أو حين يخشى المستقبل كما يخشى حرية المرأة والمساواة بين ~~الجنسين عندما أجده على هذا الحال أسأل: هل هو ms78 نشأ في الريف حيث الوسط الإقطاعي؟ هل هو يملك ~~عزبة ويعيش منها؟ هل هو من الوارثين لأرض زراعية؟ والأغلب أني أجده كذلك؛ أي أجد أنه نشأ في ~~وسط حضارة زراعية إقطاعية قد تخلق بأخلاقها وأخذ بقيمها، فهو يحب الشعر في مدح ~~الملوك بل هو لا يخجل إذا كان شاعرا مثل: «علي الجارم» من أن يؤلف قصيدة يزعم فيها أن ~~الجمل قد خرج من المجزر ناجيا بنفسه مستغيثا بفاروق في قصر عابدين! # وهو يتعلق بالأساليب القديمة عندما يكتب، وهو يؤلف عن القدماء بل هو يدخل في مناقشتهم ~~بشأن العقائد، كما لو كان يعيش في عصرهم، ثم هو يسب الشبان ويستصغر شأن المرأة، بل يحتقرها، ~~وأخيرا يحتقر المستقبل ويقول بالعودة إلى أساليب العيش في الماضي، وعندنا أدباء، أو ~~بالأحرى كتاب على هذه الحال قد تغيرت حضارتنا التي يعيشون فيها إنتاجا واستهلاكا ولكن ~~عقولهم لم تتغير إذ هي تحيا على الثقافة القديمة والقيم القديمة؛ ولذلك كثيرا ما أشتبك في ~~مناقشة مع أحد هؤلاء الكتاب، فيعمد من فوره إلى أساليب القدماء ويجادلني بكلمات الدين حتى ~~لقد وصفني أحدهم بأني «غير عربي»؛ أي أني قبطي، أي مسيحي. # وهذا هو بلا شك أسلوب القدامى حين كانت العقائد الدينية كل الثقافة. ولا ثقافة غيرها، ~~وهذا الالتجاء إلى سلاح الدين يتساوق مع سائر مبادئه في الثقافة الإقطاعية، إذ هو يكره حرية ~~المرأة، ويكره حرية الشبان، ويكره المستقبل حتى ليستصغر شئون العلم، أليس العلم ~~للمستقبل؟ # الجمود الحاضر في اللغة العربية من حيث الكراهة للكلمات العلمية، وكراهة استعمالها ~~بأسمائها التي سماها بها مخترعو الآلات أو مكتشفو العناصر والأشياء، ثم بعد ذلك كراهة أي ~~تغير في كتابة حروفنا الناقصة التي لا تخدمنا الخدمة اللازمة في عصرنا؛ هذا الجمود هو أحد ~~صفات الثقافة الزراعية الإقطاعية الراكدة. # إنهم يكرهون المستقبل، ويكرهون الشبان، ويكرهون المرأة، ويكرهون العلم، ويكرهون العقل، ~~ويكرهون التطور، ويؤثرون على كل ذلك العقيدة. # إنهم عبء علينا، وحجر طاحون معلق بأعناقنا يعوق حركتنا الارتقائية. ~~••• # اعتبر مثلا مسألة الحروف العربية والحروف اللاتينية. # فنحن ms79 حين انتقلنا من البيئة الريفية إلى سكن المدن وركوب الترام والقطار والأتومبيل بل ~~الطائرة؛ احتجنا إلى أن نبذل نشاطا أكثر، كما احتجنا إلى أن نتخفف من الملابس ~~فاتخذنا البنطلون؛ لأنه يزيد حرية الحركة في الساقين وتركنا الجلابيب والقفاطين التي كنا ~~نلبسها في القرية، ولا تنس أيها القارئ المشابهة بين جلابيبنا وقفاطيننا السابقة وبين ملابس ~~النساء، فإنها جميعها فضفافه توحي بالراحة والدعة ولا توحي بالنشاط والحركة، أليس الجلباب ~~أليق للنوم والركود منه للسعي والتنقل؟ # ثم أن للجلباب في المصنع خطره، وهو أحيانا خطر حتى حين نركب الترام؛ لأن قماشه الفضفاض ~~يمكن أن يتعلق بأي شيء وأن يدوسه آخر؛ فنجد الخطر ونحن لذلك - أو أكثرنا - نسلم بأفضلية ~~البذلة الأوروبية على جلابيبنا وقفاطيننا؛ لأننا نعيش في المدن وليس في القرى. # وكذلك الشأن في الحروف اللاتينية؛ فإنها اللباس العصري للأفكار العصرية؛ أي للأفكار ~~العلمية، ذلك أن الكلمة العلمية تشتق من أصول وتركب من مقاطع تدل على معناها لأول ~~نظرة، كما أن النطق بحروفها اللاتينية لا يتميز؛ لأن هناك ستة حروف للعلة تضبط النطق. # وكما أن عندنا ناسا لا يزالون يتعلقون بالملابس الشرقية الفضفاضة؛ لأنهم يحبون حياة ~~الدعة ولا يحتاجون إلى نشاط؛ كذلك عندنا ناس يكرهون الحروف اللاتينية؛ لأنهم لم يقرءوا ~~كتابا واحدا في حياتهم؛ فلا يفهمون معنى الدقة العلمية في التعبير، وهؤلاء أيضا عبء ~~علينا وحجر طاحون معلق بأعناق ارتقائنا. # الفصل الحادي والثلاثون # | حاجتنا الحتمية إلى الحروف اللاتينية # عشت حتى رأيت نجاح الدعوة التي قمت بها منذ أكثر من ثلاثين سنة، حين قلت - وأعدت القول ~~إلى حد الهوس - بأن الأمم المتمدنة لا تتفوق على الأمم الشرقية إلا بالصناعة وبالصناعة ~~فقط، وأن كل ما نجد عندها من أخلاق عقلية وحريات للرجل والمرأة، وعلوم وفنون، كل هذا إنما ~~يرجع إلى أثر الصناعة، وأن أمة صناعية لا يزيد عدد أفرادها على مليون واحد تستطيع أن ~~تكتسح أو إذا شاءت أن تستعبد أمة زراعية عددها عشرون أو ثلاثون مليونا. # إني أكتب هذه الكلمات والشعب يكتتب في مصنع الصلب، ms80 أتدري ما هو الصلب؟ هو: المدافع ~~والطائرات والدبابات للقوة، وهو آلات الزراعة والري والحصاد، وهو آلات الإنتاج التي ~~ستخرج لنا الأقمشة والأحذية، وستصنع لنا حديد البناء وقاطرات السكك الحديدية والسيارات، ~~وهو القوة في الحرب، كما هو الحضارة في السلم، هو التمدن؛ لأنه سيكسبنا أخلاق المتمدنين، ~~أخلاق العلم، أخلاق العقل. # وهو الذي سينزعنا من الأخلاق الزراعية الإقطاعية، أخلاق العقائد والتقاليد والنظر إلى ~~الخلف والماضي إلى النظر إلى الأمام ومستقبل الصناعة حضارة ترافقها ثقافة، وثقافة الصناعة ~~هي العلم الذي يغذيها ويدعمها ويكشف لها ويخترع. # الصناعة أسلوب للعيش والإنتاج والارتزاق والثقافة. # هي الكتب والمعارف العلمية التي تبعث على إتقان الصناعة والاختراع فيها، وإذن نحن في ~~حاجة - بل حاجة ملحة - إلى ثقافة علمية. # ويبدو لي أني سأقضي سائر عمري في المستقبل في الدعوة إلى العلم، كما قضيت عمري الماضي في ~~الدعوة إلى الصناعة. # ونحن في مصر نحيا في حلكة من الجهل، لا يكاد ينفذ إليها شعاع من العلم، هذا العلم الذي ~~تؤلف عنه ألوف الكتب وتصدر في شرحه ألوف المجلات في جميع عواصم أوروبا وأمريكا، بل لقد شرعت ~~عواصم الهند والصين ومن قبل ذلك اليابان في التنوير بل في التثقيف العلمي، ولأننا نجهل ~~العلم نجد ناسا فارغين يتحدثون عن الأدب كما لو كان شعوذة ولهوا بل إن منهم من يجد ~~العلم في تصغير محطة إلى محيططة وقلب الواو ياء ووصف الخادمة بأنها خادم فقط بلا تاء، وكأن ~~هذه الشعوذة هي رسالة حياتهم في هذه المدنية، أما صنع طائرة تستولي على السماء أو الاستعداد ~~لغزو القمر أو إطالة عمر الإنسان إلى مائتي سنة أو إلغاء حرارة الصيف وبرودة الشتاء من ~~المدن، أو زراعة البحار أو صنع اللحم من الخشب؛ كل هذا عندهم هراء صبيان، إنما الجد الخطير ~~في حياتنا أن نعرف أن تصغير محطة هو محيططة. # إن أوروبا في نهضة علمية منذ 500 سنة، ولن ننتظر 500 سنة حتى نبلغ مكانتها؛ ولذلك يجب أن ~~نجري بدلا من أن نمشي، بل أن نثب بدلا من أن ms81 نجري. # ولكن هل نستطيع أن ندرس العلوم في لغتنا بحيث تسير الثقافة العلمية جنبا لجنب مع ~~الصناعة أو الحضارة العلمية؟ # أجل نستطيع أن ندرس العلوم في لغتنا، ولكن ليس مع الحروف العربية الحاضرة؛ لسبب واحد هو: ~~أن العلوم الأوروبية والأمريكية - وليس في العالم غيرها - تعتمد في تكوين كلماتها التي تعبر ~~عن معانيها العلمية على الاشتقاق اللاتيني في الأكثر، والإغريقي في الأقل. # فتكوين الكلمة بالاعتماد على أصل مشتق من هاتين اللغتين ينير المتعلم ويجعل الفهم ~~ممكننا، وأيضا سهلا؛ لأن النظرة الأولى للكلمة توضح وتشير. # وهناك بالطبع اتجاه إلى ترجمة الكلمات العلمية بكلمات عربية، وهذا مجهود ضائع، وهو ~~كمن يحاول عبور الأقيانوس بالسباحة، فإننا نستطيع أن نسبح على شاطئ الأقيانوس الأطلنطي ~~ولكننا لن نستطيع السباحة من الشاطئ الأفريقي إلى الشاطئ الأمريكي، وهذا شأننا في الكلمات ~~العلمية؛ فإن هناك نحو خمسين ألف أو ستين ألف كلمة لا يمكن بتاتا أن نقوم بترجمتها؛ أي ~~إيجاد أو اختراع كلمات عربية تدل على معانيها بل إني أتهم من يحاول هذه الترجمة بأنه يعمل ~~من حيث لا يدري على تأخير نهضتنا العلمية. # وهذا هو ما يفعله المجتمع اللغوي. # ألم ينشأ المجمع اللغوي في عصرنا الزراعي الإقطاعي؟ # قد نقول: ولم لا تنقل الكلمات العلمية كما هي في اللغات الأوروبية، فنقول مثلا: بنسلين ~~وزولوجيه وأكسيد الكربون إلخ؟ # والجواب: إننا نفعل ذلك الآن ولكن مع الخيبة والفشل؛ ذلك لأننا لم ندرس اشتقاقات الكلمات، ~~وحتى حين ندرسها لا نستطيع أن نتعرف عليها في هجاء الحروف العربية؛ ذلك لأن حروف العلة ~~عندنا ثلاثة في حين هي ستة عند الأوروبيين؛ ولذلك لا نخطئ النطق عندما نرى الكلمة ~~العلمية في حروف أوروبية، ولكننا نخطئها حين نقرأها في حروف عربية؛ ولذلك لا نفهم ~~اشتقاقاتها عندما نقرأها في لغتنا. # واتخاذ الحروف اللاتينية ييسر لنا درس اللغات الأوروبية التي ينطق بها قرابة ألف مليون ~~إنسان؛ وبذلك تنبسط لنا آفاق رحبة من الثقافة التي نجهلها، وليس علينا عار في ذلك؛ فإن ~~مصر اتخذت قبل ألفي سنة الحروف الإغريقية ms82 بدلا من الحروف الهيروغليفية وأوروبا اتخذت ~~الأرقام العربية بدلا من الأرقام اللاتينية