######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.BarnardShaw.Hindawi92920684 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 92920684 #META# Title: برنارد شو #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # دنيا الأحلام والأماني‏ # شو في حياته الشخصية‏ # هؤلاء علموا برنارد شو‏ # الصداقة حب على مستوى عال‏ # العبقري في زواجه‏ # الاشتراكية مذهب شو‏ # الاشتراكية الإنجليزية وحزب العمال‏ # أسلوب شو‏ # شو وويلز‏ # شو وتولستوي وشكسبير‏ # المسرح وسيلة للتربية‏ # الزواج في درامات شو‏ # الفقر . الفقر . الفقر‏ # أولى درامات شو‏ # التربية مهمة العمر‏ # فكرة السبرمان عند شو‏ # كتاب السبرمان‏ # يجب أن نعيش ألف سنة‏ # الدين كما يؤمن به شو‏ # إصلاح الهجاء الإنجليزي‏ # شو والطب والأطباء‏ # شو في سنيه الأخيرة‏ # سطور من الآنسة باتش‏ # كلمات برنارد شو‏ # سطور أخيرة‏ # المقدمة‏ # دنيا الأحلام والأماني‏ # شو في حياته الشخصية‏ # هؤلاء علموا برنارد شو‏ # الصداقة حب على مستوى عال‏ # العبقري في زواجه‏ # الاشتراكية مذهب شو‏ # الاشتراكية الإنجليزية وحزب العمال‏ # أسلوب شو‏ # شو وويلز‏ # شو وتولستوي وشكسبير‏ # المسرح وسيلة للتربية‏ # الزواج في درامات شو‏ # الفقر . الفقر . الفقر‏ # أولى درامات شو‏ # التربية مهمة العمر‏ # فكرة السبرمان عند شو‏ # كتاب السبرمان‏ # يجب أن نعيش ألف سنة‏ # الدين كما يؤمن به شو‏ # إصلاح الهجاء الإنجليزي‏ # شو والطب والأطباء‏ # شو في سنيه الأخيرة‏ # سطور من الآنسة باتش‏ # كلمات برنارد شو‏ # سطور أخيرة‏ # | برنارد شو # | برنارد شو # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # هذه تجربة أولى للترجمة بحياة برنارد شو وأعماله، رجوت أن أحقق فيها بعض ما أريد عن هذا ~~الأديب الفيلسوف الذي حفل الصف الأول من هذا القرن بأفكاره وآرائه وتوجيهاته. # وكنت - منذ أكثر من ثلاثين سنة - على نية إخراج كتاب عنه، ولكن كان يمنعني ما أحسه من ~~الجمود العام في الجمهور، وهو جمود كانت تؤيده قوات رجعية عديدة مثل القصر، والاستعمار، ~~ودعاة التقاليد. # وقد كان كل هؤلاء في تحالف خفي غير واع، أو واع لأنهم كانوا يستغلون الشعب ويكرهون ~~ارتقاءه الذي يحيف بامتيازاتهم وينتقص من قوة مراكزهم ومبلغ ثرائهم، ولكن الهواء الجديد ~~الذي هبت نفحاته منذ قيام الثورة في 1952 قد أتاح لي التفكير في هذا الكتاب والتفريج عما ~~اختمر واحتبس في نفسي طوال السنين الماضية. # وكتابي هذا للعقول المفتوحة التي ترحب بالأفكار، ms001 وتجترئ على تخطيط المستقبل، وتضع البرامج ~~للحياة، وليس هو للعقول المقفلة التي تضع التقاليد فوق التطور، وتستسلم للغيبيات التي كان ~~يؤمن بها الفراعنة قبل خمسة آلاف سنة، والتي تعتقد أن الفقر من سنن الطبيعة، وأنه خالد لا ~~يمكن محوه من المجتمع البشري. # هؤلاء المستحيلون الذين ارتضوا لأنفسهم إغلاق عقولهم، ووضعوا العقيدة المريحة المرفهة ~~فوق الشك المقلق، هم علة تأخرنا، وقد كافحتهم نحو نصف قرن، ولكني لا أستطيع أن أقول إني ~~نجحت في تغييرهم؛ فإن قوات الظلام التي يتخبطون فيها ويعتمدون عليها أكبر من قوات النور، ثم ~~أنا فرد وهم جماعة، ولا أكاد أجد أديبا آخر يحمل عبء المكافحة لهم غيري؛ لأن أدباءنا أو من ~~يسمون «أدباء» قد فروا من معارك القرن العشرين إلى معارك نائية في أعماق التاريخ ~~قبل خمسمائة أو ألف سنة؛ ولذلك بدلا من أن يؤلفوا عن الفقر في مصر، أو عن استبداد أسرة ~~محمد علي، أو عن استعمار الإنجليز لوطننا وشعبنا، أو عن الجهل العام بالقيم الانفجارية في ~~العلوم العنصرية، أو عن الاشتراكية الإنسانية التي تدعو إلى الإخاء البشري ... أقول قد فر ~~أولئك الذين نسميهم «أدباء» إلى شغل أذهانهم بقضايا ومشكلات منفصلة من تاريخنا الحاضر؛ ~~ولذلك رأينا من هؤلاء الأدباء الفارين من يكتب عن أبي نواس أو ابن الرومي أو الخوارج أو ~~المأمون، أو أسلوب الجاحظ، أو أدب المتنبي، أو نحو ذلك، ويوهم الجمهور أنه يعالج بهذه ~~المؤلفات صميم الأدب. # وكل هذا فرار من مشكلات مصر الحاضرة، وكلمة «فرار» هي آدب كلمة أصف بها مؤلفات هؤلاء ~~الكتاب؛ لأني لا أحب أن أقول إنهم تعمدوا الكتابة عن هذه الموضوعات النائية كي يشغلوا شباب ~~الشعب المصري ويغشوه بها بدلا من أن يوجهوه إلى مشكلاتنا الحاضرة ويخلصوا له. # والأدب يجب ألا ينفصل عن المشكلات الاجتماعية والسياسية، أي يجب أن يلصق بشئون المجتمع ~~وارتقاء الشعب نحو القيم الإنسانية. # وفي آراء برنارد شو الأدبية ما يحل هذه المشكلات، وقد يجد فيها أصحاب العقول المقفلة ما ~~يعد كفرا بالعقائد والأخلاق، وليست هذه العقائد ms002 والأخلاق سوى عادات اجتماعية أو عادات ~~ذهنية، والتزامها فيه تجمد يعوق التطور، وحسبنا تجمدا مئات السنين الماضية، بل حسبنا هذا ~~التجمد إزاء القوات الجديدة التي تهب علينا بنارها. # إن إسرائيل تصنع الهيدروجين النظير الذي يعد أساسا للقنبلة الهيدروجينية أو جزءا ~~فيها، فهل نجمد بعد هذا أو نرفض التطور ونؤلف عن أبي نواس؟ أو هل يرضينا أن نؤلف عن ~~الأساطير القديمة - مثل أهل الكهف - ونسمي هذا التأليف فنا راقيا؟ # لقد منعنا التفكير اليساري منذ الحرب الكبرى الأولى - والتفكير اليساري هو التفكير العصري ~~- فوجد «أدباؤنا» الطمأنينة والأمن والسلام في الفرار من كل ما يمس العصر الحاضر، وجعلوا ~~يؤلفون عن القرون الماضية، وأحبتهم حكومات المستبدين لهذا السبب، كما كرهت أولئك ~~الكتاب اليساريين الذين اشتبكوا في معارك الذهن السياسية والاجتماعية العصرية، لم تكرههم ~~فقط، بل حبستهم وعذبتهم. # يجب أن نقول لأدباء مصر: العبوا كما تشاءون، ولكن اتركوا أولئك الذين يجدون أن عقولهم ~~تبصر كما أن عيونهم تنظر، اتركوهم كي يعالجوا الشئون العصرية في مصر، اتركوا اليساريين ~~واتركوا الاشتراكيين، اتركوا الأحرار كي ينبهوا الشعب إلى الأخطار التي تواجهه وأيضا إلى ~~الفرص التي تنتظره. # إننا نحتاج إلى تجديدات لا إلى تقاليد، ونحتاج إلى استخدام العلوم لترقية اقتصادياتنا ~~وأيضا كي نتعلم منها كيف نصنع الهيدروجين النظير. # ونحتاج إلى أدب يكتب لأبناء القرن العشرين عن شئون القرن العشرين، وليس عن شئون القرن ~~الرابع أو العاشر. # نحتاج إلى أدب الأفكار، لا إلى أدب الألفاظ. # وسيشبع القارئ أفكارا من هذا الكتاب، ولكني أرجو أولئك الذين يجهلون الأدب الإنجليزي أن ~~يقرأوا مع هذا الكتاب كتابي الآخر: «الأدب الإنجليزي الحديث»؛ إذ هو تمهيد وتقديم لدراسة ~~شو. # | دنيا الأحلام والأماني # قل أن نجد عظيما في شأن من الشئون البشرية إلا وله هوسة أو لوثة قد أصابته وهو في ~~شبابه، وهذه الهوسة واللوثة على الرغم مما يبدو لأصدقائه أو عارفيه كما لو كانت غفلة أو ~~سماجة أو وقاحة، إنما تدل على يقظة الوعي، وأنه قد شرع يستقل في تفكيره ويسأل: لماذا ~~الحكومة؟ لماذا الدين؟ ms003 ما هي السعادة؟ ما هي الحضارة؟ ما هو الحب؟ # وهو في شبابه يتحسس المبادئ ويقارن بين الأحلام والحقائق ويرفض التسليم بالقواعد، ~~ويحاول أن يبتكر في نظم المجتمع أو نظام حياته، وقد يسخف في بداياته ومحاولاته، ولكنه ينتهي ~~منها إلى الدرس الجاد وإلى الأفكار الناضجة التي يستقر بها على فلسفة ويقين. # وكلنا سواء في رؤية المساوئ التي تحفل بها الحضارة، بل الحضارات قديمها وحديثها، وليس ~~منا من ينكر المظالم التي تقع بالملايين من البشر، والبؤس الذي عاناه ويعانيه الناس من ~~الحرق قديما والاستعمار حديثا، وإرهاق العواطف بسوء العلاقات البشرية، والتكاليف الباهظة ~~التي تطالبنا بها الحضارة. # وكثيرون من الشبان وقفوا فيما بين العشرين والثلاثين من أعمارهم يسألون: لماذا كل هذا ~~العذاب؟ لماذا لا يكون هناك مجتمع عادل نعيش فيه في بساطة لا ترهق وحرية لا تستباح، وإخاء ~~عام يشملنا بالحب؟ # ونحن في هذه الفترة نحلم ونتمنى، وتزيد أحلامنا وأمانينا عندما يزيد الإرهاق وتكثر ~~المظالم؛ ولذلك ننفجر بالثورة لتحقيق بعض من هذه الأحلام والأماني في تلك الأوقات. # ونحن نحلم لأنفسنا ونحلم للمجتمع. # والشاب حين يحلم لنفسه وشخصه - بشأن الحب والزواج والعمل والكسب - إنما يبني حياته أو ~~بالأحرى يؤسسها، وهو يدرس ويكد كي يحقق ما يحلم به، بل كثيرا ما أجد الموظف الذي دخل في ~~العقد السادس من عمره يحلم ببضعة الفدادين التي يشتريها عند بلوغه سن الإقالة، ويحيا فيها ~~حياة السذاجة والقناعة ويتخلص بها من تكاليف الحضارة الباهظة التي يعانيها في إقامته ~~بالمدينة، وكلنا نهفو في أي وقت من أعمارنا، إلى تمضية بضعة أسابيع في المصايف الساذجة حيث ~~نستطيع التخلص من تكاليف الحضارة وحيث نسترخي دون أن نقيد بنظام أو ميعاد. # والريف بنضرته وسذاجته، وحيواناته وأشجاره، وقناعة سكانه، هو أقرب الحقائق إلى الأحلام، ~~وريفنا في مصر يحفل بالبؤس والقذر والمرض وسائر مخلفات الإقطاعين المستكرشين، ومع ذلك نجد ~~بيننا من الشيوخ المتعبين من يحلم ويبني أمانيه على تمضية سني العمر الأخيرة فيه، أما ريف ~~أوربا فمن أجمل الأرياف في العالم؛ ولذلك يصح أن يكون ms004 من الأماني وأن يحلم به الحالمون، ~~ولعل أعظم ما يفصل بين الريف الأوربي والريف المصري أن الأول عرضة لأن تغسله الأمطار ثلاث ~~أو أربع مرات في الشهر؛ ولذلك تبنى قراه بالحجر ويبقى نظيفا، بل ناصعا، كما يخلو من ~~الغبار، أما ريفنا الذي تبنى منازله بالطوب الأخضر، والذي يجف فيه الهواء، فيمتلئ بالغبار ~~ويحفل بالقذر، ومع كل ذلك ما يزال موضع الأماني لما فيه من سذاجة العيش واسترخاء الحياة عند ~~الذين تعبوا وتوتروا من حضارة المدن. # ولكن الحالمين الذين يمعنون في أحلامهم لا يقنعون أحيانا بالريف، فيتجاوزونه إلى البكر ~~من الأقاليم النائية عند البدائيين أو المتوحشين، وهم ينزعون إليه بخيالهم بحسبان أنه يخلو ~~تماما من تلك المركبات الحضارية التي تربك المتحضرين وتعقد حياتهم وترهقهم ~~بالتكاليف والنظم. # وعندما تفسد الحضارة وتحفل بالمظالم يهفو الخيال إلى هذا الحلم. # وكانت الحضارة على أفسدها في فرنسا قبيل الثورة الفرنسية؛ ولذلك رأينا اثنين من أعظم ~~الأدباء يدعوان إلى السذاجة والفرار من الحضارة، أولهما «جان جاك روسو» الذي عزا إلى ~~الحضارة جميع الكوارث حتى كارثة زلزال لشبونة ودعا إلى العيش الساذج، وثانيهما «برناردان ~~سان بيير» الذي نقلنا في «الكوخ الهندي» إلى مكان ناء في أقصى أفريقيا حيث يعيش المحبان ~~في كوخ لا يزعجهما حسد من المجتمع أو ضرائب من الحكومة، أو ترف مزعج من اللباس والطعام، أو ~~مواعيد مؤقتة بالساعة والدقيقة للعمل والكسب. # وقد قرأ نابليون هذه القصة ودعا المؤلف وطلب إليه أن يؤلف كوخا هنديا «آخر»، والعبرة ~~هنا أن نابليون على الرغم من أنه كان على قمة الحضارة، يسعد بكل ما فيها من وسائل الإسعاد، ~~كان ما يزال مثلنا جميعا يهفو إلى حياة السذاجة والقناعة التي رسمها المؤلف في ~~«كوخ». # غاندي مع عنزته وفي شملته، وتولستوي في ريفه، وطعام النبات بدلا من طعام اللحم، والحياة ~~الجديدة الخالصة من شوائب المجتمع، كل هذه أحلام حلم بها بعضنا، وهو وإن لم يستطع النزول ~~على شروطها والعمل بقواعدها، قد انتفع بها؛ لأنها حفزته إلى التفكير والمراجعة، وما أسميه ~~«يقظة ms005 الوعي » لأنه صحا وسأل وحاول. # والشاب الذي يستسلم للقواعد الاجتماعية، ولا يكابد قط مثل هذه الارتباكات، ولا يفكر في ~~المشكلات التي يخلقها لنفسه، مثل هذا الشاب لن يصل إلى يقظة الوعي ولن يفلسف ولن يبتكر، وهو ~~عجوز في سن الثلاثين يحيا بإيمان العجائز في سن الثمانين. ~~••• # في سنة 1881 ظهر رجل أمريكي في لندن به لوثة أو هوسة (كما ذكرنا في أول هذا المقال) يدعى ~~«دافيدسون» دعا إلى ما يسمى «الحياة الجديدة». # وكان لهاتين الكلمتين إغراء له قوة السحر في نفوس الشبان والفتيان والكهول والشيوخ، فما ~~هو أن كان يعلن عن اجتماع يلقي فيه خطبة عن هذا الموضوع حتى كانت المئات تهرع إليه، وكل ~~منهم في شوق لأن يسمع شيئا جديدا في وسط هذه الحياة اللندنية التي كانت تحفل وقتئذ ~~بالمظالم الاجتماعية والتفاوت في الكسب وقلة الطمأنينة على العيش، بل كانت الحكومة ~~البريطانية نفسها تعد العدوان تلو العدوان لضرب الشعوب وخطف أرزاقها كما فعلت بنا في ~~السنة التالية (1882). # وكان الناس يسمعون من هذا الخطيب أننا يجب أن نحيا حياة جديدة، لها قيم جديدة، تلغي ~~التقاليد والعادات القديمة، فلا ننشد الثراء بل نكتفي بقناعة العيش الرخيص الساذج الذي لا ~~يكلفنا الثمن الباهظ، بل لا يرهقنا الحصول عليه، وعلينا أن نلبس اللباس الساذج، ولا نتزوج ~~إلا عن حب، ولا نعامل إلا بالعدل، ولا نسكن إلا الأكواخ، ويجب ألا يستأثر حب الكسب ~~بوقتنا؛ لأننا يجب أن نقنع من الكسب بما يكفينا، وأن نرصد معظم وقتنا للدرس الجاد ~~والاستمتاع الناضج والتفكير الفلسفي. # حياة «الكوخ الهندي» من جديد، ولكن بلا رحلة إلى أفريقيا. # ولم ينجح دافيدسون في إقامة مجتمع على هذه القواعد، ولكنه نجح في إنشاء جمعية يرتبط ~~أعضاؤها بالنية والعزم على أن يحيوا حياة جديدة، وكانت المحاضرات تلقى، والمناقشات تحتدم في ~~هذه الجمعية عن الجديد والنافع والسامي في الحياة. # ثم يكون من المناقشات والمحاضرات انبعاثات جديدة في التفكير والفهم إلى رحاب واسعة من ~~التجارب والاقتحامات في «يقظة الوعي»، فنجد عشرات من المطاعم النباتية تنشأ ms006 في لندن ويقصد ~~إليها الإنسانيون الذين يأنفون من جعل بطونهم قبورا للحيوانات، ويبدأ برنارد شو حياته في ~~مقاطعة اللحوم، ويعيش سبعين سنة لا يذوق اللحم، ويترك الأديب الإنجليزي «إدوارد كاربنتر» ~~أعماله في لندن ويقصد إلى الريف الإنجليزي حيث يزرع بيده الكرنب والبطاطس ويأكل من عرق ~~جبينه ويؤلف كتابا بعنوان: «مرض الحضارة وكيف نعالجه؟»، ونجد العالم الطبيب «هافلوك ~~أليس» يؤلف ستة مجلدات عن الحب والزواج والعلاقات الجنسية، ويتزوج الآنسة لي، ويحيا كل من ~~الزوجين في منزل منفصل عن الآخر، ويشرع «رمزي مكدونالد» في الدعوة إلى الاشتراكية ويرأس حزب ~~العمال. # ويؤلف ثلاثة من الأدباء، هم: وليم موريس وتشسترون وبيلوك مؤلفاتهم عن ضرورة ترك الحضارة ~~الحديثة والرجوع إلى حضارة القرون الوسطى، بل إنهم دعوا إلى العمل باليد بدلا من العمل ~~بالآلة. # وتؤلف «الجمعية الفابية» لإيجاد سياسة جديدة غير سياسة المحافظين والأحرار تستهدف ~~العدالة الاجتماعية. # وتنمحي جمعية الحياة الجديدة، ولكن تبقى الخمائر التي بعثتها في أعضائها والتي لا تقل في ~~قيمتها عن الخمائر التي بعثها جان جاك روسو في دعوته السخيفة إلى ترك الحضارة والعودة إلى ~~سذاجة الطبيعة، فقد نسينا هذه الدعوة ولكن بقي منها لنا بعد 150 سنة جملة مركبات سيكولوجية ~~تمس أساليبنا في العيش مثل الاستحمام في البحر، والإقامة على الشواطئ، ودراسة الزهور ~~وغرسها، والتجوال في الريف، إحساس ديني جديد نحو الطبيعة يحملنا على درسها بالميكرسكوب ~~ورسمها بالألوان. # كان البحر موجودا منذ آلاف السنين، كما كانت الحقول موجودة، ولكننا كنا في غيبوبة لا ~~نراهما، ففتح روسو عيوننا وأيقظ عقولنا فرأيناهما. # وكذلك الشأن في جمعية الحياة الجديدة التي ألفها دافيدسون الأمريكي، فقد ماتت هذه ~~الجمعية ولكن خمائرها بقيت تنمو أفكارا حية، فكانت منها تلك المعاني الجديدة بشأن ~~الاستعمار ومعاملة المجرمين وتربية الأطفال وحرية المرأة وضمان العيش للعمال وتعويض ~~المعطلين وبناء الدولة للمساكن وإيجاد المستشفيات المجانية وحزب العمال ... إلخ. # اعتبارات جديدة في الحياة الاجتماعية كان يحلم بها دافيدسون في غموض الأحلام وظلالها، ~~وكان يهتف بها قلب إدوارد كاربنتر وهو يزرع الكرنب، كما شرع برنارد ms007 شو يفكر فيها ويشرحها ~~ويقلبها في دراماته الأربعين أو الخمسين. # أجل، إن مثل هذا الوسط الحي الذي يجيز تأليف الجمعيات التي تبعث الأحلام في الشبان هو ~~الذي يربي الأدباء لأن يتيح لهم جوا يتحمل التفكير البكر المثمر والأحلام الجريئة الذكية، ~~وهو جو ما زلنا في مصر نفتقده ولا نجده. # إننا نبدأ حالمين وننتهي محققين، فلا تعاكسوا أحلامنا لأنكم بهذه المعاكسة تمنعون ~~تفكيرنا. # | شو في حياته الشخصية # نستطيع أن نستخلص حياة الكاتب من مؤلفاته، ونعني هنا أخلاقه وأهواءه وفلسفته، وذلك لأن ~~اهتمامات الكاتب في مؤلفاته هي أيضا اهتماماته في حياته الشخصية، وهو لا يستطيع أن يفصل ~~بينها إلا عندما يكون مأجورا يؤدي خدمة لغيره، وحتى هنا لا يخلو الكاتب من الزج بشخصيته - ~~بل بنفسه التي وراء الشخصية - فيما يؤدي من عمل يؤجر عليه وينافق فيه؛ لأنه لا يتمالك ~~التعبير بكلمات وسطور تتسلل إليه من حيث لا يريد. # ولسنا في حاجة إلى أن نستخلص حياة شو من مؤلفاته؛ فإن سيرته منذ ميلاده تقريبا معروفة ~~مكشوفة، وكثيرا ما عني هو بالكشف عنها في مؤلفاته في عبارات صريحة لا تحتاج إلى تأويل ~~وتخريج. # مقدماته المسهبة لمؤلفاته، وكذلك بحوثه الاجتماعية، تحتوي الكثير من ترجمته الشخصية أيام ~~طفولته وشبابه؛ ولذلك نحن لا نتعب في التعرف إلى العوامل التي تكونت بها شخصيته. # فقد ولد ونشأ في صباه في «دبلين» عاصمة أرلندا، وكانت عائلته من الأرلنديين ~~البروتستانت الذين يعدون أنفسهم - بحق - أرقى من الأرلنديين الكاثوليك الذين تعزلهم تقاليد ~~الكنيسة ويفسد نفوسهم التعصب الديني ويؤخرهم استمساكهم بالتقاليد، وكان أبوه سكيرا ~~فاشلا في جميع ما تناول من أعمال، ولكن برنارد شو كان يحبه، وهو يذكره بالحنان والتقدير، ~~أما أمه فكانت فنانه تحسن العزف على البيان كما تحسن الغناء، وكانت تحتقر زوجها لإدمانه على ~~الشراب، وكان برنارد شو يكرهها؛ ولذلك لا يكاد يذكرها بكلمة طيبة في جميع ما كتب، بل إنه ~~عندما ماتت كان يضحك في جنازتها حتى لامه بعض أصدقائه. # وظني أن أعظم ما جعله يكره أمه أنها كانت تحتقر ms008 والده وتعامله كما لو كانت تشمئز منه، ~~وكان ذلك أيام طفولته حين لم يكن هو يقدر مسئولية هذا الأب أمام الزوجة والأطفال، بل لم ~~يكن يدرك معاني الانهيار في شخص أبيه الذي يعود مساء كل يوم إلى البيت مخمورا، بل لعل ~~الطفل برنارد شو كان يستظرف من أبيه هذا الموقف ويحبه من أجله. # ومما زاد برنارد شو كراهة لأمه أنها هجرت بيت الزوجية في دبلين وسافرت إلى لندن مع ابنتها ~~بعد أن تركت الصبي شو مع أبيه، وهذا عمل قاس لا يستطيع الابن أن ينساه من أمه. # وهذا التفكك في العائلة ينطوي على احتمالين: أحدهما: أن يستهتر الصبي ويأخذ بالقيم ~~الأخلاقية لأبيه وأمه وهما في هذا الانحلال، ثم ينشأ بلا أخلاق تتماسك بها شخصيته، وكثيرا ~~ما يحدث هذا. # والاحتمال الثاني: أن يستيقظ وعيه، ويرى خطورة مركزه بين هذين الأبوين الناقصين، فيعتمد ~~على نفسه، ويحس المسئولية، ويتبصر ويهدف؛ وعندئذ يشرع في تربية نفسه، وهذا هو ما حدث ~~لبرنارد شو كما حدث من قبل لمكسيم جوركي الذي عانى مثل هذه الظروف، بل أسوأ، في ~~عائلته. # وقد ولد برنارد شو في 1856، ونشأ في وسط أرلندي جامد تستولي الكنيسة الكاثوليكية على ~~حياته الاجتماعية وتوجهها وجهة دينية أخرت أرلندا وجعلت الإنجليز يستغلونها ويستعمرونها، ~~وبقي شو فيها إلى حوالي سن العشرين، أمضى منها بعض السنوات في مدرسة ابتدائية كانت كل ما ~~كسب من التعليم المدرسي، ثم حين هجرت أمه البيت إلى لندن بقي هو مع أبيه وعمل «محصلا» يجمع ~~إيجارات المباني التي تملكها إحدى المؤسسات، وكان يحصل على أجر متواضع، ولكنه كسب ما هو ~~أكبر من الأجر، إذ درس أحوال السكان الفقراء في المساكن التي كان يجمع منها مبالغ ~~الإيجارات، وعرف كيف يستغل المالكون العمال الأجراء. # وكان أول ما كتب في الصحف كلمة في جريدة ~~يومية في دبلين قال فيها إنه لا يؤمن بالله، كتبها حين كان عمره لا يزيد على ثماني عشرة ~~سنة، ودلالة هذه الكلمة ليست في انحرافه الديني وإنما في إيضاحها لنا كراهته ms009 لوسطه ~~الاجتماعي، وما كان يحس من تعصب الكاثوليك نحوه وهو بروتستانتي. # وكان في ذلك الوقت يعيش مع أبيه، ويبدو أن التلاؤم كان تاما بينهما على الرغم من إدمان ~~الأب للخمر، وكما يحدث كثيرا في مثل هذه الحالات، كره برنارد شو الخمور بل قاطعها طيلة ~~عمره؛ لأن أعظم ما يكف الإنسان عن رذيلة ما أن يعاشر أبا يمارسها ويراه وهو يتمرغ ~~فيها. # ولا نعرف أنه ذاق الخمور إلا في السنوات الأخيرة من عمره حين تجاوز التسعين أو قاربها؛ ~~فإنه وجد في هذه السن أن زوجته وأصدقاءه، بل إن أبناء جيله الذين كان يعرفهم، قد ماتوا ~~جميعهم، فكان إذا انفرد في الليل، وأحس الوحدة والوحشة، تناول شيئا من الويسكي للتخفيف من ~~توترات الشيخوخة. # ولما وصل إلى لندن قصد إلى أمه حيث كانت تسكن مع ابنتها في مسكن متواضع وتكسب عيشها ~~بتعليم الغناء، ولم يسعد برنارد شو بعشرة أمه وأخته؛ وذلك لأنه كان يجد توبيخا دائما لأن ~~لا يعمل ويكسب، بل يعتمد على أمه كي تكسب وتعوله، وبقي على هذه الحال نحو سبع أو ثماني ~~سنوات، كان يحاول في أثنائها أن يؤلف القصص وأن يجد في الأدب حرفة يعيش منها ولكنه لم ~~يفلح، وكان إصراره على احتراف الأدب يحنق والدته وأخته، حتى إن هذه حرضت والدتها على جهاده، ~~ولعل هذه السنوات قد تركت في نفسه مرارة نحو أمه. # ولكن الواقع أن الأم والبنت كانتا معذورتين في إحساسهما نحوه بأنه عاطل فاشل، ولم تكن ~~واحدة منهما تتوقع القدرة الكاملة في هذا الإنتاج الضخم الذي ملأ به أوربا وجعل المسارح ~~تتبارى في تمثيل دراماته. # وكانت هذه السنين العجاف، سني التضرع للأم بأن تعطيه «مصروف جيبه» هي أيضا سني التكمل ~~لشخصيته وبنائها على أساس آخر يحتاج إلى عزيمة وإصرار؛ فإنه قاطع القهوة والشاي والتدخين ~~(لم يدخن قط في حياته) والشراب، بل قاطع اللحوم في الطعام. # وكانت هذه السنين أيضا سني الامتصاص الثقافي، فقد كان يقصد كل صباح إلى «المتحف ~~البريطاني» الذي يضم أكثر من أربعة ملايين ms010 كتاب، فكان يختار ويقرأ ويربي شخصيته الفنية ~~الأدبية. # وظني أن الأديب الحق هو الذي «يصنع نفسه» بهذا الأسلوب؛ أي هو الذي يختار ويدرس وفق ~~حاجاته النفسية، فيختار بذلك أصح الغذاء؛ أي يقرأ ويدرس كلما أحس الحاجة النفسية، ثم له ~~حرية الرفض عندما لا يحب، فتنشأ نفسه وتنمو شخصيته وهي على استيفاء للغذاء دون ~~إكراه. # ولذلك ليس من اليسير أن تعلم أحدا الأدب في جامعة؛ لأنك تفرض غذاء قد لا يسيغه، ~~وتحرق غذاء يسيغه، وكان في مقدوره أن يختاره لو كان حرا، ولكنه حين تضع أمامه امتحانا، ~~تقهره على سلوك معين لا يرضاه. # والمتتبع لبرنارد شو في سني الامتصاص الثقافي هذه - فيما بين سن العشرين والثلاثين - يجد ~~أنه قرأ ألوانا من العلوم والآداب والتاريخ والأديان لا يكاد يتصورها العقل، ودراماته التي ~~ألفها ونجحت بعد ذلك تعود إلى هذه الدراسات التطوعية التي قام بها فيما بين 1875 و1885، ~~وحوالي هذه السنة الأخيرة نجد له اهتمامات بالسياسة والاجتماع يبتكر فيها الرأي الجديد ~~ويدعو فيها بحماسة لا ينال عليها أجرا، فهو يخطب ويكتب ويؤلف دون أن يطلب مليما عن ~~مجهوداته. # لقد صار، وهو في سن الثلاثين (1886) إنسانا مسئولا من البشر، يتحدث ويكتب «كما لو كان ~~له سلطان»، وكأنه يحس أنه يحمل رسالة، ولهذا الإحساس وحده نجد أنه كان يتحمل توبيخ أمه ~~وأخته وتعبيرهما له بأنه فاشل، يتحمله بنفس راضية صابرة واثقة بأنها على موعد من ~~النجاح. # وفي هذه السنوات، فيما بين 1885 و1900، نجد له نشاطا مسرفا في منظمة كانت ولا تزال ~~تسمى «الجمعية الفابية»، وكان هو روحها وخطيبها وكاتبها، وكانت غايتها متواضعة في ~~ظاهرها مع اطمئنان إلى قوتها، فقد اتخذت خطة التسلل إلى الأحزاب بدلا من أن تنشئ حزبا، ~~وكانت الاشتراكية مذهبها، ولكنها كانت اشتراكية التدرج وليست اشتراكية الثورة. # وقد عرفت أنا هذه الجمعية حوالي 1908 ولم أكن أسمع فيها اسم «كارل ماركس»، وإنما كنت أسمع ~~عبارة مكررة هي «التدرج المحترم» بمعنى تجنب الثورة بشأن الارتقاء نحو النظام الاشتراكي، ~~وبقيت الحال على ذلك ms011 إلى الأزمة العالمية في 1930 حين شرع اسم كارل ماركس يعلو ويسود، ولم ~~يكن يمثل الشيوعية في لندن غير زعيم يدعى هيندمان، يخرج مجلة أسبوعية تسمى «جستس» ولا ~~أظن أن الذين كانوا يقرأونها كانوا يتجاوزون ألفين. # وعرفت برنارد شو، وهو بين الخامسة والخمسين والستين، وأنا في لندن بين 1908 و1914 رجلا ~~طوالا تجلل وجهه لحية صهباء كأنها لهب من نار، ولم يكن يطلقها عن مذهب، وإنما كان يهدف ~~منها إلى ستر آثار الجدري الذي أصيب به وهو صغير وترك نقورا على وجهه، وكان حبيبا إلى ~~قلوب الأعضاء، يلحون عليه في كل اجتماع حتى يقول «كلمة» تعليقا أو نقدا على ~~المتكلمين، وكانت في صوته صحلة موسيقية تجعل الاستماع إليه متعة. # وتزوج برنارد شو بعد أن نجح في التأليف المسرحي، وعرف زوجته عن طريق الأعضاء في هذه ~~الجمعية؛ فإنها كانت فتاة أرلندية ثرية، وكانت صديقة لأكبر عضوين بارزين في الجمعية هما ~~المستر ويب وزوجته، وتوسط الزوجان في إيجاد التعارف، فالصداقة، فالزواج، بينها وبين برنارد ~~شو، وعاشت معه نحو خمس وثلاثين سنة دون أن يتم بينهما أي اتصال جنسي، وكان لكل منهما غرفة ~~خاصة، وكانا على حب عظيم أحدهما للآخر، فقد اعتادت ألا تأوى إلى فراشها إلا بعد أن يغني ~~لها، وكانت تشير إليه بكلمة «العبقري». # ولما ماتت أحرق جثمانها في إحدى المرامد في لندن، وأوصى هو بأن يحرق جثمانه أيضا ويخلط ~~الرمادان، ثم يذر المخلوط في حديقة مسكنهما الذي عاشا فيه طوال زواجهما، وتم ذلك. # وكان برنارد شو كبير العناية بصحته، وكان يقول إن الصحة من الحكمة؛ لأن الرجل الحكيم ~~يتعود العادات التي تخدم صحته ويتجنب تلك التي تؤذيها، ولكن التزامه للطعام النباتي مدة 64 ~~سنة لم يكن لبواعث الصحة وإنما كان للبواعث الإنسانية؛ إذ كان يعتقد أن الناس يستطيعون ~~الاستغناء عن هذه الشدة التي يمارسونها في قتل الحيوانات كل يوم كي يأكلوها، وأن في الطعام ~~النباتي غناء عن ذلك، وكراهته التدخين كان مرجعه الإحساس الفني في تجنب عادة قذرة بعيدة عن ms012 ~~الجمال في ممارستها ومضايقتها لمن لا يدخنون، ولكن كيف نفسر امتناعه عن القهوة ~~والشاي؟ # لا أستطيع هنا أن أسلم بأن الهدف الذي قصد إليه شو، وهو شاب، حين التزم هذا النسك ~~بالامتناع عن اللحم والخمر والتبغ والقهوة والشاي، لا أسلم بأن هذا الهدف كان للصحة ~~فقط. # واعتقادي أنه نسك قصد منه إلى اعتصام نفسي بغية التوفر على مجهودات سامية، وكثيرا ما ~~نجد أن اليقظة الذهنية، وإحساس الرسالة والقصد في الحياة يرافقها نوع من الاعتصام، يتخذ ~~أسلوبا معينا من النسك الذي ينعكس أثره على النفس، في تحري الجد ورصد العمر لواجب ~~مقدس، برفض الكثير مما نسميه ملذات أو مسرات. # نفعل ذلك وكأننا نعلو على أنفسنا ونخدم رؤوسنا، وهي أسمى ما في أجسامنا، بدلا من ~~أبداننا، وعندئذ تستهلك شهوات الذهن كل طاقتنا وتقمع شهوات الجسم. # إن المسيحي حين يغلو في دينه يذهب ويدخل الدير، وقد أمضى الغزالي سنوات وهو ناسك، وكذلك ~~فعل المعري الذي لم يتزوج ولم يأكل في حياته غير العدس، وشهور الصوم في جميع الأديان هي ~~شهور الغلو في الدين، وقد رفض غاندي الشهوة الجنسية، والطعام والشراب واللباس، إلا القليل ~~من اللبن وشملة من الخيش. # وهؤلاء جميعا: برنارد شو، والغزالي، والمعري، وغاندي، لم ينسكوا حبا للنسك، وإنما ~~حملتهم نزعة الجد في الحياة وإحساس القصد والرسالة على أن يعلوا على أنفسهم للتوفر على ما ~~رسموه من واجبات. # ولست تجد رجلا عظيما إلا وله نوع من النسك يمارسه كما لو كان رياضة نفسية يستعين بها ~~على التوفر لعمله أو قصده العظيم. # وليس في التزام الطعام النباتي صحة كما يتصور البعض؛ فإن برنارد شو قبل وفاته بأكثر من ~~عشر سنوات أصيب بمرض «الأنيميا الخبيثة» وأوشك على الموت منه، فشحب لونه، وكان يتعب لأقل ~~مجهود وينام وهو قاعد، فاضطر هذا النباتي الإنساني إلى أن يتداوى من مرضه بتناول خلاصة كبد ~~الخنزير حتى شفى ولكنه لم يعد إلى طعام اللحم. # ومع أن ثروته تجاوزت ثلاثمائة ألف جنيه عند وفاته؛ فإنه لم يهدف قط إلى جمع ms013 المال، ~~وكثيرا ما عمل وجهد بلا أجر، لا يهدف إلا إلى الخدمة الإنسانية، ولما نال جائزة نوبيل ~~وقدرها الآن نحو 14 ألف جنيه رفض تسلمها، وأنشأ بها جمعية لزيادة الاتصال بين أدباء الأقطار ~~الإسكندناوية وبريطانيا. # وكان يسعف جميع الأدباء المحتاجين بمبالغ كبيرة كان بعضها يبلغ خمسمائة جنيه كل عام، وبقي ~~على هذا في بعض الحالات أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة، وفي وصيته ترك مبالغ كبيرة لمن خدموه ~~الخدمة المنزلية، بل إنه أقام نصبا تذكاريا لخادمته التي ماتت قبيل وفاته في الحديقة، ~~وحين دعا النحات كي يقوم بصنع النصب خشي أن يموت هو قبل أن يتم النصب فعرض عليه دفع الثمن ~~قبل إتمامه. # وكان يعمل في غرفة نائية من مسكنه في الحديقة؛ وذلك كي يتوفر على عمله دون أن يزعجه صوت ~~أو ضوضاء، حتى إن الخادم عندما كان يأتي إليه كي يطلب شيئا ما أو ينبهه إلى ضيف، لم يكن ~~يشافهه بكلمة، وإنما كان يكتب ما يريد على ورقة يرد عليها برنارد شو كتابة دون أن ينطق ~~بكلمة. # وكانت طريقته في التأليف أن يترك الموضوع يختمر في ذهنه مدة سنة أو سنتين، يقرأ فيها ~~عشرات الكتب التي تتصل بهذا الموضوع، فإذا شرع في التأليف كتب العناصر ووضع التخطيط. وقد ~~يؤلف الدرامة في شهر أو أسبوع وقد يؤلفها في سنتين أو ثلاث سنوات. # وكان يتعب كثيرا في التأليف حتى لقد ذكر عنه أنه كان يترك مقعده أمام مكتبه وينبطح على ~~أرض الغرفة إعياء وتعبا، ويبقى على ذلك حتى يستريح وينهض لاستئناف الكتابة. # | هؤلاء علموا برنارد شو # كان برنارد شو يعد نفسه محظوظا قد حابته الأقدار لأنه لم يتعلم في جامعة، وأن كل ما حصل ~~عليه من تعليم لا يزيد على مستوى الصبي الذي ينقطع عن الدراسة النظامية المدرسية منذ السنة ~~الأولى الابتدائية، ومعنى ذلك أنه علم نفسه. # هذا هو المعنى، أما الدلالة فهي أنه كان يختار ما يتعلمه، وكان اختياره يتوقف على ~~حاجاته الذهنية والنفسية، كما يختار الجائع ما يحتاج إليه ms014 من طعام، وكما أن الجائع يختار ~~لنفسه أفضل مما نختار نحن له، كذلك طالب الثقافة يحسن الاختيار لنفسه أكثر مما نحسن له هذا ~~الاختيار؛ لأنه يسير فيه وفق كفاءاته وعلى مهل وتدبر وبصيرة بالمستقبل، وقد ذكر أحد ~~الأدباء الإنجليز أنه التقى ببرنارد شو وهو بعد في الحلقة الثالثة من عمره في مكتبة المتحف ~~البريطاني، وكان أمامه كتابان أحدهما «رأس المال» لكارل ماركس، والثاني كتاب عن الموسيقى ~~بالحروف الموسيقية، وكان يراوح بينهما في الدرس. # ويذكر برنارد شو تسع سنوات أيام شبابه كان فيها مغفلا لا يلتفت إليه أحد، وكان كل ما ~~كسبه في هذه السنوات من قلمه ستة جنيهات، ولكنه يظلم نفسه حين يقول هذا القول؛ لأن أي كاتب ~~مهما ضعفت منزلته يستطيع أن يكسب مائة ضعف هذا المبلغ في هذه السنوات؛ إذ إن هناك أعمالا ~~في الصحف، وأيضا هناك من المؤلفات الرائجة ما يرد عليه هذا الكسب. # نقول أعمالا في الصحف ومؤلفات رائجة، ولكن مع التفاهة. # ولكن برنارد شو رفض أن يؤلف أو يكتب شيئا تافها منذ نصب لنفسه قصة حياته، وهو أن يكون ~~مفكرا نافعا، كما أنه في هذه السنوات التسع كان يربي نفسه، يقرأ ولا يكتب، أو يقرأ ~~كثيرا ويكتب قليلا. # وهو كثيرا ما يشير في مؤلفاته إلى المدارس الثانوية وإلى الجامعات في احتقار وغضب؛ لأنها ~~تملأ جماجم الصبيان والشبان بحشو المعارف التي تؤذيهم في نموهم الثقافي حتى تجعل هذا النمو ~~كما يزداد بدلا من أن يكون تطورا يرتقي بهم، وهو يذكر مثلا درامات شكسبير فيقول إنه ~~قرأها جميعها واستمتع بجمالها وتعمق توتراتها، ولكن الطالب الذي يقرأ (أو يدرس) إحدى هذه ~~الدرامات، مع التعليقات والتفسيرات التي يعد بها نفسه للامتحان، لا يعود شكسبير؛ لأنه - ~~لفرط ما تعب في درسه - لا يطيق قراءة شيء منه، بل لعله لا يطيق حتى رؤية هذه الدرامات ~~ممثلة على المسرح. # إن مؤلفات شكسبير يجب أن نستمتع بها قراءة في الكتب، أو رؤية على المسرح، ونحن في طرب ~~الفن والاستمتاع وليس في العرق والدموع، ms015 وما يقال عن شكسبير يقال مثله عن سائر ~~الأدباء. # وإني لأذكر هنا ما حدث لي مما يشير برنارد ~~شو إلى دلالته، فقد كنت قد حفظت وأنا في السنة الثالثة بالمدرسة الابتدائية قصيدة أبي ~~العلاء «خفف الوطء»، ولم أفهم لها معنى إلا أنها تجري في الدروس ضمن العذاب المقرر لنا، ~~وكرهت أبا العلاء بسبب هذا العذاب، ولم أعد إليه إلا بعد نحو عشرين سنة حين وجدت فيه دنيا ~~من البر والخير والفن والأدب، وما زلت إلى الآن أعود إليه كي أضحك معه في إلحاده وأتعمق ~~تلميحاته، ولا أعرف أني أحب أديبا عربيا قديما قدر حبي للمعري الذي أوشك معلم اللغة ~~العربية أن يقطع بيني وبينه وهو يعذبنا بإعراب أبياته في قصيدته «خفف الوطء». # التربية الذاتية هي التربية الناجعة، وهي اختيار، في حين أن التربية الجامعية إجبار؛ ~~ولذلك سرعان ما يتخلص منها خريج الجامعة. وبعد، بل يكاد يكون محالا أن يتعلم أحدنا الأدب ~~في الجامعات؛ لأن الأدب تربية ذوقية، وكفاح نفسي، ومثابرة الليل والنهار، وتغيير للأهداف، ~~وتطور، وارتياد للقديم والجديد، وبحث في الصين وإنجلترا، وتطرق إلى الدين وتعمق للفلسفة، ~~وكل هذا - بل بعضه - لا تستطيع أن تقوم به أية جامعة. # وشيء آخر يجعل التعليم الجامعي ناقصا بل مشوها؛ ذلك أن جميع الجامعات على الرغم مما ~~تزعم من «استقلال» تؤيد النظم الحكومية القائمة، فترفض دراسة فولتير لأنه كافر، وترفض دراسة ~~كارل ماركس لأنه ثائر، وترفض دراسة لورنس لأنه فاسق ... إلخ. ولكن طالب الأدب خارج الجامعة ~~يجد الحرية المطلقة في الاختيار، ويطلب المنهل والمرعى كما يفهمه عقله، وعندئذ يجد الوسيلة ~~بل العناد لتأثيث ذهنه وبعث المركبات الأدبية والفنية في نفسه. # يروي «أندريه جيد» عن أيامه الأولى في الامتصاص الثقافي أنه كان فيما بين سن السادسة عشرة ~~والعشرين متعلقا أشد التعلق بكتابين يقرأهما ويعود إليهما، هما الكتاب المقدس وألف ليلة، ~~والجمع بين الاثنين يكاد يعد كفرا في نظر أستاذ جامعي، ولكن أندريه جيد لم يتعلم الأدب في ~~جامعة إنما تعلمه - أو بالأحرى نما إليه - وهو ms016 حر مطلق يختار ويرعى وينهل كما يشاء. # ومثل هذا الكلام لا يقال بالطبع عن تعليم العلوم التطبيقية التي تحتاج إلى معامل لا ~~تستطيع تأسيسها غير الجامعات. # وعندما أتأمل حياة برنارد شو وأتجسس على المعلمين الذين تعلم عليهم واستلهمهم في صياغة ~~حياته وأدبه وتكوين رجولته، أجد أربعة يبرزون في مؤلفاته حيث تتكرر أسماؤهم كما تشرح ~~أفكارهم، هم كارل ماركس، وفريدريك نيتشه، وصمويل بطلر، وهنريك أبسن. # وبرنارد شو معروف بين الجمهور بأنه مؤلف مسرحي، ولكنه في الواقع كان أكبر من ذلك، كان ~~رجلا أولا وقبل كل شيء، يجابه الدنيا كما هي بلا استسلام للخيال، وكان إنسانا حساسا لا ~~يطيق الاستعمار أو الاستغلال أو الإذلال، وكان فيلسوفا يضع الفلسفة على المسرح في الوقت ~~الذي كانت المسارح فيه مشاهد سخيفة للغرام أو القتال أو الزنا أو التهريج. # وأعظم المفكرين الذين تأثر بهم برنارد شو هو كارل ماركس داعية الاشتراكية، وبرنارد شو ~~اشتراكي، دعا إلى الاشتراكية نحو ستين سنة، ولم ينحرف عنها ولم يعرف إصلاحا شاملا للشعب ~~في عيشه وثقافته وحضارته غيرها، وكان كارل ماركس فيما بين 1880 و1930 مغمورا في إنجلترا لا ~~يعرفه غير المثقفين، بل الخاصة من المثقفين. # وقد آمن برنارد شو بنظرياته لأنه كان يجد أن الفقر هو علة المرض والجهل والدنس ~~والجريمة، وأنه لا إصلاح لكل هذه الرذائل سوى تعميم اليسر بين جميع أفراد الشعب، وأنه لا ~~سبيل إلى هذا التعميم سوى الاشتراكية، وأكبر مؤلفاته «المرشد للمرأة الذكية عن الاشتراكية» ~~هو شرح مبسط لهذا المذهب، وقد أنفق الكثير من سني عمره في