######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.CaqliWaCaqlak.Hindawi91397502 #META# Tags: literature #META# ID: 91397502 #META# Title: عقلي وعقلك #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # كلمات يجب أن يعرفها القارئ‏ # عقل الإنسان وعقل الحيوان‏ # العقل والمخ‏ # الغرائز والعواطف‏ # الغريزة الأصلية‏ # الجسم يؤثر في العقل‏ # العقل يؤثر في الجسم‏ # طبيعة التفكير‏ # طبيعة الذكاء‏ # الذكاء والعبقرية‏ # طراز الجسم ومزاج النفس‏ # المزاج النفسي أيضا‏ # الخطأ الأساسي في التفكير‏ # اللغة والتفكير‏ # الكظم والعقل الكامن‏ # العواطف المكظومة تلد العمل الفني‏ # الأحلام ومغزاها‏ # الكابوس وأسبابه‏ # الإيحاء والتنويم النفسي‏ # الانتحار السيكلوجي‏ # المركبات‏ # مركب النقص‏ # الضمير‏ # المجتمع البشري‏ # العائلة البشرية‏ # التطور الاجتماعي للشخصية‏ # مرض النفس هو مرض المجتمع‏ # العاطفة والوجدان‏ # الانعكاسات المعدولة‏ # الذاكرة والتخيل‏ # التفكير الناجع‏ # الاتجاه الذاتي والاتجاه الموضوعي‏ # الخصائص السيكلوجية للمرأة‏ # الحياة الجنسية‏ # الحياة الاجتماعية والحياة الحرفية‏ # حياتنا الفراغية‏ # السعادة‏ # وسائل عملية للسعادة‏ # النفس السليمة‏ # المرض والصحة درجتان‏ # الأمراض النفسية الخفيفة‏ # الأسلوب النفسي‏ # تربية الأطفال‏ # سيكلوجية الدرس‏ # التحليل النفسي‏ # التأليف أهم من التحليل‏ # الزيغ الجنسي‏ # النظر السيكلوجي للإجرام‏ # الشخصية السيكوبائية‏ # إحدى الشخصيات السيكوبائية‏ # النيوروز‏ # السيكوز‏ # الجنون الذي يطفئ نور العقل!‏ # المقدمة‏ # كلمات يجب أن يعرفها القارئ‏ # عقل الإنسان وعقل الحيوان‏ # العقل والمخ‏ # الغرائز والعواطف‏ # الغريزة الأصلية‏ # الجسم يؤثر في العقل‏ # العقل يؤثر في الجسم‏ # طبيعة التفكير‏ # طبيعة الذكاء‏ # الذكاء والعبقرية‏ # طراز الجسم ومزاج النفس‏ # المزاج النفسي أيضا‏ # الخطأ الأساسي في التفكير‏ # اللغة والتفكير‏ # الكظم والعقل الكامن‏ # العواطف المكظومة تلد العمل الفني‏ # الأحلام ومغزاها‏ # الكابوس وأسبابه‏ # الإيحاء والتنويم النفسي‏ # الانتحار السيكلوجي‏ # المركبات‏ # مركب النقص‏ # الضمير‏ # المجتمع البشري‏ # العائلة البشرية‏ # التطور الاجتماعي للشخصية‏ # مرض النفس هو مرض المجتمع‏ # العاطفة والوجدان‏ # الانعكاسات المعدولة‏ # الذاكرة والتخيل‏ # التفكير الناجع‏ # الاتجاه الذاتي والاتجاه الموضوعي‏ # الخصائص السيكلوجية للمرأة‏ # الحياة الجنسية‏ # الحياة الاجتماعية والحياة الحرفية‏ # حياتنا الفراغية‏ # السعادة‏ # وسائل عملية للسعادة‏ # النفس السليمة‏ # المرض والصحة درجتان‏ # الأمراض النفسية الخفيفة‏ # الأسلوب النفسي‏ # تربية الأطفال‏ # سيكلوجية الدرس‏ # التحليل النفسي‏ # التأليف أهم من التحليل‏ # الزيغ الجنسي‏ # النظر السيكلوجي للإجرام‏ # الشخصية السيكوبائية‏ # إحدى الشخصيات السيكوبائية‏ # النيوروز‏ # السيكوز‏ # الجنون الذي يطفئ نور العقل!‏ # | عقلي وعقلك # | عقلي وعقلك # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # قبل خمس وعشرين سنة ألفت كتابي «العقل الباطن» فلقي إقبالا عظيما ~~بين ms001 القراء وانتفع كثير منهم به؛ لأنه صادف حاجة في نفوسهم، وكان هذا ~~الكتاب تأليفا ولم يكن ترجمة؛ لأني أوثر التأليف لما فيه من إيجاز ~~هنا وإسهاب هناك بالقدر الذي أراه في الجمهور العربي القارئ واختلاف ~~حاجاته، وهذه ميزات لا تتوافر في كتاب مترجم ولو كان مؤلفه من أعظم ~~السيكلوجيين؛ إذ هو يكتب لمجتمع غير مجتمعنا. # وقد وجدت أن الحاجة تمس في الوقت الحاضر إلى كتاب أوفى وأكثر ~~إسهابا؛ أولا: لأن الذين قرأوا «العقل الباطن» يستطيعون أن يفهموا ~~وأن يطلبوا أكثر منه، وثانيا: لأن السيكلوجية قد سجلت كثيرا من ~~التقدم؛ فالكاتب يسعه أن ينير ويفسر ويشرح كثيرا من التصرفات في الصحة ~~أو المرض أو السلوك، أكثر مما كان يستطيع قبل 25 سنة، وخاصة بعد أن قام ~~كثير من مؤلفينا في مصر بشروح سيكلوجية مطولة أو موجزة. # والتصرف البشري إما تصرف عاقل، وإما تصرف زائغ، والفرق بينهما هو ~~فرق درجي وليس نوعيا. ومع أني قد التفت كثيرا إلى التصرف ~~العاقل، فإني احتجت إلى أن أمس تصرف الزائفين لما يلقي هذا من ~~ضوء على تصرف العقلاء؛ لأن الزيغ النفسي إنما هو في صميمه مبالغة ~~في ناحية معينة من الاتجاه النفسي، وكما تعرف الصحة من المرض في ~~أعضاء الجسم، كذلك تعرف النفس السليمة من اتجاهات وتصرفات النفس ~~الزائغة. # وإذا كان الدجالون الذين يعالجون الأمراض أو الشذوذات النفسية قد ~~تفشوا في أيامنا؛ فإنما يرجع هذا إلى شيوع الجهل بين ~~الجمهور. # والسبيل إلى وقف هؤلاء الدجالين لن يكون إلا بنشر المعارف ~~السيكلوجية الصحيحة التي يستطيع القارئ أن يسترشد بها في سلوكه، ~~وأن يعرف بها زيف هؤلاء الدجالين. # وكل إنسان متعلم يجب أن يكون طبيبا نفسيا إلى حد ما. ولا ~~يصح هذا القول على الناس من ناحية الطب العضوي؛ لأن الرجل المتعلم لا ~~يأتمن نفسه على تناول جرعة من الزرنيخ كي يتقوى بها، ولكن هذا الرجل ~~المتعلم يستطيع أن يعرف مقدارا كبيرا من السيكلوجية يسترشد به في ~~سلوكه وتصرفه، وليس في الطب النفسي زرنيخ. # والطبيب النفسي الذي ms002 يطالب بمعالجة الطفل الزائغ، والزوجة ~~الناشزة، والزوج النافر، والنزوة الانتحارية، واللياقة الحرفية، ~~والإضراب عن الاهتمامات الدنيوية، والسرور أو الحزن في غير ~~مناسبتيهما، هذا الطبيب يحتاج إلى دراسات واسعة متشعبة في فهم ~~الطبيعة البشرية؛ إذ يجب أن يدرس البيولوجية والفلسفة والاقتصاد ~~والاجتماع والدين والتاريخ والآداب؛ لأن الواقع أن مشكلاتنا النفسية هي ~~في النهاية مشكلات فلسفية؛ أي إنها تتصل بموقفنا العالمي وما نرغب ~~في تحقيقه في هذه الدنيا، وهل نحن نتجه إلى أهداف حسنة أم قد انخدعنا ~~بأهداف زائفة؛ أي: ما هي الخارطة النفسية التي نرسمها لشئون هذا الكوكب ~~الروحية والمادية؟ # وبديهي أن العلم الأمثل هو الذي يستطيع أن نعبر عن حقائقه ~~بالأرقام أو ما يقاربها في الصحة، ولا يمكن أن يقال هذا عن السيكلوجية ~~في أيامنا. وإن كان مقدار كبير من المعارف السيكلوجية الآن يقوم على ~~أساس من التجارب والأرقام. ولكن الطب العضوي نفسه كذلك لم يبلغ ~~الكمال، بل هذا الكمال لم يبلغه أي علم، على أن الاتجاه التجريبي في ~~السيكلوجية سوف يحقق شيئا كثيرا من الوصول إلى هذا الهدف. # وألغاز الحياة كثيرة. والسيكلوجية تحاول أن تسبر أعماقها وتنشد ~~لها حلولا، وهي كل يوم تحقق نصرا بعد نصر. # وهذا الكتاب هو مجهود لنشر الحقائق، بلغة القرن العشرين العربية، عن ~~السيكلوجية العصرية. # وقد اخترت ثلاث كلمات جديدة؛ فإني استبدلت بعبارة العقل الباطن ~~كلمة: الكامنة؛ أي: العقل الكامن؛ وذلك لأن العبارة الأولى توهم ~~الركود، أما الثانية ففيها معنى النشاط والتربص، وكلاهما من صفات ~~الكامنة التي تتربص بنا، وأحيانا تتغلب علينا. # والكلمة الثانية هي الوجدان بدلا من الوعي؛ لأن الأولى أصح لغة من ~~الثانية؛ لأن الوعي مشتق من فعل وعى، وليس فيه معنى غير الحفظ؛ ومن ~~هنا الوعاء؛ أي: الإناء الذي نحفظ فيه شيئا، ولكن الوجدان مشتق من ~~فعل وجد؛ أي: كيف تجد نفسك؟ # والكلمة الثالثة هي الكظم بدلا من الكبت، وقد اخترتها لأنها أصح ~~لغة، ولأن الجمهور يعرفها من عبارة كظم الغيظ. وقد يعاب عليها أننا ~~نكظم ونحن على وجدان، وأن الكظم السيئ ms003 يحدث بلا وجدان. ولكن هذا ~~التمييز يمكن أن نلتفت إليه في التفسير والإيضاح. # أما سائر الكلمات السيكلوجية مثل: السيكوز والنيوروز والهستيريا ~~والنورستينيا والسيكوبائية، وما إليها؛ فقد أبقيتها على أصلها اللغوي ~~الذي يتعارف به جميع السيكلوجيين على هذا الكوكب مهما اختلفت لغاتهم ~~الوطنية، ولكل علم لغة يتعارف بها علماؤه، وهي تختلف من اللغات ~~الوطنية؛ ولذلك لا يصح ترجمة هذه الكلمات، وقد وفيتها ~~إيضاحا. # ورجائي أن أنفع القراء، فأثير اهتمامهم واستطلاعهم، وأستفز ذكاءهم ~~إلى الاستزادة. # سلامة موسى # | كلمات يجب أن يعرفها القارئ # بارانويا: # مرض نفسي يبدو فيه المريض سليما في كل شيء إلا في ~~موضوع معين؛ إذ يعتقد بشأنه اعتقادا غير ~~سليم. # باطن: ~~«عقل باطن» هو ما نسميه الآن «الكامنة» أو العقل ~~الكامن؛ أي: تلك الأفكار والدوافع المختزنة التي لا ~~ندري بها، ولكنها تقرر - من حيث لا ندري - ~~محابنا ومكارهنا وتعين تصرفنا؛ لأنها ~~أقوى وأرسخ من وجداننا وأدوم منه. # تنويم نفسي: # الهبنوتية؛ أي: الإيحاء المركز الذي نستطيع به ~~أن نوحي إلى آخر بالنوم فيسمع لنا ويخضع لأوامرنا، ~~حتى بعد أن يستيقظ من هذا النوم. # سيكوبائية: # مرض نفسي بين النيروز والسيكوز لا يفرز صاحبه ~~من سائر الناس، ولكنه يبدو في شذوذ جنسي أو إجرام أو ~~نحو ذلك. # سيكوز: # مرض العقل حين يختل عقل المريض ويعجز عن التفكير ~~الموضوعي المنطقي، ويستسلم لخيالات ذاتية. # شيزوفرينيا: # سيكوز؛ أي: مرض بالعقل يحمل المريض على الاستسلام ~~للتفكير الذاتي، فينفصل عن العالم الموضوعي. # عاطفة: # الغريزة وقت احتدادها. # غريزة: # دافع نفسي طبيعي يحملنا على تجنب الخطر أو طلب ~~الأنثى أو نحو ذلك. # كامنة: # العقل الكامن (وهو ما كنا نسميه قبلا: العقل ~~الباطن). # كبت: # هو ما نسميه الآن الكظم؛ أي: حبس عواطفنا، وهي عندما ~~تنحبس تكمن في الكامنة وتصوغ تصرفاتنا من حيث لا ~~ندري. # كظم: # حبس العواطف سواء عن وجدان أم بلا وجدان، وهو في ~~الحال الأولى أسهل في العلاج مما هو في الحالة ~~الثانية. # مانيا: # سيكوز؛ أي: مرض عقلي يحمل صاحبه على التشاؤم ~~والاغتمام في الأغلب، أو في الأقل على ms004 السرور والغبطة، ~~مع عقائد وخيالات ذاتية. # نورستينيا: # توتر عاطفي يبدو في خفقان القلب والخوف والعرق ~~والرعشة والتعب. # نيوروز: # هو مرض العاطفة حين تحتد احتدادا لا يطاق، كالشك أو ~~الخوف أو الكراهية أو الاشمئزاز. # هبنوتية: # التنويم النفسي؛ أي: حين نحمل أحد الناس على النوم ~~بحيث يستمع لنا ويطيع أوامرنا ويصدقها؛ أي إننا نوحي ~~إليه ما نشاء أن يصدقه. # هستيريا: # سيكوز؛ أي: مرض عقلي يرافقه مرض وظيفي في أحد أعضاء ~~الجسم. # وجدان: # هو ما كنا نسميه قبل الآن: «وعي»؛ أي: هو النظر ~~الموضوعي المنطقي، لشئون الحياة. # وفي هذا الكتاب قد استغنينا عن كثير من الكلمات السيكلوجية؛ أولا: ~~لأننا رأينا أن فيها إرهاقا للقارئ العادي، وثانيا: لأننا نعتقد أن ~~كثيرا منها سيزول بعد التمحيص؛ أي: عندما يثبت أنها وضعت في ضوء ~~تفسيرات غير صحيحة. # | عقل الإنسان وعقل الحيوان # حين نقارن بين العقلين في الإنسان والحيوان يجب أن نميز بين ~~الحيوانات؛ فإن القرد والسلحفاة والسمكة والنملة والإسفنج من ~~الحيوانات، والاختلاف بينها في القوى «العقلية» من العظم بحيث يجعل ~~المقارنة شاقة، بل مستحيلة. بل إن من الخطأ أن نقول: إن للإسفنج أو ~~المحار عقلا؛ إذ ليس لهما دماغ، ولكنا نجد فيهما بداية الجهاز العصبي ~~والإحساس. # اغرز إبرة في يد إنسان فيصرخ بعد ثانيتين. # واغرز إبرة في إسفنجة فتقفل فتحتها بعد عشر دقائق. # ومعنى هذا: أن الإحساس يسير بسرعة 255 ميلا في الساعة في الإنسان، ~~أما في الإسفنج فلا يسير إلا بسرعة ثلاثة أميال ونصف ميل في ~~الساعة. # لما ظهر الإسفنج على كوكبنا كانت الطبيعة مبتدئة تصنع آلات بطيئة، ~~فلما وصلت إلى الإنسان بعد نحو 500 أو 600 مليون سنة استطاعت أن تصنع ~~آلات سريعة، والإسفنج من أحط أنواع الحيوان، ليست له عين أو أذن أو ~~أنف، وليس له دماغ؛ ولذلك لا تصلح المقارنة بيننا وبينه، ولكن المقارنة ~~بين الإنسان والقرد الشمبنزي أو القرد الغوريلا معقولة، تنهض على أساس ~~حسن؛ لأن الفرق بيننا وبينهما درجي وليس نوعيا. # وأصلنا مع ذلك من الحيوان، ولنا غرائزه التي تعمل ms005 بعواطف نضبطها ~~بالعقل وأحيانا لا نضبطها، وامتيازنا على جميع الحيوانات هو الدماغ ~~الكبير الذي يستطيع ضبط عواطفنا أكثر مما يستطيعه الحيوان، وليس معنى ~~هذا أنه ليس للحيوان الباقي دماغ، إنما معناه أن دماغنا أكبر وأضخم ~~يتسع للتفكير الذي لا يصل إليه أرقى الحيوانات دوننا. # ويمكن أن نقول على وجه الإجمال: إن أحط الحيوان كالإسفنج أو المحار ~~يقتصر نشاطه العصبي على الرجع الانعكاسي، كما يحدث لأحدنا عندما ~~تطرف عينه؛ فإذا ارتقى الحيوان على ذلك أصبح نشاطه عاطفيا؛ يغضب ~~فيقاتل، أو يخاف فيفر، كما نرى في السمك؛ فإذا ارتقى على ذلك صار للعقل ~~قوة الضبط - قليلا أو كثيرا - لهذه العواطف، وهذا الضبط على أكثره في ~~الإنسان. # وضبط العاطفة يعود إلى الوجدان؛ أي إلى تلك الوقفة أو الحالة التي لا ~~نستسلم فيها لعاطفة الغضب مثلا، فلا نندفع إلى ضرب الخصم؛ بل نقف ~~ونتأمل، وندري أننا نقف ونتأمل، ونفكر في الخطة المثلى التي يقتضيها ~~الظرف؛ أي وجدان يؤدي إلى التفكير الذكي، بل هو التفكير الذكي. # وكثير من نشاطنا العصبي رجع انعكاسي؛ كما نرى في طرفة العين عند ~~لقاء النور الساطع وتحرك اللعاب عند رؤية الطعام، وكثير منه رجع عاطفي؛ ~~كما نرى في الغضب والحزن والاشمئزاز والفرح. وأساس العاطفة مع ذلك هو ~~الرجع الانعكاسي، والقليل من نشاطنا العصبي وجداني حين نحاول حل ~~مشكلة فنزن الاعتبارات المختلفة، وقد نصل إلى قرار ضد عواطفنا، كالشاب ~~يحس عاطفة قوية نحو الفتاة ثم يفكر في الزواج بها، ولكنه ينتهي إلى ~~الإحجام لاعتبارات اجتماعية أو اقتصادية. # نحن نمتاز على الحيوان بضخامة المخ ووفرة أخاديده وزيادة الوجدان؛ ~~أي: زيادة التفكير. # وبالطبع هناك اعتبارات أخرى كثيرة جعلت الإنسان يمتاز بالرقي العقلي ~~على الحيوان قبل ضخامة المخ وكثرة أخاديده؛ منها مثلا: أننا اعتمدنا ~~على النظر دون الشم في التعرف إلى الأشياء والحيوان والنبات، وتفكيرنا ~~- أو بالأحرى وجداننا - هو وجدان الرؤية، حتى إننا نقول: «يرى رأيا» ~~كما لو كنا نقول: «يفكر تفكيرا»؛ فنحن نعرف الدنيا بالعين، في حين أن ~~معظم الحيوانات يعرفها بالأنف؛ أي: ms006 الشم. # والرؤية تجعلنا نفهم الدنيا - إلى حد ما - فهما موضوعيا منفصلا ~~من عواطفنا، أما الشم فيجعل الفهم - إلى حد كبير - ذاتيا؛ فالدنيا ~~عند الكلب، هي مجموعة من الانعكاسات العصبية في فمه وأنفه، أما العين ~~عندنا فترسم لنا خارطة تكاد تكون صحيحة للدنيا، ولكن الأنف والفم لا ~~يرسمان خارطة صحيحة للكلب؛ ومن هنا كلماتنا في معاني التفكير: الرأي، ~~النظر، التطلع، الاستطلاع، الرؤية، الرؤيا، الروية، التبصر، ~~التشوف؛ فإنها كلها كلمات تدل على تفكير العين. # ونستطيع أن نزيد في المقارنة بيننا وبين الحيوان، فنقول: إن تعقل ~~الحيوان - مثلا - حسي، وتعقلنا تصوري؛ هو يحس ويسلك بمقتضى ~~إحساسه فقط، ونحن نحس ونسلك بمقتضى تصورنا وتخيلنا. وهذا أيضا ~~كلام مجمل؛ لأن كثيرا من الحيوانات العليا تتصور وتتخيل، وإن لم ~~تبلغ درجتنا. # واللغة عندنا تجعل كثيرا من التعقل تخيليا تصوريا. والحيوان ~~محروم من اللغة، فلا يجد ما نجد من رسم الصور في أذهاننا والتفاهم ~~بالكلمات عن الأشياء حين تنتقل الصور، وتتغير الأخيلة في أذهاننا ~~بالحديث. # ولننظر نظرة أخرى، هي النظرة التطورية: # أحط الأنواع في النشاط العصبي هو الرجع الانعكاسي؛ وبرهان انحطاطه ~~أننا نحس هذا الرجع بلا حاجة إلى المخ؛ فإن حركة القدم من التجميش أو ~~الوخز تحدث بعد قطع رأس الحيوان؛ لأن مركز الإحساس هنا هو الحبل الشوكي ~~«داخل الفقار» وليس المخ. # وأعلى من الرجع الانعكاسي، العاطفة؛ أي: الرجع الغريزي. # وأعلى من هذين، هو الوجدان الذي يؤدي إلى التعقل. # وأقدم الحيوانات، وجميع الأحياء البدائية القديمة - مثل الإسفنج - ~~انعكاسية السلوك، وأقل منها قدما الحيوانات العاطفية (الغريزية)، ~~وأجد الحيوانات هي الوجدانية التي تتعقل ولا تستسلم للعواطف، ~~وأعلاها هو الإنسان. # وهذا نراه في نومنا أو وقت التخدر بالخمر أو غيرها؛ فإن أقدم رجوعنا ~~العصبية هو بالطبع أرسخها في نفوسنا، لا يتزعزع بالنوم أو الخمر، ~~وأجدها هو أكثرها تزعزعا وزوالا في النوم أو الخمر، فنحن في ~~هاتين الحالين نعجز عن التعقل بالوجدان. ولكن الرجع الانعكاسي يبقى ~~حيا؛ كما إذا جمش أحد قدمنا فإننا نسحبها حتى ونحن نيام، بل ~~أحيانا العاطفة تبقى ms007 حية فنجد نشاطا جنسيا في النوم، ولكن ليس هناك ~~مكان للوجدان في النوم أو وقت التخدر. # تفكير العاطفة هو مثل الغضب والحسد والأنانية والشره والكراهة، ~~وتفكير الوجدان هو مثل المنطق والهندسة والمروءة والواجب والتبصر ~~والشرف. وحين تملكني العاطفة أكون منفعلا فلا أكاد أفكر كما يحدث ~~عندما أجري من الخوف أو آكل وأنا جائع أو أتشاجر في غضب. # ولكني في الوجدان أوازن بين عاطفة وأخرى، فأقف وأتبصر وأعتمد ~~على المنطق وأروي وأنتقد وأحلل وأؤلف. # الوجدان هو أن أفكر وأعمل وأنا أدري أني أفكر وأعمل، هو كما قال ~~ديكارت، قبل أكثر من 300 سنة: «أنا أفكر؛ ولذلك أنا موجود.» # العاطفة هي أن أنساق في رغبة أو شهوة قسرا أو كالقسر، وأنسى نفسي ~~فلا أكاد أفكر. # الحيوان عاطفي لا يدري بوجوده (= بوجدانه)، وهو ينفعل بعاطفته وينساق ~~بها مضطرا أو كالمضطر في تصرفه. والدنيا مصورة في عقله تصويرا ~~ذاتيا أملته العاطفة، وهو تصوير يخالف الواقع. # ولكن الإنسان وجداني، يدري بوجوده، يقف ويتأمل ويوازن بين ~~الاعتبارات، والدنيا مصورة في ذهنه تصويرا موضوعيا؛ أي كما هي ~~تقريبا في الواقع غير متأثر بانفعالاته أو متأثر قليلا. # وعندما نتأمل أنفسنا نجد أننا نختلف في الوجدان عما نكون عليه في ~~العاطفة، ويكاد هذا الاختلاف يساوي الفرق بين اليقظة والنوم. والواقع ~~أن كثيرا من الحيوانات - كالديدان والزواحف والحشرات - يعيش كما لو ~~كان في حال النوم البشري؛ ينساق بغرائزه وعواطفه وانعكاساته؛ لأن هذا ~~هو كل ما يملك؛ إذ ليس له وجدان. # وغاية الفلسفة والدين والعلم أن ينقلنا كل منها من العاطفة والنظر ~~الذاتي التسليمي للدنيا إلى الوجدان بالنظر الموضوعي الانتقادي. ويمكن ~~أن نقيس رقي المجتمع بقدر ما في زعمائه وأشخاصه ومذاهبه من ~~وجدان. والرجل الحكيم هو الذي يرفض السلوك العاطفي الذاتي ويعمد إلى ~~السلوك الوجداني الموضوعي. والمقياس السديد للسلامة النفسية هو ~~الوجدان؛ إذ على قدر اعتمادنا في السلوك والتصرف على الوجدان بالنظر ~~الموضوعي تكون سلامتنا، وعلى قدر بعدنا من الوجدان وانسياقنا وراء ~~العواطف يكون المرض النفسي. # والوجدان يؤدي إلى الذكاء، وهو ms008 «الغريزة العالمية» التي تحملنا على ~~ترك إحساسنا الخاص والتخلص من انفعالاتنا حتى نرى الدنيا رؤية موضوعية؛ ~~أي: كما هي في حقيقتها وليس كما يصورها لنا غضبنا أو هوانا أو ~~طمعنا أو خوفنا؛ أي: ليس كما تصورها لنا انفعالاتنا. بل يكاد ~~الوجدان في البشر يكون عاطفة جديدة؛ لأننا بالوجدان نحس قيما ~~ونتخذ مقاييس عالمية - بل كونية - نتساءل عن أصل العالم والنجوم ~~والحيوان والنبات وأصل الكون ومنتهاه، ونبحث الحضارة الصينية وأجزاء ~~الذرة وقيمة الفلسفة والدين والغاية من الوجود، وأصل الفضيلة، وننتقد ~~الطبيعة ونصوغ المستقبل. أليس الوجدان هو الذي يحمل غاندي على أن يجمع ~~بين الثورة والقداسة؟ ففي حين يرى الطبيعة حمراء بين الناب والمخلب ~~كلها قسوة وبطش وتقتيل، يعمد هو بوجدانه - أي بإحساسه الأفيانوسي - إلى ~~الدعوة إلى حب الإنجليز، حتى وهو يرى بنادقهم مسلطة على ~~الهنود. # ومع ذلك هذا هو وجداننا الآن في أسمى إنسان نعرفه في عصرنا. ولكنا لا ~~نعرف ما سوف يكون هذا الوجدان بعد الألوف من السنين! # ووجداننا كما ورثناه من الطبيعة شيء عظيم في ذاته؛ أي إنه اختراع ~~جديد يفصل ما بيننا وبين الحيوان، ولكنه أعظم بالمجتمع ~~والثقافة. # انظر إلى فكرة الموت التي يعرفها البشر ولا يعرفها الحيوان؛ فإن هذه ~~الفكرة الوجدانية قد جمعت حولها مركبات: اختراع الآلهة ومبادئ الدين، ~~والفضائل والرذائل، وفكرة الحياة الفاضلة، كما أنها حركت الكثير من ~~الصناعات والحرف، وزاد الوجدان بذلك زيادة عظمى. # وانظر إلى اكتشاف الزراعة التي أوجدت الحكومة وعلوم الهندسة والفلك ~~وشتى المعارف الأخرى. # وكذلك لا ننسى قيمة اللغة في الوجدان، وكذلك النظريات الاجتماعية ~~التي تعد كل منها محاولة لتفهم المجتمع تفهما وجدانيا، وأذكر ~~مثلا قولنا: «ليس عند هذا العامل وجدان طبقي»؛ أي إن فهمه لحالته ~~الاقتصادية مقصور على نفسه، ولم يتعمم إلى آلاف العمال في هذا العالم، ~~وقس على هذا. # وغاية الوجدان كما نبصرها الآن في ضوء تكونه وتطوره الماضيين ~~أن يكون حاسة كونية نعرف بها الأشياء في هذا الكون كما هي في ~~حقيقتها. # | العقل والمخ # كان هناك شيء في القرن ms009 التاسع عشر يدعى «علم الفراسة »، وكان أكبر ~~دعاته رجل يدعى جول، وجد من الجمهور استعدادا لتصديق مزاعمه. وكان جول ~~هذا يرسم للمخ خارطة يبين فيها الكفاءات، ويعين للناس أخلاقهم ~~ودرجات ذكائهم؛ فهذا النتوء في خلف القحف، وهذا الغثور في الجبهة، وهذه ~~الأبعاد في الجبين وما فوق الأذن وما يليها من الخلف أو الأمام، كل هذا ~~يدل على كفاءات معينة في الشخص يمكن أن نتفرسها. وكانت أوروبا تشتاق ~~إلى التفسيرات المادية التي تغنيها عن الغيبيات؛ ولذلك شاع مذهب ~~الفراسة هذا وقتا غير قصير. # ولكن البحث العلمي أثبت أن نظرية الكفاءات هذه غير صحيحة؛ أي ~~إننا لا نستطيع أن نعين بقعا خاصة في المخ تدل إحداها على ~~الصدق والأخرى على الغدر أو الرذيلة أو الفضيلة. ولكن الحرب الكبرى ~~الأولى، بما حدث فيها من إصابات مختلفة ومتعددة في المخ، أثبتت شيئا ~~يقارب مزاعم جول؛ هو أن هناك مراكز معينة في المخ للنظر، أو ~~حركة اليد، أو حتى حركة إبهام اليد، أو الكلام، أو غير ذلك، بحيث إذا ~~أصيب المخ في إحدى هذه البقع عجز المصاب عن الكلام أو عن تحريك الإبهام ~~أو عن الرؤية. # وأكثر من هذا؛ إذ ثبت أن المركز الحسي في المخ يتسع على الدوام، كي ~~يتصل بمراكز حسية أخرى عن طريق الملايين من خلايا المخ التي تصل بين ~~مركز حسي وآخر؛ ومن هنا الظاهرة التي كانت مألوفة في هؤلاء الجرحى ~~في الحرب؛ فإن الإصابة المخية قد تعجز أحدهم عن القراءة ولكنها لا ~~تعجزه عن الكتابة؛ لأن المركز المخي للسان جرح ولكن المركز الحسي ~~لليد والإبهام لم يجرح؛ فهو يكتب ولا يقرأ. ولكن اتصال هذه ~~المراكز الحسية بعضها ببعض يجعل الفهم مضمونا؛ لأن ما نفقده بحاسة لا ~~يزال باقيا بالمراكز الحسية الأخرى. # ومن هنا قيمة المخ الكبير، أو بكلمة أصح، قيمة المخ في القحف الكبير؛ ~~لأنه يكون مثلا كثير التلافيف؛ لأن هذه الخلايا تربط بقع الإحساس ~~المختلفة، وتجعل التذكر قائما على جملة قواعد، إذا فسدت واحدة ~~بقيت الأخرى؛ ومن هنا أيضا ms010 نفهم أن التذكر يحتاج كي يكون راسخا، إلى ~~أن نربطه بجملة بقع حسية؛ فإذا أردنا أن نحفظ قصيدة، كان حفظنا لها ~~أرسخ، إذا نحن تلوناها بصوت عال نسمعه (= بقعة السمع)، وإذا كتبناها ~~(= بقعة اللمس باليد والإبهام)، ويزيد على هذين رؤية الحروف (= بقعة ~~النظر)؛ فهذه البقع الثلاث ترتبط بالذاكرة فلا ننسى ما حفظنا. ~~ويكون حفظنا أضعف إذا حفظناها من شخص نتلوها بعده؛ لأننا هنا نفقد ~~رباطي النظر واللمس؛ وأقل ضعفا إذا لم نكتبها؛ لأن الكتابة تزيد رباط ~~اللمس باليد والإبهام. # وبالمخ ملايين من الخلايا التي تتصل بالمراكز الحسية؛ ولذلك يحدث إذا ~~نزعنا جزءا منه أن نجد أن الشخص قد عاد عقب النزع وهو لا يحس أي ~~نقص في ذكائه؛ لأن الشبكة التي قطع جزء منها بالنزع لم تنقطع، بل ما ~~زالت متصلة بملايين الخلايا إلى المراكز الحسية. وأحيانا يؤدي النزع ~~إلى فقدان مهارة صغيرة معينة، ولكن الذكاء العام لا يفقد. وتفسير ~~هذا أن المهارة الصغيرة المعينة مثل الخياطة أو الكتابة أو الرسم أو ~~ركوب البسكليت كانت تتحيز مركزا حسيا معينا، فلما تلف هذا المركز ~~فقدنا المهارة التي كانت متوقفة عليه، ولكن المخ - بملايين الخلايا ~~التي فيه - لم يضره هذا الفقدان؛ فالذكاء العام لا يزال كما هو؛ ~~ومن هنا قيمة المخ الكبير؛ لأنه في الأغلب يحوي تلافيف كثيرة تزيد ~~الفسحة التي تنمو فيها الخلايا فيزيد الذكاء، ولكن ضخامة الرأس ليست ~~مقياسا مؤكدا لصحة؛ لأن الرأس الكبير قد يعود إلى ثخانة القحف ~~العظمي، وقد تكون ضخامة في المخ مع قلة في التلافيف. # على أننا يجب ألا ننسى أن ثلثي البلد يتسمون برءوس صغيرة، ~~وأحيانا صغيرة جدا. وموكب التطور العام من الحيوانات الدنيا إلى ~~الإنسان يحملنا على الاعتقاد بأن زيادة الذكاء قد رافقت زيادة المخ؛ ~~لأن الإنسان أكبر الأحياء مخا من حيث المقدار المئوي. ولكن هناك ~~الإنسان النياندرتالي الذي انقرض وقحفه يدل على أن مخه كان أكبر من ~~مخنا؛ فإن قحفه كان يبلغ في تجويفه 1700 سنتيمتر مكعب، أما نحن فلا ~~نزيد على 1350 ms011 سنتيمتر مكعب. ومن العجب أن نتغلب نحن على هذا الإنسان ~~مع ذكائه هذا، وربما يكون التعليل الصحيح أنه لنقص عضوي لم يستطع ~~الكلام، واللغة تزيد الذكاء أو تجعله بالأحرى أداة للخدمة؛ فإذا ~~كان قد حرمها فإن ذكاءه لذلك لم ينفعه. # والدماغ طبقات أسفلها يقوم بأبسط الأعمال الغريزية، وأعلاها - وهو ~~المخ - يقوم بالوجدان وما به من تذكر وتخيل. وقد نزع جولتز ~~مخ كلب، فكانت العواطف لا تزال حية فيه؛ يحب ويكره، ويغضب ~~ويشتهي الجنس الآخر. ولكن التعبير عن هذه العواطف أصبح طليقا، بل ~~صارخا ليس له ضابط؛ فإذا حطت ذبابة على أنفه نبح نباحا ~~عاليا، وإذا نقل من مكانه كي يأكل نبح أيضا، مع أن هذا النقل كان ~~يجري كل يوم؛ ومن هنا نفهم أن التعلم يحدث بطريق المخ، وأن المخ ~~أيضا هو مكان الوجدان الذي يضبط العواطف. # قلنا: إن ضخامة المخ تدل - في ضوء التطور - على زيادة الذكاء، ~~ولكن ليس هناك برهان حاسم جازم على هذا الرأي. وربما يكون للذكاء أصل ~~في توزع الشرايين ومرونتها في خلايا المخ؛ أي إن القدرة على الذكاء ~~تحتاج إلى شبكة من الشرايين الصغيرة العديدة التي تغذي المخ بالدم؛ ~~فإذا كانت هذه الشبكة حسنة انتظم غذاء المخ وزادت القدرة على التفكير، ~~والعكس يحدث العكس. # | الغرائز والعواطف # كلمة «غريزة» من الكلمات الغامضة، وقد أدى غموضها إلى أن كثيرين من ~~السيكلوجيين يتجنبونها؛ فإن أي إنسان يستطيع أن يقول: إن المشي غريزة، ~~وإنه متى أتم الطفل عاما شرع يمشي منتصبا على قدميه. ولكن هناك حادث ~~الصبيتين الهنديتين اللتين خطفتهما ذئبة، فإنهما بقيتا إلى ~~ما بعد العاشرة وهما تجريان كالذئاب على أربع، وتستيقظان في لحظة ~~معينة في الليل وتعويان، وقد احتدت عندهما حاسة الشم دون سائر ~~الحواس. # وأسوأ ما يقع فيه المفكر العلمي أن يتناول كلمة مألوفة لها ملابسات ~~مختلفة، مثل عقل وروح ونفس وغريزة، فيستعملها لمعان علمية محدودة لا ~~تتفق مع ملابساتها القديمة وما تراكم عليها من أعباء أو زخارف ~~تقليدية وعقيدية. والعمليون الأوروبيون يقاطعون مثل هذه الكلمات ms012 ~~ويعمدون إلى اللاتينية أو الإغريقية القديمتين فيشتقون منهما ~~كلمات تؤدي المعنى الجديد بحدوده المعينة. # والاختلاف بشأن الغريزة كبير؛ فإن هناك من الحركة أو النشاط ما لا ~~نستطيع الحكم الحاسم فيه هل هو غريزة وراثية أم عمل اكتسابي؛ فقد ~~قبض على رجل كان يعيش في الغابات في أمريكا، فكان يأكل أطعمتنا ~~المألوفة ما دامت جامدة، أما الأطعمة المتميعة فكان يشمئز منها ويصد، ~~كما لو كان يكرهها بغريزته، مع أن الواقع أن بيئة الغابة هي التي ~~جعلته يكره التميع، كما أن الفتاتين الهنديتين لم تسع كل منهما على ~~أربع لغريزة موروثة، ولكن لتربية معينة في وسط الذئاب. # ولكن هناك من النشاط ما لا نستطيع أن نعزوه إلى تربية أو تعليم أو ~~محاكاة، فنقرر لذلك أنه غريزة موروثة، كالطفل الرضيع يفز إذا فوجئ ~~بصرخة، أو يبكي ويخاف إذا حرك جسمه بحيث يخشى السقوط، كذلك هو يرضع ~~بغريزته. ولعاب الصغار والكبار يجري وقت الجوع بحركة انعكاسية عند رؤية ~~الطعام، والشاب يلتفت إلى الفتاة بغريزته، وفي جميع هذه الانفعالات أو ~~أمثالها لا يعرف الطفل أو الصبي - بل حتى الشاب أحيانا - الغاية من ~~هذه الدوافع. # ومن أشق الأشياء أن نعرف الغريزة، وقصارى ما نقول فيها: إنها مركز ~~بؤري يتشعع منه نشاط نفسي، وإن الغريزة حين تحتدم أو تلتهب نسميها ~~عاطفة أو انفعالا، فغريزة التناسل قائمة في كل إنسان، ولكنها حين ~~تحتدم نسميها: الغريزة الجنسية، وأذكر إلى جانبها عواطف الغضب ~~والسرور والقتال والخوف. # ونستطيع أن نقول: إن الغرائز دوافع حيوانية قديمة لا تزال باقية في ~~كياننا النفسي كبقاء اللحية والأظافر والشعر في كياننا الجسمي، وإنها ~~«أجهزة» يراد بها سرعة العمل بلا تفكير، وتوجيه الشخص نحو السلامة في ~~بيئة وحشية. # وهناك من يقول: إن الغريزة حركة انعكاسية بسيطة أو مركبة، فهي ~~بسيطة حين نغمض العين لمفاجأة الضوء لنا، وهي مركبة حين نختبئ ~~من العدو أو نذبح الخروف أو نبني المنزل. وجميع نشاطنا الذهني أو ~~النفسي يعود في النهاية إلى مجموعة الغرائز التي تحتويها النفس. وقد ~~تكون هذه الغرائز ms013 أربعا أو عشرا أو عشرين، ولكن أغلب الظن أنها أقل ~~من ذلك، وإن كثيرا مما يسميه مكدوجال «غرائز بيولوجية» إنما هو ~~مركبات نفسية اجتماعية على أساس من ثلاث أو أربع غرائز أصلية، كما ~~أنه ليس شك أيضا في أن كثيرا مما نسميه نشاطا غريزيا إنما هو في ~~الواقع نشاط اجتماعي، وهنا يجب أن نذكر 14 نوعا من النشاط يسميها ~~مكدوجال «غرائز» وهي: ~~(1) # الغريزة الأبوية، تؤدي إلى حماية الصغير والضعيف ~~والإغاثة. ~~(2) # الغريزة الجنسية، تؤدي إلى المغازلة والتزاوج. ~~(3) # الغريزة للطعام، تؤدي إلى التجوال والمطاردة. ~~(4) # الغريزة للخوف، تؤدي إلى الهرب والمطاردة. ~~(5) # الغريزة للقتال، تؤدي إلى الهجوم والتدبير. ~~(6) # الغريزة للبناء، تؤدي إلى صنع الأشياء وإقامة ~~بيت. ~~(7) # الغريزة للاستطلاع، تؤدي إلى الاكتشاف والتشمم ~~والاستفهام. ~~(8) # الغريزة للاشمئزاز، تؤدي إلى التجنب والبصق، إلخ. ~~(9) # غريزة الامتلاك، تؤدي إلى الجمع والادخار وصيانة ~~العقار. ~~(10) # غريزة الاستغاثة، تؤدي إلى الصراخ والنداء ~~والبكاء. ~~(11) # غريزة الاجتماع، تؤدي إلى الرغبة في البقاء في ~~مجتمع. ~~(12) # غريزة الإعلان، تؤدي إلى القيادة والمنافسة ~~والعرض. ~~(13) # غريزة الخضوع، تؤدي إلى الاحترام والخشوع ~~والانعزال. ~~(14) # غريزة الضحك، تؤدي إلى الضحك. # ونحن نشاهد أن أدنى الحيوانات كالإسفنج يعتمد على رجع انعكاسي ~~بسيط، ثم نجد السلوك الغريزي العام في الحشرات. وأرقى الحيوانات - وهو ~~الإنسان - يعتمد في سلوكه على أسس فقط من الغرائز، ولكنه يبني عليها ~~وينقحها بعقله. والوجدان الذي يحدث التعقل قد يكون في النهاية ~~ترددا بين الغرائز أو تنقيحها أو مداورة لها. وهذا التنقيح في الغرائز ~~يوجد في الإنسان أكثر مما يوجد في سائر الحيوانات العليا كاللبونات؛ ~~أي: الرواضع. # والرجع الانعكاسي؛ مثل: إغماض العين لمفاجأة الضوء، ومثل: تحرك ~~اللعاب عند رؤية الطعام، هو أبسط النشاط العصبي. وقد لا يختلف هذا ~~الرجع في النهاية عن اتجاه الجذور في الشجرة نحو الرطوبة، أو اتجاه ~~الورق نحو الضوء، أو اتجاه الفراشة نحو المصباح. وعند بافلوف الروسي أن ~~جميع نشاطنا إنما هو رجوع انعكاسية مكيفة؛ أي: معدولة عن أصلها؛ فإن ~~لعابي يتحرك وقت الجوع عند رؤية الطعام؛ فمن هذه الحركة الانعكاسية ~~الحيوانية الساذجة نشأ فن الطهي ms014 وصنع الخزف وكرم الضيافة والتصدق. ومن ~~الرجوع الانعكاسية الأبوية أو بالأحرى الأموية نحو الطفل نشأت الرحمة ~~وكراهة القسوة، بل كراهة استيلاء الإنجليز على الهند. ومن الرجع الجنسي ~~نشأت العائلة وفن البناء للبيوت وغيرها من النظم الاجتماعية التي تحمي ~~الممتلكات. # وتجري العاطفة في كياننا النفسي على النسق التالي: # معرفة، ثم عاطفة، ثم حركة. # مثال ذلك أني قاعد أقرأ في مكتبي: ~~(1) # فأسمع حركة كأنها خشخشة فأر = معرفة. ~~(2) # يغمرني قلق وتوجس = عاطفة؛ أي: انفعال. ~~(3) # أهب وأستطلع = حركة. # وهذا هو الشأن في العواطف، ولكن يجب ألا ننسى أن العاطفة والحركة ~~تسيران معا في تصرفنا، ولا نكاد نستطيع الفصل بينهما، والعواطف - على ~~ما تبدو لنا من السكون - إنما هي حركات؛ لأني أحس سرعة الدق في القلب ~~حتى وأنا متجلد قاعد عند القلق، والفرق بين حركة القلب (= عاطفة) ~~وحركة القدمين (= نهوض وبحث واستطلاع) ليس كبيرا. # ونحن نتحرك في هذه الدنيا بعواطفنا؛ أي: نسعى للعيش ونجد لتحقيق ~~الطمأنينة، ونتزوج ونقتني العقار، ونؤيد النظم الاجتماعية، ونطلب العدل ~~ونجحد الظلم؛ لأننا نستند إلى أربع أو خمس غرائز أصلية تكيفت وعدل بها ~~عن أصلها، وترتبت إلى مئات من الدوافع الاجتماعية؛ فقد أقعد إلى ~~مكتبي كي أؤلف كتابا عن الدين أو الفلسفة، فما هي العاطفة التي تدفعني ~~إلى هذا الجهد؟ وما هي الغريزة الأساسية التي ترجع إليها هذه ~~العاطفة؟ # كلنا يسلم بأن الطفل الرضيع يخشى السقوط بغريزته، ومعنى هذا أنه ~~يحب أن يطمئن إلى مكانه؛ أي: مهده، ونحن الكبار نعيش بهذه الغريزة ~~أيضا ونتوخى الطمأنينة، وإنما مهدنا هو الدنيا أو حتى الكون كله. ~~والجهد الذي أبذله في إيضاح الفلسفة أو الدين إنما هو عاطفة الخوف، ~~تبعثني على أن أنشد الطمأنينة النفسية أو الذهنية على مسرح عالمي أو ~~كوني. وبالطبع قد اشتبكت مع هذه العاطفة جملة عواطف أخرى، منها ~~الرغبة في التقدير الاجتماعي لشخصي، والكسب المادي من بيع الكتاب، ~~والانتصار على الخصوم الذين لا يوافقونني على فلسفتي، ولكن البؤرة ~~الأصلية هي الرغبة في الطمأنينة. # والعاطفة هي القوة الموطرية للنفس البشرية، وهي التي ms015 تبعث على الجهد ~~والمثابرة؛ ومن هنا نفهم كيف يسهل علينا تعليم الطفل الحساب بالنقود؛ ~~نسلمه القروش والمليمات ونجعله يشتري ويميز بين الحلويات والمسليات ~~التي يقتنيها؛ فإنه لا تمضي عليه أيام حتى يحذق غير قليل من الجمع ~~والطرح، لا يحذق عشرهما إذا تعلم بأرقام مجردة على الورق؛ ومن ~~هنا شجاعة الجندي البريطاني يدافع عن الإمبراطورية البريطانية، وفتور ~~الجندي الهندي في دفاعه عنها. ومن هنا التعب يحسه العامل عند ~~الساعة السادسة مساء بعد مجهود النهار، ثم نشاطه في هذه اللحظة بالذات ~~عندما يعرض عليه العمل ساعة أخرى بأجر ساعة ونصف. ومن هنا أيضا هذا ~~المجهود العظيم الذي تبذله الأم في الاستيقاظ أربع مرات لإرضاع طفلها ~~في الليل، بل السهر عليه طوال الليل إذا كان مريضا دون أن تحس ~~إعياء يذكر؛ ففي كل هذه الحالات أحدثنا قوة موطرية (عاطفة) ~~تحرك النشاط الذهني والجسمي، سواء في الطفل بالحلوى، أو في الأم ~~بالقلق على ابنها، أو في الجندي بوطنيته، أو في العامل بالكسب ~~الزائد. # نحن نتحرك في هذه الدنيا بالعواطف التي ترجع إلى غريزة واحدة، أو إلى ~~بضع غرائز كل منها مركز بؤري يتشعع منه النشاط النفسي أو الذهني أو ~~الجنسي. # | الغريزة الأصلية # ما هي الغريزة الأصلية التي تتحرك بها إلى النشاط والعمل والقتال ~~والكفاح؟ أي: ما هي البؤرة الملتهبة التي يتشعع منها نشاطنا في مختلف ~~نواحيه؟ أي: ما هي العاطفة أو العواطف التي تحمل ألمانيا على الحرب، ~~كما تحمل حزب المحافظين في بريطانيا على كراهة الاشتراكيين، كما تحمل ~~الرجعيين على كراهة الحرية في مصر، كما تحمل الكاتب الضعيف على البذاء ~~والسباب، كما تحمل العمال على الإضراب، كما تحمل كافة الناس على جمع ~~المال، كما تحمل التلميذ على الدراسة؟ وأخيرا: ما هي العاطفة التي ~~تحمل المجنون على الدعوى بأنه ملك فيستقر مرتاحا إلى هذه ~~الدعوى؟ # هل هناك غريزة واحدة أو جملة غرائز تحرك فينا عواطف تبعثنا على بذل ~~المجهود الجسمي والذهني والنفسي الذي نعيش به؟ # كان فرويد يعزو إلى الغريزة الجنسية جميع ألوان النشاط البشري، ms016 وكان ~~يتوسع في معنى هذه الغريزة، حتى كان يراها في الطفل وهو يرضع أمه ~~بإيقاع، كما كان يراها في النشاط الفني الذي نتوخى به الجمال. ولا ~~يستطيع أحد يعرف حقيقة التطور، أن ينكر قيمة الغريزة الجنسية؛ ~~وحسبك نظرة عاجلة إلى ذكرين من الحيوان يتقاتلان على أنثى كي ترى قوة ~~العاطفة الجنسية. كما أن آلاف القصص الشائعة بشأن الحب تبين لنا مقدار ~~المجهود الذي تتحيزه هذه العاطفة في النفس البشرية. # وكان فرويد يعتقد أن كظم العاطفة الجنسية هو الذي يؤدي إلى جميع ~~حالات الجنون؛ لأن هذا الكظم يسد القناة الأصلية للعاطفة، فتحتال ~~للبروز بأساليب شاذة، وتخرج من هنا متسللة ومن هناك متفجرة. # وكان أدلر يعتقد أن غريزة التسلط أو الرغبة في السيطرة بجميع ألوانها ~~كالتفوق، أو البروز المالي أو الاجتماعي أو الجنسي، أو الرغبة في ~~التقدير من الأقران ونحو ذلك، هذه الغريزة هي الأصل للنشاط النفسي كله، ~~وأن صد هذه الغريزة أو عرقلتها هما السبب، لجميع الأمراض والشذوذات ~~النفسية. # ونحن نعيش في مجتمع يغرس فينا عادات نفسية وذهنية تجعلنا نخطئ ~~التفسير لكثير من دوافعنا (= عواطفنا) التي قد تكون أحيانا اجتماعية، ~~ولكنا - لأن لها حرمة كبيرة أو ممارسات مكررة - نحسبها طبيعية، ثم ~~هناك أيضا من النظم الاجتماعية ما يحرمنا ممارسة نشاط نفسي معين، ~~أو يجعل هذه الممارسة شاقة، فنجد أثر هذا الحرمان في صعوبات نفسية ~~مختلفة، فتبرز قيمة هذا النشاط في وجداننا أكثر مما كان يجب، ففي عصر ~~فرويد مثلا، حين تمخض بنظريته عن الغريزة الجنسية، كان القحط الجنسي ~~عاما في جميع الأمم تقريبا، وكان كثير من الأمراض النفسية يعزى ~~إليه ويعالج في ضوئه، ولكنا لا نجد هذا القحط الجنسي الآن في ~~الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، ومع ذلك نجد الأمراض النفسية على ~~أفشاها وأخطرها. # وقد حدثت في أيامنا حربان قتل فيها نحو 30 مليون إنسان، وظهرت ~~فيها آلاف الأمراض النفسية التي لا ترجع إلى أسباب جنسية، ثم ظهرت ~~أيضا ونمت وزكت هذه الأمة الروسية التي جحدت مبدأ المباراة في ~~العيش، واعتمدت على ms017 مبدأ التعاون، وكان من أعظم ما التفت إليه ~~السيكلوجيون في هذا المجتمع الجديد خلوه تقريبا من الأمراض ~~النفسية، والنظام القائم في روسيا يحول دون السيطرة والتسلط أو البروز ~~أو التفوق، وإذن أين أدلر الذي يقول: إن غريزة التسلط هي أقوى غرائزنا، ~~وإنها بؤرة النشاط التي يتشعع منها سائر دوافعنا الحيوية؟ # الحق أن كلا من فرويد وأدلر كان ضحية العصر الذي عاش فيه، هذا ~~العصر الذي حفل بالمباراة القاتلة التي كانت تبعث كل إنسان على توخي ~~الطمأنينة بالتفوق والتسلط كما كان حافلا بالقحط الجنسي الذي حرم ~~كثيرا من الفتيات والشبان من الزواج. # وحسبنا أن نرجع في تفسير البؤرة الأصلية للنشاط البشري إلى ~~الطفل في أيامه وشهوره الأولى، فإننا نجد فيه غريزة لم يتعلمها؛ هي ~~خوفه من السقوط؛ أي: رغبته في الاطمئنان على مهده، فلم لا تكون هذه ~~الغريزة الأصلية لجميع ألوان نشاطنا مهما اختلفت هذه الألوان، بل إن ~~الاعتماد على هذا التفسير يوضح لنا في بيان ناصع موقف فرويد وموقف ~~أدلر. # فحيث يكون القلق والاضطراب والخوف والتوجس من المستقبل يكون البعد عن ~~الطمأنينة، فيحس أحدنا كما لو كان طفلا على وشك السقوط، وقد يتخذ ~~هذا القلق صورا مختلفة تتلون بألوان المجتمع الذي يعيش فيه كل ~~منا. # ففي مجتمع تتأخر فيه سن الزواج وتكثر العوانس ويبدو المستقبل قاتما ~~للكثير من الفتيات يعم الخوف كيانهن، ويعود هذا الخوف كأنه كل شيء ~~في حياتهن، وتبدو العاطفة الجنسية كأنها بؤرة النشاط النفسي، وتجب أن ~~تكون كذلك في مثل هذا الوسط، وهنا تفسير السيكلوجية الفرويدية. # وفي مجتمع تعم فيه المباراة في الكسب كما يعم الفقر، ويحدث التعطل ~~وما يجلبه من تعاسة وحرمان وفاقة يتجه النشاط نحو التفوق والتسلط، ~~والخوف من السقوط في هذه المباراة يكون هما لا ينقطع، وهنا تفسير ~~السيكلوجية الأدلرية. # فبؤرة النشاط البشري كله هي الخوف، خوف الطفل من السقوط من المهد، ثم ~~خوف كل إنسان بعد ذلك من الفقر والحرمان في المجتمع، وخوف الفتاة من أن ~~تعيش عانسا، وخوف الجندي من القتل أو ms018 الطيار من السقوط، وخوف التلميذ ~~من الرسوب، وخوف الرجعي من الحرية التي تحرمه وسيلة العيش، وخوف ~~ألمانيا من تألب الدول المحيطة بها عليها، وخوف المحافظين من الإنجليز ~~من المبادئ الاشتراكية التي تحرمهم امتيازاتهم، وخوف الساسة الإنجليز ~~من استقلال الهند التي يستغلونها. # فالخوف هو المحرك الأصلي، وهو الذي يبعث على الشجاعة والمخاطرة، بل ~~والاقتصاد والتدبر والحكمة، ولكن إذا زاد هذا الخوف ولم نجد له علاجا ~~مرضنا، ولو بالكابوس في النوم، أو بانحرافات أخرى بسيطة أو خطيرة، ~~وحيث يقل الخوف وتعم الطمأنينة تصبح الأمراض النفسية معدومة أو ~~كالمعدومة، وهذا هو ما حدث في روسيا؛ حيث ألغيت المباراة، وصار جميع ~~السكان كالمتساوين في الكسب والكرامة، ولم يعد هناك كظم للخوف من ~~الفقر أو المرض أو السقوط الاجتماعي أو البقاء في عزوبة دائمة، بل لم ~~يعد هناك خوف من ضياع الثروة؛ إذ ليس لأحد ثروة مكنوزة، وليست هناك ~~بورصة للأوراق المالية التي ترتفع وتنخفض فيرتفع في إثرها ضغط الدم ~~وينخفض، وتحدث الوفيات من النقطة والسكتة، كما تؤدي الصدمات إلى البول ~~السكري. # فالغريزة الأصلية التي تحركنا نحن وجميع الحيوانات إلى النشاط هي ~~الخوف، وما زلنا - بالمجاز - حيوانات مثل أسلافنا نعيش على الأشجار ~~ونتعلق بالغصون ونخشى السقوط، وما زلنا نخشى الغول والعفريت في ~~الغابة. # اعتبر هذه الحادثة التالية الواقعية: # زوجة مصرية في نحو الخامسة والثلاثين تحب زوجها، وهو صانع متيسر ~~يكسب، ويقضي بعض أمسيته على القهوة، وهو ثرثار لا يتحفظ، وكانت هذه ~~الزوجة نحيفة في مجتمع يقدر الجسامة والدسامة، وكان زوجها يتحدث من ~~وقت لآخر عن هذه المرأة السمينة وهذه الأخرى الجميلة، فكانت تغار، ~~والغيرة خوف متردد، وكانت هذه الغيرة تبعثها على التجمل وتحملها على ~~اتباع الوصفات البلدية كي تسمن، ولكنها لم تسمن، فصارت الغيرة خوفا ~~وقلقا، ولم تر علاجا، فكظمت، ففي ذات مساء دخل الزوج واقترب منها؛ ~~فإذا بها تصرخ وتستغيث بالجيران، فلما اجتمعوا زعمت أن هذا الزوج ~~يطلب منها نجاسة ورجسا، مع أن لها منه ثلاثة أولاد. # والتفسير: أن عجزها عن أن تسمن، وخوفها ms019 من أن يتزوج زوجها ~~امرأة أخرى سمينة، وانسداد المستقبل في وجهها، حمل عقلها الكامن على ~~أن تلجأ إلى أكذوبة ترتاح إليها وتطمئن إليها في الدنيا، وهي أنها ~~«ولية» أي: قديسة، لا تحتاج إلى الأزواج (= العنب حصرم)، وأنها مستغنية ~~عن زوجها الذي يطلب منها رجسا، ولبست بعد ذلك ثياب الأولياء ~~والقديسين، ثم انتهت إلى المستشفى؛ أي إن نفسها القلقة احتالت بأسطورة ~~كي تصل إلى السلامة والطمأنينة اللتين لم تجدهما في الحقيقة ~~الواقعة. # إذا كانت الغريزة الأصلية هي الخوف، فإن لها ناحية إيجابية في ~~الإنسان، هي أننا في مجتمعنا الحافل بالمخاوف والقلاقل ننشد القوة ~~والوجاهة، فنجمع المال والرتب العالية، وأحيانا نستميت في طلب القوة ~~ونموت؛ لأننا ننسى - مثلا - أن المال وسيلة للطمأنينة الاقتصادية فقط، ~~فنجهد في جمعه حتى نمرض، أو نصل إلى الطمأنينة المنشودة منه ثم لا نكف ~~عن جمعه، وأحيانا نبذل هذا المال للحصول على وجاهة زائفة. # وأحيانا تسيطر علينا عاطفة القوة أو الوجاهة أو الكرامة الاجتماعية؛ ~~بحيث تنسينا حتى شهواتنا البدائية، انظر إلى الطفل حين نشتري له ~~الشكولاتة؛ فإنه يحبس شهوته إليها ولعابه الجاري، ويحتفظ بها حتى يصل ~~إلى البيت فيعرضها في كبرياء على إخوته ثم يأكلها، وكلنا تقريبا هذا ~~الطفل في مجتمعنا، نحب أن نقتني كي نفاخر ونباهي قبل أن نستهلك ما ~~اقتنينا، أو قد لا نستهلكه بتاتا؛ لأن لذة المفاخرة والمباهاة تبعد ~~عنا الخوف وتشعرنا بالقوة، وحسبنا هذا. # | الجسم يؤثر في العقل # السيكلوجية هي علم السلوك البشري؛ أي: كيف يسلك الإنسان في مجتمعاته ~~المختلفة؟ وكيف ينبعث إلى النشاط؟ وماذا يجعله يفتر في عمله؟ ولماذا ~~يحب أو يكره؟ وكيف يكون إنسانا سويا؟ ولماذا يشذ أحيانا؟ وما هي ~~بواعث الإجرام أو الجنون؟ ثم ما هو الذكاء والعبقرية أو البلاهة ~~والغفلة؟ وكيف يتصرف التصرف الحسن أو التصرف السيئ؟ وكيف يتكون عقله ~~وينضج؟ وكيف تتكون نفسه وتنضج؟ وكيف تتكون شخصيته وتنضج؟ # وشخصية الإنسان ونفسه وعقله هي ثمرة وراثته البيولوجية؛ أي: ما ~~ورثه منذ ملايين السنين، كما هي ثمرة بيئته الاجتماعية التي نشأ ms020 ~~وتعلم وتعود فيها عاداته واتخذ قيمها المختلفة. # وهذا الموروث البيولوجي قلما نستطيع تغييره؛ فالمخ الصغير الذي ~~تقل تلافيفه لا نستطيع تغييره إلى مخ كبير كثير التلافيف، والشخصية ~~الانطوائية نعجز عن إحالتها إلى شخصية انبساطية، وبنية الجسمية ~~بأعضائها الداخلية تؤثر في المخ وتؤدي إلى ميزات أو مساوئ نفسية، فمن ~~المعروف - مثلا - أن كلا منا يحمل عناصر نسوية، يدل على هذا الثديان ~~في صدره ووجود رحم صغير في أسفل بطنه، وليس هذا ضرر، ولكن ماذا يحدث ~~إذا زادت هذه العناصر على المألوف؟ وكذلك الشأن في كل امرأة؛ إذ هي ~~تحمل عناصر رجلية إذا زادت فيها اختلت شخصيتها، وعندما ينقطع الحيض ~~نهائيا حوالي سن 48 أو 49 تبدو هذه العناصر وتزداد وضوحا بمرور ~~السنين، حتى إن بعض النساء يحتجن في سنة السبعين أو الثمانين إلى حلق ~~شواربهن كالرجال. # وتأثير الجسم في العقل يعود إلى هورمونات الغدد الصماء؛ أي: إفرازات ~~تلك الأجسام الصغيرة التي تفرز سوائلها في الدم مباشرة، وليست لها ~~قنوات تحمل هذه السوائل، وأهم هذه الغدد التي تقرر للرجل رجولته هي ~~الخصيتان؛ فإنه إلى جنب إفرازهما القنوي (أي: المني للتناسل) نجد ~~إفرازا آخر يدخل الدم مباشرة، وهو الذي يكون مظاهر رجولتنا؛ مثل ~~اللحية والشوارب وغلظ الصوت ونحافة الأليتين، ثم مع هذا حيوية الرجل ~~وخفته وإقدامه، ومثل هذا يقال بشأن المبيضين في المرأة في إكسابها صفات ~~النساء العضوية والمزاجية، واذكر كيف أن الخصيان الذين تقطع ~~خصاهم يتخذون هيئة النساء، وكيف أن المرأة عقب قطع الحيض بعد الخمسين ~~تعود فتتخذ شيئا من هيئة الرجال ومزاجهم، وهناك غدد أخرى مثل الغدة ~~الدرقية في العنق، وهما اثنتان إلى يمين قصبة العنق ويسارها، ونقص ~~الإفراز منهما يؤدي إلى تعطل النمو أو وقفه وإلى خمول الذهن أو ~~الغفلة، وهما يزودان الجسم بقوة المثابرة على الجهد. # ثم هناك الغدتان الأدريناليتان فوق الكليتين، وهما لتزويد الجسم ~~بالانبعاث الفجائي وقت الغضب أو الخوف؛ ولذلك تصل هذه الغدة إلى أكبر ~~حجم في الأسد وسائر عائلته من الببرة والنمور والقطط؛ لأنها كلها تحتاج ms021 ~~إلى حشد قوتها للوثوب، وكذلك تكبر في الحيوانات التي تحتاج إلى الفرار ~~السريع كالغزلان والفئران، فغدتنا الدرقية أكبر من غدة الأسد، ولكن ~~الغدة الأدرينالية عنده أكبر مما عندنا، والنتيجة أن الأسد حيوان ~~الوثوب الانفجاري والحرب الخاطفة، أما الإنسان فحيوان المثابرة والصبر ~~على المشاق. # وانظر إلى الفأر والفيل، فكلاهما حيوان لبون، ولكن حياة الفيل هادئة ~~مستقرة، ولذلك فإن الغدة الدرقية عنده تكاد تساوي الغدة الأدرينالية، ~~أما الفأر فيعيش في حرب خاطفة يثب ويفر؛ ولذلك فإن الغدة ~~الأدرينالية عنده تزيد بمقدار تسعة أضعاف الغدة الدرقية، ويتضح هذا في ~~دقات القلب في كل منهما، فهي في الدقيقة 27 عند الفيل و300 عند الفأر، ~~ونحن نذكر هذه الحيوانات كي نقول: إنه إذا زاد إفراز الغدة الأدرينالية ~~في الإنسان زادت دقات قلبه فكان سريع الغضب متفززا سريع ~~الأجفال. # ثم هناك الغدة النخامية، وهي في أسفل المخ، وتأثيرها كبير جدا في ~~تكوين الشخصية، حتى إن بعضهم سماها «رئيسة الجوقة الغددية» لأنها تؤثر ~~في سائر الغدد، وتعين اللحن العام للسلوك. # وهناك أنواع من النقص الذهني الذي ينشأ من نقص في الغدد، وأحيانا ~~تمكن معالجته بأن يحقن الجسم بالمفرزات التي تحضر من أجسام - أي ~~غدد - الحيوانات، وكلنا يعرف أنه تمر بنا فترة في حياتنا «حوالي سن ~~15» نحس فيها بفورة جنسية تقارب الجنون، وهي ترجع في الأغلب إلى ~~وفرة الإفراز الخصوي، ولكن هذا الميدان لا يزال إلى الآن بكرا ~~ومستقبله أكبر من حاضره. # ونستطيع أن نرتب الناس بحسب أمزجتهم، فنقول: المزاج الأدرينالي للشخص ~~الانفجاري المتفزز الذي يمتاز بالنزوة والاندفاع، ونقول: المزاج الدرقي ~~للشخص الصبور المتجلد المثابر، ونقول: المزاج النخامي - على قلة ~~معرفتنا هنا - للشخص الذكي المتزن. # ومن هنا يرى القارئ أننا لا نتصرف في هذه الدنيا بالعقل فقط، بل بكل ~~الجسم؛ فإن حالة الدم ودرجة الحرارة ومعدل الفيتامينات وهورمونات (= ~~إفرازات) الغدد الصماء وسلامة الحواس والمخ، كل هذا يؤثر في تفكيرنا ~~وسلوكنا، والسيكلوجية هي لهذا السبب «علم النفس»؛ أي إنه يدخل في ~~اعتبارها كل هذه الأشياء وليس العقل وحده، وفي ms022 مصر العظيمة المسكينة - ~~حيث يعيش أحد الناس بألف أو مائة جنيه في اليوم ويعيش آخر بثلاثة قروش ~~- يتفشى بين الفقراء مرض البلاجرا الذي ينشأ من نقص غذائي فيتاميني، ~~ويؤدي إلى بلاهة ترى في كثير من الفلاحين الفقراء. # وسنرى في فصل قادم أن شكل الجسم يؤثر في الاتجاه الذهني؛ فالشخص ~~النحيف، طويل الوجه (= الانطوائي) يختلف من الشخص السمين المتكتل ~~القصير الذي يستدير وجهه (= الانبساطي) من حيث المزاج والتصرف ~~والاتجاهات الذهنية. # | العقل يؤثر في الجسم # في سنوات الحرب الماضية كنا نجد في القاهرة وقت الغارة أن سيفونات ~~المراحيض يتكرر شدها؛ لأن الخوف من قنابل الطائرات كان يؤثر في الأمعاء ~~ويحركها على غير ميعاد، وكلنا سمعنا عن بعض الناس يفجئون بخبر مزعج ~~فيبولون، وأكثر من ذلك، فقد يؤثر الخبر المزعج في أحد الناس فيموت ~~بسكته القلب أو بنزف في المخ، وأحيانا تؤدي الكارثة إلى مرض البول ~~السكري، كالأم تسمع عن حادثة وقعت لابنها، أو المالي يبلغه ~~خبر السقوط العظيم في قراطيسه المالية بالبورصة، أو نحو ذلك، فتؤدي ~~الصدمة إلى إصابة بالبول السكري، وأحيانا نتأثر بحادثة فنصد عن ~~الطعام؛ فإذا زاد التأثر حدث التهاب في الأمعاء فنتبرز مخاطا ودما ~~مما يسميه عامتنا «التعنية»، وقد تحدث قرحة بالمعدة أو يلتهب الجلد بما ~~يسمى «أورتيكاريا». # والهم هو في التعبير السيكلوجي «خوف متكرر» يتناوبنا من وقت لوقت، ~~وهو يحدث هذه الأعراض التي ذكرناها أو أحدها، وقد زادت وفيات ~~السكتة في أيامنا، وليس لها من سبب في الأغلب إلا زيادة الهموم؛ لأن ~~تكاليف الحياة المادية والمعنوية زادت إلى حد لا يطاق، فنحن نفكر في ~~مخاوفنا ونجترها ونقلق فيؤثر كل هذا في أجسامنا، في القلب والشرايين ~~والبنكرياس والأمعاء، وربما في أكثر من ذلك؛ أي إن العقل يؤثر في ~~الجسم، وقد كان آباؤنا يعيشون قانعين، وكان طموحهم «قرويا» لا يكلفهم ~~كثيرا من الجهد فكانت همومهم معتدلة، أما نحن فنسرف في الطموح ونتعلق ~~بالنجوم، فهمومنا كثيرة التكاليف والأعباء التي نعجز عن ~~تحملها. # وليس منا من لم يعرف أن دقات القلب تسرع ms023 وقت الغضب أو الإزعاج، ~~أو أن العرق يتصبب وقت الخجل أو الخوف، والخطيب يحس جفافا في حلقه ~~فيطلب الماء، ووقت الاضطراب يسرع تنفسنا وتصفر وجوهنا، ~~وأحيانا يغمى علينا من الخوف، بل أحيانا نتجمد كما يحدث في ~~الكابوس. # كل هذه الأعراض مألوفة واضحة، ولكن هناك أعراضا أخرى لتأثير العقل ~~في الجسم تخفى علينا، مثال ذلك: شاب يعمل كاتبا في إحدى المصالح، وهو ~~لا يكاد يقعد على كرسيه كي يشرع في العمل حتى يحس كأنه في إعياء ~~قد فقد كل نشاطه ويود لو يضع رأسه على منضدته وينام، وقد يفعل ذلك، ~~وليس جسمه متعبا، وإنما كل ما فيه أنه يكره عمله ويحب لو يستبدل به ~~عملا آخر يهواه؛ ولذلك فإن إعياءه هو من إملاء عقله (= نفسه) وهو ليس ~~إعياء، وإنما هو سخط وكراهة. # والهموم إذا كانت معتدلة صارت مفيدة؛ لأنها تحفزنا إلى العمل ~~وتنشطنا، وهي عندئذ أولى بأن تسمى اهتمامات بدلا من هموم، ~~والفرق بين الاهتمام والهم أن الأول يتناول موضوعا نعالجه فننجح أو لا ~~ننجح، أما الهم الثقيل فهو اجترار لموضوع نخشاه، فنعاوده دون علاج، ومن ~~هنا تأثيره السيئ، بل من هنا الحكمة القائلة: «إذا كنت تشك في شيء ~~فخاطر فيه»؛ أي: انته منه بصورة ما. # وقد قلت الأمراض البكتيرية (المعدية) في الطبقة المتوسطة؛ لأن ~~الغذاء تحسن وأساليب النظافة ارتقت، ولكن الأمراض العضوية زادت ~~لازدحام الهموم وإرهاقها؛ لأن أفراد هذه الطبقة يعيشون في مباراة ~~قاتلة، ويكنون في قلوبهم مطامع ترهقهم، فعقولهم تؤثر في ~~أجسامهم أسوأ الأثر، وهم ليسوا في حاجة إلى عقاقير حسنة قدر حاجتهم ~~إلى فلسفة حسنة يعيشون بها راضين؛ لأن التوتر النفسي من الهم يؤدي إلى ~~توتر شرياني ثم إلى تصلب في الشرايين ثم إلى موت مبكر بالانفجار ~~المخي. # وسنرى في فصل قادم عن «الإيحاء» كيف يؤثر العقل الأثر الحسن ~~في الجسم، وأيضا كيف يؤثر الأثر السيئ، ولكنا نقول هنا: إن ~~عامتنا يعرفون الكثير من أثر النفس (= العقل) في الجسم؛ فإن الفلاحين ~~يعزون بحق مرض الجلوكوما في العين إلى ms024 ما يسمى عندهم «نزول» عقب حزن أو ~~كمد، والأكزيما التي تطفح على الجلد في تعود إلى توتر نفسي، بل أحيانا ~~يحدث الربو من مثل هذا التوتر، وقد كان الرومانيون يقولون: إن العقل ~~السليم في الجسم السليم، ولكن عكس هذا القول صحيح أيضا، بل أصح؛ لأن ~~الحاقد والحاسد والخائف والمتشائم يؤدي توترهم النفسي إلى توتر شرياني ~~أو إلى مرض آخر مؤذ لأجسامهم. # قال الدكتور بارتي بروكس - الجراح الأمريكي المشهور: # إن الجراح الذي مرت به اختبارات كثيرة يذكر - بلا شك - ~~إحدى العمليات التي أتمها في نجاح كما استأصل فيها المرض ~~تماما ولم يجد عقب العملية أية علامة تدل على مضاعفات، ولكن ~~المريض بعد ما بدا عليه من التقدم نحو النقه فقد الاهتمام ~~بما حوله وبنفسه، ثم تدرج - في غير ألم، وكأنه لا يهدف ~~إلى غاية معينة - إلى الموت ولم يكشف التشريح عقب الوفاة عن ~~إيضاح مقنع. # وهذا المثل يدلنا على تأثير النفس في الجسم، وكلنا يذكر أمثلة أخرى ~~تشبه ما رواه الجراح، كالأم المحتضرة تكافح الموت وتنتظر ابنها ~~الغائب؛ فإذا حضر ماتت، ففي المثل الأول تضعضع المريض وفقد ~~إرادة الحياة ومات، وفي المثل الثاني تشبثت الأم بالحياة وأرادت ~~البقاء حتى رأت ابنها. # وهناك أمراض كثيرة نتوهم أنها عضوية؛ أي: في الجسم فقط، وأن ~~النفس لا شأن لها فيها، ولكن قليلا من التأمل يدلنا على أنها في ~~الأصل أمراض نفسية، تتصل بالإرادة والاتجاه كالخوف والقلق والهم ~~والتشاؤم. # اعتبر رجلا يخاف المستقبل ويقلق على معاشه ويتشاءم؛ فإن هذه ~~الحال النفسية تزيد ضغط الدم في شرايينه التي تتصلب بعد سنين من قوة ~~هذا الضغط، ثم يتعب هذا القلب، فيكون المريض عرضة للسكتة في القلب أو ~~«النقطة» بالانفجار في المخ؛ فالمرض هنا عضوي وقد انتهى بالوفاة، ولكنه ~~كان في الأصل نفسيا؛ لأن المريض اتجه وجهة سيئة نحو الدنيا، وتحمل من ~~الهموم أكثر مما كان يطيق فأرهق نفسه ثم أمرض جسمه. # في سنة 1934 عمد الدكتور ف. دونيار إلى 1300 مريض بمرض القلب ومرض ~~الديابيطس؛ أي: البول ms025 السكري، وأيضا - وهنا المفارقة - بكسر العظام؛ ~~فإن من البعيد على أي إنسان أن يقول إلى ذراعه كسرت أو ضلوعه تهشمت أو ~~قدمه رضت لأسباب نفسية، ولكن الدكتور ف. دونيار وجد هو ومعاونوه أن نحو ~~80 في المائة من هذه الحالات؛ أي: ألف حالة تقريبا من 1300 حالة تعود ~~في هذه الأمراض العضوية بما فيها الكسر العظمي إلى أسباب نفسية. # ونحن نسلم هذه الأيام بأن كثيرا من حالات الديابيطس يعود إلى القلق ~~والانزعاج، وأن الهموم تفتت القلب والشرايين، ولكن كيف تؤثر النفس في ~~تكسير عظامنا؟ # اعتبر الخادمة الغاضبة التي تكسر الأطباق، وقد تنفث غضبها في ~~كانون البترول فينفث هو غضبه فيها ويحرقها، واعتبر سائق الأتومبيل ~~يسير مغيظا لسبب مالي أو عائلي، فيعمد إلى مصادمة المارة وكأنه يسبهم ~~سبا عمليا، واعتبر العامل أمام الآلة التي تدور بعنايته فيهمل هذه ~~العناية لأن قلقا ثقيلا يربك ذهنه فلا يكون بعد ذلك سوى تهشيم ~~ذراعه أو قدمه. # ففي كل هذه الحالات نجد نفسا مرهقة ضائقة بالدنيا قلقة لا تستقر على ~~تفكير متزن. # وأكاد أقول لهذا السبب: إن صداع الرأس يجب على الدوام أن يسبقه صداع ~~القلب؛ أي إن هناك عواطف سيئة كالغضب أو الحسد أو الخوف أو الشك، ~~تحدث في أجسامنا أمراضا سيئة. # وكثير من الأغنياء والمتوسطين لا ينقصهم المسكن الصحي أو الغذاء ~~الحسن، ولكن تنقصهم الفلسفة الحسنة؛ لأنهم يتطوحون في أطماعهم، ~~ويتورطون في مباريات اجتماعية أو ثرائية ترهقهم، وتجعلهم على الدوام ~~عرضة للقلق والأرق، يجترون همومهم في الليل والنهار، ويتشاءمون ~~بالمستقبل حتى تنتهي حالتهم النفسية هذه إلى أمراض جسمية ~~حقيقية. # وأمراض الجسم التي تعود إلى أسباب نفسية تتحيز أولا، أو أكثر ما ~~تتحيز، الأمعاء والمعدة، فالقرحة المعدية سريعة الحدوث عقب القلق ~~والخوف، والبراز المخاطي الدموي كذلك يسرع إلينا من الصدمة النفسية، ~~والاضطراب المعوي - بين الإمساك والإسهال - يعود كذلك في أغلب الحالات ~~إلى قلق نفسي، ثم بعد ذلك ارتفاع الضغط الدموي، وكذلك لغط القلب، ~~وجميع هذه الحالات تتناوبنا من وقت لآخر، وقد تزول بعد أيام ms026 أو ~~أسابيع؛ فإذا كان القلق دائما والخوف من المستقبل ماثلا فإنها تدوم ~~وتتفاقم، وقبل أن يعالج المريض جسمه بالعقاقير يجب أن يعالج نفسه، وهو ~~- بمحض الوقوف على علته وإنها نفسية ناشئة من الخوف والقلق - قد يشفى؛ ~~لأنه يتعقل العلة فيتسلط على عواطفه ويمنعها من السيطرة على ~~جسمه. # ولأن العقل يؤثر في الجسم عن طريق العواطف، فكر بعض السيكلوجيين ~~في البحث عن الجريمة بإيجاد آلة تقيس النبض ودقات القلب من حيث انتظامه ~~وكذلك التنفس وضغط الدم؛ فإن جميع هذه الأعراض تظهر وقت الخوف، مثلا؛ ~~فإذا قلنا لأحد المتهمين بسرقة ساعة ذهبية بسلسلة من الذهب كلمة ساعة؛ ~~فإن هذه الكلمة تستدعي معاني أخرى كثيرة؛ لأنها تربط بعاطفة معينة ما؛ ~~فالارتباط هنا عاطفي مثل الانعكاسات المكيفة. # فإذا كان هذا المتهم لم يسرق الساعة وطلبنا منه أن يذكر كلمات أخرى ~~ترد إلى ذهنه، فإنه سيذكر الثمن أو الدكان أو أي شيء آخر، وخواطره ترد ~~بلا توقف ويبقى نبضه وضغطه وقلبه في أحوالها الطبيعية. # ولكن إذا كان هذا المتهم هو السارق، فإنه ربما يقف فجأة عن الكلام ~~ويطول وقوفه؛ لأنه يحب أن يتجنب الخواطر التي تثير الريبة، وهذا التجنب ~~نفسه يدل على الريبة، ثم ما يخفيه هو بلسانه يدل عليه حينئذ نبضه ~~وضغطه وقلبه؛ لأن الخوف قد أثارها جميعا، وإذا استسلم لخواطره فإنها ~~لارتباطها ستدل على الجريمة، كما لو كانت كل كلمة حلقة في سلسلة ~~متصلة. # ولكن هذه الآلات لم تبلغ الكمال، وخاصة إذا عرفنا أننا ما زلنا ~~عاجزين عن التمييز بين الانفعال أيا كان وبين الخوف، ثم بين الغضب ~~وبين السرور، ولكن النبض والضغط وحركة القلب لا تميز بين هذه العواطف ~~التمييز المضبوط، ولكن هذه السطور القليلة تدل على تأثير العقل في ~~الجسم، وتومئ إلى احتمالات مستقبلة. # | طبيعة التفكير # التفكير البشري درجات ينزل بعضها إلى مرتبة الحيوان كالحركة ~~الانعكاسية، كما يحدث حين أحس أن يدي اقتربت من النار فأسحبها؛ فإننا ~~وأحط أنواع الحيوان سواء في هذا؛ فالعين تطرف من القذى، واللعاب ~~يسيل عند رؤية ms027 الطعام، والجسم يرتجف للصوت المفاجئ، وغير ذلك مما يشبه ~~هذا، بحركات انعكاسية نحن وجميع الحيوان سواء فيها . # ويقول بافلوف: إن كل تفكيرنا بعد ذلك، مهما ارتفع، إنما هو حركات ~~انعكاسية، قد «تكيفت» بظروف جديدة؛ أي: قد نقحت فعدل بها ~~عن أصلها مثلا، أو زيد فيها التنبيه أو أنقص، فكأن تفكيرنا ينهض ~~على قواعد من الحواس الخمس أو العشر التي نولد بها، وحواسنا كثيرة ~~ليست مقصورة على النظر والسمع واللمس والشم والذوق؛ فهناك الحاسة ~~الجنسية التي يلتفت بها الذكر إلى الأنثى والعكس، وهناك حاسة الاتزان ~~التي تجعلنا نعتدل فلا نسقط عند المشي أو الوقوف، وهناك الحاسة ~~التي تجعلنا على وجدان بأعضائنا الداخلية، فنحس حركتها ونعرف منها ~~الجوع أو الشبع أو الغثيان، إلخ، والسبب في أننا نجهل هذه الحواس ~~الأخرى أننا لم نعين لها أسماء، وعند بافلوف: أن هذه الانعكاسات ~~هي الأساس الأول لتفكيرنا، وأنها ساذجة عند الحيوان الأدنى، ولكنها ~~مركبة عندنا وعند الحيوان الأعلى، فنحن والكلب سواء في أن لعابنا ~~يجري إذا رأينا الطعام، ونحن والكلب سواء إذا رأينا المائدة قد ~~أعدت بالأطباق، حتى ولو لم يوضع عليها الطعام؛ أي إن لعابنا ولعاب ~~الكلب يجري؛ لأننا ربطنا وضع الأطباق باقتراب الميعاد لوضع ~~الطعام، فما كنا نسميه «تداعي الخواطر» قد صرنا نسميه «انعكاسات ~~مكيفة»؛ أي إن رؤية الطعام تحرك اللعاب، ثم رؤية الطبق بلا طعام ~~تحرك أيضا اللعاب، ولكن الفرق بيننا وبين الكلب أننا نستطيع أن ~~ننتقل من انعكاس إلى آخر، ولو بلغ عددها مائة، فنستطيع التفكير، أما ~~الكلب فقصاراه انعكاسان أو ثلاثة. # مثال ذلك: شخص يخشى الغرباء، وكلما قابل رئيسه ارتجف، ~~فهنا انعكاس مكيف؛ أي: عدل به عن أصله «والانعكاس المكيف هو ما يسمى ~~أيضا مركبا»؛ لأن هذا الخوف يرجع إلى أن أباه كان قاسيا عليه في ~~طفولته فكان يخشاه، ولما كان الرجال كلهم يشبهون أباه؛ فإنه صار يخاف ~~كل الرجال، وقد نجد مثل هذا الانعكاس المكيف في الكلب، ولكنا لا نجد ~~فيه الإعجاب الفني، حين نعجب بصورة تحوي منظرا ريفيا ms028 جميلا، أو ~~بقصيدة تشيد بالحرية، أو بتمثال من الجبس للربة فينوس؛ فإن سرورنا هنا ~~يرجع إلى انعكاس ابتدائي ساذج انتقل إلى انعكاسات أخرى، وكما أن الأصل ~~نسي في حالة الشاب الذي يخشى رئيسه، كذلك نحن ننسى الأصول في حب ~~أحدنا للهندسة الكهربائية، وحب الآخر للزراعة، وحب الثالث للتجارة، ~~وانغماس آخر في الخمر، ولكن إذا كانت الانعكاسات المكيفة تبين لنا ~~الأسباب والارتباطات التي تجعلنا نسعى لغرض ما، يختلف أحدنا فيه من ~~الآخر؛ فإنها لا تبين أشياء كثيرة عديدة نختلف فيها، كالقدرة على ~~التوهم، أي: التخيل، أو درجة الوجدان؛ أي إن الانعكاسات المكيفة ~~تفسر لنا ميولنا واتجاهاتنا، ولكنها لا تفسر لنا كل التفكير ~~البشري، ونعني بعبارة «التفكير البشري» شيئا أكبر مما نرى في الحيوان، ~~وإن كنا في حالات كثيرة من هذا التفكير لا نجد فرقا بيننا وبين الكلب، ~~ولا نذكر القردة العليا التي كادت تكون بشرا. # انظر مثلا إلى التوهم؛ أي: التخيل؛ فإن الكلب يحلم وينبح في نومه؛ ~~أي إنه يتخيل، بل هو ينبح حتى في يقظته إذا خاف وتوهم شيئا، كما نرى ~~في كلاب الريف، ولكن خيالنا نحن يتسع لأكثر من هذا، كما ترى حين يؤلف ~~أحدنا قصة من 400 صفحة كلها توهمات وخيالات؛ فالأساس واحد ولكن الدرجة ~~مختلفة. # أو انظر في الانفعال والوجدان؛ فإن 99 في المائة من تفكير الكلب ~~انفعال، وواحد فقط أو أقل وجدان، بل هناك من ينكر على الكلب ميزة ~~الوجدان، ولكن ما هو الوجدان؟ # اذكر أما تحب طفلها المريض وتتألم لألمه ولا تطيق بكاءه، ~~ثم ينصح لها الطبيب بإعطائه جرعة مرة من دواء تعرف هي أنه يكرهه ~~ويبكي من مذاقه، فهي هنا في تردد بين عاطفة الحب الأموي وعاطفة ~~التبصر لمستقبله، فهي تقف هنيهة تتدبر وتفكر، وتحاول أن ~~تخترع أسلوبا يرضي الطفل ولا يفوت عليه فائدة الدواء، هي الآن في ~~وجدان؛ أي: تفكير لا نكاد نجد مثله عند الحيوان، إلا في الأقل ~~النادر، وهذا الوجدان هو أصل الضمير، هو أصل قولنا: ماذا أختار؟ هو أصل ~~التفكير ms029 البشري؛ فالحيوان ينفعل؛ أي إنه ينساق بعاطفة الخوف أو الحب أو ~~الشره أو الهجوم، وهو حين ينفعل لا يكاد يفكر؛ ~~لأنه منساق بعاطفته قهرا، ولكنه ~~إذا تردد بين عاطفتين أحس وجدانا، ولكن هل الأسد أو الببر أو ~~الثعلب يتردد؟ # ربما، وعندئذ هناك لمحة من الوجدان، بل لعلها لمحة زائلة؛ لأن أحد ~~الانفعالات (العواطف) يتغلب على الآخر، ثم يصير الانفعال حركة للفرار ~~أو الهجوم أو الافتراس أو الأكل، بل لعله كان حركة من الأصل، ونحن ~~البشر حينما ننفعل وتسودنا عاطفة ما سيادة تامة نحس كأننا في ~~غيبوبة، فلا ندري ما نفعل حتى لقد ننطق بكلمات أو نؤدي حركات نتعجب ~~عقبها من قيامنا بها؛ لأن الوجدان قد جاء في الإفاقة من الانفعال، ~~وصرنا نقارن بين عواطف مختلفة؛ أي: صرنا نفكر. # ولنعد إلى بافلوف والانعكاسات المكيفة التي يعزو إليها التفكير، ~~وأحرى بنا أن نقول: إن هذه الانعكاسات إنما تقرر ميولنا واتجاهاتنا، ~~أما التفكير (= الوجدان) فيقوم على المقارنة بين هذه الانعكاسات، ونحن ~~نفكر أكثر وأبرع من الحيوان؛ لأن هذه الانعكاسات كثيرة عندنا، ~~فالمقارنات أيضا كثيرة، وعندئذ يحدث التعقل والتأمل والتدبر ~~والتبصر. # وكلنا يعرف أننا في النوم نحلم، ولكن من التسامح الكبير أن نسمي ~~الحلم تفكيرا، وأحلامنا هي عواطف وخيالات، وأحيانا حركات، ولكن بلا ~~وجدان، فنحن لا نقارن بين هذه العواطف (= الانفعالات) ونحتار ونتدبر، ~~بل ننساق بالعاطفة، وهذا هو الأكثر الأعم في الأحلام، وإن كان قليل منا ~~يقارنون ويحلون مشكلة ما في نومهم، والوجدان إذن من خواص اليقظة ~~والانتباه. # وكلما قلت اليقظة أو الانتباه قل الوجدان؛ أي: قل التفكير؛ ~~كما نرى مثلا عندما تتملكنا عادة فنؤديها بلا التفات كأنها حركة ~~آلية. # والانفعال يرتبط مباشرة بالغرائز البيولوجية أو العادات الاجتماعية ~~التي تشبه الغرائز، والوجدان يرتبط بهما أيضا، ولكن ليس مباشرة؛ أي إن ~~الأساس «انعكاسات مكيفة» أي: مركبات من هذه الغرائز أو العادات، ~~ولكن مجال الاختيار فيها كبير لأنها كثيرة. # ونشاطنا وقت الانفعال ذاتي؛ أي إنه ينبع وينساق مع إحساسنا فقط، ولكن ~~نشاطنا في الوجدان موضوعي؛ أي ms030 إنه يخفت إحساسنا - وقد يلغيه - ~~وينقل نشاطنا العقلي إلى الموضوع الذي يواجهنا، شخصا كان أو شيئا أو ~~مشكلة، فنفكر في منطق وروية. # وقد زادت اللغة الوجدان عندنا؛ لأن الحيوان حين يصرخ إنما يكون ~~انفعاليا (= عاطفيا) ذاتيا، أما نحن حين ننادي ونستغيث ونعين ~~أسماء وحوادث فإنما نكون موضوعيين إلى حد كبير. # وهناك في نشاطنا ما يتجاوز الوجدان مثل هذه الخاصة التليبائية التي ~~أصبحنا جميعا أو معظمنا نسلم بها؛ أي: هذا الإحساس الذي نحسه ~~عندما نكون بعيدين عن قريب نعزه أو صديق نحبه تقع به حادثة أو ~~وفاة، فكأننا قد رأينا كل ما حدث، حتى لنبكي مع أن ما بيننا وبينه لا ~~يقل من مائة أو ألف كيلومتر، ولم يعد شك في صدق هذه التليبائية؛ ~~أي: الإحساس عن بعد، وهي بالطبع فوق الوجدان، هي انتقال تطوري ~~جديد. # | طبيعة الذكاء # نما المخ في الحيوان كي يدبر له الخدمة في إشباع غرائزه، وهو ينقل ~~لنا - نحن البشر - صورة أكثر إتقانا وأقرب إلى الواقع مما ينقل دماغ ~~الحيوان إليه، ولكن هذا النقل ليس فتوغرافيا، بل ولا كاليدسكوبيا ~~فحسب؛ لأننا لسنا آلة ميكانية؛ إذ نحن أحياء نأخذ الصور من هذه الدنيا ~~فنرتبها في طراز لا يناقض هذه الغرائز؛ فالعقل ليس قمرة فتوغرافية ~~للتسجيل، بل هو أداة حية ترتب صور هذه الدنيا، فنحن نقيس بين الأشياء ~~ونستطيع أن نعمم ونستنتج، وكل هذا يحتاج إلى الوجدان والمنطق. # وامتيازنا على الحيوان هو الوجدان والمنطق، وامتياز أحدنا على الآخر ~~هو أيضا الوجدان والمنطق. # وهذا الامتياز نسميه ذكاء، فما هو تعريف الذكاء؟ # الذكاء: هو القدرة على الانتفاع بالاختبارات، بحيث إذا وقع لي حادث ~~فإني أستخرج المغزى منه وأسلك في المستقبل بمقتضى ذلك. # والذكاء: هو القدرة على التفكير المجرد؛ أي: التفكير في العلاقات ~~البشرية كالمروءة والشهامة والجمال والرذيلة. # والذكاء: هو القدرة على زيادة القدرة؛ فإذا شرعت في درس التجارة ~~أو الآداب أو الرياضيات استطعت أن أزيد فهمي لها بالدراسة. # والذكاء: هو القدرة على أن ألائم بيني وبين الوسط الجديد؛ أي: ~~الكيفية التي ms031 أعالج بها الحالات الطارئة التي لم أتعودها، ولكني، ~~بالتمثيل والقياس والاستقراء أسلك السلوك السوي. # ولكن كل هذا الذكاء هو في خدمة الغرائز، ولا تزال عواطفنا (= التهاب ~~غرائزنا) مثل عواطف الحيوان، لم تتغير، ولو أنها كانت قد نقصت في حدتها ~~لاستطاع ذكاؤنا أن يتحرر، وأن يسير على قواعد المنطق، ولكننا في ~~اشتهائنا للجنس الآخر، وللطعام، وفي غضبنا وخوفنا وطمعنا، لا نختلف عن ~~الحيوان؛ ولذلك تسوقنا هذه العواطف وتخفت ذكاءنا أو أحيانا ~~تلغيه، فقد ألغت هذه العواطف ذكاء هتلر، فاندفع في عدوان قضى على ~~ألمانيا، وهذه العواطف أيضا تلغي ذكاء تشرشل والمحافظين الإنجليز ~~فتجعلهم لا يبالون مجاعة تعم الهند وتقتل مليون هندي كي يعيشوا هم في ~~ترف. # ولكن هذه هي الناحية السيئة للعواطف، أما الناحية الحسنة فكلنا ~~يعرفها؛ إذ لا قيمة للذكاء بتاتا بلا عواطف تحركه وتنشطه، ~~والعبقري هو في النهاية ثمرة الذكاء العظيم والإرادة العظيمة، وذكاء ~~بلا إرادة يركد ولا ينتفع به، ولكن الإرادة ثمرة الوجدان الذي ~~يستخلصها من العواطف، والذكاء يتحيز المخ، أما العواطف فتتحيز ~~الثلاموس. # وإذا تأملت الإنسان والقرد وجدت أن حيز المخ عندنا كبير جدا ~~بالمقارنة إلى الغوريلا، ولكن حيز العواطف عندنا كبير أيضا لم ~~يقل، بل يزيد على حيزه عند الغوريلا. # والذكاء قدرة عامة؛ أي إن الذكي الذي يتضح ذكاؤه في درس الأدب، كان ~~يمكن أن يتضح ذكاؤه أيضا في درس الهندسة أو الطب أو التجارة أو ~~الزراعة، ولكن إلى جنب هذه القدرة العامة نجد قدرات خاصة، كالمهندس ~~العظيم الممتاز بالقدرة العامة في الهندسة ثم نجد له قدرات خاصة أخرى ~~في العزف على الكمان أو في النجارة؛ فالعزف والنجارة لا يدلان على ذكاء ~~عام، ولكن الهندسة تدل على ذكاء عام، وقد نجد سياسيا يحسن الخط أو ~~الرسم؛ فالقدرة العامة هنا - أي الذكاء - هي السياسة، والقدرة الخاصة ~~التي لا تحتاج إلى ذكاء كبير هي إحسان الخط أو الرسم، والنبوغ في ~~السياسة أو الطب أو الهندسة أو الآداب يحتاج إلى ربط علاقات بشرية ~~كثيرة تتحيز أكبر مكان من المخ، ms032 أما المهارة الصغيرة في الخط ~~أو الرسم أو النجارة أو الموسيقى فلا تحتاج إلى شبكة كبيرة من ~~الارتباطات، وهي تتحيز مكانا صغيرا من المخ قد لا يدل النبوغ فيها ~~على ذكاء عام. # وذكاؤنا موروث، وهو لا يختلف عن وراثتنا لأعضائنا كالأنف الأشم أو ~~العين النجلاء أو الفم الصغير، ونمو الذكاء عندنا يستمر إلى السابعة ~~عشرة، أو أنه يقف بين سن ال 16 أو سن ال 17، وما نرى من اختلاف عظيم ~~بين متعادلين في الذكاء إنما يرجع إلى المهارة التي كسبها أحدهما ~~بالتجارب والاختبارات، أو أن لأحدهم إرادة قوية تحت الذكاء، وللآخر ~~إرادة ضعيفة. # وعلى كل حال يجب ألا نجزم؛ فإن هناك فريقا كبيرا بين السيكلوجيين ~~في الولايات المتحدة يقول بأن الذكاء يزداد بالتعليم والاتجاه الثقافي ~~الجدي، وهو يبني هذا القول على تجارب بين الذين اختبر ذكاؤهم في ~~المدارس الثانوية وعرف، ثم اختبر بعد ذلك بنحو عشر سنين حين كان ~~بعضهم قد اتصل بالجامعة ودرس، وكان البعض الآخر قد كف عن الدراسة ~~ولم يدخل الجامعة، فوجد أن الذين دخلوا الجامعة ازداد ذكاؤهم. # وليس من الضروري أن يكون الذكي كبير المخ، ولكن يلاحظ أن رءوس ~~البله صغيرة، كما أن اتجاه التطور نحو زيادة المخ، وربما كان صغير ~~المخ ذكيا؛ لأن أخاديد مخه تتسع للخلايا التي يتوقف عليها الذكاء، ~~وهذه الأخاديد لا نراها إلا بعد الوفاة، أو لأن الأوعية الدموية عنده ~~حسنة، وهي تغذي خلايا المخ. # ولو شئنا أن نصف الأمارات العامة التي نعرف بها الصبي الذكي على ~~وجه عام بصرف النظر عن التفاصيل، لقلنا إنها: ~~(1) # القدرة على تناول الأعداد جمعا وطرحا وقسمة وتخيلا، ~~بحيث يستطيع الذكي أن يحسب المشكلة العددية المألوفة في ~~معاملات الناس دون حاجة إلى الكتابة، ولكن للعادة تأثيرا ~~هنا يخل بهذا المقياس؛ فإن التاجر يصل إلى نتيجة ~~حسابية سريعة إذا كان الحساب خاصا بتجارته، قد لا نصل ~~نحن إليها إلا بعد مشقة؛ لأننا لم نألف هذه ~~الحسابات. ~~(2) # القدرة على تناول الكلمات بالتعبير المنطقي. ~~(3) # القدرة على التخيل بالعين؛ لأن تفكير ms033 الإنسان هو تفكير ~~العين، والرؤية الموضوعية والرؤية الذاتية كلتاهما تخدم ~~التفكير الحسن. ~~(4) # الذاكرة؛ أي: القدرة على الاستذكار. ~~(5) # السرعة في الإحساس ، وهي تؤدي إلى الإدراك الذهني. ~~(6) # القدرة على ربط العلاقات العامة، وربما كانت هذه الصفة ~~الأخيرة أعظم ما يميز الذكي من غيره، وهي في النهاية قدرة ~~على المقارنة والنقد. # | الذكاء والعبقرية # لا نستطيع أن نعرف - على وجه الخصوص - الأسس المادية التي ينبني ~~عليها الذكاء، وقصارانا أن نحدس أنها تقوم على: ~~(1) # مخ كبير، وهذا القول نستنتجه من الموكب العام لتطور ~~الحيوانات، باعتبار أنها اتجهت نحو أسمى حيوان وهو الإنسان ~~الذي يمتاز بأكبر مخ، وكذلك نستنتجه من أن عامة البله ~~يتسمون برءوس صغيرة. ~~(2) # كثرة التلافيف في المخ، وهي تؤدي إلى أن تجد الخلايا ~~الغبراء التي يتألف منها المخ مكانا أوسع تتوافر فيه، ~~وهذه الخلايا تربط أجزاء المخ وتتيح لنا التفكير بأعلى ~~أنواعه؛ أي: الوجدان، وهي أشبه الأشياء بلوفة الاستحمام في ~~ارتباط خيوطها. ~~(3) # نظام هورموني حسن في الجسم؛ أي إن السوائل التي تفرزها ~~الغدد الصماء - مثل الخصيتين والأدريناليتين والنخامية ~~والدرقية - لا تكون أكثر ولا أقل مما يحتاج إليه ~~الجسم. ~~(4) # أوعية دموية حسنة تنقل إلى خلايا المخ الغذاء ~~الوفير. # وهذه الأربعة موروثة يحصل عليها كل منا بحق الميلاد، ويختلف ~~أحدنا من الآخر باختلاف أبويه وأسلافه، ثم باختلاف الجديد الذي يولد كل ~~منا به زيادة على موروثنا؛ فإننا لسنا مقيدين بالوراثة كما لو ~~كانت قوالب تصوغنا؛ إذ لو كانت الوراثة بهذا الجمود لما ~~ظهرت أنواع جديدة بعقول جديدة في الدنيا. # وإذا تركنا الأسس المادية للذكاء جانبا، وحاولنا أن نحدس بعض ~~الأسباب التي تؤدي إلى زيادة الوجدان لقلنا: إنها اختلاف الأبوين بحيث ~~يؤدي هذا الاختلاف إلى التناقض الداخلي، وإيجاد التقلقل والتوتر بين ~~الغرائز والاتجاهات المختلفة، ولنضرب على ذلك مثلا بالكلب يكون أبوه ~~من سلالة وأمه من سلالة أخرى، لكل منهما خصائصها التي تثبت بالاستيلاد ~~عدة قرون، فنتاج هاتين السلالتين لا يخرج خالصا وليست له وجهة معينة، ~~فهو مقلقل بين الأب الذي قد يكون من كلاب الرعاة والأم ms034 التي قد تكون من ~~كلاب الطراد، وهذا التقلقل يحمله على التردد، فلا يندفع بغريزة خالصة ~~نحو نشاط معين، بل يقف في تردد أو توتر، وهنا ينشأ الوجدان؛ أي: ~~التفكير الذي يوازن بين عمل وآخر فيختار، وهو في اختياره يتأمل ويتدبر ~~في روية قبل أن يعمل. # ولعل هذا المثل ينيرنا عن العبقرية الذهنية في الإنسان؛ إذ قد تكون ~~هي أيضا نتاج عناصر وراثية متناقضة أو مختلفة، بحيث يؤدي تناقضها ~~واختلافها إلى وقفة التأمل والتردد والتفكير، وليس من الضروري أن نعرض ~~سلالتين في الأبوين كمثال الكلب؛ لأن الاختلافات قد تكون دون هذا، ~~ولكنها تمتاز بقيمة عالية لظروف اجتماعية خاصة في فترة تاريخية ~~معينة. # وإذا شئنا أن نعرض بكلام عام، لا تدخل فيه الشذوذات لأمارات ~~الذكاء في الناس؛ فإننا نستطيع أن نقول: إن الشاب الموهوب أو الفتاة ~~الموهوبة يبدوان جميلين إلى درجة تميزهما عن سائر الناس، ولعل هذا يرجع ~~إلى أن سلوك الغدد الصماء حسن؛ لأننا نعرف أنه عندما يقل إفراز هذه ~~الغدد أو يزيد على السواء يحدث تشوه في الجسم والتقاسيم، وكثير من ~~البله يبدو عليهم هذا التشوه في رأس صغير أو ملامح مغولية أو غير ~~ذلك. # وأمارة أخرى للأذكياء أنهم فيما بين 15 و17 سنة من العمر تتنبه ~~أذهانهم تنبها عظيما فيسرفون في القراءة والاستطلاع، ونحن نعرف أن ~~هذه السن هي نهاية النمو تقريبا في الذكاء، فنحن لا نزيد ذكاء بعد سن ~~16 أو 17 مهما طالت أعمارنا إلا مقدارا قليلا. # وقد قلنا: إن الذكاء يقاس، ومتوسطه 100 فما زاد على ذلك يتجه نحو ~~العبقرية وما نقص يتجه نحو الغفلة ثم البلاهة، وقد وجد أنه في كل ~~ألف تلميذ في الولايات المتحدة يوجد 4 أو 5 يزيد ذكاؤهم على 140 و10 ~~يزيد ذكاؤهم على 130 و30 يزيد ذكاؤهم على 125، وإذا نقصت الدرجة عن 70 ~~كانت برهانا على البلاهة. # والذكاء في الرجل لا يختلف عن الذكاء في المرأة، ولكن المرأة تميل ~~إلى المتوسط، فليس فيها تطرف نحو العبقرية أو نحو البلاهة بقدر ms035 ما نرى ~~في الرجال. # وامتحان الذكاء أدق الامتحانات، ذلك لأننا يجب أن نقيس القدرة العامة ~~وليس المهارات الخاصة؛ فالصبي الذي نشأ في الريف مثلا يفهم أشياء ~~كثيرة عن الحيوان والنبات لا يفهمها الصبي الذي نشأ في المدينة، وهذه ~~مهارات خاصة عنده، ولكنه إذا دخل دارا سينمائيا اختلطت عليه جميع ~~الأشياء التي يدركها ابن المدينة بأول لمحة، والصبي الذي عاش في فاقة ~~يفتقر إلى الذوق الفني الذي يمتاز به صبي عاش في عائلة ثرية، وبدهي ~~أيضا أن المعارف التي يتلقاها التلميذ في المدرسة يجب ألا تدخل في ~~امتحانات للذكاء يشترك فيه صبي أمي. # ولذلك يجب أن يكون الامتحان في أشياء عامة لا تتوقف على معارف خاصة ~~ببيئة معينة؛ ومن هنا الصعوبة في تعيين الأسئلة. # ويجب ألا ننسى أن قوة الذكاء وحدها لا تؤدي إلى عبقرية، وكذلك ضعف ~~الذكاء وحده لا يؤدي إلى الجنون، وإنما العبقرية والجنون كلاهما يحتاج ~~إلى الإرادة (= العاطفة) التي تحرك الذكاء إلى السواء أو إلى العبقرية ~~أو إلى الانحراف، فلا بد من عاطفة قوية. # والمجنون خلاف الأبله؛ لأن الأول قد يكون ذكيا، ولكن عاطفة معينة ~~قد حملته إلى الصخرة فحطمت ذهنه، أما الأبله الذي تنقص درجة ذكائه عن ~~70 فهو شخص في العادة هادئ ليس به جنون. # وتفكيرنا الوجداني يجري على ثلاثة طرز: ~~(1) # طراز التمثيل: وهو أعم طراز بين الناس في تفكيرهم ~~وأبسطه، وهو أن نفرض أنه ما دام شيئان يتماثلان في بعض ~~الخصائص فإن الأرجح أنهما يتماثلان في الخصائص الأخرى؛ ~~فإذا قلت: إن الفرس يرفس ويؤلم، فإن الحمار أيضا يرفس ~~ويؤلم، ولكن خطأ التمثيل يتضح عندما نقارن بين صقر وحمامة ~~أو بين دودة ويرقة. ~~(2) # والطراز الثاني هو القياس: وهو أن نأخذ من التعميم فننزل ~~إلى التخصيص، فنقول: إن للطيور جناحين، وعلى هذا تعد ~~الدجاجة طائرا، ولكن خطأ القياس يتضح عندما أقول: إن ~~الوطواط طائر؛ إذ هو حيوان لبون مثل الفيل والفأر، على ~~الرغم من جناحيه. ~~(3) # والطراز الثالث للتفكير هو الاستقراء: وهو أن نأخذ من ~~التخصيص إلى التعميم، ms036 وهو أن أقول: إن البرتقالة تسقط من ~~الشجرة إلى الأرض، والحجر يسقط ثانيا على الأرض إذا قذفت ~~به إلى أعلى، ونحن نسقط إذا وثبنا، وإذن لا بد أن هناك ~~قانونا للجاذبية؛ أي إن الأرض تجذب الأجسام إليها، وهذا ~~الطراز من التفكير هو أعلى الطرز، ولا يقوم به إلا عبقري ~~يجدد في المعارف البشرية مثل نيوطن. # وكلنا - مع التفاوت - نستعمل هذه الطرز الثلاثة في تفكيرنا؛ فإذا كنا ~~عبقريين قد احترفنا الفلسفة أو العلم استعملنا الطراز الثالث، فنكشف عن ~~قوانين الطبيعة المستورة، وإذا كنا دون ذلك استعملنا الطراز الثاني، ~~ولكن كثرتنا تستعمل الطراز الأول على ما فيه من أخطاء كثيرة. # والاكتشاف تحليلي يجري على طراز القياس: من التعميم إلى التخصيص. ~~والاختراع تأليفي يجري على طراز الاستقراء: من التخصيص إلى ~~التعميم. ~~(أحيل القارئ هنا إلى فصل «الشخصية السيكوبائية».) # | طراز الجسم ومزاج النفس # يصح أن نسمي هذا الفصل «الفراسة السيكلوجية»؛ لأننا نستطيع بما نعرفه ~~هنا أن نتكهن بسلوك الشخص - إلى حد ما - من النظر إلى قوامه وتقاسيم ~~وجهه؛ أي: نعرف مزاج نفسه من طراز جسمه، والفضل في هذه المعارف التي لم ~~تبلغ منتهاها للسيكلوجي السويسري يونج، ثم للسيكلوجي الألماني ~~كريتشمر. # وقد سبق أن أشرنا إلى أن الغدد الصماء تؤثر في بنية الجسم كما ~~تؤثر في الذكاء، وقد يكون الطراز الذي ينبني عليه الجسم قائما ~~أيضا على هذه الغدد؛ أي إن وفرة الإفراز من إحدى الغدد قد تؤدي إلى ~~قامة مديدة نحيفة، أو إلى قامة قصيرة متكتلة، ثم إلى اتجاه نفسي معين ~~وإلى لون خاص من الذكاء. # فهناك ثلاثة طرز من الجسم هي: الانطوائي، والانبساطي، ~~والرياضي. ~~(1) # فالطراز الانطوائي يتسم بوجه مستطيل ورأس صغير، ليس له ~~نتوء في الخلف، والرأس والوجه يؤلفان شكلا بيضويا، ~~والأنف طويل والوجه في العادة أصفر، وقد يبلغ الستين من ~~العمر ولا يكاد الصلع يصيب شعره، وإذا تفشى فيه الصلع تفرق ~~قليلا في الرأس بلا انتظام وبلا إسراف، وكثيرا ما يقع ~~هذا الطراز في التدرن، وهو لا يسمن ولا يستكرش، وتبدو عليه ms037 ~~أمارات الشيخوخة في سن مبكرة، ولكنه مع ذلك يعمر. # هذه هي هيئة الجسم، أما مزاج النفس عند الانطوائي ~~فيعرف بحبه للانفراد وكراهة الاجتماع، فهو يعتزل ولا ~~يختلط إلا مضطرا، وهو صموت لا يتفتح للكلام، وكتوم سري ~~يتجنب النادي والقهوة والمأتم والعرس، ولا يعرف ألعاب الحظ ~~والمؤانسة، ويتحفظ ويخجل كثيرا، وأحيانا يكون كسولا ~~متشردا. # والتشرد هنا نوع من الانفراد وكراهة الاختلاط بالناس، ~~وهو يكظم ولا يعبر عن عواطفه بغضب أو فرح أو حماسة، وهو في ~~سن المراهقة يقع بسهولة في العادة السرية، وانفراده يساعده ~~على الإسراف فيها، وعجزه عن الاختلاط بالجنس الآخر يزيد ~~هذه العادة خطرا عنده، وهو يبني قصورا في الهواء يتخيل ~~ويحلم أحلام اليقظة، وهو في الثقافة والسياسة يلتفت إلى ~~المبادئ ولا يبالي الأشخاص، وقد يتعصب للمبادئ ويكافح ~~ويخاطر من أجلها، والشيزوفرينيا، وهي مرض الانطوائيين، وهي ~~مرض العزلة التامة وجمود العواطف، والمجرم الذي لا يبالي ~~قتل الناس هو في العادة انطوائي، وكذلك دعاة المبادئ ~~والمذاهب والفلسفات والتعصب الأعمى الذي لا يبالي العقبات ~~انطوائيون. # والانطوائي نراه في مجتمعنا منفردا، أو هو يختص بصداقة ~~واحد أو اثنين يعتزل بهما جانبا، وهو أنيق فني في ~~اختيار أثاث منزله وأدواته، قنوع في طعامه لا ينهم، ~~ولكن تأنقه في الاختيار يتضح في اقتناء الآنية ~~الصينية الفاخرة أو نحو ذلك، ويمكن أن يقال: إن زهرة حياة ~~الانطوائي تتفتح إلى الداخل، وعقله الكامن (= الباطن) ينشط ~~كثيرا، ولذلك يميل إلى الشعر ويؤلف القصائد والقصص ~~الخيالية، ولكنه لا يحسن وصف الأشخاص، وهو يكتم عواطفه ~~ويحقد وقد ينفجر، وهو أسلوبي السلوك أرستقراطي الحركة، ~~والكاتم المخاصم هو في العادة انطوائي، ونعني المخاصم ~~المثابر. ~~(2) # والطراز الانبساطي يتسم بالسمن والتكتل، وأحيانا ~~بالاستكراش، وله وجه مستدير أو كالمستدير حاضر الدم ~~مورد، وهو يصلع مبكرا منذ العشرين أو الخامسة ~~والعشرين، والصلع يسعى في رأسه في نظام، يبدأ من الجبهة ~~ويسير متدرجا إلى الخلف في صف سوي لا تتجاوز قطعة منه ~~الأخرى، وهو كثيرا ما يتعرض للبول السكري والرومتزم، ~~وأحيانا يصاب بالغوطر، والترهل والاستكراش يتضحان ms038 ~~فيه حتى قبل الخمسين. # والانبساطي سريع التعبير عن عواطفه، يحب المجتمعات، ~~ويأنس إلى الناس، ويقدر أطايب المائدة، ويحب الشراب ~~والطعام والمؤانسة وإخوان الانشراح، وهو متحدث يحفظ النكات ~~والفكاهات، ويضحك في صراحة ولذة، وهو يغضب بسرعة، ولكنه ~~أيضا ينسى غضبه بسرعة، وهو محبوب يوصف بين الناس بأن ~~«قلبه طيب»، بخلاف الانطوائي الكتوم الحقود، ولكن ~~الانبساطي على ميله إلى الابتهاج والانشراح تنتابه أحيانا ~~موجة من الحزن أو الجمود، فهو يعيش في فترات، فترة للفرح ~~وأخرى للكآبة، ولكنه في أكثر حياته اجتماعي باسم للدنيا. # ويمكن أن يقال: إن زهرة حياة الانبساطي تتفتح إلى ~~الخارج، وأصدقاؤه كثيرون، وهو مسامر مختلط متوسع ينجح في ~~الحب كما ينجح في التجارة والمال، ويترقى في الوظائف ~~بسرعة؛ لأنه مبسوط النفس «واليد» ولا يكظم عاطفته، ولذلك ~~يضحك ويبكي بسهولة، إذا شرب خمرا آثر شربها مع آخرين، ~~في حين أن الانطوائي يشربها وحده، واتجاهه في الحياة ~~إيجابي، يقول: نعم لكل ما فيها من أطايب ويقبل عليها، ~~أما الانطوائي فيشيح عنها ويجتر نفسه، والمرض النفسي ~~للانبساطي هو المانيا، مرض الحزن الشديد ثم الفرح الشديد، ~~والانبساطي إذا غضب فار ثم انطفأ، والانطوائي إذا غضب ~~كتم وحقد، ودموع الانبساطي تنهمر في حين تجمد عين ~~الانطوائي حتى لا يكاد يعرف ما هو البكاء، ونباح ~~الانبساطي أكثر من عضه، ولكن عض الانطوائي أكثر من نباحه، ~~بل هو لا ينبح. # الانطوائي يقابل الأشياء والناس بالتعقل، والانبساطي ~~يقابلهم بالانفعال. # ويمكن أن يقال على وجه عام: إن الإنجليز ~~انطوائيون، والفرنسيون انبساطيون، وإن الأوروبي انطوائي، ~~والصيني انبساطي، والرجل على وجه عام انطوائي، في حين ~~أن المرأة على وجه عام انبساطية، هو يفكر في المبادئ ~~والمذاهب أكثر منها، وهو يتنكر للمجتمع أكثر منها، وهي ~~لا تبالي المذاهب والمبادئ، ولكنها تلصق بالمجتمع وتكبر من ~~شأن القيم الاجتماعية. ~~(3) # والطراز الرياضي يتسم بنمو العظام، ولكن بدون ~~استكراش أو ترهل، وهو يقبل على الألعاب الرياضية ويحب ~~الحياة العسكرية، وله رغبة في العدوان، يحب أن يحل مشكلاته ~~أحيانا بقوة ذراعيه، وهو يؤثر حياة العمل والحركة ms039 على ~~حياة التأمل والسكون، وهو ينجح في التجارة المتحركة، ولكنه ~~لا يحسن القعدة في غرفة لإدارة عمل، ورؤساء الأعمال ~~والمفتشون يكونون من هذا الطراز، والرياضي اجتماعي مثل ~~الانبساطي يكبر من شأن القيم الاجتماعية . # وليس في الناس شخص انطوائي مائة في المائة، أو انبساطي ~~مائة في المائة، أو رياضي مائة في المائة؛ إذ لو انقسم ~~الناس مثل هذا الانقسام لما تفاهموا؛ لأن كل شخص يعود ~~غريبا عن الآخر، وإنما كل منا يحوي عناصر من الطرازين ~~الآخرين إلى جنب عنصره الأصلي الذي يمتاز به، انظر إلى ~~هؤلاء الثلاثة: # هتلر: # رياضي انطوائي: يحب العدوان ويتعامى عن ~~الواقع؛ لأنه يندفع في مبادئ يؤمن بها في ~~تعصب. # تشرشل: # انبساطي عظيم يحب التدخين الفاخر ~~والإمبراطورية ويقول: إن ميثاق الأطلنتي ~~لا ينطبق على الهند؛ لأنه يعد الهند ~~مسرحا للملذات. # روزفيلت: # انطوائي يخترع ميثاق الأطلنتي والحريات ~~الأربع. # ومن الحسن أن يعرف كل منا طرازه الجسمي ومزاجه النفسي، ويختار العمل ~~الذي يتفق وهذا المزاج، كما أنه من الحسن أن نميز الناس بوجوههم، وأن ~~نعد الوجه بطاقة الزيارة للمزاج النفسي ولكن مع حفنة من الشك. # | المزاج النفسي أيضا # في الفصل السابق قلنا: إن الأمزجة ثلاثة: # الانطوائي النحيف المستطيل الوجه: الذي ينطوي على نفسه ~~ويجتر عواطفه وأفكاره، ويكره المجتمعات ويعتزل، وهو في ~~العادة رجل الأخلاق والقواعد والنظريات. # والانبساطي السمين المستدير الوجه: الذي كثيرا ما ~~يستكرش ويصلع، وهو أهوائي اجتماعي، يقبل على العالم ~~الخارجي، ويحب الاستمتاع والمسامرة والطعام. # الرياضي: وهو يميل إلى الانبساطية. # ونستطيع أن نتوسع في الشرح بعد أن حذرنا القارئ بأنه ليس هناك أحد ~~خالص غير ممزوج بقليل أو كثير من المزاجين الآخرين، ولكنا هنا نفرض ~~المزاج الخالص لكي نستوفي صفاته، ونستطيع أيضا أن نستغني عن المزاج ~~الرياضي؛ لأنه لا يبرز بروز المزاجين الآخرين. # والمزاج الانطوائي هو مزاج الفلسفة والأدب والغيبيات والمبادئ ~~والمذاهب؛ فإن الشخص الانطوائي يعتزل المجتمع وينساق في تفكيره، فلا ~~يبالي الواقع بل يتمادى في مذهبه، ونكاد لا نتخيل قديسا أو وليا أو ~~داعية إلى مبدأ أو مذهب ms040 إلا ونفرض أنه انطوائي نحيف الجسم مستطيل ~~الوجه، ومحال أن نفرضه انبساطيا، مستدير الوجه كثير اللحم مستكرشا ~~يحب المجتمع ويقبل على ملذات الطعام أو الشراب؛ ولذلك نجد الانبساطي ~~ينبغ في العلوم المادية كالبيولوجية أو الكيمياء أو الجغرافيا أو ~~التاريخ؛ أي تلك العلوم التي تخدم المجتمع الخدمة المباشرة، والتي لا ~~تصطدم فيها بقواعده ومبادئه. # وكلاهما يعالج الأدب، ولكنهما يختلفان فيه. # انظر إلى برنارد شو الانطوائي؛ فإنه يعالج في دراماته المبادئ ~~والمذاهب. # ثم انظر إلى ولز الانبساطي؛ فإنه يعالج الأشخاص، بل يذكر طعامهم ~~وشرابهم وملذاتهم الجنسية. # الانطوائي يتعصب لمذهبه، وهو رجل المثليات الذي لا يبالي العقبات، ~~وهو لا يفور ولا يحتد، وكذلك لا يخمد، أما الانبساطي فيندفع ثم يسكن، ~~وهو يحسن التنظيم؛ لأن نشاطه يتجه إلى الخارج وإلى الناس في ~~مجتمعهم. # أنا أكتب هذه الكلمات في يونيو من 1945، وقد برز في الميدان السياسي ~~أشخاص تولوا الحكومة هم: # المرحوم أحمد ماهر الانبساطي المصالح، الذي كان يلتذ ~~مسرات القهوة والسباق وينسى أحقاده. # عبد الرحمن عزام بك أمين الجامعة العربية الانطوائي، ~~الذي رسم مثلياته العربية منذ ثلاثين سنة ولم يحد عنها ~~مهما كانت العقبات في طريقه. # مكرم عبيد باشا الانطوائي المخاصم، الذي لا ينسى ~~خصومته. # النحاس باشا الانبساطي، الذي يحب الرفاهية وينسى ~~الخصومة. # النقراشي باشا الرياضي الانبساطي، الذي يحسن التنظيم ولا ~~يعنى كثيرا بالمثليات، وربما يعمد إلى العنف في أخذ ~~الأشياء بالقوة. # وفي ميدان السياسة والحرب العالميتين نجد ولسون الانطوائي، الذي ~~وضع الشروط الأربعة عشر لإصلاح العالم في الحرب الكوكبية الأولى، ثم ~~نجد روزفيلت في الحرب الكوكبية الثانية يضع الحريات الأربع وميثاق ~~الأطلنطي، وكلاهما انطوائي ينشد المثليات وقد يتعامى عن الواقع. # وفي تلك الحرب الأولى وقف لويد جورج وكليمنصو، وكلاهما انبساطي يطلب ~~النصر فقط، وقد كان موسوليني في صف هتلر في الحرب الثانية، ولكن ~~الأول كان انبساطيا يطلب الرفاهية لإيطاليا قبل كل شيء، أما الثاني ~~فكان انطوائيا يحلم بالمثليات والمبادئ الجنونية. # كان الإمام محمد عبده انبساطيا؛ فنزع في الدين إلى العمل وأسس ~~الجمعية الخيرية الإسلامية ms041 لترقية الشعب، وهو في تفسيره للقرآن ينزع ~~إلى الحسيات لا الغيبيات ويتجه الاتجاه الاجتماعي. # وكان سعد زغلول انطوائيا، وهو صاحب الكلمة المثلوية: الحق فوق ~~القوة والأمة فوق الحكومة. # وفي صحفنا كتاب انبساطيون يكتبون في القيل والقال عن الناس ~~والطعام واللباس والملذات والفكاهات، ومعظم المجلات الأسبوعية انبساطية ~~يحررها هؤلاء الانبساطيون. # وعندنا كتاب انطوائيون يتحدثون عن الاشتراكية ومبادئ ولسون ~~وروزفيلت والوطن العالمي واللغة العالمية ومستقبل البشر. # والصينيون بوجوههم وأجسامهم انبساطيون، وكذلك بمزاجهم؛ حتى إن منهم ~~كونفوشيوس يؤلف لهم عن قواعد الأكل واللباس ولقاء الضيف ومعاملة ~~الأبوين والناس؛ أي إن اتجاهه اجتماعي. # ولكن الهنود - بالمقارنة - انطوائيون؛ ولذلك اتجهوا نحو الغيبيات في ~~دياناتهم اتجاها يتجاوز خيالنا. # وفي أوروبا الجنوبية نجد المرح وملذات الطعام والشراب والجنس بين ~~السكان الانبساطيين، وفي أوروبا الشمالية نجد الجد والصمت والقناعة في ~~الطعام بين السكان الانطوائيين. # | الخطأ الأساسي في التفكير # التفكير عام يشملنا نحن والحيوان، ولكن الذكاء خاص يكاد يقتصر ~~علينا؛ فإن تحرك العواطف يؤدي إلى تفكير؛ أي: إلى نشاط ذهني، حين ينزع ~~الحيوان للبحث عن الأنثى أو الطعام، ونحن - حين نشتهي - نفكر كالحيوان، ~~فتبعثنا العاطفة مثلا على التفكير في الجنس الآخر. # ولكن هذا التفكير العاطفي هو أحط أنواع التفكير عندنا، ونحن حين ~~ننساق في عاطفة ملتهبة لا نكاد نحس أننا نفكر؛ ولذلك ينصح للغاضب أن ~~يعد مائة قبل أن يرتئي أو يحكم؛ لأن عاطفة الغضب تتسلط على وجدانه ~~وتعطل ذكاءه. # ولكن هذا التفكير العاطفي المعطل للذكاء هو التفكير العام بين جميع ~~الناس تقريبا، أما الوجدان الذي يؤدي إلى الذكاء بالمنطق والتبصر ~~فقليل جدا؛ ومن هنا تعس الناس. # انظر إلى طبيب وصل - بعد أن وزن جسمه وقدر حالته الصحية - ~~إلى الرأي بأنه يجب أن يتوقى النشويات في الطعام، فهذا هو وجدان؛ أي: ~~منطق وتعقل ووزن للأشياء كما هي تقريبا في حقيقتها، ولكنه يقعد ~~إلى المائدة فتحدث حركة انعكاسية بتحرك لعابه عند رؤية المكرونة، فتثار ~~عاطفة الجوع فيغيب وجدانه ويهجم على المكرونة، ولكنه بعد أربع أو خمس ~~ساعات يتذكر هذا الخطأ ms042 ويجدد العزم على تجنب النشويات. # أو انظر إلى أب يعرف قيمة الرقة والملاطفة والعدل مع الأطفال، يرى ~~ابنه يلعب ولا يدرس، فيغضب وتلهب عاطفة الغضب، فينهره ويضربه، فهو ~~هنا أخمد وجدانه وترك التعقل والاحتيال والروية وأحيا ~~عاطفته. # كان سقراط يقول: «إن المعرفة تؤدي إلى الحكمة»، ولكن هذا خطأ، لأن ~~المعرفة مع العاطفة تؤدي في أحيان كثيرة إلى الإجرام. # ولكن المعرفة مع الوجدان تؤدي إلى الحكمة. # حين نسلك سلوك العاطفة نكون حيوانات - نرى الأشياء رؤية ذاتية كما ~~تصورها عاطفتنا، ونحكم ونحن منفعلون. # وحين نسلك سلوك الوجدان نكون حكماء - نرى الأشياء رؤية موضوعية ~~كما يصورها المنطق والواقع؛ أي: كما هي تقريبا في الحقيقة، ونحكم ~~ونحن متعقلون. # انظر إلى شاب ينوي الزواج ويعتمد على عاطفته الجنسية فقط، فهو هنا ~~ليس بينه وبين الحمار أي فرق؛ إذ هو يلتفت إلى حمرة وجنتيها، أو إلى ~~ابتسامتها، أو إلى توأمي صدرها البارزين، أو إلى أن كلماتها رخيمة، ~~أو إلى أنها تشبه أمه أيام رضاعه؛ حين كان يظن أن ليس في الدنيا أجمل ~~من أمه، فهو هنا عاطفي، والصورة التي في ذهنه عن هذه الفتاة قد صورها ~~هو لنفسه كما يحب أن يراها، وليس كما هي في الواقع. # وانظر إلى شاب آخر ينوي الزواج ويعتمد على وجدانه، فهو يسأل: كيف ~~تكون هذه الفتاة حين تصير أما بعد عشر سنوات؟ كيف يكون جسمها وعقلها؟ ~~وهل هي من عائلة خالية من مرض الجسم أو العقل؟ وإذا كنت أحبها ~~الآن فهل أحبها بعد عشر سنوات؟ وهل مستواها الاجتماعي يساوي مستواي ~~أنا؛ بحيث نشترك كلانا في القيم الاجتماعية والاقتصادية ~~والثقافية؟ # وواضح أن العاطفي الأول يخفق في زواجه، أما هذا الوجداني الثاني ~~فإنه ينجح؛ لأنه قد صورها في ذهنه كما هي في الواقع تقريبا. # وقس على هذا؛ فإن أخطاء التفكير كلها تقوم على أساس واحد، وهو أننا ~~نعتمد في تصرفنا على عواطفنا بدلا من الاعتماد على وجداننا، وإذا كانت ~~كلمة «كلها» قد بولغ فيها فنقول: إن 99 في المائة من أخطاء التفكير ms043 ~~تعود إلى الاعتماد على العاطفة دون الوجدان؛ أي: الاعتماد على السلوك ~~الحيواني بدلا من السلوك الإنساني. # هذه العواطف (= غرائز ملتهبة) قد ورثناها عن الحيوان كما ورثنا ~~اللحية، ولكننا نتخلص من اللحية بالموسى، أما العواطف فيشق علينا ~~التخلص منها، وكما كانت اللحية تنفعنا وتخدمنا أيام الغابة ومصارعة ~~الوحوش؛ لأنها كانت تحيط بالوجه كالهالة فيبدو مخيفا كما لو كان وجه ~~أسد؛ فإن العواطف كانت أيضا تنفعنا وتخدمنا أيام الغابة؛ لأننا كنا ~~نصل بها إلى قرار حاسم عاجل لمواجهة العدو أو الصديق. # العاطفة تفكير الارتجال والبديهة: التفكير الذاتي الأحمق: تفكير ~~الثلاموس. # والوجدان تفكير الروية والمنطق: التفكير الموضوعي الذكي: تفكير ~~اللحاء المخي. # والآن بعد أن أكدنا ضرر العاطفة بالتفكير نقول: إن موت العواطف أو ~~انخفاض رنينها إلى ما يقارب الموت في النفس كما يحدث في الشيخوخة يؤدي ~~إلى انخفاض الوجدان والذكاء، بل أكثر من هذا؛ فإننا نرى أنه عندما ~~تتغلب عاطفة واحدة وتلغى سائر العواطف كما في الجنون ينخفض الوجدان أو ~~يزول؛ أي: لا نجد في هذه الحال ذكاء. # وهذا يجعلنا نرجع إلى ما سبق أن ذكرناه، وهو أن الوجدان يعود إلى ~~جملة عواطف مختلفة أو متناقضة، يؤدي اختلافها أو تناقضها إلى وقفة ~~التردد، التي تجعل المتردد يحس أنه يفكر وأنه حر يختار من بين ~~عواطفه أو يؤلف بينها، ولكن هذا التفسير لا يكفي، وكذلك لا يكفي أن ~~يقال - كما هو رأي السلوكيين والبافلوفيين: إنه ثمرة الانعكاسات ~~المكيفة؛ لأن الوجدان أكبر من هذا وذاك، وليس شك أن بذرة الوجدان في ~~الانعكاسات والعواطف، ولكن الوجدان شجرة وليس بذرة فقط، ولم لا نجرؤ ~~ونقول: إنه اختراع جديد في الحياة، أو حاسة جديدة لفهم الدنيا فهما ~~موضوعيا؟ # والخلاصة؛ أن الخطأ الأساسي في التفكير هو الاعتماد على العاطفة دون ~~الوجدان في تصرفنا، وهناك أخطاء أخرى سوف نعالجها عندما نتحدث عن ~~التفكير الناجح وعوائقه. # وقبل أن نترك هذا الفصل يجب أن نذكر أن القوانين تعترف ~~بالفرق بين جريمة ~~العاطفة # Crime Passionnel # وبين جريمة الوجدان. الأولى تقع مفاجئة نتيجة ~~الغضب ms044 أو الغيرة مثلا وعقوبتها خفيفة، والثانية تحتاج إلى «سبق ~~الإصرار» أي: الروية والتأمل، وعقوبتها خطيرة. # ونحن نمزج في سلوكنا بين الوجدان والعاطفة، وليس فينا الوجداني ~~الخالص أو العاطفي الخالص، ولو وجدا لكان الأول أعظم الفلاسفة، ~~ولكان الثاني أعظم المجانين، ولكن على قدر بعدنا من العاطفة ~~نوصف بأننا عقلاء. # وفي سلوكنا نعتمد إما على المنطق الوجداني وإما على العقيدة ~~العاطفية، وكثيرا ما نلاحظ أن المؤمن بعقيدة معينة يكره ~~المنطق كأنه يحب أن ينخدع، كما يحدث للرجل يتعلق بحبيبته ولا يطيق أن ~~يسمع عنها خبرا يشككه في أمانتها؛ ومن هنا تعلق الناس بالعقائد ~~والتقاليد. # | اللغة والتفكير # يقول واطسون زعيم السلوكيين: إن التفكير هو كلمات غير منطوقة، كما أن ~~الكلام هو تفكير منطوق، وإذا لم يكن هذا القول صحيحا مائة في المائة ~~فإن مما يسلم به كل منا أن التفكير بلا لغة يكاد يكون معدوما، ~~أو هو لا يزيد على درجة الأحلام في النوم؛ إذ لا بد للمعنى من علامة ~~تربطه في أذهاننا، وقد تكون هذه العلامة إشارة باليد أو حركة في ~~الحاجبين أو الشفتين، وليست الكلمات سوى علامات أيضا؛ أي: رموز تربط ~~المعاني في أذهاننا، وكثير من امتيازنا على القردة العليا يعود إلى ~~اللغة، ولو كانت هذه القردة تستطيع التعبير بنحو 300 أو 500 كلمة فقط ~~عن تفكيرها، لكانت لها ثقافة تورث وتتجمع وتتيح إيجاد حضارة ما، ولكن ~~خرسها يجعل مجهود كل فرد منها مقصورا عليه، فلا ينتقل تفكيره إلى ~~ذريته، ولا يستطيع النابغة أن يعمم فكرة حسنة بين قبيلته، وقد ظهر ~~الإنسان النياندرتالي وكان دماغه من دماغنا، ولكنا تغلبنا عليه ~~وأبدناه، ولا نكاد نعرف سببا لهذا إلا أننا كنا ناطقين وكان هو ~~أخرس. # للحيوان صوت ولكن لنا نحن لغة؛ فإذا وقعنا كلانا في ورطة عمد ~~هو إلى الصراخ الذاتي الانفعالي وعمدنا نحن إلى النداء الوجداني ~~الموضوعي، والدنيا مصورة في ذهنه تصويرا ذاتيا؛ أي: كما يحسها ~~بعواطفه، والدنيا مصورة في ذهننا تصويرا موضوعيا؛ أي: كما يرتبها ~~وجداننا، وفضل كبير من هذا التصوير ms045 عندنا يرجع إلى اللغة. # اللغة جعلت الزمن تاريخيا والمكان جغرافيا، فأنا لا أعيش هذا ~~اليوم فقط، بل أنظر إلى الماضي بعين تاريخية، قد تمتد إلى عشرة آلاف ~~سنة، بل وألف مليون سنة، كما أنظر بعقل مستقبلي مثل هذا الزمن، والفضل ~~لهذا الوجدان يعود إلى اللغة التي اتسعت بها آفاق تفكيرنا بأن زادت ~~ذاكرتنا وفسحت خيالنا. # حاول أيها القارئ أن تتخيل فهم هذه المعاني، مع الفرض بأنك ~~ولدت أخرس وعشت بين خرس ليس لهم لغة: ~~(1) # بعد خمسة أيام من الآن. ~~(2) # على بعد 35 كيلومترا من هنا. ~~(3) # هذا الرجل يكذب كثيرا ولكن أكاذيبه بيضاء. ~~(4) # لون الحائط أحمر يضرب إلى الصفرة. # ويجب ألا تفرض أنك أخرس تعيش بين ناطقين؛ لأنك في هذه الحال تسمع ~~الكلمات وتعرف أنها رموز لهذه المعاني، ولكن افرض أنك أخرس بين ~~خرس لم تسمع قط كلمة ولم تنطق بها، ففي هذه الحال يستحيل عليك ~~تخيل هذه المعاني؛ ومن هنا نعرف أن اللغة إذا لم تكن هي التفكير نفسه ~~فهي التي تربط معانينا وتسهل تفكيرنا، وهي التي جعلت الوجدان مستطاعا ~~إلى أقصى حدوده الحاضرة في أذهاننا. # و999 في الألف من تفكيرنا؛ أي: من نشاطنا الذهني هو ثقافة موروثة؛ ~~أي: كلمات موروثة. ونحن إزاء المجتمع كالطفل إزاء عائلته، ينشأ رضيعا ~~فيها، ويتعلم منها كلماتها ويتعود عاداتها الذهنية والنفسية من ~~أفرادها، وهو أيضا يعطيها كلمات طفلية، ولكن ما يأخذه من عائلته يزيد ~~ألف ضعف على ما يعطيها من كلمات الطفولة، وهذا شأننا أيضا في ~~المجتمع، قد يعطيه أحدنا كلمة هي ثمرة تفكيره الخاص ولكنه يأخذ من ~~هذا المجتمع نحو عشرين ألف كلمة؛ أي: عشرين ألف معنى. # وهنا أرجو القارئ أن يقرأ كتابي «البلاغة العصرية واللغة العربية»، ~~فقد أوردت هناك قصة فتاتين خطفتهما ذئبة، ولكن بدلا من أن تتحرك ~~في الذئبة عاطفة الجوع فتأكلهما، تحركت عاطفة الأمومة فأرضعتهما، ~~فنشأت كلتاهما خرساء، وسلكتا سلوك الذئاب. حتى المشي على الساقين لم ~~تعرفاه، وبعد أن قبض عليهما بقيتا سنوات قبل أن تتعلما السلوك ~~البشري بالكلمات البشرية، ms046 فكانت كل كلمة رمزا لسلوك معين. # ومن هنا ندرك أنه ليس تفكيرنا فقط قائما على الرموز اللغوية ~~(الكلمات) التي تحدد وتعين المعاني، بل أيضا سلوكنا الاجتماعي؛ ~~لأن الكلمات التي تتكرر لنا تعين لنا اتجاهات نفسية يتقرر بها ~~سلوكنا. # ومع كل هذا الذي قلنا ليست اللغات كاملة؛ فإن نقائصها - بل رذائلها - ~~كثيرة، وليس هذا عجيبا؛ لأننا ما زلنا في القرون الأولى لاختراعها؛ ~~فهناك مثلا الكلمات الوجدانية الموضوعية، وهناك الكلمات العاطفية ~~الذاتية؛ فإن الأولى نتفق عليها ونفهمها، والثانية نختلف فيها ولا ندري ~~المقصود منها، انظر إلى المتنبي: # ومن يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا # فالمرارة هنا تعود إلى الحال الانفعالية في شارب الماء؛ فإذا كان ~~أحدنا سليما وجد الماء الزلال زلالا، ولكنه إذا كان مريضا صار ~~هذا الماء مرا مع أنه ليست به مرارة، وإنما علة المرارة هنا صحته ~~السيئة. # فالكلمات إما موضوعية تعين لنا شيئا ليست له بعواطفنا علاقة، ~~مثل: كرسي وسحاب وخمسة وشارع وحمار، وإما ذاتية نحكم عليها بعواطفنا، ~~مثل: جميل وقبيح وشريف وشجاع ومتهور وعاقل؛ فإن كلا منا يختلف مع ~~الآخر في معاني هذه الكلمات. # والكلمات هي - بعد كل هذا - رموز، كما أن النقود رموز للقوة ~~الشرائية، وكما تكون النقود سوية أو ممسوحة أو زائفة كذلك تكون ~~الكلمات، وكثير من الالتباس يعود إلى بعض الكلمات قد انمحت معانيها ~~بالتقادم؛ لأنها نشأت في مناخ ثقافي قد باد، ونحن نحس هذا عندما ~~نقرأ كتابا قديما مضى عليه ألف سنة مثلا، وكثير من الكلمات زائف كما ~~نرى في عصابة اللصوص حين تصف أحد أفرادها بأنه «شهم»، والشهامة هنا ~~معناها أنه فاتك، وعندما تجد اثنين يختلفان في جدال عن الخلق ~~والتطور، أو عن الاشتراكية والمباراة، أو عن العلم والدين، فإنك موقن ~~بعد التأمل أن كثيرا من الخلاف يرجع إلى كلمات ذاتية لا يتفقون على ~~معانيها؛ حتى إنك لتجد أحدهم يسأل: ماذا تقصد بالمساواة؟ أو ماذا ~~تعني بالقوة؟ وغير ذلك. # ومهمة العلوم أن تنقل المعاني من الذاتية إلى الموضوعية؛ فإن ms047 ~~السيكلوجية علمتنا مثلا أن نقول: إن درجة الذكاء في هذا الصبي ~~118؛ أي: عدد معين نتفق عليه كلنا بعد امتحان، بدلا من أن يقول أحدنا: ~~إنه ذكي أو متوسط الذكاء أو ناقص، وهو يعتمد في ذلك على عاطفته نحوه، ~~وكذلك المعاني : حر وبرد، وثقيل وخفيف، وسريع وبطيء، وسمين ونحيف؛ ~~فإنها جميعها مما نختلف بشأنها باختلاف نظرتنا الذاتية، ولكن العلم ~~ينقلها من الذاتية إلى الموضوعية بالأرقام. # وكثير من الكلمات يحرك انفعالاتنا كما لو كنا نهتز بمسة ~~كهربائية؛ فإن كلمة «مروءة» تحرك وجداننا إلى الخير، وكلمة «عرض» أو ~~«دم» عند الصعايدة في قنا وجرجا تحرك العواطف إلى القتل. # وإذا شئنا أن نفاضل بين لغة وأخرى، فإن قياس المفاضلة يتخذ أساليب ~~مختلفة، فنستطيع أن نقول مثلا: هل هذه اللغة علمية موضوعية أم أدبية ~~ذاتية، أو هل الكلمات الذاتية كثيرة والكلمات الموضوعية قليلة بحيث ~~يصير تفكير المتكلم عاطفيا بدلا من أن يكون وجدانيا؟ وبكلمة ~~أخرى: # هل اللغة في أكثرها وجدانية أم عاطفية، وهل البلاغة التي يتبع ~~أساليبها الكتاب بلاغة العاطفة أم بلاغة الوجدان؟ # وكثير من الضرر ينشأ من التعبير العاطفي في مناقشات السياسة ~~والاجتماع والدين، والمفكر الحسن يحاول أن يتجنب الكلمات العاطفية ~~الذاتية، ويستعمل بدلا منها الكلمات الوجدانية الموضوعية، ولكن ليس ~~هذا مستطاعا على الدوام؛ لأن الكاتب مقيد بالكلمات. # وكي يدرك القارئ، تأثير اللغة في السلوك الشخصي والتفكير النفسي ~~والذهني، يجب أن يذكر كلمات: عفريت وبعبع وأبو رجل مسلوخة والقطة ~~السوداء، في سلوك الطفل الذي يخاف الظلام لأثر هذه الكلمات، وهو حتى ~~عندما يبلغ الخمسين والستين من العمر سيخشى الظلام أيضا، ولو أنه لا ~~يؤمن بالعفاريت وغيرها، لا، بل أكثر من ذلك؛ فإن كثيرا من البحث عن ~~الأرواح يعود إلى هذه الكلمات التي تعلمناها في الطفولة، بل إني أعتقد ~~أن الإيمان بالأرواح عند الكبار هو استمرار للإيمان بالعفاريت عند ~~الأطفال. # وللكلمات: مروءة ووطنية وعرض وبر وشرف وشهامة وثأر ورشاقة وغيرها ~~أثر في نفوسنا يعين سلوكنا الاجتماعي للخير أو للشر، كما يتعين ~~سلوك الطفل في الظلام ms048 بكلمة عفريت وغيرها. # فالإنسان حيوان لغوي، وعلى قدر ارتقاء لغته بالكلمات الموضوعية ~~الوجدانية يكون ارتقاء تفكيره، وأيضا ارتقاء سلوكه الاجتماعي، وإلى حد ~~ما وفي ظروف معينة يصح أن تكون اللغة مقياسا للذكاء، بل أيضا قد تكون ~~الكلمات سببا لأمراض نفسية ؛ لأن بها شحنات عاطفية قوية تسري كالسم في ~~النفس، والمتعصب الذي يقتل من يخالفه مثلا في الدين إنما يقتله من ~~أجل كلمات. # | الكظم والعقل الكامن # كلنا يعرف أن المغيظ الكاظم يعد خطرا؛ لأنه قد ينفجر في أي وقت، ~~والحقد هو غضب محتقن؛ أي: مكظوم، والمعنى الواضح أن عاطفة الغضب لا ~~يمكن أن تموت بالكظم؛ إذ هي تبقى تحت الرماد، ثم تعود عندما تحين ~~الفرصة فتضطرم. # وليس هذا شأن عاطفة الغضب وحدها؛ فإن جميع العواطف تبقى حية متربصة ~~تفور بنا فجأة أو تتحايل للبروز بشكل مستور نحتاج إلى بحثه حتى نكشف ~~عنه ونعرف أصوله. # اعتبر طفلا يسمع نداء المثلجات في الشارع، فيطلب من أبيه قرشا ~~كي يشتري قطعة، فيرفض أبوه، فيكظم الطفل غيظه، وبعد دقائق يحادثه أخوه ~~الأصغر حديثا بريئا، ولكن هذا الطفل المغيظ الكاظم يرد عليه بصفعة ~~صاخبة على وجهه. # أو اعتبر نفسك قد خرجت من البيت في الصباح وأنت غاضب لسلوك ~~الأولاد أو الخادمة، فيطب منك كمساري الترام ثمن التذكرة في كلمات ~~عادية، ولكنك تجد أنك تنهره وتتشاجر معه؛ لأن غيظك الذي كظمته في البيت ~~قد كمن وتربص حتى وجد الفرصة، لا، بل هو قد خلق الفرصة من لا شيء ~~تقريبا للتنفيس. # وحياتنا الحضارية تكاد تكون كلها كظما إذا قورنت بحياة الحيوان، وهي ~~كذلك؛ لأننا نعيش في مجتمع متمدن كثير الزواجر، فنحن نكظم الشهوة ~~الجنسية ونكظم الرغبة في التسلط أو السيطرة ونكظم الخوف، ونعيش جميعا ~~في مباراة للكسب والوجاهة تجعلنا نكظم كثيرا من عواطفنا. # وهذه العواطف المكظومة لا تموت كما رأينا في الطفل المحروم من الحلوى ~~المثلجة أو في ذلك الشخص الذي يخرج غاضبا من بيته، ولكن في هذين ~~المثالين رأينا تفريجا سريعا بمشاجرة مختلقة مع الكمساري أو بإيذاء ms049 ~~الأخ الأصغر، ولكن في حياة الحضارة التي نعيشها لا نجد مثل هذا التفريج ~~السريع؛ ولذلك تكمن هذه العواطف في «العقل الكامن = الباطن» أي في ~~الكامنة. # والعقل الكامن هو مجموعة عواطفنا المخزونة المكظومة، ونحن ننسى ~~الحوادث أو الظروف التي أحدثت الكظم ، كما أن الطفل حين ضرب أخاه لم يكن ~~يعرف أن الإساءة الأصلية لم تكن من أخيه بل كانت من أبيه الذي حرمه ~~القرش لشراء الحلوى، وكذلك الآخر الذي تشاجر مع الكمساري لا بد أنه ~~دافع عن نفسه وحسب نفسه بريئا؛ لأنه نسي أن الإساءة جاءته من البيت ~~قبل أن يبارحه في الصباح. # وقد تثقل وطأة الكظم فتؤدي إلى الإجرام أو الجنون، كالغيرة في ~~الزوجة تحملها على ارتكاب الجريمة، وكالخوف الدائم، أو المتردد، يصير ~~هما لا يطاق حتى يحمل صاحبه إلى الفرار منه بالخمر، أو أحيانا ~~بالنسيان التام، كما حدث لهيس في محاكمته في نورمبرج بألمانيا. # وهذه العواطف المكظومة تؤثر في سلوكنا وتعين تصرفنا في الحياة من ~~حيث لا ندري؛ أي: إنها تتغلب على وجداننا وترسم لنا اتجاهات وميولا لا ~~نستطيع أن نقف على مأتاها ومصدرها إلا بالتحليل النفسي أو ما يسمى ~~«سيكلوجية الأعماق»؛ لأنها تسير نفوسنا وتحللها، وفي حياتنا - منذ نولد ~~- نصادف مخاوف ووساوس ومخازي وانهزامات تقع بنا في السنوات الخمس ~~أو الست الأولى من العمر، حين لم نكن قد شببنا، وصار لنا وجدان نجابه ~~به الدنيا ونتدبر ونفكر فيها بروية، أو قد تقع بنا حوادث خطيرة رهيبة ~~حتى ونحن كبار قد بلغنا العشرين أو الثلاثين، وهذه الحوادث - كالقتال ~~في الحرب أو انهيار منزل في غارة جوية أو إفلاس لا رجاء فيه، أو شك لا ~~يطاق - تلغي وجداننا وتثير فينا عاطفة الخوف التي نكظمها؛ لأننا مضطرون ~~إلى أن نتخذ موقف الشجاعة والتمالك والتجلد، وعندئذ ينحدر الخوف إلى ~~العقل الكامن ويتخذ أسلوبا معينا يظهر به. # اعتبر الأمثلة التالية: ~~(1) # شاب تشاجر مع آخر وتغلب عليه هذا الآخر، وهو لا يطيق هذه ~~الحالة التي يرى نفسه فيها مهزوما مهانا، فهو يستسلم ~~لأحلام اليقظة ms050 حيث يتخيل مواقف يضرب فيها هذا الخصم أو ~~ينتصر عليه بالحجة الدامغة. # ثم اعتبر هنا جميع الخواطر التي تمر برءوسنا في ~~أحلام اليقظة حين يخمد الوجدان فنتخيل مواقف لذيذة نرتاح ~~إليها، فإنها جميعها تدل على عواطف مكظومة وأمان محبوسة، ~~ننفس عنها بهذه الأحلام في اليقظة، وهذه الخواطر ~~تعويضية، أي: تعوضنا من آلام حياتنا. ~~(2) # وأحلام اليقظة لا تكفينا؛ فإننا في النوم نحلم الأحلام ~~التي تجري على مبدأ «الجائع يحلم بالخبز» أي إن الذي كظم ~~عاطفة الجوع في الصحو يتخيل الطعام في النوم، وهذا هو ~~المبدأ العام للأحلام: تفريج عن عاطفة مكظومة. ~~(3) # وأحيانا حين يتردد علينا خوف - أو هم - مكظوم نعمد إلى ~~الهرب منه بالخمر حتى ننساه، بل أحيانا نهرب بألوان ~~مختلفة من السلوك كالنسك والرهبنة، ونشوة الشراب هي في ~~النهاية انتصار للذاتية على الموضوعية؛ أي: انتصار للعاطفة ~~على الوجدان، والرهبنة هي هرب من مجابهة الواقع في ~~الدنيا. ~~(4) # وأحيانا يكون الهرب من الكظم؛ أي: التفريج عنه بالزيغ ~~الأخلاقي كالعادة السرية عند المحروم من التعارف الجنسي ~~السوي، بل قد يلجأ هذا المحروم إلى ألوان من التعارف ~~الجنسي الشاذ. ~~(5) # وأحيانا يؤدي الكظم إلى الإجرام الصريح، بل إن جميع ~~الجرائم تعود إلى كظم؛ لأن الجريمة هي في لبابها تفريج ~~لكظم سابق، ويجب ألا ننسى أن ما نسميه «جرائم» قد لا يكون ~~كذلك في اعتبار آخر؛ فإن الشهداء كانوا مجرمين في أعين ~~قاتليهم، وقد كظموا الإيمان طويلا ثم باحوا. ~~(6) # ولكن هناك ألوانا من السلوك تستتر، كالرجل لا يباشر ~~عملا - أي عمل - إلا ويخيب فيه، وعند التحليل نجد أنه ~~يخيب؛ لأنه في كامنته يكره زوجته ويرغب في الخيبة حتى لا ~~تنتفع هي بنجاحه، وكالشاب المدلل يقدم على الانتحار كي ~~ينتقم من أبويه. ~~(7) # وأحيانا نجد جنديا في الجيش قد شلت ذراعه حتى ~~لتقطع لحمها فلا يحس وهذه هي الهستيريا، وعند ~~التحليل نجد أنه كظم الخوف في المعركة، ولكنه لم يطق ~~حاله فاحتال له عقله الكامن على هذا الشلل، حتى يجد فيه ~~الراحة بترك المعركة؛ لأنه - من حيث لا ms051 يدري - كان يتمنى ~~سببا يمنعه من القتال. ~~(8) # وأخيرا نجد المجنون الذي يصرح بأنه ملك أو أمير أو ~~مدير لإحدى الشركات؛ لأنه كان تاجرا وأشرف على الإفلاس أو ~~أفلس فلم يطق حاله، فانتهى به عقله الكامن إلى هذه ~~السعادة الخيالية التي استقر عليها ووجد فيها راحته ~~وهربه من مخاوفه. # ولكن اذكر أيها القارئ أننا كلنا هذا المجنون، والفرق بيننا وبينه ~~درجي؛ لأننا نتخيل في أحلام اليقظة وأحلام النوم هذا الثراء ~~الفاحش والوجاهة العظيمة، واذكر أن التلميذ الذي يكره المدرسة يدعي ~~المرض كالجندي الذي يجد المرض؛ الأول يدعيه بوجدانه والثاني يحسه ~~بكامنته، والحضارة في السلم والحرب تحملنا على أن نكظم عواطفنا، ~~ولكن العاطفة قوة كالبخار المحبوس إذا لم يخرج من الأنابيب الأصلية ~~المعدة له فتش عن مسارب نفسية أخرى يتسلل منها؛ حتى ولو اتخذ هذا ~~التسلل صورة الأدب أو الشعر؛ فإن كتاب ألف ليلة وليلة هو في صميمه ~~أحلام الجائعين المحرومين من الطعام الفاخر والمرأة الجميلة والقصر ~~الفخم، وأشعار أبي العلاء المعري هي زهد المحروم من الدنيا الذي ~~يجد الحصرم عنبا، والنكات الجنسية التي يتمازح بها الشبان وقت ~~عزوبتهم تدل على كظم جنسي. # والإصرار على التفاؤل قد يكون أحيانا مهربا من التشاؤم المفرط الذي ~~تصرخ به ظواهر الأحوال؛ لأننا - لفرط ما نخاف - نؤمن بالفرج ونجد ~~الراحة في هذا الإيمان. # وقد سبق أن قلنا: إن كل الالتواءات في التفكير تعود إلى أننا نجابه ~~الدنيا ونعامل الناس بعواطفنا بدلا من وجداننا، ولكن هذه العواطف إما ~~سافرة فنعرفها، وإما مستترة فنجهل أصولها لأنها في العقل الكامن، وهي - ~~لأننا نجهلها - ننساق في تيارها، ونجد لنا منها ميولا واتجاهات ~~وتصرفات ندافع عنها بالوجدان ونبررها بالمنطق حتى ولو كانت سيئة، وقليل ~~جدا من تصرفنا يعود إلى الوجدان، و99 في المائة من تصرفنا يعود إلى ~~العواطف السافرة أو المستترة في العقل الكامن. # انظر مثلا إلى سلوكنا حين نتعصب ضد أشياء أو نستعرض أشياء نكرهها ~~ولا ننفك نشنع عليها؛ فإن أغلب الظن أننا في كامنتنا نحس ميلا مكظوما ~~نحو هذه ms052 الأشياء نفسها كما يقول برنارد هارت، ويعلق ولز في كتابه «علم ~~الحياة» على هذه الحقيقة بقوله في صفحة 911: # قلما يكون أولئك الذين يمنعون الاستحمام المختلط على ~~الشواطئ أو الذين يعارضون في اتخاذ النساء لملابس لا تتفق مع ~~الحياء - في زعمهم - قلما يكونون من الحكماء الذين استطاعوا ~~أن يضبطوا رغباتهم في تعقل، وهم في العادة بعض أولئك الذين ~~كظموا غرائزهم العنيفة، وكأنهم على إحساس غامض بأن هذه الدوافع ~~التي لم يضبطها العقل ويقومها، توشك على أن تجمح بهم ~~وتقذفهم من موقفهم الأخلاقي. # فمن هذا المثال يرى القارئ أن هناك ألوانا من النشاط تبدو بريئة ~~ولكنها تدل على أعماق مستورة. # أو انظر مثلا إلى ازدواج الشخصية حين يسلك أحدنا كأنه في يوم جيكل ~~وفي يوم آخر هايد؛ فإن هذا الازدواج يعود إلى أن الكامنة قد احتبست ~~فيها شهوات ورغبات يحملنا المجتمع على إنكارها، فإذا بها في يوم ما ~~تطغى علينا فننسى شخصيتنا الاجتماعية التي نعيش بها ونبرز في شخصية ~~أخرى هي التي كنا نتمناها في أحلام النوم واليقظة. # ويجب أن نعرف أربع حقائق عن العواطف وأثرها في الكامنة: # الأولى: # أننا حين نكظم، ونحن على وجدان بالكظم، نحس ~~قلقا وتزعزعا، ولكننا نبصر بالأسباب ونستطيع لذلك ~~العلاج، ولكن إذا كانت العاطفة مجهولة قد اندست إلى ~~الكامنة، فإننا لا نبصر بالأسباب فنحس قلقا وتزعزعا ~~لا ندري أصلهما، ولذلك نحتاج إلى التحليل، وبكلمة أخرى ~~نقول: إن الكظم مع معرفة السبب يسهل التخلص منه، ~~ولكن الكظم مع جهل السبب يصعب التخلص منه. # والثانية: # أن العاطفة المكظومة قد تبقى في نوم أو خدر سنوات، ~~ثم تنتبه بالعدوى، كالأم التي فقدت ابنها، قد تعود ~~إلى ذكراه بعد عشر سنوات؛ لأنها سمعت أن قريبة أو ~~صديقة لها قد فقدت ابنها. # والثالثة: # أن الكوارث مهما فدحت لا تؤثر في النفس كالحوادث ~~اليومية المتكررة الطفيفة؛ ولذلك تستطيع الأم أن تفقد ~~وحيدها وتكظم حزنها وتستبقي عقلها، ولكن الزوجة الشابة ~~تفقد عقلها؛ لأن حماتها توبخها كل يوم وتناكدها في ~~مسائل تافهة، أو لأنها تجد ms053 المناكدات الصغيرة من زوجها ~~أو ضرتها. # والرابعة: # أن الكظم إذا خف، صار بخارا محبوسا؛ أي: قوة تدفع ~~قاطرة الشخصية دون أن يؤدي إلى الانفجار، ولكنه إذا ~~اشتد أدى إلى الانفجار، وبكلمة أخرى نقول: إن القليل ~~من السخط يحفز على العمل، والكثير منه يؤدي إلى ~~الإجرام. # | العواطف المكظومة تلد العمل الفني # يختلف الأدباء والشعراء والفنانون في أساليبهم وأهدافهم، ونستطيع أن ~~ننتفع بما يؤلفون دون أن نعرف الجهود التي ترجع إليها هذه الأساليب ~~والمناهج. # ولكن المؤلف لا يؤلف في الفن، حيث الميدان يتسع للعواطف والأذواق ~~والاتجاهات والأخلاق، إلا إذا كان قد وجد في حياته ما يحمله على ~~اتخاذ خطة دون أخرى، وهدف دون آخر. # ولذلك نحن نفهم الكتاب أو القصيدة أو الرسم أو اللحن أكثر إذا ~~عرفنا حياة المؤلف والتفاصيل الخاصة بما لقي من أفراح أو أتراح، ~~وبما نزل به من كوارث أو مصادمات، وبما كان له من علاقات اجتماعية أو ~~عائلية؛ لأنه وهو يؤلف إنما يتوسع بشخصيته، وينقل إلى الجمهور ~~إحساساته؛ إذ هو يتخيل الخيال أو يحلم الحلم الذي يسد عنده نقصا في ~~حقائق الواقع. # وليس من شك إذن في الارتباط بين حياة الكاتب وفنه، فقد نجد كاتبا ~~يدأب في الدفاع عن الحرية وينضوي إلى الحركات التحريرية ويسرف ويضحي، ~~بحيث نكاد نحس أنه يشذ عن المألوف، وهو في شذوذه هذا يتأنق ويتفوق؛ لأن ~~غرامه بدعوته يحمله على العناية حتى يصل إلى غايته، وهذه العناية هي ~~الفن. # اعتبر صبيا نشأ في بيت يتسلط عليه أب قاس محافظ يمنع ابنه من ~~الاستمتاع بالمسرات المألوفة، أو هو يحمله على اتخاذ أساليب من السلوك ~~المرهق بدعوى الوقار، أو اعتبر صبيا آخر قد لقي طغيانا وهو صبي من ~~شقيقه الأكبر، بحيث لم يكن ليستطيع الدفاع عن نفسه لحداثة سنه، أو ~~اعتبر تلميذا وجد من معلمه في السنوات الأولى من الدراسة ~~الابتدائية عنتا بلا مبرر، ففي كل هذه الحالات نجد هؤلاء الصبيان، ~~عندما يبلغون سن الرجولة، كارهين لكل أنواع السلطة الحكومية أو ~~الاجتماعية أو الدينية، أو هم ms054 على الأقل يتوجسون منها. # وهم في هذه الكراهية أو هذا التوجس يبحثون هذه السلطة ويحاولون ~~الوصول إلى رذائلها ونقائصها؛ كي يبرروا موقفهم منها، وهو موقف الكراهة ~~أو التوجس. # وهنا نجد إذن ذلك المؤلف الذي يسرف في الدفاع عن الحرية وينضوي إلى ~~الحركات التحريرية؛ لأن دفاعه عن حريته الشخصية قد استحال إلى دفاع عن ~~حرية الشعب كله، وكراهته للحاكم المستبد أو القانون الجائر هي - في ~~صميمها - كراهة للأب القاسي الذي عرفه في طفولته، أو لقواعد الوقار ~~التي قيدت نشاطه وهو مراهق. # وليس الفن الذي يتجسم في قصة أو رسم أو أبيات من الشعر أو ألحان من ~~الموسيقا، أو حتى في مقال عابر، ليس الفن سوى التفريج عن عواطف محتبسة؛ ~~أي: مكظومة، لم يكن في مستطاع الفنان أن يفرج عنها في الواقع فأفرج ~~عنها في الخيال، وهو إذا لم يكن قد فعل ذلك في الخيال، لكان قد أدى به ~~الكظم إلى التفريج عنها بالخمر أو الجريمة أو الجنون. # وقد قال فرويد: «كلنا مرضى»، وهو يعني بهاتين الكلمتين أن لكل منا ~~كظومه واحتباساته وكروبه، التي تحتاج إلى التفريج، وقد يكون الانتقام ~~تفريجا، ولكن الأخلاق المتمدنة التي نأخذ بها، والاعتبارات الاجتماعية ~~التي يجب أن نراعيها، تحول بيننا وبين الانتقام، وإذن نحن نحلم ونتخيل ~~حالا أسعد من الواقع. # فإذا كنا على شيء من القدرة على التأنق على التعبير، استحالت أحلامنا ~~إلى أعمال فنية كالشعر أو الرسم أو القصة أو المقالة، ثم اتجهت حياتنا ~~الفنية تلك الوجهة التي اقتضتها ظروفنا العائلية الأولى أيام الطفولة، ~~وأيضا مركزنا الاجتماعي. # والعواطف المكظومة هي التي تلد العمل الفني؛ فإذا لم نكظم الحب فإننا ~~لن نؤلف عنه الشعر، وإذا لم نحس العجز في حياتنا الشخصية فإننا لن ~~ننشد التفوق الاجتماعي أو الفني، وإحساسنا بالضعف يحملنا على أن نتقوى ~~بالرياضة البدنية أو الذهنية. # ولذلك يجب - إذا استطعنا - أن نعرف حياة المؤلف وظروفه العائلية، كي ~~نصل إلى الجذور التي جعلته يتخذ أسلوبا دون آخر؛ لأن هذا الأسلوب هو ~~أخلاقه التي تعلمها أو اضطر ms055 إلى اتخاذها منذ صباه، والأغلب أيضا ~~أن الهدف الذي نصبه لنفسه قد تعين منذ صباه، ولا بد أن الصورة ~~التي اتخذها هذا الهدف قد اختلفت من الصورة التي كان يرسمها لنفسه أيام ~~الصبا، ولكن هذا الاختلاف لم يكن في النوع، وإنما كان في الدرجة واللون ~~فقط؛ أي: كان الاختلاف فنيا. # ومن هنا قيمة الترجمة الذاتية يكتبها المؤلف عن حياته، وهو بالطبع لن ~~يقول كل شيء، ولكنه يرسم لنا المراحل الزمنية والبيئية التي تنتمي ~~إليها مبادئه وأهدافه، وقد تكون القصة التي يؤلفها بخياله أصدق من ~~ترجمته التي يذكر فيها حقائق حياته؛ ذلك لأنه يحس من حرية ~~البوح والاعتراف في القصة الخيالية ما لا يحس في الترجمة ~~الذاتية. # إن سيكلوجية فرويد تسمى «سيكلوجية الأعماق» لأننا نتعمق الشخصية ~~ونحاول أن نرد ما فيها من تفوق أو تخلف، أو اتجاه سديد أو ~~انحراف سيئ، إلى العوامل الأولى أيام الطفولة، وإلى المركبات النفسية ~~الخاصة، وإلى محاب ومكاره قد رسخت، حتى لم يعد في ~~المستطاع التخلص منها، ويمكن أن نتعرف أسلوب الكاتب وهدفه إذا تعمقنا ~~نفسه وهبطنا على المشكلات القديمة التي كانت تشغله أيام صباه. # ونستطيع مثلا أن نعرف كثيرا عن المؤلف إذا نحن تأملنا الكلمات التي ~~تتكرر في مؤلفاته؛ لأن هذا التكرار لا يأتي عبثا، ذلك أننا حين نحب ~~شيئا نلهج به، ولهجتنا تدل على اتجاهنا. # وكذلك نستطيع أن نعرف الكثير عنه، حين نتأمل المجازات والاستعارات ~~التي يؤثرها على غيرها؛ لأنها أحلامه التي تنبع من نفسه، وليست أحلام ~~النوم عندنا سوى مجازات واستعارات مقلوبة، بحيث نكسب الهدف المعنوي ~~تعبيرا ماديا كأن أطير نحو السماء عندما أعبر عن تشوقي إلى ~~الرقي أو إحساسي به، أو أسقط من الشرفة حين أعبر عن سقوطي ~~الاجتماعي. # فنحن هنا إزاء رموز تجري في الأحلام وتدل على مشكلاتنا الشخصية، ~~ولكن للأديب أيضا رموزا تجري على قلمه وهي تنبع من أعماق نفسه، ~~وتكراره لها يدل على سلوكه ونظرته للمجتمع والحياة. # ثم النزعة العامة في مؤلفاته توضح لنا موقفه من المشكلات ~~الاجتماعية والسياسية. ms056 # ولكن هذه «الأعراض» لن تكشف لنا شخصية المؤلف، ولن تفسر لنا ~~اتجاهاته؛ إلا إذا عرفنا حياته العائلية الأولى وموقفه ~~الاجتماعي. # هل كان فقيرا في طفولته وقد عذبته الفاقة؟ # هل شقي في معيشته العائلية، وهل كابد قسوة من أبويه؟ # هل هو ينتمي إلى الأقلية أم إلى الأكثرية في الشعب؟ # هل نجح أم خاب في حياته المدرسية؟ # مثل هذه الأسئلة تنيرنا، إذا استطعنا أن نحصل على الإجابات ~~الصحيحة عنها؛ أي: عن كثير من البواعث التي تبعث الفنان على اتخاذ ~~اتجاه أو أسلوب معين. # وهذا التعمق السيكلوجي للفنانين والمؤلفين، ودلالة حياتهم العائلية ~~الأولى في إنتاجهم الأدبي أو الفني، وفي مذاهبهم الاجتماعية أو ~~السياسية، لا يمكن أن نحققه إلا إذا كان هؤلاء قد اعتادوا التأليف ~~عن حياتهم الشخصية، ومما يؤسف عليه كثيرا أن قليلين من أدباء العرب ~~قد عرفوا الترجمة الذاتية، ولو أنهم كانوا قد عرفوها ومارسوها ~~لأنارونا عن عصرهم وبيئتهم وأوضحوا لنا العوامل التي كونت ~~مؤلفاتهم وفنونهم. # وفي عصرنا وبيئتنا المصرية لا تزال «الترجمة الذاتية» بعيدة عن ~~الوجدان الأدبي، وهذا نقص عظيم نأسف عليه نحن، كما سوف يأسف عليه ~~أكثر، أجيالنا القادمة. # | الأحلام ومغزاها # تضطرنا الحضارة إلى أن نكظم عواطفنا، فتنحدر هذه العواطف في كياننا ~~النفسي إلى أعماق لا نسبرها، ومجموعة هذه العواطف المكظومة نسميها ~~«الكامنة» أي: العقل الكامن؛ لأن هذه العواطف المكظومة ليست راكدة، ~~ولكنها كامنة متربصة، وهي - من حيث لا ندري - تؤثر في سلوكنا وتصرفنا ~~وتوجهنا وجهات في الحياة نعجز عن تعليلها إلا بعد التحليل ~~الشاق. # ومهما ظننا أننا نعيش الحياة الوجدانية الموضوعية المنطقية فإننا ~~في الواقع ننساق ببواعث هذه الكامنة فنعيش حياة عقيدية استغراضية؛ أي: ~~قائمة على هوى معين، فنؤثر أشياء ونبرر سلوكنا بالوجدان، وقليل منا ~~- بل قليل جدا - من يستطيع أن يكشف عن بواعث هذه الكامنة، ويسلط ~~وجدانه على سلوكه. # وهذه العواطف المكظومة تبدو لنا سافرة أو كالسافرة وقت الاسترخاء؛ ~~أي: حين يزول عنا التوتر النفسي الذي يطالبنا به الواجب والفضيلة ~~والشرف والمروءة؛ أي: حين يزول عنا الوجدان الذي ms057 نكظم به عواطفنا، ~~فبعد الغداء مثلا حين نقيل، أو حين نأوي إلى الفراش قبل النوم في ~~الليل، نسترخي ونفرج عن عواطفنا المحبوسة، فنجد أننا نتخيل خيالات نسعد ~~بها - وقد يكون بعضها فاسقا - وعندما يتم هذا الاسترخاء في النوم نحلم ~~أحلاما تجد فيها العواطف المكظومة أوسع المجال للتعبير - بل ~~العربدة - أي إن ما لا نجيزه لأنفسنا بالوجدان في صحونا نستبيحه بالحلم ~~في نومنا. # ونحن ننحدر في النوم إلى درجة التطور الحيواني، حتى إننا في الأحلام ~~نجد التفكير يجري بصور متتابعة خالية من الكلمات إلا قليلا جدا؛ لأن ~~اللغة طور جديد راق في البشر، والحلم هو ردة إلى العواطف التي لا ~~تحتاج في تعبيرها وعربدتها إلى لغة. # ولما كان الحلم خاليا - في الأغلب - من الحديث والكلمات فإنه يسير ~~بالرموز؛ ومن هنا الصعوبة في تفسيره، كما أننا نستطيع أن نستنير به في ~~الوقوف على نشأة التفكير عندنا؛ فإننا ننظر إلى الدنيا في الحلم «كما ~~لو كانت كذلك»؛ أي إن الإنسان البدائي حين واجه الدنيا وهو عاجز عن ~~فهمها صار يحاول هذا الفهم «كما لو كانت كذلك» فالسماء سقف تقعد ~~عليه الآلهة، والرعد إله غاضب يزمجر، وصار يظن أنه يستطيع أن يقتل ~~الحيوان بأن يرسم صورته على الصخر وفي بطنه حربة، فهو لم يكن يستطيع ~~الوقوف على كنه الأشياء، فصار يحاول فهمها بأن يفرض أنها على حال ~~مشبهة من ممارساته اليومية، ونحن حين نرى الحلم مقنعا حافلا ~~بالرموز التي تحتاج إلى تفسير؛ إنما نرى في الحقيقة محاولة ~~بشرية بدائية للتفكير، ومن الحلم نعرف كيف نشأت اللغة بكلماتها؛ ~~أي: رموزها كما نعرف البواعث الخفية في كياننا النفسي، هذه البواعث ~~التي ننكرها في صحونا؛ لأن وجداننا يطالبنا بالمنطق في وسط ~~الحضارة فتثب هي في نومنا. # وليست هذه الرموز مع ذلك سهلة، انظر إلى رجل يحلم أن ثعبانا ~~عظيما يهجم عليه، فهنا كابوس يدل على خوف مكظوم، وانظر إلى امرأة ~~تحلم أن ثعبانا ينساب تحتها؛ فالرمز هنا جنسي يدل على اشتهاء الجنس ~~الآخر؛ فالرمزية هنا واحدة ولكنها ms058 تدل على حال نفسية مختلفة بين ~~الاثنين؛ هي الخوف عند الأول، والشهوة عند الثانية. # أو انظر إلى زوجة تحلم حلما متكررا بأنها تعود طفلة تلعب مع إخوتها ~~وأمها، فهنا نفس كارهة للحاضر؛ أي: لبيت الزوجية، تود لو تعود إلى أيام ~~الصبا ، وتفهم من هذا الحلم عاطفة سيئة مكظومة نحو الزوج أو الحياة ~~الزوجية عامة بما فيها من حماة أو غيرها. # أو انظر إلى رجل يحلم أنه قد بنى بيتا من الخشب، ولكنه ركيك يصعد ~~إليه فتصطك أجزاؤه ويترنح، كما لو كان يوشك على السقوط، وبعد حديث قصير ~~نجد أنه كان في يقظته يفكر كثيرا في مشروع يرغب في القيام به، ~~ولكنه يخشى الخيبة والفشل، فهنا خوف مكظوم قد رمز إليه في الحلم ~~ببيت ركيك متخلع. # كلما كانت العاطفة مكظومة في الصحو يكون الانفراج بالحلم في النوم؛ ~~أي: على قدر الكظم والتوتر يكون الانفراج والتنفيس، وفي الحضارة ~~القائمة يكثر الكظم للعاطفة الجنسية؛ ولذلك تتجه معظم الأحلام هذا ~~الاتجاه في التفريج وخاصة عند الشبان والفتيات. # انظر إلى فتاة تحلم هذه الأحلام الثلاثة: ~~(1) # عجل يثب على بقرة. ~~(2) # شاب وفتاة يتغازلان. ~~(3) # ترى والدها يصب البنزين في الأتومبيل. # ففي الحلمين الأولين الرمز واضح يدل على جوع جنسي مكظوم يخفف برؤية ~~هذين المنظرين، ولكن الرمز مستتر في الحلم الثالث، وهو يحتاج إلى أن ~~نقول: إن الفتاة تنظر إلى والدها باعتباره يمثل الذكورة، وصب البنزين ~~في الأتومبيل عمل مشبه (كما لو كان كذلك) للتعارف الجنسي بين الرجل ~~والمرأة. # وقد قلنا: إن تصرفنا أو سلوكنا في الحياة يتأثران بالكامنة؛ أي: ~~بهذه العواطف المحبوسة الكامنة، انظر إلى الحلم التالي: # كان أحد الأطباء الشبان يرفض الزواج ويتعلل بأن حالته المالية لن ~~توفر له المعيشة الهنية في الزواج، وحدث ذات مرة أنه كان يفحص صبيا ~~مريضا بالسل، فلما خلع الصبي ملابسه أحس الطبيب أنه قذف، ~~وحملته هذه الحالة المفاجئة على أن يقصد إلى سيكلوجي ويقص عليه ما ~~حدث، وبعد التحليل أفهمه هذا السيكلوجي أنه مصاب بشذوذ جنسي، وأن ~~هذا الشذوذ هو ms059 العلة الحقيقية التي تمنعه من الزواج. # فهنا طبيب في مركز اجتماعي يطالبه بالوقار والاستقامة قد حبس عاطفة ~~شاذة ونجح في إخفائها حتى على نفسه، ولكنها في لمحة غاب فيها الوجدان ~~وثبت وحققت وجودها، وكان يتعلل بعلل كاذبة للامتناع عن الزواج، ~~فلما اتضحت له الحقيقة رأى الحلم التالي: # رأى أنه على باب مرقص معين، وقد خرج أحد مرضاه ومعه خطيبته، ~~وكان هذا الخطيب مدينا له، فوقف الاثنان يحدثان الطبيب، ورفع الخطيب ~~صوته بقوله: إنه سيؤدي دينه. # والتفسير أن الطبيب بعد أن عرف علته استخدم وجدانه في يقظته ~~وحدث نفسه بضرورة الزواج، وارتضت عاطفته الجنسية هذا الانقلاب بعض ~~الشيء، ووقف الخطيب يقول للطبيب ما معناه: «لا تخف الزواج من الناحية ~~المالية التي تتعلل بها كذبا؛ فإني مدين لك وسأؤدي ديني، وسيفعل مثلي ~~كثيرون هنا.» # ومعظم الأحلام ننساها عقب اليقظة، ولكنا إذا تركنا الاسترخاء يطول ~~قليلا، وتركنا الخواطر المطلقة تتداعى بلا ضابط استطعنا أن ~~نستعيدها، فنفهم معناها؛ أي إننا نستعيد الحلم بأن نستعيد حال النوم أو ~~ما يقرب منه باسترخاء الأعضاء، ونترك الخواطر مطلقة بلا ضابط كما لو ~~كانت حلما، والعادة الغالبة أن تكون هناك علاقة بين الحلم وبين حوادث ~~اليوم السابق، ولكن ليس هذا محتوما. # وفي الحلم تبرز العواطف المكظومة ولكن على مستويات قديمة ربما تعود ~~إلى حال الإنسان قبل أن يخرج من الغابة، كما ترى في الطفل يسقط في ~~الحلم من مكان عال كأنه يعيش على شجرة؛ فإن خوفه هنا من صبي يضربه أو ~~رجل ينهره قد اتخذ هذا المستوى القديم حين كان الإنسان لا يزال مع ~~القرود يعيش على الشجر ويخشى السقوط، أو انظر إلى تاجر يخشى الإفلاس؛ ~~فإنه يرى في الحلم أنه يغرق في البحر، أو انظر إلى زوجة تكره حماتها ~~وتخشاها؛ فإنها تجد كابوسا في حلمها هو لبؤة أو كلبة تريد نهش ~~لحمها. # ومن الأحلام التي رأيتها في شاب متدين يستمتع بطرب العقيدة ونشوتها ~~أنه في الحلم يجد هذا الطرب قد استحال إلى طرب جنسي ساذج، وهذا هو ms060 ما ~~ننتظر بعد التأمل القليل؛ لأن الأحلام تعبر عن العواطف المكظومة وتنحدر ~~إلى المستويات القديمة، وأقدم ألوان الطرب عندنا هو الطرب ~~الجنسي. # لا، بل أكثر من هذا؛ فإن الطرب الجنسي عام عند جميع الشبان، وهو ما ~~نتسامى به كي نصل به إلى الطرب الفني أو الديني؛ فإذا كان موضوع الحلم ~~فنيا أو عقيديا انحدر إلى المستوى الأصلي وهو الطرب الجنسي، فصار ~~التعبير جنسيا؛ ومن هنا تفسير الاستهتار الذي وقعت فيه بعض الفرق ~~الدينية القديمة؛ ومن هنا اتصال البغاء ببعض المعابد الوثنية قديما ~~وحديثا. # والأحلام مفيدة؛ لأنها تفريج وتنفيس رخيصان للكظم والتوتر، والحلم ~~هنا كالخمر، فنحن نأوي إلى فراشنا متوترين منقبضين فنلعب ونمرح في ~~الحلم بخيالات سارة نضرب فيها خصمنا، أو نشبع فيها جوعا جنسيا، أو ~~نربح فيها ورقة حظ، أو نحو ذلك، فنستيقظ في الصباح مرتاحين منبسطين قد ~~تجدد نشاطنا، وأحيانا تجدنا مغتمين بغم لا نعرف سببه، وقد يرجع ~~هذا إلى أننا حاولنا كظما في مشكلة معينة، والكظم هو ربط وضبط ~~وحبس للعاطفة؛ ولذلك يعم هذا الكظم أحيانا سائر نشاطنا، فنكره الحركة ~~والعمل ويشملنا جمود، ولو كنا قد وفقنا إلى حلم تفريجي لاستيقظنا ~~نشطين سعداء، وبالطبع ليس الحلم تفريجا كاملا؛ لأننا في الصباح ~~نعود إلى المشكلة، ولكنه يعطينا بعض الراحة بعض الوقت، أما التفريج ~~الكامل فهو التحليل؛ أي إننا نضع المشكلة أمام الوجدان ونحلها الحل ~~الموضوعي المنطقي. # وأحيانا يؤدي الحلم إلى حل مشكلة شاقة؛ لأن الكظم الذي نمارسه في ~~الصحو يتشعع إلى كياننا كله فتجمد خواطرنا فنعجز عن التفكير، كما نرى ~~في الخائف الذي تجمد من الخوف، ولكن الحلم يفكك روابط هذا الكظم وقيوده ~~فتنطلق الخواطر وتتداعى فنهبط على حل. ~~«وهنا يجب أن ننصح للقارئ بألا يروي حلمه - مهما ظنه بريئا - ~~لأحد، إلا إذا وثق من أخلاقه؛ لأن أبسط الأحلام قد يكشفه كما لو باح ~~بسر كان يحب أن يخفيه.» # وحالة الحالم عندما يقص حلمه تدل على معنى الحلم، اعتبر مثلا ~~رجلا يقص عليك أنه رأى في نومه أنه ينتحر، ms061 وأنه كان في النعش والجنازة ~~خلفه، ثم آخر يقص عليك مثل هذا الحلم؛ فإذا كان أحدهما يقصه وهو يضحك ~~فرحا فهو - بلا شك - ينوي الانتحار؛ لأن الموت لا يرهبه بل ~~يغريه، أما إذا يقص كان الحلم وهو متألم يتضرر من التفاصيل التي ~~يسردها فحالته هذه تبعث على الطمأنينة؛ أي إنه فكر في الانتحار ولكنه ~~لا يزال يخشى الموت، والأغلب عندئذ أنه لا يجرؤ على الإقدام ~~عليه. # وأحيانا تفور بنا الكامنة وتتغلب على وجداننا، فنهب من الفراش ونحن ~~لا نزال في النوم ونؤدي أعمالا مختلفة في البيت، أو حتى نخرج إلى ~~الشارع، ونؤدي حركات رمزية، وكثيرا ما يقع بعض الناس في أخطار هذه ~~الحالات. # وأحيانا تفور الكامنة أيضا وتتغلب على وجداننا؛ فإذا كان أحدنا ~~يكره زوجته فإنه ينسى البيت ولا يعرف الشارع الذي يقع فيه، وقد يبقى ~~على ذلك شهورا أو سنوات، ثم يعود إلى وجدانه، ولهذا تزدوج شخصيته: ~~الشخصية الأولى التي يعرف بها بيته وزوجته وأولاده، شخصية الوجدان ~~الأصلي عنده، ثم شخصية أخرى تتغلب فيها كامنته حين ينسى بيته وزوجته ~~وأولاده. # وأخيرا تتغلب الكامنة أحيانا تغلبا تاما على الوجدان بالسيكوز؛ ~~أي: الجنون. # وقد آثرنا عبارة العقل الكامن على عبارة «العقل الباطن»؛ لأن الكمون ~~ينطوي على معنى التربص والنشاط، وهما صفة الكامنة، ولكن عبارة العقل ~~الباطن توهم بالركود والخمود وليسا هما من صفات الكامنة. # | الكابوس وأسبابه # قل منا من لم يعرف الكابوس، وهو حلم مثل سائر الأحلام يدل على ~~أننا كظمنا عاطفة، فلما نمنا وزال عنا الوجدان برزت وحققت ~~وجودها، والمبدأ العام في الأحلام هو أنها تحقق شهوة أو رغبة ~~مكظومة يتضح في الكابوس كما يتضح في أي حلم آخر. # فالحضارة التي نعيش فيها تمنعنا من التعبير عن مخاوفنا؛ فالتلميذ ~~مثلا يكره الامتحانات ويخشاها ويود لو يفر منها، والجندي يخشى ~~المعركة، وهو يتخذ موقف الشجاعة مضطرا، والموظف الذي تلاعب بأموال ~~الحكومة يخشى الافتضاح، والأم تخاف الأخطار العديدة التي يلقاها ابنها ~~في الشارع، والمالي يخشى الإفلاس، وهو دائم الهم بشأن الأسعار ~~والأسهم، ms062 والمريض يخشى الموت أو مشرط الجراح. # وكل هذه الهموم نكظمها ولا نتحدث أو نفصح عنها، وكأنها أسرار ~~مقفلة في نفوسنا لا نحب أن أحدا يعرفها، حتى لا يعيرنا بالجبن ~~أو بغير ذلك من الرذائل؛ فإذا نمنا استباحت عاطفة الخوف طريق ~~الانفراج ؛ ولذلك يصرخ التلميذ والجندي والموظف والأم والمالي والمريض، ~~وهم في صراخهم لا يحلمون بالمشكلة التي كانت في صحوهم سببا لهذا ~~الكابوس في النوم؛ لأن الأحلام تتخذ أساليب قديمة؛ فالمشكلة العصرية ~~بشأن الامتحان عند التلميذ، أو البورصة عند المالي تتخذ أسلوبا قديما ~~يمثل الإنسان (بل الحيوان) البدائي في الغابة، أو ما يقارب هذا في ~~الرمزية؛ ولذلك نجد هؤلاء جميعا يبكون أو يصرخون في النوم؛ لأنهم ~~يرون وحشا يتربص بهم الموت، أو ما يرمز إلى هذا الوحش من رجل يحمل ~~سكينا يطلب قتلهم، أو لصا تحت السرير يستعد للوثوب. # وقد سبق أن قلنا: إن الإنسان في نومه يلغي وجدانه وتبقى عواطفه ~~وانعكاساته، فهو في حال تفكيرية وقت النوم تشبه الحال التفكيرية ~~للزواحف والسمك وقت الصحو، واستجاباته تشبه استجاباتها؛ ولذلك تجري ~~الأحلام على منطق قديم، وإن كانت البواعث التي أثارتها عصرية. # ونحن في معاملتنا للأطفال كثيرا ما نقول: «ما تخافش. ما تصرخش. ~~ما تعيطش. خليك شجاع»، والطفل يخضع ويطاوع ويكتم خوفه، ولكن ~~الصراخ كان شهوة طبيعية عند الطفل، فلما كظمها وجدت الانفراج في ~~النوم بما نسميه الكابوس، وكذلك يفعل الجندي الذي منع من الهرب، ~~والأم التي منعت من البكاء. إلخ. # وإلى هنا لا نرى اختلافا بين الحلم العادي والكابوس، كلاهما ~~يعبر عن عاطفة أو شهوة كانت مكظومة، ولكن القارئ يعرف أننا كثيرا ~~ما نستذكر في يقظتنا المواقف الحسنة التي استمتعنا بها أو طربنا ~~بها، كي نستعيد الاستمتاع واللذة، ثم تأخذ أحلام اليقظة في التوارد ~~خاطرا بعد آخر كلها طرب ولذة، نفعل ذلك عندما نسترخي بعد الغداء ~~أو قبيل النوم، ثم إذا نمنا رأينا الأحلام اللذيذة التي تتصل بهذه ~~المواقف، فكيف نفسر هذا؟ # نفسره بأنه أيضا - أي هذه الأحلام في اليقظة والنوم - تعبر ms063 عن ~~رغبات مكظومة؛ لأننا لم نشبع من «المواقف الحسنة التي استمتعنا بها أو ~~طربنا بها» فنحن نجوع إليها ونستعيدها، وكأننا نحب أن نملأ كل ساعة من ~~حياتنا بها. # ثم هناك مواقف سيئة أوذينا فيها بالألم أو بالخزي والهوان، ونحن في ~~خواطر اليقظة نستعيدها ونجترها مع التنقيح الذي يجعلنا في موقف ~~المنتصر، ثم في الحلم أيضا نستعيدها مع هذا التنقيح؛ أي: إذا حدث لنا ~~أن اصطدمنا بحادث مهين لنا فإننا نحلم بأننا قد التقينا بالشخص ~~الذي أهاننا وضربناه، أو عاملناه بما يخزيه ويهينه، ثم نستيقظ من ~~النوم مرتاحين لهذا الاتزان الذي حققه لنا الحلم في عواطفنا: انتصار في ~~النوم عقب هزيمة في اليقظة. # وهذا هو سلوك النفس السليمة، ومنهجنا في النوم هو نفسه منهجنا في ~~اليقظة؛ فإن أحدنا الذي يلقى ظرفا سيئا يحاول معالجته أو نسيانه، وهو ~~في النوم يسري عن نفسه بحلم يخفف من وقعه؛ لأنه يرغب في سلوك ~~سوي. # ولكن إذا كانت النفس مريضة فإن السلوك هنا يتغير، فقد يكون أحدنا ~~تاجرا ثم يفلس، أو قد يكون هانئا بزواجه ثم يتضح له أن زوجته خائنة ~~وأنها قد فرت منه إلى آخر، فهو يجتر هذا الحادث فلا ينسى إفلاسه أو ~~لا ينسى خيانة زوجته، ولا يفكر في بناء جديد يبني به ما تفرق من كيانه ~~النفسي، فهو هنا يحمل هما يجتره بلا تدبير للمستقبل؛ أي: بلا أمل؛ ~~فإذا نام رأى في الحلم كابوسا كأنه يسقط من بناء عال، والسقوط هنا ~~رمز للإفلاس المالي، أو كأن وحشا قد شق صدره وخطف قلبه، وهذا رمز ~~لغريمه الذي انتزع زوجته؛ فالكابوس هنا يمثل جرحا في النفس يحس صاحبه ~~أنه غير قادر على لأمه. # وفي مثل هذه الظروف يتكرر الكابوس حتى يعود المريض إلى حال سوية؛ أي: ~~حتى يبرأ من جرحه النفسي. # وفي حياتنا المحفوفة بالمخاطر تمر بنا أوقات نسلك فيها سلوك ~~المرضى؛ فإننا مثلا قد نسرف في تخويف الفتاة من الاختلاط بالشبان حتى ~~تختلط الشهوة الجنسية عندها بالخوف العظيم على بكارتها، فهي ترى ms064 - ~~مثلا - فيلا يهجم عليه بخرطومه، فهنا كابوس يرمز «بالخرطوم» إلى ~~الخوف من الاتصال الجنسي، أو هي ترى لصا يطعنها بخنجر أو يطلق عليها ~~مسدسا؛ فالمسدس والخنجر والخرطوم كل منها رمز إلى عضو التناسل الذي ~~تخشاه لفرط ما سمعت عن قيمة الطهارة وضرر الاختلاط، واذكر هنا رمزية ~~الثعبان (الحية) في تعريف آدم وحواء بالأسرار الجنسية. # ومثل هذا الكابوس يزول عقب الزواج، وسببه أننا بالحضارة وزواجرها ~~الكثيرة قد أحلنا حلما لذيذا إلى كابوس مزعج. # والآن قد ذكرنا ثلاثة أنواع من الكابوس هي: ~~(1) # كابوس نرغب فيه ونشتهيه؛ لأنه ينفس عن عاطفة الخوف التي ~~كظمناها. ~~(2) # كابوس يدل على جرح نفسي لا يستطيع صاحبه أن يتخلص منه، ~~فهو يجتر نكبته في يقظته ثم تعود كابوسا في ~~نومه. ~~(3) # كابوس ثالث يختلط بالرغبة الجنسية. # وثم كابوس رابع نستطيع أن نسميه «الكابوس البيولوجي» قد اقتضاه ~~تطورنا، فكلنا يعرف أن كثيرا من الحيوانات لا ينام، أو أن نومه خفيف ~~جدا كالفرس أو الحمار، وبدهي أن نوم الوحوش أخف من نوم الفرس أو ~~الحمار، وعلة هذا أن الأخطار كثيرة جدا في الغابة والحياة الوحشية؛ ~~ولذلك فإن الكابوس ينبه ويوقظ؛ أي إنه يأتي إلى النائم كي ~~يحفزه على اليقظة حتى لا يقع فريسة لوحش ينسل إليه في ~~الظلام. # ونظامنا النفسي مؤسس على الأخطار العديدة التي مرت بنا في مئات ~~الألوف من السنين الماضية؛ فالنفس تطالبنا باليقظة وألا نستسلم للنوم ~~كما لو كنا سكارى. # ومعظم أنواع الكابوس يتخذ شكل العبء الذي يجثم على الصدر حتى يضيق ~~النائم بالنفس ويصرخ، والعادة أننا نقول: إن الأكلة الثقيلة السابقة ~~للنوم قد ضغطت وأثقلت، وقد تكون هذه الأكلة هي السبب المباشر، وإن ~~كان كثير من الكابوس يحدث حتى عندما ننام بلا عشاء، ولكن هذا الثقل ~~هو نفسه رمز إلى حيوان جاثم يوشك أن يمزقنا؛ فالنفس تتنبه كي تستيقظ، ~~وهو لهذا السبب مفيد - أو كان مفيدا، بل مفيدا جدا - أيام الغابة ~~والوحوش حولنا، والصراخ مفيد؛ لأنه يوقظ من حولنا من ~~الجماعة. # انظر إلى هذا الكابوس: رجل يحلم ms065 أن يده وذراعه قد صارتا مومياء، ~~واللحم والجلد يتناثران منهما، فما المعنى؟ # عندما يستيقظ يجد أنه كان قد توسد ذراعه فخدرت، فهنا يعد الكابوس ~~تنبيها؛ إذ كيف يجوز لأحد أن ينام في الغابة ويده خدرة؟ ألا يتعرض ~~بهذا لأعظم الأخطار إذا كبسه نمر أو ضبع؟ # وبدهي أنه إذا كثرت الهموم التي نعجز عن حلها كثر الكابوس، وفي ~~حضارتنا نتحمل هموما كثيرة ونخاف كثيرا ونكظم مخاوفنا كثيرا فلذلك ~~يكثر الكابوس، والمجتمع السليم الذي يربي الشخصيات المتفائلة التي تنظر ~~إلى المستقبل راضية، يكاد يخلو من الكابوس. # | الإيحاء والتنويم النفسي # كان التنويم النفسي الذي فشا بين الجمهور باسم «التنويم المغنطيسي» ~~من الأسباب الأولى لدراسة السيكلوجية الحديثة، وكان بابا ينفتح على ~~ميادين رحبة وآفاق واسعة جعلتنا نملك من هذا العلم معارف جديدة ~~زادتنا فهما للطبيعة البشرية. # والتنويم النفسي (الهبنوتية) على الرغم من الادعاءات التي نسبها إليه ~~الدجالون، هو في نهايته «الإيحاء» لا أقل ولا أكثر، ولكنهم استطاعوا أن ~~يثيروا استطلاع الجمهور؛ لأنهم أطلقوا عليه اسم «التنويم ~~المغنطيسي» مع أنه ليس فيه أي مغنطيس، وكل ما في الأمر أن هناك أشخاصا ~~أكثر تأثرا من غيرهم بالإيحاء، بحيث إذا أوحينا إليهم أنهم في حر ~~لا يطيقونه سال العرق من وجوههم، وإذا أوحينا للأم أن طفلها مريض ~~بكت؛ فالوجدان يزول وتعود النفس وكأنها لوحة مسحاء نكتب عليها ما ~~شئنا، والنائم يصدق كل ما نقوله ويستسلم لكل عقيدة نغرسها فيه، ولا ~~يعارض إلا قليلا جدا؛ أي: يزول منه الوجدان إلا أقله، وطريقة ~~التنويم النفسي أن نجعل الشخص يقعد، أو بالأحرى ينطرح منسطحا في ~~استرخاء، ويجمع نظره في شيء لامع لا يتحول عنه ولا يفكر في غيره، ثم ~~نتدرج به في الإيحاء بالإيهام: أنت ستنام الآن، أنت بدأت تنام، جفونك ~~تسترخي، ستتثاءب، أوشكت أن تنام، لقد نمت ولكنك ستسمع كل ما أقوله ~~لك، إلخ. # وبمثل هذه الكلمات المكررة ينام ويسمع ويصدق كل ما يقال له، بل ~~هو ينفذ ما يقال له، حتى بعد أن يستيقظ دون أن يدري البواعث ms066 التي ~~تحمله على تنفيذه، كأن نقول له: غدا في الساعة الخامسة ستذهب لزيارة ~~فلان صديقك، فهو ينفذ هذه الزيارة دون أن يعرف أنه قد أوحي إليه بها في ~~اليوم السابق. # والمعنى الذي نستنتجه من ظاهرة التنويم النفسي أن قوة الإيحاء كبيرة ~~الأثر في حياتنا الاجتماعية، وأن العقائد التي نغرسها في العقل الكامن ~~(الكامنة) تبقى حية توجهنا وتعين لنا أهدافا نسير نحوها دون أن ~~نعرف مأتاها، وقد سبق أن قلنا: إننا لا نسلك ونتصرف بالوجدان إلا ~~قليلا جدا، وإن 99 في المائة من أخطاء التفكير يعود إلى أننا ننظر ~~النظر الذاتي العاطفي دون النظر الموضوعي الوجداني. # وبتعبير آخر: نحن نعيش بعواطفنا في الأكثر الأعم، وبوجداننا في ~~الأقل الأخص؛ أي إن مرجع سلوكنا هو الثلاموس وليس المخ، ونحن والحيوان ~~سواء في هذا، والإيحاء لهذا السبب أسهل في بعض الحيوان مما هو في ~~الإنسان. # انظر إلى سرب من البط رأت واحدة منهن شيئا يخيفها فصاحت وطارت، ~~فما هو أن تفعل هذا حتى تطير نحو مائة أو ألف بطة خلفها، فقد تحركت ~~عاطفة الخوف بإيحاء البطة الأولى، ولم يكن هناك وجدان للتساؤل ~~والبحث، وطرن جميعهن وكن في ما يشبه التنويم النفسي عندنا. # وكثير من ظواهر النشاط البشري يشبه هذه الحركة البطية، اذكر ~~جنكيز خان وهتلر ونابليون؛ آلاف البط الآدمي يخرج من آسيا إلى أوروبا، ~~أو من أوروبا إلى أفريقيا، للقتل والتدمير بقوة الكلمات الإيحائية التي ~~تشبه صيحة البطة دون أن يقف واحد كي يتساءل: ما القيمة من هذه الكلمات ~~وهذا القتل والتدمير؟ # ومن هنا قوة العقائد الدينية والسياسية والاجتماعية في توجيه ~~الجماهير؛ فإن جميع العقائد عاطفية، وهي تنحدر إلى العقل الكامن ~~وتحركنا إلى النشاط بإيحائها، وقد تكون هذه العقائد كلمات لا أكثر. مثل ~~وطنية وإمبراطورية (عند الإنجليز) وشرق وغرب وتاريخ ومجد، والدم ~~والأرض عند هتلر؛ فإن هذه الكلمات وأمثالها تحيل الأمة إلى ما يشبه ~~النوم النفسي، فتصغي خاضعة لكل ما تتطلبه منها من مجهود. # والإيحاء يصدمنا بأنواعه المختلفة؛ فإن للكلمات العاطفية في اللغة ~~أثرا ms067 لا ينقطع للخير أو للشر، فللكلمات: شرف وإخاء وإنسانية ورحمة ~~إيحاء للخير، وللكلمات: نجاسة وشماتة وكفر وانتقام إيحاء للشر، ~~وللقصة التي نقرأها في المجلة والصورة التي نراها على الحائط أو في ~~الجريدة إيحاء يوجهنا ويكون مزاجنا ويؤثر في سيرتنا ~~الشخصية أو الزوجية أو الاجتماعية، وإيحاء الإعلانات في الذين يشترون ~~الأدوية المسجلة واضح؛ فإنهم يدفعون عشرين قرشا فيما لا يزيد ثمنه على ~~خمسة مليمات للإيحاء الذي بعثه الإعلان في نفوسهم من الفائدة ~~المزعومة لهذه الأدوية بإثارة مخاوف وآمال عن صحتهم. # وأغاني المذياع وأغانيجه توحي إلى الفتيات والشبان بالكلمة والنغمة ~~سلوكا جنسيا قد يصل أحيانا إلى الدعارة في الإحساس، وفي بعض ~~المعابد يتخذ الكاهن من الألحان والتراتيل في الجو المعتم للمعبد مع ~~البخور ما يزيد التقبل للإيحاء فتثبت العقائد، ومثل هذا الجو ~~السيكلوجي تحدثه الفائدة لحفل الزار وتسرف فيه حتى ينقلب الإيحاء إلى ~~تنويم نفسي تام فيغيض الوجدان وتبرز الكامنة (العقل الكامن) فنجد أن ~~المرأة ترقص وتترنح بحركات جنسية سافرة، أو هي تطلب التسلط بأن تركب ~~خروفا أو نحو ذلك. # وعندما يقعد اثنان لبحث موضوع يلجأ كلاهما إلى وجدانه فيقدم ~~البراهين الموضوعية يدعم بها حجته، وبعيد أن يصلا إلى نتيجة يتفقان ~~عليها إذا كان الموضوع يمس العواطف؛ ولذلك فإن أبرعهما يعمد إلى ~~الإيحاء ويترك المنطق، والمجرم القارح العائد الذي تدرب على المحاكمة ~~يعرف أن أفضل ما يؤثر به على القاضي هو أن يبكي ويتذلل، ~~ويذكر زوجته وأولاده الذين سيموتون من الجوع إذا حبس وحرم ~~الكدح لهم؛ لأن حركة عواطفه هذه تحرك بالمحاكاة ما يضارعها عند ~~القاضي فيتحنن ويتلطف، أما إذا جادل القاضي وقرع الحجة بالحجة ~~فإنه سيسيء بانتصاره المنطقي، وقد يجد من القاضي رغبة في الانتقام لهذا ~~الانتصار عليه. # هل سمعت أحدا يقول لك: إنه أرق في الليلة الماضية لأنه شرب في ~~الساعة السابعة من مساء أمس فنجانا من القهوة؟ وهل فكرت في هذا الأرق ~~هل كان سببه الحقيقي فنجان القهوة بالذات أم كان إيحاء هذه الفكرة؛ أي ~~إن القهوة مؤرقة، في ms068 نفس هذا الشخص؟ # والقدوة؛ أي: المحاكاة من أعظم وسائل الإيحاء، وهما أقوى أثرا من ~~الكلمة، فإننا نتثاءب عندما نرى أحدا يتثاءب، ونبكي في الجنازة عندما ~~نرى البكاء حولنا، والحمار يأكل أو يجري عندما يرى زميلا له يأكل أو ~~يجري، والأم المحجبة التي تخشى فتح الباب توحي الجبن والخوف من ~~الغرباء عند أولادها؛ ومن هنا قيمة القدوة في الأب والمعلم، وقيمة ~~العائلة الحسنة في الأطفال. # والإيحاء يحدث بالكلمة والصورة والفكاهة والقصة والأغنية والقدوة، ~~وهذه كلها تتسلط علينا في حياتنا الاجتماعية، وتغرس فينا عواطف نكاد ~~نحسبها - لفرط إحساسنا بها - طبيعية؛ فالمسلم يشمئز من لحم الخنزير، ~~وكلنا - باستثناء الصينيين - نشمئز من لحم الكلب، ونكاد نعتقد أن هذا ~~الاشمئزاز طبيعي ولو دعانا أحد إلى أن نأكل لحم الكلب لعددناه أسفل ~~إنسان في الدنيا، إن لم نعده مجنونا، والواقع أن هذه العواطف ~~اجتماعية تعود إلى الإيحاء؛ أي: إيحاء المجتمع بالقدوة والكلمة، كلمة ~~نجس للخنزير والكلب، وليس فيها شيء طبيعي. # انظر إلى الإيحاء السيئ في مصر للمسنين؛ فإن الموظف يحال على ~~المعاش في سن الستين وكأن هذه الإحالة توحي إليه بأنه لم يعد ~~مفيدا، ثم نحن نوحي إليه الوقار، فلا يجري ولا يلعب، فإذا تقدمت به ~~السن إلى السبعين طالبناه بزيادة الوقار، فيجب أن يقعد ويقل من ~~الحركة، أي: يجب أن يركد ويتعفن ويموت، وهذا بخلاف ما يلقاه المسن ~~في أوروبا من الإيحاء بالشباب والصحة، حتى إنه يكون في السبعين ويلبس ~~الشورط ويلعب، بل ويرقص؛ فهناك إيحاء للصحة والقوة، وهنا إيحاء للمرض ~~والضعف. # الإيحاء هو تنويم نفسي مخفف، وكلنا عرضة له متأثرون به؛ لأن معظم ~~سلوكنا - بل كل سلوكنا إلا القليل جدا جدا - عاطفي يخضع ~~للإيحاء. # الإيحاء يخاطب العاطفة ويحدث العقيدة، وإذا تسلطت العقيدة ~~والعاطفة ضعف الوجدان (= التعقل المنطقي والنظر الموضوعي). # وفي النفس البشرية طاقة من نوع آخر، هي هذه الخاصة التي أصبح جميع ~~السيكلوجيين يسلمون بها، وهي «التليبائية»؛ أي: شعور أحدنا بما ~~يحدث لآخر، ولو كان بعيدا عنا بنحو ألف كيلو متر؛ أي: الشعور على ms069 ~~بعد بدون الحواس المألوفة، فقد يحدث أن يكون أحد الشبان في برلين، ~~فإذا به يضيق ويغمره كرب عظيم، ويرى في خياله صورة أبيه في القاهرة، ~~وفي هذه اللحظة بالذات يجد عند التحقيق أن أباه كان في النزع ولم ~~تمض دقائق حتى يكون قد مات، وقد يكون أحدنا مريضا قد فنيت قواه ~~الجسمية - أو كادت - فيرى عزيزا له - ابنا أو صديقا أو أخا - وهو ~~في ضيق عظيم؛ فإذا حقق وجد أنه في هذه اللحظة كان عرضة لخطر ~~فادح قد قضى عليه أو كاد، ومن المجازفة العقيمة أن يتقدم أحد بتفسير ~~هذه الظاهرة، وقصارانا أن نقول: إنها كفاءة جديدة في النوع البشري ~~تظهر في بعض الأشخاص المهيئين لها، وسوف تعم جميع الناس - مع غيرها ~~من الكفاءات المجهولة - في المستقبل، ولكن من المؤكد أن التليبائية هذه ~~لا تنتمي إلى الغرائز القديمة في الإنسان؛ أي إنها ليست بعثا لإحدى ~~كفاءاتنا القديمة، وإنما الأغلب أنها ارتقاء جديد في الوجدان لا نفهم ~~كنهه إلا عن طريق التشبيه، كأن نقول: إن لكل منا موجته ~~«الراديوفونية» المخية التي تنطلق منا حول الأرض؛ فإذا لقيت جهازا ~~استقباليا حدث الاتصال، وما دام الأب يشبه ابنه بحكم الوراثة ~~في نظام الأعضاء وقوتها واتجاهها؛ فإن الموجة تتصل بين الأب والابن ~~ولو كانت المسافة بينهما آلاف الأميال، وكذلك الشأن بين الأشقاء ~~والأقرباء، ثم إذا كانت الموجة عنيفة حدث اتصال مشوش حتى ولو ~~اختلفت الجهازات، وهذا يفسر الاتصال بين غريبين في النظام العضوي ~~للجسم تربطهما صداقة حميمة مثلا. # | الانتحار السيكلوجي # كلنا يعرف هذا الانتحار المادي، وكلنا يقرأ عنه في الجرائد، عن ~~الفتاة التي كرهت زوجها أو ضرتها ثم أشعلت النار في ملابسها، وعن ~~الشاب الذي رفض أبوه أن يعطيه ما طلبه من نقود فألقى بنفسه في ~~النيل، وعن التاجر الذي كان يخشى الإفلاس فأطلق المسدس على ~~صدره. # ونحس كأن هؤلاء المساكين كانوا عقلاء أذكياء، ثم طرأ عليهم هذا ~~الطارئ الذي أفقدهم عقولهم، فانتحروا. # ولكن لا؛ فإنه ليس هناك مجرم يرتكب جريمة بيديه إلا كان ms070 قد سبق له أن ~~ارتكبها جملة مرات بعقله، بخياله، بأحلامه. ولم يكن الارتكاب بالفعل ~~سوى نتيجة الارتكاب بالفكر في شهور سابقة، في سنين سابقة. # وهذا المنتحر بالسكين أو المسدس أو بمياه النيل قد سبق ارتكابه ~~بالفعل ارتكاب بالفكر، فانتحر جملة مرات قبل ذلك انتحارا ~~سيكلوجيا؛ أي إن نفسه انتحرت قبل أن ينتحر جسمه. # ولو أنك كنت قد رأيته قبل أن يستحيل جسمه إلى جثة، لرأيت رجلا أو ~~امرأة أو شابا أو حتى صبيا قد كره الحياة، فهو لا يحب عمله ~~ولا يهتم بوسطه، ولا يعبأ بثراء أو وجاهة أو ثقافة، هو ~~كاره للدنيا قد سئم العيش فيها. # بل هو أحيانا يسلك السلوك المعين الذي يعمل لفنائه بدلا من ~~بقائه، كذلك الموظف الذي أحيل على المعاش؛ فإذا به يجد نفسه سدى ~~لا يسأل عنه أحد ولا يربطه بالمجتمع رابط؛ لأنه لم يكن يعرف من هذا ~~المجتمع سوى وظيفته، فلما انتهت انتهى هو أيضا، هو ضائع، هو سدى؛ ~~ولذلك يكره الدنيا، ويعمد إلى النوم قبل الظهر وبعد الظهر وفي الليل، ~~والنوم رمز إلى الموت، هو اعتكاف، هو استقالة من الحياة، والسرير ~~قبر. # أو هو يعمد إلى الشراب، ويقول لك: إنه يسري عنه السأم، وهو هنا ~~لا يكذب ولكنه لا يتعمق نفسه، ولو فعل لعرف أنه يشرب كثيرا كي ~~يموت؛ لأن الشراب يسممه، ويعجل وفاته؛ أي: انتحاره. # أو اعتبر «مي» الأديبة المصرية التي انتحرت؛ لأنها لم تطق أن ~~تعيش بلا شباب وبلا تلألؤ فصامت عن الطعام حتى ماتت، أليس هذا ~~انتحارا؟ # قد تقول: إنه جنون، وهو كذلك من حيث إنها خالفت المألوف، ولكن الواقع ~~أنها كرهت الحياة قبل ذلك بنحو عشر سنوات، وانتحرت سيكلوجيا جملة ~~انتحارات، واندس هذا الحب للموت في أعماق عقلها الكامن، ثم استسلمت له ~~بالانقطاع عن الطعام. # إن فرويد العظيم يقول: «إن في كل منا غريزة للحياة، وغريزة أخرى ~~للموت.» أي: كما نحب أن نحيا، نحب كذلك أن نموت. # نحب أن نحيا بالاستطلاع والاقتحام والارتزاق والتجوال والحركة ~~والبناء، ونحن عندئذ ms071 إبجابيون نضحك للحياة ونقول لها: نعم، وعندئذ ~~نحس القوة والفرح وندعو إلى الحرية والسعادة ونقتحم ~~المستقبل. # وأحيانا نرغب في الموت، فنعتكف ونجمد فلا نستطلع، ونكف عن الارتزاق ~~ونكره البناء - بناء الشخصية، بناء المنزل، بناء الدنيا - ونقعد عن ~~السعي، ونعود سلبيين نقول للحياة : لا، وعندئذ نحس الضعف والحزن، ~~ونأخذ بفلسفة الشك، ونلتزم قواعد الفعل الماضي فنقول كنا ~~وكانوا. # وهذا الانتحار السيكلوجي يصيب بعض الأفراد الذين دللوا في ~~الطفولة، أو لم يتعودوا مجابهة الصعوبات، أو لم يتعلموا السعي والجهد؛ ~~فإذا أرهقتهم الظروف وثقلت عليهم تكاليف الحياة آثروا الموت ~~عليها؛ ولذلك تراهم يبدون مشعثين، يلبسون الرث من الملابس، ~~ليس لهم طموح أو سعي إيجابي. ~~••• # هل الدنيا كئيبة إلى الحد الذي يدفعنا إلى هذا الانتحار ~~السيكلوجي؟ # ننتحر بالاعتكاف والتعطل، ونتناول الخمور والمخدرات، وبالتجمد حين لا ~~نقرأ ولا نستطلع، وبالقناعة حين نرضى بالتافه من الطعام والرث من ~~الثياب، وبالانفصال عن المجتمع، فلا صداقة ولا اهتمام بالسياسية ولا ~~عناية بالثقافة ولا سعي وراء مكانة؟ # قص علي تاجر أنه فيما بين 1931 و1933 عم الكساد التجارة، ~~فكان المتجر الذي يبيع بنحو عشرين جنيها في اليوم لا يكاد يبيع ~~بجنيهين اثنين، وكان متجره في شارع الموسكي، ولم تكن المتاجر ~~الأخرى تفضل متجره، وكان الكساد يخيم عليها جميعا، والذباب ~~يعكف على موظفيها وأصحابها، والجو مشبعا بالتشاؤم، ولم يعد ~~شعاع واحد من الشمس ينفذ إلى نفوسهم. # وبينما هذا التاجر يسير في شارع إبراهيم، خطر بباله أن يذهب إلى ~~جسر قصر النيل كي يتنسم هواء الصباح وكي يبعد عن متجره - الذي ~~صار يكرهه - ساعة أو ساعتين، وكان الشارع يكاد يكون خاليا؛ لأن الوقت ~~كان مبكرا، وبينما هو في هذا السأم، في هذا الجمود، في هذا الانتحار ~~السيكلوجي، إذا برجل قد بترت ساقاه يسير على عربة صغيرة، بأن يدفع ~~الأرض بيديه خلفه، قد نظر إليه وهو يقول: نهارك سعيد. # قال لي التاجر إنه عندما سمع هاتين الكلمتين من هذا الكسيح العاجز، ~~فزع وتنبه، وكان نهارا جديدا قد طلع عليه؛ لأنه تأمل نفسه؛ ms072 إن ~~هذا الرجل المسكين يضحك للصباح على ما به من عجز، فما لي أنا ~~أحزن؟ # كانت غريزة الحياة قوية في هذا المسكين، كان نهاره على الدوام ~~سعيدا. # وكانت غريزة الموت عند هذا التاجر قوية، فكان نهاره كئيبا. # وهنا وقفة نتلبث عندها! # إن هذا التاجر كان يعتقد أنه كان ينوي التنزه على جسر قصر النيل، ~~ولكنه كان جاهلا لا يعرف ما أراده من هذه النزهة. # إنه كان يريد الانتحار بإلقاء نفسه في مياه النيل، وكانت نزهته ~~استطلاعا للموت (عمل مقايسة)؛ ولذلك «فزع» وطلع عليه «نهار جديد» ~~عندما حياه هذا المسكين الذي كان يسير بيديه بدلا من ساقيه، كأنه قد ~~نبهه إلى ضلاله. # لا، ليست مسرات الدنيا هي التي تجعلنا سعداء، وإنما هي الفكرة التي ~~نعيش بها، والأهداف التي نهدف إليها، والفلسفة التي نعتمد عليها، وفي ~~كل هذا كان هذا «المسكين» الذي يسير بلا ساقين أنضج عقلا وأصح ~~فلسفة وأعرف بالحياة من هذا التاجر. ~~••• # إن جميع المنتحرين - ولو بلغوا الخمسين أو الستين من العمر - أطفال ~~قد تجمدت أخلاقهم على أسلوب الطفولة، وهناك علامات واضحة للطفولة ~~في سلوكهم حين تراهم يأكلون، أو يشتمون أو يرفسون وقت الغضب، أو ~~يسرقون حتى أصدقاءهم، كما أنهم يجبنون عن مواجهة الصعوبات، ويعتمدون ~~على غيرهم الذي يأخذ - في مقاييسهم - مقام الأبوين، وهم - في الأغلب ~~- قد دللوا تدليلا سيئا أيام طفولتهم. # اعتبر «مي» الأديبة التي صامت نحو عشرة أيام في منزلها حتى ~~ماتت. # لقد كانت وحيدة أبويها اللذين دللاها، وكانا يلبيان كل ما ~~كانت تطلبه، فقد كانت في الأيام العشرة الأخيرة من عمرها تتبول وتتبرز ~~على أرض الغرفة وعلى سريرها وعلى سائر الأثاث، والتبول والتبرز هما ~~نداء للأم، هما صيحة الاشتهاء للعودة إلى الطفولة، وكثير من الأطفال ~~الذين يجدون إهمالا وتركا من أمهاتهم يتبولون في الفراش حتى تأتي ~~الأم وتنظفهم وتعنى بهم، ولا يبالي الأطفال المتبولون أن يضربوا في ~~سبيل ذلك؛ لأن الالتصاق بالأم - حتى مع الضرب - لذة حميمة ~~عندهم. # ونشطت الكامنة - العقل الكامن - في «مي» في أيامها الأخيرة، ms073 فطلبت ~~أمها بأسلوب الأطفال، وكان هذا بعض جنونها. ~~••• # كيف نتقي هذا الانتحار النفسي الذي يؤدي في النهاية إلى انتحار جسمي، ~~وكيف نعالجه عندما يقع أحد فيه؟ # نتقيه بأن نربي الناس على أن يشبوا عن الطوق وأن يتركوا الطفولة ~~ويصيروا رجالا ونساء ناضجين؛ أي: يجب أن يعرفوا أن في الدنيا صعوبات ~~وعقبات، وأن الرجل الناضج يجب ألا يقابلها بالبكاء والرثاء كما يفعل ~~الأطفال؛ إذ عليه أن يتلقاها بالتحدي والكفاح، والرجل الناضج يحس ~~أنه ما دام حيا فإنه يجب عليه أن ينهض ويسعى ويبني، وليس عليه أن ~~يقعد ويستسلم. # عليه أن يستطلع ويدرس ويعمل، ويستمتع بجمال الطبيعة والفن، ويخطط ~~مشروع حياته. # ماذا أقول؟ # إني أكره بول سارتر وما يسميه «الفلسفة الوجودية»، ولكني أجد في ~~دعوته الأخلاقية ما يغريني؛ فإنه يقول: «إن الحياة هي مشروع يشرعه ~~كل إنسان لنفسه، هي خارطة يرسمها بيديه، هي مجموعة ما يختار من ~~الدنيا، هي تحفة يصنعها بيديه.» # إن سارتر يطالبنا بأن نكون ناضجين لا نعتمد على غيرنا، وهذا حسن منه؛ ~~لأن المنتحرين أطفال غير ناضجين يعجزون عن الاعتماد على أنفسهم. # يجب أن نقبل الوجودية على أنها «أكذوبة» اجتماعية، مثل الأكاذيب ~~القانونية، نهدف منها إلى أن نجعل من أبنائنا وبناتنا، رجالا ونساء ~~ناضجين. # يجب أن نقول لهم: أشرعوا مشروع حياتكم وأنتم في الشباب، وارسموا ~~خارطة السنين القادمة، ورتبوا برنامجكم لخمسين أو ستين سنة؛ فإن ~~حياتكم هي بيت تبنونه فأحسنوا البناء، وتجنبوا العادات التي تهدم ~~هذا البيت، وأقبلوا على الاستطلاع والاختبار، وتعلموا من الكوارث ~~دروسا، ومن الأمراض صحة، واكسبوا حكمة، وليسأل كل منكم نفسه ~~عندما يضعف: ألا أزال طفلا؟ # | المركبات # كلمة «مركب» من الكلمات التي خرجت من الميدان السيكلوجي إلى ميادين ~~أخرى في الأدب والاجتماع بل في الحديث العام، وهذا يدل على أنها قامت ~~بمهمة فسيولوجية كنا نحتاج إليها في لغتنا، وواضع هذه الكلمة هو يونج ~~السيكلوجي السويسري، وهو يقصد منها إلى مجموعة من الأفكار العاطفية ~~تندس في الكامنة (العقل الباطن) ثم توجهنا بميول واتجاهات تخفى علينا، ~~وقد استعمل ms074 هذه الكلمة فرويد فيما أسماه «مركب أوديب» واستعملها أدلر ~~فيما أسماه «مركب النقص». # ويرى القارئ لهذا الكتاب فصلا مستقلا فيه عن «مركب النقص»، ولذلك ~~نحتاج هنا إلى أن نتحدث في إيجاز عن المركبات وعن مركب أوديب ~~خاصة. # فالمركبات هي في صميمها رجوع مكيفة أي : معدولة، مثالها: الرجوع التي ~~أحدثها بافلوف في الكلاب؛ فالكلب يجرب لعابه إذا رأى أو إذا شم اللحم؛ ~~فإذا قرع جرس مع رؤية اللحم أو شمه، ثم كرر القرع والجمع بين ~~الاثنين - أي اللحم والجرس - نشأ في نفس الكلب رجع انعكاسي مكيف؛ أي: ~~معدول، حتى إننا إذا قرعنا الجرس وحده دون رؤية اللحم أو شمه سال ~~لعاب الكلب؛ لأن هنا «مركبا» مؤلفا في نفس الكلب من الجمع بين ~~الجرس واللحم، ومركبات الإنسان تزيد على ذلك بالطبع؛ أي إنها ليست ~~بهذه البساطة، وهي مركبات لغوية واجتماعية وعائلية؛ أي إن المجتمع ~~واللغة والعائلة كلها يكفينا ويعين لنا - بما غرسه فينا من مركبات - ~~ميولا واتجاهات وتصرفات ننساق فيها مندفعين بعواطف لا ندري مأتاها؛ ~~لأنها غرست - في الأغلب - ونحن أطفال، لم نكن نتنبه إلى منطقها ~~أو نعارض في تأثيرها. # فالهندوكي ينشأ على تقديس البقرة، فقداسة البقرة عنده «مركب» يشتبك ~~بعواطفه، وهو يعده حتى للموت في سبيل الدفاع عن البقرة، وكلمة «الدم» ~~في بعض قرى الصعيد «مركب» يؤدي إلى الأخذ بالثأر وارتكاب الجرائم ~~للانتقام، وعندئذ نجد أن هاتين الكلمتين اللتين تردان على ألسنتنا في ~~بساطة، البقرة والدم، تحدث كل منهما مركبا إجراميا في نفس ~~الهندوكي بالهند ونفس الجرجاوي أو القناوي بالصعيد. # كان أحد الأشخاص - وهو الآن في الستين - قد عصى وهو طفل ورفض ~~الذهاب إلى المدرسة، وكان الخادم قد طلب إليه حمله أو جره إلى ~~المدرسة، وبينما هو في هذا المأزق العاطفي يبكي ويرفس ويضرب كان ديك ~~قريب يصيح، فاقترن صياح الديك بعواطف الكرب والخوف (اذكر اللحم ~~والجرس)، فهو إلى الآن - أي بعد نحو خمسين سنة - لا يسمع صياح الديكة ~~إلا ويحس كربا وضيقا، فهنا مركب قد استقر في كامنته ولم ~~يبرحه ms075 حتى بعد نصف قرن من عمره. # ونحن نعيش؛ أي: نسلك في الوسط المتمدن بمركبات حسنة وسيئة؛ أي إن ~~رجوعنا الانعكاسية ليست أولية كما هو الشأن في الحيوان؛ إذ هي ثانوية ~~أو ثالثية أو حتى عاشرية؛ أي إن الرجع الانعكاسي قد كيف، انتقل من ~~اللحم إلى الجرس، ثم انتقل بعد ذلك إلى رجع آخر ثم آخر، فالذكر من ~~الحيوان يرى الأنثى فيشتهيها وينتقل من الإحساس الجنسي إلى العمل، وأنا ~~أنظر إلى المرأة فأنتقل من الرجع الجنسي الساذج (قل الغريزة) إلى تأمل ~~الملابس وتقدير مكانتها الاجتماعية منها، ثم أتذكر فضيلة العفاف، ثم ~~الدين، ثم مكانتي الاجتماعية، وكل هذه رجوع مكيفة أبدو بها متمدنا، أو ~~قل: إني تعلمت كظوما ودربت عليها حتى أخذت في الوسط المتحضر ~~الذي أعيش فيه مكان النزوة الانعكاسية الأولى، ونستطيع أن نقول: إن ~~النفس البشرية بهذا الاعتبار ليست بشرة طبيعية حساسة، بل أديما ~~مدبوغا صقيلا يجمد عند اللقاء ولا يتحرك بالأنثى أو الطعام أو الخوف ~~أو الغضب، أجل؛ هي نفس كاظمة، والآن ننظر فيما يسميه فرويد «مركب ~~أوديب». # فإن فرويد يقول: إن الطفل حين يرضع أمه في السنة الأولى من عمره يجد ~~لذة جنسية معممة في الرضاع والالتصاق بأمه، وهو ينشأ بعد ذلك على علاقة ~~غير وجدانية، تربطه برباط جنسي بأمه؛ ولذلك فإنه يكره أباه ويعد ~~وجوده بالبيت خطرا عليه، بل هو يخشى أن تؤثر أمه أباه عليه؛ فإذا ~~شب وحدث له تزعزع نفسي فيجب أن ننشد البؤرة لهذا التزعزع في ~~«مركب أوديب»؛ أي إن الطفل قد عاش في طفولته وهو يخشى أن يفصل من ~~أمه، التي يعدها - من حيث لا يدري - زوجته، ومواقف القلق التي ~~يقفها بعد ذلك إنما هي صراع خفي في نفسه، موضوعه هو حبه لأمه من ناحية، ~~ثم تغلب الأخلاق الاجتماعية من ناحية أخرى، وهذه الأخلاق تقول ~~بضرورة الرجوع عن هذا الحب؛ لأن أمه لأبيه وليست له من الناحية ~~الجنسية، مثال ذلك: قد يجد هذا الطفل - وهو شاب في العشرين أو الثلاثين ~~- أنه عندما يقف ms076 في البلكون يحس دوارا وكأنه سيسقط مغشيا عليه، فعند ~~فرويد أن مرجع هذا الدوار هو ما استقر عند هذا الشاب من أنه مذنب يريد ~~أن يقترف الاتصال الجنسي بأمه، وأن هذا الذنب هو «السقوط» الروحي أو ~~الأخلاقي؛ أي: السقوط الذي أحس به وهو في البلكون. # وقصة أوديب من القصص الإغريقية القديمة. خلاصتها أن أوديب هذا قد ~~تزوج أمه وهو لا يدري، حتى إذا عرف الحقيقة فقأ عينيه، أما أمه ~~فتنتحر، وقد نقلها فرويد وجعلنا جميعا متهمين بحب أمهاتنا، وأن ما ~~يصيبنا من نيوروز؛ أي: قلق نفسي في المستقبل إنما يرجع إلى أننا لا ~~نطيق هذا الصراع بين الأخلاق الاجتماعية التي تقول باحترام الأم، وبين ~~هذه الرغبة الطفلية المستقرة في الكامنة، التي تقول بأننا يجب أن ~~نستأثر وحدنا بحب أمهاتنا دون الآباء. # وكثير من السيكلوجيين يؤمن بأن مركب أوديب هذا من الحقائق السيكلوجية ~~التي لا يمكن تجاهلها أو إهمالها، ولكن أكثر منهم، بل أكثر كثيرا ~~جدا يقولون بأن هذا الفرض لا أصل له بتاتا، وأنه اختراع سخيف، وقد ~~حاولت أنا طوال السنين العشرين الأخيرة أن أجد أصلا لهذا المركب، ~~على النحو الذي يقول به فرويد، فلم أجده، وكل ما أستطيع أن أفهمه من ~~علاقة الطفل بأمه هو أن هذه العلاقة كبيرة القيمة في التوجيه الجنسي في ~~المستقبل، بمعنى أن الطفل يحب أمه ويتعلق بها كثيرا مدة الرضاعة ~~وعقبه، وهو بالطبع في هذا الحب يعتقد أن أمه جميلة تثير الحب في ~~نفسه لقامتها ووجهها وصوتها وأسلوب حركتها؛ فإذا بلغ المراهقة لم ~~يستجمل من الفتيات سوى أولئك اللائي يشبهن أمه في كل هذه الأشياء؛ ~~ولذلك يختار الشبان - في العادة الغالبة - فتيات يشبهنهم حتى ليظن ~~من ينظر أحيانا إلى زوجين أنهما شقيقان، والسبب أن الشاب اختار فتاة ~~تشبه أمه؛ أي إنها تشبهه هو؛ لأنه هو يأخذ كثيرا من ملامح أمه. # وعلى كل حال قد نبهنا فرويد بما أسماه «مركب أوديب» إلى القيمة ~~العظمى لسني الطفولة التي يقضيها كل إنسان مع أبويه، وقد أفاض أدلر ms077 في ~~هذا الموضوع. # | مركب النقص # للشاعر المعري بيت كبير المعنى يدل على بصيرة هذا العبقري هو: # لو لم تكن في القوم أصغرهم # ما ~~بان منك عليهم كبر # ذلك أن الرجل الصغير في جسمه أو الدميم في وجهه أو الحقير في مقامه، ~~أو الذي يحس صغارا لعيب فاضح، يتخذ أسلوبا تعويضيا كي يستر هذا ~~النقص الذي ركب فيه وولد معه أو أحدثته ظروف اجتماعية مدة ~~طفولته، والنقص أنواع مختلفة، فقد يكون أنفا ضخما أو قصرا مفرطا، ~~أو نحافة تشبه الهزال، أو فوها بالغا أو أي شوهة جسمية أخرى، وقد ~~تكون هذه الشوهة اجتماعية في حادث فاضح أو معيب ترك أثرا نفسيا ~~سيئا. # وفي كل هذا تحاول النفس - على غير وجدان؛ أي بلا دراية - أن تعوض ~~من هذا النقص كمالا، وعلى قدر الظروف الاجتماعية والفرص التعليمية، ~~وأيضا على قدر الذكاء الموروث، يكون هذا التعويض. # والطفولة نفسها من أطوار النقص؛ لأن الطفل يجد أن كل من حوله ~~أكبر منه وأقدر؛ ولذلك يفرح كثيرا حين يقف على كرسي ويجد أنه أعلى ~~من هؤلاء الكبار، ويفرح كثيرا حين يضرب أحدا فيجري منه؛ لأن هذا ~~الانتصار يوهمه قوة تجوع إليها نفسه؛ فإذا كان بالطفل عشاوة أو عرج ~~أو لعثمة أو حول، أو أي نقص آخر، زاد شذوذه وطلب الكمال التعويضي ~~بسبل غير طبيعية، أي: غير سوية، وعندئذ يصير التعويض نفسه شذوذا، ~~لأنه يفرط فيه، وقد يستقر على نوع من التعويض السخيف الذي لا يخدمه ~~في ارتقائه الاجتماعي، بل يؤذيه. كالتكبر مثلا؛ فإن المتكبر يجد أنه ~~في النهاية مبعد عن المجتمع يتوقاه الناس ويكرهون ~~ملاقاته. # وهناك أفراد قليلون ورثوا كفاية ذهنية ممتازة إلى جنب النقص، فلم ~~يؤخرهم هذا النقص، بل وجدوا فيه حافزا للتبريز والنبوغ، فهم في ~~موقف سقراط الفيلسوف الإغريقي حين ألف عنه أرستوفان درامة «السحاب» ~~فهزأه ورسمه في صورة كاريكاتورية، وحضر سقراط هذه الدرامة ورأى الجمهور ~~يضحك من تهزئته، فلم يغضب، بل وقف يعرض وجهه الدسم ~~وجسمه المتكتل كي يزيد الجمهور ضحكا! وهذا معقول؛ لأن ms078 سقراط كان ~~قد بلغ مركزا اجتماعيا ساميا، فلم يكن يبالي أن يعيره أحد ~~بدمامة وجهه. # وحدث قبل سنوات أن اشترك شاب أمريكي في مباراة رياضية فانهزم ~~الفريق الذي كان هو أحد أعضائه، فكتب إلى أبيه يقول: «وجد الفريق ~~الآخر ثغرة خطيرة في فريقنا، وكنت أنا هذه الثغرة.» # فنحن هنا إزاء إحساس بالنقص، ولكنه بدلا من أن يحدث هوانا ~~وضعة، أحدث عند سقراط سرورا، وأحدث عند هذا الشاب اعترافا ~~يدل على قوة العزيمة والاستعداد للانتصار القادم، ولكن يجب أن نذكر أن ~~النقص هنا أحس به سقراط وهذا الشاب وهما على وجدان ويقظة، ~~فقاومه كلاهما بالتعقل والنظر الموضوعي. # ولكن مركب النقص يتكون في العادة أيام الطفولة والصبا، حين لا يكون ~~الوجدان قد تكون وارتقى؛ ولذلك فإن المقاومة له في أغلب الأحيان ~~تكون طفلية سخيفة يشقى بها الناقص ويتعس غيره، وفي حياتنا العامة ~~تجابهنا في سلوكنا ظروف تجعلنا نحس بنقصنا، وليست أحلام اليقظة ~~سوى معالجة لذيذة لهذا النقص، وأحيانا إذا كان النقص يغمر ~~الشخصية بفداحته فإن الناقص يعمد إلى الخيال ويستسلم لأحلام اليقظة حتى ~~يكاد يقطع ما بينه وبين الواقع. # وهناك ضروب من المقاومة للنقص نراها في حياتنا العامة، كالمرأة ~~الدميمة تسترجل إلى حد الفظاظة، وهناك الشاب المهين يرفع صوته في ~~الحديث ويؤكد رجولته بإيماءات لا ضرورة لها، وهناك الشاب القميء الذي ~~لا تلتفت إليه فتاة يتحدث عن اقتحاماته الجنسية، أو هو يعود «فاضلا» ~~يعزف عن النساء ويذكر خيانتهن وإيثار العزوبة على الزواج، أو هو حين ~~يتزوج يضرب زوجته كي يؤكد رجولته الناقصة. # وفي أمثال هذه الحالات نكاد نرى مركب النقص سافرا، ولكنه في ~~أحوال أخرى يتخذ ألوانا من التعويض تخفي علينا، كتلك العانس التي ~~تقدمت بها السن فلم تتزوج، ولكن غريزة الأمومة لا تزال حية في كيانها، ~~فتعمد إلى تربية القطط، وهذا حمق وسخف، أو هي تعمد إلى تبني ~~الأطفال ومساعدة الملاجئ، وهذا عقل وحكمة، وقد نجد شابا يؤثر العزلة ~~ويتجنب المجتمع لأنه أعور، أو هو يخجل كأنه بنت في سن العاشرة، ms079 وهو ~~يستضر بهذا السلوك ويتأخر عن النجاح، وكان يجب التعجيل في تزويده بعين ~~صناعية لإزالة هذا النقص، أو بالأحرى لتخفيفه، ثم انظر إلى ذلك الرجعي ~~الذي يكره الحضارة الأوروبية؛ إذ يجد أنها تناقض وتكافح كل ما ~~نشأ عليه حتى إنها تكاد تطارده في عيشه ، فهو ينعى على العصر الحاضر ~~تهتكه، ويعود بمزاجه وذهنه إلى التمدح بالقديم قبل ألف عام، ~~والدعوة إلى جحد القرن العشرين، بل هناك في هذا الوقت أدباء قصرت ~~بهم كفايتهم عن تفهم الحضارة القائمة، أو عجزوا عن حمل الجمهور ~~الجامد على اعتناقها فشرعوا يتمدحون بالعرب قبل ألف عام ويؤلفون الكتب ~~في ذلك، كما أن هناك كتابا حملهم مركب النقص على السباب ~~والبذاء حتى صار هذا حرفتهم. # وأحيانا يؤدي الخوف من النساء - لعيب صحيح أو موهوم - إلى الزيغ ~~الجنسي، وأعظم العلامات لمركب النقص هو الرغبة في الانعزال، وهذا ~~الانعزال ثلاثي؛ إذ هو يتم بالجسم والعاطفة والذهن، والناقص يقيم ~~الجدران التي تفصل بينه وبين المجتمع، في حين أن الشخص السوي يهدم هذه ~~الجدران، الأول يخاصم لأوهى الأسباب ويتجنب ويعتزل، والثاني يصالح ~~ويختلط وهو يتفاءل ويحس الغيرية والمسئولية الاجتماعية كما يحس ~~شجاعة اجتماعية يقدم بها على الأعمال والمشروعات، في حين أن ذاك ~~يتشاءم ويحس الأنانية التي يتوهم أنه يغذوها بالاعتزال، وهو يشقى ~~بهذا كل الشقاء؛ لأنه يعتقد في أعماق نفسه أن الاجتماع يكشف عيوبه ~~أمام الناس، مع أن هذه العيوب كثيرا ما تكون وهمية، أو حتى حين تكون ~~حقيقية لا تلفت انتباه الناس إلى الحد الخطير الذي يعتقده. # وأسوأ الأشياء في مركب النقص أن يرافقه تدليل؛ فإن الناقص المدلل ~~نكبة على نفسه وعلى الناس، وهو ينشأ عاجزا عن كسب قوته، وأنت قد ترى ~~في المدينة رجلين كلاهما أحدب، أولهما يعمل في صناعة قد يربح منها ~~خمسين أو مائة جنيه في الشهر، وقد أنساه النجاح هذا النقص، فهو يسير ~~وكأنه ليس به أي حدب، حتى لقد اعتدل قوامه بعض الشيء، فهذا ~~الأحدب لم يدلل، ولكن انظر إلى هذا الآخر الذي احترف ms080 الشحاذة؛ ~~فإن أمه دللته وأعجزته بهذا التدليل عن كسب قوته، فهو شحاذ يسير ~~وقد زادت حدبته للذلة التي يمارسها كي يستجدي العطف. # وأعظم ما يؤخر أو يعطل نمو الشخصية وإيناعها هو مركب النقص ~~بألوانه الظاهرة والخفية، ونحن في حياتنا العامة لا نصاب بمركب ~~واحد للنقص؛ فإن هناك مركبات عديدة توالينا إلى سن الشباب، ولكن ~~مركب النقص يتكون - في العادة - أيام الطفولة، حين لا يكون الوجدان ~~قد نشأ ونما واستطاع المقاومة. # انظر إلى شاب قد وصل إلى العشرين وخاب في حياته المدرسية؛ فإن هذه ~~الخيبة قد تحمله على التواكل والرضا بالمركز الوضيع الذي لم يستطع ~~أن يرتفع إلى أعلى منه مع الحقد على الناجحين، ولكن من جهة أخرى قد ~~تحمله هذه الخيبة على أن ينبغ في علم أو فن بمجهوده الشخصي حتى يعوض ~~ما فاته. # ولكن يجب أن نذكر أن مركب النقص إذا أدى مرة إلى نبوغ وإقدام فإنه ~~يؤدي عشر مرات إلى انكفاف وانعزال وضعة، وفي كل منا نقطة حساسة ترجع ~~إلى مركب النقص، ولكننا ننساها بالنجاح. # وعلامة البراءة من مركب النقص هي قدرة الشخص على أن يتهكم على نفسه ~~وأن يسلك - في غير تكلف - وألا يبالي أن يعرض عيوبه مثل سقراط، وأن ~~يتحمل الإساءات الصغيرة التي لا يتحملها غيره، وأن يختلط بالمجتمع في ~~يسر. # وكثيرا ما نتعوض من مركب النقص بأن نتخذ اتجاها معينا في ~~الحياة يحملنا على ألوان من السلوك الشاذ أو المستغرب أو الغامض؛ فإن ~~الناقص كي يدافع عن نفسه - من حيث لا يدري - يتنقص غيره؛ فالجاهل ~~يستجهل الآخرين ويهجم عليهم في عنف وصخب، والمرأة الدميمة يزداد حياؤها ~~وهي تتقلص أمام الرجال، ولا تطيق صراحة الإيماءة أو اللغة، والرجل الذي ~~لم يتعلم في الجامعة يصر على أن يتعلم أبناؤه في الجامعة، والمرأة ~~التي تزوجت رجلا مسنا تصر على أن تتزوج بناتها شبانا، كأن الأب ~~والأم قد نقلا نقصهما إلى الأبناء وعمدا إلى التعويض فيهما. # وأخيرا يجب أن نذكر أننا أحيانا نحدث أنفسنا عجزا كي نزيد ~~كفاءتنا؛ فإن ms081 دميسي - الملاكم المشهور - كان وقت التدريب يربط يده ~~اليمنى إلى ظهره، ثم يلاكم بيده اليسرى فقط رجلا له يدان حرتان ~~للملاكمة، وكان ديموستين الخطيب الإغريقي ألكن، ولكنه كان يزيد ~~مركب النقص هذا؛ أي: اللكنة بأن يضع الحصا في فمه ثم يخطب وهو على شاطئ ~~البحر، حتى يسمع صوته من خلال اصطخاب الأمواج - على الرغم من الحصا ~~وعلى الرغم من اللكنة. # أجل، إن العجز أحيانا يؤدي إلى الكفاءة، اذكر عنترة الشاعر الأسود، ~~وتيمورلنك الأعرج، بل كافور الخصي، واذكر المئات من أمثال ~~هؤلاء. # | الضمير # يجب أن نميز بين الوجدان والضمير؛ لأن بعض الكتاب أوجدوا تميعا ~~سيئا بين الكلمتين، فالوجدان هو أن أجد نفسي؛ أي: أفكر، ~~وأحس أني أفكر، فلا أنساق كالنائم أو الذاهل في عاطفة غالبة، ~~فتفكير الحيوان هو تفكير العاطفة التي تسوقه، حتى لا يدري ما يفعل، ~~كالكلب يضع أنفه إلى الأرض ويطلب الطعام، كأنه نائم أو حالم، أو كالذكر ~~من الحيوان يطلب الأنثى فيجري خلفها كالمجنون لا يبالي أية ~~عقبة. # فهنا نجد عاطفة تحرك الحيوان ولا نترك له مجالا للوجدان؛ أي ~~إنه لا يدري ما يفعل، ونحن أحيانا نسلك هذا السلوك حين يطرأ علينا ما ~~يغضبنا فننفجر ونثور؛ فإذا هدأنا وشرع أحد الحاضرين يلومنا على ~~ما فعلنا أجبنا: «كنت متهيجا، لم أدر ما فعلت.» # وهذا السلوك العاطفي نراه كثيرا في الأم عند وفاة ابنها، فإنها تهذي ~~كأنها نائمة أو حالمة؛ فإذا ذكرناها بما فعلت بعد ذلك بمدة لم ~~تذكر شيئا. # ففي كل هذه الحالات وأشباهها نسلك سلوكا ذاتيا أعمى كالحيوانات ~~بلا وجدان؛ أي: لا ندري ما نفعل، ولا نفكر التفكير المنطقي الموضوعي ~~الذي هو ميزة الإنسان الكبرى، وإن تكن هذه الميزة مقصورة على أوقات ~~قليلة من حياتنا الفكرية، وبدهي أن الوجدان يؤدي إلى شيئين: ~~(1) # التفكير الحسن القائم على اعتبارات موضوعية ~~منطقية. ~~(2) # الضمير؛ أي إننا نحس المسئولية الاجتماعية ونتقيد ~~باعتباراتها. # نقول: إن الوجدان يؤدي إلى المنطق وإلى الضمير. # والمنطق تفكير محض قد لا يداخله أي اعتبار أخلاقي. # ولكن الضمير تفكير اجتماعي ms082 تداخله الاعتبارات الأخلاقية. # ونحن حين نعيش في مجتمع ننتهي إلى الأخذ بمقاييسه ومثلياته بإيحاء ~~القدوة وباللغة التي يتكلم بها أفراده؛ إذ تتعين لنا القيم بكلمات هذه ~~اللغة، ولهذا السبب لا يزيد الضمير على مستوى المجتمع الذي نعيش فيه، ~~إلا إذا كان الشخص فذا يستقل في تفكيره ويرى رؤيا لا يراها الأفراد ~~العاديون، كما هي الحال في الثائرين والمصلحين والأنبياء والقديسين؛ ~~فإن ضميرهم يسمو على المجتمع؛ لأنهم يتخيلون مجتمعا راقيا له مقاييس ~~أخرى. # والضمير هو في جميع الحالات صراع يضعف أو يقوى بين عاطفتين أو ~~أكثر، فهو صراع بين الأنانية والغيرية؛ أي: هل نؤثر مصلحتنا ~~الذاتية وإن يكن بها ضرر لغيرنا، أو نؤثر مصلحة هذا الغير أيضا ~~فنسلك السلوك السوي بين المصلحتين؟ أي إن الضمير صراع بين الأنانية ~~الذاتية وبين واجبات المجتمع، وبدهي أن رجلا يعيش وحده بعيدا عن ~~الناس لا يمكن أن يكون له ضمير؛ لأننا بالضمير نطالبه بأن يكون صادقا ~~نبيلا كريما مغيثا للملهوف تقيا يعرف المروءة ويتجنب الغش والفسق ~~والخداع والكذب، ولكن ما دام يعيش وحده كيف يمكنه أن يمارس ما ~~نطالبه به ولمصلحة من يفعل هذا؟ # فالضمير اجتماعي؛ أي إنه الصورة التي يقدمها المجتمع لنا كي نعيش ~~ونسلك على رسمها؛ ولذلك يختلف الضمير من أمة لأخرى، فضمير المرأة في ~~سيلان أو تبت لا يؤلمها عندما تتزوج جملة رجال في وقت واحد، في حين ~~نحن نشمئز من هذا السلوك، بل إن الضمير يتغير عندما تتغير الظروف؛ ~~فإننا نستنكر القتل في الشارع أو البيت، ولكنا نجيزه للجندي في المعركة ~~أو للطيار فوق المدينة. # ومع أن المجتمع الذي نعيش فيه يعمم بيننا قيما اجتماعية ~~وأخلاقية؛ فإننا ننقسم طبقات وطوائف دينية أو ثقافية؛ ولذلك تختلف ~~ضمائرنا؛ فالفلاح الأجير لا يدرك من معنى الحرية ما يدركه عضو في ~~هيئة سياسية مكافحة، وفي مديريتي قنا وسوهاج نجد أفرادا بضمائر ~~يدوية تنشد الفضيلة بالانتقام والثأر، ويحس هؤلاء الأفراد وخزا ~~في ضمائرهم عندما يهملون الانتقام والثأر. # وحين نقول: «رجل ليس له ضمير» إنما نعني بهذا ms083 القول أن غرائزه ~~الانفرادية قد تغلبت على غرائزه الاجتماعية، وكثير من الإجرام ~~يعود إلى هذا الاتجاه، والغرائز الانفرادية؛ أي: تلك التي تبعثنا على ~~أن ننشد مصالحنا الخاصة دون مراعاة لمصالح المجتمع، هي أقدم غرائزنا ~~وأثبتها في كياننا النفسي؛ أي إنها الحيوان الذي لا يزال ~~حيا فينا، وهي فطرية لا تحتاج إلى ~~تعليم وتربية، أما الغرائز الاجتماعية فجديدة، ولذلك نتعلمها من ~~المجتمع بالقدوة والدين والعادات واللغة والكتاب والمدرسة، ولهذا السبب ~~نجد أن الحيوان الاجتماعي يمتاز بضمير ما؛ لأن الاجتماع يضعه ~~بين اختيارين يحدثان له وجدانا - هو بالطبع دون وجداننا بكثير، ~~ولكنه؛ أي هذا الوجدان - يحمله على أن يقدر مسئوليته أمام المجتمع ~~كي يقدر مصلحته الذاتية. # انظر إلى الكلب وأنت تأكل؛ فإنه يشره إلى الطعام ولكنه يحجم لأنه ~~يخاف، وهو في هذا التردد بين الشره والخوف يحدث له وجدان يحرك ~~ذكاءه ويجعله يحس بالمسئولية، والكلب حيوان اجتماعي يعيش معنا ~~ويصادقنا، ونحن - في منطقه الكلبي - كلاب مثله، ولكن انظر إلى القط ~~الذي لا يتأخر عن خطف ما في الطبق إذا جاع، والقط بالطبع حيوان ~~انفرادي، يعيش في بيوتنا ولكنه لا يشترك معنا في عواطفنا؛ فإذا خرجنا ~~لم يتبعنا، وإذا دخل علينا غريب لم يهاجمه كما يفعل الكلب؛ ولذلك نحن ~~نعجز عن تعليم القط السلوك الاجتماعي الذي يوافقنا، ولكنا ننجح مع ~~الكلب في هذا التعليم. # ونحن والكلب من الحيوانات الاجتماعية التي نجد فيها بذرة الضمير، ~~ولكن يجب ألا نفهم من هذا أن الضمير يتكون بالفطرة؛ فإن نظرة عاجلة في ~~أنحاء العالم تدل على أنه ليس كذلك، وأنه يكسب بالتعليم، وأن ما ~~نعده رذيلة في أمة قد يكون فضيلة في أخرى، كظاهرة الضمد (زواج ~~المرأة جملة رجال) التي قلنا إنها شائعة في سيلان وتبت. # والضمير مؤلف من ثلاث ذوات: ~~(1) # الذات البيولوجية؛ أي: ما ورثنا من الحيوانات في ~~الملايين من السنين الماضية، وهي أحط ذواتنا التي نطلب ~~بها حاجتنا البدائية؛ كالطعام والأنثى والسيطرة، ولكنها مع ~~انحطاطها أثبت ذواتنا ودوافعها أقوى الدوافع عندنا؛ لأنها ~~غرائز وشهوات، وهي ms084 كامنة في الأكثر وجدانية في ~~الأقل. ~~(2) # الذات الاجتماعية، وهي مؤلفة من التقاليد والعادات ~~والأفكار الاجتماعية التي نستخدمها لمصلحة الذات ~~البيولوجية السابقة دون مخالفة للمجتمع الذي نعيش فيه، ~~وهي وجدانية في الأكثر كامنة في الأقل. ~~(3) # الذات العليا التي تتألف من الدين والأخلاق والمثليات، ~~التي تحملنا على أن ننكر على أنفسنا بعض المباهج، ونحن ~~نكسبها في الطفولة من الأبوين، ولكننا ننقحها بعد ~~ذلك. # وضميرنا مؤلف من هذه الذوات الثلاث، ولكن الذات الأولى تتغلب في ~~المجرم وتجعله أنانيا لا يبالي المجتمع، في حين أن الذات الثانية ~~تتغلب في الإنسان العادي الذي لا ينحط ولا يرتفع، أما الذات الثالثة ~~فتمتاز بها الصفوة في الأمة، ووخز الضمير هو في النهاية الألم الذي ~~نحسه للصراع القائم بين هذه الذوات الثلاث في أنفسنا، والضمير ~~السليم هو الذي تتغلب فيه الذات الثالثة على الذاتين الأوليين، أو ~~على الأقل تتغلب فيه الذات الثانية على الأولى. # ونستطيع أن نقول بعبارة أخرى: # إن ضمير المجرم في الأغلب مؤلف من الذات الأنانية العاطفية التي ~~يجري نشاطها الأكبر في الكامنة. # ضمير الرجل العادي في الأغلب مؤلف من الذات الاجتماعية العاطفية ~~أو الوجدانية. # والرجل السامي مؤلف من الذات الوجدانية المثقفة، وإن كانت جذور هذه ~~الذات ترجع إلى الإعجاب بالأب أيام الطفولة واتخاذ أسلوبه باعتباره ~~البطل الذي نحب أن نقتدي به. # ولكن ليس فينا واحد، ولا واحد، إلا وهو مؤلف من الذوات الثلاث التي ~~تتداخل وتندغم في نفسه وتكون له ضميرا، وإذا اختلف أحدنا من ~~الآخر فالاختلاف درجي، وليس نوعيا، في تغلب أو زيادة إحدى ~~الذوات على الأخرى. # وهنا يجب أن نعرف كلمة هي «التسويل»؛ فإن النفس تسول؛ أي: ~~تسوغ أحيانا، نوعا من السلوك المنكر بتعليلات وتدليلات وجدانية، ~~حتى يهدأ الضمير ونقبل على عمل، ما كنا لنقبل عليه لو كان وجداننا ~~سليما وكانت ذاتنا العليا متغلبة على الذاتيين الاجتماعية والأنانية، ~~كما نفعل مثلا حين نقول: إن الغاية تبرر الوسيلة، فنعذب الحيوانات ~~كي نصل إلى استنتاج علمي، أو حين يعمد الطيار في الحرب إلى إلقاء ~~القنابل ms085 على المدينة في ظلام الليل فيقتل الرجال والنساء والأطفال، وهو ~~يبرر هذا بأن الوطنية تقتضيه وأن السلم سيتم في النهاية، وكثيرا ما ~~نعمد نحن إلى التسويل في حياتنا العائلية، كما نفعل حين نضرب الأطفال ~~بحجة تعليمهم، مع أن الضرب قد لا يعني في هذه الحال أكثر من تغليب ~~عاطفة الغضب على تعقل الوجدان. # والضمير الحسي عام لا يخلو منه - بل لا يخلو تماما - إلا المجرم ~~المجنون؛ أي: الذي نستطيع أن نعلل جريمته بالنيوروز أو السيكوز، ~~ولكن الضمير العقلي قليل جدا، وهو يحتاج إلى الذات العليا التي ~~ذكرناها؛ فإن أي واحد منا لو طلب إليه أن يقتل إنسانا لرفض، ~~ولكنا لا نبالي قتل الجماهير في الهند، وعندما نقرأ هذا الخبر في ~~الجرائد ننساه بسرعة؛ لأن ضميرنا في الحال الأولى يقوم على الحس، أما ~~في الحال الثانية فيقوم على التصور بالعقل؛ ولذلك يمكن أن نقول: إن ~~هناك الضمير الذكر الذي يتأثر ويتفرز للحوادث البعيدة الغائبة عن الحس، ~~كما أن هناك الضمير البليد الذي لا يتحرك إلا عندما تتحرك ~~الحواس. # | المجتمع البشري # كان الناس في فجر البشرية يعيشون في مجتمع بيولوجي؛ أي: غايته سد ~~الحاجات الأولى من طعام وأنثى ومأوى، ولا يزال بعض المجتمعات البشرية ~~يعيش على هذا المستوى، كأولئك الذين يقطنون الغابات ولما يهتدوا إلى ~~الزراعة، وأولئك القانعون بالصيد في بيئة نائية عن الحضارة، وفي مثل ~~هذه المجتمعات يعيش الناس بلا تاريخ؛ أي: يعيشون على المستوى الجغرافي ~~فقط، لم يصلوا إلى المستوى التاريخي، ولا تتجاوز معيشتهم الأعمال ~~التكرارية اليومية، وليس عندهم مما يجمعون ما يمكن أن يتوافر حتى ~~تختزن للجيل القادم، فهم من اليد إلى الفم في جميع حاجاتهم. # ولكن بعد الاهتداء إلى الزراعة وتوافر المحصولات شرع الإنسان ~~ينتج أكثر من حاجاته، وعلى هذا نشأ الرق؛ لأنه ما دام الإنسان لا ~~ينتج أكثر من طعامه فلا فائدة من استرقاقه؛ إذ ماذا نكسب منه؟ # ولكنه حين يشرع في الإنتاج بحيث يؤدي عمله في الزراعة مثلا إلى ~~توفير الطعام لشخص ونصف، حينئذ فقط، يصير ms086 الرق مفيدا؛ لأني عندئذ ~~أستعبد شخصين وألزمهما العمل فينتجان طعامهما وطعامي، دون أن أحتاج أنا ~~إلى مشقة العمل. # والآن نسأل: هل مذهب الرق نشأ قبل ممارسة الرق أم العكس هو الذي حدث؟ ~~أي إن الناس مارسوا الرق ثم وضعوا نظامه ودافعوا عن مذهبه؟ نظن أن ~~القارئ يسلم بالفرض الثاني؛ أي إن الأفكار تأتي بعد الحوادث، ~~والتفسير السيكلوجي لهذا أننا حين نملك عبدا نحس عاطفة الاقتناء ~~والتسلط، ومن العاطفة تنشأ العقيدة، وهي أن الرق نظام حسن. # وعلى هذا القياس نقول: إن الناس امتلكوا الأرض قبل أن ينشأ «مذهب» ~~الامتلاك؛ فالأحوال المادية التي نمارسها في الوسط هي التي تقرر لنا ~~عقائد؛ لأنها تحدث لنا مكاره ومحاب، ومن هذه العقائد تنشأ ~~الأنظمة الاجتماعية. # وليس شك أن الأسس التي ينبني عليها المجتمع هي غرائز الفرد؛ فالرغبة ~~في الجنس الآخر قد أحدثت أنظمة الزواج والعائلة والمواريث، إلخ، ~~والرغبة في الطعام قد أحدثت أنظمة الصناعة والزراعة والتجارة. # والرغبة في الطمأنينة قد أحدثت أنظمة الحكومة والديانة. # والرغبة في التسلط (= الطمأنينة الإيجابية) قد أحدثت امتلاك الأرض ~~واسترقاق الأفراد. # ولكن كل هذه الرغبات قائمة أيضا عند الإسكيماوي في القطب الشمالي ~~وعند رجل الغابات، ولكن لم تنشأ منها عندهما عائلة أو صناعة أو تجارة ~~أو حكومة أو ديانة؛ لأن الوسط المادي لا يتيح هذا التفكير لهما؛ إذ ~~ماذا يستفيد الإسكيماوي مثلا من استرقاق رجل آخر يعرف أنه لن يصيد ~~أكثر مما يكفيه؟ أو ماذا ينتفع من الحكومة وهو لا يخشى أحدا إذ ليس ~~عنده شيء يسرق؟ أي: إنه بعد أن اجتمع الناس بالزراعة وبعد أن ~~استعبدوا الأسرى شرعوا يسوغون امتلاك الأرض والرق بأنظمة نتوهم أنها هي ~~الأصل؛ مع أنها هي الثمرة. # ونحن نعيش في مجتمعنا بعقائد أملت العواطف، ونحن نسوغ سلوكنا في ~~المجتمع - سواء كنا نسير على قواعده أم نشذ - بتفسيرات أو حتى تخريجات ~~لا تصطدم بعواطفنا، وسلوكنا الاجتماعي ينبني لهذا السبب على أسس عاطفية ~~وليست وجدانية، وقليل منا - بل قليل جدا - من يحاولون النظر إلى ~~نظم المجتمع بالوجدان؛ أي: ms087 هذا النظر الموضوعي المنطقي التعقلي الذي ~~لا يستسلم للعاطفة. # وجميع عقائدنا عاطفية، حتى ولو كان لها أصل وجداني؛ فإن المسلم لا ~~يحرم لحم الخنزير فقط، بل يشمئز منه؛ أي إن العقيدة عنده تستند إلى ~~عاطفة، وكذلك كان الشأن عند آبائنا عندما طلب إليهم تحرير عبيدهم؛ ~~فإن اقتناء العبيد أحدث عندهم عاطفة لذيذة هي الامتلاك والتسلط، ~~وهذه العاطفة أحدثت عقيدة الرق وأنظمته. # والتفسير الاقتصادي للتاريخ أو النظر المادي للتاريخ هو نفسه وجداني ~~لأنظمة المجتمع وتغيراته؛ ولذلك يكرهه بعض الناس أشد الكراهة؛ ~~لأنهم يؤمنون بعقيدة الامتلاك التي أوجدتها - في زعمهم - «غريزة» ~~الاقتناء والادخار. # ومن هنا الصعوبة الكبرى في تغيير الأنظمة الاجتماعية؛ لأن هذه ~~الأنظمة قد أحدثت في نفوسنا عواطف، وهذه بعثت عقائد نكاد نظن أنها ~~طبيعية، وهذا يفسر لنا كيف أن فيلسوفا عظيما مثل أرسطوطاليس لم يجد ~~في الرق ما يستحق الانتقاد، بل إن الأنبياء أنفسهم لم يعترضوا على ~~نظامه ولم يفكروا في الانتقاد. # وخلاصة القول أن البيئة المادية التي تحيط بنا تحدث لنا عواطف ~~وعقائد نسلم فيها بطبيعتها ونكره ذلك الوجداني الذي يرفض العواطف ~~ويحاول أن يغير ويبدل في الأنظمة، ومن هنا الاضطهاد أو على الأقل ~~الكراهة للاشتراكيين والبشريين ودعاة ضبط التناسل ونحوهم؛ لأنهم ~~يشذون على قواعد المجتمع التي يمارسها أفراده بقوة العواطف. # فنحن مثلا نلبس ملابسنا على الزي الذي يرسمه لنا المجتمع، ونتحمل ~~المشاق في سبيل الخضوع لقواعده هنا، حتى إننا في أشد الأيام الحارة ~~وأجسامنا ترشح العرق من جميع أجزاء البشرة نلبس ملابسنا الكاملة بلا ~~نقص، بل نحن أيضا نأكل - كما يطالبنا المجتمع - على آنية يرسمها لنا ~~بنظام يجب ألا نخالفه فيه، ونحن نساير المجتمع في كل ذلك بإيحاء ~~المحاكاة فنحب ألا نخالف. # وليست هذه المحاكاة مقصورة على اللباس والطعام؛ لأن العقائد العامة ~~نفسها تجري مجرى اللباس والطعام؛ بحيث إننا ننظر إلى الرجل الذي يشذ عن ~~قواعد الدين نظرتنا إلى رجل يسير في الشارع بلا رباط رقبة أو يأكل ~~البصل على المائدة كما يأكل التفاح؛ فالمجتمع يكسبنا - بإيحاء ~~المحاكاة ms088 - أزياء في اللباس والطعام كما يكسبنا أزياء في الأخلاق ~~والعادات، ونحن نشمئز من المخالفة هنا كما لو كنا نخالف غريزة طبيعية، ~~والحق أن الغرائز الاجتماعية مثل اجتناب لحم الخنزير أو التبول جهرا ~~أو تحدي العادات الاجتماعية، هذه «الغرائز» تؤلمنا مخالفتها كما تؤلمنا ~~مخالفة الغرائز الطبيعية، بل إن هناك من يعجز عن التبول في المراحيض ~~العامة، أو في الفراش حين يكون مريضا؛ لأنه منذ طفولته درب على ~~اجتناب التبول إلا منفردا متسترا، فهنا تتغلب «الغريزة» الاجتماعية ~~على الرجع الانعكاسي الطبيعي للبول، وقس على هذا كثيرا من سلوكنا ~~الاجتماعي الذي نعتقد أنه طبيعي. # وليس هناك ما يدل على أن الإنسان من الحيوانات الاجتماعية؛ أي: التي ~~ترث غريزة الاجتماع بفطرتها كما هي الحال في الخرفان والغزلان ~~والجاموس؛ لأن أبناء عمومتنا - القردة العليا - لا تزال إلى الآن ~~انفرادية عائلية أو حتى غير عائلية، ولكن نشأتنا الاجتماعية تحملنا ~~على الأخذ بالمقاييس والقيم الاجتماعية والتأثر بالإيحاء الاجتماعي، ~~حتى إننا نتألم لمخالفة المجتمع كما نتألم لكظم عاطفة طبيعية. # والآن يصح أن نسأل: ما هو المجتمع الحسن؟ ~~(1) # هو ذلك المجتمع الذي يحاول أن يجعل الوجدان (بالنظر ~~الموضوعي والمنطق) فوق العاطفة في إيجاد الأنظمة، ولكنه لا ~~يهمل قيمة العواطف. ~~(2) # وهو الذي يجعل الأنظمة الاجتماعية بحيث يقل الكظم في ~~الأفراد إلى أقل مقدار، ولكن مع ذلك لا يصح أن يزول الكظم ~~تماما؛ لأنه إذا كان خفيفا فإنه يعد قوة ~~محركة. ~~(3) # وهو الذي يلغي الأقليات بأن يعاملها بالسواء كالأكثرية ~~بلا أدنى فرق. ~~(4) # وهو الذي ينتظم بحيث تكون «للذات العليا» الوجدانية ~~القيادة في التفكير للذات الاجتماعية والذات البيولوجية ~~(الحيوانية) عند الأفراد. ~~(5) # وهو الذي يحاول جهد المستطاع أن يعالج الأخلاق والاقتصاد ~~والسياسة بالروح العلمي الموضوعي (الوجداني) الذي نعالج به ~~الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو المخترعات في القطر ~~المتمدن، وكما أن الاختراع لا يرتقي بالتزام التقاليد، ~~كذلك الأخلاق والاجتماع لا يرتقيان بالتزام ~~التقاليد. ~~(6) # وهو الذي يجعل التعاون يأخذ مكان المباراة في أسلوب ~~الكسب والعيش، حتى يقل الكظم من التحاسد والغيرة ~~والمطامع. ~~(7) # ولكنه - مع أنه ms089 يجعل مصلحة المجتمع هي العليا - لا ينسى ~~أن غاية المجتمع الأمثل في النهاية هي إيجاد الشخصية ~~المثلى للفرد. ~~(8) # وبكلمة عامة نقول: إن المجتمع الأمثل هو الذي يجعل ~~الذكاء الوجداني الموضوعي التعقلي فوق العواطف الذاتية؛ ~~لأن الذكاء ارتقائي يطلب التغيير، أما العاطفة فراسخة ~~جامدة. # | العائلة البشرية # إذا كان مجتمعنا هو ثمرة العوامل الاقتصادية التي جمعت أفراده برعاية ~~الماشية أولا، ثم بالزراعة والصناعة وبناء المدن والقرى ثانيا؛ فإن ~~العائلة تعود إلى أصل طبيعي؛ أي: لو لم نكن نعيش في مجتمع لعشنا في ~~عائلة كما يفعل إلى الآن ذكر الغوريلا مع أنثاه وأولاده، ذلك أن ~~العائلة تعود إلى الرغبة الجنسية أي: العلاقة الفسيولوجية التي تحمل ~~أحد الجنسين على طلب الآخر، ثم وجود الأولاد والتصاقهم بأمهم، والمجتمع ~~البشري هو في النهاية ثمرة هذا المجتمع العائلي؛ أي إن الأولاد الذين ~~يرتبطون بالأم، أو الأم والأب معا، يبقون على هذا الارتباط حتى بعد ~~وفاة أبويهم، ولكن هنا نجد البذرة فقط، أما شجرة المجتمع فنمت بعد ذلك ~~بالعوامل الاقتصادية حين احتاج الإنسان إلى الاجتماع للصيد، ثم إلى ~~الاحتماء من الضواري التي كانت تفترس ماشيته مدة الرعاية، ثم احتاج بعد ~~ذلك إلى الاحتماء من الغاصبين مدة الزراعة. # وفي مجتمعنا الحاضر تعد العائلة أساس المجتمع؛ لأنها تغرس فينا ~~عواطف وتعين لنا اتجاهات مختلفة حين نكون في سن نتقبل فيها هذه ~~العواطف والاتجاهات بلا معارضة؛ لأن العقل الوجداني لم يكن قد اكتمل ~~نموه، وللعائلة أثر في الأولاد وفي الأم وفي الأب. # ولكن يجب أن نوضح هنا أن كلمة عائلة في مجتمعنا من الكلمات ~~المسيبة المائعة. # فالرجل مع زوجته وأولاده يكونون عائلة. # والرجل مع زوجته وأولاده وأمه يكونون عائلة. # والرجل المطلق من زوجة سابقة مع زوجة أخرى وأولادها يكونون ~~عائلة. # والمرأة المطلقة من زوج سابق مع رجل آخر وأولاده يكونون ~~عائلة. # والأرملة مع أولادها تكون عائلة. # والأرملة التي تزوجت بعد وفاة زوجها مع أولادها منه تكون عائلة، إلخ، ~~إلخ. # وهذا الاختلاف في تكوين العائلة يؤدي إلى اختلاف في عواطف الأطفال ~~واتجاهاتهم ms090 في الحياة، ومن حق كل طفل أن يكون له أبوان يجد فيهما ~~الطمأنينة قبل كل شيء. # فإذا وقع الطلاق أو إذا كان الزواج حافلا بالشجار بين الزوجين ~~تزعزعت هذه الطمأنينة عند الطفل وعاش سائر حياته بنفس مكوية، وقد يبرأ ~~من هذا الكي أو لا يبرأ؛ لأن هذا المسكين الذي نشأ في الجو العائلي ~~المزعزع المضطرب تمتلئ نفسه وساوس من المجتمع فيخافه، ثم يدفع عن ~~نفسه هذا الخوف بالانعزال أو العدوان. # من حق كل طفل أن يكون له أبوان، ومن واجب كل زوج أن يرتبط بالزواج ~~على ما فيه من مصاعب لأجل أولاده، أما الفرقة بالطلاق أو بلا طلاق ~~فيجب أن تكون آخر ما يلجأ إليه أحد الزوجين. # وأثر العائلة السيكلوجي في الأولاد كبير جدا؛ لأن الطفل يأخذ ~~أوزانه وقيمه الاجتماعية من عائلته؛ أي: أبويه وإخوته والضيوف، ~~ومن اللغة التي تستعمل والسلوك الاجتماعي لكل فرد داخل البيت؛ ~~فإذا وجد الطفل أباه مجرما فإن من أشق المشقات ألا يكون هو ~~مجرما. # والسعادة العائلية للأطفال تبعث الطمأنينة في نفوسهم بعد ذلك، حتى ~~إذا مات أبواهم بقيت هذه الطمأنينة، وقد وجد عند إجلاء الأطفال ~~عن لندن مدة الغارات في الحرب الكوكبية الأخيرة أن الذين سبق أن ~~سعدوا منهم بوسط عائلي حسن تحملوا الغربة أكثر مما تحملها ~~الذين لم يسعدوا بمثل هذا الوسط؛ وذلك لأن الوسط العائلي الحسن ~~بعث الطمأنينة في الأطفال فواجهوا الغربة مطمئنين، ولكن الوسط ~~العائلي القلق جعل الأطفال الذين نشئوا فيه يزدادون قلقا ~~بالغربة، وإذا أعطينا للطفل مدة الطفولة في العائلة الصداقة والحب ~~والطمأنينة أعطى هو مثل ذلك للمجتمع، وإذا أعطيناه الشجار من أبويه ~~أو الاضطهاد من زوجة أبيه أو زوج أمه نشأ مقلقلا يخاف المجتمع ~~ويعاديه. # وقد يفسد الطفل لأن أمه دللته وحمته أكثر مما يجب، فينشأ ~~وهو يحس الحاجة إلى من يحميه ويجهل الاستقلال، ويطالب المجتمع ~~بأن يدلله أيضا، والمجتمع بالطبع يرفض هذا التدليل، فتكون النتيجة ~~أنه يحس أنه مظلوم، وقد يحمله هذا الإحساس على الإجرام أو ~~الاعتزال. # وكذلك قد ms091 يفسد الطفل لأنه مضطهد؛ إما لأن زوجة أبيه تؤثر ~~أبناءها عليه، وإما لأن أمه لا تحبه كما تحب إخوته، وهذا الاضطهاد ~~العائلي يحمله بعد ذلك على كراهة الناس والتوجس منهم، وتلك الحيل التي ~~كان يمارسها وهو طفل كي يحصل على حقه في وسط غير ودي تحيا معه، ~~فيعامل بها المجتمع فيسيء إليه ويساء إليه، ولهذا السبب نجد أنه من ~~حق كل طفل: ~~(1) # أن يكون له أبوان صديقان. ~~(2) # وألا يجد بينهما شجارا أو انفصالا. ~~(3) # وأن يكون كل منهما شخصا فاضلا. ~~(4) # وألا يجد منهما أو من أحدهما تدليلا أو ~~اضطهادا. # وهذه بالطبع هي الحال المثلى التي قلما نبلغها، ولكن يجب أن ~~ننشدها حتى يهنأ الأطفال بطفولتهم، وحتى ينشئوا مطمئنين إلى ~~المجتمع. # وهناك أثر سيكلوجي للعائلة في الزوج؛ أي: الأب، هو تكبير شخصيته ~~بالمسئولية العائلية وحمله على اهتمامات اجتماعية وأخلاقية ما كان ~~ليليها لولا الارتباط العائلي؛ فإن مسئوليته لزوجته وأولاده ~~تحمله على الاستقامة والشرف والحذر والأمانة، وقل أن تجد ~~زوجا له أولاد يفكر في الانتحار، وقليل من الأزواج من يميل إلى ~~الإجرام. # وكذلك هناك أثر سيكلوجي للعائلة في الزوجة؛ أي: الأم؛ لأنها تجد ~~الكرامة الاجتماعية بالزواج، وتكبر شخصيتها بتربية الأولاد وتحمل ~~المسئوليات لهم، وهم - قبل كل شيء - منفذ عاطفي لها، كثيرا ما نعرف ~~قيمته في أولئك العوانس اللاتي يشكون نيوروزا لانسداد عاطفة ~~الأمومة عندهن لأنهن لم يتزوجن. # والمجتمع الحسن هو ذلك الذي ييسر تكوين العائلات وتربية الأطفال ~~في بيوت جميلة مزودة بوسائل الراحة حتى لا يتشتت أعضاء البيت، ~~ومناخنا في مصر بحره لا يجمع أعضاء العائلة كما يجمعهم الجو الأوروبي ~~البارد حول المدفأة للاصطلاء؛ فإن هذه المدفأة وسيلة للاجتماع العائلي ~~الذي لا نعرفه في مصر. # وفي أوروبا تبنى المنازل الحسنة الرخيصة للعائلات، كما يربى ~~الأطفال بالمجان، ونظام الضرائب يتيح للعائلة المتوسطة أن تعيش في ~~رفاهية، بل يتيح ذلك أيضا لعائلات العمال، وكل ذلك تشجيعا لتكوين ~~العائلة التي تعد نواة المجتمع، وليس الطلاق مباحا للزوجين إلا ~~بعد الاقتناع التام بأن اشتراكهما في المعيشة قد ms092 أصبح محالا، وأن ~~انفصالهما خير للأطفال من بقائهما، والطلاق في مصر هو الكارثة التي ~~يجني الأطفال ثمرتها المرة في فوضى حياتهم. # ومن أحسن ما قامت به روسيا لتوثيق الرباط الزوجي لمصلحة الأطفال؛ ~~أنها جعلت كل ما يقتنيه أحد الزوجين بعد الزواج ملكا لهما دون أحدهما، ~~وهذا الاشتراك في الملك يثبطهما عن الانفصال والطلاق، وواضح أنه لا ~~يجوز في روسيا امتلاك العقارات التي تحتاج لاستغلالها إلى عمال. # والآن اعتبر الأمثلة التالية وتأثيرها السيكلوجي في الزوجين ~~والأطفال: ~~(1) # أرملة تربي أولادها الذين ينشئون معها، فلا يعرفون ~~الضيافة وواجباتها؛ لأن الزائرين (دون الزائرات) قليلون أو ~~معدومون؛ فالأولاد ينشئون انفراديين منعزلين، يخشون ~~المجتمعات ولا يحسنون الكياسة الاجتماعية. ~~(2) # زوج أتوقراطي يعتقد أنه لا يحق للزوجة أن يكون لها ~~رأي، فينشأ الأولاد نشأة غير ديمقراطية، وهذا كثير في ~~مصر معدوم في أوروبا؛ حيث الزوجان زميلان ليس أحدهما ~~رئيسا على الآخر. ~~(3) # الأم المحجبة التي تخشى الغرباء وتتجنب فتح الباب، فينشأ ~~أبناؤها بالقدوة وهم يخافون الغرباء. ~~(4) # الزوجة التي عملت وكسبت قبل الزواج، وأدى مراسها ~~للعمل والكسب إلى زيادة وجدانها بالمجتمع وحرصها على ~~مصلحة زوجها في عمله، وأثر هذا في تربية الأولاد. ~~(5) # الزوجة التي لم تتعلم شيئا لا من أبويها ولا من زوجها، ~~فلما مات الزوج انهارت، وأصبحت كالمعدومة، فصار الأولاد ~~يتامى من الأب والأم معا. # نحتاج إلى كلمات موجزة عن موقف العائلة من المجتمع: ~~(1) # ذلك أن الفرد، حين ينتقل من العزوبة إلى الزواج يحقق ~~ارتقاء وانحطاطا اجتماعيين، فأما الارتقاء فلأن ~~«واحديته» وأنانيته تنبسطان إلى «ثنائية» وغيرية، ~~فهو يعنى بزوجته وأولاده، وقد كان قبلا يعنى بنفسه فقط، ~~وتبعاته العائلية تحمله على ترقية نفسه وانتظامه في ~~الحياة. ~~(2) # ولكن العائلة تعارض المجتمع من حيث إن أعضاءها ~~يتجمعون كتلة تكاد تكون منفصلة عن المجتمع لها أنانية ~~خاصة، والزوج يجد أنه عقب الزواج قد نقصت اتصالاته ~~الاجتماعية؛ أي إن الإحساس الاجتماعي يتعارض مع الإحساس ~~العائلي، وكثيرا ما نجد لهذا السبب أزواجا لا يعرفون ~~العواطف الاجتماعية السخية كالوطنية وحقوق الجمهور ونشر ~~التعليم وتعميم الصحة؛ لأنهم ms093 محدودون بالعواطف العائلية ~~الضنينة؛ أي: «أنا وعائلتي فقط». ~~(3) # التوسع الاجتماعي في نشاط الزوجة يؤدي إلى تفكك عائلي، ~~كما أن التماسك العائلي يؤدي إلى تفكك اجتماعي. ~~(4) # عندما عملت المرأة الأمريكية وكسبت وارتزقت ~~تقهقرت العائلة، كما يتضح من كثرة الطلاق وتأخر السن ~~للزواج، ولكن هذا التفكك العائلي قد رافقه تماسك اجتماعي ~~أو وجدان اجتماعي جديد. ~~(5) # بما أن أعمال البيت قد صارت آلية؛ أي: تقوم بها الآلات ~~في البيوت الأمريكية وبعض الأوروبية، قلت الروابط التي ~~تربط الزوجة بالبيت، وزادت الروابط التي تربطها ~~بالمجتمع. ~~(6) # الطوالع السيكلوجية الحاضرة تدل على أننا نسير نحو ~~التوسع الاجتماعي والتضيق العائلي؛ ذلك لأن المرأة ~~تتعلم كالرجل وتتكسب مثله وتحترف، وقد صارت لها كرامة ~~اجتماعية تعنى بها وترعاها إلى جنب كرامتها العائلية، بل ~~هي أحيانا - مثل الرجل - تضحي بمركزها العائلي لأجل ~~مركزها الاجتماعي، فلا ترضى مثلا بأن تترك حرفتها كي ~~تتزوج، ثم هي إذا تزوجت كان اتجاهها خارجيا اجتماعيا ~~وليس منزليا داخليا. # وهذا الاتجاه يزيد بزيادة الحضارة الصناعية، ونحن هنا نقرر الحقائق ~~فقط كما نرى أماراتها. # | التطور الاجتماعي للشخصية # غاية المجتمع الأمثل هو إيجاد الفرد الأمثل؛ أي: الفرد الذي يمتاز ~~بالشخصية المثلى؛ ولذلك نحتاج إلى أن ننظر في الأطوار التي ترتقي إليها ~~أو تتغير فيها الشخصية التي هي جماع النمو النفسي والذهني ~~والجسمي. # تمر الشخصية في عشرة أطوار يتداخل بعضها في بعض، وهي تبلغ ~~إيناعها قبيل الخمسين وتستقر على ذلك إلى الشيخوخة. ~~(1) # فمن الميلاد إلى إتمام سنتين ينحصر النشاط في طلب الطعام ~~والرفاهية. ~~(2) # ومن سن سنتين إلى خمس سنوات يواجه الطفل أخطار المشي ~~والمصادمات، فينشد الاحتماء. ~~(3) # ومن سن 3 سنوات إلى 7 يشرع الطفل في التحفظ وضبط ~~عواطفه. ~~(4) # ومن سن 5 سنوات إلى 13 سنة يتفتح ذكاؤه فيتكلم ويفكر ~~ويحتال. ~~(5) # ومن سن 7 سنوات إلى 15 سنة ينافس ويغار. ~~(6) # ومن سن 13 سنة إلى 30 سنة يلتفت إلى الجنس الآخر. ~~(7) # ومن سن 15 سنة إلى 30 سنة يفكر في كسب العيش. ~~(8) # ومن سن 30 سنة إلى 40 سنة تبرز فيه ms094 الرغبة في النمو ~~والطموح. ~~(9) # ومن سن 40 سنة إلى 50 سنة تنتظم له قيم ومقاييس روحية ~~واجتماعية. ~~(10) # ومن سن 50 إلى 70 ترسخ هذه القيم والمقاييس فيكره ~~التغير. # ونعني أنه في هذه الفترات من العمر تبرز صفات كل فترة أكثر من غيرها ~~من الصفات التي قد تضعف ولكنها لا تزال موجودة؛ فالالتفات إلى الجنس ~~الآخر (رقم 6) قد يبقى إلى سن الستين أو بعد ذلك، ولكنه يبرز ويطغى على ~~الشخصية فيما بين سن 13 و20 سنة. # وعندما نتأمل هذه الانتقالات والتغيرات نعرف أن كلا منا يمتاز ~~بشخصية متطورة، وأن أحدنا في سن الثلاثين قد يكون شخصا آخر في سن ~~الخمسين. # والشخصية تتكون بالمجتمع، والإنسان بلا مجتمع حيوان بيولوجي لا يختلف ~~عن الحيوان إلا من حيث الذكاء الفطري، وهذا الذكاء الفطري لا قيمة له ~~ما دام الإنسان منفردا؛ إذ هو يبقى خاما أخضر غشيما حتى يعتمله ~~المجتمع ويقومه ويوجهه، وحتى تنبهه كلمات اللغة ~~وتوجهه. # وفي حياتنا الاجتماعية تمر بنا ظروف تقرر لنا شخصيتنا، حتى كأنها قد ~~صبغت في قالب أو جملة قوالب عينت لها الكم والكيف، وصحيح أنه ~~عندما نقترب من سن العشرين يشرع كل منا في تكوين شخصيته ~~بوجدانه، وقد ينجح في بناء نفسه وتصحيح الأخطاء السابقة وتعيين الأهداف ~~الحسنة التي يتجه إليها، ولكن هذا الوجدان يتوقف على ظروف كثيرة مؤاتية ~~أو معاكسة، ونحن نجمل هذه الظروف فيما يلي: ~~(1) # عند الميلاد يتقرر ذكاؤنا من حيث المقدار، كما يتقرر ~~مزاجنا من حيث الاتجاه، فقد يولد أحدنا ذكيا أو بليدا ~~أو متوسطا، وقد يتقرر له منذ ميلاده عمر طويل أم قصير، ~~وصحته قوية أم ضعيفة، ثم هو يولد بعاهة تحدث له مركب ~~نقص، أو قد يولد سويا، ثم هو قد يولد انبساطيا ~~اجتماعيا أو انطوائيا انعزاليا. # ولكل من هذه الحالات أثر في الشخصية. ~~(2) # ثم هناك التربية التي نحصل عليها في البيت منذ الميلاد؛ ~~فإنه يتوقف شيء كبير من الأخلاق على الرضاع؛ هل هو بمواعيد ~~يتعلم منها الطفل ضبط نفسه، أم هو يجري اعتباطا، ms095 فينشأ هو ~~بعد ذلك نزويا عاطفيا لا يضبط نفسه، ثم هو يتأثر ~~تأثرا مختلفا إذا كان قد دلل أو اضطهد أو عومل ~~بالإنصاف، ومركب أوديب (صورة أمه في نفسه) سيؤثر في ~~علاقاته الجنسية المستقبلة، ثم معاملة أبويه أحدهما للآخر، ~~ثم مكانه بين إخوته هل هو الأكبر أم الأصغر؟ وهل عاش مع ~~بنات أو أولاد، وهل كانت أمه مع أبيه أم مطلقة منفصلة ، ففي ~~كل هذه الحالات تتأثر الشخصية وتنمو في قالب معين. ~~(3) # ومن هذه الظروف التي تقرر شخصيتنا أيضا ظرف المراهقة، ~~حين تلتهب العاطفة الجنسية وتغمر كياننا، فبعضنا يقضي هذه ~~الفترة في يسر؛ يختلط بالفتيات ويجتاز مراهقته وهو سوي ~~سليم، وبعضنا يقضيها في عسر وضنك فيعجز عن التصرف السليم ~~ويقع في العادة السرية ويسرف فيها ويخرج منها مثخنا، وقد ~~يحدث في هذه الفترة شذوذ سيئ. ~~(4) # ثم هناك المدرسة وما تحدث من مزاملة أو مزاحمة، وما يصيب ~~الصبي ثم الشاب من نجاح أو فشل؛ فإن لكل هذا أثره الحسن أو ~~السيئ في الشخصية. ~~(5) # ثم هناك الزواج، وهل كان موفقا قام على الحب والاحترام، ~~أم اتضح أنه غلطة، وأن قصارى ما يرجى منه تسوية، وهل هو ~~بلا أولاد أو بأولاد، وهل الزوجان في خلاف وعربدة أم في ~~وفاق وزمالة؟ فلكل هذا أيضا أثره في الشخصية. ~~(6) # وأخيرا هناك سنتان أو ثلاث سنوات تقع عند المرأة عند ~~الثامنة والأربعين أو حواليها، وعند الرجل في الثامنة ~~والخمسين أو حواليها، ونعني بها الركود أو الضعف الجنسي، ~~وهي الوقت الذي نسميه خطأ بسن اليأس، وفي هذه التسمية أثر ~~سيكلوجي سيئ في المرأة؛ لأن هذه السن هي سن الحكمة وليست ~~سن اليأس، وهذا الانتقال من الشباب إلى الشيخوخة كثيرا ما ~~يؤذي الشخصية، بل أحيانا تكون أخطاره عظيمة - وخاصة عند ~~المرأة. # وكلنا يعرف أمارات الشخصية السيئة في الفتاة الصامتة السمينة التي لا ~~تعرف الرشاقة، بل تعتمد على جمال تمثالي، أو في ذلك الشاب البارد الذي ~~يسكت طويلا وينطق سخيفا، ونعرف ذلك «البارد» الذي نتجنبه ونتوقى ~~لقاءه؛ لأننا نحس جموده ms096 كأنه قد صيغ من خشب إذا لطمناه لم ~~يرن. # وللشخصية أساس من بناء الجسم، وخاصة من الغدد الصماء التي تقرر ~~المزاج والقوام والنحافة والقد، إلخ، فنحن نستظرف القد النحيف ~~والتقاسيم المتناسبة، ونستثقل الجسم المتكتل الذي يسعى وكأنه يسير ~~القرفصاء، ولكن 90 في المائة من الشخصية نفسي وليس جسميا، والظرف ~~والرشاقة والبشر والخفة والروح من صفات النفس، وهي ثمرة المجتمع أكثر ~~مما هي من صفات الجسم، أو ثمرة الغدد، ولو كانت الشخصية من صفات الجسم ~~فقط لكان من العبث الكلام عنها والبحث عن ترقيتها، وأنا أرجو القارئ ~~الذي يبغي التوسع في هذا الموضوع أن يقرأ كتابي: «الشخصية الناجعة» ~~و«محاولات سيكلوجية». # وإني ألخص هنا الشروط التي يجب أن تتوافر لإيجاد الشخصية المثلى: ~~(1) # أن يكون للإنسان اهتمامات متعددة تشغل ذهنه ونفسه ~~وتزيد صلاته بالمجتمع، فيجب أن تكون له حرفة يحسنها، ~~يكسب منها العيش ويكسب الكرامة الاجتماعية، ويجب أن تكون ~~له هواية يقضي فيها فراغه، ونعني هواية يرتقي بها ويستغل ~~بها الوقت، لا أن يقتله. ثم يجب أن تكون له اهتمامات ~~اجتماعية في عمل البر أو الاشتغال بالسياسة أو الدفاع عن ~~مبدأ أو نحو ذلك، وهذه الاهتمامات هي شرط أساسي للسعادة ~~الفردية وللطيبة الاجتماعية. ~~(2) # ويجب أن يؤثر الحياة الزوجية على العزوبة؛ لأن ~~مسئوليات العائلة والزواج تربي شخصيته؛ فالمسئولية هي ~~فيتامين الشخصية. ~~(3) # يجب أن يمرن نفسه على تغليب وجدانه بالمنطق والنظر ~~الموضوعي على عواطفه، ويتجنب النظر الذاتي في ~~المشكلات. ~~(4) # يجب أن ينشد فلسفة صالحة ويستقر عليها. ~~(5) # يجب أن يجعل المستقبل جزءا من الحاضر، ولكن يجب أيضا ~~ألا يضحي بالحاضر من أجل المستقبل. # وبالطبع هناك الشخصية المريضة التي لم نذكرها؛ لأننا خصصنا لها ~~فصولا أخرى. # | مرض النفس هو مرض المجتمع # المجتمع المريض يبعث الأمراض في نفوس أفراده، وأمراضنا النفسية ~~جميعها من السيكوبائية البسيطة كإدمان الخمر أو التشرد أو الزيغ ~~الجنسي، إلى النيوروز حين تحتد العواطف وتلتهب حتى لا تطاق، وقد تبعث ~~على الانتحار، إلى السيكوز حين يختل العقل ولا يرى الأشياء على حقائقها ~~الموضوعية، جميع هذه ms097 الأمراض تعود إلى مجتمع مريض. # ذلك أننا نعيش في مجتمع اقتنائي يدعو إلى تنازع البقاء ويبعث الخوف ~~والقلق من المستقبل، ويجعل التفوق أو التخلف ثمرة للمباراة، فهو مجتمع ~~اقتنائي تحاسدي تنازعي، وفي كل فرد خوف من المستقبل لهذا السبب، ~~وجميع أفراده في مباراة تملأهم شكوكا وشبهات يخافون الفقر ولا ~~يجدون الطمأنينة، حتى الصبي في المدرسة يطالب بالمباراة والتفوق في ~~الامتحانات. # فليتأمل القارئ ما يتفرغ من معنى المباراة ومعنى التفوق هنا في نفس ~~الصبي؛ فإنه يخشى هذه المباراة وتمتلئ نفسه شكوكا عن الفشل في ~~المستقبل، وهو يغار من المتفوقين ويكرههم، وهو يحسد ويلعن، ثم هذه ~~الرغبة في التفوق تحمله على البغض والكراهية لغيره وحب السبق لنفسه، ~~وجميع هذه العواطف كريهة تبقيه في قلق؛ فإذا ترك المدرسة وجد هذه ~~الصفات أيضا في المجتمع في صورة أوضح، بل أبشع؛ لأنه ينتهي إلى أن ~~يقيس ويزن بهذا الاعتبار التالي: «يجب أن أسبقك وأتفوق عليك، وأيضا ~~أكرهك إذا سبقتني وتفوقت علي، وأنا أخشى الفشل؛ ولذلك أنا قلق ~~خائف غير مطمئن إلى الدنيا.» ومثل هذه الحال تجعلنا جميعا مرضى، وهذا ~~هو الواقع الآن، وإنما فقط تتفاوت في درجة المرض؛ أي: في درجة القلق ~~والهم والخوف والشك. # وهذه الصفات تلصق بنا وتعود عواطف نعتقد أحيانا أنها طبيعية؛ فالزوج ~~يعامل زوجته بروح الاقتناء، يريد أن يأخذ ولا يعطي، بل هو يفعل ذلك حتى ~~في المواقف الجنسية الحميمة بينه وبينها، والخوف المستقر في نفوسنا من ~~الفشل في هذه المباراة لأجل الاقتناء، اقتناء المال والوجاهة إلخ، هذا ~~الخوف يحملنا على أن نتسلح بالتسلط والتجبر؛ لأنهما يوهماننا البعد ~~عن الخوف. وهذا إلى مطامع خيالية بشأن الثراء والوجاهة والقوة، تتغلغل ~~في نفوسنا وتحملنا على بذل مجهودات مضنية تفتت صحتنا الجسمية ~~والنفسية. # وكل ما نؤمن به من عقائد، وكل ما ينبعث في نفوسنا من عواطف، نتيجة ~~لهذه العقائد، إنما نأخذه من المجتمع الذي نعيش فيه؛ فالحسد والغيرة ~~والخوف والقلق، والرغبة في التسلط (الاستبداد) والشك، كل هذا يعود كما ~~لو كان عواطف طبيعية في ms098 نفوسنا، مع أنها أمراض نفسية نشأت عندنا من ~~المباراة والاقتناء في المجتمع. # ولذلك نجد أن أعظم الأمم إيمانا بمذهب الاقتناء وممارسة للمباراة ~~هن أيضا أعظمهن في الأمراض النفسية، وهذه الأمة هي الولايات المتحدة ~~الأمريكية، حيث يزيد عدد الأسرة للأمراض النفسية في مستشفياتها على ~~عددها للأمراض الجسمية؛ مباراة وتنازع وتحاسد وغيرة وخوف وقلق، ~~تؤدي إلى انهيار في الأعصاب واختلال العواطف، ثم إلى انهيار واختلال ~~في العقل. # وأمراضنا النفسية هي في النهاية عجز الفرد عن أن يعيش في المجتمع ~~على أساليبه وأخلاقه وأهدافه، وجميع مشكلاتنا النفسية هي - لهذا السبب ~~- مشكلات اجتماعية، ومما له دلالة كبيرة هنا أن المدارس الجديدة في ~~الولايات المتحدة تمنع المكافآت والامتحانات، وتحمل التلاميذ على ~~التعاون بدلا من المباراة، وتجعلهم يحلون مشكلة عامة متعاونين؛ وذلك ~~لأنها عرفت ما تحدثه المباراة في نفوسهم من قلق وخوف، وما تبعثه ~~فيهم من عواطف كريهة كالتحاسد والتباغض، ولكن ماذا يجدي التعاون في ~~المدرسة إذا كان هؤلاء المساكين سيخرجون إلى مجتمع كله مباراة وممارسة ~~للاقتناء، بل ممارسة للخطف وتنازع بقاء؟ «ولأم المخطئ الهبل» - كما ~~يقول الشاعر العربي - أو للمتخلف الانتحار. # ولسنا قادرين على أن نغير هذا المجتمع التحاسدي إلى مجتمع تعاوني؛ ~~أي: نغير أسلوب العيش من المباراة إلى التعاون؛ ولذلك ستبقى معنا ~~الأمراض النفسية ما دام مجتمعنا قائما على أسلوبه هذا، وقصارى ما ~~نستطيع أن نفعله أن نعالج حالة فردية بعد أخرى، ونحاول أن نرد ~~المريض إلى وجدانه؛ أي: إلى التعقل، وبكلمة أخرى: نحاول أن نبين له أنه ~~يجب عليه ألا يتطوح في الأخذ بأسلوب هذا المجتمع حتى يمرض ~~ويجن. # وإلى أن يتغير مجتمعنا من المباراة والاقتناء إلى التعاون ~~والاشتراك فإننا سنبقى مرضى، نهرب من عواطف القلق بالخمر، ونفر من ~~الفشل بالانتحار، ونجهد الجسم والنفس في مجهودات لتحقيق مطامع خيالية، ~~ونلجأ إلى المارستان كي نعيش في أحلام الغيبوبة؛ لأننا لا نطيق الواقع ~~بكل ما فيه من مصاعب. ~~(1) # اعتبر أيها القارئ موظفا في الدرجة السابعة في ~~الحكومة، يتحكم فيه الرئيس ويتعنت، ويهدده من وقت لآخر ms099 ~~بالغرامة وبمجلس التأديب، ويتربص به الأخطاء كي يوقع به، ~~ففي هذه الحال يقلق هذا الموظف ويخشى فصله من ~~الوظيفة، وهو يجسد أربعة أو خمسة أطفال مع أمهم عليه ~~أن يعولهم، والقلق يحدث له أعراضا جسيمة مثل لغط القلب ~~أو زيادة الضغط الدموي، أو اضطرابا معويا من إمساك إلى ~~إسهال. ~~(2) # واعتبر آخر يعمل في بورصة الأوراق، وهو بين ساعة ~~وأخرى يرتفع سرورا أو ينخفض اغتماما لتقلب ~~الأسعار. ~~(3) # ثم آخر - فتاة مثلا - تخشى أن تفوتها سن الزواج، لأن ~~الخاطبين يطلبون فتاة ثرية وهي فقيرة. ~~(4) # ثم آخر، قد نكبه الزمن بزوجة مسرفة، فهو مهما جد ~~لا يستطيع أن يسدد مطالبها، وهي دائمة التقريع له على ~~تخلفه، تضرب له الأمثال عن غيره الذين ينجحون ويقتنون ~~لزوجاتهم إلخ. # ففي كل هذه الحالات نجد أمراضا نفسية تعود إلى المجتمع الذي نعيش ~~فيه، هذا المجتمع الذي يطالبنا بالمباراة، ولا يؤمننا من الفاقة ~~والمرض. # | العاطفة والوجدان # نستطيع بعد أن بلغنا هذه المرحلة من الكتاب أن نعود إلى هذا الموضوع ~~بزيادة في التوسع. # فنحن البشر نواجه هذه الدنيا بثلاثة رجوع تؤدي إلى التفاهم بيننا ~~وبين الوسط: ~~(1) # الرجع الانعكاسي: كالضوء يفاجئني بعد الظلام فأغمض عيني، ~~أو النار تلامس يدي فأجذبها، فهنا رجع يحملني على تصرف ~~معين هو الإحجام أو الهرب، كما أني أرى الطعام وأنا جائع ~~فيجري لعابي، فهنا استجابة تحملني على الاقتراب ~~والأكل. # وهذا الرجع قد يكون مباشرا أو معدولا؛ أي: مكيفا، قد ~~نقل من أصله إلى شيء آخر يتصل بالأصل، ونحن في هذا ~~الرجع المباشر نشترك مع أحط الحيوانات كالإسفنج، ~~ولكننا نمتاز بأننا - وبعض الحيوانات العليا - نستطيع نقله ~~من أصله كالجرس يدق فيجري لعاب الكلب لأنه تعود وضع ~~الطعام له مع دق الجرس، فصار الدق وحده يجري لعابه ~~ويذكره بالطعام. # وهناك السيكلوجيين، مثل بافلوف وواطسون، من يقول: إن كل ~~نشاطنا الذهني (النفسي) هو رجوع معدولة؛ أي: مكيفة، ولكن ~~هذا القول يعني في النهاية أن كل تفكيرنا إنما هو ذاكرة لا ~~أكثر. ~~(2) # ثم هناك الرجل العاطفي حين اشمئز من ms100 منظر يغثي النفس في ~~الشارع، وهناك الاستجابة العاطفية حين أدخل الدار ~~السينمائية وألتذ برؤية الاقتحامات والأشخاص. # وقد يقال هنا: إن العاطفة هي الرجع الانعكاسي، ولكن ~~قليلا من التأمل يبين أن الرجع الانعكاسي مفاجئ سريع زائل ~~كطرفة العين عند وقوع القذى بها، ولكن العاطفة بطيئة ~~مثابرة كما يحدث حين أرى فتاة جميلة أتأملها ثم أذكرها بعد ~~رؤيتها بيوم أو بشهر. # وليس شك مع ذلك في أن أساس الرجع العاطفي هو الرجع ~~الانعكاسي، ولكني في الرجع الانعكاسي أتحرك بسرعة، ~~وأفر أو أقبل فلا أفكر، ولكني في الرجع العاطفي أتريث، ~~وفي تريثي أجد الفرصة للرؤية والتفكير. # وصحيح أننا عندما نتأمل حيوانا حتى من الحيوانات العليا ~~يواجه أنثى لا نعرف هل هو يستجيب إليها استجابة انعكاسية ~~أو عاطفية، وحياتنا الحضارية قد أفسدت علينا هذا التمييز؛ ~~لأن رجوعنا العاطفية والانعكاسية قد صارت بالحضارة معدولة، ~~أي: مكيفة؛ أي: صارت مركبات، ولكن يجوز لنا أن نقول - ~~دون أن نبتعد كثيرا عن الحقيقة: إنه كلما انحط الحيوان ~~صارت مواجهته للدنيا انعكاسية؛ فإذا ارتقى صارت هذه ~~المواجهة عاطفية تتيح ببطئها ومثابرتها شيئا من ~~التفكير. # والمقارنة هنا تشبه المقارنة في شأن الذاكرة؛ فإن لنا ~~ذاكرة بدائية نحس بها حين نتأمل مصباحا مشتعلا ثم نغمض ~~العين، فتبقى صورته مائلة لا نندثر إلا بعد دقيقة أو نصف ~~دقيقة، وواضح أن ذاكرة كثير من الحيوانات لا تزال في ~~الغالب باقية على هذا المستوى أو تزيد قليلا، ولكن ~~ذاكرتنا نحن قد تجاوزت هذا المستوى إلى أني أستطيع أن أدرس ~~العلوم والفنون، وأذكر حادثا مضى عليه أربعون أو خمسون ~~سنة. # فالذاكرة البشرية - على مثابرتها السنين الطويلة - تعود ~~مثلا إلى الذاكرة الضفدعية أو السمكية على زوالها بعد ~~دقيقة، وكذلك الرجع العاطفي في الإنسان يعود مثلا إلى ~~الرجع الانعكاسي في السمك. # أجل. إن الأصل واحد، وما زلنا نتلمس هذا الأصل فنجده، ~~ولكن ما أعظم الفرق! ثم هذا الفرق لم يعد كميا فقط، بل ~~صار نوعيا؛ لأن الانتقال من الرجع الانعكاسي السريع ~~الزائل إلى الرجع العاطفي المثابر الباقي ms101 قد أتاح ~~التفكير. ~~(3) # ثم نحن البشر نواجه الدنيا بشيء ثالث؛ ليس هو الرجع ~~الانعكاسي، وليس هو الرجع العاطفي، بل هو الوجدان. # وهنا يثب علينا بافلوف وواطسون ويقولان: ما هو الوجدان؟ أليس هو جملة ~~رجوع انعكاسية معدولة؟ ألغوا هذه الكلمة «وجدان»؛ لأننا ليس عندنا ما ~~نواجه به الدنيا سوى الرجوع الانعكاسية. # ولكن هل نستطيع إلغاءها؟ # إني أؤلف هذا الكتاب الذي تقرأه بوجدان اجتماعي ثقافي، وأستطيع أن ~~أحلل البواعث التي وصلت بي إلى مقعدي هنا أمام مكتبي، وأقف على الرجوع ~~الانعكاسية أو العاطفية المعدولة؛ أي: المكيفة التي بعثتني على ~~التأليف، ولكن ماذا في هذا؟ # إن القول بأن وجداني هو مجموعة من الرجوع الانعكاسية، كالقول تماما ~~بأني لست مؤلفا من لحم وشحم ودم وعظم، إنما أنا مؤلف من كربون ~~وهيدروجين وأوكسجين وحديد وفسفور وصوديوم، إلخ. # إن الماء مؤلف من هيدروجين وأكسجين، ولكن خصائص الماء ليست خصائص ~~هذين العنصرين، ونحن هنا لسنا إزاء إضافة وجمع يساويان كما، وإنما ~~نحن إزاء إضافة وجمع يساويان كيفا؛ أي: انبجاسا جديدا لم يكن للحي ~~به عهد من قبل. # في الأصل رجوع انعكاسية موضعية لا تتيح التفكير لسرعة زوالها. # ثم رجوع انعكاسية قد صارت عواطف عامة بطيئة مثابرة فأتاحت التفكير ~~وهذا انبجاس جديد، وهو تفكير ذاتي انفعالي ولكنه تفكير نشترك نحن ~~والحيوان فيه. # ثم عواطف مباشرة أو معدولة قد تجمعت في الإنسان، فلم يكن حاصل ~~تجمعها زيادة الكم، بل كانت انبجاسا جديدا في الكيف فأحدثت ~~الوجدان. # والخطأ الأصلي عند بافلوف وواطسون أنهما يخلطان بين العادات الجسمية ~~والنفسية وبين التفكير الوجداني، فأنا أشرب الشاي كل يوم برجوع ~~انعكاسية كونت عندي عادة ليس فيها تفكير، ولكني أكتب هذا الكتاب ~~بوجدان أحاول فيه أن أتخلص من عواطفي وأن أفكر التفكير الموضوعي ~~المنطقي، وهناك بلا شك عادات ذهنية كثيرة، غير العادات النفسية، تعود ~~إلى انعكاسات أو عواطف، وكذلك ليس شك في أن كثيرا بل كثيرا جدا من ~~تفكيرنا يعود إلى عواطفنا ورجوعنا الانعكاسية، وهذا هو التفكير الذاتي ~~أو الانفعالي. # وقد سبق أن قلنا: ms102 إن معظم أخطائنا في التفكير يعود إلى أننا ننظر ~~ونفكر بالنظر والتفكير العاطفيين، ومن شأن التفكير العاطفي أنه يتحيز ~~جزءا من كل فإذا تغلبت على عاطفة الجوع فكرت في الطعام فقط، ~~فأنا هنا ذاتي انفعالي في تفكيري، ومجال هذا التفكير صغير، ولكن ~~التفكير الوجداني يحملني على خمسة أو ستة اعتبارات، مثلا قيمة الإقلال ~~من الطعام حتى لا يثقل علي فأنعس، ومثل تجنب اللحم لأن أحماضه كثيرة، ~~ومثل تجنب الملح لأنه يزيد الضغط، ومثل ضرورة البطء في الأكل للمؤانسة، ~~ومثل تأمل الآنية الجميلة للذة الفنية، إلخ. # فكل هذه اعتبارات اتسع بها مجال التفكير، وصحيح أنها مؤلفة من عواطف ~~مختلفة، ولكن تجمع هذه العواطف لم يؤد إلى جمع وإضافة فقط، بل ~~أدى إلى تفكير كيفي هو الوجدان، فصار تفكيري موضوعيا منطقيا ~~واسعا بدلا من أن يكون عاطفيا انفعاليا فقط، كما أن تجمع ~~الأكسجين والهيدروجين لم يؤد إلى جمع وإضافة فقط، بل أدى إلى تغير ~~كيفي بإيجاد الماء. # حين تسودني العاطفة يكون تفكيري تسليميا. كالمحب يسلم بجمال حبيبته ~~تسليما أعمى، وكالجائع يأكل أي شيء، ولكني حين تسودني الوجدان أنتقد ~~وأحلل، والاختراع والاكتشاف كلاهما من الوجدان. # التفكير العاطفي يسير عفوا، بل أحيانا قسرا لا تملك رده كما يحدث ~~في أحلام اليقظة؛ أي: الخواطر السائبة، أما التفكير الوجداني فيسير ~~بإرادتنا، نوجهه كما نريد، وعندما تمرض النفس يغيب الوجدان، وترتد إلى ~~التفكير العاطفي القهري الذي لا تستطيع التخلص منه، ونحن نرث غوغاء من ~~الشهوات والعواطف نتعلم في المجتمع كيف نتسلط عليها وننظمها ونعبئها ~~جنودا في خدمة الوجدان، وعلى قدر نجاحنا في هذا التسلط أو التنظيم ~~تكون سلامتنا النفسية وتصرفنا الحسن. # | الانعكاسات المعدولة # الرجع الانعكاسي هو أقدم الرجوع العصبية في الإنسان، وهو مثل العطاس ~~وانطراف العين وسحب اليد من النار ونحو ذلك، وهو - لبدائيته - قد ~~ظهر في فقار الحيوان قبل أن يظهر المخ؛ ولذلك نحن في أحيان كثيرة ~~نحس الرجوع الانعكاسية بأعصابنا التي لا تصل إلى المخ، وإنما تصل ~~إلى النخاع الشوكي في صلب الظهر فقط، ونحن ms103 سواء في هذا الرجع مع ~~الإسفنج والسمك والنمل والجنبري والكلب والفيل، وغيرها من أدنى ~~الحيوانات إلى أعلاها، التي تمتاز بمخ أو ليس لها مخ، ونحتاج هنا إلى ~~قليل من التوسع مع المخاطرة بالتكرار. # فقد يكون هذا الرجع الانعكاسي مباشرا، كما يحدث عندما أكون جائعا ~~وأرى اللحم المشوي أو أشمه فيجري لعابي، وقد يكون معدولا؛ أي: عدل ~~به عن أصله إلى شيء آخر له علاقة به، كما يحدث عندما أكون جائعا وأسير ~~في الشارع فأرى كلمة «مطعم»، أو عندما أسمع حديثا عن الطعام، أو عندما ~~أرى مائدة عليها أطباق فارغة ليس عليها طعام، ففي هذه الحالات يجري ~~لعابي أيضا؛ لأني أقرن هذه الأشياء بالطعام، وقد استطاع بافلوف أن ~~يجعل لعاب الكلاب يسيل عندما يدق جرسا؛ لأنه عودها أن ترى الطعام ~~عقب دق الجرس، أو بكلمة أخرى: غرس في الكلاب عادة جديدة لم تكن تعرفها ~~في فطرتها، هي اشتهاء الطعام والابتداء في عملية الهضم بالفم عند سماع ~~الجرس دون رؤية الطعام، وواضح أن مثل هذه العادة لا تعرفها الكلاب التي ~~لم تتعودها. # وإلى هنا نجد كلاما حسنا ومفهوما، ولكن بافلوف يزيد على هذا بأن ~~كل تصرفنا في الحياة وتفكيرنا وفلسفتنا ومثلياتنا وما عندنا من دستور ~~للدولة وما نعرف من الكيمياء أو الفلك؛ إنما هو كله - وأكثر منه - رجوع ~~انعكاسية معدولة لا نفطن إلى أصولها؛ لأنها تسللت إلينا رويدا نقطة ~~بعد أخرى، حتى صرنا نسلك سلوكنا المدني أو الثقافي، وننبعث إلى هذا ~~العمل أو هذا التفكير ونحن لا ندري أننا نندفع برجوع انعكاسية ~~معدولة. # ومثل هذه الدعوى كبيرة جدا، وإن كانت لها قيمتها التي لا تنكر في ~~تصرفاتنا السليمة والمريضة، فنحن مثلا لا نستطيع أن نعزو نظرية ~~النسبية التي قال بها أينشتين إلى الرجع الانعكاسي المعدول، بل كذلك لا ~~نستطيع أن نعزو اهتداء الصبي - وهي في الثامنة من عمره - إلى العمليات ~~الحسابية؛ كالضرب والقسمة والمبادئ الهندسية الأولى، إلى الرجع ~~الانعكاسي المعدول. # ولكن في حياتنا المدنية الحاضرة نعيش ونسلك بكثير من المركبات التي ~~هي ms104 في لبابها رجوع انعكاسية معدولة، فأخلاقنا مثلا إنما هي عادات ~~عملية، وعقائدنا إنما هي أيضا عادات اتجاهية، وكلتاهما ترجع إلى رجوع ~~انعكاسية معدولة؛ أي: مركبات، وهذه المركبات يبلغ من ثباتها في النفس ~~أنها تغير الوضع الأصلي للرجع الانعكاسي، كما نرى في الرذائل التي تؤذي ~~صاحبها، ومع ذلك لا يستطيع التخلص منها، كما هي الحال في المتعلق ~~بالخمر أو بالمخدرات أو بالشهوة الجنسية الشاذة، فنحن هنا إزاء رجع ~~انعكاسي قد عدل به عن أصله إلى شيء آخر فصار مركبا نفسيا؛ أي: ~~عادة متأصلة تضر صاحبها وهو عاجز عن التخلص منها. # انظر إلى امرأة تشكو مرضا نفسيا، هو أنها لا تطيق رائحة السمن، ~~ولما كانت جميع أطعمتنا تقريبا تطهى بالسمن فإنها أصبحت تكره ~~الطعام وتشمئز منه، وكأنها تنوي أن تموت جوعا، والأصل لهذه الحال أن ~~زوجها ضربها وأسرف في الضرب حين كان رأسها منكبا على إناء السمن، ~~فحدث لها وقت الضرب هذا الرجع الانعكاسي المعدول، فصارت تنفر من ~~رائحة السمن الذي قرن بالضرب والألم، فهنا مركب نفسي مريض، كذلك المركب ~~الذي أحدثه بافلوف في كلبه بإجراء لعابه عندما يسمع الجرس. # وكثير من التربية إنما يقوم بإيجاد مركبات؛ أي: رجوع انعكاسية ~~معدولة، فنحن نعود الصبي أن يضبط عواطفه أمام الغرباء، وأن يستحي ~~من بعض أعضاء جسمه، وأن يوزع الشكولاتة بينه وبين إخوته بالسواء، ونحن ~~بهذا نغرس فيه مركبات مدنية اجتماعية تخالف الرجوع الانعكاسية الأصلية، ~~ومن مثل المرأة التي كانت تشمئز من رائحة السمن نستطيع أن نكف ~~السكير عن عادة السكر بأن نمزج الخمر بمقيئ ليس له طعم أو رائحة، ولكن ~~بعد أن يشرب قليلا أو كثيرا يجد أنه يقيء، وعندئذ ينفر من الخمر، ~~كما نفرت تلك السيدة من السمن. # إن نظرية بافلوف مفيدة جدا بشرط أن نقف بها عند حدودها، والقارئ ~~لهذا الكتاب قد عرف مما قرأ إلى هنا أننا نؤمن بأن سلوكنا في ~~الحياة إنما هو في الأكثر سلوك العاطفة، والفرق بين الرجوع الانعكاسية ~~والرجوع العاطفية ليس كبيرا؛ لأن العاطفة في منتهاها ms105 مجموعة من الرجوع ~~الانعكاسية الموروثة تسير في بطء وتريث فتتاح الفرصة بهذا البطء ~~والتريث للتفكير، ولكن التفكير الناجع يحتاج إلى أكثر من هذا، يحتاج ~~إلى وجدان. # | الذاكرة والتخيل # في الفصل الأسبق حاولنا أن ننتقل من تفكير العاطفة الحيواني إلى ~~تفكير الوجدان البشري، وقلنا: إن الوجدان يشبه أن يكون مجموعة من ~~العواطف تحملنا على مواقف التردد والاختيار، فتنتقل بهذا الموقف من ~~الانفعال إلى الوجدان. # ولكن هنا ثغرة تستحق الملء هي الذاكرة، وقد سبق أن أومأنا إلى منشأ ~~الذاكرة حين أشرنا إلى رسم المصباح يبقى في العقل بعد إغماض العين نحو ~~دقيقة أو أكثر، فنحن: ~~(1) # نذكر المصباح دقيقة أو أكثر بعد إغماض العينين. ~~(2) # ونتخيل المصباح دقيقة أو أكثر بعد إغماض العينين. # فمن هنا نعرف أن الذاكرة هي الأصل للتخيل، وما دمنا نذكر ونتخيل ~~فإننا نفكر؛ أي إننا ونحن في خلوة نستعيد الصور؛ أي: نتذكرها ونتخيلها، ~~ولكننا لا نتذكرها كما لو كانت صورا فتوغرافية طبق الأصل؛ لأننا نسلط ~~عليها عواطفنا، فنختار منها ما نحب استعادته لأنه يسرنا مثلا، ونستبعد ~~ما نكره منها لأنه لا يسرنا؛ ولذلك نحن نهدف من التذكر والتخيل إلى ~~غاية، فنختار هذه الصورة وننبذ تلك الأخرى، وهذا نوع من الاختراع؛ ~~لأننا نؤلف صورا مختارة نجد فيها خيالات نرغب في استدامتها، ونحن نحرك ~~هذه الصور ونخلطها، أو نغير ما فيها طبقا لغاية. # ونكاد نقول: إن التذكر هو الأصل في الحياة؛ لأننا ننمو - سواء ~~أكنا من الحيوان أم من النبات - بالذاكرة، ولا عبرة بأننا ندري بهذه ~~الذاكرة أو لا ندري؛ أي: لا عبرة بأننا على وجدان بهذه الذاكرة، أو هي ~~كامنة فينا لا ندريها، إنما الواقع أننا لا نستطيع أن نفر من الفرض ~~الذي يحتم علينا بأننا ننمو من الجنين إلى الطفل إلى الصبي إلى ~~الشاب إلى الشيخ بذاكرة عضوية موروثة، كذلك نحن نرضع في الطفولة ~~بذاكرة؛ أي: ما نسميه غريزة إنما هو ذاكرة، بل إن قصة التطور هي في ~~النهاية قصة الذاكرة النوعية؛ أي: ذاكرة النوع البشري أو غيره من أنواع ms106 ~~الحيوان والنبات. # فالوراثة والغريزة البيولوجيتان في الحيوان والنبات كما نراهما في ~~النمو والسلوك إنما هما ذاكرة كامنة غير وجدانية. # والذاكرة البشرية التي نتعلم بها إنما هي أيضا من هذا الطراز؛ أي: ~~لا تختلف من الوراثة والغريزة، والذاكرة عندنا - كما قلنا - تؤدي إلى ~~التخيل والتوهم؛ أي إنها تؤدي في النهاية إلى التفكير بالعاطفة أو ~~بالوجدان، ونحن نعرف من اختباراتنا أننا حين نستلقي مثلا بعد الغداء، ~~ونسترخي ونشرع في الخواطر؛ أي: أحلام اليقظة، إنما نبدأ هذه الخواطر أو ~~الأحلام باستذكار حادثة سابقة تتسلل لنا منها خيالات وصور فنأخذ في ~~تحسينها؛ أي: تحسين هذه الخيالات والصور، وهذا يدلنا على أننا نستذكر ~~حادثة ماضية دون غيرها؛ لأن لنا هدفا منها، هو هذا التحسين. كأننا ~~نقول: ما هو السلوك الأمثل الذي كان ينبغي في هذه الحادثة؟ وإذا ترجمنا ~~هذا إلى الغاية الهدفية فنقول: ما هو السلوك الأمثل لي إذا عادت مثل ~~هذه الحادثة؟ # وقد سبق أن قلنا: إن الوجدان هو مجموعة من العواطف المتضاربة التي ~~تحملني على وقفة التردد والاختيار، فلا أنساق منفعلا في عاطفة واحدة، ~~والآن نقول: إن أداة الوجدان في الاختيار هي الذاكرة التي تحملني على ~~التخيل والتوهم، فأحقق هذا الاختيار بالمقارنات بين ماضي اختباراتي ~~وبين الظرف القائم، ولي هدف في كل ذلك هو التزام ما يسرني وتجنب ما ~~يؤلمني. # ولكننا هنا نحتاج إلى التنبيه بأن الذاكرة ليست كالعادة؛ لأني وأنا ~~أمارس العادة لا أحتار، ولكني في الذاكرة أحتار، والعادة آلية جامدة لا ~~تقبل التنقيح والتغيير، ولكن الذاكرة حيوية هدفية؛ أي: ترمي إلى ~~غاية. # العادة مثل غسل الوجه أو شرب الشاي مجموعة من الرجوع الانعكاسية أو ~~العاطفية التي تتكرر بلا تنقيح أو اختيار. # ولكن الذاكرة تخيل وتوهم وخواطر تؤدي جميعها إلى تفكير يختار هذا ~~وينبذ ذاك من الخيالات والخواطر، وقد يكون هذا التفكير عاطفيا، ولكنه ~~قد يكون أيضا وجدانيا موضوعيا. # ويمتاز الإنسان على الحيوان امتيازا عظيما؛ لأن ذاكرته أطول ~~وتخيله أوسع باللغة التي تزود الفرد بذكريات ثقافية تتسع بها ~~آفاق وجدانه الزمني والجغرافي. ms107 # وعندما نتأمل الخيالات والصور التي نؤلفها من ذكرياتنا الماضية نجد ~~أنها تأليف جديد لا يتقيد بالرجوع الانعكاسية «التي يقول بها واطسون ~~وبافلوف»؛ ذلك لأننا نؤلف ونخترع ونزيد وننقص وننقح ونغير، ويجري ~~كل هذا على أسلوب كلي غير تفصيلي؛ أي إننا في التخيل نأخذ ~~بالكليات لا الجزئيات. # وهنا نذكر كوهلر صاحب مذهب الكلية الطرازية أو «جيشتالت» الكلمة ~~الألمانية التي يتبعها لهذا المعنى، فقد وجد أن السيكلوجية التي تقول ~~بأن الفهم ينشأ من مجموعة الانعكاسات ليس صحيحا؛ فالطفل الذي يرى ~~الكلب لا يجمع اختباراته له ويكون فهمه له جزءا بعد جزء، فيعرف ~~الذنب ثم الوجه ثم الأقدام ثم يتحسس الشعر، ويجمع هذا كله إلى الصوت ~~والرائحة، إلخ، وإنما هو يدرك صورة كلية مجموعة من الكلب لأول ما يراه، ~~وهذه «الكلية» هي شرط أساسي في الفهم، فنحن عندما نسمع لحنا لا نأخذ ~~في تحليله إلى أنغامه المؤلف منها كي ندركه كلا كاملا، والصورة التي ~~نراها لا نحاول عندما نريد تفهمها إلى تقسيمها أجزاء نفهم منها الجزء ~~بعد الجزء، وإنما نفهمها كلها. # وهذه هي طبيعة الفهم عندنا، حتى إنه إذا رسم أحد منا مثلثا ناقصا ~~أكملناه - ونحن ننظر إليه - في ذهننا، فطبيعة أذهاننا أن نفهم الأشياء ~~بكلياتها وليس بأجزائها. # وهنا نجد فرقا واضحا بين «جيشتالت» وبين التحليل الذهني؛ فإن ~~«جيشتالت» تقول: إن تحليل الفكرة إلى أجزائها خطأ؛ لأننا عندما نفكر ~~نعمد إلى ذلك بالكليات وليس بالأجزاء، ثم بين «جيشتالت» وبين السلوكية ~~فرق آخر، وهو أن الثانية تقول: إن كل ما نتعلمه هو استجابات ميكانية ~~نخطئ ونصيب فيها، حتى نقع على الصواب فنلزمه ونتجنب الخطأ، ثم يتكرر ~~الصواب فيصير عادة، ولكن «جيشتالت» تقول بأننا نفهم المسائل بطبيعة ~~أذهاننا؛ لأننا نستحضر منها كلا منظما فنحل المسألة الواقعة أمامنا ~~بالعودة إلى ما يتوهمه ذهننا من «تنظيم كلي». # وقد أجرى كوهلر وغيره تجارب مع القردة العليا تثبت هذا «التنظيم ~~الكلي» فقد وضع موزا خارج القفص، وكان بالقفص قرد وعنده عصوان ~~قصيرتان، ولكن يمكن إذا تداخلتا أن تطولا وتعودا ms108 عصا واحدة، ~~فعدما حاول القرد أن يصل إلى الموز بالعصا ووجد قصرها جمع العصوين ~~وقعد بعيدا عن الموزة، ثم لعب بالعصوين حتى أدخل طرف الواحدة في ~~طرف الأخرى فطالت، واستطاع بذلك أن يجذب الموزة من خارج القفص. # فهنا نجد أن القرد لم يفكر تفكيرا ميكانيا عن عادات واستجابات ~~سابقة قد تعلمها بطريقة الخطأ والصواب، وإنما هو تخيل المسألة ~~أمامه كاملة تامة، ثم شرع يخترع الطريقة التي يحقق بها خياله، وهذا هو ~~ما نفعله نحن أيضا كلما فكرنا في حل مسألة، نتوهمها محلولة ثم ~~نعود فنتوسل إلى الحل بذرائع مختلفة، وهذه بالطبع خلاصة قصيرة جدا ~~لجيشتالت، ولكنها تعطي القارئ فكرة عامة عن هذه السيكلوجية التي يجب أن ~~توضع جنبا إلى جنب مع التحليل النفسي ومع السلوكية في فهم التخيل ~~(التصور) أي: التفكير الذهني. # | التفكير الناجع # كي نصل إلى التفكير الناجع في تصرفنا يجب أن نتجنب: ~~(1) # تفكير العاطفة، وقد سبق أن قلنا: إن تسعين في المائة - ~~بل أكثر - من أخطاء التفكير تعود إلى سيطرة العاطفة، ونحن ~~- لأننا نرغب في إشباع هذه العاطفة - نسوغ هذا التفكير ~~بضروب من المكر والاحتيال، حتى نقتنع بأننا وجدانيون ولسنا ~~عاطفيين، كما يحدث كثيرا عندما نؤجل عملا يتطلب ~~السرعة في الإنجاز، ولكن نسوغ هذا التأجيل بألوان مختلفة ~~من المنطق، أو كما يحدث للشريب عندما يعزم على الكف عن ~~الخمر ثم يؤجل هذا العزم بقوله: «هذا اليوم فقط» وتجديده ~~في الغد. ~~(2) # كذلك يجب أن نفطن إلى ميول وأهواء قد أحدثتها الكامنة ~~(العقل الكامن)، وهي جميعها مقنعة بالوجدان، تبدو كأنها ~~منطقية ليس فيها ما يشوبها، كما يحدث عندما نكره أو نحب ~~لأسباب يشق علينا توضيحها، ولكنها تعود إلى ما انغرس في ~~نفوسنا أيام الطفولة، كالخوف من العفاريت يحملنا على ~~الاعتقاد بأن الأرواح حقيقة واقعة، حتى لنستطيع أن ~~نخاطبها. أو - لأننا نحب أمهاتنا أيام الرضاع وبعده - ننشأ ~~ونحن لا نستجمل سوى تلك الفتاة التي تشبه أمنا في ~~الوجه أو القوام أو الصوت، ويؤدي هذا إلى أن نتجاهل جميع ~~عيوبها، وكثير من ms109 التعصب الطائفي يعود إلى مكاره ~~غرست فينا أيام طفولتنا، أو حدثت فيها حوادث كظم فيها ~~غيظنا أو خوفنا ثم اصطنع تعصبا أفسد وجداننا وتفكيرنا ~~الموضوعي. ~~(3) # كذلك يجب، حين أعالج موضوعا أو أعامل شخصا، أن أنظر هل ~~أنا معتمد على العقيدة (عاطفة) أم على المعرفة، وكثير من ~~الناس يفسد تفكيرهم؛ لأنهم يعتمدون على عقائد ليس لها ~~أقل أصل من الحقائق، ويسوء تصرفهم لهذا السبب، وكثير من ~~الأمهات في مصر يقضون على أطفالهم بالمرض أو الموت؛ لأنهم ~~يختارون الدواء عن عقيدة وليس عن معرفة. ~~(4) # كذلك يجب ألا ننسى أن اتجاه الانطوائي يختلف عن اتجاه ~~الانبساطي؛ فإذا كان أحدنا انطوائيا وتزوج فتاة ~~انبساطية فإن الأغلب أنه سيختلف معها كثيرا؛ لأنها ~~اجتماعية وهو انفرادي، وقس على هذا اختلافه حتى مع ~~أصدقائه وأولاده، وإذا تجاهلنا هذه الميول بين المزاجين ~~فإننا نتورط في مغاضبات يسوء بها تصرفنا وقد تؤدي إلى ~~شقائنا. ~~(5) # وكثير من كلمات اللغة تحدث لنا التباسا في التفكير ~~واتجاها سيئا أيضا؛ فإن هناك كلمات ذاتية؛ أي: عاطفية ~~تحملنا على التفكير العاطفي، وهناك كلمات كاذبة كقولنا: ~~«سن اليأس»، للمرأة التي تبلغ سن الحكمة، وإيناع الشخصية ~~حوالي 48 أو 50؛ فإن هذا التعبير السيئ يملأ نفسها تشاؤما ~~ويهيئها لأمراض أو تصرفات خطيرة، أو انظر إلى عبارة «الحكم ~~العرفي» فإنها وصف حسن للحكم السيئ؛ إذ هو ليس ~~عرفيا؛ لأن المعجم يقول: «العرف: هو ما استقر في النفوس ~~من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول» ~~فأين هذا التعريف من حرماننا حقوقنا الدستورية مثلا ~~مدة 15 سنة فيما بين 1914 و1945؟ # وكلمات اللغة تسيء إلى تفكيرنا الوجداني كثيرا كما يرى ~~القارئ في كتابي «البلاغة العصرية واللغة العربية»، بل ~~كثير من الأمراض النفسية وكثير من الجرائم يعزى إلى ~~اللغة السيئة التي تحفل بكثير من الكلمات العاطفية. ~~(6) # وهناك بالطبع التفكير النيوروزي، وهو تسلط العاطفة ~~تسلطا قهريا على النفس، وفي بعض الأحيان يقع فيه ~~فيلغي وجداننا بعض الوقت أو كله. # والآن وقد عرفنا ماذا يجب أن نتجنب؛ أي: ما هي الوسائل السلبية ms110 ~~للتفكير الحسن يجب أن ننظر فيما يجب أن نأخذ به؛ أي: ما هي الوسائل ~~الإيجابية للتفكير الحسن. ~~(1) # وأول ذلك أن نعتمد على الروية؛ أي إن نعطي الوجدان ~~الفرصة كي يتغلب على العاطفة، وكل من عانى التفكير يعرف ~~أنه يحتاج إلى الحصانة كي ينضح ويخصب، كأن الذهن حين يمتد ~~به الوقت يأخذ في التذكر والتخيل والمراجعة والمقارنة حتى ~~ينتهي إلى الصورة المثلى، وعندي أن الحصانة هي الاستسلام ~~للكسل والاسترخاء واللعب مدة قد تكون أسبوعا أو ~~شهرا. ~~(2) # العاطفة المحزنة تبطئ التفكير كما تبطئ حركة الجسم، كما ~~نرى حول الجنازة حين يصمت الحاضرون ويجمدون، ولكنهم في ~~العرس يتحدثون ويزأطون، والحزن يجمد الذهن، والعواطف ~~السارة محركة؛ ومن هنا كان كثير من المؤلفين يعمدون إلى ~~الشراب القليل كي يغمرهم سرور خفيف يحرك أذهانهم، ولكن ~~لهذه الوسائل الصناعية أضرارا أكيدة في النهاية، وقصارى ~~ما نحتاج إليه أن نتجنب ما يثير حزننا أو اغتمامنا وقت ~~التفكير. ~~(3) # نستطيع أن نقسم الناس من حيث التفكير والتصرف إلى ~~عاطفيين ووجدانيين، ولكن هذا التقسيم غير معين بحدود؛ إذ ~~ليس هناك إنسان عاطفي مائة في المائة إلا إذا كان في ~~المارستان، وليس هناك إنسان وجداني مائة في المائة، وكذلك ~~نستطيع أن نقسم الناس من حيث مرجعهم في التفكير ثلاثة ~~أقسام: ~~(أ) # أولئك الذين يرجعون فيه إلى العقيدة كما كان ~~الشأن في الأمم القديمة وكما هو الشأن في ~~العامة من الشعب في عصرنا، والمتوحشون ~~والمتأخرون في الحضارة على وجه إجمالي. ~~(ب) # أولئك الذين يعتمدون فيه على المعرفة وهم ~~خاصة الأمم والعلميون، مهما يكن العلم الذي ~~يمارسونه. ~~(ج) # أولئك الذين يعتمدون فيه على الحكمة، وهي ~~فوق المعرفة، فقد يعرف أحدنا أشياء كثيرة ~~ولكنه ينحيها ويبعدها في تصرفه ولا يعتمد ~~عليها، ويقنع بالحكمة التي يتطلبها الظرف ~~القائم. # وأفضل أنواع التفكير - ونعني هنا التفكير للتصرف - هو ~~تفكير الحكمة. ~~(4) # هناك عادات تفكيرية نتعودها، كالصمت في المشكلة، وهو ~~يؤدي إلى إخماد العاطفة وإيجاد المجال للوجدان فالروية، ~~وكالمصالحة والمحاولة بدلا من التحدي والخصومة، وكالتأليف ~~والبناء بدلا من النقد والهدم، ms111 وهذا هو تفكير التصرف ~~الحسن في الحياة، وهنا نذكر غاندي الذي يصوم عن الكلام ~~يوما في الأسبوع. ~~(5) # مع كل ما قلنا عن ضرر التفكير العاطفي الذاتي يجب ألا ~~ننسى أن خمود العواطف - كما يحدث في الشيخوخة - يؤدي إلى ~~خمود الذهن. # واليقظة الفكرية في الشبان تعود إلى يقظة العواطف، ولعل ~~لهذه الحال سببا فسيولوجيا يتعلق بالغدد الصماء، ونحن ~~نرى أن الخواطر تتوارد بسرعة وقت التهيج أو التعجل أو ~~الغضب بشرط ألا تغمر الشخصية بقوتها فتحول دون التفكير، ~~كما قد يؤدي فنجان القهوة أو الشاي إلى تثبيت ~~العواطف. ~~(6) # يحتاج التفكير الحسن إلى استخدام الكامنة (العقل الكامن) ~~بالاسترخاء والحضانة حتى تستثار العواطف الكامنة ~~فتنتفع بما فيها من اختبارات، وأيضا بما فيها من توترات ~~وكظوم تفتق التفكير وتكسبنا البصيرة والوصول إلى نتائج قد ~~لا تتفق مع المنطق القائم، ولكنها صحيحة في ضوء ~~اختباراتنا؛ ولذلك كثيرا ما يؤدي المرض والتزام السرير ~~شهرا إلى تفكير جديد يقارب الاختراع وتغيير ~~الشخصية. ~~(7) # نجد أحيانا جمودا في التفكير ووقفة لا نتحرك منها، وفي ~~أكثر الأحيان يرجع ذلك إلى عقدة ذهنية خفيفة غابت عنا، ~~ولكنها اندست واستكنت. والتهيج الخفيف يعيد إلى الذهن ~~حركته، كأن نمشي بسرعة؛ فإن حركة المشي تحدث حركة في ~~الذهن فتتوارد الأفكار، ويتفكك الجمود. ~~(8) # الإرادة تحدث الخيال وتنظمه، كما أن الرغبة في الطعام ~~تحدث خيالات الأطعمة سواء في اليقظة أم في النوم، وإذا ~~تركنا الذهن حرا صارت الخيالات عابثة لا قيمة لها؛ ~~ولذلك يجب أن نسيرها ونوجهها بالإرادة. ~~(9) # الطمأنينة التامة والعواطف المشبعة التي لا تجوع أبدا، ~~كلتاهما تحدث ركودا في التفكير، كأن النفس تقول: «لماذا ~~التفكير؟ كل شيء على خير ما أحب، وليس هناك ما يدعو إلى ~~الجهد.» ولذلك نجد أن الصعوبات والتوترات تثير التفكير، ~~والاختراع الذي يكثر مدة الحروب يرجع إلى القلق الذي ~~تحدثه، وقد عزي الجمود الأدبي في عصر الملكة فيكتوريا ~~في إنجلترا إلى النجاح المالي المستمر؛ لأن الطمأنينة ~~المالية التامة حالت دون التفكير، وهذا حق، ونحن في حاجة ~~دائمة إلى قليل من القلق نتذبذب ms112 به ونصحو ونتنبه. # | الاتجاه الذاتي والاتجاه الموضوعي # كثيرا ما نرى أن الاتجاه السلوكي يعين لنا نوع الكفاءة الذهنية ~~أو يكاد، ونحن نختلف في اتجاهنا باختلاف الحرفة التي تمارس فتختلف ~~بذلك أنواع الكفاءة الذهنية، ولا عبرة بأن يقال: إن ذكاءنا - مثل ~~طول قامتنا أو لون بشرتنا - موروث محدود؛ فإن الحياة النفسية ~~والفكرية للفلاح تختلف مما هي عند المحامي أو المهندس، كما تختلف عند ~~هذين مما هي عند الكاهن المسيحي أو الفقيه المسلم. # وأحيانا نجد عند أحد الناس اتجاها استبشاريا بالدنيا، أو اتجاها ~~تشاؤميا أو اتجاها انبساطيا مزاجيا، أو اتجاها تسلطيا ~~عدوانيا، وهذه الاتجاهات تعين الحياة النفسية والفكرية لكل منهم، ~~حتى التفكير يجد حدودا أو أمدادا تحده أو تمده. # ولكن هناك اتجاهين نفسيين لكل منهما قيمة كبيرة، بل كبيرة جدا في ~~الحياة النفسية لكل منا؛ وهما الاتجاه الذاتي حين يكون بؤرة نشاطي ~~ذاتيا «أنا»، والاتجاه الموضوعي حين يكون بؤرة نشاطي العمل الذي ~~أعمله. وبالطبع ليس هناك إنسان ذاتي مائة في المائة إلا إذا كان في ~~المارستان مجنونا كاملا لا غش فيه. وليس هناك إنسان موضوعيا ~~مائة في المائة، إلا إذا كان أرسطوطاليس أو أفلاطون. ولكن هناك من ~~تغلب عليه الذاتية، وهناك من تغلب عليه الموضوعية. # الذاتي، إذا كان مهندسا قد قام ببناء منزل حسن، يقول: أنا نجحت، ~~وإذا لم يكن البناء حسنا فإنه يقول: أنا فشلت. # الموضوعي، إذا كان مهندسا قد قام ببناء منزل حسن، يقول: هذا المنزل ~~حسن، وإذا لم يكن البناء حسنا فإنه يقول: هذا البناء غير ~~حسن. # الذاتي يحزن كثيرا؛ لأنه يجعل الحسن والسوء في البناء حسنا ~~وسوءا في ذاته؛ في نفسه. والموضوعي لا يحزن؛ لأن الحسن والسوء ~~خارجان عنه؛ أي: في الشيء الذي صنعه، الذاتي ينظر نظرة نفسية، ~~والموضوعي ينظر نظرة موضوعية. # عندما يسوء البناء يحزن الذاتي ويغتاظ، ويتذبذب من الغيظ؛ كالأتومبيل ~~يدور موطره وهو واقف مكانه، ولكن الموضوعي يفكر في إصلاح الخطأ بلا ~~حزن أو غيظ؛ لأنه لا يعالج عواطفه كالذاتي، بل يعالج الحجر والخشب ~~والحديد. # لنفرض ms113 أن اثنين قصدا إلى محطة العاصمة للسفر إلى الإسكندرية، فلما ~~بلغاها وجدا أن القطار قد قام؛ فالذاتي يغضب لأنه تعود أن يجعل ~~ذاته مصدرا أو موردا لكل ما يقع حوله، وغضبه هنا عقيم، فقد يسب ~~أو يضرب الأرض بقدمه، ولكن القطار لن يعود. أما الموضوعي فيتأمل ~~الساعة، ثم يبحث عن ميعاد القطار الثاني، ثم يهيئ نفسه لقضاء ثلاث ~~ساعات قبل قيام القطار، وهو يقضيها في تعقل . # والفيلسوف، وهو أعلى طراز للشخصية الموضوعية، يبحث الشئون البشرية، ~~وهو يحرص على ألا يكون لعواطفه - لذاتيته - أي أثر في بحثه، والمجنون ~~يصبغ كل حركة حوله بصبغة ذاتية؛ فالناس الذين يتحدثون على مسافة منه ~~إنما يتكلمون عنه، وأنت حين تسأله سؤالا ساذجا إنما تحاول الوصول إلى ~~سر معين يخفيه، وهو لهذا متعب معني بعواطفه. # وهذه الذاتية - وكلنا بلا استثناء تقريبا ذاتيون إلى حد كبير - تنشأ ~~فينا منذ الطفولة، إذ كانت الأم حين تؤدي عملا حسنا تقول: أنت ~~أحسنت، أو أنت أسأت، أو أنت ذكي، أو أنت بليد، وكان يجب أن تقول ~~بدلا من هذه الكلمات: هذا العمل حسن، هذا العمل سيئ يمكنك أن تصلحه من ~~هنا ومن هنا. # ذلك أنها في الحال الأولى توجه الطفل وجهة ذاتية في كل شيء يحدث ~~في هذه الدنيا؛ إذ يقاس عنده بما يجلب له من سرور أو يحدث له من حزن، ~~فهو عاطفي يحب ويكره، ولا يحاول فيحسن، أما في الحال الثانية فإنها ~~توجهه وجهة موضوعية، بؤرة الاهتمام عنده ليست نفسه، بل هذا الشيء الذي ~~يصنع. # الموضوعي يتكيف بسهولة ويجعل نفسه ملائما للوسط، ولكن الذاتي جامد ~~لأنه عاطفي، الأول يتعقل ويجتهد ويحاول، والثاني عاطفي يجمد ولا يحاول، ~~ولكنه يفرح أو يغضب. # ومركب النقص هو في النهاية أننا نعالج شئون الوسط المحيط بنا - ~~بشريا أم ماديا - بالأسلوب الذاتي، كأن حوادث الدنيا إنما هي صدى ~~لذاتيتنا لا أكثر، وكأننا نقيس واجباتنا الاجتماعية ليس بالعمل الذي ~~نؤديه بل بقيمة شخصيتنا. # وهذه الذاتية تشقينا كثيرا، لأنها تفتأ تنبه عواطفنا بدلا من ~~الموضوعية التي ms114 توقظ ذكاءنا، فنحن نسلك في الحياة بالعواطف الجامدة ~~العمياء بدلا من التعقل النير البصير. # ويجب علينا في كل مأزق يقابلنا أن نسأل: هل أنا هنا ذاتي أسير ~~العاطفة؟ أم موضوعي أفكر وأتعقل؟ كما يجب علينا أن نذكر أننا كلنا ~~قد ساءت تربيتنا في الطفولة، وأننا نشأنا لذلك ذاتيين إلى حد كبير، ~~والطفل المدلل أكثر ذاتية من الطفل الذي عومل بجد وعدل، وقد ينتهي ~~الأول إلى أن يجعل كل همه واهتمامه في الدنيا أن يجذب إلى نفسه ~~الأنظار؛ فإذا وجد اهتماما تعب، بل قد يعزو هذا الإهمال إلى مؤامرة، ~~وأحيانا، وهو يحاول جذب الأنظار إلى نفسه، يتورط في سلوك غير ~~اجتماعي. # | الخصائص السيكلوجية للمرأة # تختلف المرأة وراثيا وبيئيا عن الرجل، وصحيح أنهما يعيشان في ~~مجتمع واحد، ولكن هذا القول تعميمي أكثر مما هو تفصيلي، وهو أشبه ~~بقولنا: إن الإخوة في البيت يعيشون في بيئة أو وسط واحد. # ونحن نجد في الحالتين أن الوسط ليس واحدا للرجل والمرأة، وكذلك ليس ~~واحدا للإخوة في البيت، ذلك أن الرجل ينشأ على حرية لا تجد مثلها ~~المرأة؛ إذ هي تطالب بالكظم أكثر منه، وتجد من الزواجر ما لا يجد، ~~وهو يتطلع إلى النشاط الاجتماعي على آفاق واسعة في التجارة والوظيفة ~~والسياسة وغير ذلك، في حين هي تمنع تقريبا من كل هذا. # وكذلك الشأن في الإخوة في البيت؛ فإنهم فيما يبدو على السطح سواء في ~~الوسط، ولكن اعتبر الفروق التي تنشأ من اختلاف الوسامة بينهم وتعلق ~~الأبوين أو أحدهما بشخص دون آخر منهم، واعتبر الابن الأكبر الذي لا ~~يجد مزاحما مع سائر الأبناء والبنات الذين زاحم بعضهم بعضا للحصول ~~على «المجال الحيوي» في البيت، واعتبر الابن الأصغر المدلل، والبنت ~~الوحيدة بين خمسة أبناء، أو الابن الوحيد بين خمس بنات، فكل هذه الظروف ~~تثبت لنا أن بيئة البيت مختلفة للأبناء، وهذا الاختلاف يؤدي إلى خصائص ~~سيكلوجية لكل منهم. # وكذلك الشأن في المرأة التي تعيش في مجتمعنا نحن الرجال؛ فإننا ~~نحوطها بما يفصلها عنا نفسيا؛ ولذلك نحتاج إلى ms115 أن نسهب قليلا في شرح ~~الخصائص السيكلوجية التي تتسم بها بسبب هذا الفصل، والأثر السيكلوجي ~~لهذا الحال أيضا في الرجل. # كلنا يعرف أن الرجل أقوى عضلات من المرأة، ونحن في هذا لا نشذ عن ~~الحيوان؛ لأن الذكر على الدوام أقوى من الأنثى، كما نرى في الديكة ~~إزاء الإناث من الدجاج، أو في الأسد إزاء اللبؤة، أو ذكر الجاموس ~~إزاء أنثاه؛ فإنه وحش وهي وديعة، ثم يجب ألا ننسى أن الأنثى تحمل ~~وتلد، وكلا هذين العملين يعجزها مدة طويلة فتضعف أمام الذكر، بل هي ~~تحتاج إلى معاونته، وكثيرا ما يعاونها. # والروح العدواني واضح في الذكور، وليس واضحا في الإناث، وشيء من هذه ~~الشهامة التي نجدها بين البشر في علاقة الرجل بالمرأة نجد مثله أيضا ~~بين الحيوان؛ فإن الذكر يقاتل الذكر، ولكنه لا يقاتل الأنثى، وكثيرا ~~ما ينسحب أمامها، مع أنها قد تكون هي المعتدية. # وضعف المرأة واحتياجها إلى معونة الرجل في الحمل والولادة، كلاهما ~~قد زاد ضعفها وجعل السيادة للرجل في الحضارة القائمة، وحضارتنا إلى ~~الآن هي حضارة الرجال؛ أي إن أوزانها وقيمها هي أوزان الرجل وقيمه، ~~والأغلب أن هذه الحال ستتغير قريبا؛ لأن الوسط الصناعي يقرر ~~الاستقلال الاقتصادي للمرأة، وهذا الاستقلال الاقتصادي يؤدي بدوره إلى ~~استقلالها النفسي. # والمرأة، بعد هذا الذي ذكرناه، ترث تراثا بيولوجيا يختلف عن تراث ~~الرجل؛ فإن الحيض يأتيها كل شهر، وهذا الحدث الشهري يحملها على المسارة ~~والمواربة؛ لأنها لا تحب أن تصرح به، وهي حين تكتمه وتختلط بنا تغشى ~~نفسها حال لا نعرفها نحن الرجال، فإن هذا الحيض يحدث تزعزعا ~~هورمونيا، حتى إنها تتقزز وتضيق قبل انطلاق الدم. # ثم كلنا يعرف أن كظوم المرأة كثيرا أكثر من كظوم الرجل؛ لأننا ~~نتسامح مثلا في الانزلاق الجنسي للصبي أو الشاب، ولكننا لا نتسامح ~~بتاتا للفتاة بمثل هذا الانزلاق لخطورته عندها، وفي تربية الأبناء ~~والبنات من المألوف أن نجد الأم تقول لابنتها: «لا تفعلي هذا، هل أنت ~~ولد؟» # وهذه الكظوم العاطفية الكثيرة تحدث توترات نفسية كثيرة عندها، ثم ~~لها ms116 أثر آخر، هو أنها؛ أي: الفتاة، تصد عن كثير من النشاط النفسي أو ~~الذهني الذي يمارسه الشاب، وقد يعزى تأخر الفتاة في العلوم والآداب ~~والتجارة والاختراع إلى كثرة هذه الزواجر التي تتلقاها في صباها ~~وشبابها: «أنت لست مثل الولد، لا تفعلي هذا، لا تفعلي ذاك» لأن كل هذا ~~يؤدي في النهاية إلى أنها - هي نفسها - تقيم لنفسها سدودا تحد من ~~نشاطها، فلا تفكر في هذا الموضوع ولا تمارس هذا النشاط. # ومن هنا نفهم أن الصدمات العاطفية للمرأة أكثر من صدمات الرجل، وأن ~~كظومها في الكامنة أكثر؛ ولذلك أيضا نجد أنها كثيرا ما تتزعزع وتقع ~~في النيوروز؛ أي: جنون العاطفة، أو في السيكوز؛ أي: جنون العقل، ولكن ~~العجب أنها أسرع من الرجل في الشفاء والرجوع إلى الحال السوية. # ولكن هذا الشفاء أو هذه القدرة على التحمل هما صفة عامة في المرأة ~~دون الرجل، وقد سبق أن قلنا: إن الرجل أقوى من المرأة، ولكن إذا ~~اعتبرنا الأمراض والتعمير وجدنا المرأة أقوى من الرجل؛ فإنها تعمر ~~أكثر منه، والأمراض لا تقتلها كما تقتل الرجال، وهذه المتانة الجسمية ~~ترافقها أيضا متانة نفسية إزاء التوترات والمآزق. # اعتبر مثلا الانتحار؛ فإنه برهان على أن النفس قد أفلست أمام ~~الظروف القائمة، ومع ذلك نجد من الإحصاء الذي أصدرته حكومة الولايات ~~المتحدة في 1938 أن عدد المنتحرين كما يلي: # من الرجال # من النساء # أقل من 15 سنة # 42 # 7 # بين 15 و19 سنة # 259 # 175 # بين 25 و29 سنة # 940 # 410 # بين 30 و39 سنة # 2319 # 944 # بين 40 و49 سنة # 2954 # 1020 # وواضح أن المجتمع يكلف الرجل أكثر مما يكلف المرأة، ويعرضه ~~للأزمات النفسية التي تتصل بالنجاح المالي والكرامة الاجتماعية أكثر ~~مما يكلف المرأة التي كثيرا ما يؤدي انفصالها واحتجازها في البيت إلى ~~«انفصال» نفسي من أوزان المجتمع وقيمه؛ ولذلك هو عرضة - اجتماعيا - ~~للانتحار أكثر منها، ولكن حتى مع هذا الاعتبار لا تتمالك الإحساس ~~بأنها أقدر على تحمل الصدمة العاطفية والتغلب عليها. # والجريمة مثل الانتحار في التقدير ms117 السيكلوجي، ولكن في الجريمة أيضا ~~لون العدوان وهو من خصائص الذكر في الحيوان والإنسان أكثر مما هو من ~~خصائص الأنثى، فجرائم الاغتيال في الولايات المتحدة (1399-1940) بلغت ~~من الرجال 1955 ومن النساء 143، والسرقة من الرجال 5273 ومن النساء ~~69. # وهناك خصائص بيولوجية تعين الجريمة؛ فإن الاغتصاب مثلا جريمة لا ~~تستطيع المرأة أن ترتكبها في الرجل؛ لأنه إذا لم يكن في حال التهيج ~~الجنسي فلا يستطيع أن يخدم المرأة، ولكن المرأة على العكس تخدم الرجل ~~وهي مغتصبة، ولذلك فشت الدعارة الحرفية بين النساء دون الرجال. # وقد ذكرنا أن المسارة والمواربة تسودان أخلاق المرأة، وعللنا ذلك ~~بأن المرأة تطالب بكظوم كثيرة لا يطالب بها الرجل، ثم إن الحيض ~~يحملها أيضا على التخفي وتجنب الصراحة، وهذه الحال تغشى كل حياتها ~~النفسية وتجد في إثرها مركبات من الحياء إلى الميل إلى التبصر ~~والتكهن. # وللاتصال الجنسي أيضا أثره في أخلاق الرجل والمرأة؛ فإن العاطفة ~~الجنسية تغشى حياتنا رجالا ونساء، والوضع الذي نتخذه وهو الاستعلاء ~~المادي للرجل والخضوع والاستلقاء من المرأة، كما أن المبادأة من الرجل ~~والاستجابة من المرأة، وكل هذا يؤدي إلى أن الرجل يسير في الحياة بروح ~~عدواني يبادئ المشكلات ولا يتراجع، ويطلب التفوق والسيادة، في حين أنها ~~هي تطلب في الحياة السرور ولا تبادئ بل تتلقى وتستجيب، ثم هذا الوضع ~~نفسه مسئول إلى حد ما عن النظرة المتعالية التي ينظر بها الرجل إلى ~~المرأة، ويجب ألا ننسى هنا أيضا أن الاشتهاء الجنسي في الرجل يختلط ~~بالروح العدواني، وقد يتفاقم هذا العدوان فيؤدي إلى «السادية» أي: ~~الرغبة في إيلام المرأة وقت اللقاء الجنسي حتى يجرحها أو ~~يقتلها. # | الحياة الجنسية # كي نعيش الحياة السعيدة، أو على الأقل الحياة السليمة، يجب أن نعنى ~~بأربعة أشياء هي: # الحياة الجنسية؛ أي: علاقتنا السليمة بالجنس ~~الآخر. # والحياة الحرفية؛ أي: العمل الذي نكسب منه. # والحياة الاجتماعية؛ أي: علاقتنا بالمجتمع والأخذ ~~بمقاييسه وقيمه. # والحياة الفراغية؛ أي: الوسائل التي نقضي بها فراغنا، ~~والهواية أو الهوايات التي نتعلق بها. # وكل نقص في واحد من ms118 هذه الأربعة يشقينا إلى حد ما، وبعض الشقاء الذي ~~نعانيه منها قد يفدح حتى يحدث لنا شذوذا أو جنونا. # وفي مجتمعنا المصري الذي يقضي بحجز المرأة في البيت ويمنع اختلاطها ~~بالمجتمع إلا قليلا، كما يمنع تكسبها واستقلالها، في هذا المجتمع تغدو ~~الحياة الجنسية والزواج بؤرة الاهتمام عندها، أما الرجل فيجد اهتمامات ~~عديدة أخرى، بل هو يستطيع أن يفكر في طمأنينة في أن يعيش أعزب، ولكن من ~~المحال أن تفكر فتاة مصرية مثل هذا التفكير؛ ولذلك تعنى المرأة كثيرا ~~بالتزين، كما أن البيت تكبر قيمته جدا عندها، ويتبع هذا الحمل ~~والولادة، وربما كانت أعظم الكوارث التي تقع بالفتاة عندنا بعد العزوبة ~~القهرية هي العقم التناسلي. # وحفلات الزار تحتاج إليها المرأة دون الرجل، وهي في لبابها محاولة ~~خرقاء لمعالجة الحرمان الجنسي أو الغيرة من الضرة «أو غير الضرة»، أو ~~الرغبة في السيطرة دون الحماة، وجميع هذه الظروف تقريبا خاصة بالمرأة ~~المصرية دون المرأة الغربية التي لا تحتاج إلى الزار. # وواضح من سلوك المرأة في تزينها وتوالي الأزياء لزينتها أو تجميلها، ~~اهتمامها الذي يشبه الهم والمرض بالحياة الجنسية، وفي مجتمع آخر مثل ~~المجتمع الأوروبي؛ حيث تكسب فيه المرأة عيشها، لا يرتفع هذا الاهتمام ~~إلى المقام العظيم الذي يرتفع إليه عندنا؛ ذلك لأنها تقضي يومها وهي ~~عاملة تشغلها شئون عدة، كما أنها تجد الكرامة في هذا العمل، فلا تجوع ~~إلى مقام اجتماعي بالزواج، وكلنا يعرف الثمرات المرة - بل الثمرات ~~العفصة - التي ينتجها الحرمان من الحياة الجنسية في الشذوذات الكريهة ~~التي يقع عندنا فيها الرجل والمرأة معا، وهي تبدأ من العادة السرية ~~إلى حب أحد الجنسين لجنسه دون الجنس الآخر. # ولكل أمة ممارساتها الخاصة بالشئون الجنسية قبل الزواج وبعده، ~~فنحن في مصر نختن الأطفال، وإذا تم هذا الختان قبل إتمام السنة الأولى ~~من العمر فإنه لا يضر النفس، ولكنه بعد هذا السن يجرح الطفل بجرح ~~نفسي؛ إذ هو يتخذ عنده صورة التمزيق لأعضائه، وقد يحدث له في ~~المستقبل مركب نقص، أو اختلال في الوظيفة الجنسية، ms119 أو خوف من التعارف، ~~وخاصة إذا عرفنا أنه ترافق الختان أحيانا كلمات وعبارات تؤلم الطفل ~~وتخيفه، وبعض النساء يلححن في ضرورة الختان للصبيان، حتى ولو لم ~~يكن مسلمات، بروح الانتقام؛ أي: انتقام الصبية من الصبيان الذكور قبل ~~الرابعة أو الخامسة من العمر، وهذا الروح يبقى حتى بعد أن يصرن ~~أمهات، وحتى ولو كان هذا الصبي ابنهن. # وليس هذا مكان البحث في الضرر الذي يصيب الصبية من الختان حين تصير ~~زوجة، ولكن يجب ألا ننسى أن كل تأخير في إتمام التعارف الجنسي بسبب ~~ختان يؤدي إلى ضرر نفسي بالزوجين، وقد منع إخواننا السودانيون عملية ~~جراحية معينة للبنات كانت تؤدي إلى مثل هذه الحال؛ ولذلك يجب على الذين ~~يمارسون الختان أن يكونوا من الأطباء، وأن يبصروا بمستقبل الفتاة حين ~~تصير زوجة. # ويجب ألا يفهم الصبي، إذا كان الختان قد تأخر إلى السنة الثانية أو ~~الثالثة من العمر، أننا ننوي قطع عضو التناسل، ويجب ألا تقال له كلمة ~~يشم منها هذا المعنى؛ لئلا ينغرس في كامنته (عقله الكامن) هذا الوهم، ~~فيصاب بالعنة وقت الزواج، ويجب ألا نثير اهتمامه أو نحدث له ألما في ~~هذه العملية، حتى لا يلتفت كثيرا إليها فيذكرها، ويكون بمثابة من ~~أجريت له عملية في الكبد أو الكلية يفتأ يذكرها ويتحسس مكانها ~~ويفكر في حالها. # وهناك عادات نمارسها وقت العزوبة؛ فإذا تزوجنا عجزنا عن ~~التخلص منها، مثال ذلك ما أشار إليه ليون بلوم الرئيس السابق للوزارة ~~الفرنسية في كتاب له حيث يقول: إننا وقت العزوبة نشتري اللذة الجنسية ~~بنقودنا من المومسات، فلا نبالي أن نتفق نحن وشريكتنا في ميعاد الإتمام ~~للقاء الجنسي، ثم تثبت هذه العادة؛ فإذا تزوجنا لازمتنا وأحدثت تنافرا ~~جنسيا. # الحياة الجنسية تحتاج إلى الاستعداد لها منذ الطفولة، ويجب أن نهنأ ~~بها، فلا يوقعنا أهلونا ولا نقع نحن في أسلوب نفسي سيئ يكون ~~أسلوبنا الجنسي بعضه، وهذه الشذوذات مثل السادية؛ أي: القسوة مع ~~الجنس الآخر وقت التعارف، أو المازوكية؛ أي: حب التألم مع الجنس الآخر ~~وقت التعارف، كلاهما ms120 أسلوب جنسي هو بعض الأسلوب النفسي الذي نتبعه في ~~العائلة والمجتمع، والعادة أننا نتخذ وجهتنا الحرفية من الأب فيتكون ~~لنا مزاج ذهني مثل مزاجه الذهني، ولكن القيم والعادات الاجتماعية ~~كثيرا ما نتخذها من الأم، وكل هذا يتم تقريبا في السنوات الخمس أو ~~الست الأولى من العمر؛ ومن هنا الصعوبة في تغيير عاداتنا ووجهاتنا ~~ومزاجنا وقيمنا ومقاييسنا وعقائدنا، ولكل منا حظه في هذا؛ إن شقاء ~~وإن سعادة. # والحياة الجنسية الصالحة يجب أن يكون هدفها الزواج السعيد، وهذا ~~الزواج يحتاج إلى أن ينشأ على المساواة بين الجنسين، وإلى أن يحس ~~الزوجان أنهما متكافئان، وكل هذا يستدعي إشعار الأطفال بالمساواة ~~والتكافؤ منذ السنين الأولى من العمر، لا فرق بين طفل وطفلة، ويجب أن ~~يكون التعليم لهذا السبب مشتركا في جميع المراحل تقريبا، ويحتاج إلى ~~أن تكون وجهة الحياة للمرأة كوجهتها للرجل سواء، ليس هذا للكسب والعمل ~~وتلك للبيت والمطبخ؛ لأن الغاية الأولى لكل منهما يجب أن تكون تكوين ~~الشخصية وترقيتها. # ويجب ألا يتعود الشاب عادة جنسية سيئة؛ لأن مثل هذه العادات تثبت ~~ويشق الإقلاع عنها بعد ذلك في الزواج؛ ومن هنا الضرر الفادح من ~~البغاء؛ لأن الشاب لا يتعارف بالبغي ولكنه يفسق بها، وهو بهذا يفسق ~~بغريزته الجنسية وبالحب وبجنس النساء عامة. # والتعارف الجنسي يجري بين الآدميين وجها لوجه، وليس كما هو بين ~~الحيوانات وجها لظهر، ويجب أن يكون في هذا الوضع البشري الخاص عبرة ~~للمساواة والتكافؤ، وأن التعارف الجنسي ليس شهوة نارية، وإنهما هو ~~تحاب ومؤانسة ومساواة وتعاون. # وكي نسعد بالحياة الجنسية والمعيشة الزوجية يجب أن: ~~(1) # نتعلم فن الحب والتعارف الجنسي، فكما أن المائدة ليست ~~لالتهام الطعام فقط؛ بل للمؤانسة والمباسطة، كذلك يجب ألا ~~يكون الحب شهوة فائرة سرعان ما تنطفئ، فلهذا يجب أن يكون ~~أساس التعارف الجنسي التعاون، هذا التعاون الذي لا يمكن ~~مجتمعا صغيرا كالعائلة أو كبيرا كالأمة أن يعيش بدونه ~~إلا مع الضرر العظيم. ~~(2) # يجب أن يبتعد الزوج عن اعتبار الزواج كأنه مسرة له خاصة، ~~ويجب ألا يمارس أي ms121 عمل من شأنه أن يؤدي إلى هذا. ~~(3) # يجب أن يتجنب المباراة بينه وبين زوجته، ونعني المباراة ~~بأنواعها المختلفة في أولوية الرأي أو غير ذلك؛ لأن الزواج ~~تعاون وزمالة بين متكافئين، وليس شركة بين رئيس ~~ومرءوس. ~~(4) # يمكن أن يكون الحب ثمرة الزواج وليس سببا للزواج، ~~وعندئذ يصير الحب كالصداقة ينمو ويزداد؛ أي: يجب عندما ~~يختار الشاب خطيبته ألا يتساءل: هل أنا أحبها الآن؟ بل ~~يسأل أيضا: هل أستطيع أن أحبها بعد سنتين ويزداد حبي لها ~~أم يتناقص؟ # | الحياة الاجتماعية والحياة الحرفية # يحدث لنا المجتمع الذي نعيش فيه عادات تقارب أو تشبه ~~الغرائز الطبيعية، وأغلب الظن أن الإنسان ليس اجتماعيا بفطرته؛ أي ~~إنه لم يكن وقت بداوته يعيش جماعات كما نرى في جماعات البقر والجاموس ~~والفيلة والغزلان، ولكنه تطبع بالاجتماع عقب الزراعة أو قبل ذلك ~~بقليل؛ ولذلك فإننا نتألم من مخالفة العادات الاجتماعية واعتقادنا بأن ~~المجتمع يحتقرنا، بل أحيانا تصير العادة الاجتماعية - كما قلنا - قريبة ~~جدا من الغريزة الطبيعية، حتى إننا لنشمئز أو ننفر من المخالفين ~~لعاداتنا، أو نقاتلهم إلى الموت، وليس التعصب الديني مثلا سوى عادة ~~اجتماعية انقلبت إلى عقيدة تشبه الغريزة. # تأمل حال سيدة اتضح لها أن فستانها لا يتفق مع الزي الجديد، أو ~~حال أحدنا نحن الرجال، إذا كان قاعدا في الترام أو القطار، واتضح له ~~بعد نظرات مؤسفة من القاعدين أن زر طربوشه يتدلى من الأمام، أو حال أحد ~~شيوخنا حين يطل من النافذة في القطار وتطير عمامته، أو حال الصعيدي ~~في قنا إذا قيل له: إن بنت خالته تحب فلانا، أو حالنا إذا علمنا مثلا ~~أن الجزار الذي كنا نشتري منه اللحم كان يبيعنا لحم الحمار باعتبار أنه ~~من الضأن، أو حالنا حين نسمع أحد البوذيين وهو يعظ ويقول: إن ليس هناك ~~نعيم أو جحيم، أو تأمل دهشة المستر تشرشل زعيم حزب المحافظين في ~~بريطانيا، بل ألمه وحنقه حين يقال له: إن الهنود بشر ولهم الحق في ~~الاستقلال مثل الإنجليز. # فنحن هنا إزاء عادات اجتماعية قد شابهت ms122 الغرائز الطبيعية وصارت لها ~~قوتها، بل أحيانا تزيد قوة العادة الاجتماعية على الغريزة الطبيعية، ~~كما نرى مثلا في عجز كثيرين من الناس عن التبول في المباول العامة؛ ~~لأنه غرس في نفوسهم منذ الطفولة أنهم حين يحتاجون إلى التبول يجب ~~عليهم أن يعتزلوا وينفردوا، وأن يخجلوا من رؤية أحد لهم. # فالمجتمع الذي نعيش فيه يحوطنا بعادات نفسية وذهنية حتى ننتهي بأن ~~نطلب الكرامة الشخصية باسترضائه والنزول على جميع عقائده وعاداته ونخشى ~~المخالفة ونتجنبها، وصحيح أن هناك مخالفين، ولكن هؤلاء ثائرون، وهم ~~يعرفون أنهم قد خالفوا عادة أو عقيدة؛ لأنهم رسموا لأنفسهم صورة أعلى ~~من الصورة التي رسمها لهم المجتمع، وهم بالطبع يقبلون الاضطهاد عن ~~رضى لهذا السبب. # والمجتمع يرسم لنا صورة نحافظ عليها ونصونها من التغيير، وهذه الصورة ~~هي أعظم الأسس للضمير الشخصي، فنحن لا نسرق أو نغتال أحدا ولا ~~نزور ولا نزني، لا لأن القوانين تعاقبنا فقط إذا فعلنا هذه ~~الأشياء؛ بل لأن لكل منا صورة اجتماعية عن نفسه قد ارتسمت في نفسه، ~~فهو يرى نفسه محترما له كرامة إذا نزل على رأي المجتمع وعقائده، ~~ومحتقرا إذا خالف. # فنحن نعيش في مصر في مجتمع اقتنائي يطالب كل فرد بأن يقتني ~~شيئا؛ أي: يدخر مالا أو يشتري عقارا، بل وحتى يقتني زوجة؛ ولذلك نجد ~~لتحقيق هذه الأهداف، مع أن كثيرا منها غير طبيعي؛ أي: غير بيولوجي، بل ~~نستطيع أن نقول: إن بعض الناس يتزوجون لا لحاجة بيولوجية، بل لحاجة ~~اجتماعية؛ لأنهم يرون أن العزوبة لا تهيئ لهم الكرامة الاجتماعية ~~التي يهيئها لهم الزواج، وكثير من أطماعنا - إن لم نقل جميعا - ~~اجتماعي وليس بيولوجيا، وأحيانا حين نخيب في تحقيقها نصاب بشذوذ أو ~~حتى جنون، كما يحدث لرجل كان يملك ألف جنيه فقد نصفها في ~~البورصة، أو لفتاة خاب رجاؤها في الزواج، أو لشاب لم يحصل على ~~الوظيفة المتمناة، أو لشاب آخر رسب في الامتحان المدرسي أو ~~الجامعي. # فهنا قيم ومقاييس اجتماعية صارت لها قوة الغرائز الطبيعية، وهي ~~تحدث لنا إحساسا وتفكيرا واتجاها ms123 تعين جميعها سلوكنا ونتحمل ~~المشاق، بل أحيانا الإفلاس كي نتمتع بها، كما يحدث مثلا عند أحد ~~الآباء، يستدين ويسرف على زواج ابنته كي «يظهر» وينال إعجاب المجتمع، ~~وقد يؤدي هذا «المظهر» إلى إفلاسه، ونحتاج إلى وجدان يقظ وعادات ~~موضوعية في التفكير؛ كي نخالف هذه العقائد الاجتماعية، ونحن لا نسعد ~~تماما بهذه المخالفة. # فحياتنا الاجتماعية السوية ضرورية لسعادتنا، ووصفها بالسوية هنا ليس ~~له من المعنى أكثر من النزول على القيم والمقاييس والصور التي رسمها ~~لنا المجتمع، أو بالأحرى: طبقة المجتمع التي ننتمي إليها. # وحياتنا الحرفية كذلك تكسبنا الكرامة الاجتماعية، والشاب الذي ~~يخيب في الحصول على عمل منظم يكسب منه يحس هوانا عظيما ~~لا يقل عما تحسه الفتاة التي تخيب في الحصول على زوج، وفي مجتمع ~~اقتنائي كالذي نعيش فيه يجد الوارث الكرامة التي يجدها الموظف؛ بل ~~أكثر. ولكن للحرفة ميزات سيكلوجية أخرى؛ لأنها تكسب النفس نظاما ~~وأخلاقا، وهي تكون شخصية للمحترف المسئول، وكل هذه الفصائل لا يجدها ~~الوارث إلا إذا كان يستغل عقاراته بنفسه، وهو عندئذ لا يكون وارثا ~~فقط؛ بل يكون محترفا أيضا. # وخلاصة القول: إنه كي نعيش على وفاق مع أنفسنا وعلى وفاق مع المجتمع ~~يجب أن نعنى: ~~(1) # بحياتنا الجنسية التي يجب أن تكون سليمة من الشذوذات، ~~كما يجب أن يكون هدفها الزواج، هذا الزواج الذي ننشد فيه ~~الرفيقة الصديقة كي يصير الحب بين الزوجين متكافئا، ليس ~~فيه استغلال أحدهما للآخر. ~~(2) # بحياتنا الاجتماعية، فننزل على قيم المجتمع ومقاييسه ~~ونجري في مضماره، وهذا بالطبع كلام للعاديين، ولكن هناك ~~الفذ الذي لا يباليه، لأنه فذ، ولأنه يرسم صورة أخرى ~~للمجتمع أرقى من الصورة القائمة، وهو يضحي بكراهة هذا ~~المجتمع أو باحتقاره له. ~~(3) # بحياتنا الحرفية، ويجب أن نختار الحرفة التي نحبها ~~ونستطيع الارتقاء المالي أو الاجتماعي أو الذهني عن ~~سبيلها؛ أي: يجب أن تكون الحرفة ارتقائية، نتحرك بها إلى ~~الأمام ونرتقي فيها بتقدم السن، ولا نقف فيها جامدين نخرج ~~منها في الستين أو السبعين كما دخلنا فيها أيام ~~الشباب. ~~(4) # وأخيرا؛ يجب أن ms124 نعنى بحياتنا الفراغية؛ أي: بفراغنا؛ ~~لأن لكل منا فراغا يستطيع أن يستغله لترقية شخصيته ~~ويعوض عن سبيله ما لم يتحقق في حياته الجنسية أو ~~الاجتماعية أو الحرفية، واستغلال الفراغ يقتضي تعدد ~~الاهتمامات بالتعلق بهواية ما، أو بالاستطلاع الدائم ~~للمعارف واكتسابها، ومعظم نسائنا يتعسن أنفسهن بالقيل ~~والقال وأكل اللب؛ لأنهن لا يستمتعن بالاهتمامات الكثيرة ~~التي تشغل الرجال! # | حياتنا الفراغية # في وسطنا المتمدن يكثر الفراغ، حتى إن موظف الحكومة في القاهرة ~~مثلا يستطيع أن يجد كل يوم بعد طرح ساعات العمل والنوم والغذاء ~~والرياضة نحو ثماني ساعات هو فارغ فيها لا يجد ما يشغله، وهناك بالطبع ~~غير الموظفين ممن يعملون مستقلين في التجارة أو الصناعة، وقد يجدون مثل ~~هذا الفراغ أو أقل أو أكثر. # ونحن ننظر إلى الفراغ هنا من الناحية السيكلوجية فقط؛ أي: من ناحية ~~استعماله للتعويض من النقص في حيواتنا الثلاث: الجنسية والاجتماعية ~~والفراغية، ذلك أننا - على الرغم مما نبذل من عناية وجهد كي ننتفع ~~ونستمتع بهذه الثلاث - نجد فيها ألوانا من النقص تحدث لنا كظوما ~~ترهقنا وتؤذينا وتؤخرنا؛ فإذا استخدمنا فراغنا فيما نرتاح إليه من ~~هواية نتعلق بها، كدراسة لموضوع مفيد، أو صناعة يدوية ننفس بها عن ~~كظم ونجد فيها فنا يرقى بنا أو نحو ذلك؛ فإننا لن نضيق بما نجد ~~من معاكسات وصدمات في الوظيفة التي نحترف، أو في متاعب البيت أو في ~~المجتمع. # ولهذا يجب أن يكون لكل منا هواية تخفف عنه هذه الكظوم، وفي الوقت ~~الحاضر كثيرا ما نجد الزوج يهرب من بيته؛ لأنه يجد زوجة راكدة لا ~~تماشيه في نشاطه ومثلياته، أو يهرب من المنزل لضوضاء الأطفال، بل ~~أحيانا يهرب لأن له جارا لا يبالي أن يملأ الجو المحيط بصخب المذياع ~~وأغانيجه ونهيقه، وواضح أن العلاج الأصلي هو العلاج المباشر بترقية ~~الزوجة وتنشيط ذهنها واختيار منزل حسن في بقعة راقية يعرف سكانها ~~قيمة السكينة، وتربية الأطفال وإيجاد السلويات والملاهي الحسنة لهم، ~~ولكن إذا اتضح بعد مجهود معين أن هذه المحاولات لم تنجح النجاح ~~الكامل، فإن ms125 الزوج يجب أن يخلو إلى نفسه من وقت لآخر؛ أي: مدة فراغه، ~~وأن يمارس عملا يهواه فتنفرج توتراته، هذه التوترات التي لا يصح أن ~~تنفرج بالخمر أو بألعاب الحظ السخيفة في القهوة. # ولكن الخيبة في الحياة الزوجية يجب ألا تؤدي إلى الفرار منها إلا ~~وقتيا، ويجب الاستمرار على معالجتها بإحالة البيت إلى مجتمع راق ~~يكثر فيه الضيوف من الأصدقاء والصديقات الذين يستطيعون أن يحركوا أعضاء ~~البيت الراكدين إلى الرقي الثقافي والاجتماعي. # وكثيرا ما يخيب أحدنا في حياته الحرفية؛ لأن الحرفة وقعت له ~~بالمصادفة فكانت كالشر اللازم يحترفها لما فيها من كسب فقط، وقد يجد ~~من ممارستها مضضا كما يجد ألما من غطرسة الرؤساء، وبعيد أن يستطيع ~~هو إصلاح هذه الحال، وهو إذا استخدم فراغه في عمل يحبه، أي: ~~هواية يتعلق بها، فإن توتراته التي تحدثها له الحرفة وما يجد من كظوم ~~في نفسه لأنه يمارس عملا يكرهه تنفرج؛ لأنه يمارس بهوايته عملا يرغب ~~فيه بنفسه وعقله، ومثل هذه الهواية ينتفع بها كثيرا عندما يبلغ سن ~~الستين ويحال على المعاش؛ لأنه لا يجد نفسه عندئذ عاطلا، بل يجد في ~~هذه الهواية عملا يبعث نشاطه ويصون كرامته ويشغل كل وقته تقريبا، بل ~~تصير هذه الهواية عندئذ كأنها عمر جديد. # وما نجد من نقص في حياتنا الاجتماعية كذلك نستطيع أن نصححه بحياتنا ~~الفراغية، كأن ننتمي إلى حزب سياسي، أو نتابع دراسة معينة، أو نتخير ~~الأصدقاء ونحرص على صداقتهم ونمارس نوعا من البر أو الكفاح نعرف قيمته ~~ونرتاح إليه، وكثيرا ما يكون مرجع النقص في الحياة الاجتماعية جهلنا ~~للسياسة العامة وأميتنا الصحفية؛ حتى إننا نقرأ الجريدة ولا ندري ~~مغزى الأخبار؛ ولذلك يجب أن يكون لقراءة الجرائد والكتب الشأن الأكبر ~~في رقينا الاجتماعي، كما يجب أن تكون بيوتنا بأثاثها متاحف يجد ~~فيها الضيف الصورة الحسنة والآنية الجميلة الأثاث الفني، كما يجد ~~الضيافة المستنيرة التي لا يحشد فيها الطعام والشراب، كأن البيت ~~مطعم، بل يكثر فيها الفن والثقافة، وإذا لم يكن هذا مستطاعا حتى مع ~~المثابرة ms126 في إيجاده؛ فإن الهواية تستطيع أن تعوض هذا النقص. # والمهم أن نعرف أن حياتنا النفسية السليمة تقتضي منا العناية بالبيت؛ ~~أي: الزوجة والأولاد والحياة الجنسية، كما تقتضي العناية بالمجتمع ~~وبالحرفة، ثم العناية بالفراغ. # | السعادة # يختلف معنى السعادة عند الناس باختلاف ذكائهم وثقافتهم؛ فالسعادة عند ~~العامي هي أن يجد - على الدوام - الإشباع لعواطفه؛ أي: طمأنينة من ~~الخوف والمرض وشبعا من ناحيتي الطعام والجنس وما يتبع هذا من توافر ~~المال والسلطة والوجاهة. # ولكن السعادة في لبابها هي الوجدان؛ أي: زيادة الفهم لأنفسنا ولغيرنا ~~من البشر وللدنيا وللكون، وكلما ازددنا وجدانا ازددنا سعادة، حتى ولو ~~كان هذا الوجدان مؤلما؛ لأننا ننظر عندئذ بعقل حساس وقلب ذكي، نعقل ~~لأننا نحس، ونحس لأننا نعقل، وفي كلتا الحالتين نستمتع بالفهم، ~~وعندئذ يصير للحياة معنى لا يجده ولا يقاربه من يقنع بإشباع ~~عواطفه. # وفي الاعتبار السيكلوجي نقول: إن السعيد هو السوي الوجداني. # وفي الاعتبار السيكلوجي أيضا نقول: إن الشقي هو النيوروزي ~~العاطفي. # وفي مجتمعنا الحاضر نحتاج إلى العناية بالزواج (والعائلة) وبالمجتمع ~~وبالحرفة، وأخيرا بالفراغ، ومتى عنينا بهذه الأشياء الأربعة وجدنا ~~فيها جميعها الوسيلة إلى التوسع الثقافي، فتتسع بذلك آفاقنا ويزداد ~~وجداننا. # والسعيد هو الذي يرتبط بالمجتمع بروابط كثيرة فيحس مسئوليات ~~اجتماعية تحمله على أن يكون مفيدا للمجتمع، كما تحمله على تقبل ~~الصعوبات، وعلى أن يدرس المجتمع، وعلى أن يمتاز بشجاعة اجتماعية، وهو ~~لهذه الأسباب يجب أن يكون غيريا يؤثر مصالح الغير. # والشقي هو الذي يبتعد عن المجتمع ويكره خدمته لأنه أناني، وهو ~~يجبن عن تحمل المسئوليات، فيغدو عقيما انعزاليا لا ينفع أحدا، ~~وهو في انعزاله وكراهته للمجتمع لا يفكر في ترقية ذهنه بالثقافة؛ لأن ~~الثقافة في لبابها اجتماعية فينقص عنده الوجدان وتزداد عاطفيته. # والسعيد ينمو؛ لأنه اجتماعي يحوي ما حوله بالذهن والعمل والدراسة ~~والخدمة، ونظرته مستقبلية تطورية ينسى الهموم؛ لأنه يحلها أو ~~يهملها. # والشقي لا ينمو؛ لأنه انعزالي قانع بعواطفه يجترها ويتغذى بها، وهو ~~لا يدري ولا يعمل ولا يخدم، ونظرته إلى الماضي تقف عند حادثة في ms127 حياته، ~~فيلصق بها ويجعل منها بؤرة للهم الدائم العقيم، يفتأ يذكرها ويعطل بها ~~جميع مواهبه بذكرها، السعيد نشيط وجداني موطري متفائل، له هدف مستقبلي، ~~دائم الحركة الذهنية والجسمية، والشقي راكد عاطفي ساكن متشائم، لا ~~يتحرك إلى المستقبل؛ لأنه مقيد بالماضي، وهذا القول يصح عن الأمم ~~كما يصح عن الأفراد. # والسعيد صريح سافر مستقيم الأخلاق في ضوئه النفسي. # والشقي متستر سري معوج ماكر، له وجهان أو ثلاثة ~~وجوه. # والسعيد مجاهد يطلب ترقية ذهنه ونفسه وعائلته ومجتمعه، يؤمن بديانة ~~ما قد استقر عليها بوجدانه. # والشقي جامد لا يرقي نفسه أو مجتمعه أو عائلته، ليس له دين، أو ~~هو لا يعرف من الدين سوى الممارسات العقيدية اليومية المألوفة. # وقليل من التحليل للأخلاق ينير بصيرتنا؛ فإن الصراحة مثلا تخدم ~~الصحة النفسية؛ لأننا لا نتحمل مجهود الإخفاء الذي يتحمله المنافق ~~الموارب، والرقي والتطور بالدراسة والخدمة يملآن النفس سرورا، وهما ~~يحركان النشاط ويصونان الصحة النفسية والجسمية؛ ولذلك فإن الكذاب ~~والغشاش والمنافق والماكر، كل هؤلاء يتعبون؛ لأنهم يتحملون مجهودا في ~~ستر أشياء لا يحتاج إلى سترها الأمين المخلص، والجامد الذي لا يرتقي ~~ولا يتطور يحس تشاؤما ملازما؛ لأنه لا يجد مغزى لحياته. # والمتدين الذي سكن إلى ديانة حسنة وصل إليها بمجهوده - وليس بتقاليده ~~- ينتقل في سلوكه وتصرفه من العاطفة إلى الوجدان، فهو يفكر أكثر مما ~~ينفعل، في حين أن ذلك الآخر الذي لم يسكن إلى ديانة حسنة، قد وصل إليها ~~بمجهوده، بل قنع بالممارسات المألوفة، يبقى على المستوى العاطفي، يكره ~~أكثر مما يحب، ويتعصب ويغالي بلا روية. # والتدين كالغناء واللحن؛ إما عاطفة وإما وجدان؛ فالرجل الذي ربي نفسه ~~وارتقى يحب الأغاني والألحان الوجدانية التي لا تكاد ترتبط بعاطفته، أو ~~هو يرى على الأقل أن هذه العاطفة ليست جنسية؛ فالأغاني والألحان عنده ~~ليست أغانيج، ونحن حين نستمع إلى باخ أو بيتوفن لا نحس أية يقظة ~~جنسية، ولكننا نحس هذه اليقظة عندما نستمع إلى العامة، أو بالأحرى ~~الغوغاء من المغنين والموسيقيين في أوروبا، ونحسها في جميع ~~المغنين والموسيقيين في ms128 مصر تقريبا، بل إني لأستمع أحيانا إلى ~~مغن مصري في المذياع فأجد أنه يغنج كالنساء، وهكذا الشأن في جميع ~~الفنون؛ فإنها تخاطب العواطف عند العامة، وتخاطب الوجدان عند الخاصة ~~المثقفة، وقد شرع الرسم يتجه نحو الوجدان في السنين الأربعين ~~الأخيرة. # والمتدين كذلك قد يعتمد على العواطف؛ لأن له عقائد جامدة كثيرا ما ~~تؤدي إلى الفساد الروحي كالتعصب مثلا، ولكن المتدين الذي يعتمد على ~~الوجدان إنما ينمو بالمعارف والتفكير ولا ينقطع نموه طوال ~~الحياة. # ويرى القارئ أني هنا أؤكد قيمة الوجدان في السعادة، وأعزو الشقاء إلى ~~تسلط العواطف، وهذا هو ما انتهيت إليه، ولكن ربما يحتاج القارئ إلى رأي ~~آخر؛ ولذلك أعرض عليه تفسيرات أخرى وضعها السيكلوجي العظيم أدلر ~~يجد أنها تحليلية أو توضيحية للسعادة، وهي: ~~(1) # نحن في طفولتنا يغمرنا عجز ونقص كلاهما يعين لنا ~~طرازا من السلوك يلازمنا طوال حياتنا، كما يعين ~~أهدافا نتجه إليها بنشاطنا. ~~(2) # إذا كانت هذه الأهداف التي تكونت لنا في الطفولة ~~بعيدة التحقيق، فإننا نشقى بها طوال حياتنا؛ لأننا لن ~~نحققها. ~~(3) # وواضح أن الهدف وطراز السلوك يتكونان - مدة الطفولة ~~على سبيل التعويض - من نقص الطفولة وعجزها قبل اكتمال ~~القوى العقلية الناقدة؛ ولذلك يرسخان ويشق التخلص ~~منهما. ~~(4) # إذا كان هذا الهدف وهذا الطراز للسلوك مخالفين لقواعد ~~المجتمع فإننا نشقى بهما. ~~(5) # يحدث أحيانا أننا ننقح الهدف أو الطراز، ولكن من ~~الشاق جدا التخلص منهما؛ لأن جميع عواطفنا معبأة ~~لخدمتهما. ~~(6) # مجموع الوسائل التي نتخذها في تحقيق الهدف والطراز ~~يكون شخصيتنا. ~~(7) # كل إنسان ينشد السعادة يحتاج إلى المجتمع، فيجب أن ~~تكون حياته اجتماعية. ~~(8) # كي نأتلف مع المجتمع ونسعد به يجب أن نحل ثلاث مشكلات ~~هي: المشكلة الجنسية بالحب والزواج والعائلة، والمشكلة ~~الاجتماعية بالاتصال بالمجتمع والاهتمام بشئونه وخدمته ~~وترقيته، والمشكلة الحرفية التي نكسب منها عيشنا «وقد ~~زدنا نحن هنا مشكلة الفراغ». ~~(9) # السعادة هي أن يكون الإنسان كاملا (وقد يصح التنقيح هنا ~~بأن نقول: إن السعادة ليست الكمال، ولكنها محاولة ~~الكمال). # وليس المعنى من كل ما ذكرنا أننا لن نشقى إذا اتبعنا ms129 هذه القواعد، ~~وإنما نعني أننا نكون أقرب إلى السعادة إذا اتبعناها، وفي هذه الدنيا ~~شقاء لا يستطاع استبعاده بأية قواعد، كالأم تفقد ابنها، أو أي إنسان ~~تقع به حادثة تحرمه من أعضاء ثمينة، أو المعيشة في مجتمع فاسد يؤمن ~~بعقائد سيئة أو يخضع لسلطان فاجر أو نحو ذلك، فنحن هنا نشقى، ولكن هذا ~~الشقاء يخف إذا تلقيناه بالوجدان، ويثقل إذا تلقيناه بالعاطفة، ~~وقد نستطيع معالجته وإصلاحه في الحال الأولى، أما في الحال الثانية ~~فلا علاج، ثم ماذا نقول في عامل يعول نفسه وزوجته وأولاده ثم تزدحم ~~السوق بالبضائع فيقفل المصنع ويطرد عماله أو بعضهم؟ فيجد هذا العامل ~~نفسه عاطلا عاجزا عن شراء القوت، هل نوهمه بالسعادة وهو في أشقى ~~الشقاء؟ # وفي مثل هذه الحالات لا تتعلق السعادة بالفرد وإنما تتعلق بالمجتمع؛ ~~ومن هنا صار أدلر السيكلوجي العظيم اشتراكيا يطلب توفير العمل والكسب ~~لجميع الناس. # وأخيرا نقول: إن السعادة تختلف عن السرور، الأولى فكرية والثاني ~~مادي، فنحن نسر بالطعام أو الشراب أو المسكن أو الأتومبيل أو ~~المنصب العالي أو الأبهة، ولكن كل هذه الأشياء لا تسعدنا؛ لأننا إنما ~~نسعد بالفكرة؛ أي حين نكافح من أجل تحقيق غاية نعتقد أنها سامية نافعة، ~~أو حين نخدم شأنا له قيمة تتجاوز ذواتنا كالأم تخدم طفلها وتنشد فيه ~~رجلا، وكالمؤمن بدين يحاول نشره على الرغم مما يعترضه من صعوبات، ~~وكالداعية إلى إصلاح اجتماعي معين، فكل هؤلاء سعداء يرضون عن ~~ألوان من الحرمان والبؤس لا يطيقها غيرهم؛ لأن سعادتهم في الفكرة التي ~~يخدمونها. # | وسائل عملية للسعادة # كلمة السعادة من الكلمات المشتبهات التي يختلف كثيرون في معناها، فهي ~~عند البعض ثراء يغني عن الكد، وعند آخرين قناعة تغني عن الثراء ~~والكد معا، وعند فريق ثالث شهوات لا تنطفئ، إلخ. # ولكن عندما نتأمل الأحوال الاجتماعية التي نعيش فيها، نجد أننا ~~مرتبطون بتبعات يلقيها علينا المجتمع من حيث لا يأمر بالتنفيذ ولا ~~يعاقب عند الإهمال ولكنه؛ أي: المجتمع، يندس في قلوبنا ويعين لنا ~~ميولا واتجاهات، ويخلق في ضمائرنا رغبات ms130 وشهوات نحس الابتئاس ~~العظيم إذا نحن أهملناها أو عجزنا عن تحقيقها. # ولكل مجتمع أهدافه التي يعين بها معاني الكرامة والضعة، والعظمة ~~والخسة، والتفوق والتخلف. # فقد كان مجتمعنا - إلى وقت قريب - يجعلنا أو يجعل الكثيرين منا ~~يبتئسون لأنهم لم يحصلوا على رتبة بك أو باشا، كما كان هناك كثيرون من ~~أثرياء الأرض الذين كانوا يحسدون أثرياء آخرين غيرهم؛ لأنهم هؤلاء ~~يملكون ألف فدان، أما هم فلا يملكون سوى ثمانمائة فدان. # وقد تغير مجتمعنا وتغيرت أهدافنا، فليس منا من يقول: إنه لن يكون ~~سعيدا إلا إذا حصل على ألف فدان؛ لأن قصارى ما يصبو إليه هو مائتا ~~فدان. # ونعني بهذا المثل أن المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان يعين له ~~أهدافه ووسائله، بل يحددها، وهو بهذا التغيير أو التحديد، يعين ~~أخلاقه ونوع السعادة التي ينشدها أيضا، بل يعين رذائله ~~وفضائله. # ولكن هناك مبادئ عامة لكل المجتمعات، تتطلب من الفرد أخلاقا معينة ~~وهي - كما قلنا - لا تفرض عقوبة للمخالفين، ولكنها - لقوة الجو ~~الاجتماعي الذي نعيش فيه - تجعل هذه الأخلاق أو الاتجاهات حتمية، حتى ~~لقد ينتحر أحدنا إذا أحس عجزا عن تحقيقها. # وهذا التحقيق هو السعادة، وعلى قدر ما نحقق من هذه الأهداف والأخلاق ~~يكون مقدار سعادتنا. # وكيما نسعد في حياتنا يجب أن تتحقق هذه الأهداف الأربعة: ~~(1) # مرتزق نعيش منه بما ننتج للمجتمع. ~~(2) # كرامة اجتماعية أو مقام اجتماعي نحس به أننا ~~محترمون. ~~(3) # حياة زوجية سليمة. ~~(4) # تجدد؛ أي: تطور. # هذه هي الأهداف الأربعة التي يقول بها السيكلوجيون، وأيما نقص فيها ~~قد يؤدي إلى انحرافات خطيرة أو خفيفة، وقد تكون هذه الانحرافات جريمة ~~نقع فيها، أو شذوذا نفسيا قد يصل بنا - أو لا يصل - إلى الجنون؛ فإن ~~العاجز عن الارتزاق قد يسرق ويأثم، وأحيانا نجد من ينتحرون لأن ~~كرامتهم الاجتماعية قد أهينت، وكذلك الحياة الزوجية إذا فسدت فإنها ~~تؤدي إلى ضروب من الشقاء، من الطلاق إلى الهجران، إلى غير ذلك، وأخيرا ~~نجد أن الرجل الراكد الآسن الذي يرفض التطور يعاني سأما، ويجد كل شيء ~~ماسخا في الحياة. ms131 # وهذا كلام موجز عام نحتاج إلى شرحه. ~~••• # فإما الارتزاق فيعد في أول الشروط للسعادة، ونعني القدرة على ~~الارتزاق بالإنتاج، وهذا يطالبنا بأن نكون على شيء من المهارة الفنية ~~التي يحتاج إليها المجتمع. # ولكل مجتمع مهاراته المختلفة التي يحتاج إليها، فقبل نحو خمسين سنة ~~حين كنت صبيا كنت أعرف أحد الأثرياء المحترمين الذين جمعوا ثراءهم ~~لمهارة فذة هي ركوب الخيل والحمير وتعليمها، وقد تغير مجتمعنا فلم تعد ~~تصلح هذه المهارة لضمان الكسب والثراء، وكذلك الشأن في مهارات مختلفة ~~عبثت بها حكومتنا، أو هي دعت إليها وعلمت الشبان في الجامعات الأوروبية ~~لتحقيقها، حتى إذا نجحوا في تحقيقها لم تجد فيم تستخدمهم، واضطرت لذلك ~~إلى أن ترزقهم من حيث لا يمتازون بمهارة خاصة، فابتأسوا. # ولكن العبرة أن نتعلم مهارة خاصة تكون وسيلتنا للعيش الشريف الذي لا ~~نحتاج فيه إلى الرجاء أو التوسل، ثم هذه القدرة على أن ننتج عملا ~~يحتاج إلى مهارة، هي في النهاية وسيلتنا إلى الكرامة الاجتماعية التي ~~نتوخاها، بل هي مقياسنا الذي نقيس به صلاحنا وسعادتنا. # والكرامة الاجتماعية هي شيء كبير جدا في سعادتنا، وهي بالطبع تختلف ~~بين بيئة وبيئة وبين مجتمع ومجتمع؛ فهناك ما يملكه أحدنا من ~~أفدنة، أو ما يحوزه من ألقاب علمية، أو ما يؤلفه من كتب، أو ما ~~يشفي من مرض إذا كان طبيبا، أو ما يكسب من قضايا إذا كان محاميا، ~~إلخ. # وأعظم رجل في مصر في أيامنا محمد نجيب، لا يملك قيراطا من الأرض، ~~ومع ذلك ترتفع كرامته إلى أعلى مستوى، وهو بذلك سعيد؛ إذ هو قد وجد ~~ميدانا آخر للكرامة لا يمت إلى ثراء أو وجاهة أو لقب. # ولكن مع جميع اختلافاتنا، نحتاج إلى أن نحس أن المجتمع يحترمنا ~~وأننا غير محتقرين، وعندما نسمع عن أحد التجار أو أحد الطلبة أو أحد ~~الموظفين أنه قد حاول الانتحار؛ فإن السبب الخفي لهذه المحاولات هو ~~خوفه من الاحتقار؛ فإن التاجر يخشى الإفلاس، والطالب يخشى الرسوب، ~~والموظف يخشى الفضيحة لأنه اختلس، وهذه الخشية هي في النهاية ms132 خشية ~~الاحتقار الاجتماعي. # وإنما يكفل لنا الكرامة الاجتماعية مرتزق حسن نبدي فيه ~~مهارة تعود علينا بكسب يكفل لنا العيش الكريم، بحيث لا نحتاج أو لا ~~نضطر إلى انحراف أو شذوذ يجلب علينا احتقار المجتمع. # وإحساسنا بالكرامة الاجتماعية هو أيضا وقاؤنا من الانحلال والإسراف ~~والشطط، بل من الشذوذ والإجرام. # وما زلت أذكر مع الضحك أحد المجرمين، وكان ذكيا، قعد إلي ~~يحدثني عن جريمته، فكان ما قاله أن كل الناس يحبون أن يرتكبوا الجرائم ~~لولا أنهم يخجلون، والخجل هنا هو الإحساس الاجتماعي بالاحتقار الذي ~~يعود عليهم إذا شذوا أو سقطوا. # وهذا الإحساس بالكرامة يعم الناس في جميع الأعمار تقريبا ويحسون ~~ضرورته، فإن الصبي الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة قد يبتئس، ويحس أن ~~الدنيا كلها حالكة إذا كانت أمه تهينه أو تحتقره أمام إخوته، وقد ~~يضحي بكل شيء في سبيل استرداده لكرامته المجروحة، ومما يؤسف له ~~أنه يفعل ذلك أحيانا بأساليب طفلية، كأن يؤكد شخصيته وكرامته عن سبيل ~~الإيذاء أو المغامرة. # والحياة الزوجية السليمة هي أحد الأركان الذي يدعم السعادة؛ لأنها ~~تكفل لنا نفسا سليمة من الكظم المؤذي، كما أنها - إلى حد بعيد - ~~تجعلنا نحس الكرامة الاجتماعية التي تنقصنا ما دمنا في العزوبة، وهناك ~~آلاف من الناس يتزوجون لتحقيق الكرامة الاجتماعية فقط. # وفي مجتمعنا الحاضر الذي يحفل بالطوارئ الاقتصادية والتفاوت ~~الاجتماعي والأمراض المختلفة، يحتاج كل منا إلى هذا الحصن المأمون، وهو ~~البيت الذي نجد في نظامه العائلي تضامنا كما لو كان شركة تأمين عامة ~~لجميع أعضائه، وهناك أرقام لا يتطرق الشك إليها، تدل على أن المنتحرين ~~من العزب أكثر جدا من المنتحرين من المتزوجين، ودلالة هذه الحقيقة ~~تحملنا على الاعتقاد بأن الأعزب لا يستمتع بحياته، ولا يجد لها جذورا ~~تربطه بالدنيا كما يجد المتزوج؛ ولذلك يسهل عليه تركها بالموت. # وعائلة حسنة هي شيء كبير في السعادة. # ولكن العائلة الحسنة هي تلك التي تنبني على الحب، وليس بعيدا أن ~~ينمو الحب بعد الزواج إذا لم يكن قد نما قبل الزواج، ولكن السعادة تكون ~~مكفولة ms133 أكثر إذا كنا نجعل الحب أساس الزواج، ولا نتزوج إلا بعد تعارف ~~طويل نثق منه أننا نحب هذا الشريك الآخر الذي ننوي أن نعيش معه ~~ونعاشره طيلة العمر. # وقد أعجبت بقول الإمام ابن حزم في «طوق الحمامة» أنه لا يمكن ~~إنسانا أن يحب امرأتين، وإنما هو يشتهيهما فقط، وفرق عظيم بين ~~الاشتهاء والحب؛ ولذلك يجب أن يعنى الشاب أكبر العناية قبل الزواج ~~بهذه الفتاة التي يخطبها، وأن يهدف من زواجه منها إلى العمر كله بلا ~~حاجة إلى طلاق أو ضرار. # وليست عائلاتنا سعيدة لتفشي الضرار والطلاق فيها، بل إن هذا التفشي ~~هو الأصل للأمراض النفسية التي تعانيها زوجاتنا أو كثيرات منهن، وهي ~~الأمراض التي يحاولن معالجتها بالزار. # ومما يفسد الزواج أن يحتوي البيت الحماة سواء أكانت أم الزوج أم ~~الزوجة، وقد تكون هذه السيدة من فضليات النساء، ولكن موضعها العائلي - ~~باعتبارها حماة لأحد الزوجين - يحيل البيت إلى جهنم. ~~••• # قلنا: إننا كي نسعد بحياتنا، نحتاج إلى مهارة فنية تتيح لنا الارتزاق ~~بالإنتاج الشريف، ثم نحتاج إلى مركز اجتماعي يكفل كرامتنا، ثم إلى ~~عائلة حسنة نعيش فيها آمنين، نلجأ إلى بيتنا كما لو كان حصنا لا ~~تستطيع الكوارث أن تدخله. # ولكن السعادة تحتاج إلى شرط رابع ربما كان أخطرها جميعها، وهو أن ~~نتطور ونتجدد بأية صورة، فقد تكون السياحة تجددا من حيث إنها ~~تنقلنا من وسط إلى آخر، فنحس كما لو كنا نعيش عمرا آخر، حتى ~~ولو لم تزد مدته على شهور نزور فيها باريس أو أسوان أو ~~لبنان. # وقد تكون فنا جديدا نتعلمه ولو كنا في آخر العمر؛ لأننا نحس ونحن ~~نمارس هذا الفن الجديد أننا في ارتقاء، في صعود، وأننا نحيا الحياة ~~الحيوية التي لا تعرف الركود. # وأولئك الذين جعلوا الثقافة عادتهم يحسون هذا الارتقاء المتوالي؛ ~~لأنهم يجدون في تجدد الموضوعات التي يدرسونها تجددا شخصيا لهم، بل ~~هم يتطعمون الحياة التي تمسخ عند غيرهم من الذين لا يدرسون، وإني ~~لأعرف أحد هؤلاء المثقفين في الخامسة والستين من عمره، يدرس هذه ms134 الأيام ~~الذرة بكل ما فيها من ارتباكات ومشكلات، وهو سعيد ملتذ بجهده ~~هذا. # ولكن ربما كان أعظم ما يكفل السعادة أن يندغم الإنسان في كفاح إنساني ~~للخير والبر والشرف؛ فإن هذا الكفاح يكسبه الكرامة السرية التي ~~يتحدث بها إليه ضميره، كرامة السيف في غمده، قد تنظر إليه أنت فلا تجد ~~ما يؤهله للسعادة، ولكنه هو يعرف من نفسه، ومن قلبه، ومن هدفه، أنه ~~سعيد، بل أعظم السعداء، وأن ما ينزل به من كوارث المرض أو الفقر أو ~~الإهانة الشخصية ليس شيئا في جانب الكرامة التي أضفاها عليه كفاحه ~~الإنساني في خدمة البشر. # وهذا الكفاح هو ما نجد عند القديسين والأبطال والأحرار الذين قاوموا ~~الطغاة؛ فإننا حين نقرأ سيرتهم نعتقد أنهم ضحوا بالكثير من سعادتهم كي ~~يحققوا الغاية التي نصبوا أنفسهم لتحقيقها، ولكن الحقيقة أنهم كانوا ~~سعداء بتعبهم وعرقهم وحرمانهم من أجل الكفاح الذي خدموا به ~~الإنسانية. # وحبذا هذا الكفاح نملأ به حياتنا الفارغة، ونندغم به في التيار ~~الإنساني للخير والشرف؛ فإننا حين نفعل ذلك لا نبالي أن نحيا على كسرة ~~من الخبز في كوخ من الطين، بل لا نسأل عن معنى السعادة؛ لأننا لا نحتاج ~~إلى هذا السؤال؛ إذ نحن فيها نؤدي رسالة ونقصد إلى هدف. # | النفس السليمة # في الاتجاه السيكلوجي الذي نتبعه هنا نعتقد أن النفس السليمة هي ~~نفسها النفس السعيدة، وأن السعادة هي الوجدان، وما نذكره هنا إذن إنما ~~هو إرشادات تفصيلية توضح لنا كيف نتجنب المرض النفسي؛ أي: كيف ~~نتجنب الشقاء. # أول شرط للسلامة النفسية أن نتجنب الهموم، وهذه هي السلامة السلبية، ~~أما السلامة الإيجابية فتقتضي تقبل الاهتمامات، والفرق بين الهم ~~والاهتمام أننا نجتر الأول اجترارا؛ لأنه يتصل بعاطفة قد انفعلنا بها ~~انفعالا شديدا، ونحن في هذا الاجترار لا نمل هذا الهم، بل نجد أنه ~~قسري شأن العواطف الطاغية فلا نملك التخلص منه، وقد يكون لالتصاقنا ~~بالهم هدف، كما يقول أدلر، هو أنه؛ أي: الهم يمنعنا من تحقيق الغايات ~~الاجتماعية كالنجاح في الحرفة أو التفوق في المجتمع ms135 أو الدراسة أو نحو ~~ذلك، وعند أدلر أن جميع الأمراض النفسية - والهم أولها وأخفها - تعود ~~إلى أننا نبغي بها غاية هي الهرب من الواجبات الاجتماعية ومن مواجهة ~~الحقائق اليومية، كأننا نقول أمام المجتمع وأمام ضمائرنا: «كيف تطلبون ~~مني النجاح وتأدية الأعمال الحرفية وأنا مثقل بهذا الهم؟ ~~اعذروني.» # فنحن نلصق بالهموم وكأنها الدواء الذي نرفض تركه؛ ولذلك نجد أن هذه ~~الهموم قسرية نتعلق بها على الرغم من إرادتنا الوجدانية، نفتأ نفكر ~~فيها ونجترها كما يجتر البهيم طعامه يجره إلى فمه ثم يرده، بل نفكر ~~فيها بالليل ولا ننام، ونبقى على هذه الحال الشهور والسنين لا نؤدي ~~عملا مفيدا لنا أو للمجتمع، وعندما يتغلب علينا الهم يسودنا، بل ~~يتسلط علينا فتور، بل جمود فكري وجسمي، فلا ننشط إلى دراسة أو ~~عمل. # أما الاهتمام فليس كذلك؛ إذ هو يبعث النشاط والحركة، وقد يكون ~~الاهتمام خاصا أو عاما، ولكن الميزة التي تفصله من الهم أنه وجداني ~~إرادي وليس قسريا عاطفيا مثل الهم؛ ولذلك يجب أن نلجأ إلى ~~الاهتمامات نعالج بها الهموم إذا كان هذا مستطاعا، ويجب أن نذكر أن ~~حركة العضو تؤدي إلى حركة العاطفة؛ فإذا وجدنا مثلا أن الاهتمام ~~بالدراسة والتفكير شاق؛ لأن عاطفة الهم طاغية قد ربطت العقل ومنعت ~~حركته؛ فإننا نستطيع أن نحرك الجسم بالعمل الذي يشعرنا بالكرامة ~~ويثير إحساساتنا الاجتماعية، كأن نتكلف أي عمل نافع للمجتمع؛ فالمرأة ~~المهمومة تمارس التمريض أو خدمة اليتامى أو التعليم في مدرسة للفقراء ~~أو جمع التبرعات لعمل خيري، والرجل المهموم يعالج مثل هذه الأعمال التي ~~تتفق وقدرته ومكانته، وتحريك الجسم أسهل جدا عند الذين طغى عليهم ~~الهم من تحريك العقل. # والشرط الثاني للسلامة النفسية أن نجد على الدوام فترات نستطيع أن ~~نتخلص فيها من التوترات المختلفة، حتى ولو لم تكن هذه التوترات هموما ~~مرهقة، والنوم بالطبع يخلصنا إلى حد بعيد من هذه التوترات، ونعني ~~بالتوتر هنا أن النفس تكون مشدودة يقظة متنبهة قلقة، كما هي ~~الحال عندما تحملنا واجباتنا على مواجهة المشاكل والصعوبات التي لا ms136 ~~تخلو منها الحياة، والنوم بعد الظهر هو علاج حسن لمثل هذه ~~التوترات. # والنوم هو استرخاء تام، ولكن إذا كانت أعمالنا تطالبنا بمجهود كبير ~~نحس أنه يثقلنا، فإننا يجب - من وقت لآخر - أن نلجأ إلى ~~الاسترخاء الجسمي الذي يؤدي إلى استرخاء نفسي، ويمكن أن يكون هذا ~~الاسترخاء بالقعود على كرسي في فترات قليلة متكررة، أو بالحديث مع صديق ~~على قهوة، أو ملاعبة في أحد ألعاب الحظ، إلخ؛ فإن الاسترخاء هنا يعيد ~~إلى البندول النفسي اتزانه. # ولكن يجب ألا ننسى أن التوتر الذي قد يحسه أحدنا قد لا يرجع إلى ~~أن واجبات العمل ثقيلة في ذاتها؛ إذ ربما يرجع إلى كراهة العامل فيها ~~لعمله. # وظني أن معظم السبب للأمراض النفسية عند الأمريكيين يعود إلى التوتر ~~البليغ الذي تبعثه فيهم المباراة الاقتصادية وإيمانهم بإنجيل النجاح، ~~وبالطبع نحن لا ننسى أن كثيرا من التوتر عند الشبان يعود إلى الحرمان ~~الجنسي، وهذا التوتر كثيرا ما يحول بين التلميذ أو الطالب «بين 14 و19 ~~سنة» وبين الدراسة، ولا نستطيع أن نصف علاجا عاما لهذه الحالات، ~~وإنما هي تحل حلا يتفق مع الظروف الخاصة لكل فرد. # والشرط الثالث للسلامة النفسية أن نكون طيبين قانعين؛ أي: لا نتهور ~~في مطامع بعيدة نتعب في تحقيقها ولا نحققها، وهذه المطامع تتكون ~~أحيانا في الطفولة وهي تسوقنا سوقا، بعناصر تختفي في الكامنة (العقل ~~الكامن) وهي ترهقنا بمجهود قد لا نتحمله، كما أنها تحملنا على أن ~~نكون أنانيين غير اجتماعيين، والأنانية أسوأ الرذائل السيكلوجية؛ لأننا ~~لن ندرس ولن نصادق ولن نستمتع بتلك الاستمتاعات الاجتماعية العديدة ما ~~دمنا أنانيين، بل إن الأنانية تضرم في أنفسنا غليلا لا ينطفئ، يجعل ~~التوتر عادة نفسية نصبح ونمسي بها ونحن في تعب وإرهاق. # وقد سبق أن عرفنا أن السعادة، وهي عندنا السلامة النفسية، تقتضي من ~~كل منا أربعة أشياء هي: (1) التلاؤم العائلي بالزواج الذي يكفل البيت ~~الحسن، وتجنب التوتر الجنسي بالحرمان، وأيضا وجود العش الذي نأوي ~~إليه. (2) المقام الاجتماعي الذي نكسبه بالاختلاط النفسي «بالثقافة» ~~والجسمي بالاختلاط والاشتراك ms137 في النشاط الاجتماعي المختلف. (3) الكرامة ~~الاجتماعية من الحرفة التي نكسب منها عيشنا. (4) الفراغ الذي يجب أن ~~نقضيه في نظام ونجد فيه الهواية نمارسها عن حب وتعلق؛ لأنها تعوضنا من ~~النقص الذي لا نستطيع تجنبه في الزواج أو الحرفة أو المقام ~~الاجتماعي. # وإلى جنب هذه الأشياء الأربعة يجب أن نتجنب الهموم والتوترات ~~والمطامع البعيدة التي لا تتحقق. # والوجدان وحده يكفي للعلاج؛ أي إننا نلجأ إلى النظر أو التأمل ~~المنطقي الموضوعي، ولكن المريض الذي تغلبت عليه الهموم كثيرا ما يعجز ~~عن هذه المعالجة الوجدانية الموضوعية، وهو يحتاج إلى من يحلله ويسبر ~~أعماقه ويصف دواءه. ~~••• # هذه الشروط الأربعة للسعادة هي لأولئك العاديين من الناس، الذين ~~يقنعون بالنثر دون الشعر، وبالسعي على القدمين دون الطيران ~~بالجناحين. # أما العبقريون من الناس فيعرفون - دون أن نعرفهم نحن - أن ~~السعادة هي كفاح يلتهم العمر كله لخدمة البشر ومكافحة المستبدين ~~والمستعمرين، ومحو الفقر والجهل والمرض، ورفع المرأة من الأنثوية إلى ~~الإنسانية، وتعميم المعارف العلمية كي تمحو العقائد الخرافية، وهم ~~سعداء على أعلى مستوى من السعادة؛ لأنهم لا يعيشون سدى، وإنما يعيشون ~~عن قصد ويرمون إلى هدف. # | المرض والصحة درجتان # المرض والصحة في النفس درجتان وليسا نوعين مختلفين، فنحن الذين نعيش ~~أحرارا نجول في الشوارع بلا مانع ونكسب عيشنا، لا نختلف عن المرضى ~~المحجوزين في المارستانات إلا في الدرجة فقط؛ أي إن هؤلاء المرضى قد ~~اتجهوا الوجهة التي نتجهها نحن كل يوم، بل كل ساعة، ولكنهم أسرفوا ~~وبالغوا. # نحن الأصحاء نضبط عواطفنا بالوجدان، وكلمة «نضبط» هي كلمة تقريبية ~~غير مطلقة؛ إذ من هو منا ذلك الذي يستطيع أن يقول: إنه يملك عواطفه ~~ويضبطها؟ أما المريض فلا يملكها بتاتا، بل ينساق فيها. # أنا العاقل عندما تتملكني عاطفة الغضب أهب إلى من أغضبني وقد أضربه ~~بيدي أو أقول: يا ابن الكلب، يا حمار، أو قد أكتم هذا الغضب فأجد أن ~~يدي ترتعش، أو أن العرق يسيل من وجهي، وهذا السلوك يدل على مرض ~~نفسي، ولكنه وقتي سرعان ما يزول. # أما المريض ms138 فإذا تملكته عاطفة الغضب عمد إلى خصمه فخنقه ~~وقتله، أو هو يضبط العاطفة بجهد كبير، فلا بد من أن ترتعش يده كما ~~ارتعشت يدي، يجد شللا في ذراعه، وهذا الشلل نفسي نسميه هستيريا، ولكن ~~ارتعاش يدي كان من مبادئ هذه الهستيريا، وكذلك هذياني بأن خصمي ابن كلب ~~أو حمار هو شذوذ وقتي لو طال؛ أي: لو احتقنت عاطفة الغضب، لصار ~~مرضا. # وامتيازي على هذا المريض درجي، فكلانا قد غضب، ولكني أنا السليم قد ~~استيقظت قليلا من وجداني وقنعت بقولي: يا ابن الكلب، أو كظمت غيظي، ~~فأدى هذا الكظم إلى ارتعاشي أو ارتشاح عرقي، أما هو فقد استسلم لعاطفته ~~وقتل الخصم، أو هو قد كظم غيظه أيضا، ولكن؛ لأن عاطفة الغيظ عنده كانت ~~فادحة، فقد أحدثت له في جسمه شللا. # نحن نمرض لأن في النفس عاطفة مختنقة لا نعرف كيف نتخلص منها ولا ~~نملك هذا التخلص، واحتقان العاطفة يشبه احتقان الكبد على التقريب، فهي ~~غيظة مكظوم، أو حزن يائس أو غدة مضطرمة، أو خوف متردد، أو نحو ذلك من ~~العواطف الطاغية التي لا تبرح النفس، ولو كان للمريض وجدان يسود تصرفه ~~وكان قد تدرب على التعقل والمنطق والنظر الموضوعي لاستطاع أن يتغلب على ~~هذه العواطف، ولكن حتى مع الوجدان السليم تطغى أحيانا بعض العواطف ~~علينا ويعجز وجداننا عن التصرف بها؛ ولذلك نجد أحيانا فيلسوفا قد ~~انتهت حياته بالجنون أو الانتحار، وقد يعزى هذا إلى أنه يعرف من فساد ~~الوسط الذي يعيش فيه أكثر مما يعرفه غيره، كما أنه يعرف من وسائل ~~العلاج ما لا يعرفه غيره، فلا يطيق هذه الحال: فسادا عاما وعلاجا ~~ميسورا بلا محاولة للإصلاح؛ ولذلك ينهار وجدانه. # وسنرى أن انهيار الوجدان هنا هو إحدى الوسائل إلى راحته النفسية، ذلك ~~أن هذا الوجدان قد أقلقه وأتعبه كثيرا؛ لأنه عرف أن تفكيره ومجهوده ~~عقيمان، فهو يلجأ إلى أحد الأحلام تخترعها نفسه كي يرتاح، كما رأينا في ~~تلك الزوجة التي لم تطق تقريع زوجها لها بأنها هزيلة لا تسمن، فعمدت ~~إلى ms139 أسطورة ارتاحت إليها، وهي أنها امرأة طاهرة وزوجها رجل نجس، وأنه ~~لا يجوز له أن يقربها. # وقد كان أفلاطون يقول: إن ما يحلم به العقلاء في النوم يعمله ~~المجانين في اليقظة، فحياتنا وقت النوم هي حياة العواطف العارية، ~~وهي تقارب هذه الحال في خواطر اليقظة؛ فإذا غاظني أحد وأهانني فإنني ~~أتخيله في خواطر اليقظة مهانا مضروبا، وقد أقتله في الحلم، وأجد في ~~هاتين الحالين تعويضا يريح النفس ويرفه عنها مما لاقته في الواقع، ~~ولكن سرعان ما أعود إلى وجداني وأترك هذه الخيالات. # ولكن المجنون يستسلم كل وقته، أيامه ولياليه، لهذه الخواطر وهذه ~~الأحلام حتى ينسى الواقع ويلغي وجدانه؛ فالفرق بيني وبينه هو فرق في ~~الدرجة. # وأنا في النوم أحلم بالكابوس كنتيجة للمخاوف المترددة في ساعات ~~اليقظة وظروف المعيشة، وقد أصرخ وأنا نائم، ولكن عاطفة الخوف التي ~~أحدثت عندي هذا الكابوس تحتقن وتقدح عند المجنون فتحدث كابوسا دائما ~~يزعجه بألوان مختلفة من المخاوف لا يستيقظ منها إلى الوجدان. # ونستطيع أن نذكر الأمراض النفسية كي نرى بذورها في أنفسنا، فكلنا ~~نسمع كلمات نيوروز، سيكوز، هستيريا، شيزوفرينيا، مانيا، ~~بارانويا. # وكل مريض بأحد هذه الأمراض يستحق الحجز أو العلاج. # ولكن نحن العقلاء، ليس فينا واحد، يخلو منها، أو بالأحرى من بذرتها ~~كما نرى فيما يلي: ~~(1) # النيوروز هو احتداد أو توتر العاطفة وملازمتها، كأن ~~يتسلط علينا الخوف من الإفلاس أو الموت أو المرض، أو يتسلط ~~على الزوجة الغيرة، أو يتسلط علينا هم لا يبارحنا، فهنا ~~نيوروز يجعل حياتنا عظيمة وهو يبدد قوتنا النفسية ولا ~~يخف بخواطر اليقظة أو الحلم، كما أننا لا نستطيع تسليط ~~الوجدان على العاطفة هنا؛ لأنها طاغية فتعجز عن معالجة ~~الموضوع بالمنطق والتعقل والنظر الموضوعي؛ لأن تسلط ~~العاطفة يجعلنا ننظر النظر الذاتي، والنيوروز يتسم بأنه ~~قسري. # ونحن العقلاء نجد ألوانا من هذا النيوروز المخفف في ~~عواطف تتملكنا التملك القسري في وقت ما، حين نستسلم ~~لخواطر الغضب أو الخوف، والهم إذا طغى صار نيوروزا، وإذا ~~خف لم يعد شيئا يؤبه به؛ لأن كلا ms140 منا إلى حد ما ~~يجده. # وقد يقدح النيوروز؛ أي: تتفاقم العاطفة وتثقل، وعندئذ ~~نخترع؛ أي: نتخيل علاجا زائفا هو السيكوز. # فأنا السليم الذي منع عني الطبيب الطعام أضيق ~~بعاطفة الجوع، وأخفف عن هذا الضيق بأن أتخيل - في خواطر ~~اليقظة والأحلام - أني آكل وأشبع على مائدة حافلة ~~بالألوان، وإذا استيقظت لم أصدق أني أكلت. # ولكن المريض الذي يضيق بعاطفة الغيظ المكظوم يخترع ~~ويتخيل أنه قد قتل خصمه واستولى على ممتلكاته، وتثبت ~~عنده هذه الدعوى فلا يرجع عنها في يقظته، وهو هنا قد انتقل ~~من النيوروز - مرض العاطفة - إلى السيكوز - مرض العقل - ~~وارتاح إلى هذا المرض الجديد؛ لأنه أنقذه من توتر ~~العاطفة. ~~(2) # السيكوز هو مرض العقل؛ أي إن المريض يؤمن بأنه ملك أو ~~ثري أو وزير، أو تعتقد المريضة أنها أم كلثوم أو جريتا ~~جاربو، ونحن في أحلامنا نعيش في سيكوز نحلم بأننا نطير، أو ~~بأننا في حضن امرأة جميلة، أو أننا قد سافرنا إلى الصين، ~~ولكن إذا استيقظنا رجعنا إلى حقائق الواقع، أما المريض فلا ~~يرجع إلى الواقع، وفي خواطر اليقظة أحيانا نستسلم لمثل ~~هذه الخيالات اللذيذة ونرتاح إليها بعض الوقت، ولكن ~~المجنون يلصق بها كل الوقت؛ فالفرق بيننا وبينه درجي، نحن ~~نترك العاطفة تطغى بعض الوقت (= نيوروز) أو نخترع ونتخيل ~~حالات وصورا ذهنية نرتاح إليها (= سيكوز) فإذا عدنا ~~إلى وجداننا زال كل هذا، أما المجنون فتطغى عليه العاطفة ~~(= نيوروز) أو هو يسكن إلى الخيالات والصور التي اخترعها ~~كي يرتاح إليها من غليل العاطفة المتأجج ولا يعود إلى ~~وجدانه (= سيكوز). ~~(3) # الهستيريا هي مرض جسمي له أصل نفسي، وأوله عندنا نحن ~~العقلاء عاطفة مكظومة تتسلل إلى الخروج بشتى الطرق، كالعرق ~~يصيبني وقت الخجل، أو جفاف الريق والحلق إذا وقفت على ~~المنبر للخطابة، أو ارتعاش اليد للخوف، وقد يفدح قليلا ~~كالإسهال من الهم، ولكنه في المريض يتفاقم أكثر، كأن ~~يحس المريض فالجا يمنعه من مبارحة السرير، أو هو ~~يعمى، أو يحس صمما. # تأمل رجلا يعيش مع زوجة من الأبالسة في الشر والعنت ~~والإيذاء، ms141 يكره الدنيا لأنه كرهها، ولكنه بدلا من أن ~~ينتحر كما يفعل غيره في مثل هذه الظروف يجد نفسه أعمى، ~~والعمى هنا في التفسير النفسي مرادف للانتحار؛ إذ هو ~~يعبر عن كراهته لها وللدنيا من أجلها، وهو علاج مثل ~~علاج السيكوز في اختراع وتخيل حالة حسنة تفرج عن ~~الغيظ أو الحزن أو الهوان المكظوم. ~~(4) # الشيزوفرينيا هي مرض يحمل المريض على تجنب الناس، ~~وهو يعتزل ويستسلم لخواطره شهورا بل سنين، فينقطع ما بينه ~~وبين العالم انقطاعا تاما، ويستسلم لخواطره وعواطفه، ~~حتى يخترع لنفسه عالما كاملا يسكن إليه، وكلنا إلى ~~حد ما نجد مثل الشيزوفرينيا حين نأوي إلى غرفتنا وننفرد ~~ونكره لقاء الناس، ونستسلم لخواطر لذيذة تعوقنا من الشقاء ~~الذي نحسه في الحياة الاجتماعية، ولكنا نحن الأصحاء ~~نقنع من هذه العزلة بوقت قصير، أما المريض فيلتزمها طوال ~~حياته، والانطوائيون كثيرا ما يقعون في الشيزوفرينيا؛ ~~لأنها تتفق ومزاجهم الانفرادي الانعزالي. ~~(5) # المانيا هي الحزن الفادح أو الطرب العظيم، وهي في المريض ~~تلازمه طوال الحياة أو معظمها، وقد يطرب شهرا ثم يحزن ~~سنة، وقد يضحك ويبكي في يوم، وتتناوبه نوبات من السرور ~~والغم، ومن منا ينكر أن هذه النوبات تنتابه أيضا؟ ولكن في ~~درجات خفيفة لا يحس أنه يحتاج فيها إلى علاج. # والانبساطيون كثيرا ما يقعون في المانيا؛ لأنها تتفق ~~ومزاجهم الاجتماعي؛ إذ هم يفرحون كثيرا ويغتمون كثيرا، ~~ويجب ألا ننسى أن الفرح والغم قطبان لعاطفة واحدة، وعندما ~~نلاحظ الضحك في أحد نجد أنه لا يختلف من البكاء في حركة ~~الأعضاء، وكثيرا ما يختلط علينا الصوت هل هو بكاء أم ضحك، ~~ولا ننسى قولهم: «من فرط ما قد سرني أبكاني» لأن الدموع ~~تنهمر في الحزن والسرور معا. ~~(6) # البارنويا هي اعتقاد راسخ في شيء ما، مثل أن الأرض مسطحة ~~أو أن هتلر حي، أو أن الأرواح تتحدث إلينا من تحت المائدة، ~~أو أن اللصوص يكمنون لقتلي إذا تأخرت في المساء، أو أنه ~~يمكن الوصول إلى القمر على الأشعة، أو أن ألمانيا يحق ~~لها أن تسود الدنيا. # والعادة ms142 أننا نعد المخترع بارانوئيا إذا خاب في اختراعه، ~~ونعده عبقريا إذا نجح، فلو أن هتلر نجح في التسلط على العالم، ~~أو لو أنه كان قد سبق الولايات المتحدة في اختراع القنبلة الذرية وتغلب ~~عليها؛ لصار اسمه مخلدا في التاريخ باعتباره العبقري ~~الأول. # ولكنا نعده الآن مجنونا؛ لأنه كان فريسة اعتقاد راسخ بشأن تسلط ~~ألمانيا على العالم. # وهذا المثل وحده يدلنا على أن الفرق بين الصحة والمرض في النفس ~~هو فرق درجي أو اعتباري لا أكثر؛ لأن كليهما؛ أي: المخترع والبارانوئي، ~~يجمع نشاطه في بؤر مفردة، الأول يحقق غايته والثاني يخيب فيها . # | الأمراض النفسية الخفيفة # كلنا تقريبا يصاب بالرشح أو الزكام في وقت ما، ولكنا لا نباليه، بل ~~نعتمد على أننا سنتخلص منه بلا معالجة بعد بضعة أيام، ومثل هذا يحدث ~~لنا بالأمراض النفسية الكثيرة التي تنتابنا من وقت لآخر، وكلنا بلا ~~استثناء يقع في أحد هذه الأمراض التي لا نباليها؛ لأن الإصابة خفيفة ~~لا تكاد تلحظ، وهي تزول في أيام، ونحن نذكر قليلا من هذه ~~الأمراض. # الشك، النسيان، الاشمئزاز، الخوف من الظلام أو من الأمكنة المستشرفة ~~العالية، غياب الذهن، الحياء، البكاء، الوجل، أخطاء الكلام، التلجلج، ~~أحلام اليقظة، الكابوس، كثرة الأحلام، الإحجام عن المشروعات، العزلة، ~~حب الخمر، الشره إلى الطعام، السأم، التشرد الحرفي، التشرد الجنسي، ~~التعب، وفرة العرق، الخوف من الغرباء، الإجرام، إلخ. # وإذا وقع لنا بعض هذه الأمراض في فترات متباعدة مددا قليلة فإننا لا ~~نباليها، ولكنا نلتفت إليها إذا لازمتنا أو إذا تكررت، أو إذا لاحظها ~~علينا صديق أو قريب، فكثير منا مثلا يشرب الخمر مع صديق للمؤانسة، وقد ~~يحتاج في توتر نفسي إلى أن يعمد إلى التفريج بكأس أو كأسين، ولكن إذا ~~صار الشراب عادة لا يطاق الإقلاع عنها فإن المسألة تحتاج إلى علاج، ولن ~~ينجح العلاج بمحض الأمر بالإقلاع؛ لأن الشراب هنا ليس داء وإنما هو ~~نتيجة لداء: هو التوتر النفسي للكظم الذي أحدثته كراهة للعمل الذي ~~يرتزق منه، أو للبيئة العائلية المنغصة، أو للهوان الاجتماعي الذي ms143 ~~أدى إليه مركب نقص قد استقر واستتر، أو لطموح بعيد لا يستطاع ~~تحقيقه، ولكن الكامنة لا تزال تثيره وتحض عليه، فكل هذه الأشياء ~~تقلق النفس وتحدث لها توترا تخفف عنه الخمر، والخمر هنا سبيل ~~للهروب من المشكلة، ويجب أن يكون العلاج بالبحث عن العلة المستترة ~~وتحليلها، ومطالبة المريض باستعمال عقله؛ أي إننا ننقله من العاطفة ~~العمياء في الكامنة (العقل الكامن) إلى الوجدان، حتى يتعقل ويوازن ~~الاعتبارات بالتفكير الموضوعي. # أما إذا كانت عادة الشراب قد استقرت ومضت عليها سنوات، فإننا ~~نحتاج إلى معالجة العادة بتأليف جديد للشخصية أكثر مما نحتاج إلى ~~معالجة الأصل البعيد بالتحليل النفسي. # أو انظر إلى الكابوس فإنه قل منا من لم يصب به، ولكنه إذا ~~تكرر وأزعج دل على مخاوف مستترة قد حاولنا كظمها، وهي تنفرج في ~~النوم حين يخمد وجداننا، وقد ترجع هذه المخاوف إلى الماضي؛ لأن حادثة ~~معينة قد وقعت لنا؛ فالصبي الذي أجريت له عملية جراحية كان يخافها، ~~وقد عومل بغلظة ولم يتلطف معه الأطباء، يهب بعد هذه العملية ~~بأسابيع أو أشهر صارخا، ونحن نعالجه هنا بأن نشرح له الشرح المقنع بأن ~~العملية قد تمت بنجاح، وأنه ليس له حق في هذا الخوف، وقد يكفي الإيحاء ~~الخفيف قبيل نومه؛ أي: وقت النعاس لشفائه، ولكن هذه المخاوف قد ~~ترجع إلى هم يتملكنا بشأن الحاضر والمستقبل، كالموظف الذي يخشى ~~رئيسا سافلا معاكسا يتصيد أغلاطه وينوي إيذاءه، والمعالجة هنا أشق؛ ~~لأن الهم لا يبرحه، وكل ما نستطيعه أن نطالبه بمحاولة هذا الرئيس ~~حتى يعامله بالحسنى، وكما سبق أن قلنا: إن المشكلة التي تبعث على ~~الحلم «والكابوس» قد تكون عصرية، ولكنها تتخذ أسلوبا بدائيا في ~~النوم؛ أي إن الخوف من الرئيس الذي يريد قطع رزقنا يتخذ لنا صورة ~~الخوف الذي يتمثله الطفل في وحش يبغي افتراسه أو قتل إخوته أو نحو ~~ذلك، وأستطيع أن أؤكد أن في مصر كثيرا من الموظفين يعانون الكابوس من ~~سفالات رؤسائهم، وقد يفدح الهم والخوف فينتقل من الحلم في النوم إلى ~~فترات الانزعاج ms144 الخاطفة تمر بالرأس وقت اليقظة، فيدق القلب ويسيل ~~العرق ويغيب الوجدان لحظات، ولا يدري المريض أنها تعود إلى المشكلة ~~القائمة بينه وبين رئيسه، وهذه هي النورستينيا. # أو انظر إلى الخوف من الظلام أو الخوف من الأمكنة المستشرفة مثل ~~البلكونات، أو الخوف من الصعود في اللفت فهنا نجد خوفا بدائيا؛ أي: ~~لا يصح أن يحسه رجل متمدن يعرف بوجدانه أنه ليس هناك عفاريت أو ~~ثعابين أو وحوش في الظلام، ويعرف أنه ليس قاعدا على شجرة تترنح غصونها ~~في الريح ويخشى السقوط منها، ولكن هذه الإحساسات تتملكه لأنها تعبر ~~عن خوفه من المستقبل المالي المظلم، أو توقعه لكارثة مقدرة، أو خوفه من ~~الفشل، أو نحو ذلك من المشكلات العصرية التي تتخذ صورة نفسية طفلية ~~أو بدائية كما يحدث في الكابوس، والفرق أن الخوف هنا قد انتقل من ~~اليقظة، وهذا يدل على أنه قد فدح وتفاقم، وقد سبق أن قلنا: إن الطفل ~~لا يخاف سوى شيئين في الشهور الأولى من عمره هما السقوط والصوت الصاخب؛ ~~فالخوف هو أعظم الأشياء استقرارا في نفوسنا، وعندما يضعف وجداننا أو ~~يزول بالنوم أو التعب نعود إلى طراز الخوف الأول الطفلي البدائي، فنخاف ~~الظلام والسقوط من البلكون، ونحلم بالوحوش المفترسة واللصوص ~~القتلة. # أو انظر إلى السمن يصيب كثيرا من النساء، وأحيانا من الرجال عندنا؛ ~~فإن الإنسان السليم الذي ينشط ويعمل يجب ألا يسمن إلا إذا كان به ~~اختلال غددي، وهذا لا يحدث لواحد في الألف، ولكن السمن كله تقريبا ~~يعود إلى سأم النفس الذي يؤدي إلى كسل الجسم وفتوره؛ لأن النفس لا تجد ~~من الاهتمامات ما يشغلها ويبعث نشاطها، وفي مثل هذه الأحوال يعمد ~~الكسول السئم المتثائب إلى أن يرفه عن سأمه بالطعام، فلا ينقطع فكاه عن ~~مضغ اللب أو الفول طوال النهار، وهو حين يقعد إلى المائدة يحب ألا ~~يتركها؛ لأن لذة المضغ تخفف عنه السأم، وأحيانا يؤدي القلق إلى مثل ~~هذا النهم للطعام؛ لأن الملذات الصغيرة من الألوان المختلفة على ~~المائدة تبعث سرورا للنفس التي تتعب ms145 من السأم أو الهم. # فالطعام هنا كالشراب سواء؛ أي إنه فرار من الواقع، وعلينا ألا ننسى ~~أن التلميذ الذي يجد مشقة في الدروس ويرسب كثيرا يعمد إلى العادة ~~السرية فيرفه بها عن نفسه ألم الهم والرسوب؛ لما يجد فيها من سرور ~~وقتي، فهو هنا يهرب من صعوبات الحياة بهذه العادة. # وأحلام اليقظة؛ أي: الأماني المسرفة، قد تكون أيضا مهربا من صعوبات ~~الحياة مثل الخمر، ومعظم من يقع فيها أولئك الشبان الذين يجدون ~~الواقع شاقا تصعب مجابهته وحل مشكلاته من دروس ثقيلة إلى ~~العجز عن الاهتداء إلى عمل للكسب؛ فإن أحدهم يستسلم للخواطر اللذيذة ~~ويقضي فيها الساعات وهو يستمتع بلذتها، والعادة أنه يقع أيضا في ~~العادة السرية، وليست إحداهما سببا للأخرى، ولكن الشاب يلجأ إليها ~~لأنه يتناولها بسهولة، وقد تفدح هذه الحال، وخاصة إذا كان هذا الشاب ~~انطوائيا، فيقع في الشيزوفرينيا؛ أي: مقاطعة المجتمع نفسا وجسما، ~~فيستسلم لخيالاته ولا يغادر غرفته، بل هو أحيانا ينسى طعامه وشرابه، ~~وهذا بالطبع نادر. # أو اعتبر مثلا شخصا قد استغرق في نفسه مركب نقص، كأنه يكون قد ~~أوهم منذ طفولته بأنه ضعيف أو أنه دميم، وربما يكبر هذا الوهم عندما ~~يبلغ سن العشرين، بل لعله يجد ما يؤيد هذا الوهم في نفسه من ظروف ~~سابقة، فيعمد إلى نشاط جنسي شاذ، أو يعمد إلى التشرد الجنسي بين النساء ~~كثيرا كي يؤكد رجولته التي شك فيها مثلا، وأمثال هؤلاء لا يفتئون ~~يتحدثون عن اختباراتهم الجنسية التي قد تكون كاذبة أو صحيحة، وهذه ~~الأحاديث هي ستائر يستترون بها نقصا مستقرا في نفوسهم. # أو اعتبر الشك؛ فإننا كلنا نشك إلى حد ما، ولكن قد يزداد أحيانا ~~الشك إلى أن يصير عادة نفسية مرهقة، بحيث يترك أحدنا مكتبه ويخرج إلى ~~الشارع ثم يعود إلى المكتب كي يستوثق من أنه قد أقفل هذا الدرج أو تلك ~~الخزانة، ثم يرتقي الشك إلى الظن السيئ بالناس حين يتحدثون بالقرب منا ~~أو نحو ذلك، والشك عند التحليل يعود أيضا إلى الخوف؛ لأن النفس غير ms146 ~~مطمئنة لا تجد الثقة فهي في تقلقل وتبلبل. # ففي كل هذه الحالات وأشباهها نجد أمراضا نفسية خفيفة تكاد تصيب ~~كل إنسان بدرجة منخفضة حتى إنه لا يأبه بها، ولكنها تفدح في بعض ~~الناس وتعود خطرة، والعلاج الصحيح هو اليقظة الوجدانية؛ أي إننا لا ~~نستسلم لعواطفنا وننساق فيها قسرا وغصبا، بل نقف ونتعقل ونبحث ~~المشكلة بحثا موضوعيا، كما أننا يجب ألا نبالغ ونسرف في كظم ~~عواطفنا. # وللكظم النفسي لغة رمزية بكلمات الجسم؛ فالدوار الذي يحسه أحد ~~الشبان إنما يدل على أنه «تائه» لا يدري ماذا يفعل؛ فالدوار يرمز إلى ~~العجز عن تبين الطريق، والزوجة قد تكره التعارف الجنسي مع ~~زوجها، كما تكره الطعام «مشمئزة»، ونحن نعبر أحيانا عن توتر النفس ~~بقبضة اليد، وفي تعبيرنا ما يدل على الجمع بين لغة النفس ولغة الجسم: ~~فأنا لا أستطيع أن «أهضم» هذا الرجل، و«ماهوش قادر يبلعني»، ~~إلخ. # | الأسلوب النفسي # لكل منا أسلوبه النفسي الذي يعين سلوكه وتصرفه، وهذا الأسلوب ~~نكتسبه أو نكتسب نحو 90 في المائة منه أيام الطفولة؛ أي: قبل سن ~~الخامسة أو السادسة، وقلما نستطيع التغيير بعد ذلك، إلا إذا برز ~~وجداننا وأوضح لنا الأغلاط التي وقعت بنا أيام طفولتنا وحملتنا ~~على إيجاد الإرادة للتغيير، وهذا الأسلوب يرسخ في الطفولة لأننا - كما ~~سبق أن كررنا - نتقبل الدنيا ممن حولنا، ونقبل المقاييس والقيم ~~الأخلاقية بلا نقد أو رفض، وهذه المقاييس والقيم تنحدر إلى الكامنة ~~(العقل الكامن) وتستقر كأنها العقائد التي استحالت إلى عواطف؛ أي إن ~~لها قوة القسر؛ فإذا كان أحدنا قد تعلم من أمه بالقدوة أو الأمر أو ~~النصيحة أو الإرشاد (والقدوة أهمها كلها) إن الجبن أو السمك طعام سيئ؛ ~~فإنه يعيش سبعين أو تسعين سنة وهو يكره الجبن أو السمك؛ لأن هذه ~~العقيدة غرست فيه وهو طفل حين كان يعجز عن المعارضة ~~والانتقاد. # وقس على هذا سائر الاستجابات والرجوع للدنيا والأشخاص في السنوات ~~الخمس الأولى؛ فإنه كما ينشأ الطفل وهو يكره الجبن أو السمك، كذلك ينشأ ~~وهو يكره اليهود أو المسيحيين ms147 أو المسلمين، ويشمئز من كفرهم اشمئزازا ~~عاطفيا حقيقيا، وكذلك قد ينشأ وهو يطمح إلى أن يكون جزارا أو ~~طبيبا أو لصا أو شرطيا، كما قد ينشأ على أسلوب الصراحة أو ~~المواربة، يهجم على المشكلة أو يحاولها، وقد تصير العجلة أو التأني ~~أسلوبه، فيصمت للتفكير أو يثرثر بالبديهة، وقد يتعلم - حتى منذ ~~طفولته - أن يعتمد على وجدانه