والعرب اتخذوا الأرقام الهندية بدلا من ~~الأرقام العربية وهي ما يسميها الأوروبيون الآن «عربية». # والعلوم تحتاج إلى الدقة وقبل كل شيء الدقة. # ولغتنا بنقص حروف العلة وأيضا خلوها من الزوائد والأصول المشتقة من اللغتين اللاتينية ~~والإغريقية لا يمكنها أن تفي بحاجاتنا في التعبير العلمي. # إننا بالصناعة قد شرعنا في أن نحيا حياة عصرية بدلا من الحياة التقليدية التي كنا وما ~~نزال نحيا فيها؛ ولذلك نحتاج إلى ثقافة عملية تؤيد وتدعم حياتنا الجديدة، حياة المجتمع ~~العلمي والبيت العلمي والنقل العلمي والمنطق العلمي واللغة العلمية، إننا سننهض بالصناعة ~~إلى مستوى الحضارة العصرية. # ولكن الصناعة ستبقى أجنبية عنا، لا نفهم رطانتها؛ ما دمنا لا نؤلف إلى جنبها ثقافة ~~علمية تساوقها وتسايرها وتدفعها، ولن يمكن التأليف العلمي باللغة العربية بحروفها ~~الحاضرة. # ثقوا أن هذا محال، ومن يقل غير ذلك إما أنه ضال وإما أنه مضلل، اسألوا كلية الطب، ~~اسألوا كلية الهندسة، اسألوا كلية الزراعة، اسألوا كليات العلوم جميعها؛ إنها جميعا تدرس ~~علومها باللغة الإنجليزية لماذا؟ لأن لغتنا العربية بوضعها الحاضر واعتمادها على الحروف ~~العربية لا يمكنها أن تؤدي هذه الخدمة، وما دمنا على هذه الحال فلن تكون في بلادنا نهضة ~~علمية، ثم لن ترتقي الصناعة وتغدو شعبية وإنما تكون هذه النهضة حين نتخذ الحروف اللاتينية؛ ~~أي لن تستعرب العلوم؛ إلا إذا استلتن الهجاء العربي، وأرجو ألا يشهر أحد في وجهي سلاح ~~الدين؛ فإن المسلمين في 1945 يبلغون 300 مليون لا يكتب اللغة العربية منهم سوى 60 مليونا، ~~ثم إن الهجاء في اللغة التركية المسلمة لاتيني. # الفصل الثاني والثلاثون # | المؤلفون المصريون يؤلفون بالإنجليزية # قبل نحو خمسين سنة دعت الحكومة الإيطالية إسماعيل «سري باشا» والد «حسين سري للسفر» إلى ~~إيطاليا لمعاينة نهر «إلبو»؛ وذلك كي يكتب تقريرا عن الممكنات المائية لهذا النهر وطرق ~~الري التي يستطيع هذا المهندس المصري العظيم أن يشير بها على الحكومة الإيطالية؛ حتى تزرع ~~وتفلح أرضها وتستغل نهرها. # وسافر هذا ms83 المهندس المصري، وبقي نحو عام يدرس هذا النهر ثم ألف كتابا علميا عن الزراعة ~~والري لوادي «إلبو»، ويمكن للمستطلعين أن يسألوا ابنه عن هذا الكتاب أو يبحثوا عنه في ~~المكتبات ولكن بأي لغة ألف «إسماعيل سري» هذا الكتاب؟ باللغة الإنجليزية. # هنا رجل مصري على كفاءة علمية عظيمة تدعوه دولة أجنبية؛ كي تستشيره في تعمير بلادها، ~~فيؤدي المهمة على الوجه الكامل ولكن ليس بلغة بلاده وإنما بلغة أجنبية، الكفاءة موجودة ولكن ~~اللغة العربية بسبب هجائها الحاضر ليست كفئا للتعبير، وهذه حال رجال العلم جميعهم في ~~مصر. # هذه هي حال المؤلفين المصريين الأطباء والزراعيين والبيولوجيين والجيولوجيين وغيرهم، فقد ~~رأيت لهم مؤلفات غاية في الدقة العلمية مع الإحاطة والإيجاز أو البسط والتوضيح بالرسم ~~وبالصورة، ولكنها كلها بالإنجليزية. # إننا لا ننكر قدر العلميين في مصر، ولكننا نشكو فقر اللغة بل ماذا أقول؟ # لا ليست اللغة العربية فقيرة في التعبير وإنما حروفها هي التي تعجز برسمها الحاضر عن ~~التعبير؛ ذلك أن حروف العلة فيها ثلاثة فقط في حين هي في اللغة الأوروبية ستة، ثم لأن ~~حروفنا ليست لاتينية، فإن الكلمة العلمية يستغلق علينا فهمها حتى حين نكتبها كما هي غير ~~مترجمة بالحروف العربية، ثم فوق ذلك جاء مجمع اللغة العربية فجعل الطين وحلا؛ بأن عارض ~~التعريب وأصر على ترجمة الكلمات العلمية؛ أي اختراع كلمات عربية تؤدي معاني المكتشفات ~~والمخترعات الأوروبية. # ومن هنا هذا العجز البالغ، العجز الخطر في التأليف العلمي في بلادنا. # نحن في نهضة كبيرة أو صغيرة في كل شيء إلا في العلم؛ لأن مجمع اللغة العربية يقاطع ~~الكلمات العلمية، ويصر على الترجمة دون التعريب وأيضا يعارض في جعل الهجاء العربي ~~بالحروف اللاتينية، إن قلبي يبكي لهذه الحال. # عندنا الرجال، عندنا الكفاءة، عندنا الحاجة إلى التأليف، ولكننا لا نعرف كيف نكتب سطرا ~~واحدا من الطب وغير الطب باللغة العربية. # إن أبناءنا ينشئون غير علميين، وهذا المجتمع العلمي وهذه الأخلاق العلمية وهذا الطب ~~العلمي وهذه الهندسة العلمية وهذه الزراعة العلمية كل هذا لن يتحقق؛ لأننا ms84 نعجز عن تأليف ~~الكتب العلمية عنها بلغتنا كما هي بحروفها الحاضرة. # وخطر هذا واضح بارز بل فاضح. # ذلك أنه تجاورنا أمة علمية قد أنشأت مجتمعا علميا، وهي تطمع وتطمح وتنشد آفاقا في ~~المستقبل، وتحسب أننا في خطر؛ إذا لم نهيئ للعلم جميع أسبابه. # وأعظم أسبابه هو اللغة وقد قيدنا لغتنا بحروف تمنعها هي من التعبير العلمي؛ أي تمنعنا ~~نحن من الرقي. ~~••• # عندما نتخذ الحروف اللاتينية ننتقل نحو ألف سنة إلى الأمام؛ ذلك أننا نستطيع أن نترجم ~~بمتوسط كتاب في العلوم كل يوم، فلا تمضي علينا سنتان حتى نكون قد عبرنا الجسر بين القرون ~~المتوسطة والعصر الحديث. # ونترجم للشعب الكتب التي تجعله يكف عن الإيمان بالخرافات والغيبيات والتي تجعله ينشد ~~المعيشة العلمية في المجتمع العلمي. # ونترجم للفنيين؛ حتى يتعلم أبناؤنا بلغتنا العربية - أجل - ونكذب فرية «دنلوب» التي ~~افتراها على لغتنا حين قال: «إن لغتنا لا تصلح لتدريس العلوم العصرية.» # ما أهنأك يا دنلوب وأنت في قبرك تضحك منا؛ لأننا حاربناك كي تجعل التدريس للعوم باللغة ~~العربية، ولكن ها نحن بعد موتك بثلاثين سنة (في 1945) وبعد استقلالنا ما زلنا نعجز عن ~~التعليم باللغة العربية. # ما أهنأك. وما أتعسنا. ~~••• # أكتب هذا وأمامي مجلد من المجلدات التي ينفق عليها مجمع اللغة العربية ألوف الجنيهات من ~~أموال الدولة في اختراع الكلمات العربية للمكتشفات والمخترعات الأوروبية. # أجل ما أتعسنا وما أهنأك يا دنلوب. # أوروبا تخترع وتكتشف وتفتح أبواب المستقبل للإنسان ونحن ماذا نفعل؟ # نضع أسماء لما اخترعته أوروبا وما اكتشفته «يا للحسرة»! # ما أحقرنا. # اقرأ أيها القارئ هذه الكلمات التالية التي اخترعها مجمع اللغة العربية في الطب ~~والبيولوجية، وبعد ذلك اعذر أطبائنا؛ لأنهم يعجزون عن التأليف باللغة العربية. # الخباط، الصفر، الصفاق، القمع، الرنح، الوتير، المنذنبة. # هذا جزء من ألف مما يجب على المؤلفين في الطب أو البيولوجية باللغة العربية أن يحفظوه عن ~~ظهر قلب ويؤلفوا به، أما الكلمات العلمية الأصلية، لغة الطب والبيولوجية العالمية؛ فيجب أن ~~نقاطعها وننساها، ألسنا من أبناء الأرض وهم من أبناء المريخ؟ ms85 # مرة أخرى ما أحقرنا! # ما هي اللغة؟ # هي أداة اجتماعية مثل سائر الأدوات الاجتماعية. # هي وسيلة التفاهم إلى أعلى بين أبناء الشعب. # هي وسيلة المعرفة والمعرفة قوة كما هي فهم. # الأوروبيون يفهمون الدنيا أكثر مما نفهمها الآن؛ لأن معارفهم العلمية تزيد ألف ضعف على ~~معارفنا العلمية، نحن قرويون بالمقارنة إليهم. # ليست اللغة قدسا من الأقداس؛ إذا كان لهذه الكلمات معنى. # إنما هي أدوات تبلى فنستبدل بها غيرها، وهي أسلوب في التعبير؛ أي التفكير يحتاج من ~~وقت لآخر إلى التمهيد والتنقيح والتغيير. # ثم بعد ذلك علينا ألا ننسى أن اللغة إنتاج مثل سائر أنواع الإنتاج في الأمة، فكما نحب ~~أن نزيد إنتاجنا في أقمشة القطن وكما نحب أن نجود في متانة هذه الأقمشة وجمالها كذلك يجب أن ~~ننتج كل عام بل كل يوم إنتاجا لغويا يهيئ لنا التعبير الصحيح؛ كي نفكر التفكير الصحيح ~~والتفكير العلمي هو أدق أنواع التفكير في أيامنا؛ لذلك يجب أن نكافح كل من يصدنا عن العلم ~~أو كل من يقيم العوائق في درسه، يجب أن نؤثر ابن رشد على الغزالي. # إن «ابن رشد» يدرس ويناقش إلى الآن في جامعات أوروبا؛ لأنه دعا إلى العقل والفلسفة، أما ~~الغزالي الذي جحد الفلسفة ودعا إلى منع تعليم الجغرافيا فلا يعرفه أحد في أوروبا في ~~أيامنا. # لقد صعقت عندما قرأت في صفحة 28 من كتاب «المنقذ من الضلال» للغزالي هذه الكلمات: # فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الأديان تخميني لا يعرف ذلك إلا من جربه ~~وخاض فيه ... فهذه آفة عظيمة؛ لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم. # أي علوم؟ # يريد الغزالي أني يزجرنا عن دراسة الرياضيات التي أثمرت علم الذرة، وقد نجح؛ فقد انزجرنا ~~وعرف الأوروبيون الذرة التي لا نعرفها، ومجمع اللغة العربية لا يصرح بضرورة زجرنا عن ~~الرياضيات أو سائر العلوم لكنه وضع من عقبات التأليف ما جعل العلميين الأكفاء في مصر ~~ينزجرون. # فهل نبقى منزجرين؟ ~~••• # كي نجعل العلوم مصرية كي نجعلها عربية نحتاج إلى شيئين: # الأول: # ألا ms86 نخترع أسماء للكلمات العلمية، بل ندخل الأسماء في لغتنا كما هي، ~~فنقول الأتومبيل بدلا من السيارة. # والثاني: # أن نكتب اللغة العربية بالحروف اللاتينية. # فأما الكلمات العلمية فمكانها من الثقافة البشرية عالمية فكلمات: ميكروب وبكتريا، وأسفلت، ~~وأكسوجين، وبترول، وفيتامين، وهورمون، ودينصور، وسيلاكانت، ودفتريا ونحوها؛ تعد عالمية؛ لأن ~~جميع المثقفين يعرفونها بهذه الأسماء ولا يترجمونها إلى لغاتهم؛ أي أن هذه الكلمات ليست ~~إنجليزية أو يابانية أو صينية أو ألمانية أو روسية، وإنما هي كلمات علمية، اتفق العلميون ~~في جميع الأمم المتمدنة على أن يبقوها كما هي ولا يترجموها إلى لغاتهم، ويجب علينا أن ~~نقتدي بهم. # وهذا هو عكس ما يفعله مجمع اللغة العربية في مصر؛ فإنه يخترع كلمات عربية لهذه الكلمات ~~العلمية كأن العالم كله على وفاق إلا نحن، فإننا ننشق عليه ونجعل للعلم لغة غير لغته في ~~جميع الأقطار. # أما الحروف اللاتينية فضرورة حتمية للغتنا؛ لأنها بحروف العلة الزائدة فيها تجعل ~~النطق للكلمات صحيحا؛ إذ هي ستة حروف بينما هي ثلاثة فقط في الحروف العربية، ولذلك نجد ~~أن كلمة «ملك» العربية يمكن أن ننطقها بحيث تعني: ستة أو سبعة معان، بينما هي بالحروف ~~اللاتينية يمكن ضبطها؛ فلا تعني غير معنى واحد. # ولكن التعبير العلمي وهو تعبير المستقبل ينهض فوق ذلك على تأليف الكلمات من أصول وزوائد ~~لاتينية أو إغريقية يدل تركيبها على المعنى المقصود من الكلمة؛ ولذلك نحن نفهم الكلمة ~~العلمية عندما نقرأها بالحروف اللاتينية، ذلك أننا ننطقها النطق السليم ونفهم مقاطعها ~~الأصلية في اللغتين الإغريقية واللاتينية، وهذا محال في الحروف العربية الحاضرة، والفهم هو ~~الغاية الأولى والأخيرة من اللغة. فيجب ألا نتخذ أسلوبا في الكتابة يؤدي إلى تعطيل الفهم ~~أو تعويقه. ~~••• # وأخيرا أناشد الأطباء والمهندسين والبيولوجيين والجيولوجيين والذريين والزولجيين ~~والبوتانيين؛ أن ينطقوا بالحق وأن يقولوا لنا كلمة الحق، وهو أنهم يعرفون علومهم هذه ~~ويمارسون فنونها ولكنهم يعجزون عن التأليف بها في اللغة العربية لسببين: # الأول: # أنهم لا يستطيعون ترجمة الكلمات العلمية. # والثاني: # أنهم لا يجدون أن الحروف العربية تكفي للتعبير ms87 السليم عما يرغبون في ~~كتابته. # إن عمري يقارب الآن السبعين، وأنا رجل مشغوف بالعلم مقدر له منذ شبابي. ومع ذلك أعترف ~~بأن جميع قراءاتي أو دراساتي كانت في الأنثروبولوجية والجيولوجية والتطور والسيكلوجية ~~والفلكيات وغيرها؛ كانت كلها بلا استثناء باللغتين الإنجليزية والفرنسية ولم أعثر قط في ~~الخمسين سنة الماضية على كتاب واحد - واحد فقط - باللغة العربية في هذه العلوم. # فإلى متى نبقى على هذه الحال؟ وإلى متى يحرم أبناء مصر وأبناء الأمم العربية الأخرى من ~~هذه العلوم التي يعرفها أبناء أوروبا وأمريكا وعن قريب أبناء آسيا؟ # لماذا نبقى في الجهل نتعصب للحروف العربية بلا تعقل وبلا تبصر؟ # لماذا نشهد على أنفسنا بأن ما قاله «دنلوب» عن لغتنا كان صحيحا؟ # لماذا لا نجرؤ ونقدم على اصطناع الحروف اللاتينية؛ فنقتني بذلك ثقافة علمية ~~ترفعنا باتساع آفاقها إلى مصاف الأمم العصرية فكرا ومادة؟ # الفصل الثالث والثلاثون # | الكلمات اللاتينية والإغريقية في لغتنا # وقفت ذات مرة عند كلمتين كثيرا ما تردان على أقلام الكتاب هما: «الصيد والقنص»، ~~وتساءلت كيف يكون معنى الفعل «قنص» صاد؟ إذ لا يصح أن نقول إننا خرجنا للصيد والصيد؛ لأن ~~هذا القول ينزل إلى درجة الجهل التي يبلغها الكاتب العامي في أيامنا حين يقول إننا على ~~«أهبة الاستعداد»، والأهبة هي الاستعداد، وأتأهب تعني: أستعد. # ولم أقف طويلا فإني أدرت الكلمتين على لساني وفي عقلي، فوجدت أن صحتهما هي «الصيد ~~بالقنص»؛ أي الصيد بالكلب والكلب في اللاتينية وفي لغة الدولة الرومانية هو «كنس» ولكن جهل ~~اللغويين العرب باللغات الأجنبية ورطهم في هذا الخطأ. # وكنت في بعض أبحاثي أقلب المعجم الإنجليزي عن أصل كلمة «أوركسترا»؛ أي الفرقة الموسيقية ~~التي تعزف بالتوافق بين الآلات؛ فوجدت أن المعنى الحديث مصطنع، وأن الأصل في كلمة «أوركس» ~~هي الرقص وهذا الأصل إغريقي لاتيني، ففعل رقص ليس عربيا بل لاتينيا. # وكثيرا ما استوقفتني هذه الكلمات، وهي في الأغلب فنية أدبية وحملتني على التفكير في ~~الأصل لهذه العلاقة بين العرب وبين الإغريق والرومان، واعتقادي أن انتقال الثقافة الإغريقية ~~من الإسكندرية ms88 إلى الشرق العربي؛ هو حقيقة