######OpenITI# #META# URI: 1377SalamaMusa.FannHayat.Hindawi71853836 #META# Tags: literature #META# ID: 71853836 #META# Title: فن الحياة #META# AuthorID: 40515160 #META# Author: سلامة موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # فن الحياة‏ # نحن غريزة وعقل‏ # كيف نسوس عواطفنا‏ # التربية‏ # القيمة البشرية والقيمة الاجتماعية‏ # الاستغناء أم الاقتناء‏ # نعيش لنحسب أم نعيش لنحيا؟‏ # العمل والفراغ‏ # العائلة والمجتمع‏ # الرجل والمرأة والزواج‏ # كيف نصادق زوجاتنا‏ # مجتمعنا الانفصالي الحاضر‏ # الحياة الفنية للمرأة‏ # العادات‏ # التخلص من العادة السيئة‏ # عادة القراءة‏ # البيت متحف‏ # البيت للضيافة‏ # البيت معهد حر‏ # يجب أن نعيش في حاضرنا‏ # النمو والتطور‏ # الاتصال بالطبيعة‏ # الاتجاه والرؤيا‏ # الحياة مغامرة‏ # الحياة المليئة‏ # الهواية‏ # الخلوة‏ # قيمة الحب للحياة الفنية‏ # من التبلور إلى التجوهر‏ # لنكن أدباء وشعراء‏ # السعادة‏ # تعقيب على السعادة‏ # المقدمة‏ # فن الحياة‏ # نحن غريزة وعقل‏ # كيف نسوس عواطفنا‏ # التربية‏ # القيمة البشرية والقيمة الاجتماعية‏ # الاستغناء أم الاقتناء‏ # نعيش لنحسب أم نعيش لنحيا؟‏ # العمل والفراغ‏ # العائلة والمجتمع‏ # الرجل والمرأة والزواج‏ # كيف نصادق زوجاتنا‏ # مجتمعنا الانفصالي الحاضر‏ # الحياة الفنية للمرأة‏ # العادات‏ # التخلص من العادة السيئة‏ # عادة القراءة‏ # البيت متحف‏ # البيت للضيافة‏ # البيت معهد حر‏ # يجب أن نعيش في حاضرنا‏ # النمو والتطور‏ # الاتصال بالطبيعة‏ # الاتجاه والرؤيا‏ # الحياة مغامرة‏ # الحياة المليئة‏ # الهواية‏ # الخلوة‏ # قيمة الحب للحياة الفنية‏ # من التبلور إلى التجوهر‏ # لنكن أدباء وشعراء‏ # السعادة‏ # تعقيب على السعادة‏ # | فن الحياة # | فن الحياة # تأليف # سلامة موسى # | المقدمة # كتبت هذا الكتاب في ضوء اختباراتي للوسط المصري، وقد عالجت موضوعه من جملة وجهات فلسفية ~~وسيكلوجية واجتماعية. # ونحن نعيش في حضارتنا القائمة عيشا مكيفا بعادات المجتمع، موجها إلى أهدافه، ~~مدربا على أساليبه؛ ولذلك ننساق انسياقا كأننا ذاهلون، لا نقف ونسائل عن القيم البشرية ~~في هذه العادات والأهداف والأساليب. # وليس شك أن غاية الحياة أن نحيا الحياة على مستواها السامي، ومعنى هذا الكلام هو أن ~~نعيش بما لدينا من كفاءات بشرية تسمو على كفاءات الحيوان؛ أي يجب أن نعيش بالوجدان والتعقل، ~~وليس بالغريزة والعاطفة. وفن الحياة هو في النهاية الارتفاع بكفاءاتنا الموروثة إلى ما ~~كسبناه واقتنيناه من التراث الاجتماعي الثقافي. # ولكن هذا التراث الاجتماعي الثقافي يجب ألا يسوقنا وألا يضلنا عن القيم الأصلية في ~~الحياة. وقد التفت في الفصول التالية إلى ثلاثة أو أربعة أشياء ms01 لكل منها مكانة مركزية في ~~البحث عن فن الحياة. # التفت - أولا - إلى أن النجاح يجب أن يكون كليا في الحياة، وليس في الحرفة أو الزواج ~~أو الكسب؛ فإن كلمة النجاح في مجتمعنا الاقتنائي كثيرا ما يشتبه معناها بمعنى الإثراء، ~~ولكن الناجح الصادق هو الذي يجعل نجاحه شاملا متوافيا لنشاط حياته كلها. # والتفت - ثانيا - إلى أن المجتمع الذي نعيش فيه كثيرا ما يضلل بنا، ويبعدنا عن القيم ~~البشرية، بل هو أحيانا يسخرنا في أهدافه التي قد تناقض ما ننشد من رقي أو سعادة؛ فهو منا ~~بمثابة المدينة التي تكتنفنا بمساكنها وأضوائها الصناعية، وضوضائها واهتماماتها الزائفة، ~~فنعيش فيها ونكاد ننسى أنه على مسافة ثلاثة أميال منا ينهض الريف في طبيعته النضرة، وأشجاره ~~ومياهه وحيوانه. وقد نألف عادات هذا المجتمع فلا نجد النشاط إلى تغييرها، ولا ننهض إلى ~~الخروج إلى هذا الريف القريب، وكذلك الشأن في تلك القيم الاجتماعية وأثرها في نفوسنا حين ~~نعيش في أسر هذه القيم الزائفة مدى حياتنا. # وقد احتجت إلى أن أوضح أن السعادة، كما ينشدها الجمهور، إنما هي في أغلب الأحيان ذهول ~~وتبلد، أو استرسال في العواطف الحيوانية التي تحركها غرائزنا السفلى، وإن هذه السعادة ليست ~~جديرة بإنسان راق يرتفع إلى أن يجعل من حياته فنا. وعندي أن الوجدان - أي التعقل - هو ~~صميم السعادة، وأنه مهما فدحت الكوارث فإن الوجدان يواجهها في شجاعة وتحد وفهم. # كذلك التفت إلى قيمة الثقافة من حيث إنها تكفل لنا توسعا ذهنيا ينتهي إلى أن يكون ~~توسعا حيويا؛ لأنها - أي الثقافة - تزيد اهتماماتنا، وتعودنا عادات إيجابية عندما ~~نصل إلى الشيخوخة. وعلى القارئ أن يقرأ كتابي الآخر «كيف نسوس حياتنا بعد الخمسين»؛ فإني ~~هناك أكدت النبرة في هذا المعنى؛ أي القيمة من الدراسة والثقافة للشيخوخة السعيدة. # وكان يمكن أن أسمي هذا الكتاب «الحياة السعيدة» لولا أن كلمة السعادة قد ابتذلت في ~~معان سفلية، كما أن هناك التباسات واشتباهات كثيرة عن حقيقة معناها. وقد احتجت إلى التنبيه ~~عن ذلك، ولكن في عبارة «فن الحياة» ما ms02 يرفع القارئ عن مبتذلات كلمة «السعادة». # وأرجو أن يكون في الفصول التالية توجيه لقرائها من الشباب والكهول. # سلامة موسى # | فن الحياة # يعيش الحيوان على المستوى البيولوجي يأكل ويشرب ويتناسل، ولكنا نحن البشر نعيش على ~~المستوى المدني الفني الثقافي، وقد لا يصدق هذا على جميع البشر، أو بتعبير أصح: قد لا ~~يصدق هذا القول من حيث الدرجة التي يبلغها البشر في المدنية والفنون والثقافة، ثم هو لا ~~يصدق على جميع الطبقات حتى في الأمة المتمدنة؛ فإننا ما زلنا نجد الطبقات الفقيرة في مصر ~~والهند تعيش على المستوى البيولوجي، بل الحال كذلك أيضا في الطبقات الفقيرة في أمم أوروبا ~~الجنوبية؛ حيث يقنع أفرادها بالحياة السلبية؛ أي باتقاء الموت والجوع والمرض والفاقة. ~~وهؤلاء جميعا لا يلتذون الحياة وإنما يكابدونها. # ولكن جميع الأمم المتمدنة تحتوي طبقات من الشعب تعيش الحياة الإيجابية؛ إذ هي قد اطمأنت ~~من ناحيتي الجوع والمرض، بل هي قد استبعدت الموت إلى ما بعد السبعين أو الثمانين من العمر، ~~وهي تجد في كفاية العيش ما يتيح لها الاستمتاع الروحي والمادي. وهذه الطبقات تمثل في عصرنا ~~طلائع البشرية القادمة؛ حيث يعيش جميع الأفراد - جميعهم بلا تمييز - على المستوى الفني ~~الكمالي؛ لأن الضروريات تتوافر إلى الحد الذي لا يحسب لها حساب، ولا تكون سببا للهموم ~~والاهتمامات. وليس هذا العصر بعيدا، بل هو أقرب إلينا مما نتخيل. # والإنسان في كفاحه الاجتماعي ينشد الضروريات أولا، حتى إذا توافرت طلب الكماليات، ثم ~~تعود هذه الكماليات ضروريات الأجيال القادمة؛ فهي ترف أولا يقتصر على أفراد معدودين، ثم ~~رفاهية ثانيا تشمل طبقة كبيرة، وأخيرا ضرورة لجميع أفراد الشعب المتمدن المثقف. # انظر إلى الطعام ينشد فيه الإنسان البدائي الشبع، لا يرجو غير الضرورة البيولوجية، وانظر ~~إلى المسكن الذي كان يبنيه للاحتماء من الوحش أو العدو أو الجو، وانظر إلى اللباس الذي كان ~~يتخذه للدفء! أجل، لقد كان الطعام والمسكن واللباس من الضروريات، ولكن من منا نحن ~~المتمدنين يقنع من هذه الثلاثة بالضروريات البيولوجية في عصرنا؟! # صحيح أن للفاقة ضغطها ms03 المرهق بين الطبقات التي لا تزال في أسفل الدرج من السلم الاجتماعي، ~~وصحيح أن هذه الطبقات لا تزال تقنع بالضروريات البيولوجية من المسكن واللباس والطعام، ولكن ~~في كل أمة طبقات أخرى استمتعت بقسط كبير من المال والثقافة والحضارة، وهي لذلك تتوخى الفن ~~في كل ما تتناول من عمل؛ فالمسكن ليس مأوى فقط؛ إذ هو متحف أيضا يتزين بالأثاث الفاخر ~~والصور الجميلة والطرف الأنيقة، وسيداتنا وآنساتنا لا يطلبن من اللباس دفئا قدر ما يطلبن ~~منه زينة وجمالا، والمائدة التي تحمل ألوان الطعام تتفنن في ترتيبها وإيجاد الأطباق ~~الثمينة والآنية الغالية عليها. وهذا إلى ترتيب الزهور ونحو ذلك حتى ليعد تناول الطعام ~~منها نشاطا ذهنيا فنيا. # فهنا فنون في البناء والأثاث واللباس والمائدة، نرتاح إليها، ولا نرضى بأن نعيش بدونها ~~تلك المعيشة الفطرية التي كان يقنع بها الإنسان البدائي، وما زال يضطر إلى أن يقنع بها أو ~~بما يقاربها الفقير المغبون. وقيمة الفن أنه يرفع مألوفنا إلى مستوى من الجمال نزداد به ~~لذة واستمتاعا، بل نزداد به فهما ووجدانا. # وبالفن نرفع المشي إلى الرقص، ونرفع النثر إلى الشعر، ونجعل من الكلام بلاغة، وكذلك ~~نستطيع أن نعيش الحياة الفنية؛ فنهدف إلى الفن في الحياة، والبلاغة في السلوك ~~والتصرف. # ويجب أن يكون فن الحياة أخطر من فنون الحضارة؛ لأنه إذا كان من الحسن أن نتخذ الزي الفني ~~للباسنا؛ فإن من الأحسن أن نتخذ الزي الفني لحياتنا وتصرفنا وسلوكنا. # والمشكلة الأولى لكل إنسان على هذا الكوكب أنه سيعيش سبعين أو ثمانين سنة، فكيف يقضيها؟! ~~هل يعيش تلك الحياة التي يصفها شكسبير بأنها «قصة يقصها أبله، فتحفل بالضوضاء والغضب ثم لا ~~يكون لها مغزى؟» أو يعيش تلك الحياة البقلية يولد وينمو ويموت وكأنه بعض البقول؛ لأن قصارى ~~ما كان يطلب طعام وكساء ومأوى؟! # قد يخطر بذهن القارئ عندما نذكر الحياة الفنية أو الحياة البليغة أننا إنما نقصد إلى ~~زخارف وبهارج، ولكن الفن الخالص والبلاغة الحقيقية يعنيان في لبابهما حكمة وسدادا؛ لأن ~~كلمات الحكمة هي أسمى أنواع ms04 البلاغة والفن. ولكن ما هي الحكمة؟ # هي العمل أحيانا بالمعرفة. # وهي أحيانا تجاهل المعرفة. # وهي التمييز في القيم والأوزان. # والإنسان يختلف عن الحيوان من حيث أنه وجداني يتعقل، في حين أن الحيوان غريزي يندفع، ونحن ~~نهدف إلى قصد في حياتنا في حين هو يعيش جزافا، ونحن نقرر مصيرنا بأيدينا في حين هو ينساق ~~خاضعا للقدر. وقد يخالف قولنا هذا ذلك المنطق الآلي الذي يرتب النتائج على الأسباب، ولكنه ~~يطابق المنطق العملي الذي نحيا به في مجتمعنا المتمدن. # وحياتنا في عصرنا هذا تضطرب وترتبك، بل أحيانا تلتغز، وقد كان لآبائنا أعلام قديمة ~~يسترشدون بها في طريق الحياة الساذجة التي كانوا يحيونها، ولكن هذه الأعلام لم تعد تكفي ~~لإرشادنا في طريق الحياة الجديدة؛ ولذلك نحن في حاجة إلى تعاليم جديدة نتعلم بها كيف نعيش ~~الحياة الفنية؛ أي الحياة الحكيمة، وكيف نقضي سبعين أو ثمانين سنة على هذا الكوكب ونحن ننمو ~~وننضج إلى الإيناع؛ فلا تكون حياتنا مكابدة، بل التذاذا روحيا وماديا. # ونحن في مجتمعنا إنما نحصل من التعليم - في الأغلب - على أسلوب الارتزاق الناجح، وليس على ~~أسلوب الحياة الناجعة؛ لأننا ننسى أن الحياة أعم وأهم من الكسب، وأننا نكسب كي نعيش، ولا ~~نعيش كي نكسب كما هو الحال الآن. # وإنما صارت الحال كذلك؛ لأن شبح الفاقة يلوح على الدوام في مخيلتنا؛ ولذلك صار التعليم من ~~أجل الارتزاق يغمر كل شيء آخر؛ لأننا نعيش في اقتصاديات القلة في حين أن اقتصاديات الوفرة ~~على الأبواب تنتظرنا، بل تنادينا، ولا تحتاج إلا أن نومئ بأصبع الرضى فيغمرنا الخير الوفير ~~الذي لا نعرف فيه معنى الفاقة أو الحاجة. وعندئذ؛ أي عندما نومئ هذه الإيماءة، ونرضى ~~بالتعاون بدلا من المباراة في الإنتاج، نستطيع جميعنا أن نعيش العيشة الفنية، ونحيا الحياة ~~الحكيمة، وأن نتوخى مأربا فنيا في كل ما نتناول من معارف أو معايش. # وهنا يثب علينا المتشائم: لكأنك ترى الدنيا مشرقة في ألوان الورد، وقد غمرت السعادة جميع ~~البشر بما سوف يدبرون من تعاليم أو أنظمة، ولكن ms05 أين هذا التفاؤل من حقائق الدنيا؟ من ~~الأمراض والرزايا؟ من الرجل يفقد نور عينيه ويرى الدنيا ظلاما؟ من الأم تفقد طفلها، وتضم ~~لحمه الطري ووجهه الحلو في تراب القبر؟ من الشاب يسمع حكم الإعدام من طبيبه الذي ينبئه بمرض ~~لا يعالج؟! # ولكن هذا التشاؤم قد بولغ فيه؛ لأن الكوارث نفسها من فن الحياة وحكمتها، وذلك الإنسان ~~الذي لم تكرثه كارثة تصل إلى مخ عظامه، ذلك الذي لم يحس اللوعة يغص بألمها، ويجمد من ~~هولها، ذلك الإنسان لم يعش الحياة الفنية، ولم يعرف حكمتها، وأقل ما يقال عنه أنه لم يعش ~~الحياة الكاملة. ومع ذلك نحن نبالغ؛ فإن كلا منا يعرف أن أعظم المصائب التي كان قد توقعها ~~لم تقع له، وأن بعض هذه المصائب كان مفيدا قد انتفع به. انظر إلى قول داروين: «لو لم أكن ~~متمرضا إلى حد عظيم لما أتممت كل هذه القدر الكبير من الأعمال»! # وكثيرا ما نعيش سادرين ذاهلين حتى إذا كرثتنا الكارثة تنبهنا، كأننا قد استيقظنا من نوم، ~~فينبلج لنا نور، وتنكشف لنا حقائق ما كنا لنراها لولا هذه الكارثة. وأيام المرض في السرير ~~كثيرا ما تكون أيام التنبيه والتجديد. # ونحن في حاجة دائمة إلى استعمال ذكائنا؛ كي نميز بين لذة العاطفة ولذة الوجدان، وبين ~~السرور الزائل والسعادة الباقية، وبين الامتياز الذاتي في النفس وبين الامتياز المادي في ~~العقار؛ أي بين ما نكونه وما نملكه. # والحياة الفنية هى الحياة الجميلة، ومع جميع التعاريف للفن والجمال لا نزال عاجزين عن ~~تعريفهما الصحيح، ولكن من منا لا يعرف الفن والجمال؟! # إن هناك أشياء نعرفها بالإحساس النفسي، وأشياء أخرى نعرفها بالاختبارات الذهنية، وليست ~~الأولى دون الثانية وإن تكن في مرتبة أخرى. وإذا كنا ننشد الفن والجمال في الأثاث والبناء ~~والرسم؛ فإننا يجب أيضا - بل بأكثر عناية وهمة - أن ننشد الجمال في الحياة، في الشخصية ~~الرشيقة، والذهن اللبق، والجسم الأنيق، كما في الأخلاق السامية، والأهداف الروحية، ~~والعلاقات الاجتماعية. # | نحن غريزة وعقل # كي نعيش العيشة الفنية، ونحيا حياة الحكمة والتعقل ms06 يجب أن نعرف أن كلا منا مركب من ~~غريزة وعقل؛ الغريزة هي قديمنا الموروث، هي التقاليد البيولوجية، هي ذاكرة النوع الجامدة، ~~والعقل هو جديدنا الذي يتعلم وينمو ويميزنا بالفهم عن الحيوان. # ذلك أن الحيوان يعيش بالغرائز، أو أن 99 في المائة من حياته كذلك، وفهمه للدنيا ذاتي على ~~مستوى منخفض ليس له وجدان موضوعي، ولكن الإنسان بعقله ووجدانه يستطيع أن يجعل فهمه ~~موضوعيا، وأن يصل إلى حقائق الدنيا كما هي في حقيقتها أو ما يقرب من ذلك. وعلومنا وآدابنا ~~وثقافتنا وحضارتنا إنما هي ثمرات العقل وليست ثمرات الغرائز. # الحيوان في ذهول بغرائزه؛ يحيا وكأنه في حلم، والإنسان بالمقارنة به في تنبه ويقظة بعقله ~~ووجدانه، هذا الوجدان الذي يجعله يتصرف وهو يدري أنه يتصرف، ولكن الحيوان لا يدري. # وهذا الوجدان هو الذي يجعلنا على دراية بالموت والفقر والكوارث حتى قبل وقوعها، ونحن ~~بالطبع نشقى بكل ذلك؛ ولكن هذا الشقاء «إنساني»، ولا نرتضي النزول عنه كي نعيش بالغرائز، ~~نعيش في ذهول كما يفعل الحيوان، وعندما نربي أنفسنا أو أبناءنا إنما نعمد إلى هذا الوجدان، ~~ونستنبط التعقل ومحاولة التعرف إلى الأشياء كما هي في حقيقتها، وليس كما تصورها لنا ~~غرائزنا. # وواضح أنه ليس هناك إنسان يعيش بوجدانه فقط يتعقل كل شيء، ويتفهم الدنيا تفهما ~~موضوعيا؛ لأن كثيرا من تصرفنا يعود إلى الغرائز التي نندفع بها أحيانا اندفاع الحيوان، ~~أو نسلط عليها الوجدان بالتعقل، فنعين لهذا الاندفاع سرعته وطريقته. # ومهما حقر الإنسان وهان وانحط؛ فإنه يستطيع، عندما يتأمل عقله، أن يقول: ما أعظمني! أي ~~ما أعظم عقلي الذي يتجرد من غرائزي، ويبحث النجوم والأخلاق والشرف والسياسة ومستقبل البشر، ~~وفلسفة الكون، وتطور الأحياء. # ومهما عظم الإنسان وسما ونضج؛ فإنه يستطيع، عندما يتأمل غرائزه، أن يقول: ما أحقرني! أي ~~ما أحقر هذه الغرائز التي اندفع بها إلى الطمع والحسد والعدوان والاقتناء والانغماس والنهم ~~والشر! # ولأن الإنسان عرف الخسة التي تنحدر إليها غرائزه، وأحس مضض النفس وصداع القلب في ~~المواقف التي اصطدم فيها عقله بغرائزه؛ لأنه عرف ms07 هذه المواقف، عمد في كثير من الأحيان إلى ~~جحد هذه الغرائز بالزهد والنسك، ومن هنا نشأت الرهبنة في بعض الأديان إنكارا للغريزة ~~الجنسية ولبعض الغرائز الأخرى؛ كالاقتناء والتسلط والحسد والانغماس ... إلخ، كأن الغاية أن ~~نعيش بالوجدان والعقل. # ولكن هذا الانحياز نحو التعقل وإنكار الغرائز لا يطيقه إلا الأقلون، بل يجوز لنا أن نشك ~~حتى في هؤلاء «الأقلين»، وهل أطاقوا نسكهم؟ وهل استطاعوا إنكار غرائزهم أم بقيت هذه ~~الغرائز كامنة مختبئة في أغوار نفوسهم تتحين الفرص، لا للثورة على العقل فقط، بل أيضا ~~للتسلل ملتوية منحرفة عن طريقها، حتى حملتهم على أن يسلكوا السلوك الشاذ، ويتصرفوا التصرف ~~السيئ؟! # ونحن نعرف من السيكلوجية أن الغريزة وقت التهابها، عندما نسميها عاطفة، تفور بنا كالماء ~~المغلي، وتطلب المنفس والمخرج، فإذا لم تجدهما اندست وبقيت بقوتها تبحث عن المخارج الضعيفة، ~~حتى إذا وجدتها انفجرت، فلا يكون منها غير الأذى الفادح لشخصيتنا. وأولئك الذين حبسوا ~~الغريزة الجنسية - مثلا - لم ينجحوا قط في إلغائها ومحوها، وقصارى ما وصلوا إليه عربدة ~~جنسية مختلفة الألوان والأسماء، أو هم قد خدعوا أنفسهم من حيث لا يدرون، فاتجه نشاطهم ~~الجنسي إلى ألوان قاتمة من السلوك والتصرف تؤذي المجتمع، وتفتت شخصياتهم. # ولا يطالبنا فن الحياة بكظم العواطف، وقمع الغرائز؛ لأننا لا نستطيع أن ننكر طبيعتنا؛ إذ ~~إننا غرائز وعقل، فيجب أن نصالح بينهما؛ أي أن نهذب غرائزنا، ونجعلها ملائمة لقواعد المجتمع ~~الذي نعيش فيه دون قمع أو جحد. # وفي أغلب الأحوال ينتهي معنى التهذيب للغرائز إلى الاعتدال؛ فلا نسرف في الانقياد للعاطفة ~~الجنسية، ولا نغلو في الطموح والغيرة والحسد والتسلط. وكلمة «غريزة» من الكلمات الغامضة؛ ~~لأننا نجهل أصلها، هل هو طبيعي أم اجتماعي؟ ولكنا عندما نتأمل نشاطنا الاجتماعي كله، ذلك ~~النشاط الذي ينظمه العقل، وإن كان مرجعه غريزيا، نجد أنه يعود إلى ما يشبه أن يكون غريزة ~~واحدة هي شهوة الأمن والطمأنينة. # وهذه الشهوة أصيلة في الطبيعة البشرية، وهي التي تدفعنا إلى جمع المال واقتناء العقارات ~~والمنقولات، والانغماس في الكسب، كما أنها ms08 هي الأصل في الغيرة والحسد والطموح والطمع. ونحن ~~نمارس كل هذه الأشياء مدفوعين بالخوف؛ أي الرغبة في الطمأنينة، ثم ننساق في عادات هذا ~~النشاط التي تتملكنا فلا نعرف أين نقف؛ كتلك البهيمة التي نشدها إلى الساقية فتدور وتجرها ~~مكرهة، حتى إذا جئنا كي نحل رباطها ونطلقها رفضت واستمرت في دورتها بقوة الاندفاع ~~الأول. # فهناك - مثلا - من ينساق لغريزة الخوف ويطلب الطمأنينة بجمع المال. وهذا حسن إذا عرف أين ~~يقف، ومتى يقنع بمقدار من المال يحقق هذه الطمأنينة، ولكن بعيد جدا أن يعرف هذا؛ لأنه حتى ~~بعد أن يحقق هذه الطمأنينة، ويجمع من المال ما يكفيه هو وعائلته ينساق في عادة الجمع، فلا ~~يكون المال خادمه، بل سيده الذي يستبد به، ويحمله على الجهد أكثر من عماله الذين يخدمونه، ~~حتى ليصل إلى مكتبه أو متجره قبل دخولهم، ويخرج بعد خروجهم. # هذا هو شأن كثير من الناس الذين يشقون لأنهم ينساقون مندفعين بغرائزهم دون أن يسلطوا ~~عقولهم عليها؛ فيعتدلون وينظمون نشاطهم كي يعيشوا الحياة الفنية المتناسقة. ومن شأن الغرائز ~~أنها تسرف وتغلو؛ لأن الطبيعة تحرص على بقاء النوع، وقد جهزتنا بهذه الغرائز قبل أن ~~تجهزنا بالعقل؛ وذلك كي تكفل لنا البقاء والتغلب في ميدان التنازع بين أنواع الحيوان ~~وأفراده للبقاء. # اعتبر - مثلا - غريزة التناسل؛ فإن رجلا واحدا - واحدا فقط - يحمل في جسمه من ~~الجراثيم المنوية ما يكفي لتلقيح أناث النوع البشري كله! ونجد مثل هذا الإسراف في سائر ~~الغرائز؛ فإن غريزة الحيوان تحملنا على الرغبة في التسلط بامتلاك هذا الكوكب إذا قدرنا، وقد ~~حاول ذلك الإسكندر وتيمورلنك ونابليون وهتلر. وحين نشرع في الاقتناء نتوهم أننا يجب أن نجمع ~~ما يكفينا ألف سنة! # وقيمة العقل أنه يتسلط على غرائزنا، ويحملنا على الاعتدال، ولكن بلا زهد أو نسك؛ أي ~~بلا إنكار للغرائز. وقد يكون لقليل من الزهد قيمة في التذاذ العيش؛ أي في التأنق في ~~الاختيار بالامتناع عن قبول كل ما يرد؛ كالعطش يجعل الشراب أسوغ، ولكن الاستمرار عليه جنون ~~قاتل. # وتقتضينا الحياة الفنية ms09 أن نعيش بالعقل والغريزة معا في مصالحة ووفاق بين الاثنين، ولكن ~~في تحيز نحو العقل؛ لأن العقل إنساني والغريزة حيوانية، ولأن الفرق بين الإنسان الإنساني ~~والإنسان الحيواني هو أن الأول يعتمد في الأكثر على وجدانه وعقله، في حين يعتمد الثاني في ~~الأكثر على غرائزه. # | كيف نسوس عواطفنا # العواطف قوات موطرية أو انفجارية، وهي في حال الأولى تكسبنا الطاقة التي ننبعث بها إلى ~~النشاط الذهني أو الجسمي، ولولا هذه القوة الموطرية لما تحركنا إلى الطموح أو الدراسة أو ~~الكسب، وهي لذلك جهاز نافع أيام الصحة، ولكنها تستحيل إلى قوة انفجارية معربدة أيام المرض؛ ~~نتطوح بها إلى الجنون أو الشذوذ أو الإجرام. # والعواطف في مجموعها اجتماعية؛ أي إننا نكسبها من المجتمع وليس من الطبيعة. وصحيح أن هناك ~~عواطف نرثها وراثة طبيعية؛ كالعاطفة الجنسية أو عاطفة الجوع إلى الطعام، ولكن حتى هذه ~~العاطفة «الطبيعية» تتخذ لونا اجتماعيا. # والمجتمع الذي نعيش فيه، بما له من طرق في كسب العيش وأساليب الإنتاج، يعين العواطف ~~الشخصية لكل شخص منا؛ فإذا كنا نعيش في نظام اقتصادي يقوم على المباراة، فإن صفات الأنانية ~~والغيرة والرغبة في التفوق والاقتناء والطموح تصير عواطف شخصية تحفزنا إلى العمل والكسب، ~~وأحيانا تستحيل هذه الصفات إلى عواطف سيئة؛ كالحسد والتسلط والخوف. # وتحدث لنا عواطف أخرى إذا كنا نعيش في مجتمع تعاوني ليس فيه سيد ومسود، وغني وفقير، وكانز ~~ومحروم، كما هي الحال في المجتمعات الاشتراكية. # ولأننا نعيش في مجتمع قائم على المباراة، فإن جميع الرذائل التي تستتبعها المباراة تتخذ ~~شكلا عاطفيا في نفوسنا؛ ولذلك نشقى كثيرا بالأنانية والحسد والرغبة في التفوق والاقتناء ~~والطموح، ذلك أن الوسط الاقتصادي محدود الفرص؛ فقد يجد غيري فرصة لا أجدها أنا، فأبتئس ~~لتخلفي، وأغار من تقدمه، وأحسده على ذلك. وكل هذه العواطف تؤذيني، أو هي تبعثني على الإفراط ~~في الجهد حتى أموت قبل الأوان؛ بزيادة الضغط للشرايين، أو بعجز القلب، أو بالاختلال في ~~التمثيل السكري، أو قد أبقى مريضا بهذه الأمراض وغيرها وأشقى بها، وهذا إلى هموم لا ms10 تنقطع ~~تغشى نفسي بالغم والكآبة، وقد تحملني على الانتحار. # ولذلك نحتاج، كي نعيش الحياة الفنية في هناء، أن نسوس عواطفنا حتى تبقى موطرية تدفعنا إلى ~~السير متئدين، ولا تكون انفجارية تثور بنا وتبددنا. وأول ذلك أن نعرف بوجدان يقظ وتعقل ~~متزن أننا نعيش في مجتمع قائم على المباراة، وأنه يحملنا على اتجاهات مؤذية، فيجب أن نجعل ~~القناعة الاقتصادية مصباح الهداية الذي نستضيء به؛ فلا نتطوح في مطامع لا نقوى على تحقيقها، ~~فنكون لها عبيدا نجري ونهرول طوال حياتنا كأننا مسخرون في جمع المال واقتناء ~~العقار. # وليس هنا مقام التحليل لعواطفنا المختلفة حتى نثبت للقارئ أنها كلها تعود إلى مجتمعنا؛ ~~فإن غيرة المرأة من حماتها أو العكس، وكذلك مناكدة الرئيس لمرءوسيه، ثم الاهتمام المريض ~~للمستقبل، والتضحية بالحاضر للمستقبل، ثم الخوف من الفقر، والخوف على الأولاد من الأخطار. ~~كل هذه العواطف تعود إلى نظام نفسي ينهض على أساس المجتمع الاقتصادي الذي نعيش فيه. # وقصارى ما نستطيع أن نبسطه في هذا الفصل هو نصائح موجزة نبغي بها علاج المجتمع الاقتنائي ~~الذي نعيش فيه؛ أي علاج الفرد مما تجلبه عليه العواطف التي غرسها فيه المجتمع. أما العلاج ~~الحاسم فهو تغيير المجتمع من المباراة إلى التعاون، ومن الاقتناء الفردي إلى الاقتناء ~~العام. # من شأن العواطف أنها لا تؤذينا إذا كانت الكارثة كبيرة فادحة، ولكنها مع فداحتها مفردة؛ ~~أي وقعت مرة واحدة ثم انتهت، فنحن نتحمل الإفلاس التام، أو موت الابن أو الأم، أو كارثة ~~الغرق أو الحريق أو الطلاق، ولكننا لا نتحمل الزوجة التي تناكدنا كل صباح على الطعام أو ~~القهوة، ولا تتحمل الزوجة معاكسة حماتها، ولا يتحمل الطالب توبيخ أبويه كل يوم لفشله في ~~الامتحان؛ أي إذا تكررت المناكدة أو المعاكسة كل يوم، ولو كانت لأسباب تافهة، أدت إلى ~~الانهيار العصبي الخطير؛ لأن العبرة بالتكرار. # لهذا السبب يجب ألا تعيش الزوجة مع حماتها أبدا، وإذا كانت هناك ظروف تضطرهما إلى ~~الاشتراك في العيش، فليكن هذا على وجدان منهما؛ أي يجب على كل منهما أن ms11 تعرف أنها في حالة ~~شاذة، وأن تحتاط من الوقوع في المناكدة أو المعاكسة. # يجب على الأب، إذا فشل ابنه أو بنته في الامتحان، ألا يعمد إلى تقريعه كل يوم؛ لأن هذا ~~التقريع قد يؤدي إلى انهيار عصبي خطير؛ وخاصة إذا كان بين 17-25. # الاهتمامات الكثيرة المتنوعة تخفف من ضغط العاطفة وتحول دون اجترارها. # إذا ثقلت العاطفة فإن النشاط الجسمي يخفف من ثقلها؛ حتى المشي والجري يخففان من ~~ثقلها. # من الواجب أن ننبه الرؤساء في المصانع والمكاتب إلى أن يكفوا عن معاكسة مرءوسيهم؛ حتى لا ~~يكون أحدهم كالحماة التي تبعث بزوجة ابنها إلى المارستان؛ لأنها لا تفتأ توبخها ~~وتبخسها. # يجب أن نقلل من مظاهر الحزن؛ مثل احتفال الأربعين للمتوفى، أو التفجع في الجرائد على ~~المتوفين؛ لأن هذه المظاهر تحيي الحزن القديم عند الغير. # وهذا أحسن ما نستطيع أن نقول في مجتمع المباراة الذي نعيش فيه، وهو مجتمع سيئ في ~~أساسه. # | التربية # لا تقل طفولتنا البيولوجية عن 17 سنة، ولا تقل طفولتنا الاجتماعية عن 30 سنة، ومعنى هذا ~~أن مدة التربية عندنا طويلة؛ وذلك أننا لا نولد بأجهزة من الغرائز التامة التي نعمل بها بلا ~~تعليم، كما تفعل صغار السمك التي تسبح عندما تخرج من بيضها، ولا بأجهزة ناقصة كما تفعل صغار ~~الطيور التي تحتاج إلى شيء من التعليم كي تطير وتجرؤ على اقتحام الجو. # ذلك أننا نحن البشر قد استغنينا عن الكثير من غرائزنا، أو قد وضعناها في الصفوف الخلفية ~~من كياننا النفسي، وأقمنا العقل وصيا عليها يديرها ويوجهها؛ حتى إننا لا نأكل ولا نتناسل ~~في استسلام كامل للغرائز؛ إذ إننا نسلط العقل هنا أيضا، ونجعل له التصرف الأعلى. وصحيح ~~أننا لا نستطيع أن نخمد هذه الغرائز، ولكننا نستطيع التصرف بها وتوجيهها. # وتسلط العقل يجعل التربية ضرورية لكل فرد منا؛ وخاصة إذا كنا نعيش في مجتمع راق؛ أي أرقى ~~وأكثر تركبا من المجتمع الزراعي أو البدوي. وتتجه التربية في عصرنا إلى إيجاد عادات ~~ومهارات نكسب بهما العيش، وليس من شك في ms12 قيمة التربية؛ وخاصة في مجتمع لا يزال يعيش على ~~اقتصاديات القلة وليس على اقتصاديات الوفرة التي يلتمع فجرها الآن في الأمم المتقدمة في ~~الإنتاج الآلي، ولكن التربية يجب أن تكون للحياة قبل أن تكون للكسب. # وكذلك يجب ألا ترمي التربية إلى تعليمنا المعارف والثقافة فحسب، وإنما يجب أن توجهنا ~~الوجهة التي نتعلم بها وحدنا. وكي نوضح قصدنا نطلب إلى القارئ أن يقارن بين أرسطوطاليس وبين ~~تلميذ في السنة الثالثة أو الرابعة من مدارسنا الثانوية؛ فليس من شك أن التلميذ يفضل هذا ~~الفيلسوف في كثير من معارفه الكيماوية والبيولوجية والطبيعية والجغرافية، ولكن أرسطوطاليس ~~يمتاز باتجاه معين نحو البشر والكون والمعارف. وهذا الاتجاه يحتاج تلميذنا إلى خمسين أو ~~ستين سنة حتى يصل إليه، بل قد لا يصل إليه لأنه لا يجد من يرشده. # ليست التربية السديدة أن أعرف، وإنما هي أن أعرف كيف أعرف؛ أي كيف أعلم نفسي، وأزيد ~~معارفي، وأكون طالبا مدى حياتي. وليست التربية أني أعرف كيف أكسب العيش، بل هي أن أعرف كيف ~~أعيش سبعين أو ثمانين سنة على هذا الكوكب في نمو لشخصيتي وترقية لذهني. ويجب ألا يكون هدف ~~التربية - كما هو الآن - النجاح الحرفي للكسب؛ إذ يجب أن تهدف إلى النجاح في الحياة؛ لأن ~~الحياة أكبر من الحرفة، والنجاح فيها يقتضي النجاح في الصحة والثقافة والعلاقات الاجتماعية ~~والعائلية، والارتقاء الفني والذهني ... إلخ. # يجب أن تهدف التربية إلى أن تحمل كلا منا على الاهتمام بالأثاث الأنيق والرسم الفني كما ~~نهتم للكسب في مجتمع اقتنائي يعيش أفراده بالمباراة، ويجب أن تحرك استطلاعنا إلى درس الطاقة ~~الذرية أو زراعة القطن كما تحركه إلى تقدير ألوان الجمال في الطبيعة: القمر في الريف، ~~والشمس في البزوغ، والبحر والقفر والجبل والسهل؛ لأن هذا الكوكب كوكبنا، ويجب أن نستمتع بما ~~فيه من روعة الطبيعة ومجدها. # والحياة الفنية تحتاج قبل كل شيء إلى درس الفنون، وإلى ترقية الإحساس الفني، بحيث نسلك ~~ونتصرف ولنا في كل ذلك مأرب فني، حتى إذا سرنا في حديقة استمتعنا بالزهور ms13 وهي على شجرتها في ~~إشراقها وإيناعها دون أن يبعثنا روح الاقتناء على بترها وقطفها. # ويجب أن نتعود قراءة الجريدة والمجلة والكتاب كما نتعود القهوة والشاي، ويجب أن نزداد ~~رغبة في امتلاك هذا الكوكب نفسيا وذهنيا وفنيا كلما ازداد هو تقلصا بالمخترعات ~~الجديدة؛ حتى تتسع آفاقنا حسا وذهنان فلا تضيق بحدود القطر أو القارة، بل تشمل شئون ~~العالم كله والبشر جميعهم. # ثم يجب ألا يغيب عنا أن التربية البشرية تخاطب الذهن، أي تزيد الوجدان؛ حتى نعيش في يقظة، ~~ونطلب زيادة هذه اليقظة بتعلم المعارف والفنون، ولا نعيش ذاهلين ذهول الحيوان الذي تسوقه ~~غرائزه. والفرق كبير بين الذهن اليقظ والذهن الذاهل، وهو يعود في الأغلب إلى عادة القراءة. ~~وكذلك الفرق بين شيح هرم قد خرف أو تبلد ذهنه، وبين شيخ لا يزال له حدة وفتوة ويقظة ~~وذكاء، يعود إلى أن الأول لم يتعود القراءة، وأن الثاني قد تعودها. والقراءة تجعل الكلمات ~~مألوفة في الذاكرة سهلة الاستحضار، ولما كانت المعاني مجسمة في كلمات؛ فإن من البعيد ~~جدا أن نجد رجلا يهرم ويتبلد ذهنه ما دامت الكلمات حاضرة معدة لتنبيهه. # ومن هنا القيمة العظمى لصحة الشيخوخة من تعود القراءة؛ لأن الذهن يمرن على الفهم ~~بالقراءة كما يمرن الجسم على الحركة بالرياضة، وتبقى هذه المرانة إلى الشيخوخة. # كذلك يجب أن تكون تربيتنا موسوعية؛ أي يجب أن نلم بجميع المعارف البشرية، وقد أحدثت لنا ~~القنبلة الذرية وجدانا بهذا الإحساس. وصحيح أنه يجب أن تكون لنا بؤرة؛ أي نقطة للتعمق ~~والتخصص في المعارف، ولكن يجب أن نتشعع من هذه البؤرة العميقة إلى التوسع في الآفاق الذهنية ~~الرحبة، كما يجب أن يكون كل منا سقراطيا؛ أي يعرف أنه لا يعرف فيدرس العلوم والفنون ~~والآداب والفلسفات، ويبقى على هذا حتى يموت «وعلى صدره كتاب»، كما قيل عن الجاحظ. # وفي المستقبل القريب، بل القريب جدا، ستتغير التربية من التعليم للحرفة إلى التعليم ~~للحياة، وعندئذ نتجه نحو استخدام فراغنا الذي سيزيد عاما بعد آخر، وكثير منا - حتى في ~~عصرنا هذا - يستمتعون ms14 بفراغ يبلغ أربع أو خمس ساعات كل يوم، وعندئذ ستكون مشكلة التربية: ~~كيف يتصرف الشاب أو الفتاة بهذا الفراغ؟ وكيف ينتفع به ويستمتع؟ # وهذا السؤال يعود بنا إلى النغمة التي نفتأ نعزف بها، وهي أننا يجب أن نعلم الناس كيف ~~يعيشون الحياة المليئة، وكيف يتعمقون في حياتهم ولا يقنعون منها بالعيش على سطحها أو ~~هامشها، نعلمهم أن غاية التربية أن يحيوا وليس أن يحترفوا، ونحرك فيهم العقل الاستطلاعي ~~اليقظ الذي يشتهي المعارف، ويعرف أيضا أين يبحث عنها ويجدها، ونعلمهم أن هدف الحياة أجل؛ ~~هو الحياة في تعمق وتأنق، وليس هو الحرفة أو المال أو التفوق. # وأخيرا نقول: إن التربية الحقيقية هي التربية الذاتية؛ فلا ييئس أحد لأنه لم يمتز بتعليم ~~جامعي، أو لأن ظروف حياته الماضية لم تهيئ له الفرص للدراسة؛ لأنه يستطيع أن يشرع في أي ~~وقت، وأن يضع البرنامج الدراسي الذي تحتاج إليه تربيته، وهو أقدر إنسان على وضع هذا ~~البرنامج؛ إذ هو الوحيد الذي يعرف حاجاته وكفاءاته. # | القيمة البشرية والقيمة الاجتماعية # نحن نعيش في المجتمع المتمدن بدستور أخلاقي نأخذه كله أو 99 في المائة من العائلة التي ~~نشأنا فيها، والشارع الذي مارسنا فيه اختبارات الطفولة، ومن زملاء المدرسة والحرفة، ومن غير ~~هؤلاء ممن تحملنا حياتنا الحرفية أو الاجتماعية أو السياسية على الاحتكاك بهم. ونحن نزن ~~الرذائل والفضائل بميزان هذا المجتمع، ونأخذ بالقيم التي يعينها لنا. # وكثيرا ما نأخذ بقيم وأوزان فاسدة؛ لأن المجتمع الذي نعيش فيه فاسد، وكثيرا ما يخفى ~~علينا هذا الفساد فنندفع في التيار لا نقف ولا نتردد، ولكن أحيانا نقف ونتردد، وعندئذ يكون ~~التقلقل والبحث والتجديد، ثم تكون قيم وأوزان جديدة. # والقيم والأوزان إما أن تكون اجتماعية، وإما أن تكون بشرية، وإذا كان المجتمع راقيا كانت ~~كل أو معظم أوزانه بشرية. ومثال الأوزان البشرية: استنكار القتل والفقر والمرض والجهل، ~~وصيانة الصحة، ومكافحة المرض، وتنوير الذهن بالمعارف، وتوزيع الثروة؛ بحيث لا يكون فقر مؤذ ~~ولا ثراء مبطر. ومثال الأوزان والقيم الاجتماعية: التزين، واقتناء القصور والضياع، ms15 والتفاخر ~~بالولائم وأبهة العرس أو المأتم ونحو ذلك. # وكي نزيد الإيضاح نفرض أن صديقا عائلا مات وترك زوجته وجملة أولاد؛ فالرجل الذي تغلب ~~عليه الأوزان والقيم الاجتماعية سيحضر المأتم، ويسير خلف الجنازة، ويحضر الصلاة، ويعزي أسرة ~~المتوفى، ثم يعد نفسه قد أنجز جميع واجباته، وربما قد يبالغ في هذه الواجبات فينعيه في ~~الجرائد. ولكن الرجل الذي تغلب عليه الأوزان والقيم البشرية قد يهمل كل هذه الواجبات، ثم ~~يبحث عن حال الأرملة وأولادها، فإذا وجد أنهم في حاجة إلى المال تبرع من جيبه وجمع من غيره ~~ما يقيتها، ثم هو يرعى الأولاد بالنصيحة، ويهيئ لهم وسائل التعليم، ويرعى العائلة تلك ~~الرعاية الاقتصادية التي فقدتها بموت العائل. # ومن هنا نعرف أن الضمير الحسن هو الضمير البشري، وليس هو الضمير الاجتماعي. # ومن هذا المثال الذي ذكرناه نستطيع أن نتوسع فنقول: إن للصحة قيمة بشرية مطلقة، ولكن ~~للمال - بعد أن يتجاوز حدا ما - قيمة اجتماعية فقط، والشاب الذي ينشد في الفتاة جمالها ~~إنما ينشد قيمة بشرية، ولكنه عندما ينشد ثراءها إنما ينشد قيمة اجتماعية. ومن هنا أيضا ~~نقول: إن للزواج قيمة بشرية، ولكن أبهة العرس وجهاز العروس ونحو ذلك تعد من القيم ~~الاجتماعية. # وكثيرا ما تستهلك القيم والأوزان الاجتماعية مجهودنا وصحتنا، كما تحول بيننا وبين القيم ~~البشرية؛ كأن نندفع في جمع المال فنفقد صحتنا قبل الخمسين أو الستين؛ لأن المجهود في هذا ~~الجمع كان أكبر مما نتحمل، وفي الوقت نفسه حال هذا الجمع دون العناية بترقية شخصيتنا وتنوير ~~ذهننا، وهما من القيم البشرية. وكثير من الناس يغمرهم المجتمع بقيمة وأوزانه فلا يرتفعون ~~فوقها؛ ولذلك تجد أن كل اهتمامهم ينحصر في شراء أتومبيل من الطراز الجديد، أو يغمرهم الهم ~~والنكد لأنهم فقدوا صفقة تجارية، مع أن زيادة ألف جنيه أو نقصها في حساب البنك لن ~~يضيرهم! # ومن هنا، ذلك الرجل المحموم بالنجاح ينفق كل مصادره الحيوية في التفوق في حرفته، ثم يفشل ~~في عائلته أو مجتمعه، ولا يدري أن النجاح يجب أن يكون كليا يشمل ms16 العائلة والمجتمع والحرفة ~~والفراغ. وكثير من الأمراض النفسية الفاشية في أيامنا تعزى إلى الاندفاع في هذه القيم ~~الاجتماعية دون التفكير في القيم البشرية، وذلك «الرجل الأجوف» الذي تحدث عنه الشاعر ~~إليوت إنما هو رجل قد غمره المجتمع بقيمه وأوزانه، فنسي كلمة الإمبراطور ماركوس أوريليوس ~~حين قال: إن أعظم ما يشتاق إليه ويتمناه في هذه الدنيا كسرة من الخبز مع قطعة من الجبن ~~يأكلها تحت ظل شجرة. # والمحك الذي يفصل بين القيمتين والوزنين أن نسأل عندما نسأل عن شخص ما: ما هو؟ # فإننا هنا نسأل عن قيمته البشرية: هل هو جميل، سليم، مثقف، صادق، أمين، سعيد؟ # وحين نسأل عن قيمته الاجتماعية نقول: ما عنده؟ # فنجيب بأن عنده منزلا به أثاث فاخر، أو عنده ضيعة وأتومبيل وعشرة آلاف جنيه في البنك، ~~ولقب بك ... إلخ. # والحياة الفنية تقتضينا التمييز بين القيم، وأن نجعل للقيمة البشرية المكانة الأولى في ~~جميع اعتباراتنا؛ سواء في أنفسنا أم في غيرنا، والرجل الطيب هو في النهاية الرجل البشري ~~وليس الرجل الاجتماعي؛ أي الرجل الذي يتعمق ويصل إلى الجذور. # وعندما نتأمل الأنبياء، بل كذلك الفلاسفة والأدباء، نجد أن كل اهتمامهم كان منصرفا إلى ~~تغيير المجتمع بوضع القيم البشرية مكان القيم الاجتماعية. # | الاستغناء أم الاقتناء # نحن نعيش في مجتمع «اقتنائي» ننشأ فيه منذ الطفولة على أن هذا لي وهذا لك، وعلى أن أحدنا ~~يسر بأن يكون له أكثر مما للآخر، ثم نشب بعد ذلك فنزداد رغبة في الاقتناء، واندفاعا ~~نحو الامتلاك؛ لأن العادة قد أصبحت عاطفة ومزاجا، ونعيش طوال حياتنا ونحن في تعب؛ لأننا لم ~~نقتن كما اقتنى فلان الذي كنا نعرفه أقل ثروة منا، ونعيش بين جيراننا في مباراة؛ نرقبهم ~~حين تخرج إحدى بناتهم في ثوب زاه، أو حين نقرأ في الصحف عن الترقيات والعلاوات فنمتلئ ~~حسدا؛ لأن هذا الشخص الذي كنا على الدوام نتفوق عليه، أو على الأقل نساويه، قد ارتفع ~~وارتقت أحواله دوننا. # ونحن ننشد الاقتناء والامتلاك لا لأننا في حاجة إلى زيادة، ولكن لأن المجتمع «الاقتنائي» ms17 ~~الذي نعيش فيه قد غرس فينا هذه العواطف، فأكسبنا هموما شخصية تنزع بنا إلى الجهد، وتحمل ~~المتاعب؛ كي نتفوق في الجمع، ونستمر في الزيادة، ونبقى على ذلك طوال حياتنا، حتى إننا نرى ~~ناسا قد تقدمت بهم السن وأثقلتهم الشيخوخة ومع ذلك يتعبون ويقلقون بشأن مقتنياتهم ~~وعقاراتهم؛ فهم في هموم دائمة وحسابات لا تنقطع، حتى ليتساءل الإنسان وهم في هذه الحال: هل ~~هم يملكون هذه العقارات أم أن هذه العقارات هي التي تملكهم؟! # وأعظم ما يعود من الضرر على هؤلاء أن هذه الهموم الشخصية تحول دون الاهتمامات العامة، حتى ~~ليقول لك أحدهم: إنه لا يملك الوقت كي يقرأ الجريدة لأنه مشغول بأعماله التي لا تترك له ~~فراغا. # وقد أصبحت أعباؤنا الخاصة ثقيلة حتى إننا جعلنا الفرار منها سنة؛ فنحن نصطاف لا لأننا ~~نرغب في تغيير الجو من الحر إلى البرودة، بل لأننا نحب أن نفر من هذه الأعباء؛ فالتغيير هنا ~~سيكلوجي وليس مناخيا. وعندما نتأمل المصطافين في رأس البر أو الإسكندرية نجد أنهم ينطلقون ~~من القيود، ويحاولون أن يتصلوا بالطبيعة في بساطة من التكاليف والأعباء، تشهد على أنهم ~~كانوا متعبين بما كانوا يقتنون من ملابس غالية مرهقة في المدن. # والحق أننا عندما نتأمل معيشتنا في وسط متمدن، وما يجلبه علينا هذا الوسط من تكاليف، وما ~~يطالبنا به من مطامع، نجد أننا جميعا في حال سيئة من القلق النفسي، مسوقين بأوهام ~~الاقتناء كما لو كنا مسخرين. وهذه الأوهام هي في نهايتها مصطلحات ليست لها قيمة بشرية، ~~وهي لا تزيدنا إلا أعباء وهموما؛ إذ نستطيع أن نستغني عنها، فقد استغنى شبابنا مدة الحرب ~~الأخيرة - مثلا - عن الطربوش، ولم يجدوا سوى الراحة والصحة عندما تخلصوا من هذا التكليف، ~~وسبق أن استغنت الفتيات أيضا - قبل الحرب - عن الجوارب، ولم يشعرن إلا بالراحة والزيادة في ~~الصحة بهذا الاستغناء. أجل، ازداد الجميع صحة لأن الاستغناء عن الطربوش والجوارب قد زاد في ~~تعرض الأعضاء لأشعة الشمس، ولأثرها الصحي في تنبيه الجسم. # وأعود فأقول: إن معظم ما نبذل من ms18 مجهودات عظيمة، بل أحيانا مجهودات مضنية مميتة في ~~الاندفاع نحو الاقتناء، إنما هو مصطلحات اجتماعية لا أكثر؛ أي ليس لها في نفوسنا حاجة ~~طبيعية؛ فحاجاتنا الطبيعية قليلة جدا. وقد قنع غاندي - مثلا - بأن يعيش بنحو ثلاثة ~~جنيهات أو أربعة في العام كله؛ فهو يكتفي من اللباس بقطعة من القماش غير مخيطة يتلفع بها، ~~بينا يحتاج أصغرنا إلى عشر قطع كي تغطي بها جسمه كأنها ضمادات مجروح، أو كأنها خرق ملونة ~~لمهرج على مسرح! # وإذا كنا نحن نستبعد أو نستغرب معيشة غاندي، فليس ذلك لأن غاندي مخطئ، بل لأننا نعيش في ~~أسر مصطلحات اجتماعية قد تغلغلت في نفوسنا حتى أضحت عقائد وعواطف. # والرجل الحكيم هو الذي يعرف كيف يستغني دون أن تنقص حاجاته الضرورية، ومن هنا قيمة الدعوة ~~إلى الحياة البسيطة؛ أي إلى بساطة العيش. وهذه الدعوة هي نداء قديم يتردد صداه عبر التاريخ ~~منذ آلاف السنين. وكلنا نذكر «ديوجينيس» الإغريقي الذي لقيه الإسكندر المقدوني وسأله عما ~~يستطيع أن يؤديه له من مساعدة، فأجاب بأن كل ما يطلبه إنما هو أن يتنحى عنه حتى لا يمنع ~~أشعة الشمس عن جسمه! # ونحن نقرأ هذه النادرة كأنها نكتة، ولكن لماذا؟ أليس أمامنا البرهان على أن ديوجينيس كان ~~على حق، وكان سعيدا ببرميله الذي كان ينام فيه، في حين كان الإسكندر شقيا بما جلب إلى ~~نفسه من هموم وأعباء؟! ألم يعمد الإسكندر إلى الانتحار وهو في الثلاثين؟! # كان الإسكندر يندفع بروح الاقتناء إلى الفتح والحرب، وكان ديوجينيس يندفع بروح الاستغناء ~~إلى العيش في برميل. وكلاهما مسرف، ولكن إسراف ديوجينيس أقرب إلى الحكمة من إسراف ~~الإسكندر. # وغاندي في عصرنا يجري على مذهب الفيلسوف الإغريقي، ويجحد مذهب الفاتح المقدوني، وهو حكيم ~~في هذا السلوك. # وقد كان جان جاك روسو أول من بصر بعبء التكاليف المرهقة التي تفرضها علينا الحضارة، رغم ~~أن حضارة العصر الذي كان يعيش فيه هي البساطة والسذاجة بالمقارنة إلى ما نعيش نحن فيه؛ فقد ~~دعا هو دعوة الريف وتجنب المدينة، ولكن مدينته، حوالي ms19 سنة 1770، كانت قرية هادئة بالمقارنة ~~إلى المدن التي نعيش فيها الآن؛ فلم يكن في مدينته ترام أو سيارة أو راديو، ولم تكن مضار ~~المباراة وما تجلب من حسد وهزيمة وقلق جزءا من مائة مما يكابد أبناء المدن في هذه الأيام، ~~وقد ترك بعده «ثوور» الأمريكي المدينة الأمريكية وعاش في الغابة، وترك إدوارد كاربنتر ~~المدينة الإنجليزية وعاش في الريف، وفعل كذلك تولستوي وغاندي. # وليس هؤلاء شاذين؛ لأننا حين نقارن بين حياتنا وحياتهم من حيث القيم البشرية، وسلام ~~النفس، والفراغ للتأمل والراحة، نجد أن الحكمة في جانبهم، والجنون في جانبنا؛ فقد عاشوا ~~بالاستغناء، في حين نعيش بالاقتناء، وامتازوا بأنهم نفضوا عن نفوسهم وأجسامهم وضمائرهم ~~جبالا من الواجبات والأثقال التي ننوء بها ونزعم أننا بفضلها سعداء، مع أن الحقيقة أننا ~~مسخرون في الجمع والاقتناء، ثم في زيادة الجمع والاقتناء، وسنظل على هذا المنوال حتى نموت ~~بالنقطة أو السكتة مجهودين مرهقين. # وأسوأ ما في الحياة التي نعيشها ونحن نعدو وراء المطامع وكأننا نجري في سباق أننا لا نعرف ~~ماذا نقتني ولمن نقتني، ثم هذا العدو في هذا السباق لا يتيح لنا فرصة الوقوف كي نتأمل ~~ونفكر. والواقع أن غريزة الاقتناء تدفعنا مسخرين؛ فلا يلتمع لنا ذكاء، ولا يتردد في رءوسنا ~~خاطر، ولا نتساءل: لماذا كل هذا؟! # | نعيش لنحسب أم نعيش لنحيا؟ # غاية الحياة هي الحياة. وليست غايتها أن نكون أثرياء أو أصحاء أو علماء أو سعداء؛ لأننا ~~إذا كنا نطلب الثراء أو الصحة أو العلم أو السعادة؛ فإنما لأن كل واحد من هذه الأشياء يؤدي ~~في النهاية إلى الحياة المثلى التي نتمناها. # فيجب لهذا السبب ألا نخطئ الهدف، وهو أن نحيا لأجل الحياة، وإذا نحن جعلنا هذا الهدف نصب ~~عقولنا؛ فإننا لن ننحرف؛ إذ نجد أنه على الدوام يصحح ويقوم انحرافاتنا. # وأعظم ما نقع فيه من انحراف، بل اعوجاج، هو أن المجتمع يؤثر فينا بأوزانه وقيمه، فيحملنا ~~على أن ننسى أن هدف الحياة هو الحياة، حتى إننا نجد كثرة الناس، بل ربما كلهم - أي ms20 كلنا - ~~ننتهي إلى عادات فكرية ونفسية لو أنها امتحنت في نزاهة وذكاء لكانت أقرب إلى الجنون ~~والشذوذ منها إلى التعقل السوي. # وأسوأ هذه العادات عند الطبقة المتوسطة والثرية هي أن نحيل الحياة إلى حساب؛ ذلك أن أحدنا ~~ينسى أنه يجب أن يعيش فيستمتع بحياته ذكاء وصحة واجتماعا ومعرفة وحكمة، ينسى كل هذا ثم ~~يرصد وقته وجهده في الحساب، وما هي زيادة دخله هذا العام على دخله في العام السابق؟ وماذا ~~يستطيع أن يشتري بما ادخر مما يزيد هذا الدخل؟ إلخ. # وأحيانا تستحيل هذه العادة إلى جنون؛ فلا يشتغل الرأس إلا بها، ولا يتحرك النشاط إلا ~~لأجلها؛ حتى إننا لنرثى لصاحبها؛ إذ نجد أنه مأسور قد استرقه الجمع والاقتناء، فلا يعرف لذة ~~الطعام أو الشراب أو التنزه أو الاجتماع بالأصدقاء. وقد يسأل أحدنا عندما يتأمل هذه الشخصية ~~ويقارنها بشخصية أخرى كثيرا ما يحتقرها، مثل شخصية المستهتر في الشراب أو النساء؛ أيهما ~~أفضل؟ # وليس هذا السؤال لأن الاستهتار حسن، ولكن لأن قصر الحياة على الحساب بالجمع والطرح، ~~والزيادة والنقصان في الاقتناء أسوأ من أي استهتار؛ لأن أقل ما يقال في المقارنة هنا أن ~~المستهتر مستمتع، ولكنه مبالغ مسرف في الاستمتاع إلى حد الضرر. ولكن هذا الحاسب لا يستمتع ~~بتاتا إلا كما يستمتع النيوروزي؛ أي المريض النفسي بعادة تملكته واستبدت به، وهي بعيدة عن ~~العقل، بل متمردة عليه. # ونحن في عصرنا الحاضر نحتاج إلى كاتب مثل د.ه. لورنس؛ كي يبين لنا أن واجبنا في الدنيا هو ~~أن نعيش؛ فقد ألف هذا الكاتب قصته «عاشق الليدي شاترلي»، وأسرف في دعوته إلى الاستمتاع ~~الجنسي باعتبار أنه أهم من الاعتبارات الاجتماعية التي تنكر علينا ملذاتنا، وتشغلنا بألوان ~~أخرى من النشاط الذي ننحرف به ونزيغ عن هدف الحياة، وهو أن نحيا ونستمتع. # وليس شك أنه أسرف، بل إنه وقع فيما أراد أن يحذرنا منه؛ إذ هو جعل الاستهتار الجنسي ~~هدفا، وكأنه اعتقد أن اللذة الجنسية هي كل ما في الحياة، وهذا خطأ فاضح. # وصحيح أن الاستهتار الجنسي، ms21 في القيم والأوزان الصحيحة ، خير من قضاء العمر في الحساب ~~لاقتناء المال وزيادته، ولكن الاستهتار على كل حال إسراف، ثم إن اللذة الجنسية جزء من ~~الحياة، وليست الحياة جزءا من اللذة الجنسية، فإذا نحن تحرينا الحياة المثلى؛ فإننا بلا ~~شك لا نهمل الملذات الجنسية، ولكننا أيضا نضع هذه الملذات في مكانها، فلا تتجاوزه وتطغى ~~على حياتنا كلها؛ إذ إن هناك ملذات أخرى تحتاج إليها الحياة المليئة الحافلة السامية؛ مثل ~~الصحة والمعرفة والصداقة والذكاء والحكمة. # وإسراف لورنس في الإكبار من شأن اللذة الجنسية إنما هو مبالغة يرمي بها إلى تأكيد الظاهرة ~~الجنونية الحاضرة في اندفاع الناس إلى جمع المال وقضاء العمر في الحساب؛ حتى أننا لنجد ~~رجلا في الستين أو في السبعين ليس له من هم سوى الدفاتر يراجعها، والاهتمام بدخله، ~~والتفكير في شراء عقار جديد أو نحو ذلك، مع أن كل ما بقي له من العمر قد لا يتجاوز سنة أو ~~سنتين هو أحوج فيهما إلى أن يعرف ما جهل، أو بعض ما جهل، قبل أن يغادر هذه الدنيا. # ووطأة المجتمع علينا هي التي تسوقنا إلى أن نستبدل الحساب بالحياة، وإلى أن نسخر أنفسنا ~~للجمع والاقتناء دون الاستمتاع بالعيش. وعادات المجتمع هذه ترسخ في نفوسنا بحيث نعيش في ~~هذا الحساب كما لو كنا نملا أو جرادا ننشط نشاطا غريزيا لا نعرف غايته. # والرجل الذي ارتفع إلى أن يجعل من حياته فنا يجب من وقت لآخر أن يسأل نفسه: هل أنا أعيش ~~للحياة أم أن قيم المجتمع وأوزانه قد غمرتني وسخرتني حتى صرت آلة جمع وطرح للحساب؛ أي ~~لزيادة المال والدخل فقط؟ # ويجب على كل منا أن يذكر نصيحة المسيح لنا، وهي أن نعيش كالأطفال؛ أي أن ننزل على القيم ~~البشرية الساذجة، نحب الجمال والاقتحام، ونستطلع الدنيا كما يستطلعها الطفل. # | العمل والفراغ # كي يكون نجاحنا في الحياة كليا شاملا وليس جزئيا خاصا يجب أن نواجه ونحل أربع ~~مشكلات أصلية؛ هي: ~~(1) # مشكلة العمل الذي نرتزق به. ~~(2) # مشكلة الفراغ الذي نقضيه مختارين. ~~(3) # مشكلة ms22 الزواج والعائلة والأولاد. ~~(4) # مشكلة المجتمع الذي نعيش فيه، وتنظيم علاقاتنا المختلفة به. # والإهمال في واحدة من هذه المشكلات يتعسنا ويجعلنا في خصومة دائمة إما مع غيرنا وإما مع ~~أنفسنا؛ بحيث نعيش في غير يسر كأننا نكافح تيارا بلا هدف يقتضي المكافحة. والقارئ لهذا ~~الكتاب يعرف أننا نعزف على لحن يتكرر، هو أن النجاح يجب ألا يقتصر على ناحية أو جملة نواح ~~من الحياة، وإنما يجب أن يكون قبل كل شيء نجاحا في الحياة كلها. # ومشكلة العمل الذي نرتزق به تبرز في عصرنا بروزا واضحا؛ لأن العلم لم يستخدم في ~~الإنتاج إلى الحد الذي تتوافر فيه حاجات الناس، ولو استخدم لانتقلت بؤرة الاهتمام من ~~الارتزاق بالعمل إلى الانتفاع بالفراغ، بل كذلك كانت بؤرة الاهتمام في المدارس والجماعات ~~تنتقل هذا الانتقال. # وإلى أن نصل إلى هذه الحال التي نرجوها يجب أن نجعل الاهتمام بالعمل الارتزاقي في مقدمة ~~شئوننا التي نتدرب لها، ونثابر على تفهم تفاصيلها. وأعظم ما يجب أن نهتم به هنا هو ~~اختيار العمل بحيث يلائم ميولنا وكفاءاتنا معا؛ لأن معظم التعس الذي يعانيه الناس من ~~أعمالهم يعود إلى أنهم لم يختاروها، بل قضت المصادفات والظروف بأن «يقعوا» فيها، وأجبرتهم ~~حاجات العيش على ممارستها كارهين أو متبرمين. وهذه الحال تجعلهم يتبرمون بالحياة كلها؛ أي ~~يكرهون المنزل والنادي والأصدقاء والكتب؛ لأنهم يكرهون أعمالهم كأن حياتهم قد غشيت بغشاء من ~~التبرم والسخط. # وعلى هذا نقول: إن اختيار العمل الملائم الذي نحبه ونستطيعه هو نصف الانتصار في معركة ~~الارتزاق، بل ربما أكثر؛ لأننا بعد ذلك ننشط إلى الحذق والمثابرة والدرس. ونحن في العادة لا ~~نشرع في الاختيار قبل السادسة عشرة من العمر، ولذلك نحتاج قبل ذلك إلى الإرشاد؛ لأننا نجهل ~~ميولنا وكفاءاتنا، ونحتاج إلى من يحللهما ويخبرنا عن حقيقتيهما. # وكثير من التخلف الذي يصيب الموظف يعود إلى كراهته لعمله؛ لأنه أساء في اختياره؛ فهو ~~يتهاون ويتثاءب ويكره رئيسه، أو يعتقد أنه يرهقه بالواجبات، بل أحيانا يحس صداعا بسبب هذه ~~الكراهة، وهو يتعلل بهذا الصداع ms23 لطلب الإجازات، أو للزيادة في التهاون والتكاسل حتى تسوء ~~العلاقات بينه وبين رؤسائه. # وعلاج هذه الحال - إذا كانت الوقاية لم تتخذ من قبل - أن يكون باستخدام الفراغ؛ بحيث ~~يعوض من سأم العمل، وذلك بأن نمارس هواية ما تشغلنا وتعوضنا من النفور من العمل، وتعيد ~~إلينا اتزاننا. ويجب لهذا السبب أن يكون لكل منا هواية، بل هوايات تتوافر بها اهتماماتنا، ~~وعندي أن أعظم هذه الهوايات هو القراءة وتعود الدرس؛ لأنها الهواية الباقية إلى سن ~~الشيخوخة، وهي في ظاهرها هواية واحدة، ولكنها في صميمها جملة هوايات؛ لأن الذي يعشق الدراسة ~~يجد نفسه مشغولا بألوان مختلفة من الاهتمامات؛ يقرأ الجريدة والمجلة، ويناقش في السياسة، ~~وقد يكافح لمذهب فيها، كما يقرأ الكتب ويقتنيها، ويضع المشروعات لدراسات جديدة، فيتجدد بذلك ~~شباب ذهنه، وتتسع آفاقه العملية والأدبية. ومثل هذا الشخص لن يسأم فراغه، ولن يقضيه ذاهلا ~~في غيبوبة نفسية على القهوات، ولن يقع في العادات السيئة؛ كالتهالك على التدخين أو ~~الشراب. # والرجل الموفق هو الذي يجعل هوايته مرتزقة، ولكن يجب أن نعترف أن هؤلاء قليلون في ~~مجتمعنا، حتى الأديب الذي يرتزق بقلمه لا يكتب على الدوام ما يهوى؛ لأن الضغط الاقتصادي ~~يحمله في كثير من الأحيان على ألوان من الإنتاج الكمي لا الكيفي، يهدف منه إلى الكسب لا ~~إلى الفن. # ولهذا نحتاج جميعنا إلى أن يمارس كل منا هواية ما تحل بها مشكلة الفراغ، ومتى حللنا هذه ~~المشكلة فإن العمل الارتزاقي يسهل علينا، فلا يكون ذلك المضض الذي نراه في كثير من الموظفين ~~وهم إلى مكاتبهم يتجهمون لأوراقهم ورؤسائهم. # | العائلة والمجتمع # النجاح العائلي أكبر من النجاح الحرفي، ويجب أن يكون كذلك؛ لأن القيم العائلية بشرية في ~~حين أن القيم الحرفية اجتماعية. والعائلة هي زوجة وأولاد وبيت، والرجل الذي وفق إلى ~~اختيار زوجته واستمتع بحبه لها وعنايتها به، وأعقب أولادا وتعب لهم حتى نموا وأينعوا أمام ~~عينيه، مثل هذا الرجل قد حظي بنصيب عظيم من متع الحياة. # واختيار الزوجة هو، مثل اختيار العمل، نصف المعركة؛ لأننا إذا ms24 لم نحسن الاختيار تعرضنا ~~لألوان من التعس كنا نستطيع تجنبها، وأعظم ما يتيح لنا الاختيار الحسن أن نطيل مدة الخطبة؛ ~~حتى نعرف بالاختلاط شخصية الفتاة التي سنتزوجها. # وواضح أن الخطيبين يحرصان مدة الخطبة على أن يظهر كل منهما للآخر بأحسن مظاهره، ولكن حتى ~~مع هذا الحرص يستطيع كل منهما أن يفطن إلى الاتجاهات والميول في الآخر. # ويجب أن يتجنب كل منهما إغراء الفتنة؛ فقد يفتتن الشاب بنغمة الصوت، أو زرقة العينين، أو ~~تورد الوجنتين في خطيبته، ثم ينخدع بهذه الصفات إلى الانزلاق في الاختيار السيئ. وخير ما ~~يكفل الاختيار الحسن أن يسأل الشاب نفسه: كيف نكون معا، أنا وهذه الفتاة، في بيت وحدنا بعد ~~خمس سنوات، ثم بعد عشر سنوات؟ كيف نتحدث، وكيف يعاشر أحدنا الآخر، وكيف يكون أولادنا ~~معنا؟ # وخير للخطيب أن يختار خطيبته بوجدانه؛ أي في تعقل ودراية، من أن ينزلق في الإغراء ~~الجنسي. والحب الضعيف مع الأمل في نموه في المستقبل يفضل الحب العظيم الذي لن ينمو. ويجب ~~هنا ألا ننسى أن الحب هو غير الافتتان؛ الأول وجداني تعقلي، والثاني غريزي شهوي، بل هما ~~أحيانا متناقضان؛ بحيث إذا زاد الحب ضعفت الشهوة. # ويجب أن يكون للقيم والأوزان البشرية التفضيل على القيم والأوزان الاجتماعية في اختيار ~~الزوجة؛ فالجمال والصحة والذكاء قيم بشرية، ويجب أن تفضل لذلك على الثراء والمكانة ~~والثقافة؛ لأن هذه قيم اجتماعية. ولكن من الحسن ألا يختار الشاب فتاة من غير طبقته ~~الاجتماعية أو دون ثقافته؛ لأن التفاوت هنا يعني تفاوتا في الذوق والعادات والاتجاهات، ~~وإذا كان الاختلاف صغيرا فإن النتائج لن تكون خطيرة، ولكنها تفدح إذا كان الاختلاف كبيرا. ~~وفي بلادنا، حيث تتجه العناية إلى تربية الشبان دون الفتيات في أغلب الحالات، نجد هذا ~~الاختلاف واضحا؛ ولذلك لا بد من التسامح، ولكن مع النصح للزوج بأن يعنى بتربية زوجته، ~~وتنبيهها إلى ترقية شخصيتها وزيادة ثقافتها. # والتوفيق بين الزوجين لا يتأتى مع الحماة أو الحمى من أية الناحيتين؛ ولذلك يجب أن يعيش ~~الزوجان مستقلين في بيت ms25 منفصل عن الآباء والأمهات ، فإذا لم يكن هذا ممكنا للظروف ~~الاقتصادية - مثلا - فيجب على الأقل أن تعرف هذه الحقيقة، وأن يؤسس البيت مع اعتبار هذه ~~«الضرورة» التي تواجه كما لو كانت صعوبة قهرية لا مفر منها، وبهذا الاعتبار يمكن أن تواجه ~~المواجهة السليمة، وأن توزن الوزن الصحيح. # وكل ما قلناه عن الشاب ينطبق أيضا على الفتاة. # ويجب على الزوجين أن يجعلا من البيت متحفا، وليس مأوى فقط، فإذا جاء الأولاد صار معهدا ~~حرا للجميع آباء وأولادا، فلا سيد ولا مسود، ويجب أن تقتنى التحف الفاخرة، وتهيأ الغرف ~~بأغلى الأثاث؛ حتى يجذب البيت الزوج، ويصير مرتكز نشاطه واهتمامه، كما يجب أن يكون البيت ~~مضيفة راقية يجد فيه الزائرون متعا مختلفة من الرسوم الفنية والموسيقى العالية، إلى ~~السمر المنير والمناقشة المربية. # والنجاح في المجتمع يأتي بعد النجاح في العائلة، وهو يحتاج إلى أن ندرس المجتمع بتتبع ~~السياسة العامة؛ عالمية وقطرية، وإلى أن نطابق بين مصالحنا ومصالحه حتى لا يكون تنافر. هذا ~~التنافر الذي يبلغ القمة عند المجرمين؛ لأن المجرم يتصرف وهو على غير وفاق مع المجتمع، ويصل ~~إلى غايته وهو على تنافر مع الأساليب الاجتماعية. # والنجاح الاجتماعي يقتضي العناية بالأصدقاء ورعايتهم، وتجنب التفريط في صداقتهم، وقد يكون ~~الاهتداء إلى صديق وملازمته أمتع متعة في الحياة. # والمجتمع يحتاج إلى المزاج الانبساطي؛ أي مزاج ذلك الشخص الذي يحب الاختلاط، ويغشو ~~الأندية والمطاعم والمسارح والمصايف، ويميل إلى الزيارات. # وصاحب المزاج الانطوائي ينفر من هذه الانبساطية، ولكن عليه أن يتمرن على ممارستها إلى حد ~~ما، كما يجب على صاحب المزاج الانبساطي أن يتمرن على ممارسة الخلوة والقراءة والدراسة ~~والتفكير إلى حد ما. # والخلاصة أنه يجب على كل شاب أو شابة أن يسأل نفسه: هل أنا نجحت في حل هذه المشكلات ~~الأربع: الحرفة والفراغ والعائلة والمجتمع؟ وإلي أي حد بلغ نجاحي؟ # | الرجل والمرأة والزواج # نحن نعيش في بيوتنا أكثر مما نعيش خارجها، ولن تهنأ حياتنا لهذا السبب إلا إذا عنينا أكبر ~~العناية بأن نجعل بيوتنا حاوية لصنوف ms26 الراحة والرغد. وحياة العزوبة هي حياة ناقصة قليلة ~~الاختبارات والمتع، والمتزوج قد لا يطول عمره أكثر من الأعزب، ولكن حياته أعرض، وهي أعرض ~~بالمسرات والأحزان التي لا يعرفها الأعزب. # ومعظم العمر نقضيه مع زوجة قد عرفناها في الأغلب بعد سن العشرين أو الثلاثين، وقد عاش كل ~~منا قبلا في بيئة تختلف عن البيئة التي عاش فيها الآخر؛ ولذلك ليس بعيدا أن نصطدم وأن ~~تحفل الحياة الزوجية بالمتاعب. # ولكن هناك ما هو أخطر من هذا، ذلك أننا نعيش في مجتمع اقتنائي تحاسدي، يجعل الأنانية ~~فضيلة، ويحملنا على المباراة واقتناء المال، ثم يشملنا هذا الروح فنعود الأنانية ~~والرغبة في الخطف والاقتناء والحسد والحقد والبعد عن الحب والتعاون، كل هذا يعود كما لو كان ~~هو الطبيعة البشرية الأصلية؛ فإذا تزوجنا عاملنا الزوجة وفق ما تعلمنا وتدربنا عليه في ~~المجتمع، فنطالب الزوجة بالخضوع، ونطالبها بأن تخدم ملذاتنا، ثم نلتذ ملذاتنا على انفراد ~~نفسي، وفي خطف ونهب كما كنا، ولا نزال نعيش في المجتمع. # وليس هذا المجتمع الذي وصفنا جديدا ظهر في عصرنا، إذ هو قديم قد رسخت أخلاقه في سلوكنا ~~وتصرفنا، وهو يشقي حياتنا الزوجية، وله علامات تخفى أحيانا على الناقد فضلا عن عامة ~~الناس، فإن أتوقراطية الرجل ورغبته في أن تكون زوجته أداة للذة يقابلها دلال المرأة وغيرتها ~~الجنونية من الأوهام والحقائق، وكلاهما يسير بروح الاقتناء والخطف كما لو كان كل منهما ~~تاجرا يشتري رخيصا لكي يبيع غاليا. # وأسوأ ما تعلمناه من هذا المجتمع الأناني التحاسدي الاقتنائي الذي نعيش فيه أننا ننظر إلى ~~المرأة جنسيا بدلا من أن ننظر إليها إنسانيا؛ فهي امرأة فقط وليست إنسانا؛ نعني أننا ~~نقتنيها كي تخدم ملذاتنا وتغسل أولادنا، فهي ليست الإنسان المتعاون الصديق الزميل الذي ~~نرافقه ونصادقه؛ ولذلك كثيرا ما تستحيل البيوت إلى مطاعم أو فنادق للأكل أو النوم فقط، ~~وهذا المنظر يوهم الكسب للرجل، ولكنه في صميمه يعود عليه بالخسار أيضا حتى من ناحية اللذة ~~الجنسية؛ إذ هي في هذا النظام تتقلص إلى الخطف والنهب، فتجري ms27 وكأنها صرع تشنجي، أو كأنها ~~طرب جنوني، يغمر الجسم في عجل ثم ينطفئ فجأة. # لذة عابرة خاطفة لا نذكرها بالحنان والحب والصداقة، ولكن بالخطف، وأحيانا بالقسوة ~~والاغتصاب. وكثير من الشذوذات الجنسية لهذا السبب يعود إلى المبالغة في الانسياق في الصفات ~~الاجتماعية التي يطالبنا بها النجاح في الكسب والوجاهة والتفوق؛ إذ إن هذه جميعها تحتاج إلى ~~الخطف والنهب والقسوة والحسد والأنانية، بل أحيانا إلى الغش، والشذوذات الجنسية هي في ~~صميمها غش، واللذة الجنسية هي في صميمها وفي أسلوبها نقطة التبلور لاتجاهنا الاجتماعي ~~وأخلاقنا الاجتماعية، فليذكر هذا كل شاب وكل فتاة. # ومن هنا الكثير من الرذائل التي تحسب في ظاهرها رذائل روحية، ولكنها في باطنها رذائل ~~اجتماعية؛ فإن الشاب الذي يخشى أن يتزوج الفتاة المتعلمة إنما هو في صميمه يخشى المساواة ~~التي لم يتدرب عليها في المجتمع؛ إذ هو نشأ في مجتمع قد غرس فيه الرغبة في التفوق والتسلط ~~والأنانية والخطف والخوف، فكيف يمارس كل هذه الصفات في حرفته ومعاملته وينساها في الزواج؟ ~~فهو يعامل زوجته تلك المعاملة الحميمة التي تعلمها من البغي حين كان يؤدي ثمن لذته بالقرش ~~والمليم، ويخطف هذه اللذة خطفا. وهذه المعاملة ترسخ فيه فلا يعرف كيف يغيرها، ولو أنه كان ~~قد نشأ بروح التعاون والحب والمساواة لكانت اللذة الجنسية نفسها لا تتم إلا بهذه الصفات، ~~وعندئذ كانت تكون متبادلة هنيئة للزوجين. # ولهذا أصبح الزواج كأنه صفقة بيولوجية تتم بين الرجل والمرأة، لا يسودها الحب والثقافة. ~~أجل، الحب والثقافة، وكلاهما لا يعرفه الحيوان. # ولكن حتى المقارنة بيننا وبين الحيوان لا تدل على أن الكسب في جانبنا؛ لأن أقل ما يقال في ~~الحيوان أنه ينساق بغريزته الساذجة الفطرية، ولكنا نحن نفسد هذه الغريزة بوجدان المجتمع ~~الانفرادي القائم على الخطف والخوف والنهب والحسد والاغتصاب. فنحن لا نتعاون في اللذة ~~الجنسية، بل نتخاطف في طرب ماني وصرع وقتي، سرعان ما نفقدهما ونعود إلى ما يقارب اليأس ~~والجمود والنفور. # ولن يتحقق الهناء الزوجي إلا بعد أن يعيش النساء والرجال في تعاون، وما ms28 يجلبه هذا التعاون ~~من حب وإخاء ومساواة وطمأنينة واستبشار بالمستقبل؛ لأن المجتمع الذي نعيش فيه في الوقت ~~الحاضر يشقينا بالقلق؛ فنحن نقلق ونخاف، نخاف من الفقر والمرض والهزيمة في المباراة ~~الاقتصادية والإفلاس، وكل هذه الصفات تنتقل إلى العلاقة الجنسية، فتعود هذه العلاقة قلقة ~~غير مطمئنة. # أي إن نظامنا الاجتماعي ينتقل بأساليبه إلى نظامنا الجنسي؛ فإذا كنا نخاف من الدنيا ~~ونهرول ونخطف ونقلق ونحسد، ونؤثر أنانيتنا على مصلحة إخواننا في المكتب والمتجر والسوق ~~والمصنع، فإننا ننقل كل هذه الصفات إلى العلاقة الجنسية، فلا نستمتع بالغريزة الفطرية التي ~~يستمتع بها الحيوان، بل نفسدها بوجدان سيئ من حياتنا الاجتماعية السيئة. # ولذلك نحتاج كي تهنأ الحياة الزوجية وتزول الشذوذات الجنسية إلى مجتمع تعاوني سوائي يقوم ~~على الحب وليس على المباراة؛ أي يجب أن نعيش في نظام اشتراكي، وأن يتعلم الرجال والنساء منذ ~~ولادتهم إلى وفاتهم الاختلاط والتعاون والمساواة، وأن نطمئن على عيشنا؛ فلا يكون هناك قلق ~~يغمر شخصيتنا، ويحملنا على الهرولة والخطف: هرولة وخطف في المجتمع يؤديان إلى هرولة وخطف في ~~التعارف الجنسي. # فإذا تم هذا؛ أي إذا تغيرت «الطبيعة» البشرية، وهي في صميمها طبيعة اجتماعية، وإذا تساوى ~~الرجال والنساء عمت الطمأنينة، وزالت الرغبة في التسلط، وعندئذ تهنأ الحياة الزوجية، ~~وترقى على أسس من التعاون والحب والثقافة، فلا تكون غريزية كالحيوان، ولا شقية بالوجدان ~~الاجتماعي السيئ الحاضر، وتخرج المرأة من أنثويتها الضيقة إلى ميدان الإنسانية ~~الواسع. # | كيف نصادق زوجاتنا # الصداقة ضرورية لكل إنسان؛ إذ إننا نجد من الصديق سلوى ومؤانسة وانحيازا نحتاج إليها في ~~حالي الضيق والسعة على السواء ... ونحن نتخير أصدقاءنا عادة بحيث يتفقون معنا في الرأي، أو ~~يتكافئون معنا في الثقافة وأسلوب العيش، وبعيد أن نصادق من نختلف معه في كل هذه ~~الأشياء. # وكثيرا ما نتجنب حتى أقرباءنا، بل وإخوتنا، إذا وجدنا أننا لسنا وإياهم على وفاق في ~~أسلوب العيش، أو الرأي، أو العقيدة، أو الثقافة، أو الدرجة الاجتماعية. # وفي مصر حيث لا يزال الاتجاه العام يميل إلى تمييز الشاب على الفتاة ms29 في التعليم، نجد أن ~~التكافؤ الثقافي بين الزوجين معدوم، وأن الهوة بينهما كبيرة، ومن ثم تكاد تنقطع بينهما ~~أسباب الصداقة. # والرجل قد يعيش مع زوجته نحو أربعين أو خمسين سنة، وليس هذا العيش سهلا إذا لم تكن هناك ~~صداقة تربطهما؛ ولذلك غالبا ما يتجه الرجل إلى خارج بيته، حيث الأصدقاء من الرجال يقاعدهم ~~في القهوة، أو في النادي، ويجد فيهم بديلا من الزوجة. # وفي أوروبا تتعلم المرأة كالرجل تقريبا، ولذلك يتكافأ الزوجان في الثقافة، فتصبح المرأة ~~وإذا بها ليست زوجة فحسب، بل صديقة لزوجها أيضا، يشتاق كل منهما إلى رؤية الآخر ومجالسته ~~ومحادثته، ويخرجان معا، ويقرآن الكتب التي يشتريها أحدهما معا، ويناقشان ~~موضوعاتها. # وإلى أن نصل إلى هذه الحال؛ أي إلى أن نسوي بين تعليم الشاب والفتاة بلا تفرقة أو تمييز، ~~نحتاج، نحن الأزواج أو المرشحين للزواج، إلى أن نرفع زوجاتنا إلى مصافنا في الرأي ~~والمعرفة والثقافة. وليس هذا بالأمر الشاق كما يتوهم القارئ. # والمهندس - مثلا - لا يحتاج إلى تعليم زوجته دقائق الهندسة الآلية أو الكيماوية، ~~والمحامي ليس بحاجة إلى أن يشرح لزوجته فقه القانون الروماني، والطبيب لا يحتاج إلى أن ~~يدرس لها الفسيولوجية ... ليس هذا ضروريا، وإن كنا قد رأينا أزواجا استطاعوا أن يشركوا ~~زوجاتهم حتى في هذه الأشياء الفنية! # ولسنا في صداقتنا لزوجاتنا نحتاج إلى كل هذا، وإنما نحتاج إلى أن نتحدث إليهن عن شئوننا ~~المهنية؛ حتى نثير استطلاعهن، ونبعث فيهن الشوق إلى التعرف على أعمالنا. # وأولى من هذا وأسهل أن نجعل الجريدة والمجلة والكتاب بعض أثاث البيت، نشتريها في عناية، ~~ونختار منها الأحسن والأنفع، ونقرؤها مع زوجاتنا، ونناقش ما فيها من شئون سياسية أو ~~اجتماعية. وبهذه الوسيلة يتقارب الزوجان تقاربا ذهنيا، ويتفقان على مبدأ في الرأي ~~والعقيدة. # وقد يقول القارئ: إن الحديث عن السياسة أو قراءة الجريدة ليس كل شيء في التكافؤ الثقافي ~~الذي يؤدي إلى الصداقة. ولكن هل هذا القول صحيح؟ # أليست السياسة كل شيء في أيامنا هذه؟ أليست هي التي تسيطر على حديثنا وتثير ~~اهتمامنا؟ ms30 # والكلام في السياسة هو في عصرنا هذا حديث في العلوم والاجتماع والاقتصاد معا؛ فالقنبلة ~~الذرية، والغلاء، والاستعمار والانقسام في الهند، وإحراق المحاصيل في أمريكا، وأثمان ~~البترول والطيران، وإضراب العمال، كل هذا وغيره قد أصبح من صميم السياسة. # ومتى شرعت الزوجة، التي لم تلق عناية كبيرة قبل الزواج بتعليمها، في قراءة الجريدة مع ~~زوجها، ووجدت منه المفسر والموضح الذي يستخلص لها المغزى، فلن تمضي سنوات حتى تكون على ~~تكافؤ يكاد يكون تاما مع زوجها نورا وعرفانا ورأيا واطلاعا، وعندئذ تسعد هي بصداقته ~~كما يسعد هو بصداقتها. # أعرف رجلين يختلفان في المهنة وأسلوب العيش تزوجا أختين على قدر متساو من التعليم، وهو ~~تعليم ابتدائي قليل النفع سريع الزوال، ولكن أحد الزوجين جعل زوجته شريكته في المجلة ~~والجريدة، والآخر لم يبال هذا الاشتراك، وقد مضت عليهما إلى الآن نحو 15 سنة، فماذا كانت ~~النتيجة؟ الأولى تقرأ وتناقش وهي صديقة زوجها، عندما يقعد إليها يجد أن الحديث يرتفع من ~~القيل والقال إلى موقف ترومان ووالاس، واتجاه الوفد في المعاهدة، وموقف روسيا والقنبلة ~~الذرية، والفرق بين حزب العمال وحزب المحافظين ... إلخ. # أما الأخرى فقد نسيت القراءة تماما؛ ولذلك هجرها زوجها إلى القهوة، وأخذ يعيب عليها ~~جهلها! # ولا شك أن المدارس في المستقبل، ستغنينا عن هذا الجهد عندما تعنى برفع مستوى الزوجة إلى ~~مستوى الزوج، بمحو الفروق التعليمية بين الجنسين، ولكنا الآن في حاجة لأن يعنى كل زوج منا ~~بزوجته حتى يعلمها، ويثير اهتمامها، ويوقظ ذهنها. وخير الوسائل المؤقتة لذلك هي الجريدة ~~والمجلة ... والمجهود الذي يبذله الزوج في هذا السبيل ليس مجهودا ضائعا، وحسبه أنه بذلك ~~يكسب صداقة زوجته، تلك الصداقة التي تفسح له آفاق السعادة الزوجية والهناء العائلي. # | مجتمعنا الانفصالي الحاضر # نحن أقل مسرات ومباهج من الأوربيين؛ لأن هؤلاء يلقون الدنيا في صراحة أكثر منا، ونحن ~~بالمقارنة إليهم نوارب ونداري كأننا ملوثون بتهمة نخشى أن تفتضح؛ يعيش رجالنا منفصلين من ~~النساء، لهم مجتمعهم الخاص ومسراتهم الخاصة، فإذا كانت هناك علاقة بين الجنسين فهي ليست ~~علاقة ms31 الأنسة والرفقة والزمالة الاجتماعية كما هي الحال في الأمم المتمدنة، وإنما هي ~~العلاقة البيولوجية البدائية التي قد ترتقي أحيانا إلى أنسة اجتماعية محدودة بالبيت، ولكن ~~ما أصغرها وأضيقها! # كل هذا لأننا نعيش في مجتمع انفصالي؛ الرجال ينفصلون من النساء. # والآثار التي يخلفها هذا الانفصال لا تقدر؛ فإن الزمالة الزوجية التي تعد شرطا ~~ضروريا للحياة السعيدة بين الزوجين ليست من المعجزات التي تباغتهما منذ العرس؛ لأن هذه ~~الزمالة تحتاج إلى مرانة قد حرم منها شبابنا وفتياتنا؛ لأننا حرمنا الاختلاط بينهما قبل ~~الزواج، فأصبح كل منها منكفئا على نفسه، له عقلية خاصة، وإحساسات نفسية خاصة؛ كأنه مخلوق ~~من كوكب آخر؛ ولذلك يلتقيان بعد الزواج وهما غريبان يحتاج كل منهما إلى مجهود جديد للتوفيق ~~في الحياة المشتركة الجديدة. # والأوربيون يختلطون؛ يتعلمون وهم صبيان في مدرسة واحدة، وأحيانا يتعلمون معا أيضا في ~~المدارس الثانوية. أما الجامعات فالتعليم على الدوام مشترك لا ينفصل فيه جنس من آخر، وهذا ~~إلى الاختلاط بالضيافة التي لا تنقطع؛ ولذلك ينشأ الشبان والفتيات على دراية ومعرفة، فإذا ~~دخلوا في بيت الزوجية كان دخولهم على نور وهدى، وليس بمثابة الكشف عن أرض مجهولة كما هي ~~الحالة الأسيفة عندنا. # ومنع الاختلاط بين الشبان والفتيات يعقب آثارا من الأمراض النفسية يعرفها الدارسون لهذا ~~الموضوع؛ لأن هذا الفصل يجنح بالشاب أيام المراهقة إلى الاستسلام للخيال الذي لا ترده ولا ~~تحده حقائق الاختلاط ولمس الواقع؛ فهو ينتقل من خيال إلى خيال، ويشطح ويتطوح إلى أن يجد ~~نفسه يوما وقد بعد إلى منأى تخصب فيه الشذوذات الجنسية التي يشق عليه، وأحيانا يستحيل، ~~أن يتخلص منها حتى بعد الزواج. # ونحن الرجال نحتاج على الدوام إلى الاختلاط بالجنس الآخر منذ أن نولد إلى أن نموت؛ لأن ~~أقل ما يقال في تبرير هذا الاختلاط أنه هو الوضع الطبيعي الذي يجب ألا يناقضه وضع اجتماعي. ~~والشاب المختلط - زيادة على أن غرائزه تبقى سليمة بعيدة عن الشذوذات - يرقي شخصيته ~~بالاختلاط بالجنس الآخر؛ إذ هو يعنى بلباسه ولغته وصحته؛ لأنه يجب أن ms32 يبدو بأحسن ما ~~يستطيع؛ حتى يجلب الإعجاب والرقة من الجنس الآخر، بل هو يرقي ذهنه ويربي حواسه لهذا ~~الغرض أيضا. ونحن نستطيع بالفراسة السيكلوجية أن نعرف الشاب المنفصل الذي لم ترتق نفسه ~~وحواسه وذهنه بالاختلاط الجنسي. # وأول ما نجد فيه إهمالا في هندامه؛ إذ هو لا ينتظر إعجابا ولا يتكلف عناية لجلب هذا ~~الإعجاب من الفتاة، وهو يؤمن بالشهوة لا الحب؛ لأنه لم يسامر قط فتاة، ولم يعرف قط أن ~~للفتيات ميزات روحية ونفسية وثقافية وذوقية، وأنهن يمتزن أيضا بالشجاعة والتضحية ~~والشرف. # ومثل هذه الحال التعسة تكون أيضا عند الفتاة المنفصلة، مع الاختلاف الذي تقتضيه ظروفها، ~~بل هي أتعس من الشاب؛ لأن حبسة البيت أسوأ أثرا هنا، والشاب مع انفصاله لا يحبس في بيته؛ ~~ولذلك تفقد الفتاة حيويتها، ويستولي عليها جمود ينقص - إن لم يلغ - جاذبيتها، مع أن ~~مواهبها الطبيعية في الجمال قد تكون كبيرة جدا، ثم تسودها عقلية المنع والانكفاف؛ لأن ~~الإحجام المادي يتشعع من بؤرته في البيت إلى ألوان من الإحجام الذهني والنفسي، «فيجب ألا ~~تنظري، ويجب ألا تقرئي، ويجب ألا تعرفي ... إلخ». # وقد أكون قد بالغت في وصف المساوئ التي تعود من الانفصال بين الجنسين؛ لأن الحدود والسدود ~~قد تحطمت إلى حد ما، ولكن يجب أن نسلم أنها - مع الأسف - لا تزال قائمة في كثيرة من ~~أوساطنا، وهي أحيانا، مع تحطمها في الواقع المادي، لا تزال قائمة في بعض الأذهان ~~والنفوس. # يجب أن نعد الاختلاط جزءا من تربيتنا العامة، وأن ندعو إلى التعليم المختلط في المدارس ~~الابتدائية، وإلى تشجيع الضيافة الراقية، بل أيضا إلى غشيان المطاعم والقهوات العامة ~~مختلطين. # وعندما ينتقل مجتمعنا من حال الانفصال إلى حال الاختلاط سوف نحس أننا أمة متمدنة، وسوف ~~يربينا الاختلاط، ويحدث بيننا زمالة واحتراما، ثم يؤدي إلى الحب. أجل، هذا الحب المكشوف ~~الصريح الشريف الذي لا يحتاج إلى اختلاس النظر من خلف الأبواب والأستار. # | الحياة الفنية للمرأة # كل ما قلناه عن الرجل في الفصول السابقة ينطبق أيضا على المرأة، وقد نبهنا ms33 عن ذلك في ~~كلامنا عن العائلة والمجتمع، ولكنا نحتاج مع ذلك أن نعالج الحياة الفنية للزوجة؛ لأننا في ~~مصر قد ورثنا من التقاليد أخطاء كثيرة ألغت المرأة من مجتمعنا، وغيبتها عن وجداننا، وقد ~~كوفحت هذه التقاليد بتعميم حرية المرأة، وانتشار المدارس إلى حد بعيد، ولكن لا يزال لهذه ~~التقاليد رواسب إذا لم ترتفع إلى وجداننا الذهني؛ فإنها لا تزال تصبغ عواطفنا، وتؤثر في ~~حياة المرأة. # والحياة الفنية للمرأة تقتضي أن تعمل كالرجل؛ فتحترف حرفة ما ترفعها من الأنثوية إلى ~~الإنسانية، وتربيها طوال العمر، وتحملها على النمو والإيناع النفسي، كما تقتضيها الاتصال ~~بالرجال. ونحن الرجال لا نستطيع أن نتخيل أنفسنا منفصلين عن المجتمع، ومحرومين من الحرفة؛ ~~لأننا نعرف أننا في هذه الحال نسقط سقوط اليأس الذي لا ننهض منه؛ ذلك لأن الحرفة والمجتمع ~~يربياننا، وهما من أكبر الدوافع لارتقائنا الذهني والنفسي، بل والجسمي. # وقليل من المقارنة بين امرأة لزمت البيت وحرمت من المجتمع، وأخرى عملت في حرفة واختلطت ~~بالمجتمع مدة عشر سنوات - مثلا - يوضح لنا مقدار الفرق العظيم بينهما؛ فإن قيم الحياة إلى ~~حد عظيم قد ألغيت عند الأولى، بينما هي قد روعيت عند الثانية؛ ولذلك بينما تركد الأولى ~~وتسمن وتترهل لقلة حركتها، وتضيق آفاقها الذهنية والنفسية، تنشط الثانية في عملها، وتستبقي ~~نحافتها وعضليتها، وتتسع آفاقها الذهنية والنفسية. # وليس لأحد منا أن يؤمل في القريب أن تستوي المرأة بالرجل، فإنها لم تصل إلى هذه الحال ~~في أوروبا وأمريكا إلى الآن، ومع أن قوانين الدول هناك تنص على المساواة؛ فإن قواعد المجتمع ~~تأبى هذه المساواة. وفي مصر لا تزال الحرفة مكروهة عند المرأة، وكثيرا ما تخرج منها عندما ~~تلوح لها الفرصة، كما نرى في بعض المعلمات - مثلا. ولذلك فإننا عندما نعالج مركز المرأة في ~~مصر نتجه إلى البيت كأنه كل شيء، وهو، في وضعها الاجتماعي القائم عندنا، يكاد يكون كذلك، ~~وإنما الذي ننساه هو أن البيت للمرأة، وليست المرأة للبيت؛ أي يجب أن يعد البيت لراحتها ~~ورقيها وسلامتها، ولا يضحى بها من ms34 أجل الطبخ والكنس والغسل. # والبيت في مصر كثير الأعباء، مرهق التكاليف، كثيرا ما يشبه الورشة في إرهاقه وتعدد ~~واجباته الصغيرة، كما لا يزال المطبخ والمغسل ورشتين صغيرتين لا ينقطع العمل منهما طوال ~~النهار وبعضا من الليل. وربة البيت مضطرة إلى الإشراف عليهما إذا لم تباشر بنفسها العمل ~~فيهما، وهي في كلتا الحالتين تقتطع من وقتها وفراغها ما كان أحرى أن تنفقه في ترقية شخصيتها ~~بالدراسة والاختلاط والانتفاع المثمر بالفراغ. # وتستطيع المرأة المصرية أن تنتفع باختبارات المرأة الأوروبية هنا؛ فإن هذه تخص يوما أو ~~يومين للخروج مع زوجها وأولادها، والغداء أو العشاء في المطاعم، كما أنها تخص يوما أو ~~يومين في الأسبوع لتناول الأطعمة المعلبة التي تستغني بها عن الطبخ! والخروج إلى المطاعم ~~يتيح الاختلاط، كما أن اقتناء العلب العديدة الوفيرة للأطعمة يتيح الفراغ الذي تستخدمه ربة ~~البيت في تثقيف ذهنها، أو في أي استمتاع آخر. # ولذلك ارتقت بعض المطاعم في أوروبا حتى ليصح أن يقال إنها ليست لتزويد زائريها بالطعام ~~فقط؛ إذ لا يخلو مطعم منها من جوقة موسيقية، كما أنها في ترتيب موائدها، واختيار آنيتها، ~~وتزيين جدرانها، والتأنق في الطبخ تبلغ القمة. وتناول الطعام فيها ليس لتوخي الشبع المعدي، ~~ولكنه قبل ذلك متعة فنية أنيقة. وكثيرا ما تعود الزوجة من المطعم وقد درست درسا نافعا في ~~طبخ أحد الألوان، أو ترتيب المائدة، وهذا إلى فوائد أخرى في الاختلاط بالأصدقاء أو الاستماع ~~للموسيقى. # كما أن الأطعمة المعلبة تتنوع وتتعدد إلى حد لا نتخيله في مصر؛ حيث نكاد نقتصر من هذه ~~الأطعمة على السردين؛ فإنهم في أوروبا وأمريكا يعلبون جميع اللحوم والخضراوات والأسماك، ~~فتستطيع ربة البيت أن تحضر طعام اليوم كله دون أن تحتاج إلى طبخ، بل إن كيزان الذرة نفسها ~~توضع في علب. وزيادة على هذا تباع الفراخ منظفة، فلا تحتاج إلى عناء الذبح والتنظيف في ~~البيوت كما هي الحال عندنا؛ حيث نشتري الفراخ حية ونذبحها، ونحيل المطبخ بريشها وأحشائها ~~إلى مزبلة. # وإذا شئنا الترفيه عن المرأة المصرية في البيت ms35 حتى تجد الفراغ الذي تحتاج إليه كي ترقي ~~شخصيتها، وتنير ذهنها، وتوسع آفاقها، فإننا يجب أن نعاونها على ذلك بغشيان المطاعم، ~~والاعتماد على الأطعمة المعلبة، وإحالة الغسل إلى المغاسل، كما نحيل الكي إلى المكاوي. ~~وبهذا تخف أعباء البيت التي ترهق في الوقت الحاضر آلافا من نساء الطبقة المتوسطة. # وبالطبع لا ننسى هنا كثرة الأولاد؛ أي الإسراف في التناسل الذي يرهق الأمهات، ويستنفد كل ~~مجهودهن، بحيث لا يبقى لهن من القوة ما يتوفرن به على عمل آخر. وقد توافرت وسائل الضبط ~~للتناسل، كما أصبحت مأمونة، ولا عذر للزوجين في إهمالها؛ لأن هذا الإهمال سينعكس أثره في ~~الزوجين اللذين سوف تصدمهما حقائق الحاجات الاقتصادية، فيعجزان عن توفير الصحة والتربية ~~للأولاد، بل أيضا لهما؛ لأنهما هما أيضا في حاجة إلى صحة وتربية. # وعلى ذلك نقول: إن الحياة الفنية للمرأة إذا لم تكن تعمل مستقلة؛ أي طبيبة أو معلمة أو ~~ممرضة أو تاجرة، تحتاج إلى الاقتصاد في عمل البيت من ناحية، وفي عدد الأولاد من ناحية ~~أخرى. # | العادات # نحن نعيش بالعادات: عادات العمل، وعادات الفكر، ولكل منا عاداته الخاصة؛ الحسنة أم ~~السيئة؛ في المشي والحديث والأكل والتفكير؛ أي إنه يتخذ أسلوبا أو أساليب في كل ما يعمل، ~~وهذه الأساليب تلصق به طوال عمره. # وقد كان ولنجتون يقول عن العادة: إنها ليست طبيعة ثانية كما هو المثل الجاري؛ إذ هي تزيد ~~على الطبيعة عشر مرات. # وعادات التفكير لا تقل خطورة عن عادات العمل؛ فإن الناس يختلفون تفاؤلا أو تشاؤما ~~بالدنيا وصروفها لعادات فكرية تعودوها، ولا يطيقون التخلص منها. وكلنا يعرف ذلك الشاب الذي ~~يتسم بالتهكم أو المزاح، فيثقل علينا باستصغاره لكل ما نفعل، أو يملؤنا طربا بنكاته ~~ونوادره، وهناك بالطبع ذلك الآخر الذي تعود الوقار فيكاد يجهل الضحك، ثم هناك آخرون قد ~~تعودوا الانتقاد، أو حتى المنافرة؛ فهم على الدوام في موقف المعارضة والمناقضة، ثم هناك ذلك ~~الذي تعود المخاصمة فلا نعرف كيف نحادثه؛ لأننا نتوقع منه كل وقت لوما لنا في غير ما ~~نستحق ms36 أن نلام عليه. # وجميع هذه الأخلاق عادات ذهنية يتعودها أحدنا في الغالب أيام طفولته، فتثبت ولا تتركه ~~طوال حياته. # ولكن كما تثبت العادة السيئة كذلك تثبت العادة الحسنة؛ ولذلك يحتاج كل منا كي يعيش في ~~اقتصاد ذهني وجسمي، وفي ملاءمة بينه وبين الوسط الاجتماعي أو المادي، أن يتعود العادات ~~الحسنة؛ أي عادات الأكل الصحي، والدراسة الدائمة، والعمل المجدي، والتسلية المرقية، ~~والمعاملة أو المعاشرة الاجتماعية التي تنأى عن الشر. # وميزة العادات - زيادة على أنها تثبت وتلصق بنا - أنها تجعل العسير من الأعمال سهلا ~~محببا إلى النفس. وصحيح أن عاداتنا العامة التي تحرك غرائزنا وتنشط عقولنا تأتينا عفوا، ~~بعضها أيام الطفولة، وبعضها بعد ذلك، ولكن ليس معنى هذا أننا نعجز عن تكوين العادات الحسنة؛ ~~أي نكونها بإرادتنا، وعلى وجدان تام بمنفعتها وضرورتها لنا. # والهدف الذي نقصد إليه من تكوين عادة، أن نقتصد في مجهودنا حتى نستطيع أن نؤدي مقدارا من ~~العمل أكبر مما كنا نؤديه قبل تكون العادة، ونستهلك من قوتنا أقل مما كنا نستهلك. # والرجل الحكيم لا يترك نفسه يعيش عفوا كأنه مسوق بالظروف والصروف؛ إذ يجب أن يعيش قصدا ~~بأهدافه، وعلى تقدير لمواهبه وكفاءته، واستغلال لهما بما يجعل حياته مجدية إن لم تكن سعيدة، ~~وهو محتاج - لهذا السبب - إلى أن يتعود العادات الحسنة التي تعاون على رقيه ~~وتطوره. # وأول ما نحتاج إليه في تكوين عادة ما أن نقتنع بفائدتها وضرورتها لنا، وهذا الاقتناع ليس ~~محض الميل والاتجاه؛ إذ يجب أن نعين الفوائد التي تعود علينا كتابة مع التفصيل الذي ربما ~~يحتاج إلى مراجعة وتفكير وتنقيح؛ أي إننا يجب أن نحس أننا لم نأخذ بهذه العادة إلا بعد حكم ~~قد وصلنا إليه عن وجدان ويقظة، وأننا بنينا هذا الحكم على أسباب قوية قد اقتضاها «تصميم» ~~حياتنا. # فإذا اقتنعنا بفائدة العادة شرعنا فيها، وحسبنا من هذا الشروع أن نعمد إلى يومنا؛ أي ~~هذا اليوم، إلى ممارسة العادة، ثم نجدد العزم كل يوم على هذه الممارسة إلى أن يؤدي التكرار ~~إلى ثباتها، ولا ms37 بد من المثابرة بحيث لا يفوتنا يوم إلا ونحن في ممارسة لها. # وواضح أننا عندما نختار عادة يجب أن تكون في مستطاعنا حتى لا تتجاوز طاقتنا، ثم يؤدي ~~عجزنا إلى تركها. # مثال ذلك: نفرض أن أحدنا قد بلغ الثلاثين وهو يجد أنه مقصر في الدراسة، وأن زملاءه قد ~~سبقوه فصار لهم مقام، وحققوا كسبا، ونالوا أماني لم يحصل هو عليها لتقصيره في الدراسة، ~~وأنه ينوي أن يتعود عادة الدراسة. # فأول ما يعمد إليه أن يعين هذه الدراسة، ويوضح الأسباب التي تدعوه إليها، ويوضحها ~~كتابة مع التفصيل والمراجعة؛ حتى يقتنع بضرورتها، ثم يبدأ اليوم؛ هذا اليوم، في هذه ~~الدراسة، ثم يثابر. والمثابرة هنا تعني أنه لا ينقطع. # وهو محتاج إلى تشجيع، وقد لا يجد هذا التشجيع من إخوانه، وعليه - عندئذ - أن يسجل نجاحه ~~يوما بعد يوم؛ لأن هذا التسجيل يوضح له الخطوات التي خطاها نحو تحقيق أهدافه؛ فهو يزيده ~~حماسة ونشاطا وإقبالا. # وقد ذكرنا الدراسة باعتبارها إحدى العادات التي يجب على الشباب أن يتعودها، ولكن العادات ~~الحسنة كثيرة؛ لأننا محتاجون إلى عادات الرياضة البدنية، والمحادثة بكلمات كريمة، والاعتدال ~~في الطعام مع التأنق الذي يقتضيه التمدن، وأمثال ذلك مما قد تصغر قيمته عندما نتأمله عملا ~~منفردا، ولكن تكبر قيمته عندما نتأمله عادة متكررة؛ إذ قد يسهل علينا أن نتحدث إلى أحد ~~الناس في لغة كريمة وكلمات أنيقة إذا قصدنا إلى ذلك وتكلفنا، ولكن لا يسهل أن نفعل ذلك مع ~~جميع الناس على سبيل العادة عفوا وسماحة. وكثير من النجاح يعزى أحيانا إلى مثل هذه ~~العادات. # | التخلص من العادة السيئة # العادة كالنار إما خادمة حسنة وإما سيدة مؤذية، وكثيرا ما تتسلط علينا عادات تملكنا ~~وتستبد بنا؛ فنؤديها خاضعين ونحن على مضض من إلحاحها، وعلى وجدان بما تبدده من قوانا ~~وحيويتنا. # وكثير من عاداتنا السيئة يعود إلى إهمال أبوينا في تربيتنا حين عودونا التدلل وكراهة ~~الاستقلال، أو الخوف والإحجام، أو حتى كراهة بعض الأطعمة؛ فإني أعرف رجلا بلغ الستين ولم ~~يذق الجبن في حياته، ms38 وكراهته لهذا البروتين الثمين ترجع إلى أيام طفولته حين أهمل أبواه ~~تعويده تناول هذا الغذاء، وقد خسر كثيرا في صحته وماله بهذا الحرمان، كما أن هناك ناسا قد ~~بلغوا الأربعين أو الخمسين إذا رأيناهم يأكلون اشمأززنا من الأسلوب الذي يتبعونه في تناول ~~الطعام ومضغه. # واتجاهاتنا وميولنا هي عادات كامنة توجهنا نحو الجد أو المزاح، ونحو التشاؤم أو التفاؤل، ~~ونحو الإقدام أو الإحجام، وهي عادات نفسية لا تختلف عن عاداتنا الجسمية في غسل الوجه أو ~~السير في الشارع أو التحية لصديق، وهي، أي هذه العادات النفسية، تعين سلوكنا ~~وتصرفنا. # وبالطبع هناك عادات خطرة؛ كالتدخين أو الشراب أو حتى المخدرات والشهوات الشاذة، ونحن لا ~~نعالج هنا هذه العادات؛ إذ هي تحتاج إلى تحليل نفسي كي نصل إلى الأزمات والتوترات التي ~~أحدثت الالتجاء إلى هذه العادات فرارا من الواقع المؤلم. # وقد يكون التدخين أخفها فلا يحتاج إلى تحليل؛ لأن الأغلب أن الشاب يقع في هذه العادة ~~لرغبة ساذجة في تأكيد رجولته، ولكن إدمان التدخين يدل على توتر نفسي يحتاج إلى ~~التحليل. # وفي إبطال العادة - كما في تكوينها - نحتاج قبل كل شيء إلى الاقتناع، وهذا الاقتناع يحتاج ~~إلى توضيح العناصر، كما لو كنا ندافع عن متهم ونوضح عناصر البراءة؛ وذلك كي ينبني الاقتناع ~~على أسباب وجيهة، فإذا تم لنا ذلك فلنشرع في التنفيذ، ونقنع منه بيوم واحد. # فالمدخن الذي ينوي إبطال التدخين يحتاج إلى إيضاح الأسباب كتابة لهذا الإبطال، ثم عليه ~~أن يقرر العزم على الامتناع يوما واحدا لا أكثر، فإذا تم له هذا اليوم، فعليه أن يقرر هذا ~~اليوم، وعليه أن يسجل هذا الانتصار، كتابة أيضا، ثم يجدد العزم على يوم آخر، وكلما مضى ~~يوم ضعفت العادة وتراخت قبضتها على خناقنا. # ويجب على المدخن أيضا أن يستعين بالوسط؛ أي يغير الشارع الذي تعود أن يشتري منه، أو لا ~~يأخذ مئونته إذا كان على قصد الابتعاد عنه أو نحو ذلك، ثم يجب المثابرة فلا يخرم يوما ~~يعود فيه إلى عادته؛ لأن هذا اليوم وحده ms39 يفسد جميع أيام الحرمان السابقة أو يلغيها. # وإذا وجد الشاب أنه مع ذلك عاجز عن إبطال العادة السيئة، فعليه بالتحليل النفسي حتى يصل ~~إلى الأصول الثابتة في كامنته «عقله الكامن»، فيكشفها وينفضها في الهواء، وعندئذ يسهل ~~الإبطال. # ولكن العادة تحدث في النفس شهوة، وإبطالها كظم قد لا يطاق، وكثيرا ما رأينا آثار هذا ~~الكظم في مدمن الخمر حين يتأخر عن ميعاد شرابه؛ فإنه يقلق في مكانه، وقد يرتعش أو يعرق أو ~~يغضب؛ وهذا لأنه كظم الشهوة للشراب ساعة أو أقل أو أكثر فقط، فكيف بالإبطال التام؟ # يجب على المدمن أن يأخذ بعادة أخرى قريبة أو مناسبة للعادة السابقة التي أبطلها؛ حتى تجد ~~شهوته المكظومة المنفس والمخرج؛ كالقهوة بدل التدخين، أو الألعاب الرياضية بدلا من القمار، ~~أو الطعام قبل ميعاد الشراب؛ حتى تمتلئ المعدة فلا يساغ الشراب. وإذا لم تنجع هذه الوسائل ~~للإقلاع عن عادة سيئة؛ فيجب - كما قلنا - الالتجاء إلى التحليل النفسي، وإذا لم يكن هذا ~~متيسرا فلا بأس من الاعتماد على ما يسمى: «الانعكاس المعدول»؛ أي إيجاد مركب نفسي سيئ، كأن ~~نحقن شريب الخمر بحقنة مقيئة قبل الشراب، ثم نأذن له بكل ما يهوى من شراب؛ كما وكيفا، ~~حتى إذا جرع كأسين أو ثلاثة ألفى نفسه في غثيان وقيء، فإذا صحا صار لا يشتهي الخمر إلا وفي ~~نفسه هذا الجزع من الغثيان، فيكره الخمر. # وهذا هو ما تفعله الأم مع طفلها الرضيع حين تحتاج إلى فطامه؛ فإنها تطلي الحلمة بسائل مر ~~فيكره الطفل الرضاع؛ لأنه يقرن المرارة إلى الحلمة. # ولكن المرارة للحلمة والغثيان وقت الشراب كلاهما عمل سلبي؛ أي إنه يكف ويزجر، والحاجة ~~تدعو هنا إلى عمل إيجابي يغري ويجذب، وهو عند الأم تقديم طعام سائغ للطفل، وكذلك يجب أن ~~نقدم شيئا للسكير له قيمة نفسية ترفيهية تقوم مقام الخمر، ولكل إنسان ظروفه التي تعين ~~العلاج؛ فقد يعالج أحدهم بالرفقة المنعشة مع أحد الأصدقاء، وقد يعالج آخر باهتمامات لذيذة ~~تملك نشاطه وتوجهه. # وحياتنا كلها سلسلة من العادات الجسمية والذهنية ms40 والنفسية، فإذا قصدنا إلى أن نجعل حياتنا ~~فنا جميلا؛ فإننا نحتاج إلى تعود العادات التي تؤدي إلى الاقتصاد في مجهوداتنا، كما ~~نحتاج إلى عادات التأنق: نتألق في لباسنا وطعامنا وتصرفنا؛ حتى نجعل الكيف يأخذ مكان الكم، ~~فنطلب الكمال فوق الضرورة، ونقصد إلى الجمال في كل ما نتوخى من وسائل أو غايات. # | عادة القراءة # تحدثنا في بعض الفصول السابقة عن القيمة العظمى لعادة القراءة، ولكنا مع ذلك نحتاج إلى ~~التوسع في إيضاح هذه القيمة. وهذا الكتاب الذي نتوخى فيه جعل الحياة فنية يجب أن يحوي فصلا ~~عن القراءة؛ لأن القراءة وحدها تجعل الحياة فنية في الكثير من معانيها؛ إذ هي ترفع القارئ ~~من الاعتبارات المحلية ومن الضروريات المعيشية إلى قيم بشرية سامية، وإلى كماليات وتأنقات ~~ذهنية لا يحصل عليها الأمي أو ذلك القارئ الذي يحيل نفسه إلى أمي لأنه يكره القراءة. # وفي أيامنا يعد توافر الكتب والمجلات والجرائد من أعظم انتصارات الحضارة العصرية؛ لأنه قد ~~جعلنا بالقراءة المثابرة على وجدان دائم بعصرنا ودنيانا؛ فاتسعت آفاقنا الفكرية والعاطفية، ~~وحفلت حياة القارئين باهتمامات جديدة ومتجددة، ولم يكن آباؤنا يعرفون شيئا منها. فإذا لم ~~تكن حياتنا أطول من حياتهم فإنها على الأقل - بالقراءة - أعرض وأعمق منها. # وواضح أننا نقصد هنا القراءة المنيرة المنبهة لا القراءة المظلمة المخدرة؛ فإن هناك قراء ~~وقارئات يشترون المجلة كما يشترون اللب أو اللبان للتسلية وقتل الوقت، كما أن هناك مؤلفين ~~قد زودوا السوق «الأدبية» بهذه المخدرات التي تبنج العقل وتلغي الوجدان. # ولكن القارئ الذي يعنى بحياته يأبى التخدير؛ لأنه لا يجب أن ينسى أنه حي. وهو يقرأ كي ~~يزيد حياته حيوية، وليس كي ينام ويتخدر، وهو يزداد بالقراءة سرورا وإحساسا بالنمو، ~~وقراءته دراسة مقصودة مرتبة على مراحل حياته؛ كأنها البرنامج للنمو والتطور. والقارئ الذي ~~يحس بعد سنوات من دراسته أنه لم يتطور يحتاج إلى المراجعة والتساؤل؛ لأن أغلب الظن أنه أساء ~~في اختيار الكتب، وانغمس في دراسات جامدة لا تبعثه على الرقي أو النمو أو التطور. # والقراءة الجزافية سيئة، ms41 وهي كالأكل الجزافي؛ لأننا نحتاج في الحياة الفنية إلى التنظيم ~~والترتيب، ووضع البرامج كي تفتح الميادين الجديدة؛ فالرجل المستنير لا يرضى لنفسه هذه ~~الأيام أن يعيش على هذا الكوكب دون أن يحاول الوقوف على الطاقة الذرية، كما لا يرضى لنفسه ~~أن يجهل نظرية التطور؛ التطور البيولوجي والتطور الاجتماعي. # وهناك عشرات من الموضوعات الحيوية التي لا يجوز لمستنير أن يهملها، وهي تستغرق الحياة ~~كلها، بل إن المتعودين للدراسة يجدون أنهم في شكوى دائمة من قلة الوقت؛ ولذلك لا يعرفون ~~السأم، واهتماماتهم متعددة متجددة. # والحياة الفنية تتجه نحو العناية بالفنون الجميلة قبل كل شيء؛ أي بالأدب والشعر والموسيقا ~~والرسم وما إلى ذلك؛ لأن هذه الفنون تزيدنا تأنقا، فنتوخى الجمال في تصرفنا كما نتوخاه في ~~بيئتنا، ولكن التعمق يقتضي ألا يقف أحدنا من الدراسة موقف القارئ المطالع القانع بزيادة ~~معارفه؛ إذ يجب أيضا أن يشترك ايجابيا في ثقافة معينة تكون عنده كالبؤرة الأصلية التي ~~تتشعع إلى ثقافات فرعية عديدة. وهو يحسن إذا مارس الكتابة عما يقرأ؛ يشرع أولا بمراسلة بعض ~~المجلات، ثم يرتقي إلى كتابة المقالات، ثم إلى التأليف إذا استطاع ذلك. ولكن يجب على كل حال ~~أن يحاول الكتابة التي تزيده ارتباطا بالثقافة، وتحمله على زيادة البحث والاستقصاء لما ~~يدرس. # وثم اعتبار آخر في قيمة القراءة أو الدراسة للحياة الفنية هي أنها أعظم الوسائل ~~للاحتفاظ بشباب الذهن في الشيخوخة؛ فالشباب الذي تعود قراءة الجريدة والكتاب أيام شبابه، ~~ثم واصل هذه العادة في كهولته وشيخوخته يحتفظ بالكلمات ماثلة حية في ذهنه حين تتبلد العواطف ~~فلا تحرك الذهن إلى التفكير والاهتمام، بل حين تأخذ خلايا المخ في التدهور، وتعجز ~~الشرايين الدقيقة المتصلة عن تغذيتها وتنظيفها، ففي هذه الحال يرافق الشيخوخة نسيان للكلمات ~~يؤدي إلى تعطيل للتفكير، ولكن عادة القراءة كل يوم تجعل الكلمات - كما قلنا - ماثلة، ومتى ~~مثلت الكلمات مثلت الأفكار، فيبقى الذهن شابا حيا، وتعود الشيخوخة حافلة ~~بالاهتمامات حتى ولو بلغنا التسعين أو المائة. # ونرى هذا واضحا في جميع الأدباء أو العلماء الذين ms42 لم ينقطعوا عن الدراسة في شيخوختهم؛ إذ ~~في الوقت الذي تجد فيه غيرهم قد تبلد ذهنه وجمد، أو حتى خرف، نجد أنهم لا يزالون يقرءون ~~ويكتبون كما لو كانوا في الشباب. وقليل منهم من يمتاز بشرايين طرية أو صحة عامة تختلف عن ~~سائر الناس، ولكن ميزتهم الوحيدة هي الميزة اللغوية؛ إذ قد احتفظوا بالكلمات؛ فاحتفظوا ~~بالمعاني أيضا، وبقيت الأفكار حية عندهم تحركهم إلى النشاط والاهتمام. # ولذلك تعد القراءة خير ما نهيئ للشيخوخة، ويجب ألا يقل الاهتمام بها عن الاهتمام بالصحة ~~الجسمية، بل ربما كانت هي أهم وأنجع لاستبقاء الحيوية عند المسنين. وعندنا من الأمثلة في ~~مصر ما يبرهن على صحة قولنا؛ ففي هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات (1946) يعيش عبد ~~العزيز فهمي باشا في السادسة والسبعين وهو محطم الصحة الجسمية، ولكن ذهنه في شباب عجيب؛ ~~لأنه لم ينقطع يوما عن القراءة الجدية، فالكلمات (أي الأفكار) ماثلة في ذهنه تبعثه على ~~اهتمامات ثقافية مختلفة، وقد زرته قبل شهرين فوجدته ينقل كتابا عن القانون الروماني إلى ~~اللغة العربية، وهو يقرؤه في حماسة، ويراجعه في نقد وتغيير. # ولذلك نحن على حق حين نقول: إن صحة الذهن للمسنين أهم من صحة الجسم، ومداومة القراءة ~~اليومية هي خير ما يؤدي إلى صحة الذهن. ونستطيع أن نذكر عشرات من المسنين استبقوا بالقراءة ~~شباب أذهانهم، ولكنا نحب أن نغير كلمة القراءة فنقول: الدراسة؛ لأننا نقصد إلى الجد ~~والترتيب، ووضع البرامج للتوسع الذهني، ولا نقصد إلى القراءة التي تقوم مقام أكل اللب أو ~~مضغ اللبان. # والبيت المتمدن في عصرنا هو البيت الذي يعرف أن أفخر ما فيه من أثاث إنما هو الكتب؛ لأنها ~~غذاء نفوسنا وعقولنا التي هي أحق بالعناية من بطوننا. ومن عجب أن هناك من يعد نفسه متمتعا ~~بحياته لأنه يأكل أفخر الأطعمة، ويلبس أجود الملابس، ولا يدري أن المتع البشرية السامية ~~تتجاوز هذه الحاجات البيولوجية إلى الوقوف على ذلك التراث البشري العظيم؛ من مؤلفات ~~أفلاطون، إلى صلوات إخناتون، إلى فلسفة بوذا، إلى دراسة الكتب ms43 المقدسة، إلى تواريخ الأديان ~~وحياة القديسين، إلى حقائق العلوم وتطورات الأمم، وغير ذلك. وأي شيء من أثاث المنازل عند ~~المليونيين يعادل الذهن المؤثث بالاختبارات والنظريات والأفكار التي تبسط تاريخ المستقبل ~~فضلا عن تاريخ الماضي؟! # والقيم البشرية تعد على الدوام في المرتبة العليا بالمقارنة إلى القيم الاجتماعية؛ ولذلك ~~لا يمكن أن يقارن الثراء والوجاهة والمال وترف المنزل والمعيشة، بالذهن الثري بالثقافة، ~~المتمرن على التفكير، اليقظ بالوجدان العالمي. وذلك الشاب الذي يهمل تعود الدراسة، ويبخل ~~في شراء الكتب والمجلات، ويؤثر عليها الرياش النفيسة أو اكتناز المال إنما يبخس نفسه التي ~~هي أولى من أي شيء آخر بالإنفاق، بل بالإسراف في الإنفاق. # | البيت متحف # البيت من أخص الأشياء التي نملكها؛ فقد نقتني أسهم الشركات، أو مئات أو آلاف الجنيهات، أو ~~قد نشتري عزبة نستغلها ونعيش في إحدى المدن من غلتها، ولكن ليس لواحد من هذه المقتنيات تلك ~~العلاقة الحميمة التي تربطنا بالبيت؛ لأن له خصوصية بنا ليست لغيره، ونحن نقضي فيه معظم ~~نهارنا، وجميع ليلنا، ونعاشر فيه أولادنا وزوجتنا، ونجد فيه الراحة بعد كد النهار، كما أننا ~~نطبع عليه شخصيتنا؛ لأننا نتخير له الأثاث ونتأنق في ترتيبه. ومن هنا هذا الحنين الذي نحس ~~به عقب اغتراب عنه بضعة أسابيع أو أشهر، ولو كان هذا الاغتراب في مصيف أو مشتى للراحة ~~والاستجمام. # وعند بعض الناس يعد البيت مأوى أو مطعما؛ ولذلك سرعان ما يتركونه إلى القهوة أو النادي ~~أو الحانة؛ حيث يجدون رفاهيتهم مع الأصدقاء، أو في لذة الشراب، ولكن هؤلاء البعض ليسوا في ~~الغالب على حال سوية نفسية؛ إذ هم يكظمون أشياء من علاقة زوجية سيئة إلى قلق اقتصادي أو ~~حرفي أو نحو ذلك. ولفرارهم من البيت معنى رمزي يسهل تفسيره بالتحليل النفسي. # والبيت مشتق لغة من فعل «بات» أي أمضى الليل، وهو بهذا الاشتقاق يدلنا على الضرورة الأولى ~~التي اقتضته، ولكن الإنسان في طورنا الحضاري لا يقنع بالضرورات؛ إذ هو قد سما إلى كثير من ~~الكماليات، وهو يطلب من البيت أكثر من ms44 المأوى والمطعم. وقد نصحنا في فصل سابق بأن يجنح ~~الزوجان من وقت لآخر إلى المطاعم العامة، وبأن يحال غسل الملابس إلى حيث تغسل بالأجر ~~بدلا من إحالة البيت إلى ورشة للغسل والطبخ طوال اليوم. # والوضع الاجتماعي القائم يجعل البيت المكان الطبيعي للمرأة، وليست الحال كذلك للرجل، ~~ولكنا نبالغ في تأكيد هذا الوضع حتى لكأن المرأة قد خلقت للبيت، وليس العكس. وهذه المبالغة ~~تنتهي بأن تجعل من البيت محبسا لها، يفصل بينها وبين النشاط الاجتماعي الذي يجب أن تدخل في ~~غماره، وتتأثر به وتؤثر فيه؛ إذ هي - قبل أن تكون «ربة بيت» - إنسان له مركزه الأكبر في هذا ~~الكون قبل مركزه الأصغر في البيت. # وهناك فرق بين السرور والسعادة؛ الأول: مادي بشأن المواد التي نقتنيها ونستمتع بها، ~~والثانية: فكرية بشأن الغايات والمثليات، ولكن ليس شك في أن أقرب المسرات إلى السعادة هو ~~الحياة العائلية السامية؛ لأن البيت مادة وفكرة؛ أي إنه مأوى ومطعم ومتحف، كما هو عائلة ~~تقوم على علاقات روحية، وتهدف إلى مثليات، وتحقق أماني كثيرا ما تحملنا على أسمى ~~المجهودات. # والبيت السامي العصري هو معهد حر يجد فيه أعضاؤه حرية الفكر تسود جميع المناقشات النيرة ~~في ديمقراطية اجتماعية، وتربية ذهنية وأخلاقية، وهو وحدة المجتمع الذي تتألف منه الأمة، وكل ~~عناية بالبيت إنما هي في النهاية عناية بالأخلاق الحسنة والسلوك البار؛ لأن الأطفال عندما ~~يشبون يعاملون أفراد المجتمع بالقيم والأوزان التي تلقوها في البيت أيام ~~طفولتهم. # ثم نحن نعيش في البيت نحو سبعين سنة؛ أي نعيش هذا القدر بأجسامنا، ولكنا نعيش بنفوسنا ~~أكثر من هذه السنين؛ لأننا نحس نفسيا أن عائلتنا منا، وأن حياتنا مندغمة في حياة أفرادها؛ ~~ولذلك يمتد إحساسنا للبيت إلى مقدار من السنين يتجاوز حياتنا. وهذا الإحساس يجعلنا نستهين ~~بأي مجهود لترقية البيت. # ثم للبيت خصوصية بنا كأنه البذلة التي نلبسها على قد قامتنا؛ فنعتني بتفصيلها حتى تتخذ ~~قسمات أعضائنا مع ما قد يكون بها من نقص، ولذلك نحن نؤثر البذلة التي فصلها الخياط على بذلة ~~جاهزة ms45 قد أخذ القياس فيها بالتعميم وطراز السن، وليس كالتخصيص والعناية الخاصة بكل ~~فرد. # ويعد البيت لهذا السبب «مركبا» نفسيا، والحنين إليه أحد مظاهره، وقد وجد البيت لذلك ~~حرمة في كثير من الأمم المتمدنة؛ فلا يجوز للدائن بيعه أو بيع أثاثه مهما بلغ الدين الذي ~~يحمله صاحبه، كما قد أجازت الأمم امتلاك المسكن الخاص في المبنى العظيم الذي قد يحوي عشرين ~~أو ثلاثين شقة؛ وذلك تشجيعا لهذه الخصوصية التي تحمل صاحب البيت على الارتباط والعناية به؛ ~~لأنها لحظت أن للبيت أثرا تقويميا للأخلاق؛ فكما أن المتزوج أقل جرائم واستهتارا من ~~الأعزب لارتباط الأول بزوجته، كذلك صاحب البيت أقوم أخلاقا ممن لا يملك بيتا لمثل هذا ~~الارتباط. # وفن الحياة يقتضينا أن ننظر إلى الحياة نظرة فنية، فنختار الأثاث في دراية وعناية مع ~~الاستقلال، حتى ولو خالفنا العرف في هذا الاختيار؛ لأن العرف بطبيعته طراز تعميمي، ولكن ~~الشخصية المستقلة تطلب التخصيص والانفراد. والبيت يتسع للاتجاه الفني حتى يعود بالتأنق ~~متحفا، وكثير من البيوت التي امتاز أصحابها بالثراء قد صارت متاحف، ولكنها - مع الأسف - ~~متاحف قد أسيئ فيها الاختيار؛ حيث أخذت الأبهة المطهمة مكان الفن الأنيق. # ولكن مع ذلك يجب أن نعترف أن الثراء في أيامنا يستطيع أن يجذب إلى البيت أفخر الأثاث الذي ~~يضع تصميمه، ويرسم مواصفاته فنانون فقراء؛ ولذلك يشق على غير المتيسرين أن يجعلوا الفن ~~سائدا في بيوتهم، فضلا عن إحالتها إلى متاحف. # فهناك آنية فنية معجبة تزدان بها الموائد عند الأغنياء، ولا يستطيع غيرهم شراءها، وقل ~~مثل هذا في سائر الأثاث، أو بالأحرى معظمه، ونقول في «معظمه» لأن كثيرا من الأثاث الغالي ~~في الثمن لا نجد فيه غير الأبهة السخيفة مع القبح العظيم؛ لأن الذين صنعوه قصدوا إلى كثرة ~~التكاليف التي تبرز وفرة المال عند المقتنين لهذا الأثاث دون الالتفات إلى التأنق ~~الفني. # نذكر من هذا سريرا رأيناه من النيكل، له قبة كأنه أريكة جنكيز خان أو عرش تيمورلنك، وكل ~~ما فيه من ميزة أنه يباع ببضع مئات من الجنيهات. ms46 # وكم قد رأينا من مقاعد مذهبة، وكنبيهات منجدة، ومناضد ومرايا متعددة، حتى ليدخل أحدنا ~~منظرة الضيوف فيحس كأنه في قاعة أثاث قد عرضت أشياؤها للمزاد. # والفن أيسر من هذا، ولكنه مع ذلك لا يتوافر لغير المتوسطين المدبرين الذين يختارون عن ~~دراية وفهم، وليس هذا شاقا إذا جعلنا همنا في جمع الأثاث ممتدا على سني العمر؛ أي لا ~~نشتري أثاث البيت دفعة واحدة كما هو المألوف في بلادنا بتجهيز العروس بأثاث بيتها؛ لأننا ~~حين نفعل هذا نجمع الأثاث في عجلة وفقا لطراز العصر أو السنة، وقد يكون طرازا سيئا أملته ~~نزوة وقتية زائلة، وإنما يحسن أن نختار الأثاث قطعة بعد أخرى مع التغيير الذي يقتضيه ~~ارتقاؤنا الفني على مدى السنين. # ويجب أن نقتني أجود الأثاث، فلا نتسامح في الجودة والقيمة الفنية، وهذا ميسور ما دمنا لا ~~نزحم نفسنا، ونرهق جيبنا في شراء مجموعة كبيرة دفعة واحدة، وبذلك نجمع تحف الآنية والرسوم ~~والكتب وسائر الأثاث، ويعود البيت متحفا جميلا يحوي أفخر ما أخرجته حضارة فرنسا والصين ~~وألمانيا ومصر وغيرهن. # وإذا كان رب البيت أو ربته على شيء من ثقافة معينة استطاعت أن تجعل البيت متحفا ~~لثقافتها. وكثيرا ما يدخل أحدنا بيتا لأحد المثقفين فيجد فيه الطرف العجيبة التي اكتشفها ~~من أحجار أو محار أو معادن أو أحياء أو غير ذلك. وهذا بالطبع لا يتفق لكل منا. # ولكن الشيء المهم الذي نقصد إليه أن يجد البيت منا عناية فنية في تأثيثه، وأن ننظر إليه ~~كأنه متحف عائلي يجمع طرف الجدود والأحفاد، فيتخذ بذلك سمة من سمات الخلود، فلا يكون مادة ~~بل فكرة. # | البيت للضيافة # للبيت خصوصية عائلية يحس بها أعضاؤه فيما يشبه المؤامرة؛ وذلك أن لهم أسرارا وأهدافا ~~وأساليب يتفقون عليها في مجتمعهم الصغير ولا يفشونها لغيرهم. وهذه الخصوصية تربطهم وتزيد ~~إحساسهم العائلي. # ولكن البيت يجب ألا يستأثر بعلاقاتنا الاجتماعية، ومهما نمتدح ارتباط الأبناء بالآباء، ~~والزوج بزوجته، ومهما يكن الجو العائلي من حيث التعلق الحميم بين أعضاء البيت؛ فإن البيوت ~~تحتاج إلى تهوية ms47 اجتماعية بالضيافة والزيارة، والمبالغة في الارتباط العائلي هي شطط ~~الفضيلة؛ فضيلة التعلق العائلي. # ولكل فرد منا حياة سرية أو كالسرية؛ كأنها العقل الكامن في النفس يوجهنا من حيث لا ندري، ~~ولكل منا أيضا حياة اجتماعية علنية كأنها الوجدان الذي ينتقد ويحاسب ويراجع. # والحياة السوية هي تلك التي تصالح بين الكامنة والوجدان وتوفق بينهما؛ ففي البيت نحن ~~نختمر ونتهيأ، وفي المجتمع نحن نتكشف ونباشر، ويجب لذلك أن نعنى بالضيافة والزيارة؛ لأنهما ~~وسيلة الاتصال بين البيت والمجتمع. # يجب أن نعنى بالبيت أجل العناية؛ حتى نجعله متحفا يحوي تراث الجدود، وطرف الحضارة، ~~وألوان الرفاهية، ولكن يجب أن نتوقى حبسة الجدران؛ لأنها تحبس النفس عن التوسع والنمو ~~والترقي. # ولذلك نصحنا بضرورة الخروج من وقت لآخر إلى المطاعم العامة أو المتنزهات الخلوية، ولذلك ~~نصحنا أيضا بضرورة التخفيف من أعباء البيت حتى لا يستحيل إلى ورشة لا ينقطع العمل فيها ~~للطبخ والغسل. # والضيافة من الفنون الراقية التي يجب أن نفصلها من فضيلة الكرم؛ ذلك لأننا نقرن الكرم إلى ~~الموائد المطهمة وألوان الطعام السخية. # والضيافة العصرية بعيدة كل البعد عن هذا الشره المادي، وقد أنارتنا السيدة نظلة الحكيم في ~~محاضرات مختلفة عن الضيافة العصرية التي يجب أن يكون هدفها ترقية العائلات بالتعارف ~~والتنوير. # وفي مدينة مثل القاهرة؛ حيث تتعدد المطاعم وتختلف على موائدها الألوان لا يكون من مفاخر ~~ربة البيت أن تعد لضيوفها مائدة يتوسطها الدندي، وتحتشد عليها اللحوم والحلويات، ويستطيع ~~وجيه في الريف أن يزودنا بهذه المائدة المادية، ولكنه يعجز عن إمتاعنا بالضيافة المهذبة ~~المنيرة. # وخير من العناية بالطعام أن نعنى بالأثاث في إيجاد مقاعد مريحة للضيوف لا تكون للزينة ~~ولكن للراحة. # ولذلك يجب أن نستبعد من أذهاننا فكرة الكرم الشرقي حين نفكر في الضيافة الراقية. وصحيح ~~أنه لا بد للضيافة من شيء أو أشياء من الطعام والشراب، ولكن يكون ذلك في حدود التعقل ~~والاعتدال؛ لأننا حين نستضيف أو نستضاف نؤثر غذاء النفوس على غذاء البطون، ونهوى ~~الاستماع إلى حديث يعلمنا وينيرنا، كما نحب لقاء الشخصيات ms48 الفذة التي لا يتيسر لنا لقاؤها ~~إلا في مثل هذه الفرص. # ولذلك يجب أن ندرس فن الضيافة باعتباره جزءا خاصا من الحياة العامة؛ فنعين للعائلة ~~يوما كل أسبوع للضيافة، ونجعل الشاي أو المثلجات مع القليل من الأطعمة الخفيفة، كالسندويتش ~~كل ما نقدمه للضيوف. وتقديم الشاي خير من إعداد العشاء؛ ذلك لأنه يتيح سهرة طويلة تبدأ من ~~الساعة الخامسة وقد تنتهي في الساعة التاسعة أو العاشرة، ثم هو لا يبهظنا بتكاليفه فيثبطنا ~~عن المواظبة. # ويجب أن يكون للضيافة الحسنة بؤرة تجمع الضيوف. وقد يكون رب البيت أو ربة هذه البؤرة إذا ~~كان أحدهما ممتازا له مكانة اجتماعية أو أدبية، أو اختبارات نشتاق إلى الوقوف عليها؛ كأن ~~يكون أحدهما عضوا في جمعية لها نشاط معين، ولكن إذا لم يكن هذا متيسرا؛ فإن من الحسن أن ~~تدعى شخصية ممتازة، أو ترتب محاضرة في موضوع يهتم له الضيوف، ثم يتناقش الضيوف. ولسنا نقصد ~~إلى أن نقول: إنه يجب إيجاد محاضر فذ في كل ضيافة؛ فإن هذه الحال المثلى لا تتوافر على ~~الدوام، ولكن ربة البيت التي تتجه هذه الوجهة تستطيع في غياب المحاضر أن تجعل الحديث يدور ~~حول موضوع سياسي أو اجتماعي يشغل الضيوف وينبههم. # والضيافة - كما قلنا - تهوية اجتماعية للبيت، وهي تحرك أعضاء العائلة والضيوف إلى ما يشبه ~~المباراة الفنية في الزي واللغة والشخصية، كما أنها؛ أي الضيافة، تربي أبناء البيت الناشئين ~~على المؤانسة الاجتماعية، فلا ينمو الصبي ثم الشاب في حياة انفرادية معزولة. وقد ينشأ ~~خاما، مربوك الحركة، ثقيل اللسان، لا يعرف كيف يتحدث إلى آنسة، أو كيف يشترك في سمر مهذب ~~منير. # وهناك كتب كثيرة في اللغات الأجنبية تصف فن الضيافة؛ سواء من ناحيته المادية بتهيئة ~~الطعام والشراب الخفيفين، أو ناحيته الاجتماعية بإيجاد ألوان من السمر المسلي. # وفن الضيافة يقتضي العناية باختيار الأصدقاء، والمحافظة على صداقتهم؛ فإن الاهتداء إلى ~~صديق، والاستمتاع بصداقته طوال العمر أو معظمه هما حظ عظيم ومتعة سامية لمن يوفق إليهما. ~~والصداقة لا تنهض ولا تعيش إلا على ms49 أسس من العلاقات الروحية التي أثمرها اشتراك في الثقافة ~~أو الأهداف والمثليات الاجتماعية. # | البيت معهد حر # البيت في الأقطار المتمدنة في أوروبا وأمريكا معهد حر لا تسوده سلطة الأب الأتوقراطية، ~~ينشأ فيه الأولاد في مجتمع راق يختلطون بالضيوف، ويجدون في هذا الاختلاط تنويرا وتدريبا ~~على المعاملة والإيناس والحديث والكلمة العذبة، والعبارة المهذبة، كما تجد الزوجة فيه ~~مجالا لترقية شخصيتها بما تتحمل من تبعات نحو زوجها وأولادها. # وكلمتا البيت والعائلة تندمجان في معنيهما، والبيت الأمثل هو الذي تسود المساواة فيه ~~أعضاء العائلة؛ ليس بين الزوج وزوجته فقط، بل بينهما وبين الأولاد. # وإذا كان هؤلاء في سن صغيرة يحتاجون إلى الإرشاد؛ فإنه يجب أن يكون خاليا من الاستبداد ~~والتسلط؛ لأننا يجب أن ننشد مبادئ الثورة الكبرى؛ أي الثورة الفرنسية، في البيت قبل أن ~~ننشدها في المجتمع؛ أي يجب أن نعمم مبادئ الحرية والإخاء والمساواة بين أعضاء البيت قبل ~~أن نعممها في المجتمع. # ويجب أن يتمرن أعضاء العائلة على ممارسة النظام الديمقراطي في البيت قبل أن يمارسوه في ~~المجتمع. # وأعظم ما يكون الشخصية في الرجال والنساء هو الحرية؛ أي الحرية التي تلقي على عواتقهم ~~تبعات وواجبات يتحملونها، فيؤدي تحملها إلى نموهم. وإذا انعدمت الحرية من البيت استحال ~~إلى سجن، وبعيد بل محال أن تتكون الشخصية في السجن؛ حيث لا مجال للحرية؛ أي للاختيار ~~والتفكير وإحساس التبعة والواجب. هذا الإحساس الذي ينشط الذهن والجسم، ويحمل على التفكير ~~والعمل. # وفن الحياة هو في النهاية فن تكوين الشخصية؛ إذ ليس شيء أجمل في هذا الكون من الشخصية ~~اليانعة التي عاش صاحبها في حرية الفكر والعمل، وفي تحمل التبعات والواجبات، حتى تدرب ~~وتمهر وصارت له فلسفة تعين اتجاهاته وغاياته، فهو يسير في الدنيا وهو على نور ~~وهدى. # ونحن في مصر، للعبء الباهظ الذي نحمله من تقاليدنا الماضية، نتوجس من الحرية، ونخشى ~~الاختلاط، ونضع القيود والحدود هنا وهناك أمام الأطفال والفتيات والسيدات، فلا تجد شخصياتنا ~~التربية التي تؤدي إلى إنضاجها وإيناعها، فينشأ الشاب وهو في خوف من الدنيا ms50 لا يقتحم في ~~تفكيره أو عمله، وتنشأ الفتاة وهي محجمة متراجعة، تلتزم الصمت والسكون والاستحياء والتراجع ~~كأنما هذه خطة حياتها؛ فلا تحيى الحياة المليئة، ولا تزدان برشاقة الإيماءة ولباقة الكلمة؛ ~~ولذلك تخسر كثيرا من جمالها الروحي. هذا الجمال الذي لا يعوض منه جمال الجسم الذي يبدو ~~راكدا جامدا، وهو كذلك بالمقارنة إلى الفتاة الأوروبية التي تتذبذب حيويتها طربا في ~~شخصية مغناطيسية تواجه الدنيا في شجاعة وانطلاق واستطلاع، في حين تواجه فتاتنا المصرية ~~دنياها في تقلص وخوف من الاستطلاع؛ وذلك لأن الأولى عاشت في حرية، في حين عاشت الثانية في ~~قيود التقاليد. # ولذلك يقتضينا فن الحياة أن نجعل الحرية تستفيض في البيت، وإذا قضى الحظ أن يتزوج الشاب ~~فتاة دونه في الثقافة؛ فيجب أن يدأب في رفعها إلى مستواه، وأن يجعل من وسطه الاجتماعي ما ~~يحملها على الارتقاء؛ نعني بذلك أن نختار من الضيوف والزائرين الذين نتبادل وإياهم الزيارة ~~أولئك الأحرار المتعلمين الذين يحضونها على أن تثقف عقلها، وأن تتجه الاتجاهات التي تزيد ~~البيت فنا وجمالا، كما تزيد حياتها نضجا وإيناعا. # وقد يتعب الشاب في سنيه الأولى من الزواج وهو يوجه زوجته هذا التوجيه، ولكنه يجد ~~المكافأة بعد ذلك على هذا التعب في سنوات عديدة من الهناء الذي تثمره مزاملة قائمة على ~~المساواة الحقة في الميزات والتأنقات الذهنية. # أما إذا أهمل تثقيفها؛ فإنه سرعان ما يجد الانفصال الروحي قائما بينه وبينها؛ بحيث ~~يعيشان وكأنهما جاران يشتركان في مأوى. # وكما نخشى نحن حرية المرأة كذلك نخشى حرية الصبيان، فنحرمهم مما لا نحرم منه حتى ~~الحيوانات التي يتمتع أطفالها بالطفولة والصبا، فنرهقهم بالدرس في الوقت الذي تصرخ فيه ~~طبيعتهم بالرغبة في اللعب والمرح، بل أحيانا، وحين يزورنا ضيوف، نحاول أن نمنعهم من ~~الاختلاط بهم، وبذلك نحرمهم من التربية الاجتماعية الحسنة التي يستعيضون منها تربية ~~اجتماعية فاسدة باختلاطهم بزملاء لهم قد نشئوا في بيئة غير حسنة. # وشبابنا في مصر يجهلون أشياء كثيرة عن البيوت الأوروبية والإفرنكية، وهم يقرءون القصص أو ~~يرون المسرحيات السينمائية التي ms51 تعرض شذوذات الحياة أكثر مما تعرض قواعدها، فيتوهمون السوء ~~والزيف في حياة المتمدنين، وينشئون على استمساك بالحياة الشرقية التقليدية، ويتعصبون لها؛ ~~فينكرون الحرية على المرأة والأولاد، ويمارسون معهم حياة الانكفاف والإحجام، تلك الحياة ~~التي تجعلهم يعيشون في نسك أو ما يقاربه، ويكرهون متع الحياة العائلية ويتوقونها. # أجل، إن شبابنا يجهلون أن الخادمة الأوروبية تقتني مكتبة في غرفتها لا تقل مجلداتها عن ~~مائتي أو ثلاثمائة مجلد، وهي تصر على أن تكون لها ساعات فراغ للقراءة والدرس، ويجهلون أن ~~الضيافة لا تنقطع في البيت الأوروبي الراقي، وأن الأولاد يدعون أصدقاءهم إلى ولائم في ~~البيت، فيجدون التشجيع من آبائهم عن هذا النشاط الذي يكسبهم المرانة الاجتماعية، والضيافة ~~الراقية، وأن الاختلاط بين الجنسين لا ينقطع منذ الطفولة إلى الشيخوخة. وهذا الاختلاط يدرب ~~الفتى والفتاة على الرشاقة، ويوجه الغرائز الجنسية وجهتها السوية، ويمنع الشذوذات البشعة ~~التي تفشو في المجتمعات الانفصالية في الأمم الشرقية؛ فالحياة هناك أملأ وأمتع، والشخصية ~~أتم وأينع. # | يجب أن نعيش في حاضرنا # نحن لا نعيش حياة واحدة؛ لأن لنا حيوات مختلفة: حياة الطفولة، ثم الصبا، ثم الشباب، ثم ~~الكهولة، ثم الشيخوخة، ولكل من هذه الحيوات أفراحها وأتراحها واختباراتها، وليس من حق ~~أحد؛ كالوالدين أو المربين، أن يحرمنا من إحدى هذه الحيوات. وإذا فاتتنا حياة الصبا بلا ~~تمتع، وإذا عوملنا في أثنائها كما لو كنا شبانا، فإننا - عندئذ - نكون بمثابة من لم يحيا ~~حياة معينة كان من حقه أن يحياها؛ إذ هي لن تعود. # ولكن هذا هو ما نرى في عصرنا؛ فإن كثيرا من الآباء يحرمون أبناءهم من صباهم، ويكلفونهم ~~واجبات الشباب إعدادا للمستقبل؛ كأن الحاضر لا قيمة له، وكأنه يجب أن يضحى به من أجل ~~المستقبل، كما يضحى بالصبا من أجل الشباب. وكثيرا ما نرى صبيانا بين الثامنة والخامسة ~~عشرة يقضون فراغهم بعد المدرسة في الدراسة؛ إما بضغط آبائهم، وإما بترتيبات جهنمية حين يحضر ~~المعلمون إليهم في البيت ويقهرونهم على الدرس، مع أن هذه الفترة من العمر تنادي باللعب ~~والمرح، وبالتجارب التي ms52 يخترعها الصبي لفهم الدنيا، وليس من حقنا أن نحرمه منها. # وهنا نعود إلى القيمة البشرية والقيمة الاجتماعية؛ فإن الأولى تطالبنا بمعاملة الصبي ~~باعتبار أنه صبي فقط يعيش ويستمتع بحاضره؛ لأن هذا هو حقه الطبيعي، ولكن القيم الاجتماعية ~~تتغلب علينا فنفكر في مستقبله، ولأننا نخشى هذا المستقبل للمباراة العامة التي نتوهم أنها ~~تسوده، نبالغ في تفكيرنا إلى حد القلق، فلا نفكر في منطق وتعقل، ولكن في خوف وفزع، ونسرف في ~~تأكيد الدراسة وحرمان الصبي من صباه؛ أي حرمانه من إحدى حيواته التي لن تعود إليه، ولو ~~عقلنا لأحسسنا الإجرام في هذا العمل. # وليس من شك في أن نظام المباراة الذي نعيش فيه، والذي يسود مجتمعنا، يجعلنا جميعا في خوف ~~دائم من المستقبل؛ ولذلك نكاد نقضي عمرنا كله في التهيؤ لهذا المستقبل. وهذا الخوف يستحيل ~~أحيانا إلى قلق نيوروزي؛ أي إرهاق نفسي نعجز عن تحمله، وهو يبدو في خوف أو فزع؛ فإن البخيل ~~الذي يحرم نفسه من المتع الصغيرة وهو يجمع قرشا على قرش، إنما يفعل ذلك لمركبات نفسية هي ~~في حقيقتها أمراض يحتاج إلى المعالجة منها، وهو حين يسأل عن الأسباب التي تحمله على هذا ~~البخل يجيب بأنه يخشى المستقبل، ويتهيأ لليوم الأسود بالقرش الأبيض، مع أن من يتأمل صميم ~~نفسه يعرف أنه لن يخرج هذا القرش الأبيض المدخر مهما اشتدت الحلوكة في هذا اليوم ~~الأسود المنتظر؛ لأن الواقع أن البخل نشأ عنده من الخوف من المباراة العامة التي لا تجعل ~~أحدا مطمئنا على مستقبله، فأسرف في التهيؤ لهذا المستقبل، واتجه الوجهة النفسية ~~التشاؤمية حتى صار البخل عادة. وهذه العادة تجعله يعيش على هامش الحياة التي قد تطول، ~~ولكنها تطول هزيلة بلا عرض أو عمق. والعادة لثبوتها تحرمه من الترفيه عن نفسه مهما ساءت ~~الأحوال. # ونحن جميعا نحتقر البخل، ولكننا ننسى أننا حين نحرم الصبي من صباه إنما نتجه وجهة هذا ~~البخيل في الخوف من المستقبل، وننسى أننا حين نرصد من وقتنا أحسن ساعاته لاقتناء العقارات ~~والإثراء إنما نتجه هذه الوجهة ms53 أيضا، وإن كنا لا نبلغ درجة البخيل في الحرمان. # وفن الحياة يقتضينا أن نعيش في حاضرنا؛ فنتمتع بمتع الطفولة في طفولتنا، ومتع الصبا في ~~صبانا، ومتع الشباب في شبابنا، ولا نؤجل شيئا من ذلك تهيؤا للمستقبل؛ لأننا لسنا ~~واثقين من هذا المستقبل ثقتنا بالحاضر، فإذا حرمنا الشاب من متع شبابه بدعوى أنه يستعد ~~للمستقبل؛ فإننا لا نثق بأنه سيعيش إلى هذا المستقبل المنتظر. # ولسنا مع ذلك ننكر هذا المستقبل ونتعامى عنه، ولكنا نعتقد أن من يعيش في حاضره إنما يعيش ~~أيضا لمستقبله، ونعني المعيشة السليمة؛ فإن هناك فرقا بين اثنين يخافان المستقبل؛ أحدهما ~~يبخل ويقتر ويبالغ في الحرمان، والآخر يؤمن بأداء قسط سنوي لإحدى شركات التأمين - ~~مثلا. # وهناك أيضا فرق بين تلميذ يدرس في المدرسة ويلعب خارجها، أو يستمتع بصباه أو شبابه، وبين ~~آخر يرهق بتكاليف مدرسية أخرى في بيته، تراه قد حبس نفسه بعيدا عن والديه وإخوته، وسهر ~~الليالي. # والرجل السوي الذي تتزن أعصابه يكتسب من حاضره بصيرة لمستقبله، ويستطيع لذلك أن ينظر ~~إليه مطمئنا؛ فلا يجنح إلى التقتير، ولا يهرول في جهده لاقتناء المال. # وإذا عشنا في حاضرنا، ومارسنا اهتماماته وهمومه، وتمتعنا بمتعه، فإننا بهذا السلوك نفسه ~~نجدنا قد استعددنا للمستقبل؛ فالرجل الذي تعود - مثلا - القراءة واقتناء الكتب، ومداومة ~~القراءة للجريدة والمجلة، إنما يتمتع بكل هذه الممارسات، ولكنه زيادة على ذلك يتهيأ بها ~~لشيخوخة يقظة بعيدة عن السأم والتبلد. # وكذلك الرجل الذي مارس عملا كاسبا، وانتفع بالتأمينات المألوفة يسير نحو المستقبل في ~~طمأنينة. # أما إذا كانت الأيام حبلى بمفاجآت - كما رأينا في الأزمات الاقتصادية الماضية - فإن بصيرة ~~العاقل وفزع المجنون وتقتير البخيل، كل هذا يستوي أمام تلك المفاجآت؛ أي جميعنا - عندئذ - ~~سواء، وعندئذ ينتقل الاهتمام بالمستقبل من يد الفرد إلى يد الدولة. # ومن المألوف أن نجد شخصا يكد متعبا مهموما في اقتناء الثروة، وفي نفسه شوق إلى ~~الاستمتاع؛ فهو يحلم بالبيت الذي سوف يبنيه، أو ببضعة الفدادين التي سوف يزرعها، ويجد فيها ~~الاتصال بالطبيعة، أو هو يحلم بالسياحة ms54 في أوروبا، وقد يحلم أيضا باستمتاعات ثقافية ~~مختلفة، ويضع في برنامجه شراء مكتبة تحوي آلاف المجلدات التي تنيره وتثقفه، ويفعل ذلك وهو ~~في الثلاثين أو الأربعين، ويرصد كل وقته للجمع والاقتناء والإثراء. # ومثل هذا يجب أن نقول له: أنت مخطئ؛ لأنك حين تصل إلى سن الستين تكون العادات التي ~~مارستها كل يوم من حياتك الماضية قد رسخت فيك، فلن تستطيع تغييرها. # ثم وأنت في الستين سوف تكون لك أذواق تختلف عما لك الآن وأنت في الثلاثين أو ~~الأربعين. # ولذلك يجب أن تعيش في حاضرك، وتبدأ الآن في استمتاعاتك وتحقيق أحلامك، ولا تؤجل متعك إلى ~~سنين قادمة ربما تموت أنت قبل بلوغها، أو ربما تموت كفاءتك للاستمتاع بها؛ إذ إن لكل سن ~~متعها الخاصة، فمتع الشباب غير متع الكهولة، ومتع الكهولة غير متع الشيخوخة، ومتع الصبا غير ~~متع الشباب. # | النمو والتطور # عندما نتأمل رجلا جامدا رجعيا، وآخر متطورا ارتقائيا، نجد أن لكل منهما اتجاها قد ~~عين مزاجا خاصا؛ فالأول في صميمه متشائم يخشى الدنيا، ويتوقع الكوارث، ولا ينتظر خيرا ~~من أي تغيير، وهو لذلك متبلد يؤثر السكون على الحركة، في حين أن الثاني، ذلك المتطور الذي ~~لا يبالي التغيير، متفائل بالدنيا، يؤمن بالارتقاء كأنه ديانته السياسية، وهو يدعو إلى نهضة ~~ما في السياسة أو الاقتصاد، أو إلى تغيير في الأدب أو الاجتماع؛ ولذلك نستطيع، في معنى ما، ~~أن نعد الجمود والرجعية مرضين ينشآن من الخوف. # وقد يكون المرجع والأساس لهذا الخوف، أن الرجعي قد أسيئت معاملته أيام طفولته، فأهين ~~وضرب، أو عومل بالكراهة والقسوة حتى صار بعد ذلك يجد أن السلامة والطمأنينة لا تكونان إلا ~~في استبقاء حالته؛ إذ هو على الدوام يتوقع أسوأ منها، وفي تجنب أي تغيير؛ إذ هو يوجس شرا ~~مما هو فيه. # والجامد الرجعي لا يحيا الحياة الطبيعية؛ لأن النمو والتطور من سنن الطبيعة التي تشهد ~~بهما ألف مليون سنة من تاريخ الأحياء، ومعنى هذا أنهما أصيلان في أعماق سريرتنا، وأننا لن ~~نعيش المعيشة السوية، ولن نقارب ms55 السعادة، أو على الأقل السعادة السلبية، إلا إذا كنا في نمو ~~وتطور لا ينقطعان طوال حياتنا. # بل أحيانا، حين نتأمل أحلام اليقظة التي نستسلم إليها في لذة، نجد أننا نطلب التطور كما ~~لو كان شهوة في نفوسنا؛ أي إننا نحس أننا غير راضين عن حالتنا؛ إذ ندأب في التفكير في ~~تغييرها. وليس الإيمان بالمستقبل، بل بالشجاعة والإقدام، سوى إيمان بالنمو والتطور ~~والارتقاء، وكذلك ليست المحافظة والجمود والرجعية سوى الجبن والخوف، وكلاهما يحملنا على ~~الركود والتقلص. # والأمم «الشرقية» لفرط ما عانت من مظالم ملوكها وأمرائها وحاكميها يغلب عليها الجمود؛ إذ ~~هي على الدوام متشائمة بالمستقبل تخشاه وتتراجع عنه كأنها تريد أن تعيش في الماضي. أما ~~الأمم الأوربية فتكاد ترقص للمستقبل، وهي ترضى بالتغيير والتطور، وقد جعلت الارتقاء ~~مذهبا. # وليس من السداد هنا أن ننصح للقارئ أن يكون متفائلا، وأن يتجنب التشاؤم؛ لأن هاتين ~~الحالتين قد تكونتا في الأغلب منذ الطفولة، أو لأن كوارث الحياة قد تراكمت فملأت القلب ~~شكوكا وشبهات بشأن المستقبل، ولكن من السداد أن نبين أننا لن نستطيع أن نتطور؛ أي نعيش ~~وفق سنن الطبيعة، ما لم نكن متفائلين. وعلى كل قارئ - عندئذ - أن يحلل تشاؤمه وخوفه، وأن ~~يعرف مرجعهما، وهو إذا هبط على هذا المرجع عاد إلى التفاؤل والشجاعة. # وأوضح المظاهر للارتقاء والتطور والنمو هو الثقافة. وصحيح أن هناك من يتجه ارتقاؤهم وجهة ~~مالية أو اجتماعية أو سياسية، فيبرزون في هذه الجهات، ويجنون منها ثمرات السرور، ولكنها ~~بالمقارنة إلى الثقافة تعد ثمرات زائلة متقلبة ليست لقيمتها ثبات القيم الثقافية؛ ذلك أننا ~~عندما نرقى بالثقافة ارتقاء نفسيا ذاتيا لا يستطيع أحد أو ظرف أن ينتزعه منا، والنفس ~~تتطور بالتغير الثقافي، فتتجدد وكأنها تستعيد الصبا أو الشباب، وتهبط على عوالم جديدة لم ~~يكن لها بها معرفة من قبل. # والذي نحب أن نثبته ونؤكده أنه ما دمنا في تطور ثقافي فإننا نتجنب السأم والجمود والتبلد، ~~فتمتلئ الدنيا حولنا مباهج، فلا يكربنا اليأس، بل نتحمل حتى الكوارث المرهقة. # وإذا اعتدنا الثقافة فإن ms56 الأغلب أننا نخرج منها بمذهب كفاحي للخير البشري، وهذا المذهب ~~يغذونا وينير بصيرتنا عن مغزى الحياة، كما أنه يوفر لنا اهتمامات لا تنقطع، وما دمنا في ~~هذه الاهتمامات، فإننا لن نحس هذا السأم القاتل الذي يغمر حياة المنغمسين في الملذات حين ~~يأجمونها متبرمين منها عازفين عنها. # وفن الحياة هو، في معنى ما، فن العيش في سرور، إن لم يكن في سعادة؛ ولذلك يجب أن نوفر ~~لأنفسنا إحساسات السعادة بإيجاد وسائل الرفاهية الذهنية والمادية. # وعندما نعمد إلى دراسة نحس إحساسا عميقا بلذة التطور؛ ولذلك نحتاج، كي نوفرها، إلى ~~برامج ثقافية متواصلة تحملنا على مراحل الحياة، وتكفل لنا شباب الذهن وتجدده. # وكلما تقدمنا في السن، وخاصة عندما نتجاوز الستين، يتوانى نشاطنا، وقد نتبلد أو نجمد، ~~ولكن إذا كنا قد تعودنا الدراسة، وجعلنا منها منهجا للحياة، فإننا ندخل في دور الكهولة ~~والشيخوخة، ونحن مستبقين لشبابنا، مبتهجين بالدنيا، قد احتفظنا بكلمات اللغة؛ أي بالأفكار. ~~وقد كررنا هذا الكلام، ولكن مهما نكرره فإننا في حاجة إلى تأكيده؛ إذ ليس هناك ضمان ~~للشيخوخة السعيدة إلا مع الثقافة الدائمة التي تستبقي الذاكرة في حيويتها القديمة. # وهناك ألوان من الارتقاء كثيرا ما نأجمه، فإننا عندما نندفع في اقتناء المال، أو عندما ~~نبذل جهودنا كي نحصل على مركز اجتماعي كنا نطمح إليه، نجد أن الهدف الذي وصلنا إليه دون ما ~~أملنا وتمنينا؛ من حيث قيمته في جلب السرور إلى نفوسنا، إلا الثقافة؛ فإنها تملؤنا غبطة ~~ولذة أكبر مما كنا نحلم به. # ولعل مرجع هذا أن آفاق الثقافة واسعة متشعبة ليست لها نهاية، في حين أن للمركز الاجتماعي ~~أو المالي نهاية؛ ولذلك لن نعرف السأم إذا جعلنا غايتنا من النشاط والنمو ثقافية. # | الاتصال بالطبيعة # لا يسهل على أي إنسان أن يتجرد من القيم الاجتماعية، أو حتى يتسامح في الكثير منها إلا ~~بمجهود شاق يضنيه، ويقيم من المجتمع، الذي يرتضي هذه القيم، خصما له، ولكن يجب أن ~~نتنبه من وقت إلى آخر إلى هذه القيم الاجتماعية حتى لا ننساق فيها ذاهلين، ms57 وحتى لا ننسى ~~أننا بشر قبل أن نكون مصريين أو فرنسيين أو عربا، واتصالنا بالطبيعة جدير بأن يحدث لنا هذا ~~الوجدان. # ذلك أن حياة الحضارة تغمرنا وتسومنا أوزانها وقيمها؛ فالنجاح فيها يقاس بالقدرة على ~~اقتناء المال، والجمال فيها أثاث فاخر أو جواهر غالية أو أتومبيل مطهم أو رسم على جدران، ~~أو نحو ذلك مما ننساق فيه فنتوهم أننا سادة نختار ونقرر، مع أن الواقع أننا - في الأكثر - ~~عبيد العرف الاجتماعي الذي يأبى علينا الاستقلال. # ومن وقت لآخر نرى أو نقرأ عن أولئك البشريين الثائرين على هذا العرف الاجتماعي؛ مثل ~~تولستون الذي هجر المدن وعاش في عزبته يصنع حذاءه بيديه، أو غاندي الذي نزع عن جسمه ملابس ~~الحضارة، وقنع بشملة يبسطها على عاتقيه أو يأتزر بها. وهذا إلى قنوعه من الطعام باللبن ~~والفواكه، أو ثورو الكاتب الأمريكي الذي ترك المدن وبنى لنفسه كوخا لم يكلف أكثر من ستة ~~جنيهات، عاش فيه سنتين إلى جنب الغابة، حيث كان يحصل على طعامه من صيد السمك وصغار الحيوان ~~والطير، وقد قال عن هجرته هذه في الغابة وحياة الفطرة: «إني أردت أن أسوق الحياة وأحرجها في ~~زاوية كي أعرف هل هي شيء جليل أم حقير.» # وبكلمة أخرى، أراد ثورو أن يخلو إلى نفسه، ويستمع إلى همساتها بعيدا عن ضوضاء المدينة ~~وضجيج الحضارة، خاليا من تكاليفها الصغيرة والكبيرة؛ كي يستكنه أسرارها، ويصل إلى أصولها، ~~ويتعرف إلى الطبيعة، ويقف على علاقته منها ومراسيه فيها. # وكلنا يحس في أعماق القلب والمخ أننا في حاجة إلى مثل هذه التجربة، وأن العمر لا يصح أن ~~يقضى على هذا الكوكب وهو مبعثر بين هموم واهتمامات صناعية؛ أي صنعتها لنا الحضارة. # ولذلك يجب على كل من ينشد الحياة الفنية أن ينظم هذه الحياة، بحيث لا تنقطع عن الطبيعة، ~~وبحيث تبقى القيم والأوزان البشرية ماثلة في ذهنه عالقة بقلبه، يشتهيها ويتعب لها ويستمتع ~~بها، وهو عندما يفعل ذلك، وعندما يألف الطبيعة، سيحس أنها؛ أي الطبيعة، تحوي ألوانا من ~~الجمال في الشفق عند الغروب، ms58 وفي بزوغ الشمس عقب سكينة الفجر، وفي رهبة الجبل، وبسطة ~~الصحراء، بل في تنوع النبات والحيوان، مما يجعله يحتقر الكثير مما تحملنا الحضارة على ~~اقتنائه، ونعتني في جمعه والتفاخر به. # وليس من الضروري أن نسلك سلوك ثورو في الهجرة إلى مكان قصي، نعيش مستوحدين سنتين أو ~~أكثر كي نصل إلى جمال الطبيعة، وكي نهتدي إلى مراسينا منها؛ فإن اللجوء إلى الريف من وقت ~~لآخر وقضاء أيام، بل أحيانا الساعات فيه، يضيء بصيرتنا، ويقرب ما بيننا وبين الطبيعة، ~~ويحملنا على التخلص من الزيادات والنوامي التي تنمو حولنا كما تنمو الأعشاب والطفيليات حول ~~السفينة فتعطلها عن الملاحة؛ فإن غاندي لم يخسر حين نزع 15 قطعة من الملابس الحضارية واكتفى ~~بقطعة واحدة؛ إذ الواقع أنه كسب، أو بكلمة أصح: هو كسب من حيث القيم البشرية، وخسر من حيث ~~القيم الاجتماعية. # وأحيانا حين أقعد في الريف وأتأمل القمر وهو يحيل كل شيء على الأرض إلى خلق سحري، أو حين ~~أتأمل الشفق في رائعة جماله، أو حين أخرج في الفجر أنتظر بزوغ الشمس والدنيا هادئة صابحة ~~كأنها لم تخلق إلا منذ دقائق، أو أتأمل أسراب الغربان وهي عائدة إلى عشاشها عند الغروب، أو ~~اليمام وهو يغازل على استحياء وفي طمأنينة، أو حين أتأمل هذه الحرب الخفية السرية بين ~~النبات والحيوان في ديسة أو خميلة على جدول، أتعجب من إنسان يرضى بقضاء دقيقة واحدة فيما ~~يسميه قتل الوقت على القهوة، بدلا من أن يجري ساعيا لاهثا إلى الريف كي يختبر هذه الدنيا ~~في أعماقها وصميمها. # وأتعجب من إنسان، أو بالأحرى إنسانة، تعتقد الجمال في عقد من اللؤلؤ أو قلادة من الألماس، ~~مع أن جبلا من هذه الجواهر لا يساوي في جماله جمال الشفق أو القمر. # ويفشو الجهل بالطبيعة؛ أي بالدنيا، حتى نجد إنسانا «يعرف» طائفة من المعارف المكروسكوبية ~~عن الأدب أو العلم، وهو يجهل هذه الدنيا العظيمة؛ وطنه الأول، فلا يعرف روائعها من جماد ~~ونبات وحيوان. # وقد جزأتنا الوطنية أجزاء على هذا الكوكب حتى صرنا لا ms59 نشتاق إلى رؤية جبالنا الشامخة؛ ~~مثل هملايا، أو مساقطنا الرائعة؛ مثل نياجرا؛ لأننا نحس كأن جبل هملايا هو ملك خاص بالهنود، ~~ونياجرا هو ملك خاص بالأمريكيين. # بل الواقع أننا لا نشتاق إلى رؤيتهما؛ لأن القيم الاجتماعية قد تغلبت علينا، فنحن نهتم ~~باقتناء البهارج «الجميلة» بدلا من الاهتمام بالاقتناء النفسي لجمال هذا الكوكب. وكثيرا ~~ما أدخل البيوت التي تمتاز بحدائق فأجد أشجارا أسأل أصحابها عن أسمائها فلا يعرفون ... لأنهم ~~إنما غرسوها انسياقا وراء العرف، وليس تقديرا لقيمة النبات، أو إحساسا بأن الشجر قريبنا ~~نحن. وهم يعيشون في وحدة وجودية؛ ولذلك لا يهتمون بالتعرف إلى اسمه أو أصله. # وأحيانا أجد من الحسن أن أرد بعض الذاهلين إلى الوجدان، وأعيد إليهم القيم البشرية بأن ~~أسال أحدهم: هب أنك أصبت بمرض قاتل، ووثقت من الأطباء أنك لن تعيش على هذا الكوكب سوى عام ~~واحد، ثم خيرت بين أن تقتني ألف آقة من الألماس واللؤلؤ، ومئة قنطار من الذهب، أو تقضي ~~هذا العام الباقي من عمرك على هذا الكوكب في زيارات رائعة إلى القطب الشمالي، وجبال هملايا، ~~ومساقط نياجرا، وغابات إفريقيا، ترى بواسق الشجر، ووحوش الحيوان، وتشترك في صيد القيطس عند ~~القطب الجنوبي، وترى الفيلة في غاباتها في الهند. أجل، وفوق ذلك تعرف الشعوب البشرية في ~~الهند واليابان ونروج وأستراليا، وترى الإنسان البدائي والإنسان المتوحش والإنسان المتمدن، ~~ومقدار التدمير الذي أحدثه هذا الأخير بكنوز كوكبنا. # لو خيرت بين هذين لاخترت بلا شك أن تقضي عامك في زيارة الأرض التي عشت فيها ماضي عمرك ~~وأنت محبوس محجوز في بقعة معينة تظن أنها كل شيء، وتقضي سنيك في اقتناء بهارج ليس لها غير ~~القيمة الاجتماعية التي تعمينا عن الاستمتاع بكوكبنا. # ولا بد أن البشر في المستقبل سينفضون عن عواتقهم التكاليف الباهظة العديدة التي يحتملونها ~~الآن من الحضارة، ويفكرون في القيم البشرية، وسوف يجدون في الآلات المنتجة، بل في الطاقة ~~الذرية، ما يجعل العمل الإنتاجي سهلا لا يحتاج منا إلى قضاء الوقت أو الجهد العظيمين، ~~وعندئذ يعود هذا ms60 الكوكب وطن البشر جميعا، وعندئذ تصير الجبال والبحيرات والغابات، بما تحفل ~~به من حيوان ونبات، كنوزا يحتفظون بها ولا ينقطعون عن زيارتها. # وإلى أن نصل إلى هذه الحال يجب أن نذكر أنفسنا على الدوام بضرورة اتصالنا بالطبيعة، ~~ويجب أن نحتال بالتوفيق بين ضرورات العيش والمجتمع واللجوء إلى الريف، ويجب أن تكون لنا ~~هوايات ريفية طبيعية؛ فإن صيد السمك ينزعنا أحيانا يوما كاملا من الوسط الحضاري الصناعي ~~إلى وسط طبيعي. وكثير من المفكرين يحتاج إلى مثل هذه الهواية التي تختمر فيها الكامنة وقت ~~السكينة عند شاطئ النهر، ثم يؤدي اختمارها إلى تهيئة الوجدان للإنتاج المثمر. # أجل يجب أن نتنبه على الدوام إلى القيم البشرية، ولا ننساق في قيم اجتماعية تستعبدنا، ~~ويجب أن نذكر أن الطبيعة؛ أي الأرض والنهر والجبل والغابة والبحر والصحراء والنبات ~~والحيوان، هي كنزنا الأول الذي يجب أن نقتنيه اقتناء نفسيا، وندرس جماله ونستمتع به، وذلك ~~بالاتصال الذي لا ينقطع به. # | الاتجاه والرؤيا # الاتجاهات والميول والغايات هي عادات كامنة تكيف عواطفنا، وتوجه نشاطنا، وتثير ~~اهتماماتنا، وكثير من النجاح أو الخيبة يعزى إلى الاتجاه والغاية؛ لأن النفس تبقى راكدة ~~ليس لها اهتمام، فإذا تعينت لها غاية، يهدف إليها النشاط، نشطت، كذلك الاتجاه يعين ~~الأسلوب الذي نعيش فيه. # اعتبر صبيا أو طالبا يتجه نحو الأولوية في المدرسة، وينصبها غاية، فهو يكد ويتعب ~~ويثابر كي يحقق هذه الغاية، ويعود هذا الاتجاه أسلوبه في الدراسة؛ بحيث إنه يبتئس كثيرا ~~إذا زحزحه آخر عن مركزه الأول. فهنا اتجاه قد صار عادة كامنة تكيف العاطفة، وتوجه ~~النشاط، وتثير الاهتمام، وليس من الضروري أن يكون هذا التلميذ أذكى من غيره من المتخلفين ~~عنه، وإنما هو يمتاز منهم بالاتجاه والغاية، وامتيازه هذا عليهم عاطفي وليس ذكائيا؛ لأن ~~الاتجاه يحرك العاطفة، وهذه تحرك النشاط الجسمي أو الذهني. # اعتبر كلبا جائعا، وآخر شبعان؛ فالأول يتحرك بعاطفة الجوع، ويمشي وأنفه للأرض يبحث عن ~~الطعام، وهو في هذه الحركة الجسمية متحرك العاطفة بالجوع، متحرك العقل بالتفتيش، وأنفه يرشد ~~عقله كما ترشد ms61 عيوننا عقولنا، ولكن اعتبر الآخر الشبعان ، فإنه قاعد راكد أو نائم. # فالعواطف هي المواطر التي تحركنا، والاتجاهات والميول والغايات إنما هي عواطفنا التي ~~نتحرك بها إلى الدراسة والجد وغير ذلك، وهي كما تحرك أجسامنا تحرك أيضا أذهاننا، فننتبه ~~بعد الغفلة، وننشط بعد الفتور. # والتفاؤل والتشاؤم، وكذلك الطموح والركود اتجاهات، ولكل منها خارطة روحية أو ذهنية أو ~~نفسية يرتسم بها العالم، ويحدد ما فيه من قيم وأوزان اجتماعية أو بشرية، وبهذا جميعا يتجه ~~نحو غاية، أو يرى رؤيا ويتخذ أسلوبا؛ فالمتفائل يتحمس ويتحرك ويجد لذة العيش، والمتشائم ~~يتبلد ويركد ويجد الحياة ماسخة لا يتطعمها. ومن هنا - مثلا - قيمة الدين عند المؤمن؛ فإنه ~~يجد فيه الرؤيا كما يجد الأسلوب، فيكون الدين له بمثابة الصابورة التي تتزن بها حياته، ولا ~~تتقلقل إذا ضربتها الزعازع والكوارث. # والرؤيا هي ثمرة التفاؤل؛ لأن المتشائم لا يرى رؤيا، فلا يمكن - مثلا - أن تكون ~~اشتراكيا تؤمل المساواة والإخاء بين البشر إلا إذا كنت متفائلا، والعكس صحيح؛ لأن ~~الرجعي المحافظ يؤمن بأن الشر غالب على الطبيعة البشرية التي لا تتغير ولا يمكن معالجتها، ~~فهو لذلك متشائم بلا رؤيا؛ ولذلك يكافح الأول ويركد الثاني. # وقس على هذا، فإن الرؤى والمثليات، كلتاهما تكسبنا روح الكفاح، وهذا الروح يحملنا على ~~الدراسة والرقي؛ فنجد لذة الحياة في الكفاح كما نرتقي به. # الكفاح ضد الاستعمار والإمبريالية، والكفاح ضد التعصب الديني واللوني، والكفاح ضد المرض ~~والجهل والفقر والظلم، كل هذا تتحرك به عواطفنا وتنشط، بل كدت أقول: تتذكى عقولنا. ونحن ~~بهذه الأنواع من الكفاح لا نخدم أمتنا فقط، بل نخدم أنفسنا بترقية شخصيتنا، ونجعل حياتنا ~~حافلة بشئون ومشكلات اجتماعية وبشرية تجعلنا نتعمق ونتوسع في الحياة. # وربما كان أعظم الاتجاهات اتجاه الحب باعتباره أسلوبا للعيش؛ لأن الحب يزيد الفهم؛ أي ~~إننا نفهم أكثر عندما نحب، ونفهم أقل، أو أحيانا لا نفهم، عندما نكره. ألا ترى أن الأم ~~تفهم الشيء الكثير من إيماءة طفلها أو أي طفل آخر إذا كانت تتجه وجهة الحب، في حين غيرها ~~الجامد ms62 أو غير المبالي أو الكاره لا يفهم شيئا؟! # وهناك من يقول: إن الحب يعمي، ولكن الحقيقة أن الحب يبصر ويفتق الذهن للفهم والمعرفة، ~~ولكن الكراهة والحقد والبغض والنفور، كل هذه تعمي وتغشي على عيوننا وعقولنا، فلا نبصر ولا ~~نفهم. # والرجل الذي يحب الحياة الفنية، ويحب الإنسان والطبيعة، ويحب الثقافة، يجد أنه بقدر السعة ~~في حبه يزداد فهمه وتعمقه ورغبته التي لا تنقطع في الاستزادة من الفهم والدرس والاستطلاع، ~~ثم هو بهذا الحب يجد الرؤيا التي يهدف إليها في إصلاح منشود، أو ظلم يرفع، أو اختراع ~~يحقق، فيعيش سعيدا بهذه الأفكار، ويشع ضياء على كل ما يمسه؛ كأن ذهنه مفسفر يضيء على ~~ما حوله. # ومثل هذا الرجل يدين بدين مقدس، ولا عبرة بأنه يخالف التقاليد؛ لأن الدين هو نقطة التبلور ~~في اختباراتنا وثقافتنا، والرجل الذي يختبر كثيرا، ويدرس كثيرا، ويتجه وجهة الحب، لا بد ~~أن يصل إلى هذه النقطة، وأن يرى رؤيا الدين. ومن هنا كفاحه وإنسانيته؛ لأنه في جميع كفاحه ~~الماضي إنما كان يحاول أن يكون إنسانا إنسانيا، وأن يحمل البشر على أن يكونوا ~~إنسانيين. # وإذا كان رجل التقاليد ينبذه بأنه ملحد أو كافر لأنه يضل في اشتباكاته الثقافية، فإن غيره ~~من المتعمقين يعرف إيمانه. هذا الإيمان الذي وصف به فولتير في كفاحه للمتعصبين والمستبدين ~~إزاء رجال التقاليد من كهنة رجال الدين المسيحي في فرنسا. ونحن الآن نعرف أن الدين، بل ~~القداسة كانت في قلب فولتير، وأن الكفر كان في قلوب أولئك الكهنة. # وخلاصة القول: إن فن الحياة يقتضينا أن تكون لنا اتجاهات وميول تنتهي إلى رؤيا، فنكسب ~~منها المذهب البشري، بل الدين، ونجهد ونخدم في تفاؤل وحب؛ نحب الإنسان والشرف والمجد والصحة ~~والخير، ونحب الحيوان والنبات والجبال والأنهار والرسوم الفنية والمدن التاريخية، وبذلك لا ~~نركد، بل نبقى على نشاط دائم مكافحين محبين للخير، كارهين للشر. # | الحياة مغامرة # عندما نتأمل القصص السامية التي ألفها كتاب خالدون، نجد أننا إنما نقيس هذا السمو ~~بشيئين: إما بشخصية فذة تغمر القصة، وتجعل من ms63 العيش اقتحاما، وتجد مرح الحياة في المغامرة ~~والدخول في الغمر العباب دون القناعة بالشواطئ والمخاضات، وإما نجد، بدلا من هذه الشخصية، ~~مشكلة حيوية عظمى، نصل فيها إلى الأعماق، فنفهم أكثر ونعرف أكثر في الحياة. # ومع أننا نقرأ كثيرا؛ فإنه قلما يخطر ببال أحدنا أن يعيش في هذه الدنيا كما لو كان بطلا ~~في قصة سامية؛ وذلك بأن يكون هو نفسه شخصية فذة، أو يكون قد اعتنق مشكلة من مشكلات البشر ~~الحيوية فيطابق بينها وبين نفسه ويعيش لها؛ فهي هو وهو هي. # ولكن الواقع أن كثيرين منا - على الرغم مما قلنا - يطابقون بين حيواتهم وبين القصص التي ~~يقرءون؛ فالشاب الذي ينكب على قراءة قصة ما إنما يطابق بين نفسه وبين هذه الغراميات ~~المتأججة في القصة، والفتاة التي تدمن الذهاب إلى الدور السينمائية إنما تطابق بين نفسها ~~وبين فتيات الدراما التي تشاهدها؛ وهي تعيش بجميع إحساساتها فيما ترى من اقتحامات هؤلاء ~~الفتيات، ولكن، وهذا هو المهم، هذه القصص والدرامات ليست سامية؛ ولذلك فإن المطابقة بين ~~قارئها أو مشاهدها وبين أبطالها أو حوادثها ليست مما يرفع؛ أي ليست مما يساعدنا على أن نجعل ~~حياتنا سامية نعيشها في فن وحذق وتأنق ومجد. # ويجب أن نجعل حياتنا مغامرة، بل هي كذلك من أول ساعة نخرج فيها من الرحم إلى هذا العالم؛ ~~فإن الموتى الذين لا يطيقون هذا الخروج كثيرون جدا. فإذا كانت بداية حياتنا مغامرة فيجب ~~ألا يغيب عنا هذا الرمز، ويجب أن نستبقي هذا الشعار سائر عمرنا، ويجب ألا ننسى أبدا أن ~~الطمأنينة التي نتوخاها هي على الدوام جزئية ونسبية وظرفية؛ لأن الطمأنينة التامة هي ~~الموت. # ومن أجمل أو أحكم الكلمات التي خلفها لنا نيتشه قوله: «كل ما لا يقتلني يقويني»، ~~وأيضا قوله: «عش في خطر». وذلك أن الحياة اختبارات، فإذا واجهنا خطرا وخرجنا منه دون أن ~~يقتلنا فقد كسبنا الاختبار، وازددنا بذلك عرفانا بالدنيا، وحكمة في الحياة. وإذا عشنا في ~~خطر زال عنا الذهول الذي تتسم به العامة، وصرنا في يقظة وتنبه وذكاء ms64 وفهم، فتكون الدقائق ~~عندنا بمثابة الساعات عند غيرنا، والساعات بمثابة الأيام. # والحياة القصيرة الحافلة بالمغامرات والاقتحامات خير من حياة طويلة هزيلة يعيشها الإنسان ~~في ذهول كأنه بلا وجدان. والمخترع والمكتشف كلاهما يعيش مغامرا لأنه يسير في أرض مجهولة لا ~~يعرف نهايتها، وهو في هذا الاكتشاف أو الاختراع يحس من لذة الحياة ما يجعله ينسى جميع ~~المشقات والمصاعب. ومن منا لا يحب مغامرة كولومبية يعيش فيها شهرين أو ثلاثة أشهر فقط وهو ~~يتطلع إلى قارة جديدة، ويكاد يهبط عليها، بدلا من قضاء مائة سنة وهو منزو في شارع لا تضيق ~~حدوده الجغرافية فقط، بل تضيق فيه أيضا حدوده الذهنية والنفسية؟! # ونحن نعجب بحياة نابليون أو غاندي؛ لاقتحامات الأول الحربية، واقتحامات الثاني الروحية، ~~ونقرأ سير القديسين والمصلحين والمخترعين في شوق؛ لأننا نطابق بينها وبين أنفسنا في رغبة ~~حارة للاقتحامات التي امتحنت حياتهم فخرجوا منها أوفر حكمة وأعمق فهما. # ولنا مما قلنا مغزيان؛ المغزى الأول: ألا نلتزم الدعة والطمأنينة فنحجم ونتقلص ونتراجع ~~أمام الأخطار، والمغزى الثاني: ألا نبالغ في شأن الكوارث التي تصادفنا؛ لأننا ما دمنا لم ~~نمت فيها سنعيش وقد كسبنا اختبارها ومعرفتها اللذين ازددنا بهما فهما وحكمة. # وكتب الأدب العالي تكسبنا من الاختبارات ما لا نحصل عليه في مجتمعنا. والشعر العالي هو ~~أحسن ما في الأدب؛ لأن الشاعر يعرف أنه لن يثير في القارئ حماسة أو يلهب فيه نارا، إلا إذا ~~ارتفع عن المبتذل المألوف من الاختبارات، سواء في الموضوع أم في التعبير، فهو يحملنا على ~~اقتحامات ذهنية حتى ولو كانت هذه الاقتحامات مقصورة على التعبير، واستخراج المعنى الخفي ~~الفذ من الموضوع الواضح المبتذل. # واسأل - أيها القارئ - أي إنسان متقدم في السن؛ فإنه لا بد آسف على تلك الفرص التي عرضت ~~له ولم يغامر فيها، بل آثر الدعة والطمأنينة. وهو لا يأسف لأن الفرصة كانت تلوح له من الفرص ~~الكاسبة؛ بل لأنه يحس أنه كان يكون أسعد لو أنه اختبرها وعاش فيها. # وقد كان المتنبي يقول: # وكل شجاعة في المرء تغني ms65 # ولا مثل الشجاعة في الحكيم # الشجاعة مع الحكمة تغني في النهاية، العاطفة مع الوجدان أي الشراع مع الدفة؛ العاطفة تدفع ~~والوجدان يوجه. # والخوف من الاقتحامات هو في صميمه خوف من الحياة، أو هو أسف على الخروج من الرحم، وحنين ~~إلى العودة إليه. والرجل الذي يخاف لا يعيش غير تلك الحياة النباتية البقلية؛ يعيش آمنا في ~~مكانه يخشى أن يتزحزح لئلا يسقط. # | الحياة المليئة # عندما نتأمل المخ، أو بالأحرى قشرته الرمادية، نجد شبكة من ملايين الخلايا التي تربط ~~وتستطيع أن تؤلف ملايين الأفكار والمركبات الذهنية الجديدة، ولكننا نقنع من حياتنا العقلية ~~العادية بالقليل من هذه الأفكار، حتى لنستطيع أن نقول: إن عشر المخ كان يكفينا. ولو أننا ~~عنينا منذ ميلادنا بالحياة الفكرية، وجعلنا التربية تتجه نحو الاستنباط والاختراع والتفكير ~~البكر، بدلا من التسليم بالعقائد والجري على الأسلوب الاجتماعي الفاشي، لو أننا عنينا بهذا ~~لكان كل منا فيلسوفا أو عالما مخترعا؛ لأن في القشرة المخية من ملايين الخلايا ما يتسع ~~لملايين المركبات الفكرية، ولكننا نتركها بائرة في جدب بلا حرث أو غرس، فلا نعيش ملء حياتنا ~~الذهنية، بل نقنع بالقليل منها. # وحياتنا الفكرية هي بعض حياتنا البشرية، وإن يكن هذا البعض أفضل ما نملك. ونحن - للأسف - ~~لا نعيش ملء حياتنا البشرية؛ فقد تطول حياتنا، ولكنها لا يكاد يكون لها عرض، أو هي تمتلئ ~~بالسنين ولكن هذه السنين لا تمتلئ بالحياة. وقد دعانا الإنجيل إلى التوسع والتعمق في الحياة ~~حين نبهنا إلى قيمة «الحياة الوفيرة»، وما الوفرة في الحياة سوى وفرة الاختبارات بالنشاط ~~والتجدد؛ فالحياة الراكدة أو الجامدة ليست وفيرة أو - على الأقل - ليست في وفرة تلك الحياة ~~التي تتذبذب طربا ومرحا في الدنيا. # وهنا تخطر بالذهن كلمة «الحماسة» التي اختارها أبو تمام لمجموعة الأشعار التي جمعها من ~~الشعراء الذين سبقوه؛ فإن البيت الخالد من أبيات الشعراء هو العدسة التي تجمع المتشتت من ~~النور في بؤرة مركزة، فنحس العاطفة الذهنية في حماسة تثيرنا طربا أو إعجابا أو تفكيرا. ~~ومن الحسن أن ننقل هذا ms66 المعنى إلى الحياة؛ إذ يجب أن نعيش في حماسة بلا ركود أو جمود أو ~~تبلد، يجب أن يكون لكل منا «بيت قصيد»؛ أي هدف سام يتبلور فيه النشاط، وتتجه إليه ~~الحياة. # وهذه كلها من المعاني الفنية، معاني الشعر التي يجب أن ننقلها إلى الحياة. # وعند التأمل نجد أن لنا ثلاث حيوات نمارسها جميعا، وهي في صميمها ثلاث ذوات. # فإن لنا الذات الصغرى الأميبية، ذات الرجع الانعكاسي التي نشاهدها في الأميبة والإسفنج ~~وأحط الأحياء. ولنا الذات الصغيرة الحيوانية، ذات الشهوات والغرائز للأكل والتناسل والتسلط، ~~التي نشاهدها في الحيوانات الدنيا والعليا، ثم هناك الذات البشرية ذات الوجدان؛ أي التعقل ~~والقدرة على أن نرى الدنيا بما يقارب حقيقتها عندما نتجرد من غرائزنا، وننظر النظر ~~الموضوعي. # والحياة المليئة هي الحياة الوجدانية التي تحملنا على التخلص من الأنانية الآسنة إلى ~~الغيرية الحية؛ فنتوسع ونتعمق بما يشبه البر الذهني، كأن حياتنا ليست مقصورة على أبعادنا ~~الجسمية الشخصية، بل تشمل غيرنا من البشر. وقد تكون هناك حياة أملأ، هي تلك التي يقول بها ~~أو يبصر بها فرويد ويسميها «الحاسة الأوقيانوسية»؛ أي زيادة في الوجدان تجعلنا نحس الاندغام ~~الشخصي في الكون كله، بحيث نحيا في ذراته وجزيئاته وكواكبه ونجومه ونباته وحيوانه. # ولكن هذا حدس فقط، وقصارى ما نستطيع أن نقوله في يقين: إن الحياة المليئة تحتاج إلى سخاء ~~وتفاؤل؛ لأن أعظم ما يحدد حياتنا ويقيم حولها السدود هو البخل. وهذا البخل ينشأ من التشاؤم ~~الذي يحدث لنا الخوف من الاقتحامات؛ فنتبلد ونجمد، ثم نعيش في حياة ضنينة قليلة الاختبارات، ~~وقد ننتهي إلى أسلوب من الزهد والنسك؛ فنكاد ننكر الحياة. # ولست مع ذلك أنكر قيمة النسك والزهد، ولكنهما يجب أن يكونا وسيلة وليسا غاية؛ أي إننا ~~ننسك ونزهد ونعتكف كي نستجم ونعود إلى الاختبارات الفنية والذهنية والعاطفية؛ أي نعود ~~بقوة متجددة. وكذلك يجب أن نمارس العفة؛ حتى نسمو بالتعارف الجنسي إلى مستوى من التأنق ~~والفن يرفعنا عن التبذل الرخيص للعاطفة، فنضع الوجدان والتعقل مكان الغريزة الغشيمة؛ فلا ~~تكون العلاقة ms67 الجنسية نهبا وخطفا، بل تأملا وحبا ، فنتحدى الجمال بوجداننا في فن وتفكير ~~إذا تحدى غرائزنا هو في إغراء وإغواء. # والحياة المليئة تحتاج - كما يجب أن نكرر - إلى وفرة الاختبارات، ومعنى هذه الوفرة أن ~~نعيش لنتعلم وندرس الكتب والطبيعة والمجتمع، ونهتم بالسياسة والاقتصاد والتطور البشري، نهتم ~~بها جميعا متفرجين وعاملين، ونعيش فيها بروح الابتكار والتساؤل والاستطلاع؛ حتى نفهم ~~ويستيقظ ذكاؤنا، وتستفيض شبكة المركبات الذهنية في القشرة الرمادية المخية، وإذا ذكرنا ~~البخل فلا نذكره بشأن الحرص على المال فقط، وإن كان هذا أفشى مظاهره؛ لأن أسوأ ما في البخل ~~نزوعنا فيه إلى التبلد والاعتكاف الذهني والعاطفي وكراهة الاختبارات؛ فهو لا يعيش ملء ~~حياته. # والحياة المليئة تحتاج إلى التفاؤل بالدنيا والمستقبل، وإلى السخاء، وإلى دوام الاستطلاع ~~والنمو. # | الهواية # فراغنا يزداد، وسيزداد في المستقبل أكثر فأكثر، وسيكون ملؤه أو الانتفاع به من أعظم ~~المشكلات في التعليم والتربية، بل سوف تكون الغاية الوحيدة من التربية هي الانتفاع بالفراغ؛ ~~أي كيف نعيش 12 أو 15 ساعة كل يوم بلا عمل كاسب. أما التعليم الحرفي فلن تكون له هذه ~~الأهمية. # وفي عالمنا الحاضر طبقة من الأثرياء تعيش في فراغ كامل أو تكاد؛ لأن وسائل العيش الممتاز ~~موفرة لها؛ إذ إن أفرادها يستغلون أفراد الطبقات الأخرى. ولكن عندما نتأمل الطرق التي ~~تتبعها هذه الطبقة الممتازة في قضاء فراغها أو استغلاله، نجد أنها ليست مما يغري؛ فإن سباق ~~الخيل، وصيد الحمام، والصيد بالقنص في مطاردة الثعالب أو الأرانب، وقضاء الليل في المقامرة ~~أو العربدة الجنسية أو الكئولية. كل هذا أو أشباهه لا يدل على أن هذه الطبقة المترفة ~~الممتازة قد عرفت شيئا يمكن أن يوصف بأنه «فن الفراغ»، بل هو يدل على أن هذه الطبقة لا ~~تطيق فراغها، ولا تستخدمه إلا على سبيل الفرار من الوقت بقتل الوقت. # وتطور الآلات، والزيادة في الإنتاج، وتوافر الضروريات لكل إنسان، ثم توافر الكماليات في ~~المستقبل، ستجعلنا جميعا في شبه تعطل؛ لأن طرق الإنتاج العلمية التي لا مفر من استخدامها ~~في العالم كله ms68 قريبا ستوفر للإنسان حاجاته بأقل الجهد في أقصر الوقت؛ ولذلك سنجدنا جميعا ~~معطلين فارغين معظم النهار والليل نحتاج إلى ما يشغلنا، فإذا لم نجد المفيد الذي يرفعنا ~~ويرقينا عمدنا إلى المضر الذي يحطنا. # بل نحن، قبل أن نفكر في المستقبل، نجد أن حاضرنا يوفر لنا، أو بالأحرى لبعضنا من أعضاء ~~الطبقة المتوسطة، فراغا يترجح بين أربع وعشر ساعات كل يوم، فيجب أن نملأه، وأن نتعلم كيف ~~نملأه. وعند الإنجليز كلمة «هوبي» لما نسميه بالعربية: «الهواية»؛ أي العمل نعمله للذة فقط ~~لا نبغي منه كسبا، وعندما نملأ فراغنا بهواية نجد في الفراغ تخفيفا، بل معالجة للتوترات ~~التي نستجيب بها حانقين مرهقين لمصادفات الحياة المعاكسة المناوئة. وكلنا يعرف أن الحركة ~~والنشاط والعمل، كل هذه تخفف التوترات وتفرج عن العواطف المكظومة. فإذا كانت الحركة في عمل ~~محبب تتجه إليه الإرادة في نشاط حتى تستحيل إلى حماسة، فإن الاتزان النفسي الذي ربما يتزعزع ~~من إرهاق العمل الحرفي يعود إلينا فنستأنف هذا العمل مرتاحين مستجمين. # لهذا السبب يجب أن يكون لكل منا هواية، وأن نعلم أولادنا وهم في الطفولة والصبا كيف ~~يشغلون فراغهم، وأن ننفق بسخاء على ما يحتاجون إليه لشغله؛ وذلك لأن فراغهم في المستقبل سوف ~~يزيد على فراغنا نحن، وسوف يثقل عليهم - لهذا السبب - أكثر مما يثقل علينا. # وعلى القارئ أن يقصد إلى إحدى المكتبات في القاهرة، ويطلب إحدى المجلات التي تعالج ~~الهوايات، واسمها «هوبيس»، وهي في الأغلب إنجليزية. ومن هذه المجلات يستطيع أن يستنير، وأن ~~ينتفع أو ينفع أولاده. # وأقرب الوسائل إلى الانتفاع بفراغنا أن تتعدد اهتماماتنا ودراساتنا وأعمالنا، أو بكلمة ~~أخرى: يجب ألا يكون طريقنا منفردا في الحياة، لا نعرف غير وسيلة واحدة للكسب والعيش، ولا ~~غير وسيلة واحدة للترفيه والترويح؛ إذ يجب أن يكون طريقنا مزدوجا، بل خير لنا أن تتعدد ~~الطرق. # وقلما يخلو بيت في أوروبا من غرفة يستأثر بها الزوج لا يجوز لزوجته أن تتدخل في ترتيبها، ~~وفي أغلب الأحيان تكون هذه الغرفة منزوية قريبة إلى سطح البيت، ms69 وهي مريحة في فوضى الأثاث ~~والأوراق، وهي ملجأ أو معتكف يلجأ إليها الزوج كي ينفس عن كظومه، أو يفرج عن توتراته، وهي ~~من المرافق الاجتماعية التي تمهد العقبات، وتسوي النتوءات التي تنشأ من العمل أو من ~~العائلة. # وقد تكون الهواية دراسة أو دراسات معينة. ومعظم الذين يسعدون بشيوختهم، حين يحيلهم ~~المجتمع على التقاعد، يكونون - في الأغلب - قد هووا الدراسة فلازمتهم هوايتها إلى الشيخوخة، ~~وهناك هوايات أخرى عملية؛ كالنجارة، أو تجليد الكتب، أو - للمرأة - أنواع من التطريز والوشي ~~والنسيج. # وأذكر أني زرت ذات مرة أحد الأندية النسوية في القاهرة، فوجدت طرازا جميلا خفيفا من ~~الكراسي، عرفت حين سألت عن صانعه أن هذا الصانع موظف كتابي في الحكومة قد هوى هذا العمل ~~وأتقنه، لا يبغي منه فائدة مادية، ولكن الفائدة المادية جاءته عفوا بحيث يستطيع الآن أن ~~يستغني عن وظيفته الحكومية ويقتصر على النجارة. # والرجل أو المرأة الذي تشغله هواية ما يسعد بفراغه، ويستطيع أن يفتن بهوايته ويتأنق في ~~أدائها؛ لأنه لا يعجل ولا يهرول؛ إذ هو في فراغ ينبسط أمامه، فهو يتقن ويتأنق. وحبذا المرأة ~~تشغل فراغها بهواية مفيدة ترتقي بها اجتماعيا أو إنسانيا، وتجد فيها أيضا ما يغنيها عن ~~الاستماع للفارغات من النساء اللاتي يملأن فراغهن بالقيل والقال. # وربما لا يكون الزمن بعيدا حين تعلم المدارس وتخرج تلاميذها أو طلبتها للحياة وليس ~~للحرفة، وحين تعنى بالفراغ والهواية أكثر مما تعنى بالعمل والكسب. وفي هذه الدنيا الواسعة ~~هناك لا أقل من مليون هواية تنتظر من يبحث عنها ويهتدي إليها. وقد تكون إحدى هذه الهوايات ~~بذرة لاختراع أو اكتشاف جديد يحتاج إليه البشر. وهل فكرت - أيها القارئ - وذكرت أن كثيرا ~~من المخترعات والمكتشفات إنما كان ثمرة إحدى الهوايات التي ملأت فراغ أحد الهواة؟ # وفي ظروفنا الاجتماعية الحاضرة يحتاج كل منا إلى هواية؛ أولا: لأن حياتنا حافلة بما ينغص ~~ويبعث على توترات وكظوم مختلفة متكررة، والهواية هنا تخفف وتعيد لنا اتزاننا النفسي؛ لأننا ~~نجد فيها كل يوم انتصارا وحماسة، وثانيا: لأننا نرتقي بممارسة ms70 هواية ما؛ إذ نتعلم فنا ~~أو أي مهارة أخرى تحرك ذكاءنا أو عضلاتنا، وثالثا: تحول الهواية دون الوقوع في العادات ~~السيئة. # وأنت - أيها القارئ - عندما تجول في شوارع القاهرة، وتجد المئات من الشباب السادرين الذين ~~يقعدون على القهوات، ويدخنون في ذهول كأنهم نائمون، أو يكرعون الخمر في غير مبالاة، أو تجد ~~النساء في شجار سافر أو مستتر، فإنك لا بد عند التأمل واجد أيضا أنهم يكابدون توترات ~~وكظوما قد جهلوا طرق التخلص منها، وخير الطرق في ظروفنا الحاضرة هو هواية لذيذة تملأ ~~فراغهم. # وكثير مما ذكرنا في هذا الفصل قد سبق أن أشرنا إليه في فصول سابقة، ولكنا احتجنا إلى جمع ~~بعض الملاحظات هنا لما لها من الدلالة على قيمة الهواية. # | الخلوة # يبدو الإنسان كأنه حيوان اجتماعي لا يطيق العيش منفردا، وهو يعد الحبس الانفرادي أقسى ~~أنواع الحجر والتقييد لهذا السبب؛ فإن المسجون لا يطيق انفراده بين الجدران في الزنزانة، ~~ولذلك يعاقب المسجونون أحيانا بحرمانهم من رفقة زملائهم المسجونين، ويوضعون في الزنزانة. ~~وحضارتنا ولغتنا وديانتنا وأخلاقنا تدل على الحياة الاجتماعية. # ولكنا، لأننا نعيش في مجتمع، نجدنا منساقين في تياراته، آخذين بأساليبه، معتمدين على قيمه ~~وأوزانه، فتبرز في وجداننا حقائق العيش والكسب والوجاهة والأبهة، ونعمى عن حقائق أخرى أكبر ~~قيمة وأعظم وزنا؛ أي إن الحقائق الاجتماعية التافهة كثيرا ما تغطي على الحقائق البشرية ~~الجليلة. # ومن هنا قيمة الخلوة؛ فإن التفكير بطبيعته اجتماعي؛ أي إننا نفكر بالقيم والأوزان ~~الاجتماعية، بل بكلمات اجتماعية، ولكنا لا نحسن التفكير إلا في الخلوة بعيدين عن صخب ~~المجتمع وضوضائه. والخلوة والهواية كلتاهما ضرورية لنا كي نجد الاتزان النفسي والتأمل ~~الفلسفي، وكأننا بهما نبتعد عن المجتمع، ونستقل من جميع اعتباراته، ونحاول أن ننحرف عن طرقه ~~وأوضاعه كي نرى أنفسنا. # وإذا كانت الهواية تربينا لأنها تتيح لذكائنا أو عضلاتنا تدريبا، وتبسط لنا آفاقا، فإن ~~الخلوة تتيح لنا الوقت والانفراد كي نبحث من وقت لآخر عن مراسينا في المجتمع، بل في الكون؛ ~~لأنها تنزعنا من هذا الموكب الذي نسير فيه، ms71 أو بالأحرى ننساق فيه ذاهلين، إلى موقف الوجدان ~~والتردد والتأمل، والتساؤل: هل نحن على صواب أم خطأ؟ هل عاداتنا ومألوفاتنا قد غمرت حياتنا ~~حتى صرنا نعد العرف ناموسا أزليا، والوضع القائم سنة مقدسة يجب ألا تتغير؟ # والتأمل في الخلوة يرفعنا فوق هذه الاعتبارات؛ لأننا نحاول أن نفهم الفهم الموضوعي، فهم ~~الوجدان والتعقل، بدلا من الفهم الانسياقي الاجتماعي، كأننا بهذه الخلوة نأخذ من المجتمع ~~«إجازة» كي نفكر وحدنا بلا تدخل منه، فنعتكف ونقارن بين القيم القديمة والقيم الجديدة، وبين ~~ما يجري وما يجب أن يجري، وبين القيمة الاجتماعية والقيمة البشرية. والخلوة هي التي تحملني ~~- مثلا - على أن أحس أني لست مصريا فقط؛ إذ أنا قبل ذلك بشري أنتمي إلى 2200 مليون ~~إنسان، وليس إلى 17 مليون مصري فقط، وهؤلاء هم عائلتي الكبيرة التي ترتفع فوق الوطنية ~~والمذهب والسلالة واللون. هم البشرية التي توج بها التطور بعد ألف مليون سنة من الكفاح ~~البيولوجي هذا الكوكب، والذين أفكر فيهم حين أتخيل الإنسان بعد مليون سنة. # وما أبدع غاندي حين يصر على أن يختص بيوم كل أسبوع يصوم فيه عن الكلام، فلا يخاطبه أحد ~~ولو لم يختل ولم يعتكف؛ لأنه في هذا الصمت يجد خلوه ذهنية يستطيع أن يفكر فيها دون أن ~~يرتطم ذهنه بسؤال أو اعتراض أو اعتبار. # وكل منا محتاج إلى مثل هذا اليوم الأسبوعي، ولكن الخلوة يجب أن تكون مادية؛ لأننا لم ~~نرتفع إلى مقام غاندي حتى نأمر فنطاع؛ أي نطلب ألا يخاطبنا أحد فيسمع لنا، وإذا نحن اختلينا ~~وانفردنا وجدنا هذه الفرصة. ويحسن أن نختلي بلا كتاب أو جريدة، ولكن مع ورقة وقلم كي ندون ~~ما يستحق من أفكارنا الطارئة. وقد عرفت اللغة العربية كلمة «خلوتي»، وهي صفة المتصوف الذي ~~كان يخلو ويعتكف كي يتأمل منفردا دون أن يشغله شاغل بشري أو مادي. وفي حياتنا مشكلات كثيرة ~~تطالبنا بأن نخلو ونفكر: ما هو الدين؟ ما هو الشرف؟ ما هو الكون؟ ماذا بقي لي من العمر؟ ~~وماذا أنا فاعل به؟ # وما ms72 هو برنامجي - برنامج الحياة - في السنوات الخمس القادمة؟ هل درست ديانتي؟ هل درست ~~الفلك وهو أقرب العلوم إلى الديانة؟ هل حياتي الماضية أو الحاضرة يصح أن تستمر كما هي في ~~المستقبل؟ أو هل يجب أن أتغير؟ # ومثل هذه المشكلات تحتاج إلى الخلوة؛ لأنها بشرية كونية لا تضيق ولا تحد بالاعتبارات ~~القومية أو الاجتماعية. والذهن الناضج لا يفتأ يفكر فيها، ولكن لا يحسن التفكير فيها إلا في ~~خلوة، وقد كان جيته يقول: «بدون الوحدة التامة لا أستطيع أن أنتج شيئا بتاتا.» # والواقع أن كل مفكر يرتفع إلى مستوى عال من المركبات الذهنية يحتاج إلى خلوة من وقت ~~لآخر، وإذا نظم كل منا خلواته وجعل لها ميعادا معينا، مرة في الشهر أو في الأسبوع، ~~ويوما كاملا أو بعض يوم، فإنه يجد أنه في مراجعته لحياته الماضية، وفي تبصره بالمستقبل ~~قد اهتدى إلى أساليب وأهداف ما كان ليصل إليها لو أنه استسلم وانساق في المجتمع. # وهذه الحياة الاجتماعية التي تلابسنا في البيت والقهوة والنادي والمكتبة، بل حتى في ~~الجريدة والكتاب تحول دون التفكير المثمر، وتشغلنا بتوافه وصغائر تتبدد بها حياتنا، ولكن ~~الخلوة تجمع تفكيرنا في بؤرة، وتفتح لنا نوافذ على فضاء آخر قد نجد فيه ما نتغير به إلى ~~أحسن. # وليست الخلوة التي نقترح بالشيء الجديد؛ لأن الواقع أن كلا منا يخلو ويعتكف من وقت ~~لآخر؛ فإن أحدنا يخرج إلى قهوة نائية كي يخلو ويفكر، وعقب الغداء قد ننسطح في الفراش لا ~~لننام بل لنفكر في موضوع معين، بل ربما قصد أحدنا إلى طريق متنح كي يمشي فيه منفردا ~~للتفكير، وهلم جرا. فنحن نحس الحاجة إلى الانفراد والخلوة، ونمارسهما دون أن نحتاج إلى ~~إرشاد، ولكن إذا جعلنا خلوتنا معينة بمواعيد كان ذلك أنجع لتفكيرنا، وأنظم لحياتنا. # | قيمة الحب للحياة الفنية # كلمة «الحب» من الكلمات التي تتعدد معانيها وتختلف؛ ولذلك احتاج مترجم الإنجيل إلى أن ~~يستعمل كلمة «المحبة» للمعنى المسيحي الخاص. وهذا التعدد يتضح عندما يقول أحدنا: إنه يحب ~~البرتقال، أو يحب زوجته، أو ms73 يحب النظام، أو يحب الله؛ فإننا هنا إزاء طائفة من المعاني ~~المختلفة التي كان يجب أن يكون لكل منها كلمة خاصة. # ونحن نقتصر هنا على معنيين؛ هما: الحب الجنسي، والحب البشري؛ فإن كثيرين من المفكرين ~~يرجعون حب البشر؛ الإخاء والصداقة والتعاون، إلى الحب الجنسي، كأن هذا هو الجذر الذي إليه ~~ترجع عواطفنا البشرية السخية، ولكن الحقيقة أن كلا منهما يرجع إلى أصل منفصل عن الآخر؛ ~~فغاية الحب الجنسي هي التناسل، وغاية الحب البشري هي تكبير الشخصية، والتعاون الاجتماعي، ~~والرقي العائلي، والنمو الذهني. # وليس هذا الذي نسميه «حبا جنسيا» ضروريا للتناسل؛ فإن السمك - مثلا - يتناسل ~~بالملايين، ومع ذلك لا يعرف الحب؛ لأن الذكر يلقي بجراثيمه في الماء، وكذلك الأنثى تلقي ~~بويضاتها في الماء مثله، ثم يتم التلاقيح في الماء دون أن يعرف الذكر الأنثى. # وعندما نتأمل الحيوان وقت التلاقح نجد أن العاطفة الغالبة، والتي تتضح من سلوكه، هي عاطفة ~~الافتراس والأكل والالتهام؛ فإن الذكر يفترس الأنثى، وليس بين الاثنين حنان، وأحيانا ينقلب ~~التلاقح إلى شجار وقسوة وافتراس. وإذا كان الحب الجنسي بين البشر قد خالطته رقة وحنان أو ~~عطف، فإنما مرجع ذلك إلى الثقافة الاجتماعية التي ارتقت بها عواطفنا. # أما الحب البشري فمرجعه إلى ينبوع آخر هو حب الأم لأولادها، وحب هؤلاء لها، وهذه العاطفة ~~بعيده جدا عن الحب الجنسي؛ إذ هي تنضح حنانا ورقة، وهي تحمل الأم والأبناء على أن ~~يترافقوا ويتعاشروا ويتعاونوا. # والإنسان البدائي كان دائم الارتحال، فكانت الأم مع أولادها ترعاهم وتربيهم، وكان ~~تعلقهم بها يحملهم أيضا على أن يتعلق أحدهم بالآخر؛ فإذا ماتت الأم - مثلا - بقي ~~الأبناء على قواعد رفقتهم السابقة يتعاشرون ويتعاونون. وهذه الأخوة بينهم هي أصل الإخاء ~~البشري، بل أصل المجتمع. # بل نستطيع أن نزيد هذا التمييز بأن نقول: إنه إذا أحب الرجل المرأة حبا عميقا بشريا ~~فإن هذا الحب يحول دون الحب الجنسي؛ كأن هناك تناقضا بين الاثنين: الأول كله حنان ورقة، ~~والثاني بعضه افتراس وقسوة. # وعندما نتأمل الحب الجنسي نجد أنه غريزة ذاهلة، ms74 ولكن الحب البشري عقل ووجدان؛ ولذلك نحن ~~نزداد وننمو بالحب البشري الذي ترتقي به شخصيتنا؛ لأن هذا الحب يستنبط منا أحسن الخصال في ~~الحنان والرقة والظرف والكياسة، بل أحيانا في التضحية. وهذا الحب هو الذي يجعل الإنسان ~~إنسانيا، وما ندعو إليه من إخاء بشري، أو ما نقدره من خصال في صديق، أو ما نتعلق به من ~~آمال نرضى بأن نضحي لتحقيقها، إنما كل هذا يعود إلى الحب البشري الذي كسبناه من عواطف ~~الأمومة والبنوة. # قلنا: إن الحب البشري عقل ووجدان، ولذلك نحن نزداد فهما بالحب؛ لأن الحب ينبه الذهن ~~ويوقظه، وهو هنا نقيض الحب الجنسي الذي ننساق فيه بالغريزة؛ ولذلك أيضا كثيرا ما نجد أن ~~بذور العبقرية، أو على الأقل النبوغ، تعود إلى الحب؛ لأن الصبي الذي يحب الطبيعة ويجمع ~~الأحياء أو الزهور أو الأصداف والمحار، هذا الصبي يحدوه حب بشري قد استحال إلى حب للطبيعة، ~~ينبه ذكاءه، ويبسط آفاقه، ويكبر شخصيته. وهو بهذا الحب أقرب ما يكون إلى النبوغ أو ~~العبقرية؛ لأنه - بالحب - يرى أكثر، ويفهم أكثر، كما ترى الأم في ابنها وتفهم أكثر مما يرى ~~غيرها فيه؛ للحب الذي تحس به نحوه. # والحياة الفنية تطالبنا بأن نجعل الحب شعارنا؛ لأنه، أي الحب، يملؤنا تفاؤلا فنبتعد عن ~~الخوف والقلق والشك، ونستكثر من الأصدقاء، أو على الأقل نلتزم أصدقاءنا، ونخدمهم في سرور. ~~وإذا جعلنا أساس علاقتنا بالناس والدنيا حبا فإننا لا نسأم الحياة، بل نجد كل ما فيها ~~يدعو إلى العطف والفهم. # ولكن الحب مثل الشجاعة يحتاج إلى تدريب. وصحيح أننا نكسب شيئا من الحب العائلي؛ أي من ~~علاقتنا بالأم والإخوة والأب، ولكن هذا الذي نكسبه عفوا في طفولتنا وصبانا يحتاج إلى ~~الرعاية والتنمية. ونستطيع أن نتعود الحب بالصداقة والتعاون والضيافة والخدمة، حتى ولو كانت ~~طفولتنا قد أهملت، أو كانت الفرص فيها قليلة لتنمية الحب. # والرجل الذي تنبعث فيه عاطفة الحب نحو المجتمع أو البشر هو أقرب الناس إلى السعادة، وهو ~~أبعد الناس عن الشقاء النيوروزي. وكلمة السعادة من الكلمات ms75 التي يجب ألا نخلطها بإحساس ~~السرور، ولكن الحب يبعث السعادة الحقة الدائمة أكثر مما يبعثها السرور الزائف ~~الزائل. # ومن هنا تأكيد الأديان جميعها للحب؛ إذ لا يمكن أن يتأسس دين على غير الحب؛ لأن الدين ~~ينشد السعادة، والحب بجميع مركباته الذهنية والعاطفية هو أعظم الأسس للسعادة. وعبارة ~~«المركبات الذهنية والعاطفية» تحمل معنى توضيحيا للحب؛ ذلك أن الحب يحتاج إلى تربية كما ~~يحتاج إلى مرانة، ويجب لذلك أن يكون مثقفا من ناحية بالتربية، وعمليا من ناحية أخرى ~~بالمرانة. # فنحن نعرف أن الرجل المثقف الذي يتجه الوجهة العالمية، ويدرك المغزى للتطورات البيولوجية ~~والتاريخية، ويدأب طوال عمره في درس الشئون البشرية، مثل هذا الرجل المثقف يحب؛ لأنه يعرف ~~أكثر من غيره، وقلبه سمح؛ لأن قلبه أعرف؛ فاتساع المعرفة سبيل إلى اتساع الحب؛ ولهذا السبب ~~أيضا يعد الأدب في صميمه والفلسفة في صميمها دعوة إلى الحب البشري والخير العام. # ولكننا نحتاج كي نجعل الحب مزاجنا النفسي واتجاهنا الأخلاقي، إلى المرانة؛ أي يجب أن نؤدي ~~عملا ما يحمل معنى الحب، وكل منا يستضيء هنا بمعارفه السابقة؛ لأنه على قدر هذه المعارف ~~يكون الضوء المنير الذي يعين الهدف والسلوك. وقد يقنع أحدنا بالإحسان لمعاونة الفقراء، أو ~~الانضواء إلى جمعية لمنع القسوة على الحيوان، أو معاونة الصبيان المشردين، أو نحو ذلك، ولكن ~~هناك من يعرف أكثر لأن ثقافته أوسع وأعمق، وهو لذلك أنفذ بصيرة في الأسباب التي تجر البؤس ~~والمرض والرجعية والجهل. وقد يجد - لهذا السبب - أن الدعوة الاشتراكية والكفاح لنشرها خير ~~الأعمال التي يجب أن يقوم بها؛ لأنها جماع الإصلاحات التي ينشدها غيره متقطعة مجزأة. وقد ~~يجد عملا آخر، ولكن المهم أننا نحب بممارسة الحب، وأن هذه الممارسة تزيد حبنا للبشر كما ~~تزيدنا فهما وسعادة، ولو شاء أحدنا أن يصف الدين الذي يؤمن به دون أن يعين اسمه بأنه دين ~~الحب، لقال أحسن ما يقال وأسمى ما يقال عن الدين. # | من التبلور إلى التجوهر # عندما يأخذ الكيماوي في تحليلاته لإحدى المواد التي يقصد إلى عزلها يكون ms76 منتهى ما ينشد من ~~نجاح أن يبلورها؛ أي يخرجها نقية خالصة من الأخلاط التي كانت تشوبها وهي خامة. وهذا ~~التبلور هو محاولة للوصول إلى الجوهر؛ أي هو تجوهر. # ونحن البشر في حياتنا المدنية نولد وننشأ في وسط المدينة أو الريف، فإذا كنا أطفالا ~~تشابهت تقاسيمنا وملامح وجوهنا كما تشابه سلوكنا إلا القليل جدا، والذي تبرزه فروق ~~الوراثة؛ فنحن في الطفولة مواد بشرية خامة لم تتبلور أو تتجوهر. # ثم ندخل المدارس ونحترف الحرف، ويؤثر الوسط الخاص أثره في كل منا فنختلف؛ هذا تاجر وذاك ~~محام، وهذا حوذي وذاك مزارع، وهذا كاتب موظف وذاك مهندس حر، وكل من هذه الحرف يطبع طابعه ~~في تقاسيم النفس والجسم، ثم تمضي السنوات، عشرون أو ثلاثون سنة، ونحن نلتزم حرفة بسلوكها ~~وأخلاقها التي تقتضيها، وبمرور هذه السنين نتكشف كالزهرة من التعميم إلى التخصيص، ومن الحال ~~الخامة إلى حال التبلور، وكأن هذه الاختبارات التي تمر بنا تصهرنا وتخرج منا الجوهر الخاص. ~~أجل، هو الجوهر، ولكنه جوهر الحرفة وليس جوهر الشخصية. # لذلك عندما نتأمل أحد الناس الذين التزموا حرفة ما ثلاثين أو أربعين سنة لا نكاد نخطئ في ~~تعيين حرفته دون أن نحتاج إلى سؤاله عنها؛ لأنها تخبرنا وهو يتحدث؛ لأن لهجة الحرفة غالبة ~~عالية، كما نجد من إيماءاته واختيار أحاديثه جميع الأمارات التي تعلن عن حرفته. # وبخلاف هؤلاء نجد أن ذلك الشخص الذي تقلب في حرف كثيرة، فهو بقال، ثم سمسار، ثم كاتب، ~~ثم صانع، ثم مزارع. مثل هذا الشخص لا يتبلور؛ فإذا قعدنا إليه لن نعين حرفته؛ ذلك أن ~~اهتماماته الحرفية لا تتجمع في بؤرة، بل تتشعع هنا وهناك؛ ولذلك أيضا لا يترك في أذهاننا - ~~من حيث الحرفة - صورة معينة. # ولسنا بهذا الذي ذكرنا نؤثر ذلك الملتزم لحرفة ما على الآخر الذي تقلب وتغير، وإنما ~~نريد أن نبين أن هناك تبلورا أو تجوهرا نكسبه من الحرفة التي نلتزمها سنين كثيرة، كأن ~~الحرفة قد استصفت جوهرها وعينته ونحت عنه الزوائد. # وعندما نتقدم في السن، ونكون قد عنينا ms77 بتربية أنفسنا وتنمية شخصيتنا، نجد أننا أيضا ~~نتبلور ونتجوهر، ولكن ليس من حيث الحرفة فقط، بل من حيث الشخصية. وصحيح أن الحرفة هي بعض ~~المؤثرات في الشخصية، ولكن هناك مؤثرات أخرى عديدة إلى جانب الحرفة، هي تبلورنا ~~وتجوهرنا. # اعتبر شابا فجا خاما، واعتبر أيضا رجلا في الخمسين قد نضجت أخلاقه وأينعت شخصيته، ~~وقارن بين الاثنين، تجد أن الأول لا يزال في التعميم؛ فهو «أحد الشبان»، أما الثاني فقد ~~تخصص وله مغزى، وهو رمز إلى أشياء عدة لها قيمتها الاجتماعية أو الثقافية. # وهذه الرمزية وهذا المغزى هما ثمرة الحياة الحيوية؛ الحياة الفنية التي قضيناها ونحن نقصد ~~إلى غاية، ونتبع نهجا، ونكسب الاختبارات وننمو بها. وهي جميعا تصهرنا، وتحيل التبر إلى ~~المعدن الخالص. # وإذا كانت غايتنا أن نصل إلى الشخصية اليانعة، وأن نتبلور إلى الفكرة الجوهرية، وأن ~~يستحيل وجودنا في مجتمعنا إلى مغزى، فإن التزام الحرفة الواحدة قد يكون عندئذ معرقلا أو ~~مبطئا؛ لأنه يحد من حيويتنا واختباراتنا. أجل، يجب أن تكون الحرفة بعض ما يكون شخصيتنا ~~وينميها ويبرز المغزى في حياتنا، ولكن يجب ألا تكون هي كل شيء. # وفن الحياة يقتضينا أن نرقى إلى السنين، ونسير في التعمير ونحن على الدوام في ازدياد ~~التبلور والتجوهر، ننفي الزيادات ونطلب الخلاصة. وفي حياتنا أشياء كثيرة من هذه الزيادات ~~التي تنمو علينا كما تنمو صغار المحار والودع على السرطان في البحر؛ فتعوق سباحته، وتتطفل ~~على جسمه؛ فهناك - مثلا - التزامات «اجتماعية» تبعثر وقتنا، وهناك «مشاغل» مالية تستهلك ~~طاقتنا الحيوية، بل هناك مطامع نشأت ونمت معنا، بقوة التكرار وحكم العرف الاجتماعي، إذا ~~تأملناها بعد الخمسين ألفيناها عقيمة تشغلنا عن الجوهر والخلاصة، وتمنعنا من أن نعيش ~~المعيشة الوجدانية اليقظة فيما بقي لنا من عشرين أو ثلاثين سنة. # | لنكن أدباء وشعراء # ينشأ الترف للخاصة التي يتوافر لها الفراغ والمال، فتستطيع أن تعيش فوق مستوى الكفاية ~~والضرورة، وتطلب ما نعده من الكماليات والزيادات. وأدوات الترف في أيامنا كثيرة، وهي تختلف ~~من الطبق الصيني الذي يومئ بزخرفته إلى عصر مضى، ms78 إلى بساط إيراني تزدهي ألوانه، إلى غير ذلك ~~مما لا يزال يقتنيه الأثرياء، بل حتى الكتب القديمة قد أصبحت نوعا من الترف يشتريه ~~الأثرياء، ويحفظونه قنية تورث كأنها بعض الجواهر. # وأدوات الترف هذه تقتنى، ولكن هناك ألوانا من الترف تمارس؛ كالأدب والشعر وسائر الفنون ~~الجميلة. وصحيح أن هناك من يحترفونها، ويجدون فيها ضرورة العيش ووسيلته، بل يجدون فيها ~~أيضا ضرورة الحياة؛ لأنهم ينفسون بها عن كظوم نفسية. # وعلى ذلك ليست الفنون الجميلة عند من يحترفونها ترفا، ولكنها كذلك عند من يهوونها؛ أي ~~يجعلون منها هواية ينفقون عليها من وقتهم ومالهم؛ يشترون الكتب الأدبية كي يقرءوها، ثم لا ~~يكتفون بهذا، بل يحاولون أن يكونوا أدباء وشعراء وفنانين. وهذه المحاولة - وهي في الأغلب ~~محاولات عديدة تنتهي إلى أن تكون ممارسة مزمنة - هي نوع من الترف؛ لأن الممارس لهذه الفنون ~~لا يتخصص؛ إذ هو في الأغلب موظف في الحكومة أو في شركة، وقد يكون معلما أو طبيبا أو ~~تاجرا، ولكنه منذ فجر شبابه التفت إلى لون من التأنق الفكري عند أحد المؤلفين، فاستهواه ~~وجذبه وحمله على الاستزادة من القراءة والاطلاع، ثم بعد ذلك أخذ التأليف يداعبه فصار يكتب ~~المقالة أو القصة، ويقرض البيت أو البيتين، بل هو ربما يعمد إلى التوسع الفني فيسأل عن ~~الموسيقا والمسرح، وينتقد ويتحرى الأصول ويحاول التعمق. وهو هنا لا يبغي كسبا من هذا ~~المجهود؛ إذ هو لا يريد احتراف الفن؛ لأنه قانع بأن يكون هاويا لا أكثر. # وثق - أيها القارئ - أن هذا الهاوي الذي لا يكسب قرشا من هوايته، بل لعله ينفق الكثير ~~عليها باقتناء الكتب. هذا الهاوي لا يضيع وقته؛ لأنه بهوايته هذه يرتفع إلى أسمى ما وصل ~~إليه التأنق الذهني. ذلك أن الشاعر يتخير من الكلمات والمعاني ما يسمو على المبتذل المألوف، ~~والأديب يحاول أن يحيل هذه الحياة التكرارية الآلية إلى قصيدة فنية، وكذلك الشأن عند جميع ~~الفنانين. # والهاوي الذي يغمره هذا الجو، ويعيش في هذا المناخ ينتهي إلى أن يتنفس هواءه، ويأخذ ~~بمقاييسه، وعندئذ ينتقل ms79 التأنق في التعبير إلى التأنق في الحياة، ويعيش عندئذ حياة مترفة ~~تبدو لغيره مثل سائر الحيوات، ولكنها في الصميم فن وترف في التفكير؛ ذلك أن الأديب يعيش من ~~يده إلى فمه كما هو الشأن في سائر الناس من حيث النشاط الذهني؛ لأنه بهذا النشاط قد استطاع ~~أن يخلق لنفسه عالما آخر يجتر فيه أفكاره، ويتخيل ويتأمل، ويذكر الماضي، ويبصر ~~بالمستقبل، ويدرس في تعب أو لذة، ثم يقيس حاضر المجتمع وواقعه بما ينبغي أن يكون. وهو قد ~~وجد في الأدباء والشعراء القدامى والعصريين من حدثوه أحاديث الكمال والسمو والعدل والشرف ~~والإنسانية والرقي. فهو بهذا كله يجد في نفسه كظوما تحمله على التفريج بالكتابة، وقد ينجح ~~ويعود، أو يبدأ يصف الدواء لمساوئ عصره، وقد لا ينجح في الوصول إلى الجماهير، ولكنه مع ذلك ~~قد دخل مدينة الفن والأدب والشعر، واستمتع بما فيها من كنوز، وهو لن يخرج منها طوال حياته، ~~ولن يهجرها إلى غيرها. # إني أقصد أن يبدأ كل شاب حياته الوجدانية بالتعرف إلى الآداب والفنون؛ يبدأ متفرجا ~~متنزها، ثم يتدرج محاولا، ثم ينتهي كاتبا، وأقصد أيضا أن يبدأ الشاب وهو يجد الفن أو ~~الشعر أو الأدب في الكتاب، ولكن يجب أن ينتهي بأن يحاول إيجاد الفن والشعر والأدب في حياته. ~~أجل، هذه الحياة يجب ألا نتركها تجري في نثر مبتذل، بل نجعل منها قصيدة، أو على الأقل نجعل ~~بعض الأبيات العالية تتخلل هذا النثر، فنعيش ولو لحظات في حياتنا نحس فيها المجد والقداسة ~~والبطولة، ونرى الجمال يشع من قلوبنا. # وهنا يضحك بعضنا ساخرا ويقول: هذا خيال! إنما الحياة مجهود نجمع فيه ونكنز لليوم العصيب ~~والأزمة الطارئة، وليست الحياة قضاء الوقت في تأليف الشعر. # وجوابي أني لا أنكر قيمة المجهود نبذله كي نكفل الطعام واللباس والسكنى، ولكن هل معنى هذا ~~أن نقضي العمر كله في الاهتمام بالطعام واللباس والسكنى؟! # إن الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانيا إذا اقتصرت اهتماماته وهمومه على الطعام واللباس ~~والسكنى، وإنما هو يرتفع إلى الإنسانية عندما تجد الثقافة ms80 الفنية؛ ثقافة الترف الفكري، ~~مسكنا في ذهنه تأوي إليه، بل تمرح فيه وتمتزج بخلاياه، وتعود جزءا لا ينفصل من حياته ~~يوجهه ويكيفه ويعين له التصرف والسلوك؛ أي يجعله ويضطره إلى أن يعيش المعيشة ~~الفنية. # أعرف شابا لا يبالي أن يتغذى بأي طعام يكسر حدة الجوع، ولا يبالي أي لباس يتخذ، ومسكنه ~~غرفة فوق سطح أحد المنازل، وهو بهذه المعيشة غير متمدن؛ أي إنه لا يستمتع بمتع الحضارة في ~~السكنى واللباس والطعام! وهي متع لا تنكر قيمتها، ولكن هذه القيمة صغيرة جدا إلى جنب ~~المتع الثقافية الفنية التي يلمع بها الذهن، وتسمو بها النفس. والمقارنة بين الذهن المثقف ~~وبين حضارة السكنى والطعام واللباس هي أشبه المقارنات بنظافة الجسم إلى نظافة اللباس. وقد ~~كان هذا شأن هذا الشاب؛ فإنه على الرغم من تقتيره في هذه الأشياء، أو بالأحرى إهمالها، كان ~~لا يترك كتابا يستحق القراءة إلا كان يقتنيه، كما كان لا يتأخر عن شراء التذكرة الغالية ~~لحضور حفلة موسيقية، وكنت أجده زري الهيئة نحيلا، ولكن ذهنه حافل بالأثاث العصري للثقافة، ~~ونفسه فنانة لها قدرة كبيرة على التمييز الفني؛ ولذلك كان فقيرا بوسطه غنيا ~~بنفسه. # وقد يكون هذا المثال متطرفا أو مسرفا، ولكن الحياة الراقية تحتاج إلى أن نمارس فنا ~~جميلا ينعكس أثره في نفوسنا وعقولنا؛ فيجب ألا نقرأ الشعر والأدب فقط، بل نحاول ممارستهما. ~~أجل، يجب أن نكون كلنا أدباء وشعراء، نكتب الأدب، ونقرض الشعر، بل أكثر من هذا، ننقل الأدب ~~والشعر إلى حياتنا ليؤلف كل منا حياته؛ فنحترف المجد، ونمارس القداسة، وننزع إلى ~~البطولة في الدفاع عن حق أو انتصار لمظلوم، ونفكر في أسمى المعاني، ونعبر بأنصع ~~الكلمات. # وأولئك الذين ينشدون السعادة ولا يعرفون ما هي قد يجدونها في ممارسة الآداب والفنون من ~~حيث لا يدرون؛ وخاصة إذا انتقلت هذه الممارسة من اللهو والتسلية إلى الكفاح والدعوة لعالم ~~أسمى؛ أي عالم يعيش فيه الناس على مرتبة سامية من الحضارة الفنية. # | السعادة # السعادة هي سلام النفس، وأول ما يجب أن نعرفه عنها ms81 أنها ليست مادية، ويجب أن نميز هنا بين ~~السعادة والسرور ؛ لأنهما كثيرا ما يشتبهان؛ ذلك أن السرور أو اللذة، مادية، أما السعادة ~~ففكرية. فنحن نسعد بالفكر أو بالإيمان أو الرؤيا أو الأمل، بحيث يحفزنا واحد من هذه الأشياء ~~الأربعة إلى كفاح، ولكنا نسر ونلتذ بالطعام أو اللباس أو المال أو الشهوات ~~الجسمية. # والمسرات واللذات لأنها مادية تتوقف على جوع يشبع أو طمع يحقق، ثم تؤجم في النهاية، ~~أو تؤدي إلى السأم، ولكن السعادة، لأنها فكرية تنهض على إيمان أو كفاح أو اتجاه، لا تؤجم ~~ولا تؤدي إلى سأم؛ فالقديس - مثلا - سعيد بإيمانه، وهو يستشهد في فرح وطرب، وسعادته هنا ~~فكرية، ولكن لذة الطعام تنتهي عند الشبع، وقد تحدث صدودا. # وهناك اعتبارات أخرى تجعل السعادة دائمة باقية، والسرور وقتيا زائلا؛ ذلك أننا حين ~~نسعد بالفكرة لا يعيق سعادتنا حد، أو غيرة، أو مقارنة مهينة لنا بغيرنا، أو إحساس النقص ~~بأن هناك من يحوزون أكثر مما حزنا؛ فقد أسر لأني اشتريت عزبة أو اقتنيت أتومبيلا أو ~~غير ذلك من المقتنيات المادية، ولكني في هذا السرور أحس أيضا أني كنت أكون أكثر سرورا لو ~~لم ... فإن العزبة كانت تكون أسر لي لو كانت أكبر وأخصب، وكان الأتومبيل يمتعني أكثر لو ~~كان من طراز آخر، وهلم جرا. ولكن السعيد بفكرة ما لا يحسد ولا يغار، ولا يحب أن يستأثر ~~بفكرته، بل هو يحب العكس؛ وهو أن جميع الناس يسعدون بمثل سعادته، كما يحدث لأحدنا حين يطرب ~~لاستماعه إلى لحن جميل، أو لأنه يتأمل مبنى عظيما، فإنه يحث رفيقه على أن يستمع أو ينظر ~~ويتأمل. # والسعادة، كالشعر عند إسحاق الموصلي، أيسر مما نظن؛ فهي لا تحتاج إلى التكلف أو المشقة، ~~بل إن السرور أدعى إلى التكلف أو المشقة من السعادة؛ وذلك لأن السعادة ذاتية، في ذوات ~~أنفسنا؛ إذ هي حال معينة أو اتجاه معين، أما السرور فمادي نحتاج فيه إلى الاقتناء. # وقد يكون أيضا من الحق أن نميز بين السرور والسعادة بأن نقول: إن السرور ms82 اشتهائي غريزي ~~يتعلق بما نأكل أو نلبس أو نسكن أو نقتني، ولكن السعادة وجدانية مرجعها الفكر؛ أي العقل. ~~والسعادة لهذا السبب تحتاج إلى التربية الفنية، بل إلى المعارف العلمية التي تكشف عن خبايا ~~وكنوز لا تصل إلى كنهها الغرائز؛ فأنا حين أمارس الزهو الاجتماعي باقتناء الأثاث الفاخر، أو ~~بالقيام بالضيافة المطهمة أو نحو ذلك أمارس نشاطا غريزيا شهوانيا له ذيول وهوامش من ~~الغيرة والحسد والطمع؛ أي إنه سرور معلق، ولا أحتاج أن أتعلم كيف أمارسه، ولكني حين أقعد ~~إلى جدول الماء، وأتأمل الطبيعة وهي ترغي وتزبد في الحقول أيام الربيع، وأتابع فراشة في ~~نشاطها الغذائي أو الجنسي أحس سعادة مطلقة؛ سعادة مخية وجدانية، وليست غريزية شهوانية. ~~وهذه السعادة تحتاج إلى تعلم. # وإذا كان القارئ قد تابعنا من منطقنا، فإنه يستطيع أن يعرف لماذا نكون سعداء عندما نتأمل ~~مقطوعة فنية من الشعر أو الرسم أو البناء، أو نستمع إلى مقطوعة فنية من الغناء أو الموسيقى، ~~فنحن هنا إزاء سعادة مطلقة هي فوق الشهوات الغريزية. ونحن لا نأجم هذه السعادة ولا نملها، ~~كما أنها لا تبعث فينا غيرة أو حسدا أو طمعا، ومن هنا سعادة الفنان وسعادة الفيلسوف؛ ~~كلاهما سعيد بفكرته، بل إن العالم الذي يبحث موضوعا علميا سعيد أيضا بعلمه؛ لأنه يحاول ~~كشف سر من أسرار الطبيعة المغلقة؛ فهو هنا كالقديس يرى رؤيا ويعتقد أنها ستتحقق. # وليس شك أن السعادة هي سلام النفس، وهل شك أحد في أن سلام النفس هو فكري وليس ~~ماديا؟ # والعجب أن المتع الحقيقية في هذا العالم، تلك المتع التي نسعد بها، أسهل حصولا وأرخص ~~قيمة من المتع الزائفة التي قصارى ما تؤدي أننا نسر بها سرورا وقتيا زائلا، وهي يجب ~~أن تكون كذلك؛ لأن السعادة فكرية، والفكر لا يكلفنا مالا، ولكن السرور مادي يكلفنا مالا ~~وجهدا، وأحيانا تفوتنا فرصة السعادة، فرصة الحياة الفنية؛ لأننا استغرقنا حياتنا في ~~السرور واللذة. # ونستطيع أن نعود هنا إلى المقارنة بين القيمة البشرية والقيمة الاجتماعية؛ ذلك أن قيمة ~~السعادة بشرية: في ms83 الفكر، والاتجاه، والتأنق الفني، والتأمل الفلسفي، والرؤيا للمستقبل ~~والمثليات، والكفاح لهذه الأشياء جميعها. وجميع هذه الصفات ذاتية في ذات أنفسنا، وهي بشرية ~~لها قيمة اجتماعية، ولكن قيمة السرور اجتماعية في الأغلب؛ لأنها تنشأ من اعتبارات المجتمع؛ ~~لأني أسر - مثلا - باقتناء أتومبيل؛ إذ إن مثل هذا الاقتناء قد عده المجتمع تبريزا ~~وتفوقا، أو أسر بالثراء؛ لأن المجتمع يعد الثراء تفوقا ونجاحا. # وهل نستطيع أن نتعلم كيف نكون سعداء؟ # أجل، نستطيع ذلك بأن نجعل وجداننا فوق غرائزنا؛ أي نجعل التعقل فوق الشهوات، وكذلك بأن ~~نتعلم ونهتم بما هو أسمى من همومنا الشخصية؛ نهتم بالناس والسياسة، والهند، والإمبريالية، ~~والنجوم والكواكب، والحيوان والنبات، ومستقبل الصحة والحيوان والنبات، ومستقبل البشر وماضي ~~الأحياء، والتطور الماضي والقادم، والمرض والصحة، والدين والأدب والفلسفة. وهذه الاهتمامات ~~المتعددة تبسط لنا آفاقا رحبة للتفكير، فلا تحدنا حدود الشهوة، ولا تستعبدنا الغرائز في ~~اهتمامات مادية غايتها لذة الطعام، ومتعة اللباس والمسكن، واقتناء مواد لا تحصى، بل لا تفتأ ~~تبعث فينا الرغبة في الزيادة. هذه الرغبة التي تجهدنا، بل أحيانا نسير فيها سادرين ذاهلين، ~~وقد نموت قبل أواننا ونحن لا ندري أننا كنا مسوقين باعتبارات اجتماعية هي أبعد ما تكون من ~~السعادة. # قلنا في أول هذا الفصل أننا نسعد بالفكرة أو الإيمان أو الرؤيا أو الأمل إذا كان أحد هذه ~~الأربعة يحفزنا إلى الكفاح. وهنا نحتاج إلى تفصيل موجز: ذلك أن الطاقة النفسية لا تطيق ~~الحبس والكتم والكفاح؛ ولذلك فإن لشأن ما، أي شأن نعتقد أنه حسن، يفتح لنا قناة تنصرف إليها ~~الطاقة. أما إذا حبست هذه الطاقة فإنها تحدث لنا في الحالات الخفيفة نيوروزا؛ أي ضيقا ~~عاطفيا، وفي الحالات الخطيرة تحدث سيكوزا؛ أي جنونا. # ولذلك كثيرا ما نجد الشاب مضطربا متشائما تسوده هموم مبهمة لا يعرف مأتاها، فإذا انضوى ~~إلى حزب سياسي - مثلا - انطلق في تفاؤل يعمل ويسر بعمله، وهو سعيد بهذا الكفاح الذي ~~يبعث فيه نشاطا، ويحمله على الدرس والخدمة والتعاون، ويخرجه من أنانيته، وهو هنا يشعر ~~بالسعادة. # وعلى هذا نقول: ms84 إن السعادة تحتاج إلى كفاح، وسلام النفس لا يعني ركودا وجمودا، بل هو ~~أحرى بأن يبعث نشاطا وهمة، وإنجازا لأمل، أو تحقيقا لرؤيا، بحيث يكون هذا الأمل أو هذه ~~الرؤيا عند أحدنا أسمى وأعم من همومه الشخصية الذاتية؛ لأنها بسموها وعموميتها تكسبه كرامة، ~~وتجعل لحياته معنى، بل مغزى. وهنا السعادة. # | تعقيب على السعادة # كلنا تقريبا ننشد السعادة ونتحدث عنها كما لو كانت من البديهيات التي لا تستحق مناقشة؛ ~~لأننا نعد السعادة خير ما يطلب في هذا الوجود. # ولكننا نختلف كثيرا في معنى السعادة، وإن كان المألوف أننا نعني بهذه الكلمة الأمن من ~~الكوارث وراحة البال؛ أي سلام النفس والصحة. # ولكن إذا كان هذا هو كل ما نعني بالسعادة، فإن كثيرين، بل كثيرين جدا يحققونها، ومع ذلك ~~لا يجدون منا غير الاحتقار؛ لأننا لا نحسدهم على حالهم هذه؛ إذ هي تشبه الركود والذهول، ~~بحيث تستحيل حياتهم نباتية خالية من التفزز والتنبه، ثم ما يعقب هذا من تبلد ذهني ~~يشبه الجمود. # والرجل الذي تنزل به الكوارث المتعددة هو - في القيم الإنسانية كالذكاء والاختبار والتعلم ~~- خير من السعيد الذاهل الذي لم تنبهه قط نكبة فادحة تجعله يقف ويتساءل: «أين موقفي من هذا ~~العالم؟» # والسعداء الذاهلون كثيرون جدا، وهم يستغرقون في المسرات، وينشدون الثراء ويبلغونه ~~ويحققونه ... وقد يعيشون في القصر الفخم، ويأكلون أطيب الطعام، ويتنقلون في الفصول من الصيف ~~إلى المشتى، ويجدون حاشية من الخدم، كما أن شهواتهم تجد الإشباع الدائم، وراحتهم رفاهية، ~~ورفاهيتهم ترف وبذخ. # ولكن قليلا من الحديث مع أحدهم يوضح أن سعادتهم إنما هي ذهول وخمود وتبلد، وأنهم لو كانت ~~الأقدار قد رفقت بهم لكانت قد كرثتهم بنكبة فادحة توقظهم من سباتهم. # وهؤلاء السعداء الذاهلون يجدون في الكائنات الدنيا ما هو أسعد منهم؛ فإن الديدان والحشرات ~~- مثلا - أسعد؛ لأنها أكثر ذهولا منهم، وهي أيضا أبعد عن الكوارث؛ إذ أقل ما يقال فيها ~~إنها لا تعرف الكوارث حتى وقت وقوعها بها. # وعندي أن مثل هذه السعادة يجب ألا ننشدها؛ لأن السعادة العليا ms85 التي هي صفة الإنسان العالي ~~هي الوجدان، وكلما زاد الوجدان زادت السعادة، ولكن ... زادت الكوارث والهموم والاهتمامات ~~أيضا! ونعني بكلمة الوجدان هنا ما يسميه غيرنا «الوعي». # والناس في أغلب أحوالهم يعيشون بالتصوير الحسي؛ لأنه هو التصوير البدائي بل الحيواني الذي ~~لا يحتاج إلى مجهود، ولكن الرجل الراقي يدرب نفسه على التصوير الوجداني؛ فنحن - مثلا - ~~نتأثر عندما نرى طفلا قد وقع من الترام فقطعت ساقه، ولكننا حين نقرأ أن ثلاثة ملايين هندي ~~ماتوا بالقحط لا نكاد نقف عند سطور هذا الخبر كي نتصور هول هذه الكارثة! فالحادث الأول سريع ~~إلى حواسنا؛ لأننا قريبون منه، وتأثرنا لذلك سريع، ولكن الحادث الثاني يحتاج إلى مجهود عقلي ~~حتى نتأثر به. # وعلى هذا القياس نقول: إن السعادة نوعان؛ الأول: هو سعادة الحواس؛ أي المسرات الحسية ~~المادية، أما الثاني فهو سعادة الوجدان؛ أي سعادة التعقل والتصور؛ السعادة الفكرية. ~~وهذه السعادة الفكرية لا تبالي الكوارث، بل إن الكوارث تخصبها وتزيدها نضجا وإيناعا، بحيث ~~إننا عندما تمر بنا السنين ننظر إلى التقلبات والنكبات التي نزلت بنا كما لو كنا قد عشنا ~~حيوات عديدة بدلا من حياة واحدة. وكثيرا ما أعود بالذكرى إلى بعض الصدمات والكوارث ~~والأحزان التي مرت بي، فأجد كلا منها كان بمثابة الدرجة التي ارتقيت عليها صاعدا في سلم ~~الحياة؛ لأنها زادت وجداني، فزادت تعمقي في الحياة، وتوسعي في الاختبارات، وأكسبتني هموما ~~قد استحالت إلى اهتمامات لا أرضى بالنزول عنها الآن. # ولذلك أستطيع أن أقول: إن الحياة السعيدة هي الحياة الحيوية التي تزيد فيها درجة الحياة ~~حدة ويقظة وتنبها؛ أي وجدانا، والهموم والأزمات والكوارث تجعل حياتنا لذلك حيوية، وهي ~~تزيدنا سعادة، أما الأمن من الكوارث والمعيشة الحسية والمسرات، فتجعلنا نعيش فيما يقارب ~~الذهول، فلا ننتبه ولا نحتد؛ أي لا نتعقل في حدة ودقة وإمعان، ولو كانت هذه السعادة هي ما ~~يجب أن نطلب لكان أدنأ الحيوانات أسعد منا، بل عندئذ كنا نكون أسعد بالنوم منا باليقظة، ~~وبالموت منا بالنوم. # ولذة الدنيا هي في النهاية اختباراتها ومشاكلها ms86 ومآزقها وأزماتها، ثم تحدي كل هذه الأشياء ~~بالوجدان والتعقل؛ وذلك الذي يبغي السعادة في معناها الإنساني العالي يجب أن يزيد حياته ~~حيوية، لا أن ينقص هذه الحياة بالاقتصار على المعيشة الحسية، على المسرات. هذه هي السعادة ~~التي تستحق أن ننشدها؛ السعادة هي الفهم بالوجدان والتعقل. ms87