بدلا من عاطفته؛ لأنه يرى هذا الأسلوب ~~سائدا في البيت، وإن كان هذا بالطبع قليلا جدا. # ونحن نعيش في ممارستنا اليومية بالعادات، ومن شأن العادات أن لها صفة ~~قسرية تشبه صفة العواطف؛ بحيث إذا خالفناها تألمنا أو أحسسنا المضض، ~~وهي تشبه العواطف أيضا من حيث إنها عفوية؛ أي: تسير عفوا بلا مشقة، ~~وقد تكون العادة حركية أو اتجاهية. # وعاداتنا الحركية كثيرة مثل التدخين، أو ركوب البسكليت، أو الإيواء ~~إلى الفراش في ساعة معينة، أو النوم بعد الظهر، أو المشي السوي أو ~~الشاذ (بغمزة معينة في القدم أو الكتف أو نحو ذلك)، ولا نستطيع تغيير ~~هذه العادات، حتى إن راكب البسكليت لا يعرف كيف يخطئ في سيره ~~بها. # وهناك عادات اتجاهية تعين لنا عقائدنا، مثل نوع الطموح الذي نهدف ~~إليه، أو الإيمان الذي نؤمن به، أو سائر عقائدنا الاجتماعية؛ كالتعصب ~~والتسامح والمروءة والاستقلال والتواكل، إلخ. # وممارساتنا اليومية هي عادات في الحركة. # وعقائدنا واتجاهاتنا هي عادات في الطاقة. # وكثيرا ما تنقلب عادة الطاقة إلى عادة الحركة؛ فإن التعصب طاقة، ~~ولكنه كثيرا ما انقلب إلى قتل اليهود فصار حركة، والوطنية عادة في ~~الطاقة وقد انقلب في أيامنا إلى عادة في الحركة بالحرب الكبرى. # وكلنا - ما دمنا نعيش في وسط اجتماعي واحد - نتعود العادات ~~المتقاربة، سواء أكانت بالعقيدة والطاقة؛ أي: الاتجاه النفسي، أم ~~بالعمل والممارسة؛ أي: بالحركة والاتجاه الجسمي، ومن هنا ينشأ الأسلوب ~~النفسي الذي نعيش به كأمة، ولكن مع هذا التقارب، لكل منا اختلافاته ~~التي تميزه، فهو أمين أو غادر، أناني أو اجتماعي، مروئي أو استغلالي، ~~شجاع أو جبان، طموح أو قنوع، إلخ. # وقد يشقى أحدنا بعاداته ms148 النفسية، عادات الحركة وعادات الطاقة؛ لأنه ~~تسلمها من عائلته في طفولته ورسخت فيه، ثم عاش في مجتمع يكرهها، أو ~~يجعل العيش بها شاقا أو مضرا مثل أولئك الآلاف من الأمهات اللاتي ~~يعمدن إلى الزار كي يشفين أبناءهن من أمراض تحتاج إلى البنسلين أو ~~السولفا نيلاميد أو الكينين، ذلك لأن عقيدتهن قد صارت لها قوة العاطفة، ~~وهي تصدها عن الوجدان الطبي العصري. # والعادات النفسية جميعها تنحدر إلى الكامنة وتصير لها قوة القسر، ~~وتعين لنا أسلوب الحياة بالعمل والعقيدة، وهي كذلك في الأمة كما هي ~~في الفرد، وكثيرا ما تتعس الأمة وتشقى مر الشقاء؛ لأنها ورثت ~~عادات نفسية معينة لا تعرف كيف تتخلص منها؛ لأنها ترتبط بعواطفها، كما ~~ترتبط الكراهة لأكل الجبن بعاطفة الطفل الذي تعلم هذه الكراهة من أمه، ~~وتحتاج الأمم إلى الكثير جدا من المناقشة المنطقية والنظر الموضوعي ~~كي تترك هذه العادات النفسية، وحتى هذا لا ينجح في معظم الأحوال؛ ولذلك ~~رأينا كمال أتاتورك يعمد إلى العنف والبطش كي يغير النفس التركية ~~ويحيلها من نفس شرقية إلى نفس غربية. # للأمم - كما للأفراد - مركبات نفسية لها قوة القسر، وهذه المركبات هي ~~عادات نفسية صارت لها صفة عاطفية؛ ولذلك تحس مرارة ومضضا عندما ~~يدعونا عبد العزيز فهمي مثلا إلى اتخاذ الخط اللاتيني، كما سبق أن ~~أحسسنا مرارة ومضضا عندما دعانا قاسم أمين إلى اتخاذ السفور وجحد ~~الحجاب. # وواضح أن الأسلوب النفسي الانطوائي يختلف من الأسلوب النفسي ~~الانبساطي، وأن هذا الفرق يعود إلى الميزات الوراثية لكل منهما، ولكن ~~حتى هنا نجد أن للأسلوب المكتسب الذي ينشأ عليه الطفل أثرا في ~~المزاج الموروث، فقد يعتدل الانطوائي بعض الشيء ويتجه نحو العادات ~~الاجتماعية إذا كان قد عاش في عائلة انبساطية، ويتضح العكس كذلك في ~~الطفل الانبساطي، وكذلك قد يتألف مركب في نفس الطفل ويعين له ~~أهدافا ووسائل ويتكون له منها أسلوب نفسي لا يعرف كيف يتخلص منه في ~~المستقبل، ونكاد نقول: إن الأسلوب النفسي كله يتألف في الكامنة، ويرسخ ~~ويتخذ صورة العواطف، ولذلك يشق علينا ms149 تغييره؛ ولذلك أيضا يعرف كل ~~منا ويتسم بأسلوب نفسي خاص، حتى إننا - إذا كنا نعرفه بالاختلاط - ~~نكاد نتكهن بسلوكه وتصرفه في أي حادث معين. # انظر إلى الأسلوب النفسي لطفل مدلل قد أحبه أبواه وعمي كلاهما عن ~~مستقبله لفرط الحب، وكان وحيدهما بعد أن كابدا موت من سبقوه وكانوا ~~كثيرين، فلم يكن يشتهي شيئا إلا ويجده؛ ولذلك لم يجد الفرصة لضبط ~~عواطفه، وأرسل إلى المكتب كي يتعلم فضربه ذات مرة المعلم، فلما ~~وصل إلى منزله بكى واستبكى أمه التي أرسلت إلى المعلم وأغرته ~~على الجثو، وجاءت بابنها كي يضرب معلمه وينتقم، ولما انتهى الطفل ~~من تنفيذ العقوبة من معلمه كافأت هذا بأن نقدته جنيها للتعويض، وقد ~~عرفت هذا الشخص وهو في السبعين من عمره وهو يكره الجبن؛ لأنه كان ~~يكرهه في طفولته، ولم يستطع استعمال وجدانه في الانتفاع بعد ذلك بهذا ~~الغذاء، وكان يعيش مع زوجته كما لو كانت أمه التي تدلله، وبقي إلى سن ~~السبعين وهو طفل كبير لا يحسن قراءة جريدة ولا يدري بتطورات العالم، ~~ولازمه أسلوب الطفولة، حتى دعي مرة إلى غداء عند أجنبي، فصرخ على ~~المائدة بأنه لا يحب هذا اللون المعروض، وكان أقصى طموحه أن يلبس ملابس ~~فاخرة باهرة لأنه لا يزال طفلا. # فهذا طفل مدلل لازمه أسلوب التدليل الذي تعلمه في طفولته طوال ~~حياته، وانظر الآن إلى طفل آخر مضطهد؛ فإن هذا المسكين ماتت أمه فتزوج ~~أبوه غيرها التي قست عليه وحرمته ما يحتاج إليه الأطفال أو ~~يشتهونه، وأدت هذه المعاملة إلى أن يستنبط لنفسه أسلوبا للدفاع ~~والهجوم كان يتألف من الخبث والوقيعة والغدر والخيانة إلى التبصر ~~والتمهر، فكان باهرا في المدارس حاذقا في كسب حقوقه، ولكنه كان إلى ~~جنب هذا يفسد بين إخوانه حتى نبز باسم «المسيو فسادة» وهو بعد ~~تلميذ بالمدرسة الابتدائية، وكثيرا ما أدى إفساده إلى إيذاء زملائه ~~حتى تجنبوه، ولازمه هذا الأسلوب طوال حياته، حتى غش أباه ~~وحمله على تمييزه في الميراث على سائر إخوته، وقضى هذا الأسلوب؛ أي: ~~الخبث والغش، ms150 مع أبنائه فهجروه وتركوه وحيدا فمات وحيدا. # هذان الشخصان أحدهما مدلل والآخر مضطهد، هما أسوأ الأمثلة للأخلاق ~~السيئة التي تفشو في أوساطنا المتمدنة، ولهذا السبب يجب أن نقول: إن ~~الآباء ليسوا على الدوام خير الأشخاص الذين يمكن أن يوكل إليهم تربية ~~أبنائهم في السنين الخمس الأولى من العمر؛ لأن تربيتهم لهم هي عدوان ~~على نفوسهم وتعويج لأخلاقهم. # وقد يؤدي التدليل للطفل إلى أن يقع في جنون الشيزوفرينيا؛ أي إنه ~~يطلق الدنيا ويعتزلها قانعا بأحلامه التي تعيد إليه راحة ~~التدليل، وقد يؤدي الاضطهاد للطفل إلى الإجرام؛ أي إنه يعامل الناس ~~كما لو كان ينتقم منهم. # | تربية الأطفال # عندما نجد في عائلة واحدة خمسة أو ستة أطفال يتفاوتون في الذكاء أو ~~يختلفون في المزاج، نبدي استغرابنا لاختلافهم هذا، مع أنهم إخوة يعيشون ~~في بيت واحد؛ أي: وسط واحد ولهم كفايات وراثية واحدة. # ولكنا عند التحقيق نجد أنهم أولا يختلفون في كفاياتهم الوراثية كما ~~يعرف أي إنسان قد درس قوانين مندل في الوراثة، ثم ليس الوسط واحدا لا ~~يختلف بينهم؛ فإن الطفل الأكبر؛ أي: البكر يجد من التدليل ما لا يجده ~~الثاني أو الثالث؛ لأن الأول ينفرد بعناية الأبوين وحبهما، وهو يصادف ~~قبل ميلاده شوقا إليه من أبويه لا يصادف مثله سائر إخوته، والأغلب ~~أن تدليله يؤدي إلى فساده في المستقبل، حتى إن الأوروبيين يؤلفون الآن ~~الكتب في الأصول التي يجب أن تتبع في تربية «الابن البكر» ~~خاصة. # ثم يختلف الأطفال أيضا من حيث إن أحدهم قد يكون وسيما والآخر ~~دميما، فيحب الأول ويكره الثاني، على الرغم من المحاولة ~~النزيهة من الأبوين لمعاملتهما بالسواء، وقد تكون هناك طفلة وحيدة بين ~~أربعة أطفال ذكور فتحب أيضا لأنها وحيدة، وقد يعامل الابن الأصغر ~~بالتدليل الذي كان يعامل به الابن الأكبر، ثم قد يموت الأب أو الأم ~~فيعيش بعض الأطفال يتيما مع أمه فقط أو مع أبيه فقط، أو مع زوجة الأب ~~أو زوج الأم، وفي كل هذه الحالات يتغير الوسط ويختلف، بين طفل وآخر من ms151 ~~الإخوة، وتتغير الأخلاق وتختلف أيضا، وخاصة في السنين الأربع أو الخمس ~~الأولى من العمر. # وقد يدلل أحد الأطفال لأن أبويه يقصران عنايتهما عليه لأنه وحيد، ~~ثم يأتي آخر أجمل منه أو مثله، فيتزحزح الأول عن مكانه بعد أن يكون قد ~~اتخذ أسلوبا قد تعين له بسابق تدليل أبويه له، وهو يطالب عندئذ من ~~أبويه بأن يتغير ولكنه لا يستطيع، وعندئذ يصطدم بأبويه وبأخيه الجديد، ~~وهو يقاوم بأساليب الأطفال؛ أي: يعاند أو يشاغب أو يمرض، أو حتى يبول ~~في فراشه كي يجذب أمه إليه بعد أن أهملته والتفتت إلى أخيه الآخر، ثم ~~ترسخ هذه العادات فيه عندما يشب؛ لأنه يحس أنه مظلوم، وأنه لا ~~يجد العناية التي يستحقها من الدنيا، كما لم يجدها من أبويه؛ لأنه ~~يعامل المجتمع كما كان يعامل أبويه. # وأحيانا تكره الأم بعض أبنائها أو بناتها؛ لأن الطفل قد يأتي وهو ~~غير مطلوب حين لا تجدي الموانع للحمل، أو حين تكون قد أهملت الأم في ~~اتخاذها؛ فالطفل الجديد عبء اقتصادي مكروه، أو هو قد يكون دميما، أو ~~هو قد يجد نفسه منذ السنة الأولى مع زوجة الأب الغريبة؛ لأن أمه ماتت ~~أو طلقت، وفي هذه الحالات يكره الطفل - بدرجات مختلفة - ممن ~~حوله، بل أحيانا يضطهد، ويقاوم هو هذه الكراهة وهذا الاضطهاد ~~بأساليب الأطفال أيضا، فيعمد إلى المكر الصغير أو الإضراب عن الدرس أو ~~الاحتجاز؛ لأنه يجد الانفراد أروح لنفسه من الاختلاط بوسط كله كراهة، ~~ثم ترسخ هذه العادات فيه عندما يشب، وأحيانا يؤدي الاضطهاد والقسوة ~~إلى أن ينكسر الطفل ويرضى بالهزيمة والضعة، ويعيش على هذا ~~الأسلوب. # وهناك شيء نستطيع أن نسميه الفراسة السيكلوجية، ذلك أننا بتأمل الرجل ~~في الخمسين من عمره نعرف هل كان مدللا أم مضطهدا في طفولته، وهل عاش ~~مع زوجة أب تكرهه أم مع أم تحبه وترعاه، كما أن من السهل أن ~~تعلل الشكاسة أو الوقاحة، بل أحيانا البراعة والتنبه والنشاط ~~بمركب نقص، وكثير من الناس يسهل عليهم تعليل بعض الأخلاق بنوع ~~التربية. # ونعني بالتربية ms152 هنا جماع ما يحصل عليه الطفل من قدوة في الأبوين ومن ~~إرشاد بالإغراء أو الزجر، ومن تدريب على اتخاذ سلوك معين، ونعني ~~السلوك النفسي قبل السلوك الاجتماعي؛ لأن الأول أثبت؛ إذ هو يحدث ~~للنفس ما يضارع أو يقارب الغرائز الطبيعية كالتفاؤل أو التشاؤم، ~~والشجاعة أو الجبن، وكراهة بعض الأطعمة، والعقائد الدينية، فقد وجد ~~مثلا بالتدريب أن الفأر الذي يعود الانتصار على خصمه في القتال ~~تثبت فيه عادة الشجاعة فيجابه خصومه من الفئران مهما كانت قوتها، ~~وكذلك العكس؛ أي إن الفأر الذي يدرب على الهزيمة تثبت فيه عادة ~~الجبن فلا يقوى على مجابهة خصومه حتى ولو كانت دونه جرما وقوة، ~~فللتدريب؛ أي: تمرين الطفل على عادات معينة، عادات الطاقة بالاتجاه، ~~وعادات الحركة بالعمل، قيمة لا تنكر في تكوين أخلاقه، بل سلوكه ~~النفسي؛ لذلك يجب في التربية ألا ننسى أن نعوده النجاح في الشئون ~~الصغيرة. # وهنا نذكر العقوبة وقيمتها للطفل، فهل يجوز لنا أن نضرب ~~وننهر؟ # الصحيح الذي تثبته السيكلوجية أن الطفل ينزجر إذا عوقب؛ أي إننا ~~نستطيع أن نكفه ونمنعه عن عمل شيء بالعقوبة، ولكنا لا نستطيع أن نغريه ~~بالعقوبة على أن يؤدي عملا؛ ومن هنا تجدي العقوبة في منع الطفل من ~~ضرب إخوته، أو من اللعب في التراب مثلا، ولكنها لا تجدي في حمله ~~على المذاكرة. # ثم اذكر مركب النقص في الأطفال؛ فإنه إذا كان في الطفل بارزا ~~كحدبة الظهر أو العور في العين أو الساق القصيرة أو الشوه الفاضح، ~~احتاج إلى عناية كبيرة، ومن الحسن أن يستشار خبير سيكلوجي في هذا ~~النقص، أما إذا كان دون ذلك فلا يستحق الالتفات. # ومن الحسن أن تتعدد الاهتمامات عند الطفل، وأن تكون له هواية أو ~~هوايات يتعلق بها وينفق عليها من فراغه ويرضى أبوه بأن ينفق عليها ~~أيضا من ماله؛ فإن في هذا تفتيقا لكفاياته وتوسيعا لآفاقه النفسية ~~والذهنية، وهو عندما يبلغ المراهقة ويواجه الضغط الجنسي، مع ~~الحرمان الذي يطالبه به المجتمع، يستطيع أن يجد في هذه الهوايات ~~والاهتمامات ما يخفف عنه ms153 هذا الضغط، فيجتاز هذه الفترة الخطرة ~~بسلام. # ويجب أن يذكر الآباء أن التربية تكتسب من البيت؛ لأنها عادات ~~نفسية ومرانات اجتماعية، فلا يمكن المدرسة أن تعود الصبي أو الشاب ~~الشجاعة أو الكياسة، ولكن الآباء يمكنهم هذا بالقدوة والتدريب، وقد ~~ينتظر القارئ أن نقول: إن المدرسة للتعليم، وهي كذلك إلى حد ما، ولكن ~~التعليم أكبر من المدرسة والجامعة، فكلتاهما تعطي المواد والمعارف، ~~ولكنها لا تغرس عادة التعليم بالذهن الحر المفتوح، ولا تبسط الآفاق ~~التي يجب أن يأخذ أحدها مكان الآخر عند الإنسان المتطور في مجتمع ~~متطور؛ لأننا يجب أن نتعلم طوال حياتنا وأن نتخرج كل عام تخرجا جديدا ~~من جامعة الحياة إلى أن نموت، والآباء هم خير من يغرس هذه ~~العادة. # وليس هنا مقام النقد للمواد في المدارس أو الجامعات؛ فإن هذا الموضوع ~~يستحق كتابا مستقلا، ويستطيع القارئ أن يقرأ كتابي «التثقيف الذاتي ~~أو كيف نربي أنفسنا» إذ يجد هناك الإسهاب الذي يحتاج إليه هذا ~~الموضوع. # وأخيرا، لو قيل لي: ما هي الجملة التي يمكن أن تعد شعارا للتربية ~~الحسنة؟ لأجبت: أعط أطفالك أقصى ما تستطيع من حرية مع أقصى ما تستطيع ~~من رعاية الحب الوجداني، ولكن تجنب التدليل كما تتجنب الاضطهاد؛ ~~لأن كليهما يؤدي إلى الفساد، بل إلى الإجرام، وتجنب القسوة لأنها تمنع ~~الطفل من الابتكار والاختراع وتغرس فيه الجبن، ثم تحيله في المستقبل ~~قاسيا مع أبنائه. # تجنب التدليل لأن الطفل المدلل كثيرا ما ينتهي إلى الانتحار؛ لأنه ~~لم يدرب على مواجهة الصعوبات؛ ولذلك سرعان ما تخور عزيمته أمام ~~المجهود الشاق، وتجنب ضرب الطفل؛ لأن الضرب يحيله جبانا ذليلا ينشأ ~~في إحجام وتردد وخجل، وهو يعرف فيك أنت الأب الرجل الأول، وسوف يقيس ~~الرجال على ما لقيه منك؛ فإذا كنت قد أخفته فإنه سيخاف الرجال ~~ويخجل ويتراجع، ولا يجرؤ ولا يقتحم، ولا تخش عناد الطفل، فقد يرجع ~~إلى التدليل، ولكن اذكر أن العناد برهان على الإرادة القوية، فلا تقتل ~~هذه الإرادة التي ربما تكون في المستقبل سبب نجاحه. وقد يكون ms154 في ~~عناد الطفل بذرة المثابرة عندما يبلغ الشباب. # وأخطاء الأمهات في تربية الأطفال كثيرة: # فإن الأم - بطبيعتها - تحب أن تربط أطفالها بها، فتبالغ في ~~حمايتهم وهي لا تدري أنها بهذه المبالغة تؤذيهم؛ لأنهم يتعلقون بها ~~أكثر مما يجب، ويكرهون الخروج والاقتحام، ويخشون الغرباء، وينشئون ~~على عادة الاتكال على غيرهم بدلا من الاستقلال. # ومن المألوف كثيرا أن يعيش الطفل مع أمه نحو خمس أو ست سنوات وهو ~~يأخذ دون أن يعطي، وينشأ على هذه العادة كأن من حقه في المجتمع أن يأخذ ~~فقط، والمجتمع يصده ويصدمه؛ لأنه يطالبه بأن يعطي، وهو يبتئس ويعد ~~نفسه مظلوما بهذه الحال؛ ولذلك يحتاج الأطفال جميعهم إلى أن ~~يكلفوا عملا أو خدمة لقاء ما يعطونه، حتى ينشئوا على ~~الأخذ والعطاء معا، وليس على الأخذ فقط. # والأم عادة تطري طفلها عندما يؤدي عملا حسنا وتوجهه بذلك ~~وجهة ذاتية، فيزداد أنانية ويقيس الأشياء والاعتبارات والقيم بما لها ~~من سرور أو ألم في نفسه، ويجب على الأم لذلك أن تطري العمل أو ~~تذمه بدلا من أن تطري الطفل نفسه؛ لأنه بذلك يتجه وجهة موضوعية ~~سديدة. ~~«أسلوب الحياة». من العبارات التي يجب أن نذكرها دائما في تربية ~~الأطفال؛ فإن لكل منا أسلوبا يتبعه حين يكون في الخمسين أو الستين ~~من العمر، هو في الأغلب امتداد لذلك الأسلوب الذي تعلمه من أبويه ~~أو زوجة أبيه في السنوات الأربع الأولى من العمر؛ فإذا رأيت مثلا زوجة ~~كثيرة الغيرة تلتهب وتحتدم عندما تجد زوجها يخاطب سيدة أخرى، فثق ~~أن هذا الأسلوب قد تعلمته وهي طفلة قبل أن تتم الرابعة من عمرها، ~~تعلمت أن تلتهب وتحتدم عندما كانت تجد أمها تلتفت إلى أخيها وتعنى به ~~بدلا من أن تعنى بها هي، وكانت أمها تستطيع أن تعالجها من هذه الغيرة ~~لو أنها مثلا كانت تعطيها الرياسة وتوزيع الحلوى، وتكسبها بذلك كرامة ~~تغنيها عن الأنانية والاستئثار. # والطفل المدلل الذي تعود العدوان بلا خوف سيبقى على هذا الأسلوب وهو ~~في الستين من عمره، يمارس العدوان والخطف ولا ms155 يبالي مصلحة ~~الغير. # والطفل المضطهد الذي ضرب وحرم في طفولته، من زوجة أبيه، سينشأ ~~وهو يعامل كل فرد من أفراد المجتمع كما لو كانوا جميعهم يمثلون زوجة ~~أبيه، يعاملهم باللؤم والخبث والوقيعة والدس والكراهة، أو هو قد ينكسر ~~ويرضى بالهوان وينفصل من المجتمع. # وقس على هذا، أسلوب الحياة الذي سرنا عليه في السنوات الأربع ~~الأولى من أعمارنا يبقى سائر حياتنا، ولا نستطيع أن نغيره إلا ~~بمشقة كبيرة جدا. # | سيكلوجية الدرس # نحتاج في عصرنا إلى الدرس، والإنسان الذي يجهل القراءة ولا يقتني ~~الكتب ولا يعرف نحو عشرين ألف كلمة؛ أي: معنى، هو إنسان بدائي يقف في ~~نصف الطريق بيننا وبين القردة، بل لعله أقرب إليها منا. # نحن نتعلم في عصرنا لا لكي نحترف ونرتزق، كما هو الاعتقاد العام، بل ~~لكي نقرأ الجريدة كل يوم، ونقرأ الكتب ونتصل بأصدقائنا بالرسائل، ~~ونجادل بلغة الكتب التي تزودنا بآلاف الكلمات للتعبير، فنحن نتعلم ~~لكي نعيش، لا لكي نرتزق، ولكي ننمو، وأخيرا لكي ننقل ما تعلمناه إلى ~~الحياة بحيث ترتبط المعارف الجديدة بالنمو النفسي. # وهناك التعلم الآلي الذي نراه في الطفل القبطي يستظهر التراتيل ~~القبطية في الكنيسة ولا يدري معناها، وفي الطفل الهندي المسلم يستظهر ~~القرآن ولا يفهم كلماته، وهذا الدرس آلي، ويجب أن نحذر حتى لا تكون ~~سائر معارفنا من هذا الطراز، والواقع أنه ليس قليل منها يعد في هذا ~~الطراز. # فهناك معارف لا تتصل سيكلوجيا بحياة الشخص الذي يدرسها وليس لها ~~مغزى في حياته، وهي لذلك عبء عليه، تحمله على كراهة الدرس أو إهماله، ~~وإليك هذه الأمثلة: ~~(1) # اللجاة أو السلحفاة البحرية تبيض على الساحل. ~~(2) # السرطان الذي يتسلق نخيل الجوز يبيض في الماء. ~~(3) # للقيطس خمس أصابع. ~~(4) # لحشرة الخشب في جزيرة كريستماس 19 زوجا من ~~الأرجل. # فهنا أربع حقائق يقرأها القارئ فيقول: ما المغزى؟! ولماذا أهتم إذا ~~كانت لهذه الحشرة 19 أو 18 زوجا من الأرجل. # وهو صادق في هذا الاعتراض، وهذه المعارف لو كلفناه استظهارها لكانت ~~آلية لا ينتفع بها، ولكني أنا أهتم بها؛ لأني ms156 اهتممت بنظرية التطور منذ ~~أربعين سنة، ولكل حقيقة من هذه الأربع مغزى في هذه النظرية؛ لأن ~~اللجاة كانت من حيوان اليابسة الذي نزل إلى البحر، ولا تزال أولادها ~~تحتاج إلى اليابسة، والسرطان بحري الأصل، ولذلك لا يزال يبيض في الماء، ~~والقيطس على الرغم من أنه يعيش في الماء إنما هو حيوان يابسة في الأصل، ~~له خمسة أصابع مثل جميع حيوانات اليابسة؛ كالإنسان والبقرة والغزال. ~~وأخيرا هذه الحشرة التي تأكل الخشب في جزيرة كريستماس كانت في الأصل ~~كالجنبري الذي لا تزال له 19 زوجا من الأرجل، وجميع هذه الحقائق توضح ~~نظرية التطور وتبين الاشتراك العضوي بين الأحياء فلها قيمتها ~~الكبرى عندي، ولكن ليست لها مثل هذه القيمة عند غيري. # وعلى هذا الأساس يجب أن تكون كل دراسة عضوية، وعلى هذا الأساس أيضا ~~يجب أن ننقد البرامج والكتب التعليمية في المدارس والجامعات والثقافة ~~عامة، فيجب أن نسأل: ما هي القيمة العضوية في مجتمعنا الحاضر لهذا ~~الكتاب أو لهذه المادة الدراسية في المدارس الابتدائية الثانوية أو ~~الابتدائية، أو لهذا الاتجاه الثقافي في إحدى الكليات؟ # فالفائدة الأولى التي نتبعها في كل دراسة للفرد أو للمجتمع هي أن ~~تتصل هذه الدراسة اتصالا عضويا بهذا الفرد أو بهذا المجتمع. # كي ندرس يجب أن نهتم، والاهتمام هو ثمرة هذا الاتصال العضوي الذي ~~ذكرناه، وإليك هذه الأمثلة: ~~(1) # شاب في سن المراهقة يهتم بقراءة كل ما يتصل بالنمو ~~الجنسي، ورجل في سن الأربعين أو الخمسين لا يهتم بهذا ~~الموضوع. ~~(2) # شاب يخشى عدوى التدرن لضعف حقيقي أو وهمي في رئتيه ~~يقرأ كتابا عن الدرن، وغيره السليم يرفض قراءته. ~~(3) # في مدة الحرب نتهافت كلنا على قراءة الصحف، وقد يقرأ ~~بعضنا الكتب عن هتلر وتشرشل، وفي أيام السلم لا نجد مثل ~~هذا التهافت. ~~(4) # في الأزمات السياسية الاقتصادية تكثر النظريات، ويعود كل ~~منا اقتصاديا أو سياسيا، وفي غير الأزمات تؤدي ~~الطمأنينة إلى ركود. # فهنا ظروف أزمة جعلتنا نهتم، وأدى الاهتمام إلى الدرس؛ أي إنه ~~وجدت عندنا عاطفة الاستطلاع فأوجدت الرغبة في الدراسة. # ولكن ms157 ماذا نفعل إذا وجدنا شابا راكدا لا ينبعث للدرس؟ # يجب أن نثير إحدى عواطفه؛ أي: نبحث عن شيء مكظوم في نفسه ثم نرشده ~~إلى دراسة تتصل اتصالا عضويا بهذا الشيء، ولكل منا كظوم مختلفة تجد ~~الحل أو التخفيف في الدراسة، القاعدة الثانية للدرس هي أن نهتم؛ أي: ~~نجعل الدراسة تتصل بعواطفنا وكظومنا. # وكما أننا لا نأكل ونهضم تماما إلا إذا اشتهينا الطعام، كذلك يجب ~~ألا ندرس إلا إذا اشتهينا الدراسة؛ لأن كل شيء ندرسه بلا اشتهاء سرعان ~~ما ننساه فتكون دراستنا عقيمة، وليست النفس لوحة فتوغرافية يكتب ~~فيها كل ما يمر بها؛ إذ هي في الواقع اختيارية؛ فإني أستطيع أن أذكر ~~حادثا مضى عليه ثلاثون سنة ولا أذكر ما حدث أمس؛ لأن الحادث الأول ~~قد أثار عاطفة قوية فثبت، بل أحيانا يثبت أكثر مما نحب، كما يحدث في ~~ذلك المريض النيوروزي الذي يفتأ يذكر مظلمة قديمة قد مر عليها ربع قرن، ~~أما الحادث الثاني فلم ألتفت إليه لأنه لم يتصل بعاطفتي، والنسيان هو ~~نشاط إيجابي يراد منه ألا تزدحم الذاكرة بأشياء ليس لها قيمة عضوية ~~للنفس. # فالقاعدة الثالثة للدرس هي أن نشتهيه كما تشتهي المعدة ~~الطعام. # وما دمنا قد ذكرنا المعدة والهضم، فيجب أن نذكر أن الذهن يتخم كما ~~يتخم المعدة؛ ولذلك تحتاج صحتنا النفسية أن تكون الوجبة الذهنية خفيفة ~~حتى نجد الوقت للهضم أو التمثيل. وكما أننا لا نستطيع أن نأكل في يوم ~~ما يكفينا أسبوعا، كذلك يجب ألا ندرس في يوم ما كان يجب أن ندرسه في ~~أسبوع. # وعلى هذا المبدأ يكون من الأفضل؛ إذ أردنا مثلا استظهار قصيدة تحتاج ~~إلى ساعتين، أن نقسم هاتين الساعتين على يومين بدلا من جمعها في يوم ~~واحد؛ لأننا بهذه الطريقة نتيح للذهن الهضم والتمثيل. # فالقاعدة الرابعة للدرس هي أن نجعل الوجبة الذهنية خفيفة، وألا نجمع ~~بين وجبتين حتى لا نتخم. # ويجب أن نعرف أنه ليست لنا ذاكرة واحدة بل ذاكرات عديدة، فلنا ذاكرة ~~للأرقام وأخرى للوجوه، وأخرى للأسماء، وأخرى للغة العربية ms158 وأخرى للغة ~~الفرنسية، إلخ، وهذه الذاكرات لا تتبادل؛ فإذا نبغنا في المرانة ~~الحسابية فلن يكون لهذا أي أثر في المرانة اللغوية؛ ومن هنا لا نستطيع ~~أن نقوي الذاكرة بمادة معينة كأن نقول: إن الرياضيات تعلمنا ~~التفكير الحسن؛ لأننا عندما ننتقل منها إلى الطب أو الاجتماع أو ~~الجغرافيا أو الكيمياء لن نجد لهذه المرانة أية فائدة، وقد يحدث ~~قليل من التداخل في هذه الذاكرات، ولكنه قليل جدا لا يؤبه ~~به. # وهذا حسن؛ لأنه إذا كان هناك تداخل لما استطاع الشاب الذي تعلم ~~الكتابة بالكتاب أن يعرف على البيان؛ لأن أصابعه التي تعلمت الدق على ~~الآلة الأولى يجب أن ننساه عندما تدق على الآلة الثانية. # فالقاعدة الخامسة للدرس أن المرانة التي نحصل عليها في مادة ما لا ~~تنتقل إلى مادة أخرى. # وعندما نتعلم لغة أجنبية أو حتى لغتنا نعرف أننا نقرأها بسهولة ولكنا ~~نكتبها بصعوبة، فالقراءة هنا معرفة راكدة سلبية، والكتابة معرفة عاملة ~~إيجابية. # فإذا قرأنا كتابا فلن تكون معرفتنا بالقدر الذي نعرفه به إذا عمدنا ~~إلى تلخيصه مثلا، فلكي ندرس يجب أن نكتب الملخصات، وتفسير هذا سهل، ~~فأنا حين أقرأ أستعمل عيني ولساني، ولكني حين أكتب أستعمل عيني ولساني ~~ويدي، ثم حين أقرأ لا أبذل أي مجهود للاستذكار، ولكني حين أكتب ~~أستذكر. # فالقاعدة السادسة للدرس هي أن أزيد الكتابة على القراءة. # والتشتت الذهني في الدرس أو العجز عن حصر الانتباه في بؤرة يعود ~~إلى أسباب مختلفة، منها: # أننا شرعنا في الدرس وبين يدينا موضوع لم يتم، كأن يحدث أننا نوينا ~~كتابة خطاب ولم نكتبه أو نريد مقابلة لم نتمها، أو كنا نقرأ قصة ونشتاق ~~إلى متابعة فصولها؛ أي إن في النفس كظما يحتاج إلى التفريج، ولكن ~~يجب ألا نخلط هذا التشتت بالصدود الذي نحسه أحيانا في بداية ~~الدرس؛ لأنه يكاد يكون عاديا في كل شخص، وعندما نشرع في الدرس ~~يزول. # وأحيانا نحس تقلقلا على مقعدنا، وهو يدل على أننا نرغب في الحركة ~~أو الرياضة؛ أي إنه قوة مدخرة كالحصان الذي يتقلقل ms159 في مربطه يريد ~~العدو والانطلاق، وهذا التقلقل كظم، وهو كثير عند الشبان. # فالقاعدة السابعة للدرس أن نتخلص من الكظم المانع. # وما هي أحسن الوسائل للدرس؟ ~~(1) # أن نجعل الدرس عادة في أوقات معينة حتى لا نعتمد على ~~مجهود الإرادة ولكن على ميعاد الساعة. ~~(2) # أحسن الأوقات للدرس هو الصباح؛ لأن القوة متوافرة، ولأن ~~أحلام الليل قد خففت الكظوم المانعة بالأحلام حتى حين لا ~~نذكر هذه الأحلام. ~~(3) # أحيانا يكون الدرس مفيدا في المساء؛ لأنه يجمع إيحاءات ~~النهار، ولكن ليس هذا لكل الناس؛ لأن هذه الإيحاءات قد ~~تكون مثبطة. ~~(4) # نوم القيلولة يفيد في الدرس؛ لأننا نكسب به صباحا آخر ~~توافر فيه القوة. ~~(5) # أسوأ الأوقات للدرس هو بين الساعة الأولى والساعة ~~الرابعة بعد الظهر؛ لأن النفس والجسم في استرخاء. ~~(6) # يجب أن نحذر النفس الأخير في الدرس؛ أي: يجب ألا نحمل ~~أنفسنا على النشاط بعد التعب والإعياء؛ فإننا ننجح في ~~تحقيق هذا النشاط ولكن العاقبة انهيار نفسي سيئ. # فالقاعدة الثامنة للدرس هي أن يكون عقب النوم صباحا أو عصرا، وأن ~~نجعله عادة مع تجنب التعب. # كل درس جدي متعب يحتاج إلى حضانة هي مدة الهضم والتمثيل، وإذا ~~كانت المشكلة التي ندرسها شاقة فقد تبلغ الحصانة أسبوعا أو شهرا، ~~وفي هذه المدة الطويلة نستعين بالكامنة (العقل الكامن) الذي يستشير ~~اختباراتنا الماضية فننتفع بها، وكأننا ننظر إلى المشكلة من نواح ~~مختلفة، أو كأن جملة أشخاص يعالجونها معنا. # فالقاعدة التاسعة للدرس ضرورة الحضانة لكل درس جدي. # من شأن المواد التي ندرسها أن تتحيز مكانا معينا، فقد ندرس ~~قواعد النحو مثلا، ومع أننا جميعا نسلم بأن الغاية منها هي الكتابة ~~الصحيحة، فإننا لا ننتفع بها مهما أتقنا أصولها ما لم ننقلها إلى ~~المرانية الكتابية. # وهكذا الشأن في كل دراسة يجب أن ننقلها من حيزها التعليمي الضيق إلى ~~الحياة، ويجب أن يكون هذا النقل الامتحان الحمضي لكل مادة تدرس، هل ~~هي تنقل إلى الحياة؟ أم تبقى معارف محنطة في رءوسنا، ويصدق ~~هذا على الفرد في تثقيفه الذاتي وعلى المدرسة والجامعة. # فالقاعدة ms160 العاشرة للدرس هي ضرورة الاتصال بين العقل والعمل؛ أي: بين ~~الدرس والحياة، ولا قيمة لأي تعلم بغير هذا النشاط. # | التحليل النفسي # مبتدع التحليل النفسي هو فرويد، وكان يلتفت إلى الأمراض النفسية التي ~~تحدث أعراضا جسمية، ولكن بؤرة الاهتمام انتقلت الآن إلى أمراض ~~النفس فقط مثل: الخوف، الشك، الخجل، كراهة العمل، التشرد، الحب الشاذ، ~~إدمان الخمر، إلخ، كأن السيكلوجية قد قنعت بمعالجة الأخلاق وأغفلت - ~~إلى حد ما - تلك الأمراض التي تحدث أعراضا في الجسم كالفالج الكاذب ~~وغيره. # ويجب على كل إنسان أن يعرف كيف يحلل نفسه؛ أي: يجب أن يعرف نفسه وأن ~~يسبر الأعماق التي تحرك نشاطه أو تمنع هذا النشاط، ولكن يجب مع ذلك أن ~~نذكر أن التحليل هو تحليل؛ أي: تفكيك وتفتيت، فقيمته سلبية ننتفع بها ~~وقت المرض النفسي؛ ولذلك نحن في حاجة - بعد التحليل والوقوف على العلة ~~التي تمرضنا - إلى أن نؤلف شخصيتنا من جديد، التأليف هنا هو البناء؛ ~~أي: هو العمل الإيجابي؛ أي إننا نشفي أنفسنا بالتحليل، ثم يجب أن نعود ~~إلى التأليف لكي نكون شخصيتنا من جديد تكوينا سليما. # ويجب أن نذكر أن خير من يحللنا هو شخص آخر محايد، ولكن إذا تعذر هذا ~~فلا بأس من أن نحلل أنفسنا، والطبيب العضوي لا يعالج مرضه، بل لا ~~يعالج مرض زوجته أو ابنه إذ يلجأ إلى طبيب آخر ينظر بوجدانه؛ لأني ~~عندما أعالج نفسي أو ابني يشق علي أن أنظر بالوجدان الصحيح، ~~وكثيرا ما أنساق في تيار العاطفة أو المركبات النفسية السابقة. # ما هو الأساس للاختلال النفسي؟ # هو أن تيار العواطف والدوافع والكظوم - ومعظمها مخاوف مكظومة - ~~يصطدم بالواقع. # وهذه العواطف والدوافع والكظوم تخفى علينا وتحتبس في الكامنة؛ أي: ~~العقل الكامن، ثم تصوغ سلوكنا وتوجهه وجهات فاسدة، أو هي تثور بنا ثورة ~~الانفجار الذي يؤذينا. # والفرق بين السليم والمريض يخفى على كثير من الناس، ويخفى أكثر ~~على المريض نفسه؛ لأن كل ما يجد أن عواطفه حادة، وأن أقرانه لا ~~يبالون أشياء يباليها هو كثيرا، وأن الهم الذي ينتاب ms161 صديقه ساعة ~~يلازمه هو أياما، بل شهورا، وقد لا يلاحظ هو كل ذلك. # اعتبر مثلا هذه الأشياء: الشك، التكمل، الخوف، الطهارة، ~~الاحترام، القلق، الاغتمام، التشاؤم، الذكريات البعيدة. # فإن الشخص السليم يشك، وقد يعاود عمله لكي يثق بأنه على ما أراد ~~أن يكون، ولكن المريض يلازمه الشك في كل ما يعمل تقريبا، وهو يجد أن ~~المعاودة للوثوق والطمأنينة، هذه المعاودة قهرية متكررة. # أو انظر إلى التكمل؛ إذ من منا لا يحب أن يؤدي عمله كاملا؟ ~~ولكن المريض يرفض عملا ما؛ لأنه يخشى ألا يكون كاملا، فيعود عقيما، ~~وهذا العقم يصغره عند نفسه فيحس الهوان والاحتقار. # أو انظر إلى الطهارة؛ فإننا جميعا نحب النظافة، بل أحيانا نغسل ~~أيدينا إذا سلمنا على أحد نشتبه في نظافته، ولكن المريض ~~يجد رغبة قهرية في أن يغسل يده نحو عشرين أو ثلاثين مرة في اليوم ~~بل في الساعة. # وكذلك الشأن في القلق والهم والتشاؤم؛ فإن السليم يحس كل هذه ~~الأشياء من وقت لآخر، وهو يتغلب عليها بوجدانه، إما لأنه يحلها، أو ~~لأنه يهملها إذا لم يجد لها حلا، ولكن المريض يجد أنها تلازمه ~~ملازمة قهرية لا يستطيع التخلص منها، وهذه الصفة القهرية تحيله إلى ~~شخص عقيم لا ينفع نفسه ولا غيره ولا يؤدي عملا مفيدا. # وهذا هو النيوروز؛ أي: احتداد العواطف السيئة وملازمتها بصفة قهرية. ~~وعندنا أن أصلها يرجع إلى الرغبة في الطمأنينة؛ أي إن الخوف، وهو ~~العاطفة الأصلية في الطفل، قد اتخذ صورة أخرى اجتماعية فصار عاطفة ~~محتقنة لا تبرح المريض، وهي تتخذ صورة التشاؤم أو الهم أو الشك أو ~~الطهارة، إلخ. # والشخص النيوروزي هو صورة كاريكاتورية للشخص السليم، انظر إليه ~~وهو يغسل يديه للمرة العشرين لأن أحد الناس قد صافحه؛ فإن يديه قد ~~تهرأتا بالصابون، ومع ذلك لا يزال يحتاج في زعمه إلى التنظف والتطهر، ~~أو انظر إليه وهو يقص عليك أن فلانا قد أهانه في 1925 وأنه قال له كيت ~~فرد عليه بكيت، وأن الحق عليه، وأنه قد عمل كل ما يجب على ms162 الرجل ~~المستقيم الشريف، وأن وأن، مع أن هذا الحادث قد مضى عليه أكثر من عشرين ~~سنة، وأن هذا الشخص الذي يتحدث عنه قد مات، فكل ما نستطيع أن نقوله ~~هنا: إن عاطفة الغضب قد احتقنت عنده وصارت ملازمتها قهرية. # ولكن ما الغاية من هذا الاحتقان وهذه الملازمة؟ لماذا لا يترك هذه ~~الحادثة ويلتفت إلى عمله ويجد كي يقيت أطفاله؟ # ليس بعيدا - كما يقول أدلر - أنه يعمد بهذه الذكريات العقيمة إلى أن ~~يجد سببا، يقنع به نفسه ويظن أنه يقنع به غيره، كي يبرر ~~تعطله؛ أي: هربه من العمل والارتزاق، فالنيوروزي الذي يشكو ~~الهم أو التشاؤم أو الذكرى العقيمة يبغي - من حيث لا يدري - أن يجد ~~الراحة الزائفة في التعطل بأن يقيم من هذه الأشياء عائقا عن العمل، ~~فهو يفر ويلجأ كما يفر السكير إلى الخمر، أو كما يفر أحدنا من وقت لآخر ~~إلى أحلام اليقظة. # فإذا شاء أحدنا أن يحلل نفسه فعليه أن يجيب على هذه الأسئلة: ~~(1) # ما هي الغاية التي أقصد منها إلى الخمر؟ # هل هي أن أهرب من همومي؟ ولماذا، بدلا من ذلك، لا أحل ~~هذه الهموم بوجداني؟ ~~(2) # ما هي الغاية التي أقصد منها إلى التطهر وإضاعة وقتي في ~~غسل يدي؟ # هل هي أن أهرب من العمل الذي أرتزق منه؟ ولماذا أريد ~~الهرب؟ هل لأني أكره زوجتي وأطلب لها الجوع والبؤس؟ أو هل ~~لأني وقعت هذا العمل المكروه وفي أعماق نفسي حب لعمل ~~آخر؟ ~~(3) # لماذا أضيع وقتي في التشاؤم، وما هي الغاية التي أقصد ~~إليها منه؟ # هل هي أن أعتذر لنفسي وأقيم الحجة أمام إخواني بأني لولا ~~هذا التشاؤم لأديت عملا مفيدا؟ # ونحن بهذه الأسئلة نحاول أن نجعل الوجدان (= التعقل والمنطق والنظر ~~الموضوعي) يأخذ مكان العاطفة المحتقنة؛ أي: النيوروز، واللغة الموضحة ~~تأخذ مكان الغموض العاطفي. # ثم يجب أن نزيد على هذا بأن نبحث: ~~(1) # أحلامنا في النوم وأحلامنا في اليقظة كي نقف على ~~الاتجاهات النفسية التي نتجهها على غير دراية منا؛ أي: تلك ~~الكظوم المخبوءة في كامنتنا؛ لأن الحلم ms163 يوضح ~~مكارهنا ومخاوفنا ومحابنا، ويكشف لنا عن سريرتنا التي ~~تنطوي عليها الكامنة. ~~(2) # الأسلوب الذي تعلمناه في طفولتنا، هل كان أسلوب الخوف ~~والجبن والتراجع، أم أسلوب الشجاعة والتفاؤل؟ هل كانت زوجة ~~الأب التي عشنا معها قد اضطهدتنا فجعلتنا نواجه الدنيا ~~بالحذر المسرف والخبث والزيادة في التوقي؟ ثم اندغمت هذه ~~الصفات فصارت تشاؤما عاما أو إيجاسا من المجتمع أو ~~أسلوبا للحياة؟ ~~(3) # لعل هذا الأسلوب كان تدليلا من أم قد أسرفت في الحب ~~وأساءت إلينا به، حتى إذا كبرنا وجدنا أن المجتمع لا ~~يعاملنا كما كانت تعاملنا هذه الأم بالتدليل فجزعنا، وصار ~~هذا الجزع كأنه حق لنا على المجتمع ، حتى صرنا نتهمه ~~باستصغار شأننا، وبأنه لا يقدر نبوغنا، إلخ. ~~(4) # هل أنا انطوائي أميل بطبيعتي إلى الانفراد، ولكني مضطر ~~إلى الاجتماع فأجد على الدوام ظروفا مكروهة أنفر منها؟ أو ~~هل أنا انبساطي يعالجني السرور أو الحزن بلا مبرر؟ ~~(5) # ما هو مركب النقص المختفي عندي، والذي ربما كان يوجه ~~سلوكي من حيث لا أدري؟ # وبعد أن أعرف كل هذا وانتهي من التحليل يجب أن أعود إلى التأليف؛ أي: ~~يجب أن أؤلف شخصيتي من جديد فأضع برنامجا لترقية نفسي شهرا بعد شهر ~~وعاما بعد آخر، وعلي أيضا أن أعتمد على الوجدان دون العاطفة، وأن ~~أداوم التساؤل عند كل مشكلة، هل أنا وجداني أم عاطفي؟ فإذا لم ينجح كل ~~هذا فعلي أن ألجأ إلى سيكلوجي مؤتمن ماهر. # وعلى القارئ أن يذكر أن المسيحي الذي يعترف في الكنيسة على الكاهن ~~يجد الراحة عقب الاعتراف؛ لأن هذا الاعتراف قد أفرج عن كظم لم يكن ~~سعيدا به، كأن يكون قد ارتكب خطيئة عظمت وطأتها على ضميره فلما ~~اعترف انفرج الكظم، وعلى هذا الأساس نجد أن المريض النفسي حين يقصد ~~إلى الطبيب السيكلوجي يقعد إليه في استرخاء ويبوح بكل همومه، ويقول ما ~~شاء من القصص القديمة المختبئة، وهو يرتاح بهذا البوح. # وإذا لم يجد هذا المريض، السيكلوجي الذي يستطيع أن يبوح له بكظومه، ~~فعليه أن يكتب تاريخ آلامه ويعدد الحوادث التي ms164 يعتقد أنها كانت ~~سببا لمرضه ويشرحها، وهو في هذا العمل يجد الراحة؛ لأنه وهو يكتب ~~يعترف، ثم وهو يعترف تنفرج كظومه، والكتابة هنا تنقل الكظم من ميدان ~~العاطفة الغامضة إلى ميدان المنطق الواضح فتتفكك الكظوم. # | التأليف أهم من التحليل # شخصية فرويد هي أضخم شخصية في السيكلوجية العصرية؛ إذ هو كولمبس الذي ~~كشف الأرض المجهولة وخططها ورسم معالمها، وهناك عشرات من الكلمات ~~التي تجري على ألسنة السيكلوجيين تعزى إليه في معانيها ومبانيها، ولكن؛ ~~لأن هذه الشخصية ضخمة؛ فإنها تلقي ظلها على كثير من حقائق هذا العلم ~~الجديد وتحول دون النور الذي يزيد الفهم والمعرفة، ذلك أن كثيرا من ~~الباحثين في هذا العلم يحسون رهبة عند مجرد ذكر اسم فرويد، ~~ويسلمون بكل ما قال، كما لو كانوا يسلمون بعقيدة موروثة وليس برأي ~~يبحث ويناقش، فمن ذلك عقيدة مركب أوديب، ومن ذلك أيضا هذا ~~الاهتمام الكلي بالتحليل النفسي دون التأليف النفسي. # وليس هناك من يشك في قيمة التحليل وضرورته كي نعرف الكظوم والتوترات ~~والمخاوف المختبئة في النفس حين تلتوي وتتسلل في طرق مموجة إلى الخروج ~~والبروز فتشوه الشخصية وتؤذيها، والفضل في كل ذلك لفرويد، ولكن فرويد ~~في تأكيده للضرر الفادح الذي يحدث من الكظم قد حملنا على أن نكبر ~~من شأن الحرية والانطلاق بالاستسلام للرغبات والشهوات والنزوات، وهذا ~~الاتجاه يؤدي في النهاية إلى إيثار الفوضى على النظام، والنزوة الطارئة ~~على التعقل البصير، والاستهتار على التحفظ. وبدهي أن فرويد لم يقصد إلى ~~هذا، ولكن تأكيده لضرر الكظم كثيرا ما يحمل قارئه على هذا ~~الاستنتاج. # ولكن الكظم، في حدود معقولة، مفيد؛ لأنه بخار محبوس إذا أحسن صاحبه ~~التصرف به استطاع توجيهه للعمل النافع على أنه عاطفة تحرك وتدفع ~~وتنشط، وليست المطامع والآمال سوى كظوم يبعثها فينا الوسط الذي لا ~~نرتضيه. # وعندما نتأمل التحليل النفسي نجد أن قيمته كبيرة للباحث الذي يقوم ~~بالتحليل؛ ذلك لأنه يزداد توسعا وفهما كلما تعمق في التحليل، ~~ولكن قيمته للمريض؛ أي: للكاظم المتوتر الملتوي الشاذ، ليست كبيرة، ~~إلا إذا كان هو ms165 أيضا قد استحال إلى هاو للسيكلوجية مشغوف بالبحث، ذلك ~~أن المريض يحتاج إلى التأليف أكثر مما يحتاج إلى التحليل، بل تستطيع ~~أحيانا أن نهمل التحليل ونعمد مباشرة إلى التأليف. # اعتبر رجلا يدمن التدخين أو الشراب، أو هو قد انحرف في سلوكه ~~الجنسي، أو قد وقع في أسطورة اخترعتها كامنته كي يكافح بها الواقع ~~ويلغيه، ففي كل هذه الأحوال نحسن كثيرا إذا أخذنا من التحليل بأقله ~~ومن التأليف بأكثره؛ أي: بدلا من أن ننظر للعواطف باعتبارها مريضة ~~معوجة لحادث سابق إذا نحن كشفنا عنه للمريض تنبه إلى وجدان ~~جديد وتخلص من اعوجاجه، وبدلا من هذا التحليل المضني ، نعمد مباشرة إلى ~~هذه العاطفة المعوجة نقومها؛ أي: إننا ننظر إلى الاعوجاج النفسي ~~باعتباره عادة عاطفية سيئة أو اتجاه نفسي غير سليم، ونقنع بأن نغير ~~العادة السيئة بعادة حسنة؛ أي: نطلب من المريض الشاذ؛ أي: المعوج أن ~~يتغير في أسلوبه النفسي. # ونحن في سلوكنا العاطفي نتعود عادات معينة، وكما أن هناك رجلا يسوق ~~أتومبيله سياقة حسنة بعادات رسخت فيه وآخر يسيء في سياقته بعادات سيئة ~~رسخت فيه، كذلك هناك من يسلك في الدنيا بعواطف اعتادت عادات حسنة أو ~~سيئة، والتربية الحسنة هي في النهاية غرس العادات العاطفية ~~الحسنة. # اعتبر هذه العادات التي تعين لنا سلوكا نفسيا: # السكينة وقت الاضطراب وضد هذا التهيج وقت ~~الاضطراب. # التمالك عند الغضب وضد هذا الاندفاع عند الغضب. # الشجاعة في المواقف الخطرة وضد هذا الجبن في المواقف ~~الخطرة. # التعاون والحب في المعاملة وضد هذا المباراة والتحاسد في ~~المعاملة. # الجلد على التعب والسأم وضد هذا الفرار من التعب ~~والسأم. # البشاشة عند الحديث وضد هذا التجهم عند الحديث. # حب الترتيب والنظام وضد هذا الميل إلى الفوضى. # الاستبشار بالدنيا وضد هذا التشاؤم بالدنيا. # وصحيح أننا حين نربي عواطفنا نحتاج إلى الكظم، ولكنه كظم غير مرهق؛ ~~لأنه يقيد حريتنا بعض الشيء، ونحن نعتاده ونرتاح إليه؛ لأن المجتمع لا ~~يطيق منا أن نعامله بمطلق حريتنا؛ أي: بعواطفنا الحرة، ونحن نكسب بهذه ~~القيود الصغيرة اتزانا عاطفيا ms166 ييسر لنا العمل في مجتمع متمدن ~~كثير القيود؛ أي: مجتمع غير فطري؛ إذ أننا لا نعيش في الغابة ولا ~~نستطيع أن نستسلم لعواطفنا الحرة. # ولذلك يجب أن نجعل التأليف النفسي في المقام الأول نهدف منه إلى ~~إيجاد عادات عاطفية جديدة لا تصطدم بالمجتمع، والهدف الأخير من التربية ~~هو تكوين الشخصية التي تتألف من عادات عاطفية اجتماعية حسنة، وخير لنا ~~أن نقول للمريض أو الشاذ أو المعوج: إن حالته السيئة هذه ترجع إلى ~~عادات عاطفية سيئة تحتاج إلى التغيير، من أن نقول له: إنها ترجع إلى ~~مركبات سيئة تحتاج إلى التحليل المتعب الذي يتطلب وقتا طويلا وبحثا ~~في الأعماق، ولنضرب على ذلك مثلا. # رجل قد اعتاد الشراب في المساء حتى كاد أن يتلف صحته ويفقر أهله، ~~وعند التحليل نجد أن الذي أوقعه في هذه العادة زوجة منافرة لجوج قد ~~جعلت البيت حافلا بألوان العذاب المادية والمعنوية لهذا الزوج، بحيث ~~صار عندما تحين عودته في المساء إلى البيت يحس ضيقا وكراهة ~~واغتماما منشؤها بالطبع تلك الكظوم التي بعثتها فيه هذه الزوجة، وهو ~~يجد في طريقه الدواء، أي: الخمر، التي يفرج بها عن هذه الكظوم، فينهض ~~من الكأس وهو مرتاح ويدخل بيته مسرورا. # فإذا عمدنا إلى التحليل النفسي اضطررنا إلى أن نوضح لهذا الزوج ~~مقدار التعاسة النفسية التي أحدثتها زوجته له، وقد يكون لهذا الإيضاح ~~عاقبة سيئة في العلاقات الزوجية بينهما، ولكن إذا تركنا التحليل وعمدنا ~~إلى التأليف فإننا نعجل له الشفاء دون أن نغرس فيه مركبات سيئة ضد ~~زوجته، كأن نبحث له عن عمل أو نشاط في المساء يصح أن يكون، أو يقارب، ~~هواية يشغف بها وتشغله عن الخمر، كالانضمام إلى أحد الأندية، أو تنشيط ~~الضيافة في منزله حتى يجد من الزائرين المحبوبين ما يربطه بالبيت، أو ~~نحمله على أن يتناول غداءه في الساعة الخامسة من المساء، حتى إذا شبع ~~كانت معدته ممتلئة في ميعاد الشراب فتغنيه عنه، ونحن هنا نعوده ~~عادات جديدة تبعث فيه عواطف جديدة يرتاح إليها دون الحاجة إلى ms167 الخمر، ~~وهذا بالطبع لا يمنع النصح للزوجة وتبصرتها على انفراد بعواقب ~~سلوكها. # أو اعتبر شابا مراهقا قد وقع في العادة السرية وانغمس فيها ~~إلى حد الضرر. فإن التحليل هنا يكاد يكون عقيما، ولكن التأليف مفيد؛ ~~فإننا مثلا نهيئ له جوا اجتماعيا يحرمه الانفراد الذي يتيح ~~فرصة الممارسة لهذه العادة، وأيضا نساعده في دروسه حتى يسر ~~بالنجاح؛ فإن العادة السرية كثيرا ما تنشأ من الاغتمام للتخلف أو ~~الفشل في الدروس، والشاب يلجأ إليها كي يرفه عن نفسه ويسري ~~عنها هذا الاغتمام. فإذا أتحنا له النجاح بمعلم خاص فإن إلحاح هذه ~~العادة عليه يخف، أو نحمله على الرياضة في ناد يجد فيه الأقران ~~والحديث والمباراة والتعاون؛ أي إننا نوجهه وجهة اجتماعية بدلا من ~~الوجهة الانفرادية الانعزالية التي انغمس فيها وأصبحت جوا مهيئا ~~للعادة السرية، بل كذلك الرقص يؤلف شخصيته من جديد ويحمله على التفكير ~~الاجتماعي الحسن، ونحن بهذا كله نربي عواطفه ونكسبه أسلوبا ~~جديدا للسلوك ينتقل به من الانفرادية إلى الاجتماعية ومن المرض الجنسي ~~إلى الصحة النفسية، وهذا هو ما نعني به من عبارة التأليف النفسي الذي ~~يجب أن يأخذ في كثير من الأحوال، مكان التحليل النفسي. # وأرجو القارئ ألا يفهم أني أستصغر قيمة التحليل النفسي، ولكني أجد من ~~ناحية أنه شاق جدا، إلا في حالات تكاد تكون استثنائية حين يهبط ~~المحلل مصادفة على حلم في النوم أو اليقظة يكشف فجأة عن العقدة؛ ~~أي: المركب الذي أدى إلى المرض أو الشذوذ أو القلق، وكثيرا ما يسأم ~~المريض من طول المدة التي يحتاج إليها التحليل، وقد يبعثه السأم على ~~تركه، ومن ناحية أخرى أجد أن هناك اقتناعا بأن التحليل هو الألف ~~والياء مع أنه ليس كذلك؛ لأن المريض في كثير من الحالات بعد أن يعرف ~~العقدة السيئة التي انتهت به إلى حالته لا يستطيع أن يبرأ من هذه ~~الحالة؛ لأنه قد تعود منها عادات عاطفية نفسية يجد هو نفسه فيها ~~قسرا لا فكاك منه؛ لأن للعادة قوة كبيرة، ثم هناك شيء آخر يجعل ms168 فائدة ~~التحليل مقصورة، هو أن المريض الذي ينتفع من التحليل يجب أن يكون ~~مستنيرا قادرا على التعمق، بل قادرا على أن يفلسف، وهذا المريض ~~نادر بالطبع. # وكثيرا ما أحس عندما أجد هوة العمق التي يحاول أن يتعمقها ~~المحللون أني أحب أن أقول تلك الكلمة التي قالها إسحق الموصلي - على ما ~~أظن. فقد وجد شاعرا يتعمق المعاني ويعقدها ويشدها كأنه يصنع ~~منها شبكة أو تيها فقال له: «الشعر أيسر من هذا.» # أجل، إن النفس البشرية أيسر من هذا ولا تحتاج إلى كل هذا التعمق، ~~وحسبنا منها أن نوجه ونؤلف ونعين الخطط لبناء الشخصية المفككة، ~~ونحن بهذا نجد السرعة التي تحتاج إليها كما نجد الاستبشار والحماسة من ~~المريض. # | الزيغ الجنسي # شيوع الأمراض النفسية في الأفراد هو برهان على أن المجتمع نفسه سيئ؛ ~~لأن هذا الشيوع يدل على كظوم كثيرة لا يطيقها الأفراد، ولذلك يقعون ~~ضحايا لها بالشذوذ، ثم النيوروز، ثم السيكوز. # والنزوع الجنسي هو كل شيء عند فرويد - مؤسس التحليل النفسي - أي إنه ~~يعتقد أن كل نوازعنا وأمراضنا تقريبا تعود إليه، وإلى ما أحدث من ~~مركبات جنسية بين الطفل وأمه، وهو يرى أن الاشتهاء الجنسي يغمر الطفل ~~حتى وهو يرضع، ولكن هذا الاشتهاء عنده ليس مركزا في بؤرة كما هي الحال ~~عند الكبار؛ إذ هو معمم مبهم يشيع في أنحاء جسم الطفل، فهو يرضع ~~مثلا فيما يشبه اللذة الجنسية كما أنه يلتذ الاحتكاك. # وتبدأ الشهوة الجنسية تتجمع عنده في بؤرة هي الأعضاء التناسلية حوالي ~~سن الثامنة، فتتنبه الأعضاء، وأحيانا يسوء حظ الطفل فيقع مثلا في يد ~~خادمة تزيد تنبهه بالعبث بهذه الأعضاء، وهذا التنبه يؤذيه عندما يبلغ ~~الرابعة عشرة أو قبيل ذلك حين تعود نفسه إلى هذه الذكرى التي تركتها له ~~الخادمة بالعبث فيقع في العادة السرية التي تبدأ عبثا. # وفيما بين الثامنة والثالثة عشرة تقريبا يعيش الصبي حياة غير جنسية، ~~ثم يبدأ في المراهقة، والتنبه الجنسي يغمره بقوة وبطش، حتى لا يعرف كيف ~~يتصرف، وهو لا يجد النصيحة أو الإرشاد؛ ولذلك ms169 يحار ويأخذ في مباشرة ~~تجارب جنسية شاذة، فيقع في الشذوذ في هذه السن لطغيان العاطفة الجنسية، ~~وللحرمان الذي يلاقيه في الوقت نفسه للجنس الآخر، والفصل بين الجنسين ~~في مجتمعنا، بل في كل مجتمع آخر تقريبا، هو السبب لهذا الشذوذ؛ ولذلك ~~قد يقع المراهق في العادة السرية، أو يتعرف إلى الصبيان الذين في سنه ~~أو أصغر منه تعرفا جنسيا شاذا. # وهذا التعرف الشاذ هو - كما قلنا - ثمرة الحرمان، حتى إن كثيرا من ~~الحيوانات، وخاصة القردة، تعرفه وتمارسه، ولكن هذا الشذوذ يزداد إذا ~~ازداد الحرمان، كما هو المشاهد في الأمم الشرقية، حيث الفصل بين ~~الجنسين من التقاليد المرعية ، والأدب العربي مليء بالتغزل بالصبيان ~~لهذا السبب. # ولننظر أولا إلى العادة السرية؛ فإنها تفشو بين 95 في المائة من ~~الشبان أو أكثر، وهي تبدأ في المراهقة حوالي سن 13 و14، وأولئك الذين ~~تنبهت عندهم العاطفة الجنسية حوالي سن 8 أو 9 يقعون فيها بسهولة أكثر ~~من غيرهم أيام المراهقة، ونعني بكلمة التنبه هنا أن الخادمة مثلا قد ~~لعبت بالطفل في هذه السن المبكرة فدربته على التحسس والعبث، وتركت في ~~نفسه ذكرى هذه اللذة فيعود إليها في المراهقة، والشاب الانطوائي يقع في ~~هذه العادة أكثر من الشاب الانبساطي؛ لأن الأول يؤثر الاعتزال أو ~~الاعتكاف، وكلاهما يساعده على ممارسة هذه العادة، كما أنه يستسلم ~~لخواطر اليقظة وهي تنبه العاطفة الجنسية، وكثير من الشبان يعيش فيما ~~بين 13 و16 كما لو كان في شيزوفرينيا خفيفة له عالم آخر مؤلف من ~~أحلام اليقظة التي يلتذها ويعيش فيها وهو بعيد عن الواقع. # وإذا كان الشاب يمارس العادة السرية في اعتدال فلا خطر منها، ونعني ~~بكلمة اعتدال أنها لا تزيد عن ثلاث أو أربع مرات مثلا في الشهر، أما ~~إذا زادت فإننا يجب أن نعالجها بالوسائل التالية: ~~(1) # أن نكسب ثقة الشاب المتهالك على هذه العادة بحيث يأتمننا ~~ويصرح بكل ما يعمل. ~~(2) # ألا نبالغ في ضرر هذه العادة حتى لا يشيع الخوف عنده ~~فيزداد قلقه؛ لأنه قد يبرأ من العادة ثم ms170 يقع في القلق ~~وتتكاثر عليه الأوهام والوساوس بشأن صحته الجسمية وسلامته ~~العقلية. ~~(3) # أن نحمله على اهتمامات وهوايات كثيرة تشغل فراغه، وأن ~~نسخو له بالمال كي يشتري الكتب ليقرأ، ويقصد إلى السينما ~~توغراف، ويتعلم الموسيقا أو الرقص أو الألعاب الرياضية، ~~ويقضي إجازة أسبوع أو شهر في بلدة أخرى ونحو ذلك. ~~(4) # أن نخلق له نشاطا اجتماعيا لذيذا، بحيث يقضي معظم ~~وقته وهو مع غيره، فلا يجد الفرصة للانفراد إلا قليلا؛ ~~لأن الانفراد يهيئ له الخواطر الجنسية التي تدفعه إلى ~~ممارسة هذه العادة. ~~(5) # الرقص مفيد في هذه الحالات، إذا كانت الظروف الاجتماعية ~~تسمح به؛ لأنه يعيد الشاب إلى الواقع، ويمنع الاسترسال في ~~الأخيلة الجنسية، وقد وجدت أنا أن الشاب عقب الرقص يترك ~~هذه العادة لما يحس فيها من خسة ودناءة، وما يجد ~~في الرقص من شهامة ورجولة. ~~(6) # يجب أن نذكر أن هذه العادة تتفاقم عند الشاب وقت ~~الاغتمام والهزيمة كالخيبة مثلا في الامتحان، وهي تضعف ~~وقت النجاح والسرور؛ لأنها لذة عابرة تخفف من الغم ~~والانحطاط أو الكرب النفسي؛ ولذلك يجب أن نساعد الشاب على ~~النجاح ونملؤه استبشارا بالمستقبل. # وحوالي سن السابعة عشرة يخف إرهاق العاطفة الجنسية، بل هي قد تتشعب ~~إلى استطلاع جنسي سليم، أو إلى استطلاع ثقافي أو اجتماعي أو علمي، وهذا ~~حسن. # وهنك شذوذان آخران يقع فيهما الشبان: # أحدهما: # الالتفات إلى الصبيان، وثد تثبت هذه العادة وتبقى ~~إلى ما بعد الزواج، فتحدث أذى فادحا في العلاقات ~~الزوجية، كما أن العادة السرية قد تفدح أيضا وتبقى ~~إلى ما بعد الزواج، ولكن الأغلب أن الزواج يمحو هذه ~~العادة، أما الاتصال بالصبيان فكثيرا ما يعجز الزواج ~~عن محوه من النفس، وقد يكون لهذا الشذوذ أصل عضوي؛ أي ~~إن مرجعه ليس نفسيا فقط. # والشذوذ الآخر: # هو التعرف إلى البغايا؛ فإن البغي التي تشترى ~~منها اللذة بالنقود تعامل بغير حب أو صداقة أو ~~احترام؛ ولذلك سرعان ما يتركها الشاب وهو مشمئز، ~~والعادات الجنسية تثبت في النفس؛ ولذلك عندما يتزوج ~~هذا الشاب يعامل زوجته بالسرعة والهرولة التي ms171 كان ~~يعامل بها البغي، فتسوء العلاقة بين الزوجين؛ لأن ~~الزوجة تغدو محرومة. # وعبارة «تثبت في النفس» يجب أن نقف عندها قليلا في حديثنا عن الزيغ ~~الجنسي، فقد يتعود الشاب مع الفتاة - التي يخشى على عذريتها - عادات ~~الاحتكاك الخارجي، ويصل كلاهما إلى ذروة الشهوة الجنسية بالاحتكاك فقط، ~~فتثبت هذه العادة فيهما، والفتيات يقعن في هذا «التثبيت» أكثر من ~~الشبان؛ لأنهن يخشين الحمل، فيتعودن الاحتكاك الخارجي، وقد يكرهن بل ~~يشمئززن من الاتصال الجنسي التام، وهذا زيغ له عواقبه السيئة الفادحة ~~في الزواج، بل قد تقع الفتاة في «تثبيت» آخر هو أنها تجد اللذة والمتعة ~~في المغازلة بالحديث والتقبيل والتجميش وتقف هنا، ولا تتنقل إلى مرحلة ~~أخرى، بل ترفض في اشمئزاز هذه المرحلة الأخرى، وقد زادت القصص ~~السينمائية هذا الاتجاه في الفتيات؛ لأن القصة تنتهي على الشاشة، بعد ~~جهاد المحبين إلى القبلة، كأن القبلة هي المرحلة الأخيرة. مع أنها - في ~~النظام النفسي الجنسي - ليست سوى إحدى الدرجات؛ وبذلك تعود المغازلة ~~عند الفتاة كل شيء أو أكبر الأشياء؛ أي إنه يحدث «تثبيت» في ~~القبلة. # وأفدح الأمراض الجنسية هي العنة؛ أي: العجز عن التعارف الجنسي، ~~والعنة في المرأة جمود لا أكثر؛ أي إنها تقف الموقف السلبي في التعارف ~~الجنسي، ولكنها قد لا تمانع، أما في الرجل فإن العنة تعني العجز عن ~~إتمام التعارف الجنسي، ولهذه الحال أسباب كثيرة: ~~(1) # نذكر في أولها اعتياد العادة السرية مدة طويلة؛ لأن هذه ~~العادة تجعل معتادها يألف الأخيلة والخواطر الجنسية، حتى ~~ينتهي إلى النفور من الواقع، ولكن ليست هذه الحال خطرة؛ ~~لأنه سرعان ما ينسى هذه العادة عقب الزواج. ~~(2) # وكذلك اشتهاء الصبيان قد يحمل صاحبه على العجز عن ~~التعارف الجنسي مع زوجته، وهذه العادة أثبت من العادة ~~السرية، وأحيانا لا يشفى صاحبها إذا كان السبب عضويا ~~وليس نفسيا، ولكن هذا الذي يتعسر شفاؤه لا يبلغ واحدا ~~في المائة من هؤلاء الزائغين النفسيين. ~~(3) # قد تحدث العنة لأن الحب يتغلب على الشهوة، وهذا الكلام ~~غريب على القارئ، ولكن قليلا من التأمل يوضحه، ms172 فإن العروس ~~قد تكون فائقة في الجمال، وعندئذ يحس العريس كأنه يعبدها، ~~وهو عندئذ يرفعها فوق هذا الرجس؛ أي: الاتصال الجنسي؛ ~~فإننا نشأنا على أن التعارف الجنسي نجاسة، وأن الطهارة ~~تقتضي تجنبه؛ ولذلك عندما يشتد الحب يضعف الاشتهاء، وقد ~~تحدث العنة لذلك، والعلاج سهل جدا، وقليل من الإرشاد من ~~أحد السيكلوجيين يزيل هذه العنة، ويحسن أن يكون هذا ~~قبل الزواج. ~~(4) # ويحدث كثيرا أن تردد العريس قبيل الزواج وحيرته في ~~اختيار الزوجة، هذه أو ذاك، يحدثان عنة تدوم ما دامت هذه ~~الحيرة، وهي تزول بزوالها؛ أي: عندما يستقر على ~~رأي. ~~(5) # يحدث للمتزوج عقب الزواج بسنة أو بعشر سنوات أو أقل أو ~~أكثر، أن يصاب أيضا بالعنة، وهذه الحال تعود إلى كراهة ~~قد استقرت في الكامنة، كأن النفس تحتج على هذا الزواج ~~المكروه، أو تعتل بالعنة لتجنب الزوجة وإهانتها، وكثيرا ~~ما تكون الزوجة، بتصرفها السيئ، مسئولة عن هذه ~~الحال. # هذه هي أهم الأسباب لهذه الحال التي يعدها العريس أو الزوج ~~خطيرة، وهي في أغلب الأحيان في غاية البساطة والسهولة. # لا تزال هناك بعض ملحوظات بشأن هذا الموضوع نلقيها للقارئ بلا ترتيب، ~~منها: الرجل أقدر من المرأة على الحرمان الجنسي؛ لأن اهتماماته الكثيرة ~~تشغله، ولكن التزام المرأة لبيتها يحملها على اجترار الخواطر الجنسية ~~في أحلام اليقظة، وفراغها كثير، ولذلك أحلامها هذه كثيرة، ثم إن الجنس ~~اشتهاء وحب وأمومة عند المرأة، وهو أقل بالطبع من ذلك كثيرا عند ~~الرجل، والتغير الكبير الذي يعقب انقطاع الحيض عند المرأة يدلنا على أن ~~للجنس قيمة فسيولوجية لها أكبر من قيمته عند الرجل. # يحمل مجتمعنا المرأة على أن تتجنب التفريج الجنسي، وهذا شأن كل مجتمع ~~متمدن، مع أن الحال ليست كذلك في الرجل، ولهذا المنع أثر سيكلوجي آخر؛ ~~لأنه ينتقل من التخصيص إلى التعميم، فكما أننا قد رأينا أن الحيرة في ~~اختيار الزوجة تحدث عنة قبل الزواج عند الشاب، كذلك يؤدي هذا المنع ~~عند المرأة إلى انكفافها في النشاط مهما يكن نوعه وإلى تخلفها ~~الاجتماعي. # الحرمان الجنسي مجهود ms173 كبير جدا، وهو يشبه مجهود الصائم الذي يفكر ~~في الطعام ما دام جائعا؛ فالمحروم يجتر الأحيلة الجنسية أكثر من ~~المتزوج، وقد يقال: إنه سينسى بعد مدة طويلة هذا الاجترار الجنسي، ولكن ~~إذا صح هذا فقد تأكد الضرر؛ لأن الحال الطبيعية السليمة أن الرجل لا ~~يصح أن ينسى المرأة إلى حد الاستغناء التام، ويجب لهذا السبب أن ينظم ~~المجتمع بحيث لا يطول هذا الحرمان. # الحرمان يضر النيوروزي أكثر مما يضر السليم. # وهناك بالطبع شذوذات جنسية أخرى أقرب إلى الإجرام منها إلى الشذوذ، ~~كالرجل يضرب المرأة ويقسو عليها إلى حد الموت تقريبا كي يؤدي الاتصال ~~الجنسي، وقد يقتلها في هذا الاتصال، وعندما نتأمل الاتصال الجنسي عامة ~~نجد أن فيه شيئا من القسوة؛ لأنه في صميمه عدوان، والمريض النفسي ~~يبالغ في هذا الاتجاه، حتى تصير قسوته قتلا أو تعذيبا بدلا من أن ~~تتخذ الصيغة المألوفة كالعض أو الإيلام الخفيف، وهذه القسوة تسمى ~~«سادية» وأحيانا تنعكس الصيغة فيكون الشذوذ رغبة في التألم، وهذا ما ~~يسمى «المازوكية» كأن يطلب الرجل أن يضرب قبل الاتصال الجنسي، وهذا ~~الميدان الجنسي يخصب للشذوذات الكثيرة، كالمجنون الذي يفتح القبر كي ~~يفسق بفتاة ميتة، إلخ، وهؤلاء الشاذون يسمون «سيكوبائيين» أي إنهم ~~سويون عقلاء في الحياة العامة، ولكنهم شاذون في هذه النقطة أو تلك ~~(انظر فصل الشخصية السيكوبائية). # | النظر السيكلوجي للإجرام # النيوروز هو كظم لا ينفرج يضيق به الإنسان كالغيرة أو الخوف أو القلق ~~أو الشك؛ أي إنه جنون العاطفة. # والسيكوز هو تفريج مخطئ زائف للكظم السابق الذي تفاقم حتى صار ~~نيوروزا لا يستطاع تحمله، ذلك أن السيكوزي يخترع أسطورة يسكن إليها، ~~أو خيالات يرتاح إليها، فتذهب عنه الكظوم التي لم يكن يطيقها، كالأم ~~التي تركها ابنها، فهي بين الشكوك التي لا تطاق، هل هو عائد أم لا؟ وحي ~~أم ميت؟ فعاطفتها في عذاب وتمزيق لا يطاقان، وهذا هو النيوروز، وفي ذات ~~صباح تجد أنها قد استيقظت وهي مرتاحة ساكنة إلى خيالات جديدة وأساطير ~~لذيذة؛ بأن ابنها قد عاد وقابلها يوم ms174 أمس وتحدث إليها، وأنه سيحضر هذا ~~المساء، وعندئذ يعد السيكوز جنون العقل الذي حل محل النيوروز؛ أي: ~~توتر العاطفة وجنونها. # والإجرام يعد - من الناحية السيكلوجية - تفريجا لكظم سابق؛ أي ~~إن المجرم نيوروزي ضائق مثلا بفقره، أو - بالأحرى - بعوزه، يجد أن ~~حاجاته أكثر من مقتنياته، فهو كاظم قد احتقنت في نفسه أحقاد أو توترات ~~مختلفة تطالبه بالتفريج، وغير المجرم يلجأ إلى الخمر مثلا فيفترج، ~~وغيره يلجأ إلى أحلام اليقظة فيفترج أيضا، ولكنه هو يلجأ إلى الجريمة، ~~ومن هنا خطره على المجتمع، والإجرام - بهذا الاعتبار - يعد سيكوزا ~~أو نيوروزا، ويجب لذلك أن يجد المعالجة السيكلوجية، ولكنا ما ~~زلنا نعالج المجرمين بقانون العقوبات، وهو قانون عاطفي وليس ~~وجدانيا؛ لأننا - حين ننفذه - ننتقم ولا نتعقل. # والمشاهد أن الذكاء في المجرمين أقل قليلا من المتوسط العام؛ ~~أي: أقل من مائة، ولكن الإجرام لا يعود إلى نقص الذكاء؛ لأن هناك ~~آلافا من الأفراد دون المائة؛ أي: دون المتوسط، ومع ذلك يعيشون العيشة ~~السوية في المجتمع، ولكن سبب الجريمة هو الكظم الذي لا يجد منفرجا إلا ~~بهذا الانفجار الإجرامي، وقد سبق أن قلنا: إن المجتمع الحسن هو ذلك ~~الذي تقل فيه الكظوم، ولا تتفاقم حتى لا تؤدي إلى الجنون أو إلى ~~الإجرام؛ ومن هنا نفهم أنه حيث يكون الحرمان المالي أو الاقتصادي أو ~~الجنسي أو الترفيهي نجد الإجرام، وعلى قدر هذا الحرمان يكون ~~الإجرام. # وقد سبق أن قلنا: إن ضمير الإنسان في مجتمعنا مؤلف من ثلاث ذوات: ~~(1) # الذات البيولوجية الغريزية التي نشتهي بها الطعام ~~والأنثى والسيطرة، إلخ. ~~(2) # الذات الاجتماعية المؤلفة من التقاليد والعادات ~~الاجتماعية. ~~(3) # الذات العليا التي تنتقد وتتبصر وتتألف من الدين ~~والأخلاق والمثليات. # وواضح أن الذات الأولى هي أرسخ وألح الذوات في ضميرنا؛ لأنها هي ~~الذات الفطرية الأولى؛ أي: الذات الحيوانية الكامنة، وهي لا تكاد تقبل ~~تعليما أو تعديلا؛ ولذلك يؤدي حرماننا من الطعام أو الأنثى أو ~~السيطرة إلى الإجرام، وكلمة السيطرة هنا تعني أشياء كثيرة، كالحصول على ~~المال والمقام والوجاهة، والشعور بالرغبة في الانتقام عندما ms175 نجد ~~الإهانة أو الحط من مكانتنا، إلخ، وعندما نكون تحت سلطان الخمر أو أي ~~مخدر آخر تسفر الذات البيولوجية وتخمد الذات الاجتماعية والذات العليا، ~~وكلنا يعرف مثلا أن المجرم يلجأ أحيانا إلى الخمر كي يخمد أو يميت ~~هاتين الذاتين الأخيرتين، وهو ينجح في ذلك، فيعود عقب الشراب وليس به ~~سوى الذات البيولوجية فيسلك سلوك الحيوان. # وكي نتقي الجريمة يجب أن: ~~(1) # نعمل على توفير الحاجات للذات البيولوجية، بإيجاد نظام ~~التكفل الاجتماعي، فلا يجوع أحد لأنه متعطل، بل ينظم ~~المجتمع بحيث لا يكون به تعطل بتاتا، وإذا وجد - وهذا ~~نفسه مرض - فإنه يحب أن يؤدى تعويض للمتعطل على تعطله حتى ~~يجد العمل، وكذلك ينظم الزواج بحيث يكون مستطاعا حوالي ~~العشرين من العمر، وليس هذا شاقا إذا عممنا تعليم ~~الفتاة حتى تعمل إلى جانب زوجها عملا كاسبا، وإذا ~~عممنا وسائل منع الحمل حتى لا يرهق الزوجان في سن مبكرة ~~بكثرة الأولاد، وليس في العالم أمة متمدنة تهمل في أيامنا ~~التكفل الاجتماعي، فإن الدولة تعنى بالصحة والتعليم ~~وتغذية التلميذ في المدرسة، وهي تئوي المريض في المستشفى ~~وتؤدي تعويضا عن التعطل وتمنح الحامل أجرة كاملة في ~~الأسابيع الأخيرة للحمل وعقب الوضع، كما أنها تمنح ~~المسنين معاشا إلخ. # وهذا التكفل الاجتماعي يشبع الذات البيولوجية ويبعث ~~الطمأنينة والرضى فتقل الجرائم، وإلى الآن لا تعرف مصر هذا ~~التكفل، ومن ينصح به ينبز بالشيوعية من المستغرضين أو ~~من البله والمغفلين. ~~(2) # يجب أن يقل التفاوت الاجتماعي (الاقتصادي) بين السكان ~~حتى يقل الكظم، فلا يعيش إنسان بثلاثة قروش في اليوم ويعيش ~~آخر بثمانمائة جنيه في اليوم، كما هي الحال في مصر، وإني ~~أذكر هنا أجور الكناسين الموظفين في المجالس البلدية في ~~بعض مدن أوروبا إلى جنب أجور الوزراء، فهي في السنة (من ~~إحصاء 1930): # في لندن # الكناس 145 جنيها # والوزير 5000 جنيه # في برن (بسويسرا) # الكناس 223 جنيها # والوزير 1600 جنيه # في كوبنهاجن (دنمركا) ~~[الكناس] 150 جنيها # والوزير 900 جنيه # في ستوكهلم (سويد) ~~[الكناس] 210 جنيهات # والوزير 1300 جنيه # وواضح أن قلة ms176 التفاوت هنا تؤدي إلى الرضا، في حين أن ~~عظم التفاوت عندنا بين مرتب الوزير وأجرة الكناس في ~~المجلس البلدي يؤدي إلى السخط؛ أي: الكظم فالإجرام، ~~والمقارنة هنا رمزية؛ لأننا نقصد منها إلى أن هناك آلاف ~~الأفراد الذين يحصلون على مرتب رئيس الوزارة وملايين ~~الأفراد الذين يحصلون على أجرة الكناس، والإجرام يقع من ~~الأفراد الساخطين الكاظمين بين هؤلاء الملايين، ولا يقع من ~~أولئك المرفهين الراضين الذين يحصل كل منهم على نحو عشرة ~~جنيهات في اليوم. ~~(3) # ويجب أن تتوافر الاهتمامات للشبان والفتيان، وعندي أن ~~الفرق في أغلب الحالات بين الشخص الطيب الذي لا يأكل نفسه ~~بالحقد والكظم وبين الشخص السيئ الذي يتحرى الإيذاء هو أن ~~الأول كثير الاهتمامات اللذيذة التي تملأ نفسه وتشغل ذهنه ~~فتتبدد أحقاده وتتشتت كظومه، أما الثاني فمكظوم لم تنفرج ~~كظومه، فهو يحمل هموما ولا يشتغل باهتمامات، وقد تكون هذه ~~الاهتمامات مسليات سخيفة عند البعض، وهي تضر هذا الشخص ~~الذي يمارسها لأنها تبعثر ذكاءه ومواهبه وإن كانت تمنعه من ~~الأذى، والمجتمع الحسن هو الذي يهيئ لأفراده الاهتمامات ~~العالية النافعة كالثقافة بالكتاب والجريدة، وكالأندية ~~والألعاب الرياضية، والتنزه على الشواطئ والسياحة، إلخ؛ ~~أي: يجب على المجتمع الحسن أن يساعد الذات الاجتماعية ~~والذات العليا على أن تتوافر لهما وسائل الحياة ~~والقوة. ~~(4) # وواضح أننا لا نستطيع أن نهمل القدوة والإرشاد مدة ~~الطفولة؛ لأن الإجرام قد يكون في النهاية أسلوبا عاطفيا ~~تعلمه الطفل من أبويه ولا يستطيع الإقلاع عنه، وقد ~~صارت كمالا - الفتاة الهندية التي أرضعتها ذئبة فنشأت معها ~~وأخذت بأسلوبها - ذئبة في كل شيء إلا هيئة الوجه، ~~ونسيت إنسانيتها الفطرية حتى القوام تغير فصارت تجري ~~على أربع كالذئبة، وأذكر هنا الطفل المدلل الذي لا يطيق ~~المعارضة من أحد ويأبى إلا أن يتسلط على غيره وتكون له ~~الكلمة الأولى، وما يؤدي هذا إلى عناد فانتقام، وأذكر ~~الطفل المضطهد وألوان الخبث التي تعلمها في طفولته كي ~~يتقي بها هذا الاضطهاد، وهذا الأسلوب الذي تعلمه كل ~~منهما يعيش معه سائر حياته ويؤذيه كما يؤذي المجتمع، وهنا ms177 ~~يجب أن نذكر أن بعض الولايات المتحدة تعد «العود» في ~~الجريمة في عائلة المجرم وليس في شخص المجرم وحده؛ وذلك ~~لأنها تجد أن عائلة المجرم مسئولة عن إجرامه، وأنه أخذ ~~بأسلوب الجريمة منها. # والخلاصة أننا يجب في معالجة الجريمة أن نستبدل الطبيب ~~السيكلوجي الاجتماعي بالقاضي الجنائي، ويجب أن ندرك أن ~~المجرم ثائر بلا ثورة معينة، متوتر النفس في غير حق أو ~~بحق، لا يعترف به مجتمعه (انظر فصل الشخصية ~~السيكوبائية). ~~(5) # كي نتقي الجريمة يجب أن نتجنب في تربية الطفل تدليله أو ~~اضطهاده، ويجب ألا نسأم من تكرار ذلك. # | الشخصية السيكوبائية # حين نتحدث عن الانحرافات الجنسية أو عن الإجرام نيوروزا أو سيكوزا ~~نجد أننا نتمحل وأننا نعجز عن أن نصوغ كثيرا من الانحرافات الأخلاقية ~~في قالبي النيوروز أو السيكوز. # ذلك أننا نلتقي بناس كثيرين يعيشون في المجتمع ويستمتعون بالكرامة ~~والوجاهة أو الثراء والمركز، نحادثهم فنجد العقل المتزن والاهتمامات ~~السياسية أو الاجتماعية، لهم عائلات يعولونها وأولاد يهتمون بمستقبلهم، ~~وغير ذلك مما يدل على الحياة السوية الخالية من الشذوذ، ثم نفاجأ يوما ~~بأن هذا الوجيه الذي كنا نعرف فيه أخلاقا سوية واتزانا نفسيا، بل ~~وروحا كريمة قد ضبط في جريمة الشذوذ الجنسي مع صبي قاصر، ثم تثبت ~~التحقيقات أنه عريق في هذه الجريمة التي مارسها منذ عشرين أو ثلاثين ~~سنة، وأن له عادات بشعة في الشذوذ الجنسي مع الصبيان، وقد استطاع طوال ~~هذه السنين أن يخفي جرائمه؛ لأنه لا يزال متمتعا باتزانه، يستطيع ~~التفكير الحسن. # ثم نجد لغيره شذوذا آخر مع البغايا، كأن يضربهن ويؤلمهن بما يسمى ~~السادية، أو يطلب هو أن يضربنه ويؤلمنه بما يسمى المازوكية. # ونجد غيره ينهم إلى الجنس الآخر، ويتكلف التكاليف الباهظة كي يصل ~~إلى غايته، حتى ولو اقتضت هذه الغاية خيانة أصدقائه وتعرض عائلاتهم ~~للتشتت عندما تنفضح علاقاته الجنسية، وهو يجري وراء غايته كأنه في ~~حمى. # وأحيانا نجد رجلا ثريا ليس في حاجة إلى المال، ولكنه مع ذلك ~~يتعب ويعرق كي يسرق أفراد عائلته: إخوته أو أقربائه الذين ms178 ~~يشتركون معه في تجارة أو زراعة، وكي يصل إلى غايته يرتكب التزوير ~~والنصب، وإلى هذه الأخلاق لا يتورع من الذهاب إلى المسجد أو الكنيسة ~~للصلاة ولا يعد نفسه مجرما. # وأحيانا نجد سيدة وقورة لها زوج وأولاد، وهي تدير بيتها على خير ما ~~يطلب منها، ثم يمر على مسكنها بائع الطماطم فتشتري منه رطلين، ~~وقد لا يزيد ثمن الرطل على نصف قرش، ولكنها مع ذلك تغافل البائع وتسرق ~~طماطمه، ثم قد تذهب إلى مخزن تجاري كبير وتشتري من الأقمشة ما تبلغ ~~قيمته عشرين جنيها، ومع ذلك تمد يدها إلى منديل لا يزيد ثمنه على عشرة ~~قروش فتسرقه، وهذا هو ما يسمى «كليبتومانيا». # وأحيانا تجد رجلا أنيسا يحب الكتب ويقتنيها ويبحث موضوعاتها في ~~ذكاء وخبرة، ولكنه مع ذلك متعطل، لا يثبت على عمل، ولا يثابر على ~~إنجاز مهمة، وهو يتنقل في سهولة من عمل إلى آخر كأنه متشرد، ولا يبالي ~~أن يكسب له غيره ويتعب، بينما هو يحصل على الثمرة، ويقضي وقته على ~~القهوة ينفق ما حصل عليه؛ فإذا قصر هذا الذي يتعب له سبه، وقد يتعدى ~~عليه بالضرب، كأن له حقا عليه في أن يعوله. # فهؤلاء جميعا وأمثالهم، يسلكون سلوكا عاديا ليس فيه ما يلفت ~~النظر، عواطفهم عادية ليس بها كرب أو ضيق، وتفكيرهم سليم ليس فيه ~~خيالات جنونية، ولكنهم في ناحية معينة، يخفونها عنا أو لا يخفونها، ~~يسلكون سلوكا غير اجتماعي يؤذي الناس أذى عظيما، ومن الإسراف أو ~~التسامح أن نقول: إن بهم نيوروزا أو سيكوزا. # ولهذا السبب أطلق على هؤلاء اسم السيكوبائيين؛ أي: أولئك الذين ~~يتسمون بجنون أخلاقي، حتى ليكاد أحدهم يحترف الكذب أو التزوير أو ~~الوقيعة، فيكون بلاء علينا جميعا، ولكنا لا نستطيع أن نزجه في ~~مارستان أو سجن؛ لأنه - بذكائه - يحرص على ألا يقع في مخالفة خطيرة، ~~وإذا وقع فيها حرص على أن يتستر، وقد روى الدكتور صبري جرجس في ~~كتابه عن السيكوبائية أمثلة كثيرة من هؤلاء الشاذين. # وأول ما نجد من الصفات عند هؤلاء الشاذين مما ms179 يفتح بصيرتنا إلى ~~تفهم حالتهم؛ أنهم مارقون في ذاتية مسرفة، فشعارهم: أنا، أنا، أنا، ~~يبغون النجاح وأحيانا يتفوقون، وليس للغير أية مكانة في حسابهم، ~~وهم على استعداد لأن يدسوه، وصفة أخرى تلازمهم هي الاندفاع وجحد ~~العقل، وصفة ثالثة هي نقص الاتزان الأخلاقي الاجتماعي؛ فالقيم والأوزان ~~الاجتماعية لا تحتل مكانها في نفوسهم، فلا يبالي الرئيس السيكوبائي أن ~~يفصل الفراش من وظيفته؛ لأنه أهمل إهمالا بسيطا، وأولاد هذا الفراش ~~وزوجته ليس لهم مكان في نفس هذا الرئيس، وصفة أخرى هي أن هؤلاء ~~السيكوبائيين لا يعرفون هدفا للحياة، فهم يعيشون جزافا، وحاضرهم يغمر ~~كل شيء، ليس للمستقبل عندهم قيمة كبيرة. # والآن اعتبر أيها القارئ هذه الصفات كلها: ذاتية مسرفة تقول في ~~كل شيء: أنا ، واندفاع بلا تعقل، ونقص في الاتزان الأخلاقي الاجتماعي، ~~وانعدام الهدف للحياة، وإيثار الحاضر على المستقبل. # اعتبر كل هذه الصفات ثم تأملها، ألست تجد أنها جميعا صفات الطفل ~~المدلل الذي نشأ على أن يقول: أنا، في كل شيء، ولا يعرف المسئولية ولا ~~يبالي الغير ولا يفكر في المستقبل؟ # ولكن الطفل المضطهد أيضا، بل ربما أكثر، ينتهي إلى الشخصية ~~السيكوبائية؛ لأنه في طفولته أهين وضرب وطرد وحرم، ~~فاضطر إلى اتخاذ أسلوب من المكر والخبث والسرقة والوقيعة والغش كي ~~يحمي نفسه إزاء الاضطهاد، ثم بقي معه هذا الأسلوب ورسخ فهو يعامل ~~المجتمع به ويعود مجرما يعامل هذا المجتمع بالإجرام الخفي كما كان ~~يعامل زوجة أبيه. # هذا التعليل يفتح بصيرتنا للفهم في مشكلة الشخصية السيكوبائية، ولكنه ~~لا يوضح لنا كل شيء فيها. # ومع ذلك هذه الشخصية السيكوبائية قد لا تكون كلها سوءا؛ إذ هناك من ~~السيكلوجيين من يفرض أن العبقرية قد تكون هي أيضا سيكوبائية؛ لأن ~~العبقري كثيرا ما يتسم بسماتها، فلا يبالي المجتمع وقواعده، واستهتار ~~الكثيرين من الأدباء والفنانين مشهور، ثم يتسم العبقري بالإسراف ويبيح ~~لنفسه من الحرية والتفكير ما لا يبيحه لأنفسهم أفراد الجمهور، وهو ~~أيضا مقلقل، وهذه القلقلة تحمله على غزوات فكرية مختلفة، والعبقري ~~والسيكوبائي يتفقان في أن قالب المجتمع ms180 لا يصوغهما كما يصوغ الأفراد ~~العاديين، وهذا فرض يستحق التفكير، ولنتوسع قليلا في الشرح: ~~(1) # الطفل المدلل قد تعود الأنانية وكراهة التحمل ~~للمسئوليات، والمجتمع يصدمه من وقت لآخر صدمات مؤلمة، فهو ~~يثور عليه ويتخذ أساليب سرية في هذه الثورة عليه، والإجرام ~~بعض هذه الثورة. ~~(2) # الطفل المضطهد أكثر ثورة من الطفل المدلل، وأكثر مكرا ~~أو ميلا إلى الأساليب السرية، فقد اضطهدته زوجة أبيه ~~مثلا، فتعود - كي يعيش في بيت يكرهه - أن يحتال ~~ويسرق ويغش ويمشي بالوقيعة؛ فإذا كبر بقيت فيه هذه ~~الأساليب ضد المجتمع كما كانت ضد زوجة أبيه، فهو ثائر على ~~المجتمع يقدم على الجريمة بلا مبالاة؛ لأنه - في أعماق ~~كامنته - ينتقم من المجتمع الذي يمثل زوجة أبيه. ~~(3) # كأننا نقول في هذين المثالين السابقين: إن التدليل ~~والاضطهاد يحدثان ثمرة مرة في النفس تشبه الثمرة ~~التي يحدثها مركب النقص، فنحن هنا إزاء حقد محتقن على ~~المجتمع زرعت بذوره في الطفولة، ولكن مركب النقص ~~يحدث ضررا فادحا واتجاها سيئا في أكثر من 90 في ~~المائة من الحالات، ويحدث أقل من 10 في المائة من الأثر ~~الحسن، كذلك التدليل والاضطهاد يؤديان إلى الضرر والسوء في ~~نحو 90 في المائة من الحالات؛ أي: يؤديان إلى الشخصية ~~السيكوبائية: شخصية الإجرام الخفي أو الجنون الخفي، ولكن ~~في 10 في المائة قد يؤدي التدليل والاضطهاد إلى الشخصية ~~العبقرية؛ لأن الذكاء قد يسعفه هنا فلا تكون الثورة ~~على أوضاع المجتمع تنتقد في تعقل وتبرز عيوبها في ~~إيضاح. # | إحدى الشخصيات السيكوبائية # هؤلاء المجرمون يعيشون بيننا ويقلقوننا، وجرائمهم خفية لا يستطاع ~~الكشف عنها وفضحها، وهم في ظاهرهم عاديون سويون لا يبدو عليهم ~~أي شذوذ، بل هم قد يحصلون على براعة فنية، يكسبون بها وينالون بها ~~الاحترام؛ ومن هنا العجز؛ أي: عجز المجتمع عن منع شرورهم. # ولد منذ اثنتين وستين سنة في عائلة متوسطة من عائلات الصعيد، وجاء ~~مولده بعد خمس بنات، وأبواه على شوق لأن ينجبا بغلام، ثم عاملاه ~~بتدليل مسرف بحيث لم يكن يطلب أي شيء مهما كان باعثه من ms181 ~~النزق إلا ويجده حاضرا أمامه، وكان له خادم خاص يقضي به النهار كله، ~~وهو يتنزه على حمار خاص. # وهو - أي هذا الغلام - كان مزودا بالنقود التي يبعثه نزقه على ~~أن يشتري بها كل ما يرغب فيه، لا يجد معارضا أو مناقضا، ومعنى هذا ~~أنه عاش في السنين الخمس الأولى وهو يتمتع بسلطان مستبد، ثم نشأ بعد ~~ذلك على أن يعامل كل الناس بسلطان مستبد يطلب الطاعة؛ فإذا لم يجدها ~~بطش وضرب وعربد. # لم يعرف قط كيف يتعاون مع الناس، بل عرف فقط كيف يعاند ويبطش، ~~ويذكر عنه أنه حين كان في السابعة أو الثامنة من عمره كان يخرج إلى ~~الشارع ثم يعاكس المارة من نساء أو رجال، من الخلف، بأسلوب جنسي ~~فاضح، ثم يسترضي أبواه ضحيته ويعتذران إليه، دون أن يعاقبا ابنهما ~~حتى يكف عن هذه العادة، وكان له كلب ضخم يطلقه على المارة ~~فيعقرهم أو ينبحهم ويفزعهم، ثم يأتي أبواه فيسترضيان هذا الشخص، ~~ونشأ بعد هذه التربية السيئة على ان يعتقد أو يحس أن أفراد الجمهور ~~إنما خلقوا كي يكونوا موضع لهوه وضحكه، يضربهم ويضحك ويشتمهم ~~ويضحك ويطلق كلبه عليهم ويضحك، ثم يحس أيضا أن له الحق في أن ~~يطلب كل ما يدفعه النزق إلى طلبه؛ وبذلك تكون له أسلوب هو ~~أسلوب حياته الذي لا يزال ملازما له إلى الآن في 1947 وهو في الثانية ~~والستين من عمره، فقد أدى هذا التدليل المسرف إلى أنه كان يضرب أخاه ~~الصغير، بل كان يضرب أمه بالعصا حتى كان يجرحها، ذلك أنه تعود ألا ~~يقول له أحد: لا، فلما بلغ السابعة عشرة أو الثامنة عشرة لم تعد أمه ~~قادرة على أن تلبي كل طلباته فكان يضربها باستمرار، وكانت تلمذته في ~~المدرسة هي التربية الوحيدة التي انتفع بها قليلا؛ لأن زملاءه من ~~التلاميذ أجبروه على أن يسلك في معاملتهم بشيء من اللياقة ~~المتمدنة، ولكن هذا السلوك لم يستطع أن يتغلب على أسلوب الطفولة الذي ~~تعلمه، فكان إذا خرج من المدرسة وعاد إلى البيت ms182 أثار حربا على أمه ~~وإخوته يشتم ويضرب ويؤذي ويحطم، ثم تزوج بعد ذلك فلم يمض شهر على ~~زواجه حتى كان يضرب زوجته بمثل ما كان يضرب أمه في استهتار عجيب، وهذا ~~إلى تعاطي الخمور إلى حد الإدمان، واصطدم ذات مرة بوالد زوجته فضربه ~~أيضا، وبقي بعد ذلك نحو أربعين سنة وهو يذكر هذه القصة ويشرح ~~تفاصيلها، سواء أكان في صحوه أم سكره، ويضحك مبتهجا بأنه ظفر بخصمه ~~وتغلب عليه. # وأغرى أخاه الأصغر على أن يكتب خطابات بذيئة إلى أقاربه، وهو يوهمه ~~أنه يؤدي عملا حسنا بها، وكان أخوه دون السن التي يستطيع فيها ~~التقدير فكتب هذه الخطابات، ثم عرف بعد ذلك أن ذلك الشقيق الذي ~~أغراه بكتابتها بعث يعتذر في اليوم نفسه إلى جميع من كتب إليهم ~~ويلعن أخاه لأنه كتبها، وكان في كل هذا يسلك في أسلوب سيكوبائي ~~عجيب! # وحانت له فرصة فسرق مصوغات والدته وباعها، ولم يستطع أحد من ~~إخوته أن يحمله على رد هذه المصوغات أو أن يعرضه للعقوبة، ذلك أن إخوته ~~كانوا حسني التربية اجتماعيين، يحب بعضهم بعضا؛ لأنهم لم يعرفوا ~~التدليل مثله. # بل الحق أن من يتأمل هذا الشخص يجد أنه ارتكب السرقة أكثر من ~~عشرين مرة، فسرق أمه وسرق إخوته، بل كان يسرق المزارعين، ثم مع ذلك كان ~~يفخر بهذه السرقات، وكانت له أخت فقيرة لم يتورع من أن يسرق منها نحو ~~ثلاثين جنيها مما يشبه خيانة الأمانة، وهذا في الوقت الذي كان أحد ~~إخوته الآخرين يتبرع لها من ماله الخاص بنحو ستين أو سبعين ~~جنيها. # وكان يمارس شذوذا جنسيا خطرا، ولكنه - مثل جميع السيكوبائيين - ~~كان قادرا على ستر جرائمه فلم يفتضح، وكان بعد ذلك بسنوات يقص جرائمه ~~هذه وهو يضحك ثم يضحك ثم يضحك. ذلك أن أسلوب الطفولة الذي تعلمه حين ~~كان يدلله أبواه في السنين الأربع الأولى من عمره قد لازمه وما زال ~~يلازمه إلى الآن. # ولكن مع هذا الذي ذكرنا، هناك أفظع وأبشع، ففي ذات مساء كانت أم ~~زوجته في بيته ms183 تزور ابنتها، وباتت ليلتها في بيته فرأى الفرصة سانحة ~~لأن يضحك أضخم ضحكة في حياته، فشرب حتى سكر - كما يفعل المجرمون العتاة ~~كي يخفوا جرائمهم - ثم فسق بحماته اغتصابا، وهو إلى الآن يقص هذه ~~القصة ثم يضحك ويضحك ويضحك، ولا يبالي أن يشرح كيف كانت زوجته المسكينة ~~تقاوم وتحاول حماية أمها، بل إن هذا الأسلوب نفسه، أسلوب النزق إلى حد ~~الإجرام قد عامل أولاده به، فقد كان له أربعة صبيان حاول أن يمنعهم من ~~أن يتعلموا؛ وذلك لأنه وقف منهم موقف العناد كما لو كان طفلا يعاند ~~أطفالا، فقد اضطر أحدهم إلى الانقطاع عن الجامعة؛ لأنه رفض أن ~~يجدد له تذكرة الاشتراك في الأتوبوس، أو يعطيه نفقات الانتقال اليومي ~~من البيت للجامعة، وبلغ من استهتاره أن حرم ابنا آخر له من ~~نفقات تعلمه في إيطاليا، حتى اضطره أن يجوع ويقطع خمسين كيلو ~~مترا على قدميه لأنه لا يجد أجرة القطار. # وكان شقيقه يبصر بحالته ويفطن إلى حد ما للبواعث التي ~~حملته على هذا السلوك، أي: هذه الجرائم، وكان هذا الشقيق يرفق به ~~ويستصلحه ويبدي له العطف، ومع ذلك جاء آخر أيامه يحاول أن يسرقه ~~ويدبر له المعاكسات في الخفاء. # عاش اثنتين وستين سنة وهو سلسلة متصلة من الجرائم البشعة، ولكن يد ~~القانون لم تمتد إليه قط؛ لأنه بما وصل إليه من تعليم - إذ كان ~~مهندسا - استطاع أن يخفي جميع جرائمه، وصحيح أن أفراد عائلته - بل ~~أقاربه - قد قاطعوه حتى بات منعزلا في أواخر أيامه، ولكن هل هذا ~~الجزاء يكفي مثل هذه الحياة الإجرامية؟ # ومع كل هذا الذي ارتكبه هو معذور؛ لأنه دلل، وأسرف أبواه في ~~تدليله، حتى أصبح سيكوبائيا لا يحس أية مسئولية اجتماعية، ولا ~~يبالي أي أذى ينزله بالناس. لا، بل حتى بأمه وإخوته وزوجته وأولاده، ~~فضلا عن الغرباء، ولا يعرف معنى للبر أو الشرف، فالمسئولية على أبويه ~~وليست عليه. # ونحن مضطرون إلى أن نعيش مع هؤلاء السيكوبائيين عاجزين عن أن ~~نعين جريمتهم أو جنونهم، ومرجع هذا تدليل وجده ms184 هؤلاء ~~المساكين في الطفولة عين أسلوبا في التصرف ثم تحجر هذا ~~الأسلوب حتى بقي إلى شيخوختهم لا يعرفون كيف يغيرونه. # وليس في هذا الشخص ما يدعو إلى الشبهة في نقص أو خلل وراثي، أولا: ~~لأنه أثبت أن كفايته الذهنية غير ناقصة؛ إذ حصل على دبلوم الهندسة ~~العليا، وثانيا: أنه ليس بين إخوته واحد يشبهه في هذه الأخلاق؛ إذ ~~كلهم سويون اجتماعيون، ولكن مما يستحق الذكر هنا، أنه على الرغم من ~~حصوله على شهادة الهندسة العليا لم يشتغل قط بالهندسة؛ إذ قنع ~~بإيراده من أرضه الموروثة، وهذا يدلنا على أنه لو لم يكن وارثا ~~يعيش بتراث من أبيه لارتكب جرائم أخرى في سبيل العيش. # | النيوروز # النيوروز كلمة عامة للكرب العاطفي الذي نضيق به ونتألم منه، فنعجز عن ~~أداء عملنا ونأرق في الليل، ونجتر الهموم في النهار، ونبقى في خوف أو ~~شك، ولكن العقل في كل هذا سليم ليست به خيالات جنونية، وربما عندما ~~تتقدم السيكلوجية تترك هذه الكلمة العامة أي: «نيوروز» وتعين التوترات ~~النفسية كل منها باسم خاص. # وللنيوروز عامة علامات عشر وضعها السيكلوجي أدلر يصف النيوروزيين ~~وهي: ~~(1) # أن النيوروزي يجهل معنى الحياة ولا يعرف أية قيمة ~~للتعاون الاجتماعي، فهو مثلا مخاصم أكثر مما هو ~~مصالح. ~~(2) # هو أناني لا يخدم غيره، ولكلمة «أنا» عنده ~~الأولوية. ~~(3) # هو في خوف دائم أو متردد «والهم والقلق خوف ~~متردد». ~~(4) # يحاول أن يحدث لنفسه إحساسا ذاتيا «غير موضوعي» كي ~~يشعر بالقوة، كأن يشرب الخمر أو أي مخدر آخر، أو ~~يستسلم لخواطر اليقظة. ~~(5) # يقول: «لا أقدر» وفي صميم قلبه يقول: «لا أريد.» ~~(6) # يعيش بهدف نيوروزي قد تكون له في الطفولة؛ لأنه كان ~~مدللا أو مضطهدا، ففي الحالة الأولى يحاول استبقاء ما ~~كان يتمتع به من التدليل، مع أن الظروف لا تؤاتيه، وفي ~~الحال الثانية يحاول أن يعيش فيما اخترعه لنفسه من أهداف ~~كي يزوغ من الاضطهاد. ~~(7) # يعلل فشله أو خيبته بأنه يحمل شخصا آخر أو ~~شيئا آخر تبعة هذا الفشل أو هذه الخيبة كأن يقول إنه ~~مريض، ms185 أو إنه لم يتعلم، أو إنه لم يرث، إلخ. ~~(8) # يبذل مجهودا زائفا كي يبدو أمام الناس أنه غير مسئول ~~عن فشله. ~~(9) # تتسم حياته بأنها عقيمة، وأنه غير مفيد للمجتمع. ~~(10) # يؤثر الاعتزال على الاجتماع. # هذه هي العلامات التي نعرفها في النيوروزي، ونتيجتها أننا نجده ~~عاجزا عن ممارسة العمل الكاسب، وعن إيجاد علاقة اجتماعية حسنة، بل هو ~~أحيانا يعجز عن إيجاد علاقات جنسية حسنة. # ويتبسط أدلر في شرح النيوروز فيقول: إنه يرجع في بعض الأحيان إلى ~~صدمة ما، فيستغل النيوروزي هذه الصدمة كي يفر من مسئوليات الحياة، فلا ~~يعمل ولا يتعب، انظر إلى رجل أهانته زوجته ودأبت في الإهانات فيما ~~يقارب الفضيحة، وعجز هو عن الانتقام، فبقيت التوترات، فهو يفتأ يذكر ~~هذه الإهانة يقصها عليك وعلي كأنها أفسدت حياته، وأنه ~~لولاها، إلخ. إلخ، والنتيجة أنه يعيش عاطلا عقيما. # وقد لا يعود النيوروز إلى صدمة معينة مذكورة، ولكن إلى أسلوب التدليل ~~أو الاضطهاد الذي كابده الطفل في طفولته، ثم وجد بعد أن بلغ الشباب أن ~~هذا الأسلوب قد باعد - بل فصل - بينه وبين المجتمع. # ويقول أدلر: إن النيوروزي يكاد يتضرع إلينا: «اعذروني يا ناس، أنا ~~وقعت بي هذه المصيبة، أنا عاجز عن العمل لأني دميم الوجه (= مركب ~~نقص) والناس يضحكون مني، كيف أتزوج بهذا الوجه؟» # ويرد أدلر في حكمة عالية: «لنفرض ذلك، وأنه قد وقعت بك مصيبة كما ~~يقع المرض بالإنسان، ولكن لسنا في حاجة لأن تصف لنا ما فعله بك ~~المرض وأن تبكي على هذا، بل أخبرنا ماذا فعلت أنت بالمرض؟» # أجل، لو شرع هذا النيوروزي في أن يفعل شيئا بهذا المرض إذن ~~لشرع في علاج نفسه. # وعندما يضرب النيوروزي عن العمل والكسب والاجتماع والزواج يقول: ~~«ماذا عندي من كفايات؟» ويقعد متعطلا عقيما، يجب أن نقول له نحن: ~~«ماذا فعلت بالقليل الذي عندك من الكفايات مهما قلت ومهما ~~صغرت؟ ماذا فعلت بها؟» # لأن النيوروزي عندما يشرع في عمل ما بأقل كفاياته، عندئذ يشرع في أن ~~يكون سويا كسائر الناس. # وإذا أردت أن ms186 تعرف أيها القارئ هل أنت سوي أم نيوروزي فاسأل نفسك: ~~ما هو موقفي في العمل والحب والاجتماع والفراغ؟ وعلى قدر نجاحك في ~~هذه الأربعة تكون سويا، وعلى فشلك فيها أو في أحدهما تكون ~~نيوروزيا. # وأخيرا ينصح أدلر باتخاذ هذه الحكمة: كن خدوما، اخدم الناس، ~~أعط بسخاء، ولا تكف عن العطاء، أعط نقودك وذهنك وتعبك لخدمة ~~غيرك، اكسب المال كي لا تكون عبئا على غيرك، وأحبب وتزوج وعل عائلة، ~~آنس الناس واجتمع بهم وتعاون معهم، واملأ فراغك بما يفيدك ويفيد ~~غيرك. # وكان أدلر اشتراكيا؛ لأنه وجد أن المباراة تحدث التوترات ~~النفسية التي يجب أن نتجنبها، وأن الاشتراكية تعاون وخدمة ~~وحب. # يحدث النيوروز - بل يكثر - إذا كان الوسط يطالبنا بمجهود شاق ~~ونحن - لسبب ما - نعجز عن القيام به ، وهو أكثر حدوثا من المتاعب ~~الصغيرة المتكررة كل يوم من الصدمة العنيفة تقع مرة في حياتنا؛ ولذلك ~~نحن نعجز عن تحمل التوبيخات والإهانات والتهديدات، كل يوم، من الرئيس ~~أو الحماة، ولكنا نتحمل الإفلاس يقع مدة ويقضي على أموالنا ولكنه لا ~~يتكرر كل يوم. # وكالطفل يكون متعبا أو كارها للدرس ثم نحمله على الدرس ~~بدلا من أن يلعب، وكالمراهق ترهقه الغريزة الجنسية ثم نحرمه ونطالبه ~~بواجباته اليومية. # وكالجندي في المعركة يحيط به الخوف من كل جانب ونطالبه ~~بالشجاعة. # وفي هذه الحالات الثلاث نجد كظما؛ أي: توترا لا ينفرج؛ أي نجد ~~صراعا بين الوسط وبين الشخص انتهى بعجز الشخص. # وسلامة الشخصية تقاس بالانتصار في الجهات الأربع للحياة: العمل، ~~والاجتماع، والحب، والفراغ، ونعني النجاح فيها كلها، أما إذا اقتصر ~~النجاح على واحدة منها، والأغلب عندئذ أن يكون النجاح عظيما؛ فإن هذا ~~الناجح نيوروزي، كذلك الذي يرصد كل قوته للنجاح فينجح فيه، ثم ~~يفشل في عائلته أو مجتمعه وفراغه. # وانظر إلى خاصة التشعع في النيوروز حين ينتقل من بؤرة محلية فيشمل ~~الحياة كلها: # شاب اعتاد العادة السرية، أو أغواه آخر أن يفسق به فاشمأز؛ ~~فالاشمئزاز هنا يتشعع، وعندئذ يشمئز من البصاق والمخاط والعرق ومصافحة ~~الناس، بل يشمئز من ms187 الخبز؛ لأن بائعه يحمله بيده ويلامسه، ثم يشمئز من ~~الطعام الذي طبخته الخادمة؛ لأنها تدخل الكنيف، ثم يشمئز من الماء لأنه ~~يوضع في كوب قد شرب منه غيره، إلخ. # وانظر إلى الطيار قد استولى عليه الخوف وهو طائر، فهو يخاف أزيز ~~موطرها، مع أنه على الأرض الراسخة بين أهله، ثم يفزع من إقفال الباب، ~~ثم يخاف البلكون ويعتقد أنه سيقع به، ويخاف الظلام، ويخاف الفضاء، ~~ويخاف المستقبل. # أو انظر إلى شاب يشك في أمانة خادمه ويخشى سرقة أوراقه أو ~~نقوده من درج المكتب، فهو يعود كي يستوثق أنه أقفله، ثم يتشعع الشك ~~فهو يشك في أمانة زوجته أو إخوانه، ويشك في النيات التي ينطوي عليها ~~رئيسه نحوه ويشك في المستقبل، إلخ. # والنفس البشرية بطبيعتها انبعاثية موطرية لا تقف الموقف السلبي ~~ولا تركد، وما هو أن تجد الحافز حتى تتحرك؛ ولذلك فإن الشك أو الخوف أو ~~الاشمئزاز يبدأ في جزء منها ثم يتفشى في أنحائها. # ومحال على مثل هذا النيوروزي أن يؤدي عمله كما ينبغي، وهو في أغلب ~~الحالات يحيل ويتبرم ويرضى بالخيبة والفشل؛ لأنهما أروح إلى ~~نفسه، وهو يبررهما بالحال التي هو فيها، والنجاح يحتاج إلى جهد ليس ~~في مستطاعه. # انظر إلى نيوروزي آخر: رجل فشل في كل ما يعمل. # ابحث أحلام اليقظة وأحلام النوم عنده تجد أنه يحلم بالانتحار، ~~ويمارس الانتحار في لذة وليس في خوف في هذه الأحلام، وقد يرغب في الفشل ~~لأنه يكره زوجته أو عائلته كلها، وفي أعماق كامنته (عقله الكامن) أن ~~فشله يعود عليهم بالضرر، فهو ينتقم منه به، كما ينتقم الصبي من أبويه ~~حين يرفض مذاكرة دروسه؛ لأنه يرى منهما غيرة عليه ورغبة في أن ينجح، ~~وهما يفرحان بنجاحه وهو لا يريد لهما فرحا. # وعندما تتحدث إلى هذا الفاشل يقول لك: إن عنده رغبة في النجاح ولكن ~~الظروف معاكسة، ولكن الرغبة لا تكفي، وكلنا نرغب بعواطفنا في أن نكون ~~أثرياء، ولكنا لا نحيل رغبة العاطفة إلى إرادة الوجدان، ولو صارت ~~الرغبة إرادة لجهدنا وعملنا ms188 على تحقيق النجاح وتخلصنا من جميع ~~العقبات القائمة، وعندئذ نربط الأمنية بالواقع ونشرع في ~~التنفيذ. # والنيوروز أي: جنون العاطفة، نبسطها على الشخصية، هو الطريق إلى ~~السيكوز؛ أي: جنون العقل بإيجاد خيالات واختراع قصص ترتاح إليها ~~الشخصية، ولكن يجب ألا ننسى أنه لا يصل إلى السيكوز سوى واحد في الألف ~~أو أقل وإننا كلنا؛ أي: المائة، نصاب في وقت ما بالنيوروز، وهو يزول ~~عنا دون أن نبالي به كالرشح أو غيره من الوعكات الخفيفة في ~~الجسم. # النيوروزي عاطفي انفعالي، وكي نعالجه يجب أن ننقله إلى الوجدان ~~بالنظر الموضوعي؛ أي: يجب أن نقول له: لا تنفعل، تعقل، ونحلل ~~شخصيته ونفلسف له، ونشعره أنه إنسان متمدن، ونغير القيم الأخلاقية ~~التي يعتمد عليها - وهي في الأغلب زائفة - إلى قيم صحيحة يرتاح إليها ~~الرجل الحكيم، أجل. يجب أن نحيله حكيما. # وإذا تفاقم النيوروز انقلب أحيانا إلى هستيريا؛ أي إن عاطفة الخوف ~~مثلا عند الطيار «اختمرت» في الكامنة ثم انبجست عن شلل في ذراعه، أو ~~عاطفة الكراهة للزوجة قد اختمرت في الكامنة ثم انبجست في الزوج عن عمى ~~فلا يرى الدنيا. # الشلل والعمى كاذبان، وهما مجهودا النفس كي تتخلص في الحالة الأولى ~~من خطر الطيران وفي الحال الثانية من رؤية الزوجة، وليس هنا سيكوز؛ لأن ~~العقل لا يزال سليما، ولكنا نفهم من هذه الهستيريا أن النيوروز قد ~~تفاقم؛ أي إن الشهوات والرغبات والعواطف الكامنة قد ثارت وانفجرت ~~لأنها لم تطق الاحتباس. # والنيوروزي يعالج بالصبر والفطنة والحب؛ أي إننا نحلل نفسه ونضيف ~~إلى التحليل شيئا من الإيحاء - بل الهبنوتية إذا كانت حاله متفاقمة - ~~ونحاول أن نسبر أعماقه ونحمله على الثقة حتى نرده إلى الوجدان، ثم ~~نرسم له - في ضوء ظروفه - خطة بنائية تملأ نفسه استبشارا وتشغل فراغه ~~وتؤلف شخصيته المزعومة من جديد. # | السيكوز # الفصول السابقة هي للتنوير والإرشاد، ولكن هذا الفصل للتنوير فقط؛ ~~فإن السيكوز هو أخطر الأمراض النفسية، ولذلك يحتاج إلى المتخصص كما تجب ~~المبادرة في علاجه، ولا يجوز للمؤلف أن يتقدم بنصيحة أو إرشاد فيه، ms189 ~~وإنما يقتصر على التنوير. # وقد تكون هناك أسباب جسمية أو مادية نجهلها في أصل السيكوز، بل قد ~~يكون هذا أيضا في أصل النيوروز، وفرويد نفسه لم يستبعد هذا الأصل، ~~ولكن إلى الآن نجهل أي شيء يتصل بأصول جسمية سواء للنيوروز أو ~~السيكوز. # وقصارى ما نعرف الآن أن النيوروز والسيكوز كلاهما يعود إلى احتباس ~~العواطف والشهوات، وأن الأول هو اختلال عاطفي أحدث كربا وضيقا ~~ولكنه لم يبلغ العقل، ولكن الاختلال في الثاني قد بلغ العقل ~~فأحدث الهذيان والخيالات. # في النيوروز نجد الضيق والكرب والحزن والعواطف محتدمة لا تطاق، ~~ولكن العقل سليم، كالأم تفقد ابنها لأنه ضل أو تركها، فهي في شك هل ~~هو حي أو ميت، وهذا الشك لا تطيقه، ونحن نراها لا تكاد تأكل ولا تشرب ، ~~بل لا تكاد تقعد أو تنام، وهذه حال لا تطاق، ثم تفجأنا ذات صباح بأن ~~ابنها قد عاد وأنه سيحضر في المساء، وعندئذ نجد أن هذه الأسطورة قد ~~أراحت نفسها فهدأت العواطف، ولكن العقل اختل. # وحقيقة ما حدث أن الكامنة التي احتبس فيها حبها لابنها قد ~~طغت بالوجدان وتغلبت عليه، وكما أننا نحلم بالخبز عندما ننام على جوع، ~~كذلك الأم التي فقدت ابنها برؤيته في النوم؛ أي إن الكامنة (العقل ~~الكامن) بعد أن تخلصت من رقابة الوجدان ثارت وانفجرت في النوم، واختلقت ~~هذا الخيال اللذيذ لابنها حتى ترتاح العواطف، والأحلام كلها سيكوز؛ أي: ~~اختلال عقلي وقتي يفرج عن العواطف المحتبسة في الكامنة. # ولكن إذا كانت العواطف متأججة، والاحتباس لا يطاق، فإن الأحلام تنتقل ~~من النوم إلى اليقظة، والسيكوزي في هذه الحال يطلق الدنيا والواقع ~~والوجدان، وينتهي بأن يعيش في حلم يرتاح إليه. # رجل كان ثريا وأفلس، لا يطيق هذا الهوان وهو ضائق بإفلاسه لا يعرف ~~كيف ينظر النظر الموضوعي الوجداني؛ لأنه عاجز عن ترميم ما تحطم من ~~كيانه المالي، وكل هذا نيوروز لا يطاق، وقد يحلم بأنه ثري وقد ~~استرد ثروته، ولكن راحة الحلم تقتصر على النوم، فهو يلجأ، أي إن كامنته ~~تلجأ إلى ms190 التسلط على وجدانه فتلغيه، وتجعله كأنه يعيش في حلم؛ ولذلك ~~يفجأنا ذات صباح بقوله: إنه قد استرد ثروته في البورصة، وأنه ثري ~~الآن لا يخشى الفقر، ويستقر على هذه العقيدة ويعيش سائر حياته في هذا ~~الحلم الذي ينقذه مما كان يقاسي من كرب العواطف وضيقها. # وهو إذا كان في الأيام الأولى من هذا السيكوز فقد يكون من المستطاع ~~أن نجذبه مرة أخرى إلى الواقع ونحمله على التعقل الوجداني، أما إذا ~~مضت عليه مدة وهو يستمرئ هذه الخيالات التي قطعت ما بينه وبين ~~الواقع فإن من الشاق - بل من المحال تقريبا - أن نرده إلى الوجدان، ~~وإذا مضت عليه سنوات وهو في السيكوز فإن من المحال قطعا أن نعيده ~~إلى الدنيا الواقعة - دنيا الحقائق - بدلا من دنيا الخيالات التي يعيش ~~فيها. # وربما كانت البارانويا أبسط أنواع السيكوز؛ فإن السيكوزي هنا ينظر ~~النظر الوجداني الموضوعي لكل شيء إلا في نقطة واحدة يختل فيها وجدانه، ~~فقد كانت الكاتبة مي تعتقد أن هناك عصابة تنوي خطفها من مصر وحملها ~~إلى سورية، وقد عينت لي المكان الذي كانت تقعد فيه هذه العصابة، ~~وكان روسو يعتقد أن بعض الناس يتجسسون عليه كي يسموه، وقد فسدت ~~علاقته مع كثير من أصدقائه بسبب هذه العقيدة، وكان هتلر يعتقد أن ~~ألمانيا ستتغلب على هذا الكوكب كله، وعرفت في مصر شخصا يعتقد أن ~~هتلر يرسل إلينا تيارات كهربائية (راديوئية) سوف تقضي علينا، وأحيانا ~~نجد أحد الزوجين يسرد قصة لا تتغير عن خيانة الآخر، وأحيانا نجد ~~شابا متعلما يقضي وقته وماله كي يبرهن أن الأرض غير كروية، إلخ. ~~وفي كل هذه الحالات نجد التصرف وجدانيا، إلا في هذه النقطة التي ~~تنبني على عقيدة عاطفية لا يعرف العقل؛ أي: الوجدان كيف يتصرف بها، كأن ~~هذه البارانويا كابوس أو حلم قد انتقل من النوم إلى اليقظة. # والحالات الخفيفة من البارانويا كثيرة، ولكننا لا نلتفت إليها لأنها ~~خفيفة؛ فإن أحد الناس يؤمن إيمانا راسخا بشيء ما أو بعقيدة معينة، ~~ولكن لأن هذا الشيء أو العقيدة ms191 بعيدان عن علاقاتنا به؛ فإننا لا نكاد ~~نعرفهما إلا مصادفة أو لا نعرفهما بتاتا، وإذا عرفنا شيئا منهما ~~قلنا: إن هذا هوس خاص به فلا نباليه. # أما السيكوز المسمى مانيا فأخطر من البارانويا كثيرا؛ لأن المانيا ~~تغمر الشخصية ولا تترك للوجدان فسحة، وهي تصيب في الأغلب الشخصية ~~الانبساطية، أو هي مبالغة في صفاتها، ولكن المصاب يميل إلى الحزن ~~ويسرف في البكاء أكثر مما يميل إلى طرب السرور، وإن كان هذا يحدث ~~أحيانا. والمنظر المألوف أنك تجد سيدة تبكي وتنوح وصرختها المتكررة هي ~~مثلا: «يا خراب بيتنا»، وقد يلجأ المصاب إلى الانتحار. # والماني؛ أي: المصاب بالمانيا قد يتناوبه الطرب: ابتهاج في ساعة من ~~الضحك والمرح واغتمام في ساعة أخرى مع البكاء والأسى، ولكن في أغلب ~~الأحيان يتغلب أحد الطرفين؛ فهناك مثلا ذلك المؤمن الذي غرق في ~~الإيمان يعتقد أن ذنوبه كثيرة فلا ينقطع عن البكاء؛ لأنه هالك مقضي ~~عليه لكثرة هذه الذنوب، وقد يبعثه الحزن على الجمود والتبلد، وأحيانا ~~ينقلب غضبا فيهيج، وبدهي أنه إذا مضت على الماني مدة طويلة وهو في هذا ~~المرض بعد عن الواقع؛ وبذلك يفسد وجدانه ومنطقه فيختل نظره لشئون ~~الدنيا ويقطع الرجاء من شفائه. # ونوبات الاغتمام في المانيا أكثر من الابتهاج، والماني وقت النوبة ~~الاغتمامية يعتقد أنه غير جدير بالحياة، ويرغب في الانتحار لهذا ~~السبب، وهو يخترع القصص لتبرير هذا الاغتمام، وقد يصمت ويسكن أو يحرك ~~ذراعيه ويترنح في ذهاب وإياب، وأحلامه هي أحلام الاغتمام، وقد تلازمه ~~هذه النوبة سنة أو أكثر، وكثيرا ما يشفى وحده، وبوادر شفائه أحلام ~~حسنة تنبئ بالتفاؤل. # ونوبات الابتهاج تتخذ أسلوبا آخر في الحركة والكلام الكثيرين مع ~~المرح العظيم، حتى إن زائر المريض يضحك معه. ولكنه في تفكيره متفكك ~~يبدأ بموضوع وينتقل منه إلى غيره بلا ارتباط، وهو يبدي رغباته وشهواته ~~أحيانا سافرة في قحة الحركة والكلمة، وهو لا يطيق النقد أو المعارضة، ~~وقد يحمله هذا على البطش بمن ينتقده أو يعارضه. والماني يزعم في العادة ~~أنه ملك أو مخترع القنبلة ms192 الذرية أو محافظ القاهرة، إلخ، وبالثناء ~~والتملق نستطيع مصالحته. # والشيزوفرينيا هي جنون الانطوائيين، وهي مبالغة في المزاج الانطوائي ~~الذي نجد صاحبه في الصحة يؤثر العزلة على الاختلاط، ويتجاهل الواقع ~~ويستسلم لخواطره، ويقصد إلى أهداف خيالية. وهو في المرض يلتزم غرفته لا ~~يبرحها، ولا يبالي حتى الجوع أو العطش؛ فإذا ترك لم يطلب الطعام أو ~~الماء، وهو يقسر على تناول الطعام بأنبوبة توضع في أنفه فيسلك منها ~~الطعام إلى معدته، وأحيانا يبقى جامدا في وضع معين قد رفعت ~~ذراعه أو ساقه، أو هو ينحني حتى تكاد تمس يداه الأرض، ويبقى ساعات ~~على هذا الوضع لأنه يستسلم لخيالات تفصل بينه وبين الواقع كما تحول ~~بينه وبين الإحساس بالألم أو التعب. # وفي جميع حالات السيكوز نجد كظما سابقا قد اختزنته الكامنة، ثم ~~انفجر بجنون معين يلتئم مع شخصية المريض في الأغلب؛ أي: المانيا مع ~~الانبساطي والشيزوفرينيا مع الانطوائي، ولكن ليس هذا قاطعا؛ لأننا ~~أحيانا «قليلة» نجد الانبساطي الشيزوفريني كما نجد الانطوائي ~~الماني. # وكما سبق أن قلنا: من المستطاع العلاج إذا كانت الإصابة في بدايتها، ~~ولم يرسخ المرض في المريض ويقطع ما بينه وبين الواقع، أما إذا تقادم - ~~وخاصة إذا كان هذا المرض شيزوفرينيا - فإن الأمل في الشفاء ~~بعيد. # في النيوروز والسيكوز يحتاج المريض قبل كل شيء إلى الابتعاد عن الوسط ~~الذي أحدث له الكظم، سواء أكان عائليا أم حرفيا؛ لأن الابتعاد ~~الجغرافي يؤدي إلى ابتعاد نفسي. # وهناك أمراض تقف بين النيوروز والسيكوز؛ أي إن المريض يبصر بحالته ~~ولا يحتفظ بوجدانه في كثير من تصرفه، أو أن هذا الوجدان يعود إليه في ~~فترات فيستطيع أن يتعقل وينظر إلى نفسه النظرة الموضوعية. وقد رأينا في ~~البارانويا المريض يحسن التفكير في عامة الأشياء إلا في نقطة معينة، ~~فيخبرك مثلا أن القيامة قد عين لها ميعاد هو سنة 1950 ويتعب نفسه ~~في إقناعك بهذه الفكرة، فهنا سيكوز يتحيز جزءا من تفكيره، ولكنه في ~~سائر تفكيره حسن سوي. # وهناك النورستينيا، وهي توتر عاطفي يشتد فيؤثر أثرا خفيفا في ms193 ~~الجسم، ففي فترات يحس المريض أن قلبه يوشك أن يطير منه، ويسيل ~~العرق على وجهه كأنه يغتسل به، وفي يده رعشة وفي أنحاء جسمه قشعريرة أو ~~اختلاجات، ثم هو يخاف ويتشاءم، وهذه الحال تعطله عن عمله الذي ~~يرزق منه. # وقد رأيت أن هذه الحال تصيب كثيرا من الموظفين الذين يجدون من ~~رؤسائهم معاكسات ومناكدات كل يوم، ويجب أن نذكر أن المعاكسات الصغيرة ~~التي تبعث التوتر العاطفي، إذا تكررت كل يوم مثلا، تحدث ~~في النفس أضرارا وأخطارا أكثر من الكارثة العظيمة تحدث مرة واحدة؛ ~~فقد يستطيع أحدنا أن يتغلب على كارثة الإفلاس التام أو وفاة ابنه ~~الوحيد أو قطع ساقه، وهو يترنح بالصدمة ولكنه يفيق، أما المناكدة ~~اليومية من الزوجة أو الحماة، والمعاكسة من الرئيس بالتهديدات المتكررة ~~كل يوم، فإن النفس لا تتحملها، وكثيرا ما تنحدر في مثل هذه ~~الأحوال من النيوروز المرهق إلى السيكوز الذي يعيش فيه المريض مرتاحا ~~بأحلامه وخيالاته، والمرأة التي تلجأ إلى الزار إنما تفعل ذلك لمناكدات ~~يومية لا تطيقها من حماتها أو ضرتها أو زوجها. # وهناك الهستيريا - وهي بين النيوروز والسيكوز - وعلامتها التأثير في ~~أحد أعضاء الجسم بالشلل مثلا، أو بحركة معينة لها معنى رمزي، ~~كالاشتهاء الجنسي في المرأة المحرومة يؤدي إلى فالج أو حركات غير ~~واضحة، وكالضابط في الجيش لا يطيق المعركة فيشل ويحمل إلى ~~المستشفى. وأحيانا تعمد الفتاة أو السيدة وهي في الهستيريا إلى ~~تحطيم الأطباق أو الأثاث وهي غائبة الذهن؛ فإذا كان الصباح نسيت كل ~~شيء فيعزى التحطيم إلى العفاريت، والأغلب أن هناك كظما جنسيا هو ~~الذي دفعها إلى هذا التصرف، وأثار عقلها الكامن إلى هذه العربدة، وهي ~~في غير وجدانها، تنفيسا عن الشهوة الجنسية المكظومة. # | الجنون الذي يطفئ نور العقل! # كثر الحديث عن الملك طلال الذي قيل: إنه يعاني هذا المرض النفسي ~~الوبيل الذي يسمى شيزوفرينيا. # وهذا المرض يعرفه الغربيون باسم «إسكيزوفرينيا». ولكننا في مصر ~~وجدنا أن كلمة شيزوفرينيا أجرى على اللسان وأسهل. # وعلى جميع الآباء أن يدرسوا هذا المرض، وأن يعرفوا ms194 أعراضه الأولى ~~التي يمكن أن تعالج، أما إذا جهلوا هذه الأعراض أو استهانوا بها، ~~ثم تفاقم المرض فإن العلاج عندئذ يغدو شاقا، بل ربما مستحيلا، ~~وعندئذ يجد الأبوان ابنهما وقد استحال إلى كتلة حيوانية، قد زالت ~~عنها جميع الملامح الإنسانية، وانطفأ فيها نور العقل، فلا عقل ولا ~~إحساس. # وأسوأ ما في الشيزوفرينيا أنها تصيب الشبان من الجنسين، من السابعة ~~عشرة إلى نحو الثلاثين، وليس هذا التحديد مؤكدا، ولكنه تقريبي؛ ~~ولذلك كان يسمى قبلا «جنون المراهقة»، ومعظم من يقعون فيه يكونون ~~عادة من النحاف الطوال ذوي الوجوه الطويلة، وهم عادة لا يصلعون. # ويمكن أن تتلخص الأسباب لهذا المرض بهذه الجملة: «أنا لا أطيق ~~العيش.» # اعتبر أيها القارئ، أيها الأب، أيتها الأم، شابا في الخامسة ~~عشرة أو السادسة عشرة قد أرهقته الدروس، وقد حرمه أبواه ضروب ~~التسلية، مثل قراءة القصص أو ارتياد الدور السينمائية، أو هو الكظم ~~الجنسي أو القلق الذي لا يبرحه لخوفه من الفشل في الامتحانات، أو تعيير ~~أبويه له بأنه متخلف. # اعتبر كل هذه الأشياء تقع لأحد الشبان، كلها أو بعضها، بحيث ~~يجد أن الدنيا كئيبة لا تطاق، وأنه يعيش فيها كما لو كان محبوسا قد ~~حظر عليه هذا وذاك من ألوان التفريج، فهو يعتزلها - أي يعتزل الدنيا ~~- ويحب الخلوة وقد يسري عن نفسه في هذه الخلوة بعض هذا الكرب النفسي ~~بوسائل تزيد في فساد جسمه وذهنه من سيئ إلى أسوأ. # أو هو يسري عن نفسه بعض هذا الكرب، هذا الضيق، هذا الإرهاق، ~~بالهروب بذهنه من هذه الدنيا الشاقة، بأن يتخيل الخيالات التي تعوضه من ~~الواقع المؤلم أحلاما لذيذة، ثم يمعن في هذه الخيالات، حتى ليكاد ينسى ~~الواقع، ثم يمعن أكثر فأكثر، حتى يختلط عليه الخيال بالواقع فلا ~~يميز بينهما، بل هو ينسى الواقع الكريه ويذكر الخيال ~~اللذيذ. # وكل هذا يمكن الشاب أن يتحمله، ويمكن أن يشفى منه، ولكن يحدث ~~حادث قد يكون صغيرا في نفسه، ولكنه يعد كبيرا خطيرا في منطقة ~~المزعزع، فيكون بمثابة الثقاب الذي يلتهب ويشعل ms195 المبنى العظيم ~~ويحرقه ويحطمه. # عرفت شابا كان في هذه الزعزعة الأولى التي لم يتعرفها أبواه ~~لجهلهما؛ فإن الضغط كان ثقيلا عليه، فكره الدنيا، وصار يختلي، ~~واستسلم للفساد الجنسي الانفرادي يرفه به عن ضيقه، وكان يحلم ~~ويتخيل كي يتعوض برفاهية الخيال والحلم من مشاق الحياة الواقعة. # ولو عرف أبواه هذه الأعراض الأولى، ولو أنه عولج بالترفيه ~~والتفريج لنجا، ولاستطاع أن يواجه مشاق الدنيا، ولكنهما جهلا ~~ذلك. # ثم جاء التهاب الثقاب الذي يشعل البيت كله ويحطمه، ذلك أن هذا الشاب ~~وهو في هذه الزعزعة الابتدائية، رأى أبويه وهما في وضع الزوجين، ~~فرعب رعبا عظيما، وطلق الدنيا، قاطعها، وانطوى على نفسه؛ ~~فإذا وقفت أمامه لم يحس بك، وإذا كلمته لم ~~يسمعك. # إنه قد عالج نفسه من هذه الدنيا البغيضة، من هذا الإرهاق بالدروس، ~~والقلق خوفا من الرسوب في الامتحانات، ومن هذا الكظم الذي لا يطيقه، ~~ومن هذه الأسوار التي توضع حوله حتى لا يتمتع بالاختلاط والمسرات ~~والنزهات والمجلات؛ عالج نفسه أولا بمقاطعة هذه الدنيا بالاختلاء، ~~ثم رأى منظرا أرعبه فانتهى إلى هذا القرار الحاسم، وهو أن دنياه ~~الداخلية - دنيا الخيالات والأحلام - نضرة جميلة، فهو يلجأ إليها ~~ويحيا فيها، ويتجاهل هذه الدنيا المادية الواقعية تجاهلا تاما، تضع ~~أمامه الطعام فلا يأكل ولا يشرب، بل هو قد لا يرى الطعام أو الشراب، ~~ولذلك يوضعان له في أنبوبة تسلك من أنفه إلى معدته، وهو لا يحس ~~جوعا أو شبعا. # لقد رأيته، وقص علي أبوه ألوان الضيق والإرهاق والكرب والحرمان ~~التي عاناها هذا الشاب من قبل؛ لا مجلة يقرؤها، ولا فسحة يتنزه فيها، ~~ولا زيارة لحديقة الحيوان، ولا نقود ينفقها، ولا هواية يحبها ويقضي ~~فيها بعض وقته، ولا سينما، ولا ... ولا ... دروس، دروس، دروس فقط، دنيا ~~ملعونة، وحياة محرومة، كرههما هذا الشاب، فاختلى وصار يرفه عن نفسه ~~بالفساد الجنسي الانفرادي. # وإلى هنا كان سليما، ولكنه كان مزعزعا، وفي أثناء هذه الزعزعة رأى ~~أبويه زوجين، فطلق الدنيا وخيم الظلام فأطفأ نور عقله. # ولو أنه كان سليما لم يتزعزع ms196 لاستطاع أن يتحمل هذا المنظر الشاذ ~~الذي أشرت إليه، ولو أنه كان يختلط بالجنس الآخر لاستضاء عقله، ~~وكان يمكنه أن يتحمل أكثر، ولو أنه كان قد ثقف شيئا من الثقافة ~~الجنسية وعرف كيف يولد الأطفال لما أنكر ما فعله ~~أبواه. # ومكانة الأم كبيرة جدا في قلوب الأبناء، هي طاهرة، وابنها هذا لا ~~يطيق رؤيتها وهي ساقطة في هذه النجاسة، ساقطة، امرأة ساقطة، الأمومة ~~طاهرة يجب أن تنأى عن النجاسة، عن العورة، ولكلماتها العربية أثر سيئ ~~في كل ذلك. ~~••• # اعتبر هذه الحادثة التالية: # لقد رأيتها أيضا، كانت فتاة في العشرين، جميلة فوق المستوى، وجه ~~صبيح وشعر ذهبي وابتسامة مشرقة، وكانت إيماءة الدلال التي تعلمتها ~~- لأن والديها دللاها - لا تقاوم. # وكان أبوها مفتونا بها، كان يعاملها وهي في العشرين كما لو كانت ~~طفلة في الخامسة أو السادسة، يشتري لها طرف الطعام وتحف اللباس، ولم ~~يكن عاقلا في ذلك؛ إذ كان يجب عليه أن يسعى لزواجها قبل موته، ولكنه ~~لم يفعل. ومات الأب، وتحملت الفتاة هذه الصدمة؛ لأن أمها كانت لا تزال ~~حية. # ولكن بعد شهور ماتت الأم، واكفهرت الدنيا بعد ابتسام، وجاءت الصحوة ~~المؤلمة بعد النشوة اللذيذة. # كانت مع أبويها في أحلام واقعية؛ إعجاب ودلال، وهدايا لا تنقطع كأنها ~~ملكة، ثم يزول كل هذا فجأة بلا أي استعداد لمواجهة دنيا الحقائق، وبلا ~~استعداد أيضا للزواج. # وكان من هذا كله انهيار، فحاولت الانتحار السيكلوجي: الشيزوفرينيا، ~~الظلام بدلا من النور. # ولم أستطع الاهتداء إلى الثقاب الذي أشعل وأحرق هذه الشخصية ~~الجميلة. ~~••• # واعتقادي أن الشيزوفرينيا تزيد حالتها في مصر على حالتها في أوروبا؛ ~~لأننا نحرم كثيرا من المتع التي لا يحرمها الشبان والفتيات في ~~أوروبا؛ عندنا كظم وعندهم تفريج. # وفي أوروبا تعمل الفتاة خارج البيت قبل أن تتزوج فتكسب وتفرح؛ فإذا ~~تزوجت لم تخش ضرة ولم تخش طلاقا، كما أنها لا تعيش مع ~~حماتها، فهي مطمئنة، أما في مصر فإن سهولة الطلاق ووجود الضرة والحماة، ~~كل هذا يزعزع الزوجة، وقد ينتهي بانهيارها. # والفتاة في مصر ms197 لا تعمل خارج البيت قبل الزواج؛ إذ هي تلزم البيت ~~وتجتر خواطرها وتأكل عواطفها، وفي كل زعزعة نفسية. # وأخيرا نجد في مصر كربا اقتصاديا ليس له شبيه في أوروبا؛ فإن ~~خريجي الجامعات عندنا لا يمكن أن تستوعبهم وظائف الحكومة، كما أنه ليس ~~عندنا من الأعمال الحرة، في المصانع والمتاجر، ما يكفي لاستيعابهم، وهم ~~لذلك يبقون في عطل يهين كرامتهم ويملأ نفوسهم حسرة، ثم يزعزع كيانهم ~~النفسي. # وبكلمة أخرى نقول: كي نتوقى الشيزوفرينيا يجب أن نجعل العيش مطاقا ~~غير مستحيل؛ أي: نتيح اللعب للتلميذ والطالب، ونتيح الاختلاط بين ~~الجنسين، ونتيح العمل للشبان عقب خروجهم من الجامعة، ونتيح العمل ~~للفتاة قبل الزواج، ونجعل الزوجة في أمن وطمأنينة على حياتها الزوجية ~~بحيث لا تخشى الطلاق، وكذلك نمنع عنها هذه المباراة المرهقة بينها وبين ~~ضرتها أو بينها وبين حماتها. # اجعلوا العيش هنيئا لأبنائنا وبناتنا، ولا تجعلوه مرهقا يؤدي إلى ~~الجنون. # إن مجتمعا يعين من القيود ويقيم من السياجات ما يؤدي إلى جنون ~~أبنائه وبناته لهو مجتمع مجنون. ms198