تاريخية، ثم اتصال الإمارات العربية في حوران ~~والعراق بالدولة الرومانية الغربية ثم الشرقية عقب المسيحية؛ هو حقيقة أخرى لا يمكن ~~إنكارها، حتى صار العرب يصطنعون مئات الكلمات الإغريقية واللاتينية والكلمات اللاتينية - في ~~ريفنا وقرانا - مألوفة مثل: فدان وجرن وماجور وجليد والكلمة العامية «قلقيلة». # فالفدان مشتق من فيودوم؛ أي الماشية أو الملك في اللغة اللاتينية وفي معاجمنا لا يزال ~~معناه الثور أو الأرض ومن هذه الكلمة اشتق المعنى الإقطاعي «فيودال». # أما الجرن الذي ندرس عليه حبوبنا فهو «جران» اللاتينية بمعنى «الحبوب». # أما «الماجور» فهو الكبير؛ أي الماعون الكبير للعجن في اللاتينية. # وكلمة «الجليد» تحمل لفظها ومعناها في اللاتينية كما هي في العربية. # أما «القلقيلة» فهو «الحجر» في اللاتينية. # لنعد إلى الكلمات الفنية والأدبية، فإن كلمة لغة عندما نتأمل اشتقاقها العربي نجد أنه لا ~~يتلاءم مع المعنى؛ إذ ليست هي من اللغو وإنما هي كلمة «لوغوس» (والسين زائدة) في اللاتينية ~~بمعنى الكلمة. ~~«والقرطاس» لاتينية واشتقاقاتها كثيرة في اللغات الأوروبية، وظني أن «كراس وكراسة» ~~محرفان عنها وكلها بمعنى «الورق». # وكذلك «القلم» فهو كلمة لاتينية ما زلنا نجدها في قولهم عن زلة القلم «أبسيس ~~كلموس». # وانظر إلى كلمة «زخرفة» وهي تزيين الجدران بالرسوم فإنها «زوجراف»؛ أي رسم ~~الحيوان. # ولا نذكر هنا كلمات الفلسفة والسفسطة والجغرافيا والتاريخ؛ فإنها جميعها لاتينية إغريقية ~~وكلمة «أرخ» الذي اشتققنا منها تاريخ، تعني: القديم. # ومن كلمات البناء: البرج والبلاط والقرميد والإفريز، وكذلك كلمة قرية، فإنها لاتينية وقد ~~وجدنا لها صيغة وهي «كورة»، ولكننا خصصنا هذه الثانية للإقليم. # وكذلك كلمة عقار، فإنها هي نفسها «أكر» الإنجليزية الحاضرة التي تعود إلى أصل لاتيني ~~بمعنى الأرض. # ولكن ربما يزيد استغرابنا عندما نجد أن هناك كلمات أصيلة في القضاء والشرع تعود إلى ~~أصل لاتيني إغريقي مثل: «الزكاة» أي: العشر «ذكات» ومثل «الميراث المشتق» من الأصل «إرث» ~~وهي الكلمة الإغريقية «إريس» ومثل «القسطاس»؛ أي العدل، وهي بلفظها ومعناها في اللاتينية، ~~ومثل «القاضي» كذلك إذ هي لفظا ومعنى لاتينية، وكذلك القانون. ms89 # وكنت أقرأ سورة «والنجم إذا هوى» فوجدت أن تفسير «سدرة المنتهى» لا يتفق مع المعاني التي ~~تنطوي عليها هذه السورة الخاصة بالنجوم؛ إذ يقال في الكتب العربية إن «سدرة» هي شجرة، ولكن ~~ليس هناك شك في أن «سدرة المنتهى» هي «النجم الأخير» وهو في اللاتينية «سيديرا ~~أولتيما». # هذه الكلمات ومئات غيرها هي رواسب الدولة الرومانية في الأقطار العربية، ولا عجب أن ~~كلمة «فدان» لا تزال تحمل معناها الروماني القديم، وأنها هي الأصل في المعنى الإقطاعي ~~للنظام الاجتماعي الذي كان يعيش في القرون المظلمة. # وكثير ممن يتحمسون لما يزعمون أنه تقاليد «شرقية» أو عربية يجهلون ذلك جهلا محزنا ~~ويعارضون في تطورنا معارضة مؤذية؛ لأنهم إنما يتحمسون لأحافير رومانية قد تحجرت في بلادنا ~~بعد أن تخلص منها أبناء الرومان؛ أي الإيطاليون. # ويحسن هنا أن أضع الأصول الإغريقية واللاتينية التي ذكرتها: # قنص # كلب # Canis # رقص # رقص # Orchestre # أحب # أحب # agappo # فدان # ملك أو ماشية # Feudum # جرن # حبوب # Grain # ماجور # ماعون كبير # Major # قلقيلة # حجر # Calcule # جليد # ثلج # Gelid # لغة # كلمة # Logos # قرطاس # ورق # Cartas # قلم # قلم # Calamus # زخرفة # رسم الحيوان # zoograph # فلسفة # فلسفة Philosophie # سفسطة # سفسطة # Sophism # تاريخ # قديم # Arch # البرج # البرج # Bourg # البلاط # بلاط Palate # إفريز # إفريز # Freize # قرميد # صلصال # Ceramic # عقار # أرض # Acre # زكاة # عشر # Decat # إرث # إرث # Hergs ~~«الهاء صامتة» # قسطاس # عدل # Justice # قاض # قاض # Judge # قانون # قانون # Canon # سدرة المنتهى # النجم الأخير # Sidera ultima # سيف # Sif # بركان # Volcano # قرية # Cure # موسيقا # Muse # قصر # Castle # هذا قليل بل قليل جدا من مئات الكلمات الإغريقية واللاتينية التي دخلت لغتنا، وبقيت ~~على أصلها لم تترجم ولم يخترع العرب كلمات عربية تؤدي معانيها، وهذا هو ما يجب أن نفعل ~~بكلمات العلم. # الفصل الرابع والثلاثون # | نحو التوحيد # عندما نسبر الأعماق التي تنشأ في ظلامها هذه النزعات العجيبة نحو كراهة الحضارة العصرية ~~وما يتبع ذلك من كراهة الكلمات الأوروبية، ثم أخيرا هذا التشبث بعادات ذهنية واجتماعية ~~شرقية، مثل المحافظة على عادات الزواج والطلاق، بل المحافظة ms90 على الملابس الفضفاضة، عندما ~~نسبر هذه الأعماق؛ نجد أنها كلها ترسو على مراس من البغض للاستعمار الأوروبي. # هذه الإحساسات والنزعات يجب أن تجد منا الثناء لهذا السبب؛ فإن هذا الاستعمار بقي نحو ~~مائتي سنة وهو يحطم الشعوب العربية وينهب ثرواتها ويفسد أخلاقها، ويسلط عليها أوغادها، ~~وهو يوشك على الخروج من أرضها ولكن بعد أن أفشى المرض والفقر والجهل في شعوبها، ثم ~~الاستبداد والفساد في زعمائها. # نحن معذورون فيما نحس من بغض للحضارة الأوروبية الزاحفة، ولذلك عندما نقاطع هذه الحضارة، ~~وعندما نتشبث بالموقف السلبي منها؛ نرفض حتى كلماتها وحروفها إنما نصدر في كل ذلك عن إحساس ~~بكرامتنا التي ديست بأقدام الاستعماريين، وكأننا في هذا الموقف رهبان نرفض الدنيا؛ لأننا ~~لا نطيقها ونعتكف قانعين بالجوع والحرمان أو ما يقاربهما من الزهد، ولكن هذه الدنيا ~~للمتعلقين وليست للعاطفيين. # فإن الحضارة العصرية: هي حضارة العلم والصناعة والرخاء والثراء والصحة والثقافة، وأخيرا ~~هي حضارة المستقبل الاشتراكي للإنسان هذا المستقبل الذي يومئ إلى الخير والبر والمساواة ~~والسلم. # فيجب أن نتعقل وأن نذكر أن الاستعمار كان حقبة محتومة في تاريخ الإنسانية لم يكن ~~مفر منها، وهو إذا كان قد قسا وتوحش في معاملتنا فإن قسوته وتوحشه لم يكونا أقل أو ~~أرفق في معاملته للملايين من العمال في أوروبا نفسها. # ثم نحن بين اختيارين: ~~(1) # إما أن نهلك ونباد كما باد الدينصور إذا التزمنا عاداتنا الذهنية والاجتماعية ~~والثقافية لا نغيرها. ~~(2) # وإما أن نعين لشعبنا وسائر العرب آفاق التطور البشرية التي يتطلعون إليها ~~وينشدونها ويهيئون لها، فنبقى ونحيا. # ووسيلة البقاء والحياة في عصرنا هي العلم والصناعة، ولا سبيل إلى الصناعة بغير العلم ولا ~~سبيل إلى العلم بغير الحروف اللاتينية. # نحتاج إلى ثقافة علمية تعم الشعب؛ حتى يترك غيبياته وينزل على قوانين المادة في الزراعة ~~والصحة والصناعة وحتى تعمه العقلية العلمية؛ فيحل مشكلات الزواج والطلاق والعائلة والجريمة ~~والتربية والسياسة بأساليب العلم، وليس وفقا وخضوعا للتقاليد والعقائد. # وهذه النزعة العلمية في الشعب هي التي تحفز على التخصص العلمي وعلى مكافأة العلميين ~~والاستماع ms91 لهم في نصائحهم وتوصياتهم بشأن الارتقاء المادي لبلادنا وهو؛ أي هذا الارتقاء ~~المادي أساس الارتقاء الاجتماعي والثقافي والفني. # والحروف اللاتينية هي وسيلة العلم ولا وسيلة غيرها؛ لأن حضارة أوروبا هي الحضارة العلمية ~~التي تربط الحاضر بالمستقبل في حين أن حضارتنا في مصر تربط الحاضر بالماضي وتشبثنا بحضارتنا ~~هو عناد لا أكثر وهو عناد قد أومأنا إلى أسبابه ويجب أن نكف عنه. # لقد مضى علينا ثلاثون سنة بل أكثر (في 1945) ونحن في استقلال ثقافي ومع ذلك لم نتجه ~~الوجهة العلمية؛ لأن حروف لغتنا العربية لا تلائم العلم؛ إذ إن كلمات العلوم تؤلف من كلمات ~~لاتينية أو إغريقية لن نعرف كيف ننطق بها حروفنا العربية الحاضرة؛ ولذلك لن نعرف ~~معانيها. # وبرهان الضرر العظيم الذي يعود علينا من التزام الحروف العربية هو أن العلميين ~~الجامعيين من الأساتذة لا يزالون يؤلفون كتبهم ويلقون محاضراتهم باللغة الإنجليزية دون ~~اللغة العربية. # ثم يجب ألا ننسى المعنى الإنساني السامي في اتخاذ الحروف اللاتينية، معنى الانضمام في ~~الثقافة إلى ألف مليون إنسان متمدن نحيل الانفصال بيننا وبينهم إلى اتصال والخلاف إلى وفاق، ~~وفي كل هذا سلم وحب وإنسانية. # الفصل الخامس والثلاثون # | تلخيص # سبق أن قلت: إن الذي بعثني على تأليف هذه الرسالة أو هذا الكتاب هو مقال نشره «الأستاذ ~~أحمد أمين» في مجلة الثقافة بشأن ما يطرأ على الكلمات من تغيير؛ لاختلاف الزمان أو المكان ~~الذي تستعمل فيه. وأرجو من القارئ أن يعرف أن ما كتبته هو بمثابة التعقيب أو الشرح «الذي ~~قد لا يرضاه أحمد أمين» لهذا المقال، وغايتي - قبل كل شيء - المناقشة؛ حتى نصل إلى تمحيص ~~جديد لمعاني الكلمات، واستخدام هذه الكلمات في بلاغة جديدة للفهم السديد. # ومع أن ما سبق إنما هو تلخيص فإني أعتقد أن القارئ يحتاج هنا إلى تلخيص التلخيص؛ حتى ~~تبرز الأعلام المهمة لهذا الموضوع: ~~(1) # يجب أن نكبر من شأن لغتنا العربية، وأن نوليها أعظم اهتمامنا؛ لأنها وسيلة ~~التفكير ولا يمكن التفكير الحسن بلا لغة حسنة. ~~(2) # كان فن البلاغة العربية - ولا يزال ms92 إلى الآن - فن التعبير عن العاطفة ~~والانفعال، ونحن لا نفكر حين ننفعل أو نستسلم للعاطفة أو التفكير الحسن؛ ولذلك ~~فإن هذا الفن لا يخدم التفكير العلمي والفلسفي. ~~(3) # المجتمع الحسن: هو الذي يقوم على العقل وحل المشكلات بالمنطق، فنحن في حاجة ~~إلى بلاغة جديدة تؤدي إلى دقة الفهم العلمي؛ لإيجاد مجتمع علمي، بلاغة تميز بين ~~الكلمة الذاتية وبين الكلمة الموضوعية. ~~(4) # اللغة: هي تراث قديم تحمل كلماتها معاني الحياة الذاتية «الحياة من الحيا ~~والروح من الريح»، أو تحمل معاني السحر «علا نجمه وأفل نجمه»، بل هي حافلة ~~بأحافير ورواسب يجب أن نتوقى استعمالها إذا شئنا التفكير السديد. ~~(5) # كان المجتمع العربي القديم يستند إلى العقائد والتقاليد، وكان مجتمعا ~~حربيا يحتاج إلى لغة العواطف والانفعالات التي تحرك الإرادة؛ ولذلك أصبحت ~~بلاغته كذلك، وهي لهذا السبب صغيرة القيمة في خدمة مجتمعنا الذي نحاول أن ~~نجعله يسير على مبادئ المنطق والعقل والعلم. ~~(6) # داء الأدب واللغة عندنا هو الكلاسية؛ أي التليدية، وهي تؤدي عندنا إلى محاولة ~~استرداد الأمس بالتعبير والتفكير. ~~(7) # المبالغة في هذه الكلاسية؛ تؤدي إلى تحجر اللغة كأنها لغة الكهنة في ~~المعابد؛ فتقطع الصلة بينها وبين المجتمع. ~~(8) # في لغتنا كلمات تحمل شحنات عاطفية سيئة؛ تؤدي إلى ارتكاب الجرائم «الدم ~~والعرض» في الصعيد أو إلى كراهة بعضنا بعضا (كافر نجس) والكلمات الجنسية التي ~~تؤدي إلى خيالات الحشاشين، وعلينا أن نقي عقولنا من هذه الكلمات. ~~(9) # للكلمة إيحاء اجتماعي للخير أو الشر، فيجب أن نستغل اللغة؛ للتوجيه الحسن ~~للأمة والفرد والبلاغة القديمة بلاغة العاطفة والانفعال مفيدة هنا للتوجيه ~~الاجتماعي الحسن، ولكن مع الحذر العظيم من الدعاية السيئة. ~~(10) # لن نستطيع الانتفاع بذكائنا؛ إلا إذا كانت اللغة ذكية أيضا؛ أي تؤدي المعاني ~~الدقيقة في العلوم والفلسفات، ومن هنا ضرورة العناية بتمحيص المعاني حتى نمنع ~~الالتباس؛ ولهذا تجب مقاطعة المترادفات والمتشابهات، مثل: (بلدة للمدينة وبلد ~~للقطر). ~~(11) # الكلمات الحسنة في اللغة الحسنة تبني الأخلاق حتى ليصح أن تعد الكلمة ~~شعارا ننضوي إليه، كما لو كان راية في جهاد، وعندنا من كلمات المروءة ~~والشهامة ms93 والبر والحرية وأمثالها ما نبني به المجتمع الحسن. ~~(12) # علينا أن نزيد في لغتنا مثل هذه الكلمات بحيث تخدم تطورنا العصري؛ فنؤلف ~~الكلمات التي توحي بالرقي وزيادة الصحة والسعادة والنور والثقافة. ~~(13) # البلاغة الجديدة: هي بلاغة المنطق الذي يرشدنا إلى توقي الخطأ. والتفكير ~~السديد: هو التفكير العلمي الموضوعي الذي يقوم على التجربة، واللغة الحسنة هي ~~التي تؤدي المعنى في دقة هندسية ووضوح إقليدي. ~~(14) # نشأت في عصرنا الحديث لغتان جديدتان: إحداهما لغة العلوم؛ فيجب أن نأخذ ~~كلماتها جميعها بلا ترجمة ولغة كوكبية أخرى ينطق بها كل متمدن في الدنيا مثل: ~~التليفون والتلغراف وسينماتوغراف والرديوفون، فيجب ألا نقاطعها؛ لأنها لغة ~~كوكبية جديدة لا تملكها أمة دون أخرى. ~~(15) # كل إنسان متمدن يجب أن يتعلم ثلاث لغات: لغته الأصلية التي تعلمها من أمه، ~~ولغة العلوم التي تكتب بها البيولوجية واليوجنية والفسيولوجية والكيمياء إلخ ~~ولغة هذا الكوكب - كما ترى في كلمات كوكبية تنشرها الجرائد والكتب. ~~(16) # يجب أن نستبصر بحركة الأستاذ «أوجدين» في الإيجاز والتبسيط، باختيار الكلمات ~~التي لا تتحمل الشكوك في معانيها، وأن نيسر تعليم اللغة العربية للعربي ~~وللأجنبي. ~~(17) # لغتنا العربية كثيرة القواعد والشذوذات والكلمات المترادفة أو المشتبهة، وهي ~~تحتاج من الوقت لتعلمها نحو ثمانية أو عشرة أمثال الوقت الذي تحتاجه اللغة ~~الإنجليزية، فيجب أن نتجه نحو تيسيرها؛ بالإقلال من القواعد والشذوذات بل ومن ~~الكلمات. ~~(18) # اتخاذ الخط اللاتيني يحمل الأمة إلى الأمام مئات السنين، ويكسبها عقلية ~~المتمدنين، ويجعل دراسة العلوم سهلة. وهي خطوة نحو الاتحاد البشري. ms94