خدمة «الجمعية الفابية» التي كانت ~~تدعو إلى الاشتراكية، ومع أن هذه الاشتراكية كانت تدرجية إصلاحية، على خلاف ما دعا ماركس؛ ~~فإن برنارد شو كان على دراسة تامة لزعيم الاشتراكية الثورية، وقد انتهى هو وزعماء هذه ~~الجمعية في أواخر حياتهم إلى الإشادة بالنظام السوفيتي الذي اعتمد زعماؤه من لنين إلى ~~ستالين على كارل ماركس. # وليس بين مفكري القرن التاسع عشر من أخصب التفكير بين الكتاب، وبعث الدراسات العميقة ~~للتاريخ والاقتصاد ms017 والعلم، وجعلنا نرتفع من الفهم إلى الدلالة بشأن الأخلاق والارتزاق ~~وفلسفة العيش والشرف والإنسانية مثل كارل ماركس؛ فإنه خميرة إذا دخلت العقول تناولت أبعادها ~~وأعماقها وعملت فيها نضجا وإيناعا. # والماركسية يمكن أن نعرفها في سطرين وأن نشرحها في ألف صفحة. # فأما السطران فهما أن المجتمع، بما فيه من حكومة وأخلاق، وأساليب للعيش وآراء في الدين، ~~واتجاه في السياسة والأدب والشعر، ينبني كله على نظام اقتصادي ارتزاقي إنتاجي معين، فإذا ~~تغير هذا النظام تغير المجتمع. # وإنه لحظ كبير للرجل المثقف أن يكون قد اهتدى إلى كارل ماركس منذ شبابه، وقد عرفه ~~برنارد شو قبل أن يبلغ الثلاثين واستضاء عقله به طيلة حياته. # أما المعلم الثاني الذي تأثر به برنارد شو فهو فريدريك نيتشه الذي غرس فيه فكرة الإنسان ~~الأعلى (أي السبرمان) الذي سوف يقف منا ما نقفه نحن من القردة؛ فإن هذه الفكرة الجليلة ~~جعلت من التطور عند برنارد شو دينا حميما يؤمن به ويهدف إلى غاياته البشرية. # فهو يحدثنا عن شهوة التطور في الإنسان، بل يزيد في عمق التعبير فيقول «الغلمة إلى التطور» ~~باعتبار أنه أساس الحياة ونظامها، وأن الوقوف عن التطور تعاقب عليه الطبيعة بالمحو ~~والإبادة، بل هو يذكر الدين بأنه يجب أن يتطور، وأن ما نؤمن به هذا العام من عقائد دينية ~~ليس من الضرورة أن نؤمن به في العام القادم؛ إذ يجب أن تتسع وتتعمق عقائدنا وتستنير بالكشوف ~~العلمية التي تخدم الصحة والرقي. # وفكرة السبرمان مع ذلك سبقت داروين والتطور، ونحن نجدها عند نيتشه ذات معنيين اضطرب هو ~~بينهما. فإنه دعا إلى أن تسمو الشخصية الفذة على مألوف المجتمع وقوانينه بحيث يصير كل إنسان ~~قانونا لنفسه مستقلا في قواعده وأهدافه بعيدا عن سلطة «القطيع»، وهو هنا وجودي، وربما ~~كانت شخصية جيته الأديب الألماني العظيم هي التي ألهمت نيتشه هذه الفكرة التي لا تعدو أن ~~تكون اجتماعية. # ولكن نيتشه أيضا يذكر لنا القردة، ويقول إننا يجب أن نهدف إلى إيجاد إنسان أعلى من ~~الإنسان الحاضر، وأن الإنسان الحاضر ms018 يجب أن يلغي نفسه، بأن يكون جسرا تعبر عليه الطبيعة من ~~القرد إلى السبرمان، وهو هنا بيولوجي. # وفكرة برنارد شو عن السبرمان - أي الإنسان الأعلى - بيولوجية وليست وجودية؛ أي إنه يرغب ~~في إيجاد إنسان مختلف منا، زائد علينا، في طول العمر وذكاء الفهم وصحة الجسم ... إلخ، وهو ~~هنا يعتمد على خاصة التطور التي يختص بها كل حي والتي ينقرض وينمحي من الدنيا إذا ~~فقدها. # وربما كان أعظم مؤلفات برنارد شو درامته المسماة «الإنسان والسبرمان» التي تقرأ ولا ~~تمثل؛ إذ لا يمكن أن تمثل إلا بعد حذف الكثير منها مما يخل بمغزاها، وهي تدل القارئ ~~على ديانة برنارد شو البيولوجية بل على رسالته في أدبه وفنه. # أما المعلم الثالث الذي تعلم منه برنارد شو فهو صمويل بطلر، وهو أديب إنجليزي حارب ~~النفاق الاجتماعي الذي كان يقول بأن الحياة العائلية الإنجليزية تسمو وتسعد بروابطها ~~المقدسة، واستطاع بمؤلفاته أن يشرح للقراء هذا النفاق وأن يبين تعس الأطفال بين الآباء ~~الذين يصرون على أن ينشئوهم على غرارهم وفق عقائدهم وعاداتهم. وقد ألف في النقد والقصص، ~~وله قصة خيالية فريدة تدعى «ايروين» عن شعب يعاقب على المرض ولا يعاقب على الجريمة، وهو ~~يرمي إلى مغزى هو أن الجريمة كالمرض تحتاج إلى العلاج وليس إلى العقاب، وانغمس في مجادلات ~~مثيرة بشأن مذهب داروين في التطور وعارض القول بأن «تنازع البقاء» هو أساس التطور، كما عارض ~~أن التطور حركة عمياء في الطبيعة لا تهدف إلى قصد، وكتابة «الحياة والعادة» ينقلنا من ~~داروين إلى لامارك من حيث إن العادات هي الأصل في التطور، وأن الابن ثم الأحفاد ثم السلائل، ~~كلها ترث ما اعتاده الآباء والأسلاف من عادات جديدة اقتضتها بيئات جديدة، وأن تراكم ~~العادة جيلا بعد جيل يؤدي إلى خصائص وراثية تتغير بها الأحياء وتتطور. # وانتفع برنارد شو كثيرا بصمويل بطلر وأخذ عنه هذه الأفكار جميعها، وتناولها في كثير من ~~مؤلفاته بالشرح والتوسع، وقد أخصبت ذهنه وزادته إنسانية كما زادته بصيرة في دلالة ~~العلم. # والمعلم الرابع لبرنارد شو ms019 هو هنريك إبسن المؤلف النرويجي. # فقد ظهر إبسن حوالي منتصف القرن الماضي بمذهب جديد في الدرامة هي أنها يجب أن تعالج ~~المشاكل الاجتماعية والفلسفية في عمق وجراءة، ودرسه برنارد شو، وألف عنه كتيبا بعنوان ~~«لباب الإبسنية» دافع فيه عن موقفه هذا، كما أنه تأثر بإبسن في التأليف فجعل المسرح ميدانا ~~للمناقشات الاجتماعية والفلسفية، ولكن ميزة إبسن الأولى، وهي دقة الحبكة المسرحية، لم يستطع ~~برنارد شو أن يرتفع إليها. # هؤلاء المعلمون الأربعة علموا برنارد شو، وبرزوا في وجدانه الثقافي، وكانت لأفكارهم دورات ~~في ذهنه بحيث تغير بهم وتطور، ولكن هناك مئات من المؤلفين الذين انتفع بهم أيضا، فقد عاش ~~94 سنة كان يقرأ ويدرس فيها، أو في ثمانين سنة منها، قراءة الوعي والتساؤل والتطور. # ولم نذكر هنا داروين باعتباره أحد معلميه، ومع أن فكرة التطور بارزة في جميع مؤلفات ~~برنارد شو؛ وعلة ذلك أن برنارد شو كان يسلم بالتطور، بل يؤمن به إيمانا دينيا، ~~ولكنه كان يكره داروين لاعتماده على «تنازع البقاء»؛ ولذلك فالتطور عنده هو تطور لامارك ~~الذي سبق داروين، وقال بأن العادات تورث وأنها هي علة التطور. # إن برنارد لم يكتب تاريخ حياته ولم يخبر في إيضاح مسهب عن أولئك الذين علموه، ولكنه في ~~مقدماته لدراماته كثيرا ما يذكر حياته وكفاحه ودراساته، ومنها نستطيع أن نتبين أن هؤلاء ~~الأربعة، أو الخمسة بزيادة لامارك، قد أثروا في ثقافته وأخصبوا ذهنه. # ولكن مع ذلك يجب ألا ننسى أن الذي وجه شو وجهة الفن هي أمه التي احترفت الغناء ~~والموسيقى، وهو لا يذكر فضلها لأنه كان يكرهها للمعاملة السيئة التي وجدها منها لأبيه ~~السكير، ويبدو أن هذا الأب كان يحب الصبي جورج كما كان الصبي يتعلق به، وكثير من السكيرين ~~يبدون أبطالا للأطفال، وتزيد هذه البطولة إذا كان البطل أبا، ولكن ليست هناك امرأة تطيق ~~زوجا سكيرا عربيدا تافها أجوف ليست له غير زجاجة الخمر يعانقها ويفرغها في جوفه كل ~~يوم؛ فالأم تعذر هنا في كراهتها له. # وكان برنارد شو، كان على ms020 الدوام، يذكر أباه بلهجة الحب، ولكنه لا يكاد يذكر أمه، مع أننا ~~نفهم أنها هي التي وجهته وجهة الفن - أجل - والاستقلال؛ إذ كانت تعمل لكسب قوتها وقوت ~~أبنائها في وقت كانت المرأة فيه، حتى في إنجلترا، قعيدة البيت. # | الصداقة حب على مستوى عال # الصداقة حب على المستوى الإنساني العالي، وهي لذلك تتجاوز الحب الجنسي في القيم ~~الإنسانية؛ لأن هذا قد ينبعث بالاشتهاء الجنسي أولا فيكون حافزه انفراديا، ثم يتسامى إلى ~~الصداقة، وليس في هذا بالطبع ما يعيب الحب، بل ليس هناك ما يعيب الاشتهاء الجنسي؛ إذ كيف ~~نعيب شيئا تطالبنا به الطبيعة في نخاع عظامنا بل يطالبنا به الخلود البشري؟ # ولكن الصداقة، حين تنشأ بين رجل ورجل أو بين رجل وامرأة، ويكون حافزها اجتماعيا وليس ~~انفراديا، تكون بلا شك أسمى من الحب، بل نحن حين يستولي علينا حب عظيم، بل حب جنسي عظيم، ~~نكاد نفقد غريزة الاشتهاء، ألسنا نستطيع أن نقول أحيانا في بعض تجاربنا: «إن حبي لها كان ~~أعظم من أن أشتهيها؟» # والصداقة ميزة للممتازين من الناس؛ إذ ليس كل إنسان قادرا على أن يصادق، ذلك أننا حين ~~نصادق نحتاج إلى قدرة تؤاتينا على اختيار من يستحق الصداقة، وإلى قدرة أخرى تؤاتينا على أن ~~نضحي من أجله، وبين هاتين القدرتين: فضائل لا تحصى من الإيثار والشرف والشهامة والنجدة، ~~وهذه خصال نادرة. # ونحن نجد في الحياة ألوانا من الاستمتاعات كالثقافة، والطبيعة، والحب الجنسي، والأبوة، ~~والهناء العائلي، والفلسفة، والإنسانية، ونحو ذلك. ولكن يجب أن نعد الصداقة في مقدمة هذه ~~الاستمتاعات، وهي بلا شك استمتاع نادر لأن القادرين عليها - كما قلنا - نادرون، وهم نادرون ~~لأن المجتمع قد ربانا وأنشأنا على الانفرادية الأنانية التي تعوق الصلات الاجتماعية، ~~والصداقة صلة اجتماعية قبل كل شيء. # وكثيرا ما تلتبس علينا القرابة بالصداقة، حتى إننا لنتحمل القريب مهما خطر وفدح ايذاؤه ~~لنا، أو حين تقطع الظروف بيننا وبينه، فلا تكون هناك مشاكلة أو مقاربة في منهج عيشنا أو ~~أهدافنا أو ثقافتنا. ومع ذلك نتكلف له «الصداقة» الجوفاء ms021 التي لا تزيد على أن تكون فرضا ~~اجتماعيا نتأفف منه في أعماقنا ولكننا لا نصرح به ، مع أن التصريح به هو خير ما نفعل؛ ~~لأن القرابة مصادفة عمياء قضت بها الطبيعة ولكن الصداقة اختيار وتفعل. # وتبادل الصداقة بين كفئين هو تربية إنسانية عالية كما هو سعادة عظمى أكاد أقول إنها لا ~~تدانيها أية سعادة أخرى، ولست تجد عظيما لهذا السبب إلا وله صديق أو أصدقاء آزروه على أن ~~يبلغ عظمته. # ونحب هنا أن نذكر أصدقاء برنارد شو، فقد كان شخصية فذة وكان له لذلك أصدقاء أفذاذ ~~اختاروه للمشاكلة في الأهداف. # وكان أعظم أصدقائه في هذه الدنيا شارلوت زوجته «التي كان حبه لها أكبر من أن يشتهيها» وقد ~~عاش معها 35 سنة لم ينفصل عنها يوما واحدا، بل لم ينفصل عنها بعد موته؛ فقد أحرق جثمانها ~~وحفظ الرماد في زجاجة، فلما مات هو أوصى بإحراق جثمانه ثم خلط رماده برمادها، وأنفذت الليدي ~~أستور هذه الوصية، ونحن نحس هنا الوفاء في هذه الصداقة الفريدة، بل جمال الفكرة في هذه ~~الأسطورة التي تحمل إلينا في معانيها رمزا إنسانيا نكاد نتذوق جماله ونتنهد لإنسانيته، ~~ونحب أن نقول إنهما كانا يحييان معا بعد الموت في زجاجة على الرغم مما في هذا القول من ~~لغو؛ إذ هو لغو محبب إلى نفوسنا. # ومنذ تزوج برنارد شو انقطع عن أقاربه، بل أقاربه الحميمين، إذ لم يجد فيهم أصدقاء؛ فقد ~~كانت أهدافه غير أهدافهم وأسلوب عيشه غير أسلوبهم. ومن السخف أن يتكلف الصداقة لهم ويرهق ~~نفسه بها في مثل هذه الأحوال، وانقطع أقاربه الحميمون، مثل أمه وأخته، عن زيارته عقب زواجه ~~إلى وفاتهما، ومع أنه كان مثابرا على معونتهما بماله فإنه لم يستطع أن ينسى أنهما سودتا ~~عيشه معهما حين كان لا يزال كما مهملا في هذه الدنيا يعجز عن كسب لقمته. # ولسنا نعرف كثيرا عن علاقته بزوجته سوى الهناء الذي كانا ينعمان به كما كان يبدو عليهما ~~أمام الزائرين والأصدقاء، وكانت هي أديبة غير صغيرة لها بعض المترجمات ms022 من الدرامات الفرنسية ~~التي وضع برنارد شو مقدمة لها، وقد عرفته عن طريق صديقيه سيدني ويب وزوجته بالجمعية ~~الفابية، ولزمت فراشه حين كسرت ساقه وهو أعزب، وكانت تعنى به وتمرضه إلى أن برئ حين عقد ~~زواجهما. # وأقرب الأصدقاء إليه بعد زوجته هو وليم آرتشر الأديب الناقد الذي ترجم درامات إبسن من ~~اللغة النرويجية إلى اللغة الإنجليزية، وكان آرتشر عضوا عاملا في جمعية «العقليين» وهي ~~جمعية تناهض الأديان جميعها وتنشر على الجمهور كتبا علمية بأثمان تافهة بل غاية في ~~التفاهة، فقد كانت تبيع كتاب «أصل الأنواع» لداروين بخمسة وعشرين مليما، ونشرت المئات من ~~كتب العلم بهذا الثمن أو بأقل، وعممت التفكير العلمي بين طائفة كبيرة من القراء، ولعل مما ~~يستغربه القارئ المصري أن ج. م. روبرتسون الذي كان صديق مصطفى كامل والذي دافع عن مصر أيام ~~حادث دنشواي، هذا الرجل كان من أقطاب هذه الجمعية وكان داعية الإلحاد في إنجلترا. # ويبدو من الكثير الذي كتبه برنارد شو عن وليم آرتشر أنه عرفه منذ أيام شبابه الأولى، وأنه ~~هو الذي وجهه في حياته الأدبية، أو كان له أكبر تأثير عليه، وكان هبوط برنارد شو على ~~إبسن من أعظم الحظوظ التي لقيها؛ فإنه هو الذي فتح ذهنه لدلالة الدرامة الاجتماعية التي ~~احتضنها شو بعد ذلك وجعلها رسالة حياته. # واشترك الاثنان في التأليف المسرحي، ولكنهما لم يفلحا في ذلك؛ لأن التأليف هنا شخصي، ~~فردي، يستند إلى مزاج وعاطفة كما يستند إلى عقل، وبلغ من دالة شو على صديقه أن وبخه ذات ~~مرة على تقصيره وتخلفه وعزا ذلك إلى زواجه، وكان آرتشر قد تزوج فتاة ذكية تعلق بها ~~كثيرا، وفهم آرتشر من هذا التوبيخ أن شو يدعوه إلى الطلاق أو الانفصال، أو على الأقل ~~النسك، حتى يستعيد كفاءته الأدبية، وغضب وأرسل خطابا إليه يمنعه فيه عن زيارته، وبقيت هذه ~~الجفوة بينهما مدة، ولكنهما عادا إلى الصفاء. # وحدث أن احتاج وليم آرتشر في سنة 1924 إلى إجراء عملية جراحية خطيرة، وكان وقتئذ في نروج ~~وفي مثل ms023 هذه الظروف يذكر الإنسان دنياه التي قد تزول فجأة إزاء المجهول في التردد بين ~~الحياة والموت؛ ولذلك كتب قبل إجراء العملية بساعات هذا الخطاب إلى برنارد شو: # عزيزي برنارد شو # عرفت، بعد أن كتبت إليك خطابي الأخير أني محتاج إلى إجراء عملية جراحية هذه ~~الأيام، وسأذهب إلى المستشفى غدا، ولست أعرف إذا كانت هذه العملية خطيرة جدا أم ~~لا، والواقع أني أحس الصحة الكاملة، وظني أني سأنهض منها معافى، ولكن مع ذلك قد ~~يحدث غير ما ننتظر، هنا أجد العذر لأن أقول لك كلمة أرجو واؤمل أنه لم يدخلك شك قط ~~بشأنها، وهي أني على الرغم من بعض مواقفي نحوك وأني كنت أخاطبك وأعاملك أحيانا ~~بلهجة اللوم والتأنيب، فإني لم أتردد قط في إعجابي بك وحبي لك ولم أكف عن الإحساس ~~بأن الأقدار قد حابتني حين جعلتك صديقا لي وجعلتني أعيش في هذه الصداقة سني حياتي، ~~إني أشكرك من قلبي لأربعين سنة أمضيتها في زمالتك، ومهما قيل عني فلن يقال إني لم ~~أعش في مجتمع حسن. # تناولت غذائي اليوم مع ملك نروج والأمير أولاف. # تحياتي وتسليماتي إلى زوجتك وهنيئا لكما. # المخلص و. آرتشر # عام 1935 # ووصل الخطاب إلى برنارد شو بعد وفاة آرتشر. # ونحن نتنهد في شجن لهذه الصداقة السامية التي ربطت هذين الأديبين، فلقد اختار كل منهما ~~الآخر لما فيه من سمات عالية يجد فيها ما يرفعه ويرقيه، وارتقى كل منهما بهذه الصداقة ~~واستمتع بها بأكثر مما يستمتع الحبيبان بحبهما. # وكلمة الحب تذكرنا بصداقة أخرى مارسها برنارد شو، وأنت بعدما تقرأ ما سأقوله عنها ~~ستتساءل: هل كانت هذه صداقة أم حبا؟ # ففي الربع الأخير من القرن الماضي اكتسحت المسرح الإنجليزي ممثلة عظيمة تدعى إلين تري، ~~وكان جمال وجهها لا يساويه إلا فصاحة لسانها، وهذا إلى ذكاء نادر وثقافة واسعة. # وأحبها برنارد شو وكتب إليها رسالة حب. # وردت إلين تري على الرسالة برسالة تستجيب فيها لحبه، وكان برنارد شو يراها كل مساء ~~على المسرح فلا يحاول لقاءها، وكانت هي تنظر ms024 من خروق الستار إليه وهو في الصف الأول بين ~~المتفرجين. # وتبودلت رسائل الحب بينهما سنين ولكن بلا لقاء، هل كان حبهما أكبر من أن يشتهي ~~أحدهما الآخر؟ # إن في برنارد شو نسكا عجيبا، إذ كان يعزف عن اللحم في الطعام ولا يشرب الخمر ولا يدخن، ~~وقد عاش مع زوجته شارلوت نحو نصف قرن لم يحدث فيه بينهما اتصال حميم، فهل كان هذا العزوف عن ~~اللقاء بينه وبين إلين تري نسكا؟ # ألا يمكن أن نفسر هذا العزوف بأنه وسيلة لاستبقاء الحب حتى يبقى مشتعلا لا ينطفئ ~~باللقاء؟ بل، ألا يمكن أن نقول إن هذا العزوف كان وسيلة لزيادة الحب واحتدامه؟ # إني أكاد أسمع همسات القارئ هنا بأنه لم يكن هناك حب، أو إذا كان هناك حب فإن في برنارد ~~شو علة أو عللا حالت دون الوصول به إلى غايته الحميمة. # ولكن علاقات برنارد شو خارج الزمام كانت فاضحة، على الرغم مما عرف عنه من التعقل في ~~سلوكه، ومما يذكر عنه أنه «اشتهى» إحدى الممثلات، وتعقبها في رواحها وغدوها حتى فرت ~~من الفندق في أحد المصايف، وتركت المصيف كله هروبا منه. # لكأن برنارد شو يقول: «من أحببناه هجرناه». # إن الموقف سيكولوجي دقيق يحتاج إلى التحليل، وليس عندنا من التفاصيل ما يكفي لهذا ~~التحليل؛ ولذلك نتركه كي يعبر به القارئ ويتأمله ويجتره، يحاول أن يحله وفق ما يحس ويعقل، ~~والتفكير هنا ينفع كثيرا. # ولكن صداقة العمر التي استمتع بها برنارد شو أكثر سني حياته هي صداقته لسدني ويب وزوجته ~~بياترس ويب، فقد كان هؤلاء الثلاثة كالشخص الواحد أكثر من ستين سنة، لهم هدف موحد ووسائل ~~موحدة يستجيبون لأحداث العالم وتطوراته وكأنهم على خطة لا تتغير. # عرفهما برنارد شو قبل أن يبلغ الثلاثين، وتزوج شارلوت بإيحائهما، ولما ماتت شارلوت تركت ~~في وصيتها ألف جنيه هدية وتقديرا لبياتريس ويب، وبياتريس ويب امرأة من أولئك النسوة ~~الجديدات في عصرنا، يمكن أن نقول بأنها كانت وجودية من حيث لم تكن تدري، فقد استقلت منذ ~~شبابها وأصرت على ms025 أن تحيا حياتها كما تريد وترغب، وتعلمت بوحي عقلها، وجربت. # عرفت - وهي فتاة في بداية العقد الثالث من عمرها - أن العاملات من الفتيات والزوجات ~~الفقيرات، اللائي يعملن في الخياطة في الحي الفقير في شرق لندن، يجهدهن ويستغلهن تجار عتاة ~~لا رحمة عندهم، فاندمجت بينهن، وعملت معهن، وتناولت أجورا مثلهن، مع أنها كانت تنتمي إلى ~~عائلة غنية، وبقيت على ذلك تدرس أحوالهن في السلوك والطعام والمأوى، وكتبت عن حياتهن فصولا ~~حفزت المفكرين بعد ذلك على ضرورة الإصلاح. # وتزوجت بياتريس زوجا عجيبا، من أولئك الأفذاذ الذين يحبون الدنيا أكثر مما يحبون ~~أنفسهم؛ ولذلك تحبهم الدنيا بعد ذلك وترفعهم إلى القمم، وقد صار سدني ويب بعد ذلك وزيرا في ~~حكومة العمال. # وكان بيت ويب - زوجا وزوجة - مكتبة من أوله إلى آخره، من دهليزه إلى مطبخة، وكانت مائدة ~~الطعام منضدة العمل، يتناولان طعامهما، ثم يفرشان المنضدة ويضعان الكتب والأوراق لدراسة ~~الإنسانية. # درسا الاشتراكية وآمنا بها، وكان لكل منهما مجهود احتاج إلى عرق وتعب في تنشئة الجمعية ~~الفابية التي علمت الأغنياء مبادئ هذا المذهب، وبحث كلاهما البؤس والإجرام ونظم الحكم ~~وتعليم الشعب ونحو ذلك ما استغرق كل حياتهما. # وعرفهما برنارد شو، وتعلم منهما كثيرا، كما تعلما منه، وتوثقت الصداقة بين الثلاثة، ~~وكانت صداقتهم تنهض على وحدة الهدف، وهي الاشتراكية لإنجلترا. ~~••• # لقد ذكرت هنا بعض الأصدقاء الذين اختارهم برنارد شو أو اختاروه، فكانوا زملاء العمر، يجد ~~كل منهم الوفاء من صاحبه له، ويستمتع بحبه، والأديب بطبيعته قليل الأصدقاء، يتألق في ~~اختيارهم؛ لأن عمله انفرادي يحتاج إلى الخلوة أكثر مما يحتاج إلى الاجتماع. # ولكن هناك أصدقاء نؤثرهم على هذه الخلوة المقدسة؛ لأنهم ممتازون في القلب والعقل، ~~نأتنس بقلبهم ونستنير بعقلهم، ونحن بؤساء حين لا يكون لنا أصدقاء. # | العبقري في زواجه # الزواج، باعتباره عيشا مشتركا بين اثنين، يعد مشقة منذ بدايته إلى نهايته عند كافة ~~الناس، وخاصة إذا كانت الزوجة على شيء من التربية التي علمتها الاستقلال والإباء فلا تطيع ~~الطاعة العمياء، ولكنه عند العبقريين من رجال الفن ms026 أو الفكر أو القصد الإنساني النبيل، ~~يعد أكثر من مشقة، يعد مشكلة. # ذلك أن كلا من الزوجين يحصل، إلى قبيل سن العشرين أو بعدها، على تربية معينة في بيئة ~~مختلفة، ترسم له قيما محدودة تخالف ما يحصل عليه الآخر، فإذا كان الزواج بعد ذلك في عيش ~~مشترك تصادمت القيم وانعكس في مستقبلهما اختلاف بيئتيهما في الماضي. # يحدث هذا عند كافة المتزوجين الذين يعالجونه بالتسامح والمحاولة والملاءمة. # ولكن العبقريين يجدون في الزواج مشكلة تحملهم على التفات خاص ينقص من التفاتهم إلى عملهم ~~العبقري؛ ولذلك كثيرا ما يعزفون عن المعيشة الزوجية أو يؤثرون حياة العزوبة فلا ~~يتزوجون. # واعتقادي أن بؤرة المشكلة في الزواج - إذا كان الزواج عبقريا - أنه - أي هذا الزوج - ~~يؤثر الأهداف الإنسانية على الأهداف الاجتماعية، وهو ينشد الثقافة أو الفن أو الحرية أو ~~الاشتراكية، ويرضى بأن يضحي بماله وأحيانا بحياته في سبيل ذلك، بينما هي - أي الزوجة - ~~تؤثر الأهداف الاجتماعية، كالثراء والترف ~~ومصلحة الأبناء والمسكن الممتاز والضيافة الكريمة ونحو ذلك. # هو يطلب الوحدة التي تتيح له الإنتاج في حين هي تطلب الاجتماع، هو إنساني وهي اجتماعية؛ ~~ولذلك تصطدم أهدافها بأهدافه. # وإلى هنا نفهم معنى الشقاق، أو على الأقل الخلاف، بين الزوج الممتاز والزوجة العادية، ~~وكثيرا ما نعتقد أن هذه الزوجة تعطل زوجها الممتاز وتحول دونه والإنتاج المثمر، وهنا ~~نذكر كلمة نيتشه: «أف للزوج العبقري من الزوجة البطة.» # بل نذكر «البطة» التي تزوجها سقراط والتي أتعست حياته، والرجل حين يستغرق في فنه العالي ~~أو قصده العالمي، يجب ألا يستأثر بوقته سوى هذا الفن أو القصد، بل هو يضن بالأوقات القصيرة ~~التي تتطلبها المعاشرة الزوجية، وهو إلى هذا فوضوي في سلوكه في البيت، ينام في غير ميعاد ~~ويتناول وجباته على غير قياس. # وقد يسهر الليل كله في غير عمل واضح، أو ينام النهار كله بلا مرض عاذر، وهو ينكر نفسه عن ~~ضيوفه الذين قد تحب زوجته الترحيب بهم، وهذا السلوك لا يبعث في نفس الزوجة سوى القلق، بل ~~أحيانا النفور منه. # وقد ms027 عاش أناطول فرانس منفصلا عن زوجته، كما فعل مثل ذلك هنريك إبسن؛ لأن كلا منهما وجد ~~أن حياة العزوبة أكثر إنتاجا من حياة الزواج، وقد ختم تولستون حياته بمأساة، بعد حياة ~~زوجية كابد فيها العذاب من المحاولات المتكررة التي قامت بها زوجته كي تجعله اجتماعيا، ~~بينما هو كان ينشد الأهداف الإنسانية، وترك بيت الزوجية، بل فر من زوجته في فجر أحد ~~الأيام. وأمضى نحو 18 يوما وهو يحاول الفرار إلى أن مات في إحدى القرى النائية، وكأنه بهذا ~~العمل كان يرمز إلى أن الحياة الزوجية لا تلائم العبقري. # وعندما نتأمل الأسباب التي دعت تولستوي إلى كراهة المعيشة الزوجية لا نتمالك الإحساس بأن ~~هذا الرجل قد ظلم زوجته أكبر الظلم، فقد تزوجته وهو «كونت» أي أحد النبلاء له ضيعة إقطاع، ~~وأنجبت له أبناء كانت تنتظر لهم وراثة هذه الضيعة، ولهذا فنحن نعذرها في موقفها. # كانت هي امرأة اجتماعية، تفكر في تعليم أبنائها وتزويج بناتها وفق القواعد والعادات في ~~طبقة النبلاء، وكانت تحرص لذلك على ريع الضيعة، تفكر في تنشئة هذا الابن الذي يحتاج إلى ~~الرحلة إلى بطرسبورج كي يتعلم في الجامعة، كما تفكر في هذه الآنسة الصغيرة التي ستكون ~~عروسا تجمل صدرها الجواهر الغالية. # اعتبارات اجتماعية لا نستطيع أن نلوم الزوجة الأم عليها. # ولكن الإنسان في تولستوي كان يوحى إليه: دع الأرض للفلاحين ولا تنتفع بمليم من مكاسبهم ~~وعرق عضلاتهم. # وهنا تصرخ الزوجة الاجتماعية، ويصرخ الزوج الإنساني، خلاف لا ينقطع. # ثم لا يكتفي تولستوي بذلك، بل يعلن أنه كافر لا يؤمن بالكنيسة الأورثوذكسية، ويقرر المجلس ~~الأعلى للكنائس حرمانه، أي إخراجه من حظيرة المسيحية. # وتتأمل الزوجة الاجتماعية هذا القرار فتبكي لمصير أبنائها، وخاصة بناتها؛ إذ من يتزوج ~~هؤلاء البنات وأبوهن كافر؟ ولكن الاعتبارات الاجتماعية لا قيمة لها عند تولستوي إذ إن جميع ~~اعتباراته إنسانية. # وإلى هنا نفهم ونشفق ونترحم، ونكاد نقول إن نيتشه قصد إلى معنى واضح حين تأفف من العبقري ~~يتزوج البطة، هو معنى واضح، ولكنه مؤسف، في مجتمعنا العصري الذي ms028 كان أيضا يسود روسيا أيام ~~القياصرة. # ولكن هناك معنى آخر من اضطراب الحياة الزوجية يعلو على الخلاف الذي كان بين تولستوي ~~وزوجته. # فقد كان هذا الخلاف زوجيا عائليا، يتعلق بميراث الأبناء ومركز العائلة الاجتماعي ~~ومستقبلها في المجتمع، أما الخلاف الذي نقصد فيعلو على المشاجرات الدائمة بين تولستوي ~~وزوجته؛ إذ هو من طراز آخر؛ ذلك أن أوربا، التي كانت تهتز بالحركات والنزعات والاختمارات ~~الاجتماعية والإنسانية حوالي 1880، كانت تتحدث كثيرا عن الزواج، وكانت حركة «الحياة ~~الجديدة» التي ظهرت في لندن في 1881 إحدى الحركات التي بعثت التفكير والابتكار، وكان مستوى ~~المرأة قد ارتفع وأصبحت تنشد آمال الرجال، وتؤدي أعمالهم، وتحيا في استقلال اقتصادي يبعث، ~~كما هو الشأن على الدوام، على استقلال فكري وفلسفي واجتماعي. # وهنا نجد ابتكارا جديدا في الزواج. فإن هافلوك أليس الاختصاصي في درس الشئون الجنسية، ~~وهو عالم وفيلسوف وأديب، يتزوج الآنسة لي، ويتفق كلاهما على أن يعيش كل منهما في مسكن ~~منفصل، حتى إذا كانت أيام الاصطياف في شهري يونيه ويوليه مثلا قصد الزوجان إلى المصيف ~~يمضيان فيه معا، في مسكن واحد، هذه الإجازة السنوية، فيكونان بمثابة عرسين يمضيان شهر ~~العسل في اشتياق قد زاده الحرمان طوال شهور الانفصال الماضية. # وقد قرأت تاريخ حياتهما وتأملت هذه التجربة، وأستطيع أن أقول إن الزوج قد سعد بهذا ~~الانفصال، وأما الزوجة فلم تسعد. # ويسهل علينا أن نفهم لماذا سعد الزوج؛ فإنه كان مؤلفا ومفكرا عظيما مشغول الذهن ~~والقلب بقصد إنساني عظيم هو تعميم الثقافة الجنسية الصحيحة بين الجماهير، وقد نجح في تعميم ~~العلوم الجديدة التي رفعت جمهور القراء من سذاجة العقائد الموروثة إلى حقائق الطبيعة والكون ~~والحياة. # قصد إنساني عظيم استأثر بحياته واحتاج إلى أن يعيش منفردا بلا زوجة تشغله وتشاركه العيش ~~في مسكن واحد. # ثم هي كانت امرأة عظيمة. فقد أسست ناديا للنساء العاملات، وألفت كتبا، ودعت إلى أن ~~المرأة يجب ألا تستأثر واجبات البيت بكل وقتها، وأن عليها أن تربي شخصيتها بالعمل المنتج ~~كالرجل سواء، ولكنها مع الأسف لم تتحمل ms029 كل ما اضطلعت به، فانهارت شخصيتها، حتى احتاجت إلى ~~المعالجة في المستشفيات. # لقد ابتدع كلاهما بدعة الزواج الانفصالي الذي نسمع هذه الأيام، بعد سبعين سنة من ~~ابتداعهما له، بأنه ينتشر في أوربا وأمريكا. # وهو ينتشر لسبب أصيل في الحضارة القائمة، التي علمت المرأة، وحققت لها الاستقلال ~~الاقتصادي، وكونت شخصيتها، فاحتاجت إلى العيش المستقل في المسكن المستقل. # وهنا ننتقل إلى برنارد شو. # لقد عاش هذا الرجل عن قصد يحاول أن يغير الدنيا والمجتمع، وتزوج الآنسة شارلوت تونسند، ~~وعاش معها في حياة «زوجية» أكثر من 35 سنة، ولكن لم يتم بينهما اتصال جنسي في كل هذه ~~السنين. # لقد كتب برنارد شو في إحدى مقالاته عبارة تستحق أن نقف عندها - ونتأمل معناها في ضوء هذه ~~الحقيقة التي باح بها للمترجم بحياته سانت جون ارفين - قال: # إن أعظم ما أنشده في حياتي أن أجد في لذة الفن تلك الحماسة التي أجدها في اللذة ~~الجنسية. # ويقول لنا المترجم بحياته هذا إن شارلوت كانت تكره الرجال، وإنها شرطت على برنارد شو قبل ~~الزواج أن تبقى عذراء. # برنارد شو. # ولكن من منا يسيغ هذا الكلام ويقبل هذا المنطق؟ فإن المرأة التي تنفر من الرجال تستطيع ~~العيش في عزوبة بعيدا عن الرجل، وكذلك برنارد شو لم يكن بالعازف عن المسرات الجنسية كما ~~نعرف من اقتحاماته الغرامية العديدة قبل الزواج. # صورة عائلية: والدة شو إلى اليسار، ووالده إلى اليمين، وجورج فاندلير في ~~الوسط. # والدة شو في حديقة منزلها في لندن 1897. # وإذن كيف نفسر هذه الرهبانية في مسلك برنارد شو أربعين سنة؟ # أفسرها بأنه قد تزوج بعد الأربعين، أي بعد أن شبع من المغامرات الجنسية، وحين شرع في ~~الفن والثقافة، دعوة الاشتراكية، ونزعة الإنسانية، تستولي جميعها على كيانه النفسي الذهني ~~وتستأثر بكل مجهوده، وصار يجد أن هذا المجهود يجب ألا ينتقصه أي مجهود آخر في الحياة ~~الجنسية. # إنها حياة العزوبة قد آثرها الفنان أمام نفسه وضميره، مع النفاق الاجتماعي الذي خدع به ~~الناس وأوهمهم أنه زوج مثل سائر الأزواج، حتى ms030 لا يثير موقفه التساؤل والاستطلاع من ~~الفضوليين. # وعلى قدر القصد الإنساني تكون التضحية بالذات. # لقد فعل ذلك أيضا غاندي، وبقي «أعزب» مع زوجته نحو عشرين أو ثلاثين سنة قبل ~~وفاته. # وربما نحتاج هنا إلى سؤال سيكلوجي: هل سلك برنارد شو هذا السلوك قسرا أم عفوا؟ أي هل ~~كان يمنع نفسه أم كان يمتنع بلا منع؟ # وجوابي أنه كان يفعل ذلك عفوا بلا أدنى إحساس بالقهر والقسر؛ ذلك أنه بعد اقتناعه بضرورة ~~قصر مجهوده على الفن والثقافة، وجد عزوفا طبيعيا عن الاشتهاء الجنسي؛ أي إن استنكاره ~~لهذا الاشتهاء، من حيث إنه يؤخر مجهوده الفني الثقافي، قد أصبح «طبيعيا»، وموقفه هنا ~~يشبه موقف رجل آخر عرفته أنا، فقد مات ابنه وحزن عليه حزنا محرقا، وأحس في أعماقه أن ~~حقه في ملذات الدنيا قد سقط بعد هذه النكبة، فذهب عنه الاشتهاء الجنسي تماما، وذهب عفوا ~~بلا أدنى قسر. # وهنا سؤال: هل كان برنارد شو وزوجته سعيدين بزواجهما؟ والجواب أن الذي نستطيع أن نقطع به ~~أنهما كانا سعيدين بزواجهما على الرغم من هذا «الشذوذ»؛ وذلك لأن الحب أخذ مكان الاشتهاء ~~عندهما، وبين الاثنين ما يقارب المضادة، إذ عندما يزيد الاشتهاء ينقص الحب، ثم العكس؛ لأن ~~الحب حنان أما الاشتهاء فعدوان. # والحنان - أي حنان الحب - يحتاج إلى شخصية نعرفها ونأتنس إلى لغتها وأخلاقها وتاريخها، ~~أما الاشتهاء فيمكن أن نحسه نحو أي شخص لمفاتنه الجنسية فقط حتى ولو كنا نجهل لغته ~~واسمه. # وقد يصل أحيانا عدوان الشهوة إلى الاغتصاب، ولكن هذا لا يمكن أن يحدث في الحب. # وقد كانت شارلوت سعيدة بأن تعيش إلى جنب عبقرية فذة وإنسان منذور للإنسانية، كما كان ~~برنارد شو سعيدا بأن يعيش مع امرأة تتيح له التسامي بالغريزة الجنسية إلى آفاق الثقافة ~~والفن بحيث يستطيع أن يحس أنه جزء من القصد العام في التطور البشري. # ولكن الذي يجب أن نؤكده هنا أن مثل هذا الزواج الذي يجحد الحيوان في الإنسان لا يمكن أن ~~يتم، مع سعادة العيش، إلا بين اثنين يرتفعان ms031 إلى المستويات العليا من الحياة، وهذا نادر في ~~عصرنا، بل في كل عصر. # | الاشتراكية مذهب شو # مذهب برنارد شو في السياسة والمجتمع هو الاشتراكية. # عرف هذا المذهب قبل أن يصل إلى الثلاثين من عمره، ودعا إليه، وروج له، وضحى بوقته ~~وجهده لإيضاح مزاياه، وما كنت في حاجة لأن أشرح هذا المذهب لولا الأمية السياسية التي ~~عممها قانون المطبوعات في مصر، حين كانت تؤيده هيئة مؤلفة من البوليس السري لتعقب ~~المفكرين، كما تتربص بالشعب «نيابة عامة» تقدم المفكرين للقضاء وتطلب معاقبتهم، والى كل هذا ~~عشرون سنة من الرقابة على الصحف، وهي رقابة عرفتها أنا، وعرفها الصحفيون والمؤلفون في ~~الحكومات الغابرة، حين لم يكن يؤذن لنا بنشر جملة في كتاب إلا إذا أذن بها الرقيب الذي ~~لعله لم يكن ليرتفع في المستوى الثقافي إلى مقام المؤلف نفسه. # المذهب الاشتراكي يقوم على تأميم الممتلكات التي تحتاج إلى استغلالها إلى عمل العمال، ~~بينما المذهب الانفرادي الذي نعيش نحن على نظامه يجيز للفرد أن يمتلك الممتلكات ويستخدم ~~العمال لاستغلالهم وزيادة كسبه بهذا الاستغلال. # نحن نعيش في نظام انفرادي، ولكن المجتمع الانفرادي، مهما بالغ والتزم الروح الانفرادي في ~~نشاطه الاقتصادي، يحتاج إلى شيء كبير من الاشتراكية وإلا عمت الفوضى، ففي مصر مثلا ~~تدير الحكومة مصالح التلغرافات والتليفونات والبريد والسكك الحديدية، والطرق والجسور، ~~ومشروعات الري، كما تدير المدارس والجامعات والمتاحف وصيانة الآثار، وعندنا مجالس بلدية ~~تتولى إضاءة المنازل والشوارع وإيصال المياه النقية للمساكن. # كل هذه الأعمال اشتراكية يديرها الشعب، الممثل في حكومته الرئيسية أو بمجالسه البلدية ~~العديدة لمصلحة الشعب؛ أي إنها لا تملكها وتستغلها هيئات كالشركات مثلا فتديرها لمصلحة ~~الكسب الذي يعود على مساهميها، بل لقد كانت إضاءة القاهرة بل وكذلك مياه الشرب - إلى وقت ~~قريب - تقوم بها شركتان استغلاليتان. # كان نظام إيصال الضوء الكهربائي والغازي وكذلك إيصال الماء للبيوت والمصالح انفراديا، ~~حين كانت تتولاه شركتان غاية نشاطهما كسب المساهمين أولا ثم خدمة السكان في القاهرة ~~ثانيا، ولكن الحكومة المصرية استولت عليها، فأصبح مساهموها الشعب بدلا من ms032 الأفراد الذين ~~كانوا يشترون أسهم الشركتين في البورصة. # وليس من المعقول أن الشركتين كانتا تخدمان الشعب بإخلاص يزيد على إخلاص الحكومة المصرية ~~للشعب المصري. # والقضاء والتعليم كلاهما نشاط اشتراكي لا يمكننا أن نسلمه لشركة أو لأفراد كي يقوموا هم ~~به بدلا من الحكومة. # الأفراد والشركات يقومون بالأعمال بغية الكسب، ولكن الحكومة العامة، والحكومات الخاصة ~~الممثلة في المجالس البلدية، تقوم بالأعمال بغية الخدمة العامة للشعب، ومن هنا أفضلية نظم ~~الاشتراكية على النظم الانفرادية في الاستغلال. # كان الطب نشاطا انفراديا في إنجلترا إلى وقت قريب، ثم أصبح مؤمما، فماذا أعني بكلمة ~~التأميم؟ وكيف كان الطب قبل التأميم ثم بعده؟ # كان الطبيب قبل التأميم يعالج المريض ويطالبه بالأجر كما يهوى، تجارة حرة بين الطبيب ~~والمريض، فكان من مصلحة الأطباء أن يكثر المرضى، بل كان من مصلحة الطبيب أن يبقى المريض ~~أطول مدة ممكنة تحت العلاج حتى يحصل الطبيب على أكبر مقدار من الأجر. # وكان الأثرياء يمتازون بأحسن الأطباء، الذين يكافئونهم بأكبر الأجور التي يعجز الفقراء عن ~~تقديمها لهم، فكان الأثرياء يدخلون المستشفيات الفخمة ويجدون الخدمة الممتازة حين كان ~~الفقراء يقنعون بالطبيب الرخيص، الذي قد يكون كذلك لأنه غير كفء في المعالجة ولم يكونوا ~~يجدون سوى المستشفيات الحقيرة. # ثم أمم الطب في إنجلترا؛ فلم يعد الطبيب يتناول أجرا من المريض، وإنما هو يتناول ~~مرتبه آخر الشهر من هيئة حكومية، وصار أفقر الفقراء يجد العناية التي يجدها أثرى الأثرياء، ~~كما أن طقوم الأسنان، والنظارات، والسماعات، وزعت بالمجان على المحتاجين إليها. # أصبح من مصلحة الأطباء أن تنتشر الصحة وتقل الأمراض، حتى لا يتعبوا في العلاج؛ لأن زيادة ~~الأمراض لن تزيد أجورهم. # ونحن في مصر نكلف الدولة القيام بالتعليم المدرسي والجامعي؛ أي أن التعليم مؤمم، وقد ~~كان يمكننا أن نترك التعليم كله للهيئات غير الحكومية شركات أو أفراد، فهل لو كان كذلك ~~كنا ننتفع به كما ننتفع الآن به وهو مؤمم تحت إشراف الحكومة؟ # ولسنا مع ذلك اشتراكيين في مجموع أو معظم نشاطنا وأعمالنا، وإنما بدون هذا ms033 القليل من ~~النظم الاشتراكية في الدولة لا يمكن البقاء. # بل الدفاع عن البلاد، بالجيش والأسطول والطائرات عمل اشتراكي لا يمكن أمة - مهما بالغت في ~~الإيمان بالمذهب الانفرادي - أن تأتمن الأفراد أو الهيئات الحرة على أن تتولاه. # بل أكثر من هذا، فإنه حين تحدث الأزمات لقلة المعروض من القمح أو البترول أو نحو ذلك؛ ~~تنهض الحكومات وتتدخل لمنع المباراة الحرة في هذه الأشياء، فتشتري هي القمح أو البترول ~~وتبيعها لأفراد الشعب؛ وذلك لإيمانها الراسخ بأن التاجر الحر عندما يجد قلة في سلعة معروضة ~~للبيع يرفع أثمانها، وقد يخفيها، حتى يحس الجمهور قلتها فيزيد في الثمن لشرائها. # نظام المباراة الحرة في الكسب هو النظام الانفرادي، ونظام الإشراف أو الإدارة الحكومية هو ~~النظام الاشتراكي، ولكن وصف الاشتراكية بأنها نشاط حكومي يحدث التباسات، وصحيح أن هناك ~~اشتراكية حكومية حين تدير الحكومة الرئيسية السكك الحديدية مثلا، أو حتى يتولى المجلس ~~البلدي كنس الشوارع وتنظيم المواصلات في المدينة، ولكن الاشتراكية أكبر من هذا. # فحين يكون هناك مصنع أو مزرعة يتولى العمال إدارتهما بأنفسهم، ويؤلفون من أنفسهم حكومة ~~لهذا المصنع أو لهذه المزرعة، ويعينون الأجور، كما يعينون المبالغ للتجديد والترميم، ~~ويختارون اللجنة المشرفة، والحكومة الرئيسة (المركزية العامة) لا تتدخل في إدارة هذا المصنع ~~إلا بمقدار ما تحافظ به على مصلحة المستهلكين، أو للفصل في خلاف تعجز اللجنة المشرفة عن ~~علاجه. # النظام الاشتراكي يقوم على: ~~(1) # أعمال تتولاها الحكومة المركزية. ~~(2) # أعمال تتولاها المجالس البلدية. ~~(3) # أعمال يتولاها العمال أنفسهم عن طريق نقاباتهم أو شركاتهم ~~التعاونية. # وليس هناك شعب، يعيش على النظام الرأسمالي (أي المباراة الحرة بين أصحاب الأعمال من ~~الأفراد أو الشركات) يمكنه أن يستغني عن نحو عشرين أو ثلاثين عمل اشتراكي كما هي الحال في ~~مصر الآن، وما يطلبه الاشتراكيون هو تعميم هذا النظام الاشتراكي على جميع الأعمال التي ~~تحتاج إلى عمل العمال حتى تأخذ الخدمة الاشتراكية مكان الاستغلال الفردي. ~~••• # نظام المباراة الحرة في الإنتاج هو نظام تنازع البقاء، للفائز الرخاء والثراء، وللمهزوم ~~الجوع والعري، هو نظام الفقر والغنى، ms034 الفقر الذي يؤدي إلى الجريمة وإلى المرض، والغنى الذي ~~يفسد الأبناء بالميراث ويعمم الأمراض النفسية بين الأغنياء أنفسهم، كما نرى الآن في ~~الولايات المتحدة حيث يزيد عدد الأسرة الخاصة بالأمراض العصبية والنفسية في المستشفيات ~~على عدد الأسرة الخاصة بأمراض الأجسام. # في نظام المباراة الحرة، الفقير متعب جائع ذليل مريض بالحرمان، والغني متخم بالثراء ~~والغذاء مرهق بالهموم، وكلاهما عدو للآخر. # وما دام الإنسان يطلب الكسب، وزيادة الكسب، فإنه لا يبالي كيف يكسب، فقد يؤسس بيتا ~~للدعارة، أو للمقامرة، أو للخمور، أو ربما يتجر بالمخدرات المهلكة، أو - وهنا أفدح الخطر - ~~قد يتجر بآلات الحرب، وهو حين ينتهي إلى ذلك سيحرض على الحرب التي ربما تنتهي بقتل الملايين ~~من الناس. # لما ظهر مدفع كروب في ألمانيا حوالي 1870 حاولت مصانع كروب بيع إنتاجها منه لألمانيا، ~~فرفضت الحكومة الألمانية، فعرضته على بعض حكومات أوربا فرفضت أيضا، وعندئذ بعثت بمندوبها ~~إلى مصر حيث كان الخديو إسماعيل، وكانت له نيات إمبراطورية في أفريقيا فاشترى بعض هذه ~~المدافع. # وعندئذ قصد المندوب إلى تركيا، وأفاض في النيات الإمبراطورية التي يحتضنها إسماعيل والتي ~~ربما تحمله على محاربة السلطان؛ أي إنه مشي بالوقيعة بين الخديو والسلطان، فاشترى سلطان ~~الأتراك بعض هذه المدافع، بل حرص على أن يشتري أكثر مما اشترى إسماعيل، ثم قصد إلى روسيا، ~~ومشى بالوقيعة بين تركيا وروسيا، وأفهم وأوهم الوزراء بأن هذه المدافع تحقق النصر لتركيا ~~إذا حاربت روسيا، فاشترت روسيا مقدارا كبيرا من هذه المدافع، وعندئذ خشيت ألمانيا هذا ~~الجار الروسي المسلح فاشترت، وخشيت فرنسا ألمانيا فاشترت ... إلخ. # هذا مثال من النظام الانفرادي في الإنتاج، نظام المباراة الحرة الذي لا يبالي سوى الكسب، ~~ولو كان الموت هو السبيل إلى الكسب. # ولكن النظام الاشتراكي لا يهدف إلى الكسب وإنما إلى الخدمة؛ إذ لمن يكسب؟ # هل الحكومة، وهي تؤدي خدمة عامة بالتعليم أو المواصلات أو الجيش تريد الكسب؟ ومن يحصل على ~~هذا الكسب؟ # هل الحكومة الإنجليزية بعد أن أممت مهنة الطب تريد الكسب؟ # وهل هي حين أممت المناجم ms035 كانت تريد الكسب؟ ولمن تعطي هذا الكسب؟ ~~••• # الاشتراكية في قصة قناة السويس هي التأميم، هي أن يملك الشعب المصري هذه القناة المصرية ~~ويخدم بها العالم كله، بلا قصد إلى الكسب، كما يخدم الشعب المصري. # الانفرادية في قصة قناة السويس هي أن تستبد شركة بإدارته، وتزيد أجور العبور فيه كما تشاء ~~بلا أي رقابة، وتعطي المساهمين الكسب الذي يطمعون فيه، فإذا طلبت الحكومة المصرية التأميم ~~حرضت الشركة حكومتي فرنسا وبريطانيا على قتالنا. # جميع الحروب، بل جميع الاستعمار، هي نظام انفرادي في الكسب باستغلال العمال داخل بلادهم ~~أولا، ثم استغلال العمال في الشعوب الأخرى المستضعفة مثل الهند ومصر وكينيا والجزائر ... ~~إلخ. # وأخيرا نظام المباراة، النظام الانفرادي للكسب، هو نظام الأزمات المتواترة التي تحدث ~~التعطل للعمال؛ فإن أزمة 1930 التي عمت العالم الانفرادي، والتي سبقتها ثم لحقتها أزمات ~~قد أشاعت التعطل بين نحو ستين أو سبعين مليون عامل في أوربا وأمريكا، وكان معنى التعطل هنا ~~الجوع والعري والمرض والموت؛ إذ لم تكن الشعوب الغربية قد عممت الضمانات ضد هذه الأزمات، ~~وهي ضمانات مع ذلك لا تكفل سوى الحد الضروري للبقاء؛ أي لا تكفل للمتعطلين الحياة المتمدنة ~~المثقفة. # وعلة التعطل أن أصحاب المصانع والمزارع والعقارات يجمعون بتوالي السنين مقدارا كبيرا ~~من أجور العمال وإيجارات الأرض والعقارات، وتنتهي الحال بفقر الشعب الذي يتألف 95٪ من ~~أفراده من العمال المأجورين أو التجار أو الساكنين المستأجرين، وعندئذ يعجزون عن شراء السلع ~~التي تنتجها المصانع أو عن استهلاكها جميعا، وينتج من هذه الحال أخيرا الاستغناء عن ~~العمال، وإقفال المصانع، أو الإقلال من الإنتاج بتعطيلها يومين أو ثلاثة أيام كل أسبوع، ~~وهذه هي الأزمة، إنتاج كثير من المصانع والمزارع وعجز في الشعب عن الشراء، ثم تعطيل الإنتاج ~~وطرد العمال، ثم الجوع والعري والمرض. # والنظام الانفرادي في قصة البترول العربي هو تسليمه لشركات شل وأرامكو وفاكييوم، ~~الإنجليزية الفرنسية الأمريكية الهولندية، واستخدام العمال العرب بأتفه الأجور لاستخراجه، ~~ثم توزيع الأرباح على المساهمين في لندن وباريس ونيويورك وأمستردام، مع بقاء العرب في الفقر ms036 ~~والمرض والجهل. # والنظام الاشتراكي للبترول العربي هو التأميم، حتى يملك العراقيون بترولهم، ويملك ~~السعوديون والكويتيون بترولهم، ويبيعون بعضه لأقطار العالم ويستعملون بعضه لإدارة ~~مصانعهم . # أكتب هذه الكلمات والطائرات الإنجليزية تلقي الموت على اليمنيين لأنهم يعارضون الإنجليز ~~في احتلال منابع البترول. # ولو كانت الحكومة الإنجليزية اشتراكية لما فعلت ذلك. # إن حزب العمال في بريطانيا - وليس جميع أعضائه اشتراكيين، وإن يكن كثير منهم كذلك - حمل ~~الإنجليز على الجلاء عن الهند، ووقف في صف مصر ضد حكومة المحافظين حين جن إيدن وضرب بورسعيد ~~وسائر مدننا بالقنابل من أجل التشبث بحقوق، أي بسرقات، المساهمين في قناة السويس. # الاشتراكية هي العدل والشرف في السياسة الدولية، وهي التي حملت روسيا والصين ~~الاشتراكيتين، كما حملت نهرو الاشتراكي، على مساعدتنا في أزمة قناة السويس. ~~••• # الاشتراكية هي مذهب برنارد شو. # وينبعث الاشتراكيون إلى هذا المذهب بالإنسانية، ولكن ليست الإنسانية هنا هي كل شيء؛ أي ~~إنهم لا يقولون بالرحمة للفقراء ورفع مستواهم الاقتصادي والعناية بصحتهم وزيادة أجورهم، ~~بالنظام الاشتراكي فقط. # وإنما هم اشتراكيون أيضا لأن الإنتاج العالي، الإنتاج الوفير يحتاج إلى ~~الاشتراكية. # لقد استطاعت دولة الاتحاد السوفيتي أن تصلح في السنوات الخمس الماضية (آخرها 1955) ثلاثين ~~مليون فدان، كانت قاحلة فأصبحت الآن تزرع بالقمح والذرة والقطن، وهذه المساحة تزيد خمسة ~~أضعاف مساحة الأرض المزروعة في مصر. # وما كان يمكن أن يقوم بهذا المجهود فرد أو شركة، وإنما استطاعته الحكومة السوفيتية لأنها ~~حكومة اشتراكية تتوافر لها الموارد المادية البشرية في شعب يبلغ 180 مليونا. # فالذي يبرر الاشتراكية، بعد عامل الإنسانية، هو عامل الاقتصاد، عامل الإنتاج الوفير ~~بتعبئة الشعب كله لزيادة رفاهيته وحضارته وثقافته. ~~••• # ما هي العوامل التي عينت المذهب السياسي لبرنارد شو ووجهته؟ # نشأ شو أرلنديا، فرأى استبداد الإنجليز ببلاده، وكره الفكرة الإمبراطورية وقاومها طيلة ~~حياته، والمذهب الاشتراكي هو العدو الأصيل للفكرة الإمبراطورية الاستعمارية؛ لأن الأساس في ~~الاشتراكية هو محو الاستغلال. الاستغلال للعمال داخل البلاد، والاستغلال للشعوب الضعيفة ~~التي أخضعها الاستعمار. # ولم تكن أرلندا تزيد في نظر الإنجليز الاستعماريين على الهند أو ms037 مصر، وتاريخهم في هذه ~~الجزيرة هو تاريخ الجزارة البشرية، وقد مرت بأرلندا أوقات كان عدد الأرلنديين المهاجرين إلى ~~الولايات المتحدة الأمريكية أكبر من عدد الأرلنديين داخل أرلندا. وذلك فرارا من فظاعة ~~الاستعمار البريطاني. # ولكن برنارد شو يستعمل عقله ولا يستسلم قلبه حين يتحدث عن أرلندا؛ فإنه يجحد سلطة الكهنة ~~الذين يستغلون تدين الشعب الأرلندي، هو يزيد على ذلك ويقول إن الأرلنديين قد اكتسبوا ~~باحتلال الإنجليز لبلادهم شيئا لا يقدر بثمن هو اللغة الإنجليزية التي تصل بينهم وبين ~~الثقافة العالمية، وهو يجحد محاولة الوطنيين الأرلنديين إحياءهم للغتهم الميتة. # وهو يكاد يبرر الفتوحات الإمبراطورية في حالات معينة؛ فإنه يقول إن مكافحتنا للمبدأ ~~الإمبراطوري، وإخضاع شعب لشعب آخر يستغله، يجب ألا يعمينا عن حق العالم كله في الثروات ~~المعطلة عند الشعوب المتأخرة؛ إذ ليس من حق شعب ما أن ينام على كنوز أرضه من بترول أو فحم ~~أو حديد، فلا هو يستغلها ولا هو يترك غيره لاستغلالها، ثم يقف خلف هذا الجمود يدافع عن نفسه ~~بحق استقلاله. # وهذا كلام جد يبدو خاليا من الرحمة، ولكنه لا يخلو من العدل؛ فإنه ليس من حق اليمنيين ~~مثلا أن يحجموا عن استغلال البترول في بلادهم ثم يمنعون غيرهم من استغلاله. # وقل مثل هذا وأكثر منه عن سائر الشعوب الشرقية المتخلفة التي تغري المستعمرين بغزوها ~~لجمودها. ~~••• # ليس هذا الكتاب عن الاشتراكية، وإنما احتجت إلى قليل من الشرح لهذا المذهب؛ لأن شو قبل كل ~~شيء اشتراكي، والاشتراكي ليس له فقط سياسة حزبية معينة وإنما له أيضا أخلاق يكتسبها من هذا ~~المذهب، فهو إنساني يضع القيم الإنسانية فوق القيم الاجتماعية، وهو داعية مساواة، فلا يقول ~~بأنه يجب علينا أن نكافح حتى نتفوق على غيرنا في الثراء أو غير الثراء، ثم لا يبالي الكسب ~~إلا بمقدار ما يحصل منه على العيش المطمئن وليس على الترف، هو بكلمة مفردة: شريف. # وكانت الاشتراكية فيما بين 1880 و1900 مذهبا ثوريا قد ألصق به المحافظون والأحرار في ~~إنجلترا نزعات شاذة كاذبة، مثل الإلحاد وقتل ms038 الأثرياء ونحو ذلك. # وكان شو يعرف أن جهره بهذا المذهب سيؤذيه في تخصصه للتأليف المسرحي؛ لأن المتفرجين في ~~الدور المسرحية كانوا في ذلك الوقت أو تسعة أعشارهم على الأقل، من الأثرياء وأبناء الطبقات ~~المتوسطة، الذين كانوا ينفرون من هذا المذهب، وكان يعرف أنه لو ألف المسرحيات المسلية ~~لوجد الإقبال المفرد والنجاح العظيم. ولكنه لم يفعل؛ فإن أولى دراماته تنصب على موضوع ~~الإثراء الملوث من الاتجار بالبغاء، مع شرح مسهب عن ألوان الثراء الأخرى، وأنها لا تختلف ~~كثيرا عن الإثراء عن طريق البغاء. # وهذا موقف شريف يجب أن نعترف به لبرنارد شو، ولكن يجب ألا نترك برنارد شو بلا نقد بشأن ~~الاشتراكية. # فإن المذهب الاشتراكي يقول بأن الحكم للشعب على يد الشعب، ولكن برنارد شو في النصف الأخير ~~من حياته التأليفية نزع إلى لون فاشي مع استبقائه لإيمانه الاشتراكي، فقد مدح موسوليني ~~وألف درامات يقول فيها بأن الجمهور يمكن خداعه وغشه، وأن الحكم يجب أن يبقى في أيدي ~~الأقلية الممتازة بالذكاء والخبرة، وهو هنا يعكس الحال التي عاينها في إنجلترا فيما بين ~~1900 و1919 حين استطاع الأحرار والمحافظين أن يخدعوا الشعب الإنجليزي ويوقعوه في الحرب ~~الكبرى الأولى، بل ويورطوه في خطط استعمارية هي غاية في السفالة والخسة والدناءة. # ثم هو كان يؤمن بأن الاشتراكية المتدرجة، التي كانت تدعو إليها الجمعية الفابية، كانت ~~تكفي لتنوير الشعب وحمله على اختيار حكومة اشتراكية، ومع أنه يعزو ظهور حزب العمال إلى ~~تعاليم هذه الجمعية (وإن يكن هذا مما يشك فيه)؛ فإن هذا الحزب لم يحقق كل ما كان يصبو ~~إليه برنارد شو من تحقيق النظام الاشتراكي. # وانحياز برنارد شو نحو الفاشية يعود إلى يأسه من تعليم الشعب، وأعظم مظاهر العجز في الشعب ~~الإنجليزي، بل في كل شعب آخر، هو جهله؛ فإن «الديلي إكسبرس» مثلا تعكس لنا - بتفاهة ~~أخبارها وسخافة آرائها - عقلية الشعب الإنجليزي أكثر مما تعكسه لنا جريدة «التيمس»؛ فإن ~~الأولى - وهي للشعب - تطبع في اليوم نحو أربعة ملايين نسخة حين لا تطبع الثانية - وهي ms039 ~~للخاصة - أكثر من ربع مليون. # ولكن هذه الأمية الصحفية تعود في النهاية إلى إهمال تعليم الشعب، ولو أن حكومات المحافظين ~~والأحرار والعمال عنوا العناية الكبيرة بتعليم الشعب لما أمكن خداعه. وحسبنا مثلا أن ~~نقول إن روسيا قد جعلت العلوم في أساليبها وموادها أساسا لتعليم خمسة ملايين عالم أو رجل ~~علمي، ومثل هذه الوثبة ستكفل للشعب الروسي - أو بالأحرى للشعوب السوفيتية - مرتبة عالية من ~~الثقافة العلمية الجديدة التي تحول بينها وبين الإيمان بالخرافات المقدسة، كما تحول بينها ~~وبين الخداعين والنصابين في السياسة. # ولكنا مع كل ما قلنا هنا لا نستطيع أن نتهاون أو نتسامح في هذا الانحياز نحو الفاشية في ~~برنارد شو. # | الاشتراكية الإنجليزية وحزب العمال # قبل نحو سبعين سنة كتب الشاعر الإنجليزي رديارد كبلنج هذه الأبيات ينصح فيها للجندي ~~الإنجليزي، ويرشده عن تصرفه عندما يلتقي بواحد من أبناء المستعمرات، من السود أو السمر، ~~حين يحاول ابتزاز ما معه من نقود أو جواهر، فإذا رفض هذا الأسود أو الأسمر تسليمه ما يطلب ~~ابتزازه منه كان على هذا الجندي أن يجلده، فإذا أصر على الرفض فعليه أن يعيد الجلد، ويعذبه ~~حتى يستخرج ما كان قد أخفاه عنه، وإليك النص الإنجليزي باللغة العامية التي كان كثيرا ما ~~يؤلف بها كبلنج أشعاره: # Now remember when you are acking round a gilded Burma ~~god, # That’s eyes is very often precious stones. # An’ if you treat a nigger to a dose o’cleanin-rod, # ES’ like to show you everything’e owns. # When’e wont produce no more, pour some water on the ~~floor, # Where you ’ear it answer ’ollow to the poot. ~~(Cornet; toot: toot!) # When the ground begins to sink, shove your baynick down the ~~chink, # An’ you ’re sure to touch the ... ~~(Chorus: loo loo, lulu, loot loot, ow the ~~loot). # ولا أعتقد أني أحسن الترجمة لأني أجهل اللهجات العامية الإنجليزية، ولكني أحاول: # تذكر (أيها الجندي) وأنت تحطم الأشياء حول تمثال الإله المذهب في ~~بورما. # أن عينيه ms040 تكونان في الأغلب مصنوعتين من الجواهر الثمينة. # وأنك إذا أنت عالجت الزنجي بجرعة من العصا المطهرة، # فإنه سيعترف لك عن كل شيء يمتلكه، فإذا توقف عن إظهار ما تبقى عنده، فعليك أن ~~تصب بعض الماء على الأرض، # وعندئذ تسمع جوابه: لم يبق شيء. ~~(البوق: توت: توت) # وعندما تخيس الأرض، اغرز حربتك في الشق وعندئذ ثق بأنك ... ~~(كورس: لو. لو. لولو. لوت. لوت. أو ذي لوت) # وكلمة لوت هنا تعني النهب أو الغنيمة. # ولم يكن كبلنج يعبر بهذه الكلمات عن إحساس الأديب الشاعر وإنما عن إحساس الاستعماري؛ فإنه ~~نشأ في وسط ينتمي إلى أسرة عمل أعضاؤها في الإمبراطورية، وقد ولد هو في الهند حيث كان أبوه ~~موظفا كبيرا، وكان ابن خالته «بولدوين» رئيس الوزارة البريطانية في العقد الثالث من هذا ~~القرن؛ وإذن يجب أن نعد لغته لغة الساسة من حزب المحافظين الإمبراطوريين قد اتخذت صبغة ~~الفن. # ونحن نفتري افتراء كبيرا على الشعب الإنجليزي إذا كنا نتهمه كله بهذه الإحساسات ~~الإجرامية؛ فإن هذا الشعب الذي نبغ فيه كبلنج الإمبراطوري، قد نبغ فيه أيضا شو الاشتراكي ~~وعشرات وعشرات من الأدباء الإنسايين، بل نزيد على هذا ونقول إن الشعب الإنجليزي يحمل جبالا ~~من هذه الجرائم التي ارتكبها الاستعماريون والإمبراطوريون من الإنجليز الذين أذلوا العمال ~~الإنجليز كما أذلوا شعوب المستعمرات. # وواضح من أبيات القصيدة التي نقلناها أنها تنشد جماعة؛ إذ هي تحتوي كلمات خاصة بالكورس أي ~~المرددين، وصبيان المدارس يتعلمونها وينشدونها، ويحسون إحساساتها الوحشية في النهب والقتل، ~~وهم ينشأون على هذه الإحساسات، ويجنون على العالم بعدوانهم واستعمارهم، وهم معذورون لأنهم ~~يتلقون هذه المبادئ وهم صبيان لم يتم نضجهم، ولا بد أن السير إيدن في عدوانه علينا بشأن ~~قناة السويس ودعوته إلى اغتصابها منا كان على إحساس بهذه العواطف الملعونة التي غرسها فيه ~~كبلنج أو غيره ممن على شاكلته. # ولو كانت هذه العواطف الملعونة عامة في الشعب الإنجليزي لما ظهر حزب العمال، هذا الحزب ~~الذي وصفت حكومته فيما بين 1945 و1950 بأنها «حكومة خيرية» # كيف نشأ ms041 حزب العمال؟ # لم يكن للعمال «وجود» في السياسة الإنجليزية إلا في السنين الأخيرة من القرن الماضي، وكان ~~الأحرار والمحافظون يتداولون الحكم، ولكن في بداية القرن الماضي ظهر في إنجلترا رجل من ~~أصحاب المصانع يدعى «روبرت أوين» الذي فكر كثيرا في أحوال العمال وبؤسهم، وانتهى إلى ~~إيجاد فكرة «التعاون» أي الجمعيات التعاونية، وكان يعتقد أنه يمكن تغيير المجتمع من مبدأ ~~المباراة إلى مبدأ التعاون بإيجاد هذه الجمعيات، ونجح في الدعوة إلى هذه المنشآت إلى حد ~~بعيد، وكان يؤمل أنه عندما تقوى هذه الجمعيات ويأخذ الناس بنظمها فإنها تنتهي بإلغاء ~~الممتلكات الفردية وجعلها - أي هذه الممتلكات - للمجتمع وحده؛ أي لا يملك المصنع أو المزرعة ~~فرد وإنما تملكها جمعية تعاونية. # وهو واضع كلمة «الاشتراكية» في اللغات الأوربية ولكن اشتراكيته كانت في الأكثر أمنية ~~إنسانية ولم تكن برنامجا علميا؛ لأن هذا التحول من الامتلاك الفردي إلى الامتلاك ~~الاجتماعي عن طريق جمعيات التعاون لم يتحقق، بل لم يقارب التحقيق، وإن كان قد أدى خدمة ~~كبرى في الإنتاج وأيضا في الأخلاق؛ لأن العامل الذي كان ينتسب إلى إحدى هذه الجمعيات كان ~~يفكر ويحس بمعان جديدة بشأن الإنتاج بالمباراة وبالاجتماع وبشأن الكسب والاستغلال. # وإلى جنب حركة التعاون ظهرت حركة أخرى أيقظت وعيا جديدا بين العمال، هي حركة النقابات ~~التي كافحتها المحاكم الإنجليزية وحاولت القضاء عليها بنفي الأعضاء إلى أستراليا باعتبارهم ~~مهددين لأمن الدولة، كما كان يفعل البوليس السياسي في مصر بإيعاز المستعمرين ~~والمستبدين. # وبقيت حركات العمال تسير في بطء يغذوها مفكرون طوبويون خياليون، ولكنها مع ذلك انطوت على ~~ثلاثة أشياء: ~~(1) # فكرة الجمعيات التعاونية. ~~(2) # فكرة النقابات العمالية. ~~(3) # فكرة الاشتراكية. # ومع أن هذه الفكرات الثلاث كانت تسير في ضعف؛ فإن أوربا كانت تغلي بالسخط لما كان يعانيه ~~العمال في كل قطر من العسف والضغط والفقر، وما هو أن كانت سنة 1848 حتى انفجر السخط إلى ~~ثورات عامة اتخذت أشكالا واتجاهات مختلفة وفقا للبيئة التي ظهرت فيها. # وكان هناك رجل قد نصبه التاريخ للفهم والإيضاح يدرس عصره، أي القرن التاسع ms042 عشر، ويحاول ~~أن يحلل عوامل مجتمعه ويفهمها ثم يشرحها ويوضحها للشعوب المتألمة من نظام المباراة في ~~الإنتاج والعمل. # هذا الرجل هو كارل ماركس أعظم فيلسوف ظهر في العالم إلى الآن. # وقد أمضى سنين قبل ثورات 1848 وهو يدرس الأفكار التعاونية والنقابية والاشتراكية، حتى إذا ~~كانت هذه السنة أخرج ما يسمى «البيان الشيوعي» الذي شرح فيه في عبارات مبسطة الأفكار ~~الاجتماعية المعقدة، ولا يزال هذا البيان إلى الآن مثالا للتفكير العميق في العقل ~~الناضج. # ومع أن كارل ماركس كان يعيش في إنجلترا، ومع أنه أخرج هذا البيان وهو في إنجلترا، فإن ~~أثره لم يكن كبيرا فيها، ولكن حركات العمال في أوربا تأثرت به كثيرا واتبعت - إلى حد بعيد ~~- مبدأه ومنهجه. # وبقي الأحرار والمحافظون يتناوبون الحكم في إنجلترا دون أي حساب للعمال، وكان اهتمامهم ~~الأكبر بالإمبراطورية التي كانت تغل كل عام ملايين الجنيهات، يسرقونها من الهند وغير الهند ~~من المستعمرات، وهذه الملايين التي كانت تؤخذ من المستعمرات وتنفق في إنجلترا، كانت تحدث ~~رخاء عاما هو علة الركود في حركات العمال الارتقائية الإنجليزية؛ فإن المصانع كانت تعمل ~~ليل نهار في إنتاج السلع التي تقهر المستعمرات على شرائها، وكان العمال الإنجليز راضين عن ~~أحوالهم كما كانوا أيضا - بالمقارنة إلى عمال أوربا - غير واعين. # ونشأت في إنجلترا لهذا السبب اشتراكية يؤمن بها مئات العمال، وهي غير اشتراكية ماركس ~~الثورية، هي اشتراكية التدرج وليس الثورة، وظهرت «الجمعية الفابية» حوالي 1885. # وكلمة «الفابية» هي وصف مشتق من القائد الروماني «فابيوس» الذي كان يحارب «هني بعل» قائد ~~الجيش القرطجني الذي كان يحتل إيطاليا في القرن الثالث قبل الميلاد، وكانت خطة فابيوس ~~تعتمد على تجنب المواجهة، ومقاتلة هني بعل بتخطف قواته من جوانبها جزءا بعد جزء حتى ~~تنهار. # وكانت الجمعية الفابية تعتمد أيضا على تجنب المواجهة للأحزاب القوية، وتقنع بالتسلل ~~إلى العقول في نشر الأفكار الاشتراكية؛ وذلك حتى لا تثير جبهة ضدها من الأحرار والمحافظين، ~~ونجحت في ذلك، بل إن أفكارها قد تسربت إلى هذين الحزبين ورشحت إلى عقول زعمائها، ms043 ولم تكن ~~هذه الجمعية حزبا يتألف من العمال كما كان الشأن في أوربا، وإنما كانت «جمعية» مؤلفة من ~~رجال الطبقة المتوسطة، بل أحيانا من الأثرياء الذين يهدفون إلى الدرس ونشر الآراء للدعاية ~~فقط وليس للتمثيل السياسي، وقد ألف برنارد شو الذي كان أبرز أعضائها بعض رسائلها ~~الدعائية، وكان منها كتيب يدعى «الاشتراكية للأغنياء»، والاسم يدل على الهدف المقصود، ~~أو بكلمة أخرى لم يكن العمال هم الجمهور الذي ألف له برنارد شو هذا الكتيب كي يقنع أفراده ~~بضرورة الاشتراكية، إذ كان يهدف إلى إقناع الأغنياء بأن الاشتراكية تخدمهم أكثر مما تخدمهم ~~الانفرادية التي أثروا في نظامها. # وليس من الشاق أن نقنع الأثرياء بأفضلية الاشتراكية؛ فإن الثراء الحاضر في نظامنا ~~الانفرادي قد يكسب الثري ميزات لا يستخف بها، ولكنه يحمل من الهموم ما ينضي على حياته ~~أحيانا وهو دون الخمسين لأن مسئولياته كثيرة، فهو يعمل أحيانا أكثر من عماله، كما هو عرضة ~~للإفلاس في أي وقت، ثم هو يأخذ بقيم اجتماعية تبعثر أمواله على الزينات والبهارج، لنفسه ~~ولزوجته وأولاده، بحيث يضطر - لو كان على مقدار متوسط من الذكاء - أن يسأل عن قيمة هذا ~~الثراء الذي يبهظه بهذه التكاليف التي يمكن الاستغناء عنها، ولعلنا لا ننسى أيضا في ~~أيامنا هذه أن الأمراض النفسية تصيب الأثرياء أكثر مما تصيب العمال وذلك لفرط ما يجهدون ~~قواهم ويحملون من هموم. # ونجحت الجمعية الفابية في إيجاد «الاشتراكية التدريجية» في بريطانيا، وهي اشتراكية ~~الإصلاحات الاجتماعية التي سارت فيها الدولة عاما بعد آخر، والمثل الأعلى لها هو «مشروع ~~بفريدج» الذي يكفل العيش والصحة والتعليم لكل إنجليزي من المهد إلى اللحد. بل قبل المهد ~~وبعد اللحد. # ولكن علينا ألا ننسى أن هذه «الاشتراكية التدريجية» قد أخرت التفكير الاشتراكي ~~الثوري. # وما زلت أذكر أني طيلة انتمائي إلى الجمعية الفابية، سواء وأنا في لندن أو بعد ذلك في ~~مصر، لم أكن أسمع عن اسم ماركس إلا قليلا جدا، ولم أكن أعرف أن الاشتراكيين في أوربا ~~يهدفون إلى الثورة لا الإصلاح، بل إنهم ms044 كانوا وما يزالون يعدون الإصلاح عائقا للثورة، وهذا ~~بلا شك صحيح إلى حد بعيد. # انضممت إلى الجمعية الفابية في 1908 وبقيت معتنيا بمؤلفاتها وتوجيهاتها أكثر من عشرين ~~سنة، ولما ألفنا الحزب الاشتراكي في مصر في 1921 كانت تعاليم هذه الجمعية في ذهني أكثر من ~~تعاليم ماركس؛ أي أننا كنا نبغي التنوير الاشتراكي عن طريق الإصلاحات المتدرجة. # وليس معنى قولي هذا أننا أهملنا ماركس تماما؛ فإن التفسير الاقتصادي للتاريخ - كما رسم ~~منهجه ماركس - كان بارزا في أذهان الفابيين، ولكن فكرة الطبقات، والضدية الاجتماعية، ~~والثورة، كانت غائبة عن أذهاننا إلى حوالي 1925، وبعد ذلك شرع الاشتراكيون بجميع ألوانهم ~~يدرسون ماركس، وزاد هذا الدرس قوة واندفاعا عقب أزمة 1930 التي أوضحها ركاكة النظام ~~الاقتصادي الانفرادي وضرورة استبدال النظام الاشتراكي به. # ومع ذلك وجدت لي مقالا في التفسير الاقتصادي للتاريخ في مجلة الهلال في 1927 أي قبل هذه ~~الأزمة بثلاث سنوات. # وكانت الجمعية الفابية بطبيعة انتمائها إلى الطبقة المتوسطة تمارس ألوانا من النشاط في ~~العلوم والفنون، فكانت منها لجان تدرس كل ما يتصل بالمجتمع من ثقافة جديدة تتفق والاتجاه ~~الاشتراكي، وكان برنارد شو روح هذا النشاط، ولم يكن يضن بوقته الغالي في خدمة الأعضاء، وما ~~زلت أذكر أنه رأس لنا اجتماعا أمضى فيه نحو ساعتين في المناقشة بشأن التعليم، ولم نكن نحن ~~المستمعين نزيد على 8 أو 10 أعضاء. # وأذكر من المحاضرات التي سمعتها في الجمعية (وأعني لجانا منها) واحدة أو أكثر عن الأدب ~~الروسي، وأخرى عن تحديد النسل، وثالثة عن الدرامة الواقعية، ورابعة عن الاستعمار ... إلخ، ~~وهذا بالطبع غير المحاضرات الاشتراكية التي كانت تهدف إلى الحد من النشاط الانفرادي في ~~التجارة والصناعة، والأخذ بالإصلاحات الاشتراكية والدعوة إلى أن تتولى المجالس البلدية ~~مشروعات تأميمية محلية مثل إيجاد المكتبات العامة والأحواض السباحية وإنشاء المدارس وتغذية ~~التلاميذ وإنشاء المدارس الليلية للعمال، بل إنشاء الأندية الترفيهية كذلك حيث يجد العامل ~~طعاما رخيصا ونشاطا يشغله عن الخمر والقمار. # ونجحت الجمعية في كل ذلك، ووجدت دعوتها القبول بين عدد كبير ms045 من الجمهور المتعلم، كما أن ~~دعوتها إلى تأميم الثروات الكبرى التي كانت تحتكرها الشركات، مثل المناجم والسكك الحديدية ~~ونحوها، وقد وجدت - بعد خمسين سنة من الدعاية - الاستجابة من حزب العمال، وكان نقدها لتعطل ~~العمال ماركسيا، كما أن عبارة «حق العمل» كانت بلا شك ثورية. # وحزب العمال الإنجليزي هو، بتأليفه ومذهبه الاشتراكي، فابي النزعة من نشأته إلى حاضره، ~~وليس شك أنه من حيث التفكير الاشتراكي الصميم، ونعني هذا التفكير كما تفهمه أوربا في ~~أيامنا، بعيد عن الماركسية وفلسفتها؛ إذ يقول بالتدرج ويعزف عن الثورة، وهو - لهذا السبب - ~~يعد عائقا للثورة الشيوعية التي تهدف إليها الأحزاب الماركسية في أوربا. # لقد اختلطت وأنا بإنجلترا ببعض أعضاء حزب العمال، فوجدت فيهم الإمبراطوريين الذين ~~يتحدثون عن المستعمرات كما لو كانوا محافظين، ووجدت فيهم الأحرار الذين يخشون الاشتراكية ~~الكاملة، ولكني وجدت فيهم أيضا الاشتراكيين المخلصين مثل كير هاردي، وخلاصة القول أن أعضاء ~~الحزب لم يكونوا قبل الحرب الكبرى الأولى، وبعدها إلى حوالي 1930، من الاشتراكيين إلا في ~~الأقل. # ولكن مع ذلك كان هذا الحزب صاحب الفضل في جلاء الإنجليز عن الهند في 1949، وكذلك وقف في ~~صفنا عندما أغار الوغد إيدن وحزبه على بورسعيد. # وكان برنارد شو أبعد المفكرين عن الدعوة إلى الثورة، وكان عزوفه عنها يحمله أحيانا على ~~احتقار الحركات الشعبية، حتى إنه أيد موسوليني في فاشيته، ولكنه بعد أن زار روسيا عاد ~~وكله إطراء للنظام الجديد ومدح للثورة وإعجاب بمآثرها. # وكذلك فعل سيدني ويب واضع عبارة «التدرج المحتوم»، فإنه أيضا زار روسيا وأكب على درس ~~منظماتها، ثم أخرج كتابه عنها بعنوان «حضارة جديدة» رفعها فيه إلى السماء إعجابا ~~وإطراء. # وقد يتساءل القارئ هنا بحق: كيف يكون برنارد شو اشتراكيا ويحتقر الشعب؟ # والجواب أنه ينتمي أولا إلى الطبقة المتوسطة ويحس إحساسها من الاستعلاء على العامة؛ ~~ولذلك كان بعقله مع الشعب وبعاطفته مع طبقته السائدة، ثم علينا ألا ننسى أن معظم من كانوا ~~اشتراكيين سئموا البطء في حركات الإصلاح الاشتراكية، فعمدوا مخدوعين إلى الفاشية، باعتبار ~~أنها الديكتاتورية التي ms046 تستعجل الإصلاح وتختصر الطريق، ثم عرفوا بعد ذلك خطأهم ~~وندموا. # ولما ذهب برنارد شو إلى روسيا انقلب، وآمن بالثورة وبالشعب، ومدح النظام الاشتراكي ~~القائم. # هناك أفكار تعد خمائر؛ أي لا تتحيز مكانا وتقف عنده ساكنة في عقولنا، وإنما تسري ~~كالخميرة في سائر الكتلة المحيطة فتغذوها وتنيرها وتطورها. # وقد وجدت هذه الخميرة التي غيرتني وطورتني في الجمعية الفابية، وفهمت إنسانية أخرى لم ~~أكن أفهمها قبل التحاقي بها؛ إذ وجدت رجالا ونساء يبحثون معاني الخير والشرف ويتساءلون: ~~كيف نلغي الفقر؟ كيف نمنع الجريمة؟ كيف نربي الطفل؟ كيف نكافح الاستعمار؟ # وقبيل الحرب الكبرى الأولى ألفت ثلاثة كتيبات نفدت جميعها، وهي تدل على الاختمارات ~~الذهنية التي كنت أعانيها والتي كانت ثمرة الحركات الذهنية في الجمعية الفابية: ~~(1) # مقدمة السبرمان، كما يفهمه نيتشه وبرنارد شو، وبهذه المقدمة فصل عن ضرورة ~~الاشتراكية باعتبارها النظام العادل للحكم والإنتاج (طبع في 1910). ~~(2) # نشوء فكرة الله، وهو تلخيص لكتاب جرانت ألين، يبحث الأصول المادية التاريخية ~~التي أدت إلى الإيمان بالله (طبع في 1912). ~~(3) # الاشتراكية، وهو دعوة إلى هذا المذهب (طبع في 1913). # وفي 1920 عندما ألفت مع بعض الزملاء الحزب الاشتراكي، كانت هذه الأفكار وغيرها عنصرا ~~أساسيا في تفكيري، أرغب في نشرها وأجعل من الحزب بؤرة لبحثها ومناقشتها هي وغيرها؛ مما ~~يجعل شعبنا عصريا يحيى في أفكار القرن العشرين ويسير في مواكبه الاقتصادية والاجتماعية ~~والثقافية. # ولكن سعد زغلول في 1924 سلط علينا النيابة العامة. التي هجمت علينا، وحققت معنا، وشرعت ~~تعتقل بعضنا، حتى قتلت هذه البذرة التي كان يمكن أن تنبت وتتفرع وتشيع نورا يضيء ظلام ~~تقاليدنا المصرية والاستعمار الإنجليزي، وأصبح التفكير الاشتراكي من ذلك الوقت ~~خطرا. # ولو أن هذا التفكير كان مباحا رائجا في عقول الناس، لكنا قد فهمنا الاستعمار الفهم ~~الصحيح، ولكنا قد كافحناه الكفاح البصير. # ولكن الجهل الذي يسود العقول ويظلمها منع عنا هذا النور، وجعل من التفكير الاشتراكي ~~جريمة يتوقاها الشبان ويخشون عواقبها. # وفي 1951 كنت عائدا من فرنسا إلى مصر على إحدى البواخر، وكان معي «البيان الشيوعي» لكارل ms047 ~~ماركس، فكنت أقرأه صفحة بعد صفحة وأقطع ما أقرأه وأطرحه في البحر، حتى لا «يضبط» معي عند ~~نزولي في الإسكندرية. # ثمرة، هي حلال في الأمم المتمدنة، وهي حرام على أبناء مصر. # | أسلوب شو # ليس له أسلوب ... # يكتب شو كما يتكلم، وهو يتكلم في صراحة ودقة، ولكنه يفكر كثيرا؛ ولذلك أسلوبه صريح، ~~دقيق، حافل بالأفكار التي تستهوينا فلا نلتفت أقل الالتفات إلى أسلوب الكتابة وترتيب ~~الكلمات، وحين نتوقف ونلتفت نجد أنه يكتب الأدب كما لو كان يكتب موضوعا علميا كله دقة ~~ورصانة وترتيب، والقيمة الأولى في كل ذلك للأفكار. # وليس في أسلوبه ما نسميه قوة التعبير، أو حلاوة التعبير، كما ليس فيه مبالغة أو إسراف في ~~استعمال كلمة زائدة أو جملة رائعة، وإنما نحن نتأثر بقوة المنطق في أفكاره، ونرتاح إلى ~~اقتناعنا به، وإلى أننا نتعلم منه أصول التفكير الناضج، وأكثر من هذا نحس أننا في تعلمنا ~~منه نعالج الموضوعات والمشكلات الرئيسية في هذه الدنيا: الدين، العلم، السياسة، الزواج، ~~التربية، الضمير، الحرب، الإجرام، وسائر ما يتصل بهذه الموضوعات، وأكثر ما يهتم له برنارد ~~شو هو موضوع التطور والفقر. # هذا هو أسلوبه، أسلوب الأفكار الذي ينسينا ما تعودناه من غيره من الأدباء؛ أي أسلوب ~~الألفاظ والعبارات والزينات والبهارج. # الكاتب المفكر يأنف من الزينات والبهارج. # ذلك أنه يجد في أفكاره قيمة تعلو على الزخارف والزينات، فهو يتحدث في بساطة، وقد يغلو ~~أحيانا فتحس فيه بلاغة، ولكنها بلاغة الأفكار المتدفقة، وقد تجد في تدفقها غلواء، كما لو ~~كان واعظا يعظ فيرتفع صوته عندما يخلص ويتحدث عن إيمانه بالشرف والحق والعدل. # وليذكر القارئ أننا إنما نلجأ إلى الزخارف والزينات حين تكون المادة التي نزخرفها ونزينها ~~رخيصة مبتذلة، فإذا صنع لي الفخار إبريقا من الطين فإني أؤثر أن يكون مزينا ~~مزخرفا كي يخفي عني مادته الخسيسة وهي الطين، ولكن إذا صنع لي الصائغ إبريقا من ~~الذهب الخالص فإني أؤثر أن يكون ساذجا ليست به زخارف أو زينات؛ لأن مادته ثمينة، مادة ~~الذهب التي لا أشبع من ms048 الإعجاب بها حين أتأملها. # وهكذا الشأن في الكاتب المفكر؛ فإنه يقدم لك الذهب لا الصلصال، وأسلوب أفكاره يشغلك عن ~~أسلوب كتابته، ومن هنا السذاجة في أساليب الكتاب العظماء مثل داروين، أو قاسم أمين، أو ~~جان جاك روسو، أو أناطول فرانس؛ فإنهم جميعهم كتاب أفكار تحس أنهم يشبعونك، وأنك ~~تكبر بقراءتهم، وتنضج بأفكارهم، وتزداد إنسانية وشرفا ببسط ضميرهم لك. # نقرأ برنارد شو فلا نجد كلمة مهجورة، أو كلمة منفوخة، وإنما نجد الكلمات المألوفة ~~المأنوسة، وله كتاب يدعى «المرشد للمرأة الذكية عن الاشتراكية» لو نقل إلى العربية ~~لبلغ أكثر من ألف صفحة، وتكاد لغته تتألف من كلمات البيت. # وأعظم ما يغمرك به برنارد شو وأنت تقرأه هو الإحساس بأنك تتحرر، وأنك تستعمل عقلك في ~~موضوعات لم تكن تستعمل فيها عقلك من قبل، وإنما كنت تستعمل عقيدتك التي نشأت عليها. # والعقيدة هي انتحار العقل. # وأنت تحيي عقلك لذلك بما تقرأ من الأفكار المرتبة المتدفقة من برنارد شو، وتحس إخصابا ~~لعقلك كأنك لم تتعلم منه معارف جديدة فقط بل مناهج جديدة للتفكير: التفكير الاجتماعي، ~~التفكير البيولوجي، التفكير الديني، التفكير الاقتصادي، وأنت تستيقظ بهذا الأسلوب ولا تنعس ~~أو تنتشي. # فهو يقول مثلا: الصحة حكمة، الأخلاق من الذكاء، من لا يعرف كيف يصنع نفسه لا يعرف كيف ~~يصنع شيئا آخر. # كلمات للتأمل، كأن كلا منها مشكلة، ولكن بلا زينات أو زخارف، بل الحق لو أنه كان قد ~~زخرف أو زين هذه الكلمات لكان قد ضللنا بعض الشيء عن الفهم والتعقل لما قاله. # وأسلوب التعبير، أي أسلوب التفكير، عند برنارد شو يمكن أن نصفه بعد كل الذي ذكرنا عنه، ~~أنه علمي، موضوعي، غير عاطفي، وهو يمتاز على الدوام بالنظرة البكر، كأنه يعالج الموضوع كما ~~لو لم يكن قد عالجه أحد غيره من قبل، وهو يعالجه في هدوء، ولكن مع إحساس المسئولية التي ~~ترتفع أحيانا إلى إحساس الرسالة، بل الحق أن إحساس الرسالة يغمره، حتى إنك لتحس أنه يكتب ~~كما لو كان نبيا أو كاهنا، ولكنه يسترشد بالعقل ms049 وليس بالعقيدة. # انظر في هذه الكلمات الحكيمة التي كتبها عن النقود، أي علاقة الثراء والفاقة بالفضائل، ~~واعتبر أسلوبها المواجه الصريح: # أهم الأشياء في هذه الدنيا هو النقود؛ إذ هي تمثل الصحة والقوة والشرف والسخاء ~~والجمال، تمثلها جميعها في وضوح بارز، كما أن الحاجة إلى النقود تمثل أيضا في مثل ~~هذا الوضوح البارز؛ المرض والضعف والفضيحة والدناءة والقبح، ومن فضائلها التي لا ~~تعد صغيرة أنها تدمر الأدنياء من الناس كما أنها تقوي وتعظم النبلاء ... ~~وحاجتنا العظمى ليست هي الأخلاق الحسنى، أو الخبز الأرخص، أو الاعتدال في الشراب، ~~أو الحرية أو الثقافة، أو إنقاذ إخواتنا الساقطات أو إخواننا الخطاة ... وإنما هي ~~الكفاية من النقود. # أو انظر في كلماته التالية في الموضوع نفسه: # ما معنى أن يكون الإنسان فقيرا؟ معناه أن يكون ضعيفا وأن يكون جاهلا، وأن يكون ~~بؤرة للأمراض، وأن يكون معرضا دائما للقبح والقذر، وأن يكون أطفاله مرضى ~~بالكساح، وأن يكون رخيصا في أجره عندما يعمل، فيجر - بانخفاض أجره - ~~زملاءه إلى حضيضه، ومعناه أن تستحيل مدننا بؤرا سامة بسبب المساكن التي يعيش ~~فيها الفقير، ومعناه أن تنقل بناته عدوى الأمراض التناسيلة إلى شبابنا، وأن ينتقم ~~أبناؤه لشرف أخواتهم منا بأن يفشوا بيننا الجبن والقسوة والنفاق والبهيمية السياسية ~~والإسخربوط وسائر ثمرات الظلم وسوء الغذاء. # هكذا يتكلم برنارد شو عن الفقر وآثاره في الشعب، وهذه لغته التي تفحم بسذاجتها وصراحتها ~~وإيجازها، لأنها أفكار صريحة وليست ألفاظا مزينة، والآن اقرأ ما يقوله عن الأسباب التي ~~تدعوه إلى تأليف دراماته، وكأنه هنا يعترف، وهو يعترف في شجاعة وصراحة معا؛ إذ يقول: # لست أنا من الكتاب العاديين المألوفين؛ إذ أنا اختصاصي في تأليف الدرامات التي ~~تتصل بالأخلاق والزندقة، وقد كسبت شهرتي بمثابرتي على الكفاح كي أحمل الجمهور على ~~أن يعيد النظر في أخلاقه، وأنا حين أؤلف دراماتي إنما أقصد منها إلى هدف هو حمل ~~الشعب على أن يأخذ بآرائي في شئونه الجنسية والاجتماعية، وليس في نفسي باعث آخر ~~للكتابة إذ إني أستطيع أن أحصل على لقمتي ms050 بدونها. # ولبرنارد شو درامة اسمها «منازل الأرامل» ألفها في فضح النظام الاقتصادي الانفرادي الذي ~~يقوم على المباراة وجمع المال والتفوق والثراء، وما يجلبه كل هذا من رذائل وجرائم، وهذه ~~الدرامة تجري على أسلوب درامة «وظيفة المسز وارين» من حيث الأسلوب والهدف. قال في مقدمة ~~«منازل الأرامل» ينتقد نفسه ويبرر موقفه: # إني أتقدم بنقدي لمؤلف «منازل الأرامل» وأقول إن ما كان يجعل عظماء المؤلفين ~~المسرحيين يؤلفون المأساة إنما يجعلني أنا مستهزئا، والاستهزاء هو جو أقل صفاء من ~~جو المأساة، وقد كنت أحب أن أؤلف مسرحية جميلة مثل «الليلة الثانية عشرة» لشكسبير ~~أو مسرحية رائعة تتمثل فيها المأساة، ولكني أصرح بأني عاجز عن ذلك؛ وذلك لأن ~~نظامنا الاجتماعي التجاري هو مدرسة سيئة لتعليم الفنون، ولا يمكنه - أي هذا النظام ~~- مع ما فيه من اللصوصية وسفك الدم والبغاء، أن يحرك في نفوسنا النزعات السامية في ~~الحسرة والرهبة؛ إذ هو نظام قبيح دميم، كما هو عقيم سافل، يحفل بالأخطاء ويبعث على ~~السخرية مع زعمه على الدوام بأنه يدعو إلى سعة العقل والإنسانية والإقدام، مع أن ~~هذه صفات أبعد ما تكون منه، وليس أخطائي أنا - أيها القارئ - أن أتناول بفني ~~التعبير الصادق عن الخسة الذهنية الأخلاقية بدلا من أن أعبر به عن الإحساس ~~بالجمال؛ فقد أمضيت معظم حياتي في المدن الكبرى العصرية حيث لم أشبع في نفسي ~~الإحساس بالجمال، وهذا في الوقت الذي حشي فيه ذهني بمشكلات المنازل البالية القذرة ~~كتلك التي عالجتها في هذه الدرامة، وبقيت على هذه الحال إلى أن أصبحت أتذوق هذه ~~الموضوعات في فظاعة وأن أجعل منها مادة لفني. # وهو يصف المجتمع الإنجليزي بهذه الكلمات الناطقة: # إن أقدر رجالنا من الحكام يموتون - من حيث مقدرتهم السياسية - في طفولتهم، يلعبون ~~الجولف والتنس والبردج، ويدخنون التبغ، ويشربون الخمر كما لو كانت جزءا من غذائهم ~~اليومي، ويمارسون الصيد والطراد، ويقرأون قصص القتل والزنى وأخبار البوليس، ويلبسون ~~قمصانا لأكمامها ورقباتها زوائد سخيفة، وتلبس نساؤهم أحذية عالية الكعوب، ويلطخن ~~أظافرهن وشفاههن ووجوههن. وبكلمة موجزة، يلعب الرجال ms051 والنساء لعب الأطفال بدلا من ~~أن يسلكوا في رياضتهم سلوك الساسة والشيوخ، حتى عندما يقرأون أفلاطون، والإنجيل، ~~وكارل ماركس، ويعرفون ما يجب عليهم أن يعلموا، حتى هنا لا يعرفون «كيف» يعملون، بل ~~يبقون على ما نشأوا عليه لقلة ما حذقوا من الفنون السياسية التي تنشأ وتتطور الآن ~~في روسيا بضغط الحوادث، ومحاولاتهم في التربية والتعليم تنتهي عادة بوضع الصبيان في ~~مدارس هي «مراكز اعتقال» حيث يجلدون، وعندما يبلغ الصبيان سن الشباب يخرجون من ~~هذه المراكز متوحشين، يبغضون التعليم والنظام، ويبقون في جهل كثيف لشئون الحياة عند ~~تسعة أعشار الشعب الذي يتولون حكمه. # وهذا ما يقول عن الإمبراطورية البريطانية والمجتمع الإنجليزي: # أيما إنسان يستطيع أن يرى ... أن نظامنا الحاضر في العدوان الإمبراطوري، هذا النظام ~~الذي يتخذ معاذير الاستكشاف والاستعمار، والذي يسير خلف المغامرين، يتبعهم رجال ~~المال والتجارة، ويشرف عليهم العلم البريطاني، سوف ينهار عندما تنتقل الرقابة على ~~القوات الحربية من طبقات الرأسمالية إلى الشعب، وأيما إنسان يستطيع أن يرى أيضا أن ~~زوال الطبقات، مع ما نسميه الآن «الرأي العام»، هذا الزوال سيرافقه اتحاد المجتمع ~~في طبقة موحدة لها رأي عام موحد له قوته التي لا تحد، وأن هذا الرأي العام ~~سيجعل الرقابة لأول مرة فعالة، وأن استقلال النساء الاقتصادي، واستبدال الفرد - ~~باعتباره الوحدة التي تعترف بها الدولة - برئيس العائلة، سوف يغير مركز الأطفال ~~ومنفعة العائلة، وأنه سيعيد بناء الكنيسة في الدولة على أسس ديمقراطية جديدة بحيث ~~يمكن أن ينتخب رئيسا لها - للكنسية - رجل ملحد معلن لإلحاده مثل مورلي أو ~~برادلف. # هذه هي لغة الأديب برنارد شو، وهذه هي أفكاره التي لا أشك في أن كثيرا من الشرقيين ~~يحسبونها هدامة، كما كان إسماعيل صدقي يحسب الاشتراكية والجمهورية أفكارا ~~هدامة. # ولكن أوربا تتغير وترتقي بهذه الأفكار الحرة، والشرق يلتزم تقاليده ويأسن في عاداته ~~وينهزم أمام أوربا في «تنازع البقاء». ~~••• # يقارن بعض النقاد برنارد شو بشكسبير ويزعمون أنهما عمودا الأدب الإنجليزي، وقد يكون هذا ~~حقا إذا اعتبرنا الزمان والمكان لكل منها، أما المقارنة المطلقة ms052 فتبدي لنا فروقا ~~كبيرة. # كان شكسبير شاعرا ملوكيا جميع أبطاله ملوك ولوردات أو ما يشبه ذلك، ومع أن أسلوبه - ~~بالمقارنة إلى من عاصروه - كان شعبيا إلى حد كبير، فإنه كان يحتقر الشعب ويصفه بأنه رعاع ~~وغوغاء، وقد أحدث نهضة لا شك في ذلك، ولكن هذه النهضة كانت مسرحية فنية ولم تكن قط ~~أخلاقية أو سياسية. # أما برنارد شو فقد كان أديبا شعبيا ديمقراطيا، استعمل لغة الشعب، وجميع أبطاله ~~تقريبا من أبناء الشعب أو زعماء الشعب، وإن يكن في أواخر سنيه قد انزلق نحو الفاشية سأما ~~من طرق الإصلاح الفابية البطيئة، ولم تكن النهضة التي بعثها مسرحية فقط، إذ كانت أخلاقية ~~واجتماعية وسياسية أيضا. # كان المسرح قمة الأهداف عند شكسبير، ولكن المسرح عند شو وسيلة لتعليم الأخلاق. # وكانت الألفاظ الرنانة عند شكسبير كبيرة القيمة، وهي عند شو غش يجب تجنبها. # ويقول شو عن شكسبير في استصغار شأنه: # لماذا ننفق وقتنا، نحن الذين ورثنا تراث العصور العظيمة، وعرفنا الأشعار المسرحية ~~لجوتيه وإبسن، ووقفنا على الألحان الموسيقية لأسرة الموسيقيين العظماء من باخ إلى ~~فاجنر، لماذا ننفق وقتنا على دراسة الكتاب العاديين في عصر الملكة إليزابيث أو ~~نشجع المؤلفين الأغنياء في أيامنا على تقليدهم، أو نتحدث عن شكسبير كأن تفاهاته ~~بشأن الأخلاق أو فصاحته المزيفة بشأن الحروب، أو ما تنطوي عليه بعض دراماته من ~~أحاديث الحانات، أو سائر حشوه وثرثرته، أو عجزه عن دراسة قشور الفلسفة التي سرقها ~~بلباقة تستحق الدرس ... # وقد قال تولستوي مثل هذه الآراء في شكسبير، بل زاد عليها استصغارا لشأنه واستقباحا ~~لأفكاره وأسلوبه، ولكن شو مع ذلك لا ينكر بعض الميزات التي امتاز بها شكسبير. # إن أدب القرن العشرين هو أدب الثورة على شكسبير الرومانسي، أدب القعقعة والصلصلة ومجد ~~الحروب والشعوذة، وقد أدت عبادة شكسبير من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر إلى حرمان ~~المسرح الأصالة والابتكار، ليس في إنجلترا وحدها بل في فرنسا وألمانيا أيضا. # وقد كان «زولا» الواقعي المؤكد يجد في شكسبير خصما للواقعية حتى قال فيه: ms053 «ليس لمن ~~ينتمون إلى شكسبير، انتماء الزنا، أن يسخروا من الأبناء الشرعيين لبلزاك.» # بلزاك واقعي، ناقد، اجتماعي، أما شكسبير فرومانسي لم ينتقد المجتمع. # وزولا الذي فهم الواقعية بدراسته لطبيعة الإنسان في غرائزه يكره شكسبير الذي فهم الإنسان ~~في زيناته وبهارجه. # وبرنارد شو يستصغر شأن شكسبير حتى في فنه، فيصف أشعاره المرسلة بأنها عبث سهل يمكن أي ~~أديب ناشئ أن يؤلف مثلها في سهولة تامة، ولا يجد شو في شكسبير من الدرامات التي تستحق ~~الاحترام سوى درامة «هامليت»، ويصفها بأنها تكاد تكون «غير شكسبيرية» لأنها تحوي مواقف ~~التردد والبحث عن الضمير والتساؤل الفلسفي. # إلى هذا الحد يزدري شو بشكسبير. # كان شو للشعب، يقرأ ويكتب من أجل الشعب، ومن أجل الشعب أيضا أوصى بثروته كلها تقريبا ~~لإصلاح الهجاء الإنجليزي، بزيادة بعض الحروف، حتى يمكن التفادي من الأخطاء، وأيضا التعبير ~~عن جميع الأصوات حتى ينطق الصبي الكلمة الإنجليزية وفق حروفها وليس وفق السماع. # | شو وويلز # التمع الأدب الإنجليزي في النصف الأول من هذا القرن باسمين هما شو وويلز، وكانت ~~رسالتهما واحدة وإن اختلفت أساليبهما في التعبير عنها، هذه الرسالة هي أن الحضارة ~~الانفرادية القائمة تبنى على ظلم وفساد، وأنها أيضا في انهيار، وأن العلاج هو تغييرها إلى ~~حضارة اشتراكية. # وكان كلاهما من الكتاب الحافزين الذين يبعثون حولهم جوا من التفاؤل والاستطلاع ~~ومحاولة الاستقرار على حقائق المجتمع وطبيعة الإنسان والكون، وما من أديب في إنجلترا لم ~~يتأثر بهما ويسير شوطا بعيدا في طريقهما. # وكلاهما يكفر بالأديان، ويجد في الاشتراكية البدل العملي للدين، فإذا كان الدين يدعو إلى ~~الإحسان، وإلى الرحمة بالفقراء، وإلى الإخاء والتعاون؛ فإن المذهب الاشتراكي لا يدعو هذه ~~الدعوة فقط بل يضع الأسس لبناء المجتمع الذي يمارس كل هذه الأشياء دون أن يحس أحد من أفراده ~~فضلا على آخر. # المذهب الاشتراكي يقوم مقام الدين لأنه التطبيق العملي للإنسانية؛ ذلك أن المجتمع ~~الاشتراكي يلغي الفقر، ويتجه نحو إلغاء التفاوت الاقتصادي بزيادة الإنتاج، وهو أيضا يلغي ~~ما هو أسوأ من الفقر، أي الاستعمار؛ لأن ms054 الدولة الاشتراكية لا تستطيع غزو شعب والاستيلاء ~~على بلاده واستغلال أبنائه. # إذ لمن تستغل؟ # إن المجتمعات الانفرادية التي يستغل فيها الأثرياء الفقراء، وتتألف فيها الشركات لتنظيم ~~هذا الاستغلال، تنتهي إلى الاستعمار، وهو الاستغلال في أوجه وعلى أعلى مراتبه، فالفرد أو ~~الشركة من الأمة الغازية السائدة يستغلان أبناء الأمة المهزومة، ولكن ليس في المجتمع ~~الاشتراكي فرد أو شركة يستغلان أبناء الشعب؛ ولذلك لا توجد الوسيلة لاستغلال أبناء ~~المستعمرات. # فالاشتراكية هي الديانة العملية التطبيقية، الديانة الإنسانية، وهي قد تكون ملحدة أو ~~مؤمنة، إذ لا دخل للإيمان الشخصي في النظام الحكومي الاشتراكي، ولكن ليس شك في إحساس ~~الاشتراكي بأن مذهبه يدعو و«يعمل» بنظام معين لتعميم الإنسانية، ومنع استغلال فرد لآخر، وأن ~~هذا النظام يلغي الفقر ويزيد الإنتاج، وهذا الإحساس يجعل الاشتراكي قانعا بالتفكير العملي ~~دون التفكير الغيبي. # وشو وويلز كلاهما ملحد، أي غير مؤمن بالإله الذي تعتمد عليه الكتب المقدسة، وإلحاد شو ~~مهذب، وإلحاد ويلز بذيء، ومنبع إلحادهما هو العلم. # شو يحترم «شخصية» المسيح ويحبه، وقد دعا إلى الأخلاق المسيحية في كثير من دراماته، ولكنه ~~يجحد فكرة الفداء والتضحية والآخرة، ومع ذلك يجد في الكون ما يسميه «قوة الحياة» وهي أقرب ~~الأشياء إلى «نهضة الحياة» عند بيرجسون؛ أي إن هناك اتجاها في المادة نحو الحياة، ثم ~~اتجاها في الحياة نحو العقل، أي نحو الإنسان، ثم اتجاها نحو الارتقاء الإنساني حتى يخرج ~~السبرمان من نسل الإنسان، وله في هذه الموضوعات جملة مؤلفات ودرامات. # ولكن ويلز في إنكاره لله قد بذئ كثيرا؛ فإنه لما شرع في التأليف إلى ما قبل 1920 كان ~~يكبر من شأن الدين ويظن أنه يجد فيه الخير أكثر مما يجد الشر، ولكنه انتهى إلى الإلحاد ~~وصار يؤلف في الدعوة إلى إنكار الله، ويستخرج من التوراة والإنجيل كلمات وعبارات يستنتج ~~منها ما يشاء، مما يجرح إحساس المؤمنين، أو قد يحيل بعضهم إلى الإلحاد. # وكلاهما، شو وويلز، قد دعا إلى أخلاق جديدة أساسها العلم، وكلمة «أخلاق» تعني العقائد ~~السياسية والاقتصادية والثقافية، وليست الاشتراكية ms055 عندهم نظاما للرحمة أو الإنسانية، وإنما ~~هي قبل كل شيء إنتاج علمي يزيد الثراء، ومتى زاد الثراء فإن الفقر ينمحي، وعندئذ نجد أن ~~الإنسانية ممكنة، ممكنة بالنظام وليس بالإحسان. # والفن عند شو هو الدرامة، والفن عند ويلز هو القصة. # ولكن إلى جنب ذلك ألف كل منهما مؤلفات أخرى تناولت الاقتصاد والأخلاق والدين ونحو ذلك، ~~وقد انتفع كل منهما بالآخر. ومستقبل الإنسان، ومستقبل العالم، ومستقبل اللغة والثقافة، كل ~~هذا يهتم كلاهما به ويكتب عنه بطريقته ووسائله الخاصة. فإن ويلز يؤلف موسوعة في تاريخ البشر ~~كما لو كان تاريخ أسرة متعددة الأفراد ولكنها تنتمي إلى أرومة واحدة، وهو يكتب ويؤلف بشأن ~~حكومة عالمية تحكم البشر جميعهم بلا تفرقة في السلالة أو اللغة، وهو ينشد لغة عامة للبشر، ~~وهو يؤلف القصص الرومانسية عن المستقبل العلمي للإنسان. # كان ويلز كبير الإيمان بالعلم ، حتى إنه قال ذات مرة إن رجل الأدب لا قيمة له، ولكن قبل أن ~~يموت بأقل من عام انفجرت القنبلة الذرية فوق هيروشيما وناجازاكي، فانهار إيمانه وداخلته ~~الشكوك التي أظلمت أيامه الأخيرة وجعلت من تفاؤله الدائم تشاؤما لازما. # والواقع أن انهياره العصبي هو الذي جعله يتشاءم أكثر مما يجب؛ فإن هذه القنبلة أثبتت ~~للمثقفين ضرورة الأخذ بأفكاره: العالم هو قريتنا الكبرى، والشعوب أمة واحدة، ولا بد أن تؤلف ~~للإنسان حكومة موحدة تحكم الأرض. # كانت هذه الفكرة رسالة حياته، وقد أيدها العلم باختراع القنبلة الذرية التي تصرخ في ~~وجوهنا: إذا لم تتحدوا وتنشئوا حكومة موحدة للعالم فليس أمامكم سوى الدمار والعودة إلى ~~الغابة، وهذا إذا لم يفن النوع البشري كله، بل الحياة كلها. # ولكن قبل تحقيق هذه الأحلام لا بد من الاشتراكية تعم أقطار العالم وتضع الإيثار مكان ~~الأثرة ومصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد. # كان ويلز عالمي الذهن يفكر في تأليف موسوعة عامة تشترك فيها جميع الأمم وتخرجها حية ~~بالمعارف البشرية، بل إنه يكتب التفاصيل في طريقة الطبع لهذه الموسوعة؛ إذ هي يجب أن تربط ~~على طريقة الورقة السائبة، بحيث يمكننا أن ننزع ms056 إحدى الورقات ونضع مكانها أخرى تحتوي على ~~معارف جديدة، فالموسوعة تبقى بالبيت طيلة العمر وتتجدد بأوراق ترسل من وقت لآخر إلى الذين ~~اقتنوها، فتتجدد. # وكان كبير التقدير لرجل العلم حتى لقد قال ذات مرة - كما ذكرنا - إن رجل الأدب لا قيمة ~~له. وهو هنا يختلف مع شو الذي يحترم الأدب كما يقدر العلم، ولكن الواقع أن عقليهما أقرب إلى ~~العلم منهما إلى الأدب. # وقد استنار الشعب بل الشعوب الإنجليزية من هذين الكاتبين، وارتفع مقام التأليف والصحافة ~~بهما؛ فإنهما صحفيان قبل أن يكونا مؤلفين، بمعنى أن اهتمامهما بالأحداث الجارية كان ~~كبيرا بحيث لم تكن هناك صحيفة كبرى تهمل رأيهما بشأنها، وكان اتفاقهما في الوسائل والأهداف ~~أقل من اختلافهما، أما الموضوعات التي عالجاها فلم تخرج قط عن التطور، الإنسان في ~~المستقبل، الاشتراكية، الثقافة، الزواج، الحكومة، قيمة العلم ... إلخ. # وإذا شئنا أن نفضل ونميز بين شو وويلز جاز لنا أن نقول إن عقلية شو انتقادية في الأكثر ~~بنائية في الأقل، أما ويلز فيبني ولا يكاد ينتقد إلا قليلا؛ أي إنه إيجابي، يشرع المشروعات ~~للبناء في السياسة والاقتصاد والأخلاق. والإصلاحات الاجتماعية العديدة التي سارت فيها ~~الحكومة الإنجليزية في النصف الأول من هذا القرن هي من إيحاء مؤلفات شو وويلز أكثر من أي ~~كاتب آخر. # ولقد كان من سعادة حياتي أني جاريت هذين الاثنين من السنين العشر الأولى من هذا القرن إلى ~~يوم وفاتهما، ولم أكن أهمل حرفا مما كتباه، وإليهما أعزو نشأتي العلمية واتجاهي الاشتراكي ~~الإنساني. # | شو وتولستوي وشكسبير # كان الأدب الروسي - في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين - ~~قدوة ومثالا لجميع طلبة الأدب والأدباء في أوربا، وأيما أديب كان يجهل تولستوي أو دستوفسكي ~~أو جوركي، أو يستصغر شأنهم في الأدب، كان - بهذا العمل - يعرض نفسه للسخرية ~~والاحتقار. # ولم يكن غريبا على برنارد شو أن يصف الأدب الروسي بأنه أدب «العمالقة»، والمعنى هنا أن ~~الأدباء الروس يعلون على غيرهم من أدباء أوربا علوا عظيما. # وعرف شو تولستوي، واتصلت المكاتبات ms057 بينهما في شئون الفن والدين، وأكاد أقول إنه لم يهز ~~أوربا ويثير ضميرها بعد فولتير مثل تولستوي وشو، وهناك من الحوادث الصغيرة ما له قيمة رمزية ~~كبيرة؛ فإن المتهتكين من الكهنة الروس (الذين ينتسب إليهم راسبوتين) كانوا قد رأوا فيما ~~يكتبه تولستوي هرطقة أي زندقة، فحرموه أي أخرجوه من حظيرة الكنيسة، ومع أن هذا الحادث تافه ~~فإنه فتح العيون والعقول في أوربا على مقدار الهوة التي كانت تتردى فيها روسيا أيام ~~القياصرة. # وكانت خطيئة تولستوي التي استوجبت هذا الحرم أنه وصف المسيح بالحكمة والعقل لا أكثر، حتى ~~إنه قال إن الحكمة المسيحية التي تقول: «لا تقاوموا الشر بالشر» لا تحتاج إلى إيحاء إلهي ~~«وكان يمكنني أنا أن أقولها لو لم يقلها الإنجيل.» # وأحب شو روسيا، وأحبها أكثر عقب ثورة 1917، ولما مات وجدت صورة «لنين» معلقة فوق ~~فراشه، وزار الاتحاد السوفيتي وقرأ وصحح كتاب سيدني وبياتريس ويب «حضارة جديدة» عن ~~الاشتراكية كما تمارس هناك حوالي 1941، ولم يكن هذا غريبا فيه؛ فإنه عاش حياته يدعو إلى ~~الاشتراكية، فكان طبيعيا أن يعجب بالنظام الاشتراكي الجديد في الاتحاد السوفيتي. # ونجد هنا إغراء على المقارنة بين شو وتولتسوي، فقد كان الأول كاتبا مسرحيا بينما كان ~~الثاني كاتبا قصصيا، وكلاهما تفوق في فنه وامتدت له شهرة عبر القارات الخمس، وكانا على ~~وفاق في الأهداف الإنسانية، يكرهان القوة والفحش والغلظة ويميلان إلى النسك، وإن يكن لكل ~~منهما طرازه الخاص فيه، ولكنهما كانا يختلفان في أشياء أخرى. # كان برنارد شو يحيى مع زوجته ناسكا لا يقربها، وكان تولستوي يحاول ذلك، ولكنه يخيب في ~~محاولاته، فيسخط ويألم، وكانت الخطيئة الكبرى عند تولستوي هي الخروج عن حظيرة الزواج إلى ~~مغامرات عشقية، في حين كان برنارد شو يجرب في هذه المغامرات بعض التجارب. # ولم يكن لتولستوي برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي، أو قل إن برنامجه الكلي الشامل هو ~~المسيحية؛ ولذلك كثيرا ما تعب وعرق ودخل في مشاجرات مع أسرته بشأن رغبته في النزول عن أرضه ~~الزراعية للفلاحين، وصدته أسرته عن هذا الاتجاه، ms058 فكان يعزي نفسه من وقت لآخر بأن يلبس ~~الملابس الخشنة، ويحرث الأرض بنفسه، ويصلح أحذية الفلاحين بيديه، وكل هذا كان بمثابة العبث، ~~يعبث به القلب الطيب العاجز عن تحقيق أحلامه. # ولكن برنارد شو كان يدعو إلى النظام الاشتراكي، وكان لهذا المذهب شأن في ترتيب ذهنه ~~وتوجيه نشاطه سواء الفني منه أم الاجتماعي، فلم يأنف لذلك من أن يكون له خادم يطهو له ~~طعامه، ولكن عندما مات هذا الخادم، أقام له نصبا تذكاريا في حديقته، وترك لزوجته وأبنائه ~~معاشا من تركته. # وكان كلاهما شعبيا مع فروق، فقد كان تولستوي يكتب للشعب في لغة شعبية إذا سمعها فلاح ~~فهمها واستبصر بها، وكذلك كان شو من حيث اللغة، ولكن الاهتمامات الذهنية عند شو كانت من ~~الطراز العالي في الثقافة، هذا الطراز الذي لا يكاد يشغل بال الفلاحين، أما موضوعات ~~تولستوي، إذا استثنينا الدين، فقد كانت اجتماعية مألوفة قلما ترتفع إلى القمم الفلسفية ~~الخطرة؛ ولذلك حدث التصادم. # كان برنارد شو ساخرا يحب أن يضحك وهو عند حافة المأساة، وكان تولستوي وقورا يفزع من ~~السخرية. وكان برنارد شو علميا في أهدافه يستنبط فلسفته المادية من العلم، في حين كان ~~تولستوي مسيحيا يحس الإحساس المسيحي العميق، وبرنامجه للعدل والخير والمساواة؛ أي يحب ~~بعضنا بعضا، وكفى هذا. # وشعبية تولستوي المسرفة تتضح من تعريفه للفن حين قال إن العمل الفني هو الذي يحسه ~~الفلاحون ويدركونه، وقد رد عليه شو بحق بأن السيمفونية العظيمة عندئذ لا يمكن أن تكون من ~~الفنون الجميلة. # إن الفن عند شو يحتاج إلى تربية وتدريب. # ويقول تولستوي: «إنه ليس هناك شك في أن الفنون الجميلة عند الطبقات العالية في الشعب لا ~~يمكن أن تكون فنون الشعب». وهو صادق هنا، ما دام الشعب لم يتعلم، وهذا بالطبع إذا لم نفهم ~~من كلمات تولستوي أنه يقصد إلى الفنون المتهتكة التي كانت الطبقة العالية المنهارة في روسيا ~~تمارسها وتستمع بما فيها من غرائز واتجاهات حيوانية. # وألف تولستوي كتيبا عن شكسبير وصفه فيه بالغلظة والقبح وخسة التعبير وهوان ms059 التفكير، ~~والكتاب جدير بأن يقرأه المتأدبون في مصر والأقطار العربية، وهو - أي تولستوي - يمثل الفنان ~~الشعبي، وينظر في غيظ واحتقار إلى فنان الطبقة العالية؛ فإن الشعب كان عند شكسبير «غوغاء»، ~~وهو عند تولستوي كل شيء، بل ليس هناك شيء غيره، وقد رد عليه برنارد شو فسلم بالكثير مما ~~قاله تولستوي عن شاعر بريطانيا سيدة البحار، واستصغر أشعاره المرسلة، ولكنه مع ذلك دافع عنه ~~بأنه لا يزال فنانا غير صغير القدر. # وألف شو درامة «بلانكو بوسنيت» فمنعها الرقيب على المسارح؛ لأنه جعل بطل الدرامة يصرخ ~~بكلمات نابية عند المؤمنين عن الله، ولكن الرقيب بعد ذلك أجاز تمثيلها دون أن يحذف منها ~~شيئا، وأرسل شو نسخة من هذه الدرامة إلى تولستوي مع خطاب قال فيه: # رأيي أن الله لا يوجد الآن، ولكن هناك قوة خالقة تحاول بلا انقطاع أن توجد عضوا ~~عاملا منفذا، له من القوة والمعرفة ما يشبه كمال الآلهة؛ أي له المقدرة الكلية ~~والمعرفة الكلية، وعندما يولد رجل أو امرأة تكون ولادتهما بمثابة المحاولة الجديدة ~~لتحقيق هذا الهدف ... ونحن هنا نحاول مساعدة الله، ونؤدي عمله، ونصلح أخطاءه القديمة، ~~ونكافح حتى نصل نحن إلى الألوهية. # وهذا الكلام لا يخرج عن مذهب شو عن «السبرمان» وعن نظرته وفهمه لمعنى التطور، ولم يستطع ~~تولستوي أن يسيغ هذه اللغة، كما أنه سبق أن انتقد شو في درامته «الإنسان والسبرمان»؛ لأنه ~~كان يحيل المواقف الخطيرة الجادة إلى مواقف سخرية وضحك، وكتب إليه بهذا المعنى، فكان رد شو ~~أكثر سخرية إذ قال لتولستوي: «لعل الله قد خلقنا كي يضحك منا.» # وهذا يعود إلى أن في أعماق شو مهرجا يطل من وقت لآخر ويعترض على الفيلسوف، ويخفف بذلك من ~~وقار المواقف، وإن كان في بعض الأوقات يزيد في التهريج إلى حد الوقاحة، هذه الوقاحة التي لم ~~يطقها تولستوي. # | المسرح وسيلة للتربية # عندما أتأمل حياة العظماء، من قادة الفكر، أو المكتشفين في العلوم، أو دعاة الثورات، أو ~~الأدباء الراسخين، أتعجب من أن عددا كبيرا منهم لم يحصل على ms060 تعليم متوسط أو عال يبرر ~~تفوقهم البارز، بل إن منهم من لم يحصل حتى على تعليم ابتدائي، وكثير منهم عاشوا في فوضى ~~تعليمية يتقلبون بين دراسة وأخرى بحيث لم يحذقوا واحدة منها، كما تجد مثلا في هربرت سبنسر، ~~وتشارلس داروين، وبرنارد شو، وعشرات غيرهم. # وعندئذ أحتاج إلى أن أبحث عن علة تفوقهم، فأجدها في مئات الكتب التي يكتبها مؤلفون جادون ~~يتعبون في التأليف كي يربوا القراء ويعلموهم، كما أجدها في عشرات المجلات التي تختص في علم ~~أو فن معين وتدرسه، بل إن في عواصم أوربا من المحاضرات المنظمة للشعب ما يكفي لتخريج العامة ~~إلى مثقفين، وأستطيع أن أقول في يقين إن عدد المحاضرات العامة التي يدخلها المستمعون بأجور ~~منخفضة، خمسة أو عشرة قروش، لا يقل عن ثلاثين أو أربعين محاضرة كل يوم في لندن ~~وحدها. # وأخيرا هناك المسرح ، إن المسرح الأوربي للتسلية فقط حين ينحط، وهذا قليل، ولكنه للتعليم ~~حين يرتفع، وهذا هو الغالب عليه؛ فإن المؤلفين للدرامة الأوربية، منذ هنريك إبسن، يعالجون ~~المشكلات الاجتماعية بذكاء نادر كما يجرءون أيضا على معالجة المشكلات الفلسفية بل ~~الدينية. # الفلسفة على المسرح شيء مألوف في باريس ولندن وبرلين، وقد غذى المؤلفون المسارح ~~بالفلسفة والدين والأدب والأخلاق، وعاونهم على ذلك حرية فكرية تتسع للآراء المتناقضة، بل ~~الآراء المؤلمة، لمن نشأوا على احترام العرف والعادة بلا تفكير، وقل أن يزور أحدنا ~~مسرحا أوربيا ويستمتع برؤية إحدى الدرامات لكاتب ممتاز دون أن يخرج وفي رأسه طنين من ~~الآراء يبعث على الاجترار والتفكير. # وهذه الأشياء الأربعة: الكتب الجديدة، والمجلات المتخصصة، والمحاضرات المدروسة، وأخيرا ~~المسارح التي تعلم وتنير، هي التي تعلم العامة من أبناء الشعب الذين لم يحصلوا على تعليم ~~منظم في مدرسة أو جامعة، وهي التي يعزى إليها التبريز الذي نجده في أمثال داروين وسبنسر ~~وشو. # وعندما أذكر برنارد شو وأتأمل مؤلفاته التي لم يفتني منها كتاب أو مقال، أحس أنها تكفي ~~لتخريج المثقفين في الموضوعات المعقدة التي عالجها وهي عشرات، كتبها جميعا في لغة بعيدة عن ms061 ~~البهارج التي تشغل القارئ أو المستمع وتحول بينه وبين التفكير المتزن، وهذه المؤلفات كلها ~~تقريبا درامات تمثل، وتتناول كل منها مشكلة فلسفية أو اجتماعية بل أحيانا مشكلة ~~دينية، ولكنه كان حين يخرجها كتبا مطبوعة، يكتب لكل منها مقدمة قد تزيد أحيانا في عدد ~~صفحاتها على الدرامة نفسها، وهو يشرح فيها موقفه بأكثر إسهابا من المشكلة التي عالجها في ~~الدرامة، وساعده على إخراج دراماته - بما تحويه من فهم عميق - مناخ من الحرية الفكرية يحيا ~~فيه المفكر وينمو ولا يجد عائقا من تقاليد مشئومة تقول له: قف هنا ولا تفكر، التفكير ~~ممنوع. # ولذلك لم يصطدم إلا في الأقل بالقانون أو العرف حين منع تمثيل بعض دراماته، ولكن لم تمض ~~سنوات على المنع حتى أجيز تمثيلها ثانيا، حدث ذلك في درامة ألفها بشأن الكسب الحرام من ~~المواخير، حين حمل على النظم التجارية الأخرى لأنها تجيز الخسة والدناءة والاستغلال السافل ~~كما يحدث في المواخير سواء، وحدث مرة أخرى في درامة تتصل بالإيمان بالله، جعل فيها أحد ~~الأشخاص ينتقد الله في حماقة ويسب ويهاتر، ولكن أجيز التمثيل بعد مدة من المنع. # وكل ما أقصد إليه أن مناخ الحرية يجرئ على التفكير؛ لأن مصير الانحراف إلى الإهمال ~~والتلاشي، ويبقى بعد ذلك الناضج الذي يؤدي إلى الرقي، وهذا هو ما يجعل من المسرح مدرسة بل ~~جامعة. # ومع أننا نضحك كثيرا ونقضي الساعات ونحن نستمع إلى الحوار الذكي والنكات الصارخة التي ~~تخرج من أفواه الممثلين؛ فإننا نجدنا في موقف قد وضعنا فيه المؤلف، يحملنا على أن نسأل ~~ونرتبك ونحاول أن نفهم ونتغير، بل قد نحزن كثيرا على الرغم من الكلمات والنكات التي ~~أضحكتنا كثيرا. # وبرنارد شو أديب الأفكار. وهنا أقف كي أعرب عن الأسف بأن أدب الأفكار لا يكاد يوجد في ~~الأقطار العربية، وإني أسأل لماذا لا يكون عندنا مثلا معجم للأفكار التي أثارت الثورات ~~وحركت العقول وغيرت المجتمعات، كما أن عندنا معاجم كثيرة للألفاظ؟ # ولأن أدب برنارد شو هو أدب الأفكار فإنه - مثل فولتير - عني بالعلم عناية ms062 كبيرة، فقد يجهل ~~القراء أن فولتير أديب أوربا العظيم وصاحب الدعوات التحريرية، قد انغمس في دراسة العلوم حتى ~~إنه ألف مجلدين تبلغ صفحاتهما نحو 1000 صفحة كبيرة يبحث فيها، على قدر عصره، مشكلات العلم ~~المادي. # وكذلك فعل برنارد شو؛ فإنه ناقش نظرية داروين والمعاني المنبثقة منها بشأن التنازع ~~والتعاون في الطبيعة، كما ناقش عوامل الوراثة وعوامل الوسط وتأثيرهما في التطور، بل ناقش ~~الأطباء في حكمة العلاج والدواء، وهذا إلى بحوثه العميقة في معاني التربية وأهدافها. # لقد عني برنارد شو كما عني فولتير بالعلم لأن العلم أفكار وليس ألفاظا. ~~••• # إن العبرة التي نحتاج إلى تأملها أن المسرح الأوربي لا يزال يحيا قويا، يتسع للبحوث ~~الفلسفية الاجتماعية، في حين أن مسرحنا يكاد يكون لغوا نسيا لا نأبه به ولا نكاد نذكره، ~~وهذا الاختلاف بين المسرحين يجب أن يهمزنا إلى البحث عن العلة وإلى طلب العلاج؛ إذ نحن ~~بإهمال مسرحنا تنقصنا مدرسة بل جامعة. # لقد أنشأنا الأوبرا منذ أيام إسماعيل، لكن حكم المستعمر الأجنبي، يؤيده الخائن المصري، ~~كان يحمل الحكومة على معاونة التمثيل الأجنبي دون التمثيل المصري، بل لم تكن هناك أية ~~محاولة جدية لإيجاد الفنون المسرحية العربية. # شارلوت زوجة برنارد شو، في أخريات أيامها. # برنارد شو في أربعينيات عمره. # شو في شبابه في 1879. # برنارد شو في تسعينات القرن الماضي. # ثم جاء التمثيل السينمائي، وهو في أحسن ظروفه لهو أكثر مما هو فن، وكان يمكن أن يكون ~~فنا عظيما لولا أن المجتمع التجاري الذي نعيش فيه وتعيش فيه أوربا وأمريكا أيضا، يطلب ~~المال أكثر مما يطلب الفن؛ ولذلك اتجهت القصص السينمائية في مصر إلى اللهو الذي يجذب ~~الجمهور ويستخرج نقود أفراده بدلا من أن يتجه إلى الفن الذي يربيهم. # ولا يمكن التمثيل المسرحي أن يزاحم التمثيل السينمائي، ما دام هذا الأخير يتجه نحو العامة ~~الذين لا يحاول المؤلف أن يرفعهم إلى مقام الشعب ويعلمهم التفكير، وما دمنا على هذه الحال ~~فإننا لن نطمع في أن نجد برنارد شو في مصر، بل إني أعتقد ms063 أنه لو مثلت درامات برنارد شو ~~على مسرح في القاهرة فإن الجمهور سيصد عنها لأنه لم يتعود الحديث الذهني والاشتغال ~~بالمشكلات الفلسفية العلمية والاجتماعية؛ ولذلك يكون مصيرها الإهمال. # ولم يؤثر التمثيل السينمائي على المسرح الأوربي إلا تأثيرا طفيفا؛ لأن المخترعات ~~السينمائية جاءت بعد أن كان المسرح قد ثبت، بل رسخ، في المجتمعات الأوربية وأصبح بعض ~~مؤسساتها المحترمة. # ومشكلتنا الآن هي: كيف نحيي المسرح؟ # أعتقد أن أول ما يجب علينا هنا هو أن نترجم المسرحيات العظيمة كي تقرأ أولا، وهي متى ~~قرئت وعرفت قيمتها عند جمهور المفكرين استطعنا أن نشرع في تمثيلها على قياس صغير لا يكلفنا ~~إرهاقا، حتى إذا تذوقها الجمهور وتربى بها بعض التربية أقبل عليها في التمثيل بعد ~~القراءة، وأنا أقصد بعبارة «المسرحيات العظيمة» تلك التي تعالج المشكلات الإنسانية من ~~اجتماعية إلى فلسفية إلى علمية، ولا أقصد ذلك اللهو الذي يكاد يكون سينمائيا. # ومن هنا قيمة برنارد شو لنا؛ فإننا لو ترجمناه إلى لغتنا لوجدنا فيه جامعة تعلم وتلهم ~~وترشد نحو الخير والبر والشرف والقوة، نجد ذلك حين نقرأه قراءة الدراسة والتأمل، ثم يبقى ~~لنا بعد ذلك الأمل الذي أرجو ألا يكون بعيدا وهو أن نراه ممثلا. ~~••• # نحتاج هنا إلى تذكر الخصائص التي يمتاز بها برنارد في مسرحياته، وأول هذه الخصائص أنه ~~لا يبالي القواعد المسرحية، مثل «وحدة الزمان والمكان» أي إن الدرامة كلها فصل واحد أو تكاد ~~تكون كذلك كما كان يفعل هنريك إبسن، ومثل «الحبكة» أي إننا يجب أن نجد الحوادث مرتبطة تدور ~~حول نقطة، ومثل «الذروة» حين يخلق لنا المؤلف نقطة يزداد فيها التوتر حتى يصل إلى الذروة ~~التي ينتظرها المتفرجون وأنفاسهم معلقة، وأخيرا «الحركة» على المسرح. # وبرنارد شو يخالف كل هذه القواعد، حتى لقد اتهم لهذا السبب بأنه حط المسرح ~~الإنجليزي ولم يرفعه، بل هناك من يعلل صدود الجمهور الفرنسي عن دراماته بإهماله لهذه ~~القواعد بزعم أن الفرنسيين أدق إحساسا بالفن من غيرهم. # ولكن برنارد شو هنا مقنع في رده؛ إذ هو يقول إنه ms064 ينقل الحياة إلى المسرح، وليس في الحياة ~~حبكة، وإن يكن جمهور المتفرجين يرتاحون إليها، كما أن الحوادث لا تصل على الدوام إلى ~~الذروة، أما عن وحدة الزمان والمكان فليست واقعية. # ولكن الذي لا يشك فيه أن برنارد شو يقصر في «الحركة»؛ فإن بعض دراماته تكاد تكون أحاديث ~~لا أكثر، بل إن هناك موقفا في درامة «الإنسان والسبرمان» يتكون من أربعة أشخاص يتحدثون ~~نحو ساعة بلا أدنى حركة أو تغيير، ومع أن هذا يحدث في الحياة؛ فإن الفن يقتضي طرد السأم عند ~~المتفرجين من مثل هذا الموقف؛ لأن المسرح إمتاع كما هو تعليم. # والواقع أن برنارد شو، قبل أن يكون مؤلفا مسرحيا أو أديبا إنما هو فيلسوف؛ إذ هو لا ~~يبالي أن يضحي بفنه من أجل فلسفته، فنحن نفهم أن الحب هو موضوع الدرامة في أكثر أحوالها ~~وأقربها إلى أذهان الجمهور، ولكن الحب هو أبعد الموضوعات عن ذهن برنارد شو الذي قل أن ~~يعرض له؛ إذ إن موضوعه بل جميع موضوعاته فلسفية، ونحن معه إزاء رجل يعلمنا، وهو يسلينا، أي ~~إن التسلية وسيلة الفلسفة، وقد عيب عليه إهماله للحب، فكان جوابه أنه ليس هو الشأن الأعظم ~~في حياتنا. وأشخاص دراماته البارزون لهذا السبب فلاسفة أو ينزعون إلى آراء فلسفية بشأن ~~المجتمع. # ومع خلو درامات برنارد شو من «قواعد» التمثيل فإن براعته في الحوار الفلسفي تسحرنا، حتى ~~لننسى القواعد ونحن نصغي إلى تبادل الأحاديث بين أشخاص الدرامة، ودرامة «جان دارك» لا تخلو ~~من الحركة والحبكة، ولكننا مع ذلك نلتفت إلى الأحاديث ونحن مسحورون بمعركة الأفكار فيها، ~~وهي معركة تمس قلوبنا حتى لنحس أننا نحن نمثل فيها، ونشترك مع أشخاص الدرامة وإن لم نكن على ~~المسرح معهم. # ليس برنارد شو ممن يؤلفون الدرامة للدرامة أو يمارسون الفن للفن، وهو أيضا لا يكتب ~~ما يريده العامة، ولو كان قد فعل لكان قد اكتسح جميع الذين ألفوا المسرح، وإنما هو معلم ~~يتخذ المسرح وسيلة وليس هدفا، والاعتبار الأول عنده هو المناقشة الفلسفية بشأن الدين ~~والفلسفة ms065 والأخلاق والعلم، كي يغير المتفرجين، ويحملهم على أن يتطوروا وعلى أن يعتمدوا على ~~العقل والذكاء وليس على العادات والمعتقدات. # | الزواج في درامات شو # من الموضوعات المحببة إلى برنارد شو في دراماته ما يذكره ويكرره بشأن موقف المرأة من ~~الزواج؛ فإن المألوف عندنا وعند جميع الشعوب المتمدنة أن الرجل هو الذي يفتتح وسائل ~~التعارف، وهو الذي ينطق كلمة العرض. هو يعرض والفتاة تقبل. # ولكن برنارد شو يوضح في تكرار وبسط أن هذا السلوك هو ما يظهر على سطح المباحثات قبل ~~الزواج، أما الحقيقة فهي أن المرأة هي التي تبحث عن الرجل، وهي التي تغري وتحرض، كي ينطق هو ~~في النهاية بالكلمة التي تدعوها إلى الزواج منه. # وهو يعلل ذلك بأن المرأة تطلب الزواج باعتباره وسيلة للعيش؛ إذ هي تجد فيه زوجا، أي ~~عائلا، يعولها ويخدم أبناءها. فهي لا تقصد من الزواج إلى التناسل أو إلى السعادة الزوجية، ~~بل هي لا تختار كما يوحي إليها قلبها، وإنما هي تهدف في كل جهودها ومناوراتها إلى الوصول ~~إلى زوج يحقق العيش الحسن. # وهذا هو ما نجد في بلادنا، مصر، أكثر مما نجد الآن في إنجلترا؛ فإن الفتاة الإنجليزية ~~تتعلم وتعمل وتكسب، وهي تختار زوجها لجملة اعتبارات منها بالطبع أن يكون الزوج قادرا على ~~الكسب، ولكن ليس هذا هو الاعتبار الوحيد في اختيارها للزوج في أيامنا، وقد كتب برنارد شو ~~دراماته وبسط آراءه عن الزواج قبل نحو أربعين سنة حين كانت المرأة مبتدئة في الأعمال الحرة، ~~وحين كانت الحاجة عندها إلى اختيار الزوج «العائل» أكبر مما هي الآن. # وبرنارد شو ينتقد (نعني أنه كان ينتقد) هذه الحال؛ لأن المرأة حين كانت تطلب عائلا فقط، ~~أو قبل كل اعتبار آخر، إنما كانت تهمل اعتبارات أخرى لها قيمتها البيولوجية العظمى، مثل سن ~~الزوج وصحته وكفاءته لإنجاب الأطفال الممتازين. # والواقع أن أعظم ما يفكر فيه برنارد شو بشأن الزواج هو هذه الاعتبارات البيولوجية ~~اليوجنية، وخاصة أن يكون الزواج وسيلة لارتقاء البشر باختيار الأصلح للتناسل، بل منع ~~التناسل لغير ms066 الأكفاء له، أي إنه يهدف إلى أعلى. # والزواج في الحالة الحاضرة - في مصر أكثر مما هو في إنجلترا - يعطل هذا التطور؛ لأن ~~الفتاة تطلب قبل كل شيء من يعولها ولو كانت ميزاته البيولوجية ناقصة، ووجود الطبقات، وتفاوت ~~الثراء، يحملان الفتاة على أن تنكر على نفسها ما تمليه عليها حريتها في طلب الصحة والجمال ~~والذكاء، وشو يعتقد أن غريزة المرأة هنا تصدق في تحري هذه الميزات، ولا تخطئ، لو لم تقف ~~اعتبارات المال حائلا دون الاسترشاد بها. # ولا يجد شو في الزواج أي معنى لما يقال أنه عقد مقدس لا يمكن أن يحل، إذ هو عنده قبل كل ~~شيء عقد تناسلي بيولوجي يوجني. ومعنى كلمة «يوجني» هنا أنه يهدف إلى صحة النسل؛ ولذلك هو ~~يقول بتيسير الطلاق، بل جعله مباحا بلا قيد ولا شرط إذا لم يكن للزوجين أطفال، أما حين ~~يكون هناك أطفال فإن الطلاق يباح مع مراعاة مصلحة الأطفال. # وكتابه، أي درامته، عن «الإنسان والسبرمان» هو الهدف الأخير، أو الفكرة الأصيلة، في ~~تفكيره عن الزواج والتناسل؛ فهو لا يكاد يذكر أن الزوجين يسودهما وفاق ينهض على المساواة في ~~المستوى الثقافي مثلا حتى لا يكون التفاوت هنا داعيا إلى الخلاف؛ فإن فكرة التناسل الذي ~~يؤدي إلى إيجاد جيل جديد أرقى من الجيل السابق أي جيل الأبوين، تغمره. # وعندما نتأمل الأسرة (لا العائلة فقط) في مصر بل في جميع الأقطار، نجد أن لبرنارد شو الحق ~~في الالتفات إلى هذه الفكرة؛ فإنه لا تكاد توجد أسرة ليس فيها خال أو عم أو ابن خال أو ابن ~~عم، فضلا عن الأشقاء، خالية من عيوب بيولوجية في بناء الجسم أو ذكاء العقل، ونحن حين نولد ~~لا نرث أبوينا فقط وإنما نرث بعض سماتنا الجسمية والعقلية من جدودنا وأخوالنا وأعمامنا، أي ~~من أرومتنا (أسرتنا) التي نشأ منها أبوانا. # وقد هدفت اليوجنية (أي علم إصلاح النسل) إلى إصلاح هذه الحال بمنع الناقصين من التناسل ~~وتشجيع الأكفاء الحاملين للسمات الحسنة، ومؤلف هذه الكلمة «اليوجنية» هو جالتون ابن ms067 عم ~~داروين، وقد استرشد بالطبع في معانيها وأهدافها بنظرية التطور أو الداروينية. # ومع أن برنارد شو يؤمن بتأثير الوسط إيمانا كبيرا فإنه لا ينكر قيمة الوراثة؛ إذ ليس ~~العلم مذاهب وإنما هو نظريات وتجارب. # وهذا الاتجاه نجده على أقصاه عند «برتراند رسل» الفيلسوف الإنجليزي المعروف؛ فإنه يعتقد ~~أن الزواج سوف يكون من التبعات الاجتماعية للارتقاء بالنسل جيلا بعد جيل، حتى ليقول إن ~~الجيل القادم سوف تختار الدولة أفراده قبل ميلادهم، أي باختيار آبائهم. # بل هو يرغب في تخصيص بعض النساء للأمومة دون غيرهن، ويكتب هذه الكلمات التي يعدها غيره ~~كلمات كافرة فاجرة: # نستطيع أن نتوقع في المستقبل، من حيث التنظيم الجدي للكم والكيف (في النسل)، أنه ~~سيكون في كل جيل 25٪ من النساء و5٪ من الرجال يختارون لأن يكونون آباء لأبناء ~~الجيل القادم، أما سائر أفراد الشعب فيعقمون حتى لا ينجبوا أطفالا، وهذا التعقيم ~~لن يمنع الاتصال الجنسي بأية حال ولكنه يجعل هذا الاتصال خاليا من الآثار ~~الاجتماعية ... والنساء اللائي يخصصن للتناسل ستحمل كل منهن وتلد ثمانية أو تسعة ~~أطفال، ولكنها لن تكلف القيام بأي عمل لمدة شهور، ولن توضع أمامهن عقبة لمنع ~~اتصالهن بالرجال المعقمين، ولكن التناسل سيكون من شئون الدولة ولن يترك حرا ~~للاختيار بين الجنسين، وربما يكون «التلقيح الصناعي» أوكد في الإخصاب وأقل إحداثا ~~للارتباك إذ هو يغني عن الاتصال الشخصي بين الأب والأم المختارين لإنجاب الطفل ~~المنشود، ولن يكون للآباء أية صلة بالأبناء، وسيكون هناك على وجه عام أب واحد لكل ~~خمس من الأمهات، وربما لا يرى الأب أولئك الأمهات اللائي حملن بأبنائه إذ هن قد ~~يحملن بالتلقيح الصناعي؛ وعلى ذلك لن تكون هناك عاطفة أبوية ... # قال برتراند رسل هذه الكلمات في كتابه «النظرة العملية»، وقد رأيت أن أنقلها للقراء وإن ~~لم تكن من تأليف برنارد شو؛ وذلك لاعتقادي أن برنارد شو يوافق عليها كفكرة، وأيضا لأني أحب ~~أن يقف جمهور القراء العرب على ما يفكر فيه فلاسفة أوربا وبرتراند رسل في مقدمتهم؛ إذ ليس ~~هناك أسوأ ms068 من أن نحرمهم الوقوف على هذه الاتجاهات الأوربية، ولا يمكن أن يكون الجهل فضيلة، ~~ومهما تكن هذه الأفكار منافية لعاداتنا وتقاليدنا، بل مهما تكن هذه الأفكار فجة نابية، ~~فإنها تعالج أعظم الموضوعات للإنسان في هذه الدنيا، وهو موضوع تطوره وإيجاد نوع أو سلالة ~~جديدة ترقى عليه بميزات جديدة. # وقد انخفض التفكير الفلسفي، بل انعدم، في مصر وسائر الأقطار العربية بالمثابرة على منع ~~الأفكار الأوربية من التسلل إلينا، ونظمت قوى مظلمة تحت أسماء «البوليس السياسي» أو «القلم ~~المخصوص» في مصر لمراقبة المؤلفات الأوربية التي تحوي مثل هذه الآراء، وخاصة الآراء ~~الاشتراكية والشيوعية، وبقيت شعوبنا العربية في جهل أكثر من أربعين سنة لأسلوب الحياة في ~~روسيا وسائر دول الاتحاد السوفيتي، ومنعت ترجمة «البيان الشيوعي» لكارل ماركس خشية أن يؤدي ~~إلى حركة شيوعية، مع أن روسيا نفسها لم تصل بعد إلى النظام الشيوعي ، وأستطيع أن أقول إنه قد ~~حبس عشرات في مصر لأن هذا الكتيب قد وجد في مساكنهم. # والذي أراني مضطرا إلى الاعتراف به أن السياسي الذي يحيى في عصرنا، ولم يقرأ بل لم يدرس ~~«البيان الشيوعي» الذي ألفه كارل ماركس، إنما هو إنسان جاهل، وجهله يبلغ أعلى مراتب ~~الخطر؛ إذ لن يستطيع أن يفهم حركة التاريخ الحاضر أو الماضي أو المستقبل، ولن يفهم معاني ~~القوة وتطور المجتمع، بل أساس الاستعمار الذي ما زال جزء كبير من العالم يعانيه. # والعقوبة على القراءة، ودعوة «ألا تقرأوا» هما في صميمهما إنكار للعقل البشري وجحد ~~للذكاء، وأيما أمة تفعل ذلك إنما تنتحر. # وليس من الضروري أن نصير شيوعيين حين نقرأ «البيان الشيوعي» كما ليس من الضروري أن نقوم ~~بدعوة إلى إلغاء الزواج كما هو الآن حين نقرأ ما كتبه برتراند رسل، إنما من الضروري أن نقف ~~على الآراء البازغة في أوربا، التي تسود الدنيا، وأحيانا تستبد بنا؛ أي بمصر أو الهند أو ~~العراق أو غيرها من الأقطار. # يجب أن نعرف هذه الأفكار، ونتأملها، في ضوء أحوالنا الاجتماعية والثقافية؛ لأن أقل ما ~~فيها أننا نألف التفكير ms069 الحر ونعتاد دراسته، ثم نعرف كيف تحيى هذه الدنيا، أي كيف يحيى ~~ثمانمائة مليون إنسان شيوعي، وليس الجهل هنا فضيلة وإنما هو رذيلة من أسوأ الرذائل، كما ليس ~~الجهل بالأفكار الفلسفية مهما شطحت ونطحت، من الفضيلة أيضا. # | الفقر . الفقر . الفقر # حياة برنارد شو الفنية هي حياة الكفاح للفقر، وأولى دراماته: «حرفة المسز وارينز» تعالج ~~موضوع الفقر، وهو اشتراكي المذهب لأنه يجد في هذا المذهب معالجة للفقير. # الفقر عند برنارد شو هو الأصل والجذر لعشرات من الشرور والآثام، ومعالجته هي معالجة ~~لعشرات من الشرور والآثام. # كنت في 1931 في رحلة في الصعيد، وكان أعظم ما وقع في نفسي رؤية الفلاحين في فقرهم الفاحش ~~المزري، الذي حرمهم الكرامة والنظافة والصحة والمعرفة، وجدت هناك خادمات يعملن بخمسة عشر ~~قرشا في الشهر، أي خمسة مليمات في اليوم فقط، وعرفت أن بعض العمال يعملون بخمسة عشر مليما ~~في اليوم، ثم مع ذلك لا يجدون العمل كل يوم. # وفهمت عندئذ لماذا تكثر الجرائم البشعة في الصعيد. # أليست الحياة رخيصة؟ فماذا لو فقدناها؟ ماذا نفقد بفقدانها؟ نفقد لقمة الذرة الجافة ~~نسيغها بالماء العاكر؟ ولماذا لا نغامر بالقتل والسرقة والاغتصاب وخطف الأطفال؟ # إن قصارى ما يمكن أن ينزل بنا من الكوارث إذا ارتكبنا هذه الجرائم هو السجن، وهو مكان رحب ~~يحتوي الغذاء والكساء بالمقارنة إلى الحياة بالحرمان والجوع والمرض التي كان يحياها فلاحونا ~~في الصعيد حين زرته في 1931. # في 1940 كنت أحرر «مجلة الشئون الاجتماعية» فوصفت في إحدى مقالاتي «الفقر والجهل والمرض» ~~بأنها ثالوث مدنس، كل رذيلة فيه تؤدي إلى الرذيلتين الأخريين، وارتحت كثيرا حين وجدت أن ~~كتابنا تعلقوا بهذه الكلمات وكرروا ذكرها في الصحف للتنوير العام حتى وصل التنوير ~~إلى الوزراء، ولكن بلا جدوى. # والآن أحب أن أقول إن أرذل هذه الرذائل الثلاث هو الفقر؛ إذ هو يؤدي حتما إلى الجهل ~~والمرض، أما هذان الاثنان فيمكن في بعض الحالات، وفي نظامنا الاقتصادي الحاضر، ألا يؤدي ~~أحدهما إلى الفقر. # نظامنا في أساسه اقتصادي، وعلى قواعده الاقتصادية تنبني جدران ms070 بنائه الاجتماعي، ومن هذا ~~البناء الاجتماعي تتكون أخلاقنا بل عواطفنا التي نعتقد أنها طبيعية، ولذلك حين نقع في الفقر ~~تنهار جميع أو معظم قيمنا الاجتماعية، ولا يستطيع الثبات على هذه القيم في وجه الفقر سوى ~~الأقلين الشاذين الذين يمكن أن نعزو شذوذهم هذا إلى مركبات معينة هي أقرب إلى المرض منها ~~إلى الصحة. # يقول برنارد شو: # إن الفقر الذي نجده في مدننا الكبرى يدنس الفرد كما أنه ينقل عدوى الدنس إلى ~~جيرانه، وما يدنس الجيران يمكنه أن يدنس قطرا بل قارة، بل العالم المتمدن كله، إذ ~~نحن كلنا جيران، بل الأغنياء تنتقل إليهم آثار الفقر السيئة؛ ذلك أنه حين يحدث ~~الفقر وباء معديا، كما هو شأنه على الدوام، إن قريبا وإن بعيدا، فإن الأغنياء ~~يقعون في هذا الوباء ويرون أبناءهم يموتون به، وعندما يحدث الفقر والبطش والجريمة ~~يستولي الخوف على الأغنياء، فينفقون الكثير من أموالهم لحماية أشخاصهم وممتلكاتهم، ~~وعندما يحدث الفقر ألوانا من السلوك السيئ والكلمات البذيئة يتعلم أبناء الأغنياء ~~من أبناء الفقراء هذا السلوك وهذه الكلمات حتى حين يحجبون عن الاختلاط بالفقراء، بل ~~هذا الحجاب نفسه يؤذيهم أكثر مما ينفعهم، وإذا كانت الفتيات الفقيرات يجدن - كما هي ~~الحال - أنهن يحصلن من النقود بالرذيلة أكثر مما يحصلن عليه من العمل الشريف، فإنهن ~~يسممن أجسام الشباب الأثرياء الذين - حين يتزوجون - ينقلون عدوى الأمراض التي وقعوا ~~فيها بالزنا إلى زوجاتهم وأولادهم فيحدثون لهم الأوجاع بل أحيانا العمى والموت، ~~وما كان يقال بأن كل إنسان يمكنه «أن يبقى بعيدا» عما يحدث حوله حتى لا يمسه شيء ~~مما يقع بجيرانه أو حتى بأولئك الذين ينأون عنه بنحو مائة ميل، هذا القول خطأ عظيم؛ ~~فإننا حين نقول بأننا أعضاء مشتبكون في مجتمع؛ فإن قولنا هذا ليس مجرد كلمات يقولها ~~الصالحون في الكنائس، هو حقيقة واقعة؛ لأنه إذا كان يمكن الأغنياء أن يتجنبوا ~~السكنى مع الفقراء فإنهم لا يستطيعون الفرار من الموت معهم حتى يفشو ~~وباء. # ثم علينا أن نذكر أنه ما دام الفقر مقيما بيننا ms071 فإننا لن نضمن لأنفسنا ألا نقع ~~نحن فيه؛ لأن الحفرة التي نحفرها لغيرنا قد نقع نحن فيها، وإذا تركنا هاوية غير ~~مسيجة فقد يقع فيها أطفالنا عندما يلعبون، وكثيرا ما نرى لذلك العائلات المحترمة ~~البريئة تقع في حفرة الفقر، وليس هناك ما يكفل لنا ألا نقع نحن فيها ~~أيضا. # ولذلك يجب أن نشرط شرطا محتوما في التوزيع السليم للثروة بأن يحصل كل فرد في ~~الشعب على مقدار منها يكفيه شر الفقر ... إن ما كابدناه من آثار الفقر المريعة، في ~~الفقراء والأثرياء معا، يجب أن يحملنا على ألا نجيز لأحد بأن يكون فقيرا. ويجب، ~~ونحن نقتسم الثروة يوما بعد يوم (في المعاملات والضرائب) أن نترك لكل إنسان ما ~~يكفيه رخاء وكرامة. # ولكن إذا كنا نقول بأنه لا يجوز لنا أن نترك أحدا في فقر؛ فإنه يجب أن نسأل ~~أيضا هل يجب أن نترك أحدا في ثراء؟ هل نجيز الإسراف والترف بعد أن ننتهي من إلغاء ~~الفقر؟ إنك تستطيع أن تعرف الفقر وتجده حين تجوع المرأة، وتلبس الملابس المهلهلة، ~~أو حين لا يكون في مسكنها غرفة مؤثثة بالأثاث اللائق كي تنام هانئة فيها، أو حين ~~تجد أحد الأحياء في المدينة تنخفض فيها سن الموت إلى ما دون السبعين بسنوات ~~كثيرة، أو حين ينخفض وزن الأطفال إلى ما دون الوزن في أطفال الأثرياء الذين يجدون ~~العناية والغذاء، ولكنك لا تستطيع أن تعرف وتجد الآثار السيئة للثراء في الأغنياء ~~بمثل السهولة التي تجد بها الآثار السيئة للفقر في الفقراء. # وأولئك الذين يختلطون بالأثرياء يجدون هذه الآثار السيئة واضحة كل الوضوح، فهم ~~يشكون على الدوام سوء الصحة؛ ولذلك لا يكفون عن الجري وراء الأدوية والعمليات ~~الجراحية المختلفة، وهم حين لا يكونون مرضى يخال لهم أنهم مرضى، وهم في قلق على ~~ثرواتهم وعلى خدمهم وعلى أقاربهم، وعلى استغلال أموالهم وعلى المحافظة على مقامهم ~~الاجتماعي، وحين يكون لهم أبناء عديدون يقلقون لأنهم لن يتركوا لكل منهم ثروة تعادل ~~ثروة أبويهم حتى يعيشوا بعد وفاتهما كما كانوا يعيشون ms072 قبلها ... ثم هما يتركان ~~لأبنائهم عاداتهما الباهظة بتكاليفها وأصدقاءهم الأثرياء وديونهما، ولا يكادان ~~يتركان شيئا آخر، وعندئذ تتفاقم حال الأبناء، ثم تنتقل إلى الأحفاد، وهذا هو السبب ~~فيما نرى من رجال ونساء يعشن في تعب وقلق لأن دخولهم دون نفقاتهم؛ ولذلك تزيد ~~تعاستهم على تعاسة الفقراء. ~~••• # إننا نتخلص، عندما نلغي الفقر من جميع ألوان الشقاء الذي يحدثه، وكثيرا ما يلجأ ~~الفقراء، للتخلص من آثار الفقر إلى السعادة المصنوعة كما يلجأ المنتظر لعملية ~~جراحية إلى تبنيج عقله وإحساسه؛ إذ كلاهما لا يستطيع مواجهة الآلام، والكئول الذي ~~يلجأ إليه ملايين الفقراء يمنحهم سعادة مصنوعة، وشجاعة مصنوعة، وسرورا مصنوعا، ~~حتى يتحملوا حياتهم التي لا تطاق في واقعها. والكئول (أي الخمور) هو لذلك نعمة ~~يحرصون عليها. ~~... ولكن الفقراء عندما لا يتألمون من الجوع الممض أو البرد القارس، ليسوا أقل ~~سعادة من الأغنياء، بل في كثير من الأحوال يكونون أسعد منهم، ويسهل عليك أن تجد ~~ناسا قد بلغوا الستين فزادت ثروتهم إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه وهم في العشرين، ~~ولكن ليس فيهم واحد يستطيع أن يقول لك إن سعادته زادت عشرة أضعاف ما كانت عليه، ~~وجميع المفكرين منهم سيقولون لك إن السعادة لا تتوقف على مقدار النقود؛ فإن النقود ~~تستطيع أن تعالج الجوع ولكنها لن تعالج الشقاء، والطعام يمكنه أن يشبع البطن ولكنه ~~لن يشبع النفس، وقد كان الزعيم الألماني الاشتراكي «فرديناند لاسال» يقول إن أعظم ~~ما يكربه حين يحاول إنهاض الفقراء إلى الثورة على الفقر هو أن الفقراء أنفسهم لا ~~يرغبون في إلغاء فقرهم، وليس معنى هذا أنهم راضون، وإنما معناه أنهم ليسوا من السخط ~~على حالهم بحيث يطلبون تغييرها: لقد أذهلهم الفقر وخدرهم. # لقد نقلت قليلا، بل قليلا جدا، مما كتبه برنارد شو عن الفقر؛ فإن مؤلفاته الخمسين أو ~~الستين لا يخلو واحد منها من هذا الموضوع. # والفقر - مثل الغنى - لازمة من لوازم النظام الاقتصادي الانفرادي الذي يدعو إلى التفوق ~~بالمباراة، أي يدعوني إلى أن أسبقك في جمع الثروة وإلى أن أتركك ms073 متخلفا فقيرا، ومن هنا ~~مذهب الاشتراكية الذي اعتنقه برنارد شو منذ شبابه، إذ هو مذهب المساواة وليس التفوق، وهو ~~التعاون وليس المباراة. # وقد ارتضت الأديان وجود الفقر وعالجته بالصدقة، ولكن الحكومات المتمدنة تعاقب الفقير ~~المتسول الذي يمد يده للصدقة، وهذا اعتراف منها بأن الفقر جريمة، ولكنها لم تضرب على هذه ~~الجريمة في أصلها؛ لأن مثل هذا العمل يقتضي الإيمان بالنظام الاشتراكي وتطبيقه. # ويدعو شو إلى المساواة في الدخل، كل منا يحصل من الدولة على دخل قدره 500 أو ألف جنيه ~~كل عام بصرف النظر عن ماهية عمله، وقد ترد هنا على هذا الاقتراح بأن هذه المساواة تمنع ~~الرغبة في التفوق وبذل الجهد، ولكن مساوئ التفوق لا تحصى، كما قد رأينا؛ إذ هي تفرض الفقر ~~الفاحش والثراء الفاحش، وكلاهما ضرر، كما أن الإسراف في بذل الجهد يتلف صحة الجاهدين من ~~الأثرياء. # ومع أن شو كان من الداعين إلى التدرج عن طريق الجمعية الفابية الاشتراكية في لندن؛ فإنه - ~~وهو في الحلقة الثامنة من عمره - أصبح من المعجبين بالنظام الاشتراكي في روسيا، ولما زار ~~سدني ويب دول الاتحاد السوفيتي ألف كتابا بعنوان «دولة الاتحاد السوفيتي: حضارة جديدة». ~~وقرأ برنارد شو هذا الكتاب في تجارب الطبع. # ولما مات وجدت صورة لنين على سريره. # وبكلمة أخرى بدأ شو اشتراكيا متدرجا وانتهى شيوعيا ثوريا. # | أولى درامات شو # برنارد شو كاتب مسرحي قبل أن يكون أي شيء آخر، وقد جعل المسرح ميدانا للبحوث الفلسفية ~~والمناقشات الاجتماعية، ويبدو من تجاربه الأدبية الأولى أنه لم يكن يهدف إلى هذه الغاية ~~التي أرصد لها حياته أو ستين سنة من حياته؛ ذلك أنه بدأ تجاربه بتأليف القصص التي لم يفلح ~~فيها، ولكنه بعد ذلك اشتغل بالنقد المسرحي فبرزت ميزاته ولفتت إليه أنظار المؤلفين ~~والناقدين. # وفي هذه الأثناء عرف هنريك إبسن، وكان هذا المؤلف المجدد في المسرح الأوربي كشفا ~~عظيما له، وقد تعلم منه شو درسا لم ينسه طيلة عمره، هو أن الدرامة يجب أن تكون للتنوير ~~الاجتماعي الفلسفي وأن ترشد المتفرجين ms074 كما لو كانوا في جامعة يتعلمون ويسترشدون. # وبدأ مؤلفاته المسرحية بدرامة عنوانها «حرفة المسز وارينز» وذلك في 1894، وأكاد أقول إن ~~جميع مؤلفات أو درامات برنارد شو بعد ذلك إلى 1959 حين مات، لم تخرج عن موضوع هذه الدرامة، ~~وأعني صميم الموضوع وهو الفقر؛ فقد عاش عمره كله وهو يرى حقيقة بارزة هي أن الفقر أصل لجميع ~~الرذائل في الدنيا، للجهل، والمرض، والإجرام، والخسة، والبغاء، والجبن، والهوان، وسائر ~~الرذائل. # وهذه الدرامة الأولى تبرز نتائج الفقر في أعظم مخازيه، وهو البغاء، أو بالأحرى الاتجار ~~بالبغاء، وقد منع الرقيب في لندن تمثيل هذه الدرامة بضع سنوات بدعوى أنها تتحدى الحياء ~~العام وتفشي أشياء اصطلح الناس على إخفائها، ولكنه عاد فأجاز تمثيلها. # ونحن نجد في الدرامة أثر إبسن في أسلوب المناقشة والوضع المسرحي للممثلين، وهذا غير ~~المشابهة في اختيار الموضوع، وهو موضوع اجتماعي، وهذه الدرامة تمثل لنا أسلوب شو في التأليف ~~المسرحي، وهو أسلوب لم يتغير في نحو ستين سنة. # أشخاص الدرامة يتحدثون، ومن حديثهم تستنبط ماضيهم وما وقع لهم من أحداث انتهت بالموقف ~~الحاضر على المسرح، وهذه هي طريقة إبسن، والحركة في كل من إبسن وشو قليلة، تكاد تكون معدومة ~~على المسرح، ولكننا نستمع إلى حوار ذكي نفهم منه حياة الأشخاص التي تنتهي إلى الأزمة أو إلى ~~الذروة، وتتضح لنا مشكلة عميقة في الاجتماع يجري الحوار بشأنها كي نصل إلى حل لها أو إلى ~~شعاع يشير إلى الحل. # نحن في بيت ريفي هو كوخ أنيق في حديقة يحيط بها سياج، وقد قعدت آنسة رشيقة على كرسي أمام ~~الكوخ على العشب، وإذا بأحد يستأذن في الدخول ويسأل إذا كان هنا منزل المسز وارينز، وتجيبه ~~الفتاة بالإيجاب، وتفتح له الباب فيدخل. # ونفهم من الأحاديث الابتدائية أن الفتاة «الآنسة فيفيان» كانت طالبة في الجامعة، وأنها ~~تخرجت بامتياز، وأنها ابنة المسز وارينز صاحبة الكوخ، ونفهم أن القادم شاب مهندس يدعى ~~المستر برايد. # وبعد قليل تأتي المسز وارينز يرافقها السير كروفتس، وكلاهما في الكهولة، ولكن صحتهما توهم ~~الشباب، ms075 وبين الفتاة الآنسة فيفيان والأم المسز وارينز كلفة بعيدة عن الألفة التي تربط بين ~~الأم وابنتها، وليس هذا غريبا إذا عرفنا أن الفتاة أمضت عمرها الماضي كله تقريبا بعيدة عن ~~أمها؛ إذ كانت هذه الأم في أكثر أوقاتها أو كلها خارج إنجلترا، في بروكسيل أو أوستند أو ~~بودابست لأسباب لا ندريها. # ويدخل البيت زائر جديد هو المستر فرانك ابن القسيس جاردنر، وهو شاب وسيم تلتفت إليه ~~الآنسة فيفيان في حب وإعجاب. # ومع أن الأحاديث تجري بين الجميع في انطلاق ومداعبة فإننا نحس أن الجو مثقل ~~بالأسرار، وأن الآنسة فيفيان تكتم هذه الأسرار، أو هي تشتبه فيها، تحب أن تسأل وتتعرف ~~ولكنها تتراجع وتتحفظ. # ثم يزيد الضيوف واحدا هو القسيس جاردنر، والد الشاب الوسيم فرانك، ولا نكاد نعرف شيئا ~~من الفصل الأول سوى أن القسيس قد طلب إليه أن يستضيف إلى منزله بعض الضيوف لأن الكوخ ليس ~~مجهزا لقضاء ليلتهم، فهم يتركون الكوخ ويقصدون إلى منزله. # ثم تتكشف الأسرار وكأنها كانت خيوطا قد التبست واشتبكت ثم أعيد تنسيقها ~~وترتيبها. # الآنسة فيفيان الجامعية الأنيقة الجميلة هي ابنة المسز وارينز، ولكنها لا تعرف لها أبا، ~~فهي تسأل أمها عنه، ثم هي تجد ثراء ضخما تتقلب فيه أمها ولا تعرف مأتاه، فتسأل أيضا ~~عنه، ثم تتأمل السير كروفتس فتجد فيه رجلا دوارا من تلك الحيوانات التي تحيى في الليل ~~وتنام في النهار وتفتأ تجري وراء الشهوات، وهو يتحدث إلى أمها في ألفة وتفاهم كما لو كانا ~~زوجين. # وتسأل فيفيان أمها: أين أبوها؟ ومن أين تعيش وتنفق؟ وهي تبدي لها شكوكها وشبهاتها. # ولكن المسز وارينز، على الرغم من خسة الحرفة التي تحترفها، لا تزال على شيء كبير من ~~الشجاعة، وهي تهدد ابنتها بقطع معونتها عنها، وتطلب إليها أن تتزوج السير كروفتس الذي أبدى ~~إعجابه بها، ولكن الفتاة ترفض في إباء هذا العرض، وتعود فتلح على أمها في السؤال عن ثرائها، ~~كيف جمعته؟ وهل هذا السير كروفتس كان شريكا لها؟ # وتحرج الأم وتعترف بالأسلوب الذي جمعت ms076 به ثراءها الملوث، إنها تدير أربعة «فنادق» في بعض ~~المدن الأوربية، وكلمة «فنادق» هنا تتحمل معاني أخرى، إذ إن المسز وارينز تزودها بالفتيات ~~الجميلات من إنجلترا حيث يقدمن إلى الزبائن لهذه الفنادق خدمات أخرى غير ما يفهمه المترددون ~~من الزائرين العابرين الذين لا يطلبون غير المأوى، وتعرف فيفيان أن هذا الثراء الذي تتمتع ~~به أمها إنما جاء عن طريق الاتجار بالرقيق الأبيض. # وتصطدم الأم بالبنت، وتدافع الأم عن موقفها، أي عن حياتها الماضية، وتقص على ابنتها تلك ~~الدوافع التي دفعتها إلى طريق العار هذا، ونجد برنارد شو هنا في موقف الهجوم الذي يقفه في ~~معظم دراماته، وهو أن المجتمع الحاضر يؤدي إلى فقر الكثير من أبنائه، وأن هذا الفقر هو عجلة ~~جميع الرذائل ومنها هذا الاتجار بالرقيق الأبيض الذي تمارسه المسز وارينز التي تقص على ~~ابنتها قصتها. # لقد ولدت في فقر ورأت أقاربها يموتون في الفقر والجوع والمرض، وقد عملت هي وأقاربها ~~هؤلاء في بعض الأعمال الوضيعة التي كانت تطالبهم بمجهود 12 ساعة في اليوم مع أجر لا يزيد ~~على بضع شلنات كل أسبوع، وكانت هذه الأعمال مع إيذائها للصحة وحرمانها للراحة ~~«شريفة». # ولكن أختها «ليزا» رفضت هذا الشرف ومارست عملا محرما، ولكنه مكسب، يعود على الفتيات ~~اللائي يمارسنه بالربح الكبير، وقيل - أو أشيع - أن هذه الأخت قد انتحرت، ولكن الواقع أنها ~~كانت قد اختفت فقط حتى لا تثير غضب أسرتها أو فضيحتها. # أما المسز وارينز فكانت - وهي فتاة - قد احترفت عملا في حانة، ليس شريفا كل الشرف ولكنه ~~بعيد عما انحدرت إليه اختها، وذات يوم وهي في «البار» تناول الشاربين كئوسهم المترعة ~~بالخمور، إذا بأختها ليزا تدخل لتناول كأس من الوسكي وهي في أبهة من الجمال واللباس ~~والفخامة. # وتلاقت الأختان وجرى الحديث بينهما، ثم استؤنف، وانتهت المسز وارينز إلى الأخذ بطريقة ~~أختها في الحياة، وانهالت عليها بعد ذلك الأرباح التي أمكنتها من أن تحيى حياة المترفين وأن ~~تعلم ابنتها في جامعة، وهي تذكر فضل السير كروفتس الذي ساهم في ms077 أعمالها بأربعين ألف ~~جنيه. # أربعون ألف جنيه كان يحصل هو منها على ربح سنوي قدره 35٪ وكانت هذه الأعمال لا تزيد ولا ~~تنقص عن البغاء، أي الاتجار بالرقيق الأبيض في تلك «الفنادق» المزعومة في مدن أوربا. # وتعرف فيفيان هذه الحقائق، وتسمع دفاع أمها عن سلوكها، وتعرف أنه لولا هذه الحرفة ~~الساقطة لما استطاعت أمها أن ترسلها إلى الجامعة، ولكنها تسأل: من أبوها؟ وتراوغ الأم في ~~الإجابة. # ولكن «فرانك» الشاب الوسيم يتحبب إلى فيفيان التي تستجيب لحبه وتلاطفه في رقة ولطف، ~~وتجد الأم هذه العلاقة بين ابنتها وابن القسيس، فتنكرها، وتدعو ابنتها إلى الزواج من السير ~~كروفتس شريكها في البغاء، ولكن فيفيان ترفض وتصر على حبها لفرنك ابن القسيس. # ويدخل القسيس فتخبره المسز وارينز بأن ابنتها تحب ابنه وأنهما يسعيان لعقد الزواج، ويرتاع ~~القسيس، وتتحداه المسز وارينز، وكأنها تتحدى رياءه، بل تتحدى الأخلاق العامة التي تجري في ~~الظلام بغير ما تبدو به في النور أمام الناس، وتتابع الأحاديث فنفهم أن فيفيان هي ابنة ~~القسيس الذي كان في بعض صبواته قد أحب المسز وارينز وأعقب منها هذه الفتاة بالزنا. # فيفيان وفرانك أخوان، ولكنهما لا يعرفان ذلك. # وأخيرا وبعد هذه الارتباكات تعترف المسز وارينز بكل شيء وتبوح لابنتها بأن أباها هو ~~القسيس. # وفي غفلة من الجميع تفر فيفيان إلى لندن حيث تعمل في أحد المكاتب بأجر شهري متواضع، وتحس ~~أنها قد نجت بنفسها من هذا الوسط الموبوء وأنها ستستقل وتعمل وتحيى حياتها كما تحب. # ولكن ما هي العبرة التي أراد برنارد شو إبرازها؟ # نجد العبرة على لسان السير كروفتس الذي يطلب يد فيفيان فتأبى عليه لأنه رجل قد سقط شرفه ~~بالاشتراك مع أمها في إدارة «فنادق» للدعارة، فهي تقول له: # كانت أمي فقيرة قد حطمها الفقر فلم يكن أمامها سوى هذا السلوك الساقط، ولكنك ~~أنت كنت رجلا ثريا فسلكت سلوكها كي تربح 35٪؛ ولذلك أعدك وغدا من الأوغاد، ~~وهذا رأيي فيك. # ويرد عليها السير كروفتس رد العارف بشئون المجتمع الساخر بنفاق الناس، فيقول: # قولي ما ms078 تشائين يا آنسة؛ فإنك تسلين نفسك ولا تؤذينني، ولماذا لا أستغل أموالي ~~بهذه الطريقة؟ فأنا أحصل على الفائدة من أموالي كما يفعل غيري، وأرجو ألا تعتقدي ~~أني ألوث يدي بالعمل الذي تستغل فيه أموالي، وأظن أنك لن ترفضي التعرف إلى ابن عمي ~~الدوق بلجرافيا لأنه يجمع الإيجارات من ممتلكاته التي تستعمل في أغراض غير مألوفة، ~~ولن تقاطعي أسقف كانتر بري لأن الخمارين وغيرهم من الخطاة يسكنون في عقاراته ~~ويؤدون له الإيجارات عنها، وهل تعرفين الجائزة السنوية، جائزة كروفتس، في كلية ~~نيونهام؟ إن الذي وقفها على الكلية شقيقي عضو البرلمان، وهو يحصل على ربح قدره 22٪ ~~من المصنع الذي تعمل فيه 600 فتاة ليست منهن واحدة تحصل على أجر يكفي قوتها، وكيف ~~تعيش هؤلاء الفتيات إذا لم تكن لهن عائلات يعتمدن عليهن؟ اسألي أمك. وهل تنتظرين ~~مني أن أولي ظهري لربح يبلغ 35٪ في حين يجمع غيري المئات والألوف كما يفعل ~~العقلاء؟! لا، لست أبله إلى هذا الحد، وإذا كنت أنت تنوين اختيار الأصدقاء والمعارف ~~على أساس من المبادئ الأخلاقية، فخير لك أن ترحلي عن هذه البلاد، إلا إذا كنت قد ~~قررت الانفصال من المجتمع الراقي. # وترد فيفيان عليه وكأن ضميرها قد نخسها: # وإنك لتستطيع أن ترد علي بأني أنا نفسي لم أسأل: من أين جاءت النقود التي كنت ~~أنفقها؟ واعتقادي أني أنا وأنت سواء في الرذيلة. # فيجيب السير كروفتس بعد أن اطمأن: # وليس شك أنك كذلك، وهذا حسن، وأي ضرر في هذا؟ (ويتابع حديثه في لهجة مازحة) ~~والآن، وبعد أن فكرت، هل تعدينني وغدا من الأوغاد، أليس كذلك؟ # فيفيان ~~: # لقد اقتسمت الأرباح معك، وأوضحت لك عن رأيي فيك. # كروفتس ~~(في لهجة الصداقة) ~~: # هذا صحيح، ولن تظني بي سوءا، ولأصرح لك بأني لست أتعالى بالذكاء ~~ولكني على شيء كبير من الإحساس الإنساني، وأسرتنا جميعا تكره الخسة، وهذا ما أعتقد ~~أنك تعطفين علي بشأنه، صدقيني يا فيفيان إن الدنيا ليست من السوء كما يزعم الساخطون ~~عليها، وما دام أحدنا لا يتحدى المجتمع فإن المجتمع ms079 لا يسألنا سؤالا تربكنا ~~الإجابة عليه، وليس هناك من الأسرار ما يبقى في الخفاء، مثل تلك الأسرار التي هي ~~موضوع ظنوننا وشبهاتنا، وثقي أننا عندما نتزوج فإن الطبقة التي أقدمك لها لن تجرؤ ~~سيدة أو سيد منها على أن ينسى أحدهما نفسه حتى يتحدث معك عن أعمالي المالية، وعلى ~~ذلك لن تجدي من يستطيع أن يكسبك الطمأنينة والأمن مثلي. # فيفيان ~~(وهي تدرس وجهه ونفسه) ~~: # أظن أنك تعتقد أنك بحديثك هذا قد أقنعتني وأرضيتني. # كروفتس ~~: # بعد هذا الذي قلت، أظن أن لي الحق في أن أرضى عن نفسي وأن أقول إنك ~~تحسنين بي الظن الآن أكثر من قبل. # فيفيان ~~(في هدوء) ~~: # لا أجد أنك جدير بأن أفكر فيك، وعندما أفكر في المجتمع الذي يتسامح ~~في وجودك، وفي القوانين التي تحميك، وفي الفتيات التسع أو العشر اللائي يؤدي عجزهن ~~إلى الوقوع بين يديك أو بين يدي أمي، هذه المرأة التي يتعفن اسمها مع الذي يمولها ~~... # كروفتس ~~(في غيظ) ~~: # لعنة الله عليك. ~~(وينتقم كروفتس منها بأن يقول لها قبل أن يغادرها): # سأقول لك شيئا قبل أن أذهب، ولعلك تهتمين بهذا الشيء ما دمت تغرمين به كما يغرم ~~بك، إن المستر فرنك هو أخوك، أو هو نصف أخ من الأب القسيس جاردنر، هو أخوك يا ~~فيفيان. ~~(ويخرج) ~~. # ولم يعد في الدرامة سوى اللمسات الأخيرة؛ فإن الحب الذي كان بين فيفيان وفرانك، وكان على ~~وشك أن يؤدي إلى الزواج قد انتهى أمره وأصبحا صديقين بعد أن كانا محبين. وتنتهي فيفيان إلى ~~مقاطعة أمها وإلى السفر إلى لندن حيث تعمل بكد ذهنها وعرق جبينها لأن تعيش مستقلة. # والقارئ هنا يحس مضضا من هذه الدرامة التي يحاول فيها المؤلف أن يقنعنا بأن الفساد ~~المختفي في المجتمع لا يجد من يفشيه بل يجد الاحترام، أليس كروفتس قد حاز على لقب سير؟ ~~وأليس هو على حق بأنه ليس هناك من يسأله: من أين جمعت أموالك؟ وأليست المسز وارينز محترمة ~~مرفهة مترفة؟ وأنها لولا ما جمعته من البغايا لما استطاعت ms080 تربية ابنتها في جامعة؟ بل أليس ~~من الحق أيضا أن أصحاب الحانات والمتاجر الأخرى يستخدمن الفتيات الوسيمات لجلب ~~الزبائن؟ # وما سبب هذا الفساد كله؟ ما الذي يغري عليه؟ السبب هو: الفقر. ثم الفقر. ثم الفقر. # | التربية مهمة العمر # المفكر العظيم هو الذي يبقى طيلة عمره طالبا يدرس ويواصل الجديد في الثقافة ويلم ~~بالكشوف الجديدة في العلم؛ ولذلك ليس هناك مفكر لا تشغله مشكلة التربية؛ كيف يربي نفسه؟ ~~وماذا يختار؟ وما هي الثقافة الأصلية التي يحتاج إليها في حياته وينضج بها ذهنه؟ وما هو ~~الفرق بين التعليم والتربية؟ # كل هذه مشكلات قائمة، بل بارزة في أذهان المفكرين، ولست تجد واحدا منهم إلا وله فيها رأي ~~بل آراء، إذ هي تمس شخصه في ارتقائه الذهني كما تمس الشعب بل البشرية التي ينتمي ~~إليها. # إن برتراند رسل الفيلسوف الإنجليزي قد أسس مدرسة وعلم فيها في بعض سني حياته، وألف ~~كتابا عن «التربية». # وه. ج. ويلز الأديب الإنجليزي الذي مات قبل سنوات قد ألف كتابا عن مدرسة ساندرسون التي ~~اختطت خططا جديدة وجعلت التربية منهجا بدلا من التعليم، بل إن معظم مؤلفات ويلز تنحو إلى ~~التوجيه في التربية الشخصية والشعبية والعالمية، وهو لم يؤلف كتابه العظيم عن تاريخ ~~العالم إلا وهو يسترشد بفكرة التربية لقرائه، بل التربية الإنسانية، حتى يخرج هذا القارئ من ~~حدود الوطنية إلى رحابة العالمية، وقصصه هي مشروعات للتربية. # وما زلت أذكر وصف ه. ج. ويلز للسياسي المشهور جلادستون بأنه رجل ناقص التربية؛ لأنه لم ~~يكن يعرف العلوم ولم يستنر ذهنه بكشوفها في أصل الإنسان وسعة الكون وأسسه الاقتصادية ونحو ~~ذلك، وهذا على الرغم من أنه كان يتقن اللغتين القديمتين الإغريقية واللاتينية. # لقد كان العلم والتاريخ مصباحين استرشد بهما ويلز في التوجيه البشري وألف عنهما كثيرا، ~~بل أكاد أقول إنه لم يؤلف غيرهما؛ لأن قصصه نفسها تنزع إلى هذا التوجيه، وكانت دراسة ~~التاريخ عنده وسيلة إلى الوحدة البشرية التي تسمو على الاختلافات المذهبية واللونية ~~والجغرفية: لغة واحدة وعالم واحد، بل إنه ms081 ليسمي هذا العالم «قريتنا الكبرى». # ولما قارب الموت كان أعظم ما تعذب به تلك القنبلة الذرية التي حطمت أحلامه وجعلته يحس ~~الخطر منها في انقراض الحضارة والإنسان، مع أني أعتقد أن لهذه القنبلة وجها، هو تعميم ~~السلم وتعمير الدنيا وإلغاء الحرب؛ ذلك لأن خطرها أكبر من أن يتيح لإحدى الدول التفكير في ~~الحرب التي قد تقضي عليها كما تقضي على العدو، ثم تنتشر كالوباء المميت إلى سائر أنحاء هذا ~~الكوكب. # وقد دأب ويلز في شرح الدلالات الجديدة من العلم، وكان على الدوام يوضح لنا التخلف في ~~العلوم الاجتماعية عن العلوم المادية، وما يحمل هذا التخلف من أخطار فادحة للبشر، فإن ~~المجتمعات القديمة والأخلاق القديمة التي تحمل أعباء من الأساطير والعادات والامتيازات ~~والاحتكارات، لا ترتفع إلى ما سما إليه العلم من ابتكارات للقوات الجديدة التي قد تعمر ~~الدنيا وتحيلها إلى جنة، أو تدمرها وتحيلها إلى جهنم. # ومصداق هذه الأقوال يتضح في أيامنا عندما نتأمل السياسة؛ فإن مشكلة السويس لم يكن فيها ~~ما يشكل أقل الإشكال لو أن الساسة الأوربيين كانوا على شيء من التربية، فقد أوشكوا على أن ~~يجروا العالم إلى الحرب عامة لأنهم - كما كان يمكن لويلز أن يقول - يجهلون التاريخ ~~وإنسانيته والوحدة البشرية فيه، كما يجهلون العلم وقواته للتعمير والتدمير. # فقد تعلم هؤلاء الساسة الأوربيون في المدرسة والجامعة، ولكنهم لم يتربوا، ولم تحس نفوسهم ~~إحساس الإنسانية. # والتعليم هو مهمة المدرسة والجامعة، ولكن التربية هي مهمة العمر كله، وتربية بلا تعليم ~~خير ألف مرة بل مليون مرة من تعليم بلا تربية، وحسبنا برهانا أن أحد خريجي كلية الحقوق في ~~القاهرة ألف في الشهر الماضي (1957) كتابا يخبرنا فيه عن العفاريت والجن والشياطين، كيف ~~تتزواج، وكيف تتوالد، ولماذا يزيد عددها على المصريين (من الإنس). # التربية ثقافة ننشدها، ونتحرى الصحيح منها، ونغيرها، ونتطور بها، ونحيا على أصولها طيلة ~~العمر، وهي تبدأ بعد الجامعة أو المدرسة، بل تبدأ قبلهما أو بدونهما، ولكن الجامعة والمدرسة ~~لن تستطيعا تحمل عبء التربية، إذ هما تعلمان فقط. # لقد ms082 كان برنارد شو حكيم العصر منذ نصف قرن، ومع ذلك لم يحصل من التعليم المدرسي على أكثر ~~من مستوى السنة الثالثة الابتدائية، وإنما وصل إلى الحكمة لأنه اعتمد على «التربية ~~الذاتية»، فاختار من الكتب، ومارس من الأعمال الأدبية والفلسفية، ما أنضج به ذهنه وقدس به ~~حياته، فكان في تفكيره وسلوكه مثالا للثقافة العالية حتى ارتفع في أخلاقه إلى القيم ~~العالية في الإنسانية والفن وفهم الدلالات في شئون هذا العالم. # أجل، يجب ألا نقتصر على الفهم؛ إذ علينا أن نرتفع إلى الدلالة؛ فإن أبلد البلداء يمكنه أن ~~يفهم ولكنه يعجز عن الوصول إلى الدلالة فيما يفهم. # ما هي دلالة مشكلة قناة السويس في سياسة العالم؟ # ما هي دلالة كتاب العفاريت في برنامج التعليم في كلية الحقوق، وأيضا في المجتمع المصري ~~الحاضر؟ إن المفكرين الناضجين يضعون أصابعهم على الدلالة. # لقد كتب برنارد شو كثيرا عن التربية، وكانت علامة الاستفهام البارزة في حياته هي هذا ~~السؤال: هل ربيت نفسي؟ هل الدولة تربي الشعب؟ # وقد خلص من تأمله لهذا الموضوع إلى أن الأقدار قد حابته لأنه لم يتعلم في مدرسة أو ~~جامعة وإنما علم نفسه؛ وذلك لأنه كان يدرس بعد الاختيار، وكان يختار وفق حاجته الذهنية كما ~~يختار الجائع الطعام الذي تشتهيه نفسه، ولكن المدرسة أو الجامعة تعطينا أحيانا ما لا ~~نشتهيه ولذلك قد نعجز عن هضمه. # وهناك بالطبع مواد من المعارف نحتاج إلى أن نتعلمها بالإغراء أو الإجبار، مثل القراءة ~~والحساب والجغرافيا، وأمثال ذلك من المعلومات التي لا نستطيع أن نقرأ جريدة أو نتحدث في فهم ~~أو نرتقي إلى المستويات العليا من الثقافة بدونها، ثم هناك معارف أخرى يجب أن يعرفها كل شاب ~~أو فتاة إجبارا، مثل تلك التي تتصل بالصحة الجنسية، وصلاح الرجل أو المرأة في التناسل، ~~والأمراض الوراثية التي تؤذي الأجنة وتعقب العاهات، وكذلك الأمراض الزهرية التي تنتقل ~~عدواها إلى الأبناء. # ولكن إجبار التلميذ على حفظ الأدب أو الشعر أو الفنون، التي قد لا يكون هو أهلا لأن ~~يفهمها، هو إضاعة ms083 للوقت والجهد، كما أن هناك من الشئون الثقافية ما لا يجوز أن تعلمه ~~المدرسة أو الجامعة، مثل العقائد أو الأخلاق، إلا إذا جعلت هذا التعليم خاضعا للمناقشة ~~والمناقضة من جانب التلاميذ؛ وذلك لأن هذه العقائد والأخلاق لم تكن قط ثابتة عند أية ~~أمة، وإنما كانت في تغيير دائم، والأمة المتطورة يجب أن تكون مستعدة على الدوام للتغيير ~~والتحسين في عاداتها الذهنية، أي العقائد والأخلاق الموروثة أو ما نسميه تقاليد. بل إن شو ~~ليصرح في أسلوبه المسرف بأن الأمة الراقية يجب أن تنقح دينها مرة على الأقل كل عام. # ويحمل برنارد شو على التعليم المدرسي والجامعي بأنه لا يتقدم على المجتمع ولكنه يتأخر ~~عنه، ويضرب المثل بتعليم اللغة اللاتينية إلى وقت قريب في جامعة أكسفورد، وإلى تأخر العلوم ~~العصرية فيها، بل هناك ما هو أكثر من ذلك في جمود المدارس والجامعات؛ ذلك أنها - لانتمائها ~~إلى الحكومات واعتمادها على الحصول على أموالها منها - ترفض ذكر الأحرار الذين قاموا ~~بالثورات؛ فإن «وشنطن» الذي حرر أمريكا من الاستعمار البريطاني، وكذلك «توم بين» داعية ~~الثورة على العرش البريطاني، بل كذلك «فولتير» و«روسو» كانوا منفيين لا تذكرهم كلية في ~~جامعة لأنهم كانوا ضد الدولة أو كانوا في رأي أساتذتها ملحدين أعداء للبشر والدين. # ويقول هنا برنارد شو: # إذا كنا سنعلم الصبيان أشياء تتجاوز مجرد القراءة والكتابة فيجب علينا أن نعلمهم ~~علم الفلك العصري منذ كوبير نيكوس، وكذلك الفيزياء الإليكترونية ونظرية التطور، ~~وليس من الحكمة أن نقود الصبي في الساعة العاشرة في الصباح إلى حصة ما كي يقول له ~~القسيس إن الأرض مسطحة وثابتة لا تتحرك، وإن السماء سقف فوقها حيث توجد جنة مؤثثة ~~كما لو كانت قصرا ملوكيا. ثم في الساعة الحادية عشرة نقوده إلى حصة أخرى حيث ~~يقول معلم الفيزياء إن الأرض كرة تدور حول نفسها على محورها، وإنها تدور حول الشمس ~~في فضاء لا نهاية له، وإن هناك ألوفا من الأجسام مثل الأرض تفعل مثل ذلك، وليس من ~~العقل كذلك أن نلقن الصبيان في ms084 حصة الدين أن جميع الأحياء بأشكالها المختلفة قد ~~خلقت في ستة أيام، وأن من هذه الأحياء امرأة كاملة صيغت من ضلع، فإذا دقت ~~الساعة لحصة أخرى تناولنا الصبيان بالشرح لملايين السنين التي انقضت في تجارب ~~لإيجاد أشكال عديدة من الأحياء من العمالقة الضخمة إلى أحياء صغيرة لا تراها العين، ~~وهي تجارب انتهت إلى شكل مركب لا نستطيع بأية حال أن نقول إنه حسن، هو ~~المرأة. # وفي هذه الكلمات التي نقلناها من كتاب «مرشد المرأة إلى الاشتراكية والرأسمالية» يحاول ~~برنارد شو أن يبين التناقض بين الثقافة القديمة التي لا تزال حية في المدارس إلى جنب ~~الثقافة الجديدة التي تصطدم بها، وما يعقبه هذا الاصطدام من بلبلة في عقول الصبيان والشباب ~~تحول دون الفهم الصحيح. # ويزيد برنارد شو في الشرح فيقول: # إننا نعلم الجهل في المدارس، ونجعل منها مستودعات لقاذورات للقرون الماضية ~~وللخرافات الهمجية، بل إننا نعاقب من يدعو إلى إلغائها. # ومع أن كلماته هنا قاسية، بل أحيانا فظة، فإنها لا تستغرب منه؛ إذ هو رجل جديد يدعو ~~إلى دنيا جديدة ويحاول أن يحقق هذه الدنيا بالتعليم، وهو يخلص من هذا إلى أن الرجل المثقف ~~في عصرنا إنما يصل إلى هدفه ومجهوده الشخصي وليس بالتعليم الجامعي، وهو بالطبع لا ينكر قيمة ~~الجامعات والمعاهد في التعليم الفني الذي يحتاج إلى المعامل والتجارب، ولكن هنا تعليم ~~للتخصص وليس ثقافة عامة تجعل المثقف حكيما مفكرا في الحياة يستوعب المعارف ثم ينظمها في ~~ذهنه ويقارنها ويستنتج منها فهما للكون والإنسان وحكمة للعيش. # أين الدين في التربية؟ # يجيب برنارد شو على هذا السؤال بأن رجلا بلا دين هو رجل بلا شرف. # والذي يجب ألا ننساه أن الثقافة مكفولة لكل من يطلبها في أوربا بحيث يمكن الذين ~~حرموا الجامعة أن يجدوا في مئات وألوف الكتب ما يربيهم ويساعدهم على تعيين القصد في ~~الحياة، فهل الحال كذلك عندنا؟ # أعتقد أن الثقافة الصحيحة ليست مكفولة بالمؤلفات في مصر أو في أي قطر عربي آخر، ولكن ~~بعضها مكفولة، ومشروع «ألف كتاب» ms085 الذي تقوم به وزارة التربية في الوقت الحاضر بغية نقل ~~الكتب النافعة إلى لغتنا هو خطوة، بل وثبة نحو الأمام نحو إيجاد ثقافة عصرية يستطيع عامة ~~القراء أن يجدوا عن سبيلها التربية التي ينشدونها. # هذه الكتب ليست للتعليم وإنما هي للتربية، هي إنسانية، هي دين يرشدنا إلى ~~المستقبل. # ولكن هل الكتب هي كل ما يربينا وكل ما يثقفنا؟ # إن التربية أكبر من الكتب؛ إذ هي أيضا اختبارات وتجارب حتى ليمكن الأمي الذكي أن يحصل ~~على تربية عالية ولو لم يقرأ كتابا، وبالطبع كانت تربيته تكون أفضل وأعم وأسمى لو أنه كان ~~يقرأ الكتب، ولكن هناك أفذاذا، اختبروا الدنيا، يعدون من أسمى الناس إنسانية وصلاحا، مثل ~~أكبر خان السلطان المسلم في الهند؛ فإن هذا الأمي كان فيلسوفا من الطراز العالي، وتجربته ~~الدينية التي قصد منها إلى الإخاء البشري، لا تزال محل الإعجاب من جميع المفكرين، حين أراد ~~أن يستنبط دينا من الأديان الإلهية الثلاثة، ولكن هؤلاء أفذاذ، والثقافة التي تهدف إلى ~~التربية لا تزال تحتاج إلى الكتب. # ما هو القصد من الثقافة، من التربية؟ # هو أن أستطيع الإجابة على هذا السؤال: من أنا؟ من أنا في هذا الكون؟ # هو أن أبلغ يقظة الوعي الكوني بالفهم، هو أن أحيا الحياة الإنسانية، وأن أحس الفهم ليس ~~للإنسان فقط بل للكون كله. # هو أن أزيد وعيي للإنسان والكون. # هو أن أجد القصد في الحياة. # ولذلك نقول إن التربية هي مهمة العمر. # | فكرة السبرمان عند شو # عندما أتأمل التفكير الفلسفي عند المفكرين الملهمين الذين أخصبوا الثقافة البشرية وبعثوا ~~النمو في براعمها وولدوا فيها، أجد أنهم - أي هؤلاء المفكرين - أطفال يفكرون تفكير الأطفال ~~ولكن على مستوى عال. # ذلك أن تفكير الأطفال يتسم بحرية مطلقة لا تعرف القيود الاجتماعية أو التحفظات ~~العرفية، حتى ليسألك الطفل حين تقول له «إن الله خلق العالم»: أين الله؟ أين مسكنه؟ ماذا ~~يلبس؟ ونحو ذلك مما نتأفف منه ونمنعه عن المضي في السؤال عنه. # والرجل المفكر يسأل مثل هذه الأسئلة ولكن على ms086 مستوى عال: كيف نشأ الكون؟ ما هو أصل ~~المادة؟ ما هي نهاية الكون؟ ماذا بعد الموت؟ ما هو مستقبل الإنسان بعد مليون سنة؟ ونحو ~~ذلك. # والرابطة بين الطفل الساذج والمفكر الناضج هي أن الاثنين يفكران في حرية مطلقة؛ فالطفل حر ~~لأنه لا يعرف القيود الاجتماعية، والمفكر حر لأنه يجد نفسه مضطرا إلى التخلص من هذه ~~القيود كي يحسن التفكير. # وهذا هو ما نجد في برنارد شو، طفل كبير يسأل أسئلة الأطفال ويجيب عليها إجابة الفلاسفة، ~~ومن قبله فعل مثل ذلك «نيتشه». # كلاهما سأل عن السبرمان؛ أي الإنسان العالي. # والفكرة في الإنسان العالي نشأت في ألمانيا منذ انتشى الألمان بحياة أديبهم وعالمهم ~~وفيلسوفهم «جوتيه»، فقد عاش هذا العظيم نحو ثمانين سنة وهو يمارس أنواعا من النشاط العالي ~~في مختلف الثقافات، يجمع بين الفن والعلم، والشعر والسياسة، والأدب والدين، ويستنبط من كل ~~هذه الأشياء حكمة للعيش وبصيرة لماضي الإنسان ومستقبله. # فلما مات أصبحت حياته أسطورة يقرأها الشباب ويتأملها الشيوخ، ويعكسون تفاصيلها على ما ~~يلابسهم من ظروف وما يستجيبون له من أحداث، ويسألون عن ارتقائهم في ضوء شخصيته، وأصبح جوتيه ~~الرجل المثالي. # وكان جوتيه السحر الذي سحر «نيتشه»، ولم يعد عنده الرجل المثالي فقط بل صار السبرمان (فوق ~~الإنسان). # ودعا نيتشه خاصة المثقفين إلى أن يكون كل منهم سبرمان يترفع عن الأخلاق العامة ويسن لنفسه ~~أخلاقه الخاصة، فكان بذلك وجوديا يقول باستقلال الشخصية، وبأن المجتمع يجب ألا يغرقنا ~~في عاداته وتقاليده وأخلاقه. # هذه هي الفكرة الأولى عن السبرمان عند نيتشه: فكرة وجودية أساسها عظمة جوتيه الذي ارتفع ~~في حياته حتى كاد يكون إنسانا أعلى فوق الإنسان العادي. # ثم درس نيتشه فكرة التطور من «داروين»، فقال: كما أن الإنسان أعلى من القردة التي ينتسب ~~إليها، كذلك يجب أن يتطور البشر إلى السبرمان الذي يعلو على الإنسان. # ولكنه مع ذلك لم ينس جوتيه، بل لقد ذكر اسمه إلى جنب اسم داروين، ورفعه فوق ~~داروين. # لقد كان جوتيه حبه الأول: حبه الأعلى، ولكن منذ داروين أصبحت ms087 فكرة السبرمان هي الفكرة ~~الإيجابية في نظرية التطور؛ إذ عرفنا أن الأحياء على الأرض لا يزيد عمرها على 700 مليون ~~سنة. # بدأت حقيرة كالفيروس الذي لا نستطيع أن ننظمه في الجزئيات المادية أو في عداد الخلايا ~~الحية؛ فإنه يجمع بين خصائص الاثنتين، ثم «ترتقي» الأحياء إلى الخلايا المفردة، فالخلايا ~~المشتركة في جسم واحد، فالأحياء الكبيرة مثل القناديل، ثم تشرع خصائص الحياة العالية تظهر ~~في أعضاء الحواس، ثم يتفرع الأحياء فرعين أحدهما نحو المفصليات التي تنتهي بالحشرات ~~والعناكب، واعتمادها الأكبر على الغرائز، والآخر نحو السمك الذي ينتهي بالإنسان واعتماده ~~الأكبر على العقل. # وكان من المعقول المتوقع أن يتساءل الناس أو المثقفون: إذا كان هذا أصلنا فما هو ~~مستقبلنا؟ أليس الإنسان حلقة في سلسلة طويلة من التطور مضت منها جملة حلقات وبقيت منها جملة ~~حلقات أخرى هي تطور الإنسان في المستقبل؟ # أو كما قال نيتشه: «الإنسان جسر تعبر عليه الطبيعة من القرد إلى السبرمان» و«الإنسان يجب ~~أن يعلى عليه» و«الإنسان يجب أن يزول كي يأخذ مكانه السبرمان.» # الفكرة جليلة ومخصبة لأنها تبعث التفكير في كل وقت ومكان عن الإنسان الحاضر وإلى أين ~~يتجه؟ هل هو يسير نحو الانقراض كما حدث للدينصور؟ هل هو وقف عن التطور؟ هل سيتطور إلى إنسان ~~آخر أعلى منه؟ إلى السبرمان؟ ~~••• # التطور عند برنارد شو ديانة، وكثيرا ما يقول: «ديانة التطور»، وهو الديانة البيولوجية ~~القائمة على أصل الإنسان واتجاهه ومستقبل كفاءاته الجنسية والغريزية والذهنية. # والتفاتات برنارد شو إلى الناحية البيولوجية كثيرة، فإنه مثلا يقف عند قصة لوط وكيف ~~خدعته ابنتاه حتى حملتا منه، فيشيد بهذا العمل ويجد فيه سموا لأن فيه دلالة البقاء ~~بالتناسل، حتى ولو كان هذا البقاء يخالف العرف العام والأخلاق السائدة؛ إذ لو لم تسلك ابنتا ~~لوط هذا السلوك لانقرضت سلالته، وهو حين يتحدث عن الزواج يقول بأنه - أي الزواج - ليس من حق ~~كل إنسان، وأن الناس يسرفون في الإقبال على الزواج؛ إذ يجب أن يقصر على أقلية تتمتع بكفاءات ~~إنسانية تستحق التخليد في الأبناء ms088 والأحفاد. # وهو ينشد السبرمان الذي يجب أن نستولده من الإنسان الحاضر على سبيل التدرج، وهو يفكر هنا ~~تفكير الأطفال، أي إنه ينسى أنه في مجتمع متمدن له قوانين وأوضاع ويجري على عرف ~~وأخلاق. # وهو بالطبع يخبط، ولكنه لا ينسى الهدف وهو يخبط، بل إنه لا يمكن أن يفكر في هذا الموضوع ~~بلا خبط؛ إذ ليس هناك طريق ممهد إليه؛ لأن معلوماتنا الحاضرة قاصرة، والأرض بكر لم تطأها ~~قدم أحد قبله إلا نيتشه، ولكن نيتشه لم يشرح لنا النظام الذي يحملنا إلى السبرمان، وقصارى ~~ما قال إن بين البشر صقورا وعصافير، ومن حق الصقور أن تأكل العصافير، ومن مصلحة الإنسان أن ~~يأكل قويه ضعيفه؛ لأن في هذا ارتقاء نحو القوة. # برنارد شو في عمله. # السبرمان عند نيتشه يتحقق بمذهب القوة ومطاردة الضعيف ومحوه، مذهب تنازع البقاء والبقاء ~~للأقوى. # إلين تري. # ولكن نيتشه لم يقل لنا ما هي القوة التي يريدها؟ # وحين يشرع برنارد شو في معالجة هذا الموضوع يذكر أولا أن الارتقاء البشري وهم أكثر ~~مما هو حقيقة؛ وذلك لأننا ارتقينا في الوسط ببناء المدن وزراعة الأرض واختراع الآلات، ولكن ~~أجسامنا وغرائزنا لا تزال كما كانت قبل مليون أو نصف مليون سنة، والارتقاء الصحيح يجب أن ~~يتناول أجسامنا وعقولنا وغرائزنا. # إننا لا نزال نسلك بغرائزنا سلوك الحيوان. # ولا تزال عقولنا عاجزة عن الفهم السليم لقلة ما نتمتع به من ذكاء. # وليم آرشر. # ولا تزال أجسامنا عرضة للأمراض وأعمارنا قصيرة. # ولذلك يجب أن يتغير الإنسان؛ أي يتطور نحو السبرمان. # إن عندنا من القوانين ما يكفنا عن ارتكاب الجريمة وممارسة الرذيلة، ولكن هذه القوانين ~~لا تدل على ارتقائنا؛ لأن القوانين قفص يحبسنا عن الانطلاق نحو الرذيلة والجريمة، ونحن منها ~~بمثابة الأسد في القفص لا يؤذي الناس لأنه محبوس، ولكنه لو انطلق لغاث وافترس. # وإنما يكون الإنسان راقيا حين تتطور غرائزه فتكف عن الجرائم والرذائل دون خوف من قوانين؛ ~~أي يجب أن نصل إلى الإنسان الذي يسلك السلوك الحسن، ويعزف عن السلوك السيئ، عفو ms089 طبيعته وليس ~~خوفا من عقوبة. # وهو هنا يعود طفلا يتحدث وكأنه لا يبالي المجتمع، فيقترح الفكرة دون الخطة، ويلقيها على ~~عواهنها كي يبحثها غيره أو كي تكون إيحاء وإيماء لمن يفكرون بعده، فيضرب المثل بالفلاح ~~الإنجليزي الذي تبدو عليه متانة الأعضاء وصحة الأجهزة الفسيولوجية فيقول بزواجه من المرأة ~~النحيفة الذكية، فسيكون من هذا الزواج نسل يجمع بين صحة الجسم وذكاء العقل. # وهو يحرص على أن يقول إنه يقدم فكرة للبحث وليس خطة للعمل. ~~••• # إن داروين هو الموحي للفكرة التي يقول بها برنارد شو. # هنريك إبسن. # وحوالي سنة 1900 نشأت في لندن جمعية، لا تزال حية، تسمى الجمعية اليوجنية، غايتها ~~إصلاح النسل بالوسيلتين، السلبية والإيجابية، وهدفها الارتقاء في المادة البشرية بحيث يعلو ~~الجيل القادم على الجيل الحاضر ويستمر الارتقاء جيلا بعد جيل. # وكان هدفها، ولا يزال، منع الناقصين من التناسل وإن أجيز لهم الزواج، وذلك بالتعقيم الذي ~~يتيح الاتصال الجنسي ولكن بلا إخصاب، فأولئك الذين يولدون بعاهات وراثية مثلا يعقمون، وهذه ~~هي الوسيلة السلبية للارتقاء، أما الوسيلة الإيجابية فتكون بتشجيع الأكفاء على الزواج ~~والتناسل. # وبمرور الزمن، نحو ألف أو عشرة آلاف سنة، تظهر النتائج الحسنة لهاتين الخطتين، السلبية ~~والإيجابية، بحيث يظهر جيل يخلو من العيوب الوراثية في الجسم والعقل، كما أن الصفات الحسنة ~~يتأكد ويكثر وجودها في الأفراد لتشجيع الأصحاء على التناسل. # وواضح أن الفكرة موحاة من نظرية داروين، ولم تجد هذه الجمعية التأييد من العلميين، وإن ~~وجدت من الحكومات اتجاها نحو تعاليمها، وأعظم ما صد العلميين عنها أنها جعلت الارتقاء ~~موقوفا على الوراثة، وكأن الوسط لا قيمة له في ترقية الأفراد، فهي داروينية أكثر مما هي ~~لاماركية. # وقد صد عنها برنارد شو لهذا السبب. # ولكنه مع ذلك في مسرحيته «الإنسان والسبرمان» يهدف إلى إيجاد نوع جديد من البشر له خصائص ~~عالية في الصحة والذكاء والتعمير، وهو يومئ إلى الطريق للوصول إلى هذا الهدف، ولكنه لا ~~يفصل ولا يوضح. # والذي لا شك فيه أن الوسط يغير الأحياء بتغيره، فبقرة البحر الميرميد ms090 التي تكثر في ~~البحر الأحمر، كانت قبل نحو 30 أو 40 مليون سنة بقرة سوية تسير على اليابسة وترعى الأعشاب، ~~ثم وجدت من الظروف ما حملها على أن تأكل أعشاب البحر التي تطرحها الأمواج على الشاطئ، ثم ~~تدربت على البقاء في الماء والسباحة فيه، والسباحة تقتضي الاستغناء عن الساقين مع بقاء ~~الذراعين وحالتهما إلى زعنفتين حتى تتخذ شكل السمكة. # وهذا هو ما حدث للميرميد التي لم يبق من ساقيها غير نحو ثلاثة سنتيمترات تتصل بعمودها ~~الفقري. # ولكن ما هي عبرة الميرميد؟ # هي أنها تدربت على السباحة، أي اعتادت وسطا جديدا. # ثم تغير جسمها بالعادة الجديدة، وهي تركها لليابسة ونزولها في الماء. # وأخيرا أصبحت العادة المكتسبة وراثية. # والإيمان المطلق بالوراثة في الإنسان، وأنها هي العامل الوحيد في التغير المطلق، ينتهي ~~بإيجاد نوع من الاستبداد وسن القوانين التي تميز في الحقوق، بل يؤدي إلى إهمال الوسط، بدعوى ~~أننا مهما ارتقينا بهذا الوسط فإن ارتقاءه هذا لن يؤثر في ارتقاء الإنسان، وقد ننتهي إلى ما ~~هو أسوأ فنقول: هذا رجل عبقري بالوراثة، وهذا آخر مجرم بالوراثة، وهذا معتوه بالوراثة، ونحو ~~ذلك. # وكأننا بهذا القول نكف الناس عن بذل المجهود الفردي أو الجماعي للإصلاح؛ لأن الوراثة ~~عندئذ تعود قدرا من الأقدار لا يتغير. ~~••• # ولكن مع الإيمان بقوة الوسط في التغير، بل مع الإيمان بأن الوسط هو الأصل في التغيير ~~والتطور؛ فإننا حين نريد سلالة جديدة من الدجاج أو الحمام أو الخيول أو الكلاب، نعمد إلى ~~الوراثة نستخدمها بالتلاقح بين فردين، نجد أن صفاتهما أقرب ما نفهم من الهدف الذي نصبو ~~إليه. # فالاختيار للكفاءات الوراثية في الإنسان هو الوسيلة النهائية لإيجاد السبرمان. # ولكن هنا تبرز صعوبة ذلك أننا حين نريد سلالة من أحد الحيوانات نعرف ما نريد، جواد للسباق ~~أم الجر، بقرة للبن أو لولادة العجول الضخمة، حمامة لحمل الرسائل أم للريش المزغب، كلب ~~للحراسة أم للشراسة ... إلخ. # ولكننا في الإنسان لا نعرف ماذا نريد وكيف نهتدي إلى ما نريد. # فإن الذكاء والصحة وسلامة الغرائز ms091 والتعمير، كل هذه صفات نرغب في أن نستكثر منها في ~~الأجيال القادمة، ولكننا حين نريد الاختيار نجد أولا أن للمجتمع قوانين تقليدية لا تجيز ~~هذا الاختيار بين الناس كما تجيزه بين الحيوان، ومن غير المعقول أن يتحدى أحد هذه القوانين، ~~وثانيا نحن لا نعرف إذا كان الذكاء أو الصحة أو سلامة الغرائز أو التعمير هي نتيجة الوسط ~~بالتربية الحسنة أم هي نتيجة الوراثة. # ولذلك كان برنارد شو يقول إن تحقيق السبرمان عنده فكرة وليس خطة، وإن الفكرة ستبقى ~~أملا بعيدا إلى أن يزداد فهمنا لمعاني الارتقاء البشري وحقائقه. # أما قبل ذلك فليس لنا غير الإصلاح اليوجيني بكف الناقصين عن التناسل وتشجيع القادرين ~~عليه، ولكن مع تجنب الإسراف. # | كتاب السبرمان # ربما كان كتاب «الإنسان والسبرمان» الذي ألفه برنارد شو في سنة 1903 أعظم مؤلفاته، وهو ~~مقدمة، ثم درامة، ثم كتيب ألفه أحد أشخاص هذه الدرامة عن الثورة، ثم كتيب آخر هو مجموعة ~~من الحكم والأمثال الثورية، ومجموع ذلك في طبعة بنجوين يبلغ 286 صفحة. # والكتاب الذي ألفه أحد أشخاص الدرامة هو بالطبع من تأليف شو نفسه. # والدرامة لا تمثل كاملة؛ إذ يحذف منها عادة أخطر فصولها وهو الفصل الفلسفي، ولكن ~~الكتاب - أي المجموعة - يقرأ كأي كتاب. # وأنا هنا ألخص الكتيب الذي زعم برنارد شو أن أحد أشخاص الدرامة قد ألفه؛ إذ هو ~~لباب الدرامة. # وهو يقول في مقدمة هذا الكتيب: # إن جميع الممتازين بدأوا حياتهم ثائرين، وأعظم هؤلاء الممتازين يزدادون ثورة كلما ~~تقدموا في السن، وإن لم يكن هناك من يظن أنهم يعودون محافظين، وإنما ذلك لأنهم ~~يفقدون إيمانهم بالأساليب المألوفة في الإصلاح. # إن الرجل الذي يخلص في دينه يعد هرطيقا (زنديقا) أي ثائرا. # إيمان إنسان، لا يزال دون الثلاثين من العمر، وعلى شيء من المعرفة بالنظام ~~الاجتماعي القائم، ثم مع ذلك ليس ثائرا؛ يعد ناقصا. # ومع ذلك لم تخفف الثورات من أعباء المظالم، وقصارى ما فعلته أنها نقلت هذه ~~الأعباء إلى عاتق آخر. # 1 # كان توكل الإنسان على قوة سماوية ms092 تعينه على صعوبات الحياة كسلا وجبنا، ~~وعليه منذ الآن أن يحمل العبء بنفسه بدلا من أن يحيله على قوة سماوية، وليس هذا ممكنا ~~فقط وإنما هو السبيل الوحيد الذي أمامه. # وما تحقق من تغيرات في المجتمعات، والحكومات، والتعليم، والغيبيات، والطبيعيات، ~~إنما هو تغيرات عقيمة ينطبق عليها المثل الفرنسي «كلما زاد التغير بقيت الأشياء كما ~~كانت»؛ أي بقي الإنسان كما هو وكما كان. # وإنما التغيرات الحقيقية هي تلك التي اتخذ فيها الإنسان مقام الآلهة حين خلق من ~~الثعلب أو الذئب كلبا، ومن الثمار البرية العفصة ثمارا طرية حلوة، ومن جواد الجر ~~الثقيل مهرا خفيفا للسباق. # إن التغير هنا صادق: سلالة جديدة من الحيوان أو النبات ظهرت من سلالة قديمة، أما ~~تغيير المجتمع والحكومة ... إلخ، فلم يغير الإنسان. # لقد أردنا التغيير في الحيوان وغيرناه. # ولكننا هنا نعرف لماذا نغير؛ ذلك لأننا نعرف ماذا نهدف إليه، كلب أنيس من الذئب أو ~~الثعلب، أو جواد للسباق، أو ثمرة حلوة تؤكل. # ولكننا في الإنسان، حين نرغب في إيجاد سلالة جديدة منه، لا نعرف ما نهدف إليه، هل ~~ننشد رجلا وسيما، فيلسوفا، رياضيا، مع امرأة جميلة سليمة تكون زوجته؟ # والجواب: أن التجارب وحدها هي التي سترشدنا، وهي تجارب لا بد تحتوي الإصابة ~~والخطأ. # ولكننا مع ذلك نتفق على أننا نحتاج إلى العقل المتفوق في السبرمان، ولكن العقل ~~المتفوق لا يعني الفضائل العرفية وبين رجل الرياضة البدنية، فيجب أن نؤثر الثاني على ~~الأول لأن أقل ما في الرياضي جسم سليم قوي أما الفضائل العرفية فليست لها قيمة أصلية إذ ~~هي تختلف باختلاف البيئات. # 2 # لن يأتي السبرمان، إلا إذا أرداته المرأة عن تفكير وتدبير. # إن أخطر ما في الإنسان هو ما نجهله إلى الآن فيه؛ ولذلك نحن نبدأ بحذف الناقصين، ~~المعيبين، التافهين، وحرمانهم الأبوة ما دامت هذه العيوب واضحة وليس لها في هؤلاء ~~الأشخاص ما يقابلها من ميزات توازنها وتبرر حقهم في الأبوة. # وعلينا مع ذلك ألا نقع في الخطأ فنقول إن أبناء الزواج الموفق يكونون على ms093 الدوام ~~مواطنين صالحين؛ إذ من المرجح أننا يمكننا أن نحصل على نتائج حسنة من التلاقح بين اثنين ~~غير زوجين بل لا يليقان للمعاشرة الزوجية. # وليس هناك - سواء في إنجلترا أو أمريكا - من يستطيع قبول فكرة التلاقح بلا زواج بغية ~~ارتقاء السلالة البشرية وإيجاد سلالة تتجدد جيلا بعد جيل نحو هدف السبرمان، والاعتقاد ~~العام أن غاية الزواج هي إنجاب الأطفال، مع أن هذا ليس هو الواقع؛ لأن الزواج قبل كل ~~شيء معاشرة قد يرافقها إنجاب الأطفال أو لا يرافقها، والأطفال في الزواج، يأتون جزافا ~~بلا أدنى تفكير في تحسين السلالة البشرية. # لا بد إذن من إنجاب السبرمان بطريق آخر غير الزواج. # 3 # يروي لنا برنارد شو في هذا الفصل قصة «مجتمع أونيدا» الذي أسس في 1848، سنة ~~الثورات التي اشتعلت فيها الأفكار في أوربا وأمريكا. # وزعيم هذا المجتمع هو «ألفريد نويس» من أبناء الولايات المتحدة، وكان قد درس الإنجيل ~~وفهم منه أنه يدعو إلى الشيوعية وأن الإنسان لا يمكنه أن يكون إيثاريا يؤثر على ~~نفسه أو يساوي بينه وبين سائر مجتمعه إلا إذا ألغى الامتلاك الفردي على نحو ما فعل ~~تلاميذ المسيح. # وكان هذا المجتمع يتألف من نحو ثلاثمائة شخص عاشوا معا في أمريكا دون أن يعرف ~~واحد منهم أنه يملك شيئا من عقار أو منقول، وكان ألفريد نويس يزعم أن هذا المجتمع هو ~~«ملكوت الله» الذي ذكره المسيح. # وعاش أفراد أونيدا يعملون وينتجون للمجتمع، وقد ألغوا الزواج وصار التناسل بينهم ~~وفقا للاختيار الحر بين الجنسين. # وعاش هذا المجتمع ثلاثين سنة بقوة زعيمه نويس الذي قاده إلى هذا النظام، ولكن لما ~~أحس نويس أنه يقترب من الموت خشي الفوضى على مجتمعه، فعاد به قبل موته، إلى النظام ~~الانفرادي في الممتلكات والزواج. # والعبرة التي يستخلصها برنارد شو من مجتمع أونيدا هذا أنه يمكن الرجل العبقري أن ينكر ~~الأخلاق العرفية بغية الوصول إلى هدف أعلى مما تتيحه المجتمعات المتمدنة، ولكن لما ~~كان الناس في مجموعهم دون المستوى الذي يبلغه العبقري فإنهم عندما يفقدون القيادة ms094 ~~العالية التي توجههم يعودون إلى حضيضهم السابق. # وبرنارد شو يعرض لمجتمع أونيدا باعتبار أنه فكرة وليس نظاما، كما سبق له أن عرض ~~لابنتي لوط اللتين حملتاه، وهو سكران، على الاتصال الجنسي بهما كي تحافظا على النسل، ~~وهو يذكر حادث لوط ومجتمع أونيدا كي يدلل على أن الأخلاق العرفية في الزواج والامتلاك، ~~ليست هي الأخلاق المثلى والتي يجب أن نتجمد بها كأنها خالدة. # والتغيير ليس ممكنا فقط بل هو واجب، وإنما يقع هذا الواجب على عاتق الزعيم العبقري ~~وحده الذي يحدد المجتمعات، وليس هذا من حق العامة أو الجمهور؛ أي إنه ليس من حق الأفراد ~~العاديين. # 4 # ويمدح برنارد شو مجتمع أونيدا، ويقول إنه في المدة التي عاش فيها نويس وهو يتزعم هذا ~~المجتمع عمت السعادة جميع أفراده، وزاد إنتاجهم، وارتفعت معاملتهم للأطفال، وقلت ~~الوفيات إلى أقل عدد. # ولكنه يعترف بأن أفراد الجماهير تنشد السبرمان، أي الإنسان الأعلى في الخيال، فتصف ~~أبطال تاريخها كما لو كان كل منهم الإسكندر، وتضفي صفات القداسة على الأفذاذ من رجال ~~الدين، لكن هؤلاء الأفراد يرفضون التدخل من أحد في عاداتهم المألوفة في الزواج، بحسبان ~~أن هذا التدخل سيحرمهم مسرات الزوجية أو ينقصها، وهم يهبون في وجوه دعاة التغيير ~~ويصفونهم بأنهم فاسدون مفسدون قد انحلت أخلاقهم، ولكن إذا وثقوا بأن الزواج ممكن، وأنه ~~سيدوم ويتوافر، وأن كل ما سيؤدي إليه التغيير هو قصر التناسل على الممتازين من الشعب، ~~إذا وثقوا من ذلك فإنهم يقبلون التغييرات التي يقتضيها النظام الاجتماعي الذي سوف ~~يهيأ كي يرتقي الشعب، وترتقي البشرية، بتقييد حق التناسل على الرجل الممتاز والمرأة ~~الممتازة ويحرم غير الممتازين التناسل، ولكنهم لا يحرمون الزواج. # وهنا يقول برنارد شو: إن أعظم المخترعات في القرن التاسع عشر هو الأدوات التي تستعمل ~~لمنع التناسل؛ لأن هذا المنع سيغير البشرية في صلب الإنسان، أي يغير جسمه وعقله، أما ~~سائر المخترعات فليس لها هذا الأثر إذ هي تغير وسطنا المتمدن ولكنها لا تغيرنا في تركيب ~~أجسامنا. # وبكلمة أخرى يقول إن التناسل يجري ms095 في أيامنا جزافا، ولكن طريقنا إلى السبرمان يقتضي ~~أن نجريه بالتدبير والتنظيم. # 5 # حاجتنا إلى السبرمان حاجة سياسية، حاجة محتومة. # السبرمان كلمة تحمل معنى التدرج، فهي تعني في عصرنا الرجل الممتاز الذي يبصر ~~بالمستقبل ويتحسس طريقه إليه، وهو نادرة عصره، ورجل ناضج، دارس، له قيم خاصة وأفكار ~~فذة، ولكنه قلما يستطيع قيادة الجماهير التي تحتاج إلى من يتملقها، ويشيد بلغة ~~الخطابة، بالأخلاق والدين والتاريخ والتقاليد. # السبرمان في عصرنا نادر الظهور؛ لأن التناسل يجري فوضى بلا نظام، ولكنه - أي السبرمان ~~- سوف يتكاثر في المستقبل حين ينظم الزواج بغية إيجاد النسل الأعلى، الجيل الذي ~~يعلو على الجيل الذي سبقه في توافر الصفات البشرية العليا. # والسياسة هي في عصرنا تملق الجماهير، لأنها سياسة ديمقراطية، أي إنه لا يمكن تأليف ~~حكومة إلا إذا رضي عنها الشعب، والشعب لا يمكن أن يرضى عن سياسي يدعوه إلى إيجاد نظام ~~تناسلي أو زواج مقيد يهدف منه إلى السبرمان. # وهنا نجد أن برنارد شو قليل الإيمان بالديمقراطية، وهو يميل إلى شيء من الديكتاتورية ~~الاشتراكية التي تملي على الشعب وتحمله، بل تجبره، على الارتقاء؛ ومن هنا إعجابه بهتلر ~~بل أيضا بموسوليني، وقد كان هذا بالطبع شططا منه حمله عليه إيمانه بأن الجماهير راكدة ~~ليس لها القوة الحافزة على الابتكار الجريء، وأنها لذلك تعوق نشوء السبرمان. # وبرنارد شو هنا لم يبصر بقوة الإنتاج، هذا الإنتاج الذي سيتوافر بحيث لا يحتاج من أحد ~~إلى أكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات في اليوم للعمل، ثم يبقى سائر النهار وبعض الليل بلا ~~عمل، وهذه الحال التي تقترب إليها الشعوب المتمدنة ستحمل حكوماتها على أن تجعل التعليم ~~العام، أي التعليم الذي يفرض على كل شاب وفتاة، تعليما إجباريا من السنة الأولى في ~~المدرسة الابتدائية إلى السنة الأخيرة في الجامعة، بحيث لن يخرج إلا حوالي سن الثلاثين ~~وقد حصل على ثقافة تهيئه لأن يفكر التفكير الناضج، وأن يتقبل الأفكار الجديدة التي تؤدي ~~إلى الارتقاء البشري العام، حتى ولو كان في هذه الأفكار ما يخالف تقاليده ms096 ~~وعاداته. # 6 # أولئك الذين يأنفون أو يستحيون من الحديث عن التناسل واعتباره الأساس للعلاقة بين ~~الجنسين، إنما يفعلون ذلك لأنهم لا يستطيعون الحديث في هذا الموضوع إلا بكلمات بذيئة ~~عاهرة، فحياؤهم هنا هو عجز في التعبير ونقص في التربية، وبرهان ذلك أن الأطباء، أو ~~المعلمين الذين يشتغلون بحياة الحيوان، يمكنهم أن يتناقشوا في حرية لغوية تامة عن موضوع ~~التناسل؛ لأن كلماتهم التي يعبرون بها علمية، ولأنهم يلتزمون الحد والدروس في تناول ~~الموضوع. # وعندما يضاف إلى فقر اللغة فقر آخر مادي في المسكن والمأكل ووسائل العيش عامة، تكثر ~~الأدران والأقذار، وتلابس الموضوع، فيكون الاشمئزاز الذي يمنع الحديث. # ولكن عندما يكون زواجنا نظيفا، ومدننا نظيفة، ومعيشتنا نظيفة؛ فإن لغتنا عندئذ تكون ~~نظيفة، ولن نأنف ولن نستحي من الحديث عن الشئون الجنسية والتناسل والزواج، وأن نوجه هذا ~~الموضوع نحو الارتقاء البشري. # 7 # عبارة «الارتقاء البشري» من العبارات الخادعة؛ ذلك أن الحضارة التي هيأت لنا المسكن ~~الحسن والانتقال السريع والملابس الوفيرة ونظافة المياه والأمن ونحو ذلك، إنما هي ~~جميعها ارتقاء في الوسط الذي نعيش فيه وليست ارتقاء في صميم أجسامنا وعقولنا، فنحن أرقى ~~مساكن مما كنا قبل عشرة آلاف سنة حين كنا نعيش في كهوف، ولكن أجسامنا وعقولنا لا ~~تزال على ما كانت عليه قبل عشرة آلاف سنة. # وقد انفجرت ثورات غيرت المجتمعات ولكنها لم تغير الإنسان، إنما يتغير الإنسان إذا ~~توليناه بالعقل الناضج والقصد الأرحب بحيث نهدف منه في قوانينه، وعاداته وأسلوب عيشه، ~~وفلسفته، إلى أن يكون - جسما وعقلا - في ارتقاء دائم يزداد صحة وذكاء جيلا بعد جيل، ~~وذلك قبل كل شيء عن طريق قصر التناسل، لا الزواج، على الأكفاء الممتازين. # 8 # ما زلنا متوحشين، ودعوانا بأننا أرقى المتوحشين كاذبة؛ إذ لا تزال عقائدنا وأخلاقنا ~~وعاداتنا متوحشة. # إننا ما زلنا نمارس في عقائدنا نأكل الإله كما يفعل المتوحشون، وما زلنا نمزق أعضاء ~~الموتى، وقد فعلنا ذلك بجثة المهدي في السودان حيث ضرب كتشنر ضريحه بالمدافع. # وقد كان سلوكنا في حرب الصين، البوكسر، لا ms097 يختلف أقل اختلاف عن سلوك المغول ~~والتتار. # وما زلنا نستخرج الاعترافات من المتهمين بالتعذيب. # وفي حربنا في أفريقيا الجنوبية كنا نجبر أقارب المعدمين بحضور «حفلة» الإعدام. # وكذلك فعل الأمريكيون في فيليبين. # ونحن نحكم بجلد المجرمين مائة جلدة، وألف جلدة، مع أن موسى قبل ثلاثة آلاف سنة كان ~~يقنع بأربعين جلدة فقط. # وقد يقال إننا ألغينا الرق في القرن الماضي، ولكن الحقيقة أننا لم نلغه لأننا ارتقينا ~~في الإنسانية على أسلافنا، وإنما لأنه لم يعد يصلح للإنتاج؛ إذ إن العامل المأجور ينتج ~~أكثر من العبد المملوك. # وكل هذا الذي ذكرنا يدل على أن دعوانا في الارتقاء كاذبة، ولن نرتقي حتى نتطور إلى ما ~~هو أعلى، أي حتى نتجه في الطريق الذي يسمو بنا إلى ظهور السبرمان من الإنسان. # 9 # ليست المخترعات برهانا على ارتقاء الإنسان؛ فإن ستيفنسون اخترع لنا القاطرة، ونحن ~~جميعا نستعملها دون أن نرتفع إلى مستوى ستيفنسون في الذكاء، ولكن لن نستطيع أن نكون ~~مسيحيين إلا إذا كان كل فرد منا على مستوى المسيح نفسه في الأخلاق. # ركوبنا للقطار لا يقتضينا أن نكون أكثر تطورا وارتقاء من أسلافنا الرومان أو ~~المصريين القدماء، ولكن اتخاذنا للأخلاق المسيحية، بحيث تصير جزءا من كياننا لا نجبر ~~عليه بل نحبه، يعد تطورا. # نحن نتحدث عن تأميم الإنتاج كالزراعة أو الصناعة، ولكن يجب أيضا أن نفكر في تأميم ~~التطور، أي التربية البيولوجية الانتخابية للإنسان، بحيث يرتقي الأحفاد على الجدود ~~ويزداد الارتقاء جيلا بعد جيل حتى يأخذ السبرمان مكان الإنسان. # نحتاج إلى وزارة للتطور يكون لوزيرها مقعد في مجلس الوزراء، ويكون هدف هذه الوزارة ~~ألا نحيى فقط، بل نحيى أحسن، بتحسين السلالة البشرية وسن القوانين التي تؤيد هذا ~~التحسين. # اعتبر مثلا ما كانت تفعله الحكومة من منع المعلمات من الزواج؛ فإن هذا المنع قد ~~تنتفع به الحكومة من حيث إدارة أعمالها، ولكن الضرر كبير حين نفكر، ونذكر أن أحسن ~~النساء اللائي تعملن وعملن قد كافأناهن بالتعقيم مع حاجة التطور إلى أبنائهن، أليست ~~المعلمة التي هدفت ms098 إلى الخدمة الجادة، ونجحت في مراحلها التعليمية، خير أم تنجب ~~الأطفال؟ # إننا لا نسمح للملوك بأن يتزوجوا أو يختاروا زوجاتهم كما يشاءون؛ لأننا ننظر من خلال ~~زواجهم إلى مصلحة الدولة، وهذا مع أن الملوك ليس لهم شأن كبير في سياسة الدولة، ولكن ~~الشأن الكبير لأبناء الشعب العاملين؛ ولذلك يجب ألا نتركهم يتزوجون ويتناسلون كما ~~يشاءون وفق أهوائهم، إذ يجب أن نذكر المصلحة التطورية للشعب من زواجهم وتناسلهم. # | يجب أن نعيش ألف سنة # تذكر التوراة أن متوشالح عاش 969 سنة. # وعبرة هذا القول أن الرغبة في طول العمر أصيلة في الإنسان، بل هي الأصل في أساطير عديدة ~~لجأ إليها البشر في مختلف أطوارهم الاجتماعية؛ فإن المصريين القدماء عبروا عن هذه الرغبة ~~بتحنيط الجثمان، حتى يحتفظ بأعضائه ويستطيع أن يحيا حياة خالدة في العالم الآخر. # ولكن إذا كان المصري القديم قد استسلم للأساطير حين جعل من التحنيط وسيلة للخلود؛ فإن ~~الإنسان العصري لا يزال يرغب في إطالة العمر، ولكن بوسائل علمية ، فهو يسأل: لماذا تعيش ~~الببغاء قرابة مائة سنة، وتعيش السلحفاة ضعفي هذا العمر؟ ولماذا لا نعيش نحن البشر أكثر من ~~70 أو 80 سنة؟ # وليس الحافز على هذا السؤال هو النفور من الموت والتشبث بالحياة لمحض الحياة كما كانت ~~الحياة عند أسلافنا، وإنما الحافز عندنا فلسفي علمي، فقد أصبح الإنسان المتمدن وجوديا ~~سواء أراد أم لم يرد، كما أنه أيضا قد انتهى في عصرنا إلى عقلية تطورية، يقول بإمكان ~~التغيير للمادة البشرية بإيجاد سلالات جديدة منها على نحو ما أوجدنا أكثر من مائتي سلالة ~~لكل من الكلاب أو الحمام أو الخراف. # وهذا إلى أننا قد اتجهنا أيضا هذا الاتجاه الوجودي الذي يحثنا على أن نحيا في هذه الدنيا ~~ملء كفاءاتنا وأن نستمتع فيها بأكثر ما نستطيع من استمتاعات عالية تتفق وإنسانيتنا. # رجل العلم ورجل الفلسفة، كلاهما يشتغل بالوسائل التي تطيل عمر الإنسان، رجل العلم مثل ~~«متشنيكوف» الذي أمضى كل عمره تقريبا يبحث عن البكتيريا «المضادة» التي تستطيع قتل جراثيم ~~الفساد في ms099 أمعائنا فتطول أعمارنا بذلك، وقد خاب في سعيه، ولكن خيبته فتحت الأبواب لغيره من ~~العلميين الذين لا يزالون يبحثون هذا الموضوع والذين سوف يهتدون إلى الوسائل التي تحقق ~~هذا الهدف. # ثم رجل الفلسفة مثل برنارد شو، الذي يهدف إلى زيادة الفهم بزيادة العمر، أليست الفلسفة ~~فهما؟ # ولكن كيف نفهم كل هذه المعارف التي تشتتت وتعددت من كيمياء إلى فيزياء، ومن ~~إليكترونات إلى فلك، ومن طب إلى هندسة، ومن تاريخ إلى اقتصاد، ومن أدب إلى فن، كيف نفهم كل ~~هذه الأشياء وندرسها هي وغيرها دراسة التعمق والتفرغ إذا كنا لا نعيش سوى ثمانين أو ~~تسعين سنة؟ # إننا نقتصر على دراسة علم واحد أو فن واحد لأن أعمارنا قصيرة، ودراستنا تتخذ صيغة ~~التخصص الذي يعمينا عن سائر العلوم والفنون، فنحن نعرف علما ونجهل مائة علم، وأولئك ~~الذين يحاولون التعميم بدلا من التخصص يجدون أنفسهم في قصور لا يمكنهم التغلب عليه، ومرجع ~~هذا القصور إلى أن أعمارنا قصيرة. # إن العلوم كشوف، كل كشف منها ينير العقل ويفتح البصيرة، ويجب أن نتعلمها؛ ولذلك نحن في ~~حتمية فلسفية تطالبنا بإطالة أعمارنا حتى نستطيع استيعابها، وحتى يزول هذا التخصص الذي ~~كثيرا ما يؤذي أكثر مما يؤذي الجهل. # ذلك أن المتخصص - كما قلنا - يحده تخصصه ويعميه عن شئون الحياة الأخرى، بل هو يعميه عن ~~الأثر الحسن أو السيئ لما تخصص فيه من علم أو فن، فلو أن العلميين الذريين الذين اشتغلوا ~~باختراع القنبلة الذرية كانوا على شيء من مهارة الذهن وعمق الذكاء في فهم الخير الإنساني ~~كما كانوا في فهم الذرة لما ارتضوا اختراعها، هذا الاختراع الذي تجاوز القنبلة الذرية إلى ~~القنبلة الهيدروجينية التي تخيم على عالمنا غيمة سوداء تهدد بمحو الحضارة وفناء ~~الإنسان. # إن رجل العلم يجب أيضا أن يكون فيلسوفا، وإلا فهو خطر. # وهل أحتاج إلى أن أذكر أن رجلا من رجال العلم الإنجليز اقترح قبل سنوات حرمان الأمم ~~المتخلفة - التي ترفض تحديد النسل ومنع الحمل - من العقاقير الجديدة «المضادات» التي تقتل ~~بكتيريا الأمراض، وكانت ms100 حجته في هذا الاقتراح أنه ما دامت هذه الأمم تسرف في التناسل ~~فلنتركها حتى تموت بالأمراض الميكروبية بلا دواء. # هذا النقص في الإحساس بالخير الإنساني هو ثمرة التخصص؛ إذ لو كان هذا الوحش قد درس الأدب ~~والفلسفة والشعر والفنون الجميلة، كما درس العلم، لما أجاز لقلمه أن يكتب هذه الكلمات ~~الكافرة. # ولكنه لم يجد الوقت لهذا التعميم في الدراسة لأن العمر قصير، فتخصص وقنع بالتخصص. # وقد بصر برنارد شو بهذه المشكلة وألف مسرحية بعنوان «العودة إلى متوشالح» يوضح فيها ~~ضرورة الإطالة لعمر الإنسان. # لقد عاش متوشالح 969 سنة كما تقول التوراة، ولكن برنارد شو يطمع في 300 سنة يحياها كل ~~منا، أو بالأحرى من أعقابنا، على الأرض. # وقد عاش برنارد شو 94 سنة وكان يفكر كثيرا في قيمة العمر الطويل، وكان يمكن أن يعيش أكثر ~~من هذا العمر لو لم تقع له حادثة أدت إلى كسر ساقه، فلما لزم السرير بسببها وقع في نزلة ~~شعبية كانت سبب وفاته. # واهتمامه بإطالة العمر هو اهتمام يمكن أن نصفه بأنه «وجودي»؛ فإن الوجودية كانت كامنة في ~~جميع المفكرين الماديين قبل أن يصرح بها ويشرحها سارتر، فقد كان إبسن وجوديا عندما أخرج ~~الزوجة من بيت زوجها في الليل تبحث عن استقلال شخصيتها وتربية ذهنها واقتحام الدنيا، ~~وبرنارد شو وجودي عندما يطالبنا بأن نحيا في هذه الدنيا أقصى ما نستطيع من العمر الطويل كي ~~ندرس العلوم ونسيح في الأقطار ونختبر ونتعلم ونستمتع. # إن أسلافنا أيام الفراعنة لم يكونوا يجدون أية دلالة لوجودهم على هذه الأرض، وكانت ~~الحياة لذلك في العالم الآخر كل ما يهتمون له، شيدوا مقابرهم بالحجر، وبنوا مساكنهم بالطوب ~~النيء، وكان العالم الآخر مجسما في أذهانهم كأنهم يعرفون شوارعه وأزقته. # ولكن الوجوديين في أيامنا لا يسلمون بعقائد مصر الفرعونية، وكأن لسانهم يقول: «فلنعش في ~~هذه الدنيا ولنستمتع بأقصى ما نستطيع بحياتنا.» # والسخفاء من الشبان والفتيات الوجوديين في باريس يفهمون من هذا الاستمتاع أنه استهتار ~~وعبث، ولكن الجادين الناضجين يفهمون منه أنه استقلال، وحرية ms101 في الاختيار، ودرس وثقافة ~~واختبار. # يقول برنارد شو إن أعمارنا تجعلنا لا نعنى بهذه الدنيا؛ إذ إننا بمثابة المستأجر لمسكنه ~~شهورا أو سنوات قليلة لا يبالي فيها أن يصلح بناءه، إذ هو سيتركه بعد قليل، لو أنه كان على ~~يقين بأنه سيقيم، هو وأبناءه، ثم أحفاده بعده، نحو مائتي سنة فإنه كان يبنيه مع العناية ~~والدرس، ويزينه مع السخاء والفن، بحيث يعود متحفا في الجمال والأناقة. # وهذا هو شأننا نحن البشر في هذه الدنيا؛ فإن عنايتنا بها قليلة أو معدومة، ولكن لو كان كل ~~منا يعيش نحو ألف أو ثلاثة آلاف سنة لعنينا بها، بحيث نجعل من غاباتها متاحف، ونزرع ~~بحارها كما نزرع يابسها، ونقيم المصايف على هملايا وفي القطبين الجنوبي والشمالي، ونلغي ~~الحكومات المتعددة ونقنع بحكومة مفردة تشرف على جميع البشر، ونعمم الخير بين الناس، ونلغي ~~الحرب ونعيش في سلام. # ولكن، لأننا لا نعمر طويلا، لا نبالي أن نبني دنيانا كما يجب أن تبنى، بل نتركها في ~~فوضاها ودمارها الحاضرين وفي اختلافات أبنائها وجهلهم بل وتوحشهم. # وليس هذا فقط، فإن برنارد شو يذكرنا بأننا عندما نعمر طويلا، مئات وآلاف السنين؛ فإننا ~~نستطيع أن نصل إلى ما ننشده من تربية لأنفسنا، لا نحصل، ولا يمكن أن نحصل على مثلها أو ~~نصفها ونحن في أعمارنا القصيرة الحاضرة، بل كذلك استمتاعاتنا التي لا نجد الوقت لأن نمتلئ ~~بها وننغمس فيها ونتعمق الحياة عن سبيلها. # لو كان أحدنا يستطيع أن يعيش ألف سنة لاستطاع أن يحيا جملة حيوات من حياتنا الحاضرة ~~الموجزة؛ فإن ألف سنة من العمر تتيح لنا أن نعيش فرنسيين عشر سنوات في فرنسا، وصينيين عشرين ~~سنة في الصين، ثم في روسيا وألمانيا ... إلخ. وهذا إلى أن نمضي سنوات في دراسة الذرة، ومثلها ~~في دراسة الكيمياء، ومثلها في دراسة الفيزياء ونحو مائة سنة في دراسة الفلسفة. # هذه هي الاستمتاعات على مستواها العالي كما يفهمها برنارد شو عندما يقول بضرورة إطالة ~~الأعمار، هي استمتاعات الحكمة التي تثمرها الدراسات المتعددة والاختبارات الشخصية في ms102 ~~القارات الخمس. # إن السلحفاة تعيش نحو مائتي سنة، فلماذا لا نعيش نحن ألف أو ألفي سنة؟ # إن فكرة التطور بارزة في كل ما يكتبه برنارد شو، وهو يذكر لوحة الأحياء وتطورها من الخلية ~~المفردة إلى الإنسان الحاضر في 700 مليون سنة، ثم يفكر في إيجاد كفاءات جديدة في إنسان ~~المستقبل. # وأولى هذه الكفاءات أن يطول عمره حتى يكفي لأن يحيله من طفل كبير يحب الحروب، وينغمس في ~~الخمر والجنس، ويشتهي المخدرات، ويقتني المال، ويؤثر الجهل والكسل على الجد والدرس، إلى ~~إنسان حكيم قد كسب حكمته من السنين المديدة واستمتع بحياته. # وهو حين يصل إلى هذه الغاية يجد معنى ودلالة للوجود، ولذة في الحياة، لا يجدهما ~~الآن. # | الدين كما يؤمن به شو # لجميع الأديان - أيا كانت - وجهتان: الأولى غيبية، والثانية دنيوية. # فأما الغيبية فهي التي تعين مركز الإنسان في الكون، والالتفات يتجه أكثره نحو موقفه من ~~أصل الدنيا، وأصل البشر، ومصيره بعد الموت، وما يلقى من ثواب أو عقاب في نعيم أو جحيم، ~~وجميع الأديان القديمة تعنى لذلك بشرح ما بعد الموت وكأن هناك حياة هي خير من الحياة على ~~الأرض. # أما الوجهة الدنيوية فهي ما يتصل بمعايش الناس وأخلاقهم. # وبرنارد شو يؤمن بنهائية الموت، فلا نعيم عنده ولا جحيم، ولا حساب في عالم آخر، ولكن ما ~~موقفه من ناحية «الله»؟ # هو موقف «سبينوزا» من حيث إن الله كامن في المادة. # برنارد شو لا يذكر كلمة الله، ولكنه يقول إن هناك ما يسميه «قوة الحياة»، وهذا التعبير هو ~~صورة أخرى لتعبير برجسون «النهضة الحيوية» أو «التطور الخالق». # وعندما نحاول أن نفهم هذا الموقف نجد أنه لا مفر لنا من الاعتراف بأنه موقف مادي، بل كذلك ~~موقف سبينوزا نفسه الذي نفهم منه أن القوة الخالقة ليست منفصلة من المادة وإنما كامنة ~~فيها. # وهذه القوة الخالقة عند سبينوزا - بل أيضا عند برجسون - هي الله، الذي ينأى معناه هنا عن ~~معناه في كتب الدين. # وهذه القوة في المادة عند برنارد شو هي قوة تطورية؛ ms103 أي إن في المادة خاصة التطور، وكثيرا ~~ما نجد برنارد شو يقول «ديانة التطور». # والموقف هنا مادي لا شك فيه عند هؤلاء الثلاثة: سبينوزا، وبرجسون، وشو. نستطيع أن نعبر عن ~~موقف برنارد شو بهذه الكلمات: # إن العقل كامن في المادة. # والأخلاق والإنسانية والخير كامنة كلها في العقل. # والخير أكبر من الشر في هذه الدنيا، بل في هذا الكون، وبرهان ذلك عند شو أنه لو ~~كان العكس هو القائم، أي الشر أكبر من الخير، لكانت الفوضى ثم انقراض الإنسان، بل ~~الأحياء جميعها. فبقاء الإنسان في نظام ومجتمع برهان على أن الخير، في الطبيعة، في ~~المادة، في الدنيا، أكبر من الشر. # ليس هناك إله خالق منفصل عن المادة، هذا هو موقف الثلاثة الذين ذكرنا. # القوة الخالقة في المادة هي خاصة من خواص المادة، أي إنها خاصة التطور ~~فيها. # ليست هناك قوة روحية، أي روح للكون، كما ليس هناك روح للإنسان، إنما مادة الكون ~~ومادة الإنسان تحتوي كلتاهما قوة التطور. # هذه القوة تسير في تطور من أسفل إلى أعلى في الكائنات الحية، وهي عرضة للصواب ~~والخطأ، وملايين الأحياء التي انقرضت - مثل الزواحف الكبرى قبل نحو ثمانين مليون ~~سنة - برهان على أن المادة تسير في تجارب، تصيب وتخطئ، وليس بعيدا أن تتجه هذه ~~القوة التطورية وجهة أخرى غير الوجهة التي انتهت بوجود الإنسان، فينقرض هذا أيضا ~~ثم تسير هذه القوة التطورية نحو إيجاد «إنسان آخر» وإلى تجارب ~~أخرى. # وعند برنارد شو أن هذه القوة هي الله، فكأن الله يصيب ويخطئ، وأنه دائم التجارب في الخلق، ~~ولا يعني هذا القول أكثر من أن الدنيا والكون والإنسان والحيوان والنبات والمادة في ~~تطور. # ونحن نجد هذه التعابير التالية مكررة في مؤلفاته: «ديانة التطور، شهوة التطور، الديانة ~~البيولوجية، تطور الإنسان في المستقبل (بإرادة الإنسان) نحو السبرمان، رجل بلا دين هو رجل ~~بلا شرف.» # ثم نجد أنه أوصى بألا يصلى عليه عند وفاته في كنيسة، كما أنه أوصى بإحراق جثمانه، ~~وقد سبق أن فعل مثل ذلك مع زوجته، ثم ms104 يقول في أحد مؤلفاته إن الأمة اليقظة يجب أن تنقح ~~ديانتها مرة كل عام على الأقل. # فكأن نظرته للدين إنكار للغيبيات جميعا، من إله منفصل عن المادة، إلى نعيم وجحيم بعد ~~الموت، إلى أرواح، ثم فهم للدين على أنه إحساس بالتطور، وأن واجب الأمة، وواجب البشر، وواجب ~~كل فرد منا - ونعني الواجب الديني - هو أن نتطور. # نتطور في الثقافة فنثابر على استيعاب المعارف وزيادتها، ونتطور في الصحة نعيش 500 أو ألف ~~سنة، فتتعمق الحياة ونعني بالدنيا، ونتطور في الأخلاق حتى نولد بها أصيلة في كياننا النفسي ~~وليست مكتسبة بالمرانة والتعليم بعد الميلاد. # وما أفهمه من الدين، كما أستخلصه وأستنتجه من برنارد شو، هو اليقظة إلى الوعي الكوني؛ أي ~~ما هو موقفي من الكون والدنيا والبشر. # وزعماء الدين عنده هم موسى، والمسيح، ومحمد، وعمر، وأبو بكر، وغاندي، وتولستوي، وشفيتزر، ~~وبرنارد شو، وسقراط، وابن رشد، ولنكولن، وتوم بين، وكارل ماركس، ولينين، وباستير، وجميع ~~الفلاسفة والأدباء والشعراء والمفكرين والعلميين الذين خدموا الإنسان في زيادة حريته، ~~وإنقاذه من رق العمل أو رق الأفكار، أو من الأمراض، أو من مظالم الاستبداد ~~والاستغلال. # والذي أفهمه من ديانة برنارد شو أيضا أن الرجل الصالح في عصرنا ليس هو الأناني الذي لا ~~يفكر إلا في إنقاذ نفسه ونجاتها بالصلاة والصوم، وإنما هو الذي يسعى لإصلاح البشر بإيجاد ~~حكومة موحدة للعالم، وإلغاء الحروب، ومحو الأمراض، وتعمير الصحاري والجبال، وصيانة الأحياء ~~والغابات، واختراع الوسائل لزيادة الثقافة والفهم والصحة والذكاء. # والذي أفهمه منه أيضا أن التعاون في الطبيعة أكبر من التنازع، وأن التعاون هو الوسيلة ~~إلى التطور في الإنسان، وأننا يجب أن نأخذ بالتطور في إيجاد السبرمان، أي الإنسان ~~الأعلى. # وأفهم منه - أي من ديانته التطورية - أن إرادة الإنسان تخلق، فإذا أردنا أن نعمر ألف سنة، ~~فإن هذا الأمل سيتحقق وإن بعد ميعاد التحقيق، وإننا لم نصل إلى ميزاتنا الإنسانية الحاضرة ~~إلا لأننا أردنا ذلك عن وعي أو غير وعي. # ولبرنارد شو نحو أربع أو خمس درامات خصها ببحث الموقف الديني ms105 للإنسان، وهذا إلى إشارات ~~عديدة إلى هذا الموضوع، تخللت مؤلفاته الأخرى، وعندي أن «العودة إلى متوشالح» و«الإنسان ~~والسبرمان» يشرحان لنا فلسفته؛ أي ديانته، وهما بحث للتطور كما يبصر به في المستقبل، أو هما ~~بحث للدين في مستوياته العليا للمفكرين الذين يتجاوزون التفكير العلمي، وقد ألف درامة عن ~~جان دارك، الفتاة الفرنسية التي قادت الجيش الفرنسي إلى النصر في حرب فرنسا مع إنجلترا في ~~القرن الرابع عشر، ثم وقوع جان دارك أسيرة في أيدي الإنجليز ومحاكمتها بتهمة الهرطقة ~~(الزندقة) لأنها تؤمن بعقائد تخالف المبادئ المسيحية. ثم الحكم عليها بالإحراق. # والنقطة البارزة في هذه الدرامة هي موقف جان دارك بأنها تفهم المسيحية بعقلها المستقل، ~~وأنها لا تتوسل إلى الله بالكنيسة أو القسس، ويشرح لنا القاضي في محكمة التفتيش خطيئتها ~~بأنها تسلك سلوك المسلمين، ويسب نبي المسلمين لأنه أيضا يقول بأن للإنسان الحق في الشكوى ~~إلى الله ومناجاته دون وسيط من كاهن أو قسيس، ولكن برنارد شو وهو يضع كلمات السباب على لسان ~~هذا القاضي إنما يمدح النبي ؛ لأن موقف جان دارك هو موقفه، وهو الموقف الذي يبرره برنارد شو ~~ضد القاضي، أي إن الإنسان لا يحتاج إلى وسيط بينه وبين ربه. # ويومئ برنارد شو إيماءة نحو المستقبل؛ فإن جان دارك هي الرائدة الأولى في الإصلاح الكنسي ~~الذي انتهى بظهور لوثر الألماني في القرن السادس عشر، وقد التبس موقف برنارد شو على بعض ~~كتابنا فحملوا عليه حين ظهرت درامة جان دارك بدعوى أنه سب النبي. # ودرامة أخرى له تدعى «أندروكليس والأسد» تمثل الأسطورة التي عاشت في القرن الأول والثاني ~~للميلاد بشأن الأسد الذي أطلق لافتراس أحد المسيحيين في العرين الذي كان في رومة، وكان ~~يلقى فيه المسيحيون للأسود التي تفترسهم وتأكلهم أمام الجماهير المتفرجة، وهذا الأسد يدخل ~~العرين فيجد رجلا مسيحيا قد أنقذه قبل سنين من شوكة دخلت في ساقه وأعجزته عن الحركة، ~~فيعرفه الأسد، ويأبى افتراسه. وقد عد المسيحيون الأولون هذه القصة، أو بالأحرى الأسطورة، ~~إحدى معجزات الدين الجديد. # ويشرح لنا برنارد ms106 شو في هذه الدرامة المبادئ المسيحية كما يفهمها فيقول: ~~(1) # إن ملكوت الله في نفسك وليس في عالم آخر، أنت ابن الله، والله أبو الإنسان، ~~والله هو أبوك، وأنت هنا في الدنيا تؤدي عمل الله، وأنت والله شيء واحد. ~~(2) # تخلص من ممتلكاتك واجعلها مشتركة بين أعضاء المجتمع، وافصل بين عملك وبين ~~النقود والأجور، واذكر أنك إذا تركت طفلا يجوع فإنك تجيع الله نفسه، ولا تقلق ~~على غدك، ماذا تأكل فيه وما تلبس. ~~(3) # تخلص من القضاة والعقوبات والانتقامات، واحبب جارك كما تحب نفسك؛ إذ هو جزء ~~منك، وأحب أعداءك إذ هم جيرانك. ~~(4) # تخلص من الاشتباكات العائلية؛ لأن كل امرأة تلاقيها هي أمك، مثل المرأة التي ~~حملت بك، وكل رجل يلاقيك هو شقيقك، مثل شقيقك الذي حملت به أمك بعدك، ولا تضع ~~وقتك في الجنازات العائلية حزنا على أقاربك، لتكن عنايتك بالحياة وليس ~~بالموت. # هذه هي النقاط الأربع التي يلخص فيها برنارد شو فهمه للمسيحية كما دعا إليها المسيح، وهي ~~أبعد ما تكون عن فهم المجتمع أو الكنيسة لها. # ولكن هل معنى ما ذكرنا أن برنارد شو كان مسيحيا؟ # الجواب أنه كان مسيحيا من حيث فهمه للأخلاق كما دعا إليها المسيح، ولكنه من حيث ~~الغيبيات المسيحية كان كافرا منكرا. وهو يرد هذه الغيبيات إلى أقاصيص وعقائد الأمم ~~القديمة. # ويجحد برنارد شو في المسيحية التبرير للاعتراف بحق كل إنسان في دخل من الدولة يكفل به ~~بقاءه هو وعائلته، وبكلمة أخرى يجد في المسيحية دعوة إلى الاشتراكية. وكل من يقرأ الإنجيل، ~~في تأمل، ويتعمق المبادئ المسيحية، يضطر إلى التسليم بصحة هذا الاستنتاج. # وهو يعلل امتناع المسيح عن الزواج بأنه كان صاحب رسالة يريد التفرغ لها وأن يبقى حرا من ~~الاشتباكات العائلية، ولكنه مع ذلك، أي المسيح، لم يدع إلى إيثار العزوبة على الزواج كما ~~فعل بولس. # ويشرح برنارد شو لنا هذا الموقف، أي موقف العزوبة، فيقول إن كل من يحمل رسالة للبشر، أو ~~يكافح للوطن، أو يمارس الأدب الحر، أو الفلسفة الحرة، أو الذي يدعو ms107 إلى مذهب، كل هؤلاء ~~يجدون أنفسهم مضطرين إلى إيثار العزوبة على الزواج؛ ذلك لأن رب العائلة الذي يرتبط بالزوجة ~~والأبناء يضطر في أزمات ضميره إلى المساومة عليه حتى لا تجوع عائلته، وهنا تفسد رسالته. أما ~~إذا كان أعزب حرا فإنه لا يبالي ما ينزل به من حرمان أو عذاب. # وهذا مصداق الحديث المشهور: «الولد مجبنة ومبخلة لأبيه». # وليس هذا الموقف بالطبع، موقف إيثار العزوبة على الزواج، لجميع الناس، وإنما هو للخاصة ~~والقادة وأصحاب الرسالات فقط، أما سائر الأفراد فيتزوجون بلا حاجة إلى نصيحة. ~~••• # والآن، بعد هذا الذي ذكرنا عن الدين كما يعتقد برنارد شو، لنا أن نسأل ما هو برنامجه ~~العملي الذي يستنبطه من الدين؟ # هو بلا شك الاشتراكية التي عاش لها وسعى لتحقيقها طيلة حياته، كما قد وجدنا في نشاطه في ~~الجمعية الفابية، وهذا أيضا هو موقف ه. ج. ويلز. # كلاهما رأى رؤيا الاشتراكية كما لو كانت دينا يحس الولاء له، وكلاهما خدم هذا الدين بكل ~~ما وسعه من مجهود. # وكلاهما كان ملحدا في المعنى العرفي للإلحاد، وهو إنكار خالق متصل بالكون له شخصية عاقلة ~~ورعاية شاملة للبشر، كلاهما يجد في التطور ديانة كاملة كافية؛ فالديانة هنا ليست غيبية ~~وإنما هي بيولوجية. # والأخلاق عندهما هي مسئوليتنا قبل كل شيء نحو الحياة التي تفرض علينا التطور والتعلم، وأن ~~نربي أنفسنا، وأن نتوسع في وجداننا، وأن نطيل أعمارنا ونصون صحة أجسامنا وعقائدنا، وأن ~~نرتقي، وأن نحس الولاء لهذا العالم وليس لعالم غيبي آخر. # لسنا مسئولين أمام الله، أو أمام القانون، أو أمام المجتمع، وإنما مسئولون أمام الحياة ~~التي تضطرنا في النهاية إلى أن تكون مسئوليتنا أمام المجتمع والقانون إذا كانا على عدل، أما ~~إذا اصطدمت مسئوليتنا أمام الحياة بمسئوليتنا أمام القانون والمجتمع، فإننا يجب أن ندافع عن ~~الحياة ضد القانون والمجتمع. # | إصلاح الهجاء الإنجليزي # لأول مرة ينهزم برنارد شو هزيمة منكرة، فقد حكمت محكمة تشانسري في لندن بأن الوصية التي ~~كان قد كتبها بشأن وقف نحو ربع مليون جنيه من تركته ms108 لإصلاح حروف الهجاء في اللغة ~~الإنجليزية، هذه الوصية ملغاة، ويجب لذلك أن تقسم التركة بين الورثة الشرعيين، وصدر هذا ~~الحكم في فبراير 1957. # وكان برنارد شو عند وفاته في 1950 قد ترك نحو سبعمائة ألف جنيه خص منها نحو ربع مليون ~~لإصلاح الهجاء الإنجليزي، فطعن الورثة في صحة الوصية، ودخلوا في تفاصيل عديدة احتاجت إلى ~~نحو خمس سنوات من الدرس والمرافعة، وانتهت بفوز الورثة وإلغاء الوصية؛ أي انتهت بهزيمة شو ~~لأول مرة في حياته الثانية بعد وفاته. # وكان برنارد شو كبير العناية باللغة كبير التقدير لقيمتها في ثقافة الشعب، وتكوين ~~الشخصية، والارتقاء الذهني لكل إنسان. وكانت له كلمة جارحة صادقة بشأن أرلندا وطنه الأصلي، ~~فقد حمل على الوطنيين الأرلنديين لأنهم يحيون لغتهم الميتة ويكتبون بها، بدلا من الكتابة ~~باللغة الإنجليزية، لغة المستعمرين. وكان يقول إنه على الرغم مما أنزله المستعمرين الإنجليز ~~بالأرلنديين فإنهم أسدوا فضلا كبيرا بتعميم اللغة الإنجليزية بينهم؛ ذلك لأن هذه اللغة ~~تحتوي من ألوان الثقافة العصرية ما لا يستطيع الأرلنديون أن يحصلوا على مثله بلغتهم التي لا ~~تتسع للتعابير العلمية، أو للتأليف على الأبعاد الرحبة في الثقافة كما هي الحال في ~~بريطانيا، وهو هنا يشبه - في حماسته للغة الإنجليزية - نهرو؛ فإن هذا الزعيم العظيم أيضا ~~يدعو إلى التخفيف من النعرة الوطنية الهندية وإبقاء اللغة الإنجليزية في الهند، كلغة ~~الثقافة والعلم، واللسان المشترك بين أبناء الهنود الذين تختلف لهجاتهم بل لغاتهم، وهذا على ~~الرغم من أنها لغة المستعمرين الذين أذلوا الهند أكثر من مائتي سنة ونهبوها ~~وأفقروها. # والحق أن اللغة العظيمة التي تتسع للعلم والثقافة العصريين تعد من أعظم الوسائل للارتقاء ~~الفني والاجتماعي، بل السياسي والحربي، وأيما شعب يهمل لغته، ويتسامح في وجود بعض النقائص ~~في تعبيرها أو هجائها، إنما يهمل بذلك عاملا خطيرا من عوامل حياته في موكب التطور، وكما ~~يتخلف الشعب لإهمال القوة الصناعية أو القوة الحربية، ويتعرض بذلك للهزيمة في موكب التطور، ~~كذلك يمكن أن يتخلف وينهزم إذا كانت لغته ناقصة. # وأيما إنسان درس التطور البشري ms109 يعرف قيمة اللغة، بل القيمة العظمى لها في تكبير الدماغ ~~وترتيب المعارف وتوجيه الحضارة، وكان برنارد شو يكثر من ذكر الحكمة القائلة بأن اللغة جعلت ~~المكان جغرافيا والزمان تاريخيا. # أي إننا بلا لغة لا يمكن أن يكون لنا جغرافية أو تاريخ. # وذلك لأن اللغة عينت، بالكلمات، المعاني، وهي التي نقلتنا من الخصوص إلى العموم، ومن ~~الفكرة الإحساسية إلى التفكير التصوري. # وقد ذكرت الآنسة باتش سكرتيرة برنارد شو أنه كان كبير العناية باقتناء المعاجم، فما هو أن ~~كان يظهر معجم جديد في إحدى اللغات حتى كان يشتريه ويقرأ فيه كما يقرأ أحدنا كتابا عن ~~موضوع معين. # والواقع أن قراءة المعاجم الكبيرة، التي تتحدث عن الكلمة حديثا تاريخيا، هو متعة ذهنية ~~كبيرة عند المستعدين لها؛ أي عند أولئك الذين يجدون الدلالة التاريخية أو الأنثروبولوجية في ~~تاريخ الإنسان، وكثيرا ما عثرت أنا في قراءة الزمخشري أو ابن منظور على مواد ثمينة في هذا ~~الباب. # وكان من اهتمام برنارد شو باللغة تلك الدرامة «بيجماليون» التي جعل بطلها أستاذا متخصصا ~~في درس اللهجات، بحيث كان يستطيع وهو يستمع إلى أشخاص القصة أن يعين الإقليم الذي نشأوا فيه ~~في إنجلترا، على أنه كان للمؤلف غاية أخرى في هذه الدرامة؛ فإن الحوار كان يجري على هذا ~~الموضوع بشأن تعليم إحدى الفتيات لهجة أخرى غير لهجتها الوضيعة التي نشأت عليها وذلك كي ~~يرفعها باللهجة الجديدة إلى مقام اجتماعي عال. # وكان برنارد شو يجد في هجاء اللغة الإنجليزية عيوبا كثيرة، والقارئون لمؤلفاته ~~يجدون له أسلوبا آخر في هجاء بعض الكلمات، لا يتبعه غيره، يختلف من الهجاء المألوف، وقد ~~دعا إلى إصلاح الهجاء ووقف مقدارا كبيرا من ثروته لإيجاد مؤسسة تدرس هذا الإصلاح وتدعو ~~إليه، حتى يقنع الرأي العام ويأخذ به، وهذا الإصلاح هو الموضوع الذي ناقشته المحكمة وانتهت ~~إلى إلغاء الوصية. # وكان برنارد شو يهدف من إصلاحه إلى جملة أشياء تستطيع أن نلخصها فيما يلي: ~~(1) # حروف العلة التي تتحرك بها الكلمة ست فقط، مع أن هناك 12 صوتا لغويا، ms110 فيجب ~~أن يكون في اللغة الإنجليزية 12 حرفا للعلة حتى لا يؤدي حرف أكثر من صوت ~~واحد. ~~(2) # ضرورة الاستغناء عن الحروف الثلاثة # COX # لأنها ~~زائدة، ويمكن الحروف الأخرى أن تؤدي عملها. ~~(3) # يجب ألا ينطق الحرف، ساكنا كان أم متحركا، إلا بصورة واحدة. # هذه هي أهم التغييرات التي طلبها شو، وهنا نحتاج إلى أن نقول إن الأمريكيين قد أخذوا ببعض ~~الإصلاحات للهجاء الإنجليزي، وحاول تيودور روزفلت - حين كان رئيسا للجمهورية في 1906 - أن ~~يغير الهجاء لنحو 300 كلمة، وبعث بجدول لهذه الكلمات المصلحة إلى إدارات الحكومة ومكاتبها ~~للأخذ بها في المراسلات الرسمية، ولكن الرأي هاج فسارع إلى سحبها. # ما الذي يجعل الناس يكرهون إصلاح اللغة أو إصلاح هجائها؟ # إن الجواب على هذا السؤال لا يختلف من جوابنا على نفور الناس من تغيير عاداتهم، فالكلمات ~~عادات وطرق الكتابة عادات، وتغيير العادة هو صدمة تؤلمنا، ونحتاج إلى بذل جهد كي نقبل هذا ~~التغيير، والصدمة تكون بالطبع أوقع عند الكتاب الذين يمارسون الكتابة كل يوم، وهي كذلك ~~أكثر من صدمة عند الخطاطين، إذا كان هذا التغيير يتناول الحروف؛ لأنه يكون عندئذ بمثابة قطع ~~العيش. # ومع أن هذه الحركة لإصلاح الهجاء قد وقفها حكم المحكمة، فإن هناك من سوف يستأنفون هذا ~~الكفاح؛ لأن القضية التي تبناها شو صادقة، تعمل للاقتصاد في العلم لأبناء الإنجليز كما تيسر ~~هذا التعلم لأبناء الشعوب غير الإنجليزية، وفي العالم الآن ثلاث أو أربع لغات يحتاج إلى ~~تعلم واحدة منها جميع المثقفين في أنحاء العالم كله، وعلى قدر الصحة في نطق الكلمات، ~~والقدرة على التعبير، والخدمة للعالم، والاقتصاد في الوقت والجهد للأجانب في التعلم، على ~~قدر هذا كله يكون التفوق لإحدى هذه اللغات حتى تغدو لغة عالمية. # والآن أرجو القارئ العربي أن يذكر أن شو أراد من إصلاح اللغة الإنجليزية أن يكون بها 12 ~~حرفا للعلة - أي حرفا حركيا - بدلا من ستة حروف، فماذا نقول نحن وليس عندنا غير ثلاثة ~~فقط؟ # ولكن صعوبتنا لا تنحصر في علة الحروف الحركية وإنما هي ms111 في الانفصال عن الحركة العالمية ~~الثقافية؛ لأننا لا نستعمل الحروف اللاتينية التي أخذ بها 600 مليون صيني قبل شهور، الحروف ~~التي تستعمل مقاطعها لتأليف الكلمات العلمية والتي نتعب نحن عبثا في ترجمتها أو كتابتها ~~بحروفنا العربية، ماذا نقول في هذا؟ # | شو والطب والأطباء # عاش برنارد شو طيلة عمره يحمل على الطب والأطباء، يقول عن الأول إنه مجموعة من الخرافات، ~~ويصف الأطباء بأنهم ليسوا مخلصين؛ إذ يعلمون أن معارفهم قاصرة، وأن جراحاتهم خطرة، وأن ~~علاجاتهم عقيمة، ولكنهم يكادون يكونون مرتبطين في مؤامرة، كل منهم يداري على أخطاء الآخرين ~~ويزعم العلم أو الفن حيث لا علم ولا فن. # ودرامته أو مأساته «ورطة الطبيب» التي تناول فيها هذه الموضوعات قد كتب لها مقدمة تبلغ، ~~في طبعة بنحوين 88 صفحة شرح فيها موقفه، وهو موقف الأديب الفيلسوف الذي يدرس العلوم في ~~استقلال، ويدلي برأيه في شجاعة تقارب الوقاحة. # ألف برنارد شو هذه المأساة في 1906، أي قبل خمسين سنة. # وماذا كان الطب قبل خمسين سنة؟ # اسأل هذا السؤال لأحد الأطباء هذا العام (1957) يجبك بأنه لم يكن شيئا، وأنه حين يصف ~~دواء لأحد المرضى فإنه لا يجد واحدا من تلك الأدوية المألوفة قبل 1906 يمكن الاعتماد عليه ~~الآن. # أذكر أنا طبيبا عرفته حوالي 1910 في إنجلترا، كان ينتمي إلى أصل إنجليزي لبناني، وكان ~~يدعى الدكتور صليبي، وكان قد انقطع عن ممارسة العلاج بدعوى أنه ليس هناك دواء للأمراض، وأن ~~كل معارفنا من الطب لا تبرر لطبيب ما أن يزعم أنه يعرف معاني الداء والدواء، أو أنه قادر ~~على شفاء المرضى، وكل الطب في نظره، وهو نفسه طبيب مرخص، أمل يرجى فقط وليس عملا يمارس، ~~واقتصر - كي يحصل على قوته - على تأليف الكتب في الدعوة إلى إصلاح النسل بما يسمى ~~اليوجنية. # وما زلت أذكر طبيبا فلاحا كنت أجالسه وأجد الأنسة والنور في آرائه، وكان ذلك في ~~الزقازيق حوالي 1915، وقد قلت إنه كان فلاحا لا لأنه كان يمارس الفلاحة فقط، بل أيضا لأن ~~عقليته كانت ريفية عملية، يسأل ms112 عن النتيجة في الدواء للجسم كما يسأل عن النتيجة في السماد ~~للتربية، وكان قد انتهى إلى مثل يضربه لكل من يأنس فيه القدرة على التفكير وحفظ السر، ~~وهذا المثل هو قوله: «ليس في الطب غير ثلاثة أشياء يوثق بها، هي الشربة للإسهال، والكينا ~~للملاريا، والسم للموت.» # أعمدة الجمعية الفابية الثلاثة: سيدني ويب، برنارد شو، بياتريس ~~ويب. # چرانفيل باركر، برنارد شو، جالزورت، باري. # أما ما عدا ذلك فليس هناك دواء لأي مرض لآخر. # ولم يكن برنارد شو شاذا في هجومه على الطب والأطباء، فإن تولستوي وقف مثل هذا الموقف ~~أيضا وسخر من الطب، ومن قبل شو سخر كثير من المفكرين، واختيار شو لأسلوب معيشته في الغذاء ~~والنوم والعمل، وشذوذه في هذا الاختيار، هما ثمرة استقلاله الفكري، وقد عاش بهذا الأسلوب 94 ~~سنة. # وعندما نتأمل أسلوب حياته نجد أنه ينطوي على الاعتقاد بأن الأمراض هي نتيجة الحضارة ~~القائمة، وأنها جميعا تقريبا تعود إلى الفقر، وإلى الجهل بقيمة ارتباطنا بالطبيعة، فقد ~~كان يرفض التدخين ولا يشرب الخمر أو القهوة أو الشاي، كما كان ينام في غرفة مفتحة النوافذ ~~حتى في الشتاء، وكان يمشي كل يوم نحو ثمانية كيلو مترات، وكان يتسلق الأشجار ويقطع غصونها، ~~بل إنه مات عقب كسر حدث له عندما سقط من شجرة وأدى الكسر إلى التزامه الفراش في المستشفى، ~~فأصابته نزلة شعبية مات بها. # برنارد شو وه. ج. ويلز. # وكلنا يعرف أنه التزم الطعام النباتي منذ بلغ التاسعة والعشرين من عمره، وإن يكن هو يعزو ~~هذا الالتزام إلى الإنسانية وليس إلى المنفعة الصحية، ولكننا مع ذلك لا نتمالك الإحساس بأنه ~~حين قاطع المنبهات والمخدرات، وحين أصر على النافذة المفتوحة وقت النوم، وحين مارس المشي كل ~~يوم وتسلق الشجر، وحين التزم الطعام النباتي، إنما كان ينبعث في كل ذلك بالدعوة التي سادت ~~في القرن التاسع عشر والتي بذر بذرتها جان جاك روسو وهي: عودوا إلى الطبيعة؛ لأن الطبيعة هي ~~الإنسانية، وهي الصحة، وهي الهدوء والطمأنينة، وهي شاطئ الأمان من مفاسد الحضارة. ms113 # والواقع أن الطبيعة لم تكن قط في يوم ما كذلك، وإنما كانت في أحيان كثيرة «حمراء بين ~~الناب والمخلب» ولكن الأفكار أو الخيالات الرومانسية كثيرا ما حفزت ونفعت. أجل، وغيرت ~~الواقع. # وقد تأمل برنارد شو الطب، وانتهى إلى أنه فن أو علم ناقص. ولا تنس أن درامته هذه التي ~~ألفها عن هذا الموضوع ظهرت كما قلنا في 1906، وكان من أحسن ما قاله أن الفضل في تقدم الصحة ~~العامة في الشعوب المتمدنة يعود إلى الهندسة وليس إلى الطب؛ لأن المهندسين صنعوا أنابيب ~~المياه التي تحمل الماء المصفى إلى المنازل وتنزح الماء القذر في أنابيب أيضا إلى خارج ~~المدن. # ومع ذلك ليس كل الفضل للمهندسين؛ ذلك أن حركة التمدن وزيادة الثراء العام يعدان من ~~العوامل الأولى في تقدم الصحة الوقائية التي كان معتمدها - إلى بداية هذا القرن - على ~~النظافة، وأولى الوسائل للنظافة الشخصية هي الصابون الذي كان يحتاج إليه الفقراء ولا ~~يجدونه، ولكن اتساع الثراء العام جعل هذه السلعة في متناول جميع الطبقات التي استطاعت أن ~~تتخلص بها من أمراض بكتيرية عديدة. # كما أن تعميم النظافة التي يطالب بها التمدن ذوقا وييسرها اقتصادا، جعل العدوى بالحشرات ~~- كالقمل والبراغيث - محصورة أو معدومة، وأصبح الغذاء وافيا في كمه على الأقل بتوفير ~~الطعام. # وكل هذا، قبل اكتشاف الفيتامينات واختراع الضديات، مما جعل الصحة العامة على مستوى حسن ~~وإن لم يكن عاليا، ولم يكن الفضل في شيء من هذا للطب، وإنما كان - كما قلنا - للهندسة ~~وللتمدن والارتقاء العام. # وقد كان هذا الكلام حقا وصوابا، ليس إلى 1906 فقط بل إلى 1930 أو 1940، أما بعد تلك ~~السنين فقد وثب الطب جملة وثبات حاسمة، فعثر على عقاقير السولفا أولا ثم الضديات ثانيا، ~~وإلى جنب هذا، أو قبل هذا، عرفت الفيتامينات. ويستطيع المتأمل لهذه العقاقير أن يصف هذه ~~المكتشفات بكلمة الثورة، وهي ثورة على ثلاثة أو أربعة آلاف سنة ماضية من الطب ~~والشعوذة. # وأرجو القارئ ألا يلومني على جمعي بين هذين اللفظين؛ فإن المعاجم العربية لا تزال تقول ~~إن ms114 الطب هو السحر، وقد كان كذلك بلا شك في أصله، بل إني حين أتأمل إقبال المرضى أو الواهمين ~~على استعمال العقاقير بلا تعقل، وعلى إنفاق المبالغ الضحمة عليها، أكاد أحس أن الطب لا يزال ~~فيه من الجاذبية ما يسحر به الجماهير ويجذب أموالهم إلى الصيادلة والأطباء بلا أدنى منفعة ~~لها. # ولذلك لا نستطيع أن نلوم برنارد شو على حملته على الطب في 1906، بل كذلك لا نلومه على ~~استهجان الأطباء في اعتمادهم على الحقن الإلزامي للطعم المضاد للجدري، فقد شاركه هربرت ~~سبنسر في ذلك، وظني أنهما لم ينتهيا إلى هذا الرأي إلا لاستصغارهما شأن الطب، حتى صار كل ما ~~فيه عندهما سيئا، وكانا بالطبع مخطئين، ولكن برنارد شو يتناول ناحية أخرى من الطب هي ~~اعتماد الأطباء على التجربة في الحيوان الحي، وهو هنا إنساني فقط بعيد عن الروح العلمية، ~~وبدهي أنه إذا اصطدمت عواطفنا الإنسانية في شأن كهذا بعقولنا وتجاربنا فإنه يجب أن نسلم ~~بقيمة التجربة. وليس شك أن الحيوان يتألم، ولكن المنفعة التي تعود على النوع البشري تستحق ~~هذا الألم الذي يجب أن نتسامح فيه إلى حدود معينة. # وواضح بعد ذلك أن لبرنارد شو موقفا اجتماعيا نحو حرفة الطب، وقد عاش حتى رأى تأميم ~~الطب، أو شيئا منه، في إنجلترا. # والطبيب الحر، قبل التأميم، كان يجد أن مصلحته المالية تتفق وتفشي الأمراض؛ لأنها تزيد ~~عدد المرضى ثم مقدار الربح منهم، ولكن الطبيب في نظام التأميم إذا تم يجد مصلحته في قلة ~~الأمراض؛ لأنه يكلفه العلاج بأجر معين لا يتغير، فمن مصلحته أن ينقص عدد المرضى. ~~••• # في آخر المقدمة المسهبة التي كتبها برنارد شو لدراسته «ورطة الطبيب» نجد هذه الخلاصة ~~المثالية لرأيه في الطب والأطباء: ~~(1) # ليس هناك ما هو أكبر خطرا من الطبيب الفقير حتى صاحب المصنع أو صاحب الأرض ~~الزراعية ليسا أكبر خطر منه. ~~(2) # ليس بين المصالح المؤسسة على الشرور الاجتماعية ما هو أعمق في الشر من ~~المصلحة القائمة على استغلال المرضى. ~~(3) # تذكر أن المرض جريمة، وأن الطبيب الذي يهمل ms115 الإبلاغ عنه للسلطة الطبية ~~الرسمية في البلاد يعد شريكا في هذه الجريمة. ~~(4) # انظر إلى كل وفاة في ظروفنا الحاضرة، باعتبارها جناية قتل أو اغتيال، وذلك ~~بأن نجعلها موضوعا لتحقيق على يد النيابة العامة، فإذا ثبت أن الطبيب المعالج ~~هو السبب للوفاة فيجب الحكم عليه بمحو اسمه من جدول الأطباء. ~~(5) # يجب أن نعرف ونقدر عدد الأطباء الذين يحتاج إليهم الشعب، فلا نزيد عليهم ~~ولا ننقص منهم، ويجب أن نجعل الطبيب موظفا عاما في الدولة ونعطيه أجرا ~~كافيا من الميزانية يحفظ كرامته. ~~(6) # عامل الطبيب الحر الذي يعمل وهو غير موظف بالدولة كما تعامل الجلاد ~~الحر. ~~(7) # عامل الأشخاص الذين يزعمون قدرتهم على شفاء الأمراض كما تعامل المنجمين ~~ومحترفي البخت. ~~(8) # اجعل الجمهور على معرفة تامة، عن طريقة الإحصاءات، بالأمراض التي يصاب بها ~~الأطباء أو أفراد عائلاتهم. ~~(9) # يجب على كل طبيب أن يزيد، على اللوحة التي كتب عليها اسمه على باب عيادته، ~~هذه الجملة: «تذكر أني أمرض أيضا وأموت». ~~(10) # يجب ألا يفوتنا، ونحن نضع التشريعات للنظم الاجتماعية، أن نعرف أن المرضى ~~المزمنين الذين لا يستطيعون الشفاء بمجهودهم ليس لهم الحق في البقاء أحياء ~~باستخدام غيرهم لهذا البقاء، والقول بأن كل إنسان حي لا تقدر قيمته هو - من حيث ~~التشريع - غير عملي. ~~(11) # لا تحاول أن تعيش إلى الأبد فإنك لن تنجح. ~~(12) # استغل صحتك حتى إلى درجة البلى، وأنفقها كلها قبل أن تموت؛ إذ ليست لها قيمة ~~أخرى عندك. ~~(13) # ابحث عن العناية بصحتك قبل أن تولد، ومعنى هذا أن يكون هناك طبيب حسن تلدك ~~أمك على يديه، ثم بعد ذلك يجب أن تجد المدرسة التي تكون بها عيادة طبيب للفحص ~~عن أسنانك وعينيك وغذائك وسائر ما تحتاج إليه صحتك، ويجب أن يكون كل ذلك على ~~نفقة الدولة وإلا فلن تجد هذه العناية بتاتا، كما أنك لن تستطيع - في الأغلب - ~~أن تؤدي ثمن هذه العناية بنفسك، بل لا تعرف كيف تطلبها، وعندئذ تكون كما نحن ~~الآن عليلين في شعب عليل لا نحس الخجل أو الخزي أو التعاسة مما ms116 نعاني. ~~••• # والقارئ هنا يحس التحامل على الأطباء، ولكن علينا أن نذكر أن هذه الدرامة كتبت قبل ~~خمسين سنة. # | شو في سنيه الأخيرة # في مثل هذا الشهر (ديسمبر) من سنة 1950 مات برنارد شو بعد أن بلغ الرابعة والتسعين، وهذه ~~هي سنيه الأخيرة، في شيخوخته، ومرضه، ثم وفاته، مما يجد فيه القارئ حكمة الفيلسوف وفكاهة ~~الأديب وتصرف الإنسان. # في 1946 بلغ برنارد شو التسعين، وكان لا يزال نشيطا سليم الصحة، يسير كل يوم في الحقول ~~ويشذب الأشجار ويتسلقها، ومعه فأس، يكسر منها تلك الغصون التي لا تتسق وجمالها، وكان لا ~~يزال يضع «التصميمات» لأعمال مسرحية جديدة، وقد كتب وهو في هذه السن كتابه المعروف «ست عشرة ~~صورة ذاتية» وهي ذكريات عن حياته، كما وضع كتيبا آخر بعنوان «أساطير مستغربة أو ~~مستبعدة». # وسئل عند بلوغه التسعين إذا كان هانئا بشيخوخته، فأجاب بالإيجاب، وأنه لو لم يكن هانئا ~~لانتحر وانتهى من حياته، وكان لا يكف عن الدرس والعمل وفقا لحكمته التي قال فيها إننا ~~يجب أن نستهلك كل ما فينا من قوة قبل الموت، وأن نذهب إلى القبر ونحن «خردة» أي ليس فينا ~~عضو سليم نأسف على دفنه. # وحدث وهو في الرابعة والتسعين، سنة 1950، أن تسلق شجرة لتشذيبها، وبقي على ذلك مدة، ~~وبينا هو ينزل انزلقت قدمه فسقط وانكسرت ساقه. # ونقل إلى المستشفى حيث كان الأمل كبيرا عند الأطباء المعالجين بشفائه القريب، ولكن اتضح ~~فجأة أن كليتيه لا تؤديان عملهما على الوجه الكامل، وكان هذا العجز في كليتيه السبب ~~الأول لوفاته. # وكان طيلة مكثه بالمستشفى يضاحك الأطباء والممرضات، ويتفقأ لسانه عن النكات، فكان مما ~~قاله للطبيب المعالج: «إني لو مت على يديك لأصبحت أشهر طبيب في العالم.» # وقال لإحدى الممرضات عقب استحمامه: «اكتبي لي شهادة بأني استحممت على يديك حتى لا ~~أطالب من ممرضة أخرى بتكرار هذا العمل.» # وساءت حالته بسبب العجز في الكليتين، وأحس برغبة جامحة في العودة إلى منزله حيث أجيب ~~إلى طلبه، وبقي أياما قليلة مات عقبها، وتقول المسز باتش ms117 سكرتيرته التي كانت ترعاه وتقرأ ~~له الخطابات والتلغرافات التي تسأل عن صحته وترجو له الشفاء: إن الموت غشي وجهه بهدوء رائع ~~كأنه قد مات هانئا إذ أدى عمله وأنجز واجبه نحو الحياة. # وما زلنا نذكر ذلك اليوم في ديسمبر من 1950 حين أذاعت التلغرافات نبأ وفاته، وكان مجلس ~~الوزراء في الهند معقودا برياسة نهرو فقرر انفضاض الجلسة، واعتبر اليوم إجازة رسمية ~~للمدارس، كأن نهرو قصد من ذلك إلى إيجاد وعي سياسي فلسفي عالمي بين التلاميذ الذين سيسألون ~~عن السبب لهذه الإجازة وعن قيمة هذا الكاتب الذي أمضى عمره وهو يدافع عن الإنسانية ويجحد ~~الإمبراطورية، وأغلقت جميع المسارح وسائر الملاهي في نيويورك. # وحدث حادث يؤسف له في الصحافة الإنجليزية التي تنحدر أحيانا إلى أسفل الدركات؛ فإن ~~العادة المألوفة في جميع الجرائد الكبرى بها أن تخص مكانا من مبناها تجعله «جبانة» ~~العظماء، وهي تستكتب الكتاب المختصين تراجم العظماء المشهورين قبل أن يموتوا، وكانت «الديلي ~~إكسبرس» قد استكتبت ه. ج. ويلز ترجمة موجزة لبرنارد شو، ومع أن ويلز مات قبل شو، فإن هذه ~~الجريدة نشرت هذا المقال الذي خرج على الناس كما لو كان عواء من القبر يوم وفاة شو، فقد ~~كانت هناك خصومات قديمة بين هذين الكاتبين لم ينسها ويلز، فبعث أحقادها بكل ما فيها من لؤم ~~وقبح. # ورأت الديلي إكسبرس أن نشر هذا المقال يزيد عدد القراء، وهذا هو ما تتوخاه في جميع نشاطها ~~الصحفي. # ولا نستطيع أن ننسى هنا أن مثل هذه المهمة قد طلبت من برنارد شو عن ه. ج. ويلز، فكتب عنه ~~أنه واحد من أولئك الناهضين الذين انفجرت نهضتهم أولا في القرن السادس عشر، وأن العالم ~~ارتقى بمؤلفاته التي أرشد قراءه فيها نحو المستقبل، وهنا فرق بين كاتبين. # وتعود الخصومة بين شو وويلز إلى سنة 1905 حين أراد ويلز أن يغير خطة الجمعية الفابية ~~الاشتراكية ويزيد عليها نشاطا آخر رأى شو أنه ليس من شأنها؛ إذ هي مختصة بنشر الاشتراكية ~~فقط، وانهزم ويلز وخرج من الجمعية غاضبا ms118 على برنارد شو، ومن هذه المشاجرة الأولى نشأت ~~خلافات وأحقاد، ولكن حدث أن وقع ه. ج. ويلز في مأزق من تلك المآزق الأخلاقية التي كان كثير ~~الوقوع فيها، أو هكذا على الأقل رواية القصة، ولا ندري عنها أكثر من أن ويلز بعث بخطاب يشكر ~~فيه شو لموقفه العالي نحوه ويرجوه أن ينسى إساءاته القديمة إليه، ولكن هذا الموقف لم يمنع ~~ويلز من كتابة الترجمة الدنيئة لجريدة الديلي إكسبريس. # وكتب برنارد وصيته التي جاء فيها: # إني أرغب في أن يحرق جثماني، ثم يجمع الرماد ويخلط بالرماد المتخلف من زوجتي ~~خلطا لا ينفصل، ورماد زوجتي مودع الآن أمانة في مرمدة جولدرزجرين، ويحفظ خليط ~~الرمادين في إناء وينشر فوق أرض الحديقة بمنزلنا في أبوت سان لورنس حيث عشنا معا ~~خمسا وثلاثين سنة، ولكن يمكن منفذي الوصية أن يغيروا في مصير الرماد إذا شاءوا، ~~وأنا شخصيا أفضل نشر الرماد في الحديقة. # وقد أنفذت رغبته كما شاء. # وزاد في الوصية قوله: # بما أن عقائدي الدينية وآرائي العلمية في الوقت الحاضر، لا يمكن أن أضع لها ~~تعريفا أكثر من أني أؤمن بالتطور الخالق، فإني أرغب في ألا يقام لي نصب أو ~~يصنع لي تمثال أو صورة فنية، أو تنقش بشأني كتابة، أو يلقي أحد عني عظة، أو تعقد ~~بشأني حفلة دينية على سبيل التذكار، ولا يحتوي شيء من هذا على ما يوهم أني اعتنقت ~~أو قبلت العقائد الخاصة بإحدى الكنائس، وأن يتخذ هذا التذكار علامة الصليب أو أية ~~أخرى للتعذيب أو التضحية الدموية. # وبكلمة أخرى مات برنارد شو ملحدا في معنى الإيمان بالأديان أو العقائد الدينية. # وترك برنارد شو تركة قدرت بمبلغ 767323 جنيها حصلت الحكومة منها على الضريبة وقدرها ~~380571 جنيها أي نحو النصف، ومع ضخامة هذه الضريبة فإن برنارد شو لم يكن ليأسف عليها، إذ ~~هو كان من أعظم الدعاة لزيادة الضرائب التي تمكن الحكومة وهيئاتها المختلفة من القيام ~~بالإصلاحات المدنية والاشتراكية والاجتماعية. # وكان أول ما عني به في وصيته أن عين منها مقادير ms119 (غير كبيرة) للمسنين من أسرته خئولة ~~وعمومة، وكذلك فعل لأصدقائه. # ثم خص معظم التركة لمشروع إصلاح الهجاء الإنجليزي، وذلك بتأليف لجنة تدرس هذا الموضوع، ~~وتوالي الدرس، حتى تزيد حروف الهجاء وتخترع حروفا أخرى لتأدية النطق الذي يتفق مع الحروف ~~ولا يخالفها كما هو الشأن الآن في اللغة الإنجليزية. # ولكنه حرص على أن ينص في الوصية بأنه إذا لم يكن المنفذون راضين عن هذا الإصلاح فإنه يرغب ~~في توزيع التركة على هذه المؤسسات التالية: ~~(1) # المتحف الوطني في دبلين عاصمة أرلندا (ولا تنس أنه أرلندي الأصل). ~~(2) # المتحف البريطاني في لندن. ~~(3) # المجمع الملوكي للفن المسرحي. # هذا هو بعض ما يذكر عن السنوات الأخيرة من حياة برنارد شو، الذي مات في ديسمبر من 1950 ~~دون أي احتفال بدفنه أو صلاة عليه أو سير جنازته في الشوارع في مظاهرة سخيفة كما يحدث لسائر ~~الناس. # وليس شك أن الإحراق خير من الدفن، وهو نظافة وطهارة بالمقارنة إلى ما في الدفن من قذارة ~~ونجاسة، وهذا إلى الاقتصاد في النفقات، والإحراق عادة قديمة مألوفة عند الهندوكيين الذين ~~ليس في بلادهم جبانات. # ويطيب لنا هنا أن نذكر فكاهة شو عن التزامه للطعام النباتي 64 سنة، فقد كتب يقول إن له ~~الحق عندما يموت أن تشيع جنازته قطعان وأسراب من البقر، والخراف، والخنازير، والدجاج، ~~وأيضا حوض يحوي جماعة من الأسماك، وكلها في حداد عليه، وعلى أعناقها كوفيات بيضاء؛ وذلك ~~لأنه لم يأكل الحيوانات مدة 65 سنة. ~~••• # عندما يموت كاتب أو فيلسوف أو أديب نعود بالذكرى إلى حياته وأعماله، ونسأل: # ما هي الأفكار التي أشاعها فاستنار بها الناس أو ارتقوا؟ # ما هو أسلوب حياته الذي أثر به في غيره؟ # ما هي القيم الأدبية أو الأخلاقية أو الفلسفية التي خلفها؟ # ما هي التطورات التي أحدثها؟ # وفي ضوء هذه الأسئلة نستطيع أن نقول إن برنارد شو قد علمنا، ورقانا، وطورنا، في هذه ~~الأشياء التالية: # أن المسرح ليس للغرام وحديث العشاق، أو لقعقعة السيوف والبطولة الزائفة، أو للجرائم ~~السينمائية، وإنما هو للدراسة التي نلهو ms120 بها جادين، ونتعلم ونحن نطرب ونسر. # وأن التربية مهمة العمر كله، وأنها واجبنا الأول نحو الحياة وليس لنا من واجبات أخرى في ~~العالم تقارب هذا الواجب. # وأننا يجب أن نتزوج إلى أعلى بغية التناسل، فنختار الشريك الذي نعتقد أن نسلنا منه سيفضل ~~أبويه. # وأن ندين بديانة التطور، فنهدف إلى تعمير الدنيا، وإطالة عمر الإنسان، وزيادة الصحة في ~~جسمه والذكاء في عقله. # وأن نأخذ بمذهب الاشتراكية، إذ هي الإنسانية في التطبيق. # | سطور من الآنسة باتش # الآنسة باتش كانت سكرتيرة برنارد شو، أمضت معه ثلاثين سنة، وكتابها «ثلاثون سنة مع برنارد ~~شو» ليس من الكتب العظيمة، ولكنه يحوي بعض التفاصيل الصغيرة التي تخفى على الذين عرفوا شو ~~من مؤلفاته، وقد رأيت أن أنقل من هذا الكتاب سطورا قد تكون فيها بعض الدلالة على حياة أديب ~~عظيم، وترجمتي هنا معنوية أكثر مما هي لفظية. ~~«كان برنارد شو مهووسا بحب المعاجم، فما هو أن كان يقرأ عن إعلان عن معجم جديد حتى كان ~~يسارع إلى شرائه.» ~~«كان مكتبه يحفل في كل مكان فيه بالكتب من «الموسوعة البريطانية» إلى الكتاب المقدس في ~~لغاته الفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية فضلا عن الإنجليزية ... إلى كتب ~~أخرى .» ~~«كان يحب الحبر الأحمر وعجينة اللزق، وكان عندما يحب أن يصحح جملة في أحد السطور المجموعة ~~بالكتاب، ينقر بالكتاب الجملة الصحيحة على ورقة بقدر الجملة الممحوة ويلزقها في ~~مكانها.» ~~«لما كان يقيم في المدينة قبل الحرب (الثانية) كان يبكر في الصحو ويقصد إلى نادي السيارات ~~الملوكي، كي يرتاض بالسباحة في حوضه ... ثم يعود حيث يتناول فطوره ويقرأ الجرائد حوالي ~~التاسعة صباحا، ثم يشرع في أداء أعماله، ويبقى أمام مكتبه إلى الساعة الأولى حين يتناول ~~غذاءه، ثم يرتاح بعد الظهر ويستأنف أعماله في الساعة السادسة ويبقى في مكتبه إلى وقت ~~العشاء، وكان من عادته في تناول العشاء أن يغير ملابسه ويلبس ملابس داكنة.» ~~«كان من اعترافاته لي أنه لم يكن يجد ما يكفيه من إيراد التمثيل لمؤلفاته في لندن إلا ~~حوالي 1905، مع أنه ms121 كان مدة السنوات العشر السابقة (من 1895 إلى 1905) يحصل على إيراد حسن ~~من تمثيل دراماته في أوربا وأمريكا.» ~~«لما كان عمره 65 سنة تعلم رقصة التانجو في ماديرا ... ويبدو أنه كان لبقا رشيقا في هذه ~~الرقصة؛ لأن معلمه عرض عليه أن يرافقه في الطواف حول العالم لعرض رقصته، ولعل نجاحه في هذه ~~الرقصة (مع تقدمه في السن) هو الذي حمله بعد ذلك على أن يتعلم أيضا اللغة الإسبانية، ~~فاشترك في مدرسة مراسلة وأخفى اسمه، فكانت الدروس تصل إلي بعنواني أنا، وسئم هذه الدروس حتى ~~إن مدير المدرسة بعث إلي بخطاب يأسف فيه على قلة مثابرتي في المذاكرة.» ~~«زارنا نهرو (بعد الحرب) وأعجب بفاز مملوء بزهور الخزامى في البهو، وطلب مني أن أرافقه ~~للتفرج في الحديقة، وكنا في صباح يوم ربيعي وكانت الحديقة على أزهاها وأنضرها، وترك لنا سلة ~~كبيرة بها نحو ألف من ثمار المنجة، وشرح لبرنارد شو طريقة أكلها، وسأله برنارد شو عن ~~المقدار الذي يمكن أن يأكله الإنسان بلا ضرر.» ~~«لم يكن يحب أن يكتب مقدمات للمؤلفين الذين يرجون منه ذلك لمؤلفاتهم، ولكنه مع رفضه ذلك، ~~كان على استعداد لمساعدة الكاتب الناشئ الواعد، وقد سأله واحد عما إذا كان يجب عليه - إذا ~~شاء أن يكون مؤلفا - أن يتعلم صناعة الكتابة أولا، فأجابه شو بأن يعمد إلى الموسوعة ~~البريطانية ويقرأها، حتى إذا وجد مادة يهتم بها فإن عليه أن يمضي في دراسة هذه المادة، وقال ~~له ليست هناك أية منفعة بأن تتعلم كيف تكتب إذا لم تكن قد اهتممت بموضوع تكتب عنه وفي نفسك ~~شيء تقوله عنه، فإذا وجدت الموضوع ووجدت الاهتمام، فإن الكلمات ترد إلى ذهنك في ~~سهولة.» ~~«كان كل مساء، قبل أن يأوي إلى فراشه، يخرج إلى الحديقة ويرفع رأسه إلى السماء ~~يتأملها.» ~~«كان المستر جون كيري لحادا يدفن الموتى، وكنا نحبه جميعا، وكنا نفرح عندما كنا نحمله ~~على أن يلعب الكريكيت معنا في الحديقة.» ~~«كان يقول في الدفاع عن الاشتراكية: إن الامتلاك الفردي لا يتفق مع ms122 الحرية، ويضرب المثل ~~على ذلك بأن مالك الأرض لا يجعل من مستأجرها عبدا له فقط، بل إنه ليستطيع أن يبيع فرشاة ~~أسنانه إذا لم يدفع له الجزية عن أرضه.» ~~«قال عن الخمور إنها مخدرات، قد استغنت عنها روسيا لأنها جعلت الحياة محتملة (أيام ~~لنين).» ~~«قال لأحد الزنوج الذي زاره إنه كان مغمورا إلى عنقه في مذهب داروين قبل أن يبلغ السادسة ~~عشرة، ثم عرف كارل ماركس بعد ذلك وصار اشتراكيا، وإنه لا يعرف أحدا آخر قد أثر في ~~ثقافته.» ~~«قال إن ماركس أثر في العالم أكثر مما أثر فيه المسيح أو محمد، ولكنه كان سبابة، ولذلك ~~لم يكن له غير صديق واحد لو أنه كان قد استغنى عنه لمات جوعا.» # كانت المسز هيجينز الطباخة التي تهيئ الطعام النباتي لبرنارد شو، وقد أقام لها عندما ماتت ~~نصبا في حديقته، وقال للنحات: «هل تحب أن أنقدك الأجر مقدما لأن عمري الآن 92 سنة وأخشى ~~أن أموت قبل أن تنتهي من إقامة النصب فتجد صعوبة من المتولين للتركة للحصول على ~~أجرك؟» # ونقشت الكلمات التالية على النصب: ~~«برنارد شو المؤلف لعدد كبير من المسرحيات قد أقام هذا النصب في ذكرى صديقيه ومعاونيه ~~اللذين يشكرهما: كلارا ربيكا هيجنز التي ماتت في الرابع من أغسطس من 1948 في الرابعة ~~والسبعين من عمرها، وأيضا في ذكرى هنري باتشلور هيجنز الذي مات عقب وفاتها، فقد أمضى ~~كلاهما السنين في العناية ببيته وحديقته في أبوت سانت لورنس، وبهذه العناية وجد الحرية لأن ~~يؤدي عمله الذي كان يليق له، ولم يجد كاتب مسرحي آخر مثلما وجد هو من عنايتهما.» ~~«كتب خطابا إلى جريدة التميس وهو في الثانية والتسعين من عمره يقول فيه إنه يجد من ~~المحال أن يجعل الآخرين يفهمون ما يريد؛ وذلك لأن الذين يستعملون الكلمات لا يقصدون منها ~~المعاني التي يطلبها منها غيرهم، وإنه هو مسئول بقدر مسئولية غيره في هذا الشأن.» ~~«كلمة «الفظاعة» كانت الوصف الذي يصف به برنارد شو فكرة الأبدية بعد الموت، هي «فظاعة لا ms123 ~~يمكن تصورها»، و«لا يمكن غير الطفل الذي لا يفهم معنى الأبدية أن يجابه هذه الفظاعة»، وكان ~~يسخر من نشاط مستحضري الأرواح الذين يقولون إنهم يتصلون بالموتى.» ~~«كان يتبرم بالغيبيات في الديانة المسيحية، ولكنه كان يسخو في التبرع للكنيسة في أبوت ~~(حيث منزله) لإصلاح الأرغن ولشراء مولد كهربائي للإضاءة، وكان يصف قول الإنجيل «الله محبه» ~~أنه ليس لهذا القول أية قيمة، وأننا لا نستطيع أن يحب أحدنا الآخر في عالم يحفل بالوحوش ~~البغيضين المموهين، ولكن مع ذلك كان القسيس «انج» المشهور يصف برنارد شو بأنه «يعرف قلوب ~~الناس»، يقول له: «إنك لست بعيدا من ملكوت الله»، وفي مدة الحرب طلبت الوزارة أربعة آلاف ~~نسخة من درامة «أندروكليس والأسد» لتوزيعها على الضباط، وذلك لأنها توضح رقة التعاليم ~~المسيحية، ورفض شو أن يأخذ ثمنها.» # كان يقول إنه يجب تعليم الصبيان قراءة الكتاب المقدس «لجمال لغته». ~~«صفة التدين في المتدين الصالح إنما توجد، في رأي برنارد شو، في ذلك الإنسان الذي يعد ~~نفسه وسيلة للغاية التي يهدف إليها الكون، وهي غاية سامية إذ هي «الصعود الدائم نحو النظام ~~والقوة وانبساط الحياة»، حتى يظهر بالتطور كائن قوي حكيم له عقل يحوي الكون كله بالفهم مع ~~الوسائل التي تمكنه من انفاذ إرادته الكاملة، وبكلمة أخرى يكون هذا الكائن إلها قادرا ~~طيبا.» ~~«... إنما نعجز عن الحديث عن الشئون الجنسية لقصورنا في التعبير اللغوي النظيف اللائق؛ ~~ولذلك لا يجد الأطباء هذا الحياء الذي نجده نحن، لأنهم يستعملون الكلمات العلمية في التعبير ~~بدلا من كلماتنا البذيئة.» ~~«... الدين يكسبنا اليقين والاستقرار والسلام والإيمان المطلق، وهو يحمينا من ذلك الارتقاء ~~الذي نخشاه جميعا، أما العلم فهو نقيض ذلك؛ لأنه لا يحل مشكلة إلا ويثير، إلى جنبها، عشر ~~مشكلات جديدة.» # في اجتماع عام حضره شو وأينشتين قال الثاني عن الأول: «لقد نجح المستر شو في كسب حب ~~الشعوب وإعجابهم الطروب بطريقة كانت تؤدي بغيره، لو أنه استعملها، إلى الاستشهاد، وإنه ~~ليجرؤ على أن يسخر بما يبدو لغيره أنه بعيد المنال، وهذا الذي ms124 قام به المستر شو ما كان يمكن ~~لأحد أن يقوم به سوى الفنان الموهوب، واستطاع بما لم يستطع غيره أن يضع المرآة أمامنا وأن ~~يحررنا ويخفف عنا بعض أعباء الحياة.» ~~«لما كان في أفريقيا الجنوبية كان يسوق سيارته وإلى جنبه زوجته، فاصطدمت السيارة وتدهورت ~~وأصيب كلاهما بما أحوجهما إلى الراحة والعلاج، وفي هذه الأثناء ألف شو درامته «الفتاة ~~السوداء» وموضوعها الاهتداء إلى الله، وقال في تصريح له لأحد الذين سألوه عن علة تأليفها ~~هذه الكلمات الغريبة: «أنت تظن أنك تعتقد أن الله لم يعرف قصدي عندما كلفني وأوحى إلي ~~بتأليف «الفتاة السوداء»، وما حدث هو أن زوجتي كانت مريضة طريحة الفراش في أفريقيا فجاء إلي ~~الله وقال: إن كثيرا من النساء قد أرهقني بصلواتهم من أجلك، ما هي قيمتك أنت مع ذلك؟ فقلت ~~له: إني أستطيع أن أكتب مع شيء من الكفاءة، أما في غير ذلك فلا أعرف شيئا. فقال الله: ~~تناول قلمك وأكتب ما سوف أضعه في رأسك السخيف. وهذا هو الأصل لتأليفي هذه الدرامة.»» ~~«لما ماتت شارلوت (زوجة برنارد شو) حملت إلى مرمدة جولدرز جرين حيث أحرق جثمانها في ~~نفس المكان الذي أحرق فيه بعد ذلك جثمان برنارد شو ، وكانت حفلة الإحراق متفقة في ~~الحالتين، ولم يحضرهما قسيس، وطلب برنارد شو عند ابتداء الحفلة أن يلحن الأرغن قطعتين من ~~فيردي هما «نحن خالقو الموسيقا» وأيضا «فلنتحرر»، وقرأ السر سدني كوكريل صفحات من قصة ~~«الحجيج في الطريق» للأديب دانيل ديفو، ولم تستغرق الحفلة الخاصة بشارلوت أكثر من أربع ~~دقائق.» ~~«تواردت الخطابات والتلغرافات لتعزية برنارد شو عقب وفاة زوجته فنشر في الصحف هذا الإعلان ~~التالي: ~~«تسلم المستر برنارد شو مقدارا هائلا من الخطابات بمناسبة وفاة زوجته، وهو مع أنه قد ~~قرأها وقدرها جميعها، فإنه لن يحاول الرد عليها لأن هذا فوق طاقته؛ ولذلك فإنه يرجو ~~أصدقاءه وأصدقاءها بأن يرضوا بهذه الإجابة العامة كما أنه يؤكد لهم أنه في انتظار النهاية ~~السعيدة جدا، لعمره الطويل، يحيى الآن في هدوء كامل.»» ~~«كان ms125 برنارد شو يفخر بأن جسمه يعادل في الصحة والقوة عشرة أضعاف الصحة والقوة عند «أكلة ~~الجثث» يقصد غير النباتيين مثله، ومع ذلك يجب أن نذكر أنه كان مدينا في شفائه من الأنيميا ~~الخبيثة لعصارة معدة الخنزير التي كان يحقن بها حتى حصل على الشفاء.» # كان من أقواله: «الصحة جزء من منهج الحكمة الذي ننهجه.» ~~«كان عقب وفاة زوجته (في أوائل الحرب الثانية) يترك فراشه في الصباح في الساعة الثامنة، ~~وبعد الفطور يقصد إلى الحديقة في حذائيه الثقيلين ويسير إلى أن يبلغ مخبأه حيث يبقى إلى أن ~~يدعى للغداء، ولم يكن أحد يطرق عليه الباب طوال هذه المدة.» ~~«وفي السنوات الأخيرة من عمره كان يقنع من الطعام بسندويتشات من السلطة المهيأة من ~~الخضروات النيئة، ويشرب كوبا من عصير التفاح أو يأكل طبقا من اللبن الزبادي، ولكني لم ~~أره قط يشرب الشاي أو الماء القراح، وكان يأكل البيض عندما لا يجد طعاما غيره، وقد سئم ~~البيض لأن جميع من كانوا يدعونه لتناول الطعام كانوا يطبخون له البيض والسبانج، وقد سمعته ~~يهدد أحد الجيران بأنه إذا قدم له هذا الطعام فإنه سيترك بيته فورا ولا يعود، ولم أره ~~قط يأكل الزبد الطبيعي، وقال ذات مرة إنه لا يمكنه التمييز بين الزبد وبين المرجرين (الزبد ~~الصناعي)، ولم يكن يشرب شيئا بين الغداء والعشاء عند منتصف الساعة الثامنة من المساء، ولكن ~~إذا حضر ضيف وشرب الشاي كان يشرب معه كوبا من اللبن، وكان بعد أن يستريح عقب الغداء يخرج ~~إلى الحديقة ويرتاض بقطع الخشب من الشجر، فلما تقدمت به السن إلى الهرم كان يقنع بالسير في ~~مماشي الحديقة حول البيت، وقبل أن يصل إلى السنين العشرة الأخيرة من عمره كان يقصد إلى ~~مكتبه في الساعة السادسة مساء ويعمل بعض الوقت، وكان قبل أن يقعد إلى المائدة يدير الراديو، ~~وظني أنه كان يفعل ذلك حتى لا يتحدث إليه أحد وقت الطعام.» ~~«لم يكن شو نهما إلى الطعام، بل لم يكن أيضا دقيقا في تذوقه للطعام، وكان ms126 مغرما ~~بالفواكه، ولكن كثيرا ما كان يتركها ولا يمسها حين تأتي هدايا من أصدقائه في إنجلترا أو في ~~الخارج، وكتب إلى صديق له، وعمره وقتئذ 92 سنة، يقول إن اعتراضه على طعام اللحم ينهض على ~~أساسين: الأول ذوقي والثاني منفعي؛ فإن الإنسان المتمدن يجب أن يصد عن رؤية القتل للحيوان ~~أو الرضى به، ثم إن قتل الحيوان للطعام يستهلك الكثير من الوقت والجهد في إطعام الماشية ~~والدجاج، وإضاعة الوقت في تربية الملايين منها، وهذه التربية تستلزم استعباد هذه الحيوانات ~~للملايين من الناس في تربيتها وإطعامها وتناسلها.» ~~«كان يقول إن النباتيين وصموا الطعام النباتي إزاء غيرهم من اللحميين حين قصروه على ~~الكرنب والرز والعصيدة والجزر، وإنه يجب على النباتيين أن يأكلوا أيضا الجبن والزبد والشهد ~~والبيض وفي بعض الأحيان زيت كبد الكود (أي السمك المعروف الذي يباع جافا في مصر في آخر ~~رمضان باسم البكلاء)، وقد وصل إلى سن الرابعة والتسعين على الغذاء النباتي، ولكن حاجته إلى ~~زيت كبد الكود، وأيضا احتياجه إلى التداوي بعصارة معدة الخنزير، برهان على أنه لم يكن ~~يتعصب تعصبا أعمى للمذهب النباتي.» ~~«من النوادر التي يشك في صحتها أن برنارد شو دخل مطعما فقدم إليه الجرسون طعاما من ~~اللحم فوبخه شو، ولكن الجرسون بادره بالرد: «يا مستر شو أنت تلبس اليوم حذاء ~~جديدا.»» ~~«والنكتة هنا أن أديم الحذاء مصنوع من جلود الحيوانات، ولكن شو كان يرد على هذه النكتة ~~بأنه ما دامت هناك ملايين من الحيوانات تقتل للطعام فإن من الحماقة ألا نستغل جلودها ~~وصوفها للباس.» ~~«كان بعد سن السبعين يستريح نحو ساعة ونصف بعد الغداء، وكان ينزلق في هذه المدة من النعاس ~~إلى النوم، وكان ينبه من حوله بألا يزعجوه، وكان يتناول كتابا يشرع في تقليب صفحاته ثم ~~يجده مخدرا فينام، أما قبل السبعين فلم يكن يحتاج إلى ذلك.» ~~«جميع أفراد أسرة شو يعزفون على الآلات الموسيقية، ولما كان السر ستافورد كريبس وزيرا ~~للمالية، وحين فرض ضريبة قدرها 66 في المائة على أثمان الآلات الموسيقية، ms127 وبخه شو وقال ~~في توبيخه له: إن الموسيقا من الحاجات الأولى في الحياة المتمدنة. وكان شو يعزف على البيان، ~~ويغني وهو يعزف، وبقي على ذلك كل يوم إلى أن ماتت زوجته، وكان صوته حسنا، قد مرنته أمه - ~~وكانت معلمة غناء - على الغناء.» ~~«كان يهوى التقاط الصور الفتوغرافية في جولاته، وبقي على ذلك إلى حوالي سنة أو سنتين قبل ~~وفاته.» ~~«كان يقرأ كثيرا، وأيضا كان يلعب كثيرا، ولكنه لم يكن يلعب للذة أو للتسلي، فقد ~~كان يمارس السباحة، وركوب الدراجة، وسباق السيارة، والتجوال على قدميه في الريف، وكسر ~~الخشب، وجر السياج الشجري حول الحديقة، وأحيانا يلعب التنس. وكان قصده من هذه الرياضات ~~زيادة كفاءته لتأدية أعماله ... وحتى حين بلغ الثمانين كان يجول ويصعد في التلال، ويمشي في ~~السهول، وحدث أن جاءه صحفي يريد الحديث معه فدعاه إلى مرافقته في التجوال، وأمضى معه ~~الحديث، وعاد الصحفي المسكين وهو يلهث من الإعياء.» ~~«على الرغم مما كنت أضيق به في خدمتي لبرنارد شو، كان في سلوكه معي حفاوة بي، وعندما بلغ ~~التسعين، حين هزل وصار يبدو كما لو كان ورقة الخريف التي تهفو في الهواء لأقل هبوة، كان ~~ينهض واقفا ويقدم لي كرسيه إذا رأى أن الكرسي الذي أقعد عليه ليس مريحا.» ~~«كان عاجزا العجر كله عن أي خبث؛ وذلك لأنه كان راضيا عن نفسه، فلم يكن يحمل الخبث ~~لأحد، وكان يرد على الحاقدين بهز كتفيه، وكان يريد الخير لجميع الذين كان يضايقهم بنقدهم، ~~وقد انتقد في دراسته «المسرحية الأولى تأليف فاني» أصدقاءه الحميمين مثل ووكلي، كما انتقد ~~الساسة بالفور واسكويث وكتشينر.» ~~«عرض عليه رئيس الوزارة رمزي مكدونالد أن تمنحه الحكومة لقبا أو يدخله عضوا في مجلس ~~اللوردة فأبى، وقبل منحه جائزة نوبل للآداب (14 ألف جنيه) لم يأخذ هذا المبلغ لنفسه وإنما ~~وقفه على جمعية تؤلف من الإنجليز والسويديين لإيجاد التعاون الأدبي بين الشعبين.» ~~«كان يصف نفسه بأنه «خطيب الغوغاء، الممثل الذي لا رجاء في إصلاحه.»» ~~«كان يقول إن الرجل الذي يحمل في ms128 صدره مظلمة وقعت به يجب عليه أن يتخلص منها ولا يذكرها ~~إذا وثق أنه لن يجد من ينصفه فيها، والمظلمة (مفرد مظالم) هي في رأيه كرب ونكد بمقدار ما ~~تحتوي على حق وعلى ما لقي صاحبها من قسوة؛ ولذلك يجب على المبتلى بها أن يسارع إلى ~~إسقاطها من حياته عندما ييأس من علاجها.» ~~«كان عقله مضيئا كما لو كان من البللور؛ لأنه كان يأبى أن يزحمه بما لا قيمة له من ~~الاهتمامات أو الدراسات.» # كان يقول عن مقامه في عالم المسرح: «لست الحصاة الوحيدة على الشاطئ بين كتاب المسرحيات ~~إنما أنا شبح من أشباح إبسن»، وإبسن هو الكاتب المسرحي الذي أثر فيه تأثيرا كبيرا، وله ~~درامة أو مأساة بعنوان «الأشباح». # كان يكره قطف الأزهار، زاره زائر ولاحظ أنه ليس في الغرفة أزهار، فأجاب شو: «أنا أحب ~~الأطفال، ولكني لا أقطع رءوسهم وأضعها في زوايا البيت.» ~~«كان إعجابه عظيما بالأمداء الفسيحة في الحقول.» ~~«كان يكره الحديث وقت عمله، فكان إذا احتاج إلى شيء من شخص آخر في غرفة مجاورة كتب إليه ~~سطرا، فيجاوب الآخر بسطر، ثم تجرى مكاتبات بينهما كأن محيطا بين قارتين يفصل ~~بينهم.» # كان غيورا على الوقت، فقد قال لي بعد أن تناول غداءه وأحس الشبع: «يجب أن أستغني عن ~~الغداء، تأملي كم من الوقت أنفق عليه في الطبخ والغسل، وهذا بعد فطور جيد، هذه ~~سخرية.» ~~«قال لي وهو في التاسعة والثمانين: «لا أستطيع أن أنتظر ستة شهور أخرى؛ فإن أيامي تعد علي ~~الآن.»» # وعندما بلغ الثالثة والتسعين قال لي: «إن الموت يطرق الباب، وهو ضيف لا أرفض الترحيب ~~به.» # | كلمات برنارد شو # ليس لنا الحق في أن نستهلك السعادة دون أن ننتجها، كما أنه ليس لنا الحق في أن ~~نستهلك الثروة دون أن ننتجها. # لا تقاوم ميولك، جرب كل شيء، ثم التزم الأحسن. # ذلك الذي يقتل الملك، وذلك الذي يموت من أجله، كلاهما عابد أصنام. # الحرية تعني المسئولية، وهذا هو علة الخوف الذي يبديه معظم الناس منها. # احذر ms129 الرجل الذي لا يرد لطمتك؛ لأنه لن يغفرها لك، ولن تغفرها أنت له. # الاقتصاد السياسي والاقتصاد الاجتماعي كلاهما ألعوبة ذهنية، إنما حجر الفلاسفة هو ~~الاقتصاد الحيوي: الاقتصاد للحياة. # من الخطر أن تكون مخلصا ما لم تكن بليدا. # كل من تجاوز الأربعين يعد من الأوباش. # قولنا: «العقل السليم في الجسم السليم» خطأ؛ لأن الجسم السليم هو ثمرة العقل ~~السليم. # عندما يمارس المتوحشون المسيحية تمارس المسيحية الوحشية. # الحياة تسوي بين جميع الناس ولكن الموت يبرز المتفوقين. # إنما يحصل الناس على الحكمة بقدرتهم على الانتفاع من اختباراتهم وليس لمحض ~~اختباراتهم. # الاعتدال لا يمدح أبدا لذاته. # لا يستطيع أثرى الأثرياء، في عالم يحفل بالقبح والتعس، أن يشتري بثرائه سوى القبح ~~والتعس. # كلما امتلك الإنسان أكثر مما يستعمل زادت همومه. # أعظم الآلام هو ما ينشأ من إطالة اللذة الحادة. # الجنون هو أن ننشد السعادة والجمال. # ذلك الذي يرغب في أن يحيى طيلة عمره حياة السعادة من امرأة جميلة يشبه ذلك الذي ~~يرغب في الاستمتاع بلذة النبيذ باستبقاء فمه مليئا به. # في الشعب الأحمق يعد العبقري إلها، الجميع يعبدونه ولا أحد يعمل بإرادته، لو أن ~~العظيم استطاع أن يجعلنا نفهمه الفهم الصادق لقتلناه. # الرذيلة هي التبذير في الحياة. # حب الاقتصاد هو الأساس لجميع الفضائل. # احذر الرجل الذي يقول إن ربه في السماء. # ليست الفضيلة أن نكف أنفسنا عن الرذيلة إنما هي ألا نشتهيها. # إن ما يؤمن به الإنسان ليس مذهبه الذي يفصح عنه، إنما هي مبادئه التي تحمله على ~~السلوك والعمل. # السيد والخادم كلاهما ظالم، ولكن السيد يحتاج إلى الخادم أكثر مما يحتاج الخادم ~~إلى السيد. # إذا عاملنا الخادم كما لو كان إنسانا لما وجدنا منه أية فائدة. # أكثر الناس قلقا في السجن هو السجان. # ما دامت عندنا سجون فليس من المهم أن نعرف من هم المسجونون. # السجن كالشنق لا يمكن أن نعالجه بعد وقوعه. # القتل بالمشنقة هو أسوأ أنواع القتل، لأنه يتم بموافقة المجتمع. # عندما يقتل الإنسان نمرا فإنه يصف عمله بأنه صيد ورياضة، وعندما ms130 يقتل النمر ~~إنسانا فإننا نسميه حيوانية ووحشية، وليس الفرق بين الجريمة والقضاء أكبر من ~~هذا. # أسوأ المربين هم الذين يحاولون أن يصوغوا أخلاق الصبي في قالب. # لا يمكن أي إنسان أن يتخصص تماما في علم ما دون أن يكون أبله. # الغاية الأساسية من الزواج هي التناسل كما قال الكتاب المقدس. # أعظم المخترعات في القرن التاسع عشر هو منع التناسل الذي يتيح الاتصال الجنسي ~~ولكن بلا إخصاب. # الأمل هو نوع من المسئولية الأخلاقية. # إن خلف مسرحياتي علما اجتماعيا مدروسا. # الفنان الصادق يؤثر أن يترك زوجته جائعة، وأبناءه حفاة، وأمة تكد لتحصل على ~~لقمتها وهي في السبعين، على أن يترك فنه كي يعمل عملا آخر. # إني أفهم على الدوام من معنى الاشتراكية أنها إصلاحات اقتصادية معينة أرغب في أن ~~تنفذ، وليست مبدأ من المبادئ. # لقد أصبح التطور دينا، بل هو الآن دين القرن العشرين الذي نشأ من رماد الأديان ~~والمذاهب الماضية، ولكنه لن يصير دين السواد من الأمة حتى تؤلف له أساطيره ومعجزاته ~~وأمثولاته، ولا أعني بقولي «دين سواد» أن يفهمه سكان القرى فقط، بل أعني أن يفهمه ~~الوزراء أيضا، وليس من العقل أن ننتظر النور والإرشاد من الذين يعدون الآن من ~~محترفي السياسة ورجال الحكومات ؛ لأنهم ليسوا فلاسفة ولا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك ~~لكان همهم أن يفلسفوا ويتنبأوا بدلا من أن يضيعوا وقتهم في ممارسة الحكم. # لما رأى الكاتب العظيم أميل زولا مبلغ العقم الذي أصاب التناسل في بلاده، وأزعجه ~~ذلك، عمد إلى قلمه فألف كتابا فصيح العبارة قوي الحجة في الدفاع عن مقام الأبوة ~~والأمومة باسم «الخصوبة»، ولكن كتابه هذا اعتبر في إنجلترا غير لائق للترجمة وأن كل ~~محاولة يراد منها شرح العلاقات بين الجنسين إلا من الناحية الغرامية الشهوانية ~~يجب أن تقاوم. # هذا الحياء الذي تبديه الصحف لا يختلف من الحياء الذي يبدو من السامرين حول مائدة ~~العشاء، وهو في حقيقته ليس شيئا سوى نقص في التربية وصعوبة في التعبير، فنحن لا ~~ننشأ على أن نفكر تفكيرا نظيفا ms131 طاهرا عن هذه الموضوعات، وينتج من ذلك أننا ~~نستعمل لغة فاسدة في التعبير عنها، ثم ننتهي إلى أن نصرح بأنه لا يجوز لنا أن نناقش ~~هذه الموضوعات مناقشة علنية؛ وذلك لأن الألفاظ التي نستعملها في المناقشة لا تليق ~~للاستعمال، على أن الأطباء الذين يستعملون الألفاظ الخاصة بحدود العلم لا يجدون هذه ~~الصعوبة، وكذلك الحال في أساتذة اللغة الذين يحسنون التفكير، مثل أميل زولا في قصة ~~«الخصوبة» أو تولستوي في قصة «البعث»، فإنهم يمكنهم أن يكتبوا دون أن يسيئوا أقل ~~إساءة إلى القراء الذين يفكرون مثلهم تفكيرا نظيفا طاهرا. # هذا المخلوق الذي يسمى إنسانا والذي يعد في صميم عظامه جبانا، عندما يعالج ~~مصالحه الشخصية، يستحيل إلى بطل عندما يجد فكرة ... وإذا أنت أوضحت له أنه سيؤدي ~~عملا يزعم أنه قد كلفه الله إياه، وأنه سيكون لهذا العمل أسماء جديدة عديدة، فإنه ~~عندئذ يخاطر بكل ما يملك ولا يبالي ما سوف تكون النتائج في شخصه. # تخلصت من رشوة السماء. # إني أمقت مذهب الفداء إيمانا بأن كرام الناس من الرجال والنساء يأبون أن يكفر ~~أحد عن خطاياهم بأن يعاني هو موتا قاسيا. # بأي حق تجيز الأم لنفسها أن تدخن وهي تعنى بتربية طفلها، مع أنها تمنع من ~~التدخين حين تبيع التفاح أو المناديل، أو حين تجمع أثمان التذاكر في الأتوبوس؟ أليس ~~من حقنا أن نترك عربة التدخين في القطار ونحن مشمئزين دون أن نذكر أمهاتنا؟ # إني أجد حضارتنا سائرة إلى الدمار لإسرافها في حرية الفرد الذي نجيز له أن يكون ~~كسولا أو متلافا، أو أن يجمع الثروة الضخمة بالاستغلال المهين للعمال، أو ~~بتجويعهم، أو بحملهم على أن يبيعوا أعراضهم، أو على أن يرتكبوا الجرائم أو يفشوا ~~الأمراض بين مواطنيهم، أو أن يكون أحدهم لصا يغش الأرامل واليتامى أو غيرهم من ~~الآمنين بأن يحصل على مدخرهم فيبذره ... إلخ. # العبقري ليس هو الرجل الذي يعرف أكثر من غيره أو يعمل أكثر من سائر الناس، ولم ~~يحدث قط أن عاش عبقري ولم يتفوق عليه في هذين ms132 الشأنين عدد كبير من المغفلين ~~الذين لا يرجى منهم خير، إنما العبقري هو ذلك الذي يرى أهمية الأشياء ويميز بينها، ~~ولولا ذلك لكان أي معلم خيرا من المسيح نفسه. # لو أن مؤلف هذا الكتاب (أحد كتب شو نفسه) كان يشرب الخمر أو أي مخدر آخر لكان في ~~الأغلب أروح لك، ولكنه كان يكون عندئذ أقل كثيرا في قيمته الذهنية ومحاسبته ~~الوجدانية؛ ولذلك كان يكون أكبر خطرا على ذهنك. # أيما تغيير يلغي الفقر ويزيد الفراغ بين العمال سوف يلغي أيضا الحاجة إلى ~~المخدرات والخمور التي تبعث في النفس إحساسا كاذبا بالسعادة. # إن القاعدة التي يقول بها الطبيعيون: «الطبيعة تكره الخواء» تنطبق أيضا على رأس ~~الإنسان؛ إذ ليس هناك رأس فارغ ... فإذا أنت تركت زاوية صغيرة فارغة في رأسك لحظة ~~واحدة فإن آراء الناس غيرك ستندفع إلى ملئها ... من الإعلانات والجرائد، والكتب، ~~والقيل والقال، والخطب السياسية، والقصص والدرامات ... فيجب أن تحرص على أن تفكر ~~بنفسك ما استطعت. # نموت جوعا إذا نحن كففنا عن العمل المنتج كل يوم، وإذا وجدت إنسانا فارغا لا ~~يعمل فإن هناك من يعمل لنفسه وله، وإلا لما وجد أحدهما طعامه. ولذلك قال بطرس ~~الرسول: «إذا لم يعمل الإنسان وينتج فإنه لن يجد ما يأكل.» # عقولنا هي عقول الجماعة، ومهما حاولنا الاستقلال في تفكيرنا فإننا مع ذلك لن ~~نستطيع التخلص من التفكير الجماعي، وقصارى ما نستطيعه هو قشرة صغيرة من الاستقلال ~~الفكري، بل إني لأقول إنك حين اشتريت كتابي هذا إنما فعلت ذلك كي أفكر أنا لك، ولكن ~~الواقع أني لن أستطيع ذلك أكثر مما أستطيع أن أتناول لك عشاءك، وقصارى ما أفعل أني ~~أطبخ لك عشاءك الذهني بأن أقدم لك مقدار ما فكرت وفكر غيري في الموضوع الذي تفكر ~~أنت فيه؛ وذلك اقتصادا لك في المجهود. # ما منفعة النقود؟ إنها تمكننا من أن نحصل على ما نريد بدلا من أن نحصل على ما ~~يظنه غيرنا نريده، وعندما تتزوج إحدى الفتيات يتقدم إليها أصدقاؤها بالهدايا بدلا ~~من أن يقدموا ms133 لها نقودا، ونتيجة ذلك أنها تجد نفسها مثقلة بأدوات المائدة المكررة، ~~أو بنحو ثماني ساعات، ولا تجد جوربا واحدا من الحرير، ولو أن أصدقاءها كانوا على ~~تعقل وقدموا لها النقود بدلا من الهدايا - كما أفعل أنا - ولو أنها هي أيضا ~~كانت على تعقل وقبلت النقود (وهي تقبلها على الدوام) لاقتصدت. # يمكننا تعليم الصبيان الجهل؛ إذ من السهل أن نكتب على ورقة بيضاء ما نشاء، ولكن ~~أوراق المدارس التي يكتب عليها التلاميذ ليست بيضاء إذ هي تحفل بأبيات الشعر ~~اللاتينية السخيفة، وبالشعارات والأمثال المهجورة، وبسخافات القرون الماضية ~~وقماماتها، وبالتاريخ الحافل بالأساطير، وأيما إنسان يحاول محو هذه الأشياء يعاقب، ~~وإذا لم يمكن عقابه فإنه يلعن باعتباره عدو الله والإنسان. أما روسو، وفولتير، وتوم ~~بين، الذين حرروا الشعوب، فيعدون ملحدين أشرارا في مدارسنا العامة، وكذلك واشنطون ~~وكارل ماركس ولنين يعدون مجرمين طغاة. # لا تقوم الحضارة إذا لم يكن لها قوانين ونظم واصطلاحات وقواعد، ولكن بعد أن تستقر ~~كل هذه الأشياء يجب أن يكون هناك مجال للثورة والزندقة والشذوذ والابتداع ~~والمخالفة؛ وإلا فإن الحضارة تتصدع وتنهار لأنها تعجز عن التكيف باكتشافات العلم ~~ونمو الذهن، وعلى الحكومات أن تعاقب وتتسامح في وقت معا، ولكن العقوبة والتسامح ~~ليسا مبدأين؛ إذ على الحكومة أن تعرف متى تعاقب ومتى تتسامح وفق الظروف ~~الجديدة. # جميع أولئك الذين يحققون امتيازا في الحياة، يبدأون حياتهم ثوريين، والمتفوقون ~~فيهم يزدادون ثورة كلما تقدموا في السن، وإن كان الوهم السائد عنهم أنهم يعودون ~~محافظين، وعلة هذا الوهم أنهم يفقدون إيمانهم بالطرق المألوفة في الإصلاح. # | سطور أخيرة # لو شئت أن أقول كلمة أخيرة تعين مكان برنارد شو في المسرح أو الأدب العصري، ما تعلمنا منه ~~وما وضع مناهج، لقلت ما يلي: # بأن كتب الأدب تقوم في أيامنا مقام الكتب الدينية في العصور الماضية، وللأديب مقام النبي ~~المرشد الذي يعين القيم الأخلاقية الجديدة ويغير القيم القديمة، وهو يهدف إلى ارتقاء ~~المجتمع بأن يجعله مجتمعا متطورا. # المسرح هو الصورة العليا للأدب. # ولكن المسرح العالي هو الذي ms134 تمثل عليه الدرامة التي تعالج الأفكار وتنقد الأخلاق، ~~وتعلم الجمهور بالمأساة والعبرة أو بالنكتة والفكاهة. # لم يعد المسرح مكانا للدرامة التافهة الصغيرة. # والدرامة التافهة الصغيرة هي التي يحبها الصبيان في سن العاشرة أو في سن الخمسين، هي ~~درامة التسلية التي تحوي غرائب مثل الحظ الذي يجعل من الخادمة أميرة، أو الذي يهبط على ~~الشحاذ فيحيله إلى ثري عظيم، أو التي تحوي مغامرات بشأن الخيانة الزوجية، أو قعقعة القتال ~~والمبارزة، أو سفك الدم، أو ما شاكل ذلك مما يضحك ويسلي ولكن لا ينفع ولا يرقي. # ومع أن الفن شيء عظيم جدا، فإن هناك ما هو أعظم وهو الحياة؛ إذ هي أكبر من الفن، هي ~~الكل وهو الجزء. # والهم الأول الذي يهتم له المؤلف المسرحي هو الحياة التي تأتي أولا، ثم يتبعها الفن ~~عفوا وثانيا. # ليس هناك أسخف من القول بأن الفن للفن، أو العلم للعلم؛ لأن الفن والعلم كليهما يهدفان ~~إلى خدمة الحياة. # درامة شو هي درامة المناقشة، وأكاد أقول إنها درامة الندوة، والمسرح بوضعه المادي لا يصلح ~~للحركة والعمل، وإنما يصلح للحديث والمناقشة. # ليس الجمال هدفا للأديب أو الفنان، وإنما هو عرض للحياة العظيمة أو الحياة العميقة، فإذا ~~هدف إلى إحديهما سما فنه من حيث يدري أو لا يدري. # ينكر شو الغيبيات في جميع الأديان، ويقدرها بما فيها من قيم أخلاقية فقط، وديانته الأصيلة ~~هي التطور. # عنده أن الدنيا والكون والإنسان في تطور، وإنما يجب أن نهدف إلى إيجاد «سبرمان» من ~~الإنسان، ونغير من الأخلاق بما يقتضيه إيجاده، وهذا المذهب هو الدين العملي للتطور. # يجب أن نهدف من الزواج إلى إيجاد نسل أعلى من الزوجين، وليس التناسل حقا لكل إنسان، إذ ~~يجب أن يقصر على فئة مختارة من الشعب نرغب في الاستكثار منها بالتناسل، وهذا بالطبع لا يمنع ~~من الاتصال الجنسي الذي لا يؤدي إلى التناسل. # روابطنا الاجتماعية أكبر وأهم، ويجب أن تكون أمتن من الروابط العائلية. # يجب أن نتساوى كلنا في الدخل بصرف النظر عما نؤدي من عمل، ويجب ms135 أن نذكر أن المرض الأساسي ~~في المجتمع المصري هو الفقر، وهو علة المئات من الأمراض الأخرى. # وأخيرا يجب أن نستغل العلم في تغيير الدين والإنسان والطبيعة. أجل، ومحو الفقر؛ وذلك ~~بزيادة الإنتاج